أسباب النزول — الفاتحة 1:1 – النساء 4:176
المحتويات
- الفاتحة 1:1
- البقرة 2:1
- البقرة 2:2
- البقرة 2:6
- البقرة 2:14
- البقرة 2:21
- البقرة 2:26
- البقرة 2:44
- البقرة 2:45
- البقرة 2:62
- البقرة 2:75
- البقرة 2:79
- البقرة 2:80
- البقرة 2:89
- البقرة 2:97
- البقرة 2:98
- البقرة 2:99
- البقرة 2:102
- البقرة 2:104
- البقرة 2:105
- البقرة 2:106
- البقرة 2:108
- البقرة 2:109
- البقرة 2:113
- البقرة 2:114
- البقرة 2:115
- البقرة 2:116
- البقرة 2:119
- البقرة 2:120
- البقرة 2:121
- البقرة 2:133
- البقرة 2:135
- البقرة 2:138
- البقرة 2:142
- البقرة 2:143
- البقرة 2:146
- البقرة 2:154
- البقرة 2:158
- البقرة 2:159
- البقرة 2:164
- البقرة 2:168
- البقرة 2:174
- البقرة 2:177
- البقرة 2:178
- البقرة 2:187
- البقرة 2:188
- البقرة 2:189
- البقرة 2:190
- البقرة 2:194
- البقرة 2:195
- البقرة 2:196
- البقرة 2:197
- البقرة 2:198
- البقرة 2:199
- البقرة 2:200
- البقرة 2:204
- البقرة 2:207
- البقرة 2:208
- البقرة 2:214
- البقرة 2:215
- البقرة 2:217
- البقرة 2:219
- البقرة 2:220
- البقرة 2:221
- البقرة 2:222
- البقرة 2:223
- البقرة 2:224
- البقرة 2:226
- البقرة 2:229
- البقرة 2:232
- البقرة 2:240
- البقرة 2:256
- البقرة 2:260
- البقرة 2:261
- البقرة 2:267
- البقرة 2:271
- البقرة 2:272
- البقرة 2:274
- البقرة 2:278
- البقرة 2:280
- البقرة 2:285
- آل عمران 3:12
- آل عمران 3:18
- آل عمران 3:23
- آل عمران 3:26
- آل عمران 3:28
- آل عمران 3:31
- آل عمران 3:59
- آل عمران 3:61
- آل عمران 3:68
- آل عمران 3:69
- آل عمران 3:72
- آل عمران 3:77
- آل عمران 3:79
- آل عمران 3:83
- آل عمران 3:86
- آل عمران 3:90
- آل عمران 3:93
- آل عمران 3:96
- آل عمران 3:100
- آل عمران 3:101
- آل عمران 3:110
- آل عمران 3:111
- آل عمران 3:113
- آل عمران 3:118
- آل عمران 3:121
- آل عمران 3:128
- آل عمران 3:135
- آل عمران 3:139
- آل عمران 3:140
- آل عمران 3:144
- آل عمران 3:151
- آل عمران 3:152
- آل عمران 3:161
- آل عمران 3:165
- آل عمران 3:169
- آل عمران 3:172
- آل عمران 3:173
- آل عمران 3:179
- آل عمران 3:180
- آل عمران 3:181
- آل عمران 3:183
- آل عمران 3:186
- آل عمران 3:188
- آل عمران 3:190
- آل عمران 3:195
- آل عمران 3:196
- آل عمران 3:199
- آل عمران 3:200
- النساء 4:2
- النساء 4:3
- النساء 4:6
- النساء 4:7
- النساء 4:10
- النساء 4:11
- النساء 4:19
- النساء 4:22
- النساء 4:24
- النساء 4:32
- النساء 4:33
- النساء 4:34
- النساء 4:37
- النساء 4:43
- النساء 4:49
- النساء 4:51
- النساء 4:52
- النساء 4:58
- النساء 4:59
- النساء 4:60
- النساء 4:65
- النساء 4:69
- النساء 4:77
- النساء 4:78
- النساء 4:88
- النساء 4:92
- النساء 4:93
- النساء 4:94
- النساء 4:95
- النساء 4:97
- النساء 4:100
- النساء 4:102
- النساء 4:105
- النساء 4:123
- النساء 4:125
- النساء 4:127
- النساء 4:128
- النساء 4:135
- النساء 4:136
- النساء 4:148
- النساء 4:153
- النساء 4:166
- النساء 4:171
- النساء 4:172
- النساء 4:176
الفاتحة 1:1
اخْتَلَفُوا فِيها فَعِنْدَ الأكْثَرِينَ هي مَكِّيَّةٌ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ من القرآن.
٢حدثنا أبُو عُثْمانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحمد الزاهد قال: أخبرنا جدي قال: أخْبَرَنا أبُو عمرو الحِيري قال: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ الحارِثِ وعَلِيُّ بْنُ سَهْلِ بْنِ المُغِيرَةِ قالا: حَدَّثَنا يَحْيى بن بكير قال: حَدَّثَنا إسْرائِيلُ، عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا بَرَزَ سَمِعَ مُنادِيًا يُنادِيهِ: ”يا مُحَمَّدُ، فَإذا سَمِعَ الصَّوْتَ انْطَلَقَ هارِبًا، فَقالَ لَهُ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: إذا سَمِعْتَ النِّداءَ فاثْبُتْ حَتّى تَسْمَعَ ما يَقُولُ لَكَ: قالَ: فَلَمّا بَرَزَ النِّداءَ:“يا مُحَمَّدُ”، فَقالَ: لَبَّيْكَ، قالَ: قُلْ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قالَ: قُلْ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ حَتّى فَرَغَ مِن فاتِحَةِ الكِتابِ“ وهَذا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
أخْبَرَنا أبُو إسْحاقَ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المُفَسِّرُ قالَ: أخْبَرَنا الحسن بن جعفر المفسر قال: أخبرنا أبُو الحَسَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ محمود المروزي قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محمود السعدي قال: حَدَّثَنا أبُو يحيى القصري قال: حَدَّثَنا مَرْوانُ بْنُ مُعاوِيَةَ، عَنِ العَلاءِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبي طالب عليه السلام قالَ: نَزَلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ بِمَكَّةَ مِن كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ. وبِهَذا الإسْنادِ عَنِ السَّعْدِيِّ حَدَّثَنا عَمْرُو بن صالح قال: حَدَّثَنا أبِي عَنِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قامَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ فَقالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَقالَتْ قُرَيْشٌ: دَقَّ اللَّهُ فاكَ أوْ نَحْوَ هَذا. قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، وعِنْدَ مُجاهِدٍ أنَّ الفاتِحَةَ مَدَنِيَّةٌ. قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: لِكُلِّ عالِمٍ هَفْوَةٌ وهَذِهِ بادِرَةٌ مِن مُجاهِدٍ لِأنَّهُ تَفَرَّدَ بِهَذا القَوْلِ والعُلَماءُ عَلى خِلافِهِ.
ومِمّا يُقْطَعُ بِهِ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ يَعْنِي: الفاتِحَةَ.
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرحمن النحوي قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ عليّ الحيري قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بن المثنى قال: حَدَّثَنا يَحْيى بن أيوب قال: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بن جعفر قال: أخْبَرَنِي العَلاءُ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقَرَأ عَلَيْهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أُمَّ القُرْآنِ، فَقالَ: ”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ ولا في الإنْجِيلِ ولا في الزَّبُورِ ولا في القُرْآنِ مِثْلَها، إنَّها لَهي السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ“. وسُورَةُ الحِجْرِ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، ولَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَمْتَنَّ عَلى رَسُولِهِ بِإيتائِهِ فاتِحَةَ الكِتابِ وهو بِمَكَّةَ، ثُمَّ يُنْزِلُها بِالمَدِينَةِ ولا يَسَعُنا القَوْلُ بِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قامَ بِمَكَّةَ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً يُصَلِّي بِلا فاتِحَةِ الكِتابِ هَذا مِمّا لا تَقْبَلُهُ العُقُولُ.
البقرة 2:1
أخْبَرَنا أبُو عُثْمانَ الثَّقَفِيُّ الزَّعْفَرانِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، قالَ: أخْبَرَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اللَّيْثِ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو حُذَيْفَةَ، قالَ: حَدَّثَنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أرْبَعُ آياتٍ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ نَزَلَتْ في المُؤْمِنِينَ، وآيَتانِ بَعْدَها نَزَلَتا في الكافِرِينَ، وثَلاثَ عَشْرَةَ بَعْدَها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ.
البقرة 2:2
أخْبَرَنا أبُو عُثْمانَ الثَّقَفِيُّ الزَّعْفَرانِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، قالَ: أخْبَرَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اللَّيْثِ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو حُذَيْفَةَ، قالَ: حَدَّثَنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أرْبَعُ آياتٍ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ نَزَلَتْ في المُؤْمِنِينَ، وآيَتانِ بَعْدَها نَزَلَتا في الكافِرِينَ، وثَلاثَ عَشْرَةَ بَعْدَها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ.
البقرة 2:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾
قالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ وخَمْسَةٍ مِن أهْلِ بَيْتِهِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي اليَهُودَ.
البقرة 2:14
أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ، قالَ: أخْبَرَنا شَيْبَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَّةَ، قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، قالَ: حَدَّثَنا يُوسُفُ بْنُ بِلالٍ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ، عَنِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ؛ وذَلِكَ أنَّهم خَرَجُوا ذاتَ يَوْمٍ فاسْتَقْبَلَهم نَفَرٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: انْظُرُوا كَيْفَ أرُدُّ هَؤُلاءِ السُّفَهاءَ عَنْكم. فَذَهَبَ فَأخَذَ بِيَدِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقالَ: مَرْحَبًا بِالصِّدِّيقِ سَيِّدِ بَنِي تَيْمٍ، وشَيْخِ الإسْلامِ، وثانِي رَسُولِ اللَّهِ في الغارِ، الباذِلِ نَفْسَهُ ومالَهُ. ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: مَرْحَبًا بِسَيِّدِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، الفارُوقِ، القَوِيِّ في دِينِ اللَّهِ، الباذِلِ نَفْسَهُ ومالَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ. ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: مَرْحَبًا بِابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ وخَتَنِهِ، سَيِّدِ بَنِي هاشِمٍ ما خَلا رَسُولَ اللَّهِ. ثُمَّ افْتَرَقُوا، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأصْحابِهِ: كَيْفَ رَأيْتُمُونِي فَعَلْتُ ؟ فَإذا رَأيْتُمُوهم فافْعَلُوا كَما فَعَلْتُ. فَأثْنَوْا عَلَيْهِ خَيْرًا. فَرَجَعَ المُسْلِمُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأخْبَرُوهُ بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
البقرة 2:21
أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الزّاهِدُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَلِيِّ بْنُ أحْمَدَ الفَقِيهُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو تُرابٍ القُهُسْتانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، قالَ: حَدَّثَنا رَوْحٌ، قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ إبْراهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ نَزَلَ فِيهِ: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ فَهو مَكِّيٌّ، و: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] فَهو مَدَنِيٌّ.
يَعْنِي أنَّ: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ خِطابُ أهْلِ مَكَّةَ، و: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] خِطابُ أهْلِ المَدِينَةِ. فَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ . خِطابٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ. إلى قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ . وهَذِهِ الآيَةُ نازِلَةٌ في المُؤْمِنِينَ؛ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ جَزاءَ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ . ذَكَرَ جَزاءَ المُؤْمِنِينَ.
البقرة 2:26
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أن يَضْرِبَ مَثَلًا مّا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ: لَمّا ضَرَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذَيْنِ المَثَلَيْنِ لِلْمُنافِقِينَ - يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] . وقَوْلَهُ: ﴿كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩] - قالُوا: اللَّهُ أجَلُّ وأعْلى مِن أنْ يَضْرِبَ الأمْثالَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ الذُّبابَ والعَنْكَبُوتَ في كِتابِهِ، وضَرَبَ لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ المَثَلَ؛ ضَحِكَتِ اليَهُودُ وقالُوا: ما يُشْبِهُ هَذا كَلامَ اللَّهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إسْحاقَ الحافِظُ في كِتابِهِ، قالَ: أخْبَرَنا سُلَيْمانُ بْنُ أيُّوبَ الطَّبَرانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُوسى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أن يَضْرِبَ مَثَلًا مّا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ . قالَ: وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ آلِهَةَ المُشْرِكِينَ فَقالَ: ﴿وإن يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنهُ﴾ [الحج: ٧٣] . وذَكَرَ كَيْدَ الآلِهَةِ فَجَعَلَهُ كَبَيْتِ العَنْكَبُوتِ، فَقالُوا: أرَأيْتَ حَيْثُ ذَكَرَ اللَّهُ الذُّبابَ والعَنْكَبُوتَ فِيما أنْزَلَ مِنَ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ، أيَّ شَيْءٍ كانَ يَصْنَعُ بِهَذا ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
البقرة 2:44
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ بِالإسْنادِ الَّذِي ذُكِرَ أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ، قالَ: أخْبَرَنا شَيْبَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَّةَ، قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، قالَ: حَدَّثَنا يُوسُفُ بْنُ بِلالٍ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ، عَنِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في يَهُودِ أهْلِ المَدِينَةِ، كانَ الرَّجُلُ مِنهم يَقُولُ لِصِهْرِهِ ولِذَوِي قَرابَتِهِ ولِمَن بَيْنَهُ وبَيْنَهم رَضاعٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: اثْبُتْ عَلى الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ وما يَأْمُرُكَ بِهِ هَذا الرَّجُلُ - يَعْنُونَ مُحَمَّدًا ﷺ - فَإنَّ أمْرَهُ حَقٌّ. فَكانُوا يَأْمُرُونَ النّاسَ بِذَلِكَ ولا يَفْعَلُونَهُ.
البقرة 2:45
قَوْلُهُ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ خِطابٌ لِأهْلِ الكِتابِ، وهو مَعَ ذَلِكَ أدَبٌ لِجَمِيعِ العِبادِ. وقالَ بَعْضُهم: رَجَعَ بِهَذا القَوْلِ إلى خِطابِ المُسْلِمِينَ. والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ.
البقرة 2:62
أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ الحافِظُ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى الرّازِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ العَسْكَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ أبِي زائِدَةَ، قالَ: قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمّا قَصَّ سَلْمانُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ قِصَّةَ أصْحابِ الدَّيْرِ، قالَ: ”هم في النّارِ“ . قالَ سَلْمانُ: فَأظْلَمَتْ عَلَيَّ الأرْضُ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ . قالَ: فَكَأنَّما كُشِفَ عَنِّي جَبَلٌ.
أخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ المَرْوَزِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ الحَدّادِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو يَزِيدَ، قالَ: أخْبَرَنا إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ، قالَ: أخْبَرَنا عَمْرٌو، عَنْ أسْباطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ . قالَ: نَزَلَتْ في أصْحابِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، لَمّا قَدِمَ سَلْمانُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ يُخْبِرُ عَنْ عِبادَةِ أصْحابِهِ واجْتِهادِهِمْ، وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كانُوا يُصَلُّونَ ويَصُومُونَ، ويُؤْمِنُونَ بِكَ، ويَشْهَدُونَ أنَّكَ تُبْعَثُ نَبِيًّا. فَلَمّا فَرَغَ سَلْمانُ مِن ثَنائِهِ عَلَيْهِمْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”يا سَلْمانُ، هم مِن أهْلِ النّارِ“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ . وتَلا إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] .
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيّا، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي خَيْثَمَةَ، قالَ: حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ حَمّادٍ، قالَ: حَدَّثَنا أسْباطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أبِي مالِكٍ، وعَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَنْ ناسٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ . نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وكانَ مِن أهْلِ جُنْدَيْسابُورَ مِن أشْرافِهِمْ، وما بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ نازِلَةٌ في اليَهُودِ.
البقرة 2:75
قَوْلُهُ: ﴿أفَتَطْمَعُونَ أن يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِّنْهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى لِيَذْهَبُوا مَعَهُ إلى اللَّهِ، فَلَمّا ذَهَبُوا مَعَهُ إلى المِيقاتِ وسَمِعُوا كَلامَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهو يَأْمُرُهُ ويَنْهاهُ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ، فَأمّا الصّادِقُونَ فَأدَّوْا كَما سَمِعُوا. وقالَتْ طائِفَةٌ مِنهم: سَمِعْنا مِنَ اللَّهِ في آخِرِ كَلامِهِ يَقُولُ: إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَفْعَلُوا هَذِهِ الأشْياءَ فافْعَلُوا، وإنْ شِئْتُمْ فَلا تَفْعَلُوا ولا بَأْسَ. وعِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ في الَّذِينَ غَيَّرُوا آيَةَ الرَّجْمِ وصِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
البقرة 2:79
قَوْلُهُ: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِندِ اللَّهِ﴾ نَزَلَتْ في الَّذِينَ غَيَّرُوا صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ وبَدَّلُوا نَعْتَهُ.
قالَ الكَلْبِيُّ بِالإسْنادِ الَّذِي ذَكَرْنا أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ، قالَ: أخْبَرَنا شَيْبَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَّةَ، قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، قالَ: حَدَّثَنا يُوسُفُ بْنُ بِلالٍ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ، عَنِ الكَلْبِيِّ: إنَّهم غَيَّرُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في كِتابِهِمْ، فَجَعَلُوهُ آدَمَ سَبِطًا طَوِيلًا، وكانَ رَبْعَةً أسْمَرَ. وقالُوا لِأصْحابِهِمْ وأتْباعِهِمُ: انْظُرُوا إلى صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي يُبْعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ، لَيْسَ يُشْبِهُ نَعْتَ هَذا. وكانَتْ لِلْأحْبارِ والعُلَماءِ مَأْكَلَةٌ مِن سائِرِ اليَهُودِ، فَخافُوا أنْ تَذْهَبَ مَأْكَلَتُهم إنْ بَيَّنُوا الصِّفَةَ؛ فَمِن ثَمَّ غَيَّرُوا.
البقرة 2:80
أخْبَرَنا إسْماعِيلُ بْنُ أبِي القاسِمِ الصُّوفِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حامِدٍ العَطّارُ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الجَبّارِ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو القاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ الزُّهْرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبِي وعَمِّي، قالا: حَدَّثَنا أبِي، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ أبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ واليَهُودُ تَقُولُ: إنَّما هَذِهِ الدُّنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، وإنَّما يُعَذَّبُ النّاسُ في النّارِ لِكُلِّ ألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا يَوْمًا واحِدًا في النّارِ مِن أيّامِ الآخِرَةِ، وإنَّما هي سَبْعَةُ أيّامٍ ثُمَّ يَنْقَطِعُ العَذابُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا لَن تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَّعْدُودَةً﴾
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيّانَ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرّازِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ، قالَ: حَدَّثَنا مَرْوانُ بْنُ مُعاوِيَةَ، قالَ: حَدَّثَنا جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَن تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَّعْدُودَةً﴾ . قالَ: وجَدَ أهْلُ الكِتابِ ما بَيْنَ طَرَفَيْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَقالُوا: لَنْ نُعَذَّبَ في النّارِ إلّا ما وجَدْنا في التَّوْراةِ. فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ اقْتَحَمُوا في النّارِ، فَسارُوا في العَذابِ حَتّى انْتَهَوْا إلى سَقَرَ وفِيها شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، إلى آخِرِ يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ المَعْدُودَةِ. قالَ: فَقالَ لَهم خَزَنَةُ النّارِ: يا أعْداءَ اللَّهِ، زَعَمْتُمْ أنَّكم لَنْ تُعَذَّبُوا في النّارِ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، فَقَدِ انْقَضى العَدَدُ وبَقِيَ الأبَدُ.
البقرة 2:89
قَوْلُهُ: ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ يَهُودُ خَيْبَرَ تُقاتِلُ غَطَفانَ، فَكُلَّما التَقَوْا هُزِمَتْ يَهُودُ خَيْبَرَ، فَعاذَتِ اليَهُودُ بِهَذا الدُّعاءِ، وقالَتِ: اللَّهُمَّ إنّا نَسْألُكَ بِحَقِّ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي وعَدْتَنا أنْ تُخْرِجَهُ لَنا في آخِرِ الزَّمانِ إلّا نَصَرْتَنا عَلَيْهِمْ. قالَ: فَكانُوا إذا التَقَوْا دَعَوْا بِهَذا الدُّعاءِ فَهَزَمُوا غَطَفانَ، فَلَمّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ كَفَرُوا بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . أيْ بِكَ يا مُحَمَّدُ. إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهُم مّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ .
وقالَ السُّدِّيُّ: كانَتِ العَرَبُ تَمُرٌّ بِيَهُودَ فَيَلْقى اليَهُودُ مِنهم أذًى، وكانَتِ اليَهُودُ تَجِدُ نَعْتَ مُحَمَّدٍ في التَّوْراةِ فَيَسْألُونَ اللَّهَ أنْ يَبْعَثَهُ فَيُقاتِلُونَ مَعَهُ العَرَبَ، فَلَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا، وقالُوا: إنَّما كانَتِ الرُّسُلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَما بالُ هَذا مِن بَنِي إسْماعِيلَ ؟
البقرة 2:97
أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ الزّاهِدُ، قالَ: أخْبَرَنا الحَسَنُ بْنُ أحْمَدَ الشَّيْبانِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا المُؤَمَّلُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عِيسى، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ بْنِ سالِمٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو نُعَيْمٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الوَلِيدِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ شِهابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أقْبَلَتْ يَهُودُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ، نَسْألُكَ عَنْ أشْياءَ فَإنْ أجَبْتَنا فِيها اتَّبَعْناكَ، أخْبِرْنا مَنِ الَّذِي يَأْتِيكَ مِنَ المَلائِكَةِ ؟ فَإنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ إلّا يَأْتِيهِ مَلَكٌ مِن عِنْدِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ بِالرِّسالَةِ وبِالوَحْيِ، فَمَن صاحِبُكَ ؟ قالَ: ”جِبْرِيلُ“ . قالُوا: ذَلِكَ الَّذِي يَنْزِلُ بِالحَرْبِ وبِالقِتالِ، ذاكَ عَدُوُّنا، لَوْ قُلْتَ: مِيكائِيلُ الَّذِي يَنْزِلُ بِالقَطْرِ والرَّحْمَةِ تابَعْناكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] .
البقرة 2:98
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأصْبَهانِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الشَّيْخِ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى الرّازِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ، قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ داوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كُنْتُ آتِي اليَهُودَ عِنْدَ دِراسَتِهِمُ التَّوْراةَ، فَأعْجَبُ مِن مُوافَقَةِ القُرْآنِ التَّوْراةَ، ومُوافَقَةِ التَّوْراةِ القُرْآنَ، فَقالُوا: يا عُمَرُ، ما أحَدٌ أحَبُّ إلَيْنا مِنكَ. قُلْتُ: ولِمَ ؟ قالُوا: لِأنَّكَ تَأْتِينا وتَغْشانا. قُلْتُ: إنَّما أجِيءُ لِأعْجَبَ مِن تَصْدِيقِ كِتابِ اللَّهِ بَعْضِهِ بَعْضًا، ومُوافَقَةِ التَّوْراةِ القُرْآنَ، ومُوافَقَةِ القُرْآنِ التَّوْراةَ. فَبَيْنا أنا عِنْدَهم ذاتَ يَوْمٍ إذْ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَلْفَ ظَهْرِي، فَقالُوا: إنَّ هَذا صاحِبُكَ فَقُمْ إلَيْهِ. فالتَفَتُّ إلَيْهِ فَإذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ دَخَلَ خَوْخَةً مِنَ المَدِينَةِ، فَأقْبَلْتُ عَلَيْهِمْ فَقُلْتُ: أنْشُدُكُمُ اللَّهَ وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِن كِتابٍ، أتَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَقالَ سَيِّدُهم: قَدْ نَشَدَكُمُ اللَّهَ فَأخْبِرُوهُ. فَقالُوا: أنْتَ سَيِّدُنا فَأخْبِرْهُ. فَقالَ سَيِّدُهم: إنّا نَعْلَمُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ. قالَ: قُلْتُ: فَأنْتَ أهْلَكُهم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ لَمْ تَتَّبِعُوهُ. فَقالُوا: إنَّ لَنا عَدُوًّا مِنَ المَلائِكَةِ، وسِلْمًا مِنَ المَلائِكَةِ. فَقُلْتُ: مَن عَدُوُّكم ؟ ومَن سِلْمُكم ؟ قالُوا: عَدُوُّنا جِبْرِيلُ، وهو مَلَكُ الفَظاظَةِ والغِلْظَةِ والآصارِ والتَّشْدِيدِ. قُلْتُ: ومَن سِلْمُكم ؟ قالُوا: مِيكائِيلُ، وهو مَلَكُ الرَّأْفَةِ واللِّينِ والتَّيْسِيرِ. قُلْتُ: فَإنِّي أشْهَدُ ما يَحِلُّ لِجِبْرِيلَ أنْ يُعادِيَ سِلْمَ مِيكائِيلَ، ولا يَحِلُّ لِمِيكائِيلَ أنْ يُسالِمَ عَدُوَّ جِبْرِيلَ، وإنَّهُما جَمِيعًا ومَن مَعَهُما أعْداءٌ لِمَن عادَوْا، وسِلْمٌ لِمَن سالَمُوا. ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ الخَوْخَةَ الَّتِي دَخَلَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فاسْتَقْبَلَنِي فَقالَ: ”يا ابْنَ الخَطّابِ، ألا أُقْرِئُكَ آياتٍ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ قَبْلُ ؟“ . قُلْتُ: بَلى، فَقَرَأ: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧] . حَتّى بَلَغَ: ﴿وما يَكْفُرُ بِها إلّا الفاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩] . قُلْتُ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ نَبِيًّا ما جِئْتُ إلّا لِأُخْبِرَكَ بِقَوْلِ اليَهُودِ، فَإذا اللَّطِيفُ الخَبِيرُ قَدْ سَبَقَنِي بِالخَبَرِ. قالَ عُمَرُ: فَلَقَدْ رَأيْتُنِي أشَدَّ في دِينِ اللَّهِ مِن حَجَرٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ حَبْرًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ مِن فَدَكَ يُقالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيا، حاجَّ النَّبِيَّ ﷺ، فَسَألَهُ عَنْ أشْياءَ، فَلَمّا اتَّجَهَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِ قالَ: أيُّ مَلَكٍ يَأْتِيكَ مِنَ السَّماءِ ؟ قالَ: ”جِبْرِيلُ، ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا وهو ولِيُّهُ“ . قالَ: ذَلِكَ عَدُوُّنا مِنَ المَلائِكَةِ، ولَوْ كانَ مِيكائِيلُ مَكانَهُ لَآمَنّا بِكَ؛ إنَّ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ بِالعَذابِ والقِتالِ والشِّدَّةِ، وإنَّهُ عادانا مِرارًا كَثِيرَةً، وكانَ أشَدُّ ذَلِكَ عَلَيْنا أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّنا أنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ سَيُخَرَّبُ عَلى يَدَيْ رَجُلٍ يُقالُ لَهُ: بُخْتَنَصَّرُ، وأخْبَرَنا بِالحِينِ الَّذِي يُخَرَّبُ فِيهِ، فَلَمّا كانَ وقْتُهُ بَعَثْنا رَجُلًا مِن أقْوِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ في طَلَبِ بُخْتَنَصَّرَ لِيَقْتُلَهُ، فانْطَلَقَ يَطْلُبُهُ حَتّى لَقِيَهُ بِبابِلَ غُلامًا مِسْكِينًا لَيْسَتْ لَهُ قُوَّةٌ، فَأخَذَهُ صاحِبُنا لِيَقْتُلَهُ فَدَفَعَ عَنْهُ جِبْرِيلُ، وقالَ لِصاحِبِنا: إنْ كانَ رَبُّكم هو الَّذِي أذِنَ في هَلاكِكم فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هَذا فَعَلى أيِّ حَقٍّ تَقْتُلُهُ ؟ فَصَدَّقَهُ صاحِبُنا ورَجَعَ إلَيْنا، وكَبِرَ بُخْتَنَصَّرُ وقَوِيَ، وغَزانا وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ؛ فَلِهَذا نَتَّخِذُهُ عَدُوًّا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: قالَتِ اليَهُودُ: إنَّ جِبْرِيلَ عَدُوُّنا، أُمِرَ أنْ يَجْعَلَ النُّبُوَّةَ فِينا فَجَعَلَها في غَيْرِنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
البقرة 2:99
قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أنزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا جَوابٌ لِابْنِ صُورِيا حَيْثُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ، ما جِئْتَنا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، وما أُنْزِلَ عَلَيْكَ مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ فَنَتَّبِعَكَ بِها. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
البقرة 2:102
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ القَنْطَرِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الفَضْلِ الحَدّادِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو يَزِيدَ الخالِدِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ، قالَ: حَدَّثَنا جَرِيرٌ، قالَ: أخْبَرَنا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ الحارِثِ قالَ: بَيْنَما نَحْنُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ إذْ قالَ: إنَّ الشَّياطِينَ كانُوا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ مِنَ السَّماءِ، فَيَجِيءُ أحَدُهم بِكَلِمَةِ حَقٍّ، فَإذا جُرِّبَ مِن أحَدِهِمُ الصِّدْقُ كَذَبَ مَعَها سَبْعِينَ كَذْبَةً، فَيُشْرِبُها قُلُوبَ النّاسِ. فاطَّلَعَ عَلى ذَلِكَ سُلَيْمانُ، فَأخَذَها فَدَفَنَها تَحْتَ الكُرْسِيِّ، فَلَمّا ماتَ سُلَيْمانُ قامَ شَيْطانٌ بِالطَّرِيقِ فَقالَ: ألا أدُلُّكم عَلى كَنْزِ سُلَيْمانَ المَنِيعِ الَّذِي لا كَنْزَ لَهُ مِثْلُهُ ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: هو تَحْتَ الكُرْسِيِّ. فَأخْرَجُوهُ، فَقالُوا: هَذا سِحْرٌ. فَتَناسَخَتْها الأُمَمُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عُذْرَ سُلَيْمانَ: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ .
وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّ الشَّياطِينَ كَتَبُوا السِّحْرَ والنِّيرَنْجِيّاتِ عَلى لِسانِ آصَفَ: هَذا ما عَلَّمَ آصَفَ بْنَ بَرْخِيا سُلَيْمانُ المَلِكُ. ثُمَّ دَفَنُوها تَحْتَ مُصَلّاهُ حِينَ نَزَعَ اللَّهُ مُلْكَهُ ولَمْ يَشْعُرْ بِذَلِكَ سُلَيْمانُ، فَلَمّا ماتَ سُلَيْمانُ اسْتَخْرَجُوها مِن تَحْتِ مُصَلّاهُ وقالُوا لِلنّاسِ: إنَّما مَلَكَكم سُلَيْمانُ بِهَذا فَتَعَلَّمُوهُ. فَأمّا عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ فَقالُوا: مَعاذَ اللَّهِ أنْ يَكُونَ هَذا عِلْمَ سُلَيْمانَ. وأمّا السَّفِلَةُ فَقالُوا: هَذا عِلْمُ سُلَيْمانَ. وأقْبَلُوا عَلى تَعَلُّمِهِ، ورَفَضُوا كُتُبَ أنْبِيائِهِمْ. فَفَشَتِ المَلامَةُ لِسُلَيْمانَ، فَلَمْ تَزَلْ هَذِهِ حالَهم حَتّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَ سُلَيْمانَ عَلى لِسانِهِ، وأظْهَرَ بَراءَتَهُ مِمّا رُمِيَ بِهِ، فَقالَ: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ .
أخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ العَبّاسِ القُرَشِيُّ مِن كِتابِهِ، أنَّ العَبّاسَ بْنَ الفَضْلِ بْنِ زَكَرِيّا حَدَّثَهم عَنْ أحْمَدَ بْنِ نَجْدَةَ، قالَ: أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَتّابُ بْنُ بَشِيرٍ، قالَ: أخْبَرَنا خُصَيْفٌ، قالَ: كانَ سُلَيْمانُ إذا نَبَتَتِ الشَّجَرَةُ قالَ: لِأيِّ داءٍ أنْتِ ؟ فَتَقُولُ: لِكَذا وكَذا. فَلَمّا نَبَتَتْ شَجَرَةُ الخُرْنُوبِ قالَ: لِأيِّ شَيْءٍ أنْتِ ؟ قالَتْ: لِمَسْجِدِكَ أُخَرِّبُهُ. فَقالَ: تُخَرِّبِينَهُ ؟ قالَتْ: نَعَمْ. قالَ: بِئْسَ الشَّجَرَةُ أنْتِ. فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ تُوُفِّيَ سُلَيْمانُ، فَجَعَلَ النّاسُ يَقُولُونَ في مَرْضاهم: لَوْ كانَ لَنا مِثْلُ سُلَيْمانَ. فَأخَذَتِ الشَّياطِينُ فَكَتَبُوا كِتابًا فَجَعَلُوهُ في مُصَلّى سُلَيْمانَ، وقالُوا: نَحْنُ نَدُلُّكم عَلى ما كانَ سُلَيْمانُ يُداوِي بِهِ. فانْطَلَقُوا فاسْتَخْرَجُوا ذَلِكَ الكِتابَ، فَإذا فِيهِ سِحْرٌ ورُقًى. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ . إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ .
قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ النّاسَ في زَمَنِ سُلَيْمانَ اكْتَتَبُوا السِّحْرَ فاشْتَغَلُوا بِتَعَلُّمِهِ، فَأخَذَ سُلَيْمانُ تِلْكَ الكُتُبَ وجَعَلَها في صُنْدُوقٍ ودَفَنَها تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، ونَهاهم عَنْ ذَلِكَ، فَلَمّا ماتَ سُلَيْمانُ وذَهَبَ الَّذِينَ كانُوا يَعْرِفُونَ دَفْنَ الكُتُبِ تَمَثَّلَ شَيْطانٌ عَلى صُورَةِ إنْسانٍ، فَأتى نَفَرًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ: هَلْ أدُلُّكم عَلى كَنْزٍ لا تَأْكُلُونَهُ أبَدًا ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: فاحْفِرُوا تَحْتَ الكُرْسِيِّ. فَحَفَرُوا فَوَجَدُوا تِلْكَ الكُتُبَ، فَلَمّا أخْرَجُوها قالَ الشَّيْطانُ: إنَّ سُلَيْمانَ كانَ يَضْبِطُ الجِنَّ والإنْسَ والشَّياطِينَ والطَّيْرَ بِهَذا. فَأخَذَ بَنُو إسْرائِيلَ تِلْكَ الكُتُبَ؛ فَلِذَلِكَ أكْثَرُ ما يُوجَدُ السِّحْرُ في اليَهُودِ. فَبَرَّأ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ سُلَيْمانَ مِن ذَلِكَ، وأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ.
البقرة 2:104
قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِها، فَلَمّا سَمِعَهُمُ اليَهُودُ يَقُولُونَها لِلنَّبِيِّ ﷺ أعْجَبَهم ذَلِكَ، وكانَ راعِنا في كَلامِ اليَهُودِ السَّبَّ القَبِيحَ، فَقالُوا: إنّا كُنّا نَسُبُّ مُحَمَّدًا سِرًّا، فالآنَ أعْلِنُوا السَّبَّ لِمُحَمَّدٍ؛ لِأنَّهُ مِن كَلامِهِمْ. فَكانُوا يَأْتُونَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولُونَ: يا مُحَمَّدُ، راعِنا. ويَضْحَكُونَ، فَفَطِنَ بِها رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، وهو سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ، وكانَ عارِفًا بِلُغَةِ اليَهُودِ، فَقالَ: يا أعْداءَ اللَّهِ، عَلَيْكم لَعْنَةُ اللَّهِ، والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَئِنْ سَمِعْتُها مِن رَجُلٍ مِنكم لَأضْرِبَنَّ عُنُقَهُ. فَقالُوا: ألَسْتُمْ تَقُولُونَها لَهُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا﴾ .
البقرة 2:105
قَوْلُهُ: ﴿مّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا إذا قالُوا لِحُلَفائِهِمْ مِنَ اليَهُودِ: آمِنُوا بِمُحَمَّدٍ. قالُوا: ما هَذا الَّذِي تَدْعُونَنا إلَيْهِ بِخَيْرٍ مِمّا نَحْنُ عَلَيْهِ، ولَوَدِدْنا لَوْ كانَ خَيْرًا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ تَكْذِيبًا لَهم.
البقرة 2:106
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما نَنسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْها﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: ألا تَرَوْنَ إلى مُحَمَّدٍ يَأْمُرُ أصْحابَهُ بِأمْرٍ ثُمَّ يَنْهاهم عَنْهُ ويَأْمُرُهم بِخِلافِهِ، ويَقُولُ اليَوْمَ قَوْلًا ويَرْجِعُ عَنْهُ غَدًا ؟ ما هَذا القُرْآنُ إلّا كَلامُ مُحَمَّدٍ يَقُولُهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، وهو كَلامٌ يُناقِضُ بَعْضُهُ بَعْضًا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَّكانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١]، وأنْزَلَ أيْضًا: ﴿ما نَنسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْها أوْ مِثْلِها﴾ .
البقرة 2:108
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أن تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ ورَهْطٍ مِن قُرَيْشٍ، قالُوا: يا مُحَمَّدُ، اجْعَلْ لَنا الصَّفا ذَهَبًا، ووَسِّعْ لَنا أرْضَ مَكَّةَ، وفَجِّرِ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا نُؤْمِن بِكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اليَهُودَ وغَيْرَهم مِنَ المُشْرِكِينَ تَمَنَّوْا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَمِن قائِلٍ يَقُولُ: ائْتِنا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ جُمْلَةً كَما أتى مُوسى بِالتَّوْراةِ، ومِن قائِلٍ يَقُولُ - هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ -: ائْتِنا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ: مِن رَبِّ العالَمِينَ إلى ابْنِ أبِي أُمَيَّةَ، اعْلَمْ أنَّنِي قَدْ أرْسَلْتُ مُحَمَّدًا إلى النّاسِ. ومِن قائِلٍ يَقُولُ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
البقرة 2:109
قَوْلُهُ: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِّنْ أهْلِ الكِتابِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في نَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ: ألَمْ تَرَوْا إلى ما أصابَكم، ولَوْ كُنْتُمْ عَلى الحَقِّ ما هُزِمْتُمْ، فارْجِعُوا إلى دِينِنا فَهو خَيْرٌ لَكم.
أخْبَرَنا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفارِسِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الفَضْلِ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا أبُو اليَمانِ، قالَ: أخْبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، عَنْ أبِيهِ، أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ اليَهُودِيَّ كانَ شاعِرًا، وكانَ يَهْجُو النَّبِيَّ ﷺ، ويُحَرِّضُ عَلَيْهِ كُفّارَ قُرَيْشٍ في شِعْرِهِ، وكانَ المُشْرِكُونَ واليَهُودُ مِن أهْلِ المَدِينَةِ حِينَ قَدِمَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ أشَدَّ الأذى، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ والعَفْوِ عَنْهم، وفِيهِمْ أُنْزِلَتْ: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِّنْ أهْلِ الكِتابِ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ .
البقرة 2:113
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ نَزَلَتْ في يَهُودِ أهْلِ المَدِينَةِ ونَصارى أهْلِ نَجْرانَ، وذَلِكَ أنَّ وفْدَ نَجْرانَ لَمّا قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أتاهم أحْبارُ اليَهُودِ فَتَناظَرُوا حَتّى ارْتَفَعَتْ أصْواتُهم، فَقالَتِ اليَهُودُ: ما أنْتُمْ عَلى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ. وكَفَرُوا بِعِيسى والإنْجِيلِ، وقالَتْ لَهُمُ النَّصارى: ما أنْتُمْ عَلى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ. وكَفَرُوا بِمُوسى والتَّوْراةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
البقرة 2:114
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ نَزَلَتْ في ططوسَ الرُّومِيِّ وأصْحابِهِ مِنَ النَّصارى؛ وذَلِكَ أنَّهم غَزَوْا بَنِي إسْرائِيلَ، فَقَتَلُوا مُقاتِلَتَهم وسَبَوْا ذَرارِيَّهم، وحَرَقُوا التَّوْراةَ، وخَرَّبُوا بَيْتَ المَقْدِسِ وقَذَفُوا فِيهِ الجِيَفَ. وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ. وقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: هو بُخْتَنَصَّرُ وأصْحابُهُ، غَزَوُا اليَهُودَ وخَرَّبُوا بَيْتَ المَقْدِسِ، وأعانَتْهم عَلى ذَلِكَ النَّصارى مِن أهْلِ الرُّومِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ ومَنعِهِمُ المُسْلِمِينَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى في المَسْجِدِ الحَرامِ.
البقرة 2:115
قَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ:
فَأخْبَرَنا أبُو مَنصُورٍ المَنصُورِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُحَمَّدٍ إسْماعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ، قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شَبِيبٍ المَعْمَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الحَسَنِ العَنْبَرِيُّ، قالَ: وجَدْتُ في كِتابِ أبِي: حَدَّثَنا عَبْدُ المَلِكِ العَرْزَمِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً كُنْتُ فِيها، فَأصابَتْنا ظُلْمَةٌ فَلَمْ نَعْرِفِ القِبْلَةَ، فَقالَتْ طائِفَةٌ مِنّا: قَدْ عَرَفْنا القِبْلَةَ، هي هَهُنا قِبَلَ الشَّمالِ، فَصَلَّوْا وخَطُّوا خُطُوطًا. وقالَ بَعْضُنا: القِبْلَةُ هَهُنا قِبَلَ الجَنُوبِ، وخَطُّوا خُطُوطًا. فَلَمّا أصْبَحُوا وطَلَعَتِ الشَّمْسُ أصْبَحَتْ تِلْكَ الخُطُوطُ لِغَيْرِ القِبْلَةِ، فَلَمّا قَفَلْنا مِن سَفَرِنا سَألْنا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَسَكَتَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ .
وأخْبَرَنا أبُو مَنصُورٍ، أخْبَرَنا عَلِيٌّ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ صاعِدٍ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ الأحْمَسِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا وكِيعٌ، قالَ: حَدَّثَنا أشْعَثُ السَّمّانُ، عَنْ عاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أبِيهِ قالَ: كُنّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في السَّفَرِ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَلَمْ نَدْرِ كَيْفَ القِبْلَةُ، فَصَلّى كُلُّ رَجُلٍ مِنّا عَلى حِيالِهِ، فَلَمّا أصْبَحْنا ذَكَرْنا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ .
ومَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ أنَّ الآيَةَ نازِلَةٌ في التَّطَوُّعِ عَلى الرّاحِلَةِ بِالنّافِلَةِ.
أخْبَرَنا أبُو القاسِمِ بْنُ عَبْدانَ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو البَخْتَرِيِّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شاكِرٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو أُسامَةَ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: أُنْزِلَتْ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ . أنْ تُصَلِّيَ حَيْثُما تَوَجَّهَتْ بِكَ راحِلَتُكَ في التَّطَوُّعِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: إنَّ النَّجاشِيَّ تُوُفِّيَ، فَأتى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنَّ النَّجاشِيَّ تُوُفِّيَ فَصَلِّ عَلَيْهِ. فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أصْحابَهُ أنْ يَحْضُرُوا، وصَفَّهم، ثُمَّ تَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ لَهم: ”إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أُصَلِّيَ عَلى النَّجاشِيِّ وقَدْ تُوُفِّيَ، فَصَلُّوا عَلَيْهِ“ . فَصَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهم عَلَيْهِ، فَقالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في أنْفُسِهِمْ: كَيْفَ نُصَلِّي عَلى رَجُلٍ ماتَ وهو يُصَلِّي لِغَيْرِ قِبْلَتِنا ؟ وكانَ النَّجاشِيُّ يُصَلِّي إلى بَيْتِ المَقْدِسِ حَتّى ماتَ، وقَدْ صُرِفَتِ القِبْلَةُ إلى الكَعْبَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ .
ومَذْهَبُ قَتادَةَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَيْثُ ما كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] . وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، قالَ: أوَّلُ ما نُسِخَ مِنَ القُرْآنِ شَأْنُ القِبْلَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ . قالَ: فَصَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ وتَرَكَ البَيْتَ العَتِيقَ، ثُمَّ صَرَفَهُ اللَّهُ تَعالى إلى البَيْتِ العَتِيقِ. وقالَ في رِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ الوالِبِيِّ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ - وكانَ أكْثَرُ أهْلِها اليَهُودَ - أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَفَرِحَتِ اليَهُودُ، فاسْتَقْبَلَها بِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ قِبْلَةَ إبْراهِيمَ، فَلَمّا صَرَفَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْها ارْتابَ مِن ذَلِكَ اليَهُودُ، وقالُوا: ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ .
البقرة 2:116
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ نَزَلَتْ في اليَهُودِ حَيْثُ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. وفي نَصارى نَجْرانَ حَيْثُ قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ. وفي مُشْرِكِي العَرَبِ حَيْثُ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ.
البقرة 2:119
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ ذاتَ يَوْمٍ: ”لَيْتَ شِعْرِي، ما فَعَلَ أبَوايَ“ . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وهَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: ولا تَسْألْ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ. جَزْمًا. وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”لَوْ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ بَأْسَهُ بِاليَهُودِ لَآمَنُوا“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾ .
البقرة 2:120
قَوْلُهُ: ﴿ولَن تَرْضى عَنكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهم كانُوا يَسْألُونَ النَّبِيَّ ﷺ الهُدْنَةَ، ويُطْمِعُونَهُ أنَّهُ إنْ هادَنَهم وأمْهَلَهُمُ اتَّبَعُوهُ ووافَقُوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا في القِبْلَةِ؛ وذَلِكَ أنَّ يَهُودَ المَدِينَةِ ونَصارى نَجْرانَ كانُوا يَرْجُونَ أنْ يُصَلِّيَ النَّبِيُّ ﷺ إلى قِبْلَتِهِمْ، فَلَمّا صَرَفَ اللَّهُ تَعالى القِبْلَةَ إلى الكَعْبَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ويَئِسُوا مِنهُ أنْ يُوافِقَهم عَلى دِينِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
البقرة 2:121
قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ والكَلْبِيِّ: نَزَلَتْ في أصْحابِ السَّفِينَةِ الَّذِينَ أقْبَلُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ؛ كانُوا أرْبَعِينَ رَجُلًا مِنَ الحَبَشَةِ وأهْلِ الشّامِ. قالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ فِيمَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ. وقالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
البقرة 2:133
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أمْ كُنتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ﴾ نَزَلَتْ في اليَهُودِ حِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ألَسْتَ تَعْلَمُ أنَّ يَعْقُوبَ يَوْمَ ماتَ أوْصى بَنِيهِ بِاليَهُودِيَّةِ ؟
البقرة 2:135
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في رُءُوسِ يَهُودِ المَدِينَةِ: كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، ومالِكِ بْنِ الصَّيْفِ، ووَهْبِ بْنِ يَهُوذا، وأبِي ياسِرِ بْنِ أخْطَبَ، وفي نَصارى أهْلِ نَجْرانَ؛ وذَلِكَ أنَّهم خاصَمُوا المُسْلِمِينَ في الدِّينِ، كُلُّ فِرْقَةٍ تَزْعُمُ أنَّها أحَقُّ بِدِينِ اللَّهِ مِن غَيْرِها، فَقالَتِ اليَهُودُ: نَبِيُّنا مُوسى أفْضَلُ الأنْبِياءِ، وكِتابُنا التَّوْراةُ أفْضَلُ الكُتُبِ، ودِينُنا أفْضَلُ الأدْيانِ. وكَفَرَتْ بِعِيسى والإنْجِيلِ ومُحَمَّدٍ والقُرْآنِ. وقالَتِ النَّصارى: نَبِيُّنا عِيسى أفْضَلُ الأنْبِياءِ، وكِتابُنا الإنْجِيلُ أفْضَلُ الكُتُبِ، ودِينُنا أفْضَلُ الأدْيانِ. وكَفَرَتْ بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ. وقالَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ لِلْمُؤْمِنِينَ: كُونُوا عَلى دِينِنا فَلا دِينَ إلّا ذَلِكَ. ودَعَوْهم إلى دِينِهِمْ.
البقرة 2:138
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ النَّصارى كانَ إذا وُلِدَ لِأحَدِهِمْ ولَدٌ فَأتى عَلَيْهِ سَبْعَةُ أيّامٍ صَبَغُوهُ في ماءٍ لَهم يُقالُ لَهُ: المَعْمُودِيُّ؛ لِيُطَهِّرُوهُ بِذَلِكَ، ويَقُولُونَ: هَذا طَهُورٌ مَكانَ الخِتانِ. فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ قالُوا: الآنَ صارَ نَصْرانِيًّا حَقًّا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ .
البقرة 2:142
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ﴾ نَزَلَتْ في تَحْوِيلِ القِبْلَةِ.
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، قالَ: أخْبَرَنا زاهِرُ بْنُ أحْمَدَ، قالَ: أخْبَرَنا الحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ حَكِيمٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجاءٍ، قالَ: حَدَّثَنا إسْرائِيلُ، عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنِ البَراءِ قالَ: لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ صَلّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا - أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا - وكانَ رَسُولُ اللَّهِ يُحِبُّ أنْ يُوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] . إلى آخِرِ الآيَةِ. فَقالَ السُّفَهاءُ، وهُمُ اليَهُودُ: ﴿ما ولّاهم عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ . قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُل لِّلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ . إلى آخِرِ الآيَةِ.
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجاءٍ.
البقرة 2:143
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ -: كانَ رِجالٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ المُسْلِمِينَ قَدْ ماتُوا عَلى القِبْلَةِ الأُولى، مِنهم أسْعَدُ بْنُ زُرارَةَ، وأبُو أُمامَةَ أحَدُ بَنِي النَّجّارِ، والبَراءُ بْنُ مَعْرُورٍ أحَدُ بَنِي سَلِمَةَ، في أُناسٍ آخَرِينَ جاءَتْ عَشائِرُهم، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، تُوُفِّيَ إخْوانُنا وهم يُصَلُّونَ إلى القِبْلَةِ الأُولى، وقَدْ صَرَفَكَ اللَّهُ تَعالى إلى قِبْلَةِ إبْراهِيمَ، فَكَيْفَ بِإخْوانِنا ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ . ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ . وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”ودِدْتُ أنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَفَنِي عَنْ قِبْلَةِ اليَهُودِ إلى غَيْرِها“ . وكانَ يُرِيدُ الكَعْبَةَ؛ لِأنَّها قِبْلَةُ إبْراهِيمَ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: إنَّما أنا عَبْدٌ مِثْلُكَ لا أمْلِكُ شَيْئًا، فَسَلْ رَبَّكَ أنْ يُحَوِّلَكَ عَنْها إلى قِبْلَةِ إبْراهِيمَ. ثُمَّ ارْتَفَعَ جِبْرِيلُ، وجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُدِيمُ النَّظَرَ إلى السَّماءِ رَجاءَ أنْ يَأْتِيَهُ جِبْرِيلُ بِما سَألَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ .
أخْبَرَنا أبُو مَنصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَنصُورِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الوَهّابِ بْنُ عِيسى، قالَ: حَدَّثَنا أبُو هِشامٍ الرِّفاعِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو إسْحاقَ، عَنِ البَراءِ قالَ: صَلَّيْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ قُدُومِهِ المَدِينَةَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ عَلِمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَوى نَبِيِّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ .
رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي الأحْوَصِ. ورَواهُ البُخارِيُّ عَنْ أبِي نُعَيْمٍ، عَنْ زُهَيْرٍ، كِلاهُما عَنْ أبِي إسْحاقَ.
البقرة 2:146
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، كانُوا يَعْرِفُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِنَعْتِهِ وصِفَتِهِ ومَبْعَثِهِ في كِتابِهِمْ كَما يَعْرِفُ أحَدُهم ولَدَهُ إذا رَآهُ مَعَ الغِلْمانِ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: لَأنا كُنْتُ أشَدَّ مَعْرِفَةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّي بِابْنِي. فَقالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: وكَيْفَ ذاكَ يا ابْنَ سَلامٍ ؟ قالَ: لِأنِّي أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَقًّا يَقِينًا، وأنا لا أشْهَدُ بِذَلِكَ عَلى ابْنِي؛ لِأنِّي لا أدْرِي ما أحْدَثَ النِّساءُ. فَقالَ عُمَرُ: وفَّقَكَ اللَّهُ يا ابْنَ سَلامٍ.
البقرة 2:154
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ﴾ نَزَلَتْ في قَتْلى بَدْرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، وكانُوا بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا: ثَمانِيَةً مِنَ الأنْصارِ، وسِتَّةً مِنَ المُهاجِرِينَ؛ وذَلِكَ أنَّ النّاسَ كانُوا يَقُولُونَ لِلرَّجُلِ يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ: ماتَ فُلانٌ، وذَهَبَ عَنْهُ نَعِيمُ الدُّنْيا ولَذَّتُها. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
البقرة 2:158
أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ الزّاهِدُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَلِيِّ بْنُ أبِي بَكْرٍ الفَقِيهُ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، قالَ: حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مالِكٌ، عَنْ هِشامٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأنْصارِ، كانُوا يَحُجُّونَ لِمَناةَ، وكانَتْ مَناةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ، وكانُوا يَتَحَرَّجُونَ أنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مالِكٍ.
وأخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الشَّيْخِ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى الرّازِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلٌ العَسْكَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى وعَبْدُ الرَّحِيمِ، عَنْ هِشامٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ناسٍ مِنَ الأنْصارِ كانُوا إذا أهَلُّوا أهَلُّوا لِمَناةَ في الجاهِلِيَّةِ، ولا يَحِلُّ لَهم أنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، فَلَمّا قَدِمُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الحَجِّ ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي أُسامَةَ، عَنْ هِشامٍ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: كُنّا نَكْرَهُ الطَّوافَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ؛ لِأنَّهُما كانا مِن مَشاعِرِ قُرَيْشٍ في الجاهِلِيَّةِ، فَتَرَكْناهُ في الإسْلامِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. وقالَ عَمْرُو بْنُ حُبْشِيٍّ: سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: انْطَلِقْ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَسَلْهُ؛ فَإنَّهُ أعْلَمُ مَن بَقِيَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ . فَأتَيْتُهُ فَسَألْتُهُ، فَقالَ: كانَ عَلى الصَّفا صَنَمٌ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ يُقالُ لَهُ: إسافٌ، وعَلى المَرْوَةِ صَنَمٌ عَلى صُورَةِ امْرَأةٍ تُدْعى نائِلَةَ، زَعَمَ أهْلُ الكِتابِ أنَّهُما زَنَيا في الكَعْبَةِ، فَمَسَخَهُما اللَّهُ تَعالى حَجَرَيْنِ، فَوُضِعا عَلى الصَّفا والمَرْوَةِ لِيُعْتَبَرَ بِهِما، فَلَمّا طالَتِ المُدَّةُ عُبِدا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا طافُوا بَيْنَهُما مَسَحُوا عَلى الوَثَنَيْنِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ وكُسِرَتِ الأصْنامُ كَرِهَ المُسْلِمُونَ الطَّوافَ بَيْنَهُما لِأجْلِ الصَّنَمَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ في الجاهِلِيَّةِ تَعْزِفُ الشَّياطِينُ بِاللَّيْلِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، وكانَتْ بَيْنَهُما آلِهَةٌ، فَلَمّا ظَهَرَ الإسْلامُ قالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ؛ فَإنَّهُ شِرْكٌ كُنّا نَصْنَعُهُ في الجاهِلِيَّةِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
أخْبَرَنا مَنصُورُ بْنُ عَبْدِ الوَهّابِ البَزّازُ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ سِنانٍ، قالَ: أخْبَرَنا حامِدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكّارٍ، قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ زَكَرِيّا، عَنْ عاصِمٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: كانُوا يُمْسِكُونَ عَنِ الطَّوافِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، وكانا مِن شَعائِرِ الجاهِلِيَّةِ، وكُنّا نَتَّقِي الطَّوافَ بِهِما، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أن يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ .
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ أحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ، عَنْ عاصِمٍ.
البقرة 2:159
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ نَزَلَتْ في عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ وكِتْمانِهِمْ آيَةَ الرَّجْمِ وأمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
البقرة 2:164
أخْبَرَنا عَبْدُ القاهِرِ بْنُ طاهِرٍ التَّمِيمِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ الزِّيادِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ مَسْعُودٍ النَّهْدِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: أُنْزِلَ بِالمَدِينَةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لّا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] . فَقالَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ: كَيْفَ يَسَعُ النّاسَ إلَهٌ واحِدٌ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ . حَتّى بَلَغَ: ﴿لَآياتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ الأصْبَهانِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى الرّازِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ العَسْكَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو الأحْوَصِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ أبِي الضُّحى قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] . تَعَجَّبَ المُشْرِكُونَ وقالُوا: إلَهٌ واحِدٌ ؟ إنْ كانَ صادِقًا فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . إلى آخِرِ الآيَةِ.
البقرة 2:168
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ قالَ الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ: نَزَلَتْ في بَنِي ثَقِيفٍ وخُزاعَةَ وعامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ؛ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ، وحَرَّمُوا البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ والوَصِيلَةَ والحامَ.
البقرة 2:174
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في رُؤَساءِ اليَهُودِ وعُلَمائِهِمْ، كانُوا يُصِيبُونَ في سَفِلَتِهِمُ الهَدايا والفُضُولَ، وكانُوا يَرْجُونَ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ المَبْعُوثُ مِنهم، فَلَمّا بُعِثَ مِن غَيْرِهِمْ خافُوا ذَهابَ مَأْكَلَتِهِمْ وزَوالَ رِياسَتِهِمْ، فَعَمَدُوا إلى صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَغَيَّرُوها، ثُمَّ أخْرَجُوها إلَيْهِمْ وقالُوا: هَذا نَعْتُ النَّبِيِّ الَّذِي يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ لا يُشْبِهُ نَعْتَ هَذا النَّبِيِّ الَّذِي بِمَكَّةَ. فَإذا نَظَرَتِ السَّفِلَةُ إلى النَّعْتِ المُغَيَّرِ وجَدُوهُ مُخالِفًا لِصِفَةِ مُحَمَّدٍ فَلا يَتَّبِعُونَهُ.
البقرة 2:177
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلًا سَألَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ عَنِ البِرِّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. قالَ: وقَدْ كانَ الرَّجُلُ قَبْلَ الفَرائِضِ إذا شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وصَلّى الصَّلاةَ إلى أيِّ ناحِيَةٍ كانَتْ، ثُمَّ ماتَ عَلى ذَلِكَ؛ وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
البقرة 2:178
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ قالَ الشَّعْبِيُّ: كانَ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِن أحْياءِ العَرَبِ قِتالٌ، وكانَ لِأحَدِ الحَيَّيْنِ طَوْلٌ عَلى الآخَرِ، فَقالُوا: نَقْتُلُ بِالعَبْدِ مِنّا الحُرَّ مِنكم، وبِالمَرْأةِ الرَّجُلَ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
البقرة 2:187
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الوالِبِيِّ: وذَلِكَ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا في شَهْرِ رَمَضانَ إذا صَلَّوُا العِشاءَ حُرِّمَ عَلَيْهِمُ النِّساءُ والطَّعامُ إلى مِثْلِها مِنَ القابِلَةِ، ثُمَّ إنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ أصابُوا مِنَ الطَّعامِ والنِّساءِ في شَهْرِ رَمَضانَ بَعْدَ العِشاءِ، مِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ الأصْفَهانِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الشَّيْخِ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرّازِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ العَسْكَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ أبِي زائِدَةَ، قالَ: حَدَّثَنِي أبِي وغَيْرُهُ، عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: كانَ المُسْلِمُونَ إذا أفْطَرُوا يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ ويَمَسُّونَ النِّساءَ ما لَمْ يَنامُوا، فَإذا نامُوا لا يَفْعَلُونَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ إلى مِثْلِها مِنَ القابِلَةِ، وإنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الأنْصارِيَّ كانَ صائِمًا، فَأتى أهْلَهُ عِنْدَ الإفْطارِ، فانْطَلَقَتِ امْرَأتُهُ تَطْلُبُ شَيْئًا وغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ فَنامَ، فَلَمّا انْتَصَفَ النَّهارُ مِن غَدٍ غُشِيَ عَلَيْهِ. قالَ: وأتى عُمَرُ امْرَأتَهُ وقَدْ نامَتْ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَ: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ . فَفَرِحَ المُسْلِمُونَ بِذَلِكَ.
أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حامِدٍ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّيْبانِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا الزَّعْفَرانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا شَبابَةُ، قالَ: حَدَّثَنا إسْرائِيلُ، عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنِ البَراءِ قالَ: كانَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إذا كانَ الرَّجُلُ صائِمًا فَحَضَرَ الإفْطارُ فَنامَ قَبْلَ أنْ يَطْعَمَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ ولا يَوْمَهُ حَتّى يُمْسِيَ، وإنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الأنْصارِيَّ كانَ صائِمًا، فَلَمّا حَضَرَ الإفْطارُ أتى امْرَأتَهُ فَقالَ: هَلْ عِنْدَكِ طَعامٌ ؟ قالَتْ: لا، ولَكِنْ أنْطَلِقُ فَأطْلُبُ لَكَ. وكانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْناهُ، وجاءَتِ امْرَأتُهُ فَلَمّا رَأتْهُ قالَتْ: خَيْبَةً لَكَ. فَأصْبَحَ صائِمًا، فَلَمّا انْتَصَفَ النَّهارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ . فَفَرِحُوا بِها فَرَحًا شَدِيدًا.
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسى، عَنْ إسْرائِيلَ.
أخْبَرَنا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفارِسِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الفَضْلِ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ عَمّارٍ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ حَمْزَةَ، قالَ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ أبِي فَرْوَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أنَّهُ حَدَّثَهُ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قالَ: إنَّ بَدْءَ الصَّوْمِ كانَ يَصُومُ الرَّجُلُ مِن عِشاءٍ إلى عِشاءٍ، فَإذا نامَ لَمْ يَصِلْ إلى أهْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، ولَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يَشْرَبْ، حَتّى جاءَ عُمَرُ إلى امْرَأتِهِ فَقالَتْ: إنِّي قَدْ نِمْتُ. فَوَقَعَ بِها. وأمْسى صِرْمَةُ بْنُ قَيْسٍ صائِمًا، فَنامَ قَبْلَ أنْ يُفْطِرَ - وكانُوا إذا نامُوا لَمْ يَأْكُلُوا ولَمْ يَشْرَبُوا - فَأصْبَحَ صائِمًا، وكادَ الصَّوْمُ يَقْتُلُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ الرُّخْصَةَ. قالَ: ﴿فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنكُمْ﴾ .
أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزّاهِدُ، قالَ: أخْبَرَنا جَدِّي، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرٍو الحِيرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ أبِي مَرْيَمَ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو غَسّانَ، قالَ: حَدَّثَنِي أبُو حازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ﴾ . ولَمْ يَنْزِلْ: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ . فَكانَ رِجالٌ إذا أرادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أحَدُهم في رِجْلَيْهِ الخَيْطَ الأبْيَضَ والخَيْطَ الأسْوَدَ، فَلا يَزالُ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُ زِيُّهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ . فَعَلِمُوا أنَّهُ إنَّما يَعْنِي بِذَلِكَ اللَّيْلَ والنَّهارَ.
رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ أبِي مَرْيَمَ، ورَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ، عَنِ ابْنِ أبِي مَرْيَمَ.
البقرة 2:188
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكُم بَيْنَكُم بِالباطِلِ﴾ قالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في امْرِئِ القَيْسِ بْنِ عابِسٍ الكِنْدِيِّ وفي عَيْدانَ بْنِ أشْوَعَ الحَضْرَمِيِّ؛ وذَلِكَ أنَّهُما اخْتَصَما إلى النَّبِيِّ ﷺ في أرْضٍ، وكانَ امْرُؤُ القَيْسِ المَطْلُوبَ، وعَيْدانُ الطّالِبَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَحَكَّمَ عَيْدانَ في أرْضِهِ ولَمْ يُخاصِمْهُ.
البقرة 2:189
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ قالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ اليَهُودَ تَغْشانا، ويُكْثِرُونَ مَسْألَتَنا عَنِ الأهِلَّةِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّهم سَألُوا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ: لِمَ خُلِقَتْ هَذِهِ الأهِلَّةُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ . وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وثَعْلَبَةَ بْنِ عَنَمَةَ، وهُما رَجُلانِ مِنَ الأنْصارِ، قالا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما بالُ الهِلالِ يَبْدُو فَيَطْلُعُ دَقِيقًا مِثْلَ الخَيْطِ، ثُمَّ يَزِيدُ حَتّى يَعْظُمَ ويَسْتَوِيَ ويَسْتَدِيرَ، ثُمَّ لا يَزالُ يُنْتَقَصُ ويَدِقُّ حَتّى يَعُودَ كَما كانَ، لا يَكُونُ عَلى حالٍ واحِدَةٍ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ المُزَكِّي، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو خَلِيفَةَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو الوَلِيدِ والحَوْضِيُّ، قالا: حَدَّثَنا شُعْبَةُ، قالَ: أنْبَأنا أبُو إسْحاقَ، قالَ: سَمِعْتُ البَراءَ يَقُولُ: كانَتِ الأنْصارُ إذا حَجُّوا فَجاءُوا لا يَدْخُلُونَ مِن أبْوابِ بُيُوتِهِمْ ولَكِنْ مِن ظُهُورِها، فَجاءَ رَجُلٌ فَدَخَلَ مِن قِبَلِ بابِهِ، فَكَأنَّهُ عُيِّرَ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ أبِي الوَلِيدِ، ورَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ بُنْدارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ.
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو الشَّيْخِ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى الرّازِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُبَيْدٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَبِيدَةُ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أبِي سُفْيانَ، عَنْ جابِرٍ قالَ: كانَتْ قُرَيْشٌ تُدْعى الحُمْسَ، وكانُوا يَدْخُلُونَ مِنَ الأبْوابِ في الإحْرامِ، وكانَتِ الأنْصارُ وسائِرُ العَرَبِ لا يَدْخُلُونَ مِن بابٍ في الإحْرامِ، فَبَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في بُسْتانٍ إذْ خَرَجَ مِن بابِهِ، وخَرَجَ مَعَهُ قُطْبَةُ بْنُ عامِرٍ الأنْصارِيُّ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ قُطْبَةَ بْنَ عامِرٍ رَجُلٌ فاجِرٌ، وإنَّهُ خَرَجَ مَعَكَ مِنَ البابِ. فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: ”ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ“ . فَقالَ: رَأيْتُكَ فَعَلْتَهُ فَفَعَلْتُ كَما فَعَلْتَ. فَقالَ: ”إنِّي أحْمَسِيٌّ“ . قالَ: فَإنَّ دِينِي دِينُكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأن تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ .
قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ النّاسُ في الجاهِلِيَّةِ وفي أوَّلِ الإسْلامِ إذا أحْرَمَ الرَّجُلُ مِنهم بِالحَجِّ أوِ العُمْرَةِ لَمْ يَدْخُلْ حائِطًا ولا بَيْتًا ولا دارًا مِن بابِهِ، فَإنْ كانَ مِن أهْلِ المَدَرِ نَقَبَ نَقْبًا في ظَهْرِ بَيْتِهِ مِنهُ يَدْخُلُ ويَخْرُجُ، أوْ يَتَّخِذُ سُلَّمًا فَيَصْعَدُ فِيهِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ الوَبَرِ خَرَجَ مِن خَلْفِ الخَيْمَةِ والفُسْطاطِ، ولا يَدْخُلُ مِنَ البابِ حَتّى يَحِلَّ مِن إحْرامِهِ، ويَرَوْنَ ذَلِكَ بِرًّا دِينًا، إلّا أنْ يَكُونَ مِنَ الحُمْسِ، وهم: قُرَيْشٌ، وكِنانَةُ، وخُزاعَةُ، وثَقِيفٌ، وخَثْعَمٌ، وبَنُو عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وبَنُو النَّضْرِ بْنِ مُعاوِيَةَ. سُمُّوا حُمْسًا لِشِدَّتِهِمْ في دِينِهِمْ. قالُوا: فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ بَيْتًا لِبَعْضِ الأنْصارِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ عَلى أثَرِهِ مِنَ البابِ وهو مُحْرِمٌ، فَأنْكَرُوا عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لِمَ دَخَلْتَ مِنَ البابِ وأنْتَ مُحْرِمٌ ؟“ . فَقالَ: رَأيْتُكَ دَخَلْتَ فَدَخَلْتُ عَلى أثَرِكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنِّي أحْمَسِيٌّ“ . قالَ الرَّجُلُ: إنْ كُنْتَ أحْمَسِيًّا فَإنِّي أحْمَسِيٌّ، دِينُنا واحِدٌ، رَضِيتُ بِهَدْيِكَ وسَمْتِكَ ودِينِكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
البقرة 2:190
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ؛ وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا صُدَّ عَنِ البَيْتِ هو وأصْحابُهُ نَحَرَ الهَدْيَ بِالحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ صالَحَهُ المُشْرِكُونَ عَلى أنْ يَرْجِعَ عامَهُ القابِلَ عَلى أنْ يُخَلُّوا لَهُ مَكَّةَ ثَلاثَةَ أيّامٍ فَيَطُوفَ بِالبَيْتِ ويَفْعَلَ ما شاءَ، وصالَحَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا كانَ العامُ المُقْبِلُ تَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ لِعُمْرَةِ القَضاءِ، وخافُوا ألّا تَفِيَ لَهم قُرَيْشٌ بِذَلِكَ، وأنْ يَصُدُّوهم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ويُقاتِلُوهم، وكَرِهَ أصْحابُهُ قِتالَهم في الشَّهْرِ الحَرامِ في الحَرَمِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ . يَعْنِي قُرَيْشًا.
البقرة 2:194
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ قالَ قَتادَةُ: أقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ في ذِي القَعْدَةِ حَتّى إذا كانُوا بِالحُدَيْبِيَةِ صَدَّهُمُ المُشْرِكُونَ، فَلَمّا كانَ العامُ المُقْبِلُ دَخَلُوا مَكَّةَ فاعْتَمَرُوا في ذِي القَعْدَةِ، وأقامُوا بِها ثَلاثَ لَيالٍ، وكانَ المُشْرِكُونَ قَدْ فَخَرُوا عَلَيْهِ حِينَ رَدُّوهُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، فَأقَصَّهُ اللَّهُ مِنهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ .
البقرة 2:195
أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزّاهِدُ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو عَلِيِّ بْنُ أبِي بَكْرٍ الفَقِيهُ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ الجُنَيْدِ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أيُّوبَ، قالَ: حَدَّثَنا هُشَيْمٌ، عَنْ داوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: نَزَلَتْ في الأنْصارِ، أمْسَكُوا عَنِ النَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وبِهَذا الإسْنادِ عَنْ هُشَيْمٍ، قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَزَلَتْ في النَّفَقاتِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ المِهْرِجانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا هُدْبَةُ بْنُ خالِدٍ، قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ داوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أبِي جَبِيرَةَ بْنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَتِ الأنْصارُ يَتَصَدَّقُونَ ويُطْعِمُونَ ما شاءَ اللَّهُ، فَأصابَتْهم سَنَةٌ فَأمْسَكُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذِهِ الآيَةَ.
أخْبَرَنا أبُو مَنصُورٍ البَغْدادِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو الحَسَنِ السَّرّاجُ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الحَضْرَمِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا هُدْبَةُ، قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سِماكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ في قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ . قالَ: كانَ الرَّجُلُ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيَقُولُ: لا يُغْفَرُ لِي. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
أخْبَرَنا أبُو القاسِمِ بْنُ عَبْدانَ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُويَهْ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ صالِحِ بْنِ هانِئٍ، قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أنَسٍ القُرَشِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ المُقْرِئُ، قالَ: حَدَّثَنا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، قالَ: أخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ، قالَ: أخْبَرَنِي أسْلَمُ أبُو عِمْرانَ، قالَ: كُنّا بِالقُسْطَنْطِينِيَّةِ وعَلى أهْلِ مِصْرَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ الجُهَنِيُّ صاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وعَلى أهْلِ الشّامِ فَضالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ صاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَخَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ صَفٌّ عَظِيمٌ مِنَ الرُّومِ، وصَفَفْنا لَهم صَفًّا عَظِيمًا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى صَفِّ الرُّومِ حَتّى دَخَلَ فِيهِمْ، ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنا مُقْبِلًا، فَصاحَ النّاسُ فَقالُوا: سُبْحانَ اللَّهِ، ألْقى بِيَدِهِ إلى التَّهْلُكَةِ. فَقامَ أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ صاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أيُّها النّاسُ، إنَّكم تَتَأوَّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِها، وإنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينا مَعْشَرَ الأنْصارِ، إنّا لَمّا أعَزَّ اللَّهُ تَعالى دِينَهُ وكَثَّرَ ناصِرِيهِ قُلْنا بَعْضُنا لِبَعْضٍ سِرًّا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّ أمْوالَنا قَدْ ضاعَتْ، فَلَوْ أنّا أقَمْنا فِيها وأصْلَحْنا ما ضاعَ مِنها، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ يَرُدُّ عَلَيْنا ما هَمَمْنا بِهِ، فَقالَ: ﴿وأنفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ . في الإقامَةِ الَّتِي أرَدْنا أنْ نُقِيمَ في الأمْوالِ فَنُصْلِحَها، فَأُمِرْنا بِالغَزْوِ. فَما زالَ أبُو أيُّوبَ غازِيًا في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى قَبَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
البقرة 2:196
أخْبَرَنا الأُسْتاذُ أبُو طاهِرٍ الزِّيادِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو طاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ المُحَمَّداباذِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا العَبّاسُ الدُّورِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى، قالَ: حَدَّثَنا إسْرائِيلُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأصْفَهانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قالَ: فِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَمَن كانَ مِنكُم مَّرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِّن رَّأْسِه﴾ . وقَعَ القَمْلُ في رَأْسِي، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: ”احْلِقْ وافْدِهِ صِيامَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، أوِ النُّسُكَ، أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ“ .
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ المُزَكِّي، قالَ: حَدَّثَنا أبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ إمْلاءً، قالَ: أخْبَرَنا أبُو خَلِيفَةَ، قالَ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، عَنْ بِشْرٍ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: قالَ كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”ادْنُهْ“ . فَدَنَوْتُ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، فَقالَ: ”أيُؤْذِيكَ هَوامُّكَ ؟“ - قالَ ابْنُ عَوْنٍ: وأحْسَبُهُ قالَ: نَعَمْ - فَأمَرَنِي بِصِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ ما تَيَسَّرَ.
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ أحْمَدَ بْنِ يُونُسَ عَنْ أبِي شِهابٍ. ورَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي مُوسى عَنِ ابْنِ أبِي عَدِيٍّ، كِلاهُما عَنِ ابْنِ عَوْنٍ.
أخْبَرَنا أبُو نَصْرٍ أحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ المَخْلَدِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ السَّرّاجُ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ سُلَيْمانَ المَرْوَزِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأصْفَهانِيُّ، قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلٍ قالَ: قَعَدْتُ إلى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ في هَذا المَسْجِدِ - مَسْجِدِ الكُوفَةِ - فَسَألْتُهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ . قالَ: حُمِلْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والقَمْلُ يَتَناثَرُ عَلى وجْهِي، فَقالَ: ”ما كُنْتُ أرى أنَّ الجَهْدَ بَلَغَ مِنكَ هَذا، أما تَجِدُ شاةً ؟“ . قُلْتُ: لا. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ . قالَ: ”صُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ، أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ مِن طَعامٍ“ . فَنَزَلَتْ فِيَّ خاصَّةً ولَكم عامَّةً.
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ آدَمَ بْنِ أبِي إياسٍ وأبِي الوَلِيدِ، ورَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ بُنْدارٍ عَنْ غُنْدَرٍ، كُلُّهم عَنْ شُعْبَةَ.
أخْبَرَنا أبُو إبْراهِيمَ إسْماعِيلُ بْنُ إبْراهِيمَ الصُّوفِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الغِفارِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا إسْحاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّسْعَنِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا جَدِّي، قالَ: حَدَّثَنا المُغِيرَةُ الصِّقْلابِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ بِشْرٍ المَكِّيُّ، عَنْ عَطاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلْنا الحُدَيْبِيَةَ جاءَ كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ يَنْتَثِرُ هَوامُّ رَأْسِهِ عَلى جَبْهَتِهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذا القَمْلُ قَدْ أكَلَنِي. قالَ: ”احْلِقْ وافْدِهِ“ . قالَ: فَحَلَقَ كَعْبٌ فَنَحَرَ بَقَرَةً، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ المَوْقِفِ: ﴿فَمَن كانَ مِنكُم مَّرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”الصِّيامُ ثَلاثَةُ أيّامٍ، والنُّسُكُ شاةٌ، والصَّدَقَةُ الفَرَقُ بَيْنَ سِتَّةِ مَساكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدّانِ“ .
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَنصُورِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ المُهْتَدِي، قالَ: حَدَّثَنا طاهِرُ بْنُ عِيسى بْنِ إسْحاقَ التَّمِيمِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا زُهَيْرُ بْنُ عَبّادٍ، قالَ: حَدَّثَنا مُصْعَبُ بْنُ ماهانَ، عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قالَ: مَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو يُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ لَهُ بِالحُدَيْبِيَةِ، فَقالَ: ”أيُؤْذِيكَ هَوامُّ رَأْسِكَ ؟“ . قالَ: نَعَمْ. قالَ: ”احْلِقْ“ . وأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَمَن كانَ مِنكُم مَّرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ . قالَ: فالصِّيامُ ثَلاثَةُ أيّامٍ، والصَّدَقَةُ فَرَقٌ بَيْنَ سِتَّةِ مَساكِينَ، والنُّسُكُ شاةٌ.
أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ العَبّاسِ القُرَشِيُّ فِيما كَتَبَ إلَيَّ، أنَّ العَبّاسَ بْنَ الفَضْلِ بْنِ زَكَرِيّا حَدَّثَهم، عَنْ أحْمَدَ بْنِ نَجْدَةَ، قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو عَوانَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأصْفَهانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ قالَ: كُنّا جُلُوسًا في المَسْجِدِ، فَجَلَسَ إلَيْنا كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَمَن كانَ مِنكُم مَّرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾ . قالَ: قُلْتُ: كَيْفَ كانَ شَأْنُكَ ؟ قالَ: خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحْرِمِينَ، فَوَقَعَ القَمْلُ في رَأْسِي ولِحْيَتِي وشارِبِي حَتّى وقَعَ في حاجِبَيَّ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ”ما كُنْتُ أرى أنَّ الجَهْدَ بَلَغَ مِنكَ هَذا، ادْعُوا الحالِقَ“ . فَجاءَ الحالِقُ فَحَلَقَ رَأْسِي، فَقالَ: ”هَلْ تَجِدُ نَسِيكَةً ؟“ . قُلْتُ: لا - وهي شاةُ - قالَ: ”فَصُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ، أوْ أطْعِمْ ثَلاثَةَ آصُعٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَساكِينَ“ . قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيَّ خاصَّةً، وهي لِلنّاسِ عامَّةً.
البقرة 2:197
أخْبَرَنا عَمْرُو بْنُ أبِي عَمْرٍو المُزَكِّي، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المَكِّيِّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ بِشْرٍ، قالَ: حَدَّثَنا شَبابَةُ، عَنْ ورْقاءَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ ولا يَتَزَوَّدُونَ، ويَقُولُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ. فَإذا قَدِمُوا مَكَّةَ سَألُوا النّاسَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ .
وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: كانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ فَيَحْمِلُ كَلَّهُ عَلى غَيْرِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ .
البقرة 2:198
أخْبَرَنا مَنصُورُ بْنُ عَبْدِ الوَهّابِ البَزّازُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرِو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ الحِيرِيُّ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ عَلِيٍّ الذّارِعِ قالَ: أخْبَرَنا عِيسى بْنُ مُساوِرٍ، حَدَّثَنا مَرْوانُ بْنُ مُعاوِيَةَ الفَزارِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا العَلاءُ بْنُ المُسَيَّبِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ التَّيْمِيِّ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ فَقُلْتُ: إنّا قَوْمٌ نُكْرِي في هَذا الوَجْهِ، وإنَّ قَوْمًا يَزْعُمُونَ أنَّهُ لا حَجَّ لَنا. قالَ: ألَسْتُمْ تُلَبُّونَ، ألَسْتُمْ تَطُوفُونَ، ألَسْتُمْ تَسْعَوْنَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ ؟ ألَسْتُمْ ألَسْتُمْ ؟ قالَ: قُلْتُ: بَلى. قالَ: إنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَمّا سَألْتَ عَنْهُ فَلَمْ يَدْرِ ما يَرُدُّ عَلَيْهِ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ . فَدَعاهُ فَتَلا عَلَيْهِ حِينَ نَزَلَتْ، فَقالَ: ”أنْتُمُ الحُجّاجُ“ .
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيّانَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى الرّازِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ أبِي زائِدَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ ذُو المَجازِ وعُكاظٌ مَتْجَرَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ كَأنَّهم كَرِهُوا ذَلِكَ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ . في مَوْسِمِ الحَجِّ.
ورَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا يَتَّقُونَ البُيُوعَ والتِّجارَةَ في الحَجِّ، يَقُولُونَ: أيّامُ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ . فاتَّجَرُوا.
البقرة 2:199
أخْبَرَنا التَّمِيمِيُّ بِالإسْنادِ الَّذِي ذَكَرْناهُ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيّانَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى الرّازِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ، عَنْ يَحْيى، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَتِ العَرَبُ تُفِيضُ مِن عَرَفاتٍ، وقُرَيْشٌ ومَن دانَ بِدِينِها تُفِيضُ مِن جَمْعٍ مِنَ المَشْعَرِ الحَرامِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ .
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ المُزَكِّي، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيّا، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّرَخْسِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي خَيْثَمَةَ، قالَ: حَدَّثَنا حامِدُ بْنُ يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قالَ: أخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينارٍ، قالَ: أخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أبِيهِ قالَ: أضْلَلْتُ بَعِيرًا يَوْمَ عَرَفَةَ، فَخَرَجْتُ أطْلُبُهُ بِعَرَفَةَ، فَرَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ واقِفًا مَعَ النّاسِ بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: هَذا مِنَ الحُمْسِ، ما لَهُ هَهُنا ؟
قالَ سُفْيانُ: الأحْمَسُ: الشَّدِيدُ الشَّحِيحُ عَلى دِينِهِ. وكانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمّى الحُمْسَ، فَجاءَهُمُ الشَّيْطانُ فاسْتَهْواهم، فَقالَ لَهم: إنَّكم إنْ عَظَّمْتُمْ غَيْرَ حَرَمِكُمُ اسْتَخَفَّ النّاسُ بِحَرَمِكم. فَكانُوا لا يَخْرُجُونَ مِنَ الحَرَمِ ويَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ . يَعْنِي عَرَفَةَ.
رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَمْرٍو النّاقِدِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ.
البقرة 2:200
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإذا قَضَيْتُم مَّناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ قالَ مُجاهِدٌ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا اجْتَمَعُوا بِالمَوْسِمِ ذَكَرُوا فِعْلَ آبائِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ وأيّامَهم وأنْسابَهم فَتَفاخَرُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾.
