فتح الرحمن في تفسير القرآن — نوح 71:1 – البينة 98:8
المحتويات
- نوح 71:1
- نوح 71:2
- نوح 71:4
- نوح 71:7
- نوح 71:10
- نوح 71:13
- نوح 71:15
- نوح 71:17
- نوح 71:22
- نوح 71:24
- نوح 71:26
- نوح 71:28
- الجن 72:1
- الجن 72:2
- الجن 72:4
- الجن 72:7
- الجن 72:9
- الجن 72:12
- الجن 72:15
- الجن 72:19
- الجن 72:20
- الجن 72:23
- الجن 72:26
- المزمل 73:1
- المزمل 73:2
- المزمل 73:6
- المزمل 73:7
- المزمل 73:10
- المزمل 73:13
- المزمل 73:17
- المزمل 73:20
- المدثر 74:1
- المدثر 74:2
- المدثر 74:6
- المدثر 74:10
- المدثر 74:14
- المدثر 74:18
- المدثر 74:20
- المدثر 74:25
- المدثر 74:30
- المدثر 74:32
- المدثر 74:33
- المدثر 74:36
- المدثر 74:40
- المدثر 74:44
- المدثر 74:49
- المدثر 74:53
- القيامة 75:1
- القيامة 75:3
- القيامة 75:6
- القيامة 75:9
- القيامة 75:12
- القيامة 75:17
- القيامة 75:20
- القيامة 75:23
- القيامة 75:26
- القيامة 75:30
- القيامة 75:35
- القيامة 75:37
- الإنسان 76:1
- الإنسان 76:2
- الإنسان 76:4
- الإنسان 76:6
- الإنسان 76:8
- الإنسان 76:10
- الإنسان 76:15
- الإنسان 76:17
- الإنسان 76:20
- الإنسان 76:22
- الإنسان 76:23
- الإنسان 76:27
- الإنسان 76:30
- المرسلات 77:1
- المرسلات 77:4
- المرسلات 77:7
- المرسلات 77:11
- المرسلات 77:15
- المرسلات 77:20
- المرسلات 77:24
- المرسلات 77:28
- المرسلات 77:32
- المرسلات 77:34
- المرسلات 77:39
- المرسلات 77:43
- المرسلات 77:48
- النبأ 78:1
- النبأ 78:2
- النبأ 78:5
- النبأ 78:10
- النبأ 78:15
- النبأ 78:20
- النبأ 78:24
- النبأ 78:27
- النبأ 78:32
- النبأ 78:36
- النبأ 78:38
- النبأ 78:40
- النازعات 79:1
- النازعات 79:4
- النازعات 79:9
- النازعات 79:12
- النازعات 79:15
- النازعات 79:19
- النازعات 79:22
- النازعات 79:26
- النازعات 79:30
- النازعات 79:34
- النازعات 79:39
- النازعات 79:44
- عبس 80:1
- عبس 80:2
- عبس 80:5
- عبس 80:9
- عبس 80:11
- عبس 80:16
- عبس 80:21
- عبس 80:25
- عبس 80:29
- عبس 80:34
- عبس 80:40
- التكوير 81:1
- التكوير 81:3
- التكوير 81:7
- التكوير 81:10
- التكوير 81:14
- التكوير 81:17
- التكوير 81:22
- التكوير 81:24
- التكوير 81:28
- الانفطار 82:1
- الانفطار 82:4
- الانفطار 82:7
- الانفطار 82:9
- الانفطار 82:12
- الانفطار 82:17
- المطففين 83:1
- المطففين 83:3
- المطففين 83:7
- المطففين 83:11
- المطففين 83:15
- المطففين 83:16
- المطففين 83:19
- المطففين 83:22
- المطففين 83:26
- المطففين 83:30
- المطففين 83:34
- الانشقاق 84:1
- الانشقاق 84:4
- الانشقاق 84:7
- الانشقاق 84:12
- الانشقاق 84:15
- الانشقاق 84:18
- الانشقاق 84:22
- الانشقاق 84:25
- البروج 85:1
- البروج 85:4
- البروج 85:7
- البروج 85:10
- البروج 85:14
- البروج 85:19
- الطارق 86:1
- الطارق 86:4
- الطارق 86:7
- الطارق 86:10
- الطارق 86:15
- الأعلى 87:1
- الأعلى 87:2
- الأعلى 87:5
- الأعلى 87:9
- الأعلى 87:13
- الأعلى 87:16
- الأعلى 87:17
- الغاشية 88:1
- الغاشية 88:3
- الغاشية 88:6
- الغاشية 88:11
- الغاشية 88:15
- الغاشية 88:20
- الغاشية 88:24
- الفجر 89:1
- الفجر 89:4
- الفجر 89:6
- الفجر 89:9
- الفجر 89:12
- الفجر 89:16
- الفجر 89:18
- الفجر 89:21
- الفجر 89:23
- الفجر 89:26
- الفجر 89:28
- البلد 90:1
- البلد 90:3
- البلد 90:6
- البلد 90:8
- البلد 90:13
- البلد 90:16
- البلد 90:20
- الشمس 91:1
- الشمس 91:4
- الشمس 91:9
- الشمس 91:13
- الليل 92:1
- الليل 92:5
- الليل 92:10
- الليل 92:14
- الليل 92:19
- الضحى 93:1
- الضحى 93:3
- الضحى 93:6
- الضحى 93:9
- الشرح 94:1
- الشرح 94:3
- الشرح 94:7
- التين 95:1
- التين 95:2
- التين 95:6
- العلق 96:1
- العلق 96:4
- العلق 96:8
- العلق 96:11
- العلق 96:15
- العلق 96:18
- القدر 97:1
- القدر 97:3
- القدر 97:4
- البينة 98:1
- البينة 98:3
- البينة 98:6
- البينة 98:8
نوح 71:1
سُورَةُ نُوحٍ عليه السلام
مكية، وآيها: ثمان وعشرون آية، وحروفها: تسع مئة وتسعة وعشرون حرفًا، وكلمها: مئتان وأربع وعشرون كلمة.
عن أُبي بن كعب (١) -رضي الله عنه-: قال رسول الله - ﷺ -: "من قرأَ سورةَ نوح، كان من المؤمنين الذين تُدركهم دعوةُ نوح" (٢).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١)﴾.
[١] ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ واسمه عبد الغفار، وسمي نوحًا؛ لكثرة نوحه على نفسه، وصرف نوح مع عجمته وتعريفه؛ لخفته وسكون الوسط من حروفه، وتقدم ذكر نسبه وتاريخ مولده ومحل قبره في [سورة آل عمران، وتقدم ذكر الاختلاف في عمره حين بعثه الله إلى قومه في] (٣) سورة
(١) "أبي بن كعب" ساقطة من "ت".
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٤٣). وانظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٤/ ٩٥).
(٣) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".
نوح 71:2
الأعراف، وتقدم ذكر تاريخ ركوبه في السفينة وخروجه منها وما بين الطوفان والهجرة الشريفة النبوية المحمدية في سورة هود، وتقدم ذكر المدة التي لبثها في قومه ينذرهم في سورة العنكبوت.
﴿إِلَى قَوْمِهِ﴾ وكانوا يعبدون الأوثان.
﴿أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ نصب؛ أي: بأن أنذر، وهي الناصبة للفعل.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ عذاب الآخرة والطوفان إن لم يؤمنوا.
...
﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢)﴾.
[٢] ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أُنذركم وأبين لكم.
...
﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)﴾.
[٣] ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ بطاعته ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما آمركم به من الإيمان. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر، والكسائي، وخلف: (أَنُ اعْبُدُواْ الله) بضم النون في الوصل، والباقون: بكسرها (١)، فمن قرأ بالضم اتباعًا لضمة الباء، وتركًا لمراعاة الحائل لخفة السكون، فهو كأن ليس ثَمَّ حائل، ومن قرأ بالكسر، فهو الأصل في التقاء الساكنين من كلمتين، وقرأ يعقوب: (وَأَطِيعُونِي) بإثبات الياء، والباقون: بحذفها (٢).
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٢٩).
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٢٩).
نوح 71:4
﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)﴾.
[٤] ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ (مِنْ) زائدة؛ أي: يغفر ذنوبكم.
﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ﴾ معافَيْنَ ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو وقت موتكم بلا إهلاك.
﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾ بتعذيبكم ﴿إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ فبادروا في أوقات الإمهال.
قرأ أبو جعفر، وورش عن نافع: (وَيُوَخِّرْكُمْ) (لاَ يُوَخَّرُ) بفتح الواو بغير همز، والباقون: بالهمز.
﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ذلك، لآمنتم.
...
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥)﴾.
[٥] فلما أيس من إيمانهم لما أخبر ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ أي: دائمًا متصلًا، نصب بـ (دَعَوْتُ).
...
﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦)﴾.
[٦] ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ عن الإيمان، مفعول ثان لـ (دعوتُ). قرأ الكوفيون، ويعقوب: (دُعَائِي) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (١).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٥٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٣٠).
نوح 71:7
﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧)﴾.
[٧] ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُم﴾ ذنوبهم (١).
﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ لئلا يسمعوا كلامي. قرأ الدوري عن الكسائي: (آذَانِهِمْ) بالإمالة، والباقون: بالفتح (٢).
﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ تغطَّوا بها ﴿وَأَصَرُّوا﴾ أقاموا على المعصية.
﴿وَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن الإيمان ﴿اسْتِكْبَارًا﴾ عظيمًا.
...
﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨)﴾.
[٨] ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾ مصدر في موضع الحال، أي: مجاهِرًا.
...
﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩)﴾.
[٩] ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ﴾ صوتي مرارًا، وبالغت في إعلاني. قرأ الكوفيون، وابن عامر، ويعقوب: (إِنِّي أَعْلَنْتُ) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (٣).
(١) "ذنوبهم" ساقطة من "ت".
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٣٠).
(٣) انظر: "الكشف" لمكي (٢/ ٣٣٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٣٠).
نوح 71:10
﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ﴾ الكلامَ ﴿إِسْرَارًا﴾ بأن كلمتهم واحدًا واحدًا سرًّا؛ أي: نصحتهم بكل طريق.
...
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠)﴾.
[١٠] وكان قد منع عنهم المطر، وعقمت نساؤهم، وغارت مياههم.
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ من الشرك ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ للتائبين.
...
﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١)﴾.
[١١] ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ كثير الدُّرور.
...
﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾.
[١٢] ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ يكثر أموالكم وأولادكم ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ﴾ بساتين.
﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ جارية، ولذلك شرع الاستغفار في الاستسقاء، والاستسقاء: هو الدعاء بطلب السقيا على وجه مخصوص، فإذا أجدبت الأرض، وقحط المطر، سُنَّ الاستسقاء بالاتفاق.
واختلفوا في حكمه، فقال أبو حنيفة: لا صلاة في الاستسقاء، إنما الدعاء والاستغفار، وإن صلوا فرادى، فحسن، وقال صاحباه: يصلي الإمام بالناس ركعتين بلا أذان ولا إقامة كالعيد بالتكبيرات الزوائد عند محمد، وعند أبي يوسف: لا يكبر سوى تكبيرة الإحرام، وهو المشهور،
نوح 71:13
ثم يخطب واحدة، وقال مالك: يصلي ركعتين، يكبر في كل ركعة تكبيرة واحدة كسائر الصلوات، ثم يخطب خطبتين كالعيد، ويجعل بدل التكبير الاستغفار، وقال الشافعي: يصلي ركعتين كالعيد، ولا يختص بوقته، يكبر في الأولى بعد استفتاحه سبعًا، وفي الثانية بعد الرفع خمسًا، ويرفع يديه في الجميع، ويخطب كالعيد، لكن يستغفر الله بدل التكبير، وقال أحمد: وقتها وصفتها وأحكامها كالعيد، فيصلي ركعتين، يكبر في الأولى بعد استفتاحه ستًّا، وفي الثانية بعد الرفع خمسًا، ويرفع يديه مع كل تكبيرة، ثم يخطب واحدة يفتتحها بالتكبير كالعيد، ويكثر فيها الاستغفار والدعاء.
والقراءة في الركعتين جهرًا بالاتفاق.
ويستحب للإمام تحويل ردائه بعد أن يستقبل القبلة، ويفعل الناس كذلك عند الثلاثة؛ خلافًا لأبي حنيفة، وأجازه محمد بن الحسن للإمام فقط.
وإن خرج أهل الذمة، لم يمنعوا عند الثلاثة، ولم يختلطوا بالمسلمين، ولم يفردوا بيوم، ومنع أبو حنيفة وأصحابه من خروجهم.
...
﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾.
[١٣] ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ لا تخافون لله عَظَمة.
...
﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾.
[١٤] ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ تاراتٍ، حالًا بعد حال، نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى تمام الخلق.
نوح 71:15
﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾.
[١٥] ثم أتبع ذلك ما يؤيده من آيات الآفاق فقال: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ أي: مطابقة، جعل كلَّ واحدة طبقًا للأخرى.
...
﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾.
[١٦] ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ وهو في السماء الدنيا؛ لأنه إذا كان في واحدة منهن، فهو فيهن.
قال عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص: "إن الشمس والقمر أَقفاؤهما إلى الأرض، وإقبال نورهما وارتفاعه في السماء" (١)، وهو الذي يقتضيه لفظ (السِّراج).
﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ مصباحًا مضيئًا تبصَر فيه الأشياء، وضوء القمر أقوى من نور القمر، وقيل: الشمس في السماء الخامسة، وقيل: في الرابعة، وقال عبد الله بن عمر: "هي في الشتاء في الرابعة، وفي الصيف في السابعة" (٢).
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٤٧٧)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٣٧٥).
(٢) قال أبو حيان في "البحر المحيط" (٨/ ٣٣٤): وهذا شيء لا يوقف على معرفته إلا من علم الهيئة.
نوح 71:17
﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾.
[١٧] ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ استعارة من حيث أُخذ آدم -عليه السلام- من الأرض، ثم صار الجميع نابتًا منه، وقوله: ﴿نَبَاتًا﴾ مصدر (١) واقع موقع إنبات؛ أي: فنبتُّم نباتًا.
...
﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨)﴾.
[١٨] ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾ مقبورين.
﴿وَيُخْرِجُكُمْ﴾ للبعث ﴿إِخْرَاجًا﴾ لموقف العرض والجزاء.
...
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩)﴾.
[١٩] ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ بسيطة.
...
﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا﴾ طرقًا ﴿فِجَاجًا﴾ واسعة.
...
﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١)﴾.
[٢١] فلما لم يطيعوه، ويئس نوح من إيمانهم ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾ لم يجيبوا دعوتي.
(١) "مصدر" زيادة من "ت".
نوح 71:22
﴿وَاتَّبَعُوا﴾ يعني: السفلة والفقراء ﴿مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ﴾ هم الرؤساء منهم.
﴿إِلَّا خَسَارًا﴾ ضلالًا في الدنيا، وعقوبة في الآخرة. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، وعاصم بخلاف عنه: (وَوَلَدَهُ) بفتح الواو واللام، والباقون: بضم الواو وإسكان اللام، وهما بمعنى (١).
...
﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)﴾.
[٢٢] ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ أي: كبيرًا عظيمًا، وهو كذبهم على الله.
...
﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ أي: عبادتها ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر: (وُدًّا) بضم الواو، والباقون: بفتحها (٢).
﴿وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ وهي أصنام كانت أعظم أصنامهم، فخصوا بالذكر، وكان الطوفان دفنها، فأخرجها الشيطان لمشركي العرب، فعبدت كلبٌ وَدًّا، وهمدان سُواعًا، ومذحج يغوث، ومراد يعوق، وحمير نسرًا.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٥٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٣١).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١٥)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٧٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٣٢).
نوح 71:24
﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا﴾ أي: الأصنام، وهو إخبار نوح عنهم، وهو منقطع مما حكاه عنهم، والمعنى: قد أضل هؤلاء ﴿كَثِيرًا﴾ من الناس.
روي أنها أسماء رجال صالحين كانوا في صدر الدنيا، فلما ماتوا، صَوَّرهم أهلُ ذلك العصر من حجر، وقالوا ننظر إليها، فنذكر أفعالهم، فهلك ذلك الجيل، وكبر تعظيم الآخر لتلك الحجارة، ثم كذلك حتى عبدت (١)، ثم انتقلت تلك الأصنام بأعيانها إلى قبائل العرب، ثم دعا نوح عليهم إلى الله تعالى فقال: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ هلاكًا، فأهلكوا، وذكر الظالمين؛ لتعم الدعوة كلَّ من جرى مجراهم.
...
﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥)﴾.
[٢٥] ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ قرأ أبو عمرو: بفتح الطاء والياء وألف بعدهما من غير همز، وضمَّ الهاء مثل عَطاياهُم، وقرأ الباقون:. (خَطِيئَاتِهِمْ) بكسر الطاء وياء ساكنة بعدها وبعد الياء همزة مفتوحة وألف وتاء مكسورة وكسر الهاء للإتباع (٢)، وكلا القراءتين جمع خطيئة، و (ما) مزيدة للتأكيد والتفخيم، المعنى: من أجل خطيئاتهم.
(١) انظر: "المحرر الوجيز" (٥/ ٣٧٦).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٥٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٥)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٧٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٣٣).
نوح 71:26
﴿أُغْرِقُوا﴾ بالطوفان ﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ وجاء بالفاء للإيذان أنهم عذبوا بالإحراق عقب الإغراق ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ أحدًا يصرف عنهم بأس الله تعالى.
...
﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ أحدًا يدور في الأرض، وَديَّار أصله دَيْوار، وهو فَيْعال من الدوران، أي: من يجيء ويذهب.
وروي أن نوحًا -عليه السلام- لم يدع بهذه الدعوة إلا من بعد أن أخرج الله كل مؤمن من أصلابهم، وأعقم أرحام النساء قبل العذاب بسبعين سنة (١).
...
﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾.
[٢٧] ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ كان الرجل ينطلق بابنه إلى نوح، فيقول: احذر هذا؛ فإنه كذاب، وإن أبي حَذَّرنيه، فيموت الكبير، وينشأ الصغير عليه.
﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا﴾ مائلًا عن الحق.
﴿كَفَّارًا﴾ عظيمَ الكفر، قال ذلك لما علم حالهم؛ لمكثه ألف
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٤٧٩)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٣٧٧).
نوح 71:28
سنة إلا خمسين عامًا ينذرهم وهم لا يؤمنون، فأجاب الله دعاءه، وأهلكهم كلهم، ولم يكن فيه صبي وقت العذاب؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧]، ولم يوجد التكذيب من الأطفال.
...
﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾.
[٢٨] ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ اسم أبيه لامخ وقيل لمك بن متوشلح، وأمه شمخاء بنت أنوش، وكانا مؤمنين، [وفي معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ من الأمثال الدائرة على ألسن الناس: لا تلدُ الحيةُ إلا حية] (١)، قال ابن عباس: لم يكفرْ لنوحٍ أبٌ ما بينه وبين آدم عليه السلام (٢).
﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ﴾ أي: داري ﴿مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ تعميم بالدعاء لمؤمني كل أمة. قرأ هشام عن ابن عامر، وحفص عن عاصم: (بَيْتِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٣).
﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ هلاكًا، وذهابَ رسم، فاستجاب الله دعوته، وأهلكهم، والله أعلم.
(١) ما بين معكوفتين سقط من "ت".
(٢) انظر: "تفسير الثعالبي" (٤/ ٣٤٥).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٥٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٢٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٣٤).
الجن 72:1
سُورَةُ الْجِنِّ
مكية، وآيها: عشرون وثماني آيات، وحروفها: سبع مئة وتسعة وخمسون حرفًا، وكلمها: مئتا كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١)﴾.
[١] ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ أصله وحي؛ من وحي إليه، فقلبت الواو همزة لضمها.
﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ وكانوا تسعة من جن نصيبين اليمن، استمعوا قراءة النبي - ﷺ -، وتقدم ذكر أسمائهم وقصتهم وحكمهم في سورة الأحقاف، والجن أجسام عاقلة خفية تغلب عليهم النارية أو الهوائية.
﴿فَقَالُوا﴾ لما رجعوا إلى قومهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ بليغًا، لأنهم تعجبوا من حسنه وغزارة معانيه. قرأ ابن كثير: (قُرَانًا) بالنقل، والباقون: بالهمز (١).
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٢٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٣٧).
الجن 72:2
﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾.
[٢] ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ يدعو إلى الإيمان ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾ بالقرآن.
﴿وَلَنْ نُشْرِكَ﴾ بعد اليوم ﴿بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ وفيه دلالة على أنه - ﷺ - لم يرهم، ولم يقرأ عليهم، وإنما اتفق حضورهم وقت قراءته، فسمعوها، فأخبر الله به نبيه.
...
﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣)﴾.
[٣] ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ أي جلالُ ربنا وعظمتهُ (١)، والجَدُّ: البخت والحظ، والمعنى: تعاظم جلاله وقدرته عن المحدَثات.
﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ اختلف القراء في (أَنَّهُ تَعَالَى) وما بعدها إلى قوله (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ)، وتلك اثنتا عشرة همزة، فقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: بفتح الهمزة فيهن، وافقهم أبو جعفر في ثلاتة: (وَأَنَّهُ تَعَالَى)، (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ)، (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ)، وقرأ الباقون: بكسرها في الجميع (٢)، فمن كسر، استأنف فوقف على أواخر الآيات، ومن فتح، عطف على أنه عطف على (أَنَّهَ اسْتَمَعَ)، واتفقوا على فتح (أَنَّهُ اسْتَمَعَ)، (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ)؛ لأنه لا يصح أن يكون من قولهم، بل هو مما أوحى الله إليه - ﷺ -، بخلاف الباقي؛ فإنه يصح أن يكون
(١) "وعظمته" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١٥)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٨١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٣٧ - ٢٤٠).
الجن 72:4
من قولهم، ومما أوحى، والله أعلم. وأبو عمرو يدغم الذال في الصاد من قوله: (مَا اتَّخَذ صَّاحِبَةً) (١).
...
﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤)﴾.
[٤] ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾ جاهلُنا إبليس ﴿عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ كذبًا وعدوانًا.
...
﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥)﴾.
[٥] ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾ حَسِبْنا ﴿أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ المعنى: كان في ظننا أن أحدًا لا يكذب على الله بنسبة الزوجة والولد إليه. قرأ يعقوب: (تَقَوَّلُ) بفتح القاف والواو مشددة، والباقون: بضم القاف وإسكان الواو مخففة (٢). إلى هنا تم الكلام.
...
﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾.
[٦] وابتدأ كلام الله سبحانه، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ وذلك أن الرجل من العرب في الجاهلية كان إذا سافر،
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٧٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٣٩).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٤٨٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٣٩ - ٢٤٠).
الجن 72:7
فأمسى في أرض قفرة، قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في أمن وجوار حتى يصبح.
﴿فَزَادُوهُمْ﴾ أي: زاد الإنسُ الجنَّ باستعاذتهم.
﴿رَهَقًا﴾ طغيانًا وسفهًا؛ بأن قالوا: سُدْنا الجنَّ والإنسَ.
...
﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧)﴾.
[٧] ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا﴾ أي: الجنَّ ﴿كَمَا ظَنَنْتُمْ﴾ يا كفار الإنس.
﴿أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ بعد موته.
...
﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨)﴾.
[٨] ثم رجع إلى قول الجن، وهو قوله: ﴿وَأَنَّا﴾ أي: تقول الجنُّ: إنا.
﴿لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ طلبنا بلوغ السماء، واللمس مستعار من المس: الطلب؛ كالجس.
﴿فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ﴾ قرأ أبو جعفر: (مُلِيَتْ) بفتح الياء بغير همز، والباقون: بالهمز (١) ﴿حَرَسًا شَدِيدًا﴾ من الملائكة يحرسون ﴿وَشُهُبًا﴾ من النجوم محرقة.
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٤١).
الجن 72:9
﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾.
[٩] ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا﴾ أي: السماء ﴿مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ فيه إيذان بخلو بعض السماء من الحرس قبل بعثة النبي - ﷺ -، فلما بُعث، منعوا منها بالكلية، يدل عليه: ﴿فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ المعنى: كنا قبل نستمع.
﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ صفة لـ (شِهَابًا)، أي: أُرصد، يعني: أُعِدَّ له ليرمى به.
...
﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾.
[١٠] ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ بحراسة السماء.
﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ خيرًا.
...
﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١)﴾.
[١١] ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾ المؤمنون الأبرار ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: قوم دون ذلك، وهم المقتصدون.
﴿كُنَّا طَرَائِقَ﴾ مذاهب ﴿قِدَدًا﴾ فرقًا مختلفة الأهواء، والقدة: القطعة من الشيء.
الجن 72:12
﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢)﴾.
[١٢] ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾ أَيْقَنَّا ﴿أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ﴾ كائنين ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أينما كنا.
﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ أي: هاربين منها إلى السماء.
...
﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣)﴾.
[١٣] ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾ القرآن ﴿آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ﴾ أي: فهو لا يخاف، مبتدأ وخبر، وليس بنهي، ولو كان نهيًا، لقيل: فلا يخف.
﴿بَخْسًا﴾ نقصًا ﴿وَلَا رَهَقًا﴾ ظلمًا.
...
﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤)﴾.
[١٤] ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ وهم من آمن بمحمد - ﷺ - ﴿وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ الجائرون، وهم الذين جعلوا لله ندًّا، يقال: أقسط الرجل: إذا عدل، فهو مُقْسِط، وقَسَطَ: إذا جار، فهو قاسِط.
﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا﴾ تَوَخَّوا وتعمَّدوا ﴿رَشَدًا﴾ خيرًا وهداية.
الجن 72:15
﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾.
[١٥] ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ توقَد بهم يوم القيامة. إلى هنا من كلام الجن.
...
﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦)﴾.
[١٦] ثم قال الله تعالى إخبارًا عن الكفار: ﴿وَأَلَّوِ﴾ (وَأَنْ) مخففة من الثقيلة، تقديره: (وَأَنَّهُ لَو) ﴿اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ طريقة الإسلام.
﴿لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ كثيرًا، وذلك بعد ما رُفع عنهم المطر سبع سنين.
...
﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾.
[١٧] ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ لنختبرهم كيف يشكرون ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ عن عبادته ﴿يَسْلُكْهُ﴾ ندخله. قرأ الكوفيون، ويعقوب: (يَسْلُكْهُ) بالياء؛ أي: يُدخله ربه، وقرأ الباقون: بالنون التي للعظمة (١) ﴿عَذَابًا صَعَدًا﴾ شاقًّا.
...
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾.
[١٨] ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ﴾ المبنية للصلاة ﴿لِلَّهِ﴾ تُفرد للصلاةِ والدعاءِ
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٥٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٥)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٨٥)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٤٤).
الجن 72:19
وكلِّ ما هو خالص لله تعالى، ولا يُجعل فيها لغير الله نصيب، وتقدم الكلام في حكم المسجد وصيانته وتحريم البصاق فيه في سورة التوبة عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [الآية: ١٨].
وأما حكم القاضي في المسجد، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يجوز؛ لأن رسول الله - ﷺ - كان يقضي بين الخصوم في المسجد، وكذا الخلفاء الراشدون بعده، ومذهب الشافعي: يُكره كراهة تنزيه، فلو اتفقت قضية أو قضايا وقت حضوره في المسجد لصلاة أو غيرها، فلا بأس بفصلها، وأما الحدود، فلا تقام في المساجد بالاتفاق.
﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ فلا تعبدوا فيها غيره سبحانه.
...
﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾.
[١٩] ثم رجع عن الإخبار عن الكفار إلى الإخبار عن الجن، فقال: ﴿وَأَنَّهُ﴾ قرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم: بكسر الهمزة، والباقون: بفتحها (١) ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ هو محمد - ﷺ - ﴿يَدْعُوهُ﴾ يعبد الله تعالى، ويقرأ القرآن بنخلة عند سوق عكاظ.
﴿كَادُوا﴾ يعني: الجن، وهم النفر الذين جاؤوه من جن نصيبين.
﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ أي: يركب بعضهم بعضًا، يزدحمون حرصًا على
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٥٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٥)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٨٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٤٤ - ٢٤٥).
الجن 72:20
سماع القرآن. قرأ هشام عن ابن عامر: (لُبَدًا) بضم اللام؛ كحُطَم، واحد يدل على الكثرة، وقرأ الباقون: بكسرها (١)؛ كمِعَد، جمع لِبْدَة، وهي الجماعة.
...
﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿قُلْ﴾ قرأ أبو جعفر، وعاصم، وحمزة: (قُلْ) بغير ألف على الأمر؛ أي: قل للمتظاهرين عليك، وقرأ الباقون: بالألف على الخبر (٢)، يعني: قال رسول الله - ﷺ -، وهو يرجع إلى قوله: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ).
﴿إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾ إلها معبودًا.
﴿وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ في العبادة وغيرها، فلم تتظاهرون علي؟!
...
﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١)﴾.
[٢١] ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا﴾ غَيًّا.
﴿وَلَا رَشَدًا﴾ خيرًا، وإنما هو تعالى المالك لذلك.
...
﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢)﴾.
[٢٢] ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ﴾ من عذابه إن عصيته.
(١) المصادر السابقة.
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٥)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٨٦)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٤٦).
الجن 72:23
﴿أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ ملجأ.
...
﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾.
[٢٣] وتستثنى من ﴿لَا أَمْلِكُ﴾ إلى ﴿رَشَدًا﴾ ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ﴾ وتعطف على ﴿بَلَاغًا﴾ ﴿وَرِسَالَاتِهِ﴾ المعنى: لا أملك إلا تبليغَ الرسالة.
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فلم يؤمن ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ جمعه للمعنى.
...
﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا﴾ فيه إضمار معناه: انتظرهم يا محمد، وأمهلهم حتى إذا رأوا، يعني: المشركين ﴿مَا يُوعَدُونَ﴾ من العذاب.
﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ عند حلوله بهم ﴿مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾ أعوانًا هم أم المؤمنون.
...
﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥)﴾.
[٢٥] ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي﴾ أي: ما أدري ﴿أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ من العذاب.
﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾ أجلًا. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير،
الجن 72:26
وأبو عمرو: (رَبِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
...
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ رفع على نعت قوله: (رَبِّي).
﴿فَلَا يُظْهِرُ﴾ يُطْلع.
﴿عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ مما يختص به علمه.
...
﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾.
[٢٧] ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى﴾ أي: اصطفى ﴿مِنْ رَسُولٍ﴾ فإنه يظهره على ما يشاء مما هو قليل من كثير.
﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ﴾ يسير ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ يدي الرسول.
﴿وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ حَفَظَة من الملائكة يحرسونه من الشيطان.
...
﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾.
[٢٨] ﴿لِيَعْلَمَ﴾ قرأ رويس عن يعقوب: بضم الياء؛ أي: ليُعلم الناسَ
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٥٧)، و "التيسير" للداني (ص: ٢١٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٤٧). أن الرسل قد بلغوا، وقرأ الباقون: بفتح الياء (١)؛ أي: ليعلمَ الله.
﴿أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا﴾ أي: الرسل ﴿رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ والآية مضمنة أنه تعالى قد علم (٢) ذلك، فعلى هذا الفعل المتضمن العطف.
﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ أي: علم ما عند الرسل، وأحاط علمه به. قرأ حمزة، ويعقوب: (لَدَيْهُمْ) بضم الهاء، والباقون: بكسرها (٣).
﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ أي: معدودًا محصورًا، فلم يخف عليه شيء، ونصب (عددًا) على الحال، والله أعلم.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٤٨٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٤٨).
(٢) "قد علم" زيادة من "ت".
(٣) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٢٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٤٨).
المزمل 73:1
سُورَةُ المُزَّمِّلِ
مكية إلا قولَه تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ إلى آخر السورة؛ فإن ذلك نزل بالمدينة، آيها: عشرون آية، وحروفها: ثماني مئة وثمانية وثلاثون حرفًا، وكلمها: مئة وسبع كلمات.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾.
[١] روي أن رسول الله - ﷺ - لما جاءه جبريل -عليه السلام- في غار حراء، وحاوره بما حاوره، ورجع رسول الله - ﷺ - إلى خديجة -رضي الله عنها- فقال: "زَمِّلوني زملوني"، فنزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ (١) أصله: المتزمل، أدغمت التاء في الزاي؛ أي: معناه: الملتقِّفُ بثوبه، يقال: تزمَّلَ بثوبه: إذا تغطَّى به.
(١) انظر: قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٤/ ١٠٨): قلت: غريب.
وقال ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٣٨٦): جمهور المفسرين والزهري بما في البخاري من أنه عليه السلام لما جاءه الملك في غار حراء وحاوره بما حاوره، رجع رسول الله - ﷺ - إلى خديجة فقال: "زملوني زملوني"، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. وعلى هذا نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾.
المزمل 73:2
﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾.
[٢] ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ للصلاة، ونصبه ظرف، وكسر الميم للساكنين.
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ وكان قيام الليل فريضة في الابتداء.
...
﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣)﴾.
[٣] وبيَّن قَدْرَه فقال: ﴿نِصْفَهُ﴾ ظرف أيضًا.
﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ﴾ من النصف ﴿قَلِيلًا﴾ إلى الثلث.
...
﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾.
[٤] ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ على النصف إلى الثلثين، خَيَّره بين هذه المنازل. قرأ عاصم، وحمزة، ويعقوب: (أَوِ انْقُصْ) بكسر الواو، والباقون: بضمها (١) ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ أي: بينه تبيينًا.
سئل أنس: كيف كانت قراءة النبي - ﷺ -؟ فقال: "كانت مَدًّا، ثم قرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يمد بسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم" (٢).
...
﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾.
[٥] ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ هو القرآن؛ لما فيه من الأوامر والنواهي والحدود.
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٢٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٥١).
(٢) رواه البخاري (٤٧٥٩)، كتاب: فضائل القرآن، باب: مد القراءة.
