كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — البقرة 2:218 – آل عمران 3:144
المحتويات
- البقرة 2:218
- البقرة 2:219
- البقرة 2:220
- البقرة 2:221
- البقرة 2:222
- البقرة 2:223
- البقرة 2:224
- البقرة 2:225
- البقرة 2:226
- البقرة 2:227
- البقرة 2:228
- البقرة 2:229
- البقرة 2:230
- البقرة 2:231
- البقرة 2:232
- البقرة 2:233
- البقرة 2:234
- البقرة 2:235
- البقرة 2:236
- البقرة 2:237
- البقرة 2:238
- البقرة 2:239
- البقرة 2:240
- البقرة 2:241
- البقرة 2:242
- البقرة 2:243
- البقرة 2:244
- البقرة 2:245
- البقرة 2:246
- البقرة 2:247
- البقرة 2:248
- البقرة 2:249
- البقرة 2:250
- البقرة 2:251
- البقرة 2:252
- البقرة 2:253
- البقرة 2:254
- البقرة 2:255
- البقرة 2:256
- البقرة 2:257
- البقرة 2:258
- البقرة 2:259
- البقرة 2:260
- البقرة 2:261
- البقرة 2:262
- البقرة 2:263
- البقرة 2:264
- البقرة 2:265
- البقرة 2:266
- البقرة 2:267
- البقرة 2:268
- البقرة 2:269
- البقرة 2:270
- البقرة 2:271
- البقرة 2:272
- البقرة 2:273
- البقرة 2:274
- البقرة 2:275
- البقرة 2:276
- البقرة 2:277
- البقرة 2:278
- البقرة 2:279
- البقرة 2:280
- البقرة 2:281
- البقرة 2:282
- البقرة 2:283
- البقرة 2:284
- البقرة 2:285
- البقرة 2:286
- آل عمران 3:1
- آل عمران 3:2
- آل عمران 3:3
- آل عمران 3:4
- آل عمران 3:5
- آل عمران 3:6
- آل عمران 3:7
- آل عمران 3:8
- آل عمران 3:9
- آل عمران 3:10
- آل عمران 3:11
- آل عمران 3:12
- آل عمران 3:13
- آل عمران 3:14
- آل عمران 3:15
- آل عمران 3:16
- آل عمران 3:17
- آل عمران 3:18
- آل عمران 3:19
- آل عمران 3:20
- آل عمران 3:21
- آل عمران 3:22
- آل عمران 3:23
- آل عمران 3:24
- آل عمران 3:25
- آل عمران 3:26
- آل عمران 3:27
- آل عمران 3:28
- آل عمران 3:29
- آل عمران 3:30
- آل عمران 3:31
- آل عمران 3:32
- آل عمران 3:33
- آل عمران 3:34
- آل عمران 3:35
- آل عمران 3:36
- آل عمران 3:37
- آل عمران 3:38
- آل عمران 3:39
- آل عمران 3:40
- آل عمران 3:41
- آل عمران 3:42
- آل عمران 3:43
- آل عمران 3:44
- آل عمران 3:45
- آل عمران 3:46
- آل عمران 3:47
- آل عمران 3:48
- آل عمران 3:49
- آل عمران 3:50
- آل عمران 3:51
- آل عمران 3:52
- آل عمران 3:53
- آل عمران 3:54
- آل عمران 3:55
- آل عمران 3:56
- آل عمران 3:57
- آل عمران 3:58
- آل عمران 3:59
- آل عمران 3:60
- آل عمران 3:61
- آل عمران 3:62
- آل عمران 3:63
- آل عمران 3:64
- آل عمران 3:65
- آل عمران 3:66
- آل عمران 3:67
- آل عمران 3:68
- آل عمران 3:69
- آل عمران 3:70
- آل عمران 3:71
- آل عمران 3:72
- آل عمران 3:73
- آل عمران 3:74
- آل عمران 3:75
- آل عمران 3:76
- آل عمران 3:77
- آل عمران 3:78
- آل عمران 3:79
- آل عمران 3:80
- آل عمران 3:81
- آل عمران 3:82
- آل عمران 3:83
- آل عمران 3:84
- آل عمران 3:85
- آل عمران 3:86
- آل عمران 3:87
- آل عمران 3:88
- آل عمران 3:89
- آل عمران 3:90
- آل عمران 3:91
- آل عمران 3:92
- آل عمران 3:93
- آل عمران 3:94
- آل عمران 3:95
- آل عمران 3:96
- آل عمران 3:97
- آل عمران 3:98
- آل عمران 3:99
- آل عمران 3:100
- آل عمران 3:101
- آل عمران 3:102
- آل عمران 3:103
- آل عمران 3:104
- آل عمران 3:105
- آل عمران 3:106
- آل عمران 3:107
- آل عمران 3:108
- آل عمران 3:109
- آل عمران 3:110
- آل عمران 3:111
- آل عمران 3:112
- آل عمران 3:113
- آل عمران 3:114
- آل عمران 3:115
- آل عمران 3:116
- آل عمران 3:117
- آل عمران 3:118
- آل عمران 3:119
- آل عمران 3:120
- آل عمران 3:121
- آل عمران 3:122
- آل عمران 3:123
- آل عمران 3:124
- آل عمران 3:125
- آل عمران 3:126
- آل عمران 3:127
- آل عمران 3:128
- آل عمران 3:129
- آل عمران 3:130
- آل عمران 3:131
- آل عمران 3:132
- آل عمران 3:133
- آل عمران 3:134
- آل عمران 3:135
- آل عمران 3:136
- آل عمران 3:137
- آل عمران 3:138
- آل عمران 3:139
- آل عمران 3:140
- آل عمران 3:141
- آل عمران 3:142
- آل عمران 3:143
- آل عمران 3:144
البقرة 2:218
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ﴾ ؛ قال ابنُ عباسٍ في سبب نزولِ هذه الآية :" أنَّ النَّبيَّ ﷺ بَعَثَ ابْنَ عَمَّتِهِ عَبْدَاللهِ بنَ جَحْشٍ قَبْلَ قِتَالِ بَدْرٍ، وَبَعَثَ مَعَهُ ثَمَانِيَةَ رَهْطٍ مِنَ الْمُهَاجِرِيْنَ وَهُوَ أمِيْرُهُمْ، كَتَبَ لَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ كِتَاباً، وَقَالَ لَهُ :[إذ نَزَلْتَ مَنْزِلَتَيْنِ، فَافْتَحِ الْكِتَابَ وَاقْرَأهُ عَلَى أصْحَابكَ، ثُمَّ امْضِ لِمَا أمَرْتُكَ بهِ، وَلاَ تُكْرِهْ أحَداً مِنْ أصْحَابكَ عَلَى السَّيْرِ مَعَكَ].
فَسَارَ عَبْدُاللهِ حَتَّى بَلَغَ مَنْزِلَتَيْنِ، ثُمَّ فَتَحَ الْكِتَابَ فَإذَا فِيْهِ :[بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ، أمَّا بَعْدُ : فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللهِ بمَنِ اتَّبَعَكَ مِنْ أصْحَابكَ حَتَّى تَنْزْلَ بَطْنَ نَخْلَةَ، فَتَرْصُدَ بهَا عِيرَ قُرَيْشٍ، لَعَلَّكَ تَأْتِيْنَا مِنْهُمْ بخَبَرٍ. وَالسَّلاَمُ.]. فَقَالََ عَبْدُاللهِ : سَمْعاً وَطَاعَةً لأَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَانْطَلَقَ الْقَوْمُ مَعَهُ حَتَّى وَصَلُواْ بَطْنَ نَخْلَةَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ فَنَزَلُواْ هُنَاكَ.
فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إذْ مَرَّ بهِمْ عَمْرُو بْنُ الْحَضْرَمِيِّ فِي عِيْرِ لِقُرَيْشٍ فِي أوَّلِ يَوْمٍ مِنْ رَجَبَ، وَالْمُؤْمِنُونَ يَظُنُّونَ أنَّهَا آخِرُ يَوْمٍ مِنْ جُمَادَى الأُخْرَى، فَأَمَرَ عَبْدُاللهِ أنْ يَحْلِقُواْ رَأسَ عُكَاشَةَ لِيُشْرِفَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَيَظُنُّواْ أنَّهُمْ عُمَّارٌ فَيَأْمَنُواْ. فَفَعَلَ ذلِكَ وَأمِنَهُ الْمُشْرِكُونَ، وَقَالَوُاْ : قَوْمٌ عُمَّارٌ لاَ بَأْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهَُمْ.
وَرَمَى وَاقِدُ بْنُ عَبْدِاللهِ عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيِّ فَقَتَلَهُ وَاسْتَأْسَرَ بَعْضَ الْمُشْرِكِيْنَ، وَهَرَبَ بَعْضُهُمْ إلَى مَكَّةَ، وَاسْتَاقَ الْمُسْلِمُونَ الْعِيْرَ، فَعَيَّرَهُمُ الْمُشْرِكُونَ بذَلِكَ وَقَالَواْ : اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، شَهْراً يَأْمَنْ فِيْهِ الْخَائِفُ وَيُطْلَقُ فِيْهِ الأَسِيرُ. وَوَقَفَ النَّبيُّ ﷺ فِي أمْرِ الْغَنِيْمَةِ "
، فَأَنْزَلَ اللهُ تََعَالَى هَذِهِ الآيَةِ). ويقال : لَمَّا أمرَ الله المسلمين بالقتال، ظنُّوا عمومَ الأمر في جميع الشهور، فسألُوا رسول الله ﷺ ليعرفوا، فنَزلت هذه الآيةُ. والقولُ الأول أقربُ إلى ظاهرِ القرآن.
ومعنى الآيةِ :﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ عن قتالٍ في ﴿الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ لأن قوله :﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ بدلٌ الاشتمال عن الشهرِ الحرام، وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ أي القتالٌ في الشهر الحرام عظيمُ الذنب عند اللهِ تعالى، ثم استأنفَ الكلام فقال :﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي منعُ الناسِ عن الكعبة أن يأتوها ويطوفوا لها ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ أي وكفرٌ بالله تعالى، ويقال : بالحجِّ، أو كفرٌ بالمسجد الحرام.
وَقِيْلَ : فيه تقديمٌ وتأخير، تقديرهُ : وصدٌّ عن سبيل الله وعن المسجدِ الحرام وكفرٌ بالله وإخراج أهل المسجدِ الحرام منه أعظمُ عقوبة عند الله من القتال في الشهرِ الحرام، أي الكفارُ مع هذا الإحرام أولَى بالعنتِ ممن قَتل مشركاً في الشهر الحرام كما قالَ تعالى :﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ ؛ أي الشركُ بالله أعظم عقوبةً وإثماً من القتالِ.
البقرة 2:219
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ ؛ قال ابنُ عباسٍ :(كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ فِي بُدُوِّ الإِسْلاَمِ، وَهِيَ لَهُمْ حَلاَلٌ، وَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللهِ ﷺ يُنَادِي فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَقْتَ الصَّلاَةِ : ألاَ مَنْ كَانَ سَكْرَاناً فَلاَ يَحْضُرْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْجَمَاعَةِ ؛ تَعْظِيْماً لِلْجَمَاعَةِ وَتَوْقِيراً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأنَّ عُمَرَ جَاءَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالَ : بَيِّنْ لَنَا أمْرَ الْخَمْرِ، فَإنَّهَا مُهْلِكَةٌ لِلْمَالِ مُذْهِبَةٌ لِلْعَقْلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾.
وأما الْمَيْسِرُ فقد كان جماعةٌ من العرب يجتمعون فيشترون جَزُوراً ؛ ثم يجعلون لكلِّ واحد منهم سهماً، ثم يقترعونَ عليها، فمن خرجَ سهمهُ بَرِئَ من ثَمنها وأخذ نصيبه من الجزور وبقي آخرهم عليه ثَمن الجزور كلَّه ولا يذوقُ من لحمها شيئاً، فتقتسمُ أصحابه نصيبَه، وربما كانوا يتصدقونَ بذلك على الفقراءِ، فسُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن ذلك، فأنزلَ الله هذه الآية.
والْمَيْسِرُ : هو الْقِمَارُ، ويقال للقمار : مَيْسِرٌ، والمقامِرُ اليَاسِرُ، وقال مقاتلُ :(سُمِّيَ مَيْسِراً لأَنَّهُمْ كَانُواْ يَقُولُونَ : يَسِّرُواْ لَنَا ثَمَنَ الْجَزُور) ؛ وذلك أنَّ أهلَ الثروةِ من العرب كانوا يشربون جزوراً فينحرونَها، ويجزِّئونَها أجزاءً، قال ابنُ عمر :(عَشَرَةُ أجْزَاءٍ) وقال الأصمعيُّ :(ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرِيْنَ جُزْءاً) ثم يسهمون عليها بعشرةِ أقداحٍ ويقال لها الأزلامُ والأقلامُ، سبعةٌ منها لها أنصب ؛ وهي القذولة نصيبٌ واحد، والتوأم له نصيبان، والرقيبُ وله ثلاثة، والجليسُ وله أربعة، والنامسُ وله خمسة، والمسيلُ وله ستةُ، والمعلي وله سبعة. وثلاثةٌ منها لا أنصب لها، وهي المسح والسفيحُ والوغد، ثم يجعلون القداحَ في خريطةٍ سُمِّيت الربابة، قال أبو ذؤيبُ : وَكَأنَّهُنَّ ربَابَةٌ وَكَأنَّهُ يَسَرٌ يَفِيضُ عَلَى الْقِدَاحِ وَيَصْدَعُويضعونَ الرِّبابة على يدِ واحد عََدْلٍ عندَهم ويسمى الْمُجِيلُ والْمُفِيضُ، ثم يُجِيْلُها ويُخْرِجُ منها قدحاً واحد منهم، فأيُّّهم خرجَ سهمهُ أخذ نصيبه على قدر ما يخرج، فإن كان خرجَ له سهم من هذه الثلاثةِ التي لا أنصب لها، اختلفوا فيه ؛ قال بعضُهم : كان لا يأخذُ شيئاً ويغرم ثَمن الجزور كلَّه، وقال بعضهم : لا يأخذُ شيئاً ولا يغرمُ، ويكون ذلك القدحُ لغواً فيُعَادُ سهم ثانياً، فهؤلاء اليَاسِرُونَ، ثم يدفعون ذلك الجزورَ إلى الفقراءِ ولا يأكلون منه شيئاً، وكانوا يفتخرونَ بذلك ويذمُّون من لم يفعل منهم ويسمونه الْبَرَمِ.
فهذا أصلُ القِمار التي كانت العرب تفعلهُ، وإنَّما عَنَى اللهُ تعالى بالْمَيْسِرِ في هذه الآية أنواعَ القمار كلَّها، وقال طاووسُ ومجاهدُ وعطاء :(كُلُّ شَيْءٍ فِيْهِ قِمَارٌ فَهُوَ مِنَ الْمَيْسِرِ، حَتَّى لَعِبَ الصِّبْيَانِ الصِّغَار بالْجَوْز وَالْكِعَاب). وعن عليٍّ رضي الله عنه قال :(النَّرْدُ وَالشَّطْرَنْجُ مِنَ الْمَيْسِرِ).
البقرة 2:220
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ ؛ قال ابنُ عباس :(لَمَّا نَزَلَ فِي أمْرِ الْيَتَامَى﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[الأنعام: ١٥٢] وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾[النساء: ١٠] أشْفَقَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ مُخَالَطَتِهِمْ ؛ وَكَانَ كُلُّ مَنْ فِي حِجْرِهِ يَتِيْمٌ يَجْعَلُ لِلْيَتِيْمِ بَيْتاً وَطَعَاماً وَخَادِماً عَلَى حِدَةٍ ؛ وَكَانُواْ لاَ يُخَالِطُونَ الْيَتَامَى فِي شَيْءٍ، فَشُقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَجَاءَ عَبْدُاللهِ بْنُ رَوَاحَةَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ : إنَّ اللهَ تَعَالَى أنْزَلَ فِي أمْرِ الْيَتَامَى مِمَّا أنْزَلَ مِنَ الشِّدَّةِ، أفَيُصْلَحُ لَنَا يَا رَسُولَ اللهِ أنْ نُخَالِطَهُمْ نَسْتَعِيْرُ مِنْهُمُ الْخَادِمَ وَالدَّابَّةَ وَنَشْرَبَ مِنْ لَبَنِ شَاتِهِمْ ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ). ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ أي عن مخالطةِ اليتامى، ﴿قُلْ إِصْلاَحٌ﴾ لأموالهم خيرُ الأشياءِ إذ هو خيرٌ من الإنفاق.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي وإن تشاركُوهم وتخلطوا أموالَهم بأموالكم في نفقاتِكم ومطاعمكم ومساكنكم وخدمِكم ودوابكم فتصيبوا من أموالِهم عِوَضاً من قيامكم بأمورهم وتكافئوهُم على ما يصيبون من أموالكم، فهُمْ إخوانكم في الدين.
وقرأ طاووسُ :(قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ) بمعنى الإصلاحِ لأموالهم من غير أجرةٍ ولا أخذِ عِوَضٍ منهم خيرٌ وأعظم أجراً. وقرأ أبو مُخَلَّدٍ :(فَإِخْوَانَكُمْ) بالنصب ؛ أي تخالطوا إخوانَكم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ أي يعلمُ من كان غرضهُ بالمخالطة إصلاحَ أمر اليتامى، ومن يكون غرضهُ إفسادَ أمرهم.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ﴾ ؛ أي لأثَّمكم في مخالطتهم وضيَّق عليكم. والعَنَتُ : الإثمُ ؛ ويسمى الفُجُور عَنَتاً ؛ لِما فيه من الإثمِ. وأصلُ العَنَتِ : الشدَّةُ والمشقَّة ؛ يقال : عَقَبَةٌ عَنُوتٌ ؛ أي شاقَّة كَئُودٌ. وقال أبو عبيدة :(مَعْنَاهُ : وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَهْلَكَكُمْ). قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ؛ أي منيعٌ غالبٌ لا يمانَع فيما يفعل من المساهِل والمشاق، ذو حكمةٍ فيما أمركم به في أمرِ اليتامى وغير ذلك.
واسمُ اليتيم إذا أُطلق انصرفَ إلى الصغيرِ الذي لا أبَ له. والعربُ تسمى المنفردُ يتيماً ؛ يقولون : الدُّرَّةُ اليتيمةُ ؛ يريدون بذلك أنَّها منفردةٌ لا نظير لها.
وفي الآية ضروبٌ من الأحكام : منها قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾ يدلُّ على جواز خلطِ الوصي مالَه بمال اليتيم في مقدار ما يغلبُ على ظنه أن اليتيمَ يأكلُ قدر طعامِ نفسه بغالب الظن. ويدلُّ على جواز التصرف في مالهِ بالبيع والشراء ؛ وجواز دفعهِ مضاربةً إذا كان ذلك صلاحاً. ويدلُّ على أن لِوَلِيِّ اليتيمِ أن يعاقدَ نفسه في مالهِ إذا كان فيه خيرٌ ظاهر لليتيم على ما قالهُ أبو حنيفةُ رَحِمَهُ اللهُ. ويدلُّ على أنَّ للوصيِّ أيضاً أن يؤجِّرَ اليتيمَ ممن يعلمُه الصناعات والتجاراتِ، أو يستأجرَ من يُعَلِّمُهُ ما له فيه صلاحٌ من أمرِ الدين والأدب ؛ لأن كلَّ ذلك من الصلاح.
وقَوْلُُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فيه دليل على أن للولي أن يُزَوِّجَ اليتيمَ ابنته، أو يزوِّجَ اليتيمةَ ابنه، أو يتزوجَ اليتيمةَ لنفسهِ، فيكون قد خلطَ اليتيم بنفسهِ وعياله واختلطَ أيضاً به. يقال : فلانٌ خليط فلانٍ ؛ إذا كان شريكاً له في المال. ويقال : قد اختلطَ فلانٌ بفلانٍ ؛ إذا صَاهَرَهُ. ولا يكون التزويجُ إلا للولي الذي يكون ذا نَسَبٍ من اليتيم ؛ لأن الوصايةَ لا تُسْتَحَقُّ بها الولايةُ في النكاح.
البقرة 2:221
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ ؛ قال عبدُالله بن عباس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي مَرْثدِ بْنِ أبي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ وَكَانَ شُجَاعاًَ فَوْراً، بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى مَكَّةَ لِيُخْرِجَ مِنْهَا نَاساً مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ سِرّاً ؛ فَلَمَّا قَدِمَهَا سَمِعَتْ بهِ امْرَأةٌ مُشْرِكَةٌ يُقَالُ لَهَا : عِنَاقٌ، وَكَانَتْ خَلِيْلَتَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؛ فَأَتَتْهُ وَقَالَتْ لَهُ : يَا مَرْثَدُ، ألاَ تَخْلُوْ بي ؟ فَقَالَ : وَيْحَكِ يَا عِنَاقُ! إنَّ الإسْلاَمَ قَدْ حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ذَلِكَ. فَقَالَتْ : هَلْ لَكَ أنْ تَتَزَوَّجَ بي، فَقَالَ : نَعَمْ، لَكِنْ أرْجِعُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَسْتَأْمِرُهُ ثُمَّ أتَزَوَّجُكِ. فَقَالَتْ : أنْتَ تَتَبَرَّمُ، ثُمَّ اسْتَعَانَتْ عَلَيْهِ فَضَرَبُوهُ ضَرْباً شَدِيْداً ثُمَّ خَلَّواْ سَبيْلَهُ. فَلَمَّا رَجَعَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أعْلَمَهُ بمَا كَانَ مِنْ أمْرِهِ وَأمْرِ عِنَاقٍ وَمَا لَقِيَ بسَبَبهَا، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ، أيَحِلُّ لِي أنْ أتَزَوَّجَهَا ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ). ومعناها : ولا تتزوجُوا المشركات حتى يُصَدِّقْنَ بتوحيدِ الله.
قال المفضلُ :(أصْلُ النِّكَاحِ الْوَطْءُ، ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ حَتَّى قِيْلَ لِعَقْدِ التَّزْويْجِ : النِّكَاحُ). فحرَّمَ اللهُ نكاحَ المشركات عقداً ووطءاً، ثم استثنى الحرائرَ الكتابيَّات، فقالَ تعالى :﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾[المائدة: ٥].
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ ؛ أي نكاحُ أمَةٍ مؤمنةٍ خيرٌ من نكاح حرَّة مشركةٍ ولو أعجبتكم الحرةُ المشركة بحُسنها وجمالها ومالِها. نزلَتْ في أمَةٍ سوداءَ كانت لحذيفةَ بنِ اليمان يقال لها خَنْسَاءُ، فقال لها حذيفةُ : يَا خَنْسَاءُ، قَدْ ذُكِرْتِ فِي الْمَلإِ الأَعْلَى مَعَ سَوَادِكِ ورَمَامَتِكِ، وَأنْزَلَ اللهُ ذلِكَ فِي كِتَابهِ، فَأَعْتَقَهَا حُذَيْفَةُ وَتَزَوَّجَهَا.
وقال السديُّ :" " نَزَلَتْ فِي أمَةٍ سَوْدَاءَ لِعَبْدِاللهِ بْنِ رَوَاحَةَ، كَانَ قَدْ غَضِبَ عَلَيْهَا عَبْدُاللهِ فَلَطَمَهَا، ثُمَّ فَزِعَ وَأَتَى النَّبيَّ ﷺ، فَأَخْبَرَهُ بذَلِكَ، وَقَالَ ﷺ :[وَمَا هِيَ يَا عَبْدَاللهِ؟] فَقَالَ : هِيَ تَشْهَدُ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهَ وَأنَّكَ رَسُولُ اللهِ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتُحْسِنُ الْوُضُوءَ فَتُصَلِّي، فَقَالَ :[هَذِهِ مُؤْمِنَةٌ]، وَقَالَ عَبْدُاللهِ بْنُ رَوَاحَةَ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بالْحَقِّ نَبيّاً لأَعْتِقُهَا وَلأَتَزَوَّجُهَا ؛ فَفَعَلَ، فَطَعَنَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ وَقَالُواْ : أتَنْكِحُ أمَةً ؛ وَقَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِ حُرَّةً مُشْرِكَةً وَكَانُواْ يَرْغَبُونَ فِي نِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ رَجَاءَ إسْلاَمِهِنَّ، فَأنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تُنْكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ﴾ ؛ أي لا تُزَوِّجُواْ المشركينَ مسلمةً حتى يصدِّقوا باللهِ، ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ ؛ أي ولو أعجبكم الحرُّ المشركُ بمالهِ وحُسن حالهِ.
قَوْلُهُ تَعالَى :﴿أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ ؛ يعني المشركينَ والمشركاتِ يدعون إلى عملِ أهل النار. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِه﴾ ؛ أي واللهُ يدعو إلى أسباب الوُصول إلى الجنة والمغفرةِ ومخالطةِ المؤمنين وغيرِ ذلك، ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي بأمرهِ وعلمه الذي عَلِمَ أنه به وصُولكم إليهما.
البقرة 2:222
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ ؛ قال ابنُ عباس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَار يُقَالُ لَهُ : أبُو الدَّحْدَاحَةِ، أتَى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ : كَيْفَ نَصْنَعُ بالنِّسَاءِ إذَا حِضْنَ ؛ هَلْ نَقْرَبُهُنَّ أوْ لاَ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ). فلما نزلت هذه الآيةُ عَمِدَ المسلمون إلى النساءِ الْحِيَّضِ فأخرجوهن من لبيوت كما كانت الأعاجمُ تفعلُ بنسائهم إذا حِضْنَ، وإذا فرغن واغتسلنَ ردُّوهن إلى البيوتِ، فقَدِمَ ناسٌ من الأعراب المدينةَ، فشَكَوا إلى رسولِ الله ﷺ عَزْلَ النساءِ عنهم، وقالوا : يا رسولَ اللهِ، إنَّ البردَ شديدٌ والثيابَ قليلةٌ وقد عزَلنا النساءَ، فإن آثَرْنَاهُنَّ بالثياب هَلَكَ أهلُ البيت برداً، وإذا آثَرْنَا أهلَ البيت هلكَ النساءُ الحِيَّضُ، وليس كلنا يَجِدُ وسعة فيوسعُ عليهم جميعاً، فقال ﷺ :" إنَّما أُمِرْتُمْ أنْ تَعْتَزِلُواْ مُجَامَعَتَهُنَّ إذَا حِضْنَ، وَلَمْ تُؤْمَرُواْ أنْ تُخْرِجُوهُنَّ مِنَ الْبُيُوتِ " وقرأ عليهمُ الآيةََ.
وقال بعضُهم : كانت العربُ في الجاهلية إذا حاضَت المرأَةُ، لَم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يُساكنُوها في بيت، ولم يجالسُوها على فراشِ كفعل اليهود والمجوسِ، فسألَ أبو الدَّحْدَاحِ رسولَ الله ﷺ عن ذلكَ، وقال : يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ نَصْنَعُ بالْحِيَّضِ ؟ فأنزل الله هذه الآية.
ووجهُ اتصالِ هذه الآية بما قبلها آية أخرى فيما تقدَّم " من " حديث نكاحِ من تحرمُ ومَن تحلُّ، فبيَّن الله بعده حالَ التحليلِ والتحريم بهذه الآية.
وقال ابنُ عباس :(مَا رَأيْتُ قَوْماً كَانُوا خَيْراً مِنْ أصْحَاب رَسُُولِ اللهِ ﷺ ؛ مَا سَأَلُوهُ إلاَّ عَنْ ثَلاَثَةَ عَشَرَ مَسْأَلَةٍ حَتَّى قُبضَ، كُلُّهُنَّ فِي الْقُرْآنِ :﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾[البقرة: ٢١٧]﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ﴾[البقرة: ٢١٥]﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾[البقرة: ٢١٩]﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾[البقرة: ١٨٩]﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾[البقرة: ٢١٩]﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾[البقرة: ٢٢٠]﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾[البقرة: ٢٢٢]﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾[الأعراف: ١٨٧]﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾[البقرة: ١٨٦]﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾[الأنفال: ١]﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾[الإسراء: ٨٥]﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾[الكهف: ٨٣]﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾[طه: ١٠٥]).
ومعنى الآية :﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ أي الدم مستقذر نجسٌ، وقال الكلبيُّ :(الأَذَى مَا يَعُمُّ وَيُكْرَهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍٍ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ ؛ أي اعتزلوا مجامعتَهن وهن حيَّض، ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ؛ أي ولا تجامعوهنَّ حتى ينقطعَ عنهن الدمُ. عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال : قال رسولُ الله ﷺ :" مَنْ وَطِئَ امْرَأتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فَأَصَابَهُ جُذَامٌ فَلاَ يَلُومَنَّ إلاَّ نَفْسَهُ ؛ وَمَنِ احْتَجَمَ يَوْمَ السَّبْتِ أو الأَرْبعَاءِ فَأَصَابَهُ وَضَحٌ فَلاَ يَلُومَنَّ إلاَّ نَفْسَهُ ".
فوطئُ النساءِ الْحِيَّضِ حرامٌ بنص القرآن، فإن وطأَها زوجها أثِمَ ولزمتهُ الكفارة، روي عنِ ابن عباس :
البقرة 2:223
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ؛ قال ابن عباس :(كَانَتِ الْيَهُودُ يَقُولُونَ : إنَّا لَنَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أنَّ كُلَّ إتْيَانٍ يُؤْتَى النِّسَاءُ غَيْرَ مُسْتَلْقِيَاتٍ فَإنَّهُ دَنَسٌ عِنْدَ اللهِ ؛ وَمِنْهُ يَكُونُ الْحَوَلُ والْخَبَلُ فِي الْوَلَدِ. فأَكْذَبَهُمُ اللهُ تَعَالَى بهَذِهِ الآيَةِ).
وعن جابرِ بن عبدالله قال :" كَانَتِ الْيَهُودُ يَقُولُونَ : مَنْ جَامَعَ امْرَأتَهُ ضَحِيَّةً مِنْ قَفَاهَا فِي قُبُلِهَا كَانَ وَلَدُهَا أحْوَلاً! ؟ فَذَكَرْتُ ذَلكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ فَقَالَ :[كَذَبتِ الْيَهُودُ] " فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى :﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
وقال الحسنُ وقتادة ومقاتلُ والكلبيُّ :(تَذَاكَرَ الْمُهَاجِرُونَ وَالأنْصَارُ وَالَيْهُودُ إتْيَانَ النِّسَاءِ ؛ فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ : إنَّا نَأْتِيَهُنَّ بَاركَاتٍ وَقَائِمَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ وَمِنْ بَيْنِ أيْدِيْهِنَّ وَمِنْ خَلْفِهِنَّ بَعْدَ أنْ يَكُونَ الْمَأْتَى وَاحِداً وَهُوَ الْفَرْجُ. فَقَالَ الْيَهُودُ : وَمَا أنْتُمْ إلاَّ كَالْبَهَائِمِ ؛ لَكِنَّا نَأْتِيْهِمْ عَلَى هَيْئَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإنَّا لَنَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أنَّ كُلَّ إتْيَانٍ يُؤْتَى النِّسَاءُ غَيْرَ مُسْتَلْقِيَاتٍ فَإنَّهُ دَنَسٌ عِنْدَ اللهِ، وَمِنْهُ يَكُونُ الْحَوَلُ وَالْخَبَلُ. فَذَكَرَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالُواْ : يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّتِنَا وَبَعْدَمَا أسْلَمْنَا نَأْتِي النِّسَاءَ كَيْفَ شِئْنَا ؛ وَإنَّ الْيَهُودَ عَابَتْ ذَلِكَ عَلَيْنَا ؛ وزَعَمَتْ أنَّا كَذَا وَكَذَا ؟ فَأَكْذَبَ اللهُ تَعَالَى الْيَهُودَ ؛ وَرَخَّصَ لِلْمُسْلِمِيْنَ فِي ذَلِكَ فَقَال :﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾.
وعن ابن عباس قال :(كَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَار مَعَ هَذَا الْحَيِّ مِنَ الْيَهُودِ وَهُمْ أهْلُ الْكِتَاب ؛ فَكَانُواْ يَرَوْنَ لَهُمْ فَضْلاً عَلَيْهِمْ فِي الْعِلْمِ ؛ وَكَانُواْ يَقْتَدُونَ بكَثِيْرٍ مِنَ فِعْلِهِمْ ؛ وَكَانَ مِنْ شَأْنِ الْيَهُودِ أنْ لاَ يَأْتُواْ النِّسَاءَ إلاَّ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ أشَدُّ مَا يَكُونُ عَلَى الْمَرْأةِ. وَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَار قَدْ أخَذُوا ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ. وَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ يَشْرَحُونَ النِّسَاءَ شَرْحاً مُنْكَراً، وَيَتَلَذَّذُونَ بهِنَّ مُقْبلاَتٍ وَمُدْبرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ ؛ فَلَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ إلَى الْمَدِيْنَةِ، تَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ امْرأةً مِنَ الأنْصَار، فَذَهَبَ يَصْنَعُ بهَا كَذَلِكَ، فَأَنْكَرَتْ عَلَيْهِ! وَقَالَتْ : إنَّمَا كُنَّا نُؤْتَى عَلَى حَرْفٍ، فَإنْ شِئْتَ فَاصْنَعْ ذَلِكَ وَإلاَّ فَاجْتَنِبْنِي حَتَّى شَرِيَ أمْرُهُمَا. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ مُقْبلاَتٍ وَمُدْبرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ). والمعنى :﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ أي مُزْدَرَعٌ لكم للولدِ.
وقال الزجَّاج :(مَعْنَاهُ : نِسَاؤُكُمْ ذَوَاتُ حَرْثٍ لَكُمْ ؛ فَبَيَّنَ كَيْفَ يَحْرِثُونَ لِلْوَلَدِ وَاللَّذَّةِ) أي ﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ﴾ كيفَ ﴿شِئْتُمْ﴾ وحيثُ شئتم ومتى شئتم بعد أن يكونَ في موضعٍ واحد وهو الفرجُ. قال أبو عُبيد :(سُمِّيَتِ الْمَرْأةُ حَرْثاً عَلَى وَجْهِ الْكِنَايَةِ ؛ فَإنَّهَا لِلْوَلَدِ كَالأَرْضِ لِلزَّرْعِ). وفي الآية دليلٌ على تحريم الوطئِ في الدُّبر ؛ لأنه موضعُ الفَرَثِ لا موضع الحرثِ ؛ وإنما قَالَ الله تعالى :﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ وهذا من لُطْفِ كناياتِ القرآنِ.
البقرة 2:224
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ﴾ ؛ نزلت هذه الآية في عبدِالله بن رواحةَ الأنصاري رضي الله عنه حَلَفَ ألاَّ يدخلَ على خَتَنِهِ بشيرِ بن النعمان الأنصاريِّ ولا يكلِّمه ولا يصلحَ بينه وبين خصمهِ ؛ وجعلَ يقولُ : حَلَفْتُ باللهِ أنْ أفْعَلَ وَلاَ يَحِلُّ لِي إلاَّ أنْ أبَرَّ فِي يَمِيْنِي ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ؛ فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَرَأ عَلَيْهِ الآيَةَ، وَقَالَ :" مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِيْنٍ فَرَأى أنَّ غَيْرَهَا خَيْرٌ مِنْهَا ؛ فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ؛ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِيْنِهِ، افْعَلُواْ الْخَيْرَ وَدَعُواْ الشَّرَّ " وكفَّر ابنُ رواحة عن يَمينه ورجعَ إلى الذي هو خيرٌ.
ومعنى الآية :﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ اللَّهَ﴾ علَّة ﴿لأَيْمَانِكُمْ﴾ أي لا تجعلوا اليمينَ باللهِ مانعةً لكم من البرِّ والتقوى ؛ وهو أن يجعلَ الرجلُ اليمينَ مُعْتَرَضاً بينهُ وبين ما هو مندوبٌ إليه أو مأمورٌ به من البرِّ والتقوى والإصلاحِ ؛ يفعلُ ذلك للامتناع من الخيرِ ؛ لأن المعترضَ بين الشيئين يمنعُ وصول أحدهما إلى الآخرِ. ومعنى ﴿أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ﴾ أي لا تَبَرُّواْ ولا تتقوا القطيعةَ، ولا تُصلحوا بين المتشاجرين كما قال امرؤُ القيس : فَقُلْتُ يَمِيْنَ اللهِ أبْرَحُ قَاعِداً وَلَوْ قَطَعُواْ رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِيأرادَ بذلك : لا أبرحُ ؛ وكان أبو العباس يُنكر إضمارَ حرفِ النفي في هذه الآية ويقولُ :(هَذَا إنَّما يَكُونُ فِي تَصْرِيْحِ الْيَمِيْنِ) كقولِكَ : واللهِ أقومُ ؛ بمعنى واللهِ لا أقومُ. وأما في مثل هذا الموضعِ، فلا يجوزُ حذفُ حرفِ النفي. قال :(وَالصَّوَابُ أنَّ مَعْنَاهُ : لاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ كَرَاهَةَ أنْ تَبَرُّواْ). فحُذفَ المضافَ وأُقِيمَ المضافُ إليه مقامَهُ ؛ ونظيرُ هذا قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُواْ أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ﴾[النور: ٢٢].
وذهبَ بعضُ المفسرين إلى أنَّ معنى الآية :﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ أي لا تَعْتَرِضُواْ باليمينِ بالله تعالى في كلِّ حقٍّ وباطلٍ ؛ وهو نَهيٌ عن كثرة الحلفِ، لِما في ذلك من الْجُرْأةِ على الله عَزَّ وَجَلَّ والابتذالِ لاسمه في كلِّ حقٍّ وباطلٍ. يقال : هذه عُرْضَةٌ لكَ ؛ أي عدة لك تبتذلُها فيما تشاءُ. ومعنى ﴿أَن تَبَرُّواْ﴾ على هذا الإثباتِ ؛ أي لا تحلفوا في كلِّ شيء لأَنْ تبرُّوا إذا حلفتم وتتَّقوا الْمَآثِمَ فيها.
ويجوزُ أن يكونَ قولَهُ تَعَالَى :﴿أَن تَبَرُّواْ﴾ مبتدأ، وخبرهُ محذوف تقديرهُ، أنْ تبرُّوا وتتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ؛ أي أوْلَى. فعلى هذا يكون موضعُ ﴿أَن تَبَرُّواْ﴾ رَفْعاً. وعلى التأويلِ الأول يكون نصباً ؛ لأن معناهُ : لأنْ تَبرُّوا، موضعهُ نُصب بنَزع الخافضِ.
وقال مقاتلُ :(نَزَلَتْ فِي أبي بَكْرِ الصِّدِّيْقِ رضي الله عنه حِيْنَ حَلَفَ لاَ يَصِلُ ابْنَهُ عَبْدَالرَّحْمَنِ حَتَّى يُسْلِمَ). وقال ابنُ جريج :(نَزَلَتْ فِي أبي بَكْرٍ الصِّدِّيْقِ رضي الله عنه حِيْنَ حَلَفَ لاَ يُنْفِقُ عَلَى مُسْطَحٍ حِيْنَ خَاضَ فِي حَدِيْثِ الإفْكِ).
قال المفسرونَ : هذا في الرجلِ يحلفُ بالله أن لا يَصِلَ رَحِمَهُ، ولا يكلِّمُ قرابتَه، ولا يتصدَّق، ولا يصنعُ خيراً، ولا يُصْلِحُ بين اثنين. فأمرهُ الله تعالى أن يَحْنِثَ في يمينه ويفعلَ ذلك الخير ويكفِّر عن يمينهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ؛ أي سَميع لأيمانِكم عليم بما تقصدون باليمين عند الحلفِ.
البقرة 2:225
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِالَّلغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـاكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ؛ اختلفَ العلماءُ في لَغْوِ اليمين المذكور في هذه الآيةِ ؛ فقال قومٌ : هو ما يَسْبقُ به اللسانُ على سرعةٍ وعجلة ليصلَ به كلامهُ من غير عَقْدٍ ولا قصدٍ ؛ مثلُ قول الإنسان : لاَ واللهِ ؛ بلى والله ؛ ونحو ذلكَ. فهذا لا كفَّارة فيه ولا إثْمَ عليه، وعلى هذا القولِ عائشةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا والشعبيُّ وعكرمة ومجاهدُ.
وقال أخرون : لَغْوُ الْيَمِيْنِ هو أنْ يحلفَ الإنسانُ على شيءٍ يرى أنه صادقٌ فيه، ثم تبينُ له خلاف ذلك ؛ فهو خطأٌ منه غير عمدٍ، فلا إثمَ عليه ولا كفارةَ ؛ وعلى هذا القولِ ابنُ عباس والزهري والحسن وإبراهيمُ النخعي وقتادة والربيعُ وزرارة بنُ أوفى ومحكولُ والسديُّ. وقال عليٌّ رضي الله عنه وطاووسُ :(اللَّغْوُ الْيَمِيْنُ فِي حَالَةِ الْغَضَب وَالضَّجَرِ مِنْ غَيْْرِ عَقْدٍ) وَلاَ عَزْمٍ)، ومثلهُ مرويٌّ عن ابن عباس. يدلُّ عليه قولهُ ﷺ :" لاَ يَمِيْنَ فِي غَضَبٍ ".
وقال بعضُهم : هو اليمينُ في المعصيةِ، لا يؤاخذهُ الله بالحنثِ في يمينه ويكفِّرُ، وبه قال سعيدُ بن جبيرٍ. وقال غيرهُ : ليس عليه في ذلك كفَّارة. وقال مسروقُ في الرجلٍ يحلفُ على المعصيةِ :(كَفَّارَتُهُ أنْ يَتُوبَ عَنْهَا، وَكُلُّ يَمِيْنٍ لاَ يَحِلُّ لَهُ أنْ يَفِيَ بهَا فَلَيْسَ فِيْهَا كَفَّارَةٌ ؛ وَلَوْ أمَرَهُ بالْكَفَّارَةِ لأَمَرْتُهُ أنْ يَتِمَّ عَلَى قَوْلِهِ). يدلُّ عليه ما رويَ عن رسولِ الله ﷺ أنه قالَ :" مَنْ نَذَرَ فِيْمَا لاَ يَمْلِكُ فَلاَ نَذْرَ لَهُ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَلاَ يَمِيْنَ لَهُ ".
وعنِ إبراهيم النخعيِّ قال :(لَغْوُ الْيَمِيْنِ أنْ يَصِلَ الرَّجُلُ كَلاَمَهُ بالْحَلْفِ، كَقَوْلِهِ : وَاللهِ لَيَأْكُلَنَّ ؛ وَاللهِ لَيَشْرَبَنَّ ؛ وَنَحْوِهَا، لاَ يَقْصِدُ بذَلِكَ الْيَمِيْنَ وَلاَ يُرِيْدُ بهِ حَلْفاً، فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيْهِ كَفَّارَةٌ). يدلُّ عليه ما " رويَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بقَوْمٍ يَنْتَضَّلُونَ وَمَعَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أصْحَابهِ ؛ فَرَمَى رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقَالَ : وَاللهِ أصَبْتُ ؛ وَاللهِ أخْطَأْتُ. فَقَالَ الرَّجُلُ الَّذِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : حَنَثَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ فَقَالَ ﷺ :[كُلُّ أيْمَانِ الرُّمَاةِ لَغْوٌ لاَ كَفَّارَةَ فِيْهَا وَلاَ عُقُوبَةَ ".
وقالت عائشةُ :(أيْمَانُ اللَّغْوِ مَا كَانَ فِي الْهَزْلِ وَالْمِرَاءِ وَالْخُصُومَةِ وَالْحَدِيْثِ الَّذِي لاَ يُعْقَدُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ). وقال زيدُ بن أسلمَ :(هُوَ دُعَاءُ الْحَالِفِ لِنَفْسِهِ، كَقَوْلِهِ : أعْمَى اللهُ بَصَرِي إنْ لَمْ أفْعَلْ كَذَا، أخْرَجَنِي اللهُ مِنْ مَالِي إنْ لَمْ آتِكَ غَداً).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَـاكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي بما تعمَّدتم الكذبَ ؛ وهو أن يحلفَ على شيءٍ يعلمُ أنه ليس كذلكَ. والمعنى :(وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ } بما عزمتم وقصدتُم وتعمدتُم ؛ لأن كَسْبَ القلب العقدُ والنيةُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ؛ أي ﴿غَفُورٌ﴾ لِمن تابَ من اليمين الغَمُوسِ، ﴿حَلِيمٌ﴾ حين رَخَّصَ لكم في الحنثِ ولم يعاقبكم على اليمينِ على ترك البرِّ.
واللَّغْوُ في اللغةِ : الْكَلاَمُ السَّاقِطُ الَّذِي لاَ فَائِدَةَ فِيْهِ وَلاَ حُكْمَ لَهُ، يقال : ألْغَيْتُ الشَّيءَ إذا طَرَحْتُهُ. وقد يذكرُ اللَّغو ويراد به الكلامُ الفاحشُ القبيح، قال اللهُ تعالى :﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ﴾[القصص: ٥٥] وقال تعالى :﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾[الفرقان: ٧٢].
البقرة 2:226
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ قال ابنُ عباس :(إنَّ الْعَرَبَ فِي الْجَاهِلِيَّّةِ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَكْرَهُ امْرَأتَهُ وَيَكْرَهُ أنْ يَتَزَوَّجَهَا غَيْرُهُ، فَيَحْلِفُ أنْ لاَ يَطَأَهَا أبَداً وَلاَ يُخْلِي سَبيْلَهَا إضْرَاراً ؛ فَتَبْقَى مُعَلَّقَةً لاَ ذَاتَ زَوْجٍ وَلاَ مُطَلَّقَةُ، حَتَّى يَمُوتَ أحَدُهُمَا. فََأَبْطَلَ اللهُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَجَعَلَ الأَجَلَ فِي هَذَا بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ إذَا تَمَّتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ وَلَمْ يَفِئْ إلَيْهَا بَانَتْ بتَطْلِيْقَةٍ).
وفي قراءةِ عبدالله :(لِلَّذِينَ آلَوْ مِنْ نِسَائِهِمْ) على لفظ الماضي ؛ والإيْلاَءُ : الْحَلْفُ ؛ يقال : آلَى يُؤلِي إيْلاَءً ؛ والاسمُ الألية، قال الشاعرُ : عَلَيَّ اللهَ وَصِيَامَ شَهْر أُمْسِكُ طَائِعاً إلاَ يَكْفِيوجمعُ الأَلِيَّةِ الألاَيَا قال الشاعر : قَلِيْلُ الألاَيَا حَافِظٌ لِيَمِيْنِهِ إذَا نَذَرَتْ مِنْهُ الإلِيَّةُ بَرَّتِوالإيلاءُ في الشرع : هو الحلفُ على تركِ الجماع الذي يكسبُ الطلاق بمضيِّ المدةِ. ومعنى الآية : للذينَ يحلفون من نسائهم لا يقرَبوهُن أربعةَ أشهر. والترُّبصُ : التَّوَقُّفُ. وقال بعضهم : التَّرَبُّصُ : التَّصَبُّرُ.
قولهُ :﴿فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فإن رجعوا عما حَلَفُوا عليه ؛ فَقَرُبَ الرجلُ امرأتَه أو كان عاجزاً عن الوطءِ ففَاءَ بلسانهِ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لذنب الإضرار بالامتناع عن الجماع، ﴿رَّحِيمٌ﴾ بهم إذ رخَّص لهم القُربان بالكفارة. وفي قراءة ابنِ مسعود. (فَإِنْ فَاءُوا فِيْهِنَّ).
واختلفَ العلماءُ فيما يكون مُولياً على وجوه ؛ ما روي عن علي وابن عباس والحسن رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ :(أنَّ الإيْلاَءَ هُوَ الامْتِنَاعُ مِنَ الْجِمَاعِ عَلَى جِهَةِ الْغَضَب ؛ وَالإصْرَارُ بتَأْكِيْدِ الْيَمِيْنِ حَتَّى لَوْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ رَضِيْعٌ يَخْشَى أنْ يَقْرُبَ أُمَّهُ أنْ تَحْبَلَ فَيَضُرَّ ذَلِكَ بالْوَلَدِ، فَحَلَفَ أنْ لاَ يَقْرَبَهَا لَمْ يَكُنْ مُولِياً).
وقال النخعيُّ وابنُ سيرين والشعبيُّ :(هُوَ الْيَمِيْنُ عَلَى أنْ لاَ يُجَامِعَهَا، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْغَضَب أوْ فِي الرَِّضَا). وبهذا القولِ قال علماؤُنا رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى حتى قال أبُو يوسف وأبو حنيفةَ ومحمدٌ :(كُلُّ يَمِيْنٍ فِي زَوْجَةٍ مُنِعَتْ جِمَاعَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ مِنْ غَيْرِ حِنْثٍ يَلْزَمُهُ تَعَيِيْنَ إيْلاَءٍ ؛ وَفِي أُخْرَى فَهُوَ إيْلاَءٌ).
والقولُ الثالث : ما رُوي عن سعيدِ بنِ المسيَّب :(أنَّ الإيْلاَءَ هُوَ الْيَمِيْنُ فِي الْجِمَاعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الضَّرَر حَتَّى لَوْ حَلَفَ لاَ يُكَلِّمُهَا كَانَ مُولِياً).
والقولُ الرابع : قولُ عبدالله بنِ عمر :(أنَّهُ إذا هَجَرَهَا فَهُوَ إيْلاَءٌ)، ولم يذكر الحلفَ.
والتَّرَبُّصُ : انتظارُ الشيء خيراً أو شرّاً يَحِلُّ بكَ أو به ؛ ولذلك سُمي المحتكرُ متربصاً لانتظاره غلاءَ السِّعرِ، قال الشاعرُ : تَرَبَّصْ بهَا رَيْبَ الْمَنُونِ لَعَلَّهَا تُطَلَّقُ يَوْماً أوْ يَمُوتُ حَلِيْلُهَا
البقرة 2:227
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ؛ أي وإن حقَّقوا الطلاقَ بالإقامةِ على حكمِ اليمين إلى تَمام أربعةِ أشهرٍ ؛ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لإيْلائهِم ؛ ﴿عَلِيمٌ﴾ بهم وبنِيَّاتِهِمْ. والعَزْمُ في اللغة : هو العقدُ على فعلٍ في المستقبلِ ؛ يقال : عَزَمَ على كذا ؛ إذا عَقَدَ قلبَهُ عليه. والعزمُ الشرعيُّ المذكور في هذه الآية على ثلاثةِ أوجهٍ : قال ابنُ عباس :(عَزِيْمَةُ الطَّلاَقِ انْقِضَاءُ الأَرْبَعَةِ أشْهُرٍ قَبْلَ أنْ يَفِيءَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ)، وهو قولُ ابن مسعود وزيدِ بن ثابت وعثمانَ بن عفانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ؛ قالوا :(إنَّهَا تَبيْنُ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ بتَطْلِيْقَةٍ)، وبه أخذَ أبو حنيفةَ وأصحابهُ.
وعن عليٍّ وابن عمر وأبي الدرداءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ مثلُ القْولِ الأول. وروي عنهُم أيضاً :(أنَّهُ يُوقَفُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، فَإمَّا أنْ يَفِيءَ وَإمَّا أنْ يُطَلِّقَ) وهذا قولُ عائشة وآخرين. وبه قال مالكُ والشافعيُّ ؛ فَإنِ امْتَنَعَ عَنْهُمَا ؛ فللشافعيِّ قولان ؛ أحدُهما : يَحْبسُهُ الْحَاكِمُ وَلاَ يُجْبرُهُ عَلَى أحَدِ الأَمْرَيْنِ. والثانِي : يُطَلِّقُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ.
وقال ابنُ جبير وسالم والزهريُّ وعطاء وطاووسُ :(إذَا مَضَتْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ فَهِيَ تَطْلِيْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ). فإن قيلَ : قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يقتضي أنَّ عزيْمةَ الطلاق مسموعةٌ ولا يكون كذلك إلا بقولٍ من الزوجِ بعدَ الإيلاء ؟ قُلْنَا : هذا القولُ لا يصحُّ ؛ لأن اللهَ تعالى لم يَزَلْ سميعاً ولا مسموعَ وقد قال تعالى :﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾[البقرة: ٢٤٤] وليس هناكَ قولٌ.
البقرة 2:228
قوله عزَّ وَجَلَّ :﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ؛ وقال ابنُ عباس :(كَانَ أهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُطَلِّقُ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ، فَإنْ كَانَتْ حُبْلَى كَانَ أحَقَّ برَجْعَتِهَا وَإلاَّ كَانَتْ أحَقَّ بنَفْسِهَا، فَكَانَتِ الْمَرْأةُ إذا أحَبَّتِ الرَّجُلَ قَالَتْ أَنَا حُبْلَى، وَلَيْسَتْ حُبْلَى لِيُرَاجِعَهَا. وَإذا كَرِهَتْهُ وَهِيَ حُبْلَى قَالَتْ : لَسْتُ حُبْلَى ؛ لِكَي لاَ يَقْدِرَ عَلَى مُرَاجَعَتِهَا. فَجَعلَ اللهُ عِدَّةَ الْمُطَلَّقَاتِ ثَلاَثةَ قُرُوءٍ، وَنَهَى النِّسَاءَ عَنْ كِتْمَانِ مَا فِي أرْحَامِهِنَّ مِنَ الْحَيْضِ وَالْحَبَلِ).
ومعنى الآيةِ :﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ يَنْتَظِرْنَ ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ ماذا يصنعُ بهن أزواجهُنَّ من الْمُرَاجَعَةِ وتركِ المراجعةِ. وقد اختلفَ السلفُ في القَرْءِ المذكور ؛ قال أبو بكرٍ وعمرُ وعثمان وابنُ عباس وابن مسعود وأبو موسَى الأشعري :(هُوَ الْحَيْضُ)، وقالُوا :(إنَّ الزَّوْجَ أحَقُّ بهَا مَا لَمْ تَغْتَسِلْ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، وبه أخذَ أبو حنيفةَ وأصحابُه. وقال ابنُ عمر وزيدُ بن ثابت وعائشةُ :(الأَقْرَاءُ هِيَ الأَطْهَارُ)، (وَإذَا دَخَلَتْ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، فَلاَ سَبيْلَ لَهُ عَلَيْهَا)، وبه قال مالكُ والشافعيُّ.
وإنَّما اختلفَ السلفُ في هذه المسألة ؛ لأن القَرْءَ في اللغةِ عبارةٌ عن الحيضِ وعن الطُّهرِ ؛ وهو من أسْماء الأضدادِ، قالَ أبو عبيدةَ :(هُوَ خُرُوجٌ مِنْ شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ ؛ يُقَالُ : قَرَأ النَّجْمُ إذَا طَلَعَ ؛ وَقَرَأ النَّجْمُ إذَا غَابَ). والمرأةُ تخرج من الطهر إلى الحيضِ، ومن الحيضِ إلى الطهر. قال الشاعرُ : يَا رُبَّ ذِي ضِغْنٍ عَلَيَّ فَارضٍ لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الْحَائِضِوأرادَ بذلك الحيضَ ؛ يعني : أن عداوتَه تَهيجُ في أوقات معلومةٍ كما أن المرأةُ تحيضُ في أوقات معلومةٍ. وقال آخرُ : أفِي كُلِّ عَامٍ أنْتَ جَاشِمُ غَزْوَةٍ تَشُدُّ لأَقْصَاهَا عَزِيْمَ عَزَائِكَاوَمُوَرِّثةٍ عِزّاً وَفِي الْحَيِّ رفْعَةً لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكاًوأرادَ بالقرءِ في هذا البيتِ الطُّهرَ ؛ لأنه خرجَ إلى الغزو ولم يَغْشَ نساءَه فأضاع أقراءَهُن ؛ أي أطهارَهن.
فلما اختلفَ السلفُ واختلفت اللغةُ في هذا الاسم لم يجب حملهُ على الأمرين جميعاً، ووجبُ حمله على حقيقتهِ دون مجازه. واسم القَرْءِ حقيقةٌ في الحيضِ ؛ مجازٌ في الطهر ؛ لأن كلَّ طهرِ لا يسمى قرءاً وإنَّما الطهرُ الذي يكونُ بين الحيضتين، فسُمِّي بهذا الاسم لمجاوزتهِ الحيضَ. فلو كان هذا الاسمُ حقيقةً في الطهرِ لكان لا ينتفي عنه بحالٍ ؛ لأنَّ الأسْماء الحقائقَ لا تنتفي عن مسمَّياتِها بحال ؛ ووجدنا هذا الاسمَ ينتفي عن طهرِ الآيسة والصغيرةِ، فكان حملهُ على الحيض أولَى من حمله على غيرهِ.
فإذا اختلفتِ الأمةُ في ذلك كان المرجعُ إلى لغةِ النبيِّ ﷺ وقد قالَ ﷺ :" الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلاَةَ أيَّامَ أقْرَائِهَا " وأرادَ بالأقراءِ الحيضَ بالإجماعِ، واتَّفَقَ الصَّحَابَةُ أن عدَّة أُمِّ الْوَلَدِ بالْحَيْضِ وكذلك الاستبراء.
البقرة 2:229
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ؛ قال عروةُ بن الزبير وقتادة في معنى هذه الآيةِ :(إنَّ الطَّلاَقَ الَّذِي يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ مَرَّتَانِ ؛ فَإنَّهُ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ لاَ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ). وفي الآيةِ ما يدلُّ على هذا ؛ لأنَّ الله عَقَّبهُ بقوله :﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. وعنِ ابن عباس ومجاهدٍ :(أنَّ الْمُرَادَ بالآيَةِ بَيَانُ طَلاَقِ السُّنَّةِ).
وقولهُ :﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ لفظهُ لفظ الخبرِ ومعناه الأمرُ والندبُ، وفي لفظ المرَّتين دليلٌ على أن التفريقَ سُنَّة ؛ لأن من طَلَّقَ اثنتين معاً لا يُقال طلَّقها مرتين، وليس في هذه الآيةِ كيفيةُ سُنة التفريق. وقد فسَّره اللهُ تعالى بقوله :﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾[الطلاق: ١] وأرادَ بذلك تفريقَ الطلاق على إظهار العدة ؛ ألا تَرَى أنه تعالى خاطَبَ الرجالَ إحصاءَ العدة، وذكرَ الرجعةَ في سياقِ الآية بقوله :﴿لاَ تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾[الطلاق: ١] وعلى هذا قالَ ﷺ لابْنِ عُمَرَ حِيْنَ طَلَّقَ امْرَأتَهُ فِي حَالِ الْحَيْضِ :" مَا هَكَذَا أمَرَكَ رَبُّكَ ؛ إنَّمَا أمَرَكَ أنْ تَسْتَقْبلَ الطُّهْرَ اسْتِقْبَالاً، فَطَلِّقْهَا لِكُلِّ قَرْءٍ تَطْلِيْقَةً ؛ فَإِنَّهَا الْعِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللهُ أنْ يُطَلَّقَ فِيْهَا النِّسَاءُ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي عليكم إمساكهن بحُسْنِ الصحبةِ والمعاشرة إذا أردتُم الرجعةَ، ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أي يتركوهن حتى ينقضيَ تَمام الطُّهر ويَكُنَّ أملكَ لأنفسهن. " وروي أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ؛ فَقِيْلَ لَهُ : أيْنَ التَّطْلِيْقَةُ الثَّالِثَةُ ؟ فَقَالَ :[فِي قَوْلِهِ :﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ] ".
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ ؛ قال ابنُ عباس :" نَزَلَتْ فِي جَمِيْلَةَ بنْتِ عَبْدِاللهِ بْنِ أُبَي ابنِ سَلُولٍ وَفِي زَوْجِهَا ثَابتِ بْنِ قَيْسٍ، كَانَتْ تَبْغَضُهُ بُغْضاً شَدِيْداً لاَ تَقْدِرُ عَلَى النَّظَرِ إلَيْهِ، وَكَانَ يُحِبُّهَا حُبّاً شَدِيْداً لاَ يَقْدِرُ عَلَى أنْ يَصْبرَ عَنْهَا ؛ وَكَانَ بَيْنَهُمَا كَلامٌ، فَأَتَتْ أبَاهَا فَشَكَتْ عَلَيْهِ وَقَالَتْ : إنَّهُ يَضْرِبُنِي وَيُسِيْءُ إلَيَّ! فَقَالَ لَهَا : ارْجِعِي إلَى زَوْجِكِ، فَأَتَّتْهُ الثَّانِيَةَ وَبهَا أثَرُ الضَّرْب، فَشَكَتْ إلَيْهِ فَقَالَ لَهَا : ارْجِعِي إلَى زَوْجِكِ. فَلَمَّا رَأتْ أنَّهُ لاَ يُشْكِيْهَا وَلاَ يَنْظُرُ فِي أمْرِهَا أتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَشَكَتْ عَلَيْهِ وَأرَتْهُ أثَرَ الضَّرْب بهَا، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللهِ، لاَ أنَا وَلاَ هُوَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى ثَابتٍ وَقَالَ :[يَا ثَابتُ، مَا لَكَ وَلأَهْلِكَ؟] قَالَ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بالْحَقِّ نَبيّاً ؛ مَا عَلَى الأَرْضِ شَيْءٌ أحَبُّ إلَيَّ مِنْهَا غَيْرُكَ، لَكِنَّهَا لاَ تُطِيْعُنِي، فَقَالَ لَهَا النَّبيُّ ﷺ :[مَا تَقُولِيْنَ؟] فَكَرِهَتْ أنْ تَكْذِبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَالَتْ : مَا كُنْتُ أُحَدِّثُكَ الْيَوْمَ حَدِيْثاً يَنْزِلُ عَلَيْكَ خِلاَفُهُ غَداً، هَوَ مِنْ أكْرَمِ النَّاسِ لِزَوْجَتِهِ لاَ أعِيْبُ عَلَيْهِ فِي دِيْنٍ وَلاَ خُلُقٍ، وَلَكِنِّي أبْغَضُهُ لاَ أنَا وَلاَ هُوَ. فَقَالَ ثَابتُ : قَدْ أعْطَيْتُهَا حَدِيْقَةٍ لِي، قُلْ لَهَا فَلْتَرُدَّهَا عَلَيَّ وَأَنَا أُخْلِي سَبيْلَهَا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ :[أتَرُدِّيْنَ عَلَيْهِ حَدِيْقَتَهُ وَتَمْلِكِيْنَ أمْرَكِ؟] قَالَتْ : نَعَمْ، وَزيَادَةٌ. فَأَنْزَلَ اللهُ قَوْلُهُ :﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ الآيَةُ، فَقَالَ ﷺ :[أمَّا الزِّيَادَةُ فَلاَ] ثُمَّ قَالَ لِثَابتٍ : خُذْ مِنْهَا مَا أعْطَيْتَهَا وَخَلِّ سَبيْلَهَا، فَفَعَلَ "
البقرة 2:230
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ؛ قال عروةُ بن الزبير وقتادة في معنى هذه الآيةِ :(إنَّ الطَّلاَقَ الَّذِي يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ مَرَّتَانِ ؛ فَإنَّهُ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ لاَ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ). وفي الآيةِ ما يدلُّ على هذا ؛ لأنَّ الله عَقَّبهُ بقوله :﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. وعنِ ابن عباس ومجاهدٍ :(أنَّ الْمُرَادَ بالآيَةِ بَيَانُ طَلاَقِ السُّنَّةِ).
وقولهُ :﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ لفظهُ لفظ الخبرِ ومعناه الأمرُ والندبُ، وفي لفظ المرَّتين دليلٌ على أن التفريقَ سُنَّة ؛ لأن من طَلَّقَ اثنتين معاً لا يُقال طلَّقها مرتين، وليس في هذه الآيةِ كيفيةُ سُنة التفريق. وقد فسَّره اللهُ تعالى بقوله :﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾[الطلاق: ١] وأرادَ بذلك تفريقَ الطلاق على إظهار العدة ؛ ألا تَرَى أنه تعالى خاطَبَ الرجالَ إحصاءَ العدة، وذكرَ الرجعةَ في سياقِ الآية بقوله :﴿لاَ تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾[الطلاق: ١] وعلى هذا قالَ ﷺ لابْنِ عُمَرَ حِيْنَ طَلَّقَ امْرَأتَهُ فِي حَالِ الْحَيْضِ :" مَا هَكَذَا أمَرَكَ رَبُّكَ ؛ إنَّمَا أمَرَكَ أنْ تَسْتَقْبلَ الطُّهْرَ اسْتِقْبَالاً، فَطَلِّقْهَا لِكُلِّ قَرْءٍ تَطْلِيْقَةً ؛ فَإِنَّهَا الْعِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللهُ أنْ يُطَلَّقَ فِيْهَا النِّسَاءُ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي عليكم إمساكهن بحُسْنِ الصحبةِ والمعاشرة إذا أردتُم الرجعةَ، ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أي يتركوهن حتى ينقضيَ تَمام الطُّهر ويَكُنَّ أملكَ لأنفسهن. " وروي أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ؛ فَقِيْلَ لَهُ : أيْنَ التَّطْلِيْقَةُ الثَّالِثَةُ ؟ فَقَالَ :[فِي قَوْلِهِ :﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ] ".
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ ؛ قال ابنُ عباس :" نَزَلَتْ فِي جَمِيْلَةَ بنْتِ عَبْدِاللهِ بْنِ أُبَي ابنِ سَلُولٍ وَفِي زَوْجِهَا ثَابتِ بْنِ قَيْسٍ، كَانَتْ تَبْغَضُهُ بُغْضاً شَدِيْداً لاَ تَقْدِرُ عَلَى النَّظَرِ إلَيْهِ، وَكَانَ يُحِبُّهَا حُبّاً شَدِيْداً لاَ يَقْدِرُ عَلَى أنْ يَصْبرَ عَنْهَا ؛ وَكَانَ بَيْنَهُمَا كَلامٌ، فَأَتَتْ أبَاهَا فَشَكَتْ عَلَيْهِ وَقَالَتْ : إنَّهُ يَضْرِبُنِي وَيُسِيْءُ إلَيَّ! فَقَالَ لَهَا : ارْجِعِي إلَى زَوْجِكِ، فَأَتَّتْهُ الثَّانِيَةَ وَبهَا أثَرُ الضَّرْب، فَشَكَتْ إلَيْهِ فَقَالَ لَهَا : ارْجِعِي إلَى زَوْجِكِ. فَلَمَّا رَأتْ أنَّهُ لاَ يُشْكِيْهَا وَلاَ يَنْظُرُ فِي أمْرِهَا أتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَشَكَتْ عَلَيْهِ وَأرَتْهُ أثَرَ الضَّرْب بهَا، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللهِ، لاَ أنَا وَلاَ هُوَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى ثَابتٍ وَقَالَ :[يَا ثَابتُ، مَا لَكَ وَلأَهْلِكَ؟] قَالَ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بالْحَقِّ نَبيّاً ؛ مَا عَلَى الأَرْضِ شَيْءٌ أحَبُّ إلَيَّ مِنْهَا غَيْرُكَ، لَكِنَّهَا لاَ تُطِيْعُنِي، فَقَالَ لَهَا النَّبيُّ ﷺ :[مَا تَقُولِيْنَ؟] فَكَرِهَتْ أنْ تَكْذِبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَالَتْ : مَا كُنْتُ أُحَدِّثُكَ الْيَوْمَ حَدِيْثاً يَنْزِلُ عَلَيْكَ خِلاَفُهُ غَداً، هَوَ مِنْ أكْرَمِ النَّاسِ لِزَوْجَتِهِ لاَ أعِيْبُ عَلَيْهِ فِي دِيْنٍ وَلاَ خُلُقٍ، وَلَكِنِّي أبْغَضُهُ لاَ أنَا وَلاَ هُوَ. فَقَالَ ثَابتُ : قَدْ أعْطَيْتُهَا حَدِيْقَةٍ لِي، قُلْ لَهَا فَلْتَرُدَّهَا عَلَيَّ وَأَنَا أُخْلِي سَبيْلَهَا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ :[أتَرُدِّيْنَ عَلَيْهِ حَدِيْقَتَهُ وَتَمْلِكِيْنَ أمْرَكِ؟] قَالَتْ : نَعَمْ، وَزيَادَةٌ. فَأَنْزَلَ اللهُ قَوْلُهُ :﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ الآيَةُ، فَقَالَ ﷺ :[أمَّا الزِّيَادَةُ فَلاَ] ثُمَّ قَالَ لِثَابتٍ : خُذْ مِنْهَا مَا أعْطَيْتَهَا وَخَلِّ سَبيْلَهَا، فَفَعَلَ "
البقرة 2:231
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ﴾ ؛ نزلت في ثابتِ بن يسار الأنصاري ؛ طلَّقَ امرأتَه حتى إذا انقضَتْ عدَّتُها إلاَّ يومين أو ثلاثة ؛ وكادت تَبيْنُ منه راجَعها، ثم طلَّقها ففعل بها مثل ذلك، حتى مضت لها سبعةُ أشهر مُضَارّاً لها بذلك. وكان الرجلُ إذا أراد ان يُضَارَّ امرأتَه طلَّقها ثم تركها حتى تحيضَ الثالثة، ثم راجعها، ثم طلَّقها فتطولُ عليها العدة، فهذا هو الضِّرَارُ ؛ فأنزلَ اللهُ هذهِ الآية.
ومعنى الآية :﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ﴾ تطليقةً أو تطليقتين ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي قاربنَ وقتَ انقضاء العدَّة ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي احبسوهُنَّ بالرجعةِ على أحسنِ الصُّحبة، لا على تطويلِ العدَّة، ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي اتركوهن بمعروفٍ حتى ينقضي تَمامُ أجلهن، ﴿وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً﴾ أي لا تحبسوهنَّ في العدةِ إضراراً ﴿لِّتَعْتَدُواْ﴾ عليهن ؛ أي تظلموهُن.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ ؛ أي من يفعل ذلك الاعتداء فقد عرَّضَ نفسه لعذاب الله بإتيانِ ما نَهى الله عنه، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ مُسْلِماً أوْ مَاكَرَهُ ".
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً﴾ ؛ أي لا تتركوا ما حدَّ الله لكم من أمرِ الطلاق وغيرهِ فتكونوا مقصِّرين لاعبين. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : كَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأتَهُ أوْ يُعْتِقُ عَبْدَهُ ثُمَّ يَقُولُ : إنَّمَا كُنْتُ لاَعِباً، فَيَرْجِعُ فِي الْعِتْقِ وَالنِّكَاحِ ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَقَالَ ﷺ :" مَنْ طَلَّقَ لاَعِباً أوْ أعْتَقَ لاَعباً فَقَدْ جَازَ عَلَيْهِ " أي نَفَذَ عليه.
وعن رسولِ اللهِ ﷺ أنهُ قالَ :" ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ : الطَّلاَقُ، وَالْعِتَاقُ، وَالنِّكَاحُ " وفي بعضِ الروايات :" الطَّلاَقُ، وَالْنِّكَاحُ، وَالرَّجْعَةُ " وروي في الخبرِ :" خَمْسٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ : الطَّلاَقُ، وَالْعِتَاقُ، وَالرَّجْعَةُ، وَالنِّكَاحُ، وَالْنَّذْرُ ".
وعن أبي موسى الأشعريِّ قال :" غَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الأَشْعَرِيِّيْنَ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ، غَضِبْتُ عَلَى الأَشْعَرِيِّيْنَ ؟ قَالَ :[يَقُولُ أحَدُكمْ لامْرَأتِهِ : قَدْ طَلَّقْتُكِ، ثُمَّ يَقُولُ : قَدْ رَاجَعْتُكِ، لَيْسَ هَذَا طَلاَقُ الْمُسْلِمِيْنَ، طَلِّقُواْ الْمَرْأةَ فِي قُبُلِ طُهْرِهَا] " وقال الكلبيُّ :(مَعْنَى ﴿وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً﴾ أيْ أمْسِكُواْ بمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُواْ بإحْسَانٍ).
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ ؛ أي احفظوا مِنَّة الله عليكم في أمر الدين. وقيل :﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بالإيمانِ، ﴿وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ﴾ يعني القرآنَ، ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ يعني مواعظَ القرآنِ والحدودَ والأحكامَ. وقيل : الحكمةُ هي فِقْهُ الحلال والحرامِ. وقوله :﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي ينهاكم عن الإضرار وسائر المعاصي.
البقرة 2:232
قوله عَزَّ وَجَّل :﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ؛ قال الحسنُ وقتادة :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي مَعْقَلِ بْنِ يَسَارٍ، كَانَتْ أُختُهُ جُمَيْلُ تَحْتَ أبي الْبَدَّاحِ طَلَّقَهَا تَطْلِيْقَةً وَاحِدَة ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، ثُمَّ نَدِمَ عَلَى طَلاَقِهِ إيَّاهَا ؛ فَخَطَبَهَا فَرَضِيَتِ الْمَرْأةُ بذَلِكَ وَأحَبَّتْ أنْ تُرَاجِعَهُ، وَأبَى أخُوهَا مَعْقِلُ وَقَالَ لَهَا : إنِّي اخْتَرْتُهُ عَلَى أشْرَافِ قَوْمِي فَطَلَّقَكِ، ثُمَّ تُرِيْدِيْنَ أنْ تُرَاجِعِيْهِ؟! وَجْهِي مِنْ وَجْهِكِ حَرَامٌ أبَداً لأَنْ تَزَوَّجْتِيْهِ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ يَنْهَى مَعْقِلاً عَمَّا صَنَعَ).
وروي أنَّ أبَا الْبَدَّاحَ لَمَّا طلَّقَهَا وَتَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطِبُهَا وَأرَادَ مُرَاجَعَتَهَا، وَكَانَتِ الْمَرْأةُ تُحِبُّ مُرَاجَعَتَهُ، قَالَ لَهُ أخُوهَا : أفْرَشْتُكَ كَرِيْمَتِي وَآثَرْتُكَ عَلَى قَوْمِي فَطَلَقْتَهَا وَلَمْ تُرَاجِعْهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَجِئْتَ تَخْطِبُهَا؟! وَاللهِ لاَ أنْكِحُهَا أبَداً. فَأَنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ).
ومعنَاها :﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ﴾ واحدةً أو اثنتين، ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ يعني انقضت عدَّتُهن، وأرادَ ببلوغِ الأجلِ في هذه الآيةِ حقيقةَ البلوغِ بانقضاءِ العدَّة، ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أي لا تَمْنعوهُنَّ ﴿أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ يعني الذين كانوا أزواجاً لَهنَّ من قَبلُ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي إذا تراضَوا بنكاحٍ جديد ومهرٍ وشهود ؛ وما لا يكون مُستنكراً في عقلٍ ولا عادةٍ ولا خُلق.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ؛ أي ذلك الذي ذُكر من النَّهي عن العضلِ ﴿يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ويؤمنُ بالبعث. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذالِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ ؛ أي أن لا تَمنعوها خيرٌ لكم وأفضلُ وأدخلُ في التزكية من المنعِ لَهنَّ، وأطهرُ من الذنب وأبعدُ من الريبة ؛ لأنه إذا كان في نفسِ كلِّ واحد منهما علاقةُ حُبٍّ لَمْ يُؤْمَنْ أن يتجاوزَا ذلك إلى غيرِ ما أحلًّ الله لَهما.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ أي (وَاللهُ يَعْلَمُ) حُبَّ كلٍّ منهما لصاحبهِ، ﴿وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ذلكَ. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما لكم فيه الصلاحُ في العاجلِ والآجل، ويعلمُ ما يُزَكِّيْكُمْ مِمَّا يُرْدِيْكُمْ ﴿وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ذلكَ.
فلما نزلت هذه الآية دَعَا النَّبيُّ ﷺ مَعْقِلاً فَقَرَأ عَلَيْهِ الآيَةَ وَقَالَ :" [إنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلاَ تَمْنَعْ أُخْتَكَ مِنْ أبي الْبَدَّاحِ] فَقَالَ : إنِّي أُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأُشْهِدُكَ أنِّي قَدْ أنْكَحْتُهُ " وَكَفَّرَ عَنْ يَمِيْنهِ.
والْعَضْلُ في اللغة له معنَيان ؛ أحدُهما : المنعُ ؛ يقال : عَضَلَ الرجلُ المرأةَ يَعْضِلُهَا وَيَعْضُلُهَا إذا مَنَعَهَا من الأزواجِ ظُلماً. وَأعْضَلَ الداءُ الأطباءَ إذا أعياهم عن معالجتهِ، ويقال : داءٌ عُضَالٌ ؛ ومَسْأَلَةٌ مُعْضِلَةٌ. والآخرُ : التضييقُ ؛ يقال : عَضَلَ القضاءُ بالجيشِ إذا ضاق بهم، وعَضَلَتِ المرأةُ بولدِها إذا عَسُرَ خروجُه.
وفي الآيةِ دليلٌ على جواز نكاحِ المرأة على نفسِها إذا عقدت بغيرِ وليٍّ ؛ لأنَّ الله تعالى أضَافَ العقدَ إليها ونَهى الولِيَّ عن عَضْلِهَا إذا تراضَى الزوجان بالمعروفِ. ويدلُّ على ذلك قولهُ :﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ﴾[البقرة: ٢٣٠]. وقولهُ :﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾[البقرة: ٢٣٤].
البقرة 2:233
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ ؛ أي والمطلقاتُ اللاَّتِي لهن أولادٌ من أزواجهن المطلِّقين ولدنَهم قبلَ الطلاقِ أو بعده ؛ وقوله :﴿يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ﴾ لفظهُ لفظ الخبرِ ومعناه : الأمرُ، كأنه قال : لِتُرْضِعِ الوالداتُ أولادَهنَّ، كما قال تعالى :﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾[البقرة: ٢٢٨] يدلُّ على ذلك أنه لو كانَ قوله :﴿يُرْضِعْنَ﴾ خبراً لَمَا وُجِدَ مُخْبَرُهُ على خلاف ما أخبرَ الله به ؛ فلما كان من الوالداتَ مَن لا ترضعُ ؛ عُلِمَ أنه لَمْ يرد به الخبرَ ؛ فكان هذا محمولاً في حالِ قيام النكاح على الأوامرِ الواجبة من طريقِ الدين لا من جهة الحكم ؛ فإنَّها إذا امتنعت من الإرضاعِ لم يكنْ للزوجِ أن يُجْبرَهَا على ذلك من حيثُ الحكمُ، وإن أرضعتُ لم تستحقَّ نفقة الرضاع مع بقاءِ الزوجية، ولا يجتمعُ لها نفقتان.
وفي الآيةِ إثباتُ حقِّ الرضاعِ للأم، وبيانُ مدة الرضاعِ للمستحق على الولد، فإنَّ الولد لو امتنع من الإرضاع في الحولين أُجبر عليه كما قَالَ تعالى في آيةِ المطلقات :﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾[الطلاق: ٦] وقالَ :﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾[الطلاق: ٦].
فإن قيلَ : كيفَ قال الله تعالى :﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ والحَوْلان لا يكونان إلا كاملينِ ؟ قيل : لإزالة الإبْهام ؛ فإنَّ الإنسان قد يقولُ : أقمتُ عند فلانٍ سنتين ؛ إذا كان قريباً مِن سنتين، وسِرْتُ شهراً ؛ إذا كان قريباً من شهرٍ، فبيَّن اللهُ تعالى أنَّهما حَولانِ كاملان : أربعةٌ وعشرون شهراً من يومِ يولدُ إلى أنْ يُفطمَ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ أي لِمن أرادَ من الآباء أن يُتِمَّ الرضاعةَ المفروضة عليهِ ؛ أي هذا منتهى الرضاعةِ وليس فيما دون ذلك وقت محدودٌ، وإنما هو على مقدار إصلاح الصبيِّ وما يعيشُ به.
قرأ أبو رجاء :(الرِّضَاعَةُ) بكسرِ الراء ؛ قال الخليلُ :(وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلُ الْوَكَالَةِ وَالْوِكَالَةِ ؛ وَالدَّلاَلَةِ والدِّلاَلَةِ). وقرأ مجاهدُ :(لِمَنْ أرَادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضْعَةَ) وهي فَعْلَةُ كالْمَرَّةِ الواحدة، وقرأ عكرمة :(لِمَنْ أرَادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةُ) على الفاعلِ. وقرأ ابنُ عباس :(لِمَنْ أرَادَ أنْ يُكْمِلَ الرَّضَاعَةَ).
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ؛ معناهُ : وعلى الأب نفقتُهن وكسوتُهن كما يُعْرَفُ أنه العدلُ، يكون ذلك أجرةً لَهن على الرضاع إذا كانَ إرضاعُ الولد بعد الفراقِ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ أي لا يُجبر الأب على النفقةِ والكسوة إلا مقدارَ طاقته، والتكليفُ هو الإلزامُ، قال الضحَّاك :(هَذَا فِي الْمُطَلَّقَاتِ دُونَ الْمُزَوَّجَاتِ ؛ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَابَلَ هَذِهِ النَّفَقَةَ بالإرْضَاعِ، وَنَفَقَةُ الزَّوْجَةِ لاَ تَجِبُ بالإرْضَاعِ وَإنَّمَا تَجِبُ بسَبَب الزَّوْجِيَّةِ).
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ ؛ قرأ ابنُ كثير وأبو عمروٍ ويعقوبُ وسلامُ برفع الراء مشدَّدةً على الخبرِ مَنْسُوقاً على قوله :﴿لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ﴾ وأصلهُ :(لا تضاررُ) فأُدغمت الراءُ في الراءِ.
البقرة 2:234
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ ؛ معناه : إنَّ الذين يَموتون منكم ويتركونَ نساءَهم من بعدهم ؛ ينتظرونَ في عدتِهن ؛ معنى ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ لا يتزوجنَ ولا يتزيَّنَّ في هذه المدةِ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ ؛ أي إذا انقضت عِدتُهن ؛ ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ؛ أي لا حرجَ عليكم في تركهنَّ بعد انقضاء المدة ليتزيَّن زينةً لا يُنكر مثلها، ويتزوجنَ من الأكْفَاءِ ويفعلنَ كُلَّ معروفٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ؛ أي بما تعملون من الخيرِ والشر عالِمٌ يجزيكم به.
فإن قيل :(الَّذِيْنَ) اسمٌ موصول و ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ ﴿وَيَذَرُونَ﴾ من صلته، وجملته مبتدأ ؛ و ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ فعلُ الأزواجِ لا فعلُ ﴿الَّذِينَ﴾ ولا فيه ضميرٌ عائد إلى ﴿الَّذِينَ﴾ ؛ فيبقى المبتدأُ بلا خبرٍ، والمبتدأُ لا يخلو من خبر اسماً كان أو فعلاً ؛ وليس من ذلك ها هُنا شيءٌ ؟ قيل : قال أبو العباسِ السرَّاج :(فِي الآيَةِ ضَمِيْرٌ تَقْدِيْرُهُ : أزْوَاجُهُمْ يَتَرَّبَصْنَ) لأن الفعلَ يدلُّ على الفاعل. وقال الأخفشُ :(تَقْدِيْرُهُ : يَتَرَبَّصْنَ مِنْ بَعْدِهِمْ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ) حتى يكون الضميرُ عائداً إلى ﴿الَّذِينَ﴾. وذكرَ الزجَّاج : أنَّ النُّونَ فِي قَوْلِهِ ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ قَائِمٌ مَقَامَ الأَزْوَاجِ كِنَايَةٌ عَنْهَا لاَ مَحَالَةَ فَصَارَ كَالتَّصْرِيْحِ، وهذا كما يُقال : الذي يَموت ويخلف ابنتين ترثانِ الثلثين ؛ معناه يرثُ ابنتاهُ الثلثين.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَعَشْراً﴾ ظاهرُ لفظِ العشر يتناول الليالي ؛ ألا تَرى أنه يقالُ للأيام : عشرةُ أيامٍ ؛ وإنَّما غلبَ لفظ التأنيث في الآية فقيل :(عَشْرًا) ؛ لأنَّ العرب تُقَدِّمُ الليلَ على النهار ويعدُّون أولَ كلِّ شهر من الليلة ؛ ألا تراهم يُصَلُّونَ التراويحَ إذا رأوا الهلالَ ويَدَعُونَها إذا رأوا هلال شوَّال. ومن عادتِهم أنَّهم إذا ذكروا أحدَ العددَين على سبيل الجمعِ أرادوا مثلهُ العدد الآخر ؛ كما قال تعالى في قصَّة زكريَّا عليه السلام :﴿قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً﴾[آل عمران: ٤١] وقالَ في موضعٍ آخر :﴿ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً﴾[مريم: ١٠] والقصةُ واحدة، فعبَّر تارةً بالأيام عن الليالي، وتارةً بالليالي عن الأيام.
ويقال : الحكمةٌُ في تقديرِ عدَّة الوفاة بأربعةِ أشهر وعشرٍ ما روي عن عبدِالله بن مسعودٍ أنه قالَ :[يُجْمَعُ خَلْقُ أحَدِكُمْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِيْنَ يَوْماً نُطْفَةً، وَأرْبَعِيْنَ يَوْماً عَلَقَةً، ثُمَّ أرْبَعِيْنَ يَوْماً مُضْغَةً، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيْهِ الرُّوحُ فِي عَشْرَةِ أيَّامٍ، فَيُكْتَبُ أجَلُهُ وَرزْقُهُ وَأنَّهُ شَقِيٌّ أوْ سَعِيْدٌ]. فيجوزُ أنَّ الله قدَّر هذه في عدَّة الوفاة ؛ ليظهر أنَّها حاملٌ أو حائل.
واختلفوا في عدَّة الحاملِ ؛ فقال عمرُ وابن مسعودٍ وعبدالله بن عمرَ وأبو هريرةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ :(أنَّ الْحَامِلَ تَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْعِدَّةِ إذَا وَضَعَتْ. وإنْ كَانَ زَوْجُهَا عَلَى السَّرِيْرِ) حتى قال ابنُ مسُعود :(مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ، إنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى :
البقرة 2:235
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ ؛ الآيةُ، قال ابنُ عباس :(التَّعْرِيْضُ : هُوَ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلْمُعْتَدَّةِ : إنِّي أُريْدُ النِّكَاحَ وَأُحِبُّ الْمَرْأةَ مَنْ صِفَتُهَا كَذَا وَكَذَا ؛ فَيَصِفُهَا بالصِّفَةِ الَّتِي هِيَ عَلَيْهَا حَتَّى تَعْلَمَ رَغْبَتَهُ فِيْهَا). وقيل : هو أن يقولَ لَها : إنكِ لتعجبينني وأرجُو أن يجمعَ الله بيني وبينكِ، أو يقول : يا ليتَ لي مثلكِ وإن قضَى اللهُ أمراً كانَ.
ومعنى الآية :﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَآءِ﴾ اللواتي هُنَّ في عدَّة موتٍ أو طلاقٍ بائن أو ثلاثٍ، قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ معناهُ : أو أضمرتُم في قلوبكم العزمَ على النكاحِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـاكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ ؛ أي ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ في العدَّة لرغبَتكم فيهنَّ وخوفكم لسبقَ غيرِكم إليهنَّ، ﴿وَلَكِنْ لاَ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ أي لا يواعدُها الخاطِب في السرِّ ولا يواثقُها ؛ أي أن لا يتزوجَ غيرها. وقيل : لا يواعدُها في السرِّ تصريحاً. وقيلَ : المرادُ بالسرِّ الجمِاعُ ؛ لأنه لا يكون إلا في السرِّ، كأنه يقولُ : لا يُتعِبُ الخاطبُ نفسَه لها لرغبتها في نفسه.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ ؛ أي إلا أن يعرِّضوا بالخطبة كنايةً من غير إفصاح. قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ ؛ أي لا تعزموا على عقدِ النكاحِ، حذفَ (على) للتخفيف كما يقالُ : ضربتُ فلاناً ظهرَه وبطنَه ؛ أي على ظهرهِ وعلى بطنهِ. ومعنى :﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ أي حتى يبلُغَ فرضُ المطلقات أجلَهُ ؛ أي حتى تنقضي العدةُ ؛ فإن العدَّةَ فرضُ القرآن.
قَولُهُ تَعَالَى :﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ ؛ أي يعلمُ ما في قلوبكم من الوفاءِ وغير ذلك فاحذروا أن تخالفوه فيما أمركم ونَهاكم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ؛ أي ﴿غَفُورٌ﴾ لمخالفتكم إن تُبْتُمْ، ﴿حَلِيمٌ﴾ حين لم يعجِّل عليكم بالعقوبةَ.
والتَّعْرِيْضُ في اللغة : هو الإيْمَاءُ والتَّلْوِيْحُ والدَّلاَلَةُ على الشيءِ من غيرِ كشفٍ ولا تبيينٍ، نحوُ أنْ يقولَ الرجلُ لغيره : مَا أقبحَ البخلَ! يعرِّضه لذلكَ، والخِطْبةُ بكسر الخاء : هي الكلامُ الذي يستدعي به إلى النكاحِ. والخُطبةُ بالضم : هو الكلامُ المؤلَّفُ إما بموعظةٍ أو دُعاء إلى شيءٍ.
والكنايةُ : هي الدلالةُ على الشيءِ مع العدول عن الاسمِ عن الاسمِ الأخصِّ إلى لفظٍ آخر يدلُّ عليه، نحو أن يُكَنِّي عن زيدٍ فيقولُ لغيره : ما أبْخَلَ صديقكَ، وما أبخلَ الذي كُنا عنده. والإكنانُ : هو السَّتْرُ، يقال في كل شيء سَتَرْتَهُ أكْنَنْتُهُ ؛ وفيما يصونهُ كنيةً. قال الله تعالى :﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾[الصافات: ٤٩] أي مَصُونٌ.
البقرة 2:236
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ ؛ أي لا حرجَ عليكم إن طلقتمُ النساءَ ما لم تجامعوهن أو تُسَمُّوا لَهُنَّ مَهراً ؛ ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أي متِّعوا اللاَّتي طلقتموهن قبل المسيسِ. والفرضُ على الغنيِّ بمقدار غناه، وعلى الفقيرِ بمقدار طاقتهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ ؛ أي ما تعرفونَ أنه القصدُ وقدر الإمكانِ ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ أي واجباً على المؤمنين. وانتصبَ (مَتَاعاً) على المصدر من قولهِ تعالى :﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾. ونصبَ (حَقًّا) على الحالِ من قوله ﴿بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً﴾ تقديرهُ : عُرِفَ حَقّاً. ويجوزُ أن يكون : نصباً على معنى : حُقَّ ذلكَ عليهم حقّاً.
وفي الآيةِ دلالةُ جواز النكاحِ بغير تسميةِ المهر ؛ لأن اللهَ تعالى حَكَمَ بصحةِ الطلاق مع عدمِ التسميةِ، والطلاقُ لا يصحُّ إلا في نكاحٍ صحيح. ومعنى ﴿أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أي ما لم تَمَسُّوهُنَّ ولم تفرضوا لهنَّ فريضةً. وقد تكون (أو) بمعنى الواو كقوله :﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً﴾[الإنسان: ٢٤] وكذلك قولهُ :﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الْغَآئِطِ﴾[النساء: ٤٣] ؛ المعنى : وجاءَ أحدٌ منكم من الغائطِ.
وأعلى الْمُتْعَةِ : خادمٌ وثياب ووَرقٌ، وأدناها : خمارٌ ودِرعٌ ومِلْحَفَةٌ. ولا يجاوزُ بالمتعةِ نصفَ المثل بغيرِ رضا الزوج. وقد اختلفَ السلفُ في أن هذه المتعةَ هل يُجبر الزوج عليها أم لا ؟ قال شُريح :(إنَّ الْقَاضِي يَأْمُرُ الزَّوْجَ بهَا مِنْ غَيْرِ أنْ يُجْبرَهُ عَلَيْهَا). وكان شُريح يقول للزوج :(إنْ كُنْتَ مِنَ الْمُتَّقِيْنَ أوْ مِنَ الْمُحْسِنِيْنَ فَمَتِّعْهَا).
وأما عندنا فإنَّ القاضي يُجبر الزوجَ على المتعةِ للمرأة التي طلَّقها قبلَ المسيسِ والفرضِ ؛ لأنَّ الله تعالى قال :(حَقّاً) وليسَ في ألفاظ الإيجاب آكدُ مِن قولهم :(حَقّاً عليه). وفي قولهِ :﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ بيانُ أنَّها من شروطِ الإسلام ؛ وعلى كلِّ أحدٍ أن يكون مُحسناً كما قالَ تعالى :﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾[البقرة: ٢] وهو هدًى للناسِ كلهم. وقيل : إنَّما خصَّ المحسنين بالذكرِ تشريفاً لهم ؛ لأنه لا يجبُ على غيرهم، فوصفَ المؤمنين بالإحسانِ ؛ لأن الإحسانَ أكثرُ أخلاقِهم.
البقرة 2:237
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ﴾ ؛ معناهُ :(وَإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ) أن تجامعوهنَّ وقد سَمَّيتم لهن مهراً، فعليكم نصفُ ما سَميتم من المهرِ، إلا أن يتركنَ ما وجبَ لهن من الصِّداقِ، بأن تقولَ إحداهن : ما مَسَّنِي ولا قَرُبَنِي فَأَدَعُ له المهرَ.
قولهُ :﴿أَوْ يَعْفُوَاْ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ؛ ذهبَ أكثرُ المفسرين إلى أن الذي بيدهِ عقدةُ النكاح هو الزوجُ ؛ وعفوهُ أن يترُكَ لها جميعَ الصَّداق ولا يرجعُ عليها بشيءٍ منه إذا كان قد أعطاؤها مهرَها ؛ وإن لم يكن أعطاهَا فعفوهُ أن يتفضَّل عليها بأن يُتِمَّ لها جميعَ مهرها. وقد يكون الصَّداقُ عبداً بعينهِ أو عرضاً بعينه لا يُمكن تَمليكه بالإسقاطٍ والإبراء من واحدٍ من الجانبين، فيكونُ معنى العفوِ في ذلك الفضلُ ؛ وفي الآيةِ ما يدلُّ على ذلك وهو قولهُ :﴿وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾. وإنَّما ندبَ الزوجَ إلى تتميم الصداقِ ؛ لأنه إذا تزوَّجها ثم طلَّقها فقد فعل ما يُشِينها، فكان الأفضلُ أن يعطيها مهرَها.
وذهبَ بعضُهم إلى أن (الَّذِي بيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) هو ولِيُّ المرأةِ حتى قالَ مالك لأبي البكرٍ : أنْ يسقطَ نصفَ الصَّداق عن الزوجِ بعد الطلاق قبلَ الدخول. والصحيحُ : هو الأول ؛ لأن قولَه ﴿عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ يقتضي عقدةً موجودة، والزوجُ هو الذي يَملك استدامةَ النكاحِ وحَلِّهِ، وهو الذي يَملك العقدَ على نفسهِ من غير ولِيٍّ يحتاجُ إليه. وتكونُ عقدة النكاحِ على الحقيقةِ بيدِ الزوج. وأما ولِيُّ المرأةِ فلا يَملك العقدَ عليها إلا برضاها، ولا يَملك إسقاطَ سائر حقوقِها.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ؛ ندبَ اللهُ كلَّ فريقٍ من الزوجِ والمرأة إلى العفوِ، كأنه قال : أيُّهما عَفَا عن صاحبهِ فقد أخذَ بالفضلِ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أي أقربُ إلى أن يتَّقي أحدُهما ظلمَ صاحبهِ، فإنَّ من تركَ حقَّهُ كان أقربَ إلى أن لا يظلمَ غيره بطلب ما ليس له، ومن بَذَلَ النفلَ كان أقربَ إلى بذلِ الفرضِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ؛ أي لا تتركُوا الإحسانَ والإنسانيةَ فيما بينكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ؛ أي بما تعملون من الفضلِ والإحسانِ بصيرٌ عالِمٌ يجزيكم به. ونسيانُ الفضلِ هو الاستقصاءُ في استيفاء الحقِّ على الكمالِ حتى لا يتركَ شيئاً من حقِّه على صاحبهِ. فظاهرُ هذه الآية يقتضِي أن الزوجَ إذا كان سَمَّى لها مَهراً بعدَ عقد النكاحِ ثم طلَّقها ينتصفُ ؛ وإليه ذهب مالكٌ والشافعي ؛ وهو قولُ أبي يوسفَ الأول ثم رجعَ إلى قولِ أبي حنيفة ومحمد. فكأن المرادَ بهذه الآيةِ على قولهم : أنْ يكونَ الفرضُ في نفسِ العقد ؛ لأن التسميةَ بعد تَمام عقدِ النكاح تقديرٌ لمهر المثلِ أو بدلٌ عنه، فيسقطُ بالطلاقِ قبل الدخول ؛ فتجبُ المتعة.
البقرة 2:238
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاوةِ الْوُسْطَى﴾ ؛ أي وَاظِبُوا وداومُوا على الصلواتِ المفروضةِ في مواقيتِها وشروطِها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿والصَّلَاوةِ الْوُسْطَى﴾ اختلفُوا فيها ؛ فعن عليٍّ وابنِ عباس وأبي هريرةَ وعبدالله والحسنِ والنخعيِّ وقتادة وأبي أيوبَ والضحاكِ والكلبيِّ ومقاتل :(إنَّهَا صَلاَةُ الْعَصْرِ) يدلُّ عليه ما رَوى سمرة بن جندبٍ عن رسولِ الله ﷺ أنه قالَ :" الصَّلاَةُ الْوُسْطَى هِيَ الْعَصْرُ " وفي بعضِ الأخبار : هي التي فرَّط فيها سليمانُ.
وعن هشامِ بن عروةَ عن أبيهِ قال : كَانَ فِي مُصْحَفِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا :(حَافِظُوا علَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى صَلاَةُ الْعَصْرِ) ﴿وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ﴾ ؛ وهكذا كان يقرؤُها أُبَيّ بن كعبٍ. وعن أبي يونسَ رضي الله عنه مولَى عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ؛ قَالَ : أمَرَتْنِي عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أنْ أكْتُبَ لَهَا مُصْحَفاً، فَقَالَتْ : إذا بَلَغْتَ ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ فَآذنِّي، فَلَمَّا بَلَغْتُ أعْلَمْتُهَا فَأَمْلَتْ عَلَيَّ :(حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى صَلاَةُ الْعَصْرِ).
وروى نافعٌ عن حفصةَ زوجِ النبيِّ ﷺ أنَّهَا قَالَتْ لِكَاتِب مُصْحَفِهَا : إذَا بَلَغْتَ ( ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاوةِ الْوُسْطَى﴾ فَأَخْبرْنِي، حَتَّى أُخْبرَكَ بَما سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَلَمَّا بَلَغَ إلَى ذَلِكَ وَأخْبَرَهَا، فَقَالَتْ لَهُ : اكْتُبْ، فَإنَّي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ :" حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطََى صَلاَةِ الْعَصْرِ ".
وعن رسولِ الله ﷺ أنَّهُ قالَ يومَ الخندقِ :" شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاَةِ الْْوُسْطَى صَلاَةِ الْعَصْرِ، مَلأَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَبُطُونَهُمْ نَاراً " وقال عليٌّ رضي الله عنه : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاَةِ الْوُسْطَى صَلاَةِ الْعَصْرِ، مَلأَ اللهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَاراً " ثُمَّ صَلاَّهَا بَيْنَ الْعِشَائَيْنِ
" ورويَ أن رجلاً قال في مجلسِ عمر بن عبدالعزيز بنِ مروان : أرْسَلَنِي أبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا وَأنَا غُلاَمٌ صَغِيْرٌ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أسْأَلُهُ عَنِ الصَّلاَةِ الْوُسْطَى، فَأَخَذَ بإصْبَعِي الصَّغِيْرَةِ وَقَالَ :[هَذِهِ الْفَجْرُ] وَقَبَضَ الَّتِي تَلِيْهَا وَقَالَ :[هَذِهِ الظُّهْرُ]، ثُمَّ قَبَضَ الإبْهَامَ وَقَالَ :[هَذِهِ الْمَغْرِبُ] ثُمَّ قَبَضَ الَّتِي تَلِيْهَا وَقَالَ :[هَذِهِ الْعِشَاءُ] ثُمَّ قَالَ :[أيُّ أصَابعِكَ بَقِيَ؟] قُلْتُ : الْوُسْطَى، وَقَالَ :[وَأيُّ صَلاَةٍ بَقِيَتْ؟] قُلْتُ : الْعَصْرُ، قَالَ :[هِيَ الْعَصْرُ] ".
قالوا : وإَّما كانت العصرُ هي الوسطى ؛ لأنَّها بينَ صلاتَي ليل وصلاتَي نَهارٍ ؛ وإنَّما خصَّها بالذكر لأنَّها تقعُ في وقت اشتغالِ الناس بأمور البيت، فخصَّها بالذِّكر للحثِّ عليها. روى بُرَيْدَةَ قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" بَكِّرُواْ بالْعَصْرِ يَوْمَ الْغَيْمِ، فَإنَّهُ مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبطََ عَمَلُهُ " وروى نافعٌ عن ابنِ عمر : أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ :
البقرة 2:239
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ ؛ أي إذا خِفتم من العدوِّ ولم يُمكنكم أن تقوموا قانتينَ موفِّين حقَّ الصلاة ؛ فصلُّوا قياماً على أرجلِكم ؛ وحيثُما توجَّهتم بالإيْماء إذا يُمكنكم استقبالُ القبلةِ وإقامةُ الركوعِ والسجود. ﴿أَوْ رُكْبَاناً﴾ على دوابكم إذا لم يُمكنكم استقبالُ القبلة وإقامة الركوع والسجودِ ؛ ولم تستطيعوا النُّزول فصلوا رُكباناً حيثما توجَّهت بكم لا عُذرَ لكم في تركِ الصلاة حالةَ الخوف.
وانتصبَ (رجَالاً) على الحالِ. وكان الحسنُ يقول :(فَرِجَالاً) أي قائمين ماشِين.
وذهب أبو حنيفةَ وأصحابُه إلى أنَّهم لا يصلُّون وهم يقاتلونَ أو يَمشون ؛ لما رويَ عن النبيِّ ﷺ :" أنَّهُ فَاتَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ ثَلاَثُ صَلَوَاتٍ، فَقَضَاهُنَّ عَلَى التَّرْتِيْب " فلولا أنَّ الاشتغالَ بالقتال يفسدُها لَما ترك الإيْماء بها حالَ القيام.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ أي إذا أمِنْتُمْ من الخوفِ فصلُّوا لله تعالى كما أمركم قانتينَ مؤدِّين حقوقَ الصلاة وشرائطها. قوله :﴿كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ معناه : ما لم تكونوا تعلمونَهُ قبل التعليمِ.
البقرة 2:240
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ ؛ قال ابنُ عباس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْمَوَاريْثِ وَقَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْعِدَّةِ). وكانت المرأةُ في ابتداء الإسلام إذا احتضرَ زوجُها أوصى لها في مالهِ بنفقة سَنَةٍ من طعامها وشرابها وكسوتِها وسُكناها، وكان ذلك حظُّها من الميراثِ من مال زوجها، وإنْ كانت من أهل الْمَدَر سكنت بيتَ زوجها حتى تَبْنِي بيتاً، وإنْ كانت من أهل الوَبَرِ سكنت بيتَ زوجها حتى تغزلَ بيتاً فتتحوَّل إليه. فإن خرجت من بيتِ زوجها أو تزوجت فلا نفقة لها ولا سُكنى.
ثم نُسخت الوصية بآيةِ المواريث وبقوله ﷺ :" لاََ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ " ونسخَ حكمُ الْحَوْلِ باعتبار أربعة أشهر وعشراً عدَّة الوفاة بقولهِ :﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾[البقرة: ٢٣٤].
ومعنى الآية :﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ﴾ نساءً ؛ أي يتركون نساءً من بعدهم ؛ فعليهم ﴿وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ﴾. ويقال : كتبَ عليهم وصيةً ؛ وكانت هذه الوصيةُ واجبةً من الله تعالى لنسائِهم أوصَى الميت أو لم يُوصِ كما قال تعالى في آيةِ المواريث :﴿وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ﴾[النساء: ١٢].
قرأ الحسنُ وأبو عمرو وابن عامرٍ والأصمُّ والأعمشُ وحمزة وحفصٌ :(وَصِيَّةً) بالنصب على معنى : فَلْتُوصُوا وصيةً. وقرأ الباقونَ بالرفعِ على معنى : لأزواجِهنَّ وصيةٌ، أو كُتِبَ عليهم وصيةٌ.
وقوله :(مَتَاعًا) نُصب على المصدر ؛ أي متعوهُن متاعاً، وقيل : جعلَ اللهُ ذلك لهم متاعاً ؛ وقيل : نُصب على الحالٍ. وقوله :﴿إِلَى الْحَوْلِ﴾ أي متعوهن بالنفقةِ والسُّكنى والكِسْوَةِ وما يحتاج إليه حَوْلاً كاملاً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ أي لا تخرجوهن من بيوتِ أزواجهن.
وإنَّما انتصب (غَيْرَ) لأنه صفةٌ للمتاعِ، وقيل : على الحالِ، وقيل : بنَزع الخافضِ ؛ أي من غيرِ إخراج، وقيل : على معنى : لاَ إخراجاً، كما يقال : أتيتك غيرَ رغبةٍ إليك.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ﴾ ؛ أي فإن خَرَجْنَ من قِبَلِ أنفسهن قبل مُضِيِّ الحول غير إخراجِ الورثة ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ يا أولياءَ الميْتِ ﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ من النُّشوز والتزيُّنِ والتزوُّج بالمعروف إذا لم تكنِ المرأةُ حُبلى من الميْتِ. وقيل : معناهُ :﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ بعد انقضاء عدتِهن، ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾.
وفي معنى رفعِ الْجُنَاحِ عن الرجالِ بفعل النساء وجهان ؛ أحدُهما : لا جُناح عليكم في قطعِ النفقة إذا خرجنَ قبل تَمام الحول. والثانِي : لا جُناح عليكم في تركِ منعهِنَّ من الخروجِ ؛ لأن مقامَها حَولاً في بيت زوجها غيرُ واجبٍ عليها ؛ خيَّرها اللهُ تعالى في ذلك إلى أن نُسخت بأربعةِ أشهرٍ وعشر ؛ لأن ذلكَ لو كان واجباً عليها لكان واجباً على أولياءِ الزوج منعُها من ذلك.
البقرة 2:241
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ؛ قال سعيدُ بن جبير وأبو العاليةِ والزهريُّ :(الْمُرَادُ بالْمَتَاعِ فِي هَذِهِ الآيَةِ : الْمُتْعَةُ ؛ وَهِيَ وَاجِبَةٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ). وذهبَ أصحابُ أبي حنيفة إلى أنَّ المتعةَ تجب للمطلقاتِ كلُّهن من طريقِ الديانة بحكمِ هذه الآية ؛ ولكن لا يجبرُ الزوجُ على المتعةِ إلا لمطلقةٍ لم يُدخل بها ولم يفرضْ لها مهراً للآية المتقدمةِ. وقال بعضُهم : أراد بالمتاعِ في هذه الآية نفقةَ عدَّة الطلاقِ ؛ لأن اللهَ تعالى عطفَهُ على قولهِ :﴿مَّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ﴾[البقرة: ٢٤٠] والمرادُ هناك النفقةُ والسكنى.
البقرة 2:242
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ؛ أي مثلُ هذا البيان ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ دلائلَهُ في المستقبلِ كما بيَّن في الماضي من أمور دينكم ودُنياكم ؛ لكي تفهمُوا ما أُمرتُم به. ويقال : لكي تكملَ عقولُكم ؛ فإن العقلَ الغريزيَّ إنَّما يكمل بالعقلِ المكتسب، وحقيقةُ العاقل أن يعملَ ما افترضَ عليه، وحقيقةُ العمل استعمالُ الأشياءِ المستقيمة.
البقرة 2:243
قوله عَزَّ وَجَلّ :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ ؛ قال ابنُ عباس :(وَذَلِكَ أنَّ مَلِكاً مِنْ مُلُوكِ بَنِي إسْرَائِيْلَ أُمِرَ بالْخُرُوجِ إلَى قِتَال عَدُوِّهِمْ ؛ فَخَرَجُوا لِلْقِتَالِ ثُمَّ جَبنُواْ وَكَرِهُواْ الْقِتَالَ، فَقَالُواْ لِمَلِكِهِمْ : إنَّ الأَرْضَ الَّتِي تُرِيْدُهَا فِيْهَا الْوَبَاءُ فَلاَ تَأْتِهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ عَنْهَا الْوَبَاءُ، فَقَالَ لَهُمْ اللهُ : مُوتُواْ).
واختلفُوا في عددِهم ؛ فقال مقاتلُ والكلبي :(كَانُوا ثَمَانِيَةَ آلاَفٍ). وقال أبو رَوْقٍ :(عَشَرَةَ آلاَفٍ). وقال أبو مالكٍ :(ثَلاَثُونَ ألْفاً). وقال السديُّ :(بضْعَةٌ وَثَلاَثُونَ ألْفاً). وقال ابنُ جُريج :(أرْبَعُونَ ألْفاً) وقال عطاءُ بن أبي رَبَاح :(تِسْعُونَ ألْفاً). وقال الضحَّاكُ :(كَانُواْ عَدَداً كَثِيْراً). فَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُلُوفٌ﴾ دليلٌ على كَثرتِهم ؛ إذ لو كانوا كما قالَ مقاتل والكلبيُّ لقالَ : وهم آلافٌ ؛ لأن مِن عشرةِ آلاف إلى ما دونِها يقالُ فيها : آلافٌ، ولا يُقالُ فيها : أُلوفٌ ؛ لأن الألوفَ جمعُ الكثيرِ. والآلافُ جمعُ القليلِ.
فمكثوا موتَى ثمانيةَ أيامٍ حتى انتفخوا وبلغَ بني إسرائيل موتُ أصحابهم، فخرجوا إليهم ليدفنُوهم، فعجزوا عنهم مِن كثرتِهم، فحَظَرُوا عليهم الحظائِرَ، ثم أحياهُم اللهُ تعالى بعد ثَمانيةِ أيَّامٍ، فبقي فيهم من ريحِ النَّتَنِ التي كانت فيهم بعد الموتَ حتى بقيَ في أولادهم إلى اليومِ.
وقال السُّدِّيُّ :(وَقَعَ الطَّاعُونُ فِي بَنِي إسْرَائِيْلَ، فَخَرَجَ قَوْمٌ مِنْهُمْ هَاربيْنَ مِنْ دِيَارهِمْ حَتَّى انْتَهَواْ إلَى مَكَانٍ فَمَاتُواْ وَتَفَرَّقَتْ عِظامُهُمْ وَتَقَطَّعَتْ أوْصَالُهُمْ، فَأَتَى عَلَيْهِمْ مُدَّةٌ وَقَدْ بَلِِيَتْ أجْسَادُهُمْ، فَمَرَّ بهِمْ نَبيٌّ يُقَالُ لَهُ حِزْقِيْلُ ثَالِثُ خُلَفَاءِ بَنِي إسْرَائِيْلَ بَعْدَ مُوسَى عليه السلام ؛ لأنَّهُ كَانَ بَعْدَ مُوسَى يُوشُعُ بْنُ نُونٍ، ثُمَّ كَالِبُ بْنُ يوفنا، ثُمَّ حِزْقِيْلُ. وَكَانَ يُقَالُ لَهُ : ابْنُ الْعَجُوز، وَذَلِكَ أنَّ أُمَّهُ كَانَتْ عَجُوزاً فَسَأَلَتِ اللهَ تَعَالَى الْوَلَدَ وَقَدْ كَبُرَتْ وَعَقُمَتْ، فَوَهَبَهُ اللهُ تَعَالَى لَهَا ؛ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ ابْنَ الْعَجُوز).
وقال الحسنُ ومقاتل :(هُوَ ذُو الْكَفْلِ، وإنَّمَا سُمِّيَ حِزْقِيْلُ ذَا الْكَفْلِ ؛ لأنَّهُ تَكَفَّلَ بسَبْعِيْنَ نَبيّاً وَأنْجَاهُمْ مِنَ الْقَتْلِ، فَقَالَ لَهُمُ : اذْهَبُواْ فَإنِّي إنْ قُتِلْتُ كَانَ خَيْراً مِنْ أنْ تُقْتَلُواْ جَمِيْعاً، فَلَمَّا جَاءَ الْيَهُودُ وَسَأَلُواْ حِزْقِيْلَ عَنِ الأَنْبِيَاءِ السَّبْعِيْنَ، فَقَالَ لَهُمْ : ذَهَبُواْ وَلَمْ أدْر أيْنَ هُمْ. وَحَفِظَ اللهُ ذَا الْكَفْلِ مِنَ الْيَهُودِ. فَلَمَّا مَرَّ حِزْقِيْلُ عَلَى أُوْلَئِكَ الْمَوْتَى وَقَفَ عَلَيْهِمْ وَجَعَلْ يُفَكِّرُ فِيْهِمْ مُتَعَجِّباً، فَقَالَ : الْحَمْدُ للهِ الْقَادِر عَلَى أنْ يُحْيِي هَذِهِ الأَجْسَادَ، فَأَوْحَى اللهُ إلَيْهِ : يَا حِزْقِيْلُ، أتُرِيْدُ أنْ أُريَكَ كَيْفَ أُحْيي الْمَوْتَى ؟ قَالَ نَعَمْ، فَقَالَ : لَهُ : نَادِهِمْ، فَنَادَى : أيُّهَا الْعِظَامُ، ثُمَّ قَالَ : ألاَ أيُّتُهَا الأَجْسَادُ الْبَالِيَةُ، إنَّ اللهَ يَأْمُرُكُنَّ أنْ تَكْتَسِيْنَ لَحْماً، فَجَعَلَ اللَّحْمُ يَجْْرِي عَلَيْهِنَّ حَتَّى صِرْنَ أجْسَاداً مِنَ اللُّحُومِ، ثُمَّ قَالَ : ألاَّ أيَّتُهَا الأَجْسَادُ الْبَالِيَةُ الْخَاويَةُ، إنَّ اللهَ يَأْمُرُكُنَّ أنْ تَقُمْنَ بإذْنِ اللهِ، فَقَامُواْ.
البقرة 2:244
قوله عَزَّ وَجَلَ :﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ قال أكثرُ المفسرين : هذا خطابٌ لِهذه الأمة، معناه : قاتلوا في طاعةِ الله تعالى ولا تَهربوا من الموت كما هربَ هؤلاء الذين سمعتم خبرَهم، فلا ينفعكم الهربُ واعلموا أنَّ الله سميعٌ لِما يقولهُ المنافق بعلمهِ : الهربُ من القتال، عليمٌ بما يضرُّه. وقال بعضهُم : هذه الآيةُ خطاب للذين جَبنُوا، وهي متصلةٌ بقوله تعالى :﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ﴾[البقرة: ٢٤٣] وقال لهم :﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
البقرة 2:245
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ ؛ قال :(سبعين) :" لَمَّا أنْزَلَ اللهُ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ قالَ ﷺ :[رَب زدْ أُمَّتِي] فَنَزَلَ ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ فَقَالَ :[رَب زدْ أُمَّتِي] فَنَزَلَ ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ".
وفي الآية استدعاءٌ إلى الانفاق والبرِّ في سبيل الله بألطفِ الكلام وأبلغهِ، وسَمَّاهُ الله قرضاً تأكيداً لاستحقاقِ الجزاء ؛ لأنه لا يكون قرضاً إلا والعوضُ مستحَقٌّ فيه. ومعنى الآيةِ : مَن ذا الذي يتصدقُ بصدقة طيبةٍ من نفس طيبةٍ لا يَمُنُّ بها على السائلِ ولا يؤذيه، قال الحسنُ :(هُوَ النَّفَقَةُ فِي أبْوَاب الْبرِّ مِنَ النَّفْلِ). وقال ابنُ زيد :(هُوَ الإنْفَاقُ فِي الْجِهَادِ فِي سَبيْلِ اللهِ). وقال الواقديُّ :(قَرْضاً حَسَناً) يَكُونُ الْمَالُ مِنَ الْحَلاَلِ). وقال سهلُ بن عبدالله :(هُوَ أنْ لاَ يَعْتَقِدَ بقَرْضِهِ عِوَضاً).
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ قرأ عاصم وأبو حاتم (فَيُضَاعِفَهُ) بالنصب، وقرأ ابن عامرٍ ويعقوب بالتشديدِ والنصب بغير ألِف، وقرأ ابنُ كثير وشيبةُ بالتشديد والرفعِ، وقرأ الآخرونَ بالألف والتخفيفِ ورفعِ الفاء. فمَن رَفَعَهُ عطفه على (يُقْرِضُ)، ومن نصبَ جعله جوابَ الاستفهام بالفاءِ. والتشديدُ والتخفيف لُغتان، ودليلُ التشديدِ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ لأن التشديدَ للتكثيرِ.
قال الحسنُ والسديُّ :(هَذَا التَّضْعِيْفُ لاَ يَعْلَمُهُ إلاَّ اللهُ). قال أبو زيدٍ :(مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ أي يُعْطِيَهُ سَبْعَمِائَةِ أمْثَالِهِ). كما قال تعالى في آيةٍ أخرى :﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ﴾[البقرة: ٢٦١]. وعن أبي عثمان النهديِّ قال : أدْخَلَ أبُو هُرَيْرَةَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَقَالَ : صُمَّتَا إنْ لَمْ أكُنْ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ :" يُضَاعِفُ اللهُ لِلْمُؤْمِنِ حَسَنَةً إلَى ألْفَي ألْفِ حَسَنَةٍ ".
قولهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ ؛ أي يُقَتِّرُ ويوسِّعُ على من يشاءُ من خلقهِ، ومنهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾[التوبة: ٦٧] أي يُمسكوها عن النفقةِ في سبيل الله، وقولهُ :﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأَرْضِ﴾[الشورى: ٢٧]. وقيل : معناهُ : يقبضُ الصدقاتِ ويبسطُ، والله يسلبُ النعمة من قومٍ ويبسطُها على قومٍ. وقيل : معناهُ : يقبضُ الصدقاتِ ويبسطُ عليها الجزاءَ عاجلاً وآجِلاً. وقيلَ : القبضُ والبسطُ الإحياءُ والإماتةُ، فمن أمَاتهُ الله فقد قَبَضَهُ، ومن مدَّ له في عمرهِ فقد بسطَ له.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ؛ أي ترجعونَ في الآخرة فيجزيكم بما قدَّمتم، وقد جهلتِ اليهودُ معنى هذه الآية أو تجاهلت حتى قالت : إن اللهَ يستقرضُ منا فهو فقيرٌ ونحن أغنياءُ كما قال تعالى :﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾
البقرة 2:246
وقوله عزَّ وَجَل :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ؛ أي ألَمْ تعلم يا محمدُ بالملإ من بني إسرائيلَ. والملأُ من القوم : أشرافُهم ووجوهُهم يجتمعون للمشاورةِ. وجمعهُ الأَمْلاَءُ ؛ واشتقاقهُ مِن مَلأْتُ الشيءَ ؛ لا واحدَ له من لفظهِ كالإبلِ والخيلِ والجيشِ والقومِ والرهطِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِن بَعْدِ مُوسَى﴾ أي مِن بعدِ وفاة موسَى، وقولهُ :﴿إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا﴾ اختلفُوا فيه مَن هو ؟ قال قتادةُ :(هُوَ يُوشُعُ بْنُ نُونِ بْنِ افْرَاتِيْمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ). وقال السديُّ :(هُوَ شَمْعُونَ). وقد كان بعدَ يوشع، وإنما سُمي سَمعون لأن أُمَّهُ دعتِ الله عَزَّ وَجَلَّ أن يرزقَها غُلاماً فاستجابَ الله دعاءها، فولدت غلاماً فسمَّته سَمعون، وقالت : قد سَمِعَ اللهُ دعائي، فلأجلِ ذلكَ سَمته سمعون. والسينُ في لغة العبرانية شينٌ، فهو بالعبرانيةِ شَمعون وبالعربية سَمعون. وقال الكلبيُّ ومقاتل وسائرُ المفسرين :(هُوَ إشْمُوِيلُ بْنُ هَلْقَانَا، وَبالْعَرَبِيَّةِ يُقَالُ لَهُ : إسْمَاعِيْلُ بْنُ بَالِي وَهُوَ مِنْ نَسْلِ هَارُونَ عليه السلام).
وقال الكلبيُّ :(وَسَبَبُ مَسْأَلَتِهِمْ إيَّاهُ : أنَّهُ لَمَّا مَاتَ مُوسَى عليه السلام خَلَفَ بَعْدَهُ فِي بَنِي إسْرَائِيْلَ يُوشُعُ بْنُ نُونٍ يُقِيْمُ فِيْهِمُ التَّوْرَاةَ وَأمْرَ اللهِ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ، ثُمَّ خَلَفَ فِيْهِمْ حِزْقِيْلَ كَذَلِكَ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ، وَعَظُمَتْ فِي بَنِي إسْرَائِيْلَ الأَحْدَاثُ فَنَسُواْ عَهْدَ اللهِ تَعَالَى حَتَّى عَبَدُواْ الأَوْثَانَ، فَبَعَثَ اللهُ إلَيْهِمْ إلْيَاسَ عليه السلام نَبيّاً فَجَعَلَ يَدْعُوهُمْ إلَى اللهِ، ثُمَّ خَلَفَ بَعْدَ إلْيَاسَ عَلَيْهِمْ الْيَسَعَ وَكَانَ فِيْهِمْ مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ قَبَضَهُ اللهُ ؛ فَعَظُمَتْ فِيْهِمْ الأَحْدَاثُ وَكَثُرَتْ فِيْهِمْ الْخَطَايَا وَظَهَرَ لَهُمْ عَدُوٌّ يُقَالُ لَهُ : البلساياء وَهُمْ قَوْمُ جَالُوتَ، وَكَانُواْ يَسْكُنُونَ سَاحِلَ الرُّومِ بَيْنَ مِصْرَ وَفِلَسْطِيْنَ ؛ وَهُمْ الْعَمَالِقَةُ. فَظَهَرُواْ عَلَى بَنِي إسْرَائِيْلَ وَغَلَبُوهُمْ عَلَى كَثِيْرٍ مِنْ أرَاضِيْهِمْ وَسَبَواْ كَثِيْراً مِنْ ذرَاريْهِمْ، فَضَرَبُواْ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ وَلَقُواْ مِنْهُمْ بَلاَءً شَدِيْداً. وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَبِيٌّ يُدَبِرُ أمْرَهُمْ، فَكَانُواْ يَسْأَلُونَ اللهَ تَعَالَى أنْ يَبْعَثَ لَهُمْ نَبيّاً يُقَاتِلُونَ مَعَهُ. وَكَانَ سِبْطُ النُّبُوَّةِ قَدْ هَلَكُواْ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إلاَّ امْرَأَةً حُبْلَى، فَأَخَذُوهَا وَحَبَسُوهَا فِي بَيْتٍ خِشْيَةَ أنْ تَلِدَ أُنْثَى فَتُبْدِلُهَا بغُلاَمٍ، لِمَا تَرَى مِنْ رَغْبَةِ بَنِي إسْرَائِيْلَ فِي وَلَدِهَا، فَجَعَلَتِ الْمَرْأةُ تَدْعُو اللهَ أنْ يَرْزُقَهَا غُلاَماً، فَوَلَدَتْ غُلاَماً فَسَمَّتْهُ اشْمُوِيْلُ أيْ إسْمَاعِيْلُ. وَكَبُرَ الْغُلاَمُ فَتَعَلَّمَ التَّوْرَاةَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَكَفِلَهُ شَيْخٌ مِنْهُمْ. فَلَمَّا بَلَغَ أنْ يَبْعَثَهُ اللهُ نَبيّاً أتَى جِبْرِيْلُ وَالْغُلاَمُ نَائِمٌ إلَى جَنْب الشَّيْخِ، فَدَعَاهُ : يَا اشْمُويْلُ، إذْهَبْ إلَى قَوْمِكَ فَبَلِّغْهُمْ رِسَالَةَ رَبكَ، فَإنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَكَ فِيْهِمْ. فَلَمَّا أتَاهُمْ كَذَّبُوهُ وَقَالُواْ : إنْ كُنْتَ صَادِقاً فَابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلُ فِي سَبِيْلِ اللهِ).
وإنَّما سألوا الملكَ لأنَّهم علموا أنَّ كلمتَهم لا تتفقُ وأمورَهم لا تنتظمُ، ولا يحصلُ منهم الاجتماع على القتالِ إلا بمَلِكِ يحملُهم على ذلك ويجمع شَملَهم، فكان الملكُ هو الذي يجمع أمرهم والنبيُّ يشيرُ عليه ويرشدهُ ويأتيه من ربه بالخبرِ.
البقرة 2:247
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُواْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ﴾ ؛ وكان السببُ فيه على ما ذكره المفسرون : أن اشْمويل عليه السلام سألَ الله تعالى أن يبعثَ لَهم مَلِكاً، فأُتِي بعصَا وقرنٍ فيه دهنٌ، وقالوا له : إن صاحبَكم الذي يكون مَلِكاً طولهُ طول هذه العصا، وقيل له : انظر إلى هذا القرنِ الذي فيه الدهنُ، فإذا دخلَ عليك رجلٌ فَنَشَّ الدهنُ في القرنِ ؛ فهو مَلِكُ بني إسرائيل فادهِن به رأسهُ وملِّكْه على بني إسرائيل. فقاسوا أنفسَهم بالعصا ؛ فلم يكن أحدٌ منهم مثلها.
قال وهب :(وَكَانَ طَالُوتُ رَجُلاً دَيَّاناً). وقال عكرمةُ والسديُّ :(كَانَ يَسْقِي عَلَى حِمَارٍ لَهُ مِنَ النِّيْلِ، فَضَلَّ حِمَارُهُ ؛ فَخَرَجَ فِي طَلَبهِ). وقال بعضُهم : ضَلَّتْ حُمولات لأبيهِ، فأرسلَهُ أبوه مع غلامٍ له يطلُبانها، فمرَّا ببيت اشمويل، فقال الغلامُ لطالوتَ : لو دخلنا على هذا النبيِّ فسألناه عن الحمولاتِ ليُرشدنا ويدعو لنا بخيرٍ. فقالَ طالوتُ : نفعل ذلكَ، فدخلاَ عليه، فبينما هما عنده إذ نَشَّ الدهنُ الذي في القرنِ فقام أشمويلُ وقاسَ طالوتَ بالعصا فكان على طولهِ، فقال لطاللوت : قرِّب رأسكَ، فقرَّبه، فدهنه بذلك الدهن، ثم قال له : أنتَ ملكُ بني إسرائيل الذي أمرني الله أن أملِّككَ عليهم. فقال طالوتُ : أوَما عَلِمْتَ أن سِبطي أدنى أسباط بني إسرائيل ؟ قال : بَلَى، قال : فبأيِّ آيةٍ أكونُ أهلاً لذلك ؟ قال : بآيةِ أنكَ ترجعُ إلى أبيك، وقد وجدَ أبوكَ حُمولاته، فرجعَ فكان كذلك.
ثم قالَ أشمويل لبني إسرائيلَ :(إنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً فَقَالُوا أنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أحَقُّ بالْمُلْكِ مِنْهُ). وإنَّما قالوا ذلك لأنهُ كان في بني إسرائيل سِبطان ؛ سِبْطُ نبوَّةٍ وسِبْطُ مَمْلَكَةٍ. وكان سِبط النبوة لاوي بن يعقوب ومنه موسى وهَارون، وسِبط المملكة سبط يهودا بن يعقوبَ ومنه كان دَاود وسليمان، ولم يكن طالوتُ من هؤلاء ولا من هؤلاء، وإنَّما هو من سبط بنيامين بن يعقوب، فمن أينَ يكونُ له الملكُ علينا ونحن أحقُّ بالملك منه. ومع ذلك هو فقيرٌ لم يؤتَ سَعَةً من المالِ ينفقهُ علينا كما يفعلهُ الملوك.
﴿قَالَ﴾، أشمويل :﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ ؛ أي اختارَهُ عليكم للملكِ، ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ ؛ أي فضَّله عليكم بالعلمِ ؛ وذلك أنه كان أعلمَهم في وقته، فرفعهُ الله تعالى بعلمه. وقيل : كانَ عالماً بأمر الحرب، وكان طويلاً جسيماً وكان يفوقُ الناس بمنكبيه وعنقه ورأسهِ. وإنَّما سُمي طالوتَ لطولهِ وقوَّتهِ، فأعلمهم اللهُ تعالى أن العلمَ هو الذي يجبُ أن يقعَ به الاختيار، وأن الزيادةَ في الجسمِ مِمَّا يهيبُ به العدوّ.
البقرة 2:248
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ﴾ ؛ قال ابن عباس :(هذا جوابٌ عن قولِهم لنبيِّهم : واللهِ ما نصدقك أنَّ الله بعثهُ علينا، ولكنكَ أنت بعثته علينا مَلِكاً مضارَّة لنا حينَ سألناكَ مَلِكاً، وإلا فآتنا بآيةِ أن الله قد بعثهُ علينا. فقالَ لهم :﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ أي الدلالةُ على كون طالوتَ ملكاً، أن يأتيكم التابوتُ الذي أخذَه منكم عدوُّكم. وكان ذلك التابوتُ من عودٍ الشمار الذي يتخذُ منه الأمشاطُ المرصَّعة بالذهب عليه صفائحُ الذهب، وكانت السكينةُ في التابوت ؛ وهي شبهُ دابَّةٍ رأسُها كرأسِ الْهِرَّةِ ولها ذنبٌ كذنبها له رأسان، ووجهٌ كوجه الإنسان ولها جناحان من زبرجد وياقوت، وكان فيها روحٌ تكلمهم بالبيانِ فيما اختلفوا فيه، وكان لعينَيها شعاعٌ إذا نظرتْ إلى إنسانٍ ذُعِرَ).
قال ابنُ عباس :(كانت بنو إسرائيلَ إذا حضر القتال قدَّموا التابوتَ بين أيديهم إلى العدوِّ، فإذا أتَتِ السكينةُ في التابوت وسُمع من التابوت أنينُها أقربَ نحوَ العدو وهم يَمضون معه أينما مَضَى، فإذا استقرَّ ثبتُوا خلفه، وكانت السكينةُ إذا صرخت في التابوتِ بصراخ هِرَّة أيقنوا بالنصرِ وجاءهم الفتحُ، فلما عَصَتْ بنو إسرائيل الأنبياءَ صلوات الله عليهم، سلَّطَ الله عليهم عدوَّهم فقاتلهم وغلبَهم على التابوت، ومَضَوا به إلى قريةٍ من قُرى فلسطين، وجعلوه في بيتِ صَنَمٍ لهم، وجعلوا التابوت تحتَ الصنم، فأصبحوا من الغدِ والصنمُ تحته، وأصنامهم كلَّها أصبحت مكسَّرةً، فأخرجوا التابوتَ من بيتِ الصنم، ووضعوهُ في ناحيةٍ من مدينتهم، فأخذَ أهل تلك الناحيةِ وجعٌ في أعناقهم حتى هلكَ أكثرُهم، فقال بعضهم لبعض : أليسَ قد علمتُم أن إلهَ بنو إسرائيلَ لا يقومُ له شيء، فأخرجُوا التابوتَ إلى قريةٍ أخرى، فبعثَ اللهُ على أهل تلك القريةِ بلاءً حتى كان الرجلُ منهم يبيتُ سالِماً ويصبحُ ميتاً قد أُكِلَ ما في جوفه، فأخرجوهُ منها إلى الصحراء ودفنوهُ في مَخْرَاةٍ لهم، فكان كل من تغوَّط هنالك منهم أخذه الباسورُ والقولنج، فتحيَّروا! فقالت لهم امرأةٌ من بني إسرائيل كانت عندهم قد سَبَوها : اعلموا أنكم لا تزالون ترون ما تكرهون ما دامَ التابوتُ فيكم فأخرجوه عنكم، فأتوا بعَجَلٍ بإشارة تلك المرأةِ فحملوا عليها التابوتَ، ثم علَّقوها على ثورين ثم ضربُوا جنوبَها فأقبل الثوران يسيران، ووكَّلَ اللهُ أربعةً من الملائكةِ يسوقون الثورين، فلم يَمر التابوت بشيء من الأرض إلاَّ كان مُقدَّساً، فأقبلاَ حتى وقعَا على أرض بني إسرائيل فوضعُوا التابوت في أرضِ بني إسرائيل، فلما رَأى بنو إسرائيلَ التابوتَ كبَّروا وحمدوا اللهَ وأطاعوا طالوتَ وأقروا بُملْكِهِ، فذلكَ قولهُ :﴿تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ﴾ أي تَسُوقُهُ).
البقرة 2:249
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ ؛ الآية، أي فلما خرجَ طالوتُ من البلد ﴿بِالْجُنُودِ﴾ يعني خرج بهم من بيتِ المقدس وهُمْ سبعون ألفَ مقاتلٍ ؛ وقيل : ثَمانون ألفاً، ولم يختلَّف عنه إلا كبيرٌ لهرمهِ أو مريضٌ لسقمِه أو ضريرٌ لضررهِ أو معذورٌ لعذره. وذلك أنَّهم لَمَّا رأوا التابوت قالوا : قد أتانا التابوتُ وهو النصرُ لا شكَّ فيه، فسارعوا إلى الجهاد، فخرجَ معهُ خَلْقٌ كثير ؛ فقال : لا حاجةَ لي في كلِّ ما أرى، ولا أبتغي إلا كلَّ شابٍّ نشيطٍ فارعٍ، ولا يخرجُ معي صاحبُ تجارة ولا رجلُ عليه دَين، ولا رجلٌ تزوجَ امرأةً لم يَبْنِ بها ؛ لأنَّهم يكونون مشغولين. فاجتمعَ إليه ثَمانون ألفاً من شرطهِ. فخرجَ بهم في حرٍّ شديد، فأصابَهم العطشُ ؛ فسألوا الماءَ ؛ فقال لهم طالوتُ :﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ أي مُخْتَبرُكُمْ بنهرٍ جارٍ ؛ وهو نَهر الأردن وفلسطين ؛ ليرى طاعتَكم وهو أعلمُ ؛ ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ ؛ أي فليسَ من أهل دِيني وطاعتي، وليسَ معي على عدوِّي، ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ﴾ ؛ أي ومن لم يشربه، ﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ ؛ ومعي على عدوِّي، وقد يطلقُ لفظ الطعمِ على الشرب، قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾[المائدة: ٩٣].
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ﴾ ؛ قرأ ابنُ عباس وأبو الجوزاء وابنُ كثير وشيبة ونافعُ وأبو عمرٍو وأيوبُ :(غَرْفَةً) بفتح الغين، وقرأ الباقون بضمِّها ؛ وهي قراءةُ عثمان، وهما لُغتان. قال الكسائيُّ :(الغُرْفَةُ بالضَّمِّ : الَّذِي يُجْعَلُ فِي الْكَفِّ مِنَ الْمَاءِ إذا غُرِفَ. وَالْغَرْفَةُ بالْفَتْحِ الاغْتِرَافُ، فَالضَّمُّ اسْمٌ وَالْفَتْحُ مَصْدَرٌ). وقال أبو حاتم :(الغُرْفَةُ بالضِّمِّ : مِلْئُ الْكَفِّ وَمِلْئُ الْمَغْرَفَةِ، وَبالْفَتْحِ الْوَاحِدَةُ مِنَ الْقَلِيْلِ وَالْكَثِيْرِ). قال الكلبيُّ ومقاتل :(كَانَتِ الغُرْفَةُ لَيَشْرَبَ مِنْهَا الرَّجُلُ وَخَادِمُهُ وَدَابَّتُهُ).
قيل : ابتلاهُم اللهُ بذلك النهر ليميِّزَ الصادقَ من الكاذب، وكان أشمويل هو الذي أخبَر طالوتَ بذلك ؛ لأنَّ الله تعالى :﴿فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾[الجن: ٢٦-٢٧] فلا يجوزُ هذا القول إلا من نَبيٍّ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ﴾ ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ ؛ نصبَ ﴿قَلِيلاً﴾ على الاستثناءِ. قرأ ابنُ مسعود :(إلاَّ قَلِيْلٌ) بالرفعِ، كقول الشاعرِ : وَكُلُّ أخٍ مُفَارقُهُ أخُوهُ لَعَمْرُو أبيْكَ إلاَّ الْفَرْقَدَانِومعنى الآية : أنه لَمَّا عُرض لهم النهرُ وقد اشتد بهم العطشُ ؛ وقعوا فيه فشربوا كلُّهم أكثرَ من غُرفة إلا قليلاً منهم ؛ وهم ثلاثُمائة عشرَ رجلاً كعدَّة أهل بدرٍ، قالَ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ لأَصْحَابهِ :" أنْتُمْ عَلَى عَدَدِ أصْحَاب طَالُوتَ ".
قالوا : فمَنِ اغترفَ غُرفة قويَ وصحَّ إيْمانه وعبَر النهرَ سالماً لكفتْهُ تلك الغرفة الواحدة لشربهِ وخادمهِ ودوابه. وأما الذين أخذُوا أكثرَ من ذلك وخالفوا اسودَّت شفاهُهم واشتدَّت عَطْشَتُهُمْ فلم يَرْوَوْا وبقَوا على شطِّ النهر وجَبُنُوا عن لقاءِ العدوِّ ولم يشهدُوا الفتحَ.
البقرة 2:250
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً﴾ ؛ معنَاها : لَمَّا خرجُوا واصطفُّوا لِمحاربةِ جالوتَ وجنوده، قالوا : ربَّنا أصْببْ علينا الصَّبْرَ صَبّاً، ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ ؛ في أماكِنها في الحرب بتقويةِ قلوبنا، ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ؛ أي أعِنَّا على قومِ جالوتَ بإلقاء الرُّعب في قلوبهم، ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ؛ في هذا الحالِ ؛ لأنَّ ذكرَ الهزيْمةِ بعد سؤالِ النصر يدلُّ على إجابةِ الدعاء، كأنَّ الله تعالى قال : فاستجابَ اللهُ دعاءَهم فهزموهُم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ ؛ قال المفسرونَ : لَمَّا عبرَ طالوتُ ومن معه النهرَ، كان من جُملة من عبَر معهم أبو داودَ عليه السلام واسْمهُ إيشا في ثلاثةَ عشر ابناً له وكان داودُ أصغرَهم، ثم إنَّ جالوت أرسلَ إلى طالوت : أنْ أرسِلْ إلَيَّ مَن يقابلني، فإنْ قتلنِي فلكم مُلكي، وإن قتلتهُ في ملكُكم. فشُقَّ ذلك على طالوتَ ونادى في عسكرهِ : مَن قتلَ منك جالوتَ زوَّجتهُ ابنتي وأعطيتهُ نصفَ مملكتِي، فلم يُجِبْ أحدٌ منهم وَهَابَ الناسُ جالوتَ، فسألَ طالوتُ نبيَّهم أن يدعو اللهَ، فدعا اللهَ تعالى، فأتى بقرنٍ فيه دهنٌ فقيل لهُ : إن صاحبَكم الذي يقتلُ جالوت هو الذي يَضَعُ هذا القرنَ على رأسهِ فيغلِي الدهنُ، فدعا طالوتُ بني إسرائيل فجرَّبَهم، فلم يوافق ذلك منهم أحدٌ، فأوحى الله إلى نبيِّهم أنَّ في أولاد إيشا مَن يقتلُ جالوتَ، فدعا طالوتُ إيشا وقال لهُ : اعرضْ عليَّ أولادَكَ، فأخرجَ له اثنا عشر رجلاً أمثال الاسطواناتِ، وفيهم رجلٌ فارع عليهم، فجعل يعرِضُهم على القرنِ، فلم يَرَ شيئاً، فلم يزل يردِّدُ القرنَ على ذلك الجسيمِ حتى أُوحى إليه أنَّا لا نأخذُ الرجالَ على قدر صورهم، بل على إصلاحِ قلوبهم، فقُل لإيشا : هل لكَ ولدٌ غيرُهم ؟ فقالَ : لاَ، فقال : رَب إنه زعمَ أنه لا ولدَ له غيرهم، فقال : كَذَبَ. فقال له : إنَّ ربك كذَّبَك، فقال : صدقَ اللهُ، إن لي ابناً صغيراً يقال له داودُ اسْتَحَيْتُ أن يراهُ الناس لقِصَرِ قامته وحقارتهِ، فجعلتهُ في الغنم يرعى وهو في شِعْب كذا، وكان داودُ عليه السلام قَصِيراً مشقاً أزْرَقاً، فخرجَ طالوتُ في طلبه، فوجدَ الوادي قد سَالَ بينه وبين الزريبةِ التي كان يريحُ إليها الغنمَ، فوجده يحملُ شاتين يجوزُ بهما السيلَ ولا يخوضُ بهما الماءَ، فلما رآهُ قال : هذا هوَ لا شكَّ فيه، هذا يرحمُ البهائمَ فهو بالناس أرحمُ. فدعاه فوضعَ القرنَ على رأسه ؛ ففاضَ، قال : هل لكَ أن تقتلَ جالوت وأزوِّجُك بابنتي وأعطيكَ نصف مملكتي، قال : نَعَمْ، قال له : فهل جرَّبت نفسكَ في شيء، قال : معم ؛ وقعَ الذئبُ في غنمي فضربتهُ ثم أخذتُ برأسه وجسدهِ وقطَعت رأسه من جسدهِ، فقال له طالوتُ : إن الذئبَ ضعيفٌ، فهل جربتَ نفسكَ في غيره، قال : نعم ؛ دخلَ الأسدُ في غنمي ؛ فضربتهُ وأخذت بلحييه فشققتُهما.
البقرة 2:251
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً﴾ ؛ معنَاها : لَمَّا خرجُوا واصطفُّوا لِمحاربةِ جالوتَ وجنوده، قالوا : ربَّنا أصْببْ علينا الصَّبْرَ صَبّاً، ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ ؛ في أماكِنها في الحرب بتقويةِ قلوبنا، ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ؛ أي أعِنَّا على قومِ جالوتَ بإلقاء الرُّعب في قلوبهم، ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ؛ في هذا الحالِ ؛ لأنَّ ذكرَ الهزيْمةِ بعد سؤالِ النصر يدلُّ على إجابةِ الدعاء، كأنَّ الله تعالى قال : فاستجابَ اللهُ دعاءَهم فهزموهُم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ ؛ قال المفسرونَ : لَمَّا عبرَ طالوتُ ومن معه النهرَ، كان من جُملة من عبَر معهم أبو داودَ عليه السلام واسْمهُ إيشا في ثلاثةَ عشر ابناً له وكان داودُ أصغرَهم، ثم إنَّ جالوت أرسلَ إلى طالوت : أنْ أرسِلْ إلَيَّ مَن يقابلني، فإنْ قتلنِي فلكم مُلكي، وإن قتلتهُ في ملكُكم. فشُقَّ ذلك على طالوتَ ونادى في عسكرهِ : مَن قتلَ منك جالوتَ زوَّجتهُ ابنتي وأعطيتهُ نصفَ مملكتِي، فلم يُجِبْ أحدٌ منهم وَهَابَ الناسُ جالوتَ، فسألَ طالوتُ نبيَّهم أن يدعو اللهَ، فدعا اللهَ تعالى، فأتى بقرنٍ فيه دهنٌ فقيل لهُ : إن صاحبَكم الذي يقتلُ جالوت هو الذي يَضَعُ هذا القرنَ على رأسهِ فيغلِي الدهنُ، فدعا طالوتُ بني إسرائيل فجرَّبَهم، فلم يوافق ذلك منهم أحدٌ، فأوحى الله إلى نبيِّهم أنَّ في أولاد إيشا مَن يقتلُ جالوتَ، فدعا طالوتُ إيشا وقال لهُ : اعرضْ عليَّ أولادَكَ، فأخرجَ له اثنا عشر رجلاً أمثال الاسطواناتِ، وفيهم رجلٌ فارع عليهم، فجعل يعرِضُهم على القرنِ، فلم يَرَ شيئاً، فلم يزل يردِّدُ القرنَ على ذلك الجسيمِ حتى أُوحى إليه أنَّا لا نأخذُ الرجالَ على قدر صورهم، بل على إصلاحِ قلوبهم، فقُل لإيشا : هل لكَ ولدٌ غيرُهم ؟ فقالَ : لاَ، فقال : رَب إنه زعمَ أنه لا ولدَ له غيرهم، فقال : كَذَبَ. فقال له : إنَّ ربك كذَّبَك، فقال : صدقَ اللهُ، إن لي ابناً صغيراً يقال له داودُ اسْتَحَيْتُ أن يراهُ الناس لقِصَرِ قامته وحقارتهِ، فجعلتهُ في الغنم يرعى وهو في شِعْب كذا، وكان داودُ عليه السلام قَصِيراً مشقاً أزْرَقاً، فخرجَ طالوتُ في طلبه، فوجدَ الوادي قد سَالَ بينه وبين الزريبةِ التي كان يريحُ إليها الغنمَ، فوجده يحملُ شاتين يجوزُ بهما السيلَ ولا يخوضُ بهما الماءَ، فلما رآهُ قال : هذا هوَ لا شكَّ فيه، هذا يرحمُ البهائمَ فهو بالناس أرحمُ. فدعاه فوضعَ القرنَ على رأسه ؛ ففاضَ، قال : هل لكَ أن تقتلَ جالوت وأزوِّجُك بابنتي وأعطيكَ نصف مملكتي، قال : نَعَمْ، قال له : فهل جرَّبت نفسكَ في شيء، قال : معم ؛ وقعَ الذئبُ في غنمي فضربتهُ ثم أخذتُ برأسه وجسدهِ وقطَعت رأسه من جسدهِ، فقال له طالوتُ : إن الذئبَ ضعيفٌ، فهل جربتَ نفسكَ في غيره، قال : نعم ؛ دخلَ الأسدُ في غنمي ؛ فضربتهُ وأخذت بلحييه فشققتُهما.
البقرة 2:252
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ ؛ أي القرآنُ بما فيه من الأخبار الماضية آياتُ الله بتَنْزيل جبريلَ عليه السلام بها عليك لبيانِ الحقِّ من الباطل، ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ؛ لأنك أخبرتَ بهذه الآيات مع أنكَ لم تشاهِدْها ولم تخالِطْ أهلَها. وقيل في معنى هذه الآياتِ : إماتةُ اللهِ الألوفَ دفعةً واحدة وإحياؤهم دفعةً واحدة وإعطاؤهُ الملك طالوتَ وهو من أهل الحمولِ الذي لا ينقادُ له الناس، ونصرُ أصحاب طالوت مع قلَّة عددهم وضَعْفِهم على جالوتَ وأصحابهِ مع شوكتهم وكثرتِهم دلالهٌ على قدرتِه وعلى نبوَّة أنبيائه صلواتُ الله عليهم. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ لأنكَ قد أُعْطِيْتَ من الآياتِ مثلَ ما أُعطيَ الأنبياءُ صلواتُ اللهِ عليهم وزيادةً.
البقرة 2:253
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ ؛ معناهُ : إنَّ الذي نزَّلنا عليك خبرَهم في القرآنِ هم الرسلُ لم يكونوا في الفضْلِ متساوينَ، ولكن ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ في الدنيا والعُقبى. ثم فَسَّرَ فضيلةَ كلِّ واحد منهم فقال :﴿مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ وهو مُوسى عليه السلام كَلَّمَهُ اللهُ من غيرِ سفير، ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ﴾ فوقَ بعضٍ ﴿دَرَجَاتٍ﴾ ؛ أي اتَّخذ اللهُ إبراهيمَ خليلاً، وسخَّرَ لسليمانَ الريحَ والجنَّ والشياطين وعلَّمه منطقَ الطيرِ. وقال مجاهدُ :(وأرَادَ بهَذِهِ الآيَةِ فَضِيْلَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى جَمِيْعِ الأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى :﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾[الشرح: ٤]. وقيل : هو إدريسُ كما قال تعالى :﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾[مريم: ٥٧].
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ ؛ أي أعطيناهُ الدلالات على إثبات نبوَّّتهِ من إبراءِ الأَكْمَهِ وَالأَبْرَصِ وإحياءِ الموتى والإنْبَاءِ بما غابَ عنه، ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ أي قوَّيناهُ وأعنَّاهُ بجبريل الطاهرِ حين أرادوا قتلَهُ حتى رفعهُ الله إلى السماء. وقال الحسنُ :(الرُّوحُ جِبْرِيْلُ، وَالْقُدُسُ هُوَ اللهُ تَعَالَى ؛ فَيَصِيْرُ تَقْدِيْرُ الآيَةِ : وَقَوَّيْنَاهُ برُوحِ اللهِ تَعَالَى). وعنِ ابن عباسٍ أنه قال :(الْقُدُسُ اسْمُ اللهِ الأَعْظَمُ الَّذِي كَانَ بهِ عِيْسَى عليه السلام يُحْيِي الْمَوْتَى).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَـاكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ﴾ ؛ أي لو شاءَ اللهُ لَمْ يَقْتَتِلِ الذينَ مِن بعدِ الرسل مِن بعد ما وَضُحَتْ لَهم الحججُ والدلائل كما قالَ تعالى :﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾[الأنعام: ٣٥]. وقيل : معناهُ : ولو شاءَ اللهُ لأنزلَ آيةً تضطرُّهم إلى الإيْمان وتَمنعهم عن الكفر كما قال تعالى :﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾[الشعراء: ٤].
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَـاكِنِ اخْتَلَفُواْ﴾ أي شاءَ اختلافَهم فاختلفوا. ويقال : لم يُلْجِئْهُمْ إلىَ الإيْمان ؛ لأنَّ التكليفَ لا يُحسن مع الضرورةِ، والجزاءُ لا يُحسن إلا مع التَّلْجِئَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ﴾ أي بالكتب والرسلِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـاكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ؛ أي ولو شاء الله لم يقتتلوا مع اختلافهم بأن يأمرَ المؤمنينَ بالكَفِّ عن القتالِ، وبأن يَلْجِئَهُمْ جميعاً إلى تَرْكِ القتالِ، ﴿وَلَـاكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ مِن تقدير الاتِّفَاقِ والاختلافِ وغيرِ ذلك مِن مَّا تُوجِبُهُ الحكمةُ.
البقرة 2:254
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ﴾ ؛ حثٌّ على الانفاقِ في الجهاد في سبيل اللهِ. وقيل : هو الأمرُ بالزكاةِ المفروضة. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ يعني يومَ القيامةِ ﴿لاَّ بَيْعٌ فِيهِ﴾ أي ليس فيه فِدَاءٌ ﴿وَلاَ خُلَّةٌ﴾ أي ليسَ فيه خُلَّةٌ لغير المؤمنينَ. وأما المؤمنونَ فتكون لَهم خُلَّةٌ كما قالَ تعالى :﴿الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾[الزخرف: ٦٧]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ شَفَاعَةٌ﴾ أي لغيرِ المؤمنين، وأما المؤمنونَ فيشفعُ بعضهم لبعضٍ ويشفعُ لهمُ الأنبياءُ والرسلُ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ؛ أي هُم الذين ظلموا أنفسَهم حتى لا خُلَّةَ لهم ولا شفاعةَ. وكان عطاءُ يقول :(الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَقُلْ : وَالظَّالِمُونَ هُمُ الْكَافِرُونَ ؛ لأَنَّ كُلَّ كَافِرٍ ظَالِمٌ وَلَيْسَ كُلُّ ظَالِمٍ كَافِراً).
البقرة 2:255
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ؛ ذكر وحدانيةِ الله تعالى وصفتهِ ؛ لِيُعْلِمَ أنَّ مَن كان بهذه الصفةِ لا يخفى عليه كُفْرُ مَن كَفَرَ ومعصيةُ من عصَى ؛ فيجازي كُلَّ عابدٍ على مَا عَمِلَ. فأولُ هذه الآية نفيُ معبودِ الكفَّار وإثباتُ معبودِ المؤمنين ؛ وإثباتُ الشيءِ مع نفي غيرهِ أبلغُ في الإثبات، كأنه قالَ :(اللهُ لا إلَهَ إلا هُوَ) دون غيرهِ، وهو المعبودُ لا معبودَ للخلقِ سواهُ.
ومعنى ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ الدائمُ الذي لا يَموت موصوفٌ بالبقاءِ على الأبدِ، وبه حَيَِّى كلَّ حيٍّ. وأما القيومُ فهو القائمُ بتدبيرِ الخَلْقِ في شأنِهم وأرزاقِهم وأعمالهم وآجالِهم ومجازاتِهم على عملهم، وقيل : معنى القيومُ العالِمُ بالأمور من قولهم : فلانٌ يقومُ بهذا الكتاب ؛ أي يُحسنه ويعلمُ ما فيه. وقيل : معنى ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ الدائمُ الذي لا يزولُ.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ ؛ أي لا يأخذه نُعَاسٌ ولا نوم. والنُّعَاسُ : اسمٌ لأوَّلِ ما يدخلُ في الرأسِ من النومِ قبل وصولِه إلى القلب. والنومُ هو الذي يصلُ إلى القلب فيُستثقَلُ. ومعنى الآية : لاَ يغفلُ عن تدبيرِ الخلق، فإن قيل : ما معنى نفي النومِ بعد نفي النعاسِ ؟ قلنا : مثلُ هذا اللفظِ إنَّما يكونُ لنفي قليلِ النوم وكثيرهِ، ونظيرهُ قول العرب : فلانٌ لا يَملكُ قليلاً ولا كثيراً.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي هو مالك السموات والأرض وما فيهما، كلهم عبيده وإماؤه وتحت قبضته وقدرته.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ؛ هذا جواب عن قول المشركين في أصنامهم :﴿هَـاؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾[يونس: ١٨] و﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾[الزمر: ٣] ؛ أي لا يشفع أحدٌ لأحد عند اللهِ إلا بأمره ورضائه، كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض بالدعاء، وكما يشفع الأنبياء للمؤمنين.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ؛ أي ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمرِ الآخرةِ، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ مِن أمر الدنيا. قال مجاهدُ : على العكسِ من هذا. وقيل : يعلمُ الغيبَ الذي تَقَدَّمَهُمْ والذي يكونُ بعدَهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ ؛ أي لا يعلمونَ الغيبَ لا مِمَّا تقدَّمَهم ولا مِمَّا يكون بعدَهم إلا بما شاءَ اللهُ أن يعلموه، وهو ما أنْبَأَ به الأنبياءَ صلواتُ اللهِ عليهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ ؛ قال ابن عباس :(كُرْسِيُّهُ : عِلْمُهُ)، فَلاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ. وقيل : وَسِعَتْ قدرتهُ التي يُمسك بها السموات والأرضَ. وقال الحسنُ :(الْكُرْسِيُّ : هُوَ الْعَرْشُ)، ويقال : هو سريرٌ دونَ العرشِ، ويقال : هو مكانٌ خَلَقَ اللهُ فيه السمواتِ والأرضَ. وقال عطاءُ والكلبي ومقاتلُ :(السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُونَ السَّبْعُ تَحْتَ الْكُرْسِيِّ فِي الصِّغَرِ كَحَلَقَةٍ فِي فَلاَةٍ)
وقال الكلبيُّ :(يَحْمِلُ الْعَرْشَ أرْبَعَةُ أمْلاَكٍ، لِكُلِّ مَلَكٍ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ ؛ وَجْهُ إنْسَانٍ، وَوَجْهُ ثَوْرٍ، وَوَجْهُ أسَدٍ، وَوَجْهُ نَسْرٍ.
البقرة 2:256
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ؛ الآية، اختلفَ المفسرون في هذه الآية على ثلاثةِ أقوالٍ ؛ قال السديُّ والضحَّاك :(إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ الأَمْرِ بقِتَالِ الْمُشْرِكِيْنَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى :﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[فصلت: ٣٤]، وَكَانَ الْقِتَالُ غَيْرَ مُبَاحٍ فِي أوَّلِ الإسْلاَمِ إلَى أنْ قَامَتْ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةُ الصَّحِيْحَةُ بصِحَّةِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا عَانَدُواْ بَعْدَ الْبَيَانِ أمَرَ اللهُ الْمُسْلِمِيْنَ بقِتَالِهِمْ لِقَوْلِِهِ تَعَالَى :﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾[التوبة: ٥] وَغَيْرِ ذلِكَ مِنْ مِنْ آيَاتِ الْقِتَالِ).
وقال الحسنُ وقتادةُ :(إنَّ هَذِهِ الآيَةَ خَاصَّةٌ فِي أهْلِ الْكِتَاب أنْ لاَ يُكْرَهُواْ عَلَى الإسْلاَمِ بَعْدَ أنْ يُؤَدُّواْ الْجِزْيَةَ، وَأمَّا مُشْرِكُو الْعَرَب فَلاَ يُقَرُّونَ بالْجِزْيَةِ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلاَّ الإسْلاَمُ أو السَّيْفُ).
والقولُ الثالث : أن معناهُ : مَن دخلَ في الإسلام بمحاربةِ المسلمين ثم رضي بعد الحرب فليس بمُكْرَهٍ ؛ أي لا يقولوا لهم : إنَّما أسلمتم كَرْهاً ؛ فلا إسلامَ لكم.
ومعنى الآية :﴿لاَ إِكْرَاهَ﴾ في الإسلامِ ؛ أي لا تُكرهوا على الإسلامِ، ﴿قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللَّهِ﴾ ؛ أي قد وَضَحَ الطريقُ المستقيم من الطريقِ الذي ليس بمستقيم بما أعطاهُ الله أنبيائَه من المعجزاتِ، فلا تكرِهوا على ﴿الدِّينِ﴾. ودخولُ الألف واللام فِي (الدِّينِ) لتعريفِ المعهود.
قَوْلُُهُ تَعَالَى :﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا﴾ ؛ أي فمن يكفرُ بما أمرَ الله أن يكفرَ بهِ، ويصدِّقُ بالله وبما أمرَ به، فقد عقدَ لنفسهِ من الدين عقداً وثيقاً لا تحلُّه حجةٌ من الحجَجِ لا انقطاعَ لها بالشبهةِ والشكوكِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ؛ أي سميعٌ لِما يعقدهُ الإنسان في أمرِ الدين، عالِمٌ بنيَّته في ذلك.
والغَيُّ : نقيضُ الرُّشْدِ. والطاغوتُ : مأخوذ من الطُّغيان، والطاغوتُ اسمٌ للأصنامِ والشياطين وكلُّ ما يُعبد مِن دون اللهِ تعالى.
البقرة 2:257
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ؛ معناه : اللهُ ولِيُّ المؤمنين في نصرِهم وإظهارهم وهدايتِهم في إقامةِ الحجة في دينهم، ومتولِّي خزانتَهم على حُسن عملهم، يُخرجهم من ظُلُمَاتِ الكفرِ إلى نُور الهدى.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ؛ معناهُ : والذين جَحَدوا توحيدَ الله أولياؤُهم الذينَ يتولونَهم الطاغوتُ.
ومعنى :﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾، ولم يكن لهم نورٌ ؛ قيل : أرادَ به اليهودَ والنصارى الذين كانوا على دينِ عيسى عليه السلام ؛ خَرجوا من التوحيدِ الذي كانوا فيه إلى الكفرِ بمُحَمّدٍ صلى الله عليه وسلم.
البقرة 2:258
وقوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ ؛ أي ألَمْ تعلم يا محمدُ بالذي جادلَ إبراهيمَ في ربه ؛ أي هل رأيتَ كالذي ﴿حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ أي بأن أعطاهُ الله الملكَ وأُعجب بملكه وسلطانه وهو نَمْرُودُ بْنُ كَنْعَانَ أوَّل من تجبَّر في الأرضِ بادعاء الرُّبُوبيَّةِ فَخاصمَ إبراهيمَ في توحيدهِ. وقيل : إنَّّ الهاءَ في قوله ﴿آتَاهُ﴾ راجعةٌ إلى إبراهيمَ عليه السلام، و ﴿الْمُلْكَ﴾ هو النبوَّة ووجوبُ طاعتهِ على الناس.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ﴾ ؛ وذلك أن نَمْرُودُ قال لإبراهيم : مَنْ رَبُّكَ ؟ قال :﴿إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ﴾ عند انقضاءِ الأجل. فـ ﴿قَالَ﴾ ؛ نَمْرُودُ :﴿أنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ﴾ قالَ إبراهيمُ : ائتني ببيانِ ذلك ؟ فأتَى برجلين من سجنهِ وجبَ عليهما القتلُ ؛ فقتلَ أحدهما وتركَ الآخر. فقال : هذا قد أحييتهُ، وهذا قد أمَتُّهُ. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ ؛ أي تَحيَّّر وانقطعَ بما ظهرَ عليه من الحجَّة، ﴿وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ أي لا يرشِدُ المشركينَ إلى دينه وحجَّته.
فإن قيل : لِمَ لَمْ يَثْبُتْ إبراهيمُ على الحجَّة الأولى ؛ والانتقالُ من الحجة إلى حجَّةٍ أخرى في المناظرةِ غيرُ محمودٍ ؟ قيل : عنهُ أجوبةٌ :
أحدُها : أن إبراهيم كان داعياً ولم يكن مُناظراً، فمى كان يراهُ أقربَ إلى الهداية أخذَ به.
والثاني : أنه روي أنه قالَ لنمرود : إنكَ أمََتَّ الحيََّ ولم تُحْيي الميَّتَ، والانتقالُ بعد الإلزامِ محمودٌ.
والثالث : أن نَمرودَ كان عالماً أن ما ذكرهُ ليس بمعارضةٍ وكان مَن حوله من أصحابهِ يوقنون بكذبهِ في قوله :﴿أنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ﴾ لكن أرادَ التمويهَ على أغمَار قومه كما قال فرعونُ للسحرة حين آمنوا : أن هذا المكرَ مكرتُموه في المدينةِ، كذلك فعلَ نَمرودُ بقوله :﴿أنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ﴾. فتركَ إبراهيم إطالةَ الكلامِ، وعَدَلَ إلى حجَّةٍ مسكتةٍ لا يُمكنه التمويهُ فيها.
فإن قيل : فهلاَّ قال نَمرود لإبراهيمَ : إن مجيءَ الشمس هو العادةُ ؟ فقُلْ لربك حتى يأتي بها من المغرب! قيل : عَلِمَ لِمَا رأى من المعجزات التي ظهرت أنهُ لو سأله ذلك لأتى بهِ. فكان يزدادُ فضِيحة عند الناسِ. وقيل : خَذَلَهُ عن هذا القولِ، فلم يُوَفَّق للسؤالِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ البُهْتُ في اللغة : هي مُوَاجَهَةُ الرجلِ بالكذب عليه ؛ يقال : بَهَتَ يَبْهَتُ بُهتاناً، وبَاهَتَ يُبَاهِتُ مُبَاهَتَةً. وفي الحديثِ :" إنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهْتٌ " أي كَذَبَةٌ. والبهتُ الحيرة عند انقطاعِ الحجة أيضاً. وفيه لغاتٌ : بَهَتَ وبَهِتَ وبُهِتَ، وأجودها بُهِتَ بضمِّ الباء.
البقرة 2:259
قوله عَزَّ وَجلَّ :﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ؛ عَطْفَ هذه الآية على معنى الكلامِ الأول لا على اللفظِ، كأنه قالَ : أرأيتَ كالذي (حَاجَّ إبْرَاهِيمَ فِي رَبهِ) (أوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ).
قال ابْنُ عباس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي عُزَيْرِ بْنِ شَرِيْحَيَّا، وَكَانَ مَنْ عُلَمَاءِ بَنِي إسْرَائِيْلَ، سَبَاهُ بَخِتْنَصِّرَ مِنَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إلَى أرْضِ بَابلَ حِيْنَ سَلَّطَهُ اللهُ عَلَيْهِ فَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَخَرَجَ عُزَيْرُ فِي أرْضِ بَابلَ ذاتَ يَوْمٍ عَلَى حِمَارٍ، فَمَرَّ بدَيْرِ هِرَقْلَ عَلَى شََاطِئِ دِجْلَةَ، فَطَافَ بالْقَرْيَةِ فَلَمْ يَرَ بهَا سَاكِناً وَعَامَّةُ شَجَرِهَا حَامِلٌ، فَجَعَلَ يَتَعَجَّبُ مِنْ خَرَاب الْقَرْيَةِ وَمَوْتِ أهْلِِهَا وَكَثْرَةِ حَمْلِهَا وَهِيَ سَاقِطَةٌ عَلَى سُقُوفِهَا. وَذَلِكَ أنَّ السَّقْفَ يَقَعُ قَبْلَ الْحِيْطَانِ، ثُمَّ تَقَعُ الْحِيْطَانُ عَلَيْهِ، فَأَخَذَ شَيْئاً مِنَ التِّيْنِ وَالْعِنَب، وعَصَرَ الْعِنَبَ فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ جَعَلَ فَضْلَ التِّيْنِ فِي سَلَّةٍ وَفَضْلَ الْعِنَب فِي الأُخْرَى وَفَضْلَ الْعَصِيْرِ فِي الزِّقِّ، ثُمَّ نَظَرَ إلَى الْقَرْيَةِ فَـ ﴿قَالَ أَنَّى يُحْيِـي هَـاذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ؛ أيْ كَيْفَ يُحْيي اللهُ هَذِهِ الْقَرْيَةَ بَعْدَ خَرَابهَا وَمَوْتِ أهْلِهَا!؟
لَمْ يَكُنْ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ إنْكَاراً لِلْبَعْثِ، لَكِنْ أحَبَّ أنْ يَرَى كَيْفَ يُحْيي اللهُ الْمَوْتَى فَيَزْدَادُ بَصِيْرَةً فِي إيْمَانِهِ، فَنَامَ فِي ذلِكَ الدَّيْرِ ؛ ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ﴾ في منامهِ ؛ ﴿مِئَةَ عَامٍ﴾ ؛ وَأعْمَى عَنْهُ السِّبَاعَ وَالطَّيْرَ، ثُمَّ أحْيَاهُ فَنُودِيَ : يَا عُزَيْرُ :﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ ؟ وَكَانَ أُمِيْتَ فِي صَدْر النَّهَار، ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ ؛ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ فِي آخِرِ النَّهَار، فَظَنَّ أنَّ مِقْدَارَ لُبْثِهِ يَوْمٌ، ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾ ؟ فَـ ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً﴾، فَلَمَّا نَظَرَ إلَى الشَّمْسِ قَدْ بَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ، فَقَالَ :﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ؛ فَنُودِيَ؟. ﴿قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ﴾ ؛ مَيْتاً، ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ﴾، مِنَ التِّيْنِ وَالْعِنَب، ﴿وَشَرَابِكَ﴾، الْعَصِيْرِ، ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ ؛ أيْ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهَا بَعْدَ مِائَةِ عَامٍ وَلَمْ تُغَيِّرْهَا السُّنُونُ ؛ فَنَظَرَ فَإذَا بالْعِنَب وَالتِّيْنِ كَمَا شَاهَدَهُ وَبالْعَصِيْرِ طَرِيّاً.
ثُمَّ قِيْلَ لَهُ :﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ ؛ فَنَظَرَ فَإذا هُوَ عِظَامٌ بيْضٌ تلوحُ قَدْ تَفَرَّقَتْ أوْصَالُهُ، فَسَمِعَ صَوْتاً :(أيَّتُهَا الْعِظَامُ الْبَالِيَةُ إنِّي جَاعِلٌ فِيْكُنَّ رْوحاً فَاجْتَمِعْنَ) فَارْتَهَشَتِ الْعِظَامُ وَسَعَى بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، قَالَ : فَرَأَيْتُ الصُّلْبَ يَسْعَى كُلُّ فَقَرَةٍ مِنْهَا إلَى صَاحِبَتِهَا، ثُمَّ رَأيْتُ الْوِرْكَيْنِ يَسْعَيَانِ إلَى مَكَانِهِمَا ؛ وَالسَّاقَيْنِ إلَى مَكَانِهِمَا ؛ وَالْعِطْفَينِ إلَى مَكَانِهِمَا، ثٌمَّ رَأيْتُ كُلَّ الأَضْلاَعِ يَسْعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَى فَقَرَتِهِ، ثُمَّ رَأيْتُ الْكَعْبَيْنِ سَعَيَا إلَى مَكَانِهِمَا ؛ وَالذِّرَاعَيْنِ إلَى مَكَانِهِمَا، ثُمَّ رَأيْتُ الْعُنُقَ يَسْعَى كُلُّ فَقَرَةٍ مِنْهُ إلَى صَاحِبَتِهَا، ثُمَّ جَاءَ الرَّأْسُ إلَى مَكَانِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْعَصَبَ وَالْعُرُوقَ وَاللَّحْمَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ بُسِطَ عَلَيْهِ الْجِلْدُ، ثُمَّ دُريَ عَلَيْهِ الشَّعْرُ، ثُمَّ نُفِخَ فِيْهِ الرُّوحُ، فَإذَا هُوَ قَائِمٌ يَنْهَقُ. فَخَرَّ عُزَيْرٌ سَاجِداً للهِ تَعَالَى ؛ وَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ :﴿أعْلَمُ أنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
البقرة 2:260
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ؛ تقديرُ الآية : ألَمْ ترَ إذ قالَ إبراهيمُ ؛ ويقال : وَاذْكُرْ إذ قالَ إبراهيمُ. قال ابنُ عباس :((سَبَبُ هَذِهِ الْقِصَّةِ : أنَّ إبْرَاهِيْمَ عليه السلام مَرَّ بجِيْفَةٍ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، تَنْقَضُّ عَلَيْهَا طُيُورُ السَّمَاءِ فَتَأْخُذُ مِنْهَا بأَفْوَاهِهَا فَتأْكُلُهُ، وَيَسْقُطُ مِنْ أفْوَاهِهَا فِي الْبَحْرِ فَيَأْكُلُ مِنْهُ الْحِيْتَانُ، وَتَجِيْءُ السِّبَاعُ فَتَأْخُذُ مِنْهُ عُضْواً. فَوَقَفَ مُتَعَجِّباً!! وَقَالَ :﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾ أيْ أوَلَمْ تُصَدِّقْ بأَنِّي أُحيْي الْمَوْتَى ؟ ﴿قَالَ بَلَى﴾ عَرَفْتُ، وَلَكِنْ أحْبَبْتُ أنْ أعْلَمَ كَيْفَ تُحْيي هَذِهِ النَّفْسَ الَّتِي أرَى بَعْضَهَا فِي بُطُونِ السِّبَاعِ ؛ وبَعْضَهَا فِي بُطُونِ الْحِيْتَانِ ؛ وَبَعْضَهَا فِي حَوَاصِلِ الطَّيْرِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ). وَقيل : معنى ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي لِيَسْكُنَ قلبي أنكَ أعطيتني ما سألتُكَ. وقيل : إنك اتَّخَذْتَنِي خليلاً.
﴿قَالَ﴾ ؛ اللهُ تعالى :﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً﴾ ؛ وذلك أنَّ إبراهيم عليه السلام لما مرَّ بالجيفةِ وقد توزَّعَتها الطيورُ والسباع والحيتانُ، تعجَّبَ وقال : يا رب قد علمتُ بأنكَ تجمعُها من بطونِ السباع وحواصلِ الطير وبطونِ الحيتان، فأرنِي كيفَ تُحْييْهَا لأُعَاينَ ذلك فأزدادُ يقيناً ؟ قال اللهُ تعالى لهُ :﴿أوَلَمْ تُؤْمِنْ. قَالَ بَلَى﴾ يا رب آمنتُ وليس الخبرُ كالمعاينةِ والمشاهدة.
وقال ابنُ زيد :(مَرَّ إبْرََاهِيْمُ عليه السلام بحُوتٍ مَيْتٍ نِصْفُهُ فِي الْبَحْرِ وَنِصْفُهُ فِي الْبَرِّ، فَمَا كَانَ فِي الْبَحْرِ فَدَوَابُّ الْبَحْرِ تَأْكُلُهُ، وَمَا كَانَ فِي الْبَرِّ فَدَوَابُّ الْبَرِّ تَأْكُلُهُ، فَقَالَ إبْلِيْسُ لَعْنَةُ اللهِ عَلَيْهِ : يَا إبْرَاهِيْمُ، مَتَى يَجْمَعُ اللهُ هَذَا مِنْ بُطُونِ هَؤُلاَءِ؟! فَقَالَ :﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى * قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ بذَهَاب وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ وَيَصِيْرُ الشَّيْطَانُ خَاسِئاً صَاغِراً).
وروي أنَّ نَمرودَ قال لإبراهيم : أنتَ تزعمُ أن ربكَ يحيي الموتى وتدعونِي إلى عبادتهِ، فقُل له يُحيي الموتَى إنْ كَان قادراً، وإلاَّ أقتلُكَ. فقالَ إبراهيمُ :﴿رَب أرنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى * قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ بأني أُحييهم، فـ ﴿قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ بقوةِ حُجَّتي ونَجاتي من القتلِ، فإنَّ عدوَّ اللهِ توعدَّني بالقتلِ إن لَمْ تُحيي لهُ ميتاً.
وقال ابنُ عباس وابن جبيرٍ والسديُّ :(لَمَّا اتَّخَذَ اللهُ إبْرَاهِيْمَ خَلِيْلاً، سَأَلَ مَلَكُ الْمَوْتِ رَبَّهُ أنْ يَأْذَنَ لَهُ فَيُبَشِّرَ إبْرَاهِيْمَ بذَلِكَ فَأَذِنَ لَهُ، فَأَتَى إلَى إبْرَاهِيْمَ وَقَالَ : يَا إبْرَاهِيْمُ، جِئْتُ أُبَشِّرُكَ بَأَنَّ اللهَ اتَّخَذَكَ خَلِيْلاً، فَحَمَدَ اللهَ تَعَالَى ؛ وَقَالَ : مَا عَلاَمَةُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : أنْ يُجِيْبَ اللهُ دُعَاءَكَ وَيُحْيي الْمَوْتَى بسُؤَالِكَ. ثُمَّ انْطَلَقَ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَقَالَ إبْرَاهِيْمُ :﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى * قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أيْ لِيُعْلَمَ أنَّكَ تُجِيْبُنِي إذَا دَعَوْتُكَ.
البقرة 2:261
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ﴾ ؛ وجهُ اتصالِ هذه الآية بما قبلَها آيةٌ أخرى فيما تقدَّمَ ذكرُ النفقةِ في الجهادِ بقولهِ تعالى :﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾[البقرة: ٢٤٥]، ثم ذكرَ ما كان مِن مسألةِ قوم أشمويل مِن الله أن يبعثَ له مَلِكاً يقاتلون معه أعداءَهم، وكانت الغلبةُ لهم مع قلَّةِ عددهم، ثم عقَّبَهُ الله تعالى بذكرِ أمورٍ تدلُّ على واحدانيَّته، فبيَّنَ أنَّ الكُفْرَ بعد هذهِ الآيات أعْظَمُ وأشْنَعُ، فمن كَفَرَ بعد هذا فقاتِلُوه وأنفِقُوا في القتال، فإنَّ النفقةَ في القتالِ تكونُ بسبعمائةٍ.
وعنِ ابنِ عبَّاس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وَالَّتِي بَعْدَهَا فِي شَأْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّان وَعَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا. أمَّا عُثْمَانُ فَجَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَقَالَ : عَلَيَّ جِهَازُ مَنْ لاَ جِهَازَ لَهُ، وَأشْتَرِي بئْرَ رُومَةَ وَأجْعَلُهَا سَبيْلاً لِلْمُسْلِمِيْنَ. وَأمَّا عَبْدُالرَّحْمَنِ فَكَانَ لَهُ ثَمَانِيَةُ آلاَفٍ، فَجَاءَ بأَرْبَعَةِ آلاَفٍ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ : إنَّ لِي ثَمَانِيَةَ آلاَفٍ ؛ أمْسَكْتُ نِصْفَهَا لِنَفْسِي وَلِعِيَالِي ؛ وَأقْرَضْتُ نِصْفَهَا لِرَبي وَهِيَ هَذِهِ. فَقَالَ ﷺ :" بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيْمَا أمْسَكْتَ وَفِيْمَا أعْطَيْتَ " وَأمَرَ بهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقُبضَتْ مِنْهُ).
ومعنى الآية : صفةُ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي﴾ طاعةِ الله كصِفَةِ ﴿حَبَّةٍ﴾ أُلقيت في الأرضِ وأخْرَجَتْ ﴿سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ﴾ أي كما تكونُ الحبَّة واحدةُ والمكتسبُ منها سبعمائة، فكذلك النفقةُ تكون واحدةً والمكتسبُ بها سبعمائةِ ضِعْفٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ ؛ أي كما يُضَاعِفُ اللهُ في زرع الزُّرَّاعِ الحادثِ من البَذْر الجيِّد في الأرضِ العامرةِ، كذلك يُضَاعِفُ للمرءِ الصالحِ ثوابَ صدقتهِ بالمالِ الطيِّب إذا وضعَهُ في موضعهِ. يضاعفُ لمن يشاءُ من السَّبْعِ إلى السَّبعين إلى سبعمائة إلى مائةِ ألْفٍ إلى ما شاءَ الله من الأضعافِ مِمَّا لا يعلمهُ إلا هو.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ؛ أي غَنِيٌّ بتلك الأضعافِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بمَنْ يُنْفِقُ. وقيل : معناهُ :﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ الفضلِ، جَوَادٌ لا ينقصهُ ما يتفضَّل به من السَّعَةِ والمضاعفةِ ؛ ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يستحقُّ الزيادةَ.
والفائدةُ في تخصيصِ السبع في الآيةِ ما قالوا : إنَّ السَّبْعَ أشرفُ الأعدادِ كما روي عنِ ابن عبَّاس أنه قالَ :(كَادَتِ الأَشْيَاءُ تَكُونُ كُلُّهَا سَبْعاً ؛ فَإنَّ السَّمَواتِ سَبْعٌ ؛ وَالأَرْضُونَ سَبْعٌ ؛ وَالْكَوَاكِبَ السَّيَّارَةَ سَبْعٌ ؛ وَالْبحَارَ سَبْعَةٌ ؛ وَأَيَّامَ الأُسْبُوعِ سَبْعَةٌ ؛ وَسُجُودَ الْعَبْدِ عَلَى سَبْعَةِ أعْضَاءٍ).
وأجمعَ أهلُ التفسير إلا السديِّ : أنَّ العدَّة المضاعفةَ بسبعمائة مختصَّةٌ بالإنفاقِ في الجهاد ؛ وأما غيرُ ذلك من الطاعاتِ ؛ فالحسنَةُ بعشرِ أمثالها كما قالَ الله تعالى :﴿مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾[الأنعام: ١٦٠].
البقرة 2:262
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى﴾ ؛ نَزَلَتْ فِي شأنِ النفقةِ التي يُسْتَحَقُّ بها الثوابُ المضاعفُ ؛ معناهُ :﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي﴾ طاعةً اللهِ ﴿ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً﴾ على السائلِ نحو أن يقولَ للسائل إذا وقعَ بينه وبينه خصومةٌ : أعطيتُك كذا، وأحسنتُ إليك، وما أشبهه مما يبغضُ على السائلِ. وأصلهُ من القَطْعِ ؛ يقال : مَنَنْتُ الشيءَ إذا قَطَعْتُهُ ؛ ومنهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾[التين: ٦] أي غيرُ مقطوعٍ، ويقال : جَبَلٌ مَنِيْنٌ ؛ أي مقطوعٌ. وقيل : أصل الْمِنَّةِ النعمةُ، يقال : مِنَّ (يَمُنُّ) إذا أعْطَى وأنْعَمَ، قال اللهُ تعالى :﴿هَـاذَا عَطَآؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾[ص: ٣٩] أي أعْطِ أو أمسِك.
وقال الكلبيُّ :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي عُثْمَانَ وَعَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أمَّا عُثْمَانُ رضي الله عنه فَجَهَّزَ الْمُسْلِمِيْنَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بأَلْفِ بَعِيْرٍ بأَقْتَابهَا وَأحْمَالِهَا). " وروي أن عثمانَ جاء بألفِ مِثْقَالٍ في جيشِ العسرةِ فصبَّها في حِجْرِ رسولِ اللهِ ﷺ، فكانَ ﷺ يُدْخِلُ يَدَهُ فِيْهَا وَيُقَلِّبُهَا وَيَقُولُ :[مَا يَضُرُّ عُثْمَانَ مَاذَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ]. وقال أبو سعيدٍ الخدري : رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَافِعاً يَدَيْهِ يَدْعُو لِعُثْمَانَ وَيَقُولُ :[يَا رَب، عُثْمَانُ رَضِيْتُ عَنْهُ فَارْضَ عَنْهُ] فَمَا زَالَ يَدْعُو رَافِعاً يَدَيْهِ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ "، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ. وأما عبدالرحمن بن عوف فقد ذكرنا صدقته.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ أَذًى﴾ أي لا يؤذي السائلَ ؛ لا يُعَيِّرُهُ ولا يزجرهُ ؛ نحو أن يقول : أنتَ أبداً في فقرٍ وما أبلانا بكَ، وأراحَنَا اللهُ منكَ، وأعطيناكَ فما شكرتَ، وما أشبه ذلك. قَالَ ﷺ :" الْمَانُّ بمَا يُعْطِي لاَ يُكَلِّمُهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَِ يَنْظُرُ إلَيْهِ وَلاَ يُزَكِّيْهِ وَلَهُ عَذَابٌ ألِيْمٌ " فحظرَ اللهُ الْمَنَّ بالصَّنيعة على عبادهِ واختصَّ به صفةً لنفسه ؛ لأنه مِن العبدِ تَعيْيْرٌ وَتَكْدِيْرٌ ؛ ومِن اللهِ تعالى إفْضَالٌ وَتَذْكِيْرٌ. قال بعضُهم : أفْسَدْتَ بالْمَنِّ مَا قَدَّمْتَ مِنْ حَسَنٍ لَيْسَ الْكَرِيْمُ إذَا أعْطَى بمَنَّانِقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ؛ أيْ ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهُمْ﴾ فيما يستقبلُهم من أهوالِ يوم القيامةِ، ﴿وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما خلَّفوا في الدُّنيا.
البقرة 2:263
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى﴾ ؛ أي كلام حسنٌ وردٌّ جميلٌ على السائلِ ولطفٌ به ودعاءٌ له بالسعةِ ؛ وتجاوزٌ عن مَظْلَمَةٍ ؛ وعدة حسنةٌ ﴿خَيْرٌ﴾ عندَ الله ﴿مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى﴾ لأن الصدقةَ إذا أتبعَها الآذى ذهبَ المالُ والثواب جميعاً. وقال الضحَّاك :(مَعْنَى الآيَةِ : قَوْلٌ فِي إصْلاَحِ ذاتِ الْبَيْنِ).
قوله :﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ ؛ قال ابنُ جرير :(وَمَعْنَى ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أيْ سَتْرُ مِنْهُ عَلَيْهِ لِمَا عَلِمَ مِنْ خَلَّتِهِ وَفَاقَتِهِ). وقيل : يتجاوزُ عن السائلِ إذا استطالَ عليه عندَ ردِّه ؛ علمَ الله أنَّ الفقيرَ إذا رُدَّ بغيرِ شيء شُقَّ عليهِ ذلك، فربَّما دعاهُ ذلك إلى بذاءةِ اللسان وإظهار الشكوى، وعَلِمَ ما يلحقُ المانع منه فحثَّه على العَفْوِ والصَّفْحِ.
رُوي عن رسولِ اللهِ ﷺ أنهُ قالَ :" إذا سَأَلَ السَّائِلُ فَلاَ تَقْطَعُواْ عَلَيْهِ مَسْأَلَتَهُ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْهَا، ثُمَّ رُدُّوهَا عَلَيْهِ بوَقَارٍ وَلِيْنٍ وَببَذْلٍ يَسِيْرٍ أوْ رَدٍّ جَمِيْلٍ، فَإنَّهُ قَدْ يَأْتِيكُمْ مَنْ لَيْسَ بإنْسٍ وَلاَ جَانٌ يَنْظُرُ كَيْفَ صُنْعُكُمْ فِيْمَا خَوَّلَكُمُ اللهُ مِنَ النِّعَمِ ".
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ ؛ أي ﴿غَنِيٌّ﴾ عن صدقاتِ العباد، ﴿حَلِيمٌ﴾ إذا لم يعجِّل بالعقوبةِ على الذي " مَنَّ " بصدقتهِ. روى بشْرُ بنُ الحارثِ ؛ قال : رَأيْتُ عَلِيّاً رضي الله عنه فِي الْمَنَامِ، فَقُلْتُ لَهُ : يَا أمِيْرَ الْمُؤْمِنِيْنَ، تَقُولُ شَيْئاً لَعَلَّ اللهَ يَنْفَعُ بِهِ ؟ فَقَالَ لِي : مَا أحْسَنَ عَطْفَ الأَغْنِيَاءِ عَلَى الْفُقَرَاءِ رَغْبَةً فِي ثَوَاب اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأحْسَنَ مِنْهُ صَبْرُ الْفُقَرَاءِ عَنِ الأَغْنِيَاءِ ثِقَةً باللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
البقرة 2:264
قوله عَزَّ وجَلَّ :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ؛ أي تبطِلوا صدقاتِكم بذلك كإبطالِ مَن ينفقُ ماله مُرَاءَاةً وسُمعةً لِيَرَواْ نفقتهُ ويقال : إنه سخيٌّ كريم صالحٌ، يعني بذلك المنافقَ الذي ينفقُ ماله لا رغبةً في الثواب ولا رهبةً من العقاب، بل خوفاً من الناس ورياءً لهم أنه مؤمنٌ. ﴿فَمَثَلُهُ﴾ ؛ أي مَثل نفقةِ هذا المنافق الْمُرَائِي ؛ ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ ؛ أي كحَجَرٍ أملسٍ ؛ ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ ؛ أي مطرٌ كثير شديدُ الوقعِ فذهب بالتراب الذي كان " على " الحجرِ، وبقيَ الحجرُ يابساً لا شيءَ عليه.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَتَرَكَهُ صَلْداً﴾ ؛ أي حَجَراً صَلْباً أمْلساً لا يبقى عليه شيء، وهو مِن الأرضِ ما لا يُنْبتُ، ومن الرؤوسِ ما لا شعرَ عليه. قال رُؤْبَةُ :........................... بَرَّاقُ أصْلاَدِ الْجَبينِ الأَجْلَهِوهذا مثلٌ ضربه اللهُ لنفقةِ المنافق والمرائي والمؤمن الذي يَمُنُّ بصدقته ويؤذي ؛ يعني أنَّ الناس يرونَ أن لهؤلاء أعمالاً كما ترَى الترابَ على هذا الصَّفوان، وإذا كان يومُ القيامة اضمحلَّ وبَطَلَ ؛ لأنهُ لم يكن للهِ كما أذهبَ الوابلَ ما كان على الصَّفوانِ من التراب، ﴿فَتَرَكَهُ صَلْداً﴾ لا شيءَ عليه.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ﴾ ؛ أي لا يقدرُ الْمَانُّ بنفقتهِ والمؤذي والمنافقُ على ثواب شيء مما أنفقُوا، كما لا يقدرُ أحدٌ من الخلقِ على التراب الذي كان على الحجرِ الأملس بعدما أذهبَه المطرُ الشديد.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ؛ أي لا يهديهم حتى يُخلصوا أعمالَهم. وقيل : لا يهديهم بالمثوبة لهم كما يهدي المؤمنينَ.
وأصلُ الوَابلِ من الوَبِيْلِ وهو الشديدُ كما قالَ تعالى :﴿أَخْذاً وَبِيلاً﴾[المزمل: ١٦]. ويقال : وَبَلَتِ السَّمَاءُ تَبلُ ؛ إذا اشتدَّ مطرُها. والصَّلْدُ : الحجرُ الأملسُ الصلبُ، ويسمى البخيل صَلْداً تشبيهاً له بالحجرِ في أنه لا يخرجُ منه شيء. ويقال للأرضِ التي لا تُنْبتُ شيئاً : صُلْداً، وصَلَدَ الزَّنْدُ صُلُوداً إذ لَمْ يُور نَاراً.
وفي الآية دلالةٌ على أنَّ الصدقةَ وسائرَ القُرَب إذا لم تكن خالصةً لله تعالى لا يتعلَّقُ بها الثوابُ، ويكونُ فاعلها كمن لا يفعلُ ؛ ولهذا قالَ أصحابُنا : لا يجوزُ الاسئتجارُ على الحجِّ وسائر الأفعالِ التي من شرطِها أن تُفعل على وجهِ القربةِ ؛ لأن أخذَ الأجرَةِ عليها يُخرجها من أنْ تكون قربةً.
ثم ضربَ جَلَّ ذِكْرُهُ لنفقةِ المخلصين المثيبين مثلاً آخرَ أعلى من المثلِ الأول فقالَ :﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ ؛ أي صِفَةُ الذين ينفقون أموالهم لطلب رضا الله تصديقاً وحقيقةً. قال الشعبيُّ والكلبي والضحَّاك :{ يَعْنِي تَصْدِيْقاً مِنْ أنْفُسِهِمْ، يُخْرِجُونَ الزَّكَاةَ طَيِّبَةً بهَا نُفُوسُهُمْ).
البقرة 2:265
قوله عَزَّ وجَلَّ :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ؛ أي تبطِلوا صدقاتِكم بذلك كإبطالِ مَن ينفقُ ماله مُرَاءَاةً وسُمعةً لِيَرَواْ نفقتهُ ويقال : إنه سخيٌّ كريم صالحٌ، يعني بذلك المنافقَ الذي ينفقُ ماله لا رغبةً في الثواب ولا رهبةً من العقاب، بل خوفاً من الناس ورياءً لهم أنه مؤمنٌ. ﴿فَمَثَلُهُ﴾ ؛ أي مَثل نفقةِ هذا المنافق الْمُرَائِي ؛ ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ ؛ أي كحَجَرٍ أملسٍ ؛ ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ ؛ أي مطرٌ كثير شديدُ الوقعِ فذهب بالتراب الذي كان " على " الحجرِ، وبقيَ الحجرُ يابساً لا شيءَ عليه.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَتَرَكَهُ صَلْداً﴾ ؛ أي حَجَراً صَلْباً أمْلساً لا يبقى عليه شيء، وهو مِن الأرضِ ما لا يُنْبتُ، ومن الرؤوسِ ما لا شعرَ عليه. قال رُؤْبَةُ :........................... بَرَّاقُ أصْلاَدِ الْجَبينِ الأَجْلَهِوهذا مثلٌ ضربه اللهُ لنفقةِ المنافق والمرائي والمؤمن الذي يَمُنُّ بصدقته ويؤذي ؛ يعني أنَّ الناس يرونَ أن لهؤلاء أعمالاً كما ترَى الترابَ على هذا الصَّفوان، وإذا كان يومُ القيامة اضمحلَّ وبَطَلَ ؛ لأنهُ لم يكن للهِ كما أذهبَ الوابلَ ما كان على الصَّفوانِ من التراب، ﴿فَتَرَكَهُ صَلْداً﴾ لا شيءَ عليه.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ﴾ ؛ أي لا يقدرُ الْمَانُّ بنفقتهِ والمؤذي والمنافقُ على ثواب شيء مما أنفقُوا، كما لا يقدرُ أحدٌ من الخلقِ على التراب الذي كان على الحجرِ الأملس بعدما أذهبَه المطرُ الشديد.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ؛ أي لا يهديهم حتى يُخلصوا أعمالَهم. وقيل : لا يهديهم بالمثوبة لهم كما يهدي المؤمنينَ.
وأصلُ الوَابلِ من الوَبِيْلِ وهو الشديدُ كما قالَ تعالى :﴿أَخْذاً وَبِيلاً﴾[المزمل: ١٦]. ويقال : وَبَلَتِ السَّمَاءُ تَبلُ ؛ إذا اشتدَّ مطرُها. والصَّلْدُ : الحجرُ الأملسُ الصلبُ، ويسمى البخيل صَلْداً تشبيهاً له بالحجرِ في أنه لا يخرجُ منه شيء. ويقال للأرضِ التي لا تُنْبتُ شيئاً : صُلْداً، وصَلَدَ الزَّنْدُ صُلُوداً إذ لَمْ يُور نَاراً.
وفي الآية دلالةٌ على أنَّ الصدقةَ وسائرَ القُرَب إذا لم تكن خالصةً لله تعالى لا يتعلَّقُ بها الثوابُ، ويكونُ فاعلها كمن لا يفعلُ ؛ ولهذا قالَ أصحابُنا : لا يجوزُ الاسئتجارُ على الحجِّ وسائر الأفعالِ التي من شرطِها أن تُفعل على وجهِ القربةِ ؛ لأن أخذَ الأجرَةِ عليها يُخرجها من أنْ تكون قربةً.
ثم ضربَ جَلَّ ذِكْرُهُ لنفقةِ المخلصين المثيبين مثلاً آخرَ أعلى من المثلِ الأول فقالَ :﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ ؛ أي صِفَةُ الذين ينفقون أموالهم لطلب رضا الله تصديقاً وحقيقةً. قال الشعبيُّ والكلبي والضحَّاك :{ يَعْنِي تَصْدِيْقاً مِنْ أنْفُسِهِمْ، يُخْرِجُونَ الزَّكَاةَ طَيِّبَةً بهَا نُفُوسُهُمْ).
البقرة 2:266
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ﴾ ؛ الآية ؛ هذا استفهامٌ في الظاهرِ يقتضي في الحقيقةِ تقديراً : أي لا يَوَدُّ أحدُكم كقولهِ تعالى :﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾[الحجرات: ١٢]. ومعنى الآية : يتمنَّى أحدُكم أن يكونَ له بستانٌ من نخيل وكَرْمٍ ؛ تجري من تحتِ شجرِها ومساكنِها وغرفِها الأنْهارُ، له في الجنةِ من ألوانِ الثمار كلِّها، وأصابَه الْهَرَمُ والضعفُ وله أولادٌ ضعاف عَجَزَةٌ عن الحيلة، ﴿فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ﴾، يعني تلكَ الجنةَ. والإعصارُ : ريْحٌ عاصفُ تَهُبُّ به مِن الأرضِ بالشدة كالعمودِ إلى نحو السماءِ، وتسميها العربُ الزَّوْبَعَةَ، وسُميت إعصاراً لأنَّها تعلُو كثوبٍ عُصِرَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ ؛ أي الجنةَ. وهذا مثلٌ ضربه الله لنفقةِ المنافقِ والمرائي، تقولُ عَمَلُ هذا المرائي في حُسنه كحُسن الجنةِ ينتفعُ بها كما ينتفعُ صاحب الجنةِ، فإذا كَبُرَ وضَعُفَ فصار له أولادٌ صغار ضِعَافٌ، أصاب جنتَهُ إعصارٌ فيه نارٌ، فاحترقت عندما هو أحوجُ إليها وضَعُفَ عن إصلاحِها لِكِبَرِهِ وضَعُفَ أولادهُ عن أصلاحِها لِصِغَرِهِمْ ؛ وعجزهِ وعجزهِم من أن يَغْرِسُوا مثلها، لا يُرَدُّ عليه شبابهُ وقوته ليغرسَ، فيحزنَ ويغتَمَّ ويهلك أسفاً وتحسُّراً على ذلك، فلا هو يجدُُ شيئاً يعيشه ولا معَ أولاده شيءٌ يعودون به عليه، فبقي هو وأولادهُ فُقْراءَ عجزةً متحيرينَ لا يقدرون على حيلةٍ، فكذلك يُبْطِلُ اللهُ صدقةَ هذا المرائي والمنافقُ والْمَانُّ بصدقتهِ ؛ حيثُ لا يسمع مستغيثَ لهما ولا توبةَ ولا إقالة، يُحْرَمُ أجرَها عند أفقرِ ما يكونُ إليها، ويرى في القيامةِ أعمالَه هباءً منثوراً، ولا يؤذنُ له في الرجوعِ إلى الدنيا ليتصدَّق وليكون من الصالحين.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ أي كهذا البيانِ الذي بَيَّنَ اللهُ لكم فيما تقدَّم ؛ ويبيِّن لكم الدلالات والعلامات لكي تتفكَّروا فتعتَبروا.
فإنْ قيلَ : قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ فعلُ مستقبلٍ، وقوله :﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ فعلُ ماضٍ، فكيفَ عطفَ الماضي على المستقبلِ ؟ والجوابُ من وجهين :
أحدُهما : أن (قد) ها هنا مقدَّرة ؛ المعنى وقد أصابهُ الكِبَرُ، فيكون للحالِ كما قالَ في آيةٍ أخرى :﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ﴾[يوسف: ٢٧] أي قَدْ قُدَّ.
والثَّاني : أنَّ (يودُّ) يقتضي أن يكون في خبرهِ (لو) كما في قولِهِ :﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾[البقرة: ٩٦] وقولهِ :﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ﴾[النساء: ٨٩] ويقتضي أن يكون في أخْبُرِهِ (إنْ) كما في هذه الآية و(لو) للماضي، و(أنّ) للمستقبل. ثم قد تستعمل (لو) مكانَ (إن) ؛ و(إنْ) مكان (لو) يقامُ أحدهما مقام الآخر، ويقولُ الإنسان : أنا أتَمنَّى لو كان لي ولدٌ، ويقول : أتَمنَّى إن كان لي ولدٌ. وإذا كان معنى التمنِّي قد يقعُ على الماضي صحَّ عطفُ الماضي عليهِ.
البقرة 2:267
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ ؛ أي أنفقوا من خِيار ما كسبتم، وخيارهُ نظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾[آل عمران: ٩٢]. وقال ابن مسعودٍ ومجاهد :(مِنْ حَلاَلٍ مَا كَسَبْتُمْ مِنَ الأَمْوَالِ) دليلهُ :﴿ياأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾[المؤمنون: ٥١] وقال عَلَيْهِ السَّلاَمُ :" إنَّ اللهَ طَيِّبٌ لاَ يُحِبُّ إلاَّ الطَّيِّبَ، لاَ يَكْسَبُ عَبْدٌ مَالاً مِنْ حَرَامٍ فَيَتَصَدَّقُ بهِ فَيُقْبَلُ مِنْهُ ؛ وَلاَ يُنْفِقُ فَيُبَارِكُ لَهُ فِيْهِ، وَلاَ يَتْرُكُهُ خَلْفَهُ إلاَّ كَانَ زَادَهُ إلَى النَّار، وَإنَّ اللهَ لاَ يَمْحُو السَّيِّءَ بالسَّيِّءِ، وَلَكِنْ يَمْحُو السَّيِّءَ بالْحَسَنِ، وَإنَّ الْخَبيْثَ لاَ يَمْحُو الْخَبيْثَ ".
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ أي من أعشار الحبوب والثمار.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾ ؛ أي لا تعمَدُوا إلى الرَّدِيء من أموالِكم منه تتصدقون، ولستم بقابضِيه وقابليهِ (إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ)، يقول : لو كانَ لبعضِكم على بعضٍ حقٌّ فجاءَ بدون حقِّه، لم يأخذ منهُ إلا أن يَتَغَامَضَ له عن بعضِ حقِّهِ ويتسامَحَ عن عيبٍ فيه، فكيفَ تُعطونه في الصدقةِ.
وقد رُوي في سبب نزول هذه الآية " أنَّ النبيَّ ﷺ حَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ وَقَالَ :[إنَّ للهِ فِي أمْوَالِكُمْ حَقّاً]. فَكَانَ يَأْتِي أهْلُ الصَّدَقَةِ بصَدَقَاتِهِمْ فَيَضَعُونَها فِي الْمَسْجِدِ، فَيُقَسِّمُهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُمْ، فَجَاءَ رَجُلٌ ذاتَ يَوْمٍ بَعْدَمَا تَفَرَّقَ عَامَّةُ أهْلِ الْمَسْجِدِ بعَذْقٍ مِنْ حَشَفٍ فَوَضَعَهُ فِي الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا أبْصَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ :[بئْسَ مَا صَنَعَ صَاحِبُ الْحَشَفِ] فأَمَرَ بهِ فَعُلِّقَ، فَجَعَلَ كُلُّ مَنْ يَرَاهُ يَقُولُ : بئْسَ مَا صَنَعَ صَاحِبُ الْحَشَفِ "، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةِ.
وقال بعضُهم : معنى :﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ﴾ أي لا تتصدَّقوا بالحرامِ. فيكون معنى (إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) على هذا التأويلِ : إلاَّ أن تَتَرَخَّصُواْ في تناولهِ إنْ كان حَرَاماً. والإغماضُ : تركُ النظرِ، يقال في الْمَثَلِ : أغْمِضْ فِي هَذَا وَغَمَّضْ ؛ أي لا تَسْتَقْصِ وكُنْ كأنَّكَ لَمْ تُبْصِرْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ؛ أي ﴿غَنِيٌّ﴾ عن صدقاتِكم محمودٌ في أفعالهِ، ولم يأمرْكم بالصدقةِ عن عِوَضٍ ولكن بلاكُم بما أمركم، فهو مستحقٌ للحمدِ على ذلك وعلى جميعِ أمرهِ.
وفي الآية إباحةُ الكسب وإخبارٌ أن فيه ما هو طيِّب، قالَ ﷺ :" وَالْخَيْرُ عَشْرَةُ أجْزَاءٍ أفْضَلُهَا التِّجَارَةُ إذَا أخَذَ الْحَقَّ وَأعْطَى الْحَقَّ " وَقَالَ ﷺ :" تِسْعَةُ أعْشَار الرِّزْقِ فِي التِّجَارَةِ، وَلاَ يَفْتَقِرُ مِنَ التُجَّار إلاَّ تَاجِرٌ حَلاَّفٌ " " سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ : أيُّ كَسْبَ الرِّزْقِ أفْضَلُ ؟ قَالَ :[عَمَلُ الرَّجُلِ بيَدَيْهِ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ] " وقالَ ﷺ :" يَا مَعْشَرَ التُّجَّار، إنَّ هَذَا الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْكَذِبُ، فَشَوِّبُوهُ بالصَّدَقَةِ ".
البقرة 2:268
قولهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ﴾ ؛ أي الشيطانُ يَعِدُكُمْ بالفقرِ فحذفَ الباءَ كقولِ الشاعرِ : أمَرْتُكَ الْخَيْرَ لَكِنْ مَا ائْتَمَرْتَ بهِ فَقَدْ تَرَكْتَ ذا مَالٍ وَذا نَشَبٍويقال : وَعَدْتُهُ خَيْراً ؛ وَوَعَدْتُهُ شَرّاً، وقالَ اللهُ تعالى في الخيرِ :﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾[الفتح: ٢٠] وقال في الشَّرِّ :﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾[الحج: ٧٢] وإذا لم تَذْكُرِ الخيرَ والشرَّ ؛ قُلْتَ في الخيرِ : وَعَدْتُهُ ؛ وفي الشرِّ : أوْعَدْتُهُ. قال الشاعرُ : وَإنِّي إذا أوْعَدْتُهُ أوْ وَعَدْتُهُ لَمُخْلِفٌ مِيْعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِيومعنى :﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ أي يخوِّفُكم الفقرَ بالنفقةِ في وجوهِ البرِّ وإنفاقِ الجيِّد من المالِ، وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ﴾ أي بالبخلِ ومنعِ الزكاة، وزَعَمَ الكلبيُّ أن كلَّ فَحشاءٍ في القرآن فهو زنَا إلا في هذه الآيةِ، وإنما سُمي منعُ الزكاة فحشاءً ؛ لأن العربَ تسمي البخيلَ فاحشاً ؛ والبخلَ فحشاءً. والفقرُ : سُوءُ الحالِ وقلةُ ذاتِ اليد، وفيه لغتان : الْفَقْرُ وَالْفَقُرُ، كالضَّعفِ والضُّعفِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً﴾ ؛ أي ﴿مَّغْفِرَةً﴾ لذنوبكم بالإنفاقِ من خِيَار الأموالِ، ﴿وَفَضْلاً﴾ أي خلفاً في الدُّنيا والآخرةِ، ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ؛ يوسِعُ الرزقَ والخلفَ والمثوبةَ، ويعلمُ حيث ينبغي أن تكونَ السَّعَةُ، قال ابنُ عباس وابن مسعودٍ :(ثِنْتَانِ مِنَ اللهِ وَثِنْتَانِ مِنَ الشَّيْطَانِ ؛ فَمِنَ اللهِ الْمَغْفِرَةُ وَالْفَضْلُ، وَمِنَ الشَّيْطَانِ الْفَقْرُ وَالْفَحْشَاءُ). ووعدُ الشيطانِ وَسَاوسُ وتَخَيُّلٌ ؛ أي يُخَيِّلُ إلَيْكَ أنَّكَ إنْ أمْسَكْتَ مالَكَ استغنيتَ، وإن تصدقتَ به افتقرتَ.
البقرة 2:269
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ﴾ ؛ اختلفوا في تفسيرِ الحكمة ؛ قال ابنُ مسعود :(هِيَ الْقُرْآنُ). وقال ابنُ عباس وقتادةُ :(عِلْمُ نَاسِخِ الْقُرْآنِ وَمَنْسُوخِهِ ؛ وَمُحْكَمِهِ وَمُتَشَابهِهِ ؛ وَمُقَدَّمِهِ وَمُؤَخَّرِهِ ؛ وَحَلاَلِهِ وَحَرَامِهِ ؛ وَأمْثَالِهِ ؛ وَغَيْرِهِ). وقال السديُّ :(هُيَ النُّبُوَّةُ). وقال أبو العاليةِ :(هِيَ الْفِقْهُ). وقال مجاهدُ وإبراهيم :(هِيَ الإصَابَةُ وَالْفَهْمُ). وقال الربيع :(هِيَ خِشْيَةُ اللهِ تَعَالَى). وقال سهلُ بن عبدِالله :(هِيَ السُّنَّةُ). وقيل : هي سرعةُ الجواب مع إصابةِ الصواب، واللهُ أعلمُ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ ؛ أي من يُعْطَ العلمَ فقد أُعطيَ خيراً كثيراً يصلُ به إلى رحمةِ اللهِ تعالى. قال بعضُ الحكماء : سَمَّى اللهُ العلمَ خيراً كثيراً، والدنيا مَتَاعاً قليلاً، فينبغي لِمن أُوتِيَ العلمَ أن يعرفَ قَدْرَ نفسهِ ولا يتواضعَ لأصحاب الدنيا لدنياهم. وقال الحسنُ :(وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ ؛ يَعْنِي الْوَرَعَ فِي دِيْنِ اللهِ).
قرأ الربيعُ :(تُؤتِي الْحِكْمَةَ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ) بالتاءِ، وقرأ يعقوب :(وَمَنْ يُؤْتِ الْحِكْمَةَ) بكسرِ التاء، أرادَ ومن يُؤْتِهِ الله ؛ فحذف الهاءَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ﴾ ؛ وما يَتَّعِظُ إلا ذوُو العقولِ ؛ واللُّبُّ من العقلِ ما صَفِيَ عن دواعي الهوى، وَسُمِّي العقلُ لُبّاً لأنه أنْفَسُ ما في الإنسان كما أن لُبَّ الثمرةِ أنفسُ ما فيها.
البقرة 2:270
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ؛ أي ما تصدَّقتم بهِ مِن صدقةٍ أو أوجبتُمُوه على أنفسِكم من فعلِ برٍّ مثلَ صلاةٍ أو صدقةٍ أو صومٍ، فإنَّ اللهَ لا يخفَى عليه ذلكَ ويقبلَه ويجازي عليهِ.
ويقالُ : معنى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ أي يحفظهُ، وإنَّما قالَ :﴿يَعْلَمُهُ﴾ ولم يقل يعلمُهَا ؛ لأنه ردَّهُ إلى الآخرِ منهُما كقولهِ تعالى :﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً﴾[النساء: ١١٢]. وإنْ شئتَ حَمَلْتَهُ على (ما) التي قبلهُ كقوله تعالى :﴿وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾[البقرة: ٢٣١] ولم يقل : بهما.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ؛ أي وما للواضعينَ النفقةَ والنَّذْرَ في غيرِ موضعِهما بالرِّيَاءِ والمعصيةِ ونحوِهما (مِنْ) أعوانٍ يدفعون عنهم العذابَ. والأَنْصَارُ : جمع نَصِيْرٍ مثل جَنِيبٍ وأجنابٍ وشريفٍ وأشرافٍ.
البقرة 2:271
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ ؛ وذلك أنَّهم قالوا : يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أفْضَلُ ؛ صَدَقَةُ السِّرِّ أوْ صَدَقَةُ الْعَلاَنِيَةِ ؟ فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ. ومعناها : إنْ تُظهروا الصدقات وتُعلنوها ؛ فَنِعِمَّا الشيءُ صدقةُ العلانيةِ.
وأصلُ ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ : فَنِعِمَا مَا هِيَ ؛ فَوُصِلَتْ وأُدْغِمَتْ. وكان الحسنُ يقرأ :(فَنِعِمَا مَا هِيَ) مفصولةً عن الأصلِ ؛ أي نِعْمَتِ الخصلةُ. و(ما) في موضعِ الرفع و(هِيَ) في محلِّ النصب كما يقول : نِعِمَّا الرجلُ رَجُلاً، فإذا عَرَّفْتَ رَفَعْتَ وَقُلْتَ : نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ.
وقرأ أبو جعفر ونافعُ وشيبة وعاصمُ وأبو عمرو بكسرِ النونِ وجزمِ العين، ومثلهُ في سورةِ النساء، واختارهُ أبو عبيدةَ وذلك أنَّها لغةُ النبيِّ ﷺ حين قال لَعَمْرِو بنِ العَاصِ :" نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ ".
وقرأ ابنُ عامرٍ ويحيى بن وثابٍ والأعمشُ وحمزة والكسائي وخلفُ بفتح النونِ وكسرِ العين. وقرأ طلحةُ وابن كثيرِ وورش وحفصُ ويعقوب وأيوب بكسر النون والعين. وهي لغاتٌ صحيحةٌ.
قولهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ ؛ أي وإن تُسرُّوها وتعطوها الفقراءَ سِرّاً فهو خيرٌ لكم وأفضلُ من العلانيةِ، وكلاهُما مقبولٌ منكم إذا كانت النيةُ صادقةً، ولكن صدقةُ السرِّ أفضلُ، قال ﷺ :" صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّب، وَتُطْفِئُ الْخَطِيْئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَتَدْفَعُ سَبْعِيْنَ بَاباً مِنَ الْبَلاَءِ ".
وقَالَ ﷺ :" سَبْعَةُ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ : الإمَامُ الْعَادِلُ، وَشابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بالْمَسْجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللهِ ؛ فَاجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأةٌ ذاتُ حُسْنٍ وَجَمَالٍ ؛ فَقَالَ : إنِّي أخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ يَمِيْنُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ، وَرَجُلٌ ذكَرَ اللهَ خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ".
قال أهلُ المعاني : هذهِ الآيةُ في صدقةِ التطوعِ، ولإجماعِ العلماءِ أنَّ الزكاةَ المفروضةَ إعلانُها أفضلُ كالصلاةِ المفروضةِ في الجماعةِ أفضلُ من إفرادِها، وكذلكَ سائرُ الفرائضِ ؛ لمعنيينِ ؛ أحدِهما : ليقتدي به الناسُ، والثاني : لزوالِ التهمةِ ؛ لِئَلاَّ يسيءَ به الناسُ الظنَّ، ولا رياءَ في الفرضِ.
وأما النوافلُ والفضائلُ فإخفاؤها أفضلُ لِبُعْدِهَا عن الرياءِ، يدلُّ على صحَّةِ هذا التأويلِ ما روي عن أبي جعفرَ في قولهِ تعالى :﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ قالَ :(يَعْنِي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ﴾ يَعْنِي التّطَوُّعَ). وعن ابنِ عباس أنه قالَ :(جَعَلَ اللهُ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ فِي السِّرِّ تَفْضُلُ عَلاَنِيَتَهَا بسَبْعِيْنَ ضِعْفاً، وَصَدَقَةُ الْفَرِيْضَةِ تُفْضُلُ عَلاَنِيَتُهَا سِرَّهَا بخَمْسٍ وَعِشْرِيْنَ ضِعْفاً). وَقَالَ ﷺ :" الْمُسِرُّ بالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بالصَّدَقَةِ، وَالْجَاهِرُ بالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بالصَّدَقَةِ " وذهب الحسنُ وقتادةُ إلى أن الإخفاءِ في كلِّ صدقةٍ أفضل ؛ مفروضةً كانت أم تطوُّعاً.
البقرة 2:272
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـاكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ ؛ قال ابنُ عباس والكلبيُّ :(اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمْرَةَ الْقَضَاءِ، وَكَانَتْ مَعَهُ فِي تِلْكَ الْعُمْرَةِ أسْمَاءُ بنْتُ أبي بَكْرٍ الصِّدِّيْقِ رضي الله عنه، فَجَاءَتْهَا أُمُّهَا قُتَيْلَةُ وَجَدُّهَا أبُو قُحَافَةَ يَسْأَلُونَهَا الصِّلَةَ وَالْعَطِيَّةَ، فَقَالَتْ : لاَ أُعْطِيْكُمْ شَيْئاً حَتَّى أسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؛ فَإنَّكُمْ لَسْتُمْ عَلَى دِيْنٍ ؛ فَاسْتَأْذَنَتْهُ فِي ذلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِمَا). وقال محمدُ بن الحنفيَّةِ :(كَانَ يَكْبُرُ عَلَى الْمُسْلِمِيْنَ التَّصَدُّقُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَأُمِرُواْ بذَلِكَ فِي غَيْرِ فَرِيْضَةٍ).
ومعنى الآيةِ : ليسَ عليكَ يا محمدُ تَحْصِيْلَ الهدى لهم بأن تَمنعهم من الصدقةِ لتحملهم على الإيْمانِ، ولكنَّ اللهَ يُثَبتُ وَيُرْشِدُ ويوَفِّقُ للخيرِ مَن يشاءُ. وروي أنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّاب رضي الله عنه رَأى رَجُلاً مِنْ أهْلِ الذِّمَّةِ يَسْأَلُ عَلَى أبْوَاب الْمُسْلِمِيْنَ، فَقَالَ :(مَا أنْصَفْنَاكَ ؛ أخذْنَا مِنْكَ الْجِزْيَةَ وَأنْتَ شَابٌّ ؛ ثُمَّ ضَيَّعْنَاكَ الْيَوْمَ) فَأَمَرَ أنْ يَجْزِيَ عَلَيْهِ قُوتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ﴾ ؛ أي ما تنفِقُوا من مالٍ على برٍّ أو فاجِرٍ فلأنفسِكُم ثوابهُ ونفعهُ عائدٌ إليكم، ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ ؛ أي عَلِمَ اللهُ أنكم لا تريدون بنفقتِكُم إلا طلبَ مرضاةِ اللهِ وإنْ كان المتصدَّق عليه كافراً.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ أي ما تتصدَّقوا به من مالٍ يوفَّ إليكم ثوابهُ في الآخرةِ، ﴿وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ أي لا تُنْقَصُونَ شيئاً من ثواب أعمالِكم وصدقاتِكم.
وظاهرُ الآيةِ يقتضي جوازَ دفعِ الصدقاتِ إلى الكفَّار إلاَّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ خَصَّ مِنْهَا الزَّكَاةَ ؛ فَقَالَ :" أُمِرْتُ أنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أغْنِيَائِكُمْ وَأرُدُّهَا عَلَى فُقَرَائِكُمْ ".
البقرة 2:273
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ ؛ قيل : معناهُ : ما أنفقتُم من نفقةٍ للفقراء، وقيل : معناهُ : عليكم بالنفقةِ للفقراءِ الذين حُبسُوا في طاعةِ اللهِ ؛ أي أحْصَرَهُمْ فرضُ الجهادِ فمنعَهم من التصرُّفِ والسيرِ لطلب المعاشِ، وهؤلاء أصحابُ الصُّفَّةِ حَبَسُوا أنفسَهم لطلب العلمِ ؛ وفضل الجمعة ؛ وخدمةِ رسولِ الله ﷺ من أربعمائةِ رجلٍ لم يكن لهم مساكنُ ولا عشائرُ ؛ كانوا معتكفينَ في المسجدِ في صُفَّته ؛ قالوا : نخرجُ في كلِّ سَرِيَّةٍ يبعثُها رسولُ الله ﷺ في سبيلِ الله، فحثَّ اللهُ على الصدقةِ عليهم، فكان الرجلُ إذا بقيَ عنده فضلٌ أتاهم به.
وقوله تعالى :﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ﴾ الضربُ في اللغة : السَّيْرُ، يعني لا يستطيعون سَيْراً في الأرضِ للتجارة وطلب المعيشة، ونظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾[النساء: ١٠١] وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ﴾[المزمل: ٢٠]. وقالَ الشاعرُ : لَحِفْظُ الْمَالِ أيْسَرُ مِنْ فَنَائِهِ وَضَرْبٌ فِي الْبِلاَدِ بغَيْرِ زَادِوقال ابنُ زيد :(مِنْ كَثْرَةِ مَا جَاهَدُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ، فَصَارَتِ الأَرْضُ كُلُّهَا حَرْباً عَلَيْهِمْ ؛ لاَ يَتَوَجَّهُونَ فِيْهَا جِهَةً إلاَّ وَلَهُمْ فِيْهَا عَدُوٌّ). وكان السديُّ يقول :(مَعْنَى ﴿أُحصِرُواْ﴾ أيْ مَنَعَهُمُ الْكُفَّارُ بالْخَوْفِ مِنْهُمْ ؛ فَلاَ يَسْتَطِيْعُونَ تَفَرُّقاً فِي الأَرْضِ لِمَنْعِ الْكُفَّار إيَّاهُمْ عَنْ ذَلِكَ). وقيلَ : هذا لا يصحُّ ؛ لأنه لو كان كذلكَ لقال : حُصِروا، بغير ألِفٍ.
وقال سعيدُ بن جبير :(هَؤُلاَءِ قَوْمٌ أصَابَتْهُمُ جِرَاحَاتٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ فَصَارُواْ زُمَناً وَأحْصَرَهُمُ الْمَرَضُ وَالزَّمَانَةُ عَنِ الضَّرْبِ فِي الأَرْضِ). فاختارَ الكسائيُّ هذا القولَ لأنه يقال : أُحْصِرُواْ من المرضِ والزَّمَانَةِ عن الضرب في الأرض، ولو أراد الحبسَ قال : حُصِرُواْ، وإنَّما الإحصارُ من الخوفِ أو المرضِ، والحَصْرُ : الحبسُ في غيرهما.
قَوْلُُهُ تَعَالَى :﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ قرأ الحسنُ وأبو جعفر وشيبة وابنُ عامر والأعمشُ وعاصم وحمزةُ :(يَحْسَبُهُمْ) بفتحِ السينِ في جميع القرآن، والباقون بالكسرِ.
ومعنى الآية : يظنُّهم الجاهلُ بأمرِهم وشأنِهم أغنياءَ من التعفُّفِ عن السؤالِ ؛ لِتَجَمُّلِهِمْ باللباسِ وكَفِّهِم عن المسألةِ. والتعفُّفُ يُذْكَرُ ويراد به تَرْكَ المسألةِ كما قالَ ﷺ :" مَنِ اسْتَغْنَى أغْنَاهُ اللهُ تَعَالَى، وَمَنِ اسْتَعَفَّ أعَفَّهُ اللهُ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ﴾ ؛ أي تعرفهم أنتَ يا محمدُ بعلامةِ فقرهم ورَثَاثَةِ حالِهم. وقيلَ : بتخشُّعهم وتواضُعِهم. وقيلَ : بصفرة ألوانِهم من الجوعِ وقيامِ الليل وصيامِ النهار. وقيلَ : بفَرَحِهِمْ واستقامةِ حالِهم عند تواردِ البلاءِ عليهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ ؛ قال عطاءُ :(إذَا كَانَ عِنْدَهُ غَدَاءٌ لاَ يَسْأَلُ عَشَاءً، وَإنْ كَانَ عِنْدَهُ عَشَاءٌ لاَ يَسْأَلُ غَدَاءً). وقال أهلُ المعاني :﴿لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ ولا غيرَ إلحافٍ ؛ أي ليس لهم سؤالٌ فيكون إلحافاً، والإلْحَافُ : الإلْحَاحُ، دليلُ هذا القولِ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ أي من القناعةِ، ولو كانوا يسألونَ لكان يعرفُهم بالسؤالِ لا بالسيماءِ.
البقرة 2:274
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ؛ قال ابنُ عباس ومقاتلُ :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي عَلِيٍّ رضي الله عنه ؛ كَانَتْ لَهُ أرْبَعَةُ دَرَاهِمَ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهَا ؛ فَتَصَدَّقَ بدِرْهَمٍ لَيْلاً ؛ وَبدِرْهَمٍ نَهَاراً ؛ وَبدِرْهَمٍ سِرّاً ؛ وَبدِرْهَمٍ عَلاَنِيَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ).
وعن ابنِ عباس قال :(لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾[البقرة: ٢٧٣] بَعَثَ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بدَنَانِيْرَ كَثِيْرَةٍ إلَى أصْحَاب الصُّفَّةِ حَتَّى أغْنَاهُمْ ؛ وَبَعَثَ عَلِيُّ بْنُُ أبي طَالِبٍ رضي الله عنه فِي جَوْفِ اللَّيْلِ بوِسْقٍ مِنَ التَّمْرِ - وَالْوِسْقُ سُتُّونَ صَاعاً فَكَانَ أحَبُّ الصَّدَقَتَيْنِِ إلَى اللهِ تَعَالَى صَدَقَةُ عَلِيٍّ رضي الله عنه وَنَزَلَ فِيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً﴾ أرَادَ باللَّيْلِ سِرّاً صَدَقَةَ عليٍّ رضي الله عنه وَبالنَّهَار عَلاَنِيَةً صَدَقَةَ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنه).
وروي أيضاً عن ابنِ عباس في هذه الآية ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ : يَعْنِي فِي عَلْفِ الْخَيْلِ الْمُرْتَبطَةِ فِي سَبيْلِ اللهِ. وكان أبو هريرةَ إذا مَرَّ بفَرَسٍ سَمِيْنٍ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ ؛ فَإذا مَرَّ بفَرَسٍ أعْجَفَ سَكَتَ.
وعن رسولِ الله ﷺ أنَّهُ قَالَ :" مَنِ ارْتَبَطَ فَرَساً فِي سَبيْلِِ اللهِ وَأنْفَقَ عَلَيْهِ احْتِسَاباً ؛ كَانَ شَبَعُهُ وَجُوعُهُ وَرَيُّهُ وَظَمَؤُهُ وَبَوْلُهُ وَرَوْثُهُ فِي مِيْزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " وقال ﷺ :" الْمُنْفِقُ فِي سَبيْلِ اللهِ عَلَى فَرَسِهِ كَالْبَاسِطِ كَفَّيْهِ بالصُّرَّةِ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ قال الأخفشُ وقُطْرُبُ :(جَعَلَ الْخَبَرَ بالْفَاءِ ؛ لأَنَّهُ فِي مَعْنَى (مَن)، وَجَوَابُ (مَن) بالْفَاءِ ؛ كَأَنَّهُ قَالَ : مَنْ أنْفَقَ كَذَا فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبهِ). وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ قد تقدَّم تفسيرهُ.
البقرة 2:275
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَاواْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ ؛ معناهُ :﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَاواْ﴾ في الدنيا ﴿لاَ يَقُومُونَ﴾ في الآخرةِ من قبورهم لِعِظَمِ بطونِهم، ﴿إِلاَّ كَمَا يَقُومُ﴾ في الدنيا الذي يضرِبُه ويصيبهُ ﴿الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ أي مِن الجنونِ. روي أنَّهم يُبعثونَ يوم القيامةِ وقد انتفخت بطونُهم كلَّما قامُوا سقطُوا والناسُ يَمشونَ عليهم وهم كالْمَجَانِيْنِ. قال الحسنُ :(هَذِهِ عَلاَمَةَ أكْلِ الرِّبَا ؛ يُعْرَفُونَ بهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَاواْ﴾ ؛ ومعناهُ : كان الرجلُ إذا حلَّ مالهُ بعد الأجلِ طلبَهُ ؛ فيقول المطلوبُ : زدنِي في الأجل وأزيدُك في مالِكَ. فيفعلان ذلكَ ؛ فإذا قيلَ لهم : إن هذا ربَا ؛ قالوا : هُما سواءٌ ؛ والزيادةُ في آخرِ البيع بعد الأجلِ كالزيادة في أوَّلِ البيع إذا بعتَ بالنسيئةِ سواءٌ. وليس الأمرُ كما توهَّموا ؛ لأن الزيادةَ في الثمنِ في آخر البيعِ لأجْل الإبعاد في الأجَلِ بعدما صارَ الثمنُ دَيناً في الذمة يكون عِوَضاً عن الأجلِ ؛ والاعتياضُ عن الأجل باطلٌ، وأما الزيادةُ في الثمنِ في أصل العقدِ فتكون مقابلةً للبيعِ، ويجوزُ بيعُ المبيع بثمنٍ قليل وثَمن كثيرٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَاواْ﴾ ؛ أي أحلَّ الزيادةَ في أول البيعِ وحرَّم الزيادة في آخرهِ ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ؛ أي فمن جاءه زَجْرٌ من ربهِ ونُهِيَ عن الرِّبَا فانتهَى فلهُ ما مضى من أكلهِ الرِّبَا قبل النهيِ ؛ أي لا إثْمَ عليهِ في ذلكَ، وأمرُهُ فيما بقيَ من عمرهِ إلى اللهِ ؛ إنْ شاءَ عَصَمَهُ وإن شاءَ لَمْ يَعْصِمْهُ. وقيل : معناهُ :﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ أي لهُ ما أخذَ من الربا قبل التحريمِ، ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ في المستأنفِ في العفوِ والتجاوز.
وإنَّما لم يقل : فَمَنْ جَاءَتهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبهِ ؛ لأن تأنيثَ الموعظةِ ليس بحقيقيٍّ، فيجوزُ تذكيرهُ ويجوز أن ينصرفَ إلى المعنى، كأنه قالَ : فمن جاءَهُ وعظٌ ونُهي من ربهِ عن الرِّبا.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـائِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي من عَادَ إلى أكلِ الربا ﴿فَأُوْلَـائِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا﴾ دائمون إلى ما شاءَ الله. وقيل : معناهُ : مَن عادَ بعد النهي إلى قولهِ إنَّما البيعُ مثلُ الربا ؛ فأولئكَ أهلُ النار هم فيها مقيمون ؛ لأن مستحلَّ الربا كافرٌ لإنكارهِ آيةً مِن كتاب اللهِ تعالى.
وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن رسولِ اللهِ ﷺ أنهُ قَالَ :" سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لاَ يَبْقَى أحَدٌ إلاَّ أكَلَ الرِّبَا، وَإنْ لَمْ يَأْكُلْهُ أصَابَهُ مِنْ غُبَارهِ " وعن عبدِالله بن مسعودٍ قال :(آكِلُ الرِّبَا وَمُؤَكِّلَهُ وَكَاتِبُهُ وَشَاهِدُهُ إذا عَلِمُواْ بهِ ؛ مَلْعُونُونَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ). وقال ﷺ :" الرِّبَا بضْعٌ وَسَبْعُونَ بَاباً ؛ أدْنَاهَا كَإتْيَانِ الرَّجُلِ أُمَّهُ ".
والْخَبَطُ في اللغةِ هو الضربُ على غيرِ استواءٍ ؛ يقال : خَبَطَ البعيرُ إذا ضربَ بيدهِ. والْمَسُّ : الجنونُ، يقال : رجلٌ مَمْسُوسٌ ؛ أي مجنونٌ.
البقرة 2:276
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَاواْ وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ ؛ معناه : يُهْلِكُ اللهُ الربا ويذهبُ ببَرَكَتِهِ. والْمَحْقُ : نقصانُ الشيء حالاً بعد حالٍ، ويقال : إنِّ الربا ينقصُ حالاً بعد حالٍ إلى أن يتلفَ كلُّه. قوله :﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ أي يقبلُها ويعطي خَلَفها في الدنيا، ويضاعفُ ثوابه في الآخرة واحدةً إلى عشر إلى سبعينَ إلى سبعمائةٍ إلى ما شاءَ الله من الأضعافِ. كما روي عن رسولِ اللهِ ﷺ أنهُ قالَ :" إنَّ اللهَ يَقْبَلُ الصَّدَقَاتِ وَلاَ يََقْبَلُ مِنْهَا إلاَّ الطَّيِّبَةَ، وَيُرَبيهَا لِصَاحِبهَا كَمَا يُرْبي أحَدُكُمْ مُهْرَهُ وَفَصِيْلَهُ حَتَّى أنَّ اللُّقْمَةَ تَصِيْرُ مِثْلَ أُحُدٍ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ ؛ أي يبغضُ كلَّ جاحدٍ تحريمَ الربا ؛ فاجرٍ عاصٍ بأكلهِ واستحلالهِ. وإنَّما قالَ :﴿كَفَّارٍ﴾ ولم يقل : كافرٍ ؛ ليبيِّن أن مستحلَّ الربا مع كونه كافراً كَفَّارٌ للنعمةِ. والأثيمُ : الْمَادِي في الإثْمِ، والآثِمُ : الفاعلُ للإثْمِ.
البقرة 2:277
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ؛ معناهُ :﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ باللهِ وكتبهِ ورسله وتحريمِ الربا ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ فيما بينهم وبينَ ربهم، وأتَّمُّوا الصلواتَ الخمس، وأعطوا الزكاة المفروضةَ من أموالهم، فلهُم جزاؤهم وثوابُهم في الآخرة ﴿عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ إذا ذبحَ الموتُ ﴿وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ إذا أطبقتِ النارُ على أهلها.
البقرة 2:278
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَاواْ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ ؛ قال ابنُ عباس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي نَفَرٍ مِنْ ثَقِيْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَحَبيْبٍ وَرَبيْعَةٍ وَعَبْدِ يَالَيْلِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عُمَيْرَ الثَّقَفِيّ، كَانَتْ لَهُمْ دُيُونٌ عَلَى بَنِي الْمُغَيْرَةِ ؛ وَكَانَ بَنُو الْمُغِيْرَةِ يُرْبُوهُمْ، فَلَمَّا ظَهَرَ النَّبيُّ ﷺ عَلَى أهْلِ مَكَّةَ وُضِعَ الرِّبَا كُلُّهُ، وَكَانَ أهْلُ الْطَّائِفِ قَدْ صَالَحُواْ عَلَى أنَّ لَهُمْ ربَاهُمْ مِنَ النَّاسِ يَأْخُذُونَهُ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ ربَا النَّاسِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ عَنْهُمْ لاَ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ، فَقَالَ ﷺ :" أُكْتُبْ فِي آخِرِ كِتَابهِمْ : أنَّ لَكُمْ مَا لِلْمُسْلِمِيْنَ وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيْهِمْ " فَلَمَّا حَلَّ الأَجَلُ طَلَبَتْ ثَقِيْفُ مِنْ بَنِي الْمُغِيْرَةِ ربَاهُمْ ؛ فَقَالَتْ بَنُو الْمُغِيْرَةِ : مَا بَالَنُا نَكُونُ أشْقَى النَّاسِ ؛ وُضِعَ الرِّبَا عَنِ النَّاسِ كُلِّهِمْ وَيُؤْخَذُ مِنَّا خَاصَّةً! فَقَالَتْ لَهُمْ ثَقِيْفُ : إنَّا صَالَحْنَا عَلَى ذلِكَ، فَاخْتَصَمُواْ إلَى أمِيْنِ مَكَّةَ وَهُوَ عَتَّابُ بْنُ أُسَيْدٍ، فَلَمْ يَدْر مَاذا يَقْضِي بَيْنَهُمْ، فَكَتَبَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بالْمَدِيْنَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ خِطَاباً لِثَقِيْفٍ).
ومعناها :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ﴾ اخْشَوا اللهَ واتركوا ﴿مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَاواْ﴾ فإنه لم يَبْقَ غيرُ ربَاكُمْ ﴿إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ أي مصدِّقين بتحريم الرِّبا فهذا حكمهُ.
البقرة 2:279
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ؛ أي إن لم تقبَلُوا أمرَ الله ولم تُقِرُّوا بتحريمِ الربا ولم تتركوهُ، فاعلموا أنكم كفَّارٌ يحاربكم اللهُ ورسوله ؛ أي يعذِّبكم الله في الآخرة بالنار ؛ ويعذِّبكم رسولهُ في الدنيا بالسَّيْفِ. والإذْنُ : الإعْلاَمُ، ومن قرأ (فَأْذِنُوا) أي فأعلِمُوا أصحابَكم المتمسكينَ بمثل ما أنتُمْ عليه : أنَّ مَنْ عامَلَ بالربا مستحِلاً له حاربَهم اللهُ ورسوله.
وقيل : معنَى الآيةِ : فإن لم تتركُوا ما بقيَ من الربا بعد نزولِ الأمر بتركهِ ﴿فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
ومثلُ هذا اللفظ لا يوجبُ الإكفارَ ؛ لأن لفظَ محاربة الله ورسولهِ يُطلق على ما دونِ الكفر كما في آية قُطَّاعِ الطريقِ. وهذا الحكمُ في آية الربا إنَّما هو مستقيمٌ إذا اجتمعَ أهل بلدة لهم مَنَعَةٌ وقوَّةٌ على المعاملةِ بالربا وكانوا محرِّمين له، فإن الإمامَ يستتيبُهم ؛ فإن تابوا وإلا قاتلَهَم. وأما إذا عامَلَ واحد أو جماعةٌ قليلٌ عددهم معاملةَ الربا، فإن الإمام يستتيبُهم ؛ فإن تابوا وإلا زَجَرَهم وحبسَهم إلى أن يُظهروا توبتهم. وقد روي عنِ ابن عباس وقتادةَ والربيعِ فيمن أرْبَا :(أنَّ الإمَامَ يَسْتَتِيْبُهُ، فَإنْ تَابَ وإلاَّ قَتَلَهُ). فهذا محمولٌ على أن يفعله مُستحلاً له ؛ لأنه على خلافَ بين العلماء أنه ليسَ بكافرٍ إذا اعتقدَ تحريْمَه.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُون﴾ ؛ أي فإن رجعتُمْ عن استحلالِ الربا وأقررتُم بتحريْمهِ. ويقال : إنْ تُبْتُمْ عن معاملةِ الربا ﴿فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ التي أسلفْتُموها بني المغيرةِ، ﴿لاَ تَظْلِمُونَ﴾ بطلب الزيادة على رأسِ المال، ﴿وَلاَ تُظْلَمُون﴾ بحبسِ رأس المال عنكم.
قال ابنُ عباس :(فَلَمَّا نَزَلَتْ هَاتَانِ الآيَتَانِ، كَتَبَ بهِمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى عَتَّابٍ، فَقَرَأهُمَا عَلَى ثَقِيْفٍ فَقَالُواْ : بَلَى، نَتُوبُ إلَى اللهِ فَإنَّهُ لإيْذَانٌ لَنَا بحَرْب اللهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ طَلَبُواْ رُؤُوسَ أمْوَالِهِمْ مِنْ بَنِي الْمُغِيْرَةِ، فَقَالَتْ بَنُو الْمُغِيْرَةِ : نَحْنُ الْيَوْمَ أهْلُ عُسْرٍ وَأخِّرُونَا إلَى أنْ تُدْرَكَ الثِّمَارُ، فَأَبَواْ أنْ يُؤَخِّرُوهُمْ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ ؛ أي إن كان المطلوبُ ذا ضيقٍ وشدَّةٍ ؛ فتأخيرهُ إلى سَعَةٍ ويَسَارٍ.
وروي عن ابنِ عباس وشريحٍ وإبراهيم :(أنَّ الإنْظَارَ إنَّمَا يَجِبُ فِي الدَّيْنِ، يَعْنِي دَيْنَ الرِّبَا خَاصَّةً). وكان شُرَيْحٌ يحبسُ المعسرَ في غيره من الديون. وعن أبي هريرةَ والحسنِ والضحَّاك :(أنَّ ذلِكَ وَاجِبٌ فِي كُلِّ دَيْنٍ) وهذا هو الأَصحُّ ؛ لأنَّ نزولَ الآية في رأسِ مال الربا لا يَمنعُ اعتبارَ سائرِ الديون بها بالاستدلال والقياسِ.
وذهبَ بعض النحويِّينَ : إلى أن الرفعَ في قوله ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ دليل على أنه ابتداءٌ على معنى : وإن وقعَ ذو عسرةٍ، أو وجد ذو عسرة، ولو كان مختصّاً هذا بالربا لقال : وإنْ كان ذَا عُسْرَةٍ، بالنصب.
البقرة 2:280
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ؛ أي إن لم تقبَلُوا أمرَ الله ولم تُقِرُّوا بتحريمِ الربا ولم تتركوهُ، فاعلموا أنكم كفَّارٌ يحاربكم اللهُ ورسوله ؛ أي يعذِّبكم الله في الآخرة بالنار ؛ ويعذِّبكم رسولهُ في الدنيا بالسَّيْفِ. والإذْنُ : الإعْلاَمُ، ومن قرأ (فَأْذِنُوا) أي فأعلِمُوا أصحابَكم المتمسكينَ بمثل ما أنتُمْ عليه : أنَّ مَنْ عامَلَ بالربا مستحِلاً له حاربَهم اللهُ ورسوله.
وقيل : معنَى الآيةِ : فإن لم تتركُوا ما بقيَ من الربا بعد نزولِ الأمر بتركهِ ﴿فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
ومثلُ هذا اللفظ لا يوجبُ الإكفارَ ؛ لأن لفظَ محاربة الله ورسولهِ يُطلق على ما دونِ الكفر كما في آية قُطَّاعِ الطريقِ. وهذا الحكمُ في آية الربا إنَّما هو مستقيمٌ إذا اجتمعَ أهل بلدة لهم مَنَعَةٌ وقوَّةٌ على المعاملةِ بالربا وكانوا محرِّمين له، فإن الإمامَ يستتيبُهم ؛ فإن تابوا وإلا قاتلَهَم. وأما إذا عامَلَ واحد أو جماعةٌ قليلٌ عددهم معاملةَ الربا، فإن الإمام يستتيبُهم ؛ فإن تابوا وإلا زَجَرَهم وحبسَهم إلى أن يُظهروا توبتهم. وقد روي عنِ ابن عباس وقتادةَ والربيعِ فيمن أرْبَا :(أنَّ الإمَامَ يَسْتَتِيْبُهُ، فَإنْ تَابَ وإلاَّ قَتَلَهُ). فهذا محمولٌ على أن يفعله مُستحلاً له ؛ لأنه على خلافَ بين العلماء أنه ليسَ بكافرٍ إذا اعتقدَ تحريْمَه.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُون﴾ ؛ أي فإن رجعتُمْ عن استحلالِ الربا وأقررتُم بتحريْمهِ. ويقال : إنْ تُبْتُمْ عن معاملةِ الربا ﴿فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ التي أسلفْتُموها بني المغيرةِ، ﴿لاَ تَظْلِمُونَ﴾ بطلب الزيادة على رأسِ المال، ﴿وَلاَ تُظْلَمُون﴾ بحبسِ رأس المال عنكم.
قال ابنُ عباس :(فَلَمَّا نَزَلَتْ هَاتَانِ الآيَتَانِ، كَتَبَ بهِمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى عَتَّابٍ، فَقَرَأهُمَا عَلَى ثَقِيْفٍ فَقَالُواْ : بَلَى، نَتُوبُ إلَى اللهِ فَإنَّهُ لإيْذَانٌ لَنَا بحَرْب اللهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ طَلَبُواْ رُؤُوسَ أمْوَالِهِمْ مِنْ بَنِي الْمُغِيْرَةِ، فَقَالَتْ بَنُو الْمُغِيْرَةِ : نَحْنُ الْيَوْمَ أهْلُ عُسْرٍ وَأخِّرُونَا إلَى أنْ تُدْرَكَ الثِّمَارُ، فَأَبَواْ أنْ يُؤَخِّرُوهُمْ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ ؛ أي إن كان المطلوبُ ذا ضيقٍ وشدَّةٍ ؛ فتأخيرهُ إلى سَعَةٍ ويَسَارٍ.
وروي عن ابنِ عباس وشريحٍ وإبراهيم :(أنَّ الإنْظَارَ إنَّمَا يَجِبُ فِي الدَّيْنِ، يَعْنِي دَيْنَ الرِّبَا خَاصَّةً). وكان شُرَيْحٌ يحبسُ المعسرَ في غيره من الديون. وعن أبي هريرةَ والحسنِ والضحَّاك :(أنَّ ذلِكَ وَاجِبٌ فِي كُلِّ دَيْنٍ) وهذا هو الأَصحُّ ؛ لأنَّ نزولَ الآية في رأسِ مال الربا لا يَمنعُ اعتبارَ سائرِ الديون بها بالاستدلال والقياسِ.
وذهبَ بعض النحويِّينَ : إلى أن الرفعَ في قوله ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ دليل على أنه ابتداءٌ على معنى : وإن وقعَ ذو عسرةٍ، أو وجد ذو عسرة، ولو كان مختصّاً هذا بالربا لقال : وإنْ كان ذَا عُسْرَةٍ، بالنصب.
البقرة 2:281
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ ؛ هذا تحذيرٌ من الله عَزَّ وَجَلَّ أن يوافي العبادُ ذلك اليومَ على غِرَّةٍ وغفلةٍ وتقصيرٍ في أوامر الله ومخالفتهِ فيما أحلَّ الله وحرَّم، يقول : اخْشَوا عذاب يومٍ ترجعون فيه إلى جزاءِ الله.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ ؛ أي توفَّى كلُّ نفسٍ جزاءَ ما عملت من خيرٍ أو شرٍّ، ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ أي لا يُنقصُ من حسناتِهم ولا يُزاد في سيئاتِهم.
قرأ أبو عمرٍو ويعقوبُ :(تَرْجِعُونَ) بفتح التاء، واعتبرهُ بقراءة أُبَيّ (وَاتَّقُوا يَوْمًا تَصِيْرُونَ فِيهِ إلَى اللهِ). وقرأ الباقون (تُرْجَعُونَ) بضمِّ التاء، اعتباراً بقراءة عبدِالله :(وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرَدُّونَ فِيهِ إلَى اللهِ).
قال ابنُ عباس :(هَذِهِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَذلِكَ أنَّهُ لَمَّا حَجَّ الْبَيْتَ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيْلُ عليه السلام وَهُوَ وَاقِفٌ بعَرَفَةَ بقَوْلِهِ تَعَالَى :﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾[المائدة: ٣] الآيَةُ، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾. قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ، ضَعْهَا عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيْنَ وَمِائَتَي آيَةٍ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَقُبضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ بتِسْعَةِ أيَّامٍ).
قال المفسرونَ :" لَمَّا نزلَ على رسولِ الله ﷺ ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾ قَالَ :[يَا لَيْتَنِي أعْلَمُ مَتَى ذلِكَ] فأنزلَ اللهُ هذه الآية ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، قَالَ :[أمَا إنَّ نَفْسِي نُعِيَتْ إلَيَّ] ثم بَكى بكاءً شديداً، فقيلَ لهُ : يا رسولَ اللهِ، أتبكي من الموتِ وقد غُفِرَ لك ما تقدَّمَ من ذنبكَ وما تأخرَ؟! فَقَالَ :[وَأيْنَ خَوْفُ الْمَطْلَعِ، وَأيْنَ ضِيْقُ الْقَبْرِ وَظُلْمَةُ اللَّحْدِ، وَأيْنَ الْقِيَامَةُ وَالأَهْوَالُ] " فعاشَ رسولُ الله ﷺ بعد نزولِ هذه الآيةِ عاماً ؛ ثم نزل قوله :﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾[التوبة: ١٢٨] فعاش رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية عَامَهَا بستةِ أشهرٍ.
ثم لَمَّا خرجَ رسولُ الله ﷺ إلى حَجَّةِ الوداعِ نزلَ عليه في الطريقِ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ﴾[النساء: ١٧٦] إلى آخرِها، ثم نزلَ بعدَها وهو واقفٌ بعرفةَ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾[المائدة: ٣] الآيةُ، فعاشَ بعدها إحدَى وثَمانينَ ليلةً، ثم نزل بعدَها آياتُ الرِّبَا. ثم نزلَ بعد ذلكَ ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ وهي آخرُ آيةٍ نزلت، فعاشَ رسولُ الله ﷺ بعدَها إحدَى وعشرين ليلةً، قال ابن جُريج :(تِسْعَ لَيَالٍ). وقال ابن جُبير ومقاتلُ :(سَبْعَ لَيَالٍ). ثم ماتَ يومَ الاثنينِ لليلتين مضت من شهرِ ربيعٍ الأول حينَ زاغَتِ الشمسُ سنةَ إحدَى عشرةَ من الهجرةِ.
البقرة 2:282
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ ؛ قال ابنُ عباس :(لَمَّا حَرَّمَ الرِّبَا أبَاحَ السَّلَمَ) وَظَاهِرُ الآيَةِ عَلَى كُلِّ دَيْنٍ مِنْ سَلَمٍ وَغَيْرِهِ. ومعنى الآية :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا﴾ تبايعتم بالنَّسيئةِ إلى وقتٍ معلوم فاكتبُوا الدَّين بأجلهِ وأشْهِدُوا عليه كَيْلا تحدِّث نفسُ أحدِكم بالطمعِ في حقِّ صاحبه، ولا يقعُ شكٌّ في مقدارهِ، ولا جحودٌ ولا نسيانٌ. والدَّين : ما كانَ مؤجَّلاً، والعينُ : ما كان حَاضِراً.
واختلفُوا في هذه الكتابةِ أنَّها فَرْضٌ أو ندبٌ ؟ فذهبَ أبو سعيدٍ الخدري والحسنُ والشعبيُّ :(أنَّ الْكِتَابَةَ والإشْهَادَ عَلَى الدُّيُونِ الآجِلَةِ كَانَا وَاجِبَيْنِ بِهَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ نُسِخَا بقَوْلِهِ تَعَالَى :﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً﴾[البقرة: ٢٨٣]. وقال ابنُ عباس :(لاَ وَاللهِ، إنَّ آيَةَ الدَّيْنِ مُحْكَمَةٌ مَا فِيْهَا نَسْخٌ). وهو قولُ الربيعِ وكعبٍ، وهذا هو الأصحُّ ؛ لأن الأمرَ بالكتابةِ والإشهادِ إنَّما وردَ مقروناً بقولهِ :﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً﴾[البقرة: ٢٨٣]، ويستحيلُ ورودُ الناسخِ والمنسوخِ معاً في شيءٍ واحد، فكأنَّ المرادَ بالأمرِ الندبُ.
والفائدةُ في قوله :﴿إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ بيانُ إعلامِ وجوب الأجلِ ؛ فإن جهالةَ الأجلِ في الْمُبَاعَاتِ تفسدُها. وقال بعضُهم : إن الكتابةَ فرضٌ واجبٌ.
وقال ابن جُريج :(مَنْ أدَانَ دَيْناً فَلْيَكْتُبْ، وَمَنْ بَاعَ فَلْيُشْهِدْ). يدلُّ عليه ما رُوي أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ :" ثَلاَثَةٌ يَدْعُونَ اللهَ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَهُمْ : رَجُلٌ كَانَ لَهُ دَيْنٌ فَلَمْ يُشْهِدْ، وَرَجُلٌ أعْطَى سَفِيْهاً مَالاً وَقَدْ قَالَ تَعَالَى :﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ﴾، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأةُ سَيِّئَةُ الْخُلُقِ فَلَمْ يُطَلِّقْهَا ".
وقال قومٌ : هو مستحبٌ ؛ وإن كتَبَ فحسنٌ وإن تركَ فلا بأسَ، كقولهِ تعالى :﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾[المائدة: ٢] وقولهِ تعالى :﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُواْ﴾[الجمعة: ١٠].
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ ؛ قرأ الحسنُ :(وَلِيَكْتُبْ) بكسرِ اللام وهذه لامُ الأمرِ، وهي إذا كانت مفردةً " سُكِّنَتْ " طلباً للخفَّةِ، ومنهم من يكسِرُها فليس فيها إلا الحركةُ، وإذا كان قبلَها (واو) أو (فاء) أو (ثُمَّ) فأكثرُ العرب على تسكينِها طلباً للخفَّةِ. ومنهم من يكسِرُها على الأصلِ.
ومعنى هذه الآيةِ : وَلْيَكْتُبْ كاتبٌ بين البائعِ والمشتري ؛ والطالب والمطلوب بالحقِّ والإنصافِ، فلا يزادُ فيه ولا ينقصُ منه، ولا يقدِّمُ الأجلَ ولا يؤخِّرهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ ؛ أي لا يَمْتَنِعُ أن يكتبَ كما ألْهَمَهُ اللهُ شُكراً لِما أنعمَ عليه حيث علَّمهُ الكتابةَ وأحوجَ غيرهُ إليهِ ؛ ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾.
واختلفوا في وجوب الكتابة على الكاتِب ؛ والشهادةِ على الشاهدِ ؛ فقال مجاهدُ والربيع :(وَاجِبٌ عَلَى الْكَاتِب أنْ يَكْتُبَ). وقال الحسنُ :(ذَلِكَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لاَ يَقْدِرُ فِيْهِ عَلَى كَاتِبٍ غَيْرِهِ، فَيَضُرُّ بصَاحِب الدَّيْنِ إنِ امْتَنَعَ، فَإنَّ الْكِتَابَةَ حِيْنَئِذٍ عَلَيْهِ فَرِيْضَةٌ.
البقرة 2:283
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ الآيةُ، معناه : إذا كنتم مسافرين ﴿وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً﴾ يكتبُ الوثيقة بالحقِّ، (فَـ) الوثيقةُ (رهَانٌ) يقبضُها الذي له الحقُّ.
قرأ ابنُ عباس وأبو العالية ومجاهدُ :(كِتَاباً) يعني الصحيفةَ والدَّواةَ ؛ قالوا : لأنه ربَّما يجدُ الكاتبَ ولا يجد المرادَ والصحيفةَ والدواةَ. وقرأ الضحَّاك :(كُتَّاباً) على جمعِ الكاتب. وقرأ الباقون :(كَاتِباً) وهو المختارُ لموافقة الْمُصْحَفِ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ قرأ ابنُ عباس ومجاهدُ وابن كثير وأبو عمرٍو :(فَرُهُنٌ). وقرأ عكرمةُ وعبدالوارث :(فَرَهْنُ) بإسكانِ الهاء. وقرأ الباقون :(فَرِهَانٌ) وهو جمعُ رهنٍ مثل نَعْلِ ونِعَالٍ ؛ وجَبَلٍ وجِبَالٍ. والرُّهُنُ : جمعُ رهان وهو جمع الجَمعِ، قاله الفرَّاءُ والكسائي. وقال أبو عبيدٍ :(هُوَ جَمْعُ رَهْنٍ، مِثْلُ سَقْفٍ وسُفُفٍ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ ؛ أي إنْ كان الذي عليه الحقُّ أميناً عند صاحب الحق فلم يرتَهن منه شيئاً لِثِقَتِهِ وحُسن ظنِّه ؛ ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ أي فليؤدِّ المطلوبُ أمانتَه بأن لا يبخَسَ ولا يجحدَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ﴾ ؛ أي لا تكتُمُوها عند الحكَّام ولا تَمتنعوا عن أدائِها، ﴿وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ ؛ أي فاجرٌ سَرِيْرَتُهُ، وأضافَ الإثْمَ إلى القلب وإن كان الآثِمُ هو الكاتِم ؛ لأن اكتسابَ الإثم بكتمانِ الشهادة يقعُ بالقلب ؛ وهذا أبلغُ في الوعيدِ وأحسنُ في البيانِ ؛ لأن كاتِم الشهادة يلحقهُ الإثم من وجهين ؛ أحدُهما : العزمُ على أن لا يؤدِّي. والثاني : تركُ أدائها باللسانِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ؛ أي عليمٌ بما تعملون به من كتمانِ الشهادةِ وإقامتها ؛ وأداءِ الأمانة والخيانةِ فيها ؛ عالِمٌ لا يخفَى عليه شيء مِمَّا تفعلونَ.
ولا خلافَ بين العلماء في جواز الرهن في الْحَضَرِ ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ " اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَاماً إلَى أجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ " والفائدةُ في ذكرِ السفرِ في الآية : أن الأغلبَ من حالِ السفر عدمُ الشهود والكُتَّاب ؛ فخُصَّ الرهنُ بحال السفرِ. وعن مجاهد :(أنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الرَّهْنَ فِي الْحَضَرِ).
البقرة 2:284
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿للَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ ؛ اختلفَ المفسرونَ في هذه الآيةِ ؛ فقال قومٌ : هي خاصَّة ؛ واختلفوا في خصوصِها، فقال بعضُهم : نزلت في كتمانِ الشهادة وإقامتِها. يعني ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أيُّها الشهودُ مِن كتمان الشهادةِ أو تُخفوا الكتمانَ ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. وهذا قولُ الشعبيِّ وعكرمةَ، وروايةُ مجاهد عن ابنِ عباس، يدلُّ عليه قَوْلُهُ تَعَالَى فيما قبلها :﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ﴾[البقرة: ٢٨٣] الآيةُ.
وذهبَ بعضُهم إلى أنَّها عامَّةٌ في الشهادةِ وفي غيرها، ثم اختلفُوا في وجهِ عمومِها ؛ فقال بعضُهم : هي منسوخةٌ.
" وروي أنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ جَاءَ أبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَنَاسٌ مِنَ الأَنْصَار إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ فَجَثَواْ عَلَى الرُّكَب وَقَالُواْ : يَا رَسُولَ اللهِ، مَا نَزَلَ عَلَيْنَا آيَةً أشَدُّ مِنْ هَذِهِ ؛ إنَّ أحَدَنَا لَيُحَدِّثُ نَفْسَهُ بمَا لاَ يُحِبُّ أنْ يَثْبُتَ فِي قَلْبهِ - يعني يحدثُ نفسَهُ بأمرٍ من المعصيةِ ثُم لا يعملُ بها - وَإنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بمَا تُحَدِّثُ بهِ نُفُوسَنَا إذا هَلَكْنَا ؟ فَقَالَ ﷺ :[هَكَذَا نَزَلَتْ]، فَقَالُواْ : كُلِّفْنَا مِنَ الْعَمَلِ مَا لاَ نُطِيْقُ، فَقَالَ ﷺ :[أفَتَقُولُونَ كَمَا قَالَتِ الْيَهُودُ : سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟!] فَقَالُواْ : بَلْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا يَا رَسُولَ الله. وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ ذلِكَ ؛ فَمَكَثُواْ حَوْلاً، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ فَنَسَخَتْ مَا قَبْلَهَا. فَقَالَ ﷺ :[إنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بهِ أنْفُسَهَا مَا لَمْ يَعْمَلُواْ أوْ يَتَكَلَّمُواْ بهِ] " وهذا قولُ ابنِ مسعودٍ وأبي هريرةَ وعائشةَ برواية ابنِ جبير وعطاءٍ وابن سيرين وقتادةَ والكلبيِّ وشيبانَ.
وقال بعضُهم : لا يجوزُ أن تكون هذه الآيةُ منسوخةً ؛ لأنَّها خبرٌ من عندِ الله ؛ والخَبرُ لا يحتملُ النسخَ ؛ لأنه خَلَفٌ ؛ تَعَالَى اللهُ عَنْ ذلِكَ عُلُوّاً كَبيْراً، لكنَّ المرادَ بالآية إظهارُ العمل وإخفاؤُه. وقال الربيعُ :(هَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ لَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ، فَإنَّ اللهَ تَعَالَى يُعَرَِّفُ عَبْدَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ : إنَّكَ أخْفَيْتَ فِي صَدْركَ كَذَا وَكَذَا، يُحَاسِبُهُ عَلَى مَا أسَرَّ وَأعْلَنَ مِنْ حَرَكَةٍ فِي جَوَارحِهِ وَهَمِّهِ فِي قَلْبهِ، فَهَكَذَا يُصْنَعُ بكُلِّ عِبَادِهِ، ثم يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ).
وقيل : لا يؤاخذُ المؤمنَ بما حاسبَهُ من ذلك، فمعناهُ : وإن تُظهروا ما في أنفسكم من المعاصي أو تُضمروا إرادتَها في أنفسكم فتخفوها ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ أي يخبرُكم بها ويحاسبُكم عليها، ثم يغفرُ لمن يشاء ويعذبُ من يشاء، وهذا قولُ الحسنِ والربيع وروايةُ الضحاكِ عن ابن عباس، يدلُّ عليه قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـائِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾
البقرة 2:285
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ ؛ الآية، لَمَّا سبقَ في السورة ذكرُ أحكامٍ كثيرة أثنى اللهُ على مَن آمن بها وقَبلَهَا، وقال عَزَّ من قائلٍ :﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾ بجميعِ الأحكامِ التي أنزلَها اللهُ تعالى، وكذلك المؤمنونَ كلُّهم آمنوا باللهِ، وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَلائِكَتِهِ﴾ ؛ إنَّما أتى بالملائكةِ لأن حَيّاً من خُزاعة كانوا يقولون : الملائكةُ بناتُ اللهِ، فقالَ ﷺ :" وَالْمُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ : إنَّ الْمَلاَئِكَةَ عِبَادُ اللهِ ".
قولهُ :﴿وَكُتُبِهِ﴾ ؛ قرأ ابن عباس وعكرمةُ والأعمش وحمزة والكسائيُّ وخَلَفُ :(وَكِتَابهِ) بالألفِ. وقرأ الباقون (وَكُتُبهِ) بالجمعِ، وهو ظاهرٌ كقوله ﴿وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسِلِهِ﴾. وللتوحيدِ وجهان ؛ أحدُهما : أنَّهم أرادوا القرآنَ خاصَّةً، والثاني : أنَّهم أرادوا جميعَ الكُتُب ؛ كقول العرب : كَثُرَ الدرهمُ والدينار في أيدي الناسِ، يريدون الدراهمَ والدنانيرَ. يدلُّ عليه قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾[البقرة: ٢١٣].
وقَوْلُهُ تََعَالَى :﴿وَرُسُلِهِ﴾ ؛ قرأ الحسن :(وَرُسْلِهِ) بسكونِ السين لكثرةِ الحركات ؛ ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ ؛ أي لا نفعلُ كما فعلَ أهلُ الكتاب آمنوا ببعضِ الرسل وكفروا ببعضٍ. وفي مُصحفِ عبدِالله :(لاَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ أحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ). وقرأ جُرير بن عبدالله وسعيدُ بن جبيرٍ ويحيى بن يَعْمُرَ ويعقوبُ :(لاَ يُفَرِّقُ) بالياءِ، بمعنى لا يفرِّقُ الكلَّ، ويجوزُ أن يكون خبراً عن الرسولِ. وقرأ الباقون بالنون على إضمار القولِ ؛ تقديرهُ : قالوا لا نُفَرِّقُ، كقولهِ تعالى :﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾[الرعد: ٢٣-٢٤] ؛ أي يقولون : سلامٌ عليكم.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ؛ أي سَمعنا قولَك وأطَعنا أمرَكَ. وقيل : معنى ﴿وَأَطَعْنَا﴾ قَبلْنَا ما سَمعنا ؛ بخلافِ ما قالتِ اليهودُ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ؛ أي اغْفِرْ غُفْرَانَكَ يَا رَبَّنَا. وقيل : معناهُ : نسألُكَ غفرانَك. والأول مصدرٌ، والثاني مفعولٌ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ أي نحنُ مقرُّون بالبعثِ. ومعنى قوله :﴿وَإِلَيْكَ﴾ أي إلى جَزَائِكَ ؛ وهذا كما قالَ عَزَّ وَجَلَّ حكايةً عن إبراهيمَ عليه السلام :﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾[الصافات: ٩٩] أي إلى حيثُ أمرُ رَبي.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ؛ قرأ إبراهيمُ بن أبي عبلةَ :(إلاَّ وَسِعَهَا) بفتحِ الواو وكسرِ السين على الفعلِ ؛ يريدُ إلا وَسِعَهَا أمرُهُ.
ومعنى الآيةِ :﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً﴾ فَرْضاً من فروضها من صومٍ أو صلاة أو صدقةٍ أو غير ذلك من حديثِ النفسِ ؛ إلا مقدارَ طاقتها كما قالَ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ :" صَلِّ قَائِماً ؛ فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِداً ؛ فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبكَ تُومِئُ إيْمَاءٌ ".
قال قومٌ : لو كلَّفَ اللهُ العبادَ فوقَ وسعِهم لكان ذلك لهُ ؛ لأن الخلقَ خلقهُ والأمرَ أمره، ولكنه أخبرَ أنه لا يفعلهُ.
البقرة 2:286
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ ؛ الآية، لَمَّا سبقَ في السورة ذكرُ أحكامٍ كثيرة أثنى اللهُ على مَن آمن بها وقَبلَهَا، وقال عَزَّ من قائلٍ :﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾ بجميعِ الأحكامِ التي أنزلَها اللهُ تعالى، وكذلك المؤمنونَ كلُّهم آمنوا باللهِ، وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَلائِكَتِهِ﴾ ؛ إنَّما أتى بالملائكةِ لأن حَيّاً من خُزاعة كانوا يقولون : الملائكةُ بناتُ اللهِ، فقالَ ﷺ :" وَالْمُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ : إنَّ الْمَلاَئِكَةَ عِبَادُ اللهِ ".
قولهُ :﴿وَكُتُبِهِ﴾ ؛ قرأ ابن عباس وعكرمةُ والأعمش وحمزة والكسائيُّ وخَلَفُ :(وَكِتَابهِ) بالألفِ. وقرأ الباقون (وَكُتُبهِ) بالجمعِ، وهو ظاهرٌ كقوله ﴿وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسِلِهِ﴾. وللتوحيدِ وجهان ؛ أحدُهما : أنَّهم أرادوا القرآنَ خاصَّةً، والثاني : أنَّهم أرادوا جميعَ الكُتُب ؛ كقول العرب : كَثُرَ الدرهمُ والدينار في أيدي الناسِ، يريدون الدراهمَ والدنانيرَ. يدلُّ عليه قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾[البقرة: ٢١٣].
وقَوْلُهُ تََعَالَى :﴿وَرُسُلِهِ﴾ ؛ قرأ الحسن :(وَرُسْلِهِ) بسكونِ السين لكثرةِ الحركات ؛ ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ ؛ أي لا نفعلُ كما فعلَ أهلُ الكتاب آمنوا ببعضِ الرسل وكفروا ببعضٍ. وفي مُصحفِ عبدِالله :(لاَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ أحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ). وقرأ جُرير بن عبدالله وسعيدُ بن جبيرٍ ويحيى بن يَعْمُرَ ويعقوبُ :(لاَ يُفَرِّقُ) بالياءِ، بمعنى لا يفرِّقُ الكلَّ، ويجوزُ أن يكون خبراً عن الرسولِ. وقرأ الباقون بالنون على إضمار القولِ ؛ تقديرهُ : قالوا لا نُفَرِّقُ، كقولهِ تعالى :﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾[الرعد: ٢٣-٢٤] ؛ أي يقولون : سلامٌ عليكم.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ؛ أي سَمعنا قولَك وأطَعنا أمرَكَ. وقيل : معنى ﴿وَأَطَعْنَا﴾ قَبلْنَا ما سَمعنا ؛ بخلافِ ما قالتِ اليهودُ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ؛ أي اغْفِرْ غُفْرَانَكَ يَا رَبَّنَا. وقيل : معناهُ : نسألُكَ غفرانَك. والأول مصدرٌ، والثاني مفعولٌ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ أي نحنُ مقرُّون بالبعثِ. ومعنى قوله :﴿وَإِلَيْكَ﴾ أي إلى جَزَائِكَ ؛ وهذا كما قالَ عَزَّ وَجَلَّ حكايةً عن إبراهيمَ عليه السلام :﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾[الصافات: ٩٩] أي إلى حيثُ أمرُ رَبي.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ؛ قرأ إبراهيمُ بن أبي عبلةَ :(إلاَّ وَسِعَهَا) بفتحِ الواو وكسرِ السين على الفعلِ ؛ يريدُ إلا وَسِعَهَا أمرُهُ.
ومعنى الآيةِ :﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً﴾ فَرْضاً من فروضها من صومٍ أو صلاة أو صدقةٍ أو غير ذلك من حديثِ النفسِ ؛ إلا مقدارَ طاقتها كما قالَ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ :" صَلِّ قَائِماً ؛ فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِداً ؛ فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبكَ تُومِئُ إيْمَاءٌ ".
قال قومٌ : لو كلَّفَ اللهُ العبادَ فوقَ وسعِهم لكان ذلك لهُ ؛ لأن الخلقَ خلقهُ والأمرَ أمره، ولكنه أخبرَ أنه لا يفعلهُ.
آل عمران 3:1
﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، قال ابنُ عبَّاس معناه :(أَنا اللهُ أعْلَمُ)، ويقال : هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللهُ بأنه واحدٌ لا شريكَ له ولا معبودَ للخلقِ سواهُ، وقد تقدَّم تفسيرُ الحروف المقطَّعة في أولِ سورة البقرَة.
قال أنسُ رضي الله عنه :" نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي وَفْدِ نَجْرَانَ وَكَانُوا سِتِّينَ رَاكِباً قَدِمُواْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَفِيْهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلاً مِنْ أشْرَافِهِمْ، وَفِي الأرْبَعَةَ عَشَرَ ثلاَثَةٌ يَؤُولُ أمْرُهُمْ إلَيْهِمْ : الْعَاقِبُ أمِيْرُ الْجَيْشِ وَصَاحِبُ مَشُورَتِهِمْ الَّذِيْ لاَ يَصْدُرُونَ إلاّ عَنْ رَأْيهِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيْحِ، وَالثَّانِي : اسْمُهُ الأَيْهَمُ صَاحِبُ رَحْلِهِمْ، وَأبُو حَارثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ إمَامُهُمْ وَصَاحِبُ مَدَارسِهِمْ، وَكَانَ قَدْ دَرَسَ كُتُبَهُمْ حَتَّى حَسُنَ عِلْمُهُ فِيْهِمْ فِي دِيْنِهِمْ.
فَدَخَلُواْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي مَسْجِدِهِ وَقْتَ صَلاَةِ الْعَصْرِ وَعَلَيْهمْ ثِيَابُ الْحِبَرَاتِ ؛ جُبَبٌ وَأرْدِيَةٌ، فَقَامُواْ وَأقْبَلُواْ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتَوَجَّهُواْ إلى نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ، فَقَالَ ﷺ لِلْعَاقِب وَالأَيْهَمِ :" أسْلِمَا ". فَقَالاَ : قَدْ أسْلَمْنَا قَبْلَكَ، فَقَالَ :" كَذَبْتُمَا، يَمْنَعُكُمَا عَنِ الإسْلاَمِ دَعْوَاكُمَا للهِ وَلَداً وَعِبَادَتِكُمَا الصَّلِيْبَ وأكْلِكُمَا الْخِنْزِيْرَ " قَالاَ : فَإنْ لَمْ يَكُنْ وَلَداً للهِ فَمَنْ أبُوهُ ؟ وَخَاصَمُوهُ جَمِيْعاً فِي عِيْسَى عليه السلام، فَقَالَ ﷺ :" ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لاَ يَكُونُ وَلَداً إلاَّ وَهُوَ يُشْبهُ أبَاهُ ؟ " قَالُواْ : بَلَى، قَالَ :" ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنَا حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، وَأنَّ عِيْسَى يَأْتِي عَلَيْهِ الْفَنَاءُ ؟ " قَالُواْ : بَلَى، قال :" ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنَا قَيِّمٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَحْفَظُهُ وَيَرْزُقُهُ ؟ " قَالُواْ : بَلَى، قَالَ :" فَهَلْ يَمْلِكُ عِيْسَى مِنْ ذلِكَ شَيْئاً ؟ " قَالُواْ : لا، قَالَ :" ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ ؟ " قَالُواْ : بَلَى، قَالَ :" فَهَلْ يَعْلَمُ عِيْسَى مِنْ ذلِكَ شَيْئاً غَيْرَ مَا عَلَّمَهُ اللهُ ؟ " قَالُواْ : لاَ، قَالَ :" فَإنَّ رَبَّنَا صَوَّرَ عِيْسَى فِي الرَّحِمِ كَيْفَ شَاءَ، وَرَبُّنَا لاَ يَأْكُلُ وَلاَ يَشْرَبُ وَلاَ يُحْدِثُ، ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ ذلِكَ ؟ " قَالُواْ : بَلَى، قَالَ :" ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيْسَى حَمَلَتْهُ أمُّهُ كَمَا تَحْمِلُ النَّاسَ الْمَرْأةُ، ثُمَّ وَضَعَتْهُ كَمَا تَضَعُ الْمَرْأَةُ، ثُمَّ غُذِّيَ كَمَا يُغَذى الصَّبيُّ، فَكَانَ يَطْعَمُ وَيَشْرَبُ وَيُحْدِثُ ؟ " قَالُواْ : بَلَى، قَالَ :" فَكَيْفَ يَكونُ هذا كَمَا زَعَمْتُمْ ؟ " فَسَكَتُواْ. فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيْهِمْ أوَّلَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ إلى بضْعٍ وَثَمَانِيْنَ آيَةً فِيْهَا "
فقالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ الحيُّ : هو الدائمُ الذي لا ندَّ لهُ، الذي لا يَموت ولا يزولُ، والقيُّومُ : القائمُ على كلِّ نفسٍ بما كسبَت.
وأكثرُ القُرَّاء على فتحِ الميم من (الم) وللفتحِ وجهَانِ ؛ أحدُهما : أنهُ لَمَّا كانت الميمُ بعدَ ياء ساكنة استثقلوا فيها السكونَ فحرَّكوها إلى الفَتحِ ؛ لأنَّ ذلك أخفُّ نَحْوُ : أيْنَ وكَيْفَ. والثانِي : أنهُ أُلْقِيَ عليها فتحةُ الهمزةِ من ألفِ (الله) وهذا جائزٌ في الهجاء وإنْ كان لا يجوزُ مثله في الكلامِ الموصول من حيثُ إنَّ حروفَ الهجاء مبنيةٌ على الوقفِ، ومَن قرأ بتسكين الميمِ فعلى أصلِ حروف الهجاء أنَّها مبنيةٌ على الوقوفِ والسكون.
آل عمران 3:2
﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، قال ابنُ عبَّاس معناه :(أَنا اللهُ أعْلَمُ)، ويقال : هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللهُ بأنه واحدٌ لا شريكَ له ولا معبودَ للخلقِ سواهُ، وقد تقدَّم تفسيرُ الحروف المقطَّعة في أولِ سورة البقرَة.
قال أنسُ رضي الله عنه :" نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي وَفْدِ نَجْرَانَ وَكَانُوا سِتِّينَ رَاكِباً قَدِمُواْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَفِيْهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلاً مِنْ أشْرَافِهِمْ، وَفِي الأرْبَعَةَ عَشَرَ ثلاَثَةٌ يَؤُولُ أمْرُهُمْ إلَيْهِمْ : الْعَاقِبُ أمِيْرُ الْجَيْشِ وَصَاحِبُ مَشُورَتِهِمْ الَّذِيْ لاَ يَصْدُرُونَ إلاّ عَنْ رَأْيهِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيْحِ، وَالثَّانِي : اسْمُهُ الأَيْهَمُ صَاحِبُ رَحْلِهِمْ، وَأبُو حَارثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ إمَامُهُمْ وَصَاحِبُ مَدَارسِهِمْ، وَكَانَ قَدْ دَرَسَ كُتُبَهُمْ حَتَّى حَسُنَ عِلْمُهُ فِيْهِمْ فِي دِيْنِهِمْ.
فَدَخَلُواْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي مَسْجِدِهِ وَقْتَ صَلاَةِ الْعَصْرِ وَعَلَيْهمْ ثِيَابُ الْحِبَرَاتِ ؛ جُبَبٌ وَأرْدِيَةٌ، فَقَامُواْ وَأقْبَلُواْ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتَوَجَّهُواْ إلى نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ، فَقَالَ ﷺ لِلْعَاقِب وَالأَيْهَمِ :" أسْلِمَا ". فَقَالاَ : قَدْ أسْلَمْنَا قَبْلَكَ، فَقَالَ :" كَذَبْتُمَا، يَمْنَعُكُمَا عَنِ الإسْلاَمِ دَعْوَاكُمَا للهِ وَلَداً وَعِبَادَتِكُمَا الصَّلِيْبَ وأكْلِكُمَا الْخِنْزِيْرَ " قَالاَ : فَإنْ لَمْ يَكُنْ وَلَداً للهِ فَمَنْ أبُوهُ ؟ وَخَاصَمُوهُ جَمِيْعاً فِي عِيْسَى عليه السلام، فَقَالَ ﷺ :" ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لاَ يَكُونُ وَلَداً إلاَّ وَهُوَ يُشْبهُ أبَاهُ ؟ " قَالُواْ : بَلَى، قَالَ :" ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنَا حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، وَأنَّ عِيْسَى يَأْتِي عَلَيْهِ الْفَنَاءُ ؟ " قَالُواْ : بَلَى، قال :" ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رَبَّنَا قَيِّمٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَحْفَظُهُ وَيَرْزُقُهُ ؟ " قَالُواْ : بَلَى، قَالَ :" فَهَلْ يَمْلِكُ عِيْسَى مِنْ ذلِكَ شَيْئاً ؟ " قَالُواْ : لا، قَالَ :" ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ ؟ " قَالُواْ : بَلَى، قَالَ :" فَهَلْ يَعْلَمُ عِيْسَى مِنْ ذلِكَ شَيْئاً غَيْرَ مَا عَلَّمَهُ اللهُ ؟ " قَالُواْ : لاَ، قَالَ :" فَإنَّ رَبَّنَا صَوَّرَ عِيْسَى فِي الرَّحِمِ كَيْفَ شَاءَ، وَرَبُّنَا لاَ يَأْكُلُ وَلاَ يَشْرَبُ وَلاَ يُحْدِثُ، ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ ذلِكَ ؟ " قَالُواْ : بَلَى، قَالَ :" ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيْسَى حَمَلَتْهُ أمُّهُ كَمَا تَحْمِلُ النَّاسَ الْمَرْأةُ، ثُمَّ وَضَعَتْهُ كَمَا تَضَعُ الْمَرْأَةُ، ثُمَّ غُذِّيَ كَمَا يُغَذى الصَّبيُّ، فَكَانَ يَطْعَمُ وَيَشْرَبُ وَيُحْدِثُ ؟ " قَالُواْ : بَلَى، قَالَ :" فَكَيْفَ يَكونُ هذا كَمَا زَعَمْتُمْ ؟ " فَسَكَتُواْ. فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيْهِمْ أوَّلَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ إلى بضْعٍ وَثَمَانِيْنَ آيَةً فِيْهَا "
فقالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ الحيُّ : هو الدائمُ الذي لا ندَّ لهُ، الذي لا يَموت ولا يزولُ، والقيُّومُ : القائمُ على كلِّ نفسٍ بما كسبَت.
وأكثرُ القُرَّاء على فتحِ الميم من (الم) وللفتحِ وجهَانِ ؛ أحدُهما : أنهُ لَمَّا كانت الميمُ بعدَ ياء ساكنة استثقلوا فيها السكونَ فحرَّكوها إلى الفَتحِ ؛ لأنَّ ذلك أخفُّ نَحْوُ : أيْنَ وكَيْفَ. والثانِي : أنهُ أُلْقِيَ عليها فتحةُ الهمزةِ من ألفِ (الله) وهذا جائزٌ في الهجاء وإنْ كان لا يجوزُ مثله في الكلامِ الموصول من حيثُ إنَّ حروفَ الهجاء مبنيةٌ على الوقفِ، ومَن قرأ بتسكين الميمِ فعلى أصلِ حروف الهجاء أنَّها مبنيةٌ على الوقوفِ والسكون.
آل عمران 3:3
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، قرأ ابراهيمُ بن أبي عبلة :(نَزَل عَلَيْكَ الْكِتَابَ) بتخفيف الزاي، وقرأ الباقون بالتشديد، ونصبَ الياءَ لأنَّ القرآنَ كان ينْزل مُنَجَّماً شيئاً بعد شيء، والتنْزِيل مرَّةً بعد مرَّةٍ. قال اللهُ تعالى :﴿وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ ؛ لأنَّهما نَزَلَتَا دفعةً واحدة. ومعنى الآية : نزَّلَ عليكَ يا مُحَمَّدُ القرآنَ بالصدقِ لإقامةِ أمر الحقِّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ؛ أي مُوَافِقاً لِما تقدَّمَه من التوراة والانجيلِ وسائرِ كتب الله تعالى في الدُّعاء إلى توحيدِ الله، وبيان أقَاصِيص الأنبياءِ والأمرِ بالعدل والإحسَان وسائرِ ما لا يجري فيه النَّسْخُ وبعض الشرائع. وانتصَبَ ﴿مُصَدِّقاً﴾ على الحالِ من الكتاب.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ أي أنزلَ التوراة جملةً على موسى، والإنجيل جملة على عيسى ﴿مِن قَبْلُ﴾ القرآنِ، ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ ؛ أي بياناً ونوراً وضياءً لمن تبعه. وموضع ﴿هُدًى﴾ نصب على الحال.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ ؛ يعني القرآنَ، وأمَّا ذِكْرُهُ لبيانِ أنهُ يُفَرِّقُ بين الحقِّ والباطل، ومتى اختلفَ فوائدُ الصفاتِ على موصوفٍ واحد لم يكن ذِكْرُ الصفةِ الثانية تَكْراراً، بل تكونُ الثانيةُ في حُكْمِ المبتدلات لكلِّ صفة فائدةٌ ليست للأخرى، والصفةُ الأولى تفيدُ أنَّ من شأنِهِ أن يُكْتَبَ، والصفةُ الثانية تفيدُ أنَّ من شأنه أن يُفَرِّقَ بين الحق والباطلِ. وقيل : إنَّ كلَّ كتاب لله فهو فرقانٌ.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾، معناهُ : إنَّ في كُتُب اللهِ ما يدلُّ على صدق قولِكَ ؛ فَمَنْ جَحَدَ بآياتِ الله وهي العلاماتُ الْهَادِيَةُ إليه الدَّالَّةُ على توحيدهِ فأولئِكَ لَهم عذابٌ شديدٌ، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ أي ذو نِقْمَةٍ يَنْتَقِمُ ممن عصاهُ.
ثم حذرَهم عن التلبُّس والاستتار عن المعصية، فقالَ :﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَآءِ﴾، أي لا يخفَى عليه قولُ الكفَّار وعملُهم، يُحصي كلَّ ما يعملونَه فيجازيهم عليه في الآخرةِ.
وفائدةُ تخصيصِ الأرض والسماء وإنْ كان اللهُ لا يَخفى عليه شيءٌ بوجهٍ من الوجوه : أنَّ ذِكْرَ الأرضِ والسماء أكبرُ في النفسِ وأهولُ في الصدر، فذكرَه على وجه الأهوالِ، إذ كان الغرضُ به التحذير.
آل عمران 3:4
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، قرأ ابراهيمُ بن أبي عبلة :(نَزَل عَلَيْكَ الْكِتَابَ) بتخفيف الزاي، وقرأ الباقون بالتشديد، ونصبَ الياءَ لأنَّ القرآنَ كان ينْزل مُنَجَّماً شيئاً بعد شيء، والتنْزِيل مرَّةً بعد مرَّةٍ. قال اللهُ تعالى :﴿وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ ؛ لأنَّهما نَزَلَتَا دفعةً واحدة. ومعنى الآية : نزَّلَ عليكَ يا مُحَمَّدُ القرآنَ بالصدقِ لإقامةِ أمر الحقِّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ؛ أي مُوَافِقاً لِما تقدَّمَه من التوراة والانجيلِ وسائرِ كتب الله تعالى في الدُّعاء إلى توحيدِ الله، وبيان أقَاصِيص الأنبياءِ والأمرِ بالعدل والإحسَان وسائرِ ما لا يجري فيه النَّسْخُ وبعض الشرائع. وانتصَبَ ﴿مُصَدِّقاً﴾ على الحالِ من الكتاب.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ أي أنزلَ التوراة جملةً على موسى، والإنجيل جملة على عيسى ﴿مِن قَبْلُ﴾ القرآنِ، ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ ؛ أي بياناً ونوراً وضياءً لمن تبعه. وموضع ﴿هُدًى﴾ نصب على الحال.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ ؛ يعني القرآنَ، وأمَّا ذِكْرُهُ لبيانِ أنهُ يُفَرِّقُ بين الحقِّ والباطل، ومتى اختلفَ فوائدُ الصفاتِ على موصوفٍ واحد لم يكن ذِكْرُ الصفةِ الثانية تَكْراراً، بل تكونُ الثانيةُ في حُكْمِ المبتدلات لكلِّ صفة فائدةٌ ليست للأخرى، والصفةُ الأولى تفيدُ أنَّ من شأنِهِ أن يُكْتَبَ، والصفةُ الثانية تفيدُ أنَّ من شأنه أن يُفَرِّقَ بين الحق والباطلِ. وقيل : إنَّ كلَّ كتاب لله فهو فرقانٌ.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾، معناهُ : إنَّ في كُتُب اللهِ ما يدلُّ على صدق قولِكَ ؛ فَمَنْ جَحَدَ بآياتِ الله وهي العلاماتُ الْهَادِيَةُ إليه الدَّالَّةُ على توحيدهِ فأولئِكَ لَهم عذابٌ شديدٌ، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ أي ذو نِقْمَةٍ يَنْتَقِمُ ممن عصاهُ.
ثم حذرَهم عن التلبُّس والاستتار عن المعصية، فقالَ :﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَآءِ﴾، أي لا يخفَى عليه قولُ الكفَّار وعملُهم، يُحصي كلَّ ما يعملونَه فيجازيهم عليه في الآخرةِ.
وفائدةُ تخصيصِ الأرض والسماء وإنْ كان اللهُ لا يَخفى عليه شيءٌ بوجهٍ من الوجوه : أنَّ ذِكْرَ الأرضِ والسماء أكبرُ في النفسِ وأهولُ في الصدر، فذكرَه على وجه الأهوالِ، إذ كان الغرضُ به التحذير.
آل عمران 3:5
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، قرأ ابراهيمُ بن أبي عبلة :(نَزَل عَلَيْكَ الْكِتَابَ) بتخفيف الزاي، وقرأ الباقون بالتشديد، ونصبَ الياءَ لأنَّ القرآنَ كان ينْزل مُنَجَّماً شيئاً بعد شيء، والتنْزِيل مرَّةً بعد مرَّةٍ. قال اللهُ تعالى :﴿وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ ؛ لأنَّهما نَزَلَتَا دفعةً واحدة. ومعنى الآية : نزَّلَ عليكَ يا مُحَمَّدُ القرآنَ بالصدقِ لإقامةِ أمر الحقِّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ؛ أي مُوَافِقاً لِما تقدَّمَه من التوراة والانجيلِ وسائرِ كتب الله تعالى في الدُّعاء إلى توحيدِ الله، وبيان أقَاصِيص الأنبياءِ والأمرِ بالعدل والإحسَان وسائرِ ما لا يجري فيه النَّسْخُ وبعض الشرائع. وانتصَبَ ﴿مُصَدِّقاً﴾ على الحالِ من الكتاب.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ أي أنزلَ التوراة جملةً على موسى، والإنجيل جملة على عيسى ﴿مِن قَبْلُ﴾ القرآنِ، ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ ؛ أي بياناً ونوراً وضياءً لمن تبعه. وموضع ﴿هُدًى﴾ نصب على الحال.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ ؛ يعني القرآنَ، وأمَّا ذِكْرُهُ لبيانِ أنهُ يُفَرِّقُ بين الحقِّ والباطل، ومتى اختلفَ فوائدُ الصفاتِ على موصوفٍ واحد لم يكن ذِكْرُ الصفةِ الثانية تَكْراراً، بل تكونُ الثانيةُ في حُكْمِ المبتدلات لكلِّ صفة فائدةٌ ليست للأخرى، والصفةُ الأولى تفيدُ أنَّ من شأنِهِ أن يُكْتَبَ، والصفةُ الثانية تفيدُ أنَّ من شأنه أن يُفَرِّقَ بين الحق والباطلِ. وقيل : إنَّ كلَّ كتاب لله فهو فرقانٌ.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾، معناهُ : إنَّ في كُتُب اللهِ ما يدلُّ على صدق قولِكَ ؛ فَمَنْ جَحَدَ بآياتِ الله وهي العلاماتُ الْهَادِيَةُ إليه الدَّالَّةُ على توحيدهِ فأولئِكَ لَهم عذابٌ شديدٌ، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ أي ذو نِقْمَةٍ يَنْتَقِمُ ممن عصاهُ.
ثم حذرَهم عن التلبُّس والاستتار عن المعصية، فقالَ :﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَآءِ﴾، أي لا يخفَى عليه قولُ الكفَّار وعملُهم، يُحصي كلَّ ما يعملونَه فيجازيهم عليه في الآخرةِ.
وفائدةُ تخصيصِ الأرض والسماء وإنْ كان اللهُ لا يَخفى عليه شيءٌ بوجهٍ من الوجوه : أنَّ ذِكْرَ الأرضِ والسماء أكبرُ في النفسِ وأهولُ في الصدر، فذكرَه على وجه الأهوالِ، إذ كان الغرضُ به التحذير.
آل عمران 3:6
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ ؛ أي خلقكم في أرحامِ الأُمَّهات كيف يشاءَ من لَوْنٍ وطُولٍ وقِصَرٍ وعِظَمٍ وصُغْرٍ وذُكُورَةٍ وأنُوثَةٍ وَحُسنٍ وَقُبحٍ وسعيدٍ أو شَقِيٍّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ؛ أي لا مُصَوِّرَ ولا خالقَ إلاّ هو. ومعنى العزيزِ : الْمَنِيْعُ في سلطانهِ، لا يغالَبُ ولا يُمانَعُ، ومعنى الحكيمِ : الْمُحْكِمُ في تدبيرهِ وقضائه في عبَاده، وأفعالُ الله كلُّها شاهدةٌ بأنه الواحدُ القديْمُ العالِمُ القادرُ.
آل عمران 3:7
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، قال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَاهُ : هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ مِنْهُ آيَاتٌ وَاضِحَاتٌ مُبيِّنَاتٌ لِلْحَلاَلِ وَالْحَرَامِ هُنَّ أصْلُ الْكِتَاب الَّذِي أنْزِلَ عَلََيْكَ يُعْمَلُ عَلَيْهِ فِي الأَحْكَامِ، وَهُنَِّ أمٌّ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيْلِ وَالزَّبُور وَكُلِّ كِتَابٍ) نحوُ قولهِ تعالى :﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾[الأنعام: ١٥١].
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أي ومنهُ آياتٌ أُخَرُ اشتبهَت على اليهودِ مثلُ ﴿الم﴾ و ﴿المص﴾. وقيلَ : يشبهُ بعضُها بعضاً.
واختلفوا في الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابهِ، فقال قتادةُ والربيع والضحَّاك والسديُّ :(الْمُحْكَمُ هُوَ النَّاسِخُ الَّذِي يُعْمَلُ بهِ، وَالْمُتَشَابهُ هُوَ الْمَنْسُوخُ الَّذِي يُؤْمَنُ بهِ وَلاَ يُعْمَلُ بهِ). وعن ابنُ عباس قال :(مُحْكَمَاتُ الْقُرْآنِ : نَاسِخُهُ، وَحَلاَلُهُ ؛ وَحَرَامُهُ، وَحُدُودُهُ ؛ وَفَرَائِضُهُ ؛ وَأَوَامِرُهُ، وَالْمُتَشَابهَاتُ : مَنْسُوخُهُ، وَمُقَدَّمُهُ وَمُؤَخَّرُهُ، وَأَمْثَالُهُ وَأقْسَامُهُ). وقال مجاهدُ وعكرمة :(الْمُحْكَمُ : مَا فِيْهِ الْحَلاَلُ وَالْحَرَامُ، وَمَا سِوَى ذلِكَ مُتَشَابهٌ)، وقال بعضُهم : الْمُحْكَمُ هو الذي لا يحتملُ من التأويلِ إلاّ وَجْهاً وَاحِداً، وَالْمُتَشَابهُ مَا احْتَمَلَ وُجُوهاً.
وقال ابنُ زيد :(الْمُحْكَمُ مَا ذكَرَهُ اللهُ مِنْ قِصَصِ الأَنْبيَاءِ مِثْلَ نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَإبْرَاهِيْمَ وَلُوطٍ وَشُعَيْبَ وَمُوسَى عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ، وَالْمُتَشَابهُ هُوَ مَا اخْتَلَفَ فِيْهِ الأَلْفَاظُ مِنْ قِصَصِهِمْ عِنْدَ التِّكْرَارِ كَمَا فِي مَوْضِعٍ مِنْ قِصَّةِ نُوحٍ﴿قُلْنَا احْمِلْ﴾[هود: ٤٠] وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ﴿فَاسْلُكْ﴾[المؤمنون: ٢٧]، وَقَالَ : تَعَالَى فِي الْعَصَا :﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾[طه: ٢٠]، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾[الأعراف: ١٠٧]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾[الرحمن: ١٣] ونحو﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾[المرسلات: ١٥] وَنَحْوِ ذلِكَ).
وقال بعضُهم : الْمُحْكَمُ ما عرفَ العلماءُ تأويلَه وفهموا معانيه، وَالْمُتَشَابهُ ما ليسَ لأحدٍ إلى علمهِ سبيلٌ مما استأثرَ الله بعلمه، نحوُ : خروجِ الدجَّال ؛ ونزولِ عيسى ؛ وطلوع الشمس من مغربها ؛ وقيامِ الساعة ؛ وفناء الدنيا ونحوِها.
وقال ابنُ كيسان :(الْمُحْكَمَاتُ حُجَجُهَا وَاضِحَةٌ ؛ وَدَلاَئِلُهَا وَاضِحَةٌ ؛ لاَ حَاجَةَ لِمَنْ سَمِعَهَا إلَى طَلَب مَعْنَاهَا، وَالْمُتَشَابهُ هُوَ الَّذِي يُدْرَكُ عِلْمُهُ بالنَّظَرِ، وَلاَ تَعْرِفُ الْعَوَامُّ تَفْصِيْلَ الْحَقِّ فِيْهِ مِنَ الْبَاطِلِ).
وقال بعضُهم : الْمُحْكَمُ ما اجْتُمِعَ على تأويلهِ، والمتشابهُ ما ليس فيه بيانٌ قاطع.
وقال محمدُ بن الفضلِ :(هُوَ سُورَةُ الإخْلاَصِ لأنَّهُ لَيْسَ فِيْهَا إلاَّ التَّوْحِيْدُ فَقَطْ، وَالْمُتَشَابهُ نَحْوُ قَوْلِهِ﴿الرَّحْمَـانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه: ٥] وَنَحْوُ قَوْلِهِ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص: ٧٥]، وَنَحْوُ ذلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى تَأَويْلِهَا فِي الإبَانَةِ عَنْهَا).
ويقال : الْمُحْكَمُ : نحوُ قولهِ تعالى :﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾[ق: ٣٨] والمتشابهُ : نحوُ قوله :﴿خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾[فصلت: ٩] ثُمَّ قالَ﴿وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾[فصلت: ١٠] ثُم قال :﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾[فصلت: ١٢] فظَنَّ مَن لا معرفةَ له أن العددَ ثَمانية أيامٍ ولم يعلم أنَّ اليومين الأوَّلين داخلان في الأربعةِ التي ذَكرَها اللهُ من بعد.
آل عمران 3:8
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ ؛ أي ويقولُ الراسخونَ في العلمِ ربنا لا تُمِلْ قلوبَنا عن الحقِّ والهدى كما أزغْتَ قلوبَ اليهود والنصارى، ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ أي لا تُزِغْ قلوبَنا بعد إذْ أرشدتَنا ونصرتنا ووفَّقتنا لدينِكَ الحقّ، وقولهُ :﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً﴾ ؛ أي أعطِنا من عندك نعمةً، وقيل : لُطفاً يثبتُ قلوبنا على الهدى. واسمُ الرحمةِ يقع على كلِّ خيرٍ ونعمة، وقيل معناهُ : وَهَبْ لنا من لَدُنْكَ توفيقاً وتثبيتاً على الإيْمان والهدى. وقال الضحَّاك :(مَعْنَاهُ : وَهَبْ لَنَا تَجَاوُزاً وَمَغْفِرَةً). وقيل : هَبْ لنا لزومَ خدمتك على شرطِ السُّنة.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ؛ أي أنتَ المعطي والوهَّاب الذي من عادتِه الإعطاءُ والهبة، وإنَّما سمي القلب قَلباً لتقلُّبه، وإنَّما مثل القلب مثل ريشةٍ بفلاة من الأرضِ، وعن رسول الله ﷺ أنهُ قالَ :" إنَّ قَلْبَ ابْنِ آدَمَ مِثْلَ الْعُصْفُور يَتَقَلَّبُ فِي الْيَوْمِ سَبْعَ مَرَّاتٍ "
آل عمران 3:9
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ ؛ أي يقولونَ ربَّنا إنكَ محيي الناسِ بأجمعهم بعدَ الموت جزاءً ؛ (لِـ) جزاء ﴿يَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ أي لا شكَّ فيه يعني يومَ القيامة.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ؛ أي لا يَخْلِفُ اللهُ ما وعدَ من البعث والحساب والجنَّة والنار.
آل عمران 3:10
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ ؛ أرادَ بالذين كفرُوا اليهودَ الذين تقدَّم ذِكرهم. وقيلَ : أراد بهم نصارَى نجرانَ، ويقالُ : عامَّة الكفار، ومعنى :﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ أي لا يدفعُ عنهم كثرةُ أموالِهم وأولادِهم شيئاً من عذاب الله في الدُّنيا والآخرة ؛ لأنه لا يُقبل منهم فداءٌ ولا شفاعة. ويسمَّى المالُ غِنًى لأنه يدفعُ عن مالكِه الفقرَ والنوائب، فأخبرَ اللهُ أن أموالَ هؤلاء الكفار وأولادَهم لا تَقِيهم من العذاب.
قرأ السلمي :(لَنْ يُغْنِي عَنْهُم) بالياءِ لتقدُّم الفعلِ ودخول الحائل بينَ الاسم والفعل، وقرأ الحسنُ (لَنْ تُغْنِي) بالتَّاء وسكون الياء.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأُولَـائِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ ؛ أي حطبُ النار، والوَقودُ بنصب الواو ما يُوقَدُ به النارُ، وفي هذا بيانُ أنَّ أهلَ النار يحترقون في النار احتراقَ الحطب لا كما يحترقُ الإنسان بنار الدُّنيا، فإنَّ نارَ الدنيا تُسِيْلُ الصَّديدَ من الإنسان ولا تأخذُه كما تأخذ الحطبَ، ومن قرأ (وُقُودُ) بضمِّ الواو فهو مصدرُ وَقَدَتِ النَّارُ وُقُوداً، كما يقال وَرَدَ وُرُوداً ؛ فيكون المعنى : أولئك هُم وقودُ النار.
آل عمران 3:11
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ ؛ الآيةُ ؛ المعنى أنَّ الذين كفروا لن تُغني عنهم أموالُهم ولا أولادُهم مِن الله شيئاً عند حلولِ النقمة والعقوبة مثلَ آلِ فرعونَ وكفَّار الأممِ الخالية أخذناهُم وعاقبناهم فلم تُغْنِ عنهُم أموالُهم ولا أولادهم. وقيل : معناهُ عَادَةُ هؤلاءِ الكفَّار في الكفرِ والتكذيب بالحقِّ كعادة آلِ فرعونَ وعادة الذين مِن قبلِهم قومُ نوحٍ وعَاد وثَمود ؛ ﴿كَذَّبُواْ﴾ بكتُبنا ورسُلنا فعاقبَهم اللهُ بكفرهم وشِركهم، ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ إذا عاقبَ، فعقابهُ شديدٌ على الدَّوام، والتأبيدُ لا كعقوبةِ أهل الدُّنيا.
والدَّأبُ في اللغة : الْعَادَةُ، كذا قال النَّضِرُ بن شُميل والْمُبَرَّدُ، فيكون معناهُ : كعادَةِ آل فرعونَ. وقال الزجَّاج :(الدَّأبُ : الاجْتِهَادُ ؛ أي كَاجْتِهَادِ آل فِرْعَوْنَ فِي كُفْرِهِمْ وَتَطَايُرِهِمْ عَلَى الْبَاطِلِ، يُقَالُ : دَأبَ فِي كَذا يَدْأبُ دَأباً إذا أدَامَ الْعَمَلَ فِيْهِ، ثُمَّ نُقِلَ مَعْنَاهُ إلَى الشَّأْنِ وَالْحَالِ وَالْعَادَةِ).
وقال ابنُ عبَّاس وعكرمةُ ومجاهد والضحَّاك والسديُّ :(مَعْنَاهُ : كَفِعْلِ آلِ فِرْعَوْنَ وَصُنْعِهِمْ فِي الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيْب) يَقُولُ : كَفَرَتِ الْيَهُودُ بمُحَمَّدٍ كَكُفْرِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِهِمْ. وقال الربيعُ والكسائيُّ :(مَعْنَاهُ : كَشَبَهِ آلِ فِرْعَوْنَ). وقال سيبويه :(الْكَافُ فِي (كَدَأَب) فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، فَخَبَرُ الْمُبْتَدَأ تَقْدِيْرُهُ : دَأَبُهُمْ كَدَأبِ آلِ فِرْعَوْنَ).
آل عمران 3:12
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾، أي قُلْ يا مُحَمَّدُ للذين كفرُوا سَتُهْزَمُونَ وتُقتلون وتُحشرونَ بعد الموتِ إلى جهنَّم وبئس الفِرَاشِ. قرأ يحيى بنُ وثَّاب وحمزة والكسائيُّ وخَلَفُ بالياءِ فيهما، والباقون بالتَّاء، فمَنْ قرأهُما بالياءِ فعلى الإخبار عنهم أنَّهم يُغلبون ويُحشرون، ومَن قرأها بالتَّاء فعلى الخطاب ؛ أي قُلْ لَهم إنَّكم ستُغلبون وتحشرون.
واختلفَ المفسِّرون في هؤلاءِ الكفَّار ؛ فقالَ مقاتلُ :(هُمْ كُفَّارُ مَكَّةَ، وَمَعْنَاهُ : قُلْ لِكُفَّار مَكَّةَ سَتُغْلَبُونَ يَوْمَ بَدْرٍ وَتُحْشَرُونَ إلَى جَهَنَّمَ فِي الآخِرَةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ " الآيَةُ " قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْكُفَّار يَوْمَ بَدْرٍ " إنَّ اللهَ غَالِبُكُمْ وَحَاشِرُكُمْ إلَى جَهَنَّمَ "
وقال الكلبيُّ عن أبي صالحٍ عنِ ابن عبَّاس :(إنَّ الْمُرَادَ بهِمْ يَهُودُ الْمَدِيْنَةِ، وَذَلِكَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمَّا هُزِمَ الْكُفَّّّارُ يَوْمَ بَدْرٍ، قَالَتِ الْيَهُودُ : هَذا وَاللهِ النَّبيُّ الأُمِّيُّ الَّذِي بَشَّرَنَا بهِ مُوسَى وَنَجِدُهُ فِي التَّوْرَاةِ بنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ، وَإنَّهُ لاَ تُرَدُّ لَهُ رَايَةٌ، وَأَرَادُواْ تَصْدِيْقَهُ وَاتِّبَاعَهُ ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : لاَ تَعْجَلُواْ حَتَّى تَنْظُرُواْ إلَى وَقْعَةٍ لَهُ أُخْرَى، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ وَغُلِبَ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالُواْ : وَاللهِ مَا هُوَ بهِ، فَغَلَبَ عَلَيْهِمُ الشَّقَاءُ فَلَمْ يُسْلِمُواْ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَهْدٌ إلَى مُدَّةٍ فَنَقَضُواْ ذلِكَ الْعَهْدَ قَبْلَ أجَلِهِ، وَانْطَلَقَ كَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ فِي سِتِّيْنَ رَاكِباً إلَى أبي سُفْيَانَ بمَكَّةَ وَوَافَقُوهُمْ عَلَى أنْ تَكُونَ كَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةً، ثُمَّ رَجَعُواْ إلَى الْمَدِيْنَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ).
وعن ابن عباس وقتادة أنَّهُمَا قَالاَ :(لَمَّا أهْلَكَ اللهُ قُرَيْشاً يَوْمَ بَدْرٍ، جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْيَهُودَ بسُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَدَعَاهُمْ إلَى الإسْلاَمِ وَحَذرَهُمْ مِثْلَمَا نَزَلَ بقُرَيْشٍ مِنَ الانْتِقَامِ، فَأَبَواْ وَقَالُواْ : لَسْنَا كَقُرَيْشٍ الأغْمَارَ الَّذِيْنَ لَمْ يَعْرِفُواْ الْقِتَالَ وَلَمْ يُمَارِسُوهُ، لَئِنْ حَارَبَتْنَا لَنَقْتُلَنَّ رجَالاً، وَتَعْرِفَ الْبَأْسَ وَالشِّدَّةَ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾ اشتقاقُ جهنَّم من الْجِهْنَامِ وهي البئرُ البعيدةُ القعرِ.
آل عمران 3:13
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ ؛ أي قد كانَ لكم أيها اليهودُ عبرةً، ويقال : أيُّها الكفارُ على صدقِ ما أقولُ لكم في فرقتين الْتَقَتَا يومَ بدر ؛ فرقةٌ تقاتلُ في سبيلِ الله ؛ أي في طاعةِ الله وهُمْ رسولُ الله ﷺ وأصحابُه ثلاثُمائة وثلاثةَ عَشَرَ رجُلاً، سبعةٌ وسبعون رجلاً من المهاجرين، ومائتان وستَّةٌ وثلاثون من الأنصار، وكان صاحبُ رايةِ رسول الله ﷺ والمهاجرينَ عليٌّ رضي الله عنه، وصاحبُ راية الأنصار سعدُ بن عبادةَ، وكان جملةُ الإبل التي في جيشِ رسول الله ﷺ يومئذٍ سبعين بعيراً، والخيلِ فرسَين ؛ فرسِ المقداد وفرس مَرْثَدَ بن أبي مرثدٍ، وقيل : فرسُ عليٍّ، وكان معهم من السِّلاح ستةَ أدرُع وثَمانيةَ سُيُوف، وجميعُ من استشهدَ من المسلمين أربعةَ عشر رجُلاً، ستَّة من المهاجرين، وثَمانية من الأنصار.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ أي فرقةٌ أخرى كافرةٌ ؛ وهم كفارُ مكةَ سبعمائة وخمسونَ رجُلاً مقاتلين، ورئيسُهم يومئذ عُتْبَةُ بن ربيعةَ، وكانت خَيْلُهُمْ مائةَ فرسٍ، وكانت حربُ بدرٍ أوَّلَ مَشْهَدٍ شهدَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ مَن قرأ بالياءِ ؛ فالمعنى ترَى الفئةُ المؤمنة الفئةَ الكافرة مثليهم ظاهرَ العينِ ؛ أي ظَنَّ المسلمونَ أن المشركينَ ستمائة ونيِّف، وإنَّهم يغلبوا المشركين كما وعدَهم اللهُ بقوله :﴿فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾[الأنفال: ٦٦] قَلَّلَ اللهُ المسلمين في أعيُنِ المشركين، والمشركينَ في أعين المسلمينَ حتى اقتَتَل الفريقان كما قالَ الله تعالى :﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾[الأنفال: ٤٤] ثم قذفَ الله الرُّعْبَ في قلوب الكَفَرَةِ حتى انْهزموا بكفٍّ من ترابٍ أخذه رسولُ الله ﷺ فرماه في وجوههم وقال :[شَاهَتِ الْوُجُوهُ].
ومن قرأ (تَرَوْنَهُمْ) بالتاء فهو خطابٌ لليهودِ، يعني يرَون كفارَ مكة قريشاً والمؤمنينَ رَأَيَ العينِ، فإن قيل لِمَ قال (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ) ولم يَقُلْ قد كانت والآية مؤنَّثة ؟ قيلَ : لأنَّهُ ردَّها إلى البيانِ، أي قد كانَ بيانُ، فذهبَ إلى المعنى وترك اللَّفظ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ قرأ أبو رجاء والحسنُ وشيبةُ ونافع ويعقوب بالتَّاء، وقرأ الباقون بالياءِ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ﴾ ؛ أي يُقَوِّي ويُشْدِدُ بقوَّته من يشاءُ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ ؛ أي في غلبَةِ المؤمنين للمشركين مع قلَّة المؤمنين وشوكةِ المشركين، ﴿لَعِبْرَةً﴾ لذوي الأبصار في الدينِ ؛ أي لِذوي بصارةِ القلوب، ويجوزُ أن يكون معناه : لعبرةً لمن أبصرَ الجيشَ الجمعين بعينهِ يومئذ، وفي قوله تعالى :﴿فِئَةٌ﴾ قِراءتان، مَن قرأها بالرفعِ فعلى معنى : إحداهُما فئةٌ تُقَاتِلُ، ومَن قرأها بالخفضِ فعلى البدلِ من فئتين، كما قال الشَّاعرُ : وَكُنْتُ كَذِيِ رجْلَيْنِ رجْلٍ صَحِيْحَةٍ وَرِجْلٍ رَمَاهَا الدَّهْرُ بالْحَدَثَانِ
آل عمران 3:14
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ ؛ بيَّنَ الله بهذه الآية إنَّ ما بُسِطَ للمشركين من زَهْرَةِ الدُّنيا وزينَتِها هو الذي يَمنعهم من تصديقِ النبيِّ ﷺ فيما يدعوهم إليه.
والمعنى : حُسِّنَ للناس حبُّ اللَّذات والشهواتِ والمشتهياتِ من النساء والبنين، بدأ بالنساءِ لأنَّهن حبائلُ الشيطان وأقربُ إلى الإفتتان ويحملْنَ الرجالَ على قطعِ الأرحام والآباء والأمَّهات وجمعِ المال من الحلالِ والحرامِ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْبَنِينَ﴾ قال ﷺ :" هُمْ ثَمَرَةُ الْقُلُوب وَقُرَّةُ الأَعْيُنِ ؛ وَإنَّهُمْ مَعَ ذلِكَ لَمَجْبَنَةٌ مَبْخَلَةٌ "
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ مِنَ القناطيرِ، جمع قِنْطَارٍ، واختلفوا فيه، فقال الربيعُ :(الْقِنْطَارُ هُوَ الْمَالُ الْكَثِيْرُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ). وقال ابنُ كيسان :(هُوَ الْمَالُ الْعَظِيْمُ). وعن أبي هُريرة : قالَ رسولُ الله ﷺ :" الْقِنْطَارُ اثْنَا عَشَرَ ألْفَ أوْقِيَّةٍ "، وعن أنسٍ :" أنَّ الْقِنْطَارَ ألْفُ مِثْقَالٍ " وعن مُعَاذ :" ألْفٌ وَمِائَتَا أَوْقِيَّةٍ " وعن أنس أيْضاً عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ :" ألْفَا مِثْقَالٍ " وعن عكرمةَ :" مِائَةُ ألْفٍ وَمِائَةُ مَنٍّ وَمِائَةُ رَطْلٍ وَمِائَةُ مِثْقَالٍ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ " وقيل القنطارُ : ما بينَ السماء والأرضِ من المال، وَقِيْلَ : مِلْءُ مَسْكِ ثورٍ ذهباً وفضَّة، وقال ابنُ المسيَّب وقتادةُ :[ثَمَانُونَ ألْفاً]. وعن مجاهدٍ :[سَبْعُونَ ألْفاً]. وعن الحسنِ أنه قالَ :(الْقِنْطَارُ مِثْلُ دِيَةِ أحَدِكُمْ). وحاصلهُ أن القنطارَ : هو المالُ الكثير.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ ؛ قال قتادةُ :(أيِ الْمُنَضَّدَةُ بَعْضُهَا علَى بَعْضٍ). وقال بعضُهم : المقنطرةُ : المدفونةُ. وقال السديُّ :(الْمَضْرُوبَةُ الْمَنْقُوشَةُ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِنَ الذهَب وَالْفِضَّةِ﴾ سُمي الذهبُ ذهباً لأنه يَذْهَبُ ولا يبقى، والفضةُ لأنَّها تَنْفَضُّ أي تتفرَّقُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ الخيلُ جمعٌ لا واحدَ له من لفظهِ، واحده فَرَسٌ، والْمُسَوَّمَةِ هي الرواتعِ من السَّوْمِ وهو الرعيُ، قال اللهُ :﴿شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾[النحل: ١٠] أو تكون من السِّيْمَا ؛ وهي العلامةُ من الأوضَاحِ والغُرَّةُ التي تكون في الخيل. وقال السديُّ :[الْمُسَوَّمَةُ : هِيَ الْوَاقِفَةُ]. وقال مجاهدٌ :(الْحِسَانُ) وقال الأخفشُ :[هِيَ الْمُعَلَّمَةُ]. وقال ابنُ كيسان :[الْبُلْقُ].
روي عن عليٍّ رضي الله عنه قال : قال رسولُ اللهِ ﷺ :" لَمَّا أرَادَ اللهُ أنْ يَخْلُقَ الْخَيْلَ قَالَ لِلرِّيْحِ الْجَنُوب : إنِّي خَالِقٌ مِنْكِ خَلْقاً فَأَجْعَلُهُ عِزّاً لأَوْلِيَائِي ؛ وَمَذلَّةً لأَعْدَائِي ؛ وَجَمَالاً لأهْلِ طَاعَتِي، ثُمَّ خَلَقَ مِنْهَا فَرَساً وَقَالَ لَهُ : خَلَقْتُكَ وَجَعَلْتُ الْخَيْرَ مَعْقُوداً بنَاصِيَتِكَ ؛ وَالْغَنَائِمَ مَجْمُوعَةً عَلَى ظَهْرِكِ ؛ وَعَطَّفْتُ عَلَيْكَ صَاحِبَكِ ؛ وَجَعَلْتُكَ تَطِيْرُ بلاَ جَنَاحٍ ؛ وَأَنْتَ لِلطَّلَب وَأَنْتَ لِلْهَرَب، وَسَأَجْعَلُ عَلَى ظَهْرِكَ رجَالاً يُسَبحونَنِي وَيَحْمَدُونَنِي وَيُهَلِّلُونَنِي ويُكَبرُونَنِي "
آل عمران 3:15
وقال عَزَّ وَجَلَّ :﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذالِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ؛ أي ﴿قُلْ﴾ يَا مُحَمَّدُ : أخبرُكم بخيرٍ من الذي زُيِّنَ للناسِ في الدنيا للذين اتقوا الشِّرْكَ والكبائرَ والفواحش ؛ فلا يشتغلون بالزينَةِ عن طاعةِ الله، لَهم عند ربهم جناتٌ ؛ أي بساتينُ تجري من تحتِ شجرها ومساكِنها أنْهَارُ الماء والعسَل والخمرِ واللَّبن، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي مُقيمين دائمين ؛ أي ليست تلكَ المياهُ كمياه الدُّنيا تجري أحياناً وتنقطعُ أحياناً، بل تكونُ جاريةً أبداً.
قَوْلُهُ تعالى :﴿وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ ؛ أي ولَهم نساءٌ مهذبات في الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ ؛ أي لَهم معَ ذلك رضا اللهِ عنهُم وهو من أعظمِ النِّعم، قال اللهُ تعالى :﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾[التوبة: ٧٢]، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ؛ أي عالِمٌ بأعمالِهم وثوابهم.
واختلفُوا في منتهى الاستفهامِ في قولهِ تعالى :﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ ؛ قال بعضُهم : مُنْتَهَاهُ عند قولهِ :﴿بِخَيْرٍ مِّن ذالِكُمْ﴾ وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ استئنافُ الكلامِ، وقال بعضُهم : منتهاهُ :﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿جَنَّاتٌ﴾ استئنافُ كلامٍ.
قرأ أبو بكرٍ عن عاصم :(وَرُضْوَانٌ) بضمِّ الراء في جميعِ القرآن وهي لغةُ قيسٍ وعيلان وتَميم ؛ وهما لُغتان كالعُدْوَانِ والطمعان والطعنان، وقرأ عامَّة القُرَّاء (وَرضْوَانٌ) بكسر الراء.
آل عمران 3:16
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾ في موضعِ خَفْضٍ رَدَاً على قولهِ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي للمتَّقينَ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا﴾ وَصَدَّقْنَا بالله وبالرسولِ فاغفِرْ لنا خطايَانا، وادفَع عنَّا عذابَ النار، ويجوز أن يكونَ موضع (الَّذِينَ) رفعاً على معنى هُم ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ﴾ كقولِهِ تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ﴾[التوبة: ١١١] ثم قال في صفتِهم مبتَدِئاً :﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾[التوبة: ١١٢].
آل عمران 3:17
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ ؛ ﴿الصَّابِرِينَ﴾ في موضع خفض بدلٌ من ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾. وذهب بعضُهم إلى (١٦٤٩; لصَّابِرِينَ) نُصِبَ بالمدحِ. ومعنى الآية :﴿الصَّابِرِينَ﴾ على طاعَة اللهِ وعلى الشدائدِ والمصائب وعلى ارتكَاب النَّهي وعلى البأسَاء والضرَّاء، ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ في إيمانِهم وأقوالِهم وأفعالِهم، فإنَّ الصدقَ قد يقعُ في القول كما يقعُ في الفعلِ، يقالُ : صَدَقَ فلانٌ في القتالِ، وصَدَقَ في الجملةِ أي حَقَّقَ. قال قتادةُ في تفسير الصَّادِقِينَ :(هُمْ قَوْمٌ صَدَقَتْ نِيَّاتُهُمْ وَاسْتَقَامَتْ قُلُوبُهُمْ وَألْسِنَتُهُمْ فِي السِّرِّ وَالْعَلاَنِيَةِ). ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ أي القائمينَ بعبادةِ الله المطيعين، ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ يعني في طاعَة اللهِ.
وقوله :﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ قال قتادةُ :(أرَادَ بهِ الْمُصَلِّيْنَ بالأَسْحَار) قال أنسُ بن مالك :(أرَادَ بهِ السَّائِلِيْنَ الْمَغْفِرَةَ بالأسْحَار)، وقال الحسنُ :(انْتَهَتْ صَلاَتُهُمْ إلَى وَقْتِ السَّحَرِ ؛ ثُمَّ كَانَ بَعْدَهَا الاسْتِغْفَارُ)، وعن إبراهيمَ بنِ حاطبٍ عن أبيه قالَ :(سَمِعْتُ صَوْتاً فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ سَحَراً يَقولُ : إلَهِي دَعَوْتَنِي فَأَجَبْتُكَ ؛ وأَمَرْتَنِي فَأَطْعْتُكَ ؛ وَهَذا سَحَرٌ فَاغْفِرْ لِي. فَنَظَرْتُ فَإذا هُوَ عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه).
روي عن النبيِّ ﷺ أنهُ قالَ :" ثَلاَثَةُ أصْوَاتٍ يُحِبُّهُمُ اللهُ : أصْوَاتُ الدِّيَكِ، وَصَوْتُ الَّذِي يَقْرَأ الْقُرْآنَ، وَصَوْتُ الْمُسْتَغْفِرِيْنَ بالأسْحَارِ " وروي أنَّ داودَ رضي الله عنه سَأَلَ جِبْرِيْلَ : أيُّ اللَّيْلِ أفْضَلُ ؟ فَقَالَ : لاَ أدْري إلاَّ أنَّ الْعَرْشَ يَهْتَزُّ فِي وَقْتِ السَّحَرِ. وقال سفيانُ الثوريُّ :(إنَّ للهِ ريْحاً يُقَالُ لَهَا الصُّبْحَةُ تَهُبُّ وَقْتَ السَّحَرِ ؛ تَحْمِلُ الأذْكَارَ وَالاسْتِغْفَارَ إلَى الْمَلِكِ الْجَبَّار)، وقال :(بَلَغَنَا أنَّهُ إذا كَانَ أوَّلُ اللَّيْلِ نَادَى مُنَادٍ : إلاَ لِيَقُمِ الْعَابدُونَ، فَيَقُومُونَ فَيُصَلُّونَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ فِي شَطْرِ اللَّيْلِ : ألاَّ لِيَقُمِ الْقَانِتُونَ، فَيَقُومُونَ كَذِلِكَ فَيُصَلُّونَ، فَإذا كَانَ السَّحَرُ نَادَى مُنادٍ : أيْنَ الْمُسْتَغْفِرُونَ ؟ فِيَسْتَغْفِرُ أُوْلَئِكَ ؛ فَإذا طَلَعَ الْفَجْرُ نَادَى مُنَادٍ : ألاَ لِيَقُمِ الْغَافِلُونَ ؛ فَيَقُومُونَ مِنْ فِرَاشِهِمْ كَالْمَوْتَى إذا نُشِرُوا مِنْ قُبُورهِمْ). وقال لُقمان لابنهِ :(يَا بُنَيَّ لاَ يَكُونَنَّ الدِّيْكُ أكْيَسَ مِنْكَ ؛ يُنَادِي بالأسْحَارِ وَأَنْتَ نَائِمٌ). والسَّحَرُ : هُوَ الْوَقْتُ الَّذِي قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ.
آل عمران 3:18
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ﴾ ؛ روى أنسٌ رضي الله عنه قالَ : قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" مَن قرأ شَهِدَ الله أنَّهُ لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ عِنْدَ مَنَامِهِ خَلَقَ اللهُ تَعَالَى مِنْهَا سَبْعِيْنَ ألْفَ خَلْقٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " وعن سعيدِ بن جُبير قالَ :(كَانَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلاَثُمِائَةٌ وَسُتُّونَ صَنَماً ؛ لِكُلِّ حَيٍّ مِنْ أحْيَاءِ الْعَرَب صَنَمٌ أوْ صَنَمَانِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أصْبَحَتْ تِلْكَ الأصْنَامُ كُلُّهَا وَقَدْ خَرَّتْ سُجَّداً).
وعنِ ابن مسعودٍ أنهُ قالَ :[مَنْ قَرَأ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ إلَى قَوْلِهِ :﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الاِسْلاَمُ﴾ وَقَالَ : أنَا أشْهَدُ بمَا شَهِدَ اللهُ بهِ وَأسْتَوْدِعُ اللهَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَهِيَ لِي وَدِيْعَةٌ عِنْدَهُ ؛ يُجَاءُ صَاحِبُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى : عَبْدِي عَهِدَ لِي وَأنَا أحَقُّ مَنْ وَفَّى بالْعَهْدِ، أدْخِلُواْ عَبْدِي الْجَنَّةَ].
ومعنى الآيةِ : قال محمدُ بن السائب الكلبيُّ :" لَمَّا ظَهَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بالْمَدِيْنَةِ قَدِمَ عَلَيْهِ حَبْرَانِ مِنْ أحْبَار الْيَهُودِ مِنَ الشَّامِ، فَقَالَ أحَدُهُمَا لِصَاحِبهِ حِيْنَ أبْصَرَ الْمَدِيْنَةَ : مَا أشْبَهَ هَذِهِ الْمَدِيْنَةِ بمَدِيْنَةِ النَّبيِّ الَّذِي يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، فَلَمَّا دَخَلاَ عَلَى النَّبيِّ ﷺ عَرَفاهُ بالصِّفَةِ وَالنَّعْتِ، فَقَالاَ لَهُ : أنْتَ مُحَمَّدٌ ؟ قَالَ :" نَعَمْ ". قَالاَ : أنْتَ أحْمَدُ ؟ قَالَ :" أنَا مُحَمَّدٌ وَأحْمَدُ ". قَالاَ : فَإنَّا نَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ فَإنْ أخْبَرْتَنَا بهِ آمَنَّا بكَ وَصَدَّقْنَاكَ، قَالَ :" اسْأَلُواْ ". قَالاَ : أخْبرْنَا عَنْ أعْظََمِ شَهَادَةٍ فِي كِتَابِ الله تَعَالَى ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى علَى نَبيِّهِ هَذِهِ الآيَةَ ﴿شَهِدَ اللهُ أنَّهُ لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ﴾ إلَى آخِرِهَا، فَأَسْلَمَ الرَّجُلاَنِ وَصَدَّقَا برَسُولِ اللهِ ﷺ "
قرأ أبو نُهيك وأبو الشَّعث (شُهُدُ اللهِ) بالمدِّ والرفعِ على معنى : هُمْ شهُدُ اللهِ الذين تقدَّم ذِكرهم. وقرأ المهلَّب :(شَهَدَ اللهُ) بالمدِّ والنصب على المدِّ. والآخرونَ (شَهِدَ اللهُ) على الفعلِ أي قَضَاءُ اللهِ، ويقال : أخْبَرَ اللهُ. وقال مجاهدُ :(حَكَمَ اللهُ). قرأ ابنُ السمؤل :(شَهِدَ اللهُ أنَّهُ لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ). وقرأ ابنُ عباسٍ :(إنَّهُ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ) بكسرِ الألف جعلهُ خَبَراً مستأنفاً، وقال بعضُهم بكسرِه لأنَّ الشهادة قولٌ وما بعدَ القولِ مكسورٌ على الحكايةِ، تقديرهُ : قَالَ اللهُ إنهُ لا إلَهَ إلاّ الله. قال المفضَّل :(مَعْنَى الشَّهَادَةِ (شَهِدَ اللهُ) : الإخْبَارُ وَالإعْلاَمُ، وَمَعْنَى الْمَلاَئِكَةِ وَالْمُؤْمِنِيْنَ بالإقْرَارِ ؛ كَقَوْلِهِ﴿شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾[الأنعام: ١٣٠] أيْ أقْرَرْنَا).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ﴾ ؛ معناه الأنبياءُ، وقيلَ : المهاجرونَ والأنصَارُ، وقيل : علماءُ المؤمنين أهلُ الكتاب : عبدُالله بن سلام وأصحابَه، وقال الكلبيُّ والسديُّ :(عُلَمَاءُ الْمُؤْمِنِيْنَ كُلُّهُمْ، فَقَرَنَ اللهُ شَهَادَةَ الْعُلَمَاءِ بِشَهَادَتِهِ، لأنَّ الْعِلْمَ صِفَةُ اللهِ تَعَالَى الْعُلْيَا وَنِعْمَتُهُ الْعُظْمَى، وَالْعُلَمَاءُ أعْلاَمُ الإسْلاَمِ وَالسَّابقُونَ إلَى دَار السَّلاَمِ وَشَرْحُ الأَمْكِنَةِ وَحُجَجُ الأَزْمِنَةِ].
آل عمران 3:19
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ﴾ ؛ معنى الدِّين المرتضَى ؛ نظيرهُ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾[المائدة: ٣]، والإسلامُ : هو الدخولُ في السِّلْمِ والانقيادُ والطاعَة. وعن قتادةَ :(هُوَ شَهَادَةُ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ؛ وَالإقْرَارُ بمَا جَاءَ مِنْ عَنْدِ اللهِ ؛ وَهُوَ دِيْنُ اللهِ الَّذِي شَرَعَ لِنَفْسِهِ ؛ وَبَعَثَ بهِ رُسُلَهُ ؛ وَدَلَّ عَلَيْهِ أوْلِيَاءَهُ ؛ وَلاَ يَقْبَلُ غَيْرَهُ).
وقرأ الكسائيُّ :(الدِّيْنَ عِنْدَ اللهِ) بالفتحِ على معنى : شَهِدَ اللهُ أنهُ لا إلهَ إلاَّ هُوَ، وشهدَ أنَّ الدِّينَ عند اللهِ الإسلامُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ ؛ أي لَمْ تقر اليهودُ والنصارى للإسلامِ ولم يتسَمَّوا باليهوديَّة والنصرانيَّة ﴿إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ في كتابهم حَسَداً بينهم.
رويَ : أنَّ اليهودَ كانوا يُسمَّون مسلمينَ ؛ فلمَّا بُعث عيسى عليه السلام وسَمَّى أصحابَه مسلمينَ حسدَت اليهودُ مشاركتَهم في الاسمِ فسَمُّوا أنفسَهم يهوداً ؛ فكانوا يُسمَّون مسلمينَ ويهوداً، فغيَّرتِ النصارى اسْمَهم وسَمَّوا أنفسَهم نصارى. والبَغْيُ : هو طلبُ الاستعلاءِ بغير حقٍّ.
وقال بعضُهم : معنى الآيةِ : ما اختلفَ الذينَ أُوتُوا الكتابَ في نبوَّة مُحَمَّدٍ ﷺ إلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ بَيانُ نعتِه وصفته في كُتبهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ؛ أي مَن يجحَدُ بمُحَمَّدٍ ﷺ والقرآنِ فإنَّ اللهَ سَرِيْعُ الْمُجَازَاةِ، سريعُ التعريفِ للعامل عملَه لا يحتاجُ إلى إثباتٍ وتذكيرٍ.
آل عمران 3:20
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ ؛ أي فإنْ خاصمُوكَ يا مُحَمَّدُ في الدِّين ؛ فَقُلْ : انْقَدْتُ للهِ وحدَهُ بلسانِي وجميعِ جوارحِي، وإنَّما خصَّ الوجهَ لأنه أكرمُ جوارحِ الإنسان وفيه بَهاؤُهُ وتعظيمُه، فإذا خضعَ وجههُ لشي فقد خضعَ له سائرُ جوارحهِ التي دونَ الوجهِ. قال الفرَّاء :(مَعْنَاهُ : أخْلَصْتُ عَمَلِي للهِ، وَالْوَجْهُ الْعَمَلُ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ في موضعِ رفعٍ عطفاً على إنِّي أسْلَمْتُ ؛ أي أسلمتُ وَمَنِ اتَّبَعَنِي أسلمَ أيضاً كما أسلمتُ، والأصلُ إثباتُ الياء في (تَبعَنِي) لكن حُذفت للتخفيفِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ ؛ الذينَ أُوتُوا الكِتَابَ همُ اليَهُودُ والنصارَى ؛ والأُمِّيُّونَ مشرِكو العرب ؛ أي قُلْ لَهُمْ أخْلَصْتُم كما أخلصنَا، ﴿فَإِنْ أَسْلَمُواْ﴾ اخلصُوا ؛ ﴿فَقَدِ اهْتَدَواْ﴾ ؛ مِن الضلالِ ؛ ﴿وَّإِن تَوَلَّوْاْ﴾ ؛ عنِ الإِسلامِ وقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْزٌ ابْنُ اللهِ ؛ ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ ؛ بالرِّسَالةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ؛ أي عالِمٌ بمن يؤمنُ ومَن لا يؤمن، لا يفوتُه شيءٌ من أعمالِهم التي يُجازيهم بها.
قال الكلبيُّ :" لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ذكَرَ ذلِكَ لَهُمْ النَّبيُّ ﷺ ؛ فَقَالَ أهْلُ الْكِتَاب : أسْلَمْنَا، قَالَ النَّبيُّ ﷺ لِِلْيَهُودِ :" تشْهَدُونَ أنَّ عِيْسَى كَلِمَةُ اللهِ وَعَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ؟ " قَالُواْ : مَعَاذ اللهِ ؛ وَلَكِنَّهُ ابْنُ اللهِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :{ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ " ). { وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ } أي عليمٌ بصير بمن يؤمنُ وبمَنْ لا يؤمنُ ؛ وبأهْلِ الثَّواب وبأهلِ العقَاب.
فإن قيلَ : قَوْلُهُ :(وَمَنِ اتَّبَعَنِي) عَطْفٌ على المضمرِ في قولهِ :(أسْلَمْتُ) والعربُ لا تعطفُ الظاهرَ على المضمرِ ؟ قيلَ : إنَّما لا تعطفُ إذا لم يكن بين الكلامَين فاصلٌ، أمَّا إذا كان بينَهما فاصلٌ جازَ.
قَوْلُهُ (أسْلَمْتُ) لفظهُ استفهامٌ ومعناهُ أمْرٌ ؛ أي أسْلِمُوا كقولهِ تعالى :﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾[المائدة: ٩١] أي انْتَهُوا.
آل عمران 3:21
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ؛ معناهُ : إنَّ الذينَ يجحَدونَ بآيَاتِ اللهِ وهمُ اليهودُ والنصارى. ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ قرأ الحسنُ (وَيُقْتِّلُونَ) بالتشديدِ فَهُما على التكثيرِ، وقرأ حمزةُ (وَيُقَاتِلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ).
وفي إضافَتِهم قتلَ الأنبياءِ هؤلاءِ الَّذين كانوا على عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ قَوْلاَنِ ؛ أحدُهما : رضاهُم بقتلِ مَن سَلَفَ منهُم النبيينَ نحوُ قتلِهم زكريَّا ويحيى، والثانِي : أنَّ هؤلاء قاتَلُوا النبيَّ ﷺ وهَمُّوا بقتلهِ كما قالَ اللهُ تعالى :﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾[الأنفال: ٣٠]، وقرأ بعضُهم :(يُقَاتِلُونَ النَّبيِّيْنَ بغَيْرِ حَقٍّ).
وعن أبي عبيدةَ بن الجرَّاحِ رضي الله عنه قالَ :" قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ؛ أيُّ النَّاسِ أشَدُ عَذَاباً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ :" رَجُلٌ قَتَلَ نَبيّاً أوْ رَجُلاً أمَرَ بالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ " ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ ؛ ثُمَّ قَالَ :" يَأ أبَا عُبَيْدَةَ ؛ قَتَلَتْ بَنُو إسْرَائِيْلَ ثَلاَثَةً وَأرْبَعِيْنَ نَبيّاً مِنْ أوَّلِ النَّهَار فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَامَ مَائَةُ رَجُلٍ وَاثْنَا عَشَرَ رَجُلاً مِنْ عُبَّادِ بَنِي اسْرَائِيْلَ ؛ فَأَمَرُواْ بالْمَعْرُوفِ وَنَهُواْ عَنِ الْمُنْكَرِ فَقَتَلُوهُمْ جَمِيْعاً فِي آخِرِ النَّهَارِ مِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ " فَهُمْ الذينَ ذكرَهم اللهُ في كتابهِ وأنزلَ فيهم الآيةَ ".
قوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أيْ أخبرْهُم بعذابٍ وجيعٍ يَخْلُصُ وَجَعُهُ إلى قلوبهم.
آل عمران 3:22
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُولَـائِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾، أي أهلُ الصِّفة بطلَت حسناتُهم فلا يستحقُّون الثناءَ عليها في الدُّنيا، ولا يستحقُّون الثوابَ عليها في الآخرة ؛ ﴿وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ ؛ أي من ناصِرٍ يَمْنعونَهم من العذاب إذا نزلَ بهم.
آل عمران 3:23
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾. قالَ الكلبيُّ :" وَذلِكَ أنَّ رَجُلاً وَامْرَأةً مِنْ أشْرَافِ أهْلِ خَيْبَرَ مِنَ الْيَهُودِ فَجَرَا وَكَانَ فِي كِتَابِهِمْ الرَّجْمُ ؛ فَكَرِهُواْ رَجْمَهُمَا لِشَرَفِهِمَا وَرَجَواْ أنْ يَكُونَ لَهُمَا عَنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رُخْصَةٌ فِي أمْرِهِمَا فِي الرّجْمِ فَيَأْخُذُوا بهِ. فَرُفِعَ أمْرُهُمَا إلَى النَّبيِّ ﷺ فَحَكَمَ عَلَيْهِمَا بالرَّجْمِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : جُرْتَ عَلَيْنَا يَا مُحَمَّدُ! فَقَالَ ﷺ :" بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ التَّوْرَاةُ، فَمَنْ أعْرَفُكُمْ بهَا " قَالُواْ : ابْنُُ صُوريَّا، فَأَرْسَلُواْ إلَيْهِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" أنْتَ ابْنُ صُوريَّا ؟ " قَالَ : نَعَمْ، قَالَ :" أنْتَ أعْلَمُ الْيَهُودِ ؟ " قَالَ : كَذلِكَ يَزْعُمُونَ. فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ شَيْئاً مِنَ التَّوْرَاةِ فِيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ - دَلَّهُ عَلَى ذلِكَ ابْنُ سَلاَمٍ - فَقَالَ لابْنِ صُوريَّا : إقْرَأ ؛ فَلَمَّا أتَى عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَوَضَعَ كَفَّهُ عَلَيْهَا ؛ ثُمَّ قَامَ ابْنُ سَلاَمٍ وَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ؛ قَدْ جَاوَزَهَا وَوَضَعَ كَفَّهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَامَ ابْنُ سَلاَمٍ فَرَفَعَ كَفَّهُ عَنْهَا، وَقَرَأَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ :(الْمُحَصَنُ وَالْمُحْصَنَةُ إذا زَنَيَا وَقَامَتْ عَلَيْهِمَا الْبَيِّنَةُ ؛ فَيُسْأَلُ عَنِ الْبَيِّنَةِ، فَإنْ كَانُوا عُدُولاً رَجَمَ، وَإنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ حُبْلَى يُتَرَبَّصُ بهَا حَتَّى تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا). فَأَمَرَ بهِمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ برَجْمِهِمَا فَرُجِمَا، فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ لِذَلِكَ غَضَباً شَدِيْداً وَرَجَعُواْ كُفَّاراً " فذلك قوله تعالى :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ﴾ معناهُ : ألَمْ تعلَمْ يا مُحَمَّدُ بالذينَ أعْطُوا حَظاًّ من التوراةِ.
وقَوْلُهُ :﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ قال ابنُ عبَّاس :(هُوَ التَّوْرَاةُ دُعِيَ إلَيْهَا الْيَهُودُ فَأَبَواْ لِعِلْمِهِمْ بلُزُومِ الْحُجَّةِ، وَأَنَّ فِيْهِ الْبشَارَةَ بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم). وقال الحسنُ وقتادة :(أرَادَ بهِ الْقُرْآنَ، فَإنَّهُمْ دُعُوا إلَى الْقُرْآنِ لِمُوافَقَتِهِ التَّوْرَاةَ فِي أصُولِ الدِّيَانَةِ). وعن الضحَّاك في هذهِ الآية :(أنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ الْقُرْآنَ حَكَماً بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ فَحَكَمَ الْقُرْآنُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بأنَّهُمْ عَلَى غَيْرِ الْهُدَى فَأَعْرَضُوا). وقال قتادةُ :(هُمُ الْيَهُودُ دُعُوا إلَى حُكْمِ الْقُرْآنِ وَاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؛ فَأَعْرَضُواْ وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي كُتُبهِمْ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾ أي يُعْرِضُ ؛ جمعٌ كُثْرٌ منهم من الدَّاعي وهم مُعْرِضُونَ عن العمل بالمدعوِّ إليه، وقيلَ : معناهُ : ثُمَّ يَتَولَّى فَرِيْقٌ مِنْهُمْ بعد عِلمهم أنَّها في التوراةِ، وإنَّما ذكرَ الإعراضَ بعد التولِّي ؛ لأن الإنسانَ قد يُعْرِضُ عن الدَّاعي ويتأمَّلُ ما دَعَاهُ إليه فينكرُ أنه حقٌّ أو باطل، وهم لَمْ يتأمَّلوا ولم يتفكَّروا فيما دعوا إليه.
آل عمران 3:24
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾ ؛ أي (ذلِكَ) الإعراضُ والكذب ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾ يعنونَ الأربعينَ يوماً التي عَبَدَ آباؤُهم فيها العجلَ. قوله تعالى :﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ ؛ أي غرَّهُم افتراؤُهم على اللهِ أنَّه لا يعذبُهم إلاَّ أيَّاماً معدودات، ويقالُ : غرَّهم افتراؤهم أنَّهم قالُوا نحنُ أبناء اللهِ وأحبَّاؤه.
آل عمران 3:25
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ ؛ أي كيفَ يحتالون وكيف يصنعُون إذا جمعناهم بعد الموتِ لجزاء يومٍ لا شكَّ فيه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ ؛ أي أعطيت كلَّ نفس برَّةً وفاجرةً جزاءَ ما عملت من خيرٍ أو شرٍّ تامّاً وافياً، ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ أي لا يُنقصون من حسنةٍ ولا يزادون على سيِّئة. قال الضحَّاك عنِ ابن عبَّاس :(أوَّلُ رَايَةٍ تُرْفَعُ لأَهْلِ الْمَوْقِفَ ذلِكَ الْيَوْمِ مِنْ رَايَاتِ الْكُفَّار رَايَةُ الْيَهُودِ ؛ فَيَفْضَحُهُمْ عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ ثُمَّ يَأْمُرُ بهِمْ إلَى النَّار).
آل عمران 3:26
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ﴾. قال عليٌّ رضي الله عنه قال النبيُّ ﷺ :" لَمَّا أرَادَ اللهُ تَعَالَى أنْ يُنَزِّلَ الْفَاتِحَةَ ؛ وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ ؛ وَشَهِدَ اللهُ ؛ وَقُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ، تَعَلَّقْنَ بالْعَرْشِ وَقُلْنَ : تُهْبطُنَا دَارَ الذُّنُوب وَإلَى مَنْ يَعْصِيْكَ؟! فَقَالَ اللهُ تَعَالَى : وَعِزَّتِي وَجَلاَلِي ؛ مَا مِنْ عَبْدٍ قَرَأكُنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ إلاَّ أسْكَنْتُهُ حَضْرَةَ الْعَرْشِ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، وَإلاَّ نَظَرْتُ إلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِيْنَ نَظْرَةً، وَإلاَّ قَضَيْتُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِيْنَ حَاجَةً، أدْنَاهَا الْمَغْفِرَةَ، وَأعَذْتُهُ مِنْ كُلِّ عَدُوٍّ وَنَصَرْتُهُ عَلَيْهِ، وَلاَ يَمْنَعُهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إلاَّ أنْ يَمُوتَ "
ومعنى الآيةِ : قال ابنُ عبَّاس :(لَمَّا فَتَحَ النَّبيُّ ﷺ مَكَّةَ وَوَعَدَ أمَّتَهُ مُلْكَ فَارسَ وَالرُّومَ، قَالَ الْمُنَافِقُونَ وَالْيَهُودُ : هَيْهَاتَ، مِنْ أيْنَ لِمُحَمَّدٍ مِلْكُ فَارسَ وَالرُّومَ، هُمْ أعَزُّ وَأمْنَعُ مِنْ ذلِكَ، ألَمْ يَكْفِ مُحَمَّداً مَكَّةَ وَالْمَدِيْنَةَ حَتَّى أطْمَعَ نَفْسَهُ فِي مُلْكِ فَارسَ وَالرُّومِ).
ويقالُ في وجه اتِّصال هذه الآية بما قبلَها : إنَّ اليهودَ قالواُ : لا نتبعُكَ ؛ فإنَّ النبوَّة والملكَ لم يزل في أسلافِنا بني إسرائيل، فَأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ. ومعناها : قُلْ يا مُحَمَّدُ : يا اللهُ يَا مَالِكَ الْمُلْكِ.
وإنَّما زيدت الميمُ لأنَّها بدلٌ عن (يَا) التي هي حرفُ النداءِ، ألا تَرَى أنه لا يجوزُ في الإخبار إدخالُ الميم ؛ لا يقالُ : غَفَرَ اللَّهُمَّ لي كما يقالُ في النداء اللَّهُمَّ اغْفِرْ ((لي)) ؛ ولهذا لا يجوزُ الجمع بين ((ما كان)) الميم في آخرهِ والنداء في أوَّله، لأنه لا يجوزُ الجمع بين العِوَضِ والمعوَّض، وإنَّما شُدِّدت الميمُ لأنَّها عِوَضٌ عن حرفين، فإنَّ النداءَ حرفان، وهذا اختيارُ سيبويه. وقال الفرَّاء :(مَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ : اللَّهُمَّ يَا اللهُ أمَّ بخَيْرٍ ؛ أي أقْصُدْ. طُرِحَتْ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ عَلَى الْهَاءِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ أي مالِكَ كلِّ مَلِكٍ، هذه صفةٌ لا يستحقُّها أحدٌ غيرُ الله، وقيل : معناه : مالِكَ أمرِ الدنيا والآخرة. وقال مجاهدُ :(أرَادَ بالْمُلْكِ هُنَا النُّبُوَّةَ)، وقيل : إنَّ هذا لا يصلُح لأنَّه قالَ :﴿وَتَنزِعُ الْمُلْكَ﴾ واللهُ تعالى لا يَنْزِعُ النبوَّةَ من أحدٍ ؛ لأنه لا يريدُ لأداءِ الرسَالة إلاّ مَن يعلمُ أنه يؤدِّي الرسالةَ على الوجه، وأنَّهُ لا يغيِّرُ ولا يبدِّلُ، لأنه عالِمٌ بعواقب الأمور.
ومعنى :﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ﴾ أي تُعطي الملكَ من تشاء أنْ تعطيه. وقال الكلبيُّ :﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ يَعْنِي مُحَمَّداً وَأصْحَابَهُ، ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ أيْ مِنْ أبي جَهْلٍ وَأصْحَابهِ). وقيل معناه :﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ يعني العربَ، ﴿وَتَنْزِعَ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ يعني الرُّوم والعجمَ وسائر الأممِ.
آل عمران 3:27
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي الْلَّيْلِ﴾، أي يُدخِلُ من الليلِ في النَّهار حتى يصيرَ النهارُ خمسَ عشرة ساعةً وهو أطولُ ما يكون، وأقصرهُ تِسْعُ ساعاتٍ، ويُدْخِلُ النَّهارَ في الليلِ حتى يصيرَ الليلُ خمسَ عشرة ساعةً وهو أطولُ ما يكون، وأقصرهُ تِسْعُ ساعاتٍ، فما نَقُصَ من أجزاءِ أحدِهما دخلَ في الآخر، وهذا قولُ أكثرِ المفسِّرين. وقال بعضُهم : معناهُ : تذهبُ بالليلِ وتجيء بالنهار، وتذهبُ بالنَّهار وتجيء بالليل.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾، قال ابنُ عبَّاس وقتادةُ ومجاهد والضحَّاك وابن جُبير والسديُّ :(مَعْنَاهُ : تُخْرِجُ الْحَيْوَانَ مِنَ النُّطْفَةِ وَهِيَ مَيْتَةٌ، وُتُخْرِجُ النُّطْفَةَ مِنَ الْحَيْوَانِ وَهُي حَيٌّ، وَالدَّجَاجَةَ مِنَ الْبَيْضَةِ، وَالْبَيْضَةَ مِنَ الدَّجَاجَةِ). وقال بعضُهم : يخرجُ النَّخلةَ من النواةِ، والنواةَ من النخلةِ، وتخرجُ السنبلةَ من الحبَّة، والحبَّةَ من السنبلةِ.
وقال الحسنُ :(مَعْنَاهُ : يُخْرِجُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ، وَالْكَافِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ، وَالْعَالِمَ مِنَ الْجَاهِلِ ؛ وَالْجَاهِلَ مِنَ الْعَالِم). دليلهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾[الانعام: ١٢٢].
وحكايةُ عن الزهري :" أنَّ النَّبيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ فَإذا هُوَ بامْرَأَةٍ حَسَنَةِ الْهَيْئَةِ، فَقَالَ :" مَنْ هَذِهِ ؟ " قَالَتْ : إحْدَى خَالاَتِكَ، قَالَ :" أيُّ خَالاَتِي هَذِهِ ؟ " قَالَتْ : هَذِهِ خَالِدَةُ بنْتُ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، فَقَالَ ﷺ :" سُبْحَانَ الَّذِي يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ "، وكانتِ امرأةً صالِحة، وكانَ ماتَ أبُوها كَافراً ".
قال أهلُ الإشارةِ : معناهُ : يُخرج الحكمةَ من قلب الفاجر حتى لا تسكُنَ فيه، والمسقِطةُ مِن قلب العارف. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي بغيرِ تقديرٍ، وقد تقدَّم تفسيرُ ذلك.
آل عمران 3:28
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي عَبْدِاللهِ بْنِ أبَيٍّ وَأصْحَابهِ الْمُنَافِقِيْنَ ؛ كَانُواْ مَعَ إظْهَارِهِمُ الإيْمَانَ يَتَوَلُّوْنَ الْيَهُودَ وَيَأْتِيْهِمْ بأخْبَار الْمُؤْمِنِيْنَ، وَيَرْجُونَ أنْ يَكُونَ لَهُمْ الظَّفْرُ عَلَى الْمُؤْمِنِيْنَ ؛ فَأَنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ يَنْهَى الْمُؤْمِنِيْنَ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِمْ، وَيَنْهَى الْمُنَافِقِيْنَ أيْضاً ؛ أيْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِيْنَ، فَلاَ تَتَّخِذ الْكُّفَّارَ أوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِيْنَ).
وقالَ الضحَّاك عنِ ابن عبَّاس :(نَزَلَتْ فِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ؛ وَكَانَ بَدْرِيّاً نَقِيْباً ؛ وَكَانَ لَهُ حُلَفَاءَ مِنَ الْيَهُودِ، فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ يَوْمَ الأحْزَاب ؛ قَالَ عُبَادَةُ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إنَّ مَعِي خَمْسُمِائَةِ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ ؛ وَقَدْ رَأْيْتُ أنْ يَخْرُجُواْ مَعِي فَأسْتَظْهِرُ بهِمْ عَلَى الْعَدُوِّ، فَأَنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ ؛ أي مَن يوالِيهم في نقل الأخبار إليهم وإظهارهم على عَوْرَةِ المسلمين، فليس مِن الله في شيء. قال السديُّ :(فَلَيْسَ مِنَ الْوِلاَيَةِ فِي شَيْءٍ، فَقَدْ بَرِئَ اللهُ مِنْهُمْ). كَمَا قاَلَ اللهُ تَعَالَى فِي آيَةٍ أخْرَى :﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾[المائدة: ٥١] معنى أنَّ وَلِيَّ الكافرِ راضٍ بكفرهِ، والرِّضَى بالكفرِ كفرٌ، قَالَ رسولُ الله ﷺ :" أَنَا بَرِئٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ "
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـاةً﴾ ؛ أي إلاَّ أن يُحصَرَ المؤمن في أيدي الكفَّار يخافُ على نفسِه فيداهِنُهم فيرضيهم بلسانهِ وقلبُهُ مطمئنٌّ بالإيْمان فهو مُرَخَّصٌ له في ذلكَ، كما رُوِيَ : أنَّ مُسَيْلَمَةَ الْكَذابَ لَعَنَهُ اللهُ أخَذ رَجُلَيْنِ مِنْ أصْحَاب رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ فَقَالَ لأحَدِهِمَا : أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ، وَقَالَ لِلآخَرِ : أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ، قَالَ : أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللهِ ؟ قال : إنِّي أصَمٌّ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ السُّؤَالَ ثَلاَثاً، فَأَجَابَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ هَذا الْجَوَاب، فَضَرَبَ مُسَيْلَمَةُ عُنُقَهُ، فَبَلَغَ ذلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ :" أمَّا الْمَقْتُولُ فَمََضَى عَلَى صِدْقِهِ وَيَقِيْنِهِ فَهَنِيْئاً لَهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَقَبلَ رُخْصَةَ اللهِ فَلاَ تَبعَةَ عَلَيْهِ "
فمعنى الآيةِ : إلاَّ أن تَخافوا منهم مخافةً. قرأ الحسنُ والضحَّاك ومجاهد :(تَقِيَّةً). وقرأ حمزةُ والكسائيُّ بالإمالةِ. وقرأ الباقون بالتفخُّم، فكلُّ ذلك لغاتٌ فيها، ومعناهُ واحد.
قوله تعالى :﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ؛ أي يخوِّفُكم عقوبتَه وبطشَهُ على موالاةِ الكفَّار وارتكاب المنهيِّ عنه. وقال الزجَّاج :(مَعْنَاهُ : وَيُحَذِّرُكُمْ اللهُ إيَّاهُ). وَخَاطَبَ اللهُ العبادَ على قدر عملهم وعقلِهم، ومعنى قولهِ تعالى :﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾[المائدة: ١١٦] أي تعلمُ حقيقةَ ما عندي ولا أعلمُ حقيقةَ ما عندكَ. قوله تعالى :﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾، زيادةٌ في الإبعادِ وتذكيرٌ بالمعادِ ؛ أي إنْ فعلتُم ما نَهيتُكم عنه فمرجعكم إلَيَّ.
آل عمران 3:29
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ ؛ أي قُلْ إن تُسِرُّوا ما في قلوبكم من التكذيب بالنبيِّ ﷺ والعداوَة للمؤمنين والمودَّة للكافرين أو تظهِرُوه بالشَّتم والطَّعن والحرب يعلمهُ الله فيجازيكم عليه، وإنَّما ذكرَ الصَّدر مكانَ القلب ؛ لأنه مشتملٌ على القلب.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي لا يخفَى عليه شيءٌ من عملِ أهل السموات وأهلِ الأرض، فلا يغرنَّكم الإخفاءُ، فإن الإخفاءَ والإبداء عنده سواءٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ أي على جزاءِ عمَل السرِّ والعلانيَة قادرٌ.
آل عمران 3:30
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً﴾ ؛ نصبَ ﴿يَوْمَ﴾ بنَزع الخافضِ لأن أوَّل هذه الآية منصرفٌ إلى قوله :﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ في :﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾، وقيل : بإضمار فعلٍ ؛ أي اذْكُرُوا ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً﴾ أي حَاضِراً مكتوباً في ديوانِهم لا يقصرُ فيه. وقرأ عبيدةُ بن عمر (مُحْضِراً) بكسر الضاد، ويعني عملُه يحضره الجنة.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً﴾ ؛ أي والذي عملَتْ من سوء يتمنَّى أن يكونَ بينه وبين ذلك أجلٌ طويل بُعد ما بينَ المشرقِ والمغرب، لَيْتَهُ لم يعملْ، جعل بعضُهم (ما) جزاءً في موضعِ النَّصب واعملَ فيه الوجود أي وتجدُ عملَها، وجعل بعضُهم جزاءً مستأنفاً.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ ؛ أي رحيمٌ بالمؤمنين خاصَّة ؛ هكذا قال ابنُ عبَّاس، وقيلَ : إن أول هذه الآية عدلٌ، وأوسطها تَهديد وتخويفٌ، وآخرُها رأفةٌ ورحمةٌ.
آل عمران 3:31
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ؛ لَمَّا نزلت الآياتُ المتقدِّمة قالتِ اليهودُ : نحنُ أبناءُ اللهِ واحبَّاؤُه، وإنَّما يقولُ الله مثلَ هذه الآياتِ في أعدائه، وأرادوا بقولهِ أحبَّاؤُه : نُحِبُّهُ وَيُحِبُّنَا ؛ فأنزلَ اللهُ هذه الآية.
والْمَحَبَّةُ : في الحقيقةِ هي الإرادةُ، وهو أن تريدَ نَفْعَ غيرك فيبلُغَ مرادَه في نفعك إيَّاهُ، وأما الْعِشْقُ : وهو إفراطُ الْمَحَبَّةِ في هذا المعنى. وأما مَحَبَّةُ الطعامِ والملاذِ ؛ فهو شهوةٌ وتَوَقَانُ النفسِ. وأما مَحَبَّةُ العباد للهِ تعالى، فاللهُ يستحيلُ عليه المنافع، فلا يصحُّ أن يرادَ بمُحِبهِ هذه الطريقة لكي يراد بها إعظامُه وإجلاله وطاعتهُ ومحبَّة رسلهِ وأوليائِه، ومحبَّة الله إيَّاهم إثابتهُ إياهم على طاعتِهم ؛ وإنعامهُ عليهم ؛ وثناؤُه عليهم ؛ ومغفرَتُه لهم.
ومعنى الآيةِ : إنْ كُنتُم تحبُّون طاعةَ الله والرضا بشرائعهِ فاتَّبعونِي على دينِي يَزِدْكُمُ اللهُ حُبّاً، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ؛ في اليهوديَّة ؛ ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
وروى الضحَّاك عن ابنِ عبَّاس وقال :" وَقَفَ النَّبيُّ ﷺ عَلَى قُرَيْشٍ وَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَقَدْ نَصَبُواْ أصْنَامَهُمْ، وَعَلَّقُوا عَلَيْهَا بَيْضَ النَّعَامِ، وَجَعَلُواْ فِي آذَانِهَا الشُّنُوفَ وَهُمْْ يَسْجُدُونَ لَهَا، فَقَالَ ﷺ :" يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ؛ وَاللهِ لَقَدْ خَالَفْتُمْ مِلَّةَ أبيْكُمْ إبْرَاهِيْمَ " وَقَالَتْ قُرَيْشُ : إنَّمَا نَعْبُدُ هَذِهِ حُبّاً للهِ لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللهِ زُلْفَى ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ " أي قُلْ لَهُمْ يا مُحَمَّدُ ﷺ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبعُونِي يُحْبْكُمُ اللهُ، فَأَنَا رسولُ اللهِ إليكم، وحجَّتُه عليكم، وأنا أوْلَى بالتعظيمِ من أصْناَمِكُمْ. فلما نزلَتْ هذهِ الآيَةُ عرضَها عليهم فلم يقبَلُوا.
وقيل : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَرَضَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْيَهُودِيِّ، فَقَالَ عَبْدُاللهِ بْنُ أبي سَلُولٍ : إنَّ مُحَمَّداً ﷺ يَجْعَلُ طَاعَتَهُ كَطَاعَةِ اللهِ، وَيَأْمُرُنَا أنْ نُحِبَّهُ كَمَا أحَبَّتِ النَّصَارَى عِيْسَى عليه السلام ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ؛ أي فإنْ لَم يفعلوا ما تدعوهُم إليه من إتِّباعِك وطاعةِ أمرِكَ فإنَّ اللهَ تعالى لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِيْنَ ؛ أي لا يغفرُ لَهم ولا يُثني عليهم.
فلما نزلتْ هذه الآيةُ قالتِ اليَهُودُ : نحنُ أبناءُ إبراهيمَ وإسحاق ويعقوبَ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ ونحنُ على دينهم، فأنزلَ الله قولَه تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ؛ معناهُ : أنَّ اللهَ اصطفاهُم بالإسلام، وإنَّ آدمَ كما لم ينفع أولادَه المشركين كذلك سائرَ الأنبياءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ لا ينفعونهم. وصَفْوةُ الله : هم الذين لا دَنَسَ فيهم بوجهٍ من الوجوهِ ؛ لا في اعتقادٍ ولا في الفعلِ، والاصْطِفَاءُ : هو الاختيارُ، والصَّفْوَةُ : هو الخالِصُ من كلِّ شيءٍ، فمعناهُ :﴿اصْطَفَى ءَادَمَ﴾ أي اختارهُ واستخلَصه.
واختلفُوا في آلِ عمران في هذهِ الآية ؛ قيلَ : أراد بهم موسى وهارُونَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، وقيلَ : أرادَ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ.
آل عمران 3:32
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ؛ لَمَّا نزلت الآياتُ المتقدِّمة قالتِ اليهودُ : نحنُ أبناءُ اللهِ واحبَّاؤُه، وإنَّما يقولُ الله مثلَ هذه الآياتِ في أعدائه، وأرادوا بقولهِ أحبَّاؤُه : نُحِبُّهُ وَيُحِبُّنَا ؛ فأنزلَ اللهُ هذه الآية.
والْمَحَبَّةُ : في الحقيقةِ هي الإرادةُ، وهو أن تريدَ نَفْعَ غيرك فيبلُغَ مرادَه في نفعك إيَّاهُ، وأما الْعِشْقُ : وهو إفراطُ الْمَحَبَّةِ في هذا المعنى. وأما مَحَبَّةُ الطعامِ والملاذِ ؛ فهو شهوةٌ وتَوَقَانُ النفسِ. وأما مَحَبَّةُ العباد للهِ تعالى، فاللهُ يستحيلُ عليه المنافع، فلا يصحُّ أن يرادَ بمُحِبهِ هذه الطريقة لكي يراد بها إعظامُه وإجلاله وطاعتهُ ومحبَّة رسلهِ وأوليائِه، ومحبَّة الله إيَّاهم إثابتهُ إياهم على طاعتِهم ؛ وإنعامهُ عليهم ؛ وثناؤُه عليهم ؛ ومغفرَتُه لهم.
ومعنى الآيةِ : إنْ كُنتُم تحبُّون طاعةَ الله والرضا بشرائعهِ فاتَّبعونِي على دينِي يَزِدْكُمُ اللهُ حُبّاً، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ؛ في اليهوديَّة ؛ ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
وروى الضحَّاك عن ابنِ عبَّاس وقال :" وَقَفَ النَّبيُّ ﷺ عَلَى قُرَيْشٍ وَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَقَدْ نَصَبُواْ أصْنَامَهُمْ، وَعَلَّقُوا عَلَيْهَا بَيْضَ النَّعَامِ، وَجَعَلُواْ فِي آذَانِهَا الشُّنُوفَ وَهُمْْ يَسْجُدُونَ لَهَا، فَقَالَ ﷺ :" يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ؛ وَاللهِ لَقَدْ خَالَفْتُمْ مِلَّةَ أبيْكُمْ إبْرَاهِيْمَ " وَقَالَتْ قُرَيْشُ : إنَّمَا نَعْبُدُ هَذِهِ حُبّاً للهِ لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللهِ زُلْفَى ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ " أي قُلْ لَهُمْ يا مُحَمَّدُ ﷺ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبعُونِي يُحْبْكُمُ اللهُ، فَأَنَا رسولُ اللهِ إليكم، وحجَّتُه عليكم، وأنا أوْلَى بالتعظيمِ من أصْناَمِكُمْ. فلما نزلَتْ هذهِ الآيَةُ عرضَها عليهم فلم يقبَلُوا.
وقيل : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَرَضَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْيَهُودِيِّ، فَقَالَ عَبْدُاللهِ بْنُ أبي سَلُولٍ : إنَّ مُحَمَّداً ﷺ يَجْعَلُ طَاعَتَهُ كَطَاعَةِ اللهِ، وَيَأْمُرُنَا أنْ نُحِبَّهُ كَمَا أحَبَّتِ النَّصَارَى عِيْسَى عليه السلام ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ؛ أي فإنْ لَم يفعلوا ما تدعوهُم إليه من إتِّباعِك وطاعةِ أمرِكَ فإنَّ اللهَ تعالى لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِيْنَ ؛ أي لا يغفرُ لَهم ولا يُثني عليهم.
فلما نزلتْ هذه الآيةُ قالتِ اليَهُودُ : نحنُ أبناءُ إبراهيمَ وإسحاق ويعقوبَ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ ونحنُ على دينهم، فأنزلَ الله قولَه تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ؛ معناهُ : أنَّ اللهَ اصطفاهُم بالإسلام، وإنَّ آدمَ كما لم ينفع أولادَه المشركين كذلك سائرَ الأنبياءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ لا ينفعونهم. وصَفْوةُ الله : هم الذين لا دَنَسَ فيهم بوجهٍ من الوجوهِ ؛ لا في اعتقادٍ ولا في الفعلِ، والاصْطِفَاءُ : هو الاختيارُ، والصَّفْوَةُ : هو الخالِصُ من كلِّ شيءٍ، فمعناهُ :﴿اصْطَفَى ءَادَمَ﴾ أي اختارهُ واستخلَصه.
واختلفُوا في آلِ عمران في هذهِ الآية ؛ قيلَ : أراد بهم موسى وهارُونَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، وقيلَ : أرادَ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ.
آل عمران 3:33
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ؛ لَمَّا نزلت الآياتُ المتقدِّمة قالتِ اليهودُ : نحنُ أبناءُ اللهِ واحبَّاؤُه، وإنَّما يقولُ الله مثلَ هذه الآياتِ في أعدائه، وأرادوا بقولهِ أحبَّاؤُه : نُحِبُّهُ وَيُحِبُّنَا ؛ فأنزلَ اللهُ هذه الآية.
والْمَحَبَّةُ : في الحقيقةِ هي الإرادةُ، وهو أن تريدَ نَفْعَ غيرك فيبلُغَ مرادَه في نفعك إيَّاهُ، وأما الْعِشْقُ : وهو إفراطُ الْمَحَبَّةِ في هذا المعنى. وأما مَحَبَّةُ الطعامِ والملاذِ ؛ فهو شهوةٌ وتَوَقَانُ النفسِ. وأما مَحَبَّةُ العباد للهِ تعالى، فاللهُ يستحيلُ عليه المنافع، فلا يصحُّ أن يرادَ بمُحِبهِ هذه الطريقة لكي يراد بها إعظامُه وإجلاله وطاعتهُ ومحبَّة رسلهِ وأوليائِه، ومحبَّة الله إيَّاهم إثابتهُ إياهم على طاعتِهم ؛ وإنعامهُ عليهم ؛ وثناؤُه عليهم ؛ ومغفرَتُه لهم.
ومعنى الآيةِ : إنْ كُنتُم تحبُّون طاعةَ الله والرضا بشرائعهِ فاتَّبعونِي على دينِي يَزِدْكُمُ اللهُ حُبّاً، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ؛ في اليهوديَّة ؛ ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
وروى الضحَّاك عن ابنِ عبَّاس وقال :" وَقَفَ النَّبيُّ ﷺ عَلَى قُرَيْشٍ وَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَقَدْ نَصَبُواْ أصْنَامَهُمْ، وَعَلَّقُوا عَلَيْهَا بَيْضَ النَّعَامِ، وَجَعَلُواْ فِي آذَانِهَا الشُّنُوفَ وَهُمْْ يَسْجُدُونَ لَهَا، فَقَالَ ﷺ :" يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ؛ وَاللهِ لَقَدْ خَالَفْتُمْ مِلَّةَ أبيْكُمْ إبْرَاهِيْمَ " وَقَالَتْ قُرَيْشُ : إنَّمَا نَعْبُدُ هَذِهِ حُبّاً للهِ لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللهِ زُلْفَى ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ " أي قُلْ لَهُمْ يا مُحَمَّدُ ﷺ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبعُونِي يُحْبْكُمُ اللهُ، فَأَنَا رسولُ اللهِ إليكم، وحجَّتُه عليكم، وأنا أوْلَى بالتعظيمِ من أصْناَمِكُمْ. فلما نزلَتْ هذهِ الآيَةُ عرضَها عليهم فلم يقبَلُوا.
وقيل : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَرَضَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْيَهُودِيِّ، فَقَالَ عَبْدُاللهِ بْنُ أبي سَلُولٍ : إنَّ مُحَمَّداً ﷺ يَجْعَلُ طَاعَتَهُ كَطَاعَةِ اللهِ، وَيَأْمُرُنَا أنْ نُحِبَّهُ كَمَا أحَبَّتِ النَّصَارَى عِيْسَى عليه السلام ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ؛ أي فإنْ لَم يفعلوا ما تدعوهُم إليه من إتِّباعِك وطاعةِ أمرِكَ فإنَّ اللهَ تعالى لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِيْنَ ؛ أي لا يغفرُ لَهم ولا يُثني عليهم.
فلما نزلتْ هذه الآيةُ قالتِ اليَهُودُ : نحنُ أبناءُ إبراهيمَ وإسحاق ويعقوبَ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ ونحنُ على دينهم، فأنزلَ الله قولَه تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ؛ معناهُ : أنَّ اللهَ اصطفاهُم بالإسلام، وإنَّ آدمَ كما لم ينفع أولادَه المشركين كذلك سائرَ الأنبياءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ لا ينفعونهم. وصَفْوةُ الله : هم الذين لا دَنَسَ فيهم بوجهٍ من الوجوهِ ؛ لا في اعتقادٍ ولا في الفعلِ، والاصْطِفَاءُ : هو الاختيارُ، والصَّفْوَةُ : هو الخالِصُ من كلِّ شيءٍ، فمعناهُ :﴿اصْطَفَى ءَادَمَ﴾ أي اختارهُ واستخلَصه.
واختلفُوا في آلِ عمران في هذهِ الآية ؛ قيلَ : أراد بهم موسى وهارُونَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، وقيلَ : أرادَ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ.
آل عمران 3:34
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ﴾ ؛ إنتصبُ على البَدَلِ، وقيل : على التَّكرار، واصطفَى ذريَّةً بعضُها من بعضٍ، وقيل : على الحالِ ؛ أي اصطفاهُم حالَ كونِ بعضِهم من بعضٍ، ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ؛ أي سَميعٌ لقولِهم ؛ عَلِيْمٌ وبمجازاتِهم.
آل عمران 3:35
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ؛ قال أبو عُبيد :((إذْ) زَائِدَةٌ فِي الْكَلاَمِ وَكَذلِكَ فِي سَائِرِ الآيِ). وقال جَمَاعةٌ من النحويِّين : معناهُ : واذْكُرْ إذ قالَت، وكانَ اسمُ امرأة عِمران (حِنَّةٌ) وهي أمُّ مريَم، وكان لَها إبنانِ احداهما انشاع ؛ وعِمران بنُ مَاثَانَ ؛ بينهُ وبين عِمران أبي مُوسى عليه السلام ألفٌ وثَمانُمائة سنةٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ أي أوجبتُ لكَ على نفسي أن أجعلَه عتيقاً لِخدمة بيتِ المقدس، وكانوا يحرِّرُون أولادَهم أي يعتقونَها عن أسباب الدُّنيا، يجعلون الولدَ خالصاً للهِ، لا يستعملونَها في منافعِهم، ولم يكونوا يحرِّرون إلاّ الذُّكرانَ، وكان المحرَّرون سكانُ بيتِ الله يتعهَّدونَهُ ويَكْسُونَهُ، فإذا بلغُوا خُيِّرُوا ؛ فإن أحبُّوا أقامُوا في البيتِ، وإن أحبُّوا ذهبوا. و ﴿مُحَرَّراً﴾ نُصِبَ على الحالِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ أي تقبَّل منِّي نَذْري ﴿إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُُ﴾ لدُعائي، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بنيَّتِي وإخلاصي.
آل عمران 3:36
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَى﴾ ؛ وذلك أنَّها كانت تظُنُّ وقتَ النَّذر أنَّ ما في بطنِها ذكراً ؛ فلما ولدَت أنثى توهمَّت أن لا تُقْبَلَ منها ؛ فـ ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَى﴾، وكان هذا القولُ منها على وجهِ الاعتذار ؛ لأنَّ سَعْيَ الأُنثى أضعفُ وعقلَها أنقصُ، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾، وكانوا لا يحرِّرون النساءَ لِخدمة البيتِ لِمَا يلحقهُنَّ من الحيْضِ والنِّفاسِ.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ ؛ هو من قولِ المرأةِ ؛ معناهُ : ليسَ الذكرُ كالأنثى في خدمةِ البيتِ ؛ لأن الأُنثى عورةٌ فلا تصلُح لِما يصلحُ له الذكرُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ ؛ أي خَادِمَ الرَّب بلُغتهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ؛ أي إنِّي أمنعُها وولدَها بكَ إنْ كان لَها ولدٌ من الشيطانِ الرَّجيمِ. الرَّجيمُ : المرجُوم وهو المطرودُ من رحمةِ الله تعالى. وعن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قَالَ :" مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلاَّ وَلِلشَّيْطَانِ طَعْنَةٌ فِي جَنْبهِ حِيْنَ يُوْلَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارخاً مِنَ الشِّيطَانِ الرَّجِيْمِ، إلاَّ مَرْيَمَ وَابْنهَا عليه السلام، إقْرَؤُا إنْ شِئْتُمْ : وَإنِّي أعِيْذُهَا بكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ "
قرأ عليٌّ والنخعي وابنُ عامرٍ :(وَضَعْتُ) بضم التاء.
آل عمران 3:37
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً﴾ ؛ أي استجابَ اللهُ دعاءَ (حِنَّةَ)، وقَبِلَ نَذْرَهَا، وجعل مريَم صوَّامةً وقوَّامةً، ربَّاها اللهُ تربيةً حسنة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ ؛ أي ضمَّها للقيامِ بأمرِها، قال ﷺ :" أنَا وَكَافِلُ الْيَتِيْمِ كَهَاتَيْنِ، وَأَشَارَ بإصْبَعَيْهِ " وكان عِمرانُ قد ماتَ و(حِنَّةُ) حاملةٌ بمريَمَ. قرأ الحسنُ ومجاهد وابنُ كثير وشيبةُ ونافع وعاصمُ وأبو بكرٍ وابنُ عامر :(وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا) مخفَّفاً، وزَكَرِيَّا في موضعِ رفعٍ ؛ أي ضمَّها إلى نفسهِ، وتصديقُ هذه القراءةِ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾[آل عمران: ٤٤]. وروي عن ابنِ كثير :(وَكَفِلَهَا زَكَرِيَّا) بكسر الفاءِ ؛ أي ضمَّها، وقرأ الباقون :(وَكَفَّلَهَا) بالتشديدِ وزَكَرِيَّا بالنصب ؛ أي ضمَّها اللهُ زكريَّا فضمَّها إليه بالقُرعةِ، وفي مُصحف أبَيِّ :(وَأكْفَلَهَا) بالألفِ.
وكان زكريَّا وعِمران تزوَّجا أختين ؛ فكانت إشياعُ بنتُ فاقودَ أختَ حِنَّةَ عندَ زكريَّا، وكانت حِنَّةُ بنتُ فاقُودَ أمُّ مريَم عند عِمران.
قال المفسِّرون : فلما وضعَت حنَّةُ مريَمَ لفَّتْها في خِرْقَةٍ وحَمَلَتْهَا إلى المسجدِ فوضعَتها عند الأحبار أبنَاء هارون عليه السلام وهم يومئذ يَلُونَ من بيتِ المقدِسِ مَا يلي الْحَجَبَةُ من الكعبة، فقالَت لَهُم : دُونَكُمْ هذه النَّذِيْرَةِ ؛ فَتَنافَسَ فيها الأحبارُ لأنَّها كانت بنتَ إمامِهم، فقال لَهم زكريَّا عليه السلام : أنَا أحقُّ بها لأنَّ خالَتَها عندِي، فقالت لهُ الأحبارُ : لا تفعل ؛ فإنَّها لو تُركت لأحَقِّ الناسِ بها لتُركت لأُمِّها، ولكنَّا نُقْرِعُ عليها فتكونُ عند مَن خرجَ سهمُه.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـاذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَآءِ﴾ ؛ أي عندَما رأى زكريَّا أمرَ اللهِ في مريَم طَمِعَ أنَّ الذي يأتِي مريَم بالفاكهةِ في الشِّتاء يُصْلِحُ له عُقْرَ زوجتهِ، فدعَا عند ذلكَ وقال :﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ أي وَلَدَاً صالِحاً، والذُّرِّيَّةُ تكونُ واحداً وجَمعاً ؛ ذكراً أو أنثى، وهو هَا هُنا واحدٌ، ويدلُّ عليهِ قولهُ :﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾ ولَم يقل أولِياءً، وإنَّما أتت ﴿طَيِّبَةً﴾ لأنه على لفظِ ذُرية كما قالَ الشاعرُ : أبُوكَ خَلِيْفَةٌ وَلَدَتْهُ أخْرَى وَأنْتَ خَلِيْفَةٌ ذاكَ الْكَمَالِفأنَّث (وَلَدَتْهُ) لتأنيثِ الخليفة.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَآءِ﴾ أي سامِعُ الدعاءِ ومُجيِّبُهُ، وقولُهم :(سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) أي أجابَ، وأنشدَ : دَعَوْتُ اللهَ حَتَّى خِفْتُ أنْ لاَ يَكُونَ اللهُ يَسْمَعُ مَا أقُولُ
آل عمران 3:38
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً﴾ ؛ أي استجابَ اللهُ دعاءَ (حِنَّةَ)، وقَبِلَ نَذْرَهَا، وجعل مريَم صوَّامةً وقوَّامةً، ربَّاها اللهُ تربيةً حسنة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ ؛ أي ضمَّها للقيامِ بأمرِها، قال ﷺ :" أنَا وَكَافِلُ الْيَتِيْمِ كَهَاتَيْنِ، وَأَشَارَ بإصْبَعَيْهِ " وكان عِمرانُ قد ماتَ و(حِنَّةُ) حاملةٌ بمريَمَ. قرأ الحسنُ ومجاهد وابنُ كثير وشيبةُ ونافع وعاصمُ وأبو بكرٍ وابنُ عامر :(وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا) مخفَّفاً، وزَكَرِيَّا في موضعِ رفعٍ ؛ أي ضمَّها إلى نفسهِ، وتصديقُ هذه القراءةِ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾[آل عمران: ٤٤]. وروي عن ابنِ كثير :(وَكَفِلَهَا زَكَرِيَّا) بكسر الفاءِ ؛ أي ضمَّها، وقرأ الباقون :(وَكَفَّلَهَا) بالتشديدِ وزَكَرِيَّا بالنصب ؛ أي ضمَّها اللهُ زكريَّا فضمَّها إليه بالقُرعةِ، وفي مُصحف أبَيِّ :(وَأكْفَلَهَا) بالألفِ.
وكان زكريَّا وعِمران تزوَّجا أختين ؛ فكانت إشياعُ بنتُ فاقودَ أختَ حِنَّةَ عندَ زكريَّا، وكانت حِنَّةُ بنتُ فاقُودَ أمُّ مريَم عند عِمران.
قال المفسِّرون : فلما وضعَت حنَّةُ مريَمَ لفَّتْها في خِرْقَةٍ وحَمَلَتْهَا إلى المسجدِ فوضعَتها عند الأحبار أبنَاء هارون عليه السلام وهم يومئذ يَلُونَ من بيتِ المقدِسِ مَا يلي الْحَجَبَةُ من الكعبة، فقالَت لَهُم : دُونَكُمْ هذه النَّذِيْرَةِ ؛ فَتَنافَسَ فيها الأحبارُ لأنَّها كانت بنتَ إمامِهم، فقال لَهم زكريَّا عليه السلام : أنَا أحقُّ بها لأنَّ خالَتَها عندِي، فقالت لهُ الأحبارُ : لا تفعل ؛ فإنَّها لو تُركت لأحَقِّ الناسِ بها لتُركت لأُمِّها، ولكنَّا نُقْرِعُ عليها فتكونُ عند مَن خرجَ سهمُه.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـاذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَآءِ﴾ ؛ أي عندَما رأى زكريَّا أمرَ اللهِ في مريَم طَمِعَ أنَّ الذي يأتِي مريَم بالفاكهةِ في الشِّتاء يُصْلِحُ له عُقْرَ زوجتهِ، فدعَا عند ذلكَ وقال :﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ أي وَلَدَاً صالِحاً، والذُّرِّيَّةُ تكونُ واحداً وجَمعاً ؛ ذكراً أو أنثى، وهو هَا هُنا واحدٌ، ويدلُّ عليهِ قولهُ :﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾ ولَم يقل أولِياءً، وإنَّما أتت ﴿طَيِّبَةً﴾ لأنه على لفظِ ذُرية كما قالَ الشاعرُ : أبُوكَ خَلِيْفَةٌ وَلَدَتْهُ أخْرَى وَأنْتَ خَلِيْفَةٌ ذاكَ الْكَمَالِفأنَّث (وَلَدَتْهُ) لتأنيثِ الخليفة.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَآءِ﴾ أي سامِعُ الدعاءِ ومُجيِّبُهُ، وقولُهم :(سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) أي أجابَ، وأنشدَ : دَعَوْتُ اللهَ حَتَّى خِفْتُ أنْ لاَ يَكُونَ اللهُ يَسْمَعُ مَا أقُولُ
آل عمران 3:39
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى﴾ ؛ قرأ الأعمشُ وحمزة والكسائيُّ وخَلَفُ وقتادةُ :(فَنَادَاهُ)، وقرأ الباقون :(فَنَادَتْهُ)، وإذا تقدَّمَ الفعلُ فأنتَ فيه بالخيار ؛ إنْ شِئْتَ أنَّثْتَ ؛ وإنْ شئتَ ذكَّرْتَ.
ومعنى الآيةِ : فناداهُ جبريلُ عليه السلام وهو قائمٌ يُصَلِّي في المسجدِ بأنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بولدٍ اسْمُهُ يَحْيَى. والمرادُ بالملائكةِ هنا جِبْرِيْلَ وحدَه ؛ ونظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يامَرْيَمُ﴾[آل عمران: ٤٢] يعني جبريلَ وحدَهُ، وقَوْلُهُ :﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالْرُّوحِ﴾[النحل: ٢] يعني جبريلَ وحدَه، ﴿بِالْرُّوحِ﴾ أي بالوَحْي، يدلُّ عليه قراءةُ ابنِ مسعود :(فَنَادَاهُ جِبْرِيْلُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَاب).
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ والأعمشُ وحمزة :(إنَّ اللهَ) بكسر الألفِ على إضمار القول ؛ تقديرهُ : فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ فقالَتْ : إنَّ اللهَ، لأنَّ النداءَ قولٌ، وقرأ الباقون بالفتح بوقوعِ النِّداء عليه كأنَّهُ قالَ : فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ بأنَّ اللهَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُبَشِّرُكَ﴾ قرأ حمزةُ والكسائي (يُبَشُرُكَ) بفتح الياء وجزمِ الباء وضمِّ الشين، وقرأ الباقون بضمِّ الياءِ وفتح البَاء وتشديدِ الشِّين وكسرِها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً﴾ ؛ انتصبَ على الحالِ في قوله :﴿بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ يعني عيسَى عليه السلام ؛ أنَّ يَحيى مصدِّقاً بعيسى، وكانَ يَحيى أوَّلَ مَن صدَّق بعيسَى وشَهِدَ أنَّه كلمةُ اللهِ وروحُه، وكان يحيى أكبرَ من عيسى بثلاثِ سنين، وقيلَ : بستَّة أشهرٍ.
واختلفُوا في تسمية يَحيى بهذا الاسمِ ؛ فقالَ ابنُ عبَّاس :(لأنَّ اللهَ تَعَالَى حَيَى بهِ عُقْرَ أمِّهِ). وقالَ قتادةُ :(لأنَّ اللهَ أحْيَا قَلْبَهُ بالإيْمَانِ). وقيل : بالنبوَّة.
وقيل : إنَّ الله تعالى أحيَى قلبَه بالطاعةِ حتى لَم يَعْصِ ولَم يَهُمَّ بمعصيةٍ. قالَ ﷺ :" مَا مِنْ أحَدٍ يَلْقَى اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إلاَّ وَقَدْ هَمَّ بخَطِيَّةٍ أوْ عَمِلَهَا إلاَّ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا فَإنَّهُ لَمْ يَهُمَّ بهَا ولَمْ يَعْمَلْهَا " وقال بعضُهم : سُمِّي بذلكَ لأنه اسْتُشْهِدَ، والشهداءُ أحياءٌ عند ربهم يرزقون. قال ﷺ :" مِنْ هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أنَّ عِيْسَى قَتَلَتْهُ امْرَأةٌ، وَقُتِلَ يَحْيَى قَبْلَ رَفْعِ عِيْسَى عليه السلام "
قوله تعالى :﴿بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ إنَّما سُمي عيسَى كَلِمَةً ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قالَ لهُ كُنْ مِن غيرِ أبٍ فكانَ، فوقعَ عليه اسمُ الكلمة. قولُه تعالى :﴿وَسَيِّداً﴾ السيِّدُ في اللغة وفي الحقيقةِ : مَنْ تَلْزَمُ طَاعَتُهُ وَيَجِبُ عَلَى النَّاسِ الاقْتِدَاءُ وَالْقَفَا بهِ فِي الْعِلْمِ وَالْحِلْمِ وَالْعِبَادَةِ. وقال الضحَّاكُ :(السَّيِّدُ : الْحَسَنُ الْخُلُقِ). وقال ابنُ جبير :(السَّيِّدُ : الَّذِي يُطِيْعُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ). وقال ابنُ المسيَّب :(السَّيِّدُ : الْفَقِيْهُ الْعَالِمُ). وقال سفيان :(هُوَ الَّذِي لاَ يَحْسِدُ)، وقال عكرمةُ :(هُوَ الَّّذِي لاَ يَغْضَبُ)، وقال ذُو النُّونِ :(الْحَسُودُ لاَ يَسُودُ)، وقال الخليلُ :(سَيِّداً أيْ مُطَاعاً)، وقيل : السيِّدُ : القانِعُ بما قَسَمَ اللهُ، وقيل : هو الرَّاضِي بقضاءِ الله، وقيل : المتوكِّلُ على اللهِ.
آل عمران 3:40
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ ؛ معناهُ : قال زكريَّا لجبريلَ حين سَمع البشارة يا سيِّدي كيفَ يكونُ لي غلامٌ وقد أدركَنِي الْهَرَمُ وامرأتِي ذاتُ عقْرٍ لا تلدُ، قَالَ له جبريلُ مثلَ ذلك (يفعلُ اللهُ مَا يَشاءُ) ؛ أي الذي شَاءَهُ. وقال بعضُهم : أرَادَ زكريَّا بالرب اللهَ عَزَّ وَجَلَّ ؛ أي قَالَ يا رب كيفَ يكونُ لي غلامٌ.
قال الكلبيُّ :(كَانَ زَكَرِيَّا يَوْمَ بُشِّرَ بالْوَلَدِ ابْنَ تِسْعِيْنَ سَنَةً). وقيلَ : ابنَ تسعٍ وتسعينَ سنةً. وروى الضحَّاك عنِ ابن عبَّاس :(أنَّهُ كَانَ ابْنَ مِائَةٍ وَعِشْرِيْنَ سَنَةً). وكانتِ امرأتُه بنتَ ثَمانِي وتسعينَ سنةً، فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى حاكياً عنه :﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ أي عقيمٌ لا تَلِدُ.
يقال : رجلٌ عَاقِرٌ وامرأةٌ عَاقِرٌ، وقد عَقُرَ بضَمِّ القافِ يَعْقُرُ عُقْراً، ويقالُ : تكلَّمَ فلانٌ حتى عُقِرَ بكسرِ القافِ ؛ إذا بَقِيَ لا يقدرُ على الكلامِ، وإنَّما حذفَ (الهاءَ) من عَاقِرٍ لاختصاصِ الآياتِ بهذه الصِّفة كما يُقالُ امرأةٌ مُرْضِعٌ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى حاكياً عن زكريَّا :﴿وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ﴾ هذا المقلوبُ ؛ أي وقد بَلَغْتُ الْكِبَرَ وَشِخْتُ، فإن قيلَ : هل يجوزُ أن يقولَ الإنسانُ بَلَغَنَا الْبَلَدُ كما يقولُ بَلَغْتُ الْبَلَدَ ؟ قيلَ : لا يجوزُ ذلك بخلافِ قولهِ :﴿بَلَغَنِي الْكِبَرُ﴾ بمعنى بلغتُ الكبرَ، والفرقُ بينهما أنَّ الكِبَرَ طالبٌ للإنسانِ لإتيانه عليه بحدوثهِ فيه، والإنسانُ كالطالب للكِبَرِ لبلوغهِ إيَّاه بمرور السنينِ والأعوامِ عليه، وأمَّا البلدُ فلا يكونُ طالباً للإنسانِ، كما يكونُ الإنسانُ طالبا للبلد.
فإن قِيْلَ : كيفَ قال زكريَّا ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ فاستبعدَ أن يعطيَه اللهُ ولداً على كِبَرِ السِّنِّ من امرأةٍ عاقرٍ بعدمَا بشَّرتْهُ الملائكةُ بذلك ؟ قيل : لَم يكن هذا القولُ منه على جهةِ الاستبعاد ولكنْ من شأنِ من بُشِّرَ بما يتمنَّاهُ أن يحملَه فَرْطُ سُرُورهِ به على الزيادةِ في الاستكشافِ والاستثبَات، كما يقولُ الإنسانُ إذا رأى شيئاً مِن الأمور العظيمة : كيفَ كان هذا؟! على جهةِ الاستعظامِ لقدرةِ الله تعالى لا لِشَكٍّ في القدرة.
وقيل : معناه : على أيِّ حال يكون الولدُ أيَرُدُّنِي اللهُ وامرأتِي إلى حالِ الشَّباب، أم على هذهِ الحالةِ؟! وقيلَ : معناهُ : أيَرْزُقُنِي اللهُ الولدَ من امرأتِي هذهِ أو من امرأةٍ غيرها شابَّة ؟ فقيلَ لهُ ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ ؛ أي كإثْمار السَّعفة اليابسةِ ؛ يفعلُ الله ما يشاءُ.
آل عمران 3:41
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً﴾ ؛ أي قالَ زكريَّا يا رَب اجعل لِي علامةً إذا حملَتِ امرأتِي عرفتُ ذلك منها، أرادَ بهذا القولِ تعجيلَ السُّرور قبل ظُهور الولدِ بالولادة. قال : علامةُ ذلكَ أن لا تُطِيْقَ الكلامَ مع أحدٍ من الناس منذُ ثلاثةِ أيَّام من غير خَرَسٍ ﴿إِلاَّ رَمْزاً﴾ أي الاَّ إشارَةً بالعينين والحاجِبين واليدَين، وقيل : الرَّمْزُ : تَحْرِيْكُ الشَّفتين باللفظ من غير إبانةِ صَوْتٍ، فذلك علامةُ حَبَلِ امرأتِكَ.
قَوْلُهُ تعَالَى :﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ ؛ أي اذكُر ربَّكَ كثيراً في هذهِ الأيَّام الثلاثة ؛ ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ أي صَلِّ غُدُوّاً وعَشِيّاً كما كنتَ تصلِّي من قَبْلُ، يقالُ : فرِغْتُ من سُبْحَتِي ؛ أي من صلاتِي، وسُمِّيت الصلواتُ سُبَحاً لِمَا فيها من التوحيدِ والتَّحميد والتَّنْزِيْهِ من كلِّ سوءٍ. وقيل : أرادَ بالتسبيحِ التسبيحَ المعروفَ فيما بين الناس، وقرأ الأخفشُ (رَمَزاً) بفتحِ الميم مصدراً مثل طَلَباً.
آل عمران 3:42
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَـاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَـاكِ عَلَى نِسَآءِ الْعَـالَمِينَ﴾، معطوفُ على ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾، والمرادُ بالملائكة جبريل عليه السلام على ما تقدَّم. ومعنى ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَـاكِ﴾ أي اختارَكِ لطاعتهِ وعبادته، ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ من الكُفْرِ بالإيْمان والطاعاتِ، كما قالَ :﴿لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً﴾[الأحزاب: ٣٣] أرادَ طهارةَ الإيْمَانِ والطاعَات، وقيل : معناهُ : وطهَّرَكِ من الأدنَاسِ كلِّها ؛ مِن الحيضِ والنِّفاسِ وغير ذلكَ.
وقََوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاصْطَفَـاكِ عَلَى نِسَآءِ الْعَـالَمِينَ﴾ أي اختارَكِ على أهلِ زمانِك بولادة عيسَى من غيرِ أبٍ. وقيل : معنَى الآيةِ : وَطَهَّرَكِ مِنْ مَسِيْسِ الرَّجُلِ.
فإن قِيْلَ : كيف يجوزُ ظُهُورُ الملائكةِ لِمَرْيَمَ وذلك معجزةٌ لا يجوزُ ظهورُها على غير نَبيٍّ، ومريَم لم تكن نبيّاً ؟ قيلَ : لأنَّها وإن لَم تكن نبياً ؛ فإنَّ ذلكَ كان في وقتِ زكريَّا عليه السلام، ويجوزُ ظهور المعجزاتِ في زمنِ الأنبياء عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ لغيرِهم، ويكونُ ذلك معجزةً له. وقيل : كان ذلك إلْهَاماً لنبوَّة عيسى، كما كانتِ الشُّهب وتظليلُ الغمَامِ وكلامُ الذِّئب إلْهَاماً لنبوَّة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم.
آل عمران 3:43
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾ ؛ أي اخْلِصي لعبادةِ ربكِ، وقيل : أدِيْمِي الطاعةَ لذلك، وقيل : أطِيْلِي القيامَ في الصلاة. وقيل : معنَى قولهِ تعالى :﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ؛ أي صَلِّي معَ الجماعةِ في بيت المقدسِ ؛ لأنَّها كانت تخدِمُ المسجدَ.
وفي الآيةِ دليلٌ على أن الوَاوَ لا تُوجِبُ الترتيبَ ؛ لأن الركوعَ مقدَّمٌ على السجودِ في المعنَى ؛ وقد تقدَّم السجودُ في هذه الآية في اللغة.
آل عمران 3:44
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ذلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ؛ أي ذلك ما قَصَصْنَاهُ عليكَ يا مُحَمَّدُ من أمرِ زكريَّا ويحيَى ومريَم وعيسَى من أخبار ما غابَ عنك نرسلُ جبريلَ به، وما كُنْتُ عندَهم يا مُحَمَّدُ إذ يطرحون أقلامَهم في نَهْرٍ أيُّهُم يَضُمُّ مريَم للقيامِ بأمرها وَمَا كُنْتَ عِنْدَهُمْ إذ يَخْتَصِمُونَ في أمرِها للتربية.
آل عمران 3:45
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ؛ أي إعْلَمْ واذْكُرُ ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ﴾ يعني جبريلُ ﴿يامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ﴾ يعني عيسى عليه السلام سَمَّاه كلمةً ؛ لأنه كان بكَلِمَةٍ مِن اللهِ ألقَاها إلى مريَم ؛ ولم يكن بوَالِدٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ إنَّما ذكرَ بلفظِ التذكيرِ ؛ لأنَّ معنى الكلمةِ الولدُ فلذلك لَم يقل اسْمُها.
واختلفوا في تسميتِه مَسِيْحاً، قال ابنُ عبَّاس :(الْمَسِيْحُ : الْمَمْسُوحُ بالْبَرَكَةِ) فالمسيحُ فَعِيْلٌ بمعنى مَفْعُولٌ، وقال بعضُهم : سُمِّي مَسِيْحاً بمَعْنَى الْمَاسِحِ، كان يَمْسَحُ على ذوي العِلَلِ فَيَبْرَؤنَ. وقيل : إنه كان يَمسحُ الأرضَ مَسْحاً ولا يطوفها ؛ أي يسيحُ فيها، وقيل : إنه خرجَ من بطنِ أمِّهِ مَمٍسوحاً بالدُّهن. وقيل : مَسَحَهُ جبريلُ بجناحيهِ من الشَّيطان حتى لا يكونَ للشيطانِ عليه سبيلٌ.
وقال الكلبيُّ :(الْمَسِيْحُ : الْمَلِكُ الَّذِي لاَ حَاجَةَ لَهُ إلَى أحَدٍ مِنَ الْمَخْلُوقِيْنَ). رُوي عن ابنِ عبَّاس أنه عليه السلام كانَ يقولُ :" الشَّمْسُ ضِيَاءٌ وَالْقَمَرُ سِرَاجٌ " وإنَّهُ كَانَ يَقُولُ :" الشَّمْسُ سِرَاجِي وَالْقَمَرُ ضِيَائِي "، وَيَقُولُ :" الْبَرِّيَّةُ طَعَامِي، أبِيْتُ حَيْثُ يُدْرِكُنِي اللَّيْلُ، لَيْسَ لِي وَلَدٌ يَمُوتُ وَلاَ دَارٌ تَخْرَبُ وَلاَ مَالٌ يُسْرَقُ، أصْبَحُ وَلاَ غَدَاءَ لِي، وأُمْسِي وَلاَ عَشَاءَ لِي، وَأَنَا مِنْ أغْنَى النَّاسِ "
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ ؛ أي ذا قَدْرٍ ومنْزِلة في الدنيا عندَ أهلِها، وفي الآخرةِ عندَ ربهِ، والوجيهُ الذي لا يُرَدُّ قولُه، ولا مسألتُه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾، أي مِنَ الْمُقَرَّبيْنَ إلَى ثواب الله في جنَّةِ عدنٍ وهي الدرجةُ العُليا، والتقرُّب إلى اللهِ تقرُّبٌ إلى ثوابهِ.
آل عمران 3:46
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ ؛ أي في مضجعِ الرِّضاع. قال مجاهدُ :(قَالَتْ مَرْيَمُ : كنْتُ إذا خَلَوْتُ أنَا وَعِيْسَى حَدَّثْتُهُ وحَدَّثَنِي، فَإذا شَغَلَنِي إنْسَانٌ ؛ يُسَبحُ فِي بَطْنِي وَأَنَا أسْمَعُ(.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَهْلاً﴾ ؛ أي يُكَلِّمُ الناسَ بعدما دخلَ في السنِّ ؛ يعني قبلَ أن يرفعَ إلى السماءِ. وقال الحسنُ :(وَكَهْلاً أيْ بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ؛ أي وِمن المرسلينَ.
وقالَ الكلبيُّ :(أرَادَ بالْمَهْدِ : الْحِجْرَ). روي أنَّهم لَمَّا قالُوا لَها :﴿يامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً﴾[مريم: ٢٧] كلَّمَهم وهو في حِجرها فقالَ :﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ﴾[مريم: ٣٠-٣١]، وكان يومئذٍ ابنَ أربعين يوماً.
فإن قيلَ : الكلامُ في حالِ كونِه في المهدِ يَعجَبُ الناسُ منه، وأمَّا الكلامُ في الكهولَة فليسَ بعجبٍ، فكيفَ ذكَرَهُ اللهُ ؟ قيلَ : في ذلكَ الكلامِ وفي الكهولَةِ بشارةٌ لِمَرْيَمَ في أنَّ عيسى يعيشُ إلى وقتِ الكُهولة.
وقيل : تكلَّمَ في المهدِ ببَرَاءَةِ أمِّهِ مِمَّا رماها بهِ اليهودُ، وتكلَّم بالكهولةِ بإبطَال ما ادعَّاه النصارَى من كونهِ إلَهاً ؛ لأنه كانَ طِفلاً ثم صارَ كَهْلاً، ومن يكونُ بهذه الصِّفة لا يكون إلَهاً.
والكَهْلُ في اللُّغَةِ : مَنْ جَاوَزَ حَدَّ الشَّبَاب ولَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الشَّيْخُوخَةِ، يقالُ : اكْتَهَلَ النَّبَاتُ إذا قَوِيَ وَاشْتَدَّ. وقيل : الكَهْلُ : هو الذي يكونُ ابنَ أرْبَعٍ وثَلاَثِيْنَ سنةً.
آل عمران 3:47
وقوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ ؛ أي ولَم يُصِبْنِي رَجُلٌ بالنِّكاحِ ولا بالسِّفاحِ، وكان هذا القولُ منها على جهةِ الاستعظامِ لقدرَة الله تعالى، لاَ على وجهِ الاستبعاد كما تقدَّم ذكرُه.
قالَ اللهُ تعالى :﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ ؛ أي يكونُ لكِ ولدٌ من غيرِ بَشَرٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ؛ أي إذا أرادَ أن يخلُقَ ما يشاءُ وحَكَمَ بتكوينِ شيءٍ فإنَّما يقولُ لهُ كُنْ فَيَكُونُ كما أرادَهُ الله تعالى. وهذا إخبارٌ عن سرعة كون مُرَادِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ؛ لأنه لا يكونُ في وَهْمِ العبادِ شيء أسرعُ مِن كُنْ، وإنَّما ذكرَهُ بلفظِ الأمر لأنهُ أدَلُّ على القدرةِ، ونصبَ بعضُ القُرَّاءِ فَيَكُونُ على جواب الأمرِ بالألف، ورفعَهُ الباقون على إضمار هو يَكُونُ.
آل عمران 3:48
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ؛ قرأ نافعُ ومجاهدُ والحسن وعاصم بالياءِ ؛ كقولهِ تعالى :﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾[آل عمران: ٤٧]. وقال المبرِّدُ :(رَدُّوهُ عَلَى قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ﴾. وقرأ الباقونَ بالنون على التعظِيم، ورَدُّوهُ على قوله :﴿نُوحِيهِ إِلَيكَ﴾.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ؛ أي الخطَّ، وقيلَ الزبور وغيره من الكتب سوَى التورَاةِ والإنجيلِ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ أي الْفِقْهَ ؛ وهو فَهْمُ الْمَعَانِي.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ ؛ قيلَ : علَّمَه اللهُ تعالى التوراةَ في بطنِ أمِّهِ، والإنجيلَ بعدَ خروجه.
آل عمران 3:49
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ؛ أي وَيَجْعَلَهُ بعدَ ثلاثين سنةً رسولاً إلى بني إسرائيلَ ؛ ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ ؛ بعلامةٍ ؛ ﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ؛ لِنُبُوَّتِي، وقيلَ :﴿وَرَسُولاً﴾ عطفاً على (وَجِيْهاً). وكان أولُ أنبياءِ بني إسرائيلَ يوسُف عليه السلام وآخرَهم عيسى عليه السلام.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَنِي أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ﴾ ؛ قرأ نافعُ (إنِّي) بالكسرِ على الاستئناف وإضمار القولِ، وقرأ الباقون بالفتحِ.
ومعنى الآيةِ : أنِّي أقدرُ لكم من الطينِ صورةً كهيئة الطيرِ فأنفخُ في الطينِ كنفخِ النائم فيصيرُ طيراً يطيرُ بينَ السماء والأرضِ بأمرِ الله عَزَّ وَجَلَّ، ويقرأ (طَائِراً) إلاَّ أنَّ هذا أحسنَ ؛ لأن الطائرَ يرادُ به الحالُ. قرأ الزهريُّ وأبو جعفرَ (كَهَيَّةِ الطَّيْرِ) بالتشديدِ، وقرأ الآخرون بالهمزِ. وَالْهَيْئَةُ : الصورةُ الْمُهَيَّئَةُ من قولِهم : هَيَّأْتُ الشَّيْءَ إذا أصلحتُه. وقرأ أبو جعفر :(كَهَيْئَةِ الطَّائِرِ) بالألف.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ؛ قرأ عامَّة القرَّاء (طَيْراً) على الجمع لأنه يَخْلُقُ طيراً كثيرةً، وقرأ أهلُ المدينة (طَائِراً) بالألفِ على الواحدِ ذهبوا إلى نوعٍ واحد من الطَّير لأنه لم يخلق إلاَّ الْخُفَّاشَ، وإنَّما خَصَّ الْخُفَّاشَ لأنَّه أكملُ الطيرِ خَلْقاً ليكون أبلغَ في القدرةِ لأنَّ لها ثَدْياً وأسْنَاناً ؛ وهي تحيضُ وتطهرُ، قال وهب :(وَهِيَ تَطِيرُ مَا دَامَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهَا، فَإذا غَابَت عَنْ أعْيُنِهِمْ سَقَطَتْ، ولأنَّهَا تَطِيرُ بغَيْرِ رِيْشٍ وتَلِدُ وَلاَ تَبيضُ).
وروي أنَّهم ما قالوا لعيسى أخْلُقْ لَنَا خُفَّاشاً إلا مُتعنِّتين له ؛ لأجلِ مخالفته الطيورَ بهذه الأخبار التي ذكرنَاها. فلمَّا قالوا لهُ أخْلُقْ لنا خُفَّاشاً ؛ أخذ طيناً ونفخَ فيه فإذا هو خُفَّاشٌ يطيرُ بين السماء والأرض، فقالوا : هذا سِحْرٌ ؛ فقال : أنا ؛ ﴿وَأُبْرِىءُ الأَكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ؛ فقالوا : إنَّ إبراءَ الأكمَهَ والأبرَصَ يفعلهُ أطبَّاؤُنا، فذهبوا إلى جَالِينُوسَ فأخبروهُ بذلكَ، فقالَ : إنَّ الَّذِي وُلد أعمى لا يبصرُ بالعلاجِ، والأبرصُ الذي لو غَرِزَتْ إبرةٌ لا يخرج منه الدمُ لا يبرأ بالعلاجِ، وإنْ كانَ يُحيي الموتَى فهو نبيٌّ. فجاؤُا بأكْمَهٍ وأبرَصِ فمسحَ عليهما فَبَرَءا، فقالُوا : هذا سحرٌ ؛ فإنْ كنتَ صادقاً فأحيي الموتَى، فأحيَا أربعةً من الموتى : الْعَازَرُ وكان صَدِيقاً له، فأرسلَت أختُه إلى عيسى : أنَّ أخاكَ العازَرَ مَاتَ فأتاهُ، وكان بينَهما مسيرةُ ثلاثةِ أيام، فأتى هو وأصحابُه فوجدوه قد دُفِنَ منذُ ثلاثةِ أيَّام ؛ فقامَ على قبرهِ وقالَ : اللَّهُمَّ ربُّ السمواتِ السَّبع والأرضين السَّبع أحيْي العازَرَ مِن قبرهِ وودكه يقطر، فخرجَ وبقيَ مدَّة طويلةً وَوُلِدَ لهُ. وأحيَا ابنَ العجوز، مرَّ بهِ وهو على سريرٍ يُحمل على أعناقِ الرِّجال إلى المقابرِ، ودعا اللهَ تعالى أن يجيبَه، فجلسَ على سريرهِ وأنْزِلَ عن أعناق القوم، ولبسَ ثيابَهُ وحَمَلَ السريرَ على عنقهِ، ورجعَ إلى أهلهِ فبقيَ مدَّة ووُلِدَ له.
آل عمران 3:50
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ ؛ معناهُ : وجِئتُكُمْ ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أي أتيتُ بالتوراةِ وأحكامِها وصَدَّقْتُهَا، وقيل : يعني بالتصديقِ أنَّ في التوراةِ البشارةَ بي، فإذا خرجتُ فقد صُدَّقْتُ ذلكَ، ولا يجوزُ أن يكون (ومُصَدِّقاً) عطفاً على (وَرَسُولاً) لأنه لو كان ذلكَ لقالَ ومصدِّقاً لِما بينَ يديهِ.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ ؛ لأنه كانَ في التوراةِ أشياءٌ مُحرَّمة حَلَّلَ عيسى بعضَها وهو العملُ في يومِ السبت ؛ وشحومُ البقرِ والغنمِ وسائرِ ما حُرِّمَ عليهم بظُلْمِهِمْ. وقيل : معناها : ولأحلَّ لكم كلَّ الذي حَرَّم عليكُم أحبارُكم لا ما حرَّمَ أنبياؤُكم، ويكونُ البعضُ بمعنى الكلِّ، واستدلَّ صاحبُ هذا القولِ بقول لَبيْدٍ : تَرَّاكُ أمْكِنَةٌ إذا لَمْ أرْضَهَا أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَاقيلَ : معناهُ : كلُّ النفوسِ. وقال الزجَّاج :(لاَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الْبَعْضُ عِبَارَةً عَنِ الْكُلِّ ؛ لأَنَّ بَعْضَ الشَّيْءِ جُزْءٌ مِنْهُ). قال :(وَمَعْنَى قَوْلِ لَبيْدٍ : أوْ مَا يَعْتَلِقُ نَفْسِي حِمَامُهَا ؛ لأنَّ نَفْسَهُ بَعْضُ النُّفوسِ). وقرأ النخعِيُّ :(وَلاَُ حِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حَرُمَ عَلَيْكُمْ) أي صَارَ حَرَاماً.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ؛ أي أحلُّ لكم شيئاً مِما حُرِّم عليكم من غير برهان، بل أتيتُكم بعلامةِ نُبُوَّتِي. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ؛ أي اتَّقُوا اللهَ فيما أمرَكم ونَهاكم وأطيعونِ فيما أبيِّنُه لكم ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ ؛ أي قالَ لَهم عيسَى إنَّ اللهَ خالِقي وخالقكم فوحِّدُوه ؛ ﴿هَـاذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ ؛ أي هذا الذي أدعُوكُم إليهِ طريقِي فِي الدِّين فلا عِوَجَ لَهُ، مَن سَلَكَهُ أدَّاهُ إلى الحقِّ.
آل عمران 3:51
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ ؛ معناهُ : وجِئتُكُمْ ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أي أتيتُ بالتوراةِ وأحكامِها وصَدَّقْتُهَا، وقيل : يعني بالتصديقِ أنَّ في التوراةِ البشارةَ بي، فإذا خرجتُ فقد صُدَّقْتُ ذلكَ، ولا يجوزُ أن يكون (ومُصَدِّقاً) عطفاً على (وَرَسُولاً) لأنه لو كان ذلكَ لقالَ ومصدِّقاً لِما بينَ يديهِ.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ ؛ لأنه كانَ في التوراةِ أشياءٌ مُحرَّمة حَلَّلَ عيسى بعضَها وهو العملُ في يومِ السبت ؛ وشحومُ البقرِ والغنمِ وسائرِ ما حُرِّمَ عليهم بظُلْمِهِمْ. وقيل : معناها : ولأحلَّ لكم كلَّ الذي حَرَّم عليكُم أحبارُكم لا ما حرَّمَ أنبياؤُكم، ويكونُ البعضُ بمعنى الكلِّ، واستدلَّ صاحبُ هذا القولِ بقول لَبيْدٍ : تَرَّاكُ أمْكِنَةٌ إذا لَمْ أرْضَهَا أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَاقيلَ : معناهُ : كلُّ النفوسِ. وقال الزجَّاج :(لاَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الْبَعْضُ عِبَارَةً عَنِ الْكُلِّ ؛ لأَنَّ بَعْضَ الشَّيْءِ جُزْءٌ مِنْهُ). قال :(وَمَعْنَى قَوْلِ لَبيْدٍ : أوْ مَا يَعْتَلِقُ نَفْسِي حِمَامُهَا ؛ لأنَّ نَفْسَهُ بَعْضُ النُّفوسِ). وقرأ النخعِيُّ :(وَلاَُ حِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حَرُمَ عَلَيْكُمْ) أي صَارَ حَرَاماً.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ؛ أي أحلُّ لكم شيئاً مِما حُرِّم عليكم من غير برهان، بل أتيتُكم بعلامةِ نُبُوَّتِي. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ؛ أي اتَّقُوا اللهَ فيما أمرَكم ونَهاكم وأطيعونِ فيما أبيِّنُه لكم ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ ؛ أي قالَ لَهم عيسَى إنَّ اللهَ خالِقي وخالقكم فوحِّدُوه ؛ ﴿هَـاذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ ؛ أي هذا الذي أدعُوكُم إليهِ طريقِي فِي الدِّين فلا عِوَجَ لَهُ، مَن سَلَكَهُ أدَّاهُ إلى الحقِّ.
آل عمران 3:52
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ ؛ أي لَمَّا وجدَ عيسى، وقيل : لَمَّا عَلِمَ منهم الكفرَ والقصدَ إلى قتلِه ؛ ﴿قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ ؛ أي مَن أعْوَانِي معَ اللهِ، وقيل : معناهُ : مَن أنصَاري إلى سبيلِ اللهِ، وقيل : مَن أنصاري للهِ، ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ ؛ أي قال المُخْلِصُونَ في النُّصرةِ والتَّصديقِ : نَحْنُ أعوانُ دِيْنِ اللهِ معكَ ؛ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ ؛ أي صَدَّقْنَا بتوحيدِ الله ؛ ﴿وَاشْهَدْ﴾ ؛ يَا عيسى ؛ ﴿بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ؛ والإحساسُ هو العلم من خَلجَاتِهم.
واختلفَ المفسَِّرونَ في الحواريِّين، قال بعضُهم : هم المخلصونَ الخواصُّ كما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" الزُّبَيرُ ابْنُ عَمَّتِي وَحَواريِّي مِنْ أُمَّتي " أي هو مِنْ أمَّتِي، وكان الحواريونَ لعيسى اثْنَى عشرَ رَجُلاً مِن أصحابهِ، مكانَ العشرةِ من النبيِّ ﷺ، سُمُّوا الحواريينَ مِن الْحَوَر وَهُوَ الْخُلُوصُ. يقالُ : عَيْنٌ حَوراءُ إذا اشْتَدَّ بَيَاضُ بَيَاضِهَا وَقَلُصَ ؛ وَاشْتَدَّ سَوَادُ سَوَادِهَا وَخَلُصَ، ومنهُ وفيهِ يقال : دَقِيْقٌ حَوَاريٌّ للَّذِي لم يبق منه إلاَّ لُبَابُهُ. وقال بعضُهم : سُمُّوا حواريين من الْحَوَار وهو البياضُ، إلاَّ أنَّهم اختلفُوا في بياضهم. قيلَ : كانوا قصَّاريْنَ يُبَيِّضُونَ الثيابَ فمرَّ بهم عيسى عليه السلام فقالَ : ألاَ أدُلُّكُمْ عَلَى تَطْهِيْرٍ أنْْفَعُ مِنْ هَذَا ؟ قالوا : نَعَمْ، قالَ : تَعَالَواْ حَتَّى نُطَهِّرَ أنْفُسَنَا مِنَ الذُّنوب، فَبَايَعُوهُ على ذلكَ. وقيل : كانوا بيْضَ الثياب، وقيل : كانوا بيْضَ القلوب من الفسَاد.
وقال بعضُهم : كانوا صَيَّادِيْنَ، قال لَهم عيسى عليه السلام : ألاَ أدُلُّكم على اصطيادٍ أنفعُ مِن هذا ؟ قالوا : بَلَى، قال : تعالَوا حتى نصطادَ أنفسَنا من شِرْكِ إبليسَ ؛ فبايَعُوه.
كأنَّهم ذهبوا في هذا إلى اشتقاقهِ مِنَ الْحَوَر الذي هو الرُّجوع، ومنه سُمِّي الْمِحْوَرُ لأنه راجعٌ إلى المكانِ الذي زالَ منه، وقيل : لأنه بدورانهِ يَنْصَقِلُ حتى يَبْيَضَّ. والْمِحْوَرُ عودُ الْخَبَّاز، وقيل : َ الْمِحْوَرُ الذي تدورُ عليه البَكْرَةُ، وربَّما كان من حديدٍ.
وأمّا ما رُوي في الحديثِ :" نَعُوذُ باللهِ مِنَ الْحَوَرِ بَعْدَ الْكَوْر " فمعناهُ : مِن الرجوعِ والخروج من الجماعَة بعدَ أنْ كُنَّا فيها، يقال، كَارَ عِمَامَتَهُ إذا لفَّها على رأسهِ ؛ وحَارَهَا : إذا نَقَضهَا.
قال مُصْعَبُ :(لَمَّا اتَّبَعَ الْحَوَاريُّونَ عِيْسَى عليه السلام وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً، وَكَانُواْ إذا جَاعُواْ قَالُواْ : يَا رُوحَ اللهِ جُعْنَا، فَيَضْرِبُ بيَدِهِ الأَرْضَ سَهْلاً كَانَ أوْ جَبَلاً، فَيَخْرُجُ لِكُلِّ إنْسَانٍ رَغِيْفيْنِ فَيَأكُلُهُمَا. فَإذا عَطِشُوا قَالُواْ : يَا رُوحَ اللهِ عَطِشْنَا، فَيَضْرِبُ بيَدِهِ الأَرْضَ فَيَخْرُجُ الْمَاءُ فَيَشْرَبُونَ، قَالُواْ : يَا رُوحَ اللهِ ؛ مَنْ أفْضَلُ مِنَّا إذا شِئْنَا أَطْعِمْنَا وَإنْ شِئْنَا أسْقِيْنَا، وَآمَنَّا بكَ وَاتَّبَعْنَاكَ ؟ قال : أفْضَلُ مِنْكُمْ مَنْ يَعْمَلُ بيدِهِ، وَيَأَكُلُ مِنْ كَسْبهِ، قَالَ : فَصَارُواْ يَغْسِلُونَ الثِّيَابَ بالْكَرْيِ).
وقال ابنُ المبارك :(سُمُّوا حَوَارِيِّيْنَ لأنَّهُ كَانَ يُرَى بَيْنَ أعْيُنِهِمْ أثَرُ الْعِبَادَةِ وَنُورُهَا وَحُسْنُهَا). قال النضرُ بن شُمَيل :(الْحَوَاريُّ خَاصَّةُ الرَّجُلِ الَّذِي يَسْتَعِيْنُ بهِ فِيْمَا يَنُوبُهُ). وعن قتادةَ قال :(الْحَوَاريُّ : الْوَزيْرُ).
آل عمران 3:53
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿رَبَّنَآ آمَنَّا بِمَآ أَنزَلَتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ ؛ أي قَالُوا : رَبَّنَا آمَنَّا بمَا أنْزَلْتَ فِي كِتَابكَ ؛ يعني : الإنجيلَ على عيسى، واتَّبعنَا عيسى ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي مع الْْمُصَدِّقِيْنَ لأنبيائِكَ الذين يشهدون بصدق الأنبياء مِن قبلنا، وقال عطاءُ :(مَعْنَاهُ : فَاكْتُبْنَا مَعَ النَّبيِّيْنَ). وقال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَاهُ : مُحَمَّدٌ ﷺ وَأُمَّتَهُ).
آل عمران 3:54
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ؛ يعني مَكَرَ الكفارُ الذين لم يؤمنوا بقصدهم قَتْلَ عيسى عليه السلام، وَالْمَكْرُ : هُوَ الاحْتِيَالُ فِي تَدْبيْرِ الشَّرِّ. وقَوْلُهُ :﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ أي جَازَاهُمُ اللهُ على ما تقدَّم أنَّ الجزاءَ على المكرِ يُسمى مَكراً، كما في الاعتداءِ والسيِّئة والاستهزَاء.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ أي هو أفضلُ الصانعين حين يجازي الكفارَ على صُنعهم ؛ وَخَلَّصَ الممكورَ بهِ ؛ وذلك أنَّ عيسى عليه السلام بعد إخراجِ قومه إياهُ وأمَّهُ مِن بين أظهرِهم عادَ إليهم مع الحواريِّين، ودعاهُم إلى الإسلام فَهَمُّوا بقتلهِ وتواطَأُوا عليه، وذلك مكرهُم، فلمَّا أجْمَعوا على قَتْلِهِ هَرَبَ منهُم إلى بيتٍ فدخلَهُ فرفعَه جبريلُ من الْكُوَّةِ إلى السَّماء. فقال مَلِكُ اليهودِ واسْمُه يَهُودا، لِرَجُلٍ خَبيْثٍ منهم يقال لهُ طِيْطَانُوسَ : أدْخُلْ عليه البيتَ، فدخلَ فألقَى اللهُ عليه شَبَهَ عيسَى عليه السلام، فلمَّا لَم يجدْ عيسى خرجَ ؛ فَرَأوْهُ على شَبَهِ عيسى فظنُّوا أنهُ عيسى ؛ فَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ، ثُمَّ قالوا : وَجْهُهُ يشبهُ وجهَ عيسى، وبدنهُ يشبهُ بدنَ صاحبنا، فإن كانَ هذا صاحبُنا فأينَ عيسى ؟ وإن كان هذا عيسَى فأين صاحبُنا ؟ فوقعَ بينهم قتالٌ، فقتلَ بعضُهم بعضاً.
وقال وَهَبُ :(لَمَّا طَرَقُواْ عِيْسَى فِي بَعْضِ اللَّيْلِ وَنَصَبُواْ لَهُ خَشَبَةً لِيَقْتُلُوهُ ؛ أظْلَمَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ فَصَلَبُواْ رَجُلاً مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ يَهُودَا ظَنُّواْ أنَّهُ عِيْسَى عليه السلام، وَهُوَ الَّذِي دَلَّهُمْ عَلَيْهِ، وَذلِكَ أنَّ عِيْسَى جَمَعَ الْحَوَاريِّيْنَ فِي تِلْكَ اللًَّيْلَةِ ثُمَّ قَالَ : لَيَمْكُرَنَّ بي أحَدُكُمْ قَبْلَ أنْ يَصِيْحَ الدِّيْكُ، وَيَبيْعُنِي بدَرَاهِمَ يَسِيْرَةٍ. فَخَرَجُواْ وَتَفَرَّقُواْ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ تَطْلُبُهُ ؛ فَأَتَى أحَدُ الْحَوَاريِّيْنَ وَقَالَ لِلْيَهُودِ : مَا تَجْعَلُونَ لِمَنْ يَدُلُّكُمْ عَلَى عِيْسَى ؟ فَجَعَلُواْ لَهُ ثَلاَثِيْنَ دِرْهَماً، فَأَخَذهَا وَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلُواْ الْبَيْتَ وَرُفِعَ عِيْسَى، ألْقَى اللهُ شَبَهَ عِيْسَى عَلَى الَّذِي دَلَّهُمْ عَلَيْهِ ؛ فَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ، فَرُويَ أنَّهُ لَمَّا أخَذُوهُ لِيَقْتُلُوهُ قَالَ لَهُمْ : أنَا الَّذِي دَلَلَتُكُمْ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَقْبَلُواْ مِنْهُ وَلَمْ يَلْتَفِتُواْ إلَيْهِ وَصَلَبُوهُ وَهُمْ يَظُّنُّونَهُ عَيْسَى).
قالَ أهلُ التواريخِ :(حملَتْ مريَم بعيسى ولَها ثلاثَ عشرةَ سنةً، وولدَتْ عيسى لِمُضِيِّ خمسٍ وستِّين سنةً من غَلَبَةِ الاسكندر على أرضِ بَابلَ، وأوحَى اللهُ إليه على رأسِ ثلاثين، ورفعَهُ اللهُ من بيتِ المقدسِ ليلةَ القدر من شهر رَمَضَانَ وهو ابنُ ثلاثٍ وثلاثين سنةً، وعاشَتْ أمُّهُ بعدَ رفعهِ ستَّ سنين).
وَالْمَكْرُ : هُوَ السَّعْيُ بالْفَسَادِ فِي سَتْرٍ وَمُنَاجَاةٍ، وأصلهُ مِنْ قَوْلِ الْعَرَب : مَكَرَ اللَّيْلُ وَأَمْكَرَ ؛ إذا أظْلَمَ. والمكرُ من المخلوقين : الْخَبُّ والخديعةُ والغِيْلَةُ، وهو مِن الله استدراجُهُ العبادَ، قال اللهُ تعالى :﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾[الأعراف: ١٨٢] قال ابنُ عباس :(كُلَّمَا أحْدَثُواْ خَطِيْئَةً تَجَدَّدَتْ لَهُمْ نِعْمَةٌ). وقال الزجَّاجُ :(مَكْرُ اللهِ مُجَازَاتُهُمْ عَلَى مَكْرِهِمْ، فَسُمِّيَ الْجَزَاءُ باسْمِ الابْتِدَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى :
آل عمران 3:55
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ ياعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ؛ أوَّلُ هذه الآيةِ مُتَّصِلٌ بقولهِ :﴿خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. وقيلَ : معناهُ : واذكروا ﴿إِذْ قََالَ اللَّهُ ياعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾. قال الضحَّاك :(كَسَا اللهُ عِيْسَى الرِّيْشَ وَأَلْبَسَهُ النُّورَ ؛ وَقَطَعَ عَنْهُ لَذةَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَب فَطَارَ فِي الْمَلاَئِكَةِ).
واختلفَ المفسرون في معنى التَّوَفِّي في هذه الآيةِ ؛ فقال الحسنُ والكلبي والضحَّاك وابن جُريج :(مَعْنَاهُ : إنِّي قَابِضُكَ وَرَافِعُكَ مِنَ الدُّنْيَا مِنْ غَيْرِ مَوْتٍ). فعلى هذا القولِ لِلتَّوَفِّي ثلاثُ تأويلاتٍ : أحدُها : إنِّي رافعُكَ إلَيَّ وَافِياً لَنْ ينالوُا منكَ شيئاً ؛ من قولِهم : تَوَفَّيْتُ كَذا وَاسْتَوْفَيْتُهُ ؛ إذا أخدتُه تامّاً، والأخذُ معناهُ : إنِّي مُسَلِّمُكَ ؛ مِن قولِهم : تَوَفَّيْتُ كَذا إذا سَلَّمْتَهُ. وقال الحسنُ :(مَعْنَاهُ : إنِّي مُنَيِّمُكَ وَرَافِعُكَ إلَيَّ مِنْ نَوْمِكَ). يدلُّ عليهِ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِالَّيلِ﴾[الأنعام: ٦٠] أي يُنِيْمُكُمْ ؛ لأن النومَ أخُو الموتِ.
ورويَ عن ابن عبَّاس أنَّ معنى الآيةِ :(إنِّي مُمِيتُكَ) يدلُّ عليه قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾[السجدة: ١١] ولهُ على هذا القولِ تأويلانِ ؛ أحدُها : قال وَهَبُ بن مُنَبهٍ :(تَوَفَّاهُ اللهُ ثَلاَثَ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَار ثُمَّ أحْيَاهُ وَرَفَعَهُ إلَيْهِ). والآخَرُ : قال الضحَّاك :(إنَّ فِي الْكَلاَمِ تَقْدِيْماً وَتَأْخِيْراً ؛ مَعْنَاهُ : إنِّي رَافِعُكَ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِيْنَ كَفَرُواْ ؛ وَمُتَوَفِّيْكَ بَعْدَ إنْزَالِكَ مِنَ السَّمَاءِ) قال الشاعرُ : ألاَ يَا نَخْلَةً مِنْ ذاتِ عِرْقٍ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ السَّلاَمُأي عليكِ السلامُ ورحمةُ اللهِ.
قال ﷺ :" أنَا أوْلَى النَّاسِ بعِيْسَى عليه السلام ؛ لأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبيٌّ، وَإنَّهُ نَازلٌ عَلَى أُمَّتِي وَخَلِيْفَتِي فِيْهِمْ. فَإذا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ ؛ وَإنَّهُ رَجُلٌ مَرْبُوعُ الْخَلْقِ إلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، سَبْطُ الشَّعْرِ كَأَنَّ شَعْرَهُ يَقْطُرُ وَإنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ، يَدُقُّ الصَّلِيْبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيْرَ، وَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الإسْلاَمِ، وَيُهْلِكُ اللهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا، ويُهْلِكُ اللهُ فِي زَمَانِهِ الدَّجَّالَ، وَيَقَعُ أمْنُهُ فِي الأَرْضِ حَتَّى تَرْتَعِي الأُسُودُ مَعَ الإبلِ، وَالنُّمُورُ مَعَ الْبَقَرِ، وَالذِّئَابُ مَعَ الْغَنَمِ، وَيَلْعَبُ الصِّبْيَانُ بالْحَيَّاتِ لاَ يَضُرُّ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَيَلْبَثُ فِي الأَرْضِ أرْبَعِيْنَ سَنَةً "
وفي رواية كَعْبٍ :" أرْبَعَةٍ وَعِشْرِيْنَ سَنَةً، ثُمَّ يَتَزَوَّجُ وَيُوْلَدُ لَهُ ثُمَّ يَمُوتُ، وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَيَدْفِنُوهُ فِي بَيْتِ النَّبيِّ ﷺ ".
وقيل للحسن بْنِ الفَضْلِ : هَلْ تَجِدُ نُزُولَ عِيْسَى مِنَ السَّمَاءِ فِي الْقُرْآنِ ؟ قَالَ :(نَعَمْ ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾[آل عمران: ٤٦] وَهُوَ لَمْ يَكْتَهِلُ فِي الدُّنْيَا، وَإنَّمَا رُفِعَ وَهُوَ شَابٌّ، وَإنَّمَا مَعْنَاهُ وَكَهْلاً بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ).
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ : رَسُُولُ اللهِ ﷺ :" كَيْفَ تَهْلَكُ أُمَّةٌ أنَا فِي أوَّلِهَا ؛ وَعِيْسَى فِي آخِرِهَا ؛ وَالْمَهْدِيُّ مِنْ أهْلِ بَيْتِي فِي وَسَطِهَا؟! "
آل عمران 3:56
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ ؛ أي أعاقِبُهم عقوبةً شديدة في الدُّنيا بالقتلِ والسَّبي والجزيةِ، وفي الآخرةِ بالنار، ﴿وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ ؛ أي مانِعين يَمنعونَهم من عذاب اللهِ.
آل عمران 3:57
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ ؛ قرأ الحسنُ وحَفْصٌ (فَيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ) بالياء، ومعناهُ : الذينَ صدقوا وعمِلوا الصالحاتِ نُكمِلُ لَهم ثوابَ أعمالِهم بالطاعةِ ؛ ﴿وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ أي لا يرحَمُهم ولا يغفِرُ لَهم.
آل عمران 3:58
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ ؛ أي ما جَرَى من القِصَصِ نُنْزِلُ بهِ عليكَ يا مُحَمَّدُ فَيَتْلُوهُ عليكَ جبريلُ بأمرِنا. وإنَّما أضافَ التلاوةَ إلى نفسهِ ؛ لأنه حَصَلَ بأمرِهِ، ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ أي ومِن القرآنِ وِمِن الحكمَةِ بالتَّألِيفِ والنَّظْمِ، وَسَمَّاه حَكِيماً لأنه بما فيه من الحكمةِ كأنهُ ينطِقُ بالحكمةِ. ويقالُ : معنَى الحكيمِ الْمُحْكَمُ وهو فَعِيْلٌ بمعنى مَفْعُولٍ.
آل عمران 3:59
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ ؛ قال ابنُ عباس :" وَذلِكَ أنَّ وَفْدَ نَصَارَى نَجْرَانَ : أسَيْدُ وَالْعَاقِبُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَائِهِمْ جَاؤوا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهُمُ النَّبيُّ ﷺ :" أسْلِمُوا " فَقَالُواْ : أسْلَمْنَا قَبْلَكَ، فَقًَالَ ﷺ :" يَمْنَعُكُمْ مِنَ الإسْلاَمِ ثَلاَثٌ : أكْلُكُمُ الْخِنْزِيْرَ ؛ وَعِبَادَتُكُمُ الصَّلِيْبَ، وَقَوْلُكُمْ للهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدٌ " فَقَالُواْ لَهُ : مَا لَكَ تَشْتُمُ صَاحِبَنَا ؟ قَالَ ﷺ :" وَمَا أقُولُ ؟ " قَالُوا : تَقُولُ إنَّهُ عَبْدُ اللهِ، قَالَ :" أجَلْ ؛ هُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ ألْقَاَهَا إلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ " فَغَضِبُواْ وَقَالُواْ : هَلْ رَأَيْتَ إنْسَاناً قَطّ مِنْ غَيْرِ أبٍ؟! " فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ أي صفةُ خَلْقِ عيسى بلاَ أبٍ كصفةِ خلقِ آدمَ، خلقَهُ من ترابٍ مِن غير أبٍ ولا أمٍّ ثُم قالَ لآدمَ : كُنْ ؛ فَكَانَ. وأرادَ اللهُ تعالى بهذه الآيةِ أنَّ كون الولدِ مِن غير أبٍ ليسَ بأعجبَ مِنْ كونِ الإنسانِ لغير أبٍ وأمٍّ، وَقَد خلقَ اللهُ آدمَ من غير أبٍ وأمٍّ.
وفي هذه الآيةِ دلالةٌ على صحَّة القياسِ ؛ لأنه لو لَم يَصِحْ القياسُ لم يكنِ اللهُ يجيبُ به، وفيها دليلٌ على جواز قياسِ الشيء بالشَّيء من وجهٍ دون وجهٍ ؛ لأن اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إنَّما شَبَّهَ عيسى بآدَمَ في كونهِ من غيرِ أبٍ ؛ لا في كَونه من غير أمٍّ ؛ ولا في خَلْقِهِ من التُّراب.
فإنْ قيل : َ هَلاَّ قالَ اللهُ تعالى :(كُنْ فَكَانَ) فإنَّ آدمَ قد انقضَى كونُه وقد أخبرَ عنهُ بالمستقبلِ ؟ قيل : إنَّ الفعلََ الماضي منقطعٌ والمضارعَ متَّصلٌ ؛ وذلك يقالُ : يروى عن النبيُّ ﷺ أنهُ فَعَلَ كذا فكان فعل كُن لأنه لا يقتضِي التَّكرار، وما رويَ أنه كَانَ يَفْعَلُ كذا فإنهُ على التِّكرار دونَ الانقطاعِ. ثُمَّ فِعْلُ الله يُبنى على الْمُهْلَةِ ويَحْدُثُ على التَّدريج، ألا ترَى أنه خَلَقَ السموات والأرضَ في ستَّة أيامٍ، وكذلك بَدَتِ الحياةُ في آدمَ على التدريجِ، وكذلك أمرُ عيسى على التدريجِ كان يبدأ شيئاً فشيئاً ؛ فأخبرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عن ذلكَ بفعلٍ دائم.
آل عمران 3:60
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن الْمُمْتَرِينَ﴾ ؛ قال الفرَّّاء :(رُفِعَ بخَبَرِ ابْتِدَاءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيْرُهُ : هُوَ الْحَقُّ أوْ هَذا الحَقُّ). وقيل : تقديرهُ : هَذا الَّذِي أنْبَأْتُكَ بهِ هُوَ الْحَقُّ وَالصِّدْقُ فِي أمْرِ عِيْسَى، ﴿فَلاَ تَكُنْ مِّن الْمُمْتَرِينَ﴾ أي من الشَّاكِّينَ ؛ فالخطابُ للنبيِّ ﷺ والمرادُ به أمَّتُهُ، لأنَّ النبيَّ ﷺ لَمْ يكن شَاكّاً في أمرِ عيسى عليه السلام قَطُّ، وهذا كما قالَ تعالى :﴿ياأيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ﴾[الطلاق: ١]. وقال بعضُهم : معناهُ : لا تَكُنْ أيها السَّامِعُ لِهذا النَّبأ من الشَّاكِّينَ.
آل عمران 3:61
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ؛ أي فمن خاصَمَك وجادلَكَ يا مُحَمَّدُ في أمرِ عيسى من بعدِ ما جاءَكَ من البيانِ بأنهُ عَبْدُ اللهِ ورسولُه، ولم يكن ابنَ اللهِ ولا شريكَهُ ؛ ﴿فَقُلْ تَعَالَوْاْ﴾ ؛ يَا مَعْشَرَ النَّصَارَى ؛ ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ﴾ ؛ لنخرجَ إلى فََضَاءٍ من الأرضِ ؛ ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ ؛ أي نَلْتَعِنْ، وَالْبُهْلَةُ : اللَّعْنَةُ ؛ يقالُ : بَهَلَهُ اللهُ ؛ أي لَعَنَهُ اللهُ وَبَاعَدَهُ. ويقال : معنى ﴿نَبْْتَهِلْ﴾ : نَجْتَهدُ وَنَتَضَرَّعْ في الدُّعاءِ على الكاذب. ثم فَسَّرَ الابتهالَ فقالَ تعالى :﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ ؛ أي نقولُ : لَعْنَةُ اللهِ عََلَى الْكَاذِبينَ في أمرِ عيسى.
قرأ الحسنُ وأبو واقدٍ وأبو السمَّال العدويُّ :(تَعَالُوا) بضمِّ اللام. وقرأ الباقونَ :(تَعَالَواْ) بفتحِ اللاَّم، والأصلُ فيه : تَعَالَيُوا ؛ لأنهُ تَفَاعَلُوا من العُلُوِّ، فَاسْتُثْقِلَتِ الضمَّة على الياءِ فَسُكِّنَتْ ثم حذفَتْ وبقيتِ اللامُ على فتحِها، ومَن ضمَّ فقد نقلَ حركةَ الياء المحذوفةِ إلى اللاَّم. قال الفرَّاء :(مَعْنَى تَعَالَ : ارْتَفِعْ).
فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ عَلَى نَصَارَى نَجْرَانَ وَقَالَ لَهُمْ :" إنَّ اللهَ أمَرَنِي أنْ أبَاهِلَكُمْ إنْ لَمْ تَقْبَلُواْ " قَالُواْ لَهُ : يَا أبَا الْقَاسِمِ ؛ بَلْ نَرْجِعُ فَنَنْظُرُ فِي أمْرِنَا ثُمَّ نَأْتِيكَ فَنُعْلِمُكَ، فَرَجَعُواْ وَخَلاَ بَعْضُهُمْ ببَعْضٍ، وَقَالَ السَّيِّدُُ لِلْعَاقِب : قَدْ وَاللهِ عَلِمْتَ أنَّ الرَّجُلَ نَبيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَئِنْ لاَعَنْتُمُوهُ يَا مَعْشَرَ النَّصَارَى لَيَسْتَأصِلَنَّكُمْ، وَمَا لاَعَنَ نَبيٌّ قَوْماً قَطٌّ فَعَاشَ كَثِيْرُهُمْ وَلاَ ثَبَتَ صَغِيْرُهُمْ، وَإنْ أنْتُمْ أبَيْتُمْ إلاَّ دِيْنَكُمْ فَوَاعِدُوهُ وَارْجَعُواْ إلَى بِلاَدِكُمْ. فَأَتَواْ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنَ الْغُدُوِّ وَقَدْ خَرَجَ بنَفَرٍ مِنْ أهْلِهِ مُحْتَضِناً الْحُسَيْنَ آخِذاً بيَدِ الْحَسَنِ ؛ وَفَاطِمَةُ تَمْشِي عَلَى إثْرِهِمْ وَعَلِيٌّ بَعْدَهَا وَهُوَ يَقُولُ لَهُمْ :" إذا أنَا دَعَوْتُ فَأَمِّنُواْ ". فَقَالَ وَاحِدٌ مِنَ النَّصَارَى : وَاللهِ إنِّي لأَرَى وُجُوهاً لَوْ سَأَلُوا اللهَ أنْ يُزِيْلَ جَبَلاً مِنْ مَكَانِهِ لأَزَالَهُ، فَلاَ تَبْتَهِلُواْ فَتَهْلَكُواْ وَلاَ يَبْقَى عَلَى الأَرْضِ نَصْرَانِيٌّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَقَالُواْ : يَا أبَا الْقَاسِمِ ؛ قَدْ رَأَيْنَا أنْ لاَ نُلاَعِنَكَ وَنَتْرُكَكَ عَلَى دِيْنِكَ وَنَثْبُتَ عَلَى دِيْنِنَا، فَقَالَ ﷺ :" فَإنْ أبَيْتُمْ الْمُبَاهَلَةَ فَأَسْلِمُوا يَكُنْ لَكُمْ مَا لِلْمُسْلِمِيْنَ وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيْهِمْ ". فَأَبَواْ ؛ فَقَالَ :" إنِّي أَنَا بذُكُمْ " فَقَالُواْ : مَا لَنَا بحَرْب الْعَرَب مِنْ طَاقَةٍ، وَلَكِنَّا نُصَالِحُكَ عَلَى أنْ لاَ تَغْزُونَا وَلاَ تُخِيْفُنَا وَلاَ تَرُدَّنا عَنْ دِيْنِنَا ؛ عَلَى أنْ نُؤَدِّيَ إلَيْكَ كُلَّ عَامٍ ألْفَي حُلَّةٍ ؛ ألْفٌ فِي صَفَرَ وَألْفٌ فِي رَجَبَ. فَصَالَحَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ذلِكَ وَقَالَ لَهُمْ :" وَإنْ كَانَ كَيْدٌ باليََمَنِ أعَنْتُمُونَا بثلاَثِيْنَ دِرْعاً وَثَلاَثِيْنَ فَرَساً وَثَلاَثِيْنَ بَعِيْراً، وَالْمُسْلِمُونَ ضَامِنُونَ لَهَا حَتَّى يَرُدُّوهَا عَلَيْكُمْ ".
وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابَ الأَمَانِ وَالصُّلْحِ :" بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ، هَذا مَا كَتَبَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ لِنَجْرَانَ فِي كُلِّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ وَسَوْدَاءَ أوْ رَقِيْقٍ فَاضِلاً عَنْهُمْ ؛ تُرِكَ ذلِكَ كُلُّهُ عَلَى ألْفَي حُلَّةٍ، فِي كُلِّ صَفَرَ ألْفُ حُلَّةٍ، وَفِي كُلِّ رَجَبَ ألْفُ حُلَّةٍ يُمْنُ كُلِّ حُلَّةٍ وَقِيَّةٌ، وَمَا زَادَتِ الْحُلَلُ عَلَى الأَوَاقِ فَبحِسَابهَا، وَمَا نَقُصَ مِنْ دِرْعٍ وَخَيْلٍ أوْ ركَابٍ فَبحِسَابهِ. وَعَلَيْهِمْ عَاريَةٌ ثَلاَثُونَ دِرْعاً وَثَلاَثُونَ فَرَساً وَثَلاَثُونَ بَعِيْراً إنْ كَانَ كَيْداً بالْيَمَنِ، وَلِنَجْرَانَ وَحَاشِيَتِهَا جِوَارُ اللهِ تَعَالَى وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى أنْفُسِهِمْ وَمَالِهِمْ. وَكُلُّ مَا تَحْتَ أيْدِيْهِمْ مِنْ قَلِيْلٍ وَكَثِيْرٍ لاَ يُغَيَّرُ مَا كَانُواْ عَلَيْهِ، وَلاَ يُغَيَّرُ أسْقُفٌ مِنْ أسْقُفِهِ، وَلاَ رَاهِبٌ مِنْ رَهْبَانِيَّتِهِ، وَلاَ يُحْشَرُونَ مِنْ بِلاَدِهِمْ، وَلاَ يُعْشَرُونَ، وَلاَ يَطََأُ أرْضَهُمْ حَبَشٌ. وَمَا سَأَلَ مِنْهُمْ حَقّاً فَلَهُ النِّصْفُ غَيْرَ ظَالِمِيْنَ وَلاَ مَظْلُومِيْنَ، وَمَنْ أكَلَ الرِّبَا مِنْ ذِي قَبْلٍ فَذِمَّتِي مِنْهُ بَرِيَّةٌ، لاَ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ رَجُلٌ يَطْلُبُ آخَرَ، لَهُمْ جِوَارُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسٌولِهِ أبَداً حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بأَمْرِهِ مَا نَصَحُواْ وَأَصْلَحُواْ فِيْهَا عَلَيْهِمْ غَيْرَ مُثْقَلِيْنَ بظُلْمٍ ".
شَهِدَ الشُّهُودُ أبُو سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَغَيْلاَنُ بْنُ عَمْرٍو، وَمَالِكُ بْنُ عَوْفٍ وَغَيْرُهُمْ. ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَهُمْ مُعَاذ بْنَ جَبَلٍ لِيَقْضِيَ بالْحَقِّ فِيْمَا بَيْنَهُمْ، وَرَجَعُواْ إلَى بلاَدِهِمْ. فَقَالَ ﷺ :" لَوْ بَاهَلُونِي لاضْطَرَمَ الْوَادِي عَلَيْهِمْ نَاراً، وَلَمْ يُرَ نَصْرَانِيُّ وَلاَ نَصْرَانِيَّةٌ إلَى يَوْمِ الْقَِيَامَةِ "
آل عمران 3:62
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّ هَـاذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ ؛ أي هذا الذي أوحينَا إليكَ من الْحُجَجِ والآيَاتِ لَهُوَ الخبرُ الحقُّ بأنَّ عيسى لم يكن إلَهاً ولا ولدَ اللهِ ولا شريكَهُ. والقَصَصُ : هو الخبرُ الذي يتلُوا بعضُه بعضاً. قوله تعالى :﴿وَمَا مِنْ إِلَـاهٍ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ؛ أي ما إلهٌ إلاَّ اللهُ واحدٌ بلا ولدٍ ولا شريك. ودخولُ (مِنْ) في قولِهِ ﴿وَمَا مِنْ إِلَـاهٍ إِلاَّ اللَّهُ﴾ لتوكيدِ النَّفي في جميعِ ما ادَّعاهُ المشركونَ أنَّهم آلِهةٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ؛ أي العزيزُ بالنقمَة لِمن لا يؤمنُ به، ذو الحكمةِ في خَلْقِ عيسى عليه السلام من غيرِ أبٍ ؛ وفي أمرهِ ألاّ تعبدُوا إلاَّ اللهَ تعالى.
آل عمران 3:63
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ ؛ أي إنْ أعرضُوا عمَّا أتيتَ به من البيانِ ؛ فإنَّ اللهَ عالِمٌ بالمفسدينَ الذين يعبدون غيرَ اللهِ ويدعُون الناسَ إلى عبادةِ غيرِ الله يُجازيهم على ذلكَ.
ثم دعاهُم اللهُ إلى التوحيدِ فقالَ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قُلْ ياأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً﴾ ؛ أي قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ : يَا أهْلَ الْكِتَاب هَلُمُّوا إلى كَلِمَةِ عَدْلٍ بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ.
وفي ﴿سَوَآءٍ﴾ ثلاثُ لغات : سَواءً وسِوى وسُوَا، ولا يُمَدُّ فيها إلاَّ المفتوحُ، قال اللهُ تعالى :﴿مَكَاناً سُوًى﴾[طه: ٥٨]. ثم فسَّرَ الكلمةَ فقال تعالى :﴿ألاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ﴾ أحداً مِن المخلوقينَ، وموضع (أنْ) رفع على إضمار (هي). وقيلَ : موضُعها نُصب بنَزعِ الخافضِ، وقيل : موضعها خُفِضَ بدلاً من الكلمةِ ؛ أي تَعالُوا إلى أنْ لاَ نَعْبُدَ إلاَّ اللهَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ أي نرجِعُ إلى معبودِنا وهو اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لا شريكَ لهُ ؛ وأنَّ عيسى بَشَرٌ كما أنَّنا بَشَرٌ فلا تتخذُوه رَبّاً، وسَمَّى اللهُ هذه الثلاثةَ الألفاظ كَلِمَةً لأنَّ معناها : نَرْجِعُ إلَى وَاحِدٍ، وهي كلمةُ العدلِ : لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ.
قال بعضُ المفسِّرين : ولا يتَّخذَ بعضُنا بعضاً أربَاباً من دونِ الله كما فعلَتِ اليهودُ والنَّصارى ؛ فإنَّهم اتَّخذوا أحبارَهم ورهبانَهم أرباباً من دونِ اللهِ ؛ أي أطاعُوهم في معصيةِ الله. قال عكرمةُ :(هُوَ سُجُودُ بَعضِهِمْ لِبَعْضٍ)، وقيل : معناهُ : لا نطيعُ أحداً في المعاصِي، وفي الخبرِ :(مَنْ أطَاعَ مَخْلُوقاً فِي مَعْصِيَةِ اللهِ فَكَأنَّمَا سَجَدَ سَجْدَةً لِغَيْرِ اللهِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ؛ أي فإن أبَوا التوحيدَ فقولوا اشهدُوا بأنَّا مُقِرُّونَ بالتوحيدِ مُسْلِمُونَ لِما أتانَا به الأنبياءُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ من اللهِ تعالى.
آل عمران 3:64
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ ؛ أي إنْ أعرضُوا عمَّا أتيتَ به من البيانِ ؛ فإنَّ اللهَ عالِمٌ بالمفسدينَ الذين يعبدون غيرَ اللهِ ويدعُون الناسَ إلى عبادةِ غيرِ الله يُجازيهم على ذلكَ.
ثم دعاهُم اللهُ إلى التوحيدِ فقالَ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قُلْ ياأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً﴾ ؛ أي قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ : يَا أهْلَ الْكِتَاب هَلُمُّوا إلى كَلِمَةِ عَدْلٍ بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ.
وفي ﴿سَوَآءٍ﴾ ثلاثُ لغات : سَواءً وسِوى وسُوَا، ولا يُمَدُّ فيها إلاَّ المفتوحُ، قال اللهُ تعالى :﴿مَكَاناً سُوًى﴾[طه: ٥٨]. ثم فسَّرَ الكلمةَ فقال تعالى :﴿ألاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ﴾ أحداً مِن المخلوقينَ، وموضع (أنْ) رفع على إضمار (هي). وقيلَ : موضُعها نُصب بنَزعِ الخافضِ، وقيل : موضعها خُفِضَ بدلاً من الكلمةِ ؛ أي تَعالُوا إلى أنْ لاَ نَعْبُدَ إلاَّ اللهَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ أي نرجِعُ إلى معبودِنا وهو اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لا شريكَ لهُ ؛ وأنَّ عيسى بَشَرٌ كما أنَّنا بَشَرٌ فلا تتخذُوه رَبّاً، وسَمَّى اللهُ هذه الثلاثةَ الألفاظ كَلِمَةً لأنَّ معناها : نَرْجِعُ إلَى وَاحِدٍ، وهي كلمةُ العدلِ : لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ.
قال بعضُ المفسِّرين : ولا يتَّخذَ بعضُنا بعضاً أربَاباً من دونِ الله كما فعلَتِ اليهودُ والنَّصارى ؛ فإنَّهم اتَّخذوا أحبارَهم ورهبانَهم أرباباً من دونِ اللهِ ؛ أي أطاعُوهم في معصيةِ الله. قال عكرمةُ :(هُوَ سُجُودُ بَعضِهِمْ لِبَعْضٍ)، وقيل : معناهُ : لا نطيعُ أحداً في المعاصِي، وفي الخبرِ :(مَنْ أطَاعَ مَخْلُوقاً فِي مَعْصِيَةِ اللهِ فَكَأنَّمَا سَجَدَ سَجْدَةً لِغَيْرِ اللهِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ؛ أي فإن أبَوا التوحيدَ فقولوا اشهدُوا بأنَّا مُقِرُّونَ بالتوحيدِ مُسْلِمُونَ لِما أتانَا به الأنبياءُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ من اللهِ تعالى.
آل عمران 3:65
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ﴾، قال الكلبيُّ :(وَذَلِكَ أنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اجْتَمَعُواْ فِي بَيْتِ مَدْرَسَةِ الْيَهُودِ، وَكُلُّ فَرِيْقٍ يَقُولُ : إنَّ إبْرَاهِيْمَ مِنَّا وَعَلَى دِيْنِنَا، فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللهِ عليه السلام فَقَالُواْ : اقْضِ بَيْنَنَا أيُّنَا أوْلَى بإبْرَاهِيْمَ وَدِيْنِهِ، فَقَالَ ﷺ :" كُلُّ الْفَرِيْقَيْنِ مِنْكُمْ بَرِيْءٌ مِنْ إبْرَاهِيْمَ وَدِيْنِهِ، إنَّ إبْرَاهِيْمَ كَانَ حَنِيْفاً مُسْلِماً وَأَنَا عَلَى دِيْنِهِ، فَاتَّبعُواْ دِيْنَهُ الإسْلاَمَ " فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ). ومعناها : يا أيُّهَا اليهودُ والنصارى لِمَ تتخاصَموا في ابراهيمَ ودينهِ ﴿وَمَآ أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ﴾ ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾، أي أفَلَيْسَ لكم ذِهْنُ الإنسانيَّة فتعلمُوا أن اليهوديَّة ملَّة مُحَرَّفَةٌ عن شريعةِ مُوسى عليه السلام، وأنَّ اليهودَ سُمُّوا بهذا الاسم لأنَّهم من ولدِ يَهُودَا، والنصرانيَّةَ ملَّةٌ مُحَرَّفَةٌ عن شريعةِ عيسى عليه السلام، سُمُّوا نصارَى لأنَّهم من قريةٍ بالشام يقال لها : نَاصِرَةٌ. ويقالُ : معناهُ : أفَلاَ تَعْقِلُونَ وتنظرون أنه ليسَ في التوراةِ والانجيل أنَّ إبراهيمَ عليه السلام كان يهوديّاً أو نصرانيّاً.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ﴾ أي مِن بعد مَهْلَكِ إبراهيمَ عليه السلام بزمان طويل، وكان بينَ إبراهيم وموسَى ألفَ سنةٍ، وبين موسى وعيسَى ألفَ سنةٍ. أفَلاَ تَعْقِلُونَ دُحُوضَ حُجَّتِكُمْ وبطلانَ قولِكم.
آل عمران 3:66
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿هاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾، معناه : وأنتُم يا هؤلاءِ يَا معشرَ اليهودِ والنصارى حاجَجْتُم فيما لكم به علمٌ مِن بَعْثِ مُحَمَّدٍ ﷺ وصفتِه في كتابكم، فَلِمَ تخاصمونَ فيما ليس لكم به علمٌ وهو أمرُ إبراهيمَ عليه السلام، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾، دينَ إبراهيمَ وشأْنَهُ، ﴿وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
و (الهاء) في ﴿هاأَنْتُمْ﴾ تنبيهٌ، و ﴿أنْتُمْ﴾ اسمٌ للمخاطَبين، و ﴿هَؤُلاَءِ﴾ إشارةٌ إليهم، كَأنَّهُ يقول : انْتَبِهُواْ أنتمُ الذينَ حاجَجْتم. قرأ أهلُ المدينةِ والبصرةِ بغيرِ همز ولا مدٍّ إلاَّ بقدر خروجِ الألف السَّاكنة، وقرأ أهلُ مكة مهموزٌ مقصور على وزن هَعَيْتُمْ، وقرأ أهلُ الكوفةِ وابنُ عامرٍ بالمدِّ والهمزِ، وقرأ الباقون بالمدِّ دونَ الهمزِ.
آل عمران 3:67
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً﴾ ؛ هذا تكذيبٌ من اللهِ للفريقين في قولِهم : إنَّ إبْرَاهِيْمَ كَانَ يَهُودِيّاً أوْ نَصْرَانِيّاً. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ ؛ أي مَائلاً عن اليهوديَّةِ والنصرانيَّة مُخْلِصاً مُستَسلِماً لأمرِ الله عَزَّ وَجَلَّ ؛ ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ؛ على دِينهم.
والحنيفُ : هو الْمَائِلُ عن كلِّ دِيْنٍ سِوَى الإسلامِ، يُشَبَّهُ بالأَحْنَفِ الذي تكونُ صُدُورُ قَدَمَيْهِ مَائِلَةً عن جهةِ الْخِلْقَةِ. وقيل : الْحَنِيْفُ : الذي يُوَحِّدُ اللهَ ويَحُجُّ ويضَحِّي ويَخْتَتِنُ ويستقبلُ القِبلةَ، وهو أسهلُ الأديان وأحبُّها إلى اللهِ تعالى، وأهلهُ أكرَمُ الخلقِ على اللهِ.
آل عمران 3:68
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـاذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس والكلبيُّ :(وَذَلِكَ أنَّ رُؤَسَاءَ الْيَهُودِ قَالُواْ لِلنَّبيِّ ﷺ : لَقَدْ عَلِمْتَ يَا مُحَمَّدُ أنَّا أوْلَى بدِيْنِ إبْرَاهِيْمَ مِنْكَ وَمِنْ غَيْرِكَ، وَأَنَّهُ كَانَ يَهُودِيّاً، وَمَا بكَ إلاَّ الْحَسَدَ لَنَا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ). ومعناها : إنَّ أحقَّ الناسِ بموالاة إبراهيمَ لَلَّذِيْنَ اتَّبَعُوهُ في دينهِ في زمانه، ولم يغيِّرُوا ولم يُبَدِّلُوا، ﴿وَهَـاذَا النَّبِيُّ﴾ يعني مُحَمَّداً ﷺ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ﴾ يعني أصحابَه الذي اتَّبعوهُ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أي في النَّصْرِ والمعرفةِ.
آل عمران 3:69
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ ؛ يعني كعبَ بن الأشرف وأصحابَهُ دَعَوا أصحابَ رسولِ الله ﷺ : مُعَاذ وحذيفةَ وعمَّارَ بن ياسرٍ الى دِيِنِهم اليهوديَّة، وقد مَضَتْ قضيَّتُهم في سورةِ البقرةِ. ومعناه : تَمَنَّتْ جماعةٌ من أهلِ الكتاب أنْ يَهْلِكُوكُمْ بإدخالِكُم في الضَّلاَلِ، ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ﴾ ؛ أي وما يرجعُ وَبَالُ إضْلالِهم إلاَّ على أنفسِهم، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ؛ وما يعلمونَ أنَّ وَبَالَ ذلِكَ يعودُ عليهم، وقيل : ما يعلمونَ أنَّ الله يُطْلِعُ نَبيَّهُ ﷺ على فِعْلِهِمْ.
آل عمران 3:70
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ياأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ؛ أي لِمَ تَجْحَدُونَ بمُحَمَّدٍ ﷺ والقرآنِ وأنتم تعلمونَ في كتابكم أنهُ نَبيٌّ مُرْسَلٌ، يعني أنَّ نَعْتَهُ مذكورٌ في التوراةِ والإنجيل. والأصلُ فِي ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ : لِما تَكفُرون ؛ أي لأيِّ شيءٍ تكفرونَ، حذفت الألفُ للتخفيف وفُتحت الميمُ دليلاً على سقوطِ الألف، وعلى هذا﴿لِمَ تَقُولُونَ﴾[الصف: ٢] وَ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾[الحجر: ٥٤] وَ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ﴾[النبأ: ١].
آل عمران 3:71
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ياأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ معناهُ : لِمَ تَخْلُطُونَ الإسلامَ باليهوديَّة والنصرانيَّة، وقيل : إنَّهم أقرُّوا ببعضِ أمْرِ النَّبيِّ ﷺ وكتمُوا بعضَهُ، وقيل : معناهُ : لم تُغَطُّونَ الحقَّ بباطِلكم، وتغطيتُهم الحقَّ بالباطلِ تحريفُهم للتوارةَ والإنجيلَ وتأويلُهم على غيرِ وجههِ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ يعني صِفَةَ النَّبيِّ ﷺ كَتَمُوهَا وهم يعلمون أنهُ رَسُولُ اللهِ ودينُه حقٌّ.
قرأ أبو مُخَلَّدٍ (تُلَبِّسُونَ) بالتشديدِ، وقرأ عُبيد بن عمر :(لِمَ تُلَبسُوا) بغير نونٍ ولا وجهَ لهُ.
آل عمران 3:72
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ﴾ ؛ قال مجاهدُ ومقاتل والكلبيُّ :(هَذا فِي شَأْن الْقِبْلَةِ لَمَّا صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ إلَى الْكَعْبَةِ، شُقَّ ذلِكَ عَلَى الْيَهُودِ، فَقَالَ كَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ لأَصْحَابهِ : آمِنُواْ بالَّذِي أنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ فِي شَأْنِ الْكَعْبَةِ وَصَلُّواْ إلَيْهَا أوَّلَ النَّهَار ثُمَّ اكْفُرُواْ بالْكَعْبَةِ آخِرَ النَّهَار، وَارْجِعُوا إلَى قِبْلَتِكُمْ صَخْرَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ). ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ؛ أي لعلَّهم يقولون هؤلاءِ أصحابُ كتابٍ، وهم أعْلَمُ منَّا، فربَّما يرجعون إلى قِبلتنا، فَحَذرَ اللهُ نَبيَّهُ مُحَمَّداً ﷺ مَكْرَ هؤلاءِ القومِ وأطْلَعَهُ على سرِّهم.
وقال بعضُهم : إنَّ علماءَ اليهود قالوا فيما بينَهم : كنَّا نخبرُ أصحابَنا بأشياءَ قد أتى بها مُحَمَّدٌ ﷺ، فإن نحنُ كفرْنَا بها كلَّها اتَّهَمَنَا أصحابُنا، ولكن نؤمنُ ببعضٍ ونكفرُ ببعضٍ لنوهِمَهم أنَّا نصدِّقه فيما نصدِّقه، ونريهم أنَّا نكذِّبه فيما ليسَ عندنا. ويقال : إنَّهم أتَوا النبيَّ ﷺ في صدر النَّهار، فقالُوا : أنْتَ الذي أخبرنا في التوراةِ إنكَ مبعوثٌ، ولكن أنْظِرْنَا إلى العَشِيِّ لِنَنْظُرَ في أمْرِنا.
فلمَّا كان العَشِيُّ أتَوا الأنصارَ فَقَالُوا لَهم : كنَّا أعلمنَاكُم أنَّ مُحَمَّداً هو النبيُّ الذي هو مكتوبٌ في التوراة، إلاَّ أنَّا نظرنَا في التوراةِ فإذا هو مِن ولدِ هارون عليه السلام ومحمدٌ ﷺ من ولد إسْمَاعِيْلَ بنِ إبراهيمَ، فليس هو النبيُّ الذي هو عندَنا. وإنَّما فعلُوا ذلك لعلَّ مَن آمنَ به منهم يَرْجِعُ، لأنَّ هذا يكونُ أقربَ عندهم إلى تشكيكِ المسلمين.
ووجهُ الشَّيء أوَّلُهُ، يقالُ لأَوَّلِ الثوب وَجْهُ الثوب، ويسمَّى أوَّلُ النهار وَجْهَهُ لأنهُ أحْسَنُهُ.
آل عمران 3:73
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ ؛ حكايةُ قولِ كعب بن الأشرَف وأصحابه قالوا لليهودِ : لا تصدِّقوا إلاَّ لِمن تَبعَ دينَكم اليهوديَّة، وصلَّى إلى قِبلتكم نحوَ بيتِ المقدس.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ ؛ قال بعضُهم : هذا كلامُ مُعْتَرِضٌ بين كَلاَمَي اليهودِ، ويجوزُ دخولُ العارضِ بين الكلامين اذا احتيجَ إليه كما دخلَ على قولهِ تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾[الكهف: ٣٠] ثم عَادَ إلى أوَّل الكلامِ فقالَ تعالى :﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾[الكهف: ٣١] كذا قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ عارضَ ثم عادَ إلى كلامِ اليهود، فقالَ تعالى :﴿أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ﴾ ؛ أي قالُوا لا تصدِّقوا أن يعطَى أحدٌ من الكتاب والعلم مثلَ ما أعطيتُم ؛ ﴿أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ﴾ ؛ أي يحاجكم أحدٌ، ﴿قُلْ﴾ ؛ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ إنَّ الْهُدَى هُدَى اللهِ و ؛ ﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ ؛ فلا تُنْكِروا أن يُؤْتِهِ غيرَكم.
وقال بعضُهم : ليسَ في الآيةِ تقديمٌ وتأخير، ومعناهُ : قالَت اليهودُ : ولا تؤمِنُوا إلاَّ لِمن تَبعَ دينَكم، قلْ يَا مُحَمَّدُ إنَّ الْهُدَى هُدَى اللهِ ؛ فَلاَ تَجحدوا أن يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم، أو يُحَاجُّكُمْ أحدٌ عند ربَّكم، (قُلْ) : إنَّ الْفَضْلَ بيَدِ اللهِ، ﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ ؛ أي النبوة والكتاب والهدى بقدرة الله تعالى يعطيه من يشاء، ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ؛ أي واسعُ الفضلِ والقدرةِ، عَلِيْمٌ بمن هوَ من أهلِ الفضلِ.
وقيل معنى الآيةِ : ولاَ تؤمنُوا إلاَّ لِمن تَبعَ دينَكم أي ملَّتَكم، ولا تؤمنُوا إلاَّ أنْ يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم من العلمِ والحكمَةِ ؛ والكتاب والحجة ؛ والْمَنِّ وَالسَّلوى ؛ وفَلْقِ البحرِ وغيرِها من الكرامَات، ولا تؤمنُوا إلاَّ أنْ يجادلُوكم عند ربكم لأنكم أصحُّ ديناً منهم، وهذا قولُ مجاهدٍ.
وقال ابن جُريج :(مَعْنَاهُ : أنَّ الْيَهُودَ قَالَتْ لِسَفَلَتِهِمْ : لاَ تُؤْمِنُواْ إلاَّ لِمَنْ تَبعَ دِيْنَكُمْ كَرَاهَةَ أنْ يُؤْتَى أحَدٌ مِثْلَ مَا أُوْتِيْتُمْ ؛ فَأيُّ فَضْلٍ يَكُونُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ حَيْثُ عَمِلُواْ مَا عَمِلْتُمْ، وَحِيْنَئذٍ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبكُمْ فَيَقُولُونَ : عَرَفْتُمْ أنَّ دِيْنَنَا حَقٌّ ؛ فَلاَ تُصَدِّقُوهُمْ لِئَلاَّ يَعْلَمُواْ مِثْلَ مَا عَلِمْتُمْ فَلاَ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبكُمْ). ويجوزُ أن تكونَ (إلاَّ) على هذا القول مضمرةً لقولهِ تعالى :﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾[النساء: ١٧٦] ويكونُ تقديرُه : ولاَ تؤمنوا إلاَّ لِمَنْ تَبعَ دينَكم ؛ لئلاَّ يؤتَى أحدٌ مِثْلَ ما أوتيتم ؛ لئلا يحاجُّوكم به عند ربكم.
وقرأ الحسنُ والأعمش (إنْ يُؤْتَى) بكسرِ الألف، وجهُ هذه القراءةِ : أنَّ هذا مِن قول الله عَزَّ وَجَلَّ بلا اعتراضٍ، وأن يكونَ كلامُ اليهود منتهياً عندَ قوله ﴿إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. ومعنى الآية : قُلْ يَا مُحَمَّدُ إنَّ الْهُدَى هُدَى اللهِ أنْ يؤتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم يا أمَّةَ مُحَمَّدٍ أو يُحَاجُّوكُمْ ؛ يعني : إلاَّ أنْ يحاجُّوكم أي يجادِلوكُم اليهودُ بالباطلِ فيقولوا نحنُ أفضلُ مِنكم.
آل عمران 3:74
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ﴾ ؛ أي يَختصُّ بدينهِ الإسلام مَن يشاءُ، وقيل : يَخْتَصُّ بالنبوَّة مَن يشاءُ ؛ ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، على مَن اختصَّهُ بالإسلام والنبوَّة.
آل عمران 3:75
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً﴾ ؛ فِي الآية دليلٌ وبيان أنَّ أهلَ الكتاب فيهم أمانةٌ وفيهم خِيَانَةٌ، فمنهم مَن إنْ تَأمَنْهُ تُبَايعْهُ بِملْءِ مِشْكِ ثورٍ تُؤَدِّهِ ذهَباً، يُؤَدِّهِ إليكَ بلا عناءٍ ولا تعب، وَمِنْهُمْ مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِدِيْنَارٍ لاَ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلاّ بعد عَناء وتعبٍ. وقال الضحَّاك :(هُوَ فِنْحَاصُ بْنُ عَازُورَاء الْيَهُودِيّ ؛ أوْدَعَهُ رَجُلٌ دِيْنَاراً فَخَانَهُ). والقِنْطَارُ عبارةٌ عن المالِ الكثير، والدِّيْنَارُ عبارةٌ عن المال القليلِ.
وقال الضحَّاك عنِ ابن عبَّاس :(مَعْنَى الآيَةِ : وَمِنْ أهْلِ الْكِتَاب مَنْ إنْ تَأَمَنْهُ بقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ؛ وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلاَمٍ ؛ أوْدَعَهُ رَجُلٌ ألْفاً وَمِائَتَي أوْقِيَّةٍ مِنْ ذهَبٍ فَأَدَّاهُ إلَيْهِ ؛ فَمَدَحَهُ اللهُ تَعَالَى، وَمِنْهُمْ مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِدِيْنَارٍ لاَ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ؛ وَهُوَ فِنْحَاصُ ابْْنُ عَازُورَاء الْيَهُودِيُّ ؛ أوْدَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ دِيْنَاراً فَخَانَهُ). وفي بعضِ التفاسير : أنَّ الذي يؤدِّي الأمانةَ في هذهِ الآية هم النَّصَارَى ؛ والذينَ لا يؤدُّونَها هم اليهودُ.
قرأ الأشهبُ العقيلي (تِيْمَنْهُ بقِنْطَارٍ) بكسرِ التَّاء وهي لغةُ بكرٍ وتَميم، وفي حرفِ ابن مسعودٍ :(مَا لَكَ لاَ تِيْمَنَّا)، وقراءةُ العامَّة (تَأْمَنْهُ) بالألِف.
وقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يُؤَدِّهِ﴾ فيه خمسُ قِراءَات، فقرأها كلَّها أبو عمرٍو وعاصمُ والأعمش وحمزةُ سَاكِنَةَ الْهَاءِ، وقرأ أبو جعفرٍ ويعقوبَ مُخْتَلَسَةً مكسورةً مشبَعةً، وقرأ سلامُ مَضْمُومَةً مُخْتَلَسَةً، وقرأ الزهريُّ مضمومةً مُشبعةً، وقرأ الآخرونَ مكسورةً مشبعةً.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً﴾ قرأ الأعمشُ ويحيى بن وثَّاب وطلحةُ بكسرِ الدَّال، ومعنى الآيةِ :﴿إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً﴾ أي مُلِحّاً، كذا قالَ ابنُ عباس، وقال مجاهدُ :(إلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً) مُلاَزماً. وقال ابنُ جُبير :(مُرَابطاً). وقال الضحَّاك :(مُوَاظِباً). وقال قتادةُ :(مَعْنَاهُ : إلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً : بقَبْضِهِ). وقال السديُّ :(قَائِماً عَلَى رَأسِهِ، فَإنْ سَأَلْتَهُ إيَّاهُ حِيْنَ دَفَعْتَهُ إلَيْهِ رَدَّهُ عَلَيْكَ، وَإنْ أخَّرْتَهُ أنْكَرَ). وذهبَ به ذلك إلى الاستحلالِ والخيانةِ، ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ﴾ ؛ أي فإنَّهم قالوا :﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ ؛ أي وقال العربُ نظيرُه قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾[الجمعة: ٢]. والسبيلُ هو الإثْمُ والحرجُ ؛ دليلهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾[التوبة: ٩١] وذلكَ أنَّ اليهودَ قالُوا : لاَ حرجَ علينا في حبسِ أموالِ العرب قد أحلَّها اللهُ لنا ؛ لأنَّهم ليسوا على دِيننا، وكانوا يستحِلُّون ظُلْمَ مَن خالَفَهم في دينهم.
وقال الكلبيُّ :(قَالَتِ الْيَهُودُ : إنَّ الأَمْوَالَ كُلَّهَا لَنَا ؛ وَمَا كَانَ فِي أيْدِي الْعَرَب مِنْهَا فَهُوَ لَنَا، وَإنَّمَا ظَلَمُونَا وَغَصَبُونَا عَلَيْهَا وَلاَ سَبيلَ عَلَيْنَا فِي أخْذِنَا إيَّاهَا مِنْهُمْ). فَأَكْذبَهُمْ اللهُ بقَوْلِهِ :﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ فلمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ قَالَ النَّبيُّ ﷺ :" كَذبَ أعْدَاءُ اللهِ، مَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إلاَّ وَهُوَ تَحْتَ قَدَمِي إلاَّ الأمَانَةُ ؛ فَإنَّهَا مُؤَدَّاةٌ إلَى الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ "
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذلِكَ بأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأمِّيِّينَ سَبيلٌ﴾ أي ذلك الاستحلالُ والخيانةُ منهم بقولِهم : ليس علينا في مال العرَب والذين لا كتابَ لَهم حجةٌ ولا مأثَم. وقولهُ تعالى :﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ أي يقولون لَمْ يجعل لَهم علينا في كتابنا حُرْمَةً كحُرْمَتِنَا، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الله تعالى قد أنزلَ عليهم في كتابهم الوفاءَ وأداءَ الأمانة لِمن ائْتَمَنَهُمْ وخالَطَهم.
آل عمران 3:76
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ؛ أي ليس الأمرُ كما يزعمون، لكن من أتَمَّ عهدَ الله الذي عاهدَهُ الله تعالى في التوراةِ واتَّقَى ظلمَ الناسِ في ترك الوفاء ونقضِ العهد، فَإنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَّقِيْنَ لنَقضِ العهد وتركِ الوفاء. قال ﷺ :" ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيْهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ وَإنْ صَلَّى وَصَامَ : مَنْ إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإذا أوْعَدَ أخْلَفَ، وَإذا ائْتُمِنَ خَانَ " وقال ﷺ :" مَنِ ائْتُمِنَ عَلَى أمَانَةٍ فَأَدَّاهَا وَلَوْ شَاءَ لَمْ يُؤَدِّهَا ؛ زَوَّجَهُ اللهُ مِنَ الْحُور الْعِيْنِ مَا شاءَ "
آل عمران 3:77
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيْمَا كَانَ بَيْنَ امْرِئ الْقَيْسِ وَعَبَدَانِ بْنِ الأَشْوَعِ مِنَ الْخُصُومَةِ فِي أرْضٍ غَلَبَهُ عَلَيْهَا امْرُؤ الْقَيْسِ ؛ فَاسْتَحْلَفَهُ عَبَدَانُ فَهَمَّ بالْحَلْفِ ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَامْتَنَعَ أنْ يَحْلِفَ، وَأقَرَّ لِعَبَدَانَ بحَقِّهِ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ، فَقَالَ ﷺ :" لَكَ عَلَيْهَا الْجَنَّةَ " (. وقيل : نزلت هذه الآيةُ في اليهودِ لكتمانِهم مَبْعَثَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. ومعنى الآيةِ : إنَّ الذين يجتازون على عهدِي الذي عهدتُ به في الدنيا، أولئكَ لا نصيبَ لَهم في الآخرةِ ؛ ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ ؛ بكلامِ خيرٍ ولا رحمةٍ، وقيل : لا يُسْمِعُهُمْ كلامَه كما يكلِّمُ أولياءَهُ بغير سفيرٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ؛ أي لا يرحَمُهم ولا يعطِفُ عليهم ولا يقولُ لَهم خيراً ؛ ﴿وَلاَ يُزَكِّيهِمْ﴾ ؛ أي لا يُثْنِي عليهم خَيراً ؛ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، في أنَّها هذه الأحوالُ ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي مُوجِعٌ. رويَ عن رسولِ اللهِ ﷺ :" مَنِ اقْتَطَعَ شَيْئاً مِنْ مَالِ مُسْلِمٍ بيَمِيْنِهِ فَقَدْ أوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ " قالَ رَجُلٌ : وَلَوْ كَانَ شَيْئاً يَسِيراً ؟ قَالَ :" وَلَوْ كَانَ قَضِيباً مِنْ أرَاكٍ " وقَالَ ﷺ :" أكْبَرُ الْكَبَائِرِ الشِّرْكُ باللهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَالْيَمِيْنُ الْغَمُوسُ ".
وقال ﷺ :" إيَّاكُمْ وَالْيَمِيْنَ الْفَاجِرَةَ، فَإنَّهَا تَدَعُ الدِّيَارَ بَلاَقِعَ " وقال ﷺ :" الْيَمِيْنُ الْفَاجِرَةُ تُسْقِمُ الرَّحِمَ "، وَهِيَ " مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْب "
آل عمران 3:78
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ ؛ رويَ : أنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْيَهُودِ أَوْلِي فَاقَةٍ وفَقْرٍ قَدِمُواْ الْمَدِيْنَةَ مِنَ الشَّامِ لِيُسْلِمُواْ، فَلَقِيَهُمْ كَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ فَقَالَ لَهُمْ : أتَعْلَمُونَ أنَّ مُحَمَّداً نَبيٌّ ؟ قَالُواْ : نَعَمْ، وَمَا تَعْلَمُهُ أنْتَ ؟ قَالَ : لاَ، قَالُوا : فَإنَّهُ يَشْهَدُ أنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، فَقَالَ كَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ : لَقَدْ مَنَعَكُمُ اللهُ خَيْراً كَثِيْراً، كُنْتُ أريدُ أنْ أمِيرَ لَكُمْ وَأَكْسُوا عِيَالَكُمْ فَحَرَمَكُمُ اللهُ، فَقَالُواْ : رُوَيْدَكَ حَتَّى نَلْقَاهُ، فَانْطَلَقُواْ وَكَتَبُواْ صِفَةً سِوَى صِفَتِهِ وَنَعْتاً سِوَى نَعْتِهِ، ثُمَّ انْتَهُواْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَكَلَّمُوهُ وَسَأَلُوهُ، ثُمَّ رَجَعُوا إلَى كَعْبٍ فَقَالُوا : كُنَّا نَرَى أنَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَإذا هُوَ لَيْسَ بالْنَّعْتِ الَّذِي نُعِتَ لَنَا ؛ وَجَدْنَا نَعْتَهُ مُخَالِفاً لِلَّذِي عِنْدَنَا ؛ وَأخْرَجُواْ الَّذِي كَتَبُوهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ كَعْبُ فَفَرِحَ وَأَخَذ إقْرَارَهُمْ وَخُطُوطَهُمْ ثُمَّ بَعَثَ إلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَمَانِيَة قُمُصٍ مِنَ الْكِرْبَاسِ وَخَمْسَةَ آصُعٍ مِنَ الشَّعِيْرِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
ومعناها : وإنَّ مِنْ أهْلِ الكتاب طائفةٌ يُحَرِّفُونَ الكتابَ ثم يَقْرَأونَ ما حَرَّفُوهُ ليظُنَّ المسلمون أنَّ ذلكَ من التوراةِ ؛ وَمَا هُوَ مِنْهَا، ويقولونَ هو مِن عند اللهِ نَزَلَ وما هُو مِن عِنْدِ اللهِ نَزَلَ ؛ ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ ؛ بادِّعائِهم أنَّ ذلك الْمُحَرَّفَ مِن التوراةِ ؛ ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ أنَّهُمْ يكذبونَ، وَلَيُّ اللِّسَانِ هو العدولُ عن الصدقِ والصواب.
آل عمران 3:79
وقوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ وذلكَ أنَّهُ لَمَّا كَثُرَتْ دعوةُ النَّبيِّ ﷺ إيَّاهم إلى الإسلامِ وقامَت عليهم الْحُجَجُ ؛ قالوا : إنَّ هذا الرجلَ يريدُ أن نَتَّبعَهُ ونَعْبُدَهُ كما كان عيسى مِن قومه حتى عَبَدُوهُ، فَكَذا كَلَّمَ الله عَزَّ وَجَلَّ بهذه الآيةِ، ومعناها : ما كان بَشَرٌ من الأنبياءِ مثلَ عيسى وعُزَيْرٍ وغيرِهم أن يعطيَهُ اللهُ الكتابَ وعِلْمَ الحلالِ والحرامِ والنبوَّة ؛ ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي لا يَجْمَعُ لأحدٍ النبوَّة والقولَ للناسِ : كونوا عِباداً لِي، وليس هذا على وجهِ النَّهي، ولكنه على وجه التَّنْزِيْهِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ ؛ لأنه لا يَخْتَارُ نبيّاً يقولُ مثلَ هذا القول للناسِ. ويجوزُ أن يكونَ هذا على وجهِ تَعْظِيْمِ الأنبياءِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ.
وقال الضحَّاك ومقاتلُ :(مَعْنَاهُ :﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ يَعْنِي عَيْسَى عليه السلام ﴿أنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ﴾ يَعْنِي الإنْجِيْلَ ؛ نَزَلَتْ فِي نَصَارَى نَجْرَانَ). وقال ابنُ عبَّاس وعطاءُُ :( ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ يَعْنِي مُحَمَّداً ﷺ ﴿أَن يُؤْتِيهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾ يَعْنِي الْقُرْآنَ. وَذلِكَ أنَّ أبَا رَافِعٍ الْقُرَظِيِّ مِنَ الْيَهُودِ، وَالرَّيِّسَ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ، قَالُواْ : يَا مُحَمَّدُ ؛ نُرِيْدُ أنْ نُصَيِّرَكَ وَنَتَّخِذكَ رَبّاً؟! فَقَالَ ﷺ :" مَعَاذ اللهِ أنْ يُعْبَدَ غَيْرُ اللهِ أوْ نَأْمُرَ بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ، مَا بذلِكَ بَعَثَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلاَ بذلِكَ أمَرَنِي " فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ). والبَشَرُ جمعُ بَنِي آدَمَ لا واحدَ لهُ من لفظهِ، كالْقَوْمِ وَالْجَيْشِ، ويوضَعُ موضِعَ الواحدِ والجمعِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَالْحُكْمَ﴾ يعني الفَهْمَ والعِلْمَ، وقيل : الأحكامَ. قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلَـاكِن كُونُواْ رَبَّـانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾، أي ولكن يقولُ :﴿كُونُواْ رَبَّـانِيِّينَ﴾ أي عُلَمَاءَ عَامِلِيْنَ، وقيل : فُقَهَاءَ مُعَلِّمِيْنَ. قفال مُرَّةُ بن شِرَحْبيْلَ :(كَانَ عَلْقَمَةُ مِنَ الرَّبَّانِيِّيْنَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ الْقُرْآنَ). وعن سعيدِ بن جُبير :(مَعْنَاهُ : حُكَمَاءَ أتْقِيَاءَ). وقيل : متعبدين مخلصِين. وقيل : علماءَ نُصَحَاءَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ في خلقِه.
وقيل :(الرَّبَّانِيُّ : هُوَ الْعَالِمُ بالْحَلاَلِ وَالْحَرَامِ وَالأَمْرِ وَالنَّهْيِ ؛ وَالْعَارفُ بأَنْبَاءِ الأُمَّةِ وَمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ). وقال عليٌُّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ :(هُوَ الَّذِي يَرُبُّ عِلْمَهُ بعَمَلِهِ) أي يُصْلِحُ علمَهُ وعملُهُ بعلمِهِ. وقال محمَّد بنُ الحنفية يوم ماتَ ابنُ عبَّاس :(مَاتَ رَبَّانِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ معناهُ : بما أنتُم تُعَلِّمُونَ كقولهِ :﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً﴾[مريم: ٥] أي وامرأتِي عَاقرٌ. وقوله :﴿مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ﴾[مريم: ٢٩] أي مَن هو في الْمَهْدِ صبيّاً. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾، قرأ السَّلمي والنخعيُّ وابن جُبير والضحَّاك وابن عامر والكوفيُّون :(بمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ) بالتشديد من التَّعْلِيْمِ، وقرأ الباقون بالتخفيف : مِنَ الْعِلْمِ.
آل عمران 3:80
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾، قرأ الحسنُ وعاصم وحمزة وابنُ عامر :(وََلاَ يَأْمُرَكُمْ) بنصب الراء عطفاً على (ثُمَّ يَقُولُ) مردودٌ على البشرِ، وقرأ الباقون بالرفعِ والاستئناف والانقطاعِ مِن الكلام الأوَّل. واختلفوا فيهِ على هذهِ القراءَة. فقال الزجَّاج :(مَعْنَاهُ : وَلاَ يَأْمُرُكُمُ اللهُ). وقال ابن جُريج وجَماعةٌ :(وَلاَ يَأْمُرُكُمْ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم)، وقيل : ولا يأمرُكم البشرُ أن تتخِذُوا الملائكةَ والنبيِّين أرباباً كفعلِ قُرَيْشٍ وخُزَاعَةَ ؛ حيثُ قالوا : الملائكةُ بناتُ اللهِ. واليهودِ والنَّصارى حيثُ قالوا : عُزَيرُ والمسيحُ ابن اللهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ﴾ استفهامٌ بمعنى الإنكار ؛ أي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بعثَ النبيَّ ﷺ ليدعُوَ الناسَ إلى الإسلامِ ؛ فكيفَ يدعُو إلى الكفرِ بعد أنْ كانت فطرَتُكم على الإسلام؟. ويقالُ : إنْ كنتُم مُقِرِّيْنَ بالتوحيدِ.
آل عمران 3:81
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ ؛ قرأ سعيدُ بن جبير (لَمَّا) بتشديد الميمِ، وقرأ حمزةَُ (لِمَا) بكسر اللامِ والتخفيف، وقرأ الباقون بالفتحِ والتخفيفِ. فمن فَتَحَ وخفَّف فهي لامُ الابتداءِ أدخلت على (مَا)، كقولِ القائلِ : لَزَيدٌ أفضلُ من عمرٍو، و (مَا آتَيتُكُمْ) اسمٌ، والذي بعده صلةٌ. وجوابه :﴿لَتُؤْمِنُنَّ بهِ﴾، وإن شئتَ جعلتَ خبر (مَا) من كتابٍ، وتكون (مِنْ) زائدة معناه : لِمَا آتيتُكم كتاباً وحكمةً. ثم ابتدأ فقال :(ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ) أي ثم إن جاءكم رسولٌ مصدِّق لِمَا معكُم لتُؤْمِنُنَّ بهِ، اللامُ لامُ القسَم ؛ تقديرهُ : وَاللهِ لَتُؤْمِنُنَّ بهِ، فوكَّده في أول الكلام بلام التوكيدِ وفي أجزاءِ الكلام بلاَمِ القسَم كأنه استحلَفَهم : وَاللهِ لَتُؤْمِنُنَّ بهِ. وأخذُ الميثاقِ في معنى التَّحليفِ ؛ لأن الْحِلْفَ وَثِيْقَةٌ، وموضع (مَا) في قولهِ (لِمَا) نُصِبَ بقوله (آتَيْتُكُمْ)، كأنهُ قالَ : لِلَّذي اتَيْتُكُمُوهُ مِنْ كِتَابٍ. وقال الزجَّاج :(هَذِهِ لاَمُ التَّخْفِيْفِ دَخَلَتْ عَلَى (مَا) لِلْجَزَاءِ ؛ وَمَعْنَاهُ : لَهُمَا آتَيْتُكُمْ). ودخولُ اللاَّم في الشَّرطِ والجواب للتوكيدِ كما في قولهِ تعالى :{ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي والجواب للتوكيدِ كما في قولهِ تعالى :{ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ }[الإسراء: ٨٦] وكما يقولُ : لَئِنْ جئتَني لأكرمتُكَ.
ومن قرأ (لِمَا) بالكسر والتخفيف فهي لاَمُ الإضافةِ دخلت على (مَا) التي هي بمعنى الَّذي ؛ ومعناه : للَّذي أتيتُكم ؛ يعني : الذي أخذ ميثاقَ النبيين لأجْلِ الذي آتينَاهُم من كتابٍ وحكمةٍ ؛ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ﴾ : قرأ نافعُ بالألف والنُّون على التَّعْظِيْمِ ؛ لأنَّ عِظَمَ الشَّأْنِ قد يُعَبرُ عن نفسِه بلفظِ الجمعِ. وقرأ الآخرونَ (آتَيْتُكُمْ). واختلفَ المفسِّرون في المعنِيِّ بهذه الآية، فقال قومٌ : إنَّما أخذ الميثاقَ على الأنبياءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ : أن يُصَدِّقَ بعضُهم بعضاً، ويأمُرَ بعضُهم بالإيْمان ببعضٍ، فذلك معنَى النُّصْرَةِ بالتصديقِ، وهذا قولُ ابن جُبير وطاوُوس وقتادةَ والحسنِ والسديِّ، يدلُّ عليه ظاهرُ الآية. قالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه :(لَمْ يَبْعَثِ اللهُ نَبيّاً إلاَّ أخَذ عَلَيْهِ الْعَهْدَ مِنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، وَأخَذ الْعَهْدَ عَلَى قَوْمِهِ لَيُؤمِنُنَّ بهِ ؛ وَلَئِنْ بُعِثَ وَهُمْ أحْيَاءٌ لَيَنْصُرُنَّهُ).
وقال بعضُهم : إنَّما أخذ الميثاق على أهلِ الكتاب ؛ وهو قولُ مجاهدٍ والربيعِ قَالُواْ :(ألاَ تَرَى إلَى قولهِ :﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ﴾ إنَّمَا كَانَ مُحَمَّدٌ مَبْعُوثاً إلَى أهْلِ الْكِتَاب دُونَ النَّبيِّيْنَ). وقال بعضُهم : إنَّما أخذ العهدَ على النبيِّين وأُمَمِهم ؛ واكتفَى بذِكْرِ الأنبياءِ عن ذكرِ الأُمم ؛ لأنَّ أخذ الميثاقِ على المتبُوعِ دلالةٌ على أخذهِ على الأتْبَاعِ، وهذا قولُ ابنِ عباس وهو أوْلَى بالصواب.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذالِكُمْ إِصْرِي﴾ ؛ أي قالَ اللهُ تعالى لأنبيائهِ : أقْرَرْتُمْ بما أمرتُكُم به على ما قُلْتُ لكم وقَبلْتُمْ على ذلكم عَهْدِي.
آل عمران 3:82
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ ؛ قرأ سعيدُ بن جبير (لَمَّا) بتشديد الميمِ، وقرأ حمزةَُ (لِمَا) بكسر اللامِ والتخفيف، وقرأ الباقون بالفتحِ والتخفيفِ. فمن فَتَحَ وخفَّف فهي لامُ الابتداءِ أدخلت على (مَا)، كقولِ القائلِ : لَزَيدٌ أفضلُ من عمرٍو، و (مَا آتَيتُكُمْ) اسمٌ، والذي بعده صلةٌ. وجوابه :﴿لَتُؤْمِنُنَّ بهِ﴾، وإن شئتَ جعلتَ خبر (مَا) من كتابٍ، وتكون (مِنْ) زائدة معناه : لِمَا آتيتُكم كتاباً وحكمةً. ثم ابتدأ فقال :(ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ) أي ثم إن جاءكم رسولٌ مصدِّق لِمَا معكُم لتُؤْمِنُنَّ بهِ، اللامُ لامُ القسَم ؛ تقديرهُ : وَاللهِ لَتُؤْمِنُنَّ بهِ، فوكَّده في أول الكلام بلام التوكيدِ وفي أجزاءِ الكلام بلاَمِ القسَم كأنه استحلَفَهم : وَاللهِ لَتُؤْمِنُنَّ بهِ. وأخذُ الميثاقِ في معنى التَّحليفِ ؛ لأن الْحِلْفَ وَثِيْقَةٌ، وموضع (مَا) في قولهِ (لِمَا) نُصِبَ بقوله (آتَيْتُكُمْ)، كأنهُ قالَ : لِلَّذي اتَيْتُكُمُوهُ مِنْ كِتَابٍ. وقال الزجَّاج :(هَذِهِ لاَمُ التَّخْفِيْفِ دَخَلَتْ عَلَى (مَا) لِلْجَزَاءِ ؛ وَمَعْنَاهُ : لَهُمَا آتَيْتُكُمْ). ودخولُ اللاَّم في الشَّرطِ والجواب للتوكيدِ كما في قولهِ تعالى :{ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي والجواب للتوكيدِ كما في قولهِ تعالى :{ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ }[الإسراء: ٨٦] وكما يقولُ : لَئِنْ جئتَني لأكرمتُكَ.
ومن قرأ (لِمَا) بالكسر والتخفيف فهي لاَمُ الإضافةِ دخلت على (مَا) التي هي بمعنى الَّذي ؛ ومعناه : للَّذي أتيتُكم ؛ يعني : الذي أخذ ميثاقَ النبيين لأجْلِ الذي آتينَاهُم من كتابٍ وحكمةٍ ؛ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ﴾ : قرأ نافعُ بالألف والنُّون على التَّعْظِيْمِ ؛ لأنَّ عِظَمَ الشَّأْنِ قد يُعَبرُ عن نفسِه بلفظِ الجمعِ. وقرأ الآخرونَ (آتَيْتُكُمْ). واختلفَ المفسِّرون في المعنِيِّ بهذه الآية، فقال قومٌ : إنَّما أخذ الميثاقَ على الأنبياءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ : أن يُصَدِّقَ بعضُهم بعضاً، ويأمُرَ بعضُهم بالإيْمان ببعضٍ، فذلك معنَى النُّصْرَةِ بالتصديقِ، وهذا قولُ ابن جُبير وطاوُوس وقتادةَ والحسنِ والسديِّ، يدلُّ عليه ظاهرُ الآية. قالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه :(لَمْ يَبْعَثِ اللهُ نَبيّاً إلاَّ أخَذ عَلَيْهِ الْعَهْدَ مِنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، وَأخَذ الْعَهْدَ عَلَى قَوْمِهِ لَيُؤمِنُنَّ بهِ ؛ وَلَئِنْ بُعِثَ وَهُمْ أحْيَاءٌ لَيَنْصُرُنَّهُ).
وقال بعضُهم : إنَّما أخذ الميثاق على أهلِ الكتاب ؛ وهو قولُ مجاهدٍ والربيعِ قَالُواْ :(ألاَ تَرَى إلَى قولهِ :﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ﴾ إنَّمَا كَانَ مُحَمَّدٌ مَبْعُوثاً إلَى أهْلِ الْكِتَاب دُونَ النَّبيِّيْنَ). وقال بعضُهم : إنَّما أخذ العهدَ على النبيِّين وأُمَمِهم ؛ واكتفَى بذِكْرِ الأنبياءِ عن ذكرِ الأُمم ؛ لأنَّ أخذ الميثاقِ على المتبُوعِ دلالةٌ على أخذهِ على الأتْبَاعِ، وهذا قولُ ابنِ عباس وهو أوْلَى بالصواب.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذالِكُمْ إِصْرِي﴾ ؛ أي قالَ اللهُ تعالى لأنبيائهِ : أقْرَرْتُمْ بما أمرتُكُم به على ما قُلْتُ لكم وقَبلْتُمْ على ذلكم عَهْدِي.
آل عمران 3:83
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ؛ قرأ أبو عمرٍو :(يَبْغُونَ) بالياء، و (تُرْجَعُونَ) بالتاء، قالَ :(لأنَّ الثَّانِي أعَمُّ، وَالأوَّلُ خَاصٌّ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا لافْتِرَاقِهِمَا فِي الْمَعْنَى). وقرأ الحسنُ ويعقوبُ وسلام وحَفْصُ :(يَبْغُونَ) بالياء، و (يُرْجَعُونَ) بالياء أيضاً. وقرأ الباقونَ بالتاءِ فيهما على الخطاب.
ومعنى الآيةِ : أبَعْدَ هذه الوثائقِ الجارية بينَهم وبينَ اللهِ في أمرِ النبيِّ ﷺ يطلبُون دِيناً سوى ما عَهِدَهُ اللهُ إليهم. قال الكلبيُّ :(وَذلِكَ أنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُمُ النَّبيُّ ﷺ حِيْنَ اخْتَلَفُواْ فِي دِيْنِ إبْرَاهِيْمَ عَلَيْهِ ؛ كُلُّ فِرْقَةٍ قَدْ زَعَمَتْ أنَّهَا أوْلَى بدِيْنِهِ، فَقَالَ ﷺ :" كِلاَ الْفَرِيْقَيْنِ بَرِيْءٌ مِنْ دِيْنِ إبْرَاهِيْمَ " فَغَضِبُواْ وَقَالُواْ : وَاللهِ مَا نَرْضَى بقَضَائِكَ وَلاَ نَأْخُذُ بدِيْنِكَ ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ أي له أخلصَ وَخَضَعَ. قال الكلبيُّ :(أمَّا أهْلُ السَّمَوَاتِ وَمَنْ وُلِدَ فِي الإسْلاَمِ مِنْ أهْلِ الأَرْضِ أسْلَمُواْ طَائِعِيْنَ، وَمَنْ أبَى قُوتِلَ حَتَّى يَدْخُلَ فِي الإسْلاَمِ كَرْهاً ؛ يُجَاءُ بهِمْ أسَارَى فِي السَّلاَسِلِ وَيُكْرَهُونَ عَلَى الإسْلاَمِ). وَفِي الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قَالَ :" عَجِبَ رَبُّكُمْ مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إلَى الْجَنَّةِ بالسَّلاَسِلِ "
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ أي إلى جَزَائِهِ تُرْجَعُونَ في الآخرةِ، فَبَادِرُوا إلى دِينه ولا تطلبُوا غيرَ ذلك، وقيل معنى :(وَلَهُ أسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالاَرْضِ) أي أقَرُّواْ لَهُ بالألُوهيَّة كما قالَ اللهُ تعالى :﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾[الزخرف: ٨٧]. وقال الزجَّاج :(مَعْنَاهُ : أنَّ كُلَّهُمْ خَضَعُواْ للهِ مِنْ جِهَةِ مَا فَطَرَهُمُ اللهُ عَلَيْهِ). قال الضحَّاك :(هَذا حِيْنَ أخِذ مِنْهُ الْمِيثَاقُ وَأقَرَّ بهِ).
وقال الكلبيُّ :[مَعْنَاهُ : الَّذِي أسْلَمَ طَوْعاً أيِ الَّذِي وُلِدَ فِي الإسْلاَمِ، وَبالَذِي أسْلَمَ كَرْهاً يَعْنِي الَّّذِي أجْبرَ عَلَى الإسْلاَمِ، فَيُؤْتَى بهِمْ فِي السَّلاَسِلِ فَيُكْرَهُونَ عَلَى الإسْلاَمِ). قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" كُلُّ الْمَلاَئِكَةِ أطَاعُواْ فِي السَّمَاءِ ؛ وَالأَنْصَارُ فِي الأَرْضِ " وقال ﷺ :" وَلاَ تَسُبُّواْ أصْحَابي فَإنَّهُمْ أسْلَمُواْ مِنْ خَوْفِ اللهِ، وَأَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ خَوْفِ سُيُوفِهِمْ "
وقال الحسنُ :(الطَّوْعُ : لأَهْلِ السَّمَوَاتِ خَاصَّةً، وَأَهْلُ الأرْضِ مِنْهُمْ مَنْ أسْلَمَ طَوْعاً ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ أسْلَمَ كَرْهاً).
وقرأ الأعمش :(كُرْهاً) بضمِّ الكافِ. وأما انتصابُ (طَوْعاً) و (كَرْهاً) فلأنَّهما مصدران وُضِعَا موضعَ الحالِ كما يقالُ : جِئْتُ رَكْضاً وَعَدْواً ؛ أي راكضاً وماشِياً بسرعةٍ ؛ كأنَّهُ قَالَ : ولهُ أسْلَمَ مَن في السمواتِ والأرض طائِعِيْنَ وَكَارهِيْنَ. وعن ابنِِ عبَّاس أنهُ قال :(إذا اسْتضَعَنَتْ دَابَّةُ أحَدِكُمْ أوْ كَانَتْ شَمُوساً فَلْيَقْرَأ فِي أذُنِهَا هَذِهِ الآيَةَ :﴿أفَغَيْرَ دِيْنِ اللهِ يَبْغُونَ﴾ إلَى آخِرِهَا).
آل عمران 3:84
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ﴾ ؛ الآيةُ خطابٌ للنبيِّ ﷺ وأمرٌ له أن يقولَ عن نفسِه وعن أمَّتِهِ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾. قولهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ ؛ أي مِن الرُّسُل، لا نؤمنُ ببعضِهم ونكفرُ ببعضهم كما فعلَتِ اليهودُ، بل نؤمنُ بهم جميعاً. قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ؛ أي مُخْلِصُونَ للهِ في التوحيدِ والطَّاعةِ.
آل عمران 3:85
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ الآية، قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلَى قَوْلِهِ :﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ﴾[آل عمران: ٩٢] فِي عَشْرَةِ رَهْطٍ ارْتَدُّواْ عَنِ الإسْلاَمِ وَلَحِقُواْ بمَكَّةَ، مِنْهُمْ طُعْمَةُ بْنُ أَبَيْرِقَ ووَحْوَحُ بْنِ الأَسْلَتِ وَالْحَارثُ بْنُ سُوَيْدٍ وَغَيْرُهُمْ، وَنَدِمَ الْحَارثُ وَأرْسَلَ إلَى أخِيْهِ الْحَلاَّسِ ابْنِ سُوَيْدِ الْمُسْلِمِ : أنِّي قَدْ نَدِمْتُ عَلَى مَا صَنَعْتُ، فَسَلْ لِي رَسُولَ اللهِ ﷺ : هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ وَإلاَّ أذْهَبُ فِي الأَرْضِ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَاتِ).
ومعناهَا : مَن يطلبُ دِيناً غيرَ دِين الإسلام فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ مَا أقامَ عليهِ ؛ أي لن يُثابَ ولن يُثنَى عليهِ. ويقالُ : هذه الآيةُ نزلَت في المرتدِّين. وقولهُ تعالى :﴿وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ؛ أي مِن الْمَغْبُونِيْنَ حيث تركَ مَنْزِلَهُ في الجنَّة، واختار مَنْزِلَهُ في النار.
آل عمران 3:86
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ ؛ أي كيفَ يهديهم وقد كفرُوا بعدَ إذْ آمنُوا ؛ و ؛ بعدَ أن ؛ ﴿وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ يعني مُحَمَّداً ﷺ ؛ ﴿وَجَآءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ؛ أي دلالاتُ صِدْقِهِ ونبوَّتِه، فكيفَ يستحقُّون هدايةَ اللهِ تعالى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ عطفٌ على قولهِ ﴿إِيمَانِهِمْ﴾ دون قولهِ ﴿كَفَرُواْ﴾، وقد يعطفُ الفعلُ على المصدر، كما يقالُ : أعجبَنِي ضربَ زيدٍ وإنْ غَضِبَ، وتقديرُ الآية : بعدَ أنْ آمنوا وبعدَ أن شَهِدُوا أنَّ الرسولَ حقٌّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ أي لا يُرْشِدُ المشركينَ ومَن لم يكن أهْلاً لذلكَ، فإنَّ ظاهرَ الآية يقتضي أنَّ مَن كفرَ بعد إسلامهِ لا يهديَهُ اللهُ، وأنَّ الظالمين لا يهديهم الله. وكثيرٌ من المرتدِّين أسلمُوا ومِن الظالمين تَابُوا. وقيل : معناهُ : لا يهديَهم اللهُ ما داموا مُقيمين على كفرِهم، فإذا جاهدُوا وقصَدُوا الرجوعَ إلى الحقِّ وَفَّقَهُمُ اللهُ كما قالَ تعالى :﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾[العنكبوت: ٦٩]. وقيل : معنى الآيةِ : كيفَ يرحَمُهم اللهُ وينجِّيهم من العقوبةِ.
آل عمران 3:87
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ ؛ أي أهلُ هذه الصِّفَةِ ﴿جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ أي عذابَه، واللَّعْنَةُ من اللهِ الإبْعَادُ، وَأمَّا لعنةُ الملائكةِ والناس فدعاؤُهم على الكفَّار بأنْ يبعِدَهم اللهُ من رحمتهِ. فإن قيلَ : كيفَ قال الله :﴿وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ومِن الناسِ من يُوالِي الكافرَ ويوافِقَه ولا يَلْعَنُهُ ؟ قيل : إنَّهم في الآخرةِ يَلْعَنُ بعضُهم بعضاً. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ؛ أي مُقيمينَ في اللَّعنةِ، وقيل : في العذاب ؛ ﴿لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ ؛ حين يَنْزِلُ بهم.
آل عمران 3:88
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ ؛ أي أهلُ هذه الصِّفَةِ ﴿جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ أي عذابَه، واللَّعْنَةُ من اللهِ الإبْعَادُ، وَأمَّا لعنةُ الملائكةِ والناس فدعاؤُهم على الكفَّار بأنْ يبعِدَهم اللهُ من رحمتهِ. فإن قيلَ : كيفَ قال الله :﴿وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ومِن الناسِ من يُوالِي الكافرَ ويوافِقَه ولا يَلْعَنُهُ ؟ قيل : إنَّهم في الآخرةِ يَلْعَنُ بعضُهم بعضاً. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ؛ أي مُقيمينَ في اللَّعنةِ، وقيل : في العذاب ؛ ﴿لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ ؛ حين يَنْزِلُ بهم.
آل عمران 3:89
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُواْ﴾ ؛ استثناءٌ من قولِ الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله﴾ ؛ ومعناهُ :﴿إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ﴾ الكفرِ والشِّرك بعدَ ارتدادِهم ؛ ﴿وَأَصْلَحُواْ﴾ أي لَم يكتفُوا بمجرَّد الإيْمانِ. ويقال : أصْلَحُوا أعمالَهم بالتوبةِ، وقيل : أصْلَحُوا ما أفسدُوه من الناسِ مِمَّن تَبعَهُمْ، ﴿فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ أي يتجاوزُ عنهم، رَحِيْمٌ بهم بعدَ التوبةِ.
قال ابنُ عبَّاس :(لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ لِلْحَارثِ بْنِ سُوَيْدٍ :[الرُّخْصَةُ فِي التَّوْبَةِ] أرْسَلَ أخُوهُ الْجَلاَّسُ إلَيْهِ : أنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ التَّوْبَةَ ؛ فَارْجِعْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاعْتَذِرْ إلَيْهِ. فَرَجَعَ وَتَابَ، وَقَبلَ ذلِكَ النَّبيُّ ﷺ، فَبَلَغَ ذلِكَ أصْحَابَهُ الَّذِيْنَ بمَكَّةَ ؛ فَقَالُواْ : نَتَرَبَّصُ بمُحَمَّدٍ رَيْبَ الْمَنُونِ ؛ فَإنْ بَدَا لَنَا الرَّجْعَةُ إلَيْهِ ذَهَبْنَا كَمَا ذَهَبَ الْحَارثُ فَيَقْبَلُ تَوْبَتَنَا) فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ ؛ إنَّ الذينَ كفروا باللهِ وبالرسولِ بعدَ تصديقِهم ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً بقولِهم : نُقِيْمُ بِمَكَّةَ مَا بَدَا لَنَا، لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ، ﴿وَأُوْلَـائِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ﴾ ؛ أي عنِ الإسلامِ.
وفي هذه الآيةِ دليلٌ على أنَّ هؤلاء لم يكونُوا مُحَقِّقِيْنَ ؛ لأنه قالَ :﴿وَأُوْلَـائِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ﴾. وكانت هذهِ الآيةُ خاصَّة في قومٍ عَلِمَ اللهُ أنَّهم لا يَتُوبُونَ إلاّ عند حُضور الموتِ، وماتَ طُعْمَةُ كَافِراً، ولو كانوا يُحَقِّقُونَ التوبةَ قبلَ الْمُعَايَنَةِ لَقُبلَتْ توبتُهم. ويجوزُ أن يكونَ بمعنى :(لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) أي التوبةُ التي يتوبُونَها عندَ الموتِ. قوله عَزَّ وجَلَّ :﴿ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً﴾. قال الحسنُ وقتادة وعطاءُ :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي الْيَهُودِ الَّذِيْنَ كَفَرُواْ بعِيْسَى عليه السلام وَالإِنْجِيْلِ بَعْدَ إيْمَانِهِمْ بأَنْبيَائِهِم وَكُتُبهِمْ ؛ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً بمُحَمَّدٍ ﷺ وَالْقُرْآنِ).
آل عمران 3:90
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُواْ﴾ ؛ استثناءٌ من قولِ الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله﴾ ؛ ومعناهُ :﴿إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ﴾ الكفرِ والشِّرك بعدَ ارتدادِهم ؛ ﴿وَأَصْلَحُواْ﴾ أي لَم يكتفُوا بمجرَّد الإيْمانِ. ويقال : أصْلَحُوا أعمالَهم بالتوبةِ، وقيل : أصْلَحُوا ما أفسدُوه من الناسِ مِمَّن تَبعَهُمْ، ﴿فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ أي يتجاوزُ عنهم، رَحِيْمٌ بهم بعدَ التوبةِ.
قال ابنُ عبَّاس :(لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ لِلْحَارثِ بْنِ سُوَيْدٍ :[الرُّخْصَةُ فِي التَّوْبَةِ] أرْسَلَ أخُوهُ الْجَلاَّسُ إلَيْهِ : أنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ التَّوْبَةَ ؛ فَارْجِعْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاعْتَذِرْ إلَيْهِ. فَرَجَعَ وَتَابَ، وَقَبلَ ذلِكَ النَّبيُّ ﷺ، فَبَلَغَ ذلِكَ أصْحَابَهُ الَّذِيْنَ بمَكَّةَ ؛ فَقَالُواْ : نَتَرَبَّصُ بمُحَمَّدٍ رَيْبَ الْمَنُونِ ؛ فَإنْ بَدَا لَنَا الرَّجْعَةُ إلَيْهِ ذَهَبْنَا كَمَا ذَهَبَ الْحَارثُ فَيَقْبَلُ تَوْبَتَنَا) فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ ؛ إنَّ الذينَ كفروا باللهِ وبالرسولِ بعدَ تصديقِهم ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً بقولِهم : نُقِيْمُ بِمَكَّةَ مَا بَدَا لَنَا، لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ، ﴿وَأُوْلَـائِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ﴾ ؛ أي عنِ الإسلامِ.
وفي هذه الآيةِ دليلٌ على أنَّ هؤلاء لم يكونُوا مُحَقِّقِيْنَ ؛ لأنه قالَ :﴿وَأُوْلَـائِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ﴾. وكانت هذهِ الآيةُ خاصَّة في قومٍ عَلِمَ اللهُ أنَّهم لا يَتُوبُونَ إلاّ عند حُضور الموتِ، وماتَ طُعْمَةُ كَافِراً، ولو كانوا يُحَقِّقُونَ التوبةَ قبلَ الْمُعَايَنَةِ لَقُبلَتْ توبتُهم. ويجوزُ أن يكونَ بمعنى :(لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) أي التوبةُ التي يتوبُونَها عندَ الموتِ. قوله عَزَّ وجَلَّ :﴿ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً﴾. قال الحسنُ وقتادة وعطاءُ :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي الْيَهُودِ الَّذِيْنَ كَفَرُواْ بعِيْسَى عليه السلام وَالإِنْجِيْلِ بَعْدَ إيْمَانِهِمْ بأَنْبيَائِهِم وَكُتُبهِمْ ؛ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً بمُحَمَّدٍ ﷺ وَالْقُرْآنِ).
آل عمران 3:91
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ ؛ أي إنَّ الذينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا على كُفْرِهِمْ لو كانَ لأحدِهم في الآخرة مِلْءُ الأرضِ ذهباً فافتدَى به لن يُقْبَلَ منهُ، كما رُوي : أنه يقالُ للكافرِ يومَ القيامة : لو كانَ لكَ مِلْءُ الأرضِ ذهباً أكُنْتَ تفتدي بهِ مِن العذاب ؟ فيقولُ : نَعَمْ، فيقالُ له : قد سُئلتَ ما هو أيسرُ عليكَ من هذا فلم تَفْعَلْ؟
وقولهُ تعالى :﴿ذَهَباً﴾ نُصِبَ على التفسيرِ في قول الفرَّاء، ومعنى التفسِير : أن يكون الكلامُ تامّاً وهو مُبْهَمٌ كقولهِ : عندِي عُشْرُونَ فالعددُ معلومٌ والمعدودُ مُبْهَمٌ، فإذا قلتَ : عُشْرونَ دِرْهَماً ؛ فسَّرْتَ العددَ ؛ ولذلكَ إذا قلتَ : هو أحْسَنُ الناسِ ؛ فقد أخبرتَ عن حُسْنِهِ ولم تُبَيِّنْ في أيِّ شيءٍ. فاذا قلتَ : وَجْهاً أو فِعْلاً ؛ فَقَدْ بَيَّنْتَهُ ونصبتَ على التَّفسيرِ، وإنَّما نصبتَهُ لأنَّهُ ليسَ له ما يخفِضُه ولا ما يرفعُه، فلمَّا خلاَ من هَذين نُصِبَ ؛ لأن النصبَ أخفُّ الحركاتِ ؛ فجُعِلَ لكلِّ ما لا عَامِلَ لهُ.
وقال الكسائيُّ :(نُصِبَ عَلَى إضْمَار (مِنْ ذهَبٍ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى :﴿أَو عَدْلُ ذلِكَ صِيَاماً﴾[المائدة: ٩٥] أيْ مِنْ صِيَامٍ). وقد يقالُ : نُصبَ على التمييزِ ثلاثةُ أشياءٍ : تَمييزُ جملةٍ مبهمَةٍ كما في قولهِ :﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾[الكهف: ٣٤]، وتَمييزُ عددٍ مُبْهَمٍ كقولِكَ : عُشْرُونَ دِرْهَماً، وتَمييزُ مِقدارٍ مُبْهَمٍ كما يقالُ : عِنْدِي مِلْءُ زقٍّ عَسَلاً.
وأمَّا دخولُ الواو في قولهِ :﴿وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ ؛ فقال بعضُهم : هي زائدةٌ. وقال الزجَّاج :(لَيْسَتْ بزِائِدَةٍ ؛ وإنَّمَا هِيَ لِتَعْمِيْمِ النَّفْيِ لِوُجُوهِ الْقَبُولِ، ولَوْ لَمْ تَكُنْ وَاواً لأَوْهَمَ الْكَلاَمُ ؛ لأَنَّ ذلِكَ لاَ يُقْبَلُ فِي الإفْتِدَاءِ، وَيُقْبَلُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الإفْتِدَاءِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ أي أهلُ هذه الصِّفةِ لَهم عذابٌ وَجِيْعٌ في الآخرةِ، ﴿وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ ؛ أي من مَانِعٍ يَمْنَعُهُمْ مِن العذاب.
آل عمران 3:92
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَاهُ : لَنْ تَنَالُواْ الْجَنَّة)، وقال عطاءُ :(لَنْ تَنَالُواْ الطَّاعَةَ). وقال أبو روق :(مَعْنَاهُ : لَنْ تَنَالُواْ الْخَيْرَ)، وقال مقاتلُ :(لَنْ تَنَالُواْ التَّقْوَى)، وقال الحسنُ :(لَنْ تَكُونُواْ أبْرَاراً حَتَّى تَتَصَدَّقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ مِنَ الأَمْوَالِ ؛ أيْ مِنْ كَرَائِمِ أمْوَالِكُمْ وَأَحَبهَا إلَيْكُمْ، طَيِّبَةً بهَا أنْفُسُكُمْ ؛ صَغِيْرَةً فِي أعْيُنِكُمْ)، وقال مجاهدُ والكلبيُّ :(هَذِهِ الآيَةُ مَنْسُوخَةٌ ؛ نَسَخَتْهَا الزَّكَاةُ). وروَى الضحَّاك عنِ ابن عبَّاس :(أرَادَ بهَذِهِ الآيَةِ : حَتَّى تُخْرِجُوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ)، وقال عطاءُ :(مَعْنَاهُ : لَنْ تَنَالُواْ شَرَفَ الدِّيْنِ وَالتَّقْوَى حَتَّى تَتَصَدَّقُواْ وَأنْتُمْ أصِحَّاءُ تَأْمَلُونَ الْغِنَى وَتَخْشَوْنَ الْفَقْرَ). ويقالُ : معناهُ : لن تبلغُوا حقيقةَ التوكُّل والتقوَى حتى تُخرجوا زكاةَ أموالِكم طيبةً بها أنفسُكم.
وذهبَ أكثرُ المفسِّرين إلى أنَّ المقصودَ من هذه الآيةِ : الحثُّ على صدقةِ النَّفل والفرضِ بأبلغِ وجُوهِ القُرَب ؛ لأن قولَهُ :﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ يدلُّ على المبالغةِ فيه. رويَ عن عبدِالله بنِ عمرَ : أنَّهُ اشْتَرَى جَاريَةً كَانَ يَهْوَاهَا، فَلَمَّا مَلَكَهَا أعْتَقَهَا وَلَمْ يُصِبْ مِنْهَا، فَقِيْلَ لَهُ فِي ذلِكَ، فَقَالَ :(لَنْ تَنَالُواْ الْبرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ). وعن عمرَ بنِ عبدِالعزيز أنهُ كان يشتري أعدَالَ السُّكَّرِ فيتصدَّقُ بها، فقيلَ لهُ : هلاَّ تصدَّقْتَ بثمنهِ ؟ فقالَ :(لاَ، لأَنَّ السُّكَّرَ أحَبُّ إلَيَّ ؛ فَأَرَدْتُ أنْ أُنْفِقَ مِمَّا أُحِبُّ).
وروي : أنَّ سائلاً وقفَ على باب الرَّبيع بنِ خَيْثَمَ ؛ فقال : أطْعِمُوهُ سُكَّراً، فقيلَ لهُ : ما يصنعُ بالسُّكَّرِ ؟ هَلاَّ تطعمهُ خبزاً أنفعُ له ؟ قَالَ : وَيْحَكُمْ! أطعموه سُكَّراً فإنَّ الربيعَ يحبُّ السُّكَّرَ. ووقفَ سائلٌ على باب الربيعِ في ليلةٍ باردة ؛ فخرجَ إليه فرآهُ كأنه مَقْرُورٌ، فقال : لَنْ تَنَالُواْ الْبرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ، فَنَزَعَ بُرْنُساً فأعطاهُ إيَّاه.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ ؛ أي ما تتصدَّقوا من صدقةٍ فإنَّ اللهَ بها ويزيادتِكم عَلِيْمٌ يُجزيكم على ذلكَ في الآخرةِ.
آل عمران 3:93
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ ؛ قال ابنُ عباسٍ :(مَعْنَاهُ : كُلُّ الطَّعَامِ الْحَلاَلِ الْيَوْمَ وَهُوَ مَا سِوَى الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيْرِ كَانَ حِلاًّ لَبنِي يَعْقُوبَ عليه السلام، مِنْ قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ عَلَى مُوسَى عليه السلام ؛ إلاَّ الطَّعَامَ الَّذِي حَرَّمَهُ يَعْقُوبَ عَلَى نَفْسِهِ ؛ وَهُوَ لَحْمُ الإبلِ وألْبَانُهَا).
وذلك أنَّ يعقوبَ عليه السلام كان يَمشي إلى بيتِ المقدسِ فَلَقِيَهُ مَلَكٌ مِن الملائكة وهو خَلْفَ الأثقالِ، فظنَّ يعقوبُ أنه لِصٌّ ؛ فعالَجه ليصارعَه فكان كذلكَ حتى أضاءَ الفجرُ، فضمَّر الملَكُ فَخِذ يعقوبَ فهاج به عِرْقُ النَّسَا، فصعدَ الملَكُ إلى السَّماء، وجاء يعقوبُ يعرجُ حتى لَحِقَ الأثقالَ ؛ فكانَ يَبيْتُ الليلَ ساهراً مِن وَجَعِهِ ويَنْصَبُ نَهاره، فأقسَمَ لَئِنْ شفاهُ اللهُ لَيُحَرِّمَنَّ أحَبَّ الطعامِ والشراب على نفسهِ ؛ فشفاهُ الله من ذلكَ، فحرَّم أحبَّ الطعامِ والشراب إليه، وكان ذلك لُحُومَ الإبلِ وألبانَها، ثم اسَتَنَّ وَلَدُهُ سبيلَهُ. فذلك قولهُ :﴿إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾.
فلمَّا نزلَتْ هذهِ الآيةُ ؛ قال النبيُّ ﷺ لليهودِ :" مَا الَّذِي حَرَّمَ إسْرَائِيْلُ عَلَى نَفْسِهِ ؟ " قَالُواْ : كُلَّ شَيْءٍ حَرَّمْنَاهُ الْيَوْمَ عَلَى أنْفُسِنَا ؛ فَإنَّهُ كَانَ مُحَرَّماً عَلَى نُوحٍ عليه السلام فَهَلُمَّ جَرّاً حَتَّى انْتَهَى إلَيْنَا، وَأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ وَأصْحَابُكَ تَسْتَحِلُّونَهُ، وَادَّعَواْ أنَّ ذلِكَ مَسْطُورٌ في التَّوْرَاةِ ".
وقال الكلبيُّ :(كَانَ هَذا حِيْنَ قالَ النَّبيُّ ﷺ :" أنَا عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيْمَ عليه السلام " قَالَ الْيَهُودُ : كَيْفَ وَأَنْتَ تَأكُلُ الإبلَ وَأَلْبَانَهَا؟! فَقَالَ ﷺ :" كَانَ ذلِكَ حَلاَلاً لإبْرَاهِيْمَ فَنَحْنُ نُحِلُّهُ ". قَالَتِ الْيَهُودُ : كُلُّ شَيْءٍ أصْبَحْنَا الْيَوْمَ نُحَرِّمُهُ ؛ فَإنَّهُ كَانَ حَرَاماً عَلَى إبْرَاهِيْمَ وَنُوحٍ، وَهَلُمَّ جَرّاً حَتَّى انْتَهَى إلَيْنَا. " فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ تَكْذِيْباً لَهُمْ :﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾
. قََوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، وذلك أنَّ الْيَهُودَ قَالَ لَهُمُ النَّبيُّ ﷺ :" مَا الَّذِي حَرَّمَ إسْرَائِيْلُ عَلَى نَفْسِهِ ؟ " قَالُواْ : كُلُّ شَيْءٍ نُحَرِّمُهُ الْيَوْمَ عَلَى أنْفُسِنَا. قَالَ اللهُ تَعَالَى لِلنَّبيِّ ﷺ :{ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ " أي فاقرأوها ؛ هل تَجدون فيها تَحريْمَ كلِّ ذِي نابٍ وَظُفُرٍ وتحريْمَ شُحُومِ البقرِ والغنمِ وغيرِ ذلك مِمَّا حرَّمَ اللهُ عليكم من الطيِّبات بعدَ نزولِ التوراة بظلمِكُم وبَغْيكُمْ، كما قالَ تعالى :{ فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ }[النساء: ١٦٠].
فَأَبَوا أن يأتُوا بالتوراةِ خوفاً من الفضيحةِ لِعِلْمِهِمْ بصِدْقِ النَّبيِ ﷺ فأنزلَ اللهُ تعالى قولَه تعالى :﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـائِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ؛ أي مَن اخْتَلَقَ على اللهِ الكذبَ بأن يُنَزِّلَ عليه ما لَم يُنْزِّلْهُ في كتابٍ مِن بعد ذلك، يقالُ من بعدَ قيامِ الحجَّة عليهِ : فَأوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ لأنَفُسِهِمْ.
آل عمران 3:94
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ ؛ قال ابنُ عباسٍ :(مَعْنَاهُ : كُلُّ الطَّعَامِ الْحَلاَلِ الْيَوْمَ وَهُوَ مَا سِوَى الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيْرِ كَانَ حِلاًّ لَبنِي يَعْقُوبَ عليه السلام، مِنْ قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ عَلَى مُوسَى عليه السلام ؛ إلاَّ الطَّعَامَ الَّذِي حَرَّمَهُ يَعْقُوبَ عَلَى نَفْسِهِ ؛ وَهُوَ لَحْمُ الإبلِ وألْبَانُهَا).
وذلك أنَّ يعقوبَ عليه السلام كان يَمشي إلى بيتِ المقدسِ فَلَقِيَهُ مَلَكٌ مِن الملائكة وهو خَلْفَ الأثقالِ، فظنَّ يعقوبُ أنه لِصٌّ ؛ فعالَجه ليصارعَه فكان كذلكَ حتى أضاءَ الفجرُ، فضمَّر الملَكُ فَخِذ يعقوبَ فهاج به عِرْقُ النَّسَا، فصعدَ الملَكُ إلى السَّماء، وجاء يعقوبُ يعرجُ حتى لَحِقَ الأثقالَ ؛ فكانَ يَبيْتُ الليلَ ساهراً مِن وَجَعِهِ ويَنْصَبُ نَهاره، فأقسَمَ لَئِنْ شفاهُ اللهُ لَيُحَرِّمَنَّ أحَبَّ الطعامِ والشراب على نفسهِ ؛ فشفاهُ الله من ذلكَ، فحرَّم أحبَّ الطعامِ والشراب إليه، وكان ذلك لُحُومَ الإبلِ وألبانَها، ثم اسَتَنَّ وَلَدُهُ سبيلَهُ. فذلك قولهُ :﴿إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾.
فلمَّا نزلَتْ هذهِ الآيةُ ؛ قال النبيُّ ﷺ لليهودِ :" مَا الَّذِي حَرَّمَ إسْرَائِيْلُ عَلَى نَفْسِهِ ؟ " قَالُواْ : كُلَّ شَيْءٍ حَرَّمْنَاهُ الْيَوْمَ عَلَى أنْفُسِنَا ؛ فَإنَّهُ كَانَ مُحَرَّماً عَلَى نُوحٍ عليه السلام فَهَلُمَّ جَرّاً حَتَّى انْتَهَى إلَيْنَا، وَأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ وَأصْحَابُكَ تَسْتَحِلُّونَهُ، وَادَّعَواْ أنَّ ذلِكَ مَسْطُورٌ في التَّوْرَاةِ ".
وقال الكلبيُّ :(كَانَ هَذا حِيْنَ قالَ النَّبيُّ ﷺ :" أنَا عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيْمَ عليه السلام " قَالَ الْيَهُودُ : كَيْفَ وَأَنْتَ تَأكُلُ الإبلَ وَأَلْبَانَهَا؟! فَقَالَ ﷺ :" كَانَ ذلِكَ حَلاَلاً لإبْرَاهِيْمَ فَنَحْنُ نُحِلُّهُ ". قَالَتِ الْيَهُودُ : كُلُّ شَيْءٍ أصْبَحْنَا الْيَوْمَ نُحَرِّمُهُ ؛ فَإنَّهُ كَانَ حَرَاماً عَلَى إبْرَاهِيْمَ وَنُوحٍ، وَهَلُمَّ جَرّاً حَتَّى انْتَهَى إلَيْنَا. " فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ تَكْذِيْباً لَهُمْ :﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾
. قََوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، وذلك أنَّ الْيَهُودَ قَالَ لَهُمُ النَّبيُّ ﷺ :" مَا الَّذِي حَرَّمَ إسْرَائِيْلُ عَلَى نَفْسِهِ ؟ " قَالُواْ : كُلُّ شَيْءٍ نُحَرِّمُهُ الْيَوْمَ عَلَى أنْفُسِنَا. قَالَ اللهُ تَعَالَى لِلنَّبيِّ ﷺ :{ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ " أي فاقرأوها ؛ هل تَجدون فيها تَحريْمَ كلِّ ذِي نابٍ وَظُفُرٍ وتحريْمَ شُحُومِ البقرِ والغنمِ وغيرِ ذلك مِمَّا حرَّمَ اللهُ عليكم من الطيِّبات بعدَ نزولِ التوراة بظلمِكُم وبَغْيكُمْ، كما قالَ تعالى :{ فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ }[النساء: ١٦٠].
فَأَبَوا أن يأتُوا بالتوراةِ خوفاً من الفضيحةِ لِعِلْمِهِمْ بصِدْقِ النَّبيِ ﷺ فأنزلَ اللهُ تعالى قولَه تعالى :﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـائِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ؛ أي مَن اخْتَلَقَ على اللهِ الكذبَ بأن يُنَزِّلَ عليه ما لَم يُنْزِّلْهُ في كتابٍ مِن بعد ذلك، يقالُ من بعدَ قيامِ الحجَّة عليهِ : فَأوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ لأنَفُسِهِمْ.
آل عمران 3:95
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ ؛ قال ابنُ عباسٍ :(مَعْنَاهُ : كُلُّ الطَّعَامِ الْحَلاَلِ الْيَوْمَ وَهُوَ مَا سِوَى الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيْرِ كَانَ حِلاًّ لَبنِي يَعْقُوبَ عليه السلام، مِنْ قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ عَلَى مُوسَى عليه السلام ؛ إلاَّ الطَّعَامَ الَّذِي حَرَّمَهُ يَعْقُوبَ عَلَى نَفْسِهِ ؛ وَهُوَ لَحْمُ الإبلِ وألْبَانُهَا).
وذلك أنَّ يعقوبَ عليه السلام كان يَمشي إلى بيتِ المقدسِ فَلَقِيَهُ مَلَكٌ مِن الملائكة وهو خَلْفَ الأثقالِ، فظنَّ يعقوبُ أنه لِصٌّ ؛ فعالَجه ليصارعَه فكان كذلكَ حتى أضاءَ الفجرُ، فضمَّر الملَكُ فَخِذ يعقوبَ فهاج به عِرْقُ النَّسَا، فصعدَ الملَكُ إلى السَّماء، وجاء يعقوبُ يعرجُ حتى لَحِقَ الأثقالَ ؛ فكانَ يَبيْتُ الليلَ ساهراً مِن وَجَعِهِ ويَنْصَبُ نَهاره، فأقسَمَ لَئِنْ شفاهُ اللهُ لَيُحَرِّمَنَّ أحَبَّ الطعامِ والشراب على نفسهِ ؛ فشفاهُ الله من ذلكَ، فحرَّم أحبَّ الطعامِ والشراب إليه، وكان ذلك لُحُومَ الإبلِ وألبانَها، ثم اسَتَنَّ وَلَدُهُ سبيلَهُ. فذلك قولهُ :﴿إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾.
فلمَّا نزلَتْ هذهِ الآيةُ ؛ قال النبيُّ ﷺ لليهودِ :" مَا الَّذِي حَرَّمَ إسْرَائِيْلُ عَلَى نَفْسِهِ ؟ " قَالُواْ : كُلَّ شَيْءٍ حَرَّمْنَاهُ الْيَوْمَ عَلَى أنْفُسِنَا ؛ فَإنَّهُ كَانَ مُحَرَّماً عَلَى نُوحٍ عليه السلام فَهَلُمَّ جَرّاً حَتَّى انْتَهَى إلَيْنَا، وَأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ وَأصْحَابُكَ تَسْتَحِلُّونَهُ، وَادَّعَواْ أنَّ ذلِكَ مَسْطُورٌ في التَّوْرَاةِ ".
وقال الكلبيُّ :(كَانَ هَذا حِيْنَ قالَ النَّبيُّ ﷺ :" أنَا عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيْمَ عليه السلام " قَالَ الْيَهُودُ : كَيْفَ وَأَنْتَ تَأكُلُ الإبلَ وَأَلْبَانَهَا؟! فَقَالَ ﷺ :" كَانَ ذلِكَ حَلاَلاً لإبْرَاهِيْمَ فَنَحْنُ نُحِلُّهُ ". قَالَتِ الْيَهُودُ : كُلُّ شَيْءٍ أصْبَحْنَا الْيَوْمَ نُحَرِّمُهُ ؛ فَإنَّهُ كَانَ حَرَاماً عَلَى إبْرَاهِيْمَ وَنُوحٍ، وَهَلُمَّ جَرّاً حَتَّى انْتَهَى إلَيْنَا. " فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ تَكْذِيْباً لَهُمْ :﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾
. قََوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، وذلك أنَّ الْيَهُودَ قَالَ لَهُمُ النَّبيُّ ﷺ :" مَا الَّذِي حَرَّمَ إسْرَائِيْلُ عَلَى نَفْسِهِ ؟ " قَالُواْ : كُلُّ شَيْءٍ نُحَرِّمُهُ الْيَوْمَ عَلَى أنْفُسِنَا. قَالَ اللهُ تَعَالَى لِلنَّبيِّ ﷺ :{ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ " أي فاقرأوها ؛ هل تَجدون فيها تَحريْمَ كلِّ ذِي نابٍ وَظُفُرٍ وتحريْمَ شُحُومِ البقرِ والغنمِ وغيرِ ذلك مِمَّا حرَّمَ اللهُ عليكم من الطيِّبات بعدَ نزولِ التوراة بظلمِكُم وبَغْيكُمْ، كما قالَ تعالى :{ فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ }[النساء: ١٦٠].
فَأَبَوا أن يأتُوا بالتوراةِ خوفاً من الفضيحةِ لِعِلْمِهِمْ بصِدْقِ النَّبيِ ﷺ فأنزلَ اللهُ تعالى قولَه تعالى :﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـائِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ؛ أي مَن اخْتَلَقَ على اللهِ الكذبَ بأن يُنَزِّلَ عليه ما لَم يُنْزِّلْهُ في كتابٍ مِن بعد ذلك، يقالُ من بعدَ قيامِ الحجَّة عليهِ : فَأوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ لأنَفُسِهِمْ.
آل عمران 3:96
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ ؛ قال مجاهدُ :(تَفَاخَرَ الْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ ؛ فَقَالَتِ الْيَهُودُ : بَيْتُ الْمَقْدِسِ أفْضَلُ وَأَعْظَمُ مِنَ الْكَعْبَةِ ؛ لأنَّهَا مَهَاجِرُ الأنْبيَاءِ وَهِيَ الأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : بَلِ الْكَعْبَةُ أفْضَلُ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ :﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾. وقرأ ابنُ السميقع :(وَضَعَ) بفتح الواو والضَّاد بمعنى وَضَعَهُ اللهُ. ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾﴿فِيهِ ءَايَاتٌ بَيِّنَـاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾[آل عمران: ٩٧] ؛ وليس ذلكَ بيتُ المقدس، وكتبَ على الناسِ حجُّ البيتِ وليس ذلكَ بيتُ المقدسِ.
واختلفُوا في قولهِ تعالى :﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ ؛ قال بعضُهم : هو أوَّلُ بيتٍ وُضِعَ على وجهِ الماءِ عندَ خَلْقِ اللهِ السَّموات والأرضَ، خَلَقَهُ اللهُ تعالى قبلَ الأرضِ بألفَي عامٍ، وكان رَبْوَةً بيضاءَ على الماءِ فَدُحِيَتِ الأرضُ من تحتهِ، وهذا قولُ ابنِ عمرَ ومجاهدُ وقتادة والسديُّ. وقيل : معناهُ : أوَّلُ بيتٍ بناهُ آدمُ في الأرضِ، قالهُ ابن عبَّاس. وقال الضحَّاك :(مَعْنَاهُ : أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ فِيْهِ الْبَرَكَةُ وَاخْتِيْرَ مِنَ الْفِرْدَوْسِ الأَعْلَى).
وقيلَ : هو أوَّلُ بيتٍ جُعِلَ قِبلةً للمسلمين. وعن أبي ذرٍّ قَالَ :" سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ عَنْ أوَّلِ بيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ، فَقَالَ :" الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ ؛ ثُمَّ بَيْتُ الْمَقْدِسِ " فَقِيْلَ لَهُ : كَمْ بَيْنَهُمَا ؟ قال :" أرْبَعُونَ عَاماً ".
وقال الحسنُ :(مَعْنَاهُ : إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِعِباَدَةِ النَّاسِ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ الْكَعْبَةُ ؛ بَنَاهَا إبْرَاهِيْمُ عليه السلام كَمَا قَالَ تَعَالَى :﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾[الحج: ٢٦]. وَأمَّا بنَاءُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَدْ كَانَ بَعْدَ الْكَعْبَةِ بدَهْرٍ طَوِيْلٍ ؛ بَنَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ).
قال الكلبيُّ :(كَانَ آدَمُ عليه السلام حِيْنَ أُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ بَنَى الْكَعْبَةَ فَطَافَ بهَا، فَلَمَّا كَانَ فِي زَمَنِ طُوفَانِ نُوحٍ عليه السلام رَفَعَهَا اللهُ إلى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ بِحِيَالِ مَوْضِعِ الْكَعْبَةِ ؛ وَهِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يُقَالُ لَهُ الضِّرَاحُ ؛ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ). ورويَ أنَّ اللهَ تعالى أنزلَ الكعبةَ من السَّماء وهي مِن ياقوتةٍ حَمراءَ، وكانتِ الملائكةُ تَحُجُّهَا قبلَ آدمَ عليه السلام، فلمَّا كَثُرَتِ الخطايَا رفعَها اللهُ تعالى.
وعن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قَالَ :" إنَّ الْكَعْبَةَ كَانَتْ خُشْعَةً عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ فَدُحِيَتِ الأَرْضُ مِنْ تَحْتِهَا " وَالْخُشْعَةُ : مثلُ الصُّبْرَةِ متواضعةٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بِبَكَّةَ﴾، قال الضحَّاك :(هِيَ مَكَّةُ، وَالْعَرَبُ تُعَاقِبُ بَيْنَ الْبَاءِ وَالْمِيْمِ فَتَقُولُ : ضَرْبَةُ لأزبٍ، وضَرْبَةُ لاَزمٍ). وقال ابنُ شِهاب :(بَكَّةُ الْمَسْجِدُ وَالْبَيْتُ، وَمَكَّةُ الْحَرَمُ كُلُّهُ) ومثلُه قال الزهريُّ. وسُمِّي المسجدُ بَكَّةً ؛ لأنَّ الْبَكَّ هُوَ الرَّحْمَةُ، في اللغةِ يقالُ : بَكَّهُ إذا رَحِمَهُ. وسُمِّي المسجدُ بَكّاً لأن الناسَ يتبَاكُّون فيهِ ؛ أي يزدحِمون للطوافِ. وقال أبو عُبيد :(بَكَّةُ اسْمٌ لِبَطْنِ مَكَّةَ، وَمَكَّةُ لِمَا بَقِيَ).
آل عمران 3:97
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فِيهِ ءَايَاتٌ بَيِّنَـاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ ؛ أي فيه علاماتٌ واضحات، وهُنَّ ما تقدَّم ذكرُه ومقامُ إبراهيم أيضاً، والآيةُ في مقامِ إبراهيمَ : أن قدمَيه دخلتَا في حَجَرٍ صَلْدٍ بقدرةِ اللهِ تعالى صارَ الحجرُ كالطينِ حتى غَاصَتْ قدماهُ فيه ثم عادَ حَجَراً صَلْداً ليكونَ ذلكَ دلالةً على صِدْقِ نبوَّته عليه السلام. قرأ ابنُ عبَّاس :(فِيْهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ) على الواحدِ وأرادَ مقامَ إبراهيم وحدَهُ. وقرأ الباقون بالجمعِ أرادُوا مقامَ إبراهيم والحجرَ الأسود وَالْحَطِيْمَ وزَمْزَمَ والْمَشَاعِرَ كلَّها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ ؛ قال الحسنُ :(عَطَفَ اللهُ قُلُوبَ الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى أنَّ كُلَّ مَنْ لاَذ بالْحَرَمِ وَإنْ كَانَ جَانِياً لاَ يُهَاجُ فِيْهِ، وَذلِكَ بدُعَاءِ إبْرَاهِيْمَ عليه السلام حَيْثُ قَالَ :﴿رَبِّ اجْعَلْ هَـاذَا بَلَداً آمِناً﴾[البقرة: ١٢٦] وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَنْ دَخَلَهُ أمِنَ مِنَ الْقَتْلِ ؛ وَلَمْ يَزِدْهُ الإسْلاَمُ إلاَّ شِدَّةً. وقيل : إن أوَّل من لاذ بالْحَرَمِ : الحيتانُ الصغارُ من الكبار في الطُّوفان، وقيل : من دخلَهُ عامَ عُمرة القضاء مع النبيِّ ﷺ كان آمِناً، بيانهُ : قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾[الفتح: ٢٧].
قال أهلُ المعانِي : صورةُ الآية خبرٌ ؛ ومعناها : أمرٌ ؛ تقديرُها : ومَن دَخَلَهُ فَأَمِّنُوهُ، لقولهِ :﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ﴾[البقرة: ١٩٧] أي لا تَرْفُثُواْ ولا تفسُقوا ولا تُجادِلوا. وقيل : معناهُ : مَن دخلَهُ لقضاءِ النُّسُكِ مُعَظِّماً للهِ عارفاً بحقوقه متقرِّباً إلى اللهِ تعالى كان آمِناً يومَ القيامة. وقال الضحَّاك :(مَعْنَاهُ : مَنْ حَجَّهُ فَدَخَلَهُ كانَ آمِناً مِنَ الذُّنُوب الَّتِي اكْتَسَبَهَا قَبْلَ ذلِكَ). وقال جعفرُ الصَّادق :(مَنْ دَخَلَهُ عَلَى الصَّفَاءِ كَمَا دَخَلَهُ الأَنْبيَاءُ وَالأَوْلِيَاءُ كَانَ آمِناً مِنْ عَذابِهِ).
قال أبو النَّجم القرشيُّ : كنتُ أطوف بالبيتِ ؛ فقلتُ :(يَا سيِّدي قد قُلْتَ :(وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً) مِنْ أيِّ شيءٍ ؟ فسمعتُ قائلاً مِن ورائِي يقولُ : آمِناً مِن النار ؛ فالتفَتُّ فلم أرَ شيئاً). يدلُّ على هذا ما رَوى أنسُ بن مالكٍ قال : قالَ رسولُ الله ﷺ :" مَنْ مَاتَ فِي أحَدِ الْحَرَمَيْنِ بَعَثَهُ اللهُ مِنَ الآمِنِيْنَ " وقال ﷺ :" الحُجُونُ وَالبَقِيْعُ يُؤْخَذُ بأَطْرَافِهِمَا وَيَنْتَشِرَانِ فِي الجَنَّةِ " وهُما مَقْبَرَتَا مكَّةَ والمدينةِ. وقال ﷺ :" مَنْ صَبَرَ عَلَى حَرِّ مَكَّةَ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ تَبَاعَدَتْ عَنْهُ جَهَنَّمُ مَسِيْرَةَ مِائَتَي عَامٍ ؛ وَتَقَرَّبَتْ مِنْهُ الْجَنَّةُ مَسِيْرَةَ مِائَةِ عَامٍ "
وقال وَهَبُ بْنُ مُنَبهٍ :(مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ : أنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بَعَثَ سَبْعَمِائَةَ ألْفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ الْمُقَرَّبيْنَ إلَى الْبَيْتِ، بيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سِلْسِلَةٌ مِنْ ذهَبٍ، فَيَقُولُ لَهُم : اذْهَبُواْ إلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ، قَرِّمُوهُ بهَذِهِ السَّلاَسِلِ ثُمَّ قُودُوهُ إلَى الْمَحْشَرِ ؛ فَيَأْتُون بهِ بسَبْعَمِائَةِ سِلْسِلَةٍ مِنْ ذهَبٍ ؛ ثُمَّ يَقُودُونَهُ وَمَلَكٌ يُنَادِي : يَا كَعْبَةَ اللهِ سِيْرِي، فَتَقُولُ : لَسْتُ سَائِرَةً حَتَّى أعْطَى سُؤْلِي، فَيُنَادِي مَلَكٌ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ سَلِي، فَتَقُولُ : يَا رَبَّ شَفِّعْنِي فِي جِيْرَتِي الَّذِيْنَ دُفِنُواْ حَوْلِي مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ، فَيَقُولُ اللهُ : قَدْ أعْطَيْتُكِ سُؤْلَكِ، فَيُحْشَرُ مَوْتَى مَكَّةَ مِنْ قُبُورهِمْ بيْضَ الْوُجُوهِ كُلُّهُمْ مُحْرِمُونَ ؛ فَيَجْتَمِعُونَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ ثُمَّ يُلَبُّونَ، ثُمَّ تَقُولُ الْمَلاَئِكَةُ : سِيْرِي يَا كَعْبَةَ اللهِ ؛ فَتَقُولُ : لَسْتُ سَائِرَةً حَتَّى أعْطَى سُؤْلِي، فَيُنَادِي مَلَكٌ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ : سَلِي، فَتَقُولُ : يَا رَبَّ ؛ عِبَادُكَ الْمُذْنِبيْنَ الَّذِيْنَ وَفَدُواْ إلَيَّ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيْقٍ شُعْثاً غُبْراً ؛ قَدْ تَرَكُواْ الأَهْلِيْنَ وَالأَوْلاَدَ وَالأَحْبَابَ، وَخَرَجُواْ شَوْقاً زَائِرِيْنَ مُسَلِّمِيْنَ طَائِعِيْنَ حَتَّى قََضَوا مَنَاسِكَهُمْ كَمَا أمَرْتَهُمْ، فَأَسْأَلُكَ أنْ تُؤْمِّنَهُمْ مِنَ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ وَشَفِّعْنِي فِيْهِمْ وَتُجَمِّعَهُمْ حَوْلِي، فَيُنَادِي مُنَادٍ : إنَّ مِنْهُمْ مَنِ ارْتَكَبَ الذُّنُوبَ بَعْدَكِ وَأَصَرَّ عَلَى الْكَبَائِرِ حَتَّى وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، فَتَقُولُ الْكَعْبَةُ : إنَّمَا أَسْأَلُكَ الشَّفَاعَةَ لأهْلِ الذُّنُوب الْعِظَامِ، فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى : قَدْ شَفَّعْتُكِ فِيْهِمْ وَأعْطَيتُكِ سُؤْلَكِ.
آل عمران 3:98
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿قُلْ ياأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ ؛ أي قُلْ يا مُحَمَّدُ لليهودِ والنصارى : لِمَ تكفرونَ بالحجِّ وَمُحَمَّدُ والقرآنُ واللهُ عالِمٌ بما تعملونَ، وإنَّما قال فِي هذا الموضعِ :﴿قُلْ ياأَهْلَ الْكِتَابِ﴾، وقال من قَبْلُ :﴿ياأَهْلَ الْكِتَابِ﴾[آل عمران: ٦٥] أنهُ تعالى خاطَبهم أوَّلاً على جهة التَّلَطُّفِ في استدعائِهم إلى الإيْمَانِ ثم أعرضَ عن خطابهم إذْلاَلاً وإهَانَةً لَهُمْ، وأمرَ غيرهُ بمخاطبَتِهم.
آل عمران 3:99
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿قُلْ ياأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ﴾ ؛ نزلت يومَ بَدْرٍ في اليهودِ كانوا يَدْعُونَ عمَّاراً وأصحابَه رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ إلى اليهوديَّة، وكانوا يَسْعَوْنَ في إحياءِ الضَّغَائِنِ التي كانت بين الأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ في الجاهليَّة وكانت قد مَاتَتْ في الإسلامِ. ومعنى الآيةِ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ : لِمَ تَصْرِفُونَ مَن آمَنَ عن دينِ اللهِ وعن الطريقِ التي هي الْمُوصِلَةُ إلى رضَا الله من الإسلام والحجِّ وغيرِ ذلك، ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾ أي تطلبونَ لَهَا مَيْلاً. قال أبو عُبيد :(الْعِوَجُ بالْكَسْرِ فِي الدِّيْنِ وَالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَالْعَوَجُ بالْفَتْحِ فِي الْجِدَار وَالْحَائِطِ وَالْعَصَا).
قوله تعالى :﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ﴾ أي وأنتم شهداءُ تقديْمَ البشَارَةِ بمُحَمَّدٍ ﷺ في كتبكُم، وقيل : معناهُ : وأنتم عُقَلاَءُ كما في قولهِ تعالى :﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾[ق: ٣٧]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ؛ تَهْدِيْدٌ لَهُمْ عَلَى الكفرِ أي لا يَخفَى على اللهِ شيءٌ مِمَّا تعملونَ من الْجَحْدِ والكتمانِ.
آل عمران 3:100
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ ؛ قال زيدُ بن أسلم :(أنَّ شَاسَ بْنَ قَيْسٍ الْيَهُودِيِّ وَكَانَ شَيْخاً كَبيْراً عَظِيْمَ الْكُفْرِ ؛ شَدِيْدَ الطَّعْنِ عَلَى الْمُسْلِمِيْنَ ؛ شَدِيْدَ الْحَسَدِ لَهُمْ ؛ مَرَّ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أصْحَاب رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ فِي مَجْلِسٍ قَدْ جَمَعَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ فِيْهِ، فَغَاظَهُ مَا رَأى مِنْ جَمَاعَتِهِمْ وَألْفَتِهِمْ وَصَلاَحِ ذاتَ بَيْنِهِمْ فِي الإسْلاَمِ بَعْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْعَدَاوَةِ، فَقَالَ : وَاللهِ مَا لَنَا مَعَهُمْ إذا اجْتَمَعُواْ بهَا مِنْ قَرَارٍ، فَأَمَرَ شَابّاً مِنَ الْيَهُودِ كَانَ مَعَهُمْ ؛ فَقَالَ : اعْمَدْ إلَيْهِمْ وَاجْلُسْ إلَيْهِمْ ؛ ثُمَّ ذكِّرْهُمْ يَوْمَ بُعَاث وَمَا كَانَ قَبْلَهُ ؛ وَأَنْشِدْهُمْ بَعْضَ مَا كَانُواْ تَقَاوَلُواْ فِيْهِ مِنَ الأشْعَارِ ؛ وَمَا كَانَ يُعْلَنُ - بالْعَيْنِ المهملة - يَوْمَ اقْتَتَلَتْ فِيْهِ الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ وَكَانَ الظَّفَرُ فِيْهِ لِلأَوْسِ عَلَى الْخَزْرَجِ ؛ فَفَعَلَ. فَتَكَلَّمَ الْقَوْمُ عِنْدَ ذلِكَ وَتَنَازَعُواْ وَتَفَاخَرُواْ حَتَّى تَوَاثَبَ رَجُلاَنِ مِنَ الْحَيِّ ؛ أحَدُهُمَا مِنَ الأَوْسِ وَالآخَرُ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَتَقَوَّلاَ ثُمَّ قَالَ أحَدُهُمَا لِصَاحِبهِ : إنْ شِئْتُمْ وَاللهِ رَدَدْنَاهَا جَذعَةً الآنَ، وَغَضِبَ الْفَرِيْقَانِ جَمِيْعاً وَقَالاَ : مَوْعِدُكُمْ الْحِرَّةُ، فَخَرَجُواْ إلَيْهَا بالسِّلاَحِ، وَانْضَمَّتِ الأَوْسُ إلَى الأَوْسِ، وَالْخَزْرَجُ إلَى الْخَزْرَجِ، فَبَلَغَ ذلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؛ فَخَرَجَ بمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِيْنَ إلَيْهِمْ فَقَالَ :" يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِيْنَ أتَدْعُونَ إلَى الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أظْهُرِكُمْ بَعْدَ إذْ أكْرَمَكُمُ اللهُ بالإسْلاَمِ، وَقَطَعَ عَنْكُمْ أمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَلَفَّ بَيْنَكُمْ " فَعَلِمُواْ أنَّهَا نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَكَيْدٌ مِنْ عَدُوِّهِمْ، وَأَلْقَوا السِّلاَحَ مِنْ أيْدِيْهِمْ وَبَكَواْ وَتَعَانَقَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، ثُمَّ رَجَعُواْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَامِعِيْنَ مُطِيْعِيْنَ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ).
ومعناها :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ يعني الأوسَ والخزرجَ، (إنْ تُطِيعُوا فَرِيْقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) يعني شَاساً وأصحابَه ؛ إن تطيعوهُم في إحياءِ الضَّغائنِ التي كانت بينَكُمْ بالعصبية وجهالةِ وَحَمِيَّةِ الجاهليَّة يردُّوكم الى الشِّرْكِ والكفرِ بعد تصديقِكم بمُحَمَّدٍ ﷺ والقرآنِ. قال جابرُ بن عبدِالله :(مَا كَانَ مِنْ طَالِعٍ أكْرَمَ إلَيْنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ فَمَا رَأَيْتُ يَوْماً قَطُّ أقْبَحَ أوَّلاً وَلاَ أحْسَنَ آخِراً مِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ).
آل عمران 3:101
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ ؛ هذا على طريقِ التعجُّب والاستبعَاد أن يقعَ منهم الكفرُ مع معرفِتهم بدلالاَتِ اللهِ ؛ أي كيفَ تكفرونَ وأنتُم يتلَى عليكُم القرآنُ ومعكم رسولُ اللهِ ﷺ بَيَّنَ لكمُ الآيَاتِ؟! قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ﴾ ؛ أي يَسْتَمْسِكْ بدينهِ وطاعته ويَمْتَنِعْ به مِن غيره ؛ ﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ﴾ ؛ أي أرْشِدَ إلى طريقٍ ؛ ﴿مُّسْتَقِيمٍ﴾ ؛ قائِمٍ يرضاهُ الله وهو الإسلامُ، وَالْعِصْمَةُ : الْمَنْعُ، فكلُّ مانِعٍ شيئاً فهو عَاصِمُ، قال الفرزدقُ : أنَا ابْنُ الْعَاصِمِيْنَ بَنِي تَمِيْمٍ إذا مَا أعْظَمَ الْحَدَثَانِ نَابَا
آل عمران 3:102
قال عَزَّ وَجَلَّ :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ ؛ معناهُ : يَا أيُّهَا الَّذِيْنَ صدَّقُوا بمُحَمَدٍ ﷺ والقُرآنِ أطيعُوا اللهَ حقَّ طاعتهِ، واثبُتوا على الإسلامِ حتَّى لا يُدْركُكُمُ الموتُ إلاَّ وَأنْتُمْ مُسْلِمُونَ. قال الكلبيُّ :(حَقَّ تُقَاتِهِ : أنْ يُطَاعَ فَلاَ يُعْصَى، وَأَنْ يُذْكَرَ فَلاَ يُنْسَى، وَأَنْ يُشْكَرَ فَلاَ يُكْفَرَ). وقال ابنُ عبَّاس :(هُوَ أنْ لاَ يُعْصَى طَرْفَةَ عَيْنٍ). وقال مجاهدُ :(مَعْنَاهُ : جَاهِدُواْ فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ ؛ وَلاَ يَأْخُذْكُمْ فِي اللهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ؛ وَقُومُوا للهِ بالْقِسْطِ وَلَوْ عَلَى أنْفُسِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ).
فلما نزلَتْ هذه الآيةُ قالوا : يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ يَقْوَى عَلَى تَقْوَى اللهِ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَشَقَّ ذلِكَ عَلَيْهِمْ، فأنزلَ اللهُ تعالى :﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾[التغابن: ١٦].
فصارَ ابتداءُ هذهِ الآية منسوخاً به، وإلى هذا ذهبَ قتادةُ ومقاتل وجماعةٌ من المفسِّرين. قال قتادةُ :(وَلَيْسَ فِي آلِ عِمْرَانَ مِنَ الْمَنْسُوخِ إلاَّ هَذِهِ الآيَةُ). وقال بعضُهم : لا يجوزُ أن يكلِّفَ اللهُ عبادَه ما لا يطيقون، وليست هذه الآيةُ منسوخةً، وإنَّما معناهُ : اتَّقُوا اللهَ فيما يحقُّ عليكم أن تَتَّقُوهُ فيهِ ؛ وهو ما فسَّرَه اللهُ تعالى في كتابهِ في مواضِعَ شتَّى.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ أي مُؤْمِنُونَ، وقيل : مُخْلِصُونَ مُفَوِّضُونَ أمرَكم إلى اللهِ تعالى. وقال الفُضَيْلُ :(مُحْسِنُونَ الظَّنَّ باللهِ). وعن أنسٍ رضي الله عنه قالَ :(لاَ يَتَّقِي اللهَ عَبْدٌ حَقَّ تُقَاتِهِ حَتَّى يَخْزُنَ لِسَانَهُ).
آل عمران 3:103
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ الآية. قال مقاتلُ :(كَانَ بَيْنَ الأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ عَدَاوَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقِتَالٌ ؛ حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْمَدِيْنَةِ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ، فَافْتَخَرَ بَعْدَ ذلِكَ رَجُلاَنِ : ثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمٍ الأَوْسِيُّ ؛ وَسَعْدُ بْنُ زُرَارَةَ الْخَزْرَجِيُّ، فَقَالَ الأَوْسِيُّ : مِنَّا خُزَيْمَةُ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ ؛ وَمِنَّا حَنْظَلَةُ غَسَلَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ ؛ وَمِنَّا عَاصِمُ بْنُ ثَابتٍ حَمَى الدِّيْنَ ؛ وَمِنَّا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الَّذِي اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِهِ وَرَضِيَ بحُكْمِهِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ. وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّ : مِنَّا أرْبَعَةٌ أحْكَمُواْ الْقُرْآنَ : أبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ؛ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ؛ وَأَبُو زَيْدٍ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ خَطِيْبُ الأَنْصَارِ وَرَئِيْسُهُمْ. فَجَرَى الْحَدِيْثُ بَيْنَهُمْ ؛ فَغَضِبُواْ، فَقَالَ الْخَزْرَجُ : أمَا وَاللهِ لَوْ تَأَخَّرَ الإسْلاَمُ قَلِيْلاً وَقُدُومُ النَّبيِّ ﷺ لَقَتَلْنَا سَادَتَكُمْ وَاسْتَعْبَدْنَا أبْنَاءَكُمْ وَنَكَحْنَا نِسَاءَكمْ بغَيْرِ مَهْرٍ، فَقَالَ الأَوْسُ : قَدْ كَانَ وَاللهِ الإسْلاَمُ مُتَأَخِّراً كَثِيْراً، فَهَلاَّ فَعَلْتُمْ ذلِكَ حِيْنَ ضَرَبْنَاكُمْ حَتَّى أدْخَلْنَاكُمُ الْبُيُوتَ، وَتَكَاثَرَا وَتَشَاتَمَا ثُمَّ تَبَادَءا وَاقْتَتَلاَ حَتَّى اجْتَمَعَ الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ وَمَعَهُمُ السِّلاَحُ، فَبَلَغَ ذلِكَ النَّبيَّ ﷺ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِي أُناسٍ مِنَ الْمُهَاجِرِيْنَ وَقَدْ نَهَضَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ. قَالَ جَابرُ : فَمَا كَانَ طَالِعٌ يَوْمَئِذٍ أكْرَمَ عَلَيْنَا مَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَوْمَأَ إلَيْنَا فَكَفَفْنَا فَوَقَفَ بَيْنَنَا، فَقَرأَ :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾[آل عمران: ١٠٢-١٠٣] إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿وَأُوْلَـائِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾[آل عمران: ١٠٥] فَأَلْقَى الْفَرِيْقَانِ السِّلاَحَ وَأَطْفَأُوا الْحَرْبَ، فَلَمْ يَكُنْ فِي الأَرْضِ شَخْصٌ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ، وَمَشَى بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ يَأَمُرُونَ بالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَعَانَقَ بَعْضُهُمْ بَعضاً يَبْكُونَ، فَمَا رَأَيْتُ بَاكِياً أكْثَرَ مِنْ يَوْمَئِذٍ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ أي تَمسَّكوا بدينِ الله، وقيلَ : بالْجَمَاعَةِ. وقال مجاهدُ وعطاءُ :(بعَهْدِ اللهِ). وقال قتادةُ والسديُّ والضحَّاك :(مَعْنَاهُ : وَاعْتَصِمُواْ بالْقُرْآنِ). وقَالَ عليٌّ رضي الله عنه : قال رسولُ اللهِ ﷺ :" كِتَابُ اللهِ هُوَ الْحَبْلُ الْمَتِيْنُ ؛ وَالذِّكْرُ الْحَكِيْمُ ؛ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ " وقال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه : قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" إنَّ هَذا الْقُرْآنَ هُوَ حَبلُ اللهِ الْمَتِيْنُ ؛ وَهُوَ النُّورُ الْمُبيْنُ ؛ وَالشِّفَاءُ النَّافِعُ ؛ وَعِصْمَةُ مَنْ تَمَسَّكَ بهِ ؛ وَنَجَاةُ مَنْ تَبعَهُ " وقال مقاتلُ :(مَعْنَى الآيَةِ : وَاعْتَصِمُواْ بأمرِ اللهِ وَطَاعَتِهِ). وقال أبو العاليَة :(بإخْلاَصِ التَّوْحِيْدِ للهِ). وقال ابنُ زيد :(بالإسْلاَمِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ أي تَنَاصَرُوا في دينِ الله ولا تَتَفَرَّقُواْ فيه كما تَفَرَّقَتِ اليهودُ والنصارى.
آل عمران 3:104
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ؛ أي لِيَكُنْ منكم جَمَاعَةٌ يدعونَ إلى الصُّلح والإحسان، ويأمرونَ بالتوحيد واتِّباع مُحَمَّدٍ ﷺ وسائرِ الطَّاعات الواجبةِ ؛ ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ؛ والشِّرْكِ وسائرِ ما لا يُعْرَفُ في شريعةٍ ولا سُنَّةٍ، ﴿وَأُوْلَـائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، أي النَّاجُونَ من السَّخَطِ والعذاب، وإنَّما قال :﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ﴾ ولم يقُلْ : وليَكُن مِنْكُمْ جَمِيْعُكُمْ ؛ لأنَّ الأمرَ بالمعروف والنهيَ عنِ المنكر فَرْضٌ على الْكِفَايَةِ، إذا قَامَ به البعضُ سَقَطَ عن الباقين، ويجوزُ أن يكون المرادُ بالأُمَّةِ العلماءَ في هذه الآية الذين يُحْسِنُونَ ما يَدْعُونَ إليه.
وذهب بعضُ المفسِّرين الى أنَّ المعنى : ولتكونوا كُلُّكُمْ، لكنْ (مِنْ) هُنا دخلت للتوكيدِ وتخصيصِ المخاطَبين من سائرِ الأجناسِ كما في قولهِ تعالى :﴿فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾[الحج: ٣٠] أي فاجتنبوا الأوثانَ فإنَّها رجسٌ ؛ لا أنَّ المرادَ : فاجتنبوا بَعْضَ الأوثانِ دون بعضٍ، واللامُ في ﴿وَلْتَكُن﴾ لامُ الأمرِ.
وقولهُ :﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ أي إلى الإسلامِ، ثم النهيُ عن المنكرِ على مراتبٍ ؛ أوَّلُها : الوعظُ والتَّخويفُ، فإن زالَ بذلكَ لم يَجُزْ للناهي أن يَتَعَدَّى عنهُ إلى غيره ما فوقَه، ثم بالإيذاءِ والنِّعال، ثم بالسَّوْطِ، ثم بالسِّلاح والقتالِ ؛ لأن المقصودَ زوالُ المنكرِ.
فَأمَّا إذا كان النَّاهي عن المنكرِ خائفاً على نفسِه، فقد قال ﷺ :" مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبقَلْبهِ ؛ وَذَلِكَ أضْعَفُ الإيْمَانِ " وقالَ ﷺ :" مَنْ أمَرَ بالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَهُوَ خَلِيْفَةُ اللهِ فِي أرَضِهِ ؛ وَخَلِيْفَةُ رَسُولِهِ ؛ وَخَلِيْفَةُ كِتَابِهِ " وقَالَ ﷺ :" أؤُمُروْا بالْمَعْرُوفِ وَإنْ لَمْ تَعْمَلُواْ بهِ كُلِّهِ، وَانْهَواْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإنْ لَمْ تَنْتَهُواْ عَنْهُ كُلَّهُ "
وقال عليٌّ رضي الله عنه :(أفْضَلُ الْجِهَادِ الأَمْرُ بالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَشَنْأَنُ الْفَاسِقِيْنَ). وَقَالَ أبُو الدَّرْدَاءِ :(لَتَأْمُرُنَّ بالْمَعْرُوفِ وَتَنْهُوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ ؛ وإلاَّ لَيُسَلِّطَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً ظَالِماً لاَ يُجِلُّ كَبيْرَكُمْ وَلاَ يَرْحَمُ صَغِيْرَكُمْ، وَيَدْعُو أخْيَارُكُمْ فَلاَ يُسْتجَابُ لَهَمْ ؛ يَسْتَنْصِرُونَ فَلاَ يُنْصَرُونَ ؛ وَيَسْتَغْفِرُونَ فَلاَ يُغفَرُ لَكُمْ). وقال حذيفة :(يَأَتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لأَنْ يَكُونَ فِيْهِمْ جِيْفَةُ حِمَار أحَبُّ إلَيْهِمْ مِنْ مُؤْمِنٍ يَأْمُرُهُمْ بالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ)، وقال الثوريُّ :(إذا كَانَ الرَّجُلُ مَحْبُوباً فِي جِيْرَانِهِ مَحْمُوداً عِنْدَ إخْوَانِهِ، فَاعْلَمْ أنَّهُ مُدَاهِنٌ).
آل عمران 3:105
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ؛ أي ولا تكونُوا كاليهودِ والنصارى الذين اختلفُوا فيما بينَهم وصارُوا فِرَقاً وشِيَعاً، ﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ الكتابُ في أمرِ مُحمَّدٍ ﷺ ؛ ﴿وَأُوْلَـائِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ؛ على تفرِيقِهم واختلافِهم. قالَ بعضُهم : لاَ تَكُونُوا كالَّذِيْنَ تفرَّقوا واختلفُوا، قال : وهُمُ الْمُبْتَدِعَةُ من هذه الأُمَّة.
ثم بَيَّنَ اللهُ تعالى وقتَ العذاب العظيم الذي يصيبُهم ؛ فقالَ تعالى :﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ ؛ معناهُ :(وَأُوْلَـائِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) وهو يومُ القيامةِ، وانتصبَ على الظَّرف أي فِي يومِ. قرأ يحيى بن وثَّاب :(تِبْيَضُّ) (وَتِسْوَدُّ) بكسرِ التَّاء على لُغة تَميم. وقرأ الزهريُّ (تَبْيَاضُّ) و (تَسْوَادُّ).
ومعنى الآيةِ : تَبْيَضُّ وجوهُ المخلصينَ للهِ بالتوحيدِ ؛ أي تُشْرِقُ فتصيرُ كالثَّلج بَيَاضاً والشَّمس ضياءً، وَتَسْوَدُّ وجوهُ الكفَّار والمنافقين من الْحُزْنِ حين يُدْعَوْنَ إلى السُّجودِ فلا يستطيعونَ. وعن ابنِ عبَّاس قال :(مَعْنَاهُ : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهُ أهْلِ الْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أهْلِ الْبدْعَةِ). وقال بعضُهم : البياضُ مِنَ الوجوهِ إشْرَاقُهَا وَاسْتِبْشَارُهَا وسُرُورُهَا بعمَلِها وبثواب الله، وَاسْوِدَادُهَا لِحُزْنِهَا وَكَآبَتِهَا وكُسُوفِهَا بعمَلِهَا وبعقاب ربها.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ؛ جوابهُ محذوفٌ ؛ أي يقالُ لَهُم :﴿أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيْمَانِكُمْ﴾ قيلَ : هم قومٌ من أهلِ الكتاب كانوا مصدِّقين بأنبيائِهم مصدِّقينَ بمُحَمَّدٍ ﷺ قبلَ أن يُبعث، فلما بُعِثَ كَفَرُوا به، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. وقيلَ : هم مَن كفرَ باللهِ يومَ الميثاقِ حين أْخُرِجُواْ من صُلْب آدَمَ عليه السلام. وقيل : هُمُ الخوارجُ وأهلُ البدَعِ كلِّها، وقيل : هم أهْلُ الرَّدَّةِ.
آل عمران 3:106
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ؛ أي ولا تكونُوا كاليهودِ والنصارى الذين اختلفُوا فيما بينَهم وصارُوا فِرَقاً وشِيَعاً، ﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ الكتابُ في أمرِ مُحمَّدٍ ﷺ ؛ ﴿وَأُوْلَـائِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ؛ على تفرِيقِهم واختلافِهم. قالَ بعضُهم : لاَ تَكُونُوا كالَّذِيْنَ تفرَّقوا واختلفُوا، قال : وهُمُ الْمُبْتَدِعَةُ من هذه الأُمَّة.
ثم بَيَّنَ اللهُ تعالى وقتَ العذاب العظيم الذي يصيبُهم ؛ فقالَ تعالى :﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ ؛ معناهُ :(وَأُوْلَـائِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) وهو يومُ القيامةِ، وانتصبَ على الظَّرف أي فِي يومِ. قرأ يحيى بن وثَّاب :(تِبْيَضُّ) (وَتِسْوَدُّ) بكسرِ التَّاء على لُغة تَميم. وقرأ الزهريُّ (تَبْيَاضُّ) و (تَسْوَادُّ).
ومعنى الآيةِ : تَبْيَضُّ وجوهُ المخلصينَ للهِ بالتوحيدِ ؛ أي تُشْرِقُ فتصيرُ كالثَّلج بَيَاضاً والشَّمس ضياءً، وَتَسْوَدُّ وجوهُ الكفَّار والمنافقين من الْحُزْنِ حين يُدْعَوْنَ إلى السُّجودِ فلا يستطيعونَ. وعن ابنِ عبَّاس قال :(مَعْنَاهُ : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهُ أهْلِ الْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أهْلِ الْبدْعَةِ). وقال بعضُهم : البياضُ مِنَ الوجوهِ إشْرَاقُهَا وَاسْتِبْشَارُهَا وسُرُورُهَا بعمَلِها وبثواب الله، وَاسْوِدَادُهَا لِحُزْنِهَا وَكَآبَتِهَا وكُسُوفِهَا بعمَلِهَا وبعقاب ربها.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ؛ جوابهُ محذوفٌ ؛ أي يقالُ لَهُم :﴿أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيْمَانِكُمْ﴾ قيلَ : هم قومٌ من أهلِ الكتاب كانوا مصدِّقين بأنبيائِهم مصدِّقينَ بمُحَمَّدٍ ﷺ قبلَ أن يُبعث، فلما بُعِثَ كَفَرُوا به، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. وقيلَ : هم مَن كفرَ باللهِ يومَ الميثاقِ حين أْخُرِجُواْ من صُلْب آدَمَ عليه السلام. وقيل : هُمُ الخوارجُ وأهلُ البدَعِ كلِّها، وقيل : هم أهْلُ الرَّدَّةِ.
آل عمران 3:107
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ؛ وهم المؤمنونَ الذين ابْيَضَّتْ وجوهُهم في الآخرةِ في جَنَّةِ اللهِ تعالى، صارُوا إليها برحمتِه هم فيها مقيمون دائمون. وفي الآيةِ بيانُ أنَّ الجنَّةَ لا تُنَالُ إلاَّ برحمةِ الله وإنِ اجتهدَ الْمُجْتَهِدُ في طاعتهِ.
آل عمران 3:108
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ ؛ أي هذه حُجَجُ اللهِ يَنْزلُ بها جبريلُ عليه السلام فيقرأها عليكَ بالصدقِ ؛ ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ﴾ ؛ أي للجِنِّ والإنسِ.
آل عمران 3:109
قوله عَزَّ وجَلَّ :﴿وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ؛ مَعْنَاهُ : جميعُ ما في السَّموات والأرضِ من الخلقِ عبيدُ الله ومخلوقُه فلا يريدُ ظلمَهم، فإنَّ مَن بَلَغَ غِنَاهُ هذا المبلغَ لا يحتاجُ إلى الظُّلم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ أي عواقبُ الأمور في الآخرةِ.
آل عمران 3:110
قوله عزَّ وَجَلَّ :﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ؛ خطابٌ لأصحاب رسولِ الله ﷺ، وهوَ يَعُمُّ سَائِرَ أمَّتِهِ. قال الحسنُ :(نَحْنُ آخِرُ الأُمَمِ وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللهِ). وقيل معنى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ أي كنتم في اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وقيل : كنتم مُذْ كُنْتُمْ، وقيلَ : الكافُ زائدةٌ ؛ أي أنْتُمْ خَيْرُ أمَّةٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بالتَّوحيدِ واتِّباعِ الشَّريعةِ، ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ أي عن الشِّرْكِ والظُّلمِ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أي تُوَحِّدُونَ اللهَ تعالى بالإيْمان باللهِ وتصديقِ رُسُلِهِ وَرَسُولِهِ ﷺ ؛ لأنَّ مَن كَفَرَ بالنَّبيِّ ﷺ لَمْ يُوَحِّدِ اللهَ تعالى، ودليلُ هذا التأويلِ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ ؛ أي لو صَدَقَ اليهودُ والنصارى مع إيْمانِهم بالله تعالى إيْمَانَهم بنَبيِّهِ ﷺ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِن الإقامةِ على دِينهم.
وعن النبيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ :" أنْتُمْ تُتِمُّونَ عَلَى سَبْعِيْنَ أمَّةٍ ؛ أنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ " وقال ﷺ :" أهْلُ الْجَنَّةِ عُشْرُونَ ومِائَةُ صَفٍّ، ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ " وقالَ ﷺ : إنَّ الْجَنَّةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الأُمَمِ حَتَّى تَدْخُلَهَا أُمَّتِيوقال ﷺ :" أُمَّتِي أمَّةٌ مَرْحُومَةٌ ؛ إذا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُعطِيَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ رَجُلاً مِنَ الْكُفَّارِ ؛ فَيُقَالُ لَهُ : هَذا فِدَاؤُكَ مِنَ النَّارِ "
وقيل لعيسَى عليه السلام : يَا رُوحَ اللهِ ؛ هَلْ بَعْدَ هَذِهِ الأُمَّةِ أُمَّةٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ؛ أُمَّةُ أحْمَدَ ﷺ عُلَمَاءُ حُكَمَاءُ حُلَمَاءُ ؛ أبْرَار أتْقِيَاءُ كَأَنَّهُمْ مِنَ الْعِفَّةِ أنْبيَاءُ ؛ يَرْضَوْنَ مِنَ اللهِ بالْيَسِيْرِ مِنَ الرِّزْقِ ؛ وَيَرْضَى اللهُ تَعَالَى مِنْهُمْ بالْيَسِيْرِ مِنَ الْعَمَلِ ؛ يُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ بِشَهَادَةِ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ.
قولُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ؛ يعني أهلَ الكتاب منهمُ المؤمنونَ عَبْدُاللهِ بْنُ سَلاَمَ وأَصحابُه، وسائرُ من أسلمَ مِن أهلِ الكتاب. ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ؛ أي الكافرونَ الخارجونَ عن أمرِ الله، وهم الذين لَمْ يُسْلِمُواْ منهُم.
آل عمران 3:111
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى﴾ ؛ أي لن يَصِلُوا إلى ضَرَركُمْ أيُّهَا المسلمونَ إلاَّ أنْ يُؤذوكُم باللِّسان بقولِهم : عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ ؛ وَالْمَسِيْحُ ابْنُ اللهِ ؛ وَثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ؛ وَالْبَهْتُ وَالتَّحْرِيْفُ. وقال مقاتلُ :(إنَّ رُؤَسَاءَ الْيَهُودِ : كَعْبُ بْنَ الأَشْرَفِ ؛ وَأَبُو رِافِعٍ، وَأبُو يَاسِرٍ ؛ وَابْنُ صُوريّا وَغَيْرُهُمْ عَمَدُواْ إلَى مُؤْمِنِيْهِمْ كَعَبْدِاللهِ ابْنِ سَلاَمٍ وَأَصْحَابهِ فآذوْهُمْ لإسْلاَمِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى﴾ أي باللِّسَانِ ؛ يَعْنِي وَعِيْداً وطَعْناً بأَلْسِنَتِهِمْ وَدُعَاءً إلَى الضَّلاَلَةِ وَكَلِمَةَ كُفْرٍ تَسْمَعُونَهَا مِنْهُمْ فَتَتَأَذوْنَ بهَا).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ ؛ أي يعطوكُم الأدبَارَ مُنْهَزِمِيْنَ ؛ يعني لا يَمْنعُكم أحدٌ من سَبْيكُمْ إيَّاهم وقتلِكُم نفوسَهم، وقوله تعالى :﴿ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ جوابُ الشرطِ، إلاَّ أنهُ استئنافٌ لأجلِ رأسِ الآيِ ؛ لأنَّها على النونِ كقولهِ تعالى :﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾[المرسلات: ٣٦] وتقديره : ثُمَّ هُمْ لا يُنْصَرُونَ، وقالَ في موضعٍ آخرَ :﴿لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ﴾[فاطر: ٣٦] إذ لم يكن رأسَ آيةٍ. قال الشاعرُ : ألَمْ تَسْأَلِ الرَّبْعَ الْقَدِيمَ فَيَنْطِقُ........................ أي فهو ينطق.
آل عمران 3:112
قوله عزّ وَجَلَّ :﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾ ؛ معناهُ : جُعِلَتْ عليهم مَذَلَّةُ القتلِ والسَّبي أينما وُجِدُوا أخِذُوا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ أي إلاَّ أن يعتَصِمُوا بعهدِ اللهِ وهو الإسلامُ. وقوله :﴿وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾ أي عهدٍ وأمَانٍ وعقدِ ذِمَّةِ المسلمينَ عليهم ؛ يؤدُّون إليهم الخراجَ ليؤَمِّنوهُم. وفي الآيةِ اختصارٌ ؛ تقديرهُ : إلاَّ أنْ يَعْتَصِمُوا بحَبْلٍ مِن اللهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ ؛ أي انصرَفُوا بغضبٍ ؛ أي اسْتَوْجَبُوهُ مِن اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ ؛ أي جُعِلَ عليهم زيُّ الفقرِ والبُؤْسِ حتَّى صاروا من الذِّلَّةِ إلى ما لا يبلغُه أهلُ مِلَّةٍ بعدَ أن كانوا ذوي عِزٍّ ويَسَارٍ ومَنَعَةٍ، فترى الرجلَ منهم عليه البُؤْسُ والمسكنةُ وأنه لَغَنِيٌّ، ولم يبقَ لليهودِ منعةٌ في موضعٍ من المواضع.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ ؛ أي ذلك الذُّلُّ والغضبُ عليهم من اللهِ بكفرِهم بُمَحمَّدٍ ﷺ والقرآنِ ورضاهُم بقتلِ الأنبياء بغير حقٍّ وعصيانِهم ومجاوزاتِهم الحدَّ.
آل عمران 3:113
قوله عزّ وَجَلَّ :﴿لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَآءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس ومقاتلُ :(لَمَّا أسْلَمَ عَبْدُاللهِ ابْنُ سَلاَمٍ ؛ وَثَعْلَبَةُ بْنُ سَعَيْةَ ؛ وَأُسَيْدُ بْنُ سَعْيَةَ ؛ وأسَدُ بْنُ عُبيدٍ وَمَنْ أسْلَمَ مِنَ الْيَهُودِ ؛ قَالَتْ أحْبَارُ الْيَهُودِ : مَا آمَنَ بُمحَمَّدٍ إلاَّ أشْرَارُنا، لَوْ كَانُواْ مِنْ أخْيَارنَا مَا تَرَكُواْ دِيْنَ آبَائِهِمْ، ثُمَّ قَالُواْ لَهُمْ : قَدْ خَسِرْتُمْ حِيْنَ اسْتَبدَلْتُمْ دِيْنَكُمْ بدِيْنٍ غَيْرِهِ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ).
وقيل : لَمَّا ذكرَ اللهُ في الآياتِ المتقدِّمة مَن آمَنَ مِن أهلِ الكتاب، ومَن لَمْ يُؤْمِنْ. قال عَزَّ وَجَلَّ :﴿لَيْسُواْ سَوَآءً﴾ أي ليسَ الفريقانِ سواءً، وهذا وَقْفٌ تَامٌّ، ثم استأنفَ قولَهُ تعالى :﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ﴾ أي عادلةٌ مستقيمةٌ مهتديةٌ. وقال الأخفشُ :(ذُو أمَّةٍ قَائِمَةٍ ؛ أيْ ذِي طَرِيْقَةٍ قَائِمَةٍ)، قال :(وَالأُمَّةُ الطَّرِيْقَةُ).
ومعنى قولهِ :﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَآءَ اللَّيْلِ﴾ يعني يَقْرَأونَ القرآنَ في ساعاتِ اللَّيْلِ، ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ أي وهُمْ يُصَلُّونَ ؛ لأنَّ القرآنَ لا يكونُ في السجودِ، نظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾[الأعراف: ٢٠٦] أي يُصَلُّونَ، وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـانِ﴾[الفرقان: ٦٠] أي صَلُّواْ. وإنَّما ذُكرت الصلواتُ باسمِ السجودِ، لأن السجودَ نِهايةُ ما فيها من التواضُعِ. قال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه :(أرَادَ بهِ صَلاَةَ العَتْمَةِ). وقيل : أرادَ به ما بينَ المغرب والعشاءِ. واختلفَ النُّحاة في واحدِ الأنَا ؛ قال بعضهُم : أنَاءُ مِثْلُ مَعَاءُ وَأمْعَاء. وقال بعضهُم : إنِّي مثل نَحَى وأنْحَى.
وقال بعضُ المفسِّرين : في الآيةِ اختصارٌ وحَذْفٌ ؛ تقديرهُ : مِن أهلِ الكتاب أمةٌ قائمةٌ وأخرَى غيرُ قائمةٍ، وتركَ الأخرى اكتفاءً بذكرِ أحدِ الفريقين ؛ قالوا : وهذا فعلٌ مجموع مقدَّمٌ كقولِهم : أكَلُونِي الْبَرَاغِيْثُ، وَذهَبُوا أصْحَابُكَ. وقال آخرونَ : تَمامُ الكلامِ عند قولِه ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ يعني المؤمنين والفاسقينَ ؛ لأن ذِكر الفريقين قد جرَى في قولِه :﴿مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾[آل عمران: ١١٠]. ثم وَصَفَ الفاسقينَ فقال :﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى﴾[آل عمران: ١١١]، ووصفَ المؤمنين فقالَ ﴿أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ﴾ الآيةُ.
آل عمران 3:114
قوله عزّ وَجَلَّ :﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ؛ قال ابنُ عباس :(لَمَّا أسْلَمَ عَبْدُاللهِ بْنُ سَلاَمٍ وَمَنْ مَعَهُ ؛ قَالَتِ الْيَهُودُ : مَا آمَنَ بمُحَمَّدٍ إلاَّ أشْرَارُنَا، فَأَنزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ، إلاَّ أنَّها وَإنْ نَزَلَتْ فِيْهِمْ فَمِنْ حَقِّ كُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يَكُونَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَة). ومعنى الآية : يُصدِّقُونَ باللهِ وبالبَعثِ بعدَ الموتِ. ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ؛ أي باتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ؛ أي عن اتِّباع الْجِبْتِ والطَّاغُوتِ ومخالفةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ ؛ أي يُبَادِرُونَ إلى الطاعاتِ والأعمَال الصالِحة، ﴿وَأُوْلَـائِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ؛ أي مِن المؤمنين المخلصينَ وهم أبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وسائرُ الصحابةِ.
آل عمران 3:115
قوله عزّ وَجَلَّ :﴿وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ﴾ ؛ أي فلن تُجْحَدُوهُ، يعني تُجْزَوْنَ به وتُثَابُونَ عليهِ. قرأ الأعمش ويحيى وحمزةُ والكسائيُّ وحفص وخلفُ :﴿وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ﴾ بالياء فيهما إخباراً عن الأمَّة القائمةِ. وقيل : راجعٌ إلى قولهِ ﴿الصَّالِحِينَ﴾. وقرأ الباقون بالتَّاء فيهما على الخطاب كقولهِ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾[آل عمران: ١١٠]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ ؛ أي عالِمٌ بأعمالِهم وثواب أعمالِهم.
آل عمران 3:116
قوله عزّ وَجَلَّ :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ ؛ معناهُ : إنَّ الذين جَحَدُوا بمُحَمَّدٍ والقرآن لَنْ تُغْنِي عَنْهُمْ أمْوَالُهُمْ وَلاَ أوْلاَدُهُمْ مِنْ عَذاب اللهِ شَيئاً، ﴿وَأُوْلَـائِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ؛ أي مُقِيْمُونَ دائمونَ.
آل عمران 3:117
قوله عزّ وَجَلَّ :﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـاذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ ؛ معناهُ : مَثَلُ ما ينفقُ اليهودُ في اليهوديَّة على رؤسائِهم وعلمَائهم، وما ينفقُ أهلُ الأوثانِ على أصنامِهم في تظاهُرهم على النبيِّ ﷺ وإهلاكِهم مالَ أنفسِهم ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا﴾ بَرْدٌ شَدِيْدٌ. ويقال : الصِّرُّ : صَوْتُ لَهَب النَّار الَّتِي تُحْرِقُ الزَّرْعَ، وقيل : الصَّرُّ : ريحٌ فيها صوتٌ ونارٌ.
قوله تعالى :﴿أصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ﴾ أي زرعَ قومٍ ظَلَمُوا ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ بالكفرِ والمعصيةِ. ومنعِ حقِّ اللهِ عليهم ﴿فَأَهْلَكَتْهُ﴾ أي أحْرَقَتْهُ الريحُ فلم ينتفعوا منهُ بشيءٍ في الدُّنيا، كذلك مَن ينفقُ في غيرِ طاعَة الله لا ينتفعُ بنفقتهِ في الآخرَة، كما لا ينتفعُ صاحبُ هذا الزَّرعِ مِن زَرْعِهِ في الدُّنيا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ ؛ بإهلاكِ زَرْعِهِمْ ؛ ﴿وَلَـاكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ؛ بمَنْعِ حقِّ الله فيه وكفرِهم ومعصيتهم.
آل عمران 3:118
قوله عزّ وَجَلَّ :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ ؛ نزلتِ الآيةُ في الأنصار ؛ كانوا قد ظَاهَرُوا اليهودَ حتى صارَ كأنَّ بينَهم نَسَباً، وكانوا يواصلونَهم ويُعاطِفونَهم حتى كان الرجلُ من الأنصار يتزوَّج فيهم فيختارُهم على قومهِ، فلما جَاءَ اللهُ بمُحَمَّدٍ ﷺ والإسلامُ وآمَنَ الأنصارُ بغَضَهُمْ اليهودُ، وكان الأنصارُ يُخالطونَهم ويُشاورونَهم، كما كانوا يفعلونَ قبلَ الإسلام للرِّضاعة والمصاهرةِ التي كانت بينهم، فنهَى اللهُ الأنصارَ بهذه الآيةِ وما بعدَها.
ومعناهَا : لا تتَّخِذُوا دَخَلاً من غيرِكم يعني اليهودَ. وبطَانَةُ الرَّجُلِ : خَاصَّتُهُ وأهلُ سِرِّهِ الذينَ يَسْتَبْطِنُونَ أمْرَهُ، سُمُّوا بذلك على جهةِ التَّشَبُّهِ ببطانةِ الثَّوب التي تَلِي جِلْدَ الإنسان. وحرفُُ (مِنْ) في قوله :﴿مِّن دُونِكُمْ﴾ لِلتَّبْييْنِ ؛ أي لا تتَّخذوا الذينَ هم أسافلُ وأراذلُ بطَانَةً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ أي لا يُبْقُونَ غايةً، ولا يتركُونَ الجهدَ في إلقائِكم في الفسادِ، يقالُ : مَا ألَوْتُ فِي الْحَاجَةِ جُهْداً ؛ أي ما قَصَّرْتُ، ونصبَ (خَبَالاً) على المفعول الثانِي ؛ لأنه يتعدَّى إلى مفعولين، وإن شئتَ على المصدر، وإن شئتَ بنَزع الخافضِ ؛ أي بالْخَبَالِ. وَالْخَبَالُ : الْفَسَادُ، ومثلهُ الْخَبَلُ أيضاً ؛ يقالُ : رَجُلٌ خَبَلُ الرَّأيِ ؛ فَاسِدُ الرَّأي ؛ والانْخِبَالُ : أي الْجُنُونُ. وقال مجاهدُ :(نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مُؤْمِنِيْنَ كَانُوا يُصَافِحُونَ الْمُنَافِقِيْنَ ويُخَالِطُوهُمْ ؛ فَنَهَاهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذلِكَ).
قوله عزّ وَجَلَّ :﴿وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ﴾ ؛ أي تَمَنُّوا إثْمَكُمْ وَضُرَّكُمْ وَهَلاَكَكُمْ، والعَنَتُ في اللُّغة : الْمَشَقَّةُ، يقالُ : أكَمَةٌ عَنُوتٌ ؛ أي طويلةٌ شاقَّةُ المسلَكِ. وقرأ عبدُالله :(قَدْ بَدَأ الْبَغْضَاءُ مِنْ أفْوَاهِهِمْ) بالتذكير ؛ لتقدُّم الفعلِ ؛ ولأن معنى الْبَغْضَاءِ : الْبُغْضَ. قوله تعالى :﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ ؛ أي قد ظَهَرَتِ العداوةُ من ألسنَتِهم بالشَّتم والطَّعنِ، ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ ؛ أي وما يُضْمِرُونَ في قلوبهم من القتلِ لو ظَفَّرُوا بكم أعْظَمُ مِمَّا أظهرُوا لكم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ ؛ أي أخبرنَاكم بما أخْفَوا وأبْدَوا بالدلالاتِ والعلاَماتِ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ؛ الْعَدُوَّ مِنَ الْوَلِيِّ.
آل عمران 3:119
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هَآأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ﴾ ؛ أي أنتُمْ يا هؤلاءِ المؤمنين تُحِبُّونَ اليهودَ الذين نَهَيْتُكُمْ عن مُبَاطَنَتِهِمْ للأسباب التي بينَكم من المصاهرةِ والرَّضاع والقرابَة والجِوار، ﴿وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ﴾ لِمَا بينكم وبينَهم من مُخالفةِ الدينِ، هذا قولُ أكثرِ المفسِّرين. وقاَلَ بعضُهم : معناهُ : تُحِبُّونََهُمْ ؛ أي تريدون لَهُمُ الإسلامَ وهو خيرُ الأشياء، ولا يُحِبُّونَكُمْ لأنَّهم يَدْعُونَكُمْ إلى الكُفْرِ وهو الْهَلاكُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ ؛ أي تؤمنونَ بالتَّوراةِ والانْجيل وسائرِ كُتُب اللهِ، ولا يؤمنون هُم بذلك كُلِّهِ، يعني لا يؤمنونَ بكتَابكُمْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا﴾ ؛ يعني مُنَافِقِي أهلِ الكتاب، إذا لَقُوهُمْ قالُوا آمَنَّا بمُحَمَّدٍ أنهُ رَسُولٌ صَادِقٌ فيما يقولُ، ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ﴾ ؛ فِيْمَا بَيْنَهُمْ ؛ ﴿عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ ؛ أي أطرافَ الأصابعِ مِن الْحَنْقِ عليكُم لِمَا يرونَ من ائْتِلاَفِكُمْ وإصلاحِ ذاتِ بينِكم، وهذا مثلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِشِدَّةِ عداوةِ اليهود للمؤمنينَ. وواحد الأنَامِلِ : أنْمُلَةٌ بفتحِ الميم وضمِّها. قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ﴾ ؛ ليسَ على طريقِ الإيجاب ؛ لأنه لو كانَ على طريق الإيجاب لَمَاتُواْ كُلُّهُمْ مِن ساعتِهم، لكنَّ معناهُ : تَمُوتُونَ بغيظِكم ولا تبلغونَ أمَانِيَّكُمْ من قَهْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وأصحابهِ. قوله تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ؛ أي عالِمٌ بما في القلوب من البُغْضِ والعداوةِ وغير ذلك. وفي الحديثِ عنِ النّبيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ :" لاَ تَسْتَضِيْئُوا بنَار الْمُشْرِكِيْنَ " أي لا تَسْتَشِيْرُوا المشركينَ في شيءٍ من أموركُم.
آل عمران 3:120
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا﴾ ؛ قرأ السلمي : بالياءِ، ومعنى الآيةِ : إنْ تُصِبْكُمْ أيُّها المؤمنون حَسَنَةٌ بظهُوركُم على عدوِّكم وغَلَبَتِكُمْ لَهُمْ أو الغنيمةِ والخصَب تَسُؤْهُمْ تِلْكَ الحسنةُ ؛ أي تُحْزِنُهُمْ ؛ يعني اليهودَ، وإن تُصِبْكُمْ مِحْنَةٌ من جهةِ أعدَائكم ونَكْبَةٌ أو جَدْبٌ يُعْجَبُوا بها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ﴾ ؛ أي وإن تصبرُوا على أذى اليهود والمنافقين وتَتَّقُوا معصيةَ اللهِ وتَخافوا ربَّكم، ﴿لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ ؛ أي لا يضرُّكم احتيالُهم لإيقاعِكم في الهلاكِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ؛ أي أحاطَ عِلْمُهُ وقدرتُه بأعمالِكم وبأعمالِهم.
قرأ أبو عمرٍو وابنُ كثير :(لاَ يَضِرْكُمْ) بكسرِ الضَّاد والتخفيفِ، وهو جَزْمٌ على جواب الجزاء. وقرأ الضحَّاك :(لاَ يَضُرْكُمْ) بالضمِّ وجزمِ الراء ؛ مِن ضَارَ يُضَارُ يَضُورُ. وذكرَ القُرَّاءُ عنِ الكَسَائِيِّ : أنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أهْلِ الْعَالِيَةِ يَقُولُ : لاَ يَنْفَعُنِي وَلاَ يَضُورُنِي. وقرأ الباقونَ بضمِّ الضادِ وتشديد الرَّاء : من ضَرَّ يَضِرُّ ضَرّاً. وفي رفعِ (يَضُرُّكُمْ) وجهان ؛ أحدُهما : أنهُ أرادَ الجزمَ ؛ وأصلهُ (يَضْرُرْكُمْ) فأُدغمتِ الراءُ في الراءِ، ونُقلت ضمَّةُ الراء الأُولى إلى الضَّادِ، وضُمَّت الراءُ الأخيرةُ اتِّباعاً لأقرب الحركات إليها وهي الضَّادُ طلباً للمشاكَلَةِ، والوجهُ الثانِي : أنَّ (لاَ) بمعنى (لَيْسَ)، ويُضمر الفاءَ فيه ؛ تقديرهُ : وإنْ تَصْبرُوا فليسَ يَضُرُّكُمْ، وَالضَّيْرُ وَالضَّرُّ وَالضَّرَرُ بمعنىً واحدٍ ؛ قال اللهُ تعالى :﴿قَالُواْ لاَ ضَيْرَ﴾[الشعراء: ٥٠] وقال :﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ﴾[الاسراء: ٦٧]. وقَوْلُهُ تَعَالَى (إنَّ الله بمَا تعْمَلُونَ مُحِيطٌ) أي عالِمٌ. قرأ الحسنُ والأعمش بالتَّاء. وقرأ الباقون بالياءِ.
آل عمران 3:121
قوله عزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ؛ قال مجاهدُ والكلبيُّ :" غَدَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ مَنْزِلِ عَائِشَةَ يَمْشِي عَلَى رجْلَيْهِ إلَى أحُدٍ، وَصَفَّ أصْحَابَهُ لِلْقِتَالِ كَمَا يَصُفُّهُمْ لِلصَّلاَةِ، وَذَلِكَ أنَّ الْمُشْرِكِيْنَ نَزَلُواْ بأُحُدٍ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ، فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بنُزُولِهِمْ اسْتَشَارَ أصْحَابَهُ ؛ فَقَالَ أكْثَرُهُمْ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أقِمْ بالْمَدِيْنَةِ لاَ تَخْرُجْ إلَيْهِمْ، فَإنْ أقَامُواْ هُنَاكَ أقَامُواْ فِي شَرِّ مَجْلِسٍ، وَإنْ دَخَلُواْ إلَيْنَا قَاتَلَهُمُ الرِّجَالُ فِي وُجُوهِهِمْ وَرَمَاهُمُ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانُ بالْحِجَارَةِ مِنْ فَوْقِهِمْ وَرَجَعُواْ كَمَا جَاءُواْ، فَأعْجَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذا الرَّأيَ. وَقَالَ : بَعْضُ الصَّحَابَةِ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أخْرُجْ بنَا إلَى هَؤُلاَءِ الأكْلَب لاَ يَرَوْنَ أنَّهُ جَبُنَّا عَنْهُمْ وَضَعُفاً. وأَتَاهُ النُّعْمَانُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَاريُّ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ لاَ تَحْرِمْنِي الْجَنَّةَ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بالْحَقِّ نَبيّاً لأَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ :" بِمَ ؟ " قَالَ : بأنِّي أشْهَدُ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ وَأنِّي لاَ أفِرُّ مِنَ الزَّحْفِ، فَقَالَ :" صَدَقْتَ " فَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ شَهِيْداً ".
فَقَالَ ﷺ :" إنِّي قَدْ رَأَيْتُ فِي مَنَامِي أنَّ فِي ذُبَابَةَ سَيْفِي ثَلَماً فأَوَّلْتُهَا هَزِيْمَةً، ورأَيْتُ أنِّي أدْخُلُ يَدِي فِي دِرْعٍ حَصِيْنَةٍ فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِيْنَةَ، فَكَرِهْتُ الْخُرُوجَ إلَيْهِمْ، فَإنْ رَأَيْتُمْ أنْ تُقِيْمُوا بالْمَدِيْنَةِ وَتَدْعُوهُمْ، فَإنْ أقَامُوا أقَامُوا عَلَى شَرِّ مُقَامٍ، وَإنْ دَخَلُواْ المَدِيْنَةَ قَاتَلْنَاهُمْ فِيْهَا " وَكَانَ ﷺ يُعْجِبُهُ أنْ يَدْخُلُواْ الْمَدِيْنَةَ فَيُقَاتَلُواْ فِي الأَزقَّةِ، فَقَالَ رجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ مِمَّنْ فَاتَهُمْ يَوْمُ بَدْرٍ وَأَرادَ اللهُ لَهُمْ الشَّهَادَةَ يَوْمَ أُحُدٍ : أُخْرُجْ بنَا إلَى أعْدَائِنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَكَرِهَ الْخُرُوجَ إلَيْهِمْ وَأمَرَ بتَبْوِئَةِ الْمَقَاعِدِ لِلْقِتَالِ إلَى أنْ يُوافِيَهُمُ الْمُشْرِكُونَ - وَالْمَقَاعِدُ هِيَ الْمَوَاطِنُ وَالأَمَاكِنُ - فَلَمْ يَزَالُواْ برَسُولِ اللهِ ﷺ يَحُثُّونَهُ عَلَى لِقَائِهِمْ حَتَّى دَخَلَ بَيْتَهُ، فَلَبسَ لاَمَتَهُ وَعَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ، فَنَدِمَ الْمُسْلِمُونَ وَقَالُواْ : بئْسَمَا صَنَعْنَا ؛ نُشِيْرُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالْوَحْيُ يَأْتِيْهِ، فَقَامُواْ وَاعْتَذرُواْ إلَيْهِ وَقَالُواْ : اصْنَعْ مَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ :" لاَ يَنْبَغِي لِنَبيٍّ أنْ يَلْبَسَ لاَمَتَهُ فَيَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ "
وكان قد أقامَ المشركون بأُحُدٍ يومَ الأربعاء والخميسِ، فخرجَ رسولُ اللهِ ﷺ يومَ الجمُعة بعدما صلَّى بأصحابهِ الجمعةَ، فأصبحَ بالشِّعَب مِن أُحُدٍ يومَ السبتِ من النِّصف من شَوَّالَ سنةَ ثلاثٍ من الهجرةِ، وكان مِنْ أمرِ حرب أُحُدٍ ما كانَ ؛ فذلك قولهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ أي واذكُر إذ غَدَوْتَ مِنْ أهْلِكَ ؛ مِنْ عِنْدِ أهْلِكَ من المدينةِ تُهَيِّئُ للمؤمنينَ مواضعَ للحرب لقتالِ المشركين يومَ أُحُدٍ. وقال الحسنُ :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي يَوْمِ الأَحْزَاب ؛ الأَكْلَبُ : مَوْضِعٌ مِنْهَا قَرِيْبٌ مِنَ الْمَدِيْنَةِ).
آل عمران 3:122
قوله عزَّ وَجَلَّ :﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ ؛ أي أن تَجْبَنَا وَتَضْعَفَا وَيَتَخَلَّفَا عن رسولِ الله ﷺ وهم : بَنُو سَلَمَةَ من الخزرَجِ ؛ وبَنُو حارثةَ من الأوسِ، وكانوا جَنَاحَي العسكَرِ، وذلكَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ خرجَ إلى أحُدٍ في ألفِ رجلٍ، وقيل : في تسعَمائةٍ وخمسينَ رجُلاً، وقد وَعَدَ أصحابَهُ بالنصرِ والفتحِ إنْ صبرُوا، فلمَّا بلغُوا إلى بعضِ الطريق اعتزلَ عبدُالله بنُ أبي سَلولٍ بثُلُثِ الناسِ ورجعَ بهم، فرجعَ في ثلاثِمائةٍ ؛ وقال : عَلاَمَ نَقْتُلُ أولادَنا وأنفسَنا، فَتَبعَهُمْ أبو جابرُ وقالَ : أنْشُدُكُمْ اللهَ في نبيِّكم وأنفسِكم، فقال عبدُالله : لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتَّبَعنَاكُمْ، وَهَمَّتْ بَنُو سَلَمَةَ وَبَنُو حَارثَةَ بالإنصرافِ معهُ، فَعَصَمَهُمْ اللهُ تعالى ولم ينصرفُوا، ومَضَوا مع رسولِ الله ﷺ وَثَبَّتَ اللهُ قلوبَهما فلم يرجِعَا، فذكَّرَهم اللهُ تعالى عظيمَ نِعمَتهِ فقالَ :﴿إذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ أي حافِظُهما وناصرُهما.
وقرأ ابن مسعود :(وَلِيُّهُمْ) ؛ لأنَّ الطائفةَ جمعٌ كقولهِ تعالى :﴿هَـاذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ﴾[الحج: ١٩]، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ؛ في أمورهم. قال جابرُ بن عبدِالله :(وَاللهِ مَا سَرَّنَا أنَّا لَمْ نَهُمَّ بالَّّذِي هَمَمْنَا بهِ ؛ وَلَقَدْ أخْبَرَنَا اللهُ تَعَالَى أنَّهُ وَلِيُّنَا).
آل عمران 3:123
قوله عزَّ وَجَلَّ :﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾. بَدْرٌ : اسمُ موضعٍ بين مكَّةَ والمدينةِ وهو من بلاَدِ غَفَار، كان وقعةُ بدر أوَّلَ قِتَالٍ قاتلَهُ رسولُ اللهِ ﷺ بنفسِه، وجملةُ مغازي رسولِ الله ﷺ ستةٌ وعشرونَ غَزْوَةٍ، وكان غزوةُ بدر الخامسةَ منهُنَّ ؛ قاتلَ رسولُ الله ﷺ في أحدَ عشرَ غزوةٍ منهُنَّ بَدْرٌ الكبرَى ؛ وأحُدُ ؛ والخندقُ، وغزوةُ بني قُريظَةَ ؛ وغزوةُ بني الْمُصْطَلِقِ ؛ وغزوةُ بني لَحْيَانَ ؛ وخيبرُ والفتحُ ؛ وحُنَيْنُ ؛ والطائفُ ؛ وتَبُوكُ.
فأمَّا بدرٌ الكبرى فكانت يومَ الجمُعة السابعَ عشرَ من رمضانَ سنة اثنتين مِن الهجرةِ على رأسِ تسعةَ عشرَ شهراً من هجرةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم. وغزوةُ أُحدٍ في شوَّالَ سنةَ ثلاثٍ، والخندقُ وبني قُريظةَ في شوَّال سنةَ أربعٍ، وبني الْمَصْطَلِقِ وبني لَحْيَانَ في شعبانَ سنةَ خمسٍ، وخيبرُ سنةَ سِتٍّ، والفتحُ في رمضانَ سنة ثَمانٍ، وحُنين والطائفُ في شوَّال سنة ثَمانٍ. فأوَّلُ غزوةٍ غزَاها بنفسهِ وقاتلَ فيها بدرٌ الكبرى، وآخِرُها تبوكُ، وكانت سَرَايَاهُ سِتّاً وثلاثينَ سَرِيَّةً.
ومعنى الآيةِ :﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ وأنتم قليلٌ في العددِ، وذلكَ أنَّ المسلمين كانوا ثلاثَمائةٍ وثلاثةَ عشرَ رجُلاً، كان المهاجرون منهم سبعةً وسبعين، ومن الأنصار مائتين وستَّة وثلاثين، وكان عليٌّ رضي الله عنه صاحبَ رايةِ رسولِ الله ﷺ، وسعدُ بن معاذٍ صاحبَ راية الأنصار، وكان عددُ الكفَّار تسعَمائة ونيِّفاً. قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ؛ أي أطيعوهُ فيما يأمرُكم لتقوموا بشُكرِ النِّعَمِ التي أنعمَها اللهُ عليكم.
آل عمران 3:124
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالَافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُنزَلِينَ﴾ ؛ وذلك أنَّ أصحابَ رسولِ الله ﷺ كانوا يومَ أحُدٍ بعدَ انصرافِ عبدِالله بن أبي سلولٍ بثُلُثِ الناسِ : سَبْعَمِائَةٍ ؛ وكان المشركونَ ثلاثةَ آلافٍ، فقال رسولُ الله ﷺ :" ألَنْ يَكْفِيَكُمْ أنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِيْنَ مِنَ السَّمَاءِ " قرأ الحسنُ ومجاهد وابنُ عامر (مُنَزَّلِيْنَ) بالتشديدِ، وقرأ الباقونَ بالتخفيفِ.
آل عمران 3:125
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـاذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ ؛ معنى قولهِ :(بَلَى) تصديقٌ لوعدِ اللهِ تعالى، وقولِ رسولِ اللهِ ﷺ، ﴿تَصْبرُواْ﴾ لعدوِّكم مع نبيِّكم ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ مخالفَتَهُ ﴿وَيَأْتُوكُمْ﴾ أهلُ مكَّة مِن وجههم هذا ؛ ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ أي مُعَلَّمِينَ بالصوفِ الأبيَضِ، وقيل : بالأحمرِ في نواصِي الخيل وأذنابها ؛ أي بيّن لَهُمْ مِنَ السَّماء مُعَلَّمِيْنَ بهذه العلامةِ. ويجوزُ أن يكون معنى (مُسَوَّمِينَ) مُرْسَلِيْنَ من الإسَامَةِ وهيَ الإرسالُ. ومن قرأ (مُسَوِّمِيْنَ) بكسر الواو فلأنَّهم سَوَّمُوا خيولَهم.
وقد رويَ عن رسولِ الله ﷺ أنهُ قالَ لأصحابهِ يومَ أحُدٍ :" تَسَوَّمُواْ ؛ فَإنَّ الْمَلاَئِكَةَ قَدْ تَسَوَّمَتْ بالصُّوفِ الأَبْيَضِ فِي قَلاَنِسِهِمْ وَمَغَافِرِهِمْ " وقال قتادةُ :(كَانَ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ يَوْمَ بَدْر سِيْمَاءُ الْقِتَالِ، وَكَانُواْ عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ). وقال ابنُ عبَّاس :(كَانَتْ يَوْمَ بَدْر سِيْمَاءُ الْمَلاَئِكَةِ عَمَائِمَ بيْضٍ مَرْخِيَّةٍ عَلَى أكْتَافِهِمْ)، قالَ :(وَلَمْ يَصْبرِ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ أحُدٍ لِلْقِتَالِ إلاَّ قَلِيْلٌ مِنْهُمْ، وَلَوْ صَبَرُواْ لَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ وَأَتَاهُمْ مَا وَعَدَهُمُ اللهُ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَصْبرُواْ، فَلَمْ تَنْزِلْ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ). قرأ ابنُ كثير وأبو عمرٍو وعاصمُ :(مُسَوِّمِيْنَ) بكسر الواو، وقرأ الباقونَ بالفتحِ.
آل عمران 3:126
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ ؛ أي ما جعلَ اللهُ إمدادَكم بالملائكةِ إلاّ بشارةً لكم ؛ ولتطمئِنَّ قلوبُكم بهِ، فلا تَجْزَعْ من كثرةِ عددِهم وقلَّة عددِكم حتى تَثْبُتُوا لأعدائِكم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ؛ أي وإنْ أمدَّكم بالملائكةِ وقوَّى قلوبَكم، فليسَ النصرُ لكثرةِ العدد وقِلَّتِهِ، ولكنَّهُ ﴿مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ أي الْمَنِيْعِ في سُلْطَانِهِ، الْحَكِيمِ في أمْرِهِ.
وفي الآيةِ بيانُ أنَّ الإنسانَ لا يستغني في حالٍ من الأحوالِ عن الله وإنْ كَثُرَ عددُه واجتمعَ مالُه. قال ابنُ عبَّاس :(إنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَمْ يُبَاشِرُواْ الْقِتَالَ إلاَّ يَوْمَ بَدْرٍ، فَأَمَّا مَا سِوَى ذلِكَ فَإنَّهَا تَحْضُرُ الصَّفَّ وَتُكَثِّرُهُ وَلاَ تُقَاتِلُ). وقال بعضُ المفسِّرين : إنَّ الملائكةَ لم تقاتلْ أصلاً وَلَمْ يُبْعَثُوا إلاّ بالبشَارَةِ، فلو بَعَثُوا للقتالِ لكانَ ملكٌ واحدٌ يكفيهم، كما فَعَلَ جبريلُ عليه السلام يومَ لُوطٍ. وقال بعضُهم : إنَّ الملائكةَ كانت تقاتلُ وكان علامةُ ضربهم اشتعالُ النَّار في موضعِ ضربهم، واللهُ أعلمُ.
آل عمران 3:127
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ ؛ معناهُ : ينصرَكم ليقتلَ ويستأسِرَ جماعةً من الذينَ كفرُوا بنقضِهم ذلكَ أو بهَزْمِهِمْ، ﴿فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ﴾ ؛ أي فيرجعوا مُنْقَلِبيْنَ مُنْقَطِعِيْنَ عن آمالِهم. وَالْكَبْتُ : هو الْوَهَنُ في القلب، ويُصْرَعُ المرءُ على وجههِ لأجله. ونظمُ الآيةِ : ولقد نصرَكُم اللهُ ببدرٍ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي لكي يُهْلِكَ طائفةً من الذين كفرُوا. وقال السُّدِّيُّ : معناهُ :(لِيَهْدِمَ رُكْناً مِنْ أرْكَانِ الْمُشْرِكِيْنَ بالْقَتْلِ وَالأَسْرِ، فَقُتِلَ مِنْ سَادَاتِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعُونَ وَأُسِرَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ).
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ﴾ أي لَمْ ينالُوا شيئاً مِمَّا كانوا يرجُون من الظَّفَرِ بكم. وقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ قال الكلبيُّ :(أوْ يَهْزِمَهُمْ)، وقال النَّضِرُ بن شُميل :(يُغِيْظَهُمْ). وقال السديُّ :(يَلْعَنَهُمْ). وقال أبو عُبيدة :(يُهْلِكَهُمْ). وقُرئ في الشَّاذِّ :(أوْ يَكْبدَهُمْ)، يقال : كَبَدَهُ ؛ إذا رَمَاهُ فأصاب كَبدَهُ، والْمَكْبُودُ : الْمُتَلَهِّفُ.
آل عمران 3:128
قوله عزَّ وَجَلَّ :﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ؛ وذلك أنهُ لَمَّا شُجَّ النبي ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وكُسِرَتْ رَبَاعِيَّتُهُ، وَقُتِلَ سبعونَ من أصحابهِ، جعلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عن وجههِ وهو يقول :" كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُواْ هَذا بنَبيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلَى رَبهِمْ " وَهَمَّ أن يلعنَهم ويلعنَ الذين انصرفُوا مع عبدِالله بن أبي سَلولٍ، فأنزلَ اللهُ هذه الآيةِ ينهَاهُ عن اللَّعْنِ، وبَيَّنَ أنَّ فَلاحهُم ليسَ إليه وأنه ليسَ له من الأمرِ شيءٌ إلاّ أن يُبَلِّغَ الرسالةَ ويُجاهدَ حتى يظهرَ الدينُ.
قال عكرمةُ وقتادة :" أدْمَى رَجُلٌ مِنْ هُذيْلٍ يُقَالُ لَهُ عَبْدُاللهِ بْنُ قَمِئَةَ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ ؛ فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِ تَيْساً فَنَطَحَهُ حَتَّى قَتَلَهُ. وَشَجَّ عُتْبَةُ بْنُ أبي وَقَّاصٍ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَكَسَرَ رُبَاعِيَّتَهُ ؛ فَدَعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَيْهِ فَقَالَ :" اللَّهُمَّ لاَ يَحُولُ عَلَيْهِ الْحَوْلُ حَتَّى يَمُوتَ كَافِراً " قَالَ : فَمَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ حَتَّى مَاتَ كَافِراً "، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ.
وقال الكلبيُّ :(لَمَّا شُجَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ أحُدٍ وَأصِيْبَتْ رُبَاعِيَّتُهُ ؛ هَمَّ أنْ يَلْعَنَ الْمُشْرِكِيْنَ وَيَدْعُو عَلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ لِعِلْمِهِ أنَّ كَثِيْراً مِنْهُمْ سَيَتُوبُونَ). يدلُّ عليهِ ما روَى أنسُ أنه قالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمَ أحُدٍ شُجَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي قَرْنِ حَاجِبهِ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَّتُهُ، وَجُرِحَ فِي وَجْهِهِ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَسَالِمُ مَوْلَى أبي حُذَيْفَةَ يَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ :" كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَّبُواْ وَجْهَ نَبيِّهِمْ بالدَّمِ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلَى رَبِهمْ " فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ.
وقال سعيدُ بن المسيَّب : لَمَّا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى مَنْ أدْمَى وَجْهَ نَبيِِّهِ وَعَلَتْ عَالِيَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى الْجَبَلِ، فَقَالَ عليه السلام :" لاَ يَنْبَغِي لَهُمْ أنْ يَعْلُونَا " فَأَقْبَلَ عُمَرُ رضي الله عنه وَرَهْطٌ مِنَ الأَنْصَار حَتَّى أهْبَطُوهُمْ مِنَ الْجَبَلِ، وَنَهَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى صَخْرَةٍ لِيَعْلُوهَا وَقَدْ ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَجَلَسَ تَحْتَهُ طَلْحَةُ، فَنَهَضَ حَتَّى اسْتَوَى عَلَيْهَا، فَقَالَ ﷺ :" أوْجَبَ طَلْحَةُ ".
وَوَقَفَتْ هِنْدُ وَالنِّسْوَةُ اللاَّتِي مَعَهَا يُمَثِّلْنَ بالْقَتْلَى مِنْ أصْحَاب رَسُولِ اللهِ ﷺ يَجْذعْنَ الآذانَ وَالأُنُوفَ حَتَّى اتَّخَذتْ هِنْدُ مِنْ ذلِكَ قَلاَئِدَ وَأعْطَتْهَا وَحْشِيّاً، وَبَقَرَتْ عَنْ كَبدِ حَمْزَةَ رضي الله عنه فَلاَكَتْهَا ؛ فَلَمْ تَسْتَطِعْ فَلَفَظَتْهَا ثُمَّ عَلَتْ صَخْرَةً مُشْرِفَةً ؛ فَصَرَخَتْ ثُمَّ قَالَتْ :
آل عمران 3:129
قوله عزَّ وَجَلَّ :﴿وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي لهُ جميعُ ما فيهم من الخلائقِ ؛ كلُّهم عبادُ الله وفي مُلْكِهِ، ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ ؛ على الذنب الصغير إذا أصرَّ على ذلكَ، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ في قَبولِ توبَتهم، وتأخيرِ العذاب عنهم، وإنَّما ختمَ الله هذه الصفةَ بالمغفرةِ والرحمةِ ؛ لأنه وإنْ كان على التعذيب قادراً، لكن الغالبُ على أمرهِ ما يريدُ بخَلْقِهِ الرحمةُ والمغفرةُ.
آل عمران 3:130
قوله عزَّ وَجَلَّ :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَاواْ أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً﴾ قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أهْلِ الطَّائِفِ، كَانَتْ بَنُو الْمُغِيْرَةِ يَرْبُونَ لَهُمْ، فإذا حَلَّ الأجَلُ وَعَجَزُواْ عَنْ ذلِكَ، زَادُواْ فِي الْمَالِ، وَازْدَادُواْ فِي الأَجَلِ ؛ فَنَهَاهُمْ اللهُ عَنْ ذلِكَ). ومعنى ﴿مُّضَاعَفَةً﴾ : هو أنَّ الرجلَ إذا كان لهُ على آخَرَ مالٌ، فإذا حلَّ الأجلُ طالبَه به فيعجزُ عنه، فيقولُ المطلوبُ : أخِّرْ عنَِّي وأزيدُكَ في مالِكَ، فيفعلانِ ذلكَ ؛ فنهاهُم اللهُ عنه. ومعنى ﴿أَضْعَافاً﴾ : لا تأْكُلُوا أضعافَ ما أوْتِيتُمُوهُ ؛ أي لا تأخذُوا إلاّ الْمِثْلَ. ومعنى ﴿مُّضَاعَفَةً﴾ : لا تُضَعِّفُوا المالَ بالزيادةِ في الأجلِ.
وقولهُ :﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ؛ أي اتقُوا اللهَ في الرِّبا، ولا تستحلُّوه لكي تَنْجُوا من العذاب في الآخرةِ، ثم صارَت هذه الآيةُ عامَّةً في جميعِ الناسِ، وإنَّما أعادَ اللهُ تحريْمَ الرِّبا بعدَ ما ذكرهُ في سورةِ البقرة لتأكيدِ التحريْمِ بتصريحِ النَّهي عنهُ، ويجوزُ أن يكونَ المرادُ في سورةِ البقرة : ربَا النَّسِيْئَةِ ؛ وهنا ربا الْفَضْلِ.
آل عمران 3:131
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ؛ أي اخْشَوا النارَ في أكلِ الرِّبا التي خُلِقَتْ للكافرينَ باللهِ، وبتحريم الربا. فإنْ قيلَ : إذا كانَتِ النارُ معدَّةً للكافرينَ ؛ فكيفَ يُعَذِّبُ بها غيرِ الكافرين ؟ قيل : فائدةُ تخصيصِ الكافرينَ بالذِّكر ؛ لأنَّهم همُ العمدةُ في إعدادِ النار لَهم وقد يدخلُها غيرُ الكافرينَ على طريقِ التَّبَعِ، كما قال في الجنَّة﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾[آل عمران: ١٣٣] وإن كانَ الأطفالُ والمجانينُ يدخلونَها تَبَعاً للمتقينَ. وقيل : معناهُ : واتَّقوا النارَ في استحلالِ الرِّبا، فإنَّ مَن استحلَّهُ فهو كافرٌ.
آل عمران 3:132
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ؛ أي أطيعُوا اللهَ ورسولَهُ في تحريْمِ الرِّبا لكي تُرحموا فلا تُعذبوا. قوله عزَّ وَجَلَّ :﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ؛ معناهُ بادِرُوا إلى ما يوجبُ لكم مغفرةً من ربكم وهو التوبةُ. وقال ابنُ عبَّاس :(الإسْلاَمُ). وقال أبو العاليةِ :(مَعْنَاهُ : سَارعُواْ إلَى الْهِجْرَةِ). وقال عليٌّ رضي الله عنه :(إلَى أدَاءِ الْفَرَائِضِ). وقال عثمانُ بن عفَّان رضي الله عنه :(إلَى الإخْلاَصِ) وقال أنسُ :(إلَى التَّكْبيْرَةِ الأُوْلَى). وقال سعيدُ بن جبير :(إلَى أدَاءِ الطَّاعَةِ). وقال الضحَّاك :(إلَى الْجِهَادِ). وقال عكرمةُ :(إلَى التَّوْبَةِ). وقال الورَّاق :(إلَى ائْتِمَار الأَوَامِرِ وَالإنْتِهَاءِ عَنِ الزَّوَاجِرِ). وقال سهلُ بن عبدِالله :(إلَى السُّنَّةِ). وقال بعضُهم : إلى الصلواتِ الْخَمْسِ. وقال بعضُهم : إلى الجمعةِ والجماعَات. قرأ نافعُ وابن عامرٍ :(سَارعُواْ) بحذفِ الواو على سبيل الابتداءِ لا على سبيلِ العطف.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(الْجِنَانُ أرْبَعٌ : جَنَّةُ عَدْنٍ وَهِيَ الْعُلْيَا، وَجَنَّةُ الْمَأْوَى، وَجَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ، وَجَنَّةُ النَّعِيْمِ، ثُمَّ فِي كُلِّ جَنَّةٍ مِنْهَا جَنَّاتٌ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، قَطْرُ الْمَطَرِ كُلُّ جَنَّةٍ مِنْهَا فِي الْعَرْضِ وَالسِّعَةِ لَوْ ألْصِقَتِ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُونَ السَّبْعُ بَعْضُهُنَّ بَبْعضٍ لَكَانَتِ الْجَنَّةُ الْوَاحِدَةُ أعْرَضَ مِنْهَا).
وإنَّما خصَّ العَرْضَ على المبالغة لأنَّ طولَ كلِّ شيء في الغالب أكثرُ من عرضهِ، يقول : هذه صفةُ عرضِها فكيفَ طولُها! يدلُّ عليه قولُ الزهريِّ :(إنَّمَا وَصَفَ عَرْضَهَا، فَأَمَّا طُولُهَا فَلاَ يَعْلَمُهُ إلاَّ اللهُ). وهذا مثلُ قولهِ تعالى :﴿عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾[الرحمن: ٥٤] فوصفَ البطَانَةَ بأحسنَ ما يُعْلَمُ من الزينةِ، إذِ معلومٌ أن الظواهرَ تكون أحسنَ وأنفَسَ مِنَ البطائنِ.
وقال بعضُ المفسِّرين : ليسَ المرادُ بهذه الآيةِ التقديرُ، لكنَّ المرادَ بها أوسعَ شيءٍ رأيتمُوه. قال إسماعيلُ السُّدِّيُّ :(لَوْ كُسِّرَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَصِرْنَ خَرْدَلاً كَانَ بكُلِّ خَرْدَلَةٍ للهِ تَعَالَى عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ؛ أي خُلِقَتْ للمتقينَ الشِّرْكَ والمعاصِي، فإن قيلَ : إذا كانتِ الجنَّةُ عرضُها السَّمواتُ والأرضُ، فأينَ النارُ ؟ قيل : إن اللهَ خلقَ الجنة عاليَةً، والنارَ سَافِلَةً، والشيئانِ إذا كان أحدُهما عالياً والآخرُ سَافِلاً لا يَمتنعان ؛ لأنَّهما يوجدان في مكانَين متغايرَين. وروي أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ هَذا السُّؤَالِ فَقَالَ :" سُبْحَانَ اللهِ! إذا جَاءَ النَّهَارُ فَأَيْنَ اللَّيْلُ "
آل عمران 3:133
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ؛ أي أطيعُوا اللهَ ورسولَهُ في تحريْمِ الرِّبا لكي تُرحموا فلا تُعذبوا. قوله عزَّ وَجَلَّ :﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ؛ معناهُ بادِرُوا إلى ما يوجبُ لكم مغفرةً من ربكم وهو التوبةُ. وقال ابنُ عبَّاس :(الإسْلاَمُ). وقال أبو العاليةِ :(مَعْنَاهُ : سَارعُواْ إلَى الْهِجْرَةِ). وقال عليٌّ رضي الله عنه :(إلَى أدَاءِ الْفَرَائِضِ). وقال عثمانُ بن عفَّان رضي الله عنه :(إلَى الإخْلاَصِ) وقال أنسُ :(إلَى التَّكْبيْرَةِ الأُوْلَى). وقال سعيدُ بن جبير :(إلَى أدَاءِ الطَّاعَةِ). وقال الضحَّاك :(إلَى الْجِهَادِ). وقال عكرمةُ :(إلَى التَّوْبَةِ). وقال الورَّاق :(إلَى ائْتِمَار الأَوَامِرِ وَالإنْتِهَاءِ عَنِ الزَّوَاجِرِ). وقال سهلُ بن عبدِالله :(إلَى السُّنَّةِ). وقال بعضُهم : إلى الصلواتِ الْخَمْسِ. وقال بعضُهم : إلى الجمعةِ والجماعَات. قرأ نافعُ وابن عامرٍ :(سَارعُواْ) بحذفِ الواو على سبيل الابتداءِ لا على سبيلِ العطف.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(الْجِنَانُ أرْبَعٌ : جَنَّةُ عَدْنٍ وَهِيَ الْعُلْيَا، وَجَنَّةُ الْمَأْوَى، وَجَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ، وَجَنَّةُ النَّعِيْمِ، ثُمَّ فِي كُلِّ جَنَّةٍ مِنْهَا جَنَّاتٌ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، قَطْرُ الْمَطَرِ كُلُّ جَنَّةٍ مِنْهَا فِي الْعَرْضِ وَالسِّعَةِ لَوْ ألْصِقَتِ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُونَ السَّبْعُ بَعْضُهُنَّ بَبْعضٍ لَكَانَتِ الْجَنَّةُ الْوَاحِدَةُ أعْرَضَ مِنْهَا).
وإنَّما خصَّ العَرْضَ على المبالغة لأنَّ طولَ كلِّ شيء في الغالب أكثرُ من عرضهِ، يقول : هذه صفةُ عرضِها فكيفَ طولُها! يدلُّ عليه قولُ الزهريِّ :(إنَّمَا وَصَفَ عَرْضَهَا، فَأَمَّا طُولُهَا فَلاَ يَعْلَمُهُ إلاَّ اللهُ). وهذا مثلُ قولهِ تعالى :﴿عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾[الرحمن: ٥٤] فوصفَ البطَانَةَ بأحسنَ ما يُعْلَمُ من الزينةِ، إذِ معلومٌ أن الظواهرَ تكون أحسنَ وأنفَسَ مِنَ البطائنِ.
وقال بعضُ المفسِّرين : ليسَ المرادُ بهذه الآيةِ التقديرُ، لكنَّ المرادَ بها أوسعَ شيءٍ رأيتمُوه. قال إسماعيلُ السُّدِّيُّ :(لَوْ كُسِّرَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَصِرْنَ خَرْدَلاً كَانَ بكُلِّ خَرْدَلَةٍ للهِ تَعَالَى عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ؛ أي خُلِقَتْ للمتقينَ الشِّرْكَ والمعاصِي، فإن قيلَ : إذا كانتِ الجنَّةُ عرضُها السَّمواتُ والأرضُ، فأينَ النارُ ؟ قيل : إن اللهَ خلقَ الجنة عاليَةً، والنارَ سَافِلَةً، والشيئانِ إذا كان أحدُهما عالياً والآخرُ سَافِلاً لا يَمتنعان ؛ لأنَّهما يوجدان في مكانَين متغايرَين. وروي أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ هَذا السُّؤَالِ فَقَالَ :" سُبْحَانَ اللهِ! إذا جَاءَ النَّهَارُ فَأَيْنَ اللَّيْلُ "
آل عمران 3:134
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ ؛ أول هذه الآيةِ نعتٌ للمتقينَ، ومعناها : الذين يتصدَّقون في حال اليُسْرِ والعُسْرِ والضرَّاءِ والشدَّة والرخَاءِ، يعني أنَّهم يُنْفِقُونَ على الدَّوام لا يَمْنَعُهُمْ قلةُ المالِ ولا كَثْرَتُهُ عن الإنفاقِ، فأولُ ما ذَكَرَ اللهُ من أخلاقِ المتقينَ الموجبةِ لَهم الجنةَ : السَّخَاءُ ؛ قال ﷺ :" الْجَنَّةُ دَارُ الأَسْخِيَاءِ، وَالسَّخِيُّ قَرِيْبٌ مِنَ اللهِ ؛ قَرِيْبٌ مِنَ الْجَنَّةِ ؛ بَعِيْدٌ مِنَ النَّار، وَالْبَخِيْلُ بَعِيْدٌ مِنَ اللهِ ؛ بَعِيْدٌ مِنَ الْجَنَّةِ ؛ قَرِيْبٌ مِنَ النَّار. وَالْجَاهِلُ السَّخِيُّ أحَبُّ إلَى اللهِ مِنَ الْعَالِمِ الْبَخِيْلِ "
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أي الكافينَ غَيْظَهُمْ عن إمضائهِ، يردُّون غيظَهم في أجوافِهم ويصبرون، وَالْكَظْمُ : الْحَبْسُ وَالشَّدُّ، يقالُ : كَظَمْتُ الْقِرْبَةَ ؛ إذا مَلأْتُهَا ثُمَّ شَدَدْتُ رَأْسَهَا عَلَى الإمْتِلاَءِ. وَالْغَيْظُ : هُوَ انْتِفَاضُ الطَّبْعِ مَا يَكْرَهُهُ، ولِهذا لا يجوزُ الغيظُ على اللهِ وإن كان يجوزُ عليه الغضبُ ؛ لأنَّ الغضبَ هو إرادةُ العقاب.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ معناهُ : الذين يَعْفُونَ عنِ المذنبينَ من الأحرار والمملوكين. وقد رُويَ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنهُ قالَ :" مَنْ كَظَمَ غَيْظاً وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أنْ يُنْفِذهُ فَلَمْ يُنْفِذْهُ ؛ زَوَّجَهُ اللهُ مِنْ الْحُور الْعِيْنِ حَيْثُ شَاءَ، وَمَا عَفَا رَجُلٌ عَنْ مَظْلَمَةٍ إلاَّ زَادَهُ اللهُ بهَا عِزّاً، وَلاَ نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مَالاً قَطُّ ؛ فَتَصَدَّقُواْ، وَلاَ فَتَحَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ مَسْأَلَةٍ إلاَّ فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ، وأَعْظَمُ النَّاسِ عَفْواً مَنْ عَفَا عَنْ قُدْرَةٍ "
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ؛ أي يُثْنِي على المحسنينَ إلى الناسِ، ويرضَى عملَهم. قال عِيْسَى عليه السلام : لَيْسَ الأَحْسَنُ أنْ تُحْسِنَ إلَى مَنْ أحْسَنَ إلَيْكَ، ذاكَ مُكَافَأَةٌ! إنَّمَا الأَحْسَنُ أنْ تُحْسِنَ إلَى مَنْ أَسَاءَ إلَيْكَ. وعن أبي هُريرة رضي الله عنه :" أنَّ أبَا بَكْرٍ رضي الله عنه كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي مَجْلِسٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ ؛ فَكَانَ يَشْتِمُ أبَا بَكْرٍ وَهُوَ سَاكِتٌ وَالنَّبيُّ ﷺ يَتَبَسَّمُ، ثُمَّ رَدَّ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الرَّجُلِ بَعْضَ الَّذِي قَالَ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَامَ، فَلَحِقَهُ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ شَتَمَنِي وَأَنْتَ تَبْتَسِمُ، فَلَمَّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ غَضِبْتَ وَقُمْتَ؟! فَقَالَ ﷺ :" إنَّكَ حِيْنَ كُنْتَ سَاكِتاً كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا تَكَلَّمْتَ وَقَعَ الشَّيْطَانُ، فَلَمْ أكُنْ لأَقْعُدَ فِي مَقْعَدٍ فِيهِ الشَّيْطَانُ " وعن أنسٍ رضي الله عنه قالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" رَأَيْتُ قُصُوراً مُشْرِفَةً عَلَى الجَنَّةِ، فَقُلْتُ : يَا جِبْرِيْلُ لِمَنْ هَذِهِ! ؟ قَالَ : لِلْكَاظِمِيْنَ الْغَيْظَ وَالْعَافِيْنَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِيْن "
آل عمران 3:135
قوله عزَّ وَجَلَّ :﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾ ؛ متصلٌ بقوله﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾[آل عمران: ١٣٤]. قال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه :" قَالَ الْمُسْلِمُونَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ كَانَتْ بَنُو إسْرَائِيْلَ أكْرَمَ عَلَى اللهِ مِنَّا، كَانَ أحَدُهُمْ إذا أذْنَبَ ذنْباً أصْبَحَتْ كَفَّارَةُ ذنْبهِ مَكْتُوبَةً عَلَى بَابِهِ : إجْدَعْ أنْفَكَ ؛ إجْدَعْ أُذُنَكَ ؛ إفْعَلْ كَذَا إفْعَلْ كَذا. فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" ألاَ أخْبرُكُمْ بخَيْرٍ مِنْ ذلِكَ " وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ هَذِهِ الآيَاتِ " (. وقال عطاءُ :(نَزَلَتْ فِي أبي مُقْبلِ التَّمَّار ؛ أتَتْهُ امْرَأةٌ حَسْنَاءُ تَبْتَاعُ مِنْهُ تَمْراً، فَقَالَ : إنَّ هَذا التَّمْرَ لَيْسَ بجَيِّدٍ وَفِي الْبَيْتِ أجْوَدُ مِنْهُ، فَهَلْ لَكَ فِيْهِ ؟ فَقَالَتْ : نَعَمْ، فَذَهَبَ بهَا إلَى بَيْتِهِ وَضَمَّهَا وَقَبَّلَهَا، فَقَالَتْ لَهُ : اتُّقِ اللهَ سُبْحَانَهُ، فَتَرَكَهَا وَنَدِمَ عَلَى ذلِكَ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ ذلِكَ ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ).
وقال ابنُ عبَّاسٍ ومقاتلُ والكلبيُّ :(آخَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ رَجُلَيْنِ ؛ أحَدُهُمَا مِنَ الأنْصَار ؛ وَالآخَرُ مِنْ ثَقِيْفٍ، فَخَرَجَ الثَّقَفِيُّ فِي غُزَاةٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَاسْتَخْلَفَ الأَنْصَاريَّ عَلَى أهْلِهِ، فَاشْتَرَى لَهُمْ لَحْماً ذاتَ يَوْمٍ، فَلَمَّا أرَادَتِ الْمَرْأةُ أنْ تَأَخُذ مِنْهُ ؛ دَخَلَ عَلَى إثْرِهَا ؛ فَدَخَلَتْ بَيْتاً فَتَبعَهَا، فَاتَّقَتْهُ بيَدِيْهَا، فَقَبَّلَ ظَاهِرَ كَفِّهَا، ثُمَّ نَدِمَ وَاسْتَحْيَا ؛ فَانْصَرَفَ، فَقَالَتْ لَهُ : وَاللهِ مَا حَفِظْتَ غَيْبَةَ أخِيْكَ ؛ وَلاَ وَاللهِ تَنَالُ حَاجَتَكَ. فَخَرَجَ الأَنْصَارِيُّ وَوَضَعَ التُّرَابَ عَلَى رَأَسِهِ، وَهَامَ عَلَى وَجْهِهِ يَسِيْحُ فِي الْجِبَالِ وَيَتَعَبَّدُ، فَلَمَّا رَجَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ غُزَاهُمْ لَمْ يَرَ الثَّقَفِيُّ أخَاهُ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ فَقَالَتْ : لاَ كَثَّرَ اللهُ فِي الإخْوَانِ مِثْلَهُ، وَأَخْبَرَتْهُ فِعْلَهُ، فَخَرَجَ الثَّقَفِيُّ فِي طَلَبهِ، فَسَأَلَ عَنْهُ الرُّعَاءَ فِي الْجِبَالِ وَالْفَيَافِي حَتَّى دُلَّ عَلَيْهِ، فَوَافَاهُ سَاجِداً وَهُوَ يَقُولُ : رَب ذنْبي ذنْبي، فَقَالَ : يَا فُلاَنُ ؛ قُمْ فَانْطَلِقْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَعَلَّ اللهَ أنْ يَجْعَلَ لَكَ مَخْرَجاً. فَأَقْبَلَ مَعَهُ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِيْنَةَ، فَسَأَلَ أصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُواْ : لاَ تَوْبَةَ لَكَ، أمَا تَعْلَمُ أنَّ اللهَ يَغَارُ لِلْغَازي فِي سَبيْلِهِ مَا لاَ يَغَارُ لِلْمُقِيْمِ، فَقَامَ عَلَى بَاب رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ الذنْبُ الذنْبُ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ الصَّحَابَةُ، فَخَرَجَ يَسِيْحُ فِي الْجِبَالِ ؛ لاَ يَمُرُّ عَلَى حَجَرٍ وَلاَ مَدَرٍ وَلاَ سَهْلَةٍ حَارَّةٍ إلاَّ تَجَرَّدَ وَتَمَرَّغَ فِيْهَا، حَتَّى كَانَ ذاتَ يَوْمٍ عِنْدَ الْعَصْرِ نَزَلَ جِبْرِيْلُ بِتَوْبَتِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ).
ومعناها :﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ﴾ كبيرةً ﴿أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ بفعلِ الصَّغيرةِ مثلَ النَّظرةِ واللَّمْسِ والغَمْزِ والتقبيلِ، ذكَرُواْ مقامَهم بين يديِّ الله وعقابه.
آل عمران 3:136
قوله عزَّ وَجَلَّ :﴿أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ ؛ أي أهلُ هذه الصِّفةِ ثوابُهم سَتْرٌ من ربهم لذنوبهم ؛ وحطُّ العقاب عنهُم، وبساتينُ تجري من تحتِ شجرِها وغُرَفِها الأنْهارُ مقيمينَ دائمين فيها، ونِعْمَ أجرُ التَّائبين في التوبةِ، فَوَضَعَ عنهم ما كان مَكتوباً على بَنِي إسرائيلَ ؛ فإنَّهُ كان إذا أذنبَ أحدُهم يرى توبتَه مكتوبةً على بابهِ : إجْذعْ أنْفَكَ ؛ إجْذعْ أدُنَكَ، فَوَضَعَ ذلك عن هذه الأمَّة واكتفَى منهم بالنَّدَمِ والاستغفار.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ أي ثوابُ المطيعين. قيلَ : أوحَى اللهُ تعالى إلى موسَى عليه السلام :(يَا مُوسَى ؛ مَا أقَلُّ حَيَاءِ مَنْ يَطْمَعُ فِي جَنَّتِي بغَيْرِ عَمَلٍ، يَا مُوسَى ؛ كَيْفَ أجُودُ برَحْمَتِي عَلَى مَنْ يَبْخَلُ بطَاعَتِيٍ. وقال شَهْرُ بن حَوْشَبٍ :(طَلَبُ الْجَنَّةِ بلاَ عَمَلٍ ذنْبٌ مِنَ الذُّنُوب).
آل عمران 3:137
قوله عزَّ وَجَلَّ :﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ؛ معناهُ :﴿قَدْ خَلَتْ﴾ مَضَتْ ﴿مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ وهي الطرائقُ في الخيرِ والشرِّ. وقيل : معناهُ :﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌٍ﴾ بإهلاكِ المكذِّبينَ لِرُسُلِنَا، فسَافِرُواْ في الأرْضِ، فانظُُرُوا كيفَ صَارَ آخرُ المكذِّبينَ بالرُّسُلِ والكُتُب ؛ أي اتَّعِظُوا بالآثار التي بَقِيَتْ منهم في الأرضِ مثلَ ديار قَوْمِ لُوطٍ وَعَادٍ وغيرِهم.
آل عمران 3:138
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿هَـاذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ ؛ أي هذا القرآنُ بيانٌ للناسِ من الضَّلالةِ وهُدًى من العَمَى ونَهْيٌ للمتقينَ من الفواحِش. والبَيَانُ : كُلُّ مَا يَظْهَرُ بهِ الْمَعْنَى، وَالْهُدَى : بَيَانُ طَرِيْقِ الرُّشْدِ دُونَ طََرِيْقِ الْغَيِّ، وَالْمَوْعِظَةُ : مَا يَدْعُو إلَى فِعْلِ الْحَسَنَةِ مِنْ تَرْغِيْبٍ أوْ تَرْهِيْبٍ.
آل عمران 3:139
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ ؛ هذا عائدٌ إلى ما تقدَّم ذكرُه من حديثِ حَرْب أحُدٍ، معناهُ : لا تَضْعُفُوا ولا تَجْبُنُوا يا أصحابَ مُحَمَّدٍ عن قتالِ عدوِّكم لِمَا نالَكم يومَ أحُدٍ من القَتْلِ والجرحِ والْهَزِيْمَةِ، وكان قُتِلَ يؤمئذٍ خمسةٌ من المهاجرينَ : حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِب ؛ وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ؛ وَعَبْدُاللهِ بْنُ جَحْشٍ ابنُ عمَّةِ النبيِّ ﷺ ؛ وعُثْمَانُ بْنُ شَمَّاسٍ ؛ وسَعْدٌ مولَى عُتْبَةَ، والأنصار سبعونَ رجُلاً.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ أي في الحجَّة، وقيل : وأنتمُ الغالبُونَ في العاقبةِ ؛ أي تكونُ لكم العاقبةُ بالنَّصرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ ؛ أي مُصَدِّقِيْنَ بوعدِ الله بالنَّصرِ.
آل عمران 3:140
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾ ؛ أي إنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحُ يومِ أُحُد فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ يَوْمَ بَدْر، وذلكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وأصحابَه كانوا قَتَلُواْ من المشركين يَوْمَ بدر سبعونَ رجُلاً وأسَرُوا سبعينَ، وقُتِلَ يومَ أُحُدٍ مِن أصحاب النبيِّ ﷺ سبعونَ وجُرِحَ سبعونَ.
وقرأ مُحَمَّدُ بن السُّمَيْقَعِ (قَرَحٌ) بفتحِ القاف والراءِ على المصدر. وقرأ الأعمشُ وعاصم وحمزةُ والكسائيُّ وخلفُ : بضمِّ القاف فيهما ؛ وهي قراءةُ ابنِ مسعودٍ. وقرأ الباقون بفتحِ القاف وهي قراءةُ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، وهما لُغَتَانِ مثلُ الْجَهْدِ وَالْجُهْدِ، وقال بعضهم :(الْقَرْحُ) بفتحِ القاف : الجِرَاحَاتُ واحدتُها قَرْحَةٌ، و(الْقُرْحُ) بالضمِّ وجعٌ، يقالُ قُرِحَ الرجلُ إذا وُجِعَ.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ ؛ أي تارةً لَهم وتارةً عليهم، وأدَالَ المسلمونَ على المشركينَ يومَ بدر، حتى قَتَلُوا منهم سبعينَ وأسَرُوا سبعين، وأدَالَ المشركون يوم أحُدٍ، حتى جَرَحُوا سبعين وقَتَلُوا خمسةً وسبعين. قال أنسُ بن مالكٍ رضي الله عنه :(أتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِعَلِيٍّ رضي الله عنه يَوْمَئِذٍ، وَعَلَيْهِ نيِّفٌ وَسِتُّونَ جِرَاحَةً مِنْ طَعْنَةٍ وضَرْبَةٍ وَرَمْيَةٍ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْسَحُهَا بيَدِهِ وَهِيَ تَلْتَئِمُ بإذْنِ اللهِ فَكَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ؛ بَيَّنَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ المعنَى الذي لأجلهِ يُدَاولُ الأيَّامَ بين المؤمنين والكفَّار، فقالَ ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ معناهُ : لِيَرَى من يُقِيْمُ على الإيْمانِ مِمَّن لا يقيمُ ؛ فيظهرُ المؤمنُ المخلِصُ ؛ والذي في قَلْبهِ مَرَضٌ. وقال الزجَّاج :(مَعْنَاهُ : لِيْعَلْمَ اللهُ عِلْمَ مُشَاهَدَةٍ بَعْدَ مَا كَانَ عِلْمُهُ عِلْمَ الْغَيْب ؛ لأنَّ الْعِلْمَ الَّذِي عَلِمَهُ اللهُ قَبْلَ وُقُوعِ الشّيْءِ لاَ يَجِبُ بهِ الْمُجَازَاةُ مَا لَمْ يَقَعْ). وأما الواوُ في قولهِ :﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ : واوُ العطفِ على خبرٍ محذوف ؛ تقديرهُ :﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ بضروبٍ من التَّدبيرِ، ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ المؤمنينَ مُتَمَيِّزِيْنَ من المنافِقينَ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ﴾ ؛ أي يُكْرِمُهُمْ بالشَّهادةِ، وقال بعضُهم : معناهُ : ويجعلَكُم شهداءَ على الناسِ على معاصِيهم لإجلالِكُم وتعظِيمكُم، ثم قالَ تعالى :﴿وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ أي لا يفعلُ اللهُ ذلك لِحُب الظالمين، فإنهُ لا يُحِبُّ الظالمينَ، وفي هذا بيانُ أنَّ اللهَ لا ينصرُ الكافرين على المسلمين، إذِ النُّصْرَةُ تدلُّ على الْمَحَبَّةِ، واللهُ لا يحبُّ الكُفَّارَ، ولكنْ قد ينصرُ المسلمينَ في بعض الأوقاتِ على الكفَّار، وفي بعضِ الأوقات يَكِلُ المسلمينَ إلى حَوْلِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ لذنبٍ كان حصلَ منهم، وإنَّما جعلَ اللهُ الدُّنيا مُتَقَلِبَةً لِئلاَّ يَطْمَئِنَّ المسلمون إليها لِتَقَلُّبهَا، ولكنهم يسعونَ للآخرة الَّتي يكونُ نعيمُها إلى الأبدِ.
آل عمران 3:141
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ؛ معطوفٌ على قوله﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ﴾[آل عمران: ١٤٠] ؛ ومعناهُ : ويُطَهِّرَ الذين آمنُوا من ذنوبهم، يقالُ : مَحَّصْتُ الشَّيْءَ أمْحِّصُهُ مَحْصاً ؛ إذا أخْلَصْتُهُ مِنَ الْعَيْب، وَمَحِصَ الجمَلُ يَمْحَصُ مَحْصاً إذا ذهبَ عنهُ الوبَرُ لكَدِّ العملِ فصار أملسَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ ؛ أي يُعَنِّيَهُمْ وَيُهْلِكَهُمْ وَيُنْقِصَهُمْ ؛ لأنَّهم يَحْتَرِبُونَ فيخرجُوا للحرب مرَّة أخرى فَيَسْتَأْصِلُهُمْ، وهذا تأويلُ مُدَاوَلَةِ الأيَّامِ.
آل عمران 3:142
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ؛ معناهُ : أظننتُم يا معشرَ المؤمنين ﴿أنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ﴾ جِهَادَ الْمُجَاهدينَ ولا صَبْرَ الصابرينَ وَاقِعاً فيهم مُشَاهَدَةً، وهذا استفهامٌ بمعنَى الإنكار لِظَنَِّهِمْ وَحُسْبَانِهِمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ أي وَلَمْ يعلَمِ اللهُ، يقولُ الرجلُ لِمَا يفعلُ مَعْنَاهُ : لَمْ يَفْعَلْ ؛ انضمَّ إليهِ حرفُ (مَا)، وقرأ الحسنُ (وَيَعْلَمِ الصَّابِرينَ) بالكسرِ عطفاً على قولهِ ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ﴾. وأما قراءةُ النَّصب فهو نصبٌ على الظرفِ ؛ يعني على صَرْفِ آخرِ الكلامِ عن أوَّلِه على تقدير : وأن يَعْلَمَ الصابرينَ، وهو قولُ الكوفيِّين. وأمَّا البصريُّون فَيُسَمُّونَهُ نَصْباً على الجمعِ. قال الشاعرُ : لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُق وَتَأتِى مِثْلَهُ عَارٌ عَلَيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيْمُأي لا يكن منكَ النَّهْيُ عن خُلُقٍ معَ إتيانِ مثلِه، ويقالُ : لا تأكلِ السَّمكَ وتشربَ اللَّبنَ ؛ أي لا يكونُ منكَ الجمعُ بينَهما.
آل عمران 3:143
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(ذَلِكَ لَمَّا أخْبَرَهُمُ اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبيِّهِ ﷺ مَا فَعَلَ شُهَدَاؤُهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالثَّوَاب فِي الْجَنَّةِ رَغِبُوا فِي ذلِكَ وَقَالُواْ : اللَّهُمَّ أرنَا قِتَالاً لَعَلَّنَا نَسْتَشْهِدُ بهِ فَنَلْحَقُ بإخْوَانِنَا فِي الْجَنَّةِ، فَأَرَاهُمُ اللهُ تَعَالَى يَوْمَ أحُدٍ فَلَمْ يَثْبُتُواْ مَعَ النَّبيِّ ﷺ وَانْهَزَمُواْ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ مِنْهُمْ مِمَّنْ ثَبَتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ فَقُتِلَ بَعْضُهُمْ وَجُرِحَ بَعْضُهُمْ ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ).
ومعناها : وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ بعد وَقْعَةِ بدر مِنْ قَبْلِ أنْ تنظرُوا إليه يَوْمَ أحُدٍ ؛ ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ إلى السُّيُوفِ فيها الْمَوْتُ، وهذا تَعْييْرٌ لَهم لفشَلِهم عندَ الحرب مع صدقِ رغبتِهم في الشَّهادةِ. ومعنى ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ رأيتُم أسبَابَهُ.
آل عمران 3:144
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ؛ الآيةُ، قال المفسِّرون : خرجَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى أحُدٍ حتى نزلَ بالشِّعْب من أحُدٍ في سبعمائة رجلٍ، وأمَّرَ عبدَالله بن جُبير من بني عمرِو بن عَوفٍ على الرُّماة وهم خمسونَ رجُلاً، وقالَ :(أقِيْمُواْ بأصْلِ الْجَبَلِ وَأنْضَحُوا عَنَّا بالنَّبْلِ لاَ يَأْتُونَ مِنْ خَلْفِنَا، وَإنْ كَانَتْ لَنَا أوْ عَلَيْنَا فَلاَ تَبْرَحُواْ مِنْ مَكَانِكُمْ، فَإنَّا لاَ نَزَالُ غَالِبيْنَ مَا ثَبَتُّمْ مَكَانَكُمْ) فجاءَتْ قريشُ وعلى مَيْمَنَتِهِمْ خالدُ بن الوليدِ وعلى ميسرتِهم عكرمةُ بنُ أبي جهلٍ ومعهم النساءُ يضربنَ بالدُّفوفِ وَيَقُلْنَ الأشعارَ، وكانت هندُ تقول : نَحْنُ بَنَاتُ طَارقْ نَمْشِي عَلَى النَّمَارقْإنْ تَغْلِبُواْ نُعَانِقْ أوْ تُدْبِرُواْ نُفَارقْفَرَاقَ غَيْرِ وَامِقْ فحملَ رسولُ الله ﷺ وأصحابُه على المشركين فهزمُوهم، وقَتَلَ عَلِيُّ بْنُ أبي طَالِبٍ طَلحةَ بْنَ أبي طلحةَ وهو يحملُ لواءَ المشركين، وأنزلَ اللهُ نصرَهُ على المؤمنين.
قال الزُّبَيْرُ : فرأيتُ هِنْداً وصواحباتِها هارباتٍ مُصْعَدَاتٍ في الجبلِ، فلما نَظَرَتِ الرُّماةُ إلى القومِ قد انكشفُوا ورَأوا أصحابَ النبيِّ ﷺ ينتهبونَ الغنيمةَ ؛ أقبلُوا يريدون النَّهْبَ واختلفُوا فيما بينَهم، فقالَ بعضُهم : لا نتركُ أمرَ رسُولِ اللهِ ﷺ، وقال بعضُهم : ما بقيَ في الأمرِ شيءٌ. ثم انطلقَ عامَّتهم ولَحِقُوا بالعسكرِ، فلما رأى خالدُ بن الوليدِ قلَّةَ الرُّماةِ واشتغالَ المسلمين بالغنيمةِ ؛ صاحَ في المشركين ثم حَمَلَ على أصحاب النبيِّ ﷺ مِن خَلْفِهِمْ فهزمُوهم وقتلُوهم، ورمَى عبدُالله بن قَمِيئَةَ الحارثيُّ رسولَ اللهِ ﷺ بحَجَرٍ فكسرَ أنفَهُ ورُبَاعِيَّتَهُ فشجَّهُ في وجههِ وأنفِه، وتفرَّقَ عنه أصحابُه صلى الله عليه وسلم.
" وكان مصعبُ بن عُمير يَذُبُّ عن رسولِ الله ﷺ فَقُتِلَ، فَظَنَّ قاتلُه أنهُ قَتَلَ النبيَّ ﷺ ؛ فنادَى : قتلتُ مُحَمَّداً، وأقبلَ عبدُالله بن قَمِيئَةَ يريدُ قَتْلَ رسولِ الله ﷺ ؛ وقال : إنِّي قتلتُ مُحَمَّداً ؛ وصرخَ إبليسُ لَعَنَهُ اللهُ : ألاَ إنَّ مُحَمَّداً قد قُتِلَ. وانْكَفَأَ الناسُ عنه، وجعلَ رسولُ الله ﷺ يدعُو الناسَ :" إلَيَّ عِبَادَ اللهِ ؛ إلَيَّ عِبَادَ اللهِ " فاجتمعَ إليه ثلاثونَ رجُلاً فَحَمَوْهُ وكشَفُوا المشركينَ عنه، وأصيبَت يدُ طلحةَ بنِ عبدِالله فَيَبسَتْ وبها كان يَقِي رسولَ الله ﷺ، وأصيبَت عَيْنَيّ قتادةَ بن النُّعمان حتى وَقَعَتْ على وَجْنَتِهِ ؛ فردَّها رسولُ اللهِ ﷺ مكانَها فعادت أحسنَ ما كانت.
فلما انصرفَ رسولُ اللهِ ﷺ أدركَهُ أبَيُّ بنُ خَلَفِ الجمحيِّ وهو يقولُ : لا نَجوتُ إنْ نَجَا، فقال القومُ : ألاَ يعطفُ عليه رجلٌ منَّا يا رسولَ اللهِ؟! فقالَ :" دَعُوهُ ". حتى إذا دَنَا منهُ تناوَلَ رسولُ اللهِ ﷺ الْحَرْبَةَ من الْحَارثِ بن الصِّمَّةِ ؛ ثم اسْتَقْبَلَهُ فَطَعَنَهُ فِي عُنُقِهِ وخَدَشَهُ خَدْشَةً فَتَدَهْدَهَ عَنْ نَفْسِهِ وَهُوَ يَخُورُ كَمَا يَخُورُ الثَّوْرُ، وَهُوَ يَقُولُ : قَتَلَنِي مُحَمَّدٌ، وحملَهُ أصحابُه وقالوا لَهُ : ليسَ عليك بأْسٌ، قَالَ : لو كانت هذه الطعنةُ برَبيْعَةَ وَمُضَرَ لَقَتَلَتْهُمْ، أليسَ قالَ :" أقْتُلُكَ " : فلو بَزَقَ عَلَيَّ بَعْدَ تِلْكَ الْمَقَالَةِ قَتَلَنِي، فَلَمْ يَلْبَثْ إلاَّ يَوْماً حَتَّى مَاتَ ".