Lafzullah

فتح الرحمن في تفسير القرآن — البقرة 2:256 – النساء 4:174

المؤلف / المصدر: أبو اليمن مجير الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي الحنبلي (ت 928هـ) — تحقيق: نور الدين طالب · دار النوادر (إصدَارات وزَارة الأوقاف والشُؤُون الإِسلامِيّة - إدَارَةُ الشُؤُونِ الإِسلاَمِيّةِ) · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-557)

المحتويات
  1. البقرة 2:256
  2. البقرة 2:257
  3. البقرة 2:259
  4. البقرة 2:260
  5. البقرة 2:261
  6. البقرة 2:262
  7. البقرة 2:264
  8. البقرة 2:265
  9. البقرة 2:266
  10. البقرة 2:267
  11. البقرة 2:268
  12. البقرة 2:269
  13. البقرة 2:270
  14. البقرة 2:272
  15. البقرة 2:273
  16. البقرة 2:274
  17. البقرة 2:275
  18. البقرة 2:276
  19. البقرة 2:278
  20. البقرة 2:280
  21. البقرة 2:281
  22. البقرة 2:282
  23. البقرة 2:283
  24. البقرة 2:284
  25. البقرة 2:285
  26. البقرة 2:286
  27. آل عمران 3:1
  28. آل عمران 3:2
  29. آل عمران 3:4
  30. آل عمران 3:5
  31. آل عمران 3:7
  32. آل عمران 3:8
  33. آل عمران 3:10
  34. آل عمران 3:12
  35. آل عمران 3:13
  36. آل عمران 3:14
  37. آل عمران 3:15
  38. آل عمران 3:16
  39. آل عمران 3:18
  40. آل عمران 3:19
  41. آل عمران 3:20
  42. آل عمران 3:21
  43. آل عمران 3:22
  44. آل عمران 3:23
  45. آل عمران 3:25
  46. آل عمران 3:26
  47. آل عمران 3:28
  48. آل عمران 3:29
  49. آل عمران 3:31
  50. آل عمران 3:33
  51. آل عمران 3:34
  52. آل عمران 3:36
  53. آل عمران 3:37
  54. آل عمران 3:38
  55. آل عمران 3:40
  56. آل عمران 3:41
  57. آل عمران 3:43
  58. آل عمران 3:45
  59. آل عمران 3:46
  60. آل عمران 3:48
  61. آل عمران 3:49
  62. آل عمران 3:50
  63. آل عمران 3:51
  64. آل عمران 3:53
  65. آل عمران 3:54
  66. آل عمران 3:55
  67. آل عمران 3:56
  68. آل عمران 3:58
  69. آل عمران 3:60
  70. آل عمران 3:62
  71. آل عمران 3:63
  72. آل عمران 3:65
  73. آل عمران 3:66
  74. آل عمران 3:67
  75. آل عمران 3:69
  76. آل عمران 3:71
  77. آل عمران 3:74
  78. آل عمران 3:75
  79. آل عمران 3:76
  80. آل عمران 3:77
  81. آل عمران 3:78
  82. آل عمران 3:79
  83. آل عمران 3:80
  84. آل عمران 3:81
  85. آل عمران 3:82
  86. آل عمران 3:84
  87. آل عمران 3:85
  88. آل عمران 3:87
  89. آل عمران 3:90
  90. آل عمران 3:92
  91. آل عمران 3:93
  92. آل عمران 3:95
  93. آل عمران 3:97
  94. آل عمران 3:98
  95. آل عمران 3:100
  96. النساء 4:1
  97. النساء 4:2
  98. النساء 4:3
  99. النساء 4:4
  100. النساء 4:5
  101. النساء 4:6
  102. النساء 4:7
  103. النساء 4:8
  104. النساء 4:10
  105. النساء 4:11
  106. النساء 4:12
  107. النساء 4:13
  108. النساء 4:15
  109. النساء 4:16
  110. النساء 4:17
  111. النساء 4:18
  112. النساء 4:20
  113. النساء 4:22
  114. النساء 4:23
  115. النساء 4:24
  116. النساء 4:25
  117. النساء 4:26
  118. النساء 4:27
  119. النساء 4:29
  120. النساء 4:30
  121. النساء 4:31
  122. النساء 4:33
  123. النساء 4:34
  124. النساء 4:35
  125. النساء 4:36
  126. النساء 4:37
  127. النساء 4:39
  128. النساء 4:41
  129. النساء 4:42
  130. النساء 4:43
  131. النساء 4:44
  132. النساء 4:46
  133. النساء 4:47
  134. النساء 4:48
  135. النساء 4:49
  136. النساء 4:51
  137. النساء 4:52
  138. النساء 4:55
  139. النساء 4:57
  140. النساء 4:59
  141. النساء 4:60
  142. النساء 4:61
  143. النساء 4:63
  144. النساء 4:65
  145. النساء 4:67
  146. النساء 4:70
  147. النساء 4:71
  148. النساء 4:73
  149. النساء 4:74
  150. النساء 4:76
  151. النساء 4:77
  152. النساء 4:78
  153. النساء 4:79
  154. النساء 4:80
  155. النساء 4:81
  156. النساء 4:82
  157. النساء 4:84
  158. النساء 4:85
  159. النساء 4:87
  160. النساء 4:88
  161. النساء 4:89
  162. النساء 4:90
  163. النساء 4:91
  164. النساء 4:92
  165. النساء 4:93
  166. النساء 4:94
  167. النساء 4:95
  168. النساء 4:96
  169. النساء 4:97
  170. النساء 4:98
  171. النساء 4:100
  172. النساء 4:101
  173. النساء 4:102
  174. النساء 4:103
  175. النساء 4:105
  176. النساء 4:106
  177. النساء 4:109
  178. النساء 4:110
  179. النساء 4:113
  180. النساء 4:114
  181. النساء 4:115
  182. النساء 4:116
  183. النساء 4:117
  184. النساء 4:119
  185. النساء 4:121
  186. النساء 4:124
  187. النساء 4:126
  188. النساء 4:128
  189. النساء 4:129
  190. النساء 4:130
  191. النساء 4:131
  192. النساء 4:133
  193. النساء 4:135
  194. النساء 4:136
  195. النساء 4:137
  196. النساء 4:138
  197. النساء 4:141
  198. النساء 4:142
  199. النساء 4:144
  200. النساء 4:146
  201. النساء 4:148
  202. النساء 4:150
  203. النساء 4:153
  204. النساء 4:154
  205. النساء 4:155
  206. النساء 4:156
  207. النساء 4:158
  208. النساء 4:160
  209. النساء 4:162
  210. النساء 4:163
  211. النساء 4:164
  212. النساء 4:165
  213. النساء 4:166
  214. النساء 4:167
  215. النساء 4:170
  216. النساء 4:172
  217. النساء 4:173
  218. النساء 4:174

البقرة 2:256

العرشُ نفسُه (١)، وقالَ ابنُ عطيةَ (٢): والذي تقتضيهِ الأحاديثُ أن الكرسيَّ مخلوقٌ عظيم بينَ يَدَيِ العرشِ، والعرشُ أعظمُ منهُ، قال أبو ذَرٍّ -رضي الله عنه-: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقولُ: "مَا الْكُرْسِيُّ فِي الْعَرْشِ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ" (٣) ومعنى قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: سَعَةً مثلَ سَعَةِ السمواتِ والأرضِ في العظم. ﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾ لا يُثْقِلُهُ، ولا يَشُقُّ عليه. ﴿حِفْظُهُمَا﴾ أي: حفظُ السماواتِ والأرضِ. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ المتعالي عن الأشباهِ والأندادِ. ﴿الْعَظِيمُ﴾ الذي ليسَ شيْءٌ أعظمَ منه. ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾. [٢٥٦] ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ نزلَتْ في أهلِ الكتابِ إذا قَبِلوا الجزيةَ، وذلكَ أن العربَ كانت أمةً واحدة (٤) أُميةً، فلم يكن لهم كتابٌ، فلم يُقبل منهم إلا الإسلامُ، فأسلموا طوعًا أو كرهًا، فلما أُنزل: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (١) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ١٠). (٢) انظر: "المحرر الوجيز" (١/ ٣٤٢). (٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ١٠)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٢/ ٥٨٧). (٤) "واحدة" زيادة من "ن". أُمِرَ بقتالِ أهلِ الكتابِ إلا أَنْ يُسْلِموا، أو يُقِرُّوا بالجزية، فمن أعطى منهم الجزيةَ، لم يُكْرَهْ على الإسلامِ (١)، ويأتي ذكرُ حكمِ الجزيةِ في سورةِ التوبة -إن شاء الله تعالى-. ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ﴾ الحقُّ. ﴿مِنَ الْغَيِّ﴾ الضلال. المعنى: ظهرَ الإيمانُ من الكفرِ بالدلائلِ الواضحةِ. ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ وهو ما عُبِدَ من دونِ الله. ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾ أي: تمسَّكَ واعتصَم. ﴿بِالْعُرْوَةِ﴾ بالعَقْدِ الثابتِ والحُجَّةِ. ﴿الْوُثْقَى﴾ المحكَمَةِ الموصلةِ إلى رِضا اللهِ تعالى. ﴿لَا انْفِصَامَ﴾ لا انقطاعَ. ﴿لَهَا﴾ وأصل الفَصْمُ: انصداعٌ من غيرِ فصلٍ. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لدعائِكَ إياهم إلى الإسلام. ﴿عَلِيمٌ﴾ بحرصِكَ على إيمانهم. ... ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾. (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٤٣)، و"تفسير البغوي" (١/ ٢٧٢)، و"العجاب" لابن حجر (١/ ٦١٤).

البقرة 2:257

[٢٥٧] ﴿اللَّهُ وَلِيُّ﴾ أي: ناصرُ. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ومُغيثُهم. ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ أي: الكفرِ. ﴿إِلَى النُّورِ﴾ الإيمانِ. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: اليهودَ. ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ كعبُ بنُ الأشرفِ وأصحابُه. ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ﴾ الإيمان بمحمدٍ - ﷺ -. ﴿إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ الكفرِ به؛ بأن أنكروهُ، ومنعوا من اتِّباعه. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وعيد وتحذيرٌ. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾. [٢٥٨] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ﴾ المعنى: هل انتهى إليكَ خبرُ الذي خاصمَ وجادلَ. ﴿إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ وهو نمرودُ بنُ كنعانَ بنِ كوش بنِ سامِ بنِ نوحٍ، وهو أولُ من وضعَ التاجَ على رأسه، وتجبَّرَ في الأرض، وادَّعى رُبوبيَّةً. ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ والعاملُ في (أن) حاجَّ، تقديره: حاجَّ لأنْ أعطاه الله الملكَ، فطغى، فكانت المحاجَّةُ من بطرِ الملكِ وطغيانِه، قال مجاهد: ملكَ الأرضَ مؤمنانِ: سليمانُ بن داود (١)، وذو القرنينِ، وكافران: نمرودُ وبُخْتَ نَصَّر. ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ ظرفٌ لـ"حاجَّ "، وهذا جوابُ سؤالٍ غيرِ مذكورٍ، قال له: من ربُّكَ؟ قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ قرأ حمزةُ: (رَبِّي الَّذِي) بإسكانِ الياء، والباقون: بفتحها (٢). ﴿قَالَ﴾ نمرود: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ فعمدَ إلى رجلينِ، فقتلَ أحدَهما، وتركَ الآخرَ، فجعلَ تركَ القتلِ إحياءً. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (أَنَا أُحْيِي) بالمدِّ في هذا الحرف وشبهِه حيثُ وقَع (٣). فانتقلَ إبراهيمُ إلى حجَّةٍ أخرى، لا عجزًا؛ فإن حُجَّتَه كانت لازمة؛ لأنه أرادَ بالإحياءِ إحياءَ الميتِ، فكان له أن يقولَ: فَأَحْيِ مَنْ أَمَتَّ إنْ كنتَ صادقًا، فانتقلَ إلى حجَّةٍ أوضحَ من الأولى. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ﴾ أي: تَحَيَّرَ ودُهِشَ. (١) "بن داود" زيادة من "ن". (٢) انظر: "الكشف" لمكي (١/ ٣٣٠)، و "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٦٩)، و"تفسير البغوي" (١/ ٢٧٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ١٩٧). (٣) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٢٨٤)، و "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٤٢)، و "السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٨٨)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٦٩)، و"تفسير البغوي" (١/ ٢٧٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ١٩٧).

البقرة 2:259

﴿الَّذِي كَفَرَ﴾ وانقطعتْ حُجَّتُهُ. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أنفسَهُمْ بعدمِ قبولِ الهداية، وفي انتقالِ إبراهيمَ دليلٌ على جوازِ الانتقالِ من دليلٍ إلى دليل. ... ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾. [٢٥٩] ﴿أَوْ كَالَّذِي﴾ هذهِ الآيةُ منسوقةٌ (١) على الآية الأولى، تقديره: ألم ترَ إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ، أو إلى الذي. ﴿مَرَّ﴾ هو أرميا النبيُّ -عليه السلام- على الأصحِّ، وقيلَ: هو عُزير -عليه السلام-. ﴿عَلَى قَرْيَةٍ﴾ هي بيتُ المقدسِ حينَ خَرَّبَهُ بُخْتَ نَصَّر ملكُ بابلَ بالعراقِ (٢). ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ ساقطةٌ. ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ سقوفِها، معناه: أن السقوفَ سقطَتْ، ثم وقعتِ الحيطانُ عليها. وملخَّصُ القصةِ على اختلافٍ فيها أنَّ أَرْميا -عليه السلام- (١) في "ن": "مسبوقة". (٢) في "ن": "العراق". كان في أيام صدقيا آخرِ ملوكِ بني إسرائيل، وكانوا قد أحدثوا المعاصيَ والطغيان، ونقضوا التوبةَ، فبقي أرميا يعظُهم ويهدِّدهم ببختَ نَصَّرَ عاملِ لهراسفَ على بابلَ، ولهراسفُ هو ملكُ فارسَ، وهم لا يلتفتون إلى وَعْظه، وكان أرميا قد رأى بختَ نَصَّرَ قديمًا وهو (١) صبيٌّ أقرعُ، ورآه يأكلُ ويتغوَّطُ ويقتلُ القملَ، فقال له: ما هذا؟ فقال: أَذًى يخرجُ، ومنفعةٌ تدخلُ، وعدوٌّ يُقتل، فقال له: سيكونُ لكَ شأنٌ، فأخذ أرميا من بُخْتَ نَصَّر أمانًا لبيتِ المقدس ومَنْ فيه، وكتبَ لهُ الأمانَ في جلدٍ، فلما صارَ الملكُ إلى بختَ نَصَّرَ، عصى عليه صدقيا، فقصد بُخْتَ نَصَّرُ بيتَ المقدسِ، فلما بلغَ سهولَ الرملة، وأُعلم أرميا بذلك، سار إليه، وأعطاهُ الأمان، فنظره وقالَ: هو أماني، ولكني مبعوثٌ، وقد أُمرت أن أَرميَ بسهمي، فحيثُ وقعَ سهمي، طلبتُ الموضعَ، فرمى بسهمٍ فوقعَ في قبةِ بيتِ المقدس، فرجع أرميا إلى أهل القدس، وأخبرهم بذلك، وفارقهم، واختفى، ثم سار (٢) بخت نَصَّرُ بالجيوشِ، وكان معه ستُّ مئةِ ألفِ رايةٍ، ودخل بيتَ المقدسِ بجنوده، ووطئ الشامَ، وقتل بني إسرائيلَ، وأَسَرَ منهم، وسَبى ذَراريَّهُمْ، وخَرَّبَ بيتَ المقدسِ، وأمرَ جنوده أن يملأ كلُّ رجلٍ منهم ترسَهُ ترابًا، ثم يقذفَه في بيتِ المقدس، ففعلوا حتى ملؤوه، وبينَ تخريبِ بيتِ المقدسِ على يدِ بختَ نَصَّرَ والهجرةِ النبويةِ الشريفة ألفٌ وثلاثُ مئةٍ وخمسونَ سنةً، فكانت هذه الواقعةُ الأولى التي أنزلها الله ببني إسرائيل بظلمِهم بعدَ أن لبثَ (١) في "ت": "وهي". (٢) في "ن": "وسار". بيتُ المقدسِ على العِمارةِ السُّلَيمانية أربعَ مئةٍ وثلاثًا وخمسينَ سنةً، ثم إن الله أوحى إلى أَرميا أني عامرٌ بيتَ المقدسِ، فاخرج إليها، فخرج أرميا، وقدم إلى القدس وهي خرابٌ، فلما رآها. ﴿قَالَ أَنَّى﴾ أي: كيف. ﴿يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ قالَهُ تعجُّبًا لا شَكًّا بالبعثِ، ثم وضعَ رأسه فنام. ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ﴾ ألبثَهُ ميتًا. ﴿مِائَةَ عَامٍ﴾ فلما مضى من موته سبعون سنةً، وهي مدةُ لبثِ بيتِ المقدس على التخريب، أرسل الله مَلَكًا إلى مَلِكٍ من ملوك الفرسِ اسمُهُ كُورَشُ، وكان مؤمنًا، وأمره بعمارةِ بيتِ المقدس، فعمَره، وعاد إليه بنو إسرائيل، وعمروها ثلاثين سنة، وكثروا حتى كانوا على أحسنِ ما كانوا عليه، وأهلكَ الله بختَ نَصَّرَ ببعوضةٍ دخلتْ في دماغِه، ولما أماتَ الله أرميا، كان معه حمارُه وسَلَّةٌ فيها طعامٌ، وهو تينٌ وركوةٌ فيها عصيرُ عنبٍ. ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ أي: أحياه، وعمَّرَ اللهُ أرميا، فهو الذي يُرى في الفَلَوات، وبعثه الله على السنِّ الذي توفَّاه عليه بعدَ مئةِ سنة، وهو أربعون سنةً، ولابنِه عشرٌ ومئةٌ، ولابنِ ابنِه تسعونَ، وأنشدَ في ذلك: وَأَسْوَدَ رَأْسٍ شَابَ مِنْ قَبْلِهِ ابْنُهُ؍ وَمِنْ قَبْلِهِ ابْنُ ابْنِهِ فَهْوَ أَكْبَرُ؍ تَرَى ابْنَ ابْنِهِ شَيْخًا يَأُبُّ عَلَى عَصًا؍ وَلِحْيَتُهُ سَوْدَاءُ وَالرَّأْسُ أَشْقَرُ؍ وَمَا لِابْنِهِ حَيْلٌ وَلاَ فَضْلُ قُوَّةٍ؍ يَقُومُ كَمَا يَمْشِي الصَّبِيُّ فَيَعْثُرُ؍ يَعُدُّ ابْنُهُ فِي النَّاسِ تِسْعِينَ؍ حِجَّةً وَعِشْرِينَ لا يَجْرِي وَلا يَتَحَيَّرُ؍ وَعُمْرُ أَبيهِ أَرْبَعُونَ أَمرَّهَا؍ وَلِابْنِ ابْنِهِ في النَّاسِ تِسْعُونَ غُبَّرُ؍ فَمَا هُوَ فِي المَعْقُولِ إِنْ كُنْتَ دَاريًا؍ وَإِنْ كُنْتَ لا تَدْرِي فَبِالجَهْلِ تُعْذَرُ (١)؍ فلما بعثه الله ﴿قَالَ﴾ له ملَكٌ: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ مَيْتًا. ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا﴾ لأنه كانَ قدْ ماتَ أولَ النهارِ، وأحياه اللهُ بعدَ مئةِ عامٍ آخِرَ النهارِ قبلَ غيبوبةِ الشمس، فلما رأى بقيةً من الشمس قال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ﴾ له الملَكُ: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، ويعقوبُ، وخلفٌ، (لَبِثْتَ لَبِثْتُمْ) حيثُ وقعَ بالإظهار، والباقون بالإدغام (٢)، وقرأ أبو جعفرٍ (مِئَةً، ومِئَتَيْنِ، وفِئَةً، وفِئَتَيْنِ) حيث وقع بغير همز (٣) بخلاف عنه. ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ﴾ التينِ. ﴿وَشَرَابِكَ﴾ العصيرِ. ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ يتغيرْ، كأنه لم يأتِ عليه السنون. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، ويعقوبُ، وخلفٌ: (يَتَسَنَّ) بغير هاءٍ في الوصل، فمن أسقط الهاء جعلها صلةً زائدةً، وقال: أصلُه (لم يَتَسَنَّي)، فحذفَ الياء للجزم، (١) انظر: "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٤٠/ ٣٢٥). (٢) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٢٨٤)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٨٨)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٠)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٦٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ١٩٨). (٣) "همز" ساقطة من "ش". وأبدل منه هاءً في الوقف، ومن أثبتَ الهاءَ، جعلها أصليةً للامِ الفعل (١). ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ فنظرَ، فإذا عظامٌ بِيضٌ، فركَّبَ اللهُ العظامَ بعضَها على بعض، وكساهُ اللحمَ والجلد، وأحياه وهو ينظر. تقديره: أريناكَ ذلكَ لتعلمَ قدرتَنا. قرأ أبو عمرٍو، وورشٌ، والدوريُّ عن الكسائيِّ، وابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ: (حِمَارِكَ) و (الحمار) بالإمالة حيثُ وقعَ (٢). ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ أي: عبرةً ودلالةً على البعثِ بعدَ الموت. ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وابنُ عامرٍ: (نُنْشِزُهَا) بالزاي المعجمة، أي: نرفعُها من الأرض ونردُّها إلى مكانها من الجسد، يقال: نشزتُه فنشزَ؛ أي: رفعتُه فارتفع، والباقون: بالراء المهملة، معناه: نُحييها، قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ (٣) [عبس: ٢٢]. (١) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٤٣)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص، ١٨٩)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٠)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٠٧ - ٣٠٨)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٦٩)، و"تفسير البغوي" (١/ ٢٧٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ١٩٩). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٦٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ١٩٩). (٣) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٤٤)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٨٩)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣١٠ - ٣١١)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٦٩)، و"تفسير البغوي" (١/ ٢٧٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢٠٠).

البقرة 2:260

﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ فعادت العظامُ كهيئتها حيةً. اختُلف في معنى الآية، فقال الأكثرون: المرادُ عظامُ الحمار، وقال قوم: أرادَ به عظامَ الميتِ نفسِه، وفي الآية تقديمٌ وتأخيرٌ، وتقديرها: وانظرْ إلى حمارك، وانظرْ إلى العظام كيف ننشرها، ولنجعلك آية للناس. ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ ذلك عيانًا. ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ (قَالَ اعْلَمْ) موصولًا مجزومًا على الأمر، معناه: قالَ اللهُ لهُ: اعلم، وقرأ الباقون: (أَعْلَمُ) بقطع الألفِ ورفعِ الميم على الخبر أنه لما رأى ذلك، قالَ: أعلمُ (١). ... ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾. [٢٦٠] ﴿وَإِذْ﴾ أي: واذكرْ إذ. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ لأزداد بصيرةً، وإذا سئلتُ (١) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٤٤)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٨٩)، و "الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٠)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣١٢ - ٣١٣)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٦٩)، و"تفسير البغوي" (١/ ٢٨٠)، و "التيسير" للداني (ص: ٨٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣١)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢٠١). هل رأيتَ إحياءَ الموتى؟ فأقولُ: نعم. قرأ ابنُ كثيرٍ، ويعقوبُ والسوسيُّ عن أبي عمرٍو: (أَرْنِي) بسكون الراء (١). ﴿قَالَ﴾ الله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ مع علمِه بإيمانه ليظهر إيمانه لكلِّ سامعٍ. ﴿قَالَ بَلَى﴾ يا ربِّ قد علمتُ فآمنتُ. ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ﴾ أي: ليسكن (٢). ﴿قَلْبِي﴾ ويصيرَ علمُ اليقينِ بالاستدلال عينَ اليقينِ بالمشاهدةِ. تلخيصُه: آمنتُ وأريدُ مشاهدةَ ذلك لإيمانِ غيري، وفي معنى قولهِ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ من الأمثال الدائرة على ألسنِ (٣) الناس: ليسَ المُخْبَرُ كالمعايِن، وقد رُوي الحديثِ الشريفِ: "لَيْسَ الْخَبَرُ كَالمُعَايَنَةِ" رواه الإمام أحمدُ وغيرُه (٤). ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ نسرًا وطاوسًا وغرابًا وديكًا. ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ أي: قَطِّعْهُنَّ. قرأ أبو جعفرٍ، وحمزةُ، وخلفٌ، ورُويسٌ: (فَصرْهُنَّ) بكسر الصاد؛ أي: أَمِلْهُنَّ، والباقون: بضمِّها على (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٦٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٤٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢٠٢). (٢) في "ن": "يسكن". (٣) في "ت": "ألسنة". (٤) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١/ ٢١٥)، وابن حبان في "صحيحه" (٦٢١٣)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (٢٥)، والحاكم في "المستدرك" (٣٢٥٠)، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-. المعنى الأول (١)، والمعنى: أملهنَّ إليك واعتبرهُنَّ، ثم قَطِّعْهُنَّ، ثم اخلِطْ لحمَهُنَّ بعضَه ببعض، ثم أمسكْ رؤوسهن، ثم جَزِّئْهُنَّ أجزاءً. ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ﴾ من جبال أرضِك، وكانت سبعة. ﴿مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ قرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ (جُزُؤًا) بضم الزاي والهمز حيثُ وقعَ، وقرأ أبو جعفرٍ: بتشديدِ الزاي بغير همز، والباقون: بالجزم والهمز (٢). ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ قلْ لَهُنَّ تعالَيْنَ بإذنِ الله. ﴿يَأْتِينَكَ﴾ ففعل، فعاد كلُّ جزء إلى جسده، ثم أتينَ إلى رؤوسهن. ﴿سَعْيًا﴾ سريعًا. ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يعجزُ عما يريدُ (٣). ﴿حَكِيمٌ﴾ في كلِّ ما يفعله. ... (١) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٤٥)، و "السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٩٠)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠١)، و"الكشف" لمكي (١/ ١٥٨)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٦٩)، و"تفسير البغوي" (١/ ٢٨٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٢٠٢). (٢) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٤٥)، و"الكشف" لمكي (١/ ٢٤٧)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٦٩)، و"تفسير البغوي" (١/ ٢٨٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢٢١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢٠٣). (٣) في "ش": "يريده".

البقرة 2:261

﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾. [٢٦١] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: مثلُ نفقاتِ المنفقين في الجهادِ، أو جميعِ أبوابِ الخير. ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ أي: نفقاتُهم تشبهُ حبةً. ﴿أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وعاصمٌ، وقالونُ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ: (أَنْبَتَتْ سَبْعَ) وشبهَه حيثُ وقعَ بإظهار التاءِ عندَ السين، والباقون: بالإدغام (١)، المعنى: يتشعَّبُ من أصلِها سبعُ شعبٍ، في كل شعبةٍ سنبلةٌ. ﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ﴾ يزيدُ الثوابَ. قرأ ابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ: (يُضَعِّفُ) بتشديد العين بغير ألف (٢). ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ من المنفقين إلى ما يشاء. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ غنيٌّ يعطي من سَعَةٍ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيةِ مَنْ ينفقُ. (١) انظر: "المحتسب" لابن جني (١/ ١٣٧)، و"تفسير البغوي" (١/ ٢٨٢)، و"الكشاف" للزمخشري (١/ ١٥٩)، "إملاء ما منَّ به الرحمن" للعكبري (١/ ٦٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢٠٤). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٦٩)، و"تفسير القرطبي" (٣/ ٣٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢٠٤).

البقرة 2:262

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾. [٢٦٢] ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ نزلتْ في عثمانَ بنِ عفانَ، وعبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ -رضي الله عنهما- حين أنفقا أموالَهما في طاعةِ الله (١). ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ لا يَمُنُّ على المنفَقِ عليه، ولا يُعَيِّرُهُ. ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ أي: ثوابُهم. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ فلهم الأَمْنُ مع الفرحِ (٢). ... ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾. [٢٦٣] ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ ردٌّ جميلٌ. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أن تسترَ عليه. ﴿خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ مَنٌّ وتعييرٌ. ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عن صدقةِ من يَمُنُّ. ﴿حَلِيمٌ﴾ عن معاجلتِه بالعقوبة. (١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٢٨٣)، و "العجاب في بيان الأسباب" لابن حجر (١/ ٦٢١). (٢) في "ظ" و"ن": "الفرج".

البقرة 2:264

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾. [٢٦٤] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾ أي: أُجورَها. ﴿بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ﴾ أي: كإبطال الذي ينفقُ. ﴿مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ ليقال: كريم. قرأ أبو جعفرٍ: (رِيَا النَّاسِ) بغير همز. ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ يريدُ أنَّ النفقةَ مع الرياء لا تكونُ فعلَ المؤمن، وهذا للمنافق (١). ﴿فَمَثَلُهُ﴾ أي: مثلُ نفقةِ المرائي بها. ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ حجرٍ أملسَ. ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ مطرٌ شديدٌ. ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ نَقِيًّا من التراب الذي كان عليه. المعنى: مثلُ المانِّ والمنافِقِ في (٢) صدقاتِهما يومَ القيامةِ كحجرٍ عليهِ ترابٌ أزالَه عنهُ المطرُ. ﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾ أي: المراؤون. ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: على ثوابِ شيءٍ. (١) في "ش": "المنافقين". (٢) "في" ساقطة من "ش".

البقرة 2:265

﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾ عملوا في الدنيا. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ إلى الخير. عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ"، قالوا: يا رسولَ الله! وما الشرك الأصغر؟ قال: "الرِّيَاءُ يَقُولُ اللهُ لَهُمْ يَوْمَ يُجَازِي الْعِبَادَ بِأَعْمَالِهِمُ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذيِنَ كُنْتُمْ تُرَاؤُونَ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟! " (١). ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾. [٢٦٥] ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ أي: طلبَ رضوانِ الله. ﴿وَتَثْبِيتًا﴾ أي: تصديقًا. ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: يُخرجون الزكاةَ طَيِّبَةً بها نفوسُهم على يَقينٍ بالثوابِ وتصديقٍ بوعدِ الله، يعلمون أنَّ ما أخرجوا خير لهم مما تركوا. والمعنى: مثلُ نفقةِ هؤلاء ونموِّها عندَ الله. ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ أي: بستان. (١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٥/ ٤٢٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٦٨٣١)، عن محمود بن لبيد -رضي الله عنه-. ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٤٣٠١)، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج -رضي الله عنهما-. ﴿بِرَبْوَةٍ﴾ هي المرتَفِعُ المستوي من الأرض، لا يعلوه الماء، ولا يعلو عن الماء، فيكون نبتُه حسنًا. قرأ ابنُ عامرٍ، وعاصمٌ: بفتح الراء، والباقون: بالضم (١). ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ مطرٌ شديدٌ كثير. ﴿فَآتَتْ﴾ أعطَتْ. ﴿أُكُلَهَا﴾ جَناها. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو: (أُكْلَهَا) بجزم الكاف، والباقون: بالضم (٢). ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أي: حملَتْ في سنة ما يحملُ غيرها في سنتينِ. ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ هو المطرُ الخفيفُ الدائمُ. المعنى: إن هذه الجنةَ تَريعُ، قلَّ المطرُ أو كَثُرَ، كذلك صدقةُ المؤمنِ المخلصِ تنفعُه، قَلَّتْ أو جَلَّتْ. (١) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٤٦)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٩٠)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٢)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣١٣)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٦٩)، و"تفسير البغوي" (١/ ٢٨٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٣)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢٠٦). (٢) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٤٦)، و "السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٩٠)، و "الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٢)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣١٣ - ٣١٤)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٦٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٦)، و "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٦٣)، و "معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢٠٧).

البقرة 2:266

﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تحذيرٌ عن الرياء. ويتصلُ بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ قولُه تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾. [٢٦٦] ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ﴾ جمعُ نخلٍ. ﴿وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا﴾ رزقٌ. ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ وخُصَّ النخيلُ والأعنابُ بالذِّكرِ تفضيلًا لهما. ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ﴾ أي: أولادٌ. ﴿ضُعَفَاءُ﴾ صغارٌ. ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ﴾ ريحٌ عاصفٌ ترتفعُ إلى (١) السماء كالعمودِ. ﴿فِيهِ نَارٌ﴾ المعنى: أيحبُّ أحدُكُم أن يملكَ جنةً في غايةِ الجَوْدَةِ يدَّخِرُها لفاقَتِه، فَأَحْوَجَ ما كانَ إليها (٢) أصابَتْها نار. ﴿فَاحْتَرَقَتْ﴾ فبقيَ مُتحيرًا مُحتاجًا، لا يجدُ ما يعودُ به عليه، كذلك (١) "إلى" ساقطة من "ش". (٢) "إليها" ساقطة من "ش".

البقرة 2:267

المرائي بعمله، أحوجَ ما يكونُ إليه لا ينفعُه. تلخيصه: من عملَ لغيرِ الله، ندمَ حينَ لا ينفعُ (١) الندم. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كهذا البيانِ الذي بُيِّنَ فيما تقدَّمَ. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: الدلالاتِ التي تحتاجون إليها. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ فتعتبرون. ... ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾. [٢٦٧] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ حلالاتِ. ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ بالتجارةِ والصنعةِ. قال - ﷺ -: "إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ" (٢)، واستدلَّ الإمامُ أحمدُ -رضي الله عنه- بهذا الحديث، وبقوله - ﷺ -: "أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ" (٣) على أن للرجلِ أن يأخذَ من مالِ ولدِه ما شاءَ، ويتملَّكَهُ، (١) في "ت": "لا ينفعه". (٢) رواه النسائي (٤٤٥٢)، كتاب: البيوع، باب: الحث على الكسب، وابن ماجه (٢١٣٧)، كتاب: التجارات، باب: الحث على المكاسب، والإمام أحمد في "المسند" (٦/ ٣١)، وغيرهم عن عائشة -رضي الله عنها-. (٣) رواه أبو داود (٣٥٣٠)، كتاب: الإجارة، باب: في الرجل يأكل من مال ولده، وابن ماجه (٢٢٩٢)، كتاب: التجارات، باب: ما للرجل من مال ولده، والإمام أحمد في "المسند" (٢/ ١٧٩)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-.

البقرة 2:268

مع حاجتِه وعدِمها، في صغرِ الولدِ وكبرِه، بشرطِ ألَّا تتعلق حاجةُ الابنِ به، وألا يعطيَه لولدٍ آخر، وهو من مفرَداتِ مذهبِه التي خالفَ فيها الثلاثَة. ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ من الحبوبِ والثمرِ. ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾ تقصِدُوا. قرأ البزيُّ عن ابنِ كثيرٍ: بتشديد التاء في الوصل (١). ﴿الْخَبِيثَ﴾ الرديء. ﴿مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ يعني: الخبيثَ. ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ أي: تتسامحوا في أخذِه، وأصلُ الإغماضِ: غَضُّ البصرِ. المعنى: إنكم لا تأخذونَه إلا في حالِ الإغماض. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عن صدقاتِكم. ﴿حَمِيدٌ﴾ محمودٌ في أفعاله. ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾. [٢٦٨] ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ﴾ يُخَوِّفُكم. ﴿الْفَقْرَ﴾ بأن يقولَ: إنْ تصدَّقْتُم، افتقرتُم، والفقرُ: شرُّ الحالِ، وقِلَّةُ ذاتِ اليد. (١) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٤٦)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣١٤ - ٣١٥)، و "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٦٩)، و"تفسير البغوي" (١/ ٢٩١)، و "التيسير" للداني (ص: ٨٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٦٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢٠٨).

البقرة 2:269

﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ بالبخلِ ومنعِ الزكاة، وكلُّ فحشاءَ في القرآنِ فهو الزنا إلا هذا. ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ﴾ لذنوبِكم. ﴿وَفَضْلًا﴾ خَلَفًا مما أنفقتُم. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ غنيٌّ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بما ينفَق. ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾. [٢٦٩] ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ﴾ أي: العلمَ النافعَ، وقيلَ غيرُه. ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ وأصلُ الحكمة: المنعُ، ثم استعمِلَتْ للمنع مع إصلاحٍ. ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ قرأ يعقوبُ: (وَمَنْ يُؤْتِ الْحِكْمَةَ) بكسرِ التاء (١)؛ أي: من يؤته اللهُ الحكمةَ، وإذا وقفَ، أثبتَ الياء. تلخيصُه: من أعطى ما يُدخلُه الجنةَ ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ﴾ يتَّعظ. (١) انظر: "المحتسب" لابن جني (١/ ١٤٣)، و"تفسير البغوي" (١/ ٢٩٣)، و "الكشاف" للزمخشري (١/ ١٦٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي. (ص: ١٦٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢١٠).

البقرة 2:270

﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ذوو العقول. ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠)﴾. [٢٧٠] ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ في طاعةٍ أو معصيةٍ. ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ أَوْجَبْتُموه على أنفسكم، والنذرُ: هوُ إلزامُ مكلَّفٍ مختارٍ نفسَه للهِ تعالى شيئًا بقولٍ غيرِ لازمٍ بأصلِ الشرعِ، فإذا نذرَ في طاعة، انعقدَ ولزمَه فعلُه بالاتفاق، وإذا نذرَ في معصيةٍ، لم يَجُزِ الوفاءُ به بالاتفاق، ويلزمُه عند أحمدَ كفارةُ يمينٍ، خلافًا للثلاثةِ. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ يحفظُه، فيَجْزيكم به. ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ الواضعينَ الصدقةَ في غير محلِّها. ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أعوانٍ يدفعونَ عذابَ الله عنهم. ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾. [٢٧١] ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ أي: تُظْهروا. ﴿الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ أي: نعمَ الخصلةُ. قرأ أبو عمرٍو، وقالونُ، وأبو بكرٍ: بكسر النون، واختلاسِ كسرة العين، وابنُ عامرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: بفتح النون، وكسر العين، وأبو جعفرٍ، بكسر النون، وسكون العين، وتخفيف الميم، والباقون: بكسر النون والعين، وكلها لغاتٌ صحيحة (١). ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا﴾ تستُروها. ﴿وَتُؤْتُوهَا﴾ أي: تعطوها. ﴿الْفُقَرَاءَ﴾ سِرًّا. ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وأفضلُ، في الحديث: "صدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ" (٢) قيل: هذا في صدقة (٣) التطوع، وأما الزكاةُ، فإظهارُها أفضلُ؛ ليقتدَى به. (١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٢٩٠)، و"الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٤٦ - ١٤٧)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٩٠)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٢)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣١٦)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٠)، و"تفسير البغوي" (١/ ٢٩٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٥ - ٢٣٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٦٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢١٠ - ٢١١). (٢) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٩/ ٤٢١)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١٠٢)، عن معاوية -رضي الله عنه-. ورواه الحاكم في "المستدرك" (٦٤١٨)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٩٩)، عن جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه-. وروى الترمذي (٦٦٤)، كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في فضل الصدقة، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- بلفظ: "إن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء" وقال: حسن غريب. وفي الباب: عن أبي سعيد الخدري، وأبي أمامة -رضي الله عنهما-. وأسانيدها ضعاف، انظر: "التلخيص الحبير" لابن حجر (٣/ ١١٤). (٣) في "ت": "الصدقة". ﴿وَيُكَفِّرُ﴾ يخففْ. ﴿عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ يعني: الصغائرَ من الذنوب. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ، وأبو بكرٍ: بالنون، ورفعِ الراء؛ أي: ونحنُ نكفرُ، وابنُ عامرٍ، وحفصٌ: بالياءِ والرفع؛ أي: ويكفرُ الله، ونافعٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وأبو جعفرٍ: بالنون وجزم الراءِ نسقًا على الفاء التي في قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ لأن موضعها جزمٌ بالجزاء (١). ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ترغيبٌ في الإسرار. قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ: كانوا يتصدَّقونَ على فقراءِ أهلِ الذمَّةِ، فلما كثرَ فقراءُ المسلمينَ، قالَ رسولُ الله - ﷺ -: "لا تتصدقوا إِلَّا عَلَى أَهْلِ دينكُم" فنزلَ قولُه تعالى (٢): (١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٢٩١)، و "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٤٧ - ١٤٨)، و "السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٩١)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٢)، و "الكشف" لمكي (١/ ٣١٦ - ٣١٧)، و "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٠)، و "تفسير البغوي" (١/ ٢٩٤)، و"تفسير القرطبي" (٣/ ٣٣٥ - ٣٣٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٦)، و"تفسير الرازي" (٢/ ٣٥٢)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (٢/ ٣٢٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٦٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢١٢ - ٢١٣). (٢) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٢٩٥)، و"العجاب في بيان الأسباب" لابن حجر (١/ ٦٣١)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٢/ ٨٧).

البقرة 2:272

﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)﴾. [٢٧٢] ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ﴾ أي: لا يلزمُك. ﴿هُدَاهُمْ﴾ هُدى التوفيق، وعليك هُدى البيان، فلا تمنعْهُمُ الصدقةَ لِيُسْلِموا. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ فأعطَوْهم بعدَ نزول الآية. ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ أي: مالٍ. ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ ثوابُه لا لغيركم. ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ﴾ (ما) بمعنى النهي؛ أي: لا تنفقوا. ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ في أهل الذمة، (ما) هذه شرط كالأول، ولذلك حذف النون منها. ﴿يُوَفَّ﴾ أي: يؤدَّ. ﴿إِلَيْكُمْ﴾ ثوابُه. ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ تُنقَصون من ثواب أعمالكم شيئًا، هذا في صدقة التطوَّع توضَع في المسلمين وأهلِ الذمَّة بالاتفاقِ، أما المفروضةُ فلا توضَعُ إلا في المسلمينَ في الأصنافِ الثمانيةِ، وجَوَّزَ أبو حنيفةَ وحدَه وضعَ صدقةِ الفطرِ في أهل الذمَّةِ.

البقرة 2:273

﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)﴾. [٢٧٣] ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ أي: صدقاتُكم للفقراءِ. ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا﴾ أي: حَبسوا نفوسَهم عن التصرُّف للتعبُّدِ. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهم أهل الصُّفَّةِ كانوا زهاءَ أربعِ مئةٍ يسكنونَ المسجدَ، يَرْضَخون النوى نهارًا؛ أي: يكسرونَه ويأخذونَ عليه الأجرةَ، ويصرفونَها في النفقة، ويقرؤون القرآنَ ليلًا، يخرجون في كلِّ سَرِيَّةٍ يبعثُها النبي - ﷺ -. ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا﴾ سيرًا. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ لكثرةِ أعدائِهم من كثرةِ ما جاهدوا. ﴿يَحْسَبُهُمُ﴾ قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وعاصمٌ، وحمزةُ: بفتح السين، والباقون: بالكسر (١). ﴿الْجَاهِلُ﴾ بحالهم. (١) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٤٨)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٩١)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٣)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣١٧ - ٣١٨)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٠)، و "تفسير البغوي" (١/ ٢٩٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٤)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٦٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢١٤).

البقرة 2:274

﴿أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ عن السؤالِ وقناعتِهم، والعِفَّةُ: هي حصولُ حالةٍ للنفس تمتنعُ بها عن غلبةِ الشهوةِ. ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ بعلامتهم التواضُعِ. ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ أي: إلحاحًا. ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ وعليه مُجازٍ. ... ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾. [٢٧٤] ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ نزلَتْ في عليٍّ بن أبي طالب -رضي الله عنه-، كانت عندَه أربعةُ دراهمَ لا يملكُ غيرَها، فتصدَّقَ بدرهم ليلًا، وبدرهمٍ نهارًا، وبدرهمٍ سرًّا، وبدرهمٍ علانيةً (١). ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ تلخيصه: من أنفقَ للهِ يُثَبْ مع الأمنِ والفرحِ. {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٤٧)، و "تفسير البغوي" (١/ ٢٩٨)، و"العجاب" لابن حجر (١/ ٦٣٤).

البقرة 2:275

وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)}. [٢٧٥] ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ أي: يعامِلُون به، وخُصَّ بالأكل؛ لأنه معظمُ المقصود، والربا لغةً: الزيادةُ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (الرِّبَا) بالإمالةِ حيثُ وقعَ (١). ﴿لَا يَقُومُونَ﴾ من قبورِهم. ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ﴾ أي: إلا قيامًا مثلَ قيامِ. ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ﴾ أي: يضربُهُ ويصرعُهُ. ﴿الشَّيْطَانُ﴾ والخبطُ: الضربُ على غيرِ استواء. ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ أي: الجنون. ومعناه: أن آكلَ الربا يُبْعَثُ يومَ القيامةِ وهو كمثلِ المصروعِ. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: العذابُ النازلُ بهم. ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا﴾ أي: بسببِ قولهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ لأنه كانَ إذا حَلَّ على رجلٍ مالٌ، يقولُ لغريمه: زِدْني في الأَجَل، وأَزيدُك في الربحِ، فيفعلانِ ذلكَ، ويقولان: سواءٌ علينا الزيادةُ في أولِ البيعِ وعندَ المحلِّ لأجلِ التأخير، فكذَّبهم الله تعالى بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ هذا تصريحٌ أن القياسَ يبطلُه النصُّ؛ لأنه (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٠)، و"تفسير الرازي" (١/ ٣٥٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢١٥). جعلَ الدليلَ على بطلانِ قياسِهم تحليلَ الله وتحريمَه. ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ أي: بَلَغَهُ موعظةُ تذكيرٍ وتخويفٍ. ﴿مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى﴾ عن أكلِ الربا. ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ أي: مضى من ذنبه قبلَ النهي مَعْفُوٌّ عنه. ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ فيما يأمره وينهاه، وليس له شيء من أمر نفِسه. ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ إلى الربا بعدَ النهي. ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ عن جابر قالَ: "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ" (١)، وقد اتفقَ الأئمةُ على تحريم الربا، وجوازِ البيع؛ لنصِّ الكتابِ والسنةِ فيهما، والبيعُ مصدرُ بعتُ، يقال: باعَ يبيعُ بمعنى: ملكَ، واشتقاقُهُ من الباع؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من المتعاقِدَين يمدُّ باعَه للأخذِ والعطاء، ومعناهُ لغةً: إعطاءُ شيءٍ، وأخذُ شيء، وشَرْعًا: مبادَلَةُ المالِ بالمالِ لغرضِ التملُّكِ، ويصحُّ بالإيجابِ والقَبُول بالاتفاق، فيقولُ البائعُ: بعتُكَ، أو مَلَّكْتُكَ، ويقولُ المشتري: ابْتَعْتُ، أو قَبِلْتُ ونحوهما، واختلفوا في المعاطاة مثلَ أن يقول: أَعْطِني بهذا الدينار خُبْزًا (٢)، فيعطيه ما يُرضيه، أو يقولُ البائعُ: خذْ هذا بدرهم، فيأخذهُ، فقال الشافعيُّ: لا يصحُّ، وقال الثلاثة: يصحُّ؛ لأنه يدلُّ على الرضا المقصودِ من الإيجابِ والقبول. (١) رواه مسلم (١٥٩٨)، كتاب: المساقاة، باب: لعن آكل الربا ومؤكله، عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-. (٢) "خبزًا" ساقطة من "ش".

البقرة 2:276

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾. [٢٧٦] ﴿يَمْحَقُ﴾ أي: ينقصُ. ﴿اللَّهُ الرِّبَا﴾ ويُذْهِبُ بَرَكَتَه. ﴿وَيُرْبِي﴾ أي: يزيدُ. ﴿الصَّدَقَاتِ﴾ ويُبارِكُ فيها. في الحديثِ: "ما نَقَصَتْ زَكَاةٌ مِنْ مَالٍ قَطُّ" (١). ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ﴾ بتحريمِ الربا. ﴿أَثِيمٍ﴾ مُصِرٍّ على الإثمِ (٢)، فاجرٍ بأكلِه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾. [٢٧٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من آتٍ. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على فائِتٍ. ونزلَ في المنعِ من المطالبةِ ببقايا الربا قولُه تعالى: (١) رواه مسلم (٢٥٨٨)، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: استحباب العفو والتواضع، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- بلفظ: "ما نقصت صدقة من مال". (٢) في "ن": "الربا".

البقرة 2:278

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾. [٢٧٨] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي كاملي الإيمان. ... ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾. [٢٧٩] ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ تَذَروا ما بقيَ من الربا. ﴿فَأْذَنُوا﴾. قرأ حمزةُ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: (فَآذِنُوا) بالمدِّ على وزنِ آمِنوا؛ أي: فأَعْلِموا غيرَكم أنكم حربُ اللهِ ورسوله، وقرأ الباقون: مقصورًا بفتح الذال؛ أي: فاعلموا أنتم وأَيقنوا (١). ﴿بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ عن ابن عباس: "يُقَالُ لِآكِلِ الرِّبَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: خُذْ سِلاَحَكَ لِلْحَرْبِ" (٢)، وَحَرْبُ اللهِ النَّارُ، وَحَرْبُ رَسُولهِ السَّيْفُ. ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ عن الربا. ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ التي أَرْبَيْتُمْ بها. ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ بطلبِ الزيادة. (١) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٤٨)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٩٢)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٣)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣١٨)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٠)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٠٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٤)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٦)، و "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٦٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢١٧). (٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ١٠٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٥٥٠).

البقرة 2:280

﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ بأن تنقصوا عن رأسِ المالِ، وهذا خبرٌ بمعنى النهي. فلما نزلت هذه الآية، قال المُرْبونَ: لا طاقةَ لنا بحربِ اللهِ ورسوله، ورَضُوا برأسِ المال، فشكا بنو المغيرةِ العسرةَ، وقالوا: أَخِّرونا إلى أن تدركَ الغلالُ، فأَبَوا، فأنزل الله (١): ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾. [٢٨٠] ﴿وَإِنْ كَانَ﴾ أي: الذي عليه الدينُ. ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ يعني: معسرًا، والعسرُ: ضدُّ اليُسر. قرأ أبو جعفرٍ: بضم السين، والباقون؛ بالجزم (٢). ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ أي: إمهال. ﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ إلى وقتِ يُسْرٍ. قرأ نافعٌ: بضم السين، والباقون: بالفتح (٣). ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ بتركِ رؤوسِ الأموالِ، أو بعضِها للمعسرِ. (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٤٩). (٢) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٣٠٤)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٦٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢١٨). (٣) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٢٩٥)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٣)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣١٩)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٠)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٠٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢١٩).

