فتح الرحمن في تفسير القرآن — المائدة 5:1 – الأنعام 6:165
المحتويات
- المائدة 5:1
- المائدة 5:2
- المائدة 5:3
- المائدة 5:4
- المائدة 5:5
- المائدة 5:6
- المائدة 5:7
- المائدة 5:8
- المائدة 5:9
- المائدة 5:11
- المائدة 5:12
- المائدة 5:13
- المائدة 5:14
- المائدة 5:15
- المائدة 5:16
- المائدة 5:17
- المائدة 5:18
- المائدة 5:19
- المائدة 5:20
- المائدة 5:22
- المائدة 5:24
- المائدة 5:26
- المائدة 5:27
- المائدة 5:28
- المائدة 5:29
- المائدة 5:31
- المائدة 5:32
- المائدة 5:33
- المائدة 5:34
- المائدة 5:35
- المائدة 5:36
- المائدة 5:39
- المائدة 5:40
- المائدة 5:41
- المائدة 5:42
- المائدة 5:43
- المائدة 5:45
- المائدة 5:46
- المائدة 5:48
- المائدة 5:49
- المائدة 5:50
- المائدة 5:52
- المائدة 5:53
- المائدة 5:54
- المائدة 5:55
- المائدة 5:56
- المائدة 5:58
- المائدة 5:59
- المائدة 5:60
- المائدة 5:61
- المائدة 5:62
- المائدة 5:64
- المائدة 5:65
- المائدة 5:66
- المائدة 5:68
- المائدة 5:70
- المائدة 5:72
- المائدة 5:73
- المائدة 5:74
- المائدة 5:76
- المائدة 5:78
- المائدة 5:80
- المائدة 5:82
- المائدة 5:84
- المائدة 5:87
- المائدة 5:88
- المائدة 5:90
- المائدة 5:91
- المائدة 5:93
- المائدة 5:94
- المائدة 5:95
- المائدة 5:96
- المائدة 5:97
- المائدة 5:98
- المائدة 5:100
- المائدة 5:102
- المائدة 5:104
- المائدة 5:105
- المائدة 5:106
- المائدة 5:107
- المائدة 5:108
- المائدة 5:109
- المائدة 5:110
- المائدة 5:111
- المائدة 5:112
- المائدة 5:114
- المائدة 5:116
- المائدة 5:117
- المائدة 5:118
- المائدة 5:120
- الأنعام 6:1
- الأنعام 6:2
- الأنعام 6:3
- الأنعام 6:5
- الأنعام 6:7
- الأنعام 6:9
- الأنعام 6:11
- الأنعام 6:13
- الأنعام 6:15
- الأنعام 6:17
- الأنعام 6:19
- الأنعام 6:20
- الأنعام 6:22
- الأنعام 6:24
- الأنعام 6:25
- الأنعام 6:27
- الأنعام 6:28
- الأنعام 6:29
- الأنعام 6:31
- الأنعام 6:33
- الأنعام 6:34
- الأنعام 6:35
- الأنعام 6:36
- الأنعام 6:38
- الأنعام 6:39
- الأنعام 6:41
- الأنعام 6:42
- الأنعام 6:45
- الأنعام 6:46
- الأنعام 6:48
- الأنعام 6:51
- الأنعام 6:52
- الأنعام 6:53
- الأنعام 6:54
- الأنعام 6:55
- الأنعام 6:56
- الأنعام 6:58
- الأنعام 6:59
- الأنعام 6:60
- الأنعام 6:62
- الأنعام 6:63
- الأنعام 6:64
- الأنعام 6:66
- الأنعام 6:69
- الأنعام 6:70
- الأنعام 6:71
- الأنعام 6:72
- الأنعام 6:74
- الأنعام 6:75
- الأنعام 6:76
- الأنعام 6:77
- الأنعام 6:79
- الأنعام 6:81
- الأنعام 6:82
- الأنعام 6:84
- الأنعام 6:85
- الأنعام 6:87
- الأنعام 6:88
- الأنعام 6:90
- الأنعام 6:91
- الأنعام 6:92
- الأنعام 6:93
- الأنعام 6:94
- الأنعام 6:95
- الأنعام 6:96
- الأنعام 6:97
- الأنعام 6:99
- الأنعام 6:100
- الأنعام 6:101
- الأنعام 6:103
- الأنعام 6:104
- الأنعام 6:106
- الأنعام 6:108
- الأنعام 6:109
- الأنعام 6:110
- الأنعام 6:111
- الأنعام 6:112
- الأنعام 6:113
- الأنعام 6:115
- الأنعام 6:116
- الأنعام 6:119
- الأنعام 6:120
- الأنعام 6:122
- الأنعام 6:123
- الأنعام 6:125
- الأنعام 6:126
- الأنعام 6:127
- الأنعام 6:129
- الأنعام 6:131
- الأنعام 6:132
- الأنعام 6:134
- الأنعام 6:136
- الأنعام 6:137
- الأنعام 6:138
- الأنعام 6:139
- الأنعام 6:140
- الأنعام 6:141
- الأنعام 6:142
- الأنعام 6:143
- الأنعام 6:144
- الأنعام 6:145
- الأنعام 6:146
- الأنعام 6:147
- الأنعام 6:148
- الأنعام 6:150
- الأنعام 6:152
- الأنعام 6:153
- الأنعام 6:154
- الأنعام 6:156
- الأنعام 6:158
- الأنعام 6:159
- الأنعام 6:161
- الأنعام 6:162
- الأنعام 6:163
- الأنعام 6:165
المائدة 5:1
سُوْرَةُ المَائِدَةِ
مدنيةٌ، ورُويَ أنها نزلَتْ مُنْصَرَفَ رسولِ اللهِ - ﷺ - من الحُدَيبيةِ، وآيُها مئةٌ وعشرونَ آيةً، وحروفُها أحدَ عشرَ ألفًا وسبعُ مئةٍ وثلاثةٌ وثلاثون حرفًا، وكَلِمُها ألفانِ وثماني مئةٍ وأربعُ كلمات. وعن رسولِ اللهِ - ﷺ - أنه قال: "سُورَةُ المَائِدَةِ تُدْعى فِي مَلَكُوتِ اللهِ: المُنْقِذَةَ؛ تُنْقِذُ صَاحِبَهَا مِنْ أَيْدِي مَلاَئِكَةِ الْعَذَابِ" (١).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)﴾.
[١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أي: العهودِ المحكمةِ، ويقال: وَفَى وأَوْفى بمعنىً واحدٍ، وهذا عامٌّ في كل واجبٍ من أمرٍ ونهيٍ وحفظِ وديعةٍ؛ أي: احفظوا شريعتَهُ (٢)، ولفظُ المؤمنين يعمُّ مؤمني أهلِ الكتابِ بينَهم وبينَ اللهِ عقدٌ في أداءِ الأمانةِ فيما في كتبهم من أمرِ
(١) ذكره القرطبي في "تفسيره" (٦/ ٣٠) دون عزو.
(٢) "أي: احفظوا شريعته" زيادة من "ظ". محمدٍ - ﷺ -، ثم خاطبَ كلَّ من التزمَ الإيمانَ على وَجْهِهِ وكمالِهِ، فقال:
﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ وهي الإبلُ والبقرُ والغنمُ، [وأرادَ تحليلَ ما حرمَ أهلُ الجاهليةِ على أنفسِهم من الأنعامِ] (١)، وسميتْ بهيمةً؛ لإبهامِها من جهة نقصِ نطقِها وفهمها، وعدمِ مَيْزِها (٢) وعقلها، وقال ابنُ عباسٍ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ: "بهيمةُ الأنعامِ الأَجِنَّةُ في البطنِ إذا ذُبِحَتْ أُمهاتُها" (٣)، قال القرطبيُّ (٤): وفيه بُعْدٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قالَ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ وليسَ في الأجنةِ ما يُستثنى.
واختلفَ الأئمةُ في الجنينِ الذي يوجَدُ في بطنِ أُمه مَيْتًا إذا ذُكِّيَتْ، هل تكونُ ذكاتُها ذكاةً لجنينِها، ويحلُّ أكلهُ؟ فقالَ أبو حنيفةَ: لا يحلُّ أكلُه، وقالَ صاحباه: إذا تمَّ خلقُه، حَلَّ أكلُه، وقال مالكٌ: إذا لمَّ خلقُهُ، ونبتَ شعرُه، أُكِلَ، وإلا فلا، وقالَ الشافعيُّ وأحمدُ: يحلُّ أكلُه، سواءٌ نبتَ شعرُه أو لم ينبتْ، واستحبَّ أحمدُ ذبحَهُ، فإنْ خرجَ وفيه حياةٌ مستقرَّة، لم يُبحْ إلا بذبْحه، بالاتفاق.
﴿إِلَّا مَا يُتْلَى﴾ أي: يُقْرَأُ.
﴿عَلَيْكُمْ﴾ تحريمُهُ في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] استثناءً من بهيمةِ الأنعامِ.
﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ ومعنى الآية: أُحلَّتْ لكمُ الأنعامُ كلُّها إلا ما كانَ
(١) ما بين معكوفتين سقط من "ت".
(٢) في "ن": "تميزها".
(٣) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٦٣٠)، و"تفسير القرطبي" (٦/ ٣٤).
(٤) انظر: "تفسير القرطبي" (٦/ ٣٤).
المائدة 5:2
وحشيًّا؛ فإنه صيدٌ لا يحلُّ لكم في حالِ الإحرامِ، فذلكَ قولُه:
﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أي: ما كانَ صيدًا، فهو حلالٌ في الإحلالِ دونَ الإحرام، وما لم يكنْ صيدًا، فهو حلالٌ في الحالينِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ من تحليلٍ وتحريمٍ، لا دافعَ لمرادِهِ.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾.
[٢] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ جمعُ شَعيرةٍ، وهي العلامةُ، والمرادُ: مناسكُ الحجِّ، وكان المشركون يحجُّون ويُهْدون، فأرادَ المسلمونَ أن يُغيروا عليهم، فنهاهمُ اللهُ عن ذلك.
واختلفَ العلماءُ في إشعارِ الهَدْيِ، فقال الشافعيُّ وأحمدُ: يُسَنُّ إشعارُه بشَقِّ صفحةِ سنامِه اليُمْنى، أو موضعِه ممَّا لا سنامَ لهُ من إبلٍ وبقرٍ حتى يسيلَ الدمُ، وقالَ مالكٌ: في الجانبِ الأيسرِ من السنامِ في الإبلِ، وكذلك في البقرِ إنْ كان لها أسنمةٌ، فإن لم تكنْ لها أسنمةٌ، لم تشعَرْ، ومنعَ من هذا كلِّه أبو حنيفةَ، وقالَ: إنه تعذيبٌ للحيوان.
﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ اسمٌ مفردٌ يدلُّ على الجنسِ في الأشهُرِ الحرم، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرَّمُ، ورجَبٌ؛ أي: لا تُحِلُّوا القتالَ فيها. ﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾ بنحرِه قبلَ محلِّهِ، وهو كلُّ ما يُهدى إلى الحرمِ من نَعَمٍ وغيرِها.
﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ أي: ذواتَ (١) القلائدِ من الهَدْيِ، جمعُ قِلادة، وهي ما قُلِّدَ بالهَدْيِ من نعلٍ (٢) أو غيرِه؛ كآذانِ القُرَبِ والحبلِ ونحوِ ذلك؛ ليعلمَ به (٣) أنَّه هديٌ، فلا يُتَعَرَّضُ له.
واختلفَ الأئمةُ في تقليدِ الغنمِ، فقال الشافعيُّ وأحمدُ: تُقَلَّدُ، ومنعَ الشافعيُّ من تقليدِها بالنعلِ، وأباحَهُ أحمدُ، وقالَ أبو حنيفةَ ومالكٌ: لا تُقَلَّدُ الغنمُ، واتفقوا على تقليدِ ما عدا الغنمِ بالنعلِ (٤) وغيرِه.
﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ أي: قاصديهِ.
﴿يَبْتَغُونَ﴾ يطلبونَ.
﴿فَضْلًا﴾ رزقًا بالتجارةِ.
﴿مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ بزعمِهم؛ لأن الكافرَ لا نصيبَ له في الرضوان، فلا تتعرضوا إليهم. قرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ: (ورُضْوانًا) بضمِّ الراء، والباقون: بالكسر (٥)، وكلُّ ما في هذهِ الآيةِ من نهيٍ عن مُشركٍ، أو مراعاةِ حرمةٍ (٦) له بقلادةٍ، أو أمِّ البيتِ الحرامِ ونحوه، فكلُّه منسوخٌ بآية السيف بقوله:
(١) في "ت": "ذات".
(٢) في "ن": "فعلِ".
(٣) "به" ساقطة من "ت".
(٤) في "ن": "بالفعل".
(٥) تقدمت عند تفسير الآية (١٥) من آل عمران.
(٦) "حرمة" ساقطة من "ن". ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وبقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].
﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ﴾ من إحرامكم.
﴿فَاصْطَادُوا﴾ أمرُ إباحةٍ (١)؛ كقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠].
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ يَحْمِلَنَّكمْ.
﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ بُغْضُهُم. قرأ ابنُ عامرٍ، وأبو بكرٍ، وأبو جعفرٍ بخلافٍ عنهُ: (شَنْآنُ) بإسكانِ النونِ الأولى، وهما لغتانِ، والفتحُ أجودُ، وبه قرأ الباقون (٢).
﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو: بكسر الهمزةِ شرطًا، فيكون (صَدُّوكُمْ) مستقبلًا معنًى؛ لأنَّ الشرطَ حقُّه الاستقبالُ، والصدُّ كانَ عامَ الحديبيةِ سنةَ ستٍّ، ونزلت الآية عامَ الفتحِ سنةَ ثمانٍ من الهجرةِ، فتقديرُه: إن يقعْ منهم صدُّكم (٣) فيما يُستقبل مثلما مضى منهم، فلا تعتدوا عليهم، وقرأ الباقون: بفتح الهمزة (٤)؛ أي: لأجل صدِّهِمْ إياكُمْ.
﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ واختارَ ابنُ عطيةَ، وتبعَهُ القرطبيُّ أن القراءةَ
(١) في "ت": "بإباحة".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٨)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٣٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٩٠ - ١٩١).
(٣) في "ن": "صد".
(٤) انظر: المصادر السابقة. بالفتحِ أمكنُ في المعنى؛ لأن الآيةَ نزلتْ بعدَ الصدِّ (١).
﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ عليهم بالقتلِ وأخذِ الأموالِ.
﴿وَتَعَاوَنُوا﴾ أي: لِيُعِنْ بعضُكم بعضًا.
﴿عَلَى الْبِرِّ﴾ اتِّباعِ الأمرِ.
﴿وَالتَّقْوَى﴾ اجتنابِ النهيِ.
﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ﴾ الكفرِ.
﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ الظلمِ.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ فانتقامُه أشدُّ. قرأ البزيُّ عن ابنِ كثيرٍ: (وَلاَ تَّعَاوَنُوا) بتشديد التاء حالةَ الوصلِ (٢). ثم قالَ تعالى محرِّمًا ما كانوا يُحلُّونه وهو بيان قوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾.
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾.
(١) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٢/ ١٥٠)، و"تفسير القرطبي" (٦/ ٤٦).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٣)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٠٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٩١).
المائدة 5:3
[٣] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وهي ما فارقه الرُّوحُ من غيرِ تذكيةٍ. قرأ أبو جعفرٍ: (الْمَيِّتَةُ) بالتشديد، والباقون: بالتخفيفِ، والكسائيُّ يُميل التاءَ حيثُ وقفَ على هاء التأنيث (١).
﴿وَالدَّمُ﴾ أي: المسفوحُ، وكان أهلُ الجاهلية يصبونه في الأمعاء، ويشوونها.
﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أي: ما ذُكر على ذبحِهِ اسمُ غيرِ اللهِ سبحانه؛ كقولِ: باسمِ اللَّاتِ والعُزَّى.
﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ التي تُخْنَقُ. ورُويَ عن أبي جعفرٍ: (وَالْمُنخَنِقَةُ) بإخفاءِ النونِ عند الخاء، ورُوي عنهُ الإظهارُ كبقية القراءِ، وهو أشهرُ (٢)، وتقدَّم ذكرُ مذهبِه في ذلك مستوفًى في سورةِ النساءِ عندَ تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا﴾ [النساء: ١٣٥].
﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ المقتولةُ بالخشبِ. قرأ الكسائيُّ: (وَالْمَوْقُوذَةُ) بإمالةِ الذالِ حيثُ وقفَ على هاءِ التأنيث (٣).
﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ الساقطةُ من عُلُو فتموتُ.
﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ التي تنطَحُها أُخرى فتموتُ.
(١) كما تقدم عنهم مرارًا.
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٩١).
(٣) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٩٢). ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ أي: بعضَه.
﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ إلا ما أدركتُم ذَكاتَه وفيه حياةٌ مستقرَّةٌ.
﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ وهي حجارةٌ كانتْ منصوبةً حولَ البيتِ يعبدُها الجاهليةُ، ويذبحون عندَها، ويعدُّونَ ذلكَ قربةً.
﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا﴾ تطلبوا القسمَ والحكمَ.
﴿بِالْأَزْلَامِ﴾ جمعُ زَلَمٍ بضمِّ الزاي وفتحِها، وهي القِداحُ التي لا ريشَ لها ولا نصلَ، وذلكَ أنهم إذا قصدوا فعلًا، ضربوا ثلاثةَ قداحٍ مكتوب على أحدِها: أَمَرني ربي، وعلى الآخر: نهاني، والثالثُ: غُفْلٌ، فإن خرجَ الآمرُ، مَضَوا على ذلك، وإن خرجَ الناهي، تجنبوا عنه، وإن خرج الغفلُ، أجالوها ثانيًا، فمعنى الاستقسام: طلبُ معرفةِ ما قُسِمَ لهم دونَ ما لم يقسمْ بالأزلام.
﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: المحرَّماتُ في الآية، أو الاستقسامُ.
﴿فِسْقٌ﴾ قال - ﷺ -: "مَنْ تَكَهَّنَّ أَوِ اسْتَقْسَمَ، أَوْ تَطَيَّرَ طيرَةً يَرُدُّهُ عَنْ سَفَرِهِ، لَمْ يَنْظُرْ إِلَى الدَّرَجَاتِ العُلاَ مِنَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ" (١).
﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ أي: من إبطالِه ورجوعِكم عنه.
﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ أن يظهروا عليكم.
(١) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٢٦٦٣)، وفي "مسند الشاميين" (٢١٠٣)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٥/ ١٧٤)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٥/ ٢٠١)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١١٧٧)، عن أبي الدرداء -رضي الله عنه-. ﴿وَاخْشَوْنِ﴾ أَخْلِصوا الخشيةَ لي. قرأ يعقوبُ: (وَاخْشَوْنِي) بإثباتِ الياءِ حالةَ الوقفِ (١).
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ بإتمامِ عِزِّهِ وظُهورِه ونصرِه: نزلتْ يومَ الجمعةِ يومَ عرفةَ بعدَ العصرِ في حجَّةِ الوداعِ، والنبيُّ - ﷺ - واقفٌ بعرفاتٍ على ناقتِهِ العَضْباءِ، فكادَتْ عَضُدُ الناقةِ تَندقُّ مِنْ ثِقَلِها (٢)، فبركَتْ، قال ابنُ عباسٍ: "لَمْ ينزلْ بعدَ هذهِ الآيةِ حلالٌ ولا حرامٌ" (٣).
﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ بالهدايةِ والتوفيقِ، وبدخولِ مكةَ آمنينَ، ومنعِ المشركينَ من دخولِ الحَرمِ بعدَ العام.
﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ﴾ اخترتُه لكم.
﴿دِينًا﴾ من بينِ الأديانِ، وهو الدينُ عندَ اللهِ لا غيرُ، قال ابنُ عباسٍ: "كانَ ذلكَ اليومَ خمسةُ أعيادٍ: جمعةٌ، وعرفةُ، وعيدُ اليهودِ، والنصارى، والمجوسِ، ولم تجتمعْ أعيادُ أهلِ (٤) المللِ في يوم قبلَه ولا بعدَه" (٥).
ولما نزلتْ هذه الآيةُ، بكى عمرُ رضي الله عنه، فقال له (٦) النبيُّ - ﷺ -: "مَا يُبْكِيكَ؟ " فقال: "كُنَّا في زيادةٍ من دينِنا، وأَمَّا إذا كَمُلَ؛ فإنَّه لا يكمُل
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٨) و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٩٣).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٦٣٦).
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٧٩)، عن السدي.
(٤) "أهل" ساقطة من "ن".
(٥) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٦٣٦).
(٦) "له" ساقطة من "ت". شيءٌ إلا نَقَصَ" فقال: "صَدَقْتَ" (١)، وعاشَ بعدَها - ﷺ - أحدًا وثمانين يومًا، وتُوفي يومَ الاثنين بعدَما زاغتِ الشمسُ لليلتين خَلَتا من ربيعٍ الأولِ (٢)، وقال ابنُ الجوزيِّ: لاثنتي عشرةَ ليلةً خلَتْ منه سنة إحدى عشرةَ من الهجرةِ (٣).
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ متصلٌ بذكرِ المحرَّمات، وما بينهما اعتراضٌ مؤكِّدٌ معنى التحريم. قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (فَمَنُ اضْطُرَّ) بضم النون، وأبو جعفرٍ: بكسر الطاء (٤)، والمعنى: فمن اضطرَّ إلى تناولِ شيء من هذهِ المحرمات.
﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ مجاعةٍ.
﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ﴾ مائلٍ.
﴿لِإِثْمٍ﴾ وهو الأكلُ فوقَ الشبع.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لهُ ما أتى عندَ اضطراره.
﴿رَحِيمٌ﴾ لا يؤاخذُه بأكلِه. وتقدَّمَ اختلافُ الأئمةِ الأربعةِ في جوازِ أكلِ الميتةِ عندَ الضرورةِ، وقدرِ ما يجوز أكلُه في سورةِ البقرةِ عندَ تفسيرِ قولِه تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ
(١) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٤٤٠٨)، والطبري في "تفسيره" (٦/ ٨٠)، والخطيب في "موضح أوهام الجمع والتفريق" (٢/ ٥٣٣).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٦٣٧).
(٣) انظر: "زاد المسير" لابن الجوزي (٢/ ٢٨٧).
(٤) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٠٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٩٣).
المائدة 5:4
اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الآية: ١٧٣].
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾.
[٤] ولما تلا عليهم ما حُرِّمَ عليهم، سألَ عديُّ بنُ حاتمٍ وزيدُ بنُ مهلهِلٍ وهو زيدُ الخيلِ الذي سماهُ رسولُ الله - ﷺ - زيدَ الخير، قالا: "يا رسولَ الله! إنا قومٌ نصيدُ بالكلابِ والبُزاةِ، وإنَّ الكلابَ تأخذُ البقرَ والحمرُ والظباء، فمنه ما ندركُ ذَكاتَهُ، ومنه ما تقتلُه، فلا ندركُ ذَكاتَهُ، وقد حرَّمَ اللهُ الميتةَ فماذا يحلُّ لنا منها" (١) فنزل قولُه تعالى:
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا﴾ مبتدأ ﴿أُحِلَّ لَهُمْ﴾ خبرُه.
﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ هي الذبائحُ على اسمِ اللهِ تعالى.
﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾ أي: أُحِلَّ لكم صيدُ الذي علَّمْتُم.
﴿مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ الصوائدِ من سباعِ البهائمِ والطيرِ؛ كالكلبِ، والفهدِ، والنَّمِرِ، والبازيِّ، والصَّقْر، والشاهينِ، والعُقابِ.
﴿مُكَلِّبِينَ﴾ مُرْسِلي الكلابِ على الصيدِ، والمُكَلِّبُ: مؤدِّبُ الجوارحِ ومُضْرِيها بالصيدِ.
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤/ ٢٥٧). وانظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٠٥). ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ أي: تؤدِّبونَ الكلابَ.
﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ من تأديبِ الكلابِ للصيدِ.
﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ المعنى: إن الجارحةَ إذا خرجَتْ بإرسالِ صاحِبها، فقتلتِ الصيدَ، كانَ حلالًا إذا كانتْ معلَّمَةً، والمعلَّمَةُ: هي التي إذا أُرسلت، استرسلَتْ، وإذا زُجرت، انزجرتْ، وإذا أمسكَتْ، لم تأكلْ، فإذا وُجدَ ذلكَ منها، فهي معلَّمَةٌ، وبه قالَ أبو حنيفةَ والشافعيُّ وأحمدُ، وقال مالكٌ: لا يُشترط تركُ الأكل إذا كانَ معلَّمًا، فيحلُّ أكلُ ما صادَهُ، وإن أكلَ منهُ الكلبُ والبازي.
واختلفَ مشترطو تركِ الأكلِ في حدِّ التعليم، فقالَ أبو حنيفةَ: لا تأقيتَ فيه، فمتى قالَ أهلُ الخبرة: هذا معلَّمٌ، حَكَمْنا بكونه معلَّمًا، وقال الشافعيُّ: إذا تكررَ ذلكَ منها مرارًا؛ بحيث يظَنُّ تأدُّبُ الجارحةِ، كانت معلَّمَةً، وقال أحمدُ: لا يُشترطُ التكرار، فإذا أمسكَ ولم يأكلْ، صارَ معلَّمًا. واختلفوا في جوازِ الاصطيادِ بالكلبِ الأسودِ البهيمِ، وهو ما لا بياضَ فيه، فمنع منه أحمدُ؛ لقوله - ﷺ -: "الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ" (١)،
وأجازه الثلاثةُ، وأباحوا أكلَ ما قَتَل.
واختلف أيضًا مشترطو تركِ الأكلِ في ذي المخلبِ؛ كالبازي والصقرِ ونحوهما، هل يُشترطُ فيها تركُ الأكل كالكلبِ والفهدِ؟ فقال الشافعيُّ: يُشترطُ، وقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: لا يُشترطُ.
واختلفوا في اشتراطِ الجرحِ في الصيدِ، فقال الثلاثةُ: لا بدَّ أن يجرح،
(١) رواه مسلم (٥١٠)، كتاب: الصلاة، باب: قدر ما يستر المصلي، عن أبي ذر -رضي الله عنه-. فإن قتلتْهُ الجارحةُ بصدمته أو خنقِه، لم يُبَحْ، وقال الشافعيُّ: إذا تحاملَتْ عليه فقتلَتْه بثقلِها، حَلَّ.
﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أي: سَمُّوا عليه عندَ إرساله.
واختلفَ الأئمةُ في التسميةِ عندَ إرسالِ الكلبِ، أو الرميِ بالسهمِ، فقال أبو حنيفةَ ومالكٌ: إنْ تركَ التسميةَ عندَ إرسالِه أو رميِه على الصيدِ عامدًا، لم يجزْ أكلُه، وإن تركَها ناسيًا، جازَ، وكذا الحكمُ عندَهما في التسمية عندَ الذبح، وقال الشافعيُّ: يحلُّ الأكلُ، سواءٌ تركَها عامدًا أو ناسيًا في الصيدِ والذبحِ؛ لأن التسميةَ عندَه سُنَّةٌ، وقال أحمدُ: إنْ تركَ التسميةَ في الصيدِ عمدًا أو سهوًا، لم يُبَحْ، والحكمُ عندَه في الذبحِ كأبي حنيفةَ ومالكٍ.
ويُشترطُ في الذابحِ والصائدِ أن يكونَ مسلِمًا أو كتابيًّا، فلا يحلُّ صيدُ مجوسيٍّ، ولا وثنيٍّ، ولا مرتدٍّ، ولا ذبائحُهم، بالاتفاق، والشافعيُّ يشترطُ أن يكونَ الكتابيُّ ممن تحلُّ مناكحَتُهُ، وهو أن يُعْلَمَ دخولُ قومِه في دينِ اليهوديةِ أو النصرانيةِ قبلَ نسخِه وتحريفِه.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في محرَّماتِهِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ وهو أخذُكُم بما جَلَّ ودَقَّ.
﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾.
المائدة 5:5
[٥] ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ أعادَهُ تأكيدًا؛ أي: الطيباتُ التي سألتُم عنها.
﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ همُ اليهودُ والنصارى، ومن دخلَ في دينهم قبلَ مبعثِ النبيِّ - ﷺ -.
﴿حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ أي: يحلُّ لكم طعامُهم وإطعامُهم.
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ، تقديره: حِلٌّ لكمْ.
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وإن كُنَّ حربياتٍ، فيباحُ نكاحُ حرائرِ أهلِ الكتابِ بالاتفاق، والشافعيُّ على أصلِه كما تقدَّم قريبًا في حكمِ الصيد والذبحِ من الاشتراطِ في الكتابيِّ.
﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ مهورَهُنَّ.
﴿مُحْصِنِينَ﴾ أَعِفَّاءَ (١).
﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ مُجاهِرينَ بالزنا.
﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ جمعُ خِدْنٍ، وهو الصديقُ، يطلق على الذكر والأنثى؛ أي: ولا مُسِرِّينَ بالزنا، وتقدمَ في سورةِ النساءِ اختلافُ الأئمةِ في نكاحِ الأمةِ الكتابيةِ عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الآية: ٢٥].
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ أي: يُنكرْ شرائعَ الإسلامِ.
﴿فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ إن ماتْ عليه.
﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ للثوابِ.
(١) "أعفاء" ساقطة من "ن".
المائدة 5:6
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾.
[٦] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ﴾ أي: أردتم القيامَ.
﴿إِلَى الصَّلَاةِ﴾ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]؛ أي: إذا أردتَ القراءةَ، وظاهرُ الآيةِ يوجبُ الوضوءَ على كُلِّ قائم إلى الصلاةِ، وإن لم يكنْ مُحْدِثًا، والإجماعُ على خلافِه، لأن المرادَ: إذاَ قمتُم إلى الصلاةِ وأنتم على غيرِ طهر (١)؛ بدليلِ أَنَّ النبيَّ - ﷺ - صلَّى الخمسَ صلواتٍ بوضوءٍ واحدٍ يومَ الفتحِ (٢).
﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ وحدُّ الوجهِ من مَنابِتِ (٣) شعرِ الرأسِ إلى ما انحدَرَ من اللَّحْيَيْنِ؛ والذَّقَنِ طولًا، ومن الأذنِ إلى الأذنِ عرضًا، فيجبُ غسلُ جميعِه بالاتفاق، فإن كان فيه شعرٌ خفيفٌ يصفُ البشرةَ، وجبَ غسلُها معه، وإن كان يسترُها، أجزأَهُ غسلُ ظاهرها، ويستحبُّ تخليلُهُ.
(١) في "ظ": "وضوء".
(٢) رواه مسلم (٢٧٧)، كتاب: الطهارة، باب: جواز الصلوات كلها بوضوء واحد، عن بريدة -رضي الله عنه-.
(٣) في "ظ": "منبت". ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ وتدخلُ المرافقُ في الغَسْل بالاتفاق؛ لورودِ السُّنةِ بذلك.
﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ الباءُ مزيدةٌ. واختلفَ الأئمةُ رضي الله عنهم في قدرِ الواجبِ من مسحِ الرأسِ، فقال أبو حنيفةَ: ربعُه، وقال مالكٌ وأحمدُ: جميعُه، وقال الشافعيُّ: قدرُ ما يُطلقُ عليه اسمُ المسح، وأجاز أحمدُ المسحَ على العِمامة إذا كانَ منها شيءٌ (١) تحتَ الحَنَكِ، وعلى خُمُرِ النساءِ المدارَةِ تحتَ حلوقهنَّ؛ خلافًا للثلاثة.
﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ وهما العظمانِ الناتئانِ من جانبِ القدمين، وهما مجتمعُ مفصلِ الساقِ والقدمِ، فيجبُ غسلُهما مع القدمين بالاتفاق. قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، والكسائيُّ، ويعقوبُ، وحفصٌ: (وَأَرْجُلَكُمْ) بنصبِ اللامِ عطفًا على الأيدي، وقرأ الباقون: بالخفضِ عطفًا على الرؤوس (٢)، وإن كانت غيرَ ممسوحةٍ حثًّا على الاقتصادِ في صَبِّ الماءِ على الرِّجْلينِ؛ لأنهما مَظِنَّةُ الإسرافِ في صبِّ الماء.
واختلفوا في الترتيبِ كما ذكرَهُ اللهُ تعالى، فقال الشافعيُّ وأحمدُ بوجوبه، وقال أبو حنيفةَ ومالكٌ: هو سنة.
واختلفوا في الموالاة، وهي ألَّا يُؤَخَّرَ غسلُ عضوٍ حتى ينشفَ الذي
(١) في "ظ": "شيء منها".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٨)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٤٤ - ٦٤٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٩٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٩٤ - ١٩٥). قبلَه، فقال مالكٌ وأحمدُ: هي واجبةٌ، وقال أبو حنيفةَ والشافعيُّ: هي مسنونةٌ.
واختلفوا في التسميةِ، فقال الثلاثة: هي سُنَّةٌ، وقال أحمدُ: هي واجبةٌ، لكنْ تسقطُ سهوًا.
واختلفوا في المضمضةِ والاستنشاقِ، فقال أحمدُ: هما واجبان، ولا يسقطانِ سهوًا، وقال الثلاثة: هما سنَّةٌ.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ فاغتسلوا.
واختلفوا في المضمضةِ والاستنشاقِ في الغُسْلِ، فقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: هما فرضٌ، وقال مالكٌ والشافعيُّ: هما سنة كما في الوضوءِ.
واختلفوا في الدلكِ في الوضوءِ والغُسْلِ، فعند مالكٍ: هو شرطٌ، وعند الثلاثةِ: لا يُشترط إذا عَمَّ جسدَه بالماء.
واختلفوا في النيَّةِ في الوضوءِ والغُسلِ، فقال أبو حنيفةَ: هي مستحبَّةٌ، وقال الثلاثةُ: هي واجبةٌ، واختلافُهم في التسميةِ عندَ الغسلِ كاختلافِهم فيها عندَ الوضوء كما تقدم قريبًا (١).
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ أي: من الصعيدِ، وتقدَّم في سورةِ النساء تفسيرُ نظيرِ هذهِ الآيةِ، واختلافُ القراء فيها، واختلافُ الأئمة في حكمِها مستوفًى.
﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾ بالأمرِ بالطهارةِ للصلاةِ أو الأمرِ بالتيممِ.
(١) "كما تقدم قريبًا" سقط من "ظ".
المائدة 5:7
﴿لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ ضِيقٍ.
﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ منَ الأحداثِ والذنوبِ.
﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالترخُّصِ عندَ المرضِ والسفرِ.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: لتشكروا نعمتَهُ فَتُقْبِلوا على طاعته.
ودلتِ الآيةُ على المسحِ على الخفينِ، وهو جائزٌ بالاتفاق، فعندَ الثلاثةِ: يمسحُ المقيمُ يومًا وليلةً، والمسافرُ ثلاثةَ أيامٍ بلياليها، أولُها من الحدثِ بعدَ اللبس، وعند مالكٍ: لا توقيتَ فيه لمقيمٍ ولا لمسافرٍ، وشرطُه أن يُلْبَسَ بعدَ كمالِ الطهارةِ بالاتفاق.
واتفقوا على أن المسحَ يخصُّ ما حاذى ظاهرَ القدمين، ثم اختلفوا هل يُسَنُّ، مسحُ محاذي باطنِ القدمين؟ فقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: لا يسنُّ، وقال مالكٌ والشافعيُّ: يُسَنُّ، و (١) اختلفوا في قدرِ الإجزاءِ من المسحِ على الخفينِ، فقال أبو حنيفة: مقدارُ ثلاثةِ أصابعَ من اليدِ، وقال مالكٌ: يستوعبُ محلَّ الفرضِ، وقال الشافعي: ما يقعُ عليهِ اسمُ المسح، وقال أحمدُ: يجبُ مسحُ أكثرِ أعلاه.
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾.
[٧] ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بالإسلام.
﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾ أي: عهدَه الذي عهدَ إليكم.
(١) في "ظ": "ثم".
المائدة 5:8
﴿إِذْ قُلْتُمْ﴾ للنبيِّ - ﷺ -.
﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ وذلك حين بايعوا رسولَ الله عليه الصلاة والسلام على السمعِ والطاعةِ فيما أَحَبُّوا وكَرِهوا.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في نقضِ ميثاقِه.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بخفيَّاتها.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾.
[٨] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ لأجلِ ثوابِ اللهِ.
﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ أي: كونوا قائمينَ بالعدلِ قَوَّالينَ بالقسطِ.
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ يحملَنَّكمْ.
﴿شَنَآنُ﴾ بغضُ.
﴿قَوْمٍ﴾ يعني: المشركين. قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وأبو بكرٍ، بخلافٍ عن الأول (شَنْآنُ) بإسكان النون، والباقون: بالتحريك (١).
﴿عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ فيهم؛ لعداوتكم إياهم، بل (٢) ﴿اعْدِلُوا﴾ في أوليائِكُم وأعدائِكُم ﴿هُوَ﴾ أي: العدلُ.
(١) تقدمت عند تفسير الآية (٢) من هذه السورة.
(٢) "بل" زيادة من "ظ".
المائدة 5:9
﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وإذا كانَ هذا العدلُ معَ الكفارِ، فما ظَنُّكَ بالعدلِ معَ المؤمنين؟
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ فَيُجازيكم به.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩)﴾.
[٩] ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ هذا موضعُ النصب؛ لأن فعلَ الوعدِ واقعٌ على المغفرةِ، ورفعُها على تقديرِ: أيْ: وعدَهُمْ وقالَ لهم مغفرةٌ وأجرٌ عظيمٌ.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠)﴾.
[١٠] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ نزلَتْ في بني النَّضِيرِ، وقيلَ: في جميعِ الكفارِ.
ونزل لما أريدَ الفتكُ برسولِ الله - ﷺ -، فلم يُمَكِّنِ اللهُ منه، وذلكَ أنه عليه الصلاة والسلام جاءَ إلى قومٍ من اليهود، وهم كعبُ بنُ الأشرفِ وبنو النضير يستقرضُهم ديةَ مسلِمَيْنِ قتلَهما عَمْرُو بنُ أميةَ الضَّمْرِيُّ خطأً يحسبُهما مُشرِكَينِ، فقالوا: نعم، وهَمُّوا بقتله، فمنعه الله منهم:
***
المائدة 5:11
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾.
[١١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (١) بالدَّفع عنكم، و (نعمت) رُسمت بالتاء في أحدَ عشرَ موضعًا، وقفَ عليها بالهاءِ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ، والكسائيُّ.
﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ بالقتلِ، يقال: بسطَ إليهِ يدَهُ: إذا بطشَ بهِ، وبسطَ إليهِ لسانَهُ: إذا شَتَمَهُ.
﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ﴾ منعَها ﴿عَنْكُمْ﴾ أن تُمَدَّ إليكم.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فإنَّه الكافي لإيصالِ الخيرِ ودفعِ الشرِّ.
{وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
(١) انظر: "تفسير الطبري" (٦/ ١٤٤)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٠٦)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٤٩).
المائدة 5:12
الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ}.
[١٢] ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ من كلِّ سبطٍ نقيبًا، والنقيبُ: الضَّمينُ والأمين، وهو الذي ينقبُ عن الأمور، ويتعرَّفُها.
رُوي أن بني إسرائيل لما فرغوا من أمرِ فرعونَ، واستقرُّوا بمصرَ، أمرَ اللهُ موسى وقومَه بالخروجِ إلى أريحا من أرضِ الشامِ، وكان يسكنُها الكنعانيون الجبارون ومنهم (١) عوجُ بنُ عنق وأصحابُه، ونسبته لأم عناقَ بنتِ آدمَ عليه الصلاة والسلام، وكان طولُه ثلاثةَ آلافٍ وثلاثَ مئةٍ وثلاثةً وثلاثينَ وثلثَ ذِراع، وكان يَحْتَجِزُ بالسحابِ، ويشربُ منه، ويتناولُ الحوتَ من قَرارِ البحرِ فيشويهِ بعينِ الشمسِ يرفعُه إليها، ثم يأكلُه، وعاشَ ثلاثةَ آلافِ سنةٍ حتى أهلكَه الله على يدِ موسى عليه الصلاة والسلام، وذلك أنه قطع صخرةً على قدرِ عسكرِ موسى ليطرحَها عليهم، وكان العسكرُ فرسخًا في فرسخ، فبعثَ اللهُ الهدهدَ، فقوَّرَ الصخرةَ بمنقاره، فوقعتْ في عنقِه، فصرعَتْهُ، فوثب موسى عليه الصلاة والسلام، وكانت وثبتُهُ عشرةَ أذرعٍ، وطولُه مثلُ ذلك، وطولُ عصاته مثلُ ذلك، ولم يلحقْ إلا عرقوبَه، فضربَهُ فقتله، وتُركَ بموضعِه، وأردمَ عليه بالصخر والرمل (٢)، فكانَ كالجبلِ العظيمِ في صحراءِ مصرَ، ولما أمرَ اللهُ بني إسرائيلَ بالخروج إلى أريحا، قال لهم: إنِّي كتبتُها لكم دارَ قرارٍ، فاخرجوا إليها، وجاهدوا
(١) "ومنهم" زيادة من "ظ".
(٢) في "ظ": "بالرمل والصخر". مَنْ فيها؛ فإني ناصرُكم عليهم (١)، واتخذَ موسى من قومِهِ اثني عشرَ نقيبًا، فعاهدَهُم أن يكفلوا بقومِهم، ولا يحدِّثوهم بما يرونَ من الجبارين، فلما رأوهم وما هم عليه من عِظَمِ الأجسادِ، نقضوا العهدَ، وحدثوهم، إلا كالبَ بنَ يوقنا من سبطِ يَهوذا ختنَ موسى على أختِهِ مريمَ بنتِ عمران، ويوشعَ بنَ نون من سبطِ أَفراييمَ بنِ يوسفَ فتى موسى، وأما أسماءُ العشرةِ الذين نقضوا العهدَ من النقباء، فهم شموعُ بنُ زكور من سبطِ روبين (٢)، وشافاطُ (٣) بن حوري من سبطِ شمعون، ويغال بنُ يوسفَ من سبطِ يساخر، وبلطي بن رافوا من سبطِ بنيامين، وكدي بن سودي من سبطِ زبولون، وكدي بن سوسي من سبط منشا بنِ يوسفَ، وعميال بن كملي من سبط دان، وستورُ بن ميخائيل من سبطِ آشر، ونحبى بنُ وقسي من سبط نفتالي، وكوئيلُ بنُ ماخي من سبطِ كاد، فهؤلاء الذين دعا موسى عليهم، فهلكوا مسخوطًا عليهم (٤).
﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ ناصرُكم على عدوِّكم.
﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ عَظَّمتموهم.
﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ بالإِنفاقِ في سبيل الخيرِ.
﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ﴾ أي: لأمحوَنَّ عنكمُ.
(١) "عليهم" زيادة من "ظ".
(٢) في "ظ": "روبيل".
(٣) في "ش": "شافط".
(٤) انظر: "تفسير الطبري" (٦/ ١٧٤)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٥٠)، و"تفسير ابن كثير" (٢/ ٣٩).
المائدة 5:13
﴿سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أخطأَ طريقَ الحق.
...
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾.
[١٣] ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ أي: فبنقضِهم، و (ما) صلةٌ.
﴿مِيثَاقَهُمْ﴾ بتكذيبِ الرسلِ بعد موسى، وقتلِ الأنبياءِ، ونبذِ كتابِ الله، وتضييعِ فرائضِهِ.
﴿لَعَنَّاهُمْ﴾ طردْناهم من رحمتِنا.
﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ يابسةً لشوبهم الإيمانَ بموسى والتوراةِ بكفرِهم بمحمدٍ والقرآن. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ: (قَسِيَّةً) بتشديد الياء من غير ألف، وهما لغتان، مثل زاكِية وزَكِيَّة (١).
﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ أي: يُبدلون نعتَ محمدٍ - ﷺ -.
﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ في كتبِهم؛ لأنَّ من قسا قلبُه، يقدمُ على فعلِ (٢) ما لا يجوزُ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٩)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٥٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٩٧).
