أسباب النزول — المائدة 5:2 – النور 24:61
المحتويات
- المائدة 5:2
- المائدة 5:3
- المائدة 5:4
- المائدة 5:11
- المائدة 5:33
- المائدة 5:38
- المائدة 5:41
- المائدة 5:44
- المائدة 5:49
- المائدة 5:51
- المائدة 5:55
- المائدة 5:57
- المائدة 5:59
- المائدة 5:67
- المائدة 5:82
- المائدة 5:87
- المائدة 5:90
- المائدة 5:93
- المائدة 5:100
- المائدة 5:101
- المائدة 5:105
- المائدة 5:106
- الأنعام 6:7
- الأنعام 6:13
- الأنعام 6:19
- الأنعام 6:25
- الأنعام 6:26
- الأنعام 6:33
- الأنعام 6:52
- الأنعام 6:54
- الأنعام 6:57
- الأنعام 6:91
- الأنعام 6:93
- الأنعام 6:100
- الأنعام 6:108
- الأنعام 6:109
- الأنعام 6:121
- الأنعام 6:122
- الأعراف 7:31
- الأعراف 7:175
- الأعراف 7:187
- الأعراف 7:188
- الأعراف 7:189
- الأعراف 7:204
- الأنفال 8:1
- الأنفال 8:17
- الأنفال 8:19
- الأنفال 8:27
- الأنفال 8:32
- الأنفال 8:35
- الأنفال 8:36
- الأنفال 8:64
- الأنفال 8:67
- الأنفال 8:70
- التوبة 9:12
- التوبة 9:17
- التوبة 9:19
- التوبة 9:23
- التوبة 9:34
- التوبة 9:38
- التوبة 9:41
- التوبة 9:42
- التوبة 9:49
- التوبة 9:58
- التوبة 9:61
- التوبة 9:64
- التوبة 9:65
- التوبة 9:74
- التوبة 9:75
- التوبة 9:79
- التوبة 9:84
- التوبة 9:92
- التوبة 9:97
- التوبة 9:101
- التوبة 9:102
- التوبة 9:106
- التوبة 9:107
- التوبة 9:111
- التوبة 9:113
- التوبة 9:122
- يونس 10:2
- يونس 10:15
- هود 11:5
- هود 11:114
- يوسف 12:3
- الرعد 13:13
- الرعد 13:30
- الرعد 13:31
- الرعد 13:38
- الحجر 15:24
- الحجر 15:47
- الحجر 15:49
- الحجر 15:87
- النحل 16:1
- النحل 16:4
- النحل 16:38
- النحل 16:41
- النحل 16:43
- النحل 16:75
- النحل 16:76
- النحل 16:90
- النحل 16:101
- النحل 16:103
- النحل 16:106
- النحل 16:110
- النحل 16:125
- الإسراء 17:29
- الإسراء 17:53
- الإسراء 17:59
- الإسراء 17:60
- الإسراء 17:73
- الإسراء 17:76
- الإسراء 17:80
- الإسراء 17:85
- الإسراء 17:90
- الإسراء 17:110
- الكهف 18:28
- الكهف 18:83
- الكهف 18:109
- الكهف 18:110
- مريم 19:64
- مريم 19:66
- مريم 19:77
- طه 20:2
- طه 20:131
- الأنبياء 21:101
- الحج 22:11
- الحج 22:19
- الحج 22:39
- الحج 22:52
- المؤمنون 23:1
- المؤمنون 23:2
- المؤمنون 23:14
- المؤمنون 23:76
- النور 24:3
- النور 24:6
- النور 24:11
- النور 24:16
- النور 24:27
- النور 24:33
- النور 24:48
- النور 24:55
- النور 24:58
- النور 24:61
المائدة 5:2
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في الحُطَمِ، واسْمُهُ شُرَيْحُ بْنُ ضُبَيْعَةَ الكِنْدِيُّ، أتى النَّبِيَّ ﷺ مِنَ اليَمامَةِ إلى المَدِينَةِ، فَخَلَّفَ خَيْلَهُ خارِجَ المَدِينَةِ، ودَخَلَ وحْدَهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ لَهُ: إلامَ تَدْعُو النّاسَ ؟ قالَ: ”إلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ“ . فَقالَ: حَسَنٌ، إلّا أنَّ لِي أُمَراءَ لا أقْطَعُ أمْرًا دُونَهم، ولَعَلِّي أُسْلِمُ وآتِي بِهِمْ. وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: ”يَدْخُلُ عَلَيْكم رَجُلٌ يَتَكَلَّمُ بِلِسانِ شَيْطانٍ“ . ثُمَّ خَرَجَ مِن عِنْدِهِ، فَلَمّا خَرَجَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لَقَدْ دَخَلَ بِوَجْهِ كافِرٍ، وخَرَجَ بِعَقِبَيْ غادِرٍ، وما الرَّجُلُ بِمُسْلِمٍ“ . فَمَرَّ بِسَرْحِ المَدِينَةِ فاسْتاقَهُ، فَطَلَبُوهُ فَعَجَزُوا عَنْهُ، فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عامَ القَضِيَّةِ سَمِعَ تَلْبِيَةَ حُجّاجِ اليَمامَةِ، فَقالَ لِأصْحابِهِ: ”مَهْ، هَذا الحُطَمُ وأصْحابُهُ“ . وكانَ قَدْ قَلَّدَ ما نَهَبَ مِن سَرْحِ المَدِينَةِ وأهْداهُ إلى الكَعْبَةِ، فَلَمّا تَوَجَّهُوا في طَلَبِهِ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ . يُرِيدُ ما أُشْعِرَ لِلَّهِ، وإنْ كانُوا عَلى غَيْرِ دِينِ الإسْلامِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ بِالحُدَيْبِيَةِ حِينَ صَدَّهُمُ المُشْرِكُونَ عَنِ البَيْتِ، وقَدِ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَمَرَّ بِهِمْ ناسٌ مِنَ المُشْرِكِينَ يُرِيدُونَ العُمْرَةَ، فَقالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: نَصُدُّ هَؤُلاءِ كَما صَدَّنا أصْحابُهم. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ . أيْ فَلا تَعْتَدُوا عَلى هَؤُلاءِ العُمّارِ أنْ صَدَّكم أصْحابُهم.
المائدة 5:3
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وكانَ يَوْمَ عَرَفَةَ بَعْدَ العَصْرِ في حَجَّةِ الوَداعِ، سَنَةَ عَشْرٍ، والنَّبِيُّ ﷺ واقِفٌ بِعَرَفاتٍ عَلى ناقَتِهِ العَضْباءِ.
أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدانَ العَدْلُ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ القَطِيعِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قالَ: حَدَّثَنِي أبِي، قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، قالَ: أخْبَرَنِي أبُو عُمَيْسٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّكم تَقْرَءُونَ آيَةً في كِتابِكم لَوْ عَلَيْنا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ لاتَّخَذْنا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قالَ: فَأيُّ آيَةٍ هي ؟ قالَ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ . قالَ عُمَرُ: واللَّهِ إنِّي لَأعْلَمُ اليَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والسّاعَةَ الَّتِي نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ في يَوْمِ جُمُعَةٍ.
رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ الحَسَنِ بْنِ صَبّاحٍ، ورَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، كِلاهُما عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ.
أخْبَرَنا الحاكِمُ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشّاذْياخِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا زاهِرُ بْنُ أحْمَدَ، قالَ: أخْبَرَنا الحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ حَكِيمٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو قُتَيْبَةَ، قالَ: حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ عَمّارِ بْنِ أبِي عَمّارٍ قالَ: قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ هَذِهِ الآيَةَ ومَعَهُ يَهُودِيٌّ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ . فَقالَ اليَهُودِيُّ: لَوْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَيْنا في يَوْمٍ لاتَّخَذْناهُ عِيدًا. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَإنَّها نَزَلَتْ في عِيدَيْنِ اتَّفَقا في يَوْمٍ واحِدٍ؛ يَوْمِ جُمُعَةٍ، وافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ عَرَفَةَ.
المائدة 5:4
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ الحارِثِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الشَّيْخِ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ، قالَ: حَدَّثَنِي يَحْيى بْنُ أبِي زائِدَةَ، عَنْ مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أبانِ بْنِ صالِحٍ، عَنِ القَعْقاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سَلْمى أُمِّ رافِعٍ، عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: أمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الكِلابِ، فَقالَ النّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما أُحِلَّ لَنا مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي أمَرْتَ بِقَتْلِها ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وما عَلَّمْتُم مِّنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ .
رَواهُ الحاكِمُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ في صَحِيحِهِ، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ بالُويَهْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شاذانَ، عَنْ مُعَلّى بْنِ مَنصُورٍ، عَنِ ابْنِ أبِي زائِدَةَ.
وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ شَرْحَ هَذِهِ القِصَّةِ، قالُوا: قالَ أبُو رافِعٍ: جاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى النَّبِيِّ ﷺ واسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَأذِنَ لَهُ فَلَمْ يَدْخُلْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”قَدْ أذِنّا لَكَ يا جِبْرِيلُ“ . فَقالَ: أجَلْ يا رَسُولَ اللَّهِ، ولَكِنّا لا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ ولا كَلْبٌ. فَنَظَرُوا فَإذا في بَعْضِ بُيُوتِهِمْ جَرْوٌ. قالَ أبُو رافِعٍ: فَأمَرَنِي ألّا أدَعَ كَلْبًا في المَدِينَةِ إلّا قَتَلْتُهُ، حَتّى بَلَغْتُ العَوالِيَ فَإذا امْرَأةٌ عِنْدَها كَلْبٌ يَحْرُسُها، فَرَحِمْتُها فَتَرَكْتُهُ، فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرْتُهُ، فَأمَرَنِي بِقَتْلِهِ، فَرَجَعْتُ إلى الكَلْبِ فَقَتَلْتُهُ. فَلَمّا أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الكِلابِ جاءَ ناسٌ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ماذا يَحِلُّ لَنا مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي تَقْتُلُها ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَلَمّا نَزَلَتْ أذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في اقْتِناءِ الكِلابِ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِها، ونَهى عَنْ إمْساكِ ما لا نَفْعَ فِيهِ مِنها، وأمَرَ بِقَتْلِ الكَلْبِ الكَلِبِ والعَقُورِ وما يَضُرُّ ويُؤْذِي، ورَفَعَ القَتْلَ عَمّا سِواهُما مِمّا لا ضَرَرَ فِيهِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ وزَيْدِ بْنِ المُهَلْهِلِ الطّائِيَّيْنِ، وهو زَيْدُ الخَيْلِ الَّذِي سَمّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدَ الخَيْرِ؛ وذَلِكَ أنَّهُما جاءا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا قَوْمٌ نَصِيدُ بِالكِلابِ والبُزاةِ، وإنَّ كِلابَ آلِ ذَرِيحٍ وآلِ أبِي جُوَيْرِيَةَ تَأْخُذُ البَقَرَ والحُمُرَ والظِّباءَ والضَّبَّ، فَمِنهُ ما نُدْرِكُ ذَكاتَهُ، ومِنهُ ما يُقْتَلُ فَلا نُدْرِكُ ذَكاتَهُ، وقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ المَيْتَةَ، فَماذا يَحِلُّ لَنا مِنها ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ . يَعْنِي الذَّبائِحَ. ﴿وما عَلَّمْتُم مِّنَ الجَوارِحِ﴾ . يَعْنِي: وصَيْدُ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ، وهي الكَواسِبُ مِنَ الكِلابِ وسِباعِ الطَّيْرِ.
المائدة 5:11
أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ المُؤَذِّنُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَلِيٍّ الفَقِيهُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو لُبابَةَ مُحَمَّدُ بْنُ المَهْدِيِّ المِيهَنِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَمّارُ بْنُ الحَسَنِ، قالَ: حَدَّثَنا سَلَمَةُ بْنُ الفَضْلِ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيِّ، أنَّ رَجُلًا مِن مُحارِبٍ يُقالُ لَهُ: غَوْرَثُ بْنُ الحارِثِ، قالَ لِقَوْمِهِ مِن بَنِي غَطَفانَ ومُحارِبٍ: ألا أقْتُلُ لَكم مُحَمَّدًا ؟ قالُوا: نَعَمْ، وكَيْفَ تَقْتُلُهُ ؟ قالَ: أفْتِكُ بِهِ. قالَ: فَأقْبَلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو جالِسٌ وسَيْفُهُ في حِجْرِهِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، أنْظُرُ إلى سَيْفِكَ هَذا ؟ قالَ: ”نَعَمْ“ . فَأخَذَهُ واسْتَلَّهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَهُزُّهُ ويَهُمُّ بِهِ فَيَكْبِتُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ، أما تَخافُنِي ؟ قالَ: ”لا“ . قالَ: ألا تَخافُنِي وفي يَدِي السَّيْفُ ؟ قالَ: ”يَمْنَعُنِي اللَّهُ مِنكَ“ . ثُمَّ أغْمَدَ السَّيْفَ ورَدَّهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أن يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾ .
أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حامِدٍ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ جابِرٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ مَنزِلًا، وتَفَرَّقَ النّاسُ في العِضاهِ يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَها، فَعَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ سِلاحَهُ عَلى شَجَرَةٍ، فَجاءَ أعْرابِيٌّ إلى سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِ فَقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ قالَ: ”اللَّهُ“ . قالَ الأعْرابِيُّ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ”اللَّهُ“ . فَشامَ الأعْرابِيُّ السَّيْفَ، فَدَعا النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ فَأخْبَرَهم خَبَرَ الأعْرابِيِّ وهو جالِسٌ إلى جَنْبِهِ لَمْ يُعاقِبْهُ.
وقالَ مُجاهِدٌ والكَلْبِيُّ وعِكْرِمَةُ: قَتَلَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلَيْنِ مِن بَنِي سُلَيْمٍ، وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَ قَوْمِهِما مُوادَعَةٌ، فَجاءَ قَوْمُهُما يَطْلُبُونَ الدِّيَةَ، فَأتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ وطَلْحَةُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَدَخَلُوا عَلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وبَنِي النَّضِيرِ يَسْتَعِينُهم في عَقْلِهِما، فَقالُوا: نَعَمْ يا أبا القاسِمِ، قَدْ آنَ لَكَ أنْ تَأْتِيَنا وتَسْألَنا حاجَةً، اجْلِسْ حَتّى نُطْعِمَكُ ونُعْطِيَكَ الَّذِي تَسْألُنا. فَجَلَسَ هو وأصْحابُهُ، فَخَلا بَعْضُهم بِبَعْضٍ وقالُوا: إنَّكم لَمْ تَجِدُوا مُحَمَّدًا أقْرَبَ مِنهُ الآنَ، فَمَن يَظْهَرُ عَلى هَذا البَيْتِ فَيَطْرَحُ عَلَيْهِ صَخْرَةً فَيُرِيحَنا مِنهُ ؟ فَقالَ عُمَرُ بْنُ جِحاشِ بْنِ كَعْبٍ: أنا. فَجاءَ إلى رَحًا عَظِيمَةٍ لِيَطْرَحَها عَلَيْهِ، فَأمْسَكَ اللَّهُ تَعالى يَدَهُ، وجاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأخْبَرَهُ بِذَلِكَ. فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
المائدة 5:33
أخْبَرَنا أبُو نَصْرٍ أحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ المَخْلَدِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو مُسْلِمٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمّادٍ، قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ أبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أنَسٍ، أنَّ رَهْطًا مِن عُكْلٍ وعُرَيْنَةَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا كُنّا أهْلَ ضَرْعٍ، ولَمْ نَكُنْ أهْلَ رِيفٍ، فاسْتَوْخَمْنا المَدِينَةَ. فَأمَرَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ بِذَوْدٍ وراعٍ، وأمَرَهم أنْ يَخْرُجُوا فِيها فَيَشْرَبُوا مِن ألْبانِها وأبْوالِها، فَلَمّا صَحُّوا وكانُوا بِناحِيَةِ الحَرَّةِ، فَقَتَلُوا راعِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واسْتاقُوا الذَّوْدَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في آثارِهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ فَقَطَّعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم، وسَمَلَ أعْيُنَهم. فَتُرِكُوا في الحَرَّةِ حَتّى ماتُوا عَلى حالِهِمْ. قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ . إلى خَتْمِ الآيَةِ.
رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُثَنّى، عَنْ عَبْدِ الأعْلى، عَنْ سَعِيدٍ، إلى قَوْلِ قَتادَةَ.
المائدة 5:38
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ سارِقِ الدِّرْعِ، وقَدْ مَضَتْ قِصَّتُهُ.
المائدة 5:41
حَدَّثَنا أبُو بَكْرٍ أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ الحِيرِيُّ إمْلاءً، قالَ: أخْبَرَنا أبُو مُحَمَّدٍ حاجِبُ بْنُ أحْمَدَ الطُّوسِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ حَمّادٍ الأبِيوَرْدِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُعاوِيَةَ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: مُرَّ عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا، فَدَعاهم فَقالَ: ”هَكَذا تَجِدُونَ حَدَّ الزّانِي في كِتابِكم ؟“ . قالُوا: نَعَمْ. قالَ: فَدَعا رَجُلًا مِن عُلَمائِهِمْ فَقالَ: ”أنْشُدُكَ اللَّهَ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، هَكَذا تَجِدُونَ حَدَّ الزّانِي في كِتابِكم ؟“ . قالَ: لا، ولَوْلا أنَّكَ نَشَدْتَنِي لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُ حَدَّ الزّانِي في كِتابِنا الرَّجْمَ، ولَكِنَّهُ كَثُرَ في أشْرافِنا، فَكُنّا إذا أخَذْنا الشَّرِيفَ تَرَكْناهُ، وإذا أخَذْنا الوَضِيعَ أقَمْنا عَلَيْهِ الحَدَّ، فَقُلْنا: تَعالَوْا نَجْتَمِعُ عَلى شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلى الشَّرِيفِ والوَضِيعِ. فاجْتَمَعْنا عَلى التَّحْمِيمِ والجَلْدِ مَكانَ الرَّجْمِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اللَّهُمَّ إنِّي أوَّلُ مَن أحْيا أمْرَكَ إذْ أماتُوهُ“ . فَأمَرَ بِهِ فَرُجِمَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ﴾ . يَقُولُ: ائْتُوا مُحَمَّدًا، فَإنْ أفْتاكم بِالتَّحْمِيمِ والجَلْدِ فَخُذُوا بِهِ، وإنْ أفْتاكم بِالرَّجْمِ فاحْذَرُوا. إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن لَّمْ يَحْكُم بِما أنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] . قالَ: في اليَهُودِ. إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن لَّمْ يَحْكُم بِما أنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] . قالَ: في النَّصارى. إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن لَّمْ يَحْكُم بِما أنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] . قالَ: في الكُفّارِ كُلُّها.
رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيى بْنِ يَحْيى، عَنْ أبِي مُعاوِيَةَ.
أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الهَيْثَمِ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَوْثٍ الكِنْدِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمانَ الحَضْرَمِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُعاوِيَةَ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ رَجَمَ يَهُودِيًّا ويَهُودِيَّةً، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن لَّمْ يَحْكُم بِما أنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿ومَن لَّمْ يَحْكُم بِما أنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿ومَن لَّمْ يَحْكُم بِما أنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] . قالَ: نَزَلَتْ كُلُّها في الكُفّارِ.
رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي شَيْبَةَ.
المائدة 5:44
أخْبَرَنا أبُو مُحَمَّدٍ الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفارِسِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدُونَ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، قالَ: حَدَّثَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِن مُزَيْنَةَ ونَحْنُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: زَنى رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ وامْرَأةٌ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنا إلى هَذا النَّبِيِّ فَإنَّهُ نَبِيٌّ بُعِثَ لِلتَّخْفِيفِ، فَإنْ أفْتانا بِفُتْيا دُونَ الرَّجْمِ قَبِلْناها واحْتَجَجْنا بِها عِنْدَ اللَّهِ، وقُلْنا: فُتْيا نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِكَ. فَأتَوُا النَّبِيَّ ﷺ وهو جالِسٌ في المَسْجِدِ مَعَ أصْحابِهِ، فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ، ما تَرى في رَجُلٍ وامْرَأةٍ زَنَيا ؟ فَلَمْ يُكَلِّمْهم حَتّى أتى بَيْتَ مِدْراسِهِمْ فَقامَ عَلى البابِ فَقالَ: ”أنْشُدُكم بِاللَّهِ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، ما تَجِدُونَ في التَّوْراةِ عَلى مَن زَنى إذا أحْصَنَ ؟“ . قالُوا: يُحَمَّمُ وجْهُهُ ويُجَبَّهُ ويُجْلَدُ – والتَّجْبِيَةُ أنْ يُحْمَلَ الزّانِيانِ عَلى حِمارٍ، وتُقابَلَ أقْفِيَتُهُما ويُطافَ بِهِما - قالَ: وسَكَتَ شابٌّ مِنهم، فَلَمّا رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ سَكَتَ ألَظَّ بِهِ في النِّشْدَةِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إذْ نَشَدْتَنا فَإنّا نَجِدُ في التَّوْراةِ الرَّجْمَ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”فَما أوَّلُ ما أرْخَصْتُمْ أمْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ؟“ . قالُوا: زَنى رَجُلٌ ذُو قَرابَةٍ مِن مَلِكٍ مِن مُلُوكِنا، فَأخَّرَ عَنْهُ الرَّجْمَ، ثُمَّ زَنى رَجُلٌ في أُسْرَةٍ مِنَ النّاسِ، فَأرادَ رَجْمَهُ، فَحالَ قَوْمُهُ دُونَهُ، فَقالُوا: لا تَرْجُمْ صاحِبَنا حَتّى تَجِيءَ بِصاحِبِكَ فَتَرْجُمَهُ. فاصْطَلَحُوا عَلى هَذِهِ العُقُوبَةِ بَيْنَهم. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”فَإنِّي أحْكُمُ بِما في التَّوْراةِ“ . فَأمَرَ بِهِما فَرُجِما.
قالَ الزُّهْرِيُّ: فَبَلَغَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿إنّا أنزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا﴾ . فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ مِنهم.
قالَ مَعْمَرٌ: أخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ سالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أمَرَ بِرَجْمِهِما، فَلَمّا رُجِما رَأيْتُهُ يَجْنَأُ بِيَدِهِ عَنْها لِيَقِيَها الحِجارَةَ.
المائدة 5:49
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وأنِ احْكُم بَيْنَهُم بِما أنزَلَ اللَّهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ مِنهم كَعْبُ بْنُ أسَدٍ، وعَبْدُ اللَّهُ بْنُ صُورِيا، وشَأْسُ بْنُ قَيْسٍ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنا إلى مُحَمَّدٍ لَعَلَّنا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ. فَأتَوْهُ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، قَدْ عَرَفْتَ أنّا أحْبارُ اليَهُودِ وأشْرافُهم، وإنّا إنِ اتَّبَعْناكَ اتَّبَعَنا اليَهُودُ ولَنْ يُخالِفُونا، وإنَّ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمٍ خُصُومَةً، ونُحاكِمُهم إلَيْكَ فَتَقْضِي لَنا عَلَيْهِمْ ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ ونُصَدِّقُكَ. فَأبى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿واحْذَرْهم أن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ ما أنزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ .
المائدة 5:51
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ قالَ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: جاءَ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي مَوالِيَ مِنَ اليَهُودِ كَثِيرٌ عَدَدُهم، حاضِرٌ نَصْرُهم، وإنِّي أبْرَأُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ مِن ولايَةِ اليَهُودِ وآوِي إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ. فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: إنِّي رَجُلٌ أخافُ الدَّوائِرَ، ولا أبْرَأُ مِن ولايَةِ اليَهُودِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”يا أبا الحُبابِ، ما بَخِلْتَ بِهِ مِن ولايَةِ اليَهُودِ عَلى عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ فَهو لَكَ دُونَهُ“ . قالَ: قَدْ قَبِلْتُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِما: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ . إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ . يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ. ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ . في ولايَتِهِمْ. ﴿يَقُولُونَ نَخْشى أن تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ .
المائدة 5:55
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: جاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ قَوْمًا مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ قَدْ هَجَرُونا وفارَقُونا، وأقْسَمُوا ألّا يُجالِسُونا، ولا نَسْتَطِيعُ مُجالَسَةَ أصْحابِكَ لِبُعْدِ المَنازِلِ. وشَكى ما يَلْقى مِنَ اليَهُودِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقَرَأها عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: رَضِينا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ أوْلِياءَ.
ونَحْوَ هَذا قالَ الكَلْبِيُّ، وزادَ: إنَّ آخِرَ الآيَةِ نَزَلَ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ؛ لِأنَّهُ أعْطى خاتِمَهُ سائِلًا وهو راكِعٌ في الصَّلاةِ.
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قالَ: حَدَّثَنا الحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهّابِ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الأسْوَدِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السّائِبِ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ومَعَهُ نَفَرٌ مِن قَوْمِهِ مِمَّنْ قَدْ آمَنُوا، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ مَنازِلَنا بَعِيدَةٌ ولَيْسَ لَنا مَجْلِسٌ ولا مُتَحَدَّثٌ، وإنَّ قَوْمَنا لَمّا رَأوْا أنّا آمَنّا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وصَدَّقْناهُ رَفَضُونا، وآلَوْا عَلى أنْفُسِهِمْ ألّا يُجالِسُونا، ولا يُناكِحُونا ولا يُكَلِّمُونا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْنا. فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ . ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إلى المَسْجِدِ والنّاسُ بَيْنَ قائِمٍ وراكِعٍ، فَنَظَرَ سائِلًا، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ”هَلْ أعْطاكَ أحَدٌ شَيْئًا ؟“ . قالَ: نَعَمْ، خاتَمٌ مِن ذَهَبٍ. قالَ: ”مَن أعْطاكَهُ ؟“ . قالَ: ذَلِكَ القائِمُ. وأوْمَأ بِيَدِهِ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ. فَقالَ: ”عَلى أيِّ حالٍ أعْطاكَ ؟“ . قالَ: أعْطانِي وهو راكِعٌ. فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ قَرَأ: ”﴿ومَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾“ .
المائدة 5:57
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ رِفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ وسُوَيْدُ بْنُ الحارِثِ قَدْ أظْهَرا الإسْلامَ، ثُمَّ نافَقا، وكانَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُوادُّونَهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا نادى إلى الصَّلاةِ وقامَ المُسْلِمُونَ إلَيْها قالَتِ اليَهُودُ: قامُوا لا قامُوا، صَلَّوْا لا صَلَّوْا، رَكَعُوا لا رَكَعُوا. عَلى طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ والضَّحِكِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ النَّصارى بِالمَدِينَةِ كانَ إذا سَمِعَ المُؤَذِّنَ يَقُولُ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قالَ: حُرِّقَ الكاذِبُ. فَدَخَلَ خادِمُهُ بِنارٍ ذاتَ لَيْلَةٍ وهو نائِمٌ وأهْلُهُ نِيامٌ، فَتَطايَرَتْ مِنها شَرارَةٌ في البَيْتِ فَأحْرَقَتِ البَيْتَ فاحْتَرَقَ هو وأهْلُهُ.
وقالَ آخَرُونَ: إنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمِعُوا الأذانَ حَسَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ عَلى ذَلِكَ، فَدَخَلُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، لَقَدْ أبْدَعْتَ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْ بِهِ فِيما مَضى مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، فَإنْ كُنْتَ تَدَّعِي النُّبُوَّةَ فَقَدْ خالَفْتَ فِيما أحْدَثْتَ مِن هَذا الأذانِ الأنْبِياءَ قَبْلَكَ، ولَوْ كانَ في هَذا الأمْرِ خَيْرٌ كانَ أوْلى النّاسِ بِهِ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ قَبْلَكَ، فَمِن أيْنَ لَكَ صِياحٌ كَصِياحِ العَيْرِ ؟ فَما أقْبَحَ مِن صَوْتٍ وما أسْمَجَ مِن أمْرٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وأنْزَلَ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا﴾ [فصلت: ٣٣] .
المائدة 5:59
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنزِلَ إلَيْنا وما أُنزِلَ مِن قَبْلُ وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أتى نَفَرٌ مِنَ اليَهُودِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألُوهُ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ، فَقالَ: ”أُومِنُ ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنزِلَ إلَيْنا وما أُنزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ﴾ [البقرة: ١٣٦]“ . إلى قَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ . فَلَمّا ذَكَرَ عِيسى جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ وقالُوا: واللَّهِ ما نَعْلَمُ أهْلَ دِينٍ أقَلَّ حَظًّا في الدُّنْيا والآخِرَةِ مِنكم، ولا دِينًا شَرًّا مِن دِينِكم. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنزِلَ إلَيْنا وما أُنزِلَ مِن قَبْلُ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿فاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] .
المائدة 5:67
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ قالَ الحَسَنُ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”لَمّا بَعَثَنِي اللَّهُ تَعالى بِرِسالَتِهِ ضِقْتُ بِها ذَرْعًا، وعَرَفْتُ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يُكَذِّبُنِي“ . وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَهابُ قُرَيْشًا واليَهُودَ والنَّصارى، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
أخْبَرَنا أبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّفّارُ، قالَ: أخْبَرَنا الحَسَنُ بْنُ أحْمَدَ المَخْلَدِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُونَ بْنِ خالِدٍ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ الحُلْوانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ حَمّادٍ سَجّادَةُ، قالَ: أخْبَرَنا عَلِيُّ بْنُ عابِسٍ، عَنِ الأعْمَشِ وأبِي الجَحّافِ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنزِلَ إلَيْكَ﴾ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: سَهِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ لَيْلَةٍ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما شَأْنُكَ ؟ قالَ: ”ألا رَجُلٌ صالِحٌ يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ ؟“ . قالَتْ: فَبَيْنَما نَحْنُ في ذَلِكَ سَمِعْتُ صَوْتَ السِّلاحِ، فَقالَ: ”مَن هَذا ؟“ . قالَ: سَعْدٌ وحُذَيْفَةُ، جِئْنا نَحْرُسُكَ. فَنامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَأخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ مِن قُبَّةِ أدَمٍ، وقالَ: ”انْصَرِفُوا أيُّها النّاسُ فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ“ .
أخْبَرَنا إسْماعِيلُ بْنُ إبْراهِيمَ الواعِظُ، قالَ: أخْبَرَنا إسْماعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ الخَلِيلِ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، قالَ: حَدَّثَنا الحِمّانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا النَّضْرُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحْرَسُ، وكانَ يُرْسِلُ مَعَهُ أبُو طالِبٍ كُلَّ يَوْمٍ رِجالًا مِن بَنِي هاشِمٍ يَحْرُسُونَهُ، حَتّى نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنزِلَ إلَيْكَ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ . قالَ: فَأرادَ عَمُّهُ أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ مَن يَحْرُسُهُ، فَقالَ: ”يا عَمّاهْ، إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ عَصَمَنِي مِنَ الجِنِّ والإنْسِ“ .
المائدة 5:82
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ﴾ . إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا﴾ [المائدة: ١٠] . نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو بِمَكَّةَ يَخافُ عَلى أصْحابِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَبَعَثَ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ وابْنَ مَسْعُودٍ في رَهْطٍ مِن أصْحابِهِ إلى النَّجاشِيِّ، وقالَ: ”إنَّهُ مَلِكٌ صالِحٌ لا يَظْلِمُ، ولا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أحَدٌ، فاخْرُجُوا إلَيْهِ حَتّى يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَرَجًا“ . فَلَمّا ورَدُوا عَلَيْهِ أكْرَمَهم وقالَ لَهم: هَلْ تَعْرِفُونَ شَيْئًا مِمّا أُنْزِلَ عَلَيْكم ؟ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: اقْرَءُوا. فَقَرَءُوا، وحَوْلَهُ القِسِّيسُونَ والرُّهْبانُ، فَكُلَّما قَرَءُوا آيَةً انْحَدَرَتْ دُمُوعُهم مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) (٨٣)) .
أخْبَرَنا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفارِسِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدُونَ بْنِ الفَضْلِ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا أبُو صالِحٍ كاتِبُ اللَّيْثِ، قالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وغَيْرِهِما، قالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ، وكَتَبَ مَعَهُ كِتابًا إلى النَّجاشِيِّ، فَقَدِمَ عَلى النَّجاشِيِّ فَقَرَأ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ دَعا جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ والمُهاجِرِينَ مَعَهُ، وأرْسَلَ إلى الرُّهْبانِ والقِسِّيسِينَ فَجَمَعَهم، ثُمَّ أمَرَ جَعْفَرًا أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَرَأ عَلَيْهِمْ جَعْفَرٌ سُورَةَ مَرْيَمَ ( كهيعص﴾، فَآمَنُوا بِالقُرْآنِ، وفاضَتْ أعْيُنُهم مِنَ الدَّمْعِ، وهُمُ الَّذِينَ أُنْزِلَ فِيهِمْ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ . إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ .
وقالَ آخَرُونَ: قَدِمَ جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ مِنَ الحَبَشَةِ هو وأصْحابُهُ، ومَعَهم سَبْعُونَ رَجُلًا، بَعَثَهُمُ النَّجاشِيُّ وفْدًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ ثِيابُ الصُّوفِ: اثْنانِ وسِتُّونَ مِنَ الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةٌ مِن أهْلِ الشّامِ، وهم: بَحِيرى الرّاهِبُ، وأبْرَهَةُ، وإدْرِيسُ، وأشْرَفُ، وتَمّامٌ، وقُثَيْمٌ، ودُرَيْدٌ، وأيْمَنُ. فَقَرَأ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُورَةَ يس إلى آخِرِها، فَبَكَوْا حِينَ سَمِعُوا القُرْآنَ وآمَنُوا، وقالُوا: ما أشْبَهَ هَذا بِما كانَ يَنْزِلُ عَلى عِيسى. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآياتِ.
أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ العَدْلُ، قالَ: أخْبَرَنا زاهِرُ بْنُ أحْمَدَ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، قالَ: حَدَّثَنا شَرِيكٌ، عَنْ سالِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ . قالَ: بَعَثَ النَّجاشِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن خِيارِ أصْحابِهِ ثَلاثِينَ رَجُلًا، فَقَرَأ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُورَةَ يس فَبَكَوْا، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.
المائدة 5:87
أخْبَرَنا أبُو عُثْمانَ بْنُ أبِي عَمْرٍو المُؤَذِّنُ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَمْدانَ، قالَ: أخْبَرَنا الحُسَيْنُ بْنُ نَصْرِ بْنِ سُفْيانَ، قالَ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ مَنصُورٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو عاصِمٍ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ سَعْدٍ قالَ: أخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَجُلًا أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنِّي إذا أكَلْتُ هَذا اللَّحْمَ انْتَشَرْتُ إلى النِّساءِ، وإنِّي حَرَّمْتُ عَلَيَّ اللَّحْمَ. فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ . ونَزَلَتْ: ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا﴾ .
