حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الماعون 107:1 – الناس 114:6
المحتويات
- الماعون 107:1
- الماعون 107:2
- الماعون 107:3
- الماعون 107:4
- الماعون 107:5
- الماعون 107:6
- الماعون 107:7
- الكوثر 108:1
- الكوثر 108:2
- الكوثر 108:3
- الكافرون 109:1
- الكافرون 109:2
- الكافرون 109:3
- الكافرون 109:4
- الكافرون 109:5
- الكافرون 109:6
- النصر 110:1
- النصر 110:2
- النصر 110:3
- المسد 111:1
- المسد 111:2
- المسد 111:3
- المسد 111:4
- المسد 111:5
- الإخلاص 112:1
- الإخلاص 112:2
- الإخلاص 112:3
- الإخلاص 112:4
- الفلق 113:1
- الفلق 113:2
- الفلق 113:3
- الفلق 113:4
- الفلق 113:5
- الناس 114:1
- الناس 114:2
- الناس 114:3
- الناس 114:4
- الناس 114:5
- الناس 114:6
الماعون 107:1
قوله: (أي هل عرفته) أشار بذلك إلى أن الرؤية بمعنى المعرفة، فتنصب مفعولاً واحداً، وهو الاسم الموصول، وقيل: إن الرؤية بصرية، فتتعدى لمفعول واحد أيضاً، وقيل: إنها بمعنى أخبرني، فتتعدى لاثنين: الأول الموصول، والثاني محذوف تقديره من هو. قوله: (بتقدير هو بعد الفاء) أي فاسم الإشارة خبر لمحذوف تقديره هو، و ﴿ٱلَّذِي﴾ بدل أو عطف بيان على اسم الإشارة، والجملة جواب شرط مقدر قدره المفسر بقوله: (إن لم تعرفه) وقرنت بالفاء لأن الجملة اسمية. قوله: ﴿الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ كأبي جهل كان وصياً على يتيم، فجاء عرياناً يسأله من مال نفسه فدفعه، ويصح حمل الحق على الميراث، لأنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصبيان ويقولون: إنما يجوز المال، من يطعن بالسنان، ويضرب بالحسام، ودعّ بالتشديد من باب رد، وقرئ شذوذاً بالتخفيف أي يدعوه ليستخدمه قهراً. قوله: (أي إطعامه) أشار بذلك إلى أن الحض يتعلق بالمصدر الذي هو فعل الفاعل، لا بالشيء المطعوم. قوله: (نزلت في العاص بن وائل) وقيل: نزلت في أبي جهل وقيل: في عمرو بن عائذ المخزومي، وقيل: في عبد الله بن أبي ابن سلول، وتقدم ذلك. قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿وَيْلٌ﴾ مبتدأ، و ﴿لِّلْمُصَلِّينَ﴾ خبره، والفاء سببية، والمعنى: أن الدعاء عليهم بالويل، متسبب عن هذه الصفات الذميمة، ووضع الظاهر وهو المصلين موضع المضمر لأنهم مع التكذيب، وما أضيف إليه، ساهون عن الصلاة، غير مكترثين بها، وهذا على أن السورة كلها، إما مكي أو مدني، وعلى القول بالتنصيف، فالويل متعلق بالمصلين الموصوفين بكونهم عن صلاتهم ساهون، وما بعده فلا ارتباط له بما قبله، والفاء واقعة في جواب شرط مقدر تقديره: إن أردت معرفة جزاء أهل النفاق في الصلاة وغيرها فويل الخ. قوله: ﴿ٱلَّذِينَ﴾ نعت ﴿لِّلْمُصَلِّينَ﴾ أو بدل بيان، وكذا الموصول بعده. قوله: ﴿عَن صَلاَتِهِمْ﴾ إنما عبر بـ ﴿عَن﴾ دون في، لأن صلاة المؤمن لا تخلو عن السهو فيها، فالمذموم السهو عنها بمعنى تركها والتفريط فيها، لا السهو فيها لوقوعه من الأنبياء. قوله: (يؤخرونها عن أوقاتها) أي ولا يفعلونها بعد ذلك، ووجه تسميتهم مصلين مع أنهم تاركون لها، أنها مفروضة عليهم، فكانت جديرة بأن تضاف لهم، فتحصل أن معنى ﴿سَاهُونَ﴾ تاركون لها رأساً، أو إن حصلت منهم تكون رياء وسمعة، قال ابن عباس: هم المنافقون يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس، ويصلونها في العلانية إذا حضروا، وأما من ترك الصلاة وهو مؤمن موحد، فهو عاص، عليه أن يتوب ويقضيها، فإن مات وهو مصر على تركها فهو تحت المشيئة، وأما إن تاب وشرع في القضاء فمات قبل تمامه، فإنه مغفور له. قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ أصله يرائيون كيقاتلون، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان، حذفت الياء لالتقائمها؛ وضمت الهمزة لمناسبة الواو والمفاعلة، باعتبار أن المرائي يرى الناس عمله وهم برونه الثناء عليه، والفرق بين المنافق والمرائي، أن المنافق يبطن الكفر ويظهر الإيمان، والمرائي يظهر الأعمال مع زيادة الخشوع، ليعتقد فيه من يراه، أنه من أهل الدين والصلاح، أما من يظهر النوافل ليقتدى به، وقلبه خالص مع الله، فليس بمذموم. قوله: (في الصلاة وغيرها) أي كالصدقة ونحوها من أنواع البر. قوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ منع يتعدى لمفعولين، ثانيهما. قوله: ﴿ٱلْمَاعُونَ﴾ أولهما محذوف تقديره الناس حذف للعلم به، و ﴿ٱلْمَاعُونَ﴾ فاعول من المعن، وهو الشيء القليل، يقال: مال معن أي قليل، أو اسم مفعول من أعان يعين؛ فأصله معوون دخله القلب المكاني فصار موعون، تحركت الواو الأول وانفتح ما قبلها، قلبت ألفاً، وهو اسم جامع لنافع البيت، كالقدر والفأس ونحوهما، وعليه درج المفسر، لما روي عن ابن عباس قال: كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية الدلو والقدر، وهذا أحد تفاسير للماعون، وقيل: هو الزكاة، وقيل: هو ما لا يحل منعه، مثل الماء والملح والنار، ويلحق بذلك البئر والتنور، وقيل: هو المعروف كله الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم، ففي هذه الآية زجر عن البخل بهذه الأشياء القليلة الحقيرة، فإن البخل بها في نهاية البخل، قال العلماء: ويستحب أن يستكثر الرجل في بيته ما يحتاج إليه الجيران، فيعيرهم ويتفضل عليهم، ولا يقتصر على الواجب.
الماعون 107:2
قوله: (أي هل عرفته) أشار بذلك إلى أن الرؤية بمعنى المعرفة، فتنصب مفعولاً واحداً، وهو الاسم الموصول، وقيل: إن الرؤية بصرية، فتتعدى لمفعول واحد أيضاً، وقيل: إنها بمعنى أخبرني، فتتعدى لاثنين: الأول الموصول، والثاني محذوف تقديره من هو. قوله: (بتقدير هو بعد الفاء) أي فاسم الإشارة خبر لمحذوف تقديره هو، و ﴿ٱلَّذِي﴾ بدل أو عطف بيان على اسم الإشارة، والجملة جواب شرط مقدر قدره المفسر بقوله: (إن لم تعرفه) وقرنت بالفاء لأن الجملة اسمية. قوله: ﴿الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ كأبي جهل كان وصياً على يتيم، فجاء عرياناً يسأله من مال نفسه فدفعه، ويصح حمل الحق على الميراث، لأنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصبيان ويقولون: إنما يجوز المال، من يطعن بالسنان، ويضرب بالحسام، ودعّ بالتشديد من باب رد، وقرئ شذوذاً بالتخفيف أي يدعوه ليستخدمه قهراً. قوله: (أي إطعامه) أشار بذلك إلى أن الحض يتعلق بالمصدر الذي هو فعل الفاعل، لا بالشيء المطعوم. قوله: (نزلت في العاص بن وائل) وقيل: نزلت في أبي جهل وقيل: في عمرو بن عائذ المخزومي، وقيل: في عبد الله بن أبي ابن سلول، وتقدم ذلك. قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿وَيْلٌ﴾ مبتدأ، و ﴿لِّلْمُصَلِّينَ﴾ خبره، والفاء سببية، والمعنى: أن الدعاء عليهم بالويل، متسبب عن هذه الصفات الذميمة، ووضع الظاهر وهو المصلين موضع المضمر لأنهم مع التكذيب، وما أضيف إليه، ساهون عن الصلاة، غير مكترثين بها، وهذا على أن السورة كلها، إما مكي أو مدني، وعلى القول بالتنصيف، فالويل متعلق بالمصلين الموصوفين بكونهم عن صلاتهم ساهون، وما بعده فلا ارتباط له بما قبله، والفاء واقعة في جواب شرط مقدر تقديره: إن أردت معرفة جزاء أهل النفاق في الصلاة وغيرها فويل الخ. قوله: ﴿ٱلَّذِينَ﴾ نعت ﴿لِّلْمُصَلِّينَ﴾ أو بدل بيان، وكذا الموصول بعده. قوله: ﴿عَن صَلاَتِهِمْ﴾ إنما عبر بـ ﴿عَن﴾ دون في، لأن صلاة المؤمن لا تخلو عن السهو فيها، فالمذموم السهو عنها بمعنى تركها والتفريط فيها، لا السهو فيها لوقوعه من الأنبياء. قوله: (يؤخرونها عن أوقاتها) أي ولا يفعلونها بعد ذلك، ووجه تسميتهم مصلين مع أنهم تاركون لها، أنها مفروضة عليهم، فكانت جديرة بأن تضاف لهم، فتحصل أن معنى ﴿سَاهُونَ﴾ تاركون لها رأساً، أو إن حصلت منهم تكون رياء وسمعة، قال ابن عباس: هم المنافقون يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس، ويصلونها في العلانية إذا حضروا، وأما من ترك الصلاة وهو مؤمن موحد، فهو عاص، عليه أن يتوب ويقضيها، فإن مات وهو مصر على تركها فهو تحت المشيئة، وأما إن تاب وشرع في القضاء فمات قبل تمامه، فإنه مغفور له. قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ أصله يرائيون كيقاتلون، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان، حذفت الياء لالتقائمها؛ وضمت الهمزة لمناسبة الواو والمفاعلة، باعتبار أن المرائي يرى الناس عمله وهم برونه الثناء عليه، والفرق بين المنافق والمرائي، أن المنافق يبطن الكفر ويظهر الإيمان، والمرائي يظهر الأعمال مع زيادة الخشوع، ليعتقد فيه من يراه، أنه من أهل الدين والصلاح، أما من يظهر النوافل ليقتدى به، وقلبه خالص مع الله، فليس بمذموم. قوله: (في الصلاة وغيرها) أي كالصدقة ونحوها من أنواع البر. قوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ منع يتعدى لمفعولين، ثانيهما. قوله: ﴿ٱلْمَاعُونَ﴾ أولهما محذوف تقديره الناس حذف للعلم به، و ﴿ٱلْمَاعُونَ﴾ فاعول من المعن، وهو الشيء القليل، يقال: مال معن أي قليل، أو اسم مفعول من أعان يعين؛ فأصله معوون دخله القلب المكاني فصار موعون، تحركت الواو الأول وانفتح ما قبلها، قلبت ألفاً، وهو اسم جامع لنافع البيت، كالقدر والفأس ونحوهما، وعليه درج المفسر، لما روي عن ابن عباس قال: كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية الدلو والقدر، وهذا أحد تفاسير للماعون، وقيل: هو الزكاة، وقيل: هو ما لا يحل منعه، مثل الماء والملح والنار، ويلحق بذلك البئر والتنور، وقيل: هو المعروف كله الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم، ففي هذه الآية زجر عن البخل بهذه الأشياء القليلة الحقيرة، فإن البخل بها في نهاية البخل، قال العلماء: ويستحب أن يستكثر الرجل في بيته ما يحتاج إليه الجيران، فيعيرهم ويتفضل عليهم، ولا يقتصر على الواجب.
الماعون 107:3
قوله: (أي هل عرفته) أشار بذلك إلى أن الرؤية بمعنى المعرفة، فتنصب مفعولاً واحداً، وهو الاسم الموصول، وقيل: إن الرؤية بصرية، فتتعدى لمفعول واحد أيضاً، وقيل: إنها بمعنى أخبرني، فتتعدى لاثنين: الأول الموصول، والثاني محذوف تقديره من هو. قوله: (بتقدير هو بعد الفاء) أي فاسم الإشارة خبر لمحذوف تقديره هو، و ﴿ٱلَّذِي﴾ بدل أو عطف بيان على اسم الإشارة، والجملة جواب شرط مقدر قدره المفسر بقوله: (إن لم تعرفه) وقرنت بالفاء لأن الجملة اسمية. قوله: ﴿الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ كأبي جهل كان وصياً على يتيم، فجاء عرياناً يسأله من مال نفسه فدفعه، ويصح حمل الحق على الميراث، لأنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصبيان ويقولون: إنما يجوز المال، من يطعن بالسنان، ويضرب بالحسام، ودعّ بالتشديد من باب رد، وقرئ شذوذاً بالتخفيف أي يدعوه ليستخدمه قهراً. قوله: (أي إطعامه) أشار بذلك إلى أن الحض يتعلق بالمصدر الذي هو فعل الفاعل، لا بالشيء المطعوم. قوله: (نزلت في العاص بن وائل) وقيل: نزلت في أبي جهل وقيل: في عمرو بن عائذ المخزومي، وقيل: في عبد الله بن أبي ابن سلول، وتقدم ذلك. قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿وَيْلٌ﴾ مبتدأ، و ﴿لِّلْمُصَلِّينَ﴾ خبره، والفاء سببية، والمعنى: أن الدعاء عليهم بالويل، متسبب عن هذه الصفات الذميمة، ووضع الظاهر وهو المصلين موضع المضمر لأنهم مع التكذيب، وما أضيف إليه، ساهون عن الصلاة، غير مكترثين بها، وهذا على أن السورة كلها، إما مكي أو مدني، وعلى القول بالتنصيف، فالويل متعلق بالمصلين الموصوفين بكونهم عن صلاتهم ساهون، وما بعده فلا ارتباط له بما قبله، والفاء واقعة في جواب شرط مقدر تقديره: إن أردت معرفة جزاء أهل النفاق في الصلاة وغيرها فويل الخ. قوله: ﴿ٱلَّذِينَ﴾ نعت ﴿لِّلْمُصَلِّينَ﴾ أو بدل بيان، وكذا الموصول بعده. قوله: ﴿عَن صَلاَتِهِمْ﴾ إنما عبر بـ ﴿عَن﴾ دون في، لأن صلاة المؤمن لا تخلو عن السهو فيها، فالمذموم السهو عنها بمعنى تركها والتفريط فيها، لا السهو فيها لوقوعه من الأنبياء. قوله: (يؤخرونها عن أوقاتها) أي ولا يفعلونها بعد ذلك، ووجه تسميتهم مصلين مع أنهم تاركون لها، أنها مفروضة عليهم، فكانت جديرة بأن تضاف لهم، فتحصل أن معنى ﴿سَاهُونَ﴾ تاركون لها رأساً، أو إن حصلت منهم تكون رياء وسمعة، قال ابن عباس: هم المنافقون يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس، ويصلونها في العلانية إذا حضروا، وأما من ترك الصلاة وهو مؤمن موحد، فهو عاص، عليه أن يتوب ويقضيها، فإن مات وهو مصر على تركها فهو تحت المشيئة، وأما إن تاب وشرع في القضاء فمات قبل تمامه، فإنه مغفور له. قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ أصله يرائيون كيقاتلون، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان، حذفت الياء لالتقائمها؛ وضمت الهمزة لمناسبة الواو والمفاعلة، باعتبار أن المرائي يرى الناس عمله وهم برونه الثناء عليه، والفرق بين المنافق والمرائي، أن المنافق يبطن الكفر ويظهر الإيمان، والمرائي يظهر الأعمال مع زيادة الخشوع، ليعتقد فيه من يراه، أنه من أهل الدين والصلاح، أما من يظهر النوافل ليقتدى به، وقلبه خالص مع الله، فليس بمذموم. قوله: (في الصلاة وغيرها) أي كالصدقة ونحوها من أنواع البر. قوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ منع يتعدى لمفعولين، ثانيهما. قوله: ﴿ٱلْمَاعُونَ﴾ أولهما محذوف تقديره الناس حذف للعلم به، و ﴿ٱلْمَاعُونَ﴾ فاعول من المعن، وهو الشيء القليل، يقال: مال معن أي قليل، أو اسم مفعول من أعان يعين؛ فأصله معوون دخله القلب المكاني فصار موعون، تحركت الواو الأول وانفتح ما قبلها، قلبت ألفاً، وهو اسم جامع لنافع البيت، كالقدر والفأس ونحوهما، وعليه درج المفسر، لما روي عن ابن عباس قال: كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية الدلو والقدر، وهذا أحد تفاسير للماعون، وقيل: هو الزكاة، وقيل: هو ما لا يحل منعه، مثل الماء والملح والنار، ويلحق بذلك البئر والتنور، وقيل: هو المعروف كله الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم، ففي هذه الآية زجر عن البخل بهذه الأشياء القليلة الحقيرة، فإن البخل بها في نهاية البخل، قال العلماء: ويستحب أن يستكثر الرجل في بيته ما يحتاج إليه الجيران، فيعيرهم ويتفضل عليهم، ولا يقتصر على الواجب.
الماعون 107:4
قوله: (أي هل عرفته) أشار بذلك إلى أن الرؤية بمعنى المعرفة، فتنصب مفعولاً واحداً، وهو الاسم الموصول، وقيل: إن الرؤية بصرية، فتتعدى لمفعول واحد أيضاً، وقيل: إنها بمعنى أخبرني، فتتعدى لاثنين: الأول الموصول، والثاني محذوف تقديره من هو. قوله: (بتقدير هو بعد الفاء) أي فاسم الإشارة خبر لمحذوف تقديره هو، و ﴿ٱلَّذِي﴾ بدل أو عطف بيان على اسم الإشارة، والجملة جواب شرط مقدر قدره المفسر بقوله: (إن لم تعرفه) وقرنت بالفاء لأن الجملة اسمية. قوله: ﴿الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ كأبي جهل كان وصياً على يتيم، فجاء عرياناً يسأله من مال نفسه فدفعه، ويصح حمل الحق على الميراث، لأنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصبيان ويقولون: إنما يجوز المال، من يطعن بالسنان، ويضرب بالحسام، ودعّ بالتشديد من باب رد، وقرئ شذوذاً بالتخفيف أي يدعوه ليستخدمه قهراً. قوله: (أي إطعامه) أشار بذلك إلى أن الحض يتعلق بالمصدر الذي هو فعل الفاعل، لا بالشيء المطعوم. قوله: (نزلت في العاص بن وائل) وقيل: نزلت في أبي جهل وقيل: في عمرو بن عائذ المخزومي، وقيل: في عبد الله بن أبي ابن سلول، وتقدم ذلك. قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿وَيْلٌ﴾ مبتدأ، و ﴿لِّلْمُصَلِّينَ﴾ خبره، والفاء سببية، والمعنى: أن الدعاء عليهم بالويل، متسبب عن هذه الصفات الذميمة، ووضع الظاهر وهو المصلين موضع المضمر لأنهم مع التكذيب، وما أضيف إليه، ساهون عن الصلاة، غير مكترثين بها، وهذا على أن السورة كلها، إما مكي أو مدني، وعلى القول بالتنصيف، فالويل متعلق بالمصلين الموصوفين بكونهم عن صلاتهم ساهون، وما بعده فلا ارتباط له بما قبله، والفاء واقعة في جواب شرط مقدر تقديره: إن أردت معرفة جزاء أهل النفاق في الصلاة وغيرها فويل الخ. قوله: ﴿ٱلَّذِينَ﴾ نعت ﴿لِّلْمُصَلِّينَ﴾ أو بدل بيان، وكذا الموصول بعده. قوله: ﴿عَن صَلاَتِهِمْ﴾ إنما عبر بـ ﴿عَن﴾ دون في، لأن صلاة المؤمن لا تخلو عن السهو فيها، فالمذموم السهو عنها بمعنى تركها والتفريط فيها، لا السهو فيها لوقوعه من الأنبياء. قوله: (يؤخرونها عن أوقاتها) أي ولا يفعلونها بعد ذلك، ووجه تسميتهم مصلين مع أنهم تاركون لها، أنها مفروضة عليهم، فكانت جديرة بأن تضاف لهم، فتحصل أن معنى ﴿سَاهُونَ﴾ تاركون لها رأساً، أو إن حصلت منهم تكون رياء وسمعة، قال ابن عباس: هم المنافقون يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس، ويصلونها في العلانية إذا حضروا، وأما من ترك الصلاة وهو مؤمن موحد، فهو عاص، عليه أن يتوب ويقضيها، فإن مات وهو مصر على تركها فهو تحت المشيئة، وأما إن تاب وشرع في القضاء فمات قبل تمامه، فإنه مغفور له. قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ أصله يرائيون كيقاتلون، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان، حذفت الياء لالتقائمها؛ وضمت الهمزة لمناسبة الواو والمفاعلة، باعتبار أن المرائي يرى الناس عمله وهم برونه الثناء عليه، والفرق بين المنافق والمرائي، أن المنافق يبطن الكفر ويظهر الإيمان، والمرائي يظهر الأعمال مع زيادة الخشوع، ليعتقد فيه من يراه، أنه من أهل الدين والصلاح، أما من يظهر النوافل ليقتدى به، وقلبه خالص مع الله، فليس بمذموم. قوله: (في الصلاة وغيرها) أي كالصدقة ونحوها من أنواع البر. قوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ منع يتعدى لمفعولين، ثانيهما. قوله: ﴿ٱلْمَاعُونَ﴾ أولهما محذوف تقديره الناس حذف للعلم به، و ﴿ٱلْمَاعُونَ﴾ فاعول من المعن، وهو الشيء القليل، يقال: مال معن أي قليل، أو اسم مفعول من أعان يعين؛ فأصله معوون دخله القلب المكاني فصار موعون، تحركت الواو الأول وانفتح ما قبلها، قلبت ألفاً، وهو اسم جامع لنافع البيت، كالقدر والفأس ونحوهما، وعليه درج المفسر، لما روي عن ابن عباس قال: كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية الدلو والقدر، وهذا أحد تفاسير للماعون، وقيل: هو الزكاة، وقيل: هو ما لا يحل منعه، مثل الماء والملح والنار، ويلحق بذلك البئر والتنور، وقيل: هو المعروف كله الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم، ففي هذه الآية زجر عن البخل بهذه الأشياء القليلة الحقيرة، فإن البخل بها في نهاية البخل، قال العلماء: ويستحب أن يستكثر الرجل في بيته ما يحتاج إليه الجيران، فيعيرهم ويتفضل عليهم، ولا يقتصر على الواجب.
الماعون 107:5
قوله: (أي هل عرفته) أشار بذلك إلى أن الرؤية بمعنى المعرفة، فتنصب مفعولاً واحداً، وهو الاسم الموصول، وقيل: إن الرؤية بصرية، فتتعدى لمفعول واحد أيضاً، وقيل: إنها بمعنى أخبرني، فتتعدى لاثنين: الأول الموصول، والثاني محذوف تقديره من هو. قوله: (بتقدير هو بعد الفاء) أي فاسم الإشارة خبر لمحذوف تقديره هو، و ﴿ٱلَّذِي﴾ بدل أو عطف بيان على اسم الإشارة، والجملة جواب شرط مقدر قدره المفسر بقوله: (إن لم تعرفه) وقرنت بالفاء لأن الجملة اسمية. قوله: ﴿الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ كأبي جهل كان وصياً على يتيم، فجاء عرياناً يسأله من مال نفسه فدفعه، ويصح حمل الحق على الميراث، لأنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصبيان ويقولون: إنما يجوز المال، من يطعن بالسنان، ويضرب بالحسام، ودعّ بالتشديد من باب رد، وقرئ شذوذاً بالتخفيف أي يدعوه ليستخدمه قهراً. قوله: (أي إطعامه) أشار بذلك إلى أن الحض يتعلق بالمصدر الذي هو فعل الفاعل، لا بالشيء المطعوم. قوله: (نزلت في العاص بن وائل) وقيل: نزلت في أبي جهل وقيل: في عمرو بن عائذ المخزومي، وقيل: في عبد الله بن أبي ابن سلول، وتقدم ذلك. قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿وَيْلٌ﴾ مبتدأ، و ﴿لِّلْمُصَلِّينَ﴾ خبره، والفاء سببية، والمعنى: أن الدعاء عليهم بالويل، متسبب عن هذه الصفات الذميمة، ووضع الظاهر وهو المصلين موضع المضمر لأنهم مع التكذيب، وما أضيف إليه، ساهون عن الصلاة، غير مكترثين بها، وهذا على أن السورة كلها، إما مكي أو مدني، وعلى القول بالتنصيف، فالويل متعلق بالمصلين الموصوفين بكونهم عن صلاتهم ساهون، وما بعده فلا ارتباط له بما قبله، والفاء واقعة في جواب شرط مقدر تقديره: إن أردت معرفة جزاء أهل النفاق في الصلاة وغيرها فويل الخ. قوله: ﴿ٱلَّذِينَ﴾ نعت ﴿لِّلْمُصَلِّينَ﴾ أو بدل بيان، وكذا الموصول بعده. قوله: ﴿عَن صَلاَتِهِمْ﴾ إنما عبر بـ ﴿عَن﴾ دون في، لأن صلاة المؤمن لا تخلو عن السهو فيها، فالمذموم السهو عنها بمعنى تركها والتفريط فيها، لا السهو فيها لوقوعه من الأنبياء. قوله: (يؤخرونها عن أوقاتها) أي ولا يفعلونها بعد ذلك، ووجه تسميتهم مصلين مع أنهم تاركون لها، أنها مفروضة عليهم، فكانت جديرة بأن تضاف لهم، فتحصل أن معنى ﴿سَاهُونَ﴾ تاركون لها رأساً، أو إن حصلت منهم تكون رياء وسمعة، قال ابن عباس: هم المنافقون يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس، ويصلونها في العلانية إذا حضروا، وأما من ترك الصلاة وهو مؤمن موحد، فهو عاص، عليه أن يتوب ويقضيها، فإن مات وهو مصر على تركها فهو تحت المشيئة، وأما إن تاب وشرع في القضاء فمات قبل تمامه، فإنه مغفور له. قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ أصله يرائيون كيقاتلون، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان، حذفت الياء لالتقائمها؛ وضمت الهمزة لمناسبة الواو والمفاعلة، باعتبار أن المرائي يرى الناس عمله وهم برونه الثناء عليه، والفرق بين المنافق والمرائي، أن المنافق يبطن الكفر ويظهر الإيمان، والمرائي يظهر الأعمال مع زيادة الخشوع، ليعتقد فيه من يراه، أنه من أهل الدين والصلاح، أما من يظهر النوافل ليقتدى به، وقلبه خالص مع الله، فليس بمذموم. قوله: (في الصلاة وغيرها) أي كالصدقة ونحوها من أنواع البر. قوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ منع يتعدى لمفعولين، ثانيهما. قوله: ﴿ٱلْمَاعُونَ﴾ أولهما محذوف تقديره الناس حذف للعلم به، و ﴿ٱلْمَاعُونَ﴾ فاعول من المعن، وهو الشيء القليل، يقال: مال معن أي قليل، أو اسم مفعول من أعان يعين؛ فأصله معوون دخله القلب المكاني فصار موعون، تحركت الواو الأول وانفتح ما قبلها، قلبت ألفاً، وهو اسم جامع لنافع البيت، كالقدر والفأس ونحوهما، وعليه درج المفسر، لما روي عن ابن عباس قال: كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية الدلو والقدر، وهذا أحد تفاسير للماعون، وقيل: هو الزكاة، وقيل: هو ما لا يحل منعه، مثل الماء والملح والنار، ويلحق بذلك البئر والتنور، وقيل: هو المعروف كله الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم، ففي هذه الآية زجر عن البخل بهذه الأشياء القليلة الحقيرة، فإن البخل بها في نهاية البخل، قال العلماء: ويستحب أن يستكثر الرجل في بيته ما يحتاج إليه الجيران، فيعيرهم ويتفضل عليهم، ولا يقتصر على الواجب.
الماعون 107:6
قوله: (أي هل عرفته) أشار بذلك إلى أن الرؤية بمعنى المعرفة، فتنصب مفعولاً واحداً، وهو الاسم الموصول، وقيل: إن الرؤية بصرية، فتتعدى لمفعول واحد أيضاً، وقيل: إنها بمعنى أخبرني، فتتعدى لاثنين: الأول الموصول، والثاني محذوف تقديره من هو. قوله: (بتقدير هو بعد الفاء) أي فاسم الإشارة خبر لمحذوف تقديره هو، و ﴿ٱلَّذِي﴾ بدل أو عطف بيان على اسم الإشارة، والجملة جواب شرط مقدر قدره المفسر بقوله: (إن لم تعرفه) وقرنت بالفاء لأن الجملة اسمية. قوله: ﴿الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ كأبي جهل كان وصياً على يتيم، فجاء عرياناً يسأله من مال نفسه فدفعه، ويصح حمل الحق على الميراث، لأنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصبيان ويقولون: إنما يجوز المال، من يطعن بالسنان، ويضرب بالحسام، ودعّ بالتشديد من باب رد، وقرئ شذوذاً بالتخفيف أي يدعوه ليستخدمه قهراً. قوله: (أي إطعامه) أشار بذلك إلى أن الحض يتعلق بالمصدر الذي هو فعل الفاعل، لا بالشيء المطعوم. قوله: (نزلت في العاص بن وائل) وقيل: نزلت في أبي جهل وقيل: في عمرو بن عائذ المخزومي، وقيل: في عبد الله بن أبي ابن سلول، وتقدم ذلك. قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿وَيْلٌ﴾ مبتدأ، و ﴿لِّلْمُصَلِّينَ﴾ خبره، والفاء سببية، والمعنى: أن الدعاء عليهم بالويل، متسبب عن هذه الصفات الذميمة، ووضع الظاهر وهو المصلين موضع المضمر لأنهم مع التكذيب، وما أضيف إليه، ساهون عن الصلاة، غير مكترثين بها، وهذا على أن السورة كلها، إما مكي أو مدني، وعلى القول بالتنصيف، فالويل متعلق بالمصلين الموصوفين بكونهم عن صلاتهم ساهون، وما بعده فلا ارتباط له بما قبله، والفاء واقعة في جواب شرط مقدر تقديره: إن أردت معرفة جزاء أهل النفاق في الصلاة وغيرها فويل الخ. قوله: ﴿ٱلَّذِينَ﴾ نعت ﴿لِّلْمُصَلِّينَ﴾ أو بدل بيان، وكذا الموصول بعده. قوله: ﴿عَن صَلاَتِهِمْ﴾ إنما عبر بـ ﴿عَن﴾ دون في، لأن صلاة المؤمن لا تخلو عن السهو فيها، فالمذموم السهو عنها بمعنى تركها والتفريط فيها، لا السهو فيها لوقوعه من الأنبياء. قوله: (يؤخرونها عن أوقاتها) أي ولا يفعلونها بعد ذلك، ووجه تسميتهم مصلين مع أنهم تاركون لها، أنها مفروضة عليهم، فكانت جديرة بأن تضاف لهم، فتحصل أن معنى ﴿سَاهُونَ﴾ تاركون لها رأساً، أو إن حصلت منهم تكون رياء وسمعة، قال ابن عباس: هم المنافقون يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس، ويصلونها في العلانية إذا حضروا، وأما من ترك الصلاة وهو مؤمن موحد، فهو عاص، عليه أن يتوب ويقضيها، فإن مات وهو مصر على تركها فهو تحت المشيئة، وأما إن تاب وشرع في القضاء فمات قبل تمامه، فإنه مغفور له. قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ أصله يرائيون كيقاتلون، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان، حذفت الياء لالتقائمها؛ وضمت الهمزة لمناسبة الواو والمفاعلة، باعتبار أن المرائي يرى الناس عمله وهم برونه الثناء عليه، والفرق بين المنافق والمرائي، أن المنافق يبطن الكفر ويظهر الإيمان، والمرائي يظهر الأعمال مع زيادة الخشوع، ليعتقد فيه من يراه، أنه من أهل الدين والصلاح، أما من يظهر النوافل ليقتدى به، وقلبه خالص مع الله، فليس بمذموم. قوله: (في الصلاة وغيرها) أي كالصدقة ونحوها من أنواع البر. قوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ منع يتعدى لمفعولين، ثانيهما. قوله: ﴿ٱلْمَاعُونَ﴾ أولهما محذوف تقديره الناس حذف للعلم به، و ﴿ٱلْمَاعُونَ﴾ فاعول من المعن، وهو الشيء القليل، يقال: مال معن أي قليل، أو اسم مفعول من أعان يعين؛ فأصله معوون دخله القلب المكاني فصار موعون، تحركت الواو الأول وانفتح ما قبلها، قلبت ألفاً، وهو اسم جامع لنافع البيت، كالقدر والفأس ونحوهما، وعليه درج المفسر، لما روي عن ابن عباس قال: كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية الدلو والقدر، وهذا أحد تفاسير للماعون، وقيل: هو الزكاة، وقيل: هو ما لا يحل منعه، مثل الماء والملح والنار، ويلحق بذلك البئر والتنور، وقيل: هو المعروف كله الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم، ففي هذه الآية زجر عن البخل بهذه الأشياء القليلة الحقيرة، فإن البخل بها في نهاية البخل، قال العلماء: ويستحب أن يستكثر الرجل في بيته ما يحتاج إليه الجيران، فيعيرهم ويتفضل عليهم، ولا يقتصر على الواجب.
الماعون 107:7
قوله: (أي هل عرفته) أشار بذلك إلى أن الرؤية بمعنى المعرفة، فتنصب مفعولاً واحداً، وهو الاسم الموصول، وقيل: إن الرؤية بصرية، فتتعدى لمفعول واحد أيضاً، وقيل: إنها بمعنى أخبرني، فتتعدى لاثنين: الأول الموصول، والثاني محذوف تقديره من هو. قوله: (بتقدير هو بعد الفاء) أي فاسم الإشارة خبر لمحذوف تقديره هو، و ﴿ٱلَّذِي﴾ بدل أو عطف بيان على اسم الإشارة، والجملة جواب شرط مقدر قدره المفسر بقوله: (إن لم تعرفه) وقرنت بالفاء لأن الجملة اسمية. قوله: ﴿الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ كأبي جهل كان وصياً على يتيم، فجاء عرياناً يسأله من مال نفسه فدفعه، ويصح حمل الحق على الميراث، لأنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصبيان ويقولون: إنما يجوز المال، من يطعن بالسنان، ويضرب بالحسام، ودعّ بالتشديد من باب رد، وقرئ شذوذاً بالتخفيف أي يدعوه ليستخدمه قهراً. قوله: (أي إطعامه) أشار بذلك إلى أن الحض يتعلق بالمصدر الذي هو فعل الفاعل، لا بالشيء المطعوم. قوله: (نزلت في العاص بن وائل) وقيل: نزلت في أبي جهل وقيل: في عمرو بن عائذ المخزومي، وقيل: في عبد الله بن أبي ابن سلول، وتقدم ذلك. قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿وَيْلٌ﴾ مبتدأ، و ﴿لِّلْمُصَلِّينَ﴾ خبره، والفاء سببية، والمعنى: أن الدعاء عليهم بالويل، متسبب عن هذه الصفات الذميمة، ووضع الظاهر وهو المصلين موضع المضمر لأنهم مع التكذيب، وما أضيف إليه، ساهون عن الصلاة، غير مكترثين بها، وهذا على أن السورة كلها، إما مكي أو مدني، وعلى القول بالتنصيف، فالويل متعلق بالمصلين الموصوفين بكونهم عن صلاتهم ساهون، وما بعده فلا ارتباط له بما قبله، والفاء واقعة في جواب شرط مقدر تقديره: إن أردت معرفة جزاء أهل النفاق في الصلاة وغيرها فويل الخ. قوله: ﴿ٱلَّذِينَ﴾ نعت ﴿لِّلْمُصَلِّينَ﴾ أو بدل بيان، وكذا الموصول بعده. قوله: ﴿عَن صَلاَتِهِمْ﴾ إنما عبر بـ ﴿عَن﴾ دون في، لأن صلاة المؤمن لا تخلو عن السهو فيها، فالمذموم السهو عنها بمعنى تركها والتفريط فيها، لا السهو فيها لوقوعه من الأنبياء. قوله: (يؤخرونها عن أوقاتها) أي ولا يفعلونها بعد ذلك، ووجه تسميتهم مصلين مع أنهم تاركون لها، أنها مفروضة عليهم، فكانت جديرة بأن تضاف لهم، فتحصل أن معنى ﴿سَاهُونَ﴾ تاركون لها رأساً، أو إن حصلت منهم تكون رياء وسمعة، قال ابن عباس: هم المنافقون يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس، ويصلونها في العلانية إذا حضروا، وأما من ترك الصلاة وهو مؤمن موحد، فهو عاص، عليه أن يتوب ويقضيها، فإن مات وهو مصر على تركها فهو تحت المشيئة، وأما إن تاب وشرع في القضاء فمات قبل تمامه، فإنه مغفور له. قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ أصله يرائيون كيقاتلون، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان، حذفت الياء لالتقائمها؛ وضمت الهمزة لمناسبة الواو والمفاعلة، باعتبار أن المرائي يرى الناس عمله وهم برونه الثناء عليه، والفرق بين المنافق والمرائي، أن المنافق يبطن الكفر ويظهر الإيمان، والمرائي يظهر الأعمال مع زيادة الخشوع، ليعتقد فيه من يراه، أنه من أهل الدين والصلاح، أما من يظهر النوافل ليقتدى به، وقلبه خالص مع الله، فليس بمذموم. قوله: (في الصلاة وغيرها) أي كالصدقة ونحوها من أنواع البر. قوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ منع يتعدى لمفعولين، ثانيهما. قوله: ﴿ٱلْمَاعُونَ﴾ أولهما محذوف تقديره الناس حذف للعلم به، و ﴿ٱلْمَاعُونَ﴾ فاعول من المعن، وهو الشيء القليل، يقال: مال معن أي قليل، أو اسم مفعول من أعان يعين؛ فأصله معوون دخله القلب المكاني فصار موعون، تحركت الواو الأول وانفتح ما قبلها، قلبت ألفاً، وهو اسم جامع لنافع البيت، كالقدر والفأس ونحوهما، وعليه درج المفسر، لما روي عن ابن عباس قال: كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية الدلو والقدر، وهذا أحد تفاسير للماعون، وقيل: هو الزكاة، وقيل: هو ما لا يحل منعه، مثل الماء والملح والنار، ويلحق بذلك البئر والتنور، وقيل: هو المعروف كله الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم، ففي هذه الآية زجر عن البخل بهذه الأشياء القليلة الحقيرة، فإن البخل بها في نهاية البخل، قال العلماء: ويستحب أن يستكثر الرجل في بيته ما يحتاج إليه الجيران، فيعيرهم ويتفضل عليهم، ولا يقتصر على الواجب.
الكوثر 108:1
قوله: ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ﴾ أي إن بجلالنا وعظمة قدسنا، فالإيتان بإن ونون العظمة للتأكيد ولزيادة تشريفه صلى الله عليه وسلم، والمعنى: قضينا به لك، وخصصناك به وأنجزناه لك في علمنا وتقديرنا الأزلي، وإن لم تستول عليه وتتصرف فيه إلا في القيامة، فالعطاء ناجز، والتمكن والاستيلاء مستقبل. إن قلت: إنه عبر هنا بالماضي، وفي الضحى بالمضارع حيث قال:﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ ﴾[الضحى: ٥] فكيف الجمع بينها؟ أجيب: بأن ما في الضحى باعتبار التمكن والاستيلاء، وذلك يحصل في المستقبل في يوم القيامة، وما هنا باعتبار التقدير الأزلي. قوله: ﴿ٱلْكَوْثَرَ﴾ فوعل من الكثرة، وصف مبالغة في المبالغ في الكثرة. قوله: (هو نهر في الجنة) ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم:" الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من الذهب، مجراه من الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج ". قوله: (هو حوضه) الصواب أن يقول: أو هو حوضه، لأنهما قولان مذكوران في التفاسير من جملة ستة عشر قولاً، ويدل لهذا الثاني قول أنس:" بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسماً؛ فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت علي آنفاً سورة فقرأ ﴿بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ﴾ ثم قال: أتدرون ما الكوثر. قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: " فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل، عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد نجوم السماء، فيختلج العبد منهم فأقول: يا رب أنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك ". وورد في صفة الحوض أحاديث منها قوله صلى الله عليه وسلم:" حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه لم يضمأ أبداً "زاد في رواية:" وزواياه سواء ". ومنها غير ذلك. الثالث: أنه النبوة. الرابع: القرآن. الخامس: الإسلام. السادس: تيسير القرآن وتخفيف الشريعة. السابع: كثيرة الأصحاب والأمة والأتباع. الثامن: رفعة الذكر. التاسع: نور في قلبك دلك علي وقطعك عما سواي. العاشر: الشفاعة. الحادي عشر: المعجزات. الثاني عشر: لا إله إلا الله محمد رسول الله. الثالث عشر: الفقه في الدين. الرابعة عشر: الصلوات الخمس. الخامس عشر: العظيم من الأمر. السادس عشر: الخير الكثير الدنيوي والأخروي. ولك من هذه الأقوال تحقق به رسول الله صلى الله عليه وسلم وفوق ذلك مما يعلم غايته إلا الله تعالى. وزاد بعضهم فوق تلك الأقوال: إنه الذرية الكثيرة المباركة، وقد حقق الله ذلك، فلا تجد ذرية لأحد من الخلق مثل ذرية المصطفى صلى الله عليه وسلم في الكثرة ولا في البركة إلى يوم القيامة، اختلف في الحوض، هل هو بعد الصراط أو قبله. وهل هو بعد الميزان أو قبله. والصحيح أنه قبلهما، لأن الناس يخرجون من قبورهم عطاشاً، فيشربون منه شربة لا يظمؤون بعدها أبداً. روي عن ابن عباس أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوقوف بين يدي رب العالمين، هل فيه ماء. قال:" أي والذي نفسي بيده، إن فيه لماء، وإن أولياء الله ليردون حياض الأنبياء، ويبعث الله تعالى سبعين ألف مالك بأيديهم عصي من نار، يذودون الكفار عن حياض الأنبياء "وهذا الطرد لا يكون بعد الصراط، لأنه لا يسلم من الصراط إلا المؤمنين، فلا وجود للكافر هناك حتى يذادوا لسقوطهم في جهنم قبل ذلك. قوله: (ونحوها) أي من الحكمة وكثرة الأتباع والأمة وغير ذلك. قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ كان مقتضى الظاهر أن يقول: فصل لنا، فانتقل إلى الاسم الظاهر، لأنه لا يوجب عظمة ومهابة. قوله: (صلاة عيد النحر) هو قول عكرمة وعطاء وقتادة، وهو يؤيد كون السورة مدنية، وقال سعيد بن جبير ومجاهد: فصل الصلاة المفروضة بجمع مزدلفة، وانحر البدن بمنى، وقيل: هو أمر بكل صلاة مفروضة أن نافلة، وهو يؤكد كونها مكية. قوله: ﴿وَٱنْحَرْ﴾ أي هداياك وضحاياك، وهو في الإبل بمنزلة الذبح في البقر والغنم، فقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم نحر من خالص ماله في حجة الوداع صبيحة منى مائة بدنة، سبعين بيده الكريمة، وثلاثين بيد علي رضي الله عنه، وخص الصلاة والنحر بالذكر. لأن الصلاة مجمع العبادات وعماد الدين، والنحر فيه إطعام الطعام، ولا شك أنه قيام بحقوق العباد، ففي تلكما الخصلتين القيام بحقوق الله وحقوق عباده. قوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾ اسم فاعل شنئ من بابي سمع ومنع، شنأ بفتح النون وسكونها. قوله: ﴿هُوَ ٱلأَبْتَرُ﴾ يصح أن يكون هو مبتدأ، و ﴿ٱلأَبْتَرُ﴾ خبره، والجملة خبر ﴿إِنَّ﴾ ويصح أن يكون ضمير فصل، و ﴿ٱلأَبْتَرُ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ و ﴿ٱلأَبْتَرُ﴾ في الأصل، الشيء المقطوع من بتره قطعه، وحمار أبتر لا ذنب له. قوله: (أو المنقطع العقب) أي النسل. قوله: (سمى النبي صلى الله عليه وسلم أبتر) أي حيث قال: بتر محمد، فليس له من يقوم بأمره من بعده، فلما قال تلك المقالة، نزلت السورة تسلية وتبشيراً له صلى الله عليه وسلم. قوله: (عند موت ابنه القاسم) هو أول أولاده صلى الله عليه وسلم عاش سنتين وقيل سبعة عشر شهراً، وقيل: بلغ ركوب الدابة، ومات قبل البعثة وقيل بعدها، وهو أول من مات من أولاده وهم سبعة: القاسم وعبد الله الملقب بالطيب والطاهر وإبراهيم وزينب ورقية وفاطمة وأم كلثوم، وكلهم من خديجة، إلا إبراهيم فمن مارية القبطية، وماتوا جميعاً في حياته، إلا فاطمة فعاشت بعده زمناً يسيراً وماتت رضوان الله عليهم أجمعين، وذريته صلى الله عليه وسلم الباقية إلى يوم القيامة من نسلها.
الكوثر 108:2
قوله: ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ﴾ أي إن بجلالنا وعظمة قدسنا، فالإيتان بإن ونون العظمة للتأكيد ولزيادة تشريفه صلى الله عليه وسلم، والمعنى: قضينا به لك، وخصصناك به وأنجزناه لك في علمنا وتقديرنا الأزلي، وإن لم تستول عليه وتتصرف فيه إلا في القيامة، فالعطاء ناجز، والتمكن والاستيلاء مستقبل. إن قلت: إنه عبر هنا بالماضي، وفي الضحى بالمضارع حيث قال:﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ ﴾[الضحى: ٥] فكيف الجمع بينها؟ أجيب: بأن ما في الضحى باعتبار التمكن والاستيلاء، وذلك يحصل في المستقبل في يوم القيامة، وما هنا باعتبار التقدير الأزلي. قوله: ﴿ٱلْكَوْثَرَ﴾ فوعل من الكثرة، وصف مبالغة في المبالغ في الكثرة. قوله: (هو نهر في الجنة) ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم:" الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من الذهب، مجراه من الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج ". قوله: (هو حوضه) الصواب أن يقول: أو هو حوضه، لأنهما قولان مذكوران في التفاسير من جملة ستة عشر قولاً، ويدل لهذا الثاني قول أنس:" بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسماً؛ فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت علي آنفاً سورة فقرأ ﴿بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ﴾ ثم قال: أتدرون ما الكوثر. قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: " فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل، عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد نجوم السماء، فيختلج العبد منهم فأقول: يا رب أنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك ". وورد في صفة الحوض أحاديث منها قوله صلى الله عليه وسلم:" حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه لم يضمأ أبداً "زاد في رواية:" وزواياه سواء ". ومنها غير ذلك. الثالث: أنه النبوة. الرابع: القرآن. الخامس: الإسلام. السادس: تيسير القرآن وتخفيف الشريعة. السابع: كثيرة الأصحاب والأمة والأتباع. الثامن: رفعة الذكر. التاسع: نور في قلبك دلك علي وقطعك عما سواي. العاشر: الشفاعة. الحادي عشر: المعجزات. الثاني عشر: لا إله إلا الله محمد رسول الله. الثالث عشر: الفقه في الدين. الرابعة عشر: الصلوات الخمس. الخامس عشر: العظيم من الأمر. السادس عشر: الخير الكثير الدنيوي والأخروي. ولك من هذه الأقوال تحقق به رسول الله صلى الله عليه وسلم وفوق ذلك مما يعلم غايته إلا الله تعالى. وزاد بعضهم فوق تلك الأقوال: إنه الذرية الكثيرة المباركة، وقد حقق الله ذلك، فلا تجد ذرية لأحد من الخلق مثل ذرية المصطفى صلى الله عليه وسلم في الكثرة ولا في البركة إلى يوم القيامة، اختلف في الحوض، هل هو بعد الصراط أو قبله. وهل هو بعد الميزان أو قبله. والصحيح أنه قبلهما، لأن الناس يخرجون من قبورهم عطاشاً، فيشربون منه شربة لا يظمؤون بعدها أبداً. روي عن ابن عباس أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوقوف بين يدي رب العالمين، هل فيه ماء. قال:" أي والذي نفسي بيده، إن فيه لماء، وإن أولياء الله ليردون حياض الأنبياء، ويبعث الله تعالى سبعين ألف مالك بأيديهم عصي من نار، يذودون الكفار عن حياض الأنبياء "وهذا الطرد لا يكون بعد الصراط، لأنه لا يسلم من الصراط إلا المؤمنين، فلا وجود للكافر هناك حتى يذادوا لسقوطهم في جهنم قبل ذلك. قوله: (ونحوها) أي من الحكمة وكثرة الأتباع والأمة وغير ذلك. قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ كان مقتضى الظاهر أن يقول: فصل لنا، فانتقل إلى الاسم الظاهر، لأنه لا يوجب عظمة ومهابة. قوله: (صلاة عيد النحر) هو قول عكرمة وعطاء وقتادة، وهو يؤيد كون السورة مدنية، وقال سعيد بن جبير ومجاهد: فصل الصلاة المفروضة بجمع مزدلفة، وانحر البدن بمنى، وقيل: هو أمر بكل صلاة مفروضة أن نافلة، وهو يؤكد كونها مكية. قوله: ﴿وَٱنْحَرْ﴾ أي هداياك وضحاياك، وهو في الإبل بمنزلة الذبح في البقر والغنم، فقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم نحر من خالص ماله في حجة الوداع صبيحة منى مائة بدنة، سبعين بيده الكريمة، وثلاثين بيد علي رضي الله عنه، وخص الصلاة والنحر بالذكر. لأن الصلاة مجمع العبادات وعماد الدين، والنحر فيه إطعام الطعام، ولا شك أنه قيام بحقوق العباد، ففي تلكما الخصلتين القيام بحقوق الله وحقوق عباده. قوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾ اسم فاعل شنئ من بابي سمع ومنع، شنأ بفتح النون وسكونها. قوله: ﴿هُوَ ٱلأَبْتَرُ﴾ يصح أن يكون هو مبتدأ، و ﴿ٱلأَبْتَرُ﴾ خبره، والجملة خبر ﴿إِنَّ﴾ ويصح أن يكون ضمير فصل، و ﴿ٱلأَبْتَرُ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ و ﴿ٱلأَبْتَرُ﴾ في الأصل، الشيء المقطوع من بتره قطعه، وحمار أبتر لا ذنب له. قوله: (أو المنقطع العقب) أي النسل. قوله: (سمى النبي صلى الله عليه وسلم أبتر) أي حيث قال: بتر محمد، فليس له من يقوم بأمره من بعده، فلما قال تلك المقالة، نزلت السورة تسلية وتبشيراً له صلى الله عليه وسلم. قوله: (عند موت ابنه القاسم) هو أول أولاده صلى الله عليه وسلم عاش سنتين وقيل سبعة عشر شهراً، وقيل: بلغ ركوب الدابة، ومات قبل البعثة وقيل بعدها، وهو أول من مات من أولاده وهم سبعة: القاسم وعبد الله الملقب بالطيب والطاهر وإبراهيم وزينب ورقية وفاطمة وأم كلثوم، وكلهم من خديجة، إلا إبراهيم فمن مارية القبطية، وماتوا جميعاً في حياته، إلا فاطمة فعاشت بعده زمناً يسيراً وماتت رضوان الله عليهم أجمعين، وذريته صلى الله عليه وسلم الباقية إلى يوم القيامة من نسلها.
الكوثر 108:3
قوله: ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ﴾ أي إن بجلالنا وعظمة قدسنا، فالإيتان بإن ونون العظمة للتأكيد ولزيادة تشريفه صلى الله عليه وسلم، والمعنى: قضينا به لك، وخصصناك به وأنجزناه لك في علمنا وتقديرنا الأزلي، وإن لم تستول عليه وتتصرف فيه إلا في القيامة، فالعطاء ناجز، والتمكن والاستيلاء مستقبل. إن قلت: إنه عبر هنا بالماضي، وفي الضحى بالمضارع حيث قال:﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ ﴾[الضحى: ٥] فكيف الجمع بينها؟ أجيب: بأن ما في الضحى باعتبار التمكن والاستيلاء، وذلك يحصل في المستقبل في يوم القيامة، وما هنا باعتبار التقدير الأزلي. قوله: ﴿ٱلْكَوْثَرَ﴾ فوعل من الكثرة، وصف مبالغة في المبالغ في الكثرة. قوله: (هو نهر في الجنة) ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم:" الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من الذهب، مجراه من الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج ". قوله: (هو حوضه) الصواب أن يقول: أو هو حوضه، لأنهما قولان مذكوران في التفاسير من جملة ستة عشر قولاً، ويدل لهذا الثاني قول أنس:" بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسماً؛ فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت علي آنفاً سورة فقرأ ﴿بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ ٱلْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ﴾ ثم قال: أتدرون ما الكوثر. قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: " فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل، عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد نجوم السماء، فيختلج العبد منهم فأقول: يا رب أنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك ". وورد في صفة الحوض أحاديث منها قوله صلى الله عليه وسلم:" حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه لم يضمأ أبداً "زاد في رواية:" وزواياه سواء ". ومنها غير ذلك. الثالث: أنه النبوة. الرابع: القرآن. الخامس: الإسلام. السادس: تيسير القرآن وتخفيف الشريعة. السابع: كثيرة الأصحاب والأمة والأتباع. الثامن: رفعة الذكر. التاسع: نور في قلبك دلك علي وقطعك عما سواي. العاشر: الشفاعة. الحادي عشر: المعجزات. الثاني عشر: لا إله إلا الله محمد رسول الله. الثالث عشر: الفقه في الدين. الرابعة عشر: الصلوات الخمس. الخامس عشر: العظيم من الأمر. السادس عشر: الخير الكثير الدنيوي والأخروي. ولك من هذه الأقوال تحقق به رسول الله صلى الله عليه وسلم وفوق ذلك مما يعلم غايته إلا الله تعالى. وزاد بعضهم فوق تلك الأقوال: إنه الذرية الكثيرة المباركة، وقد حقق الله ذلك، فلا تجد ذرية لأحد من الخلق مثل ذرية المصطفى صلى الله عليه وسلم في الكثرة ولا في البركة إلى يوم القيامة، اختلف في الحوض، هل هو بعد الصراط أو قبله. وهل هو بعد الميزان أو قبله. والصحيح أنه قبلهما، لأن الناس يخرجون من قبورهم عطاشاً، فيشربون منه شربة لا يظمؤون بعدها أبداً. روي عن ابن عباس أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوقوف بين يدي رب العالمين، هل فيه ماء. قال:" أي والذي نفسي بيده، إن فيه لماء، وإن أولياء الله ليردون حياض الأنبياء، ويبعث الله تعالى سبعين ألف مالك بأيديهم عصي من نار، يذودون الكفار عن حياض الأنبياء "وهذا الطرد لا يكون بعد الصراط، لأنه لا يسلم من الصراط إلا المؤمنين، فلا وجود للكافر هناك حتى يذادوا لسقوطهم في جهنم قبل ذلك. قوله: (ونحوها) أي من الحكمة وكثرة الأتباع والأمة وغير ذلك. قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ كان مقتضى الظاهر أن يقول: فصل لنا، فانتقل إلى الاسم الظاهر، لأنه لا يوجب عظمة ومهابة. قوله: (صلاة عيد النحر) هو قول عكرمة وعطاء وقتادة، وهو يؤيد كون السورة مدنية، وقال سعيد بن جبير ومجاهد: فصل الصلاة المفروضة بجمع مزدلفة، وانحر البدن بمنى، وقيل: هو أمر بكل صلاة مفروضة أن نافلة، وهو يؤكد كونها مكية. قوله: ﴿وَٱنْحَرْ﴾ أي هداياك وضحاياك، وهو في الإبل بمنزلة الذبح في البقر والغنم، فقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم نحر من خالص ماله في حجة الوداع صبيحة منى مائة بدنة، سبعين بيده الكريمة، وثلاثين بيد علي رضي الله عنه، وخص الصلاة والنحر بالذكر. لأن الصلاة مجمع العبادات وعماد الدين، والنحر فيه إطعام الطعام، ولا شك أنه قيام بحقوق العباد، ففي تلكما الخصلتين القيام بحقوق الله وحقوق عباده. قوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾ اسم فاعل شنئ من بابي سمع ومنع، شنأ بفتح النون وسكونها. قوله: ﴿هُوَ ٱلأَبْتَرُ﴾ يصح أن يكون هو مبتدأ، و ﴿ٱلأَبْتَرُ﴾ خبره، والجملة خبر ﴿إِنَّ﴾ ويصح أن يكون ضمير فصل، و ﴿ٱلأَبْتَرُ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ و ﴿ٱلأَبْتَرُ﴾ في الأصل، الشيء المقطوع من بتره قطعه، وحمار أبتر لا ذنب له. قوله: (أو المنقطع العقب) أي النسل. قوله: (سمى النبي صلى الله عليه وسلم أبتر) أي حيث قال: بتر محمد، فليس له من يقوم بأمره من بعده، فلما قال تلك المقالة، نزلت السورة تسلية وتبشيراً له صلى الله عليه وسلم. قوله: (عند موت ابنه القاسم) هو أول أولاده صلى الله عليه وسلم عاش سنتين وقيل سبعة عشر شهراً، وقيل: بلغ ركوب الدابة، ومات قبل البعثة وقيل بعدها، وهو أول من مات من أولاده وهم سبعة: القاسم وعبد الله الملقب بالطيب والطاهر وإبراهيم وزينب ورقية وفاطمة وأم كلثوم، وكلهم من خديجة، إلا إبراهيم فمن مارية القبطية، وماتوا جميعاً في حياته، إلا فاطمة فعاشت بعده زمناً يسيراً وماتت رضوان الله عليهم أجمعين، وذريته صلى الله عليه وسلم الباقية إلى يوم القيامة من نسلها.
الكافرون 109:1
قوله: (نزلت لما قال رهط من المشركين) إلخ، حاصله كما قال ابن عباس: أن سبب نزولها، أن الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد هلم فلعتبد ما نعبد، ونعبد ما تعبد، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيراً مما بأيدينا، كنا قد أشركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه، وإن كان بأيدينا خيراً مما بيدك، كنت قد أشركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه، فأنزل الله عز وجل ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ﴾ إلى آخرها، والرهط بسكون الهاء أفصح من فتحها، جمع لا واحد له من لفظه، يقال على ما دون العشرة من الرجال، وقيل: ما فوق العشرة إلى الأربعين. قوله: ﴿ٱلْكَافِرُونَ﴾ هم جماعة من الكفار مخصوصون، علم الله تعالى عدم إيمانهم أصلاً. قوله: ﴿لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ اعلم أنه اختلف المفسرون في هذه السورة، هل فيها تكرار أو لا؟ فعلى الأول: هو للتأكيد، وفائدة قطع أطماع الكفار، وتحقيق إخبار بأنهم لا يسلمون أبداً. وعلى الثاني: فكل جملة مقيدة بزمن غير الزمن الذي قيدت به الأخرى. فدرج المفسر على أن النفي الأول محمول على الحال، والثاني على الاستقبال، ودرج غيره على العكس، وما يصح أن يكون موصولة بمعنى الذي، فإن كان المراد بها الأصنام كما في الأولى والثالثة فالأمر واضح، لأنهم غير عقلاء وما لغير العاقل، وأما الثانية والرابعة فإما أن تكون واقعة على الله تعالى، وتكون دليلاً لمن يجوز وقوعها على العالم، أو تجعل مصدرية والتقدير: ولا أنتم عابدون عبادتي، أي مثل عبادتي، ويصح أن يكون جميعها مصدرية أو موصولة، أو الأوليان موصولتان، والأخريان مصدريتان، فتحصل أن ما في هذه السورة فيها أربعة أقوال، الأول، أنها كلها بمعنى الذي. الثاني: أنها كلها مصدرية. الثالث: أن الأوليين بمعنى الذي، والآخريين مصدريتان. الرابع: أن الأول والثالثة بمعنى الذي، والثالثة والرابعة مصدرية. إن قلت: ما الحكمة في التعبير في جانبه صلى الله عليه وسلم بلفظ ﴿أَعْبُدُ﴾ وفي جانبهم بلفظ ﴿عَبَدتُّمْ﴾؟ أجيب: بأنه صلى الله عليه وسلم وإن كان يعبد الله تعالى قبل البعثة، إلا أنه لم يدع الناس إلا بعدها، فلم يشتهر بها إلا حين الدعوة، وأما هم فكانوا متلبسين قديماً بعبادة الأصنام متظاهرين بها. قوله:(علم الله منهم أنهم لا يؤمنون) جواب عن سؤال مقدر حاصله: كيف يقنطهم من الإيمان، مع أنه مبعوث لهدايتهم، وقد كان حريصاً على إيمانهم. وحاصل الجواب: أن هذا في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً، فأخبر نبيه بذلك لتظهر شقاوتهم. قوله: (وإطلاق ما على الله) أي في الثالثة والرابعة، وأما في الأولى والثالثة فهي واقعة على الأصنام. قوله: (على وجه المقابلة) أي المشاكلة، وهذا مبني على القول بأنه لا يجوز وقوع ما على العالم، وأما على مذهب من يجوز ذلك، فلا يحتاج للاعتذار بالمقابلة، وكان المناسب للمفسر أن يقول: وإطلاق ما على العالم فصيح وحسنه المشاكلة. قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ الخ، أتى بهاتين الجملتين المثبتتين بعد جمل منفية، لأنه لما كان الأهم تباعده عليه السلام دين دينهم، بدأ بالنفي سابقاً، فلما تحقق النفي رجع إلى خطابهم مهادنة لهم، فهاتان الجملتان مؤكدتان لمجموع الجمل الأربع. قوله: ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ بفتح الياء من ﴿لِيَ﴾ وإسكانها سبعيتان. قوله: (وهذا قبل أن يؤمر بالحرب) الإشارة راجعة إلى الآية الأخيرة، وقيل: إلى جميع السورة، وهذا مبني على أن المراد بالدين العبادة والتدين، وقيل: أن المراد بالدين الجزاء، أي لكم جزاء أعمالكم، ولي جزاء أعمالي، وعليه فلا نسخ، قوله: (وقفاً ووصلاً) أي لأنها من ياءات الزوائد، فيراعى فيه رسم المصحف، وهي غير ثابتة فيه اكتفاء بالكسر. قوله:(وأثبتها يعقوب) أي وهو من العشرة.
الكافرون 109:2
قوله: (نزلت لما قال رهط من المشركين) إلخ، حاصله كما قال ابن عباس: أن سبب نزولها، أن الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد هلم فلعتبد ما نعبد، ونعبد ما تعبد، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيراً مما بأيدينا، كنا قد أشركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه، وإن كان بأيدينا خيراً مما بيدك، كنت قد أشركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه، فأنزل الله عز وجل ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ﴾ إلى آخرها، والرهط بسكون الهاء أفصح من فتحها، جمع لا واحد له من لفظه، يقال على ما دون العشرة من الرجال، وقيل: ما فوق العشرة إلى الأربعين. قوله: ﴿ٱلْكَافِرُونَ﴾ هم جماعة من الكفار مخصوصون، علم الله تعالى عدم إيمانهم أصلاً. قوله: ﴿لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ اعلم أنه اختلف المفسرون في هذه السورة، هل فيها تكرار أو لا؟ فعلى الأول: هو للتأكيد، وفائدة قطع أطماع الكفار، وتحقيق إخبار بأنهم لا يسلمون أبداً. وعلى الثاني: فكل جملة مقيدة بزمن غير الزمن الذي قيدت به الأخرى. فدرج المفسر على أن النفي الأول محمول على الحال، والثاني على الاستقبال، ودرج غيره على العكس، وما يصح أن يكون موصولة بمعنى الذي، فإن كان المراد بها الأصنام كما في الأولى والثالثة فالأمر واضح، لأنهم غير عقلاء وما لغير العاقل، وأما الثانية والرابعة فإما أن تكون واقعة على الله تعالى، وتكون دليلاً لمن يجوز وقوعها على العالم، أو تجعل مصدرية والتقدير: ولا أنتم عابدون عبادتي، أي مثل عبادتي، ويصح أن يكون جميعها مصدرية أو موصولة، أو الأوليان موصولتان، والأخريان مصدريتان، فتحصل أن ما في هذه السورة فيها أربعة أقوال، الأول، أنها كلها بمعنى الذي. الثاني: أنها كلها مصدرية. الثالث: أن الأوليين بمعنى الذي، والآخريين مصدريتان. الرابع: أن الأول والثالثة بمعنى الذي، والثالثة والرابعة مصدرية. إن قلت: ما الحكمة في التعبير في جانبه صلى الله عليه وسلم بلفظ ﴿أَعْبُدُ﴾ وفي جانبهم بلفظ ﴿عَبَدتُّمْ﴾؟ أجيب: بأنه صلى الله عليه وسلم وإن كان يعبد الله تعالى قبل البعثة، إلا أنه لم يدع الناس إلا بعدها، فلم يشتهر بها إلا حين الدعوة، وأما هم فكانوا متلبسين قديماً بعبادة الأصنام متظاهرين بها. قوله:(علم الله منهم أنهم لا يؤمنون) جواب عن سؤال مقدر حاصله: كيف يقنطهم من الإيمان، مع أنه مبعوث لهدايتهم، وقد كان حريصاً على إيمانهم. وحاصل الجواب: أن هذا في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً، فأخبر نبيه بذلك لتظهر شقاوتهم. قوله: (وإطلاق ما على الله) أي في الثالثة والرابعة، وأما في الأولى والثالثة فهي واقعة على الأصنام. قوله: (على وجه المقابلة) أي المشاكلة، وهذا مبني على القول بأنه لا يجوز وقوع ما على العالم، وأما على مذهب من يجوز ذلك، فلا يحتاج للاعتذار بالمقابلة، وكان المناسب للمفسر أن يقول: وإطلاق ما على العالم فصيح وحسنه المشاكلة. قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ الخ، أتى بهاتين الجملتين المثبتتين بعد جمل منفية، لأنه لما كان الأهم تباعده عليه السلام دين دينهم، بدأ بالنفي سابقاً، فلما تحقق النفي رجع إلى خطابهم مهادنة لهم، فهاتان الجملتان مؤكدتان لمجموع الجمل الأربع. قوله: ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ بفتح الياء من ﴿لِيَ﴾ وإسكانها سبعيتان. قوله: (وهذا قبل أن يؤمر بالحرب) الإشارة راجعة إلى الآية الأخيرة، وقيل: إلى جميع السورة، وهذا مبني على أن المراد بالدين العبادة والتدين، وقيل: أن المراد بالدين الجزاء، أي لكم جزاء أعمالكم، ولي جزاء أعمالي، وعليه فلا نسخ، قوله: (وقفاً ووصلاً) أي لأنها من ياءات الزوائد، فيراعى فيه رسم المصحف، وهي غير ثابتة فيه اكتفاء بالكسر. قوله:(وأثبتها يعقوب) أي وهو من العشرة.
الكافرون 109:3
قوله: (نزلت لما قال رهط من المشركين) إلخ، حاصله كما قال ابن عباس: أن سبب نزولها، أن الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد هلم فلعتبد ما نعبد، ونعبد ما تعبد، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيراً مما بأيدينا، كنا قد أشركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه، وإن كان بأيدينا خيراً مما بيدك، كنت قد أشركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه، فأنزل الله عز وجل ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ﴾ إلى آخرها، والرهط بسكون الهاء أفصح من فتحها، جمع لا واحد له من لفظه، يقال على ما دون العشرة من الرجال، وقيل: ما فوق العشرة إلى الأربعين. قوله: ﴿ٱلْكَافِرُونَ﴾ هم جماعة من الكفار مخصوصون، علم الله تعالى عدم إيمانهم أصلاً. قوله: ﴿لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ اعلم أنه اختلف المفسرون في هذه السورة، هل فيها تكرار أو لا؟ فعلى الأول: هو للتأكيد، وفائدة قطع أطماع الكفار، وتحقيق إخبار بأنهم لا يسلمون أبداً. وعلى الثاني: فكل جملة مقيدة بزمن غير الزمن الذي قيدت به الأخرى. فدرج المفسر على أن النفي الأول محمول على الحال، والثاني على الاستقبال، ودرج غيره على العكس، وما يصح أن يكون موصولة بمعنى الذي، فإن كان المراد بها الأصنام كما في الأولى والثالثة فالأمر واضح، لأنهم غير عقلاء وما لغير العاقل، وأما الثانية والرابعة فإما أن تكون واقعة على الله تعالى، وتكون دليلاً لمن يجوز وقوعها على العالم، أو تجعل مصدرية والتقدير: ولا أنتم عابدون عبادتي، أي مثل عبادتي، ويصح أن يكون جميعها مصدرية أو موصولة، أو الأوليان موصولتان، والأخريان مصدريتان، فتحصل أن ما في هذه السورة فيها أربعة أقوال، الأول، أنها كلها بمعنى الذي. الثاني: أنها كلها مصدرية. الثالث: أن الأوليين بمعنى الذي، والآخريين مصدريتان. الرابع: أن الأول والثالثة بمعنى الذي، والثالثة والرابعة مصدرية. إن قلت: ما الحكمة في التعبير في جانبه صلى الله عليه وسلم بلفظ ﴿أَعْبُدُ﴾ وفي جانبهم بلفظ ﴿عَبَدتُّمْ﴾؟ أجيب: بأنه صلى الله عليه وسلم وإن كان يعبد الله تعالى قبل البعثة، إلا أنه لم يدع الناس إلا بعدها، فلم يشتهر بها إلا حين الدعوة، وأما هم فكانوا متلبسين قديماً بعبادة الأصنام متظاهرين بها. قوله:(علم الله منهم أنهم لا يؤمنون) جواب عن سؤال مقدر حاصله: كيف يقنطهم من الإيمان، مع أنه مبعوث لهدايتهم، وقد كان حريصاً على إيمانهم. وحاصل الجواب: أن هذا في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً، فأخبر نبيه بذلك لتظهر شقاوتهم. قوله: (وإطلاق ما على الله) أي في الثالثة والرابعة، وأما في الأولى والثالثة فهي واقعة على الأصنام. قوله: (على وجه المقابلة) أي المشاكلة، وهذا مبني على القول بأنه لا يجوز وقوع ما على العالم، وأما على مذهب من يجوز ذلك، فلا يحتاج للاعتذار بالمقابلة، وكان المناسب للمفسر أن يقول: وإطلاق ما على العالم فصيح وحسنه المشاكلة. قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ الخ، أتى بهاتين الجملتين المثبتتين بعد جمل منفية، لأنه لما كان الأهم تباعده عليه السلام دين دينهم، بدأ بالنفي سابقاً، فلما تحقق النفي رجع إلى خطابهم مهادنة لهم، فهاتان الجملتان مؤكدتان لمجموع الجمل الأربع. قوله: ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ بفتح الياء من ﴿لِيَ﴾ وإسكانها سبعيتان. قوله: (وهذا قبل أن يؤمر بالحرب) الإشارة راجعة إلى الآية الأخيرة، وقيل: إلى جميع السورة، وهذا مبني على أن المراد بالدين العبادة والتدين، وقيل: أن المراد بالدين الجزاء، أي لكم جزاء أعمالكم، ولي جزاء أعمالي، وعليه فلا نسخ، قوله: (وقفاً ووصلاً) أي لأنها من ياءات الزوائد، فيراعى فيه رسم المصحف، وهي غير ثابتة فيه اكتفاء بالكسر. قوله:(وأثبتها يعقوب) أي وهو من العشرة.
الكافرون 109:4
قوله: (نزلت لما قال رهط من المشركين) إلخ، حاصله كما قال ابن عباس: أن سبب نزولها، أن الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد هلم فلعتبد ما نعبد، ونعبد ما تعبد، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيراً مما بأيدينا، كنا قد أشركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه، وإن كان بأيدينا خيراً مما بيدك، كنت قد أشركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه، فأنزل الله عز وجل ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ﴾ إلى آخرها، والرهط بسكون الهاء أفصح من فتحها، جمع لا واحد له من لفظه، يقال على ما دون العشرة من الرجال، وقيل: ما فوق العشرة إلى الأربعين. قوله: ﴿ٱلْكَافِرُونَ﴾ هم جماعة من الكفار مخصوصون، علم الله تعالى عدم إيمانهم أصلاً. قوله: ﴿لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ اعلم أنه اختلف المفسرون في هذه السورة، هل فيها تكرار أو لا؟ فعلى الأول: هو للتأكيد، وفائدة قطع أطماع الكفار، وتحقيق إخبار بأنهم لا يسلمون أبداً. وعلى الثاني: فكل جملة مقيدة بزمن غير الزمن الذي قيدت به الأخرى. فدرج المفسر على أن النفي الأول محمول على الحال، والثاني على الاستقبال، ودرج غيره على العكس، وما يصح أن يكون موصولة بمعنى الذي، فإن كان المراد بها الأصنام كما في الأولى والثالثة فالأمر واضح، لأنهم غير عقلاء وما لغير العاقل، وأما الثانية والرابعة فإما أن تكون واقعة على الله تعالى، وتكون دليلاً لمن يجوز وقوعها على العالم، أو تجعل مصدرية والتقدير: ولا أنتم عابدون عبادتي، أي مثل عبادتي، ويصح أن يكون جميعها مصدرية أو موصولة، أو الأوليان موصولتان، والأخريان مصدريتان، فتحصل أن ما في هذه السورة فيها أربعة أقوال، الأول، أنها كلها بمعنى الذي. الثاني: أنها كلها مصدرية. الثالث: أن الأوليين بمعنى الذي، والآخريين مصدريتان. الرابع: أن الأول والثالثة بمعنى الذي، والثالثة والرابعة مصدرية. إن قلت: ما الحكمة في التعبير في جانبه صلى الله عليه وسلم بلفظ ﴿أَعْبُدُ﴾ وفي جانبهم بلفظ ﴿عَبَدتُّمْ﴾؟ أجيب: بأنه صلى الله عليه وسلم وإن كان يعبد الله تعالى قبل البعثة، إلا أنه لم يدع الناس إلا بعدها، فلم يشتهر بها إلا حين الدعوة، وأما هم فكانوا متلبسين قديماً بعبادة الأصنام متظاهرين بها. قوله:(علم الله منهم أنهم لا يؤمنون) جواب عن سؤال مقدر حاصله: كيف يقنطهم من الإيمان، مع أنه مبعوث لهدايتهم، وقد كان حريصاً على إيمانهم. وحاصل الجواب: أن هذا في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً، فأخبر نبيه بذلك لتظهر شقاوتهم. قوله: (وإطلاق ما على الله) أي في الثالثة والرابعة، وأما في الأولى والثالثة فهي واقعة على الأصنام. قوله: (على وجه المقابلة) أي المشاكلة، وهذا مبني على القول بأنه لا يجوز وقوع ما على العالم، وأما على مذهب من يجوز ذلك، فلا يحتاج للاعتذار بالمقابلة، وكان المناسب للمفسر أن يقول: وإطلاق ما على العالم فصيح وحسنه المشاكلة. قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ الخ، أتى بهاتين الجملتين المثبتتين بعد جمل منفية، لأنه لما كان الأهم تباعده عليه السلام دين دينهم، بدأ بالنفي سابقاً، فلما تحقق النفي رجع إلى خطابهم مهادنة لهم، فهاتان الجملتان مؤكدتان لمجموع الجمل الأربع. قوله: ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ بفتح الياء من ﴿لِيَ﴾ وإسكانها سبعيتان. قوله: (وهذا قبل أن يؤمر بالحرب) الإشارة راجعة إلى الآية الأخيرة، وقيل: إلى جميع السورة، وهذا مبني على أن المراد بالدين العبادة والتدين، وقيل: أن المراد بالدين الجزاء، أي لكم جزاء أعمالكم، ولي جزاء أعمالي، وعليه فلا نسخ، قوله: (وقفاً ووصلاً) أي لأنها من ياءات الزوائد، فيراعى فيه رسم المصحف، وهي غير ثابتة فيه اكتفاء بالكسر. قوله:(وأثبتها يعقوب) أي وهو من العشرة.
الكافرون 109:5
قوله: (نزلت لما قال رهط من المشركين) إلخ، حاصله كما قال ابن عباس: أن سبب نزولها، أن الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد هلم فلعتبد ما نعبد، ونعبد ما تعبد، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيراً مما بأيدينا، كنا قد أشركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه، وإن كان بأيدينا خيراً مما بيدك، كنت قد أشركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه، فأنزل الله عز وجل ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ﴾ إلى آخرها، والرهط بسكون الهاء أفصح من فتحها، جمع لا واحد له من لفظه، يقال على ما دون العشرة من الرجال، وقيل: ما فوق العشرة إلى الأربعين. قوله: ﴿ٱلْكَافِرُونَ﴾ هم جماعة من الكفار مخصوصون، علم الله تعالى عدم إيمانهم أصلاً. قوله: ﴿لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ اعلم أنه اختلف المفسرون في هذه السورة، هل فيها تكرار أو لا؟ فعلى الأول: هو للتأكيد، وفائدة قطع أطماع الكفار، وتحقيق إخبار بأنهم لا يسلمون أبداً. وعلى الثاني: فكل جملة مقيدة بزمن غير الزمن الذي قيدت به الأخرى. فدرج المفسر على أن النفي الأول محمول على الحال، والثاني على الاستقبال، ودرج غيره على العكس، وما يصح أن يكون موصولة بمعنى الذي، فإن كان المراد بها الأصنام كما في الأولى والثالثة فالأمر واضح، لأنهم غير عقلاء وما لغير العاقل، وأما الثانية والرابعة فإما أن تكون واقعة على الله تعالى، وتكون دليلاً لمن يجوز وقوعها على العالم، أو تجعل مصدرية والتقدير: ولا أنتم عابدون عبادتي، أي مثل عبادتي، ويصح أن يكون جميعها مصدرية أو موصولة، أو الأوليان موصولتان، والأخريان مصدريتان، فتحصل أن ما في هذه السورة فيها أربعة أقوال، الأول، أنها كلها بمعنى الذي. الثاني: أنها كلها مصدرية. الثالث: أن الأوليين بمعنى الذي، والآخريين مصدريتان. الرابع: أن الأول والثالثة بمعنى الذي، والثالثة والرابعة مصدرية. إن قلت: ما الحكمة في التعبير في جانبه صلى الله عليه وسلم بلفظ ﴿أَعْبُدُ﴾ وفي جانبهم بلفظ ﴿عَبَدتُّمْ﴾؟ أجيب: بأنه صلى الله عليه وسلم وإن كان يعبد الله تعالى قبل البعثة، إلا أنه لم يدع الناس إلا بعدها، فلم يشتهر بها إلا حين الدعوة، وأما هم فكانوا متلبسين قديماً بعبادة الأصنام متظاهرين بها. قوله:(علم الله منهم أنهم لا يؤمنون) جواب عن سؤال مقدر حاصله: كيف يقنطهم من الإيمان، مع أنه مبعوث لهدايتهم، وقد كان حريصاً على إيمانهم. وحاصل الجواب: أن هذا في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً، فأخبر نبيه بذلك لتظهر شقاوتهم. قوله: (وإطلاق ما على الله) أي في الثالثة والرابعة، وأما في الأولى والثالثة فهي واقعة على الأصنام. قوله: (على وجه المقابلة) أي المشاكلة، وهذا مبني على القول بأنه لا يجوز وقوع ما على العالم، وأما على مذهب من يجوز ذلك، فلا يحتاج للاعتذار بالمقابلة، وكان المناسب للمفسر أن يقول: وإطلاق ما على العالم فصيح وحسنه المشاكلة. قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ الخ، أتى بهاتين الجملتين المثبتتين بعد جمل منفية، لأنه لما كان الأهم تباعده عليه السلام دين دينهم، بدأ بالنفي سابقاً، فلما تحقق النفي رجع إلى خطابهم مهادنة لهم، فهاتان الجملتان مؤكدتان لمجموع الجمل الأربع. قوله: ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ بفتح الياء من ﴿لِيَ﴾ وإسكانها سبعيتان. قوله: (وهذا قبل أن يؤمر بالحرب) الإشارة راجعة إلى الآية الأخيرة، وقيل: إلى جميع السورة، وهذا مبني على أن المراد بالدين العبادة والتدين، وقيل: أن المراد بالدين الجزاء، أي لكم جزاء أعمالكم، ولي جزاء أعمالي، وعليه فلا نسخ، قوله: (وقفاً ووصلاً) أي لأنها من ياءات الزوائد، فيراعى فيه رسم المصحف، وهي غير ثابتة فيه اكتفاء بالكسر. قوله:(وأثبتها يعقوب) أي وهو من العشرة.
الكافرون 109:6
قوله: (نزلت لما قال رهط من المشركين) إلخ، حاصله كما قال ابن عباس: أن سبب نزولها، أن الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد هلم فلعتبد ما نعبد، ونعبد ما تعبد، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيراً مما بأيدينا، كنا قد أشركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه، وإن كان بأيدينا خيراً مما بيدك، كنت قد أشركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه، فأنزل الله عز وجل ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ﴾ إلى آخرها، والرهط بسكون الهاء أفصح من فتحها، جمع لا واحد له من لفظه، يقال على ما دون العشرة من الرجال، وقيل: ما فوق العشرة إلى الأربعين. قوله: ﴿ٱلْكَافِرُونَ﴾ هم جماعة من الكفار مخصوصون، علم الله تعالى عدم إيمانهم أصلاً. قوله: ﴿لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ اعلم أنه اختلف المفسرون في هذه السورة، هل فيها تكرار أو لا؟ فعلى الأول: هو للتأكيد، وفائدة قطع أطماع الكفار، وتحقيق إخبار بأنهم لا يسلمون أبداً. وعلى الثاني: فكل جملة مقيدة بزمن غير الزمن الذي قيدت به الأخرى. فدرج المفسر على أن النفي الأول محمول على الحال، والثاني على الاستقبال، ودرج غيره على العكس، وما يصح أن يكون موصولة بمعنى الذي، فإن كان المراد بها الأصنام كما في الأولى والثالثة فالأمر واضح، لأنهم غير عقلاء وما لغير العاقل، وأما الثانية والرابعة فإما أن تكون واقعة على الله تعالى، وتكون دليلاً لمن يجوز وقوعها على العالم، أو تجعل مصدرية والتقدير: ولا أنتم عابدون عبادتي، أي مثل عبادتي، ويصح أن يكون جميعها مصدرية أو موصولة، أو الأوليان موصولتان، والأخريان مصدريتان، فتحصل أن ما في هذه السورة فيها أربعة أقوال، الأول، أنها كلها بمعنى الذي. الثاني: أنها كلها مصدرية. الثالث: أن الأوليين بمعنى الذي، والآخريين مصدريتان. الرابع: أن الأول والثالثة بمعنى الذي، والثالثة والرابعة مصدرية. إن قلت: ما الحكمة في التعبير في جانبه صلى الله عليه وسلم بلفظ ﴿أَعْبُدُ﴾ وفي جانبهم بلفظ ﴿عَبَدتُّمْ﴾؟ أجيب: بأنه صلى الله عليه وسلم وإن كان يعبد الله تعالى قبل البعثة، إلا أنه لم يدع الناس إلا بعدها، فلم يشتهر بها إلا حين الدعوة، وأما هم فكانوا متلبسين قديماً بعبادة الأصنام متظاهرين بها. قوله:(علم الله منهم أنهم لا يؤمنون) جواب عن سؤال مقدر حاصله: كيف يقنطهم من الإيمان، مع أنه مبعوث لهدايتهم، وقد كان حريصاً على إيمانهم. وحاصل الجواب: أن هذا في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً، فأخبر نبيه بذلك لتظهر شقاوتهم. قوله: (وإطلاق ما على الله) أي في الثالثة والرابعة، وأما في الأولى والثالثة فهي واقعة على الأصنام. قوله: (على وجه المقابلة) أي المشاكلة، وهذا مبني على القول بأنه لا يجوز وقوع ما على العالم، وأما على مذهب من يجوز ذلك، فلا يحتاج للاعتذار بالمقابلة، وكان المناسب للمفسر أن يقول: وإطلاق ما على العالم فصيح وحسنه المشاكلة. قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ الخ، أتى بهاتين الجملتين المثبتتين بعد جمل منفية، لأنه لما كان الأهم تباعده عليه السلام دين دينهم، بدأ بالنفي سابقاً، فلما تحقق النفي رجع إلى خطابهم مهادنة لهم، فهاتان الجملتان مؤكدتان لمجموع الجمل الأربع. قوله: ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ بفتح الياء من ﴿لِيَ﴾ وإسكانها سبعيتان. قوله: (وهذا قبل أن يؤمر بالحرب) الإشارة راجعة إلى الآية الأخيرة، وقيل: إلى جميع السورة، وهذا مبني على أن المراد بالدين العبادة والتدين، وقيل: أن المراد بالدين الجزاء، أي لكم جزاء أعمالكم، ولي جزاء أعمالي، وعليه فلا نسخ، قوله: (وقفاً ووصلاً) أي لأنها من ياءات الزوائد، فيراعى فيه رسم المصحف، وهي غير ثابتة فيه اكتفاء بالكسر. قوله:(وأثبتها يعقوب) أي وهو من العشرة.
النصر 110:1
قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ المجيء في الأصل اسم للموجود الغائب إذا حضر، والمراد حصل وتحقق، ففيه استعارة تبعية، حيث شبه حصول النصر عند حضور وقته بالمجيء، ثم اشتق منه لفظ جاء بمعنى حصل، وعبر بالمجيء إشعاراً بأن الأمور متوجهة من الأزل إلى أوقاتها المعينة لها، وأن ما قدر الله حصوله فهو كالحاصل، كأنه موجود حضر من غيبته.
﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، منصوب بسبح الواقع جوابها، وهي على بابها إن كانت السورة نزلت قبل الفتح، فإن كان النزول بعد الفتح فـ ﴿إِذَا﴾ بمعنى إذ، متعلقة بمحذوف تقديره أكمل الله الأمر، وأتم النعمة على العباد، إذا جاء نصر الله.
﴿نَصْرُ ٱللَّهِ﴾ مضاف لفاعله، ومفعوله محذوف قدره المفسر بقوله: (نبيه). قوله: ﴿وَٱلْفَتْحُ﴾ أل فيه عوض عن المضاف إليه عند الكوفيين، أي وفتحه، أو العائد محذوف عند البصريين، أي والفتح منه، وعطفه على النصر عطف خاص على عام. قوله: (فتح مكة) أي التي حصل به أعظم فتوح الإسلام، وأعز الله به دينه ورسوله وجنده وحرمه ولتبشر به أهل السماء، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وسببها:" أنه وقع الصلح بالحديبية، على أنه صلى الله عليه وسلم لا يتعرض لمن دخل في عقد قريش، وأنهم لا يتعرضون لمن دخل في عقده، وكان ممن دخل في عقده خزاعة، وفي عقدهم بنو بكر، وكانا متعاديين، فخرج بعض بني بكر وبني خزاعة فاقتتلوا، فأمدت قريش بني بكر، فخرج أربعون من خزاعة إليه صلى الله عليه وسلم يخبرونه ويستنصرونه، فقام وهو يجر رداءه ويقول: لا نصرت إن لم أنصركم بما أنصر به نفسي، ولما أحس أبو سفيان جاء إلى المدينة ليجدد العهد ويزيد في المدة، فأبى صلى الله عليه وسلم فرجع، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز، وأمر أهله أن يجهزوه، وأعلم الناس أنه سائر إلى مكة وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش، حتى نبغتها في بلادها، فتجهز الناس، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم عامداً إلى مكة لعشر مضين في رمضان، وقيل: لليلتين مضتا منه سنة ثمان من الهجرة، فصام رسول الله والناس معه، حتى إذا كان بالكديد أفطر، عقد الألوية والرايات ودفعها إلى القبائل، ثم مضى حتى نزل مر الظهران المسمى الآن بوادي فاطمة في عشرة آلاف، وقيل: أثني عشر ألفاً من المسلمين، ولم يتخلف من المهاجرين والأنصار عنه أحد، فلما نزل به أمرهم أن يوقدوا عشرة آلاف نار كل نار على حدة، فخرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار، وكان العباس بن عبد المطلب لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق مهاجراً بعياله، فلما رأى ذلك الأمر قال: والله لئن دخل رسول الله مكة عنوة قبل أن يستأمنوه، لهلكت قريش إلى آخر الدهر، قال العباس: فركبت بغلة رسول الله البيضاء، وخرجت لأجد حطاباً أو ذا حاجة يدخل مكة فيخبرهم بمكان رسول الله، ليخرجوا إليه فيستأمنوه، قبل أن يدخلهم عليهم عنوة، وإذا أنا بأبي سفيان فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟ فقلت: نعم، قال: مالك فداك أبي وأمي، قلت: ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول الله قد جاءكم بما لا قبل لكم به، بعشرة آلاف من المسلمين، قال: وما الحيلة، قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب عجز هذه البغلة حتى آتى بك رسول الله فأستأمنه لك، فأردفته ورجع حاصباه، فخرجت أركض به بغلة رسول الله، كلما مررت بنار من نيران المسلمين نظروا وقالوا: عم رسول الله صلى الله عليه سلم على بغلة رسول الله حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال: من هذا؟ وقام إلي، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: يا أبا سفيان عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله، وركضت البغلة فسبقته؛ فلما وصلت النبي صلى الله عليه وسلم دخلت عليه ودخل عليه عمر فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان عدو الله، قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد، فدعني أضرب عنقه، قال: فقلت: يا رسول الله إني قد أجرته، فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به، قال: فذهبت به إلى رحلي فبات عندي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله، فلما رآه قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله، قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، فما زال به حتى أسلم، قال العباس: يا رسول الله إن إبا سفيان رجل الفخر، فاجعل له شيئاً، قال: نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه عليه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهوآمن، فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه سلم: أحبسه بمضيق الوادي حتى تمر به جنود الله، قال: ففعلت ومرت به القبائل على راياتها، كلها مرت به قبيلة قال: من هؤلاء يا عباس؟ فأقول: سليم، فيقول: ما لي، ولسليم، ثم تمر قبيلة فيقول: من هؤلاء؟ فأقول: مزينة، فيقول: ما لي ولمزينة؟ فلا تمر قبيلة إلا سألني عنها، حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبة الخضراء، وفيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله من هؤلاء يا عباس؟ قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، فقال: ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً، قلت: ويحك إنها النبوة، قال: فنعم إذاً، فقلت: الحق الآن بقومك فحذرهم، فخرج سريعاً حتى أتى مكة، فصرخ في المسجد بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به. قالوا: وكيف السبيل؟ قال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: وحيك وما تغني عنا دارك، قال: من دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد، وجاء حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلما وبايعاه، ثم بعثهما رسول الله بين يديه إلى قريش يدعوانهم إلى الإسلام، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وضرب قبته بأعلى مكة، وأمر خالد بن الوليد فيمن أسلم من خزاعة بني سليم، أن يدخلوا من أسفل مكة وقال لهم: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس، فقال سعد: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة أي الحرب، اليوم تستحل الحرمة، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فأمره على لسان علي كرم الله وجهه أن يدفع الراية لابنه قيس، وأخبر أبا سفيان أنه لم يأمر بقتل قريش، وأن اليوم يوم المرحمة، وأن الله يعز قريشاً، وخشي سعد أن ابنه يقع منه شيء أيضاً، فذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فدفعها للزبير، وكانت راية النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين مع الزبير أيضاً، فبعثه ومعه المهاجرون وخيلهم، وأمره أن يدخل من أعلى مكة، وأن يغرز رايته بالحجون، ولا يبرح حتى يأتيه، وأما خالد بن الوليد فقدم على قريش، وبني بكر والأحابيش بأسفل مكة، فقاتلوهم فهزمهم الله، ولم يكن بمكة قتال غير ذلك، فقتل من المشركين اثنا عشر رجلاً، أو ثلاثة عشر رجلاً، ولم يقتل من المسلمين إلا ثلاثة، وكان قد أمرهم النبي أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا نفراً سماهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، منهم: عبد الله بن سعد، وعبد الله بن خطل، كانا قد أسلما ثم ارتدا، ومنهم: قينتان كانتا تغنيان بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن خطل، ومنهم الحويرث بن وهب، ومقيس بن صبابة، وإناس آخر، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج لما اطمأن بالناس، حتى جاء البيت فطاف به سبعاً على راحلته، يستلم الركن بمحجن في يده، فلما قضى طوافه، دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له فدخلها، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكن له الناس في المسجد، فقال: لا إله الله وحده لا شريك له، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزب وحده، ثم قال: يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟ خيراً، أخر كريم، وابن أخ كريم، ثم قال: اذهبوا أنتم الطلقاء، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان الله أمكن منهم عنوة، فبذلك سمي أهل مكة الطلقاء، ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فقام إليه علي بن أبي طالب، ومفتاح الكعبة في يده فقال: يا رسول الله اجمع لنا بين الحجابة والسقاية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين عثمان بن طلحة؟ فدعي لي، فقال: هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم وفاء وبر، واجتمع الناس للبيعة فجلس إليهم رسول الله على الصفا، وعمر بن الخطاب أسفل منه يأخذ على الناس، فبايعوه على السمع والطاعة فيما استطاعوا، لما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء وقد أحدقت به الأنصار، فقالوا فيما بينهم: أترون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم به؟ قال: ماذا قلتم؟ قالوا: لا شيء يا رسول الله، فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: معاذ الله المحيا محياكم، والممات مماتكم، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة، ثم خرج إلى هوازن وثقيف ". قوله: ﴿يَدْخُلُونَ﴾ نصب على الحال إن كانت رأى بصرية، أو مفعول ثان إن كانت عملية. قوله: ﴿أَفْوَاجاً﴾ حال من فاعل ﴿يَدْخُلُونَ﴾ وهو جمع فوج. والمعنى: يدخلون زمراً زمراً من غير قتال، وقوله: (جاءه العرب) لا مفهوم له بل وغيرهم. قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي قل: سبحان الله والحمد لله، تعجباً مما رأيت من عجيب إنعامه عليك. قوله: ﴿وَٱسْتَغْفِرْهُ﴾ أي سل الله الغفران، وإنما أمر الله تعالى نبيه بالاستغفار، مع أنه معصوم من جميع الذنوب صغيرها وكبيرها، ليترقى ويرجع إلى حضرة الحق، فإنه وإن كان مشغولاً بهداية الخلق، إلا أن مقام الصفوة والحضور والأنس أعلى وأجل، فهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، ليزداد في التواضع والافتقار، وليكون ختام عمله التنزيه والاستغفار، وفيه تشريع للأمة، إذا طعن أحدهم في السن، فالغالب قرب أجله، فليكثر من ذلك ليختم عمله به. قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ أي ولم يزل، فكان للدلالة على ثبوت خبرها لاسمها، ومعنى كونه ﴿تَوَّاباً﴾ أنه يكثر قبول التوبة، وبهذا اندفع ما يقال: إن كان للدلالة على ثبوت خبرها لاسمها في الماضي، وإذا كان كذلك فلا يصح أن يكون علة للاستغفار في الحال أو المستقبل. قوله: (وعلم بها أنه قد اقترب أجله) أي لقول مقاتل لما نزلت قرأها النبي صلى عليه وسلم على أصحابه، وفيهم أبو بكر وعمر وسعد بن أبي وقاص والعباس، ففرحوا واستبشروا وبكى العباس، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما يبكيك يا عم؟ قال: نعيت إليك نفسك، قال: إنه كما قلت، فعاش بعدها ستين يوماً، ما رئي فيها ضاحكاً. وقيل: نزلت في منى بعد أيام التشريق في حجة الوداع، فبكى عمر والعباس، فقيل لهما: هذا يوم فرح، فقالا: بل فيه نعي النبي صلى الله عليه وسلم، أي إخبار بموته. وعن ابن عمر: نزلت هذه السورة بمنى في حجة الوداع، ثم نزل:﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ﴾[المائدة: ٣] فعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعدها ثمانين يوماً، ثم نزلت آية الكلالة، فعاش بعدها خمسين يوماً، ثم نزل﴿ وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ﴾[البقرة: ٢٨١] فعاش بعدها إحدى وعشرين يوماً، وقيل: سبعة أيام، وقيل: غير ذلك قوله: (توفي صلى الله عليه وسلم سنة عشر) إن قلت: إن سنة عشر حج فيها وتوفي فيها ولده إبراهيم، فالصواب سنة إحدى عشرة. وأجيب: بأن المراد على تمام عشر من الهجرة إلى المدينة، وذلك لأن الهجرة كانت لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول، وكانت وفاته لاثنتي عشرة خلت من ربيع أول، فكانت وفاته صلى الله عليه وسلم على رأس العاشرة، بالنظر لجعل التاريخ من الهجرة، وإن كانت لشهرين وشيء مضت من الحادية عشرة، إذا اعتبر التاريخ من أول السنة الشرعية وهو المحرم، فيصح أن يقال: توفي سنة إحدى عشرة، بالنظر لجعل التاريخ من المحرم، وتوفي سنة عشرة بالنظر لجعل التاريخ من يوم دخول المدينة.
النصر 110:2
قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ المجيء في الأصل اسم للموجود الغائب إذا حضر، والمراد حصل وتحقق، ففيه استعارة تبعية، حيث شبه حصول النصر عند حضور وقته بالمجيء، ثم اشتق منه لفظ جاء بمعنى حصل، وعبر بالمجيء إشعاراً بأن الأمور متوجهة من الأزل إلى أوقاتها المعينة لها، وأن ما قدر الله حصوله فهو كالحاصل، كأنه موجود حضر من غيبته.
﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، منصوب بسبح الواقع جوابها، وهي على بابها إن كانت السورة نزلت قبل الفتح، فإن كان النزول بعد الفتح فـ ﴿إِذَا﴾ بمعنى إذ، متعلقة بمحذوف تقديره أكمل الله الأمر، وأتم النعمة على العباد، إذا جاء نصر الله.
﴿نَصْرُ ٱللَّهِ﴾ مضاف لفاعله، ومفعوله محذوف قدره المفسر بقوله: (نبيه). قوله: ﴿وَٱلْفَتْحُ﴾ أل فيه عوض عن المضاف إليه عند الكوفيين، أي وفتحه، أو العائد محذوف عند البصريين، أي والفتح منه، وعطفه على النصر عطف خاص على عام. قوله: (فتح مكة) أي التي حصل به أعظم فتوح الإسلام، وأعز الله به دينه ورسوله وجنده وحرمه ولتبشر به أهل السماء، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وسببها:" أنه وقع الصلح بالحديبية، على أنه صلى الله عليه وسلم لا يتعرض لمن دخل في عقد قريش، وأنهم لا يتعرضون لمن دخل في عقده، وكان ممن دخل في عقده خزاعة، وفي عقدهم بنو بكر، وكانا متعاديين، فخرج بعض بني بكر وبني خزاعة فاقتتلوا، فأمدت قريش بني بكر، فخرج أربعون من خزاعة إليه صلى الله عليه وسلم يخبرونه ويستنصرونه، فقام وهو يجر رداءه ويقول: لا نصرت إن لم أنصركم بما أنصر به نفسي، ولما أحس أبو سفيان جاء إلى المدينة ليجدد العهد ويزيد في المدة، فأبى صلى الله عليه وسلم فرجع، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز، وأمر أهله أن يجهزوه، وأعلم الناس أنه سائر إلى مكة وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش، حتى نبغتها في بلادها، فتجهز الناس، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم عامداً إلى مكة لعشر مضين في رمضان، وقيل: لليلتين مضتا منه سنة ثمان من الهجرة، فصام رسول الله والناس معه، حتى إذا كان بالكديد أفطر، عقد الألوية والرايات ودفعها إلى القبائل، ثم مضى حتى نزل مر الظهران المسمى الآن بوادي فاطمة في عشرة آلاف، وقيل: أثني عشر ألفاً من المسلمين، ولم يتخلف من المهاجرين والأنصار عنه أحد، فلما نزل به أمرهم أن يوقدوا عشرة آلاف نار كل نار على حدة، فخرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار، وكان العباس بن عبد المطلب لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق مهاجراً بعياله، فلما رأى ذلك الأمر قال: والله لئن دخل رسول الله مكة عنوة قبل أن يستأمنوه، لهلكت قريش إلى آخر الدهر، قال العباس: فركبت بغلة رسول الله البيضاء، وخرجت لأجد حطاباً أو ذا حاجة يدخل مكة فيخبرهم بمكان رسول الله، ليخرجوا إليه فيستأمنوه، قبل أن يدخلهم عليهم عنوة، وإذا أنا بأبي سفيان فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟ فقلت: نعم، قال: مالك فداك أبي وأمي، قلت: ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول الله قد جاءكم بما لا قبل لكم به، بعشرة آلاف من المسلمين، قال: وما الحيلة، قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب عجز هذه البغلة حتى آتى بك رسول الله فأستأمنه لك، فأردفته ورجع حاصباه، فخرجت أركض به بغلة رسول الله، كلما مررت بنار من نيران المسلمين نظروا وقالوا: عم رسول الله صلى الله عليه سلم على بغلة رسول الله حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال: من هذا؟ وقام إلي، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: يا أبا سفيان عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله، وركضت البغلة فسبقته؛ فلما وصلت النبي صلى الله عليه وسلم دخلت عليه ودخل عليه عمر فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان عدو الله، قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد، فدعني أضرب عنقه، قال: فقلت: يا رسول الله إني قد أجرته، فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به، قال: فذهبت به إلى رحلي فبات عندي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله، فلما رآه قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله، قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، فما زال به حتى أسلم، قال العباس: يا رسول الله إن إبا سفيان رجل الفخر، فاجعل له شيئاً، قال: نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه عليه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهوآمن، فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه سلم: أحبسه بمضيق الوادي حتى تمر به جنود الله، قال: ففعلت ومرت به القبائل على راياتها، كلها مرت به قبيلة قال: من هؤلاء يا عباس؟ فأقول: سليم، فيقول: ما لي، ولسليم، ثم تمر قبيلة فيقول: من هؤلاء؟ فأقول: مزينة، فيقول: ما لي ولمزينة؟ فلا تمر قبيلة إلا سألني عنها، حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبة الخضراء، وفيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله من هؤلاء يا عباس؟ قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، فقال: ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً، قلت: ويحك إنها النبوة، قال: فنعم إذاً، فقلت: الحق الآن بقومك فحذرهم، فخرج سريعاً حتى أتى مكة، فصرخ في المسجد بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به. قالوا: وكيف السبيل؟ قال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: وحيك وما تغني عنا دارك، قال: من دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد، وجاء حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلما وبايعاه، ثم بعثهما رسول الله بين يديه إلى قريش يدعوانهم إلى الإسلام، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وضرب قبته بأعلى مكة، وأمر خالد بن الوليد فيمن أسلم من خزاعة بني سليم، أن يدخلوا من أسفل مكة وقال لهم: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس، فقال سعد: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة أي الحرب، اليوم تستحل الحرمة، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فأمره على لسان علي كرم الله وجهه أن يدفع الراية لابنه قيس، وأخبر أبا سفيان أنه لم يأمر بقتل قريش، وأن اليوم يوم المرحمة، وأن الله يعز قريشاً، وخشي سعد أن ابنه يقع منه شيء أيضاً، فذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فدفعها للزبير، وكانت راية النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين مع الزبير أيضاً، فبعثه ومعه المهاجرون وخيلهم، وأمره أن يدخل من أعلى مكة، وأن يغرز رايته بالحجون، ولا يبرح حتى يأتيه، وأما خالد بن الوليد فقدم على قريش، وبني بكر والأحابيش بأسفل مكة، فقاتلوهم فهزمهم الله، ولم يكن بمكة قتال غير ذلك، فقتل من المشركين اثنا عشر رجلاً، أو ثلاثة عشر رجلاً، ولم يقتل من المسلمين إلا ثلاثة، وكان قد أمرهم النبي أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا نفراً سماهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، منهم: عبد الله بن سعد، وعبد الله بن خطل، كانا قد أسلما ثم ارتدا، ومنهم: قينتان كانتا تغنيان بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن خطل، ومنهم الحويرث بن وهب، ومقيس بن صبابة، وإناس آخر، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج لما اطمأن بالناس، حتى جاء البيت فطاف به سبعاً على راحلته، يستلم الركن بمحجن في يده، فلما قضى طوافه، دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له فدخلها، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكن له الناس في المسجد، فقال: لا إله الله وحده لا شريك له، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزب وحده، ثم قال: يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟ خيراً، أخر كريم، وابن أخ كريم، ثم قال: اذهبوا أنتم الطلقاء، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان الله أمكن منهم عنوة، فبذلك سمي أهل مكة الطلقاء، ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فقام إليه علي بن أبي طالب، ومفتاح الكعبة في يده فقال: يا رسول الله اجمع لنا بين الحجابة والسقاية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين عثمان بن طلحة؟ فدعي لي، فقال: هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم وفاء وبر، واجتمع الناس للبيعة فجلس إليهم رسول الله على الصفا، وعمر بن الخطاب أسفل منه يأخذ على الناس، فبايعوه على السمع والطاعة فيما استطاعوا، لما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء وقد أحدقت به الأنصار، فقالوا فيما بينهم: أترون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم به؟ قال: ماذا قلتم؟ قالوا: لا شيء يا رسول الله، فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: معاذ الله المحيا محياكم، والممات مماتكم، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة، ثم خرج إلى هوازن وثقيف ". قوله: ﴿يَدْخُلُونَ﴾ نصب على الحال إن كانت رأى بصرية، أو مفعول ثان إن كانت عملية. قوله: ﴿أَفْوَاجاً﴾ حال من فاعل ﴿يَدْخُلُونَ﴾ وهو جمع فوج. والمعنى: يدخلون زمراً زمراً من غير قتال، وقوله: (جاءه العرب) لا مفهوم له بل وغيرهم. قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي قل: سبحان الله والحمد لله، تعجباً مما رأيت من عجيب إنعامه عليك. قوله: ﴿وَٱسْتَغْفِرْهُ﴾ أي سل الله الغفران، وإنما أمر الله تعالى نبيه بالاستغفار، مع أنه معصوم من جميع الذنوب صغيرها وكبيرها، ليترقى ويرجع إلى حضرة الحق، فإنه وإن كان مشغولاً بهداية الخلق، إلا أن مقام الصفوة والحضور والأنس أعلى وأجل، فهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، ليزداد في التواضع والافتقار، وليكون ختام عمله التنزيه والاستغفار، وفيه تشريع للأمة، إذا طعن أحدهم في السن، فالغالب قرب أجله، فليكثر من ذلك ليختم عمله به. قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ أي ولم يزل، فكان للدلالة على ثبوت خبرها لاسمها، ومعنى كونه ﴿تَوَّاباً﴾ أنه يكثر قبول التوبة، وبهذا اندفع ما يقال: إن كان للدلالة على ثبوت خبرها لاسمها في الماضي، وإذا كان كذلك فلا يصح أن يكون علة للاستغفار في الحال أو المستقبل. قوله: (وعلم بها أنه قد اقترب أجله) أي لقول مقاتل لما نزلت قرأها النبي صلى عليه وسلم على أصحابه، وفيهم أبو بكر وعمر وسعد بن أبي وقاص والعباس، ففرحوا واستبشروا وبكى العباس، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما يبكيك يا عم؟ قال: نعيت إليك نفسك، قال: إنه كما قلت، فعاش بعدها ستين يوماً، ما رئي فيها ضاحكاً. وقيل: نزلت في منى بعد أيام التشريق في حجة الوداع، فبكى عمر والعباس، فقيل لهما: هذا يوم فرح، فقالا: بل فيه نعي النبي صلى الله عليه وسلم، أي إخبار بموته. وعن ابن عمر: نزلت هذه السورة بمنى في حجة الوداع، ثم نزل:﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ﴾[المائدة: ٣] فعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعدها ثمانين يوماً، ثم نزلت آية الكلالة، فعاش بعدها خمسين يوماً، ثم نزل﴿ وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ﴾[البقرة: ٢٨١] فعاش بعدها إحدى وعشرين يوماً، وقيل: سبعة أيام، وقيل: غير ذلك قوله: (توفي صلى الله عليه وسلم سنة عشر) إن قلت: إن سنة عشر حج فيها وتوفي فيها ولده إبراهيم، فالصواب سنة إحدى عشرة. وأجيب: بأن المراد على تمام عشر من الهجرة إلى المدينة، وذلك لأن الهجرة كانت لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول، وكانت وفاته لاثنتي عشرة خلت من ربيع أول، فكانت وفاته صلى الله عليه وسلم على رأس العاشرة، بالنظر لجعل التاريخ من الهجرة، وإن كانت لشهرين وشيء مضت من الحادية عشرة، إذا اعتبر التاريخ من أول السنة الشرعية وهو المحرم، فيصح أن يقال: توفي سنة إحدى عشرة، بالنظر لجعل التاريخ من المحرم، وتوفي سنة عشرة بالنظر لجعل التاريخ من يوم دخول المدينة.
النصر 110:3
قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ المجيء في الأصل اسم للموجود الغائب إذا حضر، والمراد حصل وتحقق، ففيه استعارة تبعية، حيث شبه حصول النصر عند حضور وقته بالمجيء، ثم اشتق منه لفظ جاء بمعنى حصل، وعبر بالمجيء إشعاراً بأن الأمور متوجهة من الأزل إلى أوقاتها المعينة لها، وأن ما قدر الله حصوله فهو كالحاصل، كأنه موجود حضر من غيبته.
﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، منصوب بسبح الواقع جوابها، وهي على بابها إن كانت السورة نزلت قبل الفتح، فإن كان النزول بعد الفتح فـ ﴿إِذَا﴾ بمعنى إذ، متعلقة بمحذوف تقديره أكمل الله الأمر، وأتم النعمة على العباد، إذا جاء نصر الله.
﴿نَصْرُ ٱللَّهِ﴾ مضاف لفاعله، ومفعوله محذوف قدره المفسر بقوله: (نبيه). قوله: ﴿وَٱلْفَتْحُ﴾ أل فيه عوض عن المضاف إليه عند الكوفيين، أي وفتحه، أو العائد محذوف عند البصريين، أي والفتح منه، وعطفه على النصر عطف خاص على عام. قوله: (فتح مكة) أي التي حصل به أعظم فتوح الإسلام، وأعز الله به دينه ورسوله وجنده وحرمه ولتبشر به أهل السماء، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وسببها:" أنه وقع الصلح بالحديبية، على أنه صلى الله عليه وسلم لا يتعرض لمن دخل في عقد قريش، وأنهم لا يتعرضون لمن دخل في عقده، وكان ممن دخل في عقده خزاعة، وفي عقدهم بنو بكر، وكانا متعاديين، فخرج بعض بني بكر وبني خزاعة فاقتتلوا، فأمدت قريش بني بكر، فخرج أربعون من خزاعة إليه صلى الله عليه وسلم يخبرونه ويستنصرونه، فقام وهو يجر رداءه ويقول: لا نصرت إن لم أنصركم بما أنصر به نفسي، ولما أحس أبو سفيان جاء إلى المدينة ليجدد العهد ويزيد في المدة، فأبى صلى الله عليه وسلم فرجع، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز، وأمر أهله أن يجهزوه، وأعلم الناس أنه سائر إلى مكة وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش، حتى نبغتها في بلادها، فتجهز الناس، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم عامداً إلى مكة لعشر مضين في رمضان، وقيل: لليلتين مضتا منه سنة ثمان من الهجرة، فصام رسول الله والناس معه، حتى إذا كان بالكديد أفطر، عقد الألوية والرايات ودفعها إلى القبائل، ثم مضى حتى نزل مر الظهران المسمى الآن بوادي فاطمة في عشرة آلاف، وقيل: أثني عشر ألفاً من المسلمين، ولم يتخلف من المهاجرين والأنصار عنه أحد، فلما نزل به أمرهم أن يوقدوا عشرة آلاف نار كل نار على حدة، فخرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار، وكان العباس بن عبد المطلب لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق مهاجراً بعياله، فلما رأى ذلك الأمر قال: والله لئن دخل رسول الله مكة عنوة قبل أن يستأمنوه، لهلكت قريش إلى آخر الدهر، قال العباس: فركبت بغلة رسول الله البيضاء، وخرجت لأجد حطاباً أو ذا حاجة يدخل مكة فيخبرهم بمكان رسول الله، ليخرجوا إليه فيستأمنوه، قبل أن يدخلهم عليهم عنوة، وإذا أنا بأبي سفيان فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟ فقلت: نعم، قال: مالك فداك أبي وأمي، قلت: ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول الله قد جاءكم بما لا قبل لكم به، بعشرة آلاف من المسلمين، قال: وما الحيلة، قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب عجز هذه البغلة حتى آتى بك رسول الله فأستأمنه لك، فأردفته ورجع حاصباه، فخرجت أركض به بغلة رسول الله، كلما مررت بنار من نيران المسلمين نظروا وقالوا: عم رسول الله صلى الله عليه سلم على بغلة رسول الله حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال: من هذا؟ وقام إلي، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: يا أبا سفيان عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله، وركضت البغلة فسبقته؛ فلما وصلت النبي صلى الله عليه وسلم دخلت عليه ودخل عليه عمر فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان عدو الله، قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد، فدعني أضرب عنقه، قال: فقلت: يا رسول الله إني قد أجرته، فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به، قال: فذهبت به إلى رحلي فبات عندي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله، فلما رآه قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله، قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، فما زال به حتى أسلم، قال العباس: يا رسول الله إن إبا سفيان رجل الفخر، فاجعل له شيئاً، قال: نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه عليه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهوآمن، فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه سلم: أحبسه بمضيق الوادي حتى تمر به جنود الله، قال: ففعلت ومرت به القبائل على راياتها، كلها مرت به قبيلة قال: من هؤلاء يا عباس؟ فأقول: سليم، فيقول: ما لي، ولسليم، ثم تمر قبيلة فيقول: من هؤلاء؟ فأقول: مزينة، فيقول: ما لي ولمزينة؟ فلا تمر قبيلة إلا سألني عنها، حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبة الخضراء، وفيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله من هؤلاء يا عباس؟ قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، فقال: ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً، قلت: ويحك إنها النبوة، قال: فنعم إذاً، فقلت: الحق الآن بقومك فحذرهم، فخرج سريعاً حتى أتى مكة، فصرخ في المسجد بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به. قالوا: وكيف السبيل؟ قال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: وحيك وما تغني عنا دارك، قال: من دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد، وجاء حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلما وبايعاه، ثم بعثهما رسول الله بين يديه إلى قريش يدعوانهم إلى الإسلام، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وضرب قبته بأعلى مكة، وأمر خالد بن الوليد فيمن أسلم من خزاعة بني سليم، أن يدخلوا من أسفل مكة وقال لهم: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس، فقال سعد: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة أي الحرب، اليوم تستحل الحرمة، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فأمره على لسان علي كرم الله وجهه أن يدفع الراية لابنه قيس، وأخبر أبا سفيان أنه لم يأمر بقتل قريش، وأن اليوم يوم المرحمة، وأن الله يعز قريشاً، وخشي سعد أن ابنه يقع منه شيء أيضاً، فذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فدفعها للزبير، وكانت راية النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين مع الزبير أيضاً، فبعثه ومعه المهاجرون وخيلهم، وأمره أن يدخل من أعلى مكة، وأن يغرز رايته بالحجون، ولا يبرح حتى يأتيه، وأما خالد بن الوليد فقدم على قريش، وبني بكر والأحابيش بأسفل مكة، فقاتلوهم فهزمهم الله، ولم يكن بمكة قتال غير ذلك، فقتل من المشركين اثنا عشر رجلاً، أو ثلاثة عشر رجلاً، ولم يقتل من المسلمين إلا ثلاثة، وكان قد أمرهم النبي أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا نفراً سماهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، منهم: عبد الله بن سعد، وعبد الله بن خطل، كانا قد أسلما ثم ارتدا، ومنهم: قينتان كانتا تغنيان بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن خطل، ومنهم الحويرث بن وهب، ومقيس بن صبابة، وإناس آخر، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج لما اطمأن بالناس، حتى جاء البيت فطاف به سبعاً على راحلته، يستلم الركن بمحجن في يده، فلما قضى طوافه، دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له فدخلها، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكن له الناس في المسجد، فقال: لا إله الله وحده لا شريك له، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزب وحده، ثم قال: يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟ خيراً، أخر كريم، وابن أخ كريم، ثم قال: اذهبوا أنتم الطلقاء، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان الله أمكن منهم عنوة، فبذلك سمي أهل مكة الطلقاء، ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فقام إليه علي بن أبي طالب، ومفتاح الكعبة في يده فقال: يا رسول الله اجمع لنا بين الحجابة والسقاية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين عثمان بن طلحة؟ فدعي لي، فقال: هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم وفاء وبر، واجتمع الناس للبيعة فجلس إليهم رسول الله على الصفا، وعمر بن الخطاب أسفل منه يأخذ على الناس، فبايعوه على السمع والطاعة فيما استطاعوا، لما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء وقد أحدقت به الأنصار، فقالوا فيما بينهم: أترون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم به؟ قال: ماذا قلتم؟ قالوا: لا شيء يا رسول الله، فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: معاذ الله المحيا محياكم، والممات مماتكم، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة، ثم خرج إلى هوازن وثقيف ". قوله: ﴿يَدْخُلُونَ﴾ نصب على الحال إن كانت رأى بصرية، أو مفعول ثان إن كانت عملية. قوله: ﴿أَفْوَاجاً﴾ حال من فاعل ﴿يَدْخُلُونَ﴾ وهو جمع فوج. والمعنى: يدخلون زمراً زمراً من غير قتال، وقوله: (جاءه العرب) لا مفهوم له بل وغيرهم. قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي قل: سبحان الله والحمد لله، تعجباً مما رأيت من عجيب إنعامه عليك. قوله: ﴿وَٱسْتَغْفِرْهُ﴾ أي سل الله الغفران، وإنما أمر الله تعالى نبيه بالاستغفار، مع أنه معصوم من جميع الذنوب صغيرها وكبيرها، ليترقى ويرجع إلى حضرة الحق، فإنه وإن كان مشغولاً بهداية الخلق، إلا أن مقام الصفوة والحضور والأنس أعلى وأجل، فهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، ليزداد في التواضع والافتقار، وليكون ختام عمله التنزيه والاستغفار، وفيه تشريع للأمة، إذا طعن أحدهم في السن، فالغالب قرب أجله، فليكثر من ذلك ليختم عمله به. قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ أي ولم يزل، فكان للدلالة على ثبوت خبرها لاسمها، ومعنى كونه ﴿تَوَّاباً﴾ أنه يكثر قبول التوبة، وبهذا اندفع ما يقال: إن كان للدلالة على ثبوت خبرها لاسمها في الماضي، وإذا كان كذلك فلا يصح أن يكون علة للاستغفار في الحال أو المستقبل. قوله: (وعلم بها أنه قد اقترب أجله) أي لقول مقاتل لما نزلت قرأها النبي صلى عليه وسلم على أصحابه، وفيهم أبو بكر وعمر وسعد بن أبي وقاص والعباس، ففرحوا واستبشروا وبكى العباس، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما يبكيك يا عم؟ قال: نعيت إليك نفسك، قال: إنه كما قلت، فعاش بعدها ستين يوماً، ما رئي فيها ضاحكاً. وقيل: نزلت في منى بعد أيام التشريق في حجة الوداع، فبكى عمر والعباس، فقيل لهما: هذا يوم فرح، فقالا: بل فيه نعي النبي صلى الله عليه وسلم، أي إخبار بموته. وعن ابن عمر: نزلت هذه السورة بمنى في حجة الوداع، ثم نزل:﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ﴾[المائدة: ٣] فعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعدها ثمانين يوماً، ثم نزلت آية الكلالة، فعاش بعدها خمسين يوماً، ثم نزل﴿ وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ﴾[البقرة: ٢٨١] فعاش بعدها إحدى وعشرين يوماً، وقيل: سبعة أيام، وقيل: غير ذلك قوله: (توفي صلى الله عليه وسلم سنة عشر) إن قلت: إن سنة عشر حج فيها وتوفي فيها ولده إبراهيم، فالصواب سنة إحدى عشرة. وأجيب: بأن المراد على تمام عشر من الهجرة إلى المدينة، وذلك لأن الهجرة كانت لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول، وكانت وفاته لاثنتي عشرة خلت من ربيع أول، فكانت وفاته صلى الله عليه وسلم على رأس العاشرة، بالنظر لجعل التاريخ من الهجرة، وإن كانت لشهرين وشيء مضت من الحادية عشرة، إذا اعتبر التاريخ من أول السنة الشرعية وهو المحرم، فيصح أن يقال: توفي سنة إحدى عشرة، بالنظر لجعل التاريخ من المحرم، وتوفي سنة عشرة بالنظر لجعل التاريخ من يوم دخول المدينة.
المسد 111:1
قوله: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ﴾ بفتح الهاء وسكونها، سبعيتان ولغتان جيدتان، واتفق القراء على فتح الهاء في قوله: ﴿ذَاتَ لَهَبٍ﴾ والفرق أنها فاصلة، فلو سكنت زال التشاكل. قوله: (وهذه خبر) أي إخبار بحصول التباب له الذي دعا به عليه في الجملة الأولى، وهذا أحد قولين، وقيل: إن كلتا الجملتين دعاء، وصرح بكنيته لقبح اسمه، فإن اسمه عبد العزى، أو لأن الله تعالى أراد أن يحقق نسبته بأن يدخله النار. قوله: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ﴾ يصح أن تكون ﴿مَآ﴾ نافية أو استفهامية، وعلى الثاني فهو في محل نصب بـ ﴿أَغْنَىٰ﴾ والتقدير: أي شيء أغنى قدم لكونه له صدر الكلام. قوله: ﴿مَالُهُ﴾ أي الموروث من آبائه. قوله: (وكسبه) أشار بذلك إلى أن ﴿مَا﴾ مصدرية، ويصح أن تكون اسم موصول بمعنى الذي، والعائد محذوف، أي والذي كسبه. قوله: (أي ولده) وهو عتيبة بالتصغير، وأما عتبة ومعتب فقد أسلما، قال بعضهم: كرهت عتيبة إذ أجرما وأحببت عتبة إذْ أسلماكذا معتب مسلم فاحترز وخف أن تسب فتى مسلماومات أبو لهب بداء يسمى العدسة، بعد وقعة بدر لسبع ليال، والعدسة قرحة تخرج بالبدن فتقتل صاحبها، كانت العرب تهرب منها لزعمهم أنها تعدي. قوله: ﴿سَيَصْلَىٰ نَاراً﴾ أي يحترق بها. قوله: (فهي مآل تكنيته) جواب عما يقال: كيف ذكره بكنيته دون اسمه وهو عبد العزى، مع أن ذلك إكرام واحترام؟ وإيضاحه أنه ذكره بكنيته لموافقة حاله لها، فإن مصيره إلى النار ذات اللهب، أو لأن ذكره باسمه خلاف الواقع حقيقة، لأنه عبد الله لا عبد العزى (وهي أم جميل) أي وهي أخت أبي سفيان بن حرب، وكانت عوراء وماتت مخنوقة بحبلها. قوله: ﴿حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ﴾ إن قلت: إنها كانت من بيت العز والشرف، فكيف يليق بها حمل الحطب؟ قلت: إنها لشدة عداوتها للنبي صلى الله عليه وسلم لا تستعين في ذلك بأحد، بل تفعله بنفسها. قوله: (بالرفع) أي على أنه نعت لامرأته، وقرأ عاصم ﴿حَمَّالَةَ﴾ بالنصب على الذم أو الحال من امرأته، والمعنى: أنها تصل النار حال كونها ﴿حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ﴾ لما ورد:" أنها تحمل يوم القيامة حزمة من حطب النار، كما كانت تحمل الحطب في الدنيا ". قوله: (والسعدان) هو نبت له شوك يشبه به حلمه الثدي وهو بوزن سرحان. قوله: (تلقيه) أي بالليل لقصد أذية النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ قيل: إنها في الدنيا كانت تحتطب في حبل من ليف تجعله في عنقها، فبينما هي ذات يوم حاملة للحزمة، فقعدت على حجر لتستريح، إذا أتاها ملك فجذبها من خلفها فأهلكها خنقاً بحبلها، وقيل: هذا في الآخرة، قال ابن عباس: هو سلسلة من حديد، ذرعها سبعون ذرعاً، تدخل من فيها وتخرج من دبرها، ويكون سائرها في عنقها، فتلت من حديد فتلا محكماً اهـ. ويكون المراد بالمسد الحديد، فإنه يطلب عليه أيضاً كما يؤخذ من القاموس، ولا مانع من الجمع، قوله: (أي ليف) قيل: هو ليف المقل وهو شجر الدوم أبيض مشهور، وقيل: مطلق الليف قوله: (وهذه الجملة) أي المركبة من المبتدأ الذي هو ﴿حَبْلٌ﴾، ومن الخبر الذي هو ﴿فِي جِيدِهَا﴾.
قوله: (أو خبر مبتدأ مقدر) أي وتقديره: المرأة المذكورة ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾.
المسد 111:2
قوله: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ﴾ بفتح الهاء وسكونها، سبعيتان ولغتان جيدتان، واتفق القراء على فتح الهاء في قوله: ﴿ذَاتَ لَهَبٍ﴾ والفرق أنها فاصلة، فلو سكنت زال التشاكل. قوله: (وهذه خبر) أي إخبار بحصول التباب له الذي دعا به عليه في الجملة الأولى، وهذا أحد قولين، وقيل: إن كلتا الجملتين دعاء، وصرح بكنيته لقبح اسمه، فإن اسمه عبد العزى، أو لأن الله تعالى أراد أن يحقق نسبته بأن يدخله النار. قوله: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ﴾ يصح أن تكون ﴿مَآ﴾ نافية أو استفهامية، وعلى الثاني فهو في محل نصب بـ ﴿أَغْنَىٰ﴾ والتقدير: أي شيء أغنى قدم لكونه له صدر الكلام. قوله: ﴿مَالُهُ﴾ أي الموروث من آبائه. قوله: (وكسبه) أشار بذلك إلى أن ﴿مَا﴾ مصدرية، ويصح أن تكون اسم موصول بمعنى الذي، والعائد محذوف، أي والذي كسبه. قوله: (أي ولده) وهو عتيبة بالتصغير، وأما عتبة ومعتب فقد أسلما، قال بعضهم: كرهت عتيبة إذ أجرما وأحببت عتبة إذْ أسلماكذا معتب مسلم فاحترز وخف أن تسب فتى مسلماومات أبو لهب بداء يسمى العدسة، بعد وقعة بدر لسبع ليال، والعدسة قرحة تخرج بالبدن فتقتل صاحبها، كانت العرب تهرب منها لزعمهم أنها تعدي. قوله: ﴿سَيَصْلَىٰ نَاراً﴾ أي يحترق بها. قوله: (فهي مآل تكنيته) جواب عما يقال: كيف ذكره بكنيته دون اسمه وهو عبد العزى، مع أن ذلك إكرام واحترام؟ وإيضاحه أنه ذكره بكنيته لموافقة حاله لها، فإن مصيره إلى النار ذات اللهب، أو لأن ذكره باسمه خلاف الواقع حقيقة، لأنه عبد الله لا عبد العزى (وهي أم جميل) أي وهي أخت أبي سفيان بن حرب، وكانت عوراء وماتت مخنوقة بحبلها. قوله: ﴿حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ﴾ إن قلت: إنها كانت من بيت العز والشرف، فكيف يليق بها حمل الحطب؟ قلت: إنها لشدة عداوتها للنبي صلى الله عليه وسلم لا تستعين في ذلك بأحد، بل تفعله بنفسها. قوله: (بالرفع) أي على أنه نعت لامرأته، وقرأ عاصم ﴿حَمَّالَةَ﴾ بالنصب على الذم أو الحال من امرأته، والمعنى: أنها تصل النار حال كونها ﴿حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ﴾ لما ورد:" أنها تحمل يوم القيامة حزمة من حطب النار، كما كانت تحمل الحطب في الدنيا ". قوله: (والسعدان) هو نبت له شوك يشبه به حلمه الثدي وهو بوزن سرحان. قوله: (تلقيه) أي بالليل لقصد أذية النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ قيل: إنها في الدنيا كانت تحتطب في حبل من ليف تجعله في عنقها، فبينما هي ذات يوم حاملة للحزمة، فقعدت على حجر لتستريح، إذا أتاها ملك فجذبها من خلفها فأهلكها خنقاً بحبلها، وقيل: هذا في الآخرة، قال ابن عباس: هو سلسلة من حديد، ذرعها سبعون ذرعاً، تدخل من فيها وتخرج من دبرها، ويكون سائرها في عنقها، فتلت من حديد فتلا محكماً اهـ. ويكون المراد بالمسد الحديد، فإنه يطلب عليه أيضاً كما يؤخذ من القاموس، ولا مانع من الجمع، قوله: (أي ليف) قيل: هو ليف المقل وهو شجر الدوم أبيض مشهور، وقيل: مطلق الليف قوله: (وهذه الجملة) أي المركبة من المبتدأ الذي هو ﴿حَبْلٌ﴾، ومن الخبر الذي هو ﴿فِي جِيدِهَا﴾.
قوله: (أو خبر مبتدأ مقدر) أي وتقديره: المرأة المذكورة ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾.
المسد 111:3
قوله: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ﴾ بفتح الهاء وسكونها، سبعيتان ولغتان جيدتان، واتفق القراء على فتح الهاء في قوله: ﴿ذَاتَ لَهَبٍ﴾ والفرق أنها فاصلة، فلو سكنت زال التشاكل. قوله: (وهذه خبر) أي إخبار بحصول التباب له الذي دعا به عليه في الجملة الأولى، وهذا أحد قولين، وقيل: إن كلتا الجملتين دعاء، وصرح بكنيته لقبح اسمه، فإن اسمه عبد العزى، أو لأن الله تعالى أراد أن يحقق نسبته بأن يدخله النار. قوله: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ﴾ يصح أن تكون ﴿مَآ﴾ نافية أو استفهامية، وعلى الثاني فهو في محل نصب بـ ﴿أَغْنَىٰ﴾ والتقدير: أي شيء أغنى قدم لكونه له صدر الكلام. قوله: ﴿مَالُهُ﴾ أي الموروث من آبائه. قوله: (وكسبه) أشار بذلك إلى أن ﴿مَا﴾ مصدرية، ويصح أن تكون اسم موصول بمعنى الذي، والعائد محذوف، أي والذي كسبه. قوله: (أي ولده) وهو عتيبة بالتصغير، وأما عتبة ومعتب فقد أسلما، قال بعضهم: كرهت عتيبة إذ أجرما وأحببت عتبة إذْ أسلماكذا معتب مسلم فاحترز وخف أن تسب فتى مسلماومات أبو لهب بداء يسمى العدسة، بعد وقعة بدر لسبع ليال، والعدسة قرحة تخرج بالبدن فتقتل صاحبها، كانت العرب تهرب منها لزعمهم أنها تعدي. قوله: ﴿سَيَصْلَىٰ نَاراً﴾ أي يحترق بها. قوله: (فهي مآل تكنيته) جواب عما يقال: كيف ذكره بكنيته دون اسمه وهو عبد العزى، مع أن ذلك إكرام واحترام؟ وإيضاحه أنه ذكره بكنيته لموافقة حاله لها، فإن مصيره إلى النار ذات اللهب، أو لأن ذكره باسمه خلاف الواقع حقيقة، لأنه عبد الله لا عبد العزى (وهي أم جميل) أي وهي أخت أبي سفيان بن حرب، وكانت عوراء وماتت مخنوقة بحبلها. قوله: ﴿حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ﴾ إن قلت: إنها كانت من بيت العز والشرف، فكيف يليق بها حمل الحطب؟ قلت: إنها لشدة عداوتها للنبي صلى الله عليه وسلم لا تستعين في ذلك بأحد، بل تفعله بنفسها. قوله: (بالرفع) أي على أنه نعت لامرأته، وقرأ عاصم ﴿حَمَّالَةَ﴾ بالنصب على الذم أو الحال من امرأته، والمعنى: أنها تصل النار حال كونها ﴿حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ﴾ لما ورد:" أنها تحمل يوم القيامة حزمة من حطب النار، كما كانت تحمل الحطب في الدنيا ". قوله: (والسعدان) هو نبت له شوك يشبه به حلمه الثدي وهو بوزن سرحان. قوله: (تلقيه) أي بالليل لقصد أذية النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ قيل: إنها في الدنيا كانت تحتطب في حبل من ليف تجعله في عنقها، فبينما هي ذات يوم حاملة للحزمة، فقعدت على حجر لتستريح، إذا أتاها ملك فجذبها من خلفها فأهلكها خنقاً بحبلها، وقيل: هذا في الآخرة، قال ابن عباس: هو سلسلة من حديد، ذرعها سبعون ذرعاً، تدخل من فيها وتخرج من دبرها، ويكون سائرها في عنقها، فتلت من حديد فتلا محكماً اهـ. ويكون المراد بالمسد الحديد، فإنه يطلب عليه أيضاً كما يؤخذ من القاموس، ولا مانع من الجمع، قوله: (أي ليف) قيل: هو ليف المقل وهو شجر الدوم أبيض مشهور، وقيل: مطلق الليف قوله: (وهذه الجملة) أي المركبة من المبتدأ الذي هو ﴿حَبْلٌ﴾، ومن الخبر الذي هو ﴿فِي جِيدِهَا﴾.
قوله: (أو خبر مبتدأ مقدر) أي وتقديره: المرأة المذكورة ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾.
المسد 111:4
قوله: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ﴾ بفتح الهاء وسكونها، سبعيتان ولغتان جيدتان، واتفق القراء على فتح الهاء في قوله: ﴿ذَاتَ لَهَبٍ﴾ والفرق أنها فاصلة، فلو سكنت زال التشاكل. قوله: (وهذه خبر) أي إخبار بحصول التباب له الذي دعا به عليه في الجملة الأولى، وهذا أحد قولين، وقيل: إن كلتا الجملتين دعاء، وصرح بكنيته لقبح اسمه، فإن اسمه عبد العزى، أو لأن الله تعالى أراد أن يحقق نسبته بأن يدخله النار. قوله: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ﴾ يصح أن تكون ﴿مَآ﴾ نافية أو استفهامية، وعلى الثاني فهو في محل نصب بـ ﴿أَغْنَىٰ﴾ والتقدير: أي شيء أغنى قدم لكونه له صدر الكلام. قوله: ﴿مَالُهُ﴾ أي الموروث من آبائه. قوله: (وكسبه) أشار بذلك إلى أن ﴿مَا﴾ مصدرية، ويصح أن تكون اسم موصول بمعنى الذي، والعائد محذوف، أي والذي كسبه. قوله: (أي ولده) وهو عتيبة بالتصغير، وأما عتبة ومعتب فقد أسلما، قال بعضهم: كرهت عتيبة إذ أجرما وأحببت عتبة إذْ أسلماكذا معتب مسلم فاحترز وخف أن تسب فتى مسلماومات أبو لهب بداء يسمى العدسة، بعد وقعة بدر لسبع ليال، والعدسة قرحة تخرج بالبدن فتقتل صاحبها، كانت العرب تهرب منها لزعمهم أنها تعدي. قوله: ﴿سَيَصْلَىٰ نَاراً﴾ أي يحترق بها. قوله: (فهي مآل تكنيته) جواب عما يقال: كيف ذكره بكنيته دون اسمه وهو عبد العزى، مع أن ذلك إكرام واحترام؟ وإيضاحه أنه ذكره بكنيته لموافقة حاله لها، فإن مصيره إلى النار ذات اللهب، أو لأن ذكره باسمه خلاف الواقع حقيقة، لأنه عبد الله لا عبد العزى (وهي أم جميل) أي وهي أخت أبي سفيان بن حرب، وكانت عوراء وماتت مخنوقة بحبلها. قوله: ﴿حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ﴾ إن قلت: إنها كانت من بيت العز والشرف، فكيف يليق بها حمل الحطب؟ قلت: إنها لشدة عداوتها للنبي صلى الله عليه وسلم لا تستعين في ذلك بأحد، بل تفعله بنفسها. قوله: (بالرفع) أي على أنه نعت لامرأته، وقرأ عاصم ﴿حَمَّالَةَ﴾ بالنصب على الذم أو الحال من امرأته، والمعنى: أنها تصل النار حال كونها ﴿حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ﴾ لما ورد:" أنها تحمل يوم القيامة حزمة من حطب النار، كما كانت تحمل الحطب في الدنيا ". قوله: (والسعدان) هو نبت له شوك يشبه به حلمه الثدي وهو بوزن سرحان. قوله: (تلقيه) أي بالليل لقصد أذية النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ قيل: إنها في الدنيا كانت تحتطب في حبل من ليف تجعله في عنقها، فبينما هي ذات يوم حاملة للحزمة، فقعدت على حجر لتستريح، إذا أتاها ملك فجذبها من خلفها فأهلكها خنقاً بحبلها، وقيل: هذا في الآخرة، قال ابن عباس: هو سلسلة من حديد، ذرعها سبعون ذرعاً، تدخل من فيها وتخرج من دبرها، ويكون سائرها في عنقها، فتلت من حديد فتلا محكماً اهـ. ويكون المراد بالمسد الحديد، فإنه يطلب عليه أيضاً كما يؤخذ من القاموس، ولا مانع من الجمع، قوله: (أي ليف) قيل: هو ليف المقل وهو شجر الدوم أبيض مشهور، وقيل: مطلق الليف قوله: (وهذه الجملة) أي المركبة من المبتدأ الذي هو ﴿حَبْلٌ﴾، ومن الخبر الذي هو ﴿فِي جِيدِهَا﴾.
قوله: (أو خبر مبتدأ مقدر) أي وتقديره: المرأة المذكورة ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾.
المسد 111:5
قوله: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ﴾ بفتح الهاء وسكونها، سبعيتان ولغتان جيدتان، واتفق القراء على فتح الهاء في قوله: ﴿ذَاتَ لَهَبٍ﴾ والفرق أنها فاصلة، فلو سكنت زال التشاكل. قوله: (وهذه خبر) أي إخبار بحصول التباب له الذي دعا به عليه في الجملة الأولى، وهذا أحد قولين، وقيل: إن كلتا الجملتين دعاء، وصرح بكنيته لقبح اسمه، فإن اسمه عبد العزى، أو لأن الله تعالى أراد أن يحقق نسبته بأن يدخله النار. قوله: ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ﴾ يصح أن تكون ﴿مَآ﴾ نافية أو استفهامية، وعلى الثاني فهو في محل نصب بـ ﴿أَغْنَىٰ﴾ والتقدير: أي شيء أغنى قدم لكونه له صدر الكلام. قوله: ﴿مَالُهُ﴾ أي الموروث من آبائه. قوله: (وكسبه) أشار بذلك إلى أن ﴿مَا﴾ مصدرية، ويصح أن تكون اسم موصول بمعنى الذي، والعائد محذوف، أي والذي كسبه. قوله: (أي ولده) وهو عتيبة بالتصغير، وأما عتبة ومعتب فقد أسلما، قال بعضهم: كرهت عتيبة إذ أجرما وأحببت عتبة إذْ أسلماكذا معتب مسلم فاحترز وخف أن تسب فتى مسلماومات أبو لهب بداء يسمى العدسة، بعد وقعة بدر لسبع ليال، والعدسة قرحة تخرج بالبدن فتقتل صاحبها، كانت العرب تهرب منها لزعمهم أنها تعدي. قوله: ﴿سَيَصْلَىٰ نَاراً﴾ أي يحترق بها. قوله: (فهي مآل تكنيته) جواب عما يقال: كيف ذكره بكنيته دون اسمه وهو عبد العزى، مع أن ذلك إكرام واحترام؟ وإيضاحه أنه ذكره بكنيته لموافقة حاله لها، فإن مصيره إلى النار ذات اللهب، أو لأن ذكره باسمه خلاف الواقع حقيقة، لأنه عبد الله لا عبد العزى (وهي أم جميل) أي وهي أخت أبي سفيان بن حرب، وكانت عوراء وماتت مخنوقة بحبلها. قوله: ﴿حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ﴾ إن قلت: إنها كانت من بيت العز والشرف، فكيف يليق بها حمل الحطب؟ قلت: إنها لشدة عداوتها للنبي صلى الله عليه وسلم لا تستعين في ذلك بأحد، بل تفعله بنفسها. قوله: (بالرفع) أي على أنه نعت لامرأته، وقرأ عاصم ﴿حَمَّالَةَ﴾ بالنصب على الذم أو الحال من امرأته، والمعنى: أنها تصل النار حال كونها ﴿حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ﴾ لما ورد:" أنها تحمل يوم القيامة حزمة من حطب النار، كما كانت تحمل الحطب في الدنيا ". قوله: (والسعدان) هو نبت له شوك يشبه به حلمه الثدي وهو بوزن سرحان. قوله: (تلقيه) أي بالليل لقصد أذية النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ قيل: إنها في الدنيا كانت تحتطب في حبل من ليف تجعله في عنقها، فبينما هي ذات يوم حاملة للحزمة، فقعدت على حجر لتستريح، إذا أتاها ملك فجذبها من خلفها فأهلكها خنقاً بحبلها، وقيل: هذا في الآخرة، قال ابن عباس: هو سلسلة من حديد، ذرعها سبعون ذرعاً، تدخل من فيها وتخرج من دبرها، ويكون سائرها في عنقها، فتلت من حديد فتلا محكماً اهـ. ويكون المراد بالمسد الحديد، فإنه يطلب عليه أيضاً كما يؤخذ من القاموس، ولا مانع من الجمع، قوله: (أي ليف) قيل: هو ليف المقل وهو شجر الدوم أبيض مشهور، وقيل: مطلق الليف قوله: (وهذه الجملة) أي المركبة من المبتدأ الذي هو ﴿حَبْلٌ﴾، ومن الخبر الذي هو ﴿فِي جِيدِهَا﴾.
قوله: (أو خبر مبتدأ مقدر) أي وتقديره: المرأة المذكورة ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾.
الإخلاص 112:1
قوله: (فالله خبر هو) إلخ، هذا مبني على أن الضمير ﴿هُوَ﴾ عائد على المسؤول عنه في كلام الكفار، وقيل: إنه ضمير الشأن يفسره الجملة بعده فـ ﴿ٱللَّهُ﴾ مبتدأ و ﴿أَحَدٌ﴾ خبره، والجملة خبر ﴿هُوَ﴾ وهمزة ﴿أَحَدٌ﴾ بدل من واو، لأنه من الوحدة، أو ليست مبدلة من شيء قولان، وإثبات لفظ ﴿قُلْ﴾ مع تنوين ﴿أَحَدٌ﴾ هو قراءة العامة، وقرئ شذوذاً بحذف ﴿قُلْ﴾ وقرئ أيضاً: قل هو الله أحد، وقرئ أيضاً بحذف التنوين لالتقاء الساكنين، واعلم أن هذه الآية يأخذ منها عقائد التوحيد، وذلك لأن الله تعالى علم على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد، ومن كان وجوده واجباً، لزم اتصافه بسائر الكمالات، كالقدرة والإدارة والعلم والحياة، وقوله: ﴿أَحَدٌ﴾ يدل على الصفات السلبية وهي: القدم والبقاء والغنى المطلق والتنزه عن الشبيه والنظير والمثيل في الذات والصفات والأفعال، وبذلك انتفت الكموم الخمسة وهي: لكم المتصل والمنفصل في الذات والصفات والمنفصل في الأفعال، فالمتصل في الذات والصفات هو التركيب، والمنفصل فيهما هو الشبيه والنظير، والمنفصل في الأفعال هو الشبيه فيها، وكل هذه منفية ومستحيلة عليه تعالى، وأما المتصل في الأفعال فهو ثابت، ولأن أفعال الله متعددة لا نهاية لها، بقي شيء آخر وهو أن ﴿أَحَدٌ﴾ يستعمل في النفي، وأما واحد فيستعمل في الإثبات، فلم ذكره في الإثبات؟ أجيب: بأن ذلك أغلبيّ، وقد يستعمل كل في كل، والقرآن وارد بذلك في غيره آية، وآثر الأحد على الواحد لمراعاة الفواصل. قوله: (وأحد بدل) أي بدل نكرة من معرفة وهو جائز. قوله: ﴿ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ﴾ نتيجة ما قبله، ولذا ترك العاطف، وذلك لأنه حيث ثبت أنه متصف بالكمالات منزه عن النقائض، فلا يقصد غيره، ولا يعول إلا عليه. قوله: (أي المقصود في الحوائج) هذا أحد أقوال في معنى ﴿ٱلصَّمَدُ﴾ وهو المشهور، وقيل: هو الذي لا جوف له، وقيل: هو الدائم الباقي بعد فناء خلقه، وقيل: هو الذي ليس فوقه أحد، وقيل: غير ذلك، وإنما عرف ﴿ٱلصَّمَدُ﴾ لعلمهم به ومعرفتهم إياه، بخلاف أحديته، وكرر لفظ ﴿ٱللَّهُ﴾ إشعاراً بأن من لم يتصف به لا يستحق الألوهية. قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ رد على مشركي العرب القائلين: الملائكة بنات الله، واليهود القائلين: عزير ابن الله، والنصارى القائلين: المسيح بان الله، وهذه الجملة نتيجة ما قبلها، لأنه حيث ثبت أنه متصف بالكمالات، منزه عن النقائص، مقصود في جميع الأمور، فلم يكن علة في غيره، ولا غيره علة فيه، وأتى بالعاطف في الجملتين الأخيرتين دون ما عداهما، لأنهما سيقتا لمعنى وهو نفي المماثلة عنه تعالى بوجوهها، لأن المماثلة إما ولد أو والد أو نظير، فلتغاير الأقسام أتى بالعطف لأنه يقتضي المغايرة، وترك العاطف في ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ لأنه مؤكد للصمدية، لأن الغني عن كل شيء، المحتاج إليه كل ما سواه، لا يكون والداً ولا مولوداً، فهذه الجمل الثلاث في معنى جملة واحدة. قوله: (لانتفاء مجانسته) أي لغيره، لأن الولد من جنس أبيه، والله لا يجانسه أحد، لأنه واجب وغيره ممكن، ولأن الولد يطلب إما لإعانة والده، أو لتخلفه بعده، والله تعالى غني عن كل شيء ولا يفنى. قوله: (لانتفاء الحدوث عنه) أي لأن كل مولود جسم ومحدث، والله تعالى ليس كذلك. قوله: (ومماثلاً) عطف تفسير، واعلم أن الكفر يعم الشبيه والنظير والمثيل، فالمثيل هو المشارك لك في جميع صفاتك، والشبيه هو المشارك في غالبها، والنظير هو الماشرك في أقلها، والله تعالى منزه عن ذلك كله. قوله: (وقدم عليه) أي وكان الأصل أن يؤخر الظرف، لكن قدم لأهميته اعتناء بنفي المكافأة عنه تعالى لأن المقصود. قوله: (لأنه محط القصد بالنفي) أي فالقصد نفي المكافأة عن ذات الله، فكأن تقديمه أولى، وهذه السورة الشريفة، نفت أصول الكفر الثمانية: التركيب والعدد والنقص بمعنى الاحتياج والقلة بمعنى البساطة والعلة والمعلول والشبيه والنظير، أما الكثرة والعدد فانتفاؤهما بقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ والنقص والقلة بقوله: ﴿ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ﴾ والعلة والمعلول بقوله ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ والشبيه والنظير بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾.
الإخلاص 112:2
قوله: (فالله خبر هو) إلخ، هذا مبني على أن الضمير ﴿هُوَ﴾ عائد على المسؤول عنه في كلام الكفار، وقيل: إنه ضمير الشأن يفسره الجملة بعده فـ ﴿ٱللَّهُ﴾ مبتدأ و ﴿أَحَدٌ﴾ خبره، والجملة خبر ﴿هُوَ﴾ وهمزة ﴿أَحَدٌ﴾ بدل من واو، لأنه من الوحدة، أو ليست مبدلة من شيء قولان، وإثبات لفظ ﴿قُلْ﴾ مع تنوين ﴿أَحَدٌ﴾ هو قراءة العامة، وقرئ شذوذاً بحذف ﴿قُلْ﴾ وقرئ أيضاً: قل هو الله أحد، وقرئ أيضاً بحذف التنوين لالتقاء الساكنين، واعلم أن هذه الآية يأخذ منها عقائد التوحيد، وذلك لأن الله تعالى علم على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد، ومن كان وجوده واجباً، لزم اتصافه بسائر الكمالات، كالقدرة والإدارة والعلم والحياة، وقوله: ﴿أَحَدٌ﴾ يدل على الصفات السلبية وهي: القدم والبقاء والغنى المطلق والتنزه عن الشبيه والنظير والمثيل في الذات والصفات والأفعال، وبذلك انتفت الكموم الخمسة وهي: لكم المتصل والمنفصل في الذات والصفات والمنفصل في الأفعال، فالمتصل في الذات والصفات هو التركيب، والمنفصل فيهما هو الشبيه والنظير، والمنفصل في الأفعال هو الشبيه فيها، وكل هذه منفية ومستحيلة عليه تعالى، وأما المتصل في الأفعال فهو ثابت، ولأن أفعال الله متعددة لا نهاية لها، بقي شيء آخر وهو أن ﴿أَحَدٌ﴾ يستعمل في النفي، وأما واحد فيستعمل في الإثبات، فلم ذكره في الإثبات؟ أجيب: بأن ذلك أغلبيّ، وقد يستعمل كل في كل، والقرآن وارد بذلك في غيره آية، وآثر الأحد على الواحد لمراعاة الفواصل. قوله: (وأحد بدل) أي بدل نكرة من معرفة وهو جائز. قوله: ﴿ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ﴾ نتيجة ما قبله، ولذا ترك العاطف، وذلك لأنه حيث ثبت أنه متصف بالكمالات منزه عن النقائض، فلا يقصد غيره، ولا يعول إلا عليه. قوله: (أي المقصود في الحوائج) هذا أحد أقوال في معنى ﴿ٱلصَّمَدُ﴾ وهو المشهور، وقيل: هو الذي لا جوف له، وقيل: هو الدائم الباقي بعد فناء خلقه، وقيل: هو الذي ليس فوقه أحد، وقيل: غير ذلك، وإنما عرف ﴿ٱلصَّمَدُ﴾ لعلمهم به ومعرفتهم إياه، بخلاف أحديته، وكرر لفظ ﴿ٱللَّهُ﴾ إشعاراً بأن من لم يتصف به لا يستحق الألوهية. قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ رد على مشركي العرب القائلين: الملائكة بنات الله، واليهود القائلين: عزير ابن الله، والنصارى القائلين: المسيح بان الله، وهذه الجملة نتيجة ما قبلها، لأنه حيث ثبت أنه متصف بالكمالات، منزه عن النقائص، مقصود في جميع الأمور، فلم يكن علة في غيره، ولا غيره علة فيه، وأتى بالعاطف في الجملتين الأخيرتين دون ما عداهما، لأنهما سيقتا لمعنى وهو نفي المماثلة عنه تعالى بوجوهها، لأن المماثلة إما ولد أو والد أو نظير، فلتغاير الأقسام أتى بالعطف لأنه يقتضي المغايرة، وترك العاطف في ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ لأنه مؤكد للصمدية، لأن الغني عن كل شيء، المحتاج إليه كل ما سواه، لا يكون والداً ولا مولوداً، فهذه الجمل الثلاث في معنى جملة واحدة. قوله: (لانتفاء مجانسته) أي لغيره، لأن الولد من جنس أبيه، والله لا يجانسه أحد، لأنه واجب وغيره ممكن، ولأن الولد يطلب إما لإعانة والده، أو لتخلفه بعده، والله تعالى غني عن كل شيء ولا يفنى. قوله: (لانتفاء الحدوث عنه) أي لأن كل مولود جسم ومحدث، والله تعالى ليس كذلك. قوله: (ومماثلاً) عطف تفسير، واعلم أن الكفر يعم الشبيه والنظير والمثيل، فالمثيل هو المشارك لك في جميع صفاتك، والشبيه هو المشارك في غالبها، والنظير هو الماشرك في أقلها، والله تعالى منزه عن ذلك كله. قوله: (وقدم عليه) أي وكان الأصل أن يؤخر الظرف، لكن قدم لأهميته اعتناء بنفي المكافأة عنه تعالى لأن المقصود. قوله: (لأنه محط القصد بالنفي) أي فالقصد نفي المكافأة عن ذات الله، فكأن تقديمه أولى، وهذه السورة الشريفة، نفت أصول الكفر الثمانية: التركيب والعدد والنقص بمعنى الاحتياج والقلة بمعنى البساطة والعلة والمعلول والشبيه والنظير، أما الكثرة والعدد فانتفاؤهما بقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ والنقص والقلة بقوله: ﴿ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ﴾ والعلة والمعلول بقوله ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ والشبيه والنظير بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾.
الإخلاص 112:3
قوله: (فالله خبر هو) إلخ، هذا مبني على أن الضمير ﴿هُوَ﴾ عائد على المسؤول عنه في كلام الكفار، وقيل: إنه ضمير الشأن يفسره الجملة بعده فـ ﴿ٱللَّهُ﴾ مبتدأ و ﴿أَحَدٌ﴾ خبره، والجملة خبر ﴿هُوَ﴾ وهمزة ﴿أَحَدٌ﴾ بدل من واو، لأنه من الوحدة، أو ليست مبدلة من شيء قولان، وإثبات لفظ ﴿قُلْ﴾ مع تنوين ﴿أَحَدٌ﴾ هو قراءة العامة، وقرئ شذوذاً بحذف ﴿قُلْ﴾ وقرئ أيضاً: قل هو الله أحد، وقرئ أيضاً بحذف التنوين لالتقاء الساكنين، واعلم أن هذه الآية يأخذ منها عقائد التوحيد، وذلك لأن الله تعالى علم على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد، ومن كان وجوده واجباً، لزم اتصافه بسائر الكمالات، كالقدرة والإدارة والعلم والحياة، وقوله: ﴿أَحَدٌ﴾ يدل على الصفات السلبية وهي: القدم والبقاء والغنى المطلق والتنزه عن الشبيه والنظير والمثيل في الذات والصفات والأفعال، وبذلك انتفت الكموم الخمسة وهي: لكم المتصل والمنفصل في الذات والصفات والمنفصل في الأفعال، فالمتصل في الذات والصفات هو التركيب، والمنفصل فيهما هو الشبيه والنظير، والمنفصل في الأفعال هو الشبيه فيها، وكل هذه منفية ومستحيلة عليه تعالى، وأما المتصل في الأفعال فهو ثابت، ولأن أفعال الله متعددة لا نهاية لها، بقي شيء آخر وهو أن ﴿أَحَدٌ﴾ يستعمل في النفي، وأما واحد فيستعمل في الإثبات، فلم ذكره في الإثبات؟ أجيب: بأن ذلك أغلبيّ، وقد يستعمل كل في كل، والقرآن وارد بذلك في غيره آية، وآثر الأحد على الواحد لمراعاة الفواصل. قوله: (وأحد بدل) أي بدل نكرة من معرفة وهو جائز. قوله: ﴿ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ﴾ نتيجة ما قبله، ولذا ترك العاطف، وذلك لأنه حيث ثبت أنه متصف بالكمالات منزه عن النقائض، فلا يقصد غيره، ولا يعول إلا عليه. قوله: (أي المقصود في الحوائج) هذا أحد أقوال في معنى ﴿ٱلصَّمَدُ﴾ وهو المشهور، وقيل: هو الذي لا جوف له، وقيل: هو الدائم الباقي بعد فناء خلقه، وقيل: هو الذي ليس فوقه أحد، وقيل: غير ذلك، وإنما عرف ﴿ٱلصَّمَدُ﴾ لعلمهم به ومعرفتهم إياه، بخلاف أحديته، وكرر لفظ ﴿ٱللَّهُ﴾ إشعاراً بأن من لم يتصف به لا يستحق الألوهية. قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ رد على مشركي العرب القائلين: الملائكة بنات الله، واليهود القائلين: عزير ابن الله، والنصارى القائلين: المسيح بان الله، وهذه الجملة نتيجة ما قبلها، لأنه حيث ثبت أنه متصف بالكمالات، منزه عن النقائص، مقصود في جميع الأمور، فلم يكن علة في غيره، ولا غيره علة فيه، وأتى بالعاطف في الجملتين الأخيرتين دون ما عداهما، لأنهما سيقتا لمعنى وهو نفي المماثلة عنه تعالى بوجوهها، لأن المماثلة إما ولد أو والد أو نظير، فلتغاير الأقسام أتى بالعطف لأنه يقتضي المغايرة، وترك العاطف في ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ لأنه مؤكد للصمدية، لأن الغني عن كل شيء، المحتاج إليه كل ما سواه، لا يكون والداً ولا مولوداً، فهذه الجمل الثلاث في معنى جملة واحدة. قوله: (لانتفاء مجانسته) أي لغيره، لأن الولد من جنس أبيه، والله لا يجانسه أحد، لأنه واجب وغيره ممكن، ولأن الولد يطلب إما لإعانة والده، أو لتخلفه بعده، والله تعالى غني عن كل شيء ولا يفنى. قوله: (لانتفاء الحدوث عنه) أي لأن كل مولود جسم ومحدث، والله تعالى ليس كذلك. قوله: (ومماثلاً) عطف تفسير، واعلم أن الكفر يعم الشبيه والنظير والمثيل، فالمثيل هو المشارك لك في جميع صفاتك، والشبيه هو المشارك في غالبها، والنظير هو الماشرك في أقلها، والله تعالى منزه عن ذلك كله. قوله: (وقدم عليه) أي وكان الأصل أن يؤخر الظرف، لكن قدم لأهميته اعتناء بنفي المكافأة عنه تعالى لأن المقصود. قوله: (لأنه محط القصد بالنفي) أي فالقصد نفي المكافأة عن ذات الله، فكأن تقديمه أولى، وهذه السورة الشريفة، نفت أصول الكفر الثمانية: التركيب والعدد والنقص بمعنى الاحتياج والقلة بمعنى البساطة والعلة والمعلول والشبيه والنظير، أما الكثرة والعدد فانتفاؤهما بقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ والنقص والقلة بقوله: ﴿ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ﴾ والعلة والمعلول بقوله ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ والشبيه والنظير بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾.
الإخلاص 112:4
قوله: (فالله خبر هو) إلخ، هذا مبني على أن الضمير ﴿هُوَ﴾ عائد على المسؤول عنه في كلام الكفار، وقيل: إنه ضمير الشأن يفسره الجملة بعده فـ ﴿ٱللَّهُ﴾ مبتدأ و ﴿أَحَدٌ﴾ خبره، والجملة خبر ﴿هُوَ﴾ وهمزة ﴿أَحَدٌ﴾ بدل من واو، لأنه من الوحدة، أو ليست مبدلة من شيء قولان، وإثبات لفظ ﴿قُلْ﴾ مع تنوين ﴿أَحَدٌ﴾ هو قراءة العامة، وقرئ شذوذاً بحذف ﴿قُلْ﴾ وقرئ أيضاً: قل هو الله أحد، وقرئ أيضاً بحذف التنوين لالتقاء الساكنين، واعلم أن هذه الآية يأخذ منها عقائد التوحيد، وذلك لأن الله تعالى علم على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد، ومن كان وجوده واجباً، لزم اتصافه بسائر الكمالات، كالقدرة والإدارة والعلم والحياة، وقوله: ﴿أَحَدٌ﴾ يدل على الصفات السلبية وهي: القدم والبقاء والغنى المطلق والتنزه عن الشبيه والنظير والمثيل في الذات والصفات والأفعال، وبذلك انتفت الكموم الخمسة وهي: لكم المتصل والمنفصل في الذات والصفات والمنفصل في الأفعال، فالمتصل في الذات والصفات هو التركيب، والمنفصل فيهما هو الشبيه والنظير، والمنفصل في الأفعال هو الشبيه فيها، وكل هذه منفية ومستحيلة عليه تعالى، وأما المتصل في الأفعال فهو ثابت، ولأن أفعال الله متعددة لا نهاية لها، بقي شيء آخر وهو أن ﴿أَحَدٌ﴾ يستعمل في النفي، وأما واحد فيستعمل في الإثبات، فلم ذكره في الإثبات؟ أجيب: بأن ذلك أغلبيّ، وقد يستعمل كل في كل، والقرآن وارد بذلك في غيره آية، وآثر الأحد على الواحد لمراعاة الفواصل. قوله: (وأحد بدل) أي بدل نكرة من معرفة وهو جائز. قوله: ﴿ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ﴾ نتيجة ما قبله، ولذا ترك العاطف، وذلك لأنه حيث ثبت أنه متصف بالكمالات منزه عن النقائض، فلا يقصد غيره، ولا يعول إلا عليه. قوله: (أي المقصود في الحوائج) هذا أحد أقوال في معنى ﴿ٱلصَّمَدُ﴾ وهو المشهور، وقيل: هو الذي لا جوف له، وقيل: هو الدائم الباقي بعد فناء خلقه، وقيل: هو الذي ليس فوقه أحد، وقيل: غير ذلك، وإنما عرف ﴿ٱلصَّمَدُ﴾ لعلمهم به ومعرفتهم إياه، بخلاف أحديته، وكرر لفظ ﴿ٱللَّهُ﴾ إشعاراً بأن من لم يتصف به لا يستحق الألوهية. قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ رد على مشركي العرب القائلين: الملائكة بنات الله، واليهود القائلين: عزير ابن الله، والنصارى القائلين: المسيح بان الله، وهذه الجملة نتيجة ما قبلها، لأنه حيث ثبت أنه متصف بالكمالات، منزه عن النقائص، مقصود في جميع الأمور، فلم يكن علة في غيره، ولا غيره علة فيه، وأتى بالعاطف في الجملتين الأخيرتين دون ما عداهما، لأنهما سيقتا لمعنى وهو نفي المماثلة عنه تعالى بوجوهها، لأن المماثلة إما ولد أو والد أو نظير، فلتغاير الأقسام أتى بالعطف لأنه يقتضي المغايرة، وترك العاطف في ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ لأنه مؤكد للصمدية، لأن الغني عن كل شيء، المحتاج إليه كل ما سواه، لا يكون والداً ولا مولوداً، فهذه الجمل الثلاث في معنى جملة واحدة. قوله: (لانتفاء مجانسته) أي لغيره، لأن الولد من جنس أبيه، والله لا يجانسه أحد، لأنه واجب وغيره ممكن، ولأن الولد يطلب إما لإعانة والده، أو لتخلفه بعده، والله تعالى غني عن كل شيء ولا يفنى. قوله: (لانتفاء الحدوث عنه) أي لأن كل مولود جسم ومحدث، والله تعالى ليس كذلك. قوله: (ومماثلاً) عطف تفسير، واعلم أن الكفر يعم الشبيه والنظير والمثيل، فالمثيل هو المشارك لك في جميع صفاتك، والشبيه هو المشارك في غالبها، والنظير هو الماشرك في أقلها، والله تعالى منزه عن ذلك كله. قوله: (وقدم عليه) أي وكان الأصل أن يؤخر الظرف، لكن قدم لأهميته اعتناء بنفي المكافأة عنه تعالى لأن المقصود. قوله: (لأنه محط القصد بالنفي) أي فالقصد نفي المكافأة عن ذات الله، فكأن تقديمه أولى، وهذه السورة الشريفة، نفت أصول الكفر الثمانية: التركيب والعدد والنقص بمعنى الاحتياج والقلة بمعنى البساطة والعلة والمعلول والشبيه والنظير، أما الكثرة والعدد فانتفاؤهما بقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ والنقص والقلة بقوله: ﴿ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ﴾ والعلة والمعلول بقوله ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ والشبيه والنظير بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾.
الفلق 113:1
قوله: (نزلت هذه السورة والتي بعدها) ألخ، أي بأجماع الصحابة. قوله: (لما سحر لبيد) أي ابن الأعصم، وحاصله أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية في ذلك الحجة، ودخل المحرم سنة سبع، وفرغ من وقعة خيبر، ج اءت رؤساء اليهود إلى البيد بن الأعصم، وكان حليفاً في بني زريق وكان ساحراً، فقالوا: أنت أسحرنا أي أعلمنا بالسحر، وقد سحرنا محمداً فلم يؤثر فيه سحرنا شيئاً، ونحن نجعل لك جعلاً عل أن تسحره لنا سحراً يؤثر فيه، فجعلوا له ثلاثة دنانير، فأتى غلاماً يهودياً كان يخذم النبي، فلم يزل به حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله عليه وسلم، وعدة أسنان من مشطه وأعطاه له فسحره بها، وكان من جملة السرح، صورة من شمع على صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد جعلوا في تلك الصورة إبراً مغروزة إحدى عشرة، ووتر فيه إحدى عشرة عقدة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وجد لها ألم في بدنه، ثم يجد بعدها راحة، وكانت مدة سحره صلى الله عليه سلم أربعين يوماً، وقيل: ستة أشهر، وقيل: عاماً، قال ابن حجر وهو المعتمد: إن قلت: كيف يؤثر السحر فيه صلى الله عليه وسلم مع أنه معصوم بنص﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾[المائدة: ٦٧]؟ أجيب: بأن المعصوم منه ما أدى لخبل في عقله، أو لضياع شرعه أو لموته، وأما ما عدا ذلك، فهو من الإعراض البشرية الجائزة في حقه، كما أن جرحه وكسر رباعيته، لا يقدح في عصمته، وأنكر بعض المبتدعة حديث السحر، زاعمين أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها، وما أدى لذلك فهو باطل، وزعموا أيضاً أن تجويز السحر على الأنبياء، يؤدي لعدم الثقة مما أتوا به من الشرائع، إذ يحتمل أن يخيل إليه أن يرى جبريل يكلمه وليس هو، ثم وهذا كله مردود، لقيام الدليل على ثبوت السحر بإجماع الصحابة، وعصمته صلى الله عليه وسلم وجميع الأنبياء، وصدقهم فيما يبلغونه عن الله، وأما ما كان متعلقاً بأمور الدنيا، فهم كسائر البشر تعتريهم الأعراض، كالصحة والسقم والنوم واليقظة والتألم بالسحر ونحو ذلك، وأما ما ورد في قصة السحر، مع أنه كان يخيل إليه أنه يأتي أهله ولم يأت، فمعناه أنه يظهر له من نشاطه وسابق عادته الاقتدار على الوطء، فإذا دنا من المرأة فتر عن ذلك، كما هو شأن المعقود، وتسمية العامة المربوط لما ورد: أنه حبس عن عائشة سنة، وعن ابن عباس: أنه مرض وحبس عن النساء والطعام والشراب، ففي ذلك دليل على أن السحر، إنما تسلط على ظاهره جسده، لا على عقله، ثم اعلم أن مذهب أهل السنة، أن السحر حق وله حقيقة، ويكون بالقول والفعل، ومن جملة أنواعه: السيمياء وهي حيل صناعية، يتوصل إليها بالاكتساب، غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء، والعلم بوجوه تركيبها وأوقاتها، وأكثرها تخيلات، فيعظم عند من لا يعرف ذلك، والحق أنه من الأسباب العادية التي توجد الأشياء عندها لا بها، فيؤثر في القلوب كالحب والبغض وإلقاء الخير والشر، وفي الأبدان بالألم والسقم، وأما قلب الجماد حيواناً وعكسه فباطل لا يتصور، إذ لو قدر الساحر على هذا، لقدر أن يرد نفسه إلى الشباب بعد الهرم، وأن يمنع نفسه من الموت، وهو حرام إن لم يكن بما يعظم به غير الله، أو يعتقد تأثيره بنفسه، وإلا فهو كفر. قوله: (في وتر) بفتحتين أي وتر القوس. قوله: (فأحضر بين يديه) روي أنه صلى الله عليه وسلم كان نائماً ذات يوم، إذ أتاه ملكان، فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رأسه: ما بال الرجل؟ فقال: الذي عند رجليه: طب أي سحر، قال: ومن سحره؟ قال: لبيد بن عاصم اليهودي، قال: وبم طبه؟ قال بمشط ومشاطة، قال: وأين هو؟ قال: في جف طلعة تحت راعوفة في بئر ذروان، فانتبه النبي صلى الله عليه وسلم ثم أمر علياً والزبير وعمار بن ياسر، فنزحوا ماء تلك البئر كأنه نقاعة الحناء، ثم رفعوا الصخرة وأخرجوا الجف، فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان مشطه، وإذا وتر معقود فيه إحدى عشرة عقدة، وإذا تمثال من شمع على صورته صلى الله وسلم مغروز فيه إحدى عشرة إبرة، وكانت هذه المذكورات كلها موضوعة في الجف، وهو بضم الجيم وتشديد الفاء، وعاء طلع النخل، والراعوفة حجر أسفل البئر يقوم عليه المائح. قوله: (كأنما نشط من عقال) أي كأنما حل وأطلق منه. قوله: (الصبح) هذا أحد أقوال في معنى الفلق، وآثره وإشارة إلى التفاؤل الحسن، فإن مقصود العائذ من الاستعاذة، أن يتغير حاله بالخروج من الخوف إلى الأمن، ومن الوحشة إلى السرور والصبح أدل على هذا، لما فيه من زوال الظلمة بإشراق أنواره، وتغير وحشه الليل وثقله بسرور الصبح وخفته، وقيل: الفلق سجن في جهنم، وقيل: بيت في جهنم إذا فتح صاح أهل جهنم من حره، وقيل: هو اسم من أسماء جهنم، وقيل: واد في جهنم، وقيل: شجرة في النار، وقيل: الرحم لا نفلاقه عن الولد، وقيل: كل ما انفلق عن جميع ما خلق من الحيوان والحب والنوى وكل نبات، وقيل: غير ذلك. قوله: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ هذا عام وما بعده خاص، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَعُوذُ﴾ و ﴿مَا﴾ موصولة أو مصدرية. قوله: (وغير ذلك) أي كالإحراق بالنار والإغراق في البحار. قوله: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ﴾ نكر ﴿غَاسِقٍ﴾ و ﴿حَاسِدٍ﴾ لإفادة التبعيض، لأن الضرر قد يتخلف فيهما، وعرف ﴿ٱلنَّفَّاثَاتِ﴾ لأنهن معهودات، فقيل: بنات لبيد، وقيل: إخواته. قوله: (أي الليل إذا أظلم) سمي الليل غاسقاً لانصباب ظلامه، واستعيذ من الليل لشدة الآفات فيه، و ﴿إِذَا﴾ منصوبة بـ ﴿شَرِّ﴾ أي أعوذ بالله من الشر في وقت كذا. قوله: (أو القمر) سمي غاسقاً لذهاب ضوئه بالكسوف، أو المحاق في آخر الشهر واسوداده، وقوله: (إذا غاب) أي استتر بالكسوف، أو أخذ في المحاق أو النقص، وذلك آخر الشهر، وفيه تتوفر أسباب السحر المصححة له، ويسميه المنجمون إذ ذاك نحساً، وهو أنسب بسبب النزول، وهذان قولان من جملة أقوال كثيرة، وقيل: الثريا وذلك لأنها إذا سقطت كثرت الأقسام والطواعين؛ وإذا طلعت ارتفع ذلك، وقيل: هو الشمس إذا غربت، وقيل: هو الحية إذا لدغت، وقيل: كل هاجم يضر كائناً ما كان. قوله: (السواحر) صفة لموصوف محذوف أي النساء السواحر، وخص النساء بالذكر، لأن سحرهن أشد من سحر الرجال، لما ورد: أنه بعد إغراق فرعون وقومه، وتوجه موسى وقومه لقتال الجبارين، ملك نساء القبط مصر، وأقمن فيها ستمائة سنة، كلما قصدهن عسكر صورن صورته، وفعلن بالصورة ما شئن من قلع الأعين وقطع الأعضاء، فيتفق نظيره للعسكر القاصد لهن فتخافهن العسكر. قوله: (بشيء) أي مع شيء أي قول تقوله. قوله: (من غير ريق) متعلق بـ (تنفخ)، واختلف في النفث عند الرقية والمسح باليد، فمنعه قوم لما فيه من التشبه بالسحر، وأجازها آخرون وهو الصحيح، لما ورد عن عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينفث في الركية، ورد عنها أيضاً أنها رقت ونفثت، وقال علي كرم الله وجهه:" اشتكيت فدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وانا أقول: اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحمني، وإن كان متأخراً فاشفني وعافني، وإن كان بلاء فصبرني، فقال صلى الله عليه وسلم: كيف قلت؟ فقلت له، فمسحني بيده ثم قال: اللهم اشفه، فما عاد ذلك الوجع بعد "اهـ. قوله: (وقال الزمخشري: معه) أي الريق، ففي النفث قولان. قوله: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ الحسد تمني زوال نعمة المحسود عنه، وإن لم يصر للحاسد مثلها، والغبطة تمني مثلها، فالحسد مذموم دون الغبطة، وعليها حمل حديث:" لا حسد إلا في اثنتين "والحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، وأول ذنب عصي به في الأرض، فحسد إبليس آدم وقابيل هابيل، والحاسد ممقوت مبغوض ومطرود ومعلون، قال بعض الحكماء: بارز الحاسد ربه من خسمة أوجه، أولها: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره. ثانيها: أنه ساخط لقسمة ربه كأنه يقول: لم قسمت لي هذه القسمة؟ ثالثها: أنه يعاند فعل الله تعالى، رابعها: أنه يرى خذلان أولياء الله. خامسها: أنه أعان عدو الله إبليس، وقال بعضهم: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة وبغضاً، ولا ينال في الخلوة إلا جزعاً وغماً، ولا ينال في الآخرة إلا حزناً واحتراقاً، ولا ينال من الله إلا بعداً ومقتاً، وفي الحديث:" في الإنسان ثلاثة: الطيرة والظن والحسد، فيخرجه من الطيرة أن لا يرجع، ويخرجه من الظن أن يحقق، ويخرجه من الحسد من لا يبغي ". قوله: (أظهر حسده) أي حمله الحسد على إظهاره، لأنه إذا لم يظهر الحسد، لا يتأذى به إلا الحاسد وحد لاغتمامه بنعمة غيره، وفي هذا المعنى قال بعض العارفين: ألا قل لمن بات لي حاسداً أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله فعلهلأنك لم ترض لي ما وهب فكان جزاؤك أن خصنيوسد عليك طريق الطلب وقال بعضهم: اصبر على حسد الحسو د فإن صبرك قاتلهفالنار تأكل ب عضها إن لم تجد ما تأكلهفائدة: كرر لفظ شر من كل جمع لئلا يتوهم أنه شر واحد مضاف للجميع.
الفلق 113:2
قوله: (نزلت هذه السورة والتي بعدها) ألخ، أي بأجماع الصحابة. قوله: (لما سحر لبيد) أي ابن الأعصم، وحاصله أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية في ذلك الحجة، ودخل المحرم سنة سبع، وفرغ من وقعة خيبر، ج اءت رؤساء اليهود إلى البيد بن الأعصم، وكان حليفاً في بني زريق وكان ساحراً، فقالوا: أنت أسحرنا أي أعلمنا بالسحر، وقد سحرنا محمداً فلم يؤثر فيه سحرنا شيئاً، ونحن نجعل لك جعلاً عل أن تسحره لنا سحراً يؤثر فيه، فجعلوا له ثلاثة دنانير، فأتى غلاماً يهودياً كان يخذم النبي، فلم يزل به حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله عليه وسلم، وعدة أسنان من مشطه وأعطاه له فسحره بها، وكان من جملة السرح، صورة من شمع على صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد جعلوا في تلك الصورة إبراً مغروزة إحدى عشرة، ووتر فيه إحدى عشرة عقدة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وجد لها ألم في بدنه، ثم يجد بعدها راحة، وكانت مدة سحره صلى الله عليه سلم أربعين يوماً، وقيل: ستة أشهر، وقيل: عاماً، قال ابن حجر وهو المعتمد: إن قلت: كيف يؤثر السحر فيه صلى الله عليه وسلم مع أنه معصوم بنص﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾[المائدة: ٦٧]؟ أجيب: بأن المعصوم منه ما أدى لخبل في عقله، أو لضياع شرعه أو لموته، وأما ما عدا ذلك، فهو من الإعراض البشرية الجائزة في حقه، كما أن جرحه وكسر رباعيته، لا يقدح في عصمته، وأنكر بعض المبتدعة حديث السحر، زاعمين أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها، وما أدى لذلك فهو باطل، وزعموا أيضاً أن تجويز السحر على الأنبياء، يؤدي لعدم الثقة مما أتوا به من الشرائع، إذ يحتمل أن يخيل إليه أن يرى جبريل يكلمه وليس هو، ثم وهذا كله مردود، لقيام الدليل على ثبوت السحر بإجماع الصحابة، وعصمته صلى الله عليه وسلم وجميع الأنبياء، وصدقهم فيما يبلغونه عن الله، وأما ما كان متعلقاً بأمور الدنيا، فهم كسائر البشر تعتريهم الأعراض، كالصحة والسقم والنوم واليقظة والتألم بالسحر ونحو ذلك، وأما ما ورد في قصة السحر، مع أنه كان يخيل إليه أنه يأتي أهله ولم يأت، فمعناه أنه يظهر له من نشاطه وسابق عادته الاقتدار على الوطء، فإذا دنا من المرأة فتر عن ذلك، كما هو شأن المعقود، وتسمية العامة المربوط لما ورد: أنه حبس عن عائشة سنة، وعن ابن عباس: أنه مرض وحبس عن النساء والطعام والشراب، ففي ذلك دليل على أن السحر، إنما تسلط على ظاهره جسده، لا على عقله، ثم اعلم أن مذهب أهل السنة، أن السحر حق وله حقيقة، ويكون بالقول والفعل، ومن جملة أنواعه: السيمياء وهي حيل صناعية، يتوصل إليها بالاكتساب، غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء، والعلم بوجوه تركيبها وأوقاتها، وأكثرها تخيلات، فيعظم عند من لا يعرف ذلك، والحق أنه من الأسباب العادية التي توجد الأشياء عندها لا بها، فيؤثر في القلوب كالحب والبغض وإلقاء الخير والشر، وفي الأبدان بالألم والسقم، وأما قلب الجماد حيواناً وعكسه فباطل لا يتصور، إذ لو قدر الساحر على هذا، لقدر أن يرد نفسه إلى الشباب بعد الهرم، وأن يمنع نفسه من الموت، وهو حرام إن لم يكن بما يعظم به غير الله، أو يعتقد تأثيره بنفسه، وإلا فهو كفر. قوله: (في وتر) بفتحتين أي وتر القوس. قوله: (فأحضر بين يديه) روي أنه صلى الله عليه وسلم كان نائماً ذات يوم، إذ أتاه ملكان، فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رأسه: ما بال الرجل؟ فقال: الذي عند رجليه: طب أي سحر، قال: ومن سحره؟ قال: لبيد بن عاصم اليهودي، قال: وبم طبه؟ قال بمشط ومشاطة، قال: وأين هو؟ قال: في جف طلعة تحت راعوفة في بئر ذروان، فانتبه النبي صلى الله عليه وسلم ثم أمر علياً والزبير وعمار بن ياسر، فنزحوا ماء تلك البئر كأنه نقاعة الحناء، ثم رفعوا الصخرة وأخرجوا الجف، فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان مشطه، وإذا وتر معقود فيه إحدى عشرة عقدة، وإذا تمثال من شمع على صورته صلى الله وسلم مغروز فيه إحدى عشرة إبرة، وكانت هذه المذكورات كلها موضوعة في الجف، وهو بضم الجيم وتشديد الفاء، وعاء طلع النخل، والراعوفة حجر أسفل البئر يقوم عليه المائح. قوله: (كأنما نشط من عقال) أي كأنما حل وأطلق منه. قوله: (الصبح) هذا أحد أقوال في معنى الفلق، وآثره وإشارة إلى التفاؤل الحسن، فإن مقصود العائذ من الاستعاذة، أن يتغير حاله بالخروج من الخوف إلى الأمن، ومن الوحشة إلى السرور والصبح أدل على هذا، لما فيه من زوال الظلمة بإشراق أنواره، وتغير وحشه الليل وثقله بسرور الصبح وخفته، وقيل: الفلق سجن في جهنم، وقيل: بيت في جهنم إذا فتح صاح أهل جهنم من حره، وقيل: هو اسم من أسماء جهنم، وقيل: واد في جهنم، وقيل: شجرة في النار، وقيل: الرحم لا نفلاقه عن الولد، وقيل: كل ما انفلق عن جميع ما خلق من الحيوان والحب والنوى وكل نبات، وقيل: غير ذلك. قوله: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ هذا عام وما بعده خاص، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَعُوذُ﴾ و ﴿مَا﴾ موصولة أو مصدرية. قوله: (وغير ذلك) أي كالإحراق بالنار والإغراق في البحار. قوله: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ﴾ نكر ﴿غَاسِقٍ﴾ و ﴿حَاسِدٍ﴾ لإفادة التبعيض، لأن الضرر قد يتخلف فيهما، وعرف ﴿ٱلنَّفَّاثَاتِ﴾ لأنهن معهودات، فقيل: بنات لبيد، وقيل: إخواته. قوله: (أي الليل إذا أظلم) سمي الليل غاسقاً لانصباب ظلامه، واستعيذ من الليل لشدة الآفات فيه، و ﴿إِذَا﴾ منصوبة بـ ﴿شَرِّ﴾ أي أعوذ بالله من الشر في وقت كذا. قوله: (أو القمر) سمي غاسقاً لذهاب ضوئه بالكسوف، أو المحاق في آخر الشهر واسوداده، وقوله: (إذا غاب) أي استتر بالكسوف، أو أخذ في المحاق أو النقص، وذلك آخر الشهر، وفيه تتوفر أسباب السحر المصححة له، ويسميه المنجمون إذ ذاك نحساً، وهو أنسب بسبب النزول، وهذان قولان من جملة أقوال كثيرة، وقيل: الثريا وذلك لأنها إذا سقطت كثرت الأقسام والطواعين؛ وإذا طلعت ارتفع ذلك، وقيل: هو الشمس إذا غربت، وقيل: هو الحية إذا لدغت، وقيل: كل هاجم يضر كائناً ما كان. قوله: (السواحر) صفة لموصوف محذوف أي النساء السواحر، وخص النساء بالذكر، لأن سحرهن أشد من سحر الرجال، لما ورد: أنه بعد إغراق فرعون وقومه، وتوجه موسى وقومه لقتال الجبارين، ملك نساء القبط مصر، وأقمن فيها ستمائة سنة، كلما قصدهن عسكر صورن صورته، وفعلن بالصورة ما شئن من قلع الأعين وقطع الأعضاء، فيتفق نظيره للعسكر القاصد لهن فتخافهن العسكر. قوله: (بشيء) أي مع شيء أي قول تقوله. قوله: (من غير ريق) متعلق بـ (تنفخ)، واختلف في النفث عند الرقية والمسح باليد، فمنعه قوم لما فيه من التشبه بالسحر، وأجازها آخرون وهو الصحيح، لما ورد عن عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينفث في الركية، ورد عنها أيضاً أنها رقت ونفثت، وقال علي كرم الله وجهه:" اشتكيت فدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وانا أقول: اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحمني، وإن كان متأخراً فاشفني وعافني، وإن كان بلاء فصبرني، فقال صلى الله عليه وسلم: كيف قلت؟ فقلت له، فمسحني بيده ثم قال: اللهم اشفه، فما عاد ذلك الوجع بعد "اهـ. قوله: (وقال الزمخشري: معه) أي الريق، ففي النفث قولان. قوله: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ الحسد تمني زوال نعمة المحسود عنه، وإن لم يصر للحاسد مثلها، والغبطة تمني مثلها، فالحسد مذموم دون الغبطة، وعليها حمل حديث:" لا حسد إلا في اثنتين "والحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، وأول ذنب عصي به في الأرض، فحسد إبليس آدم وقابيل هابيل، والحاسد ممقوت مبغوض ومطرود ومعلون، قال بعض الحكماء: بارز الحاسد ربه من خسمة أوجه، أولها: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره. ثانيها: أنه ساخط لقسمة ربه كأنه يقول: لم قسمت لي هذه القسمة؟ ثالثها: أنه يعاند فعل الله تعالى، رابعها: أنه يرى خذلان أولياء الله. خامسها: أنه أعان عدو الله إبليس، وقال بعضهم: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة وبغضاً، ولا ينال في الخلوة إلا جزعاً وغماً، ولا ينال في الآخرة إلا حزناً واحتراقاً، ولا ينال من الله إلا بعداً ومقتاً، وفي الحديث:" في الإنسان ثلاثة: الطيرة والظن والحسد، فيخرجه من الطيرة أن لا يرجع، ويخرجه من الظن أن يحقق، ويخرجه من الحسد من لا يبغي ". قوله: (أظهر حسده) أي حمله الحسد على إظهاره، لأنه إذا لم يظهر الحسد، لا يتأذى به إلا الحاسد وحد لاغتمامه بنعمة غيره، وفي هذا المعنى قال بعض العارفين: ألا قل لمن بات لي حاسداً أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله فعلهلأنك لم ترض لي ما وهب فكان جزاؤك أن خصنيوسد عليك طريق الطلب وقال بعضهم: اصبر على حسد الحسو د فإن صبرك قاتلهفالنار تأكل ب عضها إن لم تجد ما تأكلهفائدة: كرر لفظ شر من كل جمع لئلا يتوهم أنه شر واحد مضاف للجميع.
الفلق 113:3
قوله: (نزلت هذه السورة والتي بعدها) ألخ، أي بأجماع الصحابة. قوله: (لما سحر لبيد) أي ابن الأعصم، وحاصله أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية في ذلك الحجة، ودخل المحرم سنة سبع، وفرغ من وقعة خيبر، ج اءت رؤساء اليهود إلى البيد بن الأعصم، وكان حليفاً في بني زريق وكان ساحراً، فقالوا: أنت أسحرنا أي أعلمنا بالسحر، وقد سحرنا محمداً فلم يؤثر فيه سحرنا شيئاً، ونحن نجعل لك جعلاً عل أن تسحره لنا سحراً يؤثر فيه، فجعلوا له ثلاثة دنانير، فأتى غلاماً يهودياً كان يخذم النبي، فلم يزل به حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله عليه وسلم، وعدة أسنان من مشطه وأعطاه له فسحره بها، وكان من جملة السرح، صورة من شمع على صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد جعلوا في تلك الصورة إبراً مغروزة إحدى عشرة، ووتر فيه إحدى عشرة عقدة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وجد لها ألم في بدنه، ثم يجد بعدها راحة، وكانت مدة سحره صلى الله عليه سلم أربعين يوماً، وقيل: ستة أشهر، وقيل: عاماً، قال ابن حجر وهو المعتمد: إن قلت: كيف يؤثر السحر فيه صلى الله عليه وسلم مع أنه معصوم بنص﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾[المائدة: ٦٧]؟ أجيب: بأن المعصوم منه ما أدى لخبل في عقله، أو لضياع شرعه أو لموته، وأما ما عدا ذلك، فهو من الإعراض البشرية الجائزة في حقه، كما أن جرحه وكسر رباعيته، لا يقدح في عصمته، وأنكر بعض المبتدعة حديث السحر، زاعمين أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها، وما أدى لذلك فهو باطل، وزعموا أيضاً أن تجويز السحر على الأنبياء، يؤدي لعدم الثقة مما أتوا به من الشرائع، إذ يحتمل أن يخيل إليه أن يرى جبريل يكلمه وليس هو، ثم وهذا كله مردود، لقيام الدليل على ثبوت السحر بإجماع الصحابة، وعصمته صلى الله عليه وسلم وجميع الأنبياء، وصدقهم فيما يبلغونه عن الله، وأما ما كان متعلقاً بأمور الدنيا، فهم كسائر البشر تعتريهم الأعراض، كالصحة والسقم والنوم واليقظة والتألم بالسحر ونحو ذلك، وأما ما ورد في قصة السحر، مع أنه كان يخيل إليه أنه يأتي أهله ولم يأت، فمعناه أنه يظهر له من نشاطه وسابق عادته الاقتدار على الوطء، فإذا دنا من المرأة فتر عن ذلك، كما هو شأن المعقود، وتسمية العامة المربوط لما ورد: أنه حبس عن عائشة سنة، وعن ابن عباس: أنه مرض وحبس عن النساء والطعام والشراب، ففي ذلك دليل على أن السحر، إنما تسلط على ظاهره جسده، لا على عقله، ثم اعلم أن مذهب أهل السنة، أن السحر حق وله حقيقة، ويكون بالقول والفعل، ومن جملة أنواعه: السيمياء وهي حيل صناعية، يتوصل إليها بالاكتساب، غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء، والعلم بوجوه تركيبها وأوقاتها، وأكثرها تخيلات، فيعظم عند من لا يعرف ذلك، والحق أنه من الأسباب العادية التي توجد الأشياء عندها لا بها، فيؤثر في القلوب كالحب والبغض وإلقاء الخير والشر، وفي الأبدان بالألم والسقم، وأما قلب الجماد حيواناً وعكسه فباطل لا يتصور، إذ لو قدر الساحر على هذا، لقدر أن يرد نفسه إلى الشباب بعد الهرم، وأن يمنع نفسه من الموت، وهو حرام إن لم يكن بما يعظم به غير الله، أو يعتقد تأثيره بنفسه، وإلا فهو كفر. قوله: (في وتر) بفتحتين أي وتر القوس. قوله: (فأحضر بين يديه) روي أنه صلى الله عليه وسلم كان نائماً ذات يوم، إذ أتاه ملكان، فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رأسه: ما بال الرجل؟ فقال: الذي عند رجليه: طب أي سحر، قال: ومن سحره؟ قال: لبيد بن عاصم اليهودي، قال: وبم طبه؟ قال بمشط ومشاطة، قال: وأين هو؟ قال: في جف طلعة تحت راعوفة في بئر ذروان، فانتبه النبي صلى الله عليه وسلم ثم أمر علياً والزبير وعمار بن ياسر، فنزحوا ماء تلك البئر كأنه نقاعة الحناء، ثم رفعوا الصخرة وأخرجوا الجف، فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان مشطه، وإذا وتر معقود فيه إحدى عشرة عقدة، وإذا تمثال من شمع على صورته صلى الله وسلم مغروز فيه إحدى عشرة إبرة، وكانت هذه المذكورات كلها موضوعة في الجف، وهو بضم الجيم وتشديد الفاء، وعاء طلع النخل، والراعوفة حجر أسفل البئر يقوم عليه المائح. قوله: (كأنما نشط من عقال) أي كأنما حل وأطلق منه. قوله: (الصبح) هذا أحد أقوال في معنى الفلق، وآثره وإشارة إلى التفاؤل الحسن، فإن مقصود العائذ من الاستعاذة، أن يتغير حاله بالخروج من الخوف إلى الأمن، ومن الوحشة إلى السرور والصبح أدل على هذا، لما فيه من زوال الظلمة بإشراق أنواره، وتغير وحشه الليل وثقله بسرور الصبح وخفته، وقيل: الفلق سجن في جهنم، وقيل: بيت في جهنم إذا فتح صاح أهل جهنم من حره، وقيل: هو اسم من أسماء جهنم، وقيل: واد في جهنم، وقيل: شجرة في النار، وقيل: الرحم لا نفلاقه عن الولد، وقيل: كل ما انفلق عن جميع ما خلق من الحيوان والحب والنوى وكل نبات، وقيل: غير ذلك. قوله: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ هذا عام وما بعده خاص، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَعُوذُ﴾ و ﴿مَا﴾ موصولة أو مصدرية. قوله: (وغير ذلك) أي كالإحراق بالنار والإغراق في البحار. قوله: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ﴾ نكر ﴿غَاسِقٍ﴾ و ﴿حَاسِدٍ﴾ لإفادة التبعيض، لأن الضرر قد يتخلف فيهما، وعرف ﴿ٱلنَّفَّاثَاتِ﴾ لأنهن معهودات، فقيل: بنات لبيد، وقيل: إخواته. قوله: (أي الليل إذا أظلم) سمي الليل غاسقاً لانصباب ظلامه، واستعيذ من الليل لشدة الآفات فيه، و ﴿إِذَا﴾ منصوبة بـ ﴿شَرِّ﴾ أي أعوذ بالله من الشر في وقت كذا. قوله: (أو القمر) سمي غاسقاً لذهاب ضوئه بالكسوف، أو المحاق في آخر الشهر واسوداده، وقوله: (إذا غاب) أي استتر بالكسوف، أو أخذ في المحاق أو النقص، وذلك آخر الشهر، وفيه تتوفر أسباب السحر المصححة له، ويسميه المنجمون إذ ذاك نحساً، وهو أنسب بسبب النزول، وهذان قولان من جملة أقوال كثيرة، وقيل: الثريا وذلك لأنها إذا سقطت كثرت الأقسام والطواعين؛ وإذا طلعت ارتفع ذلك، وقيل: هو الشمس إذا غربت، وقيل: هو الحية إذا لدغت، وقيل: كل هاجم يضر كائناً ما كان. قوله: (السواحر) صفة لموصوف محذوف أي النساء السواحر، وخص النساء بالذكر، لأن سحرهن أشد من سحر الرجال، لما ورد: أنه بعد إغراق فرعون وقومه، وتوجه موسى وقومه لقتال الجبارين، ملك نساء القبط مصر، وأقمن فيها ستمائة سنة، كلما قصدهن عسكر صورن صورته، وفعلن بالصورة ما شئن من قلع الأعين وقطع الأعضاء، فيتفق نظيره للعسكر القاصد لهن فتخافهن العسكر. قوله: (بشيء) أي مع شيء أي قول تقوله. قوله: (من غير ريق) متعلق بـ (تنفخ)، واختلف في النفث عند الرقية والمسح باليد، فمنعه قوم لما فيه من التشبه بالسحر، وأجازها آخرون وهو الصحيح، لما ورد عن عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينفث في الركية، ورد عنها أيضاً أنها رقت ونفثت، وقال علي كرم الله وجهه:" اشتكيت فدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وانا أقول: اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحمني، وإن كان متأخراً فاشفني وعافني، وإن كان بلاء فصبرني، فقال صلى الله عليه وسلم: كيف قلت؟ فقلت له، فمسحني بيده ثم قال: اللهم اشفه، فما عاد ذلك الوجع بعد "اهـ. قوله: (وقال الزمخشري: معه) أي الريق، ففي النفث قولان. قوله: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ الحسد تمني زوال نعمة المحسود عنه، وإن لم يصر للحاسد مثلها، والغبطة تمني مثلها، فالحسد مذموم دون الغبطة، وعليها حمل حديث:" لا حسد إلا في اثنتين "والحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، وأول ذنب عصي به في الأرض، فحسد إبليس آدم وقابيل هابيل، والحاسد ممقوت مبغوض ومطرود ومعلون، قال بعض الحكماء: بارز الحاسد ربه من خسمة أوجه، أولها: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره. ثانيها: أنه ساخط لقسمة ربه كأنه يقول: لم قسمت لي هذه القسمة؟ ثالثها: أنه يعاند فعل الله تعالى، رابعها: أنه يرى خذلان أولياء الله. خامسها: أنه أعان عدو الله إبليس، وقال بعضهم: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة وبغضاً، ولا ينال في الخلوة إلا جزعاً وغماً، ولا ينال في الآخرة إلا حزناً واحتراقاً، ولا ينال من الله إلا بعداً ومقتاً، وفي الحديث:" في الإنسان ثلاثة: الطيرة والظن والحسد، فيخرجه من الطيرة أن لا يرجع، ويخرجه من الظن أن يحقق، ويخرجه من الحسد من لا يبغي ". قوله: (أظهر حسده) أي حمله الحسد على إظهاره، لأنه إذا لم يظهر الحسد، لا يتأذى به إلا الحاسد وحد لاغتمامه بنعمة غيره، وفي هذا المعنى قال بعض العارفين: ألا قل لمن بات لي حاسداً أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله فعلهلأنك لم ترض لي ما وهب فكان جزاؤك أن خصنيوسد عليك طريق الطلب وقال بعضهم: اصبر على حسد الحسو د فإن صبرك قاتلهفالنار تأكل ب عضها إن لم تجد ما تأكلهفائدة: كرر لفظ شر من كل جمع لئلا يتوهم أنه شر واحد مضاف للجميع.
الفلق 113:4
قوله: (نزلت هذه السورة والتي بعدها) ألخ، أي بأجماع الصحابة. قوله: (لما سحر لبيد) أي ابن الأعصم، وحاصله أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية في ذلك الحجة، ودخل المحرم سنة سبع، وفرغ من وقعة خيبر، ج اءت رؤساء اليهود إلى البيد بن الأعصم، وكان حليفاً في بني زريق وكان ساحراً، فقالوا: أنت أسحرنا أي أعلمنا بالسحر، وقد سحرنا محمداً فلم يؤثر فيه سحرنا شيئاً، ونحن نجعل لك جعلاً عل أن تسحره لنا سحراً يؤثر فيه، فجعلوا له ثلاثة دنانير، فأتى غلاماً يهودياً كان يخذم النبي، فلم يزل به حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله عليه وسلم، وعدة أسنان من مشطه وأعطاه له فسحره بها، وكان من جملة السرح، صورة من شمع على صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد جعلوا في تلك الصورة إبراً مغروزة إحدى عشرة، ووتر فيه إحدى عشرة عقدة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وجد لها ألم في بدنه، ثم يجد بعدها راحة، وكانت مدة سحره صلى الله عليه سلم أربعين يوماً، وقيل: ستة أشهر، وقيل: عاماً، قال ابن حجر وهو المعتمد: إن قلت: كيف يؤثر السحر فيه صلى الله عليه وسلم مع أنه معصوم بنص﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾[المائدة: ٦٧]؟ أجيب: بأن المعصوم منه ما أدى لخبل في عقله، أو لضياع شرعه أو لموته، وأما ما عدا ذلك، فهو من الإعراض البشرية الجائزة في حقه، كما أن جرحه وكسر رباعيته، لا يقدح في عصمته، وأنكر بعض المبتدعة حديث السحر، زاعمين أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها، وما أدى لذلك فهو باطل، وزعموا أيضاً أن تجويز السحر على الأنبياء، يؤدي لعدم الثقة مما أتوا به من الشرائع، إذ يحتمل أن يخيل إليه أن يرى جبريل يكلمه وليس هو، ثم وهذا كله مردود، لقيام الدليل على ثبوت السحر بإجماع الصحابة، وعصمته صلى الله عليه وسلم وجميع الأنبياء، وصدقهم فيما يبلغونه عن الله، وأما ما كان متعلقاً بأمور الدنيا، فهم كسائر البشر تعتريهم الأعراض، كالصحة والسقم والنوم واليقظة والتألم بالسحر ونحو ذلك، وأما ما ورد في قصة السحر، مع أنه كان يخيل إليه أنه يأتي أهله ولم يأت، فمعناه أنه يظهر له من نشاطه وسابق عادته الاقتدار على الوطء، فإذا دنا من المرأة فتر عن ذلك، كما هو شأن المعقود، وتسمية العامة المربوط لما ورد: أنه حبس عن عائشة سنة، وعن ابن عباس: أنه مرض وحبس عن النساء والطعام والشراب، ففي ذلك دليل على أن السحر، إنما تسلط على ظاهره جسده، لا على عقله، ثم اعلم أن مذهب أهل السنة، أن السحر حق وله حقيقة، ويكون بالقول والفعل، ومن جملة أنواعه: السيمياء وهي حيل صناعية، يتوصل إليها بالاكتساب، غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء، والعلم بوجوه تركيبها وأوقاتها، وأكثرها تخيلات، فيعظم عند من لا يعرف ذلك، والحق أنه من الأسباب العادية التي توجد الأشياء عندها لا بها، فيؤثر في القلوب كالحب والبغض وإلقاء الخير والشر، وفي الأبدان بالألم والسقم، وأما قلب الجماد حيواناً وعكسه فباطل لا يتصور، إذ لو قدر الساحر على هذا، لقدر أن يرد نفسه إلى الشباب بعد الهرم، وأن يمنع نفسه من الموت، وهو حرام إن لم يكن بما يعظم به غير الله، أو يعتقد تأثيره بنفسه، وإلا فهو كفر. قوله: (في وتر) بفتحتين أي وتر القوس. قوله: (فأحضر بين يديه) روي أنه صلى الله عليه وسلم كان نائماً ذات يوم، إذ أتاه ملكان، فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رأسه: ما بال الرجل؟ فقال: الذي عند رجليه: طب أي سحر، قال: ومن سحره؟ قال: لبيد بن عاصم اليهودي، قال: وبم طبه؟ قال بمشط ومشاطة، قال: وأين هو؟ قال: في جف طلعة تحت راعوفة في بئر ذروان، فانتبه النبي صلى الله عليه وسلم ثم أمر علياً والزبير وعمار بن ياسر، فنزحوا ماء تلك البئر كأنه نقاعة الحناء، ثم رفعوا الصخرة وأخرجوا الجف، فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان مشطه، وإذا وتر معقود فيه إحدى عشرة عقدة، وإذا تمثال من شمع على صورته صلى الله وسلم مغروز فيه إحدى عشرة إبرة، وكانت هذه المذكورات كلها موضوعة في الجف، وهو بضم الجيم وتشديد الفاء، وعاء طلع النخل، والراعوفة حجر أسفل البئر يقوم عليه المائح. قوله: (كأنما نشط من عقال) أي كأنما حل وأطلق منه. قوله: (الصبح) هذا أحد أقوال في معنى الفلق، وآثره وإشارة إلى التفاؤل الحسن، فإن مقصود العائذ من الاستعاذة، أن يتغير حاله بالخروج من الخوف إلى الأمن، ومن الوحشة إلى السرور والصبح أدل على هذا، لما فيه من زوال الظلمة بإشراق أنواره، وتغير وحشه الليل وثقله بسرور الصبح وخفته، وقيل: الفلق سجن في جهنم، وقيل: بيت في جهنم إذا فتح صاح أهل جهنم من حره، وقيل: هو اسم من أسماء جهنم، وقيل: واد في جهنم، وقيل: شجرة في النار، وقيل: الرحم لا نفلاقه عن الولد، وقيل: كل ما انفلق عن جميع ما خلق من الحيوان والحب والنوى وكل نبات، وقيل: غير ذلك. قوله: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ هذا عام وما بعده خاص، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَعُوذُ﴾ و ﴿مَا﴾ موصولة أو مصدرية. قوله: (وغير ذلك) أي كالإحراق بالنار والإغراق في البحار. قوله: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ﴾ نكر ﴿غَاسِقٍ﴾ و ﴿حَاسِدٍ﴾ لإفادة التبعيض، لأن الضرر قد يتخلف فيهما، وعرف ﴿ٱلنَّفَّاثَاتِ﴾ لأنهن معهودات، فقيل: بنات لبيد، وقيل: إخواته. قوله: (أي الليل إذا أظلم) سمي الليل غاسقاً لانصباب ظلامه، واستعيذ من الليل لشدة الآفات فيه، و ﴿إِذَا﴾ منصوبة بـ ﴿شَرِّ﴾ أي أعوذ بالله من الشر في وقت كذا. قوله: (أو القمر) سمي غاسقاً لذهاب ضوئه بالكسوف، أو المحاق في آخر الشهر واسوداده، وقوله: (إذا غاب) أي استتر بالكسوف، أو أخذ في المحاق أو النقص، وذلك آخر الشهر، وفيه تتوفر أسباب السحر المصححة له، ويسميه المنجمون إذ ذاك نحساً، وهو أنسب بسبب النزول، وهذان قولان من جملة أقوال كثيرة، وقيل: الثريا وذلك لأنها إذا سقطت كثرت الأقسام والطواعين؛ وإذا طلعت ارتفع ذلك، وقيل: هو الشمس إذا غربت، وقيل: هو الحية إذا لدغت، وقيل: كل هاجم يضر كائناً ما كان. قوله: (السواحر) صفة لموصوف محذوف أي النساء السواحر، وخص النساء بالذكر، لأن سحرهن أشد من سحر الرجال، لما ورد: أنه بعد إغراق فرعون وقومه، وتوجه موسى وقومه لقتال الجبارين، ملك نساء القبط مصر، وأقمن فيها ستمائة سنة، كلما قصدهن عسكر صورن صورته، وفعلن بالصورة ما شئن من قلع الأعين وقطع الأعضاء، فيتفق نظيره للعسكر القاصد لهن فتخافهن العسكر. قوله: (بشيء) أي مع شيء أي قول تقوله. قوله: (من غير ريق) متعلق بـ (تنفخ)، واختلف في النفث عند الرقية والمسح باليد، فمنعه قوم لما فيه من التشبه بالسحر، وأجازها آخرون وهو الصحيح، لما ورد عن عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينفث في الركية، ورد عنها أيضاً أنها رقت ونفثت، وقال علي كرم الله وجهه:" اشتكيت فدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وانا أقول: اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحمني، وإن كان متأخراً فاشفني وعافني، وإن كان بلاء فصبرني، فقال صلى الله عليه وسلم: كيف قلت؟ فقلت له، فمسحني بيده ثم قال: اللهم اشفه، فما عاد ذلك الوجع بعد "اهـ. قوله: (وقال الزمخشري: معه) أي الريق، ففي النفث قولان. قوله: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ الحسد تمني زوال نعمة المحسود عنه، وإن لم يصر للحاسد مثلها، والغبطة تمني مثلها، فالحسد مذموم دون الغبطة، وعليها حمل حديث:" لا حسد إلا في اثنتين "والحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، وأول ذنب عصي به في الأرض، فحسد إبليس آدم وقابيل هابيل، والحاسد ممقوت مبغوض ومطرود ومعلون، قال بعض الحكماء: بارز الحاسد ربه من خسمة أوجه، أولها: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره. ثانيها: أنه ساخط لقسمة ربه كأنه يقول: لم قسمت لي هذه القسمة؟ ثالثها: أنه يعاند فعل الله تعالى، رابعها: أنه يرى خذلان أولياء الله. خامسها: أنه أعان عدو الله إبليس، وقال بعضهم: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة وبغضاً، ولا ينال في الخلوة إلا جزعاً وغماً، ولا ينال في الآخرة إلا حزناً واحتراقاً، ولا ينال من الله إلا بعداً ومقتاً، وفي الحديث:" في الإنسان ثلاثة: الطيرة والظن والحسد، فيخرجه من الطيرة أن لا يرجع، ويخرجه من الظن أن يحقق، ويخرجه من الحسد من لا يبغي ". قوله: (أظهر حسده) أي حمله الحسد على إظهاره، لأنه إذا لم يظهر الحسد، لا يتأذى به إلا الحاسد وحد لاغتمامه بنعمة غيره، وفي هذا المعنى قال بعض العارفين: ألا قل لمن بات لي حاسداً أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله فعلهلأنك لم ترض لي ما وهب فكان جزاؤك أن خصنيوسد عليك طريق الطلب وقال بعضهم: اصبر على حسد الحسو د فإن صبرك قاتلهفالنار تأكل ب عضها إن لم تجد ما تأكلهفائدة: كرر لفظ شر من كل جمع لئلا يتوهم أنه شر واحد مضاف للجميع.
الفلق 113:5
قوله: (نزلت هذه السورة والتي بعدها) ألخ، أي بأجماع الصحابة. قوله: (لما سحر لبيد) أي ابن الأعصم، وحاصله أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية في ذلك الحجة، ودخل المحرم سنة سبع، وفرغ من وقعة خيبر، ج اءت رؤساء اليهود إلى البيد بن الأعصم، وكان حليفاً في بني زريق وكان ساحراً، فقالوا: أنت أسحرنا أي أعلمنا بالسحر، وقد سحرنا محمداً فلم يؤثر فيه سحرنا شيئاً، ونحن نجعل لك جعلاً عل أن تسحره لنا سحراً يؤثر فيه، فجعلوا له ثلاثة دنانير، فأتى غلاماً يهودياً كان يخذم النبي، فلم يزل به حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله عليه وسلم، وعدة أسنان من مشطه وأعطاه له فسحره بها، وكان من جملة السرح، صورة من شمع على صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد جعلوا في تلك الصورة إبراً مغروزة إحدى عشرة، ووتر فيه إحدى عشرة عقدة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وجد لها ألم في بدنه، ثم يجد بعدها راحة، وكانت مدة سحره صلى الله عليه سلم أربعين يوماً، وقيل: ستة أشهر، وقيل: عاماً، قال ابن حجر وهو المعتمد: إن قلت: كيف يؤثر السحر فيه صلى الله عليه وسلم مع أنه معصوم بنص﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾[المائدة: ٦٧]؟ أجيب: بأن المعصوم منه ما أدى لخبل في عقله، أو لضياع شرعه أو لموته، وأما ما عدا ذلك، فهو من الإعراض البشرية الجائزة في حقه، كما أن جرحه وكسر رباعيته، لا يقدح في عصمته، وأنكر بعض المبتدعة حديث السحر، زاعمين أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها، وما أدى لذلك فهو باطل، وزعموا أيضاً أن تجويز السحر على الأنبياء، يؤدي لعدم الثقة مما أتوا به من الشرائع، إذ يحتمل أن يخيل إليه أن يرى جبريل يكلمه وليس هو، ثم وهذا كله مردود، لقيام الدليل على ثبوت السحر بإجماع الصحابة، وعصمته صلى الله عليه وسلم وجميع الأنبياء، وصدقهم فيما يبلغونه عن الله، وأما ما كان متعلقاً بأمور الدنيا، فهم كسائر البشر تعتريهم الأعراض، كالصحة والسقم والنوم واليقظة والتألم بالسحر ونحو ذلك، وأما ما ورد في قصة السحر، مع أنه كان يخيل إليه أنه يأتي أهله ولم يأت، فمعناه أنه يظهر له من نشاطه وسابق عادته الاقتدار على الوطء، فإذا دنا من المرأة فتر عن ذلك، كما هو شأن المعقود، وتسمية العامة المربوط لما ورد: أنه حبس عن عائشة سنة، وعن ابن عباس: أنه مرض وحبس عن النساء والطعام والشراب، ففي ذلك دليل على أن السحر، إنما تسلط على ظاهره جسده، لا على عقله، ثم اعلم أن مذهب أهل السنة، أن السحر حق وله حقيقة، ويكون بالقول والفعل، ومن جملة أنواعه: السيمياء وهي حيل صناعية، يتوصل إليها بالاكتساب، غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء، والعلم بوجوه تركيبها وأوقاتها، وأكثرها تخيلات، فيعظم عند من لا يعرف ذلك، والحق أنه من الأسباب العادية التي توجد الأشياء عندها لا بها، فيؤثر في القلوب كالحب والبغض وإلقاء الخير والشر، وفي الأبدان بالألم والسقم، وأما قلب الجماد حيواناً وعكسه فباطل لا يتصور، إذ لو قدر الساحر على هذا، لقدر أن يرد نفسه إلى الشباب بعد الهرم، وأن يمنع نفسه من الموت، وهو حرام إن لم يكن بما يعظم به غير الله، أو يعتقد تأثيره بنفسه، وإلا فهو كفر. قوله: (في وتر) بفتحتين أي وتر القوس. قوله: (فأحضر بين يديه) روي أنه صلى الله عليه وسلم كان نائماً ذات يوم، إذ أتاه ملكان، فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رأسه: ما بال الرجل؟ فقال: الذي عند رجليه: طب أي سحر، قال: ومن سحره؟ قال: لبيد بن عاصم اليهودي، قال: وبم طبه؟ قال بمشط ومشاطة، قال: وأين هو؟ قال: في جف طلعة تحت راعوفة في بئر ذروان، فانتبه النبي صلى الله عليه وسلم ثم أمر علياً والزبير وعمار بن ياسر، فنزحوا ماء تلك البئر كأنه نقاعة الحناء، ثم رفعوا الصخرة وأخرجوا الجف، فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان مشطه، وإذا وتر معقود فيه إحدى عشرة عقدة، وإذا تمثال من شمع على صورته صلى الله وسلم مغروز فيه إحدى عشرة إبرة، وكانت هذه المذكورات كلها موضوعة في الجف، وهو بضم الجيم وتشديد الفاء، وعاء طلع النخل، والراعوفة حجر أسفل البئر يقوم عليه المائح. قوله: (كأنما نشط من عقال) أي كأنما حل وأطلق منه. قوله: (الصبح) هذا أحد أقوال في معنى الفلق، وآثره وإشارة إلى التفاؤل الحسن، فإن مقصود العائذ من الاستعاذة، أن يتغير حاله بالخروج من الخوف إلى الأمن، ومن الوحشة إلى السرور والصبح أدل على هذا، لما فيه من زوال الظلمة بإشراق أنواره، وتغير وحشه الليل وثقله بسرور الصبح وخفته، وقيل: الفلق سجن في جهنم، وقيل: بيت في جهنم إذا فتح صاح أهل جهنم من حره، وقيل: هو اسم من أسماء جهنم، وقيل: واد في جهنم، وقيل: شجرة في النار، وقيل: الرحم لا نفلاقه عن الولد، وقيل: كل ما انفلق عن جميع ما خلق من الحيوان والحب والنوى وكل نبات، وقيل: غير ذلك. قوله: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ هذا عام وما بعده خاص، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَعُوذُ﴾ و ﴿مَا﴾ موصولة أو مصدرية. قوله: (وغير ذلك) أي كالإحراق بالنار والإغراق في البحار. قوله: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ﴾ نكر ﴿غَاسِقٍ﴾ و ﴿حَاسِدٍ﴾ لإفادة التبعيض، لأن الضرر قد يتخلف فيهما، وعرف ﴿ٱلنَّفَّاثَاتِ﴾ لأنهن معهودات، فقيل: بنات لبيد، وقيل: إخواته. قوله: (أي الليل إذا أظلم) سمي الليل غاسقاً لانصباب ظلامه، واستعيذ من الليل لشدة الآفات فيه، و ﴿إِذَا﴾ منصوبة بـ ﴿شَرِّ﴾ أي أعوذ بالله من الشر في وقت كذا. قوله: (أو القمر) سمي غاسقاً لذهاب ضوئه بالكسوف، أو المحاق في آخر الشهر واسوداده، وقوله: (إذا غاب) أي استتر بالكسوف، أو أخذ في المحاق أو النقص، وذلك آخر الشهر، وفيه تتوفر أسباب السحر المصححة له، ويسميه المنجمون إذ ذاك نحساً، وهو أنسب بسبب النزول، وهذان قولان من جملة أقوال كثيرة، وقيل: الثريا وذلك لأنها إذا سقطت كثرت الأقسام والطواعين؛ وإذا طلعت ارتفع ذلك، وقيل: هو الشمس إذا غربت، وقيل: هو الحية إذا لدغت، وقيل: كل هاجم يضر كائناً ما كان. قوله: (السواحر) صفة لموصوف محذوف أي النساء السواحر، وخص النساء بالذكر، لأن سحرهن أشد من سحر الرجال، لما ورد: أنه بعد إغراق فرعون وقومه، وتوجه موسى وقومه لقتال الجبارين، ملك نساء القبط مصر، وأقمن فيها ستمائة سنة، كلما قصدهن عسكر صورن صورته، وفعلن بالصورة ما شئن من قلع الأعين وقطع الأعضاء، فيتفق نظيره للعسكر القاصد لهن فتخافهن العسكر. قوله: (بشيء) أي مع شيء أي قول تقوله. قوله: (من غير ريق) متعلق بـ (تنفخ)، واختلف في النفث عند الرقية والمسح باليد، فمنعه قوم لما فيه من التشبه بالسحر، وأجازها آخرون وهو الصحيح، لما ورد عن عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينفث في الركية، ورد عنها أيضاً أنها رقت ونفثت، وقال علي كرم الله وجهه:" اشتكيت فدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وانا أقول: اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحمني، وإن كان متأخراً فاشفني وعافني، وإن كان بلاء فصبرني، فقال صلى الله عليه وسلم: كيف قلت؟ فقلت له، فمسحني بيده ثم قال: اللهم اشفه، فما عاد ذلك الوجع بعد "اهـ. قوله: (وقال الزمخشري: معه) أي الريق، ففي النفث قولان. قوله: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ الحسد تمني زوال نعمة المحسود عنه، وإن لم يصر للحاسد مثلها، والغبطة تمني مثلها، فالحسد مذموم دون الغبطة، وعليها حمل حديث:" لا حسد إلا في اثنتين "والحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، وأول ذنب عصي به في الأرض، فحسد إبليس آدم وقابيل هابيل، والحاسد ممقوت مبغوض ومطرود ومعلون، قال بعض الحكماء: بارز الحاسد ربه من خسمة أوجه، أولها: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره. ثانيها: أنه ساخط لقسمة ربه كأنه يقول: لم قسمت لي هذه القسمة؟ ثالثها: أنه يعاند فعل الله تعالى، رابعها: أنه يرى خذلان أولياء الله. خامسها: أنه أعان عدو الله إبليس، وقال بعضهم: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة وبغضاً، ولا ينال في الخلوة إلا جزعاً وغماً، ولا ينال في الآخرة إلا حزناً واحتراقاً، ولا ينال من الله إلا بعداً ومقتاً، وفي الحديث:" في الإنسان ثلاثة: الطيرة والظن والحسد، فيخرجه من الطيرة أن لا يرجع، ويخرجه من الظن أن يحقق، ويخرجه من الحسد من لا يبغي ". قوله: (أظهر حسده) أي حمله الحسد على إظهاره، لأنه إذا لم يظهر الحسد، لا يتأذى به إلا الحاسد وحد لاغتمامه بنعمة غيره، وفي هذا المعنى قال بعض العارفين: ألا قل لمن بات لي حاسداً أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله فعلهلأنك لم ترض لي ما وهب فكان جزاؤك أن خصنيوسد عليك طريق الطلب وقال بعضهم: اصبر على حسد الحسو د فإن صبرك قاتلهفالنار تأكل ب عضها إن لم تجد ما تأكلهفائدة: كرر لفظ شر من كل جمع لئلا يتوهم أنه شر واحد مضاف للجميع.
الناس 114:1
قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ﴾ أي أتحصن، والأمر للنبي صلى الله عليه وسلم ويتناول غيره من أمته، لأن أوامر القرآن ونواهيه لا تخص فرداً دون فرد. قوله: ﴿ٱلنَّاسِ﴾ أصله إما أناس حذفت الهمزة، أو نوس مأخوذ إما من ناس إذ تحرك خص بالبشر، لأنه المتحرك الحركة المعتد بها الناشئة عن رؤية وتدبر، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، قلبت ألفاً أو من الإنس ضد الوحشة لأنه يؤنس به؛ أو من النسيان لكونه شأن وطبعه. قوله: (خالقهم) أي موجدهم من العدم. قوله: (خصوا بالذكر) أي وإن كان رب جميع الخلائق. قوله: (تشريفاً لهم) أي من حيث إنه تعالى أخذ لهم ملائكة قدسه، وجعل لهم ما في الأرض جميعاً، وأمدهم بالعقل والعلم وكلفهم بخدمته، فإن قاموا بتلك الوظيفة، كان لهم العز دنيا وأخرى، وإن لم يقوموا بها، ردوا لأسفل السافلين، فلم يساووا كلباً ولا خنزيراً، وإذا علمت بذلك أنه رب الناس، فهو رب الناس، فهو رب غيرهم بالأولى. قوله: (ومناسبته للاستعاذة) الخ، أي فكأنه قال: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم المالك لهم. قوله: ﴿مَلِكِ ٱلنَّاسِ﴾ بإسقاط الألف هنا باتفاق القراء، بخلاف الفاتحة ففيها قراءتان سبعيتان ثبوت الألف وحذفها، ومعنى الملك: المتصرف فيهم بأنواع التصرفات، من إعزاز وإذلال وإغناء وإفقار وغير ذلك. قوله: ﴿إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ﴾ هذا الترتيب بديع، وذلك أن الإنسان أولاً يعرف أن له رباً لما شاهده من أنواع التربية، ثم إذا تأمل، عرف أن هذا الرب متصرف في خلقه، غني عن غيره فهو الملك، ثم إذا زاد تأمله، عرف أنه يستحق أن يعبد، لأنه لا يعبد إلا الغني عن كل ما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه. قوله: (زيادة للبيان) حاصله أنه ورد إشكال وهو: لم كرر لفظ الناس ثانياً وثالثاً، ولم يكتف بضميرهم، مع أن اتحاد اللفظين في اللفظ، والمعنى معيب كالإبطاء في الشعر. فأجاب المفسر بقوله: (زيادة للبيان) وهو جواب خفي، وأحسن منه أن يقال: إن التكرار لإظهار شرف الناس وتعظيمهم والاعتناء بشأنهم، كما أنه حسن التكرار للتلذذ، وإظهار فضل المكرر في قول بعضهم: محمد ساد الناس كهلاً ويافعاً وساد على الأملاك أيضا محمدمحمد كل الحسن من بعض حسنه وما حسن كل الحسن إلا محمدمحمد ما أحل شمائله وما ألذ حديثاً راح فيه محمدوهذا تسليم أن المراد بالناس في الجميع شيء واحد، وأما إن أريد بالناس. الأول: الصغار وأضيفوا للرب؛ لاحتياجهم إلى التربية أكثر من غيرهم. وبالثاني: الشباب وأضيفوا للملك، لأن شأنهم الطغيان والطيش، فهم محتاجون لملك يسوسهم ويكسر هيجان شبوبيتهم. وبالثالث: الشيوخ أضيفوا للإله، لأن شأنهم كثرة العبادة، لقرب ارتحالهم وقدومهم على ربهم وفناء شهواتهم، فهم أقرب من غيرهم للتعلق بالإله، فلا اتحاد في المعنى. قوله: ﴿مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ﴾ متعلق بـ ﴿أَعُوذُ﴾ إن قلت: ما الحكمة في وصف الله تعالى في هذه السورة نفسه بثلاثة أوصاف، وجعل المستعاذ منه شيئاً واحداً، وفي السورة قبلها بعكس ذلك، لأن وصف نفسه بوصف واحد؛ وجعل المستعاذ منه أربعة أشياء. أجيب: بأنه في السورة المتقدمة المستعاذ منه أمور تضر في ظاهر البدن، وهنا وإن كان أمراً واحداً، إلا أنه يضر الروح، وما كان يضر الروح يهتم بالاستعاذة منه. إن قلت: كان مقتضى الظاهر تقديم ما به الاهتمام، وهو الاستعاذة من شر الوسواس، إذ سلامة الروح مقدمة على البدن. أجيب: بأن سلامة البدن وسيلة للمقصود بالذات؛ وهو سلامة الروح. قوله: (سمي بالحدث) أي المصدر، وقوله: (لكثرة ملابسته له) أي ملازمته للوسوسة، فهو على حد: زيد عدل، وما ذكره المفسر بمتعين، فإن الوسواس بالفتح، كما يستعمل اسم مصدر بمعنى الحدث، يطلق على نفس الشيطان الموسوس، ويطلق أيضاً على ما يخطر بالقلب من الشر. واعلم أن خواطر القلب أربعة: رحماني وملكي ونفسي، وشيطاني، فالرحماني ما يلزم طاعة بعينها، والملكي ما يلزم طاعة لا بعينها، والنفسي ما يلزم معصية بعينها، والشيطاني ما يلزم معصية لا بعينها فتمسك بهذا الميزان. قوله: (لأنه يخنس) من باب جخل، أي يتوارى ويختفي بعد ظهوره المرة بعد المرة. قوله: (كلما ذكر الله) أي فالذكر له كالقامع الذي يقمع المفسد، فهو شديد النفور منه، ولهذا كان شيطان المؤمن هزيلاً، وعن بعض السلف: أن المؤمن يفني شيطانه، كما يفني الرجل بعيره في السفر. قال قتادة: ﴿ٱلْخَنَّاسِ﴾ له خرطوم كخرطوم الكلب، وقيل: كخرطوم الخنزير في صدر الإنسان، فإذا ذكر العبد ربه خنس، ويقال: رأسه كرأس الحية، واضع رأسه على ثمرة القلب يمسه ويحدثه، فإذا ذكر الله خنس وتأخر، وإذا غفل رجع، وهل المراد الحقيقة. أو خرطوم الكلب والخنزير كناية عن قبحه وخبثه ونجاسته، ورأس الحية كناية عن شدة الأذية، ووضعه على الفؤاد كناية عن شدة التمكن؟ كل محتمل. قوله: (إذا غفلوا عن ذكر الله) أي بقلوبهم ولو كانوا ذاكرين بألسنتهم، وذلك لأن الوسوسة حالة في القلب، فلا يطردها إلا الذكر في الحال في القطر، فمن كان من أهل الذكر، فلا تسلط للشيطان عليه، قال تعالى:﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾[الحجر: ٤٢]، ولا يترك الإنسان الذكر اللساني إذا وجد الغفلة والوسواس في قلبه، بل يكثر الذكر ويديمه، فلعله يستيقظ قلبه ويتنور، قال العارفون: الذكر اللساني كقدح الزناد، فإذا تكرر أصاب، قال بعضهم في ذلك: اطلب ولا تضجرن من مطلب فآفة الطالب أن يضجراأما ترى الحبل لتكراره في الصخرة الصماء قد أثراقوله: ﴿مِنَ ٱلْجِنَّةِ﴾ اسم جنس جمعي، يفرق بينه وبين واحده بالياء، فيقال: جن وجني، كزنج وزنجي، وغالباً يفرق بالتاء كتمر وتمرة، وزيدت التاء في الجنة لتأنيث الجماعة، سموا بذلك لاجتنانهم أي استتارهم عن العيون، وهم أجسام نارية هوائية، يتشكلون بالصور الشريفة والخسيسة، وتحكم عليهم الصورة وتقدم ما فيهم. قوله: (بيان للشيطان الموسوس) أي المذكور بقوله: ﴿مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ﴾ فـ ﴿مِن﴾ بيانية مشوبة بتبعيض، أي بعض الجنة وبعض الناس. قوله: (كقوله تعالى) الخ، أي ويشهد له حديث:" تعوذوا بالله من الشياطين الجن والإنس ". قوله: (والناس) عطف على الوسواس، أي ولفظ ﴿شَرِّ﴾ مسلط عليه كأنه قال: من شر الوسواس الذي يوسوس وهو الجنة، ومن شر الناس، وعليه فالناس لا يصدر منهم وسوسة. قوله: (وعلى كل) أي من الاحتمالين، وقوله: (يشمل) أي الشر المستعاذ منه شر لبيد الخ. قوله: (المذكورين) أي في السورة السابقة، وفيه تغليب المذكر وهو لبيد، على المؤنث وهو بناته. قوله: (واعترض الأول) أي وهو أنه بيان للشيطان الموسوس. قوله:(لا يوسوس في صدورهم الناس) كذا في بعض النسخ، والمناسب كما في بعضها لا يوسوسون في صدور الناس. قوله: (بمعنى يليق بهم) أي كالنميمة ويخنسون إذا زجروا. قوله: (المؤدي) أي الموصل إلى ثبوتها في القلب. قوله: (والله أعلم) أشار بذلك إلى تمام القرآن، وفي ختم القرآن بهذه السورة إشارة حسنة كأنه قيل: ما أنزلناه كاف، ما فرطنا في الكتاب من شيء، فلا تطلب بعده شيئاً، بل اقتصر على العمل به، واستعذ بالله من الشيطان والحاسد، لأن العبد إذا تمت نعمة الله عليه، كثرت حساده إنساً وجناً، قيل: عده حروف هذه السورة غير المكرر ثلاث وعشرون حرفاً، وكذا عدد الفاتحة بعدد السنين التي أنزل فيها القرآن، وهو سر بديع، وأول القرآن باء البسملة، وآخره سين والناس، كأنه قال: بس أي تم وكمل، ثم اعلم أن الجلال المحلي رضي الله عنه، بعد أن ختم هذا النصف الأخير، وابتداؤه من سورة الكهف، شرع في تفسير النصف الأول، وأوله سورة الفاتحة، فقال في شروعه: فيه سورة الفاتحة الخ، ولم يفتتحه بخطبة على عادة المؤلفين، مشتملة على حمد وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك، قصداً للاختصار، وروماً للاقتصار على محط الفائدة. ثم إنه لما فرغ من تفسير سورة الفاتحة، توفي إلى رحمة الله تعالى، فقيض الله تعالى تلميذه الجلال السيوطي لتتميم تفسيره، فابتدأ بأول سورة البقرة، وختم بالإسراء، كما ذكر في خطبته، فسار تفسيره الفاتحة في نسخ الجلال، مضموماً لتفسير آخر القرآن لا أوله، ليكون تفسير المحلي مضموماً بعضه لبعض، رضي الله عن الجميع ونفعنا بهم.
الناس 114:2
قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ﴾ أي أتحصن، والأمر للنبي صلى الله عليه وسلم ويتناول غيره من أمته، لأن أوامر القرآن ونواهيه لا تخص فرداً دون فرد. قوله: ﴿ٱلنَّاسِ﴾ أصله إما أناس حذفت الهمزة، أو نوس مأخوذ إما من ناس إذ تحرك خص بالبشر، لأنه المتحرك الحركة المعتد بها الناشئة عن رؤية وتدبر، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، قلبت ألفاً أو من الإنس ضد الوحشة لأنه يؤنس به؛ أو من النسيان لكونه شأن وطبعه. قوله: (خالقهم) أي موجدهم من العدم. قوله: (خصوا بالذكر) أي وإن كان رب جميع الخلائق. قوله: (تشريفاً لهم) أي من حيث إنه تعالى أخذ لهم ملائكة قدسه، وجعل لهم ما في الأرض جميعاً، وأمدهم بالعقل والعلم وكلفهم بخدمته، فإن قاموا بتلك الوظيفة، كان لهم العز دنيا وأخرى، وإن لم يقوموا بها، ردوا لأسفل السافلين، فلم يساووا كلباً ولا خنزيراً، وإذا علمت بذلك أنه رب الناس، فهو رب الناس، فهو رب غيرهم بالأولى. قوله: (ومناسبته للاستعاذة) الخ، أي فكأنه قال: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم المالك لهم. قوله: ﴿مَلِكِ ٱلنَّاسِ﴾ بإسقاط الألف هنا باتفاق القراء، بخلاف الفاتحة ففيها قراءتان سبعيتان ثبوت الألف وحذفها، ومعنى الملك: المتصرف فيهم بأنواع التصرفات، من إعزاز وإذلال وإغناء وإفقار وغير ذلك. قوله: ﴿إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ﴾ هذا الترتيب بديع، وذلك أن الإنسان أولاً يعرف أن له رباً لما شاهده من أنواع التربية، ثم إذا تأمل، عرف أن هذا الرب متصرف في خلقه، غني عن غيره فهو الملك، ثم إذا زاد تأمله، عرف أنه يستحق أن يعبد، لأنه لا يعبد إلا الغني عن كل ما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه. قوله: (زيادة للبيان) حاصله أنه ورد إشكال وهو: لم كرر لفظ الناس ثانياً وثالثاً، ولم يكتف بضميرهم، مع أن اتحاد اللفظين في اللفظ، والمعنى معيب كالإبطاء في الشعر. فأجاب المفسر بقوله: (زيادة للبيان) وهو جواب خفي، وأحسن منه أن يقال: إن التكرار لإظهار شرف الناس وتعظيمهم والاعتناء بشأنهم، كما أنه حسن التكرار للتلذذ، وإظهار فضل المكرر في قول بعضهم: محمد ساد الناس كهلاً ويافعاً وساد على الأملاك أيضا محمدمحمد كل الحسن من بعض حسنه وما حسن كل الحسن إلا محمدمحمد ما أحل شمائله وما ألذ حديثاً راح فيه محمدوهذا تسليم أن المراد بالناس في الجميع شيء واحد، وأما إن أريد بالناس. الأول: الصغار وأضيفوا للرب؛ لاحتياجهم إلى التربية أكثر من غيرهم. وبالثاني: الشباب وأضيفوا للملك، لأن شأنهم الطغيان والطيش، فهم محتاجون لملك يسوسهم ويكسر هيجان شبوبيتهم. وبالثالث: الشيوخ أضيفوا للإله، لأن شأنهم كثرة العبادة، لقرب ارتحالهم وقدومهم على ربهم وفناء شهواتهم، فهم أقرب من غيرهم للتعلق بالإله، فلا اتحاد في المعنى. قوله: ﴿مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ﴾ متعلق بـ ﴿أَعُوذُ﴾ إن قلت: ما الحكمة في وصف الله تعالى في هذه السورة نفسه بثلاثة أوصاف، وجعل المستعاذ منه شيئاً واحداً، وفي السورة قبلها بعكس ذلك، لأن وصف نفسه بوصف واحد؛ وجعل المستعاذ منه أربعة أشياء. أجيب: بأنه في السورة المتقدمة المستعاذ منه أمور تضر في ظاهر البدن، وهنا وإن كان أمراً واحداً، إلا أنه يضر الروح، وما كان يضر الروح يهتم بالاستعاذة منه. إن قلت: كان مقتضى الظاهر تقديم ما به الاهتمام، وهو الاستعاذة من شر الوسواس، إذ سلامة الروح مقدمة على البدن. أجيب: بأن سلامة البدن وسيلة للمقصود بالذات؛ وهو سلامة الروح. قوله: (سمي بالحدث) أي المصدر، وقوله: (لكثرة ملابسته له) أي ملازمته للوسوسة، فهو على حد: زيد عدل، وما ذكره المفسر بمتعين، فإن الوسواس بالفتح، كما يستعمل اسم مصدر بمعنى الحدث، يطلق على نفس الشيطان الموسوس، ويطلق أيضاً على ما يخطر بالقلب من الشر. واعلم أن خواطر القلب أربعة: رحماني وملكي ونفسي، وشيطاني، فالرحماني ما يلزم طاعة بعينها، والملكي ما يلزم طاعة لا بعينها، والنفسي ما يلزم معصية بعينها، والشيطاني ما يلزم معصية لا بعينها فتمسك بهذا الميزان. قوله: (لأنه يخنس) من باب جخل، أي يتوارى ويختفي بعد ظهوره المرة بعد المرة. قوله: (كلما ذكر الله) أي فالذكر له كالقامع الذي يقمع المفسد، فهو شديد النفور منه، ولهذا كان شيطان المؤمن هزيلاً، وعن بعض السلف: أن المؤمن يفني شيطانه، كما يفني الرجل بعيره في السفر. قال قتادة: ﴿ٱلْخَنَّاسِ﴾ له خرطوم كخرطوم الكلب، وقيل: كخرطوم الخنزير في صدر الإنسان، فإذا ذكر العبد ربه خنس، ويقال: رأسه كرأس الحية، واضع رأسه على ثمرة القلب يمسه ويحدثه، فإذا ذكر الله خنس وتأخر، وإذا غفل رجع، وهل المراد الحقيقة. أو خرطوم الكلب والخنزير كناية عن قبحه وخبثه ونجاسته، ورأس الحية كناية عن شدة الأذية، ووضعه على الفؤاد كناية عن شدة التمكن؟ كل محتمل. قوله: (إذا غفلوا عن ذكر الله) أي بقلوبهم ولو كانوا ذاكرين بألسنتهم، وذلك لأن الوسوسة حالة في القلب، فلا يطردها إلا الذكر في الحال في القطر، فمن كان من أهل الذكر، فلا تسلط للشيطان عليه، قال تعالى:﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾[الحجر: ٤٢]، ولا يترك الإنسان الذكر اللساني إذا وجد الغفلة والوسواس في قلبه، بل يكثر الذكر ويديمه، فلعله يستيقظ قلبه ويتنور، قال العارفون: الذكر اللساني كقدح الزناد، فإذا تكرر أصاب، قال بعضهم في ذلك: اطلب ولا تضجرن من مطلب فآفة الطالب أن يضجراأما ترى الحبل لتكراره في الصخرة الصماء قد أثراقوله: ﴿مِنَ ٱلْجِنَّةِ﴾ اسم جنس جمعي، يفرق بينه وبين واحده بالياء، فيقال: جن وجني، كزنج وزنجي، وغالباً يفرق بالتاء كتمر وتمرة، وزيدت التاء في الجنة لتأنيث الجماعة، سموا بذلك لاجتنانهم أي استتارهم عن العيون، وهم أجسام نارية هوائية، يتشكلون بالصور الشريفة والخسيسة، وتحكم عليهم الصورة وتقدم ما فيهم. قوله: (بيان للشيطان الموسوس) أي المذكور بقوله: ﴿مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ﴾ فـ ﴿مِن﴾ بيانية مشوبة بتبعيض، أي بعض الجنة وبعض الناس. قوله: (كقوله تعالى) الخ، أي ويشهد له حديث:" تعوذوا بالله من الشياطين الجن والإنس ". قوله: (والناس) عطف على الوسواس، أي ولفظ ﴿شَرِّ﴾ مسلط عليه كأنه قال: من شر الوسواس الذي يوسوس وهو الجنة، ومن شر الناس، وعليه فالناس لا يصدر منهم وسوسة. قوله: (وعلى كل) أي من الاحتمالين، وقوله: (يشمل) أي الشر المستعاذ منه شر لبيد الخ. قوله: (المذكورين) أي في السورة السابقة، وفيه تغليب المذكر وهو لبيد، على المؤنث وهو بناته. قوله: (واعترض الأول) أي وهو أنه بيان للشيطان الموسوس. قوله:(لا يوسوس في صدورهم الناس) كذا في بعض النسخ، والمناسب كما في بعضها لا يوسوسون في صدور الناس. قوله: (بمعنى يليق بهم) أي كالنميمة ويخنسون إذا زجروا. قوله: (المؤدي) أي الموصل إلى ثبوتها في القلب. قوله: (والله أعلم) أشار بذلك إلى تمام القرآن، وفي ختم القرآن بهذه السورة إشارة حسنة كأنه قيل: ما أنزلناه كاف، ما فرطنا في الكتاب من شيء، فلا تطلب بعده شيئاً، بل اقتصر على العمل به، واستعذ بالله من الشيطان والحاسد، لأن العبد إذا تمت نعمة الله عليه، كثرت حساده إنساً وجناً، قيل: عده حروف هذه السورة غير المكرر ثلاث وعشرون حرفاً، وكذا عدد الفاتحة بعدد السنين التي أنزل فيها القرآن، وهو سر بديع، وأول القرآن باء البسملة، وآخره سين والناس، كأنه قال: بس أي تم وكمل، ثم اعلم أن الجلال المحلي رضي الله عنه، بعد أن ختم هذا النصف الأخير، وابتداؤه من سورة الكهف، شرع في تفسير النصف الأول، وأوله سورة الفاتحة، فقال في شروعه: فيه سورة الفاتحة الخ، ولم يفتتحه بخطبة على عادة المؤلفين، مشتملة على حمد وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك، قصداً للاختصار، وروماً للاقتصار على محط الفائدة. ثم إنه لما فرغ من تفسير سورة الفاتحة، توفي إلى رحمة الله تعالى، فقيض الله تعالى تلميذه الجلال السيوطي لتتميم تفسيره، فابتدأ بأول سورة البقرة، وختم بالإسراء، كما ذكر في خطبته، فسار تفسيره الفاتحة في نسخ الجلال، مضموماً لتفسير آخر القرآن لا أوله، ليكون تفسير المحلي مضموماً بعضه لبعض، رضي الله عن الجميع ونفعنا بهم.
الناس 114:3
قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ﴾ أي أتحصن، والأمر للنبي صلى الله عليه وسلم ويتناول غيره من أمته، لأن أوامر القرآن ونواهيه لا تخص فرداً دون فرد. قوله: ﴿ٱلنَّاسِ﴾ أصله إما أناس حذفت الهمزة، أو نوس مأخوذ إما من ناس إذ تحرك خص بالبشر، لأنه المتحرك الحركة المعتد بها الناشئة عن رؤية وتدبر، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، قلبت ألفاً أو من الإنس ضد الوحشة لأنه يؤنس به؛ أو من النسيان لكونه شأن وطبعه. قوله: (خالقهم) أي موجدهم من العدم. قوله: (خصوا بالذكر) أي وإن كان رب جميع الخلائق. قوله: (تشريفاً لهم) أي من حيث إنه تعالى أخذ لهم ملائكة قدسه، وجعل لهم ما في الأرض جميعاً، وأمدهم بالعقل والعلم وكلفهم بخدمته، فإن قاموا بتلك الوظيفة، كان لهم العز دنيا وأخرى، وإن لم يقوموا بها، ردوا لأسفل السافلين، فلم يساووا كلباً ولا خنزيراً، وإذا علمت بذلك أنه رب الناس، فهو رب الناس، فهو رب غيرهم بالأولى. قوله: (ومناسبته للاستعاذة) الخ، أي فكأنه قال: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم المالك لهم. قوله: ﴿مَلِكِ ٱلنَّاسِ﴾ بإسقاط الألف هنا باتفاق القراء، بخلاف الفاتحة ففيها قراءتان سبعيتان ثبوت الألف وحذفها، ومعنى الملك: المتصرف فيهم بأنواع التصرفات، من إعزاز وإذلال وإغناء وإفقار وغير ذلك. قوله: ﴿إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ﴾ هذا الترتيب بديع، وذلك أن الإنسان أولاً يعرف أن له رباً لما شاهده من أنواع التربية، ثم إذا تأمل، عرف أن هذا الرب متصرف في خلقه، غني عن غيره فهو الملك، ثم إذا زاد تأمله، عرف أنه يستحق أن يعبد، لأنه لا يعبد إلا الغني عن كل ما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه. قوله: (زيادة للبيان) حاصله أنه ورد إشكال وهو: لم كرر لفظ الناس ثانياً وثالثاً، ولم يكتف بضميرهم، مع أن اتحاد اللفظين في اللفظ، والمعنى معيب كالإبطاء في الشعر. فأجاب المفسر بقوله: (زيادة للبيان) وهو جواب خفي، وأحسن منه أن يقال: إن التكرار لإظهار شرف الناس وتعظيمهم والاعتناء بشأنهم، كما أنه حسن التكرار للتلذذ، وإظهار فضل المكرر في قول بعضهم: محمد ساد الناس كهلاً ويافعاً وساد على الأملاك أيضا محمدمحمد كل الحسن من بعض حسنه وما حسن كل الحسن إلا محمدمحمد ما أحل شمائله وما ألذ حديثاً راح فيه محمدوهذا تسليم أن المراد بالناس في الجميع شيء واحد، وأما إن أريد بالناس. الأول: الصغار وأضيفوا للرب؛ لاحتياجهم إلى التربية أكثر من غيرهم. وبالثاني: الشباب وأضيفوا للملك، لأن شأنهم الطغيان والطيش، فهم محتاجون لملك يسوسهم ويكسر هيجان شبوبيتهم. وبالثالث: الشيوخ أضيفوا للإله، لأن شأنهم كثرة العبادة، لقرب ارتحالهم وقدومهم على ربهم وفناء شهواتهم، فهم أقرب من غيرهم للتعلق بالإله، فلا اتحاد في المعنى. قوله: ﴿مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ﴾ متعلق بـ ﴿أَعُوذُ﴾ إن قلت: ما الحكمة في وصف الله تعالى في هذه السورة نفسه بثلاثة أوصاف، وجعل المستعاذ منه شيئاً واحداً، وفي السورة قبلها بعكس ذلك، لأن وصف نفسه بوصف واحد؛ وجعل المستعاذ منه أربعة أشياء. أجيب: بأنه في السورة المتقدمة المستعاذ منه أمور تضر في ظاهر البدن، وهنا وإن كان أمراً واحداً، إلا أنه يضر الروح، وما كان يضر الروح يهتم بالاستعاذة منه. إن قلت: كان مقتضى الظاهر تقديم ما به الاهتمام، وهو الاستعاذة من شر الوسواس، إذ سلامة الروح مقدمة على البدن. أجيب: بأن سلامة البدن وسيلة للمقصود بالذات؛ وهو سلامة الروح. قوله: (سمي بالحدث) أي المصدر، وقوله: (لكثرة ملابسته له) أي ملازمته للوسوسة، فهو على حد: زيد عدل، وما ذكره المفسر بمتعين، فإن الوسواس بالفتح، كما يستعمل اسم مصدر بمعنى الحدث، يطلق على نفس الشيطان الموسوس، ويطلق أيضاً على ما يخطر بالقلب من الشر. واعلم أن خواطر القلب أربعة: رحماني وملكي ونفسي، وشيطاني، فالرحماني ما يلزم طاعة بعينها، والملكي ما يلزم طاعة لا بعينها، والنفسي ما يلزم معصية بعينها، والشيطاني ما يلزم معصية لا بعينها فتمسك بهذا الميزان. قوله: (لأنه يخنس) من باب جخل، أي يتوارى ويختفي بعد ظهوره المرة بعد المرة. قوله: (كلما ذكر الله) أي فالذكر له كالقامع الذي يقمع المفسد، فهو شديد النفور منه، ولهذا كان شيطان المؤمن هزيلاً، وعن بعض السلف: أن المؤمن يفني شيطانه، كما يفني الرجل بعيره في السفر. قال قتادة: ﴿ٱلْخَنَّاسِ﴾ له خرطوم كخرطوم الكلب، وقيل: كخرطوم الخنزير في صدر الإنسان، فإذا ذكر العبد ربه خنس، ويقال: رأسه كرأس الحية، واضع رأسه على ثمرة القلب يمسه ويحدثه، فإذا ذكر الله خنس وتأخر، وإذا غفل رجع، وهل المراد الحقيقة. أو خرطوم الكلب والخنزير كناية عن قبحه وخبثه ونجاسته، ورأس الحية كناية عن شدة الأذية، ووضعه على الفؤاد كناية عن شدة التمكن؟ كل محتمل. قوله: (إذا غفلوا عن ذكر الله) أي بقلوبهم ولو كانوا ذاكرين بألسنتهم، وذلك لأن الوسوسة حالة في القلب، فلا يطردها إلا الذكر في الحال في القطر، فمن كان من أهل الذكر، فلا تسلط للشيطان عليه، قال تعالى:﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾[الحجر: ٤٢]، ولا يترك الإنسان الذكر اللساني إذا وجد الغفلة والوسواس في قلبه، بل يكثر الذكر ويديمه، فلعله يستيقظ قلبه ويتنور، قال العارفون: الذكر اللساني كقدح الزناد، فإذا تكرر أصاب، قال بعضهم في ذلك: اطلب ولا تضجرن من مطلب فآفة الطالب أن يضجراأما ترى الحبل لتكراره في الصخرة الصماء قد أثراقوله: ﴿مِنَ ٱلْجِنَّةِ﴾ اسم جنس جمعي، يفرق بينه وبين واحده بالياء، فيقال: جن وجني، كزنج وزنجي، وغالباً يفرق بالتاء كتمر وتمرة، وزيدت التاء في الجنة لتأنيث الجماعة، سموا بذلك لاجتنانهم أي استتارهم عن العيون، وهم أجسام نارية هوائية، يتشكلون بالصور الشريفة والخسيسة، وتحكم عليهم الصورة وتقدم ما فيهم. قوله: (بيان للشيطان الموسوس) أي المذكور بقوله: ﴿مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ﴾ فـ ﴿مِن﴾ بيانية مشوبة بتبعيض، أي بعض الجنة وبعض الناس. قوله: (كقوله تعالى) الخ، أي ويشهد له حديث:" تعوذوا بالله من الشياطين الجن والإنس ". قوله: (والناس) عطف على الوسواس، أي ولفظ ﴿شَرِّ﴾ مسلط عليه كأنه قال: من شر الوسواس الذي يوسوس وهو الجنة، ومن شر الناس، وعليه فالناس لا يصدر منهم وسوسة. قوله: (وعلى كل) أي من الاحتمالين، وقوله: (يشمل) أي الشر المستعاذ منه شر لبيد الخ. قوله: (المذكورين) أي في السورة السابقة، وفيه تغليب المذكر وهو لبيد، على المؤنث وهو بناته. قوله: (واعترض الأول) أي وهو أنه بيان للشيطان الموسوس. قوله:(لا يوسوس في صدورهم الناس) كذا في بعض النسخ، والمناسب كما في بعضها لا يوسوسون في صدور الناس. قوله: (بمعنى يليق بهم) أي كالنميمة ويخنسون إذا زجروا. قوله: (المؤدي) أي الموصل إلى ثبوتها في القلب. قوله: (والله أعلم) أشار بذلك إلى تمام القرآن، وفي ختم القرآن بهذه السورة إشارة حسنة كأنه قيل: ما أنزلناه كاف، ما فرطنا في الكتاب من شيء، فلا تطلب بعده شيئاً، بل اقتصر على العمل به، واستعذ بالله من الشيطان والحاسد، لأن العبد إذا تمت نعمة الله عليه، كثرت حساده إنساً وجناً، قيل: عده حروف هذه السورة غير المكرر ثلاث وعشرون حرفاً، وكذا عدد الفاتحة بعدد السنين التي أنزل فيها القرآن، وهو سر بديع، وأول القرآن باء البسملة، وآخره سين والناس، كأنه قال: بس أي تم وكمل، ثم اعلم أن الجلال المحلي رضي الله عنه، بعد أن ختم هذا النصف الأخير، وابتداؤه من سورة الكهف، شرع في تفسير النصف الأول، وأوله سورة الفاتحة، فقال في شروعه: فيه سورة الفاتحة الخ، ولم يفتتحه بخطبة على عادة المؤلفين، مشتملة على حمد وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك، قصداً للاختصار، وروماً للاقتصار على محط الفائدة. ثم إنه لما فرغ من تفسير سورة الفاتحة، توفي إلى رحمة الله تعالى، فقيض الله تعالى تلميذه الجلال السيوطي لتتميم تفسيره، فابتدأ بأول سورة البقرة، وختم بالإسراء، كما ذكر في خطبته، فسار تفسيره الفاتحة في نسخ الجلال، مضموماً لتفسير آخر القرآن لا أوله، ليكون تفسير المحلي مضموماً بعضه لبعض، رضي الله عن الجميع ونفعنا بهم.
الناس 114:4
قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ﴾ أي أتحصن، والأمر للنبي صلى الله عليه وسلم ويتناول غيره من أمته، لأن أوامر القرآن ونواهيه لا تخص فرداً دون فرد. قوله: ﴿ٱلنَّاسِ﴾ أصله إما أناس حذفت الهمزة، أو نوس مأخوذ إما من ناس إذ تحرك خص بالبشر، لأنه المتحرك الحركة المعتد بها الناشئة عن رؤية وتدبر، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، قلبت ألفاً أو من الإنس ضد الوحشة لأنه يؤنس به؛ أو من النسيان لكونه شأن وطبعه. قوله: (خالقهم) أي موجدهم من العدم. قوله: (خصوا بالذكر) أي وإن كان رب جميع الخلائق. قوله: (تشريفاً لهم) أي من حيث إنه تعالى أخذ لهم ملائكة قدسه، وجعل لهم ما في الأرض جميعاً، وأمدهم بالعقل والعلم وكلفهم بخدمته، فإن قاموا بتلك الوظيفة، كان لهم العز دنيا وأخرى، وإن لم يقوموا بها، ردوا لأسفل السافلين، فلم يساووا كلباً ولا خنزيراً، وإذا علمت بذلك أنه رب الناس، فهو رب الناس، فهو رب غيرهم بالأولى. قوله: (ومناسبته للاستعاذة) الخ، أي فكأنه قال: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم المالك لهم. قوله: ﴿مَلِكِ ٱلنَّاسِ﴾ بإسقاط الألف هنا باتفاق القراء، بخلاف الفاتحة ففيها قراءتان سبعيتان ثبوت الألف وحذفها، ومعنى الملك: المتصرف فيهم بأنواع التصرفات، من إعزاز وإذلال وإغناء وإفقار وغير ذلك. قوله: ﴿إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ﴾ هذا الترتيب بديع، وذلك أن الإنسان أولاً يعرف أن له رباً لما شاهده من أنواع التربية، ثم إذا تأمل، عرف أن هذا الرب متصرف في خلقه، غني عن غيره فهو الملك، ثم إذا زاد تأمله، عرف أنه يستحق أن يعبد، لأنه لا يعبد إلا الغني عن كل ما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه. قوله: (زيادة للبيان) حاصله أنه ورد إشكال وهو: لم كرر لفظ الناس ثانياً وثالثاً، ولم يكتف بضميرهم، مع أن اتحاد اللفظين في اللفظ، والمعنى معيب كالإبطاء في الشعر. فأجاب المفسر بقوله: (زيادة للبيان) وهو جواب خفي، وأحسن منه أن يقال: إن التكرار لإظهار شرف الناس وتعظيمهم والاعتناء بشأنهم، كما أنه حسن التكرار للتلذذ، وإظهار فضل المكرر في قول بعضهم: محمد ساد الناس كهلاً ويافعاً وساد على الأملاك أيضا محمدمحمد كل الحسن من بعض حسنه وما حسن كل الحسن إلا محمدمحمد ما أحل شمائله وما ألذ حديثاً راح فيه محمدوهذا تسليم أن المراد بالناس في الجميع شيء واحد، وأما إن أريد بالناس. الأول: الصغار وأضيفوا للرب؛ لاحتياجهم إلى التربية أكثر من غيرهم. وبالثاني: الشباب وأضيفوا للملك، لأن شأنهم الطغيان والطيش، فهم محتاجون لملك يسوسهم ويكسر هيجان شبوبيتهم. وبالثالث: الشيوخ أضيفوا للإله، لأن شأنهم كثرة العبادة، لقرب ارتحالهم وقدومهم على ربهم وفناء شهواتهم، فهم أقرب من غيرهم للتعلق بالإله، فلا اتحاد في المعنى. قوله: ﴿مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ﴾ متعلق بـ ﴿أَعُوذُ﴾ إن قلت: ما الحكمة في وصف الله تعالى في هذه السورة نفسه بثلاثة أوصاف، وجعل المستعاذ منه شيئاً واحداً، وفي السورة قبلها بعكس ذلك، لأن وصف نفسه بوصف واحد؛ وجعل المستعاذ منه أربعة أشياء. أجيب: بأنه في السورة المتقدمة المستعاذ منه أمور تضر في ظاهر البدن، وهنا وإن كان أمراً واحداً، إلا أنه يضر الروح، وما كان يضر الروح يهتم بالاستعاذة منه. إن قلت: كان مقتضى الظاهر تقديم ما به الاهتمام، وهو الاستعاذة من شر الوسواس، إذ سلامة الروح مقدمة على البدن. أجيب: بأن سلامة البدن وسيلة للمقصود بالذات؛ وهو سلامة الروح. قوله: (سمي بالحدث) أي المصدر، وقوله: (لكثرة ملابسته له) أي ملازمته للوسوسة، فهو على حد: زيد عدل، وما ذكره المفسر بمتعين، فإن الوسواس بالفتح، كما يستعمل اسم مصدر بمعنى الحدث، يطلق على نفس الشيطان الموسوس، ويطلق أيضاً على ما يخطر بالقلب من الشر. واعلم أن خواطر القلب أربعة: رحماني وملكي ونفسي، وشيطاني، فالرحماني ما يلزم طاعة بعينها، والملكي ما يلزم طاعة لا بعينها، والنفسي ما يلزم معصية بعينها، والشيطاني ما يلزم معصية لا بعينها فتمسك بهذا الميزان. قوله: (لأنه يخنس) من باب جخل، أي يتوارى ويختفي بعد ظهوره المرة بعد المرة. قوله: (كلما ذكر الله) أي فالذكر له كالقامع الذي يقمع المفسد، فهو شديد النفور منه، ولهذا كان شيطان المؤمن هزيلاً، وعن بعض السلف: أن المؤمن يفني شيطانه، كما يفني الرجل بعيره في السفر. قال قتادة: ﴿ٱلْخَنَّاسِ﴾ له خرطوم كخرطوم الكلب، وقيل: كخرطوم الخنزير في صدر الإنسان، فإذا ذكر العبد ربه خنس، ويقال: رأسه كرأس الحية، واضع رأسه على ثمرة القلب يمسه ويحدثه، فإذا ذكر الله خنس وتأخر، وإذا غفل رجع، وهل المراد الحقيقة. أو خرطوم الكلب والخنزير كناية عن قبحه وخبثه ونجاسته، ورأس الحية كناية عن شدة الأذية، ووضعه على الفؤاد كناية عن شدة التمكن؟ كل محتمل. قوله: (إذا غفلوا عن ذكر الله) أي بقلوبهم ولو كانوا ذاكرين بألسنتهم، وذلك لأن الوسوسة حالة في القلب، فلا يطردها إلا الذكر في الحال في القطر، فمن كان من أهل الذكر، فلا تسلط للشيطان عليه، قال تعالى:﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾[الحجر: ٤٢]، ولا يترك الإنسان الذكر اللساني إذا وجد الغفلة والوسواس في قلبه، بل يكثر الذكر ويديمه، فلعله يستيقظ قلبه ويتنور، قال العارفون: الذكر اللساني كقدح الزناد، فإذا تكرر أصاب، قال بعضهم في ذلك: اطلب ولا تضجرن من مطلب فآفة الطالب أن يضجراأما ترى الحبل لتكراره في الصخرة الصماء قد أثراقوله: ﴿مِنَ ٱلْجِنَّةِ﴾ اسم جنس جمعي، يفرق بينه وبين واحده بالياء، فيقال: جن وجني، كزنج وزنجي، وغالباً يفرق بالتاء كتمر وتمرة، وزيدت التاء في الجنة لتأنيث الجماعة، سموا بذلك لاجتنانهم أي استتارهم عن العيون، وهم أجسام نارية هوائية، يتشكلون بالصور الشريفة والخسيسة، وتحكم عليهم الصورة وتقدم ما فيهم. قوله: (بيان للشيطان الموسوس) أي المذكور بقوله: ﴿مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ﴾ فـ ﴿مِن﴾ بيانية مشوبة بتبعيض، أي بعض الجنة وبعض الناس. قوله: (كقوله تعالى) الخ، أي ويشهد له حديث:" تعوذوا بالله من الشياطين الجن والإنس ". قوله: (والناس) عطف على الوسواس، أي ولفظ ﴿شَرِّ﴾ مسلط عليه كأنه قال: من شر الوسواس الذي يوسوس وهو الجنة، ومن شر الناس، وعليه فالناس لا يصدر منهم وسوسة. قوله: (وعلى كل) أي من الاحتمالين، وقوله: (يشمل) أي الشر المستعاذ منه شر لبيد الخ. قوله: (المذكورين) أي في السورة السابقة، وفيه تغليب المذكر وهو لبيد، على المؤنث وهو بناته. قوله: (واعترض الأول) أي وهو أنه بيان للشيطان الموسوس. قوله:(لا يوسوس في صدورهم الناس) كذا في بعض النسخ، والمناسب كما في بعضها لا يوسوسون في صدور الناس. قوله: (بمعنى يليق بهم) أي كالنميمة ويخنسون إذا زجروا. قوله: (المؤدي) أي الموصل إلى ثبوتها في القلب. قوله: (والله أعلم) أشار بذلك إلى تمام القرآن، وفي ختم القرآن بهذه السورة إشارة حسنة كأنه قيل: ما أنزلناه كاف، ما فرطنا في الكتاب من شيء، فلا تطلب بعده شيئاً، بل اقتصر على العمل به، واستعذ بالله من الشيطان والحاسد، لأن العبد إذا تمت نعمة الله عليه، كثرت حساده إنساً وجناً، قيل: عده حروف هذه السورة غير المكرر ثلاث وعشرون حرفاً، وكذا عدد الفاتحة بعدد السنين التي أنزل فيها القرآن، وهو سر بديع، وأول القرآن باء البسملة، وآخره سين والناس، كأنه قال: بس أي تم وكمل، ثم اعلم أن الجلال المحلي رضي الله عنه، بعد أن ختم هذا النصف الأخير، وابتداؤه من سورة الكهف، شرع في تفسير النصف الأول، وأوله سورة الفاتحة، فقال في شروعه: فيه سورة الفاتحة الخ، ولم يفتتحه بخطبة على عادة المؤلفين، مشتملة على حمد وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك، قصداً للاختصار، وروماً للاقتصار على محط الفائدة. ثم إنه لما فرغ من تفسير سورة الفاتحة، توفي إلى رحمة الله تعالى، فقيض الله تعالى تلميذه الجلال السيوطي لتتميم تفسيره، فابتدأ بأول سورة البقرة، وختم بالإسراء، كما ذكر في خطبته، فسار تفسيره الفاتحة في نسخ الجلال، مضموماً لتفسير آخر القرآن لا أوله، ليكون تفسير المحلي مضموماً بعضه لبعض، رضي الله عن الجميع ونفعنا بهم.
الناس 114:5
قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ﴾ أي أتحصن، والأمر للنبي صلى الله عليه وسلم ويتناول غيره من أمته، لأن أوامر القرآن ونواهيه لا تخص فرداً دون فرد. قوله: ﴿ٱلنَّاسِ﴾ أصله إما أناس حذفت الهمزة، أو نوس مأخوذ إما من ناس إذ تحرك خص بالبشر، لأنه المتحرك الحركة المعتد بها الناشئة عن رؤية وتدبر، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، قلبت ألفاً أو من الإنس ضد الوحشة لأنه يؤنس به؛ أو من النسيان لكونه شأن وطبعه. قوله: (خالقهم) أي موجدهم من العدم. قوله: (خصوا بالذكر) أي وإن كان رب جميع الخلائق. قوله: (تشريفاً لهم) أي من حيث إنه تعالى أخذ لهم ملائكة قدسه، وجعل لهم ما في الأرض جميعاً، وأمدهم بالعقل والعلم وكلفهم بخدمته، فإن قاموا بتلك الوظيفة، كان لهم العز دنيا وأخرى، وإن لم يقوموا بها، ردوا لأسفل السافلين، فلم يساووا كلباً ولا خنزيراً، وإذا علمت بذلك أنه رب الناس، فهو رب الناس، فهو رب غيرهم بالأولى. قوله: (ومناسبته للاستعاذة) الخ، أي فكأنه قال: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم المالك لهم. قوله: ﴿مَلِكِ ٱلنَّاسِ﴾ بإسقاط الألف هنا باتفاق القراء، بخلاف الفاتحة ففيها قراءتان سبعيتان ثبوت الألف وحذفها، ومعنى الملك: المتصرف فيهم بأنواع التصرفات، من إعزاز وإذلال وإغناء وإفقار وغير ذلك. قوله: ﴿إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ﴾ هذا الترتيب بديع، وذلك أن الإنسان أولاً يعرف أن له رباً لما شاهده من أنواع التربية، ثم إذا تأمل، عرف أن هذا الرب متصرف في خلقه، غني عن غيره فهو الملك، ثم إذا زاد تأمله، عرف أنه يستحق أن يعبد، لأنه لا يعبد إلا الغني عن كل ما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه. قوله: (زيادة للبيان) حاصله أنه ورد إشكال وهو: لم كرر لفظ الناس ثانياً وثالثاً، ولم يكتف بضميرهم، مع أن اتحاد اللفظين في اللفظ، والمعنى معيب كالإبطاء في الشعر. فأجاب المفسر بقوله: (زيادة للبيان) وهو جواب خفي، وأحسن منه أن يقال: إن التكرار لإظهار شرف الناس وتعظيمهم والاعتناء بشأنهم، كما أنه حسن التكرار للتلذذ، وإظهار فضل المكرر في قول بعضهم: محمد ساد الناس كهلاً ويافعاً وساد على الأملاك أيضا محمدمحمد كل الحسن من بعض حسنه وما حسن كل الحسن إلا محمدمحمد ما أحل شمائله وما ألذ حديثاً راح فيه محمدوهذا تسليم أن المراد بالناس في الجميع شيء واحد، وأما إن أريد بالناس. الأول: الصغار وأضيفوا للرب؛ لاحتياجهم إلى التربية أكثر من غيرهم. وبالثاني: الشباب وأضيفوا للملك، لأن شأنهم الطغيان والطيش، فهم محتاجون لملك يسوسهم ويكسر هيجان شبوبيتهم. وبالثالث: الشيوخ أضيفوا للإله، لأن شأنهم كثرة العبادة، لقرب ارتحالهم وقدومهم على ربهم وفناء شهواتهم، فهم أقرب من غيرهم للتعلق بالإله، فلا اتحاد في المعنى. قوله: ﴿مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ﴾ متعلق بـ ﴿أَعُوذُ﴾ إن قلت: ما الحكمة في وصف الله تعالى في هذه السورة نفسه بثلاثة أوصاف، وجعل المستعاذ منه شيئاً واحداً، وفي السورة قبلها بعكس ذلك، لأن وصف نفسه بوصف واحد؛ وجعل المستعاذ منه أربعة أشياء. أجيب: بأنه في السورة المتقدمة المستعاذ منه أمور تضر في ظاهر البدن، وهنا وإن كان أمراً واحداً، إلا أنه يضر الروح، وما كان يضر الروح يهتم بالاستعاذة منه. إن قلت: كان مقتضى الظاهر تقديم ما به الاهتمام، وهو الاستعاذة من شر الوسواس، إذ سلامة الروح مقدمة على البدن. أجيب: بأن سلامة البدن وسيلة للمقصود بالذات؛ وهو سلامة الروح. قوله: (سمي بالحدث) أي المصدر، وقوله: (لكثرة ملابسته له) أي ملازمته للوسوسة، فهو على حد: زيد عدل، وما ذكره المفسر بمتعين، فإن الوسواس بالفتح، كما يستعمل اسم مصدر بمعنى الحدث، يطلق على نفس الشيطان الموسوس، ويطلق أيضاً على ما يخطر بالقلب من الشر. واعلم أن خواطر القلب أربعة: رحماني وملكي ونفسي، وشيطاني، فالرحماني ما يلزم طاعة بعينها، والملكي ما يلزم طاعة لا بعينها، والنفسي ما يلزم معصية بعينها، والشيطاني ما يلزم معصية لا بعينها فتمسك بهذا الميزان. قوله: (لأنه يخنس) من باب جخل، أي يتوارى ويختفي بعد ظهوره المرة بعد المرة. قوله: (كلما ذكر الله) أي فالذكر له كالقامع الذي يقمع المفسد، فهو شديد النفور منه، ولهذا كان شيطان المؤمن هزيلاً، وعن بعض السلف: أن المؤمن يفني شيطانه، كما يفني الرجل بعيره في السفر. قال قتادة: ﴿ٱلْخَنَّاسِ﴾ له خرطوم كخرطوم الكلب، وقيل: كخرطوم الخنزير في صدر الإنسان، فإذا ذكر العبد ربه خنس، ويقال: رأسه كرأس الحية، واضع رأسه على ثمرة القلب يمسه ويحدثه، فإذا ذكر الله خنس وتأخر، وإذا غفل رجع، وهل المراد الحقيقة. أو خرطوم الكلب والخنزير كناية عن قبحه وخبثه ونجاسته، ورأس الحية كناية عن شدة الأذية، ووضعه على الفؤاد كناية عن شدة التمكن؟ كل محتمل. قوله: (إذا غفلوا عن ذكر الله) أي بقلوبهم ولو كانوا ذاكرين بألسنتهم، وذلك لأن الوسوسة حالة في القلب، فلا يطردها إلا الذكر في الحال في القطر، فمن كان من أهل الذكر، فلا تسلط للشيطان عليه، قال تعالى:﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾[الحجر: ٤٢]، ولا يترك الإنسان الذكر اللساني إذا وجد الغفلة والوسواس في قلبه، بل يكثر الذكر ويديمه، فلعله يستيقظ قلبه ويتنور، قال العارفون: الذكر اللساني كقدح الزناد، فإذا تكرر أصاب، قال بعضهم في ذلك: اطلب ولا تضجرن من مطلب فآفة الطالب أن يضجراأما ترى الحبل لتكراره في الصخرة الصماء قد أثراقوله: ﴿مِنَ ٱلْجِنَّةِ﴾ اسم جنس جمعي، يفرق بينه وبين واحده بالياء، فيقال: جن وجني، كزنج وزنجي، وغالباً يفرق بالتاء كتمر وتمرة، وزيدت التاء في الجنة لتأنيث الجماعة، سموا بذلك لاجتنانهم أي استتارهم عن العيون، وهم أجسام نارية هوائية، يتشكلون بالصور الشريفة والخسيسة، وتحكم عليهم الصورة وتقدم ما فيهم. قوله: (بيان للشيطان الموسوس) أي المذكور بقوله: ﴿مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ﴾ فـ ﴿مِن﴾ بيانية مشوبة بتبعيض، أي بعض الجنة وبعض الناس. قوله: (كقوله تعالى) الخ، أي ويشهد له حديث:" تعوذوا بالله من الشياطين الجن والإنس ". قوله: (والناس) عطف على الوسواس، أي ولفظ ﴿شَرِّ﴾ مسلط عليه كأنه قال: من شر الوسواس الذي يوسوس وهو الجنة، ومن شر الناس، وعليه فالناس لا يصدر منهم وسوسة. قوله: (وعلى كل) أي من الاحتمالين، وقوله: (يشمل) أي الشر المستعاذ منه شر لبيد الخ. قوله: (المذكورين) أي في السورة السابقة، وفيه تغليب المذكر وهو لبيد، على المؤنث وهو بناته. قوله: (واعترض الأول) أي وهو أنه بيان للشيطان الموسوس. قوله:(لا يوسوس في صدورهم الناس) كذا في بعض النسخ، والمناسب كما في بعضها لا يوسوسون في صدور الناس. قوله: (بمعنى يليق بهم) أي كالنميمة ويخنسون إذا زجروا. قوله: (المؤدي) أي الموصل إلى ثبوتها في القلب. قوله: (والله أعلم) أشار بذلك إلى تمام القرآن، وفي ختم القرآن بهذه السورة إشارة حسنة كأنه قيل: ما أنزلناه كاف، ما فرطنا في الكتاب من شيء، فلا تطلب بعده شيئاً، بل اقتصر على العمل به، واستعذ بالله من الشيطان والحاسد، لأن العبد إذا تمت نعمة الله عليه، كثرت حساده إنساً وجناً، قيل: عده حروف هذه السورة غير المكرر ثلاث وعشرون حرفاً، وكذا عدد الفاتحة بعدد السنين التي أنزل فيها القرآن، وهو سر بديع، وأول القرآن باء البسملة، وآخره سين والناس، كأنه قال: بس أي تم وكمل، ثم اعلم أن الجلال المحلي رضي الله عنه، بعد أن ختم هذا النصف الأخير، وابتداؤه من سورة الكهف، شرع في تفسير النصف الأول، وأوله سورة الفاتحة، فقال في شروعه: فيه سورة الفاتحة الخ، ولم يفتتحه بخطبة على عادة المؤلفين، مشتملة على حمد وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك، قصداً للاختصار، وروماً للاقتصار على محط الفائدة. ثم إنه لما فرغ من تفسير سورة الفاتحة، توفي إلى رحمة الله تعالى، فقيض الله تعالى تلميذه الجلال السيوطي لتتميم تفسيره، فابتدأ بأول سورة البقرة، وختم بالإسراء، كما ذكر في خطبته، فسار تفسيره الفاتحة في نسخ الجلال، مضموماً لتفسير آخر القرآن لا أوله، ليكون تفسير المحلي مضموماً بعضه لبعض، رضي الله عن الجميع ونفعنا بهم.
الناس 114:6
قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ﴾ أي أتحصن، والأمر للنبي صلى الله عليه وسلم ويتناول غيره من أمته، لأن أوامر القرآن ونواهيه لا تخص فرداً دون فرد. قوله: ﴿ٱلنَّاسِ﴾ أصله إما أناس حذفت الهمزة، أو نوس مأخوذ إما من ناس إذ تحرك خص بالبشر، لأنه المتحرك الحركة المعتد بها الناشئة عن رؤية وتدبر، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، قلبت ألفاً أو من الإنس ضد الوحشة لأنه يؤنس به؛ أو من النسيان لكونه شأن وطبعه. قوله: (خالقهم) أي موجدهم من العدم. قوله: (خصوا بالذكر) أي وإن كان رب جميع الخلائق. قوله: (تشريفاً لهم) أي من حيث إنه تعالى أخذ لهم ملائكة قدسه، وجعل لهم ما في الأرض جميعاً، وأمدهم بالعقل والعلم وكلفهم بخدمته، فإن قاموا بتلك الوظيفة، كان لهم العز دنيا وأخرى، وإن لم يقوموا بها، ردوا لأسفل السافلين، فلم يساووا كلباً ولا خنزيراً، وإذا علمت بذلك أنه رب الناس، فهو رب الناس، فهو رب غيرهم بالأولى. قوله: (ومناسبته للاستعاذة) الخ، أي فكأنه قال: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم المالك لهم. قوله: ﴿مَلِكِ ٱلنَّاسِ﴾ بإسقاط الألف هنا باتفاق القراء، بخلاف الفاتحة ففيها قراءتان سبعيتان ثبوت الألف وحذفها، ومعنى الملك: المتصرف فيهم بأنواع التصرفات، من إعزاز وإذلال وإغناء وإفقار وغير ذلك. قوله: ﴿إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ﴾ هذا الترتيب بديع، وذلك أن الإنسان أولاً يعرف أن له رباً لما شاهده من أنواع التربية، ثم إذا تأمل، عرف أن هذا الرب متصرف في خلقه، غني عن غيره فهو الملك، ثم إذا زاد تأمله، عرف أنه يستحق أن يعبد، لأنه لا يعبد إلا الغني عن كل ما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه. قوله: (زيادة للبيان) حاصله أنه ورد إشكال وهو: لم كرر لفظ الناس ثانياً وثالثاً، ولم يكتف بضميرهم، مع أن اتحاد اللفظين في اللفظ، والمعنى معيب كالإبطاء في الشعر. فأجاب المفسر بقوله: (زيادة للبيان) وهو جواب خفي، وأحسن منه أن يقال: إن التكرار لإظهار شرف الناس وتعظيمهم والاعتناء بشأنهم، كما أنه حسن التكرار للتلذذ، وإظهار فضل المكرر في قول بعضهم: محمد ساد الناس كهلاً ويافعاً وساد على الأملاك أيضا محمدمحمد كل الحسن من بعض حسنه وما حسن كل الحسن إلا محمدمحمد ما أحل شمائله وما ألذ حديثاً راح فيه محمدوهذا تسليم أن المراد بالناس في الجميع شيء واحد، وأما إن أريد بالناس. الأول: الصغار وأضيفوا للرب؛ لاحتياجهم إلى التربية أكثر من غيرهم. وبالثاني: الشباب وأضيفوا للملك، لأن شأنهم الطغيان والطيش، فهم محتاجون لملك يسوسهم ويكسر هيجان شبوبيتهم. وبالثالث: الشيوخ أضيفوا للإله، لأن شأنهم كثرة العبادة، لقرب ارتحالهم وقدومهم على ربهم وفناء شهواتهم، فهم أقرب من غيرهم للتعلق بالإله، فلا اتحاد في المعنى. قوله: ﴿مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ﴾ متعلق بـ ﴿أَعُوذُ﴾ إن قلت: ما الحكمة في وصف الله تعالى في هذه السورة نفسه بثلاثة أوصاف، وجعل المستعاذ منه شيئاً واحداً، وفي السورة قبلها بعكس ذلك، لأن وصف نفسه بوصف واحد؛ وجعل المستعاذ منه أربعة أشياء. أجيب: بأنه في السورة المتقدمة المستعاذ منه أمور تضر في ظاهر البدن، وهنا وإن كان أمراً واحداً، إلا أنه يضر الروح، وما كان يضر الروح يهتم بالاستعاذة منه. إن قلت: كان مقتضى الظاهر تقديم ما به الاهتمام، وهو الاستعاذة من شر الوسواس، إذ سلامة الروح مقدمة على البدن. أجيب: بأن سلامة البدن وسيلة للمقصود بالذات؛ وهو سلامة الروح. قوله: (سمي بالحدث) أي المصدر، وقوله: (لكثرة ملابسته له) أي ملازمته للوسوسة، فهو على حد: زيد عدل، وما ذكره المفسر بمتعين، فإن الوسواس بالفتح، كما يستعمل اسم مصدر بمعنى الحدث، يطلق على نفس الشيطان الموسوس، ويطلق أيضاً على ما يخطر بالقلب من الشر. واعلم أن خواطر القلب أربعة: رحماني وملكي ونفسي، وشيطاني، فالرحماني ما يلزم طاعة بعينها، والملكي ما يلزم طاعة لا بعينها، والنفسي ما يلزم معصية بعينها، والشيطاني ما يلزم معصية لا بعينها فتمسك بهذا الميزان. قوله: (لأنه يخنس) من باب جخل، أي يتوارى ويختفي بعد ظهوره المرة بعد المرة. قوله: (كلما ذكر الله) أي فالذكر له كالقامع الذي يقمع المفسد، فهو شديد النفور منه، ولهذا كان شيطان المؤمن هزيلاً، وعن بعض السلف: أن المؤمن يفني شيطانه، كما يفني الرجل بعيره في السفر. قال قتادة: ﴿ٱلْخَنَّاسِ﴾ له خرطوم كخرطوم الكلب، وقيل: كخرطوم الخنزير في صدر الإنسان، فإذا ذكر العبد ربه خنس، ويقال: رأسه كرأس الحية، واضع رأسه على ثمرة القلب يمسه ويحدثه، فإذا ذكر الله خنس وتأخر، وإذا غفل رجع، وهل المراد الحقيقة. أو خرطوم الكلب والخنزير كناية عن قبحه وخبثه ونجاسته، ورأس الحية كناية عن شدة الأذية، ووضعه على الفؤاد كناية عن شدة التمكن؟ كل محتمل. قوله: (إذا غفلوا عن ذكر الله) أي بقلوبهم ولو كانوا ذاكرين بألسنتهم، وذلك لأن الوسوسة حالة في القلب، فلا يطردها إلا الذكر في الحال في القطر، فمن كان من أهل الذكر، فلا تسلط للشيطان عليه، قال تعالى:﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾[الحجر: ٤٢]، ولا يترك الإنسان الذكر اللساني إذا وجد الغفلة والوسواس في قلبه، بل يكثر الذكر ويديمه، فلعله يستيقظ قلبه ويتنور، قال العارفون: الذكر اللساني كقدح الزناد، فإذا تكرر أصاب، قال بعضهم في ذلك: اطلب ولا تضجرن من مطلب فآفة الطالب أن يضجراأما ترى الحبل لتكراره في الصخرة الصماء قد أثراقوله: ﴿مِنَ ٱلْجِنَّةِ﴾ اسم جنس جمعي، يفرق بينه وبين واحده بالياء، فيقال: جن وجني، كزنج وزنجي، وغالباً يفرق بالتاء كتمر وتمرة، وزيدت التاء في الجنة لتأنيث الجماعة، سموا بذلك لاجتنانهم أي استتارهم عن العيون، وهم أجسام نارية هوائية، يتشكلون بالصور الشريفة والخسيسة، وتحكم عليهم الصورة وتقدم ما فيهم. قوله: (بيان للشيطان الموسوس) أي المذكور بقوله: ﴿مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ﴾ فـ ﴿مِن﴾ بيانية مشوبة بتبعيض، أي بعض الجنة وبعض الناس. قوله: (كقوله تعالى) الخ، أي ويشهد له حديث:" تعوذوا بالله من الشياطين الجن والإنس ". قوله: (والناس) عطف على الوسواس، أي ولفظ ﴿شَرِّ﴾ مسلط عليه كأنه قال: من شر الوسواس الذي يوسوس وهو الجنة، ومن شر الناس، وعليه فالناس لا يصدر منهم وسوسة. قوله: (وعلى كل) أي من الاحتمالين، وقوله: (يشمل) أي الشر المستعاذ منه شر لبيد الخ. قوله: (المذكورين) أي في السورة السابقة، وفيه تغليب المذكر وهو لبيد، على المؤنث وهو بناته. قوله: (واعترض الأول) أي وهو أنه بيان للشيطان الموسوس. قوله:(لا يوسوس في صدورهم الناس) كذا في بعض النسخ، والمناسب كما في بعضها لا يوسوسون في صدور الناس. قوله: (بمعنى يليق بهم) أي كالنميمة ويخنسون إذا زجروا. قوله: (المؤدي) أي الموصل إلى ثبوتها في القلب. قوله: (والله أعلم) أشار بذلك إلى تمام القرآن، وفي ختم القرآن بهذه السورة إشارة حسنة كأنه قيل: ما أنزلناه كاف، ما فرطنا في الكتاب من شيء، فلا تطلب بعده شيئاً، بل اقتصر على العمل به، واستعذ بالله من الشيطان والحاسد، لأن العبد إذا تمت نعمة الله عليه، كثرت حساده إنساً وجناً، قيل: عده حروف هذه السورة غير المكرر ثلاث وعشرون حرفاً، وكذا عدد الفاتحة بعدد السنين التي أنزل فيها القرآن، وهو سر بديع، وأول القرآن باء البسملة، وآخره سين والناس، كأنه قال: بس أي تم وكمل، ثم اعلم أن الجلال المحلي رضي الله عنه، بعد أن ختم هذا النصف الأخير، وابتداؤه من سورة الكهف، شرع في تفسير النصف الأول، وأوله سورة الفاتحة، فقال في شروعه: فيه سورة الفاتحة الخ، ولم يفتتحه بخطبة على عادة المؤلفين، مشتملة على حمد وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك، قصداً للاختصار، وروماً للاقتصار على محط الفائدة. ثم إنه لما فرغ من تفسير سورة الفاتحة، توفي إلى رحمة الله تعالى، فقيض الله تعالى تلميذه الجلال السيوطي لتتميم تفسيره، فابتدأ بأول سورة البقرة، وختم بالإسراء، كما ذكر في خطبته، فسار تفسيره الفاتحة في نسخ الجلال، مضموماً لتفسير آخر القرآن لا أوله، ليكون تفسير المحلي مضموماً بعضه لبعض، رضي الله عن الجميع ونفعنا بهم.