البقرة 2:281

﴿خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه خير لكم، فتعملون به، فجعلَ من علمَ ولم يعملْ كمن لم يعلمْ. قرأ عاصمٌ: (تَصدَّقُوا) بتخفيفِ الصاد، والباقون: بتشديدها (١)، قال - ﷺ -: "مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَنْجَاهُ اللهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (٢)، فإذا أقامَ المفلسُ البيِّنَةَ بإعسارِه، فقال أبو حنيفة: لا يحولُ القاضي بينَهُ وبينَ غُرمائه بعدَ خروجِه من الحبس، ويلازمونه، ولا يمنعونه من التصرُّفِ والسفر، ويأخذونَ فضلَ كسبِه بينهم بالحِصَص، وقال صاحباه: إذا فَلَّسَهُ القاضي، حالَ بينهَ وبينَ الغرماء، وهذا بناء على صحةِ القضاءِ بالإِفلاس (٣)، فيصحُّ عندَهما؛ خلافًا لأبي حنيفة؛ لأن الإفلاسَ عندَه لا يتحقَّقُ، وقال الأئمةُ الثلاثةُ كقولِ الصاحبين، ولا تُقبل بينةُ الإعسار عندَ أبي حنيفة إلا بعدَ الحبس، وعند الثلاثة: تُقبل قبلَه. ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾. [٢٨١] ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ قرأ أبو عمرٍو، ويعقوبُ: (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٩٣)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣١٩)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٠)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٠٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢٢٠). (٢) رواه مسلم (١٥٦٣)، كتاب: المساقاة، باب: فضل إنظار المعسر، عن أبي قتادة -رضي الله عنه-. (٣) في "ش": "بالفلاس". (تَرْجِعُونَ) بفتح التاء؛ أي: تَصيرون إلى الله، وقرأ الباقونَ بالضم وفتحِ الجيم؛ أي: تُرَدُّون إلى الله (١). ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ بنقصِ ثوابٍ، وتضعيفِ عقاب. قال ابنُ عباس: "هَذِهِ آخرُ آيةٍ نزلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -" (٢)، فَقَالَ جِبْرِيلُ: ضَعْهَا عَلَى رَأْسِ مِئَتَيْنِ وَثَمانِينَ آيةً مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ (٣)، وعاشَ بعدَها رسولُ الله - ﷺ - أحدًا وعشرين يومًا، وماتَ يوم الإثنين لاثنتي عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ من ربيعٍ الأولِ حينَ زاغتِ الشمسُ سنةَ إحدى عَشْرَةَ من الهجرة، وله ثلاثٌ وستون سنةً. ... {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ (١) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٤٩)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٩٣)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣١٩ - ٣٢٠)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٠)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٠٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٣١)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢٢٠). (٢) رواه البخاري (٤٢٧٠)، كتاب: التفسير، باب: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ}. (٣) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٣٠٦).

البقرة 2:282

إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)}. [٢٨٢] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ تَعامَلْتُم. ﴿بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ مدةٍ معلومةٍ، قال ابنُ عَبَّاسٍ: "لَمَّا حَرَّمَ اللهُ الرِّبَا، أَبَاحَ السَّلَمَ، وقالَ: أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَفَ المضمونَ إلى أجلٍ مسمًّى قد أحلَّه اللهُ في كتابِهِ وأذِنَ فيه" (١)، واختلفَ الأئمةُ في السلم على حكم الحلول، فقال الشافعي: يصحُّ، وقالَ الثلاثةُ: لا يصحُّ إلا مؤجَّلًا، فعندَ أبي حنيفةَ وأحمدَ يكونُ الأجلُ له وقعٌ في الثمن؛ كالشهرِ ونحوِهِ، وعندَ مالكٍ إلى عدَّةٍ تختلفُ فيها الأسواقُ عُرْفًا؛ كخمسةَ عَشَرَ يومًا. ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ دَيْنًا كانَ أو قَرْضًا، وهذا أمرُ استِحْباب عندَ الأكثر. ﴿وَلْيَكْتُبْ﴾ كاتبُ الدَّينِ. ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أي: بينَ الخصمَيْن. ﴿كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ أي: بالحقِّ. (١) رواه الإمام الشافعي في "مسنده" (ص: ١٣٨)، وعبد الرزاق في "المصنف" (١٤٠٦٤)، والحاكم في "المستدرك" (٣١٣٠)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٦/ ١٨). ﴿وَلَا يَأْبَ﴾ لا يمتنعْ. ﴿كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ هذا نهيٌ عن الامتناع من الكتابة. ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ تلكَ الكتابةَ. ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ بأن يُقِرَّ بلسانِه ليعلمَ ما عليه. ﴿وَلْيَتَّقِ﴾ المُمْلي. ﴿اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ﴾ أي: لا ينقِصْ. ﴿مِنْهُ﴾ أي: من الحق. ﴿شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ أي: جاهلًا بالإملاء. ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ عن الإملاء لصغرٍ أو كبرٍ. ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ لخرسٍ أو عُجْمة ونحوِ ذلك، المعنى: إذا عجزَ مَنْ عليه الحقُّ عن الإملاءِ. قرأ أبو جعفرٍ: (أَنْ يُمِلَّ هْوَ) بسكون الهاء (١). ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ أي: قَيِّمُهُ أَو تَرْجُمانُه. ﴿بِالْعَدْلِ﴾ بالصدقِ، والحقّ، وقيل: وليُّه: صاحبُ الحقِّ؛ لأنه أعلمُ (٢) بحقِّهِ. ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾ اطلبوا. (١) انظر: "إملاء ما منَّ به الرحمن" للعكبري (١/ ٦٩)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (٢/ ٣٤٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢٢٢). (٢) "أعلم" ساقطة من "ش". ﴿شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ الأحرارِ البالغينَ العقلاءِ المسلمينَ يَشْهدان على الدَّينِ، وجَوَّزَ أحمدُ شهادةَ العبدِ حَتَّى في حَدٍّ وقَوَدٍ، وشهادةَ الذمِّيِّ على المسلمِ، والذميِّ في الوصيةِ في السفرِ، وسيأتي في سورة المائدة -إن شاء الله تعالى-، وجوز أبو حنيفةَ شهادةَ الكفارِ بعضِهم على بعضٍ على اختلافِ مِلَلِهم، وخالفهما مالكٌ والشافعيُّ. ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا﴾ أي: الشاهدان. ﴿رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ﴾ أي: فليشهدْ رجلٌ. ﴿وَامْرَأَتَانِ﴾ وشهادةُ النساءِ مع الرجالِ في الأموالِ جائزةٌ بالاتفاقِ، وعند الثلاثةِ يثبتُ المال بالشاهدِ واليمين؛ خلافًا لأبي حنيفةَ، وعند مالكٍ يثبتُ المالُ بشهادةِ امرأتينِ ويمينِ المدَّعي؛ خلافًا للثلاثة، ومئةُ امرأةٍ عندَه كامرأتين، وتقبلُ شهادة أحدِ الزوجين للآخر عندَ الشافعي؛ خلافًا للثلاثة، وأما في غير الأموال، فتجوز شهادةُ النساءِ مع الرجال في غيرِ العقوبات؛ كالنكاح ونحوه عند أبي حنيفة فقط، وما لا يطَّلعُ عليه الرجالُ غالبًا؛ كعيوبِ النساء تحتَ الثياب، والرَّضاع، والاستهلالِ، والبكارةِ، والثيوبة، ونحوِها يثبتُ عند الشافعيِّ بشهادةِ رجلٍ وامرأتين، وشهادةِ أربعِ نسوةٍ، وعند مالكٍ بشهادةِ امرأتين، ويثبت ما عدا الرضاعَ عندَ أبي حنيفة بشهادةِ امرأةٍ واحدةٍ، وأما الرضاعُ، فلا يُقبل فيه شهادةُ النساءِ منفرداتٍ، ويثبتُ الجميعُ حتى الرضاعُ عندَ أحمدَ بشهادةِ امرأةٍ واحدةٍ، ولو كانت هي المرضعةَ، واتفقوا على عدم جواز شهادةِ النساءِ في العقوباتِ. ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ أي: من كان مَرْضِيًّا في ديانته وأمانِته. ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ أي: لأن تَضِلَّ، أي: تنسى. ﴿إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ المعنى: إذا نسيت إحداهما، ذَكَّرَتْها الأخرى. قرأ عاصمٌ، وابن عامرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وروحٌ عن يعقوبَ (الشُّهَدَاءِ أَنْ) بتحقيقِ الهمزتين، وقرأ نافعٌ، وأبو عمرٍو، وابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ، ورُويسٌ عن يعقوبَ: بتحقيقِ الأولى وتسهيلِ الثانية بأن تبدلَ ياءً محضةً، وقرأ حمزةُ: (إِنْ) بكسرِ الألف، (فَتُذَكِّرُ) برفع الراءِ مشددًا، ويعقوبُ: (فَتَذْكُرَ) بالتخفيف وفتح الراء، وقرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، وأبو جعفرٍ، وعاصمٌ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (فَتُذَكِّرَ) بفتح الذال والتشديد وفتح الراء، مع اتفاقهم على فتح الألف في: (أَنْ تَضِلَّ) سوى حمزةَ كما تقدَّم (١). ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ لتحمُّلِ الشهادة. قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وابنُ عامرٍ، ورَوْحٌ عن يعقوبَ: (الشُّهَدَاءُ إِذَا) بتحقيق الهمزتين، والباقون: بالتسهيل، وهو إبدال الثانية واوًا خالصة مكسورة (٢)، فتحمُّلُ الشهادةِ فرضُ كفايةٍ، وأداؤها إذا تعينت فرضُ عينٍ، ولا يحلُّ أخذُ أجرةٍ عليها بالاتفاق. (١) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٥٠)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٩٤)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٢٠ - ٣٢١)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٠ - ١٧١)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٠٩ - ٣١٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢٢٢ - ٢٢٤). وضبط في "معجم القراءات" قراءة يعقوب: فَتُذْكِرَ، بضم التاء. (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧١)، و "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢٢٤). فعند أبي حنيفة إذا طلبَه المدَّعي، وكان قريبًا من القاضي، لزمه المشيُ إليه، وإن كان بعيدًا أكثرَ من نصفِ يوم لا يأثمُ بتخلُّفه؛ لأنه يلحقُه الضررُ، وإن كان الشاهدُ يقدر على المشي، فأركبه المدَّعي من عنده، لا تُقبل شهادتُه؛ وإن كان لا يقدر، فأركبه، لا بأس به. وعند مالكٍ يلزمُه الأداء من نحوِ البريدين، وإن كانا اثنين، ولا تحلُّ إحالتهُ على اليمين، وإن لم يجتزِ الحاكمُ باثنين، فعلى الثالث، ولا يلزمُ مِنْ أبعدَ، ولا يجوز أن ينتفع منه فيما يلزمه إلا في ركوبِ إن لم يكن له دابةٌ، وعسرَ مشيُه، ويجوزُ فيما لا يلزمُه (١) أن يقامَ بما يتكلفه من دابةٍ ونفقةٍ، عجزَ أو لم يعجز. وعند الشافعيِّ إن كان القاضي معه في البلد، لزمه المشيُ إليه، وإن كان يأتيه من مسافة العَدْوى فما فوقها، فله طلبُ نفقةِ المركوب. قال البغويُّ من أصحابه: وكذا نفقةُ الطريق. وعند أحمدَ إذا دُعي إليها وقدرَ بلا ضررٍ يلحقُه، لزمَهُ الأداءُ، فعليه أن يقومَ بها على القريب والبعيد، و (٢) لا يسعهُ التخلفُ عن إقامتها، ويحرمُ أخذُ أُجرة وجُعْلٍ عليها مطلَقًا، ولكن إن عجزَ عن المشي، وتأذَّى به، فله أَخذُ أجرةِ مركوبٍ (٣). وتشترطُ عدالةُ الشاهدِ (٤) عندَ الثلاثة. (١) في "ش": "ويجوز فيما يلزمه". (٢) الواو زيادة من "ت". (٣) في "ت": "مركب". (٤) في "ن": "العدالة للشاهدين". وقال أبو حنيفة: يقتصرُ في المسلم على ظاهرِ عدالتِه إلا في الحدودِ والقصاص، فإن طعنَ الخصمُ فيه، سأل عنه. وقال صاحباه: يُسْأَلُ عنهم في جميع الحقوق سِرًّا وعلانيةً، وعليه الفتوى. ﴿وَلَا تَسْأَمُوا﴾ أي: تملُّوا. ﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾ أي: الحقَّ. ﴿صَغِيرًا﴾ كانَ الحقُّ. ﴿أَوْ كَبِيرًا﴾ قليلَّا كَانَ أو كثيرًا. ﴿إِلَى أَجَلِهِ﴾ هو المعلومِ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ الكتابُ. ﴿أَقْسَطُ﴾ أعدلُ. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ لأنه أمرَ بهِ. ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾ أي: أَعْوَنُ؛ لأن الكتابةَ تُذَكِّرُ الشهودَ. ﴿وَأَدْنَى﴾ أقربُ. ﴿أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ تشُكُّوا في الشهادةِ. ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ قرأ عاصمٌ: بالنصب فيهما على خبر كان؛ أي: إلا أن تكونَ التجارةُ تجارةً. وقرأ الباقون: بالرفع، وله وجهان: أحدهما: أن يُجْعَلَ الكونُ بمعنى الوقوع، معناه: ألَّا تقعَ تجارةٌ، والثاني: أن يُجعلَ الاسمُ في التجارة، والخبرُ في الفعل (١)، وهو قوله: ﴿حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا﴾ المعنى: إلا أن تكونَ التجارةُ حاضرةً يدًا بيدٍ تُديرونها. ﴿بَيْنَكُمْ﴾ ليسَ فيها أَجَلٌ. ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ يعني: التجارةَ. ﴿وَأَشْهِدُوا﴾ على التبايُع. ﴿إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ فإنَّه أدفعُ للاختلاف، وهذا أمرُ ندبٍ عندَ الأكثر. ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ نهيٌ عن مُضارَّةِ الكاتبِ (٢) والشَّهيدِ، المعنى: إذا كانا مشغولينِ ويوجَدُ غيرُهما، فلا يُضارَّانِ بإبطالِ شُغْلِهما. قرأ أبو جعفرٍ (يُضَار) بإسكان الراء، والباقون: بالنصبِ والتشديد (٣). ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا﴾ الضِّرارَ. ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ﴾ أي: معصيةٌ. ﴿بِكُمْ﴾ وخروجٌ عن الأمرِ. (١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٣٠٠)، و"الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٥٢)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٩٤)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٣)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٢١ - ٣٢٢)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧١)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣١٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢٢٥). (٢) في "ت": "الكتاب". (٣) انظر: "البحر المحيط" لأبي حيان (٢/ ٣٥٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص ت ١٥٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢٢٥).

البقرة 2:283

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ المعنى: اجتنبوا معصيةَ الله يُعَرِّفْكُمْ طُرَقَ فلاحِكُم. تلخيصُه: من راقبَ اللهَ، أرشدَه. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ كرَّرَ لفظَ الله في الجمل الثلاث لاستقلالها؛ فإن الأولى حَثٌّ على التقوى، والثانيةَ وَعْدٌ بإنعِامِه، والثالثةَ تعظيمٌ لشأنه. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾. [٢٨٣] ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ مسافِرين. ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ﴾ أي: فالتوثُّقُ رُهُنٌ. ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ مسلَّمَةٌ إلى المرتهن، ولا بدَّ من القبضِ، فلا يتمُّ الرهْنُ بدونه، بالاتفاق، واستدامةُ القبضِ شرطٌ للُّزُومِ عند مالكٍ وأحمدَ، فمتى خرجَ عن يدِ المرتهنِ باختياره، زالَ لزومه، وبطلَ الرهنُ، وعندَ أبي حنيفةَ والشافعيِّ إذا أعادَهُ المرتهنُ مع بقاءِ الرهنِ، فلزومُه باقٍ، والرهنُ صحيحٌ، ونقلَ الزمخشري في "كَشَّافه" عن مالكٍ: أنه يصحُّ عندَه الارتهانُ بالإيجاب والقَبول بدونِ القبضِ (١)، وهو وهم. قرأ ابنُ كَثيرٍ، وأبو عمرٍو: (فَرُهُنٌ) بضم الراء والهاء من غير ألف، والباقون: (فَرِهانٌ) بكسرِ الراءِ وفتحِ الهاءِ (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٩٤)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣١١)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٦٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢٢٧). وألفٍ بعدَها، وهو جمعُ رَهْنٍ؛ كبَغْلٍ وبِغالٍ (١). ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ أي: وَثِقَ إليه لأمانتِهِ. ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ أي: فليقضِ المديونُ ما عليهِ من الدَّينِ، وسُمِّيَ أمانةً؛ لتعلُّقِه بالذمَّة؛ كتعلُّقِ الأمانِة. ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ في أداءِ الحقِّ، ثم التفتَ مخاطبًا للشهود فقال: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ إذا دُعيتم إلى إقامتِها، ثم تهدَّدَهم فقال: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ﴾ أي: يأثمُ. ﴿قَلْبُهُ﴾ لأنَّ الكتمانَ يُقَرُّ فيهِ، ولأنَّ القلبَ هو رئيسُ الأعضاءِ، والمضغةُ التي إن صلحَتْ صلحَ الجسدُ كلُّه، وإن فسدَتْ، فسدَ الجسدُ كلُّه، فكأنه قيل: قد تمكَّنَ الإثمُ في أصلِ نفسه، ومَلَكَ أشرفَ مكان فيه، والقلبُ هو محلُّ تحمُّلِ الشهادةِ والعقائدِ والنياتِ. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: "أَكْبَرُ الكبائرِ الإشْراكُ باللهِ، وشَهادةُ الزورِ، وكَتْمُ الشَّهادَةِ" (٢) والشهادةُ حجَّةٌ شرعيةٌ تُظْهِرُ الحقَّ ولا تُوجِبُهُ، فهيَ الإخبارُ بما عَلِمَهُ بلفظٍ خاصٍّ. ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾. (١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٣٠٥). (٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ١٤١).

البقرة 2:284

[٢٨٤] ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ مُلْكًا وخَلْقًا. ﴿وَإِنْ تُبْدُوا﴾ تُعْلِنوا. ﴿مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ تسُرُّوهُ. ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ والصحيحُ أنَّ هذهِ الآيةَ عامةٌ، تلخيصُه: أن الله تعالى يحاسب بِكُلٍّ عَبيدَهُ. ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الذنبَ العظيمَ. ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ على الذنبِ الحقيرِ، وكلُّ ما يفعلُه عدلٌ - سبحانه -. قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وعاصمٌ، ويعقوبُ: (فَيَغْفِرُ) و (يُعَذِّبُ) برفع الراء والباء على الابتداء؛ أي: فهو يغفرُ ويعذبُ، والباقون: بالجزم عطفًا على جواب الشرط (١)، وأدغمَ الراءَ في اللام أبو عمرٍو، وأظهر الباءَ عندَ الميم بعدَ سكونها ورشٌ، وابنُ كثيرٍ، بخلافٍ عن الثاني، وأدغَمَها الباقون من أصحابِ الإسكان في الميم (٢). ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيقدِرُ على الإحياءِ والمحاسبة. (١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٣٠٤)، و"الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٥٢)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٩٥)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٢٣)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧١)، و "تفسير البغوي" (١/ ٣١٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٦٧)، و "معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢٢٩). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٤)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (٢/ ٣٦١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٦٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢٣٠).

البقرة 2:285

﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾. [٢٨٥] ﴿آمَنَ﴾ صدق. ﴿الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ فهو جازمٌ في أمرِه غيرُ شاكٍّ فيه. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ﴾ أي: كلُّ واحدٍ منهم. ﴿آمَنَ بِاللَّهِ﴾ ولذلكَ وَحَّدَ الفعلَ. ﴿وَمَلَائِكَتِهِ﴾ لتحقيقِ كمالِ العظمة في خلقِهم وانقيادِهم ودخولهم في الملك، وتقديمُ الملائكةِ لا إشعارَ (١) فيه بأفضليَّتِهم على الرُّسُلِ بواسطةِ تأخيرِهم ذِكْرًا؛ لأن الغرضَ المسوقَ له الكلامُ مدحُ من صَدَّقَ بالغيب، فما كانَ أدخلَ في الغيبِ كانَ تقديمُه أهمَّ، والمدحُ عليه أَتَمَّ، رعايةً للمقامِ باعتبارِ ما سِيقَ له المقالُ، فتقديمُ ما اشتدَّ فيه الغيبُ حَقُّ السياق، وصرَّحَ بالرسلِ دونَ الأنبياء، مع أن الإيمانَ بالأنبياءِ مستلزمٌ الإيمانَ بالرسل، ولا عكسَ، لأنَّ بالتبليغِ قامتِ الحجَّةُ، واستقامَتِ المحَجَّةُ، وهم المخبرونَ عن المستترِ علمُه بأمر الله لهم، فالتنصيصُ عليهم أنسبُ بالحال. ﴿وَكُتُبِهِ﴾ لما اشتملَتْ عليه من إرشادِ العبيد إلى معبودهم. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَكِتَابِهِ) بالألف على التوحيد، يعني: القرآن، والباقون: بغير ألف على الجمع؛ لقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ﴾ (٢). (١) في "ت": "لا شعار". (٢) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٥٢)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٩٦)، = ﴿وَرُسُلِهِ﴾ أي: بما جاءتْ به عن الله، فبانَ أن المصيرَ إليه سبحانَهُ في سائرِ الأشياءِ، وجميعِ الأحوالِ، فالرسولُ والمؤمنونَ يقولون: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ فنؤمنُ ببعضٍ ونكفرُ ببعضٍ؛ كاليهودِ والنصارى. قرأ يعقوبُ: (لا يُفَرِّقُ) بالياء، فيكونُ خبرًا عن الرسول، ومعناه: لا يفرقُ الكُلُّ، وقرأ الباقون: بالنون على المعنى الأول (١). ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا﴾ أَجَبْنا. ﴿وَأَطَعْنَا﴾ دَخَلْنا في الطاعة، وهذا تمامُ المدحِ لهم؛ حيث ضمُّوا إلى الاعتقاد بالجَنان النُّطْقَ باللسان، روُي أنه لما نزلَتْ هذه الآيةُ، قالَ جِبريلُ للنبيِّ - ﷺ -: "إِنَّ اللهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ فَسَلْ تُعْطَهْ، فَقَالَ بِتَلْقِينِ جِبْرِيلَ إِيَّاهُ: غُفْرَانَكَ" (٢)؛ أي: اغفر. = و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٥)، و"الكشف" لمكي (١/ ١٧١)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧١)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣١٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٦٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢٣١). (١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٣١٥)، و"الكشاف" للزمخشري (١/ ١٧٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٦٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢٣٢). (٢) روى ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٣/ ١٥٣)، عن حكيم بن جابر -رضي الله عنه- قال: لما أنزلت على رسول الله - ﷺ -: "آمن الرسول... " قال جبريل: "إن الله عز وجل قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك، فسل تعطه، فسأل: "لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها". انظر: "البحر المحيط" لأبي حيان عند تفسير الآية (١٣١) من سورة البقرة، و"روح البيان" للآلوسي عند تفسير الآية (٢٨٤) من السورة، وذكر الآلوسي قول الزمخشري بأنه طعن -على عادته- في القراءات =

البقرة 2:286

﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ المرجعُ بعدَ الموتِ، وهي عبارةٌ عامةٌ شاملةٌ لمآلِ العبدِ في كلِّ أمرٍ وكلِّ نازلةٍ. ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾. [٢٨٦] ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي: طاقَتَها، والوُسْعُ: خِلافُ الضِّيقِ، وهو ما يسعُ الشيءَ ولا يضيقُ عليه، قال ابنُ عباسٍ: "هُمُ المؤمنونَ خاصَّةً، وَسَّعَ عليهم أَمْرَ دينهم، ولم يُكَلِّفْهم إلا ما يستطيعون" (١)، والتكليفُ: إلزامُ الكُلْفَةِ على المخاطَب، فلا يكلَّفُ معدومٌ حالَ عدمهِ بالاتفاق، ونَكَّرَ نَفْسًا؛ لأنه أوفى بالشيوع، وأولى بالشُّمول. قرأ أبو عمرٍو: (المَصِير لَّا يُكَلِّفُ) بإدغام الراء في اللام. ﴿لَهَا﴾ أي: للنفسِ. ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ من أعمالِ البرِّ. ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ من اقترافِ ما يُوقِعُها في الحرجِ، وكان بنو = السبع إذا لم تكن على قواعد العربية، ومن قواعدهم أن الراء لا تدغم إلا في الراء، لما فيها من التكرار الفائت بالإدغام في اللام. ثم قال الألوسي: وقد يجاب بأن القراءات السبع متواترة، والنقل بالمتواتر إثبات علمي، وقول النحاة نفي ظني. وقد أجاب أبو حيان بأن قول الزمخشري الذي ذكره ليس مجمعًا عليه عند النحاة. والله أعلم. (١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٣١٦). إسرائيل إذا نَسُوا شيئًا مما أُمروا به، أو أخطؤوا، عُجِّلَتْ لهم العقوبةُ، فأُمر المسلمون بالدُّعاءِ برفعِ ذلكَ عنهم بقولهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ تعاقِبْنا. ﴿إِنْ نَسِينَا﴾ غَفَلْنا. ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ جَهِلْنا. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ ثِقلًا، وأصلُ الإِصْرِ: العَقْدُ والإحكامُ. ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ يعني: اليهودَ، فلم يقوموا به، فعذبتَهُمْ. ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا﴾ تُكَلِّفْنا. ﴿مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ من الأعمالِ الشاقَّة، وهو كلُّ ما نضعُفُ عن حملِهِ. ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ بمحوِ ذنوبِنا، فلا يبقى لها أثرٌ. ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ تفضَحْنا. قرأ أبو عمرٍو: (وَاغْفِر لَّنَا) بإدغام الراء في اللام (١). ﴿وَارْحَمْنَا﴾ بإيصالِ فضلِك، واتِّصالِ كرمك، وعن ابنِ عباسٍ: "أنَّ النبي - ﷺ - لما دَعا بهذِهِ الدَّعَواتِ قِيلَ لَهُ عِنْدَ كُلِّ كَلِمَةٍ مِنْهَا: قَدْ فَعَلْتُ" (٢). ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ سيدُنا وولِيُّنا. (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٤)، و "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٦٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢٣٣). (٢) رواه مسلم (١٢٦)، كتاب: الإيمان، باب: بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق. ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ فما النصرُ إلَّا من عندِكَ؛ لأنك سيدٌ، والسيدُ ينصرُ عبيدَه، وصرَّحَ بوصفهم بالكفر؛ لأنه الحاملُ على المبايَنَةِ، والداعي إلى المقاتَلَة، ولا يخفى ما في طلبِ ذلكَ من إرشادِ المؤمنِ إلى تركِ الكافرِ وموادَّتِه والإبعادِ عن مصادقِتِه، وفي الآية إشعارٌ بأن المعاداةَ في الدين مطلوبةٌ، وأن الهجرانَ في الله ليسَ من التقاطُع المذمومِ، بل وردَ في الحديث: عَدُّ البُغْضِ في اللهِ من الإيمانِ. قال - ﷺ -: "إِنَّ اللهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِألفَيْ عَامٍ، فَأَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ البَقَرَةِ، فَلا تُقْرَأَانِ في دارٍ ثَلاَثَ لَيَالٍ فَيَقْرَبَهَا شَيْطَانٌ" (١). وقال - ﷺ -: "مَنْ قَرَأَ الآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في لَيْلَةٍ، كَفَتَاهُ" (٢). وكانَ مُعاذٌ إذا ختمَ البقرةَ يقولُ: آمين (٣)، قالَ ابنُ عطيةَ: هذا يُظَنُّ به أنه رواهُ عن النبيِّ - ﷺ -، وإنْ كانَ ذلكَ، فكمالٌ، وإن كانَ بقياسٍ على سورةِ الحمدِ من حيثُ هناكَ دعاءً، وهنا دعاء، فَحَسَنٌ، والله أعلم (٤). (١) رواه الترمذي (٢٨٨٢)، كتاب: فضائل القرآن، باب: ما جاء في آخر سورة البقرة، وقال: حسن غريب، والنسائي في "السنن الكبرى" (١٠٨٠٣)، وغيرهما عن النعمان بن بشير -رضي الله عنه-. (٢) رواه البخاري (٤٧٢٢)، كتاب: فضائل القرآن، باب: فضل سورة البقرة، ومسلم (٨٠٧)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة، عن أبي مسعود البدري -رضي الله عنه-. (٣) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٧٩٧٦). (٤) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (١/ ٣٩٥).

آل عمران 3:1

سُوْرَةُ آلِ عِمرَانَ مدنيةٌ آيها مئتا آيةٍ، وحروفُها أربعةَ عشرَ ألفًا، وخمسُ مئةٍ، وخمسةٌ وعشرون حرفًا، وكَلِمُها ثلاثةُ آلافٍ وأربعُ مئةٍ وثمانون كلمةً، وحكى النقاشُ أنَّ اسمَ هذهِ السورةِ في التوراة: طَيِّبَةٌ (١). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قدمَ وفدُ نجرانَ (٢) من النصارى على رسولِ - ﷺ -، وزعموا أن عيسى ابنُ الله، فكذَّبَهم رسولُ الله - ﷺ -، فخاصموا جميعًا في أمره، فقطعَ حُجَّتهم بالأدلَّةِ الواضحةِ، فأنزل الله صدرَ سورةِ آل عمران إلى بضعٍ وثمانين آيةً منها (٣)، فقال -عز وجل-: ﴿الم (١)﴾. [١] ﴿الم﴾ تقدَّم تفسيرُه، ومذهبُ أبي جعفرٍ في تقطيعِ الحروف أولَ سورةِ البقرةِ. (١) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٢/ ١٤٠). (٢) جاء على هامش "ظ": "نجران" مدينة بالحجاز. (٣) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٣٢٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤).

آل عمران 3:2

﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾. [٢] ﴿اللَّهُ﴾ ابتداء. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبرٌ. قرأ أبو جعفرٍ، وأبو بكرٍ، بخلافٍ عن الثاني: بسكون الميم، الله: بقطع الألف للابتداء على لغةِ من يقطعُ ألفَ الوصل (١)، وإذا قرئ (المالله) بالوصل على مذهب العامة، جاز لكلٍّ من القراء في الياء من (ميم) المدُّ والقصرُ، وفتح الميم وصلًا لالتقاء الساكِنينِ تخفيفًا (٢). ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ نعتٌ له، وتقدَّم تفسيرُهما في آية الكرسي. ... ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)﴾. [٣] ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ أي: القرآنَ. ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالصدقِ. قرأ أبو عمرٍو: (الْكِتَاب بالْحَقِّ) بإدغام الباء، في الباء واخُتِلف عن رُويس. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لما قبلَه من الكتب. (١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٣٢٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٠٠)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٥)، و "الكشاف" للزمخشري (١/ ١٧٣)، و "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤).

آل عمران 3:4

﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ﴾ الضياءَ والنورَ. قرأ نافعٌ، وأبو عمرٍو، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وابنُ ذَكوانَ: (التَّوْرَاةَ) بالإمالة كيفَ أتتْ في جميع القرآن، بخلافٍ عن قالون (١). ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾ إِفْعيل من النَّجْل: الأصل، فهو أصلُ العلوم والحكم، وإنما قالَ في القرآن: (نَزَّلَ) لأنه نزلَ مفصَّلًا، والتنزيلُ للتكثير، وقال في التوراة والإنجيل: (أَنَزَلَ)؛ لأنهما أُنزلا جملة واحدة (٢). ... ﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤)﴾. [٤] ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ متعلق بـ "أنزلَ". ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ أي: هادٍ لمن تبعه، والمرادُ بالناسِ: موسى وعيسى وأتباعُهما. ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ القرآنَ المفرِّقَ بينَ الحقِّ والباطلِ، وكرَّرَه تفخيمًا له. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ من كتبِه المنزلةِ. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ بسببِ كفرهم. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ غالبٌ ذَلَّ له كلُّ شيء. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٠١)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٥)، و"الكشف" لمكي (١/ ١٨٣ - ١٨٤)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٥). (٢) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٣٢٠).

آل عمران 3:5

﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ عقوبةٍ شديدةٍ. ... ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾. [٥] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ من الأشياءِ. ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ عَبَّرَ عن إدراك جميعِ الأشياءِ بذكر الأرضِ والسمِاء؛ لأنهما محلٌّ لها. ... ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾. [٦] ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ من الصُّورِ المختلفةِ من الذُّكورةِ والأُنوثة. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وهذا ردٌّ على وفدِ نجرانَ من النصارى حيثُ قالوا: عيسى ولدُ الله، أو اللهُ؛ لأنَّ من صُوِّرَ في الرحم يمتنعُ أن يكون إلهًا أو ولدًا للهِ؛ لكونه مُرَكَّبًا وحالًّا في مركَّبٍ، ولتعاقُبِ الفناءِ عليه، قال - ﷺ -: "يَدْخُلُ المَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَمَا تَسْتَقِرُّ في الرَّحِم بِأَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فيقولُ: يَا رَبِّ! أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَيُكْتبَانِ، أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيُكْتبَانِ، ويَكْتُبُ عَمَلَهُ وَأَثَرَهُ وَأَجَلَهُ وَرِزْقَهُ، ثُمَّ يَطْوِي الصُّحُفَ، فَلاَ يُزَادُ فِيهَا وَلاَ يُنْقَصُ" (١). (١) رواه مسلم (٢٦٤٤)، كتاب: القدر، باب: كيفية خلق الآدمي، عن حذيفة بن أسيد -رضي الله عنه-.

آل عمران 3:7

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾. [٧] ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ متقَناتٌ (١) مفصَّلاتٌ، من الإحكام، فلم يدخلْ فيها شيءٌ من الاشتباه، والمُحْكَمُ: ما ازدادَ وُضوحًا على المفَسَّرِ. ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: أصلُه الذي تُعْمَلُ عليه الأحكام، وقولُه: ﴿هُنَّ أُمُّ اَلْكتَبِ﴾ ولم يقلْ: أُمَّهات جمعًا؛ لأن الآياتِ في الحكمِ بها بمنزلةِ آيةٍ واحدةٍ. ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ المتشابِهُ: ضدُّ المحكَمِ، وهو ما استأثر الله بعلمه؛ لأنه اشتبهَ مرادُ المتكلمِ على السامعِ، لاحتمالِ وجودهِ، وحكمُهُ التوقُّفُ فيه أبدًا، فإن قيل: كيف فرقَ ها هنا بين المحكمِ والمتشابهِ وقد جعلَ كلَّ القرآنِ محكَمًا في قوله: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١] وجعلَ كلَّه متشابهًا في قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]؟ فالجواب عن الأول: إن المرادَ أنه كلَّه حقٌّ ليس فيه عيبٌ، وعن الثاني: أنه يشبهُ بعضُه بعضًا في الحسنِ والصدقِ، وجعلَ بعضَه هنا محكَمًا وبعضَه متشابهًا أراد بالمحكَمِ: الذي يُعْمَلُ به، ولا يدخلُه تغيير كالناسخِ والمتشابِهِ المنسوخِ. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي: ميلٌ عن الحق. (١) في "ن": "منقاة". ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ المعنى: الزائغون يتعلقونَ من المتشابهِ بما يوافقُ هواهم ظاهرًا، وهم وَفْدُ نجرانَ، خاصموا النبيَّ - ﷺ - في عيسى، وقالوا: ألستَ تزعُم أنه كلمةُ اللهِ وروح منه؟ قال: "بلى" قالوا: حَسْبُنا، فأنزل الله هذه الآيةَ (١). ﴿ابْتِغَاءَ﴾ طلبَ. ﴿الْفِتْنَةِ﴾ الشِّرْكِ. ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي: تفسيرِه بما يشتهون. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ أي: المتشابهَ. ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ والخلقُ متعبَّدُونَ في المتشابِه بالإيمانِ به، وفي المحكَمِ بالإيمانِ به والعملِ، ويحرُمُ تفسيرُهُ برأيٍ واجتهادٍ بلا أصلٍ. والوقفُ التامُّ على قوله: (إلا الله) عندَ الأكثرِ (٢). ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ المتمَكِّنون. ﴿فِي الْعِلْمِ﴾ همُ الذين ثبتوا فيه، وتمكَّنوا منه؛ لأن أصلَ الرسوخِ الثبوتُ. ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ معناه: الراسخون لا يعلمونَ تأويلَه، بل يؤمنون به. ﴿كُلٌّ مِنْ﴾ المحكمِ والمتشابهِ من. (١) رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٣/ ١٧٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٥٩٦)، عن الربيع. (٢) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٣٢٤).

آل عمران 3:8

﴿عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ﴾ يَتَّعِظُ بما في القرآنِ. ﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ذوو العقول. ... ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾. [٨] ﴿رَبَّنَا﴾ أي: ويقول الراسخوان: ربنا. ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ أي: ثَبِّتْها على الإيمان، ولا تُمِلْنا عن الحقِّ. ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ وَفَّقْتَنا. ﴿وَهَبْ لَنَا﴾ أَعْطِنا. ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ من عندِكَ. ﴿رَحْمَةً﴾ توفيقًا. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ لكلِّ سُؤْل. ... ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾. [٩] ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ﴾ أي: في يوم. ﴿لَا رَيْبَ﴾ أي: لا شكَّ. ﴿فِيهِ﴾ وهو يومُ القيامة. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ الموعدَ، وحكى البغويُّ قولًا أن الراسخَ

آل عمران 3:10

في العلم مَنْ وُجِدَ فيه أربعةُ أشياء: التقوى بينَهُ وبينَ الله، والتواضُعُ بينَهُ وبين الخَلْق، والزهدُ في الدنيا، والمجاهدةُ بينَهُ وبينَ نفسِه (١). ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠)﴾. [١٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ﴾ تنفعَ. ﴿عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: لن تدفعَ عنهم الأموالُ شيئًا من الله. يسكتُ حمزةُ في: (شَيْءٌ وشَيْءٍ وشَيْئًا) حيثُ وقعَ. ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ اسمٌ لما يُوقَدُ، والمرادُ: من كفرَ بالنبيِّ - ﷺ -. تلخيصُه: لا مخلصَ للكفارِ منَ النار. ... ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١)﴾. [١١] ﴿كَدَأْبِ﴾ كعادة. ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ والدَّأْبُ مصدرُ دَأَبَ في العمل: جَدَّ فيه، وأصلُه الملازمةُ والدوامُ. تلخيصُه: عادةُ أولاءِ كعادةِ أولئك. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من كفارِ الأممِ الماضية. ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: كلُّهم كفروا. ﴿فَأَخَذَهُمُ﴾ أي: فعاقَبَهم. (١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٣٢٥).

آل عمران 3:12

﴿اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ تهويلٌ للمخالفةِ. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢)﴾. [١٢] ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: كفارَ مكةَ. ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: بالياء فيهما؛ أي: إنهم يُغلبون ويُحشرون، والباقونَ بالتاءِ على الخطاب؛ أي: قل لهم: إنكم ستُغلبون وتُحشرون (١)، والغَلَبَةُ: القهرُ، والحَشْرُ: السَّوْقُ. المعنى: إنهم يُقهرون في الدنيا يومَ بدرٍ، ويُساقون في الأخرى. ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾ من الجَهَنَّامِ، وهي البئرُ العميقةُ. ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ الفراشُ. فلما نزلت هذه الايةُ، قال لهم النبيُّ - ﷺ - يومَ بدرٍ: "إِنَّ اللهَ غَالِبُكُمْ وَحَاشِرُكُمْ إِلَى جَهَنَّمَ" (٢). ثم خاطبَ كفارَ قريشٍ مشيرًا إلى وقعةِ بدرٍ فقالَ: (١) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٥٣)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٠١)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٦)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٢٥ - ٣٢٦)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٢٧)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٩). (٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٥١)، و"تفسير الطبري" (٣/ ١٩٢)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٢٧).

آل عمران 3:13

﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣)﴾. [١٣] ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ ولم يقل: كانتْ، والآيةُ مؤنثةٌ، لأنه ردَّها إلى البيان؛ أي: قد كان لكم بيانٌ، فذهبَ إلى المعنى؛ أي: قد ظهرَ لكمْ دلالةٌ على صدقِ قولي (١): أَنَّكم تُغْلبون. ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ فِرْقَتين. قرأ أبو جعفرٍ: (فِيَتَيْنِ) و (فِيَةٌ) بفتح الياء بغير همز (٢). ﴿الْتَقَتَا﴾ يومَ بدرٍ، إحداهُما. ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في طاعته، وهم النبيُّ - ﷺ - وأصحابُه، وكانوا ثلاثَ مئةٍ وثلاثةَ عشرَ رجلًا، معهم فرسٌ للمقدادِ ابنِ عمرٍو، وفرسٌ لمرثدِ بنِ أبي مرثدٍ، وسبعون بعيرًا، وستةُ أدرع، وثمانيةُ سيوف، وأكثرهم رَجَّالَة. ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ وهم كفارُ قريش، كانوا تسع مئةٍ وخمسين رجلًا من المقاتلة، وكانَ حربُ بدرٍ أولَ مشهدٍ شهدَه رسولُ الله - ﷺ -. ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ: بالتاء خطابًا لليهود؛ لأن منهم من حضرَ الوقعةَ ينظرُ لِمَنِ الكَرَّةُ، وَقرأ الباقون: بالغيب؛ أي: يرونهم المسلمون (٣). (١) "قولي": ساقطة من "ن". (٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٩). (٣) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٥٧)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٠٢)، = ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ كان المسلمون يرون المشركين مثلَي عددِ أنفِسهم، قَلَّلَهم اللهُ في أعينهم حتى رأوهم [سِتَّ مئةٍ وستةً وعشرين رجلًا، ثم قَلَّلَهم في أعينِهم في حالةٍ أخرى حتى رأوهم مثلَ عددِ أنفِسهم، ثم قَلَّلَهم أيضًا في أعينِهم حتى رأوهم] (١) عددًا يسيرًا أقلَّ من أنفسهم، وقيل غير ذلك، وهذا التأويل هو الأصح. ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ بارزًا ظاهرًا. ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ﴾ يُقَوِّي. ﴿بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ قرأ أبو جعفرٍ، وورشٌ: (يُوَيِّدُ) بفتح الواو وبغير همز، واختُلِف عن عيسى صاحبِ أبي جعفرٍ (٢). ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي ذكرتُ. ﴿لَعِبْرَةً﴾ لاعتبارًا. ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ لذوي العقول والنظر، وتقدَّمَ اختلافُ القراء في حكم (٣) الهمزتين في سورة البقرة عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] وكذلك اختلافهم في قوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ إِنَّ﴾. = و"تفسير البغوي" (١/ ٣٢٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٨)، و "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٠). (١) ما بين معكوفتين ساقط من "ت". (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٣)، و"إملاء ما منَّ به الرحمن" للعكبري (١/ ٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١١). (٣) "حكم": ساقطة من "ن".

آل عمران 3:14

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾. [١٤] ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ جمع شهوة، وأصل الشهوة: نزوع النفس إلى ما تريده. ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ بدأ بهنَّ؛ لأنهنَّ حَبائلُ الشيطانِ. ﴿وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ﴾ جمعُ القنطار (١)، وهو المالُ الكثيرُ، وسُمِّيَ قِنْطارًا مِنَ الإحْكامِ، يقال: قَنْطَرْتُ الشيءَ: إذا أَحْكَمْتُهُ، ومنهُ سُمِّيت القَنْطَرَةُ. ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ المضعَّفةُ. ﴿مِنَ الذَّهَبِ﴾ سمي ذهبًا؛ لأنه يذهبُ ولا يبقى. ﴿وَالْفِضَّةِ﴾ لأنها تنفضُّ؛ أي: تتفرَّقُ. ﴿وَالْخَيْل﴾ من الخُيَلاءِ، لا واحد له من لفظه، وواحدُها فَرَسٌ. ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾ المعلَّمةِ، والسِّيما: العلامةُ. ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ جمعُ النَّعَم؛ أي: الإبلِ والبقرِ والغنمِ. ﴿وَالْحَرْثِ﴾ الزرعِ. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: المذكورُ. ﴿مَتَاعُ﴾ يتمتع به يسيرًا في. ﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ثم يزولُ. (١) في "ن": "القناطر".

آل عمران 3:15

﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ المرجعُ، وهذا تزهيدٌ في الدنيا، وترغيبٌ في الأخرى (١). قرأ أبو عمرٍو: (وَالْحَرْث ذلِكَ) بإدغام الثاء في الذال، وأدغم النون في اللام من: (زُيِّن للنَّاسِ) (٢). ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)﴾. [١٥] ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ أخبرُكم. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ، ورُويسٌ: بتحقيق الهمزة الأولى، وتسهيل الثانية، وقرأ الباقون: بتحقيق الهمزتين، وفصل بينهما بألف أبو جعفرٍ، واختُلِف عن أبي عمرٍو وقالونَ، وهشامٍ (٣). ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ من الأقذارِ. ﴿وَرِضْوَانٌ﴾ أي: رِضًا. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ قرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ: (وَرُضْوانٌ وَرُضْوانًا) بضمِّ الراءِ (١) في "ش": "الآخرة". (٢) انظر: "الإتقان" للسيوطي (١/ ١١٣)، في النوع الحادي والثلاثين. (٣) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٥٧)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٤)، و"إملاء ما منَّ به الرحمن" للعكبري (١/ ٧٥)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (٢/ ٣٩٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٢).

آل عمران 3:16

حيثُ وقع، إلا قوله: ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ ثاني المائدة، والباقون: بالكسر، وهما لغتان؛ كالعِدْوان والعُدْوان (١). ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ فيثيبُ المحسنَ، ويعاقبُ المسيء. ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾. [١٦] ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ صَدَّقنا. ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ اسْتُرْها علينا، وتجاوزْ عَنَّا. ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ صفةٌ للمتقين. ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾. [١٧] ﴿الصَّابِرِينَ﴾ عن ارتكابِ المعاصي والشهواتِ. ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ في السرِّ والعلانيةِ. ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ المطيعينَ. (١) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٥٧)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٠٣)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٦)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٣٧)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٥)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٣٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٣).

آل عمران 3:18

﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ أموالَهم في طاعةِ الله. ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ﴾ أي: المصلِّين. ﴿بِالْأَسْحَارِ﴾ جمعُ سَحَرٍ، وهو من ثُلُثِ الليلِ الآخِر إلى الفَجْرِ، وأصلُه: الخفاءُ؛ للطفهِ. المراد: الإعلامُ أن الجنة أُعِدِّت لجميعِ المذكورين. ونزل في نصارى نجران: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾. [١٨] ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ أي: بَيَّنَ وأَعْلَمَ. ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ أي: وشهدَتِ الملائكةُ. ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ هم الأنبياءُ والمؤمنونَ المثبتونَ التوحيدَ، شهدوا بذلك، وأَقَرُّوا به اعتقادًا، والعلمُ: هو إدراكُ الشيءِ على ما هوَ بِهِ. ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ أي: مُقيمًا بالعدلِ وتدبيرِ الخلق، ونصبُه حالٌ مؤكدةٌ من الله، ونظمُ الآيةِ: شهدَ اللهُ قائِمًا بالقسطِ، وتقدَّم الكلامُ على تغليظِ اللامِ منِ اسمِ الله في (شَهِدَ اللهُ) وشبِهه في أول سورة الفاتحة (١). ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فهو الموصوفُ بهما. (١) في "ن": "البقرة".

آل عمران 3:19

﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾. [١٩] ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ يعني: الدينَ المرضيَّ الصحيحَ، والإسلامُ هو الدخولُ في السِّلْمِ، والانقيادُ والطاعةُ. المعنى: الإسلامُ: العدلُ والتوحيدُ، وهما الدينُ عندَ الله لا غيرُ. قرأ الكسائيُّ: (أَنَّ الدِّينَ) بفتح الألف رَدًّا على أَنَّ الأولى، تقديرُه: شهدَ اللهُ أَنَّه لا إلهَ إلَّا هُوَ، وشهدَ أَنَّ الدينَ عندَ اللهِ الإسلامُ، وقرأ الباقون: بكسر الألف على الابتداء (١). ونزلَ (٢) في اليهودِ والنصارى حينَ تركوا الإسلامَ: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ في نبوةِ محمدٍ - ﷺ -. ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ في التوراة أنه نبيٌّ حَقٌّ، فكذَّبوا، وأشركوا؛ بأن ثَلَّثَتِ (٣) النصارى، وقالتِ اليهودُ: عزير ابنُ اللهِ. ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي: طلبًا للمُلْكِ والرياسةِ، فسلَّط اللهُ عليهِمُ الجبايرهَّ. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ وعيدٌ لمن كفرَ بسرعةِ (١) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٥٧)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٠٣)، و "الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٧)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٣٨)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٥)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٣٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٥). (٢) في "ت": "ونزلت". (٣) في "ن": "وثلث".

آل عمران 3:20

مجيءِ (١) يومِ القيامةِ والحسابِ؛ إذ هي متيقَّنَةُ الوقوعِ، وكُلُّ آتٍ قريبٌ. ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾. [٢٠] ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي: خاصمَكَ يا محمدُ أهلُ الكتابِ في الدين. ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ﴾ أي: أَخْلَصْتُ عبادتي. ﴿لِلَّهِ﴾ وانقدْتُ إليه بجميع جوارحي، وخُصَّ الوجهُ بالذكرِ؛ لأنه أكرمُ جوارحِ الإنسانِ، وفيه بَهاؤه، وإذا خضعَ وجهُه، خضعَ سائرُ جوارحه. قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، وأبو جعفرٍ، وحفصٌ: (وَجْهِيَ) بفتح الياء، والباقون: بالإسكان (٢). ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي: أسلمَ كما أسلمتُ. أثبتَ نافعٌ، وأبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ الياءَ في قوله: (اتَّبَعِنَي) حالةَ الوصل، وأثبتها يعقوبُ وَصْلًا ووقفًا، وحذفَها الباقون في الحالين؛ لأن رسمَها في المصحفِ بغير ياء (٣). (١) "مجيء" ساقطة من "ت". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٢٢)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٦). (٣) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٥٨)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٢٣)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٧٤)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٥)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٣٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٣)، و"النشر في القراءات =

آل عمران 3:21

﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ اليهودِ والنصارى. ﴿وَالْأُمِّيِّينَ﴾ مشركي العربِ. ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ استفهامٌ، ومعناه أَمْرٌ؛ أي: أَسْلِموا؛ كقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، وتقدمَ اختلافُ القراء في حكم الهمزتين من كلمة في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦]، وكذلك اختلافُهم في قوله: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾. ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ لخروجِهم من الضَّلالِ إلى الهدى. ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الإيمانِ. ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ بتبليغ الرسالةِ دونَ الهداية. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ بِمَنْ يؤمنُ ومَنْ لا يؤمن، ثم نُسِخَتْ بآيةِ السيفِ. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١)﴾. [٢١] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ يَجْحَدون. ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ يعني: القرآنَ، وهم اليهود والنصارى. = العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٦).

آل عمران 3:22

﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ قرأ حمزةُ: (وَيُقَاتِلُونَ الَّذِينَ) بألفٍ (١) مع ضمِّ (٢) الياءِ وكسرِ التاءِ من القتالِ، وقرأ الباقون: بغير ألفٍ مع فتح الياء وضمِّ التاء، من القتل (٣)، معناه: إن كفارَ بني إسرائيل قَتَلوا أنبياءهم وأتباعَهُم عِنادًا. ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ أخبرْهُمْ. ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وَجيعٍ. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢)﴾. [٢٢] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ﴾ بطلت. ﴿أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ بدفعِ العذابِ عنهم، فبطلانُ العملِ في الدنيا عدُم القبولِ، وفي الآخرةِ عدمُ المجازاةِ عليه. ونزلتْ في اليهودِ لما دعاهم النبي - ﷺ - إلى الإسلام، فأبوا: (١) "بألف" ساقطة من "ش". (٢) "ضم" ساقطة من "ش". (٣) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٣١٧)، و"الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٥٨)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٣٨ - ٣٣٩)، و "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٥)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٣٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٧)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٨).