وقالَ المُفَسِّرُونَ: جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَذَكَّرَ النّاسَ، ووَصَفَ القِيامَةَ، ولَمْ يَزِدْهم إلّا التَّخْوِيفَ، فَرَقَّ النّاسُ وبَكَوْا، فاجْتَمَعَ عَشَرَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ في بَيْتِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ الجُمَحِيِّ، وهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وأبُو ذَرٍّ الغِفارِيُّ، وسالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، والمِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ، ومَعْقِلُ بْنُ مُقَرِّنٍ. واتَّفَقُوا عَلى أنْ يَصُومُوا النَّهارَ ويَقُومُوا اللَّيْلَ، ولا يَنامُوا عَلى الفُرُشِ، ولا يَأْكُلُوا اللَّحْمَ ولا الوَدَكَ ولا يَقْرَبُوا النِّساءَ والطِّيبَ، ويَلْبَسُوا المُسُوحَ ويَرْفُضُوا الدُّنْيا، ويَسِيحُوا في الأرْضِ، ويَتَرَهَّبُوا، ويَجُبُّوا المَذاكِيرَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَجَمَعَهم فَقالَ لَهم: ”ألَمْ أُنَبَّأْ أنَّكُمُ اتَّفَقْتُمْ عَلى كَذا وكَذا ؟“ . فَقالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، وما أرَدْنا إلّا الخَيْرَ. فَقالَ: ”إنِّي لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ، إنَّ لِأنْفُسِكم عَلَيْكم حَقًّا، فَصُومُوا وأفْطِرُوا، وقُومُوا ونامُوا؛ فَإنِّي أقُومُ وأنامُ، وأصُومُ وأُفْطِرُ، وآكُلُ اللَّحْمَ والدَّسَمَ، ومَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي“ . ثُمَّ خَرَجَ إلى النّاسِ وخَطَبَهم، فَقالَ: ”ما بالُ أقْوامٍ حَرَّمُوا النِّساءَ والطَّعامَ، والطِّيبَ والنَّوْمَ، وشَهَواتِ الدُّنْيا ؟ أما إنِّي لَسْتُ آمُرُكم أنْ تَكُونُوا قِسِّيسِينَ ولا رُهْبانًا؛ فَإنَّهُ لَيْسَ في دِينِي تَرْكُ اللَّحْمِ والنِّساءِ، ولا اتِّخاذُ الصَّوامِعِ، وإنَّ سِياحَةَ أُمَّتِي الصَّوْمُ، ورَهْبانِيَّتَهُمُ الجِهادُ، واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وحُجُّوا واعْتَمِرُوا، وأقِيمُوا الصَّلاةَ، وآتُوا الزَّكاةَ، وصُومُوا رَمَضانَ، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِالتَّشْدِيدِ، شَدَّدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَأُولَئِكَ بَقاياهم في الدِّياراتِ والصَّوامِعِ“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِأيْمانِنا الَّتِي حَلَفْنا عَلَيْها ؟ وكانُوا حَلَفُوا عَلى ما عَلَيْهِ اتَّفَقُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ .
المائدة 5:90
أخْبَرَنا أبُو سَعِيدِ بْنُ أبِي بَكْرٍ المُطَّوِّعِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ الحِيرِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ المَوْصِلِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو خَيْثَمَةَ، قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ أبُو مُوسى، قالَ: حَدَّثَنا زُهَيْرٌ، قالَ: حَدَّثَنا سِماكُ بْنُ حَرْبٍ، قالَ: حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، عَنْ أبِيهِ قالَ: أتَيْتُ عَلى نَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ والمُهاجِرِينَ، فَقالُوا: تَعالَ نُطْعِمُكَ ونَسْقِيكَ خَمْرًا. وذَلِكَ قَبْلَ أنْ تُحَرَّمَ الخَمْرُ، فَأتَيْتُهم في حُشٍّ - والحُشُّ: البُسْتانُ - فَإذا رَأْسُ جَزُورٍ مَشْوِيٌّ عِنْدَهم، ودَنٌّ مِن خَمْرٍ، فَأكَلْتُ وشَرِبْتُ مَعَهم، وذَكَرْتُ الأنْصارَ والمُهاجِرِينَ، فَقُلْتُ: المُهاجِرُونَ خَيْرٌ مِنَ الأنْصارِ. فَأخَذَ رَجُلٌ لَحْيَيِ الرَّأْسِ فَضَرَبَنِي بِهِ فَجَدَعَ أنْفِي، فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرْتُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيَّ - يَعْنِي نَفْسَهُ - شَأْنَ الخَمْرِ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ .
رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي خَيْثَمَةَ.
أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدانَ العَدْلُ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قالَ: حَدَّثَنِي أبِي، قالَ: حَدَّثَنا خَلَفُ بْنُ الوَلِيدِ، قالَ: حَدَّثَنا إسْرائِيلُ، عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا. فَنَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في البَقَرَةِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] . فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا. فَنَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في النِّساءِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] . فَكانَ مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا أقامَ الصَّلاةَ يُنادِي: لا يَقْرَبَنَّ الصَّلاةَ سَكْرانُ. فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ . فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَلَمّا بَلَغَ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنتُم مُّنتَهُونَ﴾ . قالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنا انْتَهَيْنا.
وكانَتْ تَحْدُثُ أشْياءُ يَكْرَهُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبَبِ شُرْبِ الخَمْرِ قَبْلَ تَحْرِيمِها، مِنها قِصَّةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ مَعَ عَمِّهِ حَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
وهِيَ ما أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي خالِدٍ، قالَ: حَدَّثَنا يُوسُفُ بْنُ مُوسى المَرْوَزِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، قالَ: أخْبَرَنا عَنْبَسَةُ، قالَ: أخْبَرَنا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: أخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، أنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أخْبَرَهُ، أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ قالَ: كانَتْ لِي شارِفٌ مِن نَصِيبِي مِنَ المَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أعْطانِي شارِفًا مِنَ الخُمُسِ، ولَمّا أرَدْتُ أنْ أبْتَنِيَ بِفاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واعَدْتُ رَجُلًا صَوّاغًا مِن بَنِي قَيْنُقاعٍ أنْ يَرْتَحِلَ مَعِي فَنَأْتِيَ بِإذْخِرٍ أرَدْتُ أنْ أبِيعَهُ مِنَ الصَّوّاغِينَ فَأسْتَعِينَ بِهِ في ولِيمَةِ عُرْسِي، فَبَيْنا أنا أجْمَعُ لِشارِفَيَّ مَتاعًا مِنَ الأقْتابِ والغَرائِرِ والحِبالِ، وشارِفايَ مُناخَتانِ إلى جَنْبِ حُجْرَةِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، أقْبَلْتُ فَإذا أنا بِشارِفَيَّ قَدْ أُجِبَّتْ أسْنِمَتُها وبُقِرَتْ خَواصِرُها، وأُخِذَتْ مِن أكْبادِها، فَلَمْ أمْلِكْ عَيْنَيَّ حِينَ رَأيْتُ ذَلِكَ المَنظَرَ، وقُلْتُ: مَن فَعَلَ هَذا ؟ فَقالُوا: فَعَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وهو في البَيْتِ في شَرْبٍ مِنَ الأنْصارِ، غَنَّتْ قَيْنَةٌ فَقالَتْ في غِنائِها:
ألا يا حَمْزَ لِلشُّرُفِ النِّواءِ وهُنَّ مُعَقَّلاتٌ بِالفِناءِ
ضَعِ السِّكِّينَ في اللَّبّاتِ مِنها فَضَرِّجْهُنَّ حَمْزَةُ بِالدِّماءِ
وأطْعِمْ مِن شَرائِحِها كَبابًا مُلَهْوَجَةً عَلى وهَجِ الصِّلاءِ فَأنْتَ أبا عُمارَةٍ المُرَجّى لِكَشْفِ الضُّرِّ عَنّا والبَلاءِ
فَوَثَبَ إلى السَّيْفِ فاجْتَبَّ أسْنِمَتَهُما، وبَقَرَ خَواصِرَهُما، وأخَذَ مِن أكْبادِهِما. قالَ عَلِيٌّ: فانْطَلَقْتُ حَتّى أدْخُلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وعِنْدَهُ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ. قالَ: فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الَّذِي أتَيْتُ لَهُ، فَقالَ: ”ما لَكَ ؟“ . فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما رَأيْتُ كاليَوْمِ، عَدا حَمْزَةُ عَلى ناقَتَيَّ فاجْتَبَّ أسْنِمَتَها، وبَقَرَ خَواصِرَها، وها هو ذا في بَيْتٍ مَعَهُ شَرْبٌ. قالَ: فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرِدائِهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي، فاتَّبَعْتُ أثَرَهُ أنا وزَيْدُ بْنُ حارِثَةَ، حَتّى جاءَ البَيْتَ الَّذِي هو فِيهِ، فاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ، فَإذا هم شَرْبٌ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ يَلُومُ حَمْزَةَ في ما فَعَلَ، فَإذا حَمْزَةُ ثَمِلٌ مُحْمَرَّةٌ عَيْناهُ، فَنَظَرَ حَمْزَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ، فَنَظَرَ إلى رُكْبَتِهِ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إلى وجْهِهِ، ثُمَّ قالَ: وهَلْ أنْتُمْ إلّا عَبِيدُ أبِي ؟ فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ ثَمِلٌ، فَنَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ القَهْقَرى، فَخَرَجَ وخَرَجْنا.
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ أحْمَدَ بْنِ صالِحٍ. وكانَتْ هَذِهِ القِصَّةُ مِنَ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِنُزُولِ تَحْرِيمِ الخَمْرِ.
المائدة 5:93
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُطَّوِّعِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ الحِيرِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو يَعْلى، قالَ: حَدَّثَنا أبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ العَتَكِيُّ، عَنْ حَمّادٍ، عَنْ ثابِتٍ، عَنْ أنَسٍ قالَ: كُنْتُ ساقِيَ القَوْمِ يَوْمَ حُرِّمَتِ الخَمْرُ في بَيْتِ أبِي طَلْحَةَ، وما شَرابُهم إلّا الفَضِيخُ والبُسْرُ والتَّمْرُ، وإذا مُنادٍ يُنادِي: ألا إنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. قالَ: فَجَرَتْ في سِكَكِ المَدِينَةِ، فَقالَ أبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَأرِقْها. قالَ: فَأرَقْتُها، فَقالُوا - أوْ قالَ بَعْضُهم -: قُتِلَ فُلانٌ وقُتِلَ فُلانٌ وهي في بُطُونِهِمْ. قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ .
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ أبِي نُعْمانَ، ورَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي الرَّبِيعِ، كِلاهُما عَنْ حَمّادٍ.
أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ المُزَكِّي، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو خَلِيفَةَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو الوَلِيدِ، قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو إسْحاقَ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: ماتَ أُناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، فَلَمّا حُرِّمَتْ قالَ أُناسٌ: كَيْفَ بِأصْحابِنا ماتُوا وهم يَشْرَبُونَها ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ .
المائدة 5:100
أخْبَرَنا الحاكِمُ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشّاذْياخِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا الحاكِمُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَيِّعُ، قالَ: أخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ المُؤَدِّبُ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الرّازِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا إدْرِيسُ بْنُ عَلِيٍّ الرّازِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ الضُّرَيْسِ، قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَرَّمَ عَلَيْكم عِبادَةَ الأوْثانِ، وشُرْبَ الخَمْرِ، والطَّعْنَ في الأنْسابِ، ألا إنَّ الخَمْرَ لُعِنَ شارِبُها وعاصِرُها وساقِيها وبائِعُها وآكِلُ ثَمَنِها“ . فَقامَ إلَيْهِ أعْرابِيٌّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْتُ رَجُلًا كانَتْ هَذِهِ تِجارَتِي فاعْتَقَبْتُ مِن بَيْعِ الخَمْرِ مالًا، فَهَلْ يَنْفَعُنِي ذَلِكَ المالُ إنْ عَمِلْتُ فِيهِ بِطاعَةِ اللَّهِ ؟ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ”إنْ أنْفَقْتَهُ في حَجٍّ أوْ جِهادٍ أوْ صَدَقَةٍ لَمْ يَعْدِلْ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ، إنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ إلّا الطَّيِّبَ“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿قُل لّا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ . فالخَبِيثُ الحَرامُ.
المائدة 5:101
أخْبَرَنا عَمْرُو بْنُ أبِي عَمْرٍو المُزَكِّي، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ البُخارِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا الفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو النَّضْرِ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو خَيْثَمَةَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو جُوَيْرِيَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ قَوْمٌ يَسْألُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتِهْزاءً، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: مَن أبِي ؟ ويَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ ناقَتُهُ: أيْنَ ناقَتِي ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إن تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ . حَتّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ كُلِّها.
أخْبَرَنا أبُو سَعِيدٍ النَّصْرُويِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ القَطِيعِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قالَ: حَدَّثَنِي أبِي، قالَ: حَدَّثَنا مَنصُورُ بْنُ ورْدانَ الأسَدِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الأعْلى، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبِي البَخْتَرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] . قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفِي كُلِّ عامٍ ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قالُوا: أفِي كُلِّ عامٍ ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قالَ في الرّابِعَةِ: ”لا، ولَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إن تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ .
المائدة 5:105
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنفُسَكم لا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أهْلِ هَجَرَ وعَلَيْهِمْ مُنْذِرُ بْنُ ساوى يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ، فَإنْ أبَوْا فَلْيُؤَدُّوا الجِزْيَةَ، فَلَمّا أتاهُ الكِتابُ عَرَضَهُ عَلى مَن عِنْدَهُ مِنَ العَرَبِ واليَهُودِ والنَّصارى والصّابِئِينَ والمَجُوسِ، فَأقَرُّوا بِالجِزْيَةِ، وكَرِهُوا الإسْلامَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أمّا العَرَبُ فَلا تَقْبَلْ مِنهم إلّا الإسْلامَ أوِ السَّيْفَ، وأمّا أهْلُ الكِتابِ والمَجُوسُ فاقْبَلْ مِنهُمُ الجِزْيَةَ“ . فَلَمّا قَرَأ عَلَيْهِمْ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أسْلَمَتِ العَرَبُ، وأمّا أهْلُ الكِتابِ والمَجُوسُ فَأعْطَوُا الجِزْيَةَ، فَقالَ مُنافِقُو العَرَبِ: عَجَبًا مِن مُحَمَّدٍ، يَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ لِيُقاتِلَ النّاسَ كافَّةً حَتّى يُسْلِمُوا، ولا يَقْبَلُ الجِزْيَةَ إلّا مِن أهْلِ الكِتابِ، فَلا نَراهُ إلّا قَدْ قَبِلَ مِن مُشْرِكِي أهْلِ هَجَرَ ما رَدَّ عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنفُسَكم لا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ . يَعْنِي: مَن ضَلَّ مِن أهْلِ الكِتابِ.
المائدة 5:106
أخْبَرَنا أبُو سَعِيدِ بْنُ أبِي بَكْرٍ الغازِي، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدانَ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو يَعْلى، قالَ: حَدَّثَنا الحارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا بْنِ أبِي زائِدَةَ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ أبِي القاسِمِ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ تَمِيمٌ الدّارِيُّ وعَدِيُّ بْنُ بَدّاءٍ يَخْتَلِفانِ إلى مَكَّةَ، فَصَحِبَهُما رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ مِن بَنِي سَهْمٍ، فَماتَ بِأرْضٍ لَيْسَ بِها أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأوْصى إلَيْهِما بِتَرِكَتِهِ، فَلَمّا قَدِما دَفَعاها إلى أهْلِهِ، وكَتَما جامًا كانَ مَعَهُ مِن فِضَّةٍ مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ، فَقالا: لَمْ نَرَهُ. فَأُتِيَ بِهِما إلى النَّبِيِّ ﷺ، فاسْتَحْلَفَهُما بِاللَّهِ ما كَتَما ولا اطَّلَعا وخَلّى سَبِيلَهُما، ثُمَّ إنَّ الجامَ وُجِدَ عِنْدَ قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَقالُوا: ابْتَعْناهُ مِن تَمِيمٍ الدّارِيِّ وعَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ. فَقامَ أوْلِياءُ السَّهْمِيِّ فَأخَذُوا الجامَ، وحَلَفَ رَجُلانِ مِنهم بِاللَّهِ إنَّ هَذا الجامَ جامُ صاحِبِنا، وشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما وما اعْتَدَيْنا. فَنَزَلَتْ هاتانِ الآيَتانِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ . إلى آخِرِها. واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
الأنعام 6:7
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ومَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّكَ رَسُولُهُ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
الأنعام 6:13
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ كُفّارَ مَكَّةَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، إنّا قَدْ عَلِمْنا أنَّهُ إنَّما يَحْمِلُكَ عَلى هَذا الأمْرِ الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ الحاجَةُ، فَنَحْنُ نَجْعَلُ لَكَ نَصِيبًا في أمْوالِنا حَتّى تَكُونَ مِن أغْنانا رَجُلًا، وتَرْجِعُ عَمّا أنْتَ عَلَيْهِ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
الأنعام 6:19
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّ رُؤَساءَ مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، ما نَرى أحَدًا يُصَدِّقُكَ بِما تَقُولُ مِن أمْرِ الرِّسالَةِ، ولَقَدْ سَألْنا عَنْكَ اليَهُودَ والنَّصارى فَزَعَمُوا أنْ لَيْسَ لَكَ عِنْدَهم ذِكْرٌ ولا صِفَةٌ، فَأرِنا مَن يَشْهَدُ لَكَ أنَّكَ رَسُولٌ كَما تَزْعُمُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
الأنعام 6:25
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومِنهُم مَّن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ: إنَّ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، وعُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنا رَبِيعَةَ، وأُمَيَّةَ وأُبَيًّا ابْنا خَلَفٍ اسْتَمَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا لِلنَّضْرِ: يا أبا قُتَيْلَةَ، ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ ؟ فَقالَ: والَّذِي جَعَلَها بَيْتَهُ ما أدْرِي ما يَقُولُ، إلّا أنِّي أرى تَحْرِيكَ شَفَتَيْهِ يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ، وما يَقُولُ إلّا أساطِيرَ الأوَّلِينَ مِثْلَ ما كُنْتُ أُحَدِّثُكم عَنِ القُرُونِ الماضِيَةِ. وكانَ النَّضْرُ كَثِيرَ الحَدِيثِ عَنِ القُرُونِ الأُولى، وكانَ يُحَدِّثُ قُرَيْشًا فَيَسْتَمْلِحُونَ حَدِيثَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
الأنعام 6:26
أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدانَ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ حَمْشاذَ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مَندَهْ الأصْفَهانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا بَكْرُ بْنُ بَكّارٍ، قالَ: حَدَّثَنا حَمْزَةُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ . قالَ: نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ، كانَ يَنْهى المُشْرِكِينَ أنْ يُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ويَتَباعَدُ عَمّا جاءَ بِهِ.
وهَذا قَوْلُ عَطاءِ بْنِ دِينارٍ والقاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ.
قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ عِنْدَ أبِي طالِبٍ يَدْعُوهُ إلى الإسْلامِ، فاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ إلى أبِي طالِبٍ يُرِيدُونَ سُوءًا بِالنَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ أبُو طالِبٍ:
واللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ
حَتّى أُوَسَّدَ في التُّرابِ دَفِينا
فاصْدَعْ بِأمْرِكَ ما عَلَيْكَ غَضاضَةٌ
وابْشِرْ وقَرَّ بِذاكَ مِنكَ عُيُونا
وعَرَضْتَ دِينًا لا مَحالَةَ أنَّهُ
مِن خَيْرِ أدْيانِ البَرِيَّةِ دِينا
لَوْلا المَلامَةُ أوْ حَذارِي سُبَّةً
لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذاكَ مُبِينا
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ فِيهِمْ: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ .
وقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في كُفّارِ مَكَّةَ، كانُوا يَنْهَوْنَ النّاسَ عَنِ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ ويَتَباعَدُونَ بِأنْفُسِهِمْ عَنْهُ. وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الوالِبِيِّ.
الأنعام 6:33
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: التَقى الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ وأبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ، فَقالَ الأخْنَسُ لِأبِي جَهْلٍ: يا أبا الحَكَمِ، أخْبِرْنِي عَنْ مُحَمَّدٍ، أصادِقٌ هو أمْ كاذِبٌ، فَإنَّهُ لَيْسَ هَهُنا أحَدٌ يَسْمَعُ كَلامَكَ غَيْرِي ؟ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: واللَّهِ إنَّ مُحَمَّدًا لَصادِقٌ، وما كَذَبَ مُحَمَّدٌ قَطُّ، ولَكِنْ إذا ذَهَبَ بَنُو قُصَيٍّ بِاللِّواءِ والسِّقايَةِ والحِجابَةِ والنَّدْوَةِ والنُّبُوَّةِ فَماذا يَكُونُ لِسائِرِ قُرَيْشٍ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ أبُو مَيْسَرَةَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِأبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، إنّا واللَّهِ ما نُكَذِّبُكَ، وإنَّكَ لَصادِقٌ عِنْدَنا، ولَكِنْ نُكَذِّبُ ما جِئْتَ بِهِ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ .
وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ عامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ، كانَ يُكَذِّبُ النَّبِيَّ ﷺ في العَلانِيَةِ، فَإذا خَلا مَعَ أهْلِ بَيْتِهِ قالَ: ما مُحَمَّدٌ مِن أهْلِ الكَذِبِ، ولا أحْسَبُهُ إلّا صادِقًا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
الأنعام 6:52
أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، قالَ: أخْبَرَنا زاهِرُ بْنُ أحْمَدَ، قالَ: أخْبَرَنا الحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ حَكِيمٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ، قالَ: حَدَّثَنا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنِ المِقْدامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ سَعْدٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينا سِتَّةٍ: فِيَّ، وفي ابْنِ مَسْعُودٍ، وصُهَيْبٍ، وعَمّارٍ، والمِقْدادِ، وبِلالٍ. قالَتْ قُرَيْشٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنّا لا نَرْضى أنْ نَكُونَ أتْباعًا لِهَؤُلاءِ، فاطْرُدْهم عَنْكَ. فَدَخَلَ قَلْبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن ذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَدْخُلَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ .
رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيانَ، عَنِ المِقْدامِ.
أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي زَكَرِيّا الشَّيْبانِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو صالِحٍ الحُسَيْنُ بْنُ الفَرَجِ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقاتِلٍ المَرْوَزِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا حَكِيمُ بْنُ زَيْدٍ، قالَ: حَدَّثَنا السُّدِّيُّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، عَنْ أبِي الكَنُودِ، عَنْ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ قالَ: فِينا نَزَلَتْ، كُنّا ضُعَفاءَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، يُعَلِّمُنا القُرْآنَ والخَيْرَ، وكانَ يُخَوِّفُنا بِالجَنَّةِ والنّارِ، وما يَنْفَعُنا، وبِالمَوْتِ والبَعْثِ، فَجاءَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ التَّمِيمِيُّ وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ، فَقالا: إنّا مِن أشْرافِ قَوْمِنا، وإنّا نَكْرَهُ أنْ يَرَوْنا مَعَهم، فاطْرُدْهم إذا جالَسْناكَ. قالَ: ”نَعَمْ“ . قالُوا: لا نَرْضى حَتّى نَكْتُبَ بَيْنَنا كِتابًا. فَأُتِيَ بِأدِيمٍ ودَواةٍ، فَنَزَلَتْ هَؤُلاءِ الآياتُ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ . إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ .
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ الحارِثِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيّانَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى الرّازِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ، قالَ: حَدَّثَنا أسْباطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أشْعَثَ، عَنْ كُرْدُوسٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: مَرَّ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَعَهُ خَبّابٌ وصُهَيْبٌ وبِلالٌ وعَمّارٌ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، رَضِيتَ بِهَؤُلاءِ ؟ أتُرِيدُ أنْ نَكُونَ تَبَعًا لِهَؤُلاءِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾ .
وبِهَذا الإسْنادِ قالَ: حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: كانَ رِجالٌ يَسْبِقُونَ إلى مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِنهم بِلالٌ وعَمّارٌ وصُهَيْبٌ وسَلْمانُ، فَيَجِيءُ أشْرافُ قَوْمِهِ وسادَتُهم وقَدْ أخَذَ هَؤُلاءِ المَجْلِسَ فَيَجْلِسُونَ إلَيْهِ، فَقالُوا: صُهَيْبٌ رُومِيٌّ، وسَلْمانُ فارِسِيٌّ، وبِلالٌ حَبَشِيٌّ، يَجْلِسُونَ عِنْدَهُ ونَحْنُ نَجِيءُ فَنَجْلِسُ ناحِيَةً. وذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالُوا: إنّا سادَةُ قَوْمِكَ وأشْرافُهم، فَلَوْ أدْنَيْتَنا مِنكَ إذا جِئْنا، فَهَمَّ أنْ يَفْعَلَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: جاءَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ومُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ والحارِثُ بْنُ نَوْفَلٍ في أشْرافِ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ مِن أهْلِ الكُفْرِ إلى أبِي طالِبٍ، فَقالُوا: لَوْ أنَّ ابْنَ أخِيكَ مُحَمَّدًا يَطْرُدُ عَنْهُ مَوالِيَنا وعَبِيدَنا وعُسَفاءَنا كانَ أعْظَمَ في صُدُورِنا، وأطْوَعَ لَهُ عِنْدَنا، وأدْنى لِاتِّباعِنا إيّاهُ وتَصْدِيقِنا لَهُ. فَأتى أبُو طالِبٍ النَّبِيَّ ﷺ فَحَدَّثَهُ بِالَّذِي كَلَّمُوهُ، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ حَتّى نَنْظُرَ ما الَّذِي يُرِيدُونَ وإلامَ يَصِيرُونَ مِن قَوْلِهِمْ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَلَمّا نَزَلَتْ أقْبَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَعْتَذِرُ مِن مَقالَتِهِ.
الأنعام 6:54
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في الَّذِينَ نَهى اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ عَنْ طَرْدِهِمْ، فَكانَ إذا رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بَدَأهُمُ السَّلامَ، وقالَ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ في أُمَّتِي مَن أمَرَنِي أنْ أبْدَأهم بِالسَّلامِ“ .
وقالَ ماهانُ الحَنَفِيُّ: أتى قَوْمٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقالُوا: إنّا أصَبْنا ذُنُوبًا عِظامًا - إخالُهُ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ - فَلَمّا ذَهَبُوا وتَوَلَّوْا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾ .
الأنعام 6:57
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ ورُؤَساءِ قُرَيْشٍ، كانُوا يَقُولُونَ: يا مُحَمَّدُ، ائْتِنا بِالعَذابِ الَّذِي تَعِدُنا بِهِ. اسْتِهْزاءً مِنهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
الأنعام 6:91
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الوالِبِيِّ: قالَتِ اليَهُودُ: يا مُحَمَّدُ، أنَزَّلَ اللَّهُ عَلَيْكَ كِتابًا ؟ قالَ: ”نَعَمْ“ . قالُوا: واللَّهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن كِتابٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن أنزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وهُدًى لِّلنّاسِ﴾ .
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: أمَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَسْألَ أهْلَ الكِتابِ عَنْ أمْرِهِ، وكَيْفَ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا في كُتُبِهِمْ، فَحَمَلَهم حَسَدُ مُحَمَّدٍ أنْ كَفَرُوا بِكِتابِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وقالُوا: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: جاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ: مالِكُ بْنُ الضَّيْفِ، فَخاصَمَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ”أنْشُدُكَ بِالَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، أما تَجِدُ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الحَبْرَ السَّمِينَ ؟“ . وكانَ حَبْرًا سَمِينًا، فَغَضِبَ وقالَ: واللَّهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ. فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ: ويْحَكَ، ولا عَلى مُوسى ؟ فَقالَ: واللَّهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
الأنعام 6:93
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ نَزَلَتْ في مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ الحَنَفِيِّ، كانَ يَسْجَعُ ويَتَكَهَّنُ، ويَدَّعِي النُّبُوَّةَ، ويَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَن قالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ ما أنزَلَ اللَّهُ﴾ نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، كانَ قَدْ تَكَلَّمَ بِالإسْلامِ، فَدَعاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ فَكَتَبَ لَهُ شَيْئًا، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي في المُؤْمِنِينَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنسانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] . أمْلاها عَلَيْهِ، فَلَمّا انْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] . عَجِبَ عَبْدُ اللَّهِ مِن تَفْصِيلِ خَلْقِ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] . فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”هَكَذا أُنْزِلَتْ عَلَيَّ“ . فَشَكَّ عَدُوُّ اللَّهِ حِينَئِذٍ، وقالَ: لَئِنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا لَقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ كَما أُوحِيَ إلَيْهِ، ولَئِنْ كانَ كاذِبًا لَقَدْ قُلْتُ كَما قالَ. وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَأُنزِلُ مِثْلَ ما أنزَلَ اللَّهُ﴾ . وارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ. وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ.
أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدانَ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، قالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأُمَوِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الجَبّارِ، قالَ: حَدَّثَنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ، قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، قالَ: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ . وارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ، فَلَمّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ فَرَّ إلى عُثْمانَ وكانَ أخاهُ مِنَ الرَّضاعَةِ، فَغَيَّبَهُ عِنْدَهُ حَتّى اطْمَأنَّ أهْلُ مَكَّةَ، ثُمَّ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فاسْتَأْمَنَ لَهُ.
الأنعام 6:100
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الزَّنادِقَةِ، قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى وإبْلِيسَ أخَوانِ، واللَّهُ خالِقُ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ، وإبْلِيسُ خالِقُ الحَيّاتِ والسِّباعِ والعَقارِبِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ .
الأنعام 6:108
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الوالِبِيِّ: قالُوا: يا مُحَمَّدُ، لَتَنْتَهِيَنَّ عَنْ سَبِّكَ آلِهَتَنا أوْ لَنَهْجُوَنَّ رَبَّكَ. فَنَهاهُمُ اللَّهُ أنْ يَسُبُّوا أوْثانَهم فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ.
وقالَ قَتادَةُ: كانَ المُسْلِمُونَ يَسُبُّونَ أوْثانَ الكُفّارِ فَيَرُدُّونَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَسْتَسِبُّوا لِرَبِّهِمْ قَوْمًا جَهَلَةً لا عِلْمَ لَهم بِاللَّهِ.
وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا حَضَرَتْ أبا طالِبٍ الوَفاةُ قالَتْ قُرَيْشٌ: انْطَلِقُوا فَلْنَدْخُلْ عَلى هَذا الرَّجُلِ، فَلَنَأْمُرَنَّهُ أنْ يَنْهى عَنّا ابْنَ أخِيهِ، فَإنّا نَسْتَحِي أنْ نَقْتُلَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَتَقُولَ العَرَبُ: كانَ يَمْنَعُهُ فَلَمّا ماتَ قَتَلُوهُ. فانْطَلَقَ أبُو سُفْيانَ، وأبُو جَهْلٍ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، وأُمَيَّةُ وأُبَيٌّ ابْنا خَلَفٍ، وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، وعَمْرُو بْنُ العاصِ، والأسْوَدُ بْنُ البَخْتَرِيِّ إلى أبِي طالِبٍ، فَقالُوا: أنْتَ كَبِيرُنا وسَيِّدُنا، وإنَّ مُحَمَّدًا قَدْ آذانا وآذى آلِهَتَنا، فَنُحِبُّ أنْ تَدْعُوَهُ فَتَنْهاهُ عَنْ ذِكْرِ آلِهَتِنا، ولْنَدَعْهُ وإلَهَهُ. فَدَعاهُ، فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقالَ لَهُ أبُو طالِبٍ: هَؤُلاءِ قَوْمُكَ وبَنُو عَمِّكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ماذا تُرِيدُونَ ؟“ . قالُوا: نُرِيدُ أنْ تَدَعَنا وآلِهَتَنا، ونَدَعَكَ وإلَهَكَ. فَقالَ أبُو طالِبٍ: قَدْ أنْصَفَكَ قَوْمُكَ فاقْبَلْ مِنهم. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أرَأيْتُمْ إنْ أعْطَيْتُكم هَذا، هَلْ أنْتُمْ مُعْطِيَّ كَلِمَةً إنْ تَكَلَّمْتُمْ بِها مَلَكْتُمُ العَرَبَ ودانَتْ لَكم بِها العَجَمُ ؟“ . قالَ أبُو جَهْلٍ: نَعَمْ وأبِيكَ لَنُعْطِيَنَّكَها وعَشْرَ أمْثالِها، فَما هي ؟ قالَ: ”قُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ . فَأبَوْا واشْمَأزُّوا. فَقالَ أبُو طالِبٍ: قُلْ غَيْرَها يا ابْنَ أخِي؛ فَإنَّ قَوْمَكَ قَدْ فَزِعُوا مِنها. فَقالَ: ”يا عَمِّ، ما أنا بِالَّذِي أقُولُ غَيْرَها، ولَوْ أتَوْنِي بِالشَّمْسِ فَوَضَعُوها في يَدِي ما قُلْتُ غَيْرَها“ . فَقالُوا: لَتَكُفَّنَّ عَنْ شَتْمِكَ آلِهَتَنا أوْ لَنَشْتُمَنَّكَ ونَشْتُمُ مَن يَأْمُرُكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
الأنعام 6:109
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسى بْنِ الفَضْلِ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأُمَوِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الجَبّارِ، قالَ: حَدَّثَنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أبِي مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: كَلَّمَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُرَيْشٌ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، إنَّكَ تُخْبِرُنا أنَّ مُوسى كانَتْ مَعَهُ عَصًا ضَرَبَ بِها الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا، وأنَّ عِيسى كانَ يُحْيِي المَوْتى، وأنَّ ثَمُودَ كانَتْ لَهم ناقَةٌ، فائْتِنا بِبَعْضِ تِلْكَ الآياتِ حَتّى نُصَدِّقَكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أيُّ شَيْءٍ تُحِبُّونَ أنْ آتِيَكم بِهِ ؟“ . فَقالُوا: تَجْعَلُ لَنا الصَّفا ذَهَبًا. قالَ: ”فَإنْ فَعَلْتُ تُصَدِّقُونِي ؟“ . قالُوا: نَعَمْ، واللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لَنَتَّبِعَنَّكَ أجْمَعِينَ. فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: إنْ شِئْتَ أصْبَحَ الصَّفا ذَهَبًا، ولَكِنِّي لَمْ أُرْسِلْ آيَةً فَلَمْ يُصَدَّقْ بِها إلّا أنْزَلْتُ العَذابَ، وإنْ شِئْتَ تَرَكْتُهم حَتّى يَتُوبَ تائِبُهم. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اتْرُكْهم حَتّى يَتُوبَ تائِبُهم“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِن جاءَتْهم آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿مّا كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أن يَشاءَ اللَّهُ ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ .
الأنعام 6:121
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قالَ المُشْرِكُونَ: يا مُحَمَّدُ، أخْبِرْنا عَنِ الشّاةِ إذا ماتَتْ مَن قَتَلَها ؟ قالَ: اللَّهُ قَتَلَها. قالُوا: فَتَزْعُمُ أنَّ ما قَتَلْتَ أنْتَ وأصْحابُكَ حَلالٌ، وما قَتَلَ الكَلْبُ والصَّقْرُ حَلالٌ، وما قَتَلَهُ اللَّهُ حَرامٌ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ المَجُوسَ مِن أهْلِ فارِسَ لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَحْرِيمَ المَيْتَةِ كَتَبُوا إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ - وكانُوا أوْلِياءَهم في الجاهِلِيَّةِ، وكانَتْ بَيْنَهم مُكاتَبَةٌ -: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَتَّبِعُونَ أمْرَ اللَّهِ، ثُمَّ يَزْعُمُونَ أنَّ ما ذَبَحُوا فَهو حَلالٌ، وما ذَبَحَ اللَّهُ فَهو حَرامٌ. فَوَقَعَ في أنْفُسِ ناسٍ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
الأنعام 6:122
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأبا جَهْلٍ، وذَلِكَ أنَّ أبا جَهْلٍ رَمى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِفَرْثٍ، وحَمْزَةُ لَمْ يُؤْمِن بَعْدُ، فَأُخْبِرَ حَمْزَةُ بِما فَعَلَ أبُو جَهْلٍ وهو راجِعٌ مِن قَنْصِهِ وبِيَدِهِ قَوْسٌ، فَأقْبَلَ غَضْبانَ حَتّى عَلا أبا جَهْلٍ بِالقَوْسِ وهو يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ ويَقُولُ: يا أبا يَعْلى، أما تَرى ما جاءَ بِهِ ؟ سَفَّهَ عُقُولَنا، وسَبَّ آلِهَتَنا، وخالَفَ آباءَنا ؟ قالَ حَمْزَةُ: ومَن أسْفَهُ مِنكم ؟ تَعْبُدُونَ الحِجارَةَ مِن دُونِ اللَّهِ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ الحارِثِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيّانَ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ والوَلِيدُ بْنُ أبانٍ، قالا: حَدَّثَنا أبُو حاتِمٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو تَقِيٍّ، قالَ: حَدَّثَنا بَقِيَّةُ بْنُ الوَلِيدِ، قالَ: حَدَّثَنِي مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ﴾ . قالَ: عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ﴿كَمَن مَّثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِّنْها﴾ . قالَ: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.
الأعراف 7:31
أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ العَدْلُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدانَ، قالَ: أخْبَرَنا الحَسَنُ بْنُ سُفْيانَ، قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ حَمّادٍ الوَرّاقُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو يَحْيى الحِمّانِيُّ، عَنْ نَصْرِ بْنِ الحَسَنِ الحَدّادِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ ناسٌ مِنَ الأعْرابِ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، حَتّى إنْ كانَتِ المَرْأةُ لَتَطُوفُ بِالبَيْتِ وهي عُرْيانَةٌ، فَتُعَلِّقُ عَلى سِفْلِها سُيُورًا مِثْلَ هَذِهِ السُّيُورِ الَّتِي تَكُونُ عَلى وُجُوهِ الحُمُرِ مِنَ الذُّبابِ، وهي تَقُولُ:
اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُ وما بَدا مِنهُ فَلا أُحِلُّهُ
فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ: ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ . قالَ: فَأُمِرُوا أنْ يَلْبَسُوا الثِّيابَ.
أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أحْمَدَ العَطّارُ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ المَعْقِلِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قالَ: سَمِعْتُ مُسْلِمًا البَطِينَ يُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ المَرْأةُ تَطُوفُ بِالبَيْتِ في الجاهِلِيَّةِ وهي عُرْيانَةٌ، وعَلى فَرْجِها خِرْقَةٌ، وهي تَقُولُ:
اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُ وما بَدا مِنهُ فَلا أُحِلُّهُ
فَنَزَلَتْ: ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ . ونَزَلَتْ: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ .
رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ بُنْدارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ.
أخْبَرَنا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفارِسِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدُونَ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ أبِي أُوَيْسٍ، قالَ: حَدَّثَنِي أخِي، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ بِلالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: كانُوا إذا حَجُّوا فَأفاضُوا مِن مِنًى لا يَصْلُحُ لِأحَدٍ مِنهم في دِينِهِمُ الَّذِي اشْتَرَعُوا أنْ يَطُوفَ في ثَوْبَيْهِ، فَأيُّهم طافَ ألْقاهُما حَتّى يَقْضِيَ طَوافَهُ، وكانَ أتْقى، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ . إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ . أُنْزِلَتْ في شَأْنِ الَّذِينَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً.
قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يَأْكُلُونَ مِنَ الطَّعامِ إلّا قُوتًا، ولا يَأْكُلُونَ دَسَمًا في أيّامِ حَجِّهِمْ؛ يُعَظِّمُونَ بِذَلِكَ حَجَّهم، فَقالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ أحَقُّ بِذَلِكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكُلُوا﴾، أيِ اللَّحْمَ والدَّسَمَ، ﴿واشْرَبُوا﴾ .
الأعراف 7:175
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانسَلَخَ مِنها﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ في بَلْعَمَ بْنِ أبْرَهَةَ - رَجُلٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ - وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو بَلْعَمُ بْنُ باعُوراءَ.
وقالَ الوالِبِيُّ: هو رَجُلٌ مِن مَدِينَةِ الجَبّارِينَ يُقالُ لَهُ: بَلْعَمُ، وكانَ يَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الأكْبَرَ، فَلَمّا نَزَلَ بِهِمْ مُوسى أتاهُ بَنُو عَمِّهِ وقَوْمُهُ وقالُوا: إنَّ مُوسى رَجُلٌ حَدِيدٌ، ومَعَهُ جُنُودٌ كَثِيرَةٌ، وإنَّهُ إنْ يَظْهَرْ عَلَيْنا يُهْلِكْنا، فادْعُ اللَّهَ أنْ يَرُدَّ عَنّا مُوسى ومَن مَعَهُ. قالَ: إنِّي إنْ دَعَوْتُ اللَّهَ أنْ يَرُدَّ مُوسى ومَن مَعَهُ ذَهَبَتْ دُنْيايَ وآخِرَتِي. فَلَمْ يَزالُوا بِهِ حَتّى دَعا عَلَيْهِمْ، فَسَلَخَهُ مِمّا كانَ عَلَيْهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فانسَلَخَ مِنها﴾ .
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: نَزَلَتْ في أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ، وكانَ قَدْ قَرَأ الكُتُبَ، وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُرْسِلٌ رَسُولًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، ورَجا أنْ يَكُونَ هو ذَلِكَ الرَّسُولَ، فَلَمّا أُرْسِلَ مُحَمَّدٌ ﷺ حَسَدَهُ وكَفَرَ بِهِ.
ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ: هو رَجُلٌ أُعْطِيَ ثَلاثَ دَعَواتٍ يُسْتَجابُ لَهُ فِيها، وكانَتْ لَهُ امْرَأةٌ يُقالُ لَها: البَسُوسُ، وكانَ لَهُ مِنها ولَدٌ، وكانَتْ لَهُ مُحِبَّةً، فَقالَتِ: اجْعَلْ لِي مِنها دَعْوَةً واحِدَةً. قالَ: لَكِ واحِدَةٌ، فَماذا تَأْمُرِينَ ؟ فَقالَتِ: ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي أجْمَلَ امْرَأةٍ في بَنِي إسْرائِيلَ. فَلَمّا عَلِمَتْ أنْ لَيْسَ فِيهِمْ مِثْلُها رَغِبَتْ عَنْهُ، وأرادَتْ شَيْئًا آخَرَ، فَدَعا اللَّهَ عَلَيْها أنْ يَجْعَلَها كَلْبَةً نَبّاحَةً، فَذَهَبَتْ فِيها دَعْوَتانِ، وجاءَ بَنُوها فَقالُوا: لَيْسَ لَنا عَلى هَذا قَرارٌ، قَدْ صارَتْ أُمُّنا كَلْبَةً نَبّاحَةً يُعَيِّرُنا بِها النّاسُ، فادْعُ اللَّهَ أنْ يَرُدَّها إلى الحالِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها. فَدَعا اللَّهَ فَعادَتْ كَما كانَتْ، وذَهَبَتِ الدَّعَواتُ الثَّلاثُ. وهي البَسُوسُ، وبِها يُضْرَبُ المَثَلُ في الشُّؤْمِ، فَيُقالُ: أشْأمُ مِنَ البَسُوسِ.
الأعراف 7:187
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ جَبَلُ بْنُ أبِي قُشَيْرٍ وسمولُ بْنُ زَيْدٍ - وهُما مِنَ اليَهُودِ -: يا مُحَمَّدُ، أخْبِرْنا مَتى السّاعَةُ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا، فَإنّا نَعْلَمُ مَتى هي ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ قَتادَةُ: قالَتْ قُرَيْشٌ لِمُحَمَّدٍ: إنَّ بَيْنَنا وبَيْنَكَ قَرابَةً، فَأسِرَّ إلَيْنا مَتى تَكُونُ السّاعَةُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ .
أخْبَرَنا أبُو سَعِيدِ بْنُ أبِي بَكْرٍ الوَرّاقُ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَمْدانَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَعْلى، قالَ: حَدَّثَنا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، قالَ: حَدَّثَنا يُونُسُ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الغَفّارِ بْنُ القاسِمِ، عَنْ إيادِ بْنِ لَقِيطٍ، عَنْ قَرَظَةَ بْنِ حَسّانَ قالَ: سَمِعْتُ أبا مُوسى في يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلى مِنبَرِ البَصْرَةِ يَقُولُ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ السّاعَةِ وأنا شاهِدٌ، فَقالَ: ”لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ، لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو، ولَكِنْ سَأُحَدِّثُكم بِأشْراطِها وما بَيْنَ يَدَيْها، إنَّ بَيْنَ يَدَيْها رَدْمًا مِنَ الفِتَنِ وهَرْجًا“ . فَقِيلَ: وما الهَرْجُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: ”هو بِلِسانِ الحَبَشَةِ القَتْلُ، وأنْ تُحْصَرَ قُلُوبُ النّاسِ، وأنْ يُلْقى بَيْنَهُمُ التَّناكُرُ، فَلا يَكادُ أحَدٌ يَعْرِفُ أحَدًا، ويُرْفَعُ ذَوُو الحِجى، وتَبْقى رَجاجَةٌ مِنَ النّاسِ فَلا تَعْرِفُ مَعْرُوفًا ولا تُنْكِرُ مُنْكَرًا“ .
الأعراف 7:188
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُل لّا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، ألا يُخْبِرُكَ رَبُّكَ بِالسِّعْرِ الرَّخِيصِ قَبْلَ أنْ يَغْلُوَ فَتَشْتَرِيَ فَتَرْبَحَ ؟ وبِالأرْضِ الَّتِي يُرِيدُ أنْ تَجْدُبَ فَتَرْحَلَ عَنْها إلى ما قَدْ أخْصَبَ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
الأعراف 7:189
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ﴾ . إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: كانَ لا يَعِيشُ لِآدَمَ وامْرَأتِهِ ولَدٌ، فَقالَ لَهُما الشَّيْطانُ: إذا وُلِدَ لَكُما ولَدٌ فَسَمِّياهُ عَبْدَ الحارِثِ. وكانَ اسْمُ الشَّيْطانِ قَبْلَ ذَلِكَ الحارِثَ، فَفَعَلا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ .
الأعراف 7:204
أخْبَرَنا أبُو مَنصُورٍ المَنصُورِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمانَ بْنِ الأشْعَثِ، قالَ: حَدَّثَنا العَبّاسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ، قالَ: أخْبَرَنِي أبِي، قالَ: حَدَّثَنا الأوْزاعِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عامِرٍ، قالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ﴾ . قالَ: نَزَلَتْ في رَفْعِ الأصْواتِ وهم خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الصَّلاةِ.
وقالَ قَتادَةُ: كانُوا يَتَكَلَّمُونَ في صَلاتِهِمْ في أوَّلِ ما فُرِضَتْ، كانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ فَيَقُولُ لِصاحِبِهِ: كَمْ صَلَّيْتُمْ ؟ فَيَقُولُ: كَذا كَذا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ الزُّهْرِيُّ: نَزَلَتْ في فَتًى مِنَ الأنْصارِ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّما قَرَأ شَيْئًا قَرَأ مَعَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ في الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، وقَرَأ أصْحابُهُ وراءَهُ رافِعِينَ أصْواتَهم، فَخَلَّطُوا عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ وجَماعَةٌ: نَزَلَتْ في الإنْصاتِ لِلْإمامِ في الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ.
الأنفال 8:1
أخْبَرَنا أبُو سَعْدٍ النَّصْرُويِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ القَطِيعِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قالَ: حَدَّثَنِي أبِي، قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُعاوِيَةَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو إسْحاقَ الشَّيْبانِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ قُتِلَ أخِي عُمَيْرٌ، وقَتَلْتُ سَعِيدَ بْنَ العاصِ، فَأخَذْتُ سَيْفَهُ وكانَ يُسَمّى ذا الكَتِيفَةِ، فَأتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَ: ”اذْهَبْ فاطْرَحْهُ في القَبَضِ“ . قالَ: فَرَجَعْتُ وبِي ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ مِن قَتْلِ أخِي وأخْذِ سَلَبِي، فَما جاوَزْتُ إلّا قَرِيبًا حَتّى نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْفالِ، فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اذْهَبْ فَخُذْ سَيْفَكَ“ .
وقالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”مَن فَعَلَ كَذا وكَذا فَلَهُ كَذا وكَذا“ . فَذَهَبَ شُبّانُ الرِّجالِ وجَلَسَ الشُّيُوخُ تَحْتَ الرّاياتِ، فَلَمّا كانَتِ الغَنِيمَةُ جاءَ الشُّبّانُ يَطْلُبُونَ نَفَلَهم، فَقالَ الشُّيُوخُ: لا تَسْتَأْثِرُوا عَلَيْنا فَإنّا كُنّا تَحْتَ الرّاياتِ، ولَوِ انْهَزَمْتُمْ لَكُنّا لَكم رِدْءًا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنفالِ قُلِ الأنفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ . فَقَسَمَها بَيْنَهم بِالسَّوِيَّةِ.
أخْبَرَنا أبُو بَكْرِ بْنُ الحارِثِ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ أبِي زائِدَةَ، عَنِ ابْنِ أبِي الزِّنادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ مُوسى الأشْدَقِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أبِي سَلّامٍ الباهِلِيِّ، عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: لَمّا هُزِمَ العَدُوُّ يَوْمَ بَدْرٍ واتَّبَعَتْهم طائِفَةٌ يَقْتُلُونَهم، وأحْدَقَتْ طائِفَةٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، واسْتَوْلَتْ طائِفَةٌ عَلى العَسْكَرِ والنَّهْبِ، فَلَمّا نَفى اللَّهُ العَدُوَّ ورَجَعَ الَّذِينَ طَلَبُوهم قالُوا: لَنا النَّفَلُ، نَحْنُ طَلَبْنا العَدُوَّ وبِنا نَفاهُمُ اللَّهُ وهَزَمَهم. وقالَ الَّذِينَ أحْدَقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: واللَّهِ ما أنْتُمْ بِأحَقَّ بِهِ مِنّا، نَحْنُ أحْدَقْنا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لا يَنالُ العَدُوُّ مِنهُ غِرَّةً، فَهو لَنا. وقالَ الَّذِينَ اسْتَوْلَوْا عَلى العَسْكَرِ والنَّهْبِ: واللَّهِ ما أنْتُمْ بِأحَقَّ بِهِ مِنّا، نَحْنُ أخَذْناهُ واسْتَوْلَيْنا عَلَيْهِ فَهو لَنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنفالِ﴾ . فَقَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهم بِالسَّواءِ.
الأنفال 8:17
أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أحْمَدَ العَطّارُ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ البَيّاعُ، قالَ: أخْبَرَنا إسْماعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الفَضْلِ الشَّعْرانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي، قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ الحِزامِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أبِيهِ قالَ: أقْبَلَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَوْمَ أُحُدٍ إلى النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُهُ، فاعْتَرَضَ لَهُ رِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَأمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، فاسْتَقْبَلَهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ أخُو بَنِي عَبْدِ الدّارِ، ورَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَرْقُوَةَ أُبَيٍّ مِن فُرْجَةٍ بَيْنَ سابِغَةِ البَيْضَةِ والدِّرْعِ، فَطَعَنَهُ بِحَرْبَتِهِ فَسَقَطَ أُبَيٌّ عَنْ فَرَسِهِ، ولَمْ يَخْرُجْ مِن طَعْنَتِهِ دَمٌ، وكَسَرَ ضِلَعًا مِن أضْلاعِهِ، فَأتاهُ أصْحابُهُ وهو يَخُورُ خُوارَ الثَّوْرِ، فَقالُوا لَهُ: ما أعْجَزَكَ ؟ إنَّما هو خَدْشٌ. فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كانَ هَذا الَّذِي بِي بِأهْلِ ذِي المَجازِ لَماتُوا أجْمَعِينَ. فَماتَ أُبَيٌّ - إلى النّارِ، فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ - قَبْلَ أنْ يَقْدَمَ مَكَّةَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ .
ورَوى صَفْوانُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ دَعا بِقَوْسٍ، فَأُتِيَ بِقَوْسٍ طَوِيلَةٍ، فَقالَ: ”جِيئُونِي بِقَوْسٍ غَيْرِها“ . فَجاءُوهُ بِقَوْسٍ كَبْداءَ، فَرَمى النَّبِيُّ ﷺ عَلى الحِصْنِ، فَأقْبَلَ السَّهْمُ يَهْوِي حَتّى قَتَلَ كِنانَةَ بْنَ أبِي الحُقَيْقِ وهو عَلى فِراشِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ .
وأكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في رَمْيِ النَّبِيِّ ﷺ القَبْضَةَ مِن حَصْباءِ الوادِي يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ قالَ لِلْمُشْرِكِينَ: ”شاهَتِ الوُجُوهُ“ . ورَماهم بِتِلْكَ القَبْضَةِ فَلَمْ تَبْقَ عَيْنُ مُشْرِكٍ إلّا دَخَلَها مِنهُ شَيْءٌ.
قالَ حَكِيمُ بْنُ حِزامٍ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ سَمِعْنا صَوْتًا وقَعَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ كَأنَّهُ صَوْتُ حَصاةٍ وقَعَتْ في طَسْتٍ، ورَمى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ الحَصَياتِ فانْهَزَمْنا. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ .
الأنفال 8:19
أخْبَرَنا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفارِسِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الفَضْلِ التّاجِرُ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبِي، عَنْ صالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ، قالَ: كانَ المُسْتَفْتِحُ أبا جَهْلٍ، وإنَّهُ قالَ حِينَ التَقى بِالقَوْمِ: اللَّهُمَّ أيُّنا كانَ أقْطَعَ لِلرَّحِمِ، وأتانا بِما لَمْ نَعْرِفْ فاحْنِهِ الغَداةَ. وكانَ ذَلِكَ اسْتِفْتاحَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ: ﴿إن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
رَواهُ الحاكِمُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ في صَحِيحِهِ عَنِ القَطِيعِيِّ، عَنِ ابْنِ ابْنِ حَنْبَلٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ يَعْقُوبَ.
وقالَ السُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ: كانَ المُشْرِكُونَ حِينَ خَرَجُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ مِن مَكَّةَ أخَذُوا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ وقالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ أعْلى الجُنْدَيْنِ، وأهْدى الفِئَتَيْنِ، وأكْرَمَ الحِزْبَيْنِ، وأفْضَلَ الدِّينَيْنِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: قالَ المُشْرِكُونَ: اللَّهُمَّ لا نَعْرِفُ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، فافْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَهُ بِالحَقِّ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إن تَسْتَفْتِحُوا﴾ .
الأنفال 8:27
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ الأنْصارِيِّ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حاصَرَ يَهُودَ قُرَيْظَةَ إحْدى وعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الصُّلْحَ عَلى ما صالَحَ عَلَيْهِ إخْوانَهم مِن بَنِي النَّضِيرِ عَلى أنْ يَسِيرُوا إلى إخْوانِهِمْ بِأذْرِعاتٍ وأرِيحا مِن أرْضِ الشّامِ، فَأبى أنْ يُعْطِيَهم ذَلِكَ إلّا أنْ يَنْزِلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، فَأبَوْا وقالُوا: أرْسِلْ إلَيْنا أبا لُبابَةَ. وكانَ مُناصِحًا لَهم؛ لِأنَّ مالَهُ وعِيالَهُ ووَلَدَهُ كانَتْ عِنْدَهم، فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأتاهم، فَقالُوا: يا أبا لُبابَةَ، ما تَرى ؟ أنَنْزِلُ عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ ؟ فَأشارَ أبُو لُبابَةَ بِيَدِهِ إلى حَلْقِهِ: إنَّهُ الذَّبْحُ فَلا تَفْعَلُوا. قالَ أبُو لُبابَةَ: واللَّهِ ما زالَتْ قَدَمايَ حَتّى عَلِمْتُ أنِّي قَدْ خُنْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ. فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ، فَلَمّا نَزَلَتْ شَدَّ نَفْسَهُ عَلى سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ وقالَ: واللَّهِ لا أذُوقُ طَعامًا ولا شَرابًا حَتّى أمُوتَ أوْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ. فَمَكَثَ سَبْعَةَ أيّامٍ لا يَذُوقُ فِيها طَعامًا ولا شَرابًا حَتّى خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، ثُمَّ تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: يا أبا لُبابَةَ، قَدْ تِيبَ عَلَيْكَ. فَقالَ: لا واللَّهِ لا أحُلُّ نَفْسِي حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو الَّذِي يَحُلُّنِي. فَجاءَهُ فَحَلَّهُ بِيَدِهِ. ثُمَّ قالَ أبُو لُبابَةَ: إنَّ مِن تَمامِ تَوْبَتِي أنْ أهْجُرَ دارَ قَوْمِي الَّتِي أصَبْتُ فِيها الذَّنْبَ، وأنْ أنْخَلِعَ مِن مالِي. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”يَجْزِيكَ الثُّلُثُ أنْ تَتَصَدَّقَ بِهِ“ .
الأنفال 8:32
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إن كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِندِكَ﴾ قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وهو الَّذِي قالَ: إنْ كانَ ما يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ.
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَكَمِ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الشَّيْبانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ عَبْدِ الوَهّابِ، قالَ: حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعاذٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبِي، قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ صاحِبِ الزِّيادِيِّ، سَمِعَ أنَسَ بْنَ مالِكٍ يَقُولُ: قالَ أبُو جَهْلٍ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ. فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ .
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ أحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ، رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعاذٍ.
الأنفال 8:35
أخْبَرَنا أبُو إسْماعِيلَ بْنُ أبِي عَمْرٍو النَّيْسابُورِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا حَمْزَةُ بْنُ شُعَيْبٍ المعموريُّ، قالَ: أخْبَرَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ بالُويَهْ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو المُثَنّى مُعاذُ بْنُ المُثَنّى، قالَ: حَدَّثَنا عَمْرٌو، قالَ: حَدَّثَنا أبِي، قالَ: حَدَّثَنا قُرَّةُ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ ويُصَفِّقُونَ – ووَصَفَ الصَّفْقَ بِيَدِهِ – ويُصَفِّرُونَ - ووَصَفَ صَفِيرَهم - ويَضَعُونَ خُدُودَهم بِالأرْضِ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
الأنفال 8:36
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ، وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ، ونُبَيْهٌ ومُنَبِّهٌ ابْنا حَجّاجٍ، وأبُو البَخْتَرِيِّ بْنُ هِشامٍ، والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ، وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وزَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ، والحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، والعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ؛ وكُلُّهم مِن قُرَيْشٍ، وكانَ يُطْعِمُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَ جَزائِرَ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ أبْزى: نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، اسْتَأْجَرَ يَوْمَ أُحُدٍ ألْفَيْنِ مِنَ الأحابِيشِ يُقاتِلُ بِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ سِوى مَنِ اسْتَجابَ لَهُ مِنَ العَرَبِ، وفِيهِمْ يَقُولُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ:
فَجِئْنا إلى مَوْجٍ مِنَ البَحْرِ وسْطَهُ
أحابِيشُ مِنهم حاسِرٌ ومُقَنَّعُ
ثَلاثَةُ آلافٍ ونَحْنُ نَصِيَّةٌ
ثَلاثُ مِئِينَ إنْ كَثُرْنا فَأرْبَعُ
وقالَ الحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ: أنْفَقَ أبُو سُفْيانَ عَلى المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِنَ الذَّهَبِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ رِجالِهِ: لَمّا أُصِيبَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ، فَرَجَعَ فَلُّهم إلى مَكَّةَ، ورَجَعَ أبُو سُفْيانَ بِعِيرِهِمْ، مَشى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ وعِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ وصَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ في رِجالٍ مِن قُرَيْشٍ أُصِيبَ آباؤُهم وأبْناؤُهم وإخْوانُهم بِبَدْرٍ، فَكَلَّمُوا أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ ومَن كانَتْ لَهُ في تِلْكَ العِيرِ تِجارَةٌ، فَقالُوا: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وتَرَكم وقَتَلَ خِيارَكم، فَأعِينُونا بِهَذا المالِ الَّذِي أفْلَتَ عَلى حَرْبِهِ لَعَلَّنا نُدْرِكُ مِنهُ ثَأْرًا بِمَن أُصِيبَ مِنّا. فَفَعَلُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ.
الأنفال 8:64
أخْبَرَنا أبُو بَكْرِ بْنُ الحارِثِ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الشَّيْخِ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الخالِقِ، قالَ: حَدَّثَنا صَفْوانُ بْنُ المُغَلِّسِ، قالَ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ، قالَ: حَدَّثَنا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ أنَسِ بْنِ أبِي هاشِمٍ الرُّمّانِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أسْلَمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِسْعَةٌ وثَلاثُونَ رَجُلًا، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ أسْلَمَ فَصارُوا أرْبَعِينَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
الأنفال 8:67
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أن يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: كانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَرى الرَّأْيَ فَيُوافِقُ رَأْيُهُ ما يَجِيءُ مِنَ السَّماءِ، وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَشارَ في أُسارى بَدْرٍ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بَنُو عَمِّكَ فافْدِهِمْ. فَقالَ عُمَرُ: لا يا رَسُولَ اللَّهِ، اقْتُلْهم. قالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أن يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ .
وقالَ ابْنُ عُمَرَ: اسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الأُسارى أبا بَكْرٍ، فَقالَ: قَوْمُكَ وعَشِيرَتُكَ، خَلِّ سَبِيلَهم. واسْتَشارَ عُمَرَ فَقالَ: اقْتُلْهم. فَفاداهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أن يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ . إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا﴾ . قالَ: فَلَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ عُمَرَ فَقالَ: ”كادَ أنْ يُصِيبَنا في خِلافِكَ بَلاءٌ“ .
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ الحِيرِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا حاجِبُ بْنُ أحْمَدَ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ حَمّادٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُعاوِيَةَ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ وجِيءَ بِالأُسارى، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ما تَقُولُونَ في هَؤُلاءِ الأسْرى ؟“ . فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْمُكَ وأهْلُكَ، اسْتَبْقِهِمْ واسْتَأْنِ بِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ. وقالَ عُمَرُ: كَذَّبُوكَ وأخْرَجُوكَ، قَدِّمْهم فاضْرِبْ أعْناقَهم. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، انْظُرْ وادِيًا كَثِيرَ الحَطَبِ فَأدْخِلْهم فِيهِ، ثُمَّ أضْرِمْ عَلَيْهِمْ نارًا. فَقالَ العَبّاسُ: قَطَعْتَ رَحِمَكَ. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُجِبْهم، ثُمَّ دَخَلَ، فَقالَ ناسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ أبِي بَكْرٍ. وقالَ ناسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ. وقالَ ناسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ. ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ”إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لَيُلِينُ قُلُوبَ رِجالٍ فِيهِ حَتّى تَكُونَ ألْيَنَ مِنَ اللَّبِنِ، وإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجالٍ فِيهِ حَتّى تَكُونَ أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ، وإنَّ مَثَلَكَ يا أبا بَكْرٍ كَمَثَلِ إبْراهِيمَ، قالَ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] . وإنَّ مَثَلَكَ يا أبا بَكْرٍ كَمَثَلِ عِيسى، قالَ: ﴿إن تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإن تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] . وإنَّ مَثَلَكَ يا عُمَرُ كَمَثَلِ مُوسى، قالَ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] . ومَثَلُكَ يا عُمَرُ كَمَثَلِ نُوحٍ، قالَ: ﴿وقالَ نُوحٌ رَّبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦]“ . ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أنْتُمُ اليَوْمَ عالَةٌ، أنْتُمُ اليَوْمَ عالَةٌ، فَلا يَنْقَلِبَنَّ مِنهم أحَدٌ إلّا بِفِداءٍ أوْ ضَرْبِ عُنُقٍ“ . قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أن يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ . إلى آخِرِ الآياتِ الثَّلاثِ.
أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدانَ العَدْلُ، أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قالَ: حَدَّثَنِي أبِي، قالَ: حَدَّثَنا أبُو نُوحٍ قُرادٌ، قالَ: حَدَّثَنا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمّارٍ، قالَ: حَدَّثَنا سِماكٌ الحَنَفِيُّ أبُو زُمَيْلٍ، قالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ والتَقَوْا فَهَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ، وقُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ رَجُلًا، وأُسِرَ مِنهم سَبْعُونَ رَجُلًا، اسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، هَؤُلاءِ بَنُو العَمِّ والعَشِيرَةُ والإخْوانُ، وإنِّي أرى أنْ تَأْخُذَ مِنهُمُ الفِدْيَةَ، فَيَكُونَ ما أخَذْنا مِنهم قُوَّةً لَنا عَلى الكُفّارِ، وعَسى أنْ يَهْدِيَهُمُ اللَّهُ فَيَكُونُوا لَنا عَضُدًا. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ما تَرى يا ابْنَ الخَطّابِ ؟“ . قالَ: قُلْتُ: واللَّهِ ما أرى ما رَأى أبُو بَكْرٍ، ولَكِنْ أرى أنْ تُمَكِّنَنِي مِن فُلانٍ - قَرِيبٍ لِعُمَرَ - فَأضْرِبَ عُنُقَهُ، وتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِن عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وتُمَكِّنَ حَمْزَةَ مِن فُلانٍ – أخِيهِ - فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، حَتّى يَعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لَيْسَ في قُلُوبِنا هَوادَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ، هَؤُلاءِ صَنادِيدُهم وأئِمَّتُهم وقادَتُهم. فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما قالَ أبُو بَكْرٍ، ولَمْ يَهْوَ ما قُلْتُ، فَأخَذَ مِنهُمُ الفِداءَ، فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ قالَ عُمَرُ: غَدَوْتُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَإذا هو قاعِدٌ وأبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وإذا هُما يَبْكِيانِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أخْبِرْنِي ما يُبْكِيكَ أنْتَ وصاحِبَكَ ؟ فَإنْ وجَدْتُ بُكاءً بَكَيْتُ، وإنْ لَمْ أجِدْ بُكاءً تَباكَيْتُ لِبُكائِكُما. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”أبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أصْحابُكَ مِنَ الفِداءِ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذابُكم أدْنى مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ“ . لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ. وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أن يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿لَّوْلا كِتابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ﴾ . مِنَ الفِداءِ. ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .
رَواهُ مُسْلِمٌ في الصَّحِيحِ عَنْ هَنّادِ بْنِ السَّرِيِّ، عَنِ ابْنِ المُبارَكِ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمّارٍ.
الأنفال 8:70
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُل لِّمَن في أيْدِيكُم مِّنَ الأسْرى﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وعَقِيلِ بْنِ أبِي طالِبٍ، ونَوْفَلِ بْنِ الحارِثِ. وكانَ العَبّاسُ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ ومَعَهُ عِشْرُونَ أُوقِيَّةً مِنَ الذَّهَبِ كانَ خَرَجَ بِها مَعَهُ إلى بَدْرٍ لِيُطْعِمَ بِها النّاسَ، وكانَ أحَدَ العَشَرَةِ الَّذِينَ ضَمِنُوا إطْعامَ أهْلِ بَدْرٍ، ولَمْ تَكُنْ بَلَغَتْهُ النَّوْبَةُ حَتّى أُسِرَ، فَأُخِذَتْ مَعَهُ، فَأخَذَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنهُ. قالَ: فَكَلَّمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَجْعَلَ لِيَ العِشْرِينَ الأُوقِيَّةَ الذَّهَبَ الَّتِي أخَذَها مِنِّي في فِدائِي، فَأبى عَلَيَّ وقالَ: ”أمّا شَيْءٌ خَرَجْتَ بِهِ تَسْتَعِينُ بِهِ عَلَيْنا فَلا“ . وكَلَّفَنِي فِداءُ ابْنِ أخِي عَقِيلِ بْنِ أبِي طالِبٍ عِشْرِينَ أُوقِيَّةً مِن فِضَّةٍ، فَقُلْتُ لَهُ: تَرَكْتَنِي واللَّهِ أسْألُ قُرَيْشًا بِكَفِّي والنّاسَ ما بَقِيِتُ. قالَ: ”فَأيْنَ الذَّهَبُ الَّذِي دَفَعْتَهُ إلى أُمِّ الفَضْلِ حِينَ مَخْرَجِكَ إلى بَدْرٍ، وقُلْتَ لَها: إنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ في وجْهِي هَذا فَهو لَكِ ولِعَبْدِ اللَّهِ والفَضْلِ وقُثَمَ ؟“ . فَقُلْتُ: وما يُدْرِيكَ ؟ قالَ: ”أخْبَرَنِي اللَّهُ بِذَلِكَ“ . قُلْتُ: أشْهَدُ إنَّكَ لَصادِقٌ، وإنِّي قَدْ دَفَعْتُ إلَيْها بِالذَّهَبِ ولَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، فَأنا أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. قالَ العَبّاسُ: فَأعْطانِي اللَّهُ خَيْرًا مِمّا أخَذَ مِنِّي - كَما قالَ - عِشْرِينَ عَبْدًا كُلُّهم يَضْرِبُ بِمالٍ كَثِيرٍ مَكانَ العِشْرِينَ الأُوقِيَّةَ، وأنا أرْجُو المَغْفِرَةَ مِن رَبِّيِ.
التوبة 9:12
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإن نَّكَثُوا أيْمانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، والحارِثِ بْنِ هِشامٍ، وسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وعِكْرِمَةَ بْنِ أبِي جَهْلٍ، وسائِرِ رُؤَساءِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ نَقَضُوا العَهْدَ، وهُمُ الَّذِينَ هَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ.
التوبة 9:17
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أن يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا أُسِرَ العَبّاسُ يَوْمَ بَدْرٍ أقْبَلَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ يُعَيِّرُونَهُ بِكُفْرِهِ بِاللَّهِ وقَطِيعَتِهِ الرَّحِمَ، وأغْلَظَ عَلِيٌّ لَهُ القَوْلَ. فَقالَ لَهُ العَبّاسُ: ما لَكم تَذَكُرُونَ مَساوِئَنا ولا تَذْكُرُونَ مَحاسِنَنا ؟ فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ: ألَكم مَحاسِنُ ؟ قالَ: نَعَمْ، إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَحْجُبُ الكَعْبَةَ، ونَسْقِي الحاجَّ، ونَفُكُّ العانِيَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ رَدًّا عَلى العَبّاسِ: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أن يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ .
التوبة 9:19
أخْبَرَنا أبُو إسْحاقَ الثَّعالِبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حامِدٍ الوَزّانُ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُنادِي، قالَ: أخْبَرَنا أبُو داوُدَ سُلَيْمانُ بْنُ الأشْعَثِ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نافِعٍ الحَلَبِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُعاوِيَةُ بْنُ سَلّامٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلّامٍ، عَنْ أبِي سَلّامٍ قالَ: حَدَّثَنا النُّعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ رَجُلٌ: لا أُبالِي ألّا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ أنْ أسْقِيَ الحاجَّ. وقالَ الآخَرُ: ما أُبالِي ألّا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ أنْ أعْمُرَ المَسْجِدَ الحَرامَ. وقالَ آخَرُ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ أفْضَلُ مِمّا قُلْتُمْ. فَزَجَرَهم عُمَرُ وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - وهو يَوْمُ الجُمُعَةِ - ولَكِنِّي إذا صَلَّيْتُ دَخَلْتُ فاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ. فَفَعَلَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ . إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .
رَواهُ مُسْلِمٌ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الحُلْوانِيِّ، عَنْ أبِي تَوْبَةَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الوالِبِيِّ: قالَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ حِينَ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ: لَئِنْ كُنْتُمْ سَبَقْتُمُونا بِالإسْلامِ والهِجْرَةِ والجِهادِ لَقَدْ كُنّا نَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَسْقِي الحاجَّ، ونَفُكُّ العانِيَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ .
وقالَ الحَسَنُ والشَّعْبِيُّ والقُرَظِيُّ: نَزَلَتِ الآيَةُ في عَلِيٍّ والعَبّاسِ وطَلْحَةَ بْنِ شَيْبَةَ، وذَلِكَ أنَّهُمُ افْتَخَرُوا، فَقالَ طَلْحَةُ: أنا صاحِبُ البَيْتِ، بِيَدِي مِفْتاحُهُ، ولَوْ أشاءُ بِتُّ فِيهِ، وإلَيَّ ثِيابُ بَيْتِهِ. وقالَ العَبّاسُ: أنا صاحِبُ السِّقايَةِ والقائِمُ عَلَيْها. وقالَ عَلِيٌّ: ما أدْرِي ما تَقُولانِ، لَقَدْ صَلَّيْتُ سِتَّةَ أشْهُرٍ قَبْلَ النّاسِ، وأنا صاحِبُ الجِهادِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ ومُرَّةُ الهَمْدانِيُّ: قالَ عَلِيٌّ لِلْعَبّاسِ: ألا تُهاجِرُ ؟ ألا تَلْحَقُ بِالنَّبِيِّ ﷺ ؟ فَقالَ: ألَسْتُ في شَيْءٍ أفْضَلَ مِنَ الهِجْرَةِ ؟ ألَسْتُ أسْقِي حاجَّ بَيْتِ اللَّهِ، وأعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. ونَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا﴾ .
التوبة 9:23
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: لَمّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ جَعَلَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِأبِيهِ وأخِيهِ وامْرَأتِهِ: إنّا قَدْ أُمِرْنا بِالهِجْرَةِ. فَمِنهم مَن يُسْرِعُ إلى ذَلِكَ ويُعْجِبُهُ، ومِنهم مَن تَتَعَلَّقُ بِهِ زَوْجَتُهُ وعِيالُهُ ووَلَدُهُ ويَقُولُونَ: نَنْشُدُكَ اللَّهَ أنْ تَدَعَنا إلى غَيْرِ شَيْءٍ فَنَضِيعَ. فَيَرِقُّ فَيَجْلِسُ مَعَهم ويَدَعُ الهِجْرَةَ. فَنَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى يُعاتِبُهم: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ﴾ . ونَزَلَ في الَّذِينَ تَخَلَّفُوا بِمَكَّةَ ولَمْ يُهاجِرُوا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إن كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكُمْ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ . يَعْنِي القِتالَ وفَتْحَ مَكَّةَ.
التوبة 9:34
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ نَزَلَتْ في العُلَماءِ والقُرّاءِ مِن أهْلِ الكِتابِ، كانُوا يَأْخُذُونَ الرِّشا مِن سَفِلَتِهِمْ، وهي المَآكِلُ الَّتِي كانُوا يُصِيبُونَها مِن عَوامِّهِمْ.
أخْبَرَنا أبُو إسْحاقَ المُقْرِئُ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حامِدٍ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ نُصَيْرٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ زُرارَةَ، قالَ: حَدَّثَنا هُشَيْمٌ، قالَ: حَدَّثَنا حُصَيْنٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وهْبٍ قالَ: مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ فَإذا أنا بِأبِي ذَرٍّ، فَقُلْتُ لَهُ: ما أنْزَلَكَ مَنزِلَكَ هَذا ؟ قالَ: كُنْتُ بِالشّامِ فاخْتَلَفْتُ أنا ومُعاوِيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . فَقالَ مُعاوِيَةُ: نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ. فَقُلْتُ: نَزَلَتْ فِينا وفِيهِمْ، وكانَ بَيْنِي وبَيْنَهُ كَلامٌ في ذَلِكَ، فَكَتَبَ إلى عُثْمانَ يَشْكُونِي، فَكَتَبَ إلَيَّ عُثْمانُ أنْ أقْدَمَ المَدِينَةَ، فَقَدِمْتُها، فَكَثُرَ النّاسُ عَلَيَّ حَتّى كَأنَّهم لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعُثْمانَ، فَقالَ: إنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ وكُنْتَ قَرِيبًا. فَذاكَ الَّذِي أنْزَلَنِي هَذا المَنزِلَ، ولَوْ أمَّرُوا عَلَيَّ حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ وأطَعْتُ.
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ حُصَيْنٍ. ورَواهُ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ عَنْ هُشَيْمٍ.
والمُفَسِّرُونَ أيْضًا مُخْتَلِفُونَ، فَعِنْدَ بَعْضِهِمْ أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ خاصَّةً.
وقالَ السُّدِّيُّ: هي في أهْلِ القِبْلَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: هي عامَّةٌ في أهْلِ الكِتابِ وفي المُسْلِمِينَ.
قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ . قالَ: يُرِيدُ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
أخْبَرَنا أبُو الحُسَيْنِ أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ النَّجّارُ، قالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ أيُّوبَ الطَّبَرانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ داوُدَ بْنِ صَدَقَةَ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعافًى. قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ داوُدَ بْنِ صَدَقَةَ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الكَبِيرِ بْنُ مُعافًى، قالَ: حَدَّثَنا شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُرادِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ، عَنْ ثَوْبانَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ . قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”تَبًّا لِلذَّهَبِ والفِضَّةِ“ . قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأيُّ المالِ يُكْنَزُ ؟ قالَ: ”قَلْبًا شاكِرًا، ولِسانًا ذاكِرًا، وزَوْجَةً صالِحَةً“ .
التوبة 9:38
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا﴾ نَزَلَتْ في الحَثِّ عَلى غَزْوَةِ تَبُوكَ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا رَجَعَ مِنَ الطّائِفِ وغَزْوَةِ حُنَيْنٍ أمَرَ بِالجِهادِ لِغَزْوِ الرُّومِ، وذَلِكَ في زَمَنِ عُسْرَةٍ مِنَ النّاسِ، وجَدْبٍ مِنَ البِلادِ، وشِدَّةٍ مِنَ الحَرِّ، حِينَ أخْرَفَتِ النَّخْلُ، وطابَتِ الثِّمارُ، فَعَظُمَ عَلى النّاسِ غَزْوُ الرُّومِ، وأحَبُّوا الظِّلالَ والمُقامَ في المَساكِنِ والمالِ، وشَقَّ عَلَيْهِمُ الخُرُوجُ إلى القِتالِ، فَلَمّا عَلِمَ اللَّهُ تَثاقُلَ النّاسِ أنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ.
التوبة 9:41
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿انفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ نَزَلَتْ في الَّذِينَ اعْتَذَرُوا بِالضَّيْعَةِ والشُّغْلِ وانْتِشارِ الأمْرِ، فَأبى اللَّهُ تَعالى أنْ يَعْذِرَهم دُونَ أنْ يَنْفِرُوا عَلى ما كانَ مِنهم.
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عُمَرَ بْنُ مَطَرٍ، قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ يَحْيى، قالَ: أخْبَرَنا سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُدْعانَ - وهو عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ - عَنْ أنَسٍ قالَ: قَرَأ أبُو طَلْحَةَ: ﴿انفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ . فَقالَ: ما أسْمَعُ اللَّهَ عَذَرَ أحَدًا. فَخَرَجَ مُجاهِدًا إلى الشّامِ حَتّى ماتَ.
وقالَ السُّدِّيُّ: جاءَ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - وكانَ عَظِيمًا سَمِينًا - فَشَكا إلَيْهِ وسَألَهُ أنْ يَأْذَنَ لَهُ، فَنَزَلَ فِيهِ: ﴿انفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ . فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ اشْتَدَّ شَأْنُها عَلى النّاسِ، فَنَسَخَها اللَّهُ تَعالى وأنْزَلَ: ﴿لَّيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾ [التوبة: ٩١] . ثُمَّ نَزَلَ في المُتَخَلِّفِينَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ مِنَ المُنافِقِينَ.
التوبة 9:42
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مّا زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ [التوبة: ٤٧] قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مّا زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ [التوبة: ٤٧] وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا خَرَجَ ضَرَبَ عَسْكَرَهُ عَلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ، وضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَلى ذِي جُدَّةٍ أسْفَلَ مِن ثَنِيَّةِ الوَداعِ، ولَمْ يَكُنْ بِأقَلِّ العَسْكَرَيْنِ، فَلَمّا سارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَخَلَّفَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فِيمَن تَخَلَّفَ مِنَ المُنافِقِينَ وأهْلِ الرِّيَبِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى يُعَزِّي نَبِيَّهُ ﷺ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مّا زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ [التوبة: ٤٧] .
التوبة 9:49
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومِنهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي ولا تَفْتِنِّي﴾ نَزَلَتْ في جَدِّ بْنِ قَيْسٍ المُنافِقِ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا تَجَهَّزَ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ لَهُ: ”يا أبا وهْبٍ، هَلْ لَكَ في جِهادِ بَنِي الأصْفَرِ تَتَّخِذُ مِنهم سَرارِيَّ ووُصَفاءَ“ . فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي أنِّي رَجُلٌ مُغْرَمٌ بِالنِّساءِ، وإنِّي أخْشى إنْ رَأيْتُ بَناتِ بَنِي الأصْفَرِ ألّا أصْبِرَ عَنْهُنَّ، فَلا تَفْتِنِّي بِهِنَّ، وائْذَنْ لِي في القُعُودِ عَنْكَ فَأُعِينَكَ بِمالِي. فَأعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ وقالَ: ”قَدْ أذِنْتُ لَكَ“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبَنِي سَلِمَةَ - وكانَ الجَدُّ مِنهم -: ”مَن سَيِّدُكم يا بَنِي سَلِمَةَ ؟“ . قالُوا: الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، غَيْرَ أنَّهُ بَخِيلٌ جَبانٌ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”وأيُّ داءٍ أدْوى مِنَ البُخْلِ ؟ بَلْ سَيِّدُكُمُ الفَتى الأبْيَضُ الجَعْدُ بِشْرُ بْنُ البَراءِ بْنِ مَعْرُورٍ“ . فَقالَ فِيهِ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ:
وقالَ رَسُولُ اللَّهِ والحَقُّ لاحِقٌ
بِمَن قالَ مِنّا: مَن تَعُدُّونَ سَيِّدا
فَقُلْنا لَهُ: جَدُّ بْنُ قَيْسٍ عَلى الَّذِي
نُبَخِّلُهُ فِينا وإنْ كانَ أنْكَدا
فَقالَ: وأيُّ الدّاءِ أدْوى مِنَ الَّذِي
رَمَيْتُمْ بِهِ جَدًّا وعالى بِها يَدا
وسَوَّدَ بِشْرَ بَنَ البَراءِ بِجُودِهِ
وحُقَّ لِبِشْرٍ ذِي النَّدا أنْ يُسَوَّدا
إذا ما أتاهُ الوَفْدُ أنْهَبَ مالَهُ
وقالَ: خُذُوهُ إنَّهُ عائِدٌ غَدا
وما بَعْدُ هَذِهِ الآيَةِ كُلُّهُ في المُنافِقِينَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ [التوبة: ٦٠]
التوبة 9:58
أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حامِدٍ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، قالَ: حَدَّثَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ قَسْمًا إذْ جاءَهُ ابْنُ ذِي الخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ، وهو حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ أصْلُ الخَوارِجِ، فَقالَ: اعْدِلْ فِينا يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ: ”ويْلَكَ، ومَن يَعْدِلُ إذا لَمْ أعْدِلْ ؟“ . فَنَزَلَتْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهُم مَّن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ .
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ هِشامٍ، عَنْ مَعْمَرٍ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم، وهُمُ المُنافِقُونَ، قالَ رَجُلٌ مِنهم - يُقالُ لَهُ: أبُو الخَواصِرِ - لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَمْ تَقْسِمْ بِالسَّوِيَّةِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِنهُم مَّن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ .
التوبة 9:61
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ المُنافِقِينَ، كانُوا يُؤْذُونَ الرَّسُولَ ﷺ ويَقُولُونَ فِيهِ ما لا يَنْبَغِي، فَقالَ بَعْضُهم: لا تَفْعَلُوا فَإنّا نَخافُ أنْ يَبْلُغَهُ ما تَقُولُونَ فَيَقَعَ بِنا. فَقالَ الجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ: نَقُولُ ما شِئْنا ثُمَّ نَأْتِيهِ فَيُصَدِّقُنا بِما نَقُولُ، فَإنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ سامِعَةٌ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ يَسارٍ وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ يُقالُ لَهُ: نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وكانَ رَجُلًا آدَمَ أحْمَرَ العَيْنَيْنِ، أسْفَعَ الخَدَّيْنِ، مُشَوَّهَ الخِلْقَةِ. وهو الَّذِي قالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ: ”مَن أرادَ أنْ يَنْظُرَ إلى الشَّيْطانِ فَلْيَنْظُرْ إلى نَبْتَلِ بْنِ الحارِثِ“ . وكانَ يَنُمُّ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ إلى المُنافِقِينَ، فَقِيلَ لَهُ: لا تَفْعَلْ. فَقالَ: إنَّما مُحَمَّدٌ أُذُنٌ سامِعَةٌ، مَن حَدَّثَهُ شَيْئًا صَدَّقَهُ، نَقُولُ ما شِئْنا ثُمَّ نَأْتِيهِ فَنَحْلِفُ لَهُ فَيُصَدِّقُنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ السُّدِّيُّ: اجْتَمَعَ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ فِيهِمْ جُلاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ الصّامِتِ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، فَأرادُوا أنْ يَقَعُوا في النَّبِيِّ ﷺ، وعِنْدَهم غُلامٌ مِنَ الأنْصارِ يُدْعى عامِرَ بْنَ قَيْسٍ، فَحَقَّرُوهُ وتَكَلَّمُوا، وقالُوا: واللَّهِ لَئِنْ كانَ ما يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ. فَغَضِبَ الغُلامُ وقالَ: واللَّهِ إنَّ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقٌّ، وإنَّكم لَشَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ. ثُمَّ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ، فَدَعاهم فَسَألَهم، فَحَلَفُوا أنَّ عامِرًا كاذِبٌ، وحَلَفَ عامِرٌ أنَّهم كَذَبَةٌ، وقالَ: اللَّهُمَّ لا تُفَرِّقْ بَيْنَنا حَتّى تُبَيِّنَ صِدْقَ الصّادِقِ مِن كَذِبِ الكاذِبِ. فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ﴾ . ونَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ .
التوبة 9:64
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: قالَ بَعْضُ المُنافِقِينَ: واللَّهِ لَوَدِدْتُ أنِّي قُدِّمْتُ فَجُلِدْتُ مِائَةَ جَلْدَةٍ ولا يَنْزِلُ فِينا شَيْءٌ يَفْضَحُنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَقُولُونَ القَوْلَ بَيْنَهم، ثُمَّ يَقُولُونَ: عَسى اللَّهُ ألّا يُفْشِيَ عَلَيْنا سِرَّنا.
التوبة 9:65
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَئِن سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ قالَ قَتادَةُ: بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ وبَيْنَ يَدَيْهِ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ إذْ قالُوا: أيَرْجُو هَذا الرَّجُلُ أنْ يَفْتَحَ قُصُورَ الشّامِ وحُصُونَها ؟ هَيْهاتَ هَيْهاتَ لَهُ ذَلِكَ. فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: ”احْبِسُوا عَلَيَّ الرَّكْبَ“ . فَأتاهم فَقالَ: ”قُلْتُمْ كَذا وكَذا“ . فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: قالَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ: ما رَأيْتُ مِثْلَ قُرّائِنا هَؤُلاءِ أرْغَبَ بُطُونًا ولا أكْذَبَ ألْسُنًا، ولا أجْبَنَ عِنْدَ اللِّقاءِ - يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ - فَقالَ لَهُ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ: كَذَبْتَ، ولَكِنَّكَ مُنافِقٌ، لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَذَهَبَ عَوْفٌ لِيُخْبِرَهُ، فَوَجَدَ القُرْآنَ قَدْ سَبَقَهُ، فَجاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَدِ ارْتَحَلَ ورَكِبَ ناقَتَهُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، ونَتَحَدَّثُ بِحَدِيثِ الرَّكْبِ نَقْطَعُ بِهِ عَنّا الطَّرِيقَ.
أخْبَرَنا أبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الجَوْزَقِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا بِشْرُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسى الحُلْوانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ الخَيّاطُ، قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ داوُدَ المِهْرِجانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مالِكُ بْنُ أنَسٍ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: رَأيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ يَسِيرُ قُدّامَ النَّبِيِّ ﷺ والحِجارَةُ تَنْكُبُهُ وهو يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ. والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ”﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ؟“ .
التوبة 9:74
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ قالَ الضَّحّاكُ: خَرَجَ المُنافِقُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى تَبُوكَ، وكانُوا إذا خَلا بَعْضُهم بِبَعْضٍ سَبُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ، وطَعَنُوا في الدِّينِ، فَنَقَلَ ما قالُوا حُذَيْفَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”يا أهْلَ النِّفاقِ، ما هَذا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكم ؟“ . فَحَلَفُوا ما قالُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ إكْذابًا لَهم.
وقالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلَيْنِ اقْتَتَلا، رَجُلٌ مِن جُهَيْنَةَ ورَجُلٌ مِن غِفارٍ، فَظَهَرَ الغِفارِيُّ عَلى الجُهَيْنِيِّ، فَنادى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: يا بَنِي الأوْسِ، انْصُرُوا أخاكم، فَواللَّهِ ما مَثَلُنا ومَثَلُ مُحَمَّدٍ إلّا كَما قالَ القائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ. واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ. فَسَعى بِها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَجاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرَهُ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ، فَجَعَلَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ ما قالَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ قالَ الضَّحّاكُ: هَمُّوا أنْ يَدْفَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، وكانُوا قَوْمًا قَدْ أجْمَعُوا عَلى أنْ يَقْتُلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهم مَعَهُ، فَجَعَلُوا يَلْتَمِسُونَ غِرَّتَهُ، حَتّى إذا أخَذَ في عَقَبَةٍ فَتَقَدَّمَ بَعْضُهم وتَأخَّرَ بَعْضُهم، وذَلِكَ كانَ لَيْلًا، قالُوا: إذا أخَذَ في العَقَبَةِ دَفَعْناهُ عَنْ راحِلَتِهِ في الوادِي. وكانَ قائِدُهُ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ، وسائِقُهُ حُذَيْفَةَ، فَسَمِعَ حُذَيْفَةُ وقْعَ أخْفافِ الإبِلِ، فالتَفَتَ فَإذا هو بِقَوْمٍ مُتَلَثِّمِينَ، فَقالَ: إلْيَكم يا أعْداءَ اللَّهِ إلَيْكم. فَأمْسَكُوا، ومَضى النَّبِيُّ ﷺ حَتّى نَزَلَ مَنزِلَهُ الَّذِي أرادَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ .
التوبة 9:75
أخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ الفَضْلِ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عِمْرانَ مُوسى بْنُ سَهْلٍ الجَوْنِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ عَمّارٍ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، قالَ: حَدَّثَنا مُعانُ بْنُ رِفاعَةَ السَّلامِيُّ، عَنْ أبِي عَبْدِ المَلِكِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، أنَّهُ أخْبَرَهُ عَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ، أنَّ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ الأنْصارِيَّ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ويْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ“ . ثُمَّ قالَ مَرَّةً أُخْرى: ”أما تَرْضى أنْ تَكُونَ مِثْلَ نَبِيِّ اللَّهِ ؟ فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ شِئْتُ أنْ تَسِيلَ مَعِيَ الجِبالُ ذَهَبًا أوْ فِضَّةً لَسالَتْ“ . فَقالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ نَبِيًّا لَئِنْ دَعَوْتَ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا لَأُوتِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اللَّهُمَّ ارْزُقْ ثَعْلَبَةَ مالًا“ . فاتَّخَذَ غَنَمًا، فَنَمَتْ كَما يَنْمُو الدُّودُ، فَضاقَتْ عَلَيْهِ المَدِينَةُ، فَتَنَحّى عَنْها ونَزَلَ وادِيًا مِن أوْدِيَتِها، حَتّى جَعَلَ يُصَلِّي الظُّهْرَ والعَصْرَ في جَماعَةٍ ويَتْرُكُ ما سِواهُما، ثُمَّ نَمَتْ وكَثُرَتْ حَتّى تَرَكَ الصَّلَواتِ إلّا الجُمُعَةَ، وهي تَنْمُو كَما يَنْمُو الدُّودُ، حَتّى تَرَكَ الجُمُعَةَ، فَسَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”ما فَعَلَ ثَعْلَبَةُ ؟“ . قالُوا: اتَّخَذَ غَنَمًا، وضاقَتْ عَلَيْهِ المَدِينَةُ. وأخْبَرُوهُ بِخَبَرِهِ، فَقالَ: ”يا ويْحَ ثَعْلَبَةَ“ . ثَلاثًا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِم بِها﴾ [التوبة: ١٠٣] . وأنْزَلَ فَرائِضَ الصَّدَقَةِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلَيْنِ عَلى الصَّدَقَةِ - رَجُلًا مِن جُهَيْنَةَ ورَجُلًا مِن بَنِي سُلَيْمٍ - وكَتَبَ لَهُما كَيْفَ يَأْخُذانِ الصَّدَقَةَ، وقالَ لَهُما: ”مُرّا بِثَعْلَبَةَ وبِفُلانٍ - رَجُلٍ مِن بَنِي سُلَيْمٍ - فَخُذا صَدَقاتِهِما“ . فَخَرَجا حَتّى أتَيا ثَعْلَبَةَ فَسَألاهُ الصَّدَقَةَ، وأقْرَآهُ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ ثَعْلَبَةُ: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ، ما هَذِهِ إلّا أُخْتُ الجِزْيَةِ، ما أدْرِي ما هَذا ؟ انْطَلِقا حَتّى تَفْرُغا ثُمَّ تَعُودا إلَيَّ. فانْطَلَقا وأخْبَرا السُّلَمِيَّ، فَنَظَرَ إلى خِيارِ أسْنانِ إبِلِهِ فَعَزَلَها لِلصَّدَقَةِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهم بِها، فَلَمّا رَأوْها قالُوا: ما يَجِبُ هَذا عَلَيْكَ، وما نُرِيدُ أنْ نَأْخُذَ هَذا مِنكَ. قالَ: بَلى خُذُوهُ؛ فَإنَّ نَفْسِي بِذَلِكَ طَيِّبَةٌ، وإنَّما هي إبِلِي. فَأخَذُوها مِنهُ، فَلَمّا فَرَغا مِن صَدَقَتِهِما رَجَعا حَتّى مَرّا بِثَعْلَبَةَ، فَقالَ: أرُونِي كِتابَكُما أنْظُرْ فِيهِ. فَقالَ: ما هَذِهِ إلّا أُخْتُ الجِزْيَةِ، انْطَلِقا حَتّى أرى رَأْيِي. فانْطَلَقا حَتّى أتَيا النَّبِيَّ ﷺ، فَلَمّا رَآهُما قالَ: ”يا ويْحَ ثَعْلَبَةَ“ . قَبْلَ أنْ يُكَلِّمَهُما، ودَعا لِلسُّلَمِيِّ بِالبَرَكَةِ، وأخْبَرُوهُ بِالَّذِي صَنَعَ ثَعْلَبَةُ والَّذِي صَنَعَ السُّلَمِيُّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِنهُم مَّنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ﴾ . إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ . وعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِن أقارِبِ ثَعْلَبَةَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ فَخَرَجَ حَتّى أتى ثَعْلَبَةَ، فَقالَ: ويْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ، قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيكَ كَذا وكَذا. فَخَرَجَ ثَعْلَبَةُ حَتّى أتى النَّبِيَّ ﷺ فَسَألَهُ أنْ يَقْبَلَ مِنهُ صَدَقَتَهُ، فَقالَ: ”إنَّ اللَّهَ قَدْ مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ مِنكَ صَدَقَتَكَ“ . فَجَعَلَ يَحْثُو التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”هَذا عَمَلُكَ، قَدْ أمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي“ . فَلَمّا أبى أنْ يَقْبَلَ مِنهُ شَيْئًا رَجَعَ إلى مَنزِلِهِ. وقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَقْبَلْ مِنهُ شَيْئًا، ثُمَّ أتى أبا بَكْرٍ حِينَ اسْتُخْلِفَ فَقالَ: قَدْ عَلِمْتَ مَنزِلَتِي مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَوْضِعِي مِنَ الأنْصارِ، فاقْبَلْ صَدَقَتِي. فَقالَ: لَمْ يَقْبَلْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأنا أقْبَلُها ؟ فَقُبِضَ أبُو بَكْرٍ وأبى أنْ يَقْبَلَها. فَلَمّا ولِيَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ أتاهُ فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، اقْبَلْ صَدَقَتِي. فَقالَ: لَمْ يَقْبَلْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولا أبُو بَكْرٍ وأنا أقْبَلُها مِنكَ ؟ فَلَمْ يَقْبَلْها. وقُبِضَ عُمَرُ، ثُمَّ ولِيَ عُثْمانُ، فَأتاهُ فَسَألَهُ أنْ يَقْبَلَ صَدَقَتَهُ، فَقالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقْبَلْها ولا أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرُ وأنا أقْبَلُها مِنكَ ؟ فَلَمْ يَقْبَلْها عُثْمانُ، وهَلَكَ ثَعْلَبَةُ في خِلافَةِ عُثْمانَ.
التوبة 9:79
أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَلِيٍّ الفَقِيهُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ المالِكِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُوسى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى، قالَ: حَدَّثَنا أبُو النُّعْمانِ الحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ العِجْلِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمانَ، عَنْ أبِي وائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ كُنّا نُحامِلُ، فَجاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ، فَقالُوا: مُرائِي. وجاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصاعٍ، فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَغَنِيٌّ عَنْ صاعِ هَذا. فَنَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهُمْ﴾ .
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ أبِي قُدامَةَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أبِي النُّعْمانِ.
وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: حَثَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الصَّدَقَةِ، فَجاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مالِي ثَمانِيَةُ آلافٍ جِئْتُكَ بِنِصْفِها فاجْعَلْها في سَبِيلِ اللَّهِ، وأمْسَكْتُ نِصْفَها لِعِيالِي. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيما أعْطَيْتَ وفِيما أمْسَكْتَ“ . فَبارَكَ اللَّهُ في مالِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَتّى إنَّهُ خَلَّفَ امْرَأتَيْنِ يَوْمَ ماتَ، فَبَلَغَ ثُمُنُ مالِهِ لَهُما مِائَةً وسِتِّينَ ألْفَ دِرْهَمٍ. وتَصَدَّقَ يَوْمَئِذٍ عاصِمُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ العَجْلانِ بِمِائَةِ وسْقٍ مِن تَمْرٍ، وجاءَ أبُو عَقِيلٍ الأنْصارِيُّ بِصاعٍ مِن تَمْرٍ، وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بِتُّ لَيْلَتِي أجُرُّ بِالجَرِيرِ الماءَ حَتّى نِلْتُ صاعَيْنِ مِن تَمْرٍ، فَأمْسَكْتُ أحَدَهُما لِأهْلِي وأتَيْتُكَ بِالآخَرِ. فَأمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَنْثُرَهُ في الصَّدَقاتِ، فَلَمَزَهُمُ المُنافِقُونَ وقالُوا: ما أعْطى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وعاصِمٌ إلّا رِياءً، وإنْ كانَ اللَّهُ ورَسُولُهُ غَنِيَّيْنِ عَنْ صاعِ أبِي عَقِيلٍ، ولَكِنَّهُ أحَبَّ أنْ يَذْكُرَ نَفْسَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
التوبة 9:84
أخْبَرَنا إسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أحْمَدَ الواعِظُ إمْلاءً سَنَةَ ثَلاثِينَ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، قالَ: أخْبَرَنا يُوسُفُ بْنُ عاصِمٍ الرّازِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا العَبّاسُ بْنُ الوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ القَطّانُ، قالَ: حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لَمّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جاءَ ابْنُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَقالَ: أعْطِنِي قَمِيصَكَ حَتّى أُكَفِّنَهُ فِيهِ، وصَلِّ عَلَيْهِ، واسْتَغْفِرْ لَهُ. فَأعْطاهُ قَمِيصَهُ، ثُمَّ قالَ: ”آذِنِّي حَتّى أُصَلِّيَ عَلَيْهِ“ . فَآذَنَهُ، فَلَمّا أرادَ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وقالَ: ألَيْسَ قَدْ نَهاكَ اللَّهُ أنْ تُصَلِّيَ عَلى المُنافِقِينَ ؟ فَقالَ: ”أنا بَيْنَ خِيرَتَيْنِ؛ أسْتَغْفِرُ لَهم أوْ لا أسْتَغْفِرُ“ . فَصَلّى عَلَيْهِ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِّنْهُم مّاتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ . فَتَرَكَ الصَّلاةَ عَلَيْهِمْ.
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ مُسَدَّدٍ، ورَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي قُدامَةَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ، كِلاهُما عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ.
أخْبَرَنا إسْماعِيلُ بْنُ إبْراهِيمَ النَّصْراباذِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو بَكْرِ بْنُ مالِكٍ القَطِيعِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قالَ: حَدَّثَنِي أبِي، قالَ: حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قالَ: حَدَّثَنِي أبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، قالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: لَمّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلصَّلاةِ عَلَيْهِ، فَقامَ إلَيْهِ، فَلَمّا وقَفَ عَلَيْهِ يُرِيدُ الصَّلاةَ تَحَوَّلْتُ حَتّى قُمْتُ في صَدْرِهِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أعَلى عَدُوِّ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ القائِلِ يَوْمَ كَذا: كَذا وكَذا ؟ أُعَدِّدُ أيّامَهُ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَبَسَّمُ، حَتّى إذا أكْثَرْتُ عَلَيْهِ قالَ: ”أخِّرْ عَنِّي يا عُمَرُ، إنِّي خُيِّرْتُ فاخْتَرْتُ، قَدْ قِيلَ لِي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إن تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] . لَوْ أعْلَمُ أنِّي إنْ زِدْتُ عَلى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ“ . قالَ: ثُمَّ صَلّى عَلَيْهِ ﷺ، ومَشى مَعَهُ فَقامَ عَلى قَبْرِهِ حَتّى فَرَغَ مِنهُ. قالَ: فَعَجِبْتُ لِي وجَراءَتِي عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، واللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: فَواللَّهِ ما كانَ إلّا يَسِيرًا حَتّى نَزَلَ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِّنْهُم مّاتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ . قالَ: فَما صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَهُ عَلى مُنافِقٍ، ولا قامَ عَلى قَبْرِهِ حَتّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعالى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكُلِّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيما فُعِلَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَقالَ: ”وما يُغْنِي عَنْهُ قَمِيصِي وصَلاتِي مِنَ اللَّهِ ؟ واللَّهِ إنِّي كُنْتُ أرْجُو أنْ يُسْلِمَ بِهِ ألْفٌ مِن قَوْمِهِ“ .
التوبة 9:92
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾ نَزَلَتْ في البَكّائِينَ وكانُوا سَبْعَةً: مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ، وصَخْرُ بْنُ خُنَيْسٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ الأنْصارِيُّ، وعُلْبَةُ بْنُ زَيْدٍ الأنْصارِيُّ، وسالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ عَنَمَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ نَدَبَنا لِلْخُرُوجِ مَعَكَ، فاحْمِلْنا عَلى الخِفافِ المَرْقُوعَةِ والنِّعالِ المَخْصُوفَةِ فَنَغْزُوَ مَعَكَ. فَقالَ: ”لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ“ . فَتَوَلَّوْا وهم يَبْكُونَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في بَنِي مُقَرِّنٍ؛ مَعْقِلٍ وسُوَيْدٍ والنُّعْمانِ.
التوبة 9:97
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ نَزَلَتْ في أعارِيبَ مِن أسَدٍ وغَطَفانَ، وأعارِيبَ مِن أعْرابِ حاضِرِي المَدِينَةِ.
التوبة 9:101
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في جُهَيْنَةَ، ومُزَيْنَةَ، وأشْجَعَ، وأسْلَمَ، وغِفارٍ. ﴿ومِن أهْلِ المَدِينَةِ﴾ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، وجَدَّ بْنَ قَيْسٍ، ومُعَتِّبَ بْنَ قُشَيْرٍ، والجُلاسَ بْنَ سُوَيْدٍ، وأبا عامِرٍ الرّاهِبَ.
التوبة 9:102
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الوالِبِيِّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، ثُمَّ نَدِمُوا عَلى ذَلِكَ وقالُوا: نَكُونُ في الكِنِّ والظِّلالِ مَعَ النِّساءِ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ في الجِهادِ، واللَّهِ لَنُوثِقَنَّ أنْفُسَنا بِالسَّوارِي فَلا نُطْلِقُها حَتّى يَكُونَ الرَّسُولُ هو الَّذِي يُطْلِقُها ويَعْذِرُنا. وأوْثَقُوا أنْفُسَهم بِسَوارِي المَسْجِدِ، فَلَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِهِمْ فَرَآهم، فَقالَ: ”مَن هَؤُلاءِ ؟“ . قالُوا: هَؤُلاءِ تَخَلَّفُوا عَنْكَ، فَعاهَدُوا اللَّهَ ألّا يُطْلِقُوا أنْفُسَهم حَتّى تَكُونَ أنْتَ الَّذِي تُطْلِقُهم وتَرْضى عَنْهم. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”وأنا أُقْسِمُ بِاللَّهِ لا أُطْلِقُهم ولا أعْذِرُهم حَتّى أُؤْمَرَ بِإطْلاقِهِمْ، ولا أعْذِرُهم حَتّى يَكُونَ اللَّهُ هو يَعْذِرُهم، وقَدْ تَخَلَّفُوا عَنِّي ورَغِبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنِ الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمِينَ“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَلَمّا نَزَلَتْ أرْسَلَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَأطْلَقَهم وعَذَرَهم، فَلَمّا أطْلَقَهم قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ أمْوالُنا الَّتِي خَلَّفَتْنا عَنْكَ، فَتَصَدَّقْ بِها عَنّا وطَهِّرْنا واسْتَغْفِرْ لَنا. فَقالَ: ”ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ مِن أمْوالِكم شَيْئًا“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِم بِها﴾ .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا عَشَرَةَ رَهْطٍ.
التوبة 9:106
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ﴾ نَزَلَتْ في كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، ومُرارَةَ بْنِ الرَّبِيعِ أحَدِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ مِن بَنِي واقِفٍ، خُلِّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وهُمُ الَّذِينَ ذُكِرُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] .
التوبة 9:107
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ اتَّخَذُوا مَسْجِدَ قُباءٍ، وبَعَثُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَأْتِيَهم، فَأتاهم فَصَلّى فِيهِ، فَحَسَدَهم إخَوَتُهم بَنُو غَنْمِ بْنِ عَوْفٍ، وقالُوا: نَبْنِي مَسْجِدًا ونُرْسِلُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ فِيهِ كَما صَلّى في مَسْجِدِ إخْوانِنا، ولْيُصَلِّ فِيهِ أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ إذا قَدِمَ مِنَ الشّامِ، وكانَ أبُو عامِرٍ قَدْ تَرَهَّبَ في الجاهِلِيَّةِ وتَنَصَّرَ ولَبِسَ المُسُوحَ، وأنْكَرَ دِينَ الحَنِيفِيَّةِ لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ وعاداهُ، وسَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ أبا عامِرٍ الفاسِقَ، وخَرَجَ إلى الشّامِ، وأرْسَلَ إلى المُنافِقِينَ أنْ أعِدُّوا واسْتَعِدُّوا بِما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وسِلاحٍ، وابْنُوا لِي مَسْجِدًا، فَإنِّي ذاهِبٌ إلى قَيْصَرَ فَآتِي بِجُنْدِ الرُّومِ، فَأُخْرِجُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ. فَبَنَوْا لَهُ مَسْجِدًا إلى جَنْبِ مَسْجِدِ قُباءٍ، وكانَ الَّذِينَ بَنَوْهُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا: خِذامُ بْنُ خالِدٍ - ومِن دارِهِ أُخْرِجَ مَسْجِدُ الشِّقاقِ - وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وأبُو حَبِيبَةَ بْنُ الأزْعَرِ، وعَبّادُ بْنُ حُنَيْفٍ، وجارِيَةُ بْنُ عامِرٍ، وابْناهُ مُجَمِّعٌ وزَيْدٌ، ونَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وبَحْزَجٌ، وبِجادُ بْنُ عُثْمانَ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ. فَلَمّا فَرَغُوا مِنهُ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنّا قَدْ بَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ، واللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ واللَّيْلَةِ الشّاتِيَةِ، وإنّا نُحِبُّ أنْ تَأْتِيَنا فَتُصَلِّيَ لَنا فِيهِ. فَدَعا بِقَمِيصِهِ لِيَلْبَسَهُ فَيَأْتِيَهم، فَنَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ، وأخْبَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ خَبَرَ مَسْجِدِ الضِّرارِ وما هَمُّوا بِهِ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مالِكَ بْنَ الدَّخْشَمِ، ومَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ، وعامِرَ بْنَ السَّكَنِ، ووَحْشِيًّا قاتِلَ حَمْزَةَ، وقالَ لَهم: ”انْطَلِقُوا إلى هَذا المَسْجِدِ الظّالِمِ أهْلُهُ فاهْدِمُوهُ وأحْرِقُوهُ“ . فَخَرَجُوا، وانْطَلَقَ مالِكٌ وأخَذَ سَعَفًا مِنَ النَّخْلِ فَأشْعَلَ فِيهِ نارًا، ثُمَّ دَخَلُوا المَسْجِدَ وفِيهِ أهْلُهُ، فَحَرَّقُوهُ وهَدَمُوهُ، وتَفَرَّقَ عَنْهُ أهْلُهُ. وأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُتَّخَذَ ذَلِكَ كُناسَةً تُلْقى فِيها الجِيَفُ والنَّتْنُ والقُمامَةُ. وماتَ أبُو عامِرٍ بِالشّامِ وحِيدًا غَرِيبًا.
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى، قالَ: أخْبَرَنا أبُو العَبّاسِ بْنُ إسْماعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِيكالَ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ مُوسى الأهْوازِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ زَكَرِيّا، قالَ: حَدَّثَنا داوُدُ بْنُ الزِّبْرِقانِ، عَنْ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ عائِشَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، عَنْ أبِيها قالَ: إنَّ المُنافِقِينَ عَرَضُوا المَسْجِدَ يَبْنُونَهُ لِيُضاهُونَ بِهِ مَسْجِدَ قُباءٍ، وهو قَرِيبٌ مِنهُ، لِأبِي عامِرٍ الرّاهِبِ، يَرْصُدُونَهُ إذا قَدِمَ لِيَكُونَ إمامَهم فِيهِ، فَلَمّا فَرَغُوا مِن بِنائِهِ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنّا بَنَيْنا مَسْجِدًا فَصَلِّ فِيهِ حَتّى نَتَّخِذَهُ مُصَلًّى. فَأخَذَ ثَوْبَهُ لِيَقُومَ مَعَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾ .
التوبة 9:111
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنفُسَهم وأمْوالَهُم﴾ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: لَمّا بايَعَتِ الأنْصارُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ العَقَبَةِ بِمَكَّةَ، وهم سَبْعُونَ نَفْسًا، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اشْتَرِطْ لِرَبِّكَ ولِنَفْسِكَ ما شِئْتَ. فَقالَ: ”أشْتَرِطُ لِرَبِّي أنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وأشْتَرِطُ لِنَفْسِي أنْ تَمْنَعُونِي مِمّا تَمْنَعُونَ مِنهُ أنْفُسَكم“ . قالُوا: فَإذا فَعَلْنا ذَلِكَ فَماذا لَنا ؟ قالَ: ”الجَنَّةُ“ . قالُوا: رَبِحَ البَيْعُ، لا نُقِيلُ ولا نَسْتَقِيلُ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
التوبة 9:113
أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرازِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَمِيرُويَهْ الهَرَوِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الخُزاعِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو اليَمانِ، قالَ: أخْبَرَنِي شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أبِيهِ قالَ: لَمّا حَضَرَ أبا طالِبٍ الوَفاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وعِنْدَهُ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ، فَقالَ: ”أيْ عَمِّ، قُلْ مَعِي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ“ . فَقالَ أبُو جَهْلٍ وابْنُ أبِي أُمَيَّةَ: يا أبا طالِبٍ، أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ؟ فَلَمْ يَزالا يُكَلِّمانِهِ حَتّى قالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهم بِهِ: عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ“ . فَنَزَلَتْ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ .
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. ورَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ حَرْمَلَةَ، عَنِ ابْنِ وهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
أخْبَرَنا أبُو سَعِيدِ بْنُ أبِي عَمْرٍو النَّيْسابُورِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُؤَمَّلٍ، قالَ: أخْبَرَنا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَصْرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهّابِ، قالَ: أخْبَرَنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، قالَ: أخْبَرَنا مُوسى بْنُ عُبَيْدَةَ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ لَمّا اشْتَكى أبُو طالِبٍ شَكْواهُ الَّتِي قُبِضَ فِيها، قالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: يا أبا طالِبٍ، أرْسِلْ إلى ابْنِ أخِيكَ فَيُرْسِلَ إلَيْكَ مِن هَذِهِ الجَنَّةِ الَّتِي ذَكَرَها لِيَكُونَ لَكَ شِفاءً. فَخَرَجَ الرَّسُولُ حَتّى وجَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأبا بَكْرٍ جالِسًا مَعَهُ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ عَمَّكَ يَقُولُ لَكَ: إنِّي كَبِيرٌ ضَعِيفٌ سَقِيمٌ، فَأرْسِلْ إلَيَّ مِن جَنَّتِكَ هَذِهِ الَّتِي تَذْكُرُ مِن طَعامِها وشَرابِها شَيْئًا حَتّى يَكُونَ لِي فِيهِ شِفاءٌ. فَقالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ. فَرَجَعَ إلَيْهِمُ الرَّسُولُ فَقالَ: بَلَّغْتُ مُحَمَّدًا الَّذِي أرْسَلْتُمُونِي بِهِ فَلَمْ يُحِرْ إلَيَّ شَيْئًا، وقالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ. فَحَمَلُوا أنْفُسَهم عَلَيْهِ حَتّى أرْسَلَ رَسُولًا مِن عِنْدِهِ، فَوَجَدَهُ الرَّسُولُ في مَجْلِسِهِ فَقالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ؛ طَعامَها وشَرابَها“ . ثُمَّ قامَ في إثْرِ الرَّسُولِ حَتّى دَخَلَ مَعَهُ بَيْتَ أبِي طالِبٍ فَوَجَدَهُ مَمْلُوءًا رِجالًا، فَقالَ: ”خَلُّوا بَيْنِي وبَيْنَ عَمِّي“ . فَقالُوا: ما نَحْنُ بِفاعِلِينَ، ما أنْتَ أحَقُّ بِهِ مِنّا، إنْ كانَتْ لَكَ قَرابَةٌ فَلَنا قَرابَةٌ مِثْلُ قَرابَتِكَ. فَجَلَسَ إلَيْهِ فَقالَ: ”يا عَمِّ، جُزِيتَ عَنِّي خَيْرًا، كَفَلْتَنِي صَغِيرًا وحُطْتَنِي كَبِيرًا، جُزِيتَ عَنِّي خَيْرًا، يا عَمِّ أعِنِّي عَلى نَفْسِكَ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ أشْفَعُ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ“ . قالَ: وما هي يا ابْنَ أخِي ؟ قالَ: ”قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ“ . فَقالَ: إنَّكَ لِي ناصِحٌ، واللَّهِ لَوْلا أنْ أُعَيَّرَ بِها فَيُقالَ: جَزِعَ عَمُّكَ مِنَ المَوْتِ لَأقْرَرْتُ بِها عَيْنَكَ. قالَ: فَصاحَ القَوْمُ: يا أبا طالِبٍ، أنْتَ رَأْسُ الحَنِيفِيَّةِ مِلَّةِ الأشْياخِ. فَقالَ: لا تَحَدَّثُ نِساءُ قُرَيْشٍ أنَّ عَمَّكَ جَزِعَ عِنْدَ المَوْتِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لا أزالُ أسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي حَتّى يَرُدَّنِي“ . واسْتَغْفَرَ لَهُ بَعْدَما ماتَ. فَقالَ المُسْلِمُونَ: ما يَمْنَعُنا أنْ نَسْتَغْفِرَ لِآبائِنا ولِذَوِي قَراباتِنا ؟ قَدِ اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ، وهَذا مُحَمَّدٌ ﷺ يَسْتَغْفِرُ لِعَمِّهِ. فاسْتَغْفَرُوا لِلْمُشْرِكِينَ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ .
أخْبَرَنا أبُو القاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أحْمَدَ الحَرّانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأُمَوِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ وهْبٍ، قالَ: أخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ أيُّوبَ بْنِ هانِئٍ، عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الأجْدَعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ في المَقابِرِ، وخَرَجْنا مَعَهُ فَأخَذْنا مَجْلِسَنا، ثُمَّ تَخَطّى القُبُورَ حَتّى انْتَهى إلى قَبْرٍ مِنها فَناجاهُ طَوِيلًا، ثُمَّ ارْتَفَعَ نَحِيبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ باكِيًا، فَبَكَيْنا لِبُكاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ إنَّهُ أقْبَلَ إلَيْنا، فَتَلَقّاهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما الَّذِي أبْكاكَ فَقَدْ أبْكانا وأفْزَعَنا ؟ فَجاءَ فَجَلَسَ إلَيْنا فَقالَ: ”أفْزَعَكم بُكائِي ؟“ . فَقُلْنا: نَعَمْ. فَقالَ: ”إنَّ القَبْرَ الَّذِي رَأيْتُمُونِي أُناجِي فِيهِ قَبْرُ آمِنَةَ بِنْتِ وهْبٍ، وإنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي في زِيارَتِها فَأذِنَ لِي فِيها، واسْتَأْذَنْتُ رَبِّي في الِاسْتِغْفارِ لَها فَلَمْ يَأْذَنْ لِي فِيهِ، ونَزَلَ عَلَيَّ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ - حَتّى خَتَمَ الآيَةَ - ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَن مَّوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ . فَأخَذَنِي ما يَأْخُذُ الوَلَدَ لِلْوالِدَةِ مِنَ الرِّقَّةِ، فَذَلِكَ الَّذِي أبْكانِي“ .
التوبة 9:122
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كافَّةً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عُيُوبَ المُنافِقِينَ لِتَخَلُّفِهِمْ عَنِ الجِهادِ قالَ المُؤْمِنُونَ: واللَّهِ لا نَتَخَلَّفُ عَنْ غَزْوَةٍ يَغْزُوها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولا سَرِيَّةٍ أبَدًا. فَلَمّا أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالسَّرايا إلى العَدُوِّ نَفَرَ المُسْلِمُونَ كافَّةً، وتَرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وحْدَهُ بِالمَدِينَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
يونس 10:2
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِّنْهم أنْ أنذِرِ النّاسَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولًا أنْكَرَتْ عَلَيْهِ الكُفّارُ وقالُوا: اللَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا مِثْلَ مُحَمَّدٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
يونس 10:15
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ.
قالَ مُقاتِلٌ: وهم خَمْسَةُ نَفَرٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، ومِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ، وعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي قَيْسٍ العامِرِيُّ، والعاصُ بْنُ عامِرٍ، قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ائْتِ بِقُرْآنٍ لَيْسَ فِيهِ تَرْكُ عِبادَةِ اللّاتِ والعُزّى.
وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ، قالُوا: يا مُحَمَّدُ، ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا فِيهِ ما نَسْألُكَ.
هود 11:5
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وكانَ رَجُلًا حُلْوَ الكَلامِ، حُلْوَ المَنظَرِ، يَلْقى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِما يُحِبُّ، ويَنْطَوِي بِقَلْبِهِ عَلى ما يَكْرَهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: كانَ يُجالِسُ النَّبِيَّ ﷺ ويُظْهِرُ لَهُ أمْرًا حَسَنًا يَسُرُّهُ، ويُضْمِرُ في قَلْبِهِ خِلافَ ما يُظْهِرُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ . يَقُولُ: يُكْمِنُونَ ما في صُدُورِهِمْ مِنَ العَداوَةِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ .
هود 11:114
أخْبَرَنا الأُسْتاذُ أبُو مَنصُورٍ البَغْدادِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا أبُو الأحْوَصِ، عَنْ سِماكٍ، عَنْ إبْراهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ والأسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي عالَجْتُ امْرَأةً في أقْصى المَدِينَةِ، وإنِّي أصَبْتُ مِنها ما دُونَ أنْ آتِيَها، فَأنا هَذا فاقْضِ فِيَّ ما شِئْتَ. قالَ: فَقالَ عُمَرُ: لَقَدْ سَتَرَكَ اللَّهُ لَوْ سَتَرْتَ نَفْسَكَ. فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا، فانْطَلَقَ الرَّجُلُ، فَأتْبَعَهُ رَجُلًا فَدَعاهُ، فَتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ. قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لَهُ خاصَّةً ؟ قالَ: ”بَلْ لِلنّاسِ كافَّةً“ .
رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيى بْنِ يَحْيى، ورَواهُ البُخارِيُّ مِن طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ.
أخْبَرَناهُ عَمْرُو بْنُ أبِي عَمْرٍو، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ، قالَ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّ رَجُلًا أصابَ مِنِ امْرَأةٍ قُبْلَةً، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأُنْزِلَتْ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ﴾ . إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ الرَّجُلُ: ألِي هَذِهِ ؟ قالَ: ”لِمَن عَمِلَ بِها مِن أُمَّتِي“ .
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسى بْنِ الفَضْلِ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأُمَوِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا العَبّاسُ الدُّورِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ المَرْوَزِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُبارَكِ، قالَ: حَدَّثَنا سُوَيْدٌ، قالَ: أخْبَرَنا عُثْمانُ بْنُ مَوْهَبٍ، عَنْ مُوسى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أبِي اليَسَرِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: أتَتْنِي امْرَأةٌ - وزَوْجُها بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ في بَعْثٍ - فَقالَتْ: بِعْنِي بِدِرْهَمٍ تَمْرًا. قالَ: فَأعْجَبَتْنِي، فَقُلْتُ: إنَّ في البَيْتِ تَمْرًا هو أطْيَبُ مِن هَذا فالحَقِينِي، فَغَمَزْتُها وقَبَّلْتُها، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الأمْرَ، فَقالَ: ”أخُنْتَ رَجُلًا غازِيًا في سَبِيلِ اللَّهِ في أهْلِهِ بِهَذا ؟“ . وأطْرَقَ عَنِّي، فَظَنَنْتُ أنِّي مِن أهْلِ النّارِ، وأنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ لِي أبَدًا، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ . فَأرْسَلَ إلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَتَلاها عَلَيَّ.
أخْبَرَنا نَصْرُ بْنُ بَكْرِ بْنِ أحْمَدَ الواعِظُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ السِّجْزِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ أيُّوبَ الرّازِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَلِيُّ بْنُ عُثْمانَ ومُوسى بْنُ إسْماعِيلَ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ العاصِمِ - واللَّفْظُ لِعَلِيٍّ - قالُوا: أخْبَرَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرانَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَجُلًا أتى عُمَرَ فَقالَ لَهُ: إنَّ امْرَأةً جاءَتْنِي تُبايِعُنِي، فَأدْخَلْتُها الدَّوْلَجَ، فَأصَبْتُ مِنها كُلَّ شَيْءٍ إلّا الجِماعَ. فَقالَ: ويْحَكَ، بَعْلُها مُغَيَّبٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قُلْتُ: أجَلْ. قالَ: ائْتِ أبا بَكْرٍ. فَأتاهُ فَقالَ مِثْلَ ما قالَ لِعُمَرَ، ورَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وقالَ: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فاسْألْهُ. فَأتاهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”بَعْلُها مُغَيَّبٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ؟“ . فَسَكَتَ عَنْهُ، ونَزَلَ القُرْآنُ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ . فَقالَ الرَّجُلُ: ألِي خاصَّةً أمْ لِلنّاسِ عامَّةً ؟ فَضَرَبَ عُمَرُ صَدْرَهُ وقالَ: لا ولا نُعْمَةَ عَيْنٍ، ولَكِنْ لِلنّاسِ عامَّةً. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: ”صَدَقَ عُمَرُ“ .
أخْبَرَنا أبُو مَنصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا الحُسَيْنُ بْنُ إسْماعِيلَ المَحامِلِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا يُوسُفُ بْنُ مُوسى، قالَ: حَدَّثَنا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، أنَّهُ كانَ قاعِدًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَجاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما تَقُولُ في رَجُلٍ أصابَ مِنِ امْرَأةٍ ما لا يَحِلُّ لَهُ، فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا يُصِيبُهُ الرَّجُلُ مِنِ امْرَأتِهِ إلّا قَدْ أصابَهُ مِنها، إلّا أنَّهُ لَمْ يُجامِعْها ؟ فَقالَ: ”تَوَضَّأْ وُضُوءًا حَسَنًا، ثُمَّ قُمْ فَصَلِّ“ . قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ﴾ . إلى آخِرِها، فَقالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: أهِيَ لَهُ خاصَّةً أمْ لِلْمُسْلِمِينَ عامَّةً ؟ فَقالَ: ”بَلْ هي لِلْمُسْلِمِينَ عامَّةً“ .
أخْبَرَنا الأُسْتاذُ أبُو طاهِرٍ الزِّيادِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا حاجِبُ بْنُ أحْمَدَ، قالَ: أخْبَرَنا الأُسْتاذُ أبُو عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، قالَ: حَدَّثَنا الفَضْلُ بْنُ مُوسى السِّينانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ سِماكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ إبْراهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي قَدْ أصَبْتُ مِنِ امْرَأةٍ غَيْرَ أنِّي لَمْ آتِها ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ .
يوسف 12:3
أخْبَرَنا عَبْدُ القاهِرِ بْنُ طاهِرٍ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، قالَ: أخْبَرَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ بْنِ المُسْتَفاضِ، قالَ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ الحَنْظَلِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ القُرَشِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا خَلّادُ بْنُ مُسْلِمٍ الصَّفّارُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ المُلائِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أبِيهِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ . قالَ: أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَلاهُ عَلَيْهِمْ زَمانًا، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ قَصَصْتَ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ (١) إنّا أنزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكم تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ . فَتَلاهُ عَلَيْهِمْ زَمانًا، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ حَدَّثْتَنا ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُّتَشابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] . قالَ: كُلَّ ذَلِكَ تُؤْمَرُونَ بِالقُرْآنِ.
رَواهُ الحاكِمُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ في صَحِيحِهِ، عَنْ أبِي بَكْرٍ العَنْبَرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ، عَنْ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ.
وقالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: مَلَّ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَلَّةً، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] . قالَ: ثُمَّ إنَّهم مَلُّوا مَلَّةً أُخْرى، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَوْقَ الحَدِيثِ ودُونَ القُرْآنِ - يَعْنُونَ القَصَصَ - فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ . فَأرادُوا الحَدِيثَ، فَدَلَّهم عَلى أحْسَنِ الحَدِيثِ، وأرادُوا القَصَصَ فَدَلَّهم عَلى أحْسَنِ القَصَصِ.
الرعد 13:13
أخْبَرَنا نَصْرُ بْنُ أبِي نَصْرٍ الواعِظُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ أيُّوبَ الرّازِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهّابِ، قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ أبِي سارَةَ الشَّيْبانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا ثابِتٌ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا مَرَّةً إلى رَجُلٍ مِن فَراعِنَةِ العَرَبِ، فَقالَ: ”اذْهَبْ فادْعُهُ لِي“ . فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ أعْتى مِن ذَلِكَ. قالَ: ”اذْهَبْ فادْعُهُ لِي“ . قالَ: فَذَهَبَ إلَيْهِ فَقالَ: يَدْعُوكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَ: وما اللَّهُ ؟ أمِن ذَهَبٍ هو أوْ مِن فِضَّةٍ أوْ مِن نُحاسٍ ؟ قالَ: فَرَجَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرَهُ، وقالَ: وقَدْ أخْبَرْتُكَ أنَّهُ أعْتى مِن ذَلِكَ، فَقالَ لِي كَذا وكَذا. فَقالَ: ”ارْجِعْ إلَيْهِ الثّانِيَةَ فادْعُهُ“ . فَرَجَعَ إلَيْهِ، فَعادَ عَلَيْهِ مِثْلَ الكَلامِ الأوَّلِ، فَرَجَعَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: ”ارْجِعْ إلَيْهِ“ . فَرَجَعَ الثّالِثَةَ فَأعادَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الكَلامَ، فَبَيْنا هو يُكَلِّمُنِي إذْ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ سَحابَةً حِيالَ رَأْسِهِ فَرَعَدَتْ، فَوَقَعَتْ مِنها صاعِقَةٌ فَذَهَبَتْ بِقِحْفِ رَأْسِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ وهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ وهو شَدِيدُ المِحالِ﴾ .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وابْنِ زَيْدٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي قَبْلَها في عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ وأرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ، وذَلِكَ أنَّهُما أقْبَلا يُرِيدانِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِهِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذا عامِرُ بْنُ طُفَيْلٍ قَدْ أقْبَلَ نَحْوَكَ. فَقالَ: ”دَعْهُ، فَإنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يَهْدِهِ“ . فَأقْبَلَ حَتّى قامَ عَلَيْهِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، ما لِيَ إنْ أسْلَمْتُ ؟ فَقالَ: ”لَكَ ما لِلْمُسْلِمِينَ، وعَلَيْكَ ما عَلَيْهِمْ“ . قالَ: تَجْعَلُ لِيَ الأمْرَ مِن بَعْدِكَ. قالَ: ”لا، لَيْسَ ذَلِكَ إلَيَّ، إنَّما ذَلِكَ إلى اللَّهِ يَجْعَلُهُ حَيْثُ يَشاءُ“ . قالَ: فَتَجْعَلُنِي عَلى الوَبَرِ وأنْتَ عَلى المَدَرِ ؟ قالَ: ”لا“ . قالَ: فَماذا تَجْعَلُ لِي ؟ قالَ: ”أجْعَلُ لَكَ أعِنَّةَ الخَيْلِ تَغْزُو عَلَيْها“ . قالَ: أوَلَيْسَ ذَلِكَ إلَيَّ اليَوْمَ ؟ وكانَ أوْصى إلى أرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ: إذا رَأيْتَنِي أُكَلِّمُهُ فَدُرْ مِن خَلْفِهِ واضْرِبْهُ بِالسَّيْفِ. فَجَعَلَ يُخاصِمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ويُراجِعُهُ، فَدارَ أرْبَدُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ لِيَضْرِبَهُ، فاخْتَرَطَ مِن سَيْفِهِ شِبْرًا، ثُمَّ حَبَسَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى سَلِّهِ، وجَعَلَ عامِرٌ يُومِئُ إلَيْهِ، فالتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَأى أرْبَدَ بْنَ رَبِيعَةَ وما يَصْنَعُ بِسَيْفِهِ، فَقالَ: ”اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِما بِما شِئْتَ“ . فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى أرْبَدَ صاعِقَةً في يَوْمٍ صائِفٍ صاحٍ فَأحْرَقَتْهُ، ووَلّى عامِرٌ هارِبًا وقالَ: يا مُحَمَّدُ، دَعَوْتَ رَبَّكَ فَقَتَلَ أرْبَدَ، واللَّهِ لَأمْلَأنَّها عَلَيْكَ خَيْلًا جُرْدًا وفِتْيانًا مُرْدًا. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”يَمْنَعُكَ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ وابْنا قَيْلَةَ“ . يُرِيدُ الأوْسَ والخَزْرَجَ. فَنَزَلَ عامِرٌ بَيْتَ امْرَأةٍ سَلُولِيَّةٍ، فَلَمّا أصْبَحَ ضَمَّ عَلَيْهِ سِلاحَهُ، فَخَرَجَ وهو يَقُولُ: واللّاتِ والعُزّى، لَئِنْ أصْحَرَ مُحَمَّدٌ إلَيَّ وصاحِبُهُ - يَعْنِي مَلَكَ المَوْتِ - لَأنْفُذَنَّهُما بِرُمْحِي. فَلَمّا رَأى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ مِنهُ أرْسَلَ مَلَكًا فَلَطَمَهُ بِجَناحَيْهِ فَأذْراهُ في التُّرابِ، وخَرَجَتْ عَلى رُكْبَتِهِ غُدَّةٌ في الوَقْتِ عَظِيمَةٌ كَغُدَّةِ البَعِيرِ، فَعادَ إلى بَيْتِ السَّلُولِيَّةِ وهو يَقُولُ: غُدَّةٌ كَغُدَّةِ البَعِيرِ ومَوْتٌ في بَيْتِ السَّلُولِيَّةِ. ثُمَّ ماتَ عَلى ظَهْرِ فَرَسِهِ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ هَذِهِ القِصَّةَ: ﴿سَواءٌ مِّنكُم مَّنْ أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ﴾ [الرعد: ١٠] . حَتّى بَلَغَ: ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ .
الرعد 13:30
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: نَزَلَتْ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ حِينَ أرادُوا كِتابَ الصُّلْحِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: ”اكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“ . فَقالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو والمُشْرِكُونَ: ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا صاحِبَ اليَمامَةِ - يَعْنُونَ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ - اكْتُبْ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ. وهَكَذا كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَكْتُبُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ: نَزَلَتْ في كُفّارِ قُرَيْشٍ حِينَ قالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ [الفرقان: ٦٠] . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: قُلْ لَهم: إنَّ الرَّحْمَنَ الَّذِي أنْكَرْتُمْ مَعْرِفَتَهُ هو رَبِّي لا إلَهَ إلّا هو.
الرعد 13:31
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّحْوِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ الحِيرِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو يَعْلى، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ بْنِ سَلَمَةَ الأنْصارِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا خَلَفُ بْنُ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ الجَبّارِ بْنِ عُمَرَ الأيْلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطاءٍ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ عَطاءٍ مَوْلاةِ الزُّبَيْرِ قالَتْ: سَمِعْتُ الزُّبَيْرَ بْنَ العَوّامِ يَقُولُ: قالَتْ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: تَزْعُمُ أنَّكَ نَبِيٌّ يُوحى إلَيْكَ، وأنَّ سُلَيْمانَ سُخِّرَ لَهُ الرِّيحُ، وأنَّ مُوسى سُخِّرَ لَهُ البَحْرُ، وأنَّ عِيسى كانَ يُحْيِي المَوْتى ؟ فادْعُ اللَّهَ أنْ يُسَيِّرَ عَنّا هَذِهِ الجِبالَ، ويُفَجِّرَ لَنا في الأرْضِ أنْهارًا فَنَتَّخِذَها مَحارِثَ، فَنَزْرَعَ ونَأْكُلَ، وإلّا فادْعُ اللَّهَ أنْ يُحْيِيَ لَنا مَوْتانا فَنُكَلِّمَهم ويُكَلِّمُونا، وإلّا فادْعُ اللَّهَ أنْ يُصَيِّرَ هَذِهِ الصَّخْرَةَ الَّتِي تَحْتَكَ ذَهَبًا فَنَنْحَتَ مِنها وتُغْنِيَنا عَنْ رِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ؛ فَإنَّكَ تَزْعُمُ أنَّكَ كَهَيْئَتِهِمْ. فَبَيْنا نَحْنُ حَوْلَهُ إذْ نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، فَلَمّا سُرِّيَ عَنْهُ قالَ: ”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ أعْطانِي ما سَألْتُمْ، ولَوْ شِئْتُ لَكانَ، ولَكِنَّهُ خَيَّرَنِي بَيْنَ أنْ تَدْخُلُوا في بابِ الرَّحْمَةِ فَيُؤْمِنَ مُؤْمِنُكم، وبَيْنَ أنْ يَكِلَكم إلى ما اخْتَرْتُمْ لِأنْفُسِكم فَتَضِلُّوا عَنْ بابِ الرَّحْمَةِ، فاخْتَرْتُ بابَ الرَّحْمَةِ، وأخْبَرَنِي إنْ أعْطاكم ذَلِكَ ثُمَّ كَفَرْتُمْ أنَّهُ مُعَذِّبُكم عَذابًا لا يُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ“ . فَنَزَلَتْ: ﴿وما مَنَعَنا أن نُّرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أن كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾ [الإسراء: ٥٩] . حَتّى قَرَأ ثَلاثَ آياتٍ، ونَزَلَتْ: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى﴾ .
الرعد 13:38
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: عَيَّرَتِ اليَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقالَتْ: ما نَرى لِهَذا الرَّجُلِ هِمَّةً إلّا النِّساءَ والنِّكاحَ، ولَوْ كانَ نَبِيًّا كَما زَعَمَ لَشَغَلَهُ أمْرُ النُّبُوَّةِ عَنِ النِّساءِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
الحجر 15:24
أخْبَرَنا نَصْرُ بْنُ أبِي نَصْرٍ الواعِظُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ الرّازِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ أيُّوبَ الرّازِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، قالَ: حَدَّثَنا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ الطّاحِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ مالِكٍ، عَنْ أبِي الجَوْزاءِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ تُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ امْرَأةٌ حَسْناءُ في آخِرِ النِّساءِ، وكانَ بَعْضُهم يَتَقَدَّمُ إلى الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها، وكانَ بَعْضُهم يَكُونُ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ فَإذا رَكَعَ قالَ هَكَذا، ونَظَرَ مِن تَحْتِ إبْطِهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ .
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: حَرَّضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الصَّفِّ الأوَّلِ في الصَّلاةِ، فازْدَحَمَ النّاسُ عَلَيْهِ، وكانَ بَنُو عُذْرَةَ دُورُهم قاصِيَةٌ عَنِ المَسْجِدِ، فَقالُوا: نَبِيعُ دُورَنا ونَشْتَرِي دُورًا قَرِيبَةً مِنَ المَسْجِدِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
الحجر 15:47
أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدانَ العَدْلُ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ بْنِ خالِدٍ الفَحّامُ، قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ هاشِمٍ، عَنْ كَثِيرٍ النَّوّاءِ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ: إنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُّتَقابِلِينَ﴾ . قالَ: واللَّهِ إنَّها لَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ، وفِيمَن تَنْزِلُ إلّا فِيهِمْ ؟ قُلْتُ: وأيُّ غِلٍّ هو ؟ قالَ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، إنَّ بَنِي تَيْمٍ وعَدِيٍّ وبَنِي هاشِمٍ كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ غِلٌّ، فَلَمّا أسْلَمَ هَؤُلاءِ القَوْمُ تَحابُّوا، فَأخَذَتْ أبا بَكْرٍ الخاصِرَةُ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُسَخِّنُ يَدَهُ فَيُكَمِّدُ بِها خاصِرَةَ أبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
الحجر 15:49
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ رَوى ابْنُ المُبارَكِ بِإسْنادِهِ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: طَلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ ونَحْنُ نَضْحَكُ، فَقالَ: ”ألا أراكم تَضْحَكُونَ ؟“ . ثُمَّ أدْبَرَ حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحجرِ رَجَعَ إلَيْنا القَهْقَرى فَقالَ: ”إنِّي لَمّا خَرَجْتُ جاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: لِمَ تُقَنِّطْ عِبادِي ؟ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾“ .
الحجر 15:87
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِّنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: إنَّ سَبْعَ قَوافِلَ وافَتْ مِن بُصْرى وأذْرِعاتٍ لِيَهُودِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ في يَوْمٍ واحِدٍ فِيها أنْواعٌ مِنَ البَزِّ وأوْعِيَةُ الطِّيبِ والجَواهِرُ وأمْتِعَةُ البَحْرِ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: لَوْ كانَتْ هَذِهِ الأمْوالُ لَنا لَتَقَوَّيْنا بِها، وأنْفَقْناها في سَبِيلِ اللَّهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: لَقَدْ أعْطَيْتُكم سَبْعَ آياتٍ هي خَيْرٌ لَكم مِن هَذِهِ السَّبْعِ القَوافِلِ. ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا قَوْلُهُ تَعالى عَلى أثَرِها: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِّنْهُمْ﴾ .
النحل 16:1
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١] . قالَ الكُفّارُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّ هَذا يَزْعُمُ أنَّ القِيامَةَ قَدْ قَرُبَتْ، فَأمْسِكُوا عَنْ بَعْضِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتّى نَنْظُرَ ما هو كائِنٌ. فَلَمّا رَأوْا أنَّهُ لا يَنْزِلُ شَيْءٌ قالُوا: ما نَرى شَيْئًا. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] . فَأشْفَقُوا وانْتَظَرُوا قُرْبَ السّاعَةِ، فَلَمّا امْتَدَّتِ الأيّامُ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، ما نَرى شَيْئًا مِمّا تُخَوِّفُنا بِهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ . فَوَثَبَ النَّبِيُّ ﷺ، ورَفَعَ النّاسُ رُءُوسَهم، فَنَزَلَ: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ . فاطْمَأنُّوا، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ - وأشارَ بِأُصْبُعِهِ - إنْ كادَتْ لَتَسْبِقُنِي“ .
وقالَ الآخَرُونَ: الأمْرُ هَهُنا العَذابُ بِالسَّيْفِ، وهَذا جَوابٌ لِلنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إن كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِندِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِّنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] . يَسْتَعْجِلُ العَذابَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
النحل 16:4
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿خَلَقَ الإنسانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ نَزَلَتِ الآيَةُ في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ الجُمَحِيِّ حِينَ جاءَ بِعَظْمٍ رَمِيمٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، أتَرى اللَّهَ يُحْيِي هَذا بَعْدَما قَدْ رَمَّ ؟
نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ يس: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] . إلى آخِرِ السُّورَةِ نازِلَةٌ في هَذِهِ القِصَّةِ.
النحل 16:38
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ: كانَ لِرَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ دَيْنٌ، فَأتاهُ يَتَقاضاهُ، فَكانَ فِيما تَكَلَّمَ بِهِ: والَّذِي أرْجُوهُ بَعْدَ المَوْتِ. فَقالَ المُشْرِكُ: وإنَّكَ لَتَزْعُمُ أنَّكَ تُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ ؟ فَأقْسَمَ بِاللَّهِ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
النحل 16:41
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ نَزَلَتْ في أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ: بِلالٍ، وصُهَيْبٍ، وخَبّابٍ، وعَمّارٍ، وأبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ؛ أخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ فَعَذَّبُوهم وآذَوْهم، فَبَوَّأهُمُ اللَّهُ تَعالى المَدِينَةَ بَعْدَ ذَلِكَ.
النحل 16:43
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُّوحِي إلَيْهِمْ﴾ نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ، أنْكَرُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وقالُوا: اللَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَرًا، فَهَلّا بَعَثَ إلَيْنا مَلَكًا ؟
النحل 16:75
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى، قالَ: أخْبَرَنا أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ، قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شاكِرٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَفّانُ، قالَ: حَدَّثَنا وُهَيْبٌ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ إبْراهِيمَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لّا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ في هِشامِ بْنِ عَمْرٍو، وهو الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ سِرًّا وجَهْرًا، ومَوْلاهُ أبُو الجَوْزاءِ الَّذِي كانَ يَنْهاهُ. ونَزَلَتْ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لّا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ . فالأبْكَمُ مِنهُما الكَلُّ عَلى مَوْلاهُ هو أسِيدُ بْنُ أبِي العِيصِ، والَّذِي ﴿يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
النحل 16:76
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى، قالَ: أخْبَرَنا أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ، قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شاكِرٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَفّانُ، قالَ: حَدَّثَنا وُهَيْبٌ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ إبْراهِيمَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لّا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ في هِشامِ بْنِ عَمْرٍو، وهو الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ سِرًّا وجَهْرًا، ومَوْلاهُ أبُو الجَوْزاءِ الَّذِي كانَ يَنْهاهُ. ونَزَلَتْ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لّا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾ . فالأبْكَمُ مِنهُما الكَلُّ عَلى مَوْلاهُ هو أسِيدُ بْنُ أبِي العِيصِ، والَّذِي ﴿يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
النحل 16:90
أخْبَرَنا أبُو إسْحاقَ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ، قالَ: أخْبَرَنا شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ البَيْهَقِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدانَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو الأزْهَرِ، قالَ: حَدَّثَنا رَوْحُ بْنُ عُبادَةَ، عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ بَهْرامَ قالَ: حَدَّثَنا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ، قالَ: بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِفِناءِ بَيْتِهِ بِمَكَّةَ جالِسًا إذْ مَرَّ بِهِ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَكَشَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهُ: ”ألا تَجْلِسُ ؟“ . فَقالَ: بَلى. فَجَلَسَ إلَيْهِ مُسْتَقْبِلَهُ، فَبَيْنَما هو يُحَدِّثُهُ إذْ شَخَصَ بَصَرُهُ إلى السَّماءِ فَنَظَرَ ساعَةً وأخَذَ يَضَعُ بَصَرَهُ حَتّى وضَعَ عَلى يَمِينِهِ في الأرْضِ، ثُمَّ تَحَرَّفَ عَنْ جَلِيسِهِ عُثْمانَ إلى حَيْثُ وضَعَ بَصَرَهُ، فَأخَذَ يُنْغِضُ رَأْسَهُ كَأنَّهُ يَسْتَفْقِهُ ما يُقالُ لَهُ، ثُمَّ شَخَصَ بَصَرُهُ إلى السَّماءِ كَما شَخَصَ أوَّلَ مَرَّةٍ، فَأتْبَعَهُ بَصَرَهُ حَتّى تَوارى في السَّماءِ، وأقْبَلَ عَلى عُثْمانَ كَجِلْسَتِهِ الأُولى فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، فِيما كُنْتُ أُجالِسُكَ وآتِيكَ ما رَأيْتُكَ تَفْعَلُ فَعْلَتَكَ الغَداةَ. قالَ: ”وما رَأيْتَنِي فَعَلْتُ ؟“ . قالَ: رَأيْتُكَ شَخَصَ بَصَرُكَ إلى السَّماءِ، ثُمَّ وضَعْتَهُ حِينَ وضَعْتَهُ عَلى يَمِينِكَ، فَتَحَرَّفْتَ إلَيْهِ وتَرَكْتَنِي، فَأخَذْتَ تُنْغِضُ رَأْسَكَ كَأنَّكَ تَسْتَفْقِهُ شَيْئًا يُقالُ لَكَ. قالَ: ”أوَفَطِنْتَ إلى ذَلِكَ ؟“ . قالَ عُثْمانُ: نَعَمْ. قالَ: ”أتانِي رَسُولُ اللَّهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وسَلَّمَ آنِفًا وأنْتَ جالِسٌ“ . قالَ: رَسُولُ اللَّهِ ؟ قالَ: ”نَعَمْ“ . فَماذا قالَ لَكَ ؟ قالَ: ”قالَ لِي: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾“ . قالَ عُثْمانُ: فَذَلِكَ حِينَ اسْتَقَرَّ الإيمانُ في قَلْبِي وأحْبَبْتُ مُحَمَّدًا ﷺ .
النحل 16:101
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَّكانَ آيَةٍ﴾ نَزَلَتْ حِينَ قالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ يَسْخَرُ بِأصْحابِهِ، يَأْمُرُهُمُ اليَوْمَ بِأمْرٍ ويَنْهاهم عَنْهُ غَدًا، أوْ يَأْتِيهِمْ بِما هو أهْوَنُ عَلَيْهِمْ، وما هو إلّا مُفْتَرٍ يَقُولُهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ والَّتِي بَعْدَها.
النحل 16:103
أخْبَرَنا أبُو نَصْرٍ أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ المُزَكِّي، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَمْدانَ الزّاهِدُ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو هِشامٍ الرِّفاعِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ فُضَيْلٍ، قالَ: حَدَّثَنا حُصَيْنٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ قالَ: كانَ لَنا غُلامانِ نَصْرانِيّانِ مِن أهْلِ عَيْنِ التَّمْرِ، اسْمُ أحَدِهِما يَسارٌ والآخَرُ جَبْرٌ، وكانا صَيْقَلَيْنِ يَقْرَآنِ كُتُبًا لَهم بِلِسانِهِما، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمُرُّ بِهِما فَيَسْمَعُ قِراءَتَهُما، فَكانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: يَتَعَلَّمُ مِنهُما. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فَأكْذَبَهم فَقالَ: ﴿لِّسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ .
النحل 16:106
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ أخَذُوهُ وأباهُ ياسِرًا، وأُمَّهُ سُمَيَّةَ، وصُهَيْبًا، وبِلالًا، وخَبّابًا، وسالِمًا، فَعَذَّبُوهم، فَأمّا سُمَيَّةُ فَإنَّها رُبِطَتْ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ، ووُجِئَ قُبُلُها بِحَرْبَةٍ، وقِيلَ لَها: إنَّكِ أسْلَمْتِ مِن أجْلِ الرِّجالِ. فَقُتِلَتْ، وقُتِلَ زَوْجُها ياسِرٌ، وهُما أوَّلُ قَتِيلَيْنِ قُتِلا في الإسْلامِ. وأمّا عَمّارٌ فَإنَّهُ أعْطاهم ما أرادُوا بِلِسانِهِ مُكْرَهًا، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنَّ عَمّارًا كَفَرَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”كَلّا، إنَّ عَمّارًا مُلِئَ إيمانًا مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ، واخْتَلَطَ الإيمانُ بِلَحْمِهِ ودَمِهِ“ . فَأتى عَمّارٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يَبْكِي، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ ويَقُولُ: ”إنْ عادُوا لَكَ فَحَدِّثْهم بِما قُلْتَ“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في ناسٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ آمَنُوا، فَكَتَبَ إلَيْهِمُ المُسْلِمُونَ بِالمَدِينَةِ أنْ هاجِرُوا؛ فَإنّا لا نَراكم مِنّا حَتّى تُهاجِرُوا إلَيْنا. فَخَرَجُوا يُرِيدُونَ المَدِينَةَ، فَأدْرَكَتْهم قُرَيْشٌ بِالطَّرِيقِ فَفَتَنُوهم مُكْرَهِينَ. فَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
النحل 16:110
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ لا يُقْبَلُ مِنهم إسْلامٌ حَتّى يُهاجِرُوا كَتَبَ بِها أهْلُ المَدِينَةِ إلى أصْحابِهِمْ مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَلَمّا جاءَهم ذَلِكَ خَرَجُوا، فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَرَدُّوهم. فَنَزَلَتْ: ﴿الم (١) أحَسِبَ النّاسُ أن يُتْرَكُوا أن يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ (٢)) . فَكَتَبُوا بِها إلَيْهِمْ، فَتَبايَعُوا بَيْنَهم عَلى أنْ يَخْرُجُوا، فَإنْ لَحِقَ بِهِمُ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ قاتَلُوهم حَتّى يَنْجُوا أوْ يَلْحَقُوا بِاللَّهِ، فَأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم، فَمِنهم مَن قُتِلَ ومِنهم مَن نَجا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ( ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا﴾ .
النحل 16:125
أخْبَرَنا أبُو مَنصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَنصُورِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، قالَ: حَدَّثَنا الحَكَمُ بْنُ مُوسى، قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ عَيّاشٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أبِي غَنِيَّةَ، عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا انْصَرَفَ المُشْرِكُونَ عَنْ قَتْلى أُحُدٍ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَأى مَنظَرًا ساءَهُ، ورَأى حَمْزَةَ قَدْ شُقَّ بَطْنُهُ، واصْطُلِمَ أنْفُهُ، وجُدِعَتْ أُذُناهُ، فَقالَ: ”لَوْلا أنْ يَحْزَنَ النِّساءُ أوْ تَكُونَ سُنَّةً بَعْدِي لَتَرَكْتُهُ حَتّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ تَعالى مِن بُطُونِ السِّباعِ والطَّيْرِ، لَأقْتُلَنَّ مَكانَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنهم“ . ثُمَّ دَعا بِبُرْدَةٍ فَغَطّى بِها وجْهَهُ، فَخَرَجَتْ رِجْلاهُ، فَجَعَلَ عَلى رِجْلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الإذْخِرِ، ثُمَّ قَدَّمَهُ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ عَشْرًا، ثُمَّ جَعَلَ يُجاءُ بِالرَّجُلِ فَيُوضَعُ وحَمْزَةُ مَكانَهُ حَتّى صَلّى عَلَيْهِ سَبْعِينَ صَلاةً، وكانَ القَتْلى سَبْعِينَ، فَلَمّا دُفِنُوا وفَرَغَ مِنهم نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ . فَصَبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُمَثِّلْ بِأحَدٍ.
أخْبَرَنا إسْماعِيلُ بْنُ إبْراهِيمَ الواعِظُ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو العَبّاسِ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ الوَلِيدِ الكِنْدِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا صالِحٌ المُرِّيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: أشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى حَمْزَةَ فَرَآهُ صَرِيعًا، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا كانَ أوَجَعَ لِقَلْبِهِ مِنهُ، فَقالَ: ”واللَّهِ لَأقْتُلَنَّ بِكَ سَبْعِينَ مِنهم“ فَنَزَلَتْ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُم بِهِ ولَئِن صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِّلصّابِرِينَ﴾ .
أخْبَرَنا أبُو حَسّانَ المُزَكِّي، قالَ: أخْبَرَنا أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، قالَ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْحاقَ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ الحِمّانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا قَيْسٌ، عَنِ ابْنِ أبِي لَيْلى، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ قُتِلَ حَمْزَةُ ومُثِّلَ بِهِ: ”لَئِنْ ظَفِرْتُ بِقُرَيْشٍ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ رَجُلًا مِنهم“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُم بِهِ ولَئِن صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِّلصّابِرِينَ﴾ . فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”بَلْ نَصْبِرُ يا رَبِّ“ .
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا رَأوْا ما فَعَلَ المُشْرِكُونَ بِقَتْلاهم يَوْمَ أُحُدٍ مِن تَبْقِيرِ البُطُونِ، وقَطْعِ المَذاكِيرِ، والمُثْلَةِ السَّيِّئَةِ، قالُوا حِينَ رَأوْا ذَلِكَ: لَئِنْ أظْهَرَنا اللَّهُ عَلَيْهِمْ لَنَزِيدَنَّ عَلى صَنِيعِهِمْ، ولَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ مُثْلَةً لَمْ يُمَثِّلْها أحَدٌ مِنَ العَرَبِ بِأحَدٍ قَطُّ، ولَنَفْعَلَنَّ ولَنُمَثِّلَنَّ. ووَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى عَمِّهِ حَمْزَةَ وقَدْ جَدَعُوا أنْفَهُ وأُذُنَهُ، وقَطَعُوا مَذاكِيرَهُ وبَقَرُوا بَطْنَهُ، وأخَذَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ قِطْعَةً مِن كَبِدِهِ فَمَضَغَتْها ثُمَّ اسْتَرَطَتْها لِتَأْكُلَها، فَلَمْ تَلْبَثْ في بَطْنِها حَتّى رَمَتْ بِها، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: ”أما إنَّها لَوْ أكَلَتْهُ لَمْ تَدْخُلِ النّارَ أبَدًا، حَمْزَةُ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِن أنْ يُدْخِلَ شَيْئًا مِن جَسَدِهِ النّارَ“ . فَلَمّا نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى حَمْزَةَ نَظَرَ إلى شَيْءٍ لَمْ يَنْظُرْ قَطُّ إلى شَيْءٍ مِثْلِهِ كانَ أوْجَعَ لِقَلْبِهِ مِنهُ، فَقالَ: ”رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، إنَّكَ كُنْتَ ما عَلِمْتُ وصُولًا لِلرَّحِمِ، فَعّالًا لِلْخَيْراتِ، ولَوْلا حُزْنُ مَن بَعْدَكَ عَلَيْكَ لَسَرَّنِي أنْ أدَعَكَ حَتّى تُحْشَرَ مِن أجْوافٍ شَتّى، أما واللَّهِ لَئِنْ أظْفَرَنِي اللَّهُ تَعالى بِهِمْ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم مَكانَكَ“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُم بِهِ ولَئِن صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِّلصّابِرِينَ﴾ . فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”بَلى نَصْبِرُ“ . وأمْسَكَ عَمّا أرادَ، وكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ.
قالَ الشَّيْخُ أبُو الحَسَنِ: ونَحْتاجُ أنْ نَذْكُرَ هَهُنا مَقْتَلَ حَمْزَةَ:
أخْبَرَنا عَمْرُو بْنُ أبِي عَمْرٍو المُزَكِّي، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ الجُعْفِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: حَدَّثَنا حُجَيْنُ بْنُ المُثَنّى، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَلَمَةَ ح وأخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى، قالَ: أخْبَرَنا والِدِي، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ الثَّقَفِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ يَحْيى الأُمَوِيُّ، قالَ: حَدَّثَنِي أبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، قالا: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الفَضْلِ بْنِ عَبّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ قالَ: خَرَجْتُ أنا وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الخِيارِ، فَمَرَرْنا بِحِمْصَ، فَلَمّا قَدِمْناها قالَ لِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ: هَلْ لَكَ أنْ نَأْتِيَ وحْشِيًّا فَنَسْألَهُ كَيْفَ كانَ قَتْلُ حَمْزَةَ ؟ قُلْتُ لَهُ: إنْ شِئْتَ، فَخَرَجْنا نَسْألُ عَنْهُ، فَقالَ لَنا رَجُلٌ: أما إنَّكُما سَتَجِدانِهِ بِفِناءِ دارِهِ، وهو رَجُلٌ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الخَمْرُ، فَإنْ تَجِداهُ صاحِيًا تَجِدا رَجُلًا عَرَبِيًّا، وتَجِدا عِنْدَهُ بَعْضَ ما تُرِيدانِ. فَلَمّا انْتَهَيْنا إلَيْهِ سَلَّمْنا عَلَيْهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، قُلْنا: جِئْناكَ لِتُحَدِّثَنا عَنْ قَتْلِكَ حَمْزَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. فَقالَ: أما إنِّي سَأُحَدِّثُكُما كَما حَدَّثْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَألَنِي عَنْ ذَلِكَ، كُنْتُ غُلامًا لِجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلٍ، وكانَ عَمُّهُ طُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيٍّ قَدْ أُصِيبَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَمّا سارَتْ قُرَيْشٌ إلى أُحُدٍ قالَ لِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: إنْ قَتَلْتَ حَمْزَةَ عَمَّ مُحَمَّدٍ بِعَمِّي طُعَيْمَةَ فَأنْتَ عَتِيقٌ. قالَ: فَخَرَجْتُ، وكُنْتُ حَبَشِيًّا أقْذِفُ بِالحَرْبَةِ قَذْفَ الحَبَشَةِ قَلَّما أُخْطِئُ بِها شَيْئًا، فَلَمّا التَقى النّاسُ خَرَجْتُ أنْظُرُ حَمْزَةَ وأتَبَصَّرُهُ حَتّى رَأيْتُهُ في عُرْضِ الجَيْشِ مِثْلَ الجَمَلِ الأوْرَقِ يَهُدُّ النّاسَ بِسَيْفِهِ هَدًّا ما يَقُومُ لَهُ شَيْءٌ، فَواللَّهِ إنِّي لَأتَهَيَّأُ لَهُ وأسْتَتِرُ مِنهُ بِحَجَرٍ أوْ شَجَرٍ لِيَدْنُوَ مِنِّي إذْ تَقَدَّمَنِي إلَيْهِ سِباعُ بْنُ عَبْدِ العُزّى، فَلَمّا رَآهُ حَمْزَةُ قالَ: ها يا ابْنَ مُقَطِّعَةِ البُظُورِ. قالَ: ثُمَّ ضَرَبَهُ، فَواللَّهِ ما أخْطَأ رَأْسَهُ، وهَزَزْتُ حَرْبَتِي حَتّى إذا ما رَضِيتُ مِنها دَفَعْتُها إلَيْهِ، فَوَقَعَتْ في ثُنَّتِهِ حَتّى خَرَجَتْ مِن بَيْنِ رِجْلَيْهِ، فَذَهَبَ لِيَنُوءَ نَحْوِي فَغُلِبَ، وتَرَكْتُهُ حَتّى ماتَ، ثُمَّ أتَيْتُهُ فَأخَذْتُ حَرْبَتِي، ثُمَّ رَجَعْتُ إلى النّاسِ فَقَعَدْتُ في العَسْكَرِ، ولَمْ يَكُنْ لِي بِغَيْرِهِ حاجَةٌ، إنَّما قَتَلْتُهُ لِأُعْتَقَ. فَلَمّا قَدِمْتُ مَكَّةَ أُعْتِقْتُ، فَأقَمْتُ بِها حَتّى فَشا فِيها الإسْلامُ، ثُمَّ خَرَجْتُ إلى الطّائِفِ فَأرْسَلُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رُسُلًا، وقِيلَ لِي: إنَّ مُحَمَّدًا لا يَهِيجُ الرُّسُلَ. قالَ: فَخَرَجْتُ مَعَهم حَتّى قَدِمْتُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا رَآنِي قالَ: ”أنْتَ وحْشِيٌّ ؟“ . قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: ”أنْتَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ ؟“ . قُلْتُ: قَدْ كانَ مِنَ الأمْرِ ما قَدْ بَلَغَكَ. قالَ: ”فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُغَيِّبَ وجْهَكَ عَنِّي ؟“ . فَخَرَجْتُ. قالَ: فَلَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وخَرَجَ النّاسُ إلى مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ قُلْتُ: لَأخْرُجَنَّ إلى مُسَيْلِمَةَ لَعَلِّي أقْتُلُهُ فَأُكافِئَ بِهِ حَمْزَةَ. فَخَرَجْتُ مَعَ النّاسِ، فَكانَ مِن أمْرِهِ ما كانَ.
الإسراء 17:29
أخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عِمْرانَ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَلِيٍّ أحْمَدُ الفَقِيهُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عُبَيْدٍ القاسِمُ بْنُ إسْماعِيلَ المَحامِلِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا زَكَرِيّا بْنُ يَحْيى الضَّرِيرُ، قالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ سُفْيانَ الجُهَنِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنْ أبِي الأحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: جاءَ غُلامٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ أُمِّي تَسْألُكَ كَذا وكَذا. فَقالَ: ”ما عِنْدَنا اليَوْمَ شَيْءٌ“ . قالَ: فَتَقُولُ لَكَ: اكْسُنِي قَمِيصَكَ. قالَ: فَخَلَعَ قَمِيصَهُ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ، وجَلَسَ في البَيْتِ حاسِرًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ .
وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قاعِدًا فِيما بَيْنَ أصْحابِهِ أتاهُ صَبِيٌّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي تَسْتَكْسِيكَ دِرْعًا. ولَمْ يَكُنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلّا قَمِيصُهُ، فَقالَ لِلصَّبِيِّ: ”مِن ساعَةٍ إلى ساعَةٍ يَظْهَرُ، فَعُدْ وقْتًا آخَرَ“ . فَعادَ إلى أُمِّهِ، فَقالَتْ: قُلْ لَهُ: إنَّ أُمِّي تَسْتَكْسِيكَ القَمِيصَ الَّذِي عَلَيْكَ. فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دارَهُ، ونَزَعَ قَمِيصَهُ وأعْطاهُ إيّاهُ، وقَعَدَ عُرْيانًا، فَأذَّنَ بِلالٌ لِلصَّلاةِ، وانْتَظَرُوهُ فَلَمْ يَخْرُجْ، فَشَغَلَ قُلُوبَ الصَّحابَةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُهم فَرَآهُ عُرْيانًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
الإسراء 17:53
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وقُل لِّعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ نَزَلَتْ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ وذَلِكَ أنَّ رَجُلًا مِنَ العَرَبِ شَتَمَهُ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالعَفْوِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: كانَ المُشْرِكُونَ يُؤْذُونَ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالقَوْلِ والفِعْلِ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
الإسراء 17:59
أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، قالَ: أخْبَرَنا زاهِرُ بْنُ أحْمَدَ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، قالَ: حَدَّثَنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إياسٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَألَ أهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، وأنْ يُنَحِّيَ عَنْهُمُ الجِبالَ فَيَزْرَعُونَ، فَقِيلَ لَهُ: إنْ شِئْتَ أنْ تَسْتَأْنِيَ بِهِمْ لَعَلَّنا نَجْتَبِي مِنهم، وإنْ شِئْتَ أنْ تُؤْتِيَهُمُ الَّذِي سَألُوا فَإنْ كَفَرُوا أُهْلِكُوا كَما أُهْلِكَ مَن قَبْلَهم. قالَ: ”لا، بَلْ أسْتَأْنِي بِهِمْ“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما مَنَعَنا أن نُّرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أن كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ .
ورَوَيْنا قَوْلَ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] .
الإسراء 17:60
أخْبَرَنا إسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أحْمَدَ الواعِظُ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفَقِيهُ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ القَطّانُ، قالَ: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَزِينٍ، قالَ: حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ عَبّادِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الزَّقُّومَ في القُرْآنِ خَوَّفَ بِهِ هَذا الحَيَّ مِن قُرَيْشٍ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ تَدْرُونَ ما هَذا الزَّقُّومُ الَّذِي يُخَوِّفُكم بِهِ مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: لا. قالَ: الثَّرِيدُ بِالزُّبْدِ، أما واللَّهِ لَئِنْ أمْكَنَنا مِنها لَنَتَزَقَّمَنَّها تَزَقُّمًا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ . يَقُولُ: المَذْمُومَةَ. ﴿ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ .
الإسراء 17:73
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإن كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في وفْدِ ثَقِيفٍ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألُوا شَطَطًا وقالُوا: مَتِّعْنا بِاللّاتِ سَنَةً، وحَرِّمْ وادِيَنا كَما حَرَّمْتَ مَكَّةَ شَجَرَها وطَيْرَها ووَحْشَها. فَأبى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُجِبْهم، فَأقْبَلُوا يُكَرِّرُونَ مَسْألَتَهم، وقالُوا: إنّا نُحِبُّ أنْ تَعْرِفَ العَرَبُ فَضْلَنا عَلَيْهِمْ، فَإنْ كَرِهْتَ ما نَقُولُ وخَشِيتَ أنْ تَقُولَ العَرَبُ: أعْطَيْتَهم ما لَمْ تُعْطِنا. فَقُلِ: اللَّهُ أمَرَنِي بِذَلِكَ. فَأمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهم، وداخَلَهُمُ الطَّمَعُ، فَصاحَ عَلَيْهِمْ عُمَرُ: أما تَرَوْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمْسَكَ عَنْ جَوابِكم كَراهِيَةً لِما تَجِيئُونَ بِهِ ؟ وقَدْ هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُعْطِيَهم ذَلِكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قالَ المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لا نَكُفُّ عَنْكَ إلّا بِأنْ تُلِمَّ بِآلِهَتِنا ولَوْ بِطَرَفِ أصابِعِكَ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”ما عَلَيَّ لَوْ فَعَلْتُ واللَّهُ يَعْلَمُ أنِّي كارِهٌ“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وإن كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿نَصِيرًا﴾ .
وقالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ قُرَيْشًا خَلَوْا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذاتَ لَيْلَةٍ إلى الصُّبْحِ، يُكَلِّمُونَهُ ويُفَخِّمُونَهُ ويُسَوِّدُونَهُ ويُقارِبُونَهُ، وقالُوا: إنَّكَ تَأْتِي بِشَيْءٍ لا يَأْتِي بِهِ أحَدٌ مِنَ النّاسِ، وأنْتَ سَيِّدُنا وابْنُ سَيِّدِنا. فَما زالُوا بِهِ حَتّى كادَ يُقارِبُهم في بَعْضِ ما يُرِيدُونَ، ثُمَّ عَصَمَهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
الإسراء 17:76
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإن كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَسَدَتِ اليَهُودُ مَقامَ النَّبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ، فَقالُوا: إنَّ الأنْبِياءَ إنَّما بُعِثُوا بِالشّامِ، فَإنْ كُنْتَ نَبِيًّا فالحَقْ بِها، فَإنَّكَ إنْ خَرَجْتَ إلَيْها صَدَّقْناكَ وآمَنّا بِكَ. فَوَقَعَ ذَلِكَ في قَلْبِهِ لِما يُحِبُّ مِن إسْلامِهِمْ، فَرَحَلَ مِنَ المَدِينَةِ عَلى مُرَحَّلَةٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ: إنَّ اليَهُودَ أتَوْا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا أنَّكَ نَبِيُّ اللَّهِ فالحَقْ بِالشّامِ؛ فَإنَّ الشّامَ أرْضُ المَحْشَرِ والمَنشَرِ، وأرْضُ الأنْبِياءِ. فَصَدَّقَ ما قالُوا، وغَزا غَزْوَةَ تَبُوكَ لا يُرِيدُ بِذَلِكَ إلّا الشّامَ، فَلَمّا بَلَغَ تَبُوكَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإن كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ .
وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ: هَمَّ أهْلُ مَكَّةَ بِإخْراجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن مَكَّةَ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالخُرُوجِ، وأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ إخْبارًا عَمّا هَمُّوا بِهِ.
الإسراء 17:80
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وقُل رَّبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ قالَ الحَسَنُ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ لَمّا أرادُوا أنْ يُوثِقُوا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ويُخْرِجُوهُ مِن مَكَّةَ أرادَ اللَّهُ تَعالى بَقاءَ أهْلِ مَكَّةَ، وأمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَخْرُجَ مُهاجِرًا إلى المَدِينَةِ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿وقُل رَّبِّ أدْخِلْنِي﴾ .
الإسراء 17:85
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّحْوِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ بْنِ العَبّاسِ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو لَبِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، قالَ: حَدَّثَنا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ إبْراهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: إنِّي لَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حَرْثٍ بِالمَدِينَةِ وهو مُتَّكِئٌ عَلى عَسِيبٍ، فَمَرَّ بِنا ناسٌ مِنَ اليَهُودِ، فَقالُوا: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ. فَقالَ بَعْضُهم: لا تَسْألُوهُ فَيَسْتَقْبِلَكم بِما تَكْرَهُونَ. فَأتاهُ نَفَرٌ مِنهم فَقالُوا لَهُ: يا أبا القاسِمِ، ما تَقُولُ في الرُّوحِ ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قامَ فَأمْسَكَ بِيَدِهِ عَلى جَبْهَتِهِ، فَعَرَفْتُ أنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ .
رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ جَمِيعًا عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ غِياثٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ الأعْمَشِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قالَتْ قُرَيْشٌ لِلْيَهُودِ: أعْطُونا شَيْئًا نَسْألُ عَنْهُ هَذا الرَّجُلَ. فَقالُوا: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وقالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ اليَهُودَ اجْتَمَعُوا، فَقالُوا لِقُرَيْشٍ حِينَ سَألُوهم عَنْ شَأْنِ مُحَمَّدٍ وحالِهِ: سَلُوا مُحَمَّدًا عَنِ الرُّوحِ، وعَنْ فِتْيَةٍ فُقِدُوا في أوَّلِ الزَّمانِ، وعَنْ رَجُلٍ بَلَغَ شَرْقَ الأرْضِ وغَرْبَها، فَإنْ أجابَ في ذَلِكَ كُلِّهِ فَلَيْسَ بِنَبِيٍّ، وإنْ لَمْ يُجِبْ في ذَلِكَ كُلِّهِ فَلَيْسَ بِنَبِيٍّ، وإنْ أجابَ في بَعْضِ ذَلِكَ وأمْسَكَ عَنْ بَعْضِهِ فَهو نَبِيٌّ. فَسَألُوهُ عَنْها، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في شَأْنِ الفِتْيَةِ: ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾ [الكهف: ٩] . إلى آخِرِ القِصَّةِ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في الرَّجُلِ الَّذِي بَلَغَ شَرْقَ الأرْضِ وغَرْبَها: ﴿ويَسْألُونَكَ عَن ذِي القَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٣] . إلى آخِرِ القِصَّةِ، وأنْزَلَ في الرُّوحِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ .
الإسراء 17:90
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وقالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنبُوعًا﴾ رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ عُتْبَةَ، وشَيْبَةَ، وأبا سُفْيانَ، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، وأبا البَخْتَرِيِّ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وأبا جَهْلٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ، وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، ورُؤَساءَ قُرَيْشٍ؛ اجْتَمَعُوا عِنْدَ ظَهْرِ الكَعْبَةِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ابْعَثُوا إلى مُحَمَّدٍ وكَلِّمُوهُ وخاصِمُوهُ حَتّى تُعْذَرُوا فِيهِ. فَبَعَثُوا إلَيْهِ أنَّ أشْرافَ قَوْمِكَ قَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ لِيُكَلِّمُوكَ، فَجاءَهم سَرِيعًا - وهو يَظُنُّ أنَّهُ بَدا لَهم في أمْرِهِ بَداءٌ، وكانَ عَلَيْهِمْ حَرِيصًا يُحِبُّ رُشْدَهم، ويَعِزُّ عَلَيْهِ عَنَتُهم - حَتّى جَلَسَ إلَيْهِمْ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، إنّا واللَّهِ لا نَعْلَمُ رَجُلًا مِنَ العَرَبِ أدْخَلَ عَلى قَوْمِهِ ما أدْخَلْتَ عَلى قَوْمِكَ، لَقَدْ شَتَمْتَ الآباءَ، وعِبْتَ الدِّينَ، وسَفَّهْتَ الأحْلامَ، وشَتَمْتَ الآلِهَةَ، وفَرَّقْتَ الجَماعَةَ، وما بَقِيَ أمْرٌ قَبِيحٌ إلّا وقَدْ جِئْتَهُ فِيما بَيْنَنا وبَيْنَكَ، فَإنْ كُنْتَ إنَّما جِئْتَ بِهَذا لِتَطْلُبَ بِهِ مالًا جَمَعْنا لَكَ مِن أمْوالِنا ما تَكُونُ بِهِ أكْثَرَنا مالًا، وإنْ كُنْتَ إنَّما تَطْلُبُ بِهِ الشَّرَفَ فِينا سَوَّدْناكَ عَلَيْنا، وإنْ كُنْتَ تُرِيدُ مُلْكًا مَلَّكْناكَ عَلَيْنا، وإنْ كانَ هَذا الرَّئِيُّ الَّذِي يَأْتِيكَ تَراهُ قَدْ غَلَبَ عَلَيْكَ - وكانُوا يُسَمُّونَ التّابِعَ مِنَ الجِنِّ الرَّئِيَّ - بَذَلْنا أمْوالَنا في طَلَبِ الطِّبِّ لَكَ حَتّى نُبْرِئَكَ مِنهُ أوْ نُعْذَرَ فِيكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ما بِي ما تَقُولُونَ، ما جِئْتُكم بِما جِئْتُكم بِهِ لِطَلَبِ أمْوالِكم، ولا الشَّرَفِ فِيكم، ولا المُلْكِ عَلَيْكم، ولَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بَعَثَنِي إلَيْكم رَسُولًا، وأنْزَلَ عَلَيَّ كِتابًا، وأمَرَنِي أنْ أكُونَ لَكم بَشِيرًا ونَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي، ونَصَحْتُ لَكم، فَإنْ تَقْبَلُوا مِنِّي ما جِئْتُكم بِهِ فَهو حَظُّكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أصْبِرُ لِأمْرِ اللَّهِ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ تَعالى بَيْنِي وبَيْنَكم“ . قالُوا: يا مُحَمَّدُ، فَإنْ كُنْتَ غَيْرَ قابِلٍ مِنّا ما عَرَضْنا عَلَيْكَ فَقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ النّاسِ أحَدٌ أضْيَقَ بِلادًا، ولا أقَلَّ مالًا، ولا أشَدَّ عَيْشًا مِنّا، فَسَلْ لَنا رَبَّكَ الَّذِي بَعَثَكَ بِما بَعَثَكَ فَلْيُسَيِّرْ عَنّا هَذِهِ الجِبالَ الَّتِي قَدْ ضَيَّقَتْ عَلَيْنا، ويَبْسُطْ لَنا بِلادَنا، ويُجْرِ فِيها أنْهارًا كَأنْهارِ الشّامِ والعِراقِ، ولْيَبْعَثْ لَنا مَن مَضى مِن آبائِنا، ولْيَكُنْ مِمَّنْ يَبْعَثُ لَنا مِنهم قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ؛ فَإنَّهُ كانَ شَيْخًا صَدُوقًا، فَنَسْألَهم عَمّا تَقُولُ أحَقٌّ هو أمْ باطِلٌ ؟ فَإنْ صَنَعْتَ ما سَألْناكَ صَدَّقْناكَ، وعَرَفْنا بِهِ مَنزِلَتَكَ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّهُ بَعَثَكَ رَسُولًا كَما تَقُولُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ما بِهَذا بُعِثْتُ، إنَّما جِئْتُكم مِن عِنْدِ اللَّهِ بِما بَعَثَنِي بِهِ، فَقَدْ بَلَّغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم، فَإنْ تَقْبَلُوهُ فَهو حَظُّكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ تَرُدُّوهُ أصْبِرْ لِأمْرِ اللَّهِ“ . قالُوا: فَإنْ لَمْ تَفْعَلْ هَذا فَسَلْ رَبَّكَ أنْ يَبْعَثَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ، وسَلْهُ فَلْيَجْعَلْ لَكَ جِنانًا وكُنُوزًا وقُصُورًا مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ يُغْنِيكَ بِها عَمّا نَراكَ تَبْتَغِي؛ فَإنَّكَ تَقُومُ في الأسْواقِ كَما نَقُومُ، وتَلْتَمِسُ المَعاشَ كَما نَلْتَمِسُهُ، حَتّى نَعْرِفَ فَضْلَكَ ومَنزِلَتَكَ مِن رَبِّكَ إنْ كُنْتَ رَسُولًا كَما تَزْعُمُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ما أنا بِفاعِلٍ، وما أنا بِالَّذِي يَسْألُ رَبَّهُ هَذا، وما بُعِثْتُ إلَيْكم بِهَذا، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَنِي بَشِيرًا ونَذِيرًا“ . قالُوا: فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ كَما زَعَمْتَ أنَّ رَبَّكَ إنْ شاءَ فَعَلَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ذَلِكَ إلى اللَّهِ إنْ شاءَ فَعَلَ“ . فَقالَ قائِلٌ مِنهم: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا. وقامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ - وهو ابْنُ عاتِكَةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ابْنُ عَمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ - فَقالَ: لا أُؤْمِنُ بِكَ أبَدًا حَتّى تَتَّخِذَ إلى السَّماءِ سُلَّمًا وتَرْقى فِيهِ وأنا أنْظُرُ، حَتّى تَأْتِيَها وتَأْتِيَ بِنُسْخَةٍ مَنشُورَةٍ مَعَكَ، ونَفَرٍ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ أنَّكَ كَما تَقُولُ. فانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أهْلِهِ حَزِينًا لِما فاتَهُ مِن مُتابَعَةِ قَوْمِهِ، ولِما رَأى مِن مُباعَدَتِهِمْ عَنْهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنبُوعًا﴾ .
أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَلِيِّ بْنُ أبِي بَكْرٍ الفَقِيهُ، قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ الجُنَيْدِ، قالَ: حَدَّثَنا زِيادُ بْنُ أيُّوبَ، قالَ: حَدَّثَنا هُشَيْمٌ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قُلْتُ لَهُ: قَوْلُهُ: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنبُوعًا﴾ . أُنْزِلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ ؟ قالَ: زَعَمُوا ذَلِكَ.
الإسراء 17:110
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَهَجَّدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ لَيْلَةٍ بِمَكَّةَ، فَجَعَلَ يَقُولُ في سُجُودِهِ: ”يا رَحْمَنُ يا رَحِيمُ“ . فَقالَ المُشْرِكُونَ: كانَ مُحَمَّدٌ يَدْعُو إلَهًا واحِدًا، فَهو الآنَ يَدْعُو إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ: اللَّهَ والرَّحْمَنَ، ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا رَحْمَنَ اليَمامَةِ - يَعْنُونَ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ - فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْتُبُ في أوَّلِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ. حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنِّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] . فَكَتَبَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَقالَ مُشْرِكُو العَرَبِ: هَذا الرَّحِيمُ نَعْرِفُهُ، فَما الرَّحْمَنُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ الضَّحّاكُ: قالَ أهْلُ الكِتابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ لَتُقِلُّ ذِكْرَ الرَّحْمَنِ، وقَدْ أكْثَرَ اللَّهُ في التَّوْراةِ هَذا الِاسْمَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا والِدِي، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ الثَّقَفِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ وأحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، قالا: حَدَّثَنا هُشَيْمٌ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها﴾ . قالَ: نَزَلَتْ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ، وكانُوا إذا سَمِعُوا القُرْآنَ سَبُّوا القُرْآنَ ومَن أنْزَلَهُ ومَن جاءَ بِهِ، فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ . أيْ بِقِراءَتِكَ فَيَسْمَعَ المُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا القُرْآنَ. ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ . عَنْ أصْحابِكَ فَلا يَسْمَعُوا. ﴿وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ .
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ مُسَدَّدٍ، ورَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَمْرٍو النّاقِدِ، كِلاهُما عَنْ هُشَيْمٍ.
وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في التَّشَهُّدِ، كانَ الأعْرابِيُّ يَجْهَرُ فَيَقُولُ: التَّحِيّاتُ لِلَّهِ والصَّلَواتُ الطَّيِّباتُ. يَرْفَعُ بِها صَوْتَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ: كانَ أعْرابٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ إذا سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ مِن صَلاتِهِ قالُوا: اللَّهُمَّ ارْزُقْنا مالًا ووَلَدًا. ويَجْهَرُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَلِيٍّ الفَقِيهُ، قالَ: أخْبَرَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُبَشِّرٍ الواسِطِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو مَرْوانَ يَحْيى بْنُ أبِي زَكَرِيّا الغَسّانِيُّ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها﴾ . قالَتْ: إنَّما نَزَلَتْ في الدُّعاءِ.
الكهف 18:28
حَدَّثَنا القاضِي أبُو بَكْرٍ أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ الحِيرِيُّ إمْلاءً في دارِ السُّنَّةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلاةِ في شُهُورِ سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ وأرْبَعِمِائَةٍ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عِيسى بْنِ عَبْدُويَهْ الحِيرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ البُوشَنْجِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مُسَرَّحٍ الحَرّانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ عَطاءٍ الخُراسانِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الجُهَنِيِّ، عَنْ عَمِّهِ أبِي مَشْجَعَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الجُهَنِيِّ، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: جاءَتِ المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، والأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ، وذَوُوهم، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّكَ لَوْ جَلَسْتَ في صَدْرِ المَجْلِسِ ونَحَّيْتَ عَنّا هَؤُلاءِ وأرْواحَ جِبابِهِمْ - يَعْنُونَ سَلْمانَ وأبا ذَرٍّ وفُقَراءَ المُسْلِمِينَ، وكانَتْ عَلَيْهِمْ جِبابُ الصُّوفِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ غَيْرُها - جَلَسْنا إلَيْكَ وحادَثْناكَ وأخَذْنا عَنْكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ولَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧) واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ (٢٨)) . حَتّى بَلَغَ: ( إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وإن يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ . يَتَهَدَّدُهم بِالنّارِ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْتَمِسُهم، حَتّى إذا أصابَهم في مُؤَخَّرِ المَسْجِدِ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قالَ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتّى أمَرَنِي أنْ أصْبِرَ نَفْسِي مَعَ رِجالٍ مِن أُمَّتِي، مَعَكُمُ المَحْيا ومَعَكُمُ المَماتَ“ .
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ الحارِثِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الشَّيْخِ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى الرّازِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ عُثْمانَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو مالِكٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنا﴾ . قالَ: نَزَلَتْ في أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الجُمَحِيِّ؛ وذَلِكَ أنَّهُ دَعا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلى أمْرٍ كَرِهَهُ مِن طَرْدِ الفُقَراءِ عَنْهُ، وتَقْرِيبِ صَنادِيدِ أهْلِ مَكَّةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنا﴾ يَعْنِي مَن خَتَمْنا عَلى قَلْبِهِ عَنِ التَّوْحِيدِ، ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ.
الكهف 18:83
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَن ذِي القَرْنَيْنِ﴾ قالَ قَتادَةُ: إنَّ اليَهُودَ سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ.
الكهف 18:109
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُل لَّوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِّكَلِماتِ رَبِّي﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَتِ اليَهُودُ لَمّا قالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: ”﴿وما أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]“ . كَيْفَ وقَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ، ومَن أُوتِيَ التَّوْراةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿قُل لَّوْ كانَ البَحْرُ﴾ .
الكهف 18:110
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في جُنْدُبِ بْنِ زُهَيْرٍ العامِرِيِّ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: إنِّي أعْمَلُ العَمَلَ لِلَّهِ، فَإذا اطُّلِعَ عَلَيْهِ سَرَّنِي. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنَّ اللَّهَ تَعالى طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلّا الطَّيِّبَ، ولا يَقْبَلُ ما شُورِكَ فِيهِ“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ طاوُسٌ: قالَ رَجُلٌ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنِّي أُحِبُّ الجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ، وأُحِبُّ أنْ يُرى مَكانِي. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: إنِّي أتَصَدَّقُ وأصِلُ الرَّحِمَ، ولا أصْنَعُ ذَلِكَ إلّا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَيُذْكَرُ ذَلِكَ مِنِّي وأُحْمَدُ عَلَيْهِ، فَيَسُرُّنِي ذَلِكَ وأُعْجَبُ بِهِ. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَقُلْ شَيْئًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ .
مريم 19:64
أخْبَرَنا إسْماعِيلُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمُّويَهْ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الشّاشِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا إسْحاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ الرَّسْعَنِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا جَدِّي، قالَ: حَدَّثَنا المُغِيرَةُ، قالَ: حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”يا جِبْرِيلُ، ما يَمْنَعُكَ أنْ تَزُورَنا أكْثَرَ مِمّا تَزُورُنا ؟“ . قالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ . الآيَةَ كُلَّها. قالَ: كانَ هَذا الجَوابَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ .
رَواهُ البُخارِيُّ، عَنْ أبِي نُعَيْمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ.
وقالَ مُجاهِدٌ: أبْطَأ المَلَكُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ أتاهُ فَقالَ: لَعَلِّي أبْطَأْتُ. قالَ: ”قَدْ فَعَلْتَ“ . قالَ: ولِمَ لا أفْعَلُ وأنْتُمْ لا تَتَسَوَّكُونَ، ولا تَقُصُّونَ أظْفارَكم، ولا تُنَقُّونَ بَراجِمَكم ؟ قالَ: ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ . قالَ مُجاهِدٌ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: احْتَبَسَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَألَهُ قَوْمُهُ عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وذِي القَرْنَيْنِ والرُّوحِ، فَلَمْ يَدْرِ ما يُجِيبُهم، ورَجا أنْ يَأْتِيَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجَوابِ ما سَألُوهُ، فَأبْطَأ عَلَيْهِ، فَشَقَّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَشَقَّةً شَدِيدَةً، فَلَمّا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ: ”أبْطَأْتَ عَلَيَّ حَتّى ساءَ ظَنِّي واشْتَقْتُ إلَيْكَ“ . فَقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنِّي كُنْتُ أشْوَقَ، ولَكِنِّي عَبْدٌ مَأْمُورٌ؛ إذا بُعِثْتُ نَزَلْتُ، وإذا حُبِسْتُ احْتَبَسْتُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ .
مريم 19:66
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ويَقُولُ الإنسانُ أئِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ . الآياتِ. قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ حِينَ أخَذَ عِظامًا بالِيَةً يَفُتُّها بِيَدِهِ ويَقُولُ: زَعَمَ لَكم مُحَمَّدٌ أنّا نُبْعَثُ بَعْدَما نَمُوتُ.
مريم 19:77
أخْبَرَنا أبُو إسْحاقَ الثَّعالِبِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حامِدٍ، قالَ: أخْبَرَنا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدانَ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هاشِمٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُعاوِيَةَ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أبِي الضُّحى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ قالَ: كانَ لِي دَيْنٌ عَلى العاصِ بْنِ وائِلٍ، فَأتَيْتُهُ أتَقاضاهُ، فَقالَ: لا واللَّهِ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. قُلْتُ: لا واللَّهِ لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ. قالَ: فَإنِّي إذا مِتُّ ثُمَّ بُعِثْتُ جِئْتَنِي، وسَيَكُونُ لِي ثَمَّ مالٌ ووَلَدٌ فَأُعْطِيكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
أخْبَرَنا أبُو نَصْرٍ أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزّاهِدُ، قالَ: أخْبَرَنا البَغَوِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو خَيْثَمَةَ وعَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، قالا: حَدَّثَنا وكِيعٌ، قالَ: حَدَّثَنا الأعْمَشُ، عَنْ أبِي الضُّحى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ خَبّابٍ قالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا، وكانَ لِي عَلى العاصِ بْنِ وائِلٍ دَيْنٌ، فَأتَيْتُهُ أتَقاضاهُ، فَقالَ لِي: لا أقْضِيكَ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. فَقُلْتُ: لَنْ أكْفُرَ بِهِ حَتّى تَمُوتَ وتُبْعَثَ. فَقالَ: وإنِّي لَمَبْعُوثٌ بَعْدَ المَوْتِ ؟ فَسَوْفَ أقْضِيكَ إذا رَجَعْتُ إلى مالِي. قالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِ: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ .
رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ الحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيانَ. ورَواهُ مُسْلِمٌ عَنِ الأشْجَعِ، عَنْ وكِيعٍ، كِلاهُما عَنِ الأعْمَشِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: كانَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ قَيْنًا، وكانَ يَعْمَلُ لِلْعاصِ بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ، وكانَ العاصُ يُؤَخِّرُ حَقَّهُ، فَأتاهُ يَتَقاضاهُ، فَقالَ العاصُ: ما عِنْدِي اليَوْمَ ما أقْضِيكَ. فَقالَ خَبّابٌ: لَسْتُ بِمُفارِقِكَ حَتّى تَقْضِيَنِي. فَقالَ العاصُ: يا خَبّابُ، ما لَكَ ؟ ما كُنْتَ هَكَذا، وإنَّكَ كُنْتَ حَسَنَ الطَّلَبِ ؟ فَقالَ خَبّابٌ: ذاكَ أنِّي كُنْتُ عَلى دِينِكَ، فَأمّا اليَوْمَ فَأنا عَلى دِينِ الإسْلامِ مُفارِقٌ لِدِينِكَ. قالَ: أفَلَسْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّ في الجَنَّةِ ذَهَبًا وفِضَّةً وحَرِيرًا ؟ قالَ خَبّابٌ: بَلى. قالَ: فَأخِّرْنِي حَتّى أقْضِيَكَ في الجَنَّةِ - اسْتِهْزاءً - فَواللَّهِ لَئِنْ كانَ ما تَقُولُ حَقًّا إنِّي لَأفْضَلُ فِيها نَصِيبًا مِنكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ . يَعْنِي العاصَ. الآياتِ.
طه 20:2
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما أنزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: قالَ أبُو جَهْلٍ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّكَ لَشَقِيٌّ بِتَرْكِ دِينِنا. وذَلِكَ لِما رَأوْا مِن طُولِ عِبادَتِهِ وشِدَّةِ اجْتِهادِهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ الحارِثِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الشَّيْخِ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا العَسْكَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو مالِكٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: لَمّا نَزَلَ القُرْآنُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قامَ هو وأصْحابُهُ فَصَلَّوْا، فَقالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ: ما نَزَلَ هَذا القُرْآنُ عَلى مُحَمَّدٍ إلّا لِيَشْقى بِهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿طه﴾ [طه: ١] . يَقُولُ: يا رَجُلُ: ﴿ما أنزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ .
طه 20:131
أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ البَيْهَقِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدانَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو الأزْهَرِ، قالَ: حَدَّثَنا رَوْحٌ، عَنْ مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيِّ قالَ: أخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ أبِي رافِعٍ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّ ضَيْفًا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَدَعانِي فَأرْسَلَنِي إلى رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ يَبِيعُ طَعامًا: يَقُولُ لَكَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّهُ نَزَلَ بِنا ضَيْفٌ، ولَمْ يَكُنْ عِنْدَنا بَعْضُ الَّذِي يُصْلِحُهُ، فَبِعْنِي كَذا وكَذا مِنَ الدَّقِيقِ، أوْ أسْلِفْنِي إلى هِلالِ رَجَبٍ. فَقالَ اليَهُودِيُّ: لا أبِيعُهُ ولا أُسْلِفُهُ إلّا بِرَهْنٍ. قالَ: فَرَجَعْتُ إلَيْهِ فَأخْبَرْتُهُ، فَقالَ: ”واللَّهِ إنِّي لَأمِينٌ في السَّماءِ، أمِينٌ في الأرْضِ، ولَوْ أسْلَفَنِي أوْ باعَنِي لَأدَّيْتُ إلَيْهِ، اذْهَبْ بِدِرْعِي“ . ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَعْزِيَةً لَهُ عَنِ الدُّنْيا: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِّنْهُمْ﴾ .
الأنبياء 21:101
أخْبَرَنا عُمَرُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الماوَرْدِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الرّازِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ أيُّوبَ، قالَ: أخْبَرَنا عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ آدَمَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ، عَنْ عاصِمٍ قالَ: أخْبَرَنِي أبُو رَزِينٍ، عَنْ أبِي يَحْيى، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: آيَةٌ لا يَسْألُنِي عَنْها النّاسُ، لا أدْرِي أعَرَفُوها فَلَمْ يَسْألُوا عَنْها، أوْ جَهِلُوها فَلا يَسْألُونَ عَنْها ؟ قِيلَ لَهُ: وما هي ؟ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] . شَقَّ عَلى قُرَيْشٍ، فَقالُوا: يَشْتُمُ آلِهَتَنا ؟ فَجاءَ ابْنُ الزِّبَعْرى فَقالَ: ما لَكم ؟ قالُوا: يَشْتُمُ آلِهَتَنا. قالَ: فَما يَقُولُ ؟ قالُوا: قالَ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] . قالَ: ادْعُوهُ لِي. فَلَمّا دُعِيَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ: يا مُحَمَّدُ، هَذا شَيْءٌ لِآلِهَتِنا خاصَّةً أوْ لِكُلِّ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ ؟ قالَ: ”بَلْ لِكُلِّ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ“ . فَقالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: خُصِمْتَ ورَبِّ هَذِهِ البَنِيَّةِ – يَعْنِي الكَعْبَةَ - ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ المَلائِكَةَ عِبادٌ صالِحُونَ، وأنَّ عِيسى عَبْدٌ صالِحٌ، وأنَّ عُزَيْرًا عَبْدٌ صالِحٌ ؟ فَهَذِهِ بَنُو مَلِيحٍ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، وهَذِهِ النَّصارى يَعْبُدُونَ عِيسى، وهَذِهِ اليَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا. قالَ: فَضَجَّ أهْلُ مَكَّةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنّا الحُسْنى﴾ . المَلائِكَةُ وعِيسى وعُزَيْرٌ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ .
الحج 22:11
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في أعْرابٍ كانُوا يَقْدَمُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ مُهاجِرِينَ مِن بادِيَتِهِمْ، وكانَ أحَدُهم إذا قَدِمَ المَدِينَةَ فَإنْ صَحَّ بِها جِسْمُهُ ونُتِجَتْ فَرَسُهُ مُهْرًا حَسَنًا، ووَلَدَتِ امْرَأتُهُ غُلامًا، وكَثُرَ مالُهُ وماشِيَتُهُ رَضِيَ عَنْهُ واطْمَأنَّ، وقالَ: ما أصَبْتُ مُنْذُ دَخَلْتُ في دِينِي هَذا إلّا خَيْرًا. وإنْ أصابَهُ وجَعُ المَدِينَةِ ووَلَدَتِ امْرَأتُهُ جارِيَةً، وأجْهَضَتْ رِماكُهُ، وذَهَبَ مالُهُ، وتَأخَّرَتْ عَنْهُ الصَّدَقَةُ أتاهُ الشَّيْطانُ فَقالَ: واللَّهِ ما أصَبْتَ مُنْذُ كُنْتَ عَلى دِينِكَ هَذا إلّا شَرًّا. فَيَنْقَلِبُ عَنْ دِينِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ .
ورَوى عَطِيَّةُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: أسْلَمَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ، فَذَهَبَ بَصَرُهُ ومالُهُ ووَلَدُهُ، وتَشاءَمَ بِالإسْلامِ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: أقِلْنِي. قالَ: ”إنَّ الإسْلامَ لا يُقالُ“ . فَقالَ: إنِّي لَمْ أُصِبْ في دِينِي هَذا خَيْرًا، ذَهَبَ بَصَرِي ومالِي ووَلَدِي. فَقالَ: ”يا يَهُودِيُّ، إنَّ الإسْلامَ لَيَسْبِكُ الرِّجالَ كَما تَسْبِكُ النّارُ خَبَثَ الحَدِيدِ والفِضَّةِ والذَّهَبِ“ . قالَ: ونَزَلَتْ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ .
الحج 22:19
أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ المُزَكِّي، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ الحَسَنِ بْنِ يُوسُفَ، قالَ: حَدَّثَنا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ القاضِي، قالَ: حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، قالَ: أخْبَرَنا شُعْبَةُ، عَنْ أبِي هاشِمٍ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبادٍ قالَ: سَمِعْتُ أبا ذَرٍّ يَقُولُ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ . في هَؤُلاءِ السِّتَّةِ: حَمْزَةَ، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وعُبَيْدَةَ، وعُتْبَةَ، وشَيْبَةَ، والوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ.
رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ حَجّاجِ بْنِ مِنهالٍ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ أبِي هاشِمٍ.
أخْبَرَنا أبُو بَكْرِ بْنُ الحارِثِ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو الشَّيْخِ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ، قالَ: حَدَّثَنا هِلالُ بْنُ بِشْرٍ، قالَ: حَدَّثَنا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، قالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبادٍ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وفي مُبارَزَتِنا يَوْمَ بَدْرٍ: ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿الحَرِيقِ﴾ [الحج: ٩] .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أهْلُ الكِتابِ، قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: نَحْنُ أوْلى بِاللَّهِ مِنكم، وأقْدَمُ مِنكم كِتابًا، ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم. وقالَ المُؤْمِنُونَ: نَحْنُ أحَقُّ بِاللَّهِ، آمَنّا بِمُحَمَّدٍ، وآمَنّا بِنَبِيِّكم، وبِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ، فَأنْتُمْ تَعْرِفُونَ نَبِيَّنا ثُمَّ تَرَكْتُمُوهُ، وكَفَرْتُمْ بِهِ حَسَدًا. وكانَتْ هَذِهِ خُصُومَتَهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ. وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
الحج 22:39
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ يُؤْذُونَ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلا يَزالُونَ يَجِيئُونَ مِن بَيْنِ مَضْرُوبٍ ومَشْجُوجٍ، فَيَشْكُونَهم إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَيَقُولُ لَهم: ”اصْبِرُوا فَإنِّي لَمْ أُومَرْ بِالقِتالِ“ . حَتّى هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا أُخْرِجَ النَّبِيُّ ﷺ مِن مَكَّةَ قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، لَنَهْلِكَنَّ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ . الآيَةَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: فَعَرَفْتُ أنَّهُ سَيَكُونُ قِتالٌ.
الحج 22:52
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ ولا نَبِيٍّ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا رَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَوَلِّيَ قَوْمِهِ عَنْهُ، وشَقَّ عَلَيْهِ ما رَأى مِن مُباعَدَتِهِمْ عَمّا جاءَهم بِهِ؛ تَمَنّى في نَفْسِهِ أنْ يَأْتِيَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما يُقارِبُ بِهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ، وذَلِكَ لِحِرْصِهِ عَلى إيمانِهِمْ. فَجَلَسَ ذاتَ يَوْمٍ في نادٍ مِن أنْدِيَةِ قُرَيْشٍ كَثِيرٍ أهْلُهُ، وأحَبَّ يَوْمَئِذٍ ألّا يَأْتِيَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ يَنْفِرُوا عَنْهُ، وتَمَنّى ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى سُورَةَ ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾، فَقَرَأها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى بَلَغَ: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى (١٩) ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى (٢٠)) . ألْقى الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ لَمّا كانَ يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ ويَتَمَنّاهُ: ”تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلى، وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى“ . فَلَمّا سَمِعَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ فَرِحُوا، ومَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في قِراءَتِهِ، فَقَرَأ السُّورَةَ كُلَّها، وسَجَدَ في آخِرِ السُّورَةِ، فَسَجَدَ المُسْلِمُونَ بِسُجُودِهِ، وسَجَدَ جَمِيعُ مَن في المَسْجِدِ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَبْقَ في المَسْجِدِ مُؤْمِنٌ ولا كافِرٌ إلّا سَجَدَ، إلّا الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأبُو أُحَيْحَةَ سَعِيدُ بْنُ العاصِ، فَإنَّهُما أخَذا حَفْنَةً مِنَ البَطْحاءِ ورَفَعاها إلى جَبْهَتَيْهِما وسَجَدا عَلَيْها؛ لِأنَّهُما كانا شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَلَمْ يَسْتَطِيعا السُّجُودَ، وتَفَرَّقَتْ قُرَيْشٌ وقَدْ سَرَّهم ما سَمِعُوا، وقالُوا: قَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ آلِهَتَنا بِأحْسَنِ الذِّكْرِ. وقالُوا: قَدْ عَرَفْنا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي ويُمِيتُ، ويَخْلُقُ ويَرْزُقُ، ولَكِنَّ آلِهَتَنا هَذِهِ تَشْفَعُ لَنا عِنْدَهُ، فَإذْ جَعَلَ لَها مُحَمَّدٌ نَصِيبًا فَنَحْنُ مَعَهُ. فَلَمّا أمْسى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ما صَنَعْتَ ؟ تَلَوْتَ عَلى النّاسِ ما لَمْ آتِكَ بِهِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقُلْتَ ما لَمْ أقُلْ لَكَ ؟ فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُزْنًا شَدِيدًا، وخافَ مِنَ اللَّهِ خَوْفًا كَبِيرًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: نَدِمَ مُحَمَّدٌ عَلى ما ذَكَرَ مِن مَنزِلَةِ آلِهَتِنا عِنْدَ اللَّهِ. فازْدادُوا شَرًّا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ.
أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ الحارِثِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَيّانَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى الرّازِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا سَهْلٌ العَسْكَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى، عَنْ عُثْمانَ بْنِ الأسْوَدِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى (١٩) ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى (٢٠)﴾ . فَألْقى الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ: ”تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلى، وشَفاعَتُهُنَّ تُرْتَجى“ . فَفَرِحَ المُشْرِكُونَ بِذَلِكَ، وقالُوا: قَدْ ذَكَرَ آلِهَتَنا. فَجاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: ”اعْرِضْ عَلَيَّ“ . فَلَمّا عَرَضَ عَلَيْهِ قالَ: أمّا هَذا فَلَمْ آتِكَ بِهِ، هَذا مِنَ الشَّيْطانِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ( وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ .
المؤمنون 23:1
أخْبَرَنا القاضِي أبُو بَكْرٍ أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ الحِيرِيُّ إمْلاءً، قالَ: أخْبَرَنا حاجِبُ بْنُ أحْمَدَ الطُّوسِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ حَمّادٍ الأبِيوَرْدِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، قالَ: أخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ سُلَيْمٍ، قالَ: أمْلى عَلَيَّ يُونُسُ الأيْلِيُّ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ القارِيِّ قالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: كانَ إذا أُنْزِلَ الوَحْيُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسْمَعُ عِنْدَ وجْهِهِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، فَمَكَثْنا ساعَةً، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ ورَفَعَ يَدَيْهِ فَقالَ: ”اللَّهُمَّ زِدْنا ولا تَنْقُصْنا، وأكْرِمْنا ولا تُهِنّا، وأعْطِنا ولا تَحْرِمْنا، وآثِرْنا ولا تُؤْثِرْ عَلَيْنا، وأرْضِنا وارْضَ عَنّا“ . ثُمَّ قالَ: ”لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ عَشْرُ آياتٍ مَن أقامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ“ . ثُمَّ قَرَأ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ . إلى عَشْرِ آياتٍ.
رَواهُ الحاكِمُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ في صَحِيحِهِ عَنْ أبِي بَكْرٍ القَطِيعِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّزّاقِ.
المؤمنون 23:2
أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أحْمَدَ العَطّارُ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، قالَ: حَدَّثَنِي أحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ الثَّقَفِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو شُعَيْبٍ الحَرّانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنِي أبِي، قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا صَلّى رَفَعَ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ، فَنَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ .
المؤمنون 23:14
أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الحافِظُ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيّانَ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ، قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ مَنجُوفٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ، عَنْ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وافَقْتُ رَبِّي في أرْبَعٍ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ صَلَّيْنا خَلْفَ المَقامِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَّقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] . وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْتَ عَلى نِسائِكَ حِجابًا؛ فَإنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ والفاجِرُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] . وقُلْتُ لِأزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ: لَتَنْتَهُنَّ أوْ لَيُبْدِلَنَّهُ اللَّهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ، فَنَزَلَتْ: ﴿عَسى رَبُّهُ إن طَلَّقَكُنَّ أن يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] . ونَزَلَتْ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنسانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] . إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ . فَقُلْتُ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ .
المؤمنون 23:76
أخْبَرَنا أبُو القاسِمِ بْنُ عَبْدانَ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الضَّبِّيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو العَبّاسِ السَّيّارِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسى بْنِ حاتِمٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، قالَ: أخْبَرَنا الحُسَيْنُ بْنُ واقِدٍ، قالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ النَّحْوِيُّ، أنَّ عِكْرِمَةَ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: جاءَ أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، أنْشُدُكَ اللَّهَ والرَّحِمَ، لَقَدْ أكَلْنا العِلْهِزَ - يَعْنِي الوَبَرَ بِالدَّمِ - فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهُم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا أتى ثُمامَةُ بْنُ أُثالٍ الحَنَفِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأسْلَمَ وهو أسِيرٌ، فَخَلّى سَبِيلَهُ، فَلَحِقَ بِاليَمامَةِ، فَحالَ بَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ وبَيْنَ المِيرَةِ مِنَ اليَمامَةِ، وأخَذَ اللَّهُ تَعالى قُرَيْشًا بِسِنِي الجَدْبِ حَتّى أكَلُوا العِلْهِزَ، فَجاءَ أبُو سُفْيانَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: أنْشُدُكَ اللَّهَ والرَّحِمَ، ألَيْسَ تَزْعُمُ أنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ؟ قالَ: ”بَلى“ . فَقالَ: قَدْ قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَّيْفِ، والأبْناءَ بِالجُوعِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
النور 24:3
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الزّانِي لا يَنكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: قَدِمَ المُهاجِرُونَ المَدِينَةَ وفِيهِمْ فُقَراءُ لَيْسَتْ لَهم أمْوالٌ، وبِالمَدِينَةِ نِساءٌ بَغايا مُسافِحاتٌ يُكْرِينَ أنْفُسَهُنَّ، وهُنَّ يَوْمَئِذٍ أخْصَبُ أهْلِ المَدِينَةِ، فَرَغِبَ في كَسْبِهِنَّ ناسٌ مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ، فَقالُوا: لَوْ أنّا تَزَوَّجْنا مِنهُنَّ، فِعِشْنِا مَعَهُنَّ إلى أنْ يُغْنِيَنا اللَّهُ تَعالى عَنْهُنَّ. واسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وحُرِّمَ فِيها نِكاحُ الزّانِيَةِ صِيانَةً لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في نِساءٍ بَغايا مُتَعالِناتٍ بِمَكَّةَ والمَدِينَةِ، وكُنَّ كَثِيراتٍ، ومِنهُنَّ تِسْعُ صَواحِبِ راياتٍ، لَهُنَّ راياتٌ كَراياتِ البَيْطارِ يُعْرَفْنَ بِها: أُمُّ مَهْزُولٍ جارِيَةُ السّائِبِ بْنِ أبِي السّائِبِ المَخْزُومِيِّ، وأُمُّ عِلْيَطٍ جارِيَةُ صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وحَنَّةُ القِبْطِيَّةُ جارِيَةُ العاصِ بْنِ وائِلٍ، ومزنةُ جارِيَةُ ابْنِ مالِكِ بْنِ عُمَيْلَةَ بْنِ السَّبّاقِ، وجلالةُ جارِيَةُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وأُمُّ سُوَيْدٍ جارِيَةُ عَمْرِو بْنِ عُثْمانَ المَخْزُومِيِّ، وشريفةُ جارِيَةُ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، وفرسةُ جارِيَةُ هِشامِ بْنِ رَبِيعَةَ، وفَرْتَنا جارِيَةُ هِلالِ بْنِ أنَسٍ، وكانَتْ بُيُوتُهُنَّ تُسَمّى المَواخِيرَ في الجاهِلِيَّةِ، لا يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ ولا يَأْتِيهِنَّ إلّا زانٍ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، أوْ مُشْرِكٌ مِن أهْلِ الأوْثانِ، فَأرادَ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ نِكاحَهُنَّ لِيَتَّخِذُوهُنَّ مَأْكَلَةً، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، ونَهى المُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ، وحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ.
أخْبَرَنا أبُو صالِحٍ مَنصُورُ بْنُ عَبْدِ الوَهّابِ البَزّازُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدانَ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الجَبّارِ، قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قالَ: حَدَّثَنا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ الحَضْرَمِيِّ، عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أنَّ امْرَأةً كانَ يُقالُ لَها: أُمُّ مَهْزُولٍ، كانَتْ تُسافِحُ، وكانَتْ تَشْتَرِطُ لِلَّذِي يَتَزَوَّجُها أنْ تَكْفِيَهُ النَّفَقَةَ، وأنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَها، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿والزّانِيَةُ لا يَنكِحُها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ﴾ .
النور 24:6
أخْبَرَنا أبُو عُثْمانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المُؤَذِّنُ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الحِيرِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا الحَسَنُ بْنُ سُفْيانَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ هارُونَ، قالَ: حَدَّثَنا عَبّادُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ [النور: ٤] . إلى قَوْلِهِ: ﴿الفاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] . قالَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ - وهو سَيِّدُ الأنْصارِ -: أهَكَذا أُنْزِلَتْ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ألا تَسْمَعُونَ يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إلى ما يَقُولُ سَيِّدُكم ؟“ . قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّهُ رَجُلٌ غَيُورٌ، واللَّهِ ما تَزَوَّجَ امْرَأةً قَطُّ إلّا بِكْرًا، وما طَلَّقَ امْرَأةً قَطُّ فاجْتَرَأ رَجُلٌ مِنّا عَلى أنْ يَتَزَوَّجَها، مِن شِدَّةِ غَيْرَتِهِ. فَقالَ سَعْدٌ: واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَأعْلَمُ أنَّها حَقٌّ، وأنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولَكِنْ قَدْ تَعَجَّبْتُ أنْ لَوْ وجَدْتُ لَكاعِ قَدْ تَفَخَّذَها رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ لِي أنْ أهِيجَهُ ولا أُحَرِّكَهُ حَتّى آتِيَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ، فَواللَّهِ إنِّي لا آتِي بِهِمْ حَتّى يَقْضِيَ حاجَتَهُ. قالَ: فَما لَبِثُوا إلّا يَسِيرًا حَتّى جاءَ هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ مِن أرْضِهِ عَشِيًّا فَوَجَدَ عِنْدَ أهْلِهِ رَجُلًا، فَرَأى بِعَيْنِهِ وسَمِعَ بِأُذُنِهِ فَلَمْ يَهِجْهُ حَتّى أصْبَحَ، فَغَدا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي جِئْتُ أهْلِي عَشِيًّا فَوَجَدْتُ عِنْدَها رَجُلًا، فَرَأيْتُ بِعَيْنِي، وسَمِعْتُ بِأُذُنِي. فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما جاءَ بِهِ، واشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَقالَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ: الآنَ يَضْرِبُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ، ويُبْطِلُ شَهادَتَهُ في المُسْلِمِينَ. فَقالَ هِلالٌ: واللَّهِ إنِّي لَأرْجُو أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِي مِنها مَخْرَجًا. فَقالَ هِلالٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي قَدْ أرى ما قَدِ اشْتَدَّ عَلَيْكَ مِمّا جِئْتُكَ بِهِ، واللَّهُ يَعْلَمُ إنِّي لَصادِقٌ. فَواللَّهِ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ أنْ يَأْمُرَ بِضَرْبِهِ إذْ نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، وكانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ عَرَفُوا ذَلِكَ في تَرَبُّدِ جِلْدِهِ، فَأمْسَكُوا عَنْهُ حَتّى فَرَغَ مِنَ الوَحْيِ، فَنَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُن لَّهم شُهَداءُ إلّا أنفُسُهُمْ﴾ . الآياتِ كُلَّها، فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: ”أبْشِرْ يا هِلالُ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكَ فَرَجًا ومَخْرَجًا“ . فَقالَ هِلالٌ: قَدْ كُنْتُ أرْجُو ذَلِكَ مِن رَبِّي. وذَكَرَ باقِيَ الحَدِيثِ.
أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الفَقِيهُ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سِنانٍ المُقْرِئُ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ المُثَنّى، قالَ: حَدَّثَنا أبُو خَيْثَمَةَ، قالَ: حَدَّثَنا جَرِيرٌ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ إبْراهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: إنّا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ في المَسْجِدِ إذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ فَقالَ: لَوْ أنَّ رَجُلًا وجَدَ مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا فَإنْ تَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، وإنْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ، وإنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلى غَيْظٍ، واللَّهِ لَأسْألَنَّ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألَهُ، فَقالَ: لَوْ أنَّ رَجُلًا وجَدَ مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا فَتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، وإنْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ، وإنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلى غَيْظٍ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اللَّهُمَّ افْتَحْ“ . وجَعَلَ يَدْعُو، فَنَزَلَتْ آيَةُ اللِّعانِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُن لَّهم شُهَداءُ إلّا أنفُسُهُمْ﴾ . فابْتُلِيَ بِهِ الرَّجُلُ مِن بَيْنِ النّاسِ، فَجاءَ هو وامْرَأتُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَلاعَنا، فَشَهِدَ الرَّجُلُ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ، ثُمَّ لَعَنَ الخامِسَةَ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ. فَذَهَبَتْ لِتَلْتَعِنَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”مَهْ“ . فَلَعَنَتْ. فَلَمّا أدْبَرَتْ قالَ: ”لَعَلَّها أنْ تَجِيءَ بِهِ أسْوَدَ جَعْدًا“ . فَجاءَتْ بِهِ أسْوَدَ جَعْدًا.
رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي خَيْثَمَةَ.
النور 24:11
أخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ المُقْرِئُ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ المُقْرِئُ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو يَعْلى، قالَ: حَدَّثَنا أبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرانِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمانَ المَدَنِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وعَلْقَمَةَ بْنِ وقّاصٍ وعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قالَ فِيها أهْلُ الإفْكِ ما قالُوا، فَبَرَّأها اللَّهُ تَعالى مِنهُ. قالَ الزُّهْرِيُّ: وكُلُّهم حَدَّثَنِي طائِفَةً مِن حَدِيثِها، وبَعْضُهم كانَ أوْعى لِحَدِيثِها مِن بَعْضٍ وأثْبَتَ اقْتِصاصًا، ووَعَيْتُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ الحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي، وبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا، ذَكَرُوا أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قالَتْ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أرادَ سَفَرًا أقْرَعَ بَيْنَ نِسائِهِ، فَأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُها خَرَجَ بِها مَعَهُ. قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: فَأقْرَعَ بَيْنَنا في غَزْوَةٍ غَزاها، فَخَرَجَ فِيها سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وذَلِكَ بَعْدَما نَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ، فَأنا أُحْمَلُ في هَوْدَجِي وأُنْزَلُ فِيهِ، فَسِرْنا حَتّى فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن غَزْوِهِ وقَفَلَ، ودَنَوْنا مِنَ المَدِينَةِ، آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ ومَشَيْتُ حَتّى جاوَزْتُ الجَيْشَ، فَلَمّا قَضَيْتُ شَأْنِي أقْبَلْتُ إلى الرَّحْلِ، فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإذا عِقْدٌ مِن جَزْعِ ظَفارِ قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فالتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغاؤُهُ، وأقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كانُوا يَرْحَلُونَ بِي فَحَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أرْكَبُ، وهم يَحْسَبُونَ أنِّي فِيهِ. قالَتْ عائِشَةُ: وكانَتِ النِّساءُ إذْ ذاكَ خِفافًا لَمْ يُهَبَّلْنَ، ولَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إنَّما يَأْكُلْنَ العُلْقَةَ مِنَ الطَّعامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ ثِقَلَ الهَوْدَجِ حِينَ رَحَلُوهُ ورَفَعُوهُ، وكُنْتُ جارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الجَمَلَ وسارُوا، ووَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَما اسْتَمَرَّ الجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنازِلَهم ولَيْسَ بِها داعٍ ولا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمْتُ مَنزِلِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، وظَنَنْتُ أنَّ القَوْمَ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إلَيَّ، فَبَيْنا أنا جالِسَةٌ في مَنزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنايَ فَنِمْتُ، وكانَ صَفْوانُ بْنُ المُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوانِيُّ قَدْ عَرَّسَ مِن وراءِ الجَيْشِ فادَّلَجَ، فَأصْبَحَ عِنْدَ مَنزِلِي، فَرَأى سَوادَ إنْسانٍ نائِمٍ، فَأتانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وقَدْ كانَ يَرانِي قَبْلَ أنْ يُضْرَبَ عَلَيَّ الحِجابُ، فاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وجْهِي بِجِلْبابِي، واللَّهِ ما كَلَّمَنِي بِكَلِمَةٍ، ولا سَمِعْتُ مِنهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجاعِهِ، حَتّى أناخَ راحِلَتَهُ فَوَطِئَ عَلى يَدِها فَرَكِبْتُها، فانْطَلَقَ يَقُودُ بِيَ الرّاحِلَةَ حَتّى أتَيْنا الجَيْشَ بَعْدَما نَزَلُوا مُوغِرِينَ في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، وهَلَكَ مَن هَلَكَ فِيَّ، وكانَ الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، فَقَدِمْنا المَدِينَةَ فاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُها شَهْرًا، والنّاسُ يُفِيضُونَ في قَوْلِ أهْلِ الإفْكِ، ولا أشْعُرُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ويَرِيبُنِي في وجَعِي أنِّي لا أعْرِفُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أرى مِنهُ حِينَ أشْتَكِي، إنَّما يَدْخُلُ فَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُولُ: ”كَيْفَ تِيكم ؟“ . فَذَلِكَ يُحْزِنُنِي، ولا أشْعُرُ بِالشَّرِّ حَتّى خَرَجْتُ بَعْدَما نَقِهْتُ، وخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَناصِعِ، وهي مُتَبَرَّزُنا، ولا نَخْرُجُ إلّا لَيْلًا إلى لَيْلٍ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَرِيبًا مِن بُيُوتِنا، وأمْرُنا أمْرُ العَرَبِ الأُوَلِ في التَّنَزُّهِ، وكُنّا نَتَأذّى بِالكُنُفِ أنْ نَتَّخِذَها عِنْدَ بُيُوتِنا، فانْطَلَقْتُ أنا وأُمُّ مِسْطَحٍ - وهي بِنْتُ أبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ، وأُمُّها بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عامِرٍ، خالَةُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وابْنُها مِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ بْنِ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ - فَأقْبَلْتُ أنا وابْنَةُ أبِي رُهْمٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ فَرَغْنا مِن شَأْنِنا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ في مِرْطِها، فَقالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ. فَقُلْتُ لَها: بِئْسَما قُلْتِ: أتَسُبِّينَ رَجُلًا قَدْ شَهِدَ بَدْرًا ؟ قالَتْ: أيْ هَنْتاهْ، أوَلَمْ تَسْمَعِي ما قالَ ؟ قُلْتُ: وماذا قالَ ؟ فَأخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أهْلِ الإفْكِ، فازْدَدْتُ مَرَضًا إلى مَرَضِي، فَلَمّا رَجَعْتُ إلى بَيْتِي ودَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قالَ: ”كَيْفَ تِيكم ؟“ . قُلْتُ: تَأْذَنُ لِي أنْ آتِيَ أبَوَيَّ ؟ قالَتْ: وأنا أُرِيدُ حِينَئِذٍ أنْ أتَيَقَّنَ الخَبَرَ مِن قِبَلِهِما، فَأذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجِئْتُ أبَوَيَّ، فَقُلْتُ: يا أُمّاهْ، ما يَتَحَدَّثُ النّاسُ ؟ قالَتْ: يا بُنَيَّةُ، هَوِّنِي عَلَيْكِ، فَواللَّهِ لَقَلَّما كانَتِ امْرَأةٌ قَطُّ وضِيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ ولَها ضَرائِرُ إلّا أكْثَرْنَ عَلَيْها. قالَتْ: فَقُلْتُ: سُبْحانَ اللَّهِ، أوَقَدْ تَحَدَّثَ النّاسُ بِهَذا ؟ قالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتّى أصْبَحْتُ لا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، ولا أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ أصْبَحْتُ أبْكِي، ودَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وأُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ، يَسْتَشِيرُهُما في فِراقِ أهْلِهِ، فَأمّا أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَأشارَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِن بَراءَةِ أهْلِهِ، وبِالَّذِي يَعْلَمُ في نَفْسِهِ لَهم مِنَ الوُدِّ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هم أهْلُكَ، وما نَعْلَمُ إلّا خَيْرًا. وأمّا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ فَقالَ: لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ، والنِّساءُ سِواها كَثِيرٌ، وإنْ تَسْألِ الجارِيَةَ تَصْدُقْكَ. قالَتْ: فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَرِيرَةَ فَقالَ: ”يا بَرِيرَةُ، هَلْ رَأيْتِ شَيْئًا يَرِيبُكِ مِن عائِشَةَ ؟“ . قالَتْ بَرِيرَةُ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إنْ رَأيْتُ عَلَيْها أمْرًا قَطُّ أغْمِصُهُ عَلَيْها أكْثَرَ مِن أنَّها جارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنامُ عَنْ عَجِينِ أهْلِها فَتَأْتِي الدّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ. قالَتْ: فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاسْتَعْذَرَ مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، فَقالَ وهو عَلى المِنبَرِ: ”يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، مَن يَعْذِرُنِي مِن رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أذاهُ في أهْلِي ؟ فَواللَّهِ ما عَلِمْتُ عَلى أهْلِي إلّا خَيْرًا، ولَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا ما عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلّا خَيْرًا، وما كانَ يَدْخُلُ عَلى أهْلِي إلّا مَعِي“ . فَقامَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ الأنْصارِيُّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنا أعْذِرُكَ مِنهُ، إنْ كانَ مِنَ الأوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وإنْ كانَ مِن إخْوانِنا مِنَ الخَزْرَجِ أمَرْتَنا فَفَعَلْنا أمْرَكَ. قالَتْ: فَقامَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ وهو سَيِّدُ الخَزْرَجِ، وكانَ رَجُلًا صالِحًا ولَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ، فَقالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعاذٍ: كَذَبْتَ، لَعَمْرُ اللَّهِ لا تَقْتُلُهُ ولا تَقْدِرُ عَلى قَتْلِهِ. فَقامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وهو ابْنُ عَمِّ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، فَقالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبادَةَ: كَذَبْتَ، لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإنَّكَ مُنافِقٌ تُجادِلُ عَنِ المُنافِقِينَ. فَثارَ الحَيّانِ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ حَتّى هَمُّوا أنْ يَقْتَتِلُوا ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ قائِمٌ عَلى المِنبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ يُخَفِّضُهم حَتّى سَكَتُوا وسَكَتَ. قالَتْ: وبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ لا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ ولا أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، وأبَوايَ يَظُنّانِ أنَّ البُكاءَ فالِقٌ كَبِدِي. قالَتْ: فَبَيْنَما هُما جالِسانِ عِنْدِي وأنا أبْكِي اسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ، فَأذِنْتُ لَها، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي. قالَتْ: فَبَيْنا نَحْنُ عَلى ذَلِكَ إذْ دَخَلَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، ولَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ لِي ما قِيلَ، وقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لا يُوحى إلَيْهِ في شَأْنِي شَيْءٌ. قالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قالَ: ”أمّا بَعْدُ، يا عائِشَةُ، فَإنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذا وكَذا، فَإنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وإنْ كُنْتِ ألْمَمْتِ بِذَنْبٍ فاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وتُوبِي إلَيْهِ؛ فَإنَّ العَبْدَ إذا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تابَ، تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ“ . قالَتْ: فَلَمّا قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتّى ما أُحِسُّ مِنهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لِأبِي: أجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيما قالَ. قالَ: واللَّهِ ما أدْرِي ما أقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقُلْتُ لِأُمِّي: أجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قالَتْ: واللَّهِ ما أدْرِي ما أقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقُلْتُ وأنا جارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لا أقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ القُرْآنِ: واللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُ أنَّكم سَمِعْتُمْ هَذا، وقَدِ اسْتَقَرَّ في نُفُوسِكم وصَدَّقْتُمْ بِهِ، ولَئِنْ قُلْتُ لَكم: إنِّي بَرِيئَةٌ - واللَّهُ يَعْلَمُ أنِّي بَرِيئَةٌ - لا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ، ولَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكم بِأمْرٍ - واللَّهُ يَعْلَمُ أنِّي مِنهُ بَرِيئَةٌ - لَتُصَدِّقُنِّي، واللَّهِ ما أجِدُ لِي ولَكم مَثَلًا إلّا ما قالَ أبُو يُوسُفَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] . قالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ واضْطَجَعْتُ عَلى فِراشِي. قالَتْ: وأنا واللَّهِ حِينَئِذٍ أعْلَمُ أنِّي بَرِيئَةٌ، وأنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَراءَتِي، ولَكِنْ واللَّهِ ما كُنْتُ أظُنُّ أنْ يَنْزِلَ في شَأْنِي وحْيٌ يُتْلى، ولَشَأْنِي كانَ أحْقَرَ في نَفْسِي مِن أنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ تَعالى فِيَّ بِأمْرٍ يُتْلى، ولَكِنِّي كُنْتُ أرْجُو أنْ يَرى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُؤْيا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ تَعالى بِها. قالَتْ: فَواللَّهِ ما رامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنزِلَهُ، ولا خَرَجَ مِن أهْلِ البَيْتِ أحَدٌ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ ﷺ، فَأخَذَهُ ما كانَ يَأْخُذُهُ مِنَ البُرَحاءِ عِنْدَ الوَحْيِ، حَتّى إنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنهُ مِثْلُ الجُمانِ مِنَ العَرَقِ في اليَوْمِ الشّاتِي مِن ثِقَلِ القَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ. قالَتْ: فَلَمّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُرِّيَ عَنْهُ وهو يَضْحَكُ، فَكانَ أوَّلُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِها أنْ قالَ: ”أبْشِرِي يا عائِشَةُ، أما واللَّهِ لَقَدْ بَرَّأكِ اللَّهُ“ . فَقالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إلَيْهِ. فَقُلْتُ: واللَّهِ لا أقُومُ إلَيْهِ ولا أحْمَدُ إلّا اللَّهَ؛ هو الَّذِي بَرَّأنِي. قالَتْ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾ . العَشْرَ الآياتِ. فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ في بَراءَتِي قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - وكانَ يُنْفِقُ عَلى مِسْطَحٍ لِقَرابَتِهِ وفَقْرِهِ -: واللَّهِ لا أُنْفِقُ عَلَيْهِ شَيْئًا أبَدًا بَعْدَ الَّذِي قالَ لِعائِشَةَ. قالَتْ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أن يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى﴾ [النور: ٢٢] . إلى قَوْلِهِ: ﴿ألا تُحِبُّونَ أن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] . فَقالَ أبُو بَكْرٍ: واللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي. فَرَجَعَ إلى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وقالَ: لا أنْزِعُها مِنهُ أبَدًا.
رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ كِلاهُما عَنْ أبِي الرَّبِيعِ الزَّهْرانِيِّ.
النور 24:16
أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حامِدٍ العَدْلُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو بَكْرِ بْنُ زَكَرِيّا، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي خَيْثَمَةَ، قالَ: حَدَّثَنا الهَيْثَمُ بْنُ خارِجَةَ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جابِرٍ، قالَ: سَمِعْتُ عَطاءً الخُراسانِيَّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها حَدَّثَتْهُ بِحَدِيثِ الإفْكِ، وقالَتْ فِيهِ: وكانَ أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ حِينَ أخْبَرَتْهُ امْرَأتُهُ فَقالَتْ: يا أبا أيُّوبَ، ألَمْ تَسْمَعْ بِما يَتَحَدَّثُ النّاسُ ؟ قالَ: وما يَتَحَدَّثُونَ ؟ فَأخْبَرَتْهُ بِقَوْلِ أهْلِ الإفْكِ، فَقالَ: ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ. قالَتْ: فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مّا يَكُونُ لَنا أن نَّتَكَلَّمَ بِهَذا سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ .
أخْبَرَنا أبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدانَ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو بَكْرٍ أحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قالَ: حَدَّثَنِي أبِي، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، قالَ: حَدَّثَنا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ ذَكْوانَ مَوْلى عائِشَةَ، أنَّهُ اسْتَأْذَنَ لِابْنِ عَبّاسٍ عَلى عائِشَةَ وهي تَمُوتُ وعِنْدَها ابْنُ أخِيها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقالَ: هَذا ابْنُ عَبّاسٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكِ، وهو مِن خَيْرِ بَنِيكِ. فَقالَتْ: دَعْنِي مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومِن تَزْكِيَتِهِ. فَقالَ لَها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إنَّهُ قارِئٌ لِكِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَقِيهٌ في دِينِ اللَّهِ، فائْذَنِي لَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْكِ ولْيُوَدِّعْكِ. قالَتْ: فائْذَنْ لَهُ إنْ شِئْتَ. فَأذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ ابْنُ عَبّاسٍ وسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ فَقالَ: أبْشِرِي يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، فَواللَّهِ ما بَيْنَكِ وبَيْنَ أنْ يَذْهَبَ عَنْكِ كُلُّ أذًى ونَصَبٍ - أوْ قالَ: وصَبٍ - فَتَلْقَيِ الأحِبَّةَ مُحَمَّدًا وحِزْبَهُ - أوْ قالَ: وأصْحابَهُ - إلّا أنْ يُفارِقَ الرُّوحُ جَسَدَكِ، كُنْتِ أحَبَّ أزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِ، ولَمْ يَكُنْ لِيُحِبَّ إلّا طَيِّبًا، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَراءَتَكِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ، فَلَيْسَ في الأرْضِ مَسْجِدٌ إلّا وهو يُتْلى فِيهِ آناءَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وسَقَطَتْ قِلادَتُكِ لَيْلَةَ الأبْواءِ فاحْتَبَسَ النَّبِيُّ ﷺ في المَنزِلِ والنّاسُ مَعَهُ في ابْتِغائِها - أوْ قالَ: في طَلَبِها - حَتّى أصْبَحَ القَوْمُ عَلى غَيْرِ ماءٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ . فَكانَ في ذَلِكَ رُخْصَةٌ لِلنّاسِ عامَّةً في سَبَبِكِ، فَواللَّهِ إنَّكِ لَمُبارَكَةٌ. فَقالَتْ: دَعْنِي يا ابْنَ عَبّاسٍ مِن هَذا، فَواللَّهِ لَوَدِدْتُ أنِّي كُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا.
النور 24:27
أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا الحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدِّينَوَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ بْنِ أحْمَدَ بْنِ مالِكٍ، قالَ: أخْبَرَنا الحُسَيْنُ بْنُ سَخْتُويَهْ، قالَ: حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ ثَوْرٍ وإبْراهِيمُ بْنُ سُفْيانَ، قالا: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الفِرْيابِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا قَيْسٌ، عَنْ أشْعَثَ بْنِ سَوّارٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثابِتٍ قالَ: جاءَتِ امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أكُونُ في بَيْتِي عَلى حالٍ لا أُحِبُّ أنْ يَرانِي عَلَيْها أحَدٌ، لا والِدٌ ولا ولَدٌ، فَيَأْتِي الأبُ فَيَدْخُلُ عَلَيَّ، وإنَّهُ لا يَزالُ لَيَدْخُلُ عَلَيَّ رَجُلٌ مِن أهْلِي وأنا عَلى تِلْكَ الحالِ، فَكَيْفَ أصْنَعُ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ .
قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفَرَأيْتَ الخاناتِ والمَساكِنَ في طُرُقِ الشّامِ لَيْسَ فِيها ساكِنٌ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ .
النور 24:33
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم فَكاتِبُوهُمْ﴾ نَزَلَتْ في غُلامٍ لِحُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى يُقالُ لَهُ: صُبَيْحٌ، سَألَ مَوْلاهُ أنْ يُكاتِبَهُ، فَأبى عَلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَكاتَبَهُ حُوَيْطِبٌ عَلى مِائَةِ دِينارٍ، ووَهَبَ لَهُ مِنها عِشْرِينَ دِينارًا فَأدّاها، وقُتِلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ في الحَرْبِ.
أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ القاضِي، قالَ: أخْبَرَنا حاجِبُ بْنُ أحْمَدَ الطُّوسِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدانَ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُعاوِيَةَ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أبِي سُفْيانَ، عَنْ جابِرٍ قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ يَقُولُ لِجارِيَةٍ لَهُ: اذْهَبِي فابْغِينا شَيْئًا. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٥] .
رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أبِي مُعاوِيَةَ.
أخْبَرَنا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفارِسِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدُونَ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ أبِي أُوَيْسٍ، قالَ: حَدَّثَنا مالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ثابِتٍ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ . نَزَلَتْ في مُعاذَةَ جارِيَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ.
وبِهَذا الإسْنادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا عَيّاشُ بْنُ الوَلِيدِ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الأعْلى، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، قالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ثابِتٍ قالَ: كانَتْ مُعاذَةُ جارِيَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، وكانَتْ مُسْلِمَةً، وكانَ يَسْتَكْرِهُها عَلى البِغاءِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ . إلى آخِرِ الآيَةِ.
أخْبَرَنا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المُؤَذِّنُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَلِيٍّ الفَقِيهُ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا داوُدُ بْنُ عَمْرٍو، قالَ: حَدَّثَنا مَنصُورُ بْنُ أبِي الأسْوَدِ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أبِي نَضْرَةَ، عَنْ جابِرٍ قالَ: كانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ جارِيَةٌ يُقالُ لَها: مُسَيْكَةُ، فَكانَ يُكْرِهُها عَلى البِغاءِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ . إلى آخِرِ الآيَةِ.
وقالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في مُعاذَةَ ومُسَيْكَةَ جارِيَتَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ المُنافِقِ، كانَ يُكْرِهُهُما عَلى الزِّنا لِضَرِيبَةٍ يَأْخُذُها مِنهُما، وكَذَلِكَ كانُوا يَفْعَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ؛ يُؤاجِرُونَ إماءَهم، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ قالَتْ مُعاذَةُ لِمُسَيْكَةَ: إنَّ هَذا الأمْرَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ لا يَخْلُو مِن وجْهَيْنِ، فَإنْ يَكُ خَيْرًا فَقَدِ اسْتَكْثَرْنا مِنهُ، وإنْ يَكُ شَرًّا فَقَدْ آنَ لَنا أنْ نَدَعَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ﴾ .
وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في سِتِّ جَوارٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، كانَ يُكْرِهُهُنَّ عَلى الزِّنا، ويَأْخُذُ أُجُورَهُنَّ، وهُنَّ: مُعاذَةُ، ومُسَيْكَةُ، وأُمَيْمَةُ، وعَمْرَةُ، وأرْوى، وقُتَيْلَةُ. فَجاءَتْهُ إحْداهُنَّ ذاتَ يَوْمٍ بِدِينارٍ، وجاءَتْ أُخْرى بِبُرْدٍ، فَقالَ لَهُما: ارْجِعا فازْنِيا. فَقالَتا: واللَّهِ لا نَفْعَلُ، قَدْ جاءَنا اللَّهُ بِالإسْلامِ وحَرَّمَ الزِّنا. فَأتَيا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وشَكَتا إلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
أخْبَرَنا الحاكِمُ أبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ فِيما كَتَبَ إلَيَّ، أنَّ أحْمَدَ بْنَ الفَضْلِ الحَدّادِيَّ أخْبَرَهم، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى قالَ: أخْبَرَنا إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، قالَ: حَدَّثَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أنَّ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وكانَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ أسِيرًا، وكانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ جارِيَةٌ يُقالُ لَها: مُعاذَةُ، فَكانَ القُرَشِيُّ الأسِيرُ يُراوِدُها عَنْ نَفْسِها، وكانَتْ تَمْتَنِعُ مِنهُ لِإسْلامِها، وكانَ ابْنُ أُبَيٍّ يُكْرِهُها عَلى ذَلِكَ ويَضْرِبُها رَجاءَ أنْ تَحْمِلَ مِنَ القُرَشِيِّ فَيَطْلُبَ فِداءَ ولَدِهِ، فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٥] . قالَ: أغْفِرُ لَهُنَّ ما أُكْرِهْنَ عَلَيْهِ.
النور 24:48
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي بَعْدَها نَزَلَتا في بِشْرٍ المُنافِقِ وخَصْمِهِ اليَهُودِيِّ حِينَ اخْتَصَما في أرْضٍ، فَجَعَلَ اليَهُودِيُّ يَجُرُّهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُما، وجَعَلَ المُنافِقُ يَجُرُّهُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ ويَقُولُ: إنَّ مُحَمَّدًا يَحِيفُ عَلَيْنا. وقَدْ مَضَتْ هَذِهِ القِصَّةُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أن يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] . في سُورَةِ النِّساءِ.
النور 24:55
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ رَوى الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ: مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ بَعْدَما أُوحِيَ إلَيْهِ خائِفًا هو وأصْحابُهُ، يَدْعُونَ إلى اللَّهِ سِرًّا وعَلانِيَةً، ثُمَّ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ، وكانُوا بِها خائِفِينَ، يُصْبِحُونَ في السِّلاحِ ويُمْسُونَ في السِّلاحِ، فَقالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِهِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما يَأْتِي عَلَيْنا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ ونَضَعُ فِيهِ السِّلاحَ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لَنْ تَلْبَثُوا إلّا يَسِيرًا حَتّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنكم في المَلَأِ العَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَ فِيهِمْ حَدِيدَةٌ“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ . إلى آخِرِ الآيَةِ. فَأظْهَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ عَلى جَزِيرَةِ العَرَبِ، فَوَضَعُوا السِّلاحَ وأمِنُوا، ثُمَّ قَبَضَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ، فَكانُوا آمِنِينَ كَذَلِكَ في إمارَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم حَتّى وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ، وكَفَرُوا النِّعْمَةَ، فَأدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الخَوْفَ، وغَيَّرُوا فَغَيَّرَ اللَّهُ ما بِهِمْ.
أخْبَرَنا إسْماعِيلُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الحُسَيْنِ النَّقِيبُ، قالَ: أخْبَرَنا جَدِّي، قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ النَّصْراباذِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ واقِدٍ، قالَ: حَدَّثَنا أبِي، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ المَدِينَةَ وآوَتْهُمُ الأنْصارُ، رَمَتْهُمُ العَرَبُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ، فَكانُوا لا يَبِيتُونَ إلّا في السِّلاحِ، ولا يُصْبِحُونَ إلّا في لَأْمَتِهِمْ، فَقالُوا: أتَرَوْنَ أنّا نَعِيشُ حَتّى نَبِيتَ آمِنِينَ مُطْمَئِنِّينَ لا نَخافُ إلّا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ . إلى قَوْلِهِ ﴿ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ . يَعْنِي بِالنِّعْمَةِ.
رَواهُ الحاكِمُ في صَحِيحِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صالِحِ بْنِ هانِئٍ، عَنْ أبِي سَعِيدِ بْنِ شاذانَ، عَنِ الدّارِمِيِّ.
النور 24:58
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غُلامًا مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ: مُدْلِجُ بْنُ عَمْرٍو إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقْتَ الظَّهِيرَةِ لِيَدْعُوَهُ، فَدَخَلَ فَرَأى عُمَرَ بِحالَةٍ كَرِهَ عُمَرُ رُؤْيَتَهُ ذَلِكَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ودِدْتُ لَوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنا ونَهانا في حالِ الِاسْتِئْذانِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في أسْماءَ بِنْتِ مَرْثَدٍ، كانَ لَها غُلامٌ كَبِيرٌ، فَدَخَلَ عَلَيْها في وقْتٍ كَرِهَتْهُ، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ خَدَمَنا وغِلْمانَنا يَدْخُلُونَ عَلَيْنا في حالٍ نَكْرَهُها. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذِهِ الآيَةَ.
النور 24:61
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَّيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكُم بَيْنَكُم بِالباطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] . تَحَرَّجَ المُسْلِمُونَ عَنْ مُؤاكَلَةِ المَرْضى والزَّمْنى والعُمْيِ والعُرْجِ، وقالُوا: الطَّعامُ أفْضَلُ الأمْوالِ، وقَدْ نَهانا اللَّهُ تَعالى عَنْ أكْلِ المالِ بِالباطِلِ، والأعْمى لا يُبْصِرُ مَوْضِعَ الطَّعامِ الطَّيِّبِ، والأعْرَجُ لا يَسْتَطِيعُ المُزاحَمَةَ عَلى الطَّعامِ، والمَرِيضُ لا يَسْتَوْفِي الطَّعامَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ: كانَ العُرْجانُ والعُمْيانُ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ مُؤاكَلَةِ الأصِحّاءِ؛ لِأنَّ النّاسَ يَتَقَذَّرُونَهم ويَكْرَهُونَ مُؤاكَلَتَهم، وكانَ أهْلُ المَدِينَةِ لا يُخالِطُهم في طَعامِهِمْ أعْمى ولا أعْرَجُ ولا مَرِيضٌ تَقَذُّرًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَرْخِيصًا لِلْمَرْضى والزَّمْنى في الأكْلِ مِن بُيُوتِ مَن سَمّى اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ أنَّ قَوْمًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانُوا إذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم ما يُطْعِمُونَهم ذَهَبُوا بِهِمْ إلى بُيُوتِ آبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ أوْ بَعْضِ مَن سَمّى اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، فَكانَ أهْلُ الزَّمانَةِ يَتَحَرَّجُونَ مِن أنْ يَطْعَمُوا ذَلِكَ الطَّعامَ؛ لِأنَّهُ أطْعَمَهم غَيْرُ مالِكِيهِ، ويَقُولُونَ: إنَّما يَذْهَبُونَ بِنا إلى بُيُوتِ غَيْرِهِمْ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
أخْبَرَنا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الفارِسِيُّ، قالَ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الفَضْلِ التّاجِرُ، قالَ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ الحافِظُ، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ أبِي أُوَيْسٍ، قالَ: حَدَّثَنِي مالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، أنَّهُ كانَ يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: أُنْزِلَتْ في أُناسٍ كانُوا إذا خَرَجُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وضَعُوا مَفاتِيحَ بُيُوتِهِمْ عِنْدَ الأعْمى والأعْرَجِ والمَرِيضِ وعِنْدَ أقارِبِهِمْ، وكانُوا يَأْمُرُونَهم أنْ يَأْكُلُوا مِمّا في بُيُوتِهِمْ إذا احْتاجُوا إلى ذَلِكَ، فَكانُوا يَقِفُونَ أنْ يَأْكُلُوا مِنها، ويَقُولُونَ: نَخْشى ألّا تَكُونَ أنْفُسُهم بِذَلِكَ طَيِّبَةً. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾ قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في حَيٍّ مِن كِنانَةَ يُقالُ لَهم: بَنُو لَيْثِ بْنِ عَمْرٍو، فَكانُوا يَتَحَرَّجُونَ أنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ الطَّعامَ وحْدَهُ، فَرُبَّما قَعَدَ الرَّجُلُ والطَّعامُ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ والشَّوْلُ حُفَّلٌ والأحْوالُ مُنْتَظِمَةٌ؛ تَحَرُّجًا مِن أنْ يَأْكُلَ وحْدَهُ، فَإذا أمْسى ولَمْ يَجِدْ أحَدًا أكَلَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ الأنْصارِ كانُوا لا يَأْكُلُونَ إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ إلّا مَعَ ضَيْفِهِمْ، فَرَخَّصَ لَهم أنْ يَأْكُلُوا كَيْفَ شاءُوا جَمِيعًا، مُتَحَلِّقِينَ أوْ أشْتاتًا مُتَفَرِّقِينَ.