المزمل 73:6
وسئل - ﷺ -: كيف يأتيك الوحي؟ قال: "أحيانًا يأتيني مثلَ صلصلةِ الجرس، وهو أشدُّه عليَّ، فيفصم عني وقد وعيتُ ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملَكُ رجلًا يكلمني، فأعي ما يقول".
قالت عائشة -رضي الله عنها-: ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد، فينفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا (١).
والخطاب الخاص بالنبي - ﷺ - كـ (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) ونحوه عام للأمة، إلا بدليل يخصه، وهذا قول أحمد والحنفية والمالكية، وقال أكثر الشافعية: لا يعمهم إلا بدليل، وخطابه - ﷺ - لواحد من الأمة هل يعم غيره؟ قال الشافعي والحنفية والأكثر: لا يعم، وقال أبو الخطاب من أئمة الحنابلة: إن وقع جوابًا، عمَّ، وإلا فلا.
...
﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾.
[٦] ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ ساعاته كلها، وناشئة جمع ناشى، سميت بذلك؛ لأنها تنشأ؛ أي: تبدو، فكل ما حدث بالليل وبدأ فقد نشأ، وقيل: إن (ناشئة) حبشية معربة.
﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾ قرأ أبو عمرو، وابن عامر (وِطَآءً) بكسر الواو وفتح الطاء وألف ممدودة بعدها؛ أي: أَثبتُ قيامًا، وقرأ الباقون: بفتح الواو وإسكان الطاء من غير مد، وإذا وقف حمزة، نقل حركة الهمزة إلى الطاء، فحركها
(١) رواه البخاري (٢)، كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، ومسلم (٢٣٣٣)، كتاب: الفضائل، باب: عرق النبي ﷺ في البرد، من حديث عائشة رضي الله عنها.
المزمل 73:7
على أصله (١)، معناه: أشد وأثقل على المصلي من صلاة النهار.
﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ أصحُّ قولًا؛ لهدوء الناس، وسكون الأصوات.
...
﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧)﴾.
[٧] ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ تصرُّفًا وتقلُّبًا في مهماتك وشغلك كما يتردد السابح في الماء.
...
﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾.
[٨] ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ بالتوحيد.
﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ أي: انقطعْ إليه عما سواه، وأخلص له إخلاصًا.
...
﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾.
[٩] ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ قرأ ابن عامر، ويعقوب، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (رَبِّ) بخفض الباء على نعت الرب في قوله: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ)، وقرأ الباقون: بالرفع على الابتداء (٢)، وتقدم
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٥٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٦)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٩٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٢٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٥٢).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١٦)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٩٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٥٣ - ٢٥٤).
المزمل 73:10
الكلام على قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ و ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] و ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات: ٥]، في أول سورة الصافات.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ أي: فوض إليه أمرك.
...
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)﴾.
[١٠] ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ يعني: قريشًا ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ وهو ألَّا تتعرض لهم، ولا تشتغل بمكافأتهم، ونسختها آية القتال.
...
﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١)﴾.
[١١] ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ وعيد لهم؛ أي: لا تشتغل بهم فكرًا، وكِلْهم إلي.
﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ بفتح النون: أي: التنعيم، وبكسرها؛ أي: الإنعام، وبضمها: المسرة، والتلاوة بالأول ﴿وَمَهِّلْهُمْ﴾ إمهالًا ﴿قَلِيلًا﴾ فلم يكن إلا اليسير حتى قتلوا ببدر.
...
﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢)﴾.
[١٢] ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾ قيودًا ثقالًا، كلما ارتفعوا بها في جهنم، استفلَتْ بهم ﴿وَجَحِيمًا﴾ نارًا محرقة.
المزمل 73:13
﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣)﴾.
[١٣] ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ ينشب في حلوقهم، فلا يسوغ فيها.
﴿وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ زيادة على تعذيبهم.
...
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾.
[١٤] ﴿يَوْمَ﴾ العامل فيه الفعل الذي تضمنه ﴿إِنَّ لَدَيْنَا﴾ المعنى: استقر للكفار لدينا كذا وكذا يوم ﴿تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ تتحرك وتتزلزل لهول ذلك اليوم.
﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا﴾ رملًا ﴿مَهِيلًا﴾ سائلًا بعد اجتماعه.
...
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥)﴾.
[١٥] ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿رَسُولًا﴾ هو محمد - ﷺ -.
﴿شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ يوم القيامة بالكفر والإيمان ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾.
...
﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾.
[١٦] نكر الرسول، ثم دخل حرف التعريف في ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ ليعود المعرف على المنكر بعينه، وهو موسى -عليه السلام-، وتمثيلُه لهم أمرَهم بفرعون وعيدٌ؛ كأنه يقول: فحالُهم من العذاب والعقاب إن كفروا صائرة (١) إلى مثل حال فرعون.
(١) في "ت": "سائرة".
المزمل 73:17
﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ شديدًا ثقيلًا.
...
﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧)﴾.
[١٧] ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ﴾ أنفسكم ﴿إِنْ كَفَرْتُمْ﴾ بقيتم على الكفر.
﴿يَوْمًا﴾ مفعول ﴿تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ لا ظرفًا لـ ﴿كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ ثم لأن الكفر لا يكون يوم.
﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ جمع أشيب، وهو الأبيض الرأس.
...
﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)﴾.
[١٨] ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ﴾ منشق ﴿بِهِ﴾ يعني: باليوم؛ لشدته، وبما عليه من الملائكة؛ كانفطار الخشبة بالقدوم، ولم يقل: منفطر؛ لأن السماء تذكر وتؤنث، فمن ذكر، ذهب إلى المعنى؛ لأن معناها السقف؛ لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا﴾ [الأنبياء: ٣٢]، ومن أنث، ذهب إلى اللفظ.
﴿كَانَ وَعْدُهُ﴾ تعالى بمجيء ذلك اليوم ﴿مَفْعُولًا﴾ كائنًا بلا بد.
...
﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩)﴾.
[١٩] ﴿إِنَّ هَذِهِ﴾ الآياتِ المخوفة ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ عظةٌ.
﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ بالإيمان.
المزمل 73:20
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى﴾ أقلَّ (١) ﴿مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ قرأ هشام عن ابن عامر: (ثُلْثَي) بإسكان اللام، والباقون: بضمها ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ قرأ ابن كثير، والكوفيون: بنصب الفاء والثاء وضم الهاءين عطفًا على (أَدْنَى)؛ أي: وتقوم نصفه وثلثه، وقرأ الباقون: بخفض الفاء والثاء وكسر الهاءين عطفًا على (ثُلُثَي) (٢)؛ أي: وتقوم أقلَّ من ثلثي الليل ومن نصفه ومن ثلثه.
﴿وَطَائِفَةٌ﴾ أي: تقوم أنت وتقوم طائفة ﴿مِنَ﴾ أصحابك ﴿الَّذِينَ مَعَكَ﴾ يعني: المؤمنين، وكانوا يقومون معه.
﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [فيعرف مقادير جميع ذلك ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ لن تطيقوا معرفة ذلك ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ فعاد عليكم بالعفو والتخفيف بترك ما فرض من قيام الليل] (٣).
(١) "أقل" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٥٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٦)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٩٥ - ٤٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٥٥).
(٣) ما بين معكوفتين زيادة من "ت". ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ من غير توقيت لصلاة، وقيل: القرآن هنا: الصلاة، عبر عنها به؛ لأنه بعض أركانها، ونسخ بالصلوات الخمس، ثم أومأ إلى علة النسخ فقال: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ فيثقل عليهم قيام الليل، و (أَنْ) مخففة من الثقيلة؛ أي: علم أنه سيكون.
﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يسافرون للتجارة ﴿يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ أي: رزقه ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: يجاهدون لا يطيقون قيام الليل.
﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ أي: القرآن، كان هذا في صدر الإسلام، ثم نُسخ بالصلوات الخمس، وذلك قوله تعالى:
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضةَ ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ الواجبة.
﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ هو الإنفاق في سبل الخير غير المفروض.
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ مما تؤخِّرونه إلى الوصية، ونصب (خَيْرًا) (وَأَعْظَمَ) على المفعول الثاني لـ (تَجِدُوهُ)، فإن الوجود إذا كان بمعنى الرؤية يتعدى إلى مفعولين.
﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ لذنوبكم ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كان السلف الصالح يصلون إلى طلوع الفجر، ثم يجلسون للاستغفار إلى صلاة الصبح، والله أعلم.
المدثر 74:1
سُوْرَةُ الْمُدَّثِّرُ
مكية، وآيها: ست وخمسون آية، وحروفها: ألف وعشرة أحرف، وكلمها: مئتان وخمس وخمسون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾.
[١] روي أن رسول الله - ﷺ - قال: "كنتُ على جبل حِراء، فنوديت: يا محمد! إنك رسول الله، فنظرت عن يميني ويساري، فلم أر شيئًا، فنظرت فوقي، [فرأيت شيئًا، وفي رواية: فنظرت فوقي] (١)، فإذا به قاعد على عرش بين السماء والأرض -يعني: الملك الذي ناداه-، فرعبت، ورجعت إلى خديجة، فقلت: دَثِّروني دَثِّروني، فنزل جبريل وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ " (٢)، الكلام فيه كـ (الْمُزُّمِّل)؛ أي: المتلفِّف بثوبه، من الدثار، وهو ما فوق الشعار الذي يلي الجسد، وقيل: هي أول سورة نزلت، والأصح أن أول ما نزل:
(١) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".
(٢) رواه البخاري (٤٦٣٨)، كتاب: التفسير، باب: تفسير سورة المزمل، ومسلم (١٦١)، كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، من حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنه.
المدثر 74:2
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] كما ورد به الحديث الصحيح (١).
...
﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾.
[٢] ﴿قُمْ﴾ من مَضْجَعِك ﴿فَأَنْذِرْ﴾ خَوِّف الكفارَ النارَ إن لم يؤمنوا.
...
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾.
[٣] ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ عَظِّمْه مما يقول عبدة الأوثان.
...
﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
[٤] ﴿وَثِيَابَكَ﴾ أي: نفسك ﴿فَطَهِّرْ﴾ من الذنب، قال ابن عباس: "لا تلبَسْها على معصية ولا غدر، البسها وأنت طاهر" (٢)، وقيل: معناه: ثيابك فقصر؛ لأن تقصيرها طهرة لها؛ لأن العرب كانوا يجرون ثيابهم فخرًا وخيلاء، فربما أصابتها نجاسة.
...
﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾.
[٥] ﴿وَالرُّجْزَ﴾ قرأ أبو جعفر، ويعقوب، وحفص عن عاصم: بضم الراء، والباقون: بكسرها (٣)، وهما لغتان معناهما واحد، كالذِّكر والذُّكر،
(١) انظر: تخريج الحديث المتقدم.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٩/ ١٤٥)، وانظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٥٠٠)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٣٩٣).
(٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١٦)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٠٠)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٣)، و "معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٥٩).
المدثر 74:6
والمراد: الأوثان، وقيل: الضم للصنم، والكسر للنجاسة ﴿فَاهْجُرْ﴾ لا تقربها.
...
﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.
[٦] ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ لا تُعط مالكَ مصانعةً لتُعطى أكثر منه، و (تَسْتكْثِرُ) رفع لأنه مستقبل في معنى الحال؛ أي: لا تعط مستكثرًا، قال الضحاك: وهذا خاص بالنبي - ﷺ -، ومباح لأمته، لكن لا أجر لهم فيه (١).
...
﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾.
[٧] ﴿وَلِرَبِّكَ﴾ أي: لأمره ﴿فَاصْبِرْ﴾ على الطاعة.
...
﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾.
[٨] ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ نفخ في الصور، وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام، يعني: النفخة الثانية.
...
﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩)﴾.
[٩] ﴿فَذَلِكَ﴾ أي: وقت النقرة ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة.
﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ شديد.
(١) انظر: "البحر المحيط" لأبي حيان (٨/ ٣٦٤).
المدثر 74:10
﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾.
[١٠] ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يعسر فيه الأمر عليهم.
﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ هين، تأكيد، وفيه إشعار بيسره على المؤمنين.
...
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾.
[١١] ونزل في الوليد بن المغيرة المخزومي، وكان يسمى: الوحيد في قومه (١) أي: لا نظير له في ماله وشرفه في بيته ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أي: خلقته من بطن أمه فريدًا لا مال له ولا ولد.
...
﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢)﴾.
[١٢] ثم أنعمت عليه ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ كثيرًا له مدد بالنماء؛ كالزرع والضرع والتجارة.
...
﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾.
[١٣] ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ حضورًا بمكة، لا يغيبون، وكانوا عشرة أو أكثر.
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٩/ ١٥٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٨٢). وانظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٥٠٢).
المدثر 74:14
﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾.
[١٤] ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ ببسط في (١) العيش وطول العمر والولد بسطًا.
...
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾.
[١٥] ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ له من المال والولد.
...
﴿كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦)﴾.
[١٦] ﴿كَلَّا﴾ ردع له عن الطمع، ثم علل الردع على سبيل الاستئناف فقال:
﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا﴾ القرآن.
﴿عَنِيدًا﴾ معاندًا، فما زال الوليد بعد هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك.
...
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾.
[١٧] ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ سأكلفه مشقة من العذاب.
(١) في "ت": "بسطت له في".
المدثر 74:18
﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾.
[١٨] ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ﴾ ماذا يقول في القرآن لما سمعه من النبي - ﷺ -، وكان يقرأ ﴿حم﴾ السجدة، فقال لقومه بني مخزوم: سمعت منه كلامًا ما هو بكلام إنس ولا جن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق (١)، فلم يرض قومه بذلك ﴿وَقَدَّرَ﴾ في نفسه ما يقوله قدحًا (٢) وهيأه.
...
﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾.
[١٩] ﴿فَقُتِلَ﴾ لُعن ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾ تعجيب من تقديره، واستهزاء به.
روي أنه لما قال ما قال حين سمع القرآن، قالت قريش: صبأ الوليد، والله لتصبأن قريش كلهم، وكان يقال للوليد: ريحانة قريش، فقال ابن أخيه أبو جهل: أنا أكفيكموه، فقعد إلى الوليد حزينًا، وكلمه بما أحماه، فقام الوليد فناداهم، فقال: تزعمون أنه مجنون، فهل رأيتموه يخنق؟ وتقولون: إنه كاهن، فهل رأيتموه يتكهن؟ وتزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه يتعاطى شعرًا؟ فقالوا: لا، ثم قالوا: فما هو؟ ففكر فقال: إنه (٣) ساحر، فقال (٤): أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله،
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٥٠٣)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (٢/ ٢٤٥).
(٢) "ما يقوله قدحًا" زيادة من "ت".
(٣) في "ت": "ما هو إلا".
(٤) "فقال" زيادة من "ت".
المدثر 74:20
وولده ومواليه؟ ففرحوا بقوله، وتفرقوا متعجبين منه (١).
...
﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾.
[٢٠] ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ تكرير للمبالغة.
...
﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١)﴾.
[٢١] ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ في وجوه الناس؛ ليعلم ما عندهم.
...
﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾.
[٢٢] ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ كلح وجهه وكرَّهه ﴿وَبَسَرَ﴾ زاد في الكلوح.
...
﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾.
[٢٣] ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ عن الحق ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ عن الإيمان واتباع محمد - ﷺ -.
...
﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا﴾ الذي يقول محمد ﴿إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ يروى عن السحرة.
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (١٠/ ٧٣)، و"الكشاف" للزمخشري (٤/ ٦٥١).
المدثر 74:25
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾.
[٢٥] ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ يعني: يسارًا وجبرًا، وهما عبدان من بلد فارس كانا بمكة، وكان رسول الله - ﷺ - يجلس عندهما، فقال الوليد: ما هذا القرآن إلا قول جبر ويسار.
...
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾.
[٢٦] ﴿سَأُصْلِيهِ﴾ سأدخله ﴿سَقَرَ﴾ اسم من أسماء جهنم، وهو بدل من ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾، ولم ينصرف للتعريف والتأنيث.
...
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾.
[٢٧] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ هو تعظيم لشأنها.
...
﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾.
[٢٨] ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾ شيئًا من لحم ولا عصب إلا أهلكته، ثم يعود كما كان.
...
﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾.
[٢٩] ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ مغيرة للجلد حتى تجعله أسود.
المدثر 74:30
﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾.
[٣٠] ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ هم خزنتها: مالك، ومعه ثمانية عشر على بابها، أعينهم كالبرق الخاطف، وأنيابهم كالصياصي، يخرج لهيب النار من أفواههم، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، نزعت منهم الرحمة، يدفع أحدهم سبعين ألفًا فيرميهم حيث أراد في جهنم. قرأ أبو جعفر: (تِسَعْةَ عْشَرَ) بفتح السين وإسكان العين الأولى والثانية لتوالي الحركات (١).
...
﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١)﴾.
[٣١] ولما نزلت هذه الآية، قال أبو الأشد بن أسيد بن كلدة، وكان قويًّا شديد البأس: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني أنتم اثنين، فنزل تجهيلًا لهم: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ (٢) لا يطاقون، وليسوا كما يتوهمون.
﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ﴾ تسعة عشر ﴿إِلَّا فِتْنَةً﴾ ضلالًا.
﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بأن يقولوا استهزاءً: لم كانوا تسعة عشر؟
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٦٢ - ٢٦٣).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٥٠٥).
المدثر 74:32
﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ هم اليهود صِدْقَ محمد؛ لأن عددهم في التوراة تسعة عشر (١)، وتعطف على ﴿لِيَسْتَيْقِنَ﴾.
﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من أهل الكتاب ﴿إِيمَانًا﴾ تصديقًا، لموافقة محمد كتابهم، ثم بالغ في نفي احتمال الشك، فعطف على ﴿لِيَسْتَيْقِنَ﴾، فقال:
﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ من غيرهم في عدد الملائكة، ثم عطف على ﴿لِيَسْتَيْقِنَ﴾ أيضًا.
﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شك بالمدينة ﴿وَالْكَافِرُونَ﴾ بمكة.
﴿مَاذَا﴾ أيّ شيء الذي ﴿أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا﴾ العدد المستغرب ﴿مَثَلًا﴾ استبعادًا أن يكون هذا من عند الله، والمراد بالمثل: الحديث نفسه.
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما أضل الله من أنكر عدد الخزنة، وهدى من صدَّقَ.
﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ولما قال أبو جهل: أما كان لمحمد أعوان إلا تسعة عشر؟!
نزل: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ (٢) من الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار ﴿إِلَّا هُوَ﴾ ثم رجع إلى ذكر سقر.
فقال: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى﴾ عظة ﴿لِلْبَشَرِ﴾.
...
﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾.
[٣٢] وقوله: ﴿كَلَّا﴾ رد على الكافرين وأنواع الطاغين على الحق، ثم
(١) "تسعة عشر" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٥٠٦).
المدثر 74:33
أقسم تعالى فقال: ﴿وَالْقَمَرِ﴾ تخصيص تشريف وتنبيه على النظر في عجائبه، وقدرة الله تعالى في حركاته المختلفة التي هي مع كثرتها واختلافها على نظام واحد لا يخل.
...
﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾.
[٣٣] ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ قرأ نافع، ويعقوب، وحمزة، وخلف، وحفص عن عاصم: (إِذْ) بإسكان الذال من غير ألف (أَدْبَرَ) بهمزة مفتوحة وإسكان الدال بعدها على وزن أَفْعَلَ، وقرأ الباقون: (إِذَا) بألف بعد الذال (دَبَرَ) بفتح الدال من غير همز قبلها على وزن فَعَلَ (١)، ومعناهما واحد؛ أي: ولى ذاهبًا.
...
﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾.
[٣٤] ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ أضاء وتبيَّنَ.
...
﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾.
[٣٥] وجواب القسم: ﴿إِنَّهَا﴾ أي: سقر (٢).
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١٦)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٠٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٦٣).
(٢) "أي: سقر" زيادة من "ت".
المدثر 74:36
﴿لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ جمع كُبْرى؛ أي: البلايا العِظام.
...
﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾.
[٣٦] ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ونصب (نَذِيرًا) حال؛ أي: إنها لكبيرة في حال الإنذار، وذكَّر (نذيرًا)، لأنه بمعنى العذاب، قال الحسن: والله ما أنذر الله بشيء أدهى منها (١).
...
﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾.
[٣٧] وتبدل من ﴿الْحَيَاةُ﴾ ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ﴾ أن يسبق إلى الخير.
﴿أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ عنه إلى الشر؛ نحو: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وهو أمر وعيد وتهديد.
...
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾.
[٣٨] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ أي: رهنٌ بعملها في النار، والهاء في (رَهِينَةٌ) للمبالغة، أو على تأنيث اللفظ، لا على معنى الإنسان، ولو كانت صفة، لقيل: رهين.
...
﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾.
[٣٩] ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ هم الذين كانوا عن يمين آدم يوم الميثاق،
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (١٠/ ٧٦)، و"تفسير القرطبي" (١٩/ ٨٥).
المدثر 74:40
وهو استثناء (١) ظاهره الانفصال، وتقديره: لكن أصحاب اليمين، وذلك لأنهم لم يكتسبوا ما هم مرتهنون به.
...
﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾.
[٤٠] ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ بينهم.
...
﴿عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾.
[٤١] ﴿عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ ماذا حل بهم؟
...
﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾.
[٤٢] فإذا خرج الموحدون من النار، قال المؤمنون لمن فيها، وذلك أن الله أطلع أهل الجنة في الجنة حتى رأوا أهل النار وهم في النار، فسألوهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ أدخلكم.
﴿فِي سَقَرَ﴾ قرأ أبو عمرو: (سَلَككُّمْ) بإدغام الكاف، في الكاف والباقون: بالإظهار.
...
﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾.
[٤٣] فأجاب الكفار و ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ لله تعالى.
(١) "استثناء" زيادة من "ت".
المدثر 74:44
﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾.
[٤٤] ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ ولا نحض على إطعامه.
...
﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥)﴾.
[٤٥] ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ ندخل في الباطل مع المبطلين.
...
﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)﴾.
[٤٦] ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ البعث.
...
﴿حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ﴾.
[٤٧] ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ الموت (١).
...
﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾.
[٤٨] قال الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ من الملائكة والأنبياء والصالحين.
(١) "الموت" زيادة من "ت".
المدثر 74:49
﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)﴾.
[٤٩] ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ﴾ مواعظِ القرآن (١) ﴿مُعْرِضِينَ﴾ نصب على الحال.
...
﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠)﴾.
[٥٠] ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ﴾ جمع حمار ﴿مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: بفتح الفاء؛ أي: استنفرها غيرُها، وقرأ الباقون: بكسرها (٢)؛ أي: طلبت النفار من نفسها؛ لشدة خوفها.
...
﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾.
[٥١] ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ هم الرماة الذين يتصيدون.
...
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾.
[٥٢] ولما قالوا للنبي - ﷺ -: إن سرك أن نتبعك، فليصبح عند رأس كل منا كتاب منشور من الله تعالى إلى فلان نؤمر فيه باتباعك، نزل:
(١) "مواعظ القرآن" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٦٠)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٠٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٦٥ - ٢٦٦).
المدثر 74:53
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا﴾ (١) قراطيس ﴿مُنَشَّرَةً﴾ تنشر وتقرأ.
...
﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣)﴾.
[٥٣] ﴿كَلَّا﴾ ردع عن اقتراحهم الآيات ﴿بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾ لأنهم لو خافوا النار، لما اقترحوا هذه الآيات بعد قيام الأدلة.
...
﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾.
[٥٤] ﴿كَلَّا﴾ ردع عن إعراضهم، ثم ابتدأ فقال: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: القرآنَ ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ عظة.
...
﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾.
[٥٥] ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ اتعظ به.
...
﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾.
[٥٦] ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ﴾ قرأ نافع: (تَذْكُرُونَ) بالخطاب، والباقون: بالغيب (٢).
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٩/ ١٧١)، وانظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٥٠٨)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٨/ ٦٥٥).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٦٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٦)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٠٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٦٦). ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ لهم الهدى.
﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى﴾ بأن يُتقى ويُطاع ويُحذر عصيانه.
﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ بأنْ يغفرَ لعباده إذا اتقوه، والله أعلم.
***
القيامة 75:1
سورة القيامة
مكية، وآيها: أربعون آية، وحروفها: ست مئة واثنان وخمسون حرفًا، وكلمها: مئة وتسع وتسعون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾.
[١] ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ تقدم مذهب السوسي في إسكان الميم من (أُقْسِمْ) في سورة الواقعة [الآية: ٧٥]، وقرأ قنبل عن ابن كثير: (لأُقْسِمُ) الحرف الأول فقط بحذف الألف التي بعد اللام، فتصير لام توكيد، واختلف عن البزي، وقرأ الباقون: بالألف (١)، فتكون لام الابتداء، و (أقسم) خبر مبتدأ محذوف معناه: لأنا أقسم ﴿بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أقسم الله به تنبيهًا منه لعظمته وهوله.
...
﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾.
[٢] ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ التي لا تزال تلوم نفسها في الدنيا، وإن
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٦١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥١١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٢٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٧).
القيامة 75:3
اجتهدت في الإحسان، وهو قسم كالأول على الصحيح، ولا خلاف بين القراء في إثبات الألف التي بعد اللام فيه، و (النَّفْس) في الآية اسم جنسٍ لنفوس البشر.
...
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣)﴾.
[٣] وجواب القسم مضمر فيه، تقديره: لَتُبْعَثُنَّ، يدل عليه: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ﴾ الذي ينكر البعثَ ﴿أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ بعدَ تفرُّقها. قرأ ابن عامر، وحمزة، وأبو جعفر: (أَيَحْسَبُ) بفتح السين، والباقون: بكسرها (١).
...
﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾.
[٤] ﴿بَلَى﴾ هو إيجاب ما نفي، والمعنى: بلى نجمعها.
﴿قَادِرِينَ﴾ نصب على الحال ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ والبنان: الأصابع؛ أي: نضمها على صغرها ولطافتها بعضَها على بعض كما كانت من غير نقصان، وقيل: معناه: نجعلها في حياته هذه شيئًا واحدًا كخف البعير، فلا يقدر على عمل لطيف كالكتابة، فتقل منفعته بيده، ففي هذا توعُّد ما.
...
﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥)﴾.
[٥] ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ يكذب بما قُدَّامه من البعث.
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٢٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٧).
القيامة 75:6
﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦)﴾.
[٦] ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ﴾ متى (١) ﴿يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ سؤالَ استهزاء وتكذيب.
...
﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾.
[٧] ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر: (بَرَقَ) بفتح الراء؛ أي: شَقَّ عينَه وفتَحها؛ من البريق، وهو التلألؤ، وقرأ الباقون: بكسرها (٢)؛ أي: شَخَصَ عند الموت، فلا يطرف؛ مما يرى من العجائب.
...
﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾.
[٨] ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ الخسوف والكسوف معناهما واحد، وهو ذهاب ضوء أحد النَّيرين أو بعضه.
وصلاة الكسوف سنة (٣) مؤكدة بالاتفاق، فإذا كسفت الشمس أو القمر، فزعوا للصلاة.
واختلفوا في صفتها، فقال أبو حنيفة: صلاة كسوف الشمس ركعتان كهيئة النافلة، ويصلي بهم إمام الجمعة، ويطيل القراءة، ولا يجهر، ولا يخطب، وخسوف القمر ليس له اجتماع، ويصليها الناس في منازلهم
(١) "متى" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١٦)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥١٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٨).
(٣) "سنة" زيادة من "ت".
القيامة 75:9
ركعتين كسائر النوافل، وقال الثلاثة: الصلاة لكسوف الشمس ركعتان في جماعة، كل ركعة بركوعين، يطيل الأولى، ويقصر الثانية يسيرًا، ويقرأ في كل ركعتين مرتين.
واختلف الثلاثة في صلاة خسوف القمر، فقال مالك فيها كقول أبي حنيفة، وقال الشافعي وأحمد: هي كصلاة كسوف الشمس.
واختلفوا في الجهر بالقراءة، فقال مالك: لا يجهر في كسوف الشمس؛ كقول أبي حنيفة، وقال الشافعي: يجهر في كسوف القمر دون الشمس، وقال أحمد: يجهر فيهما، ويخطب لهما عند الشافعي خطبتين بأركانهما في الجمعة، ويحث على التوبة والخير، وعند مالك وأحمد لا يخطب؛ كمذهب أبي حنيفة.
...
﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾.
[٩] ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ أسودين مكوَّرين كأنهما ثوران عقيران في النار.
...
﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠)﴾.
[١٠] ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾ الكافر ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يوم القيامة: ﴿أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ المهرب.
...
﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾.
[١١] ﴿كَلَّا﴾ ردع عن الفرار ﴿لَا وَزَرَ﴾ لا ملجأ تتحصن به.
القيامة 75:12
﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢)﴾.
[١٢] ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ المصير، فيحاسب الخلائق ويجازيهم.
...
﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾.
[١٣] ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ﴾ قبلَ موته من خير وشر عَمِلَه.
﴿وَأَخَّرَ﴾ من حسنة وسيئة سنَّها يُعمل بهما بعده.
...
﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)﴾.
[١٤] ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ﴾ إضراب بمعنى الترك، لا على معنى إبطال القول الأول.
﴿عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ شاهد، والهاء في (بَصِيَرةٌ) للمبالغة، ويراد بالبصيرة: جوارحُه، والملائكةُ الحفظة.
...
﴿وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾.
[١٥] ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ أي: ولو جاء بكل معذرة، ما قُبلت منه.
...
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾.
[١٦] وكان - ﷺ - إذا لُقِّنَ الوحيَ، يحرك لسانه مسارعة إلى حفظه قبل
القيامة 75:17
فراغ جبريل، مخافة أن يتفلت منه، فنزل: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ﴾ (١) بالقرآن.
﴿لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ حذرًا أن يفوتك منه شيء؛ أي: لا تقرأه حتى يفرغ جبريل من قراءته.
...
﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾.
[١٧] ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ في صدرك.
﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أي: قراءته عليك وجَريانَه على لسانك.
...
﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾.
[١٨] ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أي: قرأه رسولنا جبريل عليك ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فاستمع قراءته.
...
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾.
[١٩] ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ بأن نبُيِّنه لك حتى تفهمه، فكان جبريل إذا أتى النبيَّ -عليهما السلام- بالوحي، أطرق، فإذا ذهب عنه، قرأه كما وعده الله تعالى.
...
(١) رواه البخاري (٥)، كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، ومسلم (٤٤٨)، كتاب: الصلاة، باب: الاستماع للقراءة، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
القيامة 75:20
﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿كَلَّا﴾ رجوع إلى مخاطبة قريش، وردٌّ عليهم وعلى أقوالهم في رد الشريعة بقوله: (كَلَّا)؛ أي: ليس كما تقولون، وإنما أنتم قوم قد ألهتكم (١) الدنيا بشهواتها، فذلك قوله: ﴿بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ الدنيا.
...
﴿وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾.
[٢١] ﴿وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ فلا تعملون لها. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب: (يُحِبُّونَ) و (يَذَرُون) بالغيب، وقرأهما الباقون: بالخطاب على تقدير: قل لهم يا محمد (٢).
...
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾
[٢٢] ولما ذكر الآخرة، أخبر بشيء من حال أهلها بقوله: ﴿وُجُوهٌ﴾ رفع بالابتداء، وابتدأ بالنكره لأنها تخصصت بقوله:
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف لخبر المبتدأ، وهو ﴿نَاضِرَةٌ﴾ أي: ناعمة حسنة من نضرة النعيم.
...
(١) في "ت": "غلبتكم".
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١٧)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥١٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٠ - ١١).
القيامة 75:23
﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.
[٢٣] ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ من نظر العين، وحمل هذه الآية جميعُ أهل السنة على أنها متضمنة رؤية المؤمنين لله تعالى بلا كيف ولا تحديد كما هو معلوم موجود، لا يشبه الموجودات، كذلك لا يشبه المرئيات في شيء، فإنه ليس كمثله شيء سبحانه.
قال - ﷺ - "إنكم ترون ربَّكم يومَ القيامة كما ترون القمرَ ليلةَ البدر لا تُضامون في رؤيته" (١).
والمعتزلة ينفون رؤية الله تعالى، ويذهبون في هذه الآية إلى أن المعنى: إلى رحمة ربها ناظرة، وإلى ثوابه، أو إلى ملكه، فقدروا مضافًا محذوفًا، وتقدم الكلام على ذلك، واختلاف (٢) الأئمة على رؤيته سبحانه في الآخرة في سورة الأنعام.
...
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ عابسة متكرِّهة.
...
﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾.
[٢٥] ﴿تَظُنُّ﴾ تتيقَّن ﴿أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ داهية عظيمة تفقر؛ أي: تكسر فقار الظهر.
(١) رواه البخاري (٦٩٩٧)، كتاب: التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾، ومسلم (٦٣٣)، كتاب، المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما، من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه.
(٢) في "ت": "اتفاق".
القيامة 75:26
﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿كَلَّا﴾ زجر لقريش، وتذكيرهم بموطن من مواطن الهول، وهي حالة الموت والمنازعة ﴿إِذَا بَلَغَتِ﴾ النفسُ ﴿التَّرَاقِيَ﴾ جمع تَرْقُوة، وهي العظم بين ثغرة النحر والعاتق أعلى الصدر موازية للحلقوم، ولكل أحد ترقوتان، لكن من حيث هذا الأمر في كثيرين، جُمع؛ إذ النفس المرادة اسم جنس.
...
﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧)﴾.
[٢٧] ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ أي: يرقيه ليشفى ما فيه. قرأ حفص عنه عاصم: (مِنْ رَاقٍ) بإظهار النون مع سكتة عليها خفيفة، وقرأ الباقون: بإدغام النون في الراء (١)، وروي عن قنبل، ويعقوب: الوقف بالياء على (رَاقِي).
...
﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾.
[٢٨] ﴿وَظَنَّ﴾ أي: تيقن ﴿أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ فراق الدنيا.
...
﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾.
[٢٩] ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ آخر شدة الدنيا بأول شدة الآخرة.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٦١)، و"الكشف" لمكي (٢/ ٥٥ - ٥٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٢٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٠).
القيامة 75:30
﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠)﴾.
[٣٠] ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ أي: مرجع العباد إلى الله يساقون إليه.
...
﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ﴾.
[٣١] ﴿فَلَا صَدَّقَ﴾ يعني: أبا جهل لم يصدق برسول الله - ﷺ -.
﴿وَلَا صَلَّى﴾ لله. أمال رؤوس الآي من قوله (وَلاَ صَلَّى) إلى آخر السورة: ورش، وأبو عمرو بين بين بخلاف عنهما، وافقهما على الإمالة: حمزة، والكسائي، وخلف، واختلف عن أبي بكر في (سُدَى)، فروي عنه الإمالة والفتح. وقرأ الباقون: بإخلاص الفتح فيهما (١).
...
﴿وَلَٰكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
[٣٢] ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ﴾ بالقرآن ﴿وَتَوَلَّى﴾ عن الإيمان.
...
﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣)﴾.
[٣٣] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾ يتبختر في مشيته (٢) إعجابًا، أصله يَتَمَطَّطُ.
...
﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾.
[٣٤] ﴿أَوْلَى لَكَ﴾ مبتدأ وخبر، معناه: وليكنْ ما تكره.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥١ و ٢١٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٢٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١١).
(٢) في "ت": "مشيه".
القيامة 75:35
﴿فَأَوْلَى﴾ فهو أولى بك من غيره، فهو وعيد لأبي جهل.
...
﴿ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾.
[٣٥] ﴿ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ وعيدٌ ثانٍ كرره تأكيدًا، تلخيصه: ويل لك في الدنيا، ثم في القبر، ثم حين البعث، ثم في النار مهملًا.
روي أن النبي - ﷺ - لما نزلت هذه الآية، أخذ بمجامع ثوب أبي جهل بالبطحاء، وهزه مرة أو مرتين، ولكزه في صدره، وقال له: "أَوْلى لكَ فأولى، ثم أولى لك فأولى"، فقال أبو جهل: أتوعدني يا محمد؟! والله لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئًا، وإني لأعزُّ من مشى بين جبليها، فلما كان يوم بدر، صرعه الله شر مصرع، وقتله أسوأ قتلة، وكان رسول الله - ﷺ - يقول: "إن لكل أمة فرعونًا، وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل" (١).
...
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾.
[٣٦] ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ﴾ هو أبو جهل ﴿أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ مهملًا لا يؤمر ولا ينهى.
...
(١) انظر: "تفسير الطبري" (٣٠/ ٢٥٤)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥١٨)، و"تفسير الثعلبي" (١٠/ ٩٢).
القيامة 75:37
﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧)﴾.
[٣٧] ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ تُصَبُّ في الرحم، فيستدل على ذلك بالقدرة على البعث. قرأ يعقوب، وحفص عن عاصم: (يُمْنَى) بالياء على التذكير إرادة المني، وقرأ الباقون: بالتاء على التأنيث إرإدة النطفة، واختلف عن هشام (١).
...
﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨)﴾.
[٣٨] ﴿ثُمَّ كَانَ﴾ المنيُّ ﴿عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾ اللهُ منها الإنسان، وعدَّل أعضاءه.
...
﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩)﴾.
[٣٩] ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ﴾ من المني ﴿الزَّوْجَيْنِ﴾ الصنفين.
﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ وهو استدلال آخر بالإبداء على الإعادة.
...
﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾.
[٤٠] ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ﴾ الذي فعل هذا.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٦٢)، و "التيسير" للداني (ص: ٢١٧)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥١٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١١ - ١٣). ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ فيعيد الأجسام كهيئتها للبعث.
روي أن رسول الله - ﷺ - كان إذا قرأ هذه الآية قال: "سبحانك اللهم وبحمدك بلى" (١)، والله أعلم.
...
(١) رواه أبو داود (٨٨٧)، كتاب: الصلاة، باب: الدعاء في الصلاة، من حديث أبي هريرة.
الإنسان 76:1
سورة الإنسان
مكية، وقيل: مدنية، وقيل: منها آية مكية، وهي قوله: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾، والباقي مدني، وآيها: إحدى وثلاثون آية، وحروفها ألف وأربع وخمسون حرفًا، وكلمها: مئتان واثنتان وأربعون كلمة.
روي أنها نزلت في صنيع علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في إطعامه عشاءه وعشاء أهله وولده لمسكين ليلةً، ثم ليتيم ليلة، ثم لأسير ثالثة، متواليات (١)، والله أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾.
[١] ﴿هَلْ﴾ بابها المشهور للاستفهام المحض، ومعناها هنا: قد.
﴿أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ يعني: آدم عليه السلام ﴿حِينٌ﴾ مدة ﴿مِنَ الدَّهْرِ﴾ أربعون سنة ملقى من طين بين مكة والطائف قبل أن تنفخ فيه الروح.
(١) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٤٠٨).
الإنسان 76:2
﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [لا يُذكر ولا يُعرف، ولا يُدرى ما اسمه، ولا ما يراد به، فكان شيئًا، ولم يكن مذكورًا] (١)، ولا منوهًا به في العالم.
...
﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾.
[٢] ثم بين خلق بنيه فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ يعني: بني آدم، والإنسان هنا هو اسم الجنس ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ نعت؛ أي: أخلاطٍ، واحدها مَشَج -بفتح الميم والشين- يعني: ماء الرجل وماء المرأة يختلطان في الرحم، فيكون منهما الولد، فماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا صاحبه، كان الشبه له، وما كان من عصب وعظم، فمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر، فمن ماء المرأة.
﴿نَبْتَلِيهِ﴾ حال؛ أي: خلقناه مريدين ابتلاءه؛ بأن نختبره بالأمر والنهي.
﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ذا سمع وبصر.
...
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾.
[٣] ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ﴾ بينا له ﴿السَّبِيلَ﴾ أي: الطريقَ إلى الهدى والضلالة.
﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ حالان قسمتهما (إما)؛ أي: بأن يشكر فيؤمن، أو يكفر فيضل.
...
(١) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".
الإنسان 76:4
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤)﴾.
[٤] ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ هيأنا (١) ﴿لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ﴾ يسحبون بها في النار.
قرأ نافع، وأبو جعفر، والكسائي، وأبو بكر، ورويس، وهشام: (سَلاَسِلًا) منونًا مصروفًا؛ لأن الأصل الصرف، ووقفوا عليه بالألف بدلًا منه، وقرأ الباقون: بغير تنوين على المشهور عند النحاة، ووقف منهم بالألف صلة للفتحة واتباعًا لخط المصحف: أبو عمرو، وحفص، وروح، والبزي، وابن ذكوان بخلاف عنهم سوى أبي عمرو، ووقف الباقون بغير ألف، وهم: حمزة، وقنبل، وخلف (٢).
﴿وَأَغْلَالًا﴾ في أعناقهم تُشد فيها السلاسل.
﴿وَسَعِيرًا﴾ نارًا مستعرة يُعذَّبون بها.
...
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥)﴾.
[٥] ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ هم الصادقون المطيعون ﴿يَشْرَبُونَ﴾ في الآخرة خمرًا.
﴿مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا﴾ ما تمزج به ﴿كَافُورًا﴾ وهو اسم عين ماء في الجنة.
(١) زيادة من "ت".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٦٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٧)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٢٢ - ٥٢٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٩ - ٢٠).
الإنسان 76:6
﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾.
[٦] ﴿عَيْنًا﴾ نصب بحال (كافور) (١) ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ أي: يشربها، فالباء زائدة.
﴿عِبَادُ اللَّهِ﴾ أي: أولياؤه ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ يجرونها حيث شاؤوا من منازلهم؛ لأن أنهار الجنة تكون منقادة لأهلها، كما أن الأشجار تكون منقادة لهم، فيتبعهم النهر إلى حيث شاؤوا.
...
﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾.
[٧] روي أن الحسن والحسين مرضا، فنذر علي وفاطمة وفضة جاريتهما إن عوفيا صيام ثلاثة أيام، فعوفيا، فلم يكن عندهم شيء، فاستقرض علي ثلاثة أصواع من شعير من يهودي، فطحنت فاطمة صاعًا، وخبزته خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها قدامهم ليفطروا، فقال سائل: السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد أهل (٢) الجنة، فآثروه به، وباتوا لم يطعموا شيئًا، وأصبحوا صيامًا، فلما قدموا الصاع الثاني، في الليلة الثانية، وهو خمسة أقراص ليفطروا عليه، وقف عليهم يتيم سائلًا، فآثروه ولم يطعموا شيئًا، وأصبحوا صيامًا، وفي الليلة الثالثة (٣) قدموا الصاع
(١) في "ت": "تبعًا (للكافور) ".
(٢) "أهل" زيادة من "ت".
(٣) "وفي الليلة الثالثة" زيادة من "ت".
الإنسان 76:8
الثالث، وهو خمسة أقراص ليفطروا عليه، وقف عليهم أسير، فآثروه ولم يطعموا شيئًا فنزل استئنافًا: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْر﴾ (١) إذا نذروا في الطاعة، وتقدم الكلام في حكم النذر في سورة البقرة.
﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ منتشرًا؛ من استطار الحريق: انتشر.
...
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾.
[٨] ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ حب الطعام وشهوتهم له.
﴿مِسْكِينًا﴾ لا مال له ﴿وَيَتِيمًا﴾ لا أب له ﴿وَأَسِيرًا﴾ يعني: أسارى الكفار؛ فإنه كان - ﷺ - يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض المسلمين فيقول: "أحِسنْ إليه" (٢).
...
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾.
[٩] ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ لم يقولوا ذلك باللسان، ولكن من اعتقادهم وضميرهم، فأخبر الله بذلك عن قلوبهم.
﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً﴾ على ذلك ﴿وَلَا شُكُورًا﴾ بأن تشكرونا عليه.
...
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٩٩)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (١/ ٢٩٣)، وقال: وهذا حديث لا يشك في وضعه، وانظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٤/ ١٣٣).
(٢) قال المناوي في "الفتح السماوي" (٣/ ١٠٧٠): قال الولي العراقي: لم أقف عليه.
الإنسان 76:10
﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠)﴾.
[١٠] ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا﴾ لا انبساطَ فيه ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ شديدًا.
...
﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)﴾.
[١١] ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾ الذي يخافون ﴿وَلَقَّاهُمْ﴾ أعطاهم ﴿نَضْرَةً﴾ حسنًا في وجوههم ﴿وَسُرُورًا﴾ في قلوبهم.
...
﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾.
[١٢] ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ على طاعته ﴿جَنَّةً﴾ أدخلهم فيها ﴿وَحَرِيرًا﴾ ألبسهموه.
...
﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣)﴾.
[١٣] ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ نصب على الحال ﴿فِيهَا﴾ في الجنة ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ السُّرُر في الحِجال، ولا تكون أريكة إلا إذا اجتمعا، وتقدم في سورة (يس).
﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا﴾ يؤذيهم حرُّها ﴿وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ بردًا شديدًا.
...
﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤)﴾.
[١٤] ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾ قريبةً منهم ظلالُ أشجارها.
الإنسان 76:15
﴿وَذُلِّلَتْ﴾ سُخِّرَت وانقادت ﴿قُطُوفُهَا﴾ جمع قِطْف، وهو ما يقطف من الثمار ﴿تَذْلِيلًا﴾ المعنى: سُهِّل لهم اجتناؤها.
...
﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥)﴾.
[١٥] ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ﴾ جمع إناء، وهي الأوعية ﴿مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ﴾ الكوب: ما لا عروةَ له ولا أُذُنَ من الأواني ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا﴾.
...
﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦)﴾.
[١٦] خبر (كانت) ﴿قَوَارِيرَا﴾ وإنما كرر القوارير؛ للتبيين، ومعناه: صفاؤها كالقوارير، وبياضها كالفضة. قرأ نافع، وأبو جعفر، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: (قَوَارِيرًا قَوَارِيرًا) بتنوينهما، ووقفوا عليهما بالألف، وقرأ ابن كثير، وخلف: في الأول بالتنوين، ووقفا عليه بالألف، والثاني بغير تنوين، ووقفا عليه بغير ألف، والباقون: بغير تنوين فيهما، ووقف حمزة، ورويس عليهما (١) بغير ألف، واختلف عن روح، ووقف هشام عليهما بالألف صلة للفتحة، ووقف الباقون، وهم: أبو عمرو، وحفص، وابن ذكوان على الأول بالألف، وعلى الثاني بغير ألف، فحصل من ذلك أن من لم ينون وقف على الأول بالألف إلا حمزة، وعلى الثاني بغير ألف إلا هشامًا (٢)، وهو كـ (سَلاَسِلا) في الصرف وتركه كما تقدم ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾
(١) "عليهما" ساقطة من "ت".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٦٣ - ٦٦٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٥ - ٣٩٦)، و"معجم =
الإنسان 76:17
بيان لأصل القوارير ﴿قَدَّرُوهَا﴾ نعت لـ (قَوَارِير) ﴿تَقْدِيرًا﴾ أي: تقدرها لهم الغلمان (١)، قدروا الكأس (٢) على قدر رِيِّهم.
...
﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧)﴾.
[١٧] ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾ اسم عين في الجنة يوجد منها طعم (٣) الزنجبيل.
...
﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)﴾.
[١٨] وتبدل من ﴿كَأْسًا﴾ ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى﴾ أي: توصف.
﴿سَلْسَبِيلًا﴾ يعني: سَلِسَة لينة تتسلسل في الحلق.
...
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩)﴾.
[١٩] ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ دائمون ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ﴾ لحسنهم وانشغالهم (٤) بالخدمة ﴿لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ من سلكه على البساط واللؤلؤ إذا نُثر من الخيط على البساط، كان أحسنَ منه منظومًا.
= القراءات القرآنية" (٨/ ٢٢ - ٢٣).
(١) في "ت": "قدرها لهم السقاة".
(٢) "الكأس" زيادة من "ت".
(٣) "طعم" زيادة من "ت".
(٤) في "ت": "وانتشارهم في".
الإنسان 76:20
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ﴾ ظرف، وليس مفعولًا لـ (رَأَيْتَ)، تقديره: إذا أوجدت الرؤية في الجنة ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا﴾ لا يوصف ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ واسعًا (١).
في الحديث: "أدنى أهلِ الجنةِ منزلةً مَنْ ينظرُ إلى مُلْكِه مسيرةَ ألفِ عامٍ، يرى أقصاه كما يرى أدناه" (٢).
...
﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١)﴾.
[٢١] ﴿عَالِيَهُمْ﴾ أي: فوقهم ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ هو ما رَقَّ من الديباج ﴿خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ هو ما غَلُظَ من الحرير (٣). وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب: (عَالِيَهُمْ) بفتح الياء وضم الهاء، والنصب على الحال، والعامل فيه (لَقَّاهُمْ) و (جَزَاهُمْ)، وقرؤوا (خُضْرٌ) بالرفع نعت (ثِيَابٌ)، (وَإِسْتَبْرَقٍ) بالخفض نعت (سُنْدُسٍ)، وقرأ ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم: (عَالِيَهُمْ) كأبي عمرو (٤)، و (خُضْرٍ) بالخفض نعت (سُنْدُسٍ)، (وَإِسْتَبْرَقٌ) بالرفع عطف على الـ (ثياب)، وقرأ حفص عن عاصم: (عَالِيَهُمْ) كما تقدم (خُضْرٌ
(١) "واسعًا" زيادة من "ت".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٩/ ١٩٣)، عن ابن عمر رضي الله عنهما موقوفًا عليه من قوله.
(٣) في "ت": "الديباج".
(٤) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٦٤ - ٦٦٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٨)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٢٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٦ - ٢٧).
الإنسان 76:22
وَإِسْتَبْرَقٌ) بالرفع فيهما، فخضرٌ نعت ثياب، وإستبرقٌ عطف على الثياب، وقرأ الكسائي، وخلف: (عَالِيَهُمْ) كما تقدم (خُضْرٍ وَإِسْتَبْرَقٍ) بالخفض فيهما نعت (سُنْدُسٍ)، وقرأ نافع: (عَالِيْهِمْ) بإسكان الياء وكسر الهاء على الرفع بالابتداء، و (خُضْرٌ وإِسْتَبْرَقٌ) بالرفع فيهما كحفص، وقرأ حمزة (عَالِيْهِمْ) كنافع (خُضْرٍ وَإِسْتَبْرَقٍ) بالخفض فيهما كالكسائي، وقرأ أبو جعفر: (عَالِيْهِمْ) كنافع، و (خُضْرٌ) بالرفع، (وَإِسْتَبْرَقٍ) بالخفض كأبي عمرو.
﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ وفي الكهف والحج ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١] [الحج: ٢٣]؛ للإيذان بأنهم (١) يحلون من الجنسين معًا، ومفترقًا.
﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ طاهرًا من الأقذار، لم تَدُسْه (٢) الأقدام، ولم تمسه الأيدي الوسخة كخمر الدنيا، ولا يصير بولًا، وذلك أنهم إذا طعموا وشربوا، فيصير ما أكلوا طِيبًا (٣) يخرج من أبدانهم كأطيب من ريح المسك، وتضمر بطونهم، وتعود شهوتهم.
...
﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾.
[٢٢] فثَمَّ يقال لهم: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ النعيمَ ﴿كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ لعملكم.
﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ﴾ في الدنيا ﴿مَشْكُورًا﴾ مجازًى عليه.
(١) في "ت": "أنهم".
(٢) في "ت": "تدنسه".
(٣) في "ت": "رشحًا".
الإنسان 76:23
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ متفرقًا، آية بعد آية، وذكر التوراة (١) بلفظ الإنزال؛ لأنها نزلت مرة واحدة، وهذا تثبيت لمحمد - ﷺ -، وتقوية لنفسه على أفعال قريش وأقوالهم.
...
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ عليك بتبليغ الرسالة ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ﴾ من الكفار ﴿آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ هو تخيير في أن يعرف الذي ينبغي ألا يطيعه بأي وصف كان من هذين؛ لأن كل واحد منهم (٢) فهو آثم، وهو كفور، ولم تكن الأمة حينئذ من الكثرة (٣) بحيث يقع الإثم على العاصي.
...
﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥)﴾.
[٢٥] ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أي: صَلِّ.
﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ المعنى: دم على الصلاة المفروضة في هذين الوقتين.
...
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ﴾ مصليًّا متهجدًا.
(١) في "ت": "التورية".
(٢) "منهم" ساقطة من "ت".
(٣) "من الكثرة" ساقطة من "ت".
الإنسان 76:27
﴿لَيْلًا طَوِيلًا﴾ ثلثيه، أو نصفه، أو ثلثه.
...
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧)﴾.
[٢٧] ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ يعني: كفار قريش ﴿يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ يختارون الدنيا على الآخرة ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ﴾ بعد موتهم ﴿يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ لا ينهضون له، وهو يوم القيامة.
...
﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨)﴾.
[٢٨] ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا﴾ قَوَّينا ﴿أَسْرَهُمْ﴾ توصيل أعضائهم (١) بعضِها ببعض.
﴿وَإِذَا شِئْنَا﴾ إهلاكَهم، أهلكناهم، ثم ﴿بَدَّلْنَا﴾ جعلنا ﴿أَمْثَالَهُمْ﴾ في الخلقة ﴿تَبْدِيلًا﴾ و (إِذَا) هنا موضع إن.
...
﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩)﴾.
[٢٩] ﴿إِنَّ هَذِهِ﴾ السورةَ ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ عظةٌ.
﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ بأن يتقرب إليه بطاعته.
...
(١) في "ت": "عظامهم".
الإنسان 76:30
﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾.
[٣٠] ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ ذلك. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: (يَشَاؤونَ) بالغيب، والباقون: بالخطاب (١) ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ لأن الأمر إليه، وفيه دليل على أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله تعالى، خيرها وشرها، جارية بمشيئته على أي وجه كانت.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ بالسر والسرائر (٢) ﴿حَكِيمًا﴾ حكم عليكم ألا تشاؤوا إلا بعد مشيئته.
...
﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾.
[٣١] ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ﴾ وهم المؤمنون ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ بهدايتهم لطاعته.
﴿وَالظَّالِمِينَ﴾ أي: المشركين، ونصبه بفعل يفسره ﴿أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ في الآخرة، والله أعلم.
* * *
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٦٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٨)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٢٨).
(٢) في "ت": "بالخير والشر".
المرسلات 77:1
سورة المرسلات
مكية في قول الجمهور، وقيل: فيها مدني قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ على تأويل من قال: إنها حكاية حال عن المنافقين في القيامة، وآيها: خمسون آية، وحروفها: ثماني مئة وستة عشر حرفًا، وكلمها: مئة وإحدى وثمانون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾.
[١] ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ يعني: الملائكة التي أرسلت بالمعروف من أمر الله ونهيه، و ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ نصب على الحال.
...
﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾.
[٢] ﴿فَالْعَاصِفَاتِ﴾ يعني: الرياح الشديدة الهبوب ﴿عَصْفًا﴾ مصدر.
...
﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾.
[٣] ﴿وَالنَّاشِرَاتِ﴾ يعني: الرياح اللينة ﴿نَشْرًا﴾ مصدر أيضًا.
المرسلات 77:4
﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾.
[٤] ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ يعني: الملائكة تأتي بما يفرق بين الحق والباطل.
...
﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾.
[٥] ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ يعني: الملائكة تلقي الذكر إلى الأنبياء. قرأ أبو عمرو، وخلاد عن حمزة بخلاف عنه: بإدغام التاء في الذال، وقرأ الباقون: بالإظهار (١).
...
﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾.
[٦] ﴿عُذْرًا﴾ قرأ يعقوب من رواية روح: بضم الذال، والباقون: بإسكانها ﴿أَوْ نُذْرًا﴾ قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: بإسكان الذال، والباقون: بضمها (٢)، فإسكان الذال فيهما على أنهما مصدران، وضم الذال يصح معه المعنى، ويصح أن يكون جمعًا لنذير وعاذر اللذين هما اسم فاعل، والمعنى: أن الذكر يلقى بإعذار وإنذار، وأما النصب في قوله: (عُذْرًا أَوْ نُذْرًا)، فيصح إذا كانا مصدرين أن يكون ذلك
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٥ - ١٨٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٣٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٣٣).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١٨)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٣٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٣٣ - ٣٤).
المرسلات 77:7
على البدل من الذكر، ويصح أن يكون مفعولًا للذكر كأنه قال (١): فالملقيات أن تذكر عذرًا، ويصح أن يكون عذرًا مفعولًا من أجله؛ أي: يلقى الذكر من أجل الإعذار، وأما إذا كان عذرًا أو نذرًا جمعًا، فالنصب على الحال، والواو الأولى للقَسَم، والباقي للعطف؛ لأنه تعالى أقسم بالمرسلات، وعطف عليها الباقي.
...
﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾.
[٧] وجواب القسم: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ﴾ من البعث والعذاب ﴿لَوَاقِعٌ﴾ كائن لا محالة.
...
﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾.
[٨] ثم ذكر متى يقع فقال: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ مُحِيَ نورُها.
...
﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾.
[٩] ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ شُقَّت.
...
﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾.
[١٠] ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ قُطعت من أماكنها (٢).
(١) "قال": ساقطة من "ت".
(٢) في "ت": "أساكنها".
المرسلات 77:11
﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
[١١] ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ قرأ أبو عمرو، وأبو جعفر بخلاف عن الثاني: (وُقِّتَتْ) بواو مضمومة مبدلة من الهمزة، واختلف عن أبي جعفر في تخفيف القاف وتشديدها، وقرأ الباقون: (أُقِّتَتْ) بالهمز وتشديد القاف (١)، وهما لغتان، والعرب تعاقب بين الواو والهمزة؛ كقولهم وَكَّدْتُ، وأَكَّدْتُ، ووَرَّخْتُ، وأَرَّخْتُ، ومعناهما: جُمعت لميقات يوم معلوم، وهو يوم القيامة؛ ليشهدوا على الأمم.
...
﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾.
[١٢] ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢)﴾ أُخرت، وضرب الأجل لجمعهم، يعجِّبُ العبادَ من ذلك اليوم.
...
﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾.
[١٣] ثم بين تعالى فقال: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾ بين الخلائق.
...
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤)﴾.
[١٤] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ من أين تعلم كنهه ولم تر مثله؟
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١٨)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٣٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٦ - ٣٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٣٤ - ٣٥).
المرسلات 77:15
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾.
[١٥] ﴿وَيْلٌ﴾ مبتدأ وهو نكرة لما فيه من معنى الدعاء قال ابن عباس: "ويلٌ: واد في جهنم" (١) ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرفه ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بالبعث.
...
﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾.
[١٦] ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني: الأمم الماضية حين كذبوا رسلهم.
...
﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧)﴾.
[١٧] ﴿ثُمَّ﴾ نحن ﴿نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ السالكين سبيلَهم في الكفر والتكذيب؛ يعني: كفار مكة.
...
﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨)﴾.
[١٨] ﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ فعلنا بالمكذبين ﴿نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ بكل من أجرم.
...
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩)﴾.
[١٩] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كرره في هذه السورة عشر مرات مبالغةً في التهديد؛ نحو: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
(١) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (١/ ٢٠٢)، وقد جاء مرفوعًا من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
المرسلات 77:20
﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ ضعيف، والمراد: المني. واتفق القراء على إدغام القاف في الكاف في هذا الحرف، وذكر النقاش أنه في قراءة ابن كثير، ونافع براوية قالون، وعاصم في رواية حفص: بالإظهار، قاله في "الإيضاح".
...
﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١)﴾.
[٢١] ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ موضع حريز (١)، وهو الرحم.
...
﴿إِلَىٰ قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾.
[٢٢] ﴿إِلَى قَدَرٍ﴾ أي: مؤخرًا إلى مقدار من الزمان ﴿مَعْلُومٍ﴾ وهو وقت الولادة.
...
﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿فَقَدَرْنَا﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، والكسائي: (فَقَدَّرْنَا) بتشديد الدال؛ من التقدير؛ أي: قدرناه تقديرًا مرة بعد مرة، وقرأ الباقون: بتخفيفها؛ من القدرة (٢).
(١) "حريز" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٦٦)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٣٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٧)، و"معجم القراءات =
المرسلات 77:24
﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ روى ابن مسعود عن النبي - ﷺ -: أنه فسر القادرون بالمقدِّرين (١).
...
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بقدرتنا على ذلك.
...
﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥)﴾.
[٢٥] ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ أوعيةً، جمع كافت، وهو الوعاء.
...
﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾.
[٢٦] ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ منتصبان بـ (كِفَاتًا) على المفعولية، فالأرض تكفتُ الأحياء على ظهرها، وتكفتُ الأموات في بطنها.
...
﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧)﴾.
[٢٧] ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ جبالًا ﴿شَامِخَاتٍ﴾ مرتفعاتٍ ثوابتَ.
﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ عذبًا.
...
= القرآنية" (٨/ ٣٧).
(١) انظر: "تفسير القرطبي" (١٩/ ١٦٠).
المرسلات 77:28
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)﴾.
[٢٨] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بأمثال هذه النعم.
...
﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩)﴾.
[٢٩] ثم أخبر تعالى أنه يقال لهم يوم القيامة: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ﴾ من العذاب ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ في الدنيا.
...
﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠)﴾.
[٣٠] ﴿انْطَلِقُوا﴾ تكرير للأول ﴿إِلَى ظِلٍّ﴾ يعني: إلى دخان جهنم. قرأ رويس عن يعقوب: (انْطَلَقُوا) الحرف الثاني بفتح اللام، والباقون: بكسرها (١).
﴿ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ لأنه إذا ارتفع، افترق ثلاث فرق؛ لعظمته. قرأ أبو عمرو: (ثَلاَث شُّعَبٍ) بإدغام الثاء في الشين (٢).
...
﴿لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١)﴾.
[٣١] ﴿لَا ظَلِيلٍ﴾ نعت (ظِلٍّ)؛ أي: لا كَنينٍ يُظلهم من حر ذلك اليوم.
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٣٧).
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٧٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٣٧).
المرسلات 77:32
﴿وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ لا يردُّ عنهم شيئًا من لهب النار.
...
﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢)﴾.
[٣٢] ﴿إِنَّهَا﴾ أي: النار ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾ جمع شرارة، وهو ما تطاير من النار، كلُّ شرارة ﴿كَالْقَصْرِ﴾ وهو البناء العظيم.
...
﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾.
[٣٣] ثم رد الضمير إلى لفظ النار دون معناها، فقال: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (جِمَالَةٌ) بغير ألف بعد اللام مع كسر الجيم على جمع جَمَل، وقرأ الباقون: بالألف، جمع (جمالة) التي هي جمع جَمَل، ومنهم رويس عن يعقوب: بضم الجيم، والباقون: بكسرها، فمن قرأ بضم الجيم، أراد الأشياء العظام المجموعة، والقراءة بالكسر قال ابن عباس وسعيد بن جبير: "هي حبال سفن البحر، يُجمع بعضُها إلى بعض لتكون كأوساط الرجال" (١) ﴿صُفْرٌ﴾ جمع أصفر؛ يعني: لون النار؛ فإن الشرار لما فيه من النارية يكون أصفر، وشبه الشرار بالقصر؛ لعظمه، وبالجمال للعظم والطول واللون، وهذا تشبيه بما يشاهد.
(١) رواه البخاري (٤٦٤٩)، كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وذكره البغوي في "تفسيره" (٤/ ٤٣٥)، والثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١١١)، عن سعيد بن جبير.
المرسلات 77:34
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤)﴾.
[٣٤] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
...
﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)﴾.
[٣٥] ﴿هَذَا﴾ مبتدأ، خبره:
﴿يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ أي: هذا المذكور في يوم لا ينطقون فيه (١) خوفًا ودهشًا.
...
﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾.
[٣٦] ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ﴾ بالاعتذار (٢) ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ عطف ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ على ﴿يُؤْذَنُ لَهُمْ﴾ فلا يعتذرون.
...
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧)﴾.
[٣٧] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
...
﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾.
[٣٨] ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ بين الخلائق ﴿جَمَعْنَاكُمْ﴾ أيها المكذبون من هذه الأمة ﴿وَالْأَوَّلِينَ﴾ من المكذبين من قبلكم، فتحاسبون جميعًا.
...
(١) "فيه" ساقطة من "ت".
(٢) في "ت": "في الاعتذار".
المرسلات 77:39
﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩)﴾.
[٣٩] ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ﴾ حيلة تدفعون بها عنكم العذاب ﴿فَكِيدُونِ﴾ فاحتالوا لأنفسكم. قرأ يعقوب: (فَكِيدُونِي) بإثبات الياء، والباقون: بحذفها (١).
...
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)﴾.
[٤٠] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ إذ لا حيلة لهم.
...
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١)﴾.
[٤١] ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ من الشرك؛ لأنهم في مقابلة المكذبين.
﴿فِي ظِلَالٍ﴾ جمع ظل؛ أي: في ظلال الشجر.
﴿وَعُيُونٍ﴾ ماء. قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر، وابن ذكوان: بكسر العين، والباقون: بضمها (٢).
...
﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢)﴾.
[٤٢] ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾.
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٤٠).
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٣١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٤٠).
المرسلات 77:43
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾.
[٤٣] ويقال لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ بلا داء ولا تخمة.
﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا بطاعتي.
...
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤)﴾.
[٤٤] ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ في العقيدة.
...
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥)﴾.
[٤٥] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
...
﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦)﴾.
[٤٦] ثم قال لكفار مكة: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾ في الدنيا (١).
﴿إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ كافرون مستحقون للعذاب.
...
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧)﴾.
[٤٧] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ حيث عَرَّضوا أنفسهم للعذاب الدائم بالتمتع القليل.
...
(١) "في الدنيا" زيادة من "ت".
المرسلات 77:48
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)﴾.
[٤٨] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ صَلُّوا ﴿لَا يَرْكَعُونَ﴾ قال ابن عباس: "إنما يقال لهم هذا يوم القيامة حين يُدعون إلى السجود فلا يستطيعون" (١). قرأ الكسائي، وهشام، ورويس: (قِيلَ) بإشمام القاف الضم (٢).
...
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾.
[٤٩] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
...
﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾.
[٥٠] ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ بعدَ القرآن ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ إذا لم يؤمنوا به؟! وهذا توقيف وتوبيخ. وروي عن يعقوب أنه قرأ: (تُؤْمِنُونَ) بالخطاب على المواجهة، ورويت عن ابن عامر، قاله ابن عطية في "تفسيره" (٣)، والله أعلم.
* * *
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٥٣٥).
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٣١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٤١).
(٣) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٤٢٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٤١).
النبأ 78:1
سورة النبأ
مكية، ليس فيها نسخ ولا حكم، وآيها: أربعون آية، وحروفها: سبع مئة وسبعون حرفًا، وكلمها: مئة وثلاث وسبعون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾.
[١] لما دعا النبي - ﷺ - أهل مكة إلى التوحيد، وأخبرهم بالبعث بعد الموت، وتلا عليهم القرآن، جعلوا يتساءلون بينهم فيقولون: ماذا جاء به محمد؟ فنزل قوله تعالى: ﴿عَمَّ﴾ (١) أصله (عَنْ) (مَا) أدغمت النون في الميم، وحذفت الألف فرقًا بين الاستفهام والخبر. ووقف البزي، ويعقوب بخلاف عنهما (عَمَّهْ) بزيادة هاء بعد الميم (٢) ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ هؤلاء المشركون؛ أي: يسأل بعضهم بعضًا، ومعنى هذا الاستفهام تفخيم شأن ما يتساءلون عنه؛ كأنه لفخامته خفي جنسه، فيسأل عنه، وهو استفهام توقيف وتعجيب منهم.
(١) انظر: "تفسير الطبري" (٣٠/ ١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٣٧).
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٣٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٣١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٤٥).
النبأ 78:2
﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾.
[٢] ثم بين شأن المسؤول عنه، فقال: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ وهو القرآن.
...
﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣)﴾.
[٣] ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ بأن أنكر (١) بعض، وكذب بعض، وقولهم: سحر، وكهانة، وشعر، وجنون، وغير ذلك.
قال الزجَّاج: الكلام تام في قوله: (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ)، ثم كان مقتضى القول أن يجيب مجيب فيقول: يتساءلون عن النبأ العظيم، فاقتضى إيجاز القرآن وبلاغته أن يبادر المحتج بالجواب الذي يقتضيه الحال والمحاورة اقتضابًا للجواب (٢) وإسراعها إلى موضع قطعهم، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [الأنعام: ١٩]، وله أمثلة كثيرة (٣).
...
﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾.
[٤] ﴿كَلَّا﴾ ردٌّ على الكفار في تكذيبهم.
﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ عاقبةَ تكذيبهم، وهو وعيد لهم في المستقبل.
...
(١) في "ت": "شك".
(٢) في "ت": "للحجة".
(٣) نقل كلام الزجاج: ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٤٢٣)، وأبو حيان في "البحر المحيط" (٨/ ٤٠٣).
النبأ 78:5
﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾.
[٥] ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ كرر الزجر تأكيدًا، وجيء بـ (ثُمَّ) ليؤذِنَ أن الوعيد الثاني أشدُّ من الأول، وأن مدته أطول.
...
﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦)﴾.
[٦] ثم أومأ تعالى إلى القدرة على البعث فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ فراشًا يُمْهَد للأناسي كالمهد للصبي.
...
﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾.
[٧] ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ للأرض حتى لا تميد؛ كتثبيت البيت بالوتد.
...
﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾.
[٨] ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أصنافًا ذكورًا وإناثًا.
...
﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩)﴾.
[٩] ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ راحة لأبدانكم، وقيل: قطعًا لأعمالكم؛ لأن أصل السبت: القطع.
***
النبأ 78:10
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠)﴾.
[١٠] ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ غطاء يستر كل شيء بظلمته.
...
﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾.
[١١] ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ وقتَ معاش (١) تتقلبون فيه، وتبتغون من فضل الله ما قسم لكم من رزقه.
...
﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾.
[١٢] ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا﴾ أي: سبع سماوات ﴿شِدَادًا﴾ جمع شديدة؛ أي: قوية محكمة لا يؤثر فيها مرور الزمان.
...
﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣)﴾.
[١٣] ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ مضيئًا جامعًا بين النور والحرارة؛ يعني: الشمس.
...
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤)﴾.
[١٤] ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ السحائب إذا عصرت بالرياح فيُخرج منها.
(١) "وقت معاش" زيادة من "ت".
النبأ 78:15
﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ مُنْصَبًّا بكثرة.
...
﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥)﴾.
[١٥] ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ﴾ بالماء ﴿حَبًّا﴾ كالحنطة والشعير.
﴿وَنَبَاتًا﴾ كالتبن والحشيش وما تنبته الأرض مما تأكل الأنعام.
...
﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾.
[١٦] ﴿وَجَنَّاتٍ﴾ بساتين ﴿أَلْفَافًا﴾ ملتفة الأشجار، واحدها: لِفٌّ ولَفيفٌ.
...
﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧)﴾.
[١٧] ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ بين الخلائق ﴿كَانَ مِيقَاتًا﴾ للثواب والعقاب.
...
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨)﴾.
[١٨] ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ الْفَصْلِ﴾، ﴿فَتَأْتُونَ﴾ من قبوركم إلى الموقف ﴿أَفْوَاجًا﴾ جماعاتٍ مختلفةً، ونصبه على الحال.
...
﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩)﴾.
[١٩] ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ﴾ قرأ الكوفيون: (وَفُتِحَتِ) بتخفيف التاء،
النبأ 78:20
والباقون: بالتشديد (١)؛ أي: شُقَّت لنزول الملائكة ﴿فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ أي: ذات أبواب مفتحة.
...
﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾ ذُهِبَ بها عن أماكنها ﴿فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ هباءً يُرى كالسراب.
...
﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١)﴾.
[٢١] ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ طريقًا وممرًا، فالمؤمن يمر عليها ليدخل الجنة، والكافر يدخلها، وقيل: (مِرْصَادًا) مِرْقَبًا ترقُب منه الملائكة الخلائقَ، فيُدخلون المؤمنَ الجنة، والكافرَ النار.
...
﴿لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾.
[٢٢] ﴿لِلطَّاغِينَ﴾ للكافرين ﴿مَآبًا﴾ مرجعًا.
...
﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿لَابِثِينَ﴾ قرأ حمزة، ورويس عن يعقوب: (لَبِثِينَ) بغير ألف بعد اللام، واللَّبِثُ: مَنْ شأنُه اللبثُ والمقامُ في المكان، وقرأ الباقون:
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٦٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٤٦ - ٤٧).
النبأ 78:24
بالألف (١)، واللابث من وجُد منه اللبث، وإن قَلَّ، ونصبه حال مقدرة من الضمير في (الطَّاغِينَ) ﴿فِيهَا أَحْقَابًا﴾ جمع حُقْب: ثمانون سنة، كل يوم منها ألف سنة، وليس المراد منه عددًا محصورًا، فكلما مضى حقب، تبعه حقب، إلى غير نهاية، فليس للأحقاب عدة إلا الخلود.
...
﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا﴾ من حر ﴿وَلَا شَرَابًا﴾ من عطش.
...
﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾.
[٢٥] ﴿إِلَّا حَمِيمًا﴾ وهو ما بلغ نهاية الحر ﴿وَغَسَّاقًا﴾ هو الزمهرير. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: بتشديد السين، والباقون: بتخفيفها (٢).
...
﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾.
[٢٦] ﴿جَزَاءً﴾ مصدر ﴿وِفَاقًا﴾ أي: موافقًا لسوء أعمالهم.
...
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٣٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٤٧).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٦٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٨٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٤٨).
النبأ 78:27
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧)﴾.
[٢٧] ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ﴾ لا يخافون ﴿حِسَابًا﴾ لأنهم لم يصدِّقوا بالبعث.
...
﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨)﴾.
[٢٨] ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ أي: تكذيبًا، وهو مصدر بلغة العرب.
...
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩)﴾.
[٢٩] ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ نصب بمضمر يفسره ﴿أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ حال؛ أي: مكتوبًا في اللوح، وهذه الآية اعتراض بين (كِذَّابًا).
...
﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾.
[٣٠] وقوله: ﴿فَذُوقُوا﴾ أي: يقال لهم: ذوقوا جزاءكم.
﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ فوق عذابكم.
...
﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾.
[٣١] ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ أي: فوزًا بالبغية.
***
النبأ 78:32
﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾.
[٣٢] ﴿حَدَائِقَ﴾ بيان ﴿مَفَازًا﴾ أي: بساتين عليها جدران ﴿وَأَعْنَابًا﴾ تفسير الـ (حدائق)؛ أي: فيها أنواع الأشجار المثمرة.
...
﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾.
[٣٣] ﴿وَكَوَاعِبَ﴾ يعني: نساء قد تكعَّبت ثُديُهن، وهُنَّ النَّواهد.
﴿أَتْرَابًا﴾ مستوياتٍ في السن.
...
﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾.
[٣٤] ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ مملوءةً.
...
﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥)﴾.
[٣٥] ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ باطلًا من الكلام ﴿وَلَا كِذَّابًا﴾ قرأ الكسائي: بتخفيف الذال مصدر كَذَب مخففًا، وقرأ الباقون: بتشديدها (١) مصدر كذَّب مثقلًا، المعنى: لا يسمعون في الجنة باطل الكلام، ولا كلامَ من يكذب ولا يكذَّبُ صاحبه، واتفقوا على تشديد (كِذَّابًا) في الحرف المتقدم (٢) لوجود فعله معه.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٦٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٤١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٤٩).
(٢) "المتقدم" ساقطة من "ت".
النبأ 78:36
﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦)﴾.
[٣٦] ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ﴾ بمقتضى وعده، ونصبه مصدر.
﴿عَطَاءً﴾ تفضُّلًا منه، وهو بدل من (جَزَاءً).
﴿حِسَابًا﴾ كافيًا، ومنه: أعطاني فأحسبني؛ أي: أكثر علي حتى قلت: حسبي، ونصبه صفة.
...
﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧)﴾.
[٣٧] ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (رَبُّ) بالرفع على الاستئناف، و ﴿الرَّحْمَنِ﴾ خبره، وقرأ ابن عامر، وعاصم، ويعقوب: (رَبِّ) بالخفض إتباعًا لقوله: (مِنْ رَبِّكَ)، وقرؤوا أيضًا (الرحمن) بالخفض إتباعًا لقوله: (رَبِّ السَّمَوَاتِ) وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (رَبِّ) بالخفض؛ لقربه من قوله: (جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ)، وقرؤوا: (الرَّحْمَنُ) بالرفع؛ لبعده منه على الاستئناف (١).
﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ الضمير لأهل السموات والأرض ﴿مِنْهُ خِطَابًا﴾ أي: لا يملكون شفاعة إلا بإذنه تعالى.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٦٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٤١ - ٥٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٥٠).
النبأ 78:38
﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾.
[٣٨] ﴿يَوْمَ﴾ ظرف لـ (لاَ يَمْلِكُونَ) ﴿يَقُومُ الرُّوحُ﴾ قال ابن عباس عن النبي - ﷺ -: "الرُّوحُ خَلْقٌ غيرُ الملائكةِ هم حفظة لنا" (١)، وقيل: هو جبريل عليه السلام (٢).
﴿وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ أي: متقابلين (٣)، ونصبه على الحال. قرأ أبو عمرو: (وَالْمَلاَئِكَة صفًّا) بإدغام التاء في الصاد (٤).
﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾ جميع الخلائق ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ في الكلام.
﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾ أي: حقًّا في الدنيا، وهو الشهادة بالتوحيد.
* * *
﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩)﴾.
[٣٩] ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ الثابتُ وقوعُه، وهو يوم القيامة.
﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ مرجعًا بالإيمان.
* * *
(١) ذكره الثعالبي في "تفسيره" (٤/ ٣٨٢).
(٢) انظر: "الكشاف" للزمخشري (٤/ ٦١٢).
(٣) "أي متقابلين" زيادة من "ت".
(٤) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٨٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٥٠).
النبأ 78:40
﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾.
[٤٠] ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ وهو عذاب الآخرة، وكلُّ ما هو آت قريب.
﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ﴾ المراد بالمرء (١): الجنس؛ أي: ينظر ثَمَّ كلّ امرئ.
﴿مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ من خير وشر.
﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ﴾ في الدنيا ﴿تُرَابًا﴾ ولم أر حسابًا.
روي أن الله تعالى يحضر البهائم يوم القيامة، فيقتص من بعضها لبعض، ثم يقول لها بعد ذلك: كوني ترابًا، فيعود جميعها ترابًا، فإذا رأى الكفار ذلك، تمنوا مثله (٢)، والله أعلم.
* * *
(١) "بالمرء" ساقطة في "ت".
(٢) رواه إسحاق بن راهويه في "مسنده" (١٠)، والطبري في "تفسيره" (٣٠/ ٢٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٩٦)، والحاكم في "المستدرك" (٣٢٣١)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
النازعات 79:1
سُورَةُ النَّازِعَات
مكية، وآيها: ست وأربعون آية، وحروفها: سبع مئة وثلاثة وسبعون حرفًا، وكلمها: مئة وتسع وسبعون كلمة.
بِسِمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١)﴾.
[١] ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ الملائكة التي تَنْزِع أرواحَ الكفار.
﴿غَرْقًا﴾ أي: إغراقًا، وهو النزع بشدة.
* * *
﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾.
[٢] ﴿وَالنَّاشِطَاتِ﴾ الملائكة تنشط أرواح المؤمنين.
﴿نَشْطًا﴾ أي: تحلُّها حَلًا رفيقًا.
* * *
﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾.
[٣] ﴿وَالسَّابِحَاتِ﴾ الملائكة بنزولها (١) كالسباحة.
﴿سَبْحًا﴾ مسرعين كالفرس الجواد، يقال له: سابح: إذا أسرع في جريه.
(١) في "ت": "نزولها".
النازعات 79:4
﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾.
[٤] ﴿فَالسَّابِقَاتِ﴾ الملائكة تسبق الشياطين إلى الأنبياء.
﴿سَبْقًا﴾ بالوحي، ونصبها كلها مصدر.
* * *
﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾.
[٥] ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ﴾ الملائكة وُكِّلوا بأمورٍ (١) عرفهم الله العملَ بها من تدبير أمر الدنيا ﴿أَمْرًا﴾ حال؛ أي: يدبرون مأموراتٍ.
* * *
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾.
[٦] أقسم الله بالمذكورات، وجواب القسم محذوف، تقديره: لَتُبعثنَّ، وإنما حذف؛ لدلالة ما بعده عليه، وهو: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ هي النفخة الأولى، وصفت بما يحدث بسببها؛ لأنها يرجف كل شيء ويتزلزل، ويموت كل الخلائق لشدتها.
* * *
﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾.
[٧] ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ النفخة الثانية، ردفت الأولى، وبينهما أربعون سنة، فيحيا كل شيء بإذن الله سبحانه.
* * *
﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾.
[٨] ﴿قُلُوبٌ﴾ مبتدأ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرفه صفته ﴿وَاجِفَةٌ﴾ شديدة الاضطراب.
(١) في "ت": "أمور".
النازعات 79:9
﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾.
[٩] خبره ﴿أَبْصَارُهَا﴾ أبصارُ أربابِ القلوب ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ذليلة؛ لهول ما ترى.
* * *
﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠)﴾.
[١٠] ﴿يَقُولُونَ﴾ أي: أرباب القلوب والأبصار استهزاءً وإنكارًا للبعث: ﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ أي: نعود بعد الموت أحياء؟! والحافرة: اسم لابتداء الأمر وأوله، ومنه: رجع فلان في حافرته: إذا رجع من حيث جاء.
* * *
﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١)﴾.
[١١] ثم زادوا إنكار البعث استبعادًا، فقالوا: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ بالية، العامل في (أَئِذَا) محذوف؛ أي: أنبعث؟ واختلف القراء في (أَئِنَّا) (أَئِذَا)، فقرأ أبو جعفر: (إِنَّا) بالإخبار (أَئِذَا) بالاستفهام، وقرأ نافع، وابن عامر، والكسائي، ويعقوب: (أَئِنَّا) بالاستفهام، (إِذَا) بالإخبار، وقرأ الباقون: بالاستفهام فيهما (١)، فكل من استفهم، فهو على أصله من تحقيق الهمزتين والتسهيل وإدخال الألف كما تقدم في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر، ورويس:
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٧٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٢)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٤٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٧٣ - ٣٧٤)، و "معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٥٥).
النازعات 79:12
(نَاخِرَةً) بألف بعد النون، والباقون: بغير ألف (١)، وهما لغتان معناهما واحد؛ مثل: حَذِر، وحاذِر.
* * *
﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢)﴾.
[١٢] ﴿قَالُوا﴾ أي: منكرو البعث: ﴿تِلْكَ﴾ أي: رجعتُنا هذه.
﴿إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ باطلة ذات خسران؛ أي: إن صح أنا نبعث، فلنخسرنَّ.
* * *
﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾.
[١٣] قال الله عز وجل ﴿فَإِنَّمَا هِيَ﴾ يعني: الرادفة التي يعقبها البعث.
﴿زَجْرَةٌ﴾ صيحة ﴿وَاحِدَةٌ﴾ لا تكرر؛ لشدتها.
* * *
﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾.
[١٤] فإذا نفخت ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ كلُّ الخلائق.
﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾ بوجه الأرض أحياءً بعدما كانوا ببطنها أمواتًا.
* * *
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٧٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٤٩)، و "معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٥٦)، قال ابن مجاهد: كان الكسائي لا يبالي كيف قرأها بألف أم بغير ألف.
النازعات 79:15
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥)﴾.
[١٥] ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ أي: قد جاءك يا محمد ﴿حَدِيثُ مُوسَى﴾ أمال رؤوسَ الآي من قوله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ) إلى آخر السورة: ورش، وأبو عمرو بخلاف عنهما، ووافقهما على الإمالة: حمزة، والكسائي، وخلف، واختص الكسائي دونهما بإمالة (دَحَاهَا) (١).
* * *
﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦)﴾.
[١٦] ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ تقدم تفسير نظيره واختلاف القراء فيه في سورة (طه)، وكذا اختلافهم هاهنا، والواد المقدس: وادٍ بالشام، قال منذر بن سعيد: هو بين المدينة ومصر.
* * *
﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧)﴾.
[١٧] ﴿اذْهَبْ﴾ أي: قيل له: اذهب ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ تجاوز الحدَّ في الكفر.
* * *
﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾.
[١٨] ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ﴾ أي: أدعوك ﴿إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر،
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١٩)، و "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٨٠)، و "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٣٢)، و "معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٥٦).
النازعات 79:19
وابن كثير، ويعقوب: بتشديد الزاي، والباقون: بتخفيفها (١)، ومعناهما التطهُّرُ من النقائص، والتلبُّسُ بالفضائل.
* * *
﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩)﴾.
[١٩] ثم أمر موسى بأن يفسر له التزكي الذي دعاه إليه بقوله: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾ أي: أدلك على معرفته بالبرهان.
﴿فَتَخْشَى﴾ الله تعالى، والعلم تابع للهدى، والخشية تابعة للعلم ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
* * *
﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ قلبَ العصا حيةً، واليد بيضاءَ (٢)، ووُحِّدَتا؛ لأنهما في حكم آية واحدة.
* * *
﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١)﴾.
[٢١] ﴿فَكَذَّبَ﴾ أنها (٣) من الله ﴿وَعَصَى﴾ ربَّه بعد ظهور الآية.
* * *
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٤٩)، و "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٣٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٥٨ - ٥٩).
(٢) في "ت": "البيضاء".
(٣) في "ت": "بأنها".
النازعات 79:22
﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ﴾.
[٢٢] ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ عند رؤية الثعبان رعبًا، وقيل: معناه: أدبر عن الإيمان يسعى في الأرض فسادًا.
* * *
﴿فَحَشَرَ فَنَادَىٰ﴾.
[٢٣] ﴿فَحَشَرَ﴾ جمع قومه ﴿فَنَادَى﴾ فيهم.
* * *
﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ لا ربَّ فوقي.
* * *
﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥)﴾.
[٢٥] ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ﴾ أي: عقوبةَ ﴿الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ أخذًا منكلًا في الدنيا بالإغراق، وفي الآخرة بالإحراق، وقال ابن عباس: "نَكالَ كلمتيه (١) الآخرة: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، والأولى: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، وكان بينهما أربعون سنة" (٢).
* * *
(١) أي: كلمتا فرعون.
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٥٥٠).
النازعات 79:26
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي فُعل بفرعون ﴿لَعِبْرَةً﴾ عظةً ﴿لِمَنْ يَخْشَى﴾ اللهَ عز وجل.
* * *
﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)﴾.
[٢٧] ثم خاطب منكري البعث فقال: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ أصعبُ خلقًا.
﴿أَمِ السَّمَاءُ﴾ مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: أم السماء أشدُّ؟ واختلاف القراء في الهمزتين من (أَأَنْتُمْ) كاختلافهم فيهما من ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ في سورة الأنبياء، ثم وصف خلق السماء فقال: ﴿بَنَاهَا﴾.
* * *
﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾.
[٢٨] ثم بين البناء فقال: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ والسمكُ: الارتفاع الذي بين سطح السماء الأسفل الذي يلينا وسطحها الأعلى الذي يلي ما فوقها.
﴿فَسَوَّاهَا﴾ جعلها مستوية بلا عيب.
* * *
﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩)﴾.
[٢٩] ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ أي: أظلمه ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ أبرز نورَ شمسها، وأضيف الليل والشمس إلى السماء؛ لأن الليل ظلها، والشمس سراجها.
* * *
النازعات 79:30
﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾.
[٣٠] ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: بعد خلق السماء، ونصب (وَالأَرْضَ) بمضمر (١) يفسره ﴿دَحَاهَا﴾ بسطها للسكنى.
قال ابن عباس: "خلق الله الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها، ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سموات، ثم دحا الأرض بعد ذلك" (٢).
* * *
﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١)﴾.
[٣١] ثم فسر البسط فقال: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا﴾ بتفجير عيونها ﴿وَمَرْعَاهَا﴾ أي رِعْيَها -بكسر الراء-، وهو الكلأ، ونسب الماء والمرعى إلى الأرض من حيث هما منها يظهران.
* * *
﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾.
[٣٢] ﴿وَالْجِبَالَ﴾ نصب بمضمر يفسره ﴿أَرْسَاهَا﴾ أثبتها على وجه الأرض لتسكن.
* * *
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾.
[٣٣] ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ أي: منفعة تنتفعون ما أنتم ومواشيكم،
(١) في "ت": "بفعل".
(٢) رواه الطبري في تفسيره" (٣٠/ ٤٥). وانظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٥٥٠).
النازعات 79:34
ونصب (متاعًا) بمعنى قوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ لأن معناه: أمتع بذلك.
* * *
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤)﴾.
[٣٤] ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ الداهية العظمى؛ يعني: صيحة القيامة؛ لطمومها كلَّ هائلة من الأمور، فتعلو فوقها، والطامة عند العرب: الداهية التي لا تستطاع.
* * *
﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥)﴾.
[٣٥] وتبدل من ﴿فَإِذَا جَاءَتِ﴾ ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ عملَ في الدنيا من خير وشر.
* * *
﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦)﴾.
[٣٦] ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾ أُظهرت ﴿لِمَنْ يَرَى﴾ لمن يجب له دخولُها.
* * *
﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَىٰ﴾.
[٣٧] ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾ في كفره.
* * *
﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨)﴾.
[٣٨] ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ على الآخرة باتباع الشهوات.
النازعات 79:39
﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩)﴾.
[٣٩] ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ أي: مأواه، والهاء عوض عنها بالألف واللام.
* * *
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠)﴾.
[٤٠] ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ أي: مقامه بين يدي ربه للحساب.
﴿وَنَهَى النَّفْسَ﴾ الأمارة بالسوء ﴿عَنِ الْهَوَى﴾ ما تهواه من اتباع الشهوات المحرمة.
* * *
﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾.
[٤١] ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ ليس له سواها مأوى.
* * *
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢)﴾.
[٤٢] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ متى ظهورها؟ من مرسى السفينة، وهو حيث تنتهي إليه، وتستقر فيه.
* * *
﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣)﴾.
[٤٣] روي أنه - ﷺ - لم يزل يسأل عن الساعة حتى نزل: {فِيمَ أَنْتَ مِنْ
النازعات 79:44
ذِكْرَاهَا} (١) أي: من ذكر تحديدها؛ أي: لست من ذلك في شيء، وليس عندك علمُها.
* * *
﴿إِلَىٰ رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾.
[٤٤] ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ منتهى علمها متى يكون، لا يعلمه غيره تعالى.
* * *
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾.
[٤٥] ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ مخوِّف من يخشى القيامة ومن لا يخشاها، فاختص بمن يخشاها؛ مدحًا لهم؛ لأن الإنذار يؤثر فيمن يخشاها، ولا يؤثر فيمن لا يخشاها؛ كقوله: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥]، معناه: ومن لا يخافُ وعيد. قرأ أبو جعفر: (مُنْذِرٌ) بالتنوين، والباقون: بغير تنوين (٢).
* * *
﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾.
[٤٦] ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ يعني: كفار مكة ﴿يَوْمَ يَرَوْنَهَا﴾ يعاينون القيامة.
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٣٠/ ٤٩)، والحاكم في "المستدرك" (٧)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٧/ ٣١٤)، من حديث عائشة رضي الله عنها. وفي الباب من حديث طارق بن شهاب رضي الله عنه وغيره. انظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٤/ ١٥٠).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٥٥١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٦٧). ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ في الدنيا، أو في القبور.
﴿إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ أي: عشية اليوم (١)، أو ضحى العشية، وهو بكرة ذلك اليوم، فأضاف الضحى إلى العشية من حيث هما طرفان للنهار، وقد بدأ بذكر أحدهما، فأضاف الآخر إليه تجوزًا وإيجازًا، والله أعلم.
* * *
(١) في "ت": "يوم".
عبس 80:1
سُورَةُ عَبَسَ
مكية، وآيها: أربعون وآيتان (١)، وحروفها: خمس مئة وستة وثلاثون حرفًا، وكلمها: مئة وثلاث وثلاثون كلمة.
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾.
[١] روي أن ابن أم مكتوم -واسمه عبد الله بن شريح بن مالك الفهري من بني عامر بن لؤي، وكان أعمى- أتى رسولَ الله - ﷺ - وعنده صناديدُ قريش يدعوهم إلى الإسلام، فقال ابن أم مكتوم: "يا رسول الله! علِّمني مما علَّمك الله"، وكرر ذلك، ولم يعلم تشاغله بالقوم، فكره رسول الله - ﷺ - قطعه لكلامه، وعبس وجهه، وأعرض عنه، وأقبل على القوم يكلمهم، فنزل قوله تعالى: ﴿عَبَسَ﴾ (٢) كَلَح ﴿وَتَوَلَّى﴾ أعرض بوجهه.
* * *
(١) في "ت": "أربعون آية".
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٣٠/ ٥١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٩٩).
عبس 80:2
﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ﴾.
[٢] ﴿أَنْ جَاءَهُ﴾ أي: لأن جاءه ﴿الْأَعْمَى﴾ فكان رسول الله - ﷺ - بعد ذلك يكرمه، وإذا رآه قال: "مَرْحبًا بمن عاتبني فيه ربي"، وبسط له رداءه، ويقول: "هل لك من حاجة؟ "، واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين غزاهما، وفوض إليه أمر التأذين، قال أنس بن مالك: "رأيته يوم القادسية عليه درع ومعه راية سوداء" (١).
* * *
﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣)﴾.
[٣] ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: أي شيء يجعلك داريًا.
﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ يتطهر من الذنوب بما يسمع منك.
* * *
﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤)﴾.
[٤] ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ﴾ يَتَّعظ ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ العظةُ التي سمعها منك. قرأ عاصم: (فَتَنْفَعَهُ) بنصب العين على جواب التمني؛ لأن قوله: (أَوْ يَذَّكَّرُ) في حكم قوله: (لَعَلَّهُ يَزَّكَّى)، وقرأ الباقون: بالرفع عطفًا على (يَذَّكَّرُ) (٢).
* * *
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٥٥٣)، و "تفسير القرطبي" (١٩/ ٢١٣).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٧٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٠)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٥٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٧٢ - ٧٣).
عبس 80:5
﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ﴾.
[٥] ثم أكد تعالى عتب نبيه محمد - ﷺ - بقوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ عن الله، وعن الإيمان؛ بما له من المال.
* * *
﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّىٰ﴾.
[٦] ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ قرأ نافع، وابن كثير، وأبو جعفر: (تَصَّدَّى) بتشديد الصاد؛ أي: تتصدى، وقرأ الباقون: بالتخفيف على الحذف (١)؛ أي: تتعرض له، وتُقبِلُ عليه.
* * *
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧)﴾.
[٧] ثم قال تعالى محقرًا لشأن الكفار: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ ألا يؤمنوا (٢)؛ أي: وما يضرك أن لا يفلح؟ إن عليك إلا البلاغ، وهذا حض على الإعراض عن أمرهم، وترك الاكتراث بهم.
* * *
﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨)﴾.
[٨] ثم قال مبالغًا في العتب: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ يسرع طالبًا للخير.
* * *
(١) المصادر السابقة.
(٢) في "ت": "ألا يؤمن".
عبس 80:9
﴿وَهُوَ يَخْشَى (٩)﴾.
[٩] ﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ اللهَ تعالى.
* * *
﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ﴾.
[١٠] ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ تَشاغلُ وتُعرض عنه. قرأ البزي: (عَنْه تّلَهَّى) بتشديد التاء، والباقون: بتخفيفها (١)، وأمال رؤوس الآي من أول السورة إلى (تَلَهَّى): ورش، وأبو عمرو بخلاف عنهما، وافقهما على الإمالة: حمزة، والكسائي، وخلف، وقرأ الباقون: بالفتح (٢).
روي أن رسول الله - ﷺ - بعد نزولها ما عبس في وجه فقير قط، ولا تصدى لغني (٣)، فحملة الشرع والعلم والحكام مخاطبون في تقريب الضعيف من أهل الخير، وتقديمه على الشريف العاري من الخير، بمثل ما خوطب النبي - ﷺ - في هذه السورة، وهذه الآيات ليس فيها إثبات ذنب له عليه السلام، بل إعلام الله أن ذلك المتصدَّى له ممن لا يتزكى، وفعل النبي - ﷺ - لما فعل وتصدِّيه لذلك الكافر كان طاعة لله، وتبليغًا عنه واستئلافًا له كما شرعه الله، لا معصية ومخالفة له.
* * *
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٧٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٣٣)، و "معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٧٥).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٢٠)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٨١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٧٤).
(٣) انظر: "الكشاف" للزمخشري (٤/ ٧٠٢).
عبس 80:11
﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾.
[١١] ﴿كَلَّا﴾ ردع على (١) المعاتبَ عليه، وعن معاودة مثله ﴿إِنَّهَا﴾ أي: آيات القرآن ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ موعظة.
* * *
﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾.
[١٢] ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ يتضمَّن وعدًا ووعيدًا على نحو قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩] و ﴿مَآبًا﴾ [النبأ: ٣٩].
* * *
﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾.
[١٣] ثم أخبر عن جلالته عنده فقال: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ يعني: اللوح المحفوظ.
* * *
﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾.
[١٤] ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ رفيعةِ القدر عند الله ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ من أيدي الشياطين.
* * *
﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾.
[١٥] ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ كَتبَةٍ، وهم الملائكة الكرام الكاتبون، واحدهم سافِر.
(١) في "ت": "عن".
عبس 80:16
﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾.
[١٦] ثم أثنى عليهم فقال: ﴿كِرَامٍ﴾ أي: على الله ﴿بَرَرَةٍ﴾ مطيعين، جمع بارّ.
* * *
﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧)﴾.
[١٧] ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ لُعن الكافرُ ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ بنعم الله تعالى مع إحسانه إليه على طريق التعجب، نزلت في عتبة بن أبي لهب (١).
* * *
﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾.
[١٨] ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ لفظه استفهام، ومعناه التقرير.
* * *
﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩)﴾.
[١٩] ثم فسر فقال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ أطوارًا: نطفة، ثم علقة، إلى آخر خلقه.
* * *
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾.
[٢٠] ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ﴾ نصب بمضمر يفسره ﴿يَسَّرَهُ﴾ بَيَّنَ له سبيلَ الخير والشر.
(١) رواه ابن المنذر في "تفسيره" عن عكرمة، كما ذكر السيوطي في "لباب النقول" (ص: ٢٢٧). وانظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٥٥٥)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٤٣٨).
عبس 80:21
﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾.
[٢١] ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ جعله في قبر يستره، قبرته: دفنته.
* * *
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾.
[٢٢] ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ﴾ بعدَ القبر ﴿أَنْشَرَهُ﴾ أحياه. واختلاف القراء في الهمزتين من (شَاءَ أَنْشَرَهُ) كاختلافهم فيهما من (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تقعَ) في سورة الحج [الآية: ٦٥].
* * *
﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿كَلَّا﴾ رد (١) لما عسى أن يكون للكفار من الاعتراضات في هذه الأقوال المسرودة ﴿لَمَّا﴾ أي: ﴿يَقْضِ﴾ الإنسان ﴿مَا أَمَرَهُ﴾ ما فرض عليه، نفي مؤكِّد لطاعة الإنسان لربه، وإثبات أنه تركَ حقَّ الله، ولم يقض أمره.
* * *
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ فليتفكر عُتْبَةُ في أول طعامه الذي يأكله كيف يصير في آخره من حال إلى حال، فكذلك يتفكر في حياته، ثم في آخرها كيف يصير من حال إلى حال.
(١) "رَدٌّ" زيادة من "ت".
عبس 80:25
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥)﴾.
[٢٥] ثم بين تحويله فقال: ﴿أَنَّا﴾ قرأ الكوفيون: (أَنَّا) بفتح الهمزة على نية تكرير الخافض، مجازه: فلينظر إلى أَنَّا، وافقهم رويس عن يعقوب وصلًا، وقرأ الباقون: بكسر الهمزة على الاستئناف، وافقهم رويس في الابتداء (١).
﴿صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ من السماء؛ يعني: المطر.
* * *
﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ بالنبات.
* * *
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾.
[٢٧] ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ كالحنطة والشعير مما يتغذى به.
* * *
﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾.
[٢٨] ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ وهو القَتُّ الرطبُ؛ وسمي به؛ لأنه يُقضب مرة بعد مرة؛ أي: يقطع، واختلف في تفسير القت، فقيل: هو حب الغاسول، وهو
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٧٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٧٦).
عبس 80:29
الأشنان، وقيل: هو حب يابس أسود، يُدفن فيلين قشره، ويزال، ويطحن ويخبز، يقتاته أعراب طيء (١).
* * *
﴿وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا﴾.
[٢٩] ﴿وَزَيْتُونًا﴾ وهو ما يُعصر منه الزيت ﴿وَنَخْلًا﴾ جمع نخلة.
* * *
﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾.
[٣٠] ﴿وَحَدَائِقَ﴾ بساتين ﴿غُلْبًا﴾ غلاظ الأشجار، واحدها أغلب.
* * *
﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾.
[٣١] ﴿وَفَاكِهَةً﴾ يريد: ألوان الفواكه ﴿وَأَبًّا﴾ هو ما ترعاه البهائم.
* * *
﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾.
[٣٢] ﴿مَتَاعًا﴾ مصدر؛ أي: منفعة ﴿لَكُمْ﴾ يعني: الفاكهة.
﴿وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ يعني: العشب.
* * *
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾.
[٣٣] ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ صيحة القيامة، سميت بذلك؛ لأنها تصخ الأسماع؛ أي: تبالغ في إسماعها حتى تكاد تُصِمُّها، وهي النفخة الثانية.
(١) انظر: "روضة الطالبين" للنووي (٢/ ٢٣٢)، وعنه نقل المصنف رحمه الله.
عبس 80:34
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤)﴾.
[٣٤] ثم بين وقتها فقال: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾.
* * *
﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾.
[٣٥] ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾.
* * *
﴿وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾.
[٣٦] ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ لاشتغاله بنفسه، وعلمِه أنهم لا ينفعونه.
* * *
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾.
[٣٧] ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ﴾ أي: حال.
﴿يُغنِيهِ﴾ يَشْغَلُه عن الاهتمام بشأن غيره.
* * *
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾.
[٣٨] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ مضيئة من أثر الوضوء.
* * *
﴿ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾.
[٣٩] ﴿ضَاحِكَةٌ﴾ بالسرور ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ فرحة بما نالت من كرامة الله عز وجل.
عبس 80:40
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠)﴾.
[٤٠] ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ غبار.
* * *
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾.
[٤١] ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ تعلوها ظلمة كالدخان مع الغبرة.
* * *
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾.
[٤٢] ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين يُصنع بهم هذا ﴿هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ الذين جمعوا إلى الكفر الفجور، وهو الفسق، فلذلك يجمع إلى سواد وجوههم الغبرة، ولا شيء أقبح من اجتماع الغبرة والسواد في الوجه، والله أعلم.
* * *
التكوير 81:1
سُورَةُ التَّكْويرِ
مكية، وآيها: تسع وعشرون آية، وحروفها: أربع مئة وخمسة وعشرون حرفًا، وكلمها: مئة وأربع كلمات.
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾.
[١] ﴿إِذَا الشَّمْسُ﴾ رفع بفعل يفسره ﴿كُوِّرَتْ﴾ أي: أظلمت، وأصل التكوير: جمعُ بعض شيء إلى بعض، ثم يلف، فإذا فعل بها ذلك، ذهب ضوءها.
* * *
﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾.
[٢] ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ تناثرت من السماء، وتساقطت على الأرض، وذلك لأن النجوم معلقة بالسلاسل، والسلاسل في أيدي الملائكة، فإذا مات مَنْ في السماء والأرض، تساقطت تلك السلاسل من أيدي الملائكة، ثم سقطت النجوم وتناثرت.
* * *
التكوير 81:3
﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾.
[٣] ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ ذُهب بها عن وجه الأرض.
* * *
﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾.
[٤] ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ﴾ الحواملُ من الإبل التي أتى عليها عشرة أشهر، واحدتها عُشَراء ﴿عُطِّلَتْ﴾ تُركت هَمَلًا بلا راع.
* * *
﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾.
[٥] ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ﴾ كلُّ دوابِّ الأرض (١) ﴿حُشِرَتْ﴾ جُمعت بعدَ البعث؛ ليقتص بعض من بعض، فإذا اقتص منها، صارت ترابًا.
* * *
﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾.
[٦] ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: (سُجِرَتْ) بتخفيف الجيم، والباقون: بتشديدها (٢)؛ أي: أُوقدت وصارت نارًا تضطرم.
* * *
(١) في "ت": "البحر".
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٢٠)، و "تفسير البغوي" (٤/ ٥٦٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٨)، و "معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٨١).
التكوير 81:7
﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾.
[٧] ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ قُرنت بأشكالها.
روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: أنه سئل عن هذه الآية، فقال: "يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، ويقرن بين (١) الرجل السوء مع الرجل السوء في النار" (٢). قرأ أبو عمرو: (النُّفُوس زُّوِّجَتْ) بإدغام السين في الزاي في هذا الحرف لا غير (٣).
* * *
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨)﴾.
[٨] ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ﴾ هي البنت تُدفن حيةً؛ سميت بذلك؛ لما يُطرح عليها من التراب فيؤودها؛ أي: يثقلها حتى تموت، وكان العرب يفعلون ذلك مخافة العار والحاجة ﴿سُئِلَتْ﴾ تبكيتًا لقاتلها.
* * *
﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾.
[٩] ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ لم وُئدت؟ فتقول: قُتلت بغير ذنب. قرأ أبو جعفر: (قُتِّلَتْ) بتشديد التاء، والباقون: بتخفيفها (٤).
(١) "بين" زيادة من "ت".
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٤٤٩٢)، والطبري في "تفسيره" (٣٠/ ٦٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٠٤). وانظر: "تغليق التعليق" لابن حجر (٤/ ٣٦٢).
(٣) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٨١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٨١).
(٤) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٥٦٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري =
التكوير 81:10
﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾.
[١٠] ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ﴾ صحفُ الأعمال ﴿نُشِرَتْ﴾ فُتحت وبُسطت، فتقع صحيفة المؤمن في يده فيها مكتوب: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾، وتقع صحيفة الكافر في يده فيها مكتوب: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، وعاصم، ويعقوب: بتخفيف الشين، والباقون: بتشديدها.
* * *
﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾.
[١١] ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ نُزعت عن أماكنها، وطُويت.
* * *
﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾.
[١٢] ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن ذكوان عن ابن عامر، وحفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب: (سُعِّرَتْ) بتشديد العين، والباقون: بتخفيفها؛ بخلاف عن أبي بكر راوي عاصم (١).
* * *
﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾.
[١٣] ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ قُرِّبت للمتقين ليدخلوها.
= (٢/ ٣٩٨)، و "معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٨٣).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٧٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٠)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٦٢)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٨٤).
التكوير 81:14
﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾.
[١٤] فذكر الله سبحانه اثني عشر شيئًا، وقال: إذا وقعت هذه الأشياء، فهنالك ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ أي: كلُّ النفوس ﴿مَا أَحْضَرَتْ﴾ من خير وشر.
* * *
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾.
[١٥] ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ (لا) زائدة، معناه: أقسم ﴿بِالْخُنَّسِ﴾ الرواجع، جمع خانسة وخانس.
* * *
﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾.
[١٦] ونعت (الخنس) ﴿الْجَوَارِ﴾ السيارة. قرأ يعقوب: (الْجَوَارِي) بإثبات الياء وقفًا، وأمال فتحة الواو: الدوري عن الكسائي (١) ﴿الْكُنَّسِ﴾ الغُيَّب، نعت (الْجَوَارِ)، وأصل الخنوس: الرجوع إلى خلف، والكنوس: الاستتار، المراد بها: النجوم الخمسة: زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، وعطارد، و (٢) سميت بذلك؛ لأنها تخنس؛ أي: ترجع في مجراها؛ وتكنس (٣)؛ أي: تستتر بضوء الشمس كما تستتر الظباء في كنسها؛ أي: بيوتها.
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٣٨)، وذكر الإمالة الدمياطي في "إتحاف فضلاء البشر" (ص: ٤٣٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٨٥).
(٢) "و" ساقطة من "ت".
(٣) "وتكنس" زيادة "ت".
التكوير 81:17
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾.
[١٧] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ أقبل بظلامه.
* * *
﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾.
[١٨] ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ انتشر ضوءه بطلوع الفجر، فشبه ذلك بالتنفس مجازًا.
* * *
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)﴾.
[١٩] وجواب القسم: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: القرآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ على الله، وهو جبريل عليه السلام، وأضيف القول إليه؛ لأنه قاله عن الله سبحانه.
* * *
﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ أي: شديد القوى ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ أي: عند الله.
﴿مَكِينٍ﴾ في المنزلة.
* * *
﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾.
[٢١] ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾ أي: في السموات، يطيعه الملائكة، ومن طاعتهم أنهم فتحوا أبواب السماء ليلة المعراج بقوله لرسول الله - ﷺ -، وطاعة
التكوير 81:22
جبريل فريضة على أهل السموات، كما أن طاعة محمد - ﷺ - فريضة على أهل الأرض ﴿أَمِينٍ﴾ على الوحي.
* * *
﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾.
[٢٢] ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ﴾ يعني: محمدًا - ﷺ - ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ خطاب لأهل مكة، وهو أيضًا من جواب القسم، أقسم على أن القرآن نزل به جبريل، وأن محمدًا - ﷺ - ليس كما يقوله أهل مكة، وذلك أنهم قالوا: إنه مجنون، وما يقوله من عند نفسه.
* * *
﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ أي: رأى محمد جبريل -عليهما الصلاة والسلام- على صورته التي خُلق عليها. قرأ ورش (١)، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم، وابن ذكوان عن ابن عامر بخلاف عنه: (رَآكَ) و (رَآهُ) و (رَآهَا) بإمالة الهمزة والراء، وأمال الدوري عن أبي عمرو الهمزة بخلاف عنه، وأمال السوسي الراء، وقرأ الباقون: بالفتح فيهما (٢) ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ مطلع الشمس الأعلى من ناحية المشرق.
* * *
(١) "ورش" ساقطة من "ت".
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٨١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٨٥).
التكوير 81:24
﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿وَمَا هُوَ﴾ يعني: محمدًا - ﷺ - ﴿عَلَى الْغَيْبِ﴾ أي: ما غاب عن أهل الأرض من خبر السماء ﴿بِضَنِينٍ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ورويس عن يعقوب: (بِظَنِينٍ) بالظاء؛ أي: بمتَّهَم، وقرأ الباقون: بالضاد؛ أي: ببخيل بالدعاء به، ورسمُها بالضاد في جميع المصاحف (١).
* * *
﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥)﴾.
[٢٥] ﴿وَمَا هُوَ﴾ أي: القرآن ﴿بِقَوْلِ شَيْطَانٍ﴾ مسترِقٍ للسمع ﴿رَجِيمٍ﴾ مرجومٍ بالكواكب.
* * *
﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾.
[٢٦] ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ توقيف وتقرير على معنى: أين المذهب لأحد عن هذه الحقائق؟
* * *
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧)﴾.
[٢٧] ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: القرآنُ ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ عظة للخلق أجمعين.
* * *
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٧٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٠)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٦٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٨ - ٣٩٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٨٦).
التكوير 81:28
﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾.
[٢٨] وتبدل من ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ باتباع الحق، وخصص من يشاء الاستقامة بالذكر؛ تشريفًا وتنبيهًا منهم، وذكرًا لتكسبهم أفعال الاستقامة.
* * *
﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾.
[٢٩] ولما نزلت هذه الآية، قال المشركون: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فنزل: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ (١) الاستقامةَ ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ لأن المشيئة في التوفيق إليه ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ مالكُ الخلائق.
في الحديث: "يا بنَ آدم! تريدُ وأريدُ، فتتعبُ فيما تريد، ولا يكونُ إلا ما أُريد" (٢)، والله أعلم.
* * *
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٣٠/ ٨٤)، عن سليمان بن موسى. ورواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٤٤)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) ذكره ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٤٤٥) دون التصريح أو التلميح إلى أنه حديث أو أثر، وإنما ذكره بيانًا وإيضاحًا، ومثالًا مناسبًا فمعنى الآية. وقد نقله المؤلف هنا على أنه حديث، والعصمة من الله وحده.
الانفطار 82:1
سُورَةُ الانفِطَار
مكية، وآيها: تسع عشرة آية، وحروفها ثلاث مئة وسبعة وعشرون حرفًا، وكلمها: إحدى وثمانون كلمة.
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾.
[١] ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ انشقَّتْ، وتشقُّقها على غير نظام مقصود، إنما هو انشقاق لتزول بنيتها.
* * *
﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾.
[٢] ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ تساقطت من مواضعها التي هي فيها.
* * *
﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾.
[٣] ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ فُتح بعضُها إلى بعض، عذبُها ومِلْحُها، فصارت بحرًا واحدًا.
* * *
الانفطار 82:4
﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾.
[٤] ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ بُحثت وأُخرج ما فيها من الموتى، وهذه أوصاف يوم القيامة.
* * *
﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾.
[٥] وجواب (إِذا): ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ و (نفسٌ) هاهنا اسمُ جنس، وإفرادها ليبين لذهن السامع حقارتها وقلتها وضعفها عن منفعة ذاتها، إلا من رحم الله تعالى ﴿مَا قَدَّمَتْ﴾ في حياتها من عمل صالح أو سيئ.
﴿وَأَخَّرَتْ﴾ مما سَنَّتْه فعُمل به بعد موتها.
* * *
﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)﴾.
[٦] ثم خاطب تعالى جنس ابن آدم، فوقفه على جهة التوبيخ والتنبيه على أي شيء أوجب أن يغتر بربه الكريم فيعصيه، ويجعل له ندًّا، وغير ذلك من أنواع الكفر، وهو الخالق الموجِدُ بعدَ العدم، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ﴾ أي: ما دعاك إلى الاغترار.
﴿بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ روي أن النبي - ﷺ - قرأ: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ فقال: "جَهْلُهُ" (١)، وهذا يترتب في الكافر.
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ١٤٦)، عن صالح بن مسمار بلاغًا. ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٠٤٨)، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من قوله وانظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزمخشري (٤/ ١٦٧).
الانفطار 82:7
وفي العاصي: روي أن الله سبحانه إنما ذكر الكريم من بين سائر أسمائه، كأنه لقنه الإجابة حتى يقول: غرني كرمُ الكريم، فهذا من لطف الله بعباده العصاة المؤمنين (١).
* * *
﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧)﴾.
[٧] ﴿الَّذِي خَلَقَكَ﴾ بعدَ أنْ لم تكن شيئًا ﴿فَسَوَّاكَ﴾ بأن سوى أعضاءك، وركب فيك العقل، وأنطق لسانك (٢).
﴿فَعَدَلَكَ﴾ قرأ الكوفيون: بتخفيف الدال، أي: صرفَكَ وأمالك إلى ما شاء، وقرأ الباقون: بالتشديد (٣)، أي: قَوَّمَك وجعلك معتدلَ الخَلْق والأعضاء.
* * *
﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾.
[٨] ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ أي: في قبيحة أو حسنة، أو مشوهة أو سليمة، ونحو هذا.
* * *
(١) ذكره البغوي في "تفسيره" (٤/ ٥٦٨) عن بعض أهل الإشارة.
(٢) "لسانك" ساقطة من "ت".
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٧٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٠)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٦٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٨٩ - ٩٠).
الانفطار 82:9
﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)﴾.
[٩] ﴿كَلَّا﴾ ردٌّ على سائر أقوالهم، وردعٌ عنها. قرأ أبو عمرو، ورويس بخلاف عنه: (رَكَّبَك كَلَّا) بإدغام الكاف، في الكاف، والباقون: بالإظهار (١).
﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ بالحساب، أثبت لهم تكذيبهم بالدين، وهذا الخطاب عام، ومعناه الخصوص. قرأ أبو جعفر: (يُكَذِّبُونَ) بالغيب، والباقون: بالخطاب، ومنهم: حمزة، والكسائي، وهشام يدغمون اللام في التاء (٢).
* * *
﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠)﴾.
[١٠] ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ رقباء من الملائكة.
* * *
﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾.
[١١] ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ يكتبون أعمال بني آدم، و (٣) وصفهم بالكرم الذي هو نفيُ المذامِّ.
* * *
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٩٠).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٥٦٩)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٩٠).
(٣) "و" زيادة من "ت".
الانفطار 82:12
﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾.
[١٢] ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ وتقولون؛ لمشاهدتهم حالَكم.
* * *
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾.
[١٣] ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ جمعَ برّ، وهو الذي قد اطَّرد بِرُّهُ عمومًا، فبرَّ ربَّه في طاعته إياه، وبرَّ أبويه، وبرَّ الناس في جلب ما استطاع من الخير لهم، وغير ذلك ﴿لَفِي نَعِيمٍ﴾.
* * *
﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾.
[١٤] ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ﴾ يعني: الكفار ﴿لَفِي جَحِيمٍ﴾ بيان لما يكتبون لأجله.
* * *
﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥)﴾.
[١٥] ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ يباشرون حرها بأبدانهم ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ هو يوم الجزاء.
* * *
﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦)﴾.
[١٦] ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ لا بدَّ من دخولهم إياها.
* * *
الانفطار 82:17
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧)﴾.
[١٧] ثم فخم شأن يوم الدين فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾.
* * *
﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨)﴾.
[١٨] ثم كرر تعجبًا لشأنه فقال: ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ والخطاب للنبي - ﷺ -.
* * *
﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾.
[١٩] ﴿يَوْمَ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: (يَوْمُ) برفع الميم على معنى: هو يوم، وقرأ الباقون: (يَوْمَ) بالنصب على الظرف (١)، والمعنى الجزاءُ يومَ.
﴿لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ من المنفعة ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ إخبار منه تعالى بضعف الناس (٢) يومئذ، وأنه لا يُغني بعضهم عن بعض، وأن الأمر له -تبارك وتعالى- كما هو له في الدنيا، والله أعلم.
* * *
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٧٤)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٦٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٩١).
(٢) "الناس": ساقطة من "ت".
المطففين 83:1
سُورَةُ المُطَفِّفينَ
مدنية، وقيل: مكية، وعن ابن عباس: نزل بعضها بمكة، ونزل أمر التطفيف بالمدينة؛ لأنهم كانوا أشدَّ الناس فسادًا، أي: في بهذا المعنى، فأصلحهم الله بهذه السورة (١)، وآيها: ست وثلاثون آية، وحروفها: سبع مئة وأربعون حرفًا، وكلمها: مئة وتسع وستون كلمة.
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾.
[١] ﴿وَيْلٌ﴾ معناه: الثبور والحزن والشقاء الأدومُ، ورفعه على الابتداء، المعنى: ثبت الويل واستقر ﴿لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ الباخسين في الكيل والوزن.
* * *
﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢)﴾.
[٢] ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ أي: منهم، و (مِنْ) و (عَلَى) يتعاقبان.
﴿يَسْتَوْفُونَ﴾ الكيل والوزنَ.
* * *
(١) انظر: "البحر المحيط" لأبي حيان (٨/ ٤٣١).
المطففين 83:3
﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾.
[٣] ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ أي: كالوا أو وزنوا للناس.
﴿يُخْسِرُونَ﴾ يُنقصون الكيل والوزن.
* * *
﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤)﴾.
[٤] ثم أدخل همزة الاستفهام على (لا) النافية توبيخًا، وليست (أَلَا) هذة تنبيهًا؛ لأن ما بعد تلك مثبت، وهذا نفي؛ لأن (ألَا) التنبيهية إذا حُذفت لا يختل المعنى؛ نحو: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ (١) [الصافات: ١٥١] وإذا حذفت (أَلَا) هذه، اختل المعنى، فقال:
﴿أَلَا يَظُنُّ﴾ أي: يتحقق ﴿أُولَئِكَ﴾ المطففون ﴿أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾.
* * *
﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥)﴾.
[٥] ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يوم القيامة، فيُسألون عن كيلهم ووزنهم.
* * *
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾.
[٦] ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ﴾ من قبورهم ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لأجل أمره تعالى، و (يومَ) منصوب بـ (مَبْعُوثُونَ)، وهذا مما يؤيد أنها نزلت بالمدينة في قوم مؤمنين، وأُريد بها مع ذلك من غَبَرَ من الأمة.
(١) في "ت": "ألا إنهم في سكرتهم يعمهون". قلت: وهو خطأ، وإنما يريد قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢].
المطففين 83:7
﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧)﴾.
[٧] ﴿كَلَّا﴾ جميع ما في هذه السورة يجوز أن يكون ردًّا؛ أي: ليس الأمر على ما هم عليه، فليرتدعوا، وتمام الكلام هاهنا، ويحتمل أن يكون استفتاحًا بمنزلة (ألا)، فيتصل بما بعده على معنى: حقًّا.
﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ﴾ ما يكتب من أعمالهم.
﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ هي الأرض السابعة، فيها أرواح الكفار توضع فيه إهانة لهم. قرأ أبو عمرو: (كِتَابَ الْفُجَّار لَّفِي) بإدغام الراء في اللام (١).
* * *
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨)﴾.
[٨] ثم فخم شأنه، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ أي: أيُّ شيء أعلمك.
﴿مَا سِجِّينٌ﴾ ليس مما كنت تعلمه.
* * *
﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩)﴾.
[٩] ثم بين الكتابَ فقال: ﴿كِتَابٌ﴾ أي: هو كتاب.
﴿مَرْقُومٌ﴾ مسطور فيه أعمالُهم، لا ينسى ولا يمحى، حتى يُجَازوا به.
* * *
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠)﴾.
[١٠] ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ بالحق.
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٨٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٩٦).
المطففين 83:11
﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١)﴾.
[١١] ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ الجزاء، صفةٌ ذامة.
* * *
﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢)﴾.
[١٢] ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ﴾ هو الذي يتجاوز حدود الأشياء.
﴿أَثِيمٍ﴾ مبالغة من (١) آثم. روي عن قنبل، ويعقوب: الوقف بالياء على (مُعْتَدِي).
* * *
﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾.
[١٣] ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ جمع أُسْطُورَة، وهي الحكايات التي سُطِرتَ قديمًا.
* * *
﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾.
[١٤] ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ﴾ غَطَّى ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ وركبَها كركوب الصدأ الحديد.
﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من المعاصي والذنوب. قرأ حفص عن عاصم: (بَلْ) بإظهار اللام مع سكتة عليها خفيفة، ويبتدئ (رَانَ)، وقرأ الباقون: بإدغام اللام في الراء، ومنهم: حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: يميلون فتحة الراء (٢).
(١) في "ت": "في".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٧٥)، و"الكشف" لمكي (١/ ١٨٢)، =
المطففين 83:15
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إنَّ المؤمنَ إذا أذنب، كانت نكتةٌ سوداءُ في قلبه، فإن تابَ ونزعَ، واستغفرَ، صُقِلَ قلبُه منها، وإذا زاد، زادت حتى تعلوَ قلبه، فذلكم الرانُ الذي ذكرَ اللهُ في كتابِه" (١).
* * *
﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾.
[١٥] ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ﴾ يعني: الكفار ﴿عَنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: عن رؤية ربهم.
﴿يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فمن قال بالرؤية، وهو قول أهل السنة، وعليه اتفاق الأئمة، قال: إن هؤلاء لا يرون ربهم، فهم محجوبون عنه، واحتج بهذه الآية الإمام مالك بن أنس -رضي الله عنه- على مسألة الرؤيا من جهة دليل الخطاب، وإلا، فلو حجب الكل، لما أغنى هذا التخصيص، ومن قال بأن لا رؤية، وهو قول المعتزلة، قال في هذه الآية: إنهم محجوبون عن رحمة ربهم وغفرانه.
وقد أخرج البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله قال: كنا عند رسول الله - ﷺ - ليلة أربع عشرة من الشهر، فقال: "إِنَّكم سترونَ رَبَّكُم كما ترونَ هذا القمر، لا تُضامون في رؤيته" (٢).
= و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٩٦).
(١) رواه الترمذي (٣٣٣٤)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، وقال: حسن صحيح، والنسائي في "السنن الكبرى" (١٠٢٥١)، وابن ماجه (٤٢٤٤)، كتاب: الزهد، باب: ذكر الذنوب، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) تقدم تخريجه.
المطففين 83:16
وتقدم كلام الأئمة الأربعة في ذلك في سورة الأنعام.
* * *
﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦)﴾.
[١٦] ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ﴾ بعد ذلك ﴿لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾ مباشر وحرِّ النار دون حائل.
* * *
﴿ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾.
[١٧] ﴿ثُمَّ يُقَالُ﴾ أي: يقول لهم الزبانية توبيخًا: ﴿هَذَا﴾ العذاب.
﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
* * *
﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨)﴾.
[١٨] ولما ذكر تعالى كتاب الفجار، عقب ذلك بذكر كتاب ضدهم؛ ليبين الفرق، فقال ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾ جمع بَرّ، وتقدم تفسيره في أواخر السورة التي قبل هذه. قرأ أبو عمرو، والكسائي، وخلف: (الأبْرَار) بالإمالة، ورواه ورش عن نافع بين بين، واختلف فيه عن حمزة وابن ذكوان، فروى عن الأول: الإمالة، وبين بين، وعن الثاني: الإمالة، والفتح، وقرأ الباقون: بالفتح، وأبو عمرو على أصله بإدغام الراء في اللام (١).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٧٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٩٦).
المطففين 83:19
﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ في السماء السابعة تحت العرش.
قال بعض أهل المعاني: علو بعد علو، وشرف بعد شرف، ولذلك جمعت بالياء والنون (١).
* * *
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩)﴾.
[١٩] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ تقديره: وما أدراك ما في عليين؟ على التعظيم.
* * *
﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾.
[٢٠] ثم بين فقال: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ أي: مكتوب، وليس بتفسير (عِلِّيِّينَ).
قال ابن عباس: "عملُهم مكتوبٌ في لوح من زَبَرْجَدٍ أخضرَ معلَّقٍ تحتَ العرش" (٢).
* * *
﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾.
[٢١] ﴿يَشْهَدُهُ﴾ يحضره ﴿الْمُقَرَّبُونَ﴾ وهم سبعة أملاك من مقربي السماء، من كل سماء ملك مقرب، فيحضره ويشيعه حتى يصعد به إلى ما يشاء الله، ويكون هذا في كل يوم.
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (١٠/ ١٥٥).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٥٧٦).
المطففين 83:22
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢)﴾.
[٢٢] ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾.
* * *
﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ هي السُّرر في الحِجال، وتقدم في سورة (يَس).
﴿ينَظُرُونَ﴾ إلى ما يسرهم، وإلى الكفار في النار كيف يعذبون.
* * *
﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ بهجةَ التنعيم. قرأ أبو جعفر، ويعقوب: (تُعْرَفُ) بضم التاء وفتح الراء مجهولًا، ورفع (نَضْرَةُ)، وقرأ الباقون: بفتح التاء وكسر الراء معلومًا، ونصب (نَضْرَةَ) مفعولًا (١).
* * *
﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥)﴾.
[٢٥] ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ﴾ وهو الشراب الخالص.
﴿مَخْتُومٍ﴾ على إنائها، فلا يَفُكُّ ختمَهُ إلا الأبرارُ.
* * *
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٥٧٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٩٧).
المطففين 83:26
﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ قرأ الكسائي: (خَاتَمُهُ مِسْكٌ (١)) بفتح الخاء وألف بعدها من غير ألف بعد التاء، أي: آخره، وقرأ الباقون: بكسر الخاء من غير ألف بعدها وبألف بعد التاء: اسم لما يُختم به، ولا خلاف بينهم في فتح التاء (٢).
﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله، وأصله: من الشيء النفيس الذي تحرص عليه نفوس الناس.
* * *
﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾.
[٢٧] ﴿وَمِزَاجُهُ﴾ أي: الرحيق ﴿مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ شراب يُصب عليهم من علو في غرفهم، وهو أشرف شراب في الجنة.
* * *
﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾.
[٢٨] ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا﴾ أي: منها ﴿الْمُقَرَّبُونَ﴾ صِرْفًا، ويمزج رحيقُ الأبرار بها، ونصب (عَيْنًا) على الحال من (تَسْنِيمٍ).
* * *
﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩)﴾.
[٢٩] ونزل في الكفار وسخريتهم بالمسلمين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾
(١) "مسك" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٧٦)، و "التيسير" للداني (ص: ٢٢١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٧٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٩٧)
المطففين 83:30
اكتسبوا الجرائم ﴿كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ استهزاء بهم.
* * *
﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠)﴾.
[٣٠] ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ﴾ يعني: المؤمنين بالكفار.
﴿يَتَغَامَزُونَ﴾ والغمز: الإشارة بالجفن والحاجب.
* * *
﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١)﴾.
[٣١] ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا﴾ أى: الكفار (١) ﴿إِلَى أَهْلِهِمُ﴾ ومنازلهم ﴿انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ قرأ أبو جعفر، وحفص عن عاصم: (فَكِهِينَ) بغير ألف بعد الفاء؛ يعني: فرحين، وقرأ الباقون: بالألف؛ يعني: مُعجبين بما هم فيه، واختلف عن ابن عامر (٢).
* * *
﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢)﴾.
[٣٢] ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ﴾ أى: رأى الكافرون المؤمنين ﴿قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ المؤمنين ﴿لَضَالُّونَ﴾ لإيمانهم بمحمد - ﷺ -.
* * *
﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣)﴾.
[٣٣] فقال تعالى: ﴿وَمَا أُرْسِلُوا﴾ أي: الكفار.
(١) "أي: الكفار" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٢١)، و"النشر في القراءات العشر": لابن الجزري (٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥). و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٩٨).
المطففين 83:34
﴿عَلَيْهِمْ﴾ على المؤمنين ﴿حَافِظِينَ﴾ يردونهم إلى مصالحهم.
* * *
﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤)﴾.
[٣٤] ﴿فَالْيَوْمَ﴾ يعني: في الآخرة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إذا دخلوا الجنة.
﴿مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ كما ضحك الكفارُ منهم في الدنيا، إذا نظروا إليهم من الجنة، وهم في النار يعذبون.
* * *
﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥)﴾.
[٣٥] والمؤمنون ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ من الدرِّ والياقوت ﴿يَنظُرُونَ﴾ إليهم في النار.
* * *
﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾.
[٣٦] قال تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ أي: جوزي ﴿الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: جزاءَ استهزائهم بالمؤمنين، والاستفهام تقرير وتوقيف لمحمد - ﷺ - وأمته. قرأ حمزة، والكسائي، وهشام: (هَل ثّوِّبَ) بإدغام اللام في الثاء، والباقون: بالإظهار (١)، والله أعلم.
* * *
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٧٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٣٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٩٨).
الانشقاق 84:1
سُورةُ الانشِقَاقِ
مكية، وآيها: خمس وعشرون آية، وحروفها: أربع مئة وستة وثلاثون حرفًا، وكلمها: مئة وسبع كلمات.
بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾.
[١] ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ تفطَّرت لهول يوم القيامة، وانشقاقُها من علامات الساعة.
* * *
﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾.
[٢] ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ استمعت وسمعت أمره ونهيه (١).
﴿وَحُقَّتْ﴾ أي: وحُقَّ لها أن تسمع وتطيع خالقها.
* * *
﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾.
[٣] ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ زالت جبالها حتى لا يبقى فيها عوج وزيد في سَعَتها.
(١) "ونهيه" زيادة من "ت".
الانشقاق 84:4
وفي الحديث: "إن الله تعالى يمد الأرض يوم القيامة مدَّ الأديم العكاظي" (١).
* * *
﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤)﴾.
[٤] ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا﴾ من الكنوز والموتى إلى ظاهرها.
﴿وَتَخَلَّتْ﴾ خلت عما كان فيها، ولم تتمسك منهم بشيء.
* * *
﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾.
[٥] ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ ليس بتكرار الإذن (٢)، الأول للسماء، والثاني للأرض، وجواب (إِذَا) محذوف؛ للتهويل بالإبهام، يدل عليه: ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ المعنى: إذا كان يوم القيامة، لقي الإنسان عمله، وقيل: هو على: اذكر إذا السماء انشقت.
* * *
﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦)﴾.
[٦] وقيل: جوابه: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ مخاطبة للجنس، والفاء مضمرة؛ كأنه قال: فيها أيها الإنسان.
(١) ذكره ابن عطية في "المحور الوجيز" (٥/ ٤٥٦)، ورواه نحوه: إسحاق بن راهويه في "مسنده" (١٠)، والطبري في "تفسيره" (١٣/ ٢٥٢)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٣/ ٨٢٢)، والطبراني في "الأحاديث الطوال" (ص: ٢٦٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في حديث طويل.
(٢) في "ت": "لأن".
الانشقاق 84:7
﴿إِنَّكَ كَادِحٌ﴾ أي: ساع باجتهاد ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ إلى وقت لقائه تعالى، وهو الموت ﴿كَدْحًا﴾ والكدح: جهد النفس في العمل.
﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ أي: ملاقٍ جزاءَ عملِك من خير وشر.
* * *
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧)﴾.
[٧] ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ﴾ أي: كتابَ أعماله ﴿بِيَمِينِهِ﴾ وهو المؤمن.
* * *
﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾.
[٨] ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ سهلًا بلا مناقشة.
* * *
﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾.
[٩] ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ﴾ المؤمنين في الجنة بعد الحساب ﴿مَسْرُورًا﴾ بما أُعد له فيها.
* * *
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠)﴾.
[١٠] ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ وهو الكافر تُغَلُّ يمناه، وتُخلع يسراه، وتُجعل وراء ظهره، فيأخذ بها كتابه.
* * *
﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾.
[١١] فإذا رأى ما فيه ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ينادي هلاكه.
الانشقاق 84:12
﴿وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا﴾.
[١٢] ﴿وَيَصْلَى﴾ قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، والكسائي: بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام مجهولًا؛ أي: يُدْخِلُه غيرهُ، وقرأ الباقون: بفتح الياء وإسكان الصاد وتخفيف اللام (١)؛ أي: يدخل هو ﴿سَعِيرًا﴾.
روي أن هاتين الآيتين نزلتا في أبي سلمة بن عبد الأسد، وفي أخيه أبي الأسود، وكان أبو سلمة من أفضل المؤمنين، وهو أول من هاجر إلى النبي - ﷺ -، وأخوه من عتاة (٢) الكافرين (٣).
* * *
﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣)﴾.
[١٣] ﴿إِنَّهُ﴾ أي: لأنه ﴿كَانَ فِي أَهْلِهِ﴾ عشيرته ﴿مَسْرُورًا﴾ بَطِرًا بارتكاب هواه دون معرفة الله.
* * *
﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)﴾.
[١٤] ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ يرجعَ إلى الله، والظن هنا على بابه بمعنى الحسبان، لا الظن الذي بمعنى اليقين والعلم.
* * *
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٧٧)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٨٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٠٢).
(٢) في "ت": "عثاة".
(٣) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٤٥٧)، و "تفسير القرطبي" (١٩/ ٢٧٢).
الانشقاق 84:15
﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)﴾.
[١٥] ﴿بَلَى﴾ أي: ليس كما ظن، بل يحور إلينا ويُبعث.
﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ من يوم خلقه إلى أن يبعثه.
* * *
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾.
[١٦] ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ (لا) زائدة، والتقدير: فأقسم، وقيل: (لا) رد على أقوال الكفار، وابتدأ القول (أُقْسِمُ)، وقسم الله بمخلوقاته فإنه على جهة التشريف لها، وتعريضها للعبرة؛ إذ القسم بها (١) منبه منها.
﴿بِالشَّفَقِ﴾ الحمرةِ التي تبقى في الأفق بعد مغيب الشمس، وبسقوطها يدخل وقت العشاء عند الأئمة الثلاثة، وعند أبي حنيفة: هو البياض بعد الحمرة؛ خلافًا لصاحبيه، وتقدم الكلام في ذلك في سورة الروم، وسمي به؛ لرقته؛ من الشفقة.
* * *
﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾.
[١٧] ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ جمعَ وضَمَّ، وذلك أن الليل إذا أقبل، أقبل كلُّ شيء إلى مأواه مما كان منتشرًا بالنهار.
* * *
(١) "بها" زيادة من "ت".
الانشقاق 84:18
﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾.
[١٨] ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ امتلأ في الليالي البيض.
* * *
﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾
[١٩] وجواب القسم: ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف: (لَتَرْكَبَنَّ) بفتح الباء خطابًا للإنسان من (يَا أَيُّها الإِنْسَانُ)، وقرأ الباقون: بالضم خطابًا لجنس الإنسان (١) المعنى: لتركبن الشدائد: الموت والبعث والحساب.
﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ حالًا بعد حال.
* * *
﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ استفهام إنكار.
* * *
﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾.
[٢١] ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ أي: لا يصلُّون. قرأ أبو جعفر: (قُرِيَ) بفتح الياء، والباقون: بالهمز، وقرأ ابن كثير: (القُرَانُ) بالنقل، والباقون: بالهمز (٢).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٧٧)، و "التيسير" للداني (ص: ٢٢١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٨٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٠٣).
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٩٦)، وقراءة ابن كثير في =
الانشقاق 84:22
وهذا محل سجود عند الثلاثة؛ خلافًا لمالك، وهم على أصولهم في قولهم بالوجوب والسنية، كما تقدم اختلافهم ملخصًا عند سجدة مريم.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سجدنا مع رسول الله - ﷺ - في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (١).
* * *
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢)﴾.
[٢٢] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ بالقرآن والبعث.
* * *
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ يجمعون في صدورهم.
* * *
﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ استهزاء بهم.
* * *
= "اتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٣٦)، و "معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٠٤).
(١) رواه مسلم (٥٧٨)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: سجود التلاوة، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
الانشقاق 84:25
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾.
[٢٥] ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ استثناء منقطع.
﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي: معدود عليهم محسوب منغَّص بالمن، والله أعلم.
* * *
البروج 85:1
سُورَةُ البُرُوج
مكية، وآيها: اثنتان وعشرون آية، وحروفها: أربع مئة وأربع وستون حرفًا، وكلمها: مئة وتسع كلمات.
بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾.
[١] ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ هي المنازل التي عرفتها العرب، وهي اثنا عشر على ما قسمته، وهي التي تقطعها الشمس في سنة، والقمر في ثمانية وعشرين يومًا، وتقدم ذكرها في سورة يونس، وفي الفرقان.
* * *
﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾.
[٢] ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ هو يوم القيامة.
* * *
﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾.
[٣] ﴿وَشَاهِدٍ﴾ يوم الجمعة؛ لأنه يشهد على كل عامل بعمله ﴿وَمَشْهُودٍ﴾ يوم عرفة؛ لأن الناس يشهدون مواسم الحج، وتشهده
البروج 85:4
الملائكة، وقيل في شاهد ومشهود غيرُ ذلك.
* * *
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤)﴾.
[٤] وجواب القسم محذوف؛ كأنه قيل: إنهم ملعونون؛ يعني: كفار مكة؛ كما لعن أصحاب الأخدود، وقيل: الجواب.
﴿قُتِلَ﴾ أي: لُعن ﴿أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ وهي شق مستطيل في الأرض كالنهر، وجمعه أخاديد، وأصحاب الأخدود كانوا ثلاثة، وهم أنطاليوس الرومي بالشام، وبخت نصر بفارس، ويوسف ذو نواس بنجران، شق كل واحد منهم شقًّا عظيمًا في الأرض، وكان طوله أربعين ذراعًا، وعرضه اثني عشر ذراعًا، وهو الأخدود، وملؤوه نارًا، وقالوا من لم يكفر، وإلا ألقي فيه، فمن كفر، تُرك، ومن أبي، أُلقي فيه، وقيل: إن القرآن إنما نزل في التي بنجران (١)، وفي ذلك خلاف يطول ذكره.
* * *
﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾.
[٥] ﴿النَّارِ﴾ بدل من ﴿الْأُخْدُودِ﴾ بدل اشتمال ﴿ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ والوقود -بفتح الواو-: ما- يوقد به.
* * *
﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾.
[٦] ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا﴾ أي: حولها على جانب الأخدود على الكراسي.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٥٠٠).
البروج 85:7
﴿قُعُودٌ﴾ يعذبون الناس روي أنه احترق عشرون ألفًا.
* * *
﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧)﴾.
[٧] ﴿وَهُمْ﴾ أي: الملك وأصجابه ﴿عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ من التعذيب ﴿شُهُودٌ﴾ أي حضور.
* * *
﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾.
[٨] ﴿وَمَا نَقَمُوا﴾ أي: عابوا ﴿مِنْهُمْ﴾ يعني: المؤمنين.
﴿إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ فلذلك أحرقوهم، وهذا الاستثناء نحو:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفهم؍ بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ؍
ووصفه بكونه عزيزًا غالبًا يُخشى عقابُه، حميدًا منعمًا يرجى ثوابه (١).
* * *
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩)﴾.
[٩] وقرر ذلك بقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من أفعالهم ﴿شَهِيدٌ﴾ للإشعار بما يستحق أن يؤمن به ويعبد.
* * *
(١) انظر: "الكشاف" للزمخشري (٤/ ٧٣٣).
البروج 85:10
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾.
[١٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ عذبوا ﴿الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ بالإحراق.
﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ بكفرهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ أشد من الأول؛ بإحراقهم المؤمنين، وجهنم والحريق طبقتان من النار.
* * *
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١)﴾.
[١١] ثم ذكر ما أعد للمؤمنين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ إذ الدنيا وما فيها تصغر دونه.
* * *
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾.
[١٢] ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ﴾ أي: أخذه بالعذاب ﴿لَشَدِيدٌ﴾ مضاعَف عنفُه.
* * *
﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣)﴾.
[١٣] ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ﴾ الخلقَ بخلقهم ابتداءً ﴿وَيُعِيدُ﴾ خلَقهم عند البعث.
* * *
البروج 85:14
﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤)﴾.
[١٤] ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ لمن تاب ﴿الْوَدُودُ﴾ المتودِّد إلى أوليائه بالمغفرة.
* * *
﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾.
[١٥] ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ خالقُه ﴿الْمَجِيدُ﴾ العظيم في ذاته. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (الْمَجِيدِ) بالجر نعتًا للعرش، وقرأ الباقون: بالرفع نعتًا للغفور (١)؛ لأن المجد هو النهاية في الكرم، والله تعالى هو المنعوت بذلك.
* * *
﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾.
[١٦] ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ لا يمتنع عليه شيء يريده.
* * *
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧)﴾.
[١٧] ﴿هَلْ﴾ أي: قد ﴿أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ خبرُ الجموع الكافرة.
* * *
﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾.
[١٨] ثم بين تعالى من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ وهذا تنبيه لكفار
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٧٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٩١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٠٨).
البروج 85:19
مكة بما جرى للهالكين قبلهم؛ ليتعظوا بهم، فيؤمنوا.
* * *
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩)﴾.
[١٩] فلما لم يؤمنوا، قيل إضرابًا عنهم: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من قومك يا محمد.
﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ لك وللقرآن؛ كدأبِ مَنْ قبلهم.
* * *
﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ قدرتُه مشتملة عليهم، فلا يُعجزه منهم أحد.
* * *
﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾.
[٢١] ﴿بَلْ هُوَ﴾ أي: ما كذبوا به.
﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ عظيم القدر. قرأ ابن كثير: (قُرَانٌ) بالنقل، والباقون: بالهمز (١).
* * *
﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾.
[٢٢] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ لا يدركه الخطأ والتبديل. قرأ نافع: (مَحْفُوظٌ)
(١) سلفت عند تفسير الآية (٢١) من سورة الانشقاق. بالرفع صفة لقرآن، وقرأ الباقون: بالجر صفة اللوح (١)، وهو اللوح المشهور بهذه الصفة، وهو في جبهة إسرافيل -عليه السلام-، قاله أنس، وقال ابن عباس: "هو من دُرَّةٍ بيضاءَ، طولُه ما بين السماء والأرض، وعرضُه ما بين المشرق والمغرب" (٢)، والله أعلم.
* * *
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٧٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٠٩ - ١١٠).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٥٩٢)، و"تفسير ابن كثير" (٤/ ٤٩٨).
الطارق 86:1
سُورَةُ الطَّارِقِ
مكية، وآيها: سبع عشرة آية، وحروفها مئتان وثمانية وأربعون حرفًا، وكلمها: إحدى وستون كلمة.
بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾.
[١] ﴿وَالسَّمَاءِ﴾ هي السماء المعروفة ﴿وَالطَّارِقِ﴾ النجم؛ لأنه يطرق، أي: يطلع ليلًا، وكلُّ ما ظهر (١) أو أتى ليلًا، فهو طارق.
* * *
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢)﴾.
[٢] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾ عبر عنه أولًا بوصف عام.
* * *
﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾.
[٣] ثم فسره بما يخصه تفخيمًا لشأنه فقال: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ المضيء؛
(١) "ظهر" ساقطة في "ت".
الطارق 86:4
لثقبه الظلام بضوئه، وهو الثريا الذي تطلق عليه العرب اسم النجم معرفًا، وقيل: زحل.
* * *
﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾.
[٤] وجواب القسم: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ (إنْ) مخففة من الثقيلة ﴿لَمَّا عَلَيْهَا﴾.
قرأ أبو جعفر، وابن عامر، وعاصم، وحمزة: (لَمَّا) بتشديد الميم بمعنى (إلا) عليها، وقرأ الباقون: بتخفيفها صلة مؤكدة (١)، مجازه: إنْ كلُّ نفسٍ لَعليها.
﴿حَافِظٌ﴾ من الملائكة يحصي أعمالها، ويعدها للجزاء عليها، وبهذا الوجه تدخل الأمة في الوعيد الزاجر.
* * *
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥)﴾.
[٥] ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ﴾ نظرَ اعتبار ﴿مِمَّ﴾ أي: من أي شيء ﴿خُلِقَ﴾ وقف البزي، ويعقوب بخلاف عنهما: (مِمَّهْ) بزيادة هاء بعد الميم.
* * *
﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾.
[٦] وجواب الاستفهام: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ أي: مدفوق، ونسبة الدفق
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٧٨)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٩٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١١٣ - ١١٤).
الطارق 86:7
إلى الماء مجاز، والمراد: ماء الرجل وماء المرأة؛ لأن الولد منهما يكون، فإذا اعتبر أصله، علم أن القادر على ذلك قادر على البعث.
* * *
﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾.
[٧] ﴿يَخرُجُ﴾ أي: ينزع ﴿مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ من الرَّجل، وهو الظهر.
﴿وَالتَّرَائِبِ﴾ جمع تريبة (١)، وهي عظام الصدر من المرأة.
* * *
﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨)﴾.
[٨] ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الله تعالى ﴿عَلَى رَجْعِهِ﴾ أي: ردِّ الإنسان حيًّا بعد موته.
﴿لَقَادِرٌ﴾ يرجعه.
* * *
﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾.
[٩] ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ تُختبر الضمائر.
عن النبي - ﷺ -: "إنَّ السرائرَ التي يبتليها اللهُ من العباد: التوحيدُ، والصلاةُ، والزكاةُ، والغسلُ من الجنابة" (٢).
(١) في "ت": "تربية".
(٢) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (٢٧٥١)، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه نحوه. انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٥٩٤)، و "المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٤٦٦).
الطارق 86:10
﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾.
[١٠] ﴿فَمَا لَهُ﴾ لمنكر البعث ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾ يمتنع بها من العذاب.
﴿وَلَا نَاصِرٍ﴾ ينصره منه.
* * *
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١)﴾.
[١١] ﴿وَالسَّمَاءِ﴾ تحتمل في هذا القَسَم أن تكون المعروفة، وتحتمل أن تكون السحاب ﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ أي: المطر، وسمي رجعًا؛ لرجوعه في كل أوان وكل وقته.
* * *
﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾.
[١٢] ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ الشق عن النبات، المعنى: أنه تعالى أقسم بهما إيماءً إلى المنة عليهم.
* * *
﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾.
[١٣] وجواب القسم: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: القرآن ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ محكم بين الحق والباطل.
* * *
﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾.
[١٤] ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ باللعب، والهزل: ما استعمل في غير ما وضع
الطارق 86:15
له من غير مناسبة، والجد: ضده، وهو أن يقصد به المتكلم حقيقة كلامه.
* * *
﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾.
[١٥] ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ يعملون المكائد للنبي - ﷺ -.
* * *
﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾.
[١٦] ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ جزاء كيدهم؛ بإمهالي لهم؛ ثم أنتقم منهم، وسمى عقابهم كيدًا على العرف في تسمية العقوبة باسم الذنب.
* * *
﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾.
[١٧] ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾ وعيد من الله، وفيه إشعار أن عقابهم متأخر حتى ظهر ببدر وغيره ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ قليلًا، ومَهَّل وأمهلَ معناهما: الانتظار، ﴿رُوَيْدًا﴾ مصدر تصغير رَوْد، وفي هذه الآية موادعة نسختها آية السيف، والله أعلم.
* * *
الأعلى 87:1
سُورَة الأَعْلَى جَلَّ وَعلَا
مكية في قول الجمهور، وقيل: مدنية، وآيها: تسع عشرة آية، وحروفها: مئتان وستة وثمانون حرفًا، وكلمها: اثنتان وسبعون كلمة.
بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾.
[١] ﴿سَبِّحِ﴾ أي: نَزِّه ﴿اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ عن النقائص، وما يقول المشركون، و (الاسم) الذي هو ألف سين ميم تارة يأتي في مواضع يراد به المسمى، وتارة يراد به التسمية نفسها؛ نحو قوله - ﷺ -: "إنَّ لله تسعةً وتسعين اسمًا" (١)، وهذه الآية تحتمل الوجهين، فعلى الأول يكون صلة كالزائد، تقديره: سبح ربَّك؛ أي: نزهه، وعلى الثاني يكون المعنى: نزه اسمَ ربك عن أن يُسمى به صنم أو وثن، فيقال له: إله ورب، ونحو ذلك، والأعلى يصح أن يكون صفة للرب، وأن يكون صفة للاسم.
وكان - ﷺ - إذا قرأ هذه الآية قال: "سبحانَ رَبِّيَ الأَعْلى"، وفعله جماعة
(١) تقدم تخريجه.
الأعلى 87:2
من الصحابة، ولما نزلت هذه الآية، قال - ﷺ -: "اجعلوها في سجودكم" (١) وتقدم اختلاف الأئمة في ذلك آخر سورة الواقعة.
* * *
﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾.
[٢] ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ أي: عدل مخلوقه، وأتقنه مستويًا.
* * *
﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾.
[٣] ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ﴾ قرأ الكسائي: بتخفيف الدال؛ من القدرة، والباقون: بتشديدها؛ من التقدير (٢).
﴿فَهَدَى﴾ كلًّا إلى مصلحته، وهو عام لوجوه الهدايات في الإنسان والحيوان.
روي أن الحية تعمى كل سنة في الشتاء من أكل التراب، فتمسح عينيها بورق الرازيانج الأخضر، فتبصر بقدرة الله تعالى (٣).
* * *
﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾.
[٤] ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ أنبتَ العشبَ.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٨٠)، و "التيسير" للداني (ص: ٢٢١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٩٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١١٧ - ١١٨).
(٣) انظر: "تفسير القرطبي" (٢٠/ ١٦).
الأعلى 87:5
﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَىٰ﴾.
[٥] ﴿فَجَعَلَهُ﴾ بعدَ الخضرة ﴿غُثَاءً﴾ هشيمًا باليًا ﴿أَحْوَى﴾ أسودَ، نعت (غُثَاءً).
* * *
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَىٰ﴾.
[٦] ولما كان - ﷺ - يسابق جبريل -عليه السلام- إذا قرأ عليه القرآن؛ خوفَ النسيان، نزل: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ نعلمك القرآنَ ﴿فَلَا تَنْسَى﴾ فلم ينس - ﷺ - بعد ذلك شيئًا؛ لأنه إخبار منه تعالى، وإخباره صدق، و (لا) نفي، وليست نهيًا.
* * *
﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧)﴾.
[٧] ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أن تنساه على سبيل النسخ، وفي هذا التأويل آية للنبي - ﷺ - في أنه أمي، وحفظ الله عليه الوحي، وأمنه من نسيانه ﴿إِنَّهُ﴾ تعالى ﴿يَعْلَمُ الْجَهْرَ﴾ من الأشياء ﴿وَمَا يَخْفَى﴾ منها.
* * *
﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ﴾.
[٨] ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ نذهب بك نحو الأمور المستحسنة في دنياك وآخرتك؛ من النصر والظفر، وعلو الرسالة والمنزلة يوم القيامة، والرفعة في الجنة.
* * *
الأعلى 87:9
﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾.
[٩] ﴿فَذَكِّرْ﴾ عِظْ بالقرآن ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ المعنى: نفعت أو لم تنفع، فاقتصر على القسم الواحد؛ لدلالته على الثاني.
* * *
﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَىٰ﴾.
[١٠] ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ اللهَ والدارَ الآخرة، وهم العلماء والمؤمنون، كلُّ بقدر ما وفق.
* * *
﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾.
[١١] ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا﴾ أي: يتجنب الذكرى ونفعَها.
﴿الْأَشْقَى﴾ الذي سبقت له الشقاوة بالكفر.
* * *
﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢)﴾.
[١٢] ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ الشديدةَ، وهي نار الآخرة، والصغرى نار الدنيا.
قال - ﷺ -: "نارُكم هذه جزءٌ من سبعينَ جزءًا من نار جهنم" (١).
* * *
(١) رواه البخاري (٣٠٩٢)، كتاب: بدء الخلق، باب: صفة النار، ومسلم (٢٨٤٣)، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: في شدة حر نار جهنم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
الأعلى 87:13
﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾.
[١٣] ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا﴾ فيستريح ﴿وَلَا يَحْيَى﴾ حياة تنفعه.
* * *
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّىٰ﴾.
[١٤] ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ أي: فاز ببغيته ﴿مَنْ تَزَكَّى﴾ تطهر من الشرك بالإيمان.
وتقدم مذهب ورش وحمزة في النقل في قوله: (قَدْ أَفْلَحَ) في أول سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
* * *
﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾.
[١٥] ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ وحَّدَه ﴿فَصَلَّى﴾ الصلواتِ التي فرض عليه، وتنفَّلَ بما أمكنه من صلاة وبر.
وروي أن هذه الآية في صبيحة يوم الفطر، ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ هو ذكر الله في طريق المصلى، وتكبيرات العيد، والصلاة: هي صلاة العيد، وقد روي هذا التفسير عن النبي - ﷺ -، وعن أبي سعيد الخدري في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾، قال: "أَعْطى صدقةَ الفطر" (١)، قال بعضهم: لا أدري ما وجه هذا التأويل؛ لأن هذه السورة مكية، ولم يكن بمكة عيد، ولا زكاة فطر.
قال البغوي (٢): يجوز أن يكون النزول سابقًا على الحكم كما قال:
(١) رواه عبد بن حميد وابن المنذر في "تفسيريهما"، كما ذكر السيوطي في "الدر المنثور" (٨/ ٤٨٥).
(٢) في "تفسيره" (٤/ ٦٠٠).
الأعلى 87:16
﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ٢]، فالسورة مكية، وظهر أثر الحل يوم الفتح، حتى قال - ﷺ -: "أُحِلَّت لي ساعةً من نهار" (١).
وتقدم الكلام على صلاة العيد، والاختلاف فيها، وصفتها في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الآية: ١٨٥]، وحكم التكبير ووقته وصفته فيها أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [الآية: ٢٠٣]، وحكم الصلوات الخمس وأوقاتها، والخلاف فيها في سورة الروم، وحكم زكاة الفطر والخلاف فيها في سورة التوبة عند ذكر الزكوات.
* * *
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦)﴾.
[١٦] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ أي: تقدِّمون وترجون (٢) ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ على الآخرة، فالكافر يؤثرها إيثارَ كفر، يرى أن لا آخرةَ، والمؤمنُ يؤثرها إيثار معصية، وغلبة نفس، إلا من عصم الله. قرأ أبو عمرو: (يُؤثرُونَ) بالغيب ردًّا إلى جنس (الأَشْقَى)، وقرأ الباقون: بالخطاب (٣)، دليله (٤) قراءة
(١) رواه البخاري (١١٢)، كتاب: العلم، باب: كتابة العلم، ومسلم (١٣٥٥)، كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) "أي: تقدمونه وترجون" ساقطة من "ت".
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٨٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٦٠٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٢٢).
(٤) "دليله" زيادة من "ت".
الأعلى 87:17
أُبي بن كعب (بَلْ أَنْتُمْ تُؤْثِرُونَ)، وحمزة، والكسائي، وهشام: يدغمون اللام في التاء، والباقون: يظهرونها (١)، وأمال رؤوس الآي من لدن (الأَعْلَى) إلى (وَمُوسَى): ورش، وأبو عمرو بخلاف عنهما، وافقهما على الإمالة: حمزة، والكسائي، وخلف، وقرأها الباقون: بالفتح (٢).
* * *
﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾.
[١٧] ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ أَدْوَمُ من الدنيا وأفضل.
* * *
﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨)﴾.
[١٨] ﴿إِنَّ هَذَا﴾ يعني: ما ذكر من قوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ إلى هنا [بمعنى فلاح المتزكين والذاكرين والمصلين ومؤثري الآخرة على الدنيا] (٣).
﴿لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ المنزلة قبل، لم ينسخ في شرع من الشرائع.
* * *
﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾.
[١٩] ثم بين الصحف فقال: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ وصحفُ إبراهيم كانت بالسريانية، وصحف موسى بالعبرانية، وتقدم ذكر عدد الكتب المنزلة
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٢٢).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٢١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١١٧).
(٣) ما بين معكوفتين سقط من "ت". على الأنبياء في سورة النجم عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [الآيتان: ٣٦ - ٣٧]، وتقدم هناك ما ذكر في صحف إبراهيم -عليه السلام-، وقد نقل من صحف موسى -عليه السلام-: يقول الله -عز وجل-: "يا بن آدمَ! اعمل لنفسك قبل نزولِ الموت بك، ولا تغرنك الخطيئة؛ فإن على آثارها السفر، ولا تلهك الحياة وطول الأصل عن التوبة، فإنك تندم على تأخيرها حين لا ينفعك الندم، يا ابن آدم! إذا لم تخرج حقي (١) من مالي الذي رزقتك إياه، ومنعتَ منه الفقراءَ حقوقَهم، سلطتُ عليك جبارًا يأخذه منك، ولا أُثيبك عليه" (٢)، والله أعلم.
* * *
(١) "حقي" زيادة من "ت".
(٢) لم أقف عليه.
الغاشية 88:1
سُورَةُ الغَاشِيَة
مكية، وآيها: ست وعشرون آية، وحروفها: ثلاث مئة وأحد وسبعون حرفًا، وكلمها: اثنتان وتسعون كلمة.
بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾.
[١] ﴿هَلْ﴾ أي: قد ﴿أَتَاكَ﴾ وقيل: (هل) على بابها توقيف، فائدتُها تحريك نفس السامع إلى تلقي الخبر، وقيل: المعنى: هل كان هذا من علمك لولا ما علمناك؟ ففي هذا التأويل تعديد النعمة.
﴿حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ القيامة؛ لأنها تغشى العالم كله بهولها وتغييرها لبنيته.
* * *
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
[٢] ﴿وُجُوهٌ﴾ مبتدأ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف الخبر، وهو ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ذليلة متغيرة بالعذاب، نعت الخبر:
* * *
الغاشية 88:3
﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾.
[٣] ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ تعمل في النار عملًا تتعب فيه؛ لأنها تكبرت عن العمل لله في الدنيا، فأعملَها في الآخرة في ناره.
روي أنها نزلت في القسيسين، وعبَّادِ الأوثان، وكلِّ مجتهدٍ في كفر (١)، وإليه ذهب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في تأويلها.
* * *
﴿تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً﴾.
[٤] ﴿تَصْلَى﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وأبو بكر عن عاصم: بضم التاء مجهولًا، وقرأ الباقون: بفتحها معلومًا (٢)؛ أي: تدخل ﴿نَارًا حَامِيَةً﴾ شديدة الحر.
* * *
﴿تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾.
[٥] ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ قد انتهى حرها. قرأ هشام: (آنِيَةٍ) بإمالة فتحة الهمزة (٣).
* * *
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٦٠٣)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٤٧٢)، و"تفسير الثعالبي" (٤/ ٤٠٨).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٨١)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٦٠٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٢٧ - ١٢٨).
(٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٥٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٣٧)، و "معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٢٩).
الغاشية 88:6
﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦)﴾.
[٦] ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ هو نبت ذو شوك يقال لرطبه: الشبرق، وهو مرعى سوء لا تعقد السائمة عليه شحمًا ولا لحمًا، فإذا يبس، سموه ضريعًا؛ أي: مضعِفًا للبدن مُهْزِلًا.
* * *
﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾.
[٧] ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ والمقصودُ من الطعام أحدُ الأمرين.
* * *
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾.
[٨] ولما ذكر تعالى وجوه أهل النار، عقب ذلك بذكر وجوه أهل الجنة؛ ليبين الفرق، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ أي: ذات حسن وبهجة.
* * *
﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
[٩] ﴿لِسَعْيِهَا﴾ لعملها في الدنيا ﴿رَاضِيَةٌ﴾ لما رأت ثوابه في الآخرة.
* * *
﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
[١٠] ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ علية المحل.
* * *
الغاشية 88:11
﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١)﴾.
[١١] ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وورش: (يُسْمَعُ) بياء مضمومة على التذكير مجهولًا فاعله (لاَغِيَةٌ) بالرفع، وذكَّر الفعل؛ للفصل، ولأن لاغية ولغوًا واحد، وهو ساقط الكلام وهذيانه، وقرأ نافع كذلك، إلا أنه بالتاء على التأنيث، وقرأ الباقون: بالتاء مفتوحة معلومًا خطابًا للنبي - ﷺ - ونصب ﴿لَاغِيَةً﴾ مفعولًا به (١).
* * *
﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾.
[١٢] ﴿فِيهَا عَيْنٌ﴾ أي: عيون ﴿جَارِيَةٌ﴾ بالماء لا تنقطع، والتنكير للتعظيم.
* * *
﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾.
[١٣] ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ذاتًا وقدرًا.
* * *
﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾.
[١٤] ﴿وَأَكوَابٌ﴾ هي أوانٍ كالأباريق، لا عرا لها ولا آذان ولا خراطيم.
﴿مَّوضُوعَةٌ﴾ بأشربتها مُعَدَّة.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٨١)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٢)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٦٠٥)، و "معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٢٩ - ١٣٠).
الغاشية 88:15
﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
[١٥] ﴿وَنمَاَرِقُ﴾ وسائدُ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ بعضُها إلى بعض.
* * *
﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
[١٦] ﴿وَزَرَابِيُّ﴾ بُسُطٌ عِراضٌ ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ مبسوطة.
* * *
﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾.
[١٧] ثم أقام تعالى الحجة على منكري قدرته على بعث الأجساد؛ بأن وقفهم على مواضع العبرة في مخلوقاته، فقال: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ﴾ نظرَ اعتبار ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ والمراد: الجمال المعروفة؛ فإنها مع عِظَم خلقها طَيِّعة منقادة لما يراد منها، ويحمل عليها، وتنهض به، ولم يذكر الفيل؛ لأنه لم يكن بأرض العرب، فلم (١) تعرفه، ولا يحمل عليه عادة، ولا يُحْلب دَرُّه، ولا يؤمَن ضرُّه.
* * *
﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨)﴾.
[١٨] ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ بلا عَمَد.
* * *
﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩)﴾.
[١٩] ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ فهي راسخة لا تزول.
(١) "فلم" ساقطة من "ت".
الغاشية 88:20
﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ بُسطت للسير فيها، والاستقرار عليها، وقرنت الإبل مع السماء والجبال والأرض؛ لأن الآية نزلت استدلالًا على مخلوقات الله تعالى، وهم كانوا أشد ملابسة لهذه الأشياء من غيرها.
* * *
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)﴾.
[٢١] ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ليس عليك إلا البلاغ.
* * *
﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾.
[٢٢] ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ بمسلَّط تُكرِههم على الإيمان، ونسخت بآية السيف. قرأ هشام: (بِمُسَيْطِرٍ) بالسين، وحمزة: بين الصاد والزاي؛ بخلاف عن رواية خلاد، والباقون: بالصاد (١).
* * *
﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ﴾.
[٢٣] ﴿إِلًاَ﴾ استثناء منقطع، أي: لكن ﴿مَنْ تَوَلَّى﴾ عن الإيمان ﴿وَكَفَرَ﴾ بالقرآن.
* * *
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٨٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٣٢).
الغاشية 88:24
﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ عذابَ جهنم، والأصغرُ: ما عُذِّبوا به في الدنيا من الجوع والقتل والأسر.
* * *
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾.
[٢٥] ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ رجوعَهم. قرأ أبو جعفر: (إِيَّابَهُمْ) بتشديد الياء، مصدر أيَّبَ، وأصله أَوَّاب فَعّال، ثم قيل: أَيْواب، ثم قلبت الواو ياء، ثم أدغمت في الياء، وقرأ الباقون: بتخفيفها (١)، أصله إِواب، قلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها.
* * *
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ جزاءَهم على أعمالهم، والحساب: المكافأة، والله أعلم.
* * *
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٦٠٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٤٠٠)، و "معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٣٣).
الفجر 89:1
سُورَةُ الفَجْر
مكية على الأصح، وآيها: ثلاثون آية، وحروفها: خمس مئة وسبعة وستون حرفًا، وكلمها: مئة وسبع وثلاثون كلمة.
بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
﴿وَالْفَجْرِ (١)﴾.
[١] ﴿وَالْفَجْرِ﴾ هو انفجار الصبح كلَّ يوم، أقسم الله تعالى به كما أقسم بالصبح.
* * *
﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾.
[٢] ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ هي العشر الأوائل (١) من ذي الحجة. روي عن يعقوب، وقنبل (٢): الوقف بالياء على (لَيَالِي).
* * *
﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾.
[٣] ﴿وَالشَّفْعِ﴾ الخَلْق، خُلقوا أزواجًا ﴿وَالْوَتْرِ﴾ قرأ حمزة، والكسائي،
(١) في "ت": "الأول".
(٢) في "ت": "قنبل ويعقوب".
الفجر 89:4
وخلف: بكسر الواو، والباقون: بفتحها (١)، ومعناهما: الفرد، وهو الله سبحانه؛ إذ هو الواحد محضًا، وسواه ليس كذلك.
* * *
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾.
[٤] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ مقبلًا ومدبرًا. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (يَسْرِي) بإثبات الياء وصلًا، وابن كثير، ويعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا، والباقون: بحذفها في الحالين، حذفت تخفيفًا، واجتزئ عنها بالكسرة لاعتدال رؤوس الآي؛ إذ هي فواصل كالقوافي، قال اليزيدي: الوصل في هذا وما أشبهه بالياء، والوقف بغير ياء، على خط المصحف (٢).
* * *
﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)﴾.
[٥] ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ﴾ المقسَمِ به ﴿قَسَمٌ﴾ مقنعٌ ومكتفى ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾ أي: عقلٍ، فيزدجر وينظر في آيات الله، وسمي العقل حِجْرًا؛ لأنه يحجر صاحبه عما لا يحل.
* * *
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٨٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٢)، و"تفسير البغوي" (٧/ ٦٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٣٧).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٨٣ - ٦٨٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٢)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٦٠٨ - ٦٠٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٣٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٣٨ - ١٣٩).
الفجر 89:6
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦)﴾.
[٦] ثم توعد قريشًا (١)، ونصب المثلَ لها، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ هي قبيلة من عاد نسبوا إليه، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وهم قوم هود، سموا باسم أبيهم كما سمي بنو هاشم باسمه.
* * *
﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾.
[٧] ﴿إِرَمَ﴾ عطف بيان لـ (عاد) على تقدير مضاف؛ أي: سبط إرم، ولم ينصرف؛ للتعريف والتأنيث، وإن جعل اسمَ رجل، فلم يُصرف لعجمته وتعريفه.
﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ ذات البناء الرفيع؛ أي: إن مدينتهم كانت ذات أساطين، وقيل: المراد بالعماد: الأعمدة؛ لأنهم كانوا أصحاب عمد وخيام، يطلبون الكلأ حيث كان، وقيل: إرم ذات العماد: اسمُ مدينتهم دمشقُ أو الإسكندرية.
* * *
﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨)﴾.
[٨] ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا﴾ مثلُ قبيلتهم أو مدينتهم ﴿فِي الْبِلَادِ﴾.
روي أن شدَّاد بنَ عاد بنى مدينة عظيمة لم يُر مثلُها حسنًا وعظمًا، بناها في ثلاث مئة سنة، وعاش تسع مئة سنة، وملك جميع الأرض بعد موت
(١) "ثم توعد قريشًا" زيادة من "ت".
الفجر 89:9
أخيه شديد، فلما تم بناؤها، قصدها ليدخلها هو وأصحابه، فلما قربوا منها، صيح بهم، فهلكوا جميعًا (١).
* * *
﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩)﴾.
[٩] ﴿وَثَمُودَ﴾ عطف على (عاد) ﴿الَّذِينَ جَابُوا﴾ قطعوا ﴿الصَّخْرَ﴾ واتخذوها بيوتًا ﴿بِالْوَادِ﴾ وادي القرى بالقرب من المدينة الشريفة من جهة الشام. قرأ ورش: (بِالْوَادِي) بإثبات الياء وصلًا، وابن كثير، ويعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا؛ بخلاف عن قنبل في الوقف، والباقون: بحذفها في الحالين (٢).
* * *
﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠)﴾.
[١٠] وتعطف على (عاد) أيضًا ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ سمي بذلك؛ لأنه كان يَتِدُ أربعةَ أوتاد يشد إليها من يعذبه بأنواع العذاب.
* * *
﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١)﴾.
[١١] ﴿الَّذِينَ طَغَوْا﴾ يعني: عادًا وثمود وفرعون ﴿فِي الْبِلَادِ﴾ عملوا في الأرض بالمعاصي والطغيان، وتجاوزوا الحدود.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٦١٠).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٤٠٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٤١).
الفجر 89:12
﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢)﴾.
[١٢] ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ بالكفر والقتل.
* * *
﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣)﴾.
[١٣] ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ يعني: لونًا من العذاب، واستعمل الصَّبُّ في السوط، لأنه يقتضي سرعة في النزول، وخصَّ السوط بأن يستعار للعذاب؛ لأنه يقتضي من التكرار والترداد ما لا يقتضيه السيف ولا غيره.
* * *
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾.
[١٤] وجواب القسم قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ يرى ويسمع، لا يعزُب عنه شيء، فيجازيهم بما يصدر منهم، واعترض بين القسم وجوابه قولُه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾، يخوف أهل مكة كيف أهلكهم، وكانوا أطول أعمارًا، وأشد قوة.
* * *
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥)﴾.
[١٥] ونزل في كل كافر: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ﴾ اختبره ﴿رَبُّهُ﴾ بالنعمة ﴿فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ بكثرة المال ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ بما أعطاني، ودخلت الفاء في (فَيَقُولُ)؛ لما في (أَمَّا) من معنى الشرط.
* * *
الفجر 89:16
﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦)﴾.
[١٦] ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ﴾ بالفقر ﴿فَقَدَرَ﴾ قرأ أبو جعفر، وابن عامر: بتشديد الدال، والباقون: بتخفيفها (١)، ومعناهما: ضَيَّقَ.
﴿عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ أذلني بالفقر. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (رَبِّيَ) بفتح الياء في الحرفين، والباقون: بإسكانها فيهما، وقرأ نافع، وأبو جعفر: (أَكْرَمَني) (أَهَانَنِي) بإثبات الياء فيهما وصلًا، وخير فيهما أبو عمرو، وقياس قوله في رؤوس الآي يوجب حذفهما، وأثبتهما يعقوب، والبزي في الحالين، وقرأ الباقون: بحذفهما في الحالين (٢).
* * *
﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧)﴾.
[١٧] ﴿كَلَّا﴾ ردعٌ للإنسان عن قوله: الغنى إكرام، والفقر إهانة، فحق من ابتلي بالغنى أن يشكر ويطيع، ومن ابتلي بالفقر أن يشكر ويصبر، وأما إكرام الله، فهو بالتقوى، وإهانته، فبالمعصية، ثم أخبر بأعمالهم فقال:
﴿بَل﴾ فعلُهم أسوأ من قولهم، وأدلُّ على تهالكهم بالمال، وهو أنهم.
﴿لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ بالإحسان إليه مع غناهم، واليتيم من بني آدم:
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٦١٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٤٠٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٤٢).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٨٤ - ٦٨٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٣)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٦١٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٤٠٠ - ٤٠١)، و "معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٤١ - ١٤٣).
الفجر 89:18
هو الذي فقد أباه وكان غير بالغ، ومن البهائم: ما فقد أمه.
قال - ﷺ -: "أَحَبُّ البيوتِ إلى الله تعالى بيتٌ فيه يتيمٌ يُكْرَم" (١).
* * *
﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨)﴾.
[١٨] ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ﴾ أي: يحثون أنفسهم ولا غيرهم.
﴿عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ وطعام في هذه الآية بمعنى: إطعام، وتقدم الكلام في الفقير والمسكين، والخلاف فيهما في سورة التوبة في ذكر الصدقات.
* * *
﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩)﴾.
[١٩] ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾ أي: الميراثَ، أصلهُ وراث، قلبت الواو تاء؛ أي: ويأكلون كل ما يرثون.
﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ أي: شديدًا، واللمُّ الجمع؛ لأنهم كانوا لا يُوَرِّثون النساء، ولا صغارَ الأولاد، وإنما كانوا يأكلون (٢) جميعَ الميراث مع أموالهم، فيأكلونها جميعًا.
* * *
﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ كثيرًا، فلا ينفقونه. قرأ أبو عمرو،
(١) رواه ابن أبي الدنيا في "العيال" (٢/ ٨٠٩)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٣٤٣٤)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وإسناده ضعيف. انظر: "مجمع الزوائد" للهيثمي (٨/ ١٦٠).
(٢) في "ت": "يلمون".
الفجر 89:21
ويعقوب بخلاف عن الثاني: (يُكْرِمُونَ) و (يَحُضُّونَ) و (يَأْكُلُونَ) و (يُحِبُّونَ) بالغيب في الأربعة، والباقون: بالخطاب، وأثبت الألف بعد الحاء (تَحَاضُّونَ) مع فتح الحاء: أبو جعفر، والكوفيون، ويمدون للساكنين (١)، أصله: تَتَحاضَضُونَ، حذفت إحدى التاءين تخفيفًا؛ أي: لا يحضُّ بعضكم بعضًا عليه.
* * *
﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١)﴾.
[٢١] ﴿كَلَّا﴾ ردٌّ لأفعالهم هذه، وتوطئة للوعيد؛ أي: سيرون أن أفعالهم ليست على قوام ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ مرةً بعد مرة، ودكُّها: تسويتها؛ بذهاب جبالها، وهدم كل بناء عليها بالكلية، والناقة الدكاء: التي لا سنام لها.
* * *
﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾.
[٢٢] ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [قال الإمام أحمد: معناه: جاء أمرُ ربك] (٢).
﴿وَالْمَلَكُ﴾ اسم جنس، يريد: جميع الملائكة؛ لأنهم ينزلون فيصطفون حول الأرض ﴿صَفًّا صَفًّا﴾ أي: صفًّا خلف صف، وهم سبعة صفوف، ونصبه على الحال.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٨٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٢)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٦١٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٠٠)، و "معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٤٤).
(٢) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".
الفجر 89:23
﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ مزمومةً بسبعين ألفَ زِمام، كلُّ زمام بيد سبعين ألف ملك، لها زفير وتغيُّظ. قرأ الكسائي، وهشام، ورويس: (وَجِيءَ) بإشمام الجيم الضم، والباقون: بإخلاص الكسر (١).
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل من (يومئذ) قبلُ، وهما بدل من (إِذَا دُكَّت) العامل في (إِذَا).
﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾ الكافرُ عصيانَه وطغيانه، وينظر ما فاته من العمل الصالح.
﴿وَأَنَّى لَهُ﴾ ومن أين له نفعُ ﴿الذِّكْرَى﴾.
* * *
﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤)﴾.
[٢٤] ثم أخبر تعالى عنه أنه ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ﴾ الخير والإيمان.
﴿لِحَيَاتِي﴾ هذه، وهي حياة الآخرة.
* * *
﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥)﴾.
[٢٥] ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ﴾ بالنار ﴿عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾.
* * *
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٧٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٣٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٤٦).
الفجر 89:26
﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿وَلَا يُوثِقُ﴾ بالسلاسل والأغلال ﴿وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ قرأ الكسائي، ويعقوب: (يُعَذَّبُ) و (يُوثَقُ) بفتح الذال والثاء مجهولًا، أضيف الفعل إلى الكافر، فـ (أَحَدٌ) فاعل المجهول، والهاء في (عَذَابَهُ) و (وَثَاقَهُ) للكافر، والمراد به: الإنسان، وقيل: هو رجل بعينه، وهو أمية بن خلف، المعنى: لا يعذَّب أحدٌ مثلَ تعذيبه بالنار، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال مثلَ إيثاقه، وقرأ الباقون: بكسر الذال والثاء (١)، فالضمير لله تعالى، المعنى: لا يعذِّبُ أحدٌ أحدًا كعذاب الله، ولا يوثقه في السلاسل كإيثاقه تعالى.
* * *
﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)﴾.
[٢٧] ويقال للمؤمن عند الموت: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ أي: الآمنة التي لا تخاف، وهي التي اطمأنت بذكر الله.
روي أن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- سأل عن ذلك رسولَ الله - ﷺ -، فقال له (٢): "إنَّ الملَكَ سيقولُها لك يا أبا بكرٍ عندَ موتك" (٣).
* * *
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٢٢)، و "تفسير البغوي" (٤/ ٦١٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٤٠٠)، و "معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٤٦ - ١٤٧).
(٢) "له" زيادة من "ت".
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٣٠/ ١٩١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٣٠) عن سعيد بن جبير، قال ابن كثير في "تفسيره" (٤/ ٥١٢): وهذا مرسل حسن.
الفجر 89:28
﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)﴾.
[٢٨] ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ إلى أمره وإرادته.
﴿رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ عند الله، ونصبه على الحال.
* * *
﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾.
[٢٩] ﴿فَادْخُلِي فِي﴾ عِدادِ ﴿عِبَادِي﴾ الصالحين.
* * *
﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.
[٣٠] ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ معهم، وقيل: هذا النداء يكون عند قيام الأجساد من القبور، فقوله: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ معناه: بالبعث من موتك ارجعي إلى الله، والله أعلم.
وقد أحببت أن أتكلم في هذا المحل على صلاة الوتر (١)؛ لما فيه من المناسبة للسورة، فأقول وبالله التوفيق: الوتر واجب عند أبي حنيفة رضي الله عنه، وعند صاحبيه، وعند الأئمة الثلاثة -رضي الله عنهم- هو سنة، ووقته بين صلاة العشاء والفجر بالاتفاق، وصفته عند أبي حنيفة: ثلاثُ ركعات كالمغرب، لا يسلم بينهن، ويقنت في الثالثة قبل الركوع بعد أن يرفع يديه مكبرًا، وعند مالك: هو ركعة بعد شفع لا حدَّ له، منفصل منها بتسليمة، وعند الشافعي وأحمد: أقله ركعة، وأكثره إحدى عشرة، وأدنى الكمال ثلاثٌ بتسليمتين، ويقنت في الثالثة بعد الركوع في النصف الأخير
(١) "على صلاة الوتر" زيادة من "ت". من رمضان عند الشافعي، وعند أحمد: في جميع السنة كأبي حنيفة، ولا يقنت فيه عند مالك مطلقًا على المشهور من مذهبه، والقراءة عند مالك في الشفع مطلقةٌ غيرُ معينة، ويستحب عنده أن يقرأ في ركعة الوتر الإخلاص والمعوذتين، وعند الثلاثة: يستحب أن يقرأ في الأولى من الثلاث (١) بعد الفاتحة: ﴿سَبِّحِ﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة: الإخلاص والمعوذتين، وعند الشافعي: كقول مالك، وعند أبي حنيفة وأحمد: الإخلاص فقط، وتقدم ذكر مذهب مالك والشافعي في القنوت في صلاة الصبح في سورة البقرة، والله أعلم.
* * *
(١) "من الثلاث" زيادة من "ت".
البلد 90:1
سُورَةُ البَلَدِ
مكية في قول الجمهور، وقيل: مدنية، وآيها: عشرون آية، وحروفها: ثلاث مئة وستة وثلاثون حرفًا، وكلمها: اثنتان وثمانون كلمة.
بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾.
[١] ﴿لَاَ﴾ صلة زائدة مؤكدة، المعنى ﴿أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ يعني: مكة.
* * *
﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢)﴾.
[٢] ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ﴾ أي: حلال في المستقبل ﴿بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ أي: تصنع فيه ما تريد من قتل وغيره، ليس عليك ما على الناس فيه من الإثم، وذلك أن الله سبحانه وعد نبيه - ﷺ - أن يفتح مكة على يده، وأن يحلها له، ففتحها، وأحلها الله له يوم الفتح حتى قاتل وقتل، وأمر بقتل ابن خَطَل وهو متلعق بأستار الكعبة، ومقبس بن صبابة، وغيرهما، فأحل دماء قوم، وحرم دماء قوم، فقال: "مَنْ دخلَ دارَ أبي سفيانَ فهو آمِنٌ"، ثم قال: "إنَّ اللهَ حرَّمَ مكة يومَ خلقَ السمواتِ والأرضَ، ولم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي، ولن تحلَّ لأحدٍ بعدي، وإنما أُحِلَّتْ لي ساعةً من نهار، فهي حرامٌ بحرمةِ اللهِ إلى يومِ
البلد 90:3
القيامة" (١)، وتقدم ذكر اختلاف الأئمة في دخولها بغير إحرام في سورة البقرة، وتعطف على ﴿بِهَذَا الْبَلَدِ﴾.
﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾.
[٣] ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ يعني: آدم -عليه السلام- وذريته، وقيل: الوالد إبراهيم، والولد محمد عليهما السلام، فتتضمن السورة القسمَ به في موضعين.
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾.
[٤] وجواب القسم: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ المرادُ: جنسُ الإنسان.
﴿فِي كَبَدٍ﴾ نَصَبٍ وشدة، يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة.
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥)﴾.
[٥] ﴿أَيَحْسَبُ﴾ أي: أيظنُّ ﴿أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ لقوته. قرأ أبو جعفر، وابن عامر، وعاصم، وحمزة: (أَيَحْسَبُ) بفتح السين، والباقون: بكسرها (٢).
روي أن هذه الآية وما بعدها نزل في أبي الأَشَدَّين، واسمه أسيد بن
(١) تقدم تخريجه عند تفسير الآية (١٥) من سورة الأعلى.
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٣٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٥١).
البلد 90:6
كلدة الجمحي، وكان شديدًا قويًّا، يضع الأديمَ العُكاظي تحت قدمه فيقول: من أزالني عنه، فله كذا وكذا، فلا يُطاق أن يُنزع من تحت قدميه إلا قطعًا، ويبقى موضع قدمه، وقيل: نزلت في غيره (١).
...
﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦)﴾.
[٦] ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ﴾ أنفقتُ ﴿مَالًا لُبَدًا﴾ أي: كثيرًا في عداوة محمد - ﷺ -. قرأ أبو جعفر: (لُبَّدًا) بتشديد الباء على جمع اللابد، مثل راكِع ورُكَّع، وقرأ الباقون: بتخفيفها على جمع لبدة (٢) ومعناهما: الكثرة؛ أي: ملتبدًا بعضُه فوق بعض، وكان قول هذا الكافر: أهلكت مالًا لبدًا كذبًا منه، فلذلك قال تعالى:
...
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧)﴾.
[٧] ﴿أَيَحْسَبُ﴾ تقدم اختلاف القراء فيه، ﴿أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ أيظن أن الله عز وجل لم ير ذلك منه فيعلم مقدار ما أنفقه؟ قرأ أبو جعفر، ويعقوب: (يَرَهُ) باختلاس ضمة الهاء بخلاف عنهما، والباقون: بالإشباع (٣).
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٦١٨)، و"تفسير الثعلبي" (١٠/ ٢٠٧).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٦١٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٤٠١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٥١).
(٣) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٠ - ٣١١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٣٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٥٢).
البلد 90:8
﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨)﴾.
[٨] ثم عدد تعالى على الإنسان نعمه التي تقوم بها الحجة، وهي جوارحه، فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ يبصر بهما.
...
﴿وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾.
[٩] ﴿وَلِسَانًا﴾ يتكلم به ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ يطبقهما على لسانه إذا أراد السكوت.
...
﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾.
[١٠] ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ بَيَّنا له طريق الخير والشر، وهذا قول الأكثر، والنجد: الطريق المرتفع، وقيل: المراد: ثَدْيا الأم.
...
﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾.
[١١] ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ فهلَّا سلك الطريق التي فيها النجاةُ، والعقبة في هذه الآية على عرف كلام العرب: استعارةٌ لهذا العمل الشاق على النفس، من حيث هو بذل مال، تشبيه بعقبة الجبل، وهي ما صَعُب منه، وكان صعودًا، والاقتحام: الدخول في الشيء بشدة.
...
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢)﴾.
[١٢] ثم بين ما هي، وعظم أمرها في النفوس، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾.
البلد 90:13
﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾.
[١٣] ثم فسر اقتحام العقبة بقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أعتقَها، ومن أعتقَ رقبةً، كان فداءه من النار.
...
﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤)﴾.
[١٤] ﴿أَوْ إِطْعَامٌ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي: (فَكَّ) بفتح الكاف، (رَقَبَةً) بالنصب، (أَطْعَمَ) بفتح الهمزة والميم من غير تنوين ولا ألف قبلها، فعلان ماضيان، (فَفَكَّ رَقَبَةً) تفسير (لاقْتَحَمَ العَقَبَةَ)، و (أَطْعَمَ) عطف على (فَكَّ)، ويكون (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ) اعتراضًا. وقرأ الباقون: برفع (فَكُّ) وخفض (رَقَبَةٍ) لإضافة (فَكُّ) إليها؛ لأنه مصدر مضاف إلى المفعول، (إِطْعَامٌ) بكسر الهمزة ورفع الميم مع التنوين وألف قبلها عطفًا على (فَكُّ) مصدر أَطْعَمَ (١).
﴿فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ أي: مجاعة؛ من سَغِبَ: جاعَ.
...
﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾.
[١٥] ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ صاحبَ قرابة.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٨٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٣)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٦٢٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٥٢).
البلد 90:16
﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾.
[١٦] ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ أي: لصق بالتراب؛ لفقره، وتعطف على ﴿اقْتَحَمَ﴾:
...
﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧)﴾.
[١٧] ﴿ثُمَّ كَانَ﴾ ومعناه؛ أي: كان وقت اقتحامه العقبة.
﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وليس المعنى أن يقتحم، ثم يكون بعد ذلك؛ لأن هذه القُرَب إنما تنفع مع الإيمان، والاقتحامُ من غيرُ مؤمن غير نافع.
﴿وَتَوَاصَوْا﴾ وصَّى بعضُهم بعضًا ﴿بِالصَّبْرِ﴾ على الإيمان، وعن المعاصي.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ برحمة الناس.
...
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)﴾.
[١٨] ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بهذه الصفات ﴿أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ أي: اليمين.
...
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩)﴾.
[١٩] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ الشمال.
***
البلد 90:20
﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾.
[٢٠] ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ مطبقة عليهم أبوابها. قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وحمزة، وخلف، وحفص عن عاصم: (مُؤْصَدَةٌ) بالهمز؛ من أَصَدْتُ البابَ: أطبقته، وقرأ الباقون: بإسكان الواو بغير همز (١)؛ من أوصدتُ ومعناهما واحد، والله أعلم.
* * *
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٢٣)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٦٢١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٥٣ - ١٥٤).
الشمس 91:1
سورة الشمس
مكية، وآيها: خمس عشرة آية، وحروفها: مئتان وتسعة وأربعون حرفًا، وكلمها: أربع وخمسون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾.
[١] ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ضوءها إذا أشرقت، و (الضُّحَى) بضم الضاد والقصر: ارتفاع الضوء وكماله، وبفتح الضاد والمد: ما فوقَ ذلك إلى الزوال.
...
﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾.
[٢] ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ تبعَها طالعًا عند غروبها.
...
﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣)﴾.
[٣] ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ يعني: جلَّى الظلمة كناية عن غير مذكور؛ لكونه معروفًا، الواو الأولى للقسم، والباقي عطف عليها.
الشمس 91:4
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾.
[٤] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ يغشى الشمسَ حين تغيب، فتظلم الآفاق، و (إِذَا) معمولة القسم.
...
﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾.
[٥] ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ و (ما) في المواضع الثلاثة بمعنى الذي؛ أي: والذي بناها؛ يعني: خلقها.
...
﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾.
[٦] ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ بسطَها.
...
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾.
[٧] ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ عدل خلقَها، والمراد: جميع النفوس، ونُكِّرت للتكثير.
...
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾.
[٨] ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ فَهَّمَها خيرَها وشرَّها، وجعل لها قوة يصحُّ معها اكتسابُ الفجور، واكتسابُ التقوى.
***
الشمس 91:9
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾.
[٩] وجواب القسم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ فاز ببغيته.
﴿مَنْ زَكَّاهَا﴾ طَهَّرها بالطاعة، وتقدم مذهب ورش وحمزة في النقل في قوله.
﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ [الآية: ١] في أول سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
...
﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾.
[١٠] ﴿وَقَدْ خَابَ﴾ خسر ﴿مَنْ دَسَّاهَا﴾ أخفاها وحقرها بالفجور والمعاصي، أصله: دَسَّسَها، أُبدلت السين الثانية ألفًا تخفيفًا.
...
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١)﴾.
[١١] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾ رسلَها ﴿بِطَغْوَاهَا﴾ بطغيانها، لما ذكر تعالى خيبة من دسَّ نفسه، ذكر فرقةً فعلت ذلك؛ ليُعتبر بهم، ويُنتهى عن مثل فعلهم، وهم قوم صالح.
...
﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾.
[١٢] ﴿إِذِ انْبَعَثَ﴾ أي: بادرَ إلى عقر الناقة ﴿أَشْقَاهَا﴾ أشقى القبيلة، وهو قدارُ بن سالف، والانبعاث: هو الإسراع في الطاعة للباعث.
***
الشمس 91:13
﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣)﴾.
[١٣] ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ هو صالح عليه السلام ﴿نَاقَةَ﴾ نصبه تحذيرًا ﴿وَسُقْيَاهَا﴾ عطف؛ أي: و (١) احذروا عَقْرَ الناقة ومنعَها من شربها، فتُعذَّبوا.
...
﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤)﴾.
[١٤] ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ في قوله ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ وقدم تعالى التكذيب على العقر؛ لأنه كان سبب العقر، وقوله: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ والعاقر واحد؛ لكونهم متفقين على ذلك، وتقدم ذكر القصة في سورة الأعراف.
﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ أي: دمر عليهم بالعذاب ﴿بِذَنْبِهِمْ﴾ أي: بسببه ﴿فَسَوَّاهَا﴾ فعمهم بالدمدمة، فلم يفلت منهم أحد.
...
﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾.
[١٥] ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ أي: عاقبتها، المعنى: فلا دَرَكَ على الله في فعله بهم ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (فَلاَ) بالفاء على العطف؛ أي: (فَكَذَّبُوهُ) (فَعَقَرُوهَا) (فَدَمْدَمَ) (فَلاَ يَخَافُ)، وكذا هي في مصاحف المدينة والشام، وقرأ الباقون: بالواو (٢)،
(١) الواو سقطت في "ت".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٨٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٦٢٦)، = فمحل (لاَ يَخَافُ) حال؛ أي: وهو لا يخاف، وكذلك هي في مصاحفهم، وأمال رؤوسَ الآي في هذه السورة: ورش، وأبو عمرو بخلاف عنهما، وافقهما على الإمالة: حمزة، والكسائي، وخلف، واختص الكسائي دونهما بإمالة (تَلاَهَا)، و (طَحَاهَا) (١)، والله أعلم.
* * *
= و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٤٠١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٦٣).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٨٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٤٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٥٧).
الليل 92:1
سورة الليل
مكية، وقيل: مدنية، وقيل: فيها مدني، وآيها: إحدى وعشرون آية، وحروفها: ثلاث مئة حرف، وكلمها: إحدى وسبعون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾.
[١] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ أي: يغطِّي الأرضَ وجميع ما فيها بظلمته.
...
﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾.
[٢] ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ أي: ظهر وضَوَّأَ الآفاق.
...
﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾.
[٣] ﴿وَمَا﴾ أي: والذي ﴿خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ يعني: آدم وحواء.
...
﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾.
[٤] وجواب القسم: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ جمع شتيت؛ أي: إن عملكم
الليل 92:5
لمختلفٌ، بعضُه في رضا الله، وبعضه في سخطه.
...
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾.
[٥] ثم قسم تعالى السَّاعِين فقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ حقَّ الله ﴿وَاتَّقَى﴾ اللهَ تعالى.
...
﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ﴾.
[٦] ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ هي كلمة التوحيد.
...
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾.
[٧] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ نهيئه للعمل الصالح، وهو الطاعة.
...
﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨)﴾.
[٨] ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ بالنفقة في الطاعة ﴿وَاسْتَغْنَى﴾ بلذات الدنيا عن نعيم الآخرة.
...
﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ﴾.
[٩] ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ بلا إله إلا الله.
***
الليل 92:10
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾.
[١٠] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ نهيئه لعملٍ يستوجبُ به النارَ، وسميت العسرى؛ لإفضائها إلى العسر. قرأ أبو جعفر: (لِلْيُسُرَى) (لِلْعُسُرَى) بضم السين فيهما، والباقون: بإسكانها (١).
...
﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾.
[١١] ﴿وَمَا﴾ نفي بمعنى ليس ﴿يُغْنِي عَنْهُ مَالُه﴾ الذي بخل به.
﴿إِذَا تَرَدَّى﴾ أي: سقط في النار.
...
﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾.
[١٢] ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ أي: تبيينَ طريق الهدى والضلالة، ثم كل أحد بعدُ يكتسب ما قُدر له.
...
﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣)﴾.
[١٣] ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ فنعطي في الدارين ما نشاء لمن نشاء.
...
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٧٠).
الليل 92:14
﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤)﴾.
[١٤] ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ تلتهب. قرأ البزي، ورويس: (نَارًا تَّلَظَّى) بتشديد التاء وصلًا، والباقون: بتخفيفها (١).
...
﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥)﴾.
[١٥] ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾.
...
﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾.
[١٦] ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ النبيَّ - ﷺ -.
﴿وَتَوَلَّى﴾ عن الإيمان، وهو أبو جهل، أو أمية بن خلف.
...
﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾.
[١٧] ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾.
...
﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)﴾.
[١٨] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ يطلب أن يكون عند الله زاكيًا، وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٩٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٤٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٧٢ - ١٧٣).
الليل 92:19
﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩)﴾.
[١٩] روي أن أمية بن خلف كان إذا حميت الظهيرة، يطرح بلالًا على ظهره ببطحاء مكة، ويضع على صدره صخرة عظيمة، ويقول: لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد، فيقول: أَحَدٌ أَحَد، فقال أبو بكر: اتق الله فيه، فقال له: أنت أفسدته، فأنقذْه مما هو فيه، فاشتراه وأعتقه، فقال المشركون: إنما فعل ذلك ليد كانت له عنده، فنزل: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ يد يكافئه عليها (١).
...
﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿إِلَّا﴾ أي: بل هو مبتدأ، خبره (٢): ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ وطلب رضاه.
...
﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾.
[٢١] ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ بما يعطيه الله في الآخرة من الثواب، هذه عِدَة من الله تعالى لأبي بكر رضي الله عنه. ومذاهب القراء في إمالة رؤوس الآي في هذه السورة كالتي قبلها، والله أعلم.
* * *
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٦٣٠)، و"تفسير القرطبي" (٢٠/ ٨٨).
(٢) "خبره" ساقطة من "ت". سورة الضحى
مكية، وآيها: إحدى عشرة آية، وحروفها: مئة وثمانية وخمسون حرفًا، وكلمها: أربعون كلمة.
الكلام في التكبير:
اختلف في سبب وروده، فروي أن النبي - ﷺ - انقطع عنه الوحي، فقال المشركون: قلا محمدًا ربُّه، فنزلت سورة ﴿وَالضُّحَى﴾ فقال النبي - ﷺ -: "اللهُ أكبرُ"، وأمر أن يكبر إذا بلغ: ﴿وَالضُّحَى﴾ مع خاتمة كل سورة حتى يختم، فكبر شكرًا لله تعالى لما كذَّب المشركين (١)، وقيل: قال: الله أكبر تصديقًا لما أنا عليه، وتكذيبًا للكافرين، وقيل: فرحًا وسرورًا بنزول الوحي، وورد (٢) في ذلك أقوال كثيرة غير ما تقدم.
وأما من ورد عنه، فقد صح التكبير عن أهل مكة قرائهم وعلمائهم،
(١) روى حديث التكبير عند بلوغ القارئ سورة الضحى: الحاكم في "المستدرك" (٢٣٢٥)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٠٧٧)، من طريق أبي الحسن البزي المقري. قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (٤/ ٥٢٢): فهذه سنة تفرد بها أبو الحسن، وكان إمامًا في القراءات، فأما في الحديث فقد ضعفه أبو حاتم الرازي، وقال: لا أحدث عنه، وكذلك أبو جعفر العقيلي قال: هو منكر الحديث. ثم قال بعد كلام: ولم يرو ذلك -أي: التكبير- بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف، والله أعلم.
(٢) في "ت": "وروي". وصح أيضًا عن أبي جعفر، وأبي عمرو، وورد عن سائر القراء عند الختم، وهو سنة مأثورة عن النبي - ﷺ -، وعن الصحابة والتابعين في الصلاة وخارجها، لكن من فعله، فحسن، ومن لم يفعله، فلا حرج عليه (١).
وأما ابتداؤه، فاختلف فيه، فروي أنه من أول ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ وروي أنه من أول ﴿وَالضُّحَى﴾.
واختلف أيضًا في النهاية، فروي أن انتهاءه آخر سورة الناس، وروي: أولها، وقد ثبت نصه عن الإمامين الشافعي وأحمد رضي الله عنهما، ولم يستحبه الحنابلة؛ لقراءة غير ابن كثير، ولم أطلع على نص في ذلك لأبي حنيفة ومالك رضي الله عنهما.
ولفظه: (الله أكبر (٢)) في رواية البزي، وقنبل، وروي عنهما: التهليل قبل التكبير، ولفظة: (لا إله إلا الله والله أكبر)، والوجهان عنهما صحيحان جيدان مشهوران مستعملان.
وصفة التكبير في رواية ابن كثير بين كل سورتين أربعة عشر وجهًا:
الأول: قطعه عن آخر السورة، ووصله بالبسملة، ووصل البسملة في أول السورة الآتية، وهو ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ قف (الله أكبر) صل (٣) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) صل ﴿وَالضُّحَى﴾.
(١) قال البيهقي في "شعب الإيمان" (٢/ ٣٧١ - ٣٧٢) بعد أن ذكر الأقوال السالفة: قال أحمد: وقد روي عن النبي - ﷺ - في دعاء الختم حديث منقطع بإسناد ضعيف؛ وقد تساهل أهل الحديث في قبول ما ورد من الدعوات وفضائل الأعمال، متى ما لم تكن من رواية من يعرف بوضع الحديث أو الكذب في الرواية.
(٢) "أكبر" ساقطة من "ت".
(٣) قوله: "قف" و"صل" زيادة من "ت". الثاني: قطعه عن آخر السورة، ووصله بالبسملة، والوقوف على البسملة، ثم الابتداء بأول السورة، وهو ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ قف (الله أكبر) صل (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قف ﴿وَالضُّحَى﴾.
الثالث: وصله بآخر السورة، والقطع عليه، ووصل البسملة بأول السورة، وهو ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ صل (الله أكبر) قف (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) صل ﴿وَالضُّحَى﴾.
الرابع: وصله بآخر السورة، والقطع على البسملة، وهو ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ صل (الله أكبر) قف (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قف ﴿وَالضُّحَى﴾.
الخامس: قطع التكبير عن آخر السورة وعن البسملة، ووصل البسملة بأول السورة، وهو ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ قف (الله أكبر) قف (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) صل ﴿وَالضُّحَى﴾.
السادس: وصل التكبير بآخر السورة، والبسملة بأول السورة، وهو ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ صل (الله أكبر) صل (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) صل ﴿وَالضُّحَى﴾.
السابع: قطع الجميع؛ أي: قطع التكبير عن السورة الماضية وعن البسملة، وقطع البسملة عن السورة الآتية، وهو: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ قف (الله أكبر) قف (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قف ﴿وَالضُّحَى﴾.
فهذه السبعة صفته مع التكبير، ويأتي مع التهليل مثل ذلك، وبقي وجه لا يجوز، وهو وصل التكبير بآخر السورة، وبالبسملة مع القطع عليها، وهو ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ (الله أكبر) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) بالوصل في الجميع، ثم يسكت على البسملة، ثم يبتدئ ﴿وَالضُّحَى﴾، فهذا ممتنع
الضحى 93:1
إجماعًا؛ لأن البسملة لأول السورة، فلا يجوز أن تجعل منفصلة عنها متصلة بآخر السورة قبلها.
واعلم أن القارئ إذا وصل التكبير بآخر السورة، فإن كان آخرها ساكنًا، كسره للساكنين؛ نحو: (فَحَدِّثِ اللهُ أكبرُ)، و (فَارْغَبِ اللهُ أكبرُ)، وإن كان منونًا، كسره أيضًا للساكنين، وسواء كان الحرف المنون مفتوحًا أو مضمومًا أو مكسورًا، نحو: (تَوَّابًا اللهُ أكبرُ) و (لَخَبِيرٌ اللهُ أكبرُ)، و (مِنْ مَسَدٍ اللهُ أكبرُ)، وإن كان آخر السورة مفتوحًا، فتحه، وإن كان مكسورًا، كسره، وإن كان مضمومًا، ضمه، نحو: قولِه: (إِذَا حَسَدَ الله أَكبرُ)، (والنَّاسِ اللهُ أَكبرُ)، و (الأَبْتَرُ اللهُ أكبرُ)، وشبهه، وإن كان آخر السورة هاء كناية موصولة بواو، حذف صلتها للساكنين؛ نحو: (رَبَّهُ اللهُ أكبرُ) و (شَرًّا يَرَهُ اللهُ أكبرُ)، وأسقطت ألف الوصل التي في أول اسم الله -عز وجل- في جميع ذلك استغناءً عنها، والله أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالضُّحَى (١)﴾.
[١] ﴿وَالضُّحَى﴾ هو سطوعُ الضوء وعِظَمُه، وتقدم ذكرُ وقته أول سورة الشمس، أقسم الله به، وأراد به النهارَ كلَّه؛ بدليل أنه قابله بالليل.
...
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾.
[٢] فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ أقبل بظلامه.
الضحى 93:3
﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾.
[٣] وجواب القسم: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ ما قطعك (١) ﴿رَبُّكَ﴾ قطعَ المودَّعِ.
﴿وَمَا قَلَى﴾ أي: ما أبغضَكَ، وحذفت الكاف من قلاك؛ لدلالة الكلام.
...
﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾.
[٤] ﴿وَلَلْآخِرَةُ﴾ وما أعدَّ لك فيها من الكرامة ﴿خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ لأن الآخرة باقية، والأولى فانية.
...
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾.
[٥] ﴿وَلَسَوْفَ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: ولأنت سوف.
﴿يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ في الآخرة عطاء ﴿فَتَرْضَى﴾.
عن ابن عباس، وعلي، والحسين: "هو الشفاعة" (٢).
و (سَوْفَ) إذا كان في قصة المؤمنين، فمعناه الوعد، وإذا كان في قصة المشركين، فمعناه الوعيد.
وقال الأزرق (٣): ومما يرضيه بعد إخراج كل مؤمن من النار ألَّا يسوءَهُ في أمه وأبيه، وإن منع من الاستغفار لهما، وأذن له في زيارة قبرهما في وقت دون وقت؛ لأنهما من أهل الفترة، وقال سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ومن لم يقنعه هذا، فحظ المؤمن منهما الوقف
(١) "ما قطعك" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٦٣٤).
(٣) في "ت": "الفهري".
الضحى 93:6
فيهما، وألَّا يحكم عليهما بنار إلا بنص كتاب أو سنة أو إجماع الأمة، بخلاف ما ثبت في عمه أبي طالب (١).
...
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾.
[٦] ثم عدَّد تعالى نعمه على نبيه - ﷺ -، فقال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا﴾ مات أبوك ﴿فَآوَى﴾ أي: آواك إلى عمك بعد موت أبيك.
...
﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾.
[٧] وقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ﴾ معناه: قد وجدك، ودليله عطف قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ عن معالم الشرع (٢) ﴿فَهَدَى﴾ أي: فهداك إليها.
...
﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾.
[٨] ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا﴾ فقيرًا ﴿فَأَغْنَى﴾ فقنَّعك بما أعطاك من الغنائم والرزق.
قال - ﷺ - "ليس الغِنى عن كثرةِ العَرَض، ولكنَّ الغِنى غِنى النَّفْس" (٣).
(١) قلت: قد ثبت في "صحيح مسلم" (٢٠٣) وغيره قول النبي - ﷺ - لذاك الرجل الذي أتى يسأل عن أبيه، فأجابه النبي - ﷺ - بأنه في النار، ثم قال له: "إن أبي وأباك في النار". قال النووي في "شرح مسلم" (٣/ ٧٩): فيه أنه من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار.
(٢) في "ت": "الشرائع".
(٣) رواه البخاري (٦٠٨١)، كتاب: الرقاق، باب: الغنى غنى النفس، ومسلم (١٠٥١)، كتاب: الزكاة، باب: ليس الغنى عن كثرة العرض، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
الضحى 93:9
﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾.
[٩] ثم أوصاه باليتامى والفقراء، فقال: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ بأخذ ماله.
...
﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾.
[١٠] ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ لا تزجر، فإما أن تطعمه، وإما أن ترده ردًّا لينًا.
...
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾.
[١١] ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ عليك بالنبوة وغيرها من الصلاح ﴿فَحَدِّثْ﴾ به الناس.
قال - ﷺ -: "التحدُّث بالنعم شكرٌ" (١).
أمال رؤوس آي هذه السورة ورش، وأبو عمرو بخلاف عنهما، وافقهما على الإمالة: حمزة، والكسائي، وخلف، واختص الكسائي دونهما بإمالة (سَجَى) (٢).
وأما حكم صلاة الضحى، فهي سنة بالاتفاق، ووقتها إذا علت الشمس إلى قبيل وقت الزوال، وهي عند أبي حنيفة ركعتان، أو أربع بتسليمة،
(١) رواه بهذا اللفظ: ابن أبي الدنيا في "الشكر" (ص: ٢٥)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٤٤)، من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٩٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٤٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٧٩). وعند مالك: لا تنحصر، وعند الشافعي وأحمد: أقلها ركعتان، واختلفا في أكثرها، فقال الشافعي: اثنتا عشرة، وقال أحمد: ثمان، وهو الذي عليه الأكثرون من أصحاب الشافعي، وصححه النووي في التحقيق، والله أعلم.
* * *
الشرح 94:1
سورة ألم نشرح
مكية، وآيها: ثماني آيات، وحروفها: مئة وحرفان، وكلمها: سبع وعشرة كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾.
[١] عدَّد الله نعمه على نبيه - ﷺ -، فقال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ وشرحُ الصدر المذكور هو تنويرُ قلبه بالحكمة، وتوسيعُه لتلقي ما يوحى إليه.
...
﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾.
[٢] ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ إثمك الماضي في الجاهلية، والوزر أصله: الثقل، فشبهت الذنوب به، وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، وكان رسول الله - ﷺ - في الجاهلية قبل النبوة وزرهُ صحبةُ قومه، وأكلُه من ذبائحهم، ونحو هذا، وهذه كلها جرها المنشأ، وأما عبادة الأصنام، فلم يتلبس بها قط بإجماع الأمة (١)، وتقدم في الشورى.
(١) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٤٩٦).
الشرح 94:3
﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾.
[٣] ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أثقلَه حتى سُمع له نقيض؛ أي: صوت، وقيل: المعنى: أنه حُفظ قبل النبوة منها، وعُصم، ولولا ذلك، لأثقلت ظهره.
...
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾.
[٤] ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ نَوَّهْنا باسمك بأنه إذا ذُكر الله، ذكرتَ معه، والاستفهام في كلها بمعنى التقرير؛ أي: قد فعلنا ذلك كله.
...
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥)﴾.
[٥] ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ﴾ أي: مع ما تراه من الأذى ﴿يُسْرًا﴾ فرجًا يأتي.
...
﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
[٦] ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ كرره مبالغة وتثبيتًا للخير، وذهب كثير من العلماء إلى أن مع كل عسر يسرين بهذه الآية؛ من حيث (العسرُ) معرف للعهد، فيكون الثاني الأولَ بعينه، و (اليسر) منكَّر، فالأولُ غيرُ الثاني، وقد روي في هذا التأويل حديثٌ عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ" (١)؛ أي: لن يغلب عسرُ الدنيا يُسري الدنيا والآخرة. قرأ
(١) رواه الحاكم في "المستدرك" (٣٩٥٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٠٠١٣)، عن الحسن مرسلًا.
الشرح 94:7
أبو جعفر: (الْعُسُرِ يُسُرًا) بضم السين في الموضعين، والباقون: بإسكانها (١).
...
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾.
[٧] ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ من الصلاة والعبادات ﴿فَانْصَبْ﴾ فاتعبْ فيما ينجيك من العذاب، والمعنى: أن يدأب على ما أُمر به، ولا يفتُرَ.
...
﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾.
[٨] ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ تضرَّعْ إليه، وتوكل عليه، والله أعلم.
* * *
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٨٧ - ١٨٨).
التين 95:1
سورة التين والزيتون
مكية، وآيها: ثماني آيات، وحروفها: مئة وتسعة وخمسون حرفًا، وكلمها: أربع وثلاثون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾.
[١] ﴿وَالتِّينِ﴾ هو الجبل الذي عليه دمشق ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ هو طور زيتا الجبل الذي ببيت المقدس من جهة المشرق، وذلك أن التين ينبت كثيرًا بدمشق، والزيتون بإيلياء، وقيل: المراد بالتين: الذي يؤكل، والزيتون: الذي يعصر، وأكل النبي - ﷺ - مع أصحابه تينًا أهدي إليه، فقال: "لو قلتُ إن فاكهةً نزلَتْ من الجنة، لقلت هذه؛ لأن فاكهةَ الجنة بلا عَجَم، فكلوا، فإنه يقطعُ البواسيرَ، وينفع من النِّقْرِسِ" (١).
وقال - ﷺ -: "نعمَ السواكُ الزيتونُ من الشجرةِ المباركةِ، هي سواكي وسواكُ الأنبياء من قبلي" (٢).
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (١٠/ ٢٣٨)، وأبو نعيم في "الطب"، من حديث أبي ذر رضي الله عنه، بإسناد مجهول، كما قال المناوي في "الفتح السماوي" (٣/ ١١٠٨).
(٢) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٦٧٨)، وفي "مسند الشاميين" (٤٦) قال =
التين 95:2
﴿وَطُورِ سِينِينَ (٢)﴾.
[٢] ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى -عليه السلام- بلا خلاف، ومعنى سينين: حسن مبارك، وقيل: معناه: ذو الشجر.
...
﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾.
[٣] ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ أي: الآمن؛ يعني: مكة بلا خلاف؛ لأمن الناس فيها جاهلية وإسلامًا، أقسم الله بهذه الأشياء تشريفًا لها.
...
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾.
[٤] وجواب القسم: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ والمراد به: الجنس.
﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ أعدلِ قامة، وأحسن صورة، وذلك أنه تعالى خلق كل شيء مُنكبًّا على وجهه، إلا الإنسان.
...
﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)﴾.
[٥] ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ﴾ بعد القدرة والكمال ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ إلى الهرم وأرذل العمر حتى ينقضي عمره، ويضعف بدنه، ويذهب عقله.
...
= الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/ ١٠٠): وفيه معلل بن محمد ولم أجد من ذكره. وانظر: "التلخيص الحبير" لابن حجر (١/ ٧٢).
التين 95:6
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾.
[٦] ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ منهم، فإنه يكتب لهم بعد الهرم مثل حال الشباب.
قال ابن عباس: "هم نفر رُدُّوا إلى أرذل العمر على عهد رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله تعالى عذرهم، وأخبر أن لهم أجرهم مثل الذي عملوا قبل أن تذهب عقولهم" (١)، فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ محسوب يمنُّ عليهم به (٢)، وثبتت الفاء في (فَلَهُمْ) هنا، ولم تثبت في (لَهُمْ) آخر الانشقاق؛ جمعًا بين اللغتين.
...
﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧)﴾.
[٧] ثم قال إلزامًا للحجة، وتوبيخًا للكفار: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾ ما سببُ تكذيبك أيها الإنسان ﴿بَعْدُ﴾ أي: بعد هذا الدليل القاطع ﴿بِالدِّينِ﴾ بالحساب والجزاء، يقال: أكذبته: وجدتُه كاذبًا، وكذَّبته مشددًا: قلت له: كذبت.
...
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾.
[٨] ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ بأفصل الفاصلين، فيفصل بينك وبين مكذبيك.
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٣٠/ ٢٤٤). وانظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٦٤٤).
(٢) "محسوب يمن عليهم به" زيادة من "ت". قال قتادة: كان النبي - ﷺ - إذا قرأ هذه الآية، قال: "بَلَى، وأنا على ذلك من الشاهدين" (١)، والله أعلم.
* * *
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٣٠/ ٢٥٠). وانظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٦٤٥).
ورواه أبو داود (٨٨٧)، كتاب: الصلاة، باب: مقدار الركوع والسجود، والترمذي (٣٣٤٧)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة التين، من طريق إسماعيل بن أمية، عن أعرابي، عن أبي هريرة، به. قال الترمذي: إنما يروى بهذا الإسناد عن هذا الأعرابي عن أبي هريرة ولا يسمى. سورة العلق
مكية، وآيها: تسع عشرة آية، وحروفها: مئتان وتسعة وعشرون حرفًا، وكلمها: اثنتان وسبعون كلمة، وهي أول ما نزل من كتاب الله تعالى على الأصح، وعليه الأكثر، وتقدم التنبيه عليه في سورة المدثر، نزل صدرها وهو خمس آيات إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ في غار حراء، كذا ورد به الحديث الصحيح، والترتيب في أخبار النبي - ﷺ - يقتضي ذلك، والله أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "أولُ ما بُدئ رسولُ الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصالحةُ، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثلَ فَلَق الصبح، ثم حُبِّب إليه التحنُّثُ في غار حراء، فكان يخلو فيه، فيتحنَّثُ فيه الليالي ذوات العدد، ثم ينصرف، حتى جاءه الملَكُ وهو في غار حراء، فقال له: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني، ثم كذلك ثلاث مرات، فقال في الثالثة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، قالت: فرجعَ رسولُ الله - ﷺ - يرجُفُ فؤادُه" الحديث بطوله (١).
(١) رواه البخاري (٣)، كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، ومسلم (١٦٠) كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -.
العلق 96:1
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾.
[١] ومعنى الآية: ﴿اقْرَأْ﴾ هذا القرآن مفتتحًا ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ كما قال ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ [هود: ٤١]، ودخلت الباء في بسم لتدل على الملازمة والتكرير، ولما ذكر الرب، وكانت العرب في الجاهلية تسمي الأصنام أربابًا، جاء بالصفة التي لا شركة للأصنام فيها، وهي قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾.
...
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾.
[٢] ثم مثل لهم من المخلوقات ما لا مدافعة فيه، فقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ أي: جنس الإنسان (١) إدريسُ عليه السلام.
﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ جمع علقة، وهي القطعة الصغيرة (٢) من الدم، وخلقةُ الإنسان من أعظم العبر، وليس المراد آدم عليه السلام؛ لأنه خُلق من طين.
...
﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾.
[٣] ثم قال على جهة التأنيس: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ الذي لا يلحقه نقص، فليس هو كهذه الأرباب، فهو ينصرك ويظهرك.
...
(١) "أي: جنس الإنسان" زيادة من "ت".
(٢) في "ت": "اليسيرة".
العلق 96:4
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾.
[٤] ثم عدد نعمة الكتابة بالقلم على الناس، وهي موضع عبرة، وأعظم منفعة، فقال: ﴿الَّذِي عَلَّمَ﴾ الخطَّ ﴿بِالْقَلَمِ﴾ وأولُ من خط بالقلم إدريس عليه السلام (١).
...
﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾.
[٥] ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ والمراد: الجنس؛ أي: علمهم ما لم يكونوا عالمين به من مصالحهم وصناعاتهم.
...
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦)﴾.
[٦] ونزل بعد ذلك في شأن أبي جهل بن هشام، وذلك أنه لما طغى؛ لغناه ولكثرة ناديه من الناس، فناصبَ رسولَ الله - ﷺ - العداوةَ، ونهاه عن الصلاة في المسجد ﴿كَلَّا﴾ ردٌّ على أقوال أبي جهل وأفعاله (٢) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ أبا جهل (٣) ﴿لَيَطْغَى﴾ ليتجاوز حدَّه كِبْرًا.
...
﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾.
[٧] ﴿أَنْ﴾ أي: لأن ﴿رَآهُ﴾ أي: رأى نفسه ﴿اسْتَغْنَى﴾ مفعول له؛ أي:
(١) "إدريس عليه السلام" سقط من "ت".
(٢) رواه مسلم (٢٧٩٧)، كتاب: صفة القيامة الجنة والنار، باب: قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٣) "أبا جهل" زيادة من "ت".
العلق 96:8
يطغى لذلك. قراءة العامة: (رَآهُ) بالمد على وزن رَعَاهُ، وقرأ قنبل عن ابن كثير: (رَأَهُ) بالقصر على وزن رعه، لغة مشهورة بحذف الألف من يرى، لا لجازم، بل تخفيفًا، ولأن الفتحة تدل عليها (١)، والرؤية هنا بمعنى العلم لتعديها إلى مفعولين، الأول: الهاء، والثاني: (اسْتَغْنَى)، وتقدم اختلاف القراء في الفتح والإمالة في (رَآهُ) في سورة التكوير [الآية: ٢٣].
...
﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾.
[٨] ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ﴾ أي: إلى حسابه وجزائه ﴿الرُّجْعَى﴾ أي: الرجوع.
...
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ﴾.
[٩] ونزل في أبي جهل ونهيِه النبيَّ - ﷺ - عن الصلاة، وقولِه: لو رأيتُ محمدًا ساجدًا، لوطئتُ عنقه، فجاءه، ثم نكص على عقبه، فقيل له: ما لَكَ؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار، وهولًا وأجنحة ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى﴾ (٢).
...
﴿عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ﴾.
[١٠] ﴿عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ ولفظ العبد وتنكيره للمبالغة في تقبيح النهي، والدلالة على كمال عبودية المنهي.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٩٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٩٦).
(٢) تقدم تخريجه قريبًا.
العلق 96:11
﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١)﴾.
[١١] ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ﴾ المصلي ﴿عَلَى الْهُدَى﴾.
...
﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَىٰ﴾.
[١٢] ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾.
...
﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣)﴾.
[١٣] وجواب الشرط الأول محذوف؛ لدلالة جواب الشرط الثاني عليه في ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ﴾ الناهي عن الصلاة.
﴿وَتَوَلَّى﴾ عن الإيمان. قرأ نافع، وأبو جعفر: (أَرَأَيْتَ) بتسهيل الهمزة التي بعد الراء، وعن ورش: إبدالها ألفًا، والكسائي: يسقطها أصلًا (١).
...
﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾.
[١٤] وجواب الشرط الثاني: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ فعلَه، فيجازيه به. أمال رؤوس الآي من قوله (لَيَطْغَى) إلى قوله (يَرَى): ورش، وأبو عمرو بخلاف عنهما، وافقهما على الإمالة: حمزة، والكسائي، وخلف، وفتحها الباقون (٢).
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٩٧).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٢٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: =
العلق 96:15
﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥)﴾.
[١٥] ﴿كَلَّا﴾ ردعٌ للناهي، ثم توعَّده فقال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ الكافرُ عن تكذيب محمد - ﷺ -.
﴿لَنَسْفَعًا﴾ لنأخذَنْ بشدَّة وقهر ﴿بِالنَّاصِيَةِ﴾ أي: ناصيته، وهي شعر مقدَّم الرأس، فيجر إلى جهنم ذليلًا، ورسمت (لَنَسْفَعًا) في المصحف بألف بعد النون.
...
﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾.
[١٦] ﴿نَاصِيَةٍ﴾ بدل من ﴿بِالنَّاصِيَةِ﴾، ثم وصفها بقوله: ﴿كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ مجازًا، والمراد صاحبها. قرأ أبو جعفر: (خَاطِيَةٍ) بفتح الياء، والباقون: بالهمز.
...
﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾.
[١٧] ولما نهى أبو جهل النبيَّ - ﷺ - عن الصلاة، فانتهره النبيُّ - ﷺ -، فقال: أتنهرني؟! فوالله لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خَيْلًا جُرْدًا، ورجالًا مُرْدًا، وإنك لتعلم أن ما بها نادٍ أكثر مني، نزل: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ (١) عشيرته، فلينتصر بهم.
= ٤٤١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ١٩٥).
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (١٠/ ٢٤٦)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥٠٨).
العلق 96:18
﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾.
[١٨] ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ لإهلاكه، وهم زبانية جهنم؛ مأخوذ من الزَّبْن، وهو الدفع.
...
﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.
[١٩] ﴿كَلَّا﴾ ردٌّ على قول الكافر وأفعاله ﴿لَا تُطِعْهُ﴾ لا تلتفتْ إلى نهيه وكلامه ﴿وَاسْجُدْ﴾ لربك ﴿وَاقْتَرِبْ﴾ أي: تقرَّبْ إلى الله بطاعته.
قال - ﷺ -: "أقربُ ما يكونُ العبدُ إلى ربه إذا سجدَ، فأكثروا من الدعاء في السجود" (١).
وهذا محل سجود عند الثلاثة؛ خلافًا لمالك، وهم على أصولهم بالقول بالوجوب والسنية، كما تقدم اختلافهم ملخصًا عند سجدة مريم.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سجدْنا معَ رسول الله - ﷺ - في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (٢)، والله أعلم.
* * *
(١) رواه مسلم (٤٨٢)، كتاب: الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) تقدم تخريجه.
القدر 97:1
سورة القدر
مدنية، وقيل: مكية، وآيها: خمس آيات، وحروفها: مئة وخمسة وعشرون (١) حرفًا، وكلمها: ثلاثون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾.
[١] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ الضميرُ للقرآن، ولم يتقدم ذكرُه؛ لدلالة المعنى عليه.
﴿فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في سماء الدنيا جملةً، ثم نزل به نجومًا إلى الأرض على محمد - ﷺ - في عشرين، أو ثلاث وعشرين سنة، وسميت ليلة القدر؛ لأنها تُقَدَّر فيها آجالُ العباد وأرزاقُهم، ويأتي الكلام عليها بعد انتهاء التفسير.
...
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢)﴾.
[٢] ثم عجَّبَ الله تعالى نبيَّه - ﷺ - فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾
(١) في "ت": "عشر".
القدر 97:3
لأنها ليلة تقدير الأحكام والأمور، يقدر الله فيها أمر السنة في عباده وبلاده إلى السنة المقبلة؛ لقوله ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤].
...
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾.
[٣] روي أن رسول الله ذُكر له رجلٌ من بني إسرائيل حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله ألفَ شهر، فعجب رسولُ الله - ﷺ -، وتمنى ذلك لأمته، فقال: "يا ربِّ جعلْتَ أمتي أقصرَ الأممِ أعمارًا، وأقلَّ أعمالًا"، فأعطاه الله ليلة القدر (١)، فقال: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ أي: قيامُها والعبادةُ فيها.
﴿خَيْرٌ مِنْ﴾ عمل ﴿أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ليس فيها ليلةُ القدر، وهي ثماثون سنة، وثلاثة أعوام، وثلث عام (٢).
وروي عن الحسن بن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: أنه قال حين عوتب في تسليمه الأمرَ لمعاوية: "إن الله تعالى أرى نبيَّه في المنام بني أمية ينزون على منبره نزوَ القردة، فاهتمَّ لذلك، فأعطاه الله ليلة القدر خير له ولذريته ولأهل بيته من ألف شهر" (٣)، وهي مدة ملك بني أمية، وأعلمه أنهم يملكون أمر الناس هذا القدرَ من الزمان، ثم كُشِفَ الغيبُ أن كان من سنة الجماعة إلى قتل مروان الجعدي آخر ملوكهم هذا القدر من الزمان بعينه.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٦٥٨).
(٢) "وثلث عام" ساقطة من "ت".
(٣) كذا ساقه ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٥٠٥)، وقد روى أبو يعلى في "مسنده" (٦٤٦١)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال الذهبي في "السير" (٢/ ١٠٨) في ترجمة الحكم بن أبي العاص: ويروى في سبه أحاديث لم تصح. فذكر هذا الحديث منها.
القدر 97:4
﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)﴾.
[٤] ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ هو جبريل عليه السلام ﴿فِيهَا﴾ أي: في ليلة القدر. قرأ البزي (شَهْر تَّنَزَّلُ) بتشديد التاء حالة الوصل (١).
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي: بأمره ﴿مِنْ كُلِّ﴾ أي: بكل ﴿أَمْرٍ﴾ من الخير والشر.
...
﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾.
[٥] ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ أي: سلام على أولياء الله وأهل طاعته، وسميت سلامًا؛ لكثرة السلام فيها؛ لأن الملائكة لا تمر بمؤمن ولا مؤمنة إلا سلَّمت عليه، فـ (حَتَّى) متعلقة بـ (سَلاَمٌ)؛ أي: إن الملائكة تسلم من غروب الشمس.
﴿حَتَّى﴾ أي: إلى وقت ﴿مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ أي: طلوعه. قرأ الكسائي، وخلف: (مَطْلِعِ) بكسر اللام، والباقون: بفتحها (٢)، وهما لغتان في مصدر طَلَع، والأزرق عن ورش على أصله في تفخيمها.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن النبي - ﷺ - قال: "من قامَ ليلةَ القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدَّمَ من ذنبِه" (٣).
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٩١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٢٠٣).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٩٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٤)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٦٥٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٢٠٣ - ٢٠٤).
(٣) رواه البخاري (٣٥)، كتاب: الإيمان، باب: قيام ليلة القدر من الإيمان، ومسلم = والجمهور من أهل العلم على أنها في شهر رمضان، وعامة الصحابة والعلماء على أنها باقية إلى يوم القيامة، وقد أبهمها الله -عز وجل- على الأمة؛ ليجتهدوا في الدعاء والعبادة لياليَ شهر رمضان؛ طمعًا في إدراكها، كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، واسمَه الأعظم في الأسماء، وأخفى قيامَ الساعة (١)؛ ليجتهدوا في الطاعات؛ حذرًا من قيامها.
واختلف الأئمة فيها، فعند أبي حنيفة: هي في شهر رمضان تدور فيه، وعنه رواية تدور في كل السنة، وعند صاحبيه: هي منكَّرة؛ أي: غير معينة، ولكنها دائمة في شهر رمضان؛ أي: ثابتة لا تتقدم ولا تتأخر، وعند مالك: هي في شهر رمضان في العشر الأخير لتسع بقين، أو سبع أو خمس، وميل الشافعي إلى أنها ليلة الحادي والعشرين، أو الثالث والعشرين منه، وعند أحمد: هي في العشر الأخير منه، والوتر آكد، وأرجاه ليلة سبع وعشرين.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في "شرح البخاري" (٢) فيها خمسة وأربعين قولًا، ولخصها صاحب "الإنصاف" فيه: الأول: قد رفعت، والثاني: خاصة بسنة واحدة وقعت في زمنه عليه أفضل الصلاة والسلام، الثالث: خاصة بهذه الأمة، الرابع: ممكنة في جميع السنة، الخامس: تنتقل في جميع السنة، السادس: ليلة النصف من شعبان،
= (٧٦٠)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح.
(١) "الساعة" ساقطة من "ت".
(٢) انظر: "فتح الباري" (٤/ ٢٦٢). السابع: مختصة برمضان ممكنة في جميع لياليه، الثامن: أول ليلة منه، التاسع: النصف منه، العاشر: ليلة سبع عشرة، الحادي عشر: ثماني عشر، الثاني عشر: تسع عشر، الثالث عشر: حادي عشرين، الرابع عشر: ثاني عشرين، الخامس عشر: ثالث عشرين، السادس عشر: رابع عشرين، السابع عشر: خامس عشرين، الثامن عشر: سادس عشرين، التاسع عشر: سابع عشرين، العشرون: ثامن عشرين، الحادي والعشرون: تاسع عشرين، الثاني والعشرون: ليلة الثلاثين، الثالث والعشرون: أرجاها ليلة إحدى وعشرين، الرابع والعشرون: ثلاث وعشرين، الخامس والعشرون: سبع وعشرين، السادس والعشرون: تنتقل في جميع رمضان، السابع والعشرون: في النصف الأخير، الثامن والعشرون: في العشر الأخير كله، التاسع والعشرون: في أوتار العشر الأخير، الثلاثون: مثله بزيادة الليلة الأخيرة، الحادي والثلاثون: في السبع الأواخر، وهي الليالي السبع من آخر الشهر، الثاني والثلاثون: أو هي آخر سبع من الشهر، الثالث والثلاثون: منحصرة في السبع الأواخر منه، الرابع والثلاثون: في أشفاع العشر الأوسط والعشر الأخير، الخامس والثلاثون: مبهمة في العشر الأوسط، السادس والثلاثون: أول ليلة أو آخر ليلة، السابع والثلاثون: أول ليلة أو تاسع ليلة أو سابع عشرة أو إحدى وعشرين أو آخر ليلة، الثامن والثلاثون: في سبع أو ثمان من أول النصف الثاني، التاسع والثلاثون: ليلة ست عشرة أو سبع عشرة (١)، الأربعون: ليلة سبع عشرة أو تسع عشرة أو
(١) "أو سبع عشرة" ساقطة من "ت". إحدى وعشرين، الحادي والأربعون: ليلة تسع عشرة أو إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين، الثاني والأربعون: ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين، الثالث والأربعون: ليلة اثنين وعشرين أو ثلاث وعشرين، الرابع والأربعون: ليلة ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين، الخامس والأربعون: الثالثة من العشر الأخير أو الخامسة منه، والله أعلم (١).
* * *
(١) انظر: "الإنصاف" للمرداوي (٣/ ٣٥٥ - ٣٥٦).
البينة 98:1
سورة البينة
مكية على الأشهر، وقيل: مدنية، وآيها: ثماني آيات، وحروفها: أربع مئة وثلاثة أحرف، وكلمها: أربع وتسعون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)﴾.
[١] ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ وهم اليهود والنصارى، وتعطف على ﴿أَهْلِ﴾ ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾ وهم عبدة الأوثان، فـ (الذين) اسم كان، وخبرها ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ أي: زائلين عما هم عليه من الدين.
﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ الحجة الواضحة، وهو محمد - ﷺ -؛ أي: تمسكوا بدينهم إلى أن بُعث - ﷺ -، فدعاهم إلى الإيمان، وأنقذهم من الضلال، وهذه الآية فيمن آمن من الفريقين.
...
﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢)﴾.
[٢] ثم فسر البينة فقال: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو﴾ يقرأ (١) ﴿صُحُفًا﴾ كتبًا
(١) "يقرأ" ساقطة من "ت".
البينة 98:3
﴿مُطَهَّرَةً﴾ من الباطل والكذب، والمراد: يتلو مضمونَ مكتوبِ الصحف، وهو القرآن، لا نفس المكتوب؛ لأنه - ﷺ - كان يتلو عن ظهر قلبه؛ لأنه كان أميًّا، ولما كان تاليًا بلسانه ما في الصحف، فكأنه تلا الصحف.
...
﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾.
[٣] ﴿فِيهَا﴾ أي: في ﴿كُتُبٌ﴾ أي: أحكام مكتوبة ﴿قَيِّمَةٌ﴾ مستقيمة.
...
﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)﴾.
[٤] ثم بين تعالى أن اختلافهم إنما وقع بعد بعثه - ﷺ -، فقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ في أمر محمد - ﷺ - ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي: بعدما رأوا الآيات الواضحة، وكانوا من قبل متفقين على نبوته وصفته، فلما جاء من العرب، حسدوه، واختلفوا في أمره، فآمن بعضهم، وكفر آخرون.
...
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾.
[٥] ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ هؤلاء الكفار ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا﴾ أي: بأن يعبدوا ﴿اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ لا يشركون به شيئًا ﴿حُنَفَاءَ﴾ مستقيمين؛ أي: ما أُمروا في كتابيهما إلا بهذا الوصف، و (مُخْلِصِينَ) و (حُنَفَاءَ) نصب على الحال من ضمير (يَعْبُدُوا).
البينة 98:6
﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ وكون الزكاة مع الصلاة في هذه الآية مع ذكر بني إسرائيل فيها يقوي قول من قال: السورة مدنية؛ لأن الزكاة إنما فرضت بالمدينة.
﴿وَذَلِكَ دِينُ﴾ الملةِ ﴿الْقَيِّمَةِ﴾ أَي: المستقيمة.
...
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾.
[٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يوم القيامة.
﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ والبرية: جميع الخلق؛ لأن الله تعالى برأهم؛ أي: أوجدهم بعد العدم.
...
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾.
[٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ قرأ نافع، وابن ذكوان عن ابن عامر: (الْبَرِيئَةِ) في الحرفين بالهمز والمد على الأصل؛ لأنه من برأ الله الخلق كما تقدم، وقرأ الباقون: بياء مشددة أبدل من الهمزة ياء تخفيفًا، ثم أدغمت في الياء (١).
...
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٢٤)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٦٦٢)، و "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٢٠٨).
البينة 98:8
﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾.
[٨] ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ﴾ أي: سُكْنى جنات ﴿عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ والعدن: الإقامة والدوام، وقال ابن مسعود: "عدن: بطنانُ الجنة"؛ أي: وسطها (١).
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ تأكيدًا للخلود بالتأبيد ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [ورضاه: هو ما أظهره عليهم من أمارات رحمته وغفرانه] (٢) ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ورضاهم: هو الرضا بما قسم لهم من الأرزاق والأقدار.
﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من الجزاء والرضوان ﴿لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ وخص أهل (٣) الخشية بالذكر؛ لأنها رأس كل بركة، تنهى عن المعاصي، وتأمر بالمعروف. قرأ قالون عن نافع بخلاف عنه: (رَبَّهُ) باختلاس ضمة الهاء حالة الوصل بالبسملة، والله أعلم.
* * *
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ٣٣٥)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٤٠٣٣)، والطبري في "تفسيره" (١٠/ ١٨١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ٨٤٠) وغيرهم.
(٢) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".
(٣) "أهل" زيادة من "ت".