(٢) "فعل" زيادة من "ظ".
المائدة 5:14
﴿وَنَسُوا حَظًّا﴾ تركوا نصيبًا وافِيًا.
﴿مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ من الإيمانِ بمحمدٍ - ﷺ -، والقرآنِ.
﴿وَلَا تَزَالُ﴾ يا محمدُ.
﴿تَطَّلِعُ﴾ تظهرُ.
﴿عَلَى خَائِنَةٍ﴾ أي: خيانة.
﴿مِنْهُمْ﴾ أي: نقضِهم العهدَ، ومظاهرتهم المشركينَ في حَرْبِكَ.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ هم الذين آمنوا منهم.
﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ اتركْهم لا تتعرَّضْ لهم، ونُسخت بآية السيفِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
...
﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾.
[١٤] ونزل في النصارى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ سَمَّوا أنفسَهم بذلكَ ادِّعاءً لنُصرةِ اللهِ.
﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ أي: وأخَذْنا من النصارى ميثاقَهم على التوحيدِ والإيمانِ بالأنبياءِ مثلَ الميثاقِ المأخوذِ قديمًا على اليهود.
﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ فنقضوا الميثاقَ.
﴿فَأَغْرَيْنَا﴾ هَيَّجْنا.
﴿بَيْنَهُمُ﴾ أي: بينَ فرقِ النصارى المختلفَةِ.
المائدة 5:15
﴿الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ بالأهواءِ المختلفةِ؛ كاليعقوبيةِ، والملكائيةِ، والنسطورية، وغيرِهم (١)، فكل فرقة تكفِّرُ الأخرى، وتقدَّم اختلافُ القراءِ في حكم الهمزتينِ من كلمتينِ في سورةِ البقرةِ عندَ تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ﴾ [البقرة: ١٣٣]، وكذلك اختلافهم في قولِه: ﴿وَالْبَغْضَاءَ إِلَى﴾.
﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ بالعقاب والجزاء (٢).
...
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾.
[١٥] ثم قال مخاطبًا اليهود والنصارى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ وحدَّ الكتاب؛ لأنه للجنسِ.
﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ محمد - ﷺ -.
﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ كنعتِ محمدٍ - ﷺ -، وآيةِ الرجمِ في التوراةِ، وبِشارةِ عيسى بأحمدَ في الإنجيلِ.
﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ممَّا تُخفونه، فلا يؤاخذُكم به.
﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ هو محمدٌ - ﷺ -.
(١) "وغيرهم" زيادة من "ظ".
(٢) في "ظ": "بالجزاء وبالعقاب".
المائدة 5:16
﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ القرآنُ؛ فإنَّه يبيِّنُ الأحكامَ.
...
﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾.
[١٦] ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ﴾ أي: بالقرآنِ العظيمِ، وبمحمدٍ النبيِّ - ﷺ -، وَحَّدَ الضميرَ، لأنَّ المرادَ بهما واحدٌ.
﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ أي: ما رضيَهُ الله. قرأ أبو بكرٍ: (رُضْوان) و (رُضْوَانًا) بضمِّ الراء حيثُ وقعَ سوى هذا الحرفِ، ونُبِّهَ عليه في سورة آل عمران (١).
﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ طرقَ السلامةِ الموصلةَ إلى الجنةِ.
﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ من أنواعِ الكفرِ.
﴿إِلَى النُّورِ﴾ إِلى الإيمان.
﴿بِإِذْنِهِ﴾ بإرادتِه.
﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ طريقٍ هو أقربُ الطرقِ إلى اللهِ تعالى.
...
{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ
(١) انظر: تفسير الآية (١٥) من سورة آل عمران.
المائدة 5:17
وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)}.
[١٧] ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وهم اليعقوبيةُ والملكائيةُ من النصارى، يقولون: المسيح هو الله.
﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: فمن يمنعُ من قدرته شيئًا.
﴿إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ أعلمَ اللهُ سبحانه وتعالى أَنَّ المسيحَ بنَ مريمَ لو كانَ إلهًا، لقدرَ على دفعِ ما ينزلُ به أو بغيرِه، وقد أمات الله أُمَّه ولم يتمكَّنْ من دفع الموتِ عنها، فلو أهلكَهُ هو أيضًا، فمَنْ يدفعه عن ذلك؟
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ والمسيحُ وأُمُّهُ بينَهما مخلوقانِ محدودانِ، وما أحاطَ به الحدُّ والنهايةُ، لا يصحُّ للإلهيةِ (١) وقال: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، ولم يقل: بينهنَّ؛ لأنه أرادَ النوعينِ.
﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ من ذكرٍ وأنثى، ومن أمٍّ بلا أبٍ؛ كعيسى، ومن أبٍ بلا أم؛ كحواء (٢)، ومن غير أبي ولا (٣) أم؛ كآدمَ عليه السلام، لا اعتراض عليه عزَّ وجلَّ في خلقِه، ولا في ملكِه.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
...
(١) في "ظ": "للألوهية".
(٢) "ومن أن بلا أم كحواء" زيادة من "ظ".
(٣) "لا" زيادة من "ظ".
المائدة 5:18
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾.
[١٨] ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ قيل: أرادوا أنَّ اللهَ لهمْ كالأبِ في الشفقةِ والرحمةِ، وهم كالأبناءِ له في المنزلةِ عندَه، والقربِ منه - عزَّ وجلَّ -، فأمر سبحانه وتعالى نبيَّه محمدًا - ﷺ - أن يقولَ لهم مُنْكِرًا عليهم ما قالوا (١).
﴿قُلْ﴾ إنْ صحَّ ما زعمتُم.
﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ لأنَّ الحبيبَ لا يعذِّبُ حبيبَه، والوالدُ لا يعذبُ ولده، وقد عُذِّبْتُم بالمسخِ قديمًا، واعترفتم أنه سيعذِّبُكم بالنارِ أيامًا معدودةً.
﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ من بني آدمَ.
﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وهم المؤمنونَ.
﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ وهم الكفار (٢).
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ فلا شريكَ يعارِضُه فيهما (٣).
﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: يَؤولُ أمرُ العبادِ إليه في الآخرةِ.
...
(١) "ما قالوا" زيادة من "ظ".
(٢) في "ظ": "الكافرون".
(٣) "فيهما" زيادة من "ظ".
المائدة 5:19
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾.
[١٩] ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ محمد - ﷺ -.
﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ شرائعَ الإسلامِ.
﴿عَلَى فَتْرَةٍ﴾ انقطاعِ وجودِ أحدٍ (١).
﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ وكانتِ الفترةُ بينَ محمدٍ وعيسى -عليهما الصلاة والسلام- خمسَ مئةٍ ونحوَ تسعين سنةً، وقيلَ غيرُ ذلك، فكانت الرسلُ تَتْرى من (٢) موسى إلى عيسى -عليهما الصلاةُ السلام-، ولم يكن بعدَ عيسى عليه السلام سوى نبيِّنا محمدٍ - ﷺ -.
﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ لَئِلَّا تقولوا معتذرينَ:
﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ أي: مبشرٍ ومنذرٍ، والفاءُ بعدَها متعلقةٌ بمحذوفٍ تقديرُه: لا تعتذروا.
﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ نزلَتْ لما قالتِ اليهودُ: ما أنزلَ اللهُ من كتابٍ بعدَ موسى، ولا أرسلَ بعدَه من بشيرٍ ولا نذيرٍ.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيقدرُ على إرسال مَنْ شاءَ من خلقِهِ.
...
(١) "وجود أحد" زيادة من "ظ".
(٢) في "ن": "بين".
المائدة 5:20
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ فأرشدَكُم بهم، ولم يبعث في أُمَّةٍ ما بعثَ في بني إسرائيلَ من الأنبياءِ.
﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ أصحابَ حَشَمٍ وخَدَمٍ.
﴿وَآتَاكُمْ﴾ من الثمن والسَّلْوى وتظليلِ الغَمامِ وفَلْقِ البحرِ وغيرِ ذلكَ من النِّعَمِ.
﴿مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يعني عالَمي زمانِكم، تبيينٌ من اللهِ تعالى أَنَّ أسلافَهم تمرَّدوا على موسى -عليه الصلاة والسلام-، وعصَوْه، فكذلكَ هؤلاءِ مع محمدٍ - ﷺ -، وهو تسليةٌ - ﷺ -.
...
﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١)﴾.
[٢١] ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ هي أرضُ بيتِ المقدسِ أو أَريحا. قرأ الكسائيُّ: (الْمُقَدَّسَةَ) بإمالةِ السينِ حيثُ وقفَ على هاءِ التأنيثِ. المعنى: اسكنوا الأرضَ الطاهرةَ.
﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ في اللوحِ المحفوظِ قبلَ خلقِكم أَنَّكم تقتسمونها، وتسكنونَها بعدَ أعدائكم ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ لا ترجِعوا على أعقابِكم منهزمينَ خوفَ العدوِّ.
﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾ بالخيبة ﴿خَاسِرِينَ﴾ ثوابَ الدارَيْنِ.
وأما حدودُ الأرضِ المقدسةِ، فمنَ القِبْلَةِ أرضُ الحجازِ الشريفِ، يفصلُ بينَهُما جبالُ الشورى، وهي جبالٌ منيعةٌ بينَها وبينَ أيلةَ نحوُ مرحلةٍ، وسطحُ أيلةَ هو أولُ حدِّ الحجازِ من جهةِ الشامِ، وهي من تيهِ بني إسرائيلَ، وبينَها وبينَ بيتِ المقدسِ نحوُ ثمانيةِ أيامٍ سير الأثقال، ومن الشرقي من بعدِ دومةِ الجندلِ بريةُ السَّماوَةِ، وهي كبيرةٌ ممتدةٌ إِلى العراقِ، ينزلُها عربُ الشام، ومسافتُها عن بيتِ المقدس نحوُ مسافةَ أيلةَ، ومنَ الشَّمالِ مما يلي الشرقَ نهرُ الفراتِ، ومسافتُه عن بيتِ المقدسِ نحوُ عشرين يومًا سير (١) الأثقالِ، فيدخلُ في هذا الحدِّ المملكةُ الشاميةُ بكمالِها، ومن الغربِ بحرُ الرومِ، وهو البحرُ المالحُ ومسافتُه عن بيتِ المقدسِ من جهةِ رَمْلَةِ فلسطينَ نحوُ يومينِ، ومن الجنوبِ رمل مصرَ والعريشُ، ومسافتُه عن بيتِ المقدسِ نحوُ خمسةِ أيامٍ سير الأثقالِ، ثم يليهِ تيهُ بني إسرائيلَ وطورُ سيناءَ، ويمتدُّ من تلكَ الجهةِ إلى تبوكَ، ثم دومةُ الجندلِ المتصلةُ بالحدِّ الشرقيِّ، ويأتي ذكرُ حدِّ حرمِ مكةَ في سورةِ التوبة، وحرمِ المدينةِ في سورةِ الأحزابِ إن شاء الله تعالى.
...
﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢)﴾.
(١) في "ن": "بسير".
المائدة 5:22
[٢٢] ولما علمَ بنو إسرائيلَ بإخبارِ نُقبائِهم أحوالَ الجبابرةِ (١)، وما هم عليه من الشدةِ والمنعَةِ وعِظَمِ الأجسادِ، جَبنُوا عن لقائِهم ودخولِ أرضِهم.
﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ متغلِّبينَ، والجبارُ: هو الذي يُجبر الناسَ على ما يُريد، وكانوا من العمالقةِ وبقيةِ قومِ عادٍ. قرأ الدوريُّ عن الكسائيِّ، وورشٌ بخلافٍ عن الثاني (جَبَّارِينَ) بالإمالة (٢).
﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ إذْ لا طاقةَ لنا بهم.
...
﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ من النُّقباء هما (٣) كالبُ ويوشعُ.
﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ اللهَ ويتقونَهُ.
﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ بالإيمانِ والتثبيتِ.
﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ بابَ مدينتِهم.
﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ لتعسُّرِ الكرِّ عليهم في المضائقِ من عظمِ
(١) في "ظ": "الجبارين".
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٠٢)، و"إتحاف فضلاء البشر، للدمياطي (ص: ١٩٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٠١).
(٣) في "ت": "هم" وهي ساقطة من "ن".
المائدة 5:24
أجسامهم (١)؛ لأنهم أجسامٌ لا قلوبَ فيها، فلا يهولَنَّكمْ منظرُهم، وعَلِما ذلكَ لأنَّ موسى عليه الصلاة والسلام أعلمهما أنَّ الغلبةَ لبني إسرائيل.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بهِ، ومصدِّقينَ لوعدِه.
...
﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا﴾ نَفَوا دخولَهم على التأكيدِ والتأبيدِ.
﴿مَا دَامُوا فِيهَا﴾ ثم إنَّهم لجهلِهم واستخفافِهم بموسى عليه الصلاة والسلام قالوا له: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ جَهِلوا صفةَ الربِّ سبحانَهُ، ووصفوهُ بالذهابِ والانتقالِ، وهو مُتَعالٍ عن ذلكَ، وهذا يدلُّ على أنهم كانوا مُشَبِّهَةً.
...
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥)﴾.
[٢٥] ولما رأى موسى عليه الصلاة والسلام مخالفةَ بني إسرائيلَ وتمرُّدَهم.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ لا يملكُ إِلا نفسه.
(١) في "ظ": "أجسادهم".
المائدة 5:26
﴿فَافْرُقْ﴾ فافْصِلْ.
﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ بأنْ تحكمَ لنا بما نستحقُّهُ، وتحكمَ عليهم بما يستحقُّونَ، قالَه شَكْوى بَثِّهِ وحزنِهِ إلى اللهِ تعالى لما خالفَهُ قومُه، ولم يبقَ مَعُه مرافقٌ له (١) غيرُ أخيهِ هارونَ عليه الصلاة والسلام، والرجلانِ المذكورانِ.
...
﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿قَالَ﴾ اللهُ تعالى.
﴿فَإِنَّهَا﴾ أي: الأرضَ المقدسةَ.
﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ ممنوعةٌ منهم (٢) لا يدخلونَها بسببِ عصيانِهم.
﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يتردَّدون فيها متحيِّرينَ.
﴿فَلَا تَأْسَ﴾ تحزنْ.
﴿عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ خاطبَ بهِ موسى عليه الصلاة والسلام لما ندمَ على الدُّعاء عليهم، فلبثوا أربعينَ سنةً في ستةِ فراسخَ يسيرونَ كلَّ يومٍ جادِّينَ، فإذا أَمْسَوْا، كانوا في الموضِعِ الذي ارتحلُوا عنهُ، وكانوا ستَّ مئةِ ألفِ مقاتلٍ. والتيهُ: أرضٌ بالقربِ من أيلةَ التي هي حدُّ أرضِ (٣) الحجازِ من
(١) "له" زيادة من "ظ".
(٢) "منهم" زيادة من "ظ".
(٣) "أرض" زيادة من "ظ". جهةِ الشامِ، وطولُ أرضِ (١) التيهِ نحوٌ من ستةِ أيام، والصحيحُ أنَّ موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام كانا في التيه، ولم يكنْ عقوبةً لهما، بل كانَ راحةً ورحمةً؛ كإبراهيمَ عليه الصلاة والسلام حين أُلقيَ في النار، وماتَ هارونُ عليه السلام في التيه، كما تقدَّم في أواخرِ سورةِ النساءِ، ولم يحضر بنو إسرائيلَ موتَه، فاتهموا موسى بقتلِه، فقالَ لهم: يا سفهاءَ بني إسرائيلَ! ماذا لقيتُ منكم؟ أقتلُ أخي وشقيقي وعَضُدي؟! ثم دعا اللهَ تعالى أن يبرئَهُ عندَهم من ذلك (٢)، فأمر اللهُ الملائكةَ أن يحملوا سريرَ هارون الذي وُضعَ عليهِ بداخلِ الكهفِ الذي دُفنَ فيه، فحملوه في الهواء بينَ السماءِ والأرض، ونادتِ الملائكةُ: يا بني إسرائيلَ! لا تتَّهِموا موسى بقتلِ أخيهِ هارونَ (٣)، فهذا سريرُه قد قبضَهُ اللهُ تعالى، فحزنَ بنو إسرائيلَ على موته؛ لأنه كانَ محبوبًا عندَهم، ولم يدخلِ الأرضَ المقدسةَ أحدٌ مِمَّنْ قالَ: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا﴾، فلما انقرضوا على رأسِ أربعينَ سنةً، سارَ موسى بالمؤمنينَ نحوَ القريةِ إلى بابِ حِطَّةَ، ومكتوبٌ عليه اسمُ اللهِ الأعظمُ، وأقبلَ المؤمنون فسجَدُوا عندَ الباب، ودخلَ أولادُ الفاسقينَ، وبدَّلوا قولًا غيرَ الذي قِيلَ لهم كما تقدَّم في سورةِ البقرةِ، وغلبَ موسى على مدينةِ أَريحا، ثم تُوفي موسى بعدَ وفاةِ هارونَ بأحدَ عشرَ شهرًا.
وفي "الصحيح" من حديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: "أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى، فَلَمَّا جَاءَهُ، صَكَّهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ عز
(١) "أرض" زيادة من "ظ".
(٢) "من ذلك" زيادة من "ظ".
(٣) "هارون" زيادة من "ظ". وجل، فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لاَ يُرِيدُ الْمَوْتَ! قَالَ (١): فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجعْ وَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِكُل مَا غَطَّتْ بهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَة، قَالَ: أَيْ رَبّ! ثُمَّ ماذا؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ، قَالَ: فَالآنَ، فَسَأَلَ اللهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: فَلَوْ كُنْتُ ثَمَ، لأَرَيْتكمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثيبِ الأَحْمَرِ" (٢)، وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ قَدْرُ عمرِه، وتاريخُ وفاتِه، ومحلُّ قبرِهِ عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١].
ولما تُوفي موسى عليه السلام، قامَ بعدَ وفاتِه بتدبيرِ بني إسرائيلَ يوشعُ بنُ نون، بعثَه اللهُ نبيًّا، وأمرَهُ بقتلِ الجبارين، فتوجَّهَ ببني إسرائيلَ إلى أَريحا، وأحاطَ بها ستةَ أشهرٍ، فلما كانَ الشهر (٣) السابعُ، نفخوا في القرونِ، وضجَّ الشعبُ ضجةً واحدةً، فسقطَ السورُ، ودخلوا، فقاتلوهم، وهجموا على الجبارينَ فهزموهم وقتلوهم، وكان ذلكَ في (٤) يومِ الجمعةِ، وقد بقيتْ منهم بقيةٌ، وكادتِ الشمسُ تغرُبُ وتدخلُ ليلةُ السبتِ، فدعا يوشعُ وقال: اللهمَّ ارْدُدِ الشمسَ عليَّ، وسألَ الشمسَ أن تقفَ، والقمرَ أن يقيمَ (٥) حتى ينتقمَ من أعداءِ اللهِ قبلَ دخولِ السبتِ (٦)، فوقفتِ الشمسُ،
(١) "قال" ساقطة من "ظ".
(٢) رواه البخاري (١٢٧٤)، كتاب: الجنائز، باب: من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها، ومسلم (٢٣٧٢)، كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى عليه السلام.
(٣) "الشهر" زيادة من "ظ".
(٤) "ذلك في" زيادة من "ظ".
(٥) في "ظ": "يقتمر".
(٦) "قبل دخول السبت" ساقطة من "ظ".
المائدة 5:27
وزِيدَ في النهارِ ساعة حتى قتلَهم أجمعينَ، وتتَبَّعَ ملوكَ الشامِ واستباحَهم، وملكَ الشامَ، وفَرَّقَ فيها عمالَه، واستمرَّ يدبِّرُ بني إسرائيلَ ثماني وعشرينَ سنةً، ثم تُوفي وله مئةٌ وعشرُ سنينَ، ودُفن في كفل حارس: قريةٍ من أعمالِ نابُلُسَ، وقيل: إنه مدفونٌ في المعرَّةِ، وفي القصةِ اختلافٌ بين المفسرينَ والمؤرخين، واللهُ أعلمُ (١).
...
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾.
[٢٧] ثم أمرَ اللهُ سبحانه وتعالى نبيه (٢) محمدًا - ﷺ - أن يقصَّ على حاسديهِ ما جرى بسببِ الحسدِ؛ ليتركوهُ ويؤمنوا، فقال:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ هابيلَ وقابيلَ.
﴿بِالْحَقِّ﴾ خبرهما مُتَلَبِّسًا بالصدق. قرأ السوسيُّ عن أبي عَمْرٍو (آدَمْ بِالْحَقِّ) وشبهَهُ بإسكانِ الميمِ عندَ الباء، وتقدَّم الكلامُ عليه في سورةِ البقرةِ.
﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ وكان سببُ قربانهما أنَّ حواءَ كانتْ تحمل (٣) في كلِّ بطنٍ غلامًا وجاريةً، وجميعُ أولادِها أربعونَ ولدًا في عشرينَ بطنًا، إِلَّا شيثًا عليه السلام وُلِدَ منفردًا، وكان آدم عليه السلام (٤) يزوِّجُ أنثى هذا البطنِ بغيرِ ذكرِه، فقالَ لقابيلَ: إن الله تعالى أمرني أن أُنكح أختكَ إقليميا بهابيلَ،
(١) انظر: "تفسير الطبري" (١/ ٤٤١)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٦١).
(٢) "نبيه" زيادة من "ظ".
(٣) في "ظ": "تلد".
(٤) في "ظ" زيادة: "فإنه". وأُنكحك أختَه ليودا (١)، فقبلَ هابيلُ، وأبى (٢) قابيلُ، وكانت أختُ قابيلَ أحسنَ من أختِ هابيلَ، فقالَ له أبوه: إنها لا تحلُّ لكَ، فأبى أن يقبلَ ذلك، وقالَ: إن الله لم يأمرْهُ بهذا، وإنما هو من رأيِه، فقال لهما آدمُ عليه الصلاة والسلام: قَرِّبا قربانًا، فأيُّكما قُبِلَ قربانُه، فهوَ أحقُّ بإقليميا، وكانتِ القرابين إذا قُبلت، نزلَتْ نارٌ من السماءِ بيضاءُ فأكلَتْها، وإذا لم تكنْ مقبولةً، لم تنزلِ النارُ إِليها (٣) وتأكلُها الطيورُ والسباعُ، فخرجا ليقربا القربانَ، وكان قابيلُ صاحبَ زَرْعٍ، فقرَّبَ صُبْرَة من طعامٍ من أردأ زرعِه، وأضمرَ في نفسِه، وقالَ (٤): ما أُبالي أَتقبلُ مني أم لا، لا يتزوَّجُ أختي أبدًا، وكان هابيلُ صاحبَ غَنَمٍ، فعمَدَ إلى أحسنِ كبشٍ في غنمِه، فقرب به (٥)، وأضمرَ في نفسِه رِضا اللهِ -عز وجل-، فوضَعا قربانَهما على الجبل، ثم دعا آدمُ عليه السلام، فنزلت نارٌ من السماءِ فأكلَتْ قربانَ هابيل، ولم تأكلْ قربانَ قابيل، ورُفع قربانُ هابيل، فبقيَ في الجنةِ يرعى حتى فُدِي به إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ -عليهما الصلاة والسلام-، فذلك قوله تعالى:
﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا﴾ (٦) يعني: هابيلَ.
﴿وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ يعني: قابيل، فازداد حَنَقًا في هابيلَ وتهدَّدَهُ.
﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ قال: لِمَ؟ قالَ: لأنَّ اللهَ قبلَ قربانَكَ ولم يَقبلْ قُرباني،
(١) في "ظ": "بيودا".
(٢) في "ظ": "ولم يقبل".
(٣) "إليها" زيادة من "ظ".
(٤) "وقال" زيادة من "ظ".
(٥) في "ظ": "فقربه".
(٦) انظر: "تفسير الطبري" (٦/ ١٨٨)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٦٢ - ٦٦٣).
المائدة 5:28
وتنكحُ أختي الحسناءَ، وأنكحُ أختكَ الذميمةَ، فيتحدَّثُ الناسُ أَنَّك خيرٌ مني.
﴿قَالَ﴾ له هابيل: لا ذنبَ لي.
﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ وأنتَ غيرُ متقٍ.
...
﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨)﴾.
[٢٨] وكان هابيلُ أقوى وأبطشَ من أخيهِ قابيلَ (١)، ولكنْ كانَ في شريعتِهم أنَّ الرجلَ إذا أرادَ قتلَه رجلٌ آخرُ، لا يمتنعُ عليه، فلذلك قال له:
﴿لَئِنْ بَسَطْتَ﴾ مددت (٢).
﴿إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ﴾ أي (٣): بمادٍّ.
﴿يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. قرأ ابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ، وخلفٌ، ويعقوبُ: (يَدِي إِلَيْكَ) بإسكانِ الياء، والباقون: بفتحها (٤)، وقرأ حمزةُ، وعاصمٌ، والكسائيُّ،
(١) "قابيل" زيادة من "ظ".
(٢) "مددت" زيادة من "ظ".
(٣) "أي" ساقطة من "ظ".
(٤) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٠١)، و"الكشف" لمكي (١/ ٤٢٤)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٠٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٠٣).
المائدة 5:29
وخلفٌ، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (إِنِّي أَخَافُ) بإسكانِ الياء، والباقونَ: بفتحها (١).
...
﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾.
[٢٩] ولما صمَّمَ قابيل (٢) على قتلِ أخيه ومخالفةِ اللهِ تعالى، وأبيه، قال له هابيلُ:
﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ﴾ ترجع. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (إِنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٣).
﴿بِإِثْمِي﴾ بإثم قتلي إذا قتلتني.
﴿وَإِثْمِكَ﴾ بإثم معاصيك.
﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ بقتلي.
﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ وهذا دليل على أنهم كانوا في ذلك الوقت مكلَّفين قد لحقهم الوعد والوعيد.
...
﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)﴾.
[٣٠] ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ شَجَّعَتْهُ وَزيَّنَتْ له.
(١) انظر: المصادر السابقة.
(٢) "قابيل" زيادة من "ظ".
(٣) انظر: المصادر السابقة.
المائدة 5:31
﴿قَتْلَ أَخِيهِ﴾ فَجَأَةً اغتيالًا وهو نائم عندَ جبلِ ثورٍ بمكةَ، وقيلَ غيرُه.
﴿فَقَتَلَهُ﴾ والمقتولُ ابنُ عشرين سنةً.
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ دِينًا ودُنيا، وبقي مدةَ عمرِه مطرودًا محزونًا.
...
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)﴾.
[٣١] فلما قتلَه، تركَه بالعراء، ولم يدرِ ما يصنعُ به؛ لأنه كانَ أولَ ميتٍ على وجهِ الأرضِ من بني آدمَ، وقصدَهُ السِّباعُ لتأكلَه (١)، فحمله في جِرابٍ على ظهرِه أربعينَ يومًا حتى أَرْوَحَ وأَنْتَنَ (٢).
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾ أي: غرابين تقاتلا (٣) فقتل أحدُهما الآخرَ، فجعلَ.
﴿يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يحفرُ فيها (٤) حُفيرةً، فوارى فيها الغرابَ المقتولَ، وفعلَ ذلك.
﴿لِيُرِيَهُ﴾ أي: ليريَ قابيلَ.
﴿كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ أي: جيفته، فَثَمَّ قال:
(١) "لتأكله" زيادة من "ظ".
(٢) "وأنتن" زيادة من "ظ".
(٣) "تقاتلا" زيادة من "ظ".
(٤) "أي: يحفر فيها" زيادة من "ظ". ﴿قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ على حملِه، لا على قتلِه. قرأ الدوريُّ عن الكسائيِّ بخلافٍ عنه: (يُوَارِي) (فَأُوَارِي) بالإمالةِ، ووقفَ رويسٌ بخلافٍ عنهُ: (يَا وَيْلَتَاه) (يَا أَسَفَاه) (يَا حَسْرَتَاه) بزيادةِ هاءٍ (١).
قالَ ابنُ عباس رضي الله عنهما: لما قُتِلَ ولدُ آدمَ عليه السلام وهو بمكةَ، اشتاكَ الشجرُ، وتغيرتِ الأطعمةُ، وحَمِضَتِ الفواكهُ، واغبرَّتِ الأرضُ، فقالَ آدمُ: قد حدثَ في الأرضِ حدثٌ، فكانَ قتلُ ولدِه (٢).
وقال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما أيضًا (٣): مَنْ قالَ: إنَّ آدمَ قالَ شعرًا، فقد كذبَ؛ إنَّ محمدًا والأنبياءَ في النهي عن الشعر سَواءٌ، بل رثىَ ولدَه بالسريانية، فأخذها يعربُ بنُ قحطانَ، وكان يتكلَّمُ بالعربيةِ والسريانيةِ، وهو أولُ مَنْ خَطَّ بالعربية، وكانَ يقولُ الشعرَ، فرتَّبَها ووزنَها شعرًا، وهي:
تغيَّرَتِ الْبِلاَدُ وَمَنْ عَلَيْهَا؍ فَوَجْهُ الأَرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيحُ؍
تغيَّرَ كُلُّ ذِي طَعْمٍ وَلَوْنِ؍ وَقَلَّ بَشَاشَةُ الْوَجْهِ الصبِيحِ؍
وزيدَ فيه أبياتٌ منها:
وَمَا لِي لاَ أَزِيدُ بِسَكْبِ دَمْعٍ؍ وَهَابِيلٌ تَضَمَّنَهُ الضَّرِيحُ؍
أَرَى طُولَ الْحَيَاةِ عَلَيَّ غَمًّا؍ فهَلْ أَنَا مِنْ حَيَاتِي مُسْتَرِيحُ؍
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٦٩، ١٩٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٦٦٥)، و"تفسير القرطبي" (٦/ ١٣٩).
(٣) "أيضًا" زيادة من "ظ".
المائدة 5:32
وبعدَ قتلِ هابيلَ بخمسِ سنينَ، ولدتْ حواءُ شيثًا، وتفسيرُه: هِبَةُ الله، يعني: أنه خلفٌ من (١) هابيلَ، وأُنزل عليه خمسونَ صحيفةً، وصار وصيَّ آدمَ ووليَّ عهدِه، وبقي نسلُه، وأما قابيلُ فإِنه (٢) هربَ بأختِهِ إقليميا، وعبدَ النارَ، واتخذَ أولادُه آلاتِ اللهو، وانهمكوا في اللهو (٣) وشربِ الخمورِ والزنا والفواحش، وعبادةِ النار، حتى غَرَّقهم الله تعالى بالطوفان أيام نوح عليه السلام (٤).
﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)﴾.
[٣٢] قال - ﷺ -: "لاَ تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ (٥) الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا؛ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ" (٦).
﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ أي: بسببِ ذلكَ القتلِ. قرأ أبو جعفرٍ: (مِنِ اجْلِ ذَلِكَ)
(١) في "ظ": "عن".
(٢) "فإنه" زيادة من "ظ".
(٣) في "ظ": "الملاهي".
(٤) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٦٦٥)، و"تفسير القرطبي" (٦/ ١٤٠).
(٥) "آدم" سقطت من "ظ".
(٦) رواه البخاري (٣١٥٧)، كتاب: الأنبياء، باب: خلق آدم صلوات الله عليه وذريته، ومسلم (١٦٧٧)، كتاب: القسامة، باب: بيان إثم من سن القتل، عن ابن مسعود -رضي الله عنه-. بكسر النونِ وحذفِ الهمزة ونَقْلِ حركتِها إلى نون (مِن)، وهي لغة، وقراءة العامة: بجزم النونِ وفتح الهمزة مقطوعًا (١).
﴿كَتَبْنَا﴾ قضينا.
﴿عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وخُصَّ بنو إسرائيل بالذكر؛ لأن قتل النفس فيهم كان محظورًا؛ لأنهم أولُ أمةٍ نزلَ الوعيدُ عليهم في قتلِ الأنفس بحسبِ طغيانِهم وسفكِهم الدماءَ.
﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ﴾ قتل.
﴿نَفْسٍ﴾ أي: لم يقتلها قصاصًا.
﴿أَوْ﴾ بغير.
﴿فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ من كفرٍ وزِنًا أو قطعِ طريقٍ ونحوِ ذلك.
﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ من حيثُ إن قتلَ الواحد والجميع سواءٌ في استجلابِ غضبِ الله، والعذابِ العظيمِ.
﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي: استنقذها من هلكة.
﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ أي: يجبُ على الكلِّ شكرُه.
﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالآيات الواضحة تأكيدًا للأمر. قرأ أبو عمرٍو (رُسْلُنَا) بجزم السين، والباقون: برفعها، وكذلك (رسلهم) و (رسلكم) حيثُ وقعَ (٢).
(١) انظر: "المحتسب" لابن جني (١/ ٢٠٩)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٦٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٠٦).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٥)، و"الكشف" لمكي (١/ ٤٠٨)، و"الغيث" =
المائدة 5:33
﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: المكتوبِ عليهم.
﴿فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ بالقتلِ وانتهاكِ المحارمِ، والإسرافُ: التباعدُ عن حدِّ الاعتدالِ في الأمر.
...
﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾.
[٣٣] وعن أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله تعالى عنه: "أَنَّ قَوْمًا مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، [فَأَسْلَمُوا، ثُمَّ إِنَّهُمْ مَرِضُوا، وَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -] (١) بِلِقَاحِ مِنْ الصَّدَقَةِ، وأمرهم أَنْ يشربوا من أبوالِها وأَلبانِها، فانطلقوا، وفعلوا ذلك، فلما صَحُّوا، قَتلوا الراعيَ، وساقوا النَّعَمَ، فبلغَ ذلكَ (٢) النبيَّ - ﷺ - خبرهم (٣) من أولِ النهارِ، فأرسلَ في إثرِهم، فما ارتفعَ النهارُ حتى جِيءَ بهم إليه، فأمر بهم فَقُطعت أَيديِهم وأرجلُهم، وسمر (٤) أعينهُم، وأُلقوا في الحَرَّةِ يَسْتسقونَ فلا يُسْقَوْنَ".
= للصفاقسي (ص: ٢٠٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢٠٧).
(١) ما بين معكوفتين سقطت من "ش".
(٢) "ذلك" زيادة من "ظ".
(٣) "خبرهم" ساقطة من "ظ".
(٤) في "ظ": "سملت". وحكى أهلُ التاريخِ أنهم قطعوا أيدي الراعي ورجليه، وغرزوا الشوكَ في عينيه حتى ماتَ، وأُدخلَ المدينةَ ميتًا، وكان اسمه يسارًا، وكان نُوبِيًّا رحمه الله، وكانَ هذا الفعل من هؤلاء (١) المرتدين سنةَ ستٍّ من الهجرةِ الشريفة (٢).
قال أبو قلابةَ: فهؤلاء قومٌ سرقوا وقَتَلوا وكفروا بعدَ إيمانهم، وحاربوا اللهَ ورسولَه (٣). قال (٤): فأنزلَ الله في ذلكَ:
﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ أي: أولياءه.
﴿وَرَسُولَهُ﴾ ومحاربةُ المسلمينَ في حكمِ محاربةِ رسوله.
﴿وَيَسْعَوْنَ﴾ أي: وَسَعوا ﴿فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ أي: مفسدين.
﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ﴾ الذي ذكرت من الحدِّ.
﴿لَهُمْ خِزْيٌ﴾ ذل وفضيحةٌ.
﴿فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لِعِظَمِ ذنوبهم.
...
(١) "هؤلاء" زيادة من "ظ".
(٢) "الشريفة" زيادة من "ظ".
(٣) رواه البخاري (٦٤١٩)، كتاب: المحاربين من أهل الكفر والردة، باب: لم يسق المرتدون المحاربون حتى ماتوا، ومسلم (١٦٧١)، كتاب القسامة، باب: حكم المحاربين والمرتدين.
(٤) "قال" ساقطة من "ظ".
المائدة 5:34
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾.
[٣٤] ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ أي: فإن جاؤوا قبلَ القدرةِ عليهم تائبينَ، استثناءٌ مخصوصٌ بما هو حقُّ الله تعالى، يدلُّ عليه قوله عز وجل: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
اتفقَ الأئمةُ رضي الله عنهم على أن حكمَ هذه الآيةِ مرتَّبٌ (١) في المحارِبين، وهم قطاعُ الطريقِ من أهلِ الإسلامِ، وإن كانتْ نزلتْ في المرتدِّين، وقد ثبتَ في "صحيح مسلم"، و"كتاب النسائي"، وغيرِهما: أن النبيَّ - ﷺ - إنَّما سَمَلَ أعينَ أولئكَ؛ لأنهم سملوا أعينَ الرعاء (٢)، فكان هذا (٣) قصاصًا منه.
واختلفوا فيمن يستحقُّ اسمَ المحاربة، فقال أبو حنيفةَ رحمه الله: لا تكونُ المحاربةُ في المِصْرِ، إنما تكون خارجًا من المصر، وخالفه أبو يوسفَ فقال: لو كانَ في المصر ليلًا، أو بينهم وبين المصر أقلُّ من مسيرة سفر، فهم قطاعُ الطريق، وعليه الفتوى؛ نظرًا لمصلحةِ الناسِ، وقال مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ رحمهم الله تعالى: حكمُهم في المصرِ والصحراءِ واحدٌ.
(١) في "ت": "مترتب".
(٢) رواه مسلم (١٦٧١)، (٣/ ١٢٩٨)، كتاب: القسامة، باب: حكم المحاربين والمرتدين، والنسائي (٤٠٤٣)، كتاب: تحريم الدم، باب: ذكر اختلاف طلحة بن مصرف ومعاوية بن صالح على يحيى بن سعيد في هذا الحديث.
(٣) في "ظ": "ذلك". واختلفوا في حكمِ المحاربِ، فقال أبو حنيفةَ رحمه الله: إذا قتلَ ولم يأخذْ مالًا، قُتِلَ، وإن لم يكنِ المقتولُ مكافِئًا له، وإن أخذَ المالَ ولم يَقتلْ، قُطعت يدُه ورجلُه من خلافٍ، وإذا أخذَ المالَ وقَتَل، فالسلطانُ مخيَّرٌ فيه، إن شاءَ قطع يدَه ورجلَه، وإن شاء لم يقطعْ، وقتلَه وصلَبَهُ، ولا يُصْلَبُ أكثرَ من ثلاثةِ أيام.
وقال مالكٌ: الإمامُ مخيرٌ في الحكم على المحاربين، يحكمُ عليهم بما شاءَ من الأحكامِ التي أوجبها الله تعالى؛ من القتلِ، أو الصلبِ، أو القطعِ، أو النفي، وإن لم يقتلوا ولم يأخذوا مالًا، على ما (١) يراهُ فيهم ردعًا لهم، ولا يُشترط أن يكونَ المقتولُ مكافئًا له يقول أبي حنيفة رحمه الله.
وقال الشافعيُّ رحمه الله تعالى: إذا أخذَ المالَ، قُطعتْ يدُه اليمنى ورجلُه اليسرى، فإن عادَ، فَيُسراه ويُمناه، وإذا قتلَ مَنْ يكافئه، قُتل حتمًا، وإذا أخذَ المالَ وقتلَ، قُتِلَ، ثم صُلِبَ ثلاثًا.
وقال أحمد رحمه الله: إذا قتلَ مَنْ يكافئه أولا؛ كولدِه وعبدٍ، وذمّيٍّ، وأخذَ المالَ، قُتِلَ حتمًا، ثم صُلِبَ المكافئُ دونَ غيرِه، وصلبُه حتى يشتهرَ، ومن قتلَ ولم يأخذِ المال، قُتل حتمًا، فلا أثرَ لعفو وليٍّ، ولم يصلبْ، ومن أخذَ المالَ ولم يقتلْ، قُطعت يدُه اليمنى ورجلُه اليسرى في مقامٍ واحدٍ، وحُسِمَتا، وخُلِّيَ، فإنْ كانتْ يمينُه مقطوعةً، أو مستحقَّةً في قصاصٍ، أو شَلَّاءَ، قطعتْ رجلُه اليسرى فقط، فإذا أخافَ السبيلَ ولم يأخذِ المالَ ولم يَقْتُلْ؛ نُفي بالاتفاق. واختلفوا في معنى النفي.
فقال أبو حنيفةَ رحمه الله: نفيُه سجنُه، فينفى من سَعَةِ الدنيا إلى
(١) في "ظ": "حكم بما".
المائدة 5:35
ضِيقِها، وقال مالكٌ: هو أن يُطلب أبدًا (١) بالخيلِ والرَّجلِ حتى يوجد (٢) فيقامَ عليه حدُّ اللهِ تعالى، أو يَخْرُجَ من دارِ الإسلام هَرَبًا ممن يطلبُه.
وقال الشافعي -رحمه الله-: يُخرجُ من بلد إلى بلدٍ، ويُطلب لتقامَ عليه الحدودُ.
وقال أحمدُ: يُشَرَّدُ، فلا يُترك يأوي إلى بلد ولو عبدًا حتى تظهرَ توبتُه، وإن كانوا جماعةً نُفوا متفرقين.
وهل يُعتبر النصابُ في المالِ الذي يأخذُه المحارِبُ كما يُعتبر في السارق؟ فقال مالك: لا يُعتبرُ، وقال الثلاثةُ: يُعتبرُ، ويأتي ذكرُ النصابِ قريبًا عندَ تفسيرِ آيةِ السرقة.
واتفقوا على أن للرجلِ أن يقاتلَ عن نفسِه وأهلِه وماله، فإن كَفَّ المحارب، تركَهُ، وإن لم يكفَّ وقتلَه، فدمه هدرٌ، فإن تاب المحارِبون، وجاؤوا تائبين قبلَ القدرةِ عليهم، سقطَ عنهم ما كان حدًّا (٣) لله تعالى، وأُخِذوا بحقوقِ الآدميين من نفسٍ وجراحٍ ومالٍ، باتفاق.
...
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾.
[٣٥] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ القربة.
(١) "أبدًا" سقطت من "ظ".
(٢) في "ظ": "يؤخذ".
(٣) في "ظ": "حقًّا".
المائدة 5:36
وأصلُ الوسيلةِ: التوصُّلُ إلى الشيء رغبةً فيه.
﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ بالوصولِ إليه، والفوزِ بكرامته.
...
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦)﴾.
[٣٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ من صنوف الأموال.
﴿جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ ليجعلوهُ فديةً لأنفسِهم.
﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ ذلكَ الفداءُ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ تصريحٌ، المقصودُ منهُ:
...
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾.
[٣٧] ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ أي: يتمنونَ الخروجَ.
﴿مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ دائمٌ لا يزولُ.
...
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾.
[٣٨] ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ مبتدأٌ، خبرهُ: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ أي: أيمانهما، وكذلك هو في مصحفِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، والمرادُ بأيديهما: يَدَيهما، وُضِعَ الجمعُ موضعَ الاثنين لئلا يجمعَ في كلمةٍ واحدةٍ بينَ تثنيتين نحو: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. والسرقةُ: أخذُ مالِ الغير في خُفيةٍ.
واتفقَ الأئمةُ على أن من سرقَ نِصابًا من المالِ من حرزٍ لا شُبهةَ له فيه، تُقْطَعُ يدُه اليمنى من الكوعِ، وتُحْسَمُ، ولا يجبُ القطعُ بسرقةِ ما دونَ النصابِ بالاتفاق.
واختلفوا في قَدْرِ النِّصابِ.
فقال أبو حنيفة: هو دينارٌ، أو عشرةُ دراهمَ مضروبةٍ من النُّقْرَةِ، أو ما قيمتُه عشرةُ دراهمَ.
وقالَ مالكٌ وأحمدُ: ربعُ دينارٌ من الذهبِ، أو ثلاثةُ دراهمَ من الوَرِقِ، أو عرضٌ يساوي أحدَهما.
وقال الشافعيُّ: ربعُ دينارٍ خالصًا، أو قيمتُه من دراهمَ وغيرِها.