وقالَ الحَسَنُ: كانَتِ الأعْرابُ إذا حَدَّثُوا أوْ تَكَلَّمُوا يَقُولُونَ: وأبِيكَ إنَّهم لَفَعَلُوا كَذا وكَذا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
البقرة 2:204
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، وهو حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، أقْبَلَ إلى النَّبِيِّ ﷺ إلى المَدِينَةِ فَأظْهَرَ لَهُ الإسْلامَ، وأعْجَبَ النَّبِيَّ ﷺ ذَلِكَ مِنهُ، وقالَ: إنَّما جِئْتُ أُرِيدُ الإسْلامَ، واللَّهُ يَعْلَمُ إنِّي لَصادِقٌ. وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ . ثُمَّ خَرَجَ مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَمَرَّ بِزَرْعٍ لِقَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وحُمُرٍ، فَأحْرَقَ الزَّرْعَ وعَقَرَ الحُمُرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ .
البقرة 2:207
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: أقْبَلَ صُهَيْبٌ مُهاجِرًا نَحْوَ النَّبِيِّ ﷺ، فاتَّبَعَهُ نَفَرٌ مِن قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَنَزَلَ عَنْ راحِلَتِهِ ونَثَرَ ما في كِنانَتِهِ، وأخَذَ قَوْسَهُ ثُمَّ قالَ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَقَدْ عَلِمْتُمْ أنِّي مِن أرْماكم رَجُلًا، وايْمُ اللَّهِ لا تَصِلُونَ إلَيَّ حَتّى أرْمِيَ بِما في كِنانَتِي، ثُمَّ أضْرِبَ بِسَيْفِي ما بَقِيَ في يَدِي مِنهُ شَيْءٌ، ثُمَّ افْعَلُوا ما شِئْتُمْ. فَقالُوا: دُلَّنا عَلى بَيْتِكَ ومالِكَ بِمَكَّةَ ونُخَلِّي عَنْكَ. وعاهَدُوهُ إنْ دَلَّهم أنْ يَدَعُوهُ، فَفَعَلَ، فَلَمّا قَدِمَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”أبا يَحْيى، رَبِحَ البَيْعُ، رَبِحَ البَيْعُ“ . وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ .
وقالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ المُشْرِكُونَ صُهَيْبًا فَعَذَّبُوهُ، فَقالَ لَهم صُهَيْبٌ: إنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يَضُرُّكم أمِنكم كُنْتُ أمْ مِن غَيْرِكم، فَهَلْ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مالِي وتَذَرُونِي ودِينِي ؟ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وكانَ قَدْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ راحِلَةً ونَفَقَةً، فَخَرَجَ إلى المَدِينَةِ فَتَلَقّاهُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ في رِجالٍ، فَقالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ: رَبِحَ بَيْعُكَ أبا يَحْيى. فَقالَ صُهَيْبٌ: وبَيْعُكَ فَلا يَخْسَرُ، ما ذاكَ ؟ فَقالَ: أنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ كَذا. وقَرَأ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ الحَسَنُ: أتَدْرُونَ فِيمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ؟ نَزَلَتْ في أنَّ المُسْلِمَ لَقِيَ الكافِرَ، فَقالَ لَهُ: قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَإذا قُلْتَها عَصَمْتَ مالَكَ ودَمَكَ. فَأبى أنْ يَقُولَها، فَقالَ المُسْلِمُ: واللَّهِ لَأشْرِيَنَّ نَفْسِي لِلَّهِ. فَتَقَدَّمَ فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
قالَ أبُو الخَلِيلِ: سَمِعَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ إنْسانًا يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ عُمَرُ: إنّا لِلَّهِ، قامَ رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ فَقُتِلَ.
البقرة 2:208
أخْبَرَنِي أبُو نُعَيْمٍ الأصْفَهانِيُّ فِيما أذِنَ في رِوايَتِهِ عَنْهُ: أخْبَرَنا سُلَيْمانُ بْنُ أحْمَدَ، قالَ: حَدَّثَنا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُوسى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّنْعانِيِّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ؛ وذَلِكَ أنَّهم حِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ قامُوا بِشَرائِعِهِ وشَرائِعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَعَظَّمُوا السَّبْتَ، وكَرِهُوا لُحْمانَ الإبِلِ وألْبانَها بَعْدَما أسْلَمُوا، فَأنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمُ المُسْلِمُونَ، فَقالُوا: إنّا نَقْوى عَلى هَذا وهَذا. وقالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّ التَّوْراةَ كِتابُ اللَّهِ، فَدَعْنا فَلْنَعْمَلْ بِها. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
البقرة 2:214
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا﴾ قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ حِينَ أصابَ المُسْلِمِينَ ما أصابَهم مِنَ الجَهْدِ والشِّدَّةِ والحَرِّ والخَوْفِ والبَرْدِ وسُوءِ العَيْشِ وأنْواعِ الأذى، وكانَ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] .
وقالَ عَطاءٌ: لَمّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ المَدِينَةَ اشْتَدَّ الضُّرُّ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم خَرَجُوا بِغَيْرِ مالٍ، وتَرَكُوا دِيارَهم وأمْوالَهم بِأيْدِي المُشْرِكِينَ، وآثَرُوا رِضا اللَّهِ ورَسُولِهِ، وأظْهَرَتِ اليَهُودُ العَداوَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأسَرَّ قَوْمٌ مِنَ الأغْنِياءِ النِّفاقَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ . الآيَةَ.
البقرة 2:215
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنفِقُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ: نَزَلَتْ في عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ الأنْصارِيِّ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا ذا مالٍ كَثِيرٍ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بِماذا نَتَصَدَّقُ ؟ وعَلى مَن نُنْفِقُ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وقالَ في رِوايَةِ عَطاءٍ: نَزَلَتِ الآيَةُ في رَجُلٍ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنَّ لِي دِينارًا. فَقالَ: ”أنْفِقْهُ عَلى نَفْسِكَ“ . فَقالَ: إنَّ لِي دِينارَيْنِ. فَقالَ: ”أنْفِقْهُما عَلى أهْلِكَ“ . فَقالَ: إنَّ لِي ثَلاثَةً. فَقالَ: ”أنْفِقْها عَلى خادِمِكَ“ . فَقالَ: إنَّ لِي أرْبَعَةً. فَقالَ: ”أنْفِقْها عَلى والِدَيْكَ“ . فَقالَ: إنَّ لِي خَمْسَةً. فَقالَ: ”أنْفِقْها عَلى قَرابَتِكَ“ . فَقالَ: إنَّ لِي سِتَّةً، فَقالَ: ”أنْفِقْها في سَبِيلِ اللَّهِ، وهو أحْسَنُها“ .
البقرة 2:217
أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرازِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو الفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَمِيرُويَهْ الهَرَوِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الخُزاعِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو اليَمانِ الحَكَمُ بْنُ نافِعٍ، قالَ: أخْبَرَنِي شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً مِنَ المُسْلِمِينَ وأمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ الأسَدِيَّ، فانْطَلَقُوا حَتّى هَبَطُوا نَخْلَةَ، فَوَجَدُوا بِها عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ في عِيرِ تِجارَةٍ لِقُرَيْشٍ في يَوْمٍ بَقِيَ مِنَ الشَّهْرِ الحَرامِ، فاخْتَصَمَ المُسْلِمُونَ، فَقالَ قائِلٌ مِنهم: لا نَعْلَمُ هَذا اليَوْمَ إلّا مِنَ الشَّهْرِ الحَرامِ، ولا نَرى أنْ تَسْتَحِلُّوهُ لِطَمَعٍ أشْفَيْتُمْ عَلَيْهِ. فَغَلَبَ عَلى الأمْرِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا، فَشَدُّوا عَلى ابْنِ الحَضْرَمِيِّ فَقَتَلُوهُ وغَنِمُوا عِيرَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ كُفّارَ قُرَيْشٍ، وكانَ ابْنُ الحَضْرَمِيِّ أوَّلَ قَتِيلٍ قُتِلَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، فَرَكِبَ وفْدٌ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ حَتّى قَدِمُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالُوا: أيَحِلُّ القِتالُ في الشَّهْرِ الحَرامِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ . إلى آخِرِ الآيَةِ.
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الحارِثِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرّازِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ أبِي زائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ ومَعَهُ نَفَرٌ مِنَ المُهاجِرِينَ، فَقَتَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ واقِدٍ اللَّيْثِيُّ عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ في آخِرِ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ، وأسَرُوا رَجُلَيْنِ، واسْتاقُوا العِيرَ، فَوَقَفَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ، وقالَ: ”لَمْ آمُرْكم بِالقِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ“ . فَقالَتْ قُرَيْشٌ: اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ الشَّهْرَ الحَرامَ. فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾ . أيْ قَدْ كانُوا يَفْتِنُونَكم وأنْتُمْ في حَرَمِ اللَّهِ بَعْدَ إيمانِكم، وهَذا أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِن أنْ تَقْتُلُوهم في الشَّهْرِ الحَرامِ مَعَ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ.
قالَ الزُّهْرِيُّ: لَمّا نَزَلَ هَذا قَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العِيرَ وفادى الأسِيرَيْنِ، ولَمّا فَرَّجَ اللَّهُ تَعالى عَنْ أهْلِ تِلْكَ السَّرِيَّةِ ما كانُوا فِيهِ مِن غَمٍّ طَمِعُوا فِيما عِنْدَ اللَّهِ مِن ثَوابِهِ، فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أنَطْمَعُ أنْ تَكُونَ غَزْوَةً ولا نَعْطى فِيها أجْرَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا﴾ .
قالَ المُفَسِّرُونَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ وهو ابْنُ عَمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ في جُمادى الآخِرَةِ قَبْلَ قِتالِ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ عَلى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِن مَقْدِمِهِ المَدِينَةَ، وبَعَثَ مَعَهُ ثَمانِيَةَ رَهْطٍ مِنَ المُهاجِرِينَ: سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ الزُّهْرِيَّ، وعُكّاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ الأسَدِيَّ، وعُتْبَةَ بْنَ غَزْوانَ السُّلَمِيَّ، وأبا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وسُهَيْلَ ابْنَ بَيْضاءَ، وعامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ، وواقِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وخالِدَ بْنَ بُكَيْرٍ، وكَتَبَ لِأمِيرِهِمْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ كِتابًا، وقالَ: ”سِرْ عَلى اسْمِ اللَّهِ، ولا تَنْظُرْ في الكِتابِ حَتّى تَسِيرَ يَوْمَيْنِ، فَإذا نَزَلْتَ مَنزِلَيْنِ فافْتَحِ الكِتابَ واقْرَأْهُ عَلى أصْحابِكَ، ثُمَّ امْضِ لِما أمَرْتُكَ، ولا تَسْتَكْرِهَنَّ أحَدًا مِن أصْحابِكَ عَلى المَسِيرِ مَعَكَ“ . فَسارَ عَبْدُ اللَّهِ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ نَزَلَ وفَتَحَ الكِتابَ، فَإذا فِيهِ: ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أمّا بَعْدُ، فَسِرْ عَلى بَرَكَةِ اللَّهِ بِمَن مَعَكَ مِن أصْحابِكَ حَتّى تَنْزِلَ بَطْنَ نَخْلَةَ، فَتَرَصَّدْ بِها عَيْرَ قُرَيْشٍ لَعَلَّكَ أنْ تَأْتِيَنا مِنهُ بِخَبَرٍ“ . فَلَمّا نَظَرَ عَبْدُ اللَّهِ الكِتابَ قالَ: سَمْعًا وطاعَةً. ثُمَّ قالَ لِأصْحابِهِ ذَلِكَ، وقالَ: إنَّهُ قَدْ نَهانِي أنْ أسْتَكْرِهَ أحَدًا مِنكم، فَمَن كانَ مِنكم يُرِيدُ الشَّهادَةَ فَلْيَنْطَلِقْ، ومَن كَرِهَ ذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ فَإنِّي ماضٍ لِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ مَضى ومَضى مَعَهُ أصْحابُهُ، حَتّى إذا كانَ بِمَعْدِنٍ فَوْقَ الفُرْعِ، وقَدْ أضَلَّ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ وعُتْبَةُ بْنُ غَزْوانَ بَعِيرًا لَهُما كانا يَعْتَقِبانِهِ، فاسْتَأْذَنا أنْ يَتَخَلَّفا في طَلَبِ بَعِيرِهِما، فَأذِنَ لَهُما، فَتَخَلَّفا في طَلَبِهِ، ومَضى عَبْدُ اللَّهِ بِبَقِيَّةِ أصْحابِهِ حَتّى وصَلُوا بَطْنَ نَخْلَةَ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ مَرَّتْ بِهِمْ عِيرٌ لِقُرَيْشٍ تَحْمِلُ زَبِيبًا وأدَمًا وتِجارَةً مِن تِجارَةِ الطّائِفِ، فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الحَضْرَمِيِّ، والحَكَمُ بْنُ كَيْسانَ، وعُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ ونَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيّانِ. فَلَمّا رَأوْا أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هابُوهم، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ: إنَّ القَوْمَ قَدْ ذُعِرُوا مِنكم، فاحْلِقُوا رَأْسَ رَجُلٍ مِنكم فَلْيَتَعَرَّضْ لَهم، فَإذا رَأوْهُ مَحْلُوقًا أمِنُوا وقالُوا: قَوْمٌ عُمّارٌ. فَحَلَقُوا رَأْسَ عُكّاشَةَ، ثُمَّ أشْرَفَ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: قَوْمٌ عُمّارٌ لا بَأْسَ عَلَيْكم. فَأمِنُوهم، وكانَ ذَلِكَ في آخِرِ يَوْمٍ مِن جُمادى الآخِرَةِ، وكانُوا يَرَوْنَ أنَّهُ مِن جُمادى أوْ هو رَجَبٌ، فَتَشاوَرَ القَوْمُ فِيهِمْ وقالُوا: لَئِنْ تَرَكْتُمُوهم هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَيَدْخُلُنَّ الحَرَمَ فَلَيَمْتَنِعُنَّ مِنكم. فَأجْمَعُوا أمْرَهم في مُواقَعَةِ القَوْمِ، فَرَمى واقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، فَكانَ أوَّلَ قَتِيلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، واسْتَأْسَرَ الحَكَمَ وعُثْمانَ، فَكانا أوَّلَ أسِيرَيْنِ في الإسْلامِ، وأفْلَتَ نَوْفَلٌ وأعْجَزَهم، واسْتاقَ المُؤْمِنُونَ العِيرَ والأسِيرَيْنِ حَتّى قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: قَدِ اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ الشَّهْرَ الحَرامَ، شَهْرًا يَأْمَنُ فِيهِ الخائِفُ ويَبْذَعِرُّ النّاسُ لِمَعايِشِهِمْ، فَسَفَكَ فِيهِ الدِّماءَ وأخَذَ فِيهِ الحَرائِبَ. وعَيَّرَ بِذَلِكَ أهْلُ مَكَّةَ مَن كانَ بِها مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقالُوا: يا مَعْشَرَ الصُّباةِ، اسْتَحْلَلْتُمُ الشَّهْرَ الحَرامَ فَقاتَلْتُمْ فِيهِ. وتَفاءَلَتِ اليَهُودُ بِذَلِكَ وقالُوا: واقِدٌ وقَدْتَ الحَرْبَ، وعَمْرٌو عَمَرْتَ الحَرْبَ، والحَضْرَمِيُّ حَضَرْتَ الحَرْبَ.
وبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لِابْنِ جَحْشٍ وأصْحابِهِ: ”ما أمَرْتُكم بِالقِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ“ . ووَقَفَ العِيرَ والأسِيرَيْنِ، وأبى أنْ يَأْخُذَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ السَّرِيَّةِ، وظَنُّوا أنْ قَدْ هَلَكُوا، وسُقِطَ في أيْدِيهِمْ، وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا قَتَلْنا ابْنَ الحَضْرَمِيِّ، ثُمَّ أمْسَيْنا فَنَظَرْنا إلى هِلالِ رَجَبٍ، فَلا نَدْرِي أفِي رَجَبٍ أصَبْناهُ أوْ في جُمادى ؟ وأكْثَرَ النّاسُ في ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ . فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العِيرَ فَعَزَلَ مِنها الخُمُسَ، فَكانَ أوَّلَ خُمُسٍ في الإسْلامِ، وقَسَمَ الباقِيَ بَيْنَ أصْحابِ السَّرِيَّةِ، فَكانَ أوَّلَ غَنِيمَةٍ في الإسْلامِ، وبَعَثَ أهْلُ مَكَّةَ في فِداءِ أسِيرَيْهِمْ، فَقالَ: ”بَلْ نَقِفُهُما حَتّى يَقْدَمَ سَعْدٌ وعُتْبَةُ، فَإنْ لَمْ يَقْدَما قَتَلْناهُما بِهِما“ . فَلَمّا قَدِما فاداهُما. وأمّا الحَكَمُ بْنُ كَيْسانَ فَأسْلَمَ وأقامَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ، فَقُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ شَهِيدًا. وأمّا عُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَرَجَعَ إلى مَكَّةَ وماتَ بِها كافِرًا. وأمّا نَوْفَلٌ فَضَرَبَ بَطْنَ فَرَسِهِ يَوْمَ الأحْزابِ لِيَدْخُلَ الخَنْدَقَ عَلى المُسْلِمِينَ فَوَقَعَ في الخَنْدَقِ مَعَ فَرَسِهِ فَتَحَطَّما جَمِيعًا، فَقَتَلَهُ اللَّهُ تَعالى، وطَلَبَ المُشْرِكُونَ جِيفَتَهُ بِالثَّمَنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”خُذُوهُ فَإنَّهُ خَبِيثُ الجِيفَةِ، خَبِيثُ الدِّيَةِ“ . فَهَذا سَبَبُ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ﴾ . والآيَةِ الَّتِي بَعْدَها.
البقرة 2:219
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ نَزَلَتْ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، ونَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: أفْتِنا في الخَمْرِ والمَيْسِرِ؛ فَإنَّهُما مَذْهَبَةٌ لِلْعَقْلِ مَسْلَبَةٌ لِلْمالِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
البقرة 2:220
أخْبَرَنا أبُو مَنصُورٍ عَبْدُ القاهِرِ بْنُ طاهِرٍ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ السَّرّاجُ، قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ المُثَنّى بْنِ مُعاذٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو حُذَيْفَةَ مُوسى بْنُ مَسْعُودٍ، قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ سالِمٍ الأفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] . عَزَلُوا أمْوالَهم عَنْ أمْوالِهِمْ. ﴿قُلْ إصْلاحٌ لَّهم خَيْرٌ وإن تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ . فَخَلَطُوا أمْوالَهم بِأمْوالِهِمْ.
أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ الزّاهِدُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَلِيٍّ الفَقِيهُ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ البَغَوِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، قالَ: حَدَّثَنا جَرِيرٌ، عَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤] . و﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] . انْطَلَقَ كُلُّ مَن كانَ مَعَهُ مالُ يَتِيمٍ فَعَزَلَ طَعامَهُ مِن طَعامِهِ، وشَرابَهُ مِن شَرابِهِ، وجَعَلَ يَفْضُلُ الشَّيْءُ مِن طَعامِهِ فَيُحْبَسُ لَهُ حَتّى يَأْكُلَهُ أوْ يَفْسُدَ، واشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَّهم خَيْرٌ وإن تُخالِطُوهُمْ﴾ . فَتَخْلِطُوا طَعامَهم بِطَعامِكم، وشَرابَهم بِشَرابِكم.
البقرة 2:221
أخْبَرَنا أبُو عُثْمانَ بْنُ أبِي عَمْرٍو الحافِظُ، قالَ: أخْبَرَنا جَدِّي، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرٍو أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الحَرَشِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو خالِدٍ، قالَ: حَدَّثَنا بُكَيْرُ بْنُ مَعْرُوفٍ، عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي مَرْثَدٍ الغَنَوِيِّ؛ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ في عَناقَ أنْ يَتَزَوَّجَها، وهي امْرَأةٌ مِسْكِينَةٌ مِن قُرَيْشٍ، وكانَتْ ذاتَ حَظٍّ مِن جَمالٍ، وهي مُشْرِكَةٌ، وأبُو مَرْثَدٍ مُسْلِمٌ، فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّها لَتُعْجِبُنِي. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَنكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ .
أخْبَرَنا أبُو عُثْمانَ، قالَ: أخْبَرَنا جَدِّي، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرٍو، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ حَمّادٍ، قالَ: أخْبَرَنا أسْباطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أبِي مالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ، وكانَتْ لَهُ أمَةٌ سَوْداءُ، وإنَّهُ غَضِبَ عَلَيْها فَلَطَمَها، ثُمَّ إنَّهُ فَزِعَ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ خَبَرَها، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ”ما هي يا عَبْدَ اللَّهِ ؟“ . فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هي تَصُومُ وتُصَلِّي، وتُحْسِنُ الوُضُوءَ، وتَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُهُ. فَقالَ: ”يا عَبْدَ اللَّهِ، هي مُؤْمِنَةٌ“ . فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ نَبِيًّا لَأُعْتِقَنَّها ولَأتَزَوَّجَنَّها. فَفَعَلَ، فَطَعَنَ عَلَيْهِ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقالُوا: نَكَحَ أمَةً. وكانُوا يُرِيدُونَ أنْ يَنْكِحُوا إلى المُشْرِكِينَ ويُنْكِحُوهم رَغْبَةً في أحْسابِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيهِمْ: ﴿ولَأمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾ .
وقالَ الكَلْبِيُّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا مِن غَنِيٍّ يُقالُ لَهُ: مَرْثَدُ بْنُ أبِي مَرْثَدٍ، حَلِيفًا لِبَنِي هاشِمٍ إلى مَكَّةَ لِيُخْرِجَ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ بِها أُسَراءَ، فَلَمّا قَدِمَها سَمِعَتْ بِهِ امْرَأةٌ يُقالُ لَها: عَناقُ، وكانَتْ خَلِيلَةً لَهُ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسْلَمَ أعْرَضَ عَنْها، فَأتَتْهُ فَقالَتْ: ويْحَكَ يا مَرْثَدُ، ألا نَخْلُو ؟ فَقالَ لَها: إنَّ الإسْلامَ قَدْ حالَ بَيْنِي وبَيْنَكِ، وحَرَّمَهُ عَلَيْنا، ولَكِنْ إنْ شِئْتِ تَزَوَّجْتُكِ، إذا رَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اسْتَأْذَنْتُهُ في ذَلِكَ ثُمَّ تَزَوَّجْتُكِ. فَقالَتْ لَهُ: أبِي تَتَبَرَّمُ ؟ ثُمَّ اسْتَغاثَتْ عَلَيْهِ فَضَرَبُوهُ ضَرْبًا شَدِيدًا، ثُمَّ خَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَلَمّا قَضى حاجَتَهُ بِمَكَّةَ انْصَرَفَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ راجِعًا، وأعْلَمَهُ الَّذِي كانَ مِن أمْرِهِ وأمْرِ عَناقَ، وما لَقِيَ في سَبَبِها، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيَحِلُّ لِي أنْ أتَزَوَّجَها ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ يَنْهاهُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَنكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ .
البقرة 2:222
أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيّا، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مُشْكانَ، قالَ: حَدَّثَنا حَيّانُ، قالَ: حَدَّثَنا حَمّادٌ، قالَ: حَدَّثَنا ثابِتٌ، عَنْ أنَسٍ، أنَّ اليَهُودَ كانَتْ إذا حاضَتْ مِنهُمُ امْرَأةٌ أخْرَجُوها مِنَ البَيْتِ، فَلَمْ يُؤاكِلُوها ولَمْ يُشارِبُوها، ولَمْ يُجامِعُوها في البُيُوتِ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هو أذًى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ . إلى آخِرِ الآيَةِ.
رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ حَمّادٍ.
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الخَشّابُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدانَ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عِمْرانَ مُوسى بْنُ العَبّاسِ الجُوَيْنِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ القَرْدُوانِيُّ الحَرّانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنِي أبِي، عَنْ سابِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقِّيِّ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هو أذًى﴾ . قالَ: إنَّ اليَهُودَ قالَتْ: مَن أتى امْرَأتَهُ مِن دُبُرِها كانَ ولَدُهُ أحْوَلَ. فَكانَ نِساءُ الأنْصارِ لا يَدَعْنَ أزْواجَهُنَّ يَأتُونَهُنَّ مِن أدْبارِهِنَّ، فَجاءُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألُوهُ عَنْ إتْيانِ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ، وما قالَتِ اليَهُودُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هو أذًى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ . يَعْنِي الِاغْتِسالَ. ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ . يَعْنِي القُبُلَ. ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِساؤُكم حَرْثٌ لَّكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ . وإنَّما الحَرْثُ حَيْثُ يَنْبُتُ الوَلَدُ ويَخْرُجُ مِنهُ.
وقالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ إذا حاضَتِ المَرْأةُ لَمْ يُؤاكِلُوها ولَمْ يُشارِبُوها ولَمْ يُساكِنُوها في بَيْتٍ، كَفِعْلِ المَجُوسِ، فَسَألَ أبُو الدَّحْداحِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما نَصْنَعُ بِالنِّساءِ إذا حِضْنَ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
البقرة 2:223
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ القاضِي، قالَ: أخْبَرَنا حاجِبُ بْنُ أحْمَدَ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ المُنْكَدِرِ، أنَّهُ سَمِعَ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ في الَّذِي يَأْتِي امْرَأتَهُ مِن دُبُرِها في قُبُلِها: إنَّ الوَلَدَ يَكُونُ أحْوَلَ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَّكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ .
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ أبِي نُعَيْمٍ، ورَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي شَيْبَةَ، كِلاهُما عَنْ سُفْيانَ.
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى، قالَ: أخْبَرَنا أبُو سَعِيدٍ إسْماعِيلُ بْنُ أحْمَدَ الخَلّالِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدانَ البَجَلِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنا المُحارِبِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ أبانِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: عَرَضْتُ المُصْحَفَ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ ثَلاثَ عَرَضاتٍ مِن فاتِحَتِهِ إلى خاتِمَتِهِ، أُوقِفُهُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ مِنهُ فَأسْألُهُ عَنْها، حَتّى انْتَهى إلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَّكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ . فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ هَذا الحَيَّ مِن قُرَيْشٍ كانُوا يَشْرَحُونَ النِّساءَ بِمَكَّةَ، ويَتَلَذَّذُونَ بِهِنَّ مُقْبِلاتٍ ومُدْبِراتٍ، فَلَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ تَزَوَّجُوا مِنَ الأنْصارِ، فَذَهَبُوا لِيَفْعَلُوا بِهِنَّ كَما كانُوا يَفْعَلُونَ بِمَكَّةَ، فَأنْكَرْنَ ذَلِكَ وقُلْنَ: هَذا شَيْءٌ لَمْ نَكُنْ نُؤْتى عَلَيْهِ. فانْتَشَرَ الحَدِيثُ حَتّى انْتَهى إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَّكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ . قالَ: إنْ شِئْتَ مُقْبِلَةً، وإنْ شِئْتَ مُدْبِرَةً، وإنْ شِئْتَ بارِكَةً، وإنَّما يَعْنِي بِذَلِكَ مَوْضِعَ الوَلَدِ لِلْحَرْثِ. يَقُولُ: ائْتِ الحَرْثَ حَيْثُ شِئْتَ.
رَواهُ الحاكِمُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ في صَحِيحِهِ عَنْ أبِي زَكَرِيّا العَنْبَرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ، عَنْ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، عَنِ المُحارِبِيِّ.
أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الحَيّانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو عَلِيِّ بْنُ أبِي بَكْرٍ الفَقِيهُ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: سَمِعْتُ جابِرًا يَقُولُ: قالَتِ اليَهُودُ: إنَّ الرَّجُلَ إذا أتى امْرَأتَهُ بارِكَةً كانَ الوَلَدُ أحْوَلَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ .
أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الحَيّانِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدُونَ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ ابْنُ الشَّرْقِيِّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الأزْهَرِ، قالَ: حَدَّثَنا وهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو كُرَيْبٍ، قالَ: سَمِعْتُ النُّعْمانَ بْنَ راشِدٍ يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ: إذا نَكَحَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ مُجَبِّيَةً جاءَ ولَدُها أحْوَلَ. فَنَزَلَتْ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَّكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ . إنْ شاءَ مُجَبِّيَةً وإنْ شاءَ غَيْرَ مُجَبِّيَةٍ غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ في صِمامٍ واحِدٍ.
رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ هارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ وهْبِ بْنِ جَرِيرٍ.
قالَ الشَّيْخُ أبُو حامِدِ بْنُ الشَّرْقِيِّ: هَذا حَدِيثٌ جَلِيلٌ يُساوِي مِائَةَ حَدِيثٍ، لَمْ يَرْوِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ إلّا النُّعْمانُ بْنُ راشِدٍ.
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُطَّوِّعِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدانَ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَلِيٍّ، قالَ: حَدَّثَنا زُهَيْرٌ، قالَ: حَدَّثَنا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنا يَعْقُوبُ القُمِّيُّ، قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: هَلَكْتُ. فَقالَ: ”وما الَّذِي أهْلَكَكَ ؟“ . قالَ: حَوَّلْتُ رَحْلِي اللَّيْلَةَ. قالَ: فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا، فَأُوحِيَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَّكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ . يَقُولُ: ”أقْبِلْ وأدْبِرْ، واتَّقِ الدُّبُرَ والحِيضَةَ“ .
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأصْفَهانِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى الرّازِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ، قالَ: حَدَّثَنا المُحارِبِيُّ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ . قالَ: نَزَلَتْ في العَزْلِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ: نَزَلَتْ في المُهاجِرِينَ لَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ، ذَكَرُوا إتْيانَ النِّساءِ فِيما بَيْنَهم والأنْصارِ واليَهُودِ؛ مِن بَيْنِ أيْدِيهِنَّ ومِن خَلْفِهِنَّ إذا كانَ المَأْتِيُّ واحِدًا في الفَرْجِ، فَعابَتِ اليَهُودُ ذَلِكَ إلّا مِن بَيْنِ أيْدِيهِنَّ خاصَّةً، وقالُوا: إنّا لَنَجِدُ في كِتابِ اللَّهِ في التَّوْراةِ: إنَّ كُلَّ إتْيانٍ يُؤْتى النِّساءُ غَيْرَ مُسْتَلْقِياتٍ دَنَسٌ عِنْدَ اللَّهِ، ومِنهُ يَكُونُ الحَوَلُ والخَبْلُ. فَذَكَرَ المُسْلِمُونَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالُوا: إنّا كُنّا في الجاهِلِيَّةِ وبَعْدَما أسْلَمْنا نَأْتِي النِّساءَ كَيْفَ شِئْنا، وإنَّ اليَهُودَ عابَتْ عَلَيْنا ذَلِكَ، وزَعَمَتْ لَنا كَذا وكَذا. فَأكْذَبَ اللَّهُ تَعالى اليَهُودَ، ونَزَّلَ عَلَيْهِ يُرَخِّصُ لَهم: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ . يَقُولُ: الفَرْجُ مَزْرَعَةٌ لِلْوَلَدِ. ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾ . يَقُولُ: كَيْفَ شِئْتُمْ مِن بَيْنِ يَدَيْها ومِن خَلْفِها في الفَرْجِ.
البقرة 2:224
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأيْمانِكُمْ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ يَنْهاهُ عَنْ قَطِيعَةِ خَتَنِهِ بَشِيرِ بْنِ النُّعْمانِ؛ وذَلِكَ أنَّ ابْنَ رَواحَةَ حَلَفَ ألّا يَدْخُلَ عَلَيْهِ أبَدًا ولا يُكَلِّمَهُ، ولا يُصْلِحَ بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأتِهِ، ويَقُولُ: قَدْ حَلَفْتُ بِاللَّهِ ألّا أدْخُلَ، ولا يَحِلُّ لِي إلّا أنْ أبَرَّ في يَمِينِي. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
البقرة 2:226
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسى بْنِ الفَضْلِ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، قالَ: حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْنُ إبْراهِيمَ، قالَ: حَدَّثَنا الحارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ، قالَ: حَدَّثَنا عامِرٌ الأحْوَلُ، عَنْ عَطاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ إيلاءُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ السَّنَةَ والسَّنَتَيْنِ وأكْثَرَ مِن ذَلِكَ، فَوَقَّتَ اللَّهُ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، فَمَن كانَ إيلاؤُهُ أقَلَّ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَلَيْسَ بِإيلاءٍ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: كانَ الإيلاءُ مِن ضِرارِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ؛ كانَ الرَّجُلُ لا يُرِيدُ المَرْأةَ ولا يُحِبُّ أنْ يَتَزَوَّجَها غَيْرُهُ، فَيَحْلِفُ ألّا يَقْرَبَها أبَدًا، وكانَ يَتْرُكُها بِذَلِكَ لا أيِّمًا ولا ذاتَ بَعْلٍ، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى الأجَلَ الَّذِي يُعْلَمُ بِهِ ما عِنْدَ الرَّجُلِ في المَرْأةِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسائِهِمْ﴾ .
البقرة 2:229
أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ القاضِي، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قالَ: أخْبَرَنا الرَّبِيعُ، قالَ: أخْبَرَنا الشّافِعِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مالِكٌ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ: كانَ الرَّجُلُ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثُمَّ ارْتَجَعَها قَبْلَ أنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُها كانَ ذَلِكَ لَهُ وإنْ طَلَّقَها ألْفَ مَرَّةٍ، فَعَمَدَ رَجُلٌ إلى امْرَأةٍ لَهُ فَطَلَّقَها، ثُمَّ أمْهَلَها حَتّى إذا شارَفَتِ انْقِضاءَ عِدَّتِها ارْتَجَعَها، ثُمَّ طَلَّقَها، وقالَ: واللَّهِ لا آوِيكِ إلَيَّ ولا تَحِلِّينَ أبَدًا. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ .
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو جَعْفَرٍ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ المَرْزُبانِ الأبْهَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ الحَزَوَّرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ، قالَ: حَدَّثَنا يَعْلى المَكِّيُّ مَوْلى آلِ الزُّبَيْرِ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ، أنَّها أتَتْها امْرَأةٌ تَسْألُها عَنْ شَيْءٍ مِنَ الطَّلاقِ. قالَتْ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتِ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ .
البقرة 2:232
أخْبَرَنا أبُو سَعِيدِ بْنُ أبِي بَكْرِ بْنِ الغازِي، قالَ: أخْبَرَنا أبُو أحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ الحافِظُ، قالَ: أخْبَرَنِي أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحُسَيْنِ، قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: حَدَّثَنا أبِي، حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ طَهْمانَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أن يَنكِحْنَ أزْواجَهُنَّ إذا تَراضَوْا﴾ . قالَ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِ، قالَ: كُنْتُ زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِن رَجُلٍ، فَطَلَّقَها، حَتّى إذا انْقَضَتْ عِدَّتُها جاءَ يَخْطُبُها، فَقُلْتُ لَهُ: زَوَّجْتُكَ وأفْرَشْتُكَ وأكْرَمْتُكَ فَطَلَّقْتَها، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُها ؟ لا واللَّهِ لا تَعُودُ إلَيْها أبَدًا. قالَ: وكانَ رَجُلًا لا بَأْسَ بِهِ، فَكانَتِ المَرْأةُ تُرِيدُ أنْ تَرْجِعَ إلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذِهِ الآيَةَ، فَقُلْتُ: الآنَ أفْعَلُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَزَوَّجْتُها إيّاهُ.
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ أحْمَدَ بْنِ حَفْصٍ.
أخْبَرَنا الحاكِمُ أبُو مَنصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَنصُورِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَهْدِيٍّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ البَخْتَرِيِّ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ جَعْفَرٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو عامِرٍ العَقَدِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَبّادُ بْنُ راشِدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ، قالَ: كانَتْ لِي أُخْتٌ فَخُطِبَتْ إلَيَّ، وكُنْتُ أمْنَعُها النّاسَ، فَأتانِي ابْنُ عَمٍّ لِي فَخَطَبَها، فَأنْكَحْتُها إيّاهُ، فاصْطَحَبَها ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ طَلَّقَها طَلاقًا رَجْعِيًّا، ثُمَّ تَرَكَها حَتّى انْقَضَتْ عِدَّتُها، فَخَطَبَها مَعَ الخُطّابِ، فَقُلْتُ: مَنَعْتُها النّاسَ وزَوَّجْتُكَ إيّاها، ثُمَّ طَلَّقْتَها طَلاقًا رَجْعِيًّا، ثُمَّ تَرَكْتَها حَتّى انْقَضَتْ عِدَّتُها، فَلَمّا خُطِبَتْ إلَيَّ أتَيْتَنِي تَخْطُبُها ؟ لا أُزَوِّجُكَ أبَدًا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أن يَنكِحْنَ أزْواجَهُنَّ﴾ . فَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وأنْكَحْتُها إيّاهُ.
أخْبَرَنا إسْماعِيلُ بْنُ أبِي القاسِمِ النَّصْراباذِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ ماسِي البَزّازُ، أخْبَرَنا أبُو مُسْلِمٍ إبْراهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَصْرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا حَجّاجُ بْنُ مِنهالٍ، قالَ: حَدَّثَنا مُبارَكُ بْنُ فَضالَةَ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّ مَعْقِلَ بْنَ يَسارٍ زَوَّجَ أُخْتَهُ مِن رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَكانَتْ عِنْدَهُ ما كانَتْ، فَطَلَّقَها تَطْلِيقَةً ثُمَّ تَرَكَها، ومَضَتِ العِدَّةُ وكانَتْ أحَقَّ بِنَفْسِها، فَخَطَبَها مَعَ الخُطّابِ، فَرَضِيَتْ أنْ تَرْجِعَ إلَيْهِ، فَخَطَبَها إلى مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ، فَغَضِبَ مَعْقِلٌ وقالَ: أكْرَمْتُكَ بِها فَطَلَّقْتَها، لا واللَّهِ لا تَرْجِعُ إلَيْكَ بَعْدَها. قالَ الحَسَنُ: عَلِمَ اللَّهُ حاجَةَ الرَّجُلِ إلى امْرَأتِهِ وحاجَةَ المَرْأةِ إلى بَعْلِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أن يَنكِحْنَ أزْواجَهُنَّ إذا تَراضَوْا بَيْنَهُم بِالمَعْرُوفِ﴾ . إلى آخِرِ الآيَةِ. قالَ: فَسَمِعَ ذَلِكَ مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ، فَقالَ: سَمْعًا لِرَبِّي وطاعَةً. فَدَعا زَوْجَها فَقالَ: أُزَوِّجُكَ وأُكْرِمُكَ. فَزَوَّجَها إيّاهُ.
أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ الشّاهِدُ، قالَ: أخْبَرَنا جَدِّي، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرٍو الحِيرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ حَمّادٍ، قالَ: حَدَّثَنا أسْباطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ رِجالِهِ قالَ: نَزَلَتْ في جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيِّ؛ كانَتْ لَهُ بِنْتُ عَمٍّ فَطَلَّقَها زَوْجُها تَطْلِيقَةً، فانْقَضَتْ عِدَّتُها، ثُمَّ رَجَعَ يُرِيدُ رَجْعَتَها، فَأبى جابِرٌ وقالَ: طَلَّقْتَ ابْنَةَ عَمِّنا ثُمَّ تُرِيدُ أنْ تَنْكِحَها ؟ وكانَتِ المَرْأةُ تُرِيدُ زَوْجَها، قَدْ رَضِيَتْهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
البقرة 2:240
أخْبَرَنا أبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ المَرْوَزِيُّ في كِتابِهِ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ الحَدّادِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ خالِدٍ، قالَ: أخْبَرَنا إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ الحَنْظَلِيُّ، قالَ: حُدِّثْتُ، عَنِ ابْنِ حَيّانَ في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ: ذاكَ أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ الطّائِفِ قَدِمَ المَدِينَةَ ولَهُ أوْلادٌ رِجالٌ ونِساءٌ، ومَعَهُ أبَواهُ وامْرَأتُهُ، فَماتَ بِالمَدِينَةِ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَأعْطى الوالِدَيْنِ، وأعْطى أوْلادَهُ بِالمَعْرُوفِ، ولَمْ يُعْطِ امْرَأتَهُ شَيْئًا، غَيْرَ أنَّهُ أمَرَهم أنْ يُنْفِقُوا عَلَيْها مِن تَرِكَةِ زَوْجِها إلى الحَوْلِ.
البقرة 2:256
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ المُزَكِّي، قالَ: أخْبَرَنا زاهِرُ بْنُ أحْمَدَ، قالَ: أخْبَرَنا الحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ حَكِيمٍ، قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ أبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ المَرْأةُ مِن نِساءِ الأنْصارِ تَكُونُ مِقْلاةً، فَتَجْعَلُ عَلى نَفْسِها إنْ عاشَ لَها ولَدٌ أنْ تُهَوِّدَهُ، فَلَمّا أُجْلِيَتِ النَّضِيرُ كانَ فِيهِمْ مِن أبْناءِ الأنْصارِ، فَقالُوا: لا نَدَعُ أبْناءَنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ .
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسى بْنِ الفَضْلِ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، قالَ: حَدَّثَنا وهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ . قالَ: كانَتِ المَرْأةُ مِنَ الأنْصارِ لا يَكادُ يَعِيشُ لَها ولَدٌ، فَتَحْلِفُ لَئِنْ عاشَ لَها ولَدٌ لَتُهَوِّدَنَّهُ، فَلَمّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ إذا فِيهِمْ أُناسٌ مِن أبْناءِ الأنْصارِ، فَقالَتِ الأنْصارُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أبْناؤُنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ . قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فَمَن شاءَ لَحِقَ بِهِمْ، ومَن شاءَ دَخَلَ في الإسْلامِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ كانَ لَهُ غُلامٌ أسْوَدُ يُقالُ لَهُ: صَبِيحٌ، وكانَ يُكْرِهُهُ عَلى الإسْلامِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ يُكْنى أبا الحُصَيْنِ، وكانَ لَهُ ابْنانِ، فَقَدِمَ تُجّارُ الشّامِ إلى المَدِينَةِ يَحْمِلُونَ الزَّيْتَ، فَلَمّا أرادُوا الرُّجُوعَ مِنَ المَدِينَةِ أتاهُمُ ابْنا أبِي الحُصَيْنِ فَدَعَوْهُما إلى النَّصْرانِيَّةِ، فَتَنَصَّرا وخَرَجا مِنَ المَدِينَةِ إلى الشّامِ، فَأخْبَرَ أبُو الحُصَيْنِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَقالَ: ”اطْلُبْهُما“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ . فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أبْعَدَهُما اللَّهُ، هُما أوَّلُ مَن كَفَرَ“ . قالَ: وكانَ هَذا قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقِتالِ أهْلِ الكِتابِ، ثُمَّ نُسِخَ قَوْلُهُ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ . وأُمِرَ بِقِتالِ أهْلِ الكِتابِ في سُورَةِ بَراءَةٌ.
وقالَ مَسْرُوقٌ: كانَ لِرَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ مِن بَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ ابْنانِ، فَتَنَصَّرا قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ قَدِما المَدِينَةَ في نَفَرٍ مِنَ النَّصارى يَحْمِلُونَ الطَّعامَ، فَأتاهُما أبُوهُما، فَلَزِمَهُما وقالَ: واللَّهِ لا أدَعُكُما حَتّى تُسْلِما. فَأبَيا أنْ يُسْلِما، فاخْتَصَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيَدْخُلُ بَعْضِي النّارَ وأنا أنْظُرُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ . فَخَلّى سَبِيلَهُما.
أخْبَرَنا أبُو إسْحاقَ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ المُقْرِئُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ عُبْدُوسٍ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ بْنِ مَحْفُوظٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هاشِمٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيانَ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ ناسٌ مُسْتَرْضَعِينَ في اليَهُودِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، فَلَمّا أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ، قالَ أبْناؤُهم مِنَ الأوْسِ الَّذِينَ كانُوا مُسْتَرْضَعِينَ فِيهِمْ: لَنَذْهَبَنَّ مَعَهم، ولَنَدِينَنَّ بِدِينِهِمْ. فَمَنَعَهم أهْلُهم، وأرادُوا أنْ يُكْرِهُوهم عَلى الإسْلامِ، فَنَزَلَتْ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ .
البقرة 2:260
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ السَّبَبَ في سُؤالِ إبْراهِيمَ رَبَّهُ أنْ يُرِيَهُ إحْياءَ المَوْتى.
أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، قالَ: أخْبَرَنا شُعْبَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: أخْبَرَنا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدانَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو الأزْهَرِ، قالَ: حَدَّثَنا رَوْحٌ، قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ إبْراهِيمَ أتى عَلى دابَّةٍ مَيِّتَةٍ وقَدْ تَوَزَّعَتْها دَوابُّ البَرِّ والبَحْرِ، فَقالَ: رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتى ؟
وقالَ الحَسَنُ وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ والضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّ إبْراهِيمَ الخَلِيلَ مَرَّ عَلى دابَّةٍ مَيِّتَةٍ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتْ جِيفَةَ حِمارٍ بِساحِلِ البَحْرِ. قالَ عَطاءٌ: بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ. قالُوا: فَرَآها وقَدْ تَوَزَّعَتْها دَوابُّ البَرِّ والبَحْرِ، فَكانَ إذا مَدَّ البَحْرُ جاءَتِ الحِيتانُ ودَوابُّ البَحْرِ فَأكَلَتْ مِنها، فَما وقَعَ مِنها يَصِيرُ في الماءِ؛ وإذا جَزَرَ البَحْرُ جاءَتِ السِّباعُ فَأكَلَتْ مِنها، فَما وقَعَ مِنها يَصِيرُ تُرابًا، فَإذا ذَهَبَتِ السِّباعُ جاءَتِ الطَّيْرُ فَأكَلَتْ مِنها، فَما سَقَطَ قَطَّعَتْهُ الرِّيحُ في الهَواءِ. فَلَمّا رَأى ذَلِكَ إبْراهِيمُ تَعَجَّبَ مِنها، وقالَ: يا رَبِّ، قَدْ عَلِمْتُ لَتَجْمَعَنَّها، فَأرِنِي كَيْفَ تُحْيِيها لِأُعايِنَ ذَلِكَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَرَّ إبْراهِيمُ بِحُوتٍ مَيِّتٍ، نِصْفُهُ في البَرِّ ونِصْفُهُ في البَحْرِ، فَما كانَ في البَحْرِ فَدَوابُّ البَحْرِ تَأْكُلُهُ، وما كانَ مِنهُ في البَرِّ فَدَوابُّ البَرِّ تَأْكُلُهُ، فَقالَ لَهُ الخَبِيثُ إبْلِيسُ: مَتى يَجْمَعُ اللَّهُ هَذِهِ الأجْزاءَ المُتَفَرِّقَةَ مِن بُطُونِ هَؤُلاءِ ؟ فَقالَ: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ . بِذَهابِ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ مِنهُ.
أخْبَرَنا أبُو نُعَيْمٍ الأصْفَهانِيُّ فِيما أذِنَ لِي بِرِوايَتِهِ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ، قالَ: حَدَّثَنا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ الحَكَمِ بْنِ أبانٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبِي، قالَ: كُنْتُ جالِسًا مَعَ عِكْرِمَةَ عِنْدَ السّاحِلِ، فَقالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ الَّذِينَ يَغْرَقُونَ في البِحارِ تَقْسِمُ الحِيتانُ لُحُومَهم، فَلا يَبْقى مِنهم شَيْءٌ إلّا العِظامُ، فَتُلْقِيها الأمْواجُ عَلى البَرِّ فَتَصِيرُ حائِلَةً نَخِرَةً، فَتَمُرُّ بِها الإبِلُ فَتَأْكُلُها، فَتَبْعَرُ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْخُذُونَ ذَلِكَ البَعَرَ فَيُوقِدُونَ، فَتَخْمُدُ تِلْكَ النّارُ، فَتَجِيءُ رِيحٌ فَتَسْفِي ذَلِكَ الرَّمادَ عَلى الأرْضِ، فَإذا جاءَتِ النَّفْخَةُ خَرَجَ أُولَئِكَ وأهْلُ القُبُورِ سَواءً، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا هم قِيامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] .
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ يَسارٍ: إنَّ إبْراهِيمَ لَمّا احْتَجَّ عَلى نُمْرُوذَ فَقالَ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ. قالَ نُمْرُوذُ: أنا أُحْيِي وأُمِيتُ. ثُمَّ قَتَلَ رَجُلًا وأطْلَقَ رَجُلًا، وقالَ: قَدْ أمَتُّ ذَلِكَ وأحْيَيْتُ هَذا. قالَ لَهُ إبْراهِيمُ: فَإنَّ اللَّهَ يُحْيِي بِأنْ يَرُدَّ الرُّوحَ إلى جَسَدٍ مَيِّتٍ. فَقالَ لَهُ نَمْرُوذُ: هَلْ عايَنْتَ هَذا الَّذِي تَقُولُهُ ؟ فَلَمْ يَقْدِرْ أنْ يَقُولَ: نَعَمْ رَأيْتُهُ. فانْتَقَلَ إلى حُجَّةٍ أُخْرى، ثُمَّ سَألَ رَبَّهُ أنْ يُرِيَهُ إحْياءَ المَوْتى لِكَيْ يَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ عِنْدَ الِاحْتِجاجِ بِأنْ يَكُونَ مُخْبِرًا عَنْ مُشاهَدَةٍ وعِيانٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ: لَمّا اتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا اسْتَأْذَنَ مَلَكُ المَوْتِ رَبَّهُ أنْ يَأْتِيَ إبْراهِيمَ فَيُبَشِّرَهُ بِذَلِكَ، فَأتاهُ وقالَ: قَدْ جِئْتُكَ أُبَشِّرُكَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى اتَّخَذَكَ خَلِيلًا. فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى وقالَ: ما عَلامَةُ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: أنْ يُجِيبَ اللَّهُ دُعاءَكَ، ويُحْيِيَ اللَّهُ المَوْتى بِسُؤالِكَ. ثُمَّ انْطَلَقَ وذَهَبَ، فَقالَ إبْراهِيمُ: رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتى ؟ قالَ: أوَلَمْ تُؤْمِن ؟ قالَ: بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بِعِلْمِي أنَّكَ تُجِيبُنِي إذا دَعَوْتُكَ، وتُعْطِينِي إذا سَألْتُكَ، واتَّخَذْتَنِي خَلِيلًا.
البقرة 2:261
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أمّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَإنَّهُ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ صَدَقَةً، فَقالَ: كانَ عِنْدِي ثَمانِيَةُ آلافِ دِرْهَمٍ، فَأمْسَكْتُ مِنها لِنَفْسِي وعِيالِي أرْبَعَةَ آلافِ دِرْهَمٍ، وأرْبَعَةُ آلافٍ أقْرَضْتُها رَبِّي. فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيما أمْسَكْتَ وفِيما أعْطَيْتَ“ .
وأمّا عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: عَلَيَّ جِهازُ مَن لا جِهازَ لَهُ في غَزْوَةِ تَبُوكَ. فَجَهَّزَ المُسْلِمِينَ بِألْفِ بَعِيرٍ بِأقْتابِها وأحْلاسِها، وتَصَدَّقَ بِرُومَةَ - رَكِيَّةٍ كانَتْ لَهُ - عَلى المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ فِيهِما هَذِهِ الآيَةُ.
وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رافِعًا يَدَهُ يَدْعُو لِعُثْمانَ ويَقُولُ: ”يا رَبِّ، عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيتُ عَنْهُ فارْضَ عَنْهُ“ . فَما زالَ رافِعًا يَدَهُ حَتّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .
البقرة 2:267
أخْبَرَنا أبُو القاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أحْمَدَ الصَّيْدَلانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ، قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ حَمْدُويَهْ، قالَ: حَدَّثَنا قَيْسُ بْنُ أُنَيْفٍ، قالَ: حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قالَ: حَدَّثَنا حاتِمُ بْنُ إسْماعِيلَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِزَكاةِ الفِطْرِ بِصاعٍ مِن تَمْرٍ، فَجاءَ رَجُلٌ بِتَمْرٍ رَدِيءٍ، فَنَزَلَ القُرْآنُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكُم مِّنَ الأرْضِ ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنفِقُونَ﴾ .
أخْبَرَنا أبُو إسْحاقَ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواعِظُ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حامِدٍ الأصْفَهانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ الفارِسِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ مُوسى الجَمّازُ، قالَ: حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ حَمّادِ بْنِ طَلْحَةَ، قالَ: حَدَّثَنا أسْباطُ بْنُ نَصْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثابِتٍ، عَنِ البَراءِ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأنْصارِ؛ كانَتْ تُخْرِجُ إذا كانَ جُذاذُ النَّخْلِ مِن حِيطانِها أقْناءً مِنَ التَّمْرِ والبُسْرِ، فَيُعَلِّقُونَها عَلى حَبْلٍ بَيْنَ أُسْطُوانَتَيْنِ في مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَيَأْكُلُ مِنهُ فُقَراءُ المُهاجِرِينَ، وكانَ الرَّجُلُ يَعْمِدُ فَيُدْخِلُ قِنْوَ الحَشَفِ وهو يَظُنُّ أنَّهُ جائِزٌ عَنْهُ في كَثْرَةِ ما يُوضَعُ مِنَ الأقْناءِ، فَنَزَلَ فِيمَن فَعَلَ ذَلِكَ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنفِقُونَ﴾ . يَعْنِي القِنْوَ الَّذِي فِيهِ حَشَفٌ، ولَوْ أُهْدِيَ إلى أحَدِكم ما قَبِلْتُمُوهُ.
البقرة 2:271
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إن تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، صَدَقَةُ السِّرِّ أفْضَلُ أمْ صَدَقَةُ العَلانِيَةِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
البقرة 2:272
أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ الحارِثِ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ العَسْكَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا جَرِيرٌ، عَنْ أشْعَثَ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أبِي المُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لا تَصَدَّقُوا إلّا عَلى أهْلِ دِينِكم“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ . فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”تَصَدَّقُوا عَلى أهْلِ الأدْيانِ“ .
أخْبَرَنا أحْمَدُ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلٌ، قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ الحَجّاجِ، عَنْ سَلْمانَ المَكِّيِّ، عَنِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ قالَ: كانَ المُسْلِمُونَ يَكْرَهُونَ أنْ يَتَصَدَّقُوا عَلى فُقَراءِ المُشْرِكِينَ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَأُمِرُوا أنْ يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِمْ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمْرَةَ القَضاءِ، وكانَتْ مَعَهُ في تِلْكَ العُمْرَةِ أسْماءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ، فَجاءَتْها أُمُّها قُتَيْلَةُ وجَدَّتُها يَسْألانِها وهُما مُشْرِكَتانِ، فَقالَتْ: لا أُعْطِيكُما شَيْئًا حَتّى أسْتَأْمِرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ فَإنَّكُما لَسْتُما عَلى دِينِي. فاسْتَأْمَرَتْهُ في ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَأمَرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ تَتَصَدَّقَ عَلَيْهِما، فَأعْطَتْهُما ووَصَلَتْهُما.
قالَ الكَلْبِيُّ: ولَها وجْهٌ آخَرُ؛ وذَلِكَ أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانَتْ لَهم قَرابَةٌ وأصْهارٌ ورَضاعٌ في اليَهُودِ، وكانُوا يَنْفَعُونَهم قَبْلَ أنْ يُسْلِمُوا، فَلَمّا أسْلَمُوا كَرِهُوا أنْ يَنْفَعُوهم وأرادُوهم عَلى أنْ يُسْلِمُوا، فاسْتَأْمَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَأعْطَوْهم بَعْدَ نُزُولِها.
البقرة 2:274
أخْبَرَنا أبُو إبْراهِيمَ إسْماعِيلُ بْنُ إبْراهِيمَ النَّصْراباذِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ الخَلِيلِ، قالَ: حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ عَمّارٍ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَرِيبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أمْوالَهُم بِالَّليْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِندَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ . في أصْحابِ الخَيْلِ. وقالَ ﷺ: ”إنَّ الشَّياطِينَ لا تُخَبِّلُ أحَدًا في بَيْتِهِ فَرَسٌ عَتِيقٌ مِنَ الخَيْلِ“ .
وهَذا قَوْلُ أبِي أُمامَةَ، وأبِي الدَّرْداءِ، ومَكْحُولٍ، والأوْزاعِيِّ، ورَباحِ بْنِ زَيْدٍ، قالُوا: هُمُ الَّذِينَ يَرْبِطُونَ الخَيْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، يُنْفِقُونَ عَلَيْها بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً. نَزَلَتْ فِيمَن لَمْ يَرْتَبِطْها خُيَلاءَ ولا لِمِضْمارٍ.
أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ، قالَ: أخْبَرَنِي الحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّهْرَوانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَهْرُويَهْ القَزْوِينِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ داوُدَ القَنْطَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ، قالَ: حَدَّثَنِي أبُو شُرَيْحٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الحَجّاجِ، عَنْ حَنَشِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصَّنْعانِيِّ، أنَّهُ قالَ: حَدَّثَ ابْنُ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أمْوالَهُم بِالَّليْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ . قالَ: في عَلَفِ الخَيْلِ.
ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ:
ما أخْبَرَنا أبُو إسْحاقَ المُقْرِئُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ عُبْدُوسٍ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو العَبّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْقُوبَ الكِرْمانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيّا بْنِ أبِي بَكْرٍ الكِرْمانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا وكِيعٌ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ بَهْرامَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”مَنِ ارْتَبَطَ فَرَسًا في سَبِيلِ اللَّهِ فَأنْفَقَ عَلَيْهِ احْتِسابًا، كانَ شِبَعُهُ وجُوعُهُ ورِيُّهُ وظَمَؤُهُ وبَوْلُهُ ورَوْثُهُ في مِيزانِهِ يَوْمَ القِيامَةِ“ .
وأخْبَرَنا أبُو إسْحاقَ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرٍو الفُراتِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو مُوسى عِمْرانُ بْنُ مُوسى، قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ عُثْمانَ الجَزَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا فارِسُ بْنُ عُمَرَ، قالَ: حَدَّثَنا صالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”المُنْفِقُ في سَبِيلِ اللَّهِ عَلى فَرَسِهِ كالباسِطِ كَفَّيْهِ بِالصَّدَقَةِ“ .
أخْبَرَنا أبُو حامِدٍ أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ الكاتِبُ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ شاذانَ الرّازِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حاتِمٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ، قالَ: حَدَّثَنا زَيْدُ بْنُ الحُبابِ، قالَ: أخْبَرَنِي رَجاءُ بْنُ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ مُوسى الدِّمَشْقِيِّ، عَنْ عَجْلانَ بْنِ سَهْلٍ الباهِلِيِّ قالَ: سَمِعْتُ أبا أُمامَةَ الباهِلِيَّ يَقُولُ: مَنِ ارْتَبَطَ فَرَسًا في سَبِيلِ اللَّهِ لَمْ يَرْتَبِطْهُ رِياءً ولا سُمْعَةً، كانَ مِنَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ.
قَوْلٌ آخَرُ:
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيّانَ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ مالِكٍ الضَّبِّيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ الجُرْجانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الوَهّابِ بْنُ مُجاهِدٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أمْوالَهُم بِالَّليْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ . قالَ: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ؛ كانَ عِنْدَهُ أرْبَعَةُ دَراهِمَ، فَأنْفَقَ دِرْهَمًا بِاللَّيْلِ ودِرْهَمًا في النَّهارِ، ودِرْهَمًا في السِّرِّ ودِرْهَمًا في العَلانِيَةِ.
أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ الكاتِبُ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ شاذانَ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حاتِمٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ يَمانٍ، عَنْ عَبْدِ الوَهّابِ بْنِ مُجاهِدٍ، عَنْ أبِيهِ قالَ: كانَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أرْبَعَةُ دَراهِمَ، فَأنْفَقَ دِرْهَمًا بِاللَّيْلِ ودِرْهَمًا بِالنَّهارِ، ودِرْهَمًا سِرًّا ودِرْهَمًا عَلانِيَةً، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أمْوالَهُم بِالَّليْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ .
وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ سِوى أرْبَعَةِ دَراهِمَ، فَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ لَيْلًا، وبِدِرْهَمٍ نَهارًا، وبِدِرْهَمٍ سِرًّا، وبِدِرْهَمٍ عَلانِيَةً، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ما حَمَلَكَ عَلى هَذا ؟“ . قالَ: حَمَلَنِي أنْ أسْتَوْجِبَ عَلى اللَّهِ الَّذِي وعَدَنِي. فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ألا إنَّ ذَلِكَ لَكَ“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
البقرة 2:278
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدانَ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو يَعْلى، قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ الأخْنَسِ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قالَ: حَدَّثَنا الكَلْبِيُّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بَلَغَنا - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في بَنِي عَمْرِو بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عَوْفٍ مِن ثَقِيفٍ، وفي بَنِي المُغِيرَةِ مِن بَنِي مَخْزُومٍ، وكانَتْ بَنُو المُغِيرَةِ يُرْبُونَ لِثَقِيفٍ، فَلَمّا أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ عَلى مَكَّةَ وضَعَ يَوْمَئِذٍ الرِّبا كُلَّهُ، فَأتى بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ وبَنُو المُغِيرَةِ إلى عَتّابِ بْنِ أسِيدٍ وهو عَلى مَكَّةَ، فَقالَ بَنُو المُغِيرَةِ: ما جَعَلَنا أشْقى النّاسِ بِالرِّبا ؟ وضَعَ عَنِ النّاسِ غَيْرَنا. فَقالَ بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ: صُولِحْنا عَلى أنَّ لَنا رِبانا. فَكَتَبَ عَتّابٌ في ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي بَعْدَها: ﴿فَإن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ . فَعَرَفَ بَنُو عَمْرٍو أنْ لا يَدانِ لَهم بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ. يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإن تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ﴾ . فَتَأْخُذُونَ أكْثَرَ. ﴿ولا تُظْلَمُونَ﴾ . فَتُبْخَسُونَ مِنهُ.
وقالَ عَطاءٌ وعِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وكانا قَدْ أسْلَفا في التَّمْرِ، فَلَمّا حَضَرَ الجُذاذُ قالَ لَهُما صاحِبُ التَّمْرِ: لا يَبْقى لِي ما يَكْفِي عِيالِي إنْ أنْتُما أخَذْتُما حَقَّكُما كُلَّهُ، فَهَلْ لَكُما أنْ تَأْخُذا النِّصْفَ وتُؤَخِّرا النِّصْفَ وأُضْعِفُ لَكُما ؟ فَفَعَلا. فَلَمّا حَلَّ الأجَلُ طَلَبا الزِّيادَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَنَهاهُما، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَسَمِعا وأطاعا وأخَذا رُءُوسَ أمْوالِهِما.
وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في العَبّاسِ وخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وكانا شَرِيكَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ، يُسْلِفانِ في الرِّبا، فَجاءَ الإسْلامُ ولَهُما أمْوالٌ عَظِيمَةٌ في الرِّبا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”ألا إنَّ كُلَّ رِبًا مِن رِبا الجاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وأوَّلَ رِبًا أضَعُهُ رِبا العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ“ .
البقرة 2:280
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإن كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: قالَتْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ لِبَنِي المُغِيرَةِ: هاتُوا رُءُوسَ أمْوالِنا ولَكُمُ الرِّبا نَدَعُهُ لَكم. فَقالَتْ بَنُو المُغِيرَةِ: نَحْنُ اليَوْمَ أهْلُ عُسْرَةٍ، فَأخِّرُونا إلى أنْ تُدْرِكَ الثَّمَرَةُ. فَأبَوْا أنْ يُؤَخِّرُوهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإن كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ .
البقرة 2:285
أخْبَرَنا الإمامُ أبُو مَنصُورٍ عَبْدُ القاهِرِ بْنُ طاهِرٍ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زِيادٍ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ البُوشَنْجِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطامٍ، قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قالَ: حَدَّثَنا رَوْحُ بْنُ القاسِمِ، عَنِ العَلاءِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَمّا أُنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وإن تُبْدُوا ما في أنفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] . اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ، ثُمَّ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: كُلِّفْنا مِنَ الأعْمالِ ما نُطِيقُ: الصَّلاةُ والصِّيامُ والجِهادُ والصَّدَقَةُ، وقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةُ ولا نُطِيقُها. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أتُرِيدُونَ أنْ تَقُولُوا كَما قالَ أهْلُ الكِتابَيْنِ مِن قَبْلِكم ؟ - أُراهُ قالَ: سَمِعْنا وعَصَيْنا - قُولُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ“ . فَلَمّا اقْتَرَأها القَوْمُ فَذَلَّتْ بِها ألْسِنَتُهم، أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنزِلَ إلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾ . الآيَةَ كُلَّها، ونَسَخَها اللَّهُ تَعالى فَأنْزَلَ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ . الآيَةَ إلى آخِرِها.
رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ بِسْطامٍ.
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا والِدِي، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ الثَّقَفِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ويُوسُفُ بْنُ مُوسى، قالا: حَدَّثَنا وكِيعٌ، قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ آدَمَ بْنِ سُلَيْمانَ قالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وإن تُبْدُوا ما في أنفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] . دَخَلَ قُلُوبَهم مِنها شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْهُ مِن شَيْءٍ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”قُولُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا وسَلَّمْنا“ . فَألْقى اللَّهُ تَعالى في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ، فَقالُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ . حَتّى بَلَغَ: ﴿أوْ أخْطَأْنا﴾ . فَقالَ: قَدْ فَعَلْتُ. إلى آخِرِ البَقَرَةِ، كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ: قَدْ فَعَلْتُ.
رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي شَيْبَةَ عَنْ وكِيعٍ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وإن تُبْدُوا ما في أنفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] . جاءَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ومُعاذُ بْنُ جَبَلٍ وناسٌ مِنَ الأنْصارِ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَجَثَوْا عَلى الرُّكَبِ وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، واللَّهِ ما نَزَلَتْ آيَةٌ أشَدُّ عَلَيْنا مِن هَذِهِ الآيَةِ، إنَّ أحَدَنا لَيُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِما لا يُحِبُّ أنْ يَثْبُتَ في قَلْبِهِ وأنَّ لَهُ الدُّنْيا وما فِيها، وإنّا لَمُؤاخَذُونَ بِما نُحَدِّثُ بِهِ أنْفُسَنا ؟ هَلَكْنا واللَّهِ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”هَكَذا أُنْزِلَتْ“ . فَقالُوا: هَلَكْنا، وكُلِّفْنا مِنَ العَمَلِ ما لا نُطِيقُ. قالَ: ”فَلَعَلَّكم تَقُولُونَ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى: سَمِعْنا وعَصَيْنا. قُولُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا“ . واشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَمَكَثُوا بِذَلِكَ حَوْلًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الفَرَجَ والرّاحَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ . فَنَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ ما قَبْلَها. قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”إنَّ اللَّهَ قَدْ تَجاوَزَ لِأُمَّتِي ما حَدَّثُوا بِهِ أنْفُسَهم ما لَمْ يَعْمَلُوا أوْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ“ .
آل عمران 3:12
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ يَهُودَ أهْلِ المَدِينَةِ قالُوا لَمّا هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ: هَذا واللَّهِ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ الَّذِي بَشَّرَنا بِهِ مُوسى، ونَجِدُهُ في كِتابِنا بِنَعْتِهِ وصِفَتِهِ، وأنَّهُ لا تُرَدُّ لَهُ رايَةٌ. وأرادُوا تَصْدِيقَهُ واتِّباعَهُ، ثُمَّ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا تَعْجَلُوا حَتّى نَنْظُرَ إلى وقْعَةٍ لَهُ أُخْرى. فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ ونُكِبَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَكُّوا وقالُوا: لا واللَّهِ ما هو بِهِ. وغَلَبَ عَلَيْهِمُ الشَّقاءُ فَلَمْ يُسْلِمُوا. وكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ إلى مُدَّةٍ، فَنَقَضُوا ذَلِكَ العَهْدَ، وانْطَلَقَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ في سِتِّينَ راكِبًا إلى أهْلِ مَكَّةَ؛ أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ، فَوافَقُوهم، وأجْمَعُوا أمْرَهم وقالُوا: لَتَكُونَنَّ كَلِمَتُنا واحِدَةً. ثُمَّ رَجَعُوا إلى المَدِينَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ يَسارٍ: لَمّا أصابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْشًا بِبَدْرٍ، فَقَدِمَ المَدِينَةَ جَمْعُ اليَهُودِ، فَقالَ: ”يا مَعْشَرَ اليَهُودِ، احْذَرُوا مِنَ اللَّهِ مِثْلَ ما نَزَلَ بِقُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وأسْلِمُوا قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ بِكم ما نَزَلَ بِهِمْ، فَقَدْ عَرَفْتُمْ أنِّي نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، تَجِدُونَ ذَلِكَ في كِتابِكم وعَهْدِ اللَّهِ إلَيْكم“ . فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، لا يَغُرَّنَّكَ أنَّكَ لَقِيتَ قَوْمًا أغْمارًا لا عِلْمَ لَهم بِالحَرْبِ فَأصَبْتَ فِيهِمْ فُرْصَةً، أما واللَّهِ لَوْ قاتَلْناكَ لَعَرَفْتَ أنّا نَحْنُ النّاسُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي اليَهُودَ: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ تُهْزَمُونَ، ﴿وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ﴾ في الآخِرَةِ. وهَذِهِ رِوايَةُ عِكْرِمَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
آل عمران 3:18
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: لَمّا ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ قَدِمَ عَلَيْهِ حَبْرانِ مِن أحْبارِ أهْلِ الشّامِ، فَلَمّا أبْصَرا المَدِينَةَ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: ما أشْبَهَ هَذِهِ المَدِينَةَ بِصِفَةِ مَدِينَةِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ. فَلَمّا دَخَلا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَرَفاهُ بِالصِّفَةِ والنَّعْتِ، فَقالا لَهُ: أنْتَ مُحَمَّدٌ ؟ قالَ: ”نَعَمْ“ . قالا: وأنْتَ أحْمَدُ ؟ قالَ: ”نَعَمْ“ . قالا: إنّا نَسْألُكَ عَنْ شَهادَةٍ، فَإنْ أنْتَ أخْبَرْتَنا بِها آمَنّا بِكَ وصَدَّقْناكَ. فَقالَ لَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”سَلانِي“ . فَقالا لَهُ: أخْبِرْنا عَنْ أعْظَمِ شَهادَةٍ في كِتابِ اللَّهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ . فَأسْلَمَ الرَّجُلانِ وصَدَّقا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
آل عمران 3:23
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الكِتابِ﴾ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِها، فَقالَ السُّدِّيُّ: دَعا النَّبِيُّ ﷺ اليَهُودَ إلى الإسْلامِ، فَقالَ النُّعْمانُ بْنُ أوْفى: هَلُمَّ يا مُحَمَّدُ نُخاصِمْكَ إلى الأحْبارِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”بَلْ إلى كِتابِ اللَّهِ“ . فَقالَ: لا بَلْ إلى الأحْبارِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ المِدْراسِ عَلى جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ، فَقالَ لَهُ نُعَيْمُ بْنُ عَمْرٍو والحارِثُ بْنُ يَزِيدَ: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ يا مُحَمَّدُ ؟ فَقالَ: ”عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ حَنِيفًا“ . قالا: إنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”فَهَلُمُّوا إلى التَّوْراةِ فَهي بَيْنَنا وبَيْنَكم“ . فَأبَيا عَلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في قِصَّةِ اللَّذَيْنِ زَنَيا مِن خَيْبَرَ وسُؤالِ اليَهُودِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ حَدِّ الزّانِيَيْنِ. وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ المائِدَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
آل عمران 3:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ: لَمّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، ووَعَدَ أُمَّتَهُ مُلْكَ فارِسَ والرُّومِ، قالَتِ المُنافِقُونَ واليَهُودُ: هَيْهاتَ هَيْهاتَ، مِن أيْنَ لِمُحَمَّدٍ مُلْكُ فارِسَ والرُّومِ ؟ هم أعَزُّ وأمْنَعُ مِن ذَلِكَ، ألَمْ يَكْفِ مُحَمَّدًا مَكَّةُ والمَدِينَةُ حَتّى طَمِعَ في مُلْكِ فارِسَ والرُّومِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
أخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ المَرْوَزِيُّ في كِتابِهِ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ الحَدّادِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، قالَ: أخْبَرَنا إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ، قالَ: أخْبَرَنا رَوْحُ بْنُ عُبادَةَ، قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ سَألَ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَ مُلْكَ فارِسَ والرُّومِ في أُمَّتِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ .
حَدَّثَنا الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ الثَّعالِبِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حامِدٍ الوَزّانُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ المَطِيرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ الحَسَنِ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ خالِدٍ ابْنُ عَثْمَةَ، قالَ: حَدَّثَنا كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، قالَ: حَدَّثَنِي أبِي، عَنْ أبِيهِ قالَ: خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الخَنْدَقِ عامَ الأحْزابِ، ثُمَّ قَطَعَ لِكُلِّ عَشَرَةٍ أرْبَعِينَ ذِراعًا. قالَ عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ: كُنْتُ أنا وسَلْمانُ الفارِسِيُّ وحُذَيْفَةُ والنُّعْمانُ بْنُ مُقَرِّنٍ المُزَنِيُّ وسِتَّةٌ مِنَ الأنْصارِ في أرْبَعِينَ ذِراعًا، فَحَفَرْنا حَتّى إذا كُنّا تَحْتَ ذوناب أخْرَجَ اللَّهُ مِن بَطْنِ الخَنْدَقِ صَخْرَةً مُدَوَّرَةً كَسَرَتْ حَدِيدَنا وشَقَّتْ عَلَيْنا، فَقُلْنا: يا سَلْمانُ، ارْقَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخْبِرْهُ خَبَرَ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فَإمّا أنْ نَعْدِلَ عَنْها وإمّا أنْ يَأْمُرَنا فِيها بِأمْرِهِ؛ فَإنّا لا نُحِبُّ أنْ نُجاوِزَ خَطَّهُ. قالَ: فَرَقِيَ سَلْمانُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو ضارِبٌ عَلَيْهِ قُبَّةً تُرْكِيَّةً، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، خَرَجَتْ صَخْرَةٌ بَيْضاءُ مُدَوَّرَةٌ مِن بَطْنِ الخَنْدَقِ، فَكَسَرَتْ حَدِيدَنا وشَقَّتْ عَلَيْنا حَتّى ما يَحِيكُ فِيها قَلِيلٌ ولا كَثِيرٌ، فَمُرْنا فِيها بِأمْرٍ؛ فَإنّا لا نُحِبُّ أنْ نُجاوِزَ خَطَّكَ. قالَ: فَهَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ سَلْمانَ الخَنْدَقَ، والتِّسْعَةُ عَلى شَفَةِ الخَنْدَقِ، فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المِعْوَلَ مِن سَلْمانَ فَضَرَبَها ضَرْبَةً صَدَعَها، وبَرَقَ مِنها بَرْقٌ أضاءَ ما بَيْنَ لابَتَيْها - يَعْنِي المَدِينَةَ - حَتّى لَكَأنَّ مِصْباحًا في جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ، وكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَكْبِيرَ فَتْحٍ، فَكَبَّرَ المُسْلِمُونَ، ثُمَّ ضَرَبَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الثّانِيَةَ فَبَرَقَ مِنها بَرْقٌ أضاءَ ما بَيْنَ لابَتَيْها، حَتّى لَكَأنَّ مِصْباحًا في جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَكْبِيرَ فَتْحٍ، وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ، ثُمَّ ضَرَبَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكَسَرَها، وبَرَقَ مِنها بَرْقٌ أضاءَ ما بَيْنَ لابَتَيْها حَتّى لَكَأنَّ مِصْباحًا في جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ، وكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَكْبِيرَ فَتْحٍ، وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ، وأخَذَ بِيَدِ سَلْمانَ ورَقِيَ، فَقالَ سَلْمانُ: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ رَأيْتُ شَيْئًا ما رَأيْتُ مِثْلَهُ قَطُّ. فالتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى القَوْمِ فَقالَ: ”رَأيْتُمْ ما يَقُولُ سَلْمانُ ؟“ . قالُوا: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: ”ضَرَبْتُ ضَرْبَتِي الأُولى فَبَرَقَ الَّذِي رَأيْتُمْ، أضاءَتْ لِي مِنها قُصُورُ الحِيرَةِ ومَدائِنُ كِسْرى كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، ثُمَّ ضَرَبْتُ ضَرْبَتِي الثّانِيَةَ فَبَرَقَ لِيَ الَّذِي رَأيْتُمْ، أضاءَتْ لِي مِنها القُصُورُ الحُمْرُ مِن أرْضِ الرُّومِ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، ثُمَّ ضَرَبْتُ ضَرْبَتِي الثّالِثَةَ فَبَرَقَ الَّذِي رَأيْتُمْ، أضاءَتْ لِي مِنها قُصُورُ صَنْعاءَ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، فَأبْشِرُوا“ . فاسْتَبْشَرَ المُسْلِمُونَ، وقالُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ، مَوْعِدُ صِدْقٍ، وُعِدْنا النَّصْرَ بَعْدَ الحَفْرِ. فَقالَ المُنافِقُونَ: ألا تَعْجَبُونَ ؟ يُمَنِّيكم ويَعِدُكُمُ الباطِلَ، ويُخْبِرُكم أنَّهُ يُبْصِرُ مِن يَثْرِبَ قُصُورَ الحِيرَةِ ومَدائِنَ كِسْرى، وأنَّها تُفْتَحُ لَكم، وأنْتُمْ إنَّما تَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ مِنَ الفَرَقِ، لا تَسْتَطِيعُونَ أنْ تَبْرُزُوا لِلْقِتالِ. قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى القُرْآنَ: ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مّا وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] . وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ القِصَّةِ قَوْلَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ .
آل عمران 3:28
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لّا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ الحَجّاحُ بْنُ عَمْرٍو وكَهْمَسُ بْنُ أبِي الحُقَيْقِ وقَيْسُ بْنُ زَيْدٍ - وهَؤُلاءِ كانُوا مِنَ اليَهُودِ - يُباطِنُونَ نَفَرًا مِنَ الأنْصارِ لِيَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ، فَقالَ رِفاعَةُ بْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ وسَعِيدُ بْنُ خَيْثَمَةَ لِأُولَئِكَ النَّفَرِ: اجْتَنِبُوا هَؤُلاءِ اليَهُودَ، واحْذَرُوا لُزُومَهم ومُباطَنَتَهم لا يَفْتِنُوكم عَنْ دِينِكم. فَأبى أُولَئِكَ النَّفَرُ إلّا مُباطَنَتَهم ومُلازَمَتَهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، كانُوا يَتَوَلَّوْنَ اليَهُودَ والمُشْرِكِينَ، ويَأْتُونَهم بِالأخْبارِ، ويَرْجُونَ أنْ يَكُونَ لَهُمُ الظَّفَرُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، ونَهى المُؤْمِنِينَ عَنْ فِعْلِهِمْ.
وقالَ جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ الأنْصارِيِّ، وكانَ بَدْرِيًّا نَقِيبًا، وكانَ لَهُ حُلَفاءُ مِنَ اليَهُودِ، فَلَمّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الأحْزابِ قالَ عُبادَةُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّ مَعِي خَمْسَمِائَةِ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ، وقَدْ رَأيْتُ أنْ يَخْرُجُوا مَعِي فَأسْتَظْهِرَ بِهِمْ عَلى العَدُوِّ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لّا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ .
آل عمران 3:31
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ قالَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ: زَعَمَ أقْوامٌ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهم يُحِبُّونَ اللَّهَ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، إنّا نُحِبُّ رَبَّنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. ورَوى جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: وقَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى قُرَيْشٍ وهم في المَسْجِدِ الحَرامِ وقَدْ نَصَبُوا أصْنامَهم، وعَلَّقُوا عَلَيْها بَيْضَ النَّعامِ، وجَعَلُوا في آذانِها الشُّنُوفَ، وهم يَسْجُدُونَ لَها، فَقالَ: ”يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَقَدْ خالَفْتُمْ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ، ولَقَدْ كانا عَلى الإسْلامِ“ . فَقالَتْ قُرَيْشٌ: يا مُحَمَّدُ، إنَّما نَعْبُدُ هَذِهِ حُبًّا لِلَّهِ لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ وتَعْبُدُونَ الأصْنامَ لِتُقَرِّبَكم إلَيْهِ، ﴿فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ . فَأنا رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم وحُجَّتُهُ عَلَيْكم، وأنا أوْلى بِالتَّعْظِيمِ مِن أصْنامِكم.
ورَوى الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ اليَهُودَ لَمّا قالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ. أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَلَمّا نَزَلَتْ عَرَضَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى اليَهُودِ، فَأبَوْا أنْ يَقْبَلُوها.
ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ يَسارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ في نَصارى نَجْرانَ؛ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: إنَّما نُعَظِّمُ المَسِيحَ ونَعْبُدُهُ حُبًّا لِلَّهِ وتَعْظِيمًا لَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ رَدًّا عَلَيْهِمْ.
آل عمران 3:59
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ وفْدَ نَجْرانَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما لَكَ تَشْتُمُ صاحِبَنا ؟ قالَ: ”وما أقُولُ ؟“ . قالُوا: تَقُولُ: إنَّهُ عَبْدٌ. قالَ: ”أجَلْ، هو عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى العَذْراءِ البَتُولِ“ . فَغَضِبُوا وقالُوا: هَلْ رَأيْتَ إنْسانًا قَطُّ مِن غَيْرِ أبٍ ؟ فَإنْ كُنْتَ صادِقًا فَأرِنا مِثْلَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الحارِثِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى الرّازِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ، قالَ: أخْبَرَنا يَحْيى ووَكِيعٌ، عَنْ مُبارَكٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: جاءَ راهِبا نَجْرانَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَعَرَضَ عَلَيْهِما الإسْلامَ، فَقالَ أحَدُهُما: إنّا قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ. فَقالَ: ”كَذَبْتُما، إنَّهُ يَمْنَعُكُما عَنِ الإسْلامِ ثَلاثَةٌ: عِبادَتُكُما الصَّلِيبَ، وأكْلُكُما الخِنْزِيرَ، وقَوْلُكم: لِلَّهِ ولَدٌ“ . قالا: مَن أبُو عِيسى ؟ وكانَ لا يَعْجَلُ حَتّى يَأْمُرَهُ رَبُّهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِندَ اللَّهِ﴾ .
آل عمران 3:61
أخْبَرَنا أبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزمجاري، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبِي، قالَ: حَدَّثَنا حُسَيْنٌ، قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: جاءَ راهِبا نَجْرانَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ لَهُما: ”أسْلِما تَسْلَما“ . فَقالا: قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”كَذَبْتُما، يَمْنَعُكُما مِنَ الإسْلامِ ثَلاثٌ: سُجُودُكُما لِلصَّلِيبِ، وقَوْلُكُما: اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا. وشُرْبُكُما الخَمْرَ“ . فَقالا: ما تَقُولُ في عِيسى ؟ قالَ: فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ، ونَزَلَ القُرْآنُ: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ (٥٨) إنَّ مَثَلَ عِيسى عِندَ اللَّهِ (٥٩)) . إلى قَوْلِهِ تَعالى: ( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ . فَدَعاهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المُلاعَنَةِ. قالَ: وجاءَ بِالحَسَنِ والحُسَيْنِ وفاطِمَةَ وأهْلِهِ ووَلَدِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. قالَ: فَلَمّا خَرَجا مِن عِنْدِهِ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: أقْرِرْ بِالجِزْيَةِ ولا تُلاعِنْهُ. فَأقَرَّ بِالجِزْيَةِ. قالَ: فَرَجَعا فَقالا: نُقِرُّ بِالجِزْيَةِ ولا نُلاعِنُكَ. فَأقَرّا بِالجِزْيَةِ.
أخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الحَسَنِ الحافِظُ فِيما أذِنَ لِي في رِوايَتِهِ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أحْمَدَ الواعِظُ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمانَ بْنِ الأشْعَثِ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ حاتِمٍ العَسْكَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مِهْرانَ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ دِينارٍ، عَنْ داوُدَ بْنِ أبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قَدِمَ وفْدُ أهْلِ نَجْرانَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ العاقِبُ والسَّيِّدُ، فَدَعاهُما إلى الإسْلامِ، فَقالا: أسْلَمْنا قَبْلَكَ. قالَ: ”كَذَبْتُما، إنْ شِئْتُما أخْبَرْتُكُما بِما يَمْنَعُكُما مِنَ الإسْلامِ“ . فَقالا: هاتِ أنْبِئْنا. قالَ: ”حُبُّ الصَّلِيبِ، وشُرْبُ الخَمْرِ، وأكْلُ لَحْمِ الخِنْزِيرِ“ . فَدَعاهُما إلى المُلاعَنَةِ، فَواعَداهُ عَلى أنْ يُغادِياهُ بِالغَداةِ، فَغَدا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ، وبِيَدِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ، ثُمَّ أرْسَلَ إلَيْهِما فَأبَيا أنْ يُجِيبا، وأقَرّا لَهُ بِالخَراجِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”والَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ، لَوْ فَعَلا لَمُطِرَ الوادِي نارًا“ . قالَ جابِرٌ: فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنفُسَنا وأنْفُسَكُمْ﴾ . قالَ الشَّعْبِيُّ: أبْناءَنا: الحَسَنَ والحُسَيْنَ. ونِساءَنا: فاطِمَةَ. وأنْفُسَنا: عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
آل عمران 3:68
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ رُؤَساءُ اليَهُودِ: واللَّهِ يا مُحَمَّدُ لَقَدْ عَلِمْتَ أنّا أوْلى بِدِينِ إبْراهِيمَ مِنكَ ومِن غَيْرِكَ، وأنَّهُ كانَ يَهُودِيًّا، وما بِكَ إلّا الحَسَدُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
ورَوى الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورَوى أيْضًا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ يَسارٍ، وقَدْ دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ، قالُوا: لَمّا هاجَرَ جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ وأصْحابُهُ إلى الحَبَشَةِ، واسْتَقَرَّتْ بِهِمُ الدّارُ، وهاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ، وكانَ مِن أمْرِ بَدْرٍ ما كانَ، اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ في دارِ النَّدْوَةِ وقالُوا: إنَّ لَنا في أصْحابِ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ عِنْدَ النَّجاشِيِّ ثَأْرًا بِمَن قُتِلَ مِنكم بِبَدْرٍ، فاجْمَعُوا مالًا وأهْدُوهُ إلى النَّجاشِيِّ لَعَلَّهُ يَدْفَعُ إلَيْكم مَن عِنْدَهُ مِن قَوْمِكم، ولْيُنْتَدَبْ لِذَلِكَ رَجُلانِ مِن ذَوِي آرائِكم. فَبَعَثُوا عَمْرَو بْنَ العاصِ وعِمارَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ مَعَ الهَدايا - الأدَمِ وغَيْرِ ذَلِكَ - فَرَكِبا البَحْرَ وأتَيا الحَبَشَةَ، فَلَمّا دَخَلا عَلى النَّجاشِيِّ سَجَدا لَهُ وسَلَّما عَلَيْهِ، وقالا لَهُ: إنَّ قَوْمَنا لَكَ ناصِحُونَ شاكِرُونَ، ولِصَلاحِكَ مُحِبُّونَ؛ وإنَّهم بَعَثُونا إلَيْكَ لِنُحَذِّرَكَ هَؤُلاءِ القَوْمَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَيْكَ؛ لِأنَّهم قَوْمُ رَجُلٍ كَذّابٍ خَرَجَ فِينا، يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، ولَمْ يُتابِعْهُ مِنّا إلّا السُّفَهاءُ، وإنّا كُنّا قَدْ ضَيَّقْنا عَلَيْهِمُ الأمْرَ، وألْجَأْناهم إلى شِعْبٍ بِأرْضِنا، لا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ أحَدٌ، ولا يَخْرُجُ مِنهم أحَدٌ، قَدْ قَتَلَهُمُ الجُوعُ والعَطَشُ، فَلَمّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الأمْرُ بَعَثَ إلَيْكَ ابْنَ عَمِّهِ لِيُفْسِدَ عَلَيْكَ دِينَكَ ومُلْكَكَ ورَعِيَّتَكَ، فاحْذَرْهم وادْفَعْهم إلَيْنا لِنَكْفِيَكَهم. قالُوا: وآيَةُ ذَلِكَ أنَّهم إذا دَخَلُوا عَلَيْكَ لا يَسْجُدُونَ لَكَ، ولا يُحَيُّونَكَ بِالتَّحِيَّةِ الَّتِي يُحَيِّيكَ بِها النّاسُ؛ رَغْبَةً عَنْ دِينِكَ وسُنَّتِكَ. قالَ: فَدَعاهُمُ النَّجاشِيُّ، فَلَمّا حَضَرُوا صاحَ جَعْفَرٌ بِالبابِ: يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ حِزْبُ اللَّهِ. فَقالَ النَّجاشِيُّ: مُرُوا هَذا الصّائِحَ فَلْيُعِدْ كَلامَهُ. فَفَعَلَ جَعْفَرٌ، فَقالَ النَّجاشِيُّ: نَعَمْ فَلْيَدْخُلُوا بِأمانِ اللَّهِ وذِمَّتِهِ. فَنَظَرَ عَمْرُو بْنُ العاصِ إلى صاحِبِهِ فَقالَ: ألا تَسْمَعُ كَيْفَ يَرْطُنُونَ بِحِزْبِ اللَّهِ، وما أجابَهم بِهِ النَّجاشِيُّ ؟ فَساءَهُما ذَلِكَ، ثُمَّ دَخَلُوا عَلَيْهِ ولَمْ يَسْجُدُوا لَهُ، فَقالَ عَمْرُو بْنُ العاصِ: ألا تَرى أنَّهم يَسْتَكْبِرُونَ أنْ يَسْجُدُوا لَكَ ؟ فَقالَ لَهُمُ النَّجاشِيُّ: ما يَمْنَعُكم أنْ تَسْجُدُوا لِي، وتُحَيُّونِي بِالتَّحِيَّةِ الَّتِي يُحَيِّينِي بِها مَن أتانِي مِنَ الآفاقِ ؟ قالُوا: نَسْجُدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَكَ ومَلَّكَكَ، وإنَّما كانَتْ تِلْكَ التَّحِيَّةُ لَنا ونَحْنُ نَعْبُدُ الأوْثانَ، فَبَعَثَ اللَّهُ فِينا نَبِيًّا صادِقًا، وأمَرَنا بِالتَّحِيَّةِ الَّتِي رَضِيَها اللَّهُ لَنا وهي السَّلامُ، تَحِيَّةُ أهْلِ الجَنَّةِ. فَعَرَفَ النَّجاشِيُّ أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ، وأنَّهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، قالَ: أيُّكُمُ الهاتِفُ: يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ حِزْبُ اللَّهِ ؟ قالَ جَعْفَرٌ: أنا. قالَ: فَتَكَلَّمْ. قالَ: إنَّكَ مَلِكٌ مِن مُلُوكِ أهْلِ الأرْضِ، ومِن أهْلِ الكِتابِ، ولا يَصْلُحُ عِنْدَكَ كَثْرَةُ الكَلامِ، ولا الظُّلْمُ، وأنا أُحِبُّ أنْ أُجِيبَ عَنْ أصْحابِي، فَمُرْ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ فَلْيَتَكَلَّمْ أحَدُهُما ولْيُنْصِتِ الآخَرُ، فَتَسْمَعَ مُحاوَرَتَنا. فَقالَ عَمْرٌو لِجَعْفَرٍ: تَكَلَّمْ. فَقالَ جَعْفَرٌ لِلنَّجاشِيِّ: سَلْ هَذا الرَّجُلَ: أعَبِيدٌ نَحْنُ أمْ أحْرارٌ ؟ فَإنْ كُنّا عَبِيدًا أبَقْنا مِن أرْبابِنا فارْدُدْنا إلَيْهِمْ. فَقالَ النَّجاشِيُّ: أعَبِيدٌ هم أمْ أحْرارٌ ؟ فَقالَ: بَلْ أحْرارٌ كِرامٌ. فَقالَ النَّجاشِيُّ: نَجَوْا مِنَ العُبُودِيَّةِ. قالَ جَعْفَرٌ: سَلْهُما: هَلْ أهْرَقْنا دَمًا بِغَيْرِ حَقٍّ فَيُقْتَصَّ مِنّا ؟ فَقالَ عَمْرٌو: لا، ولا قَطْرَةً. قالَ جَعْفَرٌ: سَلْهُما: هَلْ أخَذْنا أمْوالَ النّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَعَلَيْنا قَضاؤُها ؟ قالَ النَّجاشِيُّ: يا عَمْرُو، وإنْ كانَ قِنْطارًا فَعَلَيَّ قَضاؤُهُ. فَقالَ عَمْرٌو: لا ولا قِيراطًا. قالَ النَّجاشِيُّ: فَما تَطْلُبُونَ مِنهم ؟ قالَ عَمْرٌو: كُنّا وهم عَلى دِينٍ واحِدٍ وأمْرٍ واحِدٍ، عَلى دِينِ آبائِنا، فَتَرَكُوا ذَلِكَ الدِّينَ واتَّبَعُوا غَيْرَهُ، ولَزِمْناهُ نَحْنُ، فَبَعَثَنا إلَيْكَ قَوْمُهم لِتَدْفَعَهم إلَيْنا. فَقالَ النَّجاشِيُّ: ما هَذا الدِّينُ الَّذِي كُنْتُمْ عَلَيْهِ، والدِّينُ الَّذِي اتَّبَعْتُمُوهُ ؟ أصْدِقْنِي. قالَ جَعْفَرٌ: أمّا الدِّينُ الَّذِي كُنّا عَلَيْهِ وتَرَكْناهُ فَهو دِينُ الشَّيْطانِ وأمْرُهُ، كُنّا نَكْفُرُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ونَعْبُدُ الحِجارَةَ، وأمّا الدِّينُ الَّذِي تَحَوَّلْنا إلَيْهِ فَدِينُ اللَّهِ الإسْلامُ، جاءَنا بِهِ مِنَ اللَّهِ رَسُولٌ وكِتابٌ مِثْلُ كِتابِ ابْنِ مَرْيَمَ مُوافِقًا لَهُ. فَقالَ النَّجاشِيُّ: يا جَعْفَرُ، لَقَدْ تَكَلَّمْتَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ فَعَلى رِسْلِكَ. ثُمَّ أمَرَ النَّجاشِيُّ فَضُرِبَ بِالنّاقُوسِ، فاجْتَمَعَ إلَيْهِ كُلُّ قِسِّيسٍ وراهِبٍ، فَلَمّا اجْتَمَعُوا عِنْدَهُ قالَ النَّجاشِيُّ: أنْشُدُكُمُ اللَّهَ الَّذِي أنْزَلَ الإنْجِيلَ عَلى عِيسى، هَلْ تَجِدُونَ بَيْنَ عِيسى وبَيْنَ القِيامَةِ نَبِيًّا مُرْسَلًا ؟ فَقالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَدْ بَشَّرَنا بِهِ عِيسى، وقالَ: مَن آمَنَ بِهِ فَقَدْ آمَنَ بِي، ومَن كَفَرَ بِهِ فَقَدْ كَفَرَ بِي. فَقالَ النَّجاشِيُّ لِجَعْفَرٍ: ماذا يَقُولُ لَكم هَذا الرَّجُلُ، وما يَأْمُرُكم بِهِ، وما يَنْهاكم عَنْهُ ؟ قالَ: يَقْرَأُ عَلَيْنا كِتابَ اللَّهِ، ويَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ، ويَأْمُرُ بِحُسْنِ الجِوارِ وصِلَةِ الرَّحِمِ، وبِرِّ اليَتِيمِ، ويَأْمُرُنا أنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. فَقالَ: اقْرَأْ عَلَيْنا شَيْئًا مِمّا كانَ يَقْرَأُ عَلَيْكم. فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ العَنْكَبُوتِ والرُّومِ. فَفاضَتْ عَيْنا النَّجاشِيِّ وأعْيُنُ أصْحابِهِ مِنَ الدَّمْعِ، وقالُوا: يا جَعْفَرُ، زِدْنا مِن هَذا الحَدِيثِ الطَّيِّبِ. فَقَرَأ عَلَيْهِ سُورَةَ الكَهْفِ، فَأرادَ عَمْرٌو أنْ يُغْضِبَ النَّجاشِيَّ، فَقالَ: إنَّهم يَشْتِمُونَ عِيسى وأُمَّهُ. فَقالَ النَّجاشِيُّ: ما تَقُولُ في عِيسى وأُمِّهِ ؟ فَقَرَأ عَلَيْهِمْ جَعْفَرٌ سُورَةَ مَرْيَمَ، فَلَمّا أتى عَلى ذِكْرِ مَرْيَمَ وعِيسى رَفَعَ النَّجاشِيُّ نَفْثَةً مِن سِواكِهِ قَدْرَ ما يَقْذِي العَيْنَ، وقالَ: واللَّهِ ما زادَ المَسِيحُ عَلى ما تَقُولُونَ هَذا. ثُمَّ أقْبَلَ عَلى جَعْفَرٍ وأصْحابِهِ فَقالَ: اذْهَبُوا فَأنْتُمْ سُيُومٌ بِأرْضِي - يَقُولُ: آمِنُونَ - مَن سَبَّكم أوْ آذاكم غَرِمَ. ثُمَّ قالَ: أبْشِرُوا ولا تَخافُوا، ولا دَهْوَرَةَ اليَوْمَ عَلى حِزْبِ إبْراهِيمَ. قالَ عَمْرٌو: يا نَجاشِيُّ، ومَن حِزْبُ إبْراهِيمَ ؟ قالَ: هَؤُلاءِ الرَّهْطُ وصاحِبُهُمُ الَّذِي جاءُوا مِن عِنْدِهِ ومَنِ اتَّبَعَهم. فَأنْكَرَ ذَلِكَ المُشْرِكُونَ وادَّعَوْا في دِينِ إبْراهِيمَ، ثُمَّ رَدَّ النَّجاشِيُّ عَلى عَمْرٍو وصاحِبِهِ المالَ الَّذِي حَمَلُوهُ، وقالَ: إنَّما هَدِيَّتُكم إلَيَّ رِشْوَةٌ فاقْبِضُوها؛ فَإنَّ اللَّهَ مَلَّكَنِي ولَمْ يَأْخُذْ مِنِّي رِشْوَةً. قالَ جَعْفَرٌ: فانْصَرَفْنا فَكُنّا في خَيْرِ دارٍ، وأكْرَمِ جِوارٍ. وأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ اليَوْمَ في خُصُومَتِهِمْ في إبْراهِيمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو بِالمَدِينَةِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ . أيْ عَلى مِلَّتِهِ وسُنَّتِهِ. ﴿وهَذا النَّبِيُّ﴾ . يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ . ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ .
أخْبَرَنا أبُو حامِدٍ أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ الوَرّاقُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو أحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ الجَزَرِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حاتِمٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ، قالَ: حَدَّثَنا وكِيعٌ، عَنْ سُفْيانَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبِي الضُّحى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلاةً مِنَ النَّبِيِّينَ، وأنا أوْلى مِنهم بِأبِي خَلِيلِ رَبِّي إبْراهِيمَ“ . ثُمَّ قَرَأ: ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَّبِيُّ﴾ .
آل عمران 3:69
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ودَّت طّائِفَةٌ مِّنْ أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ نَزَلَتْ في مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وحُذَيْفَةَ وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ حِينَ دَعاهُمُ اليَهُودُ إلى دِينِهِمْ. وقَدْ مَضَتِ القِصَّةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
آل عمران 3:72
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وقالَت طّائِفَةٌ مِّنْ أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: تَواطَأ اثْنا عَشَرَ حَبْرًا مِن يَهُودِ خَيْبَرَ وقُرى عُرَيْنَةَ، وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ادْخُلُوا في دِينِ مُحَمَّدٍ أوَّلَ النَّهارِ بِاللِّسانِ دُونَ الِاعْتِقادِ، واكْفُرُوا بِهِ في آخِرِ النَّهارِ، وقُولُوا: إنّا نَظَرْنا في كُتُبِنا وشاوَرْنا عُلَماءَنا، فَوَجَدْنا مُحَمَّدًا لَيْسَ بِذَلِكَ، وظَهَرَ لَنا كَذِبُهُ وبُطْلانُ دِينِهِ. فَإذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ شَكَّ أصْحابُهُ في دِينِهِمْ، وقالُوا: إنَّهم أهْلُ كِتابٍ، وهم أعْلَمُ بِهِ مِنّا. فَيَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِمْ إلى دِينِكم. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذِهِ الآيَةَ، وأخْبَرَ بِهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ والمُؤْمِنِينَ.
وقالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: هَذا في شَأْنِ القِبْلَةِ لَمّا صُرِفَتْ إلى الكَعْبَةِ، شَقَّ ذَلِكَ عَلى اليَهُودِ لِمُخالَفَتِهِمْ، فَقالَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ لِأصْحابِهِ: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ مِن أمْرِ الكَعْبَةِ، وصَلُّوا إلَيْها أوَّلَ النَّهارِ، ثُمَّ اكْفُرُوا بِالكَعْبَةِ آخِرَ النَّهارِ، وارْجِعُوا إلى قِبْلَتِكُمُ الصَّخْرَةِ لَعَلَّهم يَقُولُونَ: هَؤُلاءِ أهْلُ كِتابٍ وهم أعْلَمُ مِنّا. فَرُبَّما يَرْجِعُونَ إلى قِبْلَتِنا. فَحَّذَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ مَكْرَ هَؤُلاءِ، وأطْلَعَهُ عَلى سِرِّهِمْ، وأنْزَلَ: ﴿وقالَت طّائِفَةٌ مِّنْ أهْلِ الكِتابِ﴾ .
آل عمران 3:77
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ القاضِي، قالَ: حَدَّثَنا حاجِبُ بْنُ أحْمَدَ الفَقِيهُ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ حَمّادٍ، أخْبَرَنا أبُو مُعاوِيَةَ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ وهو فِيها فاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ بِها مالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ“ . فَقالَ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: فِيَّ واللَّهِ نَزَلَتْ؛ وذَلِكَ كانَ بَيْنِي وبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أرْضٌ فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: ”ألَكَ بَيِّنَةٌ ؟“ . قُلْتُ: لا. فَقالَ لِلْيَهُودِيِّ: ”أتَحْلِفُ ؟“ . فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إذَنْ يَحْلِفَ فَيَذْهَبَ بِمالِي. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ .
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ عَبْدانَ، عَنْ أبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأعْمَشِ.
أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ المِهْرِجانِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزّاهِدُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ، قالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ، قالَ: حَدَّثَنِي صالِحُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ قالَ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ هو فِيها فاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ بِها مالًا لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ . فَأتى الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فَقالَ: ما يُحَدِّثُكم أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ قُلْنا: كَذا وكَذا. قالَ: لَفِيَّ نَزَلَتْ؛ خاصَمْتُ رَجُلًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: ”ألَكَ بَيِّنَةٌ ؟“ . قُلْتُ: لا. قالَ: ”فَيَحْلِفُ“ . قُلْتُ: إذَنْ يَحْلِفَ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ هو فِيها فاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ بِها مالًا، لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ .
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ حَجّاجِ بْنِ مِنهالٍ، عَنْ أبِي عَوانَةَ. ورَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ وكِيعٍ، وعَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ أبِي مُعاوِيَةَ، كُلُّهم عَنِ الأعْمَشِ.
أخْبَرَنا الحاكِمُ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشّاذْياخِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيّا، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الفَقِيهُ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ مَنصُورٍ والأعْمَشِ، عَنْ أبِي وائِلٍ قالَ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لا يَحْلِفُ رَجُلٌ عَلى يَمِينِ صَبْرٍ لِيَقْتَطِعَ بِها مالًا فاجِرًا إلّا لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ“ . قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ . قالَ: فَجاءَ الأشْعَثُ وعَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُهم، فَقالَ: فِيَّ نَزَلَتْ وفي رَجُلٍ خاصَمْتُهُ في بِئْرٍ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”ألَكَ بَيِّنَةٌ ؟“ . قُلْتُ: لا. قالَ: ”فَلْيَحْلِفْ لَكَ ؟
“ . قُلْتُ: إذَنْ يَحْلِفَ. قالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ .
أخْبَرَنا عَمْرُو بْنُ أبِي عَمْرٍو المُزَكِّي، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ المَكِّيِّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ البُخارِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ أبِي هاشِمٍ، سَمِعَ هُشَيْمًا يَقُولُ: أخْبَرَنا العَوّامُ بْنُ حَوْشَبٍ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى، أنَّ رَجُلًا أقامَ سِلْعَةً في السُّوقِ فَحَلَفَ لَقَدْ أُعْطِيَ بِها ما لَمْ يُعْطَهُ؛ لِيُوقِعَ فِيها رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ . إلى آخِرِ الآيَةِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: إنَّ ناسًا مِن عُلَماءِ اليَهُودِ أُولِي فاقَةٍ أصابَتْهم سَنَةٌ، فاقْتَحَمُوا إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ بِالمَدِينَةِ، فَسَألَهم كَعْبٌ: هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ هَذا الرَّجُلَ رَسُولُ اللَّهِ في كِتابِكم ؟ قالُوا: نَعَمْ، وما تَعْلَمُهُ أنْتَ ؟ قالَ: لا. قالُوا: فَإنّا نَشْهَدُ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ. قالَ كَعْبٌ: لَقَدْ حَرَمَكُمُ اللَّهُ خَيْرًا كَثِيرًا، لَقَدْ قَدِمْتُمْ عَلَيَّ وأنا أُرِيدُ أنْ أمِيرَكم وأكْسُوَ عِيالَكم، فَحَرَمَكُمُ اللَّهُ وحَرَمَ عِيالَكم. قالُوا: فَإنَّهُ شُبِّهَ لَنا، فَرُويْدًا حَتّى نَلْقاهُ. فانْطَلَقُوا فَكَتَبُوا صِفَةً سِوى صِفَتِهِ، ثُمَّ انْتَهَوْا إلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمُوهُ وسَألُوهُ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى كَعْبٍ فَقالُوا: لَقَدْ كُنّا نَرى أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَلَمّا أتَيْناهُ إذا هو لَيْسَ بِالنَّعْتِ الَّذِي نُعِتَ لَنا، ووَجَدْنا نَعْتَهُ مُخالِفًا لِلَّذِي عِنْدَنا. وأخْرَجُوا الَّذِي كَتَبُوا، فَنَظَرَ إلَيْهِ كَعْبٌ فَفَرِحَ ومارَهم وأنْفَقَ عَلَيْهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في أبِي رافِعٍ وكِنانَةَ بْنِ أبِي الحُقَيْقِ وحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ، وغَيْرِهِمْ مِن رُؤَساءِ اليَهُودِ؛ كَتَمُوا ما عَهِدَ اللَّهُ إلَيْهِمْ في التَّوْراةِ مِن شَأْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وبَدَّلُوهُ وكَتَبُوا بِأيْدِيهِمْ غَيْرَهُ، وحَلَفُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِئَلّا يَفُوتَهُمُ الرِّشى والمَآكِلُ الَّتِي كانَتْ لَهم عَلى أتْباعِهِمْ.
آل عمران 3:79
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ﴾ قالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في نَصارى نَجْرانَ حِينَ عَبَدُوا عِيسى. وقَوْلُهُ: ﴿لِبَشَرٍ﴾ . يَعْنِي عِيسى. ﴿أن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ﴾ . يَعْنِي الإنْجِيلَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ وعَطاءٍ: إنَّ أبا رافِعٍ اليَهُودِيَّ والرِّبِّيسَ مِن نَصارى نَجْرانَ قالا: يا مُحَمَّدُ، أتُرِيدُ أنْ نَعْبُدَكَ ونَتَّخِذَكَ رَبًّا ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”مَعاذَ اللَّهِ أنْ يُعْبَدَ غَيْرُ اللَّهِ أوْ نَأْمُرَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، ما بِذَلِكَ بَعَثَنِي، ولا بِذَلِكَ أمَرَنِي“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ الحَسَنُ: بَلَغَنِي أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، نُسَلِّمُ عَلَيْكَ كَما يُسَلِّمُ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ، أفَلا نَسْجُدُ لَكَ ؟ قالَ: ”لا يَنْبَغِي أنْ يُسْجَدَ لِأحَدٍ مِن دُونِ اللَّهِ، ولَكِنْ أكْرِمُوا نَبِيَّكم، واعْرِفُوا الحَقَّ لِأهْلِهِ“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
آل عمران 3:83
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اخْتَصَمَ أهْلُ الكِتابَيْنِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما اخْتَلَفُوا بَيْنَهم مِن دِينِ إبْراهِيمَ، كُلُّ فِرْقَةٍ زَعَمَتْ أنَّها أوْلى بِدِينِهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”كِلا الفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِن دِينِ إبْراهِيمَ“ . فَغَضِبُوا وقالُوا: واللَّهِ ما نَرْضى بِقَضائِكَ، ولا نَأْخُذُ بِدِينِكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ .
آل عمران 3:86
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ الحارِثِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيّانَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ، قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ عاصِمٍ، عَنْ خالِدٍ وداوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ ارْتَدَّ فَلَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ . فَبَعَثَ بِها قَوْمُهُ إلَيْهِ، فَلَمّا قُرِئَتْ عَلَيْهِ قالَ: واللَّهِ ما كَذَبَنِي قَوْمِي عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى اللَّهِ، واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أصْدَقُ الثَّلاثَةِ. فَرَجَعَ تائِبًا، فَقَبِلَ مِنهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَرَكَهُ.
وأخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلٌ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ أبِي زائِدَةَ، عَنْ داوُدَ بْنِ أبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ارْتَدَّ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ عَنِ الإسْلامِ ولَحِقَ بِالشِّرْكِ، فَنَدِمَ، فَأرْسَلَ إلى قَوْمِهِ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ؛ فَإنِّي قَدْ نَدِمْتُ ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ . حَتّى بَلَغَ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ . فَكَتَبَ بِها قَوْمُهُ إلَيْهِ، فَرَجَعَ فَأسْلَمَ.
أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حامِدٍ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو بَكْرِ بْنُ زَكَرِيّا، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الفَقِيهُ، قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ سَيّارٍ، قالَ: حَدَّثَنا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمانَ، عَنْ حُمَيْدٍ الأعْرَجِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ الحارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ قَدْ أسْلَمَ، وكانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ لَحِقَ بِقَوْمِهِ وكَفَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . فَحَمَلَها إلَيْهِ رَجُلٌ مِن قَوْمِهِ فَقَرَأهُنَّ عَلَيْهِ، فَقالَ الحارِثُ: واللَّهِ إنَّكَ ما عَلِمْتُ لَصَدُوقٌ، وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَأصْدَقُ مِنكَ، وإنَّ اللَّهَ لَأصْدَقُ الثَّلاثَةِ. ثُمَّ رَجَعَ فَأسْلَمَ إسْلامًا حَسَنًا.
آل عمران 3:90
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، كَفَرُوا بِعِيسى والإنْجِيلِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِبَعْثَةِ مُحَمَّدٍ والقُرْآنِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِنَعْتِهِ وصِفَتِهِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِإقامَتِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ.
آل عمران 3:93
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِّبَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ أبُو رَوْقٍ والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ حِينَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”إنّا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ“ . فَقالَتِ اليَهُودُ: كَيْفَ وأنْتَ تَأْكُلُ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”كانَ ذَلِكَ حَلالًا لِإبْراهِيمَ، فَنَحْنُ نُحِلُّهُ“ . فَقالَتِ اليَهُودُ: كُلُّ شَيْءٍ أصْبَحْنا اليَوْمَ نُحَرِّمُهُ فَإنَّهُ كانَ مُحَرَّمًا عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ حَتّى انْتَهى إلَيْنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ تَكْذِيبًا لَهم: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِّبَنِي إسْرائِيلَ﴾ .
آل عمران 3:96
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: تَفاخَرَ المُسْلِمُونَ واليَهُودُ، فَقالَتِ اليَهُودُ: بَيْتُ المَقْدِسِ أفْضَلُ وأعْظَمُ مِنَ الكَعْبَةِ؛ لِأنَّهُ مُهاجَرُ الأنْبِياءِ، وفي الأرْضِ المُقَدَّسَةِ. وقالَ المُسْلِمُونَ: بَلِ الكَعْبَةُ أفْضَلُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
آل عمران 3:100
أخْبَرَنا أبُو عَمْرٍو القَنْطَرِيُّ فِيما أذِنَ لِي في رِوايَتِهِ، قالَ: أخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ الحَدّادُ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ خالِدٍ، قالَ: أخْبَرَنا إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ، قالَ: أخْبَرَنا المُؤَمَّلُ بْنُ إسْماعِيلَ، قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، قالَ: حَدَّثَنا أيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَ بَيْنَ هَذَيْنِ الحَيَّيْنِ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ قِتالٌ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ اصْطَلَحُوا، وألَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، فَجَلَسَ يَهُودِيٌّ في مَجْلِسٍ فِيهِ نَفَرٌ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، فَأنْشَدَ شِعْرًا قالَهُ أحَدُ الحَيَّيْنِ في حَرْبِهِمْ، فَكَأنَّهم دَخَلَهم مِن ذَلِكَ، فَقالَ الحَيُّ الآخَرُونَ: قَدْ قالَ شاعِرُنا في يَوْمِ كَذا: كَذا كَذا. فَقالَ الآخَرُونَ: وقَدْ قالَ شاعِرُنا في يَوْمِ كَذا: كَذا كَذا. قالَ: فَقالُوا: تَعالَوْا نَرُدُّ الحَرْبَ جَذَعًا كَما كانَتْ. فَنادى هَؤُلاءِ: يا لَلْأوْسِ. ونادى هَؤُلاءِ: يا لَلْخَزْرَجِ. فاجْتَمَعُوا وأخَذُوا السِّلاحَ واصْطَفُّوا لِلْقِتالِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى قامَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فَقَرَأها ورَفَعَ صَوْتَهُ، فَلَمّا سَمِعُوا صَوْتَهُ أنْصَتُوا لَهُ، وجَعَلُوا يَسْتَمِعُونَ إلَيْهِ، فَلَمّا فَرَغَ ألْقَوُا السِّلاحَ، وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًا، وجَعَلُوا يَبْكُونَ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: مَرَّ شَأْسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ - وكانَ شَيْخًا قَدْ غَبَرَ في الجاهِلِيَّةِ، عَظِيمَ الكُفْرِ، شَدِيدَ الضِّغْنِ عَلى المُسْلِمِينَ، شَدِيدَ الحَسَدِ لَهم - عَلى نَفَرٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ في مَجْلِسٍ جَمَعَهم يَتَحَدَّثُونَ فِيهِ، فَغاظَهُ ما رَأى مِن جَماعَتِهِمْ وأُلْفَتِهِمْ، وصَلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ في الإسْلامِ، بَعْدَ الَّذِي كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ مِنَ العَداوَةِ، فَقالَ: قَدِ اجْتَمَعَ مَلَأُ بَنِي قَيْلَةَ بِهَذِهِ البِلادِ، لا واللَّهِ ما لَنا مَعَهم إذا اجْتَمَعُوا بِها مِن قَرارٍ. فَأمَرَ شابًّا مِنَ اليَهُودِ كانَ مَعَهُ، فَقالَ: اعْمِدْ إلَيْهِمْ فاجْلِسْ مَعَهم، ثُمَّ ذَكِّرْهم يَوْمَ بُعاثٍ وما كانَ قَبْلَهُ، وأنْشِدْهم بَعْضَ ما كانُوا تَقاوَلُوا فِيهِ مِنَ الأشْعارِ. وكانَ بُعاثٌ يَوْمًا اقْتَتَلَتْ فِيهِ الأوْسُ والخَزْرَجُ، وكانَ الظَّفَرُ فِيهِ لِلْأوْسِ عَلى الخَزْرَجِ. فَفَعَلَ، فَتَكَلَّمَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَتَنازَعُوا وتَفاخَرُوا، حَتّى تَواثَبَ رَجُلانِ مِنَ الحَيَّيْنِ: أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ أحَدُ بَنِي حارِثَةَ مِنَ الأوْسِ، وجَبّارُ بْنُ صَخْرٍ أحَدُ بَنِي سَلِمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ. فَتَقاوَلا، ثُمَّ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: إنْ شِئْتَ واللَّهِ رَدَدْتُها الآنَ جَذَعَةً. وغَضِبَ الفَرِيقانِ جَمِيعًا، وقالا: ارْجِعاها، قَدْ فَعَلْنا، السِّلاحَ السِّلاحَ، مَوْعِدُكُمُ الظّاهِرَةُ - وهي حَرَّةٌ - فَخَرَجُوا إلَيْها. وانْضَمَّتِ الأوْسُ والخَزْرَجُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ عَلى دَعْواهُمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الجاهِلِيَّةِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيمَن مَعَهُ مِنَ المُهاجِرِينَ حَتّى جاءَهم، فَقالَ: ”يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، أبِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم بَعْدَ أنْ أكْرَمَكُمُ اللَّهُ بِالإسْلامِ، وقَطَعَ بِهِ عَنْكم أمْرَ الجاهِلِيَّةِ، وألَّفَ بَيْنَكم، تَرْجِعُونَ إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ كُفّارًا ؟ اللَّهَ اللَّهَ“ . فَعَرَفَ القَوْمُ أنَّها نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطانِ، وكَيْدٌ مِن عَدُوِّهِمْ، فَألْقَوُا السِّلاحَ مِن أيْدِيهِمْ، وبَكَوْا، وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًا، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سامِعِينَ مُطِيعِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ . يَعْنِي الأوْسَ والخَزْرَجَ. ﴿إن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ . يَعْنِي شَأْسًا وأصْحابَهُ: ﴿يَرُدُّوكُم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ .
قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ما كانَ مِن طالِعٍ أكْرَهَ إلَيْنا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأوْمى إلَيْنا بِيَدِهِ فَكَفَفْنا، وأصْلَحَ اللَّهُ تَعالى ما بَيْنَنا، فَما كانَ شَخْصٌ أحَبَّ إلَيْنا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَما رَأيْتُ قَطُّ يَوْمًا أقْبَحَ ولا أوْحَشَ أوَّلًا وأطْيَبَ آخِرًا مِن ذَلِكَ اليَوْمِ.
آل عمران 3:101
أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ الحِيرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قالَ: حَدَّثَنا العَبّاسُ الدُّورِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قالَ: حَدَّثَنا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنِ الأغَرِّ، عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ أبِي نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ شَرٌّ في الجاهِلِيَّةِ، فَذَكَرُوا ما بَيْنَهم، فَثارَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ فَذُكِرَ ذَلِكَ لَهُ، فَذَهَبَ إلَيْهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾ .
أخْبَرَنا الشَّرِيفُ إسْماعِيلُ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الحُسَيْنِ النَّقِيبُ، قالَ: أخْبَرَنا جَدِّي مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا حاتِمُ بْنُ يُونُسَ الجُرْجانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ أبِي اللَّيْثِ، قالَ: حَدَّثَنا الأشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيانَ، عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ أبِي نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الأوْسُ والخَزْرَجُ يَتَحَدَّثُونَ، فَغَضِبُوا حَتّى كادَ يَكُونُ بَيْنَهم حَرْبٌ، فَأخَذُوا السِّلاحَ ومَشى بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ﴾ . إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنقَذَكُم مِّنْها﴾ .
آل عمران 3:110
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ قالَ عِكْرِمَةُ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، وسالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ؛ وذَلِكَ أنَّ مالِكَ بْنَ الضَّيْفِ ووَهْبَ بْنَ يَهُوذا اليَهُودِيَّيْنِ قالا لَهم: إنَّ دِينَنا خَيْرٌ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ، ونَحْنُ خَيْرٌ وأفْضَلُ مِنكم. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
آل عمران 3:111
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ رُءُوسَ اليَهُودِ؛ كَعْبُ بْنَ الأشْرَفِ وبَحْرِيٌّ والنُّعْمانُ وأبُو رافِعٍ وأبُو ياسِرٍ وابْنُ صُورِيا، عَمَدُوا إلى مُؤْمِنِهِمْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ فَآذَوْهم لِإسْلامِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
آل عمران 3:113
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ: لَمّا أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ، وأسِيدُ بْنُ سَعْيَةَ، وأسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ومَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ؛ قالَتْ أحْبارُ اليَهُودِ: ما آمَنَ بِمُحَمَّدٍ إلّا شِرارُنا، ولَوْ كانُوا مِن خِيارِنا لَما تَرَكُوا دِينَ آبائِهِمْ. وقالُوا لَهم: لَقَدْ خَسِرْتُمْ حِينَ اسْتَبْدَلْتُمْ بِدِينِكم دِينًا غَيْرَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ .
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتِ الآيَةُ في صَلاةِ العَتَمَةِ يُصَلِّيها المُسْلِمُونَ، ومَن سِواهم مِن أهْلِ الكِتابِ لا يُصَلِّيها.
أخْبَرَنا أبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الغازِي، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ الحِيرِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ المُثَنّى، قالَ: حَدَّثَنا أبُو خَيْثَمَةَ، قالَ: حَدَّثَنا هاشِمُ بْنُ القاسِمِ، قالَ: حَدَّثَنا شَيْبانُ، عَنْ عاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: أخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً صَلاةَ العِشاءِ، ثُمَّ خَرَجَ إلى المَسْجِدِ، فَإذا النّاسُ يَنْتَظِرُونَ الصَّلاةَ، فَقالَ: ”إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ الأدْيانِ أحَدٌ يَذْكُرُ اللَّهَ في هَذِهِ السّاعَةِ غَيْرَكم“ . قالَ: وأُنْزِلَتْ هَؤُلاءِ الآياتُ: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِّنْ أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ .
أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ نُوحٍ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَلِيِّ بْنُ أحْمَدَ الفَقِيهُ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُسَيَّبِ، قالَ: حَدَّثَنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأعْلى، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وهْبٍ، قالَ: أخْبَرَنِي يَحْيى بْنُ أيُّوبَ، عَنِ ابْنِ زَحْرٍ، عَنْ سُلَيْمانَ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: احْتَبَسَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ لَيْلَةٍ، وكانَ عِنْدَ بَعْضِ أهْلِهِ - أوْ نِسائِهِ - فَلَمْ يَأْتِنا لِصَلاةِ العِشاءِ حَتّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، فَجاءَ ومِنّا المُصَلِّي ومِنّا المُضْطَجِعُ، فَبَشَّرَنا فَقالَ: ”إنَّهُ لا يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلاةَ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ“ . وأُنْزِلَتْ: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِّنْ أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ .
آل عمران 3:118
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يُصافُونَ المُنافِقِينَ، ويُواصِلُونَ رِجالًا مِنَ اليَهُودِ؛ لِما كانَ بَيْنَهم مِنَ القَرابَةِ والصَّداقَةِ والحِلْفِ والجِوارِ والرَّضاعِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ يَنْهاهم عَنْ مُباطَنَتِهِمْ خَوْفَ الفِتْنَةِ مِنهم عَلَيْهِمْ.
آل عمران 3:121
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ﴾ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في غَزاةِ أُحُدٍ
أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزّاهِدُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَلِيٍّ الفَقِيهُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ الحِمّانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ المَخْرَمِيُّ، عَنِ ابْنِ أبِي عَوْنٍ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أيْ خالِي، أخْبِرْنِي عَنْ قِصَّتِكم يَوْمَ أُحُدٍ. فَقالَ: اقْرَأِ العِشْرِينَ ومِائَةً مِن آلِ عِمْرانَ تَجِدْ قِصَّتَنا ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ﴾ . الآياتِ.
آل عمران 3:128
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرّازِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ العَسْكَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: كُسِرَتْ رَباعِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ ودَمِيَ وجْهُهُ، فَجَعَلَ الدَّمُ يَسِيلُ عَلى وجْهِهِ ويَقُولُ: ”كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَّبُوا وجْهَ نَبِيِّهِمْ بِالدَّمِ وهو يَدْعُوهم إلى رَبِّهِمِ ؟“ . قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ .
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الغازِي، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدانَ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ المُثَنّى، قالَ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ أبِي إسْرائِيلَ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سالِمٍ، عَنْ أبِيهِ قالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في صَلاةِ الصُّبْحِ فُلانًا وفُلانًا - ناسًا مِنَ المُنافِقِينَ - فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ .
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ حِبّانَ، عَنِ ابْنِ المُبارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ. ورَواهُ مُسْلِمٌ مِن طَرِيقِ ثابِتٍ عَنْ أنَسٍ.
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ الفارِسُ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسى بْنِ عَمْرُويَهْ، قالَ: أخْبَرَنا إبْراهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: أخْبَرَنا مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ، قالَ: حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثابِتٍ، عَنْ أنَسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وشُجَّ في رَأْسِهِ، فَجَعَلَ يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْهُ ويَقُولُ: ”كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهم وكَسَرُوا رَباعِيَتَهُ وهو يَدْعُوهم إلى رَبِّهِمْ ؟“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ .
أخْبَرَنا أبُو إسْحاقَ الثَّعالِبِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حامِدٍ الوَزّانُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو حامِدِ بْنُ الشَّرْقِيِّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سالِمٍ، عَنْ أبِيهِ، أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ في صَلاةِ الفَجْرِ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ: ”رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ، اللَّهُمَّ العَنْ فُلانًا وفُلانًا“ . دَعا عَلى ناسٍ مِنَ المُنافِقِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ .
رَواهُ البُخارِيُّ مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وسِياقُهُ أحْسَنُ مِن هَذا.
أخْبَرَنا القاضِي أبُو بَكْرٍ أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قالَ: حَدَّثَنا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، قالَ: قُرِئَ عَلى ابْنِ وهْبٍ: أخْبَرَكَ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: أخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أنَّهُما سَمِعا أبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَفْرُغُ في صَلاةِ الفَجْرِ مِنَ القِراءَةِ ويُكَبِّرُ ويَرْفَعُ رَأْسَهُ يَقُولُ: ”سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ رَبَّنا ولَكَ الحَمْدُ“ . ثُمَّ يَقُولُ وهو قائِمٌ: ”اللَّهُمَّ أنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، وسَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، وعَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ، واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، اللَّهُمَّ العَنْ لِحْيانَ ورِعْلًا وذَكْوانَ وعُصَيَّةَ عَصَتِ اللَّهَ ورَسُولَهُ“ . ثُمَّ بَلَغَنا أنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ .
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ مُوسى بْنِ إسْماعِيلَ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
آل عمران 3:135
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: نَزَلَتِ الآيَةُ في نَبْهانَ التَّمّارِ، أتَتْهُ امْرَأةٌ حَسْناءُ تَبْتاعُ مِنهُ تَمْرًا، فَضَمَّها إلى نَفْسِهِ وقَبَّلَها، ثُمَّ نَدِمَ عَلى ذَلِكَ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ وذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وقالَ في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ: إنَّ رَجُلَيْنِ أنْصارِيًّا وثَقَفِيّا آخى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما، فَكانا لا يَفْتَرِقانِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في بَعْضِ مَغازِيهِ، وخَرَجَ مَعَهُ الثَّقَفِيُّ، وخَلَّفَ الأنْصارِيَّ في أهْلِهِ وحاجَتِهِ، فَكانَ يَتَعاهَدُ أهْلَ الثَّقَفِيِّ، فَأقْبَلَ ذاتَ يَوْمٍ فَأبْصَرَ امْرَأةَ صاحِبِهِ قَدِ اغْتَسَلَتْ وهي ناشِرَةٌ شَعْرَها، فَوَقَعَتْ في نَفْسِهِ، فَدَخَلَ ولَمْ يَسْتَأْذِنْ حَتّى انْتَهى إلَيْها، فَذَهَبَ لِيَلْثَمَها فَوَضَعَتْ كَفَّها عَلى وجْهِها، فَقَبَّلَ ظاهِرَ كَفِّها، ثُمَّ نَدِمَ واسْتَحْيا، فَأدْبَرَ راجِعًا، فَقالَتْ: سُبْحانَ اللَّهِ، خُنْتَ أمانَتَكَ، وعَصَيْتَ رَبَّكَ، ولَمْ تُصِبْ حاجَتَكَ. قالَ: فَنَدِمَ عَلى صَنِيعِهِ، فَخَرَجَ يَسِيحُ في الجِبالِ ويَتُوبُ إلى اللَّهِ تَعالى مِن ذَنْبِهِ، حَتّى وافى الثَّقَفِيُّ فَأخْبَرَتْهُ أهْلُهُ بِفِعْلِهِ، فَخَرَجَ يَطْلُبُهُ حَتّى دُلَّ عَلَيْهِ، فَوافَقَهُ ساجِدًا وهو يَقُولُ: رَبِّ، ذَنْبِي ذَنْبِي، قَدْ خُنْتُ أخِي. فَقالَ لَهُ: يا فُلانُ، قُمْ فانْطَلِقْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاسْألْهُ عَنْ ذَنْبِكَ، لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ لَكَ فَرَجًا وتَوْبَةً. فَأقْبَلَ مَعَهُ حَتّى رَجَعَ إلى المَدِينَةِ، وكانَ ذاتَ يَوْمٍ عِنْدَ صَلاةِ العَصْرِ نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَوْبَتِهِ، فَتَلا عَلَيْهِما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ . فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أخاصٌّ هَذا لِهَذا الرَّجُلِ أمْ لِلنّاسِ عامَّةً ؟ قالَ: ”بَلْ لِلنّاسِ عامَّةً في التَّوْبَةِ“ .
أخْبَرَنا أبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ المَرْوَزِيُّ إجازَةً، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ الحَدّادِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، قالَ: أخْبَرَنا إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ، قالَ: أخْبَرَنا رَوْحٌ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدٌ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَطاءٍ، أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: أبَنُو إسْرائِيلَ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنّا ؟ كانُوا إذا أذْنَبَ أحَدُهم أصْبَحَتْ كَفّارَةُ ذَنْبِهِ مَكْتُوبَةً في عَتَبَةِ بابِهِ: اجْدَعْ أُذُنَكَ، اجْدَعْ أنْفَكَ، افْعَلْ كَذا. فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ، فَنَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ . فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”ألا أُخْبِرُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكَ ؟“ . فَقَرَأ هَذِهِ الآياتِ.
آل عمران 3:139
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: انْهَزَمَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، فَبَيْنا هم كَذَلِكَ إذْ أقْبَلَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ بِخَيْلِ المُشْرِكِينَ يُرِيدُ أنْ يَعْلُوَ عَلَيْهِمُ الجَبَلَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”اللَّهُمَّ لا يَعْلُونَ عَلَيْنا، اللَّهُمَّ لا قُوَّةَ لَنا إلّا بِكَ، اللَّهُمَّ لَيْسَ يَعْبُدُكَ بِهَذِهِ البَلْدَةِ غَيْرُ هَؤُلاءِ النَّفَرِ“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. وثابَ نَفَرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ رُماةٌ فَصَعِدُوا الجَبَلَ ورَمَوْا خَيْلَ المُشْرِكِينَ حَتّى هَزَمُوهم، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ .
آل عمران 3:140
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إن يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ﴾ قالَ راشِدُ بْنُ سَعْدٍ: لَمّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ كَئِيبًا حَزِينًا، جَعَلَتِ المَرْأةُ تَجِيءُ بِزَوْجِها وابْنِها مَقْتُولَيْنِ وهي تَلْتَدِمُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أهَكَذا تَفْعَلُ بِرَسُولِكَ ؟“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إن يَمْسَسْكم قَرْحٌ﴾
آل عمران 3:144
قَوْلُهُ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ﴾ قالَ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النّاسُ، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: قَدْ أُصِيبَ مُحَمَّدٌ فَأعْطُوهم بِأيْدِيكم، فَإنَّما هم إخْوانُكم. وقالَ بَعْضُهم: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ أُصِيبَ ألا تَمْضُونَ عَلى ما مَضى عَلَيْهِ نَبِيُّكم حَتّى تَلْحَقُوا بِهِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ . إلى: ﴿وكَأيِّن مِّن نَّبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا﴾ . لِقَتْلِ نَبِيِّهِمْ، إلى قَوْلِهِ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ .
آل عمران 3:151
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: لَمّا ارْتَحَلَ أبُو سُفْيانَ والمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ مُتَوَجِّهِينَ إلى مَكَّةَ، انْطَلَقُوا حَتّى بَلَغُوا بَعْضَ الطَّرِيقِ، ثُمَّ إنَّهم نَدِمُوا وقالُوا: بِئْسَ ما صَنَعْنا، قَتَلْناهم حَتّى إذا لَمْ يَبْقَ مِنهم إلّا الشِّرْذِمَةُ تَرَكْناهم، ارْجِعُوا فاسْتَأْصِلُوهم. فَلَمّا عَزَمُوا عَلى ذَلِكَ ألْقى اللَّهُ تَعالى في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ حَتّى رَجَعُوا عَمّا هَمُّوا بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
آل عمران 3:152
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: لَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ وقَدْ أُصِيبُوا بِما أُصِيبُوا يَوْمَ أُحُدٍ، قالَ ناسٌ مِن أصْحابِهِ: مِن أيْنَ أصابَنا هَذا وقَدْ وعَدَنا اللَّهُ النَّصْرَ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهُم بِإذْنِهِ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيا﴾ . يَعْنِي الرُّماةَ الَّذِينَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا يَوْمَ أُحُدٍ.
آل عمران 3:161
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُطَّوِّعِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ الحِيرِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو يَعْلى، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أبانٍ، قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ المُبارَكِ، قالَ: حَدَّثَنا شَرِيكٌ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: فُقِدَتْ قَطِيفَةٌ حَمْراءُ يَوْمَ بَدْرٍ مِمّا أُصِيبَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقالَ أُناسٌ: لَعَلَّ النَّبِيَّ ﷺ أخَذَها. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أن يَغُلَّ﴾ . قالَ خُصَيْفٌ: فَقُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يُغَلَّ ؟ فَقالَ: بَلْ يُغَلُّ ويُقْتَلُ.
أخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ النَّجّارُ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو القاسِمِ سُلَيْمانُ بْنُ أيُّوبَ الطَّبَرانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ يَزِيدَ النَّرْسِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُمَرَ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الدُّورِيُّ، عَنْ أبِي مُحَمَّدٍ اليَزِيدِيِّ، عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يُنْكِرُ عَلى مَن يَقْرَأُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يُغَلَّ﴾ . ويَقُولُ: كَيْفَ لا يَكُونُ لَهُ أنْ يُغَلَّ وقَدْ كانَ يُقْتَلُ ؟ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويَقْتُلُونَ الأنبِياءَ﴾ [آل عمران: ١١٢] . ولَكِنَّ المُنافِقِينَ اتَّهَمُوا النَّبِيَّ ﷺ في شَيْءٍ مِنَ الغَنِيمَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أن يَغُلَّ﴾ .
أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ الأصْفَهانِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الأصْفَهانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى الرّازِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ، قالَ: حَدَّثَنا وكِيعٌ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَلائِعَ، فَغَنِمَ النَّبِيُّ ﷺ غَنِيمَةً، فَقَسَمَها بَيْنَ النّاسِ، ولَمْ يَقْسِمْ لِلطَّلائِعِ شَيْئًا، فَلَمّا قَدِمَتِ الطَّلائِعُ قالُوا: قَسَمَ الفَيْءَ ولَمْ يَقْسِمْ لَنا. فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أن يَغُلَّ﴾ . قالَ سَلَمَةُ: قَرَأها الضَّحّاكُ: ﴿يَغُلَّ﴾ .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا وقَعَ في يَدِهِ غَنائِمُ هَوازِنَ يَوْمَ حُنَيْنٍ غَلَّهُ رَجُلٌ بِمِخْيَطٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ وقَدْ غَلَّ طَوائِفُ مِن أصْحابِهِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ حِينَ تَرَكَتِ الرُّماةُ المَرْكَزَ يَوْمَ أُحُدٍ طَلَبًا لِلْغَنِيمَةِ، وقالُوا: نَخْشى أنْ يَقُولَ النَّبِيُّ ﷺ: ”مَن أخَذَ شَيْئًا فَهو لَهُ“ . وألّا يَقْسِمَ الغَنائِمَ كَما لَمْ يَقْسِمْ يَوْمَ بَدْرٍ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”ظَنَنْتُمْ أنّا نَغُلُّ ولا نَقْسِمُ لَكم“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أشْرافَ النّاسِ اسْتَدْعَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَخْصُصَهم بِشَيْءٍ مِنَ الغَنائِمِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
آل عمران 3:165
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكُم مُّصِيبَةٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ مِنَ العامِ المُقْبِلِ عُوقِبُوا بِما صَنَعُوا يَوْمَ بَدْرٍ مِن أخْذِهِمُ الفِداءَ، فَقُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ، وفَرَّ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ، وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ، وهُشِمَتِ البَيْضَةُ عَلى رَأْسِهِ، وسالَ الدَّمُ عَلى وجْهِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكُم مُّصِيبَةٌ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو مِن عِندِ أنفُسِكُمْ﴾ . قالَ: بِأخْذِكُمُ الفِداءَ.
آل عمران 3:169
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى، قالَ: أخْبَرَنا أبُو سَعِيدٍ إسْماعِيلُ بْنُ أحْمَدَ الخَلّالِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدانَ البَجَلِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو كُرَيْبٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكم بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ، وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ في ظِلِّ العَرْشِ، فَلَمّا وجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ ومَشْرَبِهِمْ ومَقِيلِهِمْ قالُوا: مَن يُبَلِّغُ إخْوانَنا عَنّا أنّا في الجَنَّةِ نُرْزَقُ؛ لِئَلّا يَزْهَدُوا في الجِهادِ ولا يَنْكُلُوا في الحَرْبِ ؟ فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أنا أُبَلِّغُهم عَنْكم. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾“ .
رَواهُ الحاكِمُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ في صَحِيحِهِ مِن طَرِيقِ عُثْمانَ بْنِ أبِي شَيْبَةَ.
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الغازِي، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَمْدانَ، قالَ: أخْبَرَنا حامِدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ البَلْخِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ. فَذَكَرَهُ.
رَواهُ الحاكِمُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسى الحِيرِيِّ، عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ أبِي شَيْبَةَ.
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ الحارِثِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الشَّيْخِ الحافِظُ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ الحُسَيْنِ الحَذّاءُ، قالَ: أخْبَرَنا عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ، قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الفاكِهِ الأنْصارِيُّ، أنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ خِراشٍ قالَ: سَمِعْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: نَظَرَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”ما لِي أراكَ مُهْتَمًّا ؟“ . قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قُتِلَ أبِي وتَرَكَ دَيْنًا وعِيالًا. فَقالَ: ”ألا أُخْبِرُكَ، ما كَلَّمَ اللَّهُ أحَدًا قَطُّ إلّا مِن وراءِ حِجابٍ، وإنَّهُ كَلَّمَ أباكَ كِفاحًا، فَقالَ: يا عَبْدِي، سَلْنِي أُعْطِكَ. قالَ: أسْألُكَ أنْ تَرُدَّنِي إلى الدُّنْيا فَأُقْتَلَ فِيكَ ثانِيَةً. فَقالَ: إنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أنَّهم إلَيْها لا يَرْجِعُونَ. قالَ: يا رَبِّ، فَأبْلِغْ مَن ورائِي. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾“ .
أخْبَرَنِي أبُو عَمْرٍو القَنْطَرِيُّ فِيما كَتَبَ إلَيَّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ، قالَ: حَدَّثَنا وكِيعٌ، عَنْ سُفْيانَ، عَنْ سالِمٍ الأفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ . قالَ: لَمّا أُصِيبَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ومُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ يَوْمَ أُحُدٍ، ورَأوْا ما رُزِقُوا مِنَ الخَيْرِ، قالُوا: لَيْتَ إخْوانَنا يَعْلَمُونَ ما أصَبْنا مِنَ الخَيْرِ كَيْ يَزْدادُوا في الجِهادِ رَغْبَةً. فَقالَ اللَّهُ تَعالى: أنا مُبَلِّغُهم عَنْكم. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ﴾ . إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
وقالَ أبُو الضُّحى: نَزَلَتْ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ . في أهْلِ أُحُدٍ خاصَّةً.
وقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ: نَزَلَتِ الآيَةُ في شُهَداءِ بِئْرِ مَعُونَةَ. وقِصَّتُهم مَشْهُورَةٌ ذَكَرَها مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ يَسارٍ في المَغازِي.
وقالَ آخَرُونَ: إنَّ أوْلِياءَ الشُّهَداءِ كانُوا إذا أصابَتْهم نِعْمَةٌ أوْ سُرُورٌ تَحَسَّرُوا وقالُوا: نَحْنُ في النِّعْمَةِ والسُّرُورِ وآباؤُنا وأبْناؤُنا وإخْوانُنا في القُبُورِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذِهِ الآيَةَ تَنْفِيسًا عَنْهم، وإخْبارًا عَنْ حالِ قَتْلاهم.
آل عمران 3:172
أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ المُقْرِئُ، قالَ: أخْبَرَنا شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: أخْبَرَنا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدانَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو الأزْهَرِ، قالَ: حَدَّثَنا رَوْحٌ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يُونُسَ القُشَيْرِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَنْفَرَ النّاسَ بَعْدَ أُحُدٍ حِينَ انْصَرَفَ المُشْرِكُونَ، فاسْتَجابَ لَهُ سَبْعُونَ رَجُلًا، فَطَلَبَهم، فَلَقِيَ أبُو سُفْيانَ عِيرًا مِن خُزاعَةَ، فَقالَ لَهم: إنْ لَقِيتُمْ مُحَمَّدًا يَطْلُبُنِي فَأخْبِرُوهُ أنِّي في جَمْعٍ كَثِيرٍ. فَلَقِيَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَسَألَهم عَنْ أبِي سُفْيانَ، فَقالُوا: لَقِيناهُ في جَمْعٍ كَثِيرٍ، ونَراكَ في قِلَّةٍ، ولا نَأْمَنُهُ عَلَيْكَ. فَأبى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلّا أنْ يَطْلُبَهُ، فَسَبَقَهُ أبُو سُفْيانَ فَدَخَلَ مَكَّةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمُ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ . حَتّى بَلَغَ: ﴿فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] .
أخْبَرَنا عَمْرُو بْنُ أبِي عَمْرٍو، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدٌ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُعاوِيَةَ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ . إلى آخِرِها، قالَ: قالَتْ لِعُرْوَةَ: يا ابْنَ أُخْتِي، كانَ أبَواكَ مِنهم؛ الزُّبَيْرُ وأبُو بَكْرٍ، لَمّا أصابَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ ما أصابَ، وانْصَرَفَ عَنْهُ المُشْرِكُونَ، خافَ أنْ يَرْجِعُوا، فَقالَ: ”مَن يَذْهَبُ في أثَرِهِمْ ؟“ . فانْتَدَبَ مِنهم سَبْعُونَ رَجُلًا، كانَ فِيهِمْ أبُو بَكْرٍ والزُّبَيْرُ.
آل عمران 3:173
أخْبَرَنا أبُو إسْحاقَ الثَّعالِبِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو صالِحٍ شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو حاتِمٍ التَّمِيمِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ الأزْهَرِ، قالَ: حَدَّثَنا رَوْحُ بْنُ عُبادَةَ، قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذاكَ يَوْمَ أُحُدٍ بَعْدَ القَتْلِ والجِراحَةِ وبَعْدَما انْصَرَفَ المُشْرِكُونَ؛ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، قالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ لِأصْحابِهِ: ”ألا عِصابَةٌ تَشَدَّدُ لِأمْرِ اللَّهِ فَتَطْلُبَ عَدُوَّها؛ فَإنَّهُ أنْكى لِلْعَدُوِّ، وأبْعَدُ لِلسَّمْعِ ؟“ . فانْطَلَقَ عِصابَةٌ عَلى ما يَعْلَمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الجَهْدِ، حَتّى إذا كانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ جَعَلَ الأعْرابُ والنّاسُ يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُونَ: هَذا أبُو سُفْيانَ مائِلٌ عَلَيْكم بِالنّاسِ، فَقالُوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ .
آل عمران 3:179
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مّا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنتُمْ عَلَيْهِ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”عُرِضَتْ عَلَيَّ أُمَّتِي في صُوَرِها كَما عُرِضَتْ عَلى آدَمَ، وأُعْلِمْتُ مَن يُؤْمِنُ بِي ومَن يَكْفُرُ“ . فَبَلَغَ ذَلِكَ المُنافِقِينَ، فاسْتَهْزَءُوا وقالُوا: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أنَّهُ يَعْلَمُ مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومَن يَكْفُرُ، ونَحْنُ مَعَهُ ولا يَعْرِفُنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: قالَتْ قُرَيْشٌ: تَزْعُمُ يا مُحَمَّدُ أنَّ مَن خالَفَكَ فَهو في النّارِ واللَّهُ عَلَيْهِ غَضْبانُ، وأنَّ مَنِ اتَّبَعَكَ عَلى دِينِكَ فَهو مِن أهْلِ الجَنَّةِ واللَّهُ عَنْهُ راضٍ، فَأخْبِرْنا بِمَن يُؤْمِنُ بِكَ ومَن لا يُؤْمِنُ بِكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: سَألَ المُؤْمِنُونَ أنْ يُعْطَوْا عَلامَةً يُفَرِّقُونَ بِها بَيْنَ المُؤْمِنِ والمُنافِقِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
آل عمران 3:180
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها نَزَلَتْ في مانِعِي الزَّكاةِ.
ورَوى عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ونُبُوَّتَهُ، وأرادَ بِالبُخْلِ كِتْمانَ العِلْمِ الَّذِي آتاهُمُ اللَّهُ تَعالى.
آل عمران 3:181
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ قالَ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ ومُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: دَخَلَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذاتَ يَوْمٍ بَيْتَ مِدْراسِ اليَهُودِ، فَوَجَدَ ناسًا مِنَ اليَهُودِ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلى رَجُلٍ مِنهم يُقالُ لَهُ: فِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ، وكانَ مِن عُلَمائِهِمْ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ لِفِنْحاصَ: اتَّقِ اللَّهَ وأسْلِمْ، فَواللَّهِ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قَدْ جاءَكم بِالحَقِّ مِن رَبِّكم، تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكم في التَّوْراةِ، فَآمِن وصَدِّقْ، وأقْرِضِ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، ويُضاعِفْ لَكَ الثَّوابَ. فَقالَ فِنْحاصُ: يا أبا بَكْرٍ، تَزْعُمُ أنَّ رَبَّنا يَسْتَقْرِضُ أمْوالَنا، وما يَسْتَقْرِضُ إلّا الفَقِيرُ مِنَ الغَنِيِّ، فَإنْ كانَ ما تَقُولُ حَقًّا فَإنَّ اللَّهَ إذًا لَفَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ، ولَوْ كانَ غَنِيًّا ما اسْتَقْرَضَ أمْوالَنا. قالَ: فَغَضِبَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وضَرَبَ وجْهَ فِنْحاصَ ضَرْبَةً شَدِيدَةً، وقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلا العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَكَ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ يا عَدُوَّ اللَّهِ. فَذَهَبَ فِنْحاصُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، انْظُرْ إلى ما صَنَعَ بِي صاحِبُكَ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي بَكْرٍ: ”ما الَّذِي حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ ؟“ . فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ عَدُوَّ اللَّهَ قالَ قَوْلًا عَظِيمًا، زَعَمَ أنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وأنَّهم أغْنِياءُ، فَغَضِبْتُ لِلَّهِ وضَرَبْتُ وجْهَهُ. فَجَحَدَ ذَلِكَ فِنْحاصُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى رَدًّا عَلى فِنْحاصَ وتَصْدِيقًا لِأبِي بَكْرٍ: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ .
أخْبَرَنا عَبْدُ القاهِرِ بْنُ طاهِرٍ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، قالَ: أخْبَرَنا جَعْفَرُ بْنُ اللَّيْثِ الزِّيادِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو حُذَيْفَةَ مُوسى بْنُ مَسْعُودٍ، قالَ: حَدَّثَنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، صَكَّ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وجْهَ رَجُلٍ مِنهم، وهو الَّذِي قالَ: إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ. قالَ شِبْلٌ: بَلَغَنِي أنَّهُ فِنْحاصُ اليَهُودِيُّ، وهو الَّذِي قالَ: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ.
آل عمران 3:183
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، ومالِكِ بْنِ الضَّيْفِ، ووَهْبِ بْنِ يَهُوذا، وزَيْدِ بْنِ التّابُوهِ، وفِنْحاصَ بْنِ عازُوراءَ، وحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ؛ أتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقالُوا: أتَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ بَعَثَكَ إلَيْنا رَسُولًا، وأنْزَلَ عَلَيْكَ كِتابًا، وأنَّ اللَّهَ قَدْ عَهِدَ إلَيْنا في التَّوْراةِ ألّا نُؤْمِنَ بِرَسُولٍ يَزْعُمُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ، فَإنْ جِئْتَنا بِهِ صَدَّقْناكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
آل عمران 3:186
أخْبَرَنا أبُو مُحَمَّدٍ الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفارِسِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدُونَ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو حامِدٍ أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا أبُو اليَمانِ، قالَ: حَدَّثَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قالَ: أخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، عَنْ أبِيهِ - وكانَ مِن أحَدِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ - أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ اليَهُودِيَّ كانَ شاعِرًا، وكانَ يَهْجُو النَّبِيَّ ﷺ ويُحَرِّضُ عَلَيْهِ كُفّارَ قُرَيْشٍ في شِعْرِهِ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ وأهْلُها أخْلاطٌ، مِنهُمُ المُسْلِمُونَ ومِنهُمُ المُشْرِكُونَ ومِنهُمُ اليَهُودُ، فَأرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَصْلِحَهم كُلَّهم، وكانَ المُشْرِكُونَ واليَهُودُ يُؤْذُونَهُ ويُؤْذُونَ أصْحابَهُ أشَدَّ الأذى، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ، وفِيهِمْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ .
أخْبَرَنا عَمْرُو بْنُ أبِي عَمْرٍو المُزَكِّي، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو اليَمانِ، قالَ: أخْبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أنَّ أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ أخْبَرَهُ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ عَلى حِمارٍ عَلى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ، وأرْدَفَ أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ وراءَهُ، وسارَ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ في بَنِي الحارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ قَبْلَ وقْعَةِ بَدْرٍ، حَتّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَإذا في المَجْلِسِ أخْلاطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأوْثانِ واليَهُودِ، وفي المَجْلِسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، فَلَمّا غَشِيَتِ المَجْلِسَ عَجاجَةُ الدّابَّةِ خَمَّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أنْفَهُ بِرِدائِهِ، ثُمَّ قالَ: لا تُغَبِّرُوا عَلَيْنا. فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ وقَفَ فَنَزَلَ ودَعاهم إلى اللَّهِ، وقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: أيُّها المَرْءُ، إنَّهُ لا أحْسَنَ مِمّا تَقُولُ إنْ كانَ حَقًّا، فَلا تُؤْذِنا بِهِ في مَجالِسِنا، ارْجِعْ إلى رَحْلِكَ فَمَن جاءَكَ فاقْصُصْ عَلَيْهِ. فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، فاغْشَنا بِهِ في مَجالِسِنا؛ فَإنّا نُحِبُّ ذَلِكَ. واسْتَبَّ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ واليَهُودُ حَتّى كادُوا يَتَساوَرُونَ، فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُخَفِّضُهم حَتّى سَكَتُوا، ثُمَّ رَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ دابَّتَهُ فَسارَ حَتّى دَخَلَ عَلى سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ، فَقالَ لَهُ: ”يا سَعْدُ، ألَمْ تَسْمَعْ ما قالَ أبُو حُبابٍ - يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ - قالَ كَذا وكَذا“ . فَقالَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اعْفُ عَنْهُ واصْفَحْ، فَوالَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ لَقَدْ جاءَ اللَّهُ بِالحَقِّ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْكَ ولَقَدِ اصْطَلَحَ أهْلُ هَذِهِ البُحَيْرَةِ عَلى أنْ يُتَوِّجُوهُ ويُعَصِّبُوهُ بِالعِصابَةِ، فَلَمّا رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ بِالحَقِّ الَّذِي أعْطاكَ شَرِقَ بِذَلِكَ، فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ ما رَأيْتَ. فَعَفا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ .
آل عمران 3:188
أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الهَيْثَمِ المَرْوَزِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ البُخارِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قالَ: حَدَّثَنا زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أنَّ رِجالًا مِنَ المُنافِقِينَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى الغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ، فَإذا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اعْتَذَرُوا إلَيْهِ وحَلَفُوا وأحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوا﴾ .
رَواهُ مُسْلِمٌ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الحُلْوانِيِّ، عَنِ ابْنِ أبِي مَرْيَمَ.
أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشّاذْياخِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيّا، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْمٍ، قالَ: أخْبَرَنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، قالَ: حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ سَعْدٍ، قالَ: حَدَّثَنا زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، أنَّ مَرْوانَ بْنَ الحَكَمِ كانَ يَوْمًا وهو أمِيرٌ عَلى المَدِينَةِ عِنْدَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ ورافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، فَقالَ مَرْوانُ: يا أبا سَعِيدٍ، أرَأيْتَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوا وَّيُحِبُّونَ أن يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ . واللَّهِ إنّا لَنَفْرَحُ بِما أتَيْنا، ونُحِبُّ أنْ نُحْمَدَ بِما لَمْ نَفْعَلْ. فَقالَ أبُو سَعِيدٍ: لَيْسَ هَذا مِن هَذا، إنَّما كانَ رِجالٌ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَخَلَّفُونَ عَنْهُ وعَنْ أصْحابِهِ في المَغازِي، فَإذا كانَتْ فِيهِمُ النَّكْبَةُ وما يَكْرَهُونَ فَرِحُوا بِتَخَلُّفِهِمْ، وإذا كانَ فِيهِمْ ما يُحِبُّونَ حَلَفُوا لَهم وأحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا.
أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزّاهِدُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو سَعِيدِ بْنُ حَمْدُونَ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو حامِدِ بْنُ الشَّرْقِيِّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو الأزْهَرِ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، قالَ: أخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ، قالَ: أخْبَرَنِي ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، أنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ وقّاصٍ أخْبَرَهُ، أنَّ مَرْوانَ قالَ لِرافِعٍ - بَوّابِهِ -: اذْهَبْ إلى ابْنِ عَبّاسٍ وقُلْ لَهُ: لَئِنْ كانَ كُلُّ امْرِئٍ مِنّا فَرِحَ بِما أتى، وأحَبَّ أنْ يُحْمَدَ بِما لَمْ يَفْعَلْ عُذِّبَ؛ لَنُعَذَّبَنَّ أجْمَعِينَ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما لَكم ولِهَذا ؟ إنَّما دَعا النَّبِيُّ ﷺ اليَهُودَ فَسَألَهم عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إيّاهُ، وأخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ، فَأرَوْهُ أنْ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إلَيْهِ بِما أخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيما سَألَهم، وفَرِحُوا بِما أتَوْا مِن كِتْمانِهِمْ إيّاهُ. ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١٨٧] .
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مُوسى، عَنْ هِشامٍ. ورَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ حَجّاجٍ، كِلاهُما عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ.
وقالَ الضَّحّاكُ: كَتَبَ يَهُودُ المَدِينَةِ إلى يَهُودِ العِراقِ واليَمَنِ ومَن بَلَغَهم كِتابُهم مِنَ اليَهُودِ في الأرْضِ كُلِّها، أنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ بِنَبِيِّ اللَّهِ، فاثْبُتُوا عَلى دِينِكم، وأجْمِعُوا كَلِمَتَكم عَلى ذَلِكَ. فَأُجْمِعَتْ كَلِمَتُهم عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ والقُرْآنِ، فَفَرِحُوا بِذَلِكَ وقالُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَمَعَ كَلِمَتَنا ولَمْ نَتَفَرَّقْ، ولَمْ نَتْرُكْ دِينَنا. وقالُوا: نَحْنُ أهْلُ الصَّوْمِ والصَّلاةِ، ونَحْنُ أوْلِياءُ اللَّهِ. وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَفْرَحُونَ بِما أتَوا﴾ . أيْ بِما فَعَلُوا. ﴿وَّيُحِبُّونَ أن يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ . يَعْنِي بِما ذَكَرُوا مِنَ الصَّوْمِ والصَّلاةِ والعِبادَةِ.
آل عمران 3:190
أخْبَرَنا أبُو إسْحاقَ المُقْرِئُ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حامِدٍ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى العَنْبَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ الحِمّانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا يَعْقُوبُ القُمِّيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أبِي المُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أتَتْ قُرَيْشٌ اليَهُودَ فَقالُوا: ما جاءَكم بِهِ مُوسى مِنَ الآياتِ ؟ قالُوا: عَصاهُ، ويَدُهُ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ. وأتَوُا النَّصارى فَقالُوا: كَيْفَ كانَ عِيسى فِيكم ؟ قالُوا: يُبَرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ ويُحْيِي المَوْتى. فَأتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يَجْعَلْ لَنا الصَّفا ذَهَبًا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِّأُولِي الألْبابِ﴾ .
آل عمران 3:195
أخْبَرَنا إسْماعِيلُ بْنُ إبْراهِيمَ النَّصْراباذِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرٍو إسْماعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوّارٍ، قالَ: أخْبَرَنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُمَرَ بْنِ أبِي سَلَمَةَ - رَجُلٌ مِن ولَدِ أُمِّ سَلَمَةَ - قالَ: قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا أسْمَعُ اللَّهَ ذَكَرَ النِّساءَ في الهِجْرَةِ بِشَيْءٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أوْ أُنثى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ .
رَواهُ الحاكِمُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ في صَحِيحِهِ، عَنْ أبِي عَوْنٍ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ ماهانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ سُفْيانَ.
آل عمران 3:196
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ؛ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا في رَخاءٍ ولِينٍ مِنَ العَيْشِ، وكانُوا يَتَّجِرُونَ ويَتَنَعَّمُونَ، فَقالَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ: إنَّ أعْداءَ اللَّهِ فِيما نَرى مِنَ الخَيْرِ، وقَدْ هَلَكْنا مِنَ الجُوعِ والجَهْدِ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
آل عمران 3:199
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وأنَسٌ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ماتَ نَعاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في اليَوْمِ الَّذِي ماتَ فِيهِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأصْحابِهِ: ”اخْرُجُوا فَصَلُّوا عَلى أخٍ لَكم ماتَ بِغَيْرِ أرْضِكم“ . فَقالُوا: ومَن هو ؟ فَقالَ: ”النَّجاشِيُّ“ . فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى البَقِيعِ، وكُشِفَ لَهُ مِنَ المَدِينَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، فَأبْصَرَ سَرِيرَ النَّجاشِيِّ، وصَلّى عَلَيْهِ، وكَبَّرَ أرْبَعَ تَكْبِيراتٍ، واسْتَغْفَرَ لَهُ، وقالَ لِأصْحابِهِ: ”اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ لَهُ“ . فَقالَ المُنافِقُونَ: انْظُرُوا إلى هَذا يُصَلِّي عَلى عِلْجٍ حَبَشِيٍّ نَصْرانِيٍّ لَمْ يَرَهُ قَطُّ، ولَيْسَ عَلى دِينِهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
أخْبَرَنا أبُو الفَضْلِ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ إمْلاءً، قالَ: أخْبَرَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سِنانٍ الواسِطِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو هانِئٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَكّارٍ الباهِلِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ لِأصْحابِهِ: ”قُومُوا فَصَلُّوا عَلى أخِيكُمُ النَّجاشِيِّ“ . فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: يَأْمُرُنا أنْ نُصَلِّيَ عَلى عِلْجٍ مِنَ الحَبَشَةِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنزِلَ إلَيْكم وما أُنزِلَ إلَيْهِمْ﴾ .
وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ كُلِّهِمْ.
آل عمران 3:200
أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ أبِي عَمْرٍو الحافِظُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَلِيٍّ الفَقِيهُ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعاذٍ المالِينِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا الحُسَيْنُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ المَرْوَزِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ المُبارَكِ، قالَ: أخْبَرَنا مُصْعَبُ بْنُ ثابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قالَ: حَدَّثَنِي داوُدُ بْنُ صالِحٍ، قالَ: قالَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: يا ابْنَ أخِي، هَلْ تَدْرِي في أيِّ شَيْءٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا﴾ ؟ قالَ: قُلْتُ: لا. قالَ: إنَّهُ يا ابْنَ أخِي لَمْ يَكُنْ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوٌ يُرابَطُ فِيهِ، ولَكِنِ انْتِظارُ الصَّلاةِ خَلْفَ الصَّلاةِ.
رَواهُ الحاكِمُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ في صَحِيحِهِ عَنْ أبِي مُحَمَّدٍ المُزَنِيِّ، عَنْ أحْمَدَ بْنِ نَجْدَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنصُورٍ، عَنِ ابْنِ المُبارَكِ.
النساء 4:2
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِن غَطَفانَ كانَ عِنْدَهُ مالٌ كَثِيرٌ لِابْنِ أخٍ لَهُ يَتِيمٍ، فَلَمّا بَلَغَ اليَتِيمُ طَلَبَ المالَ فَمَنَعَهُ عَمُّهُ، فَتَرافَعا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. فَلَمّا سَمِعَها العَمُّ قالَ: أطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرَّسُولَ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الحُوبِ الكَبِيرِ. فَدَفَعَ إلَيْهِ مالَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”مَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ويُطِعْ رَبَّهُ هَكَذا فَإنَّهُ يَحُلُّ دارَهُ“ . يَعْنِي جَنَّتَهُ. فَلَمّا قَبَضَ الفَتى مالَهُ أنْفَقَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”ثَبَتَ الأجْرُ وبَقِيَ الوِزْرُ“ . فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَرَفْنا أنَّهُ ثَبَتَ الأجْرُ، فَكَيْفَ بَقِيَ الوِزْرُ وهو يُنْفِقُ في سَبِيلِ اللَّهِ ؟ فَقالَ: ”ثَبَتَ الأجْرُ لِلْغُلامِ، وبَقِيَ الوِزْرُ عَلى والِدِهِ“ .
النساء 4:3
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ أبِي زائِدَةَ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ . قالَتْ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ اليَتِيمَةُ وهو ولِيُّها، ولَها مالٌ، ولَيْسَ لَها أحَدٌ يُخاصِمُ دُونَها، فَلا يُنْكِحُها حُبًّا لِمالِها، ويُضِرُّ بِها ويُسِيءُ صُحْبَتَها، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانكِحُوا ما طابَ لَكُم مِّنَ النِّساءِ﴾ . يَقُولُ: ما أحْلَلْتُ لَكَ، ودَعْ هَذِهِ.
رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أبِي أُسامَةَ، عَنْ هِشامٍ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: كانُوا يَتَحَرَّجُونَ عَنْ أمْوالِ اليَتامى، ويَتَرَخَّصُونَ في النِّساءِ ويَتَزَوَّجُونَ ما شاءُوا، فَرُبَّما عَدَلُوا ورُبَّما لَمْ يَعْدِلُوا، فَلَمّا سَألُوا عَنِ اليَتامى ونَزَلَ: ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] . أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى أيْضًا: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ . يَقُولُ: وكَما خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى فَكَذَلِكَ خافُوا في النِّساءِ ألّا تَعْدِلُوا فِيهِنَّ، فَلا تَتَزَوَّجُوا أكْثَرَ مِمّا يُمْكِنُكُمُ القِيامُ بِحَقِّهِنَّ؛ لِأنَّ النِّساءَ كاليَتامى في الضَّعْفِ والعَجْزِ. وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الوالِبِيِّ.
النساء 4:6
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾ نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ رِفاعَةَ وفي عَمِّهِ؛ وذَلِكَ أنَّ رِفاعَةَ تُوُفِّيَ وتَرَكَ ابْنَهُ ثابِتًا وهو صَغِيرٌ، فَأتى عَمُّ ثابِتٍ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ لَهُ: إنَّ ابْنَ أخِي يَتِيمٌ في حِجْرِي، فَما يَحِلُّ لِي مِن مالِهِ، ومَتى أدْفَعُ إلَيْهِ مالَهُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
النساء 4:7
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِّلرِّجالِ نَصِيبٌ مِّمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ أوْسَ بْنَ ثابِتٍ الأنْصارِيَّ تُوُفِّيَ وتَرَكَ امْرَأةً يُقالُ لَها: أُمُّ كُجَّةَ، وثَلاثَ بَناتٍ لَهُ مِنها، فَقامَ رَجُلانِ هُما ابْنا عَمِّ المَيِّتِ ووَصِيّاهُ، يُقالُ لَهُما: سُوَيْدٌ وعَرْفَجَةُ، فَأخَذا مالَهُ ولَمْ يُعْطِيا امْرَأتَهُ ولا بَناتِهِ شَيْئًا، وكانُوا في الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ ولا الصَّغِيرَ وإنْ كانَ ذَكَرًا، إنَّما يُوَرِّثُونَ الكِبارَ، وكانُوا يَقُولُونَ: لا يُعْطى إلّا مَن قاتَلَ عَلى ظَهْرِ الخَيْلِ وحازَ الغَنِيمَةَ. فَجاءَتْ أُمُّ كُجَّةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أوْسَ بْنَ ثابِتٍ ماتَ وتَرَكَ عَلَيَّ بَناتٍ وأنا امْرَأتُهُ، ولَيْسَ عِنْدِي ما أُنْفِقُ عَلَيْهِنَّ، وقَدْ تَرَكَ أبُوهُنَّ مالًا حَسَنًا وهو عِنْدَ سُوَيْدٍ وعَرْفَجَةَ، ولَمْ يُعْطِيانِي ولا بَناتِهِ مِنَ المالِ شَيْئًا، وهُنَّ في حِجْرِي، ولا يُطْعِمانِي ولا يَسْقِيانِي ولا يَرْفَعانِ لَهُنَّ رَأْسًا. فَدَعاهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ولَدُها لا يَرْكَبُ فَرَسًا، ولا يَحْمِلُ كَلًّا، ولا يَنْكِي عَدُوًّا. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”انْصَرِفُوا حَتّى أنْظُرَ ما يُحْدِثُ اللَّهُ لِي فِيهِنَّ“ . فانْصَرَفُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
النساء 4:10
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ قالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِن غَطَفانَ يُقالُ لَهُ: مَرْثَدُ بْنُ زَيْدٍ، ولِيَ مالَ ابْنِ أخِيهِ وهو يَتِيمٌ صَغِيرٌ، فَأكَلَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ هَذِهِ الآيَةَ.
النساء 4:11
أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، قالَ: أخْبَرَنا الحَسَنُ بْنُ أحْمَدَ المَخْلَدِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا المُؤَمَّلُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عِيسى، قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبّاحِ، قالَ: حَدَّثَنا حَجّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أخْبَرَنِي ابْنُ المُنْكَدِرِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: عادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ في بَنِي سَلِمَةَ وهُما يَمْشِيانِ، فَوَجَدانِي لا أعْقِلُ، فَدَعا بِماءٍ فَتَوَضَّأ، ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ مِنهُ فَأفَقْتُ، فَقُلْتُ: كَيْفَ أصْنَعُ في مالِي يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ .
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مُوسى، عَنْ هِشامٍ. ورَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حاتِمٍ، عَنْ حَجّاجٍ، كِلاهُما عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ.
أخْبَرَنا أبُو مَنصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَنصُورِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَهْدِيٍّ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ صاعِدٍ، قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ المِقْدامِ، قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: جاءَتِ امْرَأةٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِابْنَتَيْنِ لَها، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هاتانِ بِنْتا ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ - أوْ قالَتْ: سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ - قُتِلَ مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ، وقَدِ اسْتَفاءَ عَمُّهُما مالَهُما ومِيراثَهُما، فَلَمْ يَدَعْ لَهُما مالًا إلّا أخَذَهُ، فَما تَرى يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَواللَّهِ ما يُنْكَحانِ أبَدًا إلّا ولَهُما مالٌ. فَقالَ: ”يَقْضِي اللَّهُ في ذَلِكَ“ . فَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ، وفِيها: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ . إلى آخِرِ الآيَةِ. فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ادْعُ لِيَ المَرْأةَ وصاحِبَها“ . فَقالَ لِعَمِّهِما: ”أعْطِهِما الثُّلُثَيْنِ، وأعْطِ أُمَّهُما الثُّمُنَ، وما بَقِيَ فَلَكَ“ .
النساء 4:19
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ الأصْفَهانِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الأصْفَهانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ، قالَ: حَدَّثَنا أسْباطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الشَّيْبانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - قالَ أبُو إسْحاقَ الشَّيْبانِيُّ: وذَكَرَهُ عَطاءٌ أبُو الحَسَنِ السُّوائِيُّ، ولا أظُنُّهُ إلّا ذَكَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أن تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ . قالَ: كانُوا إذا ماتَ الرَّجُلُ كانَ أوْلِياؤُهُ أحَقَّ بِامْرَأتِهِ، إنْ شاءَ بَعْضُهم تَزَوَّجَها، وإنْ شاءُوا زَوَّجُوها، وإنْ شاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوها، وهم أحَقُّ بِها مِن أهْلِها. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
رَواهُ البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُقاتِلٍ، ورَواهُ في كِتابِ الإكْراهِ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مَنصُورٍ، كِلاهُما عَنْ أسْباطٍ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ أهْلُ المَدِينَةِ في الجاهِلِيَّةِ وفي أوَّلِ الإسْلامِ إذا ماتَ الرَّجُلُ ولَهُ امْرَأةٌ جاءَ ابْنُهُ مِن غَيْرِها أوْ قَرِيبُهُ مِن عَصَبَتِهِ، فَألْقى ثَوْبَهُ عَلى تِلْكَ المَرْأةِ فَصارَ أحَقَّ بِها مِن نَفْسِها ومِن غَيْرِهِ، فَإنْ شاءَ أنْ يَتَزَوَّجَها تَزَوَّجَها بِغَيْرِ صَداقٍ إلّا الصَّداقَ الَّذِي أصْدَقَها المَيِّتُ، وإنْ شاءَ زَوَّجَها غَيْرَهُ وأخَذَ صَداقَها ولَمْ يُعْطِها شَيْئًا، وإنْ شاءَ عَضَلَها وضارَّها لِتَفْتَدِيَ مِنهُ بِما ورِثَتْ مِنَ المَيِّتِ، أوْ تَمُوتُ هي فَيَرِثُها، فَتُوُفِّيَ أبُو قَيْسِ بْنُ الأسْلَتِ الأنْصارِيُّ وتَرَكَ امْرَأتَهُ كُبَيْشَةَ بِنْتَ مَعْنٍ الأنْصارِيَّةَ، فَقامَ ابْنٌ لَهُ مِن غَيْرِها يُقالُ لَهُ: حِصْنٌ - وقالَ مُقاتِلٌ: اسْمُهُ قَيْسُ بْنُ أبِي قَيْسٍ - فَطَرَحَ ثَوْبَهُ عَلَيْها فَوَرِثَ نِكاحَها، ثُمَّ تَرَكَها فَلَمْ يَقْرَبْها ولَمْ يُنْفِقْ عَلَيْها، يُضارُّها لِتَفْتَدِيَ مِنهُ بِمالِها، فَأتَتْ كُبَيْشَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أبا قَيْسٍ تُوُفِّيَ ووَرِثَ ابْنُهُ نِكاحِي، وقَدْ أضَرَّ بِي وطَوَّلَ عَلَيَّ، فَلا هو يُنْفِقُ عَلَيَّ ولا يَدْخُلُ بِي ولا هو يُخَلِّي سَبِيلِي. فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اقْعُدِي في بَيْتِكِ حَتّى يَأْتِيَ فِيكِ أمْرُ اللَّهِ“ . قالَ: فانْصَرَفَتْ، وسَمِعَتْ بِذَلِكَ النِّساءُ في المَدِينَةِ فَأتَيْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقُلْنَ: ما نَحْنُ إلّا كَهَيْئَةِ كُبَيْشَةَ غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يَنْكِحْنا الأبْناءُ، ونَكَحَنا بَنُو العَمِّ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
النساء 4:22
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تَنكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُم مِّنَ النِّساءِ﴾ نَزَلَتْ في حِصْنِ بْنِ أبِي قَيْسٍ، تَزَوَّجَ امْرَأةَ أبِيهِ كُبَيْشَةَ بِنْتَ مَعْنٍ، وفي الأسْوَدِ بْنِ خَلَفٍ، تَزَوَّجَ امْرَأةَ أبِيهِ، وصَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، تَزَوَّجَ امْرَأةَ أبِيهِ فاخِتَةَ بِنْتَ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ، وفي مَنظُورِ بْنِ زَبّانَ، تَزَوَّجَ امْرَأةَ أبِيهِ مُلَيْكَةَ بِنْتَ خارِجَةَ.
وقالَ أشْعَثُ بْنُ سَوّارٍ: تُوُفِّيَ أبُو قَيْسٍ - وكانَ مِن صالِحِي الأنْصارِ - فَخَطَبَ ابْنُهُ قَيْسٌ امْرَأةَ أبِيهِ، فَقالَتْ: إنِّي أعُدُّكَ ولَدًا، ولَكِنِّي آتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أسْتَأْمِرُهُ. فَأتَتْهُ فَأخْبَرَتْهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
النساء 4:24
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ البُنانِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَمْدانَ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو يَعْلى، قالَ: حَدَّثَنا عَمْرٌو النّاقِدُ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو أحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ عُثْمانَ البَتِّيِّ، عَنْ أبِي الخَلِيلِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: أصَبْنا سَبايا يَوْمَ أوْطاسٍ لَهُنَّ أزْواجٌ، فَكَرِهْنا أنْ نَقَعَ عَلَيْهِنَّ، فَسَألْنا النَّبِيَّ ﷺ، فَنَزَلَتْ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ . فاسْتَحْلَلْناهُنَّ.
أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحارِثِ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحِيمِ، عَنْ أشْعَثَ بْنِ سَوّارٍ، عَنْ عُثْمانَ البَتِّيِّ، عَنْ أبِي الخَلِيلِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: لَمّا سَبى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أهْلَ أوْطاسٍ قُلْنا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، كَيْفَ نَقَعُ عَلى نِساءٍ قَدْ عَرَفْنا أنْسابَهُنَّ وأزْواجَهُنَّ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ .
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ الفارِسِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسى بْنِ عَمْرُويَهْ، قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيانَ، قالَ: حَدَّثَنا مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ، قالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ القَوارِيرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ أبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ صالِحٍ أبِي الخَلِيلِ، عَنْ أبِي عَلْقَمَةَ الهاشِمِيِّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ بَعَثَ جَيْشًا إلى أوْطاسٍ، فَلَقِيَ عَدُوًّا فَقاتَلُوهم، فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ وأصابُوا لَهم سَبايا، فَكَأنَّ ناسًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَحَرَّجُوا مِن غِشْيانِهِنَّ مِن أجْلِ أزْواجِهِنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ .
النساء 4:32
أخْبَرَنا إسْماعِيلُ بْنُ أبِي القاسِمِ الصُّوفِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا إسْماعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوّارٍ، قالَ: حَدَّثَنا قُتَيْبَةُ، قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، يَغْزُو الرِّجالُ ولا نَغْزُو، وإنَّما لَنا نِصْفُ المِيراثِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ .
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الحُسَيْنِ أخْبَرَهم عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى بْنِ يَزِيدَ، قالَ: أخْبَرَنا إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ، قالَ: أخْبَرَنا عَتّابُ بْنُ بَشِيرٍ الجَزَرِيُّ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ النِّساءَ سَألْنَ الجِهادَ، فَقُلْنَ: ودِدْنا أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَنا الغَزْوَ فَنُصِيبُ مِنَ الأجْرِ ما يُصِيبُ الرِّجالُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ .
وقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] . قالَ الرِّجالُ: إنّا لَنَرْجُو أنْ نُفَضَّلَ عَلى النِّساءِ بِحَسَناتِنا في الآخِرَةِ كَما فُضِّلْنا عَلَيْهِنَّ في المِيراثِ، فَيَكُونَ أجْرُنا عَلى الضِّعْفِ مِن أجْرِ النِّساءِ. وقالَتِ النِّساءُ: إنّا لَنَرْجُو أنْ يَكُونَ الوِزْرُ عَلَيْنا نِصْفَ ما عَلى الرِّجالِ في الآخِرَةِ، كَما لَنا المِيراثُ عَلى النِّصْفِ مِن نَصِيبِهِمْ في الدُّنْيا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ .
النساء 4:33
أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الفارِسِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَمِيرُويَهْ الهَرَوِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الخُزاعِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو اليَمانِ الحَكَمُ بْنُ نافِعٍ، قالَ: أخْبَرَنِي شُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ . في الَّذِينَ كانُوا يَتَبَنَّوْنَ رِجالًا غَيْرَ أبْنائِهِمْ ويُوَرِّثُونَهم. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ أنْ يُجْعَلَ لَهم نَصِيبٌ في الوَصِيَّةِ، ورَدَّ اللَّهُ تَعالى المِيراثَ إلى المَوالِي مِن ذَوِي الرَّحِمِ والعَصَبَةِ، وأبى أنْ يَجْعَلَ لِلْمُدَّعِينَ مِيراثًا مِمَّنِ ادَّعاهم وتَبَنّاهم، ولَكِنْ جَعَلَ لَهم نَصِيبًا في الوَصِيَّةِ.
النساء 4:34
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، وكانَ مِنَ النُّقَباءِ، وامْرَأتِهِ حَبِيبَةَ بِنْتِ زَيْدِ بْنِ أبِي زُهَيْرٍ، وهُما مِنَ الأنْصارِ، وذَلِكَ أنَّها نَشَزَتْ عَلَيْهِ، فَلَطَمَها، فانْطَلَقَ أبُوها مَعَها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: أفْرَشْتُهُ كَرِيمَتِي فَلَطَمَها. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”لِتَقْتَصَّ مِن زَوْجِها“ . وانْصَرَفَتْ مَعَ أبِيها لِتَقْتَصَّ مِنهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”ارْجِعُوا، هَذا جِبْرِيلُ أتانِي“ . وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أرَدْنا أمْرًا وأرادَ اللَّهُ أمْرًا، والَّذِي أرادَ اللَّهُ خَيْرٌ“ . ورُفِعَ القِصاصُ.
أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ الزّاهِدُ، قالَ: أخْبَرَنا زاهِرُ بْنُ أحْمَدَ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ الجُنَيْدِ، قالَ: حَدَّثَنا زِيادُ بْنُ أيُّوبَ، قالَ: حَدَّثَنا هُشَيْمٌ، قالَ: حَدَّثَنا يُونُسُ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّ رَجُلًا لَطَمَ امْرَأتَهُ فَخاصَمَتْهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجاءَ مَعَها أهْلُها فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ فُلانًا لَطَمَ صاحِبَتَنا. فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ: ”القِصاصَ القِصاصَ“ . ولا يَقْضِي قَضاءً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ . فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”أرَدْنا أمْرًا وأرادَ اللَّهُ غَيْرَهُ“ .
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ الحارِثِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الشَّيْخِ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى الرّازِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلٌ العَسْكَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ هاشِمٍ، عَنْ إسْماعِيلَ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ القِصاصِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ لَطَمَ رَجُلٌ امْرَأتَهُ، فانْطَلَقَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ زَوْجِي لَطَمَنِي فالقِصاصُ. قالَ: ”القِصاصُ“ . فَبَيْنا هو كَذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ . فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”أرَدْنا أمْرًا فَأبى اللَّهُ تَعالى إلّا غَيْرَهُ، خُذْ أيُّها الرَّجُلُ بِيَدِ امْرَأتِكَ“ .
النساء 4:37
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ حِينَ كَتَمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ولَمْ يُبَيِّنُوها لِلنّاسِ، وهم يَجِدُونَها مَكْتُوبَةً عِنْدَهم في كُتُبِهِمْ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: هُمُ اليَهُودُ، بَخِلُوا أنْ يَصْدُقُوا مَن أتاهم بِصِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونَعْتِهِ في كِتابِهِمْ.
وقالَ مُجاهِدٌ: الآياتُ الثَّلاثُ إلى قَوْلِهِ: ﴿عَلِيمًا﴾ [النساء: ١١] . نَزَلَتْ في اليَهُودِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ كانُوا يَأْتُونَ رِجالًا مِنَ الأنْصارِ يُخالِطُونَهم ويَنْصَحُونَهم ويَقُولُونَ لَهم: لا تُنْفِقُوا أمْوالَكم؛ فَإنّا نَخْشى عَلَيْكُمُ الفَقْرَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ .
النساء 4:43
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنتُمْ سُكارى﴾ نَزَلَتْ في أُناسٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ ويَحْضُرُونَ الصَّلاةَ وهم سُكارى، فَلا يَدْرُونَ كَمْ يُصَلُّونَ ولا ما يَقُولُونَ في صَلاتِهِمْ.
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ الأصْفَهانِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الشَّيْخِ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأفْرِيقِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَطاءٌ، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: صَنَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعامًا، ودَعا أُناسًا مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَطَعِمُوا وشَرِبُوا، وحَضَرَتْ صَلاةُ المَغْرِبِ، فَتَقَدَّمَ بَعْضُ القَوْمِ فَصَلّى بِهِمُ المَغْرِبَ، فَقَرَأ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ . فَلَمْ يُقِمْها، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ .
أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الذُّهْلِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ يَحْيى، قالَ: قَرَأْتُ عَلى مالِكِ بْنِ أنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في بَعْضِ أسْفارِهِ، حَتّى إذا كُنّا بِالبَيْداءِ - أوْ بِذاتِ الجَيْشِ - انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى التِماسِهِ، وأقامَ النّاسُ مَعَهُ، ولَيْسُوا عَلى ماءٍ ولَيْسَ مَعَهم ماءٌ، فَأتى النّاسُ إلى أبِي بَكْرٍ فَقالُوا: ألا تَرى ما صَنَعَتْ عائِشَةُ ؟ أقامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبِالنّاسِ مَعَهُ ولَيْسُوا عَلى ماءٍ ولَيْسَ مَعَهم ماءٌ. فَجاءَ أبُو بَكْرٍ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ واضِعٌ رَأْسَهُ عَلى فَخِذِي قَدْ نامَ، فَقالَ: أحَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ والنّاسَ مَعَهُ، ولَيْسُوا عَلى ماءٍ ولَيْسَ مَعَهم ماءٌ ؟ قالَتْ: فَعاتَبَنِي أبُو بَكْرٍ، وقالَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَقُولَ، وجَعَلَ يَطْعَنُ بِيَدِهِ في خاصِرَتِي، فَلا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إلّا مَكانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى فَخِذِي، فَنامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أصْبَحَ عَلى غَيْرِ ماءٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى آيَةَ التَّيَمُّمِ، فَتَيَمَّمُوا. فَقالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ - وهو أحَدُ النُّقَباءِ -: ما هي بِأوَّلِ بَرَكَتِكم يا آلَ أبِي بَكْرٍ. قالَتْ عائِشَةُ: فَبَعَثْنا البَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَوَجَدْنا العِقْدَ تَحْتَهُ.
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي أُوَيْسٍ، ورَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيى بْنِ يَحْيى، كِلاهُما عَنْ مالِكٍ.
أخْبَرَنا أبُو مُحَمَّدٍ الفارِسِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الفَضْلِ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبِي، عَنْ صالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذاتِ الجَيْشِ، ومَعَهُ عائِشَةُ زَوْجَتُهُ، فانْقَطَعَ عِقْدٌ لَها مِن جَزْعِ ظَفارِ، فَحُبِسَ النّاسُ ابْتِغاءَ عِقْدِها ذَلِكَ حَتّى أضاءَ الفَجْرُ، ولَيْسَ مَعَهم ماءٌ، فَتَغَيَّظَ عَلَيْها أبُو بَكْرٍ وقالَ: حَبَسْتِ النّاسَ عَلى غَيْرِ ماءٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى رَسُولِهِ ﷺ رُخْصَةَ التَّطَهُّرِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، فَقامَ المُسْلِمُونَ فَضَرَبُوا بِأيْدِيهِمُ الأرْضَ، ثُمَّ رَفَعُوا أيْدِيَهم فَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرابِ شَيْئًا، فَمَسَحُوا بِها وُجُوهَهم وأيْدِيَهم إلى المَناكِبِ، ومِن بُطُونِ أيْدِيهِمْ إلى الآباطِ. قالَ الزُّهْرِيُّ: وبَلَغَنا أنَّ أبا بَكْرٍ قالَ لِعائِشَةَ: واللَّهِ إنَّكِ ما عَلِمْتُ لَمُبارَكَةٌ.
النساء 4:49
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنفُسَهُم﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في رِجالٍ مِنَ اليَهُودِ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأطْفالِهِمْ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، هَلْ عَلى أوْلادِنا هَؤُلاءِ مِن ذَنْبٍ ؟ قالَ: ”لا“ . فَقالُوا: والَّذِي نَحْلِفُ بِهِ، ما نَحْنُ إلّا كَهَيْئَتِهِمْ، ما مِن ذَنْبٍ نَعْمَلُهُ بِالنَّهارِ إلّا كُفِّرَ عَنّا بِاللَّيْلِ، وما مِن ذَنْبٍ نَعْمَلُهُ بِاللَّيْلِ إلّا كُفِّرَ عَنّا بِالنَّهارِ. فَهَذا الَّذِي زَكَّوْا بِهِ أنْفُسَهم.
النساء 4:51
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى، قالَ: أخْبَرَنا والِدِي، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ الثَّقَفِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الجَبّارِ بْنُ العَلاءِ، قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: جاءَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وكَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ إلى أهْلِ مَكَّةَ، فَقالُوا لَهم: أنْتُمْ أهْلُ الكِتابِ، وأهْلُ العِلْمِ القَدِيمِ، فَأخْبِرُونا عَنّا وعَنْ مُحَمَّدٍ. فَقالُوا: ما أنْتُمْ وما مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: نَحْنُ نَنْحَرُ الكَوْماءَ، ونَسْقِي اللَّبَنَ عَلى الماءِ، ونَفُكُّ العُناةَ، ونَصِلُ الأرْحامَ، ونَسْقِي الحَجِيجَ، ودِينُنا القَدِيمُ، ودِينُ مُحَمَّدٍ الحَدِيثُ. قالُوا: بَلْ أنْتُمْ خَيْرٌ مِنهُ وأهْدى سَبِيلًا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الكِتابِ﴾ [النساء: ٤٤] . إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٢] .
قالَ المُفَسِّرُونَ: خَرَجَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ في سَبْعِينَ راكِبًا مِنَ اليَهُودِ إلى مَكَّةَ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ لِيُحالِفُوا قُرَيْشًا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَنْقُضُوا العَهْدَ الَّذِي كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَنَزَلَ كَعْبٌ عَلى أبِي سُفْيانَ، ونَزَلَتِ اليَهُودُ في دُورِ قُرَيْشٍ، فَقالَ أهْلُ مَكَّةَ: إنَّكم أهْلُ كِتابٍ، ومُحَمَّدٌ صاحِبُ كِتابٍ، ولا نَأْمَنُ أنْ يَكُونَ هَذا مَكْرًا مِنكم، فَإنْ أرَدْتَ أنْ نَخْرُجَ مَعَكَ فاسْجُدْ لِهَذَيْنِ الصَّنَمَيْنِ وآمِن بِهِما. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ . ثُمَّ قالَ كَعْبٌ لِأهْلِ مَكَّةَ: لِيَجِئْ مِنكم ثَلاثُونَ ومِنّا ثَلاثُونَ، فَنُلْزِقُ أكْبادَنا بِالكَعْبَةِ، فَنُعاهِدُ رَبَّ البَيْتِ لَنَجْهَدَنَّ عَلى قِتالِ مُحَمَّدٍ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَمّا فَرَغُوا قالَ أبُو سُفْيانَ لِكَعْبٍ: إنَّكَ امْرُؤٌ تَقْرَأُ الكِتابَ وتَعْلَمُ، ونَحْنُ أُمِّيُّونَ لا نَعْلَمُ، فَأيُّنا أهْدى طَرِيقًا وأقْرَبُ إلى الحَقِّ، أنَحْنُ أمْ مُحَمَّدٌ ؟ فَقالَ كَعْبٌ: اعْرِضُوا عَلَيَّ دِينَكم. فَقالَ أبُو سُفْيانَ: نَحْنُ نَنْحَرُ لِلْحَجِيجِ الكَوْماءَ، ونَسْقِيهِمُ الماءَ واللَّبَنَ، ونَقْرِي الضَّيْفَ، ونَفُكُّ العانِيَ، ونَصِلُ الرَّحِمَ، ونَعْمُرُ بَيْتَ رَبِّنا ونَطُوفُ بِهِ، ونَحْنُ أهْلُ الحَرَمِ، ومُحَمَّدٌ فارَقَ دِينَ آبائِهِ، وقَطَعَ الرَّحِمَ، وفارَقَ الحَرَمَ، ودِينُنا القَدِيمُ، ودِينُ مُحَمَّدٍ الحَدِيثُ. فَقالَ كَعْبٌ: أنْتُمْ واللَّهِ أهْدى سَبِيلًا مِمّا هو عَلَيْهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الكِتابِ﴾ [النساء: ٤٤] . يَعْنِي كَعْبًا وأصْحابَهُ.
النساء 4:52
أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ المُقْرِئُ، قالَ: أخْبَرَنا سُفْيانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: أخْبَرَنا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدانَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو الأزْهَرِ، قالَ: حَدَّثَنا رَوْحٌ، قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ - رَجُلَيْنِ مِنَ اليَهُودِ مِن بَنِي النَّضِيرِ - لَقِيا قُرَيْشًا بِالمَوْسِمِ، فَقالَ لَهُما المُشْرِكُونَ: أنَحْنُ أهْدى أمْ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، فَإنّا أهْلُ السِّدانَةِ والسِّقايَةِ وأهْلُ الحَرَمِ ؟ فَقالا: بَلْ أنْتُمْ أهْدى مِن مُحَمَّدٍ. وهُما يَعْلَمانِ أنَّهُما كاذِبانِ، إنَّما حَمَلَهُما عَلى ذَلِكَ حَسَدُ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ . فَلَمّا رَجَعا إلى قَوْمِهِما قالَ لَهُما قَوْمُهُما: إنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أنَّهُ قَدْ نَزَلَ فِيكُما كَذا وكَذا. فَقالا: صَدَقَ، واللَّهِ ما حَمَلَنا عَلى ذَلِكَ إلّا بُغْضُهُ وحَسَدُهُ.
النساء 4:58
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أن تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ الحَجَبِيِّ، مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ، كانَ سادِنَ الكَعْبَةِ، فَلَمّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ أغْلَقَ عُثْمانُ بابَ البَيْتِ وصَعِدَ السَّطْحَ، فَطَلَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المِفْتاحَ، فَقِيلَ: إنَّهُ مَعَ عُثْمانَ. فَطُلِبَ مِنهُ، فَأبى وقالَ: لَوْ عَلِمْت أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ أمْنَعْهُ المِفْتاحَ. فَلَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ يَدَهُ وأخَذَ مِنهُ المِفْتاحَ وفَتَحَ البابَ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ البَيْتَ وصَلّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمّا خَرَجَ سَألَهُ العَبّاسُ أنْ يُعْطِيَهُ المِفْتاحَ ويَجْمَعَ لَهُ بَيْنَ السِّقايَةِ والسِّدانَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا أنْ يَرُدَّ المِفْتاحَ إلى عُثْمانَ ويَعْتَذِرَ إلَيْهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ عَلِيٌّ، فَقالَ لَهُ عُثْمانُ: يا عَلِيُّ، أكْرَهْتَ وآذَيْتَ ثُمَّ جِئْتَ تَرْفُقُ. فَقالَ: لَقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في شَأْنِكَ. وقَرَأ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ عُثْمانُ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وأسْلَمَ، فَجاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: ما دامَ هَذا البَيْتُ فَإنَّ المِفْتاحَ والسِّدانَةَ في أوْلادِ عُثْمانَ. وهو اليَوْمَ في أيْدِيهِمْ.
أخْبَرَنا أبُو حَسّانَ المُزَكِّي، قالَ: أخْبَرَنا هارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ الإسْتِراباذِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُحَمَّدٍ الخُزاعِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو الوَلِيدِ الأزْرَقِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا جَدِّي، عَنْ سُفْيانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سالِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، في قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أن تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ . قالَ: نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ، قَبَضَ النَّبِيُّ ﷺ مِفْتاحَ الكَعْبَةِ، فَدَخَلَ الكَعْبَةَ يَوْمَ الفَتْحِ، فَخَرَجَ وهو يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ، فَدَعا عُثْمانَ فَدَفَعَ إلَيْهِ المِفْتاحَ، وقالَ: ”خُذُوها يا بَنِي أبِي طَلْحَةَ بِأمانَةِ اللَّهِ، لا يَنْزِعُها مِنكم إلّا ظالِمٌ“ .
أخْبَرَنا أبُو نَصْرٍ المِهْرِجانِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزّاهِدُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو القاسِمِ المُقْرِئُ، قالَ: حَدَّثَنِي أحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، قالَ: أخْبَرَنا مُصْعَبٌ، قالَ: حَدَّثَنا شَيْبَةُ بْنُ عُثْمانَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، قالَ: دَفْعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المِفْتاحَ إلَيَّ وإلى عُثْمانَ، وقالَ: ”خُذُوها يا بَنِي أبِي طَلْحَةَ خالِدَةً تالِدَةً، لا يَأْخُذُها مِنكم إلّا ظالِمٌ“ .
فَبَنُو أبِي طَلْحَةَ هُمُ الَّذِينَ يَلُونَ سِدانَةَ الكَعْبَةِ دُونَ بَنِي عَبْدِ الدّارِ.
النساء 4:59
أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حامِدٍ العَدْلُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي زَكَرِيّا الحافِظُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو حامِدِ بْنُ الشَّرْقِيِّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا حَجّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أخْبَرَنِي يَعْلى بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ . قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ، بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في سَرِيَّةٍ.
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ الفَضْلِ، ورَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، كِلاهُما عَنْ حَجّاجٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ باذانَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ في سَرِيَّةٍ إلى حَيٍّ مِن أحْياءِ العَرَبِ، وكانَ مَعَهُ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، فَسارَ خالِدٌ حَتّى إذا دَنا مِنَ القَوْمِ عَرَّسَ لِكَيْ يُصَبِّحَهم، فَأتاهُمُ النَّذِيرُ فَهَرَبُوا غَيْرَ رَجُلٍ قَدْ كانَ أسْلَمَ، فَأمَرَ أهْلَهُ أنْ يَتَأهَّبُوا لِلْمَسِيرِ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتّى أتى عَسْكَرَ خالِدٍ، ودَخَلَ عَلى عَمّارٍ فَقالَ: يا أبا اليَقْظانِ، إنِّي مُسْلِمٌ، وإنَّ قَوْمِي لَمّا سَمِعُوا بِكم هَرَبُوا، وأقَمْتُ لِإسْلامِي، أفَنافِعِي ذَلِكَ، أمْ أهْرُبُ كَما هَرَبَ قَوْمِي ؟ فَقالَ: أقِمْ فَإنَّ ذَلِكَ نافِعُكَ. وانْصَرَفَ الرَّجُلُ إلى أهْلِهِ وأمَرَهم بِالمُقامِ، وأصْبَحَ خالِدٌ فَأغارَ عَلى القَوْمِ، فَلَمْ يَجِدْ غَيْرَ ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَأخَذَهُ وأخَذَ مالَهُ، فَأتاهُ عَمّارٌ فَقالَ: خَلِّ سَبِيلَهُ فَإنَّهُ مُسْلِمٌ، وقَدْ كُنْتُ أمَّنْتُهُ وأمَرْتُهُ بِالمُقامِ. فَقالَ خالِدٌ: أنْتَ تُجِيرُ عَلَيَّ وأنا الأمِيرُ ؟ فَقالَ عَمّارٌ: نَعَمْ، أنا أُجِيرُ عَلَيْكَ وأنْتَ الأمِيرُ. فَكانَ في ذَلِكَ بَيْنَهُما كَلامٌ، فانْصَرَفُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرُوهُ خَبَرَ الرَّجُلِ، فَأمَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ وأجازَ أمانَ عَمّارٍ، ونَهاهُ أنْ يُجِيرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى أمِيرٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ. قالَ: واسْتَبَّ عَمّارٌ وخالِدٌ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأغْلَظَ عَمّارٌ لِخالِدٍ، فَغَضِبَ خالِدٌ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أتَدَعُ هَذا العَبْدَ يَشْتُمُنِي ؟ فَواللَّهِ لَوْلا أنْتَ ما شَتَمَنِي عَمّارٌ - وكانَ عَمّارٌ مَوْلًى لِهاشِمِ بْنِ المُغِيرَةِ - فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”يا خالِدُ، كُفَّ عَنْ عَمّارٍ؛ فَإنَّ مَن يَسُبُّ عَمّارًا يَسُبُّهُ اللَّهُ، ومَن يُبْغِضُ عَمّارًا يُبْغِضُهُ اللَّهُ“ . فَقامَ عَمّارٌ، فَتَبِعَهُ خالِدٌ فَأخَذَ بِثَوْبِهِ وسَألَهُ أنْ يَرْضى عَنْهُ، فَرَضِيَ عَنْهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وأمَرَ بِطاعَةِ أُولِي الأمْرِ.
النساء 4:60
أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ العَدْلُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدانَ، قالَ: أخْبَرَنا الحَسَنُ بْنُ سُفْيانَ، قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الجَوْهَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو اليَمانِ، قالَ: حَدَّثَنا صَفْوانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أبُو بَرْزَةَ الأسْلَمِيُّ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ فِيما يَتَنافَرُونَ إلَيْهِ، فَتَنافَرَ إلَيْهِ أُناسٌ مِن أسْلَمَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنزِلَ إلَيْكَ وما أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ . إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَوْفِيقًا﴾ .
أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو صالِحٍ شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو حاتِمٍ التَّمِيمِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو الأزْهَرِ، قالَ: حَدَّثَنا رُوَيْمٌ، قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ: قَيْسٌ، وفي رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ في مُدارَأةٍ كانَتْ بَيْنَهُما في حَقٍّ تَدارَآ فِيهِ، فَتَنافَرا إلى كاهِنٍ بِالمَدِينَةِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُما، وتَرَكا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ، فَعابَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِما، وكانَ اليَهُودِيُّ يَدْعُوهُ إلى نَبِيِّ اللَّهِ لِعِلْمِهِ أنَّ النَّبِيَّ لا يَجُورُ عَلَيْهِ، وجَعَلَ الأنْصارِيُّ يَأْبى عَلَيْهِ وهو يَزْعُمُ أنَّهُ مُسْلِمٌ، ويَدْعُوهُ إلى الكاهِنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما تَسْمَعُونَ، وعابَ عَلى الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ مُسْلِمٌ وعَلى اليَهُودِيِّ الَّذِي هو مِن أهْلِ الكِتابِ، فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنزِلَ إلَيْكَ﴾ . إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ .
أخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ المَرْوَزِيُّ في كِتابِهِ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، قالَ: أخْبَرَنا إسْحاقُ الحَنْظَلِيُّ، قالَ: أخْبَرَنِي المُؤَمَّلُ، قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ داوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: كانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ ورَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ خُصُومَةٌ، فَدَعا اليَهُودِيُّ المُنافِقَ إلى النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ لا يَقْبَلُ الرِّشْوَةَ، ودَعا المُنافِقُ اليَهُودِيَّ إلى حُكّامِهِمْ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهم يَأْخُذُونَ الرِّشْوَةَ في أحْكامِهِمْ، فَلَمّا اخْتَلَفا اجْتَمَعا عَلى أنْ يُحَكِّما كاهِنًا مِن جُهَيْنَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنزِلَ إلَيْكَ﴾ . يَعْنِي المُنافِقَ. ﴿وما أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ . يَعْنِي اليَهُودِيَّ. ﴿يُرِيدُونَ أن يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] .
وقالَ الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ يَهُودِيٍّ خُصُومَةٌ، فَقالَ اليَهُودِيُّ: انْطَلِقْ بِنا إلى مُحَمَّدٍ. وقالَ المُنافِقُ: بَلْ نَأْتِي كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ - وهو الَّذِي سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى الطّاغُوتَ - فَأبى اليَهُودِيُّ إلّا أنْ يُخاصِمَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَلَمّا رَأى المُنافِقُ ذَلِكَ أتى مَعَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاخْتَصَما إلَيْهِ، فَقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْيَهُودِيِّ. فَلَمّا خَرَجا مِن عِنْدِهِ لَزِمَهُ المُنافِقُ وقالَ: نَنْطَلِقُ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. فَأقْبَلا إلى عُمَرَ، فَقالَ اليَهُودِيُّ: اخْتَصَمْتُ أنا وهَذا إلى مُحَمَّدٍ فَقَضى لِي عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرْضَ بِقَضائِهِ، وزَعَمَ أنَّهُ مُخاصِمٌ إلَيْكَ، وتَعَلَّقَ بِي فَجِئْتُ مَعَهُ. فَقالَ عُمَرُ لِلْمُنافِقِ: أكَذَلِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ. فَقالَ لَهُما: رُوَيْدَكُما حَتّى أخْرُجَ إلَيْكُما. فَدَخَلَ عُمَرُ البَيْتَ وأخَذَ السَّيْفَ فاشْتَمَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِما فَضَرَبَ المُنافِقَ حَتّى بَرَدَ، وقالَ: هَكَذا أقْضِي بَيْنَ مَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَضاءِ رَسُولِهِ. وهَرَبَ اليَهُودِيُّ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ عُمَرَ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. فَسُمِّيَ الفارُوقَ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ أسْلَمُوا ونافَقَ بَعْضُهم، وكانَتْ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ في الجاهِلِيَّةِ إذا قَتَلَ رَجُلٌ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ رَجُلًا مِن بَنِي النَّضِيرِ قُتِلَ بِهِ وأخَذَ دِيَتَهُ مِائَةَ وسْقٍ مِن تَمْرٍ، وإذا قَتَلَ رَجُلٌ مِن بَنِي النَّضِيرِ رَجُلًا مِن قُرَيْظَةَ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ، وأعْطى دِيَتَهُ سِتِّينَ وسْقًا مِن تَمْرٍ، وكانَتِ النَّضِيرُ حُلَفاءَ الأوْسِ، وكانُوا أكْثَرَ وأشْرَفَ مِن قُرَيْظَةَ وهم حُلَفاءُ الخَزْرَجِ، فَقَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِن قُرَيْظَةَ، واخْتَصَمُوا في ذَلِكَ، فَقالَتْ بَنُو النَّضِيرِ: إنّا وأنْتُمْ كُنّا اصْطَلَحْنا في الجاهِلِيَّةِ عَلى أنْ نَقْتُلَ مِنكم ولا تَقْتُلُوا مِنّا، وعَلى أنَّ دِيَتَكم سِتُّونَ وسْقًا - والوَسْقُ: سِتُّونَ صاعًا - ودِيَتَنا مِائَةُ وسْقٍ، فَنَحْنُ نُعْطِيكم ذَلِكَ. فَقالَتِ الخَزْرَجُ: هَذا شَيْءٌ كُنْتُمْ فَعَلْتُمُوهُ في الجاهِلِيَّةِ لِأنَّكم كَثُرْتُمْ وقَلَلْنا، فَقَهَرْتُمُونا، ونَحْنُ وأنْتُمُ اليَوْمَ إخْوَةٌ، ودِينُنا ودِينُكم واحِدٌ، ولَيْسَ لَكم عَلَيْنا فَضْلٌ. فَقالَ المُنافِقُونَ: انْطَلِقُوا إلى أبِي بُرْدَةَ الكاهِنِ الأسْلَمِيِّ. وقالَ المُسْلِمُونَ: لا بَلْ إلى النَّبِيِّ ﷺ . فَأبى المُنافِقُونَ وانْطَلَقُوا إلى أبِي بُرْدَةَ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم، فَقالَ: أعْظِمُوا اللُّقْمَةَ - يَعْنِي الرِّشْوَةَ - فَقالُوا: لَكَ عَشَرَةُ أوْسُقٍ. قالَ: لا بَلْ مِائَةُ وسْقٍ دِيَتِي؛ فَإنِّي أخافُ إنْ نَفَرْتُ النَّضِيرِيَّ قَتَلَتْنِي قُرَيْظَةُ، وإنْ نَفَرْتُ القُرَيْظِيَّ قَتَلَتْنِي النَّضِيرُ. فَأبَوْا أنْ يُعْطُوهُ فَوْقَ عَشَرَةِ أوْسُقٍ، وأبى أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَدَعا النَّبِيُّ ﷺ كاهِنَ أسْلَمَ إلى الإسْلامِ، فَأبى وانْصَرَفَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِابْنَيْهِ: ”أدْرِكا أباكُما فَإنَّهُ إنْ جاوَزَ عَقَبَةَ كَذا لَمْ يُسْلِمْ أبَدًا“ . فَأدْرَكاهُ فَلَمْ يَزالا بِهِ حَتّى انْصَرَفَ وأسْلَمَ، وأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مُنادِيًا فَنادى: ”ألا إنَّ كاهِنَ أسْلَمَ قَدْ أسْلَمَ“ .
النساء 4:65
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ نَزَلَتْ في الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ وخَصْمِهِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، وقِيلَ: ثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ.
أخْبَرَنا أبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدانَ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قالَ: حَدَّثَنِي أبِي، قالَ: حَدَّثَنا أبُو اليَمانِ، قالَ: حَدَّثَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ أبِيهِ، أنَّهُ كانَ يُحَدِّثُ أنَّهُ خاصَمَ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا إلى النَّبِيِّ ﷺ في شِراجِ الحَرَّةِ كانا يَسْقِيانِ بِها كِلاهُما، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لِلزُّبَيْرِ: ”اسْقِ ثُمَّ أرْسِلْ إلى جارِكَ“ . فَغَضِبَ الأنْصارِيُّ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ. فَتَلَوَّنَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قالَ لِلزُّبَيْرِ: ”اسْقِ ثُمَّ احْبِسِ الماءِ حَتّى يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ“ .
فاسْتَوْفى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ أشارَ عَلى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ أرادَ فِيهِ سَعَةً لِلْأنْصارِيِّ ولَهُ، فَلَمّا أحْفَظَ الأنْصارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَوْفى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ في صَرِيحِ الحُكْمِ.
قالَ عُرْوَةُ: قالَ الزُّبَيْرُ: واللَّهِ ما أحْسَبُ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ إلّا في ذَلِكَ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ .
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ. ورَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ، كِلاهُما عَنِ الزُّهْرِيِّ.
أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حامِدٍ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو أحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ الشَّيْبانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ حَمّادٍ ابْنُ زُغْبَةَ، قالَ: حَدَّثَنا حامِدُ بْنُ يَحْيى بْنِ هانِئٍ البَلْخِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ، قالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينارٍ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ العَوّامِ خاصَمَ رَجُلًا، فَقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ، فَقالَ الرَّجُلُ: إنَّما قَضى لَهُ أنَّهُ ابْنُ عَمَّتِهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
النساء 4:69
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في ثَوْبانَ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ شَدِيدَ الحُبِّ لَهُ، قَلِيلَ الصَّبْرِ عَنْهُ، فَأتاهُ ذاتَ يَوْمٍ وقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ ونَحَلَ جِسْمُهُ، يُعْرَفُ في وجْهِهِ الحُزْنُ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”يا ثَوْبانُ، ما غَيَّرَ لَوْنَكَ ؟“ . فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما بِي مِن مَرَضٍ ولا وجَعٍ غَيْرَ أنِّي إذا لَمْ أرَكَ اشْتَقْتُ إلَيْكَ، واسْتَوْحَشْتُ وحْشَةً شَدِيدَةً حَتّى ألْقاكَ، ثُمَّ ذَكَرْتُ الآخِرَةَ فَأخافُ ألّا أراكَ هُناكَ؛ لِأنِّي أعْرِفُ أنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وأنِّي إنْ دَخَلْتُ الجَنَّةَ كُنْتُ في مَنزِلَةٍ أدْنى مِن مَنزِلَتِكَ، وإنْ لَمْ أدْخُلِ الجَنَّةَ فَذاكَ حِينَ لا أراكَ أبَدًا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
أخْبَرَنا إسْماعِيلُ بْنُ أبِي نَصْرٍ، قالَ: أخْبَرَنا إبْراهِيمُ النَّصْراباذِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الجَوْهَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ السَّعْدِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا عَبِيدَةُ، عَنْ مَنصُورٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: قالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما يَنْبَغِي لَنا أنْ نُفارِقَكَ في الدُّنْيا؛ فَإنَّكَ إذا فارَقْتَنا رُفِعْتَ فَوْقَنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ .
أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ، قالَ: أخْبَرَنا شُعَيْبٌ، قالَ: أخْبَرَنا مَكِّيٌّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الأزْهَرِ، قالَ: حَدَّثَنا رَوْحٌ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رِجالًا قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، نَراكَ في الدُّنْيا، فَأمّا في الآخِرَةِ فَإنَّكَ تُرْفَعُ عَنّا بِفَضْلِكَ فَلا نَراكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
أخْبَرَنِي أبُو نُعَيْمٍ الحافِظُ فِيما أذِنَ لِي في رِوايَتِهِ، قالَ: أخْبَرَنا سُلَيْمانُ بْنُ أحْمَدَ اللَّخْمِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الخَلّالُ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرانَ العابِدِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا فُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ، عَنْ مَنصُورٍ، عَنْ إبْراهِيمَ، عَنِ الأسْوَدِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: جاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّكَ لَأحَبُّ إلَيَّ مِن نَفْسِي وأهْلِي ووَلَدِي، وإنِّي لَأكُونُ في البَيْتِ فَأذْكُرُكَ فَما أصْبِرُ حَتّى آتِيَكَ فَأنْظُرَ إلَيْكَ، وإذا ذَكَرْتُ مَوْتِي ومَوْتَكَ عَرَفْتُ أنَّكَ إذا دَخَلْتَ الجَنَّةَ رُفِعْتَ مَعَ النَّبِيِّينَ، وأنِّي إذا دَخَلْتُ الجَنَّةَ خَشِيتُ ألّا أراكَ. فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ شَيْئًا حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ﴾ .
النساء 4:77
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في نَفَرٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ مِنهم عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، والمِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ، وقُدامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، كانُوا يَلْقَوْنَ مِنَ المُشْرِكِينَ أذًى كَثِيرًا، ويَقُولُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لَنا في قِتالِ هَؤُلاءِ. فَيَقُولُ لَهم: ”كُفُّوا أيْدِيَكم عَنْهم فَإنِّي لَمْ أُومَرْ بِقِتالِهِمْ“ . فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ وأمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقِتالِ المُشْرِكِينَ كَرِهَهُ بَعْضُهم وشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ العَدْلُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدانَ، قالَ: أخْبَرَنا الحَسَنُ بْنُ سُفْيانَ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قالَ: سَمِعْتُ أبِي يَقُولُ: أخْبَرَنا الحُسَيْنُ بْنُ واقِدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وأصْحابًا لَهُ أتَوْا إلى النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، كُنّا في عِزٍّ ونَحْنُ مُشْرِكُونَ، فَلَمّا آمَنّا صِرْنا أذِلَّةً. فَقالَ: ”إنِّي أُمِرْتُ بِالعَفْوِ، فَلا تُقاتِلُوا القَوْمَ“ . فَلَمّا حَوَّلَهُ اللَّهُ إلى المَدِينَةِ أمَرَهُ بِالقِتالِ فَكَفُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ .
النساء 4:78
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ المَوْتُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ: لَمّا اسْتَشْهَدَ اللَّهُ مِنَ المُسْلِمِينَ مَنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ قالَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الجِهادِ: لَوْ كانَ إخْوانُنا الَّذِينَ قُتِلُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
النساء 4:88
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا أبُو عَمْرٍو إسْماعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، قالَ: حَدَّثَنا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ القاضِي، قالَ: حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ ثابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: إنَّ قَوْمًا خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى أُحُدٍ فَرَجَعُوا، فاخْتَلَفَ فِيهِمُ المُسْلِمُونَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: نَقْتُلُهم. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لا نَقْتُلُهم. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ .
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ بُنْدارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ. ورَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعاذٍ، عَنْ أبِيهِ، كِلاهُما عَنْ شُعْبَةَ.
أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدانَ العَدْلُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ أحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قالَ: حَدَّثَنِي أبِي، قالَ: حَدَّثَنا الأسْوَدُ بْنُ عامِرٍ، قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أبِيهِ، أنَّ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأسْلَمُوا، وأصابُوا وباءَ المَدِينَةِ وحُمّاها فَأُرْكِسُوا، فَخَرَجُوا مِنَ المَدِينَةِ، فاسْتَقْبَلَهم نَفَرٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: ما لَكم رَجَعْتُمْ ؟ قالُوا: أصابَنا وباءُ المَدِينَةِ فاجْتَوَيْناها. فَقالُوا: ما لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ ؟ فَقالَ بَعْضُهم: نافَقُوا. وقالَ بَعْضُهم: لَمْ يُنافِقُوا، وهم مُسْلِمُونَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللَّهُ أرْكَسَهُم بِما كَسَبُوا﴾ .
وقالَ مُجاهِدٌ في هَذِهِ الآيَةِ: هم قَوْمٌ خَرَجُوا مِن مَكَّةَ حَتّى جاءُوا المَدِينَةَ يَزْعُمُونَ أنَّهم مُهاجِرُونَ، ثُمَّ ارْتَدُّوا بَعْدَ ذَلِكَ، فاسْتَأْذَنُوا النَّبِيَّ ﷺ بِالرُّجُوعِ إلى مَكَّةَ حَتّى يَأْتُوا بِبَضائِعَ لَهم يَتَّجِرُونَ فِيها، فاخْتَلَفَ فِيهِمُ المُؤْمِنُونَ، فَقائِلٌ يَقُولُ: هم مُنافِقُونَ. وقائِلٌ يَقُولُ: هم مُؤْمِنُونَ. فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى نِفاقَهم، وأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ، وأمَرَ بِقَتْلِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿فَإن تَوَلَّوْا فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدتُّمُوهُمْ﴾ . فَجاءُوا بِبَضائِعِهِمْ يُرِيدُونَ هِلالَ بْنَ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيَّ، وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ حِلْفٌ، وهو الَّذِي حَصِرَ صَدْرُهُ أنْ يُقاتِلَ المُؤْمِنِينَ، فَرُفِعَ عَنْهُمُ القَتْلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ﴾ .
النساء 4:92
أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُسْلِمٍ إبْراهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ حَجّاجٍ، قالَ: حَدَّثَنا حَمّادٌ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ، عَنْ أبِيهِ، أنَّ الحارِثَ بْنَ يَزِيدَ كانَ شَدِيدًا عَلى النَّبِيِّ ﷺ، فَجاءَ وهو يُرِيدُ الإسْلامَ، فَلَقِيَهُ عَيّاشُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ، والحارِثُ يُرِيدُ الإسْلامَ، وعَيّاشٌ لا يَشْعُرُ، فَقَتَلَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ .
وشَرَحَ الكَلْبِيُّ هَذِهِ القِصَّةَ فَقالَ: إنَّ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيَّ أسْلَمَ وخافَ أنْ يُظْهِرَ إسْلامَهُ، فَخَرَجَ هارِبًا إلى المَدِينَةِ فَقَدِمَها، ثُمَّ أتى أُطُمًا مِن آطامِها فَتَحَصَّنَ فِيهِ، فَجَزِعَتْ أُمُّهُ جَزَعًا شَدِيدًا، وقالَتْ لِابْنَيْها أبِي جَهْلٍ والحارِثِ بْنِ هِشامٍ - وهُما أخَواهُ لِأُمِّهِ -: واللَّهِ لا يُظِلُّنِي سَقْفُ بَيْتٍ ولا أذُوقُ طَعامًا ولا شَرابًا حَتّى تَأْتُونِي بِهِ. فَخَرَجا في طَلَبِهِ، وخَرَجَ مَعَهُما الحارِثُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أبِي أُنَيْسَةَ حَتّى أتَوُا المَدِينَةَ، فَأتَوْا عَيّاشًا وهو في الأُطُمِ، فَقالا لَهُ: انْزِلْ فَإنَّ أُمَّكَ لَمْ يُئْوِها سَقْفُ بَيْتٍ بَعْدَكَ، وقَدْ حَلَفَتْ لا تَأْكُلُ طَعامًا ولا تَشْرَبُ شَرابًا حَتّى تَرْجِعَ إلَيْها، ولَكَ اللَّهُ عَلَيْنا ألّا نُكْرِهَكَ عَلى شَيْءٍ، ولا نَحُولَ بَيْنَكَ وبَيْنَ دِينِكَ. فَلَمّا ذَكَرا لَهُ جَزَعَ أُمِّهِ وأوْثَقا لَهُ نَزَلَ إلَيْهِمْ، فَأخْرَجُوهُ مِنَ المَدِينَةِ وأوْثَقُوهُ بِنِسْعَةٍ، وجَلَدَهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِائَةَ جَلْدَةٍ، ثُمَّ قَدِمُوا بِهِ إلى أُمِّهِ، فَقالَتْ: واللَّهِ لا أحُلُّكَ مِن وثاقِكَ حَتّى تَكْفُرَ بِالَّذِي آمَنتَ بِهِ. ثُمَّ تَرَكُوهُ مُوثَقًا في الشَّمْسِ، فَأعْطاهم بَعْضَ الَّذِي أرادُوا، فَأتاهُ الحارِثُ بْنُ يَزِيدَ وقالَ: يا عَيّاشُ، واللَّهِ لَئِنْ كانَ الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ هُدًى لَقَدْ تَرَكْتَ الهُدى، وإنْ كانَ ضَلالَةً لَقَدْ كُنْتَ عَلَيْها. فَغَضِبَ عَيّاشٌ مِن مَقالَتِهِ وقالَ: واللَّهِ لا ألْقاكَ خالِيًا إلّا قَتَلْتُكَ. ثُمَّ إنَّ عَيّاشًا أسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ وهاجَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ، ثُمَّ إنَّ الحارِثَ بْنَ يَزِيدَ أسْلَمَ وهاجَرَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ، ولَمْ يَكُنْ عَيّاشٌ يَوْمَئِذٍ حاضِرًا، ولَمْ يَشْعُرْ بِإسْلامِهِ، فَبَيْنَما هو يَسِيرُ بِظَهْرِ قُباءٍ إذْ لَقِيَ الحارِثَ بْنَ يَزِيدَ، فَلَمّا رَآهُ حَمَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، فَقالَ النّاسُ: أيَّ شَيْءٍ صَنَعْتَ، إنَّهُ قَدْ أسْلَمَ ؟ فَرَجَعَ عَيّاشٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كانَ مِن أمْرِي وأمْرِ الحارِثِ ما قَدْ عَلِمْتَ، وإنِّي لَمْ أشْعُرْ بِإسْلامِهِ حَتّى قَتَلْتُهُ. فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ .
النساء 4:93
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا﴾ قالَ الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ مِقْيَسَ بْنَ صُبابَةَ وجَدَ أخاهُ هِشامَ بْنَ صُبابَةَ قَتِيلًا في بَنِي النَّجّارِ، وكانَ مُسْلِمًا، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ رَسُولًا مِن بَنِي فِهْرٍ، فَقالَ لَهُ: ”ائْتِ بَنِي النَّجّارِ فَأقْرِئْهُمُ السَّلامَ وقُلْ لَهم: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكم إنْ عَلِمْتُمْ قاتِلَ هِشامِ بْنِ صُبابَةَ أنْ تَدْفَعُوهُ إلى أخِيهِ فَيَقْتَصَّ مِنهُ، وإنْ لَمْ تَعْلَمُوا لَهُ قاتِلًا أنْ تَدْفَعُوا إلَيْهِ دِيَتَهُ“ . فَأبْلَغَهُمُ الفِهْرِيُّ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالُوا: سَمْعًا وطاعَةً لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، واللَّهِ ما نَعْلَمُ لَهُ قاتِلًا، ولَكِنّا نُؤَدِّي إلَيْهِ دِيَتَهُ. فَأعْطَوْهُ مِائَةً مِنَ الإبِلِ، ثُمَّ انْصَرَفا راجِعَيْنَ نَحْوَ المَدِينَةِ، وبَيْنَهُما وبَيْنَ المَدِينَةِ قَرِيبٌ، فَأتى الشَّيْطانُ مِقْيَسًا فَوَسْوَسَ إلَيْهِ، فَقالَ: أيَّ شَيْءٍ صَنَعْتَ ؟ تَقْبَلُ دِيَةَ أخِيكَ فَيَكُونَ عَلَيْكَ سُبَّةً ؟ اقْتُلِ الَّذِي مَعَكَ فَيَكُونَ نَفْسٌ مَكانَ نَفْسٍ وفَضْلُ الدِّيَةِ. فَفَعَلَ ذَلِكَ مِقْيَسٌ، فَرَمى الفِهْرِيَّ بِصَخْرَةٍ فَشَدَخَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَكِبَ بَعِيرًا مِنها وساقَ بَقِيَّتَها راجِعًا إلى مَكَّةَ كافِرًا، وجَعَلَ يَقُولُ في شِعْرِهِ:
قَتَلْتُ بِهِ فِهْرًا وحَمَّلْتُ عَقْلَهُ سَراةَ بَنِي النَّجّارِ أرْبابَ فارِعِ
وأدْرَكْتُ ثَأْرِي واضْطَجَعْتُ مُوَسَّدًا وكُنْتُ إلى الأوْثانِ أوَّلَ راجِعِ
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِ، ثُمَّ أهْدَرَ النَّبِيُّ ﷺ دَمَهُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَأدْرَكَهُ النّاسُ بِالسُّوقِ فَقَتَلُوهُ.
النساء 4:94
أخْبَرَنا إسْماعِيلُ بْنُ إبْراهِيمَ الواعِظُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حامِدٍ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الجَبّارِ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبّادٍ، قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَحِقَ المُسْلِمُونَ رَجُلًا في غُنَيْمَةٍ لَهُ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم. فَقَتَلُوهُ وأخَذُوا غُنَيْمَتَهُ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ . أيْ تِلْكَ الغُنَيْمَةَ.
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ورَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي شَيْبَةَ، كِلاهُما عَنْ سُفْيانَ.
وأخْبَرَنا إسْماعِيلُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ الخَلِيلِ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو كُرَيْبٍ، قالَ: حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ إسْرائِيلَ، عَنْ سِماكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَرَّ رَجُلٌ مِن سُلَيْمٍ عَلى نَفَرٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَعَهُ غَنَمٌ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: ما سَلَّمَ عَلَيْكم إلّا لِيَتَعَوَّذَ مِنكم. فَقامُوا إلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وأخَذُوا غَنَمَهُ، فَأتَوْا بِها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ .
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ الأصْفَهانِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الشَّيْخِ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى الرّازِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ، قالَ: حَدَّثَنا وكِيعٌ، عَنْ سُفْيانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: خَرَجَ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ في سَرِيَّةٍ، فَمَرُّوا بِرَجُلٍ في غُنَيْمَةٍ لَهُ، فَأرادُوا قَتْلَهُ، فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. فَقَتَلَهُ المِقْدادُ، فَقِيلَ لَهُ: أقَتَلْتَهُ وقَدْ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ؟ ووَلَّوْا بِأهْلِهِ ومالِهِ، فَلَمّا قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ .
وقالَ الحَسَنُ: إنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ خَرَجُوا يَطُوفُونَ فَلَقُوا المُشْرِكِينَ فَهَزَمُوهم، فَشَذَّ مِنهم رَجُلٌ، فَتَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وأرادَ مَتاعَهُ، فَلَمّا غَشِيَهُ بِالسِّنانِ قالَ: إنِّي مُسْلِمٌ، إنِّي مُسْلِمٌ. فَكَذَّبَهُ ثُمَّ أوْجَرَهُ السِّنانَ فَقَتَلَهُ، وأخَذَ مَتاعَهُ، وكانَ قَلِيلًا، فَرَفَعَ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: ”قَتَلْتَهُ بَعْدَما زَعَمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ ؟“ . فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما قالَها مُتَعَوِّذًا. قالَ: ”فَهَلّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ لِتَنْظُرَ أصادِقٌ هو أمْ كاذِبٌ ؟“ . قالَ: وكُنْتُ أعْلَمُ ذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: ”ويْكَ، إنَّكَ لَمْ تَكُنْ لِتَعْلَمَ ذَلِكَ، إنَّما كانَ يُنْبِئُ عَنْهُ لِسانُهُ“ . قالَ: فَما لَبِثَ القاتِلُ أنْ ماتَ فَدُفِنَ، فَأصْبَحَ وقَدْ وُضِعَ إلى جَنْبِ قَبْرِهِ. قالَ: ثُمَّ عادُوا فَحَفَرُوا لَهُ وأمْكَنُوا ودَفَنُوهُ، فَأصْبَحَ وقَدْ وُضِعَ إلى جَنْبِ قَبْرِهِ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، فَلَمّا رَأوْا أنَّ الأرْضَ لا تَقْبَلُهُ ألْقَوْهُ في بَعْضِ تِلْكَ الشِّعابِ. قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
قالَ الحَسَنُ: إنَّ الأرْضَ لَتَقْبَلُ مَن هو أشَرُّ مِنهُ، ولَكِنْ وُعِظَ القَوْمُ ألّا يَعُودُوا.
أخْبَرَنا أبُو نَصْرٍ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المُزَكِّي، قالَ: أخْبَرَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَطَّةَ: قالَ: أخْبَرَنا أبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ، قالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيى الأُمَوِيُّ، قالَ: حَدَّثَنِي أبِي، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنِ القَعْقاعِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي حَدْرَدٍ، عَنْ أبِيهِ قالَ: بَعَثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في سَرِيَّةٍ إلى إضَمٍ قَبْلَ مَخْرَجِهِ إلى مَكَّةَ، قالَ: فَمَرَّ بِنا عامِرُ بْنُ الأضْبَطِ الأشْجَعِيُّ، فَحَيّانا تَحِيَّةَ الإسْلامِ. قالَ: فَنَزَعْنا عَنْهُ، وحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّمُ بْنُ جَثّامَةَ لِشَرٍّ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ في الجاهِلِيَّةِ فَقَتَلَهُ، واسْتَلَبَ بَعِيرًا لَهُ ووِطاءً ومُتَيِّعًا كانَ لَهُ. قالَ: فَأنْهَيْنا شَأْنَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأخْبَرْناهُ بِخَبَرِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ . إلى آخِرِ الآيَةِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ عَلى سَرِيَّةٍ، فَلَقِيَ مِرْداسَ بْنَ نَهِيكٍ الضَّمْرِيَّ فَقَتَلَهُ، وكانَ مِن أهْلِ فَدَكٍ، ولَمْ يُسْلِمْ مِن أهْلِهِ غَيْرُهُ، وكانَ يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. ويُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ. قالَ أُسامَةُ: فَلَمّا قَدِمْتُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ أخْبَرْتُهُ، فَقالَ: ”قَتَلْتَ رَجُلًا يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ؟“ . فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما تَعَوَّذَ مِنَ القَتْلِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”كَيْفَ أنْتَ إذا خاصَمَكَ يَوْمَ القِيامَةِ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ ؟“ . قالَ: فَما زالَ يُرَدِّدُها عَلَيَّ: ”أقَتَلْتَ رَجُلًا يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ؟“ . حَتّى تَمَنَّيْتُ لَوْ أنَّ إسْلامِي كانَ يَوْمَئِذٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ . ونَحْوَ هَذا قالَ الكَلْبِيُّ وقَتادَةُ.
يَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ الَّذِي أخْبَرَناهُ أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ الفارِسِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسى بْنِ عَمْرُويَهْ، قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ سُفْيانَ، قالَ: حَدَّثَنا مُسْلِمٌ، قالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا هُشَيْمٌ، قالَ: أخْبَرَنا حُصَيْنٌ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو ظَبْيانَ، قالَ: سَمِعْتُ أُسامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ يُحَدِّثُ، قالَ: بَعَثَنا النَّبِيُّ ﷺ إلى الحُرَقَةِ مِن جُهَيْنَةَ، فَصَبَّحْنا القَوْمَ فَهَزَمْناهم. قالَ: فَلَحِقْتُ أنا ورَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ رَجُلًا مِنهم، فَلَمّا غَشِيناهُ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. قالَ: فَكَفَّ عَنْهُ الأنْصارِيُّ وطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي فَقَتَلْتُهُ، فَلَمّا قَدِمْنا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَ: ”يا أُسامَةُ، أقَتَلْتَهُ بَعْدَما قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ؟“ . قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما كانَ مُتَعَوِّذًا. قالَ: فَقالَ: ”أقَتَلْتَهُ بَعْدَما قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ؟“ . قالَ: فَما زالَ يُكَرِّرُها عَلَيَّ حَتّى تَمَنَّيْتُ أنِّي لَمْ أكُنْ أسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ.
النساء 4:95
أخْبَرَنا أبُو عُثْمانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ العَدْلُ، قالَ: أخْبَرَنا جَدِّي، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ السَّرّاجُ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرّازِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سَلَمَةُ بْنُ الفَضْلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿لّا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . ولَمْ يَذْكُرْ ﴿أُولِي الضَّرَرِ﴾، فَقالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: فَكَيْفَ وأنا أعْمى لا أُبْصِرُ ؟ قالَ زَيْدٌ: فَتَغَشّى النَّبِيَّ ﷺ في مَجْلِسِهِ الوَحْيُ، فاتَّكَأ عَلى فَخِذِي، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ ثَقُلَ عَلى فَخِذِي حَتّى خَشِيتُ أنْ يَرُضَّها، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقالَ: اكْتُبْ: ﴿لّا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ . فَكَتَبَها.
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ صالِحٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو خَلِيفَةَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو الوَلِيدِ، قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ، قالَ: أنْبَأنا أبُو إسْحاقَ، قالَ: سَمِعْتُ البَراءَ يَقُولُ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لّا يَسْتَوِي القاعِدُونَ﴾ . دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدًا فَجاءَ بِكَتِفٍ فَكَتَبَها، فَشَكى ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ضَرارَتَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿لّا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ .
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ أبِي الوَلِيدِ، ورَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ بُنْدارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، كِلاهُما عَنْ شُعْبَةَ.
أخْبَرَنا إسْماعِيلُ بْنُ أبِي القاسِمِ النَّصْراباذِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا إسْماعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبْدُوسٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، قالَ: حَدَّثَنا زُهَيْرٌ، عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنِ البَراءِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”ادْعُ لِي زَيْدًا وقُلْ لَهُ يَجِيءُ بِالكَتِفِ والدَّواةِ أوِ اللَّوْحِ“ . وقالَ: ”اكْتُبْ لِي: ﴿لّا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾“ . أحْسَبُهُ قالَ: ﴿والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . فَقالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بِعَيْنَيَّ ضَرَرٌ. قالَ: فَنَزَلَتْ قَبْلَ أنْ يَبْرَحَ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ .
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ إسْرائِيلَ، عَنْ أبِي إسْحاقَ.
النساء 4:97
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنفُسِهِمْ﴾ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ناسٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ تَكَلَّمُوا بِالإسْلامِ ولَمْ يُهاجِرُوا، وأظْهَرُوا الإيمانَ وأسَرُّوا النِّفاقَ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ خَرَجُوا مَعَ المُشْرِكِينَ إلى حَرْبِ المُسْلِمِينَ فَقُتِلُوا، فَضَرَبَتِ المَلائِكَةُ وُجُوهَهم وأدْبارَهم، وقالُوا لَهم ما ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ.
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ الحارِثِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الشَّيْخِ الحافِظُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو يَحْيى، قالَ: أخْبَرَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمانَ، عَنْ أشْعَثَ بْنِ سَوّارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنفُسِهِمْ﴾ . وتَلاها إلى آخِرِها، قالَ: كانُوا قَوْمًا مِنَ المُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ، فَخَرَجُوا في قَوْمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ في قِتالٍ، فَقُتِلُوا مَعَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
النساء 4:100
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: كانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يُخْبِرُ أهْلَ مَكَّةَ بِما يَنْزِلُ فِيهِمْ مِنَ القُرْآنِ، فَكَتَبَ الآيَةَ الَّتِي نَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] . فَلَمّا قَرَأها المُسْلِمُونَ قالَ حَبِيبُ بْنُ ضَمْرَةَ اللَّيْثِيُّ لِبَنِيهِ - وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا -: احْمِلُونِي فَإنِّي لَسْتُ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، وإنِّي لا أهْتَدِي إلى الطَّرِيقِ. فَحَمَلُوهُ بَنُوهُ عَلى سَرِيرٍ مُتَوَجِّهًا إلى المَدِينَةِ، فَلَمّا بَلَغَ التَّنْعِيمَ أشْرَفَ عَلى المَوْتِ، فَصَفَقَ يَمِينَهُ عَلى شِمالِهِ وقالَ: اللَّهُمَّ هَذِهِ لَكَ، وهَذِهِ لِرَسُولِكَ، أُبايِعُكَ عَلى ما بايَعَتْكَ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وماتَ حَمِيدًا. فَبَلَغَ خَبَرُهُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: لَوْ وافى المَدِينَةَ لَكانَ أتَمَّ أجْرًا. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
أخْبَرَنا أبُو حَسّانَ المُزَنِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا هارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هارُونَ، قالَ: أخْبَرَنا إسْحاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الخُزاعِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو الوَلِيدِ الأزْرَقِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا جَدِّي، قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَ بِمَكَّةَ ناسٌ قَدْ دَخَلَهُمُ الإسْلامُ ولَمْ يَسْتَطِيعُوا الهِجْرَةَ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ وخُرِجَ بِهِمْ كَرْهًا قُتِلُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنتُمْ﴾ [النساء: ٩٧] . فَقَرَأ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَسى اللَّهُ أن يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٩٩] . إلى آخِرِ الآيَةِ. قالَ: فَكَتَبَ بِذَلِكَ مَن كانَ بِالمَدِينَةِ إلى مَن كانَ بِمَكَّةَ مِمَّنْ أسْلَمَ، فَقالَ رَجُلٌ مِن بَنِي بَكْرٍ وكانَ مَرِيضًا: أخْرِجُونِي إلى الرَّوْحِ. فَخَرَجُوا بِهِ، فَخَرَجَ يُرِيدُ المَدِينَةَ، فَلَمّا بَلَغُوا الحَصْحاصَ ماتَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ .
النساء 4:102
أخْبَرَنا الأُسْتاذُ أبُو عُثْمانَ الزَّعْفَرانِيُّ المُقْرِئُ سَنَةَ خَمْسٍ وعِشْرِينَ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زِيادٍ السِّمِّذِيُّ سَنَةَ ثَلاثٍ وسِتِّينَ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو سَعِيدٍ المُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الجَزَرِيُّ بِمَكَّةَ في المَسْجِدِ الحَرامِ سَنَةَ أرْبَعٍ وثَلاثِمِائَةٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ زِيادٍ اللَّحْجِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو قُرَّةَ مُوسى بْنُ طارِقٍ، قالَ: ذَكَرَ سُفْيانُ، عَنْ مَنصُورٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَيّاشٍ الزُّرَقِيُّ، قالَ: صَلَّيْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ كانُوا عَلى حالٍ لَوْ كُنّا أصَبْنا مِنهم غِرَّةً. قالُوا: تَأْتِي عَلَيْهِمْ صَلاةٌ هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن آبائِهِمْ. قالَ: وهي العَصْرُ. قالَ: فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَؤُلاءِ الآياتِ بَيْنَ الأُولى والعَصْرِ: ﴿وإذا كُنتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ . وهم بِعُسْفانَ، وعَلى المُشْرِكِينَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وهم بَيْنَنا وبَيْنَ القِبْلَةِ. وذَكَرَ صَلاةَ الخَوْفِ.
أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدانَ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الضَّبِّيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الجَبّارِ، قالَ: حَدَّثَنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ النَّضْرِ أبِي عُمَرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في غَزاةٍ، فَلَقِيَ المُشْرِكِينَ بِعُسْفانَ، فَلَمّا صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ فَرَأوْهُ يَرْكَعُ ويَسْجُدُ هو وأصْحابُهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: كانَ هَذا فُرْصَةً لَكم، لَوْ أغَرْتُمْ عَلَيْهِمْ ما عَلِمُوا بِكم حَتّى تُواقِعُوهم. فَقالَ قائِلٌ مِنهم: فَإنَّ لَهم صَلاةً أُخْرى هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن أهْلِيهِمْ وأمْوالِهِمْ، فاسْتَعِدُّوا حَتّى تُغِيرُوا عَلَيْهِمْ فِيها. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وإذا كُنتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ . إلى آخِرِ الآيَةِ، وأعْلَمَ ما ائْتَمَرَ بِهِ المُشْرِكُونَ، وذَكَرَ صَلاةَ الخَوْفِ.
النساء 4:105
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنّا أنزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ﴾ . إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] أُنْزِلَتْ كُلُّها في قِصَّةٍ واحِدَةٍ؛ وذَلِكَ أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ: طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ، أحَدُ بَنِي ظَفَرِ بْنِ الحارِثِ، سَرَقَ دِرْعًا مِن جارٍ لَهُ يُقالُ لَهُ: قَتادَةُ بْنُ النُّعْمانِ، وكانَتِ الدِّرْعُ في جِرابٍ فِيهِ دَقِيقٌ، فَجَعَلَ الدَّقِيقُ يَنْتَثِرُ مِن خَرْقٍ في الجِرابِ، حَتّى انْتَهى إلى الدّارِ وفِيها أثَرُ الدَّقِيقِ. ثُمَّ خَبَأها عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ: زَيْدُ بْنُ السَّمِينِ، فالتُمِسَتِ الدِّرْعُ عِنْدَ طُعْمَةَ فَلَمْ تُوجَدْ عِنْدَهُ، وحَلَفَ لَهم واللَّهِ ما أخَذَها وما لَهُ بِها مِن عِلْمٍ، فَقالَ أصْحابُ الدِّرْعِ: بَلى واللَّهِ لَقَدْ أدْلَجَ عَلَيْنا فَأخَذَها، وطَلَبْنا أثَرَهُ حَتّى دَخَلَ دارَهُ، فَرَأيْنا أثَرَ الدَّقِيقِ. فَلَمّا أنْ حَلَفَ تَرَكُوهُ واتَّبَعُوا أثَرَ الدَّقِيقِ حَتّى انْتَهَوْا إلى مَنزِلِ اليَهُودِيِّ، فَأخَذُوهُ، فَقالَ: دَفَعَها إلَيَّ طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ. وشَهِدَ لَهُ أُناسٌ مِنَ اليَهُودِ عَلى ذَلِكَ، فَقالَتْ بَنُو ظَفَرٍ – وهم قَوْمُ طُعْمَةَ -: انْطَلِقُوا بِنا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ وسَألُوهُ أنْ يُجادِلَ عَنْ صاحِبِهِمْ، وقالُوا: إنَّكَ إنْ لَمْ تَفْعَلْ هَلَكَ صاحِبُنا وافْتَضَحَ، وبَرِئَ اليَهُودِيُّ. فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ - وكانَ هَواهُ مَعَهم - وأنْ يُعاقِبَ اليَهُودِيَّ، حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا أنزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ . الآياتِ كُلَّها. وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
النساء 4:123
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيّانَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلٌ، قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي خالِدٍ، عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: جَلَسَ أهْلُ الكِتابِ - أهْلُ التَّوْراةِ وأهْلُ الإنْجِيلِ - وأهْلُ الأدْيانِ كُلِّها، كُلُّ صِنْفٍ يَقُولُ لِصاحِبِهِ: نَحْنُ خَيْرٌ مِنكم. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وقالَ مَسْرُوقٌ وقَتادَةُ: احْتَجَّ المُسْلِمُونَ وأهْلُ الكِتابِ، فَقالَ أهْلُ الكِتابِ: نَحْنُ أهْدى مِنكم، نَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم، وكِتابُنا قَبْلَ كِتابِكم، ونَحْنُ أوْلى بِاللَّهِ مِنكم. وقالَ المُسْلِمُونَ: نَحْنُ أهْدى مِنكم، وأوْلى بِاللَّهِ، نَبِيُّنا خاتَمُ الأنْبِياءِ، وكِتابُنا يَقْضِي عَلى الكُتُبِ الَّتِي قَبْلَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. ثُمَّ أفْلَجَ اللَّهُ تَعالى حُجَّةَ المُسْلِمِينَ عَلى مَن ناوَأهم مِن أهْلِ الأدْيانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ . وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥] . الآيَتَيْنِ.
النساء 4:125
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ اتِّخاذِ اللَّهِ إبْراهِيمَ خَلِيلًا:
فَأخْبَرَنا أبُو سَعِيدٍ النَّصْرُويِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ السَّرّاجُ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الحَضْرَمِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إبْراهِيمَ المَرْوَزِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أبِي قَبِيلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”يا جِبْرِيلُ، لِمَ اتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا ؟“ . قالَ: لِإطْعامِهِ الطَّعامَ يا مُحَمَّدُ.
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبْزى: دَخَلَ إبْراهِيمُ دارَهُ فَجْأةً فَرَأى مَلَكَ المَوْتِ في صُورَةِ شابٍّ لا يَعْرِفُهُ، قالَ لَهُ إبْراهِيمُ: بِإذْنِ مَن دَخَلْتَ ؟ قالَ: بِإذْنِ رَبِّ المَنزِلِ. فَعَرَفَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ لَهُ مَلَكُ المَوْتِ: إنَّ رَبَّكَ اتَّخَذَ مِن عِبادِهِ خَلِيلًا. قالَ إبْراهِيمُ: ومَن ذَلِكَ ؟ قالَ: وما تَصْنَعُ بِهِ ؟ قالَ: أكُونُ خادِمًا لَهُ حَتّى أمُوتَ. قالَ: فَإنَّهُ أنْتَ.
وقالَ الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أصابَ النّاسَ سَنَةٌ جُهِدُوا فِيها، فَحُشِرُوا إلى بابِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَطْلُبُونَ الطَّعامَ، وكانَتِ المِيرَةُ لَهم كُلَّ سَنَةٍ مِن صَدِيقٍ لَهُ بِمِصْرَ، فَبَعَثَ غِلْمانَهُ بِالإبِلِ إلى خَلِيلِهِ بِمِصْرَ يَسْألُهُ المِيرَةَ، فَقالَ خَلِيلُهُ: لَوْ كانَ إبْراهِيمُ إنَّما يُرِيدُهُ لِنَفْسِهِ احْتَمَلْنا ذَلِكَ لَهُ، وقَدْ دَخَلَ عَلَيْنا ما دَخَلَ عَلى النّاسِ مِنَ الشِّدَّةِ. فَرَجَعَ رُسُلُ إبْراهِيمَ فَمَرُّوا بِبَطْحاءَ، فَقالُوا: لَوِ احْتَمَلْنا مِن هَذِهِ البَطْحاءِ لِيَرى النّاسُ أنّا قَدْ جِئْنا بِمِيرَةٍ، إنّا نَسْتَحِي أنْ نَمُرَّ بِهِمْ وإبِلُنا فارِغَةٌ. فَمَلَئُوا تِلْكَ الغَرِائِرَ رَمْلًا، ثُمَّ إنَّهم أتَوْا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وسارَّةُ نائِمَةٌ، فَأعْلَمُوهُ ذَلِكَ، فاهْتَمَّ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَكانِ النّاسِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْناهُ فَنامَ، واسْتَيْقَظَتْ سارَّةُ فَقامَتْ إلى تِلْكَ الغَرائِرِ فَفَتَحَتْها فَإذا هو أجْوَدُ حُوّارى يَكُونُ، فَأمَرَتِ الخَبّازِينَ فَخَبَزُوا وأطْعَمُوا النّاسَ، واسْتَيْقَظَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَجَدَ رِيحَ الطَّعامِ، فَقالَ: يا سارَّةُ، مِن أيْنَ هَذا ؟ قالَتْ: مِن عِنْدِ خَلِيلِكَ المِصْرِيِّ. فَقالَ: بَلْ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَلِيلِي، لا مِن عِنْدِ خَلِيلِي المِصْرِيِّ. فَيَوْمَئِذٍ اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا.
أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ المُزَكِّي، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الجَوْزِيُّ قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ، عَنْ أبِي المُهَلَّبِ الكِنانِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ القاسِمِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَما اتَّخَذَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا، وإنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إلّا لَهُ خَلِيلٌ، ألا وإنَّ خَلِيلِي أبُو بَكْرٍ“ .
أخْبَرَنا الشَّرِيفُ أبُو إسْماعِيلَ بْنُ الحَسَنِ النَّقِيبُ، قالَ: أخْبَرَنا جَدِّي، قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُحَمَّدٍ الحَسَنُ بْنُ حَمّادٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو إسْماعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ التِّرْمِذِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ، قالَ: حَدَّثَنا سَلَمَةُ، قالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ واقِدٍ، عَنِ القاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا، ومُوسى نَجِيًّا، واتَّخَذَنِي حَبِيبًا. ثُمَّ قالَ: وعِزَّتِي وجَلالِي لَأُوثِرَنَّ حَبِيبِي عَلى خَلِيلِي ونَجِيِّي“ .
النساء 4:127
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ القاضِي، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الحَكَمِ، قالَ: أخْبَرَنا ابْنُ وهْبٍ، قالَ: أخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: أخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: ثُمَّ إنَّ النّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ . قالَتِ: الَّتِي تُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ الآيَةُ الأُولى الَّتِي قالَ فِيها: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ [النساء: ٣] . قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: وقالَ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وتَرْغَبُونَ أن تَنكِحُوهُنَّ﴾ . رَغْبَةُ أحَدِكم في يَتِيمَتِهِ الَّتِي تَكُونُ في حِجْرِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المالِ والجَمالِ، فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوا ما رَغِبُوا في مالِها وجَمالِها مِن يَتامى النِّساءِ إلّا بِالقِسْطِ، مِن أجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ.
رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ حَرْمَلَةَ، عَنِ ابْنِ وهْبٍ.
النساء 4:128
أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ الحارِثِ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلٌ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمانَ، عَنْ هِشامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ، في قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ . إلى آخِرِ الآيَةِ: نَزَلَتْ في المَرْأةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ ولا يَسْتَكْثِرُ مِنها ويُرِيدُ فِراقَها، ولَعَلَّها أنْ تَكُونَ لَها صُحْبَةٌ، ويَكُونَ لَها ولَدٌ، فَتَكْرَهَ فِراقَهُ، وتَقُولَ لَهُ: لا تُطَلِّقْنِي وأمْسِكْنِي وأنْتَ في حِلٍّ مِن شَأْنِي. فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُقاتِلٍ، عَنِ ابْنِ المُبارَكِ. ورَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أبِي أُسامَةَ، كِلاهُما عَنْ هِشامٍ.
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ الحِيرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قالَ: حَدَّثَنا الرَّبِيعُ، قالَ: أخْبَرَنا الشّافِعِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ، أنَّ بِنْتَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ كانَتْ عِنْدَ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، فَكَرِهَ مِنها أمْرًا؛ إمّا كِبَرًا وإمّا غَيْرَهُ، فَأرادَ طَلاقَها، فَقالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي وأمْسِكْنِي واقْسِمْ لِي ما بَدا لَكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ .
النساء 4:135
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ رَوى أسْباطٌ عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: نَزَلَتْ في النَّبِيِّ ﷺ، اخْتَصَمَ إلَيْهِ غَنِيٌّ وفَقِيرٌ، فَكانَ ضِلَعُهُ مَعَ الفَقِيرِ، رَأى أنَّ الفَقِيرَ لا يَظْلِمُ الغَنِيَّ، فَأبى اللَّهُ تَعالى إلّا أنْ يَقُومَ بِالقِسْطِ في الغَنِيِّ والفَقِيرِ، فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ . حَتّى بَلَغَ: ﴿إن يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ .
النساء 4:136
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وأسَدٍ وأُسَيْدٍ ابْنَيْ كَعْبٍ، وثَعْلَبَةَ بْنِ قَيْسٍ، وجَماعَةٍ مِن مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نُؤْمِنُ بِكَ وبِكِتابِكَ، وبِمُوسى والتَّوْراةِ وعُزَيْرٍ، ونَكْفُرُ بِما سِوى ذَلِكَ مِنَ الكُتُبِ والرُّسُلِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
النساء 4:148
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لّا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: إنَّ ضَيْفًا تَضَيَّفَ قَوْمًا فَأساءُوا قِراهُ، فاشْتَكاهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ رُخْصَةً في أنْ يَشْكُوَ.
النساء 4:153
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِّنَ السَّماءِ﴾ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنْ كُنْتَ نَبِيًّا فائْتِنا بِكِتابٍ جُمْلَةً مِنَ السَّماءِ كَما أتى بِهِ مُوسى. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
النساء 4:166
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَّكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنزَلَ إلَيْكَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّ رُؤَساءَ أهْلِ مَكَّةَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: سَألْنا عَنْكَ اليَهُودَ فَزَعَمُوا أنَّهم لا يَعْرِفُونَكَ، فَأْتِنا بِمَن يَشْهَدُ لَكَ أنَّ اللَّهَ بَعَثَكَ إلَيْنا رَسُولًا. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَّكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنزَلَ إلَيْكَ﴾ .
النساء 4:171
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ نَزَلَتْ في طَوائِفَ مِنَ النَّصارى حِينَ قالُوا: عِيسى ابْنُ اللَّهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا تَغْلُوا في دِينِكم ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ .
النساء 4:172
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ المَسِيحُ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّ وفْدَ نَجْرانَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، تَعِيبُ صاحِبَنا ؟ قالَ: ”ومَن صاحِبُكم ؟“ . قالُوا: عِيسى. قالَ: ”وأيَّ شَيْءٍ أقُولُ فِيهِ ؟“ . قالُوا: تَقُولُ: إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ. فَقالَ لَهم: ”إنَّهُ لَيْسَ بِعارٍ لِعِيسى أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ“ . قالُوا: بَلى. فَنَزَلَتْ: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ المَسِيحُ أن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ﴾ .
النساء 4:176
أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حامِدٍ، قالَ: أخْبَرَنا زاهِرُ بْنُ أحْمَدَ، قالَ: أخْبَرَنا الحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ حَكِيمٍ، قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ أبِي عَدِيٍّ، عَنْ هِشامِ بْنِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: اشْتَكَيْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعِنْدِي سَبْعُ أخَواتٍ، فَنَفَخَ في وجْهِي فَأفَقْتُ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أُوصِي لِأخَواتِي بِالثُّلُثَيْنِ ؟ قالَ: ”احْبِسْ“ . فَقُلْتُ: الشَّطْرِ، قالَ: ”احْبِسْ“ . ثُمَّ خَرَجَ وتَرَكَنِي. قالَ: ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَقالَ لِي: ”يا جابِرُ، إنِّي لا أراكَ تَمُوتُ في وجَعِكَ هَذا، إنَّ اللَّهَ قَدْ أنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ وبَيَّنَ الَّذِي لِأخَواتِكَ، جَعَلَ لِأخَواتِكَ الثُّلُثَيْنِ“ . فَكانَ جابِرٌ يَقُولُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيَّ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ .