فتح الرحمن في تفسير القرآن — الزلزلة 99:1 – الناس 114:3
المحتويات
- الزلزلة 99:1
- الزلزلة 99:5
- الزلزلة 99:8
- العاديات 100:1
- العاديات 100:3
- العاديات 100:7
- العاديات 100:11
- القارعة 101:1
- القارعة 101:4
- القارعة 101:8
- التكاثر 102:1
- التكاثر 102:3
- التكاثر 102:7
- العصر 103:1
- الهمزة 104:1
- الهمزة 104:3
- الهمزة 104:6
- الفيل 105:1
- الفيل 105:5
- قريش 106:1
- قريش 106:3
- قريش 106:4
- الماعون 107:1
- الماعون 107:3
- الكوثر 108:1
- الكوثر 108:3
- الكافرون 109:1
- الكافرون 109:2
- الكافرون 109:6
- النصر 110:1
- النصر 110:3
- المسد 111:1
- المسد 111:2
- المسد 111:4
- الإخلاص 112:1
- الإخلاص 112:3
- الإخلاص 112:4
- الفلق 113:1
- الفلق 113:2
- الفلق 113:5
- الناس 114:1
- الناس 114:3
الزلزلة 99:1
سورة الزلزلة
مدنية، وقيل: مكية، وآيها: ثماني آيات، وحروفها: مئة وخمسة وخمسون حرفًا، وكلمها: خمس وثلاثون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾.
[١] ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ حُرِّكَت ﴿الْأَرْضُ﴾ بعنف لقيام الساعة ﴿زِلْزَالَهَا﴾ تحريكَها الشديد.
...
﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾.
[٢] ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ موتاها وكنوزها، فتُلقيها على ظهرها.
...
﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣)﴾.
[٣] ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ﴾ الكافر ﴿مَا لَهَا﴾ زلزلت حتى أخرجت ما فيها؟!
...
﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾.
[٤] ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل من (إِذَا)، والعامل في (إِذَا) جوابها، وهو:
الزلزلة 99:5
﴿تُحَدِّثُ﴾ الخلقَ ﴿أَخْبَارَهَا﴾ بأن تشهد بعمل العاملين عليها، فتشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها؛ بأن تقول: عمل (١) كذا وكذا يوم كذا وكذا.
...
﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾.
[٥] ﴿بِأَنَّ﴾ أي: تحدث بسبب أنَّ ﴿رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ أمرها بأن تخبر بما عليها.
...
﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦)﴾.
[٦] ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل من (يَوْمَئِذٍ) قبلُ ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ﴾ ينصرفون من موقف الحساب بعد العرض. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، ورويس عن يعقوب: (يَصْدُرُ) بإشمام الصاد الزاي (٢) ﴿أَشْتَاتًا﴾ فرقًا مختلفين، فالمؤمنون إلى الجنة، والكافرون إلى النار، ونصبه على الحال.
﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: جزاءها، واللام في (لِيُرَوْا) متعلقة بـ (يَصْدُرُ).
...
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾.
[٧] ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ وزنَ نملةٍ صغيرة ﴿خَيْرًا يَرَهُ﴾.
(١) "عمل" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٢١١).
الزلزلة 99:8
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾.
[٨] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ فيرى الخير كلَّه من كان مؤمنا، والكافر لا يرى في الآخرة خيرًا؛ لأنّ خيره قد عجل له في دنياه، وكذلك المؤمن أيضًا تعجل له سيئاته الصغائر في دنياه (١) في المصائب والأمراض ونحوها. قرأ هشام عن ابن عامر: (يَرَهْ) بإسكان الهاء في الحرفين، وروي عن أبي جعفر ثلاثة أوجه: الإسكان كهشام، واختلاس الضمة، وإشباعها، وروي عن يعقوب: الاختلاس والصلة، وقرأ الباقون: بالإشباع في الصلة (٢).
وروي أنّه كان بالمدينة رجلان، أحدُهما لا يبالي عن الصغائر يرتكبها، وكان الآخر يريد أن يتصدق، فلا يجد إِلَّا اليسير فيستحيي من الصَّدقة، فنزلت الآية فيهما؛ كأنّه يقال لأحدهما: تصدَّقْ باليسير؛ فإن مثقال ذرة الخير يُرى، وقيل للآخر: كف عن الصغائر؛ فإن مثقال ذرة الشر يُرى (٣)، والله أعلم.
* * *
(١) "في دنياه" ساقطة من "ت".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٩٤)، و"الكشف" لمكي (٢/ ٣٨٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣١١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٢١٢).
(٣) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٦٦٧)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٥١٢)، و"تفسير القرطبي" (٢٠/ ١٥١).
العاديات 100:1
سُوْرَةُ العَادِيَات
مختلف فيها كالتي قبلها، وآيها: إحدى عشرة آية، وحروفها: مئة وثمانية وستون حرفًا، وكلمها: أربعون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾.
[١] ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ هي خيل الغزاة؛ لأنّها تعدو بالفرسان ﴿ضَبْحًا﴾ وهو صوت أنفاسها عند العدو، ونصبها مصدر.
روي أن رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - بعث خيلًا إلى بني كنانة سرية، فأبطأ أمرها حتّى أرجف بهم بعضُ المنافقين، فنزلت الآية معلمة أن خيله - صلّى الله عليه وسلم - قد فعلت جميع ما في الآيات (١).
* * *
﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾.
[٢] ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ الخيل توري النارَ بحوافرها إذا سارت في الحجارة.
(١) انظر: "تفسير القرطبي" (٢٠/ ١٥٥).
العاديات 100:3
﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾.
[٣] ﴿فَالْمُغِيرَاتِ﴾ غاراتها (١) ﴿صُبْحًا﴾ الخيل تغير بفرسانها على العدو عند الصباح. قرأ أبو عمرو، وخلاد عن حمزة: بإدغام التاء في ضاد (ضَبْحًا)، وصاد (صُبحًا)، والباقون: بكسر التاء وإظهارها (٢).
* * *
﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾.
[٤] ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ أي: هَيَّجْنَ ﴿بِهِ﴾ بمكان سيرهن ﴿نَقْعًا﴾ غبارًا.
* * *
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾.
[٥] ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ دخلنَ به وسطَ جمع العدو، والفاء للعطف؛ أي: واللاتي عَدَوْنَ فأوريْنَ فأغرْنَ فأثرْنَ فوسطْنَ، وجواب القسم:
* * *
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾.
[٦] ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُود﴾ لكفورٌ لنعم الله.
عن رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - أنّه قال: "هل تدرون ما الكنودُ؟ قالوا: لا يا رسولَ الله، قال: هو الكفورُ الّذي يأكلُ وحده، ويمنعُ رِفْدَه، ويضرِبُ
(١) في "ت": "ظرفها".
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٢١٥).
العاديات 100:7
عبدَه" (١)، وقد يكون في المؤمنين الكفورُ بالنعمة، فتقدير الآية: إنَّ الإنسان لنعمة ربه لكنود، وأرضٌ كنودٌ: لا تنبت شيئًا (٢)، ويقال للبخيل: كنود.
* * *
﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾.
[٧] ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: الإنسانَ ﴿عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ أي: شاهدٌ على نفسه بذلك.
* * *
﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾.
[٨] ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ المال ﴿لَشَدِيدٌ﴾ أي: لشديدُ الحبِّ له.
* * *
﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾.
[٩] ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ﴾ هو قُلِبَ وأُخْرِج ﴿مَا فِي الْقُبُورِ﴾ توقيف على المآل والمصير؛ أي: أفلا يعلم مآلَه فيستعدَّ له؟ وهذه عبارة عن البعث.
* * *
﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠)﴾.
[١٠] ﴿وَحُصِّلَ﴾ أُظْهِر ﴿مَا فِي الصُّدُورِ﴾ وكُشف؛ ليقع الجزاء عليه.
(١) رواه الطّبريّ في "تفسيره" (٣٠/ ٢٧٨)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٧٧٧٨)، وغيرهما من حديث أبي أمامة رضي الله عنه. وإسناده انظر: "علل الحديث" لابن أبي حاتم (٢/ ٧٨)، و"المجروحين" لابن حبّان (١/ ٢١٢).
(٢) "شيئًا" زيادة من "ت".
العاديات 100:11
قال - صلّى الله عليه وسلم -: "يُبْعثون على نِيَّاتهم" (١).
* * *
﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾.
[١١] ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ وهو تعالى خبير دائمًا، ولكن خصص يومئذ؛ لأنّه يوم المجازاة، وفي هذا وعيد مصرح، وجمع الكناية؛ لأنّ الإنسان اسم جنس، والله أعلم.
* * *
(١) رواه البخاريّ (٢٠١٢)، كتاب: البيوع، باب: ما ذكر في الأسواق، ومسلم (٢٨٨٤)، كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: الخسف بالجيش الّذي يؤم البيت، من حديث عائشة رضي الله عنها.
القارعة 101:1
سُوْرَةُ الْقَارِعَةُ
مكية، وآيها: عشر آيات، وحروفها: مئة وستون حرفًا، وكلمها: ست وثلاثون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الْقَارِعَةُ (١)﴾.
[١] ﴿الْقَارِعَةُ﴾ هي القيامة نفسُها؛ لأنّها تقرع القلوبَ بهولها.
* * *
﴿مَا الْقَارِعَةُ (٢)﴾.
[٢] ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾ تهويل وتعظيم لأمرها.
* * *
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣)﴾.
[٣] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ الكلام في ذلك وفي إعرابه كما تقدّم في (الحاقة).
* * *
القارعة 101:4
﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤)﴾.
[٤] ﴿يَوْمَ﴾ ظرفٌ العامل فيه: القارعةُ ﴿يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ﴾ شبه البعوض الّتي تراها تتهافت في النّار ﴿الْمَبْثُوثِ﴾ المفرَّق، شبهوا به؛ لكثرتهم وانتشارهم واختلاطهم بعضِهم ببعض عند البعث.
* * *
﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾.
[٥] ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ كالصوف (١) ﴿الْمَنْفُوشِ﴾ والنفشُ (٢): خلخلة الأجزاء وتفريقُها عن تراصِّها.
* * *
﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦)﴾.
[٦] ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ رَجَحَتْ بالحسنات، وميزان القيامة بعمود وكِفَّتين؛ ليبين الله أمرَ العباد بما عدوه، ويتيقنوه، وجمعت الموازين للإنسان؛ لما كانت له موزونات كثيرة متغايرة.
* * *
﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧)﴾.
[٧] ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ أي: مرضية في الجنَّة.
* * *
(١) "كالصوف" زيادة من "ت".
(٢) "والنفس" زيادة من "ت".
القارعة 101:8
﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨)﴾.
[٨] ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ بعدم الحسنات.
* * *
﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾.
[٩] ﴿فَأُمُّهُ﴾ أي: مسكنه ﴿هَاوِيَةٌ﴾ اسمٌ من أسماء جهنم، وهي المهواة.
* * *
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾.
[١٠] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ المعنى: أيُّ شيء أعلمك ما الهاوية؟ قرأ حمزة، ويعقوب: (مَا هِيَ) بغير هاء في الوصل، وقرأ الباقون: بالهاء في الحالين؛ لثبوتها في المصحف، ونقلها، والهاء للسكت (١).
* * *
﴿نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾.
[١١] ثمّ فسر (الهاويةَ) فقال: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ شديدة الحرارة، والله أعلم.
* * *
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٢٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٢٢٢).
التكاثر 102:1
سُوْرَةُ التَّكَاثُرُ
مكية، وآيها: ثماني آيات، وحروفها: مئة وتسعة عشر حرفًا، وكلمها: ثمان وعشرون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾.
[١] ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ شَغَلَكم ﴿التَّكَاثُرُ﴾ المباهاةُ والمفاخرة بكثرة الأموال والرجال عن طاعة الله.
* * *
﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾.
[٢] ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ فَعَدَدْتم قبور موتاكم، وذلك أن جماعة تفاخروا، فتعادُّوا الأحياء والأموال، وزاروا القبور فتعادُّوا الأموات تفاخرًا، فنزلت (١)، وهذا خبر فيه تقريع وتوبيخ، وقيل: معنى (حَتَّى زُرْتُمُ) يعني: متُّم ودُفنتم في المقابر.
* * *
(١) انظر: "البحر المحيط" لأبي حيان (٨/ ٥٠٥).
التكاثر 102:3
﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
[٣] ﴿كَلَّا﴾ زجرًا؛ أي: ليس الأمر بالتكاثر ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبةَ تفاخركم إذا حل بكم الموت.
* * *
﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾.
[٤] ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ كَرَّرَ الوعيدَ ثانيًا (١) تأكيدًا.
* * *
﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)﴾.
[٥] ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ﴾ الأمرِ ﴿الْيَقِينِ﴾ وجواب (لَو) محذوف، تقديره: لو تعلمون ماذا يُفعل بكم يوم القيامة علمَ يقين لا شك فيه، لشغلكم عن التفاخر والتكاثر.
* * *
﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾.
[٦] ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ القسمُ مضمر فيه، معناه: والله لَتَرَوُنَّ. قرأ ابن عامر، والكسائي: (لَتُرَوُنَّ) بضم التاء مجهولًا من أَريتُه الشيء (٢). وقرأ الباقون: بفتح التاء (٣)، وهي الأرجح؛ أي: ترونها بأبصاركم عن بعيد (٤).
(١) "ثانيًا" ساقطة من "ت".
(٢) "الشيء" ساقطة من "ت".
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٩٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٥)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٦٧٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٢٢٥).
(٤) "عن بعيد" زيادة من "ت".
التكاثر 102:7
﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧)﴾.
[٧] ثمّ كرر الرؤية تهويلًا لشأنها، فقال: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ الرؤية الّتي هي نفس اليقين بالمشاهدة، وذلك حين يؤتى بالصراط، فينصب بين جسري جهنم.
* * *
﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾.
[٨] ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ﴾ أيها النَّاس ﴿يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ في الدنيا.
روي أنّها خمس: شبع بطن، وبارد الشراب، ولذة النوم، وظلال المساكن، واعتدال الخلق (١).
وأكلَ رسولُ الله - صلّى الله عليه وسلم - هو وبعض أصحابه رُطَبًا، وشربوا عليه ماءً، فقال لهم: "هذا من النعيم الّذي تُسألونَ عنه" (٢)، والله أعلم.
* * *
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (١٠/ ٢٨١).
(٢) رواه النسائي (٣٦٣٩)، كتاب: الوصايا، باب: قضاء الدِّين قبل الميراث، والترمذي (٢٣٦٩)، كتاب: الزهد، باب: ما جاء في معيشة أصحاب النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم -، وقال: حسن صحيح، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
العصر 103:1
سُوْرَةُ العَصْر
مكية، وآيها: ثلاث آيات، وحروفها: أحد وسبعون حرفًا، وكلمها: أربع عشرة كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالْعَصْرِ (١)﴾
[١] ﴿وَالْعَصْرِ﴾ هو الدهر، وقيل: هو ما بعد الزَّوال إلى الغروب.
* * *
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾.
[٢] وجواب القسم: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ اسمُ جنس ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ نقصانٍ وسوءِ حال، والمراد: الكافرُ العاملُ بغير طاعة الله؛ لأنّه استثنى بعده المؤمنين.
* * *
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾.
[٣] فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ أي: أوصى بعضهم بعضًا بالإقامة على التوحيد والإيمان ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ على الطّاعة، وعن المعصية، فليسوا في خسران.
وخطب ابن عبّاس -رضي الله عنهما- على المنبر فقال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾: أبو جهل، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أبو بكر، وعملوا الصالحات: عمر، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾: عثمان، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾: علي رضي الله عنهم" (١)، والله أعلم.
* * *
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (١٠/ ٢٨٤)، و"تفسير القرطبي" (٢٠/ ١٨٠).
الهمزة 104:1
سُوْرَةُ الهُمَزَة
مكية، وآيها: تسع آيات، وحروفها: مئة وثلاثون حرفًا، وكلمها: ثلاث وثلاثون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾.
[١] ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ يعم الشرَّ والحزن، وقيل: هو اسم واد في جهنم.
﴿لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ هو العَيَّابُ الطَّعَّان.
﴿لُمَزَةٍ﴾ بمعنى الأوّل، وأصل الهمز: الكسر، واللمز: الطعن، والمعنى: أنّه يكسر من أعراض المسلمين، ويطعن في أنسابهم، والهاء فيهما للمبالغة، نزلت فيمن كان يغتاب النّبيّ - ﷺ - والمؤمنين ويقع.
* * *
﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢)﴾.
[٢] ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا﴾ قرأ أبو جعفر، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وروح عن يعقوب: (جَمَّعَ) بتشديد الميم، والباقون: بتخفيفها (١).
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٢٥)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٦٨٢)، و"النشر في =
الهمزة 104:3
﴿وَعَدَّدَهُ﴾ أحصاه، وجعله عُدَّةً لحوادث الدهر.
* * *
﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣)﴾.
[٣] ﴿يَحْسَبُ﴾ لجهلهِ ﴿أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ في الدنيا، فلا يموت. قرأ أبو جعفر، وابن عامر، وعاصم (١)، وحمزة: (يَحْسَبُ) بفتح السين، والباقون: بكسرها (٢).
* * *
﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤)﴾.
[٤] ﴿كَلَّا﴾ ردٌّ له عن حسبانه، ثمّ ابتدأ مقسمًا، تقديره: والله ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ لَيُطْرَحَنَّ.
﴿فِي الْحُطَمَةِ﴾ من أسماء جهنم؛ لأنّها تحطم كلّ ما ألقي فيها؛ أي: تكسره.
* * *
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥)﴾.
[٥] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ ما النّار الّتي لها هذه الخاصية؟
= القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٤٠٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٢٣٣ - ٢٣٤).
(١) "وعاصم" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٤٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٢٣٤).
الهمزة 104:6
﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾.
[٦] ثمّ عظَّم شأنّها وأخبر أنّها ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ المسعَّرة (١).
* * *
﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)﴾.
[٧] ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ﴾ تُشْرِف ﴿عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ بإطلاع الله إياها، فتدخل في أجوافهم فتحرقها، فتكون أشدَّ لعذابهم؛ لأنّ الفؤاد محل العقائد والنيات.
* * *
﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾.
[٨] ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ تقدَّم تفسيره واختلاف القراء فيه آخر سورة البلد.
* * *
﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾.
[٩] ﴿فِي عَمَدٍ﴾ جمع عمود. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: بضم العين والميم، والباقون: بفتحهما (٢) ﴿مُمَدَّدَةٍ﴾ مطوَّلة، فتكون أرسخ من القصيرة.
(١) في "ت": "العسرة".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٩٧)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٥)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٦٨٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٢٣٥). قال ابن عبّاس: "أدخلهم في عمد، ومدت عليهم بعماد، في أعناقهم السلاسل، وسدت عليهم بها الأبواب؛ استيثاقًا على استيثاق، وزيادة في العذاب" (١)، والله أعلم.
* * *
(١) رواه الطّبريّ في "تفسيره" (٣٠/ ٢٩٥). وانظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٦٨٢ - ٦٨٣)، و"الكشاف" للزمخشري (٤/ ٨٠٣). سُوْرَةُ الفِيْل
مكية، وآيها: خمس آيات، وحروفها: سبعة وتسعون حرفًا، وكلمها: ثلاث وعشرون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
روي أن الحبشة ملكوا اليمن بعد حِمْيَر، فلما صار الملك إلى أبرهة منهم، وكان نائب النجاشي بصنعاء، بنى كنيسة عظيمة، وقصد أن يصرِف حجَّ العرب إليها، ويُبطل الكعبة الحرام، فجاء شخص من العرب وأحدث في تلك الكنيسة، فغضب أبرهة لذلك، وسار بجيشه ومعه الفيل، وهي فيل النجاشي بعثه إليه بسؤاله، وكان فيلًا لم يُر مثلُه عِظَمًا وجسمًا وقوة، وكان يقال له: محمود، قصد مكّة ليهدم الكعبة، فلما وصل إلى الطائف، بعث الأسودَ بنَ مقصود إلى مكّة، فساق أموال أهلها، وأحضرها إلى أبرهة، وأرسل أبرهة إلى قريش، فقال لهم: لستُ أقصد الحرب، بل جئت لأهدم الكعبة، فقال عبد المطلب: والله ما نريدُ حربه، هذا بيت الله، فإن منع عنه، فهو بيته وحرمه، وإن خلَّى بينه وبينه، فو الله ما عندنا مِن دفع، ثمّ انطلق مع رسول أبرهة إليه، فلما استأذن على عبد المطلب، قالوا لأبرهة: هذا سيد قريش، فأذن له أبرهة وأكرمه، ونزل عن سريره وجلس معه، وسأله عن حاجته، فذكر عبد المطلب أباعِرَه الّتي أُخذت له، فقال له أبرهة؛ إنِّي كنت أظن أنك تطلب مني أن لا أخرب الكعبةَ الّتي هي دينُك، فقال عبد المطلب: أنا ربُّ الأباعر فأطلبُها، وللبيت ربٌّ يمنعه، فأمر أبرهة بردِّ الأباعر عليه، فأخذها عبد المطلب وانصرف إلى قريش، ولما قرب أبرهة من مكّة، وتهيأ لدخولها بجيوشه، ومقدمها الفيل، بقي كلما قَبَّل فيلَه مكّة، ينام ويرمي نفسه إلى الأرض، ولم يسر، فإذا قبَّلوه غيرَ مكّة، قام يهرول.
وبينما هم كذلك، إذ أَرسل عليهم طيرًا أبابيل أمثالَ الخطاطيف، مع كلّ طائر ثلاثة أحجار في منقاره ورجليه، فقذفتهم بها، وهي مثل الحِمِّص والعَدَس، فلم تصب منهم أحدًا إِلَّا هلك، وليس كلَّهم أصابت، ثمّ أرسل الله تعالى سيلًا، فألقاهم في البحر، والذي سلم منهم ولَّى هاربًا مع أبرهة إلى اليمن يتبدر الطريق، وصاروا يتساقطون بكل مَنْهَل، وأصيب أبرهة في جسده، وسقطت أعضاؤه، ووصل إلى صنعاء كذلك ومات، ولما وقع ذلك، خرجت قريش إلى منازلهم، وغنموا من أموالهم شيئًا كثيرًا، وكان هذا عام مولد النّبيّ - ﷺ - في نصف المحرم، وولد - ﷺ - في شهر ربيع الأوّل، فبين الفيل وبين مولده الشريف خمس وخمسون ليلة، وهي سنة ستة آلاف ومئة وثلَاث وستين من هبوط آدم -عليه السّلام- على حكم التوراة اليونانية المعتمدة عند المؤرخين، وبين قصة الفيل والهجرة الشريفة النبوية ثلاث وخمسون سنة (١).
* * *
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٦٨٨).
الفيل 105:1
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾.
[١] قال الله تعالى مُعَجِّبًا من قصتهم، مخاطبًا نبيه - ﷺ -: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي: تعلم ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ نُسبوا إليه؛ لأنه كان مقدَّمهم.
* * *
﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢)﴾.
[٢] ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ﴾ مكرَهم فيما أرادوا من تخريب الكعبة.
﴿فِي تَضْلِيلٍ﴾ تضييع وإبطال.
* * *
﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣)﴾.
[٣] ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا﴾ لها خراطيمُ كخراطيم الطير، وأَكُفُّ كأكفِّ الكلاب، وكانت سودًا ﴿أَبَابِيلَ﴾ جماعات في تفرقة يتبع بعضُها بعضًا.
* * *
﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤)﴾.
[٤] ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ أَي: الطيرُ ﴿بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيل﴾ طينٍ مطبوخ بالنار، فصاحت الطيور، ورمتهم بالحجارة، وبعث الله ريحًا فضربت الحجارة، فزادتها شدة، فما وقع حجر على رجل إِلَّا خرج من الجانب الآخر، وإن وقع على رأسه خرج من دبره.
* * *
الفيل 105:5
﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾.
[٥] ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ﴾ ورق الزرع، وهو التبن ﴿مَأْكُولٍ﴾ أكلته الدواب فراثَتْه فيبس وتفرقت أجزاؤه، شبه تقطع أوصالهم تفرق أجزاء الروث، والله أعلم.
* * *
قريش 106:1
سُوْرَةُ قُرَيْش
مكية، وآيها: أربع آيات، وحروفها: أربعة وستون حرفًا، وكلمها: سبع عشرة كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾.
[١] ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ اللام متصلة بما قبلها، والمعنى: فجعلهم كعصف؛ أي: أهلك الله أصحاب الفيل؛ لتتألف قريش، ويؤيده أنّهما في مصحف أبي بن كعب سورة واحدة. (لإِلَافِ) بهمزة مكسورة بعد اللام من غير ياء بعد الهمزة مثل: لِعِلاف مصدر أَلِفَ ثلاثيًّا، يقال: ألف الرَّجل إلفًا وَإِلافًا، وقرأ أبو جعفر: (لِيْلَافِ) بياء ساكنة من غير همز على وزن دينار، وقرأ الباقون: بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة على وزن لِعِيلاف.
* * *
﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢)﴾.
[٢] ﴿إِيلَافِهِمْ﴾ بدل من لإيلاف، قرأ أبو جعفر: (إِلَافِهِمْ) بهمزة مكسورة من غير ياء على وزن عِلافِهم، ووجهها أن تكون مصدرَ ثلاثي؛
قريش 106:3
كقراءة ابن عامر الأوّل، وقرأ الباقون: (إِيلَافِهِمْ) بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة على وزن عِيلافهم (١).
﴿رِحْلَةَ﴾ نصب بـ (إِيَلافِهِمْ) مفعول به، أصل الرحلة: السير على الراحلة، ثمّ استعمل لكل سير، المعنى: أهلك أصحاب الفيل؛ لتبقى قريش وما ألفوا من رحلة.
﴿الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ لئلا يقدم أحد على أذاهم إذا سافروا، وكان لهم رحلتان: في الشتاء إلى اليمن، لأنّه أدفأ، وفي الصيف إلى الشّام للتجارة، وسائر أغراضهم يستعينون بها على المقام بمكة، وسموا قريشًا تشبيهًا لدابة تكون في البحر يقال لها: قرش، تقهر دواب البحر، وتأكلهم ولا تؤكل، وتعلو ولا تُعلى، فشبهوا بها لشدتهم ومنعتهم، وقريش من ولد النضر بن كنانة، ومن لم يلده، فليس بقرشي، فمعنى الآية: لأنّ فعل الله بقريش هذا، ومكَّنهم من الفهم هذه النعمة.
* * *
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣)﴾.
[٣] ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ وذكرُ البيت هنا متمكن؛ لتقدم حمايته في السورة قبلُ.
* * *
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٢٥)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٦٩١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٤٠٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٢٤٣).
قريش 106:4
﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾.
[٤] ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ لأنّهم قاطنون بواد غير ذي زرع، عرضة للجوع والجدب لولا لطف الله تعالى.
﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ فجعلهم بحرمة البيت مفضَّلين على العرب، يأمنون والناس خائفون، ولولا فضل الله تعالى في ذلك، لكانوا بمدرج المخاوف، وقيل: أمنهم من خوف الجذام، فلا يصيبهم جذام ببلدهم، والله أعلم.
* * *
الماعون 107:1
سُوْرَةُ الْمَاعُون
مكية، وقيل: مدنية، وقيل: نصفها مكي ونصفها مدني، وآيها: سبع آيات، وحروفها: مئة واثنا عشر حرفًا، وكلمها: خمس وعشرون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١)﴾.
[١] ﴿أَرَأَيْتَ﴾ المعنى: هل عرفت ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ أي: بالجزاء والحساب. قرأ نافع، وأبو جعفر: (أَرَأَيْتَ) بتسهيل الهمزة الثّانية بين بين، وقرأ الكسائي: بحذفها، والباقون: بتحقيقها (١)، المعنى: إن لم تعرفه.
* * *
﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢)﴾.
[٢] ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ يدفعه عن حقه بعنف؛ لأنّهم ما كانوا يورِّثون الصغار.
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٧ - ٣٩٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٤٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٢٤٩).
الماعون 107:3
﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣)﴾.
[٣] ﴿وَلَا يَحُضُّ﴾ نفسَه ولا غيرَه ﴿عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ وتقدم الكلام عليه في سورة الفجر.
* * *
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾.
[٤] ﴿فَوَيْلٌ﴾ تقدّم تفسيره في أول (الهُمَزَة) ﴿لِلْمُصَلِّينَ﴾.
* * *
﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾.
[٥] ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ مؤخِّروها عن وقتها.
* * *
﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾.
[٦] ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ هم المنافقون، يتركون الصّلاة إذا غابوا عن النَّاس، ويصلونها إذا حضروا.
* * *
﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾.
[٧] ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ الزكاةَ المفروضةَ، وقيل عاريَّةَ المتاع.
واتفق الأئمة على عدم جواز تأخير الصّلاة عن وقتها لمن وجبت عليه بغير عذر.
واتفقوا على أن من جحد وجوبها كفر، وقُتل مرتدًا، ومن تركها تهاونًا وكسلًا، دُعي إلى فعلها، فإن أبي، فعند أبي حنيفة يحبس أبدًا حتّى يصلّي، وقيل: يضرب حتّى يسيل الدِّم، وعند الثّلاثة: يقتل.
واختلفوا، فقال أحمد: يقتل كفرًا، وقال مالك والشّافعيّ: يقتل حدًّا.
ووقت قتله عند الشّافعيّ: إذا ضاق وقت الصّلاة الأولى، وأخرجها عن وقت الضّرورة، وعند أحمد: إذا ترك صلاة، وتضايق وقت الّتي بعدها، وعند مالك: لا يرخص له بتأخيرها عن وقتها، فإن أتى بها، وإلا قتل.
وأمّا الزَّكاة إذا منعها جاحدًا وجوبَها وهو جاهل؛ كحديث إسلام ونحوه، عُرِّفَ وبُصِّر، فإن لم يُقر، قُتل كفرًا بعد استتابته بالاتفاق.
واختلفوا فيمن منعها بخلًا أو تهاونًا، فقال أبو حنيفة: يأخذها الإمام كرهًا، ويضعها موضَعها، وقال مالك والشّافعيّ: يُعَزَّر، وتؤخذ منه، وافقهما أحمد، وقال: إنَّ غيب ماله، أو كتمه، ولم يمكن أخذها، استُتيب ثلاثة أيّام، فإن تاب وأخرج، وإلا قتل حدًّا، والقتل من مفردات مذهبه؛ خلافًا للثلاثة، والله أعلم.
الكوثر 108:1
سُوْرَةُ الكَوْثْر
مكية، وآيها: ثلاث آيات، وحروفها: اثنان وأربعون حرفًا، وكلمها: عشر كلمات.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾.
[١] ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ اسم نهر في الجنَّة.
روى أنس: "أن رسول الله - ﷺ - أغفى إغفاءة، ثمّ رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أُنزلت علي آنفًا سورة، وقرأها، ثمّ قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنّه نهر وَعَدَنيه ربي، هو حوضي ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيتُه عددُ النجوم، فيختلج العبدُ منهم، فأقول: ربِّ إنّه مني، فيقول: ما تدري ما أحدثَ بعدَك" (١).
* * *
﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾.
[٢] ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ صلاة العيد يوم النَّحر، وتقدم الكلام على صلاة
(١) رواه مسلم (٤٠٠)، كتاب: الصّلاة، باب: حجة من قال: البسملة آية من أول كل سورة سوى براءة.
الكوثر 108:3
العيدين والخلاف فيهما في سورة البقرة.
﴿وَانْحَرْ﴾ البدن بمنى، وقيل: إنَّ ناسًا كانوا يصلون لغير الله، وينحرون لغير الله، فأمر الله نبيه أن يصلّي وينحر لله تعالى.
وتقدم في سورة الحجِّ حكم الأضحية، والمجزئ منها، والأفضل، واختلاف الأئمة في ذلك، وفي ذبح الكتابي لها، وغير ذلك من أحكامها.
وأمّا وقت الأضحية، فأوله عند أبي حنيفة: طلوع الفجر يوم النَّحر، إِلَّا أن أهل المصر لا يضحون قبل صلاة العيد، بخلاف أهل القرى، وعند مالك: بعد الصّلاة والخطبة، ولا يجوز لأحد أن يذبح قبل الإمام متعمدًا إن كان الإمام ممّن يظهر النَّحر، وإلا فلينحر النَّاس وقتَ ذبحه، أو ذبح أقرب أئمة البلدان إليهم، وعند الشّافعيّ: وقتها إذا طلعت الشّمس يوم النَّحر، ثمّ مضى قدرُ ركعتين وخطبتين خفيفتين، وعند أحمد: يوم العيد بعد الصّلاة أو قدرها، وأيام النَّحر عند الشّافعيّ: يوم النَّحر، وأيام التّشريق الثّلاثة، وعند الأئمة الثّلاثة: يوم النَّحر، ويومان من أيّام التّشريق.
* * *
﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾.
[٣] ﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾ مبغضك. قرأ أبو جعفر: (شَانِيكَ) بياء مفتوحة، والباقون: بالهمز (١) ﴿هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ الأقلُّ الأذلُّ.
روي أن العاص بن وائل كان إذا ذُكر رسول الله - ﷺ - قال: دعوه؛ فإنّه
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٢٥٣). رجل أبتر لا عقبَ له، فإذا هلك، انقطع ذكره، فأنزل الله السورة (١).
وكوثر بناء مبالغة من الكثر، ولا محالة أن الّذي أعطى الله نبيه - ﷺ - من النبوة والحكمة والعلم بربه، والفوز برضوانه، والشرف على عباده، هو أكثر الأشياء وأعظمها، فكأنّه يقال في الآية: إنا أعطيناك الحظَّ الأعظمَ، والله أعلم.
* * *
(١) رواه ابن إسحاق في "السيرة" (٥/ ٢٥٢)، عن يزيد بن رومان. وروى الطّبريّ في "تفسيره" (٣٠/ ٣٢٩) عن قتادة وابن زيد نحوه.
الكافرون 109:1
سُوْرَةُ الكَافِرون
مكية، وآيها: ست آيات، وحروفها: أربعة وتسعون حرفًا، وكلمها: ست وعشرون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾.
[١] ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ سبب نزولها أن جماعة من المشركين قالوا للنبي - ﷺ -: اعبد آلهتنا سنة، ونعبدُ ربك سنة، فقال: "معاذَ الله أن أشرك به غيره"، قال: فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد آلهك، فقال: "حتّى أنظر ما يأتي من ربي"، فأنزل الله السورة، فغدا رسول الله - ﷺ - إلى المسجد الحرام، وفيه الملأ من قريش، فقام على رؤوسهم، ثمّ قرأها عليهم حتّى فرغ من السورة، فأيسوا منه عند ذلك، وآذْوه وأصحابَه (٢).
* * *
(١) وتسمى هي والإخلاص: المقشقشتان؛ أي: المبرئتان من النفاق.
(٢) رواه الطّبريّ في "تفسيره" (٣٠/ ٣٣١)، والطبراني في "المعجم الصغير" (٧٥١)، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما.
الكافرون 109:2
﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾.
[٢] ومعنى ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ لا أعبد الأصنام الّتي تعبدون.
* * *
﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾.
[٣] ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ هو الله -عَزَّ وَجَلَّ-؛ لإشراككم به، واتخاذكم معه الأصنام، فإن زعمتم أنكم تعبدونه، فأنتم كاذبون؛ لأنكم تعبدونه مشركين به.
* * *
﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤)﴾.
[٤] ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ و (ما) هنا مصدرية، وكذا في الّذي بعده؛ أي: لا أعبد مثل عبادتكم.
* * *
﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)﴾.
[٥] ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: لا تعبدون مثلَ عبادتي الّتي هي توحيد، تلخيصه: أنّه - ﷺ - نفى أن يكون على مثل حالهم، أو يكونوا على مثل حاله، وهذا التّرتيب ليس بتكرار، بل هو بارع الفصاحة، وفيه التأكيد والإبلاغ. قرأ هشام عن ابن عامر: (عَابِدٌ) و (عَابِدُونَ) في الحرفين بالإمالة، والباقون: بالفتح (١).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٩٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٤٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٢٥٧).
الكافرون 109:6
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾.
[٦] ثمّ زاد الأمرَ بيانًا وتبرؤًا منهم بقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ الشركُ.
﴿وَلِيَ دِينِ﴾ الإسلامُ. قرأ نافع، وهشام، وحفص، والبزي بخلاف عنه: (وَلِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١)، وقرأ يعقوب: (دِينِي) بإثبات الياء في الحالين، والباقون: بحذفها فيهما (٢)، وفي هذه الألفاظ مهادنة ما، وهي منسوخة بآية القتال، والله أعلم.
* * *
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٢٥)، و "تفسير البغوي" (٤/ ٧٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٢٥٧).
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٤٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٢٥٧). سُوْرَةُ النَّصْر
مدنية، وآيها: ثلاث آيات، وحروفها: تسعة وسبعون حرفًا، وكلمها: تسع عشرة كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لما صالح رسول الله - ﷺ - قريشًا عام الحديبية على وضع الحرب على النَّاس عشر سنين كما تقدّم في سورة الفتح، دخل بنو بكر بن عبد مناف في عقد قريش، ودخل بنو خزاعة في عهد رسول الله - ﷺ -، وكانت بينهما حروب في الجاهلية، فعدَتْ بنو بكر على خزاعة، وهم على ماء لهم بأسفل مكّة يقال له: الوتير، وتظاهرت قريش مع بني بكر، وأعانوهم بالرجال والسلاح بعد أن وعدوهم، ووافوهم متنكرين، فبيتوا خزاعة ليلًا، فقتلوا منهم عشرين، ثمّ ندمت قريش على ما فعلوا، وعلموا أن هذا نقض العهد الّذي بينهم وبين رسول الله - ﷺ -، وخرج عمرو بن سالم الخزاعي في طائفة من قومه، فقدموا على رسول الله - ﷺ - مستعينين به، فوقف عمرو عليه وهو جالس في المسجد، وأنشده أبياتًا يسأله أن ينصره، فقال رسول الله - ﷺ -: "نُصِرْت يا عَمْرَو بنَ سالمِ"، ثمّ قدم بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة على النّبيّ - ﷺ -، وأخبره، فقال: "كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم يشد العقد، ويزيد في المدة"، فكان كذلك، ثمّ قدم أبو سفيان المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة أم المؤمنين زوجِ رسول الله - ﷺ -، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله - ﷺ -، طَوَتْه عنه، فقال: ما أدري أرغبتِ بي عن هذا الفراش، أم رغبتِ به عني؟ قالت: بل هو فِراشُ رسول الله - ﷺ -، وأنت رجل مشرك نجس، قال: والله لقد أصابك بعدي يا بنية شر.
ثمّ خرج وأتى النبيَّ - ﷺ -، فكلمه، فلم يردَّ عليه شيئًا، فذهب إلى أبي بكر، ثمّ إلى عمر، ثمّ إلى علي -رضي الله عنهم- على أن يكلموا النّبي - ﷺ - في أمره، وتشفَّع بهم، فلم يفعلوا، فقال لعلي: يا أبا الحسن! إنِّي أرى الأمور قد اشتدت علي، فانصحني، قال: والله لا أعلم شيئًا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين النَّاس، والحقْ بأرضك، قال: أو ترى ذلك يغني عني شيئًا؟ قال: لا والله ما أظن، ولكن لا أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها النَّاس! إنِّي قد أجرتُ بين النَّاس، ثمّ ركب بعيره وانطلق.
فلما قدم على قريش، قالوا: ما وراءك؟ فقص شأنه، وأنّه قد (١) أجار بين النَّاس، قالوا: فهل أجاز محمّد ذلك؟ قال: لا، قالوا: والله إنَّ زاد الرَّجل على أن لعب بك.
ثمّ أمر رسولُ الله - ﷺ - بالجهاد، وأمر أهله أن يجهزوه، ثمّ أعلم النَّاس أنّه يريد مكّة، وقال: "اللَّهُمَّ خُذِ العيونَ والأخبارَ عن قريش حتّى نَبْغَتَهم في بلادهم"، ثمّ مضى رسول الله - ﷺ - لسفره، واستخلف على المدينة كلثوم بن الحصين الغفاري، فخرج لعشرة مضين من شهر رمضان، ومعه المهاجرون والأنصار، وطوائف من العرب، فكان جيشه عشرة آلاف، فصام وصام
(١) "قد" زيادة من "ت". النَّاس معه، حتّى إذا كان بالكديد، وهو الماء الّذي بين قديد، أفطرَ، وبلغ ذلك قريشًا، فخرج أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار، وكان العباس -رضي الله عنه- أسلم قديمًا، وكان يكتم إسلامه، فخرج بعياله مهاجرًا، فلقي رسولَ الله - ﷺ - بالجحفة، أو بذي الحليفة.
ثمّ حضر أبو سفيان على يدي العباس إلى النّبيّ - ﷺ - بعد أن أستأمن له، فأسلم هو وحكيم وبديل، وممن أسلم يوم الفتح: معاوية بن أبي سفيان، وأخوه يزيد، وأمه هند بنت عتبة، وكان معاوية يقول: إنّه أسلم يوم الحديبية، فكتم إسلامه من أبيه وأمه، وقال العباس: يا رسول الله! إنَّ أبا سفيان يحب الفخر، فاجعل له شيئًا يكون في قومه فقال: "مَنْ دخلَ دارَ أبي سفيانَ فهو آمِن، ومن دخلَ المسجدَ فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمنٌ، ومن دخلَ دارَ حكيمِ بنِ حزام فهو آمنٌ".
ثمّ أمر رسول الله - ﷺ - أن تُركز رايةُ سعد بن عبادة بالحجون لما بلغه أنّه قال: اليومَ يومُ الملحمة، اليومَ تُستحل الكعبة، فقال: "كذبَ سعدٌ، ولكن هذا يوم يعظِّمُ اللهُ فيه الكعبةَ، ويومٌ تُكْسى فيه الكعبة"، وأمر خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكّة من كداء في بعض النَّاس، وكل هؤلاء الجنود لم يقاتلوا؛ لأنّ النّبيّ - ﷺ - نهى عن القتال؛ إِلَّا أن خالد بن الوليد لقيه جماعة من قريش، فرموه بالنبل، ومنعوه من الدخول، فقاتلهم خالد، فقُتل من المشركين ثمانية وعشرون رجلًا، فلما ظهر النّبيّ - ﷺ - على ذلك، قال: "ألم أَنْهَهُ عن القتال؟ "، فقالوا له: إنَّ خالدًا قوتل فقاتل، وقُتل من المسلمين رجلان، ودخل النّبيّ - ﷺ - من كداء على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح، يُرَجِّع. وكان فتح مكّة يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان سنة ثمان من الهجرة الشريفة، وأقام رسول الله - ﷺ - بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصّلاة، ثمّ خرج إلى هوازن وثقيف، وتقدم اختلاف الأئمة في حكم فتحها، هل هو صلح أو عَنوة؟ وحكمُ بيع دورها في سورة الحجِّ.
ولما دخل رسول الله - ﷺ - مكّة، كان على الكعبة ثلاث مئة وستون صنمًا، قد شد لهم إبليس أقدامها بالرصاص، فجاء ومعه قضيب، فجعل يومي إلى كلّ صنم منها، فيخرُّ لوجهه، فيقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، حتّى مر عليها كلِّها، وكان على رأسه - ﷺ - عِمامة سوداء، فوقف على باب الكعبة وقال: "لا إلهَ إِلَّا اللهُ وحدَه، صدقَ وعدَه، ونصرَ عبدَه، وهزمَ الأحزابَ وحدَه، ألَّا إنَّ كلّ مأثورة أو دم أو مال يُدَّعى فهو تحت قدميَّ هاتين، إِلَّا سدانةَ الكعبة، وسقايةَ الحاج"، ثمّ قال: "يا معشر قريش! ما ترون أني فاعل بكم؟ "، قالوا جميعًا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم، فقال: "أقول كما قال أخي يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ الآية [يوسف: ٩٢]، ثمّ قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، فأعتقهم رسول الله - ﷺ -، ثمّ طاف بالبيت سبعًا على راحلته، واستلم الركن بمِحْجَن كان في يده، ودخل الكعبة، ورأى فيها الشخوص على سورة الملائكة، وصورةَ إبراهيم (١) وفي يده الأزلامُ يستقسم بها، فقال: "قاتَلَهُمُ الله! جعلوا شيخنا يستقسِمُ بالأزلام، ما شأنُ إبراهيمَ والأزلام؟! "، ثمّ أمر بتلك الصور فطُمست، وصلَّى في البيت، ثمّ جلس على الصفا، وعمرُ بنُ الخطّاب أسفلَ منه يأخذ على النَّاس، وبات النَّاس على السمع والطاعة لله ورسوله،
(١) من قوله: "وتعلو ولا تعلى" (ص: ٤٣٩) إلى هنا سقط من "ش".
النصر 110:1
فبايع الرجال ثمّ النِّساء، ولما جاء وقت الظهر، أذن بلال -رضي الله عنه- على ظهر الكعبة، وقام علي -رضي الله عنه- ومفتاح الكعبة في يده فقال: يا رسولَ الله! اجمع لنا الحجابةَ مع السقاية صلَّى الله عليك، فقال - ﷺ -: "أين عثمانُ بنُ طلحة؟ "، فدُعي له، فقال: "هاكَ مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بِرٍّ ووفاء، وقال: خذوها تالدةً خالدةً، لا ينزِعُها منكم إِلَّا ظالم، يا عثمان! إنَّ الله استأمنكم على بيته، فكلوا ممّا يصلُ إليكم من هذا البيت بالمعروف" (١).
* * *
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾.
[١] قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ﴾ لكَ يا محمدُ على من عاداك وناوأك ﴿وَالْفَتْحُ﴾ هو فتح مكّة والطائف ومدن الحجاز وكثير من اليمن.
* * *
﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾.
[٢] ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ نصب على الحال من فاعل (يَدْخُلُونَ) أي: جماعات متفرقة؛ لأنّه - ﷺ - لما فتح مكّة، جاءه العرب من أقطار العرب طائعين بعد أن كانوا يدخلون واحدًا واحدًا، واثنين اثنين، وما مات - ﷺ - وفي بلاد العرب كلها موضع لم يدخله الإسلام.
* * *
(١) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (٥/ ٤٢)، و"الثقات" لابن حبّان (٢/ ٣٢)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٧٠٥ - ٧٠٧).
النصر 110:3
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾.
[٣] ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ فتعجب لتيسير الله ما لم يخطر ببال أحد، حامدًا له عليه ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ ترجية عظيمة للمستغفرين.
﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ لمن استغفر، فإنك حينئذ (١) لاحق به، وذائق الموت كما ذاق مَنْ قبلك من الرسل، وعند الكمال يُترقب الزَّوال.
قال ابن عبّاس -رضي الله عنهما-: "لما نزلت هذه السورة، علم النّبيّ - ﷺ - أنّه قد نُعيت إليه نفسه" (٢)، وكان - ﷺ - بعد نزولها يكثر من قول: سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله وأتوب إليه (٣)، فعاش بعدها سنتين، لم يُرَ ضاحكًا مستبشرًا (٤)، وحج - ﷺ - فنزل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فعاش أحدًا وثمانين يومًا، فنزل: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، فعاش خمسين يومًا، فنزل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، فعاش خمسة وثلاثين يومًا، فنزل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، فعاش أحدًا وعشرين يومًا، وتوفي - ﷺ - يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأوّل، وفرغ من جهازه يوم الثلاثاء، ودفن ليلة الأربعاء في سنة إحدى عشرة من الهجرة الشريفة، وكان مرضه ثلاث عشرة
(١) "حينئذ" ساقطة من "ت".
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١/ ٣٤٤). وروى البخاريّ (٤٦٨٥) من حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما نحوه.
(٣) رواه مسلم (٤٨٤)، كتاب: الصّلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٣٢١) عن مقاتل. ليلة، ودفن في الموضع الّذي توفاه الله فيه، وله ثلاث وستون سنة، ولم يترك درهمًا ولا دينارًا.
قال أنس بن مالك -رضي الله عنه-: "لما كانَ اليومُ الّذي دخلَ فيه رسولُ الله - ﷺ - يعني: المدينة أضاء منها كلُّ شيء، فلما كان اليوم الّذي مات فيه، أظلمَ منها كلُّ شيء - ﷺ -" (١) وشَرَّفَ وكَرَّم.
* * *
(١) رواه التّرمذيّ (٣٦١٨)، كتاب: المناقب، باب: في فضل النّبيّ - ﷺ -، وقال: صحيح، وابن ماجه (١٦٣١)، كتاب: الجنائز، باب: ذكر وفاته ودفنه - ﷺ -، وابن حبّان في "صحيحه" (٦٦٣٤)، وغيرهم.
المسد 111:1
سُوْرَةُ المَسَدْ
مكية، وآيها: خمس آيات، وحروفها: أحد وثمانون حرفًا، وكلمها: ثلاث وعشرون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾.
[١] ﴿تَبَّتْ﴾ أي: خسرت ﴿يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ أي: هو، أخبر عن يديه والمراد بهما: نفسُه؛ على عادة العرب في التعبير ببعض الشيء عن كله، وأسند ذلك إلى اليدين؛ من حيثُ اليدُ موضع الكسب والربح، وأبو لهب هو عبدُ العزى بنُ عبد المطلب، وهو عم النّبيّ - ﷺ -، وكني لشهرته بكنيته دون اسمه (١). قرأ ابن كثير: (لَهْبٍ) بإسكان الهاء، والباقون: بفتحها (٢)، وهما لغتان، ولا خلاف في الحرف الثّاني أنّه بالفتح.
(وَتَبَّ) فالأول دعاء، والثّاني خبرة كقولهم: أهلكه الله تعالى، وقد هلك.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٧٥١).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٧٠٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٥)، و"تفسير البغوى" (٤/ ٧١٥)، و "معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٢٦٥).
المسد 111:2
وسبب نزولها: لما دعا رسول الله - ﷺ - قومه إليه، وقال لهم: "إِنِّي نَذيرٌ لكم بينَ يَدَي عذابٍ شديدٍ"، قال أبو لهب: تبًّا لك، ألهذا دعوتنا (١)؟! وروي أنّه أخذ حجرًا ليرميه، فافترقوا عنه، فنزلت السورة (٢).
* * *
﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾.
[٢] ﴿مَا أَغْنَى﴾ (ما) نافية؛ أي: ما يغني ﴿عَنْهُ مَالُهُ﴾ أي: ما يدفع عنه عذابَ الله ما جمعَ من المال، وكان صاحب مواشي ﴿وَمَا﴾ أي: والذي ﴿كَسَبَ﴾ من عَرَض الدنيا من عقار ونحوه، وقيل: المراد بما كسب: بنوه، فكأنّه قال: ما أغنى عنه مالُه وولده.
وقال - ﷺ -: "خيرُ ما كَسَبَ الرَّجلُ من عملِ يدِه، وإن ولدَ الرجلِ من كَسْبِه" (٣).
* * *
﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣)﴾.
[٣] ثمّ أوعده بالنار فقال: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ صاحبةَ تلهُّب وتوقُّد.
(١) رواه البخاريّ (٤٦٨٧)، كتاب: التفسير، باب: تفسير سورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ من حديث ابن عبّاس.
(٢) انظر: "تفسير البيضاوي" (٥/ ٥٤٤).
(٣) كذا ساقه ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٥٣٤)، وعنه نقله المصنِّف رحمه الله. وقد رواه أبو داود (٣٥٢٨)، كتاب: الإجارة، باب: في الرَّجل يأكل من مال ولده، والنسائي (٤٤٤٩)، كتاب: البيوع، باب: الحث على الكسب، وابن ماجه (٢١٣٧)، كتاب: التجارات، باب: الحث على المكاسب، من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا بلفظ: "إنَّ أطيب ما أكل الرَّجل من كسبه، وولده من كسبه".
المسد 111:4
﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤)﴾.
[٤] وتعطف على ضمير ﴿سَيَصْلَى﴾ ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ أمُّ جميل بنتُ حرب أختُ أبي سفيان ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ أي: الخطايا.
وقال ابن عبّاس: كانت تجيء بالشوك، وتطرحه في طريق النّبيّ - ﷺ - وطريق أصحابه؛ لتعقرَهم بذلك، فسميت: حمالة الحطب. قرأ عاصم: (حَمَّالَةَ) بالنصب على الذم؛ كقوله: ﴿مَّلْعُوْنِيْنَ﴾، وقرأ الباقون: بالرفع (١)، وله وجهان: أحدهما: سيصلى هو وامرأتهُ حمالةُ الحطب، والثّاني: وامرأته حمالةُ الحطب في النّار أيضًا.
* * *
﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾.
[٥] ﴿فِي جِيدِهَا﴾ عنقها ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ سلسلة من حديد ذرعها سبعون ذراعًا، وأصله من المَسْد، وهو الفتل الشديد، فبينا هي ذات يوم حاملة حزمة، فأعيت (٢)، فقعدت على حجر تستريح، فأتاها ملَكٌ فجذبها من حلقها (٣)، فأهلكها الله (٤)، والله أعلم.
* * *
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٧٠٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٥)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٧١٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٢٦٦ - ٢٦٧).
(٢) "فأعيت" زيادة من "ت".
(٣) في "ت": "خلفها".
(٤) لفظ الجلالة "الله" لم يرد في "ت"، وانظر "تفسير الثعلبي" (١٠/ ٣٢٧).
الإخلاص 112:1
سُوْرَةُ الإخْلاص
مختلف فيها، وآيها: أربع آيات، وحروفها: سبعة وأربعون حرفًا، وكلمها: خمس عشرة كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾.
[١] عن أبي بن كعب -رضي الله عنه-: أن المشركين سألوا رسول الله - ﷺ - عن صفة الله (١) -سبحانه وتعالى عما يقول الكافرون (٢) -، فنزل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ﴾ (٣) (هو) ضمير الشأن ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ معناه: واحد فرد من جميع جهات الوحدانية، ليس كمثله شيء، وهو ابتداء، و (اللَّهُ) ابتداء ثان، و (أَحَدٌ) خبره، والجملة خبر الأوّل.
* * *
﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾.
[٢] ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ الّذي لا جوف له؛ لأنّه تعالى ليس بجسم
(١) في "ت": "نسب ربه".
(٢) في "ت": "الجاهلون".
(٣) انظر: "تفسير الثعالبي" (٤/ ٤٥٠)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٥٣٦).
الإخلاص 112:3
ولا مركب؛ لأنّه لو كان مركبًا، لكان له باطن، والصمد في كلام العرب: السَّيِّد الذي يُصمد إليه في الأمور، و (اللهُ الصَّمَدُ) ابتداء وخبر، والقراءة وصلًا (أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ) منونًا مكسورًا لالتقاء الساكنين، وكان أبو عمرو في أكثر الروايات عنه يسكت عند (هُوَ اللهُ أَحَد)، وزعم أن العرب لا تصل مثل هذا، وروي عنه أنّه قال: وصلُها قراءة موضوعة (١)، وروي عنه أنّه قال: أدركت القراء كذلك يقرؤونها (قُلْ هُوَ اللهُ أَحد)، وإن وصلت، نونت، وروي عنه أنّه قال: أحبُّ إليَّ إذا كان رأس آية أن يسكت عندها، وذلك لأنّ الآية منقطعة ممّا بعدها، مكتفية بمعناها، فهي فاصلة، وبها سميت آية، وأمّا وقفهم كلهم، فيسكتون على الدال (٢).
* * *
﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾.
[٣] ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ لعدم المجانسة؛ لأنّه لم يكن له من يجانسه فيتوالد (٣) ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ لأنّ كلّ مولود محدَثٌ وجسمٌ، وهو تعالى ليس بجسم ولا محدَث، وهو رد على إشارة الكفار في النسب الّذي سألوه.
* * *
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾.
[٤] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا﴾ خبر (كان)، وأسمها ﴿أَحَدٌ﴾ قرأ حفص عن عاصم: (كُفُوًا) بضم الفاء وفتح الواو من غير همز، وقرأ حمزة،
(١) في "ت": "محدثة".
(٢) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٥٣٦).
(٣) في "ت": "فيتوالد". ويعقوب، وخلف: بإسكان الفاء مع الهمز، وإذا وقف حمزة، أبدل الهمزة واوًا مفتوحة اتِّباعًا للخط، وقرأ الباقون: بضم الفاء مع الهمز (١)، وكلها لغات صحيحة، ومعناها: المثل، المعنى: لا أحد يكافئه، ولا يماثله في شيء ما، وقد احتوت هذه السورة على كلّ صفاته تعالى.
وقال رسول الله - ﷺ -: "إِنَّ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثلثَ القرآن" (٢)؛ لما فيها من التّوحيد، والله أعلم.
* * *
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٧٠٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٦)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٧٢٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٢٧٢).
(٢) رواه مسلم (٨١١)، كتب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، من حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه-.
الإخلاص 112:4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مُقَدّمَة التَّحقِيق
الحمد لله الذي أنزل على نبيه - ﷺ - الكتاب، فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢]، فنقلهم من الكفر والعَمَى، إلى الضياء والهدى، وبيَّن فيه ما أحلَّ؛ مَنًّا بالتوسعة على خلقه، وما حرَّم، لِمَا هو أعلم به من حظِّهم في الكف عنه في الآخرة والأولى.
وابتلى طاعتهم بأن تعبَّدهم بقول وعمل، وإمساك عن محارم حَمَاهُمُوها، وأثابهم على طاعته من الخلود في جنته، والنجاة من نقمته، ما عَظُمت به نعمتُه، جلَّ ثناؤه.
وأعلمهم ما أوجب على أهل معصيته من خلاف ما أوجب لأهل طاعته.
ووعظهم بالأخبار عمَّن كان قبلهم، ممن كان أكثرَ منهم أموالًا وأولادًا، وأطولَ أعمارًا، وأحمدَ آثارًا، فاستمتعوا بخَلاقهم في حياة دنياهم، فأذاقهم عند نزول قضائه مناياهم دون آمالهم، ونزلت بهم عقوبته عند انقضاء آجالهم، ليعتبروا في أُنُف الأَوان، ويتفهَّموا بجَلِيَّة التبيان، ويتنبَّهوا قبل رَيْن الغفلة، ويعلموا قبل انقطاع المدة، حين لا يُعْتِبُ مذنبٌ، ولا تُؤخذ فدية، و ﴿تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠].
فكلُّ ما أنزل في كتابه -جل ثناؤه- رحمة وحجة، عَلِمَه مَنْ عَلِمَه، وجَهِلَه مَنْ جَهِلَه، لا يَعْلَم مَنْ جَهِلَه، ولا يَجْهَلُ مَنْ عَلِمَه.
والناس في العلم طبقات، موقعهم من العلم بقدر درجاتهم في العلم به.
فَحُقَّ على طلبة العلم بلوغُ غايةِ جُهدهم في الاستكثار من علمه، والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله في استدراك علمه؛ نصًّا واستنباطًا، والرغبة إلى الله في العون عليه، فإنه لا يدرك خير إلا بعونه.
فإن من أدرك علم أحكام الله في كتابه نصًّا واستدلالًا، ووفَّقه الله للقول والعمل بما علم منه، فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفت عنه الرِّيَب، ونَوَّرت في قلبه الحكمةُ، واستوجب في الدين موضعَ الإمامة.
فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١].
وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤].
وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وقال: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَان وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)} [الشورى: ٥٢] (١).
ولمَّا كانت مقاصدُ القرآن ومعانيه ذاتَ أفانينَ كثيرة، قصد كلُّ واحد من المفسرين بعضَ تلك الأفنان، فنحا بعضُهم إلى آيات الأحكام، وبعضُهم إلى قصص القرآن التي اشتملت على أخبار الأمم والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبعضهم قصد نِكات علوم العربية من البلاغة والأدب وغيرهما.
وفي تضاعيف تفاسيرهم تجد ذكرَ مكيِّ القرآن ومدنيِّه، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، ومشكل القرآن ومتشابهه، وذكر مفرداته ومعانيها، وفقه الأئمة واختلافاتهم في تفسير الآيات، وذكر خلاف القراء أصحاب القراءات المشهورة، ودقائق اللغة والبلاغة، وذكر الآداب والقصص والأخبار، وغيرها.
والإمام مجير الدين العُلَيميُّ الحنبليُّ -رحمه الله- في تفسيره هذا "فتح الرحمن" قد كان له حظ وافر في كل فن من تلك الأفنان المذكورة:
* فقد اعتنى فيه -رحمه الله- بذكر القراءات، واختلاف القراء فيها، وتوجيهها، وذكر معانيها.
* وذكر فيه عقائدَ أهل السنَّة والجماعة على وجه مختصر مفيد.
* وسَرَد فيه فقهَ الأئمة الأربعة وفق متهج قويم، بعيدٍ عن التعصب والتقليد.
* واعتمد على الصحيح الراجح من أقوال المفسرين.
(١) من أول النص اقتباس من كتاب "الرسالة" للإمام الشافعي (ص: ١٧ - ٢٠). إلى غير ذلك مما سيُذْكَرُ في منهج المؤلف رحمه الله.
وبالجملة: فتفسير الإمام العليمي تفسيرٌ جليل يشبه تفسيرَ القاضي البيضاويِّ، كما قال الغَزِّيُّ -رحم الله الجميع-.
ويصفه العلَّامةُ ابنُ بدرانَ الحنبليُّ بأنه "تفسير متوسط، يذكر القراءات، وإذا جاءت مسألة فرعية ذكر أقوال الأئمة الأربعة فيها، وفيه فوائد لطيفة".
فالله يجزي مؤلفه خير الجزاء، ويثيبه أعظمَ النَّوال والعطاء.
هذا، وقد تمَّ لنا بفضل الله تعالى وكرمه الوقوف على أربع نسخ خطية للكتاب، خرج بها النصُّ -بحمد الله- صحيحًا مستقيمًا.
ثم تم التقديم للكتاب بفصلين؛ اشتمل أولهما على ترجمة للإمام العُليمي رحمه الله، وكان الآخر لدراسة الكتاب.
ثم ذُيِّل الكتاب بفهارس علمية متنوعة.
"فنسألُ اللهَ المبتديءَ لنا بنعمه قبلَ استحقاقها، المديمَها علينا، مع تقصيرِنا في الإتيان على ما أَوجب به من شكره بها، الجاعِلَنا في خير أُمَّةٍ أُخرجت للنَّاس، أن يرزُقَنا فهمًا في كتابه، ثم سنَّة نبيه، وقولًا وعملًا، يؤدِّي به عنَّا حقَّه، ويُوجب لنا نافلةَ مزيدهِ" (١).
هذا وصلى الله على نبيِّنا محمد، وآله وصحبه، والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات.
وَكَتَبَ
نور الدين طالب
دومة الحنابلة/ ١٤٣٠ هـ
(١) اقتباس من كلام الإمام الشافعي في كتابه "الرسالة" (ص: ١٩). الفصل الأول تَرْجَمةُ الإمَامِ العُليميّ المبحث الأَوَّل اسمهُ وَنَسبهُ وَوِلاَدتهُ، وَنَشأتهُ وَطَلبهُ لِلعِلْمِ
* اسمه ونسبه وولادته:
هو الإمام، المؤرخ، المفسر، الفقيه، القاضي، أبو اليمن، عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن يوسف العليمي (١)، العمري (٢)، مجير الدين، المقدسي، الحنبلي (٣).
ولد كما أخبر عن نفسه يوم الأحد، ثالث عشر ذي القعدة، سنة (٨٦٠ هـ) بالقدس الشريف (٤).
(١) العُلَيمي: بضم العين المهملة، وفتح اللام، وسكون الياء، وكسر الميم. نسبة إلى الشيخ علي بن عُلَيل، المشهور عند الناس بعلي بن عليم، والصحيح أنه عليل باللام، كذا في نسبه الثابت. انظر: "الأنس الجليل" للمؤلف (٢/ ٢٦٦)، و"المنهج الأحمد" له أيضًا (٥/ ٢٦٩).
(٢) نسبة إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-. وقد ذكر المؤلف -رحمه الله- سلسلة نسبة المتصلة بعمر -رضي الله عنه- في كتابيه: "الأنس الجليل" (٢/ ٢٦٦)، و"المنهج الأحمد" في (٥/ ٢٦٩).
(٣) أول من اشتغل بالعلم على هذا مذهب الإمام أحمد -رحمه الله- من أسرته هو والده الشيخ الإمام محمد بن عبد الرحمن، وكل أسلافه شافعية، لم يكن منهم من هو على مذهب الإمام أحمد سواه. انظر: "الأنس الجليل" (٢/ ٢٦٢)، و "المنهج الأحمد" (٥/ ٢٦٢).
(٤) انظر: "الأنس الجليل" للمؤلف (٢/ ١٨٩)، و"السحب الوابلة" لابن حميد (ص: ٥١٧). * نشأته وطلبه للعلم:
نشأ -رحمه الله- في حجر والده العلامة قاضي القضاة شمس الدين محمد بن عبد الرحمن، وتفقه عليه، وأخذ عنه جملة من العلوم النافعة (١).
وبدت عليه -رحمه الله- مخايل النجابة منذ الصغر؛ فقد حفظ: "ملحة الإعراب" للحريري، وعرضها على الشيخ محمد بن عبد الله القرمشندي، وله ست سنين (٢)، ثم حفظ القرآن وهو في العاشرة من عمره على الشيخ علاء الدين علي بن عبد الله الغزي، وكرر عليه ختم القرآن مرات كثيرة، وأحضره مجلس شيخه محمد بن موسي بن عمران في الحديث، واعتنى له بتحصيل الإجازة منه (٣).
ثم حفظ كلًّا من "المقنع"، و"الخرقي"، وعرضهما على علماء بلده؛ كالكمال بن أبي شريف، وأبي الأسباط أحمد بن عبد الرحمن الرملي، والنجم ابن جماعة، وغيرهم.
ودخل القاهرة سنة (٨٨٠ هـ) وأقام بها عشر سنين، وحل على شيخه القاضي بدر الدين السعدي، وتفقه به، وسمع الحديث على جماعة، منهم: الحافظ السخاوي، والقطب الخيضري، والجلال البكري، وغيرهم.
وولي قضاء القدس، وكان من أمثل القضاة فيها (٤)، والرملة، والخليل،
(١) انظر: "السحب الوابلة" لابن حميد (ص: ٥١٧)، و"النعت الأكمل" للغزي (ص: ٥٣).
(٢) انظر: "الأنس الجليل" (٢/ ١٨٩).
(٣) المرجع السابق، (٢/ ٢٣٧).
(٤) انظر: "السحب الوابلة" (ص: ٥١٦) نقلًا عن الحافظ السخاوي. ونابلس مدة إحدى وثلاثين سنة، لم يتخلل له منها عزل (١).
وقد حج سنة (٩٠٨ هـ)، وأقام بمكة نحو شهر، ملازمًا للتلاوة والعبادة، ثم انقطع بعد انفصاله عن القضاء بالمسجد الأقصى يدرس ويفتي ويؤلف (٢).
...
(١) إلا قضاء نابلس، فإنه تركه باختياره بعد سنتين.
(٢) انظر: "السحب الوابلة" (ص: ٥١٧ - ٥١٨). المبحث الثَّاني شُيُوخهُ
١ - والده الخطيب، الفقيه، المحدث، قاضي القضاة، شمس الدين، محمد بن عبد الرحمن بن محمد العمري العليمي.
ولد بمدينة الرملة سنة (٨٠٧ هـ)، وولي قضاءها سنة (٨٣٨ هـ)، ولم يعلم أن حنبليًّا قبله وليها في هذه الأزمنة، ثم ولي قضاء القدس، والخليل، وصفد، وباشر نيابة الحكم بدمشق، وكان صحيح الاعتقاد، متبعًا للسنة، ينكر على المبتدعة وينافرهم، ويصرح في خطه -في كثير مما يكتبه- بالتبرؤ إلى الله تعالى ممن يعتقد خلاف مذهب أهل السنة والجماعة، ولا يرى الكلام في علم الكلام، ويرى التسليم أسلم.
توفي بالطاعون سنة (٨٧٣ هـ) بالرملة (١).
٢ - شيخ الإسلام، حافظ العصر، كمال الدين، أبو المعالي، محمد بن محمد بن أبي بكر بن علي بن أبي شريف المقدسي، الشافعي.
قال المؤلف -رحمه الله-: عرضت عليه في حياة الوالد -رحمه الله- قطعة من كتاب "المقنع في الفقه" على مذهب الإمام أحمد -رضي الله
(١) انظر: "الأنس الجليل" (٢/ ٢٦٢)، و"المنهج الأحمد" (٥/ ٢٦٢)، و"الدر المنضد" (٢/ ٦٦٤) ثلاثتها للمؤلف -رحمه الله- ولم يُشِر فيها إلى أنه والده، وهو عجيب وقوعه عند المصنفين. وانظر: "السحب الوابلة" لابن حميد (ص: ٩٣٢). عنه، ثم عرضت عليه مرة ثانية ما حفظت بعد العرض الأول، وأجازني في شهور سنة (٨٧٣ هـ)، وحضرت بعض مجالسه من الدروس والإملاء بالمدرسة الصلاحية. وحضرت كثيرًا من مجالسه بالمسجد الأقصى الشريف، وحصلت الإجازة منه غير مرة؛ خاصة، وعامة.
وله تصانيف منها: "الإسعاد بشرح الإرشاد" في الفقه، و"الدرر اللوامع بتحرير جمع الجوامع" في الأصول، وكتب قطعه على "صحيح البخاري"، وغير ذلك.
توفي سنة (٩٠٠ هـ) (١).
٣ - الإمام، العالم، العلامة، شيخ الإسلام، بدر الدين، أبو المعالي، محمد بن محمد بن أبي بكر بن خالد السعدي المصري، الحنبلي.
قال المؤلف -رحمه الله- شيخنا، وأستاذنا، وعالم عصرنا، سمع على الحافظ ابن حجر، وابن هشام، وعز الدين الكناني، وغيرهم.
قال المؤلف: ولقد أكرم مثواي عند تمثلي بين يديه، لمّا قدمت عليه إلى القاهرة سنة (٨٨٠ هـ)، وأقمت تحت نظره للاشتغال بالعلم الشريف، فأحسن إليَّ، وتفضَّل عليَّ، وأفادني العلم، وعاملني بالحلم، ومكثت بالديار المصرية نحو عشر سنين إلى أن سافرت منها في سنة (٨٨٩ هـ)، وأنا مشمول منه بالصِّلات، ومتصل من فضله بالحسنات.
توفي سنة (٩٠٢ هـ) (٢).
(١) انظر: "الأنس الجليل" (٢/ ٣٧٧).
(٢) انظر: "المنهج الأحمد" (٥/ ٣١٥)، "الدر المنضد" (٢/ ٦٩٥)، و"الضوء اللامع" للسخاوي (٩/ ٥٨). ٤ - علَّامة الزمان، عبد الله بن محمد بن إسماعيل، تقي الدين، أبو بكر القرمشندي الشافعي، سبط الحافظ أبي سعيد العلائي.
قال المؤلف -رحمه الله-: شيخنا، الإمام، العلامة، الحبر، الفهامة، أجازه جمع من العلماء والحفاظ، وأفتى ودرَّس، وناظر وحدَّث، وسمع عليه الرحالون، وساد بيت المقدس.
قال المؤلف: وقد عرضت عليه "ملحة الإعراب" سنة (٨٦٦ هـ) بمنزله، ولي دون ست سنين، وهو أول شيخ عرضت عليه، وتشرفت بالجلوس بين يديه، وأجازني بالملحة وبغيرها من كتب الحديث الشريف، وما يجوز روايته، وكتب والدي الإجازة بخطه، وكتب الشيخ خطه الكريم عليها.
توفي سنة (٨٦٧ هـ) (١).
٥ - الإمام، العالم، قاضي القضاة، علي بن إبراهيم البدرشي، نور الدين أبو الحسن المصري المالكي.
قال المؤلف -رحمه الله-: شيخنا، كان من أهل العلم، وقد قرأت عليه قطعة من آخر كتاب "الخرقي" قراءة بحث وفهم، ثم قرأت قطعة من أول "المقنع" قراءة بحث وفهم، فكان يقرر في العبارة تقريرًا حسنًا، لعل كثيرًا من أهل المذهب لا يقرره، وقرأت عليه في النحو، ولازمت مجالسته، وترددت إليه كثيرًا، وحصل لي منه غاية الخير والنفع.
توفي سنة (٨٧٨ هـ) (٢).
(١) "الأنس الجليل" (٢/ ١٨٨).
(٢) "الأنس الجليل" (٢/ ٢٥٠). هذا وللمؤلف -رحمه الله- عدد كبير من الشيوخ الذين أخذ عنهم، ذكر منهم جملة في كتابه "الأنس الجليل"، فممن ذكره:
٦ - أحمد بن عبد الرحمن الرملي، شهاب الدين، أبو الأسباط الشافعي، المتوفى سنة (٨٧٧ هـ) (١).
٧ - أحمد بن علي اللُّدِّي الشافعي، سبط العلامة جمال الدين بن جماعة الكناني، المتوفى سنة (٨٨٠ هـ) (٢).
٨ - أحمد بن عمر العميري، شهاب الدين، أبو العباس الشافعي، المتوفى سنة (٨٩٠ هـ) (٣).
٩ - إبراهيم بن عبد الرحمن، برهان الدين أبو إسحاق الأنصاري الخليلي الشافعي، المتوفى سنة (٨٩٣ هـ) (٤).
١٠ - علي بن عبد الله بن محمد، علاء الدين الغزى الحنفي، المعروف بابن قاموا، المتوفى سنة (٨٩٠ هـ) (٥).
١١ - محمد بن عبد الوهاب، شمس الدين، أبو مساعد الشافعي، المتوفى سنة (٨٧٣ هـ) (٦).
(١) "الأنس الجليل" (٢/ ١٩٥).
(٢) "الأنس الجليل" (٢/ ١٩٦)، و"الضوء اللامع" للسخاوي (٢/ ١٩).
(٣) "الأنس الجليل" (٢/ ٢٠٣).
(٤) "الأنس الجليل" (٢/ ٢٠٦).
(٥) "الأنس الجليل" (٢/ ٢٣٧).
(٦) "الأنس الجليل" (٢/ ١٩١). ١٢ - محمد بن موسي بن عمران الغزي، شمس الدين، أبو عبد الله المقدسي الحنفي، المتوفى سنة (٨٧٣ هـ) (١).
كما أخذ المؤلف -رحمه الله- عن الحافظ السخاوي، وطلب منه الإجازة.
قال ابن حُميد -نقلًا عن السخاوي-: كتب إليَّ سنة (٨٩٦ هـ) يلتمس مني أن أُذيِّل له على "طبقات الحنابلة" لابن رجب، وأن أجيز له، ثم قال: وقد دخل القاهرة، وجلس بها شاهدًا (٢).
...
(١) "الأنس الجليل" (٢/ ٢٢٩).
(٢) "السحب الوابلة" لابن حميد (ص: ٥١٦). المبحث الثَّالث تَلاَمِيذهُ
لم تذكر لنا المصادر التي ترجمت للإمام العليمي الآخذين عنه، والمتتلمذين على يديه، ما خلا ما ذكره جار الله بن فهد المكي الشافعي المسند المؤرخ، المتوفى سنة (٩٥٤ هـ)؛ حيث ذكر أنه أخذ عن العليمي بعض مؤلفاته، وأَجاز له روايتها (١).
وأفاد الدكتور عبد الرحمن العثيمين: أنه وقف على إجازة للإمام العليمي يجيز بها أحد تلامذته، وهو إبراهيم بن خليل القاقوني (٢) الحنبلي، بكتاب: "التسهيل" في الفقه الحنبلي (٣).
...
(١) انظر: "السحب الوابلة" لابن حميد (ص: ٥١٨).
(٢) كذا ذكره الدكتور العثيمين واستفهم عنده، ورأيت في "شذرات الذهب" لابن العماد (٨/ ٢٢) ترجمة غرس الدين أبي القاسم خليل بن خليل الفراديسي الصالحي الحنبلي، المتوفى سنة (٩١٤ هـ)، فلعل هذا هو والد المجاز الذي ذكر، والله أعلم.
(٣) انظر: مقدمة "الدر المنضد" (ص: ٢٦). المبحث الرابع تَصَانِيفهُ
١ - " الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل" (١).
٢ - "ملخص من كتاب الأنس الجليل" (٢).
٣ - "المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد" (٣)
٤ - "الدر المنضد في ذكر أصحاب الإمام أحمد" (٤).
٥ - "الإعلام بأعيان دول الإسلام" (٥).
(١) قال ابن حميد في "السحب الوابلة" (ص: ٥١٨): وهو عظيم في بابه، أحيا به مآثر بلاده. وقال الغزي في "النعت الأكمل" (ص: ٥٥): الحاوي لكل غريبة وفائدة، وبتراجم البلدين كافل. وقد طبع الكتاب عدة طبعات، كان أولها في المطبعة الوهبية بمصر سنة (١٢٨٣ هـ)، ثم طبع بعدها طبعات كثيرة لم تسلم من التصحيف والتحريف.
(٢) كذا نسبه إليه غير واحد من المحققين، وإنما هو قطعة من "الأنس الجليل"، وليس مختصرًا، وتقع هذه القطعة في (٧١) ورقة، ضمن مجموع رقم (٢٤٠)، في المكتبة الظاهرية بدمشق.
(٣) طبع سنة (١٩٩٧ م) بتحقيق مجموعة من المحققين، ونشرته دار صادر في بيروت، في ستة مجلدات.
(٤) وقد طبع الكتاب سنة (١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م) بتحقيق الدكتور عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، ونشرته مكتبة التوبة بالرياض في مجلدين.
(٥) ذكره ابن حميد في "السحب الوابلة" (ص: ٥١٨). ٦ - "التاريخ المعتبر في أنباء من غبر" (١).
٧ - "تصحيح الخلاف المطلق في المقنع" لابن قدامة (٢).
٨ - "الإتحاف" مختصر "الإنصاف" للمرداوي (٣).
٩ - "إتحاف الزائر وإطراف المقيم والمسافر" (٤).
(١) ذكره حاجي خليفة في "كشف الظنون" (١/ ٣٠٥) و (٢/ ١٧٣١)، ولدي صورة عن الأصل المخطوط في برنستون مجموعة جاريت ضمن مجموع برقم (٢٢٦٣)، يحتوي على الجزء الثاني من الكتاب، ويقع في (٧١) ورقة، نسخت سنة (٩٤٥ هـ). وقد ذكر في هذا الجزء تراجم الأئمة الأربعة، وغيرهم من التابعين، والعلماء الأعلام، والرؤساء، والوزراء، والشعراء، والأعيان، وقضاة الشرع الشريف، وطلبة العلم، وحملة القرآن، على وجه الاختصار.
(٢) ذكره ابن حميد في "السحب الوابلة" (ص: ٥١٨).
(٣) ولم يعمل منه إلا النصف، كما ذكر ابن حميد في "السحب الوابلة" (ص: ٥١٨): وقال عنه المؤلف -رحمه الله- في كتابه: "المنهج الأحمد" (٥/ ٢٩٠): وهو من كتب الإسلام، فإنه -أي: المرداوي صاحب "الإنصاف"- سلك فيه مسلكًا لم يسبق إليه، بيَّن فيه الصحيح من المذهب وأطال فيه الكلام، وذكر فيه كل مسألة ما نقل منها من الكتب وكلام الأصحاب، فهو دليل على تبحر مصنفه، وسعة علمه، وقوة فهمه، وكثرة اطلاعه.
(٤) كذا نسبه إليه البغدادي في "هدية العارفين" (١/ ٥٤٤). ونسبه حاجي خليفة في "كشف الظنون" (١/ ٦) إلى أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي البغدادي الدمشقي المتوفي سنة (٦١٣ هـ). قلت: ولأبي اليمن عبد الصمد بن عبد الوهاب المعروف بابن عساكر كتاب: "إتحاف الزائر وإطراف المقيم للسائر" حققه حسين شكري، ونشرته دار الأرقم سنة (٢٠٠٠ م). فلعله اختلط على صاحب "كشف الظنون"، حيث ذكر أولًا: "إتحاف الزائر" للشيخ الإمام ابن عساكر، هكذا، ثم ذكر بعده: "إتحاف الزائر وإطراف المقيم المسامر" للشيخ أبي اليمن زيد بن الحسن.... إلخ. أما صاحب "هدية العارفين"، فكثيرًا ما يقع عنده = ١٠ - "فتح الرحمن في تفسير القرآن"، وهو الكتاب الذي بين أيدينا.
١١ - "الوجيز" مختصر "فتح الرحمن" (١).
قال الغزي: وله غير ذلك من التآليف والفوائد، وكلها عليها الرونق والبهجة؛ لحسن إخلاصه، ومزيد اختصاصه (٢).
= الخلط بين أسماء المؤلفين، ونسبة المؤلفات، وأسمائها.
(١) ذكره ابن حميد في "السحب الوابلة" (ص: ٥١٨).
(٢) انظر: "النعت الأكمل" للغزي (ص: ٥٥). المبحث الخامس ثَنَاء العُلَمَاء عَلَيْهِ، وَوَفَاتهُ
١ - قال الحافظ السخاوي: أَمْثَلُ قضاةِ القدس، حسن السِّيرة، له شهرة بالفضل والإقبال على التاريخ، مع خطٍّ حسن ونَظْم (١).
٢ - قال الغزي: هو الإمام، العلامة، المسند، المؤرخ، الفقيه، المتفنن في سائر العلوم، المتحلي بقلائد المنطوق والمفهوم... ثم قال: الخطيب، الفقيه، المحدث، الأثري.
* وكان قد توفي -رحمه الله- ببيت المقدس سنة (٩٢٨ هـ)، رحمه الله تعالى، ورضي عنه (٢).
...
(١) انظر: "السحب الوابلة" (ص: ٥١٦)، نقلًا عن "الضوء اللامع" للسخاوي، ولا أقف للسخاوي في "الضوء اللامع" على ذكرٍ للمؤلف -رحمه الله-.
(٢) انظر: "النعت الأكمل" للغزي (ص: ٥٢). المبحث السادس مَصَادِر تَرجَمَتهُ
١ - " النعت الأكمل" للغزي (ص: ٥٢).
٢ - "السحب الوابلة" لابن حُميد (ص: ٥١٦).
٣ - "مختصر طبقات الحنابلة" للشطي (ص: ٨١).
٤ - "رفع النقاب عن تراجم الأصحاب" لابن ضويان (ص: ٣٥٢).
٥ - "كشف الظنون" لحاجي خليفة (١/ ١٧٧، ٣٠٥)، (٢/ ١٧٣٢).
٦ - "هدية العارفين" للبغدادي (١/ ٥٤٤).
٧ - "الأعلام" للزركلي (٣/ ٣٣١).
٨ - "معجم المؤلفين" لكحالة (٥/ ١٧٧).
٩ - "معجم مصنفات الحنابلة" للطريقي (٥/ ١٣٤).
*** الفصل الثّاني دِرَاسَةُ الكِتَابِ المبحث الأَوَّل تَحقِيْق اسمِ الكِتَاب
جاء على طرة النسخة الخطية للمكتبة السليمانية للمجلد الأول والثاني من الكتاب:
"فتح الرحمن بتفسير الفرقان". جمع الفقير إلى رحمة الله: عبد الرحمن بن محمد العمري العليمي الحنبلي، غفر الله ذنوبه، وستر عيوبه، آمين.
وكذا جاءت تسميته في نهاية المجلد الأول من نسخة شستربتي، وعلى ظاهر المجلد الأول من النسخة الظاهرية.
وجاءت تسميته على ظاهر النسخة الخطية (ن): "فتح الرحمن بتفسير القرآن".
وجاءت تسميته في "السحب الوابلة" (ص: ٥١٨) بـ "فتح الرحمن".
أما الزركلي في "الأعلام"، وكحالة في "معجم المؤلفين"، فقد أسمياه: "فتح الرحمن في تفسير القرآن". وقد عزا الزركلي اسم الكتاب إلى مكتبة شستربتي، وقد علمتَ ما جاء على ظاهرها.
وقد تم اعتماد التسمية الأشهر للكتاب، والتي جاءت في نسخة "ن"، وهي أقدم النسخ الخطية للكتاب.
*** المبحث الثَّاني بَيَان صِحَّة نِسبَة الكِتَاب إِلَى مؤَلِّفِهِ
* تقدم ذكر الإمام العليمي، وإثبات نسبة الكتاب إليه في طرة النسخة الخطية للمكتبة السليمانية، والظاهرية، ونسختي الخطية "ن"، وكذا ما جاء في نهاية النسختين الخطيتين للمكتبة السليمانية، وشستربتي من ختم المؤلف للكتاب، والتصريح باسمه، ومكان جمعه، وسنة تأليفه.
* ثم إن كل من ترجم له نسب إليه هذا التفسير، سواء مصرحًا باسمه "فتح الرحمن"، أو بذكر كتاب له في التفسير فقط.
* ثم إني رأيت الإمام السفاريني في كتابه "كشف اللثام شرح عمدة الأحكام" نقل عن تفسير العليمي هذا في موضعين من كتابه، فلتراجع فيه.
*** المبحث الثَّالث مَنْهَج المؤلَّف في الكِتَابِ
أبان المؤلف -رحمه الله- في ديباجة كتابه هذا عن منهجه فيه، وما قصد له من تأليفه، فقال: "هذا كتاب لخصته مختصرًا، وهذبت لفظه محررًا، يتضمن نبذة من تفسير القرآن العظيم، وتأويل ما فيه من الآيات والذكر الحكيم، اعتمدت في نقله على كتب أئمة الإسلام، وانتقيته من فوائد العلماء الأعلام".
* ثم قال: "وذكرت فيه خلاف القراء العشرة المشهورين، الذين تواترت قراءتهم، واشتهرت روايتهم من طرق الرواة الثقات، والأئمة الأثبات.
* وذكرت فيه أربعة وقوف: التام، والكافي، والحسن، والقبيح.
* ثم قال: وإن كان في الآية الشريفة حكم متفق عليه، أو مختلف فيه بين الأئمة الأربعة، ذكرته ملخصًا، ولم ألتزم استيعاب الأحكام، بل أذكر المهم حسب الإمكان، ولم أتعرض لاختيار غيره من الأئمة المتقدمين، وحيث أقول في الحكم: بالاتفاق، فالمراد: اتفاق الأئمة الأربعة المشار إليهم".
* قال: "وربما ذكرت مذاهبهم في شيء من أصول الدين والفقه على سبيل الاختصار في محلٍّ يناسبه".
وقد قدّم المؤلف -رحمه الله- قبل الشروع في التفسير بعشرة فصول ضمَّنها فوائد مما يتعلَّق بفضائل القرآن العظيم، وما ورد في تفسيره، وجمعه، وكتابته، وذكر الأحرف السبعة، وغير ذلك.
فإذن التزم المؤلف -رحمه الله-:
١ - ذكر اختلاف القرَّاء العشرة، وذكر الوقوف في الآيات.
٢ - ذكر المسائل الفقهيَّة ملخصة، مقتصرًا على المهم فيها، وذلك بين الأئمة الأربعة فقط.
٣ - ذكر المسائل العقدية على سبيل الاختصار أيضًا.
٤ - ذكر الفوائد واللطائف المتعلِّقة بالآية.
* أمَّا القراءات: فقد التزم المؤلِّف بذكر الخلاف بين القرَّاء حيثما وجد، وذكر قواعدهم في ذلك، وتوجيه القراءة عند كل واحد، وما يبنى عليها من المعاني.
مثال: قول الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ (٢١٣)﴾ [البقرة: ٢١٣].
قال المؤلف: -رحمه الله- (١/ ٢٩٨): (ليحكم) قرأ أبو جعفر: بضم الياء وفتح الكاف؛ لأن الكتاب لا يحكم في الحقيقة، وإنما يحكم به. وقرأ الباقون: بفتح الياء وضم الكاف؛ أي: يحكم الكتاب؛ كقوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ (٢٩)﴾ [الجاثية: ٢٩].
وقد تقدم عملُ المؤلف -رحمه الله- في القراءات على غيره في هذا الباب، بذكر الوقوف الأربعة؛ التام، والكافي، والحسن، والقبيح، على رؤوس الكلمات مما اختاره الإمام أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني -رحمه الله-، وغيره.
* وأما الأحكام الفقهيّة: فقد اقتصر المؤلف -رحمه الله- على المهم من المسائل المطروحة في آيات الأحكام وغيرها؛ ملخِّصًا الاتفاق والاختلاف بين الفقهاء الأربعة، معتمدًا في غالب نقوله على "تفسير البغوي"، و"المحرر الوجيز" لابن عطية، و"المغني" لابن قدامة، وغيرها. مُعْرِضًا عن ذكر أدلتهم في أكثر المسائل المذكورة في هذا الكتاب.
* وأما المسائل العقدية: وهي التي قصدها المؤلف -رحمه الله- بقوله: وربما ذكرت مذاهبهم في شيء من أصول الدين والفقه على سبيل الاختصار في محل يناسبه.
وقد التزم المؤلف -رحمه الله- بذكر مذهب أهل السنة في غالب المسائل التي ذكرها، على وجه الاختصار والإيجاز، وذلك كقوله (٦/ ١٧٦) عند قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾: المراد من (مثله): ذاته، والشيء: عبارة عن الموجود. قال ابن عباس: ليس له نظير. فالتوحيد: إثبات ذات غير مشبهة للذوات، ولا معطلة من الصفات، ليس كذاته ذات، ولا كاسمه اسم، ولا كفعله فعل، ولا كصفته صفة، إلا من جهة موافقة اللفظِ اللفظَ، وجلَّت الذات القديمة أن تكون لها صفة حديثة، كما استحال أن تكون للذات المحدثة صفة قديمة، وحيث تراءى في مرآة القلب صورة، أو خطر بالخاطر مثال، أو ركنت النفس إلى كيفية، فليجزم بأن الله بخلافه؛ إذ كل ذلك من سمات الحدوث؛ لدخوله في دائرة التحديد والتكييف اللازمين للمخلوق، المنزَّه عنهما الخالق تعالى.
وقال (٢/ ٥٢٩) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ (٥٩)﴾ [الفرقان: ٥٩]: استواء يليق بعظمته بلا كيف، وهذا من المشكل الذي يجب عند أهل السنة على الإنسان الإيمان به، ويكل العلم فيه إلى الله -عز وجل-، وسئل الإمام مالك -رضي الله عنه- عن الاستواء، فقال: الاستواء معلوم -يعني: في اللغة-، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وسئل الإمام أحمد -رضي الله عنه- عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، قال: هو كما أخبر، لا كما يخطر للبشر.
وقال (٢/ ٢٣٢) في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾: مصدر معناه التأكيد، يدل على بطلان قول من يقول: خلق بنفسه كلامًا في شجرة، فسمعه موسى، بل هو الكلام الحقيقي الذي يكون فيه المتكلم متكلمًا. وكلام الله تعالى للنبي موسى دون تكييف ولا تحديد، فإنه سبحانه موجود لا كالموجودات، معلوم لا كالمعلومات، فكذلك كلامه لا كالكلام (١).
إلا أن المؤلف -رحمه الله- لم يَسر على الجادة نفسها، فوقعت منه بعض المخالفات لِمَا التزمه من حكاية مذهب السلف، ومن ذلك قوله (٥/ ٥٠٨) في قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ [الصافات: ١٢]، على قراءة من قرأ بضم التاء من قوله: ﴿عَجِبْتَ﴾: والتعجب من الله ليس كالتعجب من الآدميين؛ لأنه من الناس إنكار وتعظيم، ومن الله قد يكون بمعنى الإنكار والذم، وقد يكون بمعنى الاستحسان والرضا. ثم قال: وهي عبارة عما يظهره الله تعالى في جانب المتعجب منه من التعظيم أو التحقير، حتى يصير الناس متعجبين منه (٢).
(١) وانظر أمثلة أكثر على ذلك: (١/ ١٣٣، ١٦٢، ١٩٤)، (٢/ ٣١٩)، (٦/ ٤٦).
(٢) والتحقيق في هذا: أن نسبة التعجب إليه -سبحانه وتعالى- كنسبة سائر الصفات = وفي قوله (٢/ ٣٧٩) في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٨] المراد بـ "فوق": علو القدرة والشأن.
هذا -على وجه الإجمال- المقاصدُ الكبرى التي قصدها المؤلف -رحمه الله- في تفسيره هذا، ونبه على ذكرها في مقدمة الكتاب.
وفي تفاصيل الكتاب يَلحظ المطالع أمورًا عدة، من ذلك:
١ - التزامه بذكر مكي السور ومدنيها، وعدد آيات السورة وكلماتها وحروفها في أول كل سورة يفسرها.
٢ - ذكر أسباب النزول عند كل آية ورد بخصوصها سبب، وذكره أهل التفسير في كتبهم.
٣ - سرد قصص الأنبياء وأخبار الأمم السالفة، مع ذكر أسماء الأشخاص والأماكن وتاريخ وقوع الأحداث، وغالب ذلك يكون من الإسرائيليات.
٤ - تفسير المفردات من حيث الوضع اللغوي والشرعي في غالب الأحيان.
= والأفعال إليه، فإنه تعجب لا يماثل ولا يشابه تعجب المخلوقين، كما أن الرضا والغضب والحب والفرح وغير ذلك مما ورد في القرآن أو السنة الصحيحة لا تماثل ما للمخلوقين من ذلك. كما أن ذاته -سبحانه وتعالى- لا تشبه ذوات المخلوقين، وصفاته لا تشبه صفاتهم وأفعالهم. ئم إن هذا التأويل -أعني: تأويل التعجب من الله بمعنى الإنكار أو الذم، أو بمعنى الرضا والاستحسان- لا يرفع الإشكال، إذ ما يستشكل من نسبة التعجب يلزم مثله من الرضا والذم ونحو ذلك، فإن قيل: رضا ليس كرضا المخلوقين، واستحسان ليس كاستحسان المخلوقين، فليُقل: تعجب ليس كتعجب المخلوقين، وعلى هذا جميع ما يرد في هذا الباب، وبالله التوفيق. ٥ - إيراد الأمثلة الدائرة على ألسنة الناس مما يوافق معنى الآية التي يفسرها، وذلك كقوله (٣/ ١٩٢) عند قوله تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ (٤٧)﴾ [التوبة: ٤٧]: وفي معنى قوله تعالى من الأمثال الدائرة على ألسن الناس: للحيطان آذان.
وقال (٣/ ٢٨٥) في معنى قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ (٣٩)﴾ [يونس: ٣٩]، من الأمثال الدائرة على ألسن الناس: من جهل شيئًا عاداه.
٦ - التعريف بالأعلام الوارد ذكرهم في القرآن العظيم؛ كالأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وغيرهم.
٧ - تلخيص الآية بعد تفسيرها؛ كقوله (١/ ٤٠٦) في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ (٢٨٢)﴾ [البقرة: ٢٨٢] المعنى: اجتنبوا معصية الله يعرفكم طرقَ فلاحِكم. تلخيصه: من راقب الله، أرشده.
وكقوله (١/ ٣٢٠) في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ (٢٢٦)﴾ [البقرة: ٢٢٦]. تلخيصه: استقرَّ للمؤمنين تربُّص أربعة أشهر.
٨ - الإتيان بالفوائد واللطائف والإشارات الدقيقة، وذلك كقوله (١/ ١١٥) في قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ (٦١)﴾ [البقرة: ٦١] قال: الفقر، سمي الفقير مسكينًا؛ لأن الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة، فترى اليهود -وإن كانوا أغنياء- كأنهم فقراء، فلا يرى في أهل المال أذل وأحرص على المال من اليهود.
٩ - تحري الصواب والراجح من أقوال المفسرين في تفسير الآيات.
*** المبحث الرابع مَوَارِد المؤَلِّف في الكِتَابِ
أولًا: التفسير وما يتصل به:
١ - تفسير ابن جرير الطبري.
٢ - "التنزيل" لأبي القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري، المتوفى سنة (٤٠٦ هـ) (١).
٣ - "معالم التنزيل" للبغوي.
٤ - "الكشاف" للزمخشري.
٥ - تفسير النسفي.
٦ - "أحكام القرآن" لابن العربي.
٧ - تفسير الرازي.
٨ - "زاد المسير" لابن الجوزي.
٩ - تفسير الثعلبي.
١٠ - "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي.
١١ - "المحرر الوجيز" لابن عطية.
(١) انظر: "سير أعلام النبلاء" للذهبي (١٧/ ٢٣٧). ١٢ - تفسير الثعالبي.
١٣ - تفسير الكَوَاشي (١).
١٤ - "البحر المحيط" لأبي حيان.
* القراءات:
١٥ - "اللوامح في شواذ القراءات" لأبي الفضل الرازي، المتوفى سنة (٤٥٤ هـ).
١٦ - "الإيضاح في علم القراءات" لأحمد بن أبي عمر الأندرابي، المتوفى سنة (٤٧٠ هـ).
١٧ - "الشاطبية في القراءات".
١٨ - "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري.
١٩ - "إيضاح الرموز ومفتاح الكنوز في القراءات الأربعة عشر" لشمس الدين القباقبي (٢).
* غيرها:
٢٠ - "التبيان في آداب حملة القرآن" للنووي.
٢١ - "الدر النظيم في فضائل القرآن الكريم" لأبي السعادات اليافعي، المتوفى سنة (٧٥٠ هـ).
(١) لأبي العباس الكواشي الشافعي -المتوفى سنة (٦٨٠ هـ) - تفسيران، أحدهما كبير، ويسمى: "التبصرة"، والثاني صغير. انظر: "معرفة القراء الكبار" للذهبي (٢/ ٦٨٥).
(٢) للإمام شمس الدين محمد بن خليل القباقبي الحلبي، ثم المقدسي الشافعي، المتوفى سنة (٨٤٩ هـ) نظم كثير منه: "جمع السرور ومطلع البدور"، و"إيضاح الرموز ومفتاح الكنوز"، وغيرهما. انظر: "الأنس الجليل" للمؤلف (٢/ ١٧٩). ثانيًا: الحديث وما يتصل به:
٢٢ - صحيح البخاري.
٢٣ - صحيح مسلم.
٢٤ - مسند الإمام أحمد.
٢٥ - "شعب الإيمان" للبيهقي.
٢٦ - "سيرة ابن هشام".
٢٧ - "شرح السنة" للبغوي.
٢٨ - "فتح الباري" لابن حجر.
٢٩ - "الشفا" للقاضي عياض.
٣٠ - "مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن" لابن الجوزي.
٣١ - "وفيات الأعيان" لابن خلكان.
ثالثًا: الفقه:
٣٢ - "المغني" لابن قدامة.
٣٣ - "الفتاوى" لشيخ الإسلام ابن تيمية.
٣٤ - "الإنصاف" للمرداوي.
٣٥ - "روضة الطالبين" للنووي.
٣٦ - "مختصر الشيخ خليل" في الفقه المالكي.
* غيرها:
٣٧ - شرح مقامات الحريري، لأبي العباس الشريشي، المتوفى سنة (٦١٩ هـ).
*** المبحث الخامس مَنزِلَة الكِتَاب العِلْميَّة
وفيه مطلبان:
* المطلب الأول: أهمية الكتاب ومزاياه:
يعد هذا الكتاب من تفاسير الحنابلة التي سلمت من الضياع، والتي لم يخرج منها إلا النزر القليل (١)، ومؤلفه الإمام مجير الدين العليمي من أئمة الحنابلة في القرن العاشر الهجري، قد اعتنى فيه:
بذكر القراءات، واختلاف القراء فيها، وتوجيهها، وذكر معانيها.
وذكر فيه عقائد أهل السنة على وجه مختصر مفيد.
(١) فمن كتب الحنابلة المشهورة والمتداولة في التفسير: "زاد المسير" لابن الجوزي، و"رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز" للإمام عبد الرزاق الرسعني المتوفى سنة (٦٦١ هـ)، و"تفسير اللباب" لابن عادل الحنبلي، و"مجموع تفاسير" شيخ الإسلام ابن تيميّة، وتلميذه الإمام ابن القيّم -رحمهم الله أجمعين-. ومن تفاسير الحنابلة المعاصرة التي لاقت قبولًا عند الناس كافة: تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي المسمى: "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان"، ولشيخنا العلامة محمد بن صالح بن عثيمين -رحمه الله- في الدروس التفسيرية، والتي صدرت في مجموعة مطبوعة بعنوان: "تفسير القرآن العظيم". هذا وقد جمع الدكتور سعود الفنيسان "آثار الحنابلة في علوم القرآن"، فَيَسَّرَ على نحو كبير تقريب تراث الحنابلة وجهودهم في التفسير. وسرد فيه فقه الأئمة الأربعة وفق منهج قويم، بعيد عن التعصب والتقليد.
واعتمد على الصحيح الراجح من أقوال المفسرين.
وجاءت عبارته سهلة ميسرة قريبة من كل العقول والأفهام.
ومن هنا امتدحه الإمام الغزي بقوله: وقفت له -أي: الإمام العليمي- على تفسير جليل على القرآن العظيم يشبه تفسير القاضي البيضاوي (١).
وقال فيه العلامة ابن بدران الحنبلي: وقد رأيته في مجلد، يفسر تفسيرًا متوسطًا، ويذكر القراءات، وإذا جاءت مسألة فرعية، ذكر أقوال الأئمة الأربعة فيها، وفيه فوائد لطيفة (٢).
* المطلب الثاني: المآخذ على الكتاب:
١ - نقل المؤلف -رحمه الله- بعض المخالفات والإسرائيليات والاعتقادات التي لم ترد فيها نصوص صحيحة من كتب التفسير وغيرها، وإثباتها في كتابه هذا دون التنبيه إليها، ومن ذلك قوله: من قرأ حين يخاف مضرة الحيَّة والعقرب ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ [الصافات: ٧٩] ما ضرتاه (٣).
وقوله: إن آخر آية من سورة محمد قد حوت كل حروف المعجم، ومن دعا بها الله، استجيب له (٤).
(١) انظر: "النعت الأكمل" للغزي (ص: ٨٢).
(٢) انظر: "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد" لابن بدران (ص: ٤٧٦).
(٣) انظر: (٣/ ٣٤٢) من هذا الكتاب.
(٤) انظر: (٦/ ٣٥٧)، وانظر: (٢/ ٤٦ - ٤٧). ومن ذلك قوله في قبر لقمان: وأنه مقصود للزيارة (١).
وكذا ما ذكره في قصة أصحاب الكهف، وغيرها.
٢ - إغفال المؤلف -رحمه الله- للموارد التي ينقل عنها في غالب الأحيان، فقد أكثر النقل من تفسيري: "البغوي"، و"ابن عطية"، وغيرهما، ولم يصرح بالنقل عنهما إلا في مواضع قليلة جدًّا.
...
(١) انظر: (٥/ ٣٠٤). وقد رأيت له من ذلك كثيرًا في كتابه الآخر: "الأنس الجليل"، انظر على سبيل المثال: (٢/ ١٧٥ - ١٧٦ - ١٧٧). المبحث السادس وَصفُ النّسخِ الخَطّيَّة المُعتَمَدَة في التَّحْقِيقِ
تم الوقوف- بحمد الله- في تحقيق هذا السِّفر على أربع نسخ خطية:
أولاها: نسخة المكتبة السليمانية في تركيا.
وثانيتها: نسخة تشستربتي في مدينة دبلن بإيرلندا.
وثالثتها: نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق.
ورابعتها: نسخة خاصة من خزانة مخطوطاتي الأصلية -عمرها الله بكل نفيس مفيد، وحفظها بحفظه الدائم-.
وهذا وصف لكلِّ واحدة منها:
* النسخة الأولى:
وهي من محفوظات المكتبة السليمانية بتركيا، ضمن مجموع تحت رقم (١٤٣)، وتتألف من جزأين في (٣٧٩) ورقة:
أما الجزء الأول: فيقع في (١٩٤) ورقة، في كل ورقة وجهان، وفي الوجه (٣١) سطرًا، وفي السطر (١٨) كلمة تقريبًا.
أوله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده، حمدًا يليق بجلال عظمته، ورفيع مجده... وآخره عند سورة الإسراء. وجاء في نهايته: وقد وافق الفراغ من هذا الكتاب ثامن عشر شهر رمضان المعظم قدره، من شهور سنة ست عشرة وألف. أحسن الله ختامها، على يد أضعف العباد، الراجي عفو مالك المحامد، الفقير يحيى بن حامد، وذلك بالمسجد الأقصى الشريف المعظم قدره،... والحمد لله رب العالمين.
وأما الجزء الثاني: من هذه النسخة، فيقع في (١٨٥) ورقة، ويبتدئ من أول سورة الكهف، وينتهي بآخر سورة من القرآن الكريم، وجاء في آخره: قال جامعه -عفا الله عنه بكرمه-: وكان الفراغ من جمع هذا الجزء، عقب صلاة الظهر من يوم الخميس، الثالث والعشرين من شهر صفر، ختم بالخير والظفر، سنة أربع عشرة وتسع مئة، من الهجرة الشريفة النبوية المحمدية... وكان جمعه بالمسجد الأقصى الشريف -شرفه الله وعظمه- بقبة موسى -عمرها الله بذكره-. ووافق الفراغ من تبييضه عقب صلاة الظهر من يوم السبت، السابع والعشرين من جمادى الأولى، سنة سبع عشرة وتسع مئة وألف، الحمد لله وحده...
فهذه النسخة إذن قريبة العهد بمؤلفها، إذ ناسخها السيد يحيى بن حامد قد انتسخها سنة (١٠١٦ هـ).
وقد جاء على طرة الكتاب: اسم الكتاب ومؤلفه، وفهرست لأسماء السور وأرقام اللوحات الواردة فيها.
وعلى هذه النسخة عدة أختام، وقد لونت فيها الفصول وأسماء السور والآيات باللون الأحمر، ووضعت على الآيات الرموز التي التزمها المؤلف من الوقف وغيره. وجاء على هوامشها تنبيهات إلي بداية ونهاية الأجزاء، وكذا أسماء السور، وفيها تنبيهات لما كرره المؤلف في بعض المواضع، وذكر المهمات التي أوردها المؤلف؛ كقول الناسخ: فائدة عزيزة، أو غريبة، أو مفيدة، ونحو ذلك. ويذكر أحيانًا توضيحات للمبهمات عند المؤلف، وإحالات على مراجع أُخر لزيادة على ما ذكره المؤلف.
وهذه النسخة نسخة جيدة في مجملها، معتمدة في إثبات نص مؤلفها، ولولا ما تخللها من بعض الأسقاط القليلة (١)، وبعض التحريفات والتصحيفات، لأغنت في بابها عن كل نسخ الكتاب الموجودة.
وقد رُمز هذه النسخة بالرمز "ت".
* النسخة الثانية:
وهي من محفوظات مكتبة تشستربتي في مدينة "دبلن" بإيرلندا، وتقع في (٣١٤) ورقة، تتألف من جزأين:
أما الجزء الأول: فهو يتألف من (١٤٥) ورقة، في كل ورقة وجهان، الوجه (٢٧) سطرًا، وفي السطر (٢٢) كلمة تقريبًا.
وهو مخروم في أوله، يبدأ عند قوله: الأربعة المشار إليهم، وربما ذكرت مذاهبهم في شيء من أصول الدين والفقه... إلى أن ذكر: في ذكر ما ورد في فضائل القرآن العظيم.
وآخره ينتهي عند قوله في سورة الإسراء في قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]: واستعارة الشفاء للقرآن هو
(١) وهذه مواضع الأسقاط كما أثبتت في المطبوع: (١/ ٢٢٣)، (٢/ ١٧٧)، (٥/ ٢٣٦، ٣٧٠، ٣٩٣). بحسب إزالته للريب، وكشفه غطاء القلب لفهم المعجزات. وبعد هذا سقط إلى نهاية سورة الإسراء.
وأما الجزء الثاني: فيقع في (١٦٩) ورقة، ويبدأ من سورة الكهف بقوله: سورة الكهف مكية في قول جميع المفسرين.
وآخره: قال جامعه الفقير إلى رحمة ربه عبد الرحمن بن محمد العمري الحنبلي -ستره الله بحلمه، ولطف به-...: جمعته بالمسجد الأقصى الشريف -شرفه الله- في قبة موسى -عمرها الله بذكره- تجاه باب السلسلة، أحد أبواب المسجد الأقصى، في نحو ثمانية عشر شهرًا، وكان الفراغ منه في غرة يوم الجمعة الغراء من شهر رمضان المعظم قدره وحرمته من شهور سنة أربع عشرة وتسع مئة من الهجرة.
وجاء بعده اسم ناسخه ابن عادل المرعشي الحنفي، الذي انتهى من نسخه سنة (٩٦٦ هـ) أي: بعد وفاة المؤلف -رحمه الله- بثمان وثلاثين سنة.
وهذه النسخة لا بأس بها في المقابلة، إلا أنه قد أكثر فيها التصحيف والتحريف، وتكررت فيها الأسقاط (١).
وقد رُمز لهذه النسخة بالرمز "ش".
* النسخة الثالثة:
وهي من محفوظات المكتبة الظاهرية بدمشق، برقم (٩٢٨٧)، وتحتوي على المجلد الأول فقط من الكتاب، ويقع في (٣٢٢) ورقة، في
(١) وهذه مواضع الأسقاط كما أثبتت في المطبوع: (٢/ ١١، ٨٢، ٣٣٦)، (٣/ ٤٩٥)، (٤/ ٤٠)، (٤/ ١٤٢)، (٦/ ٣٥٧، ٤٦٦)، (٧/ ٤٥٣). كل ورقة وجهان، وفي الوجه (٢٥) سطرًا، وفي السطر (١٤) كلمة تقريبًا.
أولها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده، حمدًا يليق بجلالة عظمته، ورفيع مجده...
وآخرها: نهاية سورة الإسراء عند قوله: قال عمر -رضي الله عنه-: قول العبد: الله أكبر، خير من الدنيا وما فيها، وهي أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال، ثم أكدها...
وقد كتب في هوامشها أوائل الأجزاء، وآخرها، وأقسامها، كما ألحقت بعض الاستدراكات التي سقطت أثناء النسخ.
وهذه النسخة أفضل من سابقتيها؛ لضبط أكثر الكلام فيها بالشكل، ولخلوها من الأسقاط الموجودة في النسختين السابقتين، لولا أنها ناقصة المجلد الثاني، وإهمال رموز الوقف وغيرها التي وضعها المؤلف في أول الكتاب.
وقد رُمز لهذه النسخة بالرمز "ظ".
* النسخة الرابعة:
وهي تتألف من جزء واحد فقط، وتقع في (٢٧٠) ورقة، وفي الورقة وجهان، وفي الوجه (٢٦) سطرًا، وفي السطر (١٢) كلمة تقريبًا.
جاء على ظاهرها: الجزء الأول من "فتح الرحمن بتفسير القرآن" جمع القاضي مجير الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد العمري العليمي، صاحب التاريخ، نفعنا الله تعالى به. وكتب عليه أيضًا: من أول القرآن إلى سورة يوسف، وقد كمل بحمد الله سبحانه في مجلدين آخرين.
وقد كتب على ظاهرها بعض التملكات.
أولها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده حمدًا يليق بجلال عظمته، ورفيع مجده.
وآخرها: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا (١٢)﴾ إلى الصحراء ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ (١٢)﴾ [يوسف: ١٢]... ويلهو. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: بالنون فيهما، وابن كثير: بكسر العين من (يرتع).
وهذه النسخة جيدة معتمدة أكثر من غيرها لو أنها كانت كاملة، فقد لونت فيها الآيات باللون الأحمر، وأسماء السور باللون الأخضر، والرموز التي التزمها المؤلف باللون الأصفر، إلا أنها أهملت عند نهاية سورة الأنعام، كما أثبت على هوامشها تقسيمات الأجزاء والأحزاب، وذكر العناوين والتنبيهات التي أوردها المؤلف في تفسيره. ولم يقع فيها إلا سقط واحد كما بين في (٢/ ١٥٦) من هذا الكتاب.
وقد رمز لهذه النسخة بالرمز "ن".
*** المبحث السابع بَيَان منْهَج التَّحقِيق
١ - نسخ النسخة الخطية لمكتبة تشستربتي، وذلك بحسب رسم وقواعد الإملاء الحديثة.
٢ - معارضة المنسوخ بالأصول الخطية المعتمدة في التحقيق، وهي نسخة المكتبة السليمانية ونسخة الظاهرية ونسختي الخاصة.
٣ - إثبات الفروق المهمة بين النسخ الخطية باعتماد الصواب في النص، والإشارة إلى الأسقاط الموجودة في النسخ كافة.
٤ - الزيادة في مواضع عدة ما كان النص لا يقوم إلا به، وجعل هذه الزيادة بين معكوفتين.
٥ - إدخال علامات الترقيم المعتادة على النص، وتفقير الكتاب.
٦ - إدراج الآيات القرآنية كاملة في بداية تفسير كل آية يتكلم عليها المؤلف برسم المصحف الشريف على رواية حفص، ملونة باللون الأخضر.
٧ - ضبط الأحاديث النبوية بالشكل، وكذا ضبط نص الكتاب بالشكل شبه الكامل، تيسيرًا وتسهيلًا على مطالعه.
٨ - تخريج الأحاديث النبوية الواردة لدى المؤلف، فإن كان الحديث في "الصحيحين" أو أحدهما، فإنه يكتفي بالعزو إليهما دون غيرهما، وإلا، فمن باقي الكتب الستة، وذلك بذكر رقم الحديث والباب والكتاب اللذين ورد فيهما الحديث، مع الإشارة إلى اسم الصحابي الذي روى الحديث، فإن لم يكن فيها، تم تخريجه من غير الكتب الستة بذكر المصدر، ورقم الحديث، أو الجزء والصفحة.
٩ - عزو أسباب النزول التي ذكرها المؤلف إلى مصادرها -ما أمكن-.
١٠ - عزو القراءات إلى الكتب التي اعتنت بذلك؛ لتيسير الرجوع إلى مظانها.
١١ - عزو الآثار الواردة؛ بذكر اسم المصدر، ورقم الأثر، أو الجزء والصفحة.
١٢ - التنبيه إلى بعض القصص والأخبار والإسرائيليات في غالب الأحيان.
١٣ - عزو النقول والأقوال التي يصرح المؤلف -رحمه الله- بذكرها.
١٤ - كتابة مقدمة للكتاب، مشتملة على ترجمة للمؤلف، ودراسة للكتاب.
١٥ - تذييل الكتاب بفهارس علمية مشتملة على:
- فهرس الآيات القرآنية.
- فهرس الأحاديث النبوية.
- فهرس الآثار والأقوال.
- فهرس الإسرائيليات. - فهرس موضوعات الكتاب.
- فهرس القراء.
- فهرس الأعلام.
- فهرس السور وما يحتوي الكتاب.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
*** صُوَر المخْطُوطات صورة اللوحة الأولى من الجزء الأول من نسخة تشستربتي المرموز لها بـ "ش" صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الأول من نسخة تشستربتي المرموز لها بـ "ش" صورة اللوحة الأولى من الجزء الثاني من نسخة تشستربتي المرموز لها بـ "ش" صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الثاني من نسخة تشستربتي المرموز لها بـ "ش" صورة غلاف الجزء الأول من النسخة الخطية للمكتبة السليمانية بتركيا المرموز لها بـ "ت" صورة اللوحة الأولى من الجزء الأول من النسخة السليمانية المرموز لها بـ "ت" صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الأول من النسخة السليمانية المرموز لها بـ "ت" صورة غلاف الجزء الثاني من النسخة الخطية للمكتبة السليمانية المرموز لها بـ "ت" صورة اللوحة الأولى من الجزء الثاني من النسخة السليمانية المرموز لها بـ "ت" صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الثاني من النسخة السليمانية المرموز لها بـ "ت" صورة غلاف الجزء الأول من نسخة المكتبة الظاهرية المرموز لها بـ "ظ" صورة اللوحة الأولى من الجزء الأول من نسخة الظاهرية المرموز لها بـ "ظ" صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الأول من نسخة الظاهرية المرموز لها بـ "ظ" صورة غلاف الجزء الأول من نسختي الخطية، المرموز لها بـ "ن" صورة اللوحة الأولى من الجزء الأول من نسختي الخطية المرموز لها بـ "ن" صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الأول من نسختي الخطية المرموز لها بـ "ن"
الفلق 113:1
سُوْرَةُ الفَلَقْ
مدنية، وآيها: خمس آيات، وحروفها: ثلاثة وسبعون حرفًا، وكلمها: ثلاث وعشرون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
روي أن بنات لَبيد بنِ الأعصم اليهودي كنَّ ساحرات، وهن اللواتي سحرْنَ مع أبيهن (١) رسولَ الله - ﷺ -، وعَقَدْنَ له إحدى عشرة عقدة، فروي أنّه لبث فيه ستة أشهر، واشتد عليه، حتّى إنّه ليُخَيَّلُ إليه أنّه فعلَ الشيءَ وما فعلَه، وكان تسلُّط السحرِ على ظاهره وجوارحِه، لا على قلبه واعتقاده وعقله، فأنزل الله إحدى عشرة آية بعدد العقد هُنَّ المعوذتان، وأمره أن يتعوذ بهما، فجعل كلما يقرأ آية، انحلت عقدة، ووجد - ﷺ - خفة حتّى انحلت عنه العقدة الأخيرة، فقام كأنما أنشط من عقال (٢).
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾.
[١] فقال تعالى (٣): ﴿قُلْ أَعُوذُ﴾ أستجير ﴿بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ الصُّبح؛ لأنّ
(١) "أبيهن" ساقطة من "ت".
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (١٠/ ٣٣٨)، و"روح المعاني" للألوسي (٣٠/ ٢٨٣). وروى قصة سحر لبيدٍ النبيَّ - ﷺ -: البخاريّ (٥٤٣٣)، كتاب: الطب، باب: السحر، ومسلم (٢١٨٩)، كتاب: السّلام، باب: السحر، من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٣) في "ت": "قوله تعالى".
الفلق 113:2
عموده يتفلَّق بالضياء عن الظلام، ومنه: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦].
* * *
﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾.
[٢] ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ (ما) بمعنى الّذي يعمُّ كلَّ موجود له شر. وقرأ بعض المعتزلة القائلين بأن الله لم يخلق الشر (مِنْ شَرٍّ) بالتنوين (١) (ما خَلَقَ) على النَّفْي، وهي قراءة مردودة مبنية على مذهب باطل، فالله (٢) خالقُ كلِّ شيء.
* * *
﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣)﴾.
[٣] ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ﴾ هو القمر ﴿إِذَا وَقَبَ﴾ خسفَ واسودَّ.
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "أخذ رسولُ الله - ﷺ - بيدي، فأشار إلى القمر، فقال: يا عائشة! تعوَّذِي بالله من شرِّ هذا؛ فإن هذا الغاسِقُ إذا وَقَبَ" (٣).
* * *
﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾.
[٤] ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ السواحر اللواتي ينفثْنَ في عقد
(١) انظر: "البحر المحيط" لأبي حيان (٨/ ٥٣٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٢٧٧).
(٢) في "ت": "الله".
(٣) رواه الترمذي (٣٣٦٦)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة المعوذتين، وقال: حسن صحيح، والإمام أحمد في "المسند" (٦/ ٦١)، وغيرهما.
الفلق 113:5
الخيط إذا رَقَيْن. قرأ رويس عن يعقوب بخلاف عنه: (النَّافِثَاتِ) بألف بعد النون وكسر الفاء مخففة من غير ألف بعدها، وقرأ روح عن يعقوب أيضًا بخلاف عنه: (النُّفَاثَاتِ) بضم النون [وتخفيف الفاء جمع نُفاثة، وهو ما أنفثته من فيك، وقرأ الباقون: بتشديد الفاء وفتحها وألف بعدها من غير ألف بعد النون (١)، وأجمعت المصاحف على حذف الألفين، فاحتملتها] (٢) القراءات، والكلُّ مأخوذ من النفث، وهو شبهُ النفخ يكون في الرقية، ولا ريقَ معه، فإن كان معه ريق، فهو الثفل، يقال منه: نفث الراقي ينفُث وينفِث -بالضم والكسر-، فالنفاثات في العقد -بالتشديد-: السواحر على مراد تكرار الفعل والاحتراف به، والنفاثات تكون للدفعة الواحدة من الفعل ولتكراره أيضًا، فالقراءات كلها ترجع إلى شيء واحد، ولا تخالف الرسم.
* * *
﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾.
[٥] ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ أظهر حسده، وعمل بمقتضاه، والحسد أخبثُ الطبائع، وهو تمني زوال النعمة عن مستحقها، سواء كانت نعمة دين أو دنيا.
قال - ﷺ -: "الحسدُ يأكلُ الحسنات كما تأكلُ النارُ الحطبَ" (٣).
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٢٧٧).
(٢) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".
(٣) رواه أبو داود (٤٩٠٣)، كتاب: الأدب، باب: في الحسد، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وإسناده ضعيف. انظر: "فيض القدير" للمناوي (٣/ ١٢٥). وقد روي عن الله -عَزَّ وَجَلَّ- أنّه قال: "الحاسدُ مُضادٌّ لقضائي، جاحِدٌ لنَعْمائي" (١).
قال عمر بن عبد العزيز - رحمه الله -: "ما رأيت ظالمًا أشبهَ بمظلومٍ من الحاسد، غَمٌّ دائم، ونفسٌ متتِابع" (٢).
وأول ذنب عُصي الله تعالى به في السَّماء: حسدُ إبليس لآدم، فأخرجه من الجنَّة، فطرد (٣)، وصار به شيطانًا رجيمًا، وفي الأرض: حسدُ قابيل لأخيه هابيل، فقتله.
وعين الحاسد في الأغلب لا تضر، قال بعضهم: كلّ أحد يمكن أن ترضيه إِلَّا الحاسد؛ فإنّه لا يُرضيه إِلَّا زوالُ النعمة عنك.
وأنشد بعضهم:
فَكُلٌّ أُداريهِ على حسبِ حالِهِ؍ سِوى حاسدٍ (٤) فَهْيَ الّتي لا أَنالُها؍
وكيفَ يُداري المرءُ حاسدَ نعمةٍ؍ إذا كانَ لا يُرضيه إِلَّا زَوالهُا؍
قال الحسين بن الفضل: ذكر الله تعالى الشرور في هذه السورة، ثمّ ختمها بالحسد؛ ليظهر أنّه أخس طبع (٥).
(١) ذكره الحكيم التّرمذيّ في "نوادر الأصول" (٤/ ١٩)، عن وهب بن منبه.
(٢) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (٦٦٣٥) لكن عن الخليل بن أحمد.
(٣) "فطرد" زيادة من "ت".
(٤) في "ت": "حاسدي".
(٥) انظر: "تفسير الثعالبي" (٤/ ٤٥٣). [قال - ﷺ -: "لَّا حسدَ إِلَّا في اثنتين: رجلٍ أتاه الله مالًا، فسَلَّطَهُ على هلكته في الحق، ورجلٍ آتاه الله حكمةً، فهو يقضي بها، ويُعَلِّمُها" (١)] (٢).
وروي أن المراد بالحاسد إذا حسد: اليهود؛ فإنهم كانوا يحسدون النّبيّ - ﷺ -، والله أعلم.
* * *
(١) رواه البخاريّ (٧٣)، كتاب: العلم، باب: الاغتباط في العلم والحكمة، ومسلم (٨١٦)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
(٢) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".
الناس 114:1
سُوْرَةُ النَّاسِ
مدنية، وآيها: ست آيات، وحروفها: ثمانون حرفًا، وكلمها عشرون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾.
[١] ﴿قُلْ أَعُوذُ﴾ قرأ ورش عن نافع في السورتين: بنقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، وهو اللام، وقرأ الباقون: بتحقيق الهمزة مع إسكان اللام قبلها (١) ﴿بِرَبِّ النَّاسِ﴾ الّذي يملك عليهم أمورَهم، وهو إلههم ومعبودهم، وخُصُّوا بالذكر وإن كان ربَّ كلّ مخلوق (٢)؛ تشريفًا لهم.
* * *
﴿مَلِكِ النَّاسِ (٢)﴾.
[٢] ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾.
(١) "قبلها" زيادة من "ت". وانظر: "مختصر القراءات الشاذة" لابن خالويه (ص: ١٨٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٢٨١).
(٢) "وإن كان رب كلّ مخلوق" زيادة من "ت".
الناس 114:3
﴿إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾.
[٣] ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ عطف بيان لربِّ؛ لأنّه قد يقال لغيره: ربُّ النَّاس؛ كقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، وقد يقال: ملكُ النَّاس، وأمّا إلهُ النَّاس، فمختصٌّ به تعالى، لا شركة فيه، فجعل غاية للبيان، وتكرير النَّاس؛ لما في الإظهار من مزيد البيان، وعطف البيان للبيان، فكأنّه مَظِنَّة للإظهار دون الإضمار.
* * *
﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤)﴾.
[٤] ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾ اسم من أسماء الشيطان، سمي به؛ لكثرة ملابسته إياه، وهو أيضًا ما توسوس به شهواتُ النفس وتسوِّلُه.
﴿الْخَنَّاسِ﴾ الكثيرِ التأخرِ، له رأس كرأس الحية، يحتم على القلب، فإذا ذكرَ العبدُ ربه، خنس؛ أي: تأخر، فإذا غفل عن ذكر الله، رجع فوضع رأسه على ثمرة القلب، فمنَّاه وحدَّثه.
* * *
﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾.
[٥] ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ إذا غفلوا عن ذكر ربهم، والوسوسة: الصوت الخفي.
* * *
﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾.
[٦] ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ يعني: يدخل في الجني، ويوسوس له؛ كما يفعل بالإنسي، وقيل: هو بيان لمن يوسوس؛ لأنّ الشيطان إنسي وجني؛ لقوله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]؛ أي: من شر وسوسة الإنس والجن، ويعضد هذا القول قول ابن عطية رحمه الله: ويظهر أيضًا أن يكون قوله: (وَالنَّاسِ) يراد به من يوسوس بخدعه من البشر، ويدعو إلى الباطل، فهو في ذلك كالشيطان (١).
وسمي الجن جنًّا؛ لاجتنانهم؛ أي: استتارهم، والناسُ ناسًا؛ لظهورهم؛ من الإيناس، وهو الإبصار، كما سموا بشرًا؛ من البشرة، وهو وجه الجلد.
قرأ أبو عمرو، والكسائي: بإمالة فتحة النون من (النَّاسِ) (٢) حيث وقع هذا الاسم مجرورًا في جميع القرآن، وروي عن الأوّل: الفتح، والوجهان صحيحان عنه من رواية الدوري، وقرأ الباقون: بالفتح (٣)، والله أعلم.
* * *
(١) انظر: "المحرر الوجيز" (٥/ ٥٤٠).
(٢) "النَّاس" زيادة من "ت".
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٧٠٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٤٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٢٨١). فَصْلٌ فِي خَتْمِ القُرآنِ العَظِيْمِ
روي عن ابن كثير -رحمه الله- أنّه كان إذا انتهى في آخر الختمة إلى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ قرأ سورة ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، وخمسَ آياتٍ من أول سورة البقرة على عدد الكوفي، وهو إلى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛ لأنّ هذا يسمى الحالَّ والمرتَحِلَ، ومعناه: أنّه حلَّ في قراءته آخر الختمة، وارتحل إلى ختمة أخرى، وصار العمل على هذا في أمصار المسلمين في قراءة ابن كثير وغيرها.
وورد النص عن الإمام أحمد بن حنبل -رضي الله عنه- أنّه إذا قرأ سورة النَّاس، يدعو عقب ذلك، فلم يستحب أن يصل ختمته بقراءة شيء، وروي عنه قول آخر بالاستحباب (١).
وقد ورد الحديث الشريف عن النّبيّ - ﷺ -: "أفضلُ الأعمالِ الحالُّ المُرْتَحِلُ" (٢).
وروي عن ابن عبّاس: "أن رجلًا قال: يا رسول الله! أيُّ الأعمال
(١) انظر: "المغني" لابن قدامة (١/ ٤٥٨) وقال: ولعلّه لم يثبت فيه عنده أثر صحيح يصير إليه.
(٢) انظر تخريج الحديث الآتي. أفضل؟ قال: "عليكَ بالحالِّ المرتحل" قال: وما الحالُّ المرتحلُ؟ قال: "صاحب القرآن، كلما حلَّ ارتحل" (١).
وروي أيضًا عن ابن عبّاس بزيادة، وهي: يا رسول الله! وما الحالَّ المرتحل؟ قال "فتح القرآن وختمه، صاحب القرآن يضرب من أوله إلى آخره، ومن آخره إلى أوله، كلَّما حلَّ ارتحلَ" (٢).
وعنه - ﷺ -: "أنّه أمر عليَّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- أن يدعو عند ختم القرآن بهذا الدُّعاء، وهو: "اللهمَّ إنِّي أسأَلُكَ إخباتَ المُخْبِتين، وإخلاصَ الموقنين، ومرافقة الأبرار، واستحقاق حقائق الإيمان، والغنيمةَ من كلِّ بِرّ، والسلامةَ من كلّ إثم، ووجوبَ رحمتك، وعزائمَ مغفرتك، والفوزَ بالجنة، والخلاصَ من النار" (٣).
وروي عن مجاهد: أن الدُّعاء عند ختم القرآن مستجاب.
وعن سفيان بن حبيب بن عميرة: إذا ختم الرَّجل القرآن، قَبَّلَ الملَكُ بين عينيه (٤)، وبلغَ ذلك الإمامَ أحمدَ، فاستحسنه.
(١) رواه الترمذي (٢٩٤٨)، كتاب: القراءات، باب: (١٣)، وقال: حديث غريب، وإسناده ليس بالقوي، والحاكم في "المستدرك" (٢٠٨٨)، وغيرهما من حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما بلفظ: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الحال المرتحل". قال: وما الحال المرتحل؟ قال: "الّذي يضرب من أول القرآن إلى آخره كلما حلَّ ارتحل".
(٢) انظر تخريج الحديث المتقدم.
(٣) رواه ابن النجار في "تاريخه" عن زر بن حبيش -رضي الله عنه- كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٧/ ٣٤٤).
(٤) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٦١٨). وعن الإمام البخاريّ أنّه قال: "عندَ كلِّ ختمِ دعوةٌ مستجابة" (١).
ونص الإمام أحمد على استحباب الدُّعاء عند الختم، وكذا جماعة من السلف، فيدعو بما أحب مستقبلَ القبلة، رافعًا يديه، خاضعًا لله -عَزَّ وَجَلَّ-، خاشعًا بين يديه، محسنًا التأدُّبَ مع الله تعالى، ولا يتكلف السجع في الدُّعاء، بل يجتنبه، ويثني على الله -عَزَّ وَجَلَّ- قبل الدُّعاء وبعده، ويصلّي على النّبيّ - ﷺ -، ويدعو وهو متيقن الإجابة، ويمسح وجهه بيديه بعد فراغه من الدُّعاء.
قال الشّيخ أبو سليمان الداراني - رحمه الله -: إذا سألتَ الله حاجةً، فابدأ بالصلاة على النّبيّ - ﷺ -، ثمّ ادع بما شئت، ثمّ اختم بالصلاة عليه - ﷺ - فإن الله سبحانه بكرمه يقبل الصلاتين، وهو أكرم من أن يدع ما بينهما (٢).
قال ابن عطاء: للدعاء أركان وأجنحة وأسباب وأوقات، فإن وافق أركانه قوي، وإن وافق أجنحته طار في السَّماء، وإن وافق مواقيته فاز، وإن وافق أسبابه أنجح، فأركانه: حضور القلب، والرقة، والاستكانة، والخشوع، وتعلّق القلب بالله وقطعه من الأسباب، وأجنحته: الصدق، ومواقيته: الأسحار، وأسبابه: الصّلاة على النّبيّ - ﷺ - (٣).
اللهمَّ صلِّ على سيدنا محمّد، وعلى آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللَّهُمَّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهمَّ صلِّ على جميع الأنبياء والمرسلين، حسبنا الله ونعم الوكيل.
(١) رواه الخطيب في "تاريخ بغداد" (٢/ ١٢).
(٢) انظر: "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" لملا علي القاري (٣/ ٢٠).
(٣) انظر: "تفسير القرطبي" (٢/ ٣١١). * قال جامعه الفقير إلى رحمة ربه عبدُ الرّحمن بنُ محمّد العمريُّ الحنبلي، ستره الله بحلمه، ولطف به في مواقع قضائه وقدره:
جمعته بالمسجد الأقصى الشريف -شرفه الله وعظَّمه- بقبة موسى -عَمَرها الله بذكره- تجاه باب السلسة أحدِ أبواب المسجد الشريف في نحو ثمانية عشر شهرًا، وكان الفراغ منه في بكرة يوم الجمعة الغراء، السابع من شهر رمضان المعظم قدره وحرمته من شهور سنة أربع عشرة وتسع مئة، ثمّ بيضته بالمحل الشريف المشار إليه، وكان الفراغ من تبييضه عند أذان الظهر من يوم الأحد الثّاني (١) والعشرين من شهر شوال المبارك سنة سبع عشرة وتسع مئة من الهجرة الشريفة النبوية المحمدية، على صاحبها أفضل الصّلاة والسلام، والتحية والإكرام، والحمد لله وحده، وصلّى الله على من لا نبيَّ بعده، ورضي الله عن أصحابه وأولاده وأزواجه وذريته وأهل بيته أجمعين (٢) (٣).
(١) "الحادي" في "ت".
(٢) جاء في آخر النسخة الخطية "ت": "وقد وافق الفراغ من هذا الكتاب في ثامن عشر شهر رمضان المعظَّم قدرُه من شهور سنة ست عشرة وألف، أحسن الله ختامها، على يد أضعف العباد، الراجي عفوَ مالك المحامد، الفقير يحيى بن حامد، وذلك بالمسجد الأقصى الشريف المعظَّم قدرُه، نسأله حسن الخاتمة، والموت على الإسلام، إنّه قريب مجيب من دعاه، وما توفيقي إِلَّا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، وصلّى الله على سيدنا محمّد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين".
(٣) يقول الفقير إلى الله تعالى: نور الدِّين بن صلاح الدِّين طالب الدومي الحنبلي: تم الفراغ من النظر الأخير في تحقيق هذا الكتاب المبارك في ليلة الجمعة التّاسع من ذي القعدة سنة ١٤٢٩ هـ، وذلك في مكتبتي العامرة، في مدينة دومة الزاهرة، من أعمال غوطة دمشق، من بلاد الشّام، حامدًا ومصليًّا ومسلمًا على النّبيّ محمّد وآله وصحبه، والحمد لله الّذي بنعمته تتم الصالحات.