Lafzullah

كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — المائدة 5:1 – الأنعام 6:140

المؤلف / المصدر: أبو بكر الحداد اليمني (ت 800هـ) · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-1239)

المحتويات
  1. المائدة 5:1
  2. المائدة 5:2
  3. المائدة 5:3
  4. المائدة 5:4
  5. المائدة 5:5
  6. المائدة 5:6
  7. المائدة 5:7
  8. المائدة 5:8
  9. المائدة 5:9
  10. المائدة 5:10
  11. المائدة 5:11
  12. المائدة 5:12
  13. المائدة 5:13
  14. المائدة 5:14
  15. المائدة 5:15
  16. المائدة 5:16
  17. المائدة 5:17
  18. المائدة 5:18
  19. المائدة 5:19
  20. المائدة 5:20
  21. المائدة 5:21
  22. المائدة 5:22
  23. المائدة 5:23
  24. المائدة 5:24
  25. المائدة 5:25
  26. المائدة 5:26
  27. المائدة 5:27
  28. المائدة 5:28
  29. المائدة 5:29
  30. المائدة 5:30
  31. المائدة 5:31
  32. المائدة 5:32
  33. المائدة 5:33
  34. المائدة 5:34
  35. المائدة 5:35
  36. المائدة 5:36
  37. المائدة 5:37
  38. المائدة 5:38
  39. المائدة 5:39
  40. المائدة 5:40
  41. المائدة 5:41
  42. المائدة 5:42
  43. المائدة 5:43
  44. المائدة 5:44
  45. المائدة 5:45
  46. المائدة 5:46
  47. المائدة 5:47
  48. المائدة 5:48
  49. المائدة 5:49
  50. المائدة 5:50
  51. المائدة 5:51
  52. المائدة 5:52
  53. المائدة 5:53
  54. المائدة 5:54
  55. المائدة 5:55
  56. المائدة 5:56
  57. المائدة 5:57
  58. المائدة 5:58
  59. المائدة 5:59
  60. المائدة 5:60
  61. المائدة 5:61
  62. المائدة 5:62
  63. المائدة 5:63
  64. المائدة 5:64
  65. المائدة 5:65
  66. المائدة 5:66
  67. المائدة 5:67
  68. المائدة 5:68
  69. المائدة 5:69
  70. المائدة 5:70
  71. المائدة 5:71
  72. المائدة 5:72
  73. المائدة 5:73
  74. المائدة 5:74
  75. المائدة 5:75
  76. المائدة 5:76
  77. المائدة 5:77
  78. المائدة 5:78
  79. المائدة 5:79
  80. المائدة 5:80
  81. المائدة 5:81
  82. المائدة 5:82
  83. المائدة 5:83
  84. المائدة 5:84
  85. المائدة 5:85
  86. المائدة 5:86
  87. المائدة 5:87
  88. المائدة 5:88
  89. المائدة 5:89
  90. المائدة 5:90
  91. المائدة 5:91
  92. المائدة 5:92
  93. المائدة 5:93
  94. المائدة 5:94
  95. المائدة 5:95
  96. المائدة 5:96
  97. المائدة 5:97
  98. المائدة 5:98
  99. المائدة 5:99
  100. المائدة 5:100
  101. المائدة 5:101
  102. المائدة 5:102
  103. المائدة 5:103
  104. المائدة 5:104
  105. المائدة 5:105
  106. المائدة 5:106
  107. المائدة 5:107
  108. المائدة 5:108
  109. المائدة 5:109
  110. المائدة 5:110
  111. المائدة 5:111
  112. المائدة 5:112
  113. المائدة 5:113
  114. المائدة 5:114
  115. المائدة 5:115
  116. المائدة 5:116
  117. المائدة 5:117
  118. المائدة 5:118
  119. المائدة 5:119
  120. المائدة 5:120
  121. الأنعام 6:1
  122. الأنعام 6:2
  123. الأنعام 6:3
  124. الأنعام 6:4
  125. الأنعام 6:5
  126. الأنعام 6:6
  127. الأنعام 6:7
  128. الأنعام 6:8
  129. الأنعام 6:9
  130. الأنعام 6:10
  131. الأنعام 6:11
  132. الأنعام 6:12
  133. الأنعام 6:13
  134. الأنعام 6:14
  135. الأنعام 6:15
  136. الأنعام 6:16
  137. الأنعام 6:17
  138. الأنعام 6:18
  139. الأنعام 6:19
  140. الأنعام 6:20
  141. الأنعام 6:21
  142. الأنعام 6:22
  143. الأنعام 6:23
  144. الأنعام 6:24
  145. الأنعام 6:25
  146. الأنعام 6:26
  147. الأنعام 6:27
  148. الأنعام 6:28
  149. الأنعام 6:29
  150. الأنعام 6:30
  151. الأنعام 6:31
  152. الأنعام 6:32
  153. الأنعام 6:33
  154. الأنعام 6:34
  155. الأنعام 6:35
  156. الأنعام 6:36
  157. الأنعام 6:37
  158. الأنعام 6:38
  159. الأنعام 6:39
  160. الأنعام 6:40
  161. الأنعام 6:41
  162. الأنعام 6:42
  163. الأنعام 6:43
  164. الأنعام 6:44
  165. الأنعام 6:45
  166. الأنعام 6:46
  167. الأنعام 6:47
  168. الأنعام 6:48
  169. الأنعام 6:49
  170. الأنعام 6:50
  171. الأنعام 6:51
  172. الأنعام 6:52
  173. الأنعام 6:53
  174. الأنعام 6:54
  175. الأنعام 6:55
  176. الأنعام 6:56
  177. الأنعام 6:57
  178. الأنعام 6:58
  179. الأنعام 6:59
  180. الأنعام 6:60
  181. الأنعام 6:61
  182. الأنعام 6:62
  183. الأنعام 6:63
  184. الأنعام 6:64
  185. الأنعام 6:65
  186. الأنعام 6:66
  187. الأنعام 6:67
  188. الأنعام 6:68
  189. الأنعام 6:69
  190. الأنعام 6:70
  191. الأنعام 6:71
  192. الأنعام 6:72
  193. الأنعام 6:73
  194. الأنعام 6:74
  195. الأنعام 6:75
  196. الأنعام 6:76
  197. الأنعام 6:77
  198. الأنعام 6:78
  199. الأنعام 6:79
  200. الأنعام 6:80
  201. الأنعام 6:81
  202. الأنعام 6:82
  203. الأنعام 6:83
  204. الأنعام 6:84
  205. الأنعام 6:85
  206. الأنعام 6:86
  207. الأنعام 6:87
  208. الأنعام 6:88
  209. الأنعام 6:89
  210. الأنعام 6:90
  211. الأنعام 6:91
  212. الأنعام 6:92
  213. الأنعام 6:93
  214. الأنعام 6:94
  215. الأنعام 6:95
  216. الأنعام 6:96
  217. الأنعام 6:97
  218. الأنعام 6:98
  219. الأنعام 6:99
  220. الأنعام 6:100
  221. الأنعام 6:101
  222. الأنعام 6:102
  223. الأنعام 6:103
  224. الأنعام 6:104
  225. الأنعام 6:105
  226. الأنعام 6:106
  227. الأنعام 6:107
  228. الأنعام 6:108
  229. الأنعام 6:109
  230. الأنعام 6:110
  231. الأنعام 6:111
  232. الأنعام 6:112
  233. الأنعام 6:113
  234. الأنعام 6:114
  235. الأنعام 6:115
  236. الأنعام 6:116
  237. الأنعام 6:117
  238. الأنعام 6:118
  239. الأنعام 6:119
  240. الأنعام 6:120
  241. الأنعام 6:121
  242. الأنعام 6:122
  243. الأنعام 6:123
  244. الأنعام 6:124
  245. الأنعام 6:125
  246. الأنعام 6:126
  247. الأنعام 6:127
  248. الأنعام 6:128
  249. الأنعام 6:129
  250. الأنعام 6:130
  251. الأنعام 6:131
  252. الأنعام 6:132
  253. الأنعام 6:133
  254. الأنعام 6:134
  255. الأنعام 6:135
  256. الأنعام 6:136
  257. الأنعام 6:137
  258. الأنعام 6:138
  259. الأنعام 6:139
  260. الأنعام 6:140

المائدة 5:1

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ ؛ أي أوفوا بالعقود التي كَتَبَهَ اللهُ عليكم مِما أحلَّه لكم حرَّمَه عليكُم، وَقِيْلَ : معناهُ : أتِمُّوا العهودَ التي بينكم وبين المشركينَ ولا تنقُضُوها حتى يكونَ النّّقْضُ من قِبَلِهِمْ، هكذا رويَ عن ابنِ عبَّاس والضحَّاك وقتادةَ. وقال الحسنُ :(مَعْنَاهُ أوْفُوا بعُقُودِ الدِّيْنِ ؛ يَعْنِي أوَامِرَ اللهِ وَنَوَاهِيْهِ). وَقِيْلَ : معناهُ : أوفُوا بكُلِّ عَقْدٍ تعقدونَهُ على أنفسِكم من نَذْرٍ أو يَمينٍ. وَقِيْلَ : أوْفُوا بالعقودِ التي يعقِدهَا بعضُكم بعضُكم لبعضٍ، نحوَ عَقْدِ البيعِ والإجارَةِ والنِّكاحِ والشَّرْكةِ، ولا تنافِي بينَ هذه الأقوالِ ؛ إذ كلُّ هذه العقود يجبُ الوفاءُ بها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ ؛ أي رُخِّصَتْ لكم الأنعامُ نفسُها، وأضافَ البهيمةَ إلى الأنعامِ، كما يقالُ : مسجدُ الجامِعِ ؛ ونفسُ الإنسان. والأنْعَامُ : هِيَ الإبلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، ودخل في هذه الآية إباحةُ الظِّبَاءِ وبَقَرِ الْوَحْشِ وحمار الوحشِ ؛ لأنَّها أبْهَمُ في التَّمْيَيُّزِ من الأَهْلِيَّةِ، ولِهذا استثنَى اللهُ الصيدَ في حالةِ الإحرام في قولهِ تعالى :﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. والبهيمةُ في اللغة يتناولُ كلَّ حَيٍّ لا يُميِّزُ، اسْتَبْهَمَ عليه الجوابُ ؛ أي اسْتَغْلَقَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ ؛ أي إلاَّ ما يُقْرَأُ عليكم في القُرْآنِ مِمَّا حُرِّمَ عليكم في هذه السورة من الْمِيْتَةِ والدَّمِ ولحمِ الخنْزيرِ والموقُوذةُ والمتَردِّيَةُ والنَّطيحَةُ الايَةُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ ؛ نُصِبَ على الحالِ من الكافِ والميم التي في قولهِ :﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾ كما يقالُ : جاءَ زيدٌ راكباً ؛ وجاءَ غيرُ راكبٍ. والمعنى : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيْمَةُ الأنَعَامِ غَيْرَ مُحِلبِّي الصَّيْدِ ؛ أي من أنْ تَسْتَحِلُّوا قتلَ الصَّيدِ وأنتُم مُحْرِمُونَ. وَقِيْلَ : نُصِبَ على الحالِ من قوله ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ أي أوْفُوا بالمعقُودِ غيرِ مُحِلِّي الصَّيْدِ، هذا قولُ الأخفشِ، والأوَّلُ قولُ الكسائيِّ. ومعنى الآيةِ : أُحِلَّتْ لكمُ الأنعامُ إلاَّ ما كان وَحْشِياً، فإنَّهُ صَيْدٌ لا يحلُّ لكم إذا كنتم مُحْرِمِيْنَ، فذلكَ قولهُ :﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ ؛ أي يقضِي على عبادهِ بما شاءَ من التحليل والتحريْمِ على ما تُوجِبُهُ الحكمةُ.

المائدة 5:2

قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللَّهِ﴾ ؛ أراد به الْمَنَاسِكَ ؛ أي لا تَسْتَحِلُّوا مخالفةَ شيءٍ منها، ولا تجاوزُوا مواقيتَ الحرمِ غيرَ مُؤَدِّيْنَ حقوقَها ؛ وذلك : أنَّ الأنصارَ كانوا لا يَسْعُونَ بين الصَّفَا والمروةِ، وكان أهلُ مكَّة لا يخرجونَ إلى عَرَفَةَ فأمرَ اللهُ تعالى أنْ لا يترُكُوا شيئاً من المَنَاسِكِ. وقال الحسنُ :(شَعَائِرُ اللهِ دِيْنُ اللهِ) ؛ أيْ لاَ تَحِلُّوا فِي دِيْنِ اللهِ شَيْئاً مِمَّا لَمْ يُحِلَّهُ اللهُ. وقالُ : هي حدودُ اللهِ في فرائضِ الشرعِ. والشَّعَائِرُ في اللغة : الْمَعَالِمُ، والإشْعَارُ : الإعْلاَمُ، وَالشَّعِيرَةُ وَاحِدَةُ الشَّعَائِرِ ؛ وهِيَ كُلُّ مَا جُعِلَ عَلَماً لِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ ؛ أي ولا تَسْتَحِلُّوا القَتْلَ والغارَة في الشَّهرِ الحرامِ، وأرادَ بذلك الأشهُرَ الْحُرُمَ كلَّها ؛ وهي رَجَبٌ ؛ وذُو الْقَعْدَةِ ؛ وذُو الْحِجَةِ ؛ وَالْمُحَرَّمُ، إلاَّ أنه ذُكِرَ باسمِ الجنس كما في قولهِ تعالى :﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ﴾[العصر: ٢] أرادَ به جِنْسَ الإنسانِ، ولذلك استثنَى المطيعَ بقوله :﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾[البقرة: ٢١٧]، ثم نُسِخَ حرمةُ القتال في الشهرِ الحرام بقولهِ تعالى :﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾[التوبة: ٥]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلائِدَ﴾ ؛ أي لا تُحِلُّوا الْهَدْيَ ؛ أي لا تَذْبَحُوهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ ؛ ولا تنتفِعُوا بهِ بعدَ أن جعلتموهُ للهِ، ولا تَمنعوهُ أن يَبْلُغَ البيتَ. قَوْلُهَ تَعَالَى :﴿وَلاَ الْقَلائِدَ﴾ أي ولا تُحِلُّوا القلائدَ التي تكونُ في أعناقِ الهدايا ؛ أي لا تقطعُوها قبلَ الذبْحِ وتصدَّقوا بها بعدَ الذبحِ كما قالَ ﷺ لِعَلِيٍّ رضي الله عنه :" تَصَدَّقُوا بحَلاَلِهَا وَخِطَامِهَا، وَلاض تُعْطِي الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئاً " قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ ؛ معناهُ : ولا تسْتَحِلُّوا القَتْلَ والغارَّة على القاصدينَ المتوجِّهينَ نحوَ البيتِ الحرامِ، وعنِ ابن عبَّاس رضي الله عنه :" أنَّ الآيَةَ وَرَدَتْ في شُرَيْحِ بْنِ ضُبَيْعَةَ بْنِ هِنُدِ الْيُمَامِيِّ، " دَخَلَ عَلَى النَّبيِّ ﷺ بالْمَدِيْنَةِ وَقَالَ : أنْتَ مُحَمَّدٌ النَّبيُّ ؟ قَالَ :" نَعَمْ " قَالَ : إلاَمَ تَدْعُو ؟ قالَ :" أدْعُو إلَى شَهَادَةِ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ؛ وَأنِّي رَسُولُ اللهِ ". فَقَالَ : إنَّ لِي أُمَرَاءَ أرْجِعُ إلَيْهِمْ وَأَشَاورُهُمْ، فَإنْ قَبلُوا قَبلْتُ. ثمَّ انْصَرَفَ مِنْ عِنْدِ النَّبيِّ ﷺ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ النَّبيُّ ﷺ :" لَقَدْ دَخَلَ بوَجْهِ كَافِرٍ وَخَرَجَ بعَقِبَي غَادِرٍ ". فَمَرَّ بسَرْحٍ لأَهْلِ الْمَدِيْنَةِ فَاسْتَاقَهَا، وَانْطَلَقَ نَحْوَ الْيَمَامَةِ وَهُوَ يَرْتَجِزُ يَقُولُ : _@_ بَاتُوا نِيَاماً وَابْنُ هِنْدٍ لَمْ يَنَمْ _@_ بَاتَ يٌقَاسِيهَا غُلاَمٌ كَالزُّلَمْ _@_ خَدَلَّجُ السَّاقينَ خَفَّاقُ الْقَدَمْ _@_ قَدْ لَفَّهَا اللّيْلُ بسَوَّاقٍ حُطَمْ _@_ لَيْسَ برَاعِي إبلٍ وَلاَ غَنَمْ _@_ وَلاَ بجزَّارٍ عَلَى ظَهْرِ وَضَمْ _@_ _@_ هَذا أوَّانُ الْحَرْب فَاشْتَدِّي زَلَمْ _@_ وَقَدْ كَانَ عِنْدَ دُخُولِهِ عَلَى النَّّبيِّ ﷺ خَلَّفَ خَيْلَهُ خَارجَ الْمَدِيْنَةِ وَدَخَلَ وَحْدَهُ. فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ ؛ خَرَجَ شُرَيْحُ نَحْوَ مَكَّة فِي تِجَارَةٍ عَظِيْمَةٍ فِي حُجَّاجِ بَكْرٍ بْنِ وَائِلٍ مِنْ أهْلِ الْيَمَامَةِ وَهُمْ مُشْرِكُونَ وَكَانَتِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُغَيْرُ بَعُضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَإذا كَانَ أشْهَرُ الْحَجِّ أمِنَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعضاً، وَإذا سَافَرَ أحَدُهُمْ فِي غَيْرِ الأَشْهُرِ الْحُرُمِ نَحْوَ مَكَّةَ قَلَّدَ هَدْيَهُ مِنَ الشَّعْرِ وَالْوَبَرِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ هَدْيٌ قَلَّدَ رَاحِلَتَهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ رَاحِلَةٌ جَعَلَ فِي عُنُقِهِ قَلاَدَةً، وَكَانُوا يأْمَنُونَ بذلِكَ، فَإذا رَجَعُوا مِنْ مَكَّةَ جَعَلُوا شَيْئاً مِنْ لِحَاءِ شَجَرِ الْحَرَمِ فِي عُتُقِ الرَّاحِلَةِ فَيْأْمَنُوا، فَلَمَّا سَمِعَ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بخُرُوجِ شُرَيْحٍ وَأصْحَابهِ اسْتَأْذَنُوا النَّبيَّ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً﴾ ؛ في موضعِ نَصْبٍ على الحالِ، معناهُ : قَاصِدِيْنَ طالِبينَ رزْقاً بالتِّجارةِ، ﴿وَرِضْوَاناً﴾ أي رضىً مِن اللهِ تعالى عَلَى عَمَلِهِمْ، وَلاَ يرضَى عنهم حتَّى يُسْلِمُوا. وقال الحسنُ وقتادةُ :[مَعْنَى رضْوَاناً ؛ أيْ يَرْضَى اللهُ عَنْهُمْ ؛ فَيُصْلِحُ مَعَاشَهُمْ وَيَصْرِفُ عَنْهُمْْ الْعُقُوبَاتِ فِي الدُّنْيَا إذا كَانُوا لاَ يُقَرُّونَ بالْبَعْثِ، ثُمَّ نُسِخَ قَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدَ ذلِكَ تَعَرَّضَ الْمُشْرِكينَ بقَوْلِهِ تَعَالَى :﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] كَافَّةً، وَبقَوْلِهِ تَعَالَى :﴿فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـاذَا﴾ [التوبة: ٢٨]]. وقرأ الأعمشُ [وَلاَ آمِّينَ] أبي البيتَ الحرامَ بالإضافةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ﴾ ؛ أي لا يحملَنَّكم ويكسبنَّكم بُغْضُ قومٍ وعداواتُهم بأن صرفوكُم عامَ الْحُدَيْبيَةِ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ على أن تَظْلُمُوهُمْ، وتتجاوزُوا الحدَّ للمكافأةِ. وموضع :[أنْ تَعْتَدُوا] نَصْبٌ لأنه مفعولٌ، و ﴿أَن صَدُّوكُمْ﴾ مفعوةلٌ لهُ، كأنهُ قال : لا يَكْسِبَنَّكُمْ بغضُ قومٍ الاعتداءَ عليهم بصدِّهم إيَّاكم. قرأ أهلُ المدينةِ إلاَّ قالون ابنَ عامرٍ والأعمش :[شَتْآنُ] بجوزِ النُّون الأُولى. وقرأ الآخرون بالفَتْحِ وهُما لُغتان ؛ إلاّ أنَّ الفتحَ أجودُ لأنه أفْهَمُ اللُّغتين، ولأنَّ المصادِرَ أكثرُ ما تجيءُ على [فِعْلاَنُ] مثل النَّفَيَانِ وَالرِّتَقَانِ والعَسَلاَنِ ونحوُ ذلك. قال ابنُ عبَّاس :[مَعْنَى :﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أيْ وَلاَ يَحْمِلَنَّكُمْ]. وقال الفرَّاءُ :[وَلاَ يَمْسِبَنَّكُمْ]، قال :[يُقَالُ : فُلاَتٌ جَرِيْمَةُ أهْلِهِ ؛ أيْ كَاسِبُهُمْ]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَن صَدُّوكُمْ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرو بكسرِ الالفِ على الاستئناف الجزاءِ، وقرأ الباقون بالفتحِ ؛ أي لئن صَدُّوكُمْ، والفتحُ أجودُ ؛ لأن الصَدَّ كان وَاقِعاً من الكفَّارِ يومَ الحديبيةِ قبل نُزُولِ هذه السورةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ؛ أي تَحَاثُّوا على الطَّاعةِ وترك المعصيةِ، قال أبو العاليَةِ :[الْبِرُّ : مَا أُمْرِتَ به، وَالتَّقْوَى : تَركُ مَا نُهِيْتَ عَنْهُ]. وظاهرُ الأمرِ يقتضي وجوبَ المعاونةِ على الطَّاعةِ، وظاهرُ الأمرِ على الوُجُوب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ؛ أي لاَيُعِنْ شيءٍ من المعاصي والظُّلْمِ، وقال بعضُهم : سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الإثْمِ وَالْبرِّ ؛ فَقَالَ :[الْبرُّ : حًسْنُ الْخُلُقِ، وَالإثْمُ : مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرَهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ؛ أي اخْشَوْهُ وأطيعوهُ فيما أمرَكم به ونهاكم عنه، ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ إذا عَاقَبَ، فعقابهُ شديدٌ. "

المائدة 5:3

قولهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ؛ الْمَيْتَةُ : اسمٌ لِكُلِّ ذِي رُوحٍ فَارَقَهُ رُوحُهُ حَتْفَ أنْفِهِ، والمرادُ بالدَّمِ : الدَّمُ الْمَسْفُوحُ، وحُرِّمَ عليكُم لَحْمُ الْخِنْزِيْرِ لِعَيْنِهِ لا لكونهِ ميتةً حتى لا يحلَّ تناولهُ مع وجودِ الذكاةِ فيه. وفائدةُ تخصيصِ لَحْمِ الْخِنْزِيْرِ بالْذِّكْرِ دونَ لحمِ الكلب وسائرِ السَّباعِ : أنَّ كثيراً من الكُفَّار ألِفُوا لحمَ الْخِنْزِير، واعتادُوا أكلَهُ وأوْلِعُوا به ما لَمْ يعتادُوا بهِ أكلَ غيرهِ. وَقِيْلَ : فائدتهُ : أنَّ مُطْلَقَ لفظِ التحريم يدلُّ على نجاسةِ عَيْنِهِ مع حُرْمَةِ أكلهِ، ولحمُ الخنْزِيرِ مختصٌ بهذا الحُكْمِ ؛ وذلكَ : أنَّ سائرَ الحيواناتِ الْمُحَرَّمِ أكلُها إذا ذُبحَتْ كان لحمُها طاهراً لا يفسدُ الماءُ إذا وقعَ فيه، وإنْ لم يَحِلَّ أكلهُ بخلافِ لحم الْخِنْزِيْرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أي وحُرِّمَ عليكم ما ذُكِرَ عليه عندَ الذبْحِ اسمُ غيرِ الله، وذلك أنَّهم كانوا يذبحونَ لأصنامِهم يتقرَّبون بذبْحِها إليهم، فََحَرَّمَ اللهُ كلَّ ذبيحةٍ يُتَقَرَّبُ بذبحِها إلى غيرِ الله تعالى، ولذلك قالَ الفُقَهَاءُ : إنَّ الذابحَ لو سَمَّى النبيَّ ﷺ معَ اللهِ تعالى فقالَ : بسمِ اللهِ ومُحَمَّدٍ ؛ حَرُمَتِ الذبيْحَةُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ ؛ أي حُرِّمَ عليكم أكلُ لحم الْمُنْخَنِقَةِ ؛ وهي التي تَنْخَنِقُ بحَبْلٍ أوْ شَبَكَةٍ فَتَمُوتُ مِنْ غَيْرِ ذكَاةٍ، وأمَّا الْمَوْقُوذةُ ؛ فهي الْمَضْرُوبَةُ بالْخَشَب حتَّى تَمُوتَ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ هي التي تَتَرَدَّى من جَبَلٍ أو سَطْحٍ أو فِي بئْرٍ فَتَمُوتُ قَبْلَ الذكَاةِ. وَالتَّرَدِّي : هُوَ السُّقُوطُ، مأخوذٌ من الرِّدَاءِ وهو الْهِلاَكُ، قال ﷺ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتَمٍ :" إذا تَرَدَّتْ رَمْيَتُكَ مِنْ جَبَلٍ فَوَقَعَتْ فِي مَاءٍ فَلاَ تَأْكُلْ ؛ فَإنَّكَ لاَ تَدْري أسَهْمُكَ قَتَلَهَا أمِ الْمَاءُ " فصارَ هذا الكلامُ أصلاً في كلِّ موضعٍ اجتمعَ فيه معنيان : أحدُها حَاظِرٌ، والآخرُ مبيحٌ فأنَّهُ تَغْلُبُ جِهَةُ الْحَظْرِ، ولهذا قال ﷺ :" الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أمُورٌ مُشَبَّهَةٌ، فَدَعْ مَا يُرِيْبُكَ إلَى مَا لاَ يُرِيْبُكَ، ألاَ وَإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمىً، وَإنَّ حِمَى اللهِ مَحَارمُهُ، فَمَنْ رَتَعَ حَوْلَ الْحِمَى يُوْشِكُ أنْ يَقَعَ فِيْهِ " وعن عمرَ رضي الله عنه أنه قالَ :(كُنَّا نَدَعُ تِسْعَةَ أعْشَار الْحَلاَلِ مَخَافَةَ الرِّبَا]. قوله عزّ وَجَلَّ :﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ ؛ هي التي تُنْطَحُ حتى تَموتَ، وإذا تناطحتِ الحيواناتُ فَقَتَلَ بعضُها بعضاً في النِّطَاحِ فهي حرامٌ بالآية، قال ابنُ عبَّاس :(كَانَ أهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَخْنُقُونَ الشَّاةَ حَتَّى إذا مَاتَتْ أكَلُوهَا وَكَذلِكَ الْمَوْقُوذةُ)، قال قتادةُ :(كَانَ أهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَضْرِبُونَ الشَّاةَ بالبَعْضِ حَتَّى إذا مَاتَتْ أكَلُوهَا)، يقالُ منهُ : وَقَدَهُ يَقِدُهُ إذا ضَرَبَهُ حتى أشفاَ على الهلاكِ. قال الفَرَزْدَقُ : شَغَارَةٌ تَقِذُ الْفَصِيلَ برجْلِهَا فَطَّارَةٌ لِقَوَادِم الأَبْكَار

المائدة 5:4

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ﴾[المائدة: ٣] جَاءَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ : إنَّ لَنَا كِلاَباً نَتَصَيَّدُ بهَا فَتَأْخُذُ الْبَقَرَ وَالظِّبَاءَ وَالْحُمُرَ، فَمِنْهَا مَا نُدْركُ ذكَاتَهُ، وَمِنْهَا مَا لاَ نُدْركُ، وَقَدْ حَرَّمَ اللهَ الْمَيْتَةَ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ). ومعناها : يَسألونَكَ يا مُحَمَّدُ : أيَّ شيءٍ أحِلَّ لَهم من الصَّيدِ وغيرِه ؟ قُلْ أحَلَّ لَكُمُ الْمُبَاحَاتِ. يقال : هذا يَطِيْبُ لفلانٍ ؛ أي يَحِلُّ، قال الله تعالى :﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ﴾[النساء: ٣] أي ما حَلَّ لكم. وكلُّ شَيْءٍ لَمْ يَأْتِ تَحْرِيْمُهُ فِي كِتَابٍ أوْ سُنَّةٍ فَهُوَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ. وقال بعضُهم : أراد بالطِّيباتِ المستلذاتِ والمشتَهَياتِ، وهو عامٌّ أريدَ به غيرُ ما تَضْمَّنَتْهُ الآيةُ المتقدِّمةُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ أي وأحلَّ صَيْدَ ما عَلَّمْتُمْ، فحذفَ ذِكْرَ الصَّيدِ لأنَّ في الكلامِ دليلاً عليه، والْجَوَارحُ : هِيَ الْكَوَاسِبُ مِنَ الْفَهْدِ ؛ وَالصَّقْرِ ؛ وَالْبَاز ؛ وَالْعُقَاب ؛ وَالنَّسْرِ ؛ وَالْبَاشِقِ ؛ وَالشَّاهِيْنِ وسائرِ ما يُصْطَادُ به الصيدُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾[الأنعام: ٦٠] أي كَسَبْتُمْ، وَقِيْلَ : معنى الْجَوَارحِ : الْجَارحَاتُ بنَاتٍ أو مَخْلَبٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مُكَلِّبِينَ﴾ حالٌ للمعلِّمينَ ؛ أي في حالِ إغْرَائِهِمْ الكلبَ على الصَّيدِ، والتَّكْلِيْبُ : إغْرَاءُ السَّبُعِ عَلَى الصَّيْدِ وإرْسَالُهُ. ومن قرأ (مُكَلَّبيْنَ) بفتحِ اللاَّمِ فهو حالُ من الكوَاسِب المعلِّمين. وقرأ ابنُ مسعودٍ والحسنُ :(مُكَلِبيْنَ) بإسكانِ الكافِ وتخفيف اللام، فعلى هذا المعنى يجوزُ أن يكونَ مِن قولِهم : أكْلَبَ الرَّجُلُ إذا كَثُرَتْ كِلابُهُ، وأمْشَى إذا كَثُرَتْ مَاشِيَتُهُ، ولذلكَ ذَكَرَ الكلاب ؛ لأنَّها أعَمُّ وأكثَرُ، والمرادُ به جميعُ الجوارحِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ ؛ أي تُؤَدِّبُوهُنَّ أن يُمْسِكْنَ الصَّيدَ عليكم كما أدَّبَكُمُ اللهُ تعالَى :﴿فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ؛ أي على الإرْسَالِ، كما رُويَ عنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قَالَ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ :" إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ، وَسَمَّيْتَ اللهَ تَعَالَى فَكُلْ، وَإنْ أكَلَ مِنْهُ فَلاَ تَأْكُلْ، فَإنَّهُ إنَّمَا أمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ " وفي بعضِ الرِّواياتِ :" وَإنْ شَارَكَ كَلْبَكَ كَلْبٌ آخَرُ فَلاَ تَأَكُلْ، فَإنَّكَ إنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْب غَيْرِكَ " وذهبَ بعضُ أهلِ العلم إلى أنَّ معنى الإمساكِ في هذه الآيةِ أنْ يَحْفَظَ الكلبُ الصَّيْدَ حتَّى يجيءَ صاحبهُ، فإنْ تركَهُ حتى غابَ عن صاحبهِ ثم وجدَهُ صاحبُهُ بعدَ ذلكَ ميتاً لَمْ يَحِلَّ أكلهُ. قال ﷺ :" كُلْ مَا أصْمَيْتَ، وَدَعْ مَا أنْمَيْتَ "، قِيْلَ : الإصْمَاءُ : مَا رَأيْتَ ؛ والإنْمَاءُ مَا تَوَارَى عَنْكَ.

المائدة 5:5

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ ؛ أي الآنَ تَمَّمَ اللهُ لكم بيانَ الْحَلاَلاَتِ ؛ وهو كُلُّ ما لَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُ في الْمُحَرَّمَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ ؛ أي ذبائحُ اليهودِ والنصارى حلالٌ لكم. والدليل على أنَّ المرادَ بالطعامِ ها هنا الذبائحُ : أنَّ ما سِوَى الذبائحِ من الأطعمةِ والأشربةِ حلالٌ للمسلمين ؛ سواءٌ كانت لأهلِ الكتاب أو لغيرهم، فَبَانَ المرادُ به الذبائحُ ؛ لأنَّ ذبائحَ غيرِ أهل الكتاب من الكفَّار حرامٌ على المسلمينَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ ؛ أي ذبائحُكم حلالٌ لَهم ؛ أي رُخِصَّ لكم في أن تُطْعِمُوهُمْ ذلك. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ ؛ قال الحسنُ :(أرَادَ بالْمُحْصَنَاتِ هَا هُنَا الْحَرَائِرَ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْكِتَابيَّاتِ). وقال ابنُ عبَّاس :(أرادَ بهِ الْحَرَائِرَ الْعَفَائِفَ مِنْهُنَّ). وتقديرُ الآية : وأحِلَّ لكم نكاحُ الْمُحْصَنَاتِ من المؤمناتِ والكتابيَّات، وقد استدلَّ بعضُ الفقهاءِ بظاهرِ هذه الآية : على أنه لا يجوزُ للمسلم نكاحُ الأَمَةِ الكتابيَّةِ، والصحيحُ : أنه يجوزُ بظاهرِ قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾[النساء: ٢٥] بدليلِ حلِّ ذبائحِهن. وإنَّما خَصَّ الْمُحْصَنَاتِ بإباحةِ نكاحهنَّ مع جواز نكاحِ غيرِهن ؛ لأنَّ الآية خرجت مَخْرَجَ الامتنانِ والْمِنَّةِ في نكاحِ الحرائرِ العفائف أعظمَ وأتَمَّ، يدلُّ على ذلكَ : أنه لا خلافَ في جواز النكاحِ بين المسلم والأَمَةِ المؤمنةِ، وإنْ كان في الآيةِ تخصيصُ الْمُحْصَنَاتِ من المؤمنات، والأفضلُ لمن أرادَ النكاحَ أن لا يَعْدِلَ عن نكاحِ الحرائرِ الكتابيَّات مع القدرةِ عليهنَّ ؛ وذلك لأنَّ نكاح الأمَةِ يؤدِّي إلى إرقاقِ الولد ؛ لأنَّ الولدَ يتبعُ الأَمَةَ في الرِّقِّ والحريَّةِ، ولا ينبغِي لأحدٍ أن يختارَ رقَّ وَلَدِهِ، كما لا ينبغي أنْ يختارَ رقَّ نفسهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ ؛ أي ناكحينَ غيرَ زَانينَ معلنينَ بالزِّنَا، ولا مُتَّخِذِي صديقاتٍ للزِّنا سِرّاً. قال الحسنُ :(كَانَ بَعْضُ الْجَاهِلِيَّةِ تُسَافِحُ وَتَزْنِي بكُلِّ مَنْ وَجَدَ مِنَ النِّسَاءِ، وَبَعْضُهُمْ يَتَّخِذُ خَلِيْلَةً يَزْنِي بهَا سِرّاً وَيَتَجَنَّبُ الزِّنَا عَلاَنِيَةً، فَبَيَّنَ اللهُ تَعَالَى بهَذِهِ الآيَةِ حُرْمَةَ الزِّنَا سِرّاً وَعَلاَنِيَةً). قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(لَمَّا رَخَّصَ اللهُ لِلْمُسْلِمِيْنَ فِي نِكَاحِ الْكِتَابيَّاتِ ؛ قَالَ أهْلُ الْكِتَاب : لَوْلاَ أنَّ اللهَ رَضِيَ أعْمَالَنَا لَمْ يُحِلَّ لِلْمُسْلِمِيْنَ تَزْويْجَ نِسَائِنَا. وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : كَيْفَ يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ الْكِتَابيَّةَ وَهِيَ كَافِرةٌ ؟ فَأَنْزَلَ ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ مِنَ الْمَغْبُونِيْنَ، غَبَنَ نَفْسَهُ وَفَسَقَ وَصَارَ إلَى النَّار، لا يُغْنِي عَنِ الْمَرْأةِ الْكِتَابيَّةِ إسْلاَمُ زَوْجِهَا وَلاَ يَنْفَعُهَا ذلِكَ، وَلاَ يَضُرُّ الْمُسْلِمَ كُفْرُ زَوْجَتِهِ الْكِتَابيَّةِ).

المائدة 5:6

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس وجماعةٌ من المفسِّرين :(مَعْنَاهُ : إذا أرَدْتُمُ الْقِيَامَ إلَى الصَّلاَةِ، وَإنَّمَا أضْمَرُواْ إرَادَةَ الْقِيَامِ ؛ لأنَّ صِحَّةَ قِيَامِ الصَّلاَةِ بالطَّهَارَةِ فَلاَ يَصُحُّ جُزْءٌ مِنَ الْقِيامِ قَبْلَ تَقَدُّمِ الطَّهَارَةِ). وظاهرُ الآية يقتضي أنَّ القيامَ إلى الصلاةِ يكون سَبَباً لوجوب الطَّهارةِ، ولا خلافَ بين السَّلَفِ والْخَلَفِ أنَّ الطهارةَ لا تجبُ سبب القيام إلى الصَّلاةِ، إلاّ أنه رُويَ عن ابن عُمَرَ وَعليٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :(أنَّهُمَا كَانَا يَتَوَضَّأَنِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ، وََيَقْرَآنِ هِذِهِ الآيَةَ). فيحتمل أنَّهما كانا يفعلان ذلك نَدْباً واستحباباً، فإنْ تَجيدَ الطَّهارةِ لكلِّ صلاةٍ مستحبٌّ. وقد روي عن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنهُ قالَ :" مَنْ تَوَضَّأَ فَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ مَا لَمْ يُحْدِثْ " وَقَالَ :" لاَ وُضُوءَ إلاَّ مِنْ حَدَثٍ " فَثَبَتَ أن في الآيةِ إضمارٌ آخر تقديرهُ : أذا أرَدْتُمْ القيامَ إلى الصلاةِ وأنتم مُحْدِثُونَ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ، وهذا نظيرُ قولهِ تعالى :﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾[البقرة: ١٨٤] معناه : فَأَفْطَرَ فَعَلَيْهِ عدَّةٌ مِن أيَّامٍ أخُرَ، وقولهُ :﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ﴾[البقرة: ١٩٦] معناه فَحَلَقَ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ. وقال بعضُهم : معنى الآيةِ : إذاَ قُمْتُمْ من نَوْمِكُمْ إلى الصَّلاةِ، وقال : هذا على أنَّ النومَ في حالةِ الاضطجاع حَدَثٌ. قولُهُ تَعَالَى :﴿فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ الغَسْلُ : إجْرَاءُ الْمَاءِ عَلَى المَحَلِّ وَتَسْييْلُهُ، سَوَاءٌ وُجِدَ مَعَهُ الدَّلْكُ أمْ لاَ، وَالْوَجْهُ : مَا يُوَاجِهُكَ مِنَ الإنْسَانِ، وَحَدُّهُ مِن قِصَاصِ الشَّعْرِ إلى أسفلِ الذقْنِ، ومِن شَحْمَتَي الأُذُنِ إلى شَحْمَتَي الأُذُنِ. وظاهرُ الآيةِ يقتضي أنَّ المضمضةَ والاستنشاقَ غيرُ واجبتينِ في الوضوءِ، لأن اسمَ الوجهِ يتناولُ الظاهرَ دون الباطنِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أي مع المرافقِ، هكذا قال علماؤُنا رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى، إلاّ زُفَرَ رَحِمَهُ اللهُ ؛ فإنهُ ذهبَ إلى ظاهرِ الآية وقال :(إنَّ حَرْفَ (إلَى) لِلْغَايَةِ، وَالْغَاَيَةُ لاَ تَدْخُلُ فِي الْحُكْمِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾[البقرة: ١٨٧]). وأمَّا عامَّةُ العلماءِ فقالوا : إنَّ (إلى) تُذْكَرُ بمعنى (مَعَ) كما قالَ تعالى﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾[النساء: ٢]، فاذا احتملَ اللفظُ الغايةَ واحتملَ معنى المقارنةِ حَلَّ مَحَلَّ الْمُجْمَلِ، فَكَانَ مَوْقُوفاً عَلَى بَيَانِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وقد روي :" أنَّهُ كَانَ إذا تَوَضَّأَ أدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ "، فصار فعلهُ بياناً للمجملِ، فحُمِلَ على الوُجُوب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ اختلفَ العلماءُ في مقدار وجوب الْمَسْحِ منه، فذهبَ مالكٌ إلى أنَّ مسحَ جميعِ الرأسِ واجبٌ، وقال :(ظَاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي الْجَمِيْعَ دُونَ الْبَعْضِ، لأنَّكَ إذا قُلْتَ : مَرَرْتُ بزيدٍ ؛ أردتَ جُمْلَتَهُ لاَ بَعْضَهُ، وَمِثْلُ ذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :

المائدة 5:7

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ﴾ ؛ أي احْفَظُوا نِعَمَ اللهِ عليكم، وإنما ذكره بلفظِ النِّعْمَةِ ؛ لأنهُ ذهبَ فيه مَذْهَبَ الجنسِ، (وَمِيثَاقَهُ) أي عهده الذي عاهَدَكُم به. قال ابنُ عبَّاس والحسنُ :(يَعْنِي الْمِيْثَاقَ الَّذِي أخَذهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى ذُرِّيَّةِ آدَمَ حِيْنَ أخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبهِ، وقال :﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾[الأعراف: ١٧٢]. وقال السُّدِّيُّ :(أرَادَ بالْمِيْثَاقِ هُنَا مُبَايَعَةُ النَّبيِّ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي كُلِّ مَا أمَرَ بهِ أوْ نَهَى فِي حَالِ الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالرِّضَا وَالْكُرْهِ). وَهَذا أقْرَبُ إلَى ظَاهِرِ الآيَةِ ؛ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى ذَكَّرَهُمْ الميثاقَ وهم لا يحفظونَ الميثاقَ الذي من وَقْتِ آدمَ. وَقِيْلَ : أرادَ به العهدَ الوثيقَ الذي أخَذهُ اللهُ على جميعِ عبادهِ في أوامرهِ ونواهيه فَسَمِعُوهُ وقَبلُوهُ وآمَنُوا به على ما فَسَّرَ اللهُ بقولهِ :﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾ ؛ أي اخْشَوا عِقَابَهُ في نقضِ الميثاقِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ؛ أي بما في القلوب من الوَفَاءِ والنَّقْضِ، وذاتُ الصُّدُور ما تَضَمَّنَتْهُ الصُّدورُ وهي القلوبُ.

المائدة 5:8

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ﴾ ؛ أي كونُوا قَوَّامِينَ بأمرِ الله قائلينَ لهُ مُبَيِّنِيْنَ عن دينِ اللهِ بالحقِّ والعدلِ، ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ﴾ ؛ أي لاَ يحملنَّكم بُغْضُ الكفَّار على تركِ العدلِ فيه مُكَافَأَةٌ لِما سَلَفَ منهم، ويقالُ : لا يَحْمِلَنَّكُمْ عَدَاوَةُ المشهودِ لهُ على كِتْمَانِ مالهِ عندَكم من الشهادةِ، ولا عداوةُ المشهودِ عليه على إقامةِ الشَّهادةِ عليه بغيرِ حَقٍّ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ؛ أي اعْدِلُوا في جميعِ أقوالِكم وأفعالكم فيما لكُم وعليكُم، فإنَّ العدلَ أقربُ للتَّقوَى ؛ أي أقربُ إلى أن تَصِيروُا به مؤمنينَ، وَقِيْلَ : أقربُ إلى تقوَى عذاب الله. ﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ؛ من الخيرِ والشرِّ والعدلِ والْجَوْر.

المائدة 5:9

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ ؛ أي الذين صَدَّقُوا بمُحَمَّدٍ ﷺ والْقُرْآنِ، وعَمِلُوا الصالحاتِ فيما بينَهم وبينَ ربهم، وهذا تَمامُ الكلامِ، يقالُ : وَعَدْتُ الرَّجُلَ ؛ يرادُ بذلك وَعَدْتَهُ خَيْراً، وأَوْعَدْتُ الرَّجُلَ ؛ يرادُ بذلك شَرّاً، فكانَ اللهُ لَهم دليلاً على عِدَةِ الْخَيْرِ، ثم فَسَّرَ ذلكَ الخيرَ فقالَ :﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ؛ أي مَغْفِرَةٌ لذنوبهم، وثوابٌ عَظِيْمٌ في الجنَّةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ؛ أي أصْحَابُ النَّار الْمُوقَدَةِ، والْجَحِيْمُ من أسْمَاءِ جَهَنَّمَ.

المائدة 5:10

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ ؛ أي الذين صَدَّقُوا بمُحَمَّدٍ ﷺ والْقُرْآنِ، وعَمِلُوا الصالحاتِ فيما بينَهم وبينَ ربهم، وهذا تَمامُ الكلامِ، يقالُ : وَعَدْتُ الرَّجُلَ ؛ يرادُ بذلك وَعَدْتَهُ خَيْراً، وأَوْعَدْتُ الرَّجُلَ ؛ يرادُ بذلك شَرّاً، فكانَ اللهُ لَهم دليلاً على عِدَةِ الْخَيْرِ، ثم فَسَّرَ ذلكَ الخيرَ فقالَ :﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ؛ أي مَغْفِرَةٌ لذنوبهم، وثوابٌ عَظِيْمٌ في الجنَّةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ؛ أي أصْحَابُ النَّار الْمُوقَدَةِ، والْجَحِيْمُ من أسْمَاءِ جَهَنَّمَ.

المائدة 5:11

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :(وَذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً سَبْعِيْنَ رَجُلاً إلَى بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَأمَّرَ عَلَيْهِمُ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرِو الأَنْصَاريِّ، وَكَانَ طَرِيقُهُمْ عَلَى بَنِي سُلَيْمٍ، وَكَانُوا يَوْمَئِذٍ صُلَحَاءَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأمَرَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ السَّرِيَّةَ أنْ يَنْزِلُوا عَلَى بَنِي سُلَيمٍ فَنَزَلُواْ عَلَيْهِمْ، فَبَعَثَ بَنُو سُلَيْمٍ إلَى بَنِي عَامِرٍ وَأخْبَرُوهُمْ بأَمْرِهِمْ وَقِلَّتِهِمْ، فَارْتَحَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ عِنْدِ بَنِي سُلَيْمٍ إلَى بَنِي عَامِرٍ، فَأَضَلَّ أرْبَعَةٌ مِنْهُمْ بَعِيْراً لَهُمْ، فَاسْتَأْذنُوا أمِيْرَهُمْ أنْ يَطْلُبُوا بَعِيْرَهُمْ ثُمَّ يَلْحَقُوا بهِمْ فَأَذِنَ لَهُمْ، وَسَارَ الْمُنْذِرُ بمَنْ بَقِيَ مَعَهُ حَتَّى أتَاهُمْ وَقَدْ جَمَعُوا لَهُمْ واْسْتَعَدُّوا لَهُمْ بالسِّلاَحِ، فَالْتَقَوا ببئْرِ مَعُونَةَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالاً شَدِيْداً، ثُمَّ قُتِلَ الْمُنْذِرُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيْعاً. ثُمَّ أقْبَلَ الأَرْبَعَةُ الَّذِينَ أضَلُّوا الْبَعِيْرَ، فَلَقِيَتْهُمُ أمَةٌ لِبَنِي عَامِرٍ فَقَالَتْ لَهُمْ : أمِنْ أصْحَاب مُحَمَّدٍ أنْتُمْ ؟ قَالُوا : نَعَمْ، قَالَتْ : فَإنَّ إخْوَانَكُمْ قَدْ قُتِلُوا جَمِيْعاً عَلَى الْمَاءِ، فَقَالَ : أحَدُ الأرْبَعَةِ : مَا تَرَوْنَ ؟ قَالُوا : نَرَى أنْ نَرْجِعَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنُخْبرَهُ بالأَمْرِ، قَالَ : لاَ ؛ وَلَكِنْ وَاللهِ لَمْ أكُنْ لأَرْغَبَ بنَفْسِي عَنْ أصْحَابي، إرْجِعُوا فَأَقْرِئُوا مُحَمَّداً ﷺ مِنِّي السَّلاَمَ. ثُمَّ أشْرَفَ عَلَى أصْحَابهِ فَإذا هُمْ مَقْتُولُونَ، وَالْمُشْرِكُونَ قُعُودٌ يَتَغَدَّوْنَ، فَانْحَدَرَ إلَيْهِمْ مِنَ الْجَبَلِ بسَيْفِهِ فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ. وَغَشِيَ الثَّلاَثَةُ الْمَدِيْنَةَ، فَلَقُوا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ خَارِجَيْنِ مِنَ الْمَدِيْنَةِ فَقَالاَ لَهُمَا : مَنْ أنْتُمَا ؟ قَالاَ : مِنْ بَنِي عَامِرٍ، قَالاَ : هَذانِ مِنَ الَّذِيْنَ قَتَلُوا إخْوَانَنَا ؛ فَقَتَلُوهُمَا وَأخَذُوا سِلاَحَهُمَا، ثُمَّ دَخَلُوا المَدِيْنَةَ فَأَخْبَرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ :" بئْسَ مَا صَنْعْتُمْ، قَتَلْتُمْ رَجُلَيْنِ مِنْ أهْلِ الْمِيْثَاقِ " وَجَاءَ أوْلِيَاءُ الْقَتِيْلَيْنِ يَطْلُبُونَ الْقِصَاصَ، فَقَالَ ﷺ :" لَيْسَ لَكُمْ إلاَّ دِيَةُ صَاحِبَيْكُمْ أغَرْنَا إلَى عَدُوِّنَا مِنْ بَنِي عَامِرٍ، وَلَكِنَّا نُؤَدِّي إلَيْكُمُ الدِّيَةَ " فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ أبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ حَتَّى أتَى بَنِي قَُرَيْظَةَ ؛ فَقَالَ لَهُمْ :" إنَّكُمْ جِيْرَانُنَا وَحُلَفَاؤُنَا، وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا أصَبْنَا بهِ مِنْ دَمِ الرَّجُلَيْنِ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ وَهُمَا مِنْ أهْلِ الْمِيْثَاقِ، وَنَحْنُ نُرِيْدُ أنْ نُؤَدِّي دِيَتَهُمَا، فَاتَّخِذُوا بهَا عَنْدَنَا يَداً نَجْزِيكُمْ بهَا بَعْدَ الْيَوْمِ، فَإنَّ الأَيَّامَ دُوَلٌ " فَقَالُوا : مَرْحَباً وَأهْلاً يَا أبَا الْقَاسِمِ، وَلَكِنَّ إخْوَانَنَا مِنْ بَنِي النَّضِيْرِ لاَ نَقْضِي أمْراً مِنْ دُونِهِمْ، نُعْلِمُهُمْ بذلِكَ حَتَّى تَأْتِيَنَا يَوْمَ كَذا وقَدْ جَمَعْنَا الَّذِي تُرِيْدُ. فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وأصْحَابُهُ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْمِيْعَادِ ؛ أتَاهُمْ وَمَعَهُ أبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَعَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ؛ فَأَجْلَسُوهُمْ فِي بَيْتٍ، ثُمَّ خَرَجُوا يَجْمَعُونَ السِّلاَحَ، وَخَلاَ بَعْضُهُمْ ببَعْضٍ وَقَالُوا : إنَّكُمْ لَنْ تَجِدُوا مُحَمَّداً أقْرَبَ مِنْهُ الآنَ ؛ فَمَنْ يَظْهَرُ عَلَى هَذا الْبَيْتِ فَيَطْرَحُ عَلَيْهِ صَخْرَةً فَيُرِيْحُنَا مِنْهُ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ جَحَّاشٍ : أنَا، فَجَاءَ إلَى رَحَاءٍ عَظِيْمَةٍ لِيَطْرَحَهَا عَلَيْهِ ؛ فَأَمْسَكَ اللهُ أيْدِيَهُمْ.

المائدة 5:12

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ ؛ أي أخَذ اللهُ العَهْدَ على بني إسرائيلَ أن يؤمنُوا بهِ وبجميعِ كُتُبهِ وَرُسُلِهِ، وبعثَ منهم اثني عَشَرَ مَلِكاً، مِن كُلِّ سِبْطٍ منهم رَجُلٌ ليأخذ على قومهِ ما يأمرُهم اللهُ به مِن طاعتهِ. وَقِيْلَ : إنَّ النقيبَ هو الرسولُ والأمينُ، وهم الذين أرسلَهُمْ موسَى إلى قومهِ الجبَّارين عُيوناً، فوجدوهُمْ يدخلُ في كُمِّ أحدِهم أربعةٌ منهم، ولا يحملُ عنقود عنبٍ إلاَّ عشرة منهم، ويدخلُ في شُقِّ رمانةٍ إذا نزع حَبَّهُ خمسةُ أنفس وأربعة، فرجعَ النقباءُ كلهم، ونَهى كل نقيب سِبْطَهُ عن القتالِ إلاّ يُوشُعَ بْنَ نُونٍ وَكالِبَ بن يوقنا أمَرَا أقوامهما بالقتال. وقال الحسنُ :(النَّقِيْبُ الضَّمِيْنُ، وَإنَّمَا أرَادَ بهَذا أنْ يَضْمَنَ بهَا مُرَاعَاةَ أحْوَالِهِمْ)، وقد روي :" أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسيلم جَعَلَ الأَنْصَارَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ اثْنَى عَشَرَ نَقِيْباً " وفائدةُ النَّقِيْب : أنَّ القومَ إذا عَلِمُوا أنَّ عليهِم نقيباً كانوا أقربَ إلى الاستقامةِ، والنَّقِيْبُ والعَرِيْفُ نَظِيْرَانِ، وَقِيْلَ : النقيبُ فوقَ العريفِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ ؛ خطابٌ للنُّقَبَاءِ، ومعناها : إنِّي حفيظٌ عليكم في النَّصْرِ لكم والدفعِ عنكم. وَقِيْلَ : هو خطابٌ لجميعِ بني إسرائيلَ ضَمِنَ لَهم النَّصْرَ على عدوِّهم بالشَّرَائطِ التي شَرَطَهَا عليهم بقولهِ تعالى :﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ ؛ أي لو عَظَّمْتُمُوهُمْ وَنَصْرتُمُوهُمْ بالسَّيفِ على الأعداءِ، ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ ؛ أي تَصَدَّقْتُمْ مِن أموالِكم تطوُّعاً صدقةً حسَنَةً ؛ وهي أن تكونَ من حَلاَلِ المالِ وخِيَارهِ برغبةٍ وإخلاصٍ لا يَشُوبُهَا رياءٌ ولا سُمعةٌ وَلا يُكَدِّرُهَا مَنٌّ ولا أذًى، ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ؛ من تحت شَجَرِهَا ومساكِنها ؛ ﴿فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ﴾ ؛ العَهْدِ والميثاقِ ؛ ﴿مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ ؛ اي أخْطَأَ قصدَ الطريقِ وهو طريقُ الجنَّةِ، فمَنْ أضَلَّهُ وقعَ في طريقِ النَّار إذ لا طريقَ سواهُما.

المائدة 5:13

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ ؛ أي فَنَقَضَ اليهودُ ميثاقَهم الذي أخذ عليهم في التَّوراةِ فَبَاعَدْنَاهُمْ من الرحَّمةِ، وَقِيْلَ : عَذبْنَاهُمْ بالْجِزيَةِ. وَقِيْلَ : مَسَخْنَاهُمْ قِرَدَةً وخَنَازِيْرَ، ودخولُ (مَا) في هذه الآيَةِ صِلَةُ زائدةٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ أي صيَّرنَاها يَابسَةً خاليةٌ من حَلاَوَةِ الإيْمانِ مجازاةً لَهم على معصيتِهم. قرأ يحيَى بن وثَّاب والأعمشُ وحمزة والكسائيُّ :(قَسِيَّةً) بتشديدِ اليَاءِ من غيرِ ألِفٍ، وقرأ الباقون (قَاسِيَةً) بألفٍ وهُما لُغتان، مثلُ زَكِيَّة وَزَاكِيَة، وَقِيْلَ : معنى (قَاسِيَةٍ) : غَلِيْظَةٌ متَكَبرةٌ لا تَقْبَلُ الوعظَ، وَقِيْلَ : رَدِيْئَةٌ فَاسِدَةٌ، من الدَّراهمِ القَسِيَّةِ، وهي المغشوشةُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾. قرأ السلَّمي والنخعيُّ : يحرِّفونَ الكلامَ باللَّفِّ ؛ أي يُغَيِّرُونَ ألفاظَهُ ولا يُقِرُّونَهُ على ما هو عليه في التَّوراةِ، كما أخبرَ الله تعالى عنهُم مِن لَيِّ ألسِنَتِهم بالكتاب، وَقِيْلَ : يُغَيِّرُونَ تَأْويْلَه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ﴾ ؛ أي وَتَرَكُوا نصِيباً مِمَّا أُمِرُوا به في كتابهم من نَعْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ وصفتهِ، ومِنْ رَجْمِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ، وأصلُ النِّسيَانِ التَّرْكُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾ ؛ أي لا تَزَالُ يا مُحَمَّدُ تَطَّلِعُ على خَائِنَةٍ ومعصيةٍ مِنْهُمْ، وفَاعِلَةٌ من أسماءِ المصادرِ مثل : عَاقِبَةٍ وَكَاذِبَةٍ، وقد تكونُ الخائنةُ من أسماءِ الجماعةِ كما يقالُ : رَافِضٌ ورافِضَةٌ، فيكون المعنى : ولا تزالُ تَطَّلِعُ على فِرْقَةٍ خائنةٍ منهم مثلَ كعب بن الأشرف وأصحابهِ من بني قُريظةَ حين نَقَضُوا العهدَ، ورَكِبُوا إلى أبي سُفيانَ بمكة، ولَقُوهُ وعاهَدوهُ على رسولِ اللهِ ﷺ على ما سَبَقَ ذِكْرهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ﴾ ؛ لم ينقُضُوا العهدَ، وهم عبدُالله بنُ سَلامٍ وأصحابُه. وقال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى (خَائِنَةٍ) أيْ مَعْصِيَةٌ)، وقال بعضُهم : أي كَذِبٌ وفجورٌ، وكانت خيانتُهم بنَقْضِ العهدِ، ومظاهرتُهم المشركينَ على حَرْب رسولِ الله ﷺ وهَمُّهُمْ بقتلهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ ؛ أي أعْرِضْ عنهُم ولا تعاقِبْهُم، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ؛ أي الْمُتَجَاوزيْنَ، وهذا مَنْسُوخٌ بآيةِ السَّيفِ بقولهِ :﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾[التوبة: ٢٩].

المائدة 5:14

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ﴾ ؛ بيَّنَ اللهُ تعالى أنَّ النصَارَى لم يكونوا بَعْدَ أخذِ الميثاقِ أحْسَنَ معاملةً من اليهودِ، ومعنى أخْذِ الميثاق : هو ما أخَذ اللهُ عَلَيْهِمْ فِي الإنْجِيْلِ مِنَ الْعَهْدِ الْمُؤَكَّدِ باتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَبَيَانِ صِفَتِهِ وَنَعْتِهِ، كما قَالَ تَعَالَى في آيةٍ أخرَى :﴿مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾[الصف: ٦] فَنَسُوا حَظّاً مما ذُكِّرُوا به ؛ أي تَرَكُوا بعضاً مِمَّا ذُكِّرُوا بهِ، ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ؛ أي هَيَّجْنَا بين فِرَقِ النَّصَارَى، وهم النَّسْطُوريَّةُ وَالْيَعْقُوبيَّةُ وَالْمَلْكَانِيَّةُ، وألْقَيْنَا بينَهم العداوةَ في الدِّينِ. وذلك أنَّ اللهَ رَفَعَ الأُلْفَةَ بينَهم وألقَى بينهم العداوةَ والبغضاءَ، فَهُمْ يَقْتَتِلُونَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وأصلُ الإغْرَاءِ : الإلْصَاقُ مَأَخُوذٌ مِنَ الغِرَاءِ الَّذِي يُلْصَقُ بهِ الأَشْيَاءُ، وَالْعَدَاوَةُ : تَبَاعُدُ الْقُلُوب وَالنِّيَّاتِ، والْبَغْضَاءُ : الْبُغْضُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ ؛ أي يخبرُهم في الآخرةِ بما كانوا يصنعونَ من الجِنَايَةِ والمخالفةِ وكِتْمَانِ نَعْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِفَتِهِ. ثم خاطبَ اللهُ تعالى الفريقين من اليهودِ والنَّصارَى فقالَ تعالى :﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ؛ يعني التَّوراةَ والإنجِيْلَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :(تُخْفُونَ) يعني صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وآيةَ الرَّجْمِ، وإضافةُ اليهودِ والنَّصارَى إلى الكِتَابِ تَعْييْرٌ لَهم، كما يقالُ : يَا عَاقِلُ لَمْ تَعْلَمْ ؛ أي يا جاهلُ. وقولهُ تعالى :﴿وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ يعني بالنُّور مُحَمَّداً ﷺ يُبَيِّنُ لكم كثيراً مِمَّا كنتم تَكْتُمُونَ من الإسلامِ، وآيةِ الرَّجمِ، وتحريمِ الزِّنَا وغيرِ ذلكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ أي يتجاوزُ عن كثيرٍ مِمَّا كنتُم تكتمونَهُ ولا يعاقبُكم عليهِ، يعني مِمَّا لم يُؤْمَرْ ببَيَانِهِ، وقولهُ تعالى :﴿وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ يعني الْقُرْآنَ يُبَيِّنُ الحلالَ والحرامَ والأمرَ والنَّهيَ.

المائدة 5:15

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ﴾ ؛ بيَّنَ اللهُ تعالى أنَّ النصَارَى لم يكونوا بَعْدَ أخذِ الميثاقِ أحْسَنَ معاملةً من اليهودِ، ومعنى أخْذِ الميثاق : هو ما أخَذ اللهُ عَلَيْهِمْ فِي الإنْجِيْلِ مِنَ الْعَهْدِ الْمُؤَكَّدِ باتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَبَيَانِ صِفَتِهِ وَنَعْتِهِ، كما قَالَ تَعَالَى في آيةٍ أخرَى :﴿مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾[الصف: ٦] فَنَسُوا حَظّاً مما ذُكِّرُوا به ؛ أي تَرَكُوا بعضاً مِمَّا ذُكِّرُوا بهِ، ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ؛ أي هَيَّجْنَا بين فِرَقِ النَّصَارَى، وهم النَّسْطُوريَّةُ وَالْيَعْقُوبيَّةُ وَالْمَلْكَانِيَّةُ، وألْقَيْنَا بينَهم العداوةَ في الدِّينِ. وذلك أنَّ اللهَ رَفَعَ الأُلْفَةَ بينَهم وألقَى بينهم العداوةَ والبغضاءَ، فَهُمْ يَقْتَتِلُونَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وأصلُ الإغْرَاءِ : الإلْصَاقُ مَأَخُوذٌ مِنَ الغِرَاءِ الَّذِي يُلْصَقُ بهِ الأَشْيَاءُ، وَالْعَدَاوَةُ : تَبَاعُدُ الْقُلُوب وَالنِّيَّاتِ، والْبَغْضَاءُ : الْبُغْضُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ ؛ أي يخبرُهم في الآخرةِ بما كانوا يصنعونَ من الجِنَايَةِ والمخالفةِ وكِتْمَانِ نَعْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِفَتِهِ. ثم خاطبَ اللهُ تعالى الفريقين من اليهودِ والنَّصارَى فقالَ تعالى :﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ؛ يعني التَّوراةَ والإنجِيْلَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :(تُخْفُونَ) يعني صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وآيةَ الرَّجْمِ، وإضافةُ اليهودِ والنَّصارَى إلى الكِتَابِ تَعْييْرٌ لَهم، كما يقالُ : يَا عَاقِلُ لَمْ تَعْلَمْ ؛ أي يا جاهلُ. وقولهُ تعالى :﴿وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ يعني بالنُّور مُحَمَّداً ﷺ يُبَيِّنُ لكم كثيراً مِمَّا كنتم تَكْتُمُونَ من الإسلامِ، وآيةِ الرَّجمِ، وتحريمِ الزِّنَا وغيرِ ذلكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ أي يتجاوزُ عن كثيرٍ مِمَّا كنتُم تكتمونَهُ ولا يعاقبُكم عليهِ، يعني مِمَّا لم يُؤْمَرْ ببَيَانِهِ، وقولهُ تعالى :﴿وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ يعني الْقُرْآنَ يُبَيِّنُ الحلالَ والحرامَ والأمرَ والنَّهيَ.