ثم إذا سرقَ ثانيًا، تُقطعُ رجلُه اليسرى من مفصِلِ القدمِ بالاتفاق، فإن سرقَ ثالثًا ورابعًا، فقالَ أبو حنيفةَ وأحمدُ: يُحبسُ حتى يتوبَ، ولا يقطع أكثرُ من يدٍ ورجل، وقال مالكٌ والشافعيُّ: يُقطعُ في الثالثة يدُه اليسرى، وفي الرابعةِ رجلُه اليمنى، ثم إذا سرقَ بعدَه، يُعَزَّرُ ويُحبسُ حتى تظهرَ توبتُه.
واختلفوا في ثبوتِ حدِّ السرقةِ بالإقرار، فقالَ الثلاثةُ: يثبتُ بإقرارِ السارقِ مَرَّةً، وقالَ أحمدُ: لا يثبتُ إلا بإقرارٍ (١) مَرَّتينِ، وهو قولُ
(١) في "ن": "بإقراره".
المائدة 5:39
أبي يوسفَ وزُفَرَ، فإن رجعَ عن الإقرارِ، قُبِلَ رجوعُهُ، وسقطَ القطعُ عندَ الثلاثِة، وعندَ مالكٍ: إن رجعَ إلى شُبْهَةٍ، سقطَ عنه القطعُ، وإن رجعَ إلى غيرِ شبهةٍ، فعنه روايتان، وأما المالُ، فلا يسقطُ بالاتفاق. ولا قطعَ على المنتهِبِ والمختلسِ والغاصبِ والخائنِ بالاتفاق.
﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ نصبٌ على الحالِ، ومثلُه.
﴿نَكَالًا﴾ أي: عقوبةً ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ يقالُ: نكلْتُ به: إذا فعلتُ به ما يجبُ أن ينكلَ به عن ذلكَ الفعلِ.
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فيما يفعله.
...
﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾.
[٣٩] ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ رجعَ عن ارتكابِ السرقة. قرأ أبو عمرٍو: (مِنْ بَعْد ظلْمِهِ) بإدغامِ الدالِ في الظاء.
﴿وَأَصْلَحَ﴾ العملَ.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يقبلُ توبتَه، فلا يعذِّبُه في الآخر.
فأما القطعُ، فلا يسقطُ عنه بالتوبةِ عندَ أبي حنيفةَ ومالكٍ، وفي الأظهر من مذهبِ الشافعيِّ، وعندَ أحمدَ إذا تابَ قبلَ ثبُوته، سقطَ بمجرَّدِ التوبةِ قبلَ إصلاحِ العملِ.
المائدة 5:40
وإذا قُطع السارقُ وكانَ المسروقُ قد تلفَ، فقال أبو حنيفةَ: لا يجبُ عليه ما سرقَ؛ لأنه لا يجتمعُ عندَه قطعٌ وضمانٌ، وقال الثلاثةُ: يجتمعُ، إلا عندَ مالكٍ إذا كانَ السارقُ مُعْسِرًا، وأما إذا كانَ المسروقُ قائمًا عندَه، يُستردُّ لمالكِهِ بالاتفاق؛ لأنَّ القطعَ حَقُّ الله، والغُرْمَ حَقُّ العبدِ، فلا يمنعُ أحدُهما الآخَر.
...
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾.
[٤٠] ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الخطابُ مع النبيِّ - ﷺ -، والمرادُ بهِ الجميعُ.
﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ على الصغيرةِ.
﴿وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الكبيرةَ.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
...
{يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ
المائدة 5:41
الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)}.
[٤١] ونزل تسليةً للنبيِّ - ﷺ -: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ﴾. قرأ نافعٌ: بضمِّ الياءِ وكسرِ الزايِ، والباقونَ: بفتح الياءِ وضمِّ الزاي (١).
﴿الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ أي: يبادرونَ إلى موالاةِ الكفار.
تلخيصه: لا تهتمَّ بمسارعةِ المنافقينَ في موالاةِ الكفار؛ فإنّي ناصرُك عليهم. قرأ الدوريُّ عن الكسائيِّ: (يُسَارِعُونَ) بالإمالةِ (٢).
﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ وهم المنافقونَ ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ يعني: اليهودَ.
﴿سَمَّاعُونَ﴾ أي: قوم سَمَّاعونَ ﴿لِلْكَذِبِ﴾ أي: قابلونَ لما يختلقُه أَحبارُهم من الكذبِ على اللهِ ورسوله؛ كقولِه: سمعَ اللهُ لَمِنْ حَمِدَهُ؛ أي: قَبِلَ.
﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ﴾ أي: لأجل قوم.
﴿آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ المعنى: هؤلاءِ الجماعةُ الذين جاؤوك من اليهودِ هم جواسيسُ لطائفةٍ أخرى منهم لم تَجِئْكَ؛ لأنه كانَ قد زنى يهوديٌّ بيهوديَّةٍ، وكانا مُحْصَنَيْنِ شَريفين عندَ أهلِ خيبر، وكان حدُّهما الرجمَ،
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٠٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٠٩).
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٠٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٠٩). فكرهوا رَجْمَهما، فأرسلوا بهما مع جماعةٍ من قريظةَ والنضيرِ ليسألوا النبيَّ - ﷺ - عن حدِّهما عندهَ، وقالوا: إنْ أَمَرَكُم محمدٌ بالجَلْدِ، فاقبلوا، وإن أمرَكُم بالرَّجْم، فاحْذَروا، فعلَى هَذا (سَمَّاعونَ) الأولى لأهلِ خيبر، والثانيةُ قريظةُ والنضيرُ، فحكمَ - ﷺ - بالرجم، فَرُجِما عندَ باب المسجد بعدَ إنكارِهم ذلكَ، وبعد أن أراهم عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ ذلكَ الحكمَ في التوراة، فكان الزاني بالمرأة حالةَ الرجم يَحْنَى على المرأةِ يَقيها الحجارةَ، وقالَ - ﷺ -: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ" (١).
﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: يميلونه عن مواضعِهِ التي وُضع عليها من الصحةِ ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ أي: الحكمَ المغيَّرَ، وهو الجلدُ ﴿فَخُذُوهُ﴾.
﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ محمدًا وحكمَهُ ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ إضلالَه وعذابَه.
﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ لن تقدَر على دفعِه عنه.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ من الكفرِ، فيه رَدٌّ على من يُنْكِرُ القَدَر.
﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ هَوانٌ بالجزيةِ، ورؤيتُهم من محمدٍ - ﷺ - وأصحابِه ما يكرهون ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ الخلودُ في النار.
...
(١) رواه مسلم (١٧٠٠)، كتاب: الحدود، باب: رجم اليهود أهل الذمة في الزنى، عن البراء بن عازب -رضي الله عنه-.
المائدة 5:42
﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾.
[٤٢] ونزلَ في كعبِ بنِ الأشرفِ وفيمَنْ كانَ مثلَه يقبلُ شهادةَ الزورِ، ويحكم ويرتشي:
﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ، والكسائيُّ: (السُّحُتِ) بضمِّ الحاء، والباقون: بسكونها (١)، وهو الحرامُ الذي يلزم صاحبَه العارُ، من سحَتَهَ: إذا استأصَلَهُ؛ لأنه مسحوتُ البركة، وسُمِّيَتِ الرِّشوةُ سُحْتًا؛ لسحتِها المروءةَ والدينَ، والرشوةُ في الحكمِ: إذا رشوتَهُ ليحقَّ لكَ باطِلًا، أو يبطلَ عنكَ حَقًّا.
ولا خلافَ بينَ الأئمةِ أَنَّ أخذَ الرشوةِ على إبطالِ حقٍّ أو ما لا يجوزُ سحتٌ حرامٌ، ولا ينفذُ القضاءُ بالرشوة بالاتفاق، قالَ - ﷺ -: "لَعَنَ اللهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتشَيَ" (٢)، وفي روايةٍ: "وَالرَّائِشَ"، وهو الماشي بينهما (٣)،
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٩)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٧٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢١٠).
(٢) رواه أبو داود (٣٥٨٠)، كتاب: الأقضية، باب: في كراهية الرشوة، والترمذي (١٣٣٧)، كتاب: الأحكام، باب: ما جاء في الراشي والمرتشي في الحكم، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٢٣١٣)، كتاب الأحكام، باب: التغليظ في الحيف والرشوة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-.
(٣) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٥/ ٢٧٩)، والطبراني في "المعجم الكبير" = وأما إذا لم يكن للقاضي رزقٌ في بيتِ المال، فأخذَ جُعْلًا من الخصمِ، جازَ إذا قضى بالحقِّ، وهو مذهبُ الشافعيِّ وأحمدَ، وعنَد أبي حنيفةَ إذا أرادَ القاضي أن يكتبَ السجلَّ، ويأخذَ على ذلك أجرًا، يأخذ منه مقدارَ ما يجوزُ أخذهُ لغيرِه، وكذا لو تولَّى القسمةَ بنفسِه بأجرٍ، وعندَ مالكٍ لا ينبغي أن يأخذَ رزقَه إلَّا من الحبسِ، أو من الجزيةِ، أو من عُشورِ أهلِ الذمَّة.
﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ خَيَّرَ اللهُ رسولَه - ﷺ - في الحكمِ بينَهم إن شاء، وإن شاءَ تركَ.
واختلفوا في حكم الآيةِ اليومَ هل للحاكمِ الخيارُ في الحكمِ بينَ أهلِ الذمَّةِ إذا تحاكموا؟ فقالَ أكثرُ أهلِ العلم: هو حكم ثابتٌ، وليسَ في سورةِ المائدةِ منسوخٌ، وحكامُ المسلمينَ بالخيارِ في الحكمِ (١) بينَ أهلِ الكتابِ، إنْ شاؤوا حكموا، وإن شاؤوا لم يحكموا، وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ، وقالَ قومٌ: حكمُ الآيةِ منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، فيجبُ على حاكم المسلمينَ الحكمُ بينهم، وهو قولُ أبي حنيفةَ وأصحابِه، فأما إذا كانتِ الخصومةُ بينَ مسلمٍ وذميٍّ، فيجبُ الحكم بينَهما بالاتفاق؛ لأنه لا يجوزُ لمسلمٍ الانقيادُ لحكمِ أهل الذمة.
﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: عن الحكم بينهم.
﴿فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ نصبٌ؛ لقيامِه مقامَ المصدرِ؛ أي: ضررًا.
﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ العادلين.
= (١٤١٥)، والحاكم في "المستدرك" (٧٠٦٨)، عن ثوبان -رضي الله عنه-.
(١) "في الحكم" ساقطة من "ن".
المائدة 5:43
﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)﴾.
[٤٣] ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ هذا تعجُّبٌ للنبي - ﷺ -؛ أي: وكيفَ يجعلونك حَكَمًا بينَهم.
﴿وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ وهو الرجمُ.
﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الحكمِ.
﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ بالمصدِّقينَ لك في الحكم.
...
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾.
[٤٤] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ يكشفُ ما استُبْهِمَ من الأحكام.
﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ يعني: أنبياءَ بني إسرائيلَ ﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ وانقادوا لأمرِ اللهِ.
﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ أي: يحكمون بها في تحاكُمِهم.
﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ﴾ من ولدِ هارونَ الذينَ التزموا طريقةَ النبيين، وجانَبوا دينَ اليهودِ. ﴿وَالْأَحْبَارُ﴾ العلماءُ، واحدُهم (حِبَرْ) بكسرِ الحاءِ وفتحِها، وهو العالمُ المُحْكِمُ.
﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ أي: استُودِعوا.
﴿مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ وأُمروا بحفظِه من التضييع والتحريف.
﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ﴾ أي: على ما فيه من الأحكامِ.
﴿شُهَدَاءَ﴾ رقباءَ؛ لئلَّا يبدل.
﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ﴾ في إظهارِ نعتِ محمدٍ - ﷺ -، وآيةِ الرجمِ، والحكمِ بالحقِّ خوفَ الظَّلَمَةِ.
﴿وَاخْشَوْنِ﴾ في تركِ أحكامي. أثبتَ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ الياءَ في (وَاخْشوْنِي) حالةَ الوصل، وأثبتَها يعقوبُ وَصْلًا ووَقْفًا، وأسقطها الباقونَ في الحالين (١). قالَ البيضاويُّ: نهيٌ للحكَّامِ أن يخشوا غيرَ اللهِ في حكوماتِهم، ويُداهنوا فيها خشية ظالمٍ، أو مراقبةِ كبيرٍ (٢).
﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي﴾ ولا تستبدلوا بأحكامي التي أنزلتُها.
﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ هو الرشوةُ والجاهُ.
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ مُستهينًا به، منكِرًا لهُ.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ لاستهانتِهم به، وتمرُّدِهم بأنْ حكموا
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢١١).
(٢) انظر: "تفسير البيضاوي" (٢/ ٣٢٨).
المائدة 5:45
بغيره، ولذلكَ وصفَهم بقولهِ: [(الكافرون) (١)] (الظالمون) و (الفاسقون) فكفرُهم لإنكارِه، وفسقُهم بالخروج عنه، وظلمُهم بالحكمِ على خلافِه، ويجوزُ أن تكونَ كلُّ واحدةٍ من الصفاتِ الثلاثِ باعتبار حالٍ انضمَّت إلى الامتناعِ عن الحكم به ملائمةٍ لها، أو لطائفةٍ؛ كما قيل: هذهِ في المسلمين؛ لاتصالها بخطابهم، والظالمونَ في اليهود، والفاسقونَ في النصارى، انتهى تفسير البيضاوي.
وقال ابنُ عباس: "وليسَ بكفرٍ ينقلُ عن الملَّةِ، بلْ إذا فعلَ ذلكَ، فهو به كافرٌ، وليسَ كمَنْ كفرَ باللهِ واليوم الآخر" (٢).
وعنه: "الكافرونَ والظالمونَ والفاسقونَ كلُّها في الكافرين" (٣).
...
﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾.
[٤٥] ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ فَرَضْنا على اليهودِ.
﴿فِيهَا﴾ في التوراةِ ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ أي: نفسَ القاتلِ بنفسِ المقتول.
﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ تُفْقَأُ بها ﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ يُجْدَعُ به.
(١) لم ترد هذه الكلمة في جميع النسخ، والسياق يقتضيها.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٢٥٦).
(٣) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٦٨٠). ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ تُقطعُ بها.
﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ تُقلعُ بها، وسائر الجوارح قياسٌ عليها في القصاص.
﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ أي: ذاتُ قصاص، فبهذا تعميمٌ بعد تخصيصٍ.
قرأ الكسائيُّ: (والعينُ) (والأنفُ) (والأذنُ) (والسنُّ) (والجروحُ) بالرفع على القطع مما قبلَها، والاستئنافِ بها، وافقه في (والجروح) خاصَّةً ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وقرأ الباقون الخمسةَ: بالنصب على العطف، وقرأ نافع (والأُذْنَ بِالأُذْنِ) بإسكانِ الذال فيهما، والباقون: بالرفع (١).
﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ﴾ أي: القصاصِ.
﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ للمتصدِّقِ بأن يكفِّرَ اللهُ عنه من سيئاته، قال - ﷺ -: "مَنْ تَصَدَّقَ مِنْ جَسَدِهِ بِشَيْءٍ، كَفَّرَ اللهُ عَنْهُ بِقَدْرِهِ مِنْ ذُنُوبِهِ" (٢).
وتقدَّمَ حكمُ القتلِ العمدِ والخطأ، وقدرُ الدِّيَةِ، وحكمُ الكفارة، واختلافُ الأئمةِ في ذلكَ مستوفًى في سورة النساء بعدَ تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [الآية: ٩٢]، وتقدمَ اختلافُ الأئمةِ في القِصاص بينَ المسلمِ والكافرِ، والحرِّ والعبدِ في سورةِ البقرةِ عندَ تفسيرِ
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٩)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٨٢)، و"المحتسب" لابن جني (٢/ ١٩٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٤٢، ٢٠٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢١٢ - ٢١٣).
(٢) رواه النسائي في "السنن الكبرى" (١١١٤٦)، والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (٨/ ٢٩٩)، عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- بهذا اللفظ.
المائدة 5:46
قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨].
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وصفٌ لهم بالعتوِّ
في كفرِهم حينَ ظلموا آياتِ اللهِ بالاستهانةِ، وتمرَّدوا بأنْ حكموا بغيرها.
...
﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)﴾.
[٤٦] ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ وأَتْبَعْنا.
﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ أي: آثار النبيين المتقدِّمي الذِّكْرِ.
﴿بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا﴾ حالٌ من (عيسى).
﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لما تقدَّمَهُ.
﴿مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا﴾ يعني الإنجيل.
﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
...
﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾.
[٤٧] ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ قرأ حمزة: (وَلِيَحْكُمَ) بكسر اللام ونصب الميم؛ أي: لكي يحكمَ، وقرأ الباقونَ: بسكون اللامِ وجزمِ الميمِ على الأمرِ (١).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٤)، و "التيسير" للداني (ص: ٩٩)، =
المائدة 5:48
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الخارجونَ عن أمرِ اللهِ عزَّ وجلَّ، والآيةُ تدلُّ على أن الإنجيلَ مشتملٌ على الأحكام، وأن اليهوديةَ منسوخةٌ ببعثةِ عيسى عليه السلام، وأنه كانَ مستقلًا بالشرعِ، وحملُها على: ولْيَحْكُموا بما أنزلَ الله وفيهِ؛ من إيجابِ العملِ بأحكامِ التوراةِ خلافُ الظاهرِ.
...
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾.
[٤٨] ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمدُ.
﴿الْكِتَابَ﴾ القرآنَ.
﴿بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: من الكتب المنزلة من قبل.
﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ أي: رقيبًا وشاهدًا لها بالصحة، قال حَسَّانُ:
إِنَّ الْكِتَابَ مُهَيْمِنٌ لِنَبِينا؍ وَالْحَقُّ يَعْرِفُهُ ذَوُو الأَلْبَابِ؍
= و"تفسير البغوي" (١/ ٦٨٣)، و"الكشف" لمكي (٢/ ٢٥٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢١٤). ﴿فَاحْكُمْ﴾ يا محمدُ.
﴿بَيْنَهُمْ﴾ أي: بينَ أهلِ الكتابِ إذا ترافَعُوا إليكَ.
﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي: بالقرآنِ.
﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ عادلًا.
﴿عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديرهُ: ولا تُعْرِضْ عَمَّا جاءكَ من الحقِّ متبعًا أهواءَهُم.
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ سَبيلًا واضِحًا وسُنَّةً، وأرادَ بهذا: أن الشرائعَ مختلفةٌ، ولكلِّ أهلِ مِلَّةٍ شريعةٌ، قال قتادةُ: الخطابُ للأممِ الثلاثِ: أمةِ موسى، وعيسى، وأمةِ محمدٍ صلواتُ الله عليهم أجمعين: التوراةُ شريعةٌ، والإنجيلُ شريعةٌ، والقرآنُ شريعةٌ، والدينُ واحدٌ، وهو التوحيدُ.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على دينٍ واحدٍ.
﴿وَلَكِنْ﴾ فَرَّقَكم فِرَقًا.
﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ليختبرَكُم.
﴿فِي مَا آتَاكُمْ﴾ من الكتبِ والشرائعِ المختلفةِ ليظهرَ لكم أَيُّكم الطائعُ من العاصي.
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ فابتدِرُوا إلى العملِ بالطاعات، وأصلُ السَّبْقِ: التقدُّمُ في السير.
المائدة 5:49
﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ استئنافٌ فيه تعليلُ الأمرِ بالاستباق (١)، ووعدٌ ووَعيدٌ للمبادِرينَ والمقصِّرينَ.
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ بالجزاءِ الفاصلِ بينَ المحقِّ والمبطلِ، والعاملِ والمقصِّرِ.
...
﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾.
[٤٩] ﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾ التقديرُ: وأمرنا أَنِ احكُمْ.
﴿بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ أي: واحذرْ فتنتَهُمْ.
﴿عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ أن يضلُّوكَ ويصرفوكَ عنه. رُوي أنَّ أحبارَ اليهودِ قالوا: اذهبوا بنا إلى محمدٍ نَفْتِنُهُ عن دينه، فقالوا: يا محمدُ! قد عرفتَ أنَّا أحبارُ اليهود، وإنا إن اتبعناكَ، اتبعَنا اليهودُ كلُّهم، وإنَّ بيننا وبينَ قومنا خصومةً، فنتحاكمُ إليكَ، فاقضِ لنا عليهم، ونحن نؤمنُ بك ونصدِّقُكَ، فأبى ذلكَ رسولُ الله - ﷺ -، فنزلت:
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ (٢) عن الحكمِ المنزَلِ، وأرادوا غيرَهُ.
(١) في "ن": "بالاستئناف".
(٢) انظر: "تفسير الطبري" (٦/ ٢٧٣)، و"تفسير ابن أبي حاتم" (٤/ ١١٥٤١)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٠٩).
المائدة 5:50
﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ بأنْ يعجِّلَ لهم العقوبةَ في الدنيا ببعضِ عمَلهم.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ يعني: اليهودَ.
﴿لَفَاسِقُونَ﴾ متمرِّدُونَ في الكفر، مُعْتَدُونَ فيه.
...
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾.
[٥٠] ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ يطلبونَ. قرأ ابنُ عامرٍ: (تبْغُونَ) بالخطاب، والباقونَ: بالغيبِ (١).
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ خطابٌ للموقنين؛ فإنهم الذين يتبينون أنْ لا أحدَ أحسنُ حكمًا من الله.
...
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾.
[٥١] ونزلَ نهيًا عن موالاةِ الأعداءِ في الدينِ:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ﴾ فلا تعتمدوا عليهم، ولا تعاشروهم معاشرةَ الأحبابِ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٩)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٨٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢١٦).
المائدة 5:52
﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ في العونِ والنُّصرةِ؛ فإنهم متفقونَ على خلافِكم ومضادَّتِكم.
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ فيعينهُمْ.
﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ من جملتِهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ الذين ظلموا أنفسَهُمْ بموالاةِ الكافرينَ.
...
﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢)﴾.
[٥٢] ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شكٌ ونفِاقٌ، وهم عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ وأصحابُه منَ المنافقينَ.
﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أي: في موالاتِهم ومعونَتِهم.
﴿يَقُولُونَ﴾ اعتِذارًا:
﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ بأنْ يدورَ الدهرُ علينا من جَدْبٍ وغَلَبَةٍ وغيرِهما، ولا يتمُّ أمرُ محمدٍ، فنزلَ توبيخًا لهم، وإيماءً إلى تتمةِ أمرهِ - ﷺ -:
﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ بنصرِ محمدٍ - ﷺ -، وإظهارِ في دينِه.
﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ هو (١) إجلاءُ اليهودِ من ديارِهم.
(١) في "ت": "من".
المائدة 5:53
﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من موالاةِ الكفارِ.
﴿نَادِمِينَ﴾ فضلًا عَمَّا أظهروهُ مما أشعر على نفاقهم.
...
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)﴾.
[٥٣] ﴿وَيَقُولُ﴾ أي: وحينئذٍ يقولُ.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قرأ أبو عمرٍو، ويعقوبُ: (ويقولَ) بالواوِ ونصبِ اللام عطفًا على (أَنْ يَأْتِيَ)؛ أي: وعسى أن يقولَ الذين آمنوا، وقرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَيَقُولُ) بالواوِ ورفعِ اللامِ على الاستئناف، وقرأ الباقون، وهم ابنُ كثيرٍ، ونافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ: بغير واو، ورفعِ اللام، وكذلك هو في مصحفِ أهل العاليةِ (١)، واستُغني عن حرفِ العطفِ لمناسبةِ هذه الآية بما قبلَها؛ يعني: يقولُ الذينَ آمنوا في وقتِ إظهارِ اللهِ نفاقَ المنافقين:
﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: حلفوا بأغلظِ الأيمانِ.
﴿إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ مؤمنينَ مثلَكم؟ ثم قالَ المؤمنونَ داعينَ متعجِّبينَ من صنيع المنافقين.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٩)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٨٦ - ٦٨٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢١٧، ٢١٨).
المائدة 5:54
﴿حَبِطَتْ﴾ بَطَلَتْ.
﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ الصالحةُ.
﴿فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ الدُّنيا بافتضاحِهم، والآخرةَ بالعذابِ.
...
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾.
[٥٤] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ﴾ أي: يرجعْ.
﴿مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ كافرًا بعدَ موتِ النبيِّ - ﷺ -. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ: (يَرْتَدِدْ) بدالين مظهرَتين على الأصل، الثانيةُ مجزومة بـ (مَنْ)، وقرأ الباقونَ: (يَرْتَدَّ) بدالٍ واحدةٍ مشدَّدَةٍ مفتوحةٍ لالتقاء الساكنين (١).
﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ غيرهم مكانَهم.
﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ والمرادُ بالقومِ: أبو بكرٍ وأصحابُه الذين قاتلوا أهلَ الردَّةِ ومانعي الزكاةِ، ورُوي أنهم قومُ أبي موسى الأشعري، وقيل: هم أحياءٌ من اليمنِ جاهدُوا يومَ القادسية أيامَ عمرَ (٢).
﴿أَذِلَّةٍ﴾ أرقَاءَ رحماءَ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٥)، و"الكشف" لمكي (١/ ٤١٢)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٨٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢١٨).
(٢) انظر: "تفسير الطبري" (٦/ ٢٨٢)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٨٧).
المائدة 5:55
﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: هم لَيِّنُونَ متواضعون لهم.
﴿أَعِزَّةٍ﴾ أشداء غلظاء.
﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ كالسَّبُعِ على فريستِه.
﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ المعنى: إنهم الجامعونَ بينَ المجاهدةِ في سبيلِ الله، والتصلُّبِ في دينه؛ بخلافِ المنافقينَ؛ فإنهم يَخرجون في جيش المسلمين خائفينَ ملامةَ أوليائِهم من اليهودِ، فلا يعملون شيئًا يلحقُهم فيه لومٌ من جهتِهم، واللَّوْمَةُ: المَرَّةُ من اللَّومِ.
﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما وُصِفَ به القومُ من لينِ جانبِهم للمؤمنين، وشدَّتِهم على الكافرين، وعدمِ خوفِهِم.
﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ يمنحُه ويوفِّقُ له.
﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ كثيرُ الفضل.
﴿عَلِيمٌ﴾ من هو أهلٌ.
...
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾.
[٥٥] ولما نَهى عن موالاةِ الكَفَرة، ذَكَرَ عَقِبَهُ مَنْ هو حقيقٌ بها، فقالَ:
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ وإنما قال: وَلِيُّكُمْ ولم يقلْ: أَوْلياؤكم للتنبيه على أن الولايةَ لله على الأصالةِ، ولرسولِه والمؤمنينَ على التبع، رُوي أن عبدَ اللهِ بنَ سلامٍ جاءَ للنبيِّ - ﷺ - وقالَ: إنَّ قومَنا قُريظَةَ والنضيرَ قد أقسموا إنهم لا يُجالسُونا، فنزلت هذه الآيةُ، فقرأها عليه رسولُ الله - ﷺ -
المائدة 5:56
فقالَ: "رَضينا باللهِ وبرسولِه والمؤمنينَ أولياءَ" (١).
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ مُتَخَشِّعونَ في صلِاتهم وزكاتهم، وقيل: نزلَتْ في عليٍّ رضي الله عنه حينَ سألَه سائلٌ وهو راكعٌ في صلاتِه، فطرحَ له خاتمَهُ (٢)، واستدلَّ بها الشيعةُ على إمامتِه زاعمينَ أن المرادَ بالوليِّ: المتولِّي للأمورِ، والمستحقُّ للتصرُّفِ فيها.
...
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾.
[٥٦] ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ ومَنْ يَتَّخِهذُهم أولياءَ.
﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ﴾ أنصارَ دينِ اللهِ.
﴿هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ لأنه تعالى ناصرهم.
...
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾.
[٥٧] ونزلَ في رفاعةَ بنِ زيدٍ وسُويدِ بنِ الحارثِ، أظهرا الإسلام، ثم نافقا، وكان رجالٌ من المسلمينَ يوادُّونهما:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١١٠).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٢٨٨). وانظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (١/ ٤٠٩)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٣/ ١٠٦).
المائدة 5:58
قَبْلِكُمْ} (١) هم اليهودُ؛ لأنهم كانوا يستهزئون بالدِّينِ.
﴿وَالْكُفَّارَ﴾ أي: لا تتخذوا المستهزئينَ والكفارَ.
﴿أَوْلِيَاءَ﴾ قرأ أبو عمرٍو، ويعقوبُ، والكسائيُّ: (وَالْكُفَّارِ) (٢) بخفضِ الراء؛ يعني: من الكفارِ، وقرأ الباقونَ: بالنصب؛ أي: لا تتخذوا الكفارَ أولياءَ (٣).
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بتركِ المناهي.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لأن الإيمانَ حقًّا يقتضي ذلكَ.
...
﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾.
[٥٨] ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا﴾ أي: الصلاةَ أو المناداةَ.
﴿هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ لأن اليهودَ كانوا يقولونَ للمسلمينَ عندَ قيامِهم إلى الصلاة: قامُوا لا قاموا، صَلَّوا لا صلَّوا، وقالَ نصرانيٌّ من أهلِ نجرانَ لما سمعَ المؤذِّنَ يقولُ: أشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله: أَحرقَ اللهُ الكاذبَ، فدخلَ خادمُه ذاتَ ليلةٍ بنارٍ، وأهلهُ نيامٌ، فطارتْ شرارةٌ فأحرقَتْهُ معَ بيتِه وأهلِه.
(١) انظر: "تفسير الطبري" (٦/ ٢٩٠)، و"تفسير ابن أبي حاتم" (٤/ ١٦٣)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١١٠).
(٢) "والكفار" سقطت من "ت".
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٠)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٩١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٢٠).
المائدة 5:59
﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ، خبرُه:
﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ فإن السَّفَهَ يؤدِّي إلى الجهلِ بالحقِّ والهزءِ به، والعقلُ يمنعُ منهُ.
...
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩)﴾.
[٥٩] ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا﴾ أي: هل تنُكرونَ منا وتَعيبونَ إلَّا إيماننا.
﴿بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ من الكتبِ المنزلَةِ.
﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ تلخيُصه: وما تنُكرون إلا مخالفَتَنا إياكم؛ حيثُ دخلْنا الإيمانَ وأنتم خارجونَ منه. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وهشامٌ: (هَل تنْقِمُون) بإدغامِ اللام في التاء، والباقون: بالإظهارِ (١)، والآية خطابٌ لليهودِ حينَ سألوا رسولَ الله - ﷺ - عمَّن يؤمنُ به، فقالَ: " ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ إِلى قولِه: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] "، فلما ذكرَ عيسى، جَحَدوا نبوَّتَهُ، وقالوا: لا نعلمُ دينًا شَرًّا من دينِكم (٢).
...
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٠٤)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٩٢)، و"إملاء ما منَّ به الرحمن" للعكبري (١/ ١٢٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٢٠).
(٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١١١)، و"تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (١/ ٤١٢).
المائدة 5:60
﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾.
[٦٠] ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ:
﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ أُخبرُكم.
﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ الذي ذكرتمُ (١)؛ يعني قولهم: لا نعلَمُ دينًا شَرًّا من دينكم.
﴿مَثُوبَةً﴾ ثوابًا وجزاءً.
﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ والمثوبةُ به (٢) مختصةٌ بالخيرِ، كالعقوبة بالشرّ، فَوُضعت هاهنا موضعَها توسُّعًا، ونصبُها على التمييزِ.
﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أبعدَه من رحمتِه.
﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ يعني: اليهودَ، سخطَ عليهم بكفرِهم، وانهماكِهم في المعاصي بعدَ وضوحِ الآيات.
﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ﴾ وهم أصحابُ السبت.
﴿وَالْخَنَازِيرَ﴾ وهم كفارُ أهلِ مائدةِ عيسى، وعن ابنِ عباس: "أَنَّ المسخينِ كلاهما من أصحابِ السبتِ، مُسخِتْ شبابُهم قردةً، ومشايخُهم خنازيرَ" (٣).
(١) في "ن": "ذكرتموه".
(٢) "به": زيادة من "ن".
(٣) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٦٩٣).
المائدة 5:61
﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ أطاعَ الشيطانَ. قرأ حمزةُ: (وعَبُدَ) بضمِّ الباءِ وجرِّ (الطَّاغُوتِ) إضافةً، جعلَه اسمًا على فعلٍ؛ كَعَضُدٍ، فهو بناءٌ للمبالغةِ والكثرةِ، وقرأ الباقونَ: بفتح الباءِ والتاءِ، جعلوهُ فعلًا ماضيًا، وعطفُه على فعلٍ ماضٍ وهو (غَضِبَ) و (لَعَنَ) (١)، والمعنى عندهم: ومَنْ عبدَ الطاغوتَ.
﴿أُولَئِكَ﴾ أي: الملعونونَ.
﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾ لأن مكانَهم النارُ.
﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ أي: عن طريقِ الحقِّ، ولما نزلتْ هذه الآيةُ، قالَ المسلمونَ لهم: يا إخوةَ القردةِ والخنازيرِ! فنكسوا رؤوسَهم افْتِضاحًا.
...
﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١)﴾.
[٦١] ونزلَ فيمَنْ كان يدخلُ على النبيِّ - ﷺ - ويُظهر الإيمانَ نفاقًا:
﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ﴾ يعني: هؤلاءِ المنافقينَ.
﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ بكَ وصدَّقناك.
﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ أي: دخلوا وخرجوا كافرينَ.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ من النفاقِ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٠)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٩٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٢٢).
المائدة 5:62
﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾.
[٦٢] ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ يعني: اليهودَ.
﴿يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ﴾ أي: الشركِ.
﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ الظلمِ.
﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ الرُشَا. قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، وعاصمٌ، وحمزةُ، وخلفٌ: (السُّحْتَ) في الحرفين بجزم الحاءِ، والباقون: بالرفع (١).
﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لبئسَ شيئًا عملوهُ.
...
﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾.
[٦٣] ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ يعني: العلماءَ.
﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ ثم وبَّخَ علماءهم في تركِهم نهيَهُمْ، فقال:
﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ودلَّتِ الآية على أن تارك النهيِ (٢) عن المنكَرِ كمرتكبِ المنكَرِ، فالآيةُ توبيخٌ للعلماءِ في تركِ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ.
(١) تقدمت عند تفسير الآية (٤٢) من هذه السورة.
(٢) "النهي" ساقطة من "ن".
المائدة 5:64
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾.
[٦٤] قال ابنُ عباسٍ: إنَّ اللهَ قدْ بسطَ على اليهودِ حتَّى كانوا من أكثرِ الناسِ مالًا، فلمَّا عَصَوُا اللهَ في أمرِ محمدٍ - ﷺ -، كَفَّ عنهم ما بَسَطَ عليهِم من السَّعةِ، فقال فنخاصُ بنُ عازوراءَ: يدُ اللهِ مغلولَةٌ، ولم ينكرِ اليهودُ عليه مقالتَهُ، وأشركوا معه، فنزلَ:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ (١) أي: محبوسَةٌ عن إدرارِ الرزقِ علينا، نسبوه إلى البخلِ.
﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أُمْسِكَتْ ومُنِعَتْ عن فعلِ الخير، وأجابهم تعالى: أنا الجوادُ وهمُ البخلاء، وأيديهم هي المغلولةُ.
﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ أي: أُبْعِدوا وعُذِّبوا بسببِ قولهم.
﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ وليسَ المرادُ حقيقةَ الجارحةِ المتركِّبَةِ؛ لأنه تعالى منزَّهٌ عن التركيبِ، وإنَّما هي صفةٌ من صفاتِ ذاتِه؛ كالسمعِ والبصرِ، قالَ جلَّ ذكرُه: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وقال - ﷺ -: "كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ" (٢)، واللهُ أعلمُ بصفاته، فعلى العبادِ فيها الإيمانُ والتسليمُ، وأَنْ يُمِرُّوها كما جاءتْ بلا كيفٍ؟
(١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٦٩٣ - ٦٩٤).
(٢) رواه مسلم (١٨٢٧)، كتاب: الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر، عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-.
المائدة 5:65
﴿يُنْفِقُ﴾ أي: يرزقُ.
﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ من التوسيعِ والتضييقِ، لا اعتراضَ عليه. قرأ أبو عمرٍو: (يَنْفِق كيْفَ) بإدغام القاف في الكاف.
﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ أي: اليهودَ.
﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: القرآنُ.
﴿طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ أي: كلَّما نزلَتْ آيةٌ، كفروا بها؛ لحسدِهم.
﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ﴾ أي: بينَ اليهودِ والنصارى، أو بينَ طوائفِ اليهودِ.
﴿الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ جعلَهم مختلفين في دينِهم، مُتباغِضين، وتقدَّمَ اختلافُ القراء في حكمِ الهمزتين من كلمتينِ في سورة البقرة عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ﴾ [البقرة: ١٣٣]، وكذلك اختلافُهم في قوله ﴿وَالْبَغْضَاءَ إِلَى﴾.
﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ﴾ أي: لحربِ النبيِّ - ﷺ - بإفسادِ أمرهِ.
﴿أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ بقهرِهم ونصر نبيِّه؛ أي: كلَّما حارَبوا، غُلِبوا.
﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ بكفرِهم وإضلالِ غيرِهم.
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ فلا يجازيهم إلا شَرًّا.
...
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥)﴾.
[٦٥] ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا﴾ بمحمدٍ وما (١) جاءَ بهِ.
(١) في "ت": "وبما".
المائدة 5:66
﴿وَاتَّقَوْا﴾ الكفرَ ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ التي فعلوها.
﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ ولجعلناهُمْ من الدَّاخلين فيها، فيه تنبيهٌ أن الإسلامَ يَجُبُّ ما قبلَه، وأن الكتابيَّ لا يدخلُ الجنةَ ما لم يُسْلِمْ.
...
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾.
[٦٦] ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ عَمِلُوا بما فيهما.
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعني: القرآنَ وجميعَ الكتب.
﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ بقطرِ السماءِ.
﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ بالنباتِ، والمرادُ: سَعَةُ الرزقِ.
﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ عادلةٌ، كعبدِ اللهِ بنِ سلامٍ وأصحابِه.
﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ كعبُ بنُ الأشرفِ وأصحابُه.
﴿سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ بئسَ شيئًا عملُهم.
...
﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾.
[٦٧] ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: جميعَ المنزلِ إليك. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ ولا تخفْ إلا اللهَ، ومن خصائصِهِ - ﷺ - وبِرِّ اللهِ تعالى به أَنَّ اللهَ تعالى خاطبَ جميعَ الأنبياءِ بأسمِائهم، فقال: (يا آدمُ) (يا نوحُ) (يا إبراهيمُ) (يا داودُ) (يا عيسى) (يا زكريا) (يا يحيى)، ولم يخاطَبْ هو إلا (يا أيُّها الرسولُ) (يا أيها النَّبيُّ) (يا أيُّها المزمِّلُ) (يا أيها المدثِّرُ).
﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ أي: إن لم تبلغْ مجموعَهُ.
﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ فما أَدَّيتَ شيئًا منها؛ لأن كتمانَ بعضِها يضيِّعُ ما أُدِّي منها؛ كتركِ بعض أركانِ الصلاة. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وأبو بكرٍ، ويعقوبُ: (رِسَالاَتِهِ) على الجمع، والباقون: على التوحيد (١)، ثم قالَ مشجِّعًا له:
﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ﴾ أي: يحفظُكَ.
﴿مِنَ النَّاسِ﴾ فلا يَصِلونَ إليك بقتلٍ ولا غيرِه، ونزلت بعدَما شُجَّ وجهُه، وكُسرت رَباعِيَتُهُ، والمرادُ بالناسِ: الكفارُ؛ لقولِه بعدُ (٢):
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
عن عائشةَ رضي الله عنها: كانَ النبيُّ - ﷺ - يُحْرَسُ حتى نزلتْ هذهِ الآيةُ، فأخرجَ رسولُ اللهِ - ﷺ - رأسَهُ من القُبّةِ وقالَ لهم: "يَا أَيُهَا النَّاسُ! انْصَرِفُوا؛ فَقَدْ عَصَمَنِي اللهُ" (٣).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٠)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٩٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٥)، و "معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٨٨).
(٢) في "ت": "بعده".
(٣) رواه الترمذي (٣٠٤٦)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة المائدة، وقال: =
المائدة 5:68
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾.
[٦٨] ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ من الدِّينِ وما أنتم عليهِ لا اعتدادَ به، فهو كلا شيءٍ.
﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ومِنْ إقامتِها الإيمانُ بمحمدٍ - ﷺ -؛ فإنَّ جميعَ الكتبِ ناطقةٌ بوجوبِ الطاعةِ لهُ.
﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ﴾ فلا تحزنْ.
﴿عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ففي المؤمنين كفايةٌ عنهم.
...
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾.
[٦٩] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على الحقيقةِ.
﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ تقدَّم تفسيرُه، واختلافُ القراءِ فيه في سورةِ البقرةِ.
﴿مَنْ آمَنَ﴾ أي: ثبتَ على الإيمان.
= غريب، والحاكم في "المستدرك" (٣٢٢١)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٩/ ٨).
المائدة 5:70
﴿بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وفي الكلامِ تقديم وتأخيرٌ تقديرهٌ: إنَّ الذين آمنوا، والذين هادوا، مَنْ آمنَ باللهِ واليومِ الآخرِ.
﴿وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ والصابئون والنصارى كذلك. قرأ يعقوبُ: (فَلاَ خَوْفَ) بفتحِ الفاءِ وعدمِ التنوين، والباقونَ: بالرفع والتنوين (١).
...
﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠)﴾.
[٧٠] ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ في التوحيدِ والنبوَّةِ.
﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ ليبينوا لهم أمرَ دينِهم.
﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ﴾ مما يخالفُ أهواءَهُمْ.
﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا﴾ كمحمدٍ وعيسى.
﴿وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ يعني: قَتَلوا؛ كزكريا ويحيى.
...
﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١)﴾.
[٧١] ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ظَنُّوا أنهم لا يُعَذَّبونَ بذنوبهم. قرأ أبو عمرٍو، ويعقوبُ، وحمزةُ، والكسائيُّ: (تَكُونُ) برفعِ النونِ على معنى:
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٣٤، ٢٠٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٣٠).
المائدة 5:72
أنه لا تكونُ، وقرأ الباقون: بالنصبِ (١)، كما لو لم تكنْ قبلَه (لا).
﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ عن الحقِّ بعبادةِ العجلِ.
﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ قَبِلَ توبتَهم حينَ تابوا.
﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ بسؤالِ الرؤيةِ، المعنى: رَماهُم اللهُ بالعمى والصَّمَمِ.
﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ فمُجازيهم (٢) وَفْقَ أعمالِهم.
...
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾.
[٧٢] ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ يعني: الملكائيةَ واليعقوبيةَ منهم.
﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ أي: إني عبدٌ مربوبٌ مثلُكم.
﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ في عبادتِه.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٠)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٩٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٢)، و "معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٣١).
(٢) في "ن": "فيجازيهم".
المائدة 5:73
﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ يُمْنَعُ من دخولها.
﴿وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ فإنها المعدَّةُ للمشركين.
﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يَنصرونهم من النارِ.
...
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾.
[٧٣] ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ﴾ أي: أحدُ.
﴿ثَلَاثَةٍ﴾ يعني: المرقوسيةَ؛ لأنهم يقولون: الإلهيةُ مشتركةٌ بينَ اللهِ ومريمَ وعيسى، وكلُّ واحدٍ من هؤلاء إلهٌ، فهم ثلاثةٌ، ومن قالَ: إن الله ثالثُ ثلاثةٍ، ولم يردِ الآلهةَ (١)، لم يكفرْ؛ لقولي تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، ولقولِه - ﷺ - لأَبي بكرٍ: "مَا ظَنُّكَ بِاثنيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا؟ " (٢)، ثم قالَ ردًّا عليهم:
﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وما في الموجوداتِ إلَّا إلهٌ واحدٌ متعالٍ عن الشركَةِ، و (مِنْ) مزيدةٌ للاستغراقِ.
﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾ ولم يوحِّدوا.
(١) في "ن": "الإلهية".
(٢) رواه البخاري (٣٤٥٣)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب المهاجرين وفضلهم، ومسلم (٢٣٨١)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، عن أبي بكر -رضي الله عنه-.
المائدة 5:74
﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: ليمسَّنَّ الذين بَقُوا منهم على الكفرِ.
...
﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾
[٧٤] ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ أي: ألا يتوبونَ بالانتهاءِ عن تلكَ العقائدِ، ويستغفرونَ بالتوحيدِ والتنزيهِ.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفرُ لهم إنْ تابوا.
...
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾.
[٧٥] ثم نَفَى عن عيسى الألوهيةَ، وأثبت لهُ ولأمهِ البشريةَ بقولِه:
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ﴾ مضتْ.
﴿مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ فهو رسولٌ من جنسِ الرسلِ الماضين، يموتُ ويمضي، ولو كانَ إلهًا، لكانَ دائمًا.
﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ كثيرةُ الصِّدْقِ.
﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ أي: يحتاجان إليه كالآدميينَ، ومَنْ هذهِ صفتهُ، كيفَ يكونُ إلهًا؟! ثم عجبَ من كفرِهم معَ قيامِ البرهانِ على بشريَّتِهما فقالَ:
المائدة 5:76
﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: الدَّلالاتِ على ذلك، ثم عجبَ ثانيًا من تركِهمُ الإيمانَ معَ وضوحِ الدليلِ، فجاءَ بـ (ثم) للتراخي بينَ العجبينِ فقال:
﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ كيفَ يُصْرَفون عن الحقِّ، وتقدَّم في سورةِ آلِ عمران أنَّ (ثُمَّ) للترتيبِ بمهلَةٍ.
...
﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾.
[٧٦] ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ هو عيسى وكلّ معبودٍ غيرِ اللهِ.
﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يملكُ الضرَّ والنفعَ، فهو الإلهُ على الحقيقةِ.
...
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾.
[٧٧] ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ تتجاوَزُوا.
﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ والغلوُّ والتقصيرُ كلٌّ منهما مذمومٌ في الدين.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ﴾ والأهواءُ جمع الهوى، وهو ما تدعو إليه شهوةُ النفسِ.
المائدة 5:78
﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ يعني: أسلافَهم وأئمتَهم الذين ضَلُّوا قبلَ مبعثِ محمدٍ - ﷺ - في شريعتِهم، والخطابُ للدَّين كانوا في عصرِ النبيِّ - ﷺ -.
﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ من أصحابِهم.
﴿وَضَلُّوا﴾ ثانيًا لما بُعِثَ النبيُّ - ﷺ -.
﴿عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ أي: عن قصدِ طريقِ محمدٍ - ﷺ -.
...
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨)﴾.
[٧٨] ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ﴾ يعني: أهلَ أيلةَ، لعنَهم داودُ، فَمُسخوا قردةً، وتقدَّمَ ذكرُ قصتِهم في البقرةِ.
﴿وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أي: وعلى لسانِ عيسى؛ يعني: كفارَ أصحابِ المائدةِ، لعنَهم عيسى، فَمُسخوا خَنازير، ويأتي ذكرُ قصتِهم أواخرَ السورة.
﴿ذَلِكَ﴾ المسخُ.
﴿بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ أي: بسببِ اعتدائِهم بما حرَّمَ اللهُ.
...
﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾.
[٧٩] ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ أي: لا ينهى بعضُهم بعضًا.
المائدة 5:80
﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ذَمٌّ لتركِهم النهيَ.
...
﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)﴾.
[٨٠] ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ من اليهودِ: كعبِ بنِ الأشرفِ وأتباعِه.
﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مشركي مكةَ يستمدُّونَهم على النبيِّ - ﷺ -.
﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: لبئس شيئًا قدَّموه لمعادِهِم.
﴿أَنْ سَخِطَ﴾ أي: غضبَ.
﴿اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ ابتداءٌ وخبرٌ.
...
﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾.
[٨١] ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ﴾ محمدٍ - ﷺ -.
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ يعني: القرآنَ.
﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ﴾ يعني: الكفارَ.
﴿أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ خارجونَ عن أمرِ الله تعالى.
...
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾.
المائدة 5:82
[٨٢] ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ يعني: مشركي العرب؛ لشدةِ شَكيمتِهم وتضاعُفِ كفرِهم.
﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ لِلِينِ جانبِهم، وقلَّةِ حرصِهم على الدنيا، وليسَ المرادُ جميعَ النصارى، بلْ مَنْ أسلمَ؛ كالنجاشيِّ وأصحابِه لما قدمَ عليهم المسلمونَ في الهجرةِ الأولى في السُّنةِ الخامسةِ من مبعَثِ رسولِ الله - ﷺ -، واسمُ النجاشيِّ أَصْحَمَةُ، ومعناهُ بالعربيِّ عَطِيَّةُ، وإنما النجاشي اسمُ الملكِ؛ كقولهم: قيصرَ، وكسرى.
﴿ذَلِكَ﴾ أي: قربُ المودة.
﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ﴾ علماءَ.
﴿وَرُهْبَانًا﴾ عُبَّادًا.
﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ لا يتعظَّمون عن الإيمان.
...
﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾.
[٨٣] ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ محمدٍ - ﷺ -.
﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ والمرادُ: وفدُ النجاشيِّ إلى النبيِّ - ﷺ -، لما سمعوا القرآنَ، رَقَّتْ قلوبُهم، وفاضَتْ عيونُهم بالدمعِ.
﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ المقرِّينَ بنبوَّةِ محمدٍ - ﷺ -.
***
المائدة 5:84
﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)﴾.
[٨٤] ولما عَيَّرهم اليهودُ بالإيمانِ، قالوا منكِرينَ على أنفسِهم تركَ الإيمانِ بعدَ (١) قيامِ البرهانِ:
﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ وحدَهُ.
﴿وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ أي: في أمةِ محمدٍ - ﷺ -.
...
﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥)﴾.
[٨٥] ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥)﴾ الذين أحسنوا النظرَ والعملَ.
...
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾.
[٨٦] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ وهي النارُ الشديدةُ الاتِّقادِ.
...
(١) في "ن": "مع".
المائدة 5:87
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ [٨٧] ونزلَ نهيًا لجماعةٍ من الصحابةِ -رضي الله عنهم أجمعين- حينَ حلفوا أن يترَهَّبُوا، ويَلْبَسوا المُسُوحَ، ويقوموا الليلَ، ويصوموا النهارَ، ويَجُبُّوا مذاكيرَهم، وهم: أبو بكرٍ الصدّيقُ، وعليُّ بنُ أبي طالبٍ، وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ، وأبو ذَرٍّ الغفاريُّ، وسالمٌ مولَى [أبي] (١) حذيفةَ، والمقدادُ بنُ الأسودِ، وسلمانُ الفارسيُّ، ومعقلُ بنُ مقرنٍ، وعثمانُ بنُ مظعونٍ:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٢) من اللذاتِ التي تشتهيها النفوسُ مما أحلَّ اللهُ.
﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ لا تتجاوزوا الحلالَ إلى الحرامِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
قالَ - ﷺ -: "إِنَّ خِصَاءَ أُمَّتي الصِّيَامُ، وَإِنَّ سِيَاحَتَهُمُ الْجِهَادُ فِي سَبيلِ اللهِ، وَإِنَّ رَهْبَانِيَّتَهُمُ الْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ" (٣).
...
(١) لم ترد في جميع النسخ، والصواب إثباتها.
(٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١١٣)، و"تفسير البغوي" (١/ ٧٠٤ - ٧٠٥).
(٣) رواه ابن المبارك في "الزهد" (ص: ٢٩٠)، ومن طريقه البغوي في "شرح السنة" (٢/ ٣٧٠)، وفي "تفسيره" (١/ ٧٠٥)، وابن عبد البر في "التمهيد" (٢١/ ٢٢٦)، عن عثمان بن مظعون -رضي الله عنه-.
المائدة 5:88
﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾.
[٨٨] ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ حثٌّ على استعمالِ الحلالِ.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ عن عائشةَ -رضي الله عنها- قالَتْ: "كان النبي - ﷺ - يُحِبَّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ" (١).
...
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾.
[٨٩] ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾ كائِنًا.
﴿فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ تقدَّمَ تفسيرُه واختلافُ الأئمةِ فيه في سورةِ البقرةِ عندَ تفسيرِ نظيرِ هذهِ الآيةِ.
(١) رواه البخاري (٥١١٥)، كتاب: الأطعمة، باب: الحلواء والعسل، ومسلم (١٤٧٤)، كتاب: الطلاق، باب: وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينوِ الطلاق. وانظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٠)، و"تفسير البغوي" (١/ ٧٠٧)، و"إملاء ما منَّ به الرحمن" للعكبري (١/ ١٣٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٣٤). ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وأبو بكرٍ: (عَقَدْتُمْ) بالقصرِ والتخفيفِ، ورواهُ ابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ كذلك، إلا أنه بألفٍ بعدَ العين، وقرأ الباقونَ: بالتشديد من غير ألفٍ، وعقدُ اليمينِ: توثيقُها باللَّفظِ معَ العزمِ عليها. المعنى: إنَّما يؤاخِذُكم بيمينِكم إذا حنثتُمْ فيها.
﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ أي: سترُ الحنثِ.
﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾.
واختلفوا في قدرِ الكفارة وحكمِها:
فقال أبو حنيفةَ: نصفُ صاعِ بُرٍّ لكلِّ مسكينٍ، أو صاع من شعيرٍ أو تمرٍ أو زبيبٍ، أو قيمةُ ذلكَ، والصاعُ ثمانيةُ أرطالٍ بالعراقيِّ.
وقال أبو يوسف: خمسةُ أرطالٍ وثلثٌ، أو يُغَدِّيهم ويُعَشِّيهم، ولا بدَّ من شِبَعِهم (١) في الأكلتينِ، ويجوزُ عنلَه صرفُها إلى العبدِ والذميِّ، ولا يجوزُ عندَه التكفيرُ قبلَ الحنثِ.
وقال مالكٌ: لكلِّ مسكينٍ مُدٌّ من حنطَةٍ أو غيرِها مِمَّا هو قوتٌ لهم بالمدِّ الأصغرِ بمدِّ النبيِّ - ﷺ - إذا أخرجَ الكفارةَ بالمدينة، وفي بقيةِ الأمصارِ وسطٌ منَ الشبع، وهو رِطْلانِ بالبغداديِّ من الخبز، وشيءٌ من الإدامِ.
وقالَ الشافعيُّ: لكلِّ مسكينٍ مُدُّ حَبٍّ من غالبِ قوتِ بلدِه.
وقالَ أحمدُ: لكلِّ مسكينٍ مُدٌّ من بُرٍّ، أو مُدَّانِ من شعيرٍ أو تمرٍ أو
(١) "ولا بد من شبعهم" ساقطة من "ن". زببيبٍ (١)، وقدرُ المدِّ رطلٌ وثلثٌ عراقيٌّ، ورطلٌ وسبعُ رطلٍ وثلثُ سبعِ رطلٍ مصريٍّ، وثلاثُ أواقٍ وثلاثةُ أسباعِ أوقيةٍ دمشقيةٍ، وأوقيتانِ وستةُ أسباعِ أوقيةٍ حلبيةٍ، وأوقيتانِ وأربعةُ أسباعِ أوقيةٍ قدسيةٍ، ومئةٌ وواحدٌ وسبعونَ درهمًا وثلاثةُ أسباعِ درهمٍ ومئةٌ وعشرونَ مثقالًا، ويأتي ذكرُ الصاعِ في سورةِ التوبةِ عندَ ذكرِ الزكاة إن شاء الله تعالى.
واتفق مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ على عدمِ جوازِ صرفها إلى رقيقٍ وذميٍّ، وعلى عدمِ جوازِ إخراجِ القيمةِ وغداء المساكينَ وعشائهم، وعلى أنه يجوز التكفيرُ قبلَ الحنثِ وبعدَه.
﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ خيرِ قوتِ عيالِكم.
﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ فعندَ أبي حنيفةَ المقصودُ منها ردُّ العُرْيِ، فكلُّ ثوبٍ يصيرُ به مُكْتَسِيًا يسمَّى كسوةً، وعندَ مالكٍ إن كانوا رجالًا، ثوبًا ثوبًا، وإن كُنَّ نساءً، فثوبين ثوبين، درعًا وخمارًا لكلِّ امرأةٍ منهنَّ، وعندَ الشافعيِّ ما يُسَمَّى كسوةً؛ كقميصٍ، أو عِمامةٍ، أو إزارِ، وعندَ أحمدَ للرجلِ ثوبٌ يجزئُه أن يصلِّيَ فيه، وللمرأةِ درعٌ وخمارٌ.
واختلفوا فيما إذا أطعمَ خمسةً وكسا خمسةً، فقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: يجزئُه، وقال مالكٌ والشافعيُّ: لا يجزئُه.
وكذلكَ اختلافُهم فيما إذا أطعمَ من جنسينِ، فأطعمَ خمسةً بُرًّا، وخمسةً تمرًا، أو خمسةً برًّا، وخمسة شعيرًا.
﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ سليمةٍ من كلِّ عيبٍ يَضُرُّ بالعملِ ضررًا بَيِّنًا بالاتفاق،
(١) من قوله: "القربة وأصل الوسيلة... " في الآية (٣٥) من هذه السورة، (ص: ٢٩١) إلى هنا سقط من (ش)، وهو بمقدار (٨) لوحات من النسخ الخطية الأخرى. والأئمةُ الثلاثةُ يشترطونَ الإيمانَ في عتقِ الرقبةِ قياسًا على كفارةِ القتلِ، وأبو حنيفةَ جَوَّزَ عتقَ الرقبةِ الكافرةِ في جميعِ الكفاراتِ سوى كفارةِ القتلِ، فالحانثُ مخيَّرٌ بينَ الإطعامِ والكسوةِ والتحريرِ بالاتفاق إنْ وجدَ ما يفضُلُ عن قوته وقوتِ عيالِه.
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ واحدًا منها.
﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ متتابعاتٍ عندَ أبي حنيفةَ وأحمدَ، وقالَ مالكٌ والشافعيُّ في الأظهر: لا يجبُ التتابعُ.
﴿ذَلِكَ﴾ المذكورُ.
﴿كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ وحَنِثْتُمْ.
﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ فلا تنكُثوها إن لم تكن على تركِ مندوبٍ أو فعلِ مكروهٍ، فإن كانتْ على شيءٍ منها، فالأولى الحنثُ، قال - ﷺ - لعبدِ الرحمنِ بنِ سَمُرَةَ: "لا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ أُوتيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ، وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُوتيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلةٍ، أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" (١).
وقالَ - ﷺ -: "إِنِّي وَاللهِ لاَ أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَتيتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا، وَتَحَلَّلْتهَا" (٢)، وقولُه: "تَحَلَّلْتُهَا" من التحلُّلِ، وهو
(١) رواه البخاري (٦٢٤٨)، في أول كتاب: الأيمان والنذور، ومسلم (١٦٥٢)، كتاب: الإيمان، باب:
ندب من حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها؍ ، عن عبد الرحمن بن سمرة -رضي الله عنه-.؍
(٢) رواه البخاري (٢٩٦٤)، كتاب: أبواب الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، ومسلم (١٦٤٩)، كتاب: الأيمان، باب: ندب من =
المائدة 5:90
التخلُّصُ من عُهْدةِ اليمينِ، والخروجُ من حرمتِها إلى ما يحلُّ منها بالكفارةِ.
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلكَ البيانِ.
﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ أعلامَ شرائِعِه.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمةَ التعليم.
...
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾.
[٩٠] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ﴾ جمعُ نُصُبٍ.
﴿وَالْأَزْلَامُ﴾ تقدَّمَ تفسيرُ الخمرِ والميسرِ في سورةِ البقرةِ، وتقدَّمَ في صدرِ هذهِ السورةِ تفسيرُ الأنصابِ والأزلامِ.
﴿رِجْسٌ﴾ خبيثٌ.
﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ من تَزْيينِهِ.
﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ الضميرُ للرِّجْسِ.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ لكي تُفْلِحوا بالاجتنابِ عنه.
...
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾.
= حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها؍ ، عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-.
؍
المائدة 5:91
[٩١] ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ أي: بسببِهما، أمَّا العداوةُ في الخمرِ لأنَّ الشارِبينَ إذا سَكِروا، عَرْبَدُوا وتَشاجَرُوا كما فعلَ الأنصاريُّ الذي شجَّ رأسَ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ، وتقدَّمَ ذكرُ قصتِه في سورةِ البقرةِ، وأما العداوةُ في الميسرِ، قالَ قَتادةُ: كانَ الرجلُ يُقامِرُ على الأهلِ والمالِ، ثمَّ يبقى حزينًا مسلوبَ الأهلِ والمالِ.
﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ واختصاصُ الصلاةِ من بينِ الذكر، كأنه قيلَ: وعن الصلاةِ خصوصًا.
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ استفهامٌ، ومعناهُ الأمرُ.
...
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢)﴾.
[٩٢] ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ المحارمَ.
﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ في تحريمِ ما أمرَ بتحريمِه، وعلى المرسِلِ أن يعاقبَ ويُثيبَ بحسبِ ما يُعْصى ويُطاع، قال - ﷺ -: "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا، حُرِمَهَا فِي الآخِرَةِ" (١).
...
(١) رواه البخاري (٥٣٥٣)، في أول كتاب: الأشربة، ومسلم (٢٠٠٣)، كتاب: الأشربة، باب: عقوبة من شرب الخمر إذا لم يتب منها بمنعه إياها في الآخرة، عن ابن عمر -رضي الله عنهما-.
المائدة 5:93
﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾.
[٩٣] ونزلَ فيمن استعملَ شيئًا من الخمرِ والميسرِ من المؤمنينَ قبلَ التحريمِ:
﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ أكلوا من مالِ القمارِ، وشربوا من الخمرِ قبلَ التحريم. قرأ أبو عمرٍو: (الصَّالِحَات جنَاحٌ) بإدغامِ التاءِ في الجيمِ (١).
﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ الشركَ ﴿وَآمَنُوا﴾ ثبتوا على الإيمانِ.
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ الخمرَ والميسرَ بعدَ التحريمِ.
﴿وَآمَنُوا﴾ ازدادوا إيمانًا.
﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ محارمَ اللهِ تعالى، وكررَ الاتقاءَ تأكيدًا.
﴿وَأَحْسَنُوا﴾ طاعةَ اللهِ تعالى.
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فلا يؤاخذُهم بشيء.
...
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤)﴾.
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٠٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٣٦).
المائدة 5:94
[٩٤] ولما كانوا محرِمينَ عامَ الحُدَيبيةِ، ابتلاهُمُ اللهُ بالصيدِ، وكانتِ الوحوشُ تَغْشاهم في رحالِهم بحيثُ تمكَّنُوا من صيدِها أَخْذًا بأَيديهِم، وطَعْنًا برماحِهم وهُم مُحْرِمونَ، فنزلَتْ:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾ (١) ليختبرنَّكُمْ ليظهرَ المطيعُ من العاصي.
﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ إنما خصَّ فقالَ: ﴿بِشَيْءٍ﴾ لأنهُ ابتلاهمُ اللهُ بصيدِ البرِّ خاصَّةٍ.
﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ يعني: الفرخَ والبيضَ وما لا يقدرُ أن يفرَّ. قرأ أبو عمرٍو: (مِنَ الصَّيْد تنَالُهُ) بإدغامِ الدالِ في التاء (٢).
﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾ تنالُ كبارَهُ.
﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ ليتميزَ الخائفُ من عقابِه باجتنابِ الصيدِ ممَّنْ لا يخافُهُ؛ لضعفِ قلبِه، وقلةِ إيمانِه.
﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بصيدِه بعدَ التحريم.
﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فالوعيدُ لاحقٌ بهِ.
...
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ
(١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٧١١).
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٠٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٣٦).
المائدة 5:95
مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)}.
[٩٥] ونزلَ في رجل يُقالُ له: أبو اليَسَرِ شدَّ على حمارٍ وحشيٍّ وهو محرِمٌ فقتلَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (١) جمعُ حَرامٍ؛ أي: محرِمونَ بالحجِّ وبالعمرةِ.
﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ والمتعمدُ: القاصدُ للشيءِ مع العلمِ بالإحرامِ، والمخطيءُ: هو الذي يقصدُ شيئًا فيصيبُ صيدًا، والناسي: هو الذي يتعمَّدُ الصيدَ ولا يذكرُ إحرامَهُ، فيجبُ الجزاءُ في العمدِ والخطأِ والنسيانِ بالاتفاق، وعن أحمدَ روايةٌ: لا شيءَ على المخطئ والناسي؛ لأن اللهَ سبحانه لما خَصَّ المتعمِّدَ بالذكرِ، دلَّ على أنَّ غيرَه يخالفُه، قالَ: والأصلُ براءةُ الذِّمَّةِ، فمنِ ادَّعى شغلَها، فعليهِ الدليلُ، والصحيحُ من مذهبه: وجُوبُ الجزاءِ.
﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، ويعقوبُ: (فَجَزَاءٌ) منوَّن (مِثْلُ) رَفْعٌ على البدل من الجزاء، وقرأ الباقون بالإضافة (٢)؛ أي: يجبُ عليه ما يقرُبُ من الصيدِ المقتولِ شَبَهًا بهِ من حيثُ الخلقةُ، والذي يُجزئ من الصيدِ شيئانِ: دوابٌ، وطيرٌ، فيجزئ ما كانَ
(١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٧١٢).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٠)، و"تفسير البغوي" (١/ ٧١٢ - ٧١٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٥٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٣٧). من الدوابِّ بنظيرِه في الخِلْقةِ والصورةِ عندَ الثلاثةِ، وقالَ أبو حنيفةَ: إنما يعتبرُ بالمثلِ في القيمةِ دونَ الخِلْقَةِ، فَيُقَوَّمُ الصيدُ بدراهمَ في المكانِ الذي قتلَه، وفي أقربِ موضعٍ إليه إنْ كانَ لا يباعُ الصيدُ في موضعِ قُتِلَ، فيشتري بتلكَ القيمةِ هَدْيًا يذبُحه إن شاءَ، أو يشتري بها طعامًا، ويُطعم للمساكينِ، كُلُّ مسكينٍ نصفَ صاعٍ من بُرٍّ، أو صاعًا من شعيرٍ أو تمرٍ، وإن شاءَ صامَ عن كلِّ نصفِ صاعٍ يومًا.
وقال مالكٍ: في النَّعامَةِ بَدَنةٌ، وفي بقرِ الوحشِ وحمارِه بقرةٌ، وفي الضَّبُعِ والثعلبِ شاةٌ، وفي نحوِ الضَّبِّ والأرنبِ القيمةُ طعامًا، وفي الحمامِ كُلِّه قيمتُه، إلا حمامَ مكةَ، فإنَّ فيه شاةً اتباعًا للسلف في ذلكَ.
وقالَ الشافعيُّ: في النَّعامةِ وبقرِ الوحشِ وحمارِه كقولِ مالكٍ، وفي الغزالِ عَنْزٌ، وفي الأرنبِ عَناقٌ، واليربوعِ جَفْرَةٌ، وما لا نقلَ فيه يحكمُ بمثلِه عَدْلان، وفيما لا مثلَ لهُ القيمةُ.
وقال أحمدُ في النعامة كقولِ مالكٍ والشافعيِّ، وفي حمارِ الوحشِ وبقرِه والأَيَّلِ والثَّيْتَلِ والوعِلِ بقرةٌ، وفي الضبع كبشٌ، وفي الغزالِ شاةٌ، وفي الوَبْرِ والضَّبِّ جَدْيٌ، وفي اليربوعِ جفرةٌ لها أربعةُ أشهرٍ، وفي الأرنبِ عناقٌ، وفي الحمامِ شاةٌ، وفيما لا مثلَ له وهي سائرُ الطير قيمتُه. واتفق مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ على أنه مخيَّرٌ في الصيدِ المِثْلِيِّ بينَ ذبحِ مثلِه، والصدقةِ به على مساكينِ الحرمِ، أو بينَ أن يقوَّمَ المثلُ ويَشتري به طعامًا، فيطعمَ كلَّ مسكينٍ مُدًّا، أو يصومَ عن كلِّ مدٍّ يومًا.
واختلفوا في المحرِمِ إذا دلَّ حلالًا على صيدٍ فقتلَهُ الحلالُ، فقال مالكٌ والشافعيُّ: لا شيءَ عليه، وقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: عليه الجزاءُ. ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ أي: بالجزاءِ.
﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي: عدلانِ من المسلمينَ، فينظرانِ أشبهَ الأشياءِ إلى المقتولِ، فيحكمان به، ويجوزُ أن يكونَ القاتلُ أحدَ العدلينِ عندَ الشافعيِّ وأحمدَ، وقال أبو حنيفةَ ومالكٌ: لا يجوز.
﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ أي: يبلغُ بالهديِ الحرمَ، فَيُنْحَرُ فيه، ويُتصدُّقُ به على مساكينِه عندَ الشافعيِّ وأحمدَ، وعندَ أبي حنيفةَ يُذبحُ بالحرمِ، ويُتصدَّقُ به حيثُ شاءَ، والاختيارُ عندَ مالكٍ أن يطعمَ القاتلُ حيثُ وجبَ الجزاءُ عليه، فإِن أطعمَ في مكانٍ غيرِه، أجزأَ عنه.
﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ أي: هي طعام. قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، وأبو جعفرٍ: (كَفَّارَةُ) بغير تنوين (طَعَامٍ) بالخفضِ على الإضافة، والباقون: بالتنوين، ورفعِ (طعام) (١).
﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ أو ما ساواه من الصوم، والعَدْل بالفتح: المثلُ من غيرِ جنسِه، والمراد: أن الجانيَ مخيرٌ في جزاءِ الصيدِ بينَ ذبحِ المثلِ من النَّعَمِ، والتصدُّقِ بلحمه، وبينَ أن يقوَّمَ المثلُ دراهمَ يشتري بها طعامًا، فيتصدقُ به، أو يصومُ كما تقدَّمَ ذكرُه قريبًا في فقهِ الآيةِ، وله أن يصومَ حيثُ شاءَ بالاتفاق؛ لأنه لا نفعَ فيه للمساكين.
﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ جزاءَ معصيته، وأصلُ الوبالِ: الثقلُ.
﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ قبلَ تحريمِ الصيدِ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٣٨).
المائدة 5:96
﴿وَمَنْ عَادَ﴾ إلى ما نُهي عنه.
﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ في الآخرةِ.
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ مِمَّنْ أصرَّ على عصيانِه.
...
﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)﴾.
[٩٦] ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ كلُّ ما صِيدَ منه، والمراد بالبحرِ، جميعُ المياهِ.
﴿وَطَعَامُهُ﴾ المأكولُ منهُ.
﴿مَتَاعًا﴾ أي: تمتيعًا.
﴿لَكُمْ﴾ بأنْ تأكلوه طَرِيًّا.
﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ المارَّةِ؛ بأنْ يتزوَّدوهُ لأسفارِهِمْ، فكلُّ ما صِيدَ من البحرِ مما لا يعيشُ إلا في الماءِ حلالٌ عندَ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ؛ لقولِ النبيِّ - ﷺ - في البحرِ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" (١)، ويحرمُ عندَ الشافعيِّ ما يعيشُ في برٍّ وبحرٍ؛ كضِفْدِعٍ، وسَرَطانٍ، وحيَّةٍ، ويحرمُ عندَ أحمدَ الضفدعُ، والحيَّةُ، والتمساحُ، ومالكٌ أباحَ جميعَهُ سواءٌ كانَ مِما له شبهٌ في
(١) رواه أبو داود (٨٣)، كتاب: الطهارة، باب: الوضوء بماء البحر، والنسائي (٥٩)، كتاب: الطهارة، باب: ماء البحر، والترمذي (٦٩)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في ماء البحر أنه طهور، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٣٨٦)، كتاب: الطهارة، باب: الوضوء بماء البحر، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.
المائدة 5:97
البرِّ، أو مما لا شبهَ لهُ، من غيرِ احتياجٍ إلى ذَكاةٍ، وسواءٌ تلفَ بنفسِه، أو بسبٍ، وتَوَقَّفَ في خنزيرِ الماءِ فقط، وقالَ أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يحلُّ مما في البحرِ إلَّا السمكُ.
﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ صيدُ البحرِ حلالٌ للمحرِم كغيرِه بالاتفاق، وأما صيدُ البرِّ، فحرامٌ على المحرِمِ، ويحرُمُ في الحرَمِ مطلَقًا بالاتفاق، والصيدُ: هو الحيوانُ الوحشيُّ الذي يحلُّ أكلُه، فلا يجوزُ للمحرِمِ أن يأكلَ مما صادَهُ، بالاتفاقِ، واختلفوا فيما اصطادَهُ الحلالُ لأجلِه، فقالَ الثلاثةُ: لا يجوزُ للمحرِم أكلُه، سواءٌ صِيدَ بعلمِهِ، أو بغيرِ علمِه، وقالَ أبو حنيفةَ: يجوزُ لهُ أكلُ ما صِيدَ له إِذا لم يكنْ قَدْ دَلَّ عليهِ، وأما إذا لم يُصَدْ لهُ، ولا من أجلِه، فيجوزُ أكلُه، بالاتفاقِ.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تشديدٌ وتنبيهٌ عقبَ هذا التحليلِ والتحريمِ.
...
﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)﴾.
[٩٧] ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ سميت كعبةً؛ لتربيِعها، والعربُ تسمِّي كلَّ بيتٍ مربعٍ كعبةٍ. قرأ الكسائيُّ: (الكَعْبَةَ) بإمالة الباء حيثُ وقفَ على هاءِ التأنيث.
﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ: (قِيَمًا) بغيرِ ألفٍ بعدَ الياء، والباقون:
المائدة 5:98
بالألف؛ أي: قوامًا لهم في أمرِ دينهِم ودنياهم (١).
﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ أي: الأشهرَ الحرمَ، وهي: ذو القعدةِ، وذو الحجَّةِ والمحرَّمُ، ورجبٌ.
﴿وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ تقدَّم تفسيرُهما في أولِ السورةِ.
﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قرأ أبو عمرٍو: (وَالْقَلاَئِد ذَّلِكَ) بإدغامِ الدالِ في الذال في هذا الحرفِ لا غيرُ.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من مصالِحِكم، وجميعِ الوجودِ.
﴿عَلِيمٌ﴾ فتتقونَهُ.
...
﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾.
[٩٨] ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن عَصاهُ.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن أَطاعَهُ.
...
﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩)﴾.
[٩٩] ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ التبليغُ، ليسَ له الهدايةُ والتوفيقُ.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ أي: تظهرونَهُ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٠)، و"تفسير البغوي" (١/ ٧١٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٣٩).
المائدة 5:100
﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ أي: تسُرُّونَ وتُخفونَ من كفرٍ ونفاقٍ.
...
﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾.
[١٠٠] ونزل نهيًا للمسلمين عن الإيقاعِ بحجاجِ المشركينَ، وتقدمتِ القصةُ في أولِ السورةِ:
﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ أي: الحرامُ والحلالُ.
﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ فإنَّ المحمودَ القليلَ خيرٌ من المذمومِ الكثيرِ.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ولا تتعرَّضُوا للحجَّاجِ، وإنْ كانوا مشركينَ.
﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ راجينَ أن تبلُغوا الفلاحَ.
...
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾.
[١٠١] ونزلَ تأديبًا للمؤمنينَ لما أكثروا على النبيِّ - ﷺ - السؤالَ:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي: تظهرْ لكم، وتقدَّمَ التنبيهُ على اختلافِ القرَّاء في حكمِ الهمزتين من كلمتينِ عندَ قولِه: (وَالْبَغْضَاءَ إِلى)، وكذلكَ اختلافهم في (أَشْيَاءَ إِنْ).
المائدة 5:102
﴿تَسُؤْكُمْ﴾ إن أُمِرْتُم بالعملِ بها.
﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا﴾ أي: التكاليفِ الضيقةِ.
﴿حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ﴾ أي: زمنَ الوحيِ.
﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي: تلكَ التكاليفُ التي تسؤكم، وتُؤْمروا بتحمُّلها.
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ أي: ما سَلَفَ من مسائِلِكم.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُكُم بعقوبةِ ما يفرطُ منكُم.
...
﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)﴾.
[١٠٢] ﴿قَدْ سَأَلَهَا﴾ الضميرُ للمسألة التي دلَّ عليها: (تسألوا).
﴿قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ كما سألَتْ ثمودُ صالحًا الناقةَ، وسألَ قومُ عيسى المائدة.
﴿ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ فأُهلكوا. قرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وهشامٌ: (قَد سأَلهَا) بإدغام الدالِ في السين، والباقون: بالإظهار (١).
...
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾.
[١٠٣] ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ﴾ أي: ما شَرَعَ.
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٠٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٤٠).
المائدة 5:104
﴿مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ كانَ في الجاهليةِ إذا ولدَتِ الناقةُ خمسةَ أَبْطُنٍ، بَحَرُوا أُذُنَها؛ أي: شَقُّوها، وترُكَتْ، فلا تُركبُ، ولا تُحلبُ.
﴿وَلَا سَائِبَةٍ﴾ البعيرِ يُسَيَّبُ بِنَذْرٍ يكونُ على الرجلِ، فيكونُ بمنزلةِ البَحيرةِ.
﴿وَلَا وَصِيلَةٍ﴾ الشاةُ إذا ولدَتْ ذكرًا، كانَ لآلهتِهم، وإن ولدَتْ أنثى، فهي لهم، فإن ولدَتْ ذكرًا وأنثى، قالوا: وَصَلَتْ أَخاها، فلم تُذْبح للآلهة.
﴿وَلَا حَامٍ﴾ هو من رُكِبَ ولدُ ولدِه منَ البعيرِ، يقال: حَمَى ظهرَهُ، فلا يُركبُ. فمعنى الآية: الردُّ والإِنكار لما ابتدعَهُ أهلُ الجاهلية. رُوِيَ عن قنبلٍ، ويعقوبَ: الوقفُ بالياءِ على (حَامِي) (١).
﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بتحريمِهم ما حَرَّموا.
﴿يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ بنسبةِ ذلكَ إليهِ.
﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ الحلالَ من الحرامِ، لكنَّهم يقلِّدونَ كبارَهم.
...
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾.
[١٠٤] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ في تحليلِ الحرثِ والأنعامِ، وبيانِ الشرائعِ والأحكامِ.
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٠٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٤١).
المائدة 5:105
﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ المعنى: إذا دُعِيَ الكفارُ إلى الإيمانِ، قالوا: كافِينا دينُ آبائِنا.
﴿أَوَلَوْ﴾ واوُ الحالِ دخلَتْ عليها همزةُ الإنكارِ، وتقديرُه: أَحَسْبُهُمْ دينُ آبائِهِمْ ولو.
﴿كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ من التوحيد.
﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ إليه. المعنى: لا يجوزُ الاقتداء إلا بالعالمِ المهتدي.
...
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾.
[١٠٥] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: الزموا صلاحَ أنفسِكم.
﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وليسَتْ هذهِ الآيةُ نازلةً في تركِ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكَرِ؛ لما رُوي أن أبا بكرٍ الصديقَ رضي الله عنه قال: سمعتُ النبيَّ - ﷺ - يقولُ: "إِنَّ النَاسَ إِذَا رَأَوْا مُنْكَرًا فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ، يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعَذَابِهِ" (١)، وعنِ ابنِ مسعودِ في هذهِ الآية: "مُرُوا بالْمَعْرُوفِ، وَانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ مَا قُبِلَ مِنْكُمْ، فَإِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ، فَعَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ" (٢).
(١) رواه أبو داود (٤٣٣٨)، كتاب: الملاحم، باب: الأمر والنهي، والترمذي (٢١٦٨)، كتاب: الفتن، باب: ما جاء في نزول العذاب إذا لم يغير المنكر، وقال: صحيح، وابن ماجه (٤٠٠٥)، كتاب: الفتن، باب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٢٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٧٥٥٢).
المائدة 5:106
﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ جميعًا، الضالُّ والمهتدي.
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وعدٌ ووعيدٌ للفريقين، وتنبيهٌ على أن أحدًا لا يؤاخَذُ بذنبِ غيرِه.
...
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)﴾.
[١٠٦] ولما سافرَ تميمُ بنُ أوسٍ الداريُّ، وعَدِيُّ بنُ بَدَّاءَ إلى الشامِ، وهما نصرانيانِ، ومعهما بُدَيْلٌ مولى عمرِو بنِ العاصِ، وكانَ مسلِمًا، فلما قَدِموا الشامَ، مرضَ بديلٌ، فكتبَ كتابًا فيه جميعُ ما معه، وألقاه في متاعِه، ولم يخبرْ صاحبيهِ، فلما اشتدَّ وجعُه، أمرَهما أن يدفَعا متاعَه إذا رجَعا إلى أهلِهِ، وماتَ بديلٌ، ففتشا متاعَه، فأخذا منهُ إناءً من فِضَّةٍ منقوشًا بالذهبِ فيه ثلاثُ مئةِ مثقالٍ فضةً، فَغَيَّباهُ، ثم قَضيا حاجَتَهما، وانصرَفا إلى المدينةِ، فدفعا المتاعَ إلى أهلِ الميت، ففتشوا، وأصابوا الصحيفةَ فيها تسميةُ ما كانَ معه، فجاؤوا تميمًا وعديًّا، فقالوا: هل باعَ صاحبُنا شيئًا من متاعِه؟ قالا: لا، قالوا: فهل اتَّجَرَ تِجارةً؟ قالا: لا، قالوا: فهل طالَ مرضُه فأنفقَ على نفسِه؟ قالا: لا، قالوا: إنا وجدْنا في متاعِه صحيفةً فيها تسميةُ ما معه، وإِنا فقدنا منها إناءً من فضةٍ مموهًا بالذهب، فيه ثلاثُ مئةِ مثقالٍ فضةً، فجحدا، فاختصموا إلى النبي - ﷺ -، فأصرَّا على الإنكار، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ (١) أي: فيما أُمرتم شهادةُ بينِكم،
والمرادُ بالشهادة: الإشهادُ.
﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ﴾ وإذا شارَفَهُ فظهَرَتْ أمارتُهُ.
﴿الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ أي: ليشهدِ اثنانِ على الوصية.
﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ أي: أمانةٍ وعقلٍ.
﴿مِنْكُمْ﴾ أي: من أهلِ دينِكم يا معشرَ المؤمنين.
﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أو من غيرِ دينِكم ومِلَّتِكُمْ.
﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ سافرتُم فيها.
﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ أي: قاربتم الأجلَ.
﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ أي: تستَوقفونهما.
﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ أي: صلاةِ العصرِ؛ لأنَّ جميعَ أهلِ الأديانِ يعظِّمونَ ذلك الوقتَ، ويتجنبونَ فيه الحلفَ الكاذبَ.
﴿فَيُقْسِمَانِ﴾ يَحْلِفانِ.
﴿بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي: شَكَكْتُم، ووقعتَ لكم الريبةُ في قولِ الشاهدينِ وصدِقهما اللَّذينِ ليسا من أهلِ ملَّتِكم، فإن كانا مسلمينِ، فلا يمينَ عليهما بالاتفاق.
(١) رواه البخاري (٢٦٢٨)، كتاب: الوصايا، باب: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ..﴾، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-. وانظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١١٧).
المائدة 5:107
﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ لا نحلفُ باللهِ كاذبينِ على عوضٍ نأخذُه، أو مالِ نذهبُ به، أو حقٍّ نجحدُه.
﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ولو كانَ المشهودُ له ذا قرابةٍ مِنَّا.
﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ وأضيفتِ الشهادةُ إلى اللهِ تعالى لأمرِه بها. وقرأ يعقوبُ: (شَهَادَةً) بالتنوين (آللهِ) ممدودٌ، جُعل الاستفهامُ عوضًا عن حرفِ القسمِ، ورُويَ عن أبي جعفرٍ: (شَهَادَةً) منونة (أَللهِ) بقطعِ الألفِ وكسر الهاءِ من غيرِ استفهامٍ على ابتداءِ اليمين؛ أي: واللهِ (١).
﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ إنْ كتمناها، فلما نزلَتْ هذه الآيةُ، صلَّى رسولُ الله - ﷺ - العصرَ، ودَعا تميمًا وعَدِيًّا، فاستحْلَفَهُما عندَ المنبرِ باللهِ الذي لا إلهَ إلَّا هوَ أنهما لم يختانا شيئًا مما دُفِعَ إليهِما، فحلَفا على ذلك، وخلَّى رسولُ اللهِ - ﷺ - سبيلَهما.
...
﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧)﴾.
[١٠٧] ثم ظهرَ الإناءُ، واختلفوا في كيفيةِ ظهورِه، فرُوي عن ابنِ عباسٍ: "أنه وُجدَ بمكةَ، فقالوا: اشتريناهُ من تميمٍ وعَدِيٍّ"، وقال آخرونَ: لما طالتِ المدةُ، أظهراهُ، فبلغَ ذلكَ بني سهم، فأتوهما في ذلك، فقالا: إنا كنا قد اشترينا منهُ هذا، فقالوا: ألم تزعما أنَّ صاحبَنا لم يبعْ شيئًا من
(١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٧٢٧). متاعِه؟! قالا: لم يكنْ عندَنا بينةٌ، وكرهنا أن نقرَّ لكم به، فكتمْنا ذلك، فرفعوهما إلى رسولِ الله - ﷺ -، فأنزل الله عز وجل:
﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾ (١) اطُلِعَ، وأصلُ العَثْرَةِ: الوقوعُ على الشيءِ.
﴿عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ أي: فَعَلا ما أوجبَ إِثمًا بخيانتِهما وبأيمانِهما الكاذِبة.
﴿فَآخَرَانِ﴾ من أولياءِ الميتِ.
﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ أي: مقامَ اللَّذَيْنِ خانا.
﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ أي: استحقَّ فيهم ولأجلهم الإثمُ، وهم ورثةُ الميتِ، استحق الحالفانِ بسببهما الإثمَ، و (على) بمعنى (في). قرأ حفصٌ: (اسْتَحَقَّ) بفتح التاء والحاء، وقراءة العامة: بضمِّ التاءِ على المجهولِ و (الأَوْلَيَانِ) تثنيةُ الأَوْلى، والأَوْلى هو الأقربُ؛ أي: الأحقُّ بالشهادةِ؛ لقرابتِه ومعرفتِه، وقرأ حمزةُ، وخلفٌ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ، ويعقوبُ (الأَوَّلِينَ) بالجمعِ، فيكونُ بدلًا من (الذين) (٢)، والمرادُ منهم: أولياءُ الميتِ، ومعنى الآيةِ على القراءاتِ كلِّها: إذا ظهرتْ خيانةُ الحالِفَيْنِ يقومُ اثنانِ آخرانِ من أقاربِ الميتِ.
﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ أي: يمينُنا أحقُّ من
(١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٧٢٨)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٣/ ٢٢١ - ٢٢٢).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٠)، و"تفسير البغوي" (١/ ٧٢٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤).
المائدة 5:108
يمينِهما؛ كقوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦]؛ أي: يمينُه.
﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ في قولنا: إنَّ شهادتَنا أحقُّ من شهادتِهما.
﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ إنْ كُنَّا حلفْنا على باطلٍ، وأخذنا ما ليسَ لنا، فلما نزلَتِ الآيةُ، قام عمرُو بنُ العاصِ، والمطَّلِبُ بنُ أبي وداعةَ السَّهميانِ، فحلفا باللهِ بعدَ صلاةِ العصرِ، ودُفِعَ الإناءُ إليهِما وإلى أولياءَ الميتِ، فكانَ تميمٌ الداريُّ بعدما أسلمَ يقولُ: صدقَ اللهُ ورسولُه، أنا أخذتُ الإناءِ، فأتوبُ إلى اللهِ وأستغفرُه.
...
﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾.
[١٠٨] ﴿ذَلِكَ﴾ الحكمُ الذي تقدَّمَ.
﴿أَدْنَى﴾ أقربُ.
﴿أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ على نحوِ ما تحمَّلُوها من غيرِ تحريفٍ وخيانة فيها.
﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أن تردَّ اليمينُ على المدَّعِينَ بعدَ أيمانِهم فيفضَحُوا بظهورِ الخيانةِ، واليمينِ، وإنَّما جُمعَ الضميرُ؛ لأنه حكمٌ يَعُمُّ الشهودَ كلَّهم.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾ سماعَ قَبولٍ.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ إلى طريقِ الجنةِ.
واختلِفَ في حكمِ الآية، فقالَ قومٌ: هو منسوخٌ، ولا تُقبلُ شهادةُ الذميِّ
المائدة 5:109
على مسلمٍ، وإِنما جازتْ أولَ الإسلامِ؛ لقلةِ المسلمينَ، ثم نُسختْ بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وإليه ذهبَ أبو حنيفةَ ومالكٌ والشافعيُّ رضي الله عنهم، وقالَ قومٌ: حكمُها ثابتٌ، وقضى به أبو موسى الأشعريُّ بالكوفةِ بعدَ وفاةِ النبيِّ - ﷺ -، وعملَ بهِ القاضي شُرَيْحٌ، وإليه ذهبَ الإمامُ أحمدُ رضي الله عنه، واستدلَّ بالآيةِ على جوازِ قبولِ شهادةِ أهلِ الكتابِ الرجالِ في الوصيةِ في السفرِ إذا لم يوجَدْ غيرُهم، وحضرَ الموصيَ الموتُ، مسلمًا كانَ أو كافرًا، ويحلِّفُهما الحاكمُ بعدَ العصرِ وُجوبًا: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ وإِنها لوصيةُ الرجلِ، فإنِ اطُّلِعَ على خيانتِهما، قامَ آخرَانِ من أولياءِ الموصي، فحلَفا باللهِ: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ ولقدْ خانا وكَتَما، ويقضى لهم، والله أعلمُ.
...
﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾.
[١٠٩] ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ هو يومُ القيامةِ ظرفًا ليهدي؛ أي: لا يَهْديهم إلى الجنةِ يومئذٍ.
﴿فَيَقُولُ﴾ لهم.
﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ أي: ما الذي أجابَتكم به أمَمُكم حينَ دعوتموهم إلى توحيدي وطاعتي؟ وهذا السؤالُ للأنبياءِ الرُسلِ إنما هو لتقومَ الحجَّةُ على الأمم.
المائدة 5:110
﴿قَالُوا﴾ أي: فيقولون.
﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ قال ابن عباس: "معناه: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ إلا علم أنتَ أعلمُ بهِ مِنَّا" (١).
﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ فتعلمُ ما نعلمُ مما أجابونا وأظهروا لنا، وما لم نعلمْ مما أضمَرُوا في قلوبِهم. قرأ حمزةُ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ (الْغِيُوبِ) بكسر الغين حيثُ وقعَ، وضَمَّها الباقون (٢).
...
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠)﴾.
[١١٠] ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ هذا من صفةِ يومِ القيامة؛ كأنه قالَ: اذكرْ يومَ يجمعُ اللهُ الرسلَ، وإذْ يقولُ اللهُ لعيسى، وذكرُ النعمةِ: شكرُها، والمرادُ: النعمُ، لفظُه واحدٌ، ومعناه جمعٌ.
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٣٦).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٠١)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٠٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٥٥، ٢٠٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٤٥). ﴿وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ مريمَ، ثم ذكرَ النعمَ فقال:
﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ يعني: جبريلَ عليه السلام.
﴿تُكَلِّمُ﴾ يعني: وتكلِّمُ.
﴿النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ صَبِيًّا.
﴿وَكَهْلًا﴾ نَبِيًّا، قالَ ابنُ عباسٍ: "أرسلَه اللهُ وهو ابنُ ثلاثينَ سنةً، فمكثَ في رسالتِه ثلاثينَ شهرًا، ثم رفعَهُ اللهُ إليه" (١).
﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ﴾ يعني: الخَطَّ.
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني: العلمَ.
﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ﴾ كصورةِ.
﴿الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا﴾ حَيًّا يطيرُ.
﴿بِإِذْنِي﴾ وتقدَّمَ اختلافُ القراءِ في (كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) و (طَيْرًا) في سورةِ آلِ عمرانَ عندَ تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ وكذلكَ اختلافُهم هاهنا.
﴿وَأُبْرِئُ﴾ تُصَحِّحُ.
﴿الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ من قبورِهِمْ أحياءً.
﴿بِإِذْنِي﴾ وتقدَّم تفسيرُه في سورةِ آل عمران.
﴿وَإِذْ كَفَفْتُ﴾ منعتُ.
﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يعني: اليهودَ.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٧٣٠).
المائدة 5:111
﴿عَنْكَ﴾ حينَ هَمُّوا بقتلِك.
﴿إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الدَّلالاتِ المعجزاتِ، وهي التي ذكرنا.
﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا﴾ يعني: ما جاءكُم به من البيناتِ.
﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: سَاحِرٌ بعد السينِ، فيكونُ راجعا إلى عيسى عليه السلام (١).
...
﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾.
[١١١] ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ أي: ألْهَمْتُهُم، وهم (٢) خواصُّ أصحابِ عيسى عليه السلام، وتقدَّمَ ذكرُهم في سورةِ آلِ عمرانَ. قرأ ابنُ ذكوانَ عنِ ابنِ عامرٍ بخلافٍ عنه: (الْحَوَارِيِّينَ) بالإمالة.
﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ عيسى.
﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ حينَ وَفَّقْتُهم.
﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ مخلِصونَ.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠١)، و"تفسير البغوي" (١/ ٧٣٠ - ٧٣١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٤٧).
(٢) في "ن" و"ت": "وهو".
المائدة 5:112
﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾.
[١١٢] ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ والمائدةُ: الخوانُ الذي عليه الطَّعامُ. قرأ الكسائيُّ: (هَل تَّسْتَطِيعُ) بالتاء وإدغام لام (هَلْ) (رَبَّكَ) بنصبِ الباء؛ أي: هل تستطيعُ أن تدعُوَ وتسألَ ربَّكَ، وقرأ الباقون: (يَسْتَطِيعُ) بالياء (رَبُّكَ) برفعِ الباء (١)، ولم يقولوه شاكِّينَ في قدرةِ الله تعالى، ولكن معناهُ: هل يُنْزِلُ أم لا؟
﴿قَالَ﴾ لهم عيسى:
﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ في أمثالِ هَذَا السؤالِ.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بكمالِ قدرته، وصِحَّةِ نبوَّتي.
...
﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣)﴾.
[١١٣] ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ أكلَ تبرُّكٍ لا أكلَ حاجةٍ.
﴿وَتَطْمَئِنَّ﴾ تسكنَ.
﴿قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ أي: نزدادَ إيمانًا ويقينًا بأنَّكَ رسولُ الله.
﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ للهِ بالوحدانيةِ والقدرةِ، ولكَ بالنبوةِ والرسالةِ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠١)، و"تفسير البغوي" (١/ ٧٣١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٤٧).
المائدة 5:114
﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤)﴾.
[١١٤] ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾ أي: يكونُ يومُ نزولِها عيدًا نُعَظِّمُهُ.
﴿لِأَوَّلِنَا﴾ لمن في زمانِنا.
﴿وَآخِرِنَا﴾ لمن يأتي بعدَنا، قالوا: نزلَتْ يومَ الأحدِ، فلذلكَ اتَّخَذَهُ النصارى عيدًا.
﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ دلالةً وحجَّةُ.
﴿وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ أي: خيرُ مَنْ أَعْطى ورَزَقَ.
...
﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾.
[١١٥] ﴿قَالَ اللَّهُ﴾ مُجيبًا لعيسى:
﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ يعني: المائدة. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وعاصمٌ: (مُنَزِّلُهَا) بالتشديد؛ لأنَّها نزلَتْ مراتٍ، والتَّفعيلُ يدلُّ على التدبيرِ مرةً بعدَ أخرى، وقرأ الباقون: بالتخفيف؛ لقوله: ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا﴾ (١).
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾ أي: بعدَ نزولِها.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠١)، و"تفسير البغوي" (١/ ٧٣٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٤٩). ﴿فَإِنِّي﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (فَإِنِّي) بفتحِ الياء، والباقون: بإسكانها (١).
﴿أُعَذِّبُهُ عَذَابًا﴾ أي: جنسَ عذابٍ.
﴿لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يعني عالَمي زمانِهم، والصحيحُ أنها نزلَتْ، رُوي أن عيسى عليه السلام لما سألوه نزولَ المائدةِ، لبسَ صوفًا وتضرَّعَ وبكى، وقالَ: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً﴾ الآية، فنزلَتْ سفرةٌ حمراءُ بينَ غَمامتينِ من فوقِها وتحتِها، وهم ينظرونَ، وهي تهوي مُنْقَضَّةً حتى سقطَتْ بينَ أيديهم، فبكى عيسى، وقالَ: اللهمَّ اجعلْني منَ الشاكرين، اللهمَّ اجعلْها رحمةً، ولا تجعلْها عقوبة، فقالَ عيسى: لِيَقُمْ أحسنكم عملًا فَلْيَكْشِفْ عنها، ويذكرِ اسمَ اللهِ تعالى، فقالَ شمعونُ رأسُ الحواريين: أنتَ أولى بذلك، فقامَ عيسى فصلَّى وبكى طويلًا، ثم كشفَ المنديلَ عنها، وقال: باسمِ اللهِ خيرِ الرازقينَ، فإذا هو بسمكةٍ ليسَ عليها فُلوسُها، تسيلُ دسمًا، عندَ رأسِها ملحٌ، وعندَ ذَنَبِها خَلٌّ، وحولَها من جميعِ ألوانِ البقولِ ما خلا الكُرَّاثَ، وخمسةُ أرغفةٍ على واحدٍ زيتونٌ، وواحد عسلٌ، وواحد سمنٌ، وواحد جبنٌ، وواحد قديدٌ، فقالَ شمعونُ: أمن طعامٍ الدُّنيا أمْ منْ طعامِ الآخرة؟ فقال عيسى: ليسَ منهُما، ولكنه شيءٌ افتعلهُ اللهُ بالقدرةِ الغالبةِ، كلوا مما سألتُم يُمْدِدْكم ربكم، فقالوا: كنْ أولَ
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٥٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٤٩). آكلٍ منها، فقال: معاذَ اللهِ أن آكلَ، لكنْ يأكلُ منها مَنْ سألها، فخافوا فلم يأكلوا، فأطعمَها أهلَ الفاقةِ، وكانوا أكثرَ من ألفٍ، فيهم المرضى والفقراءُ، فأكلوا حتى شبعوا، وإِذا هي كهيئتها حينَ نزلَتْ، ثم طارتْ وما أكل منها فقيرٌ إلا استغنى، ولا مريضٌ إلا عوفيَ، [وكانتْ تنزلُ ضحًى، فيأكلُ منها الأغنياءُ والفقراءُ، فإذا فاءَ الفيءُ، طارتْ] (١)، وكانت تنزلُ يومًا وتغيبُ يومًا كناقةِ ثمودَ، ترعى يومًا، وتَرِدُ يومًا، فلبثت كذلكَ أربعينَ صباحًا، وأوحى الله إليه أنِ اجعلْ رزقي في الفقراءِ دونَ الأغنياءِ، ففعلَ، فعظُمَ على الأغنياءِ، وأذاعوا القبيحَ حتى شَكُّوا وشَكَّكوا فيهِ الناسَ، فوقعتْ فيه الفتنةُ في قلوبِ المرتدِّينَ، ثم أوحى الله إلى عيسى أني آخِذٌ بشرطي من المكذِّبينَ، قد اشترطتُ عليهم أَنّي معذبُ من كفرَ منهم عذابًا لا أُعذِّبُه أحدًا من العالمينَ بعدَ نزولِها، فقال عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فَمُسخ منهم ثلاثُ مئةٍ وثلاثونَ رجلًا، باتوا من ليلتِهم على فُرُشِهم معَ نسائِهم، فأصبحوا خنازيرَ يسعَوْنَ في الطرقاتِ، ويأكلونَ العَذِراتِ، فلما رأى الناسُ ذلكَ، فزعوا إلى عيسى، وبَكَوا، فلما أبصرتِ الخنازيرُ عيسى، بكَتْ وجعلَتْ تُطيف بعيسى، وجعلَ عيسى يدعوهُم بأسمائِهم، فيشيرونَ برؤوسِهم ويبكونَ، ولا يقدرونَ على الكلام، قال الله تعالى لمحمدٍ - ﷺ -: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ [الرعد: ٦]، وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨]، فسألَ
(١) من قوله: "وكانت تنزل ضحىً... " إلى قوله: "طارت" ساقط من "ن".
المائدة 5:116
عيسى ربَّهُ أَنْ يُميتهُم، فأماتهم بعدَ ثلاثةِ أيام، فما رأى أحدٌ من الناسِ منهم جيفةً في الأرضِ (١).
...
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾.
[١١٦] ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ أي: صَيِّروني.
﴿وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ والصحيحُ أنَّ هذا القولَ إنَّما يُقالُ له يومَ القيامةِ، بدليلِ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩]؛ لأن هذا استفهامُ توبيخٍ وإثباتِ الحجةِ على قوم عيسى؛ لأنه تعالى عالم أَنَّ عيسى لم يقلْ ذلكَ، وتقدَّمَ اختلافُ القُرَّاءِ في حكمِ الهمزتينِ من كلمةٍ في سورةِ البقرةِ عندَ قوله تعالى: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾، وكذلك اختلافُهم في (أَأَنْتَ). قرأ ابنُ كثيرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ، وخلفٌ، ويعقوبُ: (وَأُمِّي) بإسكانِ الياء، والباقون: بفتحها (٢)، قالوا: فإذا سمعَ عيسى هذا
(١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٧٣٤).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٦)، و "معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٥٠).
المائدة 5:117
الخطابَ، أرعدَتْ مفاصلُهُ، وانفجرت من أصلِ كلِّ شعرةٍ عينُ دمٍ، ثم ﴿قَالَ﴾ منزِّهًا مبرهنًا عن نفسِه:
﴿سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهًا لك عن الشريك.
﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أي: ما ينبغي لي قولُ ما لم يثبتْ لي قولُه. قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (لِي) بإسكانِ الياءِ: والباقون: بفتحها (١).
﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ أي: تعلمُ معلومي، ولا أعلمُ معلومَك.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ما كانَ وما يكون.
...
﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾.
[١١٧] ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ ثم فَسَّرَ ما أُمِرَ بهِ فقالَ:
﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ وَحِّدُوهُ، ولا تشركوا بهِ شيئًا.
﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ رَقيبًا أَمنعُهم من الكفرِ.
﴿مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أي: وقتَ دوامي فيهم.
﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ قَبَضْتَني إليكَ.
(١) انظر: المصادر السابقة.
المائدة 5:118
﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ تحفظُ أعمالَهم.
﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ من مقالَتي ومقالَتِهم.
...
﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾.
[١١٨] ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ لا اعتراضَ عليكَ، وفيه تنبيهٌ على أنهم استحقُّوا التعذيبَ.
﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أي: للمؤمنين منهم.
﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ في الملكِ.
﴿الْحَكِيمُ﴾ في القضاءِ، معناه: إن تعذِّبْ، فعدلٌ، وإن تغفرْ، ففضلٌ.
...
﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)﴾.
[١١٩] ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ﴾ قرأ الجميعُ سوى نافعٍ: (يَوْمٌ) برفعِ الميم على خبرِ (هذا)، وقرأ نافع: بنصبِ الميم ظرفًا لخبر (هَذا) (١)، وهو محذوفٌ تقديرُه: هذا المذكورُ من كلامِ عيسى يقعُ يومَ.
﴿يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ﴾ في الدنيا.
﴿صِدْقُهُمْ﴾ في الآخرةِ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠١) و"تفسير البغوي" (١/ ٧٣٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢١٦).
المائدة 5:120
﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت غرفِها وأشجارِها.
﴿الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ﴾ أي: الظَّفَرُ.
﴿الْعَظِيمُ﴾ الذي عَظُمَ خيرُه وكَثُرَ.
...
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾.
[١٢٠] ثم عَظَّمَ نفسَه تعالى فقالَ:
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تنبيهٌ على كذبِ النصارى، وفسادِ دعواهُم في المسيح أنَّه إلهٌ، فأخبرَ تعالى أنَّ ملكَ السمواتِ والأرضِ له دون عيسى، ودونَ سائرِ المخلوقين، والله أعلم.
*** سُوْرَةُ الأَنْعَامِ
مكيةٌ، وآيُها مئةٌ وخمسٌ وستونَ آيةً، وحروفُها اثنا عشرَ ألفًا وأربعُ مئةٍ واثنانِ وعشرونَ حرفًا، وكَلِمُها ثلاثةُ آلافٍ واثنتانِ وخمسونَ كلمةً، نزلتْ ليلًا جملةً، حولها سبعونَ ألفَ مَلَكٍ يُسَبِّحون، فقال النبيُّ - ﷺ -: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ، وخرَّ ساجدًا" (١).
وعنه - ﷺ -: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَنْعَامِ لَمْ يَقْطَعْهَا بِكَلاَمٍ، غَفَرَ اللهُ لَهُ ما سَلَفَ مِنْ عَمَلٍ" (٢).
وعنِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنه: "نزلَتْ سورةُ الأنعامِ بمكَّةَ، إلا قولَه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى آخرِ ثلاثِ آياتٍ، وقولَه تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فهذه الستُّ آياتٍ مدنياتٌ" (٣).
(١) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٦٤٤٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٤٣٣)، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-. وفي الباب: عن ابن عمر -رضي الله عنهما-. وانظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (١/ ٤٥٠)، و"الفتح السماوي" للمناوي (٢/ ٦٢٨).
(٢) ذكره العيني في "عمدة القاري" (١٨/ ٢١٨)، وعزاه إلى أبي القاسم عبد المحسن القيسي في كتاب "الفائق في اللفظ الرائق".
(٣) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٢/ ٢٤٤).
الأنعام 6:1
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾.
[١] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بدأ سبحانهَ بحمدِ نفسِه تنبيهًا على أنَّ الحمدَ كلَّه لهُ، لا شريكَ له فيه، وتقدَّمَ تفسيرهُ في الفاتحة.
﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ أي: اخترعَ وأوجدَ.
﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ خَصَّهما بالذِّكْرِ؛ لأنهما أعظمُ الموجودات، وجمعَ السمواتِ لأنها سبعُ طباق، ووَحَّدَ الأرضَ لاتِّصالِ بعضِها ببعضٍ طولًا وعرضًا.
﴿وَجَعَلَ﴾ أي: وخلقَ.
﴿الظُّلُمَاتِ﴾ الكفرَ.
﴿وَالنُّورَ﴾ الإيمانَ، وجمعَ الظلمةَ ووَحَّدَ النورَ؛ لأن التوحيدَ متحدٌ، والكفرَ مِلَلٌ، وهما كنايتان عنهما، وقالَ الجمهورُ من المفسرين: المرادُ بهما سوادُ الليلِ وضياء النهارِ، قال ابنُ عطيةَ: والنورُ هنا للجنسِ فإفرادُهُ بمثابةِ جمعِهِ (١).
﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بعدَ هذا البيان.
﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ يُساوونَ بينهَ وبينَ أصنامهم، وأصلُ العدلِ: المساواةُ، وعن كعبٍ قالَ: "فاتحةُ التوراةِ فاتحةُ الأنعامِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إلى
(١) انظر: "المحرر الوجيز" (٢/ ٢٦٦).
الأنعام 6:2
﴿يَعْدِلُونَ﴾ وخاتمةُ التوراةِ خاتمةُ هودٍ ﴿بِغَافِلٍ عَمَّا تَعمَلُونَ﴾ (١) [هود: ١٢٣].
...
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)﴾.
[٢] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ يعني: آدم عليه السلام، والخلقُ نسلُه، والفرعُ يضافُ إلى أصلِه، فلذلكَ خاطبَهم بالجمعِ إذ كانوا ولدَه، رُوي: "أن الله عز وجل بعثَ جبريلَ إلى الأرضِ ليأتيَهُ بطائفة منها، فقالتِ الأرضُ: إني أعوذُ باللهِ منكَ أن تنقصَ مني، فرجعَ ولم يأخذْ، قالَ: يا ربِّ! إنها عاذَتْ بك، فبعثَ ميكائيلَ فاستعاذَتْ، فرجعَ، فبعثَ اللهُ مَلَكَ الموتِ، فعاذَتْ منه بالله، فقال: وأنا أعوذُ باللهِ أن أخالفَ أمرَهُ، فأخذَ من وجهِ الأرضِ، فخلطَ الحمراءَ والسوداءَ والبيضاءَ، فلذلكَ اختلفَت ألوانُ بني آدمَ، ثم عجنَها بالماءِ العذبِ والملحِ والمرِّ، فلذا اختلفتْ أخلاقُهم، فقال اللهُ لملكِ الموت: رحمَ جبريلُ وميكائيلُ الأرضَ ولم ترحَمْها، لا جرمَ أجعل أرواحَ من أخلُقُ من هذا الطين بيدِكَ" (٢).
وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: "خلقَ اللهُ آدمَ من ترابٍ، وجعلَه طينًا، ثم تركَهُ حتى كانَ حمأً مسنونًا، ثم خلقَهُ وصَوَّرَهُ وتركَهُ حتى كانَ
(١) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٠٢٧٤)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٥/ ٣٧٨)، وانظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ٤٩٣).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٦).
الأنعام 6:3
صلْصالًا كالفَخَّارِ، ثم نَفَخَ فيهِ روحَه" (١).
﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ أي: قدَّرَ مدةً إلى الموتِ.
﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ من الموتِ إلى البعثِ، وهو البرزَخُ.
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ تشُكُّونَ في البعثِ لاستبعادِ الإيمانِ بعدَ نصبِ الدلائلِ.
...
﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾.
[٣] ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾ المعبودُ.
﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ المستحقُّ للعبادةِ، والمدُعوُّ بالألوهِيَّةِ.
﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ فلا يخفى عليه شيءٌ.
﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ تعملونَ من خيرٍ وشرٍّ، فيُثيبُ عليه، ويعاقِبُ.
...
﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤)﴾.
[٤] ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ﴾ يعني: أهلَ مكةَ.
﴿مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ كانشقاقِ القمرِ وآيِ القرآنِ.
﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ تارِكينَ لها غيرَ ملتفتينَ إليها.
...
(١) رواه أبو يعلى في "مسنده" (٦٥٨٠).
الأنعام 6:5
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥)﴾.
[٥] ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ يعني: القرآنَ.
﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ﴾ أخبارُ، جمعُ نبأ.
﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: سيعلمونَ عاقبةَ استهزائِهم إذا عُذِّبوا.
...
﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)﴾.
[٦] ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أهلِ كلِّ عصرٍ، وهم الجماعةُ المقترنون في زمانٍ واحدٍ.
﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ أعطيناهم ما لم نُعْطِكُم.
﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: المطرَ.
﴿مِدْرَارًا﴾ أي: دارًا.
﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ أي: تحثَ بساتينهم، فكفروا.
﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا﴾ خَلَقْنا.
﴿مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ بَدَلًا منهم.
***
الأنعام 6:7
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾.
[٧] ولما قيلَ للنبيِّ - ﷺ -: لن نؤمنَ لكَ حتى تأتِيَنا بكتابٍ من عندِ اللهِ، ومعه أربعةٌ من الملائكةِ يشهدونَ عليه أنَّه من عندِ اللهِ، وأنَّك رسولُه، أنزلَ اللهُ تعالى:
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾ (١) أي: مكتوبًا في صحيفةٍ.
﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ ولم يقتصروا على الرؤية؛ لأن اللمسَ أنفى للشكِّ.
﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ تَعَنُّتًا وعِنادًا.
...
﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨)﴾.
[٨] ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾ أي: هلا أُنزل على محمدٍ.
﴿مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ لوجبَ العذابُ؛ فإنَّ سنةَ اللهِ جَرَتْ في الكفارِ بإهلاكهم عندَ وجودِ ما يقترحونَ.
﴿ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ لا يُمْهَلون طرفةَ عينٍ.
...
﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾.
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١١٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٩).
الأنعام 6:9
[٩] ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ﴾ أي: المرسَلَ إليهم.
﴿مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ أي: على صورةِ رجلٍ؛ ليتمكَّنوا من رؤيتِه؛ لأن البشرَ يضعُفونَ عن مشاهدةِ الملائكِة.
﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ أي: خَلَطْنا عليهم ما يخلِطون، وشَبَّهْنا عليهم، فلا يدرون أملكٌ هو أم آدميُّ؟!
...
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾.
[١٠] ثم قال مسليًّا نبيَّهُ - ﷺ -:
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كما استُهْزئ بكَ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَلَقَدُ اسْتُهْزِىَ) بضم الدال حيثُ وقع، وأبو جعفرٍ: بنصب الياءِ بغيرِ همزٍ (١).
﴿فَحَاقَ﴾ أحاطَ.
﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: جزاءُ استهزائهم من العذابِ.
...
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٠٦)، و "إملاء ما منَّ به الرحمن" للعكبري (١/ ١٣٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٥٣، ٢٠٥)، و"معجم القراءات القرآنيِة" (٢/ ٢٥٦).
الأنعام 6:11
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾.
[١١] ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاءِ المستهزئينَ:
﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ معتبرينَ.
﴿ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ الهالِكين قبلَكُم.
...
﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢)﴾.
[١٢] ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ توبيخًا للكفارِ:
﴿لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فإن سكتوا، كانت تقريرًا لهم.
﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ ثم قالَ استعطافًا لهم ليؤمنوا:
﴿كَتَبَ﴾ أي: أوجبَ.
﴿عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ فلا يعاجلُهم بالعقوبةِ، في الحديثِ: "إنَّ رَحْمَتِي سَبقَتْ غَضَبِي" (١).
﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ اللامُ لامُ القسم، والنونُ نونُ التوكيدِ، مجازهُ: واللهِ لَيَجْمَعَنَّكُمْ.
(١) رواه البخاري (٦٩٨٦)، كتاب: التوحيد، باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، ومسلم (٢٧٥١)، كتاب: التوبة، باب: في سعة رحمة الله وأنها سبقت غضبه، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.
الأنعام 6:13
﴿إِلَى﴾ أي: في.
﴿يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فيجازيكُم على شِرْكِكُم.
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شكَّ فيه.
﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ غَبَنُوها؛ لاختيارِهم الكفرَ.
﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لأنهم محكومٌ عليهم بالعذابِ.
...
﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣)﴾.
[١٣] ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ﴾ أي: ما استقرَّ.
﴿فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ والمراد: ما سَكَنَ وما تحرَّكَ.
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لكلِّ مسموعٍ.
﴿الْعَلِيمُ﴾ لكلِّ معلومٍ.
...
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾.
[١٤] ولما دُعِيَ النبيُّ - ﷺ - إلى الشركِ، قالَ تعالى:
﴿قُلْ﴾ يا محمدُ.
﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ رَبًّا ومعبودًا.
﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبدعِهِما بلا مثالٍ.
﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ أي: يرزقُ ولا يُرْزَقُ.
الأنعام 6:15
﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ من هذهِ الأمةِ، وقيلَ لي:
﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (إِنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
...
﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾.
[١٥] ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بعبادةِ غيرِه.
﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يعني: يومَ القيامة. قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (إِنِّي) بإسكانِ الياء، والباقون: بفتحها (٢).
...
﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾.
[١٦] ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ يعني: العذابَ. قرأ نافع، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، وابنُ عامرٍ، وأبو جعفرٍ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (يُصْرَفْ) بضمِّ الياءِ وفتحِ الراء، وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ، وخلفٌ، ويعقوبُ: (مَنْ يَصْرِفْ) بفتح الياء وكسر الراء (٣)؛ أي: من يصرفِ اللهُ عنهُ العذابَ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٧٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨).
(٢) انظر: المصادر السابقة.
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠١)، =
الأنعام 6:17
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يومَ القيامة.
﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ نَجَّاهُ وأنعمَ عليهِ.
﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ النجاةُ الظاهرةُ.
...
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾.
[١٧] ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ أي: يُنْزِلْ بكَ يا محمدُ شدةً وبليةً.
﴿فَلَا كَاشِفَ﴾ لا دافعَ.
﴿لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ عافيةٍ ونعمةٍ.
﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من الخير والضرِّ.
...
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾.
[١٨] ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ القادرُ الغالبُ، والمرادُ بفَوْقَ: علوُّ القدرةِ والشأنِ؛ كقوله: ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧].
﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في أمرِه.
﴿الْخَبِيرُ﴾ بالعبادِ.
...
= و"تفسير البغوي" (٢/ ١٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٥٨).
الأنعام 6:19
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩)﴾.
[١٩] ولما أتى أهلُ مكةَ رسولَ الله - ﷺ -، وقالوا: أَرِنا مَنْ يشهدُ بصدقِكَ، فإنا لا نَرى أحدًا يصدِّقُكَ.
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ أي: أيُّ شهيدٍ أعظمُ شهادةً؟ فإن أجابوك، وإلا.
﴿قُلِ اللَّهُ﴾ هو.
﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ يشهدُ لي بالحقِّ، وعليكم بالباطلِ؛ لأنه سبحانه إذا كانَ الشهيدَ، كانَ أكبرَ شيءٍ شهادةً.
﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ﴾ لأخوِّفَكُم.
﴿بِهِ﴾ يا أهلَ مكةَ.
﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي: ومن بلَغَهُ القرآنُ إلى يومِ القيامةِ، وهو دليلٌ على أنَّ أحكامَ القرآنِ تعمُّ الموجودينَ وقتَ نزولِه ومَنْ بعدَهم، وأنه لا يُؤاخَذُ بها من لم يبلغْهُ، ثم استفهمَ مُوَبِّخًا فقالَ:
﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ فإن شهدوا، فأنت.
﴿قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾ مثلَ شهادتِكم.
﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: بل أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا هوَ.
﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ يعني: الأصنامَ. واختلفَ القراءُ في (أَئِنَّكُمْ) فقرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ، ورُوَيْسٌ عن يعقوبَ: بتحقيقِ الهمزةِ الأولى، وتسهيلِ الثانيةِ بينَ بينَ؛ أي: بينَ الهمزةِ والياء،
الأنعام 6:20
وفصلَ بينَ الهمزتين بألفٍ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ، وقالونُ، واختلِفَ عن هشام، وقرأ الكوفيونَ، وابنُ عامرٍ، وروحٌ عن يعقوبَ: بتحقيقِ الهمزتين (١).
...
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ يعني: التوراةَ والإنجيلَ.
﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أي: النبيَّ - ﷺ -.
﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ من الصبيانِ.
﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ غَبَنوها.
﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لتضييعِهم ما يُكتسَبُ به الإيمانُ.
...
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)﴾.
[٢١] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى﴾ الافتراءَ العظيمَ من الكذِب.
﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فأشركَ به غيرَه.
﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ يعني: القرآن.
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٠٦)، و"تفسير القرطبي" (٦/ ٤٠٠)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (٤/ ٩٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٥٩).
الأنعام 6:22
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ فضلًا ممن لا أحدَ أظلمُ منه.
...
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢)﴾.
[٢٢] ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ مَنْ عَبَدَ ومَنْ عُبِدَ.
﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ آلهتُكم.
﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنهم شركاءُ الله، فيشفعوا لكم؟ والزعمُ قولٌ بالظنِّ شبهِ الكذبِ، والمرادُ من الاستفهامِ: التوبيخُ. قرأ يعقوبُ: (يَحْشُرُهُمْ) (ثُمَّ يَقُولَ) بالياء فيهما، والباقون: بالنون فيهما (١).
...
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ أي: قولَهم وجوابَهم. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، ويعقوبُ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: (يَكُنْ) بالياءِ على التذكير؛ لأنَّ الفتنةَ بمعنى الافتتانِ، وقرأ الباقون: بالتاء، لتأنيثِ الفتنة (٢)، وقرأ ابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (فِتْنَتُهُمْ) بالرفع، وجعلوهُ اسمَ
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ١٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٥٩).
(٢) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٥٤٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٥٩).
الأنعام 6:24
كان، وقرأ الباقونَ: بالنصبِ، فجعلوا اسمَ كانَ قولَه: (إِلَّا أَنْ قَالُوا)،
و (فِتْنَتَهُمْ) الخبرَ (١).
﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (رَبَّنَا) بالنصبِ على النداءِ المضافِ، وقرأ الباقونَ: بالخفضِ على نعتِ (واللهِ) (٢)، وجوابُ القسم.
﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَثَمَّ يُختم على أفواهِهم، وتشهدُ عليهم جوارحُهم.
...
﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾.
[٢٤] ثم عجبَ تعالى منهم فقالَ:
﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ باعتذارِهم بالباطلِ.
﴿وَضَلَّ﴾ ذهبَ.
﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يختلقونَ من الشركاءِ.
...
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)﴾.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٥)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٠٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٦٥).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٢)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٦١).
الأنعام 6:25
[٢٥] ولما قالَ النضرُ بنُ الحارث: واللهِ ما أدري ما يقولُ محمدٌ، إلا أَني أراهُ يحرِّكُ لسانَه، ويقولُ أساطيرَ الأولين مثلما كنتُ أحدثُكم عن القرونِ الماضية، فقالَ أبو سفيان: إني أرى بعضَ ما يقولُ حقًّا، نزل:
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (١) حينَ تتلو القرآنَ.
﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ أغطيةً، جمعُ كِنان.
﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ لئلَّا يفهموا القرآنَ.
﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ صمَمًا وثِقَلًا.
﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾ أي: دلالةٍ على صدقِكَ.
﴿لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا﴾ أي: ما القرآنُ.
﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ﴾ أباطيلُ.
﴿الْأَوَّلِينَ﴾ جمعُ أسطورة، وأُسطارة، وهو ما سُطرَ، وقيل: هي التُّرَّهاتُ.
...
﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: عن القرآنِ والرسولِ واتِّباعِه.
﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ بأنفسِهم؛ أي: يبعدونَ، فَيضِلُّون ويُضلون، نزلت في كفار مكة، وقال ابن عباس: نزلتْ في أبي طالبٍ، كان ينهى الناسَ عن أذى
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١١٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٥).
الأنعام 6:27
النبيِّ - ﷺ -، وينأى عن الإيمانِ به، ورُوي عنه: أَنَّه - ﷺ - لما عرضَ عليهِ الإسلامَ، قالَ: لولا أن تُعَيِّرني قريشٌ، لأقررتُ بها عينَكَ، ولكنْ أَذُبُّ عنكَ ما حَييتُ، وقال في ذلك أبياتًا:
وَاللهِ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهم؍ حَتَّى أُوَسَّدَ فِي التُّرَابِ دَفِينَا؍
فَاصدَعْ بِأَمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ؍ وَابْشِرْ وَقَرَّ بِذَاكَ مِنْكَ عُيُونَا؍
وَدَعَوْتنَي وَعَرَفْتُ أَنَّكَ نَاصِحِي؍ وَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ ثَمَّ أَمِينَا؍
وَعَرَضْتَ دِينًا قَدْ عَلِمْتُ بِأَنُّه؍ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا؍
لَوْلاَ الْمَلاَمَةُ أَوْ حَذَارَ مَسَبَّةٍ؍ لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِينَا (١)؍
﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ﴾ أي: وما يُهلكونَ بذلك.
﴿إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: لا يرجعُ وبالُ فعلِهم إلا عليهم.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أنَّ ضررَهُ لا يتعدَّاهم إلى غيرِهم.
**
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)﴾.
[٢٧] ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ حُبسوا على الصراطِ، معناه: لو تراهُمْ في تلكَ الحالةِ، لرأيتَ عجبًا.
﴿فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ تمنيًّا للرجوعِ إلى الدُّنيا.
﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قرأ العامةُ: (وَلاَ نُكَذِّبُ)
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١١٨ - ١١٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٦)، و"تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (١/ ٤٣٥).
الأنعام 6:28
(ونَكُونُ) بالرفع على معنى: ياليتنا نُرَدُّ ونحنُ لا نكذِّبُ ونكونُ من المؤمنينَ، وأبو عمرٍو: على أصلهِ في إدغامِ الباءِ في الباءِ، وقرأ حمزةُ، وحفصٌ عن عاصمٍ، ويعقوبُ (وَلاَ نُكَذِّبَ) (ونَكُونَ): بنصبِ الباءِ والنونِ بإضمارِ (أن) على جواب التمني؛ أي: ليتَ ردَّنا وقعَ وألا نكذبَ ونكونَ، والعربُ تنصبُ جوابَ التمنِّي بالواوِ كما تنصبُ بالفاءِ، وقرأ ابنُ عامرٍ: (نكذبُ) بالرفعِ إخبارٌ، (ونكونَ) بالنصبِ تمنيًّا؛ لأنهم تمنوا أَن يكونوا من المؤمنينَ، وأخبروا عن أنفسهم أنهم لا يكذِّبونَ بآياتِ ربهم إن رُدُّوا إلى الدنيا (١).
...
﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾.
[٢٨] ﴿بَلْ﴾ ردٌّ لقولهم؛ أي: ليسَ على ما قالوا: أنهم لو رُدُّوا لآمنوا، بل.
﴿بَدَا لَهُمْ﴾ أي: ظهرَ لهم.
﴿مَا كَانُوا يُخْفُونَ﴾ يُسِرُّونَ.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ من نفاقِهم وقبائحِ فعالِهم بشهادةِ جوارحِهم عليهم، فتمنَّوا ذلكَ ضَجَرًا، لا عَزْمًا على أنهم لو رُدُّوا لآمنوا.
(١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٥٤٢)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٢)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٦ - ١٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣).
الأنعام 6:29
﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾ إلى الدنيا.
﴿لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ من الكفر والمعاصي.
﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في قولهم.
...
﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾.
[٢٩] ﴿وَقَالُوا﴾ عطفٌ على (لعادوا):
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ الضميرُ للحياةِ.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ كما كانوا يقولونَ قبلَ معاينةِ القيامةِ.
...
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾.
[٣٠] ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ أي: حُبِسوا للتوبيخِ والسؤال.
﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا﴾ أي: البعثُ والعذابُ.
﴿بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ إقرارٌ مؤكَّدٌ باليمينٍ.
﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بسببِ كفركم.
...
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١)﴾.
الأنعام 6:31
[٣١] ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ وإذا فاتَهم النعيمُ، ولقاءُ اللهِ: البعثُ.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ﴾ القيامةُ، وسميت ساعةً؛ لسرعةِ الحساب.
﴿بَغْتَةً﴾ فجأة.
﴿قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا﴾ ندامَتَنا.
﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا﴾ قَصَّرْنا.
﴿فِيهَا﴾ في الحياةِ الدنيا.
﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ﴾ آثامَهم.
﴿عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ قَيَّدَهُ بالظهرِ؛ لأن الحملَ غالبًا يكونُ عليه.
﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ أي: بئسَ الحملُ حملوا.
...
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢)﴾.
[٣٢] ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ باطلٌ وغرورٌ.
﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الشركَ.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ الآخرةَ أفضلُ من الدنيا. قرأ ابنُ عامرٍ: (وَلَدَارُ الآخِرَةِ) بلام واحدةٍ وجرِّ (الآخِرَةِ) إضافةً؛ أي: دارُ الساعةِ الآخرةِ، وكذلكَ هي في مصاحفِ أهلِ الشام، وقرأ الباقون: بلامينِ وتشديدِ الدالِ للإدغام، وبالرفعِ على النعتِ، وكذا هو في مصاحِفهم (١)، وسميتْ آخرةً؛
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٢)، =
الأنعام 6:33
لتأخُّرِها على الدار الأولى، كما سُميت الأولى دُنيا؛ لدنوِّها من الخلقِ الأولِ، وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (تَعْقِلُونَ) بالخطاب، وقرأ الباقونَ: بالغيب (١).
...
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾.
[٣٣] ولما قالَ أبو جهلٍ: إنَّا لا نكذِّبُكَ يا محمدُ، بل نكذِّبُ ما جئتَ به، نزلَ تسليةً له، ووعدًا ووعيدًا لهم:
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ فيكَ، وفيما جئتَ به؛ من التكذيبِ؛ لأنَّهم إذا كذَّبوا ما جاءَ به، فقد كذبوه. قرأ نافع: (لَيُحْزِنُكَ) بضمِّ الياءِ وكسرِ الزاي، والباقونَ: بفتح الياء وضمِّ الزاي (٢)، وكلُّ ما جاءَ في القرآنِ بعدَ العلمِ لفظةُ (إِنَّ)، فهي بفتحِ الهمزةِ إلَّا في موضعين:
أحدُهما: هنا: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ والثاني:
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ في سورةِ المنافقين، وإنما كانَ كذلكَ في هذينِ
= و"تفسير البغوي" (٢/ ١٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٦٤).
(١) انظر: المصادر السابقة.
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٤، ٢٥٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٦٥).
الأنعام 6:34
الموضعينِ؛ لأنه يأتي بعدَهما لامُ الخبرِ، فلذا انكسرا.
﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ أي: في الحقيقةِ؛ إذْ جحدُهم عنادٌ؛ أي: إنما يكذِّبونَ اللهَ بجحدِهم. قرأ نافعٌ، والكسائيُّ: (يُكْذِبُونَكَ) بسكونِ الكافِ وتخفيفِ الذالِ؛ من الإكذابِ، وهو أن يجدَه كاذبًا، وقرأ الباقونَ: بالتشديدِ؛ من التكذيبِ، وهو أن ينسبَه إلى الكذب، ويقولَ له: كذبت (١).
﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الدالةِ على صدقِك ﴿يَجْحَدُونَ﴾.
...
﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾.
[٣٤] ثم آنسَهُ بقوله:
﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كَذَّبَهم قومُهم كما كَذَّبَكَ قومُكَ قريشٌ.
﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ الذي كُنَّا وعدْناهم به في قولنا: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر: ٥١]، وهذا تسليةٌ له.
﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ المتضمنةِ للنصرِ.
﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: من أخبارهم ما تسكنُ بهِ نفسُك.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٢)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٦٥).
الأنعام 6:35
﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾.
[٣٥] وكان - ﷺ - يكرهُ كفرَهم، ويحبُّ مجيءَ الآياتِ لِيُسلموا، فنزل:
﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ﴾ عَظُمَ وشقَّ عليكَ.
﴿إِعْرَاضُهُمْ﴾ عن الإسلامِ.
﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ﴾ تطلبَ.
﴿نَفَقًا﴾ سَرَبًا تستترُ فيه.
﴿فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا﴾ مصعدًا.
﴿فِي السَّمَاءِ﴾ فتصعدَ فيه.
﴿فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ فافعلْ، ثم عَرَّفَهُ تعالى أنه ليسَ بيدِه شيءٌ من أمرِهم فقالَ:
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ مشيئةَ قدرةٍ وقهرٍ.
﴿لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ فآمَنوا كلُّهم، وهذا ردٌّ على القدريَّةِ المفوضةِ الذين يقولون: إن القدرةَ لا تقتضي أن يؤمنَ الكافرون، وإنَّ ما يأتيه الإنسانُ من جميعِ أفعالِه لا خلقَ لله فيه، تعالى اللهُ عن قولهم.
﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ليسَ المرادُ لا تكونَنَّ ممن يجهلُ أنَّ اللهَ لو شاءَ لجمعَهم على الهدى؛ إذ فيه إثباتُ الجهلِ لصفةٍ من صفاتِ الله، وذلك لا يجوزُ على الأنبياء، وإنما المقصودُ وعظُه ألَّا يتشبَّهَ في أمرِه بسماتِ الجاهلين.
الأنعام 6:36
﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾
[٣٦] ثم أخبرَ أن حرصَه على هدايتِهم لا ينفعُ؛ لعدم سمعهم كالموتى بقولِه:
﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ يعني: المؤمنينَ الذين يقبلونَ ما يسمعونَ فينتفعونَ به.
﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ يعني: الكفارَ.
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ فيَجزيهم بأعمالِهم.
...
﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧)﴾.
[٣٧] ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: رؤساءَ قريشٍ.
﴿لَوْلَا﴾ هلَّا.
﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: مما اقترحوه.
﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ تضطُّرهم إلى الإيمان؛ كنتق الجبل لبني إسرائيل. قرأ ابنُ كثير: (يُنْزِلَ) بالتخفيف، والباقون: بالتشديد (١).
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٠٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٣٤ و ٢٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٦٧).
الأنعام 6:38
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما عليهم من إنزالها؛ لأنها لو نزلت ولم يؤمنوا، لأُهلكوا.
...
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾.
[٣٨] ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ تدبُّ على وجهها.
﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ في الهواء، وقيدَ بالجناح؛ لنفيِ المجاز؛ لأنه يقالُ لغير الطائر: طارَ: إذا أسرعَ.
﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ في كونها مرزوقةً مقدرًا (١) آجالُها.
﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ما غفلْنا في اللوحِ المحفوظِ؛ لأن جميع الأشياء مكتوبةٌ فيه.
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال ابن عباس: "حَشْرُهَا مَوْتُها" (٢)، وقال أبو هريرةَ: "يحشرُ اللهُ تعالى الخلقَ كلَّهم يومَ القيامةِ البهائمَ والدوابَّ والطيرَ وكلَّ شيءٍ، فيؤخذُ للجَمَّاءِ من القَرْناءِ، ثمَّ يُقال: كوني تُرابًا، فحينئذ يتمنَّى الكافرُ أنْ لو كانَ تُرابًا" (٣).
...
(١) في "ن": "مقدرةً".
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٨٦)، وانظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٣/ ٢٦٧).
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٢٨٦)، والحاكم في "المستدرك" (٣٢٣١).
الأنعام 6:39
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾.
[٣٩] ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ مبتدأ، خبرُه:
﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾ لا يسمعون خيرًا، ولا يقولونه.
﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾ في الضلالاتِ.
﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ﴾ مبتدأٌ، خبرُه:
﴿يُضْلِلْهُ﴾ بخذلانِه.
﴿وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بأنْ يرشدَه إلى الهدى.
...
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠)﴾.
[٤٠] ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (أَرَأيْتكمْ) وَ (أَرَأَيْتُمْ) و (أَرَأَيْتَ) (أَفَرَأَيْتَ) بتسهيلِ الهمزةِ التي بعدَ الراء، وجعلِها بينَ الهمزةِ والألفِ تخفيفًا؛ لئلَّا يجتمعَ همزتان في فعلٍ مع اتصالِ الضميرِ به، وعن ورشٍ إبدالُها ألفًا، والكسائيُّ يُسقطها أصلًا حيثُ وقعَ، والباقونَ بتحقيقِها على الأصل، والتاءُ مفتوحةٌ مع الكافِ والهاءِ في الواحدِ والاثنينِ، وجمعِ المذكرِ والمؤنث، نحو: (أرأيتَكَ) (أرأيتكما) (١) (أرأيتكنَّ) (٢)، ولا محلَّ
(١) "أرأيتكما" ساقطة من "ش" و"ظ".
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٠٢)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٠٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٨)، =
الأنعام 6:41
للكافِ من الإعرابِ، ولا يجوزُ أن يكونَ مرفوعًا، تقديره: أرأيتُم أنفسَكم، وليس الغرضُ أن يَرَوْا أنفسَهم، إنما الغرضُ أن يروا غيرَهم، ومعنى أرأيتكُمْ: أخبروني، ومفعولُه محذوفٌ تقديرُه: أرأيتكمْ عبادَتَكُمُ الأصنامَ هل تنفعُكُم.
﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ عندَ الموتِ.
﴿أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ أي: القيامةُ.
﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ في صرفِ العذابِ عنكم.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنَّ الأصنامَ تنفعُكم؟ وجوابُه محذوفٌ؛ أي: فادعوهُ.
...
﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾.
[٤١] ثم أخبر أنهم لا يدعونَ سواهُ في الشدائدِ فقالَ:
﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ بلْ تَخُصُّونَهُ بالدعاءِ.
﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: ما تدعونَ إلى كشفِه.
﴿إِنْ شَاءَ﴾ أن يتفضَّلَ عليهم، ولا يشاءُ في الآخرةِ.
﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ وتتركونَ آلهتكُمْ في ذلكَ الوقتِ.
...
= و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨).
الأنعام 6:42
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢)﴾.
[٤٢] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ فلم يؤمنوا.
﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ﴾ بالشدَّةِ والجوعِ.
﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ المرضِ والزَّمانةِ.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: يتوبون، والتضرُّعُ: السؤالُ بالتذلُّلِ.
...
﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾.
[٤٣] ﴿فَلَوْلَا﴾ فهلَّا.
﴿إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ عذابُنا.
﴿تَضَرَّعُوا﴾ فآمَنوا، معناه: نفيُ التضرعِ؛ أي: لم يتضرَّعوا إذْ جاءهم بأسُنا.
﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فلم يؤمنوا.
﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الكفر والمعاصي.
...
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾.
[٤٤] ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ تركوا ما ذُكِّروا به من المواعِظِ والإنذارِ.
الأنعام 6:45
﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من نِعَمِ الدُّنيا، وهذا فتحُ ابتلاء. قرأ ابنُ عامرٍ، وابنُ وردانَ عن أبي جعفرٍ: (فَتَّحْنَا) بتشديد التاء، والباقونَ: بالتخفيف (١).
﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا﴾ أُعْجِبوا.
﴿بِمَا أُوتُوا﴾ من النعمِ، وبَطِروا فلم يتوبوا.
﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ فجأةً.
﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ آيِسون، والإبلاسُ: الحزنُ المعترضُ من شدةِ اليأسِ، وأصلُه الإطراقُ ومن الحزنِ والندمِ.
...
﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾.
[٤٥] ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ المتخلفُ في أدبارِهم؛ أي: استُؤْصِلوا فلم يبقَ لهم (٢) باقيةٌ.
﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ على إهلاكِهم.
...
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦)﴾.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٢)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٦٨).
(٢) "لهم" ساقطة من "ش".
الأنعام 6:46
[٤٦] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ أيُّها المشركون.
﴿إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ﴾ أي: أَصَمَّكُم.
﴿وَأَبْصَارَكُمْ﴾ أَعماكُم.
﴿وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ فلا تفقهونَ شيئًا.
﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ بما أخذَ منكم.
﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ الدَّالة (١) على صدقِكَ.
﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ يُعرضون عنها. قرأ ورشٌ (بِهُ انْظُرْ) بضم الهاء (٢)، وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، ورويسٌ بخلافٍ عنه: (يَصْدِفُوَن) بإشمامِ الصادِ الزايَ (٣).
...
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧)﴾.
[٤٧] ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾ فجأةً.
﴿أَوْ جَهْرَةً﴾ معاينةً ترونَه، ثم استفهمَ مقرِّرًا فقال:
(١) في "ش": "والدلالات".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٨)، و"تفسير القرطبي" (٦/ ٤٢٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٦٩).
(٣) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٠٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥١، ٢٥٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٧٠).
الأنعام 6:48
﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ هلاكَ سخطٍ وتعذيبٍ.
...
﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨)﴾.
[٤٨] ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ﴾ المؤمنين بالجنةِ.
﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ الكافرينَ بالنار.
﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾ ما يجبُ إصلاحُه.
﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من العذابِ.
﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بفوتِ الثوابِ.
...
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾.
[٤٩] ﴿وَالَّذِينَ﴾ كفروا و:
﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ﴾ يُصيبهم.
﴿الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ يكفرونَ.
...
﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)﴾.
[٥٠] ونزل حين اقترحوا الآيات:
الأنعام 6:51
﴿قُلْ﴾ لهم.
﴿لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ مقدوراتُه، فأُنزِلُ ما اقترحتُموه.
﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ فأخبرُكم به.
﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ فأقدرُ على ما لا يقدرُ عليه البشرُ.
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ من الله، وذلك غيرُ مستحيلٍ في العقلِ مع قيامِ الدليلِ والحججِ البالغةِ.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى﴾ الكافرُ.
﴿وَالْبَصِيرُ﴾ المؤمنُ.
﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ أنهما لا يستويانِ؟!
...
﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١)﴾.
[٥١] ﴿وَأَنْذِرْ﴾ خَوِّفْ.
﴿بِهِ﴾ أي: بالقرآنِ.
﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا﴾ يُبْعَثوا.
﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾ واللفظُ يعمُّ كلَّ مؤمنٍ بالبعثِ من مسلمٍ ويهوديٍّ ونصرانيٍّ.
﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من دون الله.
﴿وَلِيٌّ﴾ قريبٌ ينفعُهم.
الأنعام 6:52
﴿وَلَا شَفِيعٌ﴾ يشفعُ لهم. تلخيصُه: خَوِّفْهم بالقرآنِ.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ فينزجروا.
﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾.
[٥٢] ولما أُمِرَ - ﷺ - بإنذارِ غيرِ المتقين ليتقوا، أُمِرَ بعدَ ذلكَ بتقريبِ
المتقينَ، ونُهي عن طردِهم؛ تكريمًا لهم، وذلك أنه - ﷺ - كانَ قد عزمَ على إزالةِ بلالٍ وأصحابِه الفقراءِ من مجلسِه، ومجالسةِ الأقرعِ بنِ حابسٍ وأصحابِه رجاءَ حسنِ إسلامِهم، قالوا: وكتبَ لابنِ حابسٍ بذلكَ كتابًا، فنزل:
﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ (١) يعبدونَ.
﴿رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ والمرادُ: الدوامُ على ذلك. قرأ ابنُ عامرٍ (بِالغُدْوَةِ) بضمِّ الغينِ وسكون الدال، وواوٍ بعدها، وقرأ الباقون: بفتح الغين والدال، وألفٍ بعدها (٢).
﴿يُرِيدُونَ﴾ بعملِهم.
(١) رواه ابن ماجه (٤١٢٧)، كتاب: الزهد، باب: مجالسة الفقراء، عن خباب -رضي الله عنه-. وانظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١١٩).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٢)، و"المحتسب" لابن جني (٢/ ٣٠٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٧١).
الأنعام 6:53
﴿وَجْهَهُ﴾ أي: يخلصون عملَهم لله تعالى، ولما طُعِنَ في هؤلاء، وتُكُلِّم فيهم عندَ النبي - ﷺ -، نزلَ:
﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إنْ حسابُهم إلَّا على الله.
﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: لا تُؤْخَذُ بحسابهم، ولا هم بحسابِكَ حتى يهمَّكَ إيمانُهم بحيثُ تطردُ المؤمنين طمعًا فيه.
﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ فتبعدَهم، جوابٌ للنفي، وهو قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾.
﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ إنْ فعلتَ ذلكَ، جوالب النهي، وهو قوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾ فدعاهم - ﷺ - وهو يقول: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾.
...
﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾.
[٥٣] ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي: مثلَ ذلكَ الاختبار اختبرنا بعضَ الناسِ ببعضٍ، فابتلَيْنا الغنيَّ بالفقيرِ، والشريفَ بالوضيعِ، فإذا رأى الشرفاءُ والأغنياءُ الوضعاءَ والفقراءَ سبقوهم إلى الإيمانِ، تكَبَّروا، فكانَ ذلكَ فتنةً لهم، فذلك قولُه:
﴿لِيَقُولُوا﴾ يعني: المشركين.
﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ أي: أهؤلاءِ الذين أُنْعِمَ عليهم
الأنعام 6:54
بالإسلام دونَنا، ومُيِّزوا به علينا، ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]، فقال تعالى:
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ استفهامٌ بمعنى التقرِير؛ أي: اللهُ أعلمُ بمَنْ يشكرُ الإسلامَ إذا هداه. قرأ السوسيُّ عن أبي عمرٍو: (بِأَعْلَمْ) بإسكانِ الميم عند الباء، وتقدم الكلامُ عليه في سورة البقرة.
...
﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾.
[٥٤] ثم أُمر - ﷺ - بالسلام عليهم إكرامًا لهم فقيل:
﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ ثم قل لهم:
﴿كَتَبَ﴾ أي: أوجبَ.
﴿رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ فكان - ﷺ - إذا رآهم، بدأَهم بالسلامِ وقال: "الْحَمْدُ لله الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مَنْ أَمَرَنِي أَنْ أَبْدَأَهُمْ بِالسَّلاَمِ" (١).
﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ أي: جاهِلًا بتحريمِهِ.
﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ بعدَ عملِه المعصيةَ.
﴿وَأَصْلَحَ﴾ أخلصَ توبتَهُ.
﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، وحمزةُ، والكسائيُّ،
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٢١).
الأنعام 6:55
وخلفٌ: (إِنَّهُ مَنْ عَمِلَ) (فَإِنَّهُ) بكسرِ الألف فيهما على الاستئنافِ، وقرأ ابنُ عامرٍ، وعاصمٌ، ويعقوبُ: بفتحِ الألفِ فيهما بدلًا من الرحمة؛ أي: كتبَ على نفسِه أنَّه من عملَ منكم، ثم جعل الثانيةَ بدلًا عن الأول؛ كقوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥]. وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: بفتح الأولى بدلًا من الرحمة، وكسرِ الثانية على الاستئناف؛ لأنها بعدَ الفاء (١)، قال القرطبيُّ: وهي قراءةٌ بينةٌ (٢).
...
﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾.
[٥٥] ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ آياتِ القرآنِ في صفةِ المطيعين والمجرمين.
﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ أي: ليظهرَ.
﴿سَبِيلُ﴾ طريقُ.
﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ العاصِين. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (وَلِتَسْتَبِينَ) بالتاء، و (سَبِيلَ) نصبٌ على خطابِ النبيِّ - ﷺ -؛ أي: لتعرفَ يا محمدُ طريقَ المجرمين، يقال: استنبتُ الشيءَ وَتَبيَّنْتُه: إذا عرفتُهُ، وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ، وخلفٌ (وَلِيَسْتَبِينَ) بالياءِ (سَبيلُ) رفعٌ، وقرأ الباقون: (ولتستبينَ) بالتاء (سبيلُ) رفعٌ؛ أي: ليظهرَ ويتَّضح،
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٢)، و"تفسير البغوي" (١/ ٢٦ - ٢٧)، و"تفسير القرطبي" (٦/ ٤٣٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٧٢).
(٢) انظر: "تفسير القرطبي" (٦/ ٤٣٦).
الأنعام 6:56
و (١) السبيلُ يُذَكَّر؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦]، ويؤنَّثُ؛ لقولِه: ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ (٢) [آل عمران: ٩٩].
...
﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾.
[٥٦] ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ﴾ بما أُنزلَ عليَّ من الآياتِ في أمرِ التوحيدِ.
﴿أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ أي: تعبدون.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ في طردِ الفقراءِ وعبادةِ الأوثان.
﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا﴾ إنِ اتبعتُ أهواءكم.
﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ إن فعلتُ ذلك.
...
﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧)﴾.
[٥٧] ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ ويقينٍ.
(١) "و" ساقطة من "ت".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٧٣). ﴿مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ أي: بما جئتُ به، وكانوا قد استعجلوا العذابَ، فقال - ﷺ -:
﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ من العذابِ.
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ لا لي.
﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ من القضاءِ: الحكمِ؛ أي: يقضي القضاءَ الحقَّ. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ، وعاصمٌ: (يَقُصُّ الْحَقَّ) بضمِّ القاف والصادِ المهملة مشدَّدًا؛ أي: يقولُ الحقَّ؛ لأنه في جميعِ المصاحفِ بغير ياء، ولأنه قالَ: (الحقَّ) ولم يقلْ: بالحق، وقرأ الباقون (يَقْضِ) بسكون القافِ وكسر الضادِ المعجمةِ (١)؛ من قضيتُ؛ أي: يحكمُ بالحقِّ؛ بدليل أنه قالَ:
﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ أي: الحاكمين، وحذفتِ الياءُ لاستثقالِ الألف واللامِ؛ كقوله: ﴿صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣]، ونحوها، وأثبتَ يعقوبُ الياءَ وقفًا. والقضاءُ شرعًا: هو الإلزامُ وفصلُ الحكوماتِ، ومنصبُ القضاءِ فرضُ كفايةٍ بالاتفاق، ويجبُ على من يصلُحُ له إذا طلبَ ولم يوجد غيرُه ممَّنْ يوثَقُ به الدخولُ فيهِ بغيرِ خلافٍ، قال الإمامُ أحمدُ: إلا أن يشغلَهُ عمَّا هو أهمَّ منه. ويُشترطُ في القاضي: العدالةُ والاجتهادُ عندَ الثلاثةِ، وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ قضاءُ الفاسقِ، ولا ينبغي أن يُوَلَّى، ويجوزُ تقليدُ الجاهلِ؛ لأنه يقدرُ على القضاءِ بالاستفتاءِ، والأَوْلى أن يكونَ عالمًا.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٧٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٧٤).
الأنعام 6:58
واختلفوا في صحَّةِ قضاءِ المرأةِ، فقال أبو حنيفةَ: يصحُّ قضاؤها فيما تُقْبَلُ فيه شهادتُها، وهو ما عدا الحدودَ والقصاصَ، وقال الثلاثةُ: لا يصحُّ قضاؤها مطلَقًا.
ويجوز القضاء على الغائبِ عندَ الثلاثةِ خلافًا لأبي حنيفةَ.
ويصحُّ التحكيمُ لمن يصلحُ للقضاء بالاتفاق، واختلفوا في حكمِه، فقال أحمد: ينفُذُ حتى في حدٍّ وقَوَدٍ، فهو كحاكم الإمامِ مطلقًا، وقال مالكٌ: حكمهُ ماضٍ في الأموالِ، فلو حكمَ بقتلٍ، أو اقتصَّ أو حدَّ أو لاعَنَ أُدِّبَ ومضى ما لم يكنْ جَوْرًا بَيِّنًا، قالَ الشافعيُّ: يصحُّ مطلقًا في غيرِ حَدٍّ للهِ تعالى، وقال أبو حنيفة مثلَهُ، لكنْ إذا رُفعَ إلى حاكمٍ آخرَ أمضاهُ إن وافقَ مذهبَهُ، وإن لم يُوافقْه أبطلَه، والحكمُ شرعًا: أمرٌ ونهيٌ يتضمَّن إلزامًا.
...
﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨)﴾.
[٥٨] ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ من العذابِ.
﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: لو كان عندي ما استعجَلْتُم به من العذابِ عندي، لأنزلتهُ وتخلَّصْتُ منكم.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ أي: بالمشركينَ، وبوقتِ عقوبتِهم.
...
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾.
الأنعام 6:59
[٥٩] ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ خزائنُه، جمعُ مِفْتَح بكسرِ الميم، وهو المفتاحُ، قال الكواشيُّ: وزعمَ بعضُهم أنه جمع مَفْتَحِ بفتحِ الميم، وهو المخزنُ، ومفاتحُ الغيبِ: الطرقُ الموصلةُ إلى علمهِ تشبيهًا بمفتاحِ الدارِ؛ لأن به يُفتح البابُ، فَيُتَوصَّلُ إلى ما فيها، والمرادُ: علمُ كلِّ ما غابَ؛ كقيامِ الساعةِ، ومتى يأتي المطرُ، وما تَغيضُ الأرحامُ، وما في غدٍ، والموتُ.
﴿لَا يَعْلَمُهَا﴾ أي: الطرقَ الموصلةَ إلى الغيبِ.
﴿إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ﴾ من المفاوِزِ والقِفارِ.
﴿وَالْبَحْرِ﴾ من القرى والأمصارِ خَصَّهما بالذكر لأنهما أعظمُ المخلوقاتِ المجاورةِ للبشرِ.
﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ﴾ يريدُ: ساقطةٍ وثابتةٍ.
﴿إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ مبالغةً في إحاطةِ علمِه بالجزئيات.
﴿وَلَا حَبَّةٍ﴾ من الحباتِ المعروفةِ.
﴿فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ بطونِها.
﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ قال ابنُ عباسٍ: "الرَّطْبُ الماءُ، واليابسُ الباديةُ" (١).
﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أي: في اللوحِ المحفوظِ ليعتبرَ الملائكةُ بذلكَ، لا أنه سبحانه كتبَ ذلكَ لنسيانٍ يلحقُه، تعالى عن ذلكَ المعنى، ما من شيءٍ من الأشياءِ إلا وهو يعلمُه حيثُما كان.
...
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٢٩)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٣/ ٢٧٩).
الأنعام 6:60
﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠)﴾.
[٦٠] ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ بأن يقبضَ أرواحَكم إذا نِمْتُم.
﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ﴾ كَسَبْتُم من الآثامِ وغيرِها.
﴿بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ أي: يوقظُكم بالنهار.
﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ أي: يتمَّ، وهو مدةُ الحياةِ.
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ بعدَ المماتِ.
﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ﴾ يخبرُكم.
﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بالمجازاةِ عليه.
...
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾.
[٦١] ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ تقدَّمَ تفسيرُه في أول السورة.
﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ ملائكةً، لكلِّ إنسانٍ مَلَكَينِ بالليلِ، ومَلَكَينِ بالنهارِ يحفظونَ أعمالَ بني آدم.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ تقدَّم اختلافُ القراءِ في حكمِ الهمزتين من كلمتين في سورةِ النساءِ عندَ تفسيرِ قولهِ تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]، وكذلك (١) اختلافُهم ﴿جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾.
(١) في "ت": "وكذا".
الأنعام 6:62
﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ مَلَكُ الموتِ وأعوانُه، رُوي أن الدنيا بينَ يَدَي ملكِ الموتِ كالمائدةِ الصغيرةِ يقبضُ من هنا وهنا، فإذا كثرتْ عليه الأرواحُ يدعوها فتُجيب. قرأ حمزةُ: (تَوَفَّاهُ) بألفٍ ممالة (١).
﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ أي: يُضَيِّقون وَيُقَصِّرون، ومعنى فَرَّطَ: قدم العَجْزَ.
...
﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾.
[٦٢] ﴿ثُمَّ رُدُّوا﴾ أي: جميعُ العباد.
﴿إِلَى اللَّهِ﴾ للحسابِ والجزاءِ.
﴿مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ أي: مالِكِهم ومتولِّي أمورِهم حقيقةً، والحق: اسمٌ من أسماءِ الله تعالى، والشيءُ الحقُّ: هو الثابتُ حقيقةً، ويُستعملُ في الصدقِ والصوابِ أيضًا، يقالُ: قَوْلٌ حَقٌّ؛ أي: صدق وصوابٌ.
﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾ يومئذٍ لا حكمَ لغيرِه فيه (٢).
﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ يحاسبُ الخلائقَ في مقدارِ حلبِ شاة، لا يحتاجُ إلى فكرةٍ ولا عَدٍّ.
...
﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣)﴾.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٢٩).
(٢) "فيه" ساقطة من "ت".
الأنعام 6:63
[٦٣] ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ﴾ قرأ يعقوبُ: بالتخفيف، والباقون: بالتشديد (١).
﴿مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ شدائِدهما، وكانوا إذا سافروا في البرِّ والبحرِ، وضلوا الطريقَ، وخافوا الهلاكَ، دعوا اللهَ مخلصينَ، فينجيهم، فذلك قولُه:
﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا﴾ علانيةً.
﴿وَخُفْيَةً﴾ سرًّا. قرأ أبو بكر عن عاصم: (خِفْيَةً) بكسر الخاء، والباقون: بضمها، وهما لغتان (٢).
﴿لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ﴾ خَلَّصنا (٣). قرأ عاصمٌ، وحمزة، والكسائيُّ، وخلفٌ: (أَنْجَانَا) بألفٍ بينَ النونِ والجيمِ من غير تاءٍ؛ أي: لئن أنجانا اللهُ من هذهِ الظلمةِ، وقرأ الباقون: بالياء، والتاءِ المفتوحة بينَ الجيم والنون، وكذلك هو في مصاحِفهم (٤).
﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لله تعالى، والشكرُ: هو معرفةُ النعمةِ معَ القيامِ بحقِّها.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٧٢).
(٢) المصادر السابقة.
(٣) "ت" و"ظ" و"ن": "خلصتنا".
(٤) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٩ - ٢٦٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٧٩).
الأنعام 6:64
﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)﴾.
[٦٤] ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا﴾ قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وهشامٌ. (يُنَجِّيكُمْ) بالتشديد، والباقون: بالتخفيف (١).
﴿وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ أي: غَمٍّ.
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ الأصنامَ به، وهي لا تضرُّ ولا تنفعُ.
...
﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾.
[٦٥] ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الصيحةُ، والريحُ، والحجارةُ، والطوفانُ؛ كعادٍ وثمودَ وقومِ لوطٍ وقومِ نوحٍ وأصحابِ الفيل.
﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ الخسفُ والرجفةُ؛ كقارونَ وقومِ شُعيبٍ.
﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ يَخْلِطَكم فِرَقًا مختلفينَ.
﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ بالحربِ والقتلِ في الفتنةِ.
﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ نبيِّنُ لهم بالحجَجِ والدَّلالاتِ.
﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ يفهمونَ ما هم عليه من الشركِ والمعاصي.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٧٩).
الأنعام 6:66
﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦)﴾.
[٦٦] ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ أي: القرآنِ.
﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ الصدقُ لا محالةَ.
﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ بمسلِّطٍ أُلْجِئكم إلى الإيمانِ، إنما أنا منذرٌ.
...
﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)﴾.
[٦٧] ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ﴾ خبر.
﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ منتهى، فيتبين الصدقُ من الكذبِ، والحقُّ من الباطلِ.
﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تهديدٌ.
...
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾.
[٦٨] ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ﴾ بالاستهزاءِ.
﴿فِي آيَاتِنَا﴾ يعني: القرآنَ.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ لا تجالِسْهم.
﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ غيرِ الاستهزاءِ.
﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ﴾ المعنى: إن شغلَكَ.
﴿الشَّيْطَانُ﴾ بوسوستهِ حتى تنسى النهيَ. قرأ ابنُ عامرٍ (يُنَسِّيَنَّكَ) بفتح
الأنعام 6:69
النون وتشديد السين، من نَسَّى، وقرأ الباقونَ: بسكون النون وتخفيف السين (١)، من أَنْسَى (٢).
﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾ أي: التذكرِ للنهيِ.
﴿مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ بالتكذيبِ والاستهزاءِ.
﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾.
[٦٩] ولما تحرَّج المسلمونَ من مجالسةِ المشركينَ بعدَ النهي، نزل:
﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الخوضَ.
﴿مِنْ حِسَابِهِمْ﴾ آثامِهم.
﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ما يلزمُهم بمجالسَتِهم إثمٌ يُحاسَبون عليه.
﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾ أي: عليهم أن يُذَكِّروهم بإظهارِ الكراهةِ لهم.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ الخوضَ.
...
{وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا
(١) في "ن": "النون".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٦٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٨٠).
الأنعام 6:70
﴿شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾.
[٧٠] ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾ أي: الذي كان يجبُ عليهم أن يَتَّخِذوه، وهو دينُ الإسلامِ والقرآنِ.
﴿لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ لأنهم كانوا إذا سمعوا القرآنَ، تلاعبوا استهزاءً ولهوًا عنهُ.
﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ حتى أنكروا البعثَ، المعنى: أعرضْ عن المشركينَ، ولا تلتفتْ إليهم.
﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ أي: بالقرآنِ.
﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ أي: مخافةَ أن تُسْلَم للهلاكِ.
﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ وأصلُ الإبسالِ: المنعُ، ومنهُ: أسدٌ باسلٌ، لأن فريستَه لا تُفْلِتُ منه.
﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ يدفعُ عنها العذابَ.
﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ أي: تَفْتَدِ كلَّ فداءٍ.
﴿لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ﴾ إشارةً إلى الذين اتخذوا دينَهم لعبًا ولهوًا.
﴿الَّذِينَ أُبْسِلُوا﴾ ارتهنوا.
﴿بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ شديد الحرارةِ.
﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ بسببِ كفرِهم.
***
الأنعام 6:71
﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)﴾.
[٧١] قيل: ونزلَ لما دعا أبا بكر ابنُه عبدُ الرحمنِ إلى عبادةِ الأصنامِ:
﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا﴾ إن عبدْناه.
﴿وَلَا يَضُرُّنَا﴾ إن تركْناه.
﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾ إلى الشركِ مرتدِّينَ.
﴿بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ بإنقاذِنا منه.
﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾ هَوَتْ به؛ أي: طلبتْ هُوِيَّهُ وضلالَته. قرأ حمزةُ: (اسْتَهْوَاهُ) بألف ممالة (١).
﴿فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ متردِّدٌ، لا يدري أين يذهبُ.
﴿لَهُ أَصْحَابٌ﴾ على الطريقِ.
﴿يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى﴾ يقولون له:
﴿ائْتِنَا﴾ ارجعْ إلينا، فلا يلتفتُ إليهم، وهذا مثلٌ ضربَهُ الله لمن يدعو إلى الآلِهة، ولمن يدعو إلى الله.
﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ يزجرُ عن عبادةِ الأصنامِ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٦٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٨٤).
الأنعام 6:72
﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ﴾ أي: وقُل: وأُمِرْنا أن نسلمَ ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
...
﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢)﴾.
[٧٢] ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ أي: وأُمِرْنا بإقامةِ الصلاةِ وتقوى الله.
﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تُجمَعون يومَ القيامة.
...
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾.
[٧٣] ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: حقًّا.
﴿وَيَوْمَ﴾ أي: واذكر يوم.
﴿يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ والمعنى: فيكونُ جميعُ ما أرادَ من موتِ الناسِ وحياتِهم.
﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ أي: الواقعُ لا محالَة.
﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ يعني: ملكُ الملوك يومئذٍ زائلٌ، كقوله: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩]، والأمرُ للهِ في كلِّ وقتٍ، والصورُ: القَرْنُ الذي يُنْفَخُ فيه، وهو كهيئةِ البوق.
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: ما غابَ عن العبادِ وما يشاهدونَه.
الأنعام 6:74
﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ سبحانه.
...
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤)﴾.
[٧٤] ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: واذكرْ إذْ قالَ.
﴿لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ واسمُه تارحُ، وآزرُ لقبٌ، ومعناهُ: المعوجُّ، واشتقاقُه من الوِزْرِ: الإثم. قرأ يعقوبُ: بضمِّ الراء؛ يعني: يا آزَرُ، وقرأ الباقون: بالنصبِ في محل الخفضِ؛ لأنه أعجميُّ لا ينصرفُ (١).
﴿أَتَتَّخِذُ﴾ أي: تعبدُ.
﴿أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ دونَ الله.
﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ﴾ عن الحقِّ.
﴿مُبِينٍ﴾ ظاهرِ الدلالةِ. قرأ عاصمٌ، وخلفٌ، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (إنِّي) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (٢).
...
(١) انظر: "إملاء ما منَّ به الرحمن" للعكبري (١/ ١٤٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٨٣).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٧٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٤٨).
الأنعام 6:75
﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾.
[٧٥] ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: كما أريناهُ البصيرةَ في دينه، والحقَّ في خلافِ قومِه، نُريهِ.
﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خلقَهما وخلقَ ما فيهما الدَّالِّ على الربوبيةِ والوحدانيةِ، رُوي أنه رأى جميعَ السمواتِ والأرضِ وما فيهما حتى العرش، وأسفل السفل، فرأى عاصيًا، فدعا عليه فهلك، ثم آخرَ فدعا عليه فهلك، ثم آخرَ فدعا عليه فهلكَ، ثم آخر فأراد أن يدعوَ عليه، فقال تعالى: أنت مُستجابُ الدعوةِ، فلم تدعُوَنَّ على عبادي، فإنما أنا من أعبدي علي ثلاثِ خلالٍ (١): إما أن يتوبَ إليِّ فأتوبَ عليه، وإما أن أُخرجَ منه نسمةً تعبدني، وإما أن يُبعثَ إليَّ، فإن شئتُ عفوتُ عته، وإن شئتُ عاقبته (٢).
﴿وَلِيَكُونَ﴾ عطفٌ على المعنى، معناه: نريهِ ملكوتَ السماواتَ والأرضِ؛ ليستدلَّ به.
﴿مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ من الموقنين، الموقنُ: العالمُ بالشيء عِلْمًا لا يمكنُ أن يطرأَ له فيه شكٌ.
...
(١) "ت": "خصال".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٥٦ - ٢٥٧، ٢٦١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٣ - ١٠٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٨٤ - ٢٨٦).
الأنعام 6:76
﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾.
[٧٦] ﴿فَلَمَّا جَنَّ﴾ أي: أظلمَ.
﴿عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ، وخلفٌ، وورشٌ، وابنُ ذكوانَ: (رأى كَوْكَبًا) و (رَأَى أَيْدِيَهُمْ) وشبهَه بإمالةِ الراءِ والهمزةِ حيثُ وقع، وافقَهم أبو عمروٍ في إمالةِ الهمزةِ فقط، ورُوي عن السوسيِّ أربعةُ أوجه: فتحُ الراءِ والهمزة وكسرُهما، وفتحُ الراء وكسرُ الهمزة، وعكسُه، ورُوي عن أبي بكر وجهان: كسرُ الراءِ وفتحُ الهمزة، وكسرهما، وروُي عن حمزةَ: كسرُ الراءِ وفتحُ الهمزة، والباقون: بفتحهما وكذلك (رَأَى الشَّمْسَ)، و (رَأَى الَّذِينَ) في النحل، و (رَأَى المُجْرِمُونَ) في الكهف، و (رَأَى الْمُؤْمِنُونَ) في الأحزاب (١).
رُوي أن إبراهيمَ عليه السلامُ ولد في زمنِ نمرودَ بنِ كنعانَ بن سنحاريب بن كوش بن سام بنِ نوح، وهو أولُ من وضعَ التاجَ على رأسِه، ودعا الناسَ إلى عبادته، حُكي أنه رأى له منجِّموه أن مولودًا يولد له في سنةِ كذا في عملِه يكونُ خرابُ الملكِ على يديه، فجعل يتتبع الحبالى، ويُوكِّلُ بهنَّ حُرّاسًا، فمن وضعتْ أنثى تُركت، ومن وضعت ذكرًا حُمل إلى الملكِ فذبحه، وإنَّ أمَّ إبراهيم حملتْ به، واسمها يُوَنَّا، وقيلَ غيرُ ذلك، وكانت شابةً قويةً، فسترتْ حملَها، فلما قربَتْ ولادتُها بعثت تارح أبا إبراهيم إلى سفر، فمضى إليه، ثم خرجت هي إلى غار، فولدت فيه إبراهيمَ وتركَتْه في الغار، وكان مولدُه عليه السلام بكوثى، من إقليم بابل، من أرضِ العراقِ
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٣٦)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٣/ ٣٠٢). على أرجحِ الأقوال، في ليلةِ الجمعةِ ليلة عاشوراءَ لمضيِّ ألفٍ وإحدى وثمانين سنةً من الطوفانِ، وكان الطوفانُ بعدَ هبوط آدمِ بألفين ومئتين واثنتين وأربعين سنة، وبين مولد إبراهيم عليه السلام والهجرةِ النبويةِ المحمدية على صاحبها أفضلُ الصلاة والسلامِ ألفانٌ وثمانُ مئةٍ وثلاثٌ وتسعون سنةً على اختيار المؤرخين، والاختلافُ في ذلك كثير، وتقدَّمَ ذكرُ وفاتِه وقدرُ عمرِه ومحلُّ قبرِه في سورة البقرة عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [الآية: ١٢٤]، وكانت تفتقدُه في الغارِ، فتجده يغتذي بأن يمصَّ أصابعَه فيخرجُ منها عسلٌ وسمنٌ ونحوُ هذا، وكان يشبُّ شبابًا لا تشبُّهُ الغلمانُ، يومُه كالشهر، وشهرُه كالسنة، ولم يمكثْ في الغار إلَّا خمسةَ عشرَ شهرًا، وتكلَّم فقالَ لأمِّهِ يومًا: من ربي؟ قالت: أنا، قال: فمن ربك؟ قالت: أبوك، قال: فمن ربُّ أبي؟ قالت: نمرود قال: فمن ربُّ نمرود؟ قالت له: اسكتْ، فسكتَ فرجعَتْ إلى زوجِها، فقالت له: أرأيتَ الغلامَ الذي كنا نتحدَّثُ به أنه يغيرُ دينَ أهلِ الأرض؟ فإنه ابنُك، ثم أخبرتْه بأمره ومكانِه، فأتاه ونظرَهُ وفرَح به، فقال له إبراهيم: يا أبتاهُ! من ربي؟ فقالَ: أمك، قال: من ربُّ أمي؟ قال: أنا، قال: فمن ربُّكَ؟ قال: النمرود، قال: فمن ربُّ النمرود؟ فلطمَه لطمةً، وقال له: اسكتْ، فذلكَ قولُه عز وجل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١]، ثم إن إبراهيمَ قال لأمه يومًا: أخرجيني من الغارِ، فأخرجَتْه عشيًّا، فلما خرجَ نظرَ وتفكَّر في خلقِ السمواتِ والأرض، ثم قال: إن الذي خلقني ورزقَني ويطعمُني ويسقيني لَرَبِّي، ما لي إلهٌ غيرهُ، ثم نظر إلى السماء فرأى كوكبًا، قيل: إنه الزُّهرة، وقيلَ: المشتري (١).
(١) انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" (٨/ ٢٧٧٦).
الأنعام 6:77
﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ ثم أتبعَهُ بصرَهُ ينظرُ إليه.
﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أي: غاب سَئِمَه.
﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ أي: لا أحبُّ ربًّا لا يدوم، وهذا يدلُّ على إعمالِ عقلِه وعلمِه؛ إذِ الآفلُ لا يجوز أن يكون إلهًا.
...
﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧)﴾.
[٧٧] ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾ طالِعًا أولَ طلوعِه.
﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ فأَتبعَهُ بصرَهُ.
﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ سئمَه ورجعَ بفكره متوجِّهًا إلى ربه، و ﴿قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ أي: يثبتْني على الهدى.
﴿لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ استعجز نفسَه، واستعاذ بربه في دركِ الحقِّ؛ لأن الهدايةَ والتوفيقَ بيده سبحانه.
...
﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)﴾.
[٧٨] ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا﴾ أي: الطالعُ.
﴿رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ من الكواكبِ والقمر.
﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ سَئِمَها وتوجَّه إلى ربِّه بقلبٍ سليم، ووَجَّهَ وجهَه للحقِّ
الأنعام 6:79
بالصدقِ واليقين، و ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ من الأجرام المحدثَةِ.
...
﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾.
[٧٩] ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وحفصٌ عن عاصمٍ (وَجْهِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾ مائِلًا إلى الحقِّ.
﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فنقلَه اللهُ من علمِ اليقين إلى عينِ اليقين.
...
﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)﴾.
[٨٠] ثم إن أباه ضمَّه إليه، فشبَّ شبابًا حسنًا، وروي أن القصةَ التي وقعتْ له في حال مراهقته، وأن أباه وقومه كانوا يعبدون الأصنامَ والشمسَ والقمرَ والكواكبَ، فأراد أن يُنبههم على الخطأ في دينهم، ويرشدَهم إلى الحقِّ من طريقِ النظرِ والاستدلال، فقاله على وجه الاستفهام والتوبيخِ لهم، وإقامةِ الحجةِ عليهم في عبادةِ الأصنامِ والكواكبِ؛ كأنه قالَ لهم: أهذا ربي بزعمكم؟! أو مثلُ هذا يكون ربًّا؟! ثم عرضَ إبراهيمُ عليه السلام
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٠٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٨٦). عليهم في حركتهِ وأفولهِ أمارة الحدوثِ، وأنه لا يصلحُ أن يكونَ ربًّا، ثم في أخرى أعظم منه، ثم في الشمسِ كذلك، فكأنه يقول: فإذا بان في هذه المنيرات أنها لا تصلُحُ للربوبيةِ، فأصنامُكم التي هي خشبٌ وحجارةٌ أحرى أن يبينَ ذلكَ فيها، ولا زال - ﷺ - في جميعِ أحوالِه مجمِلًا مكمِّلًا حتى أكرمَه اللهُ تعالى بما أكرمَهُ من الآيات البيناتِ، والكراماتِ الباهرات، ثم ألبسَهُ خلعةَ الخلَّة، وجعلَهُ من أولي العزم من الرسل، وجعلَه أبا الأنبياء، وتاجَ الأصفياء، ونورَ أهلِ الأرضِ، وشرفَ أهل السماء، وكان أبوه آزرُ يصنعُ الأصنامَ ويعطيها له ليبيعَها، فكانَ إبراهيمُ يقول: مَنْ يشتري مَنْ يَضُرُّهُ ولا ينفعُه؟! فلا يشتريها أحدٌ، فإذا بارتْ عليه، ذهبَ بها إلى نهرٍ، فصوَّبَ فيه رؤوسَها، وقال لها (١): اشربي؛ استهزاءً بقومِه وما هم فيه من الضلالة، حتى فشا استهزاؤه بها في قومِهِ وأهلِ قريتِهِ.
﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ خاصَمُوه في دينه.
﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾ أتجادِلُونني في توحيدِ اللهِ.
﴿وَقَدْ هَدَانِ﴾ للتوحيدِ والحقِّ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ: (أَتُحَاجُّونِي) بتخفيف النون، بخلافٍ عن هشامٍ، والباقون: بتشديدِها إدغامًا لإحدى النونين في الأخرى، ومن خَفَّفَ حذفَ إحدى النونين تخفيفًا (٢)، وأثبت أبو عمروٍ، وأبو جعفرٍ الياءَ في: (هَدَانِي) وصلًا،
(١) "لها" ساقطة من "ت" و"ن".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٦١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٨٦).
الأنعام 6:81
وأثبتها يعقوبُ في الحالين، وقرأ الكسائيُّ: (هَدَانِ) بالإمالة (١).
﴿وَلَا أَخَافُ مَا﴾ أي: الذي.
﴿تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ أي: لا أخافُ معبوداتِكم؛ لأنها لا تضرُّ ولا تنفعُ، وذلك أنهم قالوا له: احذرِ الأصنامَ؛ فإنا نخافُ أن تمسَّكَ بسوءٍ من خَبَلٍ أو جنونٍ؛ لعيبِكَ إياها، فأجابهم بذلكَ.
﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أي: إلا أن يشاء أن يُلْحِقَني بشيء من المكروهِ بذنبٍ عملتُه، فتتمُّ مشيئتُه.
﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أي: أحاطَ علمُه بكلِّ شيء.
﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ فتعرفونَ الحقَّ من الباطلِ.
...
﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)﴾.
[٨١] ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ ولا يتعلقُ به ضررٌ.
﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ حجةً.
المعنى: لمَ تنُكرون عليَّ الأَمْنَ في محلِّه، ولا تنكرونَ على أنفسِكم الأمنَ في محلِّ العَطَبِ لأنكم تشركون باللهِ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٦١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢١٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٨٧).
الأنعام 6:82
﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ الموحِّدون أم المشركون؟ وإنما لم يقلْ: أيُّنا أنا أم أنتم؛ احترازًا من تزكيةِ نفسِه.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ صدقَ القول.
...
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾.
[٨٢] فقال الله تعالى قاضِيًا بينَهم:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ يَخْلِطوا.
﴿إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ بشركٍ.
﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ فلما نزلتِ الآيةُ، شقَّ ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسولَ الله! فأيُّنا لم يظلمْ نفسَهُ؟ فقال: "ذَلِكَ إِنَّما هُوَ (١) الشِّرْكُ، ألمْ تسمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهْ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) [لقمان: ١٣].
...
﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾.
[٨٣] ﴿وَتِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى ما احتجَّ به إبراهيمُ على قومِه من قوله:
(١) "هو"ساقطة من "ت".
(٢) رواه البخاري (٦٥٣٨)، كتاب: استتابة المرتدين، باب: ما جاء في المتأولين، عن ابن مسعود -رضي الله عنه-.
الأنعام 6:84
﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُم مُّهتَدُونَ﴾.
﴿حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾ حجةً.
﴿عَلَى قَوْمِهِ﴾ حتى خصَمَهم.
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ بالعلمِ.
﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ يضعُ كلَّ شيء في موضعِهِ. قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، ويعقوبُ: (دَرَجَاتٍ) بالتنوين، والباقون: بغير تنوين (١)، وتقدم اختلافُ القراءِ في حكمِ الهمزتينِ من كلمتينِ في سورةِ البقرةِ من تفسيرِ قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وكذلك اختلافُهم في (نشاءُ إِنَّ رَبَّكَ).
...
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤)﴾.
[٨٤] ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ تقدَّم ذكرُهما في سورة البقرة.
﴿كُلًّا﴾ منهما.
﴿هَدَيْنَا﴾ ووفَّقْنا وأرشدْنا.
﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا﴾ أي: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ إبراهيمَ، وتقدَّمَ ذكرُه في سورةِ آل عمرانَ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٦١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٤)، و"تفسير البغوي" (١/ ٤١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٨٨). ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ يعني: نوحًا؛ لأنه ذكرَ في جملتِهم يونسَ ولوطًا، ولم يكونا من ذريةِ إبراهيمَ و ﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ﴾ تقدم ذكرُ سليمانَ في سورةِ البقرةِ، وداودَ وأيوبَ في سورةِ النساءِ.
﴿وَيُوسُفَ﴾ هو ابنُ يعقوبَ بنِ إسحقَ بنِ إبراهيمَ الخليلِ عليهم السلام، ولد لما كان لأبيه من العمر إحدى وتسعون سنةً، ووقعَ له مع إخوته وفي ملكِ مصرَ ما سنذكرُه في سورةِ يوسفَ إن شاء الله تعالى، وعاش مئةً وعشرينَ سنةً، وبينَه وبينَ موسى أربعُ مئةِ سنةٍ، وتوفِّيَ بمصرَ، ودُفِنَ بها في وسطِ بحرِ النيلِ في صندوقٍ من الرخامِ، وذلك أنه لما ماتَ، تشاحنَ عليه الناسٌ حتى هموا أن يقتتلوا، كلٌّ يحبُّ أن يُدفنَ في محلَّتِهِ رجاءَ بركتِه، ثم رأوا أن يُدفنَ في النيل، فيمرَّ عليه الماءُ، ثم يصلُ إلى جميع مصرَ، فتعمُّهم بركتُه، ففعلوا ذلكَ، ولم يزلْ مدفونًا ثَمَّ حتى كانَ زمنُ موسى وفرعونَ، فلما سارَ موسى ببني إسرائيلَ، نبشَهُ كما تقدَّمَ ذكرُه ملخَّصًا في سورةِ البقرةِ عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [الآية: ٥٠]، وحَمَلَهُ على عجلٍ من حديدٍ، ودفنَه بحبرونَ (١) في البقيعِ خلفَ المغارةِ التي بُني عليها الحيزُ السليمانيُّ حذاءَ قبرِ يعقوبَ وجوارَ جَدَّيه إبراهيمَ وإسحاقَ عليهم السلام، وقيل: دُفن بقرب نابلسَ، والأولُ هو المشهورُ عندَ الناس، وقد استفاض فلم ينكرْ.
﴿وَمُوسَى﴾ تقدَّمَ ذكرُه في سورةِ البقرةِ.
(١) في "ن": "جبرون".
الأنعام 6:85
﴿وَهَارُونَ﴾ في سورةِ النساءِ، تلخيصُه: ومن ذريةِ نوحٍ هَدَينا جميعَ المذكورينَ بعدُ.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: ونجزي المحسنين جزاءً مثلَ جزاءِ إبراهيمَ برفعِ درجاتِه وكثرةِ أولادِهِ والنبوةِ فيهم.
...
﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥)﴾.
[٨٥] ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾ تقدَّم ذكرُهم في آلِ عمرانَ، والمائدةِ، وفي ذكرِ عيسى دليل على أنَّ أولادَ البناتِ من الذريَّةِ، فإذا وقفَ على ذريتِهِ، دخلَ أولادُ البناتِ، وهو مذهبُ مالكٍ، وبه قالَ أبو يوسفَ، وعن أبي حنيفةَ روايتان، والراجحُ المقدَّم من مذهبِ أحمدَ المنصوصُ عنه أنهم لا يدخلونَ إلا بقرينة؛ كقوله: من ماتَ فنصيبُه لولده ونحوه، وعنه روايةٌ ثانيةٌ أنهم يدخلون، اختاره جماعةٌ من أصحابِه، وعليه العملُ.
﴿وَإِلْيَاسَ﴾ هو ابنُ بشرِ بنِ فنحاضِ بنِ العيزارِ بنِ هارونَ بنِ عمرانَ، أُرسل إلى أهلِ بعلبكَّ، وسيأتي ذكرُه في سورةِ الصافات إن شاء الله تعالى.
﴿كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الكاملينَ في الصلاحِ.
...
﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦)﴾.
[٨٦] ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ هو ابنُ إبراهيمَ، تقدَّمَ ذكرُه في سورة البقرة.
﴿وَالْيَسَعَ﴾ هو ابن أخطوبَ بن العجوزِ، استحفظَه إلياسُ على بني
الأنعام 6:87
إسرائيلَ، ثم استُنبئ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (واللَّيْسَعَ) بتشديد اللام وسكون الياء، وقرأ الباقون: مخففًا بفتح الياءِ وسكون اللامِ (١)، وهما لغتانِ، فمن قرأ بلامينِ، فأصلُ الاسم: لَيْسَعُ، ثم دخلتِ الألفُ واللامُ للتعريف، ومن قرأ بلامٍ واحدةٍ، فالاسمُ يَسَعُ، ودخلت الألفُ واللام زائدتين، كزيادتهما في نحو الخمسةَ عشرَ، قال وهبٌ: اليسعُ صاحبُ إلياسَ، وكانا قبل زكريا عليه السلام.
﴿وَيُونُسَ﴾ هو ابنُ مَتَّى، وتقدَّمَ ذكرُه في سورةِ النساءِ.
﴿وَلُوطًا﴾ هو ابنُ هارانَ بنِ آزرَ، سمي لوطًا؛ لأنَّ حبَّه ليطَ بقلبِ عمِّه إبراهيمَ؛ أي: تعلَّق ولَصِقَ، وكانَ إبراهيمُ يحبُّه حبًّا شديدًا، وكان ممن آمنَ به، وهاجرَ معه إلى مصرَ، وعادَ إلى الشام، وأرسلهَ اللهُ إلى أهل سَدُوم، وكانوا أهلَ كفرٍ وفاحشةٍ، وسنذكر ملخَّصَ أخبارِهم في محلِّه إن شاء الله تعالى، وقبرُه في قريةِ كَفْرِ بَرِيك، [تبعدُ] (٢) عن حبرونَ نحوًا من فرسخٍ من جهةِ الشرق.
﴿وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ بالنبوَّةِ.
...
﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾.
[٨٧] ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾ عطفٌ على (كلًّا)؛ أي: وفضَّلْنا
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٦٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٨٩).
(٢) لم ترد في جميع النسخ والسياق يقتضيها.
الأنعام 6:88
بعضَ آبائهم وذرياتِهم وإخوانِهم؛ فإنَّ منهم من لم يكنْ نبيًّا ولا مَهْدِيًّا.
﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾ واخْتَرْناهم.
﴿وَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أرشَدْناهم.
﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تكريرٌ لبيانِ ما هُدوا إليه.
...
﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾.
[٨٨] ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما دانو به.
﴿هُدَى اللَّهِ﴾ دينُ الله.
﴿يَهْدِي﴾ يرشدُ.
﴿بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ لأنه المتفضلُ بالهداية.
﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا﴾ أي: المذكورونَ مع جلالةِ قدرِهم.
﴿لَحَبِطَ﴾ لبطلَ.
﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وكانوا كغيرِهم في سقوطِ ثوابِ أعمالهم.
...
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩)﴾.
[٨٩] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ أي: الكتبَ المنزلةَ عليهم.
الأنعام 6:90
﴿وَالْحُكْمَ﴾ العلمَ.
﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ الرسالةَ.
﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا﴾ أي: بهذهِ الثلاثةِ.
﴿هَؤُلَاءِ﴾ يعني: كفارَ مكةَ.
﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا﴾ أي: بمراعاتها.
﴿قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ يعني: الأنصارَ، وأهلَ المدينة، وقيلَ: الأنبياءُ الثمانيةَ عشرَ الذين ذكرَهم هاهنا، والباء في ﴿بكافرين﴾ زائدةٌ لتأكيدِ النفي، والمعنى: جميعُ مَنْ ذُكر وَفَّقْنا للإيمانِ بهذهِ الأشياءِ، وليسوا كافرينَ بها، بل يحفظونها.
...
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾.
[٩٠] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ يعني: الأنبياءَ المتقدِّمَ ذكرُهم.
﴿فَبِهُدَاهُمُ﴾ فَبِسُنَّتِهم.
﴿اقْتَدِهْ﴾ اتبعْ طريقَتَهم في التوحيدِ والصبرِ على الميثاقِ دونَ الشرائعِ؛ لأنها مختلفةٌ، والهاءُ فيه هاء الوقف. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، ويعقوبُ، وخلفٌ: (اقْتَدِ قُلْ) بحذفِ الهاءِ في الوصل استغناءً به عنها، وقرأ ابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ: بإشباعِ كسرةِ الهاءِ وصلتِها بياءٍ في الوصلِ، وهشامٌ: باختلاسِ كسرتها في الوصلِ بغيرِ صلةٍ تشبيهًا لها بما هو أصلٌ،
الأنعام 6:91
وقرأ الباقون: بإثباتها في الحالين؛ لثبوتها في المصاحف، وسَكَّنوها وَصْلًا؛ لأنها للسَّكْتِ (١).
﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاءِ الكفرةِ المعاندينَ:
﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: القرآنِ.
﴿أَجْرًا﴾ جُعْلًا من جهتِكم كما لم يسألْ مَنْ قبلي من النبيينَ.
﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: القرآنُ.
﴿إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ أي: تذكيرٌ وعِظَةٌ لهم.
...
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)﴾.
[٩١] ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عظَّموه حقَّ عَظَمته فيما وجبَ لهُ، واستحالَ عليه.
﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ رُوي أن مالكَ بنَ الصيفِ من أحبارِ اليهود ورؤسائهم جاء يخاصمُ النبيَّ - ﷺ - بزعمِه، فقالَ رسولُ الله - ﷺ -: "أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى! هَلْ تَجِدُ فِيهَا أَنَّ اللهَ يُبْغِضُ الحَبْرَ
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٦٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٣)، ، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢١٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٩٠ - ٢٩١). السَّمِينَ؟! فَأَنْتَ الْحَبْرُ السَّمِينُ، قَدْ سَمِنْتَ مِنْ مَالِكَ الَّذِي يُطْعِمُكَ الْيَهُودُ"، فضحكَ القومُ، فغضبَ، ثم التفتَ إلى عمرَ فقالَ: ما أنزلَ اللهُ على بشرٍ من شيء، فقالَ له قومُه: وَيْلَكَ! ما هذا الذي بلغَنا عنكَ؟! فقالَ: إنه أغضبني، فقلتُ ذلك، فقالوا له: وأنتَ إذا غضبتَ تقولُ على الله غيرَ الحق؟! فَنَزعوهُ من الحبرية، وجعلوا مكانه كعبَ بنَ الأشرفِ، فنزلت الآيةُ (١)، ثم قالَ نَقْضًا لقولهم، ورَدًّا عليهم:
﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ يعني: التوراة.
﴿نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ نَيِّرًا وهادِيًا.
﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾ دفاترَ مبدَّدة.
﴿تُبْدُونَهَا﴾ تُظهرون ما تحبون.
﴿وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ من نعتِ محمدٍ - ﷺ -، وآيةِ الرجم. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمروٍ: (يَجْعَلُونَهُ) (يُبْدُونَهَا) (وَيُخْفُونَ) بالغيبِ في الثلاثة؛ لقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، وقرأ الباقون: بالخطاب فيهن (٢)؛ لقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾، وقولُه:
﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ بالخطابِ لليهودِ؛ أي: علمتم على لسانِ محمدٍ - ﷺ - ما لم تعلموا.
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٤٢)، عن سعيد بن جبير، وانظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٢٢).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٦٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٩٢ - ٣٩٣).
الأنعام 6:92
﴿أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ زيادةً على ما في التوراة، وبيانًا لما التبسَ عليكم وعلى آبائِكم الذين كانوا أعلمَ منكم.
﴿قُلِ اللَّهُ﴾ هذا راجع إلى قوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾، فإنْ أجابوكَ، وإلا أنتَ: فـ ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أنزلَهُ.
﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ﴾ باطِلِهم وجهلِهم.
﴿يَلْعَبُونَ﴾ أي: لاعبينَ، ومعنىَ الكلامِ التهديدُ.
﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢)﴾.
[٩٢] س ﴿وَهَذَا كِتَابٌ﴾ يعني: القرآنَ.
﴿أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ كثيرُ الفائدةِ والنفعِ.
﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الكتبِ المنزلةِ قبلَه.
﴿وَلِتُنْذِرَ﴾ يا محمدُ. قراءة الجمهورِ: بالخطابِ للنبيِّ - ﷺ -، وقرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ: بالغيبِ إخبارًا عنه - ﷺ - (١).
﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ أصلَ البلادِ مكةَ.
﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ هم أهلُ شرقِ الأرضِ وغربِها.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: بالكتابِ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٦٣)، وباقي المصادر السابقة.
الأنعام 6:93
﴿وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ﴾ الخمسِ.
﴿يُحَافِظُونَ﴾ يداوِمون.
...
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾.
[٩٣] ونزل في مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة حين زعم أنه نبيٌّ يوحى إليه:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى﴾ اختلق.
﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فزعم أن الله بعثه نبيًّا.
﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ وهو عبد الله بن سعد بن سرح، كان يكتب لرسول الله - ﷺ -، فلما نزلت: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ فلما بلغ قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال عبد الله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤] تعجبًا من تفصيل خلق الإنسان، فقال عليه الصلاة والسلام: "اكتبها، فكذلك أنزلت"، فشك عبد الله وقال: لئن كان محمد صادقًا، لقد أوحي إلي كما أوحي إليه، ولئن كان كاذبًا، لقد قلت كما قال، ولحق بالمشركين مرتدًا، ثم أسلم قبل الفتح والنبي - ﷺ - بمرِّ الظهران (١).
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٢٢) و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٥)، =
الأنعام 6:94
﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يريدُ المستهزئينَ الذين قالوا: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١].
﴿وَلَوْ تَرَى﴾ يا محمد.
﴿إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ شدائده، وأصلُه من: غمرَ الشيءُ.
﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ لقبضِ أرواحِهم، ويقولون إزعاجًا لهم:
﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ أرواحَكم؛ لنقبضَها، والجوابُ محذوفٌ، أي: ولو تراهم في هذه الحالة لرأيت عجبًا.
﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ أي: الهوانِ.
﴿بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ من ادِّعاء الولدِ والشريكِ له، ودعوى النبوة والوحي.
﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ تتعَظَّمونَ فلا تؤمنون.
...
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾.
[٩٤] ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ وُحدانًا بلا مالٍ ولا شافعٍ، جَمعَ وحدان كسَكران، هذا خبرٌ من الله أنه يقولُ للكفارِ يومَ القيامة.
﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ على الهيئة التي ولِدتم عليها.
= و"الدر المنثور" للسيوطي (٣/ ٣١٧).
الأنعام 6:95
﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾ أعطيناكُم.
﴿وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ في الدنيا بغيرِ اختياركم.
﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ﴾ أي: الأصنامَ.
﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ للهِ.
﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفرٍ، والكسائيُّ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (بَيْنَكُمْ) بنصبِ النونِ؛ أي: تقطَّعَ ما بينَكم من الوصلِ، وقرأ نافع والباقون: بضم النون؛ أي: تقطع (١).
﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ﴾ ضاعَ وبطلَ.
﴿مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنها شفعاؤكم.
...
﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)﴾.
[٩٥] ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ أي: شاقُّهما بالنباتِ بينَ الزرعِ والنخلِ.
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ أي: البشرَ الحيَّ منَ النطفةِ الميتةِ.
﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ أي: النطفةَ الميتةَ من البشرِ الحيِّ، وكذلكَ الطيرُ منَ البيضِ، والحوتُ، وسائرُ الحيوان. قرأ نافع، وأبو جعفرٍ،
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٦٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٩٦).
الأنعام 6:96
وحمزةُ، والكسائيُّ، وحفص، وخلفٌ: (الْمَيِّتِ) بتشديدِ الياء في الحرفين، والباقون: بالتخفيفِ (١).
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ أي: المحيي المميتُ.
﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ فكيفَ تُصرَفون عن الحقِّ إلى ضِدِّه؟
...
﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)﴾.
[٩٦] ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ أي: شاقُّه حينَ يتبيَّنُ الصبحُ.
﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ يسكنُ فيه خلقُه. قرأ الكوفيون: (وَجَعَلَ) على الماضي (اللَّيْلَ) نصبًا اتِّباعًا للمُصحفِ، وقرأ الباقون: بالألف وكسر العين ورفع اللام وخفض (اللَّيْلِ) إضافةً (٢).
﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ أي: عَلَمي حُسبانٍ يُعْلَم بدورِهما حسابُ الأوقات.
﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ الذي سَيَّرَهما.
﴿الْعَلِيمِ﴾ بتدبيرِهما.
...
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٠٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٩٧).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٦٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٩٨).
الأنعام 6:97
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾.
[٩٧] ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ أي: خلقَها لكم.
﴿لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ﴾ الليلِ في.
﴿الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ لأن راكبَ البحرِ والسائرَ في القفارِ يهتدي بها في الليلِ إلى مقاصدِه.
﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ﴾ بيناها فَصْلًا فَصلًا.
﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فإنَّهم المنتفعونَ به.
...
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾.
[٩٨] ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾ خلقَكُم، والإنشاءُ: إثباتُ شيءٍ لم يكنْ قبلَه.
﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني: آدمَ عليه السلام.
﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرو، وروحٌ عن يعقوبَ: (فَمُسْتَقِرٌّ) بكسر القاف؛ أي: فمنكم مستقرٌ، ومنكم مستودعٌ، وقرأ الباقون: بفتحهما؛ أي: فمنكم مستقَرٌّ ومستودَع، والمستقَرُّ: أرحامُ الأمهاتِ، والمستودعُ: أصلابُ الآباء، وقيلَ غيرُ ذلك، واتفقوا على فتح الدال من مستودَع (١)؛ لأن المعنى أن الله استودَعه، فهو مفعولٌ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٦٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٩٩).
الأنعام 6:99
﴿قَدْ فَصَّلْنَا﴾ أي: بَيَّنَّا.
﴿الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ والفقهُ لغةً: الفهمُ.
...
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
[٩٩] ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من السحابِ.
﴿مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ أي: بالماءِ.
﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ﴾ من النباتِ.
﴿خَضِرًا﴾ أي: زرعا رَطْبًا.
﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ بعضُه فوقَ بعضٍ مثلَ سنابلِ البُرِّ والشعيرِ وسائرِ الحبوب.
﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا﴾ والطَّلْعُ: أولُ ما يخرجُ من ثمر النخلِ.
﴿قِنْوَانٌ﴾ جمعُ قِنْوٍ، وهو العِذْقُ.
﴿دَانِيَةٌ﴾ قريبةُ المتناوَلِ.
﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ قرأ العامةُ: (جَنَّاتٍ) نصبًا عطفًا على (نَبَات)، وقرأ الأعشى عن عاصمٍ: (وَجَنَّاتٌ) بالرفعِ نَسَقًا على قوله: (قِنْوَانٌ) (١).
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٤٩)، و"إملاء ما منَّ به الرحمن" للعكبري (١/ ١٤٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢١٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٠٠). ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ أي: وأخرَجْنا شجرَتَهما.
﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ المعنى: مشتبهًا ورقُهما، مختلفًا ثمرُهما؛ لأنَّ ورقَ الزيتونِ يشبهُ ورقَ الرمان.
﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (ثُمُرِهِ) بضمِّ الثاء والميم على جمع الثمار، والباقون: بفتحهما على جمع الثمرة (١).
﴿إِذَا أَثْمَرَ﴾ إذا خرجَ ثمرُه لا يكادُ ينتفعُ به.
﴿وَيَنْعِهِ﴾ نضجِه كيفَ يعودُ فخمًا ذا نفعٍ ولذةٍ.
وأما الحكمُ في بيعِ الثمرةِ منفردةً عن الشجرِ، فإذا بدا صلاحُها، جازَ بيعُها مطلَقًا، وبشرطِ التبقيةِ، وبشرطِ القطعِ عندَ الثلاثةِ، وعندَ أبي حنيفةَ يجبُ القطعُ في الحالِ، فإذا شرطَ التبقيةَ، بطلَ البيعُ، وإذا لم يبدُ صلاحُها، يجوزُ بيعُها إذا كانت منتفعًا بها بشرطِ القطعِ في الحال، فإن باعَ بشرطِ التبقية بطلَ البيعُ بالاتفاق، وإِن لم يشترط القطعَ، بطلَ عندَ الثلاثة، وقال أبو حنيفةَ: البيعُ صحيحٌ، ويؤمرُ بالقطعِ.
وأما الزرعُ إذا اشتدَّ حَبُّهُ، صحَّ بيعُه عند الثلاثةِ، وعندَ الشافعيِّ لا يصحُّ بيعُه دونَ سنبُلِهِ، ولامعَهُ في الجديدِ.
إذا أصابتِ الثمارَ جائحةٌ بأمرٍ سماويِّ، وهي التي لا صنعَ لآدميّ فيها، فهي من ضمانِ المشتري عندَ أبي حنيفةَ، والشافعيُّ لا يجبُ له وضعَ شيءٍ
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٦٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٠١).
الأنعام 6:100
من الثمن، وعند مالكٍ إن أتلفتِ الجائحةُ ثلثَ الثمرةِ فصاعدًا، سقطَ عن المشتري بقدرِ ما تَلِفَ، وإن كان دونَ الثلث، لم يرجعْ على البائع بشيء، وعند أحمدَ إن تلفتْ أو بعضُها ولو بعدَ قبضِها وتسلُّمِها رجعَ على البائع ما لم يشترِها مع أصلها، ويؤخِّرْها عن وقتِ أخذِها المعتاد، ولكن يسامحُ في الشيء اليسير الذي لا ينضبطُ، ولو تَعَيَّنَتْ به، خُيِّرَ بينَ الإمضاءِ مع الأَرْشِ، وبين الردِّ وأخذِ الثمنِ كاملًا.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ تنبيهٌ وتذكيرٌ، ونزلَ توبيخًا لمن أشركَ باللهِ، وردًّا عليه.
...
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)﴾.
[١٠٠] ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ يعني: الكافرينَ صَيَّروا الجنَّ شركاءَ لله.
﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ يعني: وهو خلقَ الجنَّ.
﴿وَخَرَقُوا﴾ قرأ نافع، وأبو جعفرٍ: (وَخَرَّقُوا) بتشديدِ الراءِ على التكثير، وقرأ الباقون: بالتخفيف، أي: اختلفوا (١).
﴿لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بل تخرُّصًا؛ كقولِ اليهود: عُزيرٌ ابنُ اللهِ، وقولِ النصارى: المسيحُ ابنُ اللهِ، وقولِ كفارِ العربِ: الملائكةُ بناتُ الله، ثم نَزَّهَ نفسَهُ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٦٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٠٣).
الأنعام 6:101
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ من وصَفْهِم الفاسدِ المستحيلِ عليه تبارَكَ وتعالى.
...
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾.
[١٠١] ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مبدِعُهما لا على مثالٍ سبقَ.
﴿أَنَّى﴾ أي: كيف.
﴿يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ زوجةٌ.
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ من المخلوقاتِ مع عدمِ حاجتِه إليها. قرأ أبو عمرو: (وَخَلَقَ كلَ شَيْءٍ) (وَخَلَقَ كلَّ دَابة) وشبهَه بإدغامِ القافِ في الكاف حيثُ تحرَّكَ ما قبلَها، فإن سكن ما قبلَها، لم يدغمها، نحو قوله: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] وشبهِه.
﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا تخفى عليه خافية.
...
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾.
[١٠٢] ﴿ذَلِكُمُ﴾ إشارة إلى الموصوفِ بما سبقَ من الصفاتِ، وهو مبتدأ.
الأنعام 6:103
﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أخبارٌ مترادفة، تلخيصه: ذلكُمُ اللهُ المنعوتُ بهذهِ النعوتِ لا يجوزُ أن يُعْبَدَ غيرُه.
﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ فأطيعوهُ.
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ رقيب على أعمالِكم، فيجازيكم عليها.
...
﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾.
[١٠٣] ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ لا تحيطُ به.
﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ لا يفوتُه منها شيء، فيبصرُ ما لا يبصرُ خلقُه، وخلقُهُ لا يُبصرون ما يُبصرُ، والمعتزلةُ يتمسَّكون بظاهرِ هذهِ الآية في نفي رؤيةِ الله عَزَّ وَجَلَّ، ومذهبُ أهلِ السُّنةِ إثباتُ رؤيتِه سبحانه في الآخرةِ، جاء به القرآنُ والسنةُ، وعليه اتفاقُ الأئمة، قال الله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] وقال في الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، وقال - ﷺ -: "إِنَكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عَيانًا" (١)، وقالَ مالكٌ: لو لم يرَ المؤمنونَ ربَّهم يومَ القيامةِ، لَمْ يُعَيِّروا الكفارَ بالحِجابِ، وقال أبو حنيفةَ: واللهُ تعالى يُرَى في الآخرةِ، يراهُ المؤمنونَ في الجنة بأعينِ رؤوسِهم بلا شُبهةٍ ولا كيفيةٍ، ولا يكونُ بينَه وبينَ خلقه مسافةٌ، وقال الشافعيُّ: لما حُجِبَ قومٌ بالسخطِ، دلَّ على أن قومًا يرونه بالرِّضا، وقال أحمدُ: إنَّ الله تعالى يتجلَّى
(١) رواه البخاري (٦٩٩٨)، كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾، عن جرير بن عبد الله -رضي الله عنه-.
الأنعام 6:104
في القيامةِ لعبادِه الأبرارِ، فيرونَهُ بالعيونِ والأبصار.
﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾ الرفيقُ بعبادهِ.
﴿الْخَبِيرُ﴾ بهم.
...
﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾.
[١٠٤] ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ﴾ حُجَج.
﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ تبُصرون بها الهدى من الضلالة.
﴿فَمَنْ أَبْصَرَ﴾ أي: عرفَها، وآمنَ بها.
﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ عملَ.
﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾ عنها، فلم يصدِّقْها.
﴿فَعَلَيْهَا﴾ فعلى نفسِه، ولها خسرَ.
﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أحفظُ عليكم أعمالَكم، إنْ عليَّ إلا البلاغ.
...
﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)﴾.
[١٠٥] ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ نُبيِّنُها.
﴿وَلِيَقُولُوا﴾ أي: لئلا يقولوا.
﴿دَرَسْتَ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرو: بألفٍ بعدَ الدالِ وإسكانِ السينِ
الأنعام 6:106
وفتحِ التاء؛ يعني: قرأتَ، وقرئَ عليكَ؛ أي: قارأتَ أهلَ الكتاب بأن أعنتَهم وأعانوك، نحو: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤]، وقرأ الكوفيون، ونافعٌ، وأبو جعفرٍ: (دَرَسْتَ) بغير ألف وإسكانِ السين وفتح التاء؛ أي: قرأتَ كتبَ الأولين وجئتَ بالقرآنِ منها، وقرأ ابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (دَرَسَتْ) بغير ألفٍ وفتحِ السينِ وإسكانِ التاءِ؛ أي: انمحَتِ الأخبارُ التي تأتينا بها (١).
﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾ أي: القرآنَ.
﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ الحقَّ من الباطلِ، فيسعدُ قوم، ويشقى آخرون.
...
﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦)﴾.
[١٠٦] ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ بالتديُّن به.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: منفردًا.
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ لا تجادِلْهُمْ.
...
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)﴾.
[١٠٧] ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ توحيدَهُمْ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٦٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥).
الأنعام 6:108
﴿مَا أَشْرَكُوا﴾ وهو دليلٌ على أنه تعالى لا يريدُ إيمانَ الكافرِ.
﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ مُراعِيًا أعمالَهم.
﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ مسلَّطٍ على إكراهِهم على الإِسلامِ.
...
﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾.
[١٠٨] قال قتادة: كانَ المسلمون يَسُبُّونَ أوثانَ الكفار، فنهاهم الله عن ذلك؛ لئلا يسبوا الله؛ لأنهم قومٌ جَهَلَةٌ، فقال تعالى:
﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أي: المدعُوِّينَ آلهةً.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا﴾ اعتداءً وظلمًا.
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بجهلٍ. قرأ يعقوبُ: (عُدُوًّا) بضمِّ العين والدال وتشديد الواو (١)، فلما نزلتْ قالَ - ﷺ -: "لا تَسُبُّوا رَبَّكُمْ"، ونهُوا عن سبِّ الآلِهة (٢)، وإن كانَ طاعة؛ لإفضائِه إلى مفسدةٍ أعظمَ منه، قال القرطبيُّ في "تفسيره": إنَّ الحكمَ بالنهيِ باقٍ في هذهِ الأمةِ، فمتى خِيفَ أنَّ الكافرَ يسبُّ الإِسلامَ والنبيَّ - ﷺ - واللهَ جَلَّ جلالُه، فلا يحلُّ لمسلم أن يسبَّ دينَهم،
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٥٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢١٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٠٧).
(٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٢٣).
الأنعام 6:109
ولا صُلْبانَهم، ولا كنائِسَهُم، ولا يتعرَّضَ إلى ما يؤدِّي إلى ذلك (١).
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما.
﴿زَيَّنَّا﴾ لهؤلاء المشركين عبادةَ الأوثانِ وطاعةَ الشيطانِ.
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ منَ الكفارِ.
﴿عَمَلَهُمْ﴾ وفيه ردٌّ على القدرية.
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بالمحاسبةِ والمجازاةِ عليه.
...
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)﴾.
[١٠٩] ولما طلبتْ قريشٌ منه - ﷺ - نزولَ الملائكةِ، وإحياءَ الموتى، وجَعْلَ الصَّفا ذهبًا، وحلفوا أنهم يؤمنونَ عند ذلك، وكان المؤمنون يحبون ذلك ليؤمنَ المشركون، نزل:
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ مجتهدينَ في الحلفِ.
﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ يا محمدُ.
﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ لا عندي، وهو القادرُ على المجيء بها، لا أنا.
﴿وَمَا﴾ استفهامٌ مبتدأ، خبرُه:
(١) انظر: "تفسير القرطبي" (٧/ ٦١).
الأنعام 6:110
﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ أي: يدريكم أيها المؤمنون. رُوي عن أبي عمرو: (يُشْعِرْكُمْ) بإسكانِ الراء، وروي عنهُ باختلاسها، وقرأ الباقون: بإشباع الحركة، وتقدم في سورة البقرة (١).
﴿أَنَّهَا﴾ أي: الآيةَ المقترحةَ.
﴿إِذَا جَاءَتْ﴾ الكفارَ (٢).
﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بها؛ لسبق علمِه بعدمِ إيمانهم. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرو، ويعقوبُ، وخلفٌ، وعاصمٌ بخلافٍ عن راويه أبي بكرٍ (إِنَّهَا) بكسرِ الألف على الابتداء، وقالوا: تمَّ الكلامُ عندَ قوله: (وَمَا يُشْعِرُكُمْ)، وقرأ الباقونَ: بفتح الألف بمعنى لعلَّ، وقرأ ابنُ عامرٍ: (لا تُؤْمِنُونَ) بالتاءِ على خطاب الكفار، والباقون: بالياء على الخبر (٣).
...
﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾.
[١١٠] ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ أي: نحولُ بينهم وبينَ الإيمان، فلا يؤمنونَ عندَ نزول الآيات.
﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أي: بما جاءهم.
(١) عند تفسير الآية (٦٧)، وانظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٥٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٣٦، ٢١٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٠٨).
(٢) "الكفار" ساقطة من "ت".
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٦٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩).
الأنعام 6:111
﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ من الآياتِ؛ كانشقاقِ القمرِ وغيرِه.
﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ نَدَعُهم.
﴿في طُغْيَانِهِمْ﴾ ضَلالَتِهم.
﴿يَعْمَهُونَ﴾ يتمادَوْنَ عَمَهَةً لا يبصرون.
...
﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾.
[١١١] ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ فرأَوهم عيانًا.
﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾ كما طَلَبوا.
﴿وَحَشَرْنَا﴾ جميعًا.
﴿عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ طلبوهُ.
﴿قُبُلًا﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ: (قِبَلًا) بكسر القاف وفتح الباء؛ أي: معاينةً، وقرأ الباقونَ: بضمهما؛ أي: أولًا (١).
﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ذلكَ.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ أنهم لو أوتوا بكلِّ آيةٍ، لم يؤمنوا، فيحلفون أنهم يؤمنونَ عندَ نزولِ الآياتِ، أو المؤمنون يجهلونَ أن الكافرينَ لا يؤمنون، فيطلبون نزولَ الآياتِ طمعًا في إيمانهم.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٦٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣١١).
الأنعام 6:112
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾.
[١١٢] ثم سُلِّيَ رسول الله (١) - ﷺ - فقيلَ له:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ [أي: كما جَعْلنا لك أعداءً، فكذلكَ جعلْنا لمن تقدَّمَكَ من الأنبياء، ثم فَسَّرَهُمْ فقال:] (٢)
﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ وللإنس شياطينُ كما أن للجنِّ شياطينَ، وكلُّ عاتٍ شيطانٌ، قال - ﷺ - لأبي ذَرٍّ: "هَلْ تَعَوَّذْتَ بِاللهِ مِنْ شَيْطَانِ الْجِنِّ وَالإِنْسِ؟ "، قال: وهل للإنسِ من شياطين؟! قال: "نَعَمْ، هُمْ شَرٌّ مِنْ شَياطينِ الْجِنِّ" (٣).
﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ أي: يوسوس ويلقي شياطينُ الجنِّ إلى شياطينِ الإنسِ، وبالعكسِ.
﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾ مموَّه لا معنى تحتَه.
﴿غُرُورًا﴾ خدعا.
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ أي: الإيحاءَ من الزخرفةِ والغرورِ وعداوةِ الأنبياءِ.
(١) "رسول الله" سقطت من "ظ".
(٢) ما بين معكوفتين ساقط من "ت".
(٣) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٥/ ١٨٧)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (٤٧٢١)، (٤٧٢١)، عن أبي ذر -رضي الله عنه-.
الأنعام 6:113
﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ أمر فيه معنى التهديد.
...
﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾.
[١١٣] ﴿وَلِتَصْغَى﴾ لتميل.
﴿إِلَيْهِ﴾ أي: إلى زخرفِ القولِ.
﴿أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ﴾ لأنفسِهم.
﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ يكتسِبوا.
﴿مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ من الذنبِ.
...
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤)﴾.
[١١٤] ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ فيه إضمارٌ؛ أي: قل لهم يا محمَّد: أفغيرَ الله.
﴿أَبْتَغِي﴾ أطلبُ.
﴿حَكَمًا﴾ قاضيًا بيني وبينكم؛ لأنهم قد طلبوا منه قاضيًا يقضي بينهم وبينَه، فأجابهم به.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ﴾ أي: القرآنَ.
﴿مُفَصَّلًا﴾ أي: مُبَيَّنًا فيه الحقُّ من الباطلِ.
الأنعام 6:115
﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ يعني: علماءَ اليهودِ والنصارى الذين آتيناهم التوراةَ والإنجيلَ.
﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ يعني: القرآن.
﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ، وحفصٌ عن عاصم: (مُنَزَّلٌ) بالتشديد مبالغة؛ لأنه نزلَ نجومًا متفرقةً، وقرأ الباقون: بالتخفيف، من الإنزال؛ لأنه نزلَ مرة واحدة إلى بيتِ العزة (١)، والمعنى: العالمون يعلمون أن القرآن منزلٌ من ربِّكَ.
﴿بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ الشاكِّينَ في أنهم يعلمون ذلك.
...
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾.
[١١٥] ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ بالوعدِ والوعيدِ. قرأ الكوفيون، ويعقوبُ: (كَلِمَةُ) على التوحيد، والباقون: (كَلِمَاتُ) بالجمع (٢).
﴿صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ فيما وعدَ، وعدلًا فيما حكمَ.
﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ لا رادَّ لقضائِه، ولا مُغَيِّرَ لحكمِه.
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لما يقولون.
﴿الْعَلِيمُ﴾ بما يُضمرون.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٦٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٧٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣١٣).
(٢) المصادر السابقة عدا "السبعة" لابن مجاهد.
الأنعام 6:116
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾.
[١١٦] ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: الكفارَ.
﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَصرِفوكَ عن دينهِ.
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ وهو ظنُّهم أن آباءهم كانوا على الحقِّ.
﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ يَحْزِرون.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾.
[١١٧] ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ و (من) في محل نصب بنزع حرف الصفة؛ أي: بـ (مَنْ يَضِلُّ)، أو في محلٍّ رفعٍ بالابتداء، ولفظُه لفظُ الاستفهام، والمعنى: إن ربك هو أعلمُ أَيّ الناسِ يَضِلُّ عن سبيلِهِ.
﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ أي: أعلمُ بالفريقين، فيجازي كلًّا بما يستحقُّه.
﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾.
[١١٨] ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أي: كلوا مما ذُبح على اسمِ الله.
﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ وذلك أنهم كانوا يُحَرِّمون أصنافًا من النَّعَمِ، ويُحِلُّون الأموات.
***
الأنعام 6:119
﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾.
[١١٩] ثم وَبَّخَهم على تركِ الأكلِ منه فقالَ:
﴿وَمَا لَكُمْ﴾ وأيُّ مانعٍ لكم من.
﴿أَلَّا تَأْكُلُوا﴾ شيئًا.
﴿مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ من الذبائحِ.
﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، وأبو عمرو: بضم الفاءِ والحاءِ وكسرِ الصادِ والراءِ على غير تسمية الفاعل؛ لقوله: (ذُكِرَ)، وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ، وحفصٌ عن عاصم: (فَصَّلَ) و (حَرَّمَ) بالفتح فيهما؛ أي: فَصَّلَ اللهُ ما حرَّمَه عليكم؛ لقوله (اسمُ الله)، وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ: (فَصَّلَ) بالفتح، و (حُرَّمَ) بالضم (١)، وأرادَ بتفصيل المحرمات ما ذُكر في قولهِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣].
﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ من هذه الأشياءِ؛ فإنه حلال لكم عندَ الاضطرار.
قرأ أبو جعفرٍ بخلافٍ عنهُ: (اضْطِرِرْتُمْ) بكسرِ الطاء (٢).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٦٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣١٤).
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٢٦، ٢٦٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣١٥).
الأنعام 6:120
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ﴾ قرأ الكوفيون: بضم الياء؛ أي: يُضِلُّون غيرَهم، وقرأ الباقون: بالفتحِ؛ أي: يَضِلُّون هم (١).
﴿بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قوله بِتَشَهِّيهم من غيرِ تعلُّقٍ بدليلٍ يفيدُ العلمَ.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ الذين يجاوزونَ الحلالَ إلى الحرام.
...
﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠)﴾.
[١٢٠] ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ سِرَّهُ وعلانيتهُ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ﴾ في الآخرةِ.
﴿بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ يكتسبون (٢) في الدنيا.
...
﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾.
[١٢١] ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ من الميتاتَ وما في معناها من المنخنقةِ وغيرِها، وما ذُبح على اسمِ غيرِ الله.
﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: الأكلُ منه.
﴿لَفِسْقٌ﴾ لمعصيةٌ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٦٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣١٥).
(٢) في "ن": "يكسبون".
الأنعام 6:122
واختلف الأئمةُ في ذبيحةِ المسلمِ إذا لم يذكرِ اسمَ اللهِ عليها، فقال الشافعيُّ: تحلُّ، سواءٌ تركَ التسميةَ عامدًا أو ناسيًا؛ لأن التسميةَ عنده سنة، وقال الثلاثة: إنْ تركَها عمدًا، لم تحلَّ، وإن تركها ناسيًا، حلَّتْ، وتقدم اختلافُهم في التسميةِ على الصيدِ والذبيحةِ أيضًا في سورةِ المائدةِ عندَ تفسيرِ قولهِ تعالي: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤].
﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ﴾ لَيوسْوِسونَ.
﴿إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ المشركين.
﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ بقولهم: تأكلونَ ما قتلتُم أنتم وجوارُحُكم، وتدعونَ ما قتلَه الله؟! يعنونَ الميتة.
﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ في أكلِ الميتةِ.
﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ فيه دليلٌ على أن من أحلَّ شيئًا مما حرَّمَ الله، وحرَّم شيئًا مما أحلَّ الله، فهو مشركٌ.
...
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾.
[١٢٢] ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا﴾ بالكفرِ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ: (مَيِّتًا) بالتشديدِ، والباقون: بالتخفيف (١).
(١) وقد تقدم. وانظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٦٨)، و"التيسير" للداني = ﴿فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ هَدَيناهُ.
﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾ أي: الإيمانَ.
﴿يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ بينَهم متبصِّرًا به (١)، فيعرف الحقَّ من الباطلِ.
﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أي: كمن هو في الظلماتِ.
﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ يعني: في ظلمةِ الكفرِ.
﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الكفرِ والمعصيةِ.
قال ابنُ عباسٍ: " ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾ يريدُ: حمزةَ بنَ عبدِ المطلبِ رضي الله عنه، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ يريدُ: أبا جهلِ بنَ هشامٍ، وذلك أن أبا جهلٍ رَمَى رسولَ اللهِ - ﷺ - بِفَرْثٍ، فأُخبرَ حمزةُ بما فعل أبو جهلٍ وهو راجعٌ من قَنْصِهِ، وبيدِه قوسٌ، وحمزةُ لم يؤمنْ بعدُ، فأقبلَ غضبانَ حتى علا أبا جهلٍ بالقوسِ وهو يتضرَّعُ إليه ويقولُ: يا أبا يَعْلَى! أَما تَرى ما جاءَ به؟ سَفَّهَ عقولَنا، وسبَّ آلهتَنا، وخالفَ آباءنا! فقال حمزةُ: ومَنْ أسفهُ منكم؟! تعبدونَ الحجارةَ من دونِ اللهِ! أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله، فأنزلَ الله هذه الآيةَ" (٢).
...
= (ص: ١٠٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣١٥).
(١) "به" ساقطة من "ت".
(٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٢٤).
الأنعام 6:123
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣)﴾.
[١٢٣] ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ أي: كما أن فُسَّاقَ مكةَ أكابرُها، كذلك جعلْنا فساقَ كلِّ قريةٍ أكابرَها؛ أي: عظماءها، جمع أكبر، وخَصَّ الأكابرَ بالذِّكر؛ لأنهم الصادُّونَ عن الدين، ثم قالَ معللًا:
﴿لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ بالصدِّ عن الإيمان، ورميِ النبيِّ - ﷺ - بالكذبِ والسحرِ.
﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ لأن وبالَ كفرِهم راجعٌ عليهم.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ بذلك.
...
﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾.
[١٢٤] ولما قالَ الوليدُ بنُ المغيرةِ: لو كانتِ النبوةُ حقًّا، لكنتُ أَولى بها منك؛ لأني أكبرُ منكَ سنًّا، وأكثرُ منكَ مالًا، فقال أبو جهل: واللهِ لن نرضى به، ولن نَتَّبِعه أبدًا إلَّا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فنزل:
﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ (١) حجةٌ على صدقِ محمدٍ - ﷺ -.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٦١).
الأنعام 6:125
﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ من النبوةِ، وتقدَّم الكلامُ على تغليظِ اللامِ من اسمِ الله في قوله (رُسُلُ اللهِ) وشبهِه في أولِ سورةِ الفاتحةِ، ثم استأنفَ منكِرًا أنهم لا يصلُحون للرسالة فقالَ:
﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وحفصٌ: (رِسَالَتَهُ) بحذفِ الألفِ بعد اللام ونصبِ التاءِ على التوحيد، وقرأ الباقون: بالألف وكسر التاء على الجمع (١)؛ يعني: اللهُ أعلمُ بمن هو أحقُّ بالرسالةِ، ثم قال متهدِّدًا:
﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ من الكفار.
﴿صَغَارٌ﴾ أشدُّ الذلِّ.
﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ في الآخرة.
﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ الأسرُ والقتلُ ثم النار.
﴿بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ في الدنيا.
...
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾.
[١٢٥] ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ﴾ ينوِّرْ قلبَهُ ويفتحْهُ.
﴿لِلْإِسْلَامِ﴾ فيتَّسعُ به، ويفسح فيه مجاله.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٠٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣١٦).
الأنعام 6:126
﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ: (ضَيْقًا) بالتخفيف، والباقونَ: بالتشديد.
﴿حَرَجًا﴾ وهما لغتان؛ مثل: هَيْن، وهَيِّن، حَرَجًا: أشدَّ الضيقِ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو بكرٍ: بكسرِ الراء، والباقون: بفتحِها، وهما لغتانِ أيضًا؛ مثل: الدَّنَف، والدَّنِف؛ يعني: لا ينورُ قلبَه، ولا يفتحُه لقبولِ الإِسلام.
﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ (يَصْعَدُ) بإسكانِ الصادِ وتخفيفِ العينِ من غيرِ ألفٍ، من الصعودِ، وقرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ: (يَصَّاعَدُ) بفتحِ الياءِ والصادِ مشدَّدةً وألفٍ بعدَها وتخفيفِ العين؛ أي: يتصاعَدُ، وقرأ الباقون: بتشديدِ الصادِ والعينِ من غيرِ ألفٍ؛ أي: يَتَصَعَّدُ (١)؛ يعني: يَشُقُّ عليه الإيمانُ كما يشقُّ عليه صعودُ السماء، وأصلُ الصُّعودِ: المشقةُ.
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كهذا الجعلِ.
﴿يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾ أي: العذابَ.
﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وأصلُ الرِّجْسِ في اللغة: النتنُ.
...
﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)﴾.
[١٢٦] ﴿وَهَذَا﴾ أي: الذي أنتَ عليهِ يا محمدُ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٦٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٢ - ٦٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣١٦ - ٣١٨).
الأنعام 6:127
﴿صِرَاطُ رَبِّكَ﴾ الطريقُ الذي ارتضاه.
﴿مُسْتَقِيمًا﴾ لا اعوجاجَ فيه.
﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ فيعلمونَ أن القادرَ هو اللهُ.
...
﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾.
[١٢٧] ﴿لَهُمْ﴾ أي: المتذكِّرينَ.
﴿دَارُ السَّلَامِ﴾ الجنةُ؛ لأن كلَّ من دخلَها سَلِمَ من البلاء والرزايا.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: مضمونة لهم عندَه أن يوصِلَهم إليها بفضله.
﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ ناصرُهم.
﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يتولَّاهم في الدنيا بالتوفيق، وفي الآخرةِ بالجزاء.
...
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾.
[١٢٨] ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ أي: واذكرْ يومَ نحشرُهم جميعًا. قرأ حفصٌ عن عاصمٍ، وروح عن يعقوبَ: (يَحْشُرُهُمْ) بالياء، والباقون: بالنون (١).
﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ﴾ أي: ثم يقالُ: يا معشرَ الجنِّ، أي: الشياطينِ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٦٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣١٨).
الأنعام 6:129
﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ أي: من إغوائِهم.
﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ﴾ أي: أولياءُ الشياطين.
﴿مِنَ الْإِنْسِ﴾ الذين أطاعوهُم:
﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ بأن وافقَ بعضُنا ببعض (١).
﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ يعني: القيامةَ.
﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾ مقامكم.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أي: مدةَ العرضِ والحسابِ.
﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في أفعالِه.
﴿عَلِيمٌ﴾ بأعمالِ الثقلينِ وأحوالِهم.
...
﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾.
[١٢٩] ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ نسلِّطُ بعضَهم على بعض.
﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من الكفرِ والمعاصي.
...
﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)﴾.
[١٣٠] ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ أي: يومَ نحشرُهم نقولُ:
(١) في "ت" و"ن: "بعض بعضًا".
الأنعام 6:131
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ ومعنى منكم: في الخلقِ والتكليفِ والمخاطبةِ، ولما كانتِ الجنُّ ممن يخاطَبُ ويعقلُ، قال: (منكم)، وإن كانتِ الرسلُ من الإنسِ، وغُلِّبَ الإنسُ في الخطابِ كما يغلَّبُ المذكَّرُ على المؤنث، ورُوي أن الله تعالى أرسلَ رُسُلًا من الجن كما أرسلَ من الإنسِ؛ لظاهرِ الآيةِ.
﴿يَقُصُّونَ﴾ يقرؤون.
﴿عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ كتبي.
﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ يعني: يومَ القيامةِ.
﴿قَالُوا﴾ جوابًا.
﴿شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ أنهم قد بلغوا.
﴿وَغَرَّتْهُمُ﴾ خَدَعَتهم.
﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ وظَنُّوا أنها تدومُ، فلم يؤمنوا.
﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ ذَمَّهم على سوءِ نظرِهم وخطأ رأيِهم.
...
﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١)﴾.
[١٣١] ﴿ذَلِكَ﴾ المذكورُ من بعثِ الرسلِ والتعذيبِ.
﴿أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾ أي: لم يهلكْ قريةً بشِرْكٍ.
﴿وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ لم يُنذرُوا ببعثِ رسلٍ تنذِرُهم.
***
الأنعام 6:132
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾.
[١٣٢] ﴿وَلِكُلٍّ﴾ من العاملين.
﴿دَرَجَاتٌ﴾ جزاء.
﴿مِمَّا عَمِلُوا﴾ من الثوابِ والعقابِ.
﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ فيخفى عليه عمل. قرأ ابنُ عامرٍ: (تَعْمَلُونَ) بالخطاب، والباقون: بالغيب (١).
...
﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)﴾.
[١٣٣] ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ﴾ عن خَلْقِه.
﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ بأوليائِه.
﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ يُهْلِككم، وعيدٌ لأهلِ مكةَ.
﴿وَيَسْتَخْلِفْ﴾ ينشئ.
﴿مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾ خَلْقًا غيرَكم أمثلَ وأطوعَ.
﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ يعني: أباءهم الماضين.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٦٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣١٩).
الأنعام 6:134
﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤)﴾.
[١٣٤] ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ﴾ من مجيءِ الساعةِ.
﴿لَآتٍ﴾ كائنٌ، رُوي عن قنبل، ويعقوب: بالوقف بالياء على (لآتِي).
﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بغائبينَ.
...
﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)﴾.
[١٣٥] ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ:
﴿يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ تمكُّنكم. قرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ: (مَكَانَاتِكُمْ) بالجمع؛ أي: حالاتكم، وقرأ الباقون: بالأول (١)، وهذا أمرُ وعيدٍ على المبالغةِ.
﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ ما أمرَني به ربي.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ أي: الجنة. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: بالياءِ على التذكير؛ لأن تأنيثَ العاقبةِ غيرُ حقيقي، والباقون: بالتاء لتأنيث العاقبة (٢).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٧٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٢٠).
(٢) المصادر السابقة.
الأنعام 6:136
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: لا ينجحُ سعيُهم.
...
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾.
[١٣٦] ﴿وَجَعَلُوا﴾ أي: مشركو العرب.
﴿لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ﴾ خلقَ.
﴿مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ وذلك أنهم كانوا يجعلونَ نصيبًا من زُروعهم وأنعامِهم لله، ونصيب منها لأصنامِهم، فنصيبُ اللهِ للضيفانِ والمساكينِ، ونصيبُ آلهتهم لخدمِها، فما سقطَ بهبوبِ الريحِ ونحوِه من نصيبِ الله في نصيبِ آلهتهم تُرِكَ، وقالوا: إنَّ الله غنيٌّ عن هذا، وما سقطَ من نصيبِ آلهتِهم في نصيبِ الله رُدَّ، ويقولون: هي محتاجة. قرأ الكسائئ: (بِزُعْمِهِمْ) بضم الزاي، والباقون: بفتحها، وهما لغتان (١)، وقولُه: (بزعمهم) تنبيه على أنَّ ذلك مما اخترعوه، لم يأمرهم به اللهُ.
﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: إلى الجهاتِ
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٠٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٢١).
الأنعام 6:137
التي كانوا يَصْرِفون نصيبَ اللهِ إليها.
﴿وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ إلى ما كانوا يصرفون نصيبَهم إليهم.
﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ بئس ما يقضونَ.
...
﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧)﴾.
[١٣٧] ﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومثلَ ذلكَ التزيينِ في قسمةِ القُرُبات.
﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾. قراءة العامَّة: (زَيَّنَ) بفتحِ الزاء والياء ونصبِ (قَتْلَ) مفعولًا صريحًا، وجرِّ (أَوْلادِهِمْ) إضافة، ورفعِ (شُرَكَاؤُهُمْ) فاعل (زَيَّنَ)؛ أي: شياطينُهم حَسَّنوا لهم وَأْدَ البناتِ، وهو دَفْنُهُنَّ في حياتهن خيفةَ العيلةِ، وقرأ ابنُ عامرٍ: بضمِّ الزايِ وكسرِ الياء مجهولًا، ورفعِ (قَتْلُ) ونصبِ دالِ (أَوْلادَهُمْ)، وخفضِ همزةِ (شُرَكَائِهِمْ) بإضافةِ (قتل) إليه (١)، كأنه قال: زُيِّنَ لكثيرٍ من المشركين قَتْلُ شركائِهم أولادهم، فُصِلَ بمنَ الفعلِ وفاعلِه بالمفعول به، وهم الأولادُ، وأُضيفت الفعلُ وهو القتلُ إلى الشركاء، وإن لم
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٧٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٨ - ٦٩)، و"الكشف" لمكي (١/ ٤٥٣ - ٤٥٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٢١ - ٣٢٢).
الأنعام 6:138
يتولَّوا ذلك؛ لأنهم الذين زينوا ذلكَ، ودَعَوا إليه، فكأنهم فعلوهُ، وقد اعترضَ الزمخشريُّ في "كَشَافه" على ابنِ عامرٍ في قراءته (١)، فردَّ ابنُ الجزريِّ اعتراضَه في كتابِه "النَّشْر"، وصَوَّبَ قراءةَ ابنِ عامرٍ، وكذلكَ الكواشي في "تفسيرِه"، وكلٌّ منهما أشبعَ (٢) الكلامَ في ذلك.
﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ لِيُهلكوهم.
﴿وَلِيَلْبِسُوا﴾ لِيَخْلِطوا.
﴿عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ ويُدْخِلوا عليهم الشكَّ فيه.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ بَيَّنَ أن كفرَهم بمشيئة الله تعالى، وهو ردٌّ على القدريةِ.
﴿فَذَرْهُمْ﴾ يا محمدُ.
﴿وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ من الكذبِ؛ فإن الله لهم بالمرصادِ.
...
﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨)﴾.
[١٣٨] ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: المشركين.
﴿هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ أي: حَرامٌ، المعنى: إنهم كانوا يُعَيِّنون أشياءَ لآلِهتهم، ويُحَرِّمونها، ويقولونَ:
(١) انظر: "الكشاف" للزمخشري (٢/ ٦٦).
(٢) في "ن": "شنع".
الأنعام 6:139
﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ﴾ من النساءِ والرجالِ.
﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ قرأ الكسائيُّ: بضمِّ الزايِ كما تقدم.
﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ وهي البحائِرُ والسوائبُ والحوامي، وتقدَّمَ تفسيرُها في سورة المائدة.
﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ وهي قربانُ آلِهتهم.
﴿افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾ لأن ما قالوه تَقَوُّلٌ عليه.
﴿سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: بسببه.
...
﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩)﴾.
[١٣٩] ﴿وَقَالُوا مَا﴾ أي: الذي.
﴿فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ كانوا يقولون في أَجِنَّةِ البحائرِ والسوائبِ: ما وُلد حيًّا، هو خالصٌ للذكور، وأَنَّثَ (خَالِصَةٌ) للتأكيد كالخاصَّةِ والعامَّةِ.
﴿وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ أي: نسائِنا.
﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ أي: مما وُلد مَيْتًا، اشتركَ فيه الرجال والنساء (١) الإناثُ والذكور. قرأ ابنُ كثيرٍ: (يَكُنْ) بالياءِ على التذكير (مَيْتَةٌ) بالرفع؛
(١) "الرجال والنساء" زيادة من "ن".
الأنعام 6:140
لأن المرادَ بالميتةِ الميتُ؛ أي: وإن وقعَ في البطونِ ميتٌ. وقرأ أبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ: (تَكُنْ) بالتاءِ على التأنيثِ (مَيْتَةٌ) بالرفع، ذكر الفعل بعلامة التأنيث؛ لأن الميتةَ في اللفظِ مؤنثةٌ، وأبو جعفر: على أصلِه في تشديد الياء، وقرأ أبو بكرٍ عن عاصم: (تَكُنْ) بالتأنيثِ (مَيْتة) نصبٌ؛ أي: وإن تكنِ الأجنةُ ميتةً، وقرأ الباقون: (وإنْ يَكُنْ) بالياء على التذكير (مَيْتةً) نصبٌ، ردَّه إلى (ما) (١)، أي: وإنْ يكنْ ما في البطونِ ميتةً، يدلُّ عليه أنه قال:
﴿فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ ولم يقل: فيها، وأرادَ: أن الرجالَ والنساءَ فيهِ شركاءُ.
﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ أي: جزاءَ وصفِهم للكذبِ على الله.
﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ﴾ في عذابِهم.
﴿عَلِيمٌ﴾ بأقوالهم.
...
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾.
[١٤٠] ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ:
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٧٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٧٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦٥ - ٢٦٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢١٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٢٤ - ٣٢٥).
الأنعام 6:141
(قَتَّلُوا) بالتشديدِ على التكثير، والباقون: بالتخفيف (١).
﴿سَفَهًا﴾ جَهْلًا.
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ نزلتْ فيمن كان يئدُ (٢) البناتِ أحياءً مخافةَ السبي والفقرِ.
﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ يعني: البحيرةَ والسائبةَ والوصيلةَ والحام.
﴿افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ حيثُ قالوا: الله أمرنا بذلك.
﴿قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ إلى الحقِّ.
...
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)﴾.
[١٤١] ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ﴾ بساتينَ (٣).
﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾ كالكرمِ ونحوِه.
﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ كالنخلِ ونحوِه.
﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ أي: ثمرُه وطعمُه. قرأ نافعٌ، وابنُ
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٧١)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٢٦).
(٢) في "ت" و"ظ": "يبيد".
(٣) "بساتين" ساقطة من "ن". كثيرٍ: (أُكْلُهُ) (١) بإسكانِ الكاف، والباقون: بتحريكها.
﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا﴾ في المنظرِ (٢).
﴿وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ في الطعمِ؛ مثل الرمانينِ، ولونهما واحدٌ، وطعمُهما مختلفٌ.
﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ أمرُ إباحة. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (ثُمُرِهِ) بضمِّ الثاء والميم، والباقون: بفتحهما (٣)، وتقدَّمَ تفسيرُ القراءتين في السورة.
﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ هي الزكاةُ المفروضةُ إن جعلت (٤) الآيةَ مدنيةً، وإن جعلتها مكية، فالمرادُ بحقِّه ما يُتَصَدَّقُ به على المساكين وقتَ الحصاد، والقولانِ منقولان، وكان ذلك واجبًا، فنسخ بالزكاة. قرأ أبو عمرٍو، ويعقوبُ، وابنُ عامرٍ، وعاصمٌ: (حَصادِهِ) بفتح الحاء، والباقون: بكسرها، ومعناهما واحد (٥).
﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ في التصدُّقِ بإخراج جميعِ المال؛ كقوله: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩].
(١) "أكله" ساقطة من "ن".
(٢) في "ن": "النظر".
(٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٣، ١٠٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦٠، ٢٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٢٦).
(٤) في "ن": "جعلنا".
(٥) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٧١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٧١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢١٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٢٧). ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ولا يرتضي فعلَهم في وجوب الزكاة.
واتفقَ الأئمةُ على وجوبِ الزكاةِ في الحبوب كلِّها مما يُقتات به من القمحِ والشعيرِ والأرزِ ونحوِه، وعند مالكٍ والشافعيِّ تجبُ من الثمارِ في التمرِ والزبيبِ، وعندَ أبي حنيفةَ وأحمدَ تجبُ فيهما وفي كلِّ مَكيلٍ يُدَّخَرُ؛ كاللوزِ والفستقِ والبندقِ ونحوِها.
واتفقَ مالك والشافعيُّ وأحمدُ على عدمِ وجوبِها في الفواكهِ والبقولِ والخضراواتِ، وقال أبو حنيفةَ بوجوبها فيها، وافقه (١) صاحباه في الثمار، وخالفاه في الخضراوات.
واختلفوا في وجوبها في الزيتونِ، فقال أبو حنيفةَ ومالكٌ: تجبُ فيه، وقال الشافعيُّ في الجديدِ وأحمدُ: لا تجب.
واختلفوا في قدرِ النصابِ فيها، فقال أبو حنيفةَ: لا يُعتبر النصاب، وقال (٢): بل يجبُ العشرُ فيما قَلَّ أو كثرَ مما سَقَتْه السماءُ، أو سُقي بها، وما سُقِي بكُلْفةٍ؛ كالدواليبِ والدِّلاءِ وغيرِهما نصفُ العشر، وما سُقِيَ منهما يعتبرُ فيه أكثرُ السنة، فإن استويا، يجبُ نصف العشر، وقالَ الثلاثةُ وأبو يوسفَ ومحمدٌ: يعتبر النصابُ وقدرُه بعدَ التصفية في الحبوبِ، والجفافِ في الثمارِ خمسةُ أَوْسُق، والوسقُ ستون صاعًا، والصاعُ: خمسةُ أرطالٍ وثلث بالعراقيِّ، فيكونُ ذلك ألفًا وستَّ مئةِ رطلٍ عراقيٍّ، وألفًا وأربعَ مئةٍ وثمانيةً وعشرين رطلًا وأربعةَ أسباعِ رطلٍ مصريٍّ، وثلاثَ مئةٍ واثنينِ وأربعينَ رِطْلًا وستةَ أسباعِ رطلٍ دمشقيٍّ، ومئتين وخمسةً وثمانينَ
(١) في "ن": "ووافقه".
(٢) "وقال" زيادة من "ن". رِطلا وخمسةَ أسباعِ رطل حلبي، ومئتين وسبعةً وخمسينَ رطلا وسُبع رطلٍ قدسي، إلا الأرزَ والعلسَ؛ نوع من الحنطةِ يُدَّخر في قشره، فنصابُ كلِّ واحد منهما عندَ الشافعيِّ وأحمدَ عشرةُ أوسُقٍ، ومالكٌ لم يستثنِ شيئًا، بل جعل النصابَ في الكلِّ خمسةَ أوسُقٍ.
واتفق القائلونَ باعتبارِ النصاب على أن الواجبَ فيما (١) سُقي بغير مؤنةٍ العشرُ، وفيما سُقي بكلفةٍ نصف العُشْرِ؛ يقول أبي حنيفةَ في القليلِ والكثيرِ، وفيما سُقي بهما، بحسابه، فإن سُقِيَ بأحدِهما أكثرَ من الآخر، اعتبر أكثرُهما نفعًا ونموًا للزرع (٢).
واختلفوا في وقتِ وجوبِ الزكاةِ، فقال أبو حنيفةَ: عندَ ظهورِ الثمرةِ، وقال أبو يوسفَ: عندَ الإدراكِ، وقال الثلاثةُ: عندَ اشتدادِ الحبّ وبُدُوِّ الصَّلاحِ في الثمر، ويستقر الوجوبُ بجعلِها في الجرينِ والبيدَرِ والمِسْطاحِ ونحوِها.
واختلفوا في وجوبِ الزكاةِ في العسل، فقال أبو حنيفة: فيه العشرُ، قَلَّ أو كثرَ إذا أُخِذَ من أرض العشرِ، وقال مالكٌ والشافعيُّ: لا زكاة فيه، وقال أحمدُ: فيه العشرُ إذا بلغ نصابًا، ونصابُه عندَهُ عشرة أفراقٍ، كل فرق ستة عشرَ رطلًا عَراقيةً، سواءٌ أخذه من أرضِ العشرِ أو غيرِها. والعشريةُ: ما أسلمَ أهلُها عليها؛ كالمدينةِ ونحوهِا، وما اختطَّه المسلمون كالبصرة ونحوِها، وما صولح أهلُه على أنه لهم بخراج يُضْرَبُ عليهم؛ كأرضِ
(١) في "ن": "في".
(٢) في "ن": "نمو الزرع".
الأنعام 6:142
اليمنِ، وما فُتح عَنْوَةً وقُسم، كنصفِ خيبر، وما قطعه الخلفاءُ الراشدون من السوادِ إقطاعَ تمليكٍ.
واختلفوا هل تُضَمُّ الحنطةُ إلى الشعيرِ، والقطنياتُ بعضُها إلى بعضٍ في تكميل النصابِ؟ فأبو حنيفة على أصلِه في عدمِ اعتبارِ النصابِ، فيوجبُ الزكاةَ في قليلِه وكثيرِه، وقال مالكٌ: تُضَمُّ الحنطةُ إلى الشعير، والقطاني نوعٌ واحد يضمُّ بعضها إلى بعض، ويُخرج من كلِّ واحدٍ منها بحسابه، [وقال الشافعيُّ وأحمدٌ: لا يُضَمُّ جنس إلى آخرَ في تكميلِ النصاب] (١).
واختلفوا في الأرضِ الخراجيّة، وهي التي فُتحت عَنْوَةً، ولم تُقسمْ، وما جلا عنها أهلُها خوفًا منا، وما صُولِحوا على أنها لنا، ونقرُّها معهم بالخرَاج، هل يجتمعُ فيها العشرُ والخراجُ؟ فقال أبو حنيفةَ: لا يجتمعُ، وقالَ الثلاثةُ: يجتمع؛ لأنَّ الخراجَ في رقبتِها، والعشرَ في غَلَّتِها.
...
﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢)﴾.
[١٤٢] ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ﴾ أي: وأَنْشَأَ من الأنعام.
﴿حَمُولَةً﴾ وهي ما يُحمَلُ عليه من الإبلِ الكبارِ.
﴿وَفَرْشًا﴾ وهي الصغارُ من الإبلِ التي لا تحملُ، سميت بذلك للطافةِ أجسامِها، وقربِها من الفرشِ، وهي الأرضُ المستويةُ التي يطؤها الناس.
﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: مما أحلَّ لكم منه.
(١) ما بين معكوفتين سقط من "ن".
الأنعام 6:143
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ أي: لا تسلُكوا طريقَه في تحريمِ الحرثِ والأنعام. قرأ ابنُ عامر، والكسائيُّ، وقنبلٌ عن ابنِ كثيرٍ، وحفصٌ عن وعاصمٍ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ: (خُطُوَاتِ) بضمِّ الطاء، والباقون: بإسكانها (١).
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهرُ العداوةِ.
...
﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣)﴾.
[١٤٣] ثم بَيَّنَ الحَمولةَ والفرشَ فقال:
﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ أي: وأنشأَ من الأنعامِ ثمانيةَ أزواجٍ، أي: أعدادٍ، يريدُ: الذكرَ والأنثى، والعربُ تسمي الواحدَ: زوجًا، إذا كانَ لا ينفكُّ عن الآخرِ، أجملَها أولًا، ثم فَصلَها ثانيًا، فقال:
﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ الكبشَ والنعجةَ، وهي ذواتُ الصوفِ من الغنم.
﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ التيسُ والعنزُ، وهي ذواتُ الشعرِ من الغنم. قرأ أبو عمرو، ويعقوبُ، وابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ (الْمَعَز) بفتح العين، والباقون: بإسكانها (٢).
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢١٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٦، ٢٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٢٧).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٧١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٨)، =
الأنعام 6:144
﴿قُلْ﴾ يا محمدُ.
﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ عليكم، يعني: ذكرَ الضأنِ والمعزِ.
﴿أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ أي: أنثى الضأن والمعز.
﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وما حملَتْ إناثُ الجنسين، ذكرًا كان أو أنثى.
﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ فَسِّروا لي ما حَرَّمتم بتحقيق.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أَنَّ الله حَرَّمَ ذلك.
...
﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾.
[١٤٤] ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ والكلامُ في الإبلِ والبقرِ كما سبقَ في الضأنِ والمعز. وأجمعَ القراءُ على مدِّ (آلذَّكَرَيْنِ)؛ لأنها همزةُ استفهامٍ دخلَتْ على همزةِ الوصلِ؛ لتفرقَ بينَ الاستفهامِ والخبرِ، وأجمعوا على عدمِ تحقيقِها؛ لكونها همزةَ وصل، وهمزةُ الوصلِ لا تثبت إلا ابتداءً، وأجمعوا على تليينها، واختلفوا في كيفيته، فقال كثيرٌ منهم: تُبدلُ ألفًا خالصة، وقال آخرون: تسُهَّلُ بينَ بينَ. معنى الآية: إنكارُ أن الله حَرَّمَ شيئًا
= و"تفسير البغوي" (٢/ ٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٢٨).
الأنعام 6:145
من جنسَي الغنمِ والإبلِ والبقرِ، وذلك أنهم كانوا يحرِّمون ذكورَ الأنعامِ تارةً، وإناثَها تارةً، وأولادَها تارة، ويقولون: قد حَرَّمَها الله، فأنكرَ ذلك عليهم.
﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ الهمزةُ للإنكار، و (أم) بمعنى (بل)، المعنى: بل أكنتم حُضورًا.
﴿إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ التحريمِ، وهذا تجهيلٌ لهم، وتقدَّم اختلاف القراءِ في الهمزتين من (شُهَدَاءَ إِذْ) في سورة البقرة.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فنسبَ إليه تحريمَ ما لم يحرِّمْ.
﴿لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ والمرادُ: عَمْرُو بنُ لُحَيٍّ ومَنْ تبعَه.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
...
﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾.
[١٤٥] ثم بَيَّنَ أنَّ التحريم إنما يثبتُ بوحيِ اللهِ وشرعِه، فقال:
﴿قُلْ﴾ يا محمد:
﴿لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ شيئًا.
﴿مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ﴾ آكلٍ.
﴿يَطْعَمُهُ﴾ يأكلُه.
﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ الحرامُ والمحرَّمُ: هو الممنوعُ عنهُ، وحكمُه ما يأثم بفعله، ويثاب على تركه بنيةِ التقربِ إلى الله تعالى، قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ عامر (تكون) بالتاء على التأنيث (ميتةٌ) رفع، أي: إلا أن تقع ميتة، وأبو جعفر على أصله في تشديد الياء. وقرأ ابنُ كثيرٍ، وحمزةُ: (تَكُونَ) بالتأنيث (مَيْتةً) نصبٌ على تقديرِ اسم مؤنثٍ؛ أي: إلا أن تكونَ النفسُ أو الجثةُ ميتةً، وقرأ الباقونَ: بالياء على التذكير (ميتةً) نصبٌ؛ يعني: إلا أن يكونَ المطعومُ ميتةً (١).
﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ مصبوبًا.
﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ حرامٌ.
﴿أَوْ فِسْقًا﴾ عطف على ﴿لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾، وما بينهما اعتراض للتعليل.
﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ذُبح على غيرُ اسمِ الله، وسُمي ما ذُبح على غير اسم الله فسقًا؛ لتوغُّله في الفسقِ.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ إلى أكلِ شيءٍ من هذه المحرماتِ، فأكلَ.
﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ على مضطرٍ مثلِه.
﴿وَلَا عَادٍ﴾ قدرَ الضرورةِ.
﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لا يُؤاخذه. وتقدَّم اختلاف القراء في قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ ومذاهبُ الأئمةِ في حكمِ أكلِ الميتةِ في سورةِ البقرةِ عندَ تفسيرِ قولهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة: ١٧٣].
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٠٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢١٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٣٠).
الأنعام 6:146
﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾.
[١٤٦] ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا﴾ يعني: اليهودَ.
﴿حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ وهو ما ليسَ بمفرقِ الأصابعِ؛ كالبطِّ، والإبلِ، والنعامِ، وقيلَ: كلُّ ذي مخلبٍ من الطيرِ، وحافرٍ من الدواب، لما ذكرَ الله عَزَّ وَجَلَّ ما حرَّمَ على أمةِ محمدٍ - ﷺ -، عَقَّبَهُ بذكرِ ما حَرَّمَ على اليهودِ تكذيبًا لهم في قولهم: إنَّ الله لم يحرمْ علينا شيئًا، وإنما نحنُ حَرَّمنا على أنفسِنا ما حرَّمه إسرائيلُ على نفسِه، وهذا التحريمُ تكليفُ بلوى وعقوبةٍ، فأولُ ما ذكرَ من المحرماتِ عليهم: كلُّ ذي ظفرٍ.
﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ وهي الثروبُ، وشحمُ الكليتين.
﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ أي: ما علقَ بالظهرِ والجنبِ من داخلِ بطونهما. قرأ أبو عمرو، وحمزةُ، والكسائيُّ، وورشٌ، وابنُ عامرٍ، وخلفٌ: (حَمَلَت ظُّهُورُهُمَا) وشبهَه بإدغامِ التاء في الظاء، والباقون: بالإظهار (١).
﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ وهي المصارينُ.
﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ هو شحمُ الألية؛ لما فيها من العظم، هذا كله
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٢٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٢٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٣١).
الأنعام 6:147
دخلَ في الاستثناءِ، والتحريم مختصٌّ بالثربِ وشحمِ الكلية.
﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ﴾ أي: تحريمُ الطيباتِ عقوبةٌ لهم.
﴿بِبَغْيِهِمْ﴾ بسببِ ظلِمهم؛ لأنها كانت حلالًا لهم، فلما عَصَوا بقتلِهم الأنبياءَ، وأخذِهم (١) الربا، واستحلالِ أموالِ الناسِ، حُرِّمَتْ عليهم.
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما أخبرنا.
...
﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾.
[١٤٧] ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ فيما جئتَ به.
﴿فَقُلْ﴾ استعطافًا لهم.
﴿رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ حيثُ لم يعاجلْكم بالعقوبةِ.
﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ عقابُه.
﴿عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ حينَ ينزلُ.
...
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾.
(١) في "ن" و"ظ": "وأخذ".
الأنعام 6:148
[١٤٨] ثم أخبر عما هم قائلوه بعدَ لزومِ الحجةِ لهم، فقال:
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ من قبلُ.
﴿وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ من البَحائرِ والسوائبِ وغيرِها، فكأنهم جعلوا إقامتَهم على الشركِ وتحريمَهم ذلك بمشيئةِ الله، ولم يقولوا هذا القولَ تعظيمًا، بلْ سخريةً واستهزاءً وهم مكذِّبون.
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كهذا التكذيبِ الذي كذبوكَ.
﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأممِ الخاليةِ أنبياءَهم.
﴿حتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ عذابَنا المنزلَ عليهم.
﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ﴾ حجَّةٍ أو دليلٍ على صحةِ دعواكم.
﴿فَتُخْرِجُوهُ﴾ فتُظْهِروه.
﴿لَنَا﴾ ليثبتَ ما تدَّعونَ من الشركِ والتحريمِ.
﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ من غيرِ علمٍ.
﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ تكذِبون.
...
﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾
[١٤٩] ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ التامَّةُ على خلقِه بالكتابِ والرسول.
﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ولكنْ شاءَ هدايةَ قومٍ وضلالَ آخرين، فيه دليلٌ على أنه لم يشأْ إيمانَ الكافرِ، ولو شاءَ، لهداه.
***
الأنعام 6:150
﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾.
[١٥٠] ﴿قُلْ هَلُمَّ﴾ كلمة دعوةٍ إلى شيءٍ؛ أي: أَحْضِروا.
﴿شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ﴾ لكم.
﴿أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ الذي حَرَّمتموه.
﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ كاذِبينَ.
﴿فَلَا تَشْهَدْ﴾ يا محمدُ.
﴿مَعَهُمْ﴾ لا تصدِّقْهم، فهذا أمرٌ له - ﷺ -، والمرادُ غيرُه.
﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ يشركون.
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾.
[١٥١] ولما سألوه وقالوا: ما الذي حرم الله تعالى؟ فقال تعالى:
﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ من العُلُوِّ، وأصلُها أن يقولَها مَنْ هو بمكانٍ عالٍ لمن هو بمكانٍ أخفضَ منه، فاتُّسِعَ فيه بالتعميم، المعنى: جيئوا. ﴿أَتْلُ﴾ أقرأ.
﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ عليكم يقينًا لا ظنًّا كما تزعمون.
﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ أي: الزموا تركَ الإشراك، وداوموا على الإِسلام.
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أي: وأحسنوا بهم إحسانًا.
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ فقرٍ.
﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ أي: لا تئِدُوا بناتِكم خشيةَ العَيْلَة، وكان منهم مَنْ يفعلُ ذلكَ بالإناثِ والذكورِ خشيةَ الفقرِ.
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يعني: العلانية.
﴿وَمَا بَطَنَ﴾ يعني: السرَّ، وكان أهلُ الجاهليةِ يستقبحون الزنا في العلانية، ولا يَرَون به بأسًا في السر، فحَرَّمه اللهُ سرًّا وعلانية.
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ كقتلِ رِدَّةٍ وقصاصٍ أو رجمٍ.
﴿ذَلِكُمْ﴾ الذي ذكرتُ.
﴿وَصَّاكُمْ﴾ أَمَرَكم.
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ترشدُون.
...
{وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا
الأنعام 6:152
وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)}.
[١٥٢] ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: بما فيه صلاحُه.
﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ الحلمَ، والأشدُّ جمعُ شَدٍّ، وهو استحكامُ قوةِ شبابهِ، وفي الكلامِ حذفٌ؛ أي: فإذا بلغَ أشدَّه، وأُويسَ رشدُه، فادفعوا إليه مالَه، وتقدَّمَ اختلاف الأئمةِ في حكمِ (١) البلوغِ والرشدِ في سورةِ النساءِ عندَ تفسيرِ قولي تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦].
﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدلِ.
﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي: طاقتَها، المعنى: لِمَ نكلِّف المعطيَ أكثرَ مما وجبَ عليه، ولا نكلِّفُ صاحبَ الحقِّ الرِّضا بأقلَّ من حقَّهِ.
﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ فاصدُقوا في الحكمِ والشهادةِ.
﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ولو كانَ المقولُ لهُ أو عليه من ذَوي قرابتِكم.
﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ عامٌّ في جميعِ ما عهدَه اللهُ إلى عباده.
﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ تتعظون. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وحفصٌ، وخلفٌ: (تَذْكُرُونَ) بالتخفيف على حذف إحدى التاءين، والباقون: بالتشديدِ حيثُ وقع (٢).
(١) "حكم" ساقطة من "ن".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٧٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٧٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٣٢).
الأنعام 6:153
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾.
[١٥٣] ﴿وَأَنَّ هَذَا﴾ الذي وُصِّيتُم به.
﴿صِرَاطِي﴾ طريقي.
﴿مُسْتَقِيمًا﴾ مستويًا، ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَإِنَّ هَذَا) بكسرِ الألفِ على الاستئناف، وقرأ الباقونَ بفتحِ الألفِ، تقديرُه: ولأن هذا صراطي مستقيمًا، وقرأ ابنُ عامرٍ بسكونِ النونِ، وفتحِ الياءِ من (صِرَاطِيَ) وافقه يعقوبُ في إسكانِ النونِ (١)، واختلف راوياه، فقرأ رويسٌ (سِرَاطِي) بالسين (٢)، وروح: بالصاد.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ الطرقَ المختلفةَ في الأديانِ.
﴿فَتَفَرَّقَ﴾ تشتتَ.
﴿بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ دينه الذي ارتضى. قرأ البزيُّ عن ابنِ كثيرٍ: (فَتَّفَرَقَ) بتشديدِ التاء، والباقون: بالتخفيف (٣).
﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الضلالَ.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٧٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٨٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٣٣).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٧٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٣٤).
(٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٢٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٣٥).
الأنعام 6:154
﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)﴾.
[١٥٤] ﴿ثُمَّ﴾ أي: ثم أخبرُكم أنا.
﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ يعني: التوراةَ.
﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ أي: إتمامًا للنعمةِ عليه؛ لإحسانه في الطاعة.
﴿وَتَفْصِيلًا﴾ بيانًا.
﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاجُ إليه من شرائعِ الدينِ.
﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ هذا في صفةِ التوراة.
﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ كي يؤمنوا بالبعث.
...
﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾.
[١٥٥] ﴿وَهَذَا﴾ يعني: القرآن.
﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ كثيرُ النفعِ.
﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ واعملوا بما فيه.
﴿وَاتَّقُوا﴾ وأطيعوا.
﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ باتِّباعِه والعملِ به.
...
﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦)﴾.
الأنعام 6:156
[١٥٦] ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ لِئَلَّا تقولوا:
﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ يعني: اليهود والنصارى.
﴿وَإِنْ﴾ أي: وقدْ.
﴿كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ﴾ قراءتهم.
﴿لَغَافِلِينَ﴾ لا نعلمُ ما هي.
...
﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)﴾.
[١٥٧] ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ وقد كان جماعةٌ من الكفارِ قالوا: لو أُنزل علينا ما أُنزل على اليهودِ والنصارى، لَكُنَّا خيرًا منهم، قال الله تعالى:
﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ حُجَّةٌ واضحةٌ بالغةٌ تعرفونها.
﴿وَهُدًى﴾ بيانٌ.
﴿وَرَحْمَةٌ﴾ نعمةٌ لمن اتبعه، وهو محمد - ﷺ -.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ﴾ أعرضَ.
﴿عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ﴾ بشدَّتِهِ.
﴿بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ يُعْرِضون.
***
الأنعام 6:158
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾.
[١٥٨] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينتظرون بعدَ تكذيبِهم الرسلَ، وإنكارِهم القرآنَ.
﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ لقبضِ أرواحِهم. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (يَأْتِيَهُمُ) بالياء على التذكير، والباقون: بالتاء على التأنيث (١).
﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ هذا من المتشابِه الذي لا يعلمُ تأويلَه إلا اللهُ.
﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ طلوعُ الشمسِ من مَغْرِبِها.
﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: لا ينفُعُهم الإيمانُ عندَ ظهورِ الآيةِ التي تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ.
﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا﴾ السابقِ لظهورِ الآياتِ.
﴿خَيْرًا﴾ توبةً.
﴿قُلِ انْتَظِرُوا﴾ يا أهلَ مكةَ.
﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ وعيدٌ لهم، قال - ﷺ -: "ثَلاَثٌ إِذَا خَرَجْنَ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ: الدَّجَّالُ، والدَّابّةُ، وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ" (٢).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٤٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٨٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٣٧).
(٢) رواه مسلم (١٥٨)، كتاب: الإيمان، باب: بيان الزمن الذي لا يقبل فيه =
الأنعام 6:159
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾.
[١٥٩] ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ أي: جعلوا دينَ إبراهيمَ أديانًا مختلفة، فتهوَّدَ قومٌ، وتنَصَّرَ قومٌ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، (فَارَقُوا) بالألف؛ أي: خرجوا من دينهم وتركوه، وقرأ الباقون: بغير ألف مشدَّدًا على المعنى الأول (١).
﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ صاروا فِرَقًا مختلفةً.
﴿لَسْتَ مِنْهُمْ﴾ أي: لستَ منَ السؤالِ عنهم.
﴿فِي شَيْءٍ﴾ والآيةُ منسوخةٌ بآيةِ القتالِ.
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ يتولَّى جزاءهم.
﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ إذا وَرَدوا القيامةَ.
...
﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾.
[١٦٠] ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ أي: عشرُ حسناتٍ فَضْلًا من الله. قرأ يعقوبُ: (عَشْر) منونٌ (أَمْثَالُهَا) رفع على الوصفِ؛ أي: فله
= الإيمان، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٧٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٨٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٣٨).
الأنعام 6:161
حسناتٌ عشرٌ أمثالُها، وقرأ الباقون: بغير تنوين، وخفضِ (أَمْثَالِهَا) على الإضافة، وحذفتِ الهاءُ من (عَشْر) لتأنيثِ الأمثالِ في المعنى؛ لأن مثلَ الحسنةِ حسنةٌ (١).
﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ بنقصِ الثوابِ، وزيادةِ العقابِ.
...
﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾.
[١٦١] ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بالوحْيِ والإرشادِ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ: (هَدَانِي) بالإمالة (٢)، وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو: (رَبِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٣).
﴿دِينًا قِيَمًا﴾ منصوبًا بِمُضْمَرٍ؛ أي: عَرَّفَني دينًا. قرأ الكوفيون، وابنُ عامرٍ: بكسر القافِ وفتحِ الياء خفيفة، والباقون: بفتح القافِ وكسر الياءِ مشددةً، ومعناهما: المستقيم (٤).
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٨٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٢٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٣٨).
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٢٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٣٩).
(٣) كما تقدم. وانظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٧٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٣٩).
(٤) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٧٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٨)، =
الأنعام 6:162
﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ بدلٌ من دينًا. قرأ هشامٌ عن ابنِ عامرٍ: (أَبْرَاهَامَ) بألف (١).
﴿حَنِيفًا﴾ حال من إبراهيمَ.
﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ نفيٌ للنقيصةِ عنه - ﷺ -.
...
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢)﴾.
[١٦٢] ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ يعني: الذبيحةَ في الحجَ والعمرةِ.
﴿وَمَحْيَايَ﴾ قرأ أبو جعفرٍ، وورش بخلافٍ عن الثاني: (مَحْيَايْ) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (٢)، وقرأ الدوريُّ عن الكسائيِّ: (مَحْيَايَ) بالإمالةِ (٣).
﴿وَمَمَاتِي﴾ قرأ نافع، وأبو جعفرٍ: بفتح الياء، والباقون بإسكانها (٤).
﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: هو يُحييني ويُميتني.
...
= و"تفسير البغوي" (٢/ ٨٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٣٩).
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٢٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٤٠).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٧٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٨٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٤٠).
(٣) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٢٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٤١).
(٤) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٧٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٤١).
الأنعام 6:163
﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾.
[١٦٣] ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ هو خالصةً له، لا أشركُ فيها غيرَه.
﴿وَبِذَلِكَ﴾ بالإخلاصِ.
﴿أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ من هذه الأمة؛ لأن كلَّ نبيٍّ إِسلامُه يتقدَّمُ على إسلامِ أمته. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (وَأَنا أَوَّلُ) بالمدِّ (١).
...
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾.
[١٦٤] ولما قالَ المشركونَ للنبيِّ - ﷺ -: ارجعْ إلى ديننا، فنزل:
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وما سواهُ مربوبٌ مثلي لا يصلُحُ للربوبية. ولما قالَ الوليدُ بنُ المغيرةِ: اتّبعوني أحملْ أوزارَكُم، نزلَ:
﴿وَلَا تَكْسِبُ﴾ لا تجني.
﴿كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ إلا كانَ الإثمُ على الجاني.
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ لا تحملُ حاملةٌ حملَ غيرِها، وأصلُ الوزرِ: الثِّقلُ.
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾ يومَ القيامةِ.
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٢٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٢١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٤١).
الأنعام 6:165
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ فيعلِمُكم.
﴿بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ بتمييزِ المحقِّ من المبطلِ.
...
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾.
[١٦٥] ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ جمعُ خليفةٍ، وهي النيابةُ عن الغيرِ؛ لأنَّ النبيَّ - ﷺ - خاتمُ الأنبياء، فخلفتْ أمتهُ سائرَ الأممِ بأنْ سكنوا الأرضَ بعدهم.
﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ في الخلقِ والرزقِ والعلمِ والدينِ.
﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ليختبرَكُم.
﴿فِي مَا آتَاكُمْ﴾ من المالِ وغيرِه؛ ليظهر لكم منكم المطيعُ من العاصي.
﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ لمن عصاه، ووصفَ العقابَ بالسرعةِ؛ لأن ما هو آتٍ قريبٌ.
﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن تابَ وأطاعَهُ، والله أعلمُ.
***