كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — آل عمران 3:145 – النساء 4:176
المحتويات
- آل عمران 3:145
- آل عمران 3:146
- آل عمران 3:147
- آل عمران 3:148
- آل عمران 3:149
- آل عمران 3:150
- آل عمران 3:151
- آل عمران 3:152
- آل عمران 3:153
- آل عمران 3:154
- آل عمران 3:155
- آل عمران 3:156
- آل عمران 3:157
- آل عمران 3:158
- آل عمران 3:159
- آل عمران 3:160
- آل عمران 3:162
- آل عمران 3:163
- آل عمران 3:164
- آل عمران 3:165
- آل عمران 3:166
- آل عمران 3:167
- آل عمران 3:168
- آل عمران 3:169
- آل عمران 3:170
- آل عمران 3:171
- آل عمران 3:172
- آل عمران 3:173
- آل عمران 3:174
- آل عمران 3:175
- آل عمران 3:176
- آل عمران 3:177
- آل عمران 3:178
- آل عمران 3:179
- آل عمران 3:180
- آل عمران 3:181
- آل عمران 3:182
- آل عمران 3:183
- آل عمران 3:184
- آل عمران 3:185
- آل عمران 3:186
- آل عمران 3:187
- آل عمران 3:188
- آل عمران 3:189
- آل عمران 3:190
- آل عمران 3:191
- آل عمران 3:192
- آل عمران 3:193
- آل عمران 3:194
- آل عمران 3:195
- آل عمران 3:196
- آل عمران 3:197
- آل عمران 3:198
- آل عمران 3:199
- آل عمران 3:200
- النساء 4:1
- النساء 4:2
- النساء 4:3
- النساء 4:4
- النساء 4:5
- النساء 4:6
- النساء 4:7
- النساء 4:8
- النساء 4:9
- النساء 4:10
- النساء 4:11
- النساء 4:12
- النساء 4:13
- النساء 4:14
- النساء 4:15
- النساء 4:16
- النساء 4:17
- النساء 4:18
- النساء 4:19
- النساء 4:20
- النساء 4:21
- النساء 4:22
- النساء 4:23
- النساء 4:24
- النساء 4:25
- النساء 4:26
- النساء 4:27
- النساء 4:28
- النساء 4:29
- النساء 4:30
- النساء 4:31
- النساء 4:32
- النساء 4:33
- النساء 4:34
- النساء 4:35
- النساء 4:36
- النساء 4:37
- النساء 4:38
- النساء 4:39
- النساء 4:40
- النساء 4:41
- النساء 4:42
- النساء 4:43
- النساء 4:44
- النساء 4:45
- النساء 4:46
- النساء 4:47
- النساء 4:48
- النساء 4:49
- النساء 4:50
- النساء 4:51
- النساء 4:52
- النساء 4:53
- النساء 4:54
- النساء 4:55
- النساء 4:56
- النساء 4:57
- النساء 4:58
- النساء 4:59
- النساء 4:60
- النساء 4:61
- النساء 4:62
- النساء 4:63
- النساء 4:64
- النساء 4:65
- النساء 4:66
- النساء 4:67
- النساء 4:68
- النساء 4:69
- النساء 4:70
- النساء 4:71
- النساء 4:72
- النساء 4:73
- النساء 4:74
- النساء 4:75
- النساء 4:76
- النساء 4:77
- النساء 4:78
- النساء 4:79
- النساء 4:80
- النساء 4:81
- النساء 4:82
- النساء 4:83
- النساء 4:84
- النساء 4:85
- النساء 4:86
- النساء 4:87
- النساء 4:88
- النساء 4:89
- النساء 4:90
- النساء 4:91
- النساء 4:92
- النساء 4:93
- النساء 4:94
- النساء 4:95
- النساء 4:96
- النساء 4:97
- النساء 4:98
- النساء 4:99
- النساء 4:100
- النساء 4:101
- النساء 4:102
- النساء 4:103
- النساء 4:104
- النساء 4:105
- النساء 4:106
- النساء 4:107
- النساء 4:108
- النساء 4:109
- النساء 4:110
- النساء 4:111
- النساء 4:112
- النساء 4:113
- النساء 4:114
- النساء 4:115
- النساء 4:116
- النساء 4:117
- النساء 4:118
- النساء 4:119
- النساء 4:120
- النساء 4:121
- النساء 4:122
- النساء 4:123
- النساء 4:124
- النساء 4:125
- النساء 4:126
- النساء 4:127
- النساء 4:128
- النساء 4:129
- النساء 4:130
- النساء 4:131
- النساء 4:132
- النساء 4:133
- النساء 4:134
- النساء 4:135
- النساء 4:136
- النساء 4:137
- النساء 4:138
- النساء 4:139
- النساء 4:140
- النساء 4:141
- النساء 4:142
- النساء 4:143
- النساء 4:144
- النساء 4:145
- النساء 4:146
- النساء 4:147
- النساء 4:148
- النساء 4:149
- النساء 4:150
- النساء 4:151
- النساء 4:152
- النساء 4:153
- النساء 4:154
- النساء 4:155
- النساء 4:156
- النساء 4:157
- النساء 4:158
- النساء 4:159
- النساء 4:160
- النساء 4:161
- النساء 4:162
- النساء 4:163
- النساء 4:164
- النساء 4:165
- النساء 4:166
- النساء 4:167
- النساء 4:168
- النساء 4:169
- النساء 4:170
- النساء 4:171
- النساء 4:172
- النساء 4:173
- النساء 4:174
- النساء 4:175
- النساء 4:176
آل عمران 3:145
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً﴾ ؛ قال الأخفشُ :(اللاَّمُ فِي النَّفْسِ مَنْقُولَةٌ)، تقديرهُ : وما كانَتْ نفسٌ لِتَمُوتَ إلاَّ بإذْنِ اللهِ، كتبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿كِتَاباً مُّؤَجَّلاً﴾ أي إلى أجَلٍ لِرِزْقِهِ وَعُمْرِهِ، فكلُّ نفسٍ لَهَا أجَلٌ تَبْلُغُهُ ورزْقٌ تستوفيَِهُ ؛ لا يقدرُ أحدٌ على تقديْمهِ وتأخيرِه. في هذهِ تحريضٌ للمؤمنين على القِتَالِ ؛ أي لا تتركُوا الجهادَ خِشْيَةَ الموتِ والقَتْلِ ؛ فإنَّهم لم يَملكُوا قتلَكم. وانتصبَ قولهُ ﴿كِتَاباً مُّؤَجَّلاً﴾ على المصدر كقولهِ تعالى :﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً﴾[النساء: ١٢٢] و﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾[الكهف : ٨٢، والقصص : ٤٦، والدخان : ٦، وغيرها] و﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾[النمل: ٨٨] و﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾[النساء: ٢٤]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ ؛ يعني مَن يُرِدْ بعملهِ وطاعته الْمَدْحَةَ والرِّياءَ لا يُحْرَمُ حظَّه المقسومَ له في الدُّنيا مِن غيرِ أن يكونَ لَهُ حَظٌّ في الآخرةِ، يعني نُؤْتِهِ من الدُّنيا ما شاء مِمَّا قدَّرنا له، نَزَلَ ذلك في الذينَ تَرَكُوا الْمَرْكَزَ يومَ أحُد طَلَباً للغنيمةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ ؛ أي مَن يُرِدْ بعملهِ الآخرةَ نُعْطِهِ منها ما نَقْسُمُ لَهُ في الدُّنيا من الرِّزقِ، نَزَلَ في الذينَ ثَبَتُوا مع أمِيْرِهِمْ عبدُالله بن جُبير حتى قُتِلُوا. قَولُهُ تَعَالَى :﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ ؛ أي المطيعينَ، يَجزيهِم الجنَّةَ في الآخرةِ. وقرأ الأعمشُ :(وَسَيَجْزِي الشَّاكِِرِيْنَ) بالياء، يعني اللهَ عَزَّ وَجَلَّ.
آل عمران 3:146
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ ؛ قرأ الحسنُ وأبو جعفرٍ :(وَكَاينْ) مقصوراً من غيرِ هَمْزٍ ولا تشديدٍ حيثُ وقعَ. وقرأ مجاهدُ وابنُ كثير مَمدوداً مهموزاً خفيفاً على وزن فاعِلٍ. وقرأ الباقونَ مشدَّداً مهموزاً على وزن كَعَيِّنْ، وكلُّها لغاتٌ صحيحةٌ بمعنى واحدٍ. ومعناهُ : وَكَمْ مِنْ نَبيٍّ قَاتَلَ معهُ جماعاتٌ كثيرة، ﴿فَمَا وَهَنُواْ﴾ ؛ أي فما فَرُّوا فيما بينَهم ﴿لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ؛ في طاعةِ الله، ﴿وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ﴾ ؛ أي ما جَبُنُوا عن قِتَالِ عدوِّهم وما خضعوا لعدوِّهم ؛ ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ ؛ على قِتَالِ عدوِّهم لدينِ الإسلام.
وقرأ ابنُ كثيرٍ ونافع وأبو عمرٍو :(قُتِلَ مَعَهُ). وقرأ الباقون :(قَاتَلَ مَعَهُ)، لقولهِ ﴿فَمَا وَهَنُواْ﴾ ويستحيلُ وصفُهم بقلَّة الوهنِ بعد ما قُتلوا.
وأمَّا تأويلُ قَتْلِهِ فلهُ ثلاثة أوجُهٍ ؛ أحدُها : أن يكونَ القتلُ واقعاً على النبيِّ ﷺ وحدَه ؛ وحينئذ يكون تَمامُ الكلام عند قولِهِ (قُتِلَ)، ويكون هناكَ إضمارٌ، وتقديره : وَ ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾. والثَّانِي : أن يكونَ القَتْلُ بالنبيِّ ومَن معهُ من الرِّبِّيْينَ، ويكونُ معناهُ : قُتِلَ بعضُ مَن كان معهُ. يقولُ العربُ : قَتَلْنَا بَنِي تَميمٍ ؛ وإنَّما قُتِلَ بعضُهم. وقوله ﴿فَمَا وَهَنُواْ﴾ راجع إلى الباقينَ. والثالثُ : أن يكونَ القَتْلُ لِلرُّبِّيْينَ لا غيرَ.
وقولهُ تعالى :﴿رِبِّيُّونَ﴾ : قرأ ابنُ مسعودٍ والحسن وعكرمةُ :(رُبيُّونَ) بضمِّ الراء، وقرأ الباقون بالكسرِ وهي لغةٌ فَاشِيَةٌ، وهي جمعُ الرُّبَّةِ وهي الفرقةُ. قال ابنُ عبَّاس ومجاهدُ وقتادة والسُّدي :(جُمُوعٌ كَثِيْرَةٌ). وقال ابنُ مسعود :(الرِّبيُّونَ : الأُلُوفُ). وقال الضحَّاك :(الرُّبيَّةُ الواحِدَةُ ألْفٌ). وقال الكلبيُّ :(الرُّبيَّةُ الْوَاحِدَةُ عَشْرَةُ آلاَفٍ). وقال الحسنُ :(الرِّبيُّونَ هُمُ الْعُلَمَاءُ الْفُقَهَاءُ الصُّبَرَاءُ). وقال ابنُ زيدٍ :(الرَّبَّانِيُّونَ الْوُلاَّةُ، وَالرِّبيُّونَ الرَّعِيَّةُ). وقال بعضُهم : الرِّبيُّونَ الذينَ يعبدُون الرَّبَّ، كما ينسبُ البصرُّيون إلى البصرةِ. وقيل : الرِّبيُّونَ الْمُنِيبُونَ إلَى اللهِ تعالى.
آل عمران 3:147
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ ؛ حكايةُ قول الرِّبيِّينَ ؛ أي ما كان قولُهم عند قتالِهم (إلاَّ أنْ قَالُوا : رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا) الصغائِرَ والكبائرَ. والإسرافُ في اللغة : مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ بارْتِكَاب الذُُنُوب الْعِظَامِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ ؛ أي ثَبتْهَا للقتالِ بتَقْوِيَةِ قلوبنا. ﴿وانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ؛ أي أعِنَّا عليهم بإلقاءِ الرُّعْب في قلوبهم أي هَلاَّ قُلْتُمْ أيُّها المؤمنون كما قالَ الرِّبيُّونَ ؛ وهَلاَّ قَاتَلْتُمْ كما قاتَلوا.
قرأ الأعمشُ :(وَمَا كَانَ قَوْلُهُمْ) بالرفعِ على أنه اسمُ (كَانَ) والخبرُ ما بعدَ (إلاَّ). وقرأ الباقون بالنصب على خبر (كَانَ)، والاسمُ ما بعدَ (إلاَّ) كما في قوله :﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾[الأعراف: ٨٢] و﴿مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾[الجاثية: ٢٥] ونحوِهما.
آل عمران 3:148
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾ ؛ أي أعطاهم اللهُ النصرَ والغنيمةَ والفتحَ والثناءَ الْحَسَنَ في الدُنيا ؛ والجنَّةَ في الآخرةِ. ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ؛ أي الْمُجَاهِدِيْنَ. وفي الآيةِ دلالةٌ : أنهُ قد يجوزُ اجتماع الدُّنيا والآخرةِ لِوَاحِدٍ، وعن عَلِيٍّ رضي الله عنه أنهُ قالَ :(مَنْ عَمِلَ لِدُنْيَاهُ أضَرَّ بآخِرَتِهِ، وَمَنْ عَمِلَ لآخِرَتِهِ أضَرَّ بدُنْيَاهُ، وَقَدْ يَجْمَعُهُمَا اللهُ تَعَالَى لأقْوَامٍ).
آل عمران 3:149
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ؛ يعني اليهودَ والنصارى فيما يقولونَ لكم أنَّ مُحَمَّداً ﷺ لو كانَ حَقّاً لَمَا ظهرَ عليه المشركونَ، ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ ؛ أي دينِ الشِّرك، ﴿فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ﴾ ؛ أي فترجِعوا مَغبُونِين إلَى دِينكم الأوَّل ؛ ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاَكُمْ﴾ ؛ أي وَلِيُّكُمْ وناصرُكم، ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ ؛ المانِعين من الكفَّار، لأنَّ أحَداً لا يقدِرُ أن يَنْصُرَ كَنَصْرِهِ، ولا أنْ يدفعَ كدفاعِه. وقُرئ في الشواذِّ :(بَلِ اللهَ) بالنصب على معنى : بَلْ أطيعُوا اللهَ.
آل عمران 3:150
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ؛ يعني اليهودَ والنصارى فيما يقولونَ لكم أنَّ مُحَمَّداً ﷺ لو كانَ حَقّاً لَمَا ظهرَ عليه المشركونَ، ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ ؛ أي دينِ الشِّرك، ﴿فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ﴾ ؛ أي فترجِعوا مَغبُونِين إلَى دِينكم الأوَّل ؛ ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاَكُمْ﴾ ؛ أي وَلِيُّكُمْ وناصرُكم، ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ ؛ المانِعين من الكفَّار، لأنَّ أحَداً لا يقدِرُ أن يَنْصُرَ كَنَصْرِهِ، ولا أنْ يدفعَ كدفاعِه. وقُرئ في الشواذِّ :(بَلِ اللهَ) بالنصب على معنى : بَلْ أطيعُوا اللهَ.
آل عمران 3:151
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾ ؛ قالَ السُّدِّيُّ :(ارْتَحَلَ أبُو سُفْيَانَ وَالْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ مُتَوَجِّهِيْنَ نَحْوَ مَكَّةَ، فَلَمَّا بَلَغُواْ بَعْضَ الطَّرِيْقِ نَدِمُوا ؛ وَقَالُواْ : بئْسَ مَا صَنَعْنَا ؛ قَتَلْنَاهُمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إلاَّ الْيَسِيْرَ ثُمَّ تَرَكْنَاهُمْ، ارْجِعُواْ فَاسْتَأْصِلُوهُمْ. فَلَمَّا عَزَمُواْ عَلَى ذلِكَ ؛ ألْقَى اللهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ حَتَّى رَجَعُواْ عَمَّا هَمُّوا بهِ - وستأتِي هذه القصةُ بتمامها إنْ شاءَ اللهُ تعالى - فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ).
وقرأ أبو أيُّوب :(سَيُلْقِي) بالياء يعني (اللهُ مَوْلاَكُمْ). وقرأ الباقون بالنُّون على التَّعظِيْمِ ؛ أي سَنَقْذِفُ في قلوب الذين كفروُا الخوفَ، وَثَقَّلَ (الرُّعْبَ) ابن عامرٍ والكسائيُّ، وخفَّفه الآخرون. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بِمَآ أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ﴾ بإشراكِهم بالله ما لَمْ يُنَزِّلْ به كتاباً فيه عذرٌ وحجَّةٌ لَهم. وقيل : معنى قولهِ ﴿سُلْطَاناً﴾ أي حُجَّةً وبيَاناً وبُرهَاناً.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ ؛ أي مصيرُهم في الآخرةِ النارُ، وبئس مقامُ الظالمين النارَ في الآخرةِ. وروي في الخبر :" أنَّ أبَا سُفْيَانَ صَعَدَ الْجَبَلَ يَوْمَ أُحُدٍ ؛ فَقَالَ ﷺ :" اللَّهُمَّ إنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ أنْ يَعْلُونَا " فَمَكَثَ أبُو سُفْيَانَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ : أيْنَ ابنُ أبي قُحَافَةَ ؟ أيْنَ ابْنُ الْخَطَّاب ؟ أيْنَ مُحَمَّدٌ ؟ فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه : هَذا رَسُولُ الله ﷺ، وَهَذا أبُو بَكْرٍ، وَهَا أنَا عُمَرُ، فَقَالَ أبُو سُفْيَانَ : نَشَدْتُكَ اللهَ يَا ابْنَ الْخَطَّاب ؛ أمُحَمَّدٌ فِي الأَحْيَاءِ ؟ قَالَ : إيْ وَاللهِ يَسمَعُ كَلاَمَكَ، فَقَالَ : أيْنَ الْمَوْعِدُ ؟ يَعْنِي أيْنَ نُحَاربُ بَعْدَ هَذا ؟ فَقَالَ ﷺ :" قُلْ : ببَدْرٍ الصُّغْرَى " وَكَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ الصُّغْرَى بَعْدَ أحُدٍ بسَنَةٍ، فَخَرَجَ النَّبيُّ ﷺ لِبَدْر الصُّغْرَى عَلَى الْمَوْعِدِ، وَرُعِبَ الْمُشْرِكُونَ فَلَمْ يَتَجَاسَرُواْ عَلَى الْحُضُور.
وروي أنَّ أبَا سُفْيَانَ رَكِبَ الْجَبَلَ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ : أعْلُ هُبَلَ ؛ أعْلُ هُبَلَ! فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه : اللهُ أعْلاَ وَأجَلُّ، فَقَالَ أبُو سُفْيَانَ : يَوْمٌ بيَوْمٍ ؛ وإنَّ الأَيَّامَ دُوَلَةٌ وَالْحَرْبَ سِجَالٌ، فَقَالَ عُمَرُ : لاَ سَواءٌ قَتْلاَنَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلاَكُمْ فِي النَّارِ.
آل عمران 3:152
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ﴾ ؛ وذلك : أنَّهُ لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأصْحَابُهُ إلَى الْمَدِيْنَةِ وَقَدْ أصَابَهُمْ مَا أصَابَهُمْ : قَالَ أنَاسٌ مِنْهُمْ : مِنْ أيْنَ أصَابَنَا هَذا وَقَدْ وَعَدَنَا اللهُ النَّصْرَ؟! فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ الذي وعدَ بالنصرِ والظَّفَرِ يومَ أحُدٍ وهو قولهُ :﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ﴾[آل عمران: ١٢٠] الآيةُ.
" وقَوْلُ النَّبيِّ ﷺ للرُّمَاةِ :" لاَ تَبْرَحُواْ مِنْ مَكَانِكُمْ "، وَكَانَ ﷺ قَدْ جَعَلَ أحُداً خَلْفَ ظَهْرِهِ وَاسْتَقْبَلَ الْمَدِيْنَةَ، وَأقَامَ الرُّمَاةَ فِيْمَا يَلِي خَيْلَ الْمُشْرِكِيْنَ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَاللهِ بْنَ جُبَيْرٍ الأَنْصَارِيَّ، وَقَالَ لَهُمْ :" احْمُوا ظُهُورَنَا، وَإنْ رَأيْتُمُونَا قَدْ عِشْنَا فَلاَ تُشْرِكُونَا، وَإنْ رَأيْتُمُونَا نُقْتَلُ فَلاَ تَنْصُرُونَا " وأَقْبَلَ الْمُشْرِكُونَ وأَخَذُواْ فِي الْقِتالِ، فَجَعَلَ الرُّمَاةُ يَتَرَشَّقُونَ خَيْلَ الْمُشْرِكِيْنَ بالنَّبْلِ، وَالْمُسْلِمُونَ يَضْرِبُونَهُمْ بالسَّيْفِ ؛ حَتَّى وَلَّوْا هَاربيْنَ وانْكَشَفُواْ مَهْزُومِيْنَ، فَذلِكَ قَوْلُهُ ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ أي تقتلونَهم قَتْلاً ذريعاً شديداً في أوَّل الحرب بأمْرِه وعلمِه ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ﴾ أي إلَى أن فَشِلْتُمْ جعلُوا (حَتَّى) بمعنى (إلَى) فحينئذ لا جوابَ لهُ، وقيل :(حَتَّى) بمعنى : فَلَمَّا، وفي الكلامِ تقديمٌ وتأخير.
قالوا : وفِي قوله ﴿وَتَنَازَعْتُمْ﴾ مُقْحَمَةٌ تقديرهُ : حتَّى اذا تنازَعتم في الأمرِ وعصيتُم فشِلْتُم ؛ أي جَبُنْتُمْ وضَعُفْتُمْ. وكان ﴿تَنَازَعْتُمْ﴾ أنَّ الرُّمَاةَ لَمَّا انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ وَقَعَ المُسْلِمُونَ فِي الْغَنَائِمِ ؛ قَالُواْ : قَدِ انْهَزَمَ الْقَوْمُ وَأمِنَّا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لاَ تُجَاوزُواْ أمْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَثَبَتَ عَبْدُاللهِ بْنُ جُبَيرٍ فِي نَفَرٍ يَسِيْرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ دُونَ الْعَشْرَةِ ؛ قِيْلَ : ثََمَانِيَةٌ، وَانْطَلَقَ الْبَاقُونَ يَنْتَهِبُونَ، فَلَمَّا نَظَرَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيْدِ وَعِكْرِمَةُ بْنُ أبي جَهْلٍ إلَى ذلِكَ ؛ حَمَلُواْ عَلَى الرُّمَاةِ مِنْ قِبَلِ ذلِكَ الشِّعْب فِي مِائَتَيْنِ وَخَمْسِيْنَ فَارِساً مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ، وَكَانَ خَالِدُ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكاً ؛ فَقَتَلَ عَبْدَاللهِ بْنَ جُبَيْرٍ وَمَنْ بَقِيَ مَعَهُ مِنَ الرُّمَاةِ، وأَقْبَلُوا عَلَى الْمُسْلِمِيْنَ مِنْ خَلْفِهِمْ، وَتَفَرَّقَ الْمُسْلِمُونَ وَانْتَقَضَتْ صُفُوفُهُمْ وَاخْتَلَطُواْ، وَحَمَلَ عَلَيْهِمُ الْمُشْرِكُونَ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَصَارَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ بَيْنِ قَتِيْلٍ وَجَرِيْحٍ وَمُنْهَزِمٍ وَمَدْهُوشٍ، وَنَادَى إبْلِيْسُ : ألاَ إنَّ مُحَمَّداً قَدْ قُتِلَ، فذلكَ قوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ﴾ أي لَمَّا اختلفتُم في الأمرِ الذي أمرَكم رسولُ اللهِ ﷺ من الثباتِ على المركزِ، وعصيتُم الرسولَ من بعدِ ما أراكُم ما تحبُّون من النَّصرِ على عدوِّكم والظفرِ والغنيمة. قال بعضُ المفسِّرين : جوابُ ﴿إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ هَا هُنَا مُقَدَّرٌ، كأنهُ قالَ : إذا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ امْتُحِنْتُمْ بما رأيتُم من القتلِ والبلاءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ ؛ معنى : مِنَ الرُّمَاةِ مَن يريدُ الحياة ؟ وهمُ الذينَ تركُوا الْمَرْكَزَ وَلم يَثْبُتُوا فيهِ ووقعُوا في الغنائمِ، ﴿وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ يعني : الذينَ ثَبَتُوا في المركزِ مع عبدِاللهِ بن جُبير وباقِي الرُّماة حتَّى قُتِلُوا.
آل عمران 3:153
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَـابَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَـابَكُمْ﴾ ؛ راجعٌ إلى قولهِ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾[آل عمران: ١٥٢] لأنَّ عفوَه عنهم لا بُدَّ أن يتعلَّقَ بذنبٍ منهم ؛ وذلك الذنبُ ما بيَّنهُ بقولهِ ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ﴾ أي ولقد عَفَا عنكُم ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ أي إذ تُبْعَدُونَ هَرَباً في الأرضِ بالْهَزِيْمَةِ. والإصْعَادُ : السَّيْرُ فِي مُسْتَوَى الأَرْضِ.
وقرأ الحسنُ وقتادة :(تَصْعَدُونَ) بفتحِ التاء والعين. قال أبو حاتِمٍ : يقالُ : أصْعَدْتُ ؛ إذا مَضَيْتُ حِيَالَ وَجْهِكَ، وَصَعَدْتُ ؛ إذا رَقِيْتُ عَلَى جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِ. والإصْعَادُ : السَّيْرُ فِي مُسْتَوَى الأَرْضِ وَبُطُونِ الأوديةِ والشِّعاب. والصُّعُودُ : الارتفاعُ على الجبلِ والسُّطوح والسَّلالم والمدرَجِ، وكِلاَ القراءتين صوابٌ. وقد كان يومئذٍ منهم صَاعِدٌ مُصْعِدٌ ؛ أي صاعدٌ إلى الجبلِ، ومُصْعِدٌ هَاربٌ على وجههِ، وَالرَّسُولُ يَدْعُوهُمْ :" إلَيَّ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِيْنَ ؛ وَيَا أصْحَابَ الْبَقَرَةِ وَآلَ عِمْرَانَ أَنَا رَسُولُ اللهِ " فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ مِنْهُمْ أحَدٌ حَتَّى أتَوا عَلَى الْجَبَلِ. ويحتملُ أنَّهم ذهبُوا في بَطْنِ الوادِي أوَّلاً ؛ ثُمَّ صَعَدُوا الجبلَ، فَلا تَنَافِيَ حينئذٍ بين القرائَتين.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ﴾ أي لا تُعَرِّجُونَ ولا تُقِيْمُونَ على رسولِ الله ﷺ فلا يقيمُ بعضُكم على بعضٍ ولا يَلْتَفِتُ بعضكم إلى بعضٍ. وقرأ الحسن :(وَلاَ تَلُونَ) بواوٍ واحدة، كما يقالُ : اسْتَحَيْتُ وَاسْتَحْيَيْتُ. قال الكلبيُّ :(يَعْنِي بقَوْلِهٍ (عَلَى أحَدٍ) النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ أي مِن خلفِكم، وذلكَ أنَّهُ لَمَّا انْهَزَمَ الْْمُسْلِمُونَ لَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلاَّ ثَلاثَة عَشَرَ رَجُلاً، خَمْسَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِيْنَ : أبُو بَكْرٍِ ؛ وَعَلِيٌّ ؛ وَعَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ؛ وَطَلْحَةُ بْنُ عَبْدِاللهِ ؛ وَسَعْدٌ، وَثَمَانِيَةٌ مِنَ الأنْصَارِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَثَـابَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَـابَكُمْ﴾ أي جزاكم غَمّاً مُتَّصلاً بغمٍّ ؛ فَأحدُ الغمَّين الْهَزِيْمَةُ وَقَتْلُ أصحابهم، والثَّانِي : إشْرَافُ خالدٍ في فَمِ الشِّعْب مع خَيْلِ المشركينَ. وقيل : الغمُّ الأوَّلُ هو القتلُ والجراحُ، والثانِي : سَمَاعُهم بأنَّ النبيَّ ﷺ قُتِلَ ؛ فأساءَهم الغمُّ الأوَّل بقولهِ ﴿لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ أي إذْ أنالَكُم غمَّ النبيِّ ﷺ نِلْتُمْ بهِ كل غمٍّ من فَوْتِ الغنيمةِ والْهَزِيْمَةِ. وقيل : معناهُ : مَن تَرَادَفَتْ عليه الغمُومُ واعتادَ في ذلك يقلُّ حُزْنُهُ وتأسُّفه على ما يفوتُه من الدُّنيا.
وقال الزجَّاج :(مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿غَمّاًً بِغَمٍّ﴾ أي جَزَاكُمْ غَمّاً بمَا غَمَمْتُمْ النَّبيَّ ﷺ بمُفارَقَةِ الْمَكَانِ الَذِي أمَرَكُمْ بحفْظِهِ). وقال الحسنُ :(مَعْنَى هَذا الغَمِّ بغَمِّ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍٍ). ويقالُُ :﴿لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ متَّصِلٌ بقولهِ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾[آل عمران: ١٥٢]، وقيلَ : معناهُ :﴿لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ بمعنى الغنيمةِ والفَتحِ. ﴿لاَ مَآ أَصَـابَكُمْ﴾ :(مَا) في موضعِ خَفْضٍ ؛ أي وَلاَ مَا أصَابَكُمْ مِن القتلِ والْهَزِيْمَةِ. وقال بعضُهم :(لاَ) زائدةٌ ؛ معناهُ : لِكَي تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَمَا أصَابَكُمْ ؛ عقوبةً لكم فِي خِلافكم وتَرْكِكُمْ الْمَرْكَزَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ؛ أي عالِمٌ بأعمالِكم من إغْتِمَامِ المسلمينَ وشَمَاتَةِ المنافقينَ.
آل عمران 3:154
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً﴾ ؛ الآيةُ ؛ وذلك أنَّهُ لَمَّا افْتَرَقَ الْفَرِيْقَانِ ؛ " بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيّاً رضي الله عنه فِي إثْرِ الْمُشْرِكِيْنَ وَقَالَ لَهُ :" انْظُرْ ؛ فَإنْ هُمْ جَنَبُواْ الْخَيْلَ وَرَكِبُواْ الإبلَ فَهُمْ يُرِيدُونَ مَكَّةَ، وَإنْ رَكِبُواْ الْخَيْلَ وَسَاقُواْ الإبلِ فَهُمْ يُرِيْدُونَ الْمَدِيْنَةَ ". فَخَرَجَ عَلِيٌّ فِي إثْرِهِمْ فََإذا هُمْ رَكِبُواْ الإبلَ وَقَادُواْ الْخَيْلَ، فَرَجَعَ عَلِيٌّ رضي الله عنه وَأَخْبَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : سَمِعْتُهُمْ يَقُولونَ إنَّا قَدِ اْجتَمَعْنَا لِنُحَاربَ ثَانِياً، فَقَالَ ﷺ :" كَذبُواْ ؛ فَإنَّهُمْ أرَادُوا الإنْصِرَافَ إلى مَكَّةَ " فَكَانَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَمِنَ الْمُسْلِمُونَ، وأَلْقَى اللهُ عَلَيْهِمُ النَّوْمَ ؛ فَمَا بَقِيَ مِنْهُمْ أحَدٌ إلاَّ وَقَدْ ضَرَبَ ذقْنَهُ صَدْرَهُ ؛ إلاَّ مُعَتَّبَ بْنَ قُشَيْرٍ وَأصْحَابَهُ الَّذِيْنَ كَانُواْ يَشُكُّونَ فِي أمْرِ النَّبيِّ ﷺ ؛ لَمَّا عَلِمَ اللهُ مِنْ بَاطِنِهِمْ خِلاَفَ مَا عَلِمَ مِنْ بَاطِنِ الْمُؤْمِنِيْنَ مَنَعَهُمْ مَا أَعْطَى الْمُؤْمِنِينَ ؛ فَتَرَدَّدُواْ فِي الْخَوْفِ عَلَى أنْفُسِهِمْ وَسُوءِ الظَّنِّ برَبهِمْ ؛ يَئِسُواْ مِنْ نَصْرِهِ وَشَكُّوا فِي صَادِقِ وَعْدِهِ وَصَادِقِ عَهْدِهِ.
ومعنى الآية :﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الْغَمِّ﴾ الذي كنتُم فيه أمْناً. قوله :(نُعَاساً) بدلٌ مِن (أمَنَةً) أي أمَّنَكُمْ أمَناً تَنَامُونَ معهُ ؛ لأنَّ الْخَائِفَ لا ينامُ، ومِن هنا قالَ ابنُ مسعود رضي الله عنه :(النُّعَاسُ فِي الصَّلاَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَفِي الْقِتَالِ مِنَ الرَّحْمَنِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنْكُمْ﴾ ؛ قرأ الأعمشُ وحمزة والكسائيُّ وخلفُ :(تَغْشَى) بالتاء ؛ ردُّوه إلى الأمَنَةِ، وقرأ الباقونَ بالياءِ ؛ ردُّوه إلى النُّعاسِ ؛ لأن النعاسَ يلي الفعلَ، فالتذكيرُ أوفَى منهُ مِمَّا بَعُدَ منهُ، وهذا قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى﴾[القيامة: ٣٧] بالياء والتَّاء، والمراد بالطائفةِ التي غَشِيَهُمُ النُّعاسُ أهلُ الصدقِ واليقين. قال أبو طَلْحَةَ رضي الله عنه :(رَفَعْتُ رَأَسِي يَوْمَ أُحُدٍ ؛ فَجَعَلْتُ مَا أرَى أحَداً مِنَ النَّاسِ إلاَّ وَهُوَ يَمِيلُ تَحْتَ حَجَفَتِهِ مِنَ النُّعَاسِ) قالَ أبو طلحةَ :(كُنْتُ مِمَّنْ أنْزَلَ اللهُ عَلِيْهِ النُّعَاسَ يَوْمَئِذٍ ؛ وَكَانَ السَّيْفُ يَسْقُطُ مَنْ يَدِي ثُمَّ آخُذُهُ ؛ ثُمَّ يَسْقُطُ مَنْ يَدِي ثُمَّ آخُذُهُ).
والمرادُ بقولهِ تعالى :﴿وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ ؛ المنافقونَ : مُعَتِّبُ ابْنُ قُشَيْرٍ وأصحابُه أمَرَتْهُمْ أنفسُهم وحملتْهُم على الغمِّ، يقالُ لكلِّ مَن خَافَ وَحَزُنَ فِي غيرِ موضعِ الْحُزْنِ والخوفِ : أهَمَّتْهُ نَفْسُهُ.
قَوْلُهُ :﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ ؛ يعني هذه الطائفةَ التي قد أهَمَّتْهُمْ أنفسُهم ؛ يَظُنُّونَ باللهِ أنْ لا ينصرَ مُحَمَّداً وأصحابَه، وقيل : ظَنُّوا أنَّ مُحَمَّداً ﷺ قد قُتِلَ، وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ أي كَظَنِّ أهلِ الجاهليَّةِ والشِّركِ، وقيل : كَظَنِّهِمْ في الجاهليَّة، ﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ ؛ أي مَا لَنَا مِن الأمرِ من شيءٍ، لفظةُ استفهامٍ ومعناها : الْجَحْدُ ؛ يعنون النَّصْرَ.
آل عمران 3:155
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ ؛ أي إنَّ الذين انْهزمُوا منكم يا معشرَ المؤمنين يومَ التقَى الْجَمْعَانِ ؛ جَمْعُ المسلمينَ وجَمْعُ المشركين، إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشيطانُ عن أماكنِهم ببعضِ ما كَسَبُوا ؛ وهو مفارقةُ المكانِ الذي أمرَ رسولُ اللهِ ﷺ بحفظهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ ؛ حينَ لَم يستأصِلْهم. ويقالُ في معنَى هذه الآيةِ : إنَّهم لَم يفرُّوا على جهةِ المعاندَةِ والفرار من الزَّحف، ولكنْ أذْكَرَهُمُ الشيطانُ خطايَاهُم التي كانَتْ منهُم ؛ فَكَرِهُواْ لقاءَ اللهِ إلاَّ على حالةٍ يرضَونَها، ولذلك عَفَا اللهُ عنهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ؛ أي متجاوزٌ لذنوبهم لَمْ يُعَجِّلْ بالعقوبةِ عليهم. رويَ :(أنَّ رَجُلاً مِنَ الْخَوَارجِ أتَى عَبْدَاللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنه فَسَأَلَهُ عَنْ عُثْمَانَ رضي الله عنه : أكَانَ شَهِدَ بَدْراً ؟ قَالَ :(لاَ)، قَالَ : شَهِدَ بَيْعَةَ الرُّضْوَانِ ؟، قَالَ :(لاَ)، قَالَ : فَكَانَ مِنَ الَّذِينَ تَوَلَّوا يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ؟ قًَالَ :(نَعَمْ). فَوَلَّى الرَّجُلُ يَهُزُّ فَرَحاً، فَلَمَّا عَلِمَ ابْنُ عُمَرَ بُغْضَهُ لِعُثْمَانَ قَالَ لَهُ :(ارْجِعْ) ؛ فَرَجَعَ، فَقَالَ لَهُ :(أمَّا تَخَلُّفُهُ يَوْمَ بَدْرٍ ؛ فَإنَّ النّبيَّ ﷺ خَلَّفَهُ عَلَى ابْنَتِهِ رُقَيَّةُ يَقُومُ عَلَيْهَا، كَانَتْ مَرِيْضَةً فَتُوُفِّيَتْ يَوْمَ بَدْر، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فِي الْغَزْوِ، وَعُثْمَانُ رضي الله عنه فِي تَكْفِيْنِ ابْنَةِ رَسُولِ اللهِ وَدَفْنِهَا وَالصَّلاَةِ عَلَيْهَا ؛ فَلَمَّا رَجَعَ النَّبيُّ ﷺ جَعَلَ أجْرَهُ كَأَجْرِهِمْ وَسَهْمَهُ كَسَهْمِهِمْ.
وَأَمَّا بَيْعَةُ الرُّضْوَانِ ؛ " فَقَدْ بَايَعَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى الْيُمْنَى، وَقَالَ :" هَذِهِ عَنْ عُثْمَانَ " وَيَسَارُ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَيْرٌ مِنْ يَمِيْنِ عُثْمَانَ رضي الله عنه " )). وَأمَّا الَّّذِيْنَ تَوَلَّواْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ؛ فَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيْمٌ ؛ فَاجْهَدْ عَلَى جَهْدِكَ، فَقَامَ الرَّجُلُ حَزْنَانَ نَاكِساً رَأَسَهُ.
آل عمران 3:156
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ﴾ ؛ معناهُ :(يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا) كَمُنَافِقِي أهلِ الكتاب عبدِالله بن أبَيّ وأصحابه ؛ قالُوا لإخْوَانِهِمْ فِي النِّفَاقِ إذا سَارُواْ فِي الأرْضِ تُجَّاراً مسافرينَ فَمَاتُوا في سفرِهم أو كانوا في الغَزْو فَقُتِلُوا لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا في سَفَرِهم، وما قُتِلُوا في الغزو.
وَغُزّاً جَمْعُ غَازٍ مْثْلُ رَاكِعٍ وَرُكَّعٍ، وقد يُجمع غَاز على غُزَاةٍ، مِثْلُ قَاضٍ وَقُضَاةٍ.
وَقَوْلُهُ :﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ؛ أي ليجعلَ اللهُ ما ظَنُّوا حُزْناً يتردَّدُ في أجوافِهم. ثم أخبرَ اللهُ أنَّ الموتَ والحياة إليه لا يُقَدِّمَانِ لِسَفَرٍ ولا يُؤَخَّرَانِ لِحَضَرٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ﴾ ؛ يُحَذِّرُهُمْ عن التَّخَلُّفِ عن الجهادِ وخِشْيَةَ الموتِ والقَتْلِ ؛ لأن الإحياءَ والإماتَةَ إلى اللهِ تعالى في السَّفرِ والحضَرِ ؛ وحالَ القتالِ وحالَ غيرِ القتالِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ؛ ترغيبٌ في الطاعةِ، وتحذيرٌ من المعصيةِ. قرأ ابنُ كثير والأعمشُ والحسن وحمزةُ والكسائي وخلفُ : بالياءِ، والباقون بالتاءِ.
آل عمران 3:157
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ؛ معناهُ : لو قُتِلْتُمْ في طاعةِ الله أو مُتُّمْ فيها ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من الأموالِ. وإنَّما قالَ هكذا وإن كانَ هو معلوماً ؛ لأن مِن الناسِ مَنْ آثَرَ الدُّنيا على الجهادِ وخِشْيَةِ القَتْلِ.
قرأ حَفْصٌ :(يَجْمَعُونَ) بالياء على الخبر ؛ خَيْرٌ لكم أيُّها المؤمنونَ مِمَّا يجمعُ المنافقون في الدُّنيا. وقرأ نافعُ وأكثرُ أهلِ الكوفة :(مِتُّمْ) بكسرِ الميم مِنْ مَاتَ يُمَاتُ. وقرأ الباقونَ بضَمِّهَا مِن مَاتَ يَمُوتُ.
آل عمران 3:158
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ﴾ ؛ معناهُ : لَئِنْ مُتُّمْ على فُرَشِكُمْ، أو قُتِلْتُمْ في الغَزْو فَإلَى اللهِ تُرْجَعُونَ في الآخرةِ، كيفَ ما دارَتِ القصَّة فإنَّ مصيرَكم إلى اللهِ، ولئن تصِيرُوا إلى اللهِ بالقتلِ الذي تستحقُّون عليه العِوَضَ خيرٌ من أنْ تصيروا إليه بالموتِ الذي لا يستحقُّون عليه العِوَضَ. قال عَلِيٌّ رضي الله عنه : فَإنْ تَكُنِ الأَبْدَانُ لِلْمَوْتِ أنْشِئَتْ فَمَقْتَلُهَا بالسَّيْفِ فِي اللهِ أفْضَلُواللاَّمُ في (لَئِنْ) لامُ القسَمِ، وتصلحُ أن تكونَ للابتداءِ والتأكيدِ، واللامُ في ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ جوابُ القسَم، وتصلحُ أن تكون مؤكِّدةً جوابَ الشرطِ.
آل عمران 3:159
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ ؛ أي فَبرَحْمَةٍ عظيمةٍ مِن الله لِنْتَ لَهم حتى صار لِيْنُكَ لَهُمْ سَبَباً لِدخولِهم في الدِّينِ ؛ لأنه ﷺ أتاهُم بالحُجَجِ والبَرَاهِيْنِ مع لِيْنٍ وخُلُقٍ عظيمٍ، ولِهذا قالَ ﷺ :" إنَّمَا أنَا لَكُمْ مِثْلَ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ "
و (مَا) في قولهِ زائدةٌ لا يَمْنَعُ الباءُ من عملِها، مثلَ قولِهِم﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ﴾[النساء: ١٥٥] قال بعضُهم : يُحتمل أن تكونَ (مَا) استفهاميةٌ للتعجُّب ؛ تقديرهُ : فَبمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ سَهُلَتْ لَهُمْ أخْلاَقُكَ وكثرَةُ احتمالِكَ ؛ فلم تَغْضَبْ عليهم فيما كان منهم يومَ أحُدٍ.
قولهُ :﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ ؛ أي لو كنتَ يا مُحَمَّدُ خَشِناً في القولِ سَيِّءَ الْخُلُقِ قَاسِيَ القلب لتفرَّقُوا من حولِكَ، فلم تَرَ منهُم أحداً، ولكنَّ اللهَ جعلَكَ سَمحاً سَهْلاً طَلْقاً لَطِيْفاً لَيِّناً بَرّاً رَحِيْماً.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ؛ أي فَاعْفُ عَنْهُمْ مَا أتَوْهُ يومَ أحُدٍ ؛ وتَجَاوَزْ عنهُم الجريْمةَ التي تكونُ بينَكَ وبينَهم، وكانوا عَصَوِا النَّبيَّ ﷺ في تركِ المركزِ، وتركِ الآية لِدَعْوَتِهِ :[ارْجِعُوا ارْجِعُوا]، فَنَدَبَ اللهُ النبيَّ ﷺ إلى العَفْوِ عنهُم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أي في الذنب الذي يكونُ منهم حتى أُشَفِّعَكَ فيهِم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ ؛ أي إذا أردتَ أن تعملَ عملاً مِمَّا لم يكن عندكَ فيه وحيٌ فَشَاورْهُمْ فيهِ، وَاعْمَلُ أبداً بتدبيرِهم ومشورتِهم، وكانَ ﷺ مُسْتَغْنِياً عن مشورتِهم، فإنَّهُ كان أرشدَهم وأكملَهم رأياً، لكنَّ الله إنَّما أمرهُ بالْمُشَاوَرَةِ لِتَقْتَدِيَ بهِ الأُمَّةُ، وليكونَ فيه تطييبٌ لنفوسِ المؤمنينَ، ورفعٌ لأقدارهم وثناءٌ عليهم. قال مقاتلُ وقتادة :(كَانَتْ سَادَاتُ الْعَرَبِ إذا لَمْ يُشَاوَرُواْ فِي الأَمْرِ شُقَّ عَلَيْهِمْ، فَأُمِرَ النَّبيُّ ﷺ بمُشَاوَرَتِهِمْ فِي الأَمْرِ ؛ فَإنَّهُ أطْيَبُ لأَنْفُسِهِمْ، وَإذا شاوَرُاْ عَرَفُواْ إكْرَامَهُ لَهُمْ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ؛ أي أعْزَمْتَ على شيءٍ فَثِقْ باللهِ، وفَوِّضْ إليه ولا تَتَّكِلْ على مشورتِهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ ؛ عَلَى اللهِ.
واختلفَ العلماءُ في معنى التَّوَكُّلِ، فقال سهلُ بن عبدِالله :(أوَّلُ مَقَامِ التَّوَكُّلِ : أنْ يَكُونَ الْعَبْدُ بَيْنَ يَدَي اللهِ كَالْمَيِّتِ بَيْنَ يَدَي الْغَاسِلِ، يُقَلِّبُهُ كَيْفَ يَشَاءُ، وَالرَّجَاءُ لاَ يَكُونَ لَهُ حَرَكَةٌ وَلاَ تَدْبيرٌ، وَالْمُتَوَكِّلُ لاَ يَسْأَلُ وَلاَ يَرُدُّ وَلاَ يَحْبسُ). وقال إبراهيمُ الخوَّاص :(التَّوَكُّلُ إسْقَاطُ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ مِمَّا سِوَى اللهِ).
قال بعضُهم : المتوكِّلُ الذي إذا أعْطِيَ شَكَرَ، وإذا مُنِعَ صَبَرَ، وَأن يكونَ العطاءُ والمنعُ عندَه سواءٌ، والمنعُ مع الشُّكْرِ أحبُّ إليه لِعِلْمِهِ باختيار اللهِ ذلكَ. وقال ذُو النُّونُ :(التَّوَكُّلُ إنْقِطَاعُ الْمَطَامِعِ مِمَّا سِوَى اللهِ)، وقالَ :(هُوَ مَعْرِفَةُ مُعْطِي أرْزَاقِ الْخَلاَئِقِ، وَلاَ يَصُحُّ لأَحَدٍ حَتَّى تَكُونَ السَّمَاءُ عِنْدَهُ كَالصِّفْرِ ؛ وَالأَرْضُ كَالْحَدِيْدِ ؛ لاَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مَطَرٌ ؛ وَلاَ يَخْرُجُ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتٌ، وَيَعْلَمُ أنَّ اللهَ لاَ يَنْسَى لَهُ مَا ضَمِنَ مِنْ رزْقِهِ بَيْنَ هَذيْنِ).
آل عمران 3:160
قَوْلُهُ :﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ﴾ ؛ معناهُ : إنْ يَمْنَعْكُمُ اللهُ تعالى مِن عدوِّكم فلا غالبَ لكم من العدوِّ، مِثْلَ يومِ بَدْر ؛ ﴿وَإِن يَخْذُلْكُمْ﴾ ؛ بأنْ يَكِلَكُمْ إلى أنفُسِكم ويرفعَ نصرَهُ عنكم كيومِ أحُدٍ ؛ ﴿فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ﴾ ؛ أي مِن بَعْدِ خُذْلاَنِهِ إيَّاكم، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ؛ فِي النُّصْرَةِ.
آل عمران 3:162
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ ؛ استفهامٌ بمعنى تقديرِ حالِ الفريقَين، يقولُ : ليس مَن اتَّبَعَ رضْوَانَ اللهِ ؛ أي مَن تركَ الْغُلُولَ وَالْحَرَامَ وأخذ الحلالَ مِن الغنيمةِ كمنِ استوجبَ سَخَطَ اللهِ بأخذِ الغُلُولِ والحرامِ، وقيل : معنى الآية :﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ بالجهادِ في سبيل الله ﴿كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ بالفرارِ من الجهاد. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ ؛ راجعٌ إلى ﴿مَنْ بَاء بسَخَطٍ مِنَ اللهِ﴾. ﴿وَبِئْسَ﴾ ؛ النَّارَ ؛ ﴿الْمَصِيرُ﴾.
آل عمران 3:163
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ﴾ ؛ معناهُ : إنَّ الذين يتَّبعون رضوانَ اللهِ ذوُو درجاتٍ رفيعَةٍ، والآخرونَ ذوُو دَرَكَاتٍ خَسِيْسَةٍ، فإنَّ لأحدِ الفريقين درجاتٌ في الجنَّة، وللآخرِ دَرَكَاتٌ في النَّار، والمعنَى : أنَّ مَنِ اتبعَ رضوانَ اللهِ، وَمَن بَاءَ بسَخَطٍ من اللهِ مختَلِفُو المنازل عندَ الله، فَلِمَنِ اتبعَ رضوانَ الله الكرامةُ والثوابُ العظيم، ولِمَنْ باءَ بسَخَطٍ مِن اللهِ المهانةُ والعذاب الأليمُ. وقال بعضُهم : هذه الآيةُ خاصَّة في المؤمنينَ ؛ أي هُم طبقاتٌ بعضُهم أرفعُ مِن بعضٍ في الجنَّة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ؛ أي عالِمٌ بمَنْ غَلّ وَمَنْ لاَ يُغِلُّ.
آل عمران 3:164
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ؛ أي لقد أنْعَمَ على المؤمنينَ إذ بَعَثَ فيهِم رَسُولاً مِنْهُمْ، وهو النبيُّ ﷺ ؛ بعثَهُ الله من العرب، معروفَ النَّسب، عرفُوهُ بالصِّدقِ والأمانَةِ، وكان يُسَمَّى (الأمِيْنُ) قبلَ الوحي، وقيلَ : بعثهُ الله من جِنْسِ بَنِي آدمَ، ولَمْ يبعثْهُ من الملائكةِ ؛ لأنه إذا كان من جِنْسِهِمْ كانَ تَعَلُّمُهُمْ منهُ أسهلَ عليهم. وقرأ في الشَّواذ :(مِنْ أنْفَسِهِمْ) بنصب الفاءِ ؛ أي أشْرَفِهِمْ ؛ لأن العربَ أفضلُ من غيرهم، وقريش أفضلُ العرب.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ ؛ أي يقرأ عليهم القرآنَ بما فيه من أقَاصِيْصِ الأُمم السَّالفة، وهو أُمِّيٌّ لَمْ يقرأ الكُتُبَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ ؛ أي يُطَهِّرُهُمْ من الشِّركِ والذُّنوب، ويأخذُ منهم الزَّكاةَ التي يُطَهِّرُهُمْ بهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ؛ أي القرآنَ والفِقْهَ، ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ﴾ ؛ أنْ يَأتِيَهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ مِن الْهُدَى.
والخطابُ يُبَيِّنُ قولَه تعالى :﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا﴾ ؛ أي لَمَّا أصابتكُم مصيبةُ يومِ أحُدٍ قد أصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا يومَ بدر ؛ أي قَتلتُم يومَ بدر سبعينَ، وأسرتُم سبعينَ، وقُتِلَ منكم يومَ أُحدٍ سبعونَ، ولم يُؤْسَرْ منكم أحدٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَـاذَا﴾ ؛ القتلَ والْهَزِيْمَةَ ونحنُ مسلمونَ ورسولُ اللهِ ﷺ فِيْنَا والوحيُ يَنْزِلُ علينا، وهُم مشركونَ، ﴿قُلْ﴾ ؛ يَا مُحَمَّدُ :﴿هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ ؛ لِمُخَالَفَتِكُمْ أمرَ رسولِ الله ﷺ بالخروجِ عَنِ المدينةِ، وقد كانَ أمَرَكم بالْمُقَامِ فيها ليدخلَ عيلكم الكفَّار فتقلُوهم في أزقَّتِهَا. وقيلَ : إنَّما أصابَكم هذا مِن عند قومِكم بمعصيَةِ الرُّماةِ بتركهم ما أمَرَهُم به النبيُّ ﷺ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ أي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِن النَّصرِ وغيرِ ذلك قَادِرٌ.
آل عمران 3:165
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ؛ أي لقد أنْعَمَ على المؤمنينَ إذ بَعَثَ فيهِم رَسُولاً مِنْهُمْ، وهو النبيُّ ﷺ ؛ بعثَهُ الله من العرب، معروفَ النَّسب، عرفُوهُ بالصِّدقِ والأمانَةِ، وكان يُسَمَّى (الأمِيْنُ) قبلَ الوحي، وقيلَ : بعثهُ الله من جِنْسِ بَنِي آدمَ، ولَمْ يبعثْهُ من الملائكةِ ؛ لأنه إذا كان من جِنْسِهِمْ كانَ تَعَلُّمُهُمْ منهُ أسهلَ عليهم. وقرأ في الشَّواذ :(مِنْ أنْفَسِهِمْ) بنصب الفاءِ ؛ أي أشْرَفِهِمْ ؛ لأن العربَ أفضلُ من غيرهم، وقريش أفضلُ العرب.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ ؛ أي يقرأ عليهم القرآنَ بما فيه من أقَاصِيْصِ الأُمم السَّالفة، وهو أُمِّيٌّ لَمْ يقرأ الكُتُبَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ ؛ أي يُطَهِّرُهُمْ من الشِّركِ والذُّنوب، ويأخذُ منهم الزَّكاةَ التي يُطَهِّرُهُمْ بهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ؛ أي القرآنَ والفِقْهَ، ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ﴾ ؛ أنْ يَأتِيَهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ مِن الْهُدَى.
والخطابُ يُبَيِّنُ قولَه تعالى :﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا﴾ ؛ أي لَمَّا أصابتكُم مصيبةُ يومِ أحُدٍ قد أصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا يومَ بدر ؛ أي قَتلتُم يومَ بدر سبعينَ، وأسرتُم سبعينَ، وقُتِلَ منكم يومَ أُحدٍ سبعونَ، ولم يُؤْسَرْ منكم أحدٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَـاذَا﴾ ؛ القتلَ والْهَزِيْمَةَ ونحنُ مسلمونَ ورسولُ اللهِ ﷺ فِيْنَا والوحيُ يَنْزِلُ علينا، وهُم مشركونَ، ﴿قُلْ﴾ ؛ يَا مُحَمَّدُ :﴿هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ ؛ لِمُخَالَفَتِكُمْ أمرَ رسولِ الله ﷺ بالخروجِ عَنِ المدينةِ، وقد كانَ أمَرَكم بالْمُقَامِ فيها ليدخلَ عيلكم الكفَّار فتقلُوهم في أزقَّتِهَا. وقيلَ : إنَّما أصابَكم هذا مِن عند قومِكم بمعصيَةِ الرُّماةِ بتركهم ما أمَرَهُم به النبيُّ ﷺ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ أي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِن النَّصرِ وغيرِ ذلك قَادِرٌ.
آل عمران 3:166
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ؛ معناهُ : مَا أصَابَكُمْ يا معشرَ المسلمين يوم أحُدٍ يَوْمَ الْتَقَى جيشُ المسلمينَ، وجيشُ المشركينَ يومَ أحُدٍ من القتلِ والْجُرُوحِ والهزيْمَةِ فَبعِلْمِ اللهِ وقضائِه وإرادته، ويقالُ : أرادَ بالإذنِ : التَّخْلِيَةَ بين المؤمنينَ والكفَّار، وإلاَّ فاللهُ لا يُؤْذِنُ بالمعصيةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ﴾ ؛ أي لِيُرِي المؤمنينَ ؛ وقيل : لتعلَمُوا أنتُم أنَّ الله قد عَلِمَ نِفَاقَهُمْ، وأنتُم لَمْ تكونوا تعلمونَ ذلك، والمعنى : لِيَرَى اللهُ إيْمَانَ المؤمنينَ بثبوتهم على ما نَالَهُمْ، ويرَى المنافقين بفَشَلِهِمْ، وقلَّةِ صبرهم على ما يَنْزِلُ بهِ في ذاتِ الله تعالى. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ﴾ ؛ ذلكَ أنَّ عبدَاللهِ بن أبَيّ وأصحابَه لَمَّا رجعوا إلى المدينةِ قال لَهم عبدُالله بنُ جبيرٍ :(تَعَالُواْ إلَى أحُدٍ وَقَاتِلُواْ فِي طَاعَةِ اللهِ وَادْفَعُواْ فِي أنْفُسِكُمْ وَأَهْلِكُمْ وَحَرِيْمِكُمْ)، فقال المنافقون : لا يكونُ قتالٌ اليومَ، ولو نعلمُ أن يكونَ قتالٌ لكنَّا معكُم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ﴾ ؛ أي كانوا قبلَ ذلك القولِ عند المؤمنين أقربَ إلى الإيْمانِ بظاهرِ حالِهم ؛ ثُم هَتَكُوا سَتْرَهُمْ وأظهروا مَيْلَهُمْ إلى الْكُفْرِ ؛ فصارُوا في ذلكَ اليومِ أقربَ إلى الكفرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ؛ كنايةٌ عن كَذِبهِمْ في قولِهم ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ﴾. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ ؛ أي بما يُخفون من الشِّركِ.
آل عمران 3:167
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ؛ معناهُ : مَا أصَابَكُمْ يا معشرَ المسلمين يوم أحُدٍ يَوْمَ الْتَقَى جيشُ المسلمينَ، وجيشُ المشركينَ يومَ أحُدٍ من القتلِ والْجُرُوحِ والهزيْمَةِ فَبعِلْمِ اللهِ وقضائِه وإرادته، ويقالُ : أرادَ بالإذنِ : التَّخْلِيَةَ بين المؤمنينَ والكفَّار، وإلاَّ فاللهُ لا يُؤْذِنُ بالمعصيةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ﴾ ؛ أي لِيُرِي المؤمنينَ ؛ وقيل : لتعلَمُوا أنتُم أنَّ الله قد عَلِمَ نِفَاقَهُمْ، وأنتُم لَمْ تكونوا تعلمونَ ذلك، والمعنى : لِيَرَى اللهُ إيْمَانَ المؤمنينَ بثبوتهم على ما نَالَهُمْ، ويرَى المنافقين بفَشَلِهِمْ، وقلَّةِ صبرهم على ما يَنْزِلُ بهِ في ذاتِ الله تعالى. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ﴾ ؛ ذلكَ أنَّ عبدَاللهِ بن أبَيّ وأصحابَه لَمَّا رجعوا إلى المدينةِ قال لَهم عبدُالله بنُ جبيرٍ :(تَعَالُواْ إلَى أحُدٍ وَقَاتِلُواْ فِي طَاعَةِ اللهِ وَادْفَعُواْ فِي أنْفُسِكُمْ وَأَهْلِكُمْ وَحَرِيْمِكُمْ)، فقال المنافقون : لا يكونُ قتالٌ اليومَ، ولو نعلمُ أن يكونَ قتالٌ لكنَّا معكُم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ﴾ ؛ أي كانوا قبلَ ذلك القولِ عند المؤمنين أقربَ إلى الإيْمانِ بظاهرِ حالِهم ؛ ثُم هَتَكُوا سَتْرَهُمْ وأظهروا مَيْلَهُمْ إلى الْكُفْرِ ؛ فصارُوا في ذلكَ اليومِ أقربَ إلى الكفرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ؛ كنايةٌ عن كَذِبهِمْ في قولِهم ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ﴾. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ ؛ أي بما يُخفون من الشِّركِ.
آل عمران 3:168
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ ؛ معناهُ : الذينَ قالُوا لإخوانِهم من المنافقينَ بالمدينةِ وقعدُوا بأنفسِهم عن الجهادِ : لو أطاعونَا المسلمونَ الذينَ خَرَجُواْ إلى القتالِ ما قُتِلُواْ في الغَزْو، ﴿قُلْ﴾ ؛ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ :﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ؛ في مقالَتِكم : لو لَمْ يخرجُوا إلى القتالِ ما قُتلوا. قال الفقيهُ أبو اللَّيث :(سَمِعْتُ بَعْضَ الْمُفَسِّرِيْنَ يَقُولُ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَاتَ يَوْمَئِذٍ سَبْعُونَ نَفْساً مِنَ الْمُنَافِقِيْنَ).
آل عمران 3:169
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس وابنُ مسعودٍ وجابرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" لَمَّا أُصِيْبَ إخْوَانُكُمْ يَوْمَ أحُدٍ ؛ جَعَلَ اللهُ أرْوَاحَهُمْ فِي أجْوَافِ طُيُور خُضْرٍ تَرِدُ أنْهَارَ الْجَنَّةِ ؛ وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارهَا ؛ وَتَأْوي إلَى قَنَادِيْلَ مِنْ ذهَبٍ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَلَمَّا رَأواْ طِيْبَ مَنْقَلِهِمْ وَمَطْعَمِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ، وَمَا أعْطَى اللهُ مِنَ الْكَرَامَةِ ؛ قَالُواْ : يَا لَيْتَ إخْوَانِنَا عَلِمُواْ مَا أعَدَّ اللهُ لَنَا مِنَ الْكَرَامَةِ، وَمَا نَحْنُ فِيْهِ مِنَ النَّعِيْمِ، فَلَمْ يَنْكِلُواْ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلَمْ يَجْبَنُواْ فِي الْحَرْب، قَالَ اللهُ تَعَالَى : أنَا أبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ ؛ فَأنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ "
" وقال جابرُ بن عبدِالله الأنصاريِّ : قُتِلَ أبي يَوْمَ أحُدٍ وَتَرَكَ عَلَيَّ ثَلاَثَ بَنَاتٍ ؛ فَقَالَ ﷺ :" ألاَ أُبَشِّرُكَ يَا جَابرُ؟! " قُلْتُ : بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ :" إنَّ أبَاكَ حِيْنَ قُتِلَ أحْيَاهُ اللهُ تَعَالَى وَكَلَّمَهُ كِفَاحاً ؛ فَقَالَ : يَا عَبْدَاللهِ ؛ سَلْنِي مَا شِئْتَ، قَالَ : أسْأَلُكَ أنْ تُعِيْدَنِي إلَى الدُّنْيَا فأُقْتَلَ فِيْهَا ثَانِيةً، فَقَالَ : يَا عَبْدَاللهِ ؛ إنِّي قَضَيْتُ أنْ لاَ أعِيْدَ إلَى الدُّنْيَا خَلِيْقَةً قَبَضْتُهَا، قَالَ : يَا رَب فَمَنْ يُبْلِّغُ قَوْمِي مَا أنَا فِيْهِ مِنَ الْكَرَامَةِ ؟ قَالَ اللهُ : أنَا، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ".
ومعنَى الآيةِ : وَلاَ تَظُنَّنَّ يا مُحَمَّدُ الشهداءَ المقتولينَ في طاعةِ الله. ﴿أَمْوَاتاً﴾ نُصِبَ على المفعولِ ؛ لأن الْحُسْبَانَ يتعدَّى إلى مفعولينِ، ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ الجنَّة، سَمَّاهُمْ أحياءً ؛ لأنَّهم يأكلونَ ويتمتَّعون ويُرزقون كالأحياءِ. وقيل : سَمَّاهُمْ أحياءً ؛ لأنَّهم يُكتب لَهم في كلِّ سنةٍ ثوابَ غَزْوَةٍ، ويُشْرَكُونَ في فضلِ كلِّ جهادٍ إلى يومِ القيامة. وقيل : لأنَّ أرواحَهم تركعُ وتسجدُ كلَّ ليلةٍ تحتَ العرشِ إلى يومِ القيامة كأرواحِ الأحيَاء. وقيل : لأنَّ الشهيدَ لاَ يَبْلَى في الأرضِ ولا يتغيَّرُ في القبرِ. ويقالُ : أرْبَعَةُ لاَ تَبْلَى أجْسَادُهُمْ : الأَنْبيَاءُ ؛ وَالْعُلَمَاءُ ؛ وَالشُّهَدَاءُ ؛ وَحَمَلَةُ الْقُرْآنِ.
وعن عبدِالله بنِ عبدِالرَّحمن :(أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ عَمْرَو بْنَ الْجَمُوحِ، وَعَبْدَاللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَرَامِ الأَنْصَاريَّيْنِ كَانَا قَدْ أخْرَبَ السَّيْلُ قَبْرَيْهِمَا وَكَانَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ ؛ وَهُمَا مِمَّنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَكَانَ قَبْرَهُمَا مِمَّا يَلِي السَّيْلَ، فَوُجِدَا فِي قَبْرِهِمَا لَمْ يَتَغَيَّرَا كَأَنَّمَا مَاتَا بالأَمْسِ، وَكَانَ بَيْنَ أحُدٍ وَبَيْنَ خَرَاب السَّيْلِ سِتٌّ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً).
وقيل : سموا أحياءً ؛ لأنَّهم لم يُغَسَّلُواْ كما تُغَسَّلُ الأحياءُ. قال ﷺ :" زَمِّلُوهُمْ بدِمَائِهِمْ وَكُلُومِهِمْ ؛ فَإنَّهُمْ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بدِمَائِهِمْ ؛ اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ ؛ وَالرِّيْحُ ريْحُ الْمِسْكِ " قرأ الحسنُ وابن عامر (قُتِّلُوا) بالتشديدِ.
آل عمران 3:170
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ ؛ أي من رزقِه وثوابهِ، وانتصبَ على الحالِ. وقرأ ابنُ السميقع :(فرحين) وهما لُغتان كالفرةِ والفارة، والطمَعِ والطَّامع، والحذر والحاذر. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ؛ أي يطلبُون السُّرورَ بقدومِ مَن لَمْ يَقْدَمْ عليهم من إخوانِهم، يقولون : لَيْتَ إخوانَنا قُتِلُوا كما قُتِلْنَا ؛ فينالُوا من الكرامةِ والثواب ما نُلْنَا. وقال السديُّ :(يُؤْتَى الشَّهِيْدُ بِكِتَابٍ فِيْهِ مَنْ يَقْدُمُ عَلَيْهِ مِنْ إخْوَانِهِ وَأَهْلِهِ ؛ فَيُقََالُ : يَقْدُمُ عَلَيْكَ فَلاَنٌ يَوْمَ كَذا ؛ وَيَقْدُمُ عَلَيْكَ فُلاَنٌ يَوْمَ كَذا ؛ فَيَسْتَبْشِرُ بذلِكَ كَمَا بُشِّرَ إنْسَانٌ بقُدُومِ غَائِبٍ ؛ يَتَعَجَّلُ السُّرُورَ بهِ قَبْلَ قُدُومِهِ).
وأصلُ الاسْتِبْشَار : مِنَ الْبَشَرَةِ ؛ لأنَّ الإنسانَ إذا فَرِحَ ظهرَ أثرُ السرور في بَشَرَةِ وجههِ. ومعنى الآيةِ : يَسْتَبْشِرُونَ بأنْ لا خوفٌ عليهم وعلى إخوانِهم الذينَ يأتونهم مِن بعدِهم ؛ وأنَّهم لاَ يَحْزَنُونَ في الآخرةِ.
آل عمران 3:171
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ ؛ أي بجَنَّةٍ وكرامةٍ، ويَسْتَبْشِرُونَ أنَّ الله لا يُضِيْعُ ثوابَ الموحِّدين. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ قرأ الكسائيُّ والفرَّاء :(وَإنَّ اللهَ) بالكسر على الاستئنافِ ودليلهُ قراءة ابنِ مسعود (وَاللهُ لاَ يُضِيْعُ أجْرَ الْمُؤْمِنِيْنَ).
وفي الحديثِ عن النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ :" مَا يَجِدُ الشُّهَدَاءُ مِنَ الْقَتْلِ فِي سَبيْلِ اللهِ إلاَّ كَمَا يَجِدُ أحَدُكُمْ مِنَ الْقَرْصَةِ " وفي حديثٍ آخرَ :" عَضَّةُ النَّمْلَةِ أشَدُّ عَلَى الشَّهِيْدِ مِنْ مَسِّ السِّلاَحِ " وفي حديثٍ آخرَ :" إنَّ الضَّرْبَةَ وَالطَّعْنَةَ عَلَى الشَّهِيْدِ مِثْلِ شُرْب الْمَاءِ الْبَاردِ "
آل عمران 3:172
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ للَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ ؛ يجوزُ أن يكونَ أوَّلُ هذه الآيةِ في موضعِ الخفض على النَّعْتِ للمؤمنين، والأحسنُ أن يكونَ في موضع الرّفعِ على الابتداءِ أو خبرُه للذين أحسنوا. ومعنى الآيةِ : الذينَ أجابُوا اللهَ بالطاعة والرسولَ بالخروجِ إلى بدر الصُّغرى من بعدِ ما أصابَهم الْجِرَاحُ ؛ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ﴾ ؛ أي وَافَوا الميعادَ، ﴿وَاتَّقَواْ﴾ ؛ سَخْطَ اللهِ ومعصيتَهُ، ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، لهم ثَوَابٌ وَافِرٌ فِي الجنَّة.
قال ابنُ عباس :" وَذلِكَ أنَّهُمْ تَوَاعَدُواْ يَوْمَ أُحُدٍ أنْ يَجْتَمِعُواْ ببَدْر الصُّغْرَى فِي الْعَامِ الْقَابلِ، فَلَمَّا حَضَرَ الأَجَلُ نَدِمَ الْمُشْرِكَونَ، فَلَقِيَ أبُو سُفْيَانَ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ ؛ وَكَانَ يَخْرُجُ إلَى الْمَدِيْنَةِ لِلتِّجَارَةِ ؛ فَقَالَ : إذا أتَيْتَ الْمَدِيْنَةَ فَخَوِّفْهُمْ كَيْلاَ يَخْرُجُوا وَلَكَ عَشْرٌ مِنَ الإبلِ إنْ رَدَدْتَهُمْ، فَلَمَّا قَدِمَ نُعَيْمُ إلَى الْمَدِيْنَةِ ؛ وَكَانَ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ يُرِيْدُونَ مَوَافَاةَ أبي سُفْيَانَ ؛ قَالَ : بئْسَ الرَّأيِ رَأيْتُمْ، أتَوْكُمْ فِي دِيَارِكُمْ وَقَرَارِكُمْ، وَلَمْ يَنْفَلِتْ مِنْهُمْ إلاَّ الشَّرِيْدُ ؛ تُرِيْدُونَ أنْ تَأَتُوهُمْ فِي دِيَارهِمْ وَقَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ، أمَا إنَّ الرَّجُلَ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ يُطِيْقُ عَشْرَةً مِنْكُمْ، إذاً وَاللهِ مَا يَنْفَلِتُ مِنْكُمْ إلاَّ الشَّرِيْدُ. فَكَرِهَ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الخُرُوجَ إلَيْهِمْ وتَثَاقَلُواْ، فَلَمَّا رَأى رَسُولُ اللهِ ﷺ ذلِكَ مِنْهُمْ قَالَ :" وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لأَخْرُجَنَّ إلَيْهِمْ، وإنْ لَمْ يَخْرُجْ مَعِي مِنْكُمْ أحَدٌ " فَمَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلمِيعَادِ، وَمَعَهُ أبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدُ وَعَبْدُاللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةُ وَأبُو عُبَيْدَةَ فِي سَبْعِيْنَ رَجُلاً حتى انْتَهَوا إلَى بَدْرٍ ؛ فَلَمْ يَخْرُجْ أبُو سُفْيَانَ وَلَمْ يَلْقَوا بهَا أحَداً مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ، فَتَسَوَّقُوا مِنَ السُّوقِ حَاجَتَهُمْ ثُمَّ انْصَرَفُواْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ للَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ " قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها لِعَبْدِاللهِ بْنِ الزُّبَيْرٍ :(يَا ابْنَ أخْتِي ؛ أمَا وَاللهِ إنَّ أبَاكَ وَجَدَّكَ - تَعْنِي أبَا بَكْرٍ - لَمِنَ الَّذِيْنَ قَالَ اللهُ فِيْهِمْ ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ للَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآيَةُ).
آل عمران 3:173
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ ؛ معناهُ : الذينَ قالَ لَهُمْ نُعَيْمُ بن مسعودٍ إنَّ أبا سفيان وأصحابَه قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ولا تَخرجوا إليهم ؛ فَزَادَهُمْ هذا القولُ تصدِيقاً ويقيناً وجُرأة على القتالِ. ﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ ؛ أي يَقِيْناً باللهِ، وكَافِيْنَا اللهُ أمرَهم. ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ؛ أي النَّاصِرِ الحافظِ، وموضع (الَّذِيْنَ) خَفْضٌ مردودٌ على (الَّّذِيْنَ) الأوَّل. وقد ذكرَ اللهُ نُعَيْماً بلفظِ النَّاسِ ؛ لأن الواحدَ قد يُذكر بلفظِ الجماعة على معنى الحسنِ، ولِهذا قالوا : مَن حلفَ وقال : إنْ كلَّمتُ الناسَ فعبدي حُرٌّ، فكلَّمَ رجلاَ واحداً حَنَثَ.
آل عمران 3:174
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ ؛ أي فَانْصَرَفُوا بأجْرٍ مِن اللهِ وفَضْلٍ ؛ وهو ما تَسَوَّقُواْ به من السُّوقِ. وروي أنَّهم اشْتَروا أدَماً وزيتاً وأشياءً وغيرَ ذلك بسعرٍ رخيصٍ فربحُوا على ذلكَ. ومعنى ﴿لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ لَمْ تُصِبْهُمْ جراحةٌ ولا قتلٌ، ﴿وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ ؛ في الخروجِ إلى المشركينَ ؛ ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ؛ بدَفْعِ المشركينَ عنِ المؤمنين.
آل عمران 3:175
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّمَا ذالِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ ؛ أراد بالشيطانِ نُعَيْمُ بنُ مسعودٍ ؛ وكُلُّ عَاتٍ مُتَمَرِّدٍ فهو شيطانٌ. وقيل : معناهُ : ذلك التخويفُ من عملِ الشَّيطانِ وَوَسْوَسَتِهِ، وقولهُ ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ يعني المنافقينَ ومَن لا حقيقةَ في إيْمانهِ. ﴿فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ ؛ أي خَافُونِي في تركِ أمْرِي.
وذهبَ بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ قولَه تعالى :﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ﴾[آل عمران: ١٧٢] أنْزِلَتْ في حرب أُحُدٍ، وذلكَ :" أنهُ لَمَّا رَجَعَ الْمُسْلِمُونَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ الْهَزِيْمَةِ ؛ قَالَ لَهُمْ :" رَحِمَ اللهُ قَوْماً انْتَدَبُواْ لِهَؤُلاَءِ الْمُشْرِكِيْنَ لِيَعْلَمُواْ أنَّا لَمْ نُسْتَأْصَلْ " فَانْتَدَبَ قَوْمٌ مِمَّنْ أصَابَهُمُ الْجِرَاحُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ فَشَدُّواْ عَلَى الْمُشْرِكِيْنَ حَتَّى كَشَفُوهُمْ عَنِ الْقَتْلَى بَعْدَ أنْ مَثَّلُواْ بحَمْزَةَ، وَقَدْ كَانَ هَمُّوا بالْمُثْلَةِ بقَتْلَى الْمُسْلِمِيْنَ، فَقَذفَ اللهُ فِي قُلُوبهِمُ الرُّعْبَ ؛ فَانْهَزَمُواْ.
وَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْقَتْلَى وَدَفَنَهُمْ، فَجَاءَ أنَاسٌ مِنَ الْعَرَب وَقَدْ مَرُّوا بأبي سُفْيَانَ وَأصْحَابهِ بمَوْضِعٍ يُسَمَّى حُمْرَاءَ الأَسَدِ، فَقَالُواْ لِلْمُسْلِمِيْن : تَرَكْنَاهُمْ مُتَأَهِّبيْنَ للِرُّجُوعِ إلَى الْمَدِيْنَةِ لِقَتْلِ بَقيَّتِكُمْ، فَعِنْدَ ذلِكَ قَالَ الْمُسْلِمُونَ : حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيْلُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أصْحَابَهُ بالْمَسِيْرِ إلَيْهِمْ، فَلَمَّا سَارُواْ إلَى حَمْرَاءِ الأَسَدِ وَهِيَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِية أمْيَالٍ مِنَ الْمَدِيْنَةِ لَمْ يَرَوا الْمُشْرِكِيْنَ هُنَاكَ ؛ فَانْصَرَفَ الْمُسْلِمُونَ إلَى الْمَدِيْنَةِ بنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ ؛ وَهِيَ كِفَايَتُهُ لَهُمْ شَرَّ قُرَيْشٍ حَتَّى لَمْ يَنَلْهُمْ مِنْهُمْ سُوءٌ " وفي قوله﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾[آل عمران: ١٧٤] بيان أنه تعالى تفضّل عليهم من بعد بنعيم الدنيا والآخرة.
آل عمران 3:176
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئاً﴾ ؛ قرأ نافعُ (يُحْزِنْكَ) بضمِّ الياء وكسرِ الزَّاي في جميعِ ما كانَ في هذا الفعلِ في جميعِ القرآن إلاَّ آيةً في الأنبياءِ﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ﴾[الأنبياء: ١٠٣]. وقرأ الباقون بفتحِ الياء وضمِّ الزَّاي وهما لغتان. وقرأ طلحةُ بن مصرِّف :(يُسْرِعُونَ فِي الْكُفْرِ) والباقون (يُسَارعُونَ).
ومعنى الآيةِ : لا يَحْزُنُكَ يا محمدُ الذينَ يُبَادِرُونَ الْجَحْدَ والتكذيبَ ؛ وهم اليهودُ كانوا يَكْتُمُونَ صفةَ النبيِّ ﷺ في التوراةِ، وكان يَشُقُّ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم. وقيل : يعني كفارَ قُرَيْشٍ كانوا يكذِّبونَه، وكان الناسُ يقولون : لو كان حَقّاً لاتَّبَعَهُ أقرباؤُه، وكان ذلكَ يَشُقُّ عليه. وقيل : نزلَت هذه الآيةُ في قومٍ ارتدُّوا عنِ الإسلاِمِ فَاغْتَمَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئاً﴾ أي لم يَنْقُصُوا شيئاً من مُلْكِ اللهِ وسلطانِه ؛ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخِرَةِ﴾ ؛ نَصِيْباً من الجنَّة ؛ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
آل عمران 3:177
قوله عزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئاً﴾ ؛ أي الذينَ اختارُوا الكفرَ على الإيْمانِ لا ينقصُ من مُلْكِ اللهِ شيئاً، وإنَّما أضَرَّ من أنفسِهم حيثُ استوجَبُوا العذابَ ؛ ﴿وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ أي وَجَعٌ في الآخرةِ.
آل عمران 3:178
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ﴾ ؛ قرأ حمزة بالتَّاء على الخطاب للنبيِّ ﷺ ؛ أي لا تَظُنَّنَّ يا مُحَمَّدُ اليهودَ والنصارى والمنافقين إنَّ إمْلاَءَنَا لَهم خيرٌ لَهم من أنْ يَموتوا كما ماتَ شهداءُ أحُدٍ. وقيل : معناهُ : لا تحسبنَّ يا مُحَمَّدُ أمْلِى لَهم لِخيرٍ وتوبةٍ تقعُ منهم، ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً﴾، إنَّما إمْلاَؤُنَا لَهُمْ لتكونَ عاقبةُ أمرِهم أنْ يزدادُوا بذلكَ معصيةً على معصيةٍ ؛ ﴿وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ ؛ يُهَانُونَ فيه.
وقيل : إنَّ المرادَ بالذينَ كفروا كفَّارَ مَكَّةَ ؛ أي لا تَظُنَّنَّ ما أصابُوه يومَ أحدٍ من الظَّفر خيرٌ لأنفسِهم، وإنَّما كان ذلكَ ليزدادُوا معصيةً فَيُزَادُ في عقوبتِهم. وقرأ الباقون :(وَلاَ تَحْسَبَنَّ) بالتاء معناه : لا تحسبنَّ الكفارَ إملاءَنا إياهُم خيرٌ لَهم، وَالإمْلاَءُ في اللُّغة : إطَالَةُ الْمُدَّةِ وَالإمْهَالِ وَالتَّأْخِيْرِ، ومنهُ قَوْلُهُ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾[مريم: ٤٦] أي دَهْراً طويلاً. قال ابنُ مسعود :(مَا مِنْ نَفْسٍ بَرَّةٍ وَلاَ فَاجِرَةٍ إلاَّ وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهَا مِنَ الْحَيَاةِ، أمَّا الْفَاجِرَةُ فَقَدْ قَالَ اللهُ :﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً﴾[آل عمران: ١٧٨] ؛ وَأمَّا الْبَرَّةُ فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ﴾[آل عمران : ١٩٨).
آل عمران 3:179
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ﴾ ؛ اختلفُوا في تَأْويْلِهَا ؛ قال الكلبيُّ :(قَالَتْ قُرَيْشُ : يَا مُحَمَّدُ ؛ تَزْعُمُ أنَّ مَنْ خَالَفَكَ فَهُوَ فِي النَّار ؛ وَاللهُ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ، وَمَنْ اتَّبَعَكَ عَلَى دِيْنِكَ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ ؛ وَاللهُ عَنْهُ رَاضٍ، فَخَبرْنَا بمَنْ يُؤْمِنُ بكَ وَمَنْ لاَ يُؤْمِنُ بكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ هذه الآية). ومعناهَا : لَمْ يَكُنِ اللهُ ليترُكَ مَن كان في علمهِ السَّابق أنهُ يُؤْمِنُ، عَلَى مَا أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ حتى يُمَيِّزَ الكافرَ والمنافقَ من المؤمنِ المخلص ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ﴾ يا أهلَ مَكَّةَ على مَن يصيرُ منكم مؤمناً قبلَ أن يؤمنَ، ولكنَّ اللهَ يصطفي بالنبوَّةِ والرسالةِ من يشاءُ فيوحِي إليه بما يشاءُ ؛ لأنَّ الغيبَ لا يطَّلِعُ عليه إلاَّ الرُّسُلُ بوحيٍ من اللهِ ليقيموُا البرهانَ على أنَّ ما أتَوا بهِ من عند اللهِ ؛ ﴿فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ ؛ أي صَدِّقُوا، ﴿وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ﴾ ؛ الشِّرْكَ والمعصيةَ ؛ ﴿فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ؛ فِي الْجَنَّةِ.
وقال بعضُهم : الخطابُ للكافرِين والمنافقين، معنى الآيةِ :﴿مَا كَانَ اللهُ لِيَذرَ الْمُؤْمِنِيْنَ عَلَى مَا أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ يا معشرَ الكفَّار والمنافقين من الكفرِ والنِّفاق ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبيثَ مِنَ الطَّيِّب﴾. وقيل : الخطابُ للمؤمنينَ ؛ أي ما كانَ اللهُ لِيَذرَكُمْ يَا معشرَ المؤمنين على ما أنتُم عليهِ من الْتِبَاسِ المؤمنِ بالمنافقِ حَتَّى يَمِيْزَ الْخَبيْثَ.
قرأ الحسنُ وقتادة والكوفيون إلاّ عاصِماً :(يُمَيِّزَ) بضمِّ الياء والتشديد، وكذلكَ في الأنفالِ. والباقون بالتخفيفِ وفتحِ الياء من الْمَيْزِ وهو الفرقُ، ويسمَّى العاقلُ مُمَيِّزاً لأنه يُفَرِّقُ بين الحقِّ والباطلِ، معناهُ : حتَّى تُمَيِّزَ المنافقَ من المخلصِ، فَيُمَيِّزُ اللهُ المؤمنين يومَ أحدٍ من المنافقين حينَ أظهرُوا النفاقَ وَتَخَلَّفُواْ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وقال بعضُهم : معنى الآية :{ مَا كَانَ اللهُ لِيَذرَ الْمُؤْمِنِيْنَ عَلَى مَا أنْتُمْ عَلَيْهِ) مِنَ الإقرار حتى يَفْرِضَ عليهِمُ الجهادَ والفرائضَ لِيَميْزَ بها من يَثْبُتُ على إيْمانهِ مِمَّنْ ينقلبُ على عَقِبَيْهِ، وما كانَ لِيُطْلِعَكُمْ على الغيب ؛ لأنه لا يعلمهُ إلاَّ اللهُ، ولكنَّ اللهَ يَخْتَارُ من رُسُلِهِ من يشاءُ، فَيُطْلِعَهُ على بعضِ عِلْمِ الغيب.
وروي : أنَّ الحجَّاجَ بنَ يوسفَ كان عندَهُ مُنَجِّمٌ، فأخذ الحجاجُ حُصَيَّاتٍ بيدهِ قد عَرَفَ عددَها، فقالَ لِلْمُنَجِّمِ : كَمْ فِي يَدِي ؟ فَحَسَبَ المنجِّمُ فأصابَ، ثم اغْتَفَلَهُ الحجاجُ فأخذ حُصَيَّاتٍ لَمْ يَعُدَّهَا، قَالَ للمنجِّم : كَمْ في يَدِي ؟ فَحَسَبَ المنجِّمُ فَأَخْطَأَ، ثم حَسَبَ فأخطأَ، فقال : أيُّها الأميرُ : أظُنَّكَ لا تعرفُ عددَهُ، قال : لاَ، فقال : إنَّ ذلكَ الأوَّل أحصيتَ عددَهُ فخرجَ عن حَدِّ الغيب، فأصَبْتَ في حِسَابِهِ. وهذا لم تَعْرِفْ عددَهُ فصارَ غَيْباً، والغيبُ لا يعلمهُ إلاّ اللهُ.
آل عمران 3:180
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ﴾ ؛ من قرأ :﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ﴾ بالتَّاء فمعناهُ : ولا تَظُنَّنَّ يا مُحَمَّدُ بُخْلَ الذين يَبْخَلُونَ بما أعطاهُم اللهُ من المالِ ؛ فيمنعونَ مِن ذلك حقَّ اللهِ في الزَّكاةِ والجهادِ وسائرِ وجوه البرِّ التي وَجَبَتْ عليهم، لاَ تَظُنَّنَّ ذلك خَيْراً لَهم. وقوله (هُوَ خَيْرٌ) للفصلِ، ويسمِّيه الكوفيُّون الْعِمَادَ، ومعنى ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ﴾ أي بُخْلُهُمْ بحقِّ اللهِ شرٌّ لَهم. ومن قرأ بالياء والفعلِ الْمُبَاخِلِيْنَ ؛ كَأَنَّهُ قالَ : ولا يَحسبنَّ الذين يَبْخَلُونَ الْبُخْلَ خيراً لَهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ؛ أي سيأتونَ يومَ القيامة بما بَخِلُوا به من الزَّكاة ونفقةِ الجهاد كَهَيْأَةِ الطَّوْقِ فِي أعناقِهم، قال ﷺ :" يَأَتْي كَنْزُ أحَدِكُمْ شُجَاعاً أقْرَعَ فَيَتَطَوَّقُ فِي عُنُقِهِ يَلْدَغُهُ ؛ حَيَّةٌ فِي عُنُقِهِ يُطَوَّقُ بهَا ؛ وَتَقُولُ : أنَا الزَّكَاةُ الَّتِي بَخِلْتَ بي فِي الدُّنيا " وقال بعضُهم : يُجْعَلُ ما بَخِلَ به من الزَّكاة حَيَّةً في عُنُقِهِ يُطَوَّقُ بها - أي يومَ القيامةِ - تَنْهَشُهُ من قرنهِ إلى قَدَمِهِ ؛ وَتَنْقُرُ رَأسَهُ وتقولُ : أنَا مَالُكَ، ولا يزالُ كذلكَ حتى يُسَاقَ إلى النار وَيُغَلَّ، وهذا قولُ ابنِ مسعود وابنِ عبَّاس والشعبيُّ والسُّدِّيُّ.
وقال ﷺ :" مَا مِنْ ذِي رَحِمٍ يَأَتِي إلَى ذِي رَحِمِهِ يَسْأَلُهُ مِنْ فَضْلِ مَا أعْطَاهُ اللهُ فَيَبْخَلُ بهِ عَلَيْهِ ؛ إلاَّ أخْرَجَ اللهُ لَهُ مِنْ جَهَنَّمَ شُجَاعاً يَتَلَمَّظُُ حَتَّى يُطَوِّقَهُ. ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ " وقَالَ ﷺ :" مَانِعُ الزَّكَاةِ فِي النَّار " وذهبَ بعضُهم إلى أنَّ المرادَ بهذه الآيةِ اليهودُ ؛ بَخِلُوا بَيَانَ صفةِ النبيِّ ﷺ، ومعنى ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ على هذا القولِ : وزْرَهُ وَمَأْثَمَهُ. والأظهرُ في هذه الآيةِ : أنَّهُ الْبُخْلُ بالْمَالِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَللَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ تحريضُ الإنفاقِ ؛ ومعناهُ : يَمُوتُ أهلُ السَّموات وأهلُ الأرضِ كلُّهم من الملائكةِ والجنِّ والإنسِ ولا يبقَى إلاّ اللهُ، وإذا كانتِ الأموالُ لا تبقَى للإنسانِ ولا يحملُها مع نفسهِ إلى قبرهِ ؛ فالأَوْلَى بهِ أن يُنْفِقَهَا في الوجوهِ التي أمرَ اللهُ بها ؛ فيستوجبُ بها الحمدَ والثوابَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ؛ أي عالِمٌ بمن يُؤَدِّي الزَّكاةَ ومن يَمنعُها.
آل عمران 3:181
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾ ؛ قال مجاهدُ :(لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾[البقرة: ٢٤٥] قَالَتِ الْيَهُودُ : إنَّ اللهَ يَسْتَقْرِضُ مِنَّا وَنَحْنُ أغْنِيَاءُ). قال الحسنُ :(إنَّ قَائِلَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ حُيَيُّ ابْنُ أخْطَبَ). قال عكرمةُ والسُّدِّيُّ ومقاتلُ :" كَتَبَ النَّبيُّ ﷺ مَعَ أبي بَكْرٍ رضي الله عنه إلَى الْيَهُودِ يَدْعُوهُمْ إلَى الإسْلاَمِ وَإلَى إقَامَةِ الصَّلاَةِ وَإيْتَاءِ الزَّكَاةِ وَأنْ يُقْرِضَ اللهَ قَرْضاً حَسَناً، فَدَخَلَ أبُو بَكْرٍ مَدَارسَهُمْ ؛ فَوَجَدَ نَاساً كَثِيراً مِنْهُمْ قَدِ اجْتَمَعُواْ عَلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ فِنْحَاصَ بْنِ عَازُورَا ؛ وَكَانَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ رضي الله عنه لِفِنْحَاصَ : إتَّقِ اللهَ وِأسْلِمْ، فَوَاللهِ إنَّكَ تَعْلَمُ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ تَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَكُمْ فِي التَّّوْرَاةِ وَالإنْجِيْلِ ؛ فآمِنْ وَصَدِّقْ وَأقْرِضِ اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُدْخِلْكَ الْجَنَّةَ. فَقَالَ فِنْحَاصُ : يَا أبَا بَكْرٍ تَزْعُمُ أنَّ رَبَّنَا يَسْتَقْرِضُ مِنَّا أمْوَالَنَا، وَمَا يَسْتَقْرِضُ إلاَّ الْفَقِيْرُ مِنَ الْغَنِيِّ، فَإنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقّاً فَإنَّ اللهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أغْنِيَاءُ. فَغَضِبَ أبُو بَكْرٍ رضي الله عنه وضَرَبَ وَجْهَ فِنْحَاصَ ضَرْبَةً شَدِيْدَةً، وَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ ؛ لَوْلاَ الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ يَا عَدُوَّ اللهِ. فَذَهَبَ فِنْحَاصُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ؛ انْظُرْ مَا صَنَعَ بي صَاحِبُكُمْ ؟ فَقَالَ ﷺ لأَبي بَكْرٍ :" مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ ؟ " فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ؛ قَالَ قَوْلاً عَظِيْماً زَعَمَ أنَّ اللهَ فَقِيْرٌ وَهُمْ أغْنِيَاءُ، فَغَضِبْتُ للهِ تَعَالَى وَضَرَبْتُ وَجْهَهُ. فَجَحَدَ فِنْحَاصُ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةُ رَدّاً عَلَى فِنْحَاصَ، وَتَصْدِيْقاً لأَبي بَكْرٍ رضي الله عنه :﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ﴾ ؛ أي سَيَكْتُبُ الكاتبونَ الكرامُ عليهم بأمرِنا قولَهم ؛ ﴿وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ؛ بلا جُرْمٍ لَهم فيجازيهم به. وقرأ حمزةُ والأعمش (سَيُكْتَبُ) بياءٍ مضمُومة وفتحِ التاء (وَقَتْلُهُمْ الأَنْبيَاءَ) بالرفع. ﴿وَنَقُولُ﴾ ؛ بالياءِ اعتباراً بقراءةِ ابنِ مسعود، وقال :﴿ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ ؛ أي النَّار، وإنَّما قالَ (الْحَرِيْقِ) لأنَّ النارَ اسمٌ للملتهبَةِ وغيرِ الملتهبةِ، والحريقُ اسم منها.
آل عمران 3:182
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ ؛ أي يقالُ للكافرين ذلِكَ بمَا قدَّمَتْ أيْدِيْكُمْ عَلَى الكفرِ وقَتْلِ الأنبياءِ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وقولهُ :﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ لا يُعَذِّبُ أحداً بغيرِ ذنبٍ ولا يَمْنَعُ أحداً جَزَاءَهُ حَسْبَ اسْتحقاقهِ خيراً فَعَلَهُ أو شَرّاً.
آل عمران 3:183
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ ؛ قال الكلبيُّ :(نَزَلَتْ فِي كَعْب بْنِ الأَشْرَفِ وَمَالِكِ ابْنِ الصَّيْفِ وَوَهَب بْنِ يَهُوذا وفِنْحَاصُ بْنُ عَازُورَا ؛ أتَوا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَالُواْ : أتَزْعُمُ يَا مُحَمَّدُ أنَّ اللهَ بَعَثَكَ إلَيْنَا رَسُولاً، وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ كِتاباً، وَأَنَّ اللهَ قَدْ عَهِدَ إلَيْنَا فِي التَّورَاةِ : أنْ لاَ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأَتِيَنَا بقُرْبَانٍ تأْكُلُهُ النَّارُ، فَإنْ جِئْتَنَا بهِ صَدَّقْنَاكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ).
ومعناها : وَسَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِيْنَ قَالُوْا إنَّ اللهَ عَهِدَ إلَيْنَا، ومحلُّ ﴿الَّذِينَ﴾ خَفْضٌ رَدّاً على (الَّذِيْنَ) الأوَّل ؛ ومعناها : عَهِدَ إلَيْنَا : أَمَرَنَا وَأَوْصَانَا في كُتُبهِ وعلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ أن لا نُصَدِّقَ رسولاً يَزْعُمُ أنَّهُ جَاءَ من عند اللهِ ﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ﴾ وهو ما يُتَقَرَّبُ بهِ إلى اللهِ من صَدَقَةٍ، وكَانَتِ القرابينُ والغنائمُ لاَ تَحِلُّ لِبَنِي إسْرَائِيْلَ، وكانوا إذا قرَّبوا قُرباناً أو غَنِموا غنيمةً فتقبلُ منهم ؛ جاءت من السَّماء نارٌ ولَها دُخَانٌ ولها دَويٌّ وَخَفِيْقٌ فتأكلُ ذلكَ القربانَ وتلكَ الغنيمةِ، فيكون ذلك علامةَ القَبولِ، واذا لم يُقْبَلْ بقيَ إلى حالهِ، فقالَ هؤلاءِ اليهودُ :(إنَّ الله عَهِدَ إلينا ألاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأَكُلُهُ النَّارُ) كما كان في زَمنِ موسَى وزكريَّا ويحيَى وغيرِهم عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ.
وكان هذا القولُ منهم كَذِباً على اللهِ واعتلالاً ومدافعةً في الإيْمانِ بالنبيِّ ﷺ لا إحْتِجَاجاً صحيحاً ؛ فاحْتَجَّ اللهُ عليهم بقولهِ :﴿قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ ؛ أي قُلْ يا مُحَمَّدُ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِن قبلِي بالعلاماتِ الواضحاتِ والمعجزَاتِ ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ من أمرِ القُربان، ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ؛ فِي مَقَالَتِكُمْ. وكانوا قتلُوا زكريَّا ويحيَى وغيرَهم، وأرادَ بذلكَ أسلافَهم فخاطبَهُم بذلك لأنَّهم رَضُوا بفعلِ أسلافِهم.
آل عمران 3:184
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ ؛ فَإنْ كَذبُوكَ يا مُحَمَّدُ فلستَ بأوَّلِ رسُولٍ كُذِّبَ، فقد كُذِّبَ نوحُ وهود وصالحُ وغيرُهم ؛ ﴿جَآءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ؛ أي بالعلاماتِ الواضحَاتِ ؛ ﴿وَالزُّبُرِ﴾ ؛ وهو جَمْعُ زَبُور ؛ وهو كلُّ كتابٍ ذي حِكْمَةٍ ؛ يقال : زَبَرْتُ إذا كتبتُ ؛ وَزَبَرْتُ إذا قرأتُ. وأما ﴿وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ ؛ فهو الكتابُ المبيِّنُ للحلالِ والحرامِ.
آل عمران 3:185
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ؛ قرأ الأعمش :(ذَائِقَةٌ) بالتنوين، ونصبَ (الْمَوْتَ)، قال ابنُ عبَّاس :(لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾[الرحمن: ٢٦] قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ : هَلَكَ أهْلُ الأَرْضِ. فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْقَنَتِ الْمَلاَئِكَةُ بالْهَلاَكِ). وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" لَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ اشْتَكَتِ الأَرْضُ إلَى رَبهَا لِمَا أخِذ مِنْهَا ؛ فَوَعَدَهَا أنْ يَرُدَّ إلَيْهَا مَا أخَذ مِنْهَا، فَمَا مِنْ أحَدٍ إلاَّ يُدْفَنُ فِي التُّرْبَةِ الَّتِي أخِذ مِنْهَا " ورأى أبوُ هريرةُ قَبْراً جديداً، فَقَالَ :(سُبْحَانَ اللهِ! انْظُرُواْ كَيْفَ سَبَقَ هَذا الْعَبْدُ إلَى تُرْبَتِهِ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي تُعْطَوْنَ جزاءَ أعمالِكم يومَ القيامةِ، إنْ خَيراً فخيرٌ ؛ وإنْ شَرّاً فَشَرٌّ، لا تَغْتَرُّوا بِنِعَمِ الكُفَّار، ولا تَحْزَنُواْ لشدائدِ المؤمنيْنَ، فإنَّ كِلاَ الفريقينَ يَتَفَرَّقُونَ ؛ فلا بُؤْسُ يبقَى ولا نعيمٌ في الدُّنيا.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ ؛ أي أُبْعِدَ عنها ؛ ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ ؛ أي نَجَا وَسَعِدَ وَظَفَرَ بما يرجُو. قوله تعالى :﴿وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ ؛ متاعُ الدُّنيا مثلُ القِدْر والقَصْعَةِ والفأسِ، يتمتَّعُ بهذه الأشياءِ ؛ أي يُنْتَفعُ بها ثم تذهبُ فتفنَى، كذلك الحياةُ الدُّنيا. وقيل :(مَتَاعُ الغُرور) مَا يُغَرُّ به الإنسانُ في الحالِ، فكما أنَّ التاجرَ يهربُ من متاعِ الغرور وهو ما يسرعُ إليه الفسادُ مثلَ الزُّجاجِ، والَذِي يسرعُ إليه الكسرُ ويصلحُه الجبرُ ؛ كذلك ينبغِي للحيِّ أن يهربَ من الدُّنيا الفانيةِ إلى متاعِ الآخرةِ.
وعن عبدِ اللهِ بن عمرَ ؛ قَالَ :(لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَجَّيْنَاهُ بثَوْبٍ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ نَبْكِي، فَأَتَانَا آتٍ نَسْمَعُ صَوْتَهُ وَلاَ نَرَى شَخْصَهُ، فَقَالَ : السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَقُلْنَا : وَعَلَيْكُمُ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ، فَقَالَ :﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائقَةُ المَوْتِ﴾ إلَى آخِرِ الآيَةِ، ثُمَّ قَالَ : إنَّ فِي اللهِ خََلَفاً لِكُلِّ هَالِكٍ ؛ وَعَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيْبَةٍ ؛ وَدَرْكاً مِنْ كُلِّ فَائِتٍ، فَباللهِ فَاتَّقُواْ وَإيَّاهُ فَارْجُوا، فَإنَّ الْمُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ). قالَ :(فَتَحَدَّثْنَا أنَّهُ جِبْرِيْلُ عليه السلام).
آل عمران 3:186
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ ؛ وذلك أنَّ الله تعالى لَمَّا ذكرَ الجنَّة أتى عَقِبَهَا بما يدعو إليها ويُوجِبُها فقالَ :﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ أي لَتُخْتَبَرُنَّ بالنقصِ والذهاب في الأموالِ، وفي أبدانِكم بالأمراضِ والأوْجاعِ. ويقال : إنَّ المرادَ بالإبتلاءِ فَرَائِضَ الدينِ مثلَ الجهادِ في سبيلِ الله والإنفاقِ فيه.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً﴾ ؛ معناهُ : وَلَتَسْمَعُنَّ من اليهودِ والنصارى ومشركي العرب كلامَ أذَى كثيراً. أمَّا من اليهودِ فقولُهم : عُزَيْرٌ ابنُ اللهِ، وقولُهم : إنَّ اللهُ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أغْنِيَاءٌ. ومنَ النصارَى قولَهم : الْمَسِيْحُ ابنُ اللهِ، وقولَهم : إنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ. ومِن المشركينَ قولَهم : الْمَلاَئِكَةُ بَنَاتُ اللهِ، وعبادتَهم الأوثانَ ونصبَهم الحربَ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم. والأذى : مَا يَكْرَهُ الإنْسَانُ وَيَغْتَمُّ بهِ.
قال الزهريُّ :" نَزَلَتْ فِي كَعْب بْنِ الأَشْرَفِ ؛ وَذَلِكَ أنَّهُ كَانَ يَهْجُو النَّبيَّ ﷺ، وَيَسُبُّ الْمُسْلِمِيْنَ وَيُحَرِّضُ الْمُشْرِكِيْنَ عَلَى النَّبيِّ ﷺ وَأَصْحَابهِ فِي سَمَرِهِ حَتَّى آذاهُمْ، فَقَالَ ﷺ :" مَنْ لِي بابْنِ الأَشْرَفِ ؟ " فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الأَنْصَاريُّ : أنَا لَكَ بهِ يَا رَسُولَ اللهِ أنَا أقْتُلُهُ، قال :" أفْعَلُ إنْ قَدِرْتَ عَلَى ذلِكَ "، قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ إنَّهُ لاَ بُدَّ لَنَا أنْ نَقُولَ ؟ قَالَ :" قُولُواْ مَا بَدَا لَكُمْ فَأَنْتُمْ فِي حِلٍّ مِنْ ذلِكَ ".
وَاجْتَمَعَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَأبُو نَائِلَةَ وَهُوَ أخُو كَعْبٍ مِنَ الرِّضَاعَةِ، وَهُوَ سَلْكَانُ بْنُ سَلاَمَةَ بْنُ وَقَشٍ، وَعَبَّادُ بْنُ بشْرِ بْنِ وَقَشٍ، وَالْحَارثُ بْنُ أوْسٍ، وَأبُو عَبْسِ ابْنِ جَبْرٍ، وَمَشَى مَعَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدَ ثُمَّ وَجَّهَهُمْ، فقَالَ :" انْطَلِقُواْ عَلَى اسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ أعِنْهُمْ ".
ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى بَيْتِهِ، وَهُوَ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، فَأَتَوا حَتَّى انْتَهَواْ إلَى حِصْنِهِ ؛ فَقَوَّمُواْ أبَا نَائِلَةَ لأَنَّهُ أخُوهُ مِنَ الرِّضَاعَةِ، فَجَاءَهُ فَتَحَدَّثَ مَعَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ : يَا كَعْبُ ؛ إنِّي جِئْتُكَ لِحَاجَةٍ أريْدُ ذِكْرَهَا لَكَ فَاكْتُمْهَا عَلَيَّ، قَالَ : أفْعَلُ، قَالَ : كَانَ قُدُومُ هَذا الرَّجُلِ بلاَدَنَا بَلاَءً عَلَيْنَا ؛ عَادَتْنَا الْعَرَبُ فَرَمَوْنَا عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ ؛ وَانْقَطَعَتْ عَنَّا السَّبيلُ حَتَّى ضَاعَتِ الْعِيَالُ وَجَهَدَتِ الأَنْفُسُ. فَقَالَ كَعْبُ ابْنُ الأَشْرَفِ : أمَا وَاللهِ لَقَدْ أخْبَرْتُكَ أنَّ الأَمْرَ سَيَصِيْرُ إلَى هَذا. فَقَالَ أبُو نَائِلَةَ : إنَّ مَعِيَ أصْحَاباً أرَدْنَا أنْ تَبيْعَنَا مِنْ طَعَامِكَ وَنَرْهَنُكَ وَنُوْثِقُ لَكَ سِلاَحاً، وَقَدْ عَلِمْتَ حَاجَتَنَا الْيَوْمَ إلَى السِّلاَحِ، فَقَالَ : هَاتُواْ سِلاَحَكُمْ، وَأَرَادَ أبُو نَائِلَةَ يَذْكُرُ السِّلاَحَ حَتَّى لاَ يُنْكِرَ السِّلاَحَ إذا رَآهُ، فَرَجَعَ أبُو نَائِلَةَ إلَى أصْحَابهِ فَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَهُ، فَأَقْبَلُواْ إلَيْهِ حَتَّى انْتَهُواْ إلَيْهِ، وَكَانَ كَعْبٌ حَدِيْثَ عَهْدٍ بعُرْسٍ.
فَبَادَأهُ أبُو نَائِلَةَ فَوَثَبَ فِي مِلْحَفِهِ ؛ فَأَخَذتِ امْرَأتَهُ بنَاصِيَتِهِ وَقَالَتْ : إنَّكَ رجُلٌ مُحَاربٌ وَصَاحِبُ الْحَرْب لاًَ يَنْزِلُ فِي مِثْلِ هَذِهِ السَّاعَةِ، فَقَالَ : إنَّ هَؤُلاَءِ وَجَدُونِي نَائِماً مَا أيْقَظُونِي ؛ وَإنَّهُ أبُو نَائِلَةَ أخِي، قَالَتْ : فَكَلِّمْهُمْ مِنْ فَوْقِ الْحِصْنِ، فَأَبَى عَلَيْهَا، فَنَزَلَ إلَيْهِمْ فَتَحََدَّثَ مَعَهُمْ سَاعَةً ثُمَّ قَالُواْ لَهُ : يَا ابْنَ الأَشْرَفِ ؛ هَلْ لَكَ أنْ نَتَمَاشَى وَنَتَحَدَّثَ سَاعَةً ؟ فَمَشَى مَعَهُ سَاعَةً، ثُمَّ إنَّ أبَا نائِلَةَ جَعَلَ يَدَهُ عَلَى رَأسِ كَعْبٍ ثُمَّ شَمَّهَا وَقَالَ : مَا شَمَمْتُ طِيْبَ عُرْسٍِ قَطٌّ مِثْلَ هذا! قَالَ كَعْبٌ : إنَّهُ طِيْبُ أمِّ فُلاَنٍ ؛ يَعْنِي امْرَأتَهُ.
ثُمَّ مَشَى سَاعَةً، فَعَادَ أبُو نَائِلَةَ لِمِثْلِهَا حَتَّى اطْمَأَنَّ ثُمَّ مَشَى سَاعَةً، ثُمَّ عَادَ بمثْلِهَا، ثُمَّ أخَذ بفَوْدِ رَأَسِهِ حَتَّى اسْتَمْكَنَ، ثُمَّ قَالَ لأَصْحَابهِ : اضْرِبُوا عَدُوَّ اللهِ ؛ فَاخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ أسْيَافُنَا فَلَمْ تُغْنِ شَيْئاً، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَرَكَزْتُ مِغْوَلاً فِي ثُنَّتِهِ، ثُمَّ تَحَامَلْتُ عَلَيْهِ حَتَّى بَلَغَتْ عَانَتَهُ، فَصَاحَ صَيْحَةً لَمْ يَبْقَ مِنْ حَوْلِهَا حِصْنٌ إلاَّ وَقَدْ أوْقَدَ نَاراً، فَوَقَعَ عَدُوُّ اللهِ عَلَى الأَرْضِ، وقَدْ أصِيْبَ الْحَارثُ بْنُ أوْسٍ بجُرْحٍ فِي رَأَسِهِ ؛ أصَابَهُ بَعْضُ أسْيَافِنَا، فَنَزَفَهُ الدَّمُ وَأبْطَأَ عَلَيْنَا ؛ فَوَقَفْنَا لَهُ سَاعَةً، ثُمَّ اْحتَمَلْنَاهُ وَجِئْنَا بهِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ آخِرَ اللَّيْلِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَخَرَجَ إلَيْنَا ؛ فَأَخْبَرْنَاهُ بقَتْلِ كَعْبٍ وَجِئْنَا برَأسِهِ إلَيْهِ، وَتَفَلَ عَلَى جُرْحِ صَاحِبنَا فَبَرَأ، وَرَجَعْنَا إلَى أهْلِنَا، فَأَصْبَحْنَا وَقَدْ خَافَتِ الْيَهُودُ لِوَقْعَتِنَا بعَدُوِّ اللهِ، فَقَالَ ﷺ :" مَنْ ظَفَرْتُمْ بهِ مِنْ رَجُلِ يَهُودٍ فَاقْتُلُوهُ ".
آل عمران 3:187
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ ؛ أي قد أخذ اللهُ ميثاقَ أهلِ الكتاب لِيُبَيِّنَ الكتابَ بما فيه من نَعْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ وصفتِه للناسِ ولا يُخْفُونَ شيئاً من ذلكَ. قرأ عاصمُ وأبو عمرٍو وابنُ كثير بالياءِ فيهما. وقرأ الباقون بالتَّاء فيها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ ؛ أي ضَيَّعُوهُ وتركُوا العملَ به، يقالُ للذِي تركَ العملَ بهِ : جَعَلَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ ؛ أي اختارُوا بكِتمَانِ نَعْتِ النَّبيِّ ﷺ وصفتهِ عَرَضاً يَسِيراً من المآكِلِ والْهَدَايَا التي كانت لعلمائِهم من رؤسائِهم، ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ ؛ أي يختارُون الدنيا على الآخرةِ.
آل عمران 3:188
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ ؛ قرأ اهلُ الكوفةِ :(يَحْسَبَنَّ) بالياءِ، وقرأ غيرُهم بالتَّاء، فمن قرأ بالياء فمعناهُ : لا يَحْسَبَنَّ الْفَارحُونَ فَرَحَهُمْ مُنْجِياً لَهم من العذاب، ومن قرأ بالتاءِ فالخطابُ للنَّبيِّ ﷺ، وقوله :﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ إعادةُ توكيدٍ. قرا الضحَّاك بالتاءِ وضمِّ الباء أرادَ مُحَمَّداً وأصحابَه. وقرأ مجاهدُ وابن كثير وأبو عمر بالياءِ وضمِّ الباءِ خبراً عن الْفَارحِيْنَ ؛ أي لا يَحْسَبَنَّ أنفُسَهم.
واختلفوا فيمَنْ نزلَتْ، فقالَ مجاهدُ وعكرمة :(نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَكَانُواْ يَقُولُونَ : نَحْنُ أهْلُ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَالْكِتَاب الأوَّلِ وَالْعِلْمِ الأوَّلِ، يُرِيْدُونَ الْفَخْرَ وَالسُّمْعَةَ وَالرِّيَاءَ لِكَي يُثْنِي عَلَيْهِمْ وَيَحْمِدَهُمْ سَفَلَتَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ مِنْ بَيَانِ صِفَةِ كِتَابهِمْ). وقالَ عطاءُ :(نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِيْنَ ؛ كَانُواْ يَأْتُونَ النَّبيَّ ﷺ وَيُخَالِطُونَ الْمُسْلِمِيْنَ وَيُرَاؤُنَ بالأَعْمَالِ الَّتِي يُحِبٌّونَ أنْ يُحْمَدُواْ وَيُمْدَحُواْ عَلَى ذلِكَ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ﴾ ؛ أي لا تَظُنَّهُمْ يا مُحَمَّدُ بمَنْجَاةٍ ؛ أي بُعْدٍ مِن العذاب، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ وَجِيْعٌ في الآخرةِ، وتكرارُ (لاَ تَحْسَبَنَّ) لطول القصَّة. ويجوزُ أن يكونَ خبرَ (لاَ تَحْسَبَنَّ) الأوَّل مُضْمَراً تقديرهُ : لاَ يَحْسَبَنَّ الذينَ يَفْرَحُونَ بما أوْتُوا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بما لن يفعلوا نَاجِيْنَ، ومن قرأ (بمَا أوْتُوا] بالمدِّ ؛ فَمَعْنَاهُ : بما أعطوا من النفقةِ والصَّدقة. ومن قرأ (بمَا أتَوا) بما أعْطَوا من الدُّنيا.
آل عمران 3:189
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَللَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ أي وللهِ خزائنُ السَّموات والأرضِ، فخزائنُ السموات المطر، وخزائنُ الأرضِ النباتُ، ووجهُ اتِّصال هذه الآيةِ بما سبقَ أنَّ في هذا تكذيبُ اليهودِ في قولِهم : إنَّ اللهَ فَقِيْرٌ، وَنَحْنُ أغْنِيَاءٌ، وبيانُ أنَّ مَن كان مَالِكَ السَّموات والأرضِ قادرٌ على الانتقامِ من الكفَّار، والإثابةِ للمؤمنين وعلى كلِّ شيءٍ.
آل عمران 3:190
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ الَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ ؛ معناهُ إنَّ في خلقِ السَّموات بما فيها من الشَّمسِ والقمرِ والنُّجوم، والأرضِ بما فيها من الجبالِ والشَّجر والنَّباتِ والدواب واختلافِ اللَّيل والنَّهار في الْمَجِيْءِ والذهاب واللونِ لَعَلاَمَاتٌ واضحاتٌ لِذوي العقولِ على توحيدِ الله.
آل عمران 3:191
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ ؛ بيانٌ لصفةِ أولي الألباب، ومعنى الذِّكْرِالمطلقِ ؛ أي يَذْكُرُونَ اللهَ في جميعِ أحوالِهم، وقيل : المرادُ به الصَّلاةُ ؛ أي لا يتركون الصَّلاةَ ؛ صَحُّوا أو مَرِضُوا، يُصَلُّونَ قِيَاماً إنِ استطاعوا ؛ أو جُلُوساً إنْ لم يستطيعُوا القيامَ ؛ ومضطجعينَ إنْ لَمْ يستطيعُوا الجلوسَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي في عِظَمِ شأنِهما ومَن فيهما مِن الآياتِ والعِبْرَاتِ ؛ القائلينَ :﴿رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً﴾ ؛ أي ما خَلَقْتَ هَذا الْخَلْقَ لِلْبَاطِلِ وَالْعَبَثِ ؛ بَلْ خلقتَهُ دليلاً على وَحْدَانِيَّتِكَ وَصِدْقِ ما أتَتْ بهِ أنبياؤُكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سُبْحَانَكَ﴾ ؛ أي تَنْزِيهاً لكَ وبراءةً لكَ مِن أن تكون خَلَقْتَهُمَا باطلاً ؛ ﴿فَقِنَا﴾ ؛ فَادْفَعْ ؛ ﴿عَذَابَ النَّارِ﴾ ؛ قال ﷺ :" مَنْ أحَبَّ أنْ يَرْتَعَ فِي ريَاضِ الْجَنَّةِ فَلْيُكْثِرْ ذِكْرَ اللهِ " وقال ﷺ :" ذِكْرُ اللهِ عَلَمُ الإيْمَانِ ؛ وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ ؛ وَحِصْنٌ مِنَ الشَّيْطَانِ ؛ وَحِرْزٌ مِنَ النِّيْرَانِ "
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي لَهما صَانِعٌ قادر مُريد حكِيمٌ، وكانَ سفيانُ الثوريُّ يَبُولُ الدَّمَ مِنْ طُولِ حُزْنِهِ وَفِكْرَتِهِ، وَكَانَ إذا رَفَعَ رَأَسَهُ إلَى السَّمَاءِ فَرَأى الْكَوَاكِبَ غُشِيَ عَلَيْهِ.
وانتصبَ قولهُ (بَاطِلاً) بنَزع الخافضِ ؛ أي مَا خَلَقْتُهُ لِلْبَاطِلِ، فقيلَ على المفعولِ الثانِي، وقوله :﴿مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً﴾ ذاهباً به إلى لفظِ الْخَلْقِ، ولو رَدَّهُ إلى السَّماءِ والأَرضِ لقال : هذهِ.
آل عمران 3:192
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ ؛ أي فَقَدْ أهَنْتَهُ وَذلَّلْتَهُ ؛ وقيل : أهلكتَهُ ؛ وقيل : فَضَحْتَهُ ؛ ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ؛ أي ما لَهُمْ مِن مانعٍ يَمنعهم مِمَّا يرادُ دونَهم من العذاب.
آل عمران 3:193
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ ؛ أي يقولونَ رَبَّنَا إنَّنا سَمعنا مُحَمَّداً ﷺ يدعُو الْخَلْقَ إلى الإيمانِ أنْ آمِنُوا بربكم فَأجَبْنَا إلى ما دَعَانَا إليهِ وأمَرْنَا بهِ. وقال مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ :(الْمُنَادِي هُوَ الْقُرْآنُ ؛ يَدْعُو النَّاسَ كُلُّهُمْ إلَى شَهَادَةِ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ وَأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وقولهُ :﴿لِلإِيمَانِ﴾ أي إلى الإيْمانِ، كقولهِ﴿لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾[الأنعام: ٢٨].
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ ؛ أي اغْفِرْ لَنَا الكبائرَ وما دونَها ؛ ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ ؛ أي شِرْكَنَا في الجاهليَّة، ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ ؛ أي اجْعَلْ أرواحَنا مع أرواحِ الأنبياءِ والصالِحين الذين كانُوا قَبْلَنَا.
آل عمران 3:194
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ ؛ أي أعْطِنَا ما وعدتَنا على ألْسِنَةِ رُسُلِكَ، ﴿وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ؛ أي لا تُعَذِّبْنَا، ﴿إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ؛ من الثَّواب والْجَنَّةِ للمؤمنين، فإنْ قيلَ : ما فائدةُ قولِهم ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ وقد عَلِمُوا أنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الميعادَ ؟ قيلَ : فائدتهُ التَّعَبُّدُ والخضوعُ ورفعُ الحاجةِ إليه في عمومِ الأحوالِ.
آل عمران 3:195
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ ؛ قال الكلبيُّ :(مَعْنَى فِي الدِّيْنِ وَالنُّصْرَةِ وَالْمُوَالاَةِ). وقيل : حكم جميعكم في الثَّواب واحدٌ، وقيل : كُلُّكُمْ مِنْ آدمَ وحوَّاء. وقال مجاهدُ :(قَالَتْ أمُّ سَلَمَةَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إنِّي أسْمَعُ اللهَ يَذْكُرُ الرِّجَالَ فِي الْهِجْرَةِ، وَلاَ يَذْكُرُ النِّسَاءَ بشَيْءٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾. قال الضحَّاكُ :(مَعْنَاهُ : رجَالُكُمْ شَكْلُ نِسَائِكُمْ فِي الطَّاعَةِ، وَنِسَاؤُكُمْ شَكْلُ رِجَالِكُمْ فِي الطَّاعَةِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي﴾ ؛ الآيةُ أي الذينَ هاجَروا من مكَّةَ إلى المدينةِ، وأخرَجُوا مِن أوطانِهم وأوْذُوا في طاعَتِي، ﴿وَقَـاتَلُواْ﴾ ؛ المشركينَ مع مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَتَلَهُمُ الْعَدُوُّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ ؛ ذُنُوبَهُمْ، ﴿وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَـارُ﴾ ؛ أي بساتينُ تجري من تحتِ شجرِها ومساكنِها الأنهار، ﴿ثَوَاباً﴾ ؛ جَزَاءً، ﴿مِّن عِندِ اللَّهِ﴾ ؛ انتصبَ (ثَوَاباً) على المصدر ؛ معناهُ : لآتِيَنَّهُمْ ثَوَاباً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ ؛ أي حُسْنُ الجزاءِ للموحِّدين المطيعين.
قرأ محاربُ بن دثَارٍ :(وَقَاتَلُوا وَقَتَلُواْ) بالفتحِ. وقال يزيدُ بن حازمٍ :(سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِالْعَزِيْزِ يَقْرَأ : وَقَتَلُواْ وَقُتِلُوا ؛ يَعْنِي أنَّهُمْ قَتَلُواْ الْمُشْرِكِيْنَ، ثُمَّ قَتَلَهُمُ الْمُشْرِكُونَ). وقرأ أبو رجاءٍ وطلحةُ والحسن :(وَقَتَّلُواْ وَقُتِّلُواْ) بالتشديد. وقرأ عاصمُ وأبو عمرٍو ونافعُ :(وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ) بالتخفيفِ أي قَاتَلُواْ ثُمَّ قُتِلُواْ. وقرأ الأعمشُ وحمزة والكسائيُّ وخلَفُ :(وَقُتِّلُواْ وَقَاتَلُوا) أي وقاتَلَ من بَغَى منهم، وقيل معناهُ : وَقَاتَلُوْا وَقَدْ قَاتَلُوا ؛ وأضمرَ فيه (قَدْ).
آل عمران 3:196
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ﴾ ؛ أي لا يُحزِنُكَ ولا يُعْجِبُكَ، ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ ؛ إمتدادُ هذه الآيةِ خطابٌ للنبيِّ ﷺ ؛ والمرادُ به أصحابَه ؛ كأَنَّهُ قالَ : لاَ يَغُرَّنَّكَ أيُّهَا السامعُ ذهابَ اليهودِ ومجيئَهم في تجاراتِهم ومكاسبهم في الأرضِ ؛ منفعةٌ يسيرةٌ في الدُّنيا تنقطعُ وتفنى ؛ ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ﴾ ؛ مصيرُهم إلَى ؛ ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ؛ أي بئْسَ الفراشُ النارُ.
وقيل : كان النبيُّ ﷺ لا يغرُّه شيءٌ لتحذيرِ الله إيّاه عن الاغترار بشيء وتأديبُه إيَّاه. وقيل : نزلت في مشركِي العرَب ؛ كانوا في رَخَاءٍ من العيشِ، وكانُوا يَنْحَرُونَ ويتنعَّمون، فقال بعضُ المؤمنينَ : إن أعداءَ الله فيمَا نَرَى من الخيرِ ؛ ونحنُ قد هَلَكْنَا من الجوعِ والجهدِ، فَنَزلتْ هذه الآيةُ.
وقرأ يعقوب :(لاَ يَغُرَّنْكَ) بإسكانِ النون. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ﴾ أي تصرُّفهم في الأرضِ للتجَارات والبياعَات وأنواعِ المكاسب. وقوله :﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي متاعٌ قليلٌ فَانٍ. قال النخعيُّ :(إنَّ الدُّنْيَا جُعِلَتْ قَلِيْلاً ؛ وَمَا بَقِيَ مِنْهَا إلاَّ قَلِيْلٌ مِنْ قَلِيْلٍ).
آل عمران 3:197
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ﴾ ؛ أي لا يُحزِنُكَ ولا يُعْجِبُكَ، ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ ؛ إمتدادُ هذه الآيةِ خطابٌ للنبيِّ ﷺ ؛ والمرادُ به أصحابَه ؛ كأَنَّهُ قالَ : لاَ يَغُرَّنَّكَ أيُّهَا السامعُ ذهابَ اليهودِ ومجيئَهم في تجاراتِهم ومكاسبهم في الأرضِ ؛ منفعةٌ يسيرةٌ في الدُّنيا تنقطعُ وتفنى ؛ ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ﴾ ؛ مصيرُهم إلَى ؛ ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ؛ أي بئْسَ الفراشُ النارُ.
وقيل : كان النبيُّ ﷺ لا يغرُّه شيءٌ لتحذيرِ الله إيّاه عن الاغترار بشيء وتأديبُه إيَّاه. وقيل : نزلت في مشركِي العرَب ؛ كانوا في رَخَاءٍ من العيشِ، وكانُوا يَنْحَرُونَ ويتنعَّمون، فقال بعضُ المؤمنينَ : إن أعداءَ الله فيمَا نَرَى من الخيرِ ؛ ونحنُ قد هَلَكْنَا من الجوعِ والجهدِ، فَنَزلتْ هذه الآيةُ.
وقرأ يعقوب :(لاَ يَغُرَّنْكَ) بإسكانِ النون. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ﴾ أي تصرُّفهم في الأرضِ للتجَارات والبياعَات وأنواعِ المكاسب. وقوله :﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي متاعٌ قليلٌ فَانٍ. قال النخعيُّ :(إنَّ الدُّنْيَا جُعِلَتْ قَلِيْلاً ؛ وَمَا بَقِيَ مِنْهَا إلاَّ قَلِيْلٌ مِنْ قَلِيْلٍ).
آل عمران 3:198
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ ؛ تقديرُ هذه الآية مع ما قبلَها : لا يُعْجِبُكَ يا مُحَمَّدُ تقلُّبُ أولئكَ الكفار في نعيمِ الدُّنيا، بل ما أعْطِيَ المتَّقونَ فِي الآخرةِ أفضلُ، فإنَّ ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ﴾ أي وَحَّدُوهُ وأطاعوهُ ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾ أي بساتينُ تجري من تحتِ أشجارها ومساكنها الأنْهارُ مُقِيْمِيْنَ فيها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿نُزُلاً﴾ أي رزْقاً وثَوَاباً لَهم، وهذا نُصِبَ على التفسيرِ ؛ كما يقالُ للشيء : هِبَةٌ أو صَدَقَةٌ. ويجوزُ أن يكونَ نصباً على المصدر على معنى : انْزلُوا نُزُلاً، والنُّزُلُ : ما يُهَيَّأُ للنَّازلِ من كرامةِ وبرٍّ وطعامٍ وشرابٍ ومَنظر حَسَنٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَكِنِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ﴾ ؛ أي مِن عندِ الله من الجزاءِ والثَّواب خيرٌ للصالحين من مَا لَهُمْ في الدُّنيا. قرأ أبو جعفر :(لَكِنَّ الَّذِيْنَ) بالتشديد. وقرأ الحسنُ والنخعيُّ :(نُزْلاً) ساكنة الزَّاي.
روَى أنسُ بن مالكٍ قَالَ :" دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى سَرِيْرٍ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وسَادَةٌ مِنْ أدَمٍ وَحَشْوُهَا لِيْفٌ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ رضي الله عنه فَانْحَرَفَ النَّبيُّ ﷺ انْحِرَافَةً ؛ فَرَأى عُمَرُ أثَرَ الشَّرَيْطِ فِي جَنْبهِ فَبَكَى، فَقَالَ لَهُ :" مَا يُبْكِيْكَ يا عُمَرُ ؟ " فَقَالَ : وَمَا لِي لاَ أبْكِي يَا رَسُولَ اللهِ! وَكِسْرَى وَقَيْصَرَ يَعِيْشَانِ فِيْمَا يَعِيْشَانِ فِيْهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَنْتَ عَلَى الْحَالِ الَّذِي أرَى، فَقَالَ :" يَا عُمَرُ! أمَا تَرْضَى أنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ ؟ " فَقَالَ : بَلَى، قَالَ :" هُوَ كَذَلِكَ ".
آل عمران 3:199
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ ؛ معناهُ : إنَّ مِن أهلِ الكتاب لَمَنْ يُصَدِّقُ باللهِ والقرآنِ والتَّوراةِ والإنْجيلِ والزَّبُور وسَائرِ كُتُب اللهِ، وَهُمْ : عَبْدُاللهِ بْنُ سَلاَمٍ وَأَصْحَابُهُ ؛ ﴿خَاشِعِينَ للَّهِ﴾ ؛ أي ذلِيْلَةٌ أنْفُسُهُمْ للهِ ؛ ﴿لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَـاتِ اللَّهِ﴾ ؛ بُمَحَمَّدٍ وَالْقُرْآنِ ؛ ﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾ ؛ عَرَضاً يَسِيْراً كما فعلَهُ رؤساءُ اليهودِ ؛ ﴿أُوْلـائِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. وقال قتادةُ :" نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ ؛ لَمَّا مَاتَ نَعَاهُ جَبْرِيْلُ عليه السلام إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أيْ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيْهِ ؛ فَقَالَ ﷺ لأَصْحَابهِ :" اخْرُجُواْ فَصَلُّواْ عَلَى أخٍ لَكُمْ مَاتَ بَغَيْرِ أرْضِكُمْ ". قَالُواْ : وَمَنْ هُوَ ؟ قَالَ :" النَّجَاشِيُّ " فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْبَقِيْعِ، وَكُشِفَ لَهُ مِنَ الْمَدِيْنَةِ إلَى أرْضِ الْحَبَشَةِ ؛ فَأَبْصَرَ سَرِيْرَ النَّجَاشِيِّ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ ؛ وَقَالَ لأَصْحَابهِ :" اسْتَغْفِرُواْ لَهُ ". فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ : انْظُرُواْ إلَى هَذا يُصَلِّي عَلَى عِلْجٍ حَبَشِيٍّ نَصْرَانِيِّ لَمْ يَرَهُ قَطُّ، وَلَيْسَ عَلَى دِيِنِهِ! " فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿خَاشِعِينَ للَّهِ﴾ تُنْصَبُ على الحالِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَـاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ أي لا يُحَرِّفُونَ كُتُبَهُمْ، ولا يكتمونَ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ لأجلِ الْمَآكِلِ والرئَاسَةِ، كما فعلت رؤساءُ اليهودِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ؛ فقد تقدَّم تفسيرُه.
آل عمران 3:200
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾ ؛ أي ﴿اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ أي اصبروا على أداءِ الفرائضِ، واجتناب الْمَحَارمِ، وصَابرُوا أعداءَكم في الجهادِ في مقاتَلَتِهم، ورَابطُوا خُيُولَكُمْ على الجهادِ. والرِّبَاطُ وَالْمُرَابَطَةُ : أن يَرْبُطَ كلُّ واحدٍ من الفريقين خُيُولَهُمْ في الثَّغْرِ. وقيل : الْمُرَابَطَةُ : الْمَحُافَظَةُ على الصلواتِ.
قال أبُو هريرةَ رضي الله عنه : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" أَلاَ أخْبرُكُمْ بمَا يَمْحُو اللهُ بهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بهِ الدَّرَجَاتِ ؟ " قَالُواْ : بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قال :" إسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارهِ ؛ وَكَثْرَةُ الْخُطَا إلَى الْمَسَاجِدِ ؛ وَانْتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ ".
وقال الضحَّاك :(مَعْنَى الآيَةِ : يَا أيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا اصْبُروا عَلَى أمْرِ اللهِ). وقال الكلبيُّ :(اصْبرُواْ عَلَى الْبَلاَءِ)، وقالتِ الحكماءُ : الصَّبْرُ ثَلاَثَةُ أشْيَاءٍ : تَرْكُ الشَّكْوَى ؛ وَصِدْقُ الرِّضَا ؛ وَقَبُولُ الْقَضَاءِ. وقيل : الصَّبْرُ : هو الثَّبَاتُ على أحكامِ الكتاب والسُّنة.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَصَابِرُواْ﴾ الْكُفَّارَ ﴿وَرَابطُواْ﴾ بمعنى دَاومُوا وأثْبُتُوا. قَالَ ﷺ :" مَنْ رَابَطَ يَوْماً فِي سَبيْلِ اللهِ كَانَ كَصِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَمَنْ تُوُفِّيَ فِي سَبيْلِ اللهِ أجْرَى اللهُ لَهُ أجْرَهُ حَتَّى يَقْضِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّار، وَمَنْ رَابَطَ يَوْماً فِي سَبيْلِ اللهِ جَعَلَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّار سَبْعَةَ خَنَادِقَ ؛ كُلُّ خَنْدَقٍ مِنْهَا كَسَبْعِ سَمَوَاتٍ وَسَبْعِ أرْضِيْنَ "
قال بعضُهم في هذه الآيةِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ﴾ عِنْدَ قِيَامِ النَّفِيْرِ عَلَى احْتِمَالِ الْكُرَب، ﴿وَصَابِرُواْ﴾ عَلَى مُقَاسَاةِ الْعَنَاءِ وَالْتَّعَب، ﴿وَرَابِطُواْ﴾ فِي دَار أعْدَائِي بلاَ هَرَبٍ، واتقوا عدوَّكم من الألتفاتِ الى السَّبب لكي تُفْلِحُوا غداً بلقائي عند بسَاطٍ القُرَب. وقال السري السقطي :(اصْبرُواْ عَلَى الدُّنْيَا رَجَاءَ السَّلاَمَةِ، وَصَابرُواْ عِنْدَ القِتَالِ بالثَّبَاتِ وَالاسْتِقَامَةِ، وَرَابطُوا هَوَى النَّفْسِ اللَّوَّامَةِ، وَاتَّقُوا مَا يَعْقِبُ لَكُمُ النَّدَامَةَ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ؛ غَداً على بسَاطِ الكرامةِ.
وقيل : معناهُ : اصبروا على بلائِي، وَصَابرُوا بالشُّكر على نَعْمَائِي، ورَابطُوا في دار أعدائي، واتَّقوا مَحَبَّةَ مَن سِوَايَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ بلقائِي. وقيل : اصْبرُوا على البغضاءِ ؛ وصابرُوا على البَأْسَاءِ والضرَّاء ؛ ورابطوا في دار الأعداءِ ؛ واتَّقُوا إلَهَ الأَرضِ والسَّماء ؛ لَعَلَّكُمْ تفلحون في دار البقاءِ. وعن جعفرِ الصَّادق قالَ :(مَعْنَى هَذِهِ الآيَةِ : اصْبرُوا عَلَى الْمَعَاصِي ؛ وَصَابرُوا مَعَ الطَّاعَاتِ ؛ وَرَابطُوا الأَرْوَاحَ بالْمَسَاجِدِ، وَاتَّقُوا اللهَ لِكَي تَبْلُغُوا مَوَاقِفَ أهْلَ الصِّدْقِ ؛ فَإنَّهَا مَحَلُّ الْفَلاَحِ). واللهُ أعْلَمُ.
النساء 4:1
﴿ياأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(قَدْ يَكُونُ ﴿ياأَيُّهَا النَّاسُ﴾ عَامّاً ؛ وَقَدْ يَكُونُ خَاصّاً لأَهْلِ مَكَّةَ ؛ وَهُوَ هَا هُنَا عَامٌّ لِجَمِيْعِ النَّاسِ، وَمَعْنَاهُ : أجِيْبُواْ رَبَّكُمْ وأَطِيْعُوهُ). وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني آدمَ، وإنَّمَا أتتِ النفسُ لاعتبار اللفظِ دونَ المعنى. قال الشاعرُ : أبُوكَ خَلِيْفَةٌ وَلَدَتْهُ أُخْرَى وَأَنْتَ خَلِيْفَةٌ ذاكَ الْكَمَالُفقالَ : وَلَدَتْهُ أُخْرَى ؛ لأن لفظَ الخليفة مؤنَّث.
وإنَّما مَنَّ الله علينا بأنْ خلقَنا من نفسٍ واحدة ؛ لأن ذلك أقربُ إلى أن يَعْطِفَ بعضٌ على بعضٍ، ويَرْحَمَ بَعضُنا بعضاً لرجوعنا في القرابةِ إلى أصلٍ واحد.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي وخَلَقَ من نفسِ آدمَ زوجَها حَوَّاءَ ؛ خلَقَها من ضِلْعٍ من أضلاعه اليُسرى وهي القُصْرَى بعدَ ما ألْقِيَ عليه النومُ فلم يُؤْذِهِ، ولو آذاهُ لَمَا عَطَفَ عليها أبداً. قال ﷺ :" إنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعٍ أعْوَجٍ، فَإنْ أرَدْتَ أنْ تُقِيْمَهَا كَسَرْتَهَا، وَإنْ تَرَكْتَهَا وَفِيْهَا عِوَجٌ اسْتَمْتَعْتَ بهَا عَلَى عِوَجٍ "
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً﴾ ؛ أي بَشَراً وفِرَقاً، وأظهرَ من آدمَ وحوَّاء خَلْقاً كثيراً من الرِّجال والنسَاء. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ ؛ أي اتَّقُوا معاصيَ اللهِ، ﴿#١٦٤٩; لَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ﴾ أي يتساءَلُ بعضُكم بعضاً من الجوارحِ والحقُوق ؛ يقولُ الرجل للرجُلِ : أسألُكَ باللهِ افْعَلْ لِي كذا.
قرأ أهلُ الكوفة :(تَسَاءَلُونَ) مخفَّفاً، وقرأ الباقون بالتشديدِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالأَرْحَامَ﴾ قرأ عامَّة القُرَّاء بنصب (الأَرْحَامَ) على معنى : واتَّقُوا الأرحامَ أن تقطعُوها.
وقرأ النخعيُّ وقتادةُ والأعمش وحمزة بالخفضِ على معنى : وبالأرحامِ على معنى : تساءَلُونَ باللهِ وبالأرحامِ ؛ فيقول الرجلُ : أسألُكُ باللهِ وبالرَّحِمِ. والقراءةُ الأُولى أفصحُ ؛ لأن العربَ لا تعطفُ بظاهرٍ على مُضْمَرٍ مخفوض إلاَّ بإعادةِ الخافض، لا يقولونَ : مررتُ به وزيدٍ، ويقولونَ : بهِ وبزيدٍ، وقد جاءَ ذلك في الشِّعر، قال الشاعرُ : قَدْ كُنْتَ مِنْ قَبْلُ تَهْجُونَا وتَشْتِمُنَا فَاذْهَبْ فَمَا بكَ وَالأَيَّامِ مِنْ عَجَبقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ ؛ أي حَفِيظاً لأعمالكم، وَالرَّقِيْبُ هو الحافظُ، وقال بعضُهم : عَلِيْمَاً ؛ والعَلِيْمُ والحافظُ متهاديان ؛ لأن العليمَ بالشيء حافظٌ له.
النساء 4:2
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ ؛ قال مقاتلُ والكلبيُّ :" نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي رَجُلٍ مِنْ غَطْفَانَ ؛ كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ كَثِيْرٌ لابْنِ أخٍ لَهُ يَتِيْمٍ، فَلَمَّا بَلَغَ الْيَتِيْمُ طَلَبَ مَالَهُ، فَمَنَعَهُ الْعَمُّ فَتَرَافَعَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾. فَقَرَأهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ الرَّجُلُ : أطَعْنَا اللهَ وَأطَعْنَا الرَّسُولَ وَنَعُوذُ باللهِ مِنَ الْحَوْب الْكَبيْرِ، فَدَفَعَ مَالَهُ إلَيْهِ، فَقَالَ ﷺ :" مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ وَيُطِيْعَ رَبَّهُ هَكَذا فَإنَّهُ يَحِلُّ دَارَهُ إلى جَنَّةٍ " فَلَمَّا قَبََضَ الصَّبيُّ مَالَهُ أنْفَقَهُ فِي سَبِيْلِ اللهِ، فَقَالَ ﷺ :" ثَبَتَ الأَجْرُ وَبَقِيَ الْوِِزْرُ " فَقَالوُا : يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ، عَرَفْنَا أنَّهُ ثَبَتَ الأَجْرُ، فَكَيْفَ بَقِيَ الْوِزْرُ وَهُوَ يُنْفِقُ فِي سَبيْلِ اللهِ ؟ فَقََالَ :" ثَبَتَ الأَجْرُ لِلْغُلاَمِ ؛ وَبَقِيَ الْوِزْرُ عَلَى وَالِدِهِ " لأَنَّ الْوَالِدَ كَانَ مُشْرِكاً ".
وإنََّما سَمَّى اللهُ تعالى البالغَ يتيماً، ولا يُتْمَ بعدَ البلوغِ استصحاباً بالاسم الأوَّل، كما قالَ تعالى :﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾[الأعراف: ١٢٠] ولا سِحْرَ مع السُّجود، ولأنه قريبُ عَهْدٍ بالْيُتْمِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ أي لاَ تبذِّروا أموالَكم الحلالَ وتأكلُوا الحرامَ من أموالِ اليتامَى. قالَ سعيدُ بن المسيَّب والنخعيُّ والزهريُّ والسدي والضحَّاك :(كَانَ أوْصِيَاءُ الْيَتَامَى وَأوْلِيَاؤُهُمْ يَأْخُذُونَ الْجَيِّدَ مِنْ مَالِ الْيَتِيْمِ، وَيَجْعَلُونَ مَكَانَهُ الرَّدِيْءَ، وَرُبَّمَا كَانَ أحَدُهُمْ يَأَخُذُ الشَّاةَ السَّمِيْنََةَ مِنْ مَالِ الْيَتِيْمِ، وَيَجْعَلُ مَكَانَهَا الْمَهْزُولَةَ، وَيَأْخُذُ الدِّرْهَمَ الْجَيِّدَ وَيَجْعَلُ مَكََانَهُ الزَّيْفَ وَيَقُولُ : دِرْهَمٌ بِدِرْهَمٍ ؛ فَذلِكَ تَبْدِيْلُهُمْ، فَنَهَاهُمُ اللهُ تَعَالَى عَنْ ذلِكَ).
وقال مجاهدُ :(مَعْنَى الآيَةِ : لاَ تَجْعَلْ رزْقَكَ الْحَلاَلَ حَرَاماً ؛ تَتَعَجَّلُهُ بأَنْ تَسْتَهْلِكَ مَالَ الْيَتِيْمِ، فَتُنْفِقَهُ عَلَى نَفْسِكَ، وَتَحَرَّ فِيْهِ لِنَفْسِكَ وَتُعْطِيْهِ غَيْرَهَ، فَيَكُونَ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ مَالِ الْيَتِيْمِ حَرَاماً خَبيْثاً، وَتُعْطِيْهِ مَالَكَ الْحَلاَلَ، وَلَكِنْ آتوهُمْ أمْوَالَهُمْ بأعْيَانِهَا). وفي هذا دليلٌ على أنه لا يجوزُ لولِيِّ اليتيمِ أن يستقرضَ مالَ اليتيم ولا أن يستبدلَهُ من نفسهِ، وقيل : معنى ﴿وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ أي لا تجعلِ الزيف بدلَ الجيِّد ؛ ولا المهزولَ بدل السَّمين.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ ؛ كقوله تعالى :﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾[آل عمران: ٥٢] أي مَعَ اللهِ، وقيل معناه : لا تأكلُوا أموالَهم مُضِيْفِيْنَ إلى أموالِكم ؛ لأنَّهم كانوا يَخْلِطونَ أموالَ اليتامَى بأموالِهم حتى يصيرَ دَيْناً عليهم، ثم كانوا يبيعونَها مع أموالِهم ويربحونَ عليها ويَسْتَبدُّونَ بتلك الأرباحِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾ ؛ أي إثْماً عَظِيْماً، وفيه ثلاثُ لغاتٍ : قراءةُ العامَّة :(حُوباً) بالضمِّ وهي قراءةُ النبيِّ ﷺ وهي لغةُ أهلِ الحجازِ، وقراءة الحسنِ (إنَّهُ كَانَ حَوْباً) بفتح الحاء وهي لغةُ تَميم، وقراءةُ أبَيِّ بن كعبٍ :(حَاباً) على المصدر مثلُ القَالِ، ويجوزُ أن يكون اسْماً مثلُ الزادِ، ويقالُ للذنب : حُوبٌ وَحَوْبٌ وَحَابٌ.
النساء 4:3
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾[النساء: ١٠] الآيَةُ، خَافَ النَّاسُ أنْ لاَ يَعْدِلُواْ فِي أمْوَالِ الْيَتَامَى - وَكَانُوا يَتَزَوَّجُونَ مِنَ النِّسَاءِ مَا شَاءُوا - فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ).
ومعناها : إنْ خِفْتُمْ أنْ لاَ تعدِلُوا في أموالِ اليتامَى ؛ فَخَافُوا في النِّساءِ إذا اجتمعنَ عندَكُم أن لا تعدلُوا بينهنَّ، فَتَزَوَّجُوا ما حَلَّ لكم من النِّساءِ، ولاَ تَنْكِحُوا إلاَّ ما يُمكنكم إمساكهُنَّ : ثِنْتَانِ ثِنْتَانِ ؛ وَثَلاَث ثلاث ؛ وأربع أربعِ، ولا يزيدُوا على أربعِ حرائر. وقيل : معنى الآية : إنْ خِفْتُمْ أن لا تعدِلوا يا معشرَ الأولياءِ في اليتامَى إذا تزوجتُم بهِنَّ ؛ فانْكِحُوا ما حلَّ لكم من النساء غيرهنَّ. وقال مجاهدُ :(مَعْنَاهُ : إنْ خِفْتُمْ فِي ولاَيَةِ الْيَتَامَى إيْمَاناً وتَصْدِيْقاً ؛ فَخَافُوا فِي الزِّنَا، وَانْكِحُوا الطَّيِّبَ مِنَ النِّسَاءِ).
وقال بعضُهم : كانوا يَتَحَرَّجُونَ عن أموالِ اليتامى، ويترخَّصون في النساءِ، ولا يعدلونَ فيهنَّ ويتزوجُون منهنَّ ما شاءُوا فربما عدلوا، وربَّما لم يعدلوا، فلما سألُوا عن أموالِ اليتامى، أنزلَ اللهُ تعالى﴿وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾[النساء: ٢]، وأنزلَ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾[النساء: ٣]، أي كما خِفْتُمْ أن لا تُقْسِطُوا في اليتامى وهَمَّكُمْ ذلكَ ؛ فخافُوا في النساءِ أن لا تعدلُوا فيهنَّ ؛ ولا تزوَّجوا أكثرَ مما يُمكنِكم إمساكهنَّ والقيامُ بحقِّهنَّ ؛ لأن النساءَ كاليتامَى في الضَّعْفِ والعَجْزِ، فما لكم تُرَاقِبُونَ اللهَ في شيء، وَتَعْصُونَهُ في مثلهِ، وهذا قولُ سعيدِ بن جبير وقتادةَ والربيعِ والضحَّاك والسديِّ، وروايةٌ ابنِ عبَّاس.
والإقْسَاطُ في اللغة : الْعَدْلُ، يقال : أقْسَطَ ؛ إذا عَدَلَ، وَقَسَطَ ؛ إذا جَارَ، وإنَّما قال :(مَا طَابَ) ولم يقل مَنْ طَابَ ؛ لأن (ما) مع الفعلِ بمنْزلة المصدر، كأنهُ قالَ : فانكحُوا الطيِّبَ، يعني الحلالَ من النساء. وقرأ ابن أبي عبلةَ :(مَنْ طَابَ) ؛ لأن (ما) لِما لا يعقلُ و (من) لمن يعقل، إلاّ أنَّ عامَّة القُرَّاء والعلماءِ يقولون : إن العربَ تجعلُ (ما) بمعنى (مِن) ؛ و (مِن) بمعنى (ما)، وقد جاءَ القُرْآنُ بذلكَ : قال اللهُ تعالى :﴿وَالسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا﴾[الشمس: ٥]، وقال تعالى :﴿فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾[النور: ٤٥]، وقال تعالى :﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾[الشعراء: ٢٣].
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ بدل مِنْ (طَابَ لَكُمْ) وهو مما لا ينصرفُ، لأن ﴿مَثْنَى﴾ معدولٌ عن اثنين وذلكَ نكرةٌ، و (ثُلاَثَ) معدولٌ عن ثلاثةٍ.
وذهبَ بعض الرَّوَافِضِ إلى استحلالِ تِسْعِ استدلالاً بهذه الآية، ولَيْسَ ذلِكَ بشَيْءٍ، فإنَّ الواوَ هنا بمعنى (أو)، " وروي عن قيسِ بن الْحَارثِ : أنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ ثَمَانِي نِسْوَةٍ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يُمْسِكَ أرْبَعاً وَيُفَارقَ أرْبَعاً، وَقَالَ ﷺ لِغَيْلاَنَ حِيْنَ أسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ :" أمْسِكْ مِنْهُنَّ أرْبعاً ؛ وَفَارقْ سَائِرَهُنَّ ".
النساء 4:4
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتُواْ النِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ ؛ قال الكلبيُّ :(هَذا خِطَابٌ لِلأَوْلِيَاءِ، كَانَ الْوَلِيُّ إذا زَوَّجَ امْرَأةً، فَإنْ كانَ زَوْجُهَا مَعَهُمْ فِي الْعَشِيْرَةِ لَمْ يُعْطِهَا الْوَلِيُّ مِنْ مَهْرِهَا قَلِيْلاً وَلاُ كَثِيْراً، وَإنْ كَانَ زَوْجُهَا غَرِيْباً حَمَلُوهَا عَلَى بَعِيْرٍ إلَى زَوْجِهَا، وَلاَ يُعْطُونَهَا مِنْ مَهْرِهَا غَيْرَ ذلِكَ الْبَعِيْرِ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذلِكَ وَأَمَرَهُمْ أنْ يُعْطُوهَا الْحَقَّ أهْلَهُ). وقال مقاتلُ وأكثر أهلِ التَّفسير :(هَذا خِطَابٌ للأَزْوَاجِ، كَانَ الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأةَ فَلاَ يُعْطِيْهَا مَهْرَهَا، فَأُمِرُواْ أنْ يُعْطُواْ نِسَاءَهُمْ مُهُورَهُنَّ الَّتِي هِيَ أثْمَانُ فُرُوجِهِنَّ) وهذا القولُ أضحُّ وأوضحُ. والصَّدُقَاتِ : الْمُهُورُ، واحدهُ صَدُقَةٌ بضمِّ الدال.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿نِحْلَةً﴾ قال قتادةُ :(فَرِيْضَةً وَاجِبَةً)، وقال ابن جُريج :(فَرِيْضةً مُسَمَّاةً)، وقال الكلبيُّ :(عَطِيَّةً وَهِبَةً)، وقال أبو عُبيدة :(عَنْ طِيْب نَفْسٍ)، قال الزجَّاج :(تَدَيُّناً). وقيل : معناهُ : عطيَّةٌ من اللهِ تعالى للنَّساءِ حيث جَعْلِ المهرَ لَهُنَّ، ولم يوجب عليهنَّ شيئاً من القومِ مع كون الاستِمْتَاع مشتَركاً بينهنَّ وبين الأزواجِ. وقيل معنى (نِحْلَةً) : دِيَانَةً، فانتصبَ (نِحْلَةً) على المصدر، وقيل : على التفسيرِ.
وروي عن رسول الله أنه قال :" مَنِ ادَّانَ دَيْناً وَهُوَ يَنْوِي أنْ لاَ يُؤَدِّيَهُ لَقِيَ اللهَ سَارقاً، ومَنْ أصْدَقَ امْرَأةً صِدَاقاً وَهُوَ يَنْوِي أنْ لاَ يُوَفِّيَهَا لَقِيَ اللهَ زَانِياً " وقال ﷺ :" إنَّ أحَقِّ الشُّرُوطِ أنْ تُوَفُّوا مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بهِ الْفُرُوجَ "
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً﴾ ؛ أي إنْ أحْلَلْنَ لَكُم عن شيءٍ من المهرِ، وإن وَهَبْنَ لكم منه شيئاً. ونصب (نَفْساً) على التَّمييزِ إذا قيلَ (طِبْنَ لَكُمْ) لم يُعلم في أيِّ صنفٍ وقعَ الطيبُ، فكأنه قالَ : إن طَابَتْ أنفسُهن بهِبَةِ شيءٍ من المهر فكلُوا الموهوبَ لكم هنيئاً لا إثْمَ فيه، مَرِيئاً لا مَلاَمَةَ فيه. قال الحضرميُّ :(إنَّ نَاساً كَانُواْ يَتَأَثَّمُونَ أنْ يَرْجِعَ أحَدُهُمْ فِي شَيْءٍ مِمَّا سَاقَ إلَى امْرَأتِهِ). قال اللهُ تعالى :﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً﴾ من غيرِ إكراهٍ ولا خَدِيْعَةٍ ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً﴾ أي شافياً طَيِّباً.
وقيل معناهُ : فكلوهُ دواءً شافياً، وقيل : الْهَنِيءُ : الطَّيِّبُ الْمُسَاغُ الَّذِي لاَ يَغُصُّهُ شَيْءٌ، وَالْمَرِيْءُ : الْمَحْمُودُ الْعَاقِبةِ الَّذِي لاَ يَضُرُّ وَلاَ يُؤْذِي، تقول : لا تخافونَ في الدنيا منهُ مطالبةً، ولا في الآخرة بتبعةٍ، يقال : هنأني لِي الطعامُ وَمَرِّأنِي، فإذا أفْرِدَ يقال : أَمْرَأنِي ولا يقال إهْنَأنِي، وَهَنِيْئاً مصدرٌ.
وعن عَلِيٍّ رضي الله عنه أنهُ قالَ :(إذا كَانَ أحَدُكُمْ مَرِيْضاً فَلْيَسْأَلِ امْرَأتَهُ دِرْهَمَيْنِ مِنْ مَهْرِهَا تَهَبْ لَهُ بطِيْبَةِ نَفْسِهَا ؛ فَلْيَشْتَرِ بذلِكَ عَسَلاً، وَيَشْرَبُهُ مَعَ مَاءِ الْمَطَرِ، فَقَدِ اجْتَمَعَ الْهَنِيءُ وَالْمَرِيءُ وَالشِّفَاءُ وَالْمَاءُ الْمُبَارَكِ). لأنَّ اللهَ تعالى سَمَّى المهرَ هَنِيْئاً مَرِيْئاً إذا وَهَبَتْهُ المرأةُ لِزَوْجِهَا ؛ وسَمَّى العسلَ شِفَاءً ؛ وسَمَّى المطرَ مُبَاركاً، فإذا اجتمعتْ هذهِ الأشياءُ يُرْجَى له الشِّفاء.
النساء 4:5
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ ؛ أي لا تُعْطُوا الْجُهَّالَ بمواضعِ الحقِّ - وهم النساءُ والصِّبيانُ - أموالَكم التي جعلَ الله لكم قَوَامَ أمرِكم ومعيشتِكُم ؛ أي جعلَكم تقومونَ به قِيَاماً إذا عَلِمَ الرجلُ أنَّ امرأتَهُ سفيهةٌ مُفْسِدَةٌ، وأن وَلَدَهُ سَفِيْهٌ مفسدٌ، فلا يَنْبَغِي لهُ أن يُسَلِّطَ أحداً منهُما على مالهِ الذي هو قِوَامُ أمرهِ. ومن قرأ (قِيَماً) فمعناهُ : التي جعلَها اللهُ لكم قِيْمَةً للأشياءِ فَبهَا تقومُ أمورُكم.
وقال مجاهدُ :(نَهَى الرِّجَالَ أنْ يُؤْتُوا النِّسَاءَ أمْوالَهُمْ وَهُنَّ سُفَهَاءُ ؛ كُنَّ أزْواجاً، أوْ بَنَاتٍ أوْ أُمَّهَاتٍ). وعن الضحَّاك :(النِّسَاءُ مِنْ أسْفَهِ السُّفَهَاءِ) يدلُّ على هذا التأويلِ قولهُ ﷺ :" ألاَ إنَّمَا خُلِقَتِ النَّارُ لِلسُّفَهَاءِ - قَالَهَا ثَلاَثاً - ألاَ إنَّ السُّفَهَاءَ النِّسَاءُ إلاَّ امْرَأةٌ أطَاعَتْ قَيِّمَهَا "
وعن أنسٍ رضي الله عنه قَالَ :" جَاءَتِ امْرَأةٌ سَوْدَاءُ جَرِيئَةُ الْمَنْطِقِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ : بأَبي وَأمِّي أنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ ؛ بَلَغَنِي أنَّكَ تَقُولُ فِيْنَا كُلَّ شَيْءٍ، قَالَ :" أيُّ شَيْءٍ قُلْتُ فِيْكُنَّ ؟ " قَالَتْ : سَمَّيْتَنَا السُّفَهَاءَ، قَالَ :" اللهُ تَعَالَى سَمَّاكُنَّ السُّفَهَاءَ فِي كِتَابِهِ " قَالَتْ : وَسَمَّيْتَنَا النَّوَاقِصَ، قَالَ :" فَكَفَى نَقْصاً أنْ تََتْرُكَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ الصَّلاَةَ فِي كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَةَ أيَّامٍ لاَ تُصَلِّي فِيْهَا " - يَعْنِي أيَّامَ حَيْضِهَا - ثُمَّ قَالَ ﷺ :" أمَا يَكْفِي إحْدَاكُنَّ إذا حَمَلَتْ كَانَ لَهَا كَأَجْرِ الْمُرَابطِ فِي سَبيْلِ اللهِ، وَإذا وَضَعَتْ كَانَتْ كَالْمُتَشَحِّطِ بدَمِهِ فِي سَبيْلِ اللهِ، فَإذا أرْضَعَتْ كَانَ لَهَا بكُلِّ جُرْعَةٍ عِتْقُ رَقَبَةٍ مِنْ ولْدِ إسْمَاعِيْلَ، فَإذا سَهِرَتْ كَانَ لَهَا بكُلِّ سَهْرَةٍ عِتْقُ رَقَبَةٍ مِنْ ولْدِ إسْمَاعِيْلَ، وَذلِكَ لِلْمُؤْمِنَاتِ الْخَاشِعَاتِ الصَّابرَاتِ اللاَّتِي لاَ يَكْفُرْنَ الْعَشِيْرَ " فَقَالَتِ السَّوْدَاءُ : أيَا لَهُ فَضْلاً لَوْلاَ مَا تَبعَهُ مِنَ الشُّرُوطِ ".
وروي : أنَّ امْرَأةً مَرَّتْ بعَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ لَهَا شَارَةٌ وَهَيْئَةٍ، فَقَالَ لَهَا ابْنُ عُمَرَ :(وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ). وقال معاويةُ بن مُرَّةَ :(عَوِّدُوا نِسَاءَكُمْ (لاَ)، فَإنَّهُنَّ سَفِيْهَاتٌ، إنْ أطَعْتَ الْمَرْأةَ أهْلَكَتْكَ).
وعن أبي موسَى الأشعريِّ قالَ :(ثَلاَثَةٌ يَدْعُونَ اللهَ فَلاَ يَسْتَجِيْبَ لَهُمْ : رَجُلٌ كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأةٌ سَيِّئَةُ الْخُلُقِ فَلَمْ يُطَلِّقْهَا، وَرجُلٌ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَلَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ أعْطَى سَفِيْهاً مَالَهُ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ أيِ الْجُهَّالَ بَمَوَاضِعِ الْحَقِّ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾. قرأ ابنُ عمر (قَوَاماً) بفتح القافِ والواو، وقرأ عيسَى بن عمر (قِوَاماً) بكسر القاف وهما لُغات. وقرأ الأعرجُ ونافع وابنُ عامر (قيماً) بكسر القاف من غير ألف. وقرأ الباقون (قِيَاماً) بالألف.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ ؛ أي أطْعِمُوا النساءَ والأولادَ واكسُوهم من أموالِكم. ﴿وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ ؛ أي عُدُّوهُمْ عُدَّةً حَسَنَةً، نحوَ أن يقولَ الرجلُ : سأفعل كذا إن شاءَ اللهُ، وقيلَ : رُدُّوا عليهم رَدّاً جميلاً، وقولوا لَهم قَوْلاً لَيِّناً تطيبُ به أنفسُهم. والرِّزْقُ من اللهِ تعالى : الْعَطِيَّةُ غَيْرُ الْمَحْدُودَةِ، ومن العبادِ الشيءُ الموظَّف لوقتٍ محدود. وإنَّما قال (فِيْهَا) ولم يقل : مِنْهَا ؛ لأنه أرادَ : اجعلوا لَهم حَظّاً فيهَا أي رزْقاً فيها.
النساء 4:6
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى﴾ ؛ أي اخْتَبرُوهُمْ في عقولِهم وتدبيرِهم وديانَتِهم حتى إذا بَلَغُوا مبلغَ النِّكاحِ وهو الْحُلُمُ، وهذا دليلُ جواز الإذن للصبيِّ في التجارةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً﴾ ؛ أي عَلِمْتُمْ منهم ووجدتُم إصْلاحاً في عقولِهم وحِفْظاً في أموالِهم ﴿فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ؛ الَّتِي عندَكم. نزلَتْ هذه الايةُ في ابنِ رُفَاعَةَ وَعَمِّهِ، وكان رفاعةُ قد تُوُفِّيَ، وتركَ ابنَهُ صغيراً، فَأتَى عمُّهُ ثابتُ إلى النبيِّ ﷺ، فقال لهُ : إنَّ ابْنَ أخِي يَتِيْمٌ فِي حِجْرِي، فَمَتَى أدْفَعُ إلَيْهِ مَالَهُ ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ﴾ ؛ أي لا تأْكُلُوا أموالَ اليتامَى بغيرِ حَقِّ. والإسْرَافُ : مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ ؛ أي لِيَتَوَرَّعْ بغِنَاهُ عن مالِ اليتيم، ولا يُنْقِصْ شيئاً من مَالِهِ، والْعِفَّةُ : الامْتِنَاعُ عَمَّا لاَ يَحِلُّ فِعْْلُهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ؛ اختلفُوا في معنَى ذلكَ، قال عمر بن الخطاب وسعيدِ بن جُبير وعبيدةُ السَّلمانِيُّ :(مَعْنَاهُ : فَلْيَأْخُذْ مِنْ مَالِ الْيَتِيْمِ عَلَى جِهَةِ الْقَرْضِ مِقْدَارَ حَاجَتِهِ، فَإذا أيْسَرَ رَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَهُ). وهكذا روَى الطحَّاويُّ عن أبي حنيفةَ، فمعنى قولِه تعالى :﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ بالْقَرْضِ، نظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾[النساء: ١١٤] أي أو قَرْضٍ.
وقال مكحولُ وعطاء وقتادةُ :(إنَّ لِوَلِيِّ الْيَتِيْمِ أنْ يَأْخُذ مِن مَالِ الْيَتِيْمِ قَدْرَ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ وَيَسُدُّ جُوعَتَهُ لاَ عَلَى جِهَةِ الْقَرْضِ). قال الشَّعبيُّ :(لاَ يَأْكُلُ إلاَّ أنْ يَضْطَرَّ إلَيْهِ كَأَنْ يَضْطَرَّ إلَى الْمَيْتَةِ). وقال بعضُهم :(فَلْيَأْكُلْ بالْمَعْرُوفِ) أي يأكل من غيرِ إسرافٍ، ولا قَضَاءٍ عليهِ فيما أكلَ.
واختلفوا في كيفيَّة هذا بالمعروفِ، فقالَ عكرمةُ والسُّدِّيُّ :(يَأْكُلُ وَلاَ يُسْرِفُ فِي الأَكْلِ وَلاَ يَكْتَسِي مِنْهُ). وقال النخعيُّ :(لاَ يَلْبَسُ الْكِتَّانَ وَلاَ الْحُلَلَ، وَلَكِنْ مَا يَسُدُّ الْجُوْعَةَ وَيُوَاري العَوْرَةَ). وقال بعضُهم : معنى :﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ هو أن يأكلَ من تَمْرِ نخيلهِ ولَبَنِ مَوَاشِيهِ بالمعروفِ ولا قضاءَ عليه، فأمَّا الذهبُ والفضَّة إذا أخذ منه شيئاً ردَّ بَدَلَهُ. قال الضحَّاك :(الْمَعْرُوفُ رُكوبُ الدَّابَّةِ وَخِدْمَةُ الْخَادِمِ، ولََيْسَ لَهُ أنْ يَأْكُلَ من مالهِ شيئاً).
وعن ابنِ عبَّاس :(أنَّ رَجُلاً جَاءَ إلَيْهِ فَقَالَ لَهُ : إنَّ فِي حِجْرِي أمْوَالَ أيْتَامٍ ؛ أفَتَأْذنُ لِي أنْ أُصِيبَ مِنْهَا ؟ فَقَالَ : إنْ كُنْتَ تَبْغِي ضَالَّتَهَا، وَتَهْنَا جَرْبَاهَا، وَتَلُوطَ حَوضَهَا فَاشْرَبْ غَيْرَ مُضِرٍّ بالنَّسْلِ وَلاَ نَاهِكٍ فِي الْحَلْب). عنِ ابن عبَّاس روايةٌ أخرى أنَّ معنى الآيةِ :(فَلْيَأكُلْ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ بالْمَعْرُوفِ حَتَّى لاَ يُصِيْبَ مِنْ مَالِ الْيَتِيْمِ شَيْئاً).
وعنِ ابن مسعُودٍ رضي الله عنه أنهُ قال :(لاَ يَأْكُلُ مِنْ مَالِ الْيَتِيْمِ قَرْضاً وَغَيْرَهُ) وهذا قولُ أبي حنيفةَ. وروى بشْرُ عن أبي يوسف أنه قال :(لاَ يَأْكُلُ مِنْ مَالِ الْيَتِيْمِ إذا كَانَ مُقِيْماً، فَإنْ خَرَجَ فِي تَقَاضِ دَيْنٍ لِلْيَتِيْمِ أوْ إلَى ضِيَاعٍ لَهُ، فَلَهُ أنْ يُنْفِقَ وَيَكْتَسِي وَيَرْكَبَ، فَإذا رَجَعَ رَدَّ الثِّيَابَ وَالدَّابَّةَ إلَى الْيَتِيْمِ).
النساء 4:7
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ ؛ وذلك أنَّ العربَ كانت لا تُورثُ إلاَّ مَن طَاعَنَ بالرِّمَاحِ وَذادَ عن المالِ وحَازَ الغنيمةَ، فأعلمَ اللهُ تعالى أنَّ حَقَّ الميراثِ لِلرِّجَالِ والنِّسَاءِ. قال ابنُ عبَّاس :" تُوُفِّيَ أوْسُ بْنُ ثابتٍ الأَنْصَارِيُّ وَتَرَكَ ثَلاَثَ بَنَاتٍ لَهُ، وَتَرَكَ امْرَأةً يُقَالُ لَهَا أمُّ كُجَّةَ وَهِيَ أمُّهُنَّ، فَقَامَ رَجُلاَنِ مِنْ بَنِي عَمِّهِ قَتَادَةُ وَعَرْفَطَةُ وَكَانَا وَصِيَّيْنِ لَهُ فَأَخَذا مَالَهُ، وَلَمْ يُعْطِيَا امْرَأتَهُ وَلاَ بَنَاتَهُ شَيْئاً مِنَ الْمَالِ، فَجَاءَتْ أمُّ كُجَّةَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إنَّ أوْسَ بْنَ ثَابتٍ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ ثَلاَثَ بَنَاتٍ، وَلَيْسَ عِنْدِي مَا أنْفِقُ عَلَيْهِنَّ، وَقَدْ تَرَكَ أبُوهُنَّ مَالاً حَسَناً وَهُوَ عِنْدَ قَتَادَةَ وَعَرْفَطَةَ ولَمْ يُعْطِيَانِي وَلاَ لِبَنَاتِي شَيْئاً، هُنَّ فِي حِجْرِي لاَ يَطْعَمْنَ وَلاَ يَسْقِيْنَ وَلاَ يُرْفَعُ لَهُنَّ رَأسٌ، فَقَالَ ﷺ :" ارْجِعِي إلَى بَيْتِكِ حَتَّى أنْظُرَ مَا يُحْدِثُ اللهُ فِيْهِنَّ " فَرَجَعَتْ إلَى بَيْتِهَا، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ لآيَةَ ".
ومعناه : للرجالِ حظٌّ مِمَّا تركَ الولدانِ والأقربونَ، وللنساءِ كذلكَ أيضاً، مما قَلَّ مِن المالِ أو كَثُرَ، ﴿نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ أي مَعْلُوماً مقدَّراً، فأرسلَ النبيُّ ﷺ إلى قتادةَ وعَرْفَطَةَ :" أنْ لا تَقْرَبَا من مالِ أوْسٍ شَيْئاً، فإنَّ اللهَ قدْ أنْزَلَ لِبَنَاتِهِ نَصِيْباً، ولَمْ يُبَيِّنْ كَمْ هُوَ، أنْظُرُكُمْ يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لَهُنَّ " فأنزلَ اللهُ بعد ذلكَ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ إلى قولهِ ﴿ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ فأرسلَ النبيُّ ﷺ إلى قتادةَ وعرفطةَ :" أنِ ادْفَعَا إلَى أمِّ كُجَّةَ ثُمْنَ جَمِيْعِ الْمَالِ إدْفَعَا إلَيْهَا لِبَنَاتِهَا الثُّلُثَيْنِ وَلَكُمُ بَاقِي الْمَالِ ".
وانتصبَ قَوْلُهُ تَعَالَى (نَصِيْباً) لِخروجِهِ مخرجَ المصدرِ كقول القائلِ : عِنْدِي حَقّاً ؛ ولك معي درهمٌ هبةً.
النساء 4:8
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِّنْهُ﴾ ؛ أي حَضَرَ قسمةَ المواريثِ ذو قرابةِ الميِّت في الرَّحِمِ الذين لا يورَثون واليتامَى المحتاجونَ والمساكين فأعطُوهم شيئاً من المالِ قبلَ القسمةِ، ﴿وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ ؛ أي عِدُوهُم عِدَةً حسنةً، وقيل : اعتذِرُوا عند قِلَّةِ المالِ وقولوا لَهم : كُنَّا نُحِبُّ أن يكونَ أكثر من ذلك.
وعنِ ابن عبَّاس روايَتَان ؛ إحدَاهُما :(أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ) وهو قولُ عطاءٍ ومجاهدُ والزهريُّ وجماعةٌ، حتى روي عن عبيدةَ السَّلمانِيِّ :(أنَّهُ ذَبَحَ لِلأَقْرِبَاءِ شَاةً مِنْ أمْوَالِ الْيَتَامَى وَأعْطَاهُمْ ؛ وَقَالَ : إنِّي أُحِبُّ أنْ يَكُونَ ذلِكَ مِنْ مَالِي لَوْلاَ هَذِهِ الآيَةُ). وعنِ ابن سِيْرِيْنَ أنَّهُ فعلَ مِثلَ ذلكَ. وقال قتادةَ عنِ الحسنِ :(لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً، وَلَكِنَّ النَّاسَ شَحُّواْ وَبَخِلُوا، وَكَانَ التَّابعُونَ يُعْطُونَ الأَوَانِي وَالشَّيْءَ الَّذِي يُسْتَحْيَا مِنَ قِسْمَتِهِ).
والرواية الثَّانيةُ :(أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بآيَةِ الْمَوَاريْثِ) وهو قول سعيدِ بنِ المسيَّب والسديُّ وأبي مالكٍ وأبي صالحٍ والضحَّاك ؛ لأنَّها لو كانت واجبةً مع كَثْرَةِ قسمةِ المواريثِ في عهدِ النبيِّ ﷺ والصَّحابَةِ ومَن بعدَهم لَنُقِلَ وجوبُ ذلك واستحقاقهُ لهؤلاءِ كما نُقِلَتِ المواريثُ للزومِ الحاجَة إلى ذلكَ، لكن يستحبُّ ذلكَ في حقِّ الوَرَثَةِ لحضور البالغين. وحديثُ عبيدةَ السَّلمانِيُّ محمولٌ على أنَّ الورثةَ كانوا بَالِغِيْنَ ؛ فَذبحَ الشاةَ من جُملةِ المال بإذنِهم.
النساء 4:9
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً﴾ ؛ قال عامَّة المفسِّرين :(كَانَ الرَّجُلُ إذا حَضَرَهُ الْمَوْتُ يَقُولُ لَهُ مَنْ حَضَرَهُ عِنْدَ وَصِيَّتِهِ : أنْظُرْ لِنَفْسِكَ ؛ فَإنَّ أوْلاَدَكَ وَذُرِّيَّتَكَ لاَ يُغْنُونَ عَنْكَ شَيْئاً، قَدِّمْ لِنَفْسِكَ، أعْتِقْ وَتَصَدَّقْ، أوْصِ لِفُلاَنٍ بكَذا وَلِفُلاَنٍ بكَذا، فَلاَ يَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى يَذْهَبَ عَامَّةُ مَالِهِ، وَيَبْقَى عِيَالُهُ بغَيْرِ شَيْءٍ، فَنَهَاهُمْ اللهُ تَعَالَى عَنْ ذلِكَ وأَمَرَهُمْ أنْ يَتْرُكُوا أمْوَالَهُمُ لِوَرَثَتِهِمْ).
" روي عن رسولِ اللهِ ﷺ : أنَّهُ دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ يَزُورُهُ، فَقَالَ سَعْدٌ :" يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إنِّي ذُو مَالٍ وَلَيْسَ لِي إلاَّ بنْتٌ وَاحِدَةٌ، أفَأُوْصِي بالثُّلُثَيْنِ ؟ قَالَ :" لاَ " قَالَ : فَبالشَّطْرِ ؟ قَالَ :" لاَ " فَبالثُّلُثِ ؟ قَالَ :" وَالثُّلُثُ كَثِيْرٌ، إنَّكَ إنْ تَدَعْ وَرَثَتَكَ أغْنِيَاءَ خَيْراً مِنْ أنْ تَدَعَهُمْ فُقَرَاءَ يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ".
قال بعضُ المفسِّرين : هذه الآيةُ خطابٌ لِمن يتصرَّف بأموالِ اليتامى ؛ معناهُ : وَلْيَخْشَ الذينَ يخافُونَ الضَّيَاعَ على وَرَثَتِهِمْ الضعافِ بعدَ موتِهم، فلا يفعلون في أموالِ اليتامَى إلاَّ بما يُحبُّونَ أنْ يُفْعَلَ في أولادِهم مِن بعدِ موتِهم. والقولُ السَّدِيْدُ : هو الذي لا خلافَ فيه مِن جهةِ الفساد، مأخوذٌ من سَدِّ الثُّلْمَةِ، وهو الْعَدْلُ والصَّوَابُ مِن القولِ.
النساء 4:10
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾ ؛ نَزَلَتْ فِي حَنْظَلَةَ بْنِ الشَّمَرْدَلِ ؛ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ مَالِ الْيَتِيْمِ فِي حِجْرِهِ ظُلْماً. ومعناها : إنَّ الَّذِينَ يأْكُلُونَ أمْوَالَ الْيَتَامَى بغيرِ حقٍّ، إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ حَرَاماً. ويسمَّى الحرامُ ناراً ؛ لأن الحرامَ يُوجِبُ النَّارَ فسمَّاهُ باسْمِها على معنَى أنَّ أجوافَهم تُمَثَّلُ ناراً في الآخرةِ. قال السديُّ :(مَنْ أكَلَ مِنْ مَالِ الْيَتِيْمِ ظُلْماً يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَهَبُ النَّار يَخْرُجُ مِنْ فِيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَعَيْنَيْهِ وأنْفِهِ، كُلُّ مَنْ رَآهُ عَرَفَ أنَّهُ أكَلَ مَالَ الْيَتِيْمِ ظُلْماً).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ ؛ أي سَيَصْلَوْنَ النارَ في الآخرة ويلزمونَها، والصَّلاَءُ : مُلاَزَمَةُ النَّار لِلاحْتِرَاقِ وَالإنْضَاجِ. قرأ العامَّة :(وَسَيَصْلُونَ) بفتحِ الياء أي يدخلونَها كقولهِ تعالى :﴿إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾[الصافات: ١٦٣] وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الأَشْقَى﴾[الليل: ١٥].
وقرأ أبو رجَاءٍ والحسنُ وابنُ عامرٍ وأبو بكرٍ عن عاصم بضمِّ الياء على معنى : وسَيَدْخُلُونَ النَّارَ على ما لَمْ يُسَمَّ فاعلهُ، ونظيره﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾[المدثر: ٢٦] و﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً﴾[النساء: ٣٠]. وقرأ حمزةُ بن قيسٍ :(وَسَيُصَلَّونَ) بتشديد اللاَّم من التَّصْلِيَةِ لكثرةِ الفعلِ ؛ أي مَرَّةً بعدَ مرةٍ، نظيرهُ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾[الحاقة: ٣١] والكلُّ صوابٌ، يقال : صِلْتُ شِيَاءً إذا شَوَيْتُهُ. وفي الحديثِ :(أتِيَ بشَاةٍ مَصْلِيَّةٍ) وَأَصْلَيْتُهُ : فِي النَّار، وصَلَّيْتُهُ مرَّةً بعدَ مرَّةٍ.
السَّعِيْرُ : النَّارُ الْمَسْعُورَةُ أي الْمَوْقُودَةُ. قالَ ﷺ :" رَأيْتُ لَيْلَةَ أسْرِيَ بي قَوْماً لَهُمْ مَشََافِرُ الإبلِ ؛ إحْدَاهُمَا قَالِصَةٌ عَلَى مِنْخَرِهِ، وَالأُخْرَى عَلَى بَطْنِهِ، وَخَزَنَةُ النَّار يُلَقِّمُونَهُمْ جَمْرَ جَهَنَّمَ وَصخْرَهَا ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ أسَافِلِهِمْ، فَقُلْتُ : يَا جِبْرِيْلُ مَنْ هَؤَلاَءِ ؟ قَالَ : الَّذِيْنَ يَأْكُلُونَ أمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً "
النساء 4:11
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(كَانَ الْمَالُ لِلْبنْتَيْنْ ؛ وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبيْنَ إلَى أنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ثُمَّ صَارَ ذلِكَ مَنْسُوخاً بهَا). ومعناهَا : يَعْهَدُ اللهُ إليكُم وَيَفْرِضُ عليكُم في أولادِكم إذا مِتُّمْ : لِلذكَرِ الواحدِ من الأولادِ مِثْلُ نَصِيْب الأُنْثَيَيْنِ في الميراثِ، واسمُ الولدِ يتناولُ وَلَدَهُ مِن صُلْبهِ حقيقةً وَلَدَ وَلَدِهِ في النِّسبةِ والتعصيب، ولكنَّهم مِن ذوي الأرحامِ مَجَازاً، فإذا كان للميِّت ولدٌ من صُلْبهِ وجبَ حملُُ اللفظ على الحقيقةِ، وإن لم يكن لهُ وَلَدٌ من صُلْبهِ حُمِلَ على مَن كان مِن صُلْب بَنِيْهِ مَجازاً، وأمَّا ولدُ البَنَاتِ فلا يُعَدُّ مِن وَلَدِهِ في النِّسبةِ والتعصب، ولكنَّهم مِن ذوي الأرحامِ. قال الشاعرُ : بَنُونَا بَنُوا أبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا بَنُوهُنَّ أبْنَاءُ الرِّجالِ الأبَاعِدِوعن هذا قالَ أصحابُنا : فَمَنْ أوْصَى لولدِ فلانٍ أنَّ ذلك لولدهِ لصلب، فإن لم يكن لهُ ولدٌ من صُلْبهِ فهو ولدُ ابنهِ، ولا يدخلُ أولادُ البناتِ في هذه الوصيَّة على أظهرِ الرِّوايتينِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ ؛ أي إنْ كان الأولادُ نساءً أكثرَ من اثنتين ليس معهُنَّ ذكَرٌ ؛ ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ ؛ مِن المالِ، والباقِي للعَصَبَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ ؛ قَرَأَ العامَّة بالنصب على خبرِ كَانَ، وقرأ نافعُ وَحْدَهُ بالرفعِ على أنَّ معناهُ : وَإنْ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ ؛ فحينئذٍ لا خبرَ لهُ، وقراءةُ النصب أجْوَدُ، وتقديرهُ : فإن كانت المولودةُ واحدةً.
فإنْ قيل : لِمَ أعْطَيْتُمُ الْبنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ وفي الآيةِ إجَابُ الثُّلُثَيْنِ لأكْثَرَ مِنَ الابْنَتَيْنِ ؟ قِيْلَ : فِي فحوَى الآيةِ دليلٌ على أن فَرْضَ الابنتين الثُّلُثَانِ ؛ لأنَّ في أوَّلِها ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾، فَيقتضِي أنَّ للابنةِ الواحدة مع الابن الثُّلُثُ، فإنْ كان لها معهُ الثُّلُثُ كانت تأخذُ الثُّلُثَ مع عدمهِ أولَى، فاحْتَجْنَا إلى بيانِ حُكْمِ ما فوقَ الأُنثيين ؛ فذلك نصٌّ على حُكْمِ ما فوقِهما، ويدلُّ عليه أنهُ اذا كانَ للابنِ الثُّلُثَانِ، وللابنةِ الثُّلُثُ دلَّ أن نصيبَ الأُنثيين الثُّلُثَانِ بحالٍ ؛ لأنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ للذكرِ مثلُ حَظِّ الأُنثيين.
وجوابٌ آخر : أنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ للأُخت من الأب والأمِّ النصفَ في آخرِ هذه السورة، كما جعلَ للابنة النصفَ في هذه الآيةِ، وجعلَ للأُختينِ هناك الثُّلُثَيْنِ، فأعطينَا الاثنين الثُّلُثَيْنِ قياساً على الأُختين في تلكَ الآيةِ ؛ وأعطينَا جُمْلَةَ الأخواتِ الثُّلُثَين قياساً على البناتِ في هذه الآية.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ﴾ ؛ أي لأَبَوَي الميِّت كنايةً عن غيرِ المذكور لكلِّ واحدٍ منهما السُّدُسُ ؛ ﴿إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ؛ أو وَلَدُ ابنٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ ؛ أي إن لَم يكن للميِّت ولدٌ ذكَرٌ ولا أنثى، ولا وَلَدَ وَلَدٍ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ، والباقِي للأب.
النساء 4:12
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ﴾ ؛ أي لكم يا مَعْشَرَ الرجالِ : نِصْفُ مَا تَرَكَ نساؤُكم إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ذكرٌ أو أنثى أو مِن غيرِكم أو ولدِ ولده ؛ ﴿فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ ؛ أي ذكرٌ أو أنثى منكم أو مِن غيركِم أو ولد ولده ؛ ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ ؛ مِن المال، ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ ؛ أي مِن بعدِ قضاء الدَّين عليهنَّ أو إمضاءِ وصيَّة أوْصَيْنَ بهَا من الثُّلُثِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ ؛ أي مِمَّا تركتُم أيُّها الزواجُ من المالِ، ﴿إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ﴾ ؛ ذكرٌ أو أنثى أو وَلَد ابن منهنَّ أو غيرهن ؛ ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم﴾ ؛ ذلك، ﴿مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ ؛ قضاءُ دَيْنٍ عليكم، إوْ إمضاءُ وصيَّة أوصيتم بهَا من الثُّلُثِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَو امْرَأَةٌ﴾ ؛ الآيةُ وإن كان رجلٌ، أو امْرأةٌ يورَثُ ﴿كَلَالَةً﴾ وهو نُصِبَ على المصدر، وقيلَ على الحالِ، وقيلَ : على خبرِ ما لَم يسمَّ فاعلهُ ؛ تقديرهُ : وإنْ كانَ رجلٌ يوَرثُ مالهُ كَلاَلَةً، قاله ابنُ عبَّاس. وقرأ الحسنُ :(يُورثُ) بكسرِ الراء ؛ جعلَ الفعل لهُ.
واختلفُوا في الكَلاَلَةِ، قال ابنُ عبَّاس :(هُوَ مَنْ لاَ وَلَدَ لَهُ وَلاَ وَالِدَ). وعن ابنِ عبَّاس وعمرَ وجابر وأبي بكرٍ وقتادةَ والزهريِّ :(الْكَلاَلَةُ اسْمٌ لِمَا عَدَا الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ). وقال الشعبيُّ :(سَمِعْتُ أنَّ أبَا بَكْرٍ رضي الله عنه قَالَ فِي الْكَلاَلَةِ : أقْضِي فِيْهَا، فَإنْ كَانَ صَوَاباً فَمِنَ اللهِ تَعَالَى، وَإنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَاللهُ بَرِيْءٌ مِنْهُ : هُوَ مَا دُونَ الْوَالِدِ وْالْوَلَدِ، يََقُولُ كُلُّ وَارثٍ دُونَهُمَا كَلاَلَةٌ). قالَ :(فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ بَعْدَهُ، قَالَ : إنِّي أسْتَحِي مِنَ اللهِ أنْ أخَالِفَ أبَا بَكْرٍ رضي الله عنه، هُوَ مَا خَلاَ الْوَالِدَ وَالْوَلَدَ). وقال طاوُوس :(هُوَ مَا دُونَ الْوَلَدِ) وقال الحكمُ :(هُوَ مَا دُونَ الأَب).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ ؛ إنَّمَا لم يقل ولَهُما ؛ لأن مِن عادةِ العرب أنَّ الرجُلَ والمرأةَ ربَّما أضافت إليهما، وربما أضافت إلى أحدِهما، وكلاهُما جائزٌ، ومعنى : وَلَهُ أخٌ أوْ أخْتٌ من أمٍّ، وفي قراءةَ أبَيِّ وسعدِ بن أبي وقَّاص :(وَلَهُ أخٌ أوْ أخْتٌ مِن أمٍّ)، ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ ؛ مما ترك الميتُ من المالِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي الثُّلُثِ﴾ ؛ أي أكْثَرَ من واحدٍ فَهُمْ كلُّهم سواءٌ في الثُّلُثِ لا يفضَّل الذكرُ على الأُنثى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ ؛ قد تقدَّم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿غَيْرَ مُضَآرٍّ﴾ ؛ نُصِبَ على الحالِ ؛ أي يوصي بها الميتُ غير مُضَارٍّ في حالِ وصيَّة بأن يزيدَ على الثُّلُثِ، ويفضَّل بعضُ الورثةِ على بعضٍ. قال ﷺ :" إنَّ اللهَ قَدْ أعْطَى كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهٌ ؛ فَلاَ وَصِيَّةَ لِوَارثٍ إلاَّ أنْ يُجِيْزَهَا الْوَرَثَةُ "
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ﴾ ؛ نُصِبَ على المصدر ؛ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ ؛ عَلِيْمٌ بما دبَّره من هذه الفرائضِ ؛ حَلِيْمٌ على مَن عَصَاهُ بأن أخَّرَهُ وقَبلَ التوبةَ.
النساء 4:13
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ ؛ أي هذه فرائضُ اللهِ التي أمرَكم بها في المواريثِ وأموال اليتامَى. والحدودُ : هِيَ الأمْكِنَةُ الَّتِي لاَ يَنْبَغِي أنْ يُتَجَاوَزَهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ؛ أن مَن يقيمُ حدودَ اللهِ، وحدودَ رسولَه في أمرِ الميراثِ وغيره، ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ؛ قُرِئ (نُدْخِلْهُ) بالنون في الموضعين، والياءُ أقربُ من لفظِ الآية.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ؛ نُصِبَ على الحال أي نُدْخِلُ المقدَّرين للخلُودِ فيها. ﴿وَذالِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ؛ أي النُّجاةُ الوافرةُ فازُوا بها في الجنَّة.
النساء 4:14
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ ؛ أي قِسْمَةَ الميراثِ فلن يقسِمْها ؛ لأنَّ المنافقينَ كانُوا لا يُقِرُّونَ للنساءِ والصِّبيان الصِّغار من قسمَةِ المواريث بشيءٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ ؛ ظاهر المعنى.
النساء 4:15
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ ؛ أي اللاَّتِي يَزْنِيْنَ من حَرَائِرِكُمْ الثيِّبَاتِ الْمُحْصَنَاتِ، ﴿فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ﴾، فَاطْلُبُوا عليهِنَّ أربعةً من الشُّهود من أحْرَاركُم المسلمين العدول، ﴿فَإِن شَهِدُواْ﴾ ؛ عليهِنَّ بالزِّنَا، فَاحْبسُوهُنَّ في البيوتِ، وهي السُّجُونُ، بيوتٌ معروفةٌ في المدينة، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ ؛ بالْحَبْسِ، ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾، مَخْرَجاً مِن الْحَبْسِ قبلَ الموتِ.
وإنَّما كان هذا قبلَ نزولِ الحدود ؛ كانتِ المرأةُ في أوَّل الإسلام إذا زَنَتْ حُبسَتْ فِي البيتِ حتَّى تَموتَ، وإنْ كان لَها زوجٌ كان مهرُها لهُ، حتى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾[النور: ٢] فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" خُذُوا عَنِّي ؛ خُذُوا عَنِّي : قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبيْلاً، الثَّيِّبُ بالثَّيِّب جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ، وَالْبكْرُ بالْبكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيْبُ عَامٍ " فَنُسِخَتْ تلكَ الآيةُ بعضَ هذه الآيةِ، وهو الإمْسَاكُ في البُيُوتِ، وبقي منها مُحْكَماً وهو الإشْهَادُ.
وكان في هذا النَّسْخِ نَسْخُ القُرْآنِ بالسُّنَّةِ، ثُم تغريبٌ في البكرِ بقولهِ تعالى :﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾[النور: ٢] لأن ظاهرَ تلكَ الآية يقتضِي أنَّ الْجَلْدَ بَيَانٌ لجميعِ الحكم المتعلِّق بالزِّنا، إذ لو لم يجعل ذلكَ كذلك لكانَ قُصُوراً في البيانِ في مواضع الحاجةِ، ونُسِخَ جلدُ الزِّنا المحصنِ الثَّيِّب بحديثِ مَاعِزٍ :" أنَّ النَّبيَّ ﷺ رَجَمَهُ وَلَمْ يَجْلِدْهُ ".
وعن عُمَرَ رضي الله عنه أنَّهُ قالَ :(لَوْلاَ أنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ زَادَ عُمَرُ فِي كِتَاب اللهِ ؛ لَكَتَبْتُ فِي حَاشِيَةِ الْمُصْحَفِ : الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا نَكَالاً مِنَ اللهِ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ). وقال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ :(جَلْدُ الثَّيِّب الْمُحَصَنِ مَنْسُوخٌ، وَتَغْرِيْبُ الْبكْرِ غَيْرُ مَنْسُوخٍ)، وعند داوُدَ ومَن تابعَهُ من أصحاب الظَّواهِرِ :(لَيْسَ بشَيْءٍ مِنْهُمَا مَنْسُوخٌ).
النساء 4:16
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ ؛ يعني الرجلَ والمرأةَ إلاَّ أنَّ المذكَّر والمؤنَّث إذا اجتمعا غُلِّبَ المذكَّرُ، والهاءُ راجعةٌ إلى الفاحشةِ. قال المفسِّرون :(هَاءُ) الْبكْرِ إنْ يَزْنِيَانِ فآذُوهُمَا بالشَّتْمِ وَالتَّعْييْرِ ؛ يقالُ لَهُما : زَنَيْتُمَا ؛ فَجَرْتُمَا ؛ انْتَهَكْتُمَا حُرُمَاتِ اللهِ. وقيلَ : بهاء اللَّذين لم يُحْصَنَا. وقال عطاءُ وقتادة :(مَعْنَى :﴿فَآذُوهُمَا﴾ أيْ عَنِّفُوهُمَا باللِّسَانِ : أمَا خِفْتُمَا اللهَ! أمَا اسْتَحَيْيَتُمَا مِنْهُ!). قال ابنُ عبَّاس :(أرَادَ بالأَذى الضَّرْبَ بالنِّعَالِ وَالأَيْدِي).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ﴾ ؛ أي فإنْ تَابَا عن الزِّنا واصلحَا العملَ بعد التوبةِ فأعرِضُوا عنهما ؛ لا تَسُبُّوهُما ولا تعيِِّرُوهما. " وعن أبي هُريرة رضي الله عنه :(أنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ فَقَال أحَدُهُمَا : إقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ، وَقَالَ الآخَرُ : أجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ؛ اقْضِ بَيْنَنَا بكِتَاب اللهِ وَأذنْ لِي أنْ أتَكَلَّمَ، قَالَ :" تَكَلَّمْ " فَقَالَ : إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفاً عَلَى هَذا - أيْ أجِيْراً - فَزَنَا بامْرَأتِهِ، فًَأخْبَرُونِي أنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْتُهُ بمِائَةِ شَاةٍ وَجَارِيَةٍ، ثُمَّ سَأَلْتُ أهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أنَّ على ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيْبَ عَامٍ، وَإنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأتِهِ! فَقَالَ ﷺ :" أمَا وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ ؛ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بكِتَابِ اللهِ، أمَّا غَنَمُكَ وَجَاريَتُكَ فَرَدٌّ عَلَيْكَ] وَجَلَدَ ابْنَهُ بمِائَةٍ وَغَرَّبَهُ عَاماً، وَأمَرَ أنَيْساً الأَسْلَمِيَّ أنْ يَأتِيَ امْرَأةَ الرَّجُلِ ؛ فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا "
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً﴾ ؛ أي لَم يَزَلْ مُتَجَاوزاً عن النَّاسِ رَحِيْماً بهم بعد التوبة.
النساء 4:17
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ ؛ معناهُ : إنَّما التَّجَاوُزُ مِن الله للذينَ يعملونَ المعصيةَ بجَهَالَةٍ، ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ ؛ أي ثم يتوبُون من قَبْل أن يَنْزِلَ بهم سلطانُ الموتِ لا في وقتِ المعاينَة، ﴿فَأُوْلَـائِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ يَقْبَلُ اللهُ توبتَهم ؛ ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً﴾ ؛ بأهلِ التوبة ؛ ﴿حَكِيماً﴾ ؛ حَكَمَ بقَبُولِ التوبةِ، قيل : إنَّ (على) في قولهِ :﴿عَلَى اللَّهِ﴾ بمعنى (عِنْدَ) أي إنَّما التوبةُ عندَ الله. وقيل : بمعنى (مِنْ) أي مِن اللهِ.
واختلفُوا في قولهِ :﴿بِجَهَالَةٍ﴾. قال مجاهدُ والضحَّاك :(الْجَهَالَةُ الْعَمْدُ). وقال الكلبيُّ :(لَمْ يَجْهَلْ أنَّهُ ذنْبٌ، ولَكِنَّهُ جَهِلَ عُقُوبَتَهُ). قال سائرُ المفسِّرين :(يَعْنِي الْمَعَاصِي كُلَّهَا، فَكُلُّ مَنْ عَصَى رَبَّهُ فَهُوَ جَاهِلٌ حَتَّى يَنْزَعَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ). وقال قتادةُ :(أجْمَعَ الصَّحَابَةُ أنَّ كُلَّ مَن عَصَى رَبَّهُ فَهُوَ جَاهِلٌ عَمْداً كَانَ أوْ خَطَأً). وقال الزجَّاج :(مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ : اخْتِيَارُهُمُ اللَّذةَ الْفَانِيَةَ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :(ثُمَّ يَتُوبُونَ مَنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ) أي ثم يَتُوبُونَ قَبْلَ إصابتهم بأسْبَاب الْمَوْتِ، سَمَّى ذلك قَرِيْباً لأنَّ كلَّ ما هوَ آتٍ قريبٌ ؛ لأنَّ المرءَ لا يأْمَنُهُ في كلِّ وقتٍ وساعة، وكلُّ ما يكون هذا صِفَتُهُ فهو موصوفٌ بالْقُرْب.
قال ﷺ :" مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بسَنَةٍ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ " ثُمَ قَالَ :" إنَّ السَّنَةَ لَكَثِيْرٌ، مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بشَهْرٍ تَابَ اللهُ عَلَيْهٍ " ثُمَّ قَالَ : إنَّ الشَّهْرَ لَكَثِيْرٌ، ثُمَّ قَالَ :" مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِجُمُعَةٍ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ " ثُمَّ قَالَ :" إنَّ الْجُمُعَةَ لَكَثِيْرٌ، مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بيَوْمٍ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ " ثُمَّ قَالَ :" إنَّ الْيَوْمَ لَكَثِيْرٌ، مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بسَاعَةٍ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ " ثُمَّ قَالَ :" إنَّ السَّاعَةَ لَكَثَيْرٌ، مَنْ تَابَ مِنْ قَبْلِ أنْ يُغَرْغِرَ نَفْسُهُ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ ".
وقال الكلبيُّ :(قولهُ :﴿مِن قَرِيبٍ﴾ الْقَرِيْبُ مَا دَامَ فِي الصِّحَّةِ قَبْلَ الْمَرَضِ وَالْمَوْتِ). وقال أبو موسَى الأشعريُّ :(هُوَ أنْ يَتُوبَ قَبْلَ مَوْتِهِ بفُوَاقِ نَاقَةٍ).
النساء 4:18
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ ؛ أي وليسَ قَبُولُ التوبةِ للذين يعمَلُون المعاصِي مقيمينَ عليها حتَّى إذا عَايَنَ أحدُهم أسبابَ الموتِ والسَّوْقِ والنَّزْعِ ومعاينةَ الموتِ، إنَّي تُبْتُ الآنَ، وَلاَ على الَّذينَ يَمُوتُونَ على الكُفْرِ، ﴿أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾ ؛ هَيَّأْنَا لَهُمْ ؛ ﴿عَذَاباً أَلِيماً﴾ ؛ مُؤْلِماً وهو النارُ التي مصيرهم إليها.
وذهب الربيعُ إلى أنَّ المرادَ بالذين يعملون السيئات : المنافِقُون، ثم عَطَفَ الكافرين الْمُجَاهِريْنَ بالكفرِ على المنافقين. وحاصلُ هذه الآيةِ أنَّ مَن وقعَ في النَّزعِ وقالَ : إنِّي تُبْتُ الآنَ، فحينئذ لا يُقبَلُ مِن كافرٍ إيْمَانُهُ، ولا مِن عَاصٍ توبتُه، وقولهُ : وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ مَوْضِعُ خَفْضٍ.
النساء 4:19
قولُهُ تَعَالَى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهاً﴾ ؛ الآيةُ، قال ابنُ عبَّاس :" كَانُواْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأوَّلِ الإسْلاَمِ إذا مَاتَ رَجُلٌ وَلَهُ امْرَأةٌ ؛ جَاءَ ابْنُهُ مِنْ غَيْرِهَا أوْ قَرِيْبُهُ مِنْ عَصَبَتِهِ الَّذِي يَرِثُهُ، فَأَلْقَى ثَوْبَهُ عَلَى تِلْكَ الْمَرْأَةِ فَورثَ نِكَاحَهَا بِصِدَاقِ الأَوَّلِ، يَقُولُ : أنَا وَلِيُّ زَوْجِكِ فَوَرثْتُكَ، فإنْ كَانَتْ جَمِيْلَةً أمْسَكَهَا وَدَخَلَ لِهَا، وَإنْ لَمْ تَكُنْ جَمِيْلَةً طَوَّلَ عَلَيْهَا لِتَفْتَدِيَ بنَفْسِهَا مِنْهُ بَما تَرِثُ مِنَ الْمَيِّتِ أوْ تَمُوتَ فَيَرِثُهَا، فَإنْ ذَهَبَتْ إلَى أهْلِهَا قَبلَ أنْ يُلْقِيَ عَلَيْهَا ثَوْبَهُ فَهِيَ أحَقُّ بنَفْسِهَا.
فَكَانُواْ يَفْعَلُونَ ذلِكَ حَتَّى تُوُفِّيَ أبو قَيْسِ بْنِِ الأَسْلَتِ، وَتَرَكَ امْرَأَتَهُ كَبْشَةَ بنْتِ مَعَنِ الأَنْصَاريَّةَ، فَقَامَ لَهَا ابْنٌ مِنْ غَيْرِهَا يُقَالُ لهَ حُصَيْنُ بْنُ أبي قَيْسٍ ؛ فَطَرَحَ ثَوْبَهُ عَلَيْهَا فَوَلِيَ نِكَاحَهَا ثُمَّ تَرَكَهَا وَلَمْ يَقْرَبْهَا وَلَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا فَضَارَّهَا بذلِكَ لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ بمَالِهَا، فَأَتَتْ كَبْشَةُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إنَّ أبَا قَيْسٍ تُوُفِّيَ وَوَرثَ ابْنُهُ نِكَاحِي ؛ وَقَدْ أضَرَّنِي وَطَوَّلَ عَلَيَّ، فَلاَ هُوَ يُنْفِقُ عَلَيَّ، وَلاَ هُوَ يُخْلِيَ سَبيْلِي، فَقَالَ ﷺ :" أقْعُدِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَأْتِينِي فِيْكِ أمْرُ اللهِ " فَانْصَرَفَتْ، وَسَمِعَ بذلِكَ نِسَاءُ الْمَدِيْنَةِ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ عليه السلام فَقُلْنَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ مَا نَحْنُ إلاَّ كَهَيْئَةِ كَبْشَةَ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ".
ومعناهَا : يا أيُّها الذينَ أقَرُّوا وصَدَّقُوا لا يَحِلُّ لكم أنْ تَرِثُوا النساءَ جَبْراً ؛ ﴿وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ ؛ أي لاَ تَمْنَعُوهُنَّ تَخْلِيَةَ سبيلهنَّ حتى يَفْتَدِيْنَ ببعضِ ما لَهُنَّ ؛ ﴿إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ ؛ فَحِيْنَئِذٍ يحلُّ لكم ضِرَارُهُنَّ ليفتدينَ منكُم، وهو أنَّها إذا زَنَتِ المرأةُ جازَ لزوجِها أن يسألَها الْخُلْعَ.
قال عطاءُ :(كَانَ الرَّجُلُ إذا زَنَتِ امْرَأتُهُ أخَذ مِنْهَا مَا يُسَاقُ إلَيْهَا وَأخْرَجَهَا، فَنَسَخَ اللهُ ذلِكَ بالْحُدُودِ). قال قتادةُ والضحَّاك :(الْفَاحِشَةُ النُّشُوزُ ؛ يَعْنِي إذا نَشَزَتِ الْمَرْأةُ حَلَّ لِزَوْجِهَا أنْ يَأْخُذ مِنْهَا الْفِدْيَةَ). وقَوْلُهُ تَعَالَى :(مبَينَةٍ) ؛ بخفضِ الياء أي مُبَيِّنَةِ فُحشِها.
قرأ حمزةُ والكسائيُّ وخلف والأعمشُ :(كُرْهاً) بضمِّ الكاف هُنا وفي التوبةِ، وقرأ الباقون بالفتحِ وهُما لغتان. وعن الضحَّاك :(أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ فِي حِجْرِهِ يَتِيْمَةٌ ؛ فَيَكْرَهُ أنْ يُزَوِّجَهَا لِمَالِهَا، فَيَتَزَوَّجُهَا لأَجْلِ مَالِهَا، أوْ يَكُونَ تَحْتَهُ عَجُوزٌ، وَنَفْسُهُ تَتُوقُ إلَى شَابَّةٍ فَيَكْرَهُ فِرَاقَ الْعَجُوز وَيَتَوَقَّعُ مَوْتَهَا لِيَرِثَهَا وَهُوَ يَعْزِلُ فِرَاشَهَا).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ؛ أمَرَ للأزواجَ بعشرةِ نسائِهم بالْجَمِيْلِ، وهو أن يُوَفِّيَهَا حقَّها من المهرِ والنَّفقةِ والمبيت وتركِ أذاها بالكلام الغليظِ، والإعراضِ عنها والعُبُوسِ في وجهِها بغيرِِ ذنبٍ منها.
قولُهٌ تَعَالَى :﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ ؛ فيه بيانُ أنَّ الخيرَّة ربَّما كانت للعبدِ في الصَّبر على ما يكرههُ ؛ يقولُ : لعلكم أيُّها الأزواجُ أنْ تكرهُوا صُحْبَتَهُنَّ ويجعلُ الله في ذلك خيراً كثيراً بأن يَرْزُقَكُمْ منهنَّ الأولادَ، فتظهرُ بعد ذلك الأُلْفَةُ والموافقةُ، وتنقلبُ الكراهة صُحْبَةً ؛ والنفورُ ميلاً.
النساء 4:20
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ﴾ ؛ الآيةُ ؛ أيْ إنْ أردتُم تخليةَ امرأةٍ، ولم يكن مِن قِبَلِها نشوزٌ وإتيانُ فاحشةٍ ؛ ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً﴾ ؛ أي مَالاً عظِيماً، وتقدَّم تفسيرُ القنطار ؛ ﴿فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ ؛ مِمَّا أعطيتمُوها، ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ ؛ أي ظُلْماً وذنباً ظاهراً، والْبُهْتَانُ : هُوَ الْبَاطِلُ الَّذِي يَتَحَيَّرُ مِنْ بُطْلاَنِهِ، ومن ذلك سُمِّيَ الكذبُ العظيم لأنَّهُ يُبَاهِتُ بهِ مُحَيِّرُهُ، وَيَتَحَيَّرُ المكذوبُ عليه لِعِظََمِهِ، وأصلُ البَهْتِ : التَّحَيُّرُ : قالَ اللهُ تعالى :﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾[البقرة: ٢٥٨] أي تحيَّر لانقطاعِ حُجَّتِهِ، وإنَّما سَمَّى اللهُ تعالى أخذ المهرَ بغير حقٍّ بالبهتانِ ؛ لأن الزوجَ لَمَّا استعملَ الْمَكْرَ والخداعَ في أخذِ ما أعطاها، صارَ في الوزر بمنْزلة مَن يكذِّبوهم أنَّ الذي قالَهُ حَقٌّ.
النساء 4:21
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ ؛ أي كيف تستحلُّون أخذ شيءٌ منهُ، وقد وَصَلَ بعضُكم إلى بعضٍ. قال ابنُ عبَّاس :(الإفَْضَاءُ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ).
وقال جماعةٌ من أهلِ التَّفسيرِ :(إذا كَانَ مَعَهَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ، جَامَعَهَا أوْ لَمْ يُجامِعْهُا فَقَدْ وَجَبَ الْمَهْرُ. وعنْ زُرَارَةُ بن أوفَى أنه قال :(قَضَى الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْمهْدِيُّونَ : أنَّهُ مَنْ أغْلَقَ عَلَى امْرَأةٍ بَاباً، أوْ أرْخَى سِتْراً، وكَشَفَ خِمَاراً فَقَدْ وَجَبَ الْمَهْرُ وَالْعِدَّةُ). وذكرَ الفرَّاءُ :(الإفْضَاءُ هُوَ الْخُلْوَةُ وَإنْ لَمْ يَقَعُ دُخُولٌ) كَأَنَّهُ ذهبَ إلى أن الإفضاءَ مأخوذٌ من الفضَاءِ، وهو المكانُ المتَّسعُ الذي ليسَ فيه بناءٌ ولا حاجزٌ عن إدراكِ ما فيه، فسمِّيت الخلوةُ فضاءً لحصولِ الزوج إلى جميعِ ما يقصدُه من الوطئِ، والدُّخولِ في موضعٍ لا مانعَ فيه من ذلك.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ أي عَهْداً وَثِيْقاً وهو ذكرُ المهرِ في النِّكاح، وقيل : هو ما أشْرَطَ اللهُ تعالى للنِّساءِ على الرجلِ من إمساكٍ بمعروفٍ أو تسريحٍ بإحسان. وقال الشعبيُّ وعكرمة والربيعُ :(هُوَ قَوْلُ النَّبيِّ ﷺ :" أخَذْتُمُوهُنَّ بأَمَانَةِ اللهِ ؛ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بكَلِمَةِ اللهِ "
فَصْلٌ : فيما وردَ من الأخبار في الرُّخصة في الْمُغَالاَةِ بالمهور، قال عطاءُ :" خَطَبَ عُمَرُ رضي الله عنه إلَى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ ابْنَتَهُ أمِّ كُلْثُومٍ وَهِيَ مِنْ فَاطِمَةَ بنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ رضي الله عنه : إنَّهَا صَغِيْرَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ : إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ :" إنَّ كُلَّ نَسَبٍ وَصِهْرٍ يَنْقَطِعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلاَّ نَسَبي وَصِهْرِي " فَلِذلِكَ رَغِبْتُ فِي هَذا، فَقَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ : فَإنِّي مُرْسِلُهَا إلَيْكَ حَتَّى تَنْظُرَ إلَى صِغَرِهَا، فَأَرْسَلَهَا إلَيْهِ، فَجَاءَتْهُ فَقَالَتْ : إنَّ أبي يَقُولُ لَكَ هَلْ رَضِيْتَ هَذِهِ الْحُلَّةَ ؟ فَقَالَ : قَدْ رَضِيْتُهَا، فَأْنْكَحَهُ عَلِيٌّ ؛ فأَصْدَقَهَا عُمَرُ أرْبَعِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ " وعنْ نافعِ عن ابن عمرَ رضي الله عنه :(أنَّهُ كَانَ يُزَوِّجُ الْمَرْأةَ مِنْ بَنَاتِهِ عَلَى عَشْرَةِ آلاَفِ دِرْهَمٍ). وتزوَّج ابنُ عبَّاس امرأةً على عشرةِ آلاف دِرْهمٍ.
فَصْلٌ : في أقلِّ المهرِ. رويَ عن عمرَ رضي الله عنه : أنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ ؛ فَحَمَدَ اللهَ تَعَالَى وأثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ :(ألا لاَ تُغَالُواْ فِي صِدَاقِ النِّسَاءِ ؛ فَإنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرَمَةً فِي الدُّنْيَا، أوْ تَقْوَى عِنْدَ اللهِ لَكَانَ أوْلاَكُمْ بهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم). مِنْ يُمْنِ الْمَرْأةَ أنْ يَسَّرَ صِدَاقَهَا وَأَنْ يَسَّرَ رَحِمَهَا. وعن أبي هُريرة قال :(كَانَ صِدَاقُنَا مْنْذُ كَانَ فِيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَشْرُ أوَاقٍ أرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ). وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ :[أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَزَوَّجَ أمَّ سَلَمَةَ عَلَى عَشْرَةِ دَرَاهِمَ).
النساء 4:22
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ؛ روي أنَّهم كانوا بعدَ قوله :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهاً﴾[النساء: ١٩] إذا رَضِيَتِ المرأةُ أمسكَها وَلِيُّ الميتِ، وبرضَاها على حكمِ النِّكاح، فإذا سَخِطَتْ تَرَكَهَا فحرَّم اللهُ ذلك عليهم بهذه الآية. ومعنَاها : لاَ تَزَوَّجُوا ما تَزَوَّجَ آبَاؤُكم من النساءِ، ويقال : لاَ تَطَأُواْ ما وَطِئ آباؤُكم.
واسمُ النِّكَاحِ يقعُ على العقدِ والوطئ جميعاً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ معناه إلا ما قد سلف في الجاهليَّة من نكاحِ منكوحةِ الأب كان ذلك مَعْفُوّاً لكُم لا تؤاخَذُون به. وقال قُطْرُبُ :(هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ؛ تَقْدِيْرُهُ : لَكِنْ مَا قَدْ سَلَفَ فَدَعُوهُ فَاجْتَنِبُوا).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً﴾ ؛ يعني أنَّ نكاحَ امرأةِ الأب كان فاحشةً فيما سلفَ ؛ لأنَّهم كانوا يسمُّونه في الجاهليِّةِ (نِكَاحَ الْمَقْتِ) وكان المولودُ يقال له الْمَقْتِيُّ، فأعلَمَهُم اللهُ تعالى أنَّ هذا الذي حَرَّمَ عليهم لم يزل مُنْكَراً في قلوبهم مَمْقُوتاً عندَهم، وَالْمَقْتُ : هُوَ الْبُغْضُ عَلَى أمْرٍ قَبيْحٍ رَكِبَهُ صَاحِبُهُ، وقيل الْمَقْتُ : هُوَ أشَدُّ الْبُغْضِ، والفاحشةُ اسمٌ لِما يرتفعُ ذكر قَبيحَتِهِ فيما بين الناس. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ ؛ أي نكاحُ امرأةِ الأب طريقُ سوءٍ ؛ لأنه يؤدِّي إلى جهنَّمَ، و ﴿سَبِيلاً﴾ ؛ نُصِبَ على التمييزِ.
النساء 4:23
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾، قال ابنُ عبَّاس :((حَرَّمَ اللهُ مِنَ النِّسَاءِ أرْبَعَةَ عَشَرَ صِنْفاً ؛ سَبْعَةٌ بالنَّسَب ؛ وَسَبْعَةٌ بالسَّبَب، وَتَلاَ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قَالَ : وَالسَّابعَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ﴾[النساء: ٢٢]. والجدَّاتُ - وإن بعُدت - مُحَرَّمَاتٌ ؛ لأنَّ اسمَ الأُمَّهَاتِ يَشْمَلُهُنَّ، كما أن اسم الآباء يتناولُ الأجدَادَ وإنْ بَعُدوا، واسمُ البَنَاتِ يتناولُ بناتَ الأولادِ وإن سَفِلْنَ، وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ يشمَلُ الأخواتِ مِن الأب والأمِّ ومن الأب ومن الأمِّ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ﴾ يتناولُ عمَّاتِ الأب والأُمِّ وخالاتِ الأمِّ والأب.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ الَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ ؛ قال ﷺ :" يَحْرُمُ مِنَ الرِّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَب " وَقَالَ ﷺ :" تُحَرِّمُ الْجُرْعَةُ وَالْجُرْعَتَانِ مَا يُحَرِّمُ الْحَوْلاَنِ الْكَامِلاَنِ "
" وعن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا : أنَّ أفْلَحَ أخَا أبي الْقُعَيْسِ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الْحِجَاب وَكَانَ عَمُّهَا مِنَ الرِّضَاعَةِ ؛ قَالَتْ : فَأَبَيْتُ أنْ آذنَ لَهُ حَتَّى أخْبَرْتُ النَّبيَّ ﷺ فقالَ :" لِيَلِجَ عَلَيْكِ ؛ فَإنَّهُ عَمُّكِ " فَقَالَتْ : إنَّمَا أرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ، ولَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ! فَقَالَ ﷺ :" لِيَلِجَ عَلَيْكِ فَإنَّهُ عَمُّكِ "، وَكَانَ أبُو القُعَيْسِ زَوْجَ الْمَرأةِ الَّتِي أرْضَعَتْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس وعطاءُ وسعيد بن جبير :[إنَّ أمَّ الْمَرْأَةِ مُبْهَمَةٌ تَحْرُمُ عَلَى زَوْجِ ابْنَتِهَا بنَفْسِ الْعَقْدِ]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَرَبَائِبُكُمُ الَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ الَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ ؛ لا خِلاَفَ بينَ أهلِ العلم أنَّ كونَها في حُجُورهِ لا يكونُ شرطاً في تحريْمِها وإنَّما ذكرَهُ اللهُ تعالى على عادةِ الناسِ أنَّ الرَّبيْبَةَ تكونُ في حِجْرِ زَوْجِ الأُمِّ، فخرجَ الكلامُ على وفْقِ العادة دونَ الشرطِ، وهذا كقولهِ :﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾[البقرة: ١٨٧] ومعلومٌ أن المعتكفَ لا يحلُّ له الجماعُ وإن كان قد خرجَ من المسجد لحاجةٍ، إلاَّ أنَّ الغالبَ مِن حالِ العاكفِ أن يكون في المسجدِ، فَقَرَنَهُ بذكرِ المسجدِ.
وأما قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِّن نِّسَآئِكُمُ الَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ فمِنَ الناسِ مَن رَدَّ هذا الشرطَ على قوله ﴿مِّن نِّسَآئِكُمُ﴾ وعلى قوله ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ﴾ فَشَرَطَ الدخولَ بالنِّساءِ في المسألتين في بيوت التحريمِ المذكور في الآيةِ ؛ على معنى أنَّ اللهَ عَطَفَ حُكماً على حكمٍ وعقَّبهما بشرطِ الدُّخول بقوله :﴿الَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وهو قولُ بشْرِ بن غيَّاث ؛ إلاّ أنَّ هذا لا يَصِحُّ ؛ لأنَّ قولَه ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ﴾ جملةٌ مستقلةٌ بنفسِها.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ بما فيه من شرطِ الدُّخول جملةٌ أخرى مستقلة بنفسِها فلم يَجُزْ بناءُ إحدى الجملتين على الأُخرى، ولو جعلنَا شرطَ الدخولِ راجعاً إلى الأوَّل، لَخَصَّصْنَا عمومَ اللفظِ الأول بالشَّكِّ.
النساء 4:24
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ﴾ ؛ هذه الآيةُ عطفٌ على ما تقدَّم ؛ أي وَحَرَّمَ عليكم المحصناتِ وهنَّ ذواتُ الأزواجِ اللاَّتي أحْصِنَّ بالأزواجِ، ﴿إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي إلاّ مَا أفَاءَ اللهُ عليكم من السَّبَايَا. ورويَ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ :" أنَّ الْمُسْلِمِيْنَ أصَابُوا يَوْمَ أوْطَاسَ سَبَايَا لَهُنَّ أزْوَاجٌ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ ؛ فَتَأثَّمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ وَطْئِهِنَّ ؛ وَقَالُواْ : لَهُنَّ أزْوَاجٌ فِي دَار الْحَرْب فأَنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولُ اللهِ ﷺ :" ألاَ لاَ تُوْطَأَ الْحُبَالُ حَتَّى يَضَعْنَ، وَلاَ غَيْرُ الْحُبَالِ حَتَّى يَسْتَبْرِئْنَ بحَيْضَةٍ ".
وَذَهَبَ بَعْضُ الصحابَة وهو أبَيُّ بن كعبٍ، وأنسُ وجابر رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ :(أنَّ الأَمَةَ إذا خَرَجَتْ مِنْ مِلْكِ مَوْلاَهَا إلَى مِلْكِ رَجُلٍ آخَرَ ؛ حَرُمَتْ عَلَى زَوْجِهَا بأَيِّ سَبَبٍ خَرَجَتْ) حتى رُويَ عن ابنِ عبَّاس أنهُ قالَ :(طَلاَقُ الأَمَةِ يُثْبتُ طَلاَقَهَا وَبَيْعَهَا وَهِبَتَهَا وَمِيرَاثَهَا وَسَبْيَهَا وَصَدَقَتَهَا).
وأنكرَ ذلك عَلِيٌّ وعمرُ وعبدُالرحمنِ بن عوفٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ؛ وقالوا :(إنَّمَا نَزَلَتِ الآيَةُ فِي السَّبَايَا خَاصَّةً بِدَلِيْلِ مَا رُويَ أنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا اشْتَرَتْ بَرِيْرَةَ وَأعْتَقَتْهَا ؛ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْداً أسْوَدَ يُسَمَّى مَغِيْثاً).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ؛ نُصِبَ على المصدر ؛ أي كَتَبَ اللهُ عليكم كتابَ اللهِ، وقيل نُصِبَ على الإغراءِ ؛ أي إلْزَمُوا كتابَ اللهِ، واتَّبعُوا كتابَ اللهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَالِكُمْ﴾ ؛ قرأ أهلُ الكوفة (وَأحِّلَ) على ما لَم يسمَّ فاعلهُ، نَسَقاً على قوله (حُرِّمَتْ)، وقرأ الباقون بالفتحِ على أنهُ قد ذكرَ اللهُ بقوله :(كِتَابَ اللهِ)، والمعنى : أحَلَّ لكُم نكاحَ ما سِوَى ما ذكرتُ لكم من المُحَرَّمَاتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ ؛ بدل من (مَا)، فمن رفعَ أحَلَّ فموضعها رفعٌ، ومن نصبَ فموضعُها نصبٌ. وقال الكسائيُّ :(مَوْضِعُهُ نَصْبٌ فِي الْقِرَائَتَيْنِ بنَزْعِ الْخَافِضِ، يَعْنِي لَئِنْ تَبْتَغُوا بأَمْوَالِكُمْ ؛ أيْ تَطْلُبُوا بأمْوَالِكُمْ إمَّا بنِكَاحٍ أوْ بِملْكِ يَميْنٍ مُحْصِنِيْنَ ؛ أيْ نَاكِحِيْنَ أعِفَّاءَ غَيْرَ زُنَاةٍ، وَأصْلُهُ مِن : سَفَحَ الْمَذِيُّ وَالْمَنِيّ). في هذا دليلٌ أن بَدَلَ الْبُضْعِ لا يجوزُ أن يكون صِداقاً، وكذلكَ خدمةُ الزَّوجِ لا يكونُ صِداقاً عند أبي حنيفةَ وأبي يوسف.
وأصْلُ الإحْصَانِ في اللغة : مَا يَمْنَعُ، ومنه يسمَّى الْحِصْنُ حِصْناً ؛ لأنه يَمْنَعُ مِن العدوِّ، ومنه الدِّرْعُ الْحَصِيْنَةُ ؛ أي الْمَنِيْعَةُ، وَالْحِصَانُ بكسر الحاء : الْفَحْلُ من الخيلِ يَمْنَعُهُ رَاكِبُهُ مِنَ الْهَلاَكِ، والْحَصَانُ بفتح الحاء : الْعَفِيْفَةُ مِنَ النِّسَاءِ لِمَنْعِهَا فَرْجَهَا ؛ مَنه قال حِسَانُ في عائشةَ : حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ برِيبَةٍ وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِوالإحْصَانُ في القُرْآنِ يقعُ على معانٍ مختلفة منها : نِكَاحٌ كما في أوَّل هذه الآية ؛ ومنها : الْجِزْيَةُ كما في قولهِ تعالى :
النساء 4:25
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس وابن جُبير وقتادةُ ومجاهد :(الطَّوْلُ الْغِنَى وَالسَّعَةُ) أي وَمن لم يستطِعْ منكم غِنىً وقدرةً، ولم يَجِدْ مَالاً يتزوجُ به الحرائرَ ؛ فليتزوَّجْ بعضُكم من إمَاءِ بعضٍ. وقال جابرُ ابن زيد وربيعةُ والنخعيُّ :(الطَّوْلُ الْهَوَى) أي مَن لم يَقْدِرْ منكم على نكاحِ الحرائِرِ هوىً وعِشْقاً بأَمَةٍ من الإماءِ لا يتَّسِعُ قلبُه لنكاحِ الحرَّةِ، فليتزوَّج بالأَمَةِ التي يَهْوَاها من الإماءِ المؤمناتِ. قرأ الكسائيُّ :(الْمُحْصِنَاتِ) بكسرِ الصَّاد في كلِّ قراءةٍ إلاَّ الأوَّل وهو قولهُ :﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَآءِ﴾[النساء: ٢٤].
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ ؛ أي بحقيقةِ الإيْمان وأنتُم تعرفون الظَّاهِرَ، وليسَ عليكُم أنْ تبحَثُوا عن الباطنِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ ؛ أي في الدِّين، وقيلَ : مِنَ النَّسب ؛ أي كلُّكم ولْدُ آدمَ عليه السلام، وإنَّما قالَ ذلك ؛ لأن العربَ كانت تطعنُ في الأنسابِ، وتفخرُ بالأحسَابِ وتعيِّرُ بالْهُجْنَةِ، وتسمِّي ابنَ الأَمَة (الْهَجِيْنُ)، فأعلَمَ اللهُ أنَّ الأمَةَ في جواز نكاحِها كالحرَّة لذلك.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ؛ أي انْكِحوا الإماء بإذنِ مَوَالِيْهِنَّ واعطوهُنَّ مهورَهن ؛ يعني بإذنِ أهلهِنَّ، وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ ؛ أي مهرٌ غيرُ مهرِ البغيِّ وهو أن يكون عشرةَ دراهِمَ فما فوقَها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ ؛ أي عَفَائفَ غيرَ زَوَانٍ مُعْلِنَاتٍ بالزِّنا، ﴿وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ ؛ أي أخِلاَّءَ في السِّرِّ ؛ وذلك لأنَّ أهلَ الجاهليَّة كان فيهم زَوانٍ بالعلانيَةِ لَهنَّ راياتٌ مضروبةٌ، وبعضُهن اتخذتْ أخْدَاناً في السِّرِّ حتَّى قال ابنُ عبَّاس :(كَانَ فِيْهِمْ مَنْ يُحَرِّمُ مَا ظَهَرَ مِنَ الزِّنَا، وَيَسْتَحِلُّ مَا خَفِيَ فِيْهِ، فَنَهَى اللهُ تَعَالَى عَنْ نِكَاحِ الْفَرِيْقَيْنِ جَمِيْعاً.)
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ؛ معناه : أن الإماءَ إذا أسلمْنَ وتزوَّجن، ومن قرأ (أُحْصِنَّ) بضمِّ الهمزة فمعناهُ : اذا زُوِّجْنَ وأُحْصِنَّ بالأزواجِ، ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ يعني الزِّنا فَعَلَيْهِنَّ نصفُ قَدْر الحرائرِ : خمْسُونَ جَلْدَةً. والمرادُ بهذه الآيةِ : نصفُ الجلدِ ؛ لأن الرجمَ لا نصفَ له.
وذهبَ عامَّةُ الفقهاءِ إلى أنَّ الإسلامَ والتَّزَوُّجَ لا يكونَا شرطاً في وجوب الجلدِ على الأمَةِ ؛ فإنَّها وإن لم تكن مُحْصَنَةً بالإِسلامِ والتزويجِ أقِيْمَ عليها نِصْفُ حَدِّ الْحُرَّةِ إنْ زَنَتْ ؛ فَقَالَ ﷺ :" إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ؛ ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ؛ ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَبعْهَا " واستدلُّوا بما رُوي عن أبي هُريرة رضي الله عنه عنِ النبيِّ ﷺ :" أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إذا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ (فَبيْعُوهَا) "
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ ؛ أي تزويجَ الإماءِ والرِّضا بنكاحهنَّ عند عدمِ طَوْلِ الْحُرَّةِ لمن خَشِيَ الزِّنا منكُم، وقيل : لِمَنْ خَشِيَ الضررَ في الدَّين والدنيا، (مِنكُم) ؛ عن نكاحِ الإمَاءِ، ﴿وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، وإنَّما قالَ ذلكَ ؛ لأن ولدَ الأمةِ رقِيْقاً لِمَوْلَى الأمَةِ، ولهُ استخدامُ الأمَةِ في الحاجاتِ وبين أيدِي الرِّجال الأجانب.
النساء 4:26
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ؛ أي يُرِيْدُ اللهُ أنْ يُبَيِّنَ لكم ما تحتاجون إلى معرفتهِ من الحلالِ والحرَام، وكيفيَّة الطاعةِ، ويُبَصِّرَكُمْ طريقَ الذين مِن قبلِكم من أهلِ التَّوراة والانجيلِ، يَدُلُّكُمْ على طاعةِ الله، كما دلَّ مَن قبلَكم، ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ؛ أي يَتَجَاوَزَ عنكم ما كان مِنكم في الجاهليَّةِ ؛ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ ؛ بما فعلتم وبمَّن يتوبُ ؛ ﴿حَكِيمٌ﴾ ؛ فيما أمَرَكم به ونهَاكم عنهُ في قوله ﴿لِيُبَيِّنَ﴾ بمعنى (أنْ)، والعربُ تُعَاقِبُ بين لامِ كَي وبين (أنْ)، فيقعُ أحدُهما مكانَ الآخرِ، كقولهِ﴿وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾[الشورى: ١٥] وقولهُ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ﴾[الأنعام: ٧١] وفي موضعٍ آخر :﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ﴾[غافر: ٦٦] وقال :﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ﴾[الصف: ٨] وفي موضع آخر﴿أَن يُطْفِئُواْ﴾[التوبة: ٣٢]، وقال الشاعرُ : أُريْدُ لأَنْسَى ذِكْرَهَا فَكَأَنَّمَا تَمَثَّلُ لِي لَيْلَى بكُلِّ سَبيْلِيُرِيْدُ أنَّ أنْسَى.
ومعنى الآية : يريدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لكم شرائعَ دينِكم ومصالِحَ أمرِكم. وقال الحسنُ :(مَعْنَاهُ : يُبَيِّنَ لَكُمْ مَا تَأَتُونَ وَمَا تَذرُونَ). وقال عطاءُ :(يُبَيِّنُ لَكُمْ مَا يُقَرِّبُكُمْ إلَيْهِ). وقال الكلبيُّ :(مَعْنَاهُ : يُبَيِّنُ لَكُمْ أنَّ الصَّبْرَ عَلى نِكَاحِ الإمَاءِ خَيْرٌ لَكُمْ ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ شَرَائِعَ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ فِي تَحْرِيْمِ الْبَنَاتِ وَالأُمَّهَاتِ وَالأَخَوَاتِ).
النساء 4:27
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ؛ أي يريدُ أن يَدُلَّكُمْ على ما يكون سَبَباً لتَوْبَتِكم، ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً﴾ ؛ اختلفُوا في ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ مَنْ هُمْ ؟ قال السُّدِّيُّ :(هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى)، وقال بعضُهم : هم الْمَجُوسُ لأنَّهم كانوا يُحِلُّونَ نكاحَ الأخواتِ وبناتِ الأخ وبناتِ الأُخت، فلمَّا حَرَّمَهُ اللهُ تعالى ؛ قالوا : إنَّكم تنكِحون بناتَ الخالةِ وبناتَ العمَّة، والخالةُ حرامٌ عليكم، فانكِحوا بناتَ الأخِ وبنات الأخت كما تنكحُوا بناتَ الخالة والعمَّةِ، فأنزلَ اللهُ تعالى هذهِ الآيةَ. وقال مجاهدُ :(هُمْ الزُّنَاةُ ؛ يُرِيْدُونَ أنْ تَمِيْلُوا عَنِ الْحَقِّ فَتَكُونُوا مِثْلَهُمْ تَزْنُونَ كَمَا يَزْنُونَ).
النساء 4:28
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ ؛ أي في نكاحِ الأَمَةِ إذا لم تجدوا طَوْلَ الحرَّةِ، وفي كلِّ أحكامِ الشَّرع. وَقِيْلَ : معناهُ : يريدُ الله لِيُسَهِّلَ عليكُم فيضعَ أوزارَكم ويَحُطَّ ذنوبَكم، ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً﴾ ؛ أي أسِيْراً للشهوة، وقِيْلَ : ضَعِيفاً في كلِّ شيء
وقال طاوُوس والكلبيُّ :(مَعْنَاهُ لاَ يَصبْرُ عَلَى النِّسَاءِ، لَيْسَ يَكُونُ الإنْسَانُ فِي شَيْءٍ أضْعَفَ مِنْهُ فِي أمْرِ النِّسَاءِ). وقال سعيدُ بن المسيَّب :(مَا آيَسَ الشَّيْطَانُ مِنْ ابْنِ آدَمَ إلاَّ أتَاهُ مِنْ قِبَلِ النِّسَاءِ، وَقَدْ أتَى عَلَيَّ ثَمَانُونَ سَنَةً وَذَهَبَتْ إحْدَى عَيْنَيَّ، وَأنَا أخْوَفُ مَا أخَافُ عَلَى فِتْنَةِ النِّسَاءِ). وقال عبادةُ بن الصَّامت :(ألاَ تَرَوْنِي مَا آكُلُ إلاَّ مَا لُوِّقَ لِي - أي لُيِّنَ وَسُخِّنَ - وَلاَ أقُومُ إلاَّ مَا قَدْ مَاتَ صَاحِبي - يَعْنَي ذكَرَهُ - وَمَا يَسُرُّنِي أنِّي خَلَوْتَ بامْرَأةٍ لاَ تَحِلُّ لِي مَخَافَةَ أنْ يَأْتِيَنِي الشَّيْطَانُ فَيُحَرِّكُهَ عَلَيَّ ؛ أنَّهُ لاَ سَمْعَ لَهُ وَلاَ بَصَرَ).
وقال الحسنُ :(مَعْنَى ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً﴾ أيْ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ مَهِيْنٍ). وقال ابنُ كَيْسَانَ :(مَعْنَاهُ : تَسْتَمِيْلُهُ شَهْوَتُهُ وَيَسْتَلِيْنُهُ خَوْفُهُ وَحُزْنُهُ). قال ابنُ عبَّاس :(ثَمَانِي آيَاتٍ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ؛ هُنَّ خَيْرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ :﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾[النساء: ٢٦] ؛ ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾[النساء: ٢٧]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ ؛ ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ﴾[النساء: ٣١] ؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾[النساء: ٤٠] ؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾[النساء: ٤٨] ؛ ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾[النساء: ١١٠] ؛ ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ﴾[النساء: ١٤٧] ؛ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾[النساء: ١٥٢].
النساء 4:29
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ؛ أي لا يَأَكُلْ بعضكم مالَ بعضٍ بالظلم وشهادَةِ الزُّور واليمينِ الفاجرةِ والرِّبا والقمار وغير ذلك من الغَصْب والسرقَةِ والخيانَةِ، وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾ ؛ استثناءٌ منقطعٌ ؛ لأن الاستثناءَ خلافُ المستثنى منهُ ؛ لأن التجارةَ ليست بباطلٍ، كأنَّهُ قالَ : لكن كُلُوا ما مَلَكْتُمْ بالْمُبَايَعَةِ عن تراضٍ منكم.
قرأ أهلُ الكوفةِ (تِجَارَةً) بالنصب على معنى : إلاّ أن تكونَ الأموالُ تجارةً، وقرأ الباقون بالرفعِ على معنى : إلاّ أن تقعَ تجارةٌ. رويَ : أنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ امْتَنَعَ النَّاسُ عَنْ أكْلِ الأَمْوَالِ بالْهِبَةِ وَالْهَدِيَّةِ وَالضِّيَافَةِ حَتَّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ﴾الآيةُ. [النور: ٦١].
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ؛ أي لا يَقْتُلْ بعضُكم بعضاً فإنَّكم أهلُ دِيْنٍ واحدٍ، وأنتم كنَفْسٍ واحدةٍ. قال ﷺ :" الْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ؛ إذا ألِمَ عُضْوٌ تَدَاعَى سَائِرُ الأَعْضَاءِ لِلْحُمَّى وَالسَّهَرِ " وَقِيْلَ : معناهُ : لا يَقْتُلَنَّ الرجلُ نفسَه عند الضَّجَرِ والغضب. قال ﷺ :" إنَّ رَجُلاً مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أخَذَتْهُ قَرْحَةٌ فِي يَدِهِ فَقَطَعَهَا فَأَرَاقَ دَمَهَا حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى : بَادَرَنِي ابْنُ آدَمَ بنَفْسِهِ فَقَتَلَهَا بيَدِهِ، فَقَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ " وعن جَابرِ بن سَمُرَةَ :[أنَّ رَجُلاً ذَبَحَ نَفْسَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم].
وقال بعضُهم : معنى الآية : لا تَقْتُلُوا أنفسَكم لطلب المال بما يؤدِّي إلى التلفِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ ؛ لا يَرْضَى منكُم قَتْلَ بعضِكم بعضاً، ولا أكلَ المالِ بالباطل، فيرجعُ ضَرَرُهُ عليكُم في الدُّنيا والدِّين.
النساء 4:30
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً﴾ ؛ أي مَن يأكُلِ المالَ بالباطلِ أو يَقْتُلِ النفسَ بغيرِ الحقِّ ﴿عُدْوَاناً﴾ أي اعتداءً وجَوراً بغير حِلٍّ. وَالْعُدْوَانُ : بأَنْ يَعْدُو غَيْرَ ((مَا)) أمْرَ بهِ، والظُّلْمُ : أنْ يَضَعَ الشَّيْءَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، معنى : إذا فعلَ ذلك على وجهِ التعدِّي ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً﴾ ؛ أي ندخلْهُ النارَ، ﴿وَكَانَ ذلِكَ﴾ ؛ التعذيبُ، ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾ ؛ لا يَمنع كثرةَ رحمتهِ من تعذيب مَن يستحقُّ العذابَ.
النساء 4:31
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ؛ معناهُ : إنْ تَتْرُكُوا كَبَائِرَ الذُّنوب نُكَفِّرْ عَنْْكُمُ الصغائرَ، كما رويَ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنهُ قال :" الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا جُنِّبَتَ عَنِ الْكَبَائِرِ "، ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً﴾ ؛ يعني الجنَّةَ. قرأ أهلُ المدينة :(مَدْخَلاً) بفتح الميم، وهو موضعُ الدخول. وقرأ الباقون بالضمِّ على المصدر، بمعنى الإدخَالِ.
واختلفُوا في الكبائرِ التي جعلَ الله تعالى اجْتِنَابَهَا تكفيراً للصغائرِ، فقال ابنُ عبَّاس :(هِيَ كُلُّ شَيْءٍ سَمَّى اللهُ فِيْهِ النَّارَ لِمَنْ عَمِلَ بهَا أوْ شَيْءٍ نَزَلَ فِيْهِ حَدٌّ فِي الدُّنْيَا). ويروى : أنَّ رَجُلاً أتَى ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنه فقالَ : إنِّي أصَبْتُ ذنْباً فأُحِبُّ أنْ تَعُدَّ عَلَيَّ الْكَبَائِرَ ؛ فَعَدَّ عَلَيْهِ سَبْعاًَ ؛ فَقَالَ :(الإشْرَاكُ باللهِ ؛ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ؛ وَقَتْلُ النَّفْسِ ؛ وَأَكْلُ الرِّبَا ؛ وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيْمِ ؛ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ ؛ وَالْيَمِيْنُ الْفَاجِرَةُ). وعن ابنِ مسعُودٍ قالَ :(الْكَبَائِرُ أرْبَعٌ : الْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ ؛ وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ؛ وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللهَ ؛ وَالشِّرْكُ).
قال مقاتلُ :(الْكَبَائِرُ : مَا نَهَى اللهُ تَعَالَى عَنْهُ مِنْ أوَّلِ هَذِهِ السُّوَر). ويقال : لا كبيرةَ مع الاستغفار ولا صغيرةَ مع الإصرار.
وعن ابنِ مسعُود قال : قُلْتُ :" يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أيُّ الذنْب أعْظَمُ ؟ قَالَ :" أنْ تَجْعَلَ للهِ أنْدَاداً وَهُوَ خَلَقَكَ " قُلْتُ : ثُمَّ مَاذا ؟ قَالَ :" أنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خِشْيَةَ أنْ يَأَكُلَ مَعَكَ " قُلْتُ : ثُمَّ مَاذا ؟ قَالَ :" أنْ تَزْنِي بحَلِيْلَةِ جَاركَ " وتصديقُ ذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَـاهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً﴾[الفرقان: ٦٨-٦٩].
وعن رسولِ اللهِ ﷺ أنهُ قالَ :" أكْبَرُ الْكَبَائِرِ الإشْرَاكُ باللهِ ؛ وَالْيَمِيْنُ الْغَمُوسُ ؛ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ؛ وَقَتْلُ النَّفْسِ " وعن أنسٍ قالَ : قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" أرْبَعٌ مِنَ الْكَبَائِرِ : الشِّرْكُ باللهِ ؛ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ؛ وَشَهَادَةُ الزُّور "
وسُئِلَ ابنُ عبَّاس رضي الله عنه عنِ الكبائرِ : أسَبْعٌ هِيَ ؟ قَالَ :(هُنَّ إلَى سَبْعِينَ لأَقْرَبُ مِنْهُنَّ إلَى السَّبعِ) ثم قالَ :(الْكَبَائِرُ : الشِّرْكُ ؛ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ؛ وَقَتْلُ الْمُؤْمِنِ ؛ وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ؛ وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللهِ ؛ وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ ؛ وَالسِّحْرُ ؛ وَالرِّبَا ؛ وَالزِّنَا ؛ وَالسَّرِقَةُ ؛ وَأكْلُ مَالِ الْيَتِيْمِ ؛ وَتَرْكُ الصَّلَوَاتِ ؛ وَمَنْعُ الزَّكَاةِ ؛ وَشَهَادَةُ الزُّور ؛ وَقَتْلُ الْوَلَدِ خِشْيَةَ أنْ يَأَكُلَ مَعَهُ ؛ وَالْحَسَدُ ؛ وَالْكِبْرُ ؛ وَالْحَيْفُ فِي الْوَصِيَّةِ ؛ وَتَحْقِيْرُ الْمُسْلِمِيْنَ). وقال سعيدُ بن جبيرٍ :(كُلُّ ذنْبٍ أوْعَدَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ النَّارَ فَهُوَ كَبيْرَةٌ). قال الضحَّاك :(مَا وَعَدَ اللهُ عَلَيْهِ حَدّاً فِي الدُّنْيَا وَعذاباً فِي الآخِرَةِ فَهُوَ كَبيْرَةٌ).
النساء 4:32
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ؛ أي لا يَتَمَنَّى الرجلُ مالَ أخيه ولا شيئاً من الذي لغيرهِ ؛ ولكن لِيَقُلْ : اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي مِثْلَهُ، ولا يتمنَّى الرجلُ امرأةَ أخيهِ ولا خادمَهُ ولا دابَّته.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ﴾ ؛ أي حظٌّ من الأجرِ ما اكتسبُوا من العملِ الصالح ﴿وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ ؛ حظٌّ من الأجرِ مما عَمِلْنَ من العمل الصالحِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ ؛ أي من رزْقِهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ﴾ ؛ لم يزل، ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾، من أعمالِ الرجال والنِّساء، ﴿عَلِيماً﴾ ؛ عالماً.
وعن جابرِ بن عبدِالله قال : بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ؛ " إذْ أقْبَلَتِ امْرَأةٌ حَتَّى قَامَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ ثُمَّ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ؛ أنَا وَافِدَةُ النِّسَاءِ إلَيْكَ، إنَّ اللهَ عَزَّوَجَلَّ رَبُّ النِّسَاءِ وَرَبُّ الرِّجَالِ، وَآدَمُ أبُو النِّسَاءِ وَأبُو الرِّجَالِ، وَحَوَّاءُ أمُّ النِّسَاءِ وأمُّ الرِّجَالِ، وَأَنْتَ بَعَثَكَ اللهُ رَسُولاً إلَى النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ، ثُمَّ الرِّجَالُ إذا خَرَجُواْ فِي سَبيْلِ اللهِ، فَقُتِلُواْ فَهُمْ أحْيَاءٌ عِنْدَ رَبهِمْ فَرِحِيْنَ، وَنَحْنُ نَحْتَبسُ عَلَيْهِمْ وَنَخْدِمُهُمْ، فَهَلْ لَنَا مِنَ الأَجْرِ شَيْءٌ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" أقْرِئِي النِّسَاءَ مِنِّي السَّلاَمَ ؛ وَقُولِي لَهُنَّ : إنَّ طَاعَةَ الزَّوْجِ وَاعْتِرَافاً لِحَقِّهِ يَعْدِلُ مَا هُنَالِكَ، وَقَلِيْلٌ مِنْكُنَّ يَفْعَلُهُ ".
وقال قتادةُ والسُّدِّيُّ :(لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾[النساء: ١١] فَقَالَتِ الرِّجَالُ : إنَّا لَنَرْجُوا أنْ يُفَضِّلَنَا اللهُ عَلَى النِّسَاءِ بَحَسَنَاتِنَا فِي الآخِرَةِ كَمَا فَضَّلَنَا عَلَيْهِنَّ بالْمِيرَاثِ ؛ فَيَكُونُ أجْرُنَا مِثْلَي أجْرِ النِّسَاءِ، وَقَالَ النِّسَاءُ : إنَّا لَنَرْجُوا أنْ يَكُونَ الْوِزْرُ عَلَيْنَا نِصْفَ مَا عَلَى الرِّجَالِ كَمَا لَنَا فِي الْمِيرَاثِ النِّصْفُ مِنْ نَصِيْبهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ﴾ مِنَ الْمِيرَاثِ وَالْعِقَاب، وَلِلنِّسَاءِ نَصِيْبٌ كَذَلِكَ مِنْهُ). قال قتادةُ :(يُجْزَى الرَّجُلُ بالْحَسَنَةِ عَشْرَ أمْثَالِهَا، وَالْمَرْأةُ تُجْزَى عَشْرَ أمْثَالِهَا أيْضاً).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ وقرأ ابنُ كثيرٍ والكسائيُّ وخلف :(وَسَلًُواْ اللهَ مِنْ فَضْلِهِ) (وَسَلْ مَنْ أرْسَلْنَا) و (فَسَلِ الَّذِينَ) يقرأون بغيرِ الهمزة، وقرأ الباقونَ بالهمزة. قال ﷺ :" مَنْ لَمْ يَسأَلِ اللهَ مِنْ فَضْلِهِ غَضِبَ عَلَيْهِ " وقال سفيانُ بن عُيَيْنَةَ :(لَمْ يَأَمُرْ بالْمَسْأَلَةِ إلاَّ لِيُعْطِي).
النساء 4:33
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ ؛ أي ولكلِّ واحدٍ من الرجال والنساء جعلنَا موالِي عَصَبَةٍ يَرثُونَهُ مِمَّا تركَهُ والدُه وأقرباؤُه من ميراثِهم، والوالدان والأقربونَ على هذا التأويلِ همُ المورّوثون. وَقِيْلَ : معناهُ : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ؛ أي وَرَثَةً مِن الذين تركَهُم، ثم فسَّرهم فقالَ : الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ، على هذا التأويل هم الوارثُون.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ ؛ في محِلِّ الرفع بالابتداء، والمُعَاقَدَةُ هي الْمُعَاهَدَةُ بين اثنين. وقرأ أهلُ الكوفة (عَقَدَتْ) بغير ألف أراد عقدت لهم أيْمانُهم. قال ابنُ عبَّاس :(كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذا أعْجَبَهُ ظُرْفُ الرَّجُلِ عَاقَدَهُ وَحَالَفَهُ ؛ وَقَالَ : أنْتَ ابْنِي تَرِثُنِي ؛ خِدْمَتِي خِدْمَتُكَ ؛ وَذِمَّتِي ذِمَّتُكَ ؛ وَثَأْري ثأْرُكَ، فَيَكُونُ بهِ ببَعْضِ وَرَثَتِهِ مِثْلُ نَصِيْب أحَدِهِمْ، إلاَّ أنْ يَنْقُصَ نَصِيْبُهُ عَنِ السُّدُسِ لِكَثْرَةِ الْوَرَثَةِ ؛ فَيُعْطَى السُّدُسَ خَاصَّةً لاَ يُنْقَصُ مِنْهُ شَيْءٌ، ثُمَّ نُسِخَتْ بقَوْلِهِ تَعَالَى﴿وَأْوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾[الأنفال: ٧٥]).
قال قتادةُ :(أرَادَ بقَوْلِهِ :﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ : الْحُلَفَاءُ ؛ كَانَ الرَّجُلُ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ : دِيْنِي دِيْنُكَ ؛ وَثَأْري ثأْرُكَ ؛ وَحِزْبي حِزْبُكَ ؛ وَسِلْمِي سِلْمُكَ ؛ تَرِثُنِي وَأرثُكَ ؛ تَعْقِلُ عَنِّي وَأعْقِلُ عَنْكَ ؛ وَتَطْلُبُ بي وَأَطْلُبُ بكَ، فَيَكُونُ لِلْحَلِيْفِ السُّدُسُ ثُمَّ نُسِخَ ذلِكَ بِقَوْلِهِ :﴿وَأْوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾[الأنفال: ٧٥]). وقال مجاهدُ :(أرَادَ بقَوْلِهِ :﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ النَّصْرَ وَالْعَقْلَ وَالرَّفَادَةَ دُونَ الْمِيْرَاثِ).
فَعَلَى هَذا تَكُونُ الآية غيرَ منسوخةٍ لقولهِ تعالى :﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾[المائدة: ١] ولقولهِ ﷺ :" أوْفُوا لِلْحُلَفَاءِ بعُهُودِهِمْ الَّتِي عَقَدَتْ أيْمَانُكُمْ " وليس معنى قولِ ابن عبَّاس أنَّ هذه الآية منسوخةٌ، نُسِخَ حُكمها من الأصلِِ، ولكن معناهُ : تقديمُ ذوي الأرحامِ على أهلِ العقد، وهو كحدوثِ ابنٍ لِمَنْ لهُ أخٌ لا يخرجُ الأخَ من أن يكون أهْلاً للميراثِ إلاَّ أن يكون الابنُ أولى منه، كذلك أولي الأرحامِ أوْلى من الحليفِ، فإذا لم يكن للميتِ رَحِمٌ ولا عُصْبَةٌ فالميراثُ للحليفِ، ولِهذا قال أصحابُنا : فمن أسلمَ على يدَي رجلٍ ووالاهُ - عَاقَدَهُ - ثم ماتَ ولا وارثَ له غيرهُ أن ميراثَه لهُ، ولِهذا قالوا : إنَّ من أوصَى بجميعِ ماله ولا وارثَ له صحَّتِ الوصيةُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾ ؛ أي لم يَزَلْ شاهداً على كلِّ شيء من إعطاءِ النصيب ومنعِه.
النساء 4:34
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس ومقاتلُ :" نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي سَعْدِ بْنِ الرَّبيْعِ - وَكَانَ مِنَ النُّقَبَاءِ - وَفِي امْرَأَتِهِ ابْنَةُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَهُمَا مِنَ الأَنْصَار، نَشَزَتْ عَلَيْهِ فَلَطَمَهَا، فَاْنطَلَقَ أبُوهَا مَعَهَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أفْرَشْتُهُ كَرِيْمَتِي فَلَطَمَهَا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ :" اقْتَصِّي مِنْهُ " وَكَانَ الْقِصَاصُ يَوْمَئِذٍ بَيْنَهُمْ فِي اللَّطْمَةِ وَالشَّجَّةِ وَالْجِرَاحِ، فَانْصَرَفَتْ مَعَ أبيْهَا لِيَقْتَصَّ مِنْهُ، فَقَالَ ﷺ :" ارْجِعُواْ ؛ هَذا جِبْرِيْلُ أتَانِي " فَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ، فَقَالَ ﷺ :" أرَدْنَا أمْراً ؛ وَأرَادَ اللهُ أمْراً، وَالَّذِي أرادَ اللهُ خَيْرٌ " وَرُفِعَ الْقِصَاصُ ".
ومعناها : الرجالُ مُسَلَّطُونَ على أدب النِّساء بالحقِّ، والقوَّامُونَ الْمُبَالِغُونَ بالقيامِ عليهنَّ بتعليمهنَّ وتأديبهنّ وإصلاحِ أمورهن، وقولهُ تعالى :﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾[النساء: ٣٤] أي جَعَلَ اللهُ ذلك للرجالِ بفضلِهم على النساء في العقلِ والرَّأي، وَقِيْلَ : بزيادةِ الدِّين واليقينِ، وَقِيْلَ : بقوة العبادةِ والجهادِ، وَقِيْلَ : بالجمُعة والجماعةِ وبإنفاقِهم أموالِهم في الْمُهُور وأقْوَاتِ النساءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ ؛ أي فَالْمُحْصَنَاتُ المطيعاتُ لله في أمرِ أزواجِهن، وَقِِيْلَ : قائماتٌ بحقوقِ أزواجهن. وأصل الْقُنُوتِ : مُدَاوَمَةُ الطَّاعَةِ، وقولهُ تعالى :﴿حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ﴾ أي يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وأموالَ أزواجهنَّ في حال غَيْبَةِ أزواجهنَّ. ويدخلُ في حفظِ المرأة لغيب الزوج أن تَكْتُمَ عليه ما لا يحسَنُ إظهارهُ مما يقفُ عليه أحدُ الزوجين على الآخرِ. وقولهُ تعالى :﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ أي يحفظُ الله إياهُنَّ من معاصيهِ وبتوفِيقه لَهُنَّ، ويقال : بما حفظهنَّ اللهَ تعالى في مهورهن وإلزام الزوج النفقةَ عليهن. قال ﷺ :" خَيْرُ النِّسَاءِ مَنْ إذا نَظَرْتَ إلَيْهَا سَرَّتْكَ ؛ وَإذا أمَرْتَهَا أطَاعَتْكَ ؛ وَإذا غِبْتَ عَنْهَا حَفِظَتْكَ فِي مَالِكَ وَنَفْسِهَا "
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ ؛ أي النساءِ التي تعلمونَ عصيانَهنَّ لأزواجَهن فَعِظُوهُنَّ، والنُّشُوزُ : الرَّفْعُ عَنِ الصَّاحِب، مأخوذٌ من النَّشْزِ وهو المكانُ المرتفعُ، المرادُ من الْوَعْظِ وَالْهَجْرِ وَالضَّرْب في الآيةِ أن يكونَ ذلك على الترتيب المذكور فيها ؛ لأن هذا من باب الأمْرِ بالمعروف والنَّهي عن المنكرِ، إذا أمكنَ الاستدراكُ بالأسهلِ والأخفِّ لا يُصَارُ إلى الأثقلِ، فالأَوْلى أن يبدأ الزوجُ فيقول لامرأتهِ الناشِزَةُ : إتَّقِِ اللهَ وارجعي إلى فراشِي، فأطاعَتْهُ وإلاّ سَبَّهَا، هكذا قال ابنُ عبَّاس رضي الله عنه.
وَالْهَجْرُ : الْكَلاَمُ الْفَاحِشُ، يقالُ : هَجَرَ الرَّجُلُ يَهْجُرُ، إذا هَدَأ، وأهْجَرَ الرجلُ في مَنْطِقِهِ بهجرٍ هجاراً إذا تكلَّمَ بقبيحٍ. وقال الحسنُ وقتادة :(قَوْلُهُ :﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ مِنَ الْهَجْرِ ؛ وَهُوَ أنْ لاَ يَقْرَبَ فِرَاشَهَا وَلاَ يَنَامَ مَعَهَا ؛ لأنَّ اللهَ تَعَالَى قَرَنَهُ بقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فِي الْمَضَاجِعِ﴾.
النساء 4:35
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَآ﴾ ؛ أي وإن عَلِمْتُمْ أيُّها المؤمنون بعدَ العِظَةِ والهجرانِ تباعدَ الزوجين عن الحقِّ، وهو أن يكونَ كلُّ واحد منهما في شِقٍّ على حِدَةٍ، ولم يَدْرُوا من أيُّهما جاءَ النُّشُوزُ فابعثوا عَدْلاً ذا رأي وعقل من أهلِ الزَّوجِ ؛ وعَدْلاً من أهلِ المرأةِ ؛ يختارُ الحاكمُ حَكَماً مِن أهلهِ وحَكَماً من أهلِها، فيخلوا حَكَمَ الزوجِ به ؛ فيقول : أخبرنِي ما في نَفْسِكَ أتَهْوَاهَا أم لاَ ؟ فأنا لا أدري ما أقولُ وما أعمل بهِ حتى أرى ما تريدُ، فإن قال : أهْوَاهَا ؛ ولكنها تُسِيْءُ معاشرتِي، فَعِظْهَا وَأرْضِهَا عنِّي، علم أنَّ الرجلَ ليس بنَاشِزٍ، وإن قالَ : لاَ حاجةَ لِي بها ؛ فَرِّقْ بينِي وبينَها وخُذْ لِي منها ما استطعتَ ؛ علم أنه نَاشِزٌ، وكذلكَ يفعلُ حَكَمُ المرأةِ بالمرأة.
ثم يلتقي الْحَكَمَانِ، فيصدِّقُ كلُّ واحد منهما صاحبَهُ فيما سَمِعَ، فيُقْبلان على الزوجِ إن كان نَاشِزاً فيقولان له : يَا عَدُوَّ اللهِ ؛ أنتَ العاصي لله، الظالِمُ على امرأتِكَ، ويَعِظَانِهِ وَيَزْجُرَانِهِ، وَكَذِلِكَ يَفْعَلاَنِ بالمرأة إن كانت هي النَّاشِزَةَ، فذلك قولهُ :﴿إِن يُرِيدَآ إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَآ﴾ أي أنَّ الْحَكَمَيْنِ إذا أرادَا عَدْلاً ونصيحةً ألَّفَ اللهُ بين الزوجينِ، ويقالُ : وَفَّقَ اللهُ بين أقوالِ الْحَكَمَيْنِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً﴾ ؛ بأمر الْحَكَمَيْنِ، ﴿خَبِيراً﴾ ؛ بنَصِيْحَتِهِمَا، ويقالُ : عَلِيْماً بما فيه صلاحُ الحقِّ، خَبيْراً بذلكَ.
وذهبَ بعضُ العلماء : إلى أنَّ الْحَكَمَيْنِ إذا رَأيَا أن يفرِّقا بينهما فَرَّقَا بينهما، وكذلكَ إذا رأى الْحَاكِمُ أن يُفرِّقَ فعلَ إذا وقَعَ اليأسُ عن زوال الشِّقاق، واعتبروا بالغاية فما عند أصحابنا رَحِمَهُمُ اللهُ فليسَ للحَكَمين أن يفرِّقا إلاّ أن يكونَا وَكِيلَيْنِ في الخُلْعِ من جانبين، أو يرضَى الزوجُ بتفريقِها.
النساء 4:36
وقوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ ؛ أي وَحِّدُوا اللهَ تعالى، وأطيعُوه ولا تعبدُوا معه غيرَهُ، فإن ذلك يُفْسِدُ عبادتَه. قالت الحكماءُ : الْعُبُودِيَّةُ تركُ الاختيار وملازمةُ الافتقار. وَقِيْلَ : الْعُبُودِيَّةُ أربعةُ أشياءٍ : الوفاءُ بالعهودِ ؛ والحفظُ للحُدُودِ ؛ والرِّضَا بالموجودِ ؛ والصَّبْرُ على المفقودِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ أي أحْسِنُوا بالوالدينِ إحْسَاناً، وَقِيْلَ : اسْتَوْصُوا بالوالدين إحْسَاناً، وقد يذكرُ المصدر المنصوبُ على تقديرِ فعلٍ محذوف كقولهِ تعالى :﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾[محمد: ٤]، ومعناه الأمرُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ ؛ أي وأحْسِنُوا بذوي القَرَابَةِ واليتامَى والمساكينِ. والإحسانُ إلى ذوي القربَى هو مُوَاسَاةُ الفقيرِ منهم إذا خافَ عليه ضَرَرَ الجوعِ والعُرِيِّ وَحُسْنَ العشرةِ وكفِّ الأذى عنهُ والْمُحَابَاةُ دونه مِمَّنْ يريدُ ظُلْمَهُ. وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه :" أنَّ رَجُلاً شَكَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَسْوَةً فِي قَلْبهِ ؛ فَقَالَ :" إنْ أرَدْتَ أنْ يَلِيْنَ قَلْبُكَ فَأَطْعِمِ الْمَسَاكِيْنَ وَامْسَحْ برَأْسِ الْيَتِيْمِ وَأَطْعِمْهُ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ ؛ قال ﷺ :" الْجِيَراُن ثَلاثَةٌ : جَارٌ لَهُ ثَلاَثَةُ حُقُوقٍ ؛ وَهُوَ الْجَارُ الْقَرِيْبُ الْمُسْلِمُ، وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ ؛ وَهُوَ الَْجَارُ الأَجْنَبِيُّ الْمُسْلِمُ، وَجَارٌ لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ ؛ وَهُوَ الْجَارُ الْكَافِرُ " فعلى هذا يكون معنى (الْجَار الْجُنُب) : هو الجارُ الذي هو مِن قومٍ آخرين لا قرابةَ بينك وبينه. ويقالُ : إن الجارَ ذوي القربَى هو الذي يُقَاربُكَ في الجوار، تعرفهُ ويعرِفُكَ، والجارُ الْجُنُبُ : هو الجارُ الغريبُ المتباعِدُ.
وَالْجُنُبْ في اللغة : الْبَعِيْدُ. وقرأ الأعمشُ :(وَالْجَار الْجَنْبِ) بفتحِ الجيم وإسكان النُّون، وهما لُغتان. يقالُ : رَجُلُ جُنُبٌ وَجُنْبٌ ؛ إذا لم يكن قَرِيباً، وجَمَعُهُ : أجَانِبُ، وقيل للجُنُب جُنُبٌ لاعتزالهِ الصلاةَ وبُعْدِهِ من المسجدِ حتى يغتسلَ. وقال بعضُهم :(الْجَارُ الْجُنُبُ) الكافر.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ هو الرفيقُ في السفرِ ؛ المنقطعُ إلى الرجلِ رجاءَ خَيْرِهِ، كذا قالَ ابنُ عبَّاس ومجاهدُ وابنُ جبير وعكرمةُ وقتادة، وقال بعضُهم : الصاحبُ بالْجَنْب هو الْمُلاَصِقُ دارَه بداركَ ؛ فهو إلى جَنْبكَ، ويقالُ : هو جارُ الرجلِ في البيتِ الواحد. وقال عَلِيٌّ وعبدُالله وأبنُ أبي ليلى والنخعيُّ :(هِيَ الزَّوْجَةُ تَكُونُ مَعَهُ إلَى جَنْبهِ).
وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" لَيْسَ بمُؤْمِنِ مَنْ لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ، وأيَّمَا رَجُلٍ أغْلَقَ بَابَهُ دُونَ جَارهِ مَخَافَةً عَلَى أهْلِهِ وَمَالِهِ فَلَيْسَ جَارُهُ ذلِكَ بمُؤْمِنٍ " قَالُواْ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ مَا حَقُّ الْجَار ؟ قَالَ :" إنْ دَعَاكَ أجَبْتَهُ ؛ وَإنْ أصَابَتْهُ فَاقَةٌ عُدْتَ عَلَيْهِ ؛ وَإنِ اسْتَقْرَضَكَ أقْرَضْتَهُ ؛ وَإنْ أصَابَهُ خَيْرٌ هَنَّيْتَهُ ؛ وَإنْ مَرِضَ عُدْتَهُ ؛ وَإنْ أصَابَتْهُ مُصِيْبَةٌ عَزَّيْتَهُ ؛ وَإنْ مَاتَ شَهِدْتَ جَنَازَتَهُ، وَلاَ تَسْتَعْلِي عَلَيْهِ بالْبُنْيَانِ لِتَحْجِبَ عَنْهُ الرِّيْحَ إلاَّ بإذْنِهِ، وَلاَ تُؤْذِهِ بقُتَّارِ قِدْركَ إلاَّ أنْ تَغْرِفَ لَهُ مِنْهَا، وَإن اشْتَرَيْتَ فَاكِهَةً فَاهْدِ لَهُ مِنْهَا ؛ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَأدْخِلْهَا سِرّاً وَلاَ يُخْرِجْ وَلَدُكَ مِنْهَا شَيْئاً فَيُغِيْظُ وَلَدَهُ بهِ "
النساء 4:37
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ ؛ يجوزُ أن يكونَ أوَّل هذه الآيةِ في موضع نَصْبٍ بدلاً من قولهِ (مَنْ كَانَ) ويحتملُ أن يكون نصباً على الذمِّ، على معنىَ : أعْنِي الَّّذِيْنَ يَبْخَلُونَ، ويحتملُ أن يكون رفعاً على الاستئنافِ على إضمارِ (هُمْ) الذينَ يبخلون. قال ابنُ عبَّاس ومجاهدُ :(الْمُرَادُ بالآيَةِ الْيَهُودُ، بَخِلُوا بما كَانَ عَنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ بأَمْرِ النَّبيِّ ﷺ وَأمَرُواْ قَوْمَهُمْ بالْبُخْلِ وَهُوَ الْكِتْمَانُ)، ويقال : كانوا لا يعطونَ من أموالِهم شيئاً، ويأمرون الناسَ بذلك.
وقال بعضُهم : الآية عامَّة في كل من يَبْخَلُ بما أوتِي من المالِ ويكتمُ ما أعطاه اللهُ من النعيمِ لا يُخْرِجُ زكاتَهُ، فعلى هذا يكون المرادُ بالكافرين في هذه الآية : كَافِرِي النِّعَمِ دون الكفار بالله. فأمَّا على التأويلِ الأوَّل فالمرادُ بالكافرين اليهودَ.
والبُخْلُ : مَنْعُ الْوَاجِب. قرأ يحيى بن يعمر ومجاهدُ وحمزة والكسائي وخلف :(بالْبَخَلِ) بفتح الباء والخاء، وقرأ قتادةُ وأيوب بفتح الباءِ وسكون الخاء، وقرأ عيسى ابن يعمر : بضمِّ الباء والخاء، وقرأ الباقون بضم الباء وسكون الخاء، وكذلك في سورةِ الحديد، وكلُّها لغةٌ معروفة فيه إلاَّ أن اللغة العاليَةَ : ضمّ الباء وسكون الخاء، وبفتح الباء والخاء لغةُ الأنصار.
النساء 4:38
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ؛ في محَل نصبٍ عطفاً على ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ وإن شئتَ جعلتَهُ عطفاً على قوله :﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾[النساء: ٣٧]. قال السُّدِّيُّ :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي الْمُنَافِقِيْنَ الَّذِيْنَ يُرَاؤُن النَّاسَ فِي الإنْفَاقِ، وَلاَ يَتَصَدَّقُونَ فِي السِّرِّ). قِيْلَ : المرادُ به كفارُ مكَّةَ أنفقُوا على الناسِ وقتَ خروجهم إلى حرب بدر.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً﴾ ؛ أن من يفعلْ ما يَدْعُوهُ إليه الشيطان وسوَّل له فَبِئْسَ قرينهُ الشيطان يُغْوِيَهِ في الدُّنيا ويكون قريناً معهُ في السلسلةِ في النار. و(قَرِيْناً) نُصِبَ على التمييز، وَقِيْلَ : على القطعِ ؛ أي قطعِ الألف واللام.
النساء 4:39
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ ؛ أي ماذا عليهم لو صَدَّقُوا الله واليوم الآخرِ وتصدَّقوا مما رَزَقَهُمُ الله من الأموالِ، وما فرضَ عليهم من الصدقةِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِم عَلِيماً﴾ ؛ أي أنَّهم لا يؤمنون، وفي الآية بيانٌ أنَّهم إنَّما كفروا لِسُوءِ اختيارهمِ وقِلَّةِ تَأمُّلِهِمْ مع قدرتِهم على الإيْمان ؛ لأنهُ لا يُحْسَنُ أن يُقالَ لمن لا يقدرُ على الشيءِ : ماذا عليك لو فعلتَ كذا.
النساء 4:40
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ ؛ أي لا يُنْقِصُ من جزاءِ الأعمال زنَةَ نَمْلَةٍ حُمَيْرَاءَ صغيرةٍ. والْمِثْقَالُ مِفْعَالٌ من الثُّقْلِ ؛ وهو ما يوزنُ به الشيء، من ذلك يسمَّى ما يوزنُ به الدينارُ مثقالاً ؛ لأنه يعادلهُ في الثِّقَلِ. وقرأ عبدُالله :(إنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ نَمْلَةٍ) والمعنى : إنَّ اللهَ لا يُنقِصُ أحَداً مِن خَلْقِهِ مِن ثوابِ عمله وَزْنَ ذرَّةٍ، بل يجازيهِ عليها ويُثِيْبُهُ بها. وقال بعضُهم : الذرُّ الهباءُ في الكوَّة، فكلُّ جزءٍ منها ذرَّةٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ ؛ قرأ العامَّة (حَسَنَةً) بالنصب على معنى : وإن تَكُ الْفِعْلَةُ حسنةً : وقرأ أهلُ الحجاز : بالرفع على معنى : إن تَقَعْ حَسَنَةٌ، أو يُؤْخَذْ حَسَنَةٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُضَاعِفْهَا﴾ قرأ الحسنُ بالنون، والباقون بالياء، وهو الصحيحُ لقوله :(وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ) ؛ وقرأ أبو رجاءٍ وابنُ كثير وابن عامر :(يُضَعِّفْهَا) بتشديد العين وهما لُغتان.
وقال أبو عبيد :(يُضَاعِفْهَا ؛ أي يَجْعَلْْهَا أضْعَافاً كَثِيْرَةً، وَيُضَعِّفْهَا بالتَّشْدِيْدِ يَجْعَلْهَا ضِعْفَيْنِ). وقال الضحَّاك :(أرَادَ بالْحَسَنَةِ : التَّوْبَةَ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلاَّ حَسَنَةً وَاحِدَةً مَقْبُولَةً غَفَرَ اللهُ لَهُ). وَقِيْلَ : معناهُ : إن أزادَ على سيِّئاته مثقالَ ذرَّة من الحسنةِ يضاعفْهُ اللهُ حتى يجعلَهُ مثل أحُدٍ، ويوجبُ له الجنَّةَ، ويعطيهُ من عنده الزيادةَ على ما يستحقُّه من جزاءِ عمله، فذلك الأجر العظيم لا يعلم مقدارَهُ إلاَّ الله. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ ؛ وهو الجنةُ.
النساء 4:41
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ ؛ معناه : كيفَ يَصْنَعُ الْكُفَّارُ ؟ وكيف يكون حالُهم يومَ القيامة ؟ إذا جِئْنَا من كل جماعةٍ بنَبيِّهَا شهيداً عليهم ولَهُم، ﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾ ؛ يَا مُحَمَّدُ ﴿عَلَى هَـاؤُلاءِ﴾ ؛ الذين أُرْسِلْتَ إليهم ؛ ﴿شَهِيداً﴾ ؛ أَتَشْهَدُ لِمن صَدَّقَ بالتصديقِ، وعلى كل من كَذبَ بالتكذيب.
النساء 4:42
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ ؛ معناه : يومَ وقوعِ الشهادة تَمَنَّى الذين كفرُوا باللهِ، وعَصَوا الرسولَ أن الأرض تُسَوَّى بهم : يَمْشِي عليهَا أهلُ الجمعِ وَيوَدُّونَ أنَّهم لم يَكْتُمُوا اللهَ حَدِيثًا ؛ وذلك حينَ مَيَّزَ اللهُ أصحابَ اليمينِ من أصحاب الشِّمالِ، ويقولُ للوحوشِ والطيور والبهائمِ : كونِي تُرَاباً ؛ أي ويرَى الكفَّارُ ذلك ويَرَوْنَ ما أكرمَ اللهُ به المسلمينَ، فيقولُ بعض الكفَّار لبعضٍ : هَلُمُّوا نقولُ إذا سُئِلْنَا : وَاللهِ رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ، فيقولونَ ذلك، فَيخْتِمُ اللهُ على ألسِنَتِهم، ويأذنُ لجوارحهم في الكلامِ، فتشهدُ عليهم عندَ ذلك ؛ فيقولون : يا لَيْتَنَا كُنَّا تُراباً، ويتمنَّون أنَّهم لم يَكْتُمُوا اللهَ حديثاً ؛ لأنَّهم كانوا كَذبُوا في قولِهم : مَا كُنَّا مُشْرِكِيْنَ.
وقالَ بعضُهم : معنى :﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ كلامٌ مستأنَفٌ غيرُ داخل في التَّمَنِّي ؛ ومعناهُ : لاَ يَقْدِرُونَ على كِتْمَانِ شيءٍ مما عَمِلُوهُ ؛ لظهور ذلكَ عندَ اللهِ ؛ أي لا يُفِيْدُ كِتْمَانُهُمْ. وقال الكلبيُّ :(يَقُولُ اللهُ لِلْبَهَائِمِ وَالْوُحُوشِ وَالطَّيْرِ : كُونِي تُرَاباً ؛ فَتُسَوَّى بهِمُ الأَرْضُ ؛ فَعِنْدَ ذلِكَ يَتَمَنَّى الْكَافِرُ أنْ يَكُونَ كَذلِكَ). وقال عطاءُ :(مَعْنَاهُ : يَوَدُّ الَّذِيْنَ كَفَرُواْ لَوْ تُسَوَّى بهِمُ الأَرْضُ، ولَمْ يَكْتُمُواْ أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلاَ نَعْتَهُ).
قرأ أهلُ المدينةِ والشامِ (تَسَّوَّى) بفتحِ التاء والتشديد على معنَى وَتَتَسَوَّى ؛ فأدغمتِ التاءُ الثانية في السين. وقرأ أهلُ الكوفةِ إلاّ عاصماً بفتحِ التاء والتخفيف على حذفِ أحدِ التاءَين مثلُ قولهِ :﴿لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾[هود: ١٠٥] وقرأ الباقونَ بضمِّ التاء والتخفيف على الْمَجْهُولِ ؛ أي لو سُوِّيَتْ بهم الأرضُ وصَارُوا هم والأرضُ شيئاً واحداً.
النساء 4:43
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ؛ كَانُواْ يشْرَبُونَ الْخَمْرَ قَبْلَ التَّحْرِيْمِ، ثُمَّ يَأَتُونَ الصَّلاَةَ مَعَ النَّبيِّ ﷺ فَيُصَلُّّونَ مَعَهُ ؛ فَنَهَاهُمُ اللهُ تَعَالَى عَنْ ذلِكَ).
وتأويلُ الآية على هذا : لاَ تَقرَبُوا مواضِعَ الصلاةِ وهو المسجدُ وَأنْتُمْ سُكَارَى، حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وما يقرأ إمَامُكم في الصلاةِ. وسُكَارَى : جمعُ سَكْرَانٍ، وهذا خطابٌ لمن لم يَبْلُغْ به السُّكْرُ إلى حدٍّ لا يفهمُ الكلامَ كلَّهُ، لأنَّ الذي لا يفهمُ شيئاً لا يصحُّ أن يخاطَبَ، فكانوا بعد نزولِ هذه الآية يَجْتَنِبُونَ السُّكر أوقاتَ الصلاةِ حتى نزلَ تحريمُ الخمرِ في سورة المائدةِ.
وقال مقاتلُ :(نَزَلَتْ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ؛ كَانُواْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ فِي دَار عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَبْلَ التَّحْرِيْمِ ؛ فَحَضَرَتْ صَلاَةُ الْمَغْرِب ؛ فَقَدَّمُوا رَجُلاً فَقَرأ﴿قُلْ ياأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾[الكافرون: ١] وَقَالَ : أعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ؛ وَحَذفَ (لاَ) فِي جَمِيْعِ السُّورَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ).
فمعناها على هذا : لاَ تَقْرَبُوا نَفْسَ الصلاةِ، وأنتمُ سُكَارى حتَّى تعلموا ما تَقْرَأونَ. وعن عمرَ رضي الله عنه أنهُ قال بَعْدَ نزولِ هذه لآية :(اللَّهُمَّ إنَّ الْخَمْرَ يَضُرُّ بالْعُقُولِ وَالأَمْوَالِ ؛ فَأنْزِلَ فِيْهَا أمْرَكَ) فَصَبَّحَهُمُ الْوَحْيُ بآيَةِ الْمَائِدَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ جُنُباً﴾ أي لا تَقْرَبُوا مواضعَ الصلاةِ وأنتم جُنُباً، ﴿إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾ ؛ إلاّ أن تكونُوا مُجْتَازيْنَ، وإذا لم يكن الماءُ إلاَّ في المسجدِ، تَيَمَّمَ الْجُنُبُ ودخلَ المسجدَ وأخذ الماء ثم خرجَ واغتسلَ. وقال الشافعيُّ :(يَجُوزُ لِلْجُنُب الْعُبُورُ فِي الْمَسْجِدِ بغَيْرِ تَيَمُّمٍ، وَلاَ تَجُوزُ لَهُ الإقَامَةُ فِيهِ). وَقِيْلَ : معنى الآيةِ : لا تُصَلُّوا وأنتم جُنُبٌ إلا أن تكونوا مسافرينَ لا تجدون الماءَ فتيمَّمون وتصلُّون، هكذا رويَ عن عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ ومجاهدُ والحاكم. وانتصبَ قوله (جُنُباً) على الحالِ ؛ أي لا تَقْرَبُوا الصلاةَ وأنتم جُنُبٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ؛ أي إذا كنتم مَرْضَى فَخِفْتُمْ الضررَ باستعمالِ الماء أو كنتم مسافرينَ، ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الْغَآئِطِ﴾ ؛ معناهُ : وجاءَ أحدُكم من الغائطِ : هو المكانُ المطمئِنُّ من الأرضِ ؛ يقال : تَغَوَّطَ الرجلُ إذا دَخَلَ المكانَ المطمئنَّ لقضاءِ الحاجةِ، ويجعلُ هذا اللفظ كنايةً عن ذلكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَآءَ﴾ ؛ قال عَلِيٌّ وابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :(مَعْنَاهُ : أوْ جَامَعْتُمْ النِّسَاءَ) وبه قال الحسنُ ومجاهد وقتادةُ. وقال ابنُ مسعودٍ وابن عمرَ والنخعيُّ والشعبيُّ :(أرَادَ بهِ اللَّمْسَ بالْيَدِ، وَكَانُوا لاَ يُبيْحُونَ لِلْجُنُب التَّيَمُّمَ).
واختلفَ العلماء في هذا، فقال الشافعيُّ :(إذا مَسَّ الرَّجُلُ بَدَنَ الْمَرأَةِ نُقِضَ وَضُوءُهُ سَوَاءٌ كَانَ بالْيَدِ أمْ بغَيْرِهَا مِنَ الأعْضَاءِ). وقال الأوزاعيُّ :(إنْ مَسَّهَا بالْيَدِ نُقِضَ ؛ وَإنْ كَانَ بغَيْرِ الْيَدِ لَمْ تُنْقَضْ).
النساء 4:44
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(هُمُ الْيَهُودُ ؛ كَانُواْ يَسْتَبْدِلُونَ الضَّلاَلَةَ بأَخْذِ الرِّشَا بكِتْمَانِ صِفَةِ النَّبيِّ ﷺ، يَأْخُذُونَ الرَّشْوَةَ عَلَى كِتْمَانِهِمْ بَعْدَمَا أُوتُوا الْعِلْمَ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ﴾ ؛ أي يريدون أن تَضِلُّوا أنتُمْ طريقَ الْهُدَى كما ضَلُّوا هُمْ بأنفسِهم.
النساء 4:45
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ ؛ أي هو أعلمُ بهم، يعلمُهم ما هم عليه، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً﴾ ؛ أي أنَّ عداوةَ اليهودِ لا تَضُرُّ المسلمين إذ ضَمِنَ لَهم النصرَ والولايةَ ؛ أي اكتفُوا بولايةِ الله ونصرتِه. وقرأ الحسنُ :(أنْ تَضَلُّوا السَّبيْلَ) بفتحِ الضَّاد ؛ أي عن السَّبيلِ، وَقِيْلَ : معناهُ :(وَاللهُ أعْلَمُ بأَعْدَائِكُمْ) أي أعلمُ بهم منكم فلا تَسْتَنْصِحُوهُمْ، ويجوزُ أن يكون أعْلَمُ بمعنى عَلِمَ.
النساء 4:46
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ ؛ إن شِئْتَ جعلتَهُ متَّصلاً بقولهِ﴿الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ﴾[آل عمران: ٢٣] ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ﴾، وإن شئتَ جعلتَها منقطعةً مستأنفة. قال ابنُ عبَّاس :(كَانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَيَسْأَلُونَهُ عَنِ الأَمْرِ فَيُخْبرُهُمْ، وَيُرَى أنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ بهِ فَإذا انْصَرَفُوا حَرَّفُواْ كَلاَمَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَيَقُولُونَ لَهُ : سَمِعْنَا قَوْلَكَ، وَيَقُولُونَ فِي أنْفُسِهِمْ : وَعَصَيْنَا أمْرَكَ). وقال بعضُهم (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا) راجعٌ إلى قولِهِ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾[النساء: ٤٥] على جهةِ التبيين للأعداءِ كما يقالُ : هذا الثوبُ من القُطْنِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا﴾ ؛ معناهُ : أنَّهم كانوا إذا كَلَّمُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ بشيءٍ قالوا : اسْمَعْ ؛ وقالوا في أنفُسِهم : لا أسْمعْتَ ولا سَمعتَ. وقيل : معناهُ : غَيْرُ مُجَابٍ لَهُ بشيءٍ مما يدعُو إليهِ، وكانوا يقولون : رَاعِنَا ؛ يوهِمُونَ أنَّهم يريدون بهذا القولِ : انْظُرْنَا حتَّى نُكَلِّمْكَ بما نريدُ، وكانوا يريدونَ بذلك السَّبَّ بالرُّعُونَةِ بلُغَتِهم. ويقالُ : كانوا يقولونَ هذه الكلمةَ على وجهِ التَّجَبُّرِ والتَّكَبُّرِ، كما يقولُ المتكبرُ لغيرهِ : افْهَمْ كَلاَمِي وَاسْمَعْ قَوْلِي، وكانوا يقولونَ : أرْعِنَا سَمْعَكَ وَتَأَمَّلْ كلامَنا ومثل هذا مِمَّا لا يخاطَبُ به الأنبياءُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، إنَّما يخاطبون بالإجْلاَلِ والإعْظَامِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ﴾ ؛ أي كانوا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهُمْ بالسَّب والتَّعييرِ والطَّعْنِ في الدِّين. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا﴾ ؛ معناهُ : لو قالوا سَمِعْنَا قولَكَ وأطَعْنَا أمرَكَ مكان قولِهم سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، وقالُوا : وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا نَسْمَعْ قَوْلَكَ وَنَفْهَمْ كلامَك مكان قولِهم : وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ، ﴿لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ ؛ وأصوبُ، ﴿وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ ؛ أي خذلَهم وأبعدَهم من رحمتهِ مجازاةً بكفرِهم. ﴿فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ؛ فلا يؤمنون إيْماناً إلاَّ قليلاً، وقِيْلَ : معناهُ : لا يؤمنونَ إلاَّ قليلاً منهُم وهم : عبدُالله بْنُ سلاَمٍ ومن تابَعَهُ.
النساء 4:47
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ﴾ ؛ أي يَا أيُّهَا الَّذِيْنَ أعْطُواْ عِلْمَ التَّوْراةِ، صدَّقوا بهذا القُرْآن الذي نَزَّلْنَا على مُحَمَّدٍ ﷺ مُوافِقاً لِمَا معكُم من التوراةِ، ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً﴾ ؛ أي مِن قَبْلِ أن نَمْحُوَ آثاراً لوجوهٍ منها : فَنَخْسِفُ بالعينِ والأنفِ وغيرَ ذلك من آثار الوجُوهِ فنحوِّلُها إلى الأَقْفِيَةِ فتمشونَ الْقَهْقَرَى.
روي : أنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَدِمَ عَبْدُاللهِ بنُ سَلاَمٍ مِنَ الشَّامِ ؛ فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَأتِيَ أهْلَهُ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ مَا كُنْتُ أرَى أنْ أصِلَ إلَيْكَ حَتَّى تُحَوِّلَ وَجْهِي فِي قِفَاءِ.
ويقال معنى :﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَآ﴾ ؛ نجعلُ وجوهَهم على هَيْأَةٍ أقْفَائِهِمْ، ومعنى :﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ ؛ أو نجعلهم قِرَدَةً كما مَسَخْنَا أصحابَ السبتِ، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ ؛ قضاؤُه كائِناً لا شكَّ فيهِ، فإن قيلَ : كَيْفَ قالَ اللهُ تعالى آمِنُوا ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً﴾ وَأَوْعَدَهُمْ بطمسِ الوُجوهِ إن لَم يؤمِنُوا، ثُمَّ لم يؤمِنوا، ولم يقع الطَّمْسُ ؟ قيلَ : يحتملُ أن يكون هذا وَعِيْداً لَهم على تركِ جَمِيعهم الإسلامَ، وقد آمَنَ منهم جماعةٌ بعدَ هذه الآية كعبدِالله بنِ سلام وعبدِالله بن ثعلبةَ وأسَيْدَ بن ثعلبة وأسَيْدَ بن عبيدٍ وغيرهم، ويحتملُ أن يكون المرادُ بالآية : الطَّمْسُ في الآخرةِ، وسيفعلُ اللهُ ذلك بهم.
النساء 4:48
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ ؛ قال الكلبيُّ :" نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِيْنَ ؛ فِي شَأْنِ وَحْشِيٍّ وَابْنِ حَرْبٍ وَأصْحَابهِ، وَكَانَ قَدْ جَعَلَ لِوَحْشِيٍّ إنْ قَتَلَ حَمْزَةَ أنْ يُعْتِقَهُ مَوْلاَهُ، فَلَمْ يُوَفِّ لَهُ بذلِكَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ نَدِمَ هُوَ وَأصْحَابُهُ عَلَى مَا فَعَلُواْ مِنْ قَتْلِ حَمْزَةَ ؛ فَكَتَبُواْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ : أنَّا قَدْ نَدِمْنَا عَلَى مَا صَنَعْنَا، وَأنَّهُ لَيْسَ يَمْنَعُنَا عَنِ الإسْلاَمِ إلاَّ أنَّا سَمِعْنَاكَ تَقُولُ إذْ كُنْتَ عِنْدَنَا بمَكَّةَ ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَاهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً﴾ وَقَدْ دَعَوْنَا مَعَ اللهِ إلَهاً آخَرَ وَقَتَلْنَا النَّفْسَ وَزَنَيْنَا، وَلَوْلاَ هَذِهِ الآيَةُ لاتَّبَعْنَاكَ، فَنَزَلَ ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ الآيةُ، فَبَعَثَ بهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى وَحْشِيٍّ وَأصْحَابهِ، فَلَمَّا قَرَأوهَا كَتَبُوا إلَيْهِ : إنَّ هَذا شَرْطٌ شَدِيدٌ نَخَافُ أنْ لاَ نَعْمَلَ عَمَلاً صَالِحاً فَلاَ نَكُونَ مِنْ أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ :﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ فَبَعَثَ بهَا إلَيْهِمْ فَقَالُواْ : نَخَافُ أنْ لاَ نَكُونَ مِنْ أهْلِ الْمَشِيْئَةِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ ياعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ فَبَعَثَ بهَا إلَيْهِمْ فَوَجَدُوهَا أوْسَعَ مِمَّا كَانَ قَبْلَهَا، فَدَخَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِي الإسْلاَمِ وَرَجَعُواْ إلَى رَسُولِِ اللهِ ﷺ فَقَبلَ مِنْهُمْ ثُمَّ قالَ ﷺ لِوَحْشِي :" أخْبرْنِي كَيْفَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ ؟ " فَلَمَّا أخْبَرَهُ، قَالَ لَهُ :" وَيْحَكَ! غَيِّبْ وَجْهَكَ عَنِّي " فَلَحِقَ وَحْشِيُّ بالشَّامِ فَكَانَ فِيْهَا إلَى أنْ مَاتَ. قَالُواْ : مَاتَ وَفِي بَطْنِهِ الْخَمْرُ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ ؛ أي ومَن يُشْرِكْ باللهِ سِوَاهُ فقدِ اختلَقَ على اللهِ ذنباً عظيماً غيرَ مغفورٍ له.
النساء 4:49
قولهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :" نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي بَحْرَى بْنِ عَمْرٍو وَمَرْحَبَ بْنِ زَيْدٍ ؛ أتَيَا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَمَعَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ بأطْفَالِهِمْ ؛ فَقَالُواْ : يَا مُحَمَّدُ ؛ هَلْ عَلَى أوْلاَدِنَا هَؤُلاَءِ مِنْ ذنْبٍ ؟ قَالَ :" لاَ " فَقَالُوا : وَالَّذِي نَحْلِفُ بهِ ؛ مَا نَحْنُ إلاَّ كَهَيْئَتِهِمْ مَا مِنْ ذنْبٍ نَعْمَلُهُ بالنَّهَارِ إلاَّ كُفِّرَ عَنَّا باللَّيْلِ، وَمَا مِنْ ذنْبٍ نعمله باللَّيْلِ إلاَّ كُفِّرَ عَنَّا بالنَّهَار. فَهَؤُلاَءِ الَّذِيْنَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ، بَرَّؤُهَا مِنَ الذُّنُوب، وَزَعَمُواْ أنَّهُمْ أزْكِيَاءُ " يقولُ الله تعالى :﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ﴾ أي يُطَهِّرُ من الذنوب مَن يشاءُ مَن كان أهْلاً لذلكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ ؛ أي لا يُنْقَصُونَ من جزاءِ ما يستحقُّونه قدرَ الْفَتِيْلِ وهو مَا تفتلُهُ بينَ إصبعَيْكَ من الوَسَخِ إذا مَسَحْتَ إحداهُما بالأخرى، وَقِيْلَ : الْفَتِيْلُ : ما في بَطْنِ النَّوَاةِ في شقِّها من لِحَائِهَا.
النساء 4:50
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ ؛ أي انْظُرْ يا مُحَمَّدُ كيفَ يَخْتَلِقُ اليهودُ الكذبَ على اللهِ، ﴿وَكَفَى بِهِ﴾ ؛ بما يفعلونه، ﴿إِثْماً مُّبِيناً﴾، ذنباً بَيِّناً.
النساء 4:51
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ؛ قرأ السلمي :(ألَمْ تَرْ) ساكنةَ الراء في كلِّ القرآن كما قالَ الشاعرُ : مَن يَهْدِهِ اللهُ يَهْتَدِ لاَ مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ أضَلَّ فَمَا يَهْدِيهِ مِنْ هَادِيقال ابنُ عبَّاس :(رَكِبَ كَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ فِي تِسْعِيْنَ رَاكِباً مِنَ الْيَهُودِ ؛ فِيْهِمْ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وَجَدْيُ بْنُ أخْطَبَ وَمَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ وغَيْرُهُمْ إلَى أهْلِ مَكَّةَ لِيُحَالِفُوهُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَيَنْقُضُوا الْعَهْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ قَبْلَ أجَلِهِ، فَقَالَ أبُو سُفْيَانَ : يَا مَعْشَرَ أهْلِ الْكِتَاب ؛ أنْشِدُكُمْ باللهِ أيُّهُمْ أقْرَبُ لِلْهُدَى ؛ نَحْنُ أمْ مُحَمَّدٌ وَأصحَابُهُ، فَإنَّا نُعَمِّرُ مَسْجِدَ اللهِ، ونَسْقِي الْحَجِيْجَ، وَنَحْجُبُ الْكَعْبَةَ، وَنَصِلُ الرَّحِمَ، وَمُحَمَّدٌ قَطَعَ أرْحَامَنَا وَاتَّبَعَهُ شِرَارُ الْحَجِيْجِ بَنُو غِفَارٍ، فَنْحْنُ أهْدَى أمْ هُمْ ؟ فَقًالَتِ الْيَهُودُ : أنْتُمْ أهْدَى مِنْهُمْ. فَأَنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ).
ومعناه : ألم يَنْتَهِ علمُكَ يا مُحَمَّدُ إلى﴿الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ﴾[آل عمران: ٢٣] أي علماً بالتَّوراةِ وما فيها من نَعْتِ مُحَمَّدٍ وصفتِه يصدِّقون بالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ. قال ابنُ عبَّاس :(الْجِبْتُ : حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، وَالطَّاغُوتُ كَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ). وقيل الجِبْتُ : الكَهَنَةُ، والطَّاغُوتُ : الشَّيَاطِيْنُ. وَقِيْلَ : الْجِبْتُ والطاغُوتُ : صَنَمَانِ كان المشركونَ يعبدونَهما من دون اللهِ. وقيل الْجِبْتُ : الصنمُ، والطَّاغُوتُ : مترجمة الصنمِ على لسانه.
وقال أهلُ اللغة : كُلُّ مَعْبُودٍ سِوَى اللهِ تَعَالَى مِنْ حَجَرٍ أو مَدَر أو صُورَةٍ فهو جِبْتٌ وَطَاغُوتٌ، دليلهُ قال تعالى :﴿أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطَّاغُوتَ﴾[النحل: ٣٦] وقولهُ تعالى :﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُواْ الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا﴾[الزمر: ١٧]. وقال مجاهدُ :(الْجِبْتُ : السِّحْرُ، وَالطَّاغُوتُ : الشَّيْطَانُ). يدلُ عليه قولهُ :﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾[البقرة: ٢٥٧]﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾[النساء: ٧٦].
وقال بعضُ المفسِّرين : لَمَّا خَرَجَ كَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ هُوَ وَمنْ مَعَهُ إلَى مَكَّةَ بَعْدَ وَقْعَةِ أحُدٍ لِيُحَالِفُوا قُرَيْشاً عَلَى عَدَاوَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ نَزَلَ كَعْبُ عَلَى أبي سُفْيَانَ فَأَحْسَنَ مَثْوَاهُ، وَنَزَلَ الْيَهُودُ فِي دُور قُرَيْشٍ، فَقَالَ أهْلُ مَكَّةَ : إنَّكُمْ أهْلُ كِتَابٍ وَمُحَمَّدٌ صَاحِبُ كِتَابٍ، وَلاَ نَأْمَنُ أنْ يَكُونَ هَذا مَكْرٌ مِنْكُمْ، فَإنْ أرَدْتَ يَا كَعْبُ أنْ نَخْرُجَ مَعَكَ فَاسْجُدْ لِهَذَيْنِ الصَّنَمَيْنِ وآمِنْ بهِمَا ؛ فَفَعَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾[النساء: ٥١].
قَالَ كَعْبُ لأَهْلِ مَكَّةَ : يَجِيْءُ مِنْكُمْ ثَلاَثُونَ ؛ وَمِنَّا ثَلاَثُونَ ؛ فَنَلْزِقُ أكْبَادَنَا بالْكَعْبَةِ فَنُعَاهِدُ رَبَّ الْبَيْتِ لَنُجْهِدَنَّ عَلَى قِتَالِ مُحَمَّدٍ، فَفَعَلُواْ ذلِكَ، ثُمَّ قَالَ أبُو سُفْيَانَ : يَا كَعْبُ ؛ إنَّكَ امْرُؤٌ تَقَرَأ الْكِتَابَ وَنَحْنُ أمِّيُّونَ لاً نَعْلَمُ، فَمَنْ أهْدَى سَبيلاً، وَأقْرَبُ إلَى الْحَقِّ نَحْنُ أمْ مُحَمَّدٌ، فَقَالَ كَعْبٌ : وَاللهِ أنْتُمْ أهْدَى سَبيْلاً مِنَ الََّذِي عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ﴾[آل عمران: ٢٣]. يَعْنِي كَعْباً وأصحابَهُ يؤمنونَ بالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ يعني الصَّنمين، ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ؛ أي لأبي سُفيانَ وأصحابَه :﴿هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً﴾.
النساء 4:52
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ﴾ ؛ أي أبْعَدَهُمْ من رحمتهِ، ومن يُبْعِدْهُ اللهُ من رحمتهِ، ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾.
النساء 4:53
قال تعالى :﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً﴾ ؛ أي ألَهم نصيبٌ، والميمُ زائدةٌ، وهذا على وجه الإنكارِ ؛ أي ليس لَهم من الْمُلْكِ شيءٌ، ﴿فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً﴾ يعني مُحَمَّداً وأصحابَه لا يعطونَهم شيءٌ من حَسَدِهِمْ وبُخْلِهِمْ وَبُغْضِهِمْ، ورُفعَ قوله :(يُؤْتُونَ) لاعتراضِ (لا) بينهُ وبين (إذاً). وفي قراءةِ عبدِاللهِ :(فَإذاً لاَ يُؤْتُوا) بالنصب، ولم يعمل بـ (لا). وقال بعضُهم : معناهُ : أنَّ اليهودَ لو كان لَهم نصيبٌ مِن الْمُلْكِ ما أعطوا الناسَ مقدارَ النَّقِيْرِ ؛ وهو النقطةُ التي تكون في ظَهْرِ النَّواةِ.
النساء 4:54
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ ؛ أي بَلْ يحسدون مُحَمَّداً ﷺ على ما أعطاهُ الله تعالى من النبوَّة. وَقِيْلَ : على ما أحَلَّ اللهُ له من النساءِ، وقالوا : لو كان نَبيّاً لشغلتْهُ النبوَّةُ عن النساءِ. وقال قتادةُ :(أرَادَ بالنَّاسِ الْعَرَبَ، حَسَدُوهُمْ عَلَى النُّبُوَّةِ أكْرَمَهُمْ اللهُ بهَا بمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم)، وقال عَلِيٌّ رضي الله عنه :(أرَادَ بالنَّاسِ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأبي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ؛ أي لَمَّا قالتِ اليهودُ : لو كان مُحَمَّدٌ نَبيّاً ما رَغِبَ في كثرةِ النِّساءِ ؛ حسدوهُ على كَثْرَةِ نسائهِ وعابُوهُ بذلك فأكذبَهم اللهُ بقوله ﴿قَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أرادَ بالحكمةِ النبوَّة، ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :" هُوَ مُلْكُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، وَكَانَ لِسُلَيْمَانَ سَبْعُمَائَةِ مَهْرِيَّةٍ - أيْ مَمْهُورَةٍ - وَثَلاَثُمِائَةِ سَرِيَّةٍ ولداؤد مِائَةُ امْرَأةٍ، فَأَقَرَّتِ الْيَهُودُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بذلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ :" ألْفُ امْرَأةٍ عِنْدَ رَجُلٍ وَمِائَةُ امْرَأةٍ عِنْدَ رَجُلٍ أكْثَرُ أمْ تِسْعُ نِسْوَةٍ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ " فَسَكَتُواْ ".
النساء 4:55
قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ﴾ ؛ معناهُ : مِنَ اليهودِ مَن آمَنَ بمُحَمَّدٍ ﷺ : عبدُاللهِ بنُ سَلاَمٍ وأصحابُه ؛ ومنهم من أعرضَ عن الإيْمانِ به. وَقِيْلَ : معناهُ : مِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بهذا الْخَبَرِ عن داودَ وسليمانَ، ومنهم من كَذبَ به، ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً﴾ ؛ أي وَقُوداً لِمَنْ كفرَ بهِ ؛ أي إنْ صَرَفَ اللهِ عن اليهودِ بعضَ العذاب في الدُّنيا مثل الطَّمْسِ وغيرِه، فقد أبدَلَهم عذابَ جهنَّمَ في الآخرةِ.
النساء 4:56
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً﴾ ؛ أي إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بمُحَمَّدٍ وَالْقُرْآنِ سَوفَ نُدْخِلُهُمْ نَاراً. وقرأ حُميد بن قيسٍ :(نَصْلِيهِمْ) بفتحِ النون ؛ أي نَشْوِيْهِمْ مِن قولِهم : شاةٌ مَصْلِيَّةٌ ؛ أي مَشْوِيَّةٌ، ونُصبتِ النارُ بنَزعِ الخافض على هذه القراءةِ ؛ تقديرهُ : بنَار.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ ؛ أي كُلَّمَا أحْرِقَتْ جلودُهم جَدَّدْنَا لَهم جلوداً غيرَها بيضاءَ كالقراطيسِ، وذلك أنَّهم كلَّما احْتََرَقُوا حَسَّت عليهم النارُ ساعةً ثم تَزَايَدَتْ سعيراً وَبَدَأوا خَلْقاً جديداً فيهم الرُّوحُ ثم عادَتْ النَّارُ تُحْرِقُهُمْ ؛ فهذا دَأبُهُمْ أبداً. قال الحسنُ :(تَنْضَجُ جُلُودُهُمْ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِيْنَ ألْفَ مَرَّةٍ، كُلَّمَا أكَلَتْهُمُ النَّارُ وَأنْضَجَتْهُمْ ؛ قِيْلَ لَهُمْ : عُودُوا ؛ فَيَعُودُونَ كَمَا كَانُوا). وعن مجاهدٍ قَالَ :(مَا بَيْنَ جِلْدِهِ وَلَحْمِهِ دُودٌ لَهَا حَلْبَةٌ كَحَلْبَةِ حُمُرِ الوَحْشِ). وعن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ قالَ :" غِلَظُ جِلْدِ الْكَافِرِ اثْنَانِ وَأرْبَعُونَ ذِرَاعاً، وَضِرْسُهُ مِثْلُ أحُدٍ "
قيل : كيفَ جاز أن يعذِّبَ اللهُ جِلْداً لَم يَعْصِهِ ؟ قيل : إنَّ العاصِي والمتألِّمُ واحدٌ وهو الإنسانُ لا الجلدُ ؛ لأن الجلودَ إنَّما تَأْلَمُ بالأرواحِ، والدليلُ على أنَّ القصدَ تعذيبُ الإنسانِ لا تعذيبُ الجلودِ قولهُ تعالى :﴿لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ ؛ ولَم يقل ليذوقَ العذابَ، وَقِيْلَ : معناهُ : تبدل جلودٌ هي تلك الجلودُ المتحرقة، وذلك أنَّ (غيرَ) على ضربين : بتضَادٍّ و (غير) بلا تضادٍّ، فالتضادُّ مثلُ قولِكَ : الليلُ غيرُ النَّهار، والذكرُ غير الأنثى، والثاني مثل قولِكَ لصائغٍ : صُغْ لي من هذا الخاتمِ خاتماً غيرَهُ، فيكسره ويصوغُ لكَ خاتماً، والخاتَمُ المصوغُ هو الأوَّلُ، إلاّ أن الصياغةَ قد تغيَّرت، والقصةُ واحدةٌ.
وقالت الحكماءُ : كما أنَّ الجلد بَلِيَ قبلَ البعثِ كذلك يبدلُ بعد النُّضج. وقال السُّدِّيُّ :(يُبْدَلُ مِنْ لَحْمِ الْكَافِرِ يُعَادُ الْجِلْدُ لَحْماً وَيَخْرُجُ مِنَ اللَّحْمِ جِلْدٌ آخَرُ ؛ لأنَّهُ جِلْدٌ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيْئَةً). قَوُلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ ؛ أي غالباً في أمرهِ، لا يَمْلِكُ أحدٌ مَنْعَهُ من إنزالِ وعدِّهِ، ذو حِكْمَةٍ فيما حَكَمَ من النار للكفَّار.
النساء 4:57
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ؛ أي بساتينَ تجري من تحتِ شجرها وغُرَفها الأنْهارُ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ ؛ في الْخَلْقِ، ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً﴾ ؛ أي ظِلاًّ دائماً وهو ظِلُّ الأشجار والقصور ؛ ظلٌّ لا حرَّ معه ولا بَرْدَ، وليس كلُّ ظلٍّ يكون ظَلِيلاً. وقِيْلَ : الظَّلِيْلُ الكثيفُ الذي لا تَنْسَخُهُ الشَّمسُ.
النساء 4:58
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ؛ وذلك : أنَّ النبيَّ ﷺ لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ أتَى الْبَيْتَ لِيَدْخُلَهُ ؛ فَسَأَلَ عَنِ الْمِفْتَاحِ ؛ فَقِيلَ : هُوَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الدَّار وَكَانَ سَادِنَ الْكَعْبَةِ، فأَرْسَلَ إلَيْهِ ؛ فَقَالَ لَهُ :[هَاتِ الْمِفْتَاحَ] فَأَبَى، فََلَوَى عَلِيٌّ رضي الله عنه يَدَهُ وَأََخَذهُ مِنْهُ وَفَتَحَ الْبَابَ وَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْبَيْتَ، وَصَلَّى فِيْهِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ لَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ : بأَبي أنْتَ وَأمِّي يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إجْعَلْ لِيَ السِّدَانَةَ مَعَ السِّقَايَةِ - يَعْنِي اجْعَلْ لِي مِفْتَاحَ الْبَيْتِ - فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿نَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيّاً رضي الله عنه أنْ يَرُدَّ الْمِفْتَاحَ إلَى عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ ؛ فَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَالَ عُثْمَانُ : أنَا أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ ؛ وَأسْلَمَ، فَقَالَ جِبْرِيْلُ لِلنَّبيِّ ﷺ : مَا دَامَ هذا الْبَيْتُ أرَى اللَّبنَةَ مِنْ لَبنَاتِهِ قَائِمَةً ؛ فَإنَّ الْمِفْتَاحَ فِي أوْلاَدِ عُثْمَانَ بْنِ أبي طَلْحَةَ.
روي :" أنَّهُ لَمَّا طَلَبَ الْمِفْتَاحَ مِنْ عُثْمَانَ أبَى : فَقَالَ ﷺ :" يَا عُثْمَانُ ؛ إنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَهَاتِ الْمِفْتَاحَ " فَقَالَ : هَاكَ أنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ ؛ خُذْهُ بأمَانَةِ اللهِ. فَأَخَذ النَّبيُّ ﷺ الْمِفْتَاحَ فَفَتَحَ الْبَابَ وَمكَثَ فِي الْبَيْتِ مَا شَاءَ اللهُ، فَلَمَّا خَرَجَ نَزَلَ جِبْرِيْلُ بهَذِهِ الآيَةِ " ويدخلُ في هذا جملةُ الأمانةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ ؛ خطابٌ لِلأَئِمَّةِ ؛ أي ويَأْمُرُكُمُ اللهُ أن تحكمُوا بين الناس بالحقِّ، ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ ؛ أي نِعْمَ الذي يَأَمُرُكُمْ به من أداءِ الأمَانَةِ والحكمَ بالحقِّ، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً﴾ ؛ لِمَقَالَةِ الْعَبَّاسِ ؛ ﴿بَصِيراً﴾ ؛ بأمَانَةِ عُثمَانَ.
النساء 4:59
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ؛ أي أطيعُوا اللهَ تعالى فيما أمَرَ ؛ وأطيعُوا الرسُولَ فيما بَيَّنَ. وَقِيْلَ : أطيعُوا اللهَ في الفرائضِ، وأطيعُوا الرسولَ في السُّنَنِ.
وقولهُ تعالى :﴿وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال عكرمةُ :(هُوَ أبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) لِقَوْلِهِ ﷺ :" اقْتَدُوا مِنْ بَعْدِي بأبي بَكْرٍ وَعُمَرَ "، " وَإنَّ لِي وَزَيْرَيْنِ فِي الأَرْضِ ؛ وَوَزيْرَيْنِ فِي السَّمَاءِ، فَبالسَّمَاءِ جِبْرِيْلُ وَمِيْكَائِيْلُ، وَبالأَرْضِ أبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ "، " عِنْدِي بمَنْزِلَةِ الرَّأسِ مِنَ الْجَسَدِ " وقال الورَّاق :(هُمْ أبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٌّ لقولهِ ﷺ :" الْخِلاَفَةُ بَعْدِي فِي أرْبَعَةٍ مِنْ أُمَّتِي : أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيَّ " وقال عطاءُ :(هُمْ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَالتَّابعُونَ بإحْسَانٍ لقولهِ تعالى :﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾[التوبة: ١٠٠] الآية. وَقِيْلَ : هم أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ كما قالَ :" أصْحَابي كَالنُّجُومِ ؛ بَأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ "
وقال جابرُ بن عبدِالله والحسنُ والضحَّاك ومجاهدُ :(هُمُ الْفُقَهَاءُ وَالْعُلَمَاءُ أهْلُ الدِّيْنِ وَالْفَضْلِ) الَّذِيْنَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ مَعَالِمَ دِيْنِهِمْ ؛ وَيَأَمُرُونَهُمْ بالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَأَوْجَبَ اللهُ عَلَى الْعِبَادِ طَاعَتَهُمْ. قال ابنُ الأسودِ :(لَيْسَ شَيْءٌ أَعَزُّ مِنَ العِلْمِ، فَالْمُلُوكُ حُكَّامٌ عَلَى النَّاسِ، وَالْعُلَمَاءُ حُكَّامٌ عَلَى الْمُلُوكِ). وقال أبو هريرةُ :(هُمْ وُلاَّةُ الْمُسْلِمِيْنَ). وقال الكلبيُّ ومقاتلُ :(هُمْ أمَرَاءُ السَّرَايَا، كَانَ ﷺ إذا بَعَثَ سَرِيَّةً أمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلاً، وَأَمَرَهُمْ أنْ يُطِيْعُوهُ وَلاَ يُخَالِفُوهُ).
والأظهرُ مِن هذه الأقاويلِ : أن المرادَ بهم العلماءُ لقولهِ تعالى :﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ؛ أي فإنِ اخْتَلَفْتُمْ في شيءٍ من الحلالِ والحرام والشرائعِ والأحكام، فردُّوه إلى أدلَّةِ الله وأدلَّة رسولهِ، وهذا الردُّ لا يكون إلاّ بالاستدلالِ والاستخراج بالقياسِ ؛ لأن الموجودَ في نصِّ الكتاب اذا عُلِمَ وَعُمِلَ به لا يوصفُ بأنه رَدٌّ إلى الكتاب، وإنَّما يقالُ : هو اتِّبَاعٌ للنَّصِّ، وغيرُ العلماءِ لا يعلمونَ كيفيَّةَ الردِّ إلى الكتاب والسُّنة ولا دلائلِ الأحكامِ، والجواب قولهُ تعالى :﴿إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ؛ دليلٌ على أن الإيْمَانَ اتِّبَاعُ الكتاب والسُّنة والإجماعِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ؛ أي رَدُّ الخلافِ إلى اللهِ والرسول خيرٌ من الإصرار على الاختلافِ وأحسنُ عاقبةً لكم، ويقالُ : أحسنُ تأويلاً من تأويلِكم الذي تُؤَوِّلُونَهُ من غيرِ رَدِّ ذلكَ إلى الكتاب والسُّنة. وعن عمرَ رضي الله عنه أنه قالَ :(الرُّجُوعُ إلَى الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ).
النساء 4:60
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ ؛ الآيةُ. قال الكلبيُّ :(نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِيْنَ يُقَالُ لَهُ بشْرٌ، كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَهُودِيٍّ خُصُومَةٌ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ : انْطَلِقْ نَتَحَاكَمُ إلَى مُحَمَّدٍ - لأَنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ لاَ يَقْبَلُ الرِّشْوَةَ وَلاَ يَجُورُ فِي الْحُكْمِ -. وَقَالَ الْمُنَافِقُ : نَنْطَلِقُ إلَى كَعْب بْنِ الأَشْرَفِ - وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ اللهُ الطَّاغُوتَ - فَأَبَى الْيَهُودِيُّ أنْ يُخَاصِمَهُ إلاَّ إلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَمَضَى مَعَهُ الْمُنَافِقُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَضَى لِلْيَهُودِيِّ، فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ لَزِمَهُ الْمُنَافِقُ وَقَالَ : انْطََلِقْ بنَا إلَى عُمَرَ ضي الله عنه فَقَالَ الْيَهُودِيُّ : يَا عُمَرُ ؛ اخْتَصَمْتُ أنَا وَهَذا إلَى مُحَمَّدٍ فَقَضَى لِي عَلَيْهِ فَلَمْ يَرْضَ بقَضَائِهِ، وَزَعَمَ أنَّهُ يُخَاصِمُنِي إلَيْكَ، فَقَالَ عُمَرُ لِلْمُنَافِقِ : أكَذلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ، قَالَ : رُوَيْدَكُمَا حَتَّى أخْرُجَ إلَيْكُمَا، فَدَخَلَ عُمَرُ وَأخَذ السَّيْفَ وَاشْتَمَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِمَا ؛ فَضَرَبَ بهِ الْمُنَافِقَ حَتَّى مَاتَ ؛ وَقَالَ : هَكَذا قَضَائِي فِيْمَنْ لَمْ يَرْضَ بقَضَاءِ اللهِ وَقَضَاءِ رَسُولِهِ، وَهَرَبَ الْيَهُودِيُّ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وَقَالَ جِبْرِيْلُ : إنَّ عُمَرَ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْْبَاطِلِ فَسُمِّيَ الْفَارُوقَ).
ومعنى الآية : ألَم ترَ يَا مُحَمَّدُ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بالْقُرْآنِ وبالكُتُب التي أُنْزِلَتْ من قبلِكم وهم المنافقونَ، ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ ؛ وهو كعبُ بنُ الأشرفِ، ﴿وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾ ؛ بالطَّاغُوتِ، ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ ؛ عَنِ الحقِّ.
النساء 4:61
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(اخْتَصَمَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ إلَى النَّبيِّ ﷺ فِي أمْرٍ بَيْنَهُمَا ؛ فَقَضَى لِلزُّبَيْرِ ؛ فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ ؛ فَمَرَّا عَلَى الْمِقْدَادِ فَقَالَ : لِمَنْ كَانَ الْقَضَاءُ يَا ثَعْلَبَةَ ؟ فَقَالَ : قَضَى لابْنِ عَمَّتِهِ ؛ وَلَوَى شِدْقَهُ، فَفَطِنَ يَهُودِيٌّ كَانَ مَعَ الْمِقْدَادِ فَقَالَ : قَاتَلَ اللهُ هَؤُلاَءِ ؛ يَشْهَدُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللهِ ثُمَّ يَتَّهِمُونَهُ فِي قَضَاءٍ بَيْنَهُمْ، وَأيْمِ اللهِ لَقَدْ أذْنَبْنَا فِي حَيَاةِ مُوسَى عليه السلام فَقَالَ لَنَا : اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ؛ فَقَتَلْنَا فَبَلَغَ قِتَالُنَا سَبْعِيْنَ ألْفاً فِي طَاعَةِ اللهِ حَتَّى رَضِيَ عَنَّا. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي شَأْنِ ثَعْلَبَة وَلَيِّهِ شِدْقَهُ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ أي هَلُمُّوا إلى التَّحَاكُمِ إلى أوامرِ الله في كتابه وإلى الرسُولِ ﷺ لِيَحْكُمَ بينَكم رأيتَ المنافقينَ يُعْرِضُونَ عن حُكْمِكَ إعْرَاضاً.
النساء 4:62
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ ؛ أي كيفَ يكونُ حالُهم من نَدَمٍ وجُرأةٍ إذا أصابتهم مصيبةٌ بقتلِ عُمَرَ لصاحبهم وظهور نفاقهم بما فعلوهُ من ردِّ حُكْمِ النبيِّ ﷺ وَلَيِّ الشِّدْقِ، ﴿ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ ؛ مُعْتَذِريْنَ، ﴿إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً﴾ ؛ تَسْهِيْلاً كيلا تَشْغَلَكَ خصومتُنا، ﴿وَتَوْفِيقاً﴾ ؛ بين الخصومِ بالإلتماسِ ما يقاربُ التوسط دون الحملِ على الإعراض عن الحكمِ.
النساء 4:63
قال اللهُ تعالى :﴿أُولَـائِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ؛ عن عقوبتِهم في الدُّنيا، ويقال : أعْرِضْ عن قَبُولِ عُذْرهِمْ، ﴿وَعِظْهُمْ﴾ ؛ مع ذلك بلسانِكَ ﴿وَقُل لَّهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ وأعْلِمْهُمْ أنََّهم إنْ عادُوا فحقُّهم العقوبةُ والقتلُ، والقولُ البليغ أن يبلغَ صاحبه بعبارتهِ كُنْهَ ما في قلبهِ.
النساء 4:64
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ؛ أي لِيُطَاعَ ذلك الرسولُ بأمرِ الله، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ ؛ بمُطَالَبَةِ الحُكمِ إلى الطاغوتِ، ﴿جَآءُوكَ﴾ ؛ أيُّهَا الرسُولُ، ﴿فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ﴾ ؛ وتابوا إليه، ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ ؛ عند ذلكَ، ﴿لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّاباً﴾ ؛ قَابلاً للتوبةِ، ﴿رَّحِيماً﴾ ؛ بهم بعدَ التوبةِ.
النساء 4:65
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ؛ أي لا يكونوا مؤمنينَ عند اللهِ حتى يُحَكِّمُوكَ فيما وقعَ من الاختلاف بينَهم، ﴿ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ﴾ ؛ أي ثُمَّ لا تَضِيْقُ صدروُهم مِمَّا قضيتَ، وَقِيْلَ : لا يَجِدونَ شَكّاً في حُكمِكَ، ﴿وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ ؛ أي يُقَادُوا لحكمكَ انقياداً.
والْمُشَاجَرَةُ في المخاصمةِ مأخوذٌ من الشَّجَرِ ؛ تشبيهاً للخصومةِ في دخُول بعضِ الكلام في بعض الأشجار بالتِفَافِ بعضِها على بعضٍ.
النساء 4:66
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ ؛ (نزلت في ثابتِ بن قيسٍ لأنه قال : أمَا وَاللهِ إنَّ اللهَ يَعْلَمُ مِنِّي الصِّدْقَ أنَّ مُحَمَّداً ﷺ لَوْ أمَرَنِي بقَتْلِ نَفْسِي لَقَتَلْتُ نَفْسِي)، وكان ثابت من القليلِ الذين استثناهم الله في الآيةِ.
ومعنى الآيةِ : لو أنَّا فَرَضْنَا عليهم كما فَرَضْنَا على بني إسرائيلَ أن اقْتُلُوا أنفُسَكُمْ، أو أمرناهم أن يخرجُوا من ديارهم لَشَقَّ ذلكَ عليهمِ ولم يفعلْهُ إلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ. ورُفع الـ (قَلِيْلٌ) على البدلِ من الواو، ومعنى ما فَعَلَهُ إلاَّ قليلٌ منهم، وقرأ أبَيُّ ابن كعبٍ وابنُ عامر (إلاّّ قَلِيْلاً مِنْهُمْ) بالنصب على معنى استثنَى قليلاً منهُم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ ؛ أي لو فَعَلَ المنافقون ما يُؤْمَرُونَ به من الرِّضَى بحكمكَ، ﴿لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ ؛ من الْمُحَاكَمَةِ إلى غيرِكَ، ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ ؛ لقلوبهم على الصَّواب ؛ لأن الحقَّ يبقَى والباطلَ يذهبُ.
النساء 4:67
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذاً لأَتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً﴾ ؛ أي إذْ لو يفعلونَ ما يُؤمرون به لأعطيناهُم مِن عندنا ثواباً جَزِيلاً في الجنَّة، ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ ؛ أي إلى صِرَاطٍ مستقيمٍ، وَقِيْلَ : معناهُ : لَهَدْيَنْاَهمْ في الآخرةِ إلى طريقِ الجنَّةِ.
النساء 4:68
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذاً لأَتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً﴾ ؛ أي إذْ لو يفعلونَ ما يُؤمرون به لأعطيناهُم مِن عندنا ثواباً جَزِيلاً في الجنَّة، ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ ؛ أي إلى صِرَاطٍ مستقيمٍ، وَقِيْلَ : معناهُ : لَهَدْيَنْاَهمْ في الآخرةِ إلى طريقِ الجنَّةِ.
النساء 4:69
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـائِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ ؛ " نزلت في ثَوْبَانَ مَوْلَى النبيِّ ﷺ وَكَانَ شَدِيْدَ الْحُب لِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَلِيْلُ الصَّبْرِ عَنْهُ، فَأَتَاهُ ذاتَ يَوْمٍ وَقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَنَحَلَ جِسْمُهُ، فَقَالَ ﷺ :" مَا غَيَّرَ لَوْنُكَ ؟ " فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ مَا بي مَرَضٌ وَلاَ وَجَعٌ، غَيْرَ أنِّي لَمْ أرَكَ فَاشْتَقْتُ إلَيْكَ فَاسْتَوْحَشْتُ، فَهَذا الَّذِي نَزَلَ بي مِنْ أجْلِ ذلِكَ، ثُمَّ ذكَرْتُ الآخِرَةَ فَأخَافُ أنْ لاَ أرَاكَ هُنَاكَ فَإنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبيِّيْنَ، وَإنِّي إذا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ كُنْتُ فِي مَنْزِلَةٍ أدْنَى مِنْ مَنْزِلَتِكَ، وَإنْ لَمْ أدْخُلِ الْجَنَّةَ فَذاكَ حِيْنَ لاَ أرَاكَ أبَداً، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَقَالَ ﷺ :" وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ ؛ لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ وَابْنِهِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أجْمَعِيْنَ "
ومعنى الآية : ومَن يُطِعِ اللهَ في الفرائضِ والرسولَ في السُّننِ ؛ فأولئِكَ مع الذينَ أنْعَمَ اللهُ عليهم مِنَ النبيِّين والصدِّيقينَ، وهم أفاضلُ الصَّحابةِ، ﴿وَالشُّهَدَآءِ﴾ ؛ هم الذين اسْتُشْهِدُواْ في سبيلِ الله، ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ ؛ وهم الذينَ اسْتَقَامَتْ أحوالُهم بحُسْنِ عملِهم، وَالْمُصْلِحُ الْمُقَوِّمُ بحُسْنِ عَمَلِهِ. وقالَ عكرمةُ :(النَّبيُّونَ : هَا هُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ، وَالصِّدِّيْقُونَ : أبُو بَكْرٍ، وَالشُّهَدَاءُ : عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِِيٌّ، وَالصَّالِحُونَ : سَائِرُ الصَّحَابَةِ).
فإن قيلَ فكيفَ يكونُ المطيعون للهِ ورسولهِ مع النبيِّين ودرجتِهم في أعلى عِلِّيِّيْنَ ؟ قِيْلَ : إنَّ الأنبياءَ ولو كانوا في أعْلى عِلِّيِّيْنَ ؛ فإنَّ غيرَهم من المؤمنينَ يَرَوْنَهُمْ وَيَزُروُنَهُمْ ويستمتِعونَ برؤيتِهم، فيصلحُ اللفظ أنْ يقالَ إنَّهم معهُم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَحَسُنَ أُولَـائِكَ رَفِيقاً﴾ ؛ أي حَسُنَ الأنبياءُ ومَن معهُم رُفَقَاءَ في الجنَّةِ ؛ أي ما أحسنَ مُرَافَقَتَهُمْ فيها، فذكرَ الرفيقَ بلفظِ التوحيدِ ؛ لأنه نُصِبَ على التمييزِ، كما في قولهِ تعالى :﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً﴾[النساء: ٤] ويجوزُ أن يكونَ معناهُ : حَسُنَ كُلُّ واحدٍ من أوْلَئِكَ رَفِيْقاً، كما قالَ تعالى :﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾[غافر: ٦٧] ولم يقل أطْفَالاً.
النساء 4:70
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ ؛ أي ذلك الْمَنُّ من اللهِ على المطيعين، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً﴾ ؛ بهم وبأعمالِهم ومجازياً لهم بما يستحقُّونَه من ثوابٍ وكرامةٍ.
النساء 4:71
قولهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ ؛ أي أسلحتكم، ﴿فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ﴾ ؛ أي مِن عدوِّكم بالأسْلِحَةِ والرِّجالِ، ولا تَخْرُجُوا متفرِّقين، ولكن اخرجُوا ثُبَاتٍ، ﴿أَوِ انْفِرُواْ جَمِيعاً﴾ ؛ أي اخرجُوا جماعاتٍ جماعاتٍ ؛ سَرِيَّةً سَرِيَّةً كما يأمرُكم رسولُ اللهِ ﷺ في جهادِ عدوِّكم، واخرجوا كلُّكم جميعاً مع النبيِّ ﷺ إن أرادَ الخروجَ، والثُّباتَ : الجماعاتُ في تفرقةٍ واحدُها ثُبَةٌ ؛ أي انفرُوا جماعةً بعد جماعةٍ، ويجوزُ أن يكون معنَى : الْحِذْرُ : السِّلاَحُ.
واستدلَّ أهل القدر بهذه الآيةِ قالوا : إنَّ الحذرَ ينفعُ ويَمنعُ عنكم مُكَايَدَةَ العدوِّ، وإلاَّ لم يكن لأمرهِ تعالى آتاهم بالحذر، معناهُ : فيقالُ لَهم الائتمار بأمرِ الله والإنتهاء بنَهْيهِ واجبٌ عليهم ؛ لأنَّهم به يَسْلَمُونَ من معصيةِ الله تعالى ؛ لأن المعصيةَ تركُ الأوامرِ والنواهي. وليسَ في الآية دليلٌ على أن حَذرَهُمْ ينفعُ من القدر شيئاً، بل المرادُ منه طُمَأْنِيْنَةُ النفسِ لا أنَّ ذلك يدفعُ القدرَ.
النساء 4:72
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ﴾ ؛ أي مِمَّنْ أظهرَ الإيْمان ليتشاغَلَنَّ عن الجهادِ، ويثقِلَنَّ غيرَهُ وهو عبدُاللهِ بن أبَيٍّ وَجَدُّ بنُ قيسٍ، وأصحابُهما مِن المنافقينَ الذين كانوا يشاركون المسلمينَ في ظاهرِ الإسلامِ كانوا ينتظرونَ هلاكَ المسلمين وهزيْمَتَهم ويتثاقَلون عن الجهادِ، يقال : أبْطَأَ الرجُلُ اذا تأخَّرَ عنِ العمل بإطالةِ المدَّة.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً﴾ ؛ أي إنْ أصابتُكم نَكْبَةٌ أو هَزِيْمَةٌ أو قتلٌ، قال هذا الْمُبْطِئُ : قَدْ مَنَّ اللهُ عليَّ إذْ لَم أكُنْ مَعَهُمْ حَاضِراً في تلك الغزوةِ فيصيبُني مثلَ الذي أصابَهم.
النساء 4:73
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله﴾ ؛ أي وإن أصابَكم أيُّها المؤمنون ظَفَرٌ وغَنِيْمَةٌ، ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ ؛ هذا الْمُبْطِئُ نَادِماً، ﴿كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يالَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ﴾ ؛ في الغَزْو فأُصيبَ حظّاً وافراً وغنائمَ كثيرةً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ ؛ قال بعضُهم : هو معرضٌ بين اليمينِ وما قبلَهُ ؛ تقديرهُ : وَلَئِنْ أصَابَكُمْ فضلٌ من اللهِ ليقولَنَّ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُم، ﴿فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ ؛ كأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ؛ أي يتمنَّى أن ينالَ مِن غيرِ أن يريدَ الجهادَ والقتال، وقيلَ : هو متصلٌ بقولهِ ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً﴾ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ؛ أي صِلَةٌ في الدِّين ومعرفةٌ في الصُّحبةِ، كأنهُ لم يُعَاقِدْكُمْ قَبْلَ أن يجاهدَ معكم.
ثُمَّ أمرَ اللهُ تعالى كُلَّ مَنْ عَقَدَ الإيمانَ بالقتالِ ؛ فقال عَزَّ وجَلَّ :﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ﴾ ؛ أي لِيُقَاتِلْ في طاعةِ الله ورضَائِهِ الذين يَبْيعونَ الحياةَ الدُّنيا بالآخرةِ وهم المؤمنونَ. وَقِيْلَ : معناهُ : إنَّ الخطاب لِلْمُبْطِئِيْنَ ؛ ومعنى ﴿يَشْرُونَ﴾ : يَخْتَارُونَ الحياةَ الدُّنيا على الآخرةِ. وهذا اللفظُ من الأضدادِ، يقالُ : شَرَيْتُ بمَعْنَى بعْتُ، وَشَرَيْتُ بمَعْنَى اشْتَرَيْتُ، فيكون معنى الآيةِ على هذا : آمِنُوا ثُمَّ قاتِلوا، لإنة لا يجوزُ أن يكونَ الكافرُ مأموراً بشيءٍ يتقدَّم على الإيْمانِ.
ثم ذَكَرَ اللهُ تعالى فضلَ الْمُجَاهِدِيْنَ ؛ فَقَالَ :﴿وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ؛ أي في الجهادِ الذي هو طاعةُ اللهِ تعالى ؛ ﴿فَيُقْتَلْ﴾ ؛ هو ؛ ﴿أَو يَغْلِبْ﴾ ؛ العدوَّ ؛ ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ ؛ فسوفَ نُعْطِيْهِ في كِلاَ الوجهينِ ثواباً وافراً في الجنَّة، وسَمَّى اللهُ تعالى الثوابَ عظيماً ؛ لأنه نالَ ثمناً مِن العزيزِ بأغلَى الأثْمانِ، وقد يكون ثَمَنُ الشيءِ مثلَهُ، ويكون وَسَطاً من الأثْمانِ.
النساء 4:74
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله﴾ ؛ أي وإن أصابَكم أيُّها المؤمنون ظَفَرٌ وغَنِيْمَةٌ، ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ ؛ هذا الْمُبْطِئُ نَادِماً، ﴿كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يالَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ﴾ ؛ في الغَزْو فأُصيبَ حظّاً وافراً وغنائمَ كثيرةً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ ؛ قال بعضُهم : هو معرضٌ بين اليمينِ وما قبلَهُ ؛ تقديرهُ : وَلَئِنْ أصَابَكُمْ فضلٌ من اللهِ ليقولَنَّ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُم، ﴿فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ ؛ كأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ؛ أي يتمنَّى أن ينالَ مِن غيرِ أن يريدَ الجهادَ والقتال، وقيلَ : هو متصلٌ بقولهِ ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً﴾ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ؛ أي صِلَةٌ في الدِّين ومعرفةٌ في الصُّحبةِ، كأنهُ لم يُعَاقِدْكُمْ قَبْلَ أن يجاهدَ معكم.
ثُمَّ أمرَ اللهُ تعالى كُلَّ مَنْ عَقَدَ الإيمانَ بالقتالِ ؛ فقال عَزَّ وجَلَّ :﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ﴾ ؛ أي لِيُقَاتِلْ في طاعةِ الله ورضَائِهِ الذين يَبْيعونَ الحياةَ الدُّنيا بالآخرةِ وهم المؤمنونَ. وَقِيْلَ : معناهُ : إنَّ الخطاب لِلْمُبْطِئِيْنَ ؛ ومعنى ﴿يَشْرُونَ﴾ : يَخْتَارُونَ الحياةَ الدُّنيا على الآخرةِ. وهذا اللفظُ من الأضدادِ، يقالُ : شَرَيْتُ بمَعْنَى بعْتُ، وَشَرَيْتُ بمَعْنَى اشْتَرَيْتُ، فيكون معنى الآيةِ على هذا : آمِنُوا ثُمَّ قاتِلوا، لإنة لا يجوزُ أن يكونَ الكافرُ مأموراً بشيءٍ يتقدَّم على الإيْمانِ.
ثم ذَكَرَ اللهُ تعالى فضلَ الْمُجَاهِدِيْنَ ؛ فَقَالَ :﴿وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ؛ أي في الجهادِ الذي هو طاعةُ اللهِ تعالى ؛ ﴿فَيُقْتَلْ﴾ ؛ هو ؛ ﴿أَو يَغْلِبْ﴾ ؛ العدوَّ ؛ ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ ؛ فسوفَ نُعْطِيْهِ في كِلاَ الوجهينِ ثواباً وافراً في الجنَّة، وسَمَّى اللهُ تعالى الثوابَ عظيماً ؛ لأنه نالَ ثمناً مِن العزيزِ بأغلَى الأثْمانِ، وقد يكون ثَمَنُ الشيءِ مثلَهُ، ويكون وَسَطاً من الأثْمانِ.
النساء 4:75
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ؛ معناهُ : أيُّ شيءٍ لكم أيُّها المؤمنون في تَرْكِ الجهادِ مع اجتماعِ الأسباب الموجبَة للتحريضِ عليهِ، وقولهُ تعالى :﴿لاَ تُقَاتِلُونَ﴾ في موضعِ نصبٍ على الحال كأنهُ قال : وَمَا لََكُمْ تَاركِيْنَ الْجِهَادَ ؟ كما قالَ تعالى في آيةٍ أخرى﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾[المدثر: ٤٩].
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ ؛ في موضعِ خَفْضٍ بإضمار (في) ؛ معناهُ : وفِي بيان المستضعفينَ ؛ أي وفي نُصْرَةِ المستضعفينَ، ويجوزُ أن يكون معناهُ : وعَنِ الْمُسْتَضْعَفِيْنَ ؛ أي لِلذب عن المستضعفينَ، ﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ ؛ الذين هم بمَكَّةَ وَيَلْقَوْنَ فيها أذىً كثيراً وهم : سَلَمَةَُ بْنُ هِشَامٍ وَالْوَلِيْدُ بْنُ الْوَلِيْدِ وَعبَّاسُ بْنُ رَبيعَةَ وغيرَهم، كانوا أسْلَمُوا بمَكَّةَ فأراد عشائِرُهم من أهلِ مكَّة بعدَ هجرةِ النبيِّ ﷺ أن يفتنوهم عنِ الإسلامِ. يقولُ الله تعالى : مَا تُقَاتِلُونَ المشركينَ في خَلاَصِ هؤلاء الضُّعفاءِ ؛ ﴿الَّذِينَ﴾ ؛ يسألونَ اللهَ ؛ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـاذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ ؛ أي خَلِّصْنَا من هذه القَرْيَةِ ؛ يَعْنُونَ مَكَّةَ ؛ ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ ؛ أي الكفَّارُ أهلُها، ﴿وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾ ؛ أي مِن عندك حَافِظاً يحفظُنا من أذاهُم، ﴿وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ﴾ ؛ مِنْ عِنْدِكَ ؛ ﴿نَصِيراً﴾ ؛ أي مَانِعاً يَمْنَعُنَا منهم. فاستجابَ اللهُ دعاءَهم، وجعلَ لَهم النبيَّ ﷺ حافِظاً وناصِراً بفتحِ مكة على يديهِ، واستعملَ عليهم عَتَّابَ بنَ أُسَيْدِ، عتاب يُنْصِفُ الضعيفَ من الشديدِ.
النساء 4:76
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ؛ معناهُ : الذين آمَنُوا بمُحَمَّدٍ والْقُرْآنِ، يُقَاتِلُونَ في طاعةِ اللهِ بأمْرِ الله، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ؛ أبُو سُفْيَانَ وأصحابَهُ، ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ ؛ يقاتلون في طاعةِ الشيطان، ﴿فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ ؛ وضَعفهُ بالوسوسَةِ إلى أوليائهِ بأنَّ الظفرَ يكون لَهم كيدُ ضعيفٍ، وإنَّما أدخلَ على هذا اللَّفظِ (كانَ) لتبين أن صفةَ الضَّعْفِ لازمةٌ له، وأنهُ ﴿كَانَ ضَعِيفاً﴾ فَخَذلَ أولياءَه، كما خذلَهم يومَ بدر حيث قال لَهم : إنِّي بريءٌ منكُم إنِّي أرَى ما لاَ تَرَوْنَ.
النساء 4:77
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس وقتادةُ والحسن والكلبيُّ :" نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي قَوْمٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَهُمْ : عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَسَعْدُ بْنُ أبي وَقَّاصٍ وَطَلْحَةُ بْنُ عَبْدِاللهِ وَالْمِقْدَادُ وَغَيْرُهُمْ، كَانُوا يَلْقَوْنَ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ أذىً كَثِيْراً وَهُمْ بمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يُهَاجِرُواْ إلَى الْمَدِيْنَةِ ؛ فَشَكَواْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ وَقَالُواْ : يَا رَسُولَ اللهِ ءأذنْ لَنَا فِي قِتَالِ هَؤْلاَءِ فَإنَّهُمْ قَدْ آذُوْنَا، فَقَالَ ﷺ :" كُفُّواْ أيْدِيَكُمْ ؛ فَإنِّي لَمْ أؤْمَرْ بِقِتَالِهِمْ، وَأقِيْمُوا الصَّلاَةَ الْخَمْسَ، وَأدُّواْ زَكَاةَ أمْوَالِكُمْ " فَلَمَّا خَرَجُواْ إلَى الْمَدِيْنَةِ وَأَمَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى بقِتَالِ الْمُشْرِكِيْنَ، وَأمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بالْمَسِيْرِ إلَى بَدْر، كَرِهَ بَعْضُهُمْ وَشُقَّ ذلِكَ عَلَيْهِمْ ".
ومعنى الآية :﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ ؛ بالمدينةِ أي فُرِضَ ؛ ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ؛ وقيل معناهُ :﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ ؛ كقولهِ﴿مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾[الصافات: ١٤٧].
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ ؛ يعنِي مُشْرِكِي مكَّة لِمَ فَرَضْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ ؛ أي الجهادَ ؛ ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ ؛ أي هَلاَّ تَرَكْتَنَا حتى نَمُوتَ بآجالِنا. قال الحسنُ :(لَمْ يَقُولُوا هَذِهِ لِكَرَاهَةِ أمْرِ اللهِ، ولَكِنْ لِدُخُولِ الْخَوْفِ عَلَيْهِمْ بذلِكَ)، وقال بعضُهم : نزلَتْ في المنافقينَ، لأن قوله :﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ لا يَلِيْقُ بالمؤمنينَ، وكذلك الحسَنَةُ من غيرِ الله. وَقِيْلَ : نزلت في قَوْمٍ من المؤمنين لم يكونُوا راسخين في العِلْْمِ، قالوا هذا القولَ ؛ لأنَّهم رَكَنُوا إلى الدُّنيا وآثرُوا نعيمَها على القتالِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ ؛ أي قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ : منفعةُ الدُّنيا يسيرةٌ تنقطعُ وتقضى، والاستمتاعُ بها قليلٌ ؛ لأن الجديدَ منها إلى البلَى، والشابُّ منها إلى الهرمِ والإنقضاء.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى﴾ ؛ أي وثوابُ الآخرةِ أفضلُ لِمن اتَّقَى المعاصي، ﴿وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ ؛ أي ولا يُنْقَصُونَ من جَزَاءِ أعمالِهم الذي استحقُّوه مقدارَ الفتيلِ، وقد تقدَّم تفسيرُ الفتيلِ.
النساء 4:78
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ ؛ أي أيْنَمَا تَكُونُوا يَا مَعْشَرَ المؤمنينَ والمنافقينَ في بَرٍّ أو بَحْرٍ أو سَفَرٍ أو حَضَرٍ يَلْحَقْكُمُ الموتُ، وإنْ كُنْتُمْ فِي حُصُونٍ مُحَصَّنَةٍ مِن حديدٍ وغيرِه، مرتفعةٍ إلى عَنَانِ السَّماء، والمعنى : أنكم وإنْ سُومِحْتُمْ وأخذتُم بتركِ القتال، فإن آخِرَ أعماركم موتٌ لا تَنْجُونَ منه. وقال عكرمةُ :(مُشَيَّدَةٌ : مُحَصَّنَةٌ). وقال العينيُّ :(مُطَوَّلةٌ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـاذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ ؛ هذا حكايةُ قولِ المنافقين واليهودِ، كانوا يقولون : ما زلْنَا نعرفُ النَّقْصَ في ثِمارنا ومراعينا مُذْ قَدِمَ هذا الرجلُ علينا - يعنون النبيَّ ﷺ - بعدَ قُدُومِهِ المدينةَ، فذلك قوله :﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـاذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ أي إنْ يُصِبْهُمْ خِصَبٌ ورخصُ سِعْرٍ وتتابعُ أمطار يقولوا : هذهِ من فَضْلِ الله ؛ ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ ؛ قَحْطٌ وجُدُوبَةٌ وغلاءُ سِعْرٍ، ﴿يَقُولُواْ هَـاذِهِ مِنْ عِندِكَ﴾ ؛ هذه من شُؤْمِ مُحَمَّدٍ وأصحابهِ.
يقولُ الله تعالى :﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ ؛ أي قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ : الحسنةُ والسيِّئةُ كلُّها بقضاءِ الله وتقديرهِ، ﴿فَمَالِ هَـاؤُلاءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ ؛ اليهودُ والمنافقين لا يقربونَ من فَهْمِ حديثٍ عن الله. والْفِقْهُ : هو الْفَهْمُ، ثم اختصَّ من جهة العُرْفِ بعلم الْفَتْوَى. وقال الحسنُ :(أرادَ بالْحَسَنَةِ فِي هَذِهِ الآيَةِ : الظَّفَرَ وَالْغَنِيْمَةَ، وَبالسَّيِّئَةِ : الْقَتْلَ وَالْهَزِيْمَةَ) وَكَانُواْ إذا غَلَبُوا قَالُواْ : هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَإذا غَلَبَهُمْ الْعَدُوُّ قَالُواْ : هَذِهِ مِن خَطَأ رَأيكَ وتَدْبيرِكَ.
النساء 4:79
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ ؛ واختلفَ المفسِّرون في المخاطَب بهذه الآية، قال أكثرُهم : هُوَ النَّبيُّ ﷺ وَالْمُرَادُ لَهُ عَامَّةُ النَّاسِ. وقال قتادةُ :(الْمُخَاطَبُ بهَا الإنْسَانُ) كَأَنَّهُ قَالَ : مَا أصَابَكَ أيُّهَا الإنْسَانُ مِنْ حَسَنَةٍ ؛ أيْ مِنْ خِصْبٍ وَرُخْصِ سِعْرٍ وَفَتْحٍ وَغَنِيْمَةٍ فَاللهُ تَعَالَى هَدَاكَ لَهُ وَأَعانَكَ عَلَيْهِ وَوَفَّقَكَ لَهُ، وَمَا أصَابَكَ مِنْ قَحْطٍ وَجُدْبَةٍ وَهَزِيْمَةٍ وَنَكْبَةٍ وَكُلَّ أمْرٍ تَكْرَهُهُ ؛ فَإنَّمَا أصَابَكَ ذلِكَ بمَا كَسَبَتْ يَدَاكَ بقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى﴿وَمَآ أَصَـابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾[الشورى: ٣٠]. وعن رسولِ اللهِ ﷺ أنهُ قال :" مَا مِنْ خَدْشَةٍ عُودٍ وَلاَ اخْتِلاَجِ عِرْقٍ وَلاَ عَثْرَةِ قَدَمٍ إلاَّ بذنْبٍ، وَمَا يَعْفُو اللهُ أكْثَرُ "
وقال بعضُ المفسِّرين : بين هذه الآيةِ وبينَ التي قبلَها إضمارٌ تقديرُه : فَمَا لِهَؤُلاَءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيْثاً يَقُولُونَ مَا أصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ، وَمَا أصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ؛ لأنَّهُ مستحيلٌ أن يأمرَ اللهُ تعالى بإضافةِ الحسنَةِ والسيِّئة إلى أمرهِ وقضائه في آيةٍ ثم يَتْلُوهَا بآيةٍ تُفَرِّقُ بينهُما بعدَ أن ذمَّ قوماً على التفرقةِ في الأُولى، فكيف يجوزُ أن يَذِمَّ على الجمعِ في الآية الثانيةِ، ومثلُ هذا الإضمارِ كثيرٌ في القرآنِ.
وقرئَ في الشواذِ بنصب الميم (فَمَنْ نَفْسِكَ) أي كلٌّ مِنَ اللهِ، فمَن أنتَ ونفسَكَ حتى يُضَافَ إليكَ شيءٌ، غير أنَّ القراءةَ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ ؛ فلا يقرأ إلاَّ بما تَصِحُّ به الروايةُ، وحاصلُ المعنى على قراءةِ العامَّة : أي مَا أصابَكَ مِنْ خَيْرٍ ونِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ، وَمَا أصَابَكَ مِنْ بَلِيَّةٍ، أوْ شَيْءٍ تَكْرَهُهُ فَمِنْ نَفْسِكَ ؛ أي بذنوبكم، وأنا الذي قدَّرتُها عليكَ. قال الضحَّاك :(مَا حَفِظَ الرَّجُلُ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ إلاَّ بذنْبٍ) ثم قَرَأ﴿وَمَآ أَصَـابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾[الشورى: ٣٠]، قال :(فَنِسْيَانُ الْقُرْآنِ مِنْ أعْظَمِ الْمَصَائِب).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ ؛ أي ومِن نِعْمَةِ اللهِ عليكَ إرسالهُ إياكَ رسولاً إليهم، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾ ؛ على أنكَ رسولٌ صادقٌ يشهدُ لك بالرسالةِ والصِّدق، وَقِيْلَ : شَهِدَ على مقالةِ القوم أنَّ الحسنةَ من اللهِ، والسيئةَ من عندكَ : وَقِيْلَ : معناهُ : يشهدُ أنَّ الحسنةَ والسيِّئةَ كلَّها من اللهِ.
النساء 4:80
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ؛ أي مَن يُطِعِ الرسولَ فيما يأمرهُ فقد أطاعَ الله ؛ لأنَّ الرسولَ إنَّما يأمرُ به من عندِ اللهِ، ﴿وَمَن تَوَلَّى﴾ ؛ أي أعْرَضَ عن طاعتهِ، ﴿فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ ؛ أي ليسَ عليك إلاّ البلاغُ وما أرسلناكَ عليهم مُسَلَّطاً تُجْبرُهُمْ على الإيْمَانِ والطاعة وتَمنعُهم عن الكفرِ والمعصيةِ ؛ فإنك مُبَلِّغٌ وأنا العالِمُ بسرائرِهم، وهذه الكلمةُ من آخرِ الآية منسوخةٌ بآيةِ السَّيْفِ.
النساء 4:81
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ ؛ معناهُ : أنَّ المنافقين كانوا يقولونَ للنبيِّ ﷺ أمْرُكَ طاعةٌ وقولُكَ مُتَّبَعٌ، ﴿فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ﴾ ؛ فَإنْ خَرَجُوا مِن عندِكَ يا مُحَمَّد، ﴿بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ ؛ أي غَيَّرَتْ جماعةٌ منهم الأمرَ الذي أمرتَهم به على وجهِ التكذيب، يقالُ لكلِّ أمر قُضِيَ بليلٍ : قَدْ بَيَّتَ بهِ، وإنَّما لم يقل للبيت ؛ لأنَّ كل تأنيثٍ غيرَ حقيقي يجوزُ تعبيرهُ بلفظِ التذكيرِ، وَقِيْلَ : معناهُ : قَدَّرُوا ليلاً غيرَ ما أعطوكَ نَهاراً.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ ؛ أي يَحْفَظُ عليهم ما يَفْتَرُونَ من أمرِك، وَقِيْلَ : ما يُسِرُّونَ من النفاقِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي لا تُعَاقِبْهُمْ يا مُحَمَّدُ واسْتُرْ عليهم إلى أنْ يَسْتَقِيْمَ أمرُ الإسلامِ ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ؛ أي ثِقْ باللهِ وفوِّضْ أمركَ إليه، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ ؛ أي حَافِظاً، والوكيلُ : هو العالِمُ بما يُفَوَّضُ إليه من التدبيرِ.
النساء 4:82
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ ؛ أي أفلا يَتَفَكَّرُونَ في الْقُرْآنِ أنه يُشْبهُ بعضُه بعضاً ويصدِّقُ بعضه بعضاً، وأنَّ أحَداً من الخلائقِ لا يقدرُ على مِثْلِهِ، فيعلمون أنه حَقٌّ ويعلمونَ أنه مِن عِنْدِ اللهِ، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً﴾ ؛ أي تعارضاً وتَبَايُناً وبعضهُ بليغاً وبعضُه ساقطاً.
النساء 4:83
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ﴾ ؛ يَعْنِي المنافقينَ كانوا إذا أتاهُم خبرٌ من أمرِ السَّرَايَا الذين بعثَهُم رسولُ اللهِ ﷺ من ظَفَرٍ وَدَوْلَةٍ وَغَنِيمَةٍ ؛ أو أتاهم عنهم خَبَرُ نَكْبَةٍ أو هَزِيْمَةٍ أفْشَوا ذلكَ الخبرَ، وأظهروهُ قبل أن يُحَدَّثَ بهِ رسولُ اللهِ ﷺ لِيَحْذرَ بخبرِ الظَّفَرِ من ينبغِي أن يحذرَ من الكفَّار ويقوَى بخبرِ هزيْمَة المسلمينَ قَلْبُ مَن كان يَبْتَغِي نكبةَ المسلمين منهُم، فأنزلَ اللهُ تعالى هذه الآيةَ.
ومعناهُ : اذا جاءَ المنافقينَ ﴿أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ﴾ ؛ يعني الغنيمةَ والفتحَ، ﴿أَوِ الْخَوْفِ﴾ أي الهزيْمَة والقتلِ ﴿أَذَاعُواْ بِهِ﴾ ؛ أي أشاعُوهُ وأفْشَوهُ، ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ ؛ أي لم يَتَحَدَّثُوا به ولم يُفْشُوهُ حتى يكونَ النبيُّ ﷺ هو الذي يَتَحَدَّثُ بهِ. والمعنى : لو تَرَكُوا أمرَ السَّرايَا والعسكرِ إلى النَّبيِّ ﷺ وإلى أولي الأمرِ أولي الأمرِ من المؤمنينَ وهم : أبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَأكَابرُ الصَّحَابَةِ حتى يكونوا هم الذين يُفْشُونَهُ، ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ؛ يطلبونَ الخبرَ ويستخبرونَهُ من النبيِّ ﷺ وأكابرِ الصَّحابة أن ذلك الخبرَ صحيحٌ أم لاَ.
قال الكلبيُّ :(لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبطُونَهُ أيْ يَتَّبعُونَهُ). وقال عكرمةُ :(يَسْأَلُونَ عَنْهُ، أيْ لَوْ تَرَكُواْ إذاعَتَهُ حَتَّى يَتَحَدَّثَ بهِ النَّبيُّ لَعَلِمَهُ الَّذِيْنَ يَسْأَلُونَ عَنْهُ). وقال القُتيبيُّ :(لَعَلِمَهُ الَّذِيْنَ يَسْتَخْرِجُونَهُ، يُقَالُ : اسْتَنْبَطْتُ الْمَاءَ إذا أخْرَجْتُهُ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ ؛ أي لولا ما أنزلَ اللهُ عليكم من القُرْآنِ، وبَيَّنَ لكم الآياتِ على لسانِ نَبيِّهِ ﷺ، ﴿لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ؛ أي كانَ أقَلُّكُمْ يَنْجُوا من الكُفْرِ، والمرادُ بالفضلِ ها هنا النبيَّ ﷺ والقُرْآنَ، وَقِيْلَ : في الآيةِ تقديمٌ وتأخيرٌ ؛ معناه : أذاعُواْ بهِ إلاَّ قَلِيْلاً مِنَ الخبر لم يذيعوهُ، أو قليلاً من الْمُنَافِقِيْنَ لَمْ يُذِيْعُوهُ.
النساء 4:84
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ﴾ ؛ وذلك أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا الْتَقَى هُوَ وَأبُو سُفْيَانَ يَوْمَ أحُدٍ وَكَانَ مِنْ أمْرِهِمْ مَا كَانَ، وَرَجَعَ أبُو سُفْيَانَ إلَى مَكَّةَ وَوَاعَدَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَدْرَ الصُّغْرَى فِي ذِي الْقِعْدةِ، فَلَمَّا بَلَغَ النَّبيَّ ﷺ الْمِيْعَادُ، قَالَ لِلَّناسِ : اخْرُجُوا إلَى الْعَدُوِّ، فَكَرِهُوا ذلِكَ كَرَاهَةً شَدِيْدَةً أوْ بَعْضَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي لا تَدَعْ بجهاد العدو ولو وحدك.
وَقِيْلَ : لا تُؤَاخَذُ بفعلِ غيرِك، وإنَّما تُؤَاخَذُ بفعلِ نفسِك وليسَ عليك ذنبُ غيرِك، ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ على القتالِ لَعَلَّ اللهَ أن يَكُفَّ عنكَ قتالَ الكفَّار، وعسَى مِن اللهِ واجبٌ ؛ لأنهُ في اللغة الإطْمَاعُ، وإطماعُ الكريْمِ لا يكونُ إلا إنجازاً.
والفاءُ : في قوله :(فَقَاتِلْ) جوابٌ عن قولهِ :﴿وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾[النساء: ٧٤] فَقَاتِلْ وحَرِّضِ المؤمنينَ على القتالِ ؛ أي حَرِّضْهُمْ على القتالِ ورَغِّبْهُمْ فيهِ. فَتَثَاقَلُوا وَلَمْ يَخْرُجُواْ مَعَه ؛ فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَبْعِيْنَ رَاكِباً حَتَّى أتَي بَدرَ الصُّغْرَى ؛ فَكَفَاهُمُ اللهُ بَأسَ الْعَدُوِّ وَلَمْ يُوافِقْهُمْ أبُو سُفْيَانَ ؛ ولَمْ يَكُنْ قِتَالٌ يَوْمَئِذٍ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ؛ أي قتالَ المشركينَ وصولَتَهم، ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً﴾ ؛ أي عُقُوبَةٌ.
النساء 4:85
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ﴾ ؛ أي مَنْ يصلِحْ بين اثنين يَكُنْ لهُ أجرٌ وثواب مِن ذلك الإصلاحِ، ومن يَمْشِي بالْغِيْبَةِ والنَّمِيْمَةِ لهُ حظٌّ من وزْرهَا وعقوبتِها، هكذا رويَ عن ابنِ عبَّاس، وقيلَ : معناهُ : من يوحِّدْ ويأمُرْ بالتوحيدِ يكُنْ له أجرٌ من ذلكَ، ومن يُشْرِكْ ويأمُرْ بالشِّركِ يكن له وزْرٌ مِن ذلكَ. ويقالُ : الشَّفَاعَةُ الْحَسَنَةُ هي للمؤمنينَ، والشفاعة السيِّئةُ الدعاءُ عليهِم، فإنَّ اليهودَ كانوا يدعون على المؤمنينَ فَتَوَعَّدَهُمُ اللهُ بذلكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس وقتادةُ :(الْكِفْلُ : الإثْمُ وَالْوِزْرُ). قال الفرَّاء وأبو عبيدٍ :(الْكفْلُ : الْحَظُّ وَالنَّصِيْبُ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً﴾ ؛ قال الكلبيُّ عن أبي صالحٍ عن ابنِ عبَّاس :(مُقِيْتاً أيْ مُقْتَدِراً مُجَازياً بالْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ)، قال الشاعرُ : وَذِي ضِعْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ وَكُنْتُ عَلَى مُسَاءَتِهِ مُقِيْتَاأي مُقْتَدِراً. وقال الزجَّاج :(الْمُقِيْتُ : الْحَفِيْظُ). قال الشاعرُ : ألِيَ الْفَضْلُ أمْ عَلَيَّ إذا حُو سِبْتُ أنِّي عَلَى الْحِسَاب مُقِيتُوقال مجاهدُ :(الْمُقِيْتُ الشَّاهِدُ). وقال الفرَّاء :(الْمُقِيْتُ الَّذِي يُعْطِي كُلَّ إنْسَانٍ قُوْتَهُ). وجاء في الحديثِ :" كَفَى بالْمَرْءِ إثْماً أنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقَوَّتُ - أو يُقِيْتُ - "
النساء 4:86
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(أرَادَ بالتَّحِيَّةِ السَّلاَمَ ؛ أيْ إذا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أحَدٌ فَأَجِيْبُوا بتَحِيَّةٍ أحْسَنَ مِنْهَا ؛ وَهُوَ أنْ تَزِيْدُواْ فِي التَّحِيَّةِ فَتَقُولُواْ : وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، يُحَيِّي بذلِكَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ، وَالْمَلَكَيْنِ الْحَافِظَيْنِ مَعَهُ بأَبْلَغِ التََّحِيَّةٍ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ رُدُّوهَآ﴾ مَعْنَاهُ : وأجيبُوا بمثلِ الذي سَلَّمَ عليكُم. وقال بعضُهم : معناهُ : وَإذا حُيِّيتُمْ بتَحِيَّةٍ ؛ أي إذا أهْدِيَ إليكم هديةً فَكَافِئُوا بأفضلَ منها أو مِثْلِهَا ؛ لأن التحيَّةَ في اللغة الْمِلْكُ، وكانوا يقولون قبلَ الإسلام : حَيَّاكَ اللهُ ؛ أي مَلَّكَكَ اللهُ ؛ ثم أبدلُوا بهذا اللفظِ بالسَّلامِ بعدَ الإسلامِ، وأقِيْمَ السلامُ مقامَ قولِهم : حيَّاكَ اللهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾ ؛ أي مُجَازِياً يعطي كلَّ شيء من العِلْمِ والحفظِ والجزاء مقداراً يَحْسِبُهُ ؛ أي يَكْفِيهِ، يقال : حَسْبُكَ هَذا ؛ أي اكْتَفِ به، وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾[النبأ: ٣٦] أي كافِياً.
النساء 4:87
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ ؛ أي لاَ إلَهَ في الأرضِ وفي السَّماء غيرُه، واللامُ في (لِيَجْمَعَنَّكُمْ) لامُ أنفُسِهم، كأنهُ قال اللهُ : يجمعكُم في الحياةِ والموت في قبوركم، إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيْهِ ؛ أي لا شَكَّ فيهِ أنهُ كائنٌ لا محالةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ ؛ استفهامٌ بمعنى النَّفيِ، ليسَ أحدٌ أوفَى من اللهِ تعالى وَعْداً ولا أصْدَقَ منه قَوْلاً، ولا صادقاً إلاّ ويوجدُ غيرهُ على خلافِ مُخْبَرِهِ وقتاً من الأوقاتِ إلاّ الله عَزَّ وَجَلَّ ؛ فَمَنْ أصدقُ مِن اللهِ حديثاً.
النساء 4:88
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ ؛ قال ابنُ هِشَامٍ :(هَاجَرَ أنَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَدِمُواْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِيْنَةَ فَأَسْلَمُواْ، ثُمَّ نَدِمُواْ عَلَى ذلِكَ وَأرَادُواْ الرَّجْعَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ : كَيْفَ نَخْرُجُ ؟ قَالُواْ : نَخْرُجُ كَهَيْأَةِ الْمُتَنَزِّهِيْنَ، فَقَالُواْ لِلْمُسْلِمِيْنَ : إنَّا قَدِ اجْتَوَيْنَا الْمَدِيْنَةَ فَنَخْرُجُ وَنَتَنَزَّهُ - أي نَتَفَسَّحُ - فَصَدَّقُوهُمْ، فَخَرَجُواْ فَجَعَلُواْ يُبَاعِدُونَ قَلِيلاً حَتَّى بَعُدُواْ، ثُمَّ أسْرَعُواْ فِي السَّيْرِ إلَى مَكَّةَ حَتَّى لَحِقُواْ بهَا، وَكَتَبُواْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ : أنَّا عَلَى مَا فَارَقْنَاكُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّصْدِيْقِ، وَلَكِنَّا اشْتَقْنَا إلَى أرْضَنَا وَاجْتَوَيْنَا الْمَدِيْنَةَ.
ثُمَّ أنَّهُمْ أرَادُواْ أنْ يَخْرُجُوا فِي تِجِارَتِهِمْ إلَى الشَّامِ، فَاسْتَبْعَضَهُمْ أهْلُ مَكَّةَ وَقَالُواْ : أنْتُمْ عَلَى دِيْنِ مُحَمَّدٍ، فَإنْ لَقُوكُمْ فَلاَ بَأْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ. فَخَرَجُواْ مِنْ مَكَّةَ مُتَوَجِّهِيْنَ إلَى الشَّامِ، فَبَلَغَ ذلِكَ الْمُسْلِمِيْنَ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : مَا يَمْنَعُنَا أنْ نَخْرُجَ إلَى هَؤُلاَءِ الَّذِيْنَ رَغِبُواْ عَنْ دِيْنِنَا وَتَرَكُوهُ، نَخْرُجُ إلَيْهِمْ فَنَقْتُلُهُمْ وَنَأْخُذُ مَا مَعَهُمْ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : كَيْفَ نَقََتُلُ قَوْماً عَلَى دِيْنِكُمْ، وَكَانَ بحَضرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ سَاكِتٌ لاَ يَنْهَى أحَدَ الْفَرِيقَيْنِ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ وَالَّتِي بَعْدَهَا يُبَيِّنُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ شَأْنَهُمْ).
ومعناها : فِمَا لكُمْ من هؤلاءِ المنافقينَ حتى صِرْتُمْ في أمرِهم فرقتين من مُحِلٍّ لأموالِهم وَمُحَرِّمٍ، ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ﴾ ؛ أي رَدَّهُمْ إلى كُفْرِهم وضلالَتِهم بما كَسَبُوا من أعمالِهم السيِّئَةِ، ونفاقِهم وخُبْثِ نِيَّاتِهم، وانتصاب (فِئَتَيْنِ) على الحالِ ؛ يقالُ : مَا لَكَ قََائِماً ؛ أي لِمَ قُمْتَ في هذه الحالةِ، وَقِيْلَ : على خَبَرِ (صار).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ ؛ أي تريدون يا مَعْشَرَ المخلصينَ أن تُرْشِدُوا مَن خَذلَهُ اللهُ عن دِينه وحجَّته، وَقِيْلَ : معناهُ : أتقولونَ إنَّ هؤلاءِ مهتدون، ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ ؛ أي لن تَجِدَ له هَادِياً، وَقِيْل : لن تَجِدَ لهُ طَريقاً إلى الْهُدَى. وقرأ عَبْدُاللهِ وأبَيّ :(واللهُ رَكَّسَهُمْ) بالتشديدِ.
النساء 4:89
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً﴾ ؛ أي تَمَنَّى المنافقونَ والكفارُ أن تكفرُوا أنتُم بمُحَمَّدٍ ﷺ وَالْقُرْآنِ كما كَفَروا، فتكونُوا أنتم وهم سواءٌ في الكفرِ، ﴿فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ ؛ أي أحِبَّاءَ، ﴿حَتَّى يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ؛ في طاعةِ اللهِ، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْاْ﴾ ؛ فإنْ أعْرَضُوا عن الإيْمانِ والْهِجْرَةِ فَأْسِرُوهُمْ، ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ ؛ في الحلِّ والْحَرَمِ، ﴿وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ ؛ أي حَبيْباً في العَوْنِ والنُّصرةِ.
وهذه الآية محمولةٌ على حالِ ما كانتِ الهجرةُ فَرْضاً كما قال ﷺ :" أنَا بَرِيْءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ أقَامَ بَيْنَ أظْهُرِ الْمُشْرِكِيْنَ " ثم نُسِخَ ذلك يومَ فتحَ مكَّة كما روَى ابنُ عبَّاس قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ عليه السلام يَوْمَ الْفَتْحِ :" لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإنِ اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُواْ ".
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَتَكُونُونَ سَوَآءً﴾ لَمْ يدخل جوابَ التَّمنِّي ؛ لأنه جوابَهُ بالفاءِ منصوبٌ، وإنَّما أرادَ العطفَ على معنى : وَدُّوا لو تكفرونَ وَوَدُّوا لو تكونُوا سواءً، مثلَ قولهِ :﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾[القلم: ٩] أي وَدُّوا لو تُدْهنُ وودُّوا لو تُدْهِنُونَ، ومثلُه﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ﴾[النساء: ١٠٢] أي وَودُّوا لو تَميلونَ.
النساء 4:90
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾ ؛ هذا استثناءٌ لِمَنِ اتَّصَلَ من الكفار بقومٍ بينهم وبين المسلمينَ مِيْثَاقٌ، قال ابنُ عبَّاس :(أرَادَ بالْقَوْمِ الأَسْلَمِيِّينَ، وَادَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أبَا بُرْدَةَ هِلاَلَ بنَ عُوَيْمِرَ الأَسْلَمِيَّ وَأَصْحَابَهُ عَلَى أنْ لاَ يُعِينُوهُ وَلاَ يُعِيْنُوا عَلَيْهِ، فَمَنْ وَصَلَ إلَيْهِمْ وَلَحِقَ بهِمْ بالأَنْسَاب أوْ بالْوَلاَءِ) يعني : لجأَ أحدٌ من الكفار في عهدِ الأسلَمِيِّينَ على حَسْب ما كان بين يدَي رسولِ اللهِ ﷺ وبينَ قُريشٍ من الموادعة ؛ فدخلت خُزاعَةُ في عهدِ النبيِّ ﷺ، ودخلت بَنُو كِنَانَةَ في عهدِ قُرَيشٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ﴾ ؛ معناهُ : ويَصِلُونَ إلى قومٍ جاؤُكم ضَاقَتْ صدورُهم أن يقاتِلوكُم مع قومِهم، ﴿أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ﴾ ؛ معكُم وهم بَنُو مُدْلَجٍ، ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ؛ لَسَلَّطَ قوم هلالِ بن عويْمِر، وبنِي مُدْلَجٍ عليكم، ﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ ؛ كما قَتَلْتُمُوهُمْ ظالِمين لهم، ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ ؛ أي فإنْ تركوكُم فلم يقاتِلُوكم مع قومِهم، واستسلَمُوا أو خَضَعُوا بالصُّلح والوفاءِ، ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ ؛ أي حُجَّةً في القتالِ وقال أهلُ النَّحْوِ : معنى ﴿أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ أي حَصِرَتْ. و(حَصِرَتْ) لا يكون حالاً إلاّ بعدَ ؛ قالوا : ويجوزُ أن يكون (حَصَرِتْ صُدُورُهُمْ) خبراً بعد خبرٍ ؛ كأنه قالَ : أو جاؤُكم، ثم أخبرَ بعدُ فقالَ :(حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أنْ يُقَاتِلُوكُمْ). وفي الشواذِّ :(أوْ جَاؤُكمُ حَصْرَةَ صُدُورُهُمْ).
وأمَّا اللامُ في ﴿لَسَلَّطَهُمْ﴾ فجوابُ ﴿لَوْ شَاءَ اللهُ﴾، واللاَّمُ في ﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ للبدلية، والفاءُ فاءُ عطفٍ بمنْزِلة الواو.
وقد رويَ عن عطاءِ عنِ ابنِ عبَّاس :(أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بقَوْلِهِ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾[النساء: ٨٩] بآيَةِ السَّيْفِ، هِيَ مُعَاهَدَةُ الْمُشْرِكِيْنَ وَمَوَادَعَتُهُمْ مَنْسُوخَةٌ بقَوْلِهِ :﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾[التوبة: ٥]). ولأن الله تعالى أعَزَّ الإسلامَ وأهلَهُ ؛ فلا يُقْبَلُ من مشركي العرب إلاّ الإسلامُ أو السَّيْفُ بهذه الآيةِ، وقد أمرَنا اللهُ تعالى في أهلِ الكتاب بقتالِهم حتى يُسْلِمُوا أو يُعْطُوا الجزيةَ بقوله تعالى :﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾[التوبة: ٢٩] إلى قولهِ تعالى :﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾[التوبة: ٢٩] فلا يجوزُ مُدَاهَنَةُ الكفَّار وتركُ أحدِهم على الكفرِ من غيرِ جِزْيَةٍ إذا كان بالمسلمين قُوَّةٌ على القتالِ، وأما إذا عَجَزُوا عن مقاومتِهم وخافُوا على أنفسِهم وذراريهم جازَ لَهم مهادنةُ العدوِّ من غير جزيةٍ يؤدُّونَها إليهم ؛ لأن حَظْرَ الموادعةِ كان لسبب القوَّة ؛ فإذا زالَ السببُ زالَ الْحَظْرُ.
النساء 4:91
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ﴾ ؛ معناهُ : ستجدون قَوماً آخرينَ يريدون أن يَأَمَنُوكُمْ، أي يُظهرون لكم الصُّلْحَ، يريدونَ أنْ يأْمنُوكم بكلمةِ التَّوحِيدِ، يُظهرونَها لكم، ﴿وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ﴾ ؛ أي ويأمَنُوا من قومِهم بالكفرِ في السرِّ، ﴿كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا﴾ ؛ كلَّما دُعُوا إلى الكُفْرِ رَجَعُوا فيهِ.
قال ابنُ عبَّاس :(هُمْ أسَدُ وَغَطَفَانُ ؛ كَانَوا حَاضِري الْمَدِيْنَةِ، وَكَانَا يَتَكَلَّمَانِ بالإسْلاَمِ وَهُمَا غَيْرُ مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ لَهُ قَوْمُهُ : بمَاذا آمَنْتَ ؟ وَلِمَاذا أسْلَمْتَ ؟ فَيَقُولُ : آمَنْتُ برَب العُودِ، وَبرَبِّ الْعَقْرَبِ وَبربِّ الْخَنْفُسَاءِ. يُرِيْدُونَ بهِ الاسْتِهْزَاءَ، فَإذا لَقُواْ مُحَمَّداً ﷺ وَأصْحَابَهُ قَالُواْ : إنَّا عَلَى دِيْنِكُمْ ؛ وَأظْهَرُواْ الإسْلاَمَ، فَأَطْلَعَ اللهُ نَبيَّهُ ﷺ وَالْمُؤْمِنِيْنَ عَلَى ذلِكَ بهَذِهِ الآيَةِ).
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ﴾ ؛ أيْ فانْ لَمْ يتركوا قتالكم ولَمْ يَستَدِيموا لكم في الصُّلْحِ، ولَمْ يَمنعوا أيديَهم عن قتالِكم، ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ ؛ أي إسِرُوهُمْ، ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ ؛ أي حيث وَجَدْتُمُوهُمْ، ﴿وَأُوْلَـائِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾ ؛ أي أهل هذه الصفة جعلنا لكم عليهم حجة ظاهرة بالقتال معهم، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً﴾[النساء: ٩٢] أي ما كانَ لِمؤمنٍ في حُكْمِ اللهِ أن يَقْتُلَ مؤمناً بغيرِ حقٍّ إلاَّ أن يكونَ وُقُوعُ القتلِ منه على وجهِ الخطأ، وهو ألاَّ يكونَ قاصداً قَتْلَهُ فيكونُ مرفوعَ الإثْمِ والعقاب.
واختلفَ المفسِّرون فيمَنْ نزلت هذه الآيةُ ؛ قال ابنُ مسعودٍ :(فِي عَيَّاشِ بْنِ رَبيْعَةَ الْمَخْزُومِيِّ ؛ أتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ بمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يُهَاجِرَ إلَى الْمَدِيْنَةِ فَأَسلَمَ مَعَهُ، فَخَافَ أنْ يَعْلَمَ أهْلُهُ بإسْلاَمِهِ، فَخَرَجَ هَارباً إلَى الْمَدِيْنَةِ ؛ فَاخْتَفَى فِي جَبَلٍ مِنْ جِبَالِهَا ؛ فَجَزِعَتْ أمُّهُ جَزَعاً شَدِيْداً حِيْنَ بَلَغَهَا إسْلاَمُهُ وَخُرُوجُهُ إلَى الْمَدِيْنَةِ ؛ فَقَالَتْ لأَبيْهَا الْحُرَيْثِ وَأبي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ - وَهُمَا أخَوَاهُ لأُمِّهِ - : وَاللهِ لاَ يُظِلُّنِي سَقْفٌ وَلاَ أذُوقُ طَعَاماً وَلاَ شَرَاباً حَتَّى تَأْتُونِي بهِ، فَخَرَجَا فِي طَلَبهِ، وَخَرَجَ مَعَهُمَا الْحَرْثُ بْنُ زَيْدٍ حَتَّى أتَيَا الْمَدِيْنَةَ، فَوَجَدَا عَيَّاشاً فِي أطَمٍ - أيْ جَبَلٍ - فَقَالاَ لَهُ : إنْزِلْ ؛ فَإنَّ أمَّكَ لَمْ يَأْوهَا سَقْفُ بَيْتٍ بَعْدَكَ، وَقَدْ حَلَفَتْ لاَ تَأْكُلُ طَعَاماً وَلاَ تَشْرَبُ شَرَاباً حَتَّى تَرْجِعَ إلَيْهَا، وَلَكَ عَلَيْنَا ألاَّ نُكْرِهَكَ عَلَى شَيْءٍ ؛ وَلاَ نَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ دِيْنِكَ، فَحَلَفُواْ لَهُ عَلَى ذلِكَ فَنَزَلَ إلَيْهِمْ، فَأَوْثَقُوهُ بنِسْعَةٍ ثُمَّ جَلَدَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ.
ثُمَّ قَدِمُواْ بهِ عَلَى أمِّهِ، فَلَمَّا أتَاهَا قَالَتْ لَهُ : وَاللهِ لاَ أحِلُّكَ مِنْ وثَاقِكَ حَتَّى تَكْفُرَ بالَّذِي آمَنْتَ بهِ، ثُمَّ تَرَكُوهُ مَطْرُوحاً مَوْثُوقاً فِي الشَّمْسِ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أعْطَاهُمُ الَّذِي أرَادُوا، فَأَتَاهُ الْحُرَيْثُ بْنُ زَيْدٍ، فَقَالَ لَهُ : يَا عَيَّاشُ ؛ هَذا الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ، فَوَاللهِ لَئِنْ كَانَ الْهُدَى لَقَدْ تَرَكْتَ الْهُدَى، وَلَئِنْ كَانَ ضَلاَلَةً لَقَدْ كُنْتَ عَلَيْهَا، فَغَضِبَ عَيَّاشُ مِنْ مَقَالَتِهِ، قَالَ : واللهِ لاَ ألْقَاكَ خَالِياً إلاَّ قَتَلْتُكَ.
النساء 4:92
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ﴾ ؛ معناهُ : ستجدون قَوماً آخرينَ يريدون أن يَأَمَنُوكُمْ، أي يُظهرون لكم الصُّلْحَ، يريدونَ أنْ يأْمنُوكم بكلمةِ التَّوحِيدِ، يُظهرونَها لكم، ﴿وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ﴾ ؛ أي ويأمَنُوا من قومِهم بالكفرِ في السرِّ، ﴿كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا﴾ ؛ كلَّما دُعُوا إلى الكُفْرِ رَجَعُوا فيهِ.
قال ابنُ عبَّاس :(هُمْ أسَدُ وَغَطَفَانُ ؛ كَانَوا حَاضِري الْمَدِيْنَةِ، وَكَانَا يَتَكَلَّمَانِ بالإسْلاَمِ وَهُمَا غَيْرُ مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ لَهُ قَوْمُهُ : بمَاذا آمَنْتَ ؟ وَلِمَاذا أسْلَمْتَ ؟ فَيَقُولُ : آمَنْتُ برَب العُودِ، وَبرَبِّ الْعَقْرَبِ وَبربِّ الْخَنْفُسَاءِ. يُرِيْدُونَ بهِ الاسْتِهْزَاءَ، فَإذا لَقُواْ مُحَمَّداً ﷺ وَأصْحَابَهُ قَالُواْ : إنَّا عَلَى دِيْنِكُمْ ؛ وَأظْهَرُواْ الإسْلاَمَ، فَأَطْلَعَ اللهُ نَبيَّهُ ﷺ وَالْمُؤْمِنِيْنَ عَلَى ذلِكَ بهَذِهِ الآيَةِ).
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ﴾ ؛ أيْ فانْ لَمْ يتركوا قتالكم ولَمْ يَستَدِيموا لكم في الصُّلْحِ، ولَمْ يَمنعوا أيديَهم عن قتالِكم، ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ ؛ أي إسِرُوهُمْ، ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ ؛ أي حيث وَجَدْتُمُوهُمْ، ﴿وَأُوْلَـائِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾ ؛ أي أهل هذه الصفة جعلنا لكم عليهم حجة ظاهرة بالقتال معهم، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً﴾[النساء: ٩٢] أي ما كانَ لِمؤمنٍ في حُكْمِ اللهِ أن يَقْتُلَ مؤمناً بغيرِ حقٍّ إلاَّ أن يكونَ وُقُوعُ القتلِ منه على وجهِ الخطأ، وهو ألاَّ يكونَ قاصداً قَتْلَهُ فيكونُ مرفوعَ الإثْمِ والعقاب.
واختلفَ المفسِّرون فيمَنْ نزلت هذه الآيةُ ؛ قال ابنُ مسعودٍ :(فِي عَيَّاشِ بْنِ رَبيْعَةَ الْمَخْزُومِيِّ ؛ أتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ بمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يُهَاجِرَ إلَى الْمَدِيْنَةِ فَأَسلَمَ مَعَهُ، فَخَافَ أنْ يَعْلَمَ أهْلُهُ بإسْلاَمِهِ، فَخَرَجَ هَارباً إلَى الْمَدِيْنَةِ ؛ فَاخْتَفَى فِي جَبَلٍ مِنْ جِبَالِهَا ؛ فَجَزِعَتْ أمُّهُ جَزَعاً شَدِيْداً حِيْنَ بَلَغَهَا إسْلاَمُهُ وَخُرُوجُهُ إلَى الْمَدِيْنَةِ ؛ فَقَالَتْ لأَبيْهَا الْحُرَيْثِ وَأبي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ - وَهُمَا أخَوَاهُ لأُمِّهِ - : وَاللهِ لاَ يُظِلُّنِي سَقْفٌ وَلاَ أذُوقُ طَعَاماً وَلاَ شَرَاباً حَتَّى تَأْتُونِي بهِ، فَخَرَجَا فِي طَلَبهِ، وَخَرَجَ مَعَهُمَا الْحَرْثُ بْنُ زَيْدٍ حَتَّى أتَيَا الْمَدِيْنَةَ، فَوَجَدَا عَيَّاشاً فِي أطَمٍ - أيْ جَبَلٍ - فَقَالاَ لَهُ : إنْزِلْ ؛ فَإنَّ أمَّكَ لَمْ يَأْوهَا سَقْفُ بَيْتٍ بَعْدَكَ، وَقَدْ حَلَفَتْ لاَ تَأْكُلُ طَعَاماً وَلاَ تَشْرَبُ شَرَاباً حَتَّى تَرْجِعَ إلَيْهَا، وَلَكَ عَلَيْنَا ألاَّ نُكْرِهَكَ عَلَى شَيْءٍ ؛ وَلاَ نَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ دِيْنِكَ، فَحَلَفُواْ لَهُ عَلَى ذلِكَ فَنَزَلَ إلَيْهِمْ، فَأَوْثَقُوهُ بنِسْعَةٍ ثُمَّ جَلَدَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ.
ثُمَّ قَدِمُواْ بهِ عَلَى أمِّهِ، فَلَمَّا أتَاهَا قَالَتْ لَهُ : وَاللهِ لاَ أحِلُّكَ مِنْ وثَاقِكَ حَتَّى تَكْفُرَ بالَّذِي آمَنْتَ بهِ، ثُمَّ تَرَكُوهُ مَطْرُوحاً مَوْثُوقاً فِي الشَّمْسِ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أعْطَاهُمُ الَّذِي أرَادُوا، فَأَتَاهُ الْحُرَيْثُ بْنُ زَيْدٍ، فَقَالَ لَهُ : يَا عَيَّاشُ ؛ هَذا الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ، فَوَاللهِ لَئِنْ كَانَ الْهُدَى لَقَدْ تَرَكْتَ الْهُدَى، وَلَئِنْ كَانَ ضَلاَلَةً لَقَدْ كُنْتَ عَلَيْهَا، فَغَضِبَ عَيَّاشُ مِنْ مَقَالَتِهِ، قَالَ : واللهِ لاَ ألْقَاكَ خَالِياً إلاَّ قَتَلْتُكَ.
النساء 4:93
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَتْ فِي مِقْيَسِ بْنِ خَبَابَةَ ؛ وَجَدَ أخَاهُ قَتِيْلاً فِي بَنِي النَّجَّار ؛ فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ ذلِكَ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلاً مِنْ بَنِي فِهْرٍ، وَقَالَ لَهُ :" إئْتِ بَنِي النَّجَار فَأَقْرِئْهُمْ مِنِّي السَّلاَمَ ؛ وَقُلْ لَهُمْ : رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأَمُرُكُمْ إنْ عَلِمْتُمْ قَاتِلَ هِشَامَ أنْ تَدْفَعُوهُ إلَى مَقِيْسٍ يَقْتَصُّ مِنْهُ، وَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا لَهُ قَاتِلاً أنْ تَدْفَعُواْ إلَيْهِ دِيَّتَهُ " فَأَبْلَغَهُمُ الْفِهْرِيُّ ذلِكَ، فَقَالُواْ : سَمْعاً وَطَاعَةً للهِ وَلِرَسُولِهِ ؛ وَاللهِ مَا نَعْلَمُ لَهُ قَاتِلاً ؛ وَلَكِنَّا نُؤَدِّي دِيَتَهُ، فَأَعْطَوْهُ مَائِةً مِنَ الإبلِ، وَانْصَرَفَا رَاجِعَيْنِ نَحْوَ الْمَدِيْنَةِ وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَدِيْنَةِ قَرِيْبٌ، فَوَسْوَسَ الشَّيْطَانُ إلَى مِقْيَسٍ وَقَالَ لَهُ : أيُّ سَبَبٍ صَنَعْتَ بقَبُولِ دِيَّةِ أخِيْكَ فَتَكُونَ عَلَيْكَ سُبَّةٌ، أقْتُلِ الَّذِي مَعَكَ تَكُونُ نَفْسٌ مَكَانَ نَفْسٍ وَفَضْلَ الدِيَّةِ، فَرَمَى الْفِهْرِيَّ بصَخْرَةٍ فَشَدَخَ رَأَسَهُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ رَكِبَ بَعِيْراً مِنْهُمَا وَسَاقَ بَقِيَّتَهَا رَاجِعاً إلَى مَكَّةَ كَافِراً، وَجَعَلَ يَقُولُ : قَتَلْتُ بهِ فِهْراً وَحَمَّلْتُ عَقْلَهُ سُرَاةَ بَنِي النَّجَّار وَأرْبَابَ فَارعِفَأَدْرَكْتُ ثَأْري وَاضْطَجَعْتُ مُوسَّداً وَكُنْتُ إلَى الأَوْثَانِ أوَّلَ رَاجِعِفَنَزَلَتْ هذه الآيةُ، وَقُتل مِقيَسُ يومَ فتحِ مكَّة.
ومعناها : ومَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً في قلتهِ مُسْتَحِلاًّ لَهُ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيْهَا باستحْلالهِ لَهُ وارتدادهِ عن إسلامهِ، ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ ؛ بقَتْلِهِ غيرَ قاتلِ أخيهِ ؛ ﴿وَلَعَنَهُ﴾ ؛ أي بَاعَدَهُ من رحمتهِ، ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ ؛ بجُرْأتِهِ على اللهِ بقتلِ نفسٍ بغير حقٍّ.
واختلفَ الناسُ في حُكْمِ هذه الآيةِ، قالتِ الخوارجُ والمعتزلة :(إنَّهَا فِي الْمُؤْمِنِ إذا قَتَلَ مُؤْمِناً، وَهَذا الْوَعِيْدُ لاَحِقٌ بهِ). وقالت المرجئةُ :(إنَّهَا نَزَلَتْ فِي كَافِرٍ قَتَلَ مُؤْمِناً، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ إذا قَتَلَ مُؤْمِناً فَإنَّهُ لاَ يُخَلَّدُ فِي النَّار).
وقالت طائفةٌ من أصحاب الحديث : كُلُّ مُؤْمِنٍ قَتَلَ مُؤْمِناً فَهُوَ خَالِدٌ فِي النَّار غَيْرَ مُؤَبَّدٍ يُخْرَجُ بشَفَاعَةِ الشَّافِعِيْنَ، وَزَعَمَتْ : أنَّهُ لاَ تَوْبَةَ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً.
والصحيحُ : أنَّ المؤمنَ إذا قَتَلَ مؤمناً متعمِّداً لا يَكْفُرُ بذلك ولا يخرجُ من الإيْمانِ ؛ إلاَّ إذا فَعَلَ ذلك مُسْتَحِلاً لهُ، فإنْ أقِيدَ بمن قتلَه فذلك كفارةٌ له، وإن كان تائِباً من ذلك ولم يكن مُعَاداً كانت التوبةُ أيضاً كفَّارةً له، فإنْ ماتَ بلا توبةٍ ولا قَوْدٍ فأمرهُ إلى الله ؛ إنْ شاءَ غفرَ لهُ وإن شاءَ عذبه على فعلهِ ثم يخرجهُ بعد ذلك إلى الجنَّةِ التي وعدَهُ بإيْمَانهِ ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لا يُخْلِفُ الميعادَ، وتركُ الْمُجَازَاةِ بالوعيدِ يكونُ منه تَفَضُّلاً، وتركُ الْمُجَازَاةِ بالوعدِ يكونُ خِلْفاً، تعالَى اللهُ عن الخلفِ عُلُوّاً كبيراً.
والدليلُ على أنَّ المؤمنَ لا يصيرُ بقتلهِ المؤمنَ كافراً، ولا خارجاً عن الإيْمان قَوْلُهُ تَعَالَى :
النساء 4:94
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُو﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :" نَزَلَتْ فِي مِرْدَاسِ بْنِ نُهَيْكٍ ؛ كَانَ مُسْلِمَاً لَمْ يُسْلِمْ مِنْ قَوْمِهِ غَيْرُهُ، فَسَمِعُوا بسَرِيَّةٍ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ تُرِيْدُهُمْ فَهَرَبُوا كُلُّهُمْ، وأَقَامَ الرَّجُلُ فِي غَنَمِهِ ؛ لأَنَّهُ كَانَ عَلَى دِيْنِ الْمُسْلِمِيْنَ، فَلَمَّا رَأَى الْخَيْلَ خَافَ أنْ يَكُونُواْ مِنْ غَيْرِ أصْحَاب رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ فَأَلْجَأَ غَنَمَهُ إلَى عَاقُولٍ مِنَ الْجَبَلِ وَهُوَ الْعِوَجُ، فَلَمَّا سَمِعَهُمْ يُكَبرُونَ عَرَفَ أنَّهُمُ الصَّحَابَةُ ؛ فَكَبَّرَ وَنَزَلَ وَهُوَ يَقُولُ : لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ؛ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فَغَشَاهُ أسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَقَتَلَهُ وَسَاقَ غَنَمَهُ، وَكَانَ أمِيْرُ السَّرِيَّةِ غَالِبَ بْنَ فُضَالَةَ اللَّيْثِيّ، ثُمَّ رَجَعُواْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَوَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ ذلِكَ وَجْداً شَدِيْداً وَقَالَ :" قَتَلْتُمُوهُ إرَادَةَ مَا مَعَهُ " فأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ؛ فَقَرَأهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أسَامَةَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ :" فَكَيْفَ بلاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ! ؟ " قَالَ ذلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لَهُ بَعْدَ ثَلاَثِ مَرَّاتٍ، وَأَمَرَهُ أنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً ".
وعن الحسن :(أنَّ أنَاساً مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ لَقُوا أنَاساً مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ، فَشَدَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ وَمَعَهُ مَتَاعٌ، فَلَمَّا غَشِيَهُ السَّيْفُ قَالَ : إنِّي مُسْلِمٌ، فَكَذبَهُ ثُمَّ أوْجَرَ السِّنَانَ وَأخَذ مَتَاعَهُ، وَكَانَ وَاللهِ قَلِيْلاً، فَأُخْبرَ بذلِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
قالَ جُنْدُبُ بْنُ سُفْيَان :" وَلَقَدْ كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِيْنَ جَاءَ السَّيْفُ، وَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ بَيْنَما نَحْنُ نَطْلُبُ الْقَوْمَ وَقَدْ هَزَمَهُمُ اللهُ تَعَالَى إذْ لَحِقْتُ رَجُلاً بالسَّيْفِ، فَلَمَّا أحَسَّ السَّيْفَ وَاقِعٌ بهِ، قَالَ : إنِّي مُسْلِمٌ ؛ إنِّي مُسْلِمٌ ؛ فَقَتَلْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" قَتَلْتَ مُسْلِماً! " قَالَ : يَا نَبيَّ اللهِ ؛ إنَّهُ قَالَ ذلِكَ مُتَعَوِّذاً، فَقَالَ :" فَهَلاَّ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبهِ! فَنَظَرْتَ أصَادِقاً هُوَ أمْ كَاذِباً " قَالَ : لَوْ شَقَقْتُ عَنْ قَلْبهِ مَا كَانَ يُعْلِمُنِي ؛ هَلْ قَلْبُهُ إلاَّ بضْعَةٌ مِنْ لَحْمٍ، قَالَ :" فَأنْتَ قَتَلْتَهُ ؛ لاَ مَا فِي قَلْبهِ عَلِمْتَ ؛ وَلاَ لِسَانَهُ صَدَّقْتَ ؛ إنَّمَا يُعَبرُ عَنْهُ لَِسانُهُ " فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ :" لاَ أسْتَغْفِرُ لَكَ " قَالَ : فَمَا لَبثَ الْقَاتِلُ أنْ مَاتَ فَدَفَنُوهُ ؛ فَأَصْبَحَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ إلَى جَانِب قَبْرِهِ، فَعَادُواْ فَحَفَرُواْ لَهُ وَأمْكَنُوا فَدَفَنُوهُ ؛ فَأَصْبَحَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ ثَلاَث مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأى ذلِكَ قَوْمُهُ اسْتَحْيَوا وَحَزِنُوا وَأخَذُواْ برِجْلِهِ فَألْقَوْهُ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَاب، فَقَالَ ﷺ :" لاَ ؛ إنَّهَا لَتَنْطَبقُ عَلَى مَنْ هُوَ أعْظَمُ جُرْماً مِنْهُ، وَلَكِنْ أرَادَ اللهُ أنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ حُرْمَةَ الدَّمِ ".
النساء 4:95
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ ؛ أي لا يستوِي في الفَضْلِ والثَّواب القاعدونَ عنِ الجهادِ من المؤمنين الأصحَّاء ؛ الذين لا ضَرَرَ بهم من المرضِ والزَّمَانَةِ ؛ ولا عُذْرَ يَمنعُهم من الجهادِ، ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ ؛ في طاعةِ الله بالإنفاقِ من أموالِهم والخروج بأنفُسِهم.
رويَ : أنَّهُ نَزَلَ أوَّلاً (لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبيلِ اللهِ) فَجَاءَ ابْنُ أمِّ مَكْتُومٍ وَرَجُلٌ آخَرُ مَعَهُ وَهُمَا أعْمَيَانِ، فَقَالاَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أمَرَ اللهُ بالْجِهَادِ وَفَضَّلَ الْمُجَاهِدِيْنَ عَلَى الْقَاعِدِيْنَ، وَحَالُنَا عَلَى مَا تَرَى، فَهَلْ لَنَا مِنْ رُخْصَةٍ ؟ وَاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَجَاهَدْنَا، فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ أي غير أولي الضرر فِي الْبَصَرِ، فَجَعَلَ لَهُمْ مِنَ الأجْرِ مَا لِلْمُجَاهِدِيْنَ.
وروَى ابنُ أبي لَيْلَى ؛ قال :(لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ (لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبيلِ اللهِ) قَالَ ابْنُ أمِّ مَكْتُومٍ : اللَّهُمَّ أنْزِلْ عُذْري، فَنَزَلَ قَوْلُهُ ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ فَوُضِعَتْ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ بَعْدُ ذلِكَ يَغْزُو وَيَقُولُ : إدْفَعُواْ إلَيَّ اللِّوَاءَ ؛ وَيَقُولُ : أقِيْمُونِي بَيْنَ الصَّفَّيْنِ).
وعن زيد بن ثابت قال :(كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، وَقَدْ أمْلَى عَليَّ قَوْلُهُ :﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فَعَرَضَ ابْنُ أمِّ مَكْتُومٍ فَثَقُلَتْ فَخِذُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى فَخِذِهِ حَتَّى كَادَتْ تَنْحَطِمُ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾.
ومَن قرأ (غَيْرَ أوْلِي الضَّرَر) بالنصب فهو نصبٌ على الاستثناءِ، كأنَّهُ قالَ : إلاَّ أوْلِي، كما يقالُ : جاءَنِي القومُ غيرَ زيدٍ. ويجوزُ أن يكونَ على الحالِ ؛ أي لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ فِي حَالِ صِحَّتِهِمْ وَالمُجَاهِدُونَ، وهذا كما يقالُ : جاءَنِي زيدٌ غيرَ مريضٍ ؛ أي صَحِيْحاً.
ومن قرأ (غَيْرُ) بالرفعِ، فيجوزُ الرفعُ في استثناءِ الإثباتِ من النَّفي، ويجوزُ أن يكونَ (غَيْرُ) صفةٌ للقاعدين، وإنْ كان أَصلُ (غَيْرُ) أن تكونَ صفةً كما هو نكرةٌ. المعنى : لاَ يَسْتَوِي القاعدونَ الذي هُم غَيْرُ أولِي الضَّرَر والْمُجَاهِدُونَ في الفَضْلِ والثَّواب، وإن كانوا كلُّهم مؤمنين.
واختارَ بعضُهم قراءةَ الرفعِ ؛ لأنَّ معنى الصِّفةِ على لفظةِ (غَيْرُ) أغلبُ من معنى الاستثناء، واختارَ بعضُهم قراءةَ النصب لأن قولَه ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ نزلَ بعد قولهِ :(لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سبيلِ اللهِ) فيكونُ معنى الاستثناءِ به ألْيَقُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ ؛ أي فَضِيْلَةً ومَنْزِلَةً ؛ ﴿وَكُـلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ؛ أي وُكِلاَ الفريقين الْمُجَاهِدُ والقاعدُ وعدَهم اللهُ الْحُسْنَى يعنِي الْجَنَّةَ بالإيْمان. وفي هذا دليلٌ أنَّ الجهادَ فرضٌ على الكفايةِ ؛ لأنه لو كان فَرْضاً على الأعيانِ لَمْ يَجُزْ أن يكونَ القاعدُ عنه موعودٌ بالْحُسنى.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ ؛ أي فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهدين على القاعدينَ عنِ الجهادِ بغيرِ عُذر ثواباً حَسَناً في الجنَّة، فَقَوْلُهُ تَعَالَى :(أجْراً) نُصِبَ على التَّفسيرِ. وقال الأخفشُ :(عَلَى الْمُقَدَّر ؛ تَقْدِيْرُهُ : آجَرَهُمُ اللهُ أجَراً).
والفائدةُ في تكرار لفظ التفضِيل : أنَّ في الأول بيانُ تفضيلِ مَن جاهدَ بالمال والنفسِ جميعاً ؛ وفي آخرِ الآية بيانُ تفضيلِ الْمُجَاهِدِ مُطْلقاً، ويدخلُ فيه الْمُجَاهِدُ بالمالِ والنَّفْسِ، والْمُجَاهِدُ بالمالِ دونَ النفس، وبالنفس دونَ المالِ.
النساء 4:96
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ ؛ هذا بدلٌ من قولهِ تعالى (أجْراً) أو صفةٌ له ؛ وهو موضع نصبٍ. وعن ابن مُحَيْرِيْزِ أنهُ قال :(فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِيْنَ عَلَى الْقَاعِدِيْنَ سَبْعِيْنَ دَرَجَةً ؛ بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مَسِيْرَةَ سَبْعِيْنَ خَرِيْفاً لِلْجَوَادِ الْمُضَمَّرِ).
قولهُ :﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ ؛ أي غَفُوراً لذنب مَن جاهدَ، رَحِيْماً إذ ساوَى في وعدِ الْحُسنى بينَ مَن له العذرُ وبين مَن جاهدَ.
فإنْ قِيْلَ : كيفَ ذكرَ التفضيلَ في هذه الآية بدرجاتٍ، وفي الآيةِ التي قبلها بدرجةٍ ؟ قُلْنَا : قالَ بعضُهم : أراد بذكرِ الدرجَة في الآيةِ الأُولى : الفضيلةَ والكرامةَ في الدُّنيا، وبذكرِ الدرجاتِ درجاتِ الجنَّة منال في النَّعيمِ، بعضُها أعلى من بعضٍ، وذكرَ المغفرةَ لبيانِ خُلُوصِ نعيمِهم عنِ الكَدَر، كما رويَ في الخبرِ :(أنَّ اللهَ يُنْسِيْهِمْ فِي الْجَنَّةَ مَا كَانَ مِنْهُمْ مِنَ الذُّنُوب فِي الدُّنْيَا حَتَّى لاَ يَلْحَقَهُمُ الْحَيَاءُ)، وذكرَ الدرجةَ لبيانِ أنَّ اللهَ أعطاهُم ذلكَ النفعَ العظيم على جهةِ النِّعْمَةِ مع ما يضافُ إليه من الفضلِ بالزيادة في النِّعْمةِ. وقال بعضُهم : أرادَ بالتفضيلِ في الدرجةِ في الآية الأُولى تفضيلَ الْمُجَاهِدِيْنَ على القاعدينَ المعذورينَ، وبالآيةِ الثانية تفضيلَهم على القاعدين الذين لا عُذْرَ لَهم.
النساء 4:97
قوله عزّ وَجَلَّ :﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أهْلِ مَكَّةَ تَكَلَّمُواْ بالإسْلاَمِ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ - أيْ أظْهَرُوا الإسْلاَمَ وَأسَرُّواْ النِّفَاقَ - فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ خَرَجُواْ مَعَ الْمُشْرِكِيْنَ إلَى الْمُسْلِمِيْنَ، فَلَمَّا رَأوْا قِلَّةَ الْمُسْلِمِيْنَ قَالُواْ وَهُمْ مَعَ الْمُشْرِكِيْنَ : غَرَّ هَؤُلاَءِ دِيْنُهُمْ، فَقُتِلُواْ يَوْمَئِذٍ فَضَرَبَتِ الْمَلاَئِكَةُ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ)، وَقَالَتْ لَهُمْ : لِمَاذَا خَرَجْتُمْ مَعَ الْمُشْرِكِيْنَ وَتَرَكْتُمُ الْهِجْرَةَ؟! فَكَانَ سُؤَالُ الْمَلاَئِكَةِ لَهُمْ بهَذا عَلَى سَبيْلِ التَّقْرِيْعِ.
ويجوزُ أن يكونَ معناهُ : فِيمَ كُنْتُمْ في المشركينَ أمْ فِي المسلمينَ ؟ ﴿قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي مَقْهُورُونَ في أرضِ مكَّة، فأخرَجُونا معهم كَارهينَ، قالتِ الملائكةُ :﴿قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ ؛ يعني أرضَ المدينةِ واسعة أمِيْنَةً، ﴿فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ ؛ أي إليها، وتخرجُوا من بين أظْهُرِ المشركينَ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ نُصِبَ على الحالِ بمعنى تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ في حال ظُلْمِهِمْ لأنْفسِهم بالشِّركِ والنِّفَاقِ، والأصلُ (ظَالِمِيْنَ) إلاَّ أن النونَ حُذِفَتْ استخفافاً وهي ثانيةٌ في المعنى، فيكونُ هذا في معنى النكرةِ وإنْ أضيفََ إلى المعرفةِ، كما في قولهِ تعالى :﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾[المائدة: ٩٥]. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ أي تَقْبضُ أرواحَهم عند الموتِ، وإنَّما حُذفت التاءُ الثانية لاجتماع التَّاءين.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأُوْلَـائِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ ؛ أي أهلَ هذه الصِّفة مصيرُهم ومنْزِلتهم جهنمُ ؛ ﴿وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ ؛ لِمن صارَ إليها، واختلفوا في خَبَرِ :﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ ؛ قال بعضُهم : خبرهُ :﴿قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ﴾، أي قالوا لهم : فيما كنتم، قال بعضُهم خبرهُ :﴿فَأُوْلَـائِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾. وفي قولهِ تعالى :﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ دليلٌ أنهُ لا عذرَ لأحدٍ في المقام على المعصيةِ في بَلَدِهِ لأجلِ الْمَالِ والوَلَدِ والأهلِ، بل ينبغي أن يُفارقَ وَطَنَهُ إن لم يُمكنه إظْهَارُ الْحَقِّ فيهِ، ولِهذا رويَ عن سعيدِ بن جُبير أنه قالَ :(إذا عُمِلَ بالْمَعَاصِي فِي أرْضٍ فَاخْرُجْ مِنْهَا)، ورويَ عن رسولِ الله ﷺ أنهُ قالَ :" مَنْ فَرَّ بدِيْنِهِ مِنْ أرْضٍ إلَى أرْضٍ، وَإنْ كَانَ شِبْراً اسْتَوْجَبَ بهِ الْجَنَّةَ، وَكانَ رَفِيْقَ ابْرَاهِيْمَ وَمُحَمَّدٍ ﷺ "
النساء 4:98
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ ؛ استثناءٌ من قولهِ تعالى :﴿فَأُوْلَـائِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾[النساء: ٩٧] والمعنَى : إلاّ مَن صَدَقَ أنه مُسْتَضْعَفٌ من الشُّيوخِ والوِلْدَانِ ونِسَاءٍ لا يَجدونَ نَفَقَةَ الخروجِ إلى المدينة ولا يُمكنهم الخروجُ إليها، ولا يعرفونَ الطريقَ حتى يُهاجروا، والمعنَى : إلاَّ الْمُسْتَضْعَفِيْنَ المخلصينَ الْمُقْهُوريْنَ بَمَكَّةَ لم يستطيعوا الْهِجْرَةَ، ومُنِعُوا من اللُّحُوقِ بالنبيِّ ﷺ وهم يريدونَ اللُّحُوقَ بهِ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ ؛ قال مجاهدُ :(مَعْنَاهُ لاَ يَعْرِفُونَ طَرِيْقَ الْمَدِيْنَةِ). وقالُ ابنُ عبَّاس :(كُنْتُ أنَا وَأمِّي مِنَ الَّذِيْنَ لاَ يَسْتَطِيْعُونَ حِيْلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبيلاً، وَكُنْتُ غُلاَماً صَغِيراً يَومَئِذٍ، فَنَحْنُ مِمَّنِ اسْتَثْنَانَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ).
النساء 4:99
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأُوْلَـائِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ ؛ أي أهلُ هذه الصِّفة من المستضعفين، عَسَى اللهُ أنْ يَتَجَاوَزَ عنهُم، و ﴿عَسَى﴾ مِن اللهِ كلمةُ إيجابٍ ؛ لأنه أرْحَمُ الرَّاحِمِيْنَ، والفائدةُ في ذِكْرِ هذا اللفظِ أنْ يكونَ العبدُ بين الخوفِ والرَّجاءِ. وَقَوْلُهُ تَعََالَى :﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ ؛ أي لَم يَزَلْ عَفُوّاً عن عبادهِ غَفُوراً لَهم.
النساء 4:100
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾ ؛ أي مَن يَخْرُجْ في سبيلِ الله الذي أمرَ اللهُ بالْهِجْرَةِ فيهِ وهو سبيلُ المدينةِ ؛ يَجِدْ في الأرض مُتَحَوَّلاً كثيراً وَمُتَزَحْزَحاً عَمَّا يكرهُ. وقولهُ تعالى :﴿وَسَعَةً﴾ أي سَعَةً في الرِّزْقِ. وقال قتادةُ :(سَعَةً فِي إظْهَار الدِّيْنِ) وإنَّما قال ذلكَ كان يلحقُهم من الضِّيْقِ من جهةِ الكفَّار في إظهار دِينهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس : لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾ سَمِعَهَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي اللَّيْثِ شَيْخٌ كَبيْرٌ يُقَالُ لَهُ جُنْدُعُ بْنُ ضَمِرَةَ فَقَالَ : أنَا وَاللهِ مِمَّنِ اسْتَثْنَانَا اللهُ تَعَالَى فَإنِّي لاَ أجِدُ حِيْلَةً، وَاللهِ لاَ أبِيْتُ لَيْلَةً بَمَكَّةَ، فَخَرَجُواْ بهِ يَحْمِلُونَهُ عَلَى سَريْرِهِ ؛ فَأَتَواْ بهِ التَّنْعِيْمَ فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَصَفَّقَ بيَمِيْنِهِ عَلَى شِمالِهِ ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ إنْ كَانَ هَذِهِ لَكَ وَهَذِهِ لِرَسُولِكَ أبَايعُكَ عَلَى مَا بَايَعَكَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؛ فَمَاتَ حَمِيْداً.
فَبَلَغَ ذلِكَ أصْحَابَ النَّبيِّ ﷺ وَكَانُواْ يَقُولُونَ : لَوْ بَلَغَ إلَيْنَا لَتَمَّ أجْرُهُ، وَضَحِكَ الْمُشْرِكُونَ وَقَالُواْ : مَا أدْرَكَ مَا طلَبَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً﴾. أي مهاجِراً قومَهُ وأهلَه وولدَه إلى طاعةِ الله وطاعةِ رسوله ؛ ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ ؛ في الطريقِ ؛ ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللَّهِ﴾ ؛ فقد وجبَ ثوابهُ على اللهِ الْمَلِيءُ الوفِيُّ بوعدهِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً﴾ ؛ بما كان منهُ في الشِّرْكِ ؛ ﴿رَّحِيماً﴾ ؛ بهِ في الإسلامِ.
النساء 4:101
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَاوةِ﴾ ؛ أي إذا سافرْتُم في الأرضِ ؛ لأن الخروجَ إلى الصحراءِ أو القصدَ إلى القرية القريبةِ لا يسمَّى ضَرْباً في الأرضِ، وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ أي ليسَ عليكم حَرَجٌ وَمَأْثَمٌ في أن تَقْصُرُوا من الصلاةِ، يعني من أربعِ رَكَعَاتٍ إلى ركعتين، ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ﴾ ؛ أي إنْ عَلِمْتُمْ أنْ يَغْتَالَكُمُ، ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ؛ ويقتلُوكم، ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً﴾ ؛ أي عَدُوّاً ظاهِرَ العداوة، يُقبدون عداوتَهم لكم.
وفي الآيةِ ذكرُ القَصْرِ من الصلاةِ بين شَرْطَيْنِ، وأجمعتِ الأُمَّةُ أن أصلَ القَصْرِ لا يَتَعَلَّقَ بهما وأن كلَّ واحدٍ منهما يؤثِّر في القصرِ نوعَ تأثيرٍ، فتأثيرُ السَّفرِ في القصرِ في العددِ في الصَّلاة الرباعيَّة، وتأثيرُ الخوفِ في القصرِ في أركان الصَّلاة إذا خافَ إنْ قامَ في الصلاة أن يراهُ العدوُّ، أو خاف أن ينزل عن الدابَّة أن يدركهُ العدوُّ، وكان لهُ ترك القيامِ، وأنْ يُؤمِئَ على الدابَّة، فيحتملُ أن حرفَ العطفِ مضمراً في قولهِ :﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ كأنهُ قال : وإنْ خِفْتُمْ أن يَفْتِنَكُمُ الذينَ كَفَرُوا فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ.
وقال الحسنُ :(صَلاَةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ، فَإذا قامَ الْحَرْبُ فَرَكْعَةٌ) وهذا اللفظُ يقتضي القصرَ الذي هو في غاية في القصرِ متعلقٌ بشرطين على مذهبهِ. ورويَ :" أنَّ رَجُلاً سَأَلَ عُمَرَ رضي الله عنه عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقَالَ : كَيْفَ يَقْصُرُ النَّاسُ وَقَدْ أمِنُواْ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ ؛ حَتَّى سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذلِكَ فَقَالَ :" صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ بهَا عَلَيْكُمْ ألاَ فَاقْبَلُواْ صَدَقَةَ اللهِ عَلَيْنَا " يقتضي إسقاطَ الفرضِ عنَّا. وفي قولهِ ﷺ :" فَاقْبَلُواْ صَدَقَتَهُ " دليلٌ أنَّ القصرَ عَزِيْمَةٌ لا رُخْصَةٌ ؛ لأن ظاهرَ الأمرِ على الوجوب، ولِهذا قال أصحابُنا : إنَّ المسافرَ إذا صَلَّى الظهرَ أربعاً، ولم يقعُد في الثانيةِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فَسَدَتْ صلاتُه، كمصلَّي الفجرِ أربعاً.
النساء 4:102
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ﴾ ؛ الآيةُ، قال ابنُ عبَّاس :(لَمَّا رَأى الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأصْحَابَهُ قَامُواْ إلَى صَلاَةِ الظُّهْرِ وَهُوَ يَؤُمُّهُمْ ؛ نَدِمُواْ عَلَى تَرْكِهِمْ الإقْدَامَ عَلَى قِتَالِهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : دَعُوهُمْ ؛ فإنَّ بَعْدَهَا صَلاَةٌ هِيَ أحَبُّ إلَيْهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَوْلاَدِهِمْ - يُرِيْدُونَ الْعَصْرَ - فَإذا رَأَيْتُمُوهُمْ قَامُواْ إلَيْهَا فَشُدُّوا عَلَيْهِمْ، فَنَزَلَ جِبْرِيْلُ عليه السلام بهَذِهِ الآيَةِ وَأطْلَعَ اللهُ النَّبيَّ ﷺ عَلَى قَصْدِهِمْ وَمَكْرِهِمْ، وَعَنْ هَذا كَانَ إسْلاَمُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيْدِ حِيْنَ عَرَفَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اطَّلَعَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ قَصْدِ الْمُشْرِكِيْنَ فِي السِّرِّ فِيْمَا بَيْنَهُمْ).
ومعنى الآيةِ : وإذا كُنْتَ يَا مُحَمَّدُ معَ المؤمنينَ في الغَزْو فابتدأتَ في صلاةِ الخوفِ ؛ فَلْيَقُمْ جَمَاعَةٌ منهُم معكَ في الصلاةِ ؛ وَلْتَكُنْ أسلحتُهم معَهم في صلاتِهم ؛ لأنَّ ذلك أهْيَبُ للعدوِّ، فإذا سَجَدَتِ الطائفةُ التي معكَ وصَلَّتْ ركعةً، فلينصرِفُوا إلى المصاف وليقفُوا بإزَاءِ العَدُوِّ ؛ ﴿وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ ؛ وهمُ الذينَ كانوا بإزاءِ العدوِّ، ولم يصلُّوا معكَ في الركعةِ الأُولى ؛ فليصلُّوا معكَ الركعةَ الأُخرى، ولْتَكُنْ أسلحتُهم معَهم في الصَّلاةِ، ولم يذكرْ في الآية لكلِّ طائفةٍ إلاّ ركعةً واحدةً.
وفي صلاةِ الخوفِ خلافٌ بين العلماء ؛ قال بعضُهم : إنَّها غير مشروعةٍ بعدَ رَسولِ الله ﷺ ؛ وهو روايةٌ عن أبي يوسف وهو قولُ الحسنِ بن زياد ؛ لأنَّ في هذه الآيةِ ما يدلُّ على كون النبيِّ ﷺ شَرَطٌ في إقامةِ صلاة الخوف ؛ ولأنَّها إنَّما جازَتْ للنبيِّ ﷺ لِيَسْتَدْركَ الناسُ فضيلةَ الصلاةِ خَلْفَهُ ؛ لأنَّ إمامةَ غيرهِ لَمْ تكن لتقومَ مقامَ إمامتهِ.
وذهبَ أكثرُ العلماء إلى أنَّ صلاةَ الخوف مشروعةٌ بعد النبيِّ ﷺ، وأنَّ الخطابَ في هذه الآيةِ وإنْ كان للنبيِّ ﷺ فالأئمَّةُ بعدَه يقومون مقامَه كما في قولهِ تعالى :﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾[التوبة: ١٠٣] ونحوِ ذلك من الآياتِ.
واختلفوا في كيفيَّة صلاةِ الخوف، فقال أبُو حَنِيْفَةَ ومحمدٌ :(يَجْعَلُ الإمَامُ النَّاسَ طَائِفَتَيْنِ ؛ طَائِفَةٌ بإزَاءِ الْعَدُوِّ، وَطَائِفَةٌ مَعَهُ ؛ فَيُصَلِّي بهِمَا رَكْعَةً رَكْعَةً، ثُمَّ تَنْصَرِفُ هَذِهِ الطَّائِفَةُ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ ؛ وَتَجِيْءُ الأُخْرَى فَيُصَلِّي بهِمْ رَكْعَةً، وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ. ثُمَّ تَرْجِعُ هَذِهِ الطَّائِفَةُ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ بغَيْرِ سِلاَمٍ، وَتَأْتِي الأُوْلَى فَتَقْضِي الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ وحْدَاناً بغَيْرِ قِرَاءَةٍ، فَإذا سَلَّمَتْ وَقَفَتْ بإزَاءِ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتْ تِلْكَ الطَّائِفَةُ فَتَقْضِي الرَّكْعَةَ الأُوْلَى وحْدَاناً بقِرَاءَةٍ.
وعن أبي يوسُف :(إذا كَانَ الْعَدُوُّ فِي وَجْهِ الْقِبْلَةِ ؛ وَقَفَ الإمَامُ وَجَعَلَ النَّاسَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ ؛ فَافْتَتَحَ بهِمُ الصَّلاَةَ مَعاً، فَصَلَّى بهِمْ رَكْعَةً ؛ فإذا سَجَدَ الإمَامُ سَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الأَوَّلُ، وَوَقَفَ الثَّانِي يَحْرِسُونَهُمْ، فَإذا رَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ مِنَ السُّجُودِ سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي ؛ وَتَأَخَّرَ الأَوَّلُ، وَيَقُومُ الصَّفُّ الثَّانِي فَيَرْكَعُ بهِمْ جَمِيْعاً، ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ وَيَسْجُدُ الصَّفُّ الْمُتَقَدِّمُ سَجْدَتَيْنِ، وَالصَّفُّ الآخَرُ يَحْرِسُونَهُمْ، ثُمَّ يَسْجُدُ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ سَجْدَتَيْنِ لأنْفُسِهِمْ ؛ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ الإمَامُ وَيُسَلِّمُ بهِمْ جَمِيْعاً).
النساء 4:103
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ ؛ يعني صَلاَةَ الخوفِ إذا فَرَغْتُمْ منها فَاذْكُرُوا اللهَ ؛ أي صَلُّوا قِيَاماً للصحيحِ ؛ وقُعُوداً للمريضِ ؛ وَعَلَى جُنُوبكُم للمرضَى والجرحَى الذين لا يستطيعون الجلوسَ. وَقِيْلَ : معناهُ : فَاذْكُرُوا اللهَ بتوحيدِه وتسبيحه وشُكْرِهِ على كلِّ حالٍ. قال ابنُ عبَّاس :(لَمْ يَعْذُر اللهُ أحَداً فِي تَرْكِ ذِكْرِهِ إلاَّ الْمَغْلُوبَ عَلَى عَقْلِهِ).
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ﴾ ؛ أي رَجَعْتُمْ من سفرِكم وزالَ عنكمُ الخوفُ والمرض والقتالُ ﴿فَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ﴾ أي أتِمُّوها أربعاً بركوعِها وسُجودِها وسائرِ شروطها، ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً﴾ ؛ أي فَرْضاً مَفْرُوضاً مُوَقَّتاً أوقاته، ويقالُ : معلوماً فَرْضُهُ للمسافرين ركعتان ولِلْمُقِيْمِ أربعُ ركعاتٍ. وقال الأعمشُ :(مَوْقُوتاً ؛ أيْ مُؤْقَّتاً).
النساء 4:104
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَآءِ الْقَوْمِ﴾ ؛ أي لا تَضْعُفُوا في طلب ابتغاء القوم أبي سفيان وأصحابه لِمَا أصابَكم من القتلِ والجراحات يوم أُحُدٍ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ﴾ ؛ أي إنْ كُنْتُمْ تَأْلَمُونَ مِن الجِرَاحِ فَلَهُمْ مثلُ ذلك، والمعنَى : إنْ كان لكم صَارفٌ عن الحرب وهو أنكم تألَمُونَ مِن الجراحِ فلهم مثلُ ذلك من الصَّارفِ، ولكم أسبابٌ داعية إلى الحرب ليست لَهم، وهو أنَّكم ترجونَ الثوابَ والنَّصْرَ من اللهِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً﴾ ؛ بمصالِحكُم ﴿حَكِيماً﴾ ؛ فيما يَأَمُرُكُمْ به.
النساء 4:105
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَار يُقالُ لَهُ طُعْمَةُ بْنُ أبَيْرِق ؛ سَرَقَ دِرْعاً مِنْ جَارٍ لَهُ يقالُ لَهُ : قتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَكَانَتِ الدِّرْعِ فِي غِرَارَةٍ وَجِرَابٍ فِيْهِ دَقِيْقٌ، فَانْتَثَرَ الدَّقِيْقُ مِنَ الْمَكَانِ الَّّذِي سَرَقَهُ إلَى بَاب مَنْزِلِهِ، فَفُطِنَ بهِ أنَّهُ هُوَ السَّارِقُ ؛ فَمَضَى بالدِّرْعِ إلَى يَهُودِيٍّ يُقَالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ السَّمِينِ فَأَوْدَعَهُ إيَّاهَا، فَالْتُمِسَتِ الدَّرْعُ عِنْدَ طُعْمَةَ فَلَمْ تُوجَدْ عِنْدَهُ، فَحَلَفَ لَهُمْ مَا أخَذهَا وَلاَ لَهُ عِلْمٌ، فَقَالَ أصْحَابُ الدِّرْعِ : لَقَدْ أدْلَجَ عَلَيْنَا وَأخَذهَا، وَطَلَبْنَا أثَرَهُ حَتَّى دَخَلْنَا دَارَهُ، وَلَقِيْنَا الدَّقِيْقَ مُنْتَثِراً، فَلَمَّا حَلَفَ تَرَكُوهُ وَاتَّبَعُواْ أثَرَ الدَّقِيْقِ حَتَّى انْتَهَوا إلَى مَنْزِلِ الْيَهُودِيِّ وَطَلَبُوهُ، فَقَالَ : دَفَعَهَا إلَيَّ طُعْمَةُ بْنُ أبَيْرِق، وَشَهِدَ لَهُ نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى ذلِكَ، فَقَالَ قَوْمُ طُعْمَةَ : انْطَلِقُواْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنُكَلِّمُهُ فِي صَاحِبنَا نُعذُرُهُ وَنَتَجَاوَزُ عَنْهُ، فَإنَّ صَاحِبَنَا بَرِيْءٌ مَعْذُورٌ. فَأَتَواْ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَكَانُواْ أهْلَ لِسَانٍ وَبَيَانٍ، فَسَأَلُوهُ أنْ يَعْذُرَهُ عِنْدَ النَّاسِ ؛ فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَعْذُرَهُ وَيُعَاقِبَ الْيَهُودِيَّ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ).
وفي رواية عن ابنِ عبَّاس :(أنَّ طُعَمَةَ سَرَقَ دِرْعاً ؛ وَكَانَ الدِّرْعُ فِي جِرَابٍ فِيْهِ نِخَالَةٌ، فَخَرَقَ الْجِرَابَ حَتَّى كَانَ يَتَنَاثَرُ النِّخَالَةُ بطُولِ الطَّرِيْقِ، فَجَاءَ بهِ إلَى دَارَ زَيْدِ بْنِ السَّمِيْنِ الْيَهُودِيِّ وَتَرَكَهُ عَلَى بَاب دَارهِ، وَحَمَلَ الدِّرْعَ إلَى بَيْتِهِ، فَلَمَّا أصْبَحَ صَاحِبُ الدِّرْعِ جَاءَ إلَى زَيْدِ بْنِ السَّمِيْنِ عَلَى أثَرِ النِّخَالَةِ، وَحَمَلَهُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَقْطَعَ يَدَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ). إنا أنزلنا إليك يا مُحَمَّدٌ القُرْآنَ إنْزالاً بالحقِّ، وَقِيْلَ :(بالْحَقِّ) أي بالأمرِ والنَّهي والفصلِ لتحكمَ بين الناسِ بما أعلمَكَ اللهُ وأوحَى إليكَ، ﴿وَلاَ تَكُنْ﴾ ؛ يَا مُحَمَّدُ ؛ ﴿لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾ ؛ أي لِطُعْمَةَ وقومهِ مُعِيْناً.
النساء 4:106
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ ؛ أي تُبْ إلى اللهِ واستغفرْهُ مِمَّا هَمَمْتَ بهِ من قطعِ يد زَيْدِ بن السَّمين. وقال الكلبيُّ :(مِنْ هَمِّكَ بالْيَهُودِيِّ أنْ تَضْرِبَهُ). وقال مقاتلُ :(وَاسْتَغْفِرِ اللهَ مِنْ جِدَالِكَ الَّذِي جَادَلْتَ عَنْ طُعْمَةَ)، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً﴾ ؛ لِمَنْ يستغفرُهُ ؛ ﴿رَّحِيماً﴾ ؛ بالتَّائبينَ.
النساء 4:107
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ ؛ ولا تُخَاصِمْ عن الذين يَظْلِمُونَ أنفسهَم بالخيانةِ والسَّرقة ورميِ اليهوديِّ بها، ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً﴾ ؛ أي خَائِناً في الدِّرعِ ؛ ﴿أَثِيماً﴾ ؛ في رَمْيهِ اليهوديَّ. وَقِيْلَ : الْخَوَّانُ : المكتسبُ للإثْمِ، والآثِمُ الفاجرُ بالكذب ورمي البريءِ، وإنَّما قال :(يَخْتَانُونَ أنْفُسَهُمْ) وإنْ كانوا خَانُوا غيرَهم ؛ لأن مضرَّةَ خيانتِهم راجعةٌ إليهم، كما يقالُ : فَمَنْ ظَلَمَ غَيْرَهُ مَا ظَلَمَ إلاَّ نَفْسَهُ، وإنَّما قال :(خَوَّاناً) ولم يقل خَائِناً لعظيمِ أمرِ الخيانَةِ.
النساء 4:108
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ ؛ معناهُ : يستخفِي قومُ طُمْعَةَ ؛ أي يُسِرُّونَ من الناسِ وهم يعلمون أنهُ سارقٌ ولا يستَتِرُون من اللهِ ؛ أي لا يُمكنهم الاستخفاءُ منه، فإنَّ سِرَّهُمْ وعلانيتَهم عند الله ظَاهرٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ وهو شاهدٌ لأفعالِهم ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي يُدَبِرُونَ، ويقولون بالليلِ قَوْلاً لا يرضاهُ اللهُ ؛ وهو اتَّفاقُ قول طُعْمَةَ على أنْ يَرْمُوا اليهوديَّ. وقَوْلُهَ تَعَالَى :﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ ؛ أي عالِماً لا يفوتهُ شيء كما لا يفوتُ الْمُحِيْطَ بالشيءِ.
النساء 4:109
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿هَا أَنْتُمْ هَـاؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ؛ وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ أرادَ أن يقطعَ طُعْمَةَ في السرقةِ بعد هذه الآيات ؛ فجاءَ قومُه شَاكِّينَ في السِّلاحِ فجاجلُوا عنه وهربُوا به، فأنزل اللهُ هذه الآية، ومعناها : هَا أنْتُمْ يَا قومَ طُعْمَةَ خاصمتُم النبيَّ ﷺ عن طعمةَ وعن خيانتهِ في دار الدُّنيا.
وفي قراءة أبيّ :(جَادَلْتٌُمْ عَنْهُ فَمَنْ يُجَادِلُ اللهَ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إذا أخَذهُ بعَذَابهِ وأَدْخَلَهُ النَّارَ) ؛ ﴿أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ ؛ يتوكَّلُ بهم ويصلحُ أمرَهم ويحفظَهم من عذاب الله.
النساء 4:110
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ ؛ أي ومَن يَعْمَلُ سوءاً " ويرمي " به غيرَه نحو السَّرقةِ والقتلِ والقذْفِ، أو أنه يَظْلِمُ نفسَه نحو الكذب الكذب واليمين الفاجِرَةِ وشرب الْخَمْرِ وتركِ الفرائض ؛ ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ ؛ بالتوبةِ ؛ ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً﴾ ؛ للمستغفرينَ التائبين ؛ ﴿رَّحِيماً﴾ ؛ بهم بعدَ التوبةِ. وإنَّما شُرطت التوبة ؛ لأن الاستغفارَ لا يكونُ توبةً بالإجماع ما لم يَقُلْ معهُ : تُبْتُ وأسأتُ ولا أعوذُ إليه أبداً ؛ فَاغْفِرْ لِي يا رب. وَقِيْلَ : معناهُ : مَن يعمل سوءاً بسَرِقَةِ الدرعِ، أو يظلم نفسَه برميهِ البريءَ بالسرقةِ.
وَقِيْلَ : معناهُ من يعمل سُوءاً أو شِرْكاً ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ يعني ما دونَ الشِّركِ، ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أي يتوبَ إلى اللهِ، ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾. وَقِيْلَ : أرادَ بالسُّوء : الكبيرةَ، ويَظْلِم النفسَ : الصغيرةَ.
وعن عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ ؛ قالَ :(حَدَّثَنِي أبُو بَكْرٍ وَصَدَقَ أبُو بَكْرٍ رضي الله عنه قَالَ : مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْباً ثُمَّ يَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيَسْتَغْفِرُ اللهَ إلاَّ غَفَرَ اللهُ لَهُ، وَتَلاَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآيةُ).
النساء 4:111
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ ؛ أي مَنْ يعمَلْ معصيةً فإنَّما عقوبته على نفسهِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ ؛ أي لَمْ يزل عَلِيْماً بكلِّ ما يكونُ، حَكِيماً فيما حَكَمَ به من القًَطْعِ على السارقِ. وَقِيْلَ : معنى الآيةِ :(وَمَنْ يَكْسِبْ إثْماً) يعني بيَمِيْنِهِ بالباطلِ، فَإنَّما يَضُرُّ به نفسَهُ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً﴾ بسارقِ الدِّرع، ﴿حَكِيماً﴾ حَكَمَ بالقطعِ على طُعْمَةَ بالسَّرقةِ.
وقد روي : أنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ؛ عَرَفَ قَوْمُ طُعْمَةَ كُلُّهُمْ أنَّهُ هُوَ الظَّالِمُ، فَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِ وَقَالُواْ لَهُ : اتَّقِ اللهَ وَائْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَبُوءُ بالذنْب، فَقَالَ : لاَ ؛ وَالَّذِي يُحْلَفُ بهِ مَا سَرَقَهَا إلاَّ الْيَهُودِيُّ. فنَزل قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ ؛ أي وَمن يعمل معصيةً بغيرِ عمدٍ أو متعمِّداً ثُمَّ يَرْمِ بَرِيْئاً ؛ فقد استوجبَ عقوبةَ الْبُهْتَانِ برميهِ غيرَهُ بشيء لم يفعلَهُ ﴿وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ أي ذنْباً بَيِّناً ظَاهِراً.
وَقِيْلَ : معناهُ :(وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً) أي بيمينهِ الكاذبة (أوْ إثْماً) بسرقةِ الدِّرْعِ وَرَمْيِ اليهودي. والْبُهْتَانُ : بَهُتَ الرَّجُلِ بمَا لَمْ يَفْعَلْهُ. وقال الزجَّاج :(الْبُهْتَانُ الْكَذِبُ الَّذِي يُتَحَيَّرُ مِنْ عِظَمِهِ).
النساء 4:112
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ ؛ أي مَنْ يعمَلْ معصيةً فإنَّما عقوبته على نفسهِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ ؛ أي لَمْ يزل عَلِيْماً بكلِّ ما يكونُ، حَكِيماً فيما حَكَمَ به من القًَطْعِ على السارقِ. وَقِيْلَ : معنى الآيةِ :(وَمَنْ يَكْسِبْ إثْماً) يعني بيَمِيْنِهِ بالباطلِ، فَإنَّما يَضُرُّ به نفسَهُ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً﴾ بسارقِ الدِّرع، ﴿حَكِيماً﴾ حَكَمَ بالقطعِ على طُعْمَةَ بالسَّرقةِ.
وقد روي : أنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ؛ عَرَفَ قَوْمُ طُعْمَةَ كُلُّهُمْ أنَّهُ هُوَ الظَّالِمُ، فَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِ وَقَالُواْ لَهُ : اتَّقِ اللهَ وَائْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَبُوءُ بالذنْب، فَقَالَ : لاَ ؛ وَالَّذِي يُحْلَفُ بهِ مَا سَرَقَهَا إلاَّ الْيَهُودِيُّ. فنَزل قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ ؛ أي وَمن يعمل معصيةً بغيرِ عمدٍ أو متعمِّداً ثُمَّ يَرْمِ بَرِيْئاً ؛ فقد استوجبَ عقوبةَ الْبُهْتَانِ برميهِ غيرَهُ بشيء لم يفعلَهُ ﴿وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ أي ذنْباً بَيِّناً ظَاهِراً.
وَقِيْلَ : معناهُ :(وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً) أي بيمينهِ الكاذبة (أوْ إثْماً) بسرقةِ الدِّرْعِ وَرَمْيِ اليهودي. والْبُهْتَانُ : بَهُتَ الرَّجُلِ بمَا لَمْ يَفْعَلْهُ. وقال الزجَّاج :(الْبُهْتَانُ الْكَذِبُ الَّذِي يُتَحَيَّرُ مِنْ عِظَمِهِ).
النساء 4:113
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ﴾ ؛ أي لَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عليكَ يا مُحَمَّدُ بالنبوَّة والإسلامِ ؛ وَرَحْمَتُهُ بإرسال جبريلَ عليه السلام إليكَ بالقُرْآن الذي فيه خَبَرُ ما غاب عنكَ لقصدتَ من قومِ طُعْمَةَ أن يُخْطِئُوكَ ويحملوكَ أن تَحْكُمَ بما هو غيرُ واجبٍ في الباطنِ، وأن تُبَرِّئَ الخائنَ من غيرِ حقيقيةٍ ؛ ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ﴾ ؛ أي وما يكون إضْلالُهم إلاَّ على أنفسِهم، ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ ؛ ولا ينقصونَكَ شيئاً مع عِصْمَةِ الله تعالى إيَّاكَ ؛ ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ؛ أي القُرْآنَ ومعرفةَ الحلالِ والحرامِ ؛ ﴿وَعَلَّمَكَ﴾ ؛ بالْوَحْيِ ؛ ﴿مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ ؛ قَبْلَهُ ؛ ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ ؛ بالنبوَّة والإسلامِ.
وفي هذه الآياتِ دلالةٌ أنه لا يجوزُ لأحدٍ أن يخاصِمَ عن غيرهِ في إثباتِ حقٍّ أو نفيهِ وهو غيرُ عالِمٍ بحقيقةِ أمرهِ، وأنه لا يجوزُ للحاكمِ الْمَيْلُ إلى أحدِ الخصمين، وإن كان أحدُهما مُسلماً والآخرَ كافراً، وأن وجودَ السرقةِ في يدَيّ إنسانٍ لا يوجبُ الحكمَ بها عليهِ.
النساء 4:114
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ ؛ أي لا خيرَ في كثيرٍ من أسرار قومِ طُعْمَةَ فيما يريدون بينَهم إلاّ نَجْوَى مَن أمرَ بصدقةٍ فتصدَّق بها، ويجوزُ أن يكون معنى (إلاّ مَنْ أمَرَ) الاستثناء ليس من الأوَّل على معنى (لكن) فيكون موضع (مَنْ أمَرَ) نصباً على الإضمار، والأوَّل موضعهُ خفضٌ.
وذهب الزجَّاج :(إلَى أنَّ النَّجْوَى فِي اللُّغَةِ : مَا تَفَرَّدَ بهِ الْجَمَاعَةُ وَالاثْنَانِ ؛ سِرّاً كَانَ ذلِكَ أوْ ظَاهِراً). وقال :(مَعْنَى : نَجَوْتُ الشَّيْءَ إذا خَلَّصْتَهُ وَأفْرَدْتَهُ، وَنَجَوْتُ فُلاناً إذا اسْتَسَرْتُهُ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ أي أوْ أمرٍ بمعروفٍ، ويسمى البرُ كلهُ معروفاً، قال ﷺ :" كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَأَوَّلُ أهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً أهْلُ الْمَعْرُوفِ، وَصَنَائِعُ الْْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارعَ السُّوءِ "
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ يعني الإصلاحَ بين المتخاصمين، وإصلاحَ ذاتِ البَيْنِ، قال ﷺ :" ألاَ أخْبرُكُمْ بأفْضَلِ دَرَجَةٍ مِنَ الصَّلاَةِ وَالصَّدَقَةِ ؟ " قَالُواْ : بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ :" إصْلاَحُ ذاتِ الْبَيْنِ، وَفَسَادُ ذاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ، فَلاَ أقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّيْنَ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ ؛ معناهُ : من يفعل ذاك البرِّ والصلاحَ والصدقةَ لطلب مَرْضَاةِ اللهِ تعالى، لا لِلرَّيَاءِ والسُّمعةِ، ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ ؛ نُعْطِيْهِ ؛ ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ ؛ أي ثَوَاباً وَافِراً في الجنَّة.
النساء 4:115
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ نَزَلَتْ فِي طُعَمَةَ ؛ وَذَلِكَ أنَّهُ لَمَّا نَزَلَ فِيْهِ الْقُرْآنُ، وَعَلِمَ قَوْمُهُ أنَّهُ ظَالِمٌ، وَخَافَ هُوَ عَلَى نَفْسِهِ الْقَطْعَ وَالْفَضِيْحَةَ ؛ هَرَبَ إلَى مَكَّةَ ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ، ومعناها : ومن يخالفِ الرسولَ في التوحيدِ والحدُودِ مُعَانداً من بعدِ ما تَبَيَّنَ له حكمُ اللهِ، ويتَّبع ديناً غيرَ دينِ المؤمنين وهو دينُ أهلِ مكَّة ؛ ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ ؛ أي نَكِلُهُ في الآخرةِ إلى ما تولَّى. قِيْلَ : وَنَتْرُكْهُ إلى اختارَ لنفسهِ في الدُّنيا ؛ أي لا يتولَّى اللهُ نَصْرَهُ ولا معونتَه، ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ ؛ أي وَنُلْزِمُهُ دخولَ جهنَّم في الآخرةِ، ﴿وَسَآءَتْ﴾ ؛ جهنَّمُ ؛ ﴿مَصِيراً﴾ ؛ أي لِمن صارَ اليها.
فَلَمْ يَتُبْ طُعْمَةُ وَلَمْ يَنْدَمُ، وَأقََامَ عَلَى كُفْرِِهِ، ثُمَّ إنَّهُ نَقَبَ بَيْتَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ مِنْ أهْلِ مَكَّةَ ؛ فَسَقَطَ عَلَيْهِ حَجَرٌ فَنَشَبَ فِيْهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَدْخُلَ وَلاَ يَخْرُجَ حَتَّى أصْبَحَ ؛ فَأَخَذهُ لِيَقْتُلَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : دَعُوهُ ؛ فَإنَّهُ قَدْ لَجَأَ إلَيْكُمْ وَتَحَرَّمَ بكُمْ فَاتْرُكُوهُ ؛ فَأَخَرَجُوهُ مِنْ مَكَّةَ، فَخَرَجَ مَعَ قَوْمٍ مِنَ التُّجَّارِ نَحْوَالشَّامِ ؛ فَنَزَلُواْ مَنْزِلاً فَسَرَقَ بَعْضَ مَتَاعِهِمْ وَهَرَبَ، فَطَلَبُوهُ فَوَجَدُوهُ ؛ فَرَمَوْهُ بالْحِجَارَةِ حَتَّى قَتَلُوهُ ؛ فَصَارَ قَبْرُهُ تِلْكَ الْحِجَارَةَ.
النساء 4:116
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي وَحْشِيٍّ قَاتِلُ حَمْزَةَ رضي الله عنه). والمعنى : إنَّ الله لا يغفرُ شِرْكَ الْمُشْرِكِ به إنْ ماتَ بغير توبةٍ ؛ ويغفرُ ما دون الشِّرْكِ لِمن يشاءُ من أهلِ الإسلامِ من غيرِ توبةٍ.
وقال الضحَّاك عن ابنِ عبَّاس :(إنَّ شَيْخاً مِنَ الأَعْرَابِ جَاءَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ : يَا نبيَّ اللهِ ؛ إنِّي شَيْخٌ مَنْهَمِكٌ فِي الذُنُوب وَالْخَطَايَا ؛ إلاَّ أنِّي لاَ أُشْرِكُ بهِ شَيْئاً مُذْ عَرَفْتُهُ وَآمَنْتُ بهِ ؛ ولَمْ أتَّخِذْ مِنْ دُونِهِ وَلِيّاً، وَلَمْ أقَعْ عَلَى الْمَعَاصِي جُرْأَةً عَلَى اللهِ وَلاَ مُكَابَرَةً لَهُ، وَلاَ تَوَهَّمْتُ طَرْفَةَ عَيْنِ أنْ أعْجِزَ اللهَ هَرَبَاً، إنِّي لَنَادِمٌ تَائِبٌ مُسْتغْفِرٌ، فَمَا لِي عِندَ اللهِ؟. فًَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿نَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾. ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ ؛ أي فقد ذهَبَ عن الصواب والْهُدَى ذهاباً بعيداً، وَحُرِمَ الخيرَ كلَّه.
والفائدةُ في قوله ﴿بَعِيداً﴾ أنَّ الذهابَ عن الجنَّة على مراتبَ أبعجُها الشِّرْكُ باللهِ تعالى.
النساء 4:117
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً﴾ ؛ أي إن يعبدُ أهل مكَّةَ من دون الله إلاّ الأصنامَ وَالأوثانَ، وسمَّاهَا إناثاً ؛ لأنَّهم سَمَّوها باسمِ الإنَاثِ : اللاَّتُ وَالْعُزَّى وَمَنَاتَ، فعبدُها مع اعتقادِهم بنُقصَانِ مراتب الإناثِ عن الذُكور ؛ لأنَّ الإناثَ من كلِّ جنسٍ أرَاذلَةٌ، وَقالُ : إنَاثاً ؛ أي مَوَاتاً ؛ لأنَّ الْمَوَاتَ كلَّها يُخْبرُ عنها كما يخبرُ عن الإناثِ، يقالُ : هذه الأَحْجَارُ تُعْجِبُنِي ؛ ((كما تقولُ : هذه المرأة تُعجبني)).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً﴾ ؛ أي ما يريدون بِعِبَادَةِ الأوثان إلاَّ عبادةَ الشَّيطانِ، وَالْمَرِيْدُ : الْعَاتِي الْخَارجُ عَنِ الطّاعَةِ، ويسمَّى الْمَرِيْدُ مَرِيْداً لِتَعَرِّيْهِ عَنِ الْخَيْرِ، يقال : شجرةٌ مَرْدَاءُ ؛ أي لا وَرَقَ عليها، وغلامٌ أمْرَدٌ : إذا لم يكن على وجههِ شعرٌ.
النساء 4:118
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ أرادَ به الشيطانَ أبعَدَهُ من رحمتهِ إلى عقابهِ بالحكم لهُ بالخلودِ في جهنَّم، ويسقطُ بهذا قولُ من قالَ : كيفَ يَصحُّ أن يقالَ :(لَعَنَهُ اللهُ) وهو في الدُّنيا لا يخلُو من نِعْمَةٍ تَصِلُ إليه من الله في كلِّ حال ؟ الجواب لا يعتدُّ بتلك النعمة مع الْحُكْمِ له بالخلودِ في النَّار.
قوله تعالى :﴿لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ أي قالَ إبليسُ : لأَتَّخِذنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيْباً معلُوماً، فكلُّ ما أطِيْعَ فيه إبليسُ فهو مفروضٌ له.
والفرضُ في اللغة : الْقَطْعُ ؛ ومنهُ الْفُرْضَةً أي الثُّلْمَةُ، والفرضُ في القوس : ما شَدَّ به الوترُ، والفريضةُ في العباداتِ : الأمرُ الْحَتْمُ الْقَاطِعُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾[البقرة: ٢٣٧] أي جعلتم لَهُنَّ قطيعةً من المالِ، وأما قولُ الشاعر : إذا أكَلْتَ سَمَكاً وَفَرْضاً ذهَبْتَ طُولاً وذَهَبْتَ عَرْضَافالفرضُ هنا التَّمْرُ، سُمي فرضاً لأنه يؤخذُ من فرائضِ الصَّدقةَِ.
النساء 4:119
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ ؛ حكايةُ قول إبليسَ ؛ أي لأُضِلَّنَّهُمْ عن الحقِّ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ أنَّهُ لا جَنَّة ولا نارَ ولا بعثَ ولا حسابَ، ولأُريحنَّهم طولَ الحياةِ في الدُّنيا، ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ﴾ ؛ أي بتَشْقِيْقِ آذانِ الأنعَامِ ؛ وهي الْبُحِيْرَةُ التي كانوا يفعلونَها نُسُكاً وعبادةً للأوثانِ، والقطع. ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس ومجاهدُ وقتادة والحسنُ والضحَّاك :(فَلْيُغَيِّرُنَّ دِيْنَ اللهِ) نَظِيْرُهُ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾[الروم: ٣٠] أي لدينِ الله، كقولهِ :﴿فَلاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾[الروم: ٣٠]. وقال عكرمةُ :(مَعْنَاهُ : فَلِيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ بالْخَصْيِ وَالْوَشْمِ وَقَطْعِ الآذانِ وَفَقْئِ الْعُيُونِ). قال مجاهدُ :(كَذبَ عِكْرِمَةُ ؛ إنَّما هُوَ دِيْنِ اللهِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً﴾ ؛ أي مَن يَتَّخِذْهُ ذنَاصِراً من دون اللهِ فقد غُبنَ غُبناً ظاهراً ؛ لأنه خَسِرَ الجنَّةَ والنعيمَ الذي فيها.
فإن قيل : كيفَ عَلِمَ إبليسُ أنهُ يَتَّخِذُ من عبادِ الله نصيباً ؟ فيه أجوبةٌ ؛ منها : أنَّ اللهَ لَمَّا خاطبَهُ بقولهِ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾[هود: ١١٩] عَلِمَ إبليسُ أنهُ يَنَالُ من ذرِّيةِ آدمَ ما تَمَنَّى. ومنها : أنه لَمَّا وََسْوَسَ لآدمَ فنَالَ منهُ ما نالَ، طَمِعَ في ذرِّيته. ومنها : أن إبليسَ يلَمَّا عَايَنَ الجنَّة والنارَ عَلِمَ أنَّ لَهَا سُكَّاناً من الناسِ).
وقوله :﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ ؛ أي يَعِدُهُمْ أن لاَ جَنَّةَ وَلاَ نَارَ ؛ وَيُمَنِّيْهِمْ طُولَ البقاءِ في الدُّنيا ودوامَ نعيمِها ويُؤْثِرُوهَا على الآخرةِ، ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ ؛ أي بَاطِلاً، والْغُرُورُ : إيْهَامُ النَّفْعِ فيما فيه ضررٌ.
النساء 4:120
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ ؛ حكايةُ قول إبليسَ ؛ أي لأُضِلَّنَّهُمْ عن الحقِّ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ أنَّهُ لا جَنَّة ولا نارَ ولا بعثَ ولا حسابَ، ولأُريحنَّهم طولَ الحياةِ في الدُّنيا، ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ﴾ ؛ أي بتَشْقِيْقِ آذانِ الأنعَامِ ؛ وهي الْبُحِيْرَةُ التي كانوا يفعلونَها نُسُكاً وعبادةً للأوثانِ، والقطع. ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس ومجاهدُ وقتادة والحسنُ والضحَّاك :(فَلْيُغَيِّرُنَّ دِيْنَ اللهِ) نَظِيْرُهُ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾[الروم: ٣٠] أي لدينِ الله، كقولهِ :﴿فَلاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾[الروم: ٣٠]. وقال عكرمةُ :(مَعْنَاهُ : فَلِيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ بالْخَصْيِ وَالْوَشْمِ وَقَطْعِ الآذانِ وَفَقْئِ الْعُيُونِ). قال مجاهدُ :(كَذبَ عِكْرِمَةُ ؛ إنَّما هُوَ دِيْنِ اللهِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً﴾ ؛ أي مَن يَتَّخِذْهُ ذنَاصِراً من دون اللهِ فقد غُبنَ غُبناً ظاهراً ؛ لأنه خَسِرَ الجنَّةَ والنعيمَ الذي فيها.
فإن قيل : كيفَ عَلِمَ إبليسُ أنهُ يَتَّخِذُ من عبادِ الله نصيباً ؟ فيه أجوبةٌ ؛ منها : أنَّ اللهَ لَمَّا خاطبَهُ بقولهِ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾[هود: ١١٩] عَلِمَ إبليسُ أنهُ يَنَالُ من ذرِّيةِ آدمَ ما تَمَنَّى. ومنها : أنه لَمَّا وََسْوَسَ لآدمَ فنَالَ منهُ ما نالَ، طَمِعَ في ذرِّيته. ومنها : أن إبليسَ يلَمَّا عَايَنَ الجنَّة والنارَ عَلِمَ أنَّ لَهَا سُكَّاناً من الناسِ).
وقوله :﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ ؛ أي يَعِدُهُمْ أن لاَ جَنَّةَ وَلاَ نَارَ ؛ وَيُمَنِّيْهِمْ طُولَ البقاءِ في الدُّنيا ودوامَ نعيمِها ويُؤْثِرُوهَا على الآخرةِ، ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ ؛ أي بَاطِلاً، والْغُرُورُ : إيْهَامُ النَّفْعِ فيما فيه ضررٌ.
النساء 4:121
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ ؛ أي أهلُ هذه الصِّفةِ مستقرُّهم جهنَّمُ، ﴿وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً﴾ ؛ أي مَخْلَصاً، يقال : حَاصَ يَحِيْصُ حيْصاً ؛ إذا عَدَلَ عن الشيءِ.
النساء 4:122
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ؛ أي أنْهَارُ الماءِ واللَّبنِ والخمْرِ والعسلِ ؛ ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ ؛ أي مقيمينَ في الجنَّةِ إلى الأبدِ، وإنَّما ذكرَ الطاعةَ مع الإيْمانِ وجمعَ بينهُما : فقال :﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ يُبَيِّنُ بطلانَ مَنْ يَتَوَهَّمُُ أنه لا يَضُرُّ المعصيةً والإخْلاَلُ بالطاعةِ مع الإيْمانِ ؛ كما تنفعُ الطاعةُ مع الكفرِ أو لِيُبَيِّنَ استحقاقَ الثواب على كلِّ واحدٍ من الأمرين.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً﴾ ؛ انتصبَ (وَعْدَ) على المصدر، تقديرهُ : وَعَدَ لَهمُ اللهُ هذا وَعْداً حَقّاً كائناً ؛ ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ ؛ أي ليسَ أحدٌ أصدقَ مِنَ اللهِ قَوْلاً ووَعْداً.
النساء 4:123
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ ؛ أي ليس ثوابُ الله تعالى بأمَانِيِّكُمْ، فإنَّ (لَيْسَ) يقتضِي اسْماً، واختلفُوا في المخاطَبين بهذه الآيةِ، قال قتادةُ والضحَّاك :(إنَّ أهْلَ الْكِتَاب وَالْمُسْلِمِيْنَ افْتَخَرُواْ، فَقَالَ أهْلُ الْكِتَاب : نَبيَّنَا قَبْلَ نَبيِّكُمْ ؛ وَكِتَابُنَا قَبْلَ كِتَابكُمْ ؛ وَنَحْنُ أوْلَى باللهِ مِنْكُمْ. وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : نَحْنُ أوْلَى باللهِ مِنْكُمْ ؛ نَبيُّنَا خَاتَمُ النَّبيِّيْنَ ؛ وَكِتَابُنَا يَقْضِي عَلَى الْكُتُب الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةََ).
وقال مجاهدُ :(الْمُخَاطَبُونَ بهَا عَبَدَةُ الأوْثَانِ ؛ فإنَّهُمْ قَالُواْ : لاَ نُبْعَثُ وَلاَ نُحَاسَبُ، وَقَالَ أهْلُ الْكِتَاب : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلاَّ أيَّاماً مَعْدُودَةً، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى :﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ؛ ولا يَنْفَعُهُ تَمَنِّيْهِ، والمرادُ بالسُّوءِ الكُفْرُ.
وقال بعضُهم : المخاطَب بها المسلمونَ ؛ أي (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بهِ) أي ليسَ بأمَانِيِّكُمْ يا معشرَ المسلمين أنْ لا تُؤَاخَذُواْ بسُوءٍ بعد الإيْمانِ، ﴿وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ : لاَ يَدْخُلُ الجنَّةَ إلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أوْ نَصَارَى، من يعمَلْ معصيةًُ يُجْزَ بذلكَ ولا ينفعه تَمنِّيه.
روي : أنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ؛ قَالَ أبُو بَكْرٍ رضي الله عنه :" يَا رَسُولَ اللهِ ؛ كَيْفَ الْفَلاَحُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ؟ فَقَالَ ﷺ :" غَفَرَ اللهُ لَكَ يَا أبَا بَكْرٍ ؛ ألَسْتَ تَمْرَضُ ؟ ألَسْتَ تَنْصَبُ ؟ ألَسْتَ تُصِيْبُكَ الَّلأْوَاءُ ؟ " قَالَ : بَلَى، " فَهُوَ مَا تُجْزَونَ بهِ ".
وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنهُ قَالَ :" لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شُقَّ ذلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِيْنَ، فَشَكَواْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ :" قَارِبُواْ وَسَدِّدُواْ ". يقالُ : كلُّ ما يصيبُ المؤمنَ كفَّارَةٌ حتى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا في قدميهِ، والنَّكْبَةَ يَنْكَبُّهَا ".
قال عطاءُ :(لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قَالَ أبُو بَكْرٍ رضي الله عنه :" هَذِهِ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ يَا رَسُولَ اللهِ ؛ وَأيَّنَا لَمْ يَعْمَلُ سُوءاً، وَإنَّا لَمَجْزِيُّونَ بكُلِّ سُوءٍ عَمِلْنَاهُ؟! قَالَ :" إنَّمَا هِيَ الْمُصِيْبَاتِ تَكُونُ فِي الدُّنْيَا ". فَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ : فَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ بَكَيْنَا وَحَزِنَّا وَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ مَا أبْقَتْ هَذَهِ الآيَةِ مِنْ شَيْءٍ، " أمَا وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ ؛ لَكُمَا أنْزِلَتْ ؛ وَلَكِنْ يًسِّرُواْ وَقَارِبُواْ وَسَدِّدُواْ ؛ إنَّهُ لاَ يُصِيْبَ أحَدُكُمْ مُصِيْبَةً فِي الدُّنْيَا إلاَّ كَفَّرَ عَنْهُ بهَا خَطِيْئَةً ؛ حَتَّى الشّوءكَةَ يُشَاكُهَا فِي قًدَمِهِ ".
وقال الحسنُ في قولهِ تعالى :﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال (الْكَافِرُ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَلاَ يُجَازَى يَوْمَ الْقيَامَةِ إلاَّ بأَحْسَنِ عَمَلِهِ وَيُتَجَاوَزُ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ) ثُمَّ قَرَأَ﴿لِيُكَـفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَـانُواْ يَعْمَلُونَ﴾[الزمر: ٣٥] وقَرَأ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾[سبأ: ٣٥].
ولولا السُّنة لأمكنَ ان يقالَ : إنَّ الآيةَ تنزلت في الكفَّار ؛ لأنَّ في سياقِ الآية :﴿وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ ؛ ومَنْ لم يكن لهُ يومَ القيامةِ ولِيٌّ ولا نصيرٌ كان كافراً ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قد ضَمِنَ نصرَ المؤمنين في الدَّارَين فقالَ تعالى :﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾[غافر: ٥١]. ولكنَّ الخطابَ إذا وَرَدَ مُجْمَلاً، وبَيَّنَ الرَّسُولُ عليه السلام كَانَ الْحُكمُ لِبَيَانِهِ لاَ لِلآيَةِ ؛ إذِ البَيَانُ إلَيْهِ ﷺ، قال اللهُ تعالى :﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾[النحل: ٤٤].
النساء 4:124
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ ؛ أي وهو مصدِّقٌ بالثواب والعقاب، ﴿فَأُوْلَـائِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ ؛ في الآخرةِ، ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ ؛ أي ولا يُنقَصون مما استحقوهُ من جزاء أعمالهم مقدارَ النَّقيرِ، وهو النُّقرَةُ التي تكون في ظهرِ النَّواة.
النساء 4:125
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ ؛ معناهُ : أيُّ أحدٍ منكُم أصْوَبُ طريقةً وسِيْرَةً، مِمَّنْ أخلصَ عملَهُ وطاعتَهُ للهِ وهو مُحْسِنٌ في الاعتقادِ والعملِ فيما بينَهُ وبين ربَهِ واتَّبَعَ دينَ إبراهيمَ حَنِيْفاً ؛ أي مَائِلاً عن كلِّ دِيْنٍ سوَى الإسلامِ.
وَقِيْلَ : الْحَنِيْفُ : المستقيمُ في سُلُوكِ الطَّريقِ الذي أُمِرَ بسلوكِهِ. ومعنى الْمُحْسِنُ : ما رويَ عن النبيِّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الإحْسَانِ فَقَالَ :" أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإنَّهُ يَرَاكَ "
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ ؛ قال الكلبيُّ عن أبي صالحٍ عن ابنِ عبَّاس :(خَلِيْلاً أيْ صَفِيّاً). وَقِيْلَ : في معنى قوله :﴿خَلِيلاً﴾ وَجْهَانِ : أحدُهما الإصطفاءُ بالْمَحَبَّةِ، والإختصاصُ بالإسراءِ دون مَن لم تكن له تلك المنْزلةُ، والثانِي : من الْخِلّةِ وهو الحاجةُ، فخليلُ اللهِ : المحتاجُ إليه ؛ المنطقعُ بحوائجهِ إلى اللهِ تعالى دونَ غيرِه، وقد يُسمَّى الفقيرُ خَلِيْلاً، قال زهيرُ : وإنْ أتَاهُ خَلِيْلٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ يَقُولُ لاَ غَائِبٌ مَالِي وَلاَ حَرَمُأي ولا ممنوعٌ.
فإذا أُريدَ به الوجهَ الأول ؛ جازَ أنْ يقالَ : إبراهيمُ خَلِيْلُ اللهِ ؛ واللهُ خَلِيْلُ إبراهيمَ. وإذا أُريدَ الوجهُ الثانِي ؛ لم يَجُزْ أن يوصفَ اللهُ تعالى بأنهُ خَلِيْلُ إبراهيمَ، وجاوز وصفهُ بأنَّهُ خليلُ اللهِ.
وعن جابرِ بن عبدِالله رضي الله عنه عَن رسولِ الله ﷺ أنهُ قالَ :" اتَّخَذ اللهُ إبْرَاهِيْمَ خَلِيْلاً لإطْعَامِهِ الطَّعَامَ ؛ وَإفْشَائِهِ السَّلاَمَ ؛ وَصَلاَتِهِ باللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ " فإنْ قيلَ : لِمَ كان اتِّباعُ ملَّةِ إبراهيمَ أوْلَى من اتِّباعِ مِلَّةَ غيرهِ من الأنبياءِ مثلَ عيسَى ومُوسَى ؟ قِيْلَ : إنََّ الفِرَقَ كلَّهم متَّفقونََ على تَعْظيمِهِ، ووجوب اتِّباعِ مِلَّتِهِ، وهو كان يدعُو إلى الْحَنِيْفِيَّةِ دونَ اليهوديَّة والنصرانيَّةِ.
النساء 4:126
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ؛ إمَّا قالَ هكذا لِيُبَيِّنَ أنَّ إبراهيمَ مع كونهِ خليلَ اللهِ وأنهُ لَمْ يَتَّخِذْهُ لحاجتهِ إليهِ، لكنَّهُ اتَّخذهُ خليلاً جزاءً على عملهِ. وقال بعضُهم إنَّما قالَ ذلكَ لأنَّهُ لَمَّا أمرَ الناسَ بطاعتهِ حَثَّهُمْ على الطَّاعةِ بما يوجبُ الرغبةَ فيها ؛ وهو كونهُ مَالِكَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً﴾ ؛ أي عَالِماً بكلِّ شيءٍ، قادِراً على كلِّ شيء مِن كلِّ وجهٍ، فلا يخرجُ شيءٌ عن مقدورهِ.
النساء 4:127
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَآءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَآءِ الَّاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَتْ فِي أُمِّ كجَّةِ امْرَأةِ أوْسِ بْنِ ثَابتٍ وَبَنَاتِهَا مِنْهُ ؛ لَمَّا أمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بتَوْرِيثِهِنَّ مِنْ أوْسٍ، أقْبَلَ عُيَيْنَةُ بْنُ حُصَيْنٍ الْفَزَّاريُّ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إنَّكَ قَدْ وَرَّثْتَ النِّسَاءَ وَالْبَنَاتَ وَالصِّغَارَ ؛ وَلَمْ نَكُنْ نَحْنُ نوَرِّثُ إلاَّ مَنْ قَاتَلَ عَلَى ظُهُورِ الْخَيْلِ وَحَازَ الْغَنِيْمَةَ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ).
ويقالُ : إنَّها نزلَت بعدَ نزولِ قولهِ تعالى :﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾[النساء: ١١] إلى قولهِ﴿عَلِيماً حَكِيماً﴾[النساء: ١١] قَبْلَ نزولِ فَرْضِ الزَّوجاتِ، فجاؤوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ يَسْتَفْتُونَهُ في ميراثِ أُمِّ كجة امْرَأةِ الْمُتَوَفَّى، فأنزلَ اللهًُ هذه الآيةَ ووعدَهم أن يُفْتِيْهِمْ في ميراثِ الزوجاتِ ؛ فأتَاهُمْ في ذلكَ بقولهِ تعالى :﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾[النساء: ١٢] إلى آخرِ الآيةِ.
ومعنى الآية : يَسْتَفْتُونَكَ يا مُحَمَّدُ في أمرِ النِّسَاءِ وما يجبُ لَهنَّ من الميراثِ ؛ قُلِ اللهُ يُبَيِّنُ لكم ميراثَهُن، والذي يَقْرَأُ عليكُم في كتاب الله في أوَّلِ هذه السُّورةِ، يُفْتِيْكُمْ ويُبَيِّنُ لكم ما سَأَلْتُم } عنه في بناتِ أمِّ كجة اللاَّتِي لا تُعْطُوهُنَّ مَا فُرِضَ لَهُنَّ من الميراثِ وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾[النساء: ١١].
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ ؛ أي ترغبون عَنْ نِكَاحِهِنَّ لِدَمَامَتِهِنَّ فلا تعطوهُنَّ نصيبَهن من الميراثِ لِمَنْ يَرْغَبُ فيهنَّ غيرُكم ؛ وذلكَ أنَّ بَنِي أعْمَامِ تَلْكَ الْبَنَاتِ كَانُوا أوْلِيَاءَهُنَّ ؛ وَكَانُواْ لاَ يُعْطُونَهُنَ حَظَّهُنَ مِنَ الْمِيْرَاثِ، وَيَرْغَبُونَ أنْ يَتَزَوَّجُوهُنَّ، وَهذا قول ابنِ عبَّاس وابنِ جُيبر وقتادةَ ومجاهدٍ. وعن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا والحسنِ :(أنَّ مَعْنَاهُ : وَتَرْغَبُونَ فِي أنْ تَتَزَوَّجُونَهُنَّ لِجَمَالِهِنَّ وَلاَ تُعْطُوا لِهُمْ مَا أوْجَبَ اللهُ لَهُنَّ مِنَ الصَّداقِ). وفي كِلاَ القولين دليلٌ على جوازِ نِكَاحِ الأولياءِ لليتامَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ ؛ أي وفي (الْمُسْتَضْعَفِيْنَ مِنَ الْوِلْدَانِ) أي في مِيْرَاثِ اليتامَى. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ ؛ أي وَفِي (أنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بالْقِسْطِ) في أموالِهم وحقوقهِم بالعدلِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً﴾ ؛ أي مَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ في أمرِ اليَتَامَى والضِّعَافِ ؛ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً﴾ يَجْزِيْكُمْ على ذلكَ.
واختلفَ أهلُ النَّحوِ في موضعِ ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ فذهبَ أكثرُهم إلى أنهُ مَوْضِعُ رَفْعٍ ؛ تقديرهُ : وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب يُفْتِيْكُمْ. وقال بعضُهم : هو في موضعِ خَفْضٍ تقديرهُ : وَفي مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ، إلاَّ أن هذا الوجهَ أضعفُ من الأوَّل ؛ لأنه لا يصحُّ عطفُ الظاهرِ على المضمرِ بحرفِ الجرِّ من دونِ إعادة حرفِ الجرِّ.
النساء 4:128
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً﴾ ؛ الآية نزلت في خُوَيْلَةَ ابْنَةِ مُحمدِ بن مَسْلَمَةَ وفي زوجَها سعدِ بن الربيعِ ؛ تزوَّجَها وهي شابَّةٌ ؛ فلما عَلاَهَا الْكِبَرُ جَفَاهَا وتزوَّج عليها شابَّةً آثرَها عليها، فشَكَتْ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلمح فنَزلت هذه الآيةُ، هذا قولُ الكلبيُّ وجماعةٍ من المفسِّرين.
وقال سعيدُ بن جُبير :(كَانَ رَجُلٌ لَهُ امْرَأَةٌ قَدْ كَبرَتُ ؛ وَكَانَ لَهَا سِتَّةُ أوْلاَدٍ، فَأَرَادَ أنْ يُطَلِّقَهَا وَيَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ : لاَ تُطَلِّقْنِي عَلَى أوْلاَدِي ؛ وَاقْسِمْ لِي فِي كُلِّ شَهْرَيْنِ أوْ أكْثَرَ إنْ شِئْتَ، وَإنْ شِئْتَ لاَ تُقْسِمْ، فَقَالَ : إنْ كَانَ يَصْلُحُ ذلِكَ فَهُوَ أحَبُّ إلَيَّ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ ذلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ).
ومعناها :(وإنِ امْرَأةً خَافَتْ) أي عَلِمَتْ مِن زوجِها بُغضاً، أو إعْراضاً بوجههِ عنها لإيثار غيرها عليها. قال الكلبيُّ :(يَعْنِي : تَرَكَ مُجَامَعَتَهَا وَمُضَاجَعَتَهَا وَمُجَالَسَتَهَا وَمُحَادَثَتَهَا ؛ فَلاَ جُنَاحَ عَلَى الزَّوْجِ وَالْمَرْأةِ أنْ يُصَالِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً مَعُلُوماً بتَرَاضِيْهِمَا ؛ وَهُوَ أنْ يَقُولَ لَهَا الزَّوْجُ : إنَّكِ امْرَأَةٌ قَدْ دَخَلْتِ فِي السِّنِّ ؛ وَأَنَا أُرِيْدُ أنْ أتَزَوَّجَ عَلَيْكِ امْرَأَةً شَابَّةً أوثِرُهَا عَلَيْكِ فِي الْقَسْمِ لَهَا لشَبَابهَا أوْ أزيْدُ فِي نصِيْبهَا مِنَ الْقَسْمِ، فَإنْ رَضِيْتِ وألاَّ سَرَّحْتُكِ بالأحْسَنِ وَتَزَوَّجْتُ أُخْرَى. فَإنْ رَضِيَتْ بذلِكَ فَهِيَ الْمُحْسِنَةُ، وَحَلَّ لِلزَّوْجِ ذلِكَ).
كَمَا رُويَ " عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سَوْدَةَ ؛ فَسَأَلَتْهُ لِوَجْهِ اللهِ أنْ يُرَاجِعَهَا وَتَجْعَلَ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ فَفَعَلْ ". ومثلُ هذا الصُّلْحِ لا يقعُ لازماً ؛ لأنَّها إذا أبَتْ بعدَ ذلكَ إلى المقاسَمَة على السؤالِ كان لَها ذلكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ؛ أي خيرٌ من الإقامةِ على النُّشُوز. وَقِيْلَ : خيرٌ من الفِرْقَةِ. ودخولُ حرفِ الشَّرطِ على السمِ في قولهِ تعالى :﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ﴾ فعلى تقديرِ فِعْلِ مُضْمَرٍ ؛ أي : وَإنْ خَافَتْ امْرَأَةٌ خَافَتْ، أو على التقديمِ والتأخير، كأنه قالَ : وَإنْ خَافَتِ امرأةٌ مِنْ بَعْلِهَا نُشوزاً، وعلى هذا قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن امْرُؤٌ هَلَكَ﴾[النساء: ١٧٦]، ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾[التوبة: ٦] وهذا لا يكونُ إلاَّ في الفعلِ الماضي ؛ كما يقالُ : إنِ اللهُ أمكنَني ففعلتُ كذا، فأمَّا في المستقبلِ فيصُحُّ أن يُفَرَّقَ بين الَّتِي للجزاءِ وبين لفظِ الاستقبال، فيقالُ : إنِ امرأةٌ تَخَفْ ؛ لأنَّ (إنْْ) تحرمُ المستقبلَ فلا يفصلُ بين العاملِ والمعمول.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ ؛ أي جُبلَتِ الأنفسُ على الشُحِّ، فَشَُحُّ المرأةِ الكبيرة مَنَعَهَا من الرِّضَا بدون حقِّها، وتركِ بعضِ نصيبها من الرجلِ لغيرِها، وشُحُّ الرجلِ بنصيبهِ من الشَّابَّةِ يَمْنعُهُ من توقيرِ نصيب الكبيرةِ من القَسْمِ عليها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ﴾ ؛ أي إن تُحسنوا العِشْرَةَ وتتَّقُوا الظُّلْمَ على النساء ؛ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ ؛ من الإحسانِ والْجُودِ، عالِماً بخيرِ عمِلكم، والسوءِ فيجزيكُم على ذلكَ.
النساء 4:129
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ ؛ أي ولن تَقْدِرُوا أن تُسَاوُوا بينَ النساءِ ولو اجتهدتُم في العدلِ، كما رُويَ " أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ فَيَعْدِلُ ثُمَّ يَقُولُ :" اللَّهُمَّ إنَّ هَذَا قَسْمِي فِيْمَا أمْلِكُ ؛ فَلاَ تُؤَاخِذْنِي بَما لاَ أمْلِكُ " وأرادَ به التسويةَ وَالْمَحَبَّةَ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ ؛ أي لا تَميلُوا إلى الشابَّة والجملَةِ بالفعلِ كلَّ الميلِ في الفقةِ والقسمة والإقبالِ عليها، فتتركُوا العجوزَ بغيرِ قسمة كالْمَنْبُوذةِ وَالْمَحْبُوسَةَ لا أيْمَ ولا ذاتَ بعلٍ. وعن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال :" مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إلَى أحْدَاهُمَا ؛ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَحَدُ شَقَّيْهِ مَائِلٌ "
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ﴾ ؛ أي وإنْ تُصْلِحُواْ ما أفْسَدْتُمُوهُ بإفرادِ الْمَيْلِ، فتَعْدِلُوا في القسمةِ بينَهُنَّ، وتتَّقوا الْجَوْرَ والعقوبةَ فيه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ ؛ لِمَا سَلَفَ منكُم من الظُّلْمِ عليهُنَّ رَحِيْماً بكم بعد التوبةِ.
النساء 4:130
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ﴾ ؛ أي معناهُ : أنَّ الزوجَ والمرأةَ إذا تَفَرَّقا دون حقوقِ الله التي أوجبهَا عليهما ؛ أغْنَى اللهُ كُلاَّ من سَعَتِهِ مِن رزقهِ ؛ الزوجَ بامرأةٍ أخرى، والمرأةَ بزوجٍ آخرَ ؛ ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً﴾ ؛ لَهُما في النِّكاحِ ؛ ﴿حَكِيماً﴾ ؛ حَكَمَ على الزوجِ بالإمساك بالمعروفِ أو التسريحِ بالإحسان. وَقِيْلَ : معناهُ : وكانَ اللهُ واسعَ الْمُلْكِ جَوادَاً لا يُعْجِزُهُ شيءٌ، وحُكْمُهُ فيما يَحْكُمُ من الفِرْقَةِ يجعلُ لكلِّ واحدٍ منهُما مَن يسكنُ إليه وَيَتَسَلَّى به عن الأوَّل.
ومِنْ حُكْمِ هذه الآيةِ : أنَّ الرجلَ إذا قَسَمَ لنسائهِ لا يجبُ عليه وطئُ واحدةٍ منهُنَّ ؛ لأنَّ الوطءَ لَذةٌ لهُ فهي حَقُّهُ، فإذا تركهُ لم يُجْبَرْ عليهِ، وليس هو كَالْمُقَامِ والنفقةِ، وعمادُ القَسِمْ الليلُ، ولا يُجامعُ المرأةَ في غيرِ يومِها، ولا يدخلُ بالليلِ على التي لم يَقسِمْ لَها، ولا بأسَ أن يدخلَ عليها بالنهار في حاجةٍ ويعودَها في مرضِها في ليلةِ غيرِها، فإنْ فَعَلَتْ فلا بأسَ أن يُقيم حتى تَشْفَى أو تَموت، فإن أرادَ أن يَقْسِمَ لَيليتين ليلتين أوْ ثَلاَثاً كانَ لهُ ذلكَ.
النساء 4:131
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ؛ كُلُّهُمْ عبيدُ وإمَاؤُهُ، ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ؛ أي أمَرْنَا أهلَ التوراةِ في التَّوراة، وأهلَ الإنْجِيْلِ في الإنجيلِ، وأهلَ كل كِتَابٍ في كتابهم، ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ أي ووصَّيْنَاكم يا أمَّةَ مُحَمَّدٍ في كتابكم ؛ ﴿أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ﴾ ؛ وأطيعوهُ في النِّسَاءِ واليتامَى وأحكامِهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن تَكْفُرُواْ﴾ ؛ أي وإن تَجْحَدُوا وصيَّةَ اللهِ سُبحَانَهُ وتَعَالَى فلم تَعْلَمُوا بها، ﴿فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ؛ من الملائكةِ، ﴿وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ؛ مِن الْجِنِّ والإنسِ وسائر الْخَلْقِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيّاً﴾ ؛ عن عبادَتِكم، لا يضرُّهُ كُفْرُ من كَفَرَ منكم، ولا ينفعهُ طاعةُ مَن أطاعَ منكم، ﴿حَمِيداً﴾ ؛ مَحْمُوداً في ذاتهِ وفي خَوَاصِّ ملائكتهِ وعبادِه، حَمَدْتُمُوهُ أو لم تَحْمِدُوهُ. وَقِيْلَ : حامداً لِمن وَحَّدَهُ وأطاعَهُ.
النساء 4:132
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ؛ تَنْبيْهٌ بعد تنبيهٍ ؛ كأنهُ تعالى نَبَّهَهُمْ عن غَفْلَتِهِمْ بأنه حَفِيْظٌ على أعمالِهم كي يَتَحَفَّظوا ولا يتهاوَنُوا لِمَا أُمِرُوا من أمرِ الله تعالى، وليس شيءٌ من هَذِهِ الألْفَاظِ تَكْرَارٌ فِي كِتَاب اللهِ تعالى، ولكنْ كلُّ واحدٍ منها مَقْرُونٌ بفَائِدَةٍ جَدِيْدَةٍ، والفائدةُ في قولهِ تعالى :﴿وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ بأنَّهَا الأمرٌ بالاتَّكَالِ عَلى اللهِ تعالى، والثِّقَةِ به وتفويضِ الأُمُورِ إليه، ولذلكَ عَقَّبَهُ بقولهِ تعالى :﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ ؛ أي حَافِظاً لأعمالكم كَفِيلاً بأرزاقِكم.
النساء 4:133
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ ؛ أي كَمَا يَمْلِكُ الموجودَ من السَّموات ولأنهُ تعالى قال من قَبْلُ :﴿وَإِن تَكْفُرُواْ﴾[النساء: ١٣١] فكأنهُ قالَ : إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أيُّهَا الكفَّارُ وَيَأَتِ بقوم آخَرِيْنَ أطْوَعَ منكم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذلِكَ قَدِيراً﴾ ؛ وكان اللهُ على إهْلاَكِكُمْ وخَلْقِ غَيْرِكُمْ قادِراً.
النساء 4:134
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ ؛ أي مَن كان يريدُ بعملهِ منفعةَ الدُّنيا، فَلْيَعْمَلْ ولا يَقْتَصِرْ على طلب الدُّنيا، فإنَّ ثوابَ الدُّنيا واصلٌ إلى الْبَرِّ والفاجرِ، والمؤمنِ والكافر، ولكن لِيَكَلَّفْ طلبَ الآخرةِ التي لا تُنال إلاَّ بالعملِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً﴾ ؛ لِكَلاَمِ عبادهِ، ﴿بَصِيراً﴾ ؛ بما في قلوبهم، وفي الآيَةِ تَهديدٌ للمنافقين الْْمُرَائِيْنَ. وفي الحديثِ :" إنَّ فِي النَّار وَادِياُ تَتَعَوَّدُ مِنْهُ جَهَنَّمَ كُلَّ يَوْمٍ أرْبَعُمِائَةِ مَرَّةٍ أعِدَّ لِلْقُرَّاءِ الْمُرَائِيْنَ " وَقِيْلَ : معنى الآيةِ : مَن كان يريدُ بعملهِ عِوَضاً من الدُّنيا ولا يريدُ به وجهَ اللهِ ؛ أثَابَهُ الله عليهِ من عَرَضِ الدُّنيا ما أحبَّهُ ؛ وَدَفَعَ منهُ فيها ما أحبَّ.
النساء 4:135
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ ؛ أي قُومُوا بالعدلِ وقُولُوا الحقَّ، والقَوَّامُ بالقِسْطِ المستعملُ له على حَسَبَ ما يجبُ من إنصافهِ من نفسه، وإنصافِ كلِّ مظلومٍ من ظالِمِه، ومنعُ كلِّ ظالِمٍ من ظُلْمِهِ، ولفظُ القْوَامِ لا يكون إلاَّ للمبالغةِ.
وَالْقِسْطِ وَالإْقْسَاطُ : العَدْلُ، يقالُ : أقْسَطَ الرجلُ إقْسَاطاً إذاعدَلَ، وَأَتَّى بالْقِسْطِ وَقَسَطَ يَقْسِطُ قِسْطاً إذا جَارَ، قال اللهُ تعالى :﴿وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾[الحجرات: ٩] أي اعدِلُوا، وقالَ تعالى :﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾[الجن: ١٥] أي الجائِرُون.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿شُهَدَآءَ للَّهِ﴾ نُصِبَ على أحدِ ثلاثةِ أوجُهٍ ؛ أحدُها : أنه خبرٌ ثَانٍ، كما يقالُ : هذا حُلْوٌ حَامِضٌ. والثانِي : على الحالِ، كما يقالُ : هذا زيدٌ راكباً. والثالث : على أنه صِفَةُ الْقَوَّامِيْنَ، فإن قوَّامين نَكِرَةٌ، وشُهَدَاءَ نَكِرَةٌ، والنكرةُ تنعتُ بالنَّكرةِ. ومعنى ﴿شُهَدَآءَ للَّهِ﴾ أي شَهِدُوا بالحقِّ للهِ على ما كان مِن قريبٍ أو بعيدٍ.
وَقِيْلَ : معنَى الآية : كُونُوا قَوَّامِيْنَ بالعدلِ في الشَّهادةِ على مَن كانت وَلَوْ عَلَى أنفُسِكُمْ أوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبينَ في الرَّحِمِ ؛ فأقيمُوها عليهِم للهِ ولا تَخافُوا غَنِيّاً لِغِنَاهُ، ولا ترحَمُوا فقيراً لِفَقِرِهِ، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً﴾ ؛ أي فلا تَتْرُكُوا الحقَّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي قولُوا الحقَّ وَلَوْ عَلَى أنفُسِكُمْ، والشهادةُ على النفسِ إقرارٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ أي على وَالِدِيكُمْ وعلى أقربائِكُم، وفي هذا بيانُ أنَّ شهادةَ الابن على الوالدين لا تكونُ عُقُوقاً، ولاَ يَحِلُّ للابن الامتناعُ عن الشهادةِ على أبَوَيْهِ ؛ لأنَّ في الشهادِ عليهما بالحقِّ مَنْعاً لَهما عن الظُّلْمِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ ؛ معناهُ : إن يكن المشهودُ عليه غَنِيّاً أو فقيراً فاللهُ أحقُّ بالغنيِّ والفقيرِ من عبادهِ من أحدِهم بوالدَيهِ وقَرَابَاتِهِ وأرحمُ وأرْأَفُ، فَأقيمُوا الشهادةَ للهِ، لا تَميلُوا في الشهادِةِ رحمةً للفقيرِ، ولا تقصدوا إقامتَها لاحتمال غِنى الغنيِّ ؛ أي لأجلِ غِنَاهُ، وعن هذا قال ﷺ :" أُنْصُرْ أخَاكَ ظَالِماً أوْ مَظْلُوماً " قِيْلَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ كَيْفَ يَنْصُرُهُ ظَالِماً ؟ قَالَ :" أنْ تَرُدَّهُ عَنْ ظُلْمِهِ فَإنَّ ذلِكَ نَصْرُهُ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ﴾ ؛ معناهُ : ولا تتَّبعوا الهوَى لِتَعْدِلُوا، وهذا كما يقالُ : لاَ تَتَّبعِ الهوَى لِرِضَى رَبكَ. وَيُقَالُ : معناهُ : لا تَتَّبعُوا أنْ لا تعدِلُوا، ويقالُ : كراهةَ أنْ تعدلُوا، وهذا كقولهِ تعالى :﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾[النساء: ١٧٦] ويقالُ : معنى تَعْدِلُوا : تَمِيْلُوا من الْحَقِّ إلى الْهَوَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ﴾ ؛ من قرأ (تَلْوُوا) بواوَين فمعناهُ : أن تُمَاطِلُوا في إقامةِ الشَّهادَةِ وتُقَلِّبُوا اللسانَ لتفسِدُوا الشهادةَ، أوْ تُعْرِضُوا عن إقامةِ الشَّهادةِ مأخوذٌ مِن لَوَى فُلاَنٌ فِي دِيْنِهِ ؛ أي دَافَعَ، ومنه قولهُ ﷺ :
النساء 4:136
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ﴾ ؛ قال الكلبيُّ عن أبي صالحٍ عن ابن عبَّاس :" نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي عَبْدِاللهِ بْنِ سَلاَمٍ ؛ وَأسَدِ بْنِ كَعْبٍ وَأَخِيْهِ أُسَيْدٍ ؛ وَثَعْلَبَةِ بْنِ قَيْسٍ ؛ وَسَلاَمِ ابْنِ أُخْتِ عَبْدِاللهِ بْنِ سَلاَمٍ ؛ وَسَلَمَةِ ابْنِ أخِيْهِ ؛ وَيَامِيْنِ بْنِ يَامِيْنَ، فَهَؤُلاَءِ مُؤْمِنُو أهْلِ الْكِتَاب، أتَواْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالُواْ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إنَّا نُؤْمِنُ بكَ وَبكِتَابكَ وَبمُوسَى وَالتَّوْرَاةِ وَبعُزَيْرٍ، وَنَكْفُرُ بمَا بمَا سِوَاهُ مِنَ الْكُتُب وَالرُّسُلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" بَلْ آمِنُواْ باللهِ وَبرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ وَبالرُّسُلِ كُلِّهِمْ وَبكِتَابهِ الْقُرْآن وَبُكِّ كِتَابٍ أنْزَلَهُ اللهُ " قَالُواْ : لاَ نَفْعَلُ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ".
ومعناها :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ بمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ ومُوسى والتَّوراةِ ﴿آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ مُحَمَّدٍ ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ﴾ يعني الكُتُبَ الْمُتَقَدِّمَةَ التَّوراةَ والإنْجِيْلَ والزَّبُورَ وسائرَ الكُتُب الْمُنَزَّلَةِ، ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ ؛ أي أخْطَأَ خَطَأً بَعِيْداً، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَالُواْ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إنَّا نُؤْمِنُ باللهِ وَبرَسُولِهِ وَالْقُرْآنِ ؛ وَكُلِّ كِتَابٍ كَانَ قَبْلَ الْقُرْآنِ ؛ وَكُلِّ رَسُولٍ كَانَ مِنْ قَبْلُ ؛ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنْهُمْ، كما فَرَّقَتِ اليهودُ والنصارَى.
ومعنى الآية : يَا أيُّهَا الَّذِيْنَ آمِنُوا بموسَى والتوارةِ وعيسَى والإنْجِيلِ آمِنُواْ بمُحَمَّدٍ وَالْقُرْآنِ. قال أبُو العاليةِ وجماعةٌ من المفسِّرين :(هَذِهِ الآيَةُ خِطَابٌ لِلْمُؤْمِنِيْنَ، وَتَأْوِيْلُهَا : يَا أيُّهَا الَّذِيْنَ آمِنُواْ آمِنُواْ ؛ أيْ أقِيْمُواْ وَاثْبُتُواْ عَلَى الإيْمَانِ). وقال بعضُهم : إنَّها خطابٌ للمنافقينَ ؛ ومعناها : يا أيُّها الذينَ آمَنُوا في الْمَلأ آمِنُواْ في الْخَلاءِ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي من يَجْحَدْ بوحدانيَّةِ اللهِ تعالى وبملائكتهِ وكُتُبهِ ورسُلِهِ والبعثِ بعدَ الموتِ ؛ فقد أخْطَأَ خَطَأً بَعِيْداً عنِ الحقِّ والصواب.
النساء 4:137
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً﴾ ؛ اختلفَ المفسِّرون في هذه الآيةِ، فَقِيْلَ : إنَّ المرادَ بهم اليهودُ. قال الكلبيُّ :(آمِنُواْ بمُوسَى ؛ ثُمَّ كَفَرُواْ بَعْدَ مَوْتِهِ ثُمَّ آمَنُواْ بعُزَيْرٍ عليه السلام، ثُمَّ كَفَرُواْ بَعْدَ عُزَيْرٍ بعِيْسَى عليه السلام، ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً بمُحَمَّدٍ ﷺ وَالْقُرْآنِ). وقال مقاتلُ :(آمَنُواْ بمُوسَى عليه السلام، ثُمَّ كَفَرُواْ بَعْدَ مَوْتِهِ، ثُمَّ آمنُوا بعِيْسَى عليه السلام، ثُمَّ كَفَرُواْ بَعْدَ مَا رُفِعَ إلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ أقَامُواْ عَلَى كُفْرِهِمْ بمُحَمَّدٍ ﷺ وَالْقُرْآنِ). وَقِيْلَ : آمنُوا بموسى عليه السلام، ثم كفرُوا بعدَه بعيسَى عليه السلام، ثم كفرُوا بمُحَمَّدٍ ﷺ قبلَ أن يُبْعَثَ، ثُم كفروا به بعدَ ما بُعِثَ، ثم أقاموا على كفرهمِ. وقال قتادةُ :(آمَنَ الْيَهُودُ بمُوسَى ثُمَّ كَفَرُواْ بهِ بِعِبَادَةِ الْعِجْلِ، ثُمَّ آمِنُواْ بالتَّوْرَاةِ، ثُمَّ كَفَرُواْ بَعْدَ ذلِكَ بعِيْسَى، ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً بنَبيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ؛ أي ما دَامُوا عل كُفْرِهم ؛ ﴿وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ ؛ أي ولا يُوَفِّقُهُمْ طَريقاً إلى الإسلامِ، ولكن يَخْذِلُهُمْ مُجَازاةً لَهم على كُفْرِهم. فإنْ قيلَ : إنَّ الله لا يغفرُ كُفْرَ مَرَّةٍ ؛ فما الفائدةُ في قوله ﴿ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ﴾ ؟ قِيْلَ : إنَّ الكافرَ إذا آمَنَ غُفِورَ لَهُ كفرُه، فإذا كَفَرَ بعد إيْمانهِ لم يُغْفَرْ لهُ كفرُه الأول، وهو مُطَالَبٌ بجَمِيْعِ كُفْرِهِ.
النساء 4:138
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ ؛ خَوِّفِ المنافقين عَبْدَاللهِ بْنَ أبَيِّ وأصحابَه، ومن يكونُ على سبيلِهم إلى يومِ القيامة بأنَّ لَهم عذاباً وَجِيْعاً يخلصُ وجعه إلى قلوبهم.
النساء 4:139
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أي همُ الذين يتَّخذونَ اليهودَ أحبَّاء فيب العَوْنِ والنُّصْرَةِ من دون المؤمنينَ المخلصين الموحِّدين. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ ؛ هذا استفهامٌ بمعنى الإنكار ؛ أي كيفَ يطلبون عند الكفَّار العزَّة وهم أذلاَّءُ في حُكْمِ اللهِ تعالى :﴿فَإِنَّ العِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً﴾ ؛ أي فإنَّ القوةَ وَالْمَنَعَةَ للهِ جميعاً، فمن أرادَ طَلَبَ العزَّةِ فليطلُبْها من اللهِ تعالى ؛ لأنه المقدِّرُ بجميع مَن لهُ العزَّةُ مِن خلقهِ لِجميع العزَّةِ لَهُ.
النساء 4:140
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ ؛ أي قد نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْقُرْآنِ سُورَةَ الأنْعَامِ بمَكَّةَ أنْ سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُجْحَدُ بها، وَيُسْخَرُ مِنْهَا فلا تَجْلِسُواْ مَعَهُمْ حتَّى يكونَ خَوْضُهُمْ في حديثٍ غيرِ القُرْآنِ، وأرادَ بذلك المذكورَ في الأنعامِ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾[الأنعام: ٦٨].
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ﴾ ؛ أي من جَالَسَهُمْ راضياً بما هُم عليه من الكُفْرِ والاستهزاءِ بآياتِ الله فهو مِثْلُهُمْ في الكُفْرِ ؛ لأن الرِّضَا بالكفرِ والاستهزاء كُفْرٌ، ومَن جَلَسَ معهُم سَاخِطاً لذلكَ منهم لم يَكْفُرْ، ولكنه يكونُ عاصِياً بالقعودِ معهم ؛ فيكونُ معنى قولهِ تعالى :﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ﴾ أي في أصْلِ العِصْيِانِ وإن لم تبلُغْ معصيةُ المؤمنين معصيةَ الكفَّارِ، إذا لم يكن جلوسُ المؤمنينَ معهم لإقامةِ فَرْضٍ أو سُنَّةٍ، أما إذا كان جلوسُه هنالكمَ لإقامةِ عبادَةٍ وهو سَاخِطٌ لتلكَ الحالِ لا يقدرُ على تغييرها، فلا بأسَ بالجلوسِ. كما روي عن الحسن :(أنَّهُ حَضَرَ هُوَ وَابْنُ سِيْرِيْنَ ؛ فَذَكَرَ ذلِكَ لِلْحَسَنِ فَقَالَ : إنَّا كُنَّا مَتَى رَأَيْنَا بَاطِلاً تَرَكْنَا حَقّاً ؛ أشُرِعَ ذلِكَ فِي دِيْنِنَا!).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ ؛ أي يَجْمَعُهُمْ فِي جهنَّم مجازاةً لَهم لاجتماعهم في الدُّنيا للاستهزاءِ، فمن شاءَ لا يكونُ معهم في جهنَّم فلا يكونُ معهم في الدُّنيا.
النساء 4:141
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ ؛ أي هم الذين يَنْتَظِرُونَ بكم الدَّوَائِرَ، ويرامون أحوالَكم يعني المنافقين، وَالْمُتَرَبصُ لِلشَّيْءِ : هُوَ الْمُتَوَقِّعُ لأَسْبَابه، ويسمَّى الْمُحْتَكِرُ مُتَرَبِصاً لِتَوَقُّعِهِ غَلاَءَ السِّعْرِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ ؛ أي اذا كان لكم ظَفْرٌ ودَوْلَةٌ وغَنِيْمَةٌ، ﴿قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ﴾ ؛ أي قالَ المنافقون : ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ على دِينِكم فَأَعطُونا من الغنيمةِ، ﴿وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ ؛ أي ظُهُورٌ على المسلمين ؛ ﴿قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أي قالَ المنافقون : ألَمْ نُخْبِرْكُمْ بعَزِيْمَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وأصحابه، ونُطْلِعْهكُمْ على سِرِّهِمْ ونكتُبْ ذلكَ إليكُم ونحذِّرْكُم عنهُم ونُجِبْهم عنكُم ونُواليكُم، ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ؛ فاللهُ يقضِي بينَ المؤمنين والمنافقينَ والكفار ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ ؛ أي لم يجعلِ اللهُ لليهود ظهوراً على المؤمنينَ.
وَقِيْلَ السبيلُ : الْحُجَّةُ، ولن يجعلَ اللهُ للكافرين مِن اليهودِ وغيرِهم حُجَّةً على المسلمينَ في الدُّنيا والآخرةِ، وَقِيْلَ : معنى السَّبيْلِ : الدَّوْلَةُ الدَّائِمَةُ. وَقِيْلَ : معناهُ : لن يُدْخِلَ اللهُ الكافرينَ الجنةَ ؛ فيقولون للمؤمنين : ما أغْنَى عنكُم تَعَبُكُمْ في الدُّنيا، وما ضَرَّنَا كُفْرُنَا بعد أن تَسَاوَيْنَا.
النساء 4:142
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ ؛ أي يُخَادِعُونَ أولياءَ اللهِ بإظهارهم الإيْمانِ وإبطانِهم الكفرَ ؛ ليحقِنُوا بذلك دماءَهم ويشاركُوا المسلمين في غنائمِهم، وجعلَ اللهُ مُخَادعةً أوليائهِ مخادعةً لهُ كما قال تعالى﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾[الفتح: ١٠].
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ أي مُجَازِيْهِمْ جزاءَ أعمالِهم ؛ وذلك أنَّهم على الصِّراطِ يُعْطَوْنَ نُوراً كما يغطَى المؤمنونَ ؛ فإذا مَضَوا بهِ على الصِّراطِ طُفِئَ نورُهم، ويبقى المؤمنون ينظرُون بنورهم، فينادُون المؤمنينَ : أنْظِرُونَا نَقْتَبسْ من نوركم، فيناديهم الملائكة على الصِّراطِ : ارجعوا وراءَكم فالتمسُوا نوراً، وقد علمُوا أنَّهم لا يستطيعون الرجوعَ، قال : فيخافُ المؤمنونَ حينئذٍ أن يُطْفَأَ نورُهم فيقولون : ربَّنَا أتْمِمْ لنا نورَنا، واغْفِرْ لنا إنَّكَ على كُلِ شيءٍ قديرٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ﴾ ؛ يعني المنافقينَ ؛ ﴿قَامُواْ كُسَالَى﴾ ؛ أي مُتَثَاقِلِيْنَ لا ير يدون بها وَجْهَ اللهِ تعالى، ﴿يُرَآءُونَ النَّاسَ﴾ ؛ ولا يريدُون الصلاةَ إلاّ مُرَاءَةً للناسِ خَوْفاً منهم، ﴿وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ؛ أي لا يُصَلُّونَ للهِ إلاّ قليلاً ريَاءً وسُمْعَةً، ولو كانوا يريدون بذلكَ القليلِ وجهَ اللهِ لكانَ كثيراً.
النساء 4:143
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ﴾ ؛ نصبَ على الذمِّ ؛ ومعناهُ : مُتَرَدِّدِيْنَ بين كُفْرِ السِّرِّ وإيْمانِ العلانيةِ، ليسُوا من المؤمنين فيجبُ لَهم ما يجبُ للمسلمين ؛ وليسُوا من الكفَّار فيجبُ عليهم ما يجبُ على الكفَّار. وَقِيْلَ : معناهُ : مُتَحَيِّرِيْنَ بين الكفرِ والإيْمان، ﴿لاَ إِلَى هَؤُلاءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاءِ﴾ ؛ أي ليسُوا من المؤمنينَ فيجبُ عليهم ما يجبُ عليهم، وليسُوا من الكفَّار فيؤخَذُ منهم ما يؤخذُ من الكفَّارِ ؛ أي ما هُم بمؤمنين مُخلصين، ولا مشركينَ مصرِّحين بالشِّركِ.
وكان ﷺ يَضْرِبُ مَثَلاً لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُنَافِقِيْنَ وَالْكَافِرِيْنَ كَمَثَلِ ثَلاَثَةٍ دُفِعُواْ إلَى نَهْرٍ ؛ فَقَطَعَهُ الْمُؤْمِنُ ؛ وَوَقَفَ الْكَافِرُ ؛ وَنَزَلَ فِيْهِ الْمُنَافِقُ، حَتَّى إذا تَوَسَّطَهُ عَجَزَ ؛ فَنَادَاهُ الْكافِرُ : هَلُمَّ إليَّ لاَ تَغْرَقْ، وَنَادَاهُ الْمُؤْمِنُ : هَلُمَّ إلَيَّ لِتَخْلَصَ. فَمَا زَالَ الْمُنَافِقُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَهُمَا حَتَّى إذا أتَى عَلَيْهِ مَاءٌ فَغَرَّقَهُ، فَكَانَ الْمُنَافِقُ لَمْ يَزَلْ فِي شَكٍّ حَتَّى يَأَتِيْهِ الْمَوْتُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ ؛ أي من يَخْذِلُهُ اللهُ عن الْهُدَى، فلن تَجِدَ له يا مُحَمَّدُ طريقاً إلى الْهُدَى.
النساء 4:144
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أي لا تفعلُوا أيُّها الؤمنونَ كفعلِ المنافقين، ﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾ ؛ أي أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا للهِ عَلَيْكُمْ حجَّةً ظاهرةً توجِبُ العقوبةَ عليكم في الدُّنيا والآخرةِ، والسُّلْطَانُ في اللغة : هُوَ الْحُجَّةُ ؛ يقالُ للأميرِ : سُلْطَانٌ ؛ يرادُ بذلك أنه حُجَّةٌ.
النساء 4:145
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ؛ أي في الطَّبَقِ الأسفلِ ؛ وهي الْهَاوِيَةُ لِمَكْرِهِمْ وخيانتهم للنبيِّ ﷺ مع إبْطَانِ الكُفر، قال أبو عُبيد :(جَهَنَّمُ أدْرَاكٌ مَنَازِلٌ، كُلُّ مَنْزِلَةٍ مِنْهُ دَرْكٌ). ومن قرأ (الدَّرْكِ) بإسكان الرَّاء، وهو لغةٌ : وأكثرُ القرَّاء على فتحِها. الدَّرَكَاتُ في النّار مثلُ الدرجَاتِ في الجنَّة، كل ما كان من درجاتِ الجنَّة أعلَى ؛ فثوابُ مَن فيه أعظمُ، وما كان من دَرَكَاتِ النار أسفلَ ؛ فعقابُ مَن فيه أشَدُّ. وسُئل ابنُ مسعودٍ عن الدَّرْكِ الأسْفَلِ ؛ فقالَ :(هُوَ تَوَابيْتُ مِنْ حَدِيْدٍ ؛ مُبْهَمَةٌ عَلَيْهِمْ لاَ أبْوَابَ لَهَا).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾ ؛ أي مانعاً يَمنع عنهُم العذابَ، وعن عبدِالله بنِ عمرَ ؛ (أنَّ أشَدَّ النَّاسِ عَذاباً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلاَثَةٌ : الْمُنافِقُونَ ؛ وَمَنْ كَفَرَ مِنْ أصْحَاب الْمَائِدَةِ ؛ وَآلَ فِرْعُونَ). قال اللهُ تعالى في أصحاب المائدة :﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾[المائدة: ١١٥] وقالَ :﴿أَدْخِلُواْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾[غافر: ١١٥] وقالَ :﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾.
فإن قِيْلَ : مَا وجهُ التَّوْفِيْقِ بين هذه الآيةِ وبينَ قولهِ تعالى :﴿أَدْخِلُواْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾[غافر: ٤٦] ؟ قِيْلَ : لا يَمتنعُ أن يجتمعَ القومُ في موضعٍ واحد ويكون عذابُ بعضِهم أشدَّ من عذاب بعضٍ، ألا ترَى أن البيتَ الداخلَ في الحمَّامِ يجتمعُ فيه الناس، فيكون بعضُهم أشدَّ أذىً بالنار ؛ لكونه أدنَى إلى موضعِ الوَقُودِ. وكذلك يجتمعُ القوم في القعودِ في الشَّمس، ويتأذى الصَّفْرَاويُّ منها أشدُّ وأكثر من تأذِي السَّوْدَاوِيِّ.
والْمُنَافِقُ فِي اللغة : مأخوذ من النَّفَقِ ؛ وهو السِّرْبُ ؛ أي استَترَ بالإسلامِ كما يَسْتَتِرُ الرجلُ بالسِّرْب. وَقِيْلَ : هو مأخوذٌ من قولِهم : نَافَقَ الْيَرْبُوعُ ؛ إذا دخل نَافِقَاءَهُ ؛ فإذا طُلِبَ من النَّافِقَاءِ خرج من النافقاء ؛ والنَّفْقَاءُ ؛ والقَاصِعَةُ ؛ والرَّاهِطَاءُ ؛ وَالدَّامَّاءُ حُجْرَةُ اليربوعِ.
النساء 4:146
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ﴾ ؛ أي لا الذين تَابوُا من النِّفَاقِ، وأصلحُوا العملَ فيما لبينهم وبين ربهم وتَمسَّكوا بتوحيدِ الله ودِينه، ﴿وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ﴾ ؛ وأخلصُوا توحيدَهم وعملَهم، ﴿للَّهِ﴾ ؛ أي أخلصُوا ذلك من شَوْب الرِّيَاءِ، وطلب عَرَضِ الدُّنيا، ﴿فَأُوْلَائِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ في الجنَّة والثواب، لا يضرُّهم النفاقُ السابق إذا أصلَحُوا وتابُوا. قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ ؛ وهو الجنَّة.
ولَمَّا حُذِفَتِ الياءُ من (يُؤْتَ) في الخطِّ، كما حذفت في اللفظ بسكونِها وسكون اللام في اسم اللهِ، فكذلكَ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾[العلق: ١٨] و﴿يَدْعُ الدَّاعِ﴾[القمر: ٦]. ويحتملُ أن يكون معنَى الآية : بَيَانُ زيادةِ الثواب لِمَنْ يَسْبقُ منه كفرٌ ولا نفاق، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾. (وَسَوْفَ) كلمة تَرْجِيَةٍ وإطْمَاعٍ ؛ وهي من اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إيجابٌ ؛ لأنه أكرمُ الأكرمِين، وَوَعْدُ الكريمِ إنجازٌ.
النساء 4:147
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ ؛ يُبَيِّنُ اللهُ تعالى أنَّ المنافقين هم الذينَ أوقعُوا أنفسَهم في الدَّرْكِ الأسفلِ من النار، واستحقُّوا ذلك بنفاقِهم، وإنه ليسَ في حكمةِ الله تعذيبُ مَن شَكَرَ وآمَنَ، وإنَّما في حكمتهِ أن يَجْزِيَ كلَّ عامل بما عَمِلَ، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ أي ما حَاجَتُهُ إلى تعذيبكم أيًُّها المنافقونَ إن وحَّدتُم في السِّرِّ وصدَقتُم في إيْمانكم.
ويقالُ معنى :﴿إِن شَكَرْتُمْ﴾ نِعَمَ اللهِ ﴿وَآمَنْتُمْ﴾ بهِ وبكتبه ورُسُلهِ. وَقِيْلَ : فيه تقديمٌ وتأخير ؛ أي إن آمنتُم وشكرتُم ؛ لأنَّ الشُّكْرَ لا يقعُ مع عدمِ الإيْمان. وبيَّنَ اللهُ تعالى أن تعذيبَ عبادهِ لا يزيدُ في مُلْكِهِ، وأن تركَ عقوبتِهم على فعلهم لا يُنْقِصُ من سُلْطَانِهِ.
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾ ؛ أي شَاكِراً للقليلِ من أعمالكم ؛ مُثِيْباً عليها ؛ يقبلُ اليَسِير ؛ ويعطي الجزيلَ عليها بأضعافِها لكم ؛ واحدةٌ إلى عشرةٍ إلى سبعمائة إلى ما شاءَ اللهُ من الأضْعَافِ. والشُّكرُ من العبدِ : هو الاعترافُ النِّعمة الواصلةِ إليه مع صِدْقٍ من التعظيمِ، والشُّكْرُ من اللهِ تعالى : هو مجازاتهُ العبدَ على طاعتهِ.
النساء 4:148
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ ؛ قال ابن عبَّاس :(مَعْنَاهُ : لاَ يُحسبُّ اللهُ الْجَهْرَ بالدُّعَاءِ الشَّرِّ عَلَى أحَدٍ إلاَّ أنْ يَظْلَمَ فِيْهِ ؛ فَيَدْعُو عَلَى ظَالِمِهِ فَلاَ يُعَابُ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مَأَذُونُ لَهُ فِي أنْ يَشْكُو ظَالِمَهُ وَيَدْعُو عَلَيْهِ).
ويقالُ :(إلاَّ مَنْ ظُلِمَ) استثناءٌ منقطع ؛ معناهُ : لكن المظلومُ يجهر بظَلاَمَتِهِ تَشَكِّياً. وفي تفسير الحسنِ :(لاَ يُحِبُّ اللهُ الْمُشْتِّمَ فِي الانْتِصَار إلاَّ مَنْ ظُلِمَ، فَلاَ بَأَسَ لَهُ أنْ يَنْتَصِرَ مِمَّنْ ظَلَمَهُ يمَا يَجُوزُ لَهُ الانْتِصَارُ بهِ فِي الدِّيْنِ). ونظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَانتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾[الشعراء: ٢٢٧]. قال الحسنُ :(لاَ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ ((إذا قِيْلَ لَهُ)) : يَا زَانِي، أنْ يَقُولَ بمثْلِ ذلِكَ أوْ نَحْوهِ مِنْ أنْوَاعِ الشَّتْمِ). وقال مجاهدُ :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي الضَّيْفِ إذا لَمْ يُضَفْ وَمٌُنِعَ حَقَّهُ، فَقَدْ أُذِنَ لَهُ أنْ يَشْكُو)، والضِّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أيَّامٍ.
ومن قرأ [إلاَّ مَنْ ظَلَمَ] بنصب الظاء، فمعناهُ لكن الظالِمُ يجهرُ بذلك ظُلماً واعتداءً. وَقِيْلَ : لكن الظالِمُ إجْهَرُوا لهُ بالسُّوءِ من القولِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً﴾ ؛ أي ﴿سَمِيعاً﴾ لدُعاءِ الْمَظْلُومِ ؛ ﴿عَلِيماً﴾ بعقوبةِ الظالِم. ويقالُ :(سَمِيْعاً) لجميع المسمُوعات ؛ ﴿عَلِيماً﴾ لجميع المظلُومات. فقولهُ تعالى :﴿إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ في موضع نصبٍ على الاستثناء المنقطعِ.
النساء 4:149
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً﴾ ؛ معناه : إنْ تُظْهِرُوا خيراً أو تُسِرُّوهُ أو تعفُوا عن مَظْلَمَةٍ ظُلِمْتُمْ بها ؛ فَإنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا. العَفُوُّ : كَثِيْرُ الْعَفْوِ من غيرِ حَصْرٍ، والقديرُ والقادر بمعنى واحدٍ ؛ أي أنَّ اللهَ قادرٌ على العقوبة به، ثم يعفُو عن عبادهِ مع قدرته على الانتقامِ. وَقِيْلَ : معنَى الآية : إن تَرُدُّوا جواباً حَسَناً أو تَسْكُتُوا عن الظالِم ولا تُحَقِّرُوهُ ولا تؤاخذوه بظُلْمِهِ ؛ فإن يُعفَ عن الظالِم ذنوبُهُ ؛ فإن عَفْوَ اللهِ عن معاصيكم أكثرُ من عفوِكم عمن ظلمَكم.
النساء 4:150
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً﴾ ؛ نزلت هذه الآية في اليهودِ والنَّصارى ؛ آمنتِ اليهودُ بموسى والتوارةِ ؛ وكفرَتْ بعيسى والإنجيلِ، وآمنَتِ النصارَى بعيسى والإنجيلِ ؛ وكفرت بموسى والتوارة وبمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ ؛ وكلُّهم كَفَرَ بمُحَمَّدٍ وَالْقُرْآنِ، فأعْلَمَ اللهُ : أنْ ليسَ من الإيْمان بالبعضِ، والكفرِ بالبعضِ دينٌ يُتَّخَذُ ذلك طريقاً.
النساء 4:151
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ ؛ اي أهلُ هذه الصِّفة هُمُ الْكَافِرُونَ البتَّةَ، وانتصبَ قولهُ (حَقًّا) على المصدر ؛ والفائدةُ في قوله :(حَقًّا) بيانُ أنَّ إيْمانَهم بالبعضِ لا ينفعُهم، ولا يسلبُ اسمَ الكفرِ عنهم.
النساء 4:152
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ ؛ يعني في الإيمان والتصديقِ ؛ ﴿أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ ؛ أي ثوابَهم، وسُمِّي الثوابُ أجراً ؛ لأنه مُسْتَحقٌّ كالأُجرة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾.
النساء 4:153
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَآءِ﴾ ؛ أي يسألك يا مُحَمَّدُ كعبُ بنُ الأشرفِ وجماعةٌ من اليهود أن تُنَزَّلَ علَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ أي يسألك يا مُحَمَّدُ كعبُ بنُ الأشرفِ وجماعةٌ من اليهود أن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ جُمْلَةً واحدةً كما أنْزِلَتِ التوراةُ على موسى، وهذا حينَ قولوا للنبيِّ ﷺ : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تُنْزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذلِكَ﴾ ؛ أي لا تَعْجَبْ من مسأَلَتِهم بعدما رَأَوا الآياتِ أعظمَ من ذلك، ﴿فَقَالُواْ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ؛ أي مُعَايَنَةً ظاهرةً مكشفةً ؛ وهم السَّبعون الذين كانوا معه عند الجبلِ حين كلَّمَهُ اللهُ، فسألوهُ أن يَرَوا ربَّهم رؤيةً يدركونَهُ بأبصارهم في الدُّنيا. وقال أبو عُبيد :(مَعْنَى الآيَةِ : قَالُواْ جَهْرَةً أرنَا اللهَ) فَجَعَلَ جَهْرَةً صِفَةً لِقَوْلِهِمْ ؛ قال :(لأنَّ الرُّؤْيَةَ لاَ تَكُونُ إلاَّ جَهْرَةً). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ ؛ أي أخذتْهُم النارُ عقوبةٌ لَهم بسؤالِهم موسى ما لَمْ يستحقُّوه.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ؛ أي عَبَدُوا العجحلَ من بعد ما جاءتْهُم الدَّلالاتُ على توحيدِ الله، وفي هذا بيانُ جَهْلِ اليهودِ وتَعَنُّتِهِمْ وعِنَادِهِمْ، وأيُّ جَهْلٍ أعظمُ من اتِّخَاذِ العِجْلِ إلَهاً، بعد ظُهُور المعجزاتِ وثُبوتِ الآيات البيِّنات.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَعَفَوْنَا عَن ذلِكَ﴾ ؛ أي تَجَاوَزْنَا عنهم بعد توبتِهم مع عِظَمِ جنايتِهم وجريْمَتهم ولم نَسْتَأْصِلْهُمْ، دلَّ اللهُ تعالى بذلكَ على سَعَةِ رحمتهِ ومغفرته وتَمام نِعْمَتِهْ ومِنَّتِهِ، بيَّنَ ذلك أنهُ لا جريْمَة تضيقُ عنها مغفرةُ اللهِ، وفي هذا مَنْعٌ من القُنُوطِ واستدعاءٌ إلى التوبة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾ ؛ أي أعطيناهُ حُجَّةً على مَن خالفَهُ بيِّنةً ظاهرةً ؛ وهي اليَدُ والعصَا.
النساء 4:154
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ ؛ أي ورفعنَا فوقَ رؤوسِهم الجبلَ بإقرارهم بالله وبنبوَّة موسَى، وذلك حين أبَوا قَبُولَ التَّوراةِ، فرفعَ اللهُ فوقَهم الطُّورَ، فقبلُوها فَخَرُّوا سُجَّداً، فرفعَ اللهُ الطُّورَ عنهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً﴾ ؛ أي قلنا لَهم : ادخُلُوا بابَ أريْحَيا إذا دخلتمُوها خاشعينَ للهِ مُنْحَنِيَةٌ أصلابُكم، فدخلوا زَحْفاً وبدَّلُوا ما قِيْلَ لَهم. ويقالُ أراد بالباب : البابَ الذي عَبَدُوا فيه العِجْلَ، أمَرَهُم اللهُ أن يدخلوه بعدَ تَوْبَتِهِمْ عن عبادةِ العِجْلِ ساجدين للهِ عَزَّ وَجَلَّ، فيصيرُ ذلك كفَّارَةً لعبادةِ العجل.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ﴾ ؛ أي قُلْنَا لَهَم مع هذا أيضاً : لا تَسْتَحِلُّوا أخْذ السَّمَكِ في يوم السَّبتِ. ومن قرأ (لاَ تَعَدُّوا) بتشديد الدَّال ؛ فأصلهُ : لا تَعْتَدُوا ؛ فَأُدْغِمَتِ الدالُ في الدال وأقيم التشديدُ مقامه. والقراءةُ بالتخفيف من عَدَا يَعْدُو عُدْوَاناً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾، إقْرَاراً وثيقاً شَدِيداً يعني العَهْدَ الذي أخذهُ الله في التَّوارةِ فَأَبُواْ إلاّ مُضِيّاً على المعصيةِ وخُرُجاً عن الطاعةِ استخفافاً بأمرِ الله.
النساء 4:155
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ؛ فَبنَقْضِهِمُ الميثاقَ الذي أُخِذ عليهم في التَّوراةِ وبجَحْدِهِمْ القُرْآنَ والإنْجِيْلَ وبما في التَّوراةِ من نَعْتِ الإسلامِ وصِفَةِ النبيِّ ﷺ وقتلِهم الأنبياءَ بغيرِ جُرْمٍ، ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ ؛ أي في أوْعِيَةٍ لا تَعِي شيئاً، بقولُ الله تعالى :﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ ؛ أي ليسَ كما قالُوا، ولكن خَتَمَ اللهُ على قلوبهم مجازاةً على كفرهم، ﴿فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ؛ أي إلاّ إيْماناً قليلاً لا يَجِبُ أن يسمَّوا به مؤمنين، فذلك أنَّهم آمنُوا ببعضِ الرُّسُلِ والكتُب دون البعضِ.
وقال الحسنُ :(فِي هَذَا تَقْدِيْمٌ وَتأخِيْرٌ ؛ مَعْنَاهُ : بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بكُفْرِهِمْ إلاَّ فقَلِيْلاً فَلاَ يُؤْمِنُونَ، وَالْمُرَادُ بالْقَلِيْلِ عَبْدُاللهِ بْنُ سَلاَمٍ وَمَنْ تَابَعَهُ }. أما دخولُ (مَا) في قوله تعالى ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم﴾ فمعناه التأكيدُ ؛ كأنه قالَ : فَينَقْضِهِمُ الْعَهْدَ، وجوابُ قولهِ تعالى ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم﴾ مضمرٌ في الآية ؛ تقديرهُ : فَبمَا نَقْضِهِمْ مِيْثَاقَهُمُ لَعَنَّاهُمْ، هذا لأنَّ أولَ الآيةِ ذمٌّ على الكفرِ، ومَن ذمَّهُ اللهُ فقد لَعَنَهُ، يعني مَن ذمَّهُ على الكُفْرِ. ويقالُ : إن الجالبَ للباقي قولَهُ :﴿فَبِمَا﴾ قولهُ تعالى مِنْ بَعْدُ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ﴾[النساء: ١٦٠] فقوله تعالى ﴿فَبِظُلْمٍ﴾ بدلٌ من ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم﴾، وجوابُهما جميعاً﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ﴾[النساء: ١٦٠].
النساء 4:156
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً﴾ ؛ عَطْفٌ على ما تقدَّم ؛ أي وَبجَحْدِهِمْ عِيْسَى وَالإنْجِيْلَ وَمُحَمَّداً ﷺ وَرَمْيهِمْ مَرْيَمَ بالزِّنَا ؛ وَهُوَ الْبُهْتَانُ الْعَظِيْمُ.
وذلك : أنَّ عِيْسَى عليه السلام اسْتَقْبَلَ رَهْطاً مِنَ الْيَهُودِ ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : قَدْ جَاءَ السَّاحِرُ بْنُ السَّاحِرَةِ ؛ وَالْفَاعِلُ بْنُ الْفَاعِلَةِ، فَقَذَفُوهُ وَأمَّهُ، فَلَمَّا سَمِعِ بذلِكَ عِيْسَى، قَالَ : اللَّهُمَّ أنْتَ رَبي وَأنَا عَبْدُكَ ؛ بقُدْرَتِكَ خَرَجْتُ وَبكَلِمَتِكَ خَلَقْتَنِي، وَلَم أُتَّهَمْ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي، اللَّهُمَّ الْعَنْ مَنْ سَبَّنِي وَسَبَّ وَالِدَتِي. فَاسْتَجَابَ اللهُ دُعَاءَهُ وَمَسَخَ ذَلِكَ الرَّهْطُ الَّذِيْنَ سَبُّوهُ وَسَبُّوا أُمَّهُ خَنَازِيْرَ، وَكَانُواْ رَمَوا أُمُّهُ بيُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ مَانَانَ.
النساء 4:157
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(وَذَلِكَ أنَّهُ لَمَّا مُسِخَ الرَّهْطُ الَّذِيْنَ سَبُّواْ عِيْسَى وَأُمُّه، فَمَسَخَ اللهُ مَنْ سَبَّهُمَا قِرَدَةً وَخَنَازِيْرَ ؛ وَدَخَلَ بَيْتاً فِي سَقْفِهِ روْزَنةٌ - أيْ كُوَّةٌ - فَرَفَعَهُ جِبْرِيْلُ عليه السلام إلَى السَّمَاءِ ؛ وَأمَرَ يَهُودِيّاً مِلِكُ الْيَهُودِ رَجُلاً يُقَالُ لَهُ طِيْطَانُوسُ أنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ فَيَقْتُلَهُ ؛ فَدَخَلَ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَأَلْقَى اللهُ عَلَيْهِ شَبَهَ عِيْسَى عليه السلام، فَلَمَّا خَرَجَ إلَى أصْحَابهِ قَتَلُوهُ وَهُمْ يَظُنُّونَ أنَّهُ عِيْسَى، ثُمَّ صَلَبُوهُ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَتَلْنَاهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّ وَجْهَهُ وَجْهَ عِيْسَى وَجَسَدَهُ جَسَدَ صَاحِبنَا، فَإنْ كَانَ هَذا عِيْسَى فَأَيْنَ صَاحِبُنَا ؟ وَإنْ كَانَ هَذَا صَاحِبُنَا فَأَيْنَ عِيْسَى ؟ فَاشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ وَاخْتَلَفُواْ فِيْهِ، ثُمَّ بَعَثَّ عَلَيْهِمْ طَاطُوسَ بْنُ اسْتِيبَانْيُوسُ الرُّومِيُّ فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيْمَةَ).
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ قولُ اللهِ خاصَّة لا قولَ اليهودِ، وكانت اليهودُ تُقول : عِيْسَى بْنُ مَرْيَمَ، قال اللهُ تعالى :﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ أي يَعْنُونَ الذي هو رَسُولُ اللهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَاكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ ؛ أي ومَا قَتَلُوا عيسَى وما صَلَبُوهُ ولكن ألْقَى اللهُ على طِيْطَانُوسُ شَبَهَ عِيْسَى فقتلوهُ ؛ وَرُفِعَ عِيْسَى إلى السَّماءِ. قال الحسنُ : إنَّ عِيْسَى عليه السلام قَالَ لِلْحَوَارِيِّيْنَ : أيُّكُمْ يَرْضَى أنْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلَ فَيَدْخُلَ الجنَّةَ ؛ فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْحَوَارِيِّيْنَ فَقَالَ : أنَّا يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَلْقَى اللهُ عَلَيْهِ شَبَهَ عِيْسَى ؛ فَقُتِلَ وَصُلِبَ، وَرَفَعَ اللهُ عِيْسَى إلَى السَّمَاءِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ﴾ ؛ أي مِنْ قَتْلِهِ، قال الكلبيُّ :(اخْتِلاَفُهُمْ فِيْهِ : أنَّ الْيَهُودَ قَالُواْ : نَحْنُ قَتَلْنَاهُ وَصَلَبْنَاهُ، وَقَالَ طَائِفَةٌ مِنَ النَّصَارَى : بَلْ نَحْنُ قَتَلْنَاهُ وَصَلَبْنَاهُ، فَمَا قَتَلَهُ هَؤُلاَءِ وَلاَ هَؤُلاَءِ، بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إلَيْهِ إلَى السَّمَاءِ).
ويقال : إنَّ الله تعالى لَمَّا ألقَى شَبَهَ عِيسَى على طيطانوسُ ألقاهُ على وجههِ دون جَسَدِهِ، فَلَمَّا قَتَلُوا طيطانوس ؛ نَظَرُوا إليهِ فإذا وجههُ وجهُ عيسَى وجسَدُه غيرُ جَسَدِ عيسَى، فقالوا : إن كان هذا عيسَى، فأينَ صاحبُنا ؟ وإن كانَ صاحِبُنا فأينَ عيسَى ؟ فقال اللهُ تعالى :﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ ؛ نَعْتٌ كمصدرٍ محذوف تقديرهُ : وَمَا عَلِمُوهُ عِلْماً يَقِيْناً.
النساء 4:158
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ؛ أي بَلْ رَفَعَهُ الله إلى السَّماء، وإنَّما سَمَّى ذلكَ رَفْعاً إليه ؛ لأنه رُفِعَ إلى موضعٍ لا يَملكُ فيه أحدٌ شيئاً إلاّ (اللهَ). قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ ؛ قد ذكرنا معناهُ غيرَ مرَّة، وفائدةُ ذكرِهِ ها هنا : بيانُ قدرةِ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على نَجَاةِ من يساءُ، وبيانُ حكمتهِ فيما فعلَ ويفعلُ وحَكَمَ ويحكمُ، فلما رَفَعَ اللهُ عيسى عليه السلام كَسَاهُ الرِّيْشَ وألبسَهُ النورَ وقطعَ عنهُ شهواتِ الْمَطْعَمِ والْمَشْرَبِ وطارَ مع الملائكةِ ؛ فهو معهم حولَ العرشِ فكأنه إنْسِيّاً ملكياً سَمَاوِيّاً أرْضِيّاً. قال وهبُ بن مُنَبهٍ :(يُبْعَثُ عِيْسَى عَلَى رَأَسِ ثَلاَثِيْنَ سَنَةٍ، وَرَفَعَهُ اللهُ وَهُوَ ابْنُ ثَلاَثٍ وَثَلاَثِيْنَ سَنَةً، وَكَانَتْ نُبُوَّتُهُ ثَلاَثَ سِنِيْنَ).
النساء 4:159
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ؛ لمَّا ذكرَ اللهُ تعالى اختلافَ اليهودِ والنَّصارى في عيسَى ؛ بَيَّنَ بعدهُ أن هذا الشّكَّ سيزولُ عن كل كتابيٍّ، فقالَ تعالى :﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ أي ما أحدٌ مِن أهلِ الكتاب إلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بعيسَى قبلَ لأن يَموتَ الكتابيُّ يعني : إذا عَايَنَ اليهوديُّ أمرَ الآخرةِ وَحَضَرَتْهُ الوفاةُ ؛ ضَرَبَتِ الملائكةُ وَجْهَهُ وَدُبُرَهُ ؛ وقالت : أتاكَ عيسى نبيّاً فَكذبْتَ بهِ ؛ فيؤمنُ حبن لا ينفعهُ إيْمانهُ، ويقول للنصرانِيِّ : أتاكَ عيسى عليه السلام نَبيّاً فَكَذَبْتَ عبدَاللهِ ورسولَهُ، فزعمتَ أنهُ هو اللهُ وابن اللهِ، فيؤمنُ بأنهُ عبدُاللهِ حين لا ينفعهُ إيْمانهُ.
وَقِيْلَ : معناهُ : قبلَ موتِ عيسَى، وهذا قولُ الحسنِ وقتادةَ والربيعِ ؛ جعلوا هاتَين الكنايَتين في (بهِ) و (مَوْتِهِ) راجعينَ إلى عيسَى عليه السلام، والقولُ الأولُ هو قول عكرمةَ ومجاهدُ والسُّدِّيُّ ؛ جعلوا الهاءَ في قولهِ (به) راجعةً إلى عيسَى، وفي قوله (مَوْتِهِ) راجعةً إلى الكتابيِّ الذي يؤمنُ به إذا عايَن الموتَ، وهي روايةٌ عنِ ابن عبَّاس ؛ قالوا :(لاَ يَمُوتُ يَهُودِيٌّ وَلاَ صَاحِبُ أوْ أكَلَهُ سَبْعٌ أوْ مِيْتَةٍ كَانَتْ) حَتَّى قيلَ لابنِ عبَّاس :(أرَأيْتَ إنْ خَرَّ مِنْ فَوْقِ بَيْتٍ ؟ قال : تَكَلَّمَ بهِ الْهَوْيِ ؛ قِيلَ لَهُ : رَأَيْتَ لَوْ ضُرِبَتْ عُنُقُ أحَدِهِمْ ؟ قَالَ : تَلَجْلَجَ بهِ لِسَانُهُ). يدلُّ على صحَّة هذا التأويلِ قراءةُ أُبَيٍّ (قَبْلَ مَوْتِهِمْ).
قال شَهْرُ بن الْحَوْشَب :(قَالَ لِيَ الْحَجَّاجُ يَوْماً : إنَّ آيَةً مِنْ كِتَاب اللهِ مَا قَرَأتُهَا إلاَّ تَلَجْلَجَ لِي فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءٌ، قُلْتُ : وَمَا هِيَ ؟ قالَ :﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ وَإنِّي لأُوْتَى بالأَسِيرِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَأَضْرِبُ عُنُقَهُ، فَمَا أسْمَعُهُ يَقُولُ شَيْئاً.
قُلْتُ : إنَّ الْيَهُودِيَّ إذا حَضَرَهُ الْمَوْتُ ؛ ضَرَبَتِ الْمَلاَئِكَةُ وَجْهَهُ وَدُبُرَهُ ؛ وَتَقُولُ لَهُ : يَا عَدُوَّ اللهِ ؛ أتَاكَ عِيْسَى عَبْداً نَبيّاً فَكَذبْتَ بهِ، فَيَقُُولُ : إنِّي آمَنْتُ بهِ إنَّهُ عَبدٌ نَبيٌّ، فَيُؤْمِنُ بهِ حِيْنَ لاَ يَنْفَعُهُ إيْمَانُهُ، وَتَقُولُ الْمَلاَئِكَةُ لِلنَّصْرَانِيِّ : يَا عَدُوَّ اللهِ ؛ أتَى عِيْسَى عَبْداً نَبيّاً فَكَذْبتَ بهِ وَقُلْتَك إنَّهُ اللهُ وَابْنُ اللهِ، فَيَقُولُ : إنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ حِيْنَ لاَ يَنْفَعُهُ إيْمَانُهُ.
قَالَ الْحَجَّاجُ : وَمَنْ حَدَّثَكَ بهَذا الْحَدِيْثِ ؟ قُلْتُ : حَدَّثَنِي بهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ، قَالَ :- وَكَانَ مُتَّكِئاً فَجَلَسَ - ثُُمَّ نَكَثَ فِي الأَرْضِ بقَضِيبَةٍ سَاعَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأَسَهُ إلَيَّ وَقَالَ : أخَذْتَهَا مِنْ مَعْدَنِهَا.
قَالَ الْكَلْبِيُّ : فَقُلْتُ لِشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ : وَمَا الَّذِي أرْدَتَ بقَوْلِكِ لِلْحَجَّاجِ : حَدَّثَنِي بذلِكَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ يَكْرَهُهُ، وَيَكْرَهُ مَنْ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ ؟ قَالَ : أرَدْتُ أنْ أغِيْظَهُ).
وحُجَّةُ من قال : إنَّ الهاءَ في قوله ﴿مَوْتِهِ﴾ راجعةٌ إلى عيسَى : ما رويَ في الخبرِ عن النبيِّ ﷺ :[أنَا أوْلَى النَّاسِ بعِيْسَى ؛ لأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبيٌّ، وَيُوْشِكُ أنْ يَنْزِلَ فِيْكُمْ حَكَماً عَدلاً، فَإذا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ، فَإنَّهُ رَجُلٌ مَرْبُوعُ الْخَلْْقِ إلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، كَأَنَّ رَأسَهُ يَقْطُرُ وَإنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ، فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيْرَ ؛ وَيُرِيْقُ الْخَمْرَ ؛ وَيَكْسِرُ الصَّلِيْبَ ؛ وَيُذْهِبُ السَّحَرَةَ ؛ وَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الإسْلاَمِ ؛ وَتَكُونُ السَّجْدَةُ وَاحِدَةً للهِ رَب الْعَالَمِيْنَ، وَيُهْلِكُ اللهُ فِي زَمَانِهِ مَسِيْحَ الضَّلاَلَةِ الْكَذَابَ الدَّجَّالَ ؛ حَتَّى لاَ يَبْقَى أحَدٌ مِنْ أهْلِ الْكِتَاب وَقْتَ نُزُولِهِ إلاَّ يُؤْمِنُ بهِ، وَتَقَعُ الأَمَنَةُ فِي زَمَانِهِ حَتَّى تَرْتَعَ الإبلُ مَعَ الأُسُودِ ؛ وَالْبَقَرُ مَعَ النُّمُورِ ؛ وَالْغَنَمُ مَعَ الذِّئّاب، وَيَلْعَبُ الصِّبْيَانُ بالْحَيَّاتِ، لاَ يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعضاً، ثُمَّ يَلْبَثُ فِي الأَرْضِ أرْبَعيْنَ سَنَةً ثُمَّ يَمُوتُ، وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَيَدْفِنُوهُ).
النساء 4:160
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ ؛ أي فَبكُفْرِ اليهودِ وجُرمِهم حرَّمنا عليهم أشياءَ كانت طَيِّبَةً لَهم في التوراةِ ؛ منها : لُحُومُ الإبلِ وألبانُها والشُّحومُ، وكانوا إذا أصابُوا ذنباً عظيماً حَرَّمَ اللهُ عليهم طعاماً طَيِّباً، ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً﴾ ؛ معناهُ : بسبب مَنْعِهِمُ الناسَ عن دينِ الله وهو الإسلامُ، وَ ؛ بسَبَب ؛ ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ﴾ ؛ وقد نُهوا عن ذلك في التَّوراة، وَ ؛ بسبب ؛ ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ ؛ أكلِ أموال الناس بالظُّلمِ، وأخذِ الرِّشَا في الحكمِ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ ؛ أي خَلَقْنَا وهيَّأْنا للكافرينَ منهم عذاباً وَجِيْعاً يَخْلُصُ وجعهُ إلى قلوبهم، وإنَّما خصَّ الكافرينَ لبيانِ أن مَن يؤمنُ منهم غيرُ داخلٍ في هذا الوعيدِ.
ثُمَّ استثنىَ اللهُ تعالى منهم مَن آمَنَ، فقال تعالى :﴿لَّـاكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ ؛ أي لكن التائبون مِن أهلِ الكتاب وهم عبدُالله بنُ سلامٍ وأصحابُه، وسَمَّاهم ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ لثباتِهم في العِلْمِ وتَبَحُّرِهِمْ فيه ؛ لا يضطربون ولا تَميلُ بهم الشُّبَهُ، بمنْزِلة الشجرةِ الرَّاسخةِ بعروقِها في الأرض.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي والمؤمنونَ مِن غير أهل الكتاب من أصحاب رسول الله ﷺ يصدِّقون بما نزل إليكَ من الفُرْقًانِ، وما فيه من تَحريم هذهِ الأشياء عليهم، ويصدِّقون بما أُنْزِلَ من قبلِكَ على الأنبياءِ من الكُتُب، ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ﴾ ؛ يجوزُ أن يكونَ معناهُ : يؤمنونَ بالنبيِّين المقيمينَ الصلاةَ، فيكون قولهُ ﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ نَسَقاً على قولهِ﴿بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾[النساء: ٦٠].
ويجوزُ أن يكون نَصْباً على المدحِ على معنى : أعْنِي الْمُقِيْمِيْنَ الصَّلاَة ؛ وَهُمْ :﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ؛ كما يقال : جاءنِي قومُكَ الْمُطْعِمُونَ فِي الْمَحَلِّ ؛ وَالْمُعِيْنُونَ فِي الشَّدَائِدِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً﴾ ؛ أي الْمُصَدِّقُونَ باللهِ وبالبعثِ بعدَ الموتِ أولئكَ سنعطيهم ثَواباً وافِراً في الجنَّة.
النساء 4:161
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ ؛ أي فَبكُفْرِ اليهودِ وجُرمِهم حرَّمنا عليهم أشياءَ كانت طَيِّبَةً لَهم في التوراةِ ؛ منها : لُحُومُ الإبلِ وألبانُها والشُّحومُ، وكانوا إذا أصابُوا ذنباً عظيماً حَرَّمَ اللهُ عليهم طعاماً طَيِّباً، ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً﴾ ؛ معناهُ : بسبب مَنْعِهِمُ الناسَ عن دينِ الله وهو الإسلامُ، وَ ؛ بسَبَب ؛ ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ﴾ ؛ وقد نُهوا عن ذلك في التَّوراة، وَ ؛ بسبب ؛ ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ ؛ أكلِ أموال الناس بالظُّلمِ، وأخذِ الرِّشَا في الحكمِ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ ؛ أي خَلَقْنَا وهيَّأْنا للكافرينَ منهم عذاباً وَجِيْعاً يَخْلُصُ وجعهُ إلى قلوبهم، وإنَّما خصَّ الكافرينَ لبيانِ أن مَن يؤمنُ منهم غيرُ داخلٍ في هذا الوعيدِ.
ثُمَّ استثنىَ اللهُ تعالى منهم مَن آمَنَ، فقال تعالى :﴿لَّـاكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ ؛ أي لكن التائبون مِن أهلِ الكتاب وهم عبدُالله بنُ سلامٍ وأصحابُه، وسَمَّاهم ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ لثباتِهم في العِلْمِ وتَبَحُّرِهِمْ فيه ؛ لا يضطربون ولا تَميلُ بهم الشُّبَهُ، بمنْزِلة الشجرةِ الرَّاسخةِ بعروقِها في الأرض.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي والمؤمنونَ مِن غير أهل الكتاب من أصحاب رسول الله ﷺ يصدِّقون بما نزل إليكَ من الفُرْقًانِ، وما فيه من تَحريم هذهِ الأشياء عليهم، ويصدِّقون بما أُنْزِلَ من قبلِكَ على الأنبياءِ من الكُتُب، ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ﴾ ؛ يجوزُ أن يكونَ معناهُ : يؤمنونَ بالنبيِّين المقيمينَ الصلاةَ، فيكون قولهُ ﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ نَسَقاً على قولهِ﴿بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾[النساء: ٦٠].
ويجوزُ أن يكون نَصْباً على المدحِ على معنى : أعْنِي الْمُقِيْمِيْنَ الصَّلاَة ؛ وَهُمْ :﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ؛ كما يقال : جاءنِي قومُكَ الْمُطْعِمُونَ فِي الْمَحَلِّ ؛ وَالْمُعِيْنُونَ فِي الشَّدَائِدِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً﴾ ؛ أي الْمُصَدِّقُونَ باللهِ وبالبعثِ بعدَ الموتِ أولئكَ سنعطيهم ثَواباً وافِراً في الجنَّة.
النساء 4:162
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ ؛ أي فَبكُفْرِ اليهودِ وجُرمِهم حرَّمنا عليهم أشياءَ كانت طَيِّبَةً لَهم في التوراةِ ؛ منها : لُحُومُ الإبلِ وألبانُها والشُّحومُ، وكانوا إذا أصابُوا ذنباً عظيماً حَرَّمَ اللهُ عليهم طعاماً طَيِّباً، ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً﴾ ؛ معناهُ : بسبب مَنْعِهِمُ الناسَ عن دينِ الله وهو الإسلامُ، وَ ؛ بسَبَب ؛ ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ﴾ ؛ وقد نُهوا عن ذلك في التَّوراة، وَ ؛ بسبب ؛ ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ ؛ أكلِ أموال الناس بالظُّلمِ، وأخذِ الرِّشَا في الحكمِ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ ؛ أي خَلَقْنَا وهيَّأْنا للكافرينَ منهم عذاباً وَجِيْعاً يَخْلُصُ وجعهُ إلى قلوبهم، وإنَّما خصَّ الكافرينَ لبيانِ أن مَن يؤمنُ منهم غيرُ داخلٍ في هذا الوعيدِ.
ثُمَّ استثنىَ اللهُ تعالى منهم مَن آمَنَ، فقال تعالى :﴿لَّـاكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ ؛ أي لكن التائبون مِن أهلِ الكتاب وهم عبدُالله بنُ سلامٍ وأصحابُه، وسَمَّاهم ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ لثباتِهم في العِلْمِ وتَبَحُّرِهِمْ فيه ؛ لا يضطربون ولا تَميلُ بهم الشُّبَهُ، بمنْزِلة الشجرةِ الرَّاسخةِ بعروقِها في الأرض.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي والمؤمنونَ مِن غير أهل الكتاب من أصحاب رسول الله ﷺ يصدِّقون بما نزل إليكَ من الفُرْقًانِ، وما فيه من تَحريم هذهِ الأشياء عليهم، ويصدِّقون بما أُنْزِلَ من قبلِكَ على الأنبياءِ من الكُتُب، ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ﴾ ؛ يجوزُ أن يكونَ معناهُ : يؤمنونَ بالنبيِّين المقيمينَ الصلاةَ، فيكون قولهُ ﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ نَسَقاً على قولهِ﴿بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾[النساء: ٦٠].
ويجوزُ أن يكون نَصْباً على المدحِ على معنى : أعْنِي الْمُقِيْمِيْنَ الصَّلاَة ؛ وَهُمْ :﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ؛ كما يقال : جاءنِي قومُكَ الْمُطْعِمُونَ فِي الْمَحَلِّ ؛ وَالْمُعِيْنُونَ فِي الشَّدَائِدِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً﴾ ؛ أي الْمُصَدِّقُونَ باللهِ وبالبعثِ بعدَ الموتِ أولئكَ سنعطيهم ثَواباً وافِراً في الجنَّة.
النساء 4:163
قَوْلُهُ جَلَّ وَعَزّ :﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ ؛ أي أنْزِلْنَا جبريلَ عليكَ بهذا القُرْآنِ كما أوحينَا إلى نوحٍ ؛ فأمرَ بالاستقامةِ على التَّوحيدِ ودعوةِ الخلقِ إليه، وكما أوحيْنَا إلى النبيِّين مِن بعدِ نوحٍ أوحينَا إليكَ. قِيْلَ : إنَّ نوحاً عليه السلام عَمَّرَ ألفَ سنةٍ لم تَنْقُصْ لهُ سِنٌّ ولا قوَّة، ولم يَشِبْ له شعرٌ، ولم يبلُغْ أحدٌ من الأنبياءِ في الدذَعوةِ ما بَلَغَ، ولم يَصْبرْ على أذى قومهِ ما صَبَرَ، وكان يدعُو قومَهُ لَيلاً ونَهاراً، وسِرّاً وإعْلاناً، وكان الرجلُ من قومهِ يضربهُ فيُغْمَى عليه، فإذا أفَاقَ دَعَا وَبَلَّغْ، وَقِيْلَ : هو أوَّلُ مَن تَنْشَقُّ عنهُ الأرضُ يومَ القيامةِ بعد مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ﴾ ؛ وهم بنو يعقوبٍ عليه السلام وهم اثْنَا عشرَ رَجُلاً، وَ ؛ إلَى ؛ ﴿وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا﴾ ؛ أي أعْطَيْنَا ؛ ﴿دَاوُودَ زَبُوراً﴾ ؛ والزَّبُورُ : هو الكتابُ، مأخوذٌ من الزُّبْرِ ؛ وهو الكتابةُ، ومن قرأ زُبُوراً بضَمِّ الزَّاي وهو الأعمشُ وحمزةُ وابن وثَّاب ؛ فمعناهُ : الكتُبُ على الْجَمْعِ.
فإن قيلَ : كيفَ قدَّمَ اللهُ ذكر عِيْسَى على ذِكْرِ أيُّوبَ ويونُسَ وهارونَ وسليمان وداوُدَ، وهو مِنْ بعدِهم ؟ قِيْلَ : لأنَّ الواوَ للجمعِ دون الترتيب، فتقديمُ ذِكْرِهِ في الآيةِ لا يوجبُ تقديْمَهُ في الْخَلْقِ والإرسال، والفائدةُُ في تقديْمهِ في الذكرِ : الردُّ على اليهودِ، وَلِغُلُوِّهِمْ في الطَّعْنِ وفي نَسَبهِ، فقدَّمهُ اللهُ في الذكرِ ؛ لأن ذلك أبلغَ في كُتُب اليهودِ وفي تَنْزِيْهِهِ مِمَّا رُمِيَّ به ونُسِبَ إليهِ.
النساء 4:164
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ ؛ عَطْفُ على﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾[النساء: ١٦٣]، كأنه قالَ : إنا أرسلناكَ مُوحِيْنَ إليكَ، وأرسلنا رُسُلاً قد قَصَصْنَا عليكَ، ويجوزُ أن يكون مَنْصُوباً بالفعلِ الذي بعدَه، كأنهُ قالَ : وقد قَصَصْنَا رُسُلاً عليكَ، ومعناه : قَصَصْنَاهُمْ ؛ أي سَمَّيْنَاهُمْ لكَ في القُرْآنِ، وعرَّفناكَ قِصَّتَهُمْ، ﴿وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ ؛ أي وأرسلنَا رُسُلاً لم نُسَمِّهِمْ لكَ وأمرناهم بالاستقامةِ على التَّوْحِيْدِ ودعوةِ الْخَلْقِ إلى الله.
وعن أبي ذرٍّ قال : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ كَمْ كَانَتِ الأنْبيَاءُ ؟ وَكَمْ كَانَ الْمُرْسَلُونَ ؟ قَالَ :(كَانَتْ الأنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ مَائَةَ ألْفٍ وَأرْبَعَةً وَعِشْرِيْنَ ألْفاً، وَكَانَ الْمُرْسَلُونَ ثَلاَثَمِائَةٍ وَثَلاَثَةَ عَشَرَ).
وعن كعب الأحبار أنه قالَ :(الأنبياءُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ ألفَا ألفٍ ومائتا الفٍ وخمسَةٌ وعشرون ألفاً، والمرسلُ ثلاثُمائة وثلاثة عشر. وكان داودُ عليه السلام قد أُنْزِلَ عليه الزبورُ، وكان يَنْزِلُ إلى البرَِّية ويقرأ الزبورَ ؛ فيقومُ معه علماءُ بني إسرائيلَ خَلْفَهُ ؛ ويقومُ الناسُ خَلْفَ العلماءِ، وتقومُ الْجِنُّ خلفَ الناسِ، وتجيءُ الدوابُ التي في الجبالِ إذا سَمعت صوتَ داودَ فِيَقُمْنَ بين يديه تَعَجُّباً لِمَا يسمعنَ من صوتهِ، وتجيءُ الطيرُ حتى يُظَلِّلْنَ على داودَ في خلائقِ لا يحصيهنَّ إلاّ اللهُ يُرَفْرِفْنَ على رأسهِ، وتجيءُ السِّبَاعُ حتى تحيطَ بالدواب والوحشِ لما يسمعنَ، ولما قَارَنَ الذنْبَ لم يَرَ ذلك، فقيلَ لهُ : ذلكَ أنْسُ الطاعةِ، وهذه وَحْشَةُ المعصيةِ.
وعن أبي موسَى الأشعريِّ قالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ :" لَوْ رَأيْتَنِي الْبَارِحَةَ وَأَنا أسْتِمِعُ لِقِرَاءَتِكَ، لَقَدْ أعْطِيْتَ مِزْمَاراً مِنْ مَزَامِيْرِ آلِ دَاوُدَ " فَقَالَ : فَقُلْتُ : أمَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ ؛ لَوْ عَلِمْتَ أنَّكَ تَسْتَمِعُ لَحَبَّرْتُهُ تَحْبيْراً. وكان عمرُ رضي الله عنه اذا رأىَ أبَا موسَى عليه السلام قال :" ذكِّرْنَا يَا أبَا مُوسَى " فيقرأهُ عندَهُ ". وعن أبي عثمان النَّهْدِيِّ ؛ قالَ :(مَا سَمِعْتُ قَطُّ بُرْبُطاً وَلاَ مِزْمَاراً وَلاَ عُوداً أحْسَنَ مِنْ صَوْتِ أبي مُوسَى، وَكَانَ يَؤُمُّنَا فِي صَلاَةِ الْغَدَاةِ فَنَوَدُّ أنَّهُ يَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ مِنْ حُسْنِ صَوْتِهِ).
وفي تفسير الكلبيُّ :(أنَّ اللهَ تَعَالَى لَمَّا أَنْزَلَ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ ؛ وَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ ؛ قَالَ الْيَهُودُ فِيْمَا بَيْنَهُمْ : مَا نَرَى مُحَمَّداً يَقْرَأُ بمَا أنْزَلَ اللهُ عَلَى مُوسَى ؛ وَلَقَدْ أُوْحِيَ إلَيْهِ كَمَا أُوْحِيَ إلَى النَّبِيِّيْنَ مِنْ قَبْلِهِ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ؛ فَقَالُواْ ؛ إنَّ مُحَمَّداً قَدْ ذكَرَهُ فِيْمَنْ ذَكَرَهُ وَفَضَّلَهُ بالْكَلاَمِ عَلَيْهِمْ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى﴾ ؛ وفائدة تخصيصِ موسَى عليه السلام بالكلامِ مع انَّ اللهَ تعالى كَلَّمَ غيرَه من الأنبياءِ، ؛ لأنه تعالى كَلَّمَهُ من غيرِ واسطةٍ ؛ وَكَلَّمَ غيرَه من الأنبياء بالْوَحْيِ إليهم على لِسَانِ بعضِ الملائكةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَكْلِيماً﴾ ؛ يدلُّ على التأكيدِ كَيْلاَ يحملَ كلامُ الله إياهُ على معنى الوَحْيِ إليه.
النساء 4:165
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ ؛ معناه : فَأَرْسَلْنَا هؤلاءِ رُسُلاً مُبَشِّرِيْنَ بالجنَّةِ لمن أطاعَ وَمُخَوِّفِينَ بالنار لمن عصَى ؛ ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ؛ لئلاَّ يكونَ للناسِ على اللهِ حُجَّةٌ يومَ القيامةِ بعد إرسال الرُّسُلِ إليهم ؛ فيقولوا : رَبَّنَا لولاَ أرسلتَ إلينا رَسُولاً فَنَتَّبعَ آيَاتِكَ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ ؛ ظاهرُ المرادِ.
النساء 4:166
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّـاكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(وَذَلِكَ أنَّ رُؤَسَاءَ مَكَّةَ أتَواْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَوا : سَأَلْنَا اليَهُودَ عَنْ نَعْتِكَ وَصِفَتِكَ ؛ فَزَعَمُواْ أنَّهُمْ لاَ يَعْرِفُونَكَ فِي كُتُبهِمْ، فَأَتِنَا بمَنْ يَشْهَدُ لَكَ أنَّ اللهَ بَعَثَكَ إلَيْنَا رَسُولاً، فأَنَزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ، وَأَنْزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾[الأنعام: ١٩]).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ؛ أي على عِلْمِ منهُ بأنَّكَ أهْلٌ لإنْزَِالِهِ عليكَ، وعَلِمَ من يَقْبَلُ ومن لا يقبلُ كما قالَ اللهُ تعالى :﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾[الأنعام: ١٢٤]. وَقِيْلَ : معناهُ :(أنْزَلَهُ بعِلْمِهِ) أي عَلِمَ ما فيهِ من الأحكامِ وما تحتاجُ إليه العبادُ من أمرِ دِينهم ودُنياهم ثُمَّ أنْزَلَهُ. وَقِيْلَ : معناهُ : بل وَصَلَ إليكَ كما كان في اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ ؛ أي يشهدونَ على شهادَةِ اللهِ، وعلى شهادتِكَ بأنَّ الذي شَهِدْتَ به حَقٌّ، وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾ ؛ أي اكْتَفُوا باللهِ شهيداً في شهَادَتِهِ أن تَشْهَدَ اليهودُ بما في كتابهم.
النساء 4:167
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلَالاً بَعِيداً﴾ ؛ معناهُ إنَّ الذين جَحَدُواْ وحدانيَّةَ اللهِ وَمُحَمَّداً ﷺ والْقُرْآنَ، وصَرَفُوا الناسَ عن دينِ الله وطاعتهِ فقد أخْطَأُواْ خَطَأً بعيداً عن الْهُدَى والثواب. بَيَّنَ اللهُ تعالى في هذه الآيةِ ضَلاَلَتَهُمْ في الدُّنيا.
ثم بيَّن عقوبتَهم في الآخرةِ فقالَ تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ؛ أي إنَّ الذينَ كفرُوا بما يجبُ الإيْمان به ظَلَمُوا أنفسَهم بكُفْرِهِمْ لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ مَا دا مُوا على كُفْرِهم، ﴿وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً﴾ ؛ إلَى الإسلامِ، ﴿إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ ؛ لكن تَرَكَهُمْ على طريقِ جَهَنَّمَ وهو الكفرُ. وَقِيْلَ : معناهُ : لا يُرْشِدُهُمْ في الآخرةِ إلى طريقٍ غيرَ طريق جهنم، كما في قولهِ تعالى :﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾[الصافات: ٢٣]، ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ ؛ التَّخْلِيْدُ والتعذيبُ، ﴿وَكَانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾ ؛ سَهْلاً هَيِّناً.
النساء 4:168
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلَالاً بَعِيداً﴾ ؛ معناهُ إنَّ الذين جَحَدُواْ وحدانيَّةَ اللهِ وَمُحَمَّداً ﷺ والْقُرْآنَ، وصَرَفُوا الناسَ عن دينِ الله وطاعتهِ فقد أخْطَأُواْ خَطَأً بعيداً عن الْهُدَى والثواب. بَيَّنَ اللهُ تعالى في هذه الآيةِ ضَلاَلَتَهُمْ في الدُّنيا.
ثم بيَّن عقوبتَهم في الآخرةِ فقالَ تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ؛ أي إنَّ الذينَ كفرُوا بما يجبُ الإيْمان به ظَلَمُوا أنفسَهم بكُفْرِهِمْ لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ مَا دا مُوا على كُفْرِهم، ﴿وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً﴾ ؛ إلَى الإسلامِ، ﴿إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ ؛ لكن تَرَكَهُمْ على طريقِ جَهَنَّمَ وهو الكفرُ. وَقِيْلَ : معناهُ : لا يُرْشِدُهُمْ في الآخرةِ إلى طريقٍ غيرَ طريق جهنم، كما في قولهِ تعالى :﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾[الصافات: ٢٣]، ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ ؛ التَّخْلِيْدُ والتعذيبُ، ﴿وَكَانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾ ؛ سَهْلاً هَيِّناً.
النساء 4:169
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلَالاً بَعِيداً﴾ ؛ معناهُ إنَّ الذين جَحَدُواْ وحدانيَّةَ اللهِ وَمُحَمَّداً ﷺ والْقُرْآنَ، وصَرَفُوا الناسَ عن دينِ الله وطاعتهِ فقد أخْطَأُواْ خَطَأً بعيداً عن الْهُدَى والثواب. بَيَّنَ اللهُ تعالى في هذه الآيةِ ضَلاَلَتَهُمْ في الدُّنيا.
ثم بيَّن عقوبتَهم في الآخرةِ فقالَ تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ؛ أي إنَّ الذينَ كفرُوا بما يجبُ الإيْمان به ظَلَمُوا أنفسَهم بكُفْرِهِمْ لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ مَا دا مُوا على كُفْرِهم، ﴿وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً﴾ ؛ إلَى الإسلامِ، ﴿إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ ؛ لكن تَرَكَهُمْ على طريقِ جَهَنَّمَ وهو الكفرُ. وَقِيْلَ : معناهُ : لا يُرْشِدُهُمْ في الآخرةِ إلى طريقٍ غيرَ طريق جهنم، كما في قولهِ تعالى :﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾[الصافات: ٢٣]، ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ ؛ التَّخْلِيْدُ والتعذيبُ، ﴿وَكَانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾ ؛ سَهْلاً هَيِّناً.
النساء 4:170
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ياأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ﴾ ؛ خطابٌ لعامَّةِ الْخَلْقِ، ﴿قَدْ جَآءَكُمُ الرَّسُولُ﴾ يعني مُحَمَّداً ﷺ بكلمةِ التَّوحيدِ والقُرْآنِ مِنْ عِنْدِ رَبْكًُمْ، ﴿فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ﴾ ؛ فصدِّقوا باللهِ ورسوله، وبما جاءَ به من عندهِ يكُنْ خيراً لكم من التَّكْذِيْب.
قال الخليلُ والبصريُّون :(انْتَصَبَ قَوْلُهُ تَعَالَى :(خَيْراً) لأنَّكَ إذا أمَرْتَ بفِعْلٍ دَخَلَ فِي مَعْنَاهُ ؛ تَقْدِيْرُهُ : إئْتُوا خَيْراً لَكُمْ، وَإذا نَهَيْتَ عَنْ فِعْلِ دَخَلَ فِي مَعْنَاهُ ؛ تَقْدِيْرُهُ : إئْتِ بَدَلَهُ خَيْراً لَكُمْ). وقال الفرَّاءُ :(انْتَصَبَ لأنَّهُ مُتَّصِلٌُ بالأَمْرِ وَهُوَ مِنْ صِفَتِهِ) تَقْدِيْرُهُ : هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، فَلَمَّا سَقَطَ هُوَ اتَّصَلَ بَما قَبْلَهُ، وَعَلَى هَذا : انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ. وقال الكسائيُّ :(انْتَصَبَ لِخُرُوجِهِ مِنَ الْكَلاَمِ) وقال :(هَذا إنَّمَا تَقُولُهُ الْعَرَبُ فِي الْكَلاَمِ التَّامِّ، نَحْوَ قَوْلِكِ : لَتَقُومَّنَّ خَيْراً لَكَ، وَانْتَهِ خَيْراً لَكَ، وَإذا كَانَ الْكَلاَمُ نَاقِصاً رَفَعُواْ، فَقَالَ : أنِ انْتَهُواْ خَيْرٌ لَكُمْ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي إنْ تَكْفُرُوا يُعَاقِبْكُمُ اللهُ، فَإنَّ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ. وَقِيْلَ : إنْ تكفرُوا فإنَّ الله غَنِيٌّ عنكُم، لكونهِ مَالكَ السَّمَوات والأرضِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ ؛ أي لَمْ يَزَلْ عَلِيْماً بخلقهِ، بمن يؤمنُ وبمن لا يؤمنُ، حَكِيْماً في أمرهِ، حَكمَ بالإسلامِ على عبادهِ.
النساء 4:171
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ ؛ نزلَت في نصارَى نَجْرَانَ وهم : النَّسْطُوريِّةُ : الذين يقولونَ عيسى ابنُ الله، وَالْمَارْيَعْقُوبيَّةُ : الذين يقولن عيسى هو اللهُ، وَالْمَرْقُوسِيَّةُ : الذين يقولون ثالثُ ثلاثةٍ ؛ ويقال هم الْملكانيَّة. ومعنى الآيةِ : يَا أهْلَ الْكِتَاب لاَ تُجَاوزُوا الحدِّ في الدينِ فتغيِّروا فيه. والغُلُوَّ في الدينِ : مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فيهِ، وقد غَلَتِ النصارى في أمرِ عيسى حتى جَاوَزُوا به مَنْزِلَةَ الأنبياءِ فجعلوهُ إلَهاً.
ويقالُ : إنَّ الآيةَ خطابٌ لليهودِ والنصارى ؛ لأنَّ اليهودَ أيضاً غَلَوا في أمرِ عيسَى حتى جَاوَزُوا به مَنْزِلَةَ مَنْ وُلِدَ على غيرِ الطَّهارةِ فجعلوهُ لغيرِ رُشْدِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ أي لا تَصِفُوا اللهَ إلاَّ بالحقِّ، والحقُّ أن يقالَ : إلَهٌ وَاحِدٌ لاَ شَرِيْكَ لَهُ وَلاَ صَاحِبَةَ وَلاَ وَلَدَ، وينَزِّهُهُ عن القبائحِ والنَّقَائصِ وعن جميعِ صفاتِ الْمُحْدَثِيْنَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ ؛ أي ليسَ المسيحُ إلاَّ رَسُولَ اللهِ ؛ لأن (إنَّمَا) تقتضِي تحقيقَ المذكور وتَمحِيْقَ ما سواهُ، كقولهِ تعالى :﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَـاهٌ وَاحِدٌ﴾، وفي قولهِ :﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ بيانٌ أنهُ لا يجوز أن يكونَ إلَهاً ؛ أي كيفَ يكون إلَهاً وهو ابنُ مَرْيَمَ أمَةُ اللهِ ؟ وكيفَ يكون إلَهاً وَأمُهُ قَبْلَهُ. قَوْلَهُ تَعَالَى :﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ ؛ أي أنهُ كان بكلمتهِ عَزَّ وجَلَّ وهو قولهُ :(كُنْ) فَكَانَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَاهُ : أمْرٌ مِنَ اللهِ عَزَّوَجَلَّ ؛ أتَاهَا جِبْرِيْلُ بأَمْرِ اللهِ فَنَفَخض فِي جَيْب دِرْعِهَا ؛ فَدَخَلَتْ تِلْكَ الْنَّفْخَةُ بَطْنَهَا ؛ فَخَلَقَ اللهُ عِيْسَى بنَفْخَةِ جِبْرِيْلَ عليه السلام]. والنَّفْخُ في اللغة : يُسَمَّى رُوحاً. وَقِيْلَ : سَمَّاهُ اللهُ تعالى رُوحاً ؛ لأنه كان يُحْيي بهِ الناسَ في الدينِ كما يُحْيُونَ بالأرواحِ. وَقِيْلَ : لأنه رُوْحٌ مِن الأرواحِ أضافَهُ اللهُ إليهِ تشريفاً لهُ، كما يقالُ : بَيْتُ اللهِ. وقال السُّدِّيُّ :(مَعْنَاهُ (وَرُوحٌ مِنْهُ) أيْ مَخْلُوقٌ مِنْهُ ؛ أيْ مِنْ عِنْدِهِ).
وَقِيْلَ : معناهُ : ورحمةٌ منهُ ؛ أي جعله اللهُ رحمةً لمن آمَنَ بهِ، يدلُّ عليه قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾[المجادلة: ٢٢] أي قَوَّاهُمْ برحمةِ منهُ. وَقِيْلَ : الرُّوحُ : الوَحْيُ ؛ أوْحَى إلى مَرْيَمَ بالْبشَارَةِ، وأوحَى إلى جبريلَ بالنَّفْخِ، وأوحَى إليه أن كُنْ ؛ فَكَانَ، يدلُّ عليه قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالْرُّوحِ﴾[النحل: ٢] أي بالوحْيِ، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾[الشورى: ٥٢] أي وَحْياً.
ورويَ : أنَّهُ كَانَ لِهَارُونَ الرَّشيْدِ طَبيْبٌ نَصْرَانِيٌّ، وَكَانَ غُلاَماً حَسَنَ الْوَجْهِ جِدّاً، وَكَانَ كَامِلَ الأَدَب جَامِعاً لِلْخِصَالِ الَّتِي يَتَوَسَّلُ بهَا إلَى الْمَلِكِِ، وَكَانَ الرَّشِيْدُ مُولعاً بأَنْ يُسَلِمَ وَهُوَ يَمْتَنِعُ، وَكَانَ الرَّشِيْدُ يُمَيِّنْهِ الأَمَانِيَّ إنْ أسْلَمَ، فَقَالَ لَهُ ذاتَ يَوْم : مَا لَكَ لاَ تُؤْمِنُ ؟ قَالَ : إنَّ فِي كِتَابكُمْ حُجَّةٌ عَلَى مَنِ انْتَحَلَهُ، قَالَ : وَمَا هِيَ ؟ قَالَ : قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ فَعَبَّرَ بهَذا أنَّ عِيْسَى جُزْءٌ مِنْهُ.
النساء 4:172
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ؛ نَزَلَ فِي وَفْدِ نَجْرَانَ ؛ " نَاظَرُواْ النَّبيَّ ﷺ فِي أمْرِ عِيْسَى، فَقَالَ لَهُمْ :" هُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ ". فَقَالَُواْ : لاَ تَقُلْ هَكَذا ؛ فَإنَّ عِيْسَى يَأَنَفُ مِنْ هَذا الْقَوْلِ ؛ " فَنَزَلَ تَكْذِيْباً لِقَوْلِهِمْ :(لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيْحُ أنْ يَكُونَ عَبْداً للهِ) أي لن يَأَنَفَ، ولم يَتَعَظَّمَ عن الإقرار والعبوديَّة لله عَزَّ وَجَلَّ، ﴿وَلاَ الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي ولن يستنكفَ الملائكةُ المقرَّبونَ عن العبوديَّة وهم حَمَلَةُ الْعَرْشِ. وإنَّما خصَّ الملائكةَ بعد عيسى ؛ لأن النّصارى كانوا يقولونَ : عيسى ابن الله، وبَنُو مُدْلَجٍ كانوا يقولونَ : الملائكةُ بنات اللهِ، فَرَدَّ اللهُ على الفريقين جَميعاً.
ِقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً﴾ ؛ أي مَن يأْنَفُ ويَمْتنعُ عن توحيدهِ وطاعته وَيَتَعَظَّمُ عنِ الإيْمانِ ؛ فَسَيَجْمَعُهُمُ إليه جميعاً : الْمُسْتَنْكِفُ وَالْمُسْتَكْبرُ ؛ والْمُقِرُّ وَالْمُطِيْعُ.
النساء 4:173
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ﴾ ؛ أي الذينَ آمنُوا بمُحَمَّدٍ وَالْقُرْآنِ وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوفِرُ عليهم جزاءَ أعمالِهم في الجنَّة، وَيَزِيْدُهُمْ من عطائهِ مَا لاَ عَيْنَ رَأَتْ ؛ وَلاَ أُذُنٌّ سَمِعَتْ ؛ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْب بَشَرٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ﴾ ؛ أي وأما الذين أبَوا وامتنعُوا عنِ الإيْمانِ بمُحَمَّدٍ ﷺ وَالْقُرْآنِ ؛ ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ ؛ وَجِيْعاً، ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ ؛ ولا يَجِدُونَ لَهم سوَى اللهِ قريباً ينفعُهم، ولا مانعاً يَمنعُهم من النار.
النساء 4:174
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً﴾ ؛ خطابٌ للناس كلَّهم، والْبُرْهَانُ هو النَّبيُّ ﷺ، سَمَّاهُ بُرْهَاناً لظهور المعجزةِ، والنورُ المبينُ الْقُرْآنُ ؛ سَمَّاهُ نُوراً مُبيناً ؛ لأن النورَ هو الذي يُبَيِّنُ الأشياءَ حتى تَرَى، والقُرْآنُ مُبَيِّنُ الأشياءِ كلِّها.
النساء 4:175
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ﴾ ؛ أي فأمَّا الذينَ صَدَّقُوا بوحدانيَّةِ الله وتَمَسَّكُوا بدينهِ وكتابهِ، وسألُوا العصمةَ من مَعَاصِيهِ ؛ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي الآخرةِ جَنَّتَهُ وكراماتهِ التي أعدَّها لَهم فيها، ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ ؛ أي ويُعَرِّفُهُمْ في الدُّنيا سبيلَ الْهُدَى وهو الإسلامُ، وَيُثَبتُهُمْ عليهِ، وتقديرُ الآية : وَيَهْدِيِهْمِ فِي الدُّنْيَا وَيَرْحَمُهُمْ فِي الآخِرَةِ.
النساء 4:176
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِن امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ؛ نزلت في جَابرِ بنِ عبدِالله حين جاءَ إلى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَ : إنَّ لِي أُخْتاً ؛ فَمَا لِي فِيْهَا بَعْدَ مَوْتِهَا، فأنزلَ اللهُ هذه الآيَةَ، وقد تقدَّم تفسيرُ الكَلاَلَةِ، وابتدأ بالرجلِ، فيقالُ : إنهُ ماتَ قبلاَ أختهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ﴾ ؛ يعني مِن أُمٍّ وأبٍ أو من أبٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ ؛ وحكمُ الثَّلاثِ والأربعِ فصاعداً حكمُ الاثنين كالبناتِ، وإنْ كانوا إخوةً ؛ ﴿وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً﴾ ؛ أي وإنْ كان الورثةُ إخوةً من أُمٍّ وأبٍ، أو من أبٍ ذُكُوراً وإناثاً ؛ ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ ؛ أي يُبّيِّنُ اللهُ لَكُمْ قِسْمَةَ المواريثِ ؛ لِئَلاَّ تُخْطِئُوا في قِسْمَتِهَا، وقد حذفَ (لا) في الكلامِ ويرادُ إثباتُها كما في قوله تعالى :﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾[لقمان: ١٠]، ويقال في القَسَمِ : واللهِ أبْرَحُ قَاعِداً ؛ أي لاَ أبْرَحُ، وَتُذْكَرُ (لا) ويراد طرحُها كما في قولهِ تعالى :﴿لاَ أُقْسِمُ﴾[القيامة: ١] و﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾[الأعراف: ١٢].
وذهبَ البصريُّون إلى أنَّ معناهُ : كَرَاهَةَ أنْ تَضِلُّوا، فحذفَ المضافَ وأقامَ المضاف إليه مقامهُ، كما في قولهِ تعالى :﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾[يوسف: ٨٢]. وقال الفرَّاءُ :(مَوْضِعُهُ نُصِبَ بنَزْعِ الْخَافِضِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.
وعَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ :" مَنْ قَرَأَ سُورَةَ النِّسَاءِ : أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ كَمَنْ اشْتَرَى ذا رَحِمٍ وَأَعْتَقَهُ، وَبُرِّئَ مِنَ الشَّرْكِ، وَكَانَ فِي مَشِيْئَةِ اللهِ مِنَ الَّذِيْنَ يَتَجَاوَزَ عَنْهُمْ "