آل عمران 3:23

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾. [٢٣] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾ حَظًّا. ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: التوراةِ. ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ قرأ أبو جعفرٍ: (لِيُحْكَمَ بَيْنَهُمْ) بضمِّ الياء وفتحِ الكاف، والباقون: بفتح الياء وضمِّ الكاف (١)، وتقدم توجيهُ قراءتهم في سورة البقرة عندَ تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [الآية: ٢١٣]. ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عن قَبولِ الحقِّ. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ [٢٤] ﴿ذَلِكَ﴾ أي: التولِّي والإعراضُ. ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا﴾ أي: بسببِ قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ فَسَهَّلوا أمرَ العذابِ باعتقادِهِمُ الزائغِ (٢). (١) انظر: "الكشاف" للزمخشري (١/ ١٨٢)، و "تفسير القرطبي" (٤/ ٥٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٩) و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٨). (٢) "فسهلوا... الزائغ" ساقط من "ش".

آل عمران 3:25

﴿وَغَرَّهُمْ﴾ والغرّ: الطمعُ فيما لا يحصُلُ منه شيء. ﴿فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ والافتراءُ: اختلاقُ الكذبِ. ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾. [٢٥] ﴿فَكَيْفَ﴾ يصنعونَ. ﴿إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ وهو يومُ القيامةِ. ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ من أهلِ الكتابِ وغيرِهم (١). ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ من خيرٍ أو شَرٍّ. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ لا يُزادُ في سيئاتِهم، ولا يُنْقَص من حسناتِهم. قال ابنُ عباسٍ وأنسُ بنُ مالكٍ: "لما افتتحَ رسولُ الله - ﷺ - مكةَ، وعدَ أُمَّتَهُ مُلْكَ فارسَ والرومِ، فقالَ المنافقونَ واليهود: هَيْهاتَ هيهاتَ، منْ أينَ لمحمدٍ ملكٌ؟! فارسُ والرومُ أعزُّ وأمنعُ من ذلك، ألم يكفِ محمدًا مكةُ والمدينةُ حتى طمعَ في ملكِ فارسَ والرومِ؟! فأنزلَ الله (٢): ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾. (١) "وغيرهم" ساقطة من "ن". (٢) انظر: "أسباب النزول "للواحدي" (ص: ٥٢)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٣٧).

آل عمران 3:26

[٢٦] ﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ الميمُ عِوَضٌ من حرفِ النداء، وشدِّدَتْ لقيامِها مقامَ حرفين. معناه: يا أَللهُ. ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ أي: مِالكَ العبادِ وما مَلَكوا. ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ﴾ أي: النبوَّةَ. ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ من خلقِكَ. ﴿وَتَنْزِعُ﴾ أي: تُزيلُ وتقلَعُ. ﴿الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ منهم. ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بالملكِ. ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بنزعِهِ منهُ. ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ أي: والشرُّ، فاكتفى بذكرِ أحدِهما، ولأن الآيةَ في ذكرِ ما أعدَّ للمؤمنين. ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ثم أومأ إلى قدرته الباهرة بقوله: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾. [٢٧] ﴿تُولِجُ﴾ تُدْخِلُ. ﴿اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ حتى يصيرَ خمسَ عَشْرَةَ ساعةً، والليلُ تسعَ ساعاتٍ. ﴿وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ حتى يصيرَ خَمْسَ عَشْرَةَ ساعةً، والنهارُ تسعَ ساعاتٍ، فما نقصَ من هذا، زِيدَ في هذا.

آل عمران 3:28

﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ أي: الحيوانَ من النُّطْفَةِ. ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ عكسُ الأول، وقيلَ: المؤمنُ من الكافرِ، وعكسُه، وقيل غير ذلك. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وحفصٌ، وخلفٌ: (مِنَ المَيِّتِ) (وتخرج الميت) بتشديدِ الياء حيثُ وقع (١). ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ من غير تضييقٍ ولا تقتير. ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ نزلَتْ نهيًا عن مباطَنَةِ من يُبْطِنُ الكفرَ ويُظْهِرُ الإيمانَ، وعن مُوالاتِهم. المعنى: اجتنبوا موالاةَ الكفارِ، فلكم غُنْيَةٌ عن موالاتهم بموالاةِ المؤمنين؛ لأنهم أعداءُ الله، ومن والاهم فقد دخلَ في عداوة الله، ثم تَهَدَّدَهم فقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي: ولاءَ (٢) الكفار. (١) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٥٩)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٠٣)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٧)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٣٩ - ٣٤٠)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٥)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٣٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ١٨). (٢) في "ن": "موالاة". ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: من ديِنهِ. ﴿فِي شَيْءٍ﴾ لأنه منسلخٌ عن ولايةِ اللهِ تعالى ودينِه. قرأ الليثُ عن الكسائيِّ: (يَفْعَل ذلِكَ) بإدغام اللام في الذال (١)، ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ المعنى: إلا لأجلِ خوفكم منهم أمرًا يجبُ الاحترازُ منه، فيداريهم المؤمنُ بلسانِهِ وقلبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان. قرأ يعقوبُ: (تَقِيَّةً) بفتح التاءِ وكسر القافِ وتشديد الياء بعدَها، والباقون: بضم التاء وفتح القاف وألف بعدها، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ يُميلون الألفَ على أصلهم (٢). ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي: يُخَوِّفُكم عقوبَتَهُ بأن يغضبَ عليكم بموالاةِ الكفِار. ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ تحذير أيضًا. ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)﴾. (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٩). (٢) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٥٩)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٠٤)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٧)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٥)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٤٠)، و "تفسير القرطبي" (١/ ٥٧)، و"تفسير الرازي" (٢/ ٤٣٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ١٩ - ٢٠).

آل عمران 3:29

[٢٩] ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ قلوبِكم من مَوَدَّةِ الكفار. ﴿أَوْ تُبْدُوهُ﴾ من موالاتِهم. ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ ويجازيكم بهِ. ﴿وَيَعْلَمُ﴾ رَفْعٌ على الاستئناف. ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فكيف يَخْفَى عليه موالاتُكم الكفارَ؟ ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيقدِرُ على عقوبتكم. ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾. [٣٠] ﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾ أي: اذكروا واتَّقو ايومَ تجدُ. ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ لم تُبْخَسْ منه شيئًا. ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ﴾ أي: وَدَّتْ. ﴿لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ﴾ يعني: وبين السوء. ﴿أَمَدًا بَعِيدًا﴾ مسافةً واسعةً. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ إشارةٌ إلى أنه تعالى إِنَّما نهاهُم وحَذَّرَهُمْ رأفةً بهم، ومراعاةً لصلاحهم.

آل عمران 3:31

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾. [٣١] ونزلَ في اليهودِ والنصارى حيثُ قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فأنا رسولُه إليكم، فحبُّ المؤمنين للهِ اتِّباعُهم أمرَهُ، وابتغاء مرضاتَهُ، وحُبُّ اللهِ المؤمنينَ ثوابُهُ لهم، وعفوهُ عنهم، فذلكَ قولُه تعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن تَحَبَّبَ إليه بطاعته. فلما نزلت هذه الآيةُ، قال عبدُ الله بنُ أُبَيٍّ لأصحابه: إنَّ محمدًا يجعلُ طاعتَهُ كطاعةِ الله، يأمرُنا أن نحبَّهُ كما أَحَبَّتِ النصارى المسيحَ، فنزل (١): ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾. [٣٢] ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا عن طاعتِهما. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ لا يَرْضى فِعْلَهم، ولا يَغْفِرُ لهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾. (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٥٤)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٤١).

آل عمران 3:33

[٣٣] قالَ ابنُ عباسٍ: قالتِ اليهودُ (١): نحنُ أبناءُ إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ، ونحنُ على دينه، فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى﴾ اختارَ. ﴿آدَمَ﴾ وهو أبو البشر. ﴿وَنُوحًا﴾ واسمُهُ عبدُ الغَفَّارِ بنُ لامخ بنِ متوشلح بنِ حنوخ -وهو إدريسُ- وُلد بعدَ مضيِّ ألفٍ وستِّ مئةٍ واثنتينِ وأربعينَ سنةً من هُبوط آدمَ -عليه السلام-، وسُمِّيَ نوحًا؛ لكثرةِ نَوْحِهِ على نفِسه، وهو أولُ نبيٍّ بُعث إلى كفارٍ، وهو أبونا الأصغرُ، عاشَ ألفًا وأربعَ مئةٍ وخمسينَ سنةً، وقبرُه بكركِ نوحٍ من أرضِ الشام. ﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ﴾ أي: إبراهيمَ وعمرانَ أنفسَهُما؛ كقوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، وقيل: آلُ إبراهيمَ: إسماعيلُ وإسحاقُ وأولادُهما، ومحمدٌ - ﷺ - من أولادِهما، وآلُ عمرانَ: موسى وهارونُ؛ لأنَّ موسى بنَ عمرانَ بنِ يصهرَ بنِ لاوي بنِ يعقوبَ، والآلُ في اللغة: الأهلُ والقرابةُ. المعنى: اختصَّ اللهُ آدمَ والأنبياءَ المذكورين والأنبياءَ من أولادِهم -عليهم الصلاة والسلام أجمعين- بالنبوَّةِ. ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ قرأ ابنُ ذكوانَ بخلافٍ عنه (عِمْرَانَ) بالإمالةِ حيثُ وقعَ (٢). (١) "اليهود" ساقطة من "ن". (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٢).

آل عمران 3:34

﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾. [٣٤] ﴿ذُرِّيَّةً﴾ اشتقاقها من ذَرَأ بمعنى: خَلَقَ. ﴿بَعْضُهَا مِنْ﴾ ولد. ﴿بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ بأقوالِ الناسِ وأعمالِهم. ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥)﴾. [٣٥] ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ العاملُ فعلٌ مُضْمَرٌ تقديره: اذكرْ إذ قالت، وامرأةُ عمران هي حَنَّةُ بنتُ فاقودَ، وعمرانُ بنُ ماثانَ، وكان زمنَ زكريا، فتزوَّجَ زكريا إيساعَ أختَ حَنَّةَ، فكان يحيى وعيسى ابني خالةٍ. و (امرأت) رُسِمَتْ بالتاء في سبعةِ مواضعَ، ووَقَفَ عليها بالهاء ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو ويعقوب، والكسائيُّ (١)، وليس هذا بعمرانَ أبي موسى، كان بينهما ألفٌ وثمانُ مئةِ سنةٍ، فأحبَّتْ حَنَّةُ (٢) الولدَ بعدَ ما أَسَنَّتْ (٣)، فدعَتْ بذلك، فلما حملَتْ، قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ أي: غلامًا محرَّرًا، ولم تقلْ: محرَّرَةً؛ لأنهم إنما كانوا يُحَرِّرونَ الغِلْمانَ، فنذرتْ إنْ رزقَها اللهُ ولدًا، (١) انظر: "البحر المحيط" لأبي حيان (٢/ ٤٣٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٢). (٢) "حنة" سقطت من "ن". (٣) في "ن": "أيست".

آل عمران 3:36

جعلَتْهُ من سَدَنَةِ بيتِ المقدِسِ، والنذرُ: ما يوجِبُهُ الإنسانُ على نفسِه، وتقدَّم الكلامُ عليه، والخلافُ فيه في سورة البقرة، والمحرَّرُ: المُعْتَقُ؛ من الحُرِّ، والحرُّ في الحقيقةِ الذي لم يُمْلَكْ، فأرادتْ أن تجعلَه حُرًّا من كلِّ شيءٍ عبدًا مخلِصًا لله. تلخيصُه: أَوْجَبْتُ عَلَيَّ أن الذي في بطني عتيقٌ مفرَّغٌ لعبادةِ اللهِ تعالى، لا أشغلُه بشيءٍ من الدنيا. ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾ لِدُعائي (١). ﴿الْعَلِيمُ﴾ بِنِيَّتي، فماتَ عمرانُ وهي حاملٌ بمريمَ، وكانَ من رؤوسِ بني إسرائيل وأحبارهم. قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وابنُ عامرٍ، وابنُ كَثيرٍ، ويعقوبُ (مِنِّي إِنَّكَ) (لِي آيَةً) بسكون الياء، والباقون: بفتحها (٢). ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾. [٣٦] ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ﴾ معتذرةً وظنًّا أن نذَرها لا يُقبل؛ لأُنوثَتِهِ. ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ، وأبو بكرٍ عن (١) في "ن": " ﴿فَتَقَبَّلْ﴾ لدعائي ﴿مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٢٢)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٧٤)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٢). عاصمٍ، ويعقوبُ: (وَضعْتُ) بضم التاء، جعلوها من كلامِ أمِّ مريمَ، وقرأ الباقون: بجزم التاء إخبارًا عن الله (١). ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ لخدمةِ بيتِ المقدسِ؛ لضعفِها ولِما يعتريها من الحيضِ والنِّفاسِ وغيرِهما مما يلحقُ النساءَ. ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ ومعناهُ: العابدةُ، وكانت مريمُ أجملَ النساءِ في وقتِها، ولم يُذْكَرْ في القرآنِ امرأةٌ باسمِها سوى مريمَ، وبقيةُ النساءِ أُشير إليهنَّ؛ كأزواجِ النبيِّ - ﷺ -، وامرأةِ إبراهيمَ، وأُمِّ موسى وأختِه، وامرأةِ نوحٍ ولوطٍ وفرعونَ، وغيرِهِنَّ من نساءِ الأنبياءِ وغيرِهم. ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا﴾ أُجيرها. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (وإِنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢). ﴿بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا﴾ أولادَها. ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ وتقدَّمَ تفسيرهُ في الاستعاذة، قال - ﷺ -: "كُلُّ (١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٣٢٥)، و"الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٦٠)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٠٤)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٨)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٤٠ - ٣٤١)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٥)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٤٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢٣). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٢٢)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٧٤)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٢).

آل عمران 3:37

بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِأُصْبُعَيْهِ حِينَ يُولَدُ غَيْرَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، ذَهَبَ يَطْعُنُ، فَطَعَنَ في الحِجابِ" (١). ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾. [٣٧] ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾ أي: قبلَ مريمَ من حَنَّةَ. ﴿بِقَبُولٍ﴾ أي: بأمرٍ ذي قَبولٍ. ﴿حَسَنٍ﴾ وأَصْلُ القَبول: الرِّضا؛ أي: سلكَ بها سبيلَ السُّعداء. ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ سَوَّى خَلْقَها، فكانت تنبُتُ في اليوم ما ينبتُ المولود في عامٍ، ولما وضعَتْها أُمُّها حملَتْها وأَتَتْ بها إلى المسجدِ، ووضعَتها عندَ الأحبارِ وهُمْ يَلُونَ من بيتِ المقدس ما يلي الحَجَبَةُ من الكعبةِ، وقالَتْ: دونَكُم هذهِ المنذورةَ، فتنافَسوا فيها؛ لأن أباها كانَ من أَئِمَّتِهم، فقال زكريا: أنا أحقُّ بها؛ لأن خالتَها زوجتي، فقالوا: لا حتى نقترعَ، فَقَرَعَهم زكريَّا، وأخذها (٢)، فذلك قولُه تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ أي: ضَمَّها إليه. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كَثيرٍ، وأبو عمرٍو، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (وَكَفَلَهَا) بتخفيف الفاء (زَكَرِيَّاءُ) بالرفعُ (١) رواه البخاري (٣١١٢)، كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-. (٢) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٣٤٥). على أنه فاعلُ (وكَفَلَها)، وقرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَكَفَّلَهَا) بتشديدِ الفاء؛ أي: جعلَهُ اللهُ كافِلًا لها، فأبو بكرٍ عن عاصمٍ ينصبُ الهمزةَ مع التشديدِ على أنه مفعولٌ به، وبقيةُ الكوفيين يقرؤون (زَكَرِيَّا) مقصورًا بغيرِ همزٍ حيثُ وقعَ (١). فلما ضَمَّها زكريّا، بَنَى لها غرفةً في المسجد، وانقطعت في تلكَ الغرفةِ للعبادةِ، وكان لا يدخلُ على مريم غيرُ زكريا فقط، وكان ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا﴾ وهو ابنُ آدن بنِ مسلمِ بنِ صدوق من أولادِ سليمانَ بنِ داود عليه السلام، عاشَ أكثرَ من مئةِ سنةٍ، وقتلَهُ اليهودُ لعنةُ الله عليهم؛ لأنه لما وَلدتْ مريمُ المسيحَ من غيرِ بعلٍ، وقعَ اليهودُ في حَقِّهِ بما لا يليقُ ذكرُه، وطلبوه، فهربَ واختفى في شجرةٍ عظيمةٍ، فقطعوا الشجرةَ، وقطعوا زكريّا مَعها، وكان ذلكَ بعدَ ولادةِ المسيحِ بقليلٍ وقبره بذيلِ جبلِ طور زيتا بمقابرِ الأنبياءِ ببيتِ المقدس، وقيل: بقرية سبسطية من أرض نابلس، وقيلَ: بجامعِ دمشقَ، وبينَ وفاتِه والهجرةِ الشريفةِ الإسلاميةِ سِتُّ مئةٍ ونحو ثلاثينَ سنةً. ﴿الْمِحْرَابَ﴾ أي: الغرفةَ، والمحرابُ: أشرفُ المجالسِ، فكأنها وُضِعَتْ في أشرفِ مكانٍ من المسجدِ، وكان زكريا إذا خرجَ يغلِقُ عليها سبعةَ أبوابٍ، فإذا دخل عليها. (١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٣٢٦)، و"الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٦١)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٠٤)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٨)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٤١)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٥)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٤٥ - ٣٤٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٤ - ٢٥).

آل عمران 3:38

﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ فاكهةَ الصيفِ في الشتاءِ، وعَكْسه. ﴿قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى﴾ أي: من أين. ﴿لَكِ هَذَا﴾ الرزقُ، والأبوابُ مغلقةٌ عليكِ. ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّه﴾ أي: من الجنة، تكلمت وهي صغيرةٌ. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: بغير محاسبة. ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨)﴾. [٣٨] ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: عندَ ذلك. ﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ وكان قد شاخَ وأَيِسَ من الولد، فلما رأى قدرةَ الله، طمعَ في الولد، و ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي﴾ أي: أَعْطِني. ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي: من عندِك. ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ ولدًا صالحًا، والذريةُ تقعُ على الواحدِ والجمعِ. ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ سامعُه. ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾. [٣٩] ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ أجابَتْهُ، والمرادُ جبريلُ وحدَه، جُمِعَ تعظيمًا له. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (فَنَادَاهُ) بألفٍ مُمالة إرادةَ الجمع، وقرأ الباقونَ: بالتاء؛ لتأنيث لفظ الملائكة (١). ﴿وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ أي: في المسجد. قرأ ابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ: (المِحْرَابَ) بالإمالةِ حيثُ وقعَ بالخفضِ، وعنهُ خلافٌ في غيرِ المخفوض (٢). ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ: (إِنَّ الله) بكسرِ الهمزة (يُبَشِّرُكَ): بضمِّ أولِه وكسرِ الشين مشدَّدًا، وقرأ حمزةُ: (إِنَّ الله) كابنِ عامرٍ (يَبْشُرُكَ) بفتح الياء وضم الشين مخففًا، وقرأ الكسائي: (أَنَّ الله) بفتح الهمزة (يَبْشُرُكَ) كقراءة [حمزة، وقرأ الباقون: (أَنَّ اللهَ) بفتحِ الهمزةِ (يُبَشِّرُكَ) كقراءةِ] (٣) ابِن عامر، فالقراءةُ بكسر الألف على إضمار القول، تقديرُه: فنادته الملائكة فقالت: إن، وبالفتح بإيقاع النداء عليه، كأنه قال: فنادته الملائكة بأنَّ، والقراءةُ بضمِّ الياءِ وفتحِ الباءِ وكسر الشين مشددًا من بَشَّرَ، وهو الأفصحُ، وبفتح الياء وضَمِّ الشين مُخَفَّفًا من بَشَرَ، وهي لغةُ تهامةَ (٤). (١) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٦٢)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٠٥)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٨)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٤٢ - ٣٤٣)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٥ - ١٧٦)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٤٧)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٤٣٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٦). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٦)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (٢/ ٤٤٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٦ - ٢٧). (٣) ما بين معكوفتين سقط من "ت". (٤) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٣٢٨)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: = ﴿بِيَحْيَى﴾ سُمِّيَ به؛ لأنه حَيِيَ به الرحمُ العاقرُ. قرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (يَحْيى) بالإمالة حيثُ وقعَ (١). ﴿مُصَدِّقًا﴾ نصبٌ على الحال؛ أي: مؤمنًا. ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: عيسى عليه السلام؛ أي: بكلمةٍ كائنةٍ منَ الله بأنْ قالَ له: كُنْ من غيرِ أبٍ، فكانَ، فوقعَ عليه اسمُ الكلمة، وكان يحيى أولَ مَنْ آمن بعيسى وصَدَّقه، وكان أَسَنَّ من عيسى بستةِ أشهرٍ، وقيلَ: صدَّقَهُ وهو في بطن أُمِّه، فكانَتْ أُمُّ يحيى تقولُ لمريمَ: إني أجد ما في بطني يسجُد لما في بطنِك تحيةً له، وكانا ابنا الخالة كما تقدَّم، ثم قُتل يحيى قبلَ رفعِ عيسى عليهما السلام بسنةٍ ونصفٍ، وله نيفٌ وثلاثون سنةً، ونُبِّئ صغيرًا، وكان عيسى قد حَرَّمَ نكاحَ بنتِ الأخ، وكان لهرودوس وهو الحاكمُ على بني إسرائيل بنتُ أخٍ، وأرادَ أن يتزوَّجَها كما هو جائزٌ في ملة اليهود، فنهاه يحيى عن ذلك، فأمر بذبحِ يحيى، فَذُبح ووُضع رأسُه بين يديه، فكان الرأسُ يتكلَّمُ ويقول: لا تَحِلُّ لكَ، واستمرَّ غَليانُ دمِه حتى بعثَ الله عليهم مَلِكًا من جهة المشرق يُقال له: حردوس، فقتلَ منهم على دمِ يحيى سبعينَ = ٢٠٥)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٨)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٤٣ - ٣٤٤)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٥)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٤٧ - ٣٤٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢٧ - ٢٨)، ولم يذكر البغوي القراءة عن الكسائي، وذكرتها جميع المصادر عنه بكسر الهمزة (إنَّ الله). (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٦)، و"تفسير الرازي" (١/ ٤٤٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٨٢).

آل عمران 3:40

ألفًا إلى أن سكنَ دمُه، وقبرُه عندَ قبرِ والدِه، على الخلافِ المتقدِّم، وبينَ وفاتِه والهجرةِ الشريفةِ الإسلاميةِ خمسُ مئةٍ ونحوُ سِتٍّ وتسعين سنةً. ﴿وَسَيِّدًا﴾ هو مَنْ سادَ قومَهُ، ويحيى سادَ قومَهُ والناسَ في أَنَّه لم يرتكبْ سيئةً قَطُّ. ﴿وَحَصُورًا﴾ ممتنِعًا من الوَطْءِ معَ القدرةِ عليه، وليسَ كما قالَ بعضهم: إنه كان هَيُوبًا، أو لا ذَكَرَ له؛ لأن هذه نقيصةٌ وعيبٌ لا تليقُ بالأنبياء، وإنما معناه: إنه معصومٌ من الذنوب لا يأتيها؛ كأنه حُصِر عنها. ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠)﴾. [٤٠] فلما بُشِّرَ بهِ ﴿قَالَ﴾ زكريّا: ﴿رَبِّ أَنَّى﴾ أي: كيفَ. ﴿يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ﴾ أي: نالني، وأَثَّرَ فيَّ. ﴿الْكِبَرُ﴾ وكانَ ابنَ عشرينَ ومئةِ سنةٍ، وقيلَ غيرُ ذلك. ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ عقيمٌ لا تَلِدُ، وكانت بنتَ ثمانٍ وتسعينَ سنةً، وقولُ زكريا لم يكنْ شَكًّا في وعِد الله، إنما شَكَّ في كيفيته؛ أي: كيف ذلك؟ يجعلُني أنا وامرأتي شابَّيْنِ، أم يرزقُنا ولدًا على الكِبَرِ منَّا، أم يرزقُني من امرأةٍ أخرى؟ فقال مستفهِمًا لا شَكًّا. ﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الفعل، وهو خلق الولد بين الفاني والعاقر.

آل عمران 3:41

﴿اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ من خلقِ الولدِ بين هَرِمَيْنِ وغيره. ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾. [٤١] ﴿قَالَ﴾ زكريا: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ علامةً على وجودِ الحملِ؛ لأزيدَ في الشكر والعبادةِ، وتقدمَ اختلافُ (١) القراء في (لِي آيَةً). ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ أي: تمتنعُ عن كلامِهم. ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ إشارةً، اعتُقِلَ لسانُه عَمَّا سوى ذكرِ الله، وكانَتْ إشارتُه بالإصبعِ المُسَبِّحَةِ، وأصلُ الرمزِ: التَّحَرُّكُ. ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ﴾ وهو من زَوالِ الشمسِ إلى غُروبها. ﴿وَالْإِبْكَارِ﴾ وهو من طلوعِ الفجرِ الثاني إلى الضُّحى؛ أي: في وَقْتَيهما. ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢)﴾. [٤٢] ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ يعني: جبريلَ عليه السلام. ﴿يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ اختارَكِ. (١) في "ت": "خلاف".

آل عمران 3:43

﴿وَطَهَّرَكِ﴾ من مَسِيسِ الرِّجالِ والحَيْضِ والنِّفاسِ، وكانت لا تَحيضُ. ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ عالَمِي زمانِها؛ لولادتها (١) بلا مَسٍّ. ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾. [٤٣] ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي﴾ أطيعي وأطيلي القيامَ ﴿لِرَبِّكِ﴾ في الصلاةِ، فقامَتْ حتى وَرِمَتْ قَدَماها وسالت قيحًا. ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ إنما قدَّمَ السجودَ على الركوعِ؛ لأن الواوَ ليست للترتيب. ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: صَلِّي جماعةً، ولم يقل: الراكعات، لعمومِ الراكعينَ الرجال والنساءَ. ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾. [٤٤] ﴿ذَلِكَ﴾ أي: المذكورُ من أمرِ زكريا ويحيى ومريمَ وعيسى. ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ نلقيه إليك. ﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمدُ. ﴿لَدَيْهِمْ﴾ أي: عندَهم. قرأ حمزةُ، ويعقوبُ: بضم الهاء، وقرأ ابنُ (١) في "ت": "لولادها".

آل عمران 3:45

كثيرٍ، وأبو جعفرٍ، ووَرْشٌ: (لَدَيْهِمُ إِذْ) بضمِّ الميمِ وصلتِها بواو، وكذا شبهُه حيثُ وقعَ، واختُلِفَ عن قالون. ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ أي: سهامهم في الماء للاقتراع، وسُمِّي القلمَ؛ لأنه يُقْلَمُ كالظُّفْر. ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ يَحْضنُها ويُرَبِّيها. ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُون﴾ في كَفالَتِها. ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾. [٤٥] ﴿إِذْ﴾ أي: واذكرْ إذ. ﴿قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ: (يَبْشُرُكِ) بفتح الياء وضمِّ الشين مخففًا، والباقون: بضم الياء وفتح الباء وكسر الشين مشدَّدًا (١). ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وقولُه: ابنُ مريمَ إعلامٌ لها أنها تلدُ من غير أبٍ، فلا يُنْسَبُ إلا لأمه، والمسيحُ لقبٌ لعيسى، معناه: الصِّدِّيق، وقيل: معناه بالعبرانية: المبارَكُ، وقيلَ غيرُ ذلك. ﴿وَجِيهًا﴾ ذا جاهٍ وقَدْر. (١) كما تقدم قريبًا. انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٦٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٠).

آل عمران 3:46

﴿فِي الدُّنْيَا﴾ بالنبوَّةِ والتقديمِ على الناسِ. ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ بالشفاعةِ وارتفاعِ درجتِه في الجنةِ. ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ بارتفاعِه إلى السَّماء، وصحبتِه الملائكَةَ. ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)﴾. [٤٦] ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ صغيرًا قبلَ وقتِ الكلامِ معجزةً. ﴿وَكَهْلًا﴾ بعدَ نزولِهِ من السماءِ بالوحي للرسالةِ كما سيأتي عندَ ذكرِ رفعِه إلى السماء، فالطفلُ: مَنْ لم يُمَيِّزْ، والمميِّزُ: مَنْ بلغَ (١) سبعًا، والصبيُّ والغلامُ واليافعُ واليتيمُ: من لم يبلُغْ، والمراهِق: من قاربَ البلوغَ، والشابُّ والفتى: منه إلى الثلاثين، والكَهْلُ من تجاوزَ الثلاثين إلى الخمسين، وقاربَ الشيبَ، من اكتهلَ النبتُ: قاربَ اليبسَ، وحالُ الكهولة التي يستحكم فيها العقلُ، ويستنبأ فيها الأنبياء، والشيخُ: من الخمسين إلى السبعين، ثم هَرِمٌ. ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: هو من العباد الصالحين. ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾. [٤٧] ﴿قَالَتْ رَبِّ﴾ سيدي، تقوله لجبريل عليه السلام. (١) "من بلغ" ساقطة من "ن".

آل عمران 3:48

﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ زوج قالتْ تعجُّبًا؛ إذْ لم تكن جَرَتِ العادة بأن يولَد ولدٌ لا أبَ له. ﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ أرادَ كونَ شيءٍ. ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ كما يريد. قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وابنُ عامرٍ، وروْحٌ عن يعقوبَ: (يَشَاءُ إِذَا) بتحقيق الهمزتين، والباقون: بتحقيق الأولى، وتسهيل الثانية، وهي أن تبدلَ واوًا خالصةً مكسورةً (١)، وقرأ ابنُ عامرٍ: (فَيَكُونَ) بنصب النون، والباقون: بالرفع (٢)، وتقدَّمَ توجيهُ قراءتهم في سورة البقرة عندَ قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧]. ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨)﴾. [٤٨] ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾ أي: الخطَّ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وعاصمٌ، ويعقوبُ (وَيُعَلِّمُهُ) بالياء؛ لقوله تعالى: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٤٧] وقرأ الباقون: بالنون على التعظيم (٣)؛ لقوله تعالى: (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣١). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٧٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣١). (٣) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٣٣٤)، و"الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٦٣)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٠٦)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٩)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٤٤)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٦)، =

آل عمران 3:49

﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٤٤]. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ العلمَ والفِقْهَ. ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ علَّمَهُ اللهم لتوراةَ والإنجيلَ. ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)﴾. [٤٩] ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وكان أولُ أنبياءِ بني إسرائيل يوسفَ، وآخرُهم عيسى -عليهما السلام-، فلما بُعِثَ قال: ﴿أَنِّي﴾ أي: بأني. ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ علامةٍ. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ على صِدْقي، فلما قال ذلك لبني إسرائيلَ، قالوا: وما هي؟ قال: ﴿أَنِّي﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: بكسر الألف على الاستئناف؛ أي: قال: (إِنِّي أَخْلُقُ)، وقرأ الباقون: بالفتح على معنى بـ (أَنِّي أَخْلُقُ) (١)، = و"تفسير البغوي" (١/ ٣٥٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٢). (١) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٦٤)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٠٦)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٩)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٤٤ - ٣٤٥)، = وقراءةُ الكوفيينَ، وابنِ عامرٍ: بإسكان الياء، والمدنيينَ، والبصريينَ، وابنِ كثيرٍ: بفتحِها (١). ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ﴾ أي: أشكِّلُ شيئًا. ﴿مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ﴾ كصورةِ. ﴿الطَّيْرِ﴾ قرأ أبو جعفرٍ بخلافٍ عنه (كَهَيَةِ) بتسهيل الهمزة؛ وعنه وجهٌ آخَرُ (كَهَيَّةِ) بتشديدِ الياء بغيرِ همز (٢)، وقرأ أيضًا الطايرِ بألفٍ بعدَ الطاء. ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ أي: في الشيء المُشَكَّلِ. ﴿فَيَكُونُ﴾ أي: فيصيرُ. ﴿طَيْرًا﴾ قرأ أبو جعفرٍ، ونافعٌ، ويعقوبُ (طَايِرًا) بالألف، وسَهَّلَ أبو جعفرٍ همزةَ الطايرِ و (طَايِرًا) بخلافٍ عنه (٣)، فمَنْ قرأ: (طَيْرًا) على = و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٦)، و "تفسير البغوي" (١/ ٣٥٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٣٤). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٢٢)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٣٤). (٢) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٣٣٤)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٥٣)، و"إملاء ما منَّ به الرحمن" للعكبري (١/ ٧٩)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (٢/ ٤٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٤). (٣) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٣٣٤)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٠٦)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٤٥)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٦)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٥٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٨)، و"النشر في = الجمع؛ أي: طيرًا كثيرةً، ومَنْ قرأ طايرًا على الإفراد؛ لأنه لم يخلُقْ سِوَى الخفَّاشِ، وإنما خَصَّ الخفَّاشَ، لأنه أكملُ الطيرِ خَلْقًا؛ لأنَّ لها ثَدْيًا وأَسْنانًا، وتحيضُ وتضحكُ، وتُرْضِعُ ولدَها، وتبولُ كما تبولُ ذواتُ الأربعِ (١). ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ﴾ أي: أشفي. ﴿الْأَكْمَهَ﴾ هو الذي يولَدُ أعمى. ﴿وَالْأَبْرَصَ﴾ هو الذي بِهِ وَضَحٌ، وخُصَّ بالذكرِ؛ لأنهما داءُ أعَياءٍ؛ لأنه بُعث زمنَ الطبِّ، وكان يداويهم بالدعاء بشرطِ بالإيمان، قالوا: أبرأ في يوم واحدٍ خمسينَ ألفًا. ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى﴾ أحيا أربعةَ أنفسٍ عازَرَ، وابنَ العجوزِ، وابنةَ العَشَّارِ، وسامَ بنَ نوحِ، فأمَّا عازَرُ، فكان صَدِيقًا له، فانطلقَ إلى قبره، فدعا اللهَ، فخرجَ من قبرِه، وبقيَ، ووُلِدَ له، وأمَّا ابنُ العجوزِ مَرَّتْ به مَيْتًا على عيسى على سريرٍ يُحْمَلُ، فدعا اللهَ، فجلسَ على سريره، ونزلَ عن أعناقِ الرجالِ، ولبسَ ثيابَهُ، وحملَ سريرَهُ على عنقِه، ورجعَ إلى أهله، وبقيَ، ووُلِدَ له، وأما ابنةُ العَشَّارِ، كانَ رجلًا يأخذ العُشورَ، ماتت له بنتٌ بالأمس، فدعا الله عز وجل، فأحياها، فبقيت وولد لها، وأما سامُ بنُ نوحٍ، فإنَّ عيسى أتى قبرَهُ، فدعا باسمِ اللهِ الأعظمِ، فخرجَ من قبره وقد شابَ نصفُ رأسِه خوفًا = القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٥). (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٤٧)، و "معجم القراءات القرآنية" (١/ ٣٦).

آل عمران 3:50

من قيامِ الساعةِ، ولم يكونوا يَشيبونَ في ذلكَ الزمان، فقال: قد قامتِ القيامةُ؟ قال: لا، ولكنْ دعوتُكَ باسمِ اللهِ الأعظمِ، ثم قال له: مُتْ، قال: بشرطِ أن يُعيذَني اللهُ من سكراتِ الموتِ، فدعا الله، ففعل. ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ كَرَّرَها لنفيِ توهُّمِ الألوهيَّةِ فيه. ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ﴾ أخبرُكم. ﴿بِمَا تَأْكُلُونَ﴾ مما لم أُعايِنْهُ. ﴿وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾ أي: تُخَبئون. ﴿فِي بُيُوتِكُمْ﴾ كان يخبرُ الشخصَ بما أكلَ قبلُ، وبما يأكل بعدُ، ويخبرُ الصبيانَ وهو في المكتبِ بما يصنعُ أهلُهم، وبما يأكلون. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي ذكرتُ. ﴿لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مُوَفَّقين للإيمان. ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠)﴾. [٥٠] ﴿وَمُصَدِّقًا﴾ حالٌ معطوفٌ على ﴿بِآيَةٍ﴾ أي: جئتكُم بآية، وجئتُكم مصدِّقًا. ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾ لما تقدَّمَني. ﴿مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ من الُّلحوم والشُّحوم. ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ كَرَّرها تأكيدًا.

آل عمران 3:51

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ لِما جئتكم به (١). ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أدعوكم إليه. قرأ يعقوبُ: (وَأَطِيعُوني) بإثباتِ الياء بعد النون (٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾. [٥١] ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ هذهِ الجملةُ هي الآيةُ التي جاءهم بها. ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: هو الطريقُ المشهودُ له بالاستقامة. ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢)﴾. [٥٢] ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ﴾ أي: علم. ﴿عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ وأرادوا قتلَه، فاستنصرَ عليهم. و ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي﴾ جمعُ نصير. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (أَنْصَارِيَ) بفتح الياء، وقرأ الدوريُّ عن الكسائيِّ: (أَنْصَارِي) بإمالةِ فتحةِ الصاد. (١) "لما جئتكم به" سقط من "ن". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٢)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٧٤)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٦ - ١٧٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٣٧).

آل عمران 3:53

﴿إِلَى اللَّهِ﴾ أي: من أنصاري ذاهبًا إلى الله؟ أي: إلى عباده؛ لأن عيسى مرَّ بالحواريين وهم يَصيدون، فقال: ما تصنعونَ؟ قالوا: نصيدُ السَّمَكَ، قال: أفلا تذهبون نصيدُ الناسَ؟ قالوا: من أنت؟ قال: عيسى. ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ أي: الراجعونَ إلى الله، وهم صفوةُ الأنبياءِ، وحَواريُّ الرجُلِ: خالِصَتُه (١) وقال - ﷺ -: "إِنَ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا، وَحَوَارِيِّ الزُّبَيْرُ" (٢)، سُمُّوا بذلك لبياضِ ثيابِهم، وكانوا اثني عشرَ رَجُلًا، وهم: شمعونُ الصفا، وبطرسُ وأخوهُ أندراوسُ، ويعقوبُ بن زَبَدة، وفيلبس، وبرطولوماوس، وأندريوس، ومرقُص، ويوحَنَّا، ولوقا، وتوما، ومَتَّى. ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ أي: أعوانُ ديِنهِ. ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ﴾ يا عيسى. ﴿بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ لتشهدَ لنا يومَ القيامة. ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾. [٥٣] ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ﴾ من كتابِكَ. ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ عيسى. ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ لأنبيائِكَ بالصِّدْقِ. (١) في "ن": "خاصته". (٢) رواه البخاري (٦٨٣٣)، كتاب: التمني، باب: بعث النبي - ﷺ - الزبير طليعة وحده، ومسلم (٢٤١٥)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل طلحة والزبير -رضي الله عنهما-، عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-.

آل عمران 3:54

﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾. [٥٤] ﴿وَمَكَرُوا﴾ أي: كفارُ بني إسرائيل الذين أحسَّ عيسى منهُمُ الكفرَ، والمكرُ: إخفاءُ الكيدِ، ومكرُهم بهِ: إرادةُ قتلِه. ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ بهم؛ أي (١): بأن ألقى شبهَهُ على من أرادَ اغتيالَه وقَتْلَه. ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ أقدرُهم وأقواهم. ولمَّا أعلمَ الله المسيحَ أنه خارجٌ من الدنيا، جمعَ الحواريين تلكَ الليلةَ، وأوصاهم، ثم قال: ليكفرَنَّ بي أحدُكم قبلَ أن يصيحَ الديكُ، ويبيعُني بدراهمَ يسيرةٍ، وكان اليهودُ قد جَدُّوا في طلبه، فحضرَ بعضُ الحواريين إلى الحاكمِ على اليهود، واسمُه فيلاطوس، ولقبه هرودوس إلى جماعةٍ من اليهود، وقال: ما تجعلونَ لي إذا دَلَلْتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثينَ درهمًا، فأخذها، ودلَّهم عليه، فرفعَ اللهُ المسيحَ إليه، وألقى شبهَهُ على الذي دَلَّهم عليه، فإنَّ اليهودَ لما قصدوه أظلمت الدنيا حتى صارَتْ كالليل، وأظلمتِ الشمسُ، وظهرتِ النجوم (٢) الكواكبُ، وانشقَّتِ الصخورُ، فلذلك لم يحققوا المشبهَ من شدةِ الظلمة، وحصولِ الإرجافِ، فقتلوه وصلبوه على الخشب، وهم يظنون أنه عيسى، وأنزل اللهُ المسيحَ منَ السماءِ إلى أمه مريمَ وهي تبكي عليه، فقال لها: إن الله رفَعني إليه، ولم يُصبني إلا الخيرُ، وأمرَها فجمعَتْ له الحواريين، فَبَثَّهُمْ في الأرض دُعاة، (١) "أي" زيادة من "ن". (٢) "النجوم" زيادة من "ن". ثم رَفَعه إليه، وتلكَ الليلةُ التي تدخِّنُ فيها النصارى. وتفرَّقَ الحواريون حيثُ أمرهم، وكسا اللهُ عيسى الريشَ، وألبسَهُ النورَ، وقطعَ عنه لذةَ المطعمِ والمشربِ، وطارَ مع الملائكة، فهو معهم حولَ العرش. وكان رفعُ المسيحِ ليلةَ القدرِ من شهرِ رمضانَ بعدَ نبوته بثلاثِ سنينَ؛ فإنه (١) نُبِّيَ على رأس ثلاثينَ سنةً، ورفعهُ الله إليه وهو ابنُ ثلاثٍ وثلاثين سنةً، وكان رفعُه لمضيِّ ثلاثِ مئةٍ وستٍّ وثلاثينَ سنةً من غلبةِ الإسكندرِ اليونانيِّ على أرضِ بابلَ، وبينَ رفعِهِ ومولدِ النبيِّ - ﷺ - خمسُ مئةٍ وخمسٌ وأربعون سنةً، فيكونُ بينَ رفعِه والهجرةِ الشريفةِ النبويةِ المحمديةِ خمسُ مئةٍ وثمانٍ وتسعون سنةً. أما أمُّه مريمُ عليها السلام فإنها عاشَتْ نحو ثلاثٍ وخمسين سنةً؛ لأنها حملَتْ به لما صار لها من العمر ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً، وولدته ببيتِ لحم من أرضِ بيتِ المقدسِ، وعاشتْ مجتمعةً معهُ ثلاثًا وثلاثين سنةً وكسرًا، وبقيت بعدَ رفعِه ستَّ سنينَ، وللمؤرخين في ذلك خلاف، والله أعلم. وكان رفعهُ من طور زيتا جبلٍ شرقيَّ بيتِ المقدس. وروي أنه دعا وقتَ رفعِه اللهَ بهذا الدعاءِ، وهو دعاء مُستجابٌ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ القَرِيبُ في عُلُوِّكَ، المتُعَالي في دُنُوِّكَ، الرَّفِيعُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِكَ أَنْتَ الَّذِي نَفَذَ بَصَرُكَ في خَلْقِكَ، وحُسِرَتِ الأَبْصارُ دُونَ النَّظَرِ إِلَيْكَ، وغُشِّيَتْ دُونَكَ، وسَبَّحَ لَكَ الفَلَقُ في النُّورِ (٢)، أَنْتَ الَّذِي جَلَيْتَ الظُّلَمَ (١) في "ت": "وأنه". (٢) "في النور" سقطت من "ت". بِنُورِكَ، فَتبَارَكْتَ اللَّهُمَّ أَنْتَ خَالِقُ الخَلْقِ بِقُدْرَتكَ، مُقَدِّرُ الأُمُورِ بِحِكْمَتِكَ، مُبْدِعُ الخَلْقِ بِعَظَمَتِكَ، القَاضِي في كُلِّ شَيْءٍ بِعِلْمِكَ، الَّذِي خَلَقْتَ سَبْعًا في الهَواءِ بِكَلِمَاتِكَ مُسْتَوِياتِ الطِّباقِ، مُذْعِنَاتٍ لِطَاعَتِكَ، سَمَا بِهِنَّ العُلُوُّ بِسُلْطَانِكَ، فَأَجَبْنَ وَهُنَّ دُخَانٌ مِنْ خَوْفِكَ، فَأَتَيْنَ طائِعينَ بأَمْرِكَ، فِيهِنَّ المَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَكَ ويُقَدِّسُونَكَ، وجَعَلْتَ فِيهِنَّ نُورًا يَجْلُو الظَّلاَمَ، وضِيَاءً أَضْوَأَ مِنَ الشَّمْسِ، وَجَعَلْتَ فِيهِنَّ مَصابِيحَ نَهْتَدِي بِهَا في ظُلُمَاتِ البَرِّ والبَحْرِ ورُجُومًا للشَّياطِينِ، فَتبَارَكْتَ اللَّهُمَّ في مَفْطُورِ سَمَاواتِكَ، وفيما دَحَوْتَ مِنَ الأَرْضِ، ودَحَوْتَها عَلَى الماءِ، فَأَذْلَلْتَ لهَا الماءَ الطَّاهِرَ، فَذَلَّ لِطَاعَتِكَ، وأَذْعَنَ لِأمْرِكَ، وخَضَعَ لِقُوَّتِكَ أَمْوَاجُ البِحَارِ، فَفَجَّرْتَ فِيهَا بَعْدَ البِحارِ الأَنْهارَ وبعدَ الأَنْهارِ العُيُونَ الغِزَارَ واليَنِابيعَ، ثم أَخْرَجْتَ مِنْها الأشجارَ بالثِّمارِ، ثم جَعَلْتَ على ظَهْرِها الجبالَ أَوْتادًا، فَأَطاعَتْكَ أَطْوَادُهَا، فَتبَارَكَت اللَّهُمَّ صفاتُك، ومَنْ يَبْلُغُ صِفَةَ قُدْرتكَ، ومَنْ يَنْعَتُ نَعْتَكَ؟ تُنَزِّلُ الغَيْثَ، وتُنْشِئُ السَّحابَ، وتَفُكُّ الرِّقابَ، وتَقْضي الحَقَّ وأَنْتَ خَيْرُ الفاصِلِينَ، لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ، إِنَّما يَخْشَاكَ مِنْ عِبادِكَ العُلَماءُ، وأَشْهَدُ أَنَّكَ لَسْتَ بِإِلَهٍ اسْتَحْدَثناكَ، وَلا رَبَّ لَنا سِواكَ نَذْكُرُهُ، ولا كانَ لَكَ شُرَكاءُ يَقْضُونَ مَعَكَ نَدْعُوهُمْ وَنَدَعُكَ، ولا أَعَانَكَ أَحَدٌ عَلَى خَلْقِكَ فَنَشُكَّ فِيكَ، أَشْهَدُ أَنَّكَ أَحَدٌ صَمَدٌ، لَمْ يلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، وَلَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا، اجْعَلْ لِي مِنْ أَمْرِي فَرَجًا وَمَخْرَجًا"، فلما تمَّ دعاؤه، رفعَهُ الله إليه (١). (١) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٧/ ٤٧٣ - ٤٧٤)، عن وهب بن منبه.

آل عمران 3:55

﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)﴾. [٥٥] ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ ظرفٌ لـ (مَكَرَ الله). ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ أي: مُنِيمُكَ، من: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، وكان عيسى قد نامَ، فرفعَهُ اللهُ نائِمًا إلى السماء. ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ إلى سمائي، ومَقَرِّ ملائكتي، قال جماعة: في الآيةِ تقديمٌ وتأخيرٌ، معناه: إني رافعُك إليَّ. ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ومتوفِّيكَ بعدَ إنزالِكَ من السماء، وقيل: بل توفاه اللهُ ثلاثَ ساعاتٍ من النهار، ثم رفَعَهُ إليه. ﴿وَمُطَهِّرُكَ﴾ مُنَجِّيك. ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُخْرِجُكَ من بينِهم. ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ هُمْ أهلُ الإسلامِ الذين صدَّقوه واتّبَعوا دينَه في التوحيدِ من أمةِ محمدٍ - ﷺ -، فهم ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ظاهرينَ عليهم يغلبونهم بالسيفِ والبرهان ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ لأنه لا شريعةَ بعدَ شريعةِ محمدٍ - ﷺ -. ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ في الآخرةِ. ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ في الدنيا منَ الدينِ، وأمرِ عيسى عليه السلام.

آل عمران 3:56

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦)﴾. [٥٦] ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا﴾ بالقتلِ والسبيِ والجزيةِ. ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ بالنارِ ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧)﴾. [٥٧] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي: جزاءَ أجورهم؛ لأنهم عملوا خيرًا، فأعطاهم الجنةَ. قرأ حفصٌ عن عاصمٍ، ورُويسٌ عن يعقوبَ: (فَيُوَفِّيهِمْ) بالياء، والباقون: بالنون (١). ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ لا يرحمُ الكافرين، ولا يُثني عليهم بالجميل. (١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٣٣٨)، و"الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٦٤)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٩٦)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١١٠)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٤٥)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٦)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٦١)، و"التيسير" للداني (ص ٨٨٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٨)، ولم يُذكر "يعقوب" في مطبوعة "تفسير البغوي"، وذكرت القراءة عنه في باقي المصادر: "فنوفيهم" بالنون.

آل عمران 3:58

﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾. [٥٨] ﴿ذَلِكَ﴾ أي: هذا الذي ذكرتُه لكَ من خبرِ عيسى ومريمَ والحواريينَ. ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ نخبرُكَ بهِ بتلاوةِ جبريلِ عليه السلام. ﴿مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ القرآنِ المحكَمِ الممنوعِ من كُلِّ خَلَلٍ. ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾. [٥٩] ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ في كونِه خَلْقًا من غيرِ أبٍ. ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ في كونِه خَلْقًا من غيرِ أبٍ وأُمٍّ، وتم الكلامُ على قوله: ﴿آدَمَ﴾ ثم قال: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ قَدَّرَهُ جَسَدًا من طينٍ. نزلَتْ لما قالَ وفدُ نجرانَ للنبيِّ - ﷺ -: تشتمُ صاحِبَنا تقولُ إنَّه عبدٌ؟! قالَ: "أَجَلْ إنَّهُ عَبْدُ اللهِ ورَسُولُه" قالوا: هل رأيتَ وَلَدًا من غيرِ أبٍ؟! فنزلَتِ الآيةُ (١)، فَشُبِّهَ عيسى بآدمَ من حيثُ إن آدمَ خُلقَ بغيرِ أبٍ ولا أمٍّ، وهذا من تشبيهِ الغريبِ بالأغربِ؛ لأن خلقَ آدمَ أغربُ من خَلْق عيسى؛ ليكونَ أقطعَ للخَصْم، وأوقَعَ في النفس، والمعنى: خلقَ قالَبَهُ من التراب (٢). ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ يعني: فكان؛ أي: أنشأه بشرًا؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]. (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٥٥). (٢) في "ت": "بالتراب"، وفي "ن": "على التراب".

آل عمران 3:60

﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾. [٦٠] ﴿الْحَقُّ﴾ أي: هو الحقُّ. ﴿مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي: الشاكِّينَ، الخطابُ مع النبيِّ - ﷺ -، والمرادُ منه غيرُه. ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾. [٦١] ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ أي: جادَلَكَ من النصارى في عيسى. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: الدلالات الموجبةِ للعلم. ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا﴾ هَلُمُّوا. ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا﴾ حَسَنًا وحُسَيْنًا ﴿وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا﴾ فاطمةَ. ﴿وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا﴾ النبيَّ - ﷺ - وعليًّا رضي الله عنه. ﴿وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ نتضرَّعْ في الدعاء. ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ تلخيصُه: لنجتمعْ نحن وأنتم جميعًا، ثم نتضرَّعْ في اللعنِ والدعاء. ﴿عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ منَّا ومنكم في شأنِ عيسى، فلما قرأها النبيُّ - ﷺ - على وفدِ نجرانَ، قالوا: حتى ننظرَ في أمرنا، ونأتيكَ غدًا، فقالَ عبدُ المسيحِ منهم، وكان ذا رأيِهم: لقد عرفتُمْ أن محمدًا نبيٌّ حَقٌّ، وأنه واللهِ ما لاعَنَ قومٌ قَطُّ نبيَّهُم فعاشَ كبيرُهُم، ولا نبتَ صغيرُهم، فوادِعُوا الرجلَ،

آل عمران 3:62

وانصرِفوا إلى بلادِكم، فأَتَوا النبيَّ - ﷺ - من الغدِ، وقد غدا محتَضِنًا الحسنَ (١)، آخِذًا بيدِ الحسينِ (٢)، وفاطمةُ خلفَهُ، وعليٌّ خلفَها، ويقولُ لهم: "إِذَا دَعَوْت فَأَمِّنُوا"، فقالَ أسقفُ نجرانَ: يا معشرَ النصارى! إني لأرى وجوهًا لو سألوا اللهَ أن يزيلَ جبلًا عن مكانِهِ لأزاله، فلا تَبْتَهِلوا فَتَهْلِكوا ولا يَبْقى على وجهِ الأرض نصرانيٍّ، فأَبَوا المباهلةَ، فصالَحَهم - ﷺ - على مالٍ يؤدُّونه إليه في كلِّ عامٍ، وهو ألفا حُلَّةٍ، ألفٌ في صَفَرٍ، وألفٌ في رَجَبٍ، وانصرَفوا إلى بلادِهم، فقال - ﷺ -: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ! إِنَّ العَذَابَ قَدْ تَدَلَّى عَلَى أَهْلِ نَجْرَانَ، وَلَوْ لاعَنُوا، لَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، ولاضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ الوَادِي نارًا، ولاسْتَأْصَلَ اللهُ نَجْرَانَ، حَتَى الطَّيْرَ عَلَى رُؤُوسِ الشَّجَرِ، وَلَمَا حَالَ الحَوْلُ عَلَى النَّصَارَى كُلِّهِمْ حَتَّى هَلَكُوا" (٣)، وأما رَسْمُ (لعنت) هنا، وفي النور، فإنه بالتاء، وقفَ عليها بالهاء ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، والكسائيُّ، ويعقوبُ. ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢)﴾. [٦٢] ﴿إِنَّ هَذَا﴾ أي: المذكورَ من خبرِ عيسى. ﴿لَهُوَ الْقَصَصُ﴾ أي: الخبرُ. (١) في "ش" "الحسين". (٢) في "ش": "الحسن". (٣) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٥٥)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٦٢ - ٣٦٣)، و"العجاب في بيان الأسباب" لابن حجر (٢/ ٦٨٢).

آل عمران 3:63

﴿الْحَقُّ﴾ الذي لا شَكَّ فيه. ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ﴾ (من) زائدة؛ أي: وما إلهٌ. ﴿إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ لا أحدَ يُساويه في القدرةِ والحِكمة. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)﴾. [٦٣] ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: أعرضوا عن الإيمان. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ الذينَ يعبدونَ غيرَ الله. ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾. [٦٤] ولما قدمَ وفدُ نجرانَ المدينةَ، والتَقوْا معَ اليهودِ، اختصموا في إبراهيمَ عليه السلام، فزعمتِ النصارى أنه كانَ نصرانيًّا، وهم على دينه، وقالت اليهودُ: بل كانَ يهوديًّا، ونحن على دينه، فقال لهم رسولُ الله - ﷺ -: "كِلاَ الفَرِيقَيْنِ مِنْهُ بَرِيءٌ، بَلْ كَان حَنِيفًا مُسْلِمًا، وَأَنا عَلَى دِيِنهِ" فنزل: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ (١) هم أهلُ الكتابَيْنِ. ﴿تَعَالَوْا﴾ هَلُمُّوا. (١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٣٦٣)، و"العجاب" لابن حجر (٢/ ٦٨٧).

آل عمران 3:65

﴿إِلَى كَلِمَةٍ﴾ العربُ تسمِّي كلَّ قصةٍ لها شرحٌ: كلمةً، ومنه سُمِّيتِ القصيدةُ كلمةً ﴿سَوَاءٍ﴾ عدلٍ. ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ المعنى: هَلُمُّوا إلى كلمةٍ يستوي طرفاها، تنصفُ بيننا وبينكم، ليعطي كُلٌّ النَّصَفَةَ من نفِسه، وهي: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: لا نسجدُ لغيرِ الله. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا عن التوحيد. ﴿فَقُولُوا﴾ أنتم لهم: ﴿اشْهَدُوا﴾ أي: اعلموا ﴿بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥)﴾. [٦٥] ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ تزعُمون أنه على دينِكم، وقد حدثَتِ اليهوديةُ بعدَ نزولِ التوراة، والنصرانيةُ بعدَ نزولِ الإنجيل. ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ لأن بين إبراهيمَ وموسى ألفَ سنةٍ، وبين موسى وعيسى ألفي سنةٍ، قاله البغويُّ وغيرُه، وبين المؤرخين في ذلك خلافٌ. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ بطلانَ ما تقولون؟!

آل عمران 3:66

﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦)﴾. [٦٦] ﴿هَاأَنْتُمْ﴾. قرأ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ، ونافعٌ: بتسهيل الهمزة بينَ بينَ، وقرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: بتحقيقِ الهمزةِ بعدَ الألف (١)، وروي عن وَرْشٍ (هآنْتُمْ) مَدًّا بلا همزةٍ، وعنهُ وجهٌ ثانٍ: (هَأَنْتُمْ) بهمزةٍ مقصورةٍ بين الهاء والنون، مثل سألتم (٢)، وروي عن قنبلٍ كالوجه الثاني عن ورشٍ، أصلها: (أأنتم) قلبت الهمزةُ الأولى هاءً؛ كقولهم: هَرَقْتَ وأَرَقْتَ (٣). ﴿هَؤُلَاءِ﴾ أصلهُ: أُولاء، دخلتْ عليه هاءُ التنبيه، وهو في موضعِ النداء، يعني: يا هؤلاء! أنتم. ﴿حَاجَجْتُمْ﴾ جادَلْتم. ﴿فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: فيما علمتموه من التوراة والإنجيل من أمرِ موسى وعيسى. (١) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٦٥)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٠٧)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١١٠)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٤٦ - ٣٤٧)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٦)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٦٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٣٩ - ٤٠). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٦)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (٢/ ٤٨٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٠). (٣) انظر: مصادر التعليق رقم (١).

آل عمران 3:67

﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ من أمرِ إبراهيمَ، وليسَ (١) في كتابكم ذكرُهُ؛ لأنه قبلَكم؟ أي: أنتم تجادلون فيما علمتُمْ وفيما لم تعلموه. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وأنتم جاهلون به. ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾. [٦٧] ثم بَرَّأَ تعالى إبراهيمَ فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا﴾ أي: مائلًا عن الأديان كلِّها إلى الدينِ المستقيمِ. ﴿مُسْلِمًا﴾ ثم وَبَّخَهُم مؤكِّدًا براءته فقال: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾. [٦٨] ثم أومأَ إلى بُعدِهم عنه فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ﴾ أي: أقربَهم وأحقَّهم. ﴿بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ في زمانِه وبعدَه. ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ يعني: محمدًا - ﷺ -. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ من هذهِ الأمةِ. ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ينصرُهم. (١) "وليس" ساقطة من "ت".

آل عمران 3:69

﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩)﴾. [٦٩] ونزلَ في معاذِ بنِ جَبَلٍ وحُذيفةَ بنِ اليمَانِ وعَمَّارِ بنِ ياسرٍ حينَ دعاهُمُ اليهودُ إلى دينِهم: ﴿وَدَّتْ﴾ (١) تمنَّتْ. ﴿طَائِفَةٌ﴾ جماعةٌ. ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني: اليهود. ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ عن دينكم. ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: وما يضلُّون إلا أمثالهم. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ بذلك. ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠)﴾. [٧٠] ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ يعني: القرآنَ، وبيانَ نعتِ محمدٍ - ﷺ -. ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أنَّ نعتَه في التوراة والإنجيل. (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٥٨). وقد مضت القصة في سورة البقرة.

آل عمران 3:71

﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾. [٧١] ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ﴾ تَخْلِطون. ﴿الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ الإسلامَ باليهوديةِ والنصرانيةِ. ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ أي: نعتَ محمدٍ - ﷺ -. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه حقّ؟! ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢)﴾. [٧٢] ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ فيما بينهم، وهم اليهود. ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هو القرآنُ. ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾ أولَهُ. ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ﴾ أي: لعلَّ المسلمين يقولون: ما رجعَ هؤلاءِ عن الإسلام وهمْ أهلُ علمٍ ودرايةٍ إلا أنهم علموا بُطلانه، فيشكُّون فيه، ثم ﴿يَرْجِعُونَ﴾ عنه بعدَما دخلوا فيه. ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)﴾. [٧٣] ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾ هذا متَّصِلٌ بالأول؛ أي: وقالت: لا تؤمنوا.

آل عمران 3:74

﴿إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي: وافقَ ملَّتكم. ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ يهدي من يشاءُ إلى الإيمان. ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ (أاَنْ يُؤْتى) بهمزتين على الاستفهام، والثانية منهما مسهَّلة (١)؛ أي: ولا تصدِّقوا بأن يؤتى أحدٌ. ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ إلَّا من تبعَ دينَكم. ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ عطفٌ على ﴿يُؤْتَى﴾ أي: يومَ القيامة تكونُ لهم الحجةُ عليكم، والغلبةُ. تلخيصُه: ما يؤتون مثلَه، ولا يحاجونكم، والكلامُ (٢) كلُّه من قولِ الطائفةِ لأتباعهم، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ اعتراضٌ بين الكلامين. ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ﴾ الهدايةَ والتوفيقَ. ﴿بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ غنيٌّ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بالنيَّاتِ. ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾. [٧٤] ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾ أي: بنبوَّتهِ. (١) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٦٥)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٠٧)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١١٠ - ١١١)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٨)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٦٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٣). (٢) "الكلام" ساقطة من "ش".

آل عمران 3:75

﴿مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ رَدٌّ لما زعموا من أن نبوةَ موسى مؤبّدَةٌ، ولن يؤتيَ اللهُ أحدًا مثلَ ما آتى بني إسرائيلَ من النبوَّة والشرفِ. ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾. [٧٥] ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ هو المالُ الكثيرُ. ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ هو عبدُ اللهِ بنُ سلام، استودَعَهُ (١) رجلٌ ألفًا ومئتي أوقيةٍ ذهبًا، فأداه إليه. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ﴾ هو القليل. ﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ هو كعبُ بنُ الأشرفِ (٢)، وقيل: فنحاص بن عازوراء، استودعه قرشيٌّ دينارًا، فلم يردَّه إليه، وجحده. قرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ، وأبو بكر: (يُؤَدِّهْ) (لا يُؤَدِّهْ) بإسكانِ الهاء، وكذلك (نُؤْتهِ) و (نُوَلِّهْ) و (نُصْلِهْ)، واختلِفَ عن أبي جعفرٍ، وهشامٍ، وقرأ يعقوبُ، وقالونُ، وأبو جعفرٍ بخلافٍ عنه: بالاختلاس كسرًا، والباقون: بالإشباع كسرًا، فمن سكَّن الهاء، قال: لأنها وضُعت في موضعِ الجزمِ، وهو الياء الذاهب، ومن اختلسَ، اكتفى بالكسر عن الياء، ومن أشبعَ، فعلى الأصل؛ لأن الأصلَ في الهاء الإشباعُ. (١) في "ت": "استوعده". (٢) انظر "العجاب في بيان الأسباب" لابن حجر (٢/ ٦٩٥).

آل عمران 3:76

﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ مُلِحًّا في المطالبة. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: تركُهم أداءَ الحقِّ. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ أي: بسببِ أنهم. ﴿قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ أي: العرب. ﴿سَبِيلٌ﴾ أي: إثم؛ لأن اليهود كانوا يستحلُّون أموالَ العرب ومن خالفَ دينَهم. ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ لادعائهم أن ذلك في كتابهم. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ بكذبهم. ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾. [٧٦] ﴿بَلَى﴾ إثباتٌ لما نَفَوْهُ من السبيل عليهم في الأميين؛ أي: بلى عليهم سبيلٌ، وتَمَّ الوقفُ هنا. ﴿مَنْ﴾ شرطٌ مبتدأٌ، خبرهُ: ﴿أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾ أي: بعهد الله الذي عُهِدَ إليه في التوراة من الإيمانِ بمحمدٍ - ﷺ - وأداءِ الأمانة. ﴿وَاتَّقَى﴾ الشركَ والخيانة، وجوابُ الشرطِ. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ قالَ - ﷺ -: "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنهن كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النفاق حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ" (١). (١) رواه البخاري (٣٤)، كتاب: الإيمان، باب: علامة المنافق، ومسلم (٥٨)، =

آل عمران 3:77

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾. [٧٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ يستبدِلون. ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ إليهم في أداءِ الأمانة. ﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾ الكاذبةِ. ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ من حُطامِ الدنيا، قيل: نزلتْ لما بدَّلَ اليهودُ نعتَ محمدٍ - ﷺ -، وعَهْدَ اللهِ الذي عهدَه إليهم في التوراة، وكتبوا غيرهما (١)، وقيل: أرادَ بعضُ الصحابةِ أخذَ مالٍ بيمينٍ كاذبةٍ، أو باع رجلٌ سلعةً في السوق، فحلفَ بالله لقد (٢) أُعْطِيَ ما لم يُعْطَ ليوقعَ فيها مسلمًا، فنزلَتْ (٣). ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ﴾ لا نصيبَ. ﴿لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ ونعيمِها. ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ غَضبًا عليهم. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ لا يطهِّرُهم من الذنوب. = كتاب: الإيمان، باب، بيان خصال المنافق، عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-. (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٦٠). (٢) في "ن": "لو". (٣) رواه البخاري (١٩٨٢)، كتاب: البيوع، باب: ما يكره من الحلف في البيع، عن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه-.

آل عمران 3:78

﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ على فعلِهم، قال - ﷺ -: "ثَلاَثةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ، ولا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ حَلَفَ يَمِينًا عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ، فَاقْتَطَعَ المَالَ، وَرَجُلٌ حَلَفَ يَمِينًا بَعْد صَلاةِ العَصْرِ أَنَّهُ أُعْطِيَ في سِلْعَتِهِ أَكْثَرَ مِمَّا أُعْطِيَ، وَهُوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالى يَقُولُ: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ" (١). ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾. [٧٨] ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ﴾ أي: اليهودِ. ﴿لَفَرِيقًا﴾ أي: طائفةً، منهم: كعبُ بنُ الأشرفِ، وحُيَيُّ بنُ أخطبَ، ومالكُ بنُ الصَّيْفِ، وغيرهم. ﴿يَلْوُونَ﴾ أي: يعطِفُون. ﴿أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ والمرادُ: تحريفُهم، كآيةِ الرجمِ، وصفةِ محمدٍ - ﷺ - وغيرِهما ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ أي: لتظنوا ما حَرَّفوا. ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ الذي أنزل الله. (١) رواه البخاري (٧٠٠٨)، كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، ومسلم (١٠٨)، كتاب: الإيمان، باب: بيان غلظ تحريم إسبال الإزار، والمن بالعطية، وتنفيق السلعة بالحلف.. ، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.

آل عمران 3:79

﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ المنزل. ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ثم نَفَى ذلكَ، فقال: ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ثم أكَّدَ كذبَهم بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم كاذبون، وعنِ ابنِ عباس: "إنَّ الآيةَ نزلَتْ في اليهودِ والنصارى جميعًا، وذلك أنهم حَرَّفوا التوراةَ والإنجيلَ، وألحقوا بكتابِ اللهِ ما ليسَ منه" (١). ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾. [٧٩] ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ يعني: محمدًا - ﷺ -. ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾ يعني: القرآنَ. ﴿وَالْحُكْمَ﴾ الفهمَ والعلمَ. ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ المنزلَةَ الرفيعةَ (٢) بالإنباء (٣). ﴿ثُمَّ يَقُولَ﴾ نَصْبًا عطفًا على ﴿يُؤْتِيَهُ﴾. ﴿لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ نزلَتْ لما قال أبو رافعٍ القُرَظِيُّ من اليهود، والرئيسُ من نصارى أهل نجرانَ للنبي - ﷺ -: يا محمدُ! تريدُ أن (١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٣٧٤). (٢) في"ن": "المرتفعة". (٣) في "ت" و"ن": "بالأنبياء".

آل عمران 3:80

نعبدَكَ ونَتَّخِذَكَ رَبًّا، فقال: "مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْمُرَ بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ، مَا بِذَلِكَ بَعَثَنِي اللهُ، ومَا بِذَلِكَ أَمَرَني"، فأنزل الله الآية (١)، والبشرُ: جميع بني آدم. ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ علماءَ بالله فقهاءَ. ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ أي: بما أنتم؛ كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]؛ أي: مَنْ هو في المهدِ. ﴿تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ، وعاصِمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (تُعَلِّمُونَ) بضمِّ التاء وفتح العين وكسر اللام مشددة؛ أي: تعلِّمون غيرَكم، وقرأ الباقون: بالتخفيفِ مع فتح التاء واللام وإسكان العين، من العلم؛ لقوله: ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ تقرؤون (٢). ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾. [٨٠] ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ، وعاصمٌ، وحمزةُ، ويعقوبُ: (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٦٠)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٧٤)، و"تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (١/ ١٩١). (٢) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٣٤٦)، و"الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٦٧)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢١٣)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١١٢)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٥١)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٩)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٧٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٤٦). بنصب الراء عطفًا على قوله: ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ﴾ والمعنى: ولا له أن يأمرَكم، وقرأ الباقون: بالرفع على الاستئناف (١)، وأبو عمرٍو على أصلِه في إسكان الراء واختلاِسها على اختلاف (٢) الرواية عنه (٣)، معناه: ولا يأمرَكم الله. ﴿أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ﴾ كقريشٍ والصابئين حينَ قالوا: الملائكةُ بناتُ الله. ﴿وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ كاليهود والنصارى، وقولهم في العُزير والمسيح. المعنى: ما ينبغي لمن أُعطي النبوَّةَ أن يأمرَ بعبادةِ غيرِ الله، بل يأمرُهم بمعرفتِهِ ومعرفةِ أحكامِه وعبادتِه. ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ تعجُّبٌ وإنكارٌ بمعنى: لا يقولُ هذا. {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ (١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٣٤٧)، و"الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٦٨)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢١٣)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١١١)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٩)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٧٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٧١)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٤٧). (٢) في "ت": "الاختلاف". (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢١٣)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٧).

آل عمران 3:81

﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. [٨١] ﴿وَإِذْ﴾ أي: واذكُرْ يا محمدُ حين. ﴿أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ وأُمَمِهم بما تقدَّمَ، وبما يأتي. ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ قرأ حمزةُ: (لِمَا) بكسر اللام للجرِّ، وهي متعلقة بأخذ؛ أي: أخذنا الميثاق لذلك فتكون (ما) بمعنى الذي، وقرأ الباقون: بفتحها (١)، فتكون (ما) بمعنى الذي، واللام للابتداء، ودخلتْ لتؤكِّدَ معنى القسم؛ لأن أخذَ الميثاق قسمٌ في المعنى، والعائد محذوف؛ أي: الذي آتيتكموهُ، وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (آتينَاكُمْ) بالنون على التعظيم، وقرأ الباقون: بالتاء؛ لموافقة الخط، ولقوله: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ﴾، وخبر المبتدأ ﴿مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾، ثم عطف على (آتيتكم): ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ من العلم، وجوابُ القسم. ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ أي: بالرسولِ. ﴿وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ عطفٌ على (الرسول)، والمرادُ: محمدٌ - ﷺ -، والذين (١) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٦٨)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢١٣ - ٢١٤)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١١١)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٥١ - ٣٥٢)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٩)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٧٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢٤١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٨ - ٤٩). أُخذ عليهم الميثاق النبيون عليهم السلام. المعنى: أُخذ الميثاقُ على من تقدَّمَكَ يا محمدُ أن يؤمنوا بكَ، وإن أدركوك، نصروك. ﴿قَالَ﴾ الله تعالى للأنبياء حين استخرجَ الذريَّةَ من صُلْبِ آدَم عليه السلام والأنبياءُ فيه كالمصابيح والسُّرُجِ، وأخذَ عليهم الميثاقَ في أمرِ محمدٍ - ﷺ -: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ بذلك؟ وتقدَّم التنبيهُ على اختلاف القراء في الهمزتين من كلمةٍ عند قوله تعالى: ﴿ءَأَسْلَمْتُمْ﴾ وكذلك اختلافهم في قوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾. ﴿وَأَخَذْتُمْ﴾ أي: قبلتم. قرأ ابنُ كثيرٍ وحفصٌ ورويسٌ (وَأَخَذْتُمْ) بإظهار الذال عندَ التاء، والباقون: بالإدغام (١). ﴿عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ عَهْدي. ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ﴾ اللهُ تعالى: ﴿فَاشْهَدُوا﴾ على أنفسِكم وأتباعِكم. ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ عليكُم وعليهِم. قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ -رضي الله عنه-: "لم يبعَثِ الله نبيًّا من لَدُنْ آدمَ فَمَنْ بعدَهُ إلا أُخِذَ عليه العهدُ في محمدٍ - ﷺ -: لَئِنْ بُعِثَ وهو حَيٌّ، ليؤمنَنَّ به ولينصرَنَّهُ، ويأخذ العهدَ بذلكَ على قومِه" (٢). (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٨٠)، و "معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٥٠). (٢) رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٣/ ٣٣٢).

آل عمران 3:82

﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾. [٨٢] ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الإقرارِ. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ العاصونَ الخارجونَ عن الإيمان. ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾. [٨٣] اختلف أهلُ الكتابَيْن، فادعى كلُّ واحد أنه على دين إبراهيم، فاختصموا إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: "كِلاَ الفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِنَ دِينِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ"، فغضبوا، وقالوا: لا نرضى بقضائِكَ، ولا نأخذُ بدينِك، فأنزل الله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ (١) دخلتِ الهمزةُ على الفاء العاطفة على محذوفٍ تقديرُه: أيتولَّونَ فغيرَ دين الله يبغون. قرأ أبو عمرٍو، وحفصٌ عن عاصمٍ، ويعقوبُ (يَبْغُونَ) بالغيب؛ لقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وقرأ الباقون: بالخطاب؛ لقوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ (٢). ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾ خضعَ وانقادَ. (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٦١)، و"تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (١/ ٩٢١). (٢) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٧٠)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢١٤)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١١٢)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٥٣)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٨٠)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٧٧)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٥١).

آل عمران 3:84

﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا﴾ بسهولةٍ (١). ﴿وَكَرْهًا﴾ بمشقة، فأهلُ السمواتِ يسجدون طَوْعًا، وأهلُ الأرض يسجدُ بعضهم طَوْعًا، وبعضُهم كَرْهًا؛ كالمنافقين. ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ قرأ حفصٌ، ويعقوبُ: بالغيب، فحفصٌ: بضمِّ الياء ونصبِ الجيم، ويعقوبُ على أصلِه في فتح الياءِ وكسر الجيم، والباقون: بالخطاب مع ضمِّ الياء ونصب الجيم (٢). ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤)﴾. [٨٤] ﴿قُلْ﴾ الخطابُ للنبيِّ - ﷺ -. ﴿آمَنَّا﴾ أي: أنا والمؤمنون. ﴿بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادونَ، ذكرَ المللَ والأديانَ، واضطرابَ الناسِ فيها، ثم أمرَ رسولَ الله - ﷺ - أن يقولَ: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية. (١) في "ت" و"ن": "سهولة". (٢) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٣٧٨)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (٢/ ٥١٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٥٢). وانظر تتمة المصادر في التعليق السابق.

آل عمران 3:85

﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾. [٨٥] ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾ أي: التوحيدِ. ﴿دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ نزلتْ في جماعة ارتدُّوا عن الإسلام، وخرجوا من المدينة إلى مكةَ كفارًا، منهم الحارثُ بنُ سُويدٍ الأنصاريُّ. ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ هذه الآية قطعتْ عمل كلَّ عاملٍ على غيرِ ملَّة الإسلام. ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦)﴾. [٨٦] ﴿كَيْفَ﴾ استفهامُ إنكار. ﴿يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ أي: كيف يهديهم بعدَ اجتماعِ الأمرين. ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ على صدقِ محمدٍ - ﷺ -. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ بوضعِ الكفرِ موضعَ الإيمان، فكيفَ بمَنْ عرفَ الحقَّ ثم أعرضَ (١) عنه؟ (١) في "ن": "عرض".

آل عمران 3:87

﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧)﴾. [٨٧] ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ. ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ مبتدأ ثانٍ، خبرُه: ﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ أي: عذابَه. ﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ والمرادُ بالناسِ: المؤمنون. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨)﴾. [٨٨] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: في اللعنة. ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي: يؤخَّرون، ولا راحة إلا في التخفيف أو التأخير، فهما مرتفعان عنهم. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾. [٨٩] وكان الحارثُ بنُ سويد لما لحقَ بالكفار، ندمَ، فأرسل إلى قومه أن اسألوا رسولَ الله هل لي من توبة؟ ففعلوا ذلك، فأنزل الله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لما كان منهم، فحملها إليه رجلٌ من قومه، وقرأها عليه، فقال (١) الحارث: "واللهِ ما علمتُكَ إلا صَدوقًا، وإنَّ رسول اللهِ - ﷺ - لأصدقُ منكَ، وإنَّ اللهَ لأصدقُ (١) "فقال" ساقطة من "ت".

آل عمران 3:90

الثلاثة"، فرجع الحارثُ إلى المدينة، وأسلم وحسن إسلامُه (١). ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠)﴾. [٩٠] ونزلَ في اليهود: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بعيسى. ﴿بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ بموسى. ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ بمحمدٍ - ﷺ -. ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ إذا وقعوا في الحشرجَةِ؛ أي: النَّزْعِ. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ الثابتون على الضلالِ. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)﴾. [٩١] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ﴾ قرأ ورشٌ عن نافعٍ، وأبو جعفرٍ، (مِلْءُ الأَرْضِ) بالنقل (٢)؛ أي: ما يملؤها من شرقِها إلى غربها. (١) انظر: "تفسير الطبري" (٣/ ٣٤٠)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٦١)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٧٩)، و"العجاب" لابن حجر (٢/ ٧٠٨). (٢) انظر: "البحر المحيط" لأبي حيان (٢/ ٢٥٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٨٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٥٣).

آل عمران 3:92

﴿ذَهَبًا﴾ نصب على التمييز. ﴿وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ المعنى: لن يُقبل من أَحدهم فديةٌ، ولو افتدى بملءِ الأرضِ ذهبًا. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ في رفع العذاب، قال - ﷺ -: "يَقُولُ اللهُ لِأقَلِّ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ، أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ: أَلَّا تشرِكْ بِي، فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تشرِكَ" (١). ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾. [٩٢] ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ الجنَّةَ. ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ أي: من أحبِّ أموالِكم إليكُم. ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ يعلمُه ويُجازي عليه. ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)﴾. (١) رواه البخاري (٣١٥٦)، كتاب: الأنبياء، باب: خلق آدم صلوات الله عليه وذريته، ومسلم (٢٨٠٥)، كتاب: صفة القيامة والجنة والنار، باب: طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهبًا، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-.

آل عمران 3:93

[٩٣] ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا﴾ أي: حَلالًا. ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ نزلتْ لما قالَ اليهودُ للنبيِّ - ﷺ -: تزعُم أنك على ملةِ إبراهيمَ، وأنت تأكلُ لحومَ الإِبِل، وتشربُ ألبانَها، وإبراهيمُ ما كانَ كذلكَ! فنزلَتِ الآية ردًّا عليهم، وتكذيبًا لهم (١). ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ﴾ وهو يعقوبُ عليه السلام. ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾ وهو لحومُ الإبل وألبانُها؛ فإنهما كانا أحبَّ الطعام إليه، فنذرَ تحريمَهُما إن شفاهُ اللهُ من مرضٍ أصابَهُ، وهو عِرْق النسا، ولم يأكلْهُ ولدهُ اتبِّاعًا له. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ المعنى: إن المحرَّمَ عليكم إنما حُرِّمَ بعدَ إبراهيمَ قبلَ نزولِ التوراة، فلمَّا أضافوا تحريمَه إلى الله، كذبهم الله، فقال عز وجل: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ ليتبين صدقُكُم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما تزعمونَ، فبُهِتوا، ولم يأتوا بها. ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤)﴾. [٩٤] فقال الله تعالى: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ بعد لزوم الحجَّةِ. (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٦٢)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٨٢)، و"العجاب" لابن حجر (٢/ ٧١٦).

آل عمران 3:95

﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ الذين لا يُنْصِفون. ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾. [٩٥] ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ تعريضٌ بكذِبهم. ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ التي أنا عليها، وهي ملَّةُ الإسلام. ﴿حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ باللهِ. ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾. [٩٦] ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾ أي: مسجدٍ. ﴿وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ سببُ نزولِها أن اليهودَ قالوا للمسلمين: بيتُ المقدسِ قبلَتُنا، وهو أفضلُ من الكعبةِ وأقدمُ، فأنزل الله الآية (١): ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ هي مكةَ، والباء والميم يتعاقبان، وسميت بَكَّة؛ لبكِّها؛ أي: دَقِّها أعناقَ الرجال، وسميت مكةَ؛ لقلة مائها؛ لقول العرب: مَكَّ الفَصيلُ ضَرْعَ أُمِّهِ، وامْتكَّهُ: إذا امتصَّ كلَّ ما فيه من اللبنِ، وأهلُ مكة كانوا يمتكُّون الماءَ فيها؛ أي: يستخرجونه. ﴿مُبَارَكًا﴾ كثيرَ البركةِ. ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ لأنه قبلَتُهم. (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٦٢)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٨٤)، و"العجاب" لابن حجر (٢/ ٧١٧).

آل عمران 3:97

﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾. [٩٧] ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ ثم بَيَّنَ الآياتِ فقالَ: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ هو الحجرُ الذي يصلَّى خلفَه ركعتا الطواف، وهو الذي قام عليه إبراهيمُ وقتَ رفعهِ القواعدَ من البيت لما طالَ البناءُ، فكان كلما علا الجدارُ، ارتفعَ به الحجرُ في الهواء، فما زال يبني وهو قائم عليه، وإسماعيلُ يناولُه الحجارةَ والطينَ حتى أكملَ الجدارَ، وكان أثرُ قدميه فيه، فاندرسَ من كثرة المسحِ بالأيدي، ومن تلك الآياتِ الحجرُ الأسودُ، والحطيمُ، وزمزمُ، والمشاعرُ كلُّها، ومنها أن الطيرَ يطيرُ فلا يعلو فوقَهُ، وقد شاهدتُ ذلك عيانًا. ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ من أن يُهاجَ فيه؛ لدعاء إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥]، والضميرُ في قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ﴾ عائدٌ على البيت في قولِ الجمهور، ويفهم من معناه أن من دخلَ الحرم، فهو في الأمن؛ لأنه جزءٌ من البيت إذ هو لسببه ولحرمته. واختلفَ الأئمةُ رضي الله عنهم في الجاني الملتجئ للحرم، فقال مالكٌ والشافعيُّ: يُقْتَصُّ منه في الحرم، وقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: إن جنى في الحرم، اقْتُصَّ منه، وإن جنى خارجَ الحرم، ثم لجأ إليه، لم يُقْتصَّ منه، لكن يُضَيَّقُ عليه بتركِ البيعِ والشراءِ حتى يخرجَ إلى الحِلِّ، فيقام حينئذ. وأما الكلام في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ فقد روى المحدِّثون عن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه أنه قال: قُلْتُ يا رسولَ الله! أيُّ مسجدٍ وُضِعَ في الأرض أَوَّلُ؟ قَالَ: "المَسْجِدُ الحرامُ"، قالَ: قلتُ: ثم أيٌّ؟ قالَ: "المسجِدَ الأَقْصى"، قلتُ: كَمْ بينَهما؟ قالَ: "أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ؛ فَإِنَّ الفَضْل فيهِ" (١). وقد رُوي أن الملائكةَ بنوا المسجدَ الحرامَ قبلَ خلقِ آدمَ بألفي عامٍ، فكانوا يحجُّونه. قال الإمامُ أبو العباسِ القرطبيُّ: يجوزُ أن يكونَ بناهُ يعني: مسجدَ بيتِ المقدسِ الملائكةُ بعدَ بنائها البيتَ بإذنِ الله تعالى (٢). وقد رُوي أن أولَ من بنى مسجدَ بيتِ المقدس وأُرِيَ موضعَه يعقوبُ بنُ إِسحاقَ بنِ إبراهيمَ عليهم السلام، روي أن أباه إسحاقَ أمرَه ألَّا ينكحَ امرأةً من الكنعانيين، وأمره أن ينكحَ من بناتِ خاله، وكان مسكنُ يعقوبَ بالقدس، فلما توجَّه إلى خاله لينكحَ ابنتَهُ، أدركه الليلُ في بعض الطريق، فبات متوسِّدًا حجرًا، فرأى فيما يرى النائمُ أن سُلَّمًا منصوبًا إلى بابٍ من أبوابِ السماء، والملائكةُ تعرُجُ فيه وتنزلُ، فأُوحى الله تعالى إليه: إني إلهكَ وإلهُ أبيكَ (٣) إبراهيمَ، وقد وَرَّثتكَ هذه الأرضَ المقدسةَ لكَ ولذريَّتِكَ من بعدِك، وباركتُ فيكَ وفيهم، وجعلتُ لكم الكتابَ والحكمَ والنبوةَ، ثم أنا معكَ أحفظُك حتى أردَّكَ إلى هذا المكان، فاجعلْه بيتًا تعبدُني فيه أنتَ وذريتُكَ (٤). وقد تأولَ بعضُ العلماءِ معنى الحديثِ الشريفِ الواردِ أن بناءَ المسجدِ (١) رواه البخاري (٣١٨٦)، كتاب: الأنبياء، باب: ﴿يَزِفُّونَ﴾، ومسلم (٥٢٠)، في أول كتاب: المساجد ومواضع الصلاة. (٢) انظر: "تفسير القرطبي" (٤/ ١٣٨). (٣) في جميع النسخ "آبائك"، والمثبت هو الصواب. (٤) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٣٨٤). الأقصى كانَ بعدَ بناءِ المسجدِ الحرام بأربعين سنةً على أن المرادَ بناءُ يعقوبَ عليه السلام لمسجد بيتِ المقدسِ بعدَ بناءِ إبراهيمَ عليه السلام الكعبةَ الشريفةَ، والله أعلم. وأما بناءُ داودَ وسليمانَ عليهما السلام لمسجدِ بيتِ المقدس، فإنه بعدَ ذلك بأزمنةٍ متطاولةٍ على أساسٍ قديم، فهما مجدِّدان لا مؤسِّسان. ﴿وَلِلَّهِ﴾ فرضٌ واجب. ﴿عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ قرأ أبو جعفرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وحفصٌ، وخلفٌ: (حِجُّ) بكسر الحاء، والباقون: بالفتح، وهي لغة أهل الحجاز، وهما لغتان فصيحتان معناهما واحد (١). والحجُّ أحدُ أركانِ الإسلام، قال - ﷺ -: "بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إلَّا اللهُ وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والحج، وصَوْمِ رَمَضَانَ" (٢). ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ والاستطاعةُ: القدرةُ بالمالِ والبدنِ، فمن وجدَ الزادَ والراحلةَ ونفقَة العيال قدرَ الذهابِ والرجوع، مع التمكُّن، وجبَ (١) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٧٠)، و"الحجة" لابن خالوية (ص: ١١٢)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٥٣ - ٣٥٤)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٨٠)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٨٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٥٥). (٢) رواه البخاري (٨)، كتاب: الإيمان، باب: الإيمان وقول النبي - ﷺ -: "بني الإسلام على خمس"، ومسلم (١٦)، كتاب: الإيمان، باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام، عن ابن عمر -رضي الله عنهما-. الحجُّ عليه بالاتفاق، فعندَ أبي حنيفةَ وأحمدَ يجبُ على الفَوْر، وعندَ الشافعيِّ ومالكٍ يجبُ على التراخي، وقيد مالكٌ بما إذا لم يخشَ الفوتَ، وعندَ مالك فقط يجبُ على الفقيرِ القادرِ على المشي، فلو تكلَّف غيرُ القادرِ فحجَّ، سقطَ عنه الفرض بالاتفاق، والمرأةُ كالرجلِ، واختلفوا في شرطٍ آخرَ في حَقِّها، وهو وجودُ المحرِم، فقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: يُشترط، وهو زوجُها، أو من تحرُمُ عليه على التأبيد بنسبٍ أو سببٍ مُباحٍ؛ كرضاعٍ (١) ومصاهرة، وقال مالكٌ والشافعيُّ: لا يُشترط إذا وجدَتْ رُفْقَةً مأمونين، قال مالكٌ: رجالٌ أو نساء، وقال الشافعي: نساءٌ ثِقاتٌ. ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ جحدَ فرضَ الحجِّ. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ في الحديث (٢): "مَنْ أَمْكَنَهُ الْحَجُّ فَلَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا" (٣). (١) في "ت": "الرضاع". (٢) "الحديث" ساقطة من "ت". (٣) رواه الترمذي (٨١٢)، كتاب: الحج، باب: ما جاء في التغليظ في ترك الحج، عن علي -رضي الله عنه-. وقال: حديث غريب، وفي إسناده مقال، وهلال بن عبد الله مجهول، والحارث يضعف في الحديث. ورواه ابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (٥/ ٧٢)، والروياني في "مسنده" (١٢٤٦)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٤/ ٣٣٤) وضعفه، عن أبي أمامة -رضي الله عنه-. وفي الباب عن غيرهما من الصحابة -رضي الله عنهم-، وانظر: "الدراية" لابن حجر (٢/ ٢٩٢).

آل عمران 3:98

﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨)﴾. [٩٨] ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الدالَّةِ على صدقِ محمدٍ. ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ فتجازَوْنَ به؟! ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾. [٩٩] ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عن دينِ الإسلام. ﴿مَنْ آمَنَ﴾ بتغييركم صفةَ النبيِّ - ﷺ - ليرتابوا، وذكرِكُم وقائعَ الجاهلية ليقتتلوا. ﴿تَبْغُونَهَا﴾ تطلُبونها. ﴿عِوَجًا﴾ ميلًا عن الاستقامة. ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ بما في التوراة من صدق محمدٍ - ﷺ -. ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وعيدٌ لهم. يسكتُ حمزةُ قبلَ الهمز إذا كانَ الساكنُ آخرَ كلمةٍ والهمزةُ أولَ كلمةٍ أخرى، نحو (مَنْ آمَنَ) و (قُلْ إِنَّني) وشبهِه حيثُ وقعَ، ويسهل بالنقل إذا وقفَ بخلافٍ عنه (١). (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٨٨١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٥٦).

آل عمران 3:100

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾. [١٠٠] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الذين يريدون كفركم. ﴿يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ نزلتْ في نفرٍ من الأوس والخزرج، وكانوا جلوسًا يتحدثون، فمر بهم شاسُ بنُ قيسٍ اليهوديُّ، فغاظَه تألُّفُهُم واجتماعُهم بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة، فأمر شابًّا من اليهود أن يجلسَ إليهم، ويذكِّرهم يومَ بعاث، وينشدَهم بعضَ ما قيلَ فيه من الأشعار، وكان يومًا اقتتلتْ فيه الأوسُ والخزرج، وكان الظفرُ فيه للأوس، ففعلَ، فتنازعَ القومُ وتغاضبوا، وقالوا: السلاحَ السلاحَ، فبلغَ النبيَّ - ﷺ -، فخرج إليهم فيمن معهُ من المهاجرينَ والأنصار، فقال: "أَتَدَّعُونَ الجاهِلِيَّةَ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ بَعْدَ إِذْ أَكْرَمَكُمُ اللهُ بِالإِسْلامِ وَقَطَعَ بِهِ عَنْكُمْ أَمْرَ الجاهِلِيَّةِ وَأَلَّفَ بَيْنَكُمْ؟! " فعلموا أنها نزغةٌ من الشيطان، وكيدٌ من عدوِّهم فألقَوا السلاحَ، واستغفروا، وعانقَ بعضُهم بعضًا، وانصرفوا مع رسولِ الله - ﷺ -، فما كان (١) يومٌ أقبحَ أولًا وأحسنَ آخرًا من ذلكَ اليوم (٢). (١) "كان" ساقطة من "ن". (٢) انظر: "تفسير الطبري" (٤/ ٢٣)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٦٢ - ٦٣)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٩٠)، و"العجاب" لابن حجر (٢/ ٧٢١)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٢/ ٢٧٨). فَتْحُ الرَّحْمَن في تَفْسِيْرِ القُرآنِ تَأليف الإِمَامِ القَاضِي مُجِير الدِّينِ بْنِ مُحمَّد العُليِميِّ المَقدِسِيِّ الحَنبليِّ المولود سنة (٨٦٠ هـ) - والمتوفى سنة (٩٢٧ هـ) رَحِمَهُ الله تعَالى المُجَلَّد الثاني اعتَنَى بِهِ تَحقِيقًا وضَبْطًا وتَخْريجًا نُوْرُ الدِّيْن طَالب إصدَارات وزَارة الأوقاف والشُؤُوْن الإِسلامِيّة إدَارَةُ الشُؤُوْنِ الإِسلاَمِيّةِ دولة قطر

النساء 4:1

سُورَةُ النِّسَاء مدنيةٌ، وآيُها (١) مئةٌ وسبعون وست آيات، وحروفها ستةَ عَشَرَ ألفًا، وثلاثون حرفًا، وكَلِمُها ثلاثةُ آلافٍ وتسعُ مئةٍ وخمسٌ وأربعونَ كلمة. بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيمِ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾. [١] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطابٌ لجميعِ بني آدَم (يا) حرفُ نداء و (أَيُّ) منادى مفَردٌ، و (ها) تنبيهٌ، و (الناسُ) نعتٌ لأيُّ، والناسُ والمؤمنون ونحوُهما تعمُّ العبيدَ عندَ أحمدَ وأصحابِه وأكثرِ أتباع الأئمة. ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ والربُّ: المالكُ. ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني: آدمَ. قرأ أبو عمرو: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ بإدغام القاف في الكاف، ولم يدغم من المتقاربين في كلمة إلا القاف في الكاف التي تكون في ضمير الجمع المذكَّرِينَ إذا تحركَ ما قبلَ القافِ لا غيرُ، (١) في "ت": "وآياتها". وذلك نحو قوله: (خَلَقكُّمْ) و (رَزَقكُّمْ) و (وَاثَقكُّم) وشبهِه، وأظهرَ ما عداه مما قبلَ القاف فيه ساكنٌ، ومما ليس بعد الكاف فيه ميمٌ؛ نحو قولِه تعالى: (مِيثَاقَكُمْ) و (بِوَرِقِكُمْ) و (خَلَقَكَ) و (نَرْزُقُكَ) وشبهِه (١). ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي: وخلق منهُ أمكم حَوَّاءَ من ضِلَعٍ من أضلاعِه اليسرى. ﴿وَبَثَّ﴾ نشرَ وأظهَر. ﴿مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ أي: نشرَ من تلكَ النفسِ والزوجِ المخلوقةِ منها بنينَ وبناتٍ كثيرةً (٢). ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ أي: تتساءلون: تقسمون. قرأ عاصمٌ، وحمزةٌ، والكسائيُّ، وخَلَفٌ: (تَسْألونَ) بتخفيف السين على حذف إحدى التاءين. ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ القرابات، قراءةُ العامة: بالنصب؛ أي: واتقوا الأرحامَ أَنْ تقطعوها، وقرأ حمزةُ: بالخفض، أي: به وبالأرحامِ، والأولى أفصحُ (٣). (١) انظر قراءة أبي عمرو في: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٨٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٠٣). (٢) من قوله: "لا يفلح قوم شجوا... " (ص: ٢٣) من هذا الجزء، إلى هنا ساقط من "ش"، بمقدار عشر لوحات من النسخ الخطية الأخرى. (٣) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٣٨٩ - ٣٩٠)، و"الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٨٨)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٢٦)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١١٨)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٧٥)، و"تفسير البغوي" (١/ ٤٧١)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٧)، =

النساء 4:2

﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ حفيظًا مطلعًا. ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)﴾. [٢] ونزل في رجل من غَطَفانَ كان معه مالٌ كثيرٌ لابنِ أخٍ له يتيمٍ، فلما بلغَ، طلبَ المالَ، فمنعَه عمُّهُ. ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ (١) سلِّموها إليهم إذا بلَغوا، واليتامى: جمعُ يتيمٍ، وهو الذي مات أبوه؛ من اليتمِ، وهو الانفراد. ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ﴾ أي: الحرام. ﴿بِالطَّيِّبِ﴾ بالحلالِ؛ لأنهم كانوا يأخذون الجيدَ من مالِ اليتيم، وهو خبيثٌ في حَقِّهم، ويضعون مكانه الرديءَ من أموالهم، وهو طَيِّبٌ لهم. ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ أي: معها. ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الأكلَ. ﴿كَانَ حُوبًا﴾ إثمًا. ﴿كَبِيرًا﴾ فلما سمعَها العمُّ، قال: "أَطَعْنا اللهَ وأطعْنا الرسولَ، نعوذُ بالله من الحُوبِ الكبير"، فدفع إليه ماله. = و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٨٥)، و "معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٠٣). (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٧٩)، و"تفسير البغوي" (١/ ٤٧١).

النساء 4:3

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾. [٣] ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ يا أولياءَ اليتامى. ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ أي: لا تَعْدِلوا. ﴿فِي الْيَتَامَى﴾ إذا نكحتموهُنَّ. ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ أي: ما حلَّ لكم غيرَهُنَّ. قرأ حمزةُ (طَابَ) بالإمالةِ (١). ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ الغرائبِ. ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ أي: تزوَّجوا إن شئتُم مَثْنى، وإن شئتم ثُلاثَ، وإن شئتم رُباعَ، أنتم مُخَيَّرون في ذلك، وهذا إجماع أن أحدًا من الأمة لا يجوزُ له أن يزيد على أربعِ نسوةٍ إذا كان حُرًّا، وأما العبدُ، فلا يجوز له أن يجمعَ بينَ أكثرَ من زوجتين عندَ الثلاثة، وقال مالكٌ: هو كالحرِّ في جواز جمعِ الأربعِ إليه، وكانت الزيادةُ على الأربع من خصائصِ النبيِّ - ﷺ -، لا يشاركه أحدٌ من الأمة فيه، روُي أن قيسَ بنَ الحارثِ كان تحتَه ثمان نسوة، فلما نزلت هذه الآيةُ، قال له رسول الله - ﷺ -: "طَلِّقْ أَرْبَعًا، وَأَمْسِكْ أَرْبَعًا"، قال: (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٨٨)، و"تفسير القرطبي" (٥/ ١٥)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (٣/ ١٦٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٨٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٠٦).

النساء 4:4

فجعلتُ أقولُ للمرأة التي لم تلدْ مني: يا فلانة! أدبري، وللتي قد ولدت: يا فلانة! أقبلي (١). ﴿خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ بينَ هذه الأعداد. ﴿فَوَاحِدَةً﴾ أي: فانكحوا واحدةً. قرأ أبو جعفرٍ (فَوَاحِدَةٌ) بالرفع خبرُ مبتدأ؛ أي: فالمُقنعِ واحدةٌ، وقرأ الباقون: بالنصب على المعنى الأول (٢). ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ من السراري؛ لأنه لا يلزمُ فيهن من الحقوق ما يلزم في الحرائر. ﴿ذَلِكَ أَدْنَى﴾ أقربُ. ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ تَجُوروا. ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾. [٤] ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ أي: مهورَهُنَّ، جمعُ صَدُقَةٍ. ﴿نِحْلَةً﴾ عطيَّةً عن طيبِ نفسٍ. ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ﴾ أي: من المال؛ لأن الصدقاتِ مالٌ. (١) رواه الطبراني في "المعجم الكبير (١٨/ ٣٥٩)، والدارقطني في "سننه" (٣/ ٢٧١)، والبيهقي في "السنن الكبرى". (٧/ ١٨٣). (٢) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٣٩٢)، و"تفسير البغوي" (١/ ٤٧٤)، و"الكشاف" للزمخشري (١/ ٢٤٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٨٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٠٧).

النساء 4:5

﴿نَفْسًا﴾ نصبٌ تمييز؛ أي: إذا وهبْنَكُم شيئًا عن طيب نفس. ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا﴾ طيبًا. ﴿مَرِيئًا﴾ سائغًا لا يُنَغِّصُه شيء. قرأ أبو جعفرٍ (هَنِيًّا مَرِيًّا) بتشديد الياء منهما من غير همز، والباقون: بهمزهما (١). ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾. [٥] ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾ أي: المبذِّرين من الرجال والنساء والصبيان. ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ أي: قوامَ عيشكم. قرأ أبو عمرٍو، وقالونُ، والبزيُّ: (السُّفَهَا أَمْوَالَكُمْ) بإسقاطِ الهمزةِ الأولى بلا عِوَضٍ منها، ويَهْمزون الثانية، وقرأ ورشٌ، وقنبلٌ، وأبو جعفرٍ، ورُويسٌ: بتسهيل الثانية، فيجعلونها بين الهمزة والألف، ويفتحونها شبه مدة (٢)، وقرأ الباقون، وهم عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وابنُ عامرٍ، ورَوْحٌ: (١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٤٧٥ - ٤٧٦)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (٣/ ١٦٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٨٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٠٨). (٢) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٣٩٦)، و"الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٩٠) و"الكشف" لمكي (١/ ٣٧٦)، و"تفسير البغوي" (١/ ٤٧٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٨٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٠٩).

النساء 4:6

بتحقيق الهمزتين، واختلفوا في قوله: (قِيَامًا)، فقرأ نافعٌ وابنُ عامر: (قِيَمًا) بغير ألف، والباقون: بالألف. ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ أي: أطعموهم واكسوهم منها لمن يجبُ عليكم رزقُه ومؤنتُه. ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ عِدَةً جَميلةً تطيبُ بها نفوسُهم. ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾. [٦] ونزل في ثابتِ بنِ رفاعةَ، وفي عمِّه، وذلك أن رفاعةَ تُوُفِّيَ وتركَ ابنَهُ ثابتًا وهو صغيرٌ، فجاء عمُّه إلى رسول الله - ﷺ -، وقال: إن ابن أخي يتيمٌ في حِجْري، فما يحلُّ لي من مالِهِ، وما أدفعُ إليه؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿وَابْتَلُوا﴾ (١) أي: اختبروا. ﴿الْيَتَامَى﴾ في عقولهم وتصرُّفاتهم في أموالهم. ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ أي: صاروا أهلًا أن يَنْكِحوا أو يُنْكَحوا، ويحصلُ البلوغُ عندَ أبي حنيفةَ في حقِّ الغلامِ بالاحتلامِ والإحبالِ والإنزالِ إذا وطئ، أو إكمالِ ثماني عشرةَ سنةً، وفي حقِّ الجاريةِ بالحيضِ والاحتلامِ (١) انظر: "تفسير الطبري" (٤/ ٢٥٩)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٨٠). والحبلِ، أو إكمالِ سبعَ عَشْرَةَ سنةً، وعندَ مالكٍ حَدُّ البلوغِ في حَقِّهِما الاحتلامُ والإنباتُ والانتهاءُ من السنِّ إلى ما يُعلم بالعادة بلوغُ مَن انتهى إلى مثله، ولم يحدَّ مالكٌ فيه حدًّا، ويزيد الإناثُ بالحيضِ والحملِ، وعند الشافعيِّ وأحمدَ حَدُّه في حَقِّهما الاحتلامُ، أو إكمالُ خمسَ عشرةَ سنةً، وتزيدُ الجاريةُ بالحيضِ والحمل، وأما نباتُ الشعر، فعند الشافعيِّ يقتضي الحكمَ ببلوغِ الكافرِ دونَ المسلمِ، وعندَ أحمدَ يقتضي البلوغَ مطلقًا. ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ أي: أبصرتم. ﴿مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ هدايةً إلى مصالحهم، والرشدُ: الصلاحُ في المال فقط عندَ الثلاثة، وعند الشافعيِّ إصلاحُ الدينِ والمال. ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ من غير تأخير عن حدِّ البلوغ. ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا﴾ أيها الأوصياء. ﴿إِسْرَافًا﴾ بغير حَقٍّ. ﴿وَبِدَارًا﴾ سراعًا. ﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾ أي: لا تبادروا بالتفريط في إنفاقها قبلَ أن يكبروا حَذَرًا أن يبلغوا فيلزمكم تسليمُها إليهم، ثم بَيَّنَ حالَ الأوصياءِ فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أي: يطلبِ العفةَ من نفسِه، ويمتنعْ عن أكلها، والعِفَّةُ: الامتناع مما لا يَحِلُّ. ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا﴾ محتاجًا إلى مال اليتيم، وهو يحفظُه. ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يأخذْ قدرَ أجرته إذا عملَ.

النساء 4:7

﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ أمرُ إرشاد ليسَ بواجبٍ فَيُشهدُ لتزولَ عنه التهمةُ. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ كافيًا. ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾. [٧] وكانوا في الجاهلية لا يورِّثون النساءَ ولا الصبيانَ، فَتُوفي أوسُ بنُ ثابتٍ الأنصاريُّ، وتركَ امرأتَه أُمَّ كُحَّةَ وثلاثَ بناتٍ، فأخذَ سُوَيْدُ وعَرْفَجَةُ ابنا عَمِّهِ ووصيَّاه جميعَ تركته، فنزل: ﴿لِّلرِّجَالِ﴾ (١) أي: الذكرِ من أولادِ الميت. ﴿نَصِيبٌ﴾ حَظٌّ. ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ هم المتوارثون من ذوي القرابات دونَ غيرهم. ﴿وَلِلنِّسَاءِ﴾ أي: الوارثاتِ منهنَّ. ﴿نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ﴾ أي: من المال. ﴿أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ حظًّا مقطوعًا بوجوب تسليمِه إليهم. (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٨٠)، و"تفسير البغوي" (١/ ٤٨١).

النساء 4:8

﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾. [٨] ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ يعني: قسمةَ الميراثِ. ﴿أُولُو الْقُرْبَى﴾ للميتِ ممَّنْ لا يرثُ. ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ أي: فارْضَخُوا لهم من المال قبلَ القسمةِ، وحكمُ هذهِ الآيةِ منسوخٌ. ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ تقدَّم تفسيره قريبًا. ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾. [٩] ثم حضَّ على الشَّفَقَةِ على الأيتام فقال: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ أي: بعدهم. ﴿ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ أي: أولادًا صغارًا. قرأ حمزةُ: (ضِعَافًا) بالإمالة، بخلافٍ عن خلاد (١). ﴿خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ الفقرَ، أَمْرٌ للحاضرينَ المريضَ عندَ الإيصاء. ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ في أمرِهم الميتَ. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٢٧)، و"الكشف" لمكي (١/ ١٧٤ - ٣٧٧)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٨٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٨٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١١١).

النساء 4:10

﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ عَدْلًا؛ بأن يأمروه بالتصدُّق بدونِ الثلث، ويترك الباقي لولده، ويَرْفُق باليتيم كما يرفُقُ بولده. تلخيصه: يفعلُ بالميتِ كما يحبُّ أن يُفْعلَ به لو كان هو الميتَ. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾. [١٠] ونزل في الأوصياء الذين يأكلون ما لم يُبَحْ لهم من مالِ اليتيم، وهي تتناولُ كلَّ أَكْلٍ من أولياءِ السوءِ وقُضاتِه، وإن لم يكنْ وَصِيًّا (١): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ بغير حَقٍّ. ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ أي: ملءَ بطونهم. ﴿نَارًا﴾ ما يجرُّ إلى النار، ويَؤُول إليها. ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. قرأ ابنُ عامرٍ، وأبو بكرٍ: بضم الياء؛ أي: (يُدْخَلُونَ نَارًا) مُسَعَّرَةً، وقرأ الباقون: بالفتح من صَلِيَ النارَ يَصْلاها: إذا حَلَّها وقاساها (٢). (١) في "ن": "وليًّا". (٢) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٣٩٨)، و"الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٩١)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٢٧)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٢٠)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٧٨)، و"تفسير البغوي" (١/ ٤٨٣)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٨٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢٤٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٨٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١١٢).

النساء 4:11

﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾. [١١] ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ أي: يأمرُكم، ويعهدُ إليكُم في شأن أولادكم إذا مِتُّمْ. ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ إذا اجتمعَ مع الإناثِ بالاتفاق، وإلا فالذكرُ عصبةٌ منفردًا بالاتفاق، وفُضِّل الذكرُ على الأنثى في الميراث بجعلِ حظِّه مِثْلَي حَظِّ الأنثى؛ لأن الذكرَ في مَظِنَّةِ الحاجةِ أكثرَ من الأنثى، فإن كلَّ واحدٍ منهما في العادة يتزوَّجُ، ويكون له الولدُ، فالذكرُ يجبُ عليه نفقةُ امرأتِهِ وأولادِه، والمرأةُ يُنْفِقُ عليها زوجُها، ولا يلزمها نفقةُ أولادِها، وقد فضل الله الذكرَ على الأنثى في الميراثِ على وَفْقِ ذلك. ﴿فَإِن كُنَّ﴾ أي: المتروكاتُ. ﴿نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ أي: جماعةً. ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ الميتُ بالاتفاق. ﴿وَإِنْ كَانَتْ﴾ الوارثة. ﴿وَاحِدَةً﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ (وَاحِدَةٌ) بالرفع على معنى: إن وقعتْ واحدةٌ، وقرأ الباقون: بالنصب على خبر كان (١) ﴿فَلَهَا النِّصْفُ﴾ بالاتفاق. ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ يعني: لأبوي الميت. ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أرادَ: أن الأبَ والأمَّ يكون لكلِّ واحدٍ سدسُ الميراثِ عندَ وجود الولد، أو ولدِ الابن، بالاتفاق، والأبُ يكونُ صاحبَ فرضٍ. ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ من جميع الميراث، إلا أن يكون مع الأبوين زوجٌ أو زوجةٌ، فللأم ثلثُ ما يبقى بالاتفاق. ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ أي: اثنان فصاعدًا، ذكورًا أو إناثًا. ﴿فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ والباقي للأب إن كان معها أبٌ، فالإخوة لا ميراثَ لهم مع الأب، ولكنهم يحجُبون الأمَّ من الثلثِ إلى السدس، سواءٌ كانوا أشقاءَ، أو لأبٍ، أو لأمٍّ، بالاتفاق. قال قتادةُ: وإنما أخذهُ الأبُ دونَهم؛ لأنه يمونُهم، ويلي نكاحَهم والنفقةَ عليهم. قال ابنُ عطية: هذا في الأغلب (٢). وعن ابن عباسٍ: أن الإخوة يأخذون السدسَ الذي حجبوا الأمَّ عنه (٣). قرأ حمزةُ، والكسائيُّ: (فَلإِمِّهِ) بكسر الهمزة في الحرفين استثقالًا (١) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٩٢)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٢٧)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٢٠)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٧٨)، و"تفسير البغوي" (١/ ٤٨٩)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٨٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٨٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١١٣). (٢) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٢/ ١٧). (٣) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٤٨٩)، و"تفسير القرطبي" (٥/ ٧٢). للضمة بعدَ الكسرة، وقرأ الآخرون: بالضمِّ على الأصل (١). ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ الميتُ. ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: (يُوصَى) بفتح الصاد على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، وكذلك الحرفُ الآتي، ووافق حفصٌ في الثاني، وقرأ الباقون: بكسر الصاد فيهما. ثم حضَّ على تنفيذ وصايا الميت، وقضاء ديونه بقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ الذين يرثونكم. ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ في الدِّينِ والدنيا والآخرة. المعنى: منكم من يَظُنَّ أن ابنَهُ أنفعُ له بأنْ يبادرَ إلى مصالحِهِ وقضاءِ ديونه، فيكونُ الأبُ أنفعَ، وبالعكس، وأنا العالمُ بمن أنفعُ لكم، وقد دبَّرْتُ أمرَكم على ما فيه المصلحةُ، فاتبعوه. ورُوي أنَّ الولدَ إِن كانَ أرفعَ درجةً في الجنة، رُفع إليه والداه (٢)، وإن كان الوالدُ أرفَع درجةً، رُفع إليه ولدُه؛ لتقرَّ بذلك أعينُهم. ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ أي: فرضَ الله الميراث فريضةً. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ﴾ أي: لم يَزَلْ. (١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٣٩٩ - ٤٠٠) و"الحجة"، لأبي زرعة (ص: ١٩٢ - ١٩٣)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٢٨)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٧٩ - ٣٨٠)، و"تفسير البغوي" (١/ ٤٨٩)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٨٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٨٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١١٤). (٢) في "ن": "والده".

النساء 4:12

﴿عَلِيمًا﴾ بأمور العباد. ﴿حَكِيمًا﴾ فيما قضى وقَدَّرَ، فلا يُقْسَمُ إرثٌ إلا بعدَ قضاءِ دَيْنِ الميتِ، وإخراجِ ما أوصى به، بالاتفاق. ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾. [١٢] ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ منكم، أو من غيرِكم. ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ هذا في ميراثِ الأزواج. ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ هذا في ميراث الزوجات، للواحدةِ الربعُ أو الثمنُ، وإن كنَّ أكثرَ من واحدة، اشتركْنَ فيه، والحكم في ذلك كلِّه متفقٌ عليه. ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ﴾ أي: الميتُ، وهو اسمُ (كان). ﴿يُورَثُ﴾ أي موروثٌ منه. ﴿كَلَالَةً﴾ خبرُها، والكلالةُ: مَنْ لا ولدَ لهُ ولا والدَ، فالأبُ والابنُ طرفان للرجل، فإذا ذهبا، تكَلَّلَهُ النسبُ؛ لأنَّ الورثةَ من جميع الإخوة وغيرِهم يحيطونَ بالميت كالإكليل يحيطُ بالرأسِ من جميعِ جوانبِه، وأعلاه وأسفلُه خاليان. ﴿أَوِ امْرَأَةٌ﴾ عطفٌ على (رجلٌ). ﴿وَلَهُ﴾ الضميرُ عائد على الرجل، واكتفى بإعادته عليه دون المرأة إذ المعنى فيهما واحدٌ، والحكمُ قد ضبطه العطفُ الأول. ﴿أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ أي: من الأم. ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ بالاتفاق. ﴿فَإِنْ كَانُوا﴾ أي: أولادُ الأم. ﴿أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ أي: من واحد. ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ بالسوية، لا يزيدُ نصيبُ ذكرِهم على أنثاهم، بالاتفاق. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ أي: مُدْخِلٍ الضررَ على ورثته بمجاوزةِ الثلثِ، ونصب (غير) على الحال، وتقدَّم خلاف القراء في قولِه: (يوصي) في الحرفِ المتقدِّم (١). ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ مصدرٌ مؤكِّدٌ؛ أي: يوصيكم الله وصيةً. (١) في الآية رقم (١١) من هذه السورة.

النساء 4:13

﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ لا يعاجلُ بعقوبته. قال قتادة: كرهَ اللهُ الضِّرارَ في الحياةِ وعندَ المماتِ، ونهى عنه (١). ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)﴾. [١٣] ﴿تِلْكَ﴾ أي: الفروضُ المذكورةُ. ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ شرائعهُ التي كالحدود المحدودة. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾. [١٤] ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بكفره. ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ جَمَعَ خالدين، وأفرد خالدًا؛ نظرًا إلى معنى (مَنْ) ولفظِها، ونصبَهُما على الحال. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ: (نُدْخِلْهُ) في الحرفين بالنون، والباقون: بالياء (٢). (١) رواه الطبري في "تفسيره" (٤/ ٢٨٨). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٢٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٤)، =

النساء 4:15

﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾. [١٥] ثم خاطب الحكام فقال: ﴿وَاللَّاتِي﴾ مبتدأ. ﴿يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ أي: الزنا. ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ وخبرُ اللاتي: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ من المسلمين، وفيه بيانُ أن الزنا لا يثبتُ إلا بأربعةٍ من الشهودِ، بالاتفاق، فيسألُهم الحاكمُ عن ماهيته، وكيفيته، ومكانه، وزمانه، والمزنيِّ بها، فإن بينوه وقالوا: رأيناه وَطِئَها كالميلِ في المكحلةِ، وعُدِّلوا سرًّا وجهرًا، حكم به بالاتفاق، ويُشترط عند أبي حنيفةَ ومالكٍ حضورُهم للشهادة مجتمعين غيرَ مفترقين، فإن افترقوا في الشهادة، كانوا قَذَفَةً. قال أبو حنيفة: إلا أن يكونَ في مجلسٍ واحدٍ في ساعةٍ واحدةٍ. وعندَ الشافعيِّ: تصحُّ شهادتهم متفرقين؛ كما في سائر الحقوق؛ لإطلاق الآية. وعند أحمدَ: يشترط مجيئُهم في مجلس واحد، سواءٌ جاؤوا متفرقين، أو مجتمعين، فإن جاء بعضُهم بعدَ أن قام الحاكم، أو شهد ثلاثةٌ وامتنع الرابعُ، أو لم يكمِلْها، فهم قذفةٌ، وعليهم الحد. ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ عليهنَّ بالزنا. = و"تفسير البغوي" (١/ ٤٩٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ١١٧). ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ أي: احبسوهن. ﴿فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ أي: ملائكةُ الموت (١). ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ طريقًا في النكاح المغني عن السفاح، ثم نُسخ ذلك بنزول الحدِّ، وهو في حقِّ البِكْر جَلْدُ مئةٍ، وفي حَقِّ الثيِّبِ الجلدُ، والرجمُ، ثم نُسخ الجلدُ، وبقي الرجمُ، واختلف الأئمةُ في تغريبِ البكرِ الحرِّ بعدَ الجلد، فقال أبو حنيفة: لا يُغرَّبُ إلا أن يرى الإمامُ ذلك مصلحةً، فيغربُه على قدرِ ما يرى، وقال مالك: يُغَرَّبُ الرجلُ دونَ المرأة وتغريبهُ أن ينفَى سنةً إلى غيرِ بلده، فيُحْبس فيه، وقال الشافعيُّ وأحمدُ: يُجمع في حق الزانيينِ البكرينِ بينَ الجلدِ والتغريبِ سنةً إلى مسافةِ قصرٍ، وتُغَرَّبُ المرأةُ مع مَحْرَمٍ، فإن امتنعَ، لم يُجبر. وأما ثبوتُ الزنا بالإقرار، فعندَ أبي حنيفةَ وأحمدَ لا يثبتُ حتى يقرَّ أربعَ مراتٍ، فأبو حنيفة يشترطُ أن يكونَ الإقرارُ في أربعةِ مجالسَ، وأحمدُ لا يشترطُ المجالس، فلو أقرَّ أربعًا في مجلس واحد، أو مجالسَ، ثبتَ عليه، وعندَ مالكٍ والشافعيِّ يثبتُ بإقراره مرةً واحدة، وإذا أقرَّ بالزنا ثم رجعَ عنه، قُبِلَ رجوعُه، وسقطَ الحدُّ عندَ الثلاثة، وقال مالكٌ: إن رجعَ بشبهةٍ يُعْذَرُ بها؛ كقوله: وطئتُ في نكاحٍ فاسدٍ ونحوِه، قُبِلَ وسقطَ عنه الحدُّ، وإن لم يرجعْ إلى شبهة، فعنه روايتان. واختلفوا في اللوطيِّ، فقال أبو حنيفة: يُعَزَّرُ، ولا حدَّ عليه، خلافًا لصاحبيه، وقال مالكٌ: يجبُ على الفاعلِ والمفعولِ به الرجمُ، أحصنا أو لم يُحصنا، وعند الشافعيِّ وأحمدَ: حكمُه حكمُ الزاني على ما تقدَّم. (١) في "ت": "العذاب".

النساء 4:16

﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. [١٦] ﴿وَاللَّذَانِ﴾ أي: الرجلُ والمرأةُ. قرأ ابنُ كثيرٍ: (وَاللَّذَانِّ) و (اللَّذَيْنِ) و (هَاذَانِ) و (هَاذَيْنِ): مشدَّدَةَ النونِ للتأكيد (١). ﴿يَأْتِيَانِهَا﴾ أي: الفاحشةَ. ﴿مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ عَيِّروهما باللسان. قال ابنُ عباسٍ: سُبُّوهُما، وقال: يُؤْذَى بالتعييرِ وضَرْبِ النِّعِال (٢)، ذكر في الأولى الحبس، وهنا الإيذاء، قالوا: لأنَّ الأُولى في النساء، وهذه في الرجال. ﴿فَإِنْ تَابَا﴾ من الفاحشة. ﴿وَأَصْلَحَا﴾ العملَ. ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ لا تُؤْذوهما ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. وهذا كلُّه قبلَ نزولِ الحدود، فَنُسِخَتْ بالجلدِ والرَّجْمِ، فالجلدُ في القرآن، قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، والرجمُ في السنةِ وردَ به الحديثُ الصحيحُ عن النبي - ﷺ - أنه قَضَى به، ويأتي الكلام على الجلد والرجم، وحكمُه، واختلافُ الأئمة فيه في أول سورة النور إن شاء الله تعالى. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٢٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٤)، و"تفسير البغوي" (١/ ٤٩٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١١٨). (٢) رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (٨/ ٢١١).

النساء 4:17

﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾. [١٧] ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ﴾ أي: قبولُ التوبةِ. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ أي: من الله. ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ أي: جاهلين سفهًا. قالوا: وأجمعتِ (١) الصحابة أن كلَّ ما عُصِيَ اللهُ تعالى به فهو جهالةٌ، عَمْدًا كان أو سَهْوًا، وكلُّ من عصى الله فهو جاهلٌ. ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ أي: زمان قريب قبلَ مرضِ موته، قال - ﷺ -: "إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ" (٢). ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ تأكيدًا لقوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ﴾. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ يعلمُ إخلاصَ التائب، ولا يعاقبهُ. ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾. (١) في "ن": "واجتمعت". (٢) رواه الترمذي (٣٥٣٧)، كتاب: الدعوات، باب: في فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله لعباده، وقال: حسن غريب، وابن ماجه (٤٢٥٣)، كتاب: الزهد، باب: ذكر التوبة، والإمام أحمد في "المسند" (٢/ ١٣٢)، عن ابن عمر -رضي الله عنهما-.

النساء 4:18

[١٨] ثم فسرَ القريبَ بقوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ المعاصيَ. ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: وقعَ في النَّزْعِ. ﴿قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ وهي حالةُ السوق؛ يعني: تسُاقُ رُوحُه، لا يُقبلُ من كافر إيمانٌ، ولا من عاصٍ توبةٌ. ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ سَوَّى بينَ مُسَوِّفي التوبةِ إلى حضورِ الموت، وبينَ الكفار؛ تغليظًا. ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا﴾ أي: هَيَّأْنا ﴿لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾. [١٩] كانوا في الجاهليةِ وفي أولِ الإسلام إذا ماتَ الرجلُ وله امرأةٌ، جاء ابنُه من غيرِها، أو قريبُهُ من عَصبَةٍ، فألقى ثوبَه عليها، وقال: أنا أحقُّ بها، ثم إن شاءَ تزوَّجَها بصداقِها الأولِ، وإن شاءَ زوَّجَها غيرَهُ وأخذَ صداقَها، وإن شاءَ عَضَلَها؛ لتفتديَ بما ورثَتْ من زوجِها، وكان الزوجُ أيضًا يُضارُّ زوجَتَهُ إِذا كَرِهَها لتفتديَ منه، فنزل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (١) قرأ حمزةُ، (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٨١)، و"تفسير البغوي" (١/ ٤٩٧)، = والكسائيُّ، وخلفٌ: (كُرْهًا) بضمِّ الكاف، والباقون: بالفتح (١)، قال الفَرَّاءُ: الكَرْهُ بالفتح: ما أُكْرِهَ عليه، وبالضمِّ: ما كانَ من قِبَلِ نفسِه من المشَقَّةِ. ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أي: لا يحلُّ لكم أن ترثوا النساءَ، ولا أن تمنعوهنَّ عما يحلُّ لهنَّ. ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ من الصَّداقِ وغيرِه. ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أي: لا تعضلوهن لعلَّة من العِلل إلا لعلَّةِ إتيانهنَّ بالفاحشة (٢)، وهي النشوزُ، أو الزنا. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ (مُبَيَّنَةٍ) بفتح الياء، والباقون: بكسرها (٣). ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بالإجمال في القول، والمبيت، والنفقة. ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ المعنى: فإن كرهتموهنَّ، فاصبروا عليهنَّ، فلعلَّ كراهَتكم لهنَّ مع الصبرِ عليهنَّ يُحْدِثُ بينكم ولدًا صالحًا، أو ألفةً ومحبةً. = و"العجاب" لابن حجر (٢/ ٨٤٩). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٢٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٥)، و"تفسير البغوي" (١/ ٤٩٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١١٩). (٢) في "ن": "الفاحشة". (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٣٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٥)، و"تفسير البغوي" (١/ ٤٩٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٢٠).

النساء 4:20

﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾. [٢٠] ونزل فيمنْ كان إذا رأى امرأةً فأعجبَتْهُ، قذفَ التي تحتَهُ؛ ليستبدِلَها بها. ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ وأرادَ بالزوجِ: الزوجةَ، ولم يكن من قبلِها نشوزٌ ولا فاحشةٌ. ﴿وَآتَيْتُمْ﴾ أعطيتم. ﴿إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ مالًا كثيرًا صَداقًا. ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ﴾ أي: القنطار. ﴿شَيْئًا﴾ ثم بَشَّعَ الأخذَ فقال: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ﴾ استفهامُ نهيٍ وتوبيخٍ. ﴿بُهْتَانًا﴾ هو أن يَبْهَتَها بأمرٍ قبيحٍ يقذِفُها به. ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ تقديرُه: تُصيبون في أَخْذِه بهتانًا وإثمًا. ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾. [٢١] ثم استفهم منكرًا فقال: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ كناية عن الجِماع، والإفضاءُ: الوصول إلى الشيء من غير واسطة.

النساء 4:22

﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ عهدًا وثيقًا، وهو حقُّ الصحبة والممازجة. ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾. [٢٢] ونزل نهيًا عن نكاحِ نساءِ الآباء ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ استثناء منقطع، معناه: لكنْ ما قد سَلَفَ؛ أي: مضى في الجاهلية، فإنه معفوٌّ عنه. وتقدَّم اختلافُ القراء في حكم الهمزتين من كلمتين في سورة البقرة عند تفسير قوله: ﴿هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١]، وكذلك اختلافهم في قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ في الموضعين، ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِن﴾ [الشعراء: ١٨٧] و ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ﴾ [سبأ: ٤٠] وشبهه حيثُ وقعَ. ﴿إِنَّهُ﴾ أي: نكاحَ زوجةِ الأبِ. ﴿كَانَ فَاحِشَةً﴾ أقبحَ المعاصي. ﴿وَمَقْتًا﴾ أي: بغضًا؛ لأنه يووِثُ بغضَ الله تعالى، والمقتُ: أشدُّ البغضِ، وكانوا يسمونه: نكاحَ المقتِ، وإذا وُلد لرجلٍ من امرأةِ أبيهِ يقالُ للمولود: المَقْتِيُّ. ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ قَبُحَ طريقًا، فتحرُمُ زوجةُ الأبِ على ابنِه بمجرَّدِ العَقْد، بالاتقاق.

النساء 4:23

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾. [٢٣] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ أي: نكاحُهن؛ لقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢]، وهي جمعُ أُمٍّ (١)، فيدخل فيهنَّ الجدَّاتُ من قِبَلِ الأمِّ والأبِ وإنْ عَلَوْنَ. ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ جمعُ بِنْتٍ، فيدخل فيهنَّ بناتُ الأولادِ وإن سَفُلْنَ. ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ جمعُ أختٍ، سواءٌ كانت من قِبَلِ الأبِ والأمِّ، أو من قبل أحدِهما. ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾ جمعُ عَمَّةٍ، فيدخل فيهنَّ أخواتُ الآباء والأجداد وإن علونَ. ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾ جمعُ خالَةٍ، فيدخل فيهنَّ جميعُ أخواتِ الأمهاتِ والجدَّاتِ. ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ يدخلُ فيهنَّ بناتُ أولادِ الأخِ والأختِ وإن (١) "جمع أم" ساقطة من "ن". سفلْنَ، فهؤلاء المذكوراتُ محرَّماتٌ بالنسبِ بالاتفاق، وما بقيَ محرَّماتٌ بالسَّبَبِ، وهي: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وتحريمُ الرَّضاعِ كتحريمِ النسبِ؛ لقول النبيِّ - ﷺ -: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلاَدَةِ" (١)، ولا تثبتُ الحرمةُ بالرضاعِ عندَ الشافعيِّ وأحمدَ إلا أن يرتضعَ (٢) قبلَ استكمالِ الحولين؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فلو ارتضعَ بعدَهما بلحظةٍ، لم تثبتْ (٣)، وعددُ الرضاعِ المحرِّم عندَهما خمسُ رضعاتٍ متفرقاتٍ، وعندَ أبي حنيفةَ مدةُ الرضاعِ ثلاثون شهرًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وعند مالكٍ تحريمُ الرضاعِ في الحولينِ وما قارَبَهما، وعندَهما كثيرُ الرضاعِ وقليلُه محرِّمٌ. ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ فكلُّ مَنْ عقدَ النكاحَ على امرأةٍ حرمَتْ عليه أمهاتُها وجدّاتُها من الرضاعِ والنسبِ بنفسِ العقدِ بالاتفاق. ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ جمع رَبيبة، وهي بنتُ المرأة؛ لأن زوجَ الأمِّ يُرَبِّيها غالبًا. ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ جمعُ حِجْرٍ، والمرادُ: البيوتُ؛ لأنها بمثابة الولد في التربية غالبًا. (١) رواه البخاري (٤٩٤١)، كتاب: النكاح، باب: ما يحل من الدخول والنظر إلى النساء في الرضاع، ومسلم (١٤٤٤)، كتاب: الرضاع، باب: يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة، عن عائشة -رضي الله عنها-. (٢) في "ن": "ترضع". (٣) في "ن": "يثبت". ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ أي: جامعتموهن. ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ في نكاح بناتِهِنَّ إذا فارقتموهُنَّ، أو مُتْنَ فلا تحرمُ الربيبةُ عليه إلا بالدخولِ بأُمِّها بالاتفاق. ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ جمعُ حليلةٍ، والذَّكَرُ حليلٌ؛ لأن كلَّ واحدٍ حلالٌ لصاحبه، يعني: أزواجُ أبنائكم. ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ أي: ظهوركم، فتحرمُ زوجةُ الابنِ على أبيه بمجرَّدِ العقدِ بالاتفاق، وقولُه: ﴿مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ليعلم أن حليلةَ المتبنَّى لا تحرُمُ على الذي تبناه بالاتفاق؛ لأن النبي - ﷺ - تزوَّجَ امرأةَ زيدٍ، وكان قد تَبَنَّاه، وكلُّ امرأةٍ تحرمُ بعقدِ النكاح فتحرمُ بالوطءِ في ملكِ اليمين، والوطءِ بشبهةِ النكاح، فيحرُمُ على الواطئ أمُّ الموطوءة وابنتُها، وتحرُمُ الموطوءةُ على أبي الواطئ وابنِهِ بالاتفاق. واختلفَ الأئمةُ في إثباتِ تحريمِ المصاهرةِ بالزنا المحرَّمِ، فقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: يثبتُ تحريمُ المصاهرةِ، فلا يحلُّ للرجلِ أن يتزوجَ امرأةً زنى بها ابنُه، أو أبوه، وقال مالكٌ والشافعيُّ: لا يثبتُ التحريمُ. واختلفوا في إثباتِ التحريمِ باللِّواطِ، فقال الثلاثةُ: لا يثبتُ التحريمُ، وقال أحمد: يثبته، فمن تَلَوَّطَ بغلامٍ، حرمَ على كلِّ واحدٍ منهما أمُّ الآخرِ وابنتُه. واختلفوا في المخلوقة من ماءِ الزنا، هل يجوزُ لمن خُلقت من مائِه أنْ يتزوَّجَها؟ فقال الشافعي: يجوزُ، وقال الثلاثة: لا يجوز. ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ أي: وحرم عليكم الجمعُ. ﴿بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ فلا يجوزُ للرجل الجمعُ بينَ الأُختينِ من نسبٍ أو رَضاع، ولا بينَ المرأةِ وعَمَّتِها، ولا بينها وبينَ خالتِها بالاتفاق؛ لقوله - ﷺ -: "لا تَجْمَعْ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا" (١). واختلفَ الأئمةُ هل يجوزُ للرجلِ أن يتزوَّجَ امرأةً والرابعةُ من نسائِه في عِدَّتِهِ من طلاقٍ بائنٍ، أو يتزوَّجَ الأختَ وأختُها في عِدَّته من طلاقٍ بائنٍ، أو يتزوَّجَ بكلِّ واحدةٍ ممن يحرُمُ عليه الجمعُ بينها وبينَ الثانيةِ وهي في العِدَّة، فقالَ مالكٌ والشافعيُّ: يجوز، وقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: لا يجوزُ. وأما إذا كان الطلاقُ رجعيًّا، فلا يجوزُ باتفاقهم، وكذلك لو ملكَ أُختين لا يجوز له أن يجمعَ بينَهما في الوطء، فإذا وَطِىَ إحداهُما، لم يحلَّ له وطءُ الأخرى حتى يحرِّمَ الأولى على نفسِه بإخراجٍ عن ملكِه، أو تزويجٍ، بالاتفاق. ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ استثناءٌ منقطعٌ؛ أي: لكنْ ما مضى في الجاهلية، فإنه معفوٌّ عنه؛ لأنهم كانوا يفعلونه. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ (١) رواه البخاري (٤٨٢٠)، كتاب: النكاح، باب: لا تنكح المرأة على عمتها، ومسلم (١٤٠٨)، كتاب: النكاح، باب: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.

النساء 4:24

مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)}. [٢٤] ونزلَ في نساءٍ كُنَّ يُهاجرْنَ إلى رسولِ الله - ﷺ - ولهنَّ أزواجٌ، فيتزوَّجُهُنَّ بعضُ المسلمين، ثم يقدُمُ أزواجُهُنَّ مُهاجرينَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ عطفٌ على ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ﴾ يعني: الحرائرَ المزوَّجاتِ؛ لأن الزوجَ قد أحصنَهُنَّ، لا يحلُّ للغيرِ نكاحُهن قبلَ مفارقةِ الأزواجِ، ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: السبايا اللواتي سُبين ولهنَّ أزواجٌ في دار الحرب، فيحلُّ لمالِكِهِنَّ وَطْؤُهُنَّ بعد الاستبراء؛ لأن بالسبي يرتفعُ النكاح بينَها وبينَ زوجها، بالاتفاق، وتقدَّم التنبيهُ على اختلافِ القراء في قوله: ﴿النِّسَاءِ إِلَّا﴾ عند قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]. ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ مصدرٌ مؤكِّدٌ؛ أي: كتبَ اللهُ ما حَرَّمَ عليكم كِتابًا، وفَرَضَهُ فَرْضًا. ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ قرأ أبو جعفرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وحفصٌ، وخلفٌ: (وَأُحِلَّ) بضم الألف وكسر الحاء؛ لقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾، وقرأ الباقون: بالنصب (١)؛ يعني: أَحَلَّ اللهُ لكم. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٣١)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٥)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٠٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٢٣). ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ أي: ما سوى ذلكم الذي ذكرت من المحرمات. ﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾ أي: تطلبوا النساءَ. ﴿بِأَمْوَالِكُمْ﴾ أي: تنكحوا بصداقِكم، أو تشتروا بثمنٍ. ﴿مُحْصِنِينَ﴾ متزوِّجينَ، وأصلُ الإحصانِ: الحفظُ، والمرادُ هنا: العِفَّةُ عن الوقوعِ في الحرامِ. ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي: زانِينَ، مأخوذٌ من سفحَ الماءَ وصَبَّهُ، وهو المنيُّ. ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ أي: فالذي انتفعتم به من النساء بالنكاح الصحيح. ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهُنَّ على الاستمتاع. ﴿فَرِيضَةً﴾ نصب على المصدر في موضع الحال. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ﴾ بأن تهبَ المرأةُ جميعَ مهرِها أو بعضَه لزوجِها، أو يزيدُها الزوجُ على أكثرَ منه. ﴿مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ المفروضةِ للزوجةِ. واختلف الأئمة في الزيادة على الصَّداق المسمَّى بعدَ العقد، فقال أحمد: حكمُها حكمُ الأصل، تلحق به فيما يقرره وينصفه، وتُملك من حينها، واستدلَّ بهذه الآية، وقال أبو حنيفة: هي ثابتة إن دخل بها، أو مات عنها، فإن طلَّقها قبلَ الدخول، أو ماتتْ هي قبلَ الدخول والقبضِ، سقطت، وخالفه أبو يوسفَ، فقال كقول أحمد، وقال مالك: تستقرُّ بالدخول، وتتشطَّر بالطلاق قبلَه، فإن مات أحدُهما قبل القبض، سقطت؛ لأنها هبةٌ لم تُقبض حتى مات الواهبُ أو الموهوبُ له، وقال الشافعي: هي هبة مستأنفة، إن قبضتْها، لم تسقطْ بالطلاق قبلَ الدخول، ولا بعدَه، ولا بالموت، وإن لم تُقبض، فلا شيءَ لها مطلقًا. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ فيما شرعَ من الأحكام. وأما تقديرُ الصَّداق فلا حدَّ لأكثره؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، وكان صداق أزواج النبيِّ - ﷺ - خمسَ مئة درهمٍ، وبناتِه أربعَ مئةٍ، فيسنُّ أن يكونَ من أربعِ مئةٍ إلى خمسِ مئةٍ، وإن زادَه، فلا بأسَ، وإِن النجاشي أصدقَ أُمَّ حبيبةَ بنتَ أبي سفيانَ عن النبيِّ - ﷺ - أربعَ مئةِ دينارٍ. واختلفَ الأئمةُ في أقلِّه، فقال الشافعيُّ وأحمدُ: لا حدَّ لأقلِّه، فكلُّ ما جاز أن يكونَ ثمنًا، جاز أن يكون صَداقًا، وقال أبو حنيفةَ ومالكٌ: يتقدَّرُ بنصاب السرقة، واختلفا في قدره، فعندَ أبي حنيفةَ: عشرةُ دراهمَ، أو ما قيمتُه عشرةُ دراهمَ، وعند مالكٍ: ربعُ دينار من الذهب، أو ثلاثةُ دراهمَ من الوَرِق، أو عرضٌ يساوي أحدَهما. واختلفوا في تعليم القرآن هل يجوز أن يكون صَداقًا؟ فقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: لا يجوزُ، وقال مالكٌ والشافعيُّ: يجوزُ. واختلفوا في منافعِ الحر، فقال أبو حنيفة: لا يجوز أن تكونَ صداقًا، وقال الثلاثة: يجوزُ، إلا أن مالكًا يكرهُه. {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ

النساء 4:25

مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)}. [٢٥] ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ فضلًا وسَعَةً. ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الحرائرَ. ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ قرأ الكسائيُّ (المُحْصِنَاتِ) و (مُحْصِنَاتٍ) بكسر الصاد حيثُ وقع، سوى (وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ) في هذه السورة، وقرأ الباقون: بفتح جميعها، فالقراءة بكسر الصاد؛ أي: أَحْصَنَّ أنفسَهُنَّ بالحريَّة، وبالفتح؛ أي: أحصنَهُنَّ غيرهن من زوجٍ أو وليٍّ (١). ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ﴾ إمائِكم. ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ المعنى: من لم يجدْ طولَ حرةٍ، فليتزوج أمةً مؤمنةً، وفيه دليل على أنه لا يجوز للحرِّ نكاحُ الأمةِ إلا بشرطين: أحدُهما: ألَّا يجد طَوْلًا لنكاح حرة. والثاني: أن يخاف على نفسِهِ العَنَتَ، وهو الزنا؛ لقوله تعالى في آخر الآية: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ وهو مذهبُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ. وجَوَّزَ أبو حنيفةَ للحرِّ نكاحَ الأمة، إلا أن يكونَ في نكاحه أو عِدَّتِهِ (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٣٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٥)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٠٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٢٢ - ١٢٤). حُرَّةٌ، أما العبدُ فيجوزُ له نكاحُ الأمة، وإن كانَ في نكاحِه حُرَّةٌ أو أمةٌ عندَ الثلاثة، وعندَ أبي حنيفة لا يجوزُ إذا كان تحته حرَّةٌ، وفي الآية دليلٌ على أنه لا يجوز للمسلم نكاحُ الأمَةِ الكتابية؛ لأنه قال: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ وإليه ذهبَ الأئمةُ الثلاثة، وجَوَّزَ أبو حنيفةَ للمسلمِ نكاحَ الأمةِ الكتابيةِ، واتفقوا على إباحةِ وطئها بملكِ اليمين، وتقدَّمَ الحكمُ في نكاح الوثنيات والمجوسيات (١) وغيرِهنَّ من أنواعِ المشركات في سورة البقرة. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ فاكتفوا بظاهرِ الإيمان؛ فإنه العالمُ بالسرائرِ، والمرادُ: تأنيسُهُمْ بنكاح الإماء، ومنعُهم عن الاستنكاف منه، ثم نفى التفاخر فقال: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ كلكم ولدُ اَدمَ، ودينُكم الإسلام؛ أي: هنَّ مثلُكم. ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ أي: مَواليهِنَّ. ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهُنَّ. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ من غيرِ مطْلٍ. ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ عفائفَ بالنكاحِ. ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ أي: زانياتٍ جهرًا. ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ أي: أحبابٍ يزنون بهنَّ في السرِّ. ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ أي: زُوِّجْنَ. وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ، (١) في "ن": "المجوسيات والوثنيات".

النساء 4:26

وخلفٌ: (أَحْصَنَّ) بفتح الألف والصاد؛ أي: حَفِظْنَ فروجَهُنَّ (١). ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ أي: زَنَيْنَ. ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ الحرائرِ الأبكارِ إذا زنينَ. ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي: الحدِّ، فيُجلد الرقيقُ خمسينَ جلدة ولو لم يكنْ تزوَّجَ، ذكرًا كان أو أنثى، ولا يُرجَمُ بالاتفاق، وهل يُغَرَّبُ؟ قال الشافعي: يغرَّبُ نصفَ سنةٍ، وقال الثلاثة: لا يغرَّبُ. فإن كان بعضُه حرًّا، فقال أحمد: يجلَدُ ويغرَّبُ بحسابه. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: نكاح الأمة. ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ﴾ أي: الزنا. ﴿مِنْكُمْ﴾ بغلبةِ الشهوةِ، وأصلُ العَنَتِ: الضيقُ والمشقَّةُ. ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا﴾ عن النساء متعفِّفينَ. ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من نكاحِ الإماء؛ لئلا يخلقَ الولدُ رقيقًا. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن رَخَّصَ له. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾. [٢٦] ﴿يريِدُ اَللَّهُ﴾ بما شرعَ من التحليل والتحريم. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٣١)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٥)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٠٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٢٥).

النساء 4:27

﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: يوضِّحَ لكم شرائعَ الإسلام. ﴿وَيَهْدِيَكُمْ﴾ يُرشدَكم. ﴿سُنَنَ﴾ شرائعَ. ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ من الأنبياء في تحريم الأمهاتِ والبناتِ والأخواتِ، فإنها كانت محرمةً على مَنْ قبلكم. ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ يُوفِّقَكم للتوبة، ويتجاوزَ عنكم إن تبتم. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بمصالح عباده. ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما دَبَّرَ من أمورهم. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾. [٢٧] ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ إن وقع منكم تقصيرٌ. ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ هم الزُّناةُ والكفارُ. ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ عن الحقِّ. ﴿مَيْلًا عَظِيمًا﴾ بإتيانِكم ما حُرِّمَ عليكم. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ بنكاحِ الإماءِ واتِّبَاع الشريعةِ السمحةِ السهلةِ.

النساء 4:29

﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ لا يصبرُ عن الشهوات، ولا يتحمَّلُ مَشاقَّ الطاعات. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾. [٢٩] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ أي: الحرامِ؛ كالقمارِ والسرقةِ ونحوِهما. ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ استثناءٌ منقطعٌ، ولكنْ تكونُ تجارةً عن تراضٍ منكم غير منهي عنه. قرأ عاصمٌ وحمزةُ والكسائيُّ وخلفٌ: (تِجَارَةً) بالنصب على خبر كان؛ أي: إلا أن تكونَ الأموالُ تجارةً، وقرأ الباقون: بالرفع؛ أي: إلا أن تقعَ تجارة عن تراضٍ منكم؛ أي: بطيبةِ (١) نفسِ كلِّ واحدٍ منكم (٢)، ورُوي عن قنبلٍ، ويعقوبَ: الوقفُ بالياء على (تَرَاضِي)، والتراضي عندَ الشافعيِّ وأحمدَ: الافتراقُ عن مجلسِ البيعِ بتمامِه، فلكلِّ واحدٍ منهما الخيارُ ما داما في المجلس، وعند أبي حنيفةَ ومالكٍ: هو رضا المتبايعين بما تعاقدا عليه، فإذا وجبَ البيعُ (١) في "ن": "بطيب". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢١٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٥)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥١١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٩)، و "معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٢٦).

النساء 4:30

بينهما، فليس لأحدِهما الخيار، وإن كانا في المجلس، وخَصَّ التجارةَ بالذِّكْر؛ لأنها أغلبُ أسبابِ المكاسبِ. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا﴾ أي: لا (١) تهلكوا. ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ بأكل الأموالِ بالباطل. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ يا أمةَ محمدٍ. ﴿رَحِيمًا﴾ لِما أمرَ بني إسرائيل بقتلِ الأنفس، ونهاكم عنه. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾. [٣٠] ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي: ما حُرِّمَ قبلُ. ﴿عُدْوَانًا﴾ تجاوزًا للحد. ﴿وَظُلْمًا﴾ وهو وضعُ الشيءِ في غيرِ محلِّه. ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ﴾ أي: نُدخله. ﴿نَارًا﴾ ليحترقَ. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لا عسرَ فيه. ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾. (١) "لا" زيادة من "ت".

النساء 4:31

[٣١] ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الكبيرةُ: كلُّ ذنبٍ رَتَّبَ الشارعُ عليه حَدًّا، أو صَرَّحَ بالوعيد فيه، وعن النبيِّ - ﷺ - أنها سبعٌ: "الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَة، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، والرِّبَا، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ" (١)، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: "الكبائرُ إلى سبعِ مئةٍ أقربُ منها إلى سبعٍ" (٢). ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ نغفرْ لكم صغائركم. ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ هو الجنةُ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (مَدْخَلًا) بفتح الميم، وهو موضعُ الدخول، وقرأ الباقون: بالضم، بمعنى: الإدخال (٣). ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾. [٣٢] ونزل نهيًا عن التحاسُد: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى (١) رواه البخاري (٦٤٦٥)، كتاب: المحاربين من أهل الكفر، باب: رمي المحصنات، ومسلم (٨٩)، كتاب: الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-. (٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٣٤). (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٣٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٥)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥١٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٢٨)، وذُكر في "المعجم" أنَّ قراءة "قدْ خلا" قرأ بها -أيضًا- أبو بكر وعاصم.

النساء 4:33

بَعْضٍ} من الأمور الدنيوية؛ كالجاه والمال، فلعلَّ عدمَه خيرٌ؛ أي: لا يحسدْ أحدٌ أحدًا على ما آتاه الله تعالى؛ فإنه: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ فلا يعاقَبُ أحدٌ إلا بعمله، ولا يُجازى أحد (١) إلا به، فنهى الله عن التمني؛ لما فيه من دواعي الحسد. ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: رزقه. قرأ ابن كثيرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَسَلُوا الله) و (سَلْهُمْ) (فَسَلِ الَّذِينَ) وشبهَه إذا كان أمرًا مواجَهًا به، وقبلَ السينِ واو أو فاء: بغير همزٍ، ونقل حركة الهمز إلى السين، والباقون: بسكون السين مهموزًا (٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فهو يعلمُ ما يستحقُّه كلُّ إنسانٍ فيفضِّلُ عن علمٍ وتبيان. يسكتُ حمزةُ في (شَيْءٌ) و (شَيْءٍ) و (شَيْئًا) حيثُ وقعَ. ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾. [٣٣] ﴿وَلِكُلٍّ﴾ أي: لكلِّ مالٍ. (١) "أحد" زيادة من "ن". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٣٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٦)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥١٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٢٨). ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ أي: وُرَّاثًا، جمعُ مولى، وهو من يواليك. ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ أي: ولكلِّ تركةٍ جعلنا ورّاثًا يلونها ويحرزونها. ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: عاهدت أيديكم. قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (عَقَدَتْ) بغير ألف (١)؛ أي: عقدَتْ لهم أيمانكم، والمعاقدةُ: المحالفة، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية يتحالفون، فيكون للحليف السدسُ من مال الحليف، وكان ذلك ثابتًا في ابتداء الإسلام، فذلك قوله تعالى: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أي: حظَّهم من الميراث، ثم نُسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦]. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ أي: عالمًا، وهو تهديدٌ على من منعَ نصيبهم. ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٣٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٦)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥١٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٢٩).

النساء 4:34

[٣٤] ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ مسلَّطون على تأديبهنَّ. ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ﴾ بتفضيلِ اللهِ. ﴿بَعْضَهُمْ﴾ أي: الرجالَ. ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾ على النساء؛ بكمالِ العقل، وحسنِ التدبير، ومزيدِ القوة في الأعمال والطاعات. ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ في نكاحهنَّ؛ كالمهر والنفقة. روي أن سعدَ بنَ الربيعِ أحدَ نُقباءِ الأنصار نَشَزَتْ عليه امرأتُه حبيبةُ بنتُ زيدِ بنِ أبي زهير، فلطمَها، فانطلقَ بها أبوها إلى رسول الله - ﷺ -، فشكا، فقالَ رسولُ الله - ﷺ -: "لِيُقْتَصَّ مِنْهُ"، فنزلت، فقال: "أَرَدْنَا أَمْرًا، وَأَرَادَ اللهُ أَمْرًا، وَالَّذِي أَرَادَ اللهُ خَيْرٌ" (١). وعنه - ﷺ - أنه قال: "لَوْ أَمَرْتُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأحَدٍ، لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا" (٢). (١) قال الحافظ الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (١/ ٣١٢): غريب بهذا اللفظ، وأقرب ما وجدته ما رواه ابن مردويه في "تفسيره" عن علي قال: أتى النبي - ﷺ - رجل من الأنصار بامرأة له فقال: يا رسول الله! إن زوجها فلان بن فلان الأنصاري، وإنه ضربها فأثر في وجهها، فقال عليه السلام: "ليس له ذلك" فنزلت ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ الآية، فقال عليه السلام: "أردت أمرًا، وأراد الله غيره". وذكره الثعلبي في "تفسيره"، والواحدي في "أسباب النزول" من قول مقاتل. (٢) رواه الترمذي (١١٥٩)، كتاب: الرضاع، باب: ما جاء في حق الزوج على المرأة، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، وقال: حسن غريب. ورواه ابن ماجه (١٨٥٢)، كتاب: النكاح، باب: حق الزوج على المرأة، عن عائشة -رضي الله عنها-.

النساء 4:35

﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ مطيعاتٌ لأزواجهنَّ. ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ أي: لفروجهنَّ وأموالِ أزواجهنَّ في غَيْبَتِهم. ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ أي: بحفظِه. قرأ أبو جعفرٍ (بِمَا حَفِظَ الله} بالنصب؛ أي: بحفظهنَّ اللهَ في الطاعة، وقراءةُ العامة بالرفعِ (١). ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ عِصيانهنَّ، وأصلُ النشوزِ: التكبُّرُ والارتفاعُ. ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ بالتخويفِ من الله. ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ﴾ اجتنبوهنَّ. ﴿فِي الْمَضَاجِعِ﴾ المراقدِ، والمرادُ: المجامعة. ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ إن لم يرجعْنَ ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ، أي: شديد. ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ لا تطلبوا عليهنَّ طريقًا بالتوبيخِ والإيذاءِ. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ فاحذَروه؛ فإنه أقدرُ عليكم منكم على مَنْ تحتَ أيديكم. ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾. [٣٥] ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ خلافًا بينَ المرأةِ وزوجِها. (١) انظر: "المحتسب" لابن جني (١/ ١٨٨)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥١٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٨٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٣٠).

النساء 4:36

﴿فَابْعَثُوا﴾ أيها الحكامُ متى اشتبهَ عليكم حالُهما ليتبيَّن الأمرُ. ﴿حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [الحَكَمُ: القَيِّمُ بما يُسْنَدُ إليه، وخُصَّ الحكمُ بالأهل؛ لأن الأقارب أَعْرَفُ بأغراضِ] (١) أقاربهم، وأنصحُ لهم، وهذا على وجهِ الاستحباب، فلو نُصبا من الأجانب، جاز. ﴿إِنْ يُرِيدَا﴾ يعني: الحكمينِ. ﴿إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ بينَ الزوجينِ. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ بالظواهرِ والبواطنِ. وهل يجوزُ بعثُ الحكمينِ بغير رِضا الزوجين؟ قال أبو حنيفةَ والشافعيُّ وأحمدُ: لا يجوز إلا برضاهما، فليس لحكمِ الزوجِ أن يطلِّقَ إلا بإذنه، ولا لحكمِ الزوجة أن يختلعَ على مالِها إلَّا بإذنِها، وقال مالك: يجوزُ بغيرِ رِضاهما؛ كالحاكمِ يحكمُ بين الخصمينِ، وإن لم يكنْ على وفْقِ مُرادِهما، فيطلِّقُ حكمُ الزوجِ بغير إذنِه، ويختلعُ حكمُ الزوجةِ بغير إذنها. ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾. [٣٦] ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وَحِّدوهُ، والعبادةُ هي الطاعةُ عندَ الشافعيةِ والمالكيةِ والحنابلةِ، وعند الحنفية بشرطِ الأمر. (١) ما بين معكوفتين سقط من "ت". ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ صَنَمًا أو غيرَه. ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ بِرًّا بهما، وعَطْفًا عليهما. ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ أي: أَحْسِنوا بذي القربى. ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ أي: ذي القرابةِ. ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ القريبِ المنزلِ منك. قرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ (القُرْبَى واليَتَامَى) بالإمالة، وقرأ ورشٌ، والدوريُّ عن الكسائيِّ: (وَالْجَارِ) بالإمالة، بخلافٍ عن ورشٍ (١). ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ هي الزوجةُ، أو الرفيقُ في السفر. قرأ أبو عمرٍو، ويعقوبُ: (وَالصَّاحِب بالْجَنْبِ) بإدغام الباء الأولى في الثانية (٢). ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو الضيفُ في قولِ الأكثر، وقيل: المسافر. ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ من الرقيقِ، أحسنوا إلى جميع المذكورين تُثابوا. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ تَيَّاهًا متكبرًا. (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٩٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٣١). (٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٣١).

النساء 4:37

﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧)﴾. [٣٧] ونزلَ في اليهودِ، وهم: حُيَيُّ بنُ أخْطَبَ وأصحابُه حيثُ كانوا يبخلونَ، ويأمرون الصحابةَ بالبخل. ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بما مُنِحُوا به. ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ به، قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (بِالْبَخَلِ) بفتح الباء والخاء (١)، والبخلُ في كلام العربِ: منعُ السائل من فضلِ ما لديه، وفي الشرعِ: منعُ الواجب. ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ من صفةِ النبيِّ - ﷺ -، أو العلم. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ شديدًا يُهانون به. ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾. [٣٨] ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ أي: مُرائينَ، عطفٌ على ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ قرأ أبو جعفرٍ: (رِيَا النَّاسِ) بفتح الياء بغيرِ همزٍ (٢). (١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٥٢٥)، و"الكشاف" للزمخشري (١/ ٢٦٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٣٢). (٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٣٣).

النساء 4:39

﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ نزلَتْ في المشركينَ المتفقينَ على عداوةِ النبيِّ - ﷺ -. ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا﴾ صاحِبًا وخَليلًا. ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾ المعنى: فبئسَ الشيطانُ صاحبًا؛ لأنه هو حملَهم على البُخل والرياء وكلِّ شرّ. ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾. [٣٩] ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ﴾ استفهامُ توبيخٍ؛ أي: وما الذي عليهم. ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: يوم القيامة. ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ تلخيصُه: لو آمنوا واتقوا، لم يضرَّهم ذلك. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ وعيدٌ لهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾. [٤٠] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أي: وزنَ ذَرَّةٍ، والذَّرَّةُ: هي النملةُ الحمراءُ الصغيرةُ. ﴿وَإِن تَكُ﴾ مثقال ذرةٍ. ﴿حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ اللهُ، يجعلها أضعافًا كثيرة. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ،

النساء 4:41

وابنُ كثيرٍ: (حَسَنَةٌ) بالرفع، والباقون: بالنصب (١)، وقرأ ابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ: (يُضَعِّفْهَا) بالتشديد مع حذفِ الألف في جميع القرآن (٢)، وقرأ الباقون: بالإثبات والتخفيف، وحذفت النون من (تَكُ) تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال. ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ﴾ أي: من عندِه على سبيل التفضُّل. ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ لا يقدِّرُ قدرَهُ غيرُ الله تعالى؛ لكثرتِهِ. ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾. [٤١] ﴿فَكَيْفَ﴾ يصنعُ الكفارُ. ﴿إِذَا جِئْنَا﴾ المعنى: كيف يصنعونَ وقتَ مجيئنا. ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ عليها، وهو نبيُّها. ﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾ يا محمدُ. ﴿عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ المذكورينَ. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٣٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٦)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٢٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٣٣). (٢) انظر: "الحجة" لأبي زرعة (ص: ٢٠٣)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٩١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٣٤).

النساء 4:42

﴿شَهِيدًا﴾ شاهدًا على جميع الأمم. ولما بلغَ ابنُ مسعودٍ في قراءتِهِ على النبيِّ - ﷺ - من أولِ السورةِ إلى هنا، بكى، وقال: "حَسْبُكَ" (١). ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾. [٤٢] ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يومَ القيامةِ. ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ المعنى: يودُّون أن دُفنوا فَتُسَوَّى بهم الأرضُ كالموتى، وأصلُ التسويةِ: المعادلةُ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ (تَسَّوَى) بفتح التاء وتشديد السين على معنى: تَتَسَّوى، فأُدغمت التاءُ الثانية في السين، وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: بفتح التاء وتخفيف السين على حذف إحدى التاءين؛ كقوله: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفسٌ إِلَّا بِإِذنِه﴾ [هود: ١٠٥] وقرؤوا بإِمالة الواو، وقرأ الباقون: بضم التاء وتخفيف السين على المجهول (٢). (١) رواه البخاري (٤٧٦٣)، كتاب: فضائل القرآن، باب: قول المقرئ للقارى: حسبك، ومسلم (٨٠٠)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل استماع القرآن، وطلب القراءة من حافظ للاستماع والبكاء عند القراءة والتدبر. (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٣٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٦)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٢٩)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٩٠ - ٣٩١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٣٤ - ١٣٥).

النساء 4:43

﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ أي: يودون أن يُدفنوا، وأَنَّهم لم يكونوا كَتَموا أمرَ محمدٍ - ﷺ - ولا نَعْتهُ. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾. [٤٣] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: لا تصلوا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ قرأ الدوريُّ عن الكسائيِّ (سُكَارَى) بالإمالة، بخلافٍ عنه (١)، واتفقَ الأئمةُ على أن السكرانَ الذي يُمَيِّزُ مُكَلَّفٌ، وكذا من لا يميز عندَ الثلاثة، خلافًا لمالكٍ، والمراد: السكرُ من الخمرِ عندَ الأكثر. سببُ نزولها: أن عبدَ الرحمنِ بن عوفٍ صنعَ طعامًا، وجمعَ عليه جماعةً من الصحابة، فأكلوا وشربوا الخمرَ قبلَ تحريِمها، فأخذَتْ منهم، فقدَّموا واحدًا منهم، فصلَّى بهم المغربَ، فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبدُ ما تعبدون، بحذفِ (لا) إلى آخرها، فصاروا يجتنبون السكرَ وقتَ الصلاة حتى نزلَ تحريمُ الخمر (٢). (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٣٥). (٢) رواه أبو داود (٣٦٧١)، كتاب: الأشربة، باب: في تحريم الخمر، والترمذي (٣٠٢٦)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة النساء، وقال: حسن صحيح غريب، عن علي -رضي الله عنه-. ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ نصبٌ على الحال، يستوي فيه الواحدُ والجمعُ، والذكرُ والأنثى، وأصلُ الجنابةِ: البعد، وسُمِّي جُنبًا؛ لأنه يجتنبُ موضعَ الصلاة. ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ مجتازي سبيلٍ. ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ أي: لا تقربوا الصلاةَ في حالِ سكرٍ ولا جنابةٍ إلا في حالِ السفرِ عُبورًا في المسجدِ، وذلك إذا لم يجد الماء، وتيمم، وقيل معناهُ: لا تقربوا المسجدَ وأنتمْ جنبٌ إلا مجتازينَ فيه للخروجِ منه. واختلفَ الأئمةُ فيه، فأباح الشافعيُّ وأحمدُ المرورَ فيه، ومنع منه أبو حنيفةَ ومالكٌ، وقال أبو حنيفةَ: إنِ احتاجَ إلى ذلك تَيَمَّمَ، ودخلَ، وأما اللبثُ فيه، فلا يجوزُ عند الثلاثة، وعندَ أحمد إذا توضأ جازَ له اللبثُ، فلو تعذَّرَ، واحتاجَ إليه، جازَ من غير تيممٍ، ويتيممُ لأجل لبثهِ للغسل. وحكمُ الخلافِ في الحائضِ والنفساءِ كالجنبِ في ذلك، إلا أن الشافعيَّ لا يُبيح للحائض دخولَ المسجد إلا إذا أَمِنَتْ تلويثَهُ، وأحمدُ لا يبيح للحائض والنفساء اللبثَ فيه إذا توضَّأَتا إلا بعد انقطاعِ دَمِهما. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ مرضًا يضرُّهُ مَسُّ الماء، أو يُخشى منه زيادةُ الألم، أو تطاولُه. واختلف الأئمة فيمن بعضُ بدنه صحيحٌ، والبعضُ جريحٌ، فقال أبو حنيفةَ: الاعتبارُ بالأكثر، فإن كان هو الصحيحَ، غسله فقط، وسقطَ حكم الجريح إلا أنه يُستحبُّ مسحُه، وإن كان الأكثرُ جريحًا، اقتصرَ على التيمم، وسقطَ الغسلُ، وقال الشافعيُّ وأحمدُ: يغسلُ الصحيحَ، ويتيمم للجريح، وقال مالكٌ: يغسل الصحيحَ، ويمسح الجريحَ، ولا يتيمم. ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ طويلًا كان السفرُ أو قضيرًا، فيتيمم عندَ فقدِ الماء، ولا إعادةَ عليه، بالاتفاق، وأما إذا لم يكن مريضًا، ولا في سفر، لكنه عدمَ الماءَ في موضعٍ لا يعدمُ فيه غالبًا؛ كقريةٍ انقطعَ ماؤها، فإنه يصلِّي بالتيمم، ثم يعيدُ عند الشافعيِّ، وعند مالكٍ وأحمدَ لا إعادةَ عليه، وعندَ أبي حنيفةَ يؤخِّرُ الصلاة حتى يجدَ الماءَ. ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ أي: الحَدَثِ، والغائِطُ: المكان (١) المُطْمَئِنُّ من الأرضِ، وكانت عادةُ العربِ إتيانَ الغائطِ للحدث، فكنى به عن الحدث. وتقدَّم اختلافُ القراء في حكم الهمزتين من كلمتين عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]، وكذلك اختلافهم في قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ﴾. ﴿أوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (لَمَسْتُمْ) بغيرِ ألفٍ بعدَ اللام، وقرأ الباقون: بالألف (٢)، واللمسُ والملامسةُ واحدٌ، وهو عبارةٌ عن الجِماعِ عندَ بعضِهم، وقال بعضهم: هو التقاءُ البشرتين بِجماعٍ أو غيرِه. واختلفَ الأئمةُ في نقضِ الوضوءِ بملاقاةِ بَشَرَتي الرجلِ والمرأةِ من غيرِ حائلٍ، فقال أبو حنيفةَ: لا ينتقضُ، وقال الشافعيُّ: ينتقضُ بلمسِ غيرِ المحارمِ، وقال مالكٌ وأحمدُ: إن كان اللمسُ بشهوةٍ، نقضَ، وإلَّا فلا. وهل ينتقضُ وضوءُ الملموس؟ قال مالكٌ والشافعيُّ: حكمُه حكمُ (١) "المكان" زيادة من "ن". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٣٤)، و"الكشف"، لمكي (١/ ٣٩١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٣٧). اللامسِ، وقال أحمدُ: لا ينتقض، ولو وجد منه شهوة، وأما الصغيرةُ، فلا ينقضُ (١) لمسُها بالاتفاق. ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ فلم تتمكَّنوا من استعمالِه إِذِ الممنوعُ عنه كالمفقودِ. ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ اقصدوا. ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ ترابًا طاهِرًا، والتيمُّمُ من خصائصِ هذه الأمة، وهو مبيحٌ للمحدِثِ والجنبِ بالاتفاق. واختلف الأئمةُ فيما يجوزُ به التيممُ، فقال أبو حنيفةَ ومالكٌ: يجوز بسائر أنواعِ الأرضِ؛ من ترابِها وحجرِها ورملِها ومَدَرِها وحَصَائِها، وما ينطبعُ؛ كالنُّورَةِ والجِصِّ والزِّرْنيخِ وغيرِها من طبقاتِ الأرضِ، وقالا: الصعيدُ: وجهُ الأرض، وقال الشافعيُّ وأحمدُ: لا يجوزُ التيمم إلا بترابٍ طهورٍ له غبارٌ يعلَقُ باليد، فإن خالطه ذو غبار؛ كالجصِّ ونحوه لم يجزِ التيممُ به. ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ أي: فامسحوا وجوهَكم وأيديَكم منه. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ واختلفوا في صفةِ التيمُّمِ، فقال أبو حنيفةَ ومالكٌ والشافعيُّ: يضربُ بيديه على الصعيدِ ضربتين: إحداهما للوجهِ، والأخرى لليدين إلى المرفقين، والاستيعابُ شرطٌ، حتى يخلل أصابعَهُ، وقال أحمدُ: السنةُ في التيمُّمِ أن ينويَ، ثم يسمِّيَ، ويضربَ بيديه مُفَرَّجَتي الأصابعِ ضربةً واحدةً على التراب، فيمسحَ وجهَهُ بباطنِ أصابعه، وكَفَّيه براحتيهِ، وخالفه القاضي من أصحابه، فوافقَ الجماعةَ. (١) في "ن" و"ت": "ينتقض". ولا يصحُّ التيممُ لصلاةٍ إلا بعدَ دخولِ وقتها، ولا يجمعُ بينَ فريضتين بتيمُّم واحدٍ عند الثلاثةِ، وقال أبو حنيفة: التيممُ كالطهارةِ بالماء يجوزُ تقديمُه على وقتِ الصلاةِ، وأَن يصلِّي به ما شاءَ من الفرائض (١). واتفقوا على أنه يجوزُ أن يصلِّي بتيمُّمٍ واحدٍ مع الفريضة ما شاء من النوافل، وأن يقرأَ القرآن إن كانَ جنبًا. واختلفوا في طلبِ الماء هل هو شرط؟ فقال الثلاثة: هو شرطٌ، وقال أبو حنيفة: ليسَ بشرطٍ، فيجوزُ التيممُ قبلَ الطلب؛ لأنه عادمٌ حقيقة، إلا إذا غلب على ظنه أن بقربه ماءً، فلا يجوز ما لم يطلبْهُ. واختلفوا فيمن عدمَ الماءَ والترابَ، فقال أحمد: يصلِّي، ولا إعادةَ عليه، وعن مالكٍ أربعُ روايات: إحداهنَّ كمذهب أحمدَ، والثانيةُ: لا يصلِّي حتى يجدَ الماءَ أو الصعيدَ، وهو مذهبُ أبي حنيفة، والثالثة: يصلِّي ويعيد، وهو مذهبُ الشافعي، والرابعة: لا يصلي، ولا إعادةَ عليه، وجزم به الشيخُ خليلٌ في "مختصره"، فقال: وتسقطُ صلاةٌ وقضاؤها بعدمِ ماءٍ وصعيدٍ (٢)، ونقل القرطبيُّ في "تفسيره" أن هذا الصحيحُ من مذهب مالك، ثم نَقَل عن أبي عمرَ بنِ عبدِ البرِّ إنكارَه (٣). واتفقوا على أن النيةَ في التيمم واجبةُ. واختلفوا في التسمية فيه، فقال أحمدُ: هي واجبةٌ، وتسقط سهوًا، وقال الثلاثةُ: هي غيرُ واجبةٍ. (١) في "ت" "النوافل". (٢) انظر: "مختصر الشيخ خليل" (ص: ٢٠). (٣) انظر: "تفسير القرطبي" (٥/ ٢٣٧).

النساء 4:44

واختلفوا في الترتيب والموالاة، فقال أحمد: هما واجبان (١)، وقال مالك: الموالاةُ واجبةٌ، والترتيب سنة، وقال أبو حنيفةَ والشافعيُّ: لا يجبانِ، فلو ضربَ بيديه ومسحَ بيمينِه وَجْهَهُ، وبيسارِهِ يمينَهُ، جاز. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤)﴾. [٤٤] ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي: ألم يَنْتَهِ علمك. ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ هم اليهودُ، أُعطوا حظًّا من التوراة. ﴿يَشْتَرُونَ﴾ يستبدِلون. ﴿الضَّلَالَةَ﴾ يعني: بالهدى. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ تُخْطِئُوا طريقَ السعادة أيُّها المؤمنون. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥)﴾. [٤٥] ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾ منكم. ﴿بِأَعْدَائِكُمْ﴾ فاحذَروهم. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾ يلي أمرَكُمْ. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ يُعينكم. (١) في "ن": "واجبتان".

النساء 4:46

﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)﴾. [٤٦] ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ قومٌ. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ أي: يُميلونه. ﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ التي وضعَهُ الله فيها، وهو تغييرُهم صفةَ محمدٍ - ﷺ - في التوراة. ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا﴾ قولَكَ ﴿وَعَصَيْنَا﴾ أَمْرَكَ. ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أي: اسمعْ مِنَّا ولا نسمعُ منكَ، أي: غير (١) مُجابٍ إلى ما تدعو إليه. ﴿وَرَاعِنَا﴾ يريدون نسبتَهُ - ﷺ - إلى الرُّعونةِ. ﴿لَيًّا﴾ تحريفًا ﴿بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ استهزاءً به. ﴿وَطَعْنًا﴾ قَدْحًا. ﴿فِي الدِّينِ﴾ لأن قول راعِنا من المراعاة، وهم يحرِّفونه فيريدونَ الرُّعونةَ. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا﴾ بدلَ ذلكَ (٢). (١) "غير" ساقطة من "ن". (٢) في "ت": "بذلك".

النساء 4:47

﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا﴾ أي: انظر إلينا رحمةً لنا. ﴿لَكَانَ﴾ ذلكَ القولُ. ﴿خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ أي: أعدلَ. ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: خَذَلهم وأَبْعَدَهم. ﴿بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ منهم؛ كعبدِ اللهِ بنِ سلامٍ وأصحابِه. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧)﴾. [٤٧] ولما كَلَّمَ النبيّ - ﷺ - أحبارَ اليهود عبدَ اللهِ بنَ صوريا، وكعبَ بنَ أَسَدٍ، فقال: "يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ! اتَّقُوا اللهَ، وَأَسْلِمُوا، فَوَاللهِ إِنَّكمْ لَتَعْلَمُونَ إِنَّ الَّذِي جِئْتْكُمْ بِهِ لَحَقٌّ" قالوا: ما نعرفُ ذلك، وأَصَرُّوا على الكفرِ، فنزل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا﴾ (١) أي: القرآنِ. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ أي: التوراةِ. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ فنجعَلَها كَخُفِّ البعيرِ بلا أَنْفٍ ولا عينٍ ولا حاجبٍ كالأقفاء، وهذا معنى: ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ وأصلُ الطَّمْسِ: إزالةُ الأثرِ بالمحوِ. فإنْ قيلَ: قد أوعدَهُمُ اللهُ بالطَّمسِ إنْ لم يؤمنوا، ثم لم يؤمنوا، ولم يفعلْ بهم ذلك، (١) رواه البخاري (٣٦٩٩)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: هجرة النبي - ﷺ - وأصحابه إلى المدينة، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-.

النساء 4:48

قيل: هذا الوعيدُ باقٍ، ويكونُ طمسُ مسخٍ في اليهود قبلَ قيامِ الساعة، وقيلَ غيرُ ذلك. ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ فنجعلَهم قردةً وخنازيرً، وتقدَّمَ خبرُ أصحاب السبت في سورة البقرة عندَ تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [الآية: ٦٥]. ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي: قضاؤه. ﴿مَفْعُولًا﴾ نافِذًا. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾. [٤٨] ولما أحبَّ وَحْشِيٌّ التوبةَ بعدَ قتله حمزة رضي الله عنه يومَ أحدُ، نزلَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ مع التوبةِ، فبعثَ بها رسولُ الله - ﷺ - إلى وحشيٍّ بمكَّةَ، فقالَ وحشيٌّ: لعلِّي مِمَّنْ لَمْ يَشَأِ اللهُ، فنزل: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ﴾ [الزمر: ٥٣]، فبعثَ بها إليه، فدخلَ في الإسلام، ورجعَ إلى النبي - ﷺ -، فقبلَ منه، ثم قال له: "أَخْبِرْنِي كَيْفَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ" فلما أخبره، قال: "وَيْحَكَ غَيِّبْ وَجْهَكَ عَنِّي" (١) فلحقَ بالشام، فكانَ بها إلى أن ماتَ. (١) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (١٨٠٠). وانظر: "الاستيعاب" لابن عبد البر (٤/ ١٥٦٤ - ١٥٦٥)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٤٤).

النساء 4:49

ثم تهدَّد المشركينَ فقالَ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ قال - ﷺ -: "مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيئًا، دَخَلَ النَّارَ" (١). ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾. [٤٩] ونزلَ فيمن زَكَّى نَفْسَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ فأنكرَ ذلكَ عليهم بصيغةِ الإضرابِ فقالَ: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي﴾ أي: يطهِّرُ. ﴿مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ هو ما في شِقِّ النَّواةِ طُولًا. ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾. [٥٠] ﴿انْظُرْ﴾ يا محمدُ. ﴿كَيْفَ يَفْتَرُونَ﴾ يختلقون. ﴿عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ بتغييرهم كتابَهُ. ﴿وَكَفَى بِهِ﴾ أي: بالكذب. ﴿إِثْمًا مُبِينًا﴾ لا يخفى كونُه مأثمًا. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ، (١) رواه مسلم (٩٣)، كتاب: الإيمان، باب: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات مشركًا دخل النار، عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-.

النساء 4:51

والكسائيُّ، وهشامٌ، وخلفٌ: (فَتِيلًا انْظُرْ) و (مُبِينٍ اقْتُلُوا) وشبهَهُ بضمِّ التنوين في الوصل حيثُ وقع. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)﴾. [٥١] ولما خرج حُيَيُّ بنُ أخطبَ مع أصحابِه إلى قرُيش ليحالفَهم على النبيِّ - ﷺ -، فقالوا: لا نفعلُ حتى تسجُدوا لِصَنَمينا، فسجدوا، فنزل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ (١) هما الصنمانِ المذكوران. ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم قريشٌ. ﴿هَؤُلَاءِ﴾ يعنون: أبا سفيانَ وأصحابَه. ﴿أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعنون: محمدًا - ﷺ - وأصحابَه. ﴿سَبِيلًا﴾ دينًا. وتقدَّمَ اختلافُ القُرَّاء في حكمِ الهمزتينِ من كلمتينِ في سورة البقرة عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وكذلك اختلافَهم في قوله: ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى﴾. (١) انظر: "أسباب النزول " للواحدي (ص: ٨٦)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٤٦).

النساء 4:52

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾ [٥٢] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾ يمنعُ العذابَ عنه. ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾. [٥٣] ﴿أَمْ لَهُمْ﴾ يعني: أَلَهُمْ ﴿نَصِيبٌ﴾ أي: حَظٌّ. ﴿مِنَ الْمُلْكِ﴾ وهذا على وجهِ الإنكار، يعني: ليسَ لهم من الملكِ شيءٌ، ولو كانَ لهم حظٌّ مما يُمْلَكُ ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ﴾ أي: أحدًا منهم. ﴿نَقِيرًا﴾ لحسدِهِمْ وبخلِهم، والنقيرُ: هو النقطةُ التي تكونُ على ظهرِ النواةِ، ومنها تنبتُ النخلة، ويأتي تفسيرُ القِطْمير في سورةِ فاطر -إن شاء الله تعالى-. ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)﴾. [٥٤] ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ﴾ أي: اليهودُ. ﴿النَّاسَ﴾ العربَ، والنبيَّ - ﷺ -. ﴿عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ من النبوةِ والإسلامِ والتقدُّمِ عليهم، فقال: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ داودَ وسليمانَ ﴿الْكِتَابَ﴾ المنزلَ عليهما. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ النبوة. ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ فلا يبعدُ أن يؤتي اللهُ محمدًا مثلَ ما آتاهم.

النساء 4:55

﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾. [٥٥] ﴿فَمِنْهُمْ﴾ أي: اليهودِ. ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ بمحمدٍ - ﷺ -، وهم عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ وأصحابُه. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ﴾ أي: أعرض. ﴿عَنْهُ﴾ ولم يؤمنْ به. ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أي: نارًا مُسَعَّرَةً يُعَذَّبون بها. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾. [٥٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾ نُدْخِلُهم. ﴿نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ﴾ احترقَتْ. ﴿جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ بأنْ يعُاد ذلكَ الجلدُ بعينِهِ على صورةٍ أخرى. قرأ ابنُ كثيرٍ، وعاصمٌ، وأبو جعفرِ، ويعقوبُ، وقالونُ، وورشٌ من طريقِ الأصبهانيِّ، وابنُ عامرٍ: (نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ) بإظهارِ التاءِ عندَ الجيم، والباقون: بالإدغام (١). ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ أي: ليدومَ بهم ذوقُه. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا﴾ شديدَ النِّقْمَةِ. (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٩٢)، و"إملاء ما منَّ به الرحمن" للعكبري (١/ ١٠٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٤٠).

النساء 4:57

﴿حَكِيمًا﴾ يعاقِبُ على وَفْقِ حكمته. عنِ ابنِ عمرَ رضي الله عنه قالَ: قُرِئ عندَ عمرَ قولُه تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾، فقال معاذٌ: عندي تفسيرُها: تبُدَّلُ في كلَّ ساعةٍ مئةَ مرة، فقال عمر: هكذا سمعتُها من رسولِ الله - ﷺ - (١). ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾. [٥٧] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ مبتدأ، خبرُه ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ من الأقذارِ. ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ كثيفًا، لا تنسخُهُ الشمسُ، ولا يُؤْذيهم بردٌ ولا حر. قرأ أبو عمرٍو: (الصَّالِحَات سنُدْخِلُهُمْ) بإدغام التاء في السين. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾. [٥٨] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ قرأ أبو عمرٍو: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ باختلاسِ الحركةِ من طريقِ البغداديين، ورُوي عنهُ من طريق (١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٨٢)، وابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (٧/ ٤٩)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (٤٥١٧). العراقيين (١) وغيرِهم: بإسكان الراء، والباقون: يشبعون الحركةَ (٢). نزلت في عثمانَ بنِ طلحةَ الحَجَبِيِّ من بني عبدِ الدار، وكان سادنَ (٣) الكعبة، فلما دخلَ النبيُّ - ﷺ - مكةَ يومَ الفتح، أغلقَ بابَ الكعبة، وأبى أن يدفعَ له المفتاحَ ليدخلَ فيها، وقال: لو علمتُ أنه رسولُ الله، لم أمنعْه، فمدَّ عليٌّ يدَه وأخذَه منه، وفتح، فدخلَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم -، وصلَّى ركعتين، فلما خرجَ، سأله العباسُ أن يعطى المفتاحَ، ويجمعَ له السقايةَ والسدانةَ، فأمر اللهُ أَنْ يُرَدَّ إليه، فأمر عليًّا بأن يردَّ المفتاحَ إلى عثمانَ، ويعتذر إليه، فكان ذلكَ سببًا لإسلامه، فلما ماتَ، دفعه إلى أخيهِ شيبةَ، فالمفتاحُ والسدانةُ في أولادِهِم إلى يومِ القيامة (٤). ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ أي: بالقسط. ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا﴾ أي: نعمَ الشيءُ الذي. ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ وتقدَّمَ اختلافُ القراء في (نِعِمَّا) في سورةِ البقرة عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١]. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. قال - ﷺ -: "إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ (١) في جميع النسخ "الرقيين"، والصواب ما أثبت، والله أعلم. (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٩٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٤١). (٣) في "ت": "سادان". (٤) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٨٧)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٥٠)، و"العجاب" لابن حجر (٢/ ٨٩٣).

النساء 4:59

عَادِلٌ، وَإِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَشَدَّهُمْ عَذَابًا إِمَامٌ جَائِرٌ" (١). وقال - ﷺ -: "عُرِضَ عَلَيَّ أَوَّلُ ثَلاَثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَأَوَّلُ ثَلاَثَةٍ يَدْخُلُونَ النَّارِ، فَأَوَّلُ ثَلاَثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي، فَالشَّهِيدُ، وَعَبْدٌ مَمْلُوكُ لَمْ يَشْغَلْهُ رِقُّ الدُّنْيَا عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ، وَفَقِيرٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ، وَالثَّلاَثة الَّذِينَ يَدْخُلُونَ النَّارَ، فَأَمِيرٌ مُسَلَّطٌ، وَذُو ثَرْوَةٍ مِنْ مَالٍ لاَ يُؤَدِّي حَقَّ اللهِ مِنْ مَالِهِ، وَفَقِيرٌ فَخُورٌ" أخرجه الإمامُ أحمدُ رضي الله عنه (٢). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾. [٥٩] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ أي: الولاة. ﴿مِنْكُمْ﴾ إذا أمروا بطاعةِ اللهِ. ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ اختلفتم أنتم وأمراءُ العدلِ. ﴿فِي شَيْءٍ﴾ من أمرِ دينِكم، والتنازُعُ: اختلافُ الآراءَ. ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ إلى كتابِه. (١) رواه الترمذي (١٣٢٩)، كتاب: الأحكام، باب: ما جاء في الإمام العادل، وقال: حسن غريب، والإمام أحمد في "المسند" (٣/ ٢٢)، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-. (٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢/ ٤٢٥)، وابن خزيمة في "صحيحه" (٢٢٤٩) وابن حبان في "صحيحه" (٤٦٥٦)، وغيرهم، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.

النساء 4:60

﴿وَالرَّسُولِ﴾ مدةَ حياتِه، وبعدَ وفاتِه إلى سُنَّتِهِ. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ﴾ أي: الردُّ إلى الكتابِ والسنَّةِ. ﴿خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ مآلًا وعاقبةً. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾. [٦٠] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ هو كعبُ بنُ الأشرفِ، سُمِّيَ به؛ لإفراطِه في الطغيانِ. ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي: بالطاغوت. ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ لا غايةَ له، فلا يهتدون. نزلت في بشر المنافقِ ويهوديٍّ كان بينَهما حكومةٌ، فطلبَ المنافقُ الحكومةَ إلى ابنِ الأشرفِ، فطلبَ اليهوديُّ الحكومةَ إلى النبيِّ - ﷺ -، فحكم - ﷺ - على المنافقِ، فلم يرضَ، فأتيا عمرَ رضي الله عنه، فقال اليهوديُّ: إن النبيَّ حكمَ لي، فلم يرضَ، قال عمرُ للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم، فقتله عمرُ، فقال: هكذا أفعلُ بمن لم يرضَ بقضاءِ اللهِ وقضاءِ رسوله، فنزلت الآيةُ، وقال جبريل عليه السلام: "إن عمرَ فرقَ بينَ الحقِّ والباطلِ"، فسمِّي الفاروقَ (١). (١) انظر: "نوادر الأصول" للحكيم الترمذي (١/ ٢٣٢)، و"أسباب النزول" =

النساء 4:61

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾. [٦١] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ للتحاكُم. ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ أي: يُعرضون عنك إعراضًا. قرأ الكسائيُّ، وهشامٌ، ورُويس: (قِيلَ) بإشمِام القافِ الضمَّ (١). ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾. [٦٢] ﴿فَكَيْفَ﴾ يكونُ حالُهم. ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ من قتلِ عمرَ للمنافق. ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من التحاكُم إلى غيرِك، واتهامِكَ في الحكم. ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ﴾ أي: يجيئونك يطلبونَ ديةَ المقتول، ثم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا﴾ بالمحاكمة إلى عمرَ. ﴿إِلَّا إِحْسَانًا﴾ في القولِ. ﴿وَتَوْفِيقًا﴾ بين الخصمين، ولم نردْ مخالفتَكَ. = للواحدي (ص: ٨٩)، و"العجاب" لابن حجر (٢/ ٩٠٣ - ٩٠٤)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٢/ ٥٨٥ - ٥٨٦). (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٤٢).

النساء 4:63

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾. [٦٣] ثم أومأَ تعالى إلى كذبِهم بقولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من النفاق. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ لا تعاقِبْهم. ﴿وَعِظْهُمْ﴾ بينَ الناسِ ليتوبوا. ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: في الخلاء. ﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾ يبلغ منهم ويؤثر فيهم، وهو التخويف بالله تعالى، وتوعدهم بالقتل إن لم يؤمنوا. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾. [٦٤] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ يعني: بتيسيره وقضائِه؛ أي: وما أرسلْنا رسولًا قَطُّ إلا لِيُطاع، وبطاعِتِه يُطاعُ اللهُ. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالتحاكُم إلى الطاغوت. ﴿جَاءُوكَ﴾ معتذرينَ. ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ من نفاقِهم. ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ يقبلُ توبةَ التائبينَ.

النساء 4:65

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾. [٦٥] ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ أي: فَوَرَبِّكَ، و (لا) مزيدةٌ لتوكيدِ القسمِ. ﴿لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ أي: يجعلوكَ حَكَمًا. ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: اختلفَ، وأصلُ التشاجرِ: الاختلاط والتنازعُ. ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ ضِيقًا. ﴿مِمَّا قَضَيْتَ﴾ أي: لا تضيقُ صدورُهم بحكمِك. ﴿وَيُسَلِّمُوا﴾ ينقادوا. ﴿تَسْلِيمًا﴾ بطيبِ نفسٍ. ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦)﴾. [٦٦] ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا﴾ أَوْجَبْنا. ﴿عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ كما قُتِل بنو إسرائيلَ. ﴿أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ كما أَمَرْنا بني إسرائيلَ بالخروجِ من مصرَ. قرأ أبو عمرٍو، ويعقوبُ: (أنِ اقْتُلُوا) بكسر النونِ على أصل التحريك، (أَوُ اخْرُجُوا) بضمِّ الواو للإتباع والتشبيه بواو الجمع في نحو {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ} [البقرة: ٢٣٧]، وقرأ عاصمٌ، وحمزةُ بكسرهما، والباقون: بضمهما (١). ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ أي: المكتوبَ عليهم. ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ: (إِلَّا قَلِيلًا) بالنصبِ على أصلِ الاستثناء، وكذلك هو في مُصحفِ أهل الشام، وقرأ الباقون: بالرفع على ضمير الفاعل في قوله: (فعلوه) تقديره: إلا نفرٌ قليلٌ فعلوه (٢)، والقليلٌ جماعةٌ من الصحابة رضي الله عنهم، منهم: عمر، وعمارُ بنُ ياسر، وعبدُ الله بنُ مسعود، وثابتُ بنُ قيسٍ، قالوا: واللهِ لو أمرَنا محمدٌ بذلكَ، لفعلنا، فقال - ﷺ -: "إِنَّ مِنْ أُمَّتِي رِجَالًا، الإِيمَانُ أَثْبَتُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي" (٣). ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ أي: ما يؤمرونَ به من طاعةِ الرسولِ. ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ في عاجِلِهم وآجِلِهم ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ تحقيقًا لإيمانِهم. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٣٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٧٨)، و"إتحاف فضلاء البشر"، للدمياطي (ص: ١٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٤٢ - ١٤٣). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٣٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٦)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٥٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ١٤٣). (٣) رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٥/ ١٦٠)، عن أبي إسحاق السبيعي. ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٩٩٥)، عن الحسن البصري.

النساء 4:67

﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧)﴾. [٦٧] ﴿وَإِذًا﴾ جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ تقديرُه: ماذا يكونُ لهم بعدَ التثبيت؟ فقال: وإذًا لو ثبتوا. ﴿لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ثواب وافرًا؛ لأن (إذًا) جوابٌ وجزاء. ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾. [٦٨] ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وَفَّقْناهم لازديادِ الخيراتِ. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾. [٦٩] ونزلَ في ثوبانَ مولى رسولِ الله - ﷺ -، وكانَ شديدَ الحبِّ له حينَ قالَ للنبيِّ - ﷺ -: "إِنِّي أخشى أَلَّا أراكَ يومَ القيامةِ لِعُلُوِّ منزلتِكَ" (١): ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ في أداءِ الفرائضِ ﴿وَالرَّسُولَ﴾ في السُّنَنِ. ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ أي: لا تفوتُهم رؤيةُ الأنبياءِ ومجالستُهم. ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾ هم أفاضلُ الصحابةِ المبالِغينَ في الصِّدقِ. (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٩١)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٥٩)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (١١/ ١٧٤).

النساء 4:70

﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ هم شهداءُ أُحُدٍ. ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ سائرِ الصحابةِ، واللفظُ يعمُّ كلَّ صالحٍ وشهيدٍ، والله أعلم. قال - ﷺ -: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" (١). ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أي: ما أحسنَ أولئكَ رفقاءَ في الجنةِ بأن يُستمتَعَ فيها برؤيتِهم وزيارتِهم والحضورِ معهم، وإن كانَ مقرُّهم في درجاتٍ عاليةٍ بالنسبةِ إلى غيرِهم، ومن فضلِ الله تعالى على غيرِهم أنَّه قد رُزِقَ الرِّضا بحالِه، وذهبَ عنه أن يعتقدَ أنه مفضولٌ؛ انتفاءً للحسرةِ في الجنةِ التي تختلفُ المراتبُ فيها على قَدْرِ الأعمالِ، وعلى قدرِ فضلِ اللهِ على مَنْ يشاء. ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾. [٧٠] ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إِلى ما للمطيعينَ من الأجرِ. ﴿الْفَضْلُ﴾ صفتُهُ. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خبرُهُ. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ بجزاءِ مَنْ أطاعَهُ، فإنَّهُ يعطيهم ما عَلِمَهُ لهم. (١) رواه البخاري (٥٨١٦)، كتاب: الأدب، باب: علامة الحب في الله عز وجل، ومسلم (٢٦٤٠)، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: المرء مع من أحب، عن ابن مسعود -رضي الله عنه-.

النساء 4:71

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١)﴾. [٧١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أي: تَيَقَّظوا لعدوِّكم، والحِذْرُ والحَذَرُ واحدٌ، وهو الاحترازُ. ﴿فَانْفِرُوا﴾ فاخرُجوا. ﴿ثُبَاتٍ﴾ سرايا متفرِّقينَ. ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ كلُّكم مع نبيِّكم - ﷺ -، وأصلُ النَّفْرِ: الانزعاجُ من الشيءِ أو إلى الشيءِ. ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢)﴾. [٧٢] ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ واللام في ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ لامُ القسم، والتبطئةُ: التأخُّرُ عن الأمر، والخطابُ لعسكرِ النبيِّ - ﷺ -. المعنى: وإن منكم؛ أي: عبدَ اللهِ بنَ أُبي وأصحابَه ليتأخَّرَنَّ عن الغزو تثَاقُلًا. قرأ أبو جعفرٍ: (لَيُبَطِّيَنَّ) بفتح الياء بغير همز، والباقون: بالهمز. ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ قتلٌ أو هزيمةٌ. ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ بالقعودِ. ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ حاضرًا، فيصيبني ما أصابَهُمْ.

النساء 4:73

﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣)﴾. [٧٣] ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ سلامةٌ وغنيمةٌ. ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ هذا المنافقُ، وفيه تقديمٌ وتأخيرٌ. ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ متصلٌ بقوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ تقديره: فإن أصابتكم مصيبةٌ، قال: قد أنعمَ الله عليَّ إذ لم أكنْ معهم شهيدًا؛ كأن لم تكنْ بينَكم وبينَهم مودة؛ أي: معرفة. قرأ ابنُ كثيرٍ، وحفصٌ، ورويسٌ: (تَكُنْ) بالتاءِ، والباقون: بالتاء (١)، ولئن أصابكم فضلٌ من الله ليقولن: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ في تلكَ الغَزاةِ. ﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ آخذَ نصيبًا وافرًا من الغنيمةِ (فأفوزَ) نُصب على جوابِ التمنيِّ. ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)﴾. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٣٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٦)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٦١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ١٤٥).

النساء 4:74

[٧٤] ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ أي: يشترونَ. ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ ومعناه: آمِنوا أيُّها المنافقونَ، وجاهِدوا في سبيلِ الله. وقيل: نزلَتْ في المؤمنين، فيكونُ معناه: فليقاتلْ في سبيلِ اللهِ الذين يختارونَ الأُخرى على الدنيا. ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ يُسْتَشْهَدْ. ﴿أَوْ يَغْلِبْ﴾ يظفرْ بعدوِّهِ. ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ في كِلا الحالتين. قرأ أبو عمرٍو، والكسائيُّ، وخلادٌ: (يَغْلِب فسَوْفَ) و (تَعْجَب فعَجَبٌ) وشبهَه حيثُ وقعَ بإدغامِ الباءِ في الفاء، والباقون: بالإظهار (١). ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾. [٧٥] ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في طاعةِ اللهِ، استفهامُ توبيخٍ على تركِ الجهادِ. ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ أي: وفي سبيل المستضعفين. ﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ﴾ بمكةَ، صَدَّهم المشركونَ عن الهجرة وآذَوْهم. (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٩٣)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٦١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٤٦).

النساء 4:76

﴿يَقُولُونَ﴾ داعِينَ. ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ هي مكةُ. ﴿الظَّالِمِ﴾ أي: التي ظلمَ. ﴿أَهْلُهَا﴾ بكفرِهم وصَدِّهم المسلمينَ عن الهجرةِ. ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ أي: ارزقنا مَنْ يتولى أمرَنا. ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ ينصرُنا على أعدائنا، فاستجابَ اللهُ دعاءَهم، فلما فُتحت مكةُ، ولَّى النبيُّ - ﷺ - عليهم عَتَّابَ بنَ أُسيد، فكان ينصفُ المظلومينَ من الظالمين. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾. [٧٦] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: طاعتِه. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ الشيطانِ والأصنامِ. ﴿فَقَاتِلُوا﴾ أيُّها المؤمنونَ. ﴿أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ جنودَه، وهم الكفارُ. ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ﴾ مكرَه. ﴿كَانَ ضَعِيفًا﴾ واهِنًا لا يثبتُ للحقِّ (١). (١) من قوله " ﴿وَإِذَا﴾ جواب سؤال... " (ص: ١٥١) من هذا الجزء إلى هنا سقط من "ن"، وهو بمقدار لوحة من النسخ الخطية الأخرى.

النساء 4:77

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾. [٧٧] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ عن القتالِ. نزلتْ في جماعةٍ من الصحابةِ كانوا يَلْقَوْنَ من المشركينَ بمكة أذًى كثيرًا قبلَ الهجرة، فقالوا: يا رسول الله! ائذنْ لنا في قتالِهم، فإنهم قد آذَوْنا، فقال لهم رسولُ الله - ﷺ -: "كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ؛ فَإِنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِقِتَالِهِمْ" (١). ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فلما هاجروا إلى المدينة، وأمرهم الله بقتالِ المشركينَ، شَقَّ ذلك على بعضِهم، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ﴾ أي: فُرِض. ﴿عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ يعني: مشركي مكةَ. ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي: كخشيتِهم منَ اللهِ. ﴿أَوْ أَشَدَّ﴾ أكبرَ. ﴿خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ الجهاد. ﴿لَوْلَا﴾ أي: هَلَّا. ﴿أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ إلى أن نجدَ من نستنصرُ به. (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٩٢)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٦٣)، و"العجاب" لابن حجر (٢/ ٩١٨).

النساء 4:78

﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا﴾ أي: منفعتُها والاستمتاعُ بها. ﴿قَلِيلٌ﴾ سريعُ التَّقَضِّي. ﴿وَالْآخِرَةُ﴾ أي: وثوابُ الآخرةِ. ﴿خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ الشركَ. ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ هو ما في شقِّ النواةِ طولًا، وتقدمَ تفسيرُه. المعنى: لا يقعُ نقصٌ في شيءٍ من الحسناتِ ثَمَّ. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وروحٌ: (يُظْلَمُوَن) بالغيب، والباقون: بالخطاب (١). ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾. [٧٨] ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: ينزلْ بكمُ الموتُ. نزلت في المنافقينَ الذين قالوا في قَتْلَى أُحد: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]، فردَّ الله عليهم، وأخبرَ أنَّ الحذرَ لا ينُجي من القَدَرِ. ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ﴾ حُصونٍ. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٣٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٦)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٦٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٤٦). ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ مرتفعةٍ. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ أي: المنافقينَ ومَنْ جرى مجراهُمْ. ﴿حَسَنَةٌ﴾ خصبٌ وظفرٌ يومَ بدرٍ. ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لنا. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ جَدْبٌ وهزيمة يومَ أُحُدٍ. ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ يا محمدُ؛ أي: بسبب شُؤْمِكَ، فقال تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿كُلٌّ﴾ الحسنة والسيئة. ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ بقضائه وقَدَرِهِ، ثم عَيَّرَهم بالجهلِ فقال: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ﴾ يعني: المنافقين. ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ والفقهُ لغةً: الفَهْمُ. وقف أبو عمرٍو، والكسائيُّ بخلافٍ عنه على الألف دونَ اللام من قوله (فَمَالِ هَؤُلاَءِ) (١)، و (مَالِ هذَا الكِتابِ) في سورةِ الكهفِ، و (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ) في الفرقان، (فَمَالِ الَّذِينَ) في سألَ، ووقف الباقون (فمال) على اللام اتباعًا للخَطِّ، بخلافٍ عن الكسائيِّ، قالَ ابنُ عطية: ومنعه قومٌ جملةً؛ لأنها حرف جر، فهي بعضُ المجرور، وهذا كله بحسب ضرورةِ أو (٢) انقطاعِ نفسٍ، وأما أن يختارَ أحدٌ الوقفَ فيما ذكرناه ابتداءً، فلا، انتهى (٣). (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٩٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٤٧). (٢) في "ظ": "و". (٣) انظر: "المحرر الوجيز" (٢/ ٨١).

النساء 4:79

﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾. [٧٩] ثم خاطب النبيَّ - ﷺ -، والمرادُ غيرُه فقال: ﴿وَمَا أَصَابَكَ﴾ يا إنسانُ. ﴿مِنْ حَسَنَةٍ﴾ خيرٍ ونعمةٍ. ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ تفضُّلًا. ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ بَلِيَّةٍ. ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي: بذنبِك؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، وتعلَّق القدريَّةُ بظاهرِ هذه الآيةِ، فقالوا: نفى الله عز وجل السيئةَ عن نفِسه، ونسبهَا إلى العبدِ، ولا متعلّقَ لهم فيه؛ بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ غيرَ أن الحسنةَ إحسانٌ وامتحانٌ، والسيئة مجازاةٌ وانتقامٌ. عن عائشةَ -رضي الله عنها- قالت: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ نَصَبٌ وَلاَ وَصَبٌ، حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا الْعَبْدُ، وَحَتَّى انْقِطَاعُ شِسْعِ نَعْلِهِ، إِلَّا بِذَنْبٍ، وَمَا يَعْفُو اللهُ أَكْثَرُ" (١). (١) روى البخاري (٥٣١٧)، كتاب: المرضى، باب: ما جاء في كفارة المريض، ومسلم (٢٥٧٢)، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك، بلفظ: "ما من مصيبة يصاب بها المسلم إلا كفر بها عنه، حتى الشوكة يشاكها". وروى البخاري (٥٣١٨)، كتاب: المرض، =

النساء 4:80

﴿وَأَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمدُ. ﴿لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ حالٌ مؤكِّدَةٌ، أي: ذا رسالةٍ. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ على رسالتِك وصدقِك. ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾. [٨٠] ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ﴾ فيما أَمَرَ به. ﴿فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ كانَ - ﷺ - يقولُ: "مَنْ أَطَاعَنِي، فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ أَحَبَّنِي، فَقَدْ أَحَبَّ اللهَ"، فقال بعضُ اليهود: ما يريدُ محمدٌ إلا أنْ يُتَّخَذَ رَبًّا، فنزلتِ الآية (١). ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ أعرضَ عن طاعِته. ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: حافظًا ورقيبًا، بلْ كِلْ أمورَهُم إلى الله، قيل: نُسخ هذا بآيةِ السيف. = باب: ما جاء في كفارة المريض، ومسلم (٢٥٧٣)، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة بلفظ: "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها عن خطاياه". (١) قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (١/ ٣٣٦): غريب جدًّا، ونقل المناوي في "الفتح السماوي" (٢/ ٥٠٤) عن الولي العراقي أنه قال: لم أقف عليه هكذا، وعن ابن حجر: لم أجده.

النساء 4:81

﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)﴾. [٨١] ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ يعني: المنافقينَ، يُظهرونَ أنهم يطيعونَكَ. ﴿فَإِذَا بَرَزُوا﴾ خرجوا. ﴿مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ﴾ أي: دَبَّرَ ليلًا. ﴿طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ قرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ (بَيَّت طائِفَةٌ) بسكونِ التاء وإدغامِها في الطاء، والباقون: بإظهار التاءِ مفتوحةً (١). المعنى: جماعةُ المنافقينَ تُظهر في حضورِكَ خِلافَ ما تُضْمِرُ، وتقولُ في غَيْبَتِكَ قولًا. ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ في مجلسِك. ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ﴾ يُثْبِتُ في صحائِفِهم للمجازاةِ. ﴿مَا يُبَيِّتُونَ﴾ يُزَوِّرونَ. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ لا تُعاقِبْهم. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: اتَّخِذهُ وكيلًا، فهو كافيكَ. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ ناصِرًا. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٣٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٤٨).

النساء 4:82

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾. [٨٢] ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ يتأمَّلون القرآنَ؛ أي: لو اعتبروا القرآن، لتيقنوا أنه من عندِ الله؛ لعدمِ تناقضِه. ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا﴾ تناقُضًا. ﴿كَثِيرًا﴾. ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾. [٨٣] ونزل فيمن كان يُفْشي ما يسمعُ؛ ليضعفَ قلوبَ المؤمنينَ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾ يعني: المنافقينَ. ﴿أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾ من الفتحِ والغنيمةِ. ﴿أَوِ الْخَوْفِ﴾ القتلِ والهزيمةِ. ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ أَفْشَوْهُ. ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ أي: الخبرَ. ﴿إِلَى الرَّسُولِ﴾ أي: لو لم يحدِّثوا به حتى يكونَ النبيُّ - ﷺ - هو الذي يحدّثُ به. ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ أصحابِ الرأيِ من الصحابةِ.

النساء 4:84

﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ يستخرجونَه، وهم العلماءُ؛ أي: لوردُّوا ما يسمعونَ من الخبرِ إلى هؤلاء، لعلموا ما يُفْشى فيُفشى، وما يُكْتَمُ فيكتمُ. ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بالإسلامِ. ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ بالقرآنِ. ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ أي: لضللتم باتباعِه. ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ منكم، والمرادُ: الذين اهتدَوْا قبلَ مجيءِ النبيِّ - ﷺ -؛ كزيدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ، وَوَرَقَة بنِ نَوْفَلٍ، أو: إلَّا اتِّباعًا قليلًا. ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)﴾. [٨٤] وكان النبيُّ - ﷺ - وعدَ أبا سفيان بعدَ حربِ أُحُدٍ موسمَ بدرٍ الصُّغرى في ذي القعدةِ، فلما بلغَ الميعاد، دعا الناسَ إلى الخروج، فكرهَهُ بعضُهم، فأنزل الله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ (١) أي: قاتلِ المشركينَ، وانصرِ المستضعفينَ بمكَّةَ، ولو وحدَكَ؛ فإنَّكَ موعودٌ بالنصرِ. ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حُثَّهم على الجهاد، فخرجَ رسولُ الله - ﷺ - في سبعينَ راكبًا، فكفاهُمُ اللهُ لقتالَ، فقال جل ذكرُه: ﴿عَسَى اللَّهُ﴾ أي: لعلَ اللهَ ﴿أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ﴾ صولةَ وحربَ. (١) عزاه المناوي في "الفتح السماوي" (٢/ ٥٠٤) إلى ابن جرير في "تفسيره" من حديث ابن عباس، ولم أره فيه.

النساء 4:85

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقد كفى بتخلفِ أبي سفيانَ عن الخروج إلى بدرٍ الصغرى تلكَ السنةَ. ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا﴾ صولةً وأعظمُ سلطانًا من قريشٍ. ﴿وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ عقوبةً، وهو تقريعٌ وتهديدٌ لمن لم يتبعْه. ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾. [٨٥] ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ هي الإصلاحُ بينَ الناسِ. ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ وهو ثوابُ الشفاعةِ. ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ هيَ المشيُ بالنميمةِ بينَ الناسِ. ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ أي: نصيبٌ من وِزْرِها، والكِفْل: الضِّعْفُ من الشيء، واشتقاقُه من الكَفَلِ؛ لمشقَّةِ الركوبِ عليه. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ مجازِيًّا. ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾. [٨٦] ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ إذا قال: السلامُ عليكم، فقلْ: وعليكُمُ السلامُ ورحمةُ اللهِ، وإذا قال: السلامُ عليكم ورحمةُ الله، فقلْ: وعليكم السلامُ ورحمةُ الله وبركاتُه، وإذا قال: السلامُ عليكم

النساء 4:87

ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ، فَرُدَّ مثلَها، قال ابنُ عباس رضي الله عنهما: "انتهى السلامُ إلى البركةِ" (١). ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ أي: رُدُّوا مثلَها. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ محاسبًا على السلام وغيره، والسلامُ سنةٌ على الكِفاية مرغَّبٌ فيها، وإذا سلَّم واحدٌ من الجماعةٍ، أجزأَهم، بالاتفاق، والردُّ فرضٌ على الكفايةِ عندَ الثلاثةِ، وذهبَ أبو حنيفةَ إلى أنَّ ردَّ السلامِ من الفروضِ المتعيِّنَةِ، قالَ: والسلامُ خِلافُ الردِّ، لأنَّ الابتداءَ به تطوُّع، وردَّه فَريضةٌ، فإذا ردَّ واحدٌ من جماعةٍ، سقطَ عن الباقينَ باتفاقهم. ويحرمُ بداءةُ أهلِ الذمَّةِ بالسَّلامِ عندَ مالكٍ والشافعيِّ، وعندَ أبي حنيفةَ يُكْرَه؛ لما فيه منْ تعظيمِهم، فإنْ سلَّمَ على ذميٍّ جاهلًا أو ناسيًا، ثم علمَ، فمذهبُ مالكٍ لا يستقيلُه، واختارَ ابنُ عطيةَ المالكيُّ أن يستقيلَه سلامَه، ومذهبُ الشافعيِّ يقولُ: استرجَعْتُ سلامي تحقيرًا له، ومذهبُ أحمدَ يُسَنُّ قولُه: رُدَّ عَلَيَّ سلامي، وإذا سَلَّم ذميٌّ على مسلمٍ، فعندَ أحمدَ وأبي حنيفةَ يقولُ في الرد: وعليكم، وعندَ الشافعيِّ يقول: وعليكَ، وعند مالكٍ يقول: عليكَ، بغير واو، واختارَ بعضُ أصحابه السِّلام بكسرِ السين؛ يعني به الحجارةَ. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾. [٨٧] ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ اللامُ في (ليجمعنكم) لامُ القسم، تقديره: اللهُ واللهِ ليحشرنَّكُم. (١) رواه الإمام مالك في "الموطأ" (٢/ ٩٥٩).

النساء 4:88

﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: القيامِ من القبورِ إلى الحسابِ. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شكَّ في ذلك اليوم (١). ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ أي: لا حديثَ أصدقُ من حديثِ الله؛ لأنه سبحانه منزَّهٌ عن الكذب. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، ورويسٌ بخلاف عنه: (أَصْدَقُ) و (يَصْدِفونَ) و (تَصْدِيَةً) و (تَصْدِيق) و (فَاصْدَعْ) بإشمام الصاد الزاي حيثُ وقعَ، والباقون بالصادِ الخالصةِ (٢). ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)﴾. [٨٨] ونزل فيمن أسلمَ، ثم ندمَ، ثم ارتدَّ: ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ يا معشر المؤمنين. ﴿فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ أي: اختلفْتُم فافترقْتُم فرقتينِ، ولم تقطعوا جميعًا بكفرِهم. ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ نَكَّسَهُمْ وردَّهم إلى الكفرِ، وأصلُ الركْسِ: ردُّ الشيءِ مقلوبًا. ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ بسببِ كسبِهم، وهو ارتدادُهم عن الإسلام. ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ أتطلبون هدايةَ مَنْ أضلَّ اللهُ. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ عن الهدى. (١) "اليوم" ساقطة من "ن". (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩٧)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٧٠)، و"النشر في القراءات العشر"، لابن الجزري (٢/ ٢٥٠ - ٢٥١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٣٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٥٠).

النساء 4:89

﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ طريقًا إلى الحقِّ. ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩)﴾. [٨٩] ﴿وَدُّوا﴾ تمنوا؛ يعني: أولئكَ الذين (١) رَجَعوا عن الدين. ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ﴾ عطفٌ على ﴿تَكْفُرُونَ﴾. ﴿سَوَاءً﴾ أي: مستوينَ أنتمْ وهُمْ في الكفرِ. ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ وإنْ أظهروا الإيمانَ. ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هجرةً للهِ ورسوله، لا لأغراضِ الدنيا. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرَضُوا عن الإيمانِ والهجرةِ. ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ أُسارى، ومنهُ يُقال للأسير: أَخيذٌ. ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ في الحلِّ والحرمِ. ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ أي: لا تقبلوا منهم ولايةً ونصرةً. ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)﴾. (١) "الذين" ساقطة من "ن".

النساء 4:90

[٩٠] ثم استثنى من القتل، لا من الموالاة، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ ينتسبونَ ويلتجئونَ بالحِلْفِ. ﴿إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ عهدٌ، وهم قيل (١) قومُ هلالِ بنِ عويمرٍ الأسلميِّ، كان قد وادعَهُ النبيُّ - ﷺ - قبلَ خروجِه إلى مكةَ ألا يُعينَه ولا يُعينَ عليه، ومن وصلَ إلى هلالٍ من قومِه وغيرِهم فلهُ من الجوارِ مثل ما لهلالٍ. ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ﴾ أي: يَتَّصلونَ بقومٍ جاؤوكم. ﴿حَصِرَتْ﴾ ضاقَتْ. ﴿صُدُورُهُمْ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وعاصمٌ، وأبو جعفرٍ، وقالونُ، وورشٌ، وهشامٌ: (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) بإظهار التاء عند الصاد، والباقون: بالإدغام، وقرأ يعقوبُ: (حَصِرَةً) بالفتح والتنوين؛ أي: ضَيِّقَةً صدورُهم (٢). ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ أي: ضاقت قلوبُهم عن قتالِكم وقتالِ قومِهم، وهم الذين عاهدوا النبيَّ - ﷺ - تلخيصُه: إن لم يأتوا بالإسلامِ كما ينبغي، فاقتلوهم، واجتنبوهم، إلا المتَّصفينَ بهذهِ الصفاتِ، فاتركوهم. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ لِحكَمٍ يعلَمُها. ﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ مع قومِهم، ولم يكفُّوا عنكم. ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ ولم يتعرَّضوا لكم. (١) "قيل" زيادة من "ن". (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٩٤)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٧٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٥١ - ١٥٢).

النساء 4:91

﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ الصلحَ والانقيادَ. ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ طريقًا بالقتل. ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)﴾. [٩١] ونزل في أُسْدٍ وغَطفانَ ومَنْ جرى مجراهم حيثُ أظهروا الإيمانَ وهم غيرُ مؤمنين، فلما رجعوا إلى قومهم، كفروا: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ﴾ بقولهم لكم: آمَنَّا. ﴿وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ بكفرِهم عندَ عودِهم إليهم. ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ﴾ دُعوا إلى الكفرِ و (١) إلى قتالكم. ﴿أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ عادُوا إلى الشِّركِ. ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ حتى يسيروا إلى مكةَ. ﴿وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي: الصلحَ. ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ عن قتالِكم. ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ تمكَّنْتُم من قتلِهم. ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ حجةً ظاهرةً بالقتل. (١) "و" ساقطة من "ت".

النساء 4:92

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾. [٩٢] ونزل في عَيَّاشِ بنِ أبي (١) ربيعةَ أخي أبي جهلٍ من الأمِّ لما لقيَ حارثَ بنَ زيدٍ في طريقٍ، وكانَ قد أسلمَ، ولم يشعرْ به عياشٌ، فقتلَه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ (٢) أي: ما ينبغي لمؤمنٍ. ﴿أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ استثناءٌ منقطعٌ، معناه: لكنْ إن وقعَ خطأٌ، فتحريرُ رقبةٍ، والخطأُ: ما لم يتعمَّدِ الإنسانُ. ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ﴾ أي: فالواجبُ على القاتل عتقُ. ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ كفارةً باتفاقِ الأئمةِ إذا كان المقتول حُرًّا مسلمًا، فإن كان المقتولُ ذِمِّيًّا أو عبدًا، قال أبو حنيفةَ والشافعيُّ وأحمدُ: تجبُ الكفارةُ في قتلِه كوجوبِها في حقِّ الحرِّ المسلمِ، وقال مالكٌ: لا تجبُ بقتلِ عبدٍ ولا كافرٍ، فإن كانَ القتلُ عمدًا، فقال الشافعيُّ: تجبُ الكفارة، وقال الثلاثة: لا تجبُ، وإذا قتلَ الكافرُ مسلِمًا خطأً، فقال الشافعيُّ وأحمدُ: (١) "أبي" ساقطة من "ن". (٢) انظر: "تفسير الطبري" (٥/ ٢١٥)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٩٣)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٧٥). تجبُ عليه الكفارة، وقال أبو حنيفةَ ومالكٌ: لا كفارةَ عليه. ﴿وَدِيَةٌ﴾ هي المالُ المؤدَّى إلى مَجْنِيٍّ عليه، أو وليِّه بسببِ جنايةٍ (١). ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ مُؤَدَّاةٌ. ﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾ إلى وَرَثَةِ القتيلِ بدلَ النفسِ، والرقبةُ في مالِ القاتلِ، والديةُ على عاقلتِه، فإن لم يكن له ورثةٌ، فلبيتِ المال. ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ يعفوا ويتركوا الديةَ. ﴿فَإِنْ كَانَ﴾ المقتولُ. ﴿مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ أي: حربٍ للمسلمين، لا عهدَ بينَكم وبينَهم. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ محكومٍ بإسلامِها، وإن كانتْ صغيرةً، ولا ديةَ فيه بالاتفاق؛ إذ لا وراثةَ بينَه وبينَ أهله؛ لأنهم كفارٌ محاربون. ﴿وَإِنْ كَانَ﴾ المقتول ذميًّا، أو معاهدًا. ﴿مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ لأن حكمَهُ حكمُ المسلمِ بالاتفاق. ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أي: لم (٢) يملكِ الرقبةَ، ولا يقدرُ على تحصيلِها. ﴿فَصِيَامُ﴾ أي: فعليه صيامُ. ﴿شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ أي: جعل اللهُ ذلكَ توبةً لقاتلِ الخطأ. (١) في "ن": "جنايته". (٢) "لم" ساقطة من "ن". ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بمن قتل ﴿حَكِيمًا﴾ فيما أمرَ في شأنه. واعلمْ أن القتلَ على ثلاثةِ أقسامٍ: عَمْدٌ محضٌ: وهو أن يقتلَه بما يغلبُ على الظنِّ موته به؛ كالسيفِ ونحوِه، ففيه القصاصُ بشروطِه، أو الديةُ بالاتفاقِ. وشِبْهُ عمدٍ: وهو أن يقصدَ الجنايةَ بما لا يقتُلُ غالبًا؛ كالحجرِ والعصا ونحوِهما، ففيهِ الديةُ دونَ القصاصِ عندَ الثلاثةِ، ومالكٌ رحمه الله لا يرى شبهَ العمد، ولا يقولُ به في شيء، وإنما القتلُ عندَه عمدٌ أو خطأٌ، لا غيرُ، فإذا أصابَه بما لا يقتلُ غالبًا، فماتَ، فعندَه يجبُ فيه القصاصُ. وخطأ: وهو أن يرمي شخصًا يظنُّه صيدًا أو حربيًّا، فإذا هو مسلمٌ، ففيه الديةُ، ولا قصاصَ فيه بالاتفاق. وأما قدرُ ديةِ الحرِّ المسلمِ، فعند أبي حنيفةَ مئةٌ من الإبل، فالمغلَّظَةُ: وهي التي بسببِ العمدِ المحضِ وشبهِ العمدِ تجبُ أرباعًا: خمسًا وعشرينَ بنتَ مخاضٍ، وهي التي طعنَتْ في السنة الثانية، وخمسًا وعشرين بنتَ لَبونٍ، وهي التي طعنت في السنةِ الثالثة، وخمسًا وعشرين حِقَّةً، وهي التي طعنتْ في السنةِ الرابعة، وخمسًا وعشرين جَذَعَةً، وهي التي طعنت في السنة الخامسة، والمخفَّفَةُ: وهي التي بسبب قتلِ الخطأ تجبُ أخماسًا: عشرينَ ابنَ مخاضٍ، ومثلُها بناتُ مخاض، وبناتُ لَبون، وحقاقٌ، وجذعٌ، أو ألفُ دينار، أو عشرةُ آلافِ درهم، كلُّ عشرةٍ وزنُ سبعةِ مثاقيلَ. وديةُ العمدِ المحضِ في مال القاتل مؤجَّلَةٌ في ثلاثِ سنينَ، وديةُ شبهِ العمدِ والخطأ على العاقلةِ مؤجلةٌ كذلك. وعند مالكٍ إن كان الجاني من أهل البادية، فالدية مئةٌ من الإبل تجبُ في العمدِ أرباعًا، وفي الخطأ أخماسًا، كقول أبي حنيفةَ، إلا أنه جعلَ في الأخماسِ مكانَ ابنِ مخاضٍ ابنَ لبونٍ، والديةُ في التغليظ عندَه تجبُ أثلاثًا: ثلاثينَ حقةً، وثلاثين جذعةً، وأربعينَ خلفةً، وهي التي في بطونها أولادها غيرَ محدودةٍ أسنانُها، والتغليظُ عنده في قتلِ أحدِ الوالدين ولدَه على وجهٍ تقارنه الشبهةُ، وإن كانَ من أهلِ الذَّهَبِ، وهم أهلُ مصرَ والشامِ والمغربِ، فهي ألفُ دينارٍ، وإن كان من أهلِ الوَرِقِ، وهم أهلُ العراقِ وفارسَ وخراسانَ، فهي اثنا عشرَ ألفَ درهمٍ، وديةُ العمدِ على القاتلِ في ماله مؤجَّلَةٌ في ثلاثِ سنينَ كقولِ أبي حنيفة، وقيل: حَالَّةٌ، وديةُ الخطأ على العاقلةِ مؤجَّلَةٌ كذلك. وعندَ الشافعيِّ مئةُ بعيرٍ مثلثةٌ في العمدِ وشبهِه؛ كقولِ مالكٍ في التغليظ، وفي الخطأ مخمسةٌ كقول مالكٍ، فلو عُدمَتْ، فالقديمُ من مذهبه ألفُ دينارٍ، أو اثنا عشرَ ألفَ درهمٍ، والجديدُ قيمتُها بنقدِ بلدِه، وديةُ العمدِ على الجاني معجَّلَةٌ، وشبهِ العمدِ والخطأ على العاقلةِ مؤجَّلَةٌ. وعندَ أحمدَ مئةٌ من الإبلِ، أو مئتا بقرةٍ، أو ألفا شاةٍ، أو ألفُ مثقالٍ ذهبًا، أو اثنا عشرَ ألفَ درهمٍ فضةً، فهذه الخمسُ أصول في الدية، إذا أحضرَ (١) مَنْ عليه الديةُ شيئًا منها، لزمَ قبولُه، وتجبُ الإبلُ في العمدِ وشبهِه أرباعًا، وفي الخطأ أخماسًا كقولِ أبي حنيفةَ، ويؤخذ في البقر النصفُ مُسِنَّاتٌ، وهي التي لها سنتانِ، والنصفُ أَتْبِعَةٌ، وهي التي لها سنةٌ، وفي الغنم النصفُ ثَنايا، وهي التي لها سنةٌ، والنصفُ جذعَةٌ، وهي التي لها ستة أشهر، ولا تعتبرُ القيمةُ في شيء من ذلك بعدَ أن يكون سليمًا من العيب، وديةُ العمدِ المحضِ في مال الجاني حالَّةٌ، وشبهِ العمدِ والخطأ (١) في "ن": "حضر".

النساء 4:93

على عاقلتِه في ثلاثِ سنينَ، وديةُ المرأةِ نصفُ دية الرجل باتفاقهم. واختلفوا في ديةِ الذمِّيِّ والمجوسيِّ، فقال أبو حنيفةَ: هي كديةِ المسلم سواء، وقال مالكٌ وأحمدُ: ديةُ الذميِّ نصفُ ديةِ المسلم، والمجوسيِّ ثمانُ مئةِ درهمٍ، وقال الشافعيُّ: ديةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ ثلثُ ديةِ مسلمٍ، والمجوسيِّ ثلثا عُشْرِ دية (١) مسلمٍ، وديات نسائِهم نصفُ دياتِ رجالِهم بالاتفاق. وديةُ العبدِ والأمةِ قيمتُهما بالغةً ما بلغَتْ عندَ الثلاثة، وقال أبو حنيفةَ: من قتلَ عبدًا خَطَأً، فعليه قيمتُه، لا يُزاد على عشرةِ آلافٍ إلا عشرةٌ، وفي الأمةِ خمسةُ آلافٍ إلا عشرةً، وإن كانَ أقلَّ من ذلك، فعليه قيمتُه، وخالفه أبو يوسفَ، فوافق الجماعةَ. واختلفوا في العاقلة، فقال الثلاثة: هم العصبة قَرُبوا أو بَعُدوا، ومنهم الأصولُ والفروعُ، وقال الشافعيُّ: هم عصبته إلا الأصلَ والفرعَ، يقدَّمُ الأقربُ فالأقربُ. ولا عقلَ على الصبيانِ والنساءِ بالاتفاقِ. فإن فُقِدَ العاقلُ، عقلَ بيتُ المالِ عن المسلمِ، فإن فُقِدَ، فكلُّ الديةِ على الجاني بالاتفاق. ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾. [٩٣] ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ بأنْ يقصدَ قتلَه بنيتِهِ وفعلِه مع علمِه بإيمانِه. (١) "دية": زيادة من "ن". ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ نزلَتْ في مِقْيَسِ بنِ صبابةَ، وجد أخاه هشامًا قتيلًا في بني النجار، ولم يظهرْ قاتلُه، فأمرَهُم رسولُ الله - ﷺ - أن يدفعوا إليه ديتَهُ، فدفعوا إليه، ثم حملَ على مسلمٍ فقتلَه، ورجعَ إلى مكةَ مرتدًّا (١). ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ طردَهُ عن الرحمةِ. ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. واختلِفَ في قبولِ توبةِ القاتلِ، فجماعةٌ على أن لا تقبلَ توبتُه، والذي عليه الجمهورُ، وهو مذهبُ أهل السنَّةِ: أنَّ قاتلَ المسلمِ عمدًا توبتُه مقبولةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [طه: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، ولقوله - ﷺ -: "مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، دَخَلَ الْجَنَّةَ" (٢)، ويحملون الآيةَ على من قَتَلَ مؤمنًا مستحِلًا لقتله ولم يتبْ. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾. (١) انظر: "تفسير الطبري" (٥/ ٢١٧)، و "تفسير ابن أبي حاتم" (٢/ ١٠٣٧)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٩٤)، و "تفسير البغوي" (١/ ٥٧٨)، و "الدر المنثور" للسيوطي (٢/ ٦٢٣). (٢) تقدم تخريجه.

النساء 4:94

[٩٤] ونزل في أسامةَ بنِ زيدٍ لما وُجِّهَ في سريَّةٍ، فسمعَ رجلًا يقولُ: لا إلهَ إلا اللهُ محمدٌ رسولُ اللهِ، السلامُ عليكم، فقتلَهُ واستاقَ غنمَهُ، ورجعَ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ (١) سافرتُم للجهادِ. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ تأمَّلُوا. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (فَتَثَبَّتُوا) في الحرفين؛ من الثباتِ والتأَنِّي، وقرأ الباقون: [بالياء والنون من التبيُّن، وهو التأمُّلُ (٢). ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ وهو تحية الإسلام. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وحمزةُ، وخلفٌ: (السَّلَمَ) بغير ألفٍ، وهو المفاداةُ، وهو قولُ لا إلهَ إلا اللهُ محمدٌ رسولُ الله. وقرأ الباقونَ] (٣) بالأول (٤)؛ أي: إذا رأيتم أَمارةً ظاهرةً على إسلامِ شخصٍ، فلا تقتلوه، ولا تقولوا: ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ إنما تفعلُ هذا تقيَّةَّ لحفظِ مالك ونفسِكَ. قرأ أبو جعفر بخلافٍ عنه (مُوْمِنًا) بإسكانِ الواو بغير همز (٥). (١) انظر: "صحيح البخاري" (٤٣١٥)، و"صحيح مسلم" (٣٠٢٥)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٩٥). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩٧)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٩٤ - ٣٩٥)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٨١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٥٤). (٣) من قوله: "بالياء والنون" إلى قوله: "وقرأ الباقون" ساقط من "ت". (٤) المصادر السابقة. (٥) انظر: "الكشاف" للزمخشري (١/ ٢٩١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٥٥).

النساء 4:95

﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ منافِعَها. ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ أي: غنائمُ. ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ تكتمون إيمانَكم من المشركين. ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالهدايةِ وإظهارِ الإسلام، ورُويَ أنه - ﷺ - قال: "أَقَتَلْتُمُوهُ إِرَادَةَ مَا مَعَهُ؟ "، ووجَدَ عليه، فقالَ أسامة: استغفرْ لي يا رسولَ الله، فقال: "فكيفَ بِلا إلهَ إلا الله؟ " مرارًا، قال أسامة: فوددْتُ أَني لم أكنْ أسلمتُ إلا يومَئِذٍ" (١). قرأ أبو عمرو: (كَذَلِك كنْتُمْ) بإدغام الكاف في الكاف. ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أن تقتلوا مؤمنًا خطأً، كرَّرها تأكيدًا وزجرًا عن الإقدامِ على القتل. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ عالمًا به، فلا تُقدموا على القتلِ، واحتاطوا فيه. ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾. [٩٥] ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عن الجهادِ. نزلتْ في فضلِ (١) رواه مسلم (٩٧)، كتاب: الإيمان، باب: تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله. الجهادِ والحثِّ عليه، فلما سمعَ ابنُ أمِّ مكتومٍ -وكانَ أَعمى- النبيَّ - ﷺ - يُمليها على زيدِ بنِ ثابتٍ قال: "يا رسولَ اللهِ! لو استطعتُ الجهادَ لجاهدْتُ" فنزل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (١) أي: المرض؛ من عمًى وغيرِه. قرأ نافعٌ وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ (غَيْرَ) بنصبِ الراء؛ أي: إلا أولي الضرر، وقرأ الباقون: برفع الراء على نعتِ (القاعِدون) (٢)، يريدُ: لا يستوي القاعدونَ الذين هم غيرُ أولي الضرر. ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: لا مساواةَ بينهم وبينَ من قعدَ عن الجهاد من غيرِ عذرٍ. ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ للعذرِ. ﴿دَرَجَةً﴾ فضيلةً؛ لأن المجاهدَ مباشِرٌ مع النية، والقاعدَ له نيةٌ، ولكن لم يباشرْ، فنزلوا عنهم بدرجةٍ. ﴿وَكُلًّا﴾ من الفريقين. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ وهي الجنةُ. ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ مطلقًا. (١) رواه البخاري (٢٦٧٧)، كتاب: الجهاد والسير، باب: قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عن سهل بن سعد، ومسلم (١٨٩٨)، كتاب: الإمارة، باب: سقوط فرض الجهاد عن المعذورين، عن البراء. (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩٧)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٨٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٥٥).

النساء 4:96

﴿عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ بعذرٍ وغيرِه. ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: أَجَرَهم أجرًا عظيمًا. ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾. [٩٦] ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ نصبٌ بدلٌ من ﴿أجرًا﴾. ﴿وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ عطفٌ على درجات. عن أبي سعيدٍ الخدريِّ -رضي الله عنه- أنَّ رسولَ الله - ﷺ - قال: "يَا أَبَا سَعِيدٍ! مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ" فعجبَ بها أبو سعيدٍ، قال: أَعِدْها عليَّ يا رسولَ اللهِ، ففعلَ، قالَ رسول الله - ﷺ -: "وَأُخْرَى يَرْفَعُ اللهُ بِهَا الْعَبْدَ مِئَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ" فقال: وما هي يا رسولَ الله؟ قال: "الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ" (١). ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِما (٢) عساه يفرطُ منهم. ﴿رَحِيمًا﴾ بما وعدَ لهم. {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا (١) رواه مسلم (١٨٨٤)، كتاب: الإمارة، باب: بيان ما أعده الله تعالى للمجاهد في الجنة من الدرجات. (٢) في "ن": "لمن".

النساء 4:97

﴿مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾. [٩٧] ونزلَ في أُناسٍ من مكةَ أسلموا ولم يهاجروا حينَ كانتِ الهجرةُ واجبةً، فلما خرجَ المشركونَ إلى بدرٍ، خرجوا معهم، فقُتلوا مع الكفار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ أي: ملكُ الموتِ وأعوانهُ. ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بتركِ الهجرةِ وموافقةِ الكفرةِ. قرأ أبو عمرٍو: (الملائكَة ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ) بإدغام التاء في الظاء (١)، وقرأ البزي: (إِنَّ الَّذِين توَفَّاهُمُ) بتشديد التاء حالةَ الوصل (٢). ﴿قَالُوا﴾ أي: الملائكةُ توبيخًا لهم: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ في أيِّ شيءٍ كنتُم من أمرِ دينِكم. ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ﴾ عاجزينَ عن الهجرةِ. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أرضِ مكةَ. ﴿قَالُوا﴾ أي: الملائكةُ؛ تكذيبًا (٣) لهم. ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ في الرزقِ. ﴿فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ إلى قطر آخرَ. (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٥٦). (٢) وهي قراءة البزي، كما في "التيسير" للداني (ص: ٨٣)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٥١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٥٦). (٣) في "ن": "توبيخًا".

النساء 4:98

﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ لتركِهم الواجبَ. ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ أي: بئسَ المصيرُ إلى جهنمَ. ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾. [٩٨] ثم استثنى أهلَ العذرِ منهم فقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ أي: هم عاجزونَ (١) عن الهجرةِ؛ لضعفِهم وفقرِهم ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ أي: لا يعرفون طريقًا إلى الخروج. ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾. [٩٩] ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ و (عسى) من اللهِ واجب؛ لأنه للإطماع. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. قال ابنُ عباس رضي الله عنهما: كنتُ أنا وأُمي ممَّنْ عذرَ الله (٢)؛ يعني: من المستضعفينَ، وكانَ رسولُ اللهِ يدعو لهؤلاءِ المستضعفينَ في الصلاة. (١) في "ن": "حاجزين". (٢) رواه البخاري (٤٣١١)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.

النساء 4:100

﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾. [١٠٠] ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا﴾ مُتَحَوَّلًا ومُهاجَرًا. ﴿كَثِيرًا﴾ المعنى: مكانًا يتحول به على رغمِ أنفِهم، وأصلُ الرَّغْمِ: لصوقُ الأنفِ بالرّغامِ ذُلًّا، وهو الترابُ. ﴿وَسَعَةً﴾ في الرزقِ، فلما سمعَ جُنْدَعُ بنُ ضَمْرةَ هذه الآيةَ، وكان شيخًا كبيرًا، خرجَ من مكةَ محمولًا على سريرِه مهاجِرًا إلى المدينة، فماتَ في الطريقِ، فقالَ بعضُ المسلمينَ: لو وصلَ إلى المدينةِ، لكانَ أتمَّ أجرًا، وضحكَ المشركون، وقالوا: ما أدركَ هذا ما طلبَ، فنزل: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ (١) قبلَ بلوغِه مُهاجَرَهُ. ﴿فَقَدْ وَقَعَ﴾ أي: وجبَ. ﴿أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ بإيجابِه على نفسِه فضلًا منه سبحانه. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِما كانَ منه في الشِّركِ. ﴿رَحِيمًا﴾ حينَ قبلَ توبتَهُ؛ فعندَ الإمامِ أحمدَ والأكثر: لا يجبُ على اللهِ شيءٌ، لا عقلًا، ولا شرعًا، وقال جمعٌ: يجبُ عليه شرعًا بفضلِه وكرمِه، وحكي عن أهل السُّنِة، وعندَ المعتزلة يجبُ علية رعايةُ الأصلحِ. (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٩٨)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (١/ ٥١٥)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٢/ ٦٥٣).

النساء 4:101

﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾. [١٠١] ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ سافَرْتُم. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سفرًا يبيحُ القصرَ، وهو مسيرةُ ثلاثةِ أيامٍ بسيرِ الإبلِ ومشيِ الأقدام عند أبي حنيفةَ، ومسيرةُ يومين قاصِدَينِ، وهو ستةَ عشرَ فرسخًا أربعةُ بُرُدٍ عندَ الثلاثةِ. ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ حرجٌ ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ بأن تردُّوها من أربعٍ إلى اثنتين، وذلك في الظهرِ والعصرِ والعشاءِ، وهو عزيمةٌ عندَ أبي حنيفةَ، وشدَّد فيه حتى قَال: إذا صلَّى الظهرَ أربعًا، ولم يجلسْ بعدَ الركعتين، بطلَ ظُهره، وإن قعدَ (١) في الثانية، أجزأتْهُ اثنتانِ عن الفرضِ، وركعتانِ عن النافلةِ، وقال الثلاثةُ: هو رخصةٌ، واتفقوا على أن القصرَ أفضلُ من الإتمام، وعلى أن المغربَ والصبحَ لا يقصران، واختلفوا في سفرِ المعصيةِ هل يبيحُ الرخصَ الشرعيةَ من القصرِ وغيرِه؟ (٢) فقال أبو حنيفةَ: يبيحُ، وقال الثلاثة: لا يبيحُ، وتقدَّم نظيرُ ذلك في سورة البقرة عندَ تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [الآية: ١٧٣]. ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ﴾ أي: يقتلَكُم وينالَكم بما تكرهونَ. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فظاهرُ الآيةِ: لا يجوزُ القصرُ إلا عندَ الخوفِ، وليسَ كذلكَ، بل الصحيحُ أن الخوفَ ليسَ بشرطٍ بالاتفاق؛ لأن النبيَّ - ﷺ - سافرَ (١) في "ن": "قعده". (٢) "من القصر وغيره" ساقطة من "ت".

النساء 4:102

بينَ مكةَ والمدينةِ لا يخافُ إلا اللهَ، فكان يصلِّي ركعتين، وقد سألَ عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه النبيَّ - ﷺ - عن قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقدْ أَمِنَ الناسُ، فقال - ﷺ -: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا (١) عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَته" (٢). ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾. ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾. [١٠٢] عن ابنِ عباسٍ وجابرٍ: أنَّ المشركينَ لما رأَوا رسولَ اللهِ - ﷺ - وأصحابَه قامُوا إلى الظُّهرِ يصلُّونَ جميعًا، ندموا ألَّا كانوا أَكَبُّوا عليهِم، فقالَ بعضُهم لبعضٍ: دَعوهُم؛ فإنَّ لهم بعدَها صلاةً هي أحبُّ إليهم من آبائِهم وأبنائِهم، يعني: صلاةَ العصر، فإذا قاموا إليها، فشدُّوا عليهم فاقتلوهم، (١) في "ن": "تصدق بها الله". (٢) رواه مسلم (٦٨٦)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة المسافرين وقصرها. فنزلَ جبريلُ عليه السلام فقالَ: يا محمدُ! إنها صلاةُ الخوفِ، وإن الله (١) عزَّ وجلَّ يقول: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ فعلَّمه صلاةَ الخوفِ، وكان نزولُ الآيةِ بينَ الظهرِ والعصرِ (٢). قال الإمامُ أبو عبدِ اللهِ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ حنبلٍ رضي الله عنه: صحَّ عن النبيِّ - ﷺ - صلاةُ الخوفِ من خمسةِ أوجهٍ أو ستةٍ، كلُّ ذلك جائزٌ لمنْ فعلَهُ (٣)، فمنْ ذلكَ: إذا كان العدوُّ في جهةِ القِبلَةِ، صَفَّ الإمامُ المسلمينَ خلفَه صَفَّينِ، فصلَّى بهم جميعًا إلى أن يسجدَ، فيسجدُ معه الصفُّ الذي يليه، ويحرسُ الآخَرُ حتى يقومَ الإمامُ إلى الثانيةِ، فيسجدُ ويلحقُه، فاذا سجدَ في الثانيةِ، سجدَ معه الصفُّ الذي حرسَ أولًا (٤)، وحرسَ الآخرُ حتى يجلسَ في التشهُّدِ، فيسجدُ ويلحقُه، فيتشهَّدُ ويسلِّمُ بهم، وهذهِ صلاةُ رسولِ اللهِ - ﷺ - بعسفانَ. الوجه الثاني: إذا كانَ العدوُّ في غير جهةِ القبلةِ، جعلَ طائفةً حذاءَ العدوِّ، وطائفةً تصلِّي معه ركعةً، فإذا قاموا إلى الثانيةِ، ثبتَ قائمًا، وأتمتْ لأنفسِها أخرى، وسلمتْ ومضت إلى العدو، وجاءت الطائفةُ الأخرى (١) في "ن": "إن ربك". (٢) انظر: "صحيح مسلم" (٨٤٠)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ٩٩)، و "تفسير البغوي" (١/ ٥٨٨). (٣) انظر: "المغني" لابن قدامة (٢/ ١٣٨). (٤) "أولًا": زيادة من "ن". فصلَّت معه الركعةَ الثانيةَ، فإذا جلسَ للتشهدِ، أتمت لأنفسِها أخرى، وتشهدتْ، وسلَّم بهم. فإن كانت الصلاةُ مغرِبًا صلَّى بالأولى ركعتين، وبالثانيةِ ركعةً، وإن كانت رباعيةً غيرَ مقصورةٍ، صلَّى بكلِّ طائفةٍ ركعتين، وأتمتِ الأولى بالحمدُ لله في كلّ ركعةٍ، والأخرى تتمُّ بالحمدُ لله وسورة، وتفارقُه الأولى عندَ فراغ التشهدِ، وينتظر الإمامُ الطائفةَ الثانيةَ جالسًا، يكررُ التشهدَ، فإذا أتتْ، قامَ، وهذه صلاةُ رسولِ الله - ﷺ - بذاتِ الرقاع، وهي عندَ الشافعيِّ أفضلُ من صلاتِه ببطنِ نَخْلٍ على ما يأتي، وإلى هذا الوجهِ ذهبَ مالكٌ. الوجه الثالث: أن يصلِّي بطائفةٍ ركعةً، ثم تمضي إلى العدو، وتأتي الأخرى فيصلِّي بها ركعةً، ويسلِّم وحدَه، وتمضي هي، ثم تأتي الأولى فتتمُّ صلاتَها، ثم تأتي الأخرى فتممُّ صلاتها، وهذا الوجهُ مذهبُ أبي حنيفة. الوجه الرابع: أن يصلي بكلِّ طائفةٍ صلاةً، ويسلِّم بها، وهذه صلاةُ رسولِ الله - ﷺ - ببطنِ نخلٍ. الوجه الخامس: أن يصلي الرباعيةَ المقصورةَ تامةً، وتصلي معه كلُّ طائفة ركعتين، ولا تقضي شيئًا، فتكون له تامةً، ولهم مقصورةً. واتفقوا على أن صلاةَ الخوفِ في الحضر أربعُ ركعاتٍ غير مقصورة، وفي السفر ركعتان إذا كانت رباعيةً، وغيرُ الرباعية على عددها، لا يختلف حكمُها حضرًا ولا سفرًا ولا خوفًا. فإذا اشتدَّ الخوفُ، صلَّوا رجالًا وركبانًا، إلى القبلةِ وغيرها يومئون بالركوعِ والسجودِ على قدرِ الطاقةِ، ويجعلون السجودَ أخفضَ من الركوع، وبذلكَ قالَ الأئمةُ الثلاثةُ، وقال أبو حنيفةَ: لا يصلي ماشيًا ولا مُسايِفًا إذا لم يمكن الوقوفُ، ووافقهم على جواز الصلاةِ راكبًا، والإيماءِ إلى أيِّ جهةٍ قدرَ. ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ يا محمدُ حاضرًا في أصحابِك. ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ تقدَّمَ مذهبُ ورشٍ في تغليظِ لامِ (الصَّلاَة). ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ مصليةً، وطائفةٌ وِجاهَ العدوِّ. ﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾ أي: غيرُ المصلين. ﴿أَسْلِحَتَهُمْ﴾ وقيل: المرادُ: المصلُّونَ والآيةُ تتناول الكلَّ، ولكنَّ سلاحَ المصلِّين ما خفَّ مما لا يشغلُه عن الصلاة. ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ أي: المصلُّون معكَ. ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ مكانَ الذين هم وِجاهَ العدوِّ. ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا﴾ وهمُ الذين في وجهِ العدوِّ. ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا﴾ أي: الآتون، وقيل: المصلُّون. ﴿حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ جعلَ الحذرَ آلةً يتحصَّنُ بها الغازي مع الأسلحةِ. ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يتمنى الكفارُ. ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ فيقصدونَكُم، ويحملونَ عليكم حملةً واحدةً، ورَخَّصَ لهم في تركِ السلاحِ للعذر فقال: ﴿وَلَا جُنَاحَ﴾ لا إثمَ.

النساء 4:103

﴿عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ لأن السلاحَ يثقلُ حملُه في هاتين الحالتينِ. ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ كيلا يهجُم عليكم العدوُّ. ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ يُهانون فيه. ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾. [١٠٣] ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ فَرَغتم من صلاةِ الخوفِ. ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بالتسبيحِ والتهليلِ. ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ أي: اذكروه في هذهِ الأحوالِ. ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ أي: أَمِنْتُمْ. ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أَتِمُّوها بأركانِها وشروطِها. ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ واجبًا مفروضًا. ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾. [١٠٤] ولما رجعَ أبو سفيانَ وأصحابُه يومَ أُحدٍ بعثَ رسولُ اللهِ - ﷺ -

النساء 4:105

طائفةً في آثارهم، فَشَكَوا ألمَ الجراحاتِ، فنزل قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ (١) تَضْعُفوا في. ﴿ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ في طلبِ الكفارِ. ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ تتوجَّعونَ من الجراحِ. ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ أي: ذلكَ مشترَكٌ بينكم وبينهم. ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ من الثوابَ. ﴿مَا لَا يَرْجُونَ﴾ لأنهم لا يؤمنونَ بالبعثِ. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بأعمالِكم. ﴿حَكِيمًا﴾ فيما يأمر وينهى. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾. [١٠٥] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ بالحدودِ والأحكامِ. ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ بما علَّمك وأوحى إليك. نزلتْ هذه الآيةُ في طُعْمَةَ بنِ أُبَيْرِقٍ الأنصاريِّ، سرقَ درعًا من قَتَادَةَ بنِ النعمان، وخبأَها عندَ زيدٍ السَّمينِ اليهوديِّ، ثم حلفَ أنه ما سرقَ شيئًا، وظهرتِ الدرعُ عند اليهوديِّ، فقال اليهوديُّ: دفعها إليَّ طعمةُ، فهمَّ النبيُّ - ﷺ - أن يقطعَ يدَ اليهوديِّ، فنزلت الآية (٢). (١) انظر: "تفسير الطبري" (٥/ ٢٦٣)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٩٤). (٢) انظر: "تفسير الطبري" (٥/ ٢٦٧)، و"المستدرك" للحاكم (٤/ ٤٢٧)، و"أسباب =

النساء 4:106

﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ﴾ طعمةَ وكلِّ خائنٍ. ﴿خَصِيمًا﴾ مخاصِمًا عنهم. ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)﴾. [١٠٦] ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ مما هممتَ به من معاقبةِ اليهوديِّ. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لمن يستغفرُه. ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧)﴾. [١٠٧] ﴿وَلَا تُجَادِلْ﴾ تخاصِمْ. ﴿عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ هم طعمةُ وقومُه. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا﴾ في الدرع. ﴿أَثِيمًا﴾ في رميهِ اليهوديَّ، والخطابُ مع النبيِّ - ﷺ - والمرادُ غيرُه. ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)﴾. [١٠٨] ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ يستترونَ حياء. ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ وأصلُه: طلبُ الخفاءِ. = النزول" للواحدي (ص: ٩٩)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٩٥).

النساء 4:109

﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ لعلمِه لا يخفى عليه سرُّهم. ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ﴾ يُدَبِّرون ليلًا. ﴿مَا لَا يَرْضَى﴾ اللهُ. ﴿مِنَ الْقَوْلِ﴾ وهو حَلْفُ طعمةَ أنه ما سرقَ شيئًا، وذلك أنَّ قومَ طعمةَ قالوا فيما بينَهم: نرفعُ الأمرَ إلى النبيِّ - ﷺ -، فإنه يسمعُ (١) قولَه ويمينه؛ لأنه مسلمٌ، ولا يسمعُ من اليهوديِّ؛ لأنه كافرٌ، فلم يرضَ الله تعالى منه. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ لا يفوتُ عنه شيء. ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾. [١٠٩] ﴿هَاأَنْتُمْ﴾ يا قومَ طعمةَ مبتدأ، خبرُه: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ وتقدم في سورة آل عمران اختلافُ القراء (٢) في قولِه تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾. ﴿جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ خاصمتُم عن الخائنين. ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ﴾ إذا عُذِّبوا. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ محاميًا عنهم. (١) في "ن": "يستمع". (٢) "القراء" ساقطة من "ن".

النساء 4:110

﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾. [١١٠] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ يعني: السرقةَ. ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بما يختصُّ به ولا يتعدَّاهُ بما دونَ الشِّركِ. ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ يتوبُ إليه. ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فيه حثٌّ لطعمةَ وقومِه على التوبةِ والاستغفارِ. ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١)﴾. [١١١] ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ فلا يتعداهُ وَبالُهُ. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بفعلِهِ. ﴿حَكِيمًا﴾ في مجازاتِه. ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾. [١١٢] ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ هي سرقةُ الدرعِ. ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ ذنبًا، وهو يمينُه الكاذبةُ. ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾ أي: بالإثمِ.

النساء 4:113

﴿بَرِيئًا﴾ وهو نسبةُ السرقةِ لليهوديِّ. ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ﴾ أي: تحمل. ﴿بُهْتَانًا﴾ أصلُه كلُّ ما يَبْهَتُ له الإنسانُ من ذنبٍ وغيره. ﴿وَإِثْمًا﴾ ذنبًا. ﴿مُبِينًا﴾ ظاهرًا. ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾. [١١٣] ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ يا محمدُ؛ بإعلامِ ما هم عليه بالوحي. ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ يعني: قومَ طعمةَ. ﴿أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ عن الحقِّ، مع علمِهم بالحال. ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ لأن وبالَ أفعالِهم راجعٌ عليهم. ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ لأن الله يعصمُك منهم. ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ القرآنَ. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ القضاءَ بالوحي.

النساء 4:114

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ من الأحكامِ والغيبِ (١). ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ إذ لا فضلَ أعظمُ من النبوَّةِ. ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾. [١١٤] ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ أي: تنَاجِيهم فيما يديرونه بينهم. قرأ حمزةُ: (لا خَيْرَ) بالمدِّ بحيثُ لا يبلغ الإشباعَ. ﴿إِلَّا﴾ أي: إلا نجوى. ﴿مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ أي: حثَّ عليها إن لم يكنْ له مالٌ. ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ وهو كلُّ ما يستحسنُه الشرعُ، ولا ينكرُه العقلُ، وجميعُ أعمالِ البرِّ معروف. ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ قال - ﷺ -: "أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِن دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ؟ "، قيل: بلى، قال: "إِصْلاَح ذَاتِ الْبَيْنِ، وَإِفْسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ" (٢) الَّتِي تَحْلِقُ الدِّينَ لاَ الشَّعْرَ. (١) في "ن": "بالغيب". (٢) رواه أبو داود (٤٩١٩)، كتاب: الأدب، باب: في إصلاح ذات البين، والترمذي (٢٥٠٩)، كتاب: صفة القيامة والرقائق والورع، باب: (٥٦)، وقال: صحيح، عن أبي الدرداء -رضي الله عنه-.

النساء 4:115

﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ المذكورَ. ﴿ابْتِغَاءَ﴾ أي: طلبَ. ﴿مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ أي: رضاه. قرأ الكسائيُّ (مَرْضَاتِ) بالإمالة، ووقف عليها بالهاء حيثُ وقعَ (١). ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ (يُؤْتيهِ) بالياء؛ يعني: يؤتيهِ اللهُ، وقرأ الباقونَ: (نُؤْتيهِ) بالنون (٢). ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾. [١١٥] ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ﴾ أي: يخالفِ (٣). ﴿الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ من بعد وضوحِ الدليلِ. ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ﴾ أي: طريقِ. ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهو الإسلامُ. ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ نَكِلُهُ إلى ما اختارَ من الكفرِ في الدنيا. قرأ أبو عمرٍو، وأبو بكرٍ، وحمزةُ: (نُوَلِّهْ) و (نُصْلِهْ) بسكون الهاء، واختلِفَ عن (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٩٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٦١). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩٧)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٩٧)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٩٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٥١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٦١). (٣) "أي: يخالف" ساقطة من "ن".

النساء 4:116

أبي جعفرٍ، وقرأ (١) قالونُ، ويعقوبُ: بكسر الهاء من غير صلتِها، واختلِفَ عن هشامٍ وأبي جعفرٍ، والباقونَ: بصلتها بخلافٍ عن هشامٍ (٢). ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ في العُقْبى. ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ نزلتْ في طعمةَ، وذلك أنه لما ظهرتْ عليه السرقةُ، خافَ من قطعِ اليدِ والفضيحةِ، فهربَ إلى مكةَ وارتدَّ، ونقبَ حائطًا بها ليسرقَ أهلَها، فسقطَ الحائطُ عليه فقتلَه. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾. [١١٦] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ بَعُدَتْ غايتُه عن كلِّ خيرٍ، فلا يُرجى له الفلاحُ. عن ابن عباسٍ: "أنَّ هذهِ الآيةَ نزلتْ في شيخٍ من الأحزابِ جاء إلى رسولِ الله - ﷺ -، فقال: يا نبيَّ الله! إني شيخٌ منهمكٌ في الذنوب، إلا أني لا أشركُ بالله شيئًا منذُ عرفتُه وآمنتُ به، ولم أتخذْ من دويه أولياءَ، ولم أواقعِ المعاصيَ جرأةً على الله، وما توهَّمْتُ طرفةَ عينٍ أَني أُعجِزُ الله هَرَبًا، (١) "وقرأ" ساقطة من "ن". (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٦٢)، و "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٩٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٦٢).

النساء 4:117

وإني لنادمٌ تائبٌ مستغفرٌ، فما حالي، فأنزلَ الله الآيةَ" (١). ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧)﴾. [١١٧] ونزلَ في أهلِ مكَّةَ. ﴿إِنْ يَدْعُونَ﴾ أي: ما يعبدون. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من دون الله. ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ يعني: الأوثانَ، وكانوا يسمُّونها باسمِ الإناثِ، كمناةَ واللاتِ والعُزَّى. ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ خارجًا عن الطاعةِ، وهو إبليسُ. ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨)﴾. [١١٨] ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أبعدَه اللهُ من رحمتِه. ﴿وَقَالَ﴾ إبليسُ. ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أي: حظًّا معلومًا؛ أي: طائفةً أنهم يطيعوني. (١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٥٩٩)، و"تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (١/ ٣٦٠).

النساء 4:119

﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩)﴾. [١١٩] ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ عن الحقِّ. ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أُلقي في أمانيّهم ركوبَ الأهواء. ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾ يقطِّعُنَّ. ﴿آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ يعني: البَحائرَ؛ لأنهم كانوا يشقُّون آذنَ الناقةِ إذا ولدَتْ خمسةَ أَبْطُنٍ، وجاء الخامسُ ذكرًا، ويحرِّمونَ الانتفاع بها. ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ﴾ لَيبدِّلُنَّ. ﴿خَلْقَ اللَّهِ﴾ بالخِصاءِ ونتفِ اللحيةِ والوَشْم ونحوِها. ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا﴾ أي: ربًّا. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يطيعُه. ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ أي: نقصَ نفسَه، وعَيَّبَها؛ بأن أعطى الشيطانَ حقَّ اللهِ تعالى فيه، وتركَه من أجلِه. ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾. [١٢٠] ﴿يَعِدُهُمُ﴾ ما لا ينجزُ، وهو طولُ العمرِ. ﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ ما لا ينالونَ من الدنيا. ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ باطلًا.

النساء 4:121

﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾. [١٢١] ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾ مَفَرًّا. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾. [١٢٢] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت غرفِها ومساكِنها. ﴿الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ﴾ نصبٌ مصدرٌ مؤكَّدٌ. ﴿حَقًّا﴾ حالٌ من (وعد الله) ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾. أي: قولًا. ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾. [١٢٣] ولما افتخرَ اليهودُ والنصارى، وقالوا للمسلمين: نبيُّنا قبلَ نبيِّكم، وكتابُنا قبلَ كتابِكم، فنحن أَوْلى بالله منكم، فقال المسلمون: نبيُّنا خاتمُ الأنبياء، وكتابنا يقضي على الكتبِ، وقد آمنَّا بكتابِكم، ولم تؤمنوا بكتابِنا، فنحن أَوْلى بالله منكم، فنزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ (١) أيُّها المسلمونَ. (١) انظر: "تفسير الطبري" (٥/ ٢٨٨)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٠٠)، = ﴿وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ والأمانيُّ: هي ما يَتشَهَّاهُ المرءُ ويُطمِعُ نفسَه فيه؛ أي: ثوابُ الله لا يُنال بالأماني، وإنما الأمرُ بالعمل الصالح. قرأ أبو جعفرٍ: (بِأَمَانِيكُمْ وَلاَ أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ) بسكونِ الياءِ من غيرِ تشديد (١). ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ مبتدأٌ، وهو شرطٌ جوابُه: ﴿يُجْزَ بِهِ﴾ عاجِلًا أو آجلًا. وهذه الآية عامة في حقِّ كلِّ عاملٍ، فأما مجازاةُ الكافرِ، فالنارُ، وأما المؤمنُ، فنكباتُ الدنيا، قال أبو بكر رضي الله عنه: لما نزلَتْ ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قلتُ: يا رسولَ الله! ما أشدَّ هذهِ الآيةَ! فقال: "يَا أَبَا بَكْرٍ! أَمَا تَحْزَنُ، أَمَا تَمْرَضُ، أَمَا تُصِيبُكَ اللأْوَاءُ؟ فَهَذَا بِذلكَ" (٢). ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا﴾ يواليه. ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ ينصُره في دفعِ العذابِ. وفي قولِه تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ من الأمثال الدائرة على ألسن الناس: ما تَزْرَعْ تَحْصُدْ. = و"تفسير البغوي" (١/ ٦٠١)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٢/ ٦٩٤). (١) انظر: "تفسير القرطبي" (٥/ ٣٩٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٧ - ٢٥٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٦٥). (٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١/ ١١)، وأبو يعلى في "مسنده" (٩٨)، وابن حبان في "صحيحه" (٢٩١٠)، والحاكم في "المستدرك" (٤٤٥٠).

النساء 4:124

﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾. [١٢٤] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ بعضها وشيئًا منها، فإن كلَّ أحدٍ لا يتمكَّن من كلِّها، وليس مكلَّفًا بها. ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ، وأبو بكرٍ، ورَوْحٌ: (يُدْخَلُونَ) بضمِّ الياءِ وفتحِ الخاء، وقرأ الباقونَ: بفتح الياء وضمِّ الخاء (١). ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾ أي: لا ينقصُ شيءٌ من ثوابِهم. ﴿نَقِيرًا﴾ هو النقطةُ التي تكونُ على ظهر النواةِ، ومنها تنبتُ النخلةُ. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾. [١٢٥] ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾ أي: أحكمُ. ﴿دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أي: أخلصَ عملَه لله. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ موحِّدٌ. ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ دينَهُ. ﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ مِنْ ﴿وَاتَّبَعَ﴾. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩٧)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٠٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٦٦).

النساء 4:126

﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ﴾ قرأ هشامٌ: (أبراهامَ) بالألفِ في الحرفينِ (١). ﴿خَلِيلًا﴾ والخليلُ: الذي ليسَ في محبته خَلَلٌ، والخُلَّةُ: الصداقةُ؛ لأن الله أحبَّه واصطفاه، قال - ﷺ -: "لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا، لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَخِي، وَصَاحِبِي، وَلَقَدِ اتَّخَذَ اللهُ صاحِبَكُمْ خَلِيلًا" (٢). ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾. [١٢٦] ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ خَلْقًا وَمُلْكًا، يختارُ منها من يشاءُ وما يشاءُ. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ إحاطةَ علمٍ وقدرةٍ. ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾. [١٢٧] ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾ يستخبرونَكَ. (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٢١، ٢٥٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٦٦). (٢) رواه مسلم (٢٣٨٣)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، عن ابن مسعود -رضي الله عنه-. ﴿فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ قرأ يعقوبُ: (فِيهُنَّ) بضمِّ الهاء. ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: ويُفتيكم فيما يُتلى عليكم. ﴿فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ﴾ أي: تعطوهُنَّ. ﴿مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ من الصَّداقِ والميراثِ. ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ أي: عن أن تنكحوهنَّ؛ فإن أولياءَ اليتامى كانوا يرغبون فيهنَّ إنْ كُنَّ جميلاتٍ، ويأكلونَ مالهنَّ، وإن كانتْ مرغوبةً عنها في قلةِ المالِ والجمالِ، تركَها، وفي رواية: "هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ في حِجْرِ الرَّجُلِ قَدْ شركَتْهُ في مالِهِ، فَيَرْغَبُ عَنْها أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِذَمَامَتِهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ، فَيَدْخُلَ عَلَيْهِ في مَالِهِ، فَيَحْبسُهَا حَتَّى تَمُوتَ، فَيَرِثُهَا"، فنهاهم اللهُ عن ذلك (١). ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ أي: ويفتيكُم في المستضعفينَ. ﴿مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ أن تعطوهُم حقَّهم، وكانوا لا يُوَرِّثون إلا الرجالَ دون النساءِ والأطفالِ. ﴿وَأَنْ تَقُومُوا﴾ أي: ويُفتيكم أن تقوموا. ﴿لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ بالعدلِ في إيتائهنَّ مهورَهُنَّ. ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ يجازيكم عليه. (١) رواه البخاري (٤٨٣٨)، كتاب: النكاح، باب: إذا كان الولي هو الخاطب، ومسلم (٣٠١٨)، في أول كتاب: التفسير، عن عائشة -رضي الله عنها-.

النساء 4:128

﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)﴾. [١٢٨] ونزلَ في أمرِ المرأةِ التي تكونُ ذاتَ سِنٍّ وذمامةٍ، أو نحو ذلك مما يرغِّبُ زوجَها، عنها فيذهبُ الزوجُ إلى طلاقِها، أو (١) إلى إيثارِ شابَّةٍ عليها، ونحو هذا مما يقصدُ به صلاحَ نفسِه، ولا يضرُّها هي ضِرارًا يلزمُه إياها، بل يعرضُ عليها الفُرقةَ، أو الصبرَ على الأثرةِ، فتريدُ هي بقاءَ العصمةِ، فهذه التي أباحَ اللهُ تعالى بينَهما الصلحَ، ورفع الجناحَ فيه؛ إذ الجناحُ في كلِّ صلحٍ يكونُ عن ضررٍ من الزوجِ يفعلُه حتى تصالحَهُ، وأباحَ اللهُ الصلحَ مع الخوفِ وظُهورِ علاماتِ النشوزِ والإعراضِ، وهو مع وقوعِها مباح أيضًا، فقال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾ (٢) توقَّعْتَ. ﴿مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ بُغْضًا. ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ بوجْهِهِ وقلةِ نفقتِه والتفاتِه إليها. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا﴾. قرأ حمزةُ، وعاصم، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (يُصْلِحَا) بضمِّ الياء وكسر اللام مخفَّفًا من أصلحَ، قرأ الباقون: بفتحِ الياء وتشديدِ الصاد مع فتحها، وبعد الصاد ألفٌ بعدَها لامٌ مفتوحة (٣). (١) في "ن": "و". (٢) رواه البخاري (٢٣١٨)، كتاب: المظالم، باب: إذا حلله من ظلمه فلا رجوع فيه، ومسلم (٣٠٢١)، في أول كتاب: التفسير، عن عائشة -رضي الله عنها-. (٣) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٦٠٦). ﴿بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ مصدرٌ (١)، واصطلاحُهما: أن يتوافَقا على ما تطيبُ بها أنفسُهما؛ بأن يتركَ أحدُهما شيئًا مما يستحقُّه على صاحبِه؛ طلبًا لصحبتِه. ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ من الفُرقةِ والنشوز. ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ المعنى: إن النفوسَ قد جُبلت على الشحِّ، فهي حاضرتُه لا تفارقُه أبدًا؛ لأن كلَّ واحدٍ من الزوجين يُغَلِّبُ ما فيه راحتُه، والشحُّ: الإفراطُ في البخلِ. ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا﴾ العشرةَ. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الفُرقةَ. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الإحسانِ بالخصومةِ. ﴿خَبِيرًا﴾ عليمًا به، والصلحُ: هو التوفيقُ والسَّلْمُ، فيكون بين مسلمينَ وأهلِ حربٍ، وبين أهلِ بغيٍ وعدلٍ، وبين زوجين إذا خيفَ الشقاقُ بينهما، أو خافتِ امرأةٌ إعراضَ زوجِها عنها، وبين متخاصِمَيْنِ في غيرِ مالٍ، وفي مال عبارةٌ عن معاقدةٍ يُتَوَصَّلُ بها إلى موافقةٍ بين مختلفين، وهو عقدٌ يرفعُ النزاعَ، وأصلُه من الصَّلاحِ، وهو ضِدُّ الفسادِ، ومعناه دالٌّ على حسنِهِ الذاتيِّ، بدليلِ ما نطقَ به الكتابُ العزيزُ. واختلفَ الأئمةُ في حكمِه بينَ متخاصِمَيْنِ في مالٍ، فعندَ أبي حنيفةَ وأحمدَ يصحُّ مع الإقرارِ والإنكارِ والسكوتِ، وعند مالكٍ يصحُّ مع الإنكارِ والسكوتِ، ويجوز على الافتداءِ من اليمينِ بمالٍ، وعند الشافعيِّ يصحُّ مع الإقرارِ فقط. (١) في "ن": "مصدرًا".

النساء 4:129

﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)﴾. [١٢٩] ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ في القَسْمِ والنفقةِ وميلِ القلبِ. ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ على العدلِ، والحرصُ: شدةُ الإرادةِ. ﴿فَلَا تَمِيلُوا﴾ إلى التي تحبونها. ﴿كُلَّ الْمَيْلِ﴾ في القسمةِ والنفقةِ باتبِّاع أهوائِكم. ﴿فَتَذَرُوهَا﴾ أي: فتدَعُوا الأخرى. ﴿كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ التي ليستْ أَيِّمًا، ولا ذاتَ بعلٍ، كان - ﷺ - يقسمُ بينَ نسائِه ويقول: "اللَّهُمَّ هَذِهِ قِسْمَتِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلاَ تلمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلاَ أَمْلِكُ" (١) يعني: حبَّهُ عائشةَ رضي الله عنها، وقال: "مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ، فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ" (٢). (١) رواه أبو داود (٢١٣٤)، كتاب: النكاح، باب: في القسم بين النساء، والنسائي (٣٨٤٣)، كتاب: عشرة النساء، باب: ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض، والترمذي (١١٤٠)، كتاب: النكاح، باب: ما جاء في التسوية بين الضرائر، وابن ماجه (١٩٧١)، كتاب: النكاح، باب: القسمة بين النساء، عن عائشة -رضي الله عنها-. (٢) رواه أبو داود (٢١٣٣)، كتاب: النكاح، باب، في القسم بين النساء، والترمذي (١١٤١)، كتاب: النكاح، باب: ما جاء في التسوية بين الضرائر، وغيرهما عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.

النساء 4:130

﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا﴾ ما مضى من الميلِ عنها. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الجَوْرَ. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يغفرُ لكم ما مضى من مَيْلِكم. ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾. [١٣٠] ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾ أي: الزوجانِ. ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا﴾ أي: كلَّ واحدٍ منهما. ﴿مِنْ سَعَتِهِ﴾ رزقِهِ؛ بأن تتزوَّجَ غيرَه، ويتزوَّجَ غيرَها. ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾ أي: واسعَ الفضلِ. ﴿حَكِيمًا﴾ في القولِ والفعلِ. ويجبُ على الرجلِ التسويةُ في القَسْمِ والنفقةِ، ويعصي بتركِه، وعليهِ القضاءُ للمظلومةِ، ولا يلزمُ التسويةُ في الجِماع، بالاتفاق؛ لأنه يدورُ على النشاط، وليسَ ذلكَ إليه، وإذا كان في نكاحه حرةٌ وأمةٌ، قسمَ للحرةِ ليلتينِ، وللأمةِ ليلةً عندَ الثلاثة، وقال مالكٌ في المشهور عنه: القسمُ بينَهما سواء، وإذا تزوَّجَ بِكْرًا وله نساءٌ سواها، أقامَ عندَها سَبْعًا، ثم دارَ، وإن كانتْ ثَيِّبًا، أقامَ ثلاثًا، وبه قالَ الأئمةُ الثلاثةُ، وقال أبو حنيفةَ: لا يفضِّلُ الجديدةَ في القسم، بل يسوِّي بينَها وبينَ مَنْ عندَه.

النساء 4:131

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١)﴾. [١٣١] ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ تنبيهٌ على كمالِ سَعَته وقدرتِهِ. ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يعني: التوراةَ والإنجيلَ وسائرَ الكتبِ المتقدمةِ في كتبِهم. ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ يا أهلَ القرآنِ في كتابِكم. ﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أطيعوه. ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ بما وُصِّيتُم به. ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ من الملائكةِ وغيرِهم، فهم أطوعُ منكم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾ عن الخلقِ وعبادتِهم ﴿حَمِيدًا﴾ محمودًا على نِعَمِهِ. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢)﴾. [١٣٢] ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ مُجيرًا، فلا تتوكَّلوا على غيرِه.

النساء 4:133

﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾. [١٣٣] ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾ أي: يُعْدِمْكم، تهديدٌ للكفارِ. ﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ يوجِدْ غيرَكم أطوعَ له منكُم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ﴾ على الإعدامِ والإيجادِ. ﴿قَدِيرًا﴾ لا يُعجزه مُرادٌ. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾. [١٣٤] ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ حُطامُها. ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ فمَنْ أرادَ بعملِه عَرَضًا من الدنيا، آتاه اللهُ ما أراد، وليس له في الآخرة من ثوابٍ، ومن أرادَ ثوابَ الآخرةِ، آتاه اللهُ ما أحبَّ من الدنيا، وجزاؤهُ الجنةَ في الآخرة. ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ عالمًا بالأغراضِ، فيجازي كلًّا بحسبِ قصدِه. {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا

النساء 4:135

تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)}. [١٣٥] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ مجتهدينَ في إقامةِ العدلِ. ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ تُقيمون شهادَتَكم بالحقِّ لوجهِ الله. ﴿وَلَوْ﴾ كانتِ الشهادةُ. ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ بأن تُقِرُّوا عليها. ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ولو على والدِيكم وأقارِبِكم. ﴿إِنْ يَكُنْ﴾ المشهودُ له أو عليه. ﴿غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ فأقيموها، ولا تُحابُوا غنيًّا لغناه، ولا ترحموا فقيرًا لفقره. اتفقَ القراءُ سوى أبي جعفرٍ على إظهارِ النونِ عندَ الغينِ والخاء نحو (مِنْ غِلٍّ) و (مِنْ خَيْرٍ) وشبهِه، وقرأ أبو جعفرٍ: بإخفاءِ النونِ عندَهما، واستثنى بعضُ أهلِ الأداءِ عنه: (إِنَ يَكُنْ غَنِيًّا) (والْمُنْخَنِقَةُ) في المائدة، (فَسَيُنْغِضُونَ) في الإسراء، فأظهرَ النونَ عنه في هذهِ الثلاثةِ، وروي عنه الإخفاءُ فيها أيضًا، والاستثناءُ أظهرُ، وعدمُه أقيسُ. ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ منكم، فكِلُوا أمرَهما إليه. ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى﴾ إرادةَ. ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ عن الحق من العدولِ. ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ تحرفوا الشهادةَ. قرأ ابنُ عامرٍ، وحمزةُ: (تَلُوْا) بضم اللام وواو ساكنة؛ من الولاية؛ أي: تَلُوا أمرَ الناس، وقرأ الباقون: بإسكان

النساء 4:136

اللام، وبعدَها واوان، أولاهما مضمومة، والأخرى ساكنة، من لَوى يَلْوي: حَرَّفَ (١). ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ عن أدائِها فتكتُموها. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فيجازيكم به. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾. [١٣٦] ثم خاطبَ مؤمني أهلِ الكتابِ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بموسى وعيسى عليهما السلام. ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ محمدٍ - ﷺ -. ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ القرآنِ. ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ المرادُ جنسُ الكتبِ المنزلةَ؛ أي: اثبتوا على الإيمان بذلك. قرأ ابن كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، وأبو عمرٍو (نُزِّلَ) و (أُنْزِلَ) بضم النون في الحرف الأول، وضم الهمزة في الثاني، وكسر الزاي فيهما، وقرأ الباقون: بفتح النون والهمزة والزاي فيهما؛ أي: أنزل الله (٢)، ثم قال متهددًا: (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٣٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٧)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦١٠ - ٦١١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٧٠). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٣٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٨)، =

النساء 4:137

﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: ومن يكفرْ بشيءٍ من ذلك. ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ عن الهداية. قرأ أبو عمرٍو، وورشٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وابنُ عامرٍ، وخلفٌ (فَقَد ضَّلَّ) وشبهه بإدغام الدال في الضاد، والباقون: بالإظهار (١). ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)﴾. [١٣٧] ثم تهدَّد المتلعِّبين بالدِّين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بموسى عليه السلام، وهم اليهود. ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ بعبادتِهم العجلَ. ﴿ثُمَّ آمَنُوا﴾ بالتوراةِ. ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ بعيسى عليه السلام. ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ بمحمدٍ - ﷺ -. ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ما أقاموا على ذلكَ. ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ طريقًا إلى الحقِّ. = و "تفسير البغوي" (١/ ٦١١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ١٧٠). (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٩٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٧١).

النساء 4:138

﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨)﴾. [١٣٨] ﴿بَشِّرِ﴾ أي: أخبرْ يا محمدُ. ﴿الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ والبشارةُ: كلُّ خبرٍ تتغيرُ به بشرةُ الوجهِ، سارًّا كانَ أو غيرَ سارٍّ. ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾. [١٣٩] ثم وصفَ المنافقين فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: اليهودَ والنصارى. ﴿أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: يتخذونهم أنصارًا وبطانةً. ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ يطلبونَ منهم المعونةَ والظهورَ على محمدٍ - ﷺ - وأصحابِه. ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ﴾ أي: القوةَ والغلبةَ والقدرةَ. ﴿لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ لا يتعزَّزُ إلا من أَعَزَّه. ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾. [١٤٠] ﴿وَقَدْ نَزَّلَ﴾ قرأ عاصمٌ، ويعقوبُ: بفتح النون والزاي؛ أي: نزلَ اللهُ، وقرأ الباقون: بضمِّ النونِ وكسرِ الزاي (١)، والكسائيُّ يُميل الزاي من (العِزَّةَ) حيثُ وقفَ على هاء التأنيث. ﴿عَلَيْكُمْ﴾ يا معشرَ المسلمينَ. ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ يعني: القرآنَ. ﴿أَنْ﴾ أي: أنه. ﴿إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ أي: إذا سمعتُم الكفرَ والاستهزاءَ بآيات الله. ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ أي: مع الكافرين والمستهزئين. ﴿حَتَّى يَخُوضُوا﴾ يَشْرَعوا. ﴿فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ أي: اجتنبوهُم حينَ استهزائِهم بمحمدٍ - ﷺ - والقرآنِ. ﴿إِنَّكُمْ إِذًا﴾ أي: إذا قعدتُم عندَهم، وسمعتُم استهزاءَهُم، ورضيتُم به، فأنتم كفار. ﴿مِثْلُهُمْ﴾ لأن الرضا بالكفرِ كفر. ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ تهديدٌ للخائضينَ والمستمعينَ الراضين بجمعِهم في جهنَّمَ. {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٣٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٨)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦١٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ١٧١).

النساء 4:141

﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾. [١٤١] ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ يعني: المنافقون ينتظرونَ هلاكَكُم، ولمن تكونُ العاقبةُ، لكم أم لعدوِّكم. ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ﴾ ظفرٌ وغنيمةٌ. ﴿مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ في الجهادِ، فلنا نصيبٌ من الغنيمة. ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ دولةٌ وظهورٌ على المسلمينَ. ﴿قَالُوا﴾ يعني: المنافقينَ للكفارِ. ﴿ألم نستحوذ﴾ نستولِ. ﴿عَلَيْكُمْ﴾ ونخبرْكم بعورةِ محمدٍ وأصحابِه، ونطلعْكم على سرِّهم. ﴿وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ندفعْ عنكم صولةَ المؤمنين، ونخذلْهم عنكُم. ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ أيها المؤمنونَ والمنافقونَ. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ حجةً شرعيةً يستظهرون بها. فيه دليلٌ على أن الكافرَ لا يملكُ العبدَ المسلم. واختلفَ الأئمةُ، فقال أحمدُ والشافعيُّ: لا يصحُّ بيعُ عبدٍ مسلمٍ لكافرٍ، إلا أنْ يكونَ ممن يعتَقُ عليه، فيصحُّ، وقال أبو حنيفةَ ومالكٌ: يصحُّ، ويُجبر على إزالةِ ملكهِ عنه، ولو أسلمَ عبدُ الكافرِ، أُجبرَ على إزالةِ ملكِه عنه، بالاتفاق.

النساء 4:142

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾. [١٤٢] ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ يعاملونه معاملةَ المخادِعين بإظهارِ الإيمانِ وإبطانِ الكفر. ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ مُجازيهم جزاءَ خداعِهم. ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ متثاقلينَ، صلاتهم لغير الله. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (كُسَالَى) بالإمالة (١). ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ بفعلِهم. ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا﴾ ذكرًا. ﴿قَلِيلًا﴾ قال ابن عباسٍ: "لو أردوا بذلكَ القليل وجهَ اللهِ، لكانَ كثيرًا" (٢). ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)﴾. [١٤٣] ﴿مُذَبْذَبِينَ﴾ مضطربينَ. ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ بين الكفرِ والإيمان. ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ لا منسوبينَ إلى المؤمنينَ، ولا إلى (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٩٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٧٢). (٢) انظر: "تفسير الطبري" (٥/ ٣٣٥)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦١٤).

النساء 4:144

الكافرينَ، قال - ﷺ -: "مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَالشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ، تَعِيرُ مَرَّةً إِلَى هَذِهِ، وَمَرَّةً إِلَى هَذِهِ" (١). ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ طريقًا إلى الحقِّ والصوابِ. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤)﴾. [١٤٤] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فإنه صَنيعُ المنافقينَ. ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ حُجَّةً بينةً في عذابِكم. ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾. [١٤٥] ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ﴾ وهو أخفضُ مكانٍ. ﴿مِنَ النَّارِ﴾ قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ (فِي الدَّرْكِ) بسكونِ الراءِ، والباقون: بفتحها، وهما لغتان؛ كالنَّهْرِ والنَّهَرِ (٢). ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ يخرجُهم منه. (١) رواه مسلم (٢٧٨٤) في أول كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، عن ابن عمر -رضي الله عنهما-. (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٣٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٨)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦١٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٧٥).

النساء 4:146

﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾. [١٤٦] ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ من النفاقِ. ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ ما أفسدُوا من عملِهم. ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ وَثِقوا بهِ. ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ بقلوبهم. ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في الجنةِ. ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ في الجنةِ. أثبتَ يعقوبُ الياءَ في (يُؤْتِي) حالةَ الوقفِ (١). ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾. [١٤٧] ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ﴾ أي: أيُّ شيءٍ يفعلُ. ﴿بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ﴾ اللهَ. ﴿وَآمَنْتُمْ﴾ بهِ أَيتشفَّى به غيظًا، أو يدفعُ ضرًّا، أو يستجلبُ به نفعًا، وهو الغنيُّ المتعالي عن النفعِ والضرِّ. ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا﴾ مثيبًا. (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٧٥).

النساء 4:148

﴿عَلِيمًا﴾ بحقِّ شكرِكُم وإيمانِكم. ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨)﴾. [١٤٨] ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ القبيحِ. ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ فيدعو على ظالمِهِ، فيقولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عليهِ، اللهمَ خذْ لي حقِّي منه. ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا﴾ لدعائِكُم ﴿عَلِيمًا﴾ بأحوالِكُم. ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾. [١٤٩] ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾ حسنةً. ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ أي: الخيرَ. ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ أي: مَظْلَمَةٍ. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ يُكْثِرُ العفوَ عن العُصاة، مع قدرتهِ على الانتقامِ منهم، فاستنوا بهِ وبرسولِه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠)﴾.

النساء 4:150

[١٥٠] ونزلَ إخبارًا عن اليهودِ وإيمانهم بموسى والتوراةِ وعُزيرٍ، وكفرِهم بعيسى والإنجيلِ ومحمدٍ صلواتُ الله وسلامُه عليهم أجمعين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ بأنْ يؤمنوا بالله، ويكفروا برسوله. ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ نؤمنُ ببعضِ الأنبياء، ونكفرُ ببعضِهم. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: الكفرِ والإيمانِ. ﴿سَبِيلًا﴾ طريقًا وَسَطًا بينَ الإيمانِ والكفرِ. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾. [١٥١] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ أي: هم الكاملونَ في الكفر. ﴿حَقًّا﴾ مصدرٌ مؤكِّدٌ، فالكافرُ ببعضِ الأنبياءِ كالكافرِ بجميعِهم. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: لجميعِ أصنافِهم. ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾ مُذِلًّا. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾. [١٥٢] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ كلِّهم. ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ تلخيصُه: من أَمنَ باللهِ وجميعِ رسلِه.

النساء 4:153

﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ بإيمانِهم باللهِ ورسلِه. قرأ حفصٌ عن عاصمٍ: (يُؤْتيهِمْ) (١) بالياء، والباقون: بالنون (٢). ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ بتضعيفِ حسناتِهم. ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣)﴾. [١٥٣] ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ نزلَتْ في اليهودِ لما قالوا للنبي - ﷺ -: إن كنتَ صادقًا، فَأْتِنا بكتابٍ من السماءِ جملةً (٣)؛ أي: كما أُوتي به موسى عليه السلام، وكان سؤالُهم سؤالَ تهكُّم لا انقيادٍ. ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ أي: أعظمَ من سؤالك. ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ عيانًا. قرأ ابنُ كثيرٍ، والسوسيُّ، ويعقوبُ: (أَرْنَا) بإسكانِ الراء، والباقونَ: بكسرها (٤). (١) "يؤتيهم" ساقطة من "ن". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٨)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣١٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٧٦). (٣) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٠٣)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦١٧). (٤) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٩٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي =

النساء 4:154

﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ نارٌ جاءتْ من السماءِ فأهلكتْهُمْ. ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ أي: بسببِ ظلمِهم. ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ إلهًا. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ المعجزاتُ. ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ﴾ ولم نستأصِلْهم. تلخيصُه: تابَ أولئكَ فعفونا عنهم، فتوبوا أنتم، فنعفوَ عنكم. ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ حجةً ظاهرةً، وهي الآياتُ التي جاء بها. ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾. [١٥٤] ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ الجبلَ. ﴿بِمِيثَاقِهِمْ﴾ أي: بسبب نقضِهم الميثاقَ الذي أُخِذَ منهم، وهو العمل بما في التوراة. ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ على لسانِ موسى عليه السلام. ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ﴾ على لسانِ داودَ عليه السلام: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ أي: لا تعتدوا باصطيادِ الحيتانِ فيه. قرأ أبو جعفرٍ (تَعدُّوا) بجزم العينِ وتشديدِ الدال، وورشٌ: بفتح العين وتشديد الدال مضمومةً، وقالون: باختلاسِ فتحةِ العينِ مع تشديد الدال، والباقونَ: بإسكانِ العينِ والتخفيف (١). = (ص: ١٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٧٧). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٨)، =

النساء 4:155

وتقدَّم في البقرة رفعُ الجبل ودخولُ الباب والاعتداءُ في السبت، وتفسيرُها (١). ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ على ذلك، وهو قولُهم: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: ٧]. ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾. [١٥٥] ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ أي: فبنقضِهم. ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾ و (ما) صلةٌ؛ كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ونحوِه. ﴿وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ لا تَعِي كلامَكَ يا محمدُ، فعلْنا بهم ما فعلْنا. ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ﴾ أي: ختم. ﴿عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ فجعلَها محجوبةً عن العلم. قرأ هشامٌ، والكسائيُّ، وخلادٌ بخلاف عن الثالث: (بَل طَبَعَ) بإدغامِ اللام في الطاء، والباقون: بالإظهار (٢). = و"تفسير البغوي" (١/ ٦١٨)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٧٧ - ١٧٨). (١) في "ن": "في تفسيرها". (٢) انظر: "الحجة" لابن خالويه (ص: ٨٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي =

النساء 4:156

﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ منهم؛ كعبدٍ الله سلامٍ وأصحابِه. ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾. [١٥٦] ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ بعيسى. ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ حينَ رموها بالزنا. قرأ السوسيُّ عن أبي عمرٍو: (مَرْيَمْ بُهْتَانًا) بإسكان الميم عند الباء، وتقدمَ الكلامُ عليه في سورة البقرة. ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧)﴾. [١٥٧] ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ سموه رسعولَ اللهِ استهزاءً بهٍ، فأكذبَهم اللهُ تعالى في دَعْواهم بقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ وذلكَ أنَّ اللهَ تعالى أَلْقى شبهَ عيسى على الذي دَلَّهم عليه، وتقدَّمَ الكلامُ على ذلك في سورةٍ آلِ عمران. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: في شأن عيسى. ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ لأن طائفةً من اليهود قالوا: نحن قتلناه، وطائفةٌ من = (ص: ١٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٧٨).

النساء 4:158

النصارى قالوا: نحن قتلناه، وقالت طائفةٌ منهم: ما قتلَه هؤلاءِ ولا هؤلاء، بل رُفع إلى السماء. ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ استثناء منقطعٌ؛ أي: لكنْ يَتَّبِعونَ ظنَّهم. ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾ أي: عيسى قتلًا. ﴿يَقِينًا﴾ كما زعموه بقولهم: إنا قتلْنا المسيحَ. ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾. [١٥٨] ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ردٌّ وإنكارٌ لقتله، وإثباتٌ لرفعِه. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ لا يُغْلَبُ على ما يريدُه. ﴿حَكِيمًا﴾ فيما دَبَّرَ لعيسى، وتقدَّم في سورة آل عمران قصةُ الصلبِ ورفعِ عيسى عليه السلام إلى السماء. ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾. [١٥٩] ﴿وَإِنْ﴾ أي: وما مِنْ أحدٍ. ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ أي: بعيسى. ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي: موتِ المؤمنِ عندَ معاينةِ الموتِ حينَ لا ينفعُ نفسًا إيمانُها، وقيلَ غيرُ ذلك. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ﴾ عيسى.

النساء 4:160

﴿عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ فيشهد على اليهود أنهم كذَّبوه وقذفُوه وأمَّهُ، ويشهدُ على النصارى بأنهم دَعَوْهُ ابنَ الله. ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾. [١٦٠] ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ وهو ما تقدَّم ذكرُه من نقضِهم الميثاقَ، وكفرِهم بآياتِ الله، وبهتانِهم على مريمَ، وقولهم: إنا قتلْنا المسيحَ. ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ وهي ما ذُكر في سورةِ الأنعامِ في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الآية: ١٤٦]، المعنى: بظلمٍ صدرَ من اليهودِ حَرَّمْنا عليهم ذلك. ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: عن دينِهِ ﴿كَثِيرًا﴾ من الناس. ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾. [١٦١] ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ في التوراةِ. ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ من الرِّشَا في الحكم، والمآكلِ يُصيبونها من عَوامِّهم؛ أي: بمجموعِ هذهِ الأشياءِ حَرَّمْنا عليهم تلكَ الطيباتِ. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ دونَ مَنْ تابَ وآمنَ.

النساء 4:162

﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)﴾. [١٦٢] ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ﴾ المتمكِّنونَ. ﴿فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ كعبدِ اللهِ بنِ سلامٍ وأصحابِه. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ من المهاجرينَ والأنصارِ، وقيلَ: من أهلِ الكتابِ. ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: القرآنِ. ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني: جميعَ الكتبِ المنزلةِ. ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ نصبٌ على المدحِ، أو بإِضمارِ فعلٍ تقديرُه: أَعني المقيمينَ الصلاةَ. ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ رفعُه عطفٌ على ﴿الرَّاسِخُونَ﴾، وكذلك. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ قدَّمَ عليهِ الإيمانَ بالأنبياءِ والكتبِ وما يصدِّقُه من اتباعِ الشرائع؛ لأنه المقصودُ بالآية. ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأٌ، خبرُه: ﴿سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ على جمعِهم بين الإيمانِ الصحيحِ والعملِ الصالح. قرأ حمزةُ، وخلفٌ: (سَيُؤْتيهِمْ) بالياء، والباقون: بالنون (١). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٨)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٢٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٨٠).

النساء 4:163

﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣)﴾. [١٦٣] ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الوحيُ: إلقاءُ المعنى في الخفاء (١)، وعَرَّفه في الأنبياء بواسطة جبريل عليه السلام، وذلك هو المراد بقوله: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ جوابٌ لأهل الكتابِ عن اقتراحهم أن ينزلَ عليهم كتابًا من السماءِ، واحتجاجٌ عليهم بأنَّ أمره في الوحي كسائر الأنبياءِ، وبدأ بنوحٍ؛ لأنه أولُ نبيٍّ مبن أنبياءِ الشريعةِ، وأولُ نبيٍّ بُعِثَ إلى الكفارِ، وكان أطولَ الأنبياءِ عُمْرًا، وجُعِلَت معجزتُه في نفسِه؛ فإنَّه عُمِّرَ ألفًا وأربعَ مئةِ سنةٍ، فلم تنقصْ له سِنٌّ، ولم تَشِبْ له شعرةٌ، ولم تنقصْ له قوةٌ، وتقدَّم ذكرُه ووفاتُه في سورةِ آلِ عمرانَ عند تفسيرِ قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ [الآية: ٣٣] وصَرَفَ نوحًا مَعَ العُجْمَةِ والتعريفِ لِخِفَّتِهِ. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ قرأ هشامٌ: (أَبْرَاهَامَ) بالألف (٢). ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ وهم أولادُ يعقوبَ، وتقدَّم ذكرُ هؤلاء الأنبياءِ في سورة البقرة. ﴿وَعِيسَى﴾ تقدَّمَ ذكرُه في البقرة وآل عمران. (١) في "ن": "خفاء". (٢) كما تقدم عنه. انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٢١ - ٢٢٢ و ٢٥٢)، و "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٨٠). ﴿وَأَيُّوبَ﴾ هو ابنُ موصِ بنِ رازحِ بنِ العيصِ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ الخليلِ عليه السلام، وهو من أمةِ الرومِ، وكان نبيًّا في عهدِ يعقوبَ، وعاشَ ثلاثًا وتسعين سنة، ويأتي ذكرُ قصتِه في سورة الأنبياء، وفي سورة (ص) إن شاء الله تعالى. ﴿وَيُونُسَ﴾ هو ابنُ مَتَّى، ومَتَّى أبوهُ في قولِ الأكثرِ، قيل: إنه من بني إسرائيلَ من سبطِ بنيامينَ، بُعِثَ إلى أهلِ نينوى قبالةَ الموصِلِ، بينهما دجلةُ، وسيأتي ذكرُ قصته في سورةِ الأنبياءِ إن شاء الله تعالى، وكانت وفاته في سنةِ خمسَ عشرةَ وثماني مئة لوفاةِ موسى عليهما السلام، وقبرُه في قرية تسمَّى حلحول بينَ بيتِ المقدس وبلدةِ سيدِنا الخليلِ عليه الصلاة والسلام. ﴿وَهَارُونَ﴾ هو ابنُ عمرانَ أخو موسى عليهما السلام، وكان أكبرَ من موسى بثلاث سنين، وتوفي قبلَ موسى بأحدَ عشرَ شهرًا، ودُفِنَ في التيه بكهفٍ في بعضِ الجبالِ على سرير وجدَ به، وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ ذكرُ موسى ووفاتُه، فيُعلم من ذلكَ تاريخُ وفاةِ هارون. ﴿وَسُلَيْمَانَ﴾ تقدَّمَ ذكرُه ووفاته في سورة البقرة. ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ﴾ هو ابنُ بشَيِّ بنِ عوفيد بنِ بوعزَ بنِ سَلَمُون بنِ نحشون بنِ عَمِينا ذَاب بنِ رَمْ بنِ حَصْرُون بنِ بارَص بنِ يَهُودا بنِ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ الخليلِ عليه الصلاة والسلام، كان مقامُه بحبرون، ثم انتقلَ إلى بيتِ المقدسِ، وأَسَّسَ مسجدَه، وهو الأقصى، وماتَ قبل إتمامِه، وله سبعونَ سنةً، وقيلَ غيرُ ذلكَ، وملك أربعينَ سنةً، ودُفِنَ

النساء 4:164

بالكنيسةِ المعروفةِ بالجيسمانية (١) شرقي بيتِ المقدسِ بالوادي، ويقالُ: إنَّ قبرَه بكنيسةِ صهيون ظاهر بيتِ المقدسِ من جهةِ القبلةِ، وهو مشهورٌ عندَ الناس، وكانت وفاتُه في يوم السبت أواخر سنةِ خمسٍ وثلاثينَ وخمسِ مئةٍ لوفاة موسى عليه السلام. ﴿زَبُورًا﴾ قرأ حمزةُ، وخلفٌ: بضمِّ الزاي حيثُ وقعَ، جمع زَبْرٍ؛ كدَهْرٍ ودُهور، بمعنى: مزبور؛ أي: مكتوبٍ، وقرأ الباقون: بالفتحِ اسمٌ للكتاب المنزَلِ عليه (٢)، وهو مئةٌ وخمسونَ سورةً بالعبرانيةِ في خمسينَ منها: ما يلقونه من بُخْتَ نَصَّرَ، وفي خمسينَ: ما يلقونَهُ من الرومِ، وفي خمسين: مواعظُ وحكمٌ، ولم يكنْ فيه حلالٌ ولا حرامٌ ولا أحكامٌ، وتقدَّم في سورةِ البقرةِ ذكرُ ما آتاهُ اللهُ من الملكِ والحكمةِ وطيبِ الصوتِ والألحانِ في قراءةِ الزَّبورِ. ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾. [١٦٤] ﴿وَرُسُلًا﴾ منصوبٌ بفعلٍ مُضْمَرٍ؛ أي: وأرسلْنا رسلًا؛ لأن معنى ﴿أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ أرسلْنا نوحًا. ﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبلِ هذهِ السورة، أو اليومَ. (١) في "ن": "الجسمانية". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٨)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٢٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ١٨١).

النساء 4:165

﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ أي: لم نخبرْكَ بأخبارِهم، قيلَ: لما ذكرَ الأنبياءَ في الآية، ولم يذكر موسى، قالتِ اليهود: أكلمَ الله موسى أم لا؟ فنزل: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ مصدرٌ معناهُ التأكيدُ، يدلُّ على بُطلانِ قولِ مَنْ يقول: خَلَقَ لنفسِه كلامًا في شجرةٍ، فسمعَهُ موسى، بل هو الكلامُ الحقيقيُّ الذي يكونُ به المتكلِّمُ متكلمًا، وكلامُ الله تعالى للنبيِّ موسى دونَ تكييفٍ ولا تحديدٍ؛ فإنه سبحانه موجودٌ لا كالموجودات، معلومٌ لا كالمعلوماتِ، فكذلكَ كلامُه لا كالكلامِ. ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾. [١٦٥] ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ نصبٌ على المدحِ، ثم عَلَّلَ الإرسالَ فقال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ﴾ إرسالِ. ﴿الرُّسُلِ﴾ إليهم، فيقولوا: ما أرسلتَ إلينا، فكيفَ تعذبنا؟! وفيه دليلٌ على أنَّ اللهَ لا يعذِّبُ الخلقَ قبلَ بعثةِ الرسلِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ لا يغلب فيما يريد (١). ﴿حَكِيمًا﴾ فيما دَبَّرَ من أمرِ النبوةِ، وخَصَّ كلَّ نبيٍّ من الوحيِ (١) في "ن": "يريده".

النساء 4:166

والإعجازِ، وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ أسماءُ الأنبياءِ الذين ذُكِروا في القرَآنِ بأسمائِهم، والذينَ أُشير إليهم. ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾. [١٦٦] قال ابن عباس: إن رؤساءَ مكةَ أَتَوا رسولَ الله - ﷺ -، فقالوا: يا محمدُ! إنا سألْنا عنكَ اليهودَ، وعن صفتِك في كتابِهم، فزعموا أنَّهم لا يعرفونَكَ، ودخلَ عليه جماعةٌ من اليهودِ، فقال لهم: "وَاللهِ إِنَكمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ"، فقالوا: ما نعلمُ ذلك، فأنزلَ الله عز وجل: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ (١) من الوحيِ والقرآنِ إن جحدوكَ وكَذَّبوكَ. ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أي: وهو عالمٌ بأنَّكَ أهلٌ لإنزالهِ عليكَ، وأَنَّكَ تبُلِّغُهُ. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ أيضًا على صدقِكَ. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ لو لم يشهدْ غيرُه. (١) انظر: "تفسير الطبري" (٦/ ٣١)، و"تفسير ابن أبي حاتم" (٤/ ١١٢٠)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٠٣)، و "تفسير البغوي" (١/ ٦٢٤)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٢/ ٧٥٠).

النساء 4:167

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧)﴾. [١٦٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا﴾ جمعوا بينَ الكفرِ والصَّدِّ. ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عن طريقِ الهدى بكتمِ نعتِ محمدٍ - ﷺ -. ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ لأنهم جمعوا بين الضلال والإضلال. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨)﴾. [١٦٨] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ باللهِ. ﴿وَظَلَمُوا﴾ بكتمِ نعتِ محمدٍ - ﷺ -. ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ من الطرقِ. ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)﴾. [١٦٩] ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ وهو دينُ الكفرِ؛ أي: لم يجعلْهم مسلِمينَ، بل جعلَهم كافرين، وهذا فيمَنْ سبقَ حكمُه تعالى فيهم أنَّهم لا يؤمنونَ. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لا يصعُبُ عليه.

النساء 4:170

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾. [١٧٠] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ﴾ محمدٌ - ﷺ -. ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالشرعِ. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا﴾ الإيمانُ. ﴿خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فهو غنيٌّ عنكُمْ. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بأحوالِهم. ﴿حَكِيمًا﴾ فيما دَبَّرَ لهم. ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾. [١٧١] ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ الخطابُ لليهودِ والنصارى؛ [فإنهم جميعًا غَلَوا في أمرِ عيسى، فقالَتْ طائفةٌ من النصارى] (١)، وهم اليعقوبيةُ والملكائيةُ: عيسى هو اللهُ، وقالتْ طائفةٌ، وهم النسطوريةُ: عيسى ابنُ الله، وقالَتِ المرقوسيةُ: عيسى ثالثُ ثلاثةِ آلهةٍ: عيسى ومريمَ واللهِ، (١) ما بين معكوفتين سقط من "ن". علَّمَهم ذلكَ رجلٌ من اليهودِ يقالُ له: بولسُ، وقالتِ اليهودُ: هو ولدُ زنا، وكَذَبوا كُلُّهم. ﴿لَا تَغْلُوا﴾ لا تتجاوزوا الحدَّ. ﴿فِي دِينِكُمْ﴾ بزيادةٍ ولا نقصانٍ، ولا تشركوا، وقوله: ﴿فِي دِينِكُمْ﴾ معناه: في الدِّينِ الذي أنتم مطلوبون (١) به، وأضافَه إليهم بيانًا أنهم مأخوذونَ بهِ، وليستِ الإشارةُ إلى دينِهم المضلِّلِ، ولا أُمروا بالثبوتِ عليهِ دونَ غلُوٍّ، وإنما أُمِروا بتركِ الغُلُوِّ في دينِ الله، وأن يوحِّدوا. ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾ أي: تَذْكُروا. ﴿عَلَى اللَّهِ إِلَّا﴾ القولَ. ﴿الْحَقَّ﴾ يعني: تنزيهَهُ عن الصاحبةِ والولدِ. ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ وهي قولُه لعيسى: كُنْ، فكانَ من غيرِ أبٍ. ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ أوصلَها إليها، وحصَّلَها فيها. ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ سُمِّي عيسى رُوحًا؛ لأنه ذو رُوحٍ وجسدٍ كغيره، وأُضيف إلى الله تشريفًا له، المعنى: لا نسبةَ ولا اتصالَ بينَ اللهِ وعيسى، وليسَ بجزءٍ منه، إلا أنه رسولُه؛ لأن عيسى مركَّبٌ، والله مُنزَّهٌ عن التركيبِ، وإنما هو ابنُ مريمَ، وهو جزءٌ منها، خُلِقَ من غيرِ أبٍ؛ لأنه مركَّبٌ مثلَها. تلخيصُه: ليسَ عيسى إلا بعضَ أمِّه لا غيرُ؛ لأن (إنما) للحصر. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا﴾ هم. (١) في "ن": "تطلبون".

النساء 4:172

﴿ثَلَاثَةٌ﴾ وكانت النصارى يقولون: أبٌ وابنٌ وروحُ القدس. ﴿انْتَهُوا﴾ عن التثليثِ يكنِ الانتهاءُ. ﴿خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ بالذاتِ، لا تعدَّدَ فيهِ بوجهٍ. ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي: هو منزَّهٌ عن: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ كما تزعمونَ أيُّها النصارى. ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ مُلْكًا وخَلْقًا، لا يماثلُه شيءٌ من ذلك فيتخذَه ولدًا. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ فإنه مستغنٍ عن الولدِ المحتاجِ إليه ليكونَ وكيلًا لأبيه؛ لأنه سبحانه قائمٌ بحفظِ الأشياءِ، غيرُ محتاجٍ إلى مَنْ يُعينهُ. ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)﴾. [١٧٢] ولما قال وفدُ نجرانَ للنبيِّ - ﷺ -: إنَّكَ تسبُّ عيسى، تقولُ: إنه عبدُ الله، فقال: "إِنَّهُ لاَ يَأْنَفُ مِنْ ذَلِكَ"، نزل: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ﴾ (١) أي: لن يأنفَ عِزَّةً. ﴿أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ فإن عبوديتَهُ شرفٌ يتباهى به. ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ عطفٌ على المسيح، وهم حَمَلَةُ العرشِ لا يأنفونَ أن يكونوا عبيدًا لله، واستدلَّ بهذه الآيةِ من يقولُ بتفضيلِ الملائكةِ (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٠٣)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٢٧).

النساء 4:173

على البشرِ؛ لأنه تعالى ذكرَ عيسى عليه السلام، ثم ارتقى إلى الملائكةِ، والارتقاءُ إنما يكونُ إِلى الأعلى، فلا يقالُ: لا يستنكفُ زيدٌ من كذا، ولا عبده، إنما يقال: لا يستنكفُ من كذا، ولا مولاه، ومن لا يُفَضِّلُهم يقول: لم يذكرِ الملائكةَ تفضيلًا لهم على البشرِ، بل رَدًّا على الذين يقولونَ: الملائكةُ آلهةٌ، كما ردَّ على النصارى قولَهم: المسيحُ ابنُ الله، وتقدَّمَ في سورة البقرة ذكرُ مذهبِ أهل السنَّةِ في تفضيلِ الأنبياءِ على الملائكةِ عندَ تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [الآية: ٣١]، ثم قالَ مُتَهدِّدًا: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ﴾ يترفعْ عنها، والاستكبار دون الاستنكاف. ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ فيجازيهِمْ. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣)﴾. [١٧٣] ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ من الحسناتِ ما لا عينٌ رأَتْ، ولا أذنٌ سمعَتْ، ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ وعيدٌ للذين يَدَعون عبادةَ الله أنفةً وتكبُّرًا.

النساء 4:174

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾. [١٧٤] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لهُ حجَّةٌ عليكم بالمعجزاتِ، وهو محمدٌ - ﷺ -. ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ هو القرآنُ. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾. [١٧٥] ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ امتنعوا بهِ من زَيْغِ الشيطانِ. ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ يعني: الجنةَ ونعيمَها. ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى الفضلِ، وهذه هداية طريق الجِنانِ. ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ طريقًا واضحًا. ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾. [١٧٦] عن جابرٍ قال: "عادني رسولُ الله - ﷺ - وأنا مريضٌ لا أعقلُ، فتوضَّأَ وصَبَّ عليَّ من وَضوئِهِ، فعقلْتُ فقلْتُ: يا رسولَ الله! لمنِ الميراثُ؟ إنما يرثنُي كَلالةٌ"، فنزل: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ يستخبرونَكَ فيسألونَكَ. ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ وتقدَّمَ تفسيرُ الكلالَةِ في أول السورة. ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ المرادُ بالولدِ: الابنُ. ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ لأبوينِ، أو لأب. ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ لأن الابنَ يُسْقِطُ الأختَ، والبنتُ لا تسقطُها باتفاقِ الأئمة. ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ ابنٌ؛ لأن البنتَ لا تسُقطُ الأخَ بالاتفاق، وإن كانَ (١) ولدُها أنثى، فللأخِ ما فَضَلَ عن فرضِ البناتِ بالاتفاق (٢). ﴿فَإِنْ كَانَتَا﴾ أي: الأختانِ. ﴿اثْنَتَيْنِ﴾ فصاعِدًا. ﴿فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ فَمَنْ ماتَ وله أخواتٌ، فلهنَّ الثلثانِ بالاتفاقِ. ﴿وَإِنْ كَانُوا﴾ أي: الورثةُ. ﴿إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً﴾ أي: ذكورًا وإناثًا. ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ أصلُه: وإن كانوا إخوةً وأخواتٍ، فَغُلِّبَ المذكَّرُ (٣). (١) "كان" ساقطة من "ن". (٢) "بالاتفاق" ساقطة من "ن". (٣) في "ن": "الذكر". ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ أي: ألَّا تَضِلُّوا (١). ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فهو عالم بمصالح العباد في المحيا والممات. رُويَ أن آخرَ آيةٍ نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ (٢) ونزلَتْ في طريقِ حجةِ الوداعِ في زمنِ الصيفِ، فسمِّيَتْ: آيةَ الصيفِ، ورُوي أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - عاشَ بعدَها خمسين يومًا (٣)، والله أعلم. ... (١) في "ن": "لا تضلوا". (٢) رواه البخاري (١٩١)، كتاب: الوضوء، باب: صب النبي - ﷺ - وضوءه على المغمى عليه، ومسلم (١٦١٦)، كتاب: الفرائض، باب: ميراث الكلالة. (٣) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٦٢٨).