المائدة 5:16

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ﴾ ؛ بيَّنَ اللهُ تعالى أنَّ النصَارَى لم يكونوا بَعْدَ أخذِ الميثاقِ أحْسَنَ معاملةً من اليهودِ، ومعنى أخْذِ الميثاق : هو ما أخَذ اللهُ عَلَيْهِمْ فِي الإنْجِيْلِ مِنَ الْعَهْدِ الْمُؤَكَّدِ باتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَبَيَانِ صِفَتِهِ وَنَعْتِهِ، كما قَالَ تَعَالَى في آيةٍ أخرَى :﴿مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾[الصف: ٦] فَنَسُوا حَظّاً مما ذُكِّرُوا به ؛ أي تَرَكُوا بعضاً مِمَّا ذُكِّرُوا بهِ، ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ؛ أي هَيَّجْنَا بين فِرَقِ النَّصَارَى، وهم النَّسْطُوريَّةُ وَالْيَعْقُوبيَّةُ وَالْمَلْكَانِيَّةُ، وألْقَيْنَا بينَهم العداوةَ في الدِّينِ. وذلك أنَّ اللهَ رَفَعَ الأُلْفَةَ بينَهم وألقَى بينهم العداوةَ والبغضاءَ، فَهُمْ يَقْتَتِلُونَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وأصلُ الإغْرَاءِ : الإلْصَاقُ مَأَخُوذٌ مِنَ الغِرَاءِ الَّذِي يُلْصَقُ بهِ الأَشْيَاءُ، وَالْعَدَاوَةُ : تَبَاعُدُ الْقُلُوب وَالنِّيَّاتِ، والْبَغْضَاءُ : الْبُغْضُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ ؛ أي يخبرُهم في الآخرةِ بما كانوا يصنعونَ من الجِنَايَةِ والمخالفةِ وكِتْمَانِ نَعْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِفَتِهِ. ثم خاطبَ اللهُ تعالى الفريقين من اليهودِ والنَّصارَى فقالَ تعالى :﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ؛ يعني التَّوراةَ والإنجِيْلَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :(تُخْفُونَ) يعني صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وآيةَ الرَّجْمِ، وإضافةُ اليهودِ والنَّصارَى إلى الكِتَابِ تَعْييْرٌ لَهم، كما يقالُ : يَا عَاقِلُ لَمْ تَعْلَمْ ؛ أي يا جاهلُ. وقولهُ تعالى :﴿وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ يعني بالنُّور مُحَمَّداً ﷺ يُبَيِّنُ لكم كثيراً مِمَّا كنتم تَكْتُمُونَ من الإسلامِ، وآيةِ الرَّجمِ، وتحريمِ الزِّنَا وغيرِ ذلكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ أي يتجاوزُ عن كثيرٍ مِمَّا كنتُم تكتمونَهُ ولا يعاقبُكم عليهِ، يعني مِمَّا لم يُؤْمَرْ ببَيَانِهِ، وقولهُ تعالى :﴿وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ يعني الْقُرْآنَ يُبَيِّنُ الحلالَ والحرامَ والأمرَ والنَّهيَ.

المائدة 5:17

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ﴾ ؛ أي يَهْدِي اللهُ بالقُرْآنِ مَنْ قَبلَ الحقَّ ورَغِبَ في الإسلامِ، وقولهُ تعالى :﴿رِضْوَانَهُ﴾ أي رضَا اللهِ، وقولهُ تعالى :﴿سُبُلَ السَّلاَمِ﴾ أي طُرُقَ السَّلاَمةِ، وهي دِيْنُ الإسلامِ، والسَّلامُ والسَّلامَةُ، كالرِّضَاعِ والرَّضَاعَةِ، ويقالُ : السَّلامُ هو اللهُ، وسُبُلُ السَّلامِ : طُرُقُ اللهِ التي دَعَا إليهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ؛ أي يخرجُهم من ظُلُمَاتِ الكُفْرِ، بالتعريفِ لَهم إلى نُور الإيْمان، ﴿بِإِذْنِهِ﴾ ؛ أي بإذنِ الله ومشيئتِه، وسُمِّيَ الإيْمانُ نوراً ؛ لأنَّ الإنسانَ إذا آمَنَ أبْصَرَ بهِ طريقَ نَجاتِهِ فَطَلَبَهُ، وطريقَ هَلاَكِهِ فَحَذِرَهُ. قَوْلُهُ تعالَى :﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ؛ أي ويُرْشِدُهُمْ إلى طريقِ الحقِّ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ؛ نزلَتْ في نَصَارَى نَجْرَانَ وهم الماريعقوبية أو اليعقوبية، قالُوا : إنَّ اللهَ هو المسيحُ بن مريَمَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ ؛ أي قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ : مَن يَقْدِرُ أن يدفعَ شيئاً من عذاب الله ؛ ﴿إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ ؛ أي إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ عيسَى ابن مريم وأمَّهُ، وهذا احتجاجٌ من اللهِ تعالى على النَّصارَى بما لا يَملكون دَفْعَهُ، إذِ المسيحُ وأمُّهُ بَشَرانِ يأكُلانِ الطعامَ ويحتاجَان إلى ما يحتاجُ إليه الناسُ، وقد عَلِمُوهُ ضرورةً أنَّهما كَانَا بعدَ أن لَم يَكُونَا، وشاهدَ كثيرٌ منهم ميلادَ عِيْسَى وحالَهُ مِن الطفولةِ والشَّباب والكُهُولَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾ أي إذا أرادَ اللهُ إهلاكَ عيسَى وأُمَّهُ لَمَا أعجزَهُ ذلكَ، ولا هناكَ دافعٌ، وكيفَ يكون إلَهاً مَن لا يقدرُ على دفعِ الْهَلاكِ عن نفسهِ ولا عن غيرِه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَللَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ ؛ أي مَنْ مَلَكَ السَّمواتِ والأرضَ لا يُوصَفُ بالولادةِ. وَقِيْلَ : مَن كان مَالِكُ السَّمواتِ والأرضَ يقدرُ على خَلْقِ وَلَدٍ بلا وَالِدٍ، كما قال تعالى :﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ ؛ أي كما يشاءُ، بأَبٍ وبغيرِ أبٍ، ولو كان خَلْقُ عيسَى من غيرِ أبٍ مُوجِباً كونه إلَهاً وابنَهُ لكانَ خَلْقُ آدمَ من غيرِ أبٍ ولا أمٍّ أوْلَى بذلكَ ؛ لأنه أعجَبُ وأبْدَعُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ مِن خَلْقِ عيسَى وغيرِه قادرٌ على عقوبَتِكم.

المائدة 5:18

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ﴾ ؛ أي يَهْدِي اللهُ بالقُرْآنِ مَنْ قَبلَ الحقَّ ورَغِبَ في الإسلامِ، وقولهُ تعالى :﴿رِضْوَانَهُ﴾ أي رضَا اللهِ، وقولهُ تعالى :﴿سُبُلَ السَّلاَمِ﴾ أي طُرُقَ السَّلاَمةِ، وهي دِيْنُ الإسلامِ، والسَّلامُ والسَّلامَةُ، كالرِّضَاعِ والرَّضَاعَةِ، ويقالُ : السَّلامُ هو اللهُ، وسُبُلُ السَّلامِ : طُرُقُ اللهِ التي دَعَا إليهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ؛ أي يخرجُهم من ظُلُمَاتِ الكُفْرِ، بالتعريفِ لَهم إلى نُور الإيْمان، ﴿بِإِذْنِهِ﴾ ؛ أي بإذنِ الله ومشيئتِه، وسُمِّيَ الإيْمانُ نوراً ؛ لأنَّ الإنسانَ إذا آمَنَ أبْصَرَ بهِ طريقَ نَجاتِهِ فَطَلَبَهُ، وطريقَ هَلاَكِهِ فَحَذِرَهُ. قَوْلُهُ تعالَى :﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ؛ أي ويُرْشِدُهُمْ إلى طريقِ الحقِّ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ؛ نزلَتْ في نَصَارَى نَجْرَانَ وهم الماريعقوبية أو اليعقوبية، قالُوا : إنَّ اللهَ هو المسيحُ بن مريَمَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ ؛ أي قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ : مَن يَقْدِرُ أن يدفعَ شيئاً من عذاب الله ؛ ﴿إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ ؛ أي إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ عيسَى ابن مريم وأمَّهُ، وهذا احتجاجٌ من اللهِ تعالى على النَّصارَى بما لا يَملكون دَفْعَهُ، إذِ المسيحُ وأمُّهُ بَشَرانِ يأكُلانِ الطعامَ ويحتاجَان إلى ما يحتاجُ إليه الناسُ، وقد عَلِمُوهُ ضرورةً أنَّهما كَانَا بعدَ أن لَم يَكُونَا، وشاهدَ كثيرٌ منهم ميلادَ عِيْسَى وحالَهُ مِن الطفولةِ والشَّباب والكُهُولَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾ أي إذا أرادَ اللهُ إهلاكَ عيسَى وأُمَّهُ لَمَا أعجزَهُ ذلكَ، ولا هناكَ دافعٌ، وكيفَ يكون إلَهاً مَن لا يقدرُ على دفعِ الْهَلاكِ عن نفسهِ ولا عن غيرِه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَللَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ ؛ أي مَنْ مَلَكَ السَّمواتِ والأرضَ لا يُوصَفُ بالولادةِ. وَقِيْلَ : مَن كان مَالِكُ السَّمواتِ والأرضَ يقدرُ على خَلْقِ وَلَدٍ بلا وَالِدٍ، كما قال تعالى :﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ ؛ أي كما يشاءُ، بأَبٍ وبغيرِ أبٍ، ولو كان خَلْقُ عيسَى من غيرِ أبٍ مُوجِباً كونه إلَهاً وابنَهُ لكانَ خَلْقُ آدمَ من غيرِ أبٍ ولا أمٍّ أوْلَى بذلكَ ؛ لأنه أعجَبُ وأبْدَعُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ مِن خَلْقِ عيسَى وغيرِه قادرٌ على عقوبَتِكم.

المائدة 5:19

قَوْلُهُ عَزَ وَجَلَّ :﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ﴾ ؛ أي يا أهلَ التَّوراةِ والإنجيلِ قد جاءَكم مُحَمَّدٌ ﷺ يُبَيِّنُ لكُم الحلالَ والحرامَ على انقطاعٍ مِنَ الرُّسُلِ، ودُرُوسٍ مِن الْعِلْمِ. قال الكلبيُّ :(كَانَ بَيْنَ مِيْلاَدِ عِيْسَى وَمُحَمَّدٍ ﷺ خَمْسُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَبَعْدَ مِيْلاَدِ عِيْسَى أرْبَعَةٌ مِنَ الرُّسُلِ فِي مِائَةٍ وَأرْبَعَةٍ وَثَلاَثِيْنَ سَنَةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى :﴿إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾[يس: ١٤] قَالََ : وَلاَ أدْري الرَّسُولُ الرَّابعُ مَنْ هُوَ). قال بعضُهم : كان بَيْنَ عيسَى ومُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ﴾ ؛ معناهُ : كَيْلاَ تقولُوا يومَ القيامةِ مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيْرٍ يُبَشِّرُنَا بالجنَّةِ، ولا مُخَوِّفَ يُخَوِّفُنَا بالنار، ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ﴾ ؛ يُبَشِّرُكُمْ بالجنَّةِ إنْ أطعتمُوهُ، ﴿وَنَذِيرٌ﴾ ؛ يُنْذِرُكُمْ بالنار إنْ عصيتموهُ، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ مِن إرسالِ الرُّسُلِ والثواب والعِقَاب. وقولهُ تعالى :﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً﴾ ؛ فَاذْكُرُوا يا أهلَ الكِتَاب إذ قالَ مُوسَى لِبَنِي إسرائيلَ احْفَظُوا مِنَّةَ اللهِ عليكُم إذْ أكرمَ بعضَكم بالنُّبُوَّةِ، وهم السَّبعُونَ الذين اختارَهم موسَى وانطلَقُوا معهُ إلى الجبلِ. وإنَّما مَنَّ اللهُ عليهِم بذلكَ، لأنَّ كثرةَ الأشرافِ والأفَاضِلِ في القومِ شرفٌ وفضلٌ لَهم، ولا شرفَ أعظمَ من النُّبُوَّةِ، وقولهُ تعالى :﴿وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً﴾ أي أحْرَاراً تَملِكُونَ أمرَ أنفسِكم بعدَ أن كانت تَسْتَعْبدُكُمُ القِبْطَةُ في مملكةِ فرعونَ، وَقِيْلَ : مُلُوكاً ذوي خَدَمٍ، وأهلِ مَنَازلَ لا يدخلُ عليكم فيها إلاَّ بإذنٍ. قَوْلُهُ تعالى :﴿وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن الْعَالَمِينَ﴾ ؛ أي أعطاكُم من عالِمِي زمانِكم، ويقالُ : أرادَ بذلكَ جميعَ العالمين، فإنه تَعَالَى أنزلَ عليهم الْمَنَّ والسَّلْوَى، وظَلَّلَهُمْ بالغَمَامِ، ولم يُؤْتِ أحداً مِثْلَ هذه النِّعَمِ قبلَهم. ولا يدخلُ المستقبلُ في اللفظِ ؛ لأنَّ اللفظَ خَبَرٌ عن ما مَضَى، ولا يدخلُ ذلكَ على أنهُ لم يُؤْتِ أمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ مثلَ الفَضِيْلَةِ التي آتاهُمْ أو أكْثَرَ، والغرضُ من هذه الآيةِ أنَّ اللهَ تعالى أرادَ أن يُكَلِّفَهُمْ دخولَ الأرضِ المقدَّسة، وكان يَشُقُّ ذلكَ عليهم فَقَدَّمَ ذِكْرَ نِعَمِهِ عليهم ليكونَ بأمتثالِهم مثالٌ على امتثالِ أمرِ الله تعالى.

المائدة 5:20

قَوْلُهُ عَزَ وَجَلَّ :﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ﴾ ؛ أي يا أهلَ التَّوراةِ والإنجيلِ قد جاءَكم مُحَمَّدٌ ﷺ يُبَيِّنُ لكُم الحلالَ والحرامَ على انقطاعٍ مِنَ الرُّسُلِ، ودُرُوسٍ مِن الْعِلْمِ. قال الكلبيُّ :(كَانَ بَيْنَ مِيْلاَدِ عِيْسَى وَمُحَمَّدٍ ﷺ خَمْسُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَبَعْدَ مِيْلاَدِ عِيْسَى أرْبَعَةٌ مِنَ الرُّسُلِ فِي مِائَةٍ وَأرْبَعَةٍ وَثَلاَثِيْنَ سَنَةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى :﴿إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾[يس: ١٤] قَالََ : وَلاَ أدْري الرَّسُولُ الرَّابعُ مَنْ هُوَ). قال بعضُهم : كان بَيْنَ عيسَى ومُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ﴾ ؛ معناهُ : كَيْلاَ تقولُوا يومَ القيامةِ مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيْرٍ يُبَشِّرُنَا بالجنَّةِ، ولا مُخَوِّفَ يُخَوِّفُنَا بالنار، ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ﴾ ؛ يُبَشِّرُكُمْ بالجنَّةِ إنْ أطعتمُوهُ، ﴿وَنَذِيرٌ﴾ ؛ يُنْذِرُكُمْ بالنار إنْ عصيتموهُ، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ مِن إرسالِ الرُّسُلِ والثواب والعِقَاب. وقولهُ تعالى :﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً﴾ ؛ فَاذْكُرُوا يا أهلَ الكِتَاب إذ قالَ مُوسَى لِبَنِي إسرائيلَ احْفَظُوا مِنَّةَ اللهِ عليكُم إذْ أكرمَ بعضَكم بالنُّبُوَّةِ، وهم السَّبعُونَ الذين اختارَهم موسَى وانطلَقُوا معهُ إلى الجبلِ. وإنَّما مَنَّ اللهُ عليهِم بذلكَ، لأنَّ كثرةَ الأشرافِ والأفَاضِلِ في القومِ شرفٌ وفضلٌ لَهم، ولا شرفَ أعظمَ من النُّبُوَّةِ، وقولهُ تعالى :﴿وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً﴾ أي أحْرَاراً تَملِكُونَ أمرَ أنفسِكم بعدَ أن كانت تَسْتَعْبدُكُمُ القِبْطَةُ في مملكةِ فرعونَ، وَقِيْلَ : مُلُوكاً ذوي خَدَمٍ، وأهلِ مَنَازلَ لا يدخلُ عليكم فيها إلاَّ بإذنٍ. قَوْلُهُ تعالى :﴿وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن الْعَالَمِينَ﴾ ؛ أي أعطاكُم من عالِمِي زمانِكم، ويقالُ : أرادَ بذلكَ جميعَ العالمين، فإنه تَعَالَى أنزلَ عليهم الْمَنَّ والسَّلْوَى، وظَلَّلَهُمْ بالغَمَامِ، ولم يُؤْتِ أحداً مِثْلَ هذه النِّعَمِ قبلَهم. ولا يدخلُ المستقبلُ في اللفظِ ؛ لأنَّ اللفظَ خَبَرٌ عن ما مَضَى، ولا يدخلُ ذلكَ على أنهُ لم يُؤْتِ أمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ مثلَ الفَضِيْلَةِ التي آتاهُمْ أو أكْثَرَ، والغرضُ من هذه الآيةِ أنَّ اللهَ تعالى أرادَ أن يُكَلِّفَهُمْ دخولَ الأرضِ المقدَّسة، وكان يَشُقُّ ذلكَ عليهم فَقَدَّمَ ذِكْرَ نِعَمِهِ عليهم ليكونَ بأمتثالِهم مثالٌ على امتثالِ أمرِ الله تعالى.

المائدة 5:21

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(وَذَلِكَ أنَّ الاثْنَي عَشَرَ نَقِيْباً الَّذِيْنَ أرْسَلَهُمْ مُوسَى إلَى قَرْيَةِ الْجَبَّاريْنَ جَوَاسِيْسَ ؛ لَمَّا انْتَهَوا إلَى مَدِيْنَتِهِمْ أخِذُوا فَأُتِيَ بهِمْ إلَى الْمَلِكِ، وَيُقَالُ أخَذهُمْ عِوَجُ ابْنُ عُنُقٍ وَاحْتَمَلَهُمْ فِي ثَوْبهِ حَتَّى ألْقَاهُمْ بَيْنَ يَدَي الْمَلِكِ، فَقِيْلَ لِلْمَلِكِ : إنَّ هَؤُلاَءِ يَزْعُمُونَ أنَّهُمْ يَفْتَحُونَ مدِيْنَتَكَ وَيَظْهَرُونَ عَلَيْكَ، قالَ : فَطُوفُوا بهِمُ الْمَدِيْنَةَ فَأَرُوهُمْ إيَّاهَا. فَطَافُوا بِهِمْ، وَكَانُوا يَلْعَبُونَ بهِمْ حَتَّى أنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ لِيَأْتِي بالْقَدَحِ وَالسُّكْرَجَةِ وَالْقَصْعَةِ فِيِدْخُلُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ تَحْتَهَا، ثُمَّ رَدُّوهُمْ إلَى الْمَلِكَ فَأَرَادَ قَتْلَهُمْ، فَقَالَتْ : إيْش تَصْنَعُ بقَتْلِ هَؤُلاَءِ وَيَكْفِيْهِمْ مَا رَأواْ، رُدُّوهُمْ إلَى أصْحَابِهِمْ يُحَدِّثُونَهُمْ بمَا رَأواْ، فَأَرْسَلُوهُمْ. فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : قَدْ عَلِمْتُمْ خِلاَفَ بَنِي إسْرَائِيْلَ لِمُوسَى، وَقَدْ وَعَدَ اللهُ مُوسَى أنْ يَفْتَحَ لَهُمُ الأَرْضَ، وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ، فَهِيْمُوا التَّحَالُفَ أنْ لاَ يُخْبَرَ شَيْئاً غَيْرُ مُوسَى ؛ فَتَحَالَفُوا. فَلَمَّا خَلَوا بنِسَائِهِمْ جَعَلَتِ الْمَرَأةُ تَسْأَلُ زَوْجَهَا عَمَّا رَأَى، فَيَأْخُذُ عَلَيْهَا الْمَوَاثِيْقَ أنْ لاَ تُخْبرَ أحَداً، ثُمَّ يُخْبرُهَا، وَجَعَلَتِ الْمَرْأةُ يَأَتِيْهَا أبُوهَا وَأمُّهَا وَإخْوَانُهَا فَتَأْخُذُ عَلَيْهِمُ الْمَوَاثِيْقَ ثُمَّ تُخْبرُهُمْ. فَمَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ حَتَّى فَشَا الْخَبَرُ فِي الْبلاَدِ، وَلَمْ يُخْبرْ يُوشُعُ وَلاَ كَالِبُ أحَداً بشَيْءٍ مِنْ أمْرِهِمْ، إنَّمَا أخْبَرَ بذلِكَ الْعَشَرَةُ. فَجَمَعَ مُوسَى عليه السلام بَنِي إسْرَائِيْلَ وَخَطَبَهُمْ ثُمَّ قَالَ : يَا بَنِي إسْرَائِيْلَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَعَلَ فِيكُمْ أنْبيَاءَ...) إلى قوله :﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. وأمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ قال ابنُ عبَّاس :(هِيَ أرْضُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ). ويقال : هي دمشقُ وفلسطين وبعضُ الأردنِّ، وسُميت (الْمُقَدَّسَةَ) ؛ لأنَّها طُهِّرَتْ من الشِّرْكِ، وجُعِلَتْ مَسْكَناً وقَراراً للأنبياءِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ﴾ أي أمَرَكُم بدخولِها. وَقِيْلَ : التي كتبَ اللهُ لكم في اللَّوحِ الْمحفوظِ أنَّها لكُم مساكنُ، ويقال : التي وَهَبَ اللهُ لأبيكُم إبراهيمَ عليه السلام، وجعلَها مِيراثاً لكم، وذلكَ أنَّ إبراهيمَ حين ارتفعَ على الجبلِ، قِيْلَ لهُ : أنْظُرْ ؛ فَلَكَ ما أدركَ بصرُكَ وهو ميراثٌ لولدِكَ مِنْ بعدكَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ ؛ أي لا تَرْجِعُوا وراءَكم وتَجْبُنُوا من عدوِّكم منهزمينَ منهم فتنصرفُوا مغبونينَ بفَوْتِ الظَّفَرِ في الدُّنيا والعقوبةِ في الآخرة.

المائدة 5:22

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ﴾ ؛ أي قالت بَنُو إسرائيلَ : يا موسى إنَّ فِيْهَا قَوْماً عُظَمَاءَ قَتَّالِيْنَ، ﴿وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ ؛ حينئذٍ.

المائدة 5:23

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ ؛ أي قالَ يُوشُعُ وكَالِبُ من الاثنَي عشرَ الذين أرسلَهم موسى إلى قريةِ الجبَّارينَ، وكانوا يخافونَ الجبَّارين، ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ ؛ أي هَدَاهُمَا لقَبُولِ أمرهِ ومعرفة صدقِ وَعْدِهِ :﴿ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ ؛ أي بابَ قرية الجبَّارينَ وهي أريْحَا، ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ﴾ ؛ أي فإذا دخلتُم ذلكَ البابَ ؛ ﴿فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ ؛ عليهم ؛ لأنَّهم إذا رَأوا كثرتَكم انكسرت قلوبُهم فَتَغْلِبُوهُمْ، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ﴾ ؛ أي فَوِّضُوا أمرَكُم إليهِ، ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ؛ أي مُصَدِّقِيْنَ بوعدِ الله. وفي الآيةِ ثناءٌ على الرَّجُلَيْنِ إذ لم يَمْنعهُما الخوفُ من العدوِّ عن قولِ الحقِّ. وقد رويَ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قَالَ :" لاَ يَمْنَعَنَّ أحَدَكُمْ مَخَافَةَ النَّاسِ أنْ يَقُولَ الْحَقَّ إذا رَآهُ أوْ عَمِلَهُ، فَإنَّهُ لاَ يُبْعِدُ مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلاَ يُدْنِي مِنْ أجَلٍ "

المائدة 5:24

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قَالُواْ يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا﴾ ؛ وذلك أنَّ موسَى لَمَّا أمرَهم من قولِ الرَّجُلينِ أن يدخلُوا قريةَ الجبَّارين، قالَتْ لهُ بَنُو إسرائيلَ : أتُكَذِّبُ الْعَشْرَةَ وَتُصَدِّقُ الاثنين، إنَّا لاَ نَدْخُلُهَا أبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا، ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ؛ مُنْتَظِرِيْنَ، فقولُهم : اذْهَبْ أنْتَ وَرَبُّكَ، احتملَ أنَّهم قالوا ذلكَ على وجهِ الْمَجَاز على معنى : وَرَبُّكَ مُعِيْنٌ لكَ، وكان هذا القولُ فِسقاً منهم مِن امتناعِهم عن الْمُضِيِّ إلى أمرِ الله. وَقِيْلَ : يحتملُ أنَّهم عَنَوا بذلكَ الذهابَ ذهابَ النُّقْلَةِ، وهذا تشبيهٌ وكُفْرٌ مِن قائلهِ، وهو أقربُ إلى معنى كلامِهم ؛ لأنَّ كلامَ اللهِ تعالى خَرَجَ مخرجَ الإنكار عليهم، والتَّعَجُّب من جَهْلِهِمْ. وعن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ لَمَّا أرَادَ الْخُرُوجَ إلَى بَعْضِ الْغَزَوَاتِ اسْتَشَارَ سَعْدَ بْنَ مَعَاذٍ وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ذلِكَ ؛ فَقَالاَ :(إنَّا لَنْ نَقُولَ لَكَ مِثْلَ مَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيِلَ لِمُوسَى : إذْهَبْ أنْتَ وَرَبُّكَ فَإنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ، وَلَكِنَّّا نَقُولُ : إذْهَبْ فَقَاتِلْ عَدُوَّكَ إنَّا مَعَكَ مُقَاتِلُونَ). وفِي بعضِ الرِّواياتِ قالُوا :(أقْعُدْ أنْتَ فَإنَّا بأَمْرِكَ مُقَاتِلُونَ). وقال الْمِقْدَادُ ابنُ الأَسْوَدِ :((إنَّا وَاللهِ لاَ نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيْلَ لِمُوسَى :(إذْهَبْ أنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ) وَلَكِنَّا نَقُولُ : نُقَاتِلُ عَنْ يَمِيْنِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ وَبَيْنَ يَدَيْكَ وَخَلْفَكَ، وَلَوْ خُضْتَ بنَا الْبَحْرَ لََخُضْنَاهُ مَعَكَ، وَلَوْ عَلَوْتَ جَبَلاً لَعَلَوْنَاهُ مَعَكَ. فَأَشْرَقَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِذلِكَ وَسَرَّهٌ)).

المائدة 5:25

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(وَذَلِكَ أنَّ مُوسَى عليه السلام غَضِبَ مِنْ مَقَالَةِ قَوْمِهِ، وَكَانَ رَجُلاً حَدِيْداً فَقَالَ :﴿رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي﴾ ولا أمْلِكُ إلاَّ أخِي، يعني لا يُطِيْعُنِي مِن هؤلاءِ إلاَّ أخِي هَارُونُ، ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ أي اقْضِ وَافْصِلْ بيننا وبينَ القوم العَاصِيْنَ. وكَانَتْ عَجَلَةً عَجَّلَهَا مُوسَى عليه السلام، فأوحَى الله إلى موسى : إلَى مَتَى يَعْصِيني هذا الشعبُ وإلى متَى لا يُصَدِّقُونَ بالآياتِ، لأُهْلِكَنَّهُمْ وَاجْعَلَنَّ لكَ شَعْباً أشَدَّ وأكثرَ منهم. فقال : إلَهِي لو أنَّكَ أهلكتَ هذا الشَّعبَ من أجْلِ أنَّهم لن يستطيعُوا أن يدخلوا هذه الأرضَ فتقتلُهم في البَرِّيَةِ وأنت عظيمٌ عَفْوُكَ كثيرٌ نِعْمَتُكَ وأنتَ تغفرُ الذنوبَ، فَاغْفِرْ لَهم. فقال اللهُ تَعَالَى : قد غَفَرْتُ لَهم بكلمتِكَ، ولكن بَعْدَمَا سَمَّيتَهُمْ فاسِقينَ، وَدَعَوْتَ عليهم في عجلة لأُحَرِّمَنَّ عليهم دخولَ الأرضِ المقدَّسةِ، فذلك قولهُ :﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ﴾ ؛ يَتَحَيَّرُونَ ؛ ﴿فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. وَقِيْلَ : إنَّ قولهم لموسَى :﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ كان سُؤَالاً منه الفَرْقَ في الحقيقةِ دون القضاء، وكان دعاؤُه مُنْصَرِفاً إلى الآخرةِ، أي أدْخِلْنَا الجنَّةَ إذا أدخلتَهم النارَ، ولم يَعْنِ بذلك في الدُّنيا ؛ لأنه لو عَنَى ذلكَ لأجاب الله تعالى دُعَاءَهُ وأهلكَهم جميعاً ؛ لأنَّ دعاءَ الأنبياءِ لا يُرَدُّ من أجلِ أنَّهم يدعونَ بأمرِ الله تعالى. ويقالُ : كان هذا دعاءً راجعاً إلى الدُّنيا، وقد أجابَ اللهُ تعالى دعاءَه ؛ لأنَّهُ عاقبَ قومَهُ في التِّيْهِ، ولم يكن موسَى وهارون محبوسَين في التِّيْهِ ؛ لأن الأنبياءَ علَيْهِمُ السَّلاَمُ لا يعذبون. قال الحسنُ :(لاَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُوسَى مَعَهُمْ فِيْهَا لاَ حَيّاً وَلاَ مَيِّتاً، ولاَ يجُوزُ إذا عَذبَ اللهُ بنَبيٍّ إلاَّ أنْ يًنَجِّيَ ذلِكَ النَّبيَّ وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ). ويقالُ : إنَّ هذا الدُّعاء كان مِن موسى عليه السلام عندَ الغَضَب ؛ لأنه عنى به الحقيقة، ألا ترى أنه نَدِمَ على دعائه وجزِعَ من تحريم قرية الجبارين عليهم جزعاً شديداً حتى قيل له : لا تأس على القوم الفاسقين. قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ أي قال اللهُ تعالى : فإنَّ الأرضَ المقدَّسةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ؛ أي هم مَمْنُوعُونَ من دخولِها أربعينَ سنةً، وأصْلُ التَّحْرِيْمِ الْمَنْعُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ﴾[القصص: ١٢] وأرادَ : به الْمَنْعَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾ أي يَتَحَيَّرُونَ. قال ابنُ عبَّاس :(يَتَحَيَّرُونَ فِي سِتَّةِ فَرَاسِخَ أرْبَعِيْنَ سَنَةً، كَانُوا يَسِيْرُونَ فِي أوَّلِ النَّهَار فَيُمْسُونَ فِي مَكَانِهِمْ، وَيَسِيْرُونَ فِي أوَّلِ اللَّيْلِ، فَتَدُورُ بهِمُ الأَرْضُ فَيُصْبحُونَ فِي مَكَانِهِمْ). قال الحسنُ :(عَمِيَ عَلَيْهِمُ السَّبيْلَ وَأخْفِيَ عَلَيْهِمُ الأعْلاَمُ الَّتِي يَهْتَدُونَ إلَى الطَّرِيْقِِ فَلَمْ يَسْتَطِيْعُوا الْخُرُوجَ مِنْهَا).

المائدة 5:26

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(وَذَلِكَ أنَّ مُوسَى عليه السلام غَضِبَ مِنْ مَقَالَةِ قَوْمِهِ، وَكَانَ رَجُلاً حَدِيْداً فَقَالَ :﴿رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي﴾ ولا أمْلِكُ إلاَّ أخِي، يعني لا يُطِيْعُنِي مِن هؤلاءِ إلاَّ أخِي هَارُونُ، ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ أي اقْضِ وَافْصِلْ بيننا وبينَ القوم العَاصِيْنَ. وكَانَتْ عَجَلَةً عَجَّلَهَا مُوسَى عليه السلام، فأوحَى الله إلى موسى : إلَى مَتَى يَعْصِيني هذا الشعبُ وإلى متَى لا يُصَدِّقُونَ بالآياتِ، لأُهْلِكَنَّهُمْ وَاجْعَلَنَّ لكَ شَعْباً أشَدَّ وأكثرَ منهم. فقال : إلَهِي لو أنَّكَ أهلكتَ هذا الشَّعبَ من أجْلِ أنَّهم لن يستطيعُوا أن يدخلوا هذه الأرضَ فتقتلُهم في البَرِّيَةِ وأنت عظيمٌ عَفْوُكَ كثيرٌ نِعْمَتُكَ وأنتَ تغفرُ الذنوبَ، فَاغْفِرْ لَهم. فقال اللهُ تَعَالَى : قد غَفَرْتُ لَهم بكلمتِكَ، ولكن بَعْدَمَا سَمَّيتَهُمْ فاسِقينَ، وَدَعَوْتَ عليهم في عجلة لأُحَرِّمَنَّ عليهم دخولَ الأرضِ المقدَّسةِ، فذلك قولهُ :﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ﴾ ؛ يَتَحَيَّرُونَ ؛ ﴿فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. وَقِيْلَ : إنَّ قولهم لموسَى :﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ كان سُؤَالاً منه الفَرْقَ في الحقيقةِ دون القضاء، وكان دعاؤُه مُنْصَرِفاً إلى الآخرةِ، أي أدْخِلْنَا الجنَّةَ إذا أدخلتَهم النارَ، ولم يَعْنِ بذلك في الدُّنيا ؛ لأنه لو عَنَى ذلكَ لأجاب الله تعالى دُعَاءَهُ وأهلكَهم جميعاً ؛ لأنَّ دعاءَ الأنبياءِ لا يُرَدُّ من أجلِ أنَّهم يدعونَ بأمرِ الله تعالى. ويقالُ : كان هذا دعاءً راجعاً إلى الدُّنيا، وقد أجابَ اللهُ تعالى دعاءَه ؛ لأنَّهُ عاقبَ قومَهُ في التِّيْهِ، ولم يكن موسَى وهارون محبوسَين في التِّيْهِ ؛ لأن الأنبياءَ علَيْهِمُ السَّلاَمُ لا يعذبون. قال الحسنُ :(لاَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُوسَى مَعَهُمْ فِيْهَا لاَ حَيّاً وَلاَ مَيِّتاً، ولاَ يجُوزُ إذا عَذبَ اللهُ بنَبيٍّ إلاَّ أنْ يًنَجِّيَ ذلِكَ النَّبيَّ وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ). ويقالُ : إنَّ هذا الدُّعاء كان مِن موسى عليه السلام عندَ الغَضَب ؛ لأنه عنى به الحقيقة، ألا ترى أنه نَدِمَ على دعائه وجزِعَ من تحريم قرية الجبارين عليهم جزعاً شديداً حتى قيل له : لا تأس على القوم الفاسقين. قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ أي قال اللهُ تعالى : فإنَّ الأرضَ المقدَّسةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ؛ أي هم مَمْنُوعُونَ من دخولِها أربعينَ سنةً، وأصْلُ التَّحْرِيْمِ الْمَنْعُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ﴾[القصص: ١٢] وأرادَ : به الْمَنْعَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾ أي يَتَحَيَّرُونَ. قال ابنُ عبَّاس :(يَتَحَيَّرُونَ فِي سِتَّةِ فَرَاسِخَ أرْبَعِيْنَ سَنَةً، كَانُوا يَسِيْرُونَ فِي أوَّلِ النَّهَار فَيُمْسُونَ فِي مَكَانِهِمْ، وَيَسِيْرُونَ فِي أوَّلِ اللَّيْلِ، فَتَدُورُ بهِمُ الأَرْضُ فَيُصْبحُونَ فِي مَكَانِهِمْ). قال الحسنُ :(عَمِيَ عَلَيْهِمُ السَّبيْلَ وَأخْفِيَ عَلَيْهِمُ الأعْلاَمُ الَّتِي يَهْتَدُونَ إلَى الطَّرِيْقِِ فَلَمْ يَسْتَطِيْعُوا الْخُرُوجَ مِنْهَا).

المائدة 5:27

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ﴾ ؛ معناهُ : واقرأ يا مُحَمَّدُ على قومِكَ خبرَ ابْنَي آدَمَ بالصَّدقِ ؛ إذ وضعَا على الجبلِ قُرْبَاناً، والقُرْبَانُ : مَا يُتَقَرَّبُ بهِ إلى اللهِ تَعَالَى. وقِيْلَ : معناهُ : واقرأ على أولادِ هؤلاء الذي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ من أهلِ الكتاب حتى يُقِرُّوا برسالتِكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا﴾ أي قُبلَ القربانُ من أحدِهما، ولم يُتَقَبَّلْ من الآخر، ومعنى القبول : إيجاب الثواب. قال ابنُ عبَّاس :(وَذَلِكَ أنَّ حَوَّاءَ كَانَتْ تَلِدُ كُلَّ بَطْنٍ وَلَدَيْنِ ذكَرٍ وَأنْثَى ؛ إلاَّ شيث فَإنَّهَا وَلَدَتْهُ مُنْفَرِداً، فَوَلَدَتْ أوَّلَ بَطْنٍ قَابيْلَ وَأُخْتَهُ إقْلِيْمَا، ثُمَّ وَلَدَتْ فِي الْبَطْنِ الثَّانِي هَابِيْلَ وَأُخْتَهُ لَبُودا. فَلَمَّا أدْرَكُوا، أمَرَ اللهُ آدَمَ أنْ يُزَوِّجَ قَابيْلَ أخْتَ هَابيْلَ، وَيُزَوِّجَ هَابيْلَ أخْتَ قَابِيْلَ، فَرَضِيَ هَابيْلُ وَكَرِهَ قَابيْلُ ؛ لأَنَّ أخْتَهُ كَانَتْ أحْسَنَهُمَا، فَقَالَ آدَمُ : مَا أمَرَ اللهُ إلاَّ بهَذا يَا بُنَيَّ ؛ وَلاَ يَحِلُّ لَكَ. فَأَبَى أنْ يَقْبَلَ ؛ وَقَالَ : إنَّ اللهَ لَمْ يَأْمُرْ بهَذا وَإنَّمَا هُوَ مِنْ رَأيكَ. فَقَالَ لَهُمَا : قَرِّبَا قُرْبَاناً ؛ فَأَيُّكُمَا يُقْبَلُ قُرْبَانُهُ فَهُوَ أحَقُّ بهَا. وَكَانَ هَابيْلُ صَاحِبَ غَنَمٍ، وَقََابيْلُ صَاحِبَ حَرْثٍ، فَقَرَّبَ هَابيْلُ كَبْشاً سَمِيْناً وَلَبَناً وَزُبْداً، وَقَرَّبَ قَابيْلُ سُنْبُلاً مِنْ شَرِّ زَرْعِهِ، وَأضْمَرَ فِي قَلْبهِ مَا أبَالِي أتُقُبلَ مِنِّي أمْ لاَ، لاَ يَتَزَوَّجُ أخْتِي أبَداً، وَأضْمَرَ هَابِيْلُ فِي نَفْسِهِ الرِّضَا للهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَوَضَعَا قُرْبَانَهُمَا عَلَى الْجَبَلِ، فَنَزَلَتْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَمَا أَكَلَتْ شَيْئاً مِنَ السُّنْبُلِ بَعْدَ، ثُمَّ أكَلَتِ الْكَبْشَ وَاللَّبَنَ وَالزُّبْدَ، فَذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾. فَنَزَلُوا الْجَبَلَ وَتَفَرَّقُوا، وَكَانَ آدَمُ عليه السلام مَعَهُمْ، فَذَهَبَ هَابيْلُ إلَى غَنَمِهِ، وَقَابِيْلُ إلَى زَرْعِهِ غَضْبَانَ وَأظْهَرَ الْحَسَدَ لِهَابِيْلَ، وَقَالَ : يَا هَابيْلُ لأقْتُلَنَّكَ! قَالَ : وَذَلِكَ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى تَقَبَّلَ قُرْبَانَكَ وَرَدَّ عَلَيَّ قُرْبَانِي، وَتَنْكِحُ أخْتِي الْحَسَنَةَ، وَأنْكِحُ أخْتَكَ الْقَبِيْحَةَ، فَيُحَدِّثُ النَّاسَ أنَّكَ خَيْرٌ مِنِّي. ﴿قَالَ﴾ ؛ هَابِيْلُ : مَا ذنْبي فِي ذلِكَ؟!). ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ؛ أي من الزَّاكيةِ قلوبُهم الذين يخافونَ على حسناتِهم أن لا تُقْبَلَ، ولم تَكُنْ أنتَ زَاكِيَ القَلْب، فردَّ اللهُ قربانَكَ حيث نِيَّتَكَ. وَقِيْلَ : أرادَ بالمتَّقين الذين يَتَّقُونَ الشِّرْكَ. قال ابنُ عبَّاس :(كَانَ قَابيْلُ كَافِراً) وَفي أكثرِ الرِّواياتِ أنَّهُ كانَ رَجُلَ سَوْءٍ. قال الحسنُ :(كَانَ الرَّجُلُ إذا أرَادَ أنْ يُقَرِّبَ الْقُرْبَانَ ؛ تَعَبَّدَ وَتَابَ وَتَطَهَّرَ مِنَ الذُّنُوب وَلَبسَ الثَّيَابَ الْبيْضَ، ثُمَّ قَرَّبَ وَقَامَ يَدْعُو اللهَ، فَإنْ قَبلَ اللهُ قُرْبَانَهُ جَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهُ، وذلِكَ عَلاَمَةُ الْقَبُولِ، وَإنْ لَمْ تَجِئْ نَارٌ فَذلِكَ عَلاَمَةُ الرَّدِّ).

المائدة 5:28

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ﴾ ؛ أي قال هَابيْلُ مُجِيْباً لقابيلَ : لَئِنْ مَدَدْتَ يدكَ إلى القتلِ ظُلماً ما أنا بالَّّذي أمُدَّ يَدِي إليكَ لأقتلكَ ظُلماً، قال قابيلُ : ولِمَ ذلك ؟ قال :﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ؛ بقتلِكَ ظُلماً. واختلفَ العلماءُ في وقتِ مَوْلِدِ قابيلَ وهابيلَ، قال بعضُهم : غَشِيَ آدمُ حوَّاءَ بعد ما هَبَطَ إلى الأرضِ بمائة سَنَةٍ، فولدت لهُ قابيلَ وتَوْأمَتَهُ في بطنٍ، ثم بعدَ ذلكَ البطنِ هابيلُ وتَوْأمَتَهُ. قال ابنُ عبَّاس :(وَلَمْ يَمُتْ آدَمُ حَتَّى بَلَغَ وَلَدَهُ وَوَلَدُ وَلَدِهِ أرْبَعِيْنَ ألْفاً). وقال بعضُهم : كان آدمُ يغشَى حوَّاءَ في الجنَّةِ، فَحَمَلَتْ بقابيلَ وتَوْأمَتِهِ، فلَم تَجِدْ عليهما وَحَماً ولا وَصَباً ولا طَلْقاً ولا نِفَاساً لِطُهْرِ الجنَّة، فلما هَبَطَ إلى الأرضِ تَغشَّاها فحملت بهابيلَ وتوأمتهِ، فوجدَتْ عليهما الوَحَمَ وَالوَصَبَ والطَّلْقَ والدَّمَ.

المائدة 5:29

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ ؛ أي قال هابيلُ لقابيلَ : إنْ كُنْتَ تريدُ قتلي فلا تَرْجِعْ عنهُ، فَإنِّي أريدُ أن ترجعَ إلى اللهِ بإثْمِ دَمِي وإثمِ ذنْبكَ الذي مِن أجْلهِ لم يُتَقَبَّلُ قربانُكَ، ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ ؛ في الآخرةِ ؛ ﴿وَذَلِكَ جَزَآءُ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ أي وذلكَ عقوبةُ مَن لَمْ يَرْضَ بحكمِ اللهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ؛ أي طَاوَعَتْهُ نفسهُ، وَقِيْلَ : زَيَّنَتْ لهُ قَتْلَهُ فَقَتَلَهُ. قال السُّدِّيُّ :(لََمَّا قَصَدَ قَابيْلُ قَتْلَ هَابيْلُ أتَاهُ فِي رَأسِ جَبَلٍ وَهُوَ نَائِمٌ وَغَنَمُهُ تَرْعَى، فَأَخَذ صَخْرَةً فَشَدَخَ بهَا رَأسَهُ فَمَاتَ). وقال الضحَّاك :(كَانَ قَابيْلُ لاَ يَدْرِي كَيْفَ يَقْتُلُهُ حَتَّى جَاءَ إبْلِيْسُ وَبيَدِهِ حَيَّةٌ فَوَضَعَهَا بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَرَضَخَ رَأسَهَا بالْحَجَرِ وَقَابيلُ يَنْظُرُ، فَلَمَا نَظَرَ ذلِكَ جَاءَ إلَى هَابيلَ فَلَمْ يَزَلْ يَضْرِبُ بالْحِجَارَةِ عَلَى رَأسِهِ حَتَّى قَتَلَهُ، وَكَانَ لِهَابيلَ يَوْمَ قُتِلَ عُشْرُونَ سَنَةً). واختلفوا في موضعِ قتله، قِيْلَ : قُتِلَ على جبلِ ثور. وقِيْلَ : بالبصرةِ. فلمَّا مات هابيلُ قصَدتْهُ السِّباعُ لتأكلَهُ، فحملَهُ قابيلُُ على ظهرهِ حتى انتنَّ ريحهُ، فعكفَ الطُّيور والسِّباع حوالَيهِ تنتظرُ متى يُرمَي به فتأكلَهُ، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ ؛ فبعثَ الله غُرابين فاقتَتلا، فقَتل أحدُهما صاحبه، ثم حفرَ له بمنقارهِ ورجله، ثم ألقاهُ في الحفيرةِ ووارَاهُ، وقابيلُ ينتظرُ إليه فـ ؛ ﴿قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـاذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾. وعن ابنِ عباس قالَ :(لَمَّا قَتَلَ قَابيلُ هَابيلَ رَجَعَ إلَى أبيهِ قَبْلَ أنْ يَدْفِنَهُ، فَلَمَّا أبْطَأَ هَابيلُ قالَ آدَمُ عليه السلام : يَا قَابيلُ أينَ أخُوكَ ؟ قالَ : مَا رَأيْتُهُ ؛ وَكَأَنَّنِي بهِ أرْسَلَ غَنَمَهُ فِي زَرْعِي فَأَفْسَدَهُ، فَلَعَلَّهُ خَافَ أنْ يَجِيءَ مِنْ أجْلِ ذلِكَ، قَالَ : وَحَسَّتْ نَفْسُ آدَمَ، فَبَاتَ لَيْلَتَهُ تِلْكَ مَحْزُوناً، فَلَمَّا أصْبَحَ قَابيلُ غَدَا إلَى ذلِكَ الْمَوْضِعِ، فَإذا هُوَ بغُرَابٍ يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ عَلَى غُرَابٍ مَيِّتٍ لِيُواريَهُ). وَقِيْلَ : بعثَ اللهُ الغرابَ إكراماً لهابيل، وكان الغرابُ يحثِي الترابَ على هابيل ليُرِيَ قابيل كيف يُواريه ؛ أي كيف يغطِّي عورتَهُ. وفي الخبرِ : أنَّهُ لَمَّا قتله سلبَهُ ثيابه، وتركه عُرياناً. وَقِيلَ : أرادَ بالسَّوْءَةِ جسَدَ المقتولِ، سماه سَوْءَةً لأنه لَمَّا بقي على وجهِ الأرض تغيَّرَ وَنَتَنَ، والسوءَةُ في اللغة : عبارةٌ عن كل شيء مستنكرٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ ؛ الخاسرين، أي صارَ من المغبونِين بالوزر والعقوبة. قال الكلبيُّ :(كَانَ قَابيلُ أوَّلَ مَنْ عَصَى اللهَ فِي الأَرْضِ مِنْ ولْدِ آدَمَ، وَهُوَ أوَّلُ مَنْ يُسَاقُ إلَى النَّارِ). وقال مقاتلُ :(كَانَ قَبْلَ ذلِكَ تَسْتَأْنِسُ الطُّيُورُ وَالسِّبَاعُ وَالْوُحُوشُ بهِ، فَلَمَّا قَتَلَ قَابيلَ نَفَرُواْ، فَلَحِقَتِ الطُّيُورُ بالْهَواءِ ؛ وَالْوُحُوشُ بالْبَرِّيَّةِ ؛ وَالسِّبَاعُ فالفيَافِي وشَاكَ الشَّجَرُ، وَتَغَيَّرَتِ الأَطْعِمَةُ وَحَمِضَتِ الْفَوَاكِهُ وَاغْبَرَّتِ الأَرْضُ).

المائدة 5:30

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ ؛ أي قال هابيلُ لقابيلَ : إنْ كُنْتَ تريدُ قتلي فلا تَرْجِعْ عنهُ، فَإنِّي أريدُ أن ترجعَ إلى اللهِ بإثْمِ دَمِي وإثمِ ذنْبكَ الذي مِن أجْلهِ لم يُتَقَبَّلُ قربانُكَ، ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ ؛ في الآخرةِ ؛ ﴿وَذَلِكَ جَزَآءُ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ أي وذلكَ عقوبةُ مَن لَمْ يَرْضَ بحكمِ اللهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ؛ أي طَاوَعَتْهُ نفسهُ، وَقِيْلَ : زَيَّنَتْ لهُ قَتْلَهُ فَقَتَلَهُ. قال السُّدِّيُّ :(لََمَّا قَصَدَ قَابيْلُ قَتْلَ هَابيْلُ أتَاهُ فِي رَأسِ جَبَلٍ وَهُوَ نَائِمٌ وَغَنَمُهُ تَرْعَى، فَأَخَذ صَخْرَةً فَشَدَخَ بهَا رَأسَهُ فَمَاتَ). وقال الضحَّاك :(كَانَ قَابيْلُ لاَ يَدْرِي كَيْفَ يَقْتُلُهُ حَتَّى جَاءَ إبْلِيْسُ وَبيَدِهِ حَيَّةٌ فَوَضَعَهَا بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَرَضَخَ رَأسَهَا بالْحَجَرِ وَقَابيلُ يَنْظُرُ، فَلَمَا نَظَرَ ذلِكَ جَاءَ إلَى هَابيلَ فَلَمْ يَزَلْ يَضْرِبُ بالْحِجَارَةِ عَلَى رَأسِهِ حَتَّى قَتَلَهُ، وَكَانَ لِهَابيلَ يَوْمَ قُتِلَ عُشْرُونَ سَنَةً). واختلفوا في موضعِ قتله، قِيْلَ : قُتِلَ على جبلِ ثور. وقِيْلَ : بالبصرةِ. فلمَّا مات هابيلُ قصَدتْهُ السِّباعُ لتأكلَهُ، فحملَهُ قابيلُُ على ظهرهِ حتى انتنَّ ريحهُ، فعكفَ الطُّيور والسِّباع حوالَيهِ تنتظرُ متى يُرمَي به فتأكلَهُ، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ ؛ فبعثَ الله غُرابين فاقتَتلا، فقَتل أحدُهما صاحبه، ثم حفرَ له بمنقارهِ ورجله، ثم ألقاهُ في الحفيرةِ ووارَاهُ، وقابيلُ ينتظرُ إليه فـ ؛ ﴿قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـاذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾. وعن ابنِ عباس قالَ :(لَمَّا قَتَلَ قَابيلُ هَابيلَ رَجَعَ إلَى أبيهِ قَبْلَ أنْ يَدْفِنَهُ، فَلَمَّا أبْطَأَ هَابيلُ قالَ آدَمُ عليه السلام : يَا قَابيلُ أينَ أخُوكَ ؟ قالَ : مَا رَأيْتُهُ ؛ وَكَأَنَّنِي بهِ أرْسَلَ غَنَمَهُ فِي زَرْعِي فَأَفْسَدَهُ، فَلَعَلَّهُ خَافَ أنْ يَجِيءَ مِنْ أجْلِ ذلِكَ، قَالَ : وَحَسَّتْ نَفْسُ آدَمَ، فَبَاتَ لَيْلَتَهُ تِلْكَ مَحْزُوناً، فَلَمَّا أصْبَحَ قَابيلُ غَدَا إلَى ذلِكَ الْمَوْضِعِ، فَإذا هُوَ بغُرَابٍ يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ عَلَى غُرَابٍ مَيِّتٍ لِيُواريَهُ). وَقِيْلَ : بعثَ اللهُ الغرابَ إكراماً لهابيل، وكان الغرابُ يحثِي الترابَ على هابيل ليُرِيَ قابيل كيف يُواريه ؛ أي كيف يغطِّي عورتَهُ. وفي الخبرِ : أنَّهُ لَمَّا قتله سلبَهُ ثيابه، وتركه عُرياناً. وَقِيلَ : أرادَ بالسَّوْءَةِ جسَدَ المقتولِ، سماه سَوْءَةً لأنه لَمَّا بقي على وجهِ الأرض تغيَّرَ وَنَتَنَ، والسوءَةُ في اللغة : عبارةٌ عن كل شيء مستنكرٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ ؛ الخاسرين، أي صارَ من المغبونِين بالوزر والعقوبة. قال الكلبيُّ :(كَانَ قَابيلُ أوَّلَ مَنْ عَصَى اللهَ فِي الأَرْضِ مِنْ ولْدِ آدَمَ، وَهُوَ أوَّلُ مَنْ يُسَاقُ إلَى النَّارِ). وقال مقاتلُ :(كَانَ قَبْلَ ذلِكَ تَسْتَأْنِسُ الطُّيُورُ وَالسِّبَاعُ وَالْوُحُوشُ بهِ، فَلَمَّا قَتَلَ قَابيلَ نَفَرُواْ، فَلَحِقَتِ الطُّيُورُ بالْهَواءِ ؛ وَالْوُحُوشُ بالْبَرِّيَّةِ ؛ وَالسِّبَاعُ فالفيَافِي وشَاكَ الشَّجَرُ، وَتَغَيَّرَتِ الأَطْعِمَةُ وَحَمِضَتِ الْفَوَاكِهُ وَاغْبَرَّتِ الأَرْضُ).

المائدة 5:31

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ ؛ أي قال هابيلُ لقابيلَ : إنْ كُنْتَ تريدُ قتلي فلا تَرْجِعْ عنهُ، فَإنِّي أريدُ أن ترجعَ إلى اللهِ بإثْمِ دَمِي وإثمِ ذنْبكَ الذي مِن أجْلهِ لم يُتَقَبَّلُ قربانُكَ، ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ ؛ في الآخرةِ ؛ ﴿وَذَلِكَ جَزَآءُ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ أي وذلكَ عقوبةُ مَن لَمْ يَرْضَ بحكمِ اللهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ؛ أي طَاوَعَتْهُ نفسهُ، وَقِيْلَ : زَيَّنَتْ لهُ قَتْلَهُ فَقَتَلَهُ. قال السُّدِّيُّ :(لََمَّا قَصَدَ قَابيْلُ قَتْلَ هَابيْلُ أتَاهُ فِي رَأسِ جَبَلٍ وَهُوَ نَائِمٌ وَغَنَمُهُ تَرْعَى، فَأَخَذ صَخْرَةً فَشَدَخَ بهَا رَأسَهُ فَمَاتَ). وقال الضحَّاك :(كَانَ قَابيْلُ لاَ يَدْرِي كَيْفَ يَقْتُلُهُ حَتَّى جَاءَ إبْلِيْسُ وَبيَدِهِ حَيَّةٌ فَوَضَعَهَا بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَرَضَخَ رَأسَهَا بالْحَجَرِ وَقَابيلُ يَنْظُرُ، فَلَمَا نَظَرَ ذلِكَ جَاءَ إلَى هَابيلَ فَلَمْ يَزَلْ يَضْرِبُ بالْحِجَارَةِ عَلَى رَأسِهِ حَتَّى قَتَلَهُ، وَكَانَ لِهَابيلَ يَوْمَ قُتِلَ عُشْرُونَ سَنَةً). واختلفوا في موضعِ قتله، قِيْلَ : قُتِلَ على جبلِ ثور. وقِيْلَ : بالبصرةِ. فلمَّا مات هابيلُ قصَدتْهُ السِّباعُ لتأكلَهُ، فحملَهُ قابيلُُ على ظهرهِ حتى انتنَّ ريحهُ، فعكفَ الطُّيور والسِّباع حوالَيهِ تنتظرُ متى يُرمَي به فتأكلَهُ، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ ؛ فبعثَ الله غُرابين فاقتَتلا، فقَتل أحدُهما صاحبه، ثم حفرَ له بمنقارهِ ورجله، ثم ألقاهُ في الحفيرةِ ووارَاهُ، وقابيلُ ينتظرُ إليه فـ ؛ ﴿قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـاذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾. وعن ابنِ عباس قالَ :(لَمَّا قَتَلَ قَابيلُ هَابيلَ رَجَعَ إلَى أبيهِ قَبْلَ أنْ يَدْفِنَهُ، فَلَمَّا أبْطَأَ هَابيلُ قالَ آدَمُ عليه السلام : يَا قَابيلُ أينَ أخُوكَ ؟ قالَ : مَا رَأيْتُهُ ؛ وَكَأَنَّنِي بهِ أرْسَلَ غَنَمَهُ فِي زَرْعِي فَأَفْسَدَهُ، فَلَعَلَّهُ خَافَ أنْ يَجِيءَ مِنْ أجْلِ ذلِكَ، قَالَ : وَحَسَّتْ نَفْسُ آدَمَ، فَبَاتَ لَيْلَتَهُ تِلْكَ مَحْزُوناً، فَلَمَّا أصْبَحَ قَابيلُ غَدَا إلَى ذلِكَ الْمَوْضِعِ، فَإذا هُوَ بغُرَابٍ يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ عَلَى غُرَابٍ مَيِّتٍ لِيُواريَهُ). وَقِيْلَ : بعثَ اللهُ الغرابَ إكراماً لهابيل، وكان الغرابُ يحثِي الترابَ على هابيل ليُرِيَ قابيل كيف يُواريه ؛ أي كيف يغطِّي عورتَهُ. وفي الخبرِ : أنَّهُ لَمَّا قتله سلبَهُ ثيابه، وتركه عُرياناً. وَقِيلَ : أرادَ بالسَّوْءَةِ جسَدَ المقتولِ، سماه سَوْءَةً لأنه لَمَّا بقي على وجهِ الأرض تغيَّرَ وَنَتَنَ، والسوءَةُ في اللغة : عبارةٌ عن كل شيء مستنكرٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ ؛ الخاسرين، أي صارَ من المغبونِين بالوزر والعقوبة. قال الكلبيُّ :(كَانَ قَابيلُ أوَّلَ مَنْ عَصَى اللهَ فِي الأَرْضِ مِنْ ولْدِ آدَمَ، وَهُوَ أوَّلُ مَنْ يُسَاقُ إلَى النَّارِ). وقال مقاتلُ :(كَانَ قَبْلَ ذلِكَ تَسْتَأْنِسُ الطُّيُورُ وَالسِّبَاعُ وَالْوُحُوشُ بهِ، فَلَمَّا قَتَلَ قَابيلَ نَفَرُواْ، فَلَحِقَتِ الطُّيُورُ بالْهَواءِ ؛ وَالْوُحُوشُ بالْبَرِّيَّةِ ؛ وَالسِّبَاعُ فالفيَافِي وشَاكَ الشَّجَرُ، وَتَغَيَّرَتِ الأَطْعِمَةُ وَحَمِضَتِ الْفَوَاكِهُ وَاغْبَرَّتِ الأَرْضُ).

المائدة 5:32

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ؛ أي من أجلِ ذلك القتلِ الذي عرفَهُ بنو إسرائيل واشتهرَ عندهم، فرَضْنَا وأوجَبنا عليهم في التَّوراة :﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ ؛ أي من غيرِ أن يجبَ عليه القَوْدُ، ﴿أَوْ﴾ ؛ بغَيرِ ؛ ﴿فَسَادٍ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ نحوَ الشِّرك وقطعِ الطريق والزِّنا عند الإحصان، ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾ ؛ أي استوجبَ النار بقتلِ النفس الواحدة، كما يستوجبُها مَن قَتَلَ الناس جميعاً، وَقِيْلَ : معناهُ : إنَّ على الناس كلهم معونةُ ولِيِّ القتيلِ حتى يفتدوهُ، ويكونوا كلُّهم خَصماً للقاتلِ حتى يُقَادَ. وَقِيْلَ : إن المرادَ به استحقاقُ القتلِ عليه بقتلِ النفس الواحدة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ ؛ أي من استنقذ نفساً من غَرَقٍ أو من حَرْقٍ أو مما يُميتها لا محالةَ، أو استنقذها من كفرٍ أو ضلالة فأحياها بالنعيمِ الدائم في الجنَّة، أو عفَى عن دمها بعد ما وجبَ عليها القصاصُ استوجبَ الجنَّة، كما استوجبَها مَن أحيَا الناس جميعاً. وعن ابنِ عبَّاس قالَ : قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ :" مَنْ سَقَا مُؤْمِناً شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ وَالْمَاءُ مَوْجُودٌ فَكَأَنَّمَا أعْتَقَ سَبْعِينَ رَقَبَةً، وَمَنْ سَقَاهَا فِي غَيْرِ مَوْطِنِهَا فَكَأَنَّمَا أحْيَا نَفْساً، وَمَنْ أحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً " قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالّبَيِّنَاتِ﴾ ؛ أي لقد جاءت بني إسرائيلَ رسُلنا بالأوامر والنواهِي والعلامات الواضِحات، ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ﴾ ؛ بعدَ أن جاءَتهم الدلائلُ والمعجزات، ﴿فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ ؛ مُشرِكون تاركُو أمرَ اللهِ تعالى.

المائدة 5:33

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّمَا جَزَآءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَادَعَ أبَا بُرْدَةَ هِلاَلَ بْنَ عُوَيْمِرَ الأَسْلَمِيُّ :" عَلَى أنْ لاَ يُعِيِنَهُ وَلاَ يُعَِينَ عَلَيْهِ، وَمَنْ أتَاهُ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أمَّنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ مَرَّ بهِلاَلِ بْنِ عُوَيْمِرَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَهُوَ آمِنٌ " فَمَرَّ قَوْمٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُرِيدُونَ الإسْلاَمَ عَلَى قَوْمٍ مِمَّنْ أسْلَمَ مِنْ قَوْمِ هِلاَلٍ، وَلَمْ يَكُنْ هِلاَلٌ يَوْمَئِذٍ حَاضِراً، فَخَرَجَ أصْحَابُهُ إلَيْهِمْ فَقَتَلُوهُمْ وَأخَذُوا أمْوَالَهُمْ، فَبَلَغَ ذلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللهُ فِيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ). ومعناها :(إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَاربُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ) الفَسَاد نحو القتلِ والنَّهب والتخريب وقطع الطريقِ ﴿أَن يُقَتَّلُواْ﴾ إنْ قتَلُوا أحداً ولم يأخذُوا المالَ ﴿أَوْ يُصَلَّبُواْ﴾ مقتُولين إن قتَلُوا وأخذُوا المالَ، ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ﴾ اليدُ اليمين من الرِّسغ، والرِّجل اليُسرى من الكعب إن أخَذُوا المالَ ولم يقتُلوا أحَداً، ﴿أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ إن أخَافُوا الطريقَ ولم يفعَلُوا سِوَى ذلك. واختلَفُوا في معنى النَّفي، قال بعضُهم : يعني الحبسَ، وقال بعضُهم : هو الطلبُ حتى لا يستقرَّ بهم مكانٌ. والتوفيقُ بين القولَين : أنَّهم إنْ أخِذُوا بعد ما أخَافُوا الطريقَ ؛ أودعَهم الإمامُ السِّجن حتى يتوبُوا أو يموتوا، وإنْ لم يُؤخَذوا أمَرَ بطلبهم، وأمرَ أن يُنادى في الناسِ : أنَّ مَن قتلَهم لا سبيلَ عليه. وإنما سُمي الحبسُ نَفياً ؛ لأنه يمنعُ المحبوسين من التردُّد والتصرُّف في الأرضِ، ويكون ذلك بمنزلةِ النَّفيِ من الأرض. واختلَفُوا في كيفيَّة الصَّلب مع القتلِ. قال أبو حَنيفة :(يُصْلَبُ حَيّاً لِيَرَى النَّاسَ وَيَرَوهُ ؛ وَيَكُونُ ذلِكَ زيَادَةً عُقُوبَةٍ لَهُ، ثُمَّ تُبْعَجُ بَطْنُهُ بالرُّمْحِ ؛ يُطْعَنُ فِي خَاصِرَتِهِ حَتَّى يَمُوتَ). وقال أبو يُوسف والشافعيُّ :(يُقْتَلُ ثُمَّ يُصْلَبُ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ ؛ أي فضيحةٌ في الدنيا، ﴿وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ؛ أعظَمُ من هذا. وقال مقاتلُ وسعيد بن جُبير :(نَزلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي قَوْمٍ مِنْ بَنِي عُرَيْنَةَ، قَدِمُوا الْمَدِيْنَةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَايَعُوهُ عَلَى الإسْلاَمِ، وَهُمْ كَذبَةٌ وَلَيْسَ يُرِيدُونَ الإسْلاَمَ، فَاجْتَوَواْ الْمَدِيْنَةَ وَعَظُمَتْ بُطُونُهُمْ وَاصْفَرَّتْ وُجُوهُهُمْ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَخْرُجُوا إلَى إبلِ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُواْ مِنْ أبْوَالِهَا وَألْبَانِهَا، فَفَعَلُوا ذلِكَ حَتَّى صَحُّوا، ثُمَّ قَتَلُوا الرُّعَاةَ وَاسْتَاقُوا الإبِلَ وَارْتَدُّواْ عَنِ الإسْلاَمِ. فَصَاحَ الصَّائِحُ : يَا خَيْلَ اللهِ ارْكَبي. فََرَكِبُوا لاَ يَنْتَظِرُ فَارسٌ فَارساً، فَأَسْرَعُوا فِي طَلَبهِمْ، وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أبي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ فِي طَلَبهِمْ، فَجَاءوا بهِمْ، فَقَطََّعَ أيْدِيَهُمْ وَأرْجُلَهُمْ مِنْ خِلاَفٍ، وَسَمَّلَ أعْيُنَهُمْ، وَتَرَكَهُمْ بالْحَيَاةِ حَتَّى مَاتُواْ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَصَارَتْ عَامَّةً فِي قُطَّاعِ الطُّرُقِ نَاسِخَةً لِتَسْمِيلِ الْعَيْنِ). وقال الليثُ بنُ سعدٍ :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُعَاتِبَةً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَتَعْلِيماً لَهُمْ عُقُوبَتَهُمْ، فَقَالَ تَعَالَى :﴿إِنَّمَا جَزَآءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ﴾ وَلَمْ يَكُنْ جَزَاؤُهُمْ هَذِهِ الْمُثْلَةَ الَّتِي هِيَ السَّمْلُ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ خَطِيباً وَنَهَى عَنِ الْمُثْلَةِ).

المائدة 5:34

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ معناهُ : أن يُقتَّلوا أو يُصَلَّبوا إلاَّ الذين تَابُوا من قطعِ الطَّريق من قبلِ أن يقدرَ عليهم الإمامُ، ﴿فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ ؛ لعبادهِ، ﴿رَّحِيمٌ﴾ ؛ بهم بعدَ التوبةِ. روى الشعبيُّ :(أنَّ حَارثَةَ بْنَ زَيْدٍ خَرَجَ مُحَارباً فِي عَهْدِ عَلِيٍّ رضي الله عنه، فَأَخَافَ السُّبُلَ وَسَفَكَ الدِّمَاءَ وَأخَذ الأَمْوَالَ، ثُمَّ جَاءَ تَائِباً فَأَتَى الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَطَلَبَ إلَيْهِ أنْ يَسْتَأْمِنَ لَهُ عَلِياً كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ فَأَبَى، فَأَتَى عَبْدَاللهِ بْنَ جَعْفَرَ فَأَبَى عَلَيْهِ، فَأَتَى سَعْدَ بْنَ قَيْسٍ الْهَمَدَانِيَّ فَقَبلَهُ وَضَمَّهُ إلَيْهِ، فَلَمَّا صَلَّى عَلِيٌّ رضي الله عنه صَلاَةَ الْغَدَاةِ، أتَى سَعْدُ بْنُ قَيْسٍ الْهَمَدَانِيُّ وَقَالَ : يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنِيْنَ ؛ مَا جَزَاءُ الَّّذِينَ يُحَاربُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ ؟ قَالَ : أنْ يُقَتَّلُواْ أوْ يُصَلَّبُواْ أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيَهُمْ وَأرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ. قَالَ : مَا تَقُولُ فِيْمَنْ تَابَ مِنْ قَبْلِ أنْ تَقْدِرَ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : أقُولُ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿إلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فَقَالَ سَعْدُ بْنُ قَيْسٍ : وَإنْ كَانَ حَارثَةَ بْنَ زَيْدٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ، فَجَاءَ بهِ إلَيْهِ، فَبَايَعَهُ وَأمَّنَهُ وَكَتَبَ لَهُ أمَاناً مَنْشُوراً، فَقَالَ حَارثَةُ : ألاَ أبْلِغَنَّ هَمَدَان إمَّا لَقِيتَهَا عَلَى النَّأْي لاَ يَسْلَمْ عَدُوٌّ يَعِيبُهَالَعَمْرُو أبيهَا إنَّ هَمَدَانَ تَتَّقِى الـ إلَهَ وَيَقْضِى بالكِتَاب خَطِيبُهَا

المائدة 5:35

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ؛ أي يا أيُّها الذين آمَنوا اخشَوا عذابَ الله واحذرُوا معاصيَهُ، واطلبُوا إليه القربةَ بالأعمالِ الصالحة، ﴿وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ﴾ ؛ أعداءَ الله في طاعتهِ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ؛ أي لعلَّكم تظفَرُون بعدوِّكم في الدنيا، وتنجُوا من النار في العُقبى. والوسيلةُ : القُرْبَةُ : وهي فَعِيلَةٌ من : توَسَّل إلى فلانٍ بكَذا ؛ أي تقرَّبَ إليه، وجمعُها وسَائِلُ. قال الشاعرُ : إذا غَفِلَ الْوَاشُونَ عُدْنَا لِوَصْلِنَا وَعَادَ التَّصَافِى بَيْنَنَا وَالْوَسَائِلُوقَال عطاءُ :(الْوَسِيْلَةُ : أفْضَلُ دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ)، قال ﷺ :" سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيْلَةَ، فَإنَّهَا دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ لاَ يَنَالُهَا إلاَّ عَبْدٌ وَاحِدٌ، وَأرْجُو مِنَ اللهِ أنْ أكُونَ أنَا هُوَ "

المائدة 5:36

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ ؛ وفي الآية إزالةُ طَمَعِ الكفَّار عن التخلُّص من عذاب الآخرة، يقول : لو مَاتُوا على الكفرِ، وكان لهم ما في الأرضِ جميعاً من الأموالِ بأَسرِها وضعفهُ معَهُ ليَشتروا به أنفسهم من عذاب الله ما تُقُبلَ ذلكَ الفداءُ منهم لو فادوا، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ وجيعٌ يخلُصُ وجعهُ إلى قلوبهم.

المائدة 5:37

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ ؛ قِيْلَ : معناهُ : كلَّما رفعَتهُم النارُ بلَهَبهَا يتمنُّوا أن يخرجوا منها، يقولُ الله تعالى :﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ دائمٌ لا ينقطعُ.

المائدة 5:38

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَتْ فِي طُعْمَةَ بْنِ أبَيْرِقَ سَارقِ الدِّرْعِ) وقد مضت قصَّتهُ في سورةِ النساء، ثم صارت عامَّة في جميعِ الناس. ومعنى الآية : والسارقُ من الرجالِ والسارقةُ من النِّساء فاقطَعُوا أيدِيَهُما أي إيمانِهِمَا كذا تأوَّلَهُ ابنُ عباس. وفي قراءةِ ابن مسعود :(فَاقْطَعُواْ أيْمَانَهُمَا). وقرأ عيسى بن عمر :(وَالسَّارقَ وَالسَّارقَةَ) بالنصب على إضمار اقطَعُوا السارقَ والسارقةَ، كما تقولُ : زَيداً اضرِبهُ، والقراءة المختارةُ : الرفعُ ؛ لأن القطعَ على الأيدِي لا على السارقِ. وقال المبرِّدُ :(لَيْسَ الْقَصْدُ مِنَ الْكَلاَمِ إلَى وَاحِدٍ بعَيْنِهِ، وَإنَّمَا مَعْنَاهُ : مَنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، بِخِلاَفِ قَوْلِكَ : زَيْداً اضْرِبْهُ. وَلَوْ أرَادَ سَارقاً بعَيْنِهِ لَكَانَ وَجْهُ الْكَلاَمِ النَّصْبَ). وعلى هذا قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا﴾[النور: ٢] ولو أرادَ زانياً بعينهِ لنصبَ. وإنما ذكرَ أيديَهُما بلفظِ الجمع ؛ لأنه أرادَ أيْمانَهُما ؛ لأنَّ ما كان واحداً فَبَيَّنَهُ بلفظِ الجمع والإضافةِ إلى الاثنين، ومثلُ ذلكَ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾[التحريم: ٤]، والإضافةُ إلى الاثنينِ يدلُّ على أن المرادَ به التثنيةُ دونَ الجمعِ. فإن قِيْلَ : لأيِّ معنى قدَّمَ اللهُ ذكرَ السارقِ على السَّارقة، وقدَّمَ ذكرَ الزانيةِ على الزانِي ؟ قِيْلَ : لأنَّ السرقةَ في الرجالِ أكثرُ، والنساءُ هي أصلُ الفتنةِ للرجال بالتعريضِ لهم، ولو لَزِمَتِ المرأةُ بيتَها كما أمرَ اللهُ تعالى لم تقَعْ هي، ولا الرجالُ في الزِّنا. واختلفوا في كم تقطَعُ يدُ السارقِ من المال إذا سرقَهُ، فقال بعضُهم : في عشرةِ دراهمَ فصاعداً، ولا يقطعُ فيما دون ذلك، وإليه ذهبَ أبو حنيفةَ وأصحابهُ، وكان سُليمان بن يسار لا يقطعُ الخمسَ إلاَّ في خمسةِ دراهمَ. وقال مالكُ :(يُقْطَعُ فِي ثَلاثَةِ دَرَاهِمَ فَصَاعِداً)، وقال الأوزاعيُّ والشافعي :(يُقْطَعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِداً). وقال بعضُهم : يقطع في القليلِ والكثير ولو كان دَانِقاً، وهو قولُ ابنِ عبَّاس. وقال بعضُهم : في درهمٍ. ولو قطعَ السارقُ ثم عادَ فسرقَ، قُطعت رجلهُ اليُسرَى، فإن سرقَ ثالثاً قال أبو حنيفةَ وأصحابهُ :(لاَ يُقْطَعُ، لِمَا رُويَ أنَّ عَلِيّاً كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ أتِيَ بسَارقٍ فَقَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ أتِيَ بهِ مَرَّةً أخْرَى فَقَطَعَ رجْلَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ أتِيَ بهِ ثَالِثَةً فَضَرَبَهُ وَحَبَسَهُ وَقَالَ : إنِّي أسْتَحِي مِنَ اللهِ أنْ لاَ أدَعَ لَهُ يَداً يَسْتَنْجِي بهَا وَلاَ رجْلاً يَمْشِي بَها). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿جَزَآءً بِمَا كَسَبَا﴾ ؛ أي عقوبةً على ما فعَلاَ، وانتصبَ (جَزَاءً) لأنه مفعولٌ له، كأنه قالَ : فاقطَعُوهما لجزاءِ فعلهِما. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ﴾ ؛ أي عقوبةً وفضيحة من اللهِ. والنَّكَالُ : هو أن يُنَكَّلَ بهِ ليعتبرَ به غيرهُ فَيَنْكَلَ ؛ أي لا يفعلَ مثلَ فعلهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ؛ أي منيعٌ بالنِّقمة من السارقِ، ذو حِكمة فيما حكمَ من القطعِ لما في ذلك من زَجْرِِ السَّارق عن غيِّهم صيانةً لأموالِ الناس.

المائدة 5:39

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ ؛ أي من تاب من السراق من بعد سرقته وأصلح العمل فيما بينه وبين الله تعالى، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ ؛ أي يتجاوزُ عنه ولا يؤاخذهُ في الآخرةِ، ولا تقطعُ يده إذا ردَّ المالَ قبل المرافعةِ إلى الحاكمِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ بمن ماتَ على التوبةِ. وأما إذا رُفع إلى الحاكمِ ثم تابَ فالقطعُ واجبٌ، فإنْ كانت توبتهُ حقيقةً كان ذلك زيادةَ درجاتٍ له، كما أنَّ الله تعالى ابتلَى الصالحين والأنبياءَ بالبلايا والْمِحَنِ والأمراضِ زيادةً لهم في درجاتِهم، وإنْ لم تكن توبتهُ حقيقةً كان الحدُّ عقوبةً له على ذنبهِ، وهو مؤاخَذٌ في الآخرةِ إن لم يتُبْ. وعن عبدِالله بن عامر قال :" سَرَقَتِ اْمَرَأةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَجَاءُوا بهَا إلَيْهِ، قَالُواْ : يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ سَرَقَتْنَا، فَقَالَ قَوْمُهَا : نَحْنُ نَفْدِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" اقْطَعُوا يَدَهَا " قَالُواْ : نَحْنُ نَفْدِيهَا بِخَمْسِمِائَةِ مِثْقَالٍ، فَقَالَ :" اقْطَعُوا يَدَهَا " فَقُطِعَتْ يَدُهَا الْيُمْنَى، فَقَالَتِ الْمَرْأةُ : هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ :" نَعَمْ إنَّ التَّوْبَةَ تُخْرِجُكِ عَنْ خَطِيئَتِكِ كَيَوْمِ وَلَدَتْكِ أمَّكِ " فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾. وعن عائشةَ قالت :" كَانَتِ امْرَأةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيْرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بقَطْعِ يَدِهَا، فَأَتَى أهْلُهَا أسَامَةَ فَكَلَّمُوهُ، فَكَلَّمَ النَّبيَّ ﷺ فَقَالَ :" يَا أُسَامَةُ لاَ أرَاكَ تُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ " ثُمَّ قَامَ خَطِيباً فَقَالَ :" إنَّمَا هَلَكَ مَنْ قَبْلَكُمْ بأَنَّهُمْ كَانُوا إذا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإذا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُ يَدَهَا " أعَاذهَا اللهُ مِنْ ذلِكَ، فَقَطَعَ يَدَ الْمَخْزُومِيَّةِ.

المائدة 5:40

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي له القدرةُ على أهلِ السَّموات والأرضِ، والخطابُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ ؛ أي يعذِّبُ مَنْ يشاءُ على الذنب الصغير وهو عدلٌ منه، ويغفرُ لِمَنْ يشاءُ الذنبَ العظيمَ وهو فضلٌ منه ؛ أي يعذِّبُ من توجبُ الحكمة تعذيبَهُ، ويغفرُ لمن توجبُ الحكمة مغفرتَهُ، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقولهُ تعالى :﴿ياأَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ ؛ أي لا يحزِنُكَ يا مُحَمَّدُ فعلُ الذين يسارعُ بعضهم بعضاً في الإقامةِ على الكفرِ والحثِّ عليه. قرأ نافعُ :(يُحْزِنُكَ) بضمِّ الياء، ومعناهما واحدٌ. وقرأ السلميُّ :(يُسْرِعُونَ فِي الْكُفْرِ)، وقولهُ تعالى :﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ وهم المنافقون ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ﴾ ؛ أي ومن يهودِ المدينة الذين هم أهلُ الصُّلح للنبيِّ صلى الله عليه وسلم. وفي هذا تسليةٌ للنبيِّ ﷺ وتثبيتٌ لفؤادهِ بوعد النُّصرَةِ والظفرِ، وإعلامٌ أنَّ اليهود والنصارَى والمنافقين لا يضرُّونَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :" ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ؛ أي قابلون للكذب، يعني بني قُريظة هم سَمَّاعون لقومٍ آخَرين لم يأتُوكَ، يعني يهودَ خيبر، وذلك : أنَّ رَجُلاً وَامْرَأةً مِنْ أشْرَافِ أهْلِ خَيْبَرَ زَنَيَا، وَكَانَتْ خَيْبَرُ حَرْباً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ الزَّانِيَانِ مُحْصِنَيْنِ، وَكَانَ حَدَّهُمَا الرَّجْمُ فِي التَّوْرَاةِ، فَكَرِهَتِ الْيَهُودُ رَجْمَهُمَا لِشَرَفِهِمَا، وَقَالُواْ : إنَّ هَذا الرَّجُلَ الَّذِي فِي يَثْرِبَ لَيْسَ فِي كِتَابِهِ الرَّجْمُ وَلَكِنَّهُ الضَّرْبُ، فَأَرْسِلُوا إلَى إخْوَانِكُمْ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَإنَّهُمْ صُلْحٌ لَهُ وَجِيراَنُهُ فَيَسْأَلُونَهُ عَنْ ذلِكَ، فَبَعَثُوا رَهْطاً مِنْهُمْ مُسْتَخْفِينَ، وَقَالُواْ لَهُمْ : اسْأَلُوا مُحَمَّداً عَنِ الزَّانِيَينِ مُحْصِنَينِ مَا حَدُّهُمَا ؟ فَإنْ أمَرَكُمْ بالْجَلْدِ فَاقْبَلُواْ مِنْهُ، وَإنْ أمَرَكُمْ بالرَّجْمِ فَاحْذرُوهُ وَلاَ تَقْبَلُواْ مِنْهُ، وَأرْسَلُواْ الزَّانِيَيْنِ مَعَهُمْ. فَقَدِمَ الرَّهْطُ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، وَذَكَرُوا لَهُمْ ذلِكَ وَقَالُواْ : اسْأَلُوا لَنَا مُحَمَّداً عَنْ قَضَائِهِ، فَقَالَ لَهُمْ بَنُو قُرَيْظَةَ : إذاً وَاللهِ يَأْمُرُكُمْ بمَا تَكْرَهُونَ، ثُمَّ انْطَلَقَ مِنْهُمْ قَوْمٌ مِثْلُ كَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ وَكَعْب بْنِ أسَدٍ وَسَبْعَةَ بْنِ عُمَرَ وَمَالِكِ بْنِ الصَّيْفِ وَعَازُورَاءَ وَغَيْرُهُمْ، وَقَالُواْ : يَا مُحَمَّدُ أخْبرْنَا عَنِ الزَّانِيَةِ وَالزَّانِي إذا أحْصَنَا مَا حَدُّهُمَا وَكَيْفَ تَجِدُ فِي كِتابكَ ؟ فَقَالَ ﷺ :" وَهَلْ تَرْضَوْنَ بقَضَائِي فِي ذلِكَ ؟ " قَالُواْ : نَعَمْ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عليه السلام بالرَّجْمِ، فَأَخْبَرَهُمْ فَأَبَوا أنْ يَأْخُذُواْ بهِ. فَقَالَ جِبْرِيلُ عليه السلام : اجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ ابْنَ صُوريَّا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" هَلْ تَعْرِفُونَ شَابّاً مِنَ الرِّبيِّينَ أعْوَرَ سَكَنَ فَدَكْ ؟ " قَالُواْ : نَعَمْ، قَالَ :" فَأَيُّ رَجُلٍ هُوَ فِيْكُمْ ؟ " قَالُواْ : هُوَ أعْلَمُ مَنْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِنَ الْيَهُودِ بالتَّوْرَاةِ، قَالَ :" فَأَرْسِلُواْ لَهُ "، فَفَعَلُواْ، فَأَتَاهُمْ ابْنُ صُوريَّا، فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ :" أنْتَ ابْنُ صُوريَّا ؟ " قَالَ : نَعَمْ، قَالَ :" أنْتَ أعْلَمُ الْيَهُودِ ؟ " قَالَ : كَذلِكَ يَزْعُمُونَ، قَالَ :" أتَجْعَلُونَهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ؟ " قَالُواْ : نَعَمْ قَدْ رَضِينَا بهِ إذا رَضِيْتَ بهِ. فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ :" أنْشِدُكَ باللهِ الَّذِي لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ الْقَوِيُّ، إلَهُ بَنِي إسْرَائِيلَ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، وَالَّذِي فَلَقَ لَكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَاكُمْ وَأغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ، وَالَّذِي ظَلَّلَ عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ، وَأنْزَلَ عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، هَلْ تَجِدُونَ فِي كِتَابِكُمُ الرَّجْمَ عَلَى مَنْ أحْصَنَ ؟ " قَالَ ابْنُ صُوريَّا : نَعَمْ وَالَّذِي ذكَّرْتَنِي بهِ ؛ وَلَوْلاَ خِشْيَةَ أنْ تُحْرِقَنِي التَّوْرَاةُ إنْ كَذبْتُ أوْ غَيَّرْتُ لَمَا أعْرَفْتُ لَكَ، وَلَكِنْ كَيْفَ فِي كِتَابكَ يَا مُحَمَّدُ ؟ قَالَ :" إذا شَهِدَ أرْبَعَةٌ عُدُولٌ أنَّهُ أدْخَلَ فِيْهَا، كَمَا يَدْخُلُ الْمِيْلُ فِي الْمِكْحَلَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ "، قَالَ ابْنُ صُوريَّا : وَالَّذِي أنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى لَهَكَذا أنْزِلَ عَلَى مُوسَى. فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ : مَا أسْرَعَ مَا صَدَقْتَهُ، أمَا كُنْتَ لَمَّا أتَيْنَا عَلَيْكَ بأَهْلٍ وَمَا أنْتَ بأَعْلَمِنَا، فَقَالَ لَهُمْ : أنْشَدَنِي بالتَّوْرَاةِ، وَلَوْلاَ خِشْيَةَ التَّوْرَاةِ أنْ تُهْلِكَنِي لَمَا أخْبَرْتُهُ، وَخِفْتُ إنْ كَذبْتُهُ أنْ يَنْزِلَ بنَا عَذابٌ شَدِيدٌ. فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ برَجْمِ الْيَهُودِيَّين الزَّانِيَينِ، وَقَالَ :" أنَا أوَّلُ مَنْ يُحيْي سُنَّةً إذا أمَاتُوهَا "، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ فَلاَ يُخْبرُكُمْ بهِ. فَقَالَ ابْنُ صُوريَّا : أنْشِدُكَ باللهِ يَا مُحَمَّدُ أنْ تُخبرَنَا بالْكَثِيرِ الَّّذِي أمِرْتَ أنْ تَعْفُو عَنْهُ، فَأَعْرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ ابْنُ صُوريَّا : أخْبرْنَا عَنْ ثَلاَثِ خِصَالٍ، قَالَ :" مَا هُنَّ ؟ " قَالَ : أخْبرْنِي عَنْ نَوْمِكَ ؟ قَالَ :" تَنَامُ عَيْنَايَ وَقَلْبي يَقْظَانٌ "، قَالَ : صَدَقْتَ. قَالَ : فَأَخْبرْنِي عَنْ شَبَهِ الْوَلَدِ بأَبيهِ لَيْسَ فِيْهِ مِنْ شَبَهِ أمِّهِ شَيْءٌ، وَعَنْ شَبَهِ أمِّهِ لَيْسَ فِيْهِ مِنْ شَبَهِ أبيهِ شَيْءٌ، قَالَ :" أيُّهُمَا عَلاَ وَسَبَقَ مَاؤُهُ مَاءَ صَاحِبهِ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ "، قَالَ : صَدَقْتَ. فَأَسْلَمَ ابْنُ صُوريَّا حِينَئِذٍ وَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ مَنْ يَأْتِيكَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ بالْوَحْيِ ؟ قَالَ :" جِبْرِيْلُ " قَالَ : صِفْهُ لِي، قَالَ : فَوَصَفَهُ لَهُ النَّبيُّ ﷺ، فَقَالَ : أشْهَدُ أنَّهُ فِي التَّوْرَاةِ كَمَا قُلْتَ، وَإنَّكَ رَسُولُ اللهِ، فَلَمَّا أسْلَمَ ابْنُ صُوريَّا شَتَمُوهُ ".

المائدة 5:41

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي له القدرةُ على أهلِ السَّموات والأرضِ، والخطابُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ ؛ أي يعذِّبُ مَنْ يشاءُ على الذنب الصغير وهو عدلٌ منه، ويغفرُ لِمَنْ يشاءُ الذنبَ العظيمَ وهو فضلٌ منه ؛ أي يعذِّبُ من توجبُ الحكمة تعذيبَهُ، ويغفرُ لمن توجبُ الحكمة مغفرتَهُ، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقولهُ تعالى :﴿ياأَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ ؛ أي لا يحزِنُكَ يا مُحَمَّدُ فعلُ الذين يسارعُ بعضهم بعضاً في الإقامةِ على الكفرِ والحثِّ عليه. قرأ نافعُ :(يُحْزِنُكَ) بضمِّ الياء، ومعناهما واحدٌ. وقرأ السلميُّ :(يُسْرِعُونَ فِي الْكُفْرِ)، وقولهُ تعالى :﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ وهم المنافقون ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ﴾ ؛ أي ومن يهودِ المدينة الذين هم أهلُ الصُّلح للنبيِّ صلى الله عليه وسلم. وفي هذا تسليةٌ للنبيِّ ﷺ وتثبيتٌ لفؤادهِ بوعد النُّصرَةِ والظفرِ، وإعلامٌ أنَّ اليهود والنصارَى والمنافقين لا يضرُّونَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :" ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ؛ أي قابلون للكذب، يعني بني قُريظة هم سَمَّاعون لقومٍ آخَرين لم يأتُوكَ، يعني يهودَ خيبر، وذلك : أنَّ رَجُلاً وَامْرَأةً مِنْ أشْرَافِ أهْلِ خَيْبَرَ زَنَيَا، وَكَانَتْ خَيْبَرُ حَرْباً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ الزَّانِيَانِ مُحْصِنَيْنِ، وَكَانَ حَدَّهُمَا الرَّجْمُ فِي التَّوْرَاةِ، فَكَرِهَتِ الْيَهُودُ رَجْمَهُمَا لِشَرَفِهِمَا، وَقَالُواْ : إنَّ هَذا الرَّجُلَ الَّذِي فِي يَثْرِبَ لَيْسَ فِي كِتَابِهِ الرَّجْمُ وَلَكِنَّهُ الضَّرْبُ، فَأَرْسِلُوا إلَى إخْوَانِكُمْ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَإنَّهُمْ صُلْحٌ لَهُ وَجِيراَنُهُ فَيَسْأَلُونَهُ عَنْ ذلِكَ، فَبَعَثُوا رَهْطاً مِنْهُمْ مُسْتَخْفِينَ، وَقَالُواْ لَهُمْ : اسْأَلُوا مُحَمَّداً عَنِ الزَّانِيَينِ مُحْصِنَينِ مَا حَدُّهُمَا ؟ فَإنْ أمَرَكُمْ بالْجَلْدِ فَاقْبَلُواْ مِنْهُ، وَإنْ أمَرَكُمْ بالرَّجْمِ فَاحْذرُوهُ وَلاَ تَقْبَلُواْ مِنْهُ، وَأرْسَلُواْ الزَّانِيَيْنِ مَعَهُمْ. فَقَدِمَ الرَّهْطُ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، وَذَكَرُوا لَهُمْ ذلِكَ وَقَالُواْ : اسْأَلُوا لَنَا مُحَمَّداً عَنْ قَضَائِهِ، فَقَالَ لَهُمْ بَنُو قُرَيْظَةَ : إذاً وَاللهِ يَأْمُرُكُمْ بمَا تَكْرَهُونَ، ثُمَّ انْطَلَقَ مِنْهُمْ قَوْمٌ مِثْلُ كَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ وَكَعْب بْنِ أسَدٍ وَسَبْعَةَ بْنِ عُمَرَ وَمَالِكِ بْنِ الصَّيْفِ وَعَازُورَاءَ وَغَيْرُهُمْ، وَقَالُواْ : يَا مُحَمَّدُ أخْبرْنَا عَنِ الزَّانِيَةِ وَالزَّانِي إذا أحْصَنَا مَا حَدُّهُمَا وَكَيْفَ تَجِدُ فِي كِتابكَ ؟ فَقَالَ ﷺ :" وَهَلْ تَرْضَوْنَ بقَضَائِي فِي ذلِكَ ؟ " قَالُواْ : نَعَمْ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عليه السلام بالرَّجْمِ، فَأَخْبَرَهُمْ فَأَبَوا أنْ يَأْخُذُواْ بهِ. فَقَالَ جِبْرِيلُ عليه السلام : اجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ ابْنَ صُوريَّا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" هَلْ تَعْرِفُونَ شَابّاً مِنَ الرِّبيِّينَ أعْوَرَ سَكَنَ فَدَكْ ؟ " قَالُواْ : نَعَمْ، قَالَ :" فَأَيُّ رَجُلٍ هُوَ فِيْكُمْ ؟ " قَالُواْ : هُوَ أعْلَمُ مَنْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِنَ الْيَهُودِ بالتَّوْرَاةِ، قَالَ :" فَأَرْسِلُواْ لَهُ "، فَفَعَلُواْ، فَأَتَاهُمْ ابْنُ صُوريَّا، فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ :" أنْتَ ابْنُ صُوريَّا ؟ " قَالَ : نَعَمْ، قَالَ :" أنْتَ أعْلَمُ الْيَهُودِ ؟ " قَالَ : كَذلِكَ يَزْعُمُونَ، قَالَ :" أتَجْعَلُونَهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ؟ " قَالُواْ : نَعَمْ قَدْ رَضِينَا بهِ إذا رَضِيْتَ بهِ. فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ :" أنْشِدُكَ باللهِ الَّذِي لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ الْقَوِيُّ، إلَهُ بَنِي إسْرَائِيلَ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، وَالَّذِي فَلَقَ لَكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَاكُمْ وَأغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ، وَالَّذِي ظَلَّلَ عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ، وَأنْزَلَ عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، هَلْ تَجِدُونَ فِي كِتَابِكُمُ الرَّجْمَ عَلَى مَنْ أحْصَنَ ؟ " قَالَ ابْنُ صُوريَّا : نَعَمْ وَالَّذِي ذكَّرْتَنِي بهِ ؛ وَلَوْلاَ خِشْيَةَ أنْ تُحْرِقَنِي التَّوْرَاةُ إنْ كَذبْتُ أوْ غَيَّرْتُ لَمَا أعْرَفْتُ لَكَ، وَلَكِنْ كَيْفَ فِي كِتَابكَ يَا مُحَمَّدُ ؟ قَالَ :" إذا شَهِدَ أرْبَعَةٌ عُدُولٌ أنَّهُ أدْخَلَ فِيْهَا، كَمَا يَدْخُلُ الْمِيْلُ فِي الْمِكْحَلَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ "، قَالَ ابْنُ صُوريَّا : وَالَّذِي أنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى لَهَكَذا أنْزِلَ عَلَى مُوسَى. فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ : مَا أسْرَعَ مَا صَدَقْتَهُ، أمَا كُنْتَ لَمَّا أتَيْنَا عَلَيْكَ بأَهْلٍ وَمَا أنْتَ بأَعْلَمِنَا، فَقَالَ لَهُمْ : أنْشَدَنِي بالتَّوْرَاةِ، وَلَوْلاَ خِشْيَةَ التَّوْرَاةِ أنْ تُهْلِكَنِي لَمَا أخْبَرْتُهُ، وَخِفْتُ إنْ كَذبْتُهُ أنْ يَنْزِلَ بنَا عَذابٌ شَدِيدٌ. فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ برَجْمِ الْيَهُودِيَّين الزَّانِيَينِ، وَقَالَ :" أنَا أوَّلُ مَنْ يُحيْي سُنَّةً إذا أمَاتُوهَا "، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ فَلاَ يُخْبرُكُمْ بهِ. فَقَالَ ابْنُ صُوريَّا : أنْشِدُكَ باللهِ يَا مُحَمَّدُ أنْ تُخبرَنَا بالْكَثِيرِ الَّّذِي أمِرْتَ أنْ تَعْفُو عَنْهُ، فَأَعْرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ ابْنُ صُوريَّا : أخْبرْنَا عَنْ ثَلاَثِ خِصَالٍ، قَالَ :" مَا هُنَّ ؟ " قَالَ : أخْبرْنِي عَنْ نَوْمِكَ ؟ قَالَ :" تَنَامُ عَيْنَايَ وَقَلْبي يَقْظَانٌ "، قَالَ : صَدَقْتَ. قَالَ : فَأَخْبرْنِي عَنْ شَبَهِ الْوَلَدِ بأَبيهِ لَيْسَ فِيْهِ مِنْ شَبَهِ أمِّهِ شَيْءٌ، وَعَنْ شَبَهِ أمِّهِ لَيْسَ فِيْهِ مِنْ شَبَهِ أبيهِ شَيْءٌ، قَالَ :" أيُّهُمَا عَلاَ وَسَبَقَ مَاؤُهُ مَاءَ صَاحِبهِ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ "، قَالَ : صَدَقْتَ. فَأَسْلَمَ ابْنُ صُوريَّا حِينَئِذٍ وَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ مَنْ يَأْتِيكَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ بالْوَحْيِ ؟ قَالَ :" جِبْرِيْلُ " قَالَ : صِفْهُ لِي، قَالَ : فَوَصَفَهُ لَهُ النَّبيُّ ﷺ، فَقَالَ : أشْهَدُ أنَّهُ فِي التَّوْرَاةِ كَمَا قُلْتَ، وَإنَّكَ رَسُولُ اللهِ، فَلَمَّا أسْلَمَ ابْنُ صُوريَّا شَتَمُوهُ ".

المائدة 5:42

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ ؛ أوَّلُ هذه الآيةِ راجعٌ إلى صفةِ اليهود والمنافقين الذين سبقَ ذِكرُهم، والفائدةُ في إعادةِ وَصفِهم بسمَّاعِين للكذب : بيانُ أنَّهم إنما يستحقُّوا الخزيَ بإصرارهم على الكذب واستماعهِ، وضمِّهم إلى ذلك السُّحْتَ. واختلَفُوا في المرادِ بالسُّحْتِ، فقال ابنُ مسعودٍ والحسنُ :(أرَادَ بهِ الرِّشْوَةَ عَلَى الْحُكْمِ) وقال عليٌّ وأبو هريرةَ :(هُوَ الرِّشْوَةُ عَلَى الْحُكْمِ ؛ وَمَهْرُ الْبَغِيِّ ؛ وَعَسْبُ التَّيْسِ ؛ وَحُلْوَانُ الْكَاهِنِ ؛ وَثَمَنُ الْخَمْرِ). والسُّحْتُ : اسمٌ لما لا يَحِلُّ أخذهُ، وأصلُ السُّحتِ من الهلاكِ، يقال : سَحَتَهُ وَأسْحَتَهُ ؛ إذا اسْتَأْصَلَهُ، ومنهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾[طه: ٦١] أي يُهْلِكَكُمْ، وسُمِّيَ الحرامُ سُحتاً ؛ لأنه يؤدِّي إلى الهلاكِ والاستئصالِ. وعن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قالَ :" كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أوْلَى بهِ " قِيلَ : مَا السُّحْتُ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ :" الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ " وعن مسروقِ عن ابن مسعودٍ قال :((الرِّشْوَةُ سُحْتٌ، قُلْتُ لَهُ : فِي الْحُكْمِ ؟ قَالَ : لاَ ؛ ذاكَ الْكُفْرُ ؛ ثُمَّ قَرَأ ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَـائِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. وأرادَ بهذا استحلالَ الرِّشوة وجَحْدَ الحقِّ. والرشوةُ تنقسمُ على وجوهٍ ؛ منها : الرشوةُ على الحكمِ، وذلك حرامٌ على الرَّاشِي والمرتَشِي ؛ لأنه لا يخلُو إمَّا ليحكمَ له الحاكمُ بحقِّه، فيكون المرتشِي آخِذاً للأُجرةِ على أداءِ ما هو فرضٌ عليه، ويكون الرَّاشي مُحَاكِماً إلى مَن لا يصلحُ للحكمِ ولا ينفذُ حُكمه، وإما أنْ يرشِي فيقضِي له بما ليس له بحقٍّ، فيكون الإثمُ أعظمَ ويفسق الحاكمُ من وجهين، وكذلك المرتشي، والرَّائِشُ : أرادَ بالرائش الذي يمشِي بينهما. ومنها : الرشوةُ في غيرِ الحكم، كما رُوي عن وهب بن منبه :(أنَّهُ قِيْلَ لَهُ الرِّشْوَةُ حَرَامٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ ؟ قَالَ : إنَّمَا نَكْرَهُ أنْ تَرْشِي لِتُعْطَى مَا لَيْسَ لَكَ، أوْ تَدْفَعَ حَقّاً لَزِمَكَ، فَأَمَّا أنْ تَرْشِي لِتَدْفَعَ عَنْ دِينِكَ وَدَمِكَ وَمَالِكَ، فَلَيْسَ بَحَرامٍ، وَإنَّمَا الإثْمُ عَلَى الْقَابضِ). قرأ عاصمُ ونافع وحمزة وابن عامر :(للسُّحْتِ) بضم السين وجزمِ الحاء، وقرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائي بضمِّهما جميعاً، وقرأ أبو العبَّاس :(للسَّحْتِ) بفتح السِّين وجزم الحاء، وقرأ عُبيد بن عمر :(للسِّحْتِ) بكسر السين وجزم الحاء، وكلُّه بمعنى واحدٍ وهو الحرامُ. وَقِيْلَ : يقال رجلٌ مَسْحُوتُ المعِدَةِ ؛ إذا كَانَ أكُولاً لاَ يُلْفَى أبَداً إلاَّ جَائِعاً، قِيْلَ : نزَلت هذه الآيةُ في حكَّام اليهودِ كعب بن الأشرفِ وأمثالهِ، كانوا يرتَشُون ويقضُون لمن رشَاهُم. وعن الحسنِ في قوله :(سَمَّاعُونَ لِلْكَذِب أكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) قال :(ذلِكَ الْحُكَّامُ ؛ يَسْمَعُ كَذِبَهُ وَيَأْخُذُ رشْوَتَهُ، فَيَكُونُ الْحَاكِمُ قَدْ سَمِعَ الدَعْوَةَ الْكَاذِبَة وَيَأْكُلُ رشْوَتَهُ). ورُوي : أنَّ مسروقاً شَفَعَ لرجُلٍ في حاجةٍ، فأهدَى له جاريةً، فغضِبَ غَضباً شديداً وقال : لَوْ عَلِمْتُ أنَّكَ تَفْعَلُ هَذا مَا تَكَلَّمْتُ فِي حَاجَتِكَ وَلاَ أتَكَلَّمُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ حَاجَتِكَ، سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه : يَقُولُ :((مَنْ شَفَعَ فِي حَاجَةٍ لِيَرُدَّ بهَا حَقّاً أوْ يَدْفَعَ بهَا ظُلْماً فَأُهْدِيَ إِلَيْهِ شَيْءٌ فَهُوَ سُحْتٌ)، فَقِيلَ لَهُ : يَا أبَا عَبْدِالرَّحْمَنِ مَا كُنَّا نَرَى ذلِكَ إلاَّ أخْذ رشْوَةٍ عَلَى الحُكْمِ ؟ فَقَالَ :(الأَخْذُ عَلَى الْحُكْمِ كُفْرٌ، قَالَ اللهُ تَعَالَى :

المائدة 5:43

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ ؛ أي كيف يرضَون بحُكمِكَ وعندهم التوراةُ فيها حكمُ الرجمِ والقصاصِ وغير ذلك ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ﴾، يعرِضون عن العملِ بها، ﴿مِن بَعْدِ ذلِكَ﴾ ؛ من بعدِ البيان الذي في كتابهم، ﴿وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ ليسوا بمصدِّقين بما عندَهم، يزعُمون أنَّهم مؤمنون بالتوراةِ وهم كاذِبون. وفي هذه الآية بيانٌ على أنَّ هؤلاء اليهود كانوا لا يحكِّمون النبيَّ ﷺ بحكم رضًى وانقيادٍ، ولولا طلبُهم الترخُّص واتِّباع ما لا يُغني في كتابهم لما جَاءوه.

المائدة 5:44

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾ ؛ أي إنَّا أنزَلنا التوراةَ على موسى فيها بيانٌ من الضَّلالة ونُورٌ لمن آمَنَ به، يقضي بها النبيُّون الذين أخلَصُوا، وهذه صفةُ الأنبياءِ ؛ لا أن فيهم مَن لم يخلِصْ، كما يقال : صلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ وعلى آلهِ الطيّبين، لا يرادُ بذلك أنَّ في أهلهِ غيرَ طيِّب. والمرادُ بالنبيِّين مُوسَى وعيسى ومُحَمَّدٍ ﷺ وغيرُهم من الذين كانوا من وقتِ موسى إلى وقت نبيِّنا عليهم السَّلامُ. ويقال أرادَ بالنَّبيِّين مُحَمَّداً ﷺ فإنه كان كالنائب عن أنبياء بني إسرائيلَ في أنْ يحكُمَ في الزِّنا بينهم بحُكمِ التوراةِ. وَقِيْلَ : معنى ﴿الَّذِينَ أَسْلَمُواْ﴾ أي انقَادُوا لأحكامِ الله لا على أنَّ غيرَهم من النبيِّين لم يكونوا مُسلمين. وَقِيْلَ : معنى (أسْلَمُوا) أي صَارُوا إلى السَّلامةِ، كما يقال : أصْبَحُوا وَأمْسَوا : وادَّخَلُوا في الصَّباح والمساءِ. وَقِيْلَ : معناهُ : الَّذِين أسْلَمُوا أنفُسَهم إلى اللهِ. " كما رُوي أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقولُ إذا آوَى إلَى فِرَاشِهِ :" أسْلَمْتُ نَفْسِي إلَيْكَ " قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾ يعني لليهودِ، وَقِيْلَ : معنى الآيةِ : للذين تَابُوا من الكفرِ، كما في قوله تعالى :﴿وَإِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ﴾[الأعراف: ١٥٦]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ﴾ ؛ هم العُلماء العامِلون، يَرُبُّونَ العلمَ ؛ أي يقُومون به، ﴿وَالأَحْبَارُ﴾ ؛ سائرُ العلماء دون الأنبياءِ والربَّانيِّين، وإنما سُمي العالِمُ حَبراً لكثرةِ ما يكتبُ بالحبرِ، ويقال : هو مِن التحبيرِ وهو تحسينُ العلمِ، وتقبيحُ الجهلِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ﴾ ؛ من الرَّجمِ وسائر الأحكامِ، ﴿وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ﴾ ؛ إنه كذلك، ومعنى (اسْتُحْفِظُوا) : استَودَعُوا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ ؛ خطابٌ لعلماء اليهودِ ؛ أي لا تخشَوُا السَّفلةَ والْجُهَّالَ في إظهار نعت النبيِّ ﷺ وآيةِ الرَّجم، واخشَوا عِقَابي في كتمانِها، ﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ ؛ أي لا تختَارُوا عَرَضاً يَسيراً من الدُّنيا، فإن الدُّنيا ما فيها قليلٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ ؛ ذهبَ الخوارجُ إلى أنَّ معنى الآيةِ :(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بمَا نَزَّلَ اللهُ وَحَكَمَ بخِلاَفِهِ كَانَ كَافِراً بفِعْلِ ذلِكَ، اعْتِقَاداً كَانَ أوْ غَيْرَ ذلِكَ)، وَكَفَّرُوا بذلك كلَّ مَن عصَى اللهَ تعالى بكبيرةٍ أو صغيرة، وأدَّاهم ذلك إلى الضَّلال والكُفرِ تكفيرِهم الأنبياءَ صلواتُ الله عليهم بصغائرِ ذُنوبهم! وأما عامَّةُ أهلِ الإسلام قالوا : إن المرادَ بهذه الآية : أنَّ مَنْ جَحَدَ شيئاً مما أنزلَ اللهُ مثلَ ما فعلَهُ اليهودُ من التحريفِ والتبديل وإنكار بعض آياتِ الله تعالى، ﴿فَأُوْلَـائِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ؛ أي أهلُ هذه الصِّفة بمنزلةِ الكافر بالكُتب وبالرُّسل كلِّها. يدلُّ على هذا أنه لا خلافَ أنَّ مَن لم يَقْضِ بينهم بما نزَّلَ اللهُ لا يكفرُ بأنْ لم يحكُمْ ؛ لأنَّ أكثرَ الناس بهذه الصِّفةِ، والحاكمُ بين الناس في كثيرِ حالاته لا يحكمُ، فإذا صَلُحَ الخوارجُ أن يَزِيدُوا في ظاهرِ اللفظ فيقولوا معناهُ :(مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بمَا نَزَّلَ اللهُ وَحَكَمَ بِخِلاَفِهِ) صَلُحَ لغيرِهم أن يقولوا معناهُ : ومَن لم يحكُمْ بصحَّة ما نزَّلَ اللهُ ﴿فَأُوْلَـائِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، وهذا عامٌّ في اليهودِ وغيرهم.

المائدة 5:45

قَوْلُهُ عَزَّ وَجّلَّ :﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(نزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي الْجِرَاحَاتِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَبَنِي النَّضِيرِ، كَانَ لِبَنِي النَّضِيرِ مَقْتَلٌ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَالَدِّيَةُ وَالدَّمُ ضِعْفُ مَا كَانَ لِبَني قُرَيْظَةَ) فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ. ومعناها : وأوحَينا على بني إسرائيلَ في التَّوراة :﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ يعني أن نفسَ القاتلِ بنفسِ المقتول وَفاءً، ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ بفَقْئِهِمَا، ﴿وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ﴾ يُجدع بهِ، ﴿وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ﴾ يُقطَعُ به ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ يُقلَعُ بهِ، وخفَّفَ نافعُ الأُذُنَ في جميعِ القرآن، وثقَّلَهُ غيرهُ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ؛ أي يجزئُ فيها القصاصُ، والقِصَاصُ : عبارةٌ عن الْمُسَاوَاةِ، وهذا مخصوصٌ فيما يُمكن القِصَاصُ فيه، فأمَّا ما كان من رضَّةٍ أو هَشْمَةٍ لعظمٍ، وهذه ركنٌ لا يحيطُ العلمُ به، ففيه أرْشٌ أو حكومةٌ. قرأ الكسائيُّ :(وَالْعَيْنُ) رَفعاً إلى آخرهِ، وكذلك قولهُ (وَالْجُرُوحُ) رفعَهُ ابنُ كثير وأبو عمرٍو وابنُ عامرٍ، ونصَبُوا سائرَ الحروفِ قبلَهُ، قالوا : لأَنَّ لَهَا نَظَائِرَ فِي الْقُرْآنِ ؛ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾[التوبة: ٣] و﴿إِنَّ الأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾[الأعراف: ١٢٨] و﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ﴾[الجاثية: ٣٢]. وقرأ نافعُ وعاصم وحمزة وخلفُ كلها بالنصب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَـائِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ؛ أي مَن عفَا عن مَظْلَمَةٍ في الدُّنيا، فهو كفَّارةٌ للجراحِ لا يؤاخَذُ به في الآخرة، كما أنَّ القصاصَ كفَّارةٌ له، وأما أجرُ العَافِي فعلى اللهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾[الشورى: ٤٠] وهذا قولُ إبراهيم ومجاهد وزيد بن أسلم، وروايةٌ عن ابنِ عباس. وَقِيْلَ : معناهُ : فهو كفَّارة للمجروحِ وولِيِّ القتيلِ، وهو قولُ ابنِ عمرَ والحسن والشعبي وقتادة وجابر بن زيد. ودليلُ هذا قولهُ ﷺ :" مَنْ تَصَدَّقَ مِنْ جَسَدِهِ بشَيْءٍ كَفَّرَ اللهُ بقَدْرهِ مِنْ ذُنُوبهِ " فمَن عفا كان عفوهُ كفارةً لذُنوبِه يعفو عنه الله ما أسلفَ من ذُنوبه، وأما الكافرُ إذا عفَا لا يكون عفوهُ كفارةً له مع إقامتهِ على الكفر. وقال ﷺ :" مَنْ أُصِيبَ بشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ فَتَرَكَهُ للهِ كَانَ كَفَّارَةً لَهُ " ورُوي : أنَّ رجلاً طَعَنَ رَجُلاً على عهدِ معاويةَ رضي الله عنه ؛ فأعطَوهُ دِيَتَيْنِ على أن يرضَى، فلم يَرْضَ، فحدَّث رجُلاً من أصحاب رسول الله ﷺ أنه قالَ :" مَنْ تَصَدَّقَ بدَمٍ فَمَا دُونَهُ كَانَ كَفَّارَةً لَهُ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إلَى يَوْمِ تَصَدَّقَ بهِ " فَتَصَدَّقَ بهِ. وقال ﷺ :

المائدة 5:46

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْرَاةِ﴾ ؛ الآيةُ أي اتَّبعنا النبيين الذين ذكرنَاهم بعيسى عليه السلام وجعلناهُ ممن يَقْفُوهُمْ، يقال : قَفَوْتُ أثَرَ فُلانٍ ؛ إذا اتَّبَعْتُهُ. وحقيقةُ التَّقْفِيَةِ : الإتيانُ بالشيءِ في قَفَا غيرهِ. قولهُ :﴿مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ نُصِبَ على الحالِ من عيسَى، كان مصدِّقاً بالكتاب الذي أنزِلَ قبله وهو التوراةُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ؛ أي أعطيناه الإنجيلَ فيه هدى من الضلالة، وبيان الأحكام، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً﴾ نعتُ الإنجيل الذي أعطيناهُ ذلك كتاباً، أو ومُوافقاً لما تَقدَّمَهُ، ﴿مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى﴾ ؛ أي بَياناً لنعتِ النبيِّ ﷺ وصفته، ﴿وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ ؛ أي نَهياً للذين يتَّقون الفواحشَ والكبائر.

المائدة 5:47

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَ :﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ ؛ أي ولِيَقْضِ أهلُ الإنجيلِ، وهذا جزمٌ بالأمرِ ؛ أي قُلنا لَهم : احكُموا بما أنزلَ الله في الإنجيل. قال الكلبيُّ :(بَيَّنَ اللهُ حُكْمَ الرَّجْمِ عَلَى الزَّانِي الْمُحْصِنِ، وحُكْمَ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَالأَطْرَافِ، وحُكْمَ الْقَطْعِ عَلَى السَّارقِ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وفِيمَا أنْزَلَ عَلَى نَبيِّنَا ﷺ، وَجَمِيعُ هَذِهِ الْكُتُب يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضاً). قرأ الأعمش وحمزةُ :(وَلِيَحْكُمَ) بكسر اللام وفتحِ الميمِ ؛ أي آتيناهُ الإنجيلَ لكي يحكُمَ، وقرأ الباقون بجزمِ اللام والميم. قال مقاتلُ :(أمَرَ اللهُ الرَّبَّانِيِّينَ أنْ يَحْكُمُوا بمَا فِي التَّوْرَاةِ، وَأمَرَ الْقِسِّيسِينَ وَالرُهْبَانَ أنْ يَحْكُمُوا بمَا فِي الإنْجِيلِ، فَكَفَرُواْ وَكَذبُوا مُحَمَّداً ﷺ ؛ وَقَالُواْ : الْعُزَيْرُ ابْنُ اللهِ، وَقَالُواْ : الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَـائِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ؛ أي مَن لم يحكُمْ بما أنزلَ اللهُ في كُتبهِ على رُسله، فأُولئِكَ همُ الخارجون عن أمرِ الله.

المائدة 5:48

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ؛ أي وأنزلنا إليكَ يا مُحَمَّدُ القرآنَ بالصِّدق، ومُوافقاً لِمَا تقدَّم من الكُتب في التوحيدِ، وبيانِ الحقِّ من الباطلِ، ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ ؛ أي أميناً ومُؤتَمناً على ما قبلهِ من الكتب. ويقال : شَاهداً على الكُتب كلِّها، وهذا وصفٌ خاصٌّ للقرآن دون ما سواهُ. وأصلُ مُهَيْمِنٍ : مُؤْتَمَنٍ، على وزن مُفَيْعِلٍ من الأمانةِ، إلاّ أن الهاءَ أبدلت من الهمزةِ كما قالوا : أرَقْتُ الماءَ وهرَقْتُ الماءَ، وأنَاكَ وَهُنَاكَ، وهَيْهَاتَ وأيْهَاتَ، ونظيرُ المهيمنِ : مُسَيطِرٌ. قال الشعبيُّ والكسائي ورواية الكلبي عن ابنِ عباس معنى قوله ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ أي شَاهداً، قال الشاعرُ : إنَّ الْكِتَابَ مُهَيْمِنٌ لِنَبيِّنَا وَالْحَقُّ يَعْرِفُهُ ذوُو الأَلْبَابأي شَاهداً. وقال ابنُ جبير وأبو عبيد والحسن :(أمِيناً)، وهي روايةُ العوفي عن ابنِ عباس. وأمانةُ القرآن أنه أمينٌ على ما قبلَهُ من الكتب وهي فيما أخبرَ به أهل الكتاب في كُتبهم، فإنْ كان ذَلك في القرآنِ فصَدَّقوا وإلاّ كَذبوا. وقال الضحاكُ :(مُهَيْمِناً ؛ أيْ قَاضِياً). وقال عكرمةُ :(دَالاًّ). وقال ابنُ زيدٍ :(مُصَدِّقاً). وقال الخليلُ :(رَقِيباً وَحَافِظاً). ويقالُ : هَيْمَنَ فلانٌ على كذا إذا شاهدَهُ وحَفِظَهُ. تقولُ العرب للطائرِ إذا طارَ، وحوَّلَ وَكْرَهُ، ورفرفَ على فَرْخِهِ صيانةً له : هَيْمَنَ الطَّيرُ يهَيْمِنُ، وكذلك يقالُ للطائرِ إذا أرخَى جناحَيهِ يسَعُهما بيضُهُ وفرخُهُ ورفرفَ على فرخهِ صيانةً له. ومنه قيلَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ : الْمُهَيْمِنُ، أي الرقيبُ الرحيمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ ؛ أي فاحكم في الزانِي والزانية بالرَّجم، ويقال : احكُمْ بين بني قُريظة وبني النضير في الجراحاتِ التي بينهم في التَّسوية بين الفريقين، ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ﴾ ؛ أي لا تتَّبع مرادَهم، ﴿عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ ؛ أي جعلنا لكلِّ نبيٍّ منكم يا معشرَ الأنبياءِ فرائضَ وسُنناً، والشِّرْعَةُ والشَّرِيعَةُ : هو التخلُّص إلى الجنَّة كشريعةِ الأنْهَار والحياضِ في الدُّنيا، وهو التخلُّص إلى الشرب والاستقامة، وأصلُ الشِّرْعَةِ من قولهم : شَرَعَ فلانٌ يَشْرَعُ شُروعاً إذا دخلَ في الأمرِ دخولاً ظاهراً، ويقالُ : الشِّرْعَةُ والمنهاجُ كِلاَهُمَا الطريقُ، والطريقُ ها هنا الدِّينُ، وقد يعبَّرُ عن الشيءِ الواحد بلَفظَين مختلفين تأكيداً للكلامِ. وقال المبرِّدُ :(الشِّرْعَةُ : ابْتِدَاءُ الطَّرِيقِ، وَالْمِنْهَاجُ : الطَّرِيقُ الْمُسْتَمِرُّ). ويقالُ : عنى المنهاجِ : الدلائلُ الواضحة التي يستدلُّ بها على الفرائضِ من كتابٍ وسُنَّة، وَقِيْلَ : معناهُ : لكلٍّ جَعلنا منكم سَبيلاً وسُنَّة. والمنهاجُ : الطريقُ الْمُبينُ الواضحُ. قال المفسِّرون : عنَى بذلك جميعَ أهلِ الْمِلَلِ المختلفةِ، جعلَ الله لكل ملَّةٍ شِرعَةً ومنهاجاً، فلأَهْلِ التوراةِ شريعةٌ، ولأهلِ الإنجيل شريعةٌ، ولأهلِ القرآن شريعةٌ، يُحِلُّ فيها ما شاءَ ويحرِّمُ فيها ما شاءَ، فالدِّينُ واحدٌ والشريعةُ مختلفة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ؛ أي لجعلَكم على أمرٍ واحد في دعوةِ جميع الأنبياء، ﴿وَلَـاكِن لِّيَبْلُوَكُمْ﴾ ؛ أي ولكن ليختبرَكم، ﴿فِي مَآ آتَاكُم﴾ ؛ فيما أعطَاكُم من الكتب، وفيما أمرَكم من السُّنن والشرائعِ المختلفة، فيتبيَّنُ من يطيعُ اللهَ ومن يعصيه.

المائدة 5:49

وقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ﴾ ؛ معناه : أنزَلنا إليكَ الكتابَ بالحقِّ، وبأن تحكُمَ بين اليهودِ بما أنزلَ اللهُ من رجمِ الزانِي المحصِن، والقِصاصِ بين الشَّريف والوضيعِ، ولا تعمَلْ بهواهُم في الْجَلْدِ، وتركِ الرَّجمِ، ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ ؛ أي أن يَستَزِلُّوكَ عن بعضِ ما بيَّن اللهُ في كتابهِ. قال ابنُ عبَّاس :(وَذلِكَ أنَّ يَهُودَ بَنِي النَّضِير مِثْلَ ابْنِ صُوريَّا وَكَعْب بْنِ أسَدٍ وَغَيْرِهِمْ، قَالُوا فِيْمَا بَيْنِهِمْ : اذْهَبُوا بنَا إلَى مُحَمَّدٍ لَعَلَّنَا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، فَإنَّمَا هُوَ بَشَرٌ! فَأَتَوْهُ فَقَالُواْ لَهُ : يَا مُحَمَّدُ إنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أنَّا أحْبَارُ الْيَهُودِ وَأشْرَافُهُمْ وَسَادَاتُهُمْ، وَإنَّا إنِ اتَّبَعْنَاكَ اتَّبَعَكَ كُلُّهُمْ وَلَنْ يُخَالِفُونَا، وَإنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا خُصُومَةً فَنُحَاكِمُهُمْ إلَيْكَ فَاقْضِ لَنَا عَلَيْهِمْ فَنُؤْمِنُ بكَ، فَأَبَى النَّبيُّ ﷺ، وَكَانَ حَرِيصاً عَلَى إسْلاَمِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾.). قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم﴾ ؛ أي إنْ أعرَضُوا عن حُكمِكَ، فاعلم إنَّما يريدُ الله أنْ يُعَاقِبَهم بالقتلِ في بني قُريظَةَ، وَبالْجَلاَءِ إلَى الشَّامِ فِي بَنِي النَّضِيرِ، ﴿بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ ؛ أي بمَا سلَفَ من ذُنوبهم، وهو جُحودهم لدِينِكَ ونَعْتِكَ وصفتِكَ والتوراةِ والإنجيلِ، ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ ؛ أي خارجون عن الطاعةِ ناقِضُون للعهدِ.

المائدة 5:50

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ؛ قرأ ابنُ عامرٍ (تَبْغُونَ) بالتاء، وقرأ الباقون بالياءِ. ومعنى الآية : تطلبُون من حُكم الزِّنا والقصاصِ، وهم أهلُ الكتاب شيئاً فيما لم ينَزِّلهُ الله عليكم كما يفعلهُ أهلُ الجاهلية، وأيُّ أحدٍ أعدلُ في الحكمِ من الله تعالى. قولهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى :﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ؛ أي مَن أيقَنَ بُيِّنَ له عدلُ اللهِ في حُكمهِ.

المائدة 5:51

قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى :﴿يَـاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ ؛ وذلك : أنَّه لَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أحُدٍ خَافَ النَّاسُ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ أنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِمُ الْكُفَّارُ، فَأَرَادَ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى صُحْبَةٌ أنْ يَتَوَلاَّهُمْ وَيُعَاقِدُوهُمْ، فَنَهَاهُمْ اللهُ عَنْ ذلِكَ. ومعناهُ : يا أيُّها الذين آمَنُوا لا تتَّخذوا اليهودَ والنصارى أحبَّاءَ في العونِ والنُّصرة، بعضهم على دينِ بعض، ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ؛ إذا تولاَّهُ لأجلِ كُفرهِ صارَ كافراً مثلَهُ، وأمَّا إذا تولاَّهُ لا لأجلِ كُفرهِ صارَ مِن جُملة المستحقِّين العذابَ لمخالفةِ أمر الله ولِمُوالاَتِهِ مَن أوجبَ الله عليه أن يُعذِّبَهُ. وقال عكرمةُ :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أبي لُبَابَةَ حِينَ قَالَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ رَضُوا بحُكْمِ سَعْدٍ : إنَّهُ الذبْحُ). قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ أي لا يُرشِدُ اليهودَ والنصارى إلى دِينه، وحُجَّتهِ ما دامُوا على كُفرِهم.

المائدة 5:52

قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى :﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ ؛ وذلك أنَّ المنافقين كانوا يَوَدُّونَ يهودَ عُرَيْنَةَ ونصارَى نَجران ؛ لأنَّهم كانوا أهلَ ريْفٍ، وكانوا يَمرُّون بهم فيُقرِضُونَهم، فقال المنافِقون : كيف نقطعُ مَوَدَّة قومٍ إنْ أصابَتنا سيِّئةٌ، واحتَجنا إليهم وسَّعُوا علينا في المنازلِ، وعرَضُوا علينا الثمارَ في القابلِ، فنَزل قولهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى :﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي ترَى يا مُحَمَّدُ الذين في قلوبهم شكٌّ ونفاق يُبادِرون إلى ولايةِ الكفَّار ومعاقدتِهم، ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ ؛ شدَّةٌ وجُدُوبَةٌ. ويقال : أرادَ بهذا القولِ أنَّهم يخشَون أن لا يَتِمَّ أمرُ مُحَمَّدٍ ﷺ بأن يدورَ الأمرُ على الحالةِ التي هم عليها فيحتاجون إلى الكفَّار. يقول اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى :﴿فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ ؛ أي عسَى أن يَظهَرَ المسلمون، و ﴿عَسَى﴾ من اللهِ واجبةٌ. وسَمَّى النصرَ فتحاً ؛ لأن فيه الأمرِ المغلَقِ. قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى :﴿أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ ؛ معناه : أو يقضِي بالخصب لِمُحَمَّدٍ ﷺ وأصحابهِ، ويقال هو أن يُؤْمَرَ النبيُّ ﷺ بإظهار أمر المنافقين وقَتلِهم، ﴿فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَآأَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ ؛ فيصبحَ المنافقون على ما أضمَرُوا في أنفُسِهم من ولايةِ رؤوس اليهود والنصارَى إليهم نَادِمين، فلا تنفعُهم الندامةُ حينئذٍ.

المائدة 5:53

قولُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهُـؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ ؛ قرأ أهلُ الكوفةِ :(وَيَقُولُ) بالواو والرفعِ على الاستئناف، وقرأ أهلُ البصرةِ بالنصب والواو عطفٌ على (أنْ يَأْتِيَ)، وقرأ الباقون برفعِ اللام وحذفِ الواو. ومعنى الآية : يقولُ المؤمنون المخلِصون عندما أظَهَرَ اللهُ نفاقَ المنافقين :(أهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا باللهِ) يعنون المنافقين الذين حلَفُوا بالله أنَّهم لَمَعَكُمْ على دينِكم، ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾، بَطَلَ ما أظهروهُ من الإيمانِ والأعمال الصالحةِ، ﴿فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ﴾ ؛ فصاروا مَغبُونين في الوِزْر والعقوبةِ. قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى :﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ تفسيرٌ للقَسَمِ باللهِ تعالى، فإنَّ مَن يحلفُ باللهِ فقد بذلَ جُهد يَمينهِ، إذ لا يمينَ أعظمُ من اليمينِ بالله، ولا حرمةَ أكبرُ من حرمةِ الله. قال ابنُ عبَّاس رضي الله عنه :(فَجَاءَ اللهُ بالْفَتْحِ وَنَصَرَ الرَّسُولَ ﷺ، وجاءَ أمرُ الله من عنده بإجلاءِ بني النضيرِ، وقتل مقاتِلة بني قُريظة وسَبيِ ذراريهم)، فنَدِمَ المنافقون حين ظهرَ نفاقُهم، وقال المؤمنون :﴿أَهُـؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾.

المائدة 5:54

قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾ ؛ قرأ أهلُ المدينةِ والشام (يَرْتَدِدْ) بدالين، وفي الآيةِ تهديدٌ لِمَن لا ثباتَ له على الإيمانِ. قال ابنُ عبَّاس :(هُمْ أسَدُ وَغَطَفَانَ وَأَنَاسٌ مِنْ كِنْدَةَ، ارْتَدُّواْ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبيِّ ﷺ فِي عَهْدِ أبي بَكْرٍ رضي الله عنه). وَكَانَ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ فِرْقَةٌ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو حَنِيْفَةَ بالْيَمَامَةِ، وَرَئِيسُهُمْ مُسَيْلَمَةُ الْكَذابُ وَكَانَ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي آخِرِ سَنَةِ عَشْرٍ، وَزَعَمَ أنَّهُ أشْرِكَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي النُّبُوَّةِ، وَكَتَبَ إلَى النَّبيِّ ﷺ :" مِنْ مُسَيْلَمَةَ رَسُولِ اللهِ إلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ؛ أمَّا بَعْدُ : فَإنَّ الأَرْضَ نَصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لَكَ! وَبَعَثَ بذَلِكَ رَجُلَيْنِ مِنْ أصْحَابهِ نَهْشَلاً وَالْحَكَمَ بْنَ الطُّفَيْلِ، وَكَانَا مِنْ سَادَاتِ الْيَمَامَةِ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبيُّ ﷺ :" أتَشْهَدَانِ أنَّ مُسَيْلَمَةَ رَسُولُ اللهِ ؟ " قَالاَ : نَعَمْ، فَقَالَ :" لَوْلاَ أنَّ الرُّسُلَ لاَ تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أعْنَاقَكُمَا "، ثُمَّ أجَابَ :" مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إلَى مُسَيْلَمَةَ الْكَذاب ؛ أمَّا بَعْدُ : فَإنَّ الأَرْضَ للهِ يُورثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ". ومَرِضَ رسولُ اللهِ ﷺ وتوفِّيَ، وجعلَ مسيلمةُ يغلو أمرهُ باليمامةِ يوماً بعدَ يومٍ، فبعثَ أبو بكرٍ رضي الله عنه خالدَ بن الوليدِ في جيشٍ عظيم حتى أهلكَهُ الله على يدي وحشيٍّ قاتِلِ حمزةَ بن عبدِ المطلب بعد حربٍ شديدة، فكان وحشيُّ يقول :(قَتَلْتُ خَيْرَ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَتَلْتُ شَرَّ النَّاسِ فِي الإسْلاَمِ). ومن المرتدِّين أيضاً طلحةُ بن خُوَيلِد رئيسُ بني أسدٍ، وكان قد ادَّعى النبوةَ أيضاً في حياةِ رسول الله ﷺ، فقاتلَهُ أبو بكرٍ رضي الله عنه بعد وفاةِ رسول الله ﷺ، بعثَ إليه خالدَ ابن الوليدِ، فقاتلَهُ قتالاً شديداً، وهربَ طلحةُ على وجههِ نحوَ الشامِ، فلجأَ إلى بني حنيفةَ فأجاروهُ، ثم أسلَمَ بعد ذلك وحسُنَ إسلامهُ. وارتدَّ أيضاً بعد وفاةِ رسول الله ﷺ كثيرٌ من العرب منهم : فَزَارَةُ ورئيسهم عُيينة بن حصين، وبنو سُليم وبنو يربوعَ، وطائفةٌ من بني تَميم، ورأسُوا عليهم امرأةً يقال لها سَجَاحُ بنت المنذر، وادَّعتِ النبوةَ ثم زوَّجت نفسَها من مسيلمةَ الكذاب. وارتدَّت كندةُ ورئيسهم الأشعثُ بن قيسٍ، وارتدَّت بنو بكرِ بن وائل بأرضِ البحرين، وكَفى اللهُ المسلمين أمرَ هؤلاء المرتدِّين، ونصرَ دينَهُ على يدِ أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه، وأخبارُ أهلِ الردَّة طويلةٌ مشهورة فلا نطوِّلُ بذكرِها الكتابَ. قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى :﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ؛ قال عليُّ والحسن وقتادة :(هُمْ أبُو بَكْرٍ وَأصْحَابُهُ)، وقال مجاهدُ :(هُمْ أهْلُ الْيَمَنِ).

المائدة 5:55

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي مُسْلِمِي أهْلِ الْكِتَاب :" عَبْدِاللهِ بْنِ سَلاَمٍ وأصْحَابهِ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ، بُيُوتُنَا قَاصِيَةٌ، وَلاَ نَجِدُ مُتَحَدِّثاً دُونَ هَذا الْمَسْجِدِ، وَإنَّ قَوْمَنَا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ لَمَّا رَأَوْنَا قَدْ آمَنَّا باللهِ وَرَسُولِهِ وَتَرَكْنَاهُمْ وَدِينَهُمْ، أظْهَرُوا لَنَا الْعَدَاوَةَ، وأَقْسَمُواْ أنْ لاَ يُنَاكِحُونَا وَلاَ يُوَاكِلُونَا وَلاَ يُخالِطُونَا، وَلاَ نَسْتَطِيعُ أنْ نُجَالِسَ أصْحَابَكَ لِبُعْدِ الْمَوْضِعِ. فََبَيْنَمَا هُمْ يَشْكُونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالنَّاسُ فِي الْمَسْجِدِ يُصَلُّونَ فِيْهِ مِنْ قَائِمٍ وَرَاكِعٍ وَسَاجِدٍ، إذا بمسْكِينٍ يَطُوفُ يَسْأْلُ النَّاسَ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ :" أعْطَاكَ أحَدٌ شَيْئاً ؟ " قَالَ : نَعَمْ، قَالَ :" مَاذا ؟ " قَالَ : خَاتَمُ فِضَّةٍ، قَالَ :" مَنْ أعْطَاكَهُ ؟ " قَالَ : ذاكَ الرَّجُلُ، فَإذا هُوَ عَلِيٌّ رضي الله عنه، قَالَ :" عَلَى أيِّ حَالٍ أعْطَاكَهُ ؟ " قَالَ : أعْطَِانِيَهُ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَقَرَأ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ عَلَى عَبْدِاللهِ بْنِ سَلاَمٍ وَأصْحَابهِ ". وألبَسَهُمْ بما أبدلَهم اللهُ به من ولايتهِ وولاية رسولهِ وولاية المؤمنين، ومعنى الآيةِ : إنَّما حافِظُكم وناصرُكم اللهُ ورسوله والمؤمنون الذي يُقيمون الصلاةَ بحقوقها ويؤتُون الزكاةَ في حالِ رُكوعهم. وفي الآيةِ دليلٌ على إباحةِ العمل اليسيرِ في الصَّلاة، فلما قرأ رسولُ الله ﷺ عليهم الآية قالَ عبدُ الله بن سلام وأصحابه :(رَضِينَا باللهِ وَبرَسُولِهِ وَبالْمُؤْمِنِينَ أوْلِيَاءً). " ورُوي أن عبدَالله بن عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا كَان ذاتَ يومٍ جالساً عند شَفير زَمْزَمَ يقولُ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، إذا أقْبَلَ رَجُلٌ مُتَعَمِّمٌ بعِمَامَةٍ قَالَ : فَهَلاَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لاَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ألا قَالَ ذلِكَ الرَّجُلُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : سَأَلْتُكَ باللهِ مَنْ أنْتَ ؟ فَكَشَفَ الْعِمَامَةَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ : أيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا جُنْدُبُ بْنُ جُنَادَةَ الْبَدْريُّ، أنَا أبُو ذرٍّ الْغَفَّاريُّ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بهَاتَيْنِ وَإلاَّ فَصُمَّتَا، وَرَأيْتُهُ بهَاتَيْنِ وَإلاَّ فَعَمِيَتَا، يَقُولُ عَلَى قَائِدِ الْبُرْدَةِ وَقَاتِلِ الْكَفَرَةِ :" مَنْصُورٌ مَنْ نَصَرَهُ، مَخْذُولٌ مَنْ خَذلَهُ ". أمَا إنِّي صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْماً مِنَ الأَيَّامِ صَلاَةَ الظُّهْرِ، فَسَأَلَ سَائِلٌ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يُعْطِهِ أحَدٌ، فَرَفَعَ السَّائِلُ رَأسَهُ إلَى السَّمَاءِ وَقَالَ : اللَّهُمَّ اشْهَدْ أنِّي سَأَلْتُ فِي مَسْجِدِ رَسُولِكَ ﷺ يَوْماً مِنَ الأيَّامِ فَلَمْ يُعْطِنِي أحَدٌ، وَكَانَ عَلِيٌّ راكِعاً فَأَوْمَأَ إلَيْهِ نَحْوَهُ بخِنْصَرِهِ الْيُمْنَى وَكَانَ فِيهَا خَاتَمٌ، فَأَخَذ السَّائِلُ الْخَاتَمَ مِنْ خِنْصَرِهِ وَذَلِكَ بحَضْرَةِ النَّبيِّ ﷺ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلاَتِهِ رَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَأسَهُ إلَى السَّمَاءِ قَالَ :

المائدة 5:56

قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى :﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ؛ أي من تخيَّر طاعةَ الله ورسوله ومحبَّة المؤمنين، ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ﴾ ؛ فإن جُند اللهِ، ﴿هُمُ الْغَالِبُونَ﴾.

المائدة 5:57

قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى :﴿يَـاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ؛ وذلك أنَّ اليهودَ كانوا إذا قامَ بلالٌ للأذان يضحكون، ويستهزِئون ويقولون : قامَ الغرابُ لا قامَ! وإذا قامَ المؤمنون للصَّلاة قالوا : قد قامُوا لا قاموا! وإذا رأوهم رُكَّعاً وسُجَّداً استهزَأوا بهم، وتغامَزُوا فيما بينهم تَنفيراً للناسِ عن الصَّلاة وعن الداعِي إليها. ومعنى الآية : لا تتَّخذوا اليهودَ والنصارى الذين يتخذون ﴿دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً﴾ أي استهزاءً وسُخريةً، يسخَرون منكم إذا أذنَ مُؤذِّنُكم، ويضحَكون من صلاتِكم إذا صلَّيتُم. قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى :﴿وَالْكُفَّارَ﴾ ؛ فيه قراءَتان : النصبُ والخفضُ، فمَن نصبَهُ فمعناهُ : لا تتَّخذوا الكفارَ، ﴿أَوْلِيَآءَ﴾، وأراد بهم مُشركي العرب، ومن خفضَهُ فمعناهُ : مِن الذين أوتوا الكتابَ ومن الكفار. وقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى :﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ؛ أي اخشَوهُ في ولايةِ الكافرين إنْ كُنتم مُؤمنين باللهِ وبرسوله.

المائدة 5:58

قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى :﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً﴾ ؛ أي إذا نادَيتم الناسَ إلى الصَّلاة بالأذانِ والإقامة اتَّخذوها سُخرِيَةً واستهزاءً وضَحِكاً وبَاطلاً، وَ ﴿ذلِكَ﴾ ؛ الاستهزاءُ واللعب، ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ ؛ ثوابَ الله تعالى في إقامةِ الصَّلاة، ولا عِقابَهُ في إضاعتهِ. ورُوي :((أنَّ يَهودياً كان إذا سمعَ المؤذِّنَ يقولُ :(أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ) قالَ : أحرقَ اللهُ الكاذبَ، فدخلَ خادمهُ البيتَ بنارٍ، فوقعت شرارةٌ منها في البيتِ فالتهبَ، واحترقَ اليهوديُّ هو وأهلهُ، واستُجيب دعاؤهُ على نفسهِ)). وفي الآيةِ دليلٌ أنَّ للصلاة أذاناً يدعو به الناسَ إليها، ونظيرُ هذا قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾[الجمعة: ٩]. وعن رسولِ الله ﷺ أنه قالَ :" ثَلاَثَةٌ لاَ يَكْتَرِثُونَ مِنَ الْحِسَاب، وَلاَ تُفْزِعُهُمْ الصَّيْحَةُ، وَلاَ يُحْزِنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ : حَامِلُ الْقُرْآنِ الْعَامِلُ بهِ، يَقْدُمُ عَلَى اللهِ سَيِّداً شَرِيفاً، وَمُؤَذِّنٌ أذنَ سَبْعَ سِنِينَ لاَ يَأْخُذُ عَلَى أذانِهِ طَعَاماً، وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أحْسَنَ عِبَادَةَ رَبهِ وَأدَّى حَقَّ مَوْلاَهُ " وعن أنسٍ رضي الله عنه قالَ : قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" مَنْ أذنَ سَنَةً مِنْ نِيَّةٍِ صَادِقَةٍ، أجْلِسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَقِيلَ لَهُ : إشفَعْ لِمَنْ شِئْتَ " وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه : قالَ ابنُ عبَّاس : قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" مَنْ أذنَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ إيْمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذنْبهِ وَمَا تَأَخَّرَ " وقالَ رسولُ الله ﷺ :" الْمُؤَذِّنُ الْمُحْتَسِبُ كَالشَّهِيدِ الْمُتَشَحِّطِ فِي دَمِهِ مَا دَامَ فِي أذانِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابسٍ، فَإذا مَاتَ لَمْ يُدَوِّدْ فِي قَبْرِهِ " قال عمرُ رضي الله عنه : لَوْ كُنْتُ مُؤَذِّناً لَكَمُلَ أمْرِي، وَمَا بَالَيْتُ أنْ لاَ أتنصب لِقِيَامٍ وَلاَ لِصِيَامٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ :" اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ "

المائدة 5:59

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قُلْ يَـاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ﴾ ؛ أي قُل يا مُحَمَّدُ : يا أهلَ الكتاب هل تطعَنون عَلينا إلاَّ لإيمانِنا باللهِ تعالى والقُرآن، ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ ؛ أي إنَّما كَرِهتُم إيمانَنا وأنتم تعلمون أنَّنا على حقٍّ ؛ لأنَّكم فسَقتُم بأنْ أقَمتُم على دِينكم لمحبَّتكم الرئاسةَ وكسبكم بها الأموالَ، فهل تَدرون شيئاً يُعاب علينا إلاَّ هذا ؟ فَلِمَاذا تطعَنون. وأما قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى :﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾، قال بعضُهم : أرادَ بالأكثرِ كلَّهم، وأكثرُ الشيءِ يقومُ مقامَ الكلِّ. وَقِيْلَ : إنما ذكرَ لفظ الأكثرِ ؛ لأن الآيةَ خرجت مخرجَ التلطُّف للدعاءِ إلى الإيمانِ، وكان في سابقِ علم اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أنَّ فيهم من يُسلِمُ، وكان في القومِ من يطعنُ بنفسهِ في دين الإسلام، وإنْ كان سكتَ عن طعنِ الطاعنين.

المائدة 5:60

قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى :﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ﴾ ؛ وذلك أنَّ اليهودَ قالوا للمُسلمين : ما نعلمُ أهلَ دينٍ أقلَّ حظاً منكم في الدُّنيا، ونرجو أنْ تَكونُوا في الآخرةِ! فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ ؛ أي قُل يا مُحَمَّدُ لهؤلاء اليهودِ : هل أخبرُكم بسوءٍ مِن الذي قُلتم جزاءً، ﴿مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ ؛ أي أبعدَهُ عن رَحمتهِ، وسَخِطَ عليه وهم اليهودُ، فيكون موضعُ ﴿مَن لَّعَنَهُ﴾ رَفعاً على معنى (هُوَ) ويجوز أن يكون خَفضاً بَدلاً من (شَرٍّ) على معنى : هل أنَبِّئُكُم بمَن لعنَهُ اللهُ. قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى :﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ ؛ أي مَسَخَ بعضَهم قردةً في زمنِ داوُدَ عليه السلام بدُعائه عليهم حين اعتَدَوا في السَّبت واستحلُّوهُ، ومسخَ بعضَهم خنازيرَ في زمنِ عيسى عليه السلام بعدَ أكلِهم من المائدة حين كفَرُوا بعدَ ما رأوا الآياتِ البيِّنة. ورُوي : أنه لَمَّا نزَلت هذه الآيةُ قال المسلمون لليهودِ :(يَا إخْوَةَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازيرِ) فنَكَّسُوا رؤُوسَهم وفضَحَهم اللهُ تعالى. قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى :﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ ؛ فيهِ عشرُ قراءاتٍ، قرأ العامة (وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) بفتحِ العين والباءِ والدالِ على الفعلِ ؛ ومعناها : وجعَلَ منهم مَن عَبَدَ الطاغوتَ ؛ أي بالغَ في طاعةِ الشَّيطان والكُهَّان ورؤساءِ المعصية. وقرأ ابنُ مسعود :(وَعَبَدُوا الطَّاغوتَ) أي ومَن عَبَدَ الطاغوتَ، وقرأ يحيى بن وثَّاب وحمزةُ : بفتحِ العين وضمِّ الباء وكسر التاء من الطاغوتِ، وهو لغةٌ في عبَدَ، مثل سَبْع وَسَبُع. وقرأ أبو جعفرٍ الفرَّاء :(وَعُبِدَ الطَّاغُوتُ) على الفعلِ المجهول، وقرأ الحسنُ :(وَعَبْدَ الطَّاغُوتِ) على الواحدِ. وقرأ يزيدُ الأسلمي :(وَعَابدَ الطَّاغُوتِ) بالأف، وقرأ ابنُ عباس :(وَعَبيدَ الطَّاغُوتِ) بالجمعِ، وقرأ أبو واقدٍ الليثيِّ :(وَعُبَّادَ الطَّاغُوتِ) مثل كُفَّار، وقرأ عَوْنُ العقيلي وإبَانُ بن ثعلبٍ :(وَعُبَّدَ الطَّاغُوتِ) مثل رَاكِعْ ورُكَّع، وقرأ عبيدُ بن عمير :(أعْبَدَ الطَّاغُوتِ) مثل كلب وأكلَبٍ، وقرأ الأعمشُ :(وَعُبُدَ الطَّاغُوتِ) بضمِّ العين والباء وكسرِ التاء من الطاغوتِ. قال الشاعرُ : انْسُبِ الْعَبْدَ إلَى آبَائِهِ أسْوَدُ الْجِلْدِ مِنْ قَوْمٍ عُبُدْقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى :﴿أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ﴾ فإن قِيْلَ : كيف معنى هذا ليس في الإيمانِ شرٌّ وضلالٌ ؟ قِيْلَ : سِمَةُ المشركين شرٌّ مَكاناً لا يوجبُ أن يكون في الإيمانِ شرٌّ وتطيُّر. قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى :﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾[الفرقان: ٢٤] ومعلومٌ أنه لا خيرَ في مستقرِّ الكُفَّار ومُنقَلَبهم، فلمَّا نزَلت هذه الآيةُ قال المسلمون ليَهُودَ :(يَا إخْوَانَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازيرِ) فَسَكَتُوا وأفحِمُوا، وفيهم يقولُ الشاعرُ : فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ إنَّ الْيَهُودَ إخْوَةُ الْقُرُودِ

المائدة 5:61

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَقَدْ دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ﴾ ؛ ومعناهُ : وإذا جاءَكم المنافقون من أهلِ الكتاب قالوا آمَنَّا بكَ، ونحن نعرفُ نَعْتَكَ وصِفتَكَ، يقولُ الله : وقد دخَلُوا بالكفرِ وهم قد خرَجُوا به ؛ اي دخَلُوا عليكم، وخرجوا من عندِكم كافرين في السرِّ كما دخَلُوا خرجوا، وقوله :(وَهُمْ) للصِّلة والتأكيدِ ؛ ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ﴾ ؛ أي بما كانوا يُضمِرون في قلوبهم من الكُفرِ والنفاقِ، فأعلمَكم به وأطلعَكم عليه.

المائدة 5:62

قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى :﴿وَتَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ؛ أي وترَى يا مُحَمَّدُ كَثيراً من اليهودِ والمنافقين يُبادرون في المعصيةِ والاعتداء والظُّلم، ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ ؛ وأكلِ الرِّشوَةِ والحرامِ في تغيير الأحكامِ، ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ؛ من المعصيةِ ومجاوزة الحدِّ.

المائدة 5:63

قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى :﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ ؛ معناهُ : هل ينهاهم العامِلون بالعلمِ والعُلماء الذين هم دونَهم عن قولِ الشِّرك والكذب على الله، وأكل الحرامِ والرِّشوة في الحكمِ. قال الحسن :(الرَّبَّانِيُّونَ عُلَمَاءُ النَّصَارَى، وَالأحْبَارُ عُلَمَاءُ الْيَهُودِ). وَيُقَالُ : هُوَ كُلُّهُ فِي الْيَهُودِ، وقرأ أبو واقدٍ الليثي :(لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرِّبِّيُّونَ) كقوله تعالى :﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾[آل عمران: ١٤٦]. وقولهُ :﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ أي بئسَ ما يصنعُ علماؤهم من كتمانِهم الحقَّ، وتركِهم النهيَ عن المعصيةِ. قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا والضحاك :(إنَّ هَذِهِ الآيَةَ أشَدُّ الآيَاتِ فِي تَخْوِيفِ مَنْ تَرَكَ الأَمْرَ بالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ)، قالَ رسولُ الله ﷺ :" مَا مِنْ رَجُلٍ يُجَاورُ قَوْماً فَيَعْمَلُ بالْمَعَاصِي بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، فَلاَ يَأْخُذُونَ عَلَى يَدَيْهِ، إلاَّ أوْشَكَ أنَّ اللهَ تَعَالَى يَعُمُّهُمْ مِنْهُ بعِقَابٍ "

المائدة 5:64

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي فِنْحَاصَ بْنِ عَازُورَاءَ الْيَهُودِيِّ وَأصْحَابهِ، كَانَ اللهُ تَعَالَى قَدْ بَسَطَ لَهُمْ فِي الرِّزْقِ، فَكَانَ مِنْ أخْصَب النَّاسِ، وأكْثَرِهِمْ خَيْراً وَأمْوَالاً، فَلَمَّا عَصَوا اللهَ تَعَالَى فِي مُحَمَّدٍ ﷺ وَبَالَغُوا فِي تَكْذِيبهِ، كَفَّ اللهُ عَنْهُمْ بَعْضَ الَّذِي كَانَ بَسَطَ عَلَيْهِمْ، فَعِنْدَ ذلِكَ قَالُوا : يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ). أي قالُوا على سبيل الْهُزْءِ : إنَّ إلهَ مُحَمَّدٍ الذي أرسلَهُ ممسكةٌ يده عنانَ الرزقِ لا يبسطُ علينا كما كان يبسطُ. وهذا اللفظُ في كلامِ العرب عبارةٌ عن البخلِ، كما قال تعالى :﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾[الإسراء: ٢٩] أي لا تمسكها عن الإنفاقِ. قال بعضُهم : إنما قالَ هذه المقالةَ فِنْحَاصُ ولم ينهَهُ الآخرون، ورَضُوا بقولهِ فأشرَكهم اللهُ فيها، وأرادوا باليدِ العطاءَ، لأن عطاءَ الناسِ وبذلَهم في الغالب بأيديهم، فاستعملَ الناسُ اليدَ في وصفِ الناسِ بالجودِ والبُخل. ويقالُ للبخيلِ : جَعْدُ الأَنَامِلِ ؛ مقبوضُ الكفِّ ؛ مكفوفُ الأصابعِ ؛ مغلولُ اليدَين، قال الشاعرُ : كَانَتْ خُرَاسَانُ أرْضاً إذ يَزِيدُ بهَا وَكُلُّ بَابٍ مِنَ الْخَيْرَاتِ مَفْتُوحُفَاسْتُبْدِلَتْ بَعْدَهُ جَعْداً أنَامِلهُ كَأَنَّمَا وَجْهُهُ بالْخَلِّ مَنْضُوحُوقولهُ تعالى :﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ جوابٌ عن كلامِهم على طريقِ المقابلَة في الازدواجِ ؛ أي أمسِكَتْ أيديهم عن الإنفاقِ في الخيرِ، وجُعِلُوا بُخلاءَ واليهودُ أبْخَلُ الناسِ، ولا أمَّةٌ أبخلُ منهم. ويقال : معنى (غُلَّتْ أيْدِيهمْ) أي غُلَّت إلى أعناقِهم في نار جهنم، ويقال : لا يخرجُ يهوديٌّ من الدنيا إلاّ وتصيرُ يدهُ مغلولةً إلى عنقه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾ أي عُذِّبوا بالجزيةِ، وطُردوا عن رحمةِ الله تعالى لقولهم :﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ؛ عبارةٌ عن الجودِ وكثرة العطيَّة لِمَن يشاءُ، كما يقالُ : فلان بَسْطُُ اليدَين، وبَاسِطُ اليدين إذا كان جَواداً يعطي يَمنَةً ويَسرَةً، وعن ابنِ عباس :(أنَّ مَعْنَاهُ : بَلْ نِعْمَتَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)، وأرادَ نعمةَ الدينِ والدنيا، وَقِيْلَ : نعمتهُ الظاهرةُ ونعمته الباطنة. وَقِيْلَ : أراد بالتثنيةِ في هذا للمبالغةِ في صفة النعمةِ. قال الأعشى : يَدَاكَ يَدَا مَجْدٍ فَكَفٌّ مُفِيدَةٌ وَكَفٌّ إذا مَا ضَنَّ بالْمَالِ تُنْفِقُوهذا كلُّه لأنَّ اليهود قصَدُوا تبخيلَ اللهِ، فحوسِبُوا على قدر كلامهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ ؛ دليلٌ على أن المرادَ بجواب اليهود بيانُ بسطِ النعمة، وأنَّ اللهَ يرزقُ كيف يشاءُ بحسب المصالحِ، فربَّما كان الصلاحُ في أن يعتَبروا، وربَّما كان في أن يُوسِّع، ولا يخلو حُكمه عن الحكمةِ. واعلم أن اليدَ في اللغة تتصرفُ على وجوهٍ ؛ منها : الجارحةُ وهي معروفةٌ، وتعالَى اللهُ عن الجوارحِ. ومنها : النعمةُ كما يقال : لفلانٍ علَيَّ يدٌ ؛ أي نعمةٌ. ومنها : القوةُ كما قال تعالى :﴿أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾

المائدة 5:65

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ ءَامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ ؛ أي ولو أنَّهم عمِلُوا بما في التوراةِ والإنجيل، ولم يكتُموا ما علمُوا من ذكرِ مُحَمَّد ﷺ فيها، وَعمِلُوا بـ ؛ ﴿وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ ؛ يعني القرآنَ الذي أنزل على كافَّة الناسِ، ﴿لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ ؛ أي لوسَّعنا عليهم الرزقَ بإنزالِ المطر من السماءِ، وإخراجِ النبات من الأرضِ والشجر والنباتِ. وفي الآيةِ بيانُ أن التُّقَى سببٌ لتوسعةِ الرزق، واستقامةِ الأمر في الدُّنيا والآخرة، ونظيرُ هذا قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ﴾[الأعراف: ٩٦] وقولهُ تعالى :﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾[الطلاق: ٢-٣]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ﴾ ؛ أي من أهلِ الكتاب أمَّةٌ عادلة، يعني جماعةٌ عادلة في القولِ، وهم الذين أسلَمُوا منهم، وهم ثمانيةٌ وأربَعون رجُلاً : النجاشيُّ وأصحابهُ من النَّصارى، وبَحِيرَا الراهبُ وأصحابهُ، وسَلمان الفارسيُّ وأصحابهُ، وعبدُالله بن سَلام وأصحابهُ، وجَبْرٌ مولَى قريشٍ، ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ ؛ أي كثيرٌ من أهلِ الكتاب ساءَ ما يعمَلون من كتمانِ نعت النبيِّ ﷺ وتكذيبهِ، وهم : كعبُ بن الأشرفِ وأصحابهُ وسوف تسوؤُهم أعمالهم يومَ القيامةِ إذا رأوا وبَالَها.

المائدة 5:66

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ ءَامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ ؛ أي ولو أنَّهم عمِلُوا بما في التوراةِ والإنجيل، ولم يكتُموا ما علمُوا من ذكرِ مُحَمَّد ﷺ فيها، وَعمِلُوا بـ ؛ ﴿وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ ؛ يعني القرآنَ الذي أنزل على كافَّة الناسِ، ﴿لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ ؛ أي لوسَّعنا عليهم الرزقَ بإنزالِ المطر من السماءِ، وإخراجِ النبات من الأرضِ والشجر والنباتِ. وفي الآيةِ بيانُ أن التُّقَى سببٌ لتوسعةِ الرزق، واستقامةِ الأمر في الدُّنيا والآخرة، ونظيرُ هذا قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ﴾[الأعراف: ٩٦] وقولهُ تعالى :﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾[الطلاق: ٢-٣]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ﴾ ؛ أي من أهلِ الكتاب أمَّةٌ عادلة، يعني جماعةٌ عادلة في القولِ، وهم الذين أسلَمُوا منهم، وهم ثمانيةٌ وأربَعون رجُلاً : النجاشيُّ وأصحابهُ من النَّصارى، وبَحِيرَا الراهبُ وأصحابهُ، وسَلمان الفارسيُّ وأصحابهُ، وعبدُالله بن سَلام وأصحابهُ، وجَبْرٌ مولَى قريشٍ، ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ ؛ أي كثيرٌ من أهلِ الكتاب ساءَ ما يعمَلون من كتمانِ نعت النبيِّ ﷺ وتكذيبهِ، وهم : كعبُ بن الأشرفِ وأصحابهُ وسوف تسوؤُهم أعمالهم يومَ القيامةِ إذا رأوا وبَالَها.

المائدة 5:67

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿يَـاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ ؛ خِطَابٌ للنبيِّ ﷺ وأمرٌ له أن يبلِّغَ الناسَ جميعَ ما أنزل إليه من ربه من القرآنِ. قَوْلُهُ تَعَالََى :﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ؛ معناهُ : إن لم تبلِّغْ آيةً مما أنزلَ إليك، أو حُكماً أمِرتَ بتبليغهِ إليهم، فكأنَّكَ لم تبلِّغْ شَيئاً من الرسالةِ ؛ أي يحصلُ لك الثوابُ الموعود على تبليغِ الرسالة من قبل، وإنَّ كتمانَ آية واحدةٍ تحبطُُ ثوابَ ما بلَّغَ من الرسالةِ. يقالُ : إنَّ في هذه الآيةِ دَليلاً على أن النبيَّ ﷺ كان إذا أمر بشيءٍ خاص تأنَّى قَليلاً عن تبليغهِ حَذراً وخوفاً أن يبتليَهُ اللهُ، كما ابتلَى قبلَهُ إبراهيمَ بالنار وإسماعيلَ بالذبحِ وزكريَّا ويحيى بالقتلِ، وكان ﷺ عَازماً على فعلِ ما أُمر به مع خوفهِ، فقيلَ له إن لم تفعَلْ ما أمرت به من دعوتِهم إلى الإسلامِ، وعبتَ دينَهم فقد بطلَ جميعُ ما فعلتَ من قبلِ التبليغِ، كأنَّك لم تبلِّغْ شيئاً من الرسالةِ، ولهذا قرأ نافعُ وابن عامر وعاصم :(رِسَالاَتِهِ) بلفظ الجمعِ، وقد يُذكر الواحد ويراد به الجماعةُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ؛ أمانٌ من اللهِ للنبيِّ ﷺ كيلاَ يخافَ ولا يحذرَ، كما رُوي في الخبرِ :" أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا دَخَلَ الْمَدِيْنَةَ قَالَتْ لَهُ الْيَهُودُ : يَا مُحَمَّدُ إنَّا ذوُو عُدَدٍ وَنَاسٍ، فَإنْ لَمْ تَرْجِعْ قَابَلْنَاكَ، وإنْ رَجَعْتَ زَوَّدْنَاكَ وَأكْرَمْنَاكَ. فَكَانَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَحْرِسُهُ مِائَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَار يَبيتُونَ عِنْدَهُ، وَيُخْرُجُونَ مَعَهُ خَوْفاً مِنَ الْيَهُودِ، فَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ :﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ عَلِمَ أنَّ اللهَ يَحْفَظُهُ مِنْ كَيْدِ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ، فَقَالَ لِلْمُهَاجِرِيْنَ وَالأنْصَارِ :" انْصَرِفُوا إلَى رِجَالِكُمْ، فَإنَّ اللهَ قَدْ عَصَمَنِي مِنَ الْيَهُودِ " فَكَانَ ﷺ عِنْدَ ذلِِكَ يَخْرُجُ وَحْدَهُ فِي أوَّلِ اللَّيْلِ وَعِنْدَ السَّحَرِ إلَى أوْدِيَةِ الْمَدِيْنَةِ وَحَيْثُ مَا شَاءَ، فَعَصَمَهُ اللهُ مَعَ كَثْرَةِ أعْدَائِهِ وَقِلَّةِ أعْوَانِهِ، فَعَاشَ حَمِيداً وَمَاتَ سَعِيداً صلى الله عليه وسلم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ؛ أي لا يُرْشِدُهم إلى دينهِ وحُجَّته، ولا يهدِيهم إلى طريقِ الجنة في الآخرةِ.

المائدة 5:68

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ يَـاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ؛ أي لستُم على شيءٍ من الدِّين والثواب إلاّ أن تُقرُّوا بما في التوراةِ والإنجيل من نعتِ مُحَمَّدٍ ﷺ ومبعَثهِ ونبوَّتهِ وسائرِ الأحكام التي فيها، وتُقِرُّوا بالقرآنِ الذي أنزلَ على كافَّة الناس من ربهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ ؛ قد ذكرنَا تفسيرَهُ، ﴿فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ؛ أي ليس عليكَ إلاَّ تبليغُ الرسالةِ فلا تحزَنْ عليهم إن كذبوكَ ؛ أي لا تحزَنْ على هلاكِهم إذا أهلكنَاهم.

المائدة 5:69

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ؛ معنى الآيةِ : إنَّ الذين آمَنُوا بألسِنَتِهم ولم تؤمِنْ قلوبُهم، والذين مَالُوا عن الإسلامِ وسُمُّوا باليهوديَّة، والذين صَبَتْ قلوبُهم، وهم صِنْفٌ من النصارَى يقال لهم السَّابحون يحلقون أوساطَ رُؤوسِهم. ويقال : الصَّابئُ هو الخارجُ من ملَّة فيها أمةٌ عظيمة إلى ملَّة فيها شرذمةٌ قليلة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ أي من آمَنَ من هذه الفرقِ بالله وبجميعِ ما أنزل اللهُ، والبعثِ بعد الموتِ، وعَمِلَ صالحاً فيما بينَهُ وبين اللهِ، فلا خوفٌ عليهم، حيث يخافُ أهلُ النار، ولا هم يحزَنون حيث يحزنُ أهل النار. وأما الرفعُ في قولهِ :(وَالصَّابئُونَ) : فقال الكسائيُّ : هو نسَقٌ على المضمرِ في (هَادُوا) تقديرهِ : هادُوهم والصائبون. وقال الخليلُ وسيبويه والبصريُّون قوله :﴿وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئُونَ﴾ مرفوعٌ بالابتداءِ ؛ تقديرهُ : إنَّ الذين آمَنُوا ومن آمَنَ مِن الذين هَادُوا والصابئون والنصارَى، مَن آمَن بالله واليوم الآخرِ. وَقِيْلَ : إنما رُفِعَ لأنه عُطِفَ على (الَّذِينَ) قبل دخولِ (إنَّ) ؛ لأنه لا يُحِدثُ معنى، كما تقولُ : زيدٌ قائمٌ، وإنَّ زَيداً قَائِمٌ معناهُما واحدٌ. وقرأ الحسنُ :(إنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتُهُ) برفع التاءِ. وأما نفيُ الحزنِ عن المؤمنين ها هنا، فقد ذهبَ بعض المفسِّرين إلى أنه لا يكون عليهم حزنٌ في الآخرةِ ولا خوفٌ، ونظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ﴾[فصلت: ٣٠]. وقال بعضُهم : إنَّ المؤمنين يخافون ويحزَنون لقولهِ تعالى :﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ﴾[الحج: ٢] وقولهُ تعالى :﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾[عبس: ٣٤-٣٥]. وقال ﷺ :" يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً " فَقَالَتْ عَائِشَةُ : وَاسَوْأتَاهُ! فَقَالَ ﷺ :" أمَا سَمِعْتِ قَوْلَهُ تَعَالَى :﴿لِكُلِّ امْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ " قالُوا : وإنما نفَى اللهُ تعالى في هذه الآيةِ الحزنَ عن المؤمنين ؛ لأن حزنَهم لِما كان يعرض الزوالَ، ولم يكن له بقاءٌ معهم لم يعتدَّ بذلك.

المائدة 5:70

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ؛ أي أخَذنا عهدَ بني إسرائيلَ على أن يعمَلُوا بما في التوراةِ والإنجيلِ، وكل نبيٍّ يبعثهُ الله إلى قومهِ فآمِنوا به، فذلك أخذُ ميثاقِهم، ﴿وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ﴾ ؛ أي كلَّما جاءَهم رسولٌ بما لا يوافقُ هوَاهم ولا ما هُم عليهِ، ﴿فَرِيقاً كَذَّبُواْ﴾ ؛ أي كذبوا جماعةً من الرُّسل مثلَ عيسى ومُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمَا، ﴿وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ﴾ ؛ مثلَ زكريَّا ويحيى عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ.

المائدة 5:71

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ؛ أي ظنُّوا ألاَّ يكون عَذاباً وعقوبةً، وَقِيْلَ : ابتلاءً بسبب قتلِهم الأنبياء وتكذيبهم الرسُلَ. من قرأ (يَكُونَ) بالنصب فمعنى (أنْ يَكونَ)، ومن قرأ بالرفعِ فمعناهُ :(أنَّهُ لاَ يَكُونُ) أي فحَسِبُوا أنَّ فعلَهم غيرُ فاتنٍ لهم، ﴿فَعَمُواْ وَصَمُّواْ﴾ ؛ عن الحقِّ ؛ أي عَمِلُوا معاملةَ الأعمى الذي لا يُبصر، والأصمَّ الذي لا يسمعُ، فصاروا كالعُمْيِ والصُّمِّ. ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ أي تجاوزَ عنهم بأن أرسلَ إليهم مُحَمَّداً ﷺ يُعلِمُهم أنه قد تابَ عليهم إن آمَنُوا وصدَّقُوا فلم يؤمِنْ أكثَرُهم، ويقال : دَانُوا بعد ذلك وتابُوا من الكفرِ فقَبلَ اللهُ توبتَهم، فلمَّا بعثَ اللهُ مُحَمَّداً ﷺ وجاءَهم ما عرَفُوا كفَرُوا بهِ، فذلك قولهُ :﴿فَعَمُواْ وَصَمُّواْ﴾ أي عَمُوا عن الهدَى، وصَمُّوا عن الحقِّ بعد أنِ ازدادَ لهم الأمرُ وضوحاً بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ ؛ بدلٌ من الواوِ في قوله (عَمُوا) كأنه قالَ : عَمِيِ وصَمَّ كثيرٌ منهم، وهذا كما يقالُ : جاءَني قومُكَ أكثرُهم، وقوله :﴿كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ يقتضي في المرة الثانيةِ أنَّهم لم يكفُروا بأكملِهم، وإنما كفَرَ أكثرُهم، كما قالَ تعالى :﴿لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ﴾[آل عمران: ١١٣] وقال تعالى :﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ﴾[المائدة: ٦٦]. ويُحكى عن بعضِ أهل اللُّغة جوابَ جمعِ الفعل متقدِّماً على الاسمِ، كما يقالُ : أكَلُونِي البراغيثُ، ويجوزُ أن يكون (كَثِيرٌ) خبرُ مبتدأ محذوفٍ ؛ معناهُ : العميُ والصمُّ كثيرٌ منهم. وقوله :﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ؛ أي بما تعمَلون من التكذيب ونقضِ الميثاق وتحريف الكلام.

المائدة 5:72

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ؛ نزَلت في نصارَى نَجران السيِّدِ والعاقب ومَن معهُما، وهم الماريعقوبيَّة ؛ قالوا : إنَّ اللهَ هو المسيحُ بن مريمَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ ؛ إعلامٌ من اللهِ تعالى أن المسيحَ دعاهم إلى توحيدِ الله تعالى، وأعلمَهم أنَّ شيئاً حالهُ في أمه مربوبٌ كحالهم، وأعلمَهم أن مَن أشركَ مع اللهِ شيئاً غيرَهُ فهو كافرٌ من أهلِ النار، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ أي وحِّدوهُ، فهو خالِقي وخالقُكم ورازقي ورازقُكم. ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ﴾ ؛ أن يدخلَها، ﴿وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ؛ ومصيرهُ في الآخرة النارُ، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ ؛ أي ما للمشرِكين من مانعٍ يمنعُهم من عذاب الله. ثم بيَّن اللهُ كُفرَ الفريقِ الآخر من النَّصارى، وهم المرقُوشيَّة، فقال عَزَّ وَجَلَّ :﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ ؛ أي أحدُ ثلاثةٍ : أبٌ ؛ وابنٌ ؛ وروحُ قدسٍ، ﴿وَمَا مِنْ إِلَـاهٍ إِلاَّ إِلَـاهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ﴾ ؛ أي المنافقون ؛ ﴿عَمَّا يَقُولُونَ﴾ ؛ من مقالتِهم الأُولى والثانية، ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ؛ أي ليُصِيبَنَّ الذين أقَامُوا على مقالةِ الكفر، ﴿مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ وجيعٌ يخلصُ وجعه إلى قلوبكم.

المائدة 5:73

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ؛ نزَلت في نصارَى نَجران السيِّدِ والعاقب ومَن معهُما، وهم الماريعقوبيَّة ؛ قالوا : إنَّ اللهَ هو المسيحُ بن مريمَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ ؛ إعلامٌ من اللهِ تعالى أن المسيحَ دعاهم إلى توحيدِ الله تعالى، وأعلمَهم أنَّ شيئاً حالهُ في أمه مربوبٌ كحالهم، وأعلمَهم أن مَن أشركَ مع اللهِ شيئاً غيرَهُ فهو كافرٌ من أهلِ النار، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ أي وحِّدوهُ، فهو خالِقي وخالقُكم ورازقي ورازقُكم. ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ﴾ ؛ أن يدخلَها، ﴿وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ؛ ومصيرهُ في الآخرة النارُ، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ ؛ أي ما للمشرِكين من مانعٍ يمنعُهم من عذاب الله. ثم بيَّن اللهُ كُفرَ الفريقِ الآخر من النَّصارى، وهم المرقُوشيَّة، فقال عَزَّ وَجَلَّ :﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ ؛ أي أحدُ ثلاثةٍ : أبٌ ؛ وابنٌ ؛ وروحُ قدسٍ، ﴿وَمَا مِنْ إِلَـاهٍ إِلاَّ إِلَـاهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ﴾ ؛ أي المنافقون ؛ ﴿عَمَّا يَقُولُونَ﴾ ؛ من مقالتِهم الأُولى والثانية، ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ؛ أي ليُصِيبَنَّ الذين أقَامُوا على مقالةِ الكفر، ﴿مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ وجيعٌ يخلصُ وجعه إلى قلوبكم.

المائدة 5:74

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ ؛ أوَّلُ هذه الآيةِ استفهامٌ، ومعناها الآمرُ ؛ أي تُوبوا إلى اللهِ عن النصرانيَّة، واستغفروهُ من هذه المقالةِ الشَّنيعة، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ ؛ لِمَن تابَ وآمَنَ، ﴿رَّحِيمٌ﴾ ؛ بمَن ماتَ على التَّوبة.

المائدة 5:75

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ؛ أي ما المسيحُ إلاَّ رسولٌ من رُسُلِ اللهِ، فإنَّ إبراءَ الأَكْمَهِ والأبرصِ، وإتيانهِ بالمعجزات كما أتَى موسَى بالمعجزاتٍ ؛ أي الآياتِ، وكما أتَى إبراهيمُ عليه السلام وغيرهما من الأنبياءِ، فلو وَجبت عبادةُ الأنبياءِ لظهور المعجزاتِ عليه لوجبت عبادةُ سائرِ الأنبياء واتخاذُهم آلهةً بسبب المعجزات، ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ ؛ أي كَثيرَةُ الصِّدق والتصدُّقِ، وذلك أنَّ جبريلَ عليه السلام أتَاها فقالَ لها : إنَّمَا أنَا رَسُولُ رَبكِ ؛ فصدَّقَتْهُ، كما قال تعالى :﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾[التحريم: ١٢]. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ﴾ ؛ بيانُ أنَّهما كانا مُحدَثَين محتاجَين، وهذا احتجاجٌ بيِّنُ على القومِ في أنه لم يكن إلَهاً ؛ لأنَّ اللهَ تعالى وَصَفَهُ في الآيةِ بصفاتٍ تُنافِي الآلهيَّة، منها : أنَّهُ رسولٌ بعدَ أن لم يكُنْ، ومنها : أنه كسائرِ الرُّسل فيما ظَهرت منه وعليه، ومنها : أنه مولودٌ من أمٍّ، ومنها : أنَّهما كَانا يعِيشان بالغداءِ كما يعيشُ سائر الآدميِّين، وكيف يكون إلَهاً مَن تكون حياتهُ بالحيلةِ ولا يقيمهُ إلاّ أكلُ الطعامِ. ومنها ما قالوا : إنَّ أكلَ الطعامِ في الآية كنايةٌ عن قضاءِ الحاجة ؛ لأن الذي يأكلُ الطعامَ لا بدَّ له من قضاءِ الحاجة. فكلُّ هذه الصفاتِ دلالةٌ على كونهِ عَبداً مخلوقاً مربُوباً مستحيلاً أن يكون إلَهاً قَديماً، تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوّاً كَبيراً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ﴾ ؛ أي انظُرْ يا مُحَمَّدُ كيف نبيِّنُ لهم العلاماتِ في أمر عيسَى أن لم يكُنْ إلَهاً ولا ابناً له ولا ثالثَ ثلاثةٍ، ﴿ثُمَّ انْظُرْ﴾ ؛ يا مُحَمَّدُ، ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ؛ أي مِن أين يُصرَفون عن الحقِّ الواضح إلى الباطلِ. وَالإفْكُ : هو الصَّرْفُ، كلُّ شيء صَرَفْتَهُ فهو مأْفُوكٌ، تقولُ : أفَكْتُهُ عَنْهُ أفَكَهُ إفكاً، ويسمَّى الكذبُ إفْكاً ؛ لأنه يصرفُ عن الحقِّ.

المائدة 5:76

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً﴾ ؛ أي قُل يا مُحَمَّدُ لهؤلاء النَّصارى ومَن سَلَكَ طريقتَهم واتَّخذ غيرَ اللهِ إلهاً : أتَعبُدون من دونِ الله ما لا يقدرُ على دفعِ ضُرٍّ عنكم ولا جرَّ نفعٍ إليكم، ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ ؛ لِمقالتِكم فِي عيسى عليه السلام وأمِّه، ﴿الْعَلِيمُ﴾ ؛ بكم وبعقوبتِكم.

المائدة 5:77

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قُلْ يَـاأَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ ؛ أي قُل لَهم يا مُحَمَّدُ : لا تتجَاوَزُوا الحدَّ في دينِكم إلى غيرِ الحقِّ فتقولوا : هل فعلَ أحدٌ مثلَ فعلِ عيسى ؟ وتجعَلُوا للهِ وَلداً ؟ فإنه ليس بحقٍّ، ويقالُ : هذا خطابٌ لليهودِ والنصارى ؛ أي لا ترفَعُوا عيسَى عليه السلام عن درجةِ النبُوَّة إلى درجةِ الرُّبوبيَّة، ولا تَحُطُّوهُ عن درجتهِ فتقولوا : إنه مولودٌ على غيرِ رُشدهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ﴾ ؛ أي لا تتَّبعوا شَهواتِ أوليائِكُم ورُؤسَائِكُمْ، ولا تُؤثِرُوا الهوَى على البيان والبرهان، ﴿وَأَضَلُّواْ كَثِيراً﴾ ؛ من السَّفلة الذين أطَاعُوهم، ﴿وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ﴾ ؛ وأصَرُّوا على ضلالتِهم عن قصدِ الطريق.

المائدة 5:78

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ؛ أي طُرِدَ الذين كَفَرُوا من بني إسرائيلَ وبُوعِدُوا من رحمةِ الله، ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ﴾ ؛ أي بدُعائه عليهم حين اعتَدوا في السَّبتِ، فمسخَهم اللهُ قردةً. ﴿وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، أي ولُعِنُوا بدُعاء عيسى حين كفَرُوا بعد ذلكَ بالمائدةِ فمسخَهم اللهُ خَنازيرَ، ﴿ذلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ ؛ ذلك اللَّعنُ والتعذيبُ بعصيانِهم واستحلالِهم المعاصي وقتلِهم الأنبياءَ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ بغيرِ حقٍّ. ثم بيَّن اللهُ تعالى سببَ المعصية والكفرِ، فقال تعالى :﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ ؛ أي لا ينهَى بعضُهم بعضاً عن قبيحٍ يعملونَهُ، واصطَلَحوا على الكفِّ عن نَهي المنكرِ، ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ ؛ ودخولُ اللامِ في (لَبئْسَ) للقسَمِ والتوكيدِ.

المائدة 5:79

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ؛ أي طُرِدَ الذين كَفَرُوا من بني إسرائيلَ وبُوعِدُوا من رحمةِ الله، ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ﴾ ؛ أي بدُعائه عليهم حين اعتَدوا في السَّبتِ، فمسخَهم اللهُ قردةً. ﴿وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، أي ولُعِنُوا بدُعاء عيسى حين كفَرُوا بعد ذلكَ بالمائدةِ فمسخَهم اللهُ خَنازيرَ، ﴿ذلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ ؛ ذلك اللَّعنُ والتعذيبُ بعصيانِهم واستحلالِهم المعاصي وقتلِهم الأنبياءَ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ بغيرِ حقٍّ. ثم بيَّن اللهُ تعالى سببَ المعصية والكفرِ، فقال تعالى :﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ ؛ أي لا ينهَى بعضُهم بعضاً عن قبيحٍ يعملونَهُ، واصطَلَحوا على الكفِّ عن نَهي المنكرِ، ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ ؛ ودخولُ اللامِ في (لَبئْسَ) للقسَمِ والتوكيدِ.

المائدة 5:80

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلََّ :﴿تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ؛ ترَى يا مُحَمَّدُ كَثيراً من اليهودِ يُوالون مُشرِكي العرب على مُعاداتِكَ ومحاربتِكَ، يعني كعبَ بن الأشَرفِ وأصحابَهُ. وَقِيْلَ : معناهُ : ترَى كثيراً من المنافقين يتولُّون اليهودَ، ﴿لبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾ ؛ أي بئْسَ ما عمِلُوا لأنفسهم حين، ﴿أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ وموضعُ (أنْ سَخِطَ) نَصْبٌ على تأويلِ بئسَ الشيءُ ذلك لإن أكسبَهم السُّخْطَ، فانتصبَ (أنْ) بلامِ (كَيْ)، ويجوزُ أن يكون موضعهُ رَفعاً على إضمار (هُوَ) تقديرهُ : هُوَ أنْ سَخِطَ اللهُ عليهم، ﴿وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ ؛ أي مُقيمون دائمون.

المائدة 5:81

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله﴾ ؛ معناهُ : لو كان اليهودُ يصدِّقون بوحدانيَّة اللهِ تعالى :﴿والنَّبِيِّ﴾، وبمُحَمَّدٍ ﷺ، ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ ؛ أي والقرآنِ الذي أنزل إليه ؛ ﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ﴾، ما اتَّخذوا كفارَ قُرَيشٍ وسائرَ عَبَدَةِ الأوثانِ أحبَّاءَ في العونِ والنُّصرة على حربِ النبيِّ ﷺ ﴿وَلَـاكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ﴾ ؛ من اليهودِ ؛ ﴿فَاسِقُونَ﴾ ؛ خارجون عن الطاعةِ، ناقِضُوا العهدِ.

المائدة 5:82

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ ؛ أي لتجدنَّ يا مُحَمَّدُ أشدَّ الناسِ عداوةً لكَ وللذين آمَنُوا اليهودَ، وهم يهودُ بني قُريظَة وبني النضير وفدك وخيبرَ، كانوا أشدَّ اليهودِ عداوةً للنبيِّ ﷺ وللمؤمنين. ورُوي عن رسولِ الله ﷺ أنه قالَ :" مَا خَلاَ يَهُودِيَّانِ بمُسْلِمٍ إلاَّ هَمَّا بقَتْلِهِ " قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ يعني مُشركي العرب كانوا في العداوةِ مثلَ اليهودِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى﴾ ؛ لم يرِدْ جميعَ النَّصارى مع ما هم فيه من عداوةِ المسلمين، وتخريب بلادِهم وهدمِ مساجدهم وقتلِهم وأسرِهم وأخذِ مصاحفهم. وإنما نزَلت هذه الآيةُ في النجاشيِّ وأصحابهِ. قال ابنُ عبَّاس وسعيدُ بن جبير والسديُّ :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي النَّجَاشِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَكَانَ النَّجَاشِيُّ مَلِكَ الْحَبَشَةِ نَصْرَانِيّاً قَبْلَ ظُهُور الإسْلاَمِ، ثُمَّ أسْلَمَ هُوَ وَأصْحَابُهُ). قال المفسرون : ائتمَرَتْ قريشُ أن يَفِتنُوا المسلمين عن دِينهم، فوثَبتْ كلُّ قبيلةٍ على مَن فيهم مِن المسلمين، يؤذونَهم ويعذِّبونَهم فافتتنَ كثيرٌ، وعَصَمَ اللهُ من شاءَ منهم، ومنَعَ اللهُ النبيَّ ﷺ بعمِّه أبي طالبٍ، فلمَّا رأى رسولُ الله ﷺ ما بأصحابهِ، ولم يقدِرْ على مَنعِهم ولم يُؤمَرْ بالجهادِ، أمرَهم بالخروجِ إلى أرضِ الحبشةِ، وقَالَ :[إنَّ بهَا مَلِكاً صَالِحاً لاَ يَظْلِمُ وَلاَ يُظْلَمُ عِنْدَهُ أحَدٌ، فَاخْرُجُوا إلَيْهِ حَتَّى يَجْعَلَ اللهُ لِلمُسْلِمِينَ فَرَجاً]، وأرادَ به النجاشيَّ واسمهُ أصْحَمَةُ، وهوَ بالحبشيَّة عطيَّة، وإنما النجاشيُّ اسمُ الملكِ، كقولهِم : كِسرَى وقَيصَرَ. فخرجَ إليه سِرّاً أحدَ عشر رجلاً وأربعُ نسوةٍ، وهم عثمانُ بن عفَّان وامرأتهُ رُقَيَّةُ بنتُ رسولِ الله ﷺ، والزُّبير، وعبدُالله بن مسعودٍ، وعبدُالرحمن بن عَوفٍ، وأبو حُذيفة بن عقبةَ وامرأتهُ سَهلَةُ بنت سُهيل، ومصعبُ بن عُمَير، وأبو سَلَمَة وامرأتهُ أمُّ سَلمة، وعثمانُ بن مظعونٍ، وعامرُ بن رَبيعة وامرأتهُ لَيلَى بنتُ جَثْمَةَ، وحَاطبُ بن عمرَ، وسُهيل بن بيضاءَ. فخرَجُوا إلى البحرِ وأخَذُوا سفينةً بنصفِ مثقالٍ إلى الحبشةِ، وذلك في رَجب في السَّنة الخامسةِ من عهد رسولِ الله ﷺ، وهذه الهجرةُ الأُولى. ثم خرجَ جعفرُ بن أبي طالبٍ وتتابعَ المسلمون، وكان جميعُ مَن هاجرَ إلى الحبشةِ من المسلمين اثنينِ وثَمانين رجُلاً سوَى النِّساء والصبيان، فلما عِلمَتْ قريشُ بذلك وجَّهت عمرَو بن العاصِ وصاحبَهُ بالهدايا إلى النجاشيِّ وإلى بَطَارقَتِهِ ليردُّوهم إليهم، فعصمَهم اللهُ تعالى، وقد ذكرنا هذه القصَّة في سورةِ آل عِمرانَ. فلمَّا انصرفَا خَائِبَين أقامَ المسلمون هناك بخيرِ دار وأحسنِ جوار إلى أن هاجرَ رسولُ الله ﷺ وعَلاَ أمرهُ، وذلك في سَنة ستٍّ من الهجرةِ.

المائدة 5:83

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(هُمْ أرْبَعُونَ رَجُلاً قَدِمُوا مَعَ جَعْفَرَ ابْنِ أبي طَالِبٍ، وَاثْنَانِ وَثَلاَثُونَ مِنَ الْحَبَشَةِ، وَثَمَانِيَةٌ مِنَ الشَّامِ، فَلَمَّا قَرَأ عَلَيْهِمُ النَّبيُّ ﷺ الْقُرْآنَ عَرَفُوهُ، فَرَقُّوا لَهُ فَفَاضَتْ أعْيُنُهُمْ وَلَمْ يَسْتَكْبرُواْ أنْ يَدْخُلُواْ فِي دِينِهِ). ومعنَى الآيةِ : وإذا سَمِعوا القرآنَ ترَى الدمعَ يسيلُ من أعيُنِهم بمعرفتهم الحقَّ من صفةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونعتهِ في كتابهم، ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا﴾ ؛ أي صدَّقنا بوحدانيَّتِكَ وكتابكَ ورسولِكَ، ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ ؛ أي مَع مَن شَهِدَ من أنبيائِكَ ومؤمنِي عبادِكَ بأنَّكَ واحدٌ لا إلهَ غيرك ؛ أي اجعَلنا في جُملتهم. قال ابنُ عبَّاس :(فَلَمَّا رَجَعُوا إلَى قَوْمِهِمْ لاَمُوهُمْ عَلَى الإيْمَانِ بمُحَمَّدٍ ﷺ والقرآن وَقَالَوا لَهُمْ : تَرَكْتُمْ مِلَّةَ عِيسَى عليه السلام وَدِينَ آبَائِكُمْ، فَرَدُّوا عَلَيْهِمْ كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ ؛ أي نحن نرجو أن يُدخِلَنا ربُّنا في الآخرةِ مع صالِحي أمَّة مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.

المائدة 5:84

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(هُمْ أرْبَعُونَ رَجُلاً قَدِمُوا مَعَ جَعْفَرَ ابْنِ أبي طَالِبٍ، وَاثْنَانِ وَثَلاَثُونَ مِنَ الْحَبَشَةِ، وَثَمَانِيَةٌ مِنَ الشَّامِ، فَلَمَّا قَرَأ عَلَيْهِمُ النَّبيُّ ﷺ الْقُرْآنَ عَرَفُوهُ، فَرَقُّوا لَهُ فَفَاضَتْ أعْيُنُهُمْ وَلَمْ يَسْتَكْبرُواْ أنْ يَدْخُلُواْ فِي دِينِهِ). ومعنَى الآيةِ : وإذا سَمِعوا القرآنَ ترَى الدمعَ يسيلُ من أعيُنِهم بمعرفتهم الحقَّ من صفةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونعتهِ في كتابهم، ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا﴾ ؛ أي صدَّقنا بوحدانيَّتِكَ وكتابكَ ورسولِكَ، ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ ؛ أي مَع مَن شَهِدَ من أنبيائِكَ ومؤمنِي عبادِكَ بأنَّكَ واحدٌ لا إلهَ غيرك ؛ أي اجعَلنا في جُملتهم. قال ابنُ عبَّاس :(فَلَمَّا رَجَعُوا إلَى قَوْمِهِمْ لاَمُوهُمْ عَلَى الإيْمَانِ بمُحَمَّدٍ ﷺ والقرآن وَقَالَوا لَهُمْ : تَرَكْتُمْ مِلَّةَ عِيسَى عليه السلام وَدِينَ آبَائِكُمْ، فَرَدُّوا عَلَيْهِمْ كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ ؛ أي نحن نرجو أن يُدخِلَنا ربُّنا في الآخرةِ مع صالِحي أمَّة مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.

المائدة 5:85

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ﴾ ؛ أي جازَاهم اللهُ بأنْ أوجبَ لهم الجنةَ في الآخرةِ بقولهم (رَبَّنَا آمَنَّا)، وقولِهم :(وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ باللهِ). ﴿جَنَّاتٍ﴾ ؛ أي بساتين، ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ؛ تجري من تحت شجرِها ومساكنها وغُرَفِها أنْهَارُ الماءِ والعسل والخمرِ واللبن، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَذالِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ ؛ أي ذلك الثوابُ جزاءُ الموحِّدين المخلصين.

المائدة 5:86

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ﴾ أي الذين جَحَدوا وكذبوا بمُحَمَّدٍ ﷺ والقرآنِ فماتوا على ذلك، فـ ﴿أُوْلَـئِكَ﴾، هم، ﴿أَصْحَابُ﴾، أهل، ﴿الْجَحِيمِ﴾ ؛ النار الشَّديدة الوقودِ.

المائدة 5:87

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ؛ قال المفسِّرون :(جَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْماً، فَذَكَرَ النَّارَ وَوَصَفَ الْقِيَامَةَ، فَرَقَّ النَّاسُ وَبَكَواْ، فَاجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ أصْحَاب رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُمْ أبُو بَكْرٍ ؛ وَعُمَرَ ؛ وَعَلِيٌّ ؛ وَعَبْدُاللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ؛ وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ الْجَمْحِيُّ ؛ وَالْمِقْدَادُ ؛ وَعَبْدُاللهِ بْنُ عُمَرَ ؛ وَأبُو ذرٍّ ؛ وَسَالِمُ مَوْلَى أبي حُذَيْفَةَ ؛ وَسَلْمَانُ الْفَارسِيُّ ؛ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ؛ وَمَعْقِلُ بْنُ مُصَرِّفٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، تَوَاثَقُوا فِي دَار عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ أنْ يَصُومُوا النَّهَارَ وَيَقُومُوا اللَّيْلَ، وَيَرْفُضُوا الدُّنْيَا، وَيَسِيحُوا فِي الأَرْضِ، وَيَجُبُّوا مَذاكِيرَهُمْ وَيَعْتَزِلُوا النِّسَاءَ، وَلاَ يَأْكُلُواْ لَحْماً وَلاَ دَسَماً، وَيَلْبَسُوا الْمُسُوحَ. فَبَلَغَ ذلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللهُ فِيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ). ومعناها : لا تحرِّموا على أنفُسِكم طيِّبات ما أحلَّ اللهُ لكم من الطعام والشراب واللباسِ والجماع، ولا تظلِمُوا أنفسكم بقطعِ المذاكيرِ، ﴿وَلاَ تَعْتَدُواْ﴾ ؛ أي لا تُجاوزوا حدودَ اللهِ بتحريم حلالهِ، فإن مُحَرِّمَ ما أحلَّ اللهُ، كمُحِلِّ ما حرَّمَ اللهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ؛ أي لا يرضَى عمل المعتدِين على أنفُسِهم المتجاوزين حدودَ الله.

المائدة 5:88

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَـالاً طَيِّباً﴾ ؛ أي كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ من الطعامِ والشراب حلالاً أحلَّهُ الله لكم، ﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. وَقِيْلَ :" أنَّهُ لما بلغَ رسولَ الله ﷺ خبرُهم ؛ أتَى دَارَ عُثْمَانَ بْنَ مَضْعُونٍ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَقَالَ لامْرَأةِ عُثْمَانَ بْنِ مَضْعُونٍ - أمِّ حَكِيمٍ بنْتِ أمَيَّةَ وَاسْمُهَا الْخَوْلَةُ وَكَانَتْ عَطَّارَةً - :" أحَقٌّ مَا بَلَغَنِي عَنْ زَوْجِكِ وَأصْحَابهِ ؟ " فَكَرِِهَتْ أنْ تَكْذِبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ وَكَرِهَتْ أنْ تُبْدِيَ خَبَرَ زَوْجِهَا ؛ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللهِ! إنْ كَانَ أخْبَرَكَ عُثْمَانُ فَقَدْ صَدَقَ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَلَمَّا جَاءَ عثْمَانُ أخْبَرَتْهُ زَوْجَتُهُ بذلِكَ، فَعَنِيَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَأَلَهُ النَّبيُّ ﷺ عَنْ ذلِكَ، فَقَالَ : نَعَمْ. فَقَالَ عليه السلام :" أمَّا أنَا ؛ فَلَمْ أوْمَرْ بذلِكَ، إنَّ لأَنْفُسِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقّاً ؛ فَصُومُوا وَأفْطِرُواْ ؛ وَقُومُواْ وَنَامُواْ، فَأَنَا أقُومُ وَأنَامُ، وَأصُومُ وَأفْطِرُ، وَآكُلُ اللَّحْمَ وَالدَسَمَ، وآتِي النِّسَاءَ، مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ". ثُمَّ جَمَعَ النَّاسَ وَخَطَبَهُمْ وَقَالَ :" مَا بَالُ قَوْمٍ حَرَّمُوا النِّسَاءَ وَالطَّعَامَ الطَّيِّبَ وَالنَّوْمَ، أمَّا أنَا فَلاَ آمُرُكُمْ أنْ تَكُونُوا قِسِّيسِينَ أوْ رُهْبَاناً، فَإنَّهُ لَيْسَ مِنْ دِينِي تَرْكُ اللَّحْمِ وَالنِّسَاءِ، وَاتِّخَاذُ الصَّوَامِعِ، فَإنَّ سِيَاحَةَ أمَّتِي الصَّوْمُ، وَرَهْبَانِيَّتَهُمُ الْجِهَادُ، فَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بهِ شَيْئاً، وَحُجُّوا وَاعْتَمِرُواْ وَأقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَصُومُوا رَمَضَانَ، وَاسْتَقِيمُوا لِيَسْتَقِيمَ لَكُمْ، فَإنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بالتَّشْدِيدِ، شَدَّدُواْ عَلَى أنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ ". وعن سعيدِ بن المسيِّب ؛ قال :" جَاءَ عُثْمَانُ بْنُ مَضْعُونٍ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فََقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي بأَنْ أخْتَصِي، قَالَ :" مَهْلاً يَا عُثْمَانُ! إنَّ اخْتِصَاءَ أمَّتِي الصِّيَامُ]. قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أنْ أتَرَهَّبَ فِي رُؤُوسِ الْجِبَالِ، قَالَ :" مَهْلاً يَا عُثْمَانَ! فَإنَّ تَرَهُّبَ أمَّتِي الْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ لانْتِظَار الصَّلاَةِ ". قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أنْ أخْرُجَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ. قَالَ :" مَهْلاً يَا عُثْمَانُ! فَإنَّ صَدَقَتَكَ يَوْمٌ بيَوْمٍ، وَتَعِفُّ بنَفْسِكَ وَعِيَالِكَ، وَتَرْحَمُ الْمَسَاكِينَ وَالْيَتِيْمَ، فَتُعْطِيهِمَا أفْضَلُ مِنْ ذلِكَ ". قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّ نَفْسِي تُحَدَّثُنِي أنْ أطَلِّقَ امْرَأتِي خَوْلَةَ. قَالَ :" مَهْلاً يَا عُثْمَانُ! فَإنَّ الْهِجْرَةَ فِي أمَّتِي مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ، أوْ هَاجَرَ إلَيَّ فِي حَيَاتِي، أوْ زَارَ قَبْرِي بَعْدَ وَفَاتِي، أوْ مَاتَ وَلَهُ امْرَأةٌ أوْ امْرَأتَانِ أوْ ثَلاَثٌ أوْ أرْبَعٌ ". قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ! فَإنْ نَهَيْتَنِي أنْ لاَ أطَلِّقَهَا فَإنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أنْ لاَ أغْشَاهَا. قَالَ :" مَهْلاً يَا عُثْمَانُ! فَإنَّ الْمُسْلِمَ إذا غَشِيَ امْرَأتَهُ أوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ رَقْعَتِهِ تِلْكَ وَلَدٌ، كَانَ لَهُ وَصِيْفَةٌ فِي الْجَنَّةِ. وَإنْ كَانَ مِنْ وَقْعَتِهِ تِلْكَ وَلَدٌ، فَمَاتَ قَبْلَهُ كَانَ لَهُ فَرْطاً وَشَفِيعاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَإنْ مَاتَ بَعْدَهُ كَانَ لَهُ نُوراً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ! نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أنْ لاَ آكُلَ اللَّحْمَ. قَالَ :" مَهْلاً يَا عُثْمَانُ! فَإنِّي أحِبُّ اللَّحْمَ وَآكُلُهُ إذا وَجَدْتُهُ، وَلَوْ سَأَلْتُ رَبي أنْ يُطْعِمَنِيَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ لأَطْعَمَنِيَهُ ". قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ! فَإنَّ نَفْسِي تُحَدِّثُنِي أنْ لاَ أمَسَّ الطَّيبَ. قَالَ :" مَهْلاً يَا عُثْمَانُ! فَإنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام أمَرَنِي بالطَّيب غَبّاً "، وَقَالَ :" يَوْمَ الْجُمُعَةِ لاَ تَرْكَهُ، يَا عُثْمَانَ لاَ تَرْغَبْ عَنْ سُنَّتِي، فَإنَّ مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أنْ يَتُوبَ، صَرَفَتِ الْمَلاَئِكَةُ وَجْهَهُ عَنْ حَوْضِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".

المائدة 5:89

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ ؛ قال ابن عبَّاس :(هُوَ أنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ باللهِ فِي الشَّيْءِ يَرَى أنَّهُ كَذلِكَ). وقالت عائشةُ :(هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ : لاَ وَاللهِ، وَبَلَى واللهِ، يَصِلُ بهِ كَلاَمَهُ وَلاَ يَعْقِدُ عَلَيْهِ قَلْبَهُ). واللَّغْوُ في اللغة : هو الكلامُ الساقطُ الذي لا يعتدُّ به. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَـاكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ ؛ أي بما وكَّدتم الأيمان. قرأ أهلُ الحجاز وحفص وأبو عمرو :(عَقَّدْتُمْ) بالتشديدِ، وقرأ أهلُ الكوفة إلاَّ حفصاً : بالتخفيف (عَقَدْتُمْ). ومعناه : أن يحِلفَ الرجلُ على أمرٍ في المستقبل ليفعلَهُ ثم لا يفعلهُ، أو يحلفَ أن لا يفعلَهُ ثم يفعلهُ. فمَن قرأ (عَقَّدْتُمْ) بالتشديدِ فمعناهُ المبالغة والتأكيدُ. وفائدتهُ أن يعتقدَها في قلبهِ، ولو عقدَها في أحدِهما دون الآخرِ لم يكن مُعتقداً، وهو كالتعظيمِ. وكان أبو الحسنِ الكرخيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى يقول :(قِرَاءَةُ التَّشْدِيدِ لاَ تَحْتَمِلُ إلاَّ الْعَقْدَ بالْقَوْلِ، وَقِرَاءَةُ التَّخْفِيفِ تَحْتَمِلُ عَقْدَ الْقَلْْب، وَهُوَ الْعَزِيْمَةُ وَالْقَصْدُ إلَى الْقَوْلِ). ويحتملُ عقد اليمينِ قَولاً ؛ يقال : عقدتُ على أمرِ كذا ؛ إذا عزمتُ عليه. وَقِيْلَ : الأصحُّ أن المرادَ بالعقدِ القولُ ؛ لأنه لا خلافَ بين الأئمَّة أن القصدَ من اليمينِ لا يتعلقُ به وجوبُ الكفَّارة، وإن وجوبَها متعلقٌ باللفظِ دون القصدِ. ويحتملُ أن يكون معنى التشديدِ : أنه متى أعادَ اليمينَ على وجه التكرار، وهو يريدُ التكرارَ لا يلزمهُ إلا كفارةٌ واحدة. وقرأ أهلُ الشام :(عَاقَدْتُمْ) بألف وهو من المعاقَدة، وهو أن يحلفَ الرجلُ لصاحبهِ على مسأَلته، أو يحلفَ كلُّ واحد منهما لصاحبهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ ؛ أي كفَّارة ما عقَّدتُم من الأيمانِ عند الحنثِ، ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ ؛ أي مِنْ أعدل مَا تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ غداءً وعشاء ولا وكَسَ ولا شَطَطَ. وَقِيْلَ : معناهُ : من أوسَطهِ في الشَّبع، ولا تفرطُ في الأكلِ، ولا يكون دون المغنى عن الجوعِ، فإن أرادَ أن يُطعِمَهم الطعامَ أعطَى لكلِّ مسكين نصفَ صاعٍ من حنطة عند أصحابنا، هكذا رُوي عن عمرَ وعليٍّ وعائشة. وقال الشافعيُّ ومالك :(مُدّاً بمُدِّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم). وَالْمُدُّ : رَطْلٌ وَثُلُث، وهكذا رُوي عن زيدِ بن ثابت وابنِ عبَّاس وابن عمرِو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أجمعين. وأما غدَاؤهم وعشاؤهم فلا عبرةَ بمقدار الطعام، إلا أن يكون فيهم صبيٌّ صغير لا يستوفِي الأشياءَ يسيراً فلا يعتدُّ به حينئذ، وإنما قال : يُغَدِّيهِمْ ويُعَشِّيهم ؛ لأن ذلك أوسطُ طعامِ الأهل ؛ لأن أكثرَ الأكلِ ثلاثُ مرات، وأقلُّه وجبة، والغالبُ الأوسط ؛ والأوسطُ الغالب مرَّتان. وقال سعيدُ بن جبير :(يُعْطِي لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّيْنِ ؛ مُدٌّ لِطَعَامِهِ وَمُدٌّ لإدَامِهِ). وسُئل شريح عن الكفَّارة ؛ فقال :(الْخُبْزُ وَالزَّيْتُ). فقال له السائلُ : رأيتَ إن أطعمتُ الخبزَ واللحم، فقال :(ذَلِكَ أرْفَعُ طَعَامِ أهْلِكَ وَطَعَامِ النَّاسِ).

المائدة 5:90

قوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ﴾ ؛ الْمَيْسِرُ : هو القِمَارُ كلُّه. والأَنْصَابُ : هي الأحجَارُ ؛ كانوا ينصبونَها ويعبدونَها. والأَزْلاَمُ : هي الأَزْلاَمُ التي كانوا يخيلونَها عند المعزمِ على الْمَسِيرِ. نَهى اللهُ عن هذه الأشياءِ، وحرَّمَها بأبلغِ أسباب التحريمِ ؛ لأنه تعالى سَمَّاها كلها رجْساً، والرِّجْسُ : هو الشيءُ المستقذرُ النَّجِسُ، الذي يرتفع " في القُبحِ "، ذكرَهُ بالفتحِ ؛ يقال : رَجَسَ الرَّجُلُ يَرْجِسُ، ورَجِسَ يَرْجِسُ. والرَّجْسُ بفتحِ الراءِ : شدَّةُ الصوتِ، ورعدٌ رَجَّاسٌ إذا كان شديدَ الصوتِ. وسُميت هذه المعاصي رجْسًا ؛ لوجوب اجتنابها كما يجبُ اجتناب الشيءِ المستقذر. قولهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ ؛ أي من تزيينهِ ؛ لأنه هو الداعِي إليه والمرغِّبُ فيه والمرنِّنُ له في قُلوب فَاعليه. وقولهُ تعالى :﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ؛ أمرٌ باجتنابهِ وهو تَركُه بَاطناً، وظاهر الأمرُ على الوجوب. وروي عن عثمانَ بن عفَّان رضي الله عنه أنه قالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" إنَّ اللهَ تَعَالَى يُجْمِعُ الْخَمْرَ وَالإيْمَانَ فِي قَلْب مُؤْمِنٍ أبَداً " وقالَ ﷺ :" مُدْمِنُ الْخَمْرِ كَعَابدِ الْوَثَنِ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا، حُرِمَهَا فِي الآخِرَةِ " وقالَ ﷺ :" مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا سَقَاهُ اللهُ مِنْ سُمِّ الأَسَاوِدِ، وَسُمِّ الْعَقَارب، إذا شَرِبَهُ تَسَاقَطَ لَحْمُ وَجْهِهِ فِي الإنَاءِ قَبْلَ أنْ يَشْرَبَهَا، فَإذا شَرِبَهَا يُفَسَّخُ لَحْمُهُ بالْجِيفَةِ، يَتَأَذى بهِ أهْلُ الْمَوْقِفِ. وَمَنْ مَاتَ قَبْلَ أنْ يَتُوبَ مِنْ شُرْب الْخَمْرِ كَانَ حَقّاً عَلَى اللهِ أنْ يَسْقِيَهُ بكُلِّ جُرْعَةٍ شَرِبَهَا فِي الدُّنْيَا شَرْبَةً مِنْ صَدِيدِ أهْلِ جَهَنَّمَ " وقال ﷺ :" لَعَنَ اللهُ الْخَمْرَ وَسَاقِيهَا ؛ وَشَارِبَهَا ؛ وَبَائِعَهَا ؛ وَمُبْتَاعَهَا ؛ وَعَاصِرَهَا ؛ وَمُعْتَصِرَهَا ؛ وَحَامِلَهَا ؛ وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ ؛ وآكِلَ ثَمَنِهَا " وقالَ ﷺ :" اجْتَنِبُوا الْخَمْرَ، فَإنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ " وقال ﷺ :" مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ بَعْدَ أنْ حَرَّمَهَا اللهُ عَلَى لِسَانِي، فَلَيْسَ لَهُ أنْ يُزَوَّجَ إذا خَطَبَ، وَلاَ يُصَدَّقَ إذا حَدَّثَ، وَلاَ يُشَفَّعَ إذا شَفَعَ، وَلاَ يُؤْتَمَنَ عَلَى أَمَانَةٍ ؛ فَمَنِ ائْتَمَنَهُ عَلَى أمَانَةٍ فَاسْتَهْلَكَهَا فَحَقٌّ عَلَى اللهِ تَعَالَى أنْ لاَ يُخْلِفَ عَلَيْهِ "

المائدة 5:91

قولهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ ؛ وذلك أنَّ مَن شربَ الخمر وسَكِرَ زال عقلهُ وارتكبَ القبائحَ، وربَّما عَرْبَدَ على جُلسائه، فيؤدِّي ذلك إلى العداوةِ والبغضاء، وكذلك القمارُ يؤدِّي إلى ذلك. قال قتادةُ :(كَانَ الرَّجُلُ يُقَامِرُ غَيْرَهُ عَلَى مَالِهِ وَأهْلِهِ، فَيَقْمِرُهُ وَيَبْقَى حَزِيناً سَلِباً، فَيُكْسِبُهُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ لِذهَاب مَالِهِ عَنْهُ بغَيْرِ عِوَضٍ وَلاَ مِنَّةٍ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ﴾ ؛ أي يريدُ الشيطان أن يَصرِفَكم عن طاعةِ الله وعن الصَّلوات الخمسِ على ما هو معلومٌ في العادةِ من أحوال أهلِ الشَّراب والقِمار. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ ؛ معناهُ : انْتَهُوا عنهُما، وهذا نَهيٌ بألطفِ الوجُوهِ ؛ ليكون أدعى إلى تنهاكما، كما قال تعالى :﴿فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾[هود: ١٤] معناه : أسلِمُوا. فلمَّا نزَلت هذه الآيةُ قالوا :(انْتَهَيْنَا يَا رَبُّ). فأنزلَ الله تعالى هذه الآيةَ : قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ﴾ ؛ أي أطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ في تركِ جميعِ المعاصي عُموماً، واحذرُوا شُربَ الخمرِ وتحليلها وسائرِ المعاصي، ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ ؛ أي أعرَضتُم عن طاعةِ الله وطاعة الرسولِ، ﴿فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾ ؛ أي تبليغُ الرسالة عن اللهِ بأوامره ونواهيه بلُغَة تعرفونَها. وأما التوفيقُ والخذلان والثواب والعقابُ، فإلى الله عَزَّوَجَلَّ. فلمَّا نزلَ تحريمُ الخمرِ والميسر قال الصحابةُ :(يَا رَسُولَ اللهِ! فَكَيْفَ بإخْوَانِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ؟) حتى قال المهاجِرون :(يَا رَسُولَ اللهِ! قُتِلَ أصْحَابُنَا يَوْمَ بَدْرٍ وَمَاتُوا فِيْمَا بَيْنَ بَدْر وأحُدٍ وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ ؛ فَمَا حَالُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ؟) فأنزل اللهُ قَولَهُ تعالى :﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ ؛ أي فيما شَرِبوا من الخمرِ، ﴿إِذَا مَا اتَّقَواْ﴾ ؛ الشِّركَ، ﴿وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ ؛ وصدقوا واجتنبوا الخمرَ والميسرَ بعد تحرِيمها، ﴿وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ ؛ ما حرَّمَ الله كلَّهُ، ﴿وَّأَحْسَنُواْ﴾. وَقِيْلَ : معناه :(لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا - بالله ورسوله - وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) يعني الطاعاتِ (جُنَاحٌ) أي حرَجٌ ومَأْثَمٌ (فيمَا طَعِمُوا) من الحرامِ وشربوا من الخمرِ قبل تحريمها، وقبل العلمِ بتحريمها إذا ما اجتَنبوا الكفرَ والشِّركَ وسائرَ المعاصي فيما مضى، ﴿وَآمَنُوا﴾ أي وصدَّقوا بمُحَمَّدٍ ﷺ والقرآنِ ﴿وَعَمِلُواْ﴾ الطاعات ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ شربَ الخمرِ بعد التحريم ﴿وَآمَنُوا﴾ أي أقَرُّوها بتحريمها ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ﴾ أي ثم دَاوَمُوا على ذلك وضَمُّوا إلى ذلك الإحسانَ في العملِ. وَقِيْلَ : أرادَ بالاتقاءِ الأول : اتقاءُ جميع المعاصِي فيما مضَى، وأراد بالثانِي : اتقاءُ المعاصي في المستقبلِ، وأراد بالثالثِ : اتقاءُ ظُلمِ العباد في المعاملاتِ. وَقِيْلَ : أرادَ بقوله :(إِذَا مَا اتَّقَواْ وَآمَنُواْ) إذا ما اجتَنبوا شُربَ الخمرِ بعد تحريمها وصدَّقوا بتحريمها، ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ سائرَ المعاصي، وأقرُّوا بتحريم ما يحدُثُ تحريمهُ من بعد مجانبته، ثم جَمعوا بين اتِّقاء المعاصي وإحسانِ العمل والإحسان إلى الناسِ.

المائدة 5:92

قولهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ ؛ وذلك أنَّ مَن شربَ الخمر وسَكِرَ زال عقلهُ وارتكبَ القبائحَ، وربَّما عَرْبَدَ على جُلسائه، فيؤدِّي ذلك إلى العداوةِ والبغضاء، وكذلك القمارُ يؤدِّي إلى ذلك. قال قتادةُ :(كَانَ الرَّجُلُ يُقَامِرُ غَيْرَهُ عَلَى مَالِهِ وَأهْلِهِ، فَيَقْمِرُهُ وَيَبْقَى حَزِيناً سَلِباً، فَيُكْسِبُهُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ لِذهَاب مَالِهِ عَنْهُ بغَيْرِ عِوَضٍ وَلاَ مِنَّةٍ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ﴾ ؛ أي يريدُ الشيطان أن يَصرِفَكم عن طاعةِ الله وعن الصَّلوات الخمسِ على ما هو معلومٌ في العادةِ من أحوال أهلِ الشَّراب والقِمار. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ ؛ معناهُ : انْتَهُوا عنهُما، وهذا نَهيٌ بألطفِ الوجُوهِ ؛ ليكون أدعى إلى تنهاكما، كما قال تعالى :﴿فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾[هود: ١٤] معناه : أسلِمُوا. فلمَّا نزَلت هذه الآيةُ قالوا :(انْتَهَيْنَا يَا رَبُّ). فأنزلَ الله تعالى هذه الآيةَ : قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ﴾ ؛ أي أطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ في تركِ جميعِ المعاصي عُموماً، واحذرُوا شُربَ الخمرِ وتحليلها وسائرِ المعاصي، ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ ؛ أي أعرَضتُم عن طاعةِ الله وطاعة الرسولِ، ﴿فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾ ؛ أي تبليغُ الرسالة عن اللهِ بأوامره ونواهيه بلُغَة تعرفونَها. وأما التوفيقُ والخذلان والثواب والعقابُ، فإلى الله عَزَّوَجَلَّ. فلمَّا نزلَ تحريمُ الخمرِ والميسر قال الصحابةُ :(يَا رَسُولَ اللهِ! فَكَيْفَ بإخْوَانِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ؟) حتى قال المهاجِرون :(يَا رَسُولَ اللهِ! قُتِلَ أصْحَابُنَا يَوْمَ بَدْرٍ وَمَاتُوا فِيْمَا بَيْنَ بَدْر وأحُدٍ وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ ؛ فَمَا حَالُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ؟) فأنزل اللهُ قَولَهُ تعالى :﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ ؛ أي فيما شَرِبوا من الخمرِ، ﴿إِذَا مَا اتَّقَواْ﴾ ؛ الشِّركَ، ﴿وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ ؛ وصدقوا واجتنبوا الخمرَ والميسرَ بعد تحرِيمها، ﴿وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ ؛ ما حرَّمَ الله كلَّهُ، ﴿وَّأَحْسَنُواْ﴾. وَقِيْلَ : معناه :(لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا - بالله ورسوله - وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) يعني الطاعاتِ (جُنَاحٌ) أي حرَجٌ ومَأْثَمٌ (فيمَا طَعِمُوا) من الحرامِ وشربوا من الخمرِ قبل تحريمها، وقبل العلمِ بتحريمها إذا ما اجتَنبوا الكفرَ والشِّركَ وسائرَ المعاصي فيما مضى، ﴿وَآمَنُوا﴾ أي وصدَّقوا بمُحَمَّدٍ ﷺ والقرآنِ ﴿وَعَمِلُواْ﴾ الطاعات ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ شربَ الخمرِ بعد التحريم ﴿وَآمَنُوا﴾ أي أقَرُّوها بتحريمها ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ﴾ أي ثم دَاوَمُوا على ذلك وضَمُّوا إلى ذلك الإحسانَ في العملِ. وَقِيْلَ : أرادَ بالاتقاءِ الأول : اتقاءُ جميع المعاصِي فيما مضَى، وأراد بالثانِي : اتقاءُ المعاصي في المستقبلِ، وأراد بالثالثِ : اتقاءُ ظُلمِ العباد في المعاملاتِ. وَقِيْلَ : أرادَ بقوله :(إِذَا مَا اتَّقَواْ وَآمَنُواْ) إذا ما اجتَنبوا شُربَ الخمرِ بعد تحريمها وصدَّقوا بتحريمها، ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ سائرَ المعاصي، وأقرُّوا بتحريم ما يحدُثُ تحريمهُ من بعد مجانبته، ثم جَمعوا بين اتِّقاء المعاصي وإحسانِ العمل والإحسان إلى الناسِ.

المائدة 5:93

قولهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ ؛ وذلك أنَّ مَن شربَ الخمر وسَكِرَ زال عقلهُ وارتكبَ القبائحَ، وربَّما عَرْبَدَ على جُلسائه، فيؤدِّي ذلك إلى العداوةِ والبغضاء، وكذلك القمارُ يؤدِّي إلى ذلك. قال قتادةُ :(كَانَ الرَّجُلُ يُقَامِرُ غَيْرَهُ عَلَى مَالِهِ وَأهْلِهِ، فَيَقْمِرُهُ وَيَبْقَى حَزِيناً سَلِباً، فَيُكْسِبُهُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ لِذهَاب مَالِهِ عَنْهُ بغَيْرِ عِوَضٍ وَلاَ مِنَّةٍ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ﴾ ؛ أي يريدُ الشيطان أن يَصرِفَكم عن طاعةِ الله وعن الصَّلوات الخمسِ على ما هو معلومٌ في العادةِ من أحوال أهلِ الشَّراب والقِمار. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ ؛ معناهُ : انْتَهُوا عنهُما، وهذا نَهيٌ بألطفِ الوجُوهِ ؛ ليكون أدعى إلى تنهاكما، كما قال تعالى :﴿فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾[هود: ١٤] معناه : أسلِمُوا. فلمَّا نزَلت هذه الآيةُ قالوا :(انْتَهَيْنَا يَا رَبُّ). فأنزلَ الله تعالى هذه الآيةَ : قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ﴾ ؛ أي أطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ في تركِ جميعِ المعاصي عُموماً، واحذرُوا شُربَ الخمرِ وتحليلها وسائرِ المعاصي، ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ ؛ أي أعرَضتُم عن طاعةِ الله وطاعة الرسولِ، ﴿فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾ ؛ أي تبليغُ الرسالة عن اللهِ بأوامره ونواهيه بلُغَة تعرفونَها. وأما التوفيقُ والخذلان والثواب والعقابُ، فإلى الله عَزَّوَجَلَّ. فلمَّا نزلَ تحريمُ الخمرِ والميسر قال الصحابةُ :(يَا رَسُولَ اللهِ! فَكَيْفَ بإخْوَانِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ؟) حتى قال المهاجِرون :(يَا رَسُولَ اللهِ! قُتِلَ أصْحَابُنَا يَوْمَ بَدْرٍ وَمَاتُوا فِيْمَا بَيْنَ بَدْر وأحُدٍ وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ ؛ فَمَا حَالُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ؟) فأنزل اللهُ قَولَهُ تعالى :﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ ؛ أي فيما شَرِبوا من الخمرِ، ﴿إِذَا مَا اتَّقَواْ﴾ ؛ الشِّركَ، ﴿وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ ؛ وصدقوا واجتنبوا الخمرَ والميسرَ بعد تحرِيمها، ﴿وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ ؛ ما حرَّمَ الله كلَّهُ، ﴿وَّأَحْسَنُواْ﴾. وَقِيْلَ : معناه :(لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا - بالله ورسوله - وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) يعني الطاعاتِ (جُنَاحٌ) أي حرَجٌ ومَأْثَمٌ (فيمَا طَعِمُوا) من الحرامِ وشربوا من الخمرِ قبل تحريمها، وقبل العلمِ بتحريمها إذا ما اجتَنبوا الكفرَ والشِّركَ وسائرَ المعاصي فيما مضى، ﴿وَآمَنُوا﴾ أي وصدَّقوا بمُحَمَّدٍ ﷺ والقرآنِ ﴿وَعَمِلُواْ﴾ الطاعات ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ شربَ الخمرِ بعد التحريم ﴿وَآمَنُوا﴾ أي أقَرُّوها بتحريمها ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ﴾ أي ثم دَاوَمُوا على ذلك وضَمُّوا إلى ذلك الإحسانَ في العملِ. وَقِيْلَ : أرادَ بالاتقاءِ الأول : اتقاءُ جميع المعاصِي فيما مضَى، وأراد بالثانِي : اتقاءُ المعاصي في المستقبلِ، وأراد بالثالثِ : اتقاءُ ظُلمِ العباد في المعاملاتِ. وَقِيْلَ : أرادَ بقوله :(إِذَا مَا اتَّقَواْ وَآمَنُواْ) إذا ما اجتَنبوا شُربَ الخمرِ بعد تحريمها وصدَّقوا بتحريمها، ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ سائرَ المعاصي، وأقرُّوا بتحريم ما يحدُثُ تحريمهُ من بعد مجانبته، ثم جَمعوا بين اتِّقاء المعاصي وإحسانِ العمل والإحسان إلى الناسِ.

المائدة 5:94

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿يَـاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾ ؛ أي ليعاملنَّكم اللهُ معاملةَ المختبرِ ليجازيَكم على ما يظهرُ منكم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ﴾ ؛ اختلَفُوا فيهُ ؛ فقال بعضُهم :(مِن) ها هنا للتبعيضِ، وأرادَ بذلك صيدَ البرِّ دون صيد البحرِ، وصيدَ الإحرامِ دون الإحلالِ. وقال بعضهم :(مِن) ها هنا للجنس كقوله تعالى :﴿فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾[الحج: ٣٠] معناه : اجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الذي هو وثَنٌ. وقال بعضُهم : أرادَ بقوله :(بشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ) بما يكون من جزاءِ الصَّيد وإن لم يكن صَيداً كالبيضِ والفرخ والريشِ، والآية شاملةٌ لجميع هذه المعانِي. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ ؛ أي تأخذونَهُ بأيديكم من فراخِ الطَّير وصغار والوحش والبيضِ، وما تصيبهُ رماحُكم من كبار الصَّيد التي لا تُصاد باليدِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ ؛ أي ليميِّزَ اللهُ مَن يخافهُ ممن لا يخافه في السرِّ بينه وبين اللهِ تعالى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذلِكَ﴾ ؛ أي من تجاوزَ الحدَّ في أخذ صيدِ البرِّ مع الإحرامِ، وأخذ الصيد في الحرمِ بعد البيان له والنهيِ عنه، ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ يعني التعزيرَ والكفَّارة في الدُّنيا ؛ يفرق الضربُ على أعضائهِ كلِّها ما خلاَ الوجهَ والرأس والفرجَ، فيضربُ ضَرباً وجيعاً ويؤمر بالكفَّارة، ويكون هذا المتعدِّي مأخوذاً بعذاب الآخرة إن ماتَ قبل التوبة.

المائدة 5:95

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿يَـاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ؛ رُوي أن هَاتين الآيتَين نزلَتا بالحديبيةِ، وكان أصحابُ رسولِ الله ﷺ مُحرِمين، وكان الصيدُ من الوحشِ والطير يغشَى رحالَهم. وفي قوله ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وجهانِ ؛ أحدُهما : وأنتم مُحرِمون بحجٍّ أو عُمرة، والثاني : وأنتم داخِلون في الحرَمِ. وقولهُ تعالى :﴿لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ﴾ دليلٌ على أن كلَّ ما يقتلهُ المحرِمُ من الصيدِ لا يكون مِلكاً ؛ لأن اللهَ تعالى سَمَّى ذلك قَتلاً، ولا يجوزُ أكلُ المقتولِ وإنما يجوز أكلُ المذبوحِ على شرط الذكاة. والصيدُ في اللغة : اسمٌ لكل مُمتَنعٍ متوحِّش، فلا يفرقُ الحكمِ في وجوب الحلِّ بين المأكولِ منه وبين غيرهِ، إلا أنه رُوي عن رسولِ الله ﷺ أنه قالَ :" خَمْسُ فَوَاسِقَ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ : الْحَيَّةُ ؛ وَالْعَقْرَبُ ؛ وَالْغُرَابُ ؛ وَالْفَأْرَةُ ؛ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ " وأرادَ بالكلب العقور : الذئبَ على ما وردَ في بعض الرواياتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ؛ روي أنه نزلَ في كعب بن عمرٍو ؛ عُرِضَ له حمارُ وحشٍ فطعنَهُ برُمحهِ فقتلَهُ، ولم يكن عَلِمَ بنُزولِ التحريمِ. واختلَفُوا في صفةِ العمل الموجب للجزاءِ والكفَّّارة في قتلِ الصيد، فقال الأكثَرون من أهلِ العلم : سواءٌ قَتَلَ الْمُحرِمُ الصَّيدَ عَمداً أو خطأًَ فعليه الجزاءُ، وجعلوا فائدةَ تخصيصِ العمل بالذِّكر في هذه الآيةِ ما في نَسخِها بقوله :﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ ؛ لأن المخطئَ لا يجوزُ أن يلحقه الوعيدُ. والقول الثانِي : ما رُوي عن قتادةَ وطاووس وعطاء ؛ أنَّهم قالوا :(لاَ شَيْءَ عَلَى الْخَاطِئ) وهو روايةٌ عن ابنِ عبَّاس. والقولُ الثالث : وهو قولُ مجاهدٍ والحسن :(أنَّ الْمُرَادَ بهِ إذا قَتَلَهُ نَاسِياً لإحْرَامِهِ، وَحَصَلَ الْقَتْلُ عَمْداً). وهذا القولُ يقتضي أن غيرَ العامدِ الذاكر لإحرامهِ لا يؤمَرُ بالكفَّارة، ولكنَّ اللهَ يعاقبهُ في الآخرةِ على ما فعلَهُ. وعلى هذا التأويلِ قالوا : إنَّ معنى قولهِ :﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ أي عادَ إلى هذا الفعلِ من بعد العلمِ بالنهي، كان عقوبتهُ النقمة ينتقمُ الله منه. وقال آخَرون : هو القتلُ عَمداً وهو ذاكرٌ لإحرامه، فحُكم عليه في العمدِ والخطأ الكفارةُ والجزاء، وهو اختيارُ الشافعيِّ. وقال الزهريُّ :(نَزَلَ الْقُرْآنُ بالْعَمْدِ، وَجَرَتِ السُّنَّةُ بالْخَطَأ). وقال ابنُ عبَّاس :(إنْ قَتَلَهُ عَمْداً سُئِلَ : هَلْ قَتَلَ قَبْلَهُ شَيْئاً مِنَ الصَّيْدِ ؟ فَإنْ قَالَ : نَعَمْ ؛ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهُ، وَيُقَالُ لَهُ : اذْهَبْ، فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ، وَإنْ قَالَ : لَمْ أقْتُلْ قَبْلَهُ شَيْئاً، حُكِمَ عَلَيْهِ، فَإنْ عَادَ إلَى قَتْلِ الصَّيْدِ ثَانياً وَهُوَ مُحْرِمٌ بَعْدَمَا حُكِمَ، وَلَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ ثَانِياً، ويُمْلأُ بَطْنُهُ وَظَهْرُهُ ضَرْباً وَجيعاً). وعندَنا إذا عادَ حُكم عليه ثانياً، وعليه الجمهورُ.

المائدة 5:96

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ ؛ أي أحِلَّ لكم اصطيادُ ما في البحرِ، ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ؛ أي ما لَفَظَهُ البحرُ وحسَرَ عنه الماءُ، وهذا قول أبي بكرٍ وعمر وأبي هريرةَ. وقال بعضُهم :(طَعَامُهُ) هو الملحُ ؛ وهو قولُ سعيدِ بن جُبير وعكرمة والنخعي وقتادة. وقولهُ تعالى :﴿مَتَاعاً لَّكُمْ﴾ ؛ أي منفعةً لكم. وهو مصدرٌ مؤكِّد للكلامِ ؛ أن تَمتَّعوا مَتاعاً لكم. وقولهُ تعالى :﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ ؛ أي ومنفعةٌ للمارَّة في السفر. قال ابن عبَّاس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي قَوْمٍ مِنْ بَنِي مُدْلَجٍ، كَانُوا أهْلَ صَيْدِ الْبَحْرِ، أتَوا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَالُوا : إنَّا نَصْطَادُ فِي الْبَحْرِ، وَرُبَّمَا يَعْلُو الْبَحْرُ وَرُبَّمَا مَدَّ الْبَحْرُ، فَيَعْلُو الْمَاءُ كُلَّ شَيْءٍ، ثُمَّ يَرْجِعُ وَيَبْقَى السَّمَكُ بالأَرْضِ، وَيَذْهَبُ الْمَاءُ عَنْهُ فَنُصِيبُهُ مَدّاً، فَحَلاَلٌ لَنَا أكْلُهُ أمْ لاَ ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ ؛ أي وحرَّمَ عليكم اصطيادَ ما في البرِّ. ويقالُ : عَينُ صيدِ البر ما دُمتم مُحرِمين، ولا خلافَ في الاصطيادِ أنه حرامٌ على الْمُحْرِمِ في البرِّ، فأما عينُ الصيدِ فإن صادَهُ حلالٌ بأمرِ الْمُحْرمِ أو بإعانتهِ أو دلالته وإشارتهِ حَرُمَ على المحرمِ تناولهُ، وإنْ صادَهُ حلالٌ بغيرِ أمر المحرمِ حلَّ للمحرم تناولهُ كما رُوي في حديث أبي قتادةَ ؛ قالَ :" كُنْتُ فِي رَهْطٍ مِنَ الْمُحْرِمِينَ وَأَنَا حَلاَلٌ، فَبَصُرْتُ بحِمَارِ وَحْشٍ فَقُلْتُ : نَاوِلْنِي الرُّمْحَ، فَأَبَواْ، فَأَخَذْتُهُ وَأتَيْتُ الصَّيْدَ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ أكْلِهِ فَقَالَ :" هَلْ أعنْتُمْ ؟ هَلْ أشَرْتُمْ ؟ هَلْ دَلَلْتُمْ ؟ " فَقَالُوا : لاَ ؛ فَقَالَ :" إذاً فَكُلُوا ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ؛ أي اتَّقوا اللهَ في أخذِ الصَّيد في الإحرامِ الذي إلى موضعِ جزائه تُبعثون.

المائدة 5:97

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ ؛ أي جعلَ الله الكعبةَ أمْناً للناسِ، بها يقُومون ويأمنون، وذلك أنَّ الرجلَ كان إذا أصابَ ذنباً في الجاهليَّة والإسلامِ، أو قَتَلَ قتيلاً لجأَ إلى الحرمِ فأَمِنَ بذلك، وكانت الكعبةُ قِوَاماً بمعايشِهم وعماداً لَهم في أمرِ دينهم ودُنياهم ؛ لِمَا يحصلُ في ذلك من الحجِّ والعُمرة والتجاراتِ، وما يجيءُ إلى الحرمِ من ثَمرات كلِّ شيء. وَقِيْلَ : معنى قولهِ :﴿قِيَاماً لِّلنَّاسِ﴾ أي قِبلَةً لهم، أمروا أن يقوموا في الصلاةِ متوجِّهين إليها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ أي جعلَ الشهر الحرامَ آمِناً أيضاً، كانوا إذا دخلَ الشَّهرُ الحرامُ لم يقتُلوا فيه أحداً حتى يمضيَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ﴾ ؛ جعل الهديَ الذي يُهدى إلى البيت أمناً للرِّفقة، وجعلَ القلائدَ أمناً، والقلائدُ البُدْنُ من البقرِ والإبل كانوا يقلِّدونَها بنعلٍ أو خُفٍّ، وربَّما كانوا يقلِّدون رواحلَهم إذا رجَعوا من مكَّة من لحاءِ شجرِ الحرم فيأمَنون بذلك، وكان أهلُ الجاهلية يأكلُ الواحد منهم القضيبَ والشجرَ من الجوع وهو يرَى الهديَ والقلائد فلا يتعرَّضُ له تَعظيماً له. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ؛ معناهُ : ذلك أمرُ الجاهلية دليلٌ أنه تعالى يعلمُ ما في السَّموات وما في الأرضِ وما فيه صلاحُ الخلقِ إذ جعلَ في أعظمِ الأوقات فَساداً يؤمَنُ به، وشرعَ الحجَّ وفيه مصالِحُ الخلقِ على نحو ما تقدَّمَ.

المائدة 5:98

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ؛ لمن استحلَّ ما حرَّمَ اللهُ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ لمن تابَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ﴾ ؛ أي ما على مُحَمَّدٍ ﷺ إلاّ تبليغُ الرسالة في أمرِ الثواب والعقاب، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ ؛ أي ما تُظهِرون من القولِ والعمل، ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ ؛ وليس على مُحَمَّدٍ طلبُ سرائرِكم، ولا يعلمُ السرائرَ إلاّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ.

المائدة 5:99

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ؛ لمن استحلَّ ما حرَّمَ اللهُ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ لمن تابَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ﴾ ؛ أي ما على مُحَمَّدٍ ﷺ إلاّ تبليغُ الرسالة في أمرِ الثواب والعقاب، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ ؛ أي ما تُظهِرون من القولِ والعمل، ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ ؛ وليس على مُحَمَّدٍ طلبُ سرائرِكم، ولا يعلمُ السرائرَ إلاّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ.

المائدة 5:100

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ ؛ أي قُل يا مُحَمَّدُ : لا يستوِي الحلالُ والحرام، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ ؛ ولو أعجبكَ كثرةُ الحرامِ، فمثقالُ حبَّة من الحلالِ أرجحُ عندَ الله من جبالِ الدُّنيا من حرامِ. وَقِيْلَ : مَعناهُ : ولا يستوِي الكافرُ والمؤمن ولو أعجبكَ كثرةُ الكافرِ، والعدلُ والفاسقُ وإنْ كان في الفُسَّاقِ كثرةٌ، ولا يباركُ في الحرامِ وإنما يباركُ في الحلالِ، ﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ ياأُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ؛ أي اخشَوا عذابَ الله في أخذِ الحرام يا ذوي العقولِ، لكي تفوزُوا بالنجاةِ والسَّعادات في الآخرةِ.

المائدة 5:101

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :(لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾[آل عمران: ٩٧] قَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أسَيْدٍ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ أفِي كُلِّ عَامٍ؟ فَوَجَدَ مِنْ قَوْلِ ذلِكَ الرَّجُلِ وَجْداً شَدِيداً، ثُمَّ قَالَ لَهُ :[مَا كَانَ يُؤْمِنُكَ أنْ أقُولَ : نَعَمْ، فَيَجِبُ عَلَيْكُمْ فِي كُلِّ عَامٍ فَلاَ تُطِيقُوهُ، فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوهُ كَفَرْتُمْ، ذرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ]). وفي بعضِ الروايات :" أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَامَ خَطِيباً، فَسَأَلَهُ النَّاسُ عَنْ أشْيَاء، فَقَالَ :" لاَ تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إلاَّ حَدَّثْتُكُمْ بهِ "، فَأَكْثَرُوا عَلَيْهِ السُّؤَالَ حَتَّى سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْحَجِّ : أفِي كُلِّ عَامٍ ؟ فَسَكَتَ النَّبيُّ ﷺ فَأَعَادَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ ثَالِثاً، فقال ﷺ :" لَوْ قُلْتُ لَكُمْ : نَعَمْ، لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ " فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ : أفِي الْجَنَّةِ أنَا أمْ فِي النَّار؟! فَاشْتَدَّ ذلِكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، فَقَالَ عُمَرُ : رَضِينَا باللهِ رَبّاً وَبالإسْلاَمِ دِيناً وَبكَ نَبيّاً، نَعُوذُ باللهِ مِنْ غَضَب اللهِ وَغَضَب رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَرَى عَنِ النَّبيِّ ﷺ الْغَضَبُ ". وروي :" أن رجلاً قال يا رسولَ اللهِ أين أبي ؟ فقال :" فِي النَّار "، فَقَامَ عُمَرُ رضي الله عنه وَقَالَ : رَضِينَا باللهِ رَبّاً وَبالإسْلاَمِ دِيناً وَبمُحَمَّدٍ نَبيّاً وَبالْقُرْآنِ إمَاماً، إنَّا يَا رَسُولَ اللهِ حَدِيثُو عَهْدٍ بالْجَاهِلِيَّةِ فَاعْفُ عَنَّا عَفَا اللهُ عَنْكَ، فَسَكَنَ غَضَبُهُ ". ورويَ :" أنَّ رَجُلاً مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ عَبْدُاللهِ بْنُ حُذافَةَ، وَكَانَ يُطْعَنُ فِي نَسَبهِ إذا لاَحَى ؛ أيْ يُدْعَى لِغَيْرِ أبيهِ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أبي ؟ قَالَ :" أبُوكَ حُذافَةُ ". قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَقَالَتْ أمُّهُ : مَا رَأَيْتُ وَلَداً أعَقَّ مِنْكَ قَطْ! أكُنْتَ تَأْمَنُ أنْ تَكُونَ أمُّكَ قَارَفَتْ مَا قَارَفَ " نِسَاءُ " أهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَيَفْضَحَهَا عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ ". وفي رواية أخرى :" أنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُ :" أبُوكَ حُذافَةُ "، قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ أبي فُلاَنٌ، قَالَ :" إنَّكَ وَلَدُ الزَّانِيَةِ، وَإنَّ الَّذِي وُلِدْتَ عَلَى فِرَاشِهِ كَانَ كَثِيرَ الْمَالِ، فَتَعَرَّضَتْ أُمُّكَ لِحُذَافَةَ فَجَامَعَهَا فَاشْتَمَلَتْ بكَ " فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ. ومعناها : يا أيُّها الذين آمَنوا بالله ورسولهِ لا تسأَلُوا النبيَّ ﷺ عن أشياء إنْ أظهرَ لكم جوابَها ساءَكم، ذلك ﴿وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ ؛ وإنْ تسألوا عنها عندَ نُزول القرآنِ أظهرَ لكم جواباً، ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ ؛ أي عن مسأَلتِكم لم يؤاخذكم بالبحثِ عنها. ويقال : أراد بالعفوِ السترَ عليهم، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ؛ أي متجاوزٌ عن العباد، حليمٌ عن الجهَّال لا يعجِّلُ عليهم بالعقوبةِ.

المائدة 5:102

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ﴾ ؛ أي قد سألَ نحوَ هذه المسائل مَن قبلَكم، قال ابنُ عبَّاس :(كَانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ يَسْأَلُونَ أنْبِيَاءَهُمْ عَنْ أشْيَاءَ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُؤْمَرُواْ بهَا، فَإذا بَيَّنُوا لَهُمْ حُكْمَهَا لَمْ يَفْعَلُوا، فَعَذبَهُمُ اللهُ وَأَهْلَكَهُمْ بسَبَب ذلِكَ، كَمَا سَأَلَ قَوْمُ عِيسَى الْمَائِدَةَ ثُمَّ كَفَرُوا، وَسَأَلَ قَوْمُ صَالِحٍ النَّاقَةَ ثُمَّ عَقَرُوهَا وَكَفَرُواْ).

المائدة 5:103

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ﴾ ؛ أي لم يجعلِ اللهُ ما يقولهُ كفّار قريشٍ من تحريم البَحيرةِ والسَّائبة والوصيلةِ والحامِي، ﴿وَلَـاكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾، ولكنَّهم هم الذين جعَلوا من ذاتِ أنفسهم، واختلقوا على اللهِ بأنه حرَّم هذه الأشياء، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ وهم السَّفَلَةُ والعوَامُّ لا يعقِلون، بل يُقلِّدُون رُؤساءَهم فيما يقولون. وأما تفسيرُ البَحِيرَةِ : كانت الناقةُ إذا نتَجت خمسةَ أبطُنٍ نظَرُوا، فإنْ كان البطنُ الخامس ذكراً ذَبَحوهُ لآلهتِهم، وكان لَحمهُ للرِّجال من سَدَنَةِ آلهتِهم ومن أبناءِ السَّبيل دونَ النِّساء، وإن ماتَ قبل الذبحِ أكلَهُ الرجالُ والنِّساء، وإن كان الخامسُ أنثى نَحَرُوا أذُنَها ؛ أي شَقُّوها شَقّاً وَاسعاً وهي البَحِيرَةُ : لا تُركَبُ ولا تذبَحُ ولا تطرَدُ من ماءٍ ولا أكلٍ، وألبانُها ومنافعُها للرِّجال من السَّدَنَةِ وأبناءِ السبيلِ دون النِّساء حتى تموتَ، فاذا مَاتت اشتركَ فيها الرجالُ والنساء. وأما السَّائبة : فكان إذا قَدِمَ الرجلُ من سَفَرٍ أو بَرِئَ من مرضٍ أو بنى بناءً، سَيَّبَ شيئاً من إناثِ الأنعام وسلَّمها إلى سَدَنَةِ آلهتهم، فيُطعمون منه أبناءَ السَّبيل من ألبانِها وأسمانِها إلاّ النساءَ، فإنَّهم كانوا لا يُطعمونَهن منها شيئاً حتى تموتَ، فإذا ماتت أكلَها الرجالُ والنساء جميعاً. وأما الوَصِيلَةُ : فهي من الغَنم كانت الشاةُ إذا نَتجت سبعةَ أبطُن، فإنْ كان البطنُ السَّابع ذكراً ذبَحوهُ لآلهتهم، وإنْ كانت أنثى صَنَعوا بها ما يصنَعون بالأُنثى من البَحِيرَةِ، وإنْ كان ذكراً وأنثى قالوا : إنَّها وصَلَتْ أخَاها، فلم تَذبح الذكرَ لمكانهِ منها، وكان منافعُهما للرِّجال دون النساءِ من السَّدَنَةِ وأبناءِ السَّبيل الى أن يموتَ واحدٌ منهما فيشتركُ فيه الرجالُ والنساء. وأما الْحَامِي : فهو الفحلُ إذا رَكِبَ ولدُ ولدهِ قالوا : قد حَمَى ظهرَهُ فلا يُركب ولا يحمل عليه ولا يُمنع من ماءٍ ولا مرعَى حتى يموتَ، فيأكلهُ الرِّجالُ والنساء. وقد رُوي عن زيدِ بن أسلمَ عن رسولِ الله ﷺ أنه قالَ :" إنِّي لأَعْرِفُ أوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ، وَأوَّلَ مَنْ غَيَّرَ عَهْدَ إبْرَاهِيمَ خَلِيل اللهِ "، قَالُوا : مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ :" عَمْرُو بْنُ لَحِي، وَلَقَدْ رَأيْتُهُ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّار يُؤْذِي أهْلَ النَّار برِيحِ قُصْبهِ. وَإنِّي لأَعْرِفُ أوَّلَ مَنْ بَحَّرَ الْبَحَائِرَ "، قَالُوا : مَنْ هُوَ ؟ قَالَ :" رَجُلٌ مِنْ بَنِي مُدْلَجَ، كَانَتْ لَهُ نَاقَتَانِ فَجَدَعَ أذُنَيْهِمَا وَحَرَّمَ ألْبَانَهَا، ثُمَّ شَرِبَهُ بَعْدَ ذلِكَ، وَلَقَدْ رَأيْتُهُ فِي النَّار يَعَضَّانِهِ بأَفْوَاهِهِمَا وَيَخْبطَانِهِ بأَخْفَافِهِمَا ". وعن أبي هُريرة رضي الله عنه قَالَ :" قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَكْثَمَ الْخُزَاعِيَّ :" رَأيْتُ عَمْرَو ابْنَ لُحَي يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّار، فَمَا رَأيْتُ مِنْ رَجُلٍ أشْبَهَ برَجُلٍ مِنْهُ بكَ وَلاَ بكَ مِنْهُ، وَهُوَ أوَّلُ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إبْرَاهِيمَ عليه السلام، وَنَصَبَ الأَوْثَانَ، وبَحَّرَ الْبَحِيرَةَ، وَسَيَّبَ السَّائِبَةَ، وَوَصَلَ الْوَصِيلَةَ، وَحَمَى الْحَامِي، وَلَقَدْ رَأيْتُهُ فِي النَّار يُؤْذِي أهْلَ النَّار بريحِ قُصْبهِ "، قَالَ أكْثَمُ : يَا رَسُولَ اللهِ أيَضُرُّنِي شَبَهُهُ ؟ فَقَالَ :" إنَّكَ مُؤْمِنٌ وَهُوَ كَافِرٌ ".

المائدة 5:104

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ﴾ ؛ معناهُ : إذا قيلَ لأهلِ مكة هَلُمُّوا إلى تحليلِ وتحريم ما أنزَلَ اللهُ في كتابه وبيَّنَهُ الرسولُ في سُننه، قالوا : يَكفينا ما وجَدنا عليه آباءَنا من الدِّين والسُّنة، يقولُ اللهُ تعالى :﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ ؛ من الدِّين والسُّنة، ﴿وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ ؛ الطريقَ المستقيمَ.

المائدة 5:105

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ؛ أي الزَمُوا أنفُسَكم واحفظوها كما يقال : عليكَ زَيداً، فتنصبُ زَيداً على الإغراءِ بمعنى : الزَمْ زَيداً، كأنَّهُ تعالى قال : عليكم أيُّها المؤمنون بإصلاحِ أنفُسِكم، ومتابعةِ سُنَّة نبيِّكم، فإنكم إذا فعلتُم ذلك لا يضرُّكم ضلالةُ مَن ضلَّ من أهلِ مكة إذ هُديتم أنتم، ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ ؛ في الآخرةِ، ﴿جَمِيعاً﴾ ؛ البرُّ والفاجرُ، والمؤمنُ والكافر، ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ ؛ فيجزيكم ؛ ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ؛ من خيرٍ أو شرٍّ. ورُوي عن السَّلف في تأويلِ هذه الآية أحاديثُ مختلفة الظواهرِ، وهي متفقةٌ في المعنى، فمِنها ما رُوي عن أبي بكرٍ رضي الله عنه قال على المنبرِ : أيُّها النَّاسُ، إنِّي أرَاكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ وَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ :" مَا مَنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ بالْمَعَاصِي فَلَمْ يُغَيِّرُوهَا إلاَّ يُوشِكُ أنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بعِقَابِهِ " وعن أبي أمَامَةَ قالَ : سَأَلْتُ أبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقَالَ : لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبيراً، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ لِي :" يَا أبَا ثَعْلَبَةَ ائْتَمِرُوا بالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوا عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإذا رَأيْتَ دُنْيَا مُؤْثَرَةً وَشُحّاً مُطَاعاً، وَإعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأيٍ برَأيهِ، فَعَلَيْكَ بنَفْسِكَ، فَإنَّ مِنْ بَعْدِكُمْ أيَّامَ الصَّبْرِ، وَالصَّابرُ فِيهَا كَالْقَابضِ عَلَى الْجَمْرِ، وَالصَّبْرُ فِيْهَا كَالْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ، وَالْمُتَمَسِّكُ فِيهَا بمِثْلِ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ لَهُ كَأَجْرِِ خَمْسِينَ عَامِلاً مِنْكُمْ ". ففي هذه الأخبار دليل على أنَّ فرضَ الأمرِ بالمعروف والنهيَ عن المنكرِ لا يسقطُ إلاَّ عند العجزِ عن ذلك. كما رُوي عن رسولِ الله ﷺ أنه قالَ :" إذا رَأى أحَدُكُمْ مُنْكَراً وَاسْتَطَاعَ أنْ يُغَيِّرَهُ فَلْيُغَيِّرْهُ بيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبلِسانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبقَلْبهِ، وذَلِكَ أضْعَفُ الإيْمَانِ " وحكي : أنَّهُ لَمَّا مَاتَ الْحَجَّاجُ قَالَ الْحَسَنُ رضي الله عنه :(اللَّهُمَّ أنْتَ أمَتَّهُ فَاقْطَعْ عَنَّا سُنَّتَهُ، فَإنَّهُ أتَانَا أخَيْفِشُ أعَيْمِشُ، يَمُدُّ بيَدٍ قَصِيرَةٍ، وَاللهِ مَا عَرِقَ فِيهَا فِي سَبيلِ اللهِ عَنَانٌ، يَرْجُلُ جُمَّتَهُ وَيَتَبَخْتَرُ فِي مِشْيَتِهِ، وَيَصْعَدُ الْمِنْبَرَ فَيَهْدِرُ حَتَّى تَفُوتَهُ الصَّلاَةُ، لاَ مِنَ اللهِ يَتَّقِي وَلاَ مِنَ النَّاسِ يَسْتَحْيي، فَوْقَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَحْتَهُ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ، لاَ يَقُولُ لَهُ قَائِلٌ : الصَّلاَةُ أيُّهَا الرَّجُلُ. ثُمَّ جَعَلَ الْحَسَنُ يَقُولُ : هَيْهَاتَ، وَاللهِ حَالَ دُونَ ذلِكَ السَّيْفُ وَالسَّوْطُ). وفي هذا الخبرِ دليلٌ أن السَّلفَ كانوا مُعذُورينَ في ذلك الوقتِ في تركِ الإنكار باليدِ واللِّسان.

المائدة 5:106

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي ثَلاثَةِ نَفَرٍ، خَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ إلَى الشَّامِ لِتِجَارَةٍ، أحَدُهُمْ : عَدِيُّ بْنُ بَدَّاءِ، وَالآخَرُ عَامِرُ بْنُ أوْسٍ الدَّاريُّ، وَهُمَا نَصْرَانِيَّانِ، وَالثَّالِثُ بَدِيلُ بْنُ وَرْقَاءَ مَوْلَى عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ، وَكَانَ مُسْلِماً مُهَاجِراً، فَحَضَرَ بَدِيلَ بْنُ وَرْقَاءَ الْوَفَاةُ وَكَانَ مُسْلِماً، فَأَوْصَى إلَى صَاحِبَيْهِ، وَأمَرَهُمَا أنْ يَدْفَعَا مَتَاعَهُ إلَى أهْلِهِ إذا رَجَعَا، فَمَاتَ بَدِيلُ فَفَتَّشَا مَتَاعَهُ، وَأخَذا مِنْهُ إنَاءً مِنْ فِضَّةٍ مَنْقُوشاً بالذهَب كَانَ فِيهِ ثَلاَثُُمِائَةِ مِثْقَالٍ. فَلَمَّا قَدِمَا الْمَدِيْنَةَ وَسَلَّمَا الْمَتَاعَ إلَى أهْلِهِ، وَجَدَ أهْلُهُ كِتَاباً فِي دُرْجِ الْثِّيَاب فِيْهِ أسْمَاءُ الأمْتِعَةِ، قَالُوا لَهُمَا : هَلْ بَاعَ صَاحِبُكُمَا شَيئاً مِنْ مَتَاعِهِ ؟ قَالاَ : لاَ، فَهَلْ طَالَ مَرَضُهُ فَأَنْفَقَ شَيْئاً ؟ قَالاَ : لاَ، إنَّمَا مَرِضَ حِينَ قَدِمَ الْبَلََدَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ مَاتَ. فَقَالَ لَهُمَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَالْمُطَّلِبُ ابْنُ أبي وَدَاعَةَ : فإنَّا وَجَدْنَا فِي مَتَاعِهِ صَحِيفَةً فِيهَا تَسْمِيَةً مَتَاعِهِ، وَفِيْهَا إنَاءٌ مَنْقُوشٌ مُمَوَّهٌ بالذهَب فِيْهِ ثَلاَثُمِائَةِ مِثْقَالٍ. قَالاَ : مَا نَدْري، إنَّمَا أوْصَى إلَيْنَا بشَيْءٍ وَأَمَرَنَا أنْ نَدْفَعَهُ إلَيْكُمْ فَدَفَعْنَاهُ. فَرَفَعُوهُمَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَذكَرُوا ذلِكَ لَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ. ومعناها : يا أيُّها الذين آمَنوا شهادةُ الحالِ الذي بينكم إذا حضرَ أحدَكم الموتُ فأراد الوصيَّةَ شهادةُ اثنين ذوي عدلٍ منكم ؛ أي من أهل دينِكم. وهذه جملةٌ تامَّة تتناولُ حكمَ الشَّهادة على الوصيَّة في الحضر والسفرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ؛ مقيَّدٌ بالسَّفرِ خاصَّة، معناهُ : أو آخَران من غير أهل دينكم، ﴿إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ إن أنتم سافَرتُم في الأرضِ، ﴿فَأَصَابَتْكُم﴾ ؛ في السَّفرِ، ﴿مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ ؛ ولم يكن يحضرُكم مسلمون. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ﴾ ؛ أي تَقِفونَهما وهما النصرانيَّان، والمرادُ بقوله :﴿بَعْدِ الصَّلاَةِ﴾ بعد صلاةِ العصر كان النبيُّ ﷺ يقضي بعدَ صلاة العصرِ وهو وقتُ اجتماعِ الناس، وأهلُ الكتاب يعظِّمونَهُ، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً﴾ ؛ أي الشَّاهدان النصرانيان يَحلفان باللهِ إذا ادَّعى عليهما ورثةُ الميِّت بسبب شأنِهم في جِنايتهما، ويقولان في اليمينِ : لاَ نشتري بهذا القول الذي نقولهُ بأنا دفَعنا المالَ جميعه إليكم عَرَضاً يَسِيراً من الدُّنيا، ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ؛ أي وإن كان الميْتُ ذا قرابةٍ منَّا في الرَّحِمِ ؛ أي لم نَخُنْ في التِّركة لقرابته منَّا. رُوي أنه كان بين الميْتِ المسلمِ وبين هذين النصرانيين قرابةٌ في الرَّحِم، ومعنى قوله :﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي شَكَكْتُمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ ؛ أي ويقولون في اليمينِ : ولا نكتمُ شهادةَ اللهِ، ﴿إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ الآَثِمِينَ﴾ ؛ أي العاصِين إنْ كتَمنَاهما كما قالَ تعالى في آيةٍ أخرى

المائدة 5:107

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي ثَلاثَةِ نَفَرٍ، خَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ إلَى الشَّامِ لِتِجَارَةٍ، أحَدُهُمْ : عَدِيُّ بْنُ بَدَّاءِ، وَالآخَرُ عَامِرُ بْنُ أوْسٍ الدَّاريُّ، وَهُمَا نَصْرَانِيَّانِ، وَالثَّالِثُ بَدِيلُ بْنُ وَرْقَاءَ مَوْلَى عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ، وَكَانَ مُسْلِماً مُهَاجِراً، فَحَضَرَ بَدِيلَ بْنُ وَرْقَاءَ الْوَفَاةُ وَكَانَ مُسْلِماً، فَأَوْصَى إلَى صَاحِبَيْهِ، وَأمَرَهُمَا أنْ يَدْفَعَا مَتَاعَهُ إلَى أهْلِهِ إذا رَجَعَا، فَمَاتَ بَدِيلُ فَفَتَّشَا مَتَاعَهُ، وَأخَذا مِنْهُ إنَاءً مِنْ فِضَّةٍ مَنْقُوشاً بالذهَب كَانَ فِيهِ ثَلاَثُُمِائَةِ مِثْقَالٍ. فَلَمَّا قَدِمَا الْمَدِيْنَةَ وَسَلَّمَا الْمَتَاعَ إلَى أهْلِهِ، وَجَدَ أهْلُهُ كِتَاباً فِي دُرْجِ الْثِّيَاب فِيْهِ أسْمَاءُ الأمْتِعَةِ، قَالُوا لَهُمَا : هَلْ بَاعَ صَاحِبُكُمَا شَيئاً مِنْ مَتَاعِهِ ؟ قَالاَ : لاَ، فَهَلْ طَالَ مَرَضُهُ فَأَنْفَقَ شَيْئاً ؟ قَالاَ : لاَ، إنَّمَا مَرِضَ حِينَ قَدِمَ الْبَلََدَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ مَاتَ. فَقَالَ لَهُمَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَالْمُطَّلِبُ ابْنُ أبي وَدَاعَةَ : فإنَّا وَجَدْنَا فِي مَتَاعِهِ صَحِيفَةً فِيهَا تَسْمِيَةً مَتَاعِهِ، وَفِيْهَا إنَاءٌ مَنْقُوشٌ مُمَوَّهٌ بالذهَب فِيْهِ ثَلاَثُمِائَةِ مِثْقَالٍ. قَالاَ : مَا نَدْري، إنَّمَا أوْصَى إلَيْنَا بشَيْءٍ وَأَمَرَنَا أنْ نَدْفَعَهُ إلَيْكُمْ فَدَفَعْنَاهُ. فَرَفَعُوهُمَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَذكَرُوا ذلِكَ لَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ. ومعناها : يا أيُّها الذين آمَنوا شهادةُ الحالِ الذي بينكم إذا حضرَ أحدَكم الموتُ فأراد الوصيَّةَ شهادةُ اثنين ذوي عدلٍ منكم ؛ أي من أهل دينِكم. وهذه جملةٌ تامَّة تتناولُ حكمَ الشَّهادة على الوصيَّة في الحضر والسفرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ؛ مقيَّدٌ بالسَّفرِ خاصَّة، معناهُ : أو آخَران من غير أهل دينكم، ﴿إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ إن أنتم سافَرتُم في الأرضِ، ﴿فَأَصَابَتْكُم﴾ ؛ في السَّفرِ، ﴿مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ ؛ ولم يكن يحضرُكم مسلمون. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ﴾ ؛ أي تَقِفونَهما وهما النصرانيَّان، والمرادُ بقوله :﴿بَعْدِ الصَّلاَةِ﴾ بعد صلاةِ العصر كان النبيُّ ﷺ يقضي بعدَ صلاة العصرِ وهو وقتُ اجتماعِ الناس، وأهلُ الكتاب يعظِّمونَهُ، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً﴾ ؛ أي الشَّاهدان النصرانيان يَحلفان باللهِ إذا ادَّعى عليهما ورثةُ الميِّت بسبب شأنِهم في جِنايتهما، ويقولان في اليمينِ : لاَ نشتري بهذا القول الذي نقولهُ بأنا دفَعنا المالَ جميعه إليكم عَرَضاً يَسِيراً من الدُّنيا، ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ؛ أي وإن كان الميْتُ ذا قرابةٍ منَّا في الرَّحِمِ ؛ أي لم نَخُنْ في التِّركة لقرابته منَّا. رُوي أنه كان بين الميْتِ المسلمِ وبين هذين النصرانيين قرابةٌ في الرَّحِم، ومعنى قوله :﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي شَكَكْتُمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ ؛ أي ويقولون في اليمينِ : ولا نكتمُ شهادةَ اللهِ، ﴿إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ الآَثِمِينَ﴾ ؛ أي العاصِين إنْ كتَمنَاهما كما قالَ تعالى في آيةٍ أخرى

المائدة 5:108

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي ثَلاثَةِ نَفَرٍ، خَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ إلَى الشَّامِ لِتِجَارَةٍ، أحَدُهُمْ : عَدِيُّ بْنُ بَدَّاءِ، وَالآخَرُ عَامِرُ بْنُ أوْسٍ الدَّاريُّ، وَهُمَا نَصْرَانِيَّانِ، وَالثَّالِثُ بَدِيلُ بْنُ وَرْقَاءَ مَوْلَى عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ، وَكَانَ مُسْلِماً مُهَاجِراً، فَحَضَرَ بَدِيلَ بْنُ وَرْقَاءَ الْوَفَاةُ وَكَانَ مُسْلِماً، فَأَوْصَى إلَى صَاحِبَيْهِ، وَأمَرَهُمَا أنْ يَدْفَعَا مَتَاعَهُ إلَى أهْلِهِ إذا رَجَعَا، فَمَاتَ بَدِيلُ فَفَتَّشَا مَتَاعَهُ، وَأخَذا مِنْهُ إنَاءً مِنْ فِضَّةٍ مَنْقُوشاً بالذهَب كَانَ فِيهِ ثَلاَثُُمِائَةِ مِثْقَالٍ. فَلَمَّا قَدِمَا الْمَدِيْنَةَ وَسَلَّمَا الْمَتَاعَ إلَى أهْلِهِ، وَجَدَ أهْلُهُ كِتَاباً فِي دُرْجِ الْثِّيَاب فِيْهِ أسْمَاءُ الأمْتِعَةِ، قَالُوا لَهُمَا : هَلْ بَاعَ صَاحِبُكُمَا شَيئاً مِنْ مَتَاعِهِ ؟ قَالاَ : لاَ، فَهَلْ طَالَ مَرَضُهُ فَأَنْفَقَ شَيْئاً ؟ قَالاَ : لاَ، إنَّمَا مَرِضَ حِينَ قَدِمَ الْبَلََدَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ مَاتَ. فَقَالَ لَهُمَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَالْمُطَّلِبُ ابْنُ أبي وَدَاعَةَ : فإنَّا وَجَدْنَا فِي مَتَاعِهِ صَحِيفَةً فِيهَا تَسْمِيَةً مَتَاعِهِ، وَفِيْهَا إنَاءٌ مَنْقُوشٌ مُمَوَّهٌ بالذهَب فِيْهِ ثَلاَثُمِائَةِ مِثْقَالٍ. قَالاَ : مَا نَدْري، إنَّمَا أوْصَى إلَيْنَا بشَيْءٍ وَأَمَرَنَا أنْ نَدْفَعَهُ إلَيْكُمْ فَدَفَعْنَاهُ. فَرَفَعُوهُمَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَذكَرُوا ذلِكَ لَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ. ومعناها : يا أيُّها الذين آمَنوا شهادةُ الحالِ الذي بينكم إذا حضرَ أحدَكم الموتُ فأراد الوصيَّةَ شهادةُ اثنين ذوي عدلٍ منكم ؛ أي من أهل دينِكم. وهذه جملةٌ تامَّة تتناولُ حكمَ الشَّهادة على الوصيَّة في الحضر والسفرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ؛ مقيَّدٌ بالسَّفرِ خاصَّة، معناهُ : أو آخَران من غير أهل دينكم، ﴿إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ إن أنتم سافَرتُم في الأرضِ، ﴿فَأَصَابَتْكُم﴾ ؛ في السَّفرِ، ﴿مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ ؛ ولم يكن يحضرُكم مسلمون. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ﴾ ؛ أي تَقِفونَهما وهما النصرانيَّان، والمرادُ بقوله :﴿بَعْدِ الصَّلاَةِ﴾ بعد صلاةِ العصر كان النبيُّ ﷺ يقضي بعدَ صلاة العصرِ وهو وقتُ اجتماعِ الناس، وأهلُ الكتاب يعظِّمونَهُ، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً﴾ ؛ أي الشَّاهدان النصرانيان يَحلفان باللهِ إذا ادَّعى عليهما ورثةُ الميِّت بسبب شأنِهم في جِنايتهما، ويقولان في اليمينِ : لاَ نشتري بهذا القول الذي نقولهُ بأنا دفَعنا المالَ جميعه إليكم عَرَضاً يَسِيراً من الدُّنيا، ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ؛ أي وإن كان الميْتُ ذا قرابةٍ منَّا في الرَّحِمِ ؛ أي لم نَخُنْ في التِّركة لقرابته منَّا. رُوي أنه كان بين الميْتِ المسلمِ وبين هذين النصرانيين قرابةٌ في الرَّحِم، ومعنى قوله :﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي شَكَكْتُمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ ؛ أي ويقولون في اليمينِ : ولا نكتمُ شهادةَ اللهِ، ﴿إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ الآَثِمِينَ﴾ ؛ أي العاصِين إنْ كتَمنَاهما كما قالَ تعالى في آيةٍ أخرى

المائدة 5:109

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ﴾ يعني يومَ القيامةِ، ونُصِبَ (يَوْمَ) على إضمار اذكُروا واحذرُوا، ويحتمل أنه انتصبَ بقولهِ ﴿وَاتَّقُوا الله﴾، والسُّؤال للرسلِ توبيخٌ للذين أرسِلُوا إليهم، كما في قوله تعالى﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾[التكوير: ٨] إنما تُسأل الموءودَةُ لتوبيخِ قاتِلها. وأما قولُ الرسلِ :(لاَ عِلْمَ لَنَا)، فقال ابنُ عبَّاس والحسن والسديُّ ومجاهد :(إنَّ هَذا الْجَوَابَ إنَّمَا يَكُونُ فِي بَعْضِ مَوَاطِنِ الْقِيَامَةِ، وَذَلِكَ عِنْدَ زَفْرَةِ جَهَنَّمَ، وَجُثُوِّ الأُمَمِ عَلَى الرُّكَب، لاَ يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلاَ نَبيٌّ مُرْسَلٌ إلاَّ قَالَ : نَفْسِي نَفْسِي، فَعِنْدَ ذلِكَ تَطِيرُ الْقُلُوبُ مِنْ أمَاكِنِهَا، فَتَقُولُ الرُّسُلُ مِنْ شِدَّةِ هَوْلِ الْمَسْأَلَةِ وَهَوْلِ الْمَوْطِنِ : لاَ عِلْمَ لَنَا) ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ ؛ تُرجِعُ إليهم عقولُهم، فيشهَدُون على قومِهم أنَّهم بلَّغوهم الرسالةَ، وأنَّ قومَهم كيف ردُّوا عليهم. فإن قِيْلَ : كيف يصحُّ ذُهول العقلِ مع قولهِ تعالى﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ﴾[الأنبياء: ١٠٣] قِيْلَ : إن الفزعَ الأكبرَ دخولُهم جهنَّم. وعن ابنِ عبَّاس :(أنَّ مَعْنَى : لاَ عِلْمَ لَنَا ؛ أيْ لاَ عِلْمَ لَنَا إلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا)، فَحُذِفَ الاسْتِثْنَاءُ. وَقِيْلَ : معناهُ : لا علمَ لنا بتفصيلِ الأمُور.

المائدة 5:110

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ ياعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ ؛ معناهُ : واذكُروا أيُّها المؤمنون ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ ياعِيسَى﴾، ويجوز أنْ يكون عَطفاً على قولِهِ :﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ تقديرهُ : إذ يقولُ الله : يا عيسَى بنَ مريَم، إلاَّ أنه ذكرَهُ بلفظ الماضِي لتقديم ذكرِ الوقت. ومعنى الآيةِ : أظْهِرْ مِنَّتِي عليكَ بالنبوَّة وعلى أمِّك بأن طهَّرتُها واصطفيتُها على نساءِ العالَمين ؛ ليكون حجَّة على من كَفَرَ وادَّعاكَ إلهاً، فيكون ذلك حسرةً وندامةً عليهم يومئذٍ. والفائدةُ في ذكرِ أمِّهِ : أنَّ الناس تكلَّمُوا فيها كما تكلَّمُوا فيه. ثم عدَّ الله نِعمَةً نعمةً :﴿إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ ؛ أعَنتُكَ وقرَّبتُكَ بجبريلَ الطاهر حين حاولَتْ بني إسرائيل قتلَكَ، ويقال : أيَّدتُكَ به في الحجَّة في كلِّ أحوالِكَ. وقوله تعالى :﴿ياعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ انتصبَ (ابْنَ مَرْيَمَ) لأنه مُنادَى مضافٌ ؛ أي يا عيسى يا ابنَ مريمَ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ معناهُ : اذكر نِعمَتي، لفظة واحدةٌ ومعناها الجمعُ، كقوله تعالى :﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾[إبراهيم: ٣٤] أي نِعَمَ اللهِ، لأنَّ العددَ لا يقعُ على الواحدِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ ؛ أي تكلِّمُ الناسَ في حِجْرِ أمِّكَ في حالِ صِغَرِكَ، وتخاطبُهم كَهلاً بعد ثلاثين سَنة، على صفةٍ واحدة واحداً واحداً، وذلك من أعظمِ الآيات. ويقال : أرادَ بالمهدِ الذي يُربَّى فيه الطفلُ حين قال لَهم وهو في المهدِ :﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً﴾[مريم: ٣٠]. قال الكلبيُّ :(مَكَثَ فِي رسَالَتِهِ بَعْدَ ثَلاَثِيْنَ سَنَةً ثَلاَثِينَ شَهْراً، ثُمَّ رَفَعَهُ اللهُ إلَيْهِ). وَقِيْلَ : ثلاثَ سنين، ثم رُفع إلى السَّماء وهو ابنُ ثلاثٍ وثلاثين سَنة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ ؛ أي علَّمتُكَ كُتبَ الأنبياء قبلَك والفهمَ، ويقال : أرادَ بالكتاب الخطَّ بالقلمِ، وأرادَ بالحكمةِ كلَّ صوابٍ منهنَّ من قول أو فعلٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ ؛ معناهُ : إذ تُصوِّرُ من الطينِ كَشِبهِ الْخُفَّاشِ بأمرِي، ﴿فَتَنفُخُ فِيهَا﴾ ؛ أي في الهيئةِ، ﴿فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي﴾ ؛ يطيرُ بين السَّماء والأرضِ بأمرِ الله، ويكون النفخُ كنفخِ الرَّاقِي. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ ؛ الأكمَهُ : الذي وُلد أعمَى، والأَبْرَصُ : الذي لا تعالِجهُ الأطبَّاء، وهو الذي إذا غُرزَ الإبرةَ لا يخرجُ منه الدَّم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِيِ﴾ ؛ أي الموتَى تخرِجُهم من قُبورهم احياءَ بإرادتِي، والمرادُ أنَّ الله تعالى كان يأذنُ له في المسألةِ والدُّعاء، فيقعُ ذلك عن اللهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ﴾ ؛ معناه وإذ صَنعتُ (صَرَفْتُ) أولادَ يعقوب عنكَ حين هَمَّوا بقتلِكَ، ﴿إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ؛ أي بالمعجزاتِ الدالَّة على رسالتِكَ، ﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـاذَا﴾ ؛ أي ما هذا الذي يُرينا عيسى، ﴿إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ سحرٌ ظَاهِرٌ. ومن قرأ (سَاحِرٌ مُبينٌ) أراد به عيسَى عليه السلام.

المائدة 5:111

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي﴾ ؛ معناهُ : وإذ ألْهَمْتُ الحواريِّين وهم خَوَاصُّ عيسى، وألقيتُ في قلوبهم : أن صدِّقوا بتوحيدِي وبرَسولِي، ﴿قَالُواْ آمَنَّا﴾ ؛ وصدَّقنا، ﴿وَاشْهَدْ﴾ ؛ يا عيسَى، ﴿بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ ؛ أي مُخْلِصُون بالعبادة والتوحيدِ.

المائدة 5:112

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ ياعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَآءِ قَالَ اتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ؛ كأنه قالَ : اذكُرْ نِعمَتِي عليكَ إذْ قَالَ الْحَوَاريُّونَ. وقولهُ تعالى :﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾. قرأ الكسائيُّ (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) بالتاءِ بإدغام ونصب الباءِ من رَبَّكَ، أي هل تقدرُ أن تسأَلَ رَبَّكَ؟. وقد رُوي عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أنَّها قالت :(كَانَ الْحَوَارِيُّونَ أعْلَمَ باللهِ مِنْ أنْ يَقُولُوا : هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ؟) وفيه ثلاثةُ أقوالٍ : أحدهم : أنَّ هذا السؤالَ كان في ابتداءِ أمرهم قبل أن تَستحكِمَ معرفتُهم باللهِ تعالى ولذلك أنكرَ عليهم عيسَى عليه السلام فقال :(اتَّقُوا اللهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) لأنه لم يُسْتَكْمَلَ إيمانُهم في ذلك الوقتِ. والقولُ الثاني : أنَّ معناهُ : هل يفعلُ ذلك كما يقول الرجلُ لآخرَ : هل تستطيعُ أن تقومَ معي في أمرِ كذا ؟ أي هل أنتَ فاعلهُ؟ والقولُ الثالث : أنَّ معناهُ : هل يستجيبُ لكَ ربُّكَ ؟ وهل يُطِيعُكَ إنْ سألتَهُ ؟ كما تقولُ : استجابَ بمعنى أجابَ. وَالْحَوَاريُّونَ : خواصُّ أصحاب عيسى عليه السلام. قال الحسنُ :(كَانُوا قَصَّارينَ) وقال مجاهدُ :(كَانُوا صَيَّادِينَ) وَقِيْلَ : كانوا مَلاَّحِينَ. وقال قتادةُ :(الْحَوَاريُّونَ : الْوُزَرَاءُ) وقال عكرمة :(هُمُ الأَصْفِيَاءُ) وكانوا اثنَى عشرَ رجُلاً.

المائدة 5:113

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ ؛ أي قال الحواريُّون : نريدُ بما سألناكَ أن نأكُلَ من المائدةِ، وتسكُنَ قلوبُنا بما جِئتَنا به من المعجزاتِ، ﴿وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ ؛ بأنَّكَ رسولُ الله، وَقِيْلَ : صَدَقْتَنَا في دُعائك، وفيما دَعوتَنا من كفايةِ الله تعالى إيانا، ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا﴾ ؛ على المائدةِ ؛ ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ؛ إذا رجَعنا إلى قومِنا.

المائدة 5:114

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ ؛ أي قال عيسَى : يا الله، إلاَّ أنه أقيم الميمُ في آخرهِ مقامَ النداءِ في أوَّلهِ، وقوله :﴿أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَآءِ﴾ أي طَعاماً، ﴿تَكُونُ لَنَا عِيداً﴾ أي نتَّخذُ اليومَ الذي تنْزِلُ فيه المائدةُ يومَ سُرورٍ لأزمَانِنا ولمن يكون خلفَنا. ورُوي :(أنَّ نُزُولَ الْمَائِدَةِ كَانَ في يَوْمِ الأَحَدِ، فَاتَّخَذتِ النَّصَارَى ذلِكَ الْيَوْمَ عِيداً). وقرأ زيدُ ابن ثابت :(لأُوْلاَنَا وَأخْرَانَا). وقولهُ تعالى :﴿وَآيَةً مِّنْكَ﴾ ؛ أي تكون المائدةُ دَلالة وحجةً لِمَنْ آمنَ على مَن كفرَ، ﴿وَارْزُقْنَا﴾ ؛ أي اجعَلْ ذلك رزقاً لنا، وَقِيْلَ : ارزُقنا الشُّكرَ عليه، ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ ؛ وأنتَ أفضلُ الْمُعْطِينَ والموفِّقين.

المائدة 5:115

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ ؛ أي قالَ اللهُ : يا عيسَى إنِّي مُنزِلٌ المائدةَ عليكم. قرأ أهلُ المدينة والشامِ وقتادة وعاصم :(مُنَزِّلُهَا) بالتشديدِ ؛ لأنها نزَلت مِرَاراً، والتفعيلُ يدلُّ على التكثيرِ مرَّةً بعدَ مرَّةٍ كقوله تعالى﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾[الإسراء: ١٠٦]، وقرأ الباقون بالتخفيفِ كقوله :(أنزِلْ عَلَيْنَا). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ ؛ أي فمَن يكفُرْ بعدَ نُزول المائدةِ، وَقِيْلَ : بعد ما أكَلَ من المائدةِ، فإنِّي أُعذِّبهُ بجنسٍ من العذاب لا أعذِّبُ أحداً من عالَمي زمانِهم بذلك العذاب، وهو أن جعلَ اللهُ مَن كَفَرَ منهم بعد نزول المائدة خنازيرَ. وَقِيْلَ : أرادَ بهذا عذابَ الآخرةِ، كما رُوي عن ابنِ عمر أنه قالَ (أشَدُّ النَّاسِ عَذاباً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلاَثَةٌ : الْمُنَافِقُونَ، وَمَنْ كَفَرَ مِنْ أصْحَاب الْمَائِدَةِ، وَآلَ فِرْعَوْنَ). ورُوي عن ابنِ عبَّاس في سبب نُزول المائدةِ :(أنَّ عِيسَى كَانَ إذا خَرَجَ اتَّبَعَهُ خَمْسَةُ آلاَفِ رَجُلٍ أوْ أكْثَرُ مِنْ أصْحَابهِ الَّّذِينَ يَقْتَدُونَ بهِ، وَأهْلُ الزَّمَانَةِ وَالْمَرْضَى والبطارة، فَسَلَكَ بهِمْ ذاتَ يَوْمٍ الْقِفَارَ، فَفَنِيَ طَعَامُهُمْ وَجَاعُواْ جُوعاً شَدِيداً، فَأَعْلَمَ النَّاسُ تَلاَمِيذهُ الْحَوَارِيِّينَ قَالُواْ : إنْ كَانَ صَاحِبُكُمْ حَقّاً فَلْيَدْعُ رَبَّهُ يُنَزِّلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ، فَكَلَّمَهُ فِي ذلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْحَوَاريِّينَ يُقَالُ لَهُ : شَمْعُونَ الصَّفَّارُ، فَقَالَ : قُلْ لَهُمْ يَتَّقُوا اللهَ وَلاَ يَسْأَلُوا لأَنْفُسِهِمْ الْبَلاَءَ، فَإنَّهُمْ إنْ كَفَرُوا بَعْدَ نُزُولِهَا عَاقَبَهُمُ اللهُ. فَأَخْبَرَهُمْ شَمْعُونُ بذلِكَ، فَقَالُواْ :(نُرِيدُ أنْ نأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنَا). فَقَامَ عِيسَى عليه السلام فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَوْحَى اللهُ إلَيْهِ :(قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ)، ثُمَّ أنْزَلَ اللهُ مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ فَوْقَهَا مَنَديلُ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهَا وَعِيْسَى يَبْكِي، حَتَّى اسْتَقَرَّتِ الْمَائِدَةُ بَيْنَ يَدَي عِيسَى وَهُوَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً، ثُمَّ كَشَفَ الْمِنْدِيلَ وَقَالَ : بِسْمِ اللهِ، فَإذا عَلَى الْمَائِدَةِ سَمَكَةٌ مَشْوِيَّةٌ لاَ شَوْكَ فِيهَا، وَالْوَدَكُ يَسِيلُ مِنْهَا، وَالْخَلُّ عِنْدَ رَأْسِهَا، وَالْمِلْحُ عَنْدَ ذنَبهَا، وَعَلَيْهَا أرْبَعَةُ أرْغِفَةٍ، وَعَلَيْهَا الْبَقُولُ إلاَّ الكُرَّاثُ - قالَ عطيَّةُ :(كَانَ فِي السَّمَكَةِ طَعْمُ كُلِّ شَيْءٍ). فَقَالَ لَهُمْ عِيسَى : كُلُوا مِنْ رزْقِ رَبكُمْ، فَأَكَلُواْ مِنْهَا، وَرَجَعَتِ الْمَائِدَةُ كَمَا كَانَتْ، فَلَمَّا فَرَغَ الْقَوْمُ إلَى قَرَارِهِمْ، وَبَشَّرُوا هَذا الْحَدِيثَ لِسَائِرِ النَّاسِ، ضَحِكَ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ، وَقَالَ : وَيْحَكُمْ! إنَّهُ قَدْ سَحَرَ أعْيُنَكُمْ وَأخَذ بقُلُوبكُمْ. فَمَنْ أرَادَ اللهُ بهِ الخَيْرَ ثبَّتَهُ عَلى الصَّبْرِ، وَمَنْ أرَادَ فِتْنَتَهُ رَجَعَ إلَى كُفْرِهِ، فَلَعَنَهُم عِيْسَى فَبَاتُوا لَيْلَتَهُمْ، ثُمَّ أصْبَحُوا خَنَازيرَ يَنْظُرُ النَّاسُ إلَيْهِمْ، الذكَرُ ذكَرٌ وَالأُنْثَى أنْثَى وَيَلْعَنُوهُمْ، فَمَكَثُوا كَذَلِكَ ثَلاَثَةَ أيَّامٍ ثُمَّ هَلَكُواْ، وَلَمْ يَتَوَالَدُواْ وَلاَ طَعِمُواْ وَلاَ شَرِبُواْ). وقال بعضُهم : لَمَّا دعَا عيسى ربَّهُ أن يُنزِّلَ عليهم مائدةً من السَّماء، أقبَلت الملائكةُ بمائدةٍ يحملونَها، عليها سبعةُ أرغفةٍ وسبعةُ أحْوَاتٍ حتى وضَعُوها بين أيديهم، فأكلَ منها آخرُهم كما أكلَ أوَّلُهم.

المائدة 5:116

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ ياعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـاهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ أوَّلُ هذه الآيةِ معطوفٌ على قولهِ :﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ ياعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾[المائدة: ١١٠] ويجوزُ أن يكون عَائداً على ما تقدَّم من قولهِ :﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾[المائدة: ١٠٩] كأنه قالَ : إذ يقولُ الله يومَ القيامةِ، وفي آخرِ السُّورة ما يدلُّ على هذا، وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ اللَّهُ هَـاذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾[المائدة: ١١٩] وذكرَ اللفظَ على صيغةِ الماضي ؛ لتحقُّقِِ أمرهِ كأنه قد وقَعَ وشُوهِدَ، ونظيرهُ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾[الأعراف: ٤٤] وقوله :﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ﴾[إبراهيم: ٢٢] أي سيَقُولُ. وقال السديُّ وقطرب :(إنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لِعِيسَى عليه السلام هَذا الْقَوْلَ حِينَ رَفَعَهُ)، واحتجَّا بقولهِ :﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾[المائدة: ١١٨]، ولا خلافَ أنَّ الله لا يَغفِرُ لِمُشرِكٍ ماتَ على شِركهِ، وإنما معنى الآية : وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ بتَوْبَتِهِمْ. وقال أكثرُ المفسِّرين : إنَّما يقولُ الله تعالى هذه المقالةَ يوم القيامةِ، بدليلِ ما ذكَرنا من قولهِ :﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾[المائدة: ١٠٩]، ﴿يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾[المائدة: ١١٩]، فإن قالوا (إذْ) للماضي، قُلنا قد تكون بمعنى (إذا) كقوله :﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ﴾[سبأ: ٥١] أي إذا فَزِعوا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ يعني أأنتَ قُلتَ لَهم في الدُّنيا :﴿اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـاهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ؟ فإنْ قيلَ : ما وجهُ سؤالِ الله تعالى لعيسَى مع علمهِ بأنه لم يقُلْ ؟ قِيْلَ : ذلكَ توبيخٌ لقومِ عيسى وتحذيرٌ لهم عن هذه المقالةِ. وَقِيْلَ : أرادَ الله بذلك أن يُقِرَّ عيسَى بالعبوديَّة على نفسهِ، فيظهرُ منه تكذيبُهم بذلك، فيكون حجَّةً عليهم. قال أبو رَوْقٍ وميسرةَ :(إذْ قَالَ اللهُ لِعِيسَى عليه السلام : أأنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ ؟ ارْتَعَدَتْ مَفَاصِلُهُ، وَانْفَجَرَتْ مِنْ كُلِّ شَعْرَةٍ مِنْ جَسَدِهِ عَيْنٌ مِنَ الدَّمِ). ثُمَّ يَقُولُ عِيسَى عليه السلام مُجيباً اللهَ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ ؛ أي تَنزيهاً لكَ يا رب، ما ينبغِي لي أن أدَّعي شيئاً لستُ بجديرٍ له، ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ ؛ عندي وما في ضَمِيري، وما كان منِّي في الدُّنيا، ﴿وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ؛ غَيبكَ، ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ ؛ لا يعلمُ الغيبَ أحدٌ غيرُكَ. وَقِيْلَ : معناهُ : تعلمُ ما أريدُ، ولا أعلمُ ما تريدُ، ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ أي ما كانَ وما يكون. وأمَّا ذِكْرُ النفسِ في قوله :﴿وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ فعلى من أوجُه الكلامِ : بأن الغيبَ من اللهِ تعالى في حُكمِ الضميرِ من الآدميِّين، والنَّفْسُ في كلامِ العرب على ضُروب ؛ تُذكَرُ ويرادُ بها ذاتُ الشيءِ، كما يقالُ : جاءَني زيدٌ نفسُه ؛ أي ذاتهُ، وقتَلَ فلانٌ نفسَهُ، وأهلَكَ فلان نفسَهُ، ويرادُ بذلك الذاتُ بكمالِها.

المائدة 5:117

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ ؛ أي ما قُلت لهم شيئاً إلاّ القولَ الذي أمَرتَني به، ﴿أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ ؛ أو وحِّدوهُ وأطيعوهُ، ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ معناهُ : فلمَّا قبَضتَني إليك من بينِهم، ورفَعتَني إلى السَّماء كنتَ أنتَ الحفيظَ عليهم، ﴿وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ؛ من مقالَتي ومقالتِهم، مطَّلعٌ عالِمٌ مشاهدٌ. وذهبَ بعضُ المفسرين إلى أن معنى قولهِ :﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ أمَتَّني، وقالوا : إنَّ عيسى ليس بحيٍّ في السَّماء. إلاّ أنَّ القولَ الأولَ أشهرُ، ويحتمل أنَّ الله تعالى أمَاتَهُ، ثم أحياهُ ورفعَهُ إلى السَّماء. وقال الحسن :(الْوَفَاةُ فِي كِتَاب اللهِ تَعَالَى عَلَى ثَلاَثَةِ أوْجُهٍ : وَفَاةُ الْمَوْتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى :﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا﴾[الزمر: ٤٢]، وَوَفَاةُ النَّوْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى :﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِالَّيلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾[الأنعام: ٦٠] أيْ يُنِيمُكُمْ، وَوَفَاةُ الرَّفْعِ كَقَوْلِهِ :﴿ياعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾[آل عمران: ٥٥].

المائدة 5:118

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ ؛ قرأ الحسنُ :(عَبْدُكَ)، قِيْلَ : معناهُ التبعيضُ ؛ أي إن تُعذِّبَ الذين أقَامُوا على الكفرِ فإنَّهم عبادُك، ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ؛ للَّذين أسلَمُوا وتابوا، ﴿فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ؛ لأنه قالَ :﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾[المائدة: ١١٦]، وما قلتُ لهم، وفيهم المسلمون والمشركون، فقوله :﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ﴾ راجعٌ إلى الكافرين، وقوله :﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ راجعٌ إلى المؤمنِين. عن ابنِ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا في معنى هذه الآيةِ :(وَإنْ تُعَذِّبْهُمْ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ الَّتِي أجْزَمُوهَا فَإنَّهُمْ عِبَادُكَ، وَإنْ يَتُوبُوا فَتَغْفِرَ لَهُمْ). قولهُ :﴿فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، أي المنيعُ في مغفرتِكَ لهم لا يمنعُكَ أحدٌ مما تريدُ، الحكيمُ في أمرِكَ. فإنْ قيلَ : ظاهرُ الآية يقتضي سؤالَ المغفرةِ للكفَّار، واللهُ لا يغفِرُ أن يُشركَ به، فما معنى هذا السؤالِ ؟ قِيْلَ : يحتملُ أنه لم يكن في كتابهِ : إنَّ الله لا يغفرُ أن يُشركَ بهِ، ويحتملُ أن يكون معناهُ : إنْ تغفِرْ لهم كَذِبَهم الذي قالوا عليَّ. وَقِيْلَ : إنَّ عيسى عَلِمَ أنه منهم مَن آمنَ، ومنهم من أقامَ على الكفرِ، فكأنه قالَ : إن تعذِّب الكفارَ منهم فإنَّهم عبادُكَ، وأنت القادرُ عليهم، وإنْ تغفِرْ لِمَن تابَ منهم فذلك تفضُّلٌ منكَ ؛ لأنه كان لكَ أن لا تفعلَ ذلك بهم بعد عظيمِ فِريَتِهم عليكَ، وكان هذا القولُ من عيسَى عليه السلام على وجهِ الخضوع والانقيادِ والاستسلام على معنى أنَّكَ أنتَ المالكُ والقادر على كلِّ شيء، فلذلك قالَ :﴿فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ولو كان قالَ : فإنك أنتَ الغفورُ الرحيم، لأوْهَمَ الدعاءُ بطلب المغفرة والرحمةِ. ورُوي : أنه لَمَّا نزَلت هذه الآيةُ، " أحْيَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَتَهُ بهَا، وَكَانَ بهَا يَقُومُ وَبهَا يَقْعُدُ وَبهَا يَسْجُدُ، ثُمَّ قَالَ :" أمَّتِي أمَّتِي يَا رَب "، فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ فَقَالَ : إنَّ اللهَ تَعَالَى يُقْرِؤُكَ السَّلاَمَ وَيَقُولُ لَكَ :" إنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أمَّتِكَ وَلاَ نَسُوءَكَ ".

المائدة 5:119

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قَالَ اللَّهُ هَـاذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ ؛ مَن قرأ (يَوْمُ) بالرفعِ فمعناهُ : قالَ اللهُ لعيسَى عليه السلام هذا يومُ ينفع النبيِّين صدقُهم بتبليغِ الرسالة، والمؤمنين إيمانُهم الذي هو صدقٌ في الدنيا والآخرةِ، ولا ينفعُ الكفارَ صِدقُهم في الآخرةِ. ومن قرأ (يَوْمَ) بالنصب فعلى الظرفِ، على معنى : قالَ اللهُ لعيسى هذا القولَ الذي تقدَّم ذِكرهُ في يومٍ ينفعُ الصادقين صدقُهم. وقال الكلبيُّ :(مَعْنَى الآيَةِ : قالَ اللهُ : هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الْمُؤمِنِينَ إيْمَانُهُمْ)، وَقِيْلَ : ينفعُ الصَّادقين في الدُّنيا صِدقَهم وفي الآخرةِ. وقرأ الأعمشُ (هَذَا يَوْمٌ) بالتنوينِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ؛ أي بساتينُ تجري من تحت شجرها وغُرَفها الأنهارُ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ ؛ أي إلى الأبدِ، ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ ؛ بإيمانِهم وطاعتهم، ﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ ؛ بإكرامِهم في الجنَّة النجاةَ الوافرة. وحقيقةُُ الفوز نيلُ المرادِ. قوله عزّ وَجَلَّ :﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ أي بما أكرمهم به من الثواب، ﴿ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي ذلكَ الثوابُ والخلود في الجنَّة النجاةُ الوافرة، وحقيقةُ الفوز نيلُ المرادِ.

المائدة 5:120

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿للَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ﴾ ؛ أي للهِ خزائنُ السَّموات والأرضِ، وما فيهنَّ من الخلقِ، يُعطي من شاءَ ما شاءَ، ويغفرُ لِمَن يشاءُ، ويعذِّبُ مَن يشاءُ، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ مما يريدُ بعبادهِ من المغفرةِ والعذاب قادرٌ. والغرضُ من هذه الآيةِ نفيُ الربُّوبية عن عيسَى عليه السلام، وبيانُ أنَّ الله تعالى هو المستحقُّ للعبادةِ دونَ غيره، فإنه هو القادرُ على كلِّ شيءٍ من الجزاء ؛ تَرغيباً في الطاعةِ ؛ وتَحذيراً عن المعصيةِ. وعن أبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قَالَ :" مَنْ قَرَأ سُورَةَ الْمَائِدَةِ أعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ بعَدَدِ كُلِّ يَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ يَتَنَفَّسُ فِي الدُّنْيَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَمُحِيَ عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ "

الأنعام 6:1

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ ؛ قال كعبُ الأحبار : وأولَّ مفتاحِ التوراة (الحمدُ لله الذي خلقَ السمواتِ والأرضَ)، وخاتِمتُها خاتِمة سورة هُود﴿وَللَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾[هود: ١٢٤]. قال مقاتلُ :(قَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبيِّ ﷺ : مَنْ رَبُّكَ ؟ قََالَ :﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ فَكَذَبُوهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى حَامِداً نَفْسَهُ دَالاً عَلَى تَوْحِيْدِهِ :﴿الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ أي خلقَ السَّموات بما فيها من الشَّمسِ والقمر والنجومِ، والأرضَ بما فيها من البَرِّ والبحر ؛ والسَّهلِ والجبل ؛ والنَّباتِ والشجَر، خلقَ السموات وما فيها في يومين ؛ يومِ الأحدِ ويوم الاثنين ؛ وخلقَ الأرضَ وما فيها في يومين ؛ يومِ الثلاثاء ويوم الأربعاء. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ ؛ قال السديُّ :(ظُلْمَةَ اللَّيْلِ وَنُورَ النَّهَار). وقال الواقديُّ :(كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور فَهُوَ الْكُفْرُ وَالإيْمَانُ ؛ إلاَّ فِي هَذِهِ الآيَةِ فَإِنَّهُ يُرِيْدُ بهِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ). قال قتادةُ :(يَعْنِي الْجَنَّةَ وَالنَّارَ). وقال الحسنُ :(يَعْنِي الْكُفْرَ وَالإيْمَانَ). وقيل : خلقَ الليلَ والنهار لمصالحِ العباد ؛ يستريحون باللَّيل ويبصرون معايشَهم بالنهار. وإنَّما جَمَعَ (الظُّلُمَاتِ) ووحَّدَ (النُّورَ) لأن النورَ يتعدَّى، والظلمةَ لا تتعدَّى. وقال أهلُ المعانِي :(جَعَلَ) ها هنا صلةٌ ؛ والعربُ تزيد (جَعَلَ) في الكلامِ كقول الشاعرِ : وَقَدْ جَعَلْتُ أَرَى الاتْنَيْنَ أرْبَعَةً وَالْوَاحِدَ اثْنَيْنِ لَمَّا هَدَّنِي الْكِبَرُوتقديرُ الآية :﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ والظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ. وقيلَ : معناهُ :(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) ؛ لأنه خَلَقَ الظلمةَ والنورَ قبل السمواتِ والأرض. وقال قتادةُ :(خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ قَبْلَ الأَرْضَ، وَالظُّلْمَةَ قَبْلَ النُّور، وَالْجَنَّةَ قَبْلَ النَّار). وقال وهبُ :(أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ مَكَاناً مُظْلِماً، ثُمَّ خَلَقَ جَوْهَرَةً فَأَضَاءَتْ ذلِكَ الْمَكَانَ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْجَوْهَرَةِ نَظَرَ الْهَيْبَةِ، فَصَارَتْ مَاءً وَارْتَفَعَ بُخَارُهَا وَنبَذ زَبَدُهَا، فَخَلَقَ مِنَ الْبُخَار السَّمَواتِ ؛ وَمِنَ الزَّبَدِ الأرْضِيْنَ). قَوْلُهُ عَزَّ وَجََلَّ :﴿ثْمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ؛ أي (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) بَعْدَ هذا البيان (برَبهِمْ يَعْدِلُونَ) الأوثانَ ؛ أي يُشْرِكُونَ. وقيل : معناهُ :(يَعْدِلُونَ) أي يجعلون لله عَدِيْلاً ويعبدون الحجارةَ والأموات ؛ وهم يُقِرُّونَ بأنَّ اللهَ خالقُ هذه الأشياءِ، فالأصنامُ لاَ تَعْقِلُ شيئاً من ذلك.

الأنعام 6:2

َقَوْلَهُ تَعَالَىَ :﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً﴾ ؛ معناهُ : خلقَكُم منَ آدمَ عليه السلام، فأخرجَ الخطابَ له ؛ لأنَّهم ولَدَهُ، قال السُّديُّ :(لَمَّا أرَادَ اللهُ خَلْقَ آدَمَ، بَعَثَ جِبْرِيْلَ إِلَى الأَرْضِ لِيَأْتِيَهُ بِطَائِفَةٍ مِنْهَا، فَاسْتَعَاذتِ الأَرْضُ باللهِ أنْ يَنْقُصَ مِنِّي، فَرَجَعَ وَلَمْ يَأْخُذْ. فَبَعَثَ مِيْكَائِيْلَ ؛ فَاسْتَعَاذتْ، فَبَعَثَ مَلَكَ الْمَوَتِ ؛ فَاسْتَعَاذتْ باللهِ مِنْهُ ؛ فَقَالَ : وَأَنَا أَعُُوذُ باللهِ أنْ أُخَالِفَ أمْرَهُ، فَأَخَذ مِنْ وَجْهِ الأَرْضِ، فَخَلَطَ السَّوْدَاءَ وَالْبَيْضَاءَ وَالْحَمْرَاءَ ؛ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ الأَلْوَانُ ؛ ألْوَانُ بَنِي آدَمَ، ثُمَّ عَجَنَهَا بالْمَاءِ الْعَذْب وَالْمِلْحِ وَالْمِسْكِ ؛ فَلِِذلِكَ اخْتَلَفَتْ أَخْلاَقُهُمْ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى لِمَلَكِ المَوْتِ : رَحِمَ جِبْرِيْلُ وَمِيكَائِيْلُ الأَرْضَ وَلَمْ تَرْحَمْهَا ؛ لا َجَرَمَ أنْ أجْعَلَ أَرْوَاحَ مَنْ أَخْلُقُ مِنْ هَذا الطِّيْنِ بَيِدِكَ). وروى أبو هريرةُ عن النبِيِّ ﷺ أنه قالَ :" إنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، وَجَعَلَهُ طِيْناً، ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى كَانَ حَمَأَ مَسْنُوناً، ثُمَّ خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى إذا كَانَ صَلْصَالاً كَالْفَخَّار ؛ مَرَّ بهِ إبْلِيْسُ لَعَنَهُ اللهُ، فَقَالَ : خُلِقْتَ لأَمْرٍ عَظِيْمٍ. ثُمَّ نَفَخَ اللهُ فِيْهِ الرُّوح ". قَوْلَهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلاً﴾ أي خَلَقَكُم مِن آدمَ عليه السلام ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلاً﴾ أي جعلَ لِحياتكُم وفاةً تحيونَ فيه وهو مُدَّةُ كلِّ واحدٍ منَّا مِنْ يومِ يولدُ إلى يومِ يَموت. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ﴾ ؛ أي مدَّة انقضاء الدُّنيا إلى أنْ تقومَ الساعةَ ؛ ولا يعلمُ وقتَ قيامِها إلاَّ اللهُ. وقال مجاهدُ وابن جبير :(ثُمَّ قَضَى أجَلاً) يَعْنِي أجَلَ الدُّنْيَا ﴿وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ﴾ وُهُوَ الآخِرَةُ. قََوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ أي ثُمَّ أنتُم بعدَ هذا البيان تَشُكُّونَ في موضعٍ ليس هو موضعُ الشَّكِّ. وَالْمِرْيَةُ هي الشَّكُّ الْمُجْلِبُ بالشُّبهة ؛ أصلُها مِن : مَرَيْتُ النَّاقَةَ إذا مَسَحْتَ ضَرْعَهَا لِيَنُزَّ لَبَنُهَا، وَيَجْلِِبَهُ لِلْحَلْب.

الأنعام 6:3

قََوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ ؛ معناه : هو اللهُ المعبود المنفردُ بالتدبيرِ في السَّموات والأرضِ، العالِمُ بما يُصْلحهما وبما يعملُ فيهما. يعلمُ جهرَكم وسرَّ أعمالِكم وعلانيةَ أموركم، ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ ؛ أي ما تعلمونَ مِن خيرٍ وشرٍّ. وعن جابر بن عبدالله رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ؛ عن النبيِّ ﷺ أنه قال :" مَنْ قَرَأَ مِنْ أَوَّلِ سوُرَةِ الأَنْعَامِ ثَلاَثَ آيَاتٍ إلَى قََوْلِهِ :﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ وَكَّلَ اللهُ بهِ أرْبَعِيْنَ مَلَكاً يَكْتُبُونَ لَهُ مِثْلَ عِبَادَتِهِمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَنْزِلُ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ مَعَهُ مَرْزَبَةٌ مِنْ حَدِيْدٍ، فَإِذا أرَادَ الشَّيْطَانُ أنْ يُوَسْوسَ لَهُ ؛ ضَرَبَهُ بَها ضَرْبَةً كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ سَبْعُونَ حِجَاباً، فَإِذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى : امْشِ فِي ظِلِّي ؛ وَكُلْ مِنْ ثِمَار جَنَّتِي ؛ وَاشْرَبْ مِنْ مَاءِ الْكَوْثَرِ ؛ وَاغْتَسِلْ مِنْ مَاءِ السَّلْسَبيْلِ ؛ وَأَنْتَ عَبْدِي وَأَنا رَبُّكَ ".

الأنعام 6:4

قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ ؛ أي ما تأتِي كفَّارَ مكةَ من دلائلِ التوحيد والنبوَّة ؛ مثلَ كسُوف الشمسِ والاستسقَاء، وكسوفِ القمرِ والدُّخان ؛ إلا كانوا عن هذهِ الآيات والعلامات معرضينَ مكذِّبين تاركين لَها.

الأنعام 6:5

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ ؛ أي فقد كَذبَ أهلُ مكة بُمحَمَّدٍ ﷺ والقرآنِ ؛ وبما رَأوْهُ من انفلاق القمَر بمكةَ، كما رويَ عن ابنِ مسعود (أنَّ الْقَمَرَ انْفَلَقَ فِلْقَتَيْنِ حَتَّى رَأواْ اجْرَابَي فِلْقَتَي الْقَمَرِ، ثُمَّ ذهَبَتْ فِلْقَةٌ وَبَقِيَتْ فِلْقَةٌ). وقَوْلَهُ تَعَالَى :﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ هذا وعيدٌ لَهم ؛ أي سيعلمون ما يَؤولُ إليه عاقبةُ استهزائِهم بالرُّسُلِ والكُتُب والآيات التي كانت تأتيهم، فَقَتَلَهُمُ اللهُ يومَ بَدْرٍ بالسَّيف، ويأتيهم خبرُ استهزائهم حين يرون العذابَ ومعاينةَ. والنبأُ عبارةٌ عن خَبَرِ الَّذي لهُ عِظَمٌ وشَأْنٌ.

الأنعام 6:6

قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ ؛ أي ألَمْ يعلم أهلُ مكَّة كم أهلَكنا من قبلهم من قرنٍ بكفرهم، مثلَ قومِ نُوح وعَاد وثَمود، ﴿مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ﴾ ؛ وأمهلناهم في العُمْرِ والولد ورفعِ الموانع ما لَمْ نُمْهلْ لكم، ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَاراً﴾ ؛ أي فأنزلنا عليهم المطرَ دَارّاً دائماً يتبعُ بعضُه بعضاً، ﴿وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ﴾ ؛ " أي مِنْ تَحْتِ " أشجارِهم وبساتينهم، فلم يشكرُوا وعَصَوا ربَّهم وكذبوا رسلَهُم، ﴿فَأَهْلَكْنَٰهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ ؛ بكفرهم وتكذيبهم، ﴿وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ﴾ ؛ أي مِن بعدِ هلاكِهم، ﴿قَرْناً﴾ ؛ قَوْماً، ﴿آخَرِينَ﴾ ؛ فسكَنُوا ديارَهم، ثم بُعِثْتْ إليهم الرُّسلُ، فمن لم يأخُذْ بِملَّةِ الرُّسُل ومنهاجهم أهلكَهم الله. والقَرْنُ - في قول أكثرِ المفسِّرين - : أهلُ عَصْرٍ واحِد، سُمُّوا قَرْناً ؛ لاقترانهم في قَرْنٍ واحد. ويقالُ : أهلُ كلِّ عصرٍ فيهم نبِيٌّ أو عالِمٌ، لاقترانِهم بالنبوَّة والعلم، كما قال ﷺ :" خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثمَّ الَّذِيْنَ يَلُونَهُمْ " وأرادَ بالقرن، الأوَّل : الصَّحابةَ، وبالثانِي : التابعين، وبالثالِث : تابعِي التابعين. اختلفُوا في مدَّة القرن ؛ قال بعضُهم : ثَمَانُونَ سنَةً، وقيل : مِائةُ سنةٍ، وبين القرنين ثَمَانِي عشرةَ سنَةً.

الأنعام 6:7

قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ ؛ قال ابن عباس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي عَبْدِاللهِ بْنِ أَبي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ ؛ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ؛ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَأْتِيَنَا بكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَعَهُ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ يَشْهَدُونَ أنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَأنَّكَ رَسُولُهُ). وقال مقاتلُ والكلبيُّ :(نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارثِ، وَعَبْدِاللهِ ابْنِ أبي أُمَيَّةَ، وَنَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدِ ؛ قَالُواْ لِلَّنِبيِّ صلى لله عليه وسلم : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَاْتِيَنَا بكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَمَعَهُ أرْبَعَةً مِنَ المْلاَئِكَةِ يَشْهَدُونَ أنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَأنَّكَ رَسُولُهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ). ومعناها :(وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي) صَحِيْفَةٍ وعلَّقناهُ بين السَّماءِ والأرضِ ينظرون إليه ويعاينونَه ويلمسونَه بأيديهم، ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ؛ كفَّارُ مكَّة بعد معاينةِ ذلكَ :﴿إِنْ هَـاذَآ﴾ ؛ مَا هَذَا ؛ ﴿إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ أي كما قالُوا في انشقاقِ القَمَرِ :﴿سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾[القمر: ٢] وفي الآية بيانُ أنَّهم كانوا مُعاينين مصرِّين على التكذيب.

الأنعام 6:8

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ﴾ ؛ أي قالُوا : لولا نُزِّلَ على مُحَمَّدٍ مَلَكٌ نشاهدُه ونعاينُه يخبرنا بأنه نبِيٌّ، يقولُ تعالى :﴿وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً﴾ كما سألوهُ فكذبوا لعذبناهُم بعذاب الاستئصال ﴿ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ﴾ أي لا يؤجَّلون ولا يُمْهَلُونَ بعدَ نزولِ الآية المقترحة، نحوَ ما ذكرَ اللهُ تعالى في قصَّة قومِ صالحٍ وغيرِهم. قال الضحَّاك :(مَعْنَاهُ : لَوْ أتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَتِهِ لَمَاتُوا).

الأنعام 6:9

قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ ؛ أي لو أرسَلنا إليهم رسُولاً من الملائكةِ لأرسلناهُ في صورةِ الإنسان ؛ لأنَّهم لا يستطيعون النظرَ إلى الملائكَةِ ؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى هلاكِهم ؛ وليكونَ الشكلُ إلى الشكلِ أميلَ، وبه الذهن إلى الفهمِ عنه أقربَ، وإلى القَبول منه أسرع، ولو نظرنا إلى الْمَلَكِ على هيبتهِ لصُعِقْنَا. وقد كانتِ الملائكةُ تأتِي الأنبياء فِي صورة الإِنسانِ ؛ من ذلك أنَّ جبريلَ عليه السلام كان يأتِي النبِيَّ ﷺ في صورةِ دحية الْكَلْبِيَّ، وجاءتِ الملائكةُ إلى إبراهيمَ عليه السلام في صورةِ الضَّيفين، وجاءتِ الملائكةُ إلى داودَ عليه السلام في صورة رَجُلَيْنِ يختصمان إليه، وذلكَ قََوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً﴾ أي لو أنزلنا إليهم مَلَكاً لجعلنا ذلكَ في صورةِ الرَّجُلِ أيضاً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ أي اخْتَلَطْنَا وشَبَّهْنَا عليهم ما يَخْلُطُونَ على أنفسِهم حتى شَكُّوا ؛ فلا يدرونَ أمَلَكٌ هو أم رجُلٌ ؟ وهذا لأنَّهم أنكرُوا نبوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ بعدَما عرفُوه بالصدقِ والأمانةِ، ثم لَبَسُوا على أنفسهم وعلى ضَعَفَتِهِمْ ؛ فقالوا : إنَّما هو بَشَرٌ، فلو نزلَ الملَك على صورةِ رجلٍ لَلَبَسُوا على أنفسهم أيضاً فلم يقبلُوا منه وقالوا : إنهُ في مِثْلِ صورَتنا!

الأنعام 6:10

قَوْلُُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ ؛ أي اسْتَهْزَأتِ الأممُ الماضية بأنبيائِهم كما اسْتَهْزَأ بكَ يا مُحَمَّدُ قومُكَ، ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ ؛ أي نَزَلَ بهم وحَلَّ بالمستهزئين من الكفَّار عقوبةُ استهزائهم بالكتاب والرسُول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ. وقال الضَّحاك :(كَانَ النَّبِيُّ ﷺ جَالِساً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِيْنَ : بلاَلٍ وَصُهَيْبٍ وَعَمَّارِ وَغَيْرِهِمْ، فَمَرَّ بهِمْ أبُو جَهْلٍ فِي مَلإٍ مِنْ قُرَيْشٍ ؛ فَقَالَ : تَزْعُمُ يَا مُحَمَّدُ أنَّ هَؤُلاَءِ مُلُوكُ الْجَنَّةِ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ لِيُثَبتَ فُؤَادَهُ وَيَصْبرَ عَلَىَ أذى الْمُشْرِكيْنَ). أي إن سَخِرَ أهلُ مكَّة من أصحابكَ، فقد فَعَلَ ذلك الجهلةُ برسلِهم قبلكَ. وَالْحَيْقُ في اللُّغة : مَا اشْتَمَلَ عَلَى الإِنْسَانِ مِنْ مَكْرُوهِ فِعْلِهِ، ومنهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾[فاطر: ٤٣]. وأما الاستهزاءُ فهو إيْهَامُ التَّفْخِِيْمِ بِمَعْنَى التَّحْقِيْرِ.

الأنعام 6:11

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ؛ أي قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ سافِرُوا في الأرضِ، ثم انظرُوا بأبصاركم وتأمَّلوا بقلوبكم كيفَ صارَ إجرامُ المكذِّبين بالرُّسل والكتب مِثْلُ عَادٍ وَثَمُودُ وَغَيْرِهِمُ، الذينَ عذبَهم اللهُ تعالى بعذاب الاستئصال، وكانت آثارُ ديارهم باقيةً قريبةً من مكَّة. وقال الحسنُ :(مَعْنَى ﴿سِيرُواْ فِي الأَرْضِ﴾ أيِ اقرْأواْ الْقُرْآنَ وَتَفَكَّرُواْ فِيْهِ، فَإِنَّ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَتَفَكَّرَ فِيْهِ فَكَأَنَّهُ سَارَ فِي الأَرْضِ).

الأنعام 6:12

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل للَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ؛ أي قُلْ يا مُحَمَّدُ لكفار مكَّة : لِمَنْ مُلْكُ ما في السَّموات والأرضِ، فإِنْ أجابوكَ وقالوا : الله، وإلا فَقُلْ لَهم " الله " إذ هُم يعلمونَ ويُقِرُّونَ أن الأصنامَ لا تَملك خَلْقَ شيء، وإنَّما اللهُ يَمْلِكُ ذلك. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أي أوْجَبَ على نفسهِ الرَّحمةَ فضلاً وكَرَماً. أو قيل : معناهُ : أوجبَ على نفسهِ الثوابَ لِمن أطاعَهُ ؛ وقيل : أوجبَ على نفسهِ الرحمةَ بإِمهالِ مَن عصاهُ ؛ ليستدركَ ذلك بالتوبةِ ولم يُعَاجِلْهُ بالعقوبةِ، وهذا استعطافٌ من الله عَزَّ وَجَلَّ للمُتَوَلِّيْنَ عنه إلى الإِقبالِ، وإخبارٌ بأنه رَحِيْمٌ بعبادهِ لا يُعَجِّلُ عيهم بالعقوبة، ويقبلُ منهم الإِنابةَ والتوبةَ. وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" لَمَّا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى الْخَلْقَ ؛ كَتَبَ فَوْقَ الْعَرْشِ : إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي ". وقال عمرُ رضي الله عنه لكعب الأحبار :(مَا أوَّلُ شَيْءٍ ابْتَدَأ اللهُ بهِ ؟ فَقَالَ كَعْبٌ : كَتَبَ اللهُ كِتَاباً لَمْ يَكْتُبْهُ بقَلَمٍ وَلاَ مِدَادٍ ؛ كِتَابُهُ الزُّبَرْجَدُ وَاللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتَ : إِنِّي أنا اللهُ لاَ إِلَهَ إلاَّ أنا، سَبَقَتْ رَحْمَتَي غَضَبي). وفي الخَبرِ : أنَّ للهِ تعالى مائة رحمةٍ كلُّها مِلْىءُ السَّموات والأرضِ، فأهبطَ اللهُ تعالى منها رحمةً واحدة لأهلِ الدُّنيا، فهم بها يتراحَمون ؛ وبها يتعاطَفون ؛ وبها يتراحمُ الإنس والجنُّ وطيرُ السَّماء وحيتانُ الماء ؛ وما بين الهواء ودواب الأرض وهوامِّها، وأخَّرَ تِسْعاً وتسعين رحمةً يرحمُ بها عبادَهُ يومَ القيامةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ ؛ بدلُ من الرحمةِ وتفسيرٌ لَها، فكأنَّهُ قالَ : لَيَجْمَعَنَّ بين المؤمنينَ والكفار، بين المؤمنِ والكافر في الرِّزق والنِّعمةِ والدَّولةِ إلى يوم القيامة، لا شَكَّ فيه عند المؤمنينَ أنهُ حقٌّ كائنٌ، ثم تكونُ العاقبةُ بَدَلَ البعثِ للمؤمنين. قَوْلُهُ تَعَالىَ :﴿الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ ؛ ابتدأ كلامَهُ ؛ وجوابهُ ﴿فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ ؛ لأنَّ (الَّذِيْنَ) في موضعِ شرطٍ ؛ وتقديرُ الآية : الذين غَبَنُوا أنفسَهم وأهليهم ومنازلَهم وخَدََمَهَمْ في الجنَّة في سابق عِلْمِ الله لا يؤمنونَ ؛ أي لا يُصَدِّقُونَ بمُحَمَّدٍ ﷺ والقرآنِ. وذهبَ بعضُهم إلى أنَّ قولَه تعالى :﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ كلامٌ مبتدأ على وجهِ القَسَمِ، و(الَّذِيْنَ) بدلٌ من الكافِ والميم في (ليَجْمَعَنَّكُمْ)، كأنهُ قال : لَيَجْمَعَنًَّ هؤلاءِ المشركين ﴿الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ إلى هذا اليومِ الذي يجحدونَه ويكفُرونَه. ويحتملُ أن يكونَ قولهُ :﴿الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ راجعاً إلى المكذِّبين، كأنهُ قال : عاقبةُ المكذبين ﴿الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾.

الأنعام 6:13

قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الْلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال ابنُ عبّاس :(وَذلِكَ أنَّ كُفَّارَ مَكَّةَ أتَوا رَسُولَ اللهِ صلى عليه وسلم فَقَالُواْ : يَا مُحَمَّدُ ؛ قَدْ عَلِمْنَا مَا يَحْمِلُكَ عَلَى مَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ إلاَّ الحَاجَةَ، فَنَحْنُ نَجْعَلُ لَكَ مِنْ أمْوَالِنَا حَتَّى تَكُونَ أغْنَانَا رَجُلاً، وَتَرْجِعُ عَمَّا أنْتَ عَلَيْهِ. فأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ)، ومعناهُ : وللهِ مُلْكُ ما استقرَّ ﴿فِي الْلَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ من الخلائقِ كلِّهم، وهذا اللفظُ يشتمل على جميعِ المخلوقات ؛ لأنَّ من الحيوانات ما يَتَصَرَّفُ بالنهار ويسكنُ بالليل، ومنها ما يتصرفُ بالليل ويسكنُ بالنَّهار. وقال محمدُ بن جُرير :" كُلُّ مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَِّمْسُ وَغَرَبَتْ فَهُوَ مِنْ سَاكِنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار، وَالْمُرَادُ : جَمِيعُ مَا فِي الأَرْضِ ؛ لأنَّهُ لاَ شَيْءَ مِنْ خَلْقِ اللهِ تَعَالَى إلاَّ وَهُوَ سَاكِنٌ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ). وقال أهلُ المعانِي : في الآية إضمارٌ تقديرهُ : ولهُ ما سَكَنَ وتَحَرَّكَ في الليلِ والنهار. فإن قيلَ : فَلِمَ قالَ :﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ﴾ ولَمْ يَقُلْ : ولهُ ما تَحَرَّكَ ؟ قيلَ : لأنَّ الساكنَ في الأَشياءِ أعمُّ ؛ لأنهُ ما من مُتَحَرِّكٍ إلا وسَكَنَ ؛ وفي الأشياءِ الساكنة ما لا يتحركُ البَتَّةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ معناهُ : السميعُ لِمَقَالَةِ الكفَّار، الْعَلِيْمُ بهم وبعقوبَتِهم. ويقالُ : هو السميعُ للأصواتِ والأقوال، العليمُ بالأشياءِ والأرزَاق.

الأنعام 6:14

وقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ : أسِوَى اللهِ أَعْبُدُ رَبّاً وأتَّخِذُ نَاصراً، وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي خالِقُهُما ومُبْدِعُهُما، قال ابنُ عبَّاس :(مَا كُنْتُ أدْري مَا (فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) حََتَّى أتَانِي أعْرَابيَّان يَخْتَصِمَانِ في بئْرٍ، فَقَالَ أحَدُهُمَا لِصَاحِبهِ : أنا فَطَرْتُهَا، أي ابتْدَأتُهَا، يَعْنِي ابْتَدَأتُ حَفْرَهَا). قَوْلَهُ تَعَالى :﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ﴾ ؛ أي يرزقُ ولا يُرزق ولا يُعاوَن على الرِّزق. وقرأ الأعمشُ :(وَلاَ يَطَْعَمُ) بفتحِ الياء ؛ أي يرزقُ ولا يَأْكُلُ ؛ أي لا يجوزُ عليه الحاجةُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾ انخفضَ لأنه نعتٌ لا اسمٌ لله تعالى، ويجوزُ نَصْبُهُ على معنى : أعْنِي فَاطرَ السموات، ويجوزُ رفعه على إضمار (هُوَ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ ؛ أي قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ : إنِّي أمِرْتُ أن أكُونَ أوَّلَ من أخلصَ لله بالتوحيدِ والعبادة من أهلِ هذا الزَّمان. قَوْلُهُ تَعَالىَ :﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ﴾ ؛ لا يجوزُ أن يكونَ عطفاً على قولهِ :﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ لأنه غيرُ مأمورٍ بأن يقولَ :﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ﴾ وإنَّما هو نَهْيٌ معطوف على أمرٍ من حيثُ المعنى دون اللَّفظ ؛ لأنَّ معنى الآيةِ : قِيْلَ لِي كذا : أوَّل من أسلمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكينَ.

الأنعام 6:15

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي قُلْ يا مُحَمَّد : إنِّي أَعْلَمُ أنِّي إنْ عَصَيْتُ رَبي وعبدتُ غيرَه، أن يُنْزِلَ بي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيْمٍ شأنهُ وهو يومُ القيامةِ.

الأنعام 6:16

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ ؛ أي مَنْ يُصْرِفُ اللهُ عنه العذابَ العظيمَ يوم القيامةِ فقد رَحِمَهُ، ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ ؛ أي النجاةُ الوافرة الظَّاهرة. قرأ أهلُ الكوفة إلا حَفْصاً :(مَنْ تَصْرِفُ) بفتحِ التَّاء وكسرِ الراء ؛ وتفسيرهُ ما ذكرناه. وقرأ الباقون (يُصْرَفُ) على ما لَمْ يُسَمَّ فاعلهُ ؛ أي من يُصرف عنهُ العذابَ بأمرِ الله ؛ فقد سبقت رحمةُ اللهِ له بإيجاب الثَّواب.

الأنعام 6:17

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ﴾ ؛ إنْ يُصِبْكَ اللهُ بفقرٍ أو مَرَضٍ أو بلاء، فلا يقدرُ أحدٌ من الأصنام وغيرِها على كَشْفِ ذلك الضُّرِّ إلا اللهُ، وإنَّما أطلقَ هذا اللفظ وإن كان يُتَصَوَّرُ أن يكشفَ الإنسانُ عن صاحبه كُرْبَةً من الْكُرَب ؛ لأن كاشفَ الضُّرِّ في الحقيقةِ هو اللهُ تعالى، إمَّا أن يكشفه بفضلهِ أو نسبةً له. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ ؛ أي بفَضْلٍ وسَعَةٍ في الرزق وصحَّة في الجسمِ، فلا مُزِِيْلَ لَها إلا هُوَ. إلا أنهُ لَمْ يَقُلْ : فلا مزيلَ لَها إلا هوَ ؛ لأنه لَمَّا أكَّدَ هذا في الضُّرِّ دلَّ على هذا في الخيرِ فاستغنَى عن إعادتهِ. وإنَّما قال (يَمْسَسْكَ) مع أن كون الْمَسِّ المعيَّن من صفةِ الأجسام ؛ لأنَّ المعنى يَمْسَسْكَ اللهُ تعالى الضَّرَرَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ﴾ ؛ أي لا يقدرُ أحدٌ أن يَمْنَعَهُ عن فعلِ ما أرادَ فِعْلَهُ من كَشْفِ ضُرٍّ أو غيرِه. وعن ابنِ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قال :" أرْدَفَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَاءَهُ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلََى بَغْلَةٍ، فَلَمَّا سَارَ بي مَلِيّاً الْتَفَتَ إلَيَّ وَقََالَ لِي :" يَا غُلاَمُ ". قُلْتُ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ :" احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ أمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَإذا سَأَلْتَ فَسْأَلِ اللهَ، وَإذا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَقَدْ مَضَى الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلَوْ جَهِدَ الْخَلاَئِقُ أنْ يَنْفَعُوكَ بمَا لَمْ يَقْضِ اللهُ لَكَ ؛ مَا قَدِرُواْ عَلَى ذلِكَ، وَلَوْ جَهِدُوا أنْ يَضُرُّوكَ بمَا لَمْ يَكْتُب اللهُ عَلَيْكَ ؛ لَمَا قَدِرُواْ عَلَيْهِ. وَاعْلَمْ : أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأنًّ مَعَ الْكَرْب الْفَرَجُ، وَأنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ".

الأنعام 6:18

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ؛ أي هو الغالبُ على أمرِ عباده. والقَهْرُ : هُوَ الاسْتِعْلاَء بالاقْتِدَارِ عَلَى الْغَلَبَةِ. وأراد بقولهِ :(فَوْقَ) أنَّهم تحتَ التسخير والتذليل عمَّا علاَهم من الاقتدارِ عليهم، لا ينهاكَ أحدٌ منهم. قولهُ :﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ؛ أي الْمُحْكِمُ لصنعِهِ ؛ الخيبرُ بأعمال الخلقِ.

الأنعام 6:19

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(وَذلِكَ أنَّ رُؤَسَاءَ مَكَّةَ أتَوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ؛ فَقَالُواْ : يا مُحَمَّدُ ؛ أمَا وَجَدَ اللهُ رَسُولاً يُرْسِلُهُ غَيْرُكَ؟! مَا نَرَى أحَداً يُصَدِّقُكَ بمَا تَقُولُ ؛ وَلَقَدْ سَأَلْنَا عَنْكَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ؛ فَزَعَمُواْ أنَّهُ لَيْسَ لَكَ عِنْدَهُمْ ذِكْرٌ وَلاَ صِفَةٌ وَلاَ نَعْتٌ، فَأَرنَا مَنْ شَهِدَ أنَّكَ رَسُولُ اللهِ كَمَا تَزْعُمُ. فأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ). ومعناها : قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ : أيُّ أحدٍ أعظمُ وأعدلُ برهاناً وحجَّةً ؟ فإن أجابوكَ وقَالوا : اللهُ، وإلاَّ فَقُلْ : اللهُ أكْبَرُ شَهَادَةً مِن خَلْقِهِ، وهو شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، بأنِّي رسولُ اللهِ، وأنَّ هذا القرآنَ كلامهُ. والشاهدُ هو الْمُبَيِّنُ للدعوَى، وقد بَيَّنَ اللهُ تعالى دعوَى رسولهِ بالبراهين والمعجزات والآيَات الدالَّةِ على توحيدِ الله ونبوَّة مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـاذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ ؛ معناهُ : أُنْزِلَ إِلَيَّ هَذا الْقُرْآنُ لأُخَوِّفَكُمْ به بما فيه من الدلائلِ ؛ وأخبار الأُمَم السَّالفةِ ؛ والإنباءِ بما يكونُ ؛ والتأليفِ الذي عَجَزَ عنه العربُ. قََوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي وَأَنْذِرْ مَن بَلَغَهُ القرآنُ سواكم من العَجَمِ، وغيرِهم من الجنِّ والإنس إلى أن تقومَ الساعةَ ؛ لأنه ليس من بَعْدِ القرآنِ كتابٌ، ولا من بعدِ مُحَمَّدٍ رسولٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ﴾ ؛ استفهامٌ بمعنى الإنكارِ ؛ أي إنْ كنتم تشهدونَ بإثباتِ شريكٍ لله ؛ فأنا لا أشهدُ بما تشهدونَ به. وإنَّما قالَ :(أُخْرَى) ولَمْ يَقُلْ أُخَرُ ؛ لأن الجمعَ تُذكَّرُ بلفظ وحْدَانِ التأنيث، كما قالَ تعالى :﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ﴾[الحجرات: ١٤] ومثله كثيرٌ. َقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـاهٌ وَاحِدٌ﴾ ؛ لا شريكَ له ولا وَلَدَ، ﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ؛ بهِ من الأصنَامِ والأوثان.

الأنعام 6:20

قَوْْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ﴾ ؛ أي الذين أعطيناهُمْ التوراةَ والإنجيلَ يعرفون مُحَمَّداً ﷺ بما يجدونَه مكتوباً عندهم من صِفَتِهِ ونَعْتِهِ، كَمَا يَعْرِفُونَ أبْنَاءَهُمْ إذا رأوهم بين الغِلْمَانِ. كما روي في الخبرِ :(أنَّ عُمَرَ رضي الله عنه قالَ لِعَبْدِالله بْنِ سَلاَمٍ : يَا أَبَا حَمْزَةَ ؛ أَتَعْرِفُ مُحَمَّداً ﷺ كَمَا تَعْرِفُ ابْنَكَ ؟ قَالَ : يَا عُمَرُ ؛ إنَّ مَعْرِفَتِي بهِ أَشَدُّ مِنْ مَعْرِفَتِي بابْنِي ؛ لأنَّ أمِيْنَ السَّمَاءِ - يَعْنِي جِبْرِيْلَ قَدْ جَاءَ بنَعْتِهِ إلَى أمِيْنِ الأَرْضِ وَهُوَ مُوسَى عليه السلام. فَقالَ عُمَرُ : وَكَيْفَ ذلِكَ ؟ قَالَ : أشْهَدُ أنَّهُ رَسُولُ اللهِ حَقٌّ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَقََدْ نَعَتَهُ اللهُ تَعَالَى فِي كِتابنَا فَعَرَفْتُهُ، وَأَمَّا ابْنِي فَلاَ أدْري مَا أحْدَثَ النِّسَاءُ بَعْدِي. فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه : وَفَّقَكَ اللهُ يَا ابْنَ سَلاَمٍ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ ؛ ابتداءُ كلامٍ معناهُ : وَالَّذِينَ غَبَنُوا أنفسَهم بذهاب الدُّنيا والآخرة عنهم، وهم المعاندونَ الذين يعرفون ويَجْحَدُونَ مِنْ رؤساءِ اليهود والنصارَى، فهم لا يُقَرِّونَ بمُحَمَّدٍ ﷺ والقرآنِ.

الأنعام 6:21

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ ؛ معناهُ : أيُّ أحدٍ أظْلَمُ في فاحشةٍ أتاهَا مِمَّنِ اختلقَ على الله كَذِباً بإِضافتهِ إلى الله ما لَمْ يُضِفْهُ إلى نفسهِ من صفة أو أمرٍ وقَوْلٍ، وهم الذين إذا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا : وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أمَرَنَا بهَا ؛ قُلْ : إنَّ اللهَ لا يَاْمُرُ بالْفَحْشَاءِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ أي بدَلاَئِلِهِ ؛ ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ؛ أي لا يُؤْمَنُ من عذاب الله ولا يَصِلُ إلى مُراده ؛ وبُغْيَتِهِ القومُ الكافرون.

الأنعام 6:22

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾ ؛ أي وَاذْكُرُوا يومَ نَبْعَثُ الكفَّارَ وآلِهَتَهُمْ جميعاً للحساب والجزاء. وقال بعضُهم : الواوُ عاطفةٌ على قوله :﴿لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾[الأنعام: ٢١] كأَنَّهُ قال : لاَ يُفْلِحُونَ في الدُّنيا وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ. والْحَشْرُ : جَمْعُ النَّاسِ إلَى مَوْضِع مَعْلُومٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ ؛ معناهُ : ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِيْنَ أَشْرَكُواْ باللهِ غَيْرَهُ :﴿أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ﴾ ؛ آلِهَتُكُمْ :﴿الَّذِينَ كُنتُمْ﴾ ؛ التي كُنْتُمْ تعبدونَ مِنْ دون اللهِ ؛ و ؛ ﴿تَزْعُمُونَ﴾، أنَّهم شركاءُ اللهِ وشفعاؤُكم.

الأنعام 6:23

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ؛ أي ثُمَّ لم تكن معذرتُهم يومَ القيامة إلا مقالتَهم :﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ في دار الدُّنيا. وإنَّما سميت المعذرةُ فتنةً ؛ لأنَّها عينُ الفتنةِ. ومَن قرأ (فِتْنَتَهُمْ) بالنصب فعلى خبر (لَمْ تَكُنْ) واسْمها (أنْ قَالُوا). ومن قرأ (رَبَّنَا) بالنصب فمعناه النداءُ. وقراءة حفصٍ على البدلِ، ويجوزُ الرفع على إضمار (هو). وقيل : المرادُ بالفتنة محبَّتُهم للأوثان التي كانوا مُفْتَتَنِيْنَ بها في الدُّنيا، فأعلمَ اللهُ تعالى أنه لم يكن افتتانُهم بشركهم وإقامتِهم عليه، إلا أن تَبَرَّأواْ منه وانتهوا عنه، فحلفوا أنَّهم ما كانوا مشركينَ.

الأنعام 6:24

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ ؛ أي انظر يا مُحَمَّدُ كيف صارَ وَبَالُ الكذب عليهم ؟ ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ ؛ أي عَزَبَ عنهم افتراؤُهم بما لَحِقَهُمْ من الذُّهول والدَّهَشِ، قال الضحَّاك :(وَذلِكَ حِيْنَ نَطَقَتِ الْجَوَارحُ، وَشَهِدَتْ عَلَيْهِمْ أيْدِيْهِمْ وَأرْجُلُهُمْ بَعْدَ حَلْفِهِمْ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾[الأنعام: ٢٣] يقولُ الله تعالى :﴿انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ ﴿مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾.

الأنعام 6:25

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْراً﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(وَذلِكَ أنَّ أبَا سُفْيَانَ وَالْوَلِيْدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ وَعُتْبَةَ وَشَيْبَةَ وَالنَّضِرَ بْنَ الْحَارثِ وَأُبِيَّ بْنَ خَلَفٍ وَجَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ؛ كَانُواْ يَسْمَعُونَ إلَى حَدِيْثِ النَّبِيِّ ﷺ، قََالُواْ لِلنَّضِرِ : مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ ؟ قَالَ : لاَ أدْرِي مَا يَقُولُ ؟ إلاَّ أنِّي أرَاهُ مُحَرِّكاً شَفَتَيْهِ وَيَتَكَلَّمُ بشَيْءٍ وَلاَ يَقُولُ إلاَّ أَسَاطِيْرَ الأَوَّلِيْنَ مِثْلَ مَا كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنِ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ. وَكَانَ النَّضِرُ كَثِيرَ الْحَدِيْثِ عَنِ الْقُرُونِ الأَوَّلِيْنَ وَأَخْبَارهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ). ومعناهَا : ومِن أهلِ مكة من يستمعُ إلى حديثكَ وقراءتك، وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبهِمْ أغْطِيَةً كراهةَ أنْ يَفْقَهُوهُ ؛ وَفِي آذانِهِمْ ثُقْلاً وصَمَماً، فلا يسمعونَ الْهُدَى. وموضعُ ﴿أَن يَفْقَهُوهُ﴾ نُصِبَ على أنه مفعولٌ له ؛ أي جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبهِمْ أكِنَّةً لِكَرَاهَةِ أنْ يَفْقَهُوهُ. والوَقْرُ بفتح الواو : الثَقَلُ فِي الأُذُنِ، والوِقْرُ بكسر الواو : مَا يُحْمَلُ عَلَى الظَّهْرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا﴾ ؛ أي وإن يروا كُلَّ حُجَّةٍ ودلالةٍ لا يُقِرُّوا ولا يصدِّقوا بها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى إِذَا جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ ؛ أي يُخَاصِمُونَكَ بالباطل ؛ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـاذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ ؛ أي يقولُ النَّضِرُ بن الحارثِ وأصحابُه : مَا هَذا إلا أحاديثُ الأوَّلِين وأباطيلُهم.

الأنعام 6:26

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ ؛ قال مقاتلُ (نَزَلَتْ فِي أَبي طَالِبٍ، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُوهُ إلَى الإِسْلاَمِ، فاجْتَمَعَتْ قُرَيْشُ إلَى أبي طَالِبٍ يُرِيدُونَ سُوءاً بالنَّبيِّ ﷺ، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ : واللهِ لَنْ يَصِلُواْ إِلَيْكَ بجَمْعِهِمْ حَتَّى أوَسَّدَ فِي التُّرَاب دَفِيْنَافَاصْدَعْ بَأَمْرِِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ وَأَبْشِِرْ بذاكَ وَقَرَّ مِنْكَ عُيُونَاوَدَعَوْتَنِي وَزَعَمْتَ أنَّكَ نَاصِحِي فَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ ثمَّ أمِيْنَاوَعَرَضْتَ دِيْناً لاَ مَحَالَةَ أَنَّهُ مِنْ خَيْرِ أدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِيْنَالَوْلاَ الْمَلاَمَةُ أوْ حِذارُ مَسَبَّةٍ لَوَجَدْتَنِي سَمْحاً بذاكَ يقِيْناًفأنزلَ اللهُ تعالى :﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ ويَنْهَوْنَ الناسَ عن أذى رسولِ الله ﷺ ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أي يَتَبَاعَدُونَ عمَّا جاءَ به من الْهُدَى، فَلاَ يُصَدِّقُونَهُ. وقال السُّدِّيُّ والضحَّاك :(نَزَلَتْ الآيَةْ في جَمِيْعِ كُفَّار مَكَّةَ) يعني وَهُمْ يَنْهُوْنَ الناسَ عن اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ والإِيمانِ ؛ ويُبْعِدُونَ أنفسَهم عَنْهُ. ﴿وَإِن يُهْلِكُونَ﴾ ؛ بذلكَ، (إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } ؛ وما يعلمون أنَّهمْ يهلكون أنفُسَهم.

الأنعام 6:27

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ ؛ أي وَلَوْ تَرَى يا مُحَمَّدُ كفارَ قريشٍ إذْ حُبسوا عَلَى النَّار ؛ إذ عاينُوها ودخلُوها وعرفوا عذابَها ؛ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بآيَاتِ رَبنَا ؛ تَمَنُّوا الرجعةَ إلى الدُّنيا. وقرأ ابن السميقع :(وَقَفُوُا) فبفتحِ الواو والقاف من الوُقُوفِ. القراءةُ الأُولى من الوَقْفِ، وجوابُ (لا) محذوفٌ وتقديرهُ : ولو تَرَاهُمْ في تلكَ الحالةِ لرأيتَ عَجَباً، وقيلَ : لعَلِمْتَ ماذا يَنْزِلُ بهم من الْخِزْيِ والندامةِ، ورأيتَ حسرةً يا لهَا من حَسْرَةٍ. قَوْلُهُ تَعَالىَ :﴿وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ قرأ حمزةُ ويعقوب وحفص :(وَلا نُكَذِّبَ) (وَنَكُونَ) بالنصب على جواب التَّمَنِّي، والعربُ تنصب جوابَ التمني بالواو كما تنصبهُ بالفاء، كما قالوا : يا ليتَكَ تصيرُ إلينا ونُكرِمَك، أو فُنكرِمَك فكلاهما بالنصب. وقرأ ابنُ عامر (وَلا نُكَذِّبُ) بالرفع (وَنَكُونَ) بالنصب ؛ لأنَّهم تَمَنَّوا الردَّ وأن يكونوا مؤمنين وأخبروا أنَّهم لا يكذبون بآياتِ ربهم وإنْ ردُّوا إلى الدنيا. ومعناه : يا ليتنَا نُرَدُّ، ويا ليتنا لا نُكَذبُ، كأنَّهم تَمَنُّوا الردَّ والتوفيقَ بالتصديقِ. ويجوز أن يكون ذلكَ رفعاً على معنى : ونحنُ لا نُكَذِّبُ بآيات ربنا، رُدِدْنَا أو لَمْ نُرَدَّ.

الأنعام 6:28

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ ؛ أي بل ظَهَرَ للذين يتَّبعون الغُوَاةَ ما كان الغُوَاةُ يُخفون عنه من أمرِ البعث والنُّشور، وما كان رؤساؤُهم يُخْفُونَ من سَفَلَتِهِم. وقَوْلُهُ تَعَالىَ :﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ ؛ أي لو رُدُّوا إلى الدنيا كما سَأَلُوا لعادُوا لِمَا نُهُوا عنه من الكفرِ والشِّرك. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ؛ يعني وإِنَّهم لكاذبون في قولِهم :﴿وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾[الأنعام: ٢٧] لأنَّهم لا يؤمنون لسابقِ عِلْمِ الله تعالى فيهم أنَّهم خُلِقُوا للنار.

الأنعام 6:29

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ ؛ أي قالَ كُفَّارُ مكَّةَ : ما حياتُنا إلا كحياةِ الدُّنيا، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ؛ بعَد الموتِ.

الأنعام 6:30

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ ؛ أي لو ترى يا مُحَمَّدُ إذ حُبسُوا عند ربهم للسؤالِ والحساب. ويقال : عَرَفُوا ما وَعَدَهم ربُّهم من البعثِ والقيامة والجنَّة والنار. ﴿قَالَ﴾ ؛ يقولُ الله تعالى لَهم :﴿أَلَيْسَ هَـاذَا﴾ ؛ البعثُ والعذاب، ﴿بِالْحَقِّ﴾ ؛ أي بالصِّدق، ﴿قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا﴾ ؛ إنهُ لَحَقٌّ ؛ أي لَصِدْقٌ، ﴿قَالَ﴾ ؛ يقولُ الله تعالى :﴿فَذُوقُواْ العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ في الدُّنيا. وإنَّما ذكر الذوْقَ بمعنى الْخُلُودِ ؛ لِيُبَيِّنَ أن حالَهم في كلِّ وقت كَحَالِ مَنْ يُعَذبُ بالعذاب المبتدأ. ومعنى ﴿وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ أي على حُكْمِ ربهم وقضائهِ، فتقولُ لَهم الملائكةُ بأمرِ الله تعالى : ألَيْسَ هَذا العذابُ بالْحَقِّ، قَالُوا بَلَى وَرَبنَا إنه حقٌّ.

الأنعام 6:31

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ اللَّهِ﴾ ؛ أي قد غُبنَ الذين كَذبُوا بالبعثِ بعد الموتِ، ﴿حَتَّى إِذَا جَآءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ ؛ أي فَجْأَةً نَدِمُوا في وقتٍ لا ينفعُهم الندامةُ. وسُميِّت القيامةُ ساعةً ؛ لِتَوَهُّمِ قيامِها في كلِّ ساعةٍ. وقوله تعالى :﴿قَالُواْ ياحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ ؛ أي على ما قََصَّرْنَا وضَيَّعْنَا في الدُّنيا من عملِ الآخرة، ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ ؛ معناهُ : والكفَّارُ يحملون أثقالَ آثامِهم فوق ظهروهم بذنوبهم، والذنبُ من أثقلِ ما يحمل. وقيل : معناهُ ﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ أي في الصفقةِ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ قال السُّدِّيُّ :(لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ظَالِمٍ يَمُوتُ فَيَدْخُلُ قَبْرَهُ إلاَّ أتَاهُ رَجُلٌ قَبيْحُ الْوَجْهِ ؛ أسْوَدُ اللَّوْنِ ؛ مُنْتَنٌّ الرَّائِحَةِ ؛ عَلَيْهِ ثِيَابٌ دَنِسَةٌ، فَإذا رَآهُ الظَّالِمُ قَالَ لَهُ : مَا أقْبَحَكَ! فَيَقُولُ : أَنَا عَمَلُكَ فِي الدُّنِْيَا، فَيَكُونُ مَعَهُ فِي قَبْرِهِ، فَإذا بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامةِ قَالَ لهُ : طََالَمَا كُنْتُ أحْمِلُكَ عَلَى اللَّذةِ وَالشَّهَوَاتِ، فَأَنْتَ الْيَوْمَ تَحْمِلُنِي. فَيَرْكَبُهُ وَفِي يَدِهِ مَقْمَعَةٌ فَيَضْرِبُ بها رَأسَهُ ؛ فَيَفْضَحُهُ عَلَى رُؤُوس الْخَلاَئِقِ حَـتَّى يُدْخِلَهُ النَّارَ، فَذلِكَ قَوْلُهُ :﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ ؛ أي بئْسَ الشيءُّ الذي يحملونَ من الآثامِ. ويقالُ : بئْسَ الشيء شيئاً يَزِرُونَهُ ؛ أي يَحْمِلُونَهُ.

الأنعام 6:32

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا الْحَيَاوةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ ؛ معناه : ما زينةُ الدُّنيا وزهرتُها إلا استمتاعٌ ؛ يعني مِن قريبٍ، ثُمَّ يعقبهُ حسرةً وندامة. وسُمِّي ذلك لَعِباً تَشَبُّهاً بلعب الصبِّيان، يبنونَ بناءً ثم يهدمونَه، يلعبون بشيء فيلهُونَ به، كذلكَ أهلُ الدُّنيا يجمعون ما لا يأكلون ؛ ويَبْنُونَ ما لا يسكُونون ؛ ويأْملون ما لا يُدركون. وهذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ تعالى لكفَّار مكَّة، يفعلون ما لا يَرْجُونَ به الثوابَ، ولا يخشون منه العقابَ، ولا يَتَفَكَّرُونَ في العاقبةِ كالصبيان والبهائِم. واللَّعِبُ شَغْلُ النَّفْسِ عَمَّا لاَ حَقيْقَةَ لَهُ وَلاَ قَصْدَ. واللَّهْوُ : طَلَبُ الْمَزْحِ بِمثْلِ ذلِكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ ؛ يعني الجنَّةَ أفضلُ للذين يتَّقون الشركَ والكبائر والفواحشَ، ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ؛ أن الآخرة الباقيةٌ خيرٌ من الدنيا الفانيةِ. قرأ ابنُ عامر :(وَلَدَارُ الآخِرَةِ) بلامٍ واحدة على الإِضافة.

الأنعام 6:33

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ ؛ معناه : قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ما يقولُ كفارُ مكَّة من تكذيبهم إيَّاك في العلانيةِ وجُحودِهم باللهِ، ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ﴾ ؛ في السرِّ ولا بقلوبهم ؛ أي هم يعلمُونَ أنك صادقٌ وكنتَ تُسمَّى فيهم (الأمينُ) قبل الرسَالة، فلا يحْزُنُكَ تكذيبُهم إيَّاك فيما يعلمون صدقكَ فيه، ﴿وَلَـاكِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ المشركين، ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ؛ بألسنتهم ما تَشْهَدُ به قلوبُهم بكذبهم فيه. وقال السُّدِّيُّ :(الْتَقَى الأَخْنَسُ بْنُ شُرَيْق وَأبُو جَهْلٍ ؛ فَقَالَ الأَخْنَسُ لأَبي جَهْلٍ : يَا أبَا الْحَكَمِ ؛ أخْبرْنِي عَنْ مُحَمَّدٍ ؛ أصَادِقٌ هُوَ أمْ كَاذِبٌ ؛ فَإِنُّهُ لَيْسَ هَا هُنَا أحَدٌ يَسْمَعُ كَلاَمَنَا ؟ فَقَالَ أبُو جَهْلٍ : وَاللهِ إنَّ مُحَمَّداً لَصَادِقٌ ؛ وَمَا كَذبَ مُحَمَّدٌ قَطٌّ، وَلَكِنْ إذا ذهَبَ بَنُو قُصَيٍّ باللِّوَاءِ وَالسِّقَايَةِ وَالْحِجَابَة وَالنُّبُوَّةِ ؛ فَمَاذا يَكُونُ لِسَائِرِ قُرَيْشٍ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِه الآيَةَ). وقال :(مَعْنَى :(لاَ يُكَذِّبُونَكَ) لاَ يَقْدِرُونَ أنْ يَقُولُوا لَكَ فِيْمَا أنْبَأْتَ بهِ مِمَّا فِي كُتُب الأَنْبيَاءِ قَبْلَكَ : كَذبْتَ!. وقرأ نافع والكسائيُّ :(يَكْذِبُونَكَ) بالتخفيفِ. ومعناهُ : لا يجدونَكَ كاذباً، يقال : كَذبتَ فُلاناً بالتشديد إذا قُلْتَ له : كَذبْتَ، وأكْذبْتَ فُلاناً ؛ إذا رأيتَ ما أتَى به كَذِباً. وقرأ نافعُ (لَيُحْزِنُكَ) بضمِّ الياء، والمعنى واحدٌ.

الأنعام 6:34

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ ؛ تسليةٌ للنبِيِّ ﷺ ليصبرَ على أذى الكفار، ومعناهُ : أنَّ الرسُلَ قبلَكَ كذَبَهُم قومُهم كما كذبَكَ هؤلاء، وآذوْهُمْ كما آذوْكَ ؛ فَصبَرَ الرُّسلُ على تكذيبهم وإيذائهم ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ أي أتاهُم نَصْرُنَا بإِهلاكِ قومِهم، فَاصْبرْ أنتَ أيضاً على تكذيب قومك إيَّاكَ وإيذائهم لكَ حتى يأتيكَ نصرُنا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ ؛ أي لا مُغَيِّرَ لِمَا وَعَدَكَ من النصر والظَّفَرِ بقولهِ :﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا﴾[غافر: ٥١]، ﴿وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي مِنْ خَبَرٍِ المرسلين قبلكَ ما يكونَ لكَ فيه سُلْوَةٌ، فَاعْتَبرْ بأخبارهم.

الأنعام 6:35

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ ؛ أي إنْ كان عَظُمَ وثَقُلَ عليكَ يا مُحَمَّدُ إعراضُهم عن القبولِ منكَ وقولُهم : لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ، وسؤالُهم كلَّ معجزةٍ شاءُوا، ﴿فَإِن اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ ؛ فَإن اسْتَطَعْتَ أنْ تطلبَ مَسْلَكاً نافذاً فِي الأرْضِ ؛ كنفقِ الْيَرْبُوعِ، فتدخلَه هارباً متوارياً ؛ أوْ تطلبَ شيئاً يُسْلِمُكَ إلى السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بالآية التي سألُوكها، فَافَْعَلْ، وليس فِي الْقُرْآنِ فَافْعَلْ ؛ لأنه قد يُحْذفُ ما يكونُ في الكلام دَلِيلاً عليه مثل قولِ الرجُل : إن رأيتَ أن تَمضي معي إلى فلانٍ، ولا يذكرُ فافعل. وقد بَيَّنَ اللهُ تعالى في هذه الآيةِ : إنَّ ما تأتِي من الآياتِ بمَا أحبُّ، وإنَّ رسولَ الله ﷺ بَشَرٌ لا يقدرُ على الإِتيان إلا بمَا شاءَ اللهُ، وكان قد عَلِمَ أنه لو أنْزَلَ عليهم الْمَلَكَ وكلَّ آية سألُوها لم يُؤْمِنُوا، فلم يُنْزِلْ إلا ما تَثْبُتُ به الحجَّة عليهم، فَتُؤْجَرُ بالصبرِ والثَّبات على الإيْمانِ بالآية. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ ؛ أي لو شاءَ اللهُ لاضْطَرَّهُمْ إلى الإِيْمان كما قال :﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾[الشعراء: ٤]. وقيلَ : معناهُ : ولو شاءَ اللهُ لأَطْبَقَهُمْ على الْهُدَى. وقيل : لَوَفَّقَهُمْ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ؛ أي لاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ بتركِ الصَّبر وإظهَار الْجَزَعِ ؛ واستشعار الغَمِّ لإعراضِهم عنك، فإن هذا من فِعَالِ الجاهلين. ويقال : معناهُ : لاَ تَكُونَنَّ مِنْ الْجَاهِلِينَ بَمقْدُوري عليهم.

الأنعام 6:36

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ ؛ معناه : إنَّما يُجيب الذين يَقْبَلُونَ الحقَّ، وأمَّا الذي لا يقبلُ الحقَّ فكأنه أصَمٌّ أو مَيِّتٌ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ ؛ أرادَ به كفارَ مكة ؛ سَمَّاهُمْ موتى لأنَّهم لم يتَدَبَّرُوا ولم يَـتَأَمَّلُوا، ولم ينتفعوا بحياتِهم، فكانوا بمنْزِلة الموتَى وإن كانوا في صُورَةِ أحياءٍ، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ؛ في الآخرةِ فيجازيهم بأعمالِهم.

الأنعام 6:37

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ ؛ أي قال كفَّارُ قريشٍ : لولا نُزِّلَ على مُحَمَّدٍ علامةٌ لنبوَّته من ربه ؛ يعنونَ الآياتَ التي كانوا يقترحونَها، ﴿قُلْ﴾ ؛ يا مُحَمَّدُ ؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلٍ آيَةً﴾ ؛ على ما تقترحونَها أنتم، ﴿وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ ما عليهم من الْمَضَرَّةِ في إنزالِ هذه الآية، إذِ الحكمةُ تقتضي التعذيبَ بعذاب الاستئصال لِمَنْ كفرَ بعد إنزالِ الآية المقترحَة.

الأنعام 6:38

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ؛ أي ما مِنْ دابَّة تدبُّ وتتحرَّك على وجهِ الأرض، وَلا طَائِرٍ يُطِيرُ بجَنَاحَيْهِ في الْهَوَاءِ، إلا أُمَمٌ أمْثَالُكُمْ، في الفقرِ والفَاقَةِ والحاجة إلى مُدَبرٍ يدبرهم في أغذِيَتهم وأكنَّتهم وهدايتهم إلى مراشِدهم ومصالحِهم. وقيل : معناهُ : إلا أممٌ أمثالُكم في الْخَلْقِ والرزقِ والموت البعثِ ؛ لأنهُ قال :﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾[الأنعام: ٣٦] فيكونُ معناه :﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ في أنَّ الله يُمِيْتُهَا ويَبْعَثُهَا للجزاء. وقيلَ : معناهُ :﴿إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ يَفْقَهُ بعضُه عن بعضٍ، كما يفقهُ بعضكم عن بعضٍ. وذِكْرُ الجناحين في الآية على جهةِ التَّأكيد ؛ لأنه يقالُ : طَارَ فلانٌ في الأمرِ ؛ أي أَسْرَعَ، وفلانٌ طُيْرٌ من الطُّيور ؛ لسرعتهِ في الأمور. وقيل : ذِكْرُ الجناحين في الآيةِ لبيان أنَّ المرادَ به الطيرُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ ؛ معناهُ : ما تركنا في اللَّوح المحفوظِ شيئاً إلا كَتَبْنَاهُ فيه. ويقالُ : ما تركنا بيانَ شيءٍ فِي الْقُرْآنِ فيما يَحتاجون إليه من أحكام الدِّين والدُّنيا، بل قدْ بَيَّنَّا في الكتاب كلَّ شيء إما مُفَصَّلاً أو مُجْمَلاً، أما الْمُفَصَّلَ كقولهِ تعالى :﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾[المائدة: ٤٥] وأما الْمُجْمَلُ كقوله :﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ﴾[الحشر: ٧]. وقوله تعالى :﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ ؛ معناهُ : أنَّ الطيورَ والدوابَّ يجمعون مع سَائِرِ الْخَلْقِ يومَ القيامةِ للحساب والجزاء، كما روي في الخبر عن رَسولِ الله ﷺ أنَّهُ قَالَ :" إنَّ اللهَ تََعَالَى يَحْشُرُ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؛ وَالْبَهَائِمَ وَالدَّوَابَّ والطَّيْرَ وَكُلَّ شَيْءٍ ؛ فَيَبْلُغُ مِنْ عَدْلِ اللهِ تَعَالَى يَوْمَئِذٍ أنْ يَأْخُذ لِلْجَمَّاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ، فَإذا مُيِّزَ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَِّةِ وَالنَّار ؛ قَالَ لِلْبَهَائِمِ وَالْوُحُوش وَالطُّيُور : كُونُوا تُرَباً تَسْتَوِي بكُمُ الأَرْضُ، فَتكُونُ تُرَِاباً، فَعِنْدَ ذلِكَ يَتَمَنَّى الْكَافِرُ فَيَقُولُ : يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً ". والمرادُ بهذا الإفناءِ للبهائمِ بعد أنْ أحياهَا أنهُ إفناءٌ لا يكون فيه ألَمُ.

الأنعام 6:39

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ ؛ معناه : الذين جَحَدُوا بمُحَمَّدٍ ﷺ وَالْقُرْآنِ صُمٌّ عن الخيرِ لا يسمعونَ الْهُدَى، خُرْسٌ لا يتكلمون بخيرٍ ؛ أي يكون حالُهم كحالِ الأَصَمِّ الأَبْكَمِ. وحُذِفَ التشبيهُ مِن قوله :﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾ على جِهَةِ المبالغة في الوَصْفِ، كما يقالُ في وصفِ القوم بالْبَلاَدَةِ : هَؤُلاَءِ حُمُرٌ. قَولهُ :﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أي في ضَلاَلاَتِ الكفر في ظُلْمَةِ السَّمع والبصرِ والقلب، ﴿مَن يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ ؛ أي من شَاءَ اللهُ يَتْرُكْهُ في ضلالةِ الكفر، فلا يُخْرِجُهُ منه، ﴿وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ؛ وَمَن يشأْ يُرْشِدْهُ ويُوَفِّقْهُ للإِسلامِ فَيُثَبِّتْهُ على ذلك حتَّى يَموت عليه، ويقال : معناهُ : من يَشَأ اللهُ يُضْلِلْهُ في الآخرةِ عن طريقِ الجنَِّة إلى طريقِ النّارِ، ومن يشأْ يجعلْهُ على طريق الجنَّة.

الأنعام 6:40

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ ؛ أي قل يا مُحَمَّد لأهلِ مكَّة : أرَايْتُمْ، والكافُ زائدةٌ في بيان الخطاب للتأكيد كما في (ذلِكَ) و(أُؤْلََئِكَ). والمعنى : قُلْ أرَأَيْتُمْ إنْ أتَاكُمْ عذَابُ اللهِ، كما أتَى الأممَ الماضينَ قبلَكم المكذبين لرسُلِهم، أوْ أئَتْكُمْ القيامةُ بأهوالِها وشدائدِها. ويقال : أرادَ بـ (السَّاعَةُ) الوقتَ الذي يُصْعَقُ فيه العباد، ُ فيموتُون كلُّهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ ؛ أي أغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ في كشفِ ذلك العذاب وَدَفْع تلكَ الأهوال عنكُم، أم تَدْعُونَ اللهَ تعالى. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن كُنتُمْ صَـادِقِينَ﴾ ؛ أي في مقالتِكم أنَّ الأصنامَ شركاءٌ للهِ ؛ فَهَلاَّ تدعون الأصنامَ عند الشدائدِ. وهو احتجاجٌ مِن الله عليهم بما لا يَدْعُونَهُ ؛ لأنَّهمْ كانوا إذا مسَّهم الضرُّ دَعَوا اللهَ تعالى.

الأنعام 6:41

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ﴾ ؛ أي بَلْ تدعونَ اللهَ في كَشْفِ العذاب والأهوال، و(بَلْ) للاستدراك بعدَ النَّفي، ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي يكشفُ عنكم الضُّرَّ الذي مِنْ أجله دعوتُموه فكشفَهُ. وقََوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنْ شَآءَ﴾ إنَّما قُرْنَ بالمشيئةِ ؛ لأنَّ كشفَ العذابِ فضلٌ من الله تعالى، وفضلُ الله يعطيهِ مَن يشاءُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ؛ أي وتتركون دعوةَ آلِهتكُم عند الشِّدة إذا أشرفتُم على الْهَلاَكِ ؛ وَاضْطَرَبَتْ بكم الأمواجُ في لُجَجِ البحار ؛ وفي غير ذلك من السِّجن والأوجاعِ التي لا صَبْرَ عليها، وقد يُذْكَرُ النِّسيان بمعنى التَّرْكِ كما في قولهِ :﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾[التوبة: ٦٧] أي تَرَكُوا ذِكْرَ اللهِ، فَتَرَكَهُمُ اللهُ في العذاب.

الأنعام 6:42

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ﴾ أي وَلَقَدْ أرْسَلْنَا رسُلاً إلَى أمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ، كما أرسلناكَ إلى قومِكَ فلم يؤمِنُوا، فَأَخْذَْنَاهُمْ بالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ. والضَّرَّاءُ هِيَ الشِّدَّةُ النَّازِلَةُ ؛ وَالْبَأْسَاءُ مَأْخُوذةٌ مِنَ الْبَأْسِ، وقيل : مِن الْبُؤْسِ ؛ وهو الفقرُ. والضرَّاءُ هي الأمراضُ والأوجاعُ ؛ وهي مأخوذةٌ من الضَّرَرِ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ ؛ أي لكي تَخْشَعَ القلوبُ، وتَتَضَرَّعَ النفوسُ عند الشِّدة ؛ فيرجعون إلى اللهِ فيؤمنون به ؛ فيكشفُ عنهم ؛ فلم يفعلُوا.

الأنعام 6:43

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَلَوْلا إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ﴾ ؛ أي فَهَلاَّ حين جَاءَهُمْ بَأْسُنا ؛ أي عذابُنا ؛ دَعَوا اللهَ وآمنُوا به، { َلَـاكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) ؛ أي يَبسَتْ وجَفَّتْ قلوبُهم ؛ فأقاموا على كُفرهم ؛ إذ لم يكن في قلوبهم رقةٌ، ولا خوفٌ من اللهِ تعالى، { وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ } ؛ أي حَسَّنَ لَهم، ﴿مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ﴾ ؛ في كفرِهم ؛ بأن أغْوَاهُمْ ودعاهم إلى اللَّذةِ والراحةِ دون التَّفَكُّرِ والتدبُّر ببيانِ الْحَقِّ من الباطلِ.

الأنعام 6:44

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ؛ أي فلمَّا تَرَكُوا ما وُعِظُواْ به وأُمروا به ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِمَّا كان مُغْلَقاً عليهم من الخيرِ والرِّزق والخصب والمطر. وأخْصَبَتْ بلادُهم وَكَثُرَ خيرُهم، ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ﴾ ؛ أُعْجِبُوا ؛ ﴿بِمَآ أُوتُواْ﴾ ؛ أي بما أُعطوا مِنَ النِّعَمِ والسِّعةِ وَالصِّحَّةِ ؛ ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ ؛ أي فَجْأَةً بالعذاب بعد أن ابتليناهُم في النعمةِ والشدَّة ؛ فلم يزدادوا إلا كُفراً، ﴿فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ﴾ ؛ أي فإِذا هم عندَ نزول العذاب بهم آيسُونَ من كلِّ خير ؛ متحسِّرون غايةَ الحسرَةِ. وَالْمُبْلِسُ : الْبَائِسُ الْحَزِِيْنُ الشَّدِيْدُ الْحَسْرَةِ، ويقالُ : هو المنقطعُ عن الحجَّةِ. فإن قيل : لِمَ أنعمَ الله عليهم حين نَسَوا ما ذُكِّرُوا به ؛ وهذا موضعُ العقوبة دون الإنعامِ ؟ قيل فيه قولان : أحدُهما : أنه أنعمَ عليهم بالدعاءِ لَهم إلى الطاعة، فإن الدعاءَ إلى الطاعة تارةً يكونُ بالعنف والتشديد، وتارةً باللِّين والإنعامِ. والثانِي : أنه إنَّما فعلَ ذلك بهم ؛ لأنَّ من يُنْقَلُ من النعمةِ والراحة إلى العذاب يُجْمَعُ عليه العذابُ والحسرةُ على ما فَاتَهُ ؛ فيكون ذلك أشدَّ عليه ممن ينقلُ من الشدَّة إلى العذاب.

الأنعام 6:45

قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ ؛ أي اسْتُؤْصِلَ بالهلاكِ آخرُ من بقيَ من القوم الكافرين. ودَابرُ الْقُوْمِ : آخِرُهُمْ مِنْ نَسْلِهِمْ وغيرِهم، بحيثُ لا يبقى لَهم بعد ذلك باقيةٌ، ﴿وَالْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ؛ يجوزُ أن يكون حمداً مِن الله تعالى لنفسهِ على إهلاكهِ القومَ الكافرين والمعاندين بعد أن أعْذرَهُمْ وَأنْذرَهُمْ. ويجوزُ أن يكون قوله :﴿وَالْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تعليماً من اللهِ " للنَّاس " يحمدونَهُ على إهلاك الظالمينَ. وقد قطعَ اللهُ دابرَ المعاندين من أهل مكَّّة يومَ بَدْرٍ كما قطعَ دابر المكذبين قبلَهم. وعن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال :" إذا رَأيْتَ اللهَ تَعَالَى يُعْطِي عَبْداً فِي الدُّنْيَا عَلَى مَعْصِيَتِهِ مَا يُحِبُّ ؛ فَإنَّ ذلِكَ مِنْهُ اسْتِدْرَاجٌ، ثُمَّ قَرَأَ ﷺ :﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآيةُ ".

الأنعام 6:46

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَّنْ إِلَـاهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ ؛ أي قُلْ يا مُحَمَّد لكفَّار مكة : إنْ سلبَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ التي هي أشرفُ ما قِبَلِكُم من الأعضاءِ، وخَتَمَ عَلَى قُلُوبكُمْ ؛ فإن سَلَبَ عقولكم حتى لا تفهمُوا بها فعاقَبَكم بذلك على تكذيبكُم الرسلَ ؛ هل مِنْ إلَهٍ غَيْرُ اللهِ يردُّ عليكم ما سَلَبَهُ الله تعالى ؟ وهل يقدرُ على ذلك غيرهُ ؟ ﴿انْظُرْ﴾ ؛ يا مُحَمَّد ؛ ﴿كَيْفَ نُصَرِّفُ﴾ ؛ نُبَيِّنُ لَهُمْ ؛ ﴿الآيَاتِ﴾ ؛ فِي الْقُرْآنِ ؛ ونُخَوِّفُهُمْ بها ؛ ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ ؛ أي يُعْرِضُونَ عما وَضَحَ لَهم مكذِّبين به، لا تتحركُ أفئدتُهم. والتصريفُ توجيه المعنىَ في الجهات تُظْهِرُهُ أتَمَّ الإِظهار.

الأنعام 6:47

قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً﴾ ؛ أي أرَأيْتُمُ إنْ أتَاكُمْ وهذا حالُكم في الإصرار على الكفر عَذابُ اللهِ فجأةَ وعلانية ؛ نَهاراً جِهاراً، ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ ؛ إِلا أنتم وما أشبَهَكُم ؛ لأنكم كفرتُم معاندينَ، فقد عَلِمْتُمْ أنكم ظالمون. وإنَّما قابلَ البغتةَ بالجهرةِ وإن كان ضدُّ الجهرةِ الخفيةَ ؛ لأن ما يأتِي فجأةً فإنَّما يأتي خِفْيَةً.

الأنعام 6:48

قَوْلَهُ تَعَالَى :﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ ؛ أي ليسَ على الرسلُ أن يأتوا الناسَ بمَا يقترحون عليهم من الآياتِ، إنَّما نرسلُهم بالتبشير بالجنَّة للمطيعين ؛ والتحذيرِ بالنار للكافرين، ﴿فَمَنْ ءَامَنَ﴾ ؛ بالرسُلِ والكُتُب ؛ ﴿وَأَصْلَحَ﴾ ؛ العملَ فيما بينهُ وبينَ ربه ؛ فأقام على إيْمانه وتوبتهِ ؛ ﴿فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ حين يخافُ أهل النار، ﴿وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ؛ إذا حَزِنُوا.

الأنعام 6:49

قَوْلَهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ أي يصيبُهم العذابُ بفِسْقِهمْ وجحودِهم بمُحَمَّدٍ ﷺ والْقُرْآنِ.

الأنعام 6:50

وَقُوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ ؛ نزلَت هذه الآيةُ جواباً عن قولِ الكفار للنبيِّ ﷺ : يا محُمَّدُ ؛ لولاَ أُنْزِلَ عليكَ كَنْزٌ فتستغني به ؛ فإنك فقيرٌ محتاج! وعن قولِهم : لولا أُنْزِلَ عليهِ مَلَكٌ، وقولِهم : لولا أُنْزِلَ عليه آيةٌ. ومعناها : قلْ لَهم يا مُحَمَّد :﴿لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ﴾ أي لا أدَّعي أن مفاتيحَ الرزقِ بيدي ؛ فأقبضُ وأبْسُطُ، وليس خزائنُ الله مثلَ خزائنِ العباد، إنَّما خزائنُ الله مقدوراتُه التي لا تُوجَدُ إلا بتكوينهِ إيَّاها، ﴿وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ أي لا أدَّعي عِلْمَ الغيب فيما مضَى وما سيكونُ، ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ مِن السَّماء شاهدتُ ما لم تشاهدِ البشرُ، ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ؛ أي لا أعْلَمُ ولا أقولُ إلا بما نَزَّلَهُ اللهُ على لسانِ بعض الملائكة، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ ؛ أي الكافرُ والمؤمن، ويقال : الجاهلُ والعالِمُ، ﴿أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ﴾ ؛ في آياتِ اللهِ ومَوَاعِظهِ.

الأنعام 6:51

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ﴾ ؛ أي أنْذِرْ بالْقُرْآنِ وخوِّف به ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ﴾ وخوِّف به الذين يعلمون أنَّ حَشْرَهُمْ إلى ربهم ؛ أي إلى موضعٍ لا يَمْلِكُ فيه أحدٌ نَفَعَهم ولا ضُرَّهم إلا اللهَ تعالى. قالوا : والذينَ يخافونَ البعثَ أحدُ رجلين ؛ إما مسلمٌ فَيُنْذرُ ليؤدِّي حقَّ الله في إسلامهِ، وإما رجلٌ من أهل الكتاب فهو مقرونٌ بأن الله تعالى خَلَقَهم وأنَّهم مبعوثون محاسَبون. ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.

الأنعام 6:52

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ ؛ قال عبدُالله بن مسعودٍ :(مَرَّ جَمَاعَةً مِنَ المُشْرِكِينَ برَسُولِ اللهِ ﷺ وَعِنْدَهُ صُهَيْبُ وخَبَّابُ بْنُ الأَرَتِّ وَبلاَلُ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَغَيْرُهُمْ مِنْ ضُعَفَاءِ الْمُُسْلِمِيْنَ ؛ فَأَرَادُواْ الْحِيْلَةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيَطْرُدُواْ أصْحَابَهُ، فَقَالُواْ : يَا مُحَمَدَّ، لَوْ طَرَدْتَ هَؤُلاَءِ السَّفَلَةَ وَالْعَبِيْدَ عَنْكَ أتَاكَ أشْرَافُ قَوْمِكَ وَرُسَاؤُهُمْ يَسْتَمِعُونَ مَقَالَتَكَ وَيُصَدِّقُونَكَ، وَذكَرُواْ ذلِكَ أيْضاً لِعُمَرَ رضي الله عنه، فَذكَرَ ذلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِرْصاً عَلَى إسْلاَمِ أشْرَافِ قَوْمِهِ، فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَفْعَلَ بَعْضَ الَّذِي طَلَبُوهُ، فأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ). يعلِّمُه أنه لا يجبُ أن يفضِّل غَنِياً ولا شريفاً على فقيرٍ وضعيف ؛ لأن طريقَهُ فيما أُرْسِلَ به الدِّيْنُ دون أحوالِ الدُّنيا. فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ أي يعبدون ربَّهم بالصلاةِ المفروضة غُدُوّاً وعَشِيّاً وهم ضَعَفَةُ الصحابةِ وَصَفَهُمُ اللهُ بالمواظبة على عبادتهِ في طرفَي النَّهارِ ؛ ثُم شهِدَ لَهم أنَّهم مخلصون في الإِيْمانِ بقولهِ :﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي يريدون وجهَ اللهِ تعالى بذلك ؛ ويطلبون رضَاهُ. وذكرَ الوجهَ على سبيلِ التفخيم كقولهِ تعالى :﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾[القصص: ٨٨]. معناهُ : إلاَّ هُو. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ ؛ أي ما عليكَ مِن حساب عملِهم وباطنِ أمرهم من شيء، ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ﴾ ؛ أي مَا عليهم من باطِن أمرِكَ شيءٌ ولا يُسْأَلُونَ عن عملِكَ ولا تسألْ أنتَ عن عملِهم. وقيل : معناهُ : ما عليكَ من رزقِهم من شيءٍ، وما مِن رزقِكَ عليهم من شيءٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ ؛ جوابُ ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم﴾. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَتَكُونَ﴾ ؛ جوابُ ﴿وَلاَ تَطْرُدِ﴾. ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، ومعناهُ : فتكون من الضارِّين لنفسكَ أن لو طردتَهم. وتقديرُ الآية : وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ، مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابهِمْ مِْن شَيْءٍ، وَمَا مِنْ حِسَابكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ، فَتَطْرُدَهُمْ. وقال سلمانُ وخبَّاب :(فِيْنَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ، فَجَاءَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابسٍ التَّمِيْمِيُّ وَعُيَيْنَةُ بْنُ حُصَيْنِ الْفَزَّاريّ وَأصْحَابُهُمْ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ، فَوَجَدُواْ النَّبِيَّ ﷺ قَاعِداً مَعَ بلاَلٍ وَصُهَيْبَ وَعَمَّارِ وَخَبَّابٍ فِي نَاسٍ مِنْ ضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِيْنَ، فَلَمَّا رَأوْهُمْ حَوْلَهُ حَقَّرُوهُمْ ؛ وَقَالُوا : يَا مُحَمَّدُ ؛ لَوْ جَلَسْتَ فِي صَدْر الْمَسْجِدِ، وَنَفَيْتَ عَنَّا هَؤُلاَءِ وَرَائِحَةَ جِبَابهِمْ لَجَالَسْنَاكَ وَحَادَثْنَاكَ وَأخَذْنَا عَنْكَ. وَكَانَ عَلَيْهِمْ جِبَابٌ مِنْ صُوفٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ غَيْرُهَا. فَقَالَ ﷺ :" مَا أَنَا بطَاردِ الْمُسْلِميْنَ " فَقَالُواْ : إنَّا نُحِبُّ أنْ تَجْعَلَ لَنَا مَجْلِساً تَعْرِفُ الْعَرَبُ بهِ فَضْلَنَا، فَإنَّ وُفُودَ الْعَرَب تأْتِيْكَ ؛ فَنَسْتَحِي أنْ تَرَانَا الْعَرَبُ مَعَ هَؤُلاَءِ الأَعْبُدُ، فَإِذا نَحْنُ جِئْنَاكَ فَأَقِمْهُمْ عَنَّا، فَإذا نَحْنُ قُمْنَا فَأْقْعِدْهُمْ مَعَكَ إنْ شِئْتَ.

الأنعام 6:53

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذالِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَـاؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ﴾ ؛ قال ابنُ عَبَّاس : معناه :(وَكَذِلكَ ابْتَلَيْنَا (بَعْضَهُمْ ببَعْضِ) : الْعَرَبِيَّ بالْمَوَالِي ؛ وَالْغَنِيَّ بالْفَقِيْرِ ؛ وَالشَّرِيْفَ بالْوَضِيْعِ ؛ لِيَقُولَ الأَغْنِيَاءُ وَالأَشْرَافُ مِثْلُ عُيَيْنَةَ بْنِ حُصَيْنٍ الَّذِي دَخَلَ عَلَى النَّبيِّ ﷺ وَقَالَ لَهُ : لَوْ طَرَدْتَ هَؤُلاَءِ السَّفَلَةَ، وَمِثْلَ أَصْحَابِهِ ؛ كَانُواْ يَقُولُونَ : هَؤُلاَءِ - يَعْنُونَ سَلْمَانَ وَأصْحَابَهُ - مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ بالْمَغْفِرَةِ وَالإِسْلاَمِ مِنْ بَيْنِنَا). وقال الكلبيُّ :(هُوَ أنَّ الشَّرِيْفَ إذا نَظَرَ إلَى الوَضِيْعِ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَهُ اسْتَنْكَفَ أنْ يُسْلِمَ، وَقَالَ : قَدْ سَبَقَنِي هَذا بالإسْلاَمِ ؛ فَلاَ يُسْلِمُ). ومعنى (اللام) في قوله :(لِيَقُولُوا) لامُ العاقبة ؛ ومعناهُ : ليكونَ عاقبةُ أمرهِما ؛ قال الأغنياءُ والأشراف : أهؤلاءِ المستضعفونَ فضَّلهم اللهُ علينا. ونظيرُ هذه اللاَّم في هذهِ الآية قَوْلَهُ تَعَالَى :﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾[القصص: ٨]، ومعلومٌ أنُّهم لم يلتقطوهُ لأجلِ أن يكون لَهم عدوّاً وحَزَناً، ولكن عاقبةُ التقاطِهم إياه أنْ صارَ لَهم عدُوّاً وحَزَناً. وقال بعضُهم : اللامُ في قوله :(لِيَقُولُوا) معناها الاستفهامُ ؛ أي ليقولَ بعضُهم لبعضٍ استفهاماً لا إنْكاراً : أهَؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا بالإيْمانِ. والفائدةُ في ذلك أن الأغنياءَ كانوا شاكِّين في أن سَبْقَ الفقراءِ إلى الإِيْمان وصبرِهم على طريقةِ الدِّين ؛ هل يوجبُ أن تكونَ نعمةً من الله عظيمة عليهم، فأمرَهُم اللهُ تعالى أن يَسْتَفْهِمُوا من الرسولِ ﷺ ما لأجلهِ يقومُ الفقراء بحضرةِ الرسُول ﷺ واستحقُّوا الإعظامَ، فيظهرُ عند الاستفهامِ جوابُ النبِيُّ ﷺ، ويكون في سَماعهِم لذلكَ مصلحةٌ عظيمة توجبُ رضَاهُم بتقديمِ النبِيِّ ﷺ أهلَ الدين. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ ؛ استفهامٌ بمعنى التحقيقِ على معنى أنَّ اللهَ أعلمُ بمن هو من أهلِ التوحيد والثَّواب.

الأنعام 6:54

وَقَوْلَهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا جَآءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ اختلفُوا فيمَنْ نزلت هذه الآيةُ ؛ فقال عكرمةُ :(نَزَلَتْ فِي الَّذِيْنَ نَهَى اللهُ نَبيَِّهُ ﷺ عَنْ طَرْدِهِمْ، وَكَانَ ﷺ إذا رَآهُمْ بَدَأهُمْ بالسَّلاَمِ وَقَالَ :" الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مَنْ أمَرَنِي أنْ أبْدَأهُمْ بالسَّلاَمِ ". وقَالَ بانُ عبَّاس والكلبِيُّ :(لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾[الأنعام: ٥٢] الآيةُ، جَاءَ عُمَرُ رضي الله عنه مُعْتَذِراً مِنْ مَقَالَتِهِ ؛ فأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا جَآءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ الَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَالقُرْآنِ ﴿فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي قَبلَ اللهُ مَعْذِرَتَهُمْ وَتَوْبَتَهُمْ). ومعنى السَّلاَمِ : السلامةُ من جميع الآفاتِ. وقيل : إنَّ اللهَ تعالى أمرَ نَبيَّهُ ﷺ أنْ يُسَلِّمَ على المستضعفين إذا جاءُوا إليه، وإنَّما أمرَهُ بأن يبدأهم بالسَّلامِ مع أن العادةَ أن يُسَلَّمَ على القاعدِ حتى يَنْبَسِطَ إليهم بالسَّلامِ عليهم ؛ لِئَلاَّ يحتشمُوا من الانبساطِ إليه. قال عطاءُ :(نَزَلَتْ فِي أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَليٍّ وأَبي عُبَيْدَةَ وَبلاَلٍ وَسَالِمٍ وَمُصْعَب بْنِ عُمَيْرٍ وَحَمْزَةَ وَجَعْفَرَ وَعُثْمَانَ ابْنِ مَضْعُونٍ وَعَمَّار بْنِ يَاسِرٍ). وعن أنسِ بن مالكٍ رضي الله عنه قالَ :(أتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ رجَالٌ فَقَالُواْ : إنَّا أصَبْنَا ذُنُوباً عَظِيمَةً كَبِيْرَةً، فَسَكَتَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله علليه وسلم، فأَنْزَلَ اللهُ تعَالىَ :﴿وَإِذَا جَآءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. واختلفُوا في قوله :﴿سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ قال مجاهدُ :(مَعْنَاهُ : لاَ يَعْرِفُ حَلاَلاً مِنْ حَرَامٍ، فَمِنْ جَهَالَتِهِ رَكِبَ الأََمْرَ). وقيل : جاهلٌ بما يُورثُهُ ذلك الذنبُ. وقيل : جَهِلَ حين آثَرَ المعصيةَ على الطاعةِ، واللذةَ اليسيرةَ الفانيةَ على الكثيرةِ الباقية الدائمةِ، فعلى هذا يسمَّى مرتكبُ المعصيةِ جاهلاً. واختلفَ القُرَّاءُ في قولهِ تعالى :﴿أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ وقولهِ :﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فكسَرَهما جميعاً ابنُ كثير وأبو عمرٍو وحمزة والكسائيُّ وخلف والأعمشُ على الاستئناف. ونصَبَهما الحسنُ وابن عامر وعاصمُ ويعقوب بدلاً من الرحمةِ. وفتحَ نافعُ الأولَ على معنى : وَكَتَبَ أنَّهُ مَنْ عَمِلَ، وكسرَ الثانِي على الاستئنافِ.

الأنعام 6:55

قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ﴾ ؛ أي نُبَيِّنُ بياناً الأَمرَ والنهي فِي الْقُرْآنِ من قبلُ، وكذا نُبَيِّنُ وَنُنَزِّلُ الآياتِ متفرقةً شيئاً بعد شيء. وقولهُ تعالى :﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ؛ معطوفٌ على مُضْمَرٍ تقديرهُ : لِيَظْهَرَ الْحَقُّ مَن الْبَاطِلِ وَلِتَسْتَبِينَ طريقُ الْمُجْرِمِينَ. وإنَّما لم يقل : سبيلُ المؤمنين ؛ لأن في الكلامِ ما يدلُّ عليه ؛ لأن معناهُ وَلِتَسْتَبيْنَ سبيلَ المجرمين من سبيلِ المؤمنين. ويقرأ :(وَلِيَسْتَبيْنَ) بالياء ؛ لأن السبيلَ يُذكَّرُ ويؤنَّثُ، فَتَمِيْمٌ تُذكِّرُهُ ؛ وأهلُ الحجاز تُؤَنِّثُهُ. ودليلُ التذكير قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾[الأعراف: ٨٦] ولم يقل بها، ودليل التأنيث قَوْلُهُ تَعَالىَ :﴿قُلْ هَـاذِهِ سَبِيلِي﴾[يوسف: ١٠٨] ولم يقل هذا سبيلِي. وقرأ أهلُ المدينة :(سَبيْلَ) بالنصب على خطاب النبِيِّ ﷺ ؛ معناهُ : وَلِتَعْرِفَ يا مُحَمَّدُ سبيلَ المجرمين ؛ فالخطابُ للنبيِِّ ﷺ والمرادُ به عامَّة المسلمين ؛ كأنه ولِتَسْتَبيْنُوا وتزدادوا معرفةً بطريق المجرمين.

الأنعام 6:56

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ أي قل يا مُحَمَّد لِعُيَيْنَةَ وأصحابه : إنِّي نُهِيتُ عن عبادةِ الذي تعبدون من الأصنام مِنْ دُونِ اللهِ، ﴿قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ﴾ ؛ فإِنَّكم قد عَبَدْتُمُوهُ وسألتموهُ طردَ سلمان وبلالَ وأصحابَهما عن طريق الهدَى، لا على طريق البيِّنة والبرهانِ، وقَوْلَهُ تَعَالَى :﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً﴾ ؛ أي قد ضَلَلْتُ إنْ عبدتُها ؛ معناهُ إن فعلتُ ذلك فقد تركتُ سبيلَ الحق، وسلكتُ غيرَ سبيل الهدى. وقرأ يحيى بن وثَّاب وأبو رجَاء :﴿قَدْ ضَلَلْتُ﴾ بكسرِ اللام ؛ وهما لُغتان ؛ إلا أنَّ الفتحَ أفصحُ ؛ لأنَّها لغةُ أهلِ الحجاز. وقولهُ :﴿وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ؛ عطفٌ على ﴿ضَلَلْتُ﴾ ؛ أي إنْ أتَّبعْ أهواءَكم فما أنا من الذينَ سلكُوا طريقَ الهدى.

الأنعام 6:57

وقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ ؛ أي قُلْ يا مُحَمَّد : إنِّي على بَصِيْرَةٍ وبيانٍ مِن أمرِ ربي ؛ لاَ مُتَّبعٌ للهَوى، ﴿وَكَذَّبْتُم بِهِ﴾ أي بالبيانِ، وإنَّما ذكَرَ الكنايةَ لأن البيِّنةَ والبيانَ بمعنى واحدٍ. ويجوزُ أن يكون معناهُ : وكذبتُم بما آتيتُكم به ؛ وهو الْقُرآنُ. ومعنى البيِّنةِ : الدلالةُ بينَ الحقِّ والباطلِ. قَوْلَهُ تَعَالَى :﴿مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ رُوي : أنَّ رؤساءَ قريشٍ كانوا يستعجلونَ العذابَ، حتى قامَ النضرُ بن الحارثِ في الحَطِيْمِ وقالَ : اللَّهُمَّ إنْ كان ما يقولُ مُحَمَّدٌ حقّاً فَأْتِنَا بالْعَذاب، فَنَزلت هذه الآيةُ. وقيل : معناه :﴿مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ من الآياتِ التي تقترحونَها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ﴾ ؛ أي ما القضاءُ وتنْزيل الآياتِ إلاَّ لله، ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ ؛ أي يَحْكُمُ بالعدل ويقضي القضاءَ الحقَّ، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ ؛ أي أعدلُ الْفَاصِلِيْنَ. ومن قرأ (يُقِِضُّ الْحَقَّ) بالضادِ المشدَّدة، فمعناهُ : يُبَيِّنُ ويَأْمُرُ به، ومن قرأ (يَقْضِي) أي يَحْكُمُ. وقرأ ابن عبَّاس :(يَقْضِي بالْحَقِّ). وأما سقوطُ الياءِ في قراءة من قرأ (يَقُضِّ) فإِنَّها سقطت في الخطِّ لالتقاء السَّاكنَين، كما في قولهِ تعالى :﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾[العلق: ١٨]﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾[القمر: ٦]. وفي جميعِ المصاحف :(يَقْضِ) بغيرِ ياءٍ.

الأنعام 6:58

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ ؛ أي قُلْ يا مُحَمَّد :﴿لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ من العذاب، ﴿لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ ؛ أي لأهلكتُكم ؛ وانقطعَ ما بيني وبينكم من مطالبَتي إياكم بالإخلاص في طاعة الله وعبادتهِ، وامتناعِكم من ذلكَ، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ ؛ أي بعقوبتِكم ووقتِ عذابكم.

الأنعام 6:59

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ﴾ ؛ قرأ ابن السُّمَيقِعِ :(مَفَاتِيْحُ الْغَيْب) بالياء. واختلفُوا في معنى (مَفَاتِحُ الْغَيْب) فروى عبدُالله بن عمرَ : أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ :" مَفَاتِحُ الْغَيْب خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهَا إلاَّ اللهُ : عِلْمُ السَّاعَةِ، وَنُزُولُ الْغَيْثِ، وَعِلْمُ مَا فِي الأَرْحَامِ، ومَا تَدْري نَفْسٌ مَاذا تَكْسِبُ غَداً، وَمَا تَدْري نَفْسٌ بأَيِّ أرْضِ تَمُوتُ ". وقال السُّدِّيُّ :(مَفَاتِحُ الْغَيْب : خَزَائِنُ الْغَيْب) وَهِيَ الْمَقْدُورَاتُ الَّتِي يُفْـتَحُ بهَا مَا فِي الْغَيْب، وَسُمِّيَتِ الْخِزَانَةُ مِفْتَاحاً ؛ لأَنَّهُ يَنْفَتِحُ مِنْهُ الأَمْرُ). وقيل :﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ ما ينفتحُ به علمُ ما في الغيب من وقتِ نزول العذاب الذي كانوا يستعجلُون به وغيرُ ذلك. قيل : معناهُ :﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ أي نزولُ العذاب لا يَعلمُ متَى ينْزل ما غابَ عنكم من الثواب والعقاب، وما يصيرُ إليه من أمرِي وأمرِكم إلا هوُ. وقيل : معناهُ :﴿مَفَاتِحُ الْغَيْب﴾ الآجَالُ وأحوالُ العباد من السَّعادة والشَّقاوةِ، وعواقب الأمور، وخواتِم الأعمال. وقال ابنُ مسعود رضي الله عنه :(أوْتِيَ نَبيُّكُمْ عليه السلام كُلَّ شَيْءٍ إلاَّ مَفَاتِحَ الْغَيْب). وَالْمَفَاتِحَ جَمْعُ مِفْتَحٍ، وَالْمَفَاتِيْحُ جَمْعُ مِفْتَاحٍ ؛ وهو معرفةُ المغيَّب. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ؛ أي يَعْلَمُ ما في البرِّ من النباتِ والْخَلْقِ ؛ وَما في الْبَحْرِ من الدواب والعجائب. وقيل : يعلمُ رزقَ كلِّ مَنْ في البرِّ والبحر، يسوقُ إلى كلِّ ذي روحٍ رزقَهُ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(مَا مِنْ شَجَرَةٍ فِي الْبَرِّ إلاَّ وَبهَا مَلَكٌ مُوكَّلٌ يَعْلَمُ مَا يُؤْكَلُ مِنْهَا، وَمَا يَسْقُطُ مِنْ وَرَقِهَا، وَيَعْلَمُ عَدَدَ مَا بَقِيَ عَلَى الشَّجَرَةِ مِنَ الْوَرَقِ وَمَا يَسْقُطُ مِنْهُ). وقيل : معنى الآيةِ :﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ﴾ من أوراقِ الشَّجر، ﴿إِلاَّ يَعْلَمُهَا﴾ اللهُ ثابتةً وساقطةً، ويعلمُ متَى سقوطُها وموضعُ سقوطها. قَوْلَهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ﴾ ؛ أي كلُّ حبَّة تكون في الأرضِ حتى الحبَّةُ التي تكون تحتَ الصخرة التي هي أسفلُ الأرضين يعلمُها الله، وقيل : أرادَ كلَّ حبَّة تكون في شُقوق الأرضِ مِمَّا يخرجُ منها النبات. ومن قرأ (وَلاَ حَبَّةٌ) بالرفعِ فعلى الابتداء ؛ وخبرهُ ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾. وَقَوْلَهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ أرادَ بالرَّطْب الماءَ والخضر، وباليابسِ الحجرَ والمدرَ، كلُّ ذلك مكتوبٌ في اللوحِ المحفوظ، أثبتَ اللهُ تعالى فيه كلَّ ما يخلقُ قبلَ أن يخلقَهُ، كما قالت تعالى :﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾[الحديد: ٢٢]. وَاعْلَمْ : أنهُ قد أثبتَ ما خَلَقَ قبل خلقِهِ. والرطبُ واليابس عبارةٌ عن جميع الأشياءِ التي تكون في السَّموات والأرضِ ؛ لأنَّها تخلق من أحدِ هاتين الصِّفتين. وعن النبِيُّ ﷺ أنهُ قال :" مَا زَرْعٌ عَلَى الأَرْضِ وَلاَ ثِمَارٌ عَلَى الأَشْجَار ؛ إلاَّ عَلَيْهَا مَكْتُوبٌ : بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ، رزْقُ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ ". فإن قيلَ : ما الفائدةُ في كون ذلك مكتوباً في اللَّوح مع أنَّ اللهَ لا يخفى عليه شيءٌ، وأنه كان عالِماً بذلك قبلَ أن يخلقَه وقبل أن يكتبَه ؛ ولم يكتُبها ليحفظَها ويدريها. قيل : فائدتهُ أن الحوادثَ إذا حدثت موافقةً للمكتوب، ازدادَتِ الملائكةُ بذلك علماً ويقيناً بعِظَمِ صفاتِ الله عَزَّ وَجَلُّ.

الأنعام 6:60

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِالَّيلِ﴾ ؛ معناه : هو الذي يقبضُكم عن التصرُّفِ بالنوم وما تصيرونَ في منامكم بالليلِ في قبضتهِ لا تَمْلكون لأنفسِكُم تصريفاً في أموركم. والتَّوفِّي في اللغة : هُوَ الْقَبْضُ ؛ إلاَّ أن روحَ النائمِ لا تصيرُ مقبوضةً في حال نومه على جهةِ الحقيقة ؛ لأن النائمَ يستمدُّ من الهواءِ على حسب ما يفعلهُ المنتبهُ، ولكنَّ الله يحدثُ في حال النوم من بدنِ النائم ضرباً من الاسترخاءِ في إغماءٍ منه، إمَّّا بسلب عقله، أو بإِحداثِ فعلٍ في البدن يكونُ ذلك الفعل سبباً لراحةِ البدن، كما قال تعالى :﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً﴾[النبأ: ٩] فلما صارَ النائمُ كالميتِ في أنه لا يعقلُ وفي أن تصرفَه لا يقع على تَمييز ؛ شُبهَ بالميتِ من حيث التوفِّي على هذا الوجه، كما وردَ عن رسول الله ﷺ أنه قالَ :" النَّوْمُ أخُو الْمَوْتِ، وَأهْلُ الْجَنَّةِ لاَ يَمُوتُونَ وَلاَ يَنَامُونَ " وعلى هذا الوجهِ يتأوَّل قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا﴾[الزمر: ٤٢] إلى آخر الآية. وذهبَ بعضُهم إلى أن الروحَ تخرجُ من البدن في المنامِ، ولكن لا تنقطعُ حركة النائمِ ؛ لأن نظرَ الروحِ لم ينقطع عن البدن ؛ إذ هو على العَوْدِ في كلِّ وقتٍ وفي كل ساعةٍ ؛ وقال : لا يخرجُ منه الروحُ، وإنَّما يخرج منه الذهن. قَوْلَهُ تَعَالىَ :﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ ؛ أي كسبتُم من الخيرِ والشرِّ بالنهار، يقالُ : جَرَحَ وَاجْتَرَحَ ؛ بمعنى كَسَبَ وَاكْتسَبَ، وأصلُ الاجْتِرَاحِ : عَمَلُ الْجَوَارِحِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ ؛ أي يُنَبهُكُمْ من نومِكم في النهار على علمٍ منه بما اجترحتُم من قبلُ وما تجترحون من بعدُ، ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ أي لتبلغُوا الوقتَ المقدور الذي قدَّرهُ الله بحَيَوِيَّتِكُمْ ؛ فتنقطعُ أرزاقكُم وأعمالُكم التي تعملونَ في الدُّنيا من خيرٍ أو شرٍّ. قَوْلَهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ ؛ أي ثم إلى اللهِ مصيرُكم ومتقلَّبُكم بعدَ الموتِ، ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ؛ أي ثم يُخْبرُكُمْ في الآخرةِ بما كنتم تعملون في الدُّنيا ؛ فيجازي كلَّ عاملٍ ما عَمِلَ.

الأنعام 6:61

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ؛ أي هو الْغَالِبُ لعبادهِ الْمُسْتَعْلِي عليهم بالقدرَةِ، وليس معنى (فَوْقَ) معنى المكان ؛ لاستحالةِ إِضافَةِ الأماكنِ إلى الله، وإنَّما معناهُ الْغَلَبَةُ والقدرةُ، ونظيرهُ : فلانٌ فَوْقَ فلانٍ في العلمِ ؛ أي أعْلَمُ منهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً﴾ ؛ معناه : وَالْمُرْسِلُ عَلَيٍْكُمْ حَفَظَةً، فاكتفَى بالفعلِ عن الاسم. وَالْحَفَظَةُ : هُمُ الْمَلاَئِكَةُ يحفظونَ على العبادِ أعمالَهم على ما تقدَّم. وقد وردَ في الخبرِ : أن على كلِّ واحدٍ منَّا ملَكين بالليلِ ؛ وملَكين بالنهار، يكتبُ أحدُهما الحسناتِ ؛ والآخرُ السيِّئاتِ، وصاحبُ اليمينِ أميرٌ على صاحب الشِّمال، فإذا عَمِلَ العبدُ حسنةً ؛ كتبَ له بعَشْرِ أمثالِها ؛ وإذا عَمِلَ سيِّئةً فأرادَ صاحبُ الشِّمال أن يكتبَ ؛ قال له صاحبُ اليمين : أمْسِكْ، فيمسِكُ عنه ستِّ ساعاتٍ أو سبع ساعات، فإنْ هو استغفرَ اللهَ تعالى ؛ لم يكتُبْ عليه، وإن لم يستغفرْ يكتب عليه سيِّئةً واحدةً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ﴾ معناه : حَتَّى إذا حضرَ أحَدَكُمْ الْمَوْتُ ؛ قبضَ روحَهُ مَلَكُ الموتِ وأعوانُه، وَهُمْ لا يقصِّرونَ ولا يؤخِّرونَه طرفةَ عينٍ، فإن قيلَ : كيفَ هنا ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ وقال في آيةٍ أخرى :﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ﴾[السجدة: ١١] ؟ قيلَ : إنَّ مَلَكَ الموتِ هو الذي يقبضُ الأرواحَ كلَّها وهو القائمُ بذلك ؛ إلا أنَّ له أعواناً ؛ فتارةً أضافَ قبضَ الروحِ إلى مَلَكَ الموتِ ؛ لأنه هو المختصُّ بذلك، وتارةً أضافَهُ إليه وإلى غيرِه ؛ لأنَّهم يَصْدُرُونَ في ذلك عن أمرهِ. وقال مجاهدُ :(جُعِلَتِ الأََرْضُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ كَالطَّشْتِ يَتَنَاوَلُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ، ولَهُ أعْوانٌ يَتَوَفَّوْنَ الأَنْفُسَ، ثُمَّ يَقْبضُهَا مِنْهُمْ). ويقالُ : إنَّ أعوانَ مَلَكِ الموت يستخرجون الروحَ من الأعضاءِ عُضْواً عُضْواً، حتى إذا جَمَعُوهُ في صدرهِ وجعل يُغَرْغِرُ به ؛ قبضَهُ حينئذٍ مَلَكُ الموتِ. وقد رويَ عن رسول الله ﷺ :" أنَّهُ دَخَلَ عَلَى مَرِيْضٍ يَعُودُهُ، فَرَأَى مَلَكَ الْمَوْتِ عِنْدَ رَأسِه ؛ فقَالَ :" يَا مَلَكَ الْمَوْتِ ؛ ارْفُقْ بهِ، فإِنَّهُ مُؤْمِنٌ، فقَالَ مَلَكُ الْمَوْتِ : ياَ مُحَمَّدُ ؛ أبْشِرْ وَطِبٍ نَفْساً وَقَرَّ عَيْناً ؛ فإِنِّي بكُلِّ مُؤْمِنٍ رَفِيْقٌ، إنِّي لأقْبضُ رُوحَ الْمؤْمِنِ فَيُصْعَقُ أهْلُهُ فَأعْتَزِلُ فِي جَانِبِ الدَّار، فأََقُولُ : مَا لِي مِن ذنْب، وَإِنِّي لَمَأْمُورٌ، وَإنَّ لِي لَعَوْدَةً فَالْحَذرَ الْحَذرَ، وَمَا مِنْ أهْلِ بَيْتِ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ، فِي بَحْرٍ أو بَرٍّ، إلاَّ وأَنَا أَتَصَفَّحُهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، حَتَّى أنِّي لأَعْلَمُ بصَغِيْرِهِمْ وَكَبيْرِهِمْ مِنْهُمْ بأَنْفُسِهِمْ، وَاللهِ لَوْ أَرَدْتُ أنْ أقْبضَ رُوحَ بَعُوضَةٍ لَمَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا حَتَّى يَأْمُرَنِي اللهُ تَعَالَى بقَبْضِهَا ".

الأنعام 6:62

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ﴾ ؛ أي ثم ردَّهُمُ الملائكةُ إلى الموضعِ الذي لا يَمْلِكُ أحدٌ الحكمَ فيه إلا اللهُ تعالى : وقولهُ :﴿مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ﴾ أي مَوْلاَهُمُ من كلِّ جهةٍ، فإنهُ يَمْلِكُ خلقَهم وإنشاءَهم وتربيتَهم وإماتتهم وإحياءَهم وضُرَّهم ونفعَهم، وهو الذي دَبَّرَ في الابتداء أمرَهم حيث أنشأهم. ومعنى قولهِ تعالى :﴿مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ﴾ أي الذي عِبَادَتُهُ حقٌّ، ويعطي الثوابَ الحقَّ، ويتولَّى العقابَ بالحقِّ، وقيل : إنَّ هذه أرجَى آيةٍ في كتاب اللهِ تعالى ؛ لأنه لا مَرَدَّ للعبدِ أحسنُ من مَرَدِّهِ إلى مَوْلاَهُ. قَوْلَهُ تَعَالَىَ :﴿أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ﴾ ؛ كلمة بَيِّنَةٌ ؛ أي اعلمُوا أنَّ بَيِّنَةَ القضاءِ بين العباد يومَ القيامة يحكمُ فيهم ما شاءَ وكيف شاءَ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ ؛ إذا حاسَبَ فحسابهُ يسيرٌ سريعٌ ؛ لأنه لا يحاسبُ بحقد ولا يتكلَّمُ بآلةٍ، ولا يَحْجُزُهُ الكلامُ مع بعضِهم عن الكلامِ مع غيرهم، بل يحاسِبُ الجميعَ في دُفعة واحدةٍ. ومعنى الْمُحَاسَبَةِ : تَعْرِيْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ ثَوَابٍ أوْ عِقَابٍ ؛ حَتَّى رُويَ فِي الْخَبَرِ : أنَّهُ يَكُونُ حِسَابُهُ فِي مِقْدَار حَلْب شَاةٍ.

الأنعام 6:63

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ ؛ أي قُلْ لَهم يا مُحَمَّد : مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ شدائد الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وأهوالِهما. تقولُ العرب لليومِ الذي فيه شدَّة : يَوْمٌ مُظْلِمٌ ؛ حتى أنَّهم يقولون : يَوْمٌ ذُو كَوَاكِبٍ ؛ إذا اشتدَّت ظلمتهُ حتى صارَ كالليل. ويقال : أرادَ بالظلمات ظلمةَ الليل، وظلمةَ الغيمِ، وظلمة الأمواجِ. وقََوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ أي تدْعُونَهُ علانيةً وسرّاً، والتَّضَرُّعُ : إظْهَارُ الضَّرَاعَةِ ؛ وَهِيَ شِدَّةُ الْفَقْرِ وْالْحَاجَةِ إلَى الشَّيْءِ. وقرأ أبو بكرٍ :(وَخِفْيَةً) بكسرِ الخاء، وقرأ الأعمشُ :(وَخِيْفَةً) من الخوفِ كما في آخرِ الأعراف. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـاذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ؛ في موضعِ الحال ؛ معناهُ قائلين : لَئِنْ أنجَيتنا مِنْ هَذِهِ الشدائد لَنَكُونَنَّ مِنَ المؤمنينَ الموحِّدين المطيعين. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ﴾ ؛ قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ من شدائدِ البرِّ والبحر ومن كلِّ غَمٍّ، ﴿ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ؛ بهِ الأصنام في الرَّخاءِ بعد النجاةِ، وبعد قيامِ الحجَّة عليكُم.

الأنعام 6:64

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ ؛ أي قُلْ لَهم يا مُحَمَّد : مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ شدائد الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وأهوالِهما. تقولُ العرب لليومِ الذي فيه شدَّة : يَوْمٌ مُظْلِمٌ ؛ حتى أنَّهم يقولون : يَوْمٌ ذُو كَوَاكِبٍ ؛ إذا اشتدَّت ظلمتهُ حتى صارَ كالليل. ويقال : أرادَ بالظلمات ظلمةَ الليل، وظلمةَ الغيمِ، وظلمة الأمواجِ. وقََوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ أي تدْعُونَهُ علانيةً وسرّاً، والتَّضَرُّعُ : إظْهَارُ الضَّرَاعَةِ ؛ وَهِيَ شِدَّةُ الْفَقْرِ وْالْحَاجَةِ إلَى الشَّيْءِ. وقرأ أبو بكرٍ :(وَخِفْيَةً) بكسرِ الخاء، وقرأ الأعمشُ :(وَخِيْفَةً) من الخوفِ كما في آخرِ الأعراف. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـاذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ؛ في موضعِ الحال ؛ معناهُ قائلين : لَئِنْ أنجَيتنا مِنْ هَذِهِ الشدائد لَنَكُونَنَّ مِنَ المؤمنينَ الموحِّدين المطيعين. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ﴾ ؛ قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ من شدائدِ البرِّ والبحر ومن كلِّ غَمٍّ، ﴿ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ؛ بهِ الأصنام في الرَّخاءِ بعد النجاةِ، وبعد قيامِ الحجَّة عليكُم.

الأنعام 6:65

وقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ﴾ ؛ راجعٌ إلى مشركي مكَّة ؛ أي قُلْ لَهم يا مُحَمَّد :﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ﴾ كما بعثَ على قومِ نوحٍ ولُوطٍ من الطوفانِ والحجَارة، ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ ؛ أي هو القادرُ على أن يَخْسِفَ بكم، كما فعلَ بقَارُونَ وقومِه. ويقالُ : أراد بقوله :﴿عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ﴾ الظلمةَ، ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ أو يُغَلِّبَ عليكم سفهاءَكم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ ؛ معناه : أو يَخْلِِطَكُمْ فِرقاً مختلفِي الأهواء، بأن يضربَ بعضَكم ببعضٍ بما يلقيهِ بينكم من العداوةِ. وقيل : معنى :﴿يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ يَكِلْكُمْ إلى أنفسِكم ويُخْلِيْكُمْ من الطاعةِ بذنوبكم ؛ فتختلفُوا حتى يذوقَ بعضُكم شدَّة بعضٍ بالحرب والقتال. وقالَ :﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ ؛ يعني بالسيُّوف يَقْتُلُ بعضُكُمْ بعضاً. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ﴾ ؛ أي انظُرْ يا مُحَمَّد كيف نُبَيِّنُ لَهم الآيةَ على إثْرِ آيةٍ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ ؛ أي لكي يَفْقَهُوا أوامرَ اللهِ، ثم هم لا يفقهون. قال ابنُ عبَّاس :(لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ؛ شُقَّ ذلِكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فقَالَ :" يَا جِبْرِيْلُ، مَا بَقَاءُ أُمَّتِي عَلَى هَذِهِ الْخِصَالِ الأَرْبَعِ؟! " فَقَالَ : إنَّمَا أنَا عَبْدٌ مِثْلُكَ، فَادْعُ رَبَّكَ وَاسْأَلْهُ لأُمَّتِكَ. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؛ فَتَوَضَأَ وَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ؛ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَأحْسَنَ الصَّلاَةَ ؛ ثُمَّ سَأَلَ اللهَ أنْ لاَ يَبْعَثَ عَلَى أُمَّتِهِ عَذاباً مِنْ فَوْقِهِمْ وَلاَ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِهِمْ، وَلاَ يُلْبسَهُمْ شِيَعاً، وَلاَ يُذِيْقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، فَنَزَلَ جِبْرِيْلُ عليه السلام ؛ فَقَالَ : يَا مُحَمَّد ؛ إنَّ الله قَدْ سَمِعَ مَقَالَتَكَ، وَإنَّهُ قَدْ أَجَارَهُمْ مِنْ خِصْلَتَيْنِ : أنْ لاَ يَبْعَثَ عَلَيْهِمْ عذاباً مِنْ فَوْقِهِمْ، وَلاَ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِهِمْ، وَلَمْ يُخْرِجْهُمْ مِنَ الْخَصْلَتَيْنِ الأُخْرَتَيْنِ ". وقال ﷺ :" سَأَلْتُ رَبِي أنْ لاَ يَبْعَثَ عَلَى أُمَّتِي عَذاباً مِنْ فَوْقِهِمْ، وَلاَ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ؛ فأَعْطَانِي ذلِكَ. وَسَأَلْتُهُ أنْ لاَ يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ، فَمَنَعنِي ذلِكَ، وَأخْبَرَنِي جِبْرِيْلُ أنَّ فَنَاءَ أُمَّتِي بالسَّيْفِ ".

الأنعام 6:66

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ ؛ أي كذب بالْقُرْآنِ قومْك وهو الصدقُ، ﴿قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ ؛ أي بحفيظٍ أحفظُ أعمالَكم وأجازيَكم عليها، وقيل : معناهُ : لستُ أقدِرُ أن أحُولَ بينَكم وبين الكفرِ الذي يضرُّكم، كما يدفعُ الوكيلُ الضررَ عن موكِّله. وعن ابْنِ عبَّاس :(أنَّ مَعْنَاهُ : لَسْتُ بمُوَكَّلٍ عَلَيْكُمْ ؛ أُخْبرُكُمْ عَنِ الإِيْمَانِ، قَالَ : ثمَّ نُسِخَ هَذا بآيَةِ السَّيْفِ).

الأنعام 6:67

وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ﴾ ؛ معناهُ : لِكُلِّ وَعْدٍ وَوَعِيْدٍ وقتٌ، وأجلُ غايةٍ ؛ منهُ ما يكون في الدُّنيا، ومنه ما يكون في الآخرةِ، ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، يا أهلَ مكَّة ذلكَ إذا نَزَلَ بكم.

الأنعام 6:68

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ ؛ معناهُ : وإذا رأيتَ المشركين الذين يكذِّبون ويستهزِئون بكَ وبالْقُرْآنِ ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي اتْرُكْهُمْ ولا تجالِسْهم على وجهِ الإنكار عليهم، إلا أنْ يتركُوا استهزاءَهم ويَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِ الْقُرْآنِ. وذلكَ أن المشركينَ كانوا إذا جالسُوا المؤمنين ؛ وَقَعُوا في رسولِ الله ﷺ فسبُّوه واستهزؤا بهِ، فنهَى اللهُ المؤمنينَ عن مُجَالَسَتِهِمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ معناهُ : وَإمَّا يوقعنَّك الشَّيْطانُ في النِّسْيَانِ بَعْدَ النهي فتجلسَ معهم، فلا شيءَ عليك في تلك الحالِ التي تكون فيها ناسياً، فلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مََعَ قَوْمٍ إذا ذكرتَ، ودَعْ مجالسةَ المشركين فتأثَم. قرأ ابنُ عبَّاس وابن عامرٍ :(يُنْسِيَنَّكَ) بالتشديدِ. فلما نزلت هذه الآيةُ قال المسلمون : يا رسولَ اللهِ ؛ لَئِنْ كُنَّا كلما استهزأ المشركون بالْقُرْآنِ قُمْنَا وتركناهم، لا نستطيعُ أن نجلسَ في المسجدِ الحرام، ولا أن نطوفَ بالبيتِ ؟ فنَزل قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ﴾، أي ما على الذين يَتَّقونَ الشركَ والمعاصي والخوضَ في آثامِهم، ومخالفتِهم أمرَ الله من شيء من العقاب. ﴿وَلَـاكِن ذِكْرَى﴾ ؛ أي ولكن ذكِّروهم بالْقُرْآنِ ذِكْرَى إذا فعلُوا وَعِظُوهُمْ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ؛ الشركَ والاستهزاءَ والخوضَ. فموضع (ذِكْرَى) نَصْبٌ على المصدر، ويجوزُ أن يكون في موضعِ رفعٍ ؛ أي هُوَ ذِكْرَى.

الأنعام 6:69

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ ؛ معناهُ : وإذا رأيتَ المشركين الذين يكذِّبون ويستهزِئون بكَ وبالْقُرْآنِ ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي اتْرُكْهُمْ ولا تجالِسْهم على وجهِ الإنكار عليهم، إلا أنْ يتركُوا استهزاءَهم ويَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِ الْقُرْآنِ. وذلكَ أن المشركينَ كانوا إذا جالسُوا المؤمنين ؛ وَقَعُوا في رسولِ الله ﷺ فسبُّوه واستهزؤا بهِ، فنهَى اللهُ المؤمنينَ عن مُجَالَسَتِهِمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ معناهُ : وَإمَّا يوقعنَّك الشَّيْطانُ في النِّسْيَانِ بَعْدَ النهي فتجلسَ معهم، فلا شيءَ عليك في تلك الحالِ التي تكون فيها ناسياً، فلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مََعَ قَوْمٍ إذا ذكرتَ، ودَعْ مجالسةَ المشركين فتأثَم. قرأ ابنُ عبَّاس وابن عامرٍ :(يُنْسِيَنَّكَ) بالتشديدِ. فلما نزلت هذه الآيةُ قال المسلمون : يا رسولَ اللهِ ؛ لَئِنْ كُنَّا كلما استهزأ المشركون بالْقُرْآنِ قُمْنَا وتركناهم، لا نستطيعُ أن نجلسَ في المسجدِ الحرام، ولا أن نطوفَ بالبيتِ ؟ فنَزل قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ﴾، أي ما على الذين يَتَّقونَ الشركَ والمعاصي والخوضَ في آثامِهم، ومخالفتِهم أمرَ الله من شيء من العقاب. ﴿وَلَـاكِن ذِكْرَى﴾ ؛ أي ولكن ذكِّروهم بالْقُرْآنِ ذِكْرَى إذا فعلُوا وَعِظُوهُمْ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ؛ الشركَ والاستهزاءَ والخوضَ. فموضع (ذِكْرَى) نَصْبٌ على المصدر، ويجوزُ أن يكون في موضعِ رفعٍ ؛ أي هُوَ ذِكْرَى.

الأنعام 6:70

قَوْلُهُ تَعَالىَ :﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاوةُ الدُّنْيَا﴾ ؛ أي ذر الْكُفَّارَ الذين اختارُوا في أنفسهم اللَّعِبَ والباطلَ والاستهزاء. ويقال : معناهُ : الذين اتَّخذوا دينَهم بهوى أنفسهم، ومن اتَّخذ دينَهُ بهوى نفسهِ فهو لاعبٌ. وقال الفرَّاء في معنى الآية :(لَيْسَ مِنْ قَوْمٍ إلاَّ وَلَهُمْ عِيْدٌ يَلْهُونَ فِيْهِ، إلاَّ أمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّ أعْيَادَهُمْ صَلاَةٌ وَتَكبيْرٌ وَبرٌّ وَخَيْرٌ). وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاوةُ الدُّنْيَا﴾ معناه : وَشَغَلَتْهُمُ الحياة الدُّنيا بما فيها من زهرتِها وزينتِها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ ؛ ِأي ذكِّرْ بالْقُرْآنِ وعِظْ بهِ كراهةَ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بمَا كَسَبَتْ. ويقال : قَبْلَ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ. ويقال : لئلا تُبْسَلَ نَفْسٌ ؛ أي لئلا تَهلِكَ نفسٌ. وقال الحسنُ مجاهد وعكرمة والسدي :(تُبْسَلَ : أيْ تُسَلَّمَ لِلْهَلَكَةِ). وقال ابنُ زيد :(معناه : وَذكِّرْ بهِ أنْ تُبْسَلَ ؛ أيْ لَئِلاَّ تَبْسَلَ ؛ أيْ لَئِلاَّ تُؤْخَذ). وعن ابنِ عبَّاس :(أن تُفْضَحَ). وقال الأخفشُ :(أنْ تُبْسَلَ : أنْ تُجَازَى). وقال الفرَّاءِ :(تَرْتَهِنَ)، وقال عطيةُ العوفِي :(مِنْ قَبْلِ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ ؛ أيْ مِنْ قَبْلِ أنْ تُسَلَّمَ إلَى خَزَنَةِ جَهَنَّمَ). والْمُتَبَسِّلُ : الْمُسْتَسْلِمُ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ﴾ ؛ أي ليس لتلك النفس مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ ولاَ شَفِيعٌ ؛ أي قريبٌ يَمنع العذابَ عنها ولا شفيعٌ يشفعُ لَها في الآخرة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ﴾ ؛ أي لو جاءَت مكانَها بكلِّ ما كان في الأرضِ جميعاً افتداءً عن نفسها لا يُقْبَلُ منها. وسُمي الفداءُ عدلاً ؛ لأنه مِثْلٌ للشيء، ويقالُ لأحد جَانبِي الحجل : عِدْلٌ بالكسرِ ؛ لأن كلَّ واحدِ من العِدلين مِثْلٌ لصاحبهِ، فمعنى الآيةِ : وإن تَفْتَدِي بكلِّ فداءٍ لا يُؤخَذُ منها. وقوله تعالى :﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ أي وجيعٌ ؛ ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ ؛ أي بما كانوا يَجْحَدُونَ في الدُّنيا بمُحَمَّدٍ ﷺ والْقُرْآنِ.

الأنعام 6:71

َقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا﴾ ؛ أي قل يا مُحَمَّد لكفَّار مكَّة الذين يدعونَكم إلى دينِ آبائهم : أنَعْبُدُ سِوَى اللهِ من الأصنام مَا لا يَنفَعُنَا إن عبدناهُ في رزقٍ ولا معاشٍ، وَلاَ يَضُرُّنَا إن تركناهُ في رزق ولا معاش، ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ ؛ عطفٌ على الاستفهامِ ؛ أي كيف نرجعُ إلى الكفر بَعْدَ إذْ هَدَانَا اللهُ لدينه، وأكْرَمَنَا بمعرفتهِ، فيكونُ مَثَلُنَا ؛ كَـ ؛ مَثَلِ ؛ ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾ ؛ فأذهبَهُ ؛ ﴿فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ ؛ ضَالاً، لا يقالُ : كالذي زَيَّنَتْ له الشياطيينُ هواهُ ؛ فهو يعملُ في الأرضِ بالمعاصي. وقيل : معناهُ : كالذي اسْتَفْرَسَتْهُ الغِيْلاَنُ في الْمَهَامَةِ فأضَلُّوهُ ؛ فهو حَائِرٌ. و(حَيْرانَ) نُصِبَ على الحال. قرأ الأعمش وحمزة :(كَالَّذِي اسْتَهْوَاهُ) بالألفِ والإِمالة، وقرأ طلحةُ بالألف، وقرأ الحسنُ :(اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ). وفي مصحفِ عبدِاللهِ :(اسْتَهْوَاهُ الشَّيْطَانُ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ ؛ أي لهُ أصحابٌ يدعونَه إلى الطريقِ المستقيم : أنِ ائْتِنَا وَاتَّبعْنَا ؛ فإنَّا على الطريقِ، فأبَى أن يأتِهم ويطيعَهم. وقيل : إن الآيةَ نزلت في عبدِالرحمن بن أبي بكرٍ حين دعا أباهُ إلى الكفر، فأنزلَ اللهُ تعالى :﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا﴾. وقولهُ :﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾ وهو عبدُالرَّحمن بن أبي بكرٍ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى﴾ قيل : كان أمُّهُ وأبوهُ يدعوانِه إلى الإِسلام، وكان الشياطينُ والكفَّار يُزَيِّنُونَ له الكفرَ إلى أن مَنَّ الله عليه بعد ذلك بقَبُولِ الإِسلامِ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ﴾ ؛ أي قُلْ لَهُمْ : إنَّ دينَ الله هو الإسلامُ ؛ وأمَرَنَا لِنُخْلِصَ العبادةَ ؛ :﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

الأنعام 6:72

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ ؛ عطف على قوله :(لِنُسْلِمَ) أي أُمِرْنَا لِنُسْلِمَ ؛ فقيل لنا : أسْلِمُوا وأقيمُوا الصلاةَ بركوعها وسجودها، (وَاتُّقُوهُ) أي اتَّقُوا سَخَطَهُ ؛ ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ؛ أي تُجمعون يوم القيامةِ.

الأنعام 6:73

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ ؛ أي لإِقامةِ أمر الحقِّ ؛ وهو الثوابُ والعقاب في الآخرةِ، ولم يَخْلُقْهَا باطلاً لغيرِ شيء، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ ؛ أي وَخَلَقَ الخلائق يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَُيَكُونُ. وقيل : معناهُ : واتُّقُوهُ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ. وقيل : وَاذْكُرُوا يَوْمَ يَقُولُ ليومِ القيامةِ : كُنْ فَيَكُونُ مكوَّناً بإذنِ الله تعالى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾ ؛ أي الآخرة في أمرِ يوم القيامة حقٌّ كائنٌ لا محالة، وَلَهُ الْمُلْكُ يومئذ. وتخصيصُ ذلك اليوم بالْمُلْكِ ؛ لأنَّ اليومَ الذي لا يظهرُ فيه مِن أحدٍ سوى اللهِ نفعٌ ولا ضَرٌّ كما قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾[الانفطار: ١٩]. والصُّورُ : قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيْهِ إسْرَافِيلُ نفختين ؛ فتُغشَى الخلائقُ كلُّهم بالنفخةِ الأولى ؛ ويَحْيَوْنَ بالنفخة الثانيةِ، فتكون النفخةُ الأولى لانتهاءِ الدُّنيا ؛ والثانيةُ لاتبداءِ الآخرة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ ؛ أي وعالِمُ ما غابَ عن العبادِ وما علموهُ ؛ ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ ؛ في أمرهِ، ﴿الْخَبِيرُ﴾ ؛ بأعمالِ عباده.

الأنعام 6:74

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً﴾ ؛ أي اذْكُرُ يا مُحَمَّد إذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ لأَبيهِ آزَرَ، من قرأ (آزَرَ) بالنصب فموضعُه خفض بدل من (أبيْهِ) إلا أنه لا ينصرفُ ؛ لأنه اسم أعجميٌّ، ومَن رَفَعَهُ فعلى النداءِ ؛ أي يَا آزرُ. وكان آزرُ مَسْكَنُهُ (كُوتٌ) قريةٌ من سوادِ الكوفة. قال السُّدِّيُّ والحسنُ :(آزَرُ اسْمٌ لأَبي إبْرَاهِيْمَ). وقال الفرَّاء :(هُوَ صِفَةٌ عَيْبٍ وَسَبٍّ ؛ وَمَعَناهُ فِي كَلاَمِهِمْ : الْمِعْوَجُّ). وقيل : معناهُ : الشيخُ لَهم. وقيل : قَالَ إبْرَاهِيمُ لأَبيهِ الْمُخْطِىءِ، أو قال لأبيه : يَا مُخْطِىءُ. وكان على هذا القولِ اسمٌ أندتارخ بن ياجوراء. وقال سعيدُ بن المسيب ومجاهدُ :(آزَرُ اسْمُ صَنَمٍ) وهو على هذا التأويلِ في موضع نصبٍ، وفي الكلام تقديمٌ وتأخير ؛ تقديرهُ : اتَّخَذ آزرَ أصْنَاماً آلِهَةً مِنْ دون اللهِ. وقيل : كان إبراهيمُ قالَ لأبيه : لا تَتَّخِذُوا آزَرَ إلَهاً، أتَتَّخِذُ أصْنَامًا آلهِةً، ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ﴾ ؛ عن الحق ؛ ﴿مُّبِينٍ﴾ ؛ أي ظاهرَ الضَّلالةِ في ذهابٍ عن الحقِّ بيِّنٍ.

الأنعام 6:75

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي كما أرينا إبراهيم النصرةَ في دينهِ والحقَّ في مخالفة قومهِ ؛ نُرِيَهُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ؛ أي مُلْكُهَا ونريه القدرةَ التي يقوِّي بها دلالتَهُ على توحيدِ الله تعالى، وهو ما رأى من السماءِ والأرض والكواكب والقمرِ والشمس. وقال مجاهدُ وسعيدُ بن جبيرٍ :(مَعْنَى :﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أيْ آيَاتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ؛ وَذلِكَ أنَّهُ أُقِيْمَ عَلَى صَخْرَةٍ وَكُشِفَ لَهُ عَنِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى الْعَرْشَ وَأسْفَلَ الأَرْضِيْنَ، وَنَظَرَ إِلَى مَكَانِهِ فِي الْجَنَِّةِ ؛ وَذلِكَ قَوْلَهُ تَعَالَى :﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾[العنكبوت: ٢٧] يَعْنِي أرَيْنَاهُ مَكَانَهُ فِي الْجَنَّةِ). وقيل : معنى الآية : كما أرَينا إبراهيمَ قُبْحَ ما كان عليه أبوهُ وقومه من المذهب ؛ كذلك نُرِيَهُ ملكوتَ السموات والأرض. والْمَلَكُوتُ : عِبَارَةٌ عَنْ أعْظَمِ الْمُلْكِ ؛ زيدتِ الواوُ والتاء للمبالغةِ ؛ كما يقال : رَهَبُوتٌَ خَيْرُ مِنْ رَحَمُوت، هذا مثلٌ يقوله العربُ ؛ معناه : لئن تُرهب خيرٌ من أن تُرحم. فملكوتُ السموات : الشمسُ والقمر والنجوم ؛ وملكوتُ الأرض : الجبال والشجرُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ ؛ أي نُرِيَهُ الملكوتَ ليستدلَّ بذلك على توحيدِ الله ويَثْبُتَ على اليقين. قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـاذَا رَبِّي﴾ قال المفسرون : إنَّ إبراهيم وُلِدَ في زمانِ النَّمْرُودِ بْنِ كَنْعَانَ، وكان النمرودُ أولَ من دعا الناسَ إلى عبادتهِ، وكان له كهَّان ومنجِّمون، فقالوا له : إنهُ يولد في هذه السنةِ غلامٌ يغيِّرُ دينَ أهل الأرض، ويكونُ هلاكُكَ وزوالُ مُلْكِكَ على يديهِ. قال السديُّ :(رَأى النَّمْرُودُ فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ كَوْكَباً طَلَعَ فَذَهَبَ بضَوْءِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ حَتَّى لَمْ يُبْقِ لَهُمَا ضَوءاً، فَفَزِعَ مِنْ ذلِكَ وَدَعَا السَّحَرَةَ وَالْكُهَّانَ ؛ وَسَأَلَهُمْ عَنْ ذلِكَ فَقَالُواْ : هُوَ مَوْلُودٌ يُولَدُ فِي نَاحِيَتِكَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَأمَرَ الرِّجَالَ باعْتِزَالِ النِّسَاءِ، وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الْحُرِّاسَ، فَمَكَثَ كَذلِكَ مَا شَاءَ اللهُ). قال السديُّ :(خَرَجَ النَّمْرُودُ بالرِّجَالِ إلَى الْعَسْكَرِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ النِّسَاءِ مَخَافَةً مِنْ ذلِكَ الْمَوْلُودِ، فَبََدَتْ لَهُ حَاجَةٌ إلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمْ يأْتَمِنْ عَلَيْهَا أحَداً مِنْ قَوْمِهِ إلاَّ آزَرَ، فَدَعَاهُ وَأَمَرَهُ لِحَاجَتِهِ إلَى الْمَدِينَةِ، وَقَالَ لَهُ : إنَّكَ ثِقَتِي ؛ فَأَقْسَمْتُ إلَيْكَ أنْ لاَ تَدْنُو مِنِ امْرَأَتِكَ وَلاَ تُوَاقِعْهَا، ثُمَّ أوْصَاهُ بحَاجَتِهِ. فَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِيْنَةَ وَقَضَى حاَجَتَهُ، قالَ : لَوْ دَخَلْتُ عَلَى أهْلِي فَرَأْيْتُ كَيفَ حَالُهُمْ، فَلَمَّا نَظَرَ إلَى امْرَأتِهِ لَمْ يَتَمَالَكْ حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهَا، وَكَانَتْ قَدْ طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ، فَحَمَلتْ بإِبْرَاهِيْمَ عليه السلام، فَلَمَّا حَمَلَتْ بهِ ؛ قَالَتْ الْكَهَنَةُ لِلنَّمْرُودِ : إنَّ الْغُلاَمَ الَّذِي أخْبَرْنَاكَ بهِ قدْ حَمَلَتْ بهِ أُمُّهُ اللَّيْلَةَ، فَأَمَرَ النَّمْرُودُ بذبْحِ كُلِّ وَلَدٍ مِنَ الْغِلْمَانِ. فَلَمَّا دَنَتْ ولاَدَةُ أُمِّ إبْرَاهِيْمَ وَأخَذهَا الْمخَاضُ، خَرَجَتْ هَاربَةً مَخَافَةَ أنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهَا فَيُقْتَلُ وَلَدُها، فَوَضَعَتْهُ فِي مَوْضِعٍ، ثُمَّ لَفَّتْهُ في خِرْقَةٍ وَجَعَلَتْهُ فِي الْحَلْفَاءِ، ثُمَّ رَجَعَتْ إلَى زَوْجِهَا فَأْعْلَمَتْهُ، فَانْطَلَقَ أبُوهُ إلَيْهِ وَحَفَرَ لَهُ سَرَباً فِي ذلِكَ الْمَكَانِ وَجَعَلَهُ فِيْهِ، وَسَدَّ عَلَيْهِ بصَخْرَةٍ مَخَافَةَ أنْ تَأْكُلَهُ السِّبَاعُ، وَكَانَتْ أُمُّهُ تَخَتَلِفُ إلَيْهِ سِرّاً فَتُرْضِعُهُ، وَكَانَ إذا بَكَى عَلَى أُمِّهِ أتَاهُ جِبْريْلُ عليه السلام فَوَضَعَ إصْبَعَهُ فِي فَمِهِ فَيَخْرُجُ مِنْهَا اللَّبَنُ، فَكَانَ يَمُصُّ سَبَّابَةَ نَفْسِهِ).

الأنعام 6:76

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي كما أرينا إبراهيم النصرةَ في دينهِ والحقَّ في مخالفة قومهِ ؛ نُرِيَهُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ؛ أي مُلْكُهَا ونريه القدرةَ التي يقوِّي بها دلالتَهُ على توحيدِ الله تعالى، وهو ما رأى من السماءِ والأرض والكواكب والقمرِ والشمس. وقال مجاهدُ وسعيدُ بن جبيرٍ :(مَعْنَى :﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أيْ آيَاتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ؛ وَذلِكَ أنَّهُ أُقِيْمَ عَلَى صَخْرَةٍ وَكُشِفَ لَهُ عَنِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى الْعَرْشَ وَأسْفَلَ الأَرْضِيْنَ، وَنَظَرَ إِلَى مَكَانِهِ فِي الْجَنَِّةِ ؛ وَذلِكَ قَوْلَهُ تَعَالَى :﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾[العنكبوت: ٢٧] يَعْنِي أرَيْنَاهُ مَكَانَهُ فِي الْجَنَّةِ). وقيل : معنى الآية : كما أرَينا إبراهيمَ قُبْحَ ما كان عليه أبوهُ وقومه من المذهب ؛ كذلك نُرِيَهُ ملكوتَ السموات والأرض. والْمَلَكُوتُ : عِبَارَةٌ عَنْ أعْظَمِ الْمُلْكِ ؛ زيدتِ الواوُ والتاء للمبالغةِ ؛ كما يقال : رَهَبُوتٌَ خَيْرُ مِنْ رَحَمُوت، هذا مثلٌ يقوله العربُ ؛ معناه : لئن تُرهب خيرٌ من أن تُرحم. فملكوتُ السموات : الشمسُ والقمر والنجوم ؛ وملكوتُ الأرض : الجبال والشجرُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ ؛ أي نُرِيَهُ الملكوتَ ليستدلَّ بذلك على توحيدِ الله ويَثْبُتَ على اليقين. قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـاذَا رَبِّي﴾ قال المفسرون : إنَّ إبراهيم وُلِدَ في زمانِ النَّمْرُودِ بْنِ كَنْعَانَ، وكان النمرودُ أولَ من دعا الناسَ إلى عبادتهِ، وكان له كهَّان ومنجِّمون، فقالوا له : إنهُ يولد في هذه السنةِ غلامٌ يغيِّرُ دينَ أهل الأرض، ويكونُ هلاكُكَ وزوالُ مُلْكِكَ على يديهِ. قال السديُّ :(رَأى النَّمْرُودُ فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ كَوْكَباً طَلَعَ فَذَهَبَ بضَوْءِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ حَتَّى لَمْ يُبْقِ لَهُمَا ضَوءاً، فَفَزِعَ مِنْ ذلِكَ وَدَعَا السَّحَرَةَ وَالْكُهَّانَ ؛ وَسَأَلَهُمْ عَنْ ذلِكَ فَقَالُواْ : هُوَ مَوْلُودٌ يُولَدُ فِي نَاحِيَتِكَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَأمَرَ الرِّجَالَ باعْتِزَالِ النِّسَاءِ، وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الْحُرِّاسَ، فَمَكَثَ كَذلِكَ مَا شَاءَ اللهُ). قال السديُّ :(خَرَجَ النَّمْرُودُ بالرِّجَالِ إلَى الْعَسْكَرِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ النِّسَاءِ مَخَافَةً مِنْ ذلِكَ الْمَوْلُودِ، فَبََدَتْ لَهُ حَاجَةٌ إلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمْ يأْتَمِنْ عَلَيْهَا أحَداً مِنْ قَوْمِهِ إلاَّ آزَرَ، فَدَعَاهُ وَأَمَرَهُ لِحَاجَتِهِ إلَى الْمَدِينَةِ، وَقَالَ لَهُ : إنَّكَ ثِقَتِي ؛ فَأَقْسَمْتُ إلَيْكَ أنْ لاَ تَدْنُو مِنِ امْرَأَتِكَ وَلاَ تُوَاقِعْهَا، ثُمَّ أوْصَاهُ بحَاجَتِهِ. فَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِيْنَةَ وَقَضَى حاَجَتَهُ، قالَ : لَوْ دَخَلْتُ عَلَى أهْلِي فَرَأْيْتُ كَيفَ حَالُهُمْ، فَلَمَّا نَظَرَ إلَى امْرَأتِهِ لَمْ يَتَمَالَكْ حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهَا، وَكَانَتْ قَدْ طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ، فَحَمَلتْ بإِبْرَاهِيْمَ عليه السلام، فَلَمَّا حَمَلَتْ بهِ ؛ قَالَتْ الْكَهَنَةُ لِلنَّمْرُودِ : إنَّ الْغُلاَمَ الَّذِي أخْبَرْنَاكَ بهِ قدْ حَمَلَتْ بهِ أُمُّهُ اللَّيْلَةَ، فَأَمَرَ النَّمْرُودُ بذبْحِ كُلِّ وَلَدٍ مِنَ الْغِلْمَانِ. فَلَمَّا دَنَتْ ولاَدَةُ أُمِّ إبْرَاهِيْمَ وَأخَذهَا الْمخَاضُ، خَرَجَتْ هَاربَةً مَخَافَةَ أنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهَا فَيُقْتَلُ وَلَدُها، فَوَضَعَتْهُ فِي مَوْضِعٍ، ثُمَّ لَفَّتْهُ في خِرْقَةٍ وَجَعَلَتْهُ فِي الْحَلْفَاءِ، ثُمَّ رَجَعَتْ إلَى زَوْجِهَا فَأْعْلَمَتْهُ، فَانْطَلَقَ أبُوهُ إلَيْهِ وَحَفَرَ لَهُ سَرَباً فِي ذلِكَ الْمَكَانِ وَجَعَلَهُ فِيْهِ، وَسَدَّ عَلَيْهِ بصَخْرَةٍ مَخَافَةَ أنْ تَأْكُلَهُ السِّبَاعُ، وَكَانَتْ أُمُّهُ تَخَتَلِفُ إلَيْهِ سِرّاً فَتُرْضِعُهُ، وَكَانَ إذا بَكَى عَلَى أُمِّهِ أتَاهُ جِبْريْلُ عليه السلام فَوَضَعَ إصْبَعَهُ فِي فَمِهِ فَيَخْرُجُ مِنْهَا اللَّبَنُ، فَكَانَ يَمُصُّ سَبَّابَةَ نَفْسِهِ).

الأنعام 6:77

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي كما أرينا إبراهيم النصرةَ في دينهِ والحقَّ في مخالفة قومهِ ؛ نُرِيَهُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ؛ أي مُلْكُهَا ونريه القدرةَ التي يقوِّي بها دلالتَهُ على توحيدِ الله تعالى، وهو ما رأى من السماءِ والأرض والكواكب والقمرِ والشمس. وقال مجاهدُ وسعيدُ بن جبيرٍ :(مَعْنَى :﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أيْ آيَاتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ؛ وَذلِكَ أنَّهُ أُقِيْمَ عَلَى صَخْرَةٍ وَكُشِفَ لَهُ عَنِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى الْعَرْشَ وَأسْفَلَ الأَرْضِيْنَ، وَنَظَرَ إِلَى مَكَانِهِ فِي الْجَنَِّةِ ؛ وَذلِكَ قَوْلَهُ تَعَالَى :﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾[العنكبوت: ٢٧] يَعْنِي أرَيْنَاهُ مَكَانَهُ فِي الْجَنَّةِ). وقيل : معنى الآية : كما أرَينا إبراهيمَ قُبْحَ ما كان عليه أبوهُ وقومه من المذهب ؛ كذلك نُرِيَهُ ملكوتَ السموات والأرض. والْمَلَكُوتُ : عِبَارَةٌ عَنْ أعْظَمِ الْمُلْكِ ؛ زيدتِ الواوُ والتاء للمبالغةِ ؛ كما يقال : رَهَبُوتٌَ خَيْرُ مِنْ رَحَمُوت، هذا مثلٌ يقوله العربُ ؛ معناه : لئن تُرهب خيرٌ من أن تُرحم. فملكوتُ السموات : الشمسُ والقمر والنجوم ؛ وملكوتُ الأرض : الجبال والشجرُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ ؛ أي نُرِيَهُ الملكوتَ ليستدلَّ بذلك على توحيدِ الله ويَثْبُتَ على اليقين. قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـاذَا رَبِّي﴾ قال المفسرون : إنَّ إبراهيم وُلِدَ في زمانِ النَّمْرُودِ بْنِ كَنْعَانَ، وكان النمرودُ أولَ من دعا الناسَ إلى عبادتهِ، وكان له كهَّان ومنجِّمون، فقالوا له : إنهُ يولد في هذه السنةِ غلامٌ يغيِّرُ دينَ أهل الأرض، ويكونُ هلاكُكَ وزوالُ مُلْكِكَ على يديهِ. قال السديُّ :(رَأى النَّمْرُودُ فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ كَوْكَباً طَلَعَ فَذَهَبَ بضَوْءِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ حَتَّى لَمْ يُبْقِ لَهُمَا ضَوءاً، فَفَزِعَ مِنْ ذلِكَ وَدَعَا السَّحَرَةَ وَالْكُهَّانَ ؛ وَسَأَلَهُمْ عَنْ ذلِكَ فَقَالُواْ : هُوَ مَوْلُودٌ يُولَدُ فِي نَاحِيَتِكَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَأمَرَ الرِّجَالَ باعْتِزَالِ النِّسَاءِ، وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الْحُرِّاسَ، فَمَكَثَ كَذلِكَ مَا شَاءَ اللهُ). قال السديُّ :(خَرَجَ النَّمْرُودُ بالرِّجَالِ إلَى الْعَسْكَرِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ النِّسَاءِ مَخَافَةً مِنْ ذلِكَ الْمَوْلُودِ، فَبََدَتْ لَهُ حَاجَةٌ إلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمْ يأْتَمِنْ عَلَيْهَا أحَداً مِنْ قَوْمِهِ إلاَّ آزَرَ، فَدَعَاهُ وَأَمَرَهُ لِحَاجَتِهِ إلَى الْمَدِينَةِ، وَقَالَ لَهُ : إنَّكَ ثِقَتِي ؛ فَأَقْسَمْتُ إلَيْكَ أنْ لاَ تَدْنُو مِنِ امْرَأَتِكَ وَلاَ تُوَاقِعْهَا، ثُمَّ أوْصَاهُ بحَاجَتِهِ. فَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِيْنَةَ وَقَضَى حاَجَتَهُ، قالَ : لَوْ دَخَلْتُ عَلَى أهْلِي فَرَأْيْتُ كَيفَ حَالُهُمْ، فَلَمَّا نَظَرَ إلَى امْرَأتِهِ لَمْ يَتَمَالَكْ حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهَا، وَكَانَتْ قَدْ طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ، فَحَمَلتْ بإِبْرَاهِيْمَ عليه السلام، فَلَمَّا حَمَلَتْ بهِ ؛ قَالَتْ الْكَهَنَةُ لِلنَّمْرُودِ : إنَّ الْغُلاَمَ الَّذِي أخْبَرْنَاكَ بهِ قدْ حَمَلَتْ بهِ أُمُّهُ اللَّيْلَةَ، فَأَمَرَ النَّمْرُودُ بذبْحِ كُلِّ وَلَدٍ مِنَ الْغِلْمَانِ. فَلَمَّا دَنَتْ ولاَدَةُ أُمِّ إبْرَاهِيْمَ وَأخَذهَا الْمخَاضُ، خَرَجَتْ هَاربَةً مَخَافَةَ أنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهَا فَيُقْتَلُ وَلَدُها، فَوَضَعَتْهُ فِي مَوْضِعٍ، ثُمَّ لَفَّتْهُ في خِرْقَةٍ وَجَعَلَتْهُ فِي الْحَلْفَاءِ، ثُمَّ رَجَعَتْ إلَى زَوْجِهَا فَأْعْلَمَتْهُ، فَانْطَلَقَ أبُوهُ إلَيْهِ وَحَفَرَ لَهُ سَرَباً فِي ذلِكَ الْمَكَانِ وَجَعَلَهُ فِيْهِ، وَسَدَّ عَلَيْهِ بصَخْرَةٍ مَخَافَةَ أنْ تَأْكُلَهُ السِّبَاعُ، وَكَانَتْ أُمُّهُ تَخَتَلِفُ إلَيْهِ سِرّاً فَتُرْضِعُهُ، وَكَانَ إذا بَكَى عَلَى أُمِّهِ أتَاهُ جِبْريْلُ عليه السلام فَوَضَعَ إصْبَعَهُ فِي فَمِهِ فَيَخْرُجُ مِنْهَا اللَّبَنُ، فَكَانَ يَمُصُّ سَبَّابَةَ نَفْسِهِ).

الأنعام 6:78

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي كما أرينا إبراهيم النصرةَ في دينهِ والحقَّ في مخالفة قومهِ ؛ نُرِيَهُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ؛ أي مُلْكُهَا ونريه القدرةَ التي يقوِّي بها دلالتَهُ على توحيدِ الله تعالى، وهو ما رأى من السماءِ والأرض والكواكب والقمرِ والشمس. وقال مجاهدُ وسعيدُ بن جبيرٍ :(مَعْنَى :﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أيْ آيَاتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ؛ وَذلِكَ أنَّهُ أُقِيْمَ عَلَى صَخْرَةٍ وَكُشِفَ لَهُ عَنِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى الْعَرْشَ وَأسْفَلَ الأَرْضِيْنَ، وَنَظَرَ إِلَى مَكَانِهِ فِي الْجَنَِّةِ ؛ وَذلِكَ قَوْلَهُ تَعَالَى :﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾[العنكبوت: ٢٧] يَعْنِي أرَيْنَاهُ مَكَانَهُ فِي الْجَنَّةِ). وقيل : معنى الآية : كما أرَينا إبراهيمَ قُبْحَ ما كان عليه أبوهُ وقومه من المذهب ؛ كذلك نُرِيَهُ ملكوتَ السموات والأرض. والْمَلَكُوتُ : عِبَارَةٌ عَنْ أعْظَمِ الْمُلْكِ ؛ زيدتِ الواوُ والتاء للمبالغةِ ؛ كما يقال : رَهَبُوتٌَ خَيْرُ مِنْ رَحَمُوت، هذا مثلٌ يقوله العربُ ؛ معناه : لئن تُرهب خيرٌ من أن تُرحم. فملكوتُ السموات : الشمسُ والقمر والنجوم ؛ وملكوتُ الأرض : الجبال والشجرُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ ؛ أي نُرِيَهُ الملكوتَ ليستدلَّ بذلك على توحيدِ الله ويَثْبُتَ على اليقين. قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـاذَا رَبِّي﴾ قال المفسرون : إنَّ إبراهيم وُلِدَ في زمانِ النَّمْرُودِ بْنِ كَنْعَانَ، وكان النمرودُ أولَ من دعا الناسَ إلى عبادتهِ، وكان له كهَّان ومنجِّمون، فقالوا له : إنهُ يولد في هذه السنةِ غلامٌ يغيِّرُ دينَ أهل الأرض، ويكونُ هلاكُكَ وزوالُ مُلْكِكَ على يديهِ. قال السديُّ :(رَأى النَّمْرُودُ فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ كَوْكَباً طَلَعَ فَذَهَبَ بضَوْءِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ حَتَّى لَمْ يُبْقِ لَهُمَا ضَوءاً، فَفَزِعَ مِنْ ذلِكَ وَدَعَا السَّحَرَةَ وَالْكُهَّانَ ؛ وَسَأَلَهُمْ عَنْ ذلِكَ فَقَالُواْ : هُوَ مَوْلُودٌ يُولَدُ فِي نَاحِيَتِكَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَأمَرَ الرِّجَالَ باعْتِزَالِ النِّسَاءِ، وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الْحُرِّاسَ، فَمَكَثَ كَذلِكَ مَا شَاءَ اللهُ). قال السديُّ :(خَرَجَ النَّمْرُودُ بالرِّجَالِ إلَى الْعَسْكَرِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ النِّسَاءِ مَخَافَةً مِنْ ذلِكَ الْمَوْلُودِ، فَبََدَتْ لَهُ حَاجَةٌ إلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمْ يأْتَمِنْ عَلَيْهَا أحَداً مِنْ قَوْمِهِ إلاَّ آزَرَ، فَدَعَاهُ وَأَمَرَهُ لِحَاجَتِهِ إلَى الْمَدِينَةِ، وَقَالَ لَهُ : إنَّكَ ثِقَتِي ؛ فَأَقْسَمْتُ إلَيْكَ أنْ لاَ تَدْنُو مِنِ امْرَأَتِكَ وَلاَ تُوَاقِعْهَا، ثُمَّ أوْصَاهُ بحَاجَتِهِ. فَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِيْنَةَ وَقَضَى حاَجَتَهُ، قالَ : لَوْ دَخَلْتُ عَلَى أهْلِي فَرَأْيْتُ كَيفَ حَالُهُمْ، فَلَمَّا نَظَرَ إلَى امْرَأتِهِ لَمْ يَتَمَالَكْ حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهَا، وَكَانَتْ قَدْ طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ، فَحَمَلتْ بإِبْرَاهِيْمَ عليه السلام، فَلَمَّا حَمَلَتْ بهِ ؛ قَالَتْ الْكَهَنَةُ لِلنَّمْرُودِ : إنَّ الْغُلاَمَ الَّذِي أخْبَرْنَاكَ بهِ قدْ حَمَلَتْ بهِ أُمُّهُ اللَّيْلَةَ، فَأَمَرَ النَّمْرُودُ بذبْحِ كُلِّ وَلَدٍ مِنَ الْغِلْمَانِ. فَلَمَّا دَنَتْ ولاَدَةُ أُمِّ إبْرَاهِيْمَ وَأخَذهَا الْمخَاضُ، خَرَجَتْ هَاربَةً مَخَافَةَ أنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهَا فَيُقْتَلُ وَلَدُها، فَوَضَعَتْهُ فِي مَوْضِعٍ، ثُمَّ لَفَّتْهُ في خِرْقَةٍ وَجَعَلَتْهُ فِي الْحَلْفَاءِ، ثُمَّ رَجَعَتْ إلَى زَوْجِهَا فَأْعْلَمَتْهُ، فَانْطَلَقَ أبُوهُ إلَيْهِ وَحَفَرَ لَهُ سَرَباً فِي ذلِكَ الْمَكَانِ وَجَعَلَهُ فِيْهِ، وَسَدَّ عَلَيْهِ بصَخْرَةٍ مَخَافَةَ أنْ تَأْكُلَهُ السِّبَاعُ، وَكَانَتْ أُمُّهُ تَخَتَلِفُ إلَيْهِ سِرّاً فَتُرْضِعُهُ، وَكَانَ إذا بَكَى عَلَى أُمِّهِ أتَاهُ جِبْريْلُ عليه السلام فَوَضَعَ إصْبَعَهُ فِي فَمِهِ فَيَخْرُجُ مِنْهَا اللَّبَنُ، فَكَانَ يَمُصُّ سَبَّابَةَ نَفْسِهِ).

الأنعام 6:79

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي كما أرينا إبراهيم النصرةَ في دينهِ والحقَّ في مخالفة قومهِ ؛ نُرِيَهُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ؛ أي مُلْكُهَا ونريه القدرةَ التي يقوِّي بها دلالتَهُ على توحيدِ الله تعالى، وهو ما رأى من السماءِ والأرض والكواكب والقمرِ والشمس. وقال مجاهدُ وسعيدُ بن جبيرٍ :(مَعْنَى :﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أيْ آيَاتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ؛ وَذلِكَ أنَّهُ أُقِيْمَ عَلَى صَخْرَةٍ وَكُشِفَ لَهُ عَنِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى الْعَرْشَ وَأسْفَلَ الأَرْضِيْنَ، وَنَظَرَ إِلَى مَكَانِهِ فِي الْجَنَِّةِ ؛ وَذلِكَ قَوْلَهُ تَعَالَى :﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾[العنكبوت: ٢٧] يَعْنِي أرَيْنَاهُ مَكَانَهُ فِي الْجَنَّةِ). وقيل : معنى الآية : كما أرَينا إبراهيمَ قُبْحَ ما كان عليه أبوهُ وقومه من المذهب ؛ كذلك نُرِيَهُ ملكوتَ السموات والأرض. والْمَلَكُوتُ : عِبَارَةٌ عَنْ أعْظَمِ الْمُلْكِ ؛ زيدتِ الواوُ والتاء للمبالغةِ ؛ كما يقال : رَهَبُوتٌَ خَيْرُ مِنْ رَحَمُوت، هذا مثلٌ يقوله العربُ ؛ معناه : لئن تُرهب خيرٌ من أن تُرحم. فملكوتُ السموات : الشمسُ والقمر والنجوم ؛ وملكوتُ الأرض : الجبال والشجرُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ ؛ أي نُرِيَهُ الملكوتَ ليستدلَّ بذلك على توحيدِ الله ويَثْبُتَ على اليقين. قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـاذَا رَبِّي﴾ قال المفسرون : إنَّ إبراهيم وُلِدَ في زمانِ النَّمْرُودِ بْنِ كَنْعَانَ، وكان النمرودُ أولَ من دعا الناسَ إلى عبادتهِ، وكان له كهَّان ومنجِّمون، فقالوا له : إنهُ يولد في هذه السنةِ غلامٌ يغيِّرُ دينَ أهل الأرض، ويكونُ هلاكُكَ وزوالُ مُلْكِكَ على يديهِ. قال السديُّ :(رَأى النَّمْرُودُ فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ كَوْكَباً طَلَعَ فَذَهَبَ بضَوْءِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ حَتَّى لَمْ يُبْقِ لَهُمَا ضَوءاً، فَفَزِعَ مِنْ ذلِكَ وَدَعَا السَّحَرَةَ وَالْكُهَّانَ ؛ وَسَأَلَهُمْ عَنْ ذلِكَ فَقَالُواْ : هُوَ مَوْلُودٌ يُولَدُ فِي نَاحِيَتِكَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَأمَرَ الرِّجَالَ باعْتِزَالِ النِّسَاءِ، وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الْحُرِّاسَ، فَمَكَثَ كَذلِكَ مَا شَاءَ اللهُ). قال السديُّ :(خَرَجَ النَّمْرُودُ بالرِّجَالِ إلَى الْعَسْكَرِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ النِّسَاءِ مَخَافَةً مِنْ ذلِكَ الْمَوْلُودِ، فَبََدَتْ لَهُ حَاجَةٌ إلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمْ يأْتَمِنْ عَلَيْهَا أحَداً مِنْ قَوْمِهِ إلاَّ آزَرَ، فَدَعَاهُ وَأَمَرَهُ لِحَاجَتِهِ إلَى الْمَدِينَةِ، وَقَالَ لَهُ : إنَّكَ ثِقَتِي ؛ فَأَقْسَمْتُ إلَيْكَ أنْ لاَ تَدْنُو مِنِ امْرَأَتِكَ وَلاَ تُوَاقِعْهَا، ثُمَّ أوْصَاهُ بحَاجَتِهِ. فَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِيْنَةَ وَقَضَى حاَجَتَهُ، قالَ : لَوْ دَخَلْتُ عَلَى أهْلِي فَرَأْيْتُ كَيفَ حَالُهُمْ، فَلَمَّا نَظَرَ إلَى امْرَأتِهِ لَمْ يَتَمَالَكْ حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهَا، وَكَانَتْ قَدْ طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ، فَحَمَلتْ بإِبْرَاهِيْمَ عليه السلام، فَلَمَّا حَمَلَتْ بهِ ؛ قَالَتْ الْكَهَنَةُ لِلنَّمْرُودِ : إنَّ الْغُلاَمَ الَّذِي أخْبَرْنَاكَ بهِ قدْ حَمَلَتْ بهِ أُمُّهُ اللَّيْلَةَ، فَأَمَرَ النَّمْرُودُ بذبْحِ كُلِّ وَلَدٍ مِنَ الْغِلْمَانِ. فَلَمَّا دَنَتْ ولاَدَةُ أُمِّ إبْرَاهِيْمَ وَأخَذهَا الْمخَاضُ، خَرَجَتْ هَاربَةً مَخَافَةَ أنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهَا فَيُقْتَلُ وَلَدُها، فَوَضَعَتْهُ فِي مَوْضِعٍ، ثُمَّ لَفَّتْهُ في خِرْقَةٍ وَجَعَلَتْهُ فِي الْحَلْفَاءِ، ثُمَّ رَجَعَتْ إلَى زَوْجِهَا فَأْعْلَمَتْهُ، فَانْطَلَقَ أبُوهُ إلَيْهِ وَحَفَرَ لَهُ سَرَباً فِي ذلِكَ الْمَكَانِ وَجَعَلَهُ فِيْهِ، وَسَدَّ عَلَيْهِ بصَخْرَةٍ مَخَافَةَ أنْ تَأْكُلَهُ السِّبَاعُ، وَكَانَتْ أُمُّهُ تَخَتَلِفُ إلَيْهِ سِرّاً فَتُرْضِعُهُ، وَكَانَ إذا بَكَى عَلَى أُمِّهِ أتَاهُ جِبْريْلُ عليه السلام فَوَضَعَ إصْبَعَهُ فِي فَمِهِ فَيَخْرُجُ مِنْهَا اللَّبَنُ، فَكَانَ يَمُصُّ سَبَّابَةَ نَفْسِهِ).

الأنعام 6:80

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ ؛ وذلك أنَّ قومَ إبراهيم خاصَمُوه في مخالفتهِ إياهم في دينِهم وخوَّفهم بآلِهتهم، وقالوا : أمَا تَخَافُ آلِهَتَنَا وأنتَ تشتِمُها أن تُخَبلَكَ وتُفْسِدَكَ؟! وقالوا له : إنَّ موضعَ أهلِ كذا قد تركُوا عبادةَ الأصنام فأُمْحِنُوا وقُحِطُوا، وأهلُ موضعِ كذا أحسَنُوا عبادةَ الأصنامِ فرُزقوا السَّعةَ والخصبَ، فأجابَهم إبراهيمُ عليه السلام :(أتُحَاجُّونِي فِي الله) أي أتُخاصموني في توحيدِ الله ودينه، وقد نصرنِي اللهُ وعرَّفَني دينَهُ وتوحيدهُ بما نَصَبَ لِي من الدلائلِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ ؛ أي لا أخافُ من هذهِ الأشياءِ التي تعبدُونَها وهي مِمَّا لا يسمعُ ولا يبصرُ ولا ينفَعُ ولا يضرُّ. قَوْلَهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً﴾ ؛ استثناءٌ منقطع ؛ أي ولكن أخافُ مشيئةَ ربي أن يعذِّبَني ببعضِ ذنوبي أو يَبْلُوَنِي بشيءٍ من مِحَنِ الدُّنيا. وموضع (أنْ يَشَاءَ) نَصْبٌ على تقديرِ : لا أخافُ إلا مشيئةَ اللهِ تعالى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ ؛ أي أحَاطَ علمُ ربي بكلِّ شيء، ومَلأَ كلَّ شيءٍ علماً، وهو يعلمُ أنَّكم على غيرِ الحقِّ، وقوله تعالى :﴿أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ ؛ تنبيهٌ على التفَكُّرِ فيمَا كان بقولهِ لََهمْ.

الأنعام 6:81

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ﴾ ؛ وكيف أخافُ الأصنامَ التي أشركتُموها مع اللهِ، وهي لا تَمْلِكُ الضَّرََّ والنفعَ، بل لا تعرفُ مَن عَبدَها ومَن تركَ عبادَتَها، ﴿وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ﴾ ؛ الذي يَمْلِكُ النفعِ والضرَّ ويعلمُ مَنْ عبدَهُ ومَنْ لم يعبدْهُ، ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً﴾ ؛ أي عُذْراً وحجَّة لكم ؛ ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ﴾ ؛ أي الموحِّدون أم المشركون، ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ذلكَ. فَلم يُجيبُوا فأنزلَ اللهُ تعالى :﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ؛ أي الذين أقَرُّوا بتوحيدِ الله ولم يَخْلِطُوا إيْمَانَهُمْ بشِرْكٍ، ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ﴾ ؛ من العذاب ؛ ﴿وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ ؛ إلى الحجَّة، وقيل : إلى الجنَّة. وقيل : إنَّ قولَه :﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قولُ إبراهيمَ عليه السلام. وعن ابن مسعُودٍ رضي الله عنه أنه قال :(لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ؛ " شُقَّ ذلِكَ عَلَى أصْحَاب رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَالُواْ : وَأيُّنَا لَمْ يُلْبَسْ إيْمَانَهُ بظُلْمٍ ؟ فَقَالَ ﷺ :" إنَّهُ لَيْسَ كَذلِكَ، ألاَ تَسْمَعُونَ إلَى قَوْلِ لُقْمَانَ :﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ " ؟.

الأنعام 6:82

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ﴾ ؛ وكيف أخافُ الأصنامَ التي أشركتُموها مع اللهِ، وهي لا تَمْلِكُ الضَّرََّ والنفعَ، بل لا تعرفُ مَن عَبدَها ومَن تركَ عبادَتَها، ﴿وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ﴾ ؛ الذي يَمْلِكُ النفعِ والضرَّ ويعلمُ مَنْ عبدَهُ ومَنْ لم يعبدْهُ، ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً﴾ ؛ أي عُذْراً وحجَّة لكم ؛ ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ﴾ ؛ أي الموحِّدون أم المشركون، ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ذلكَ. فَلم يُجيبُوا فأنزلَ اللهُ تعالى :﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ؛ أي الذين أقَرُّوا بتوحيدِ الله ولم يَخْلِطُوا إيْمَانَهُمْ بشِرْكٍ، ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ﴾ ؛ من العذاب ؛ ﴿وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ ؛ إلى الحجَّة، وقيل : إلى الجنَّة. وقيل : إنَّ قولَه :﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قولُ إبراهيمَ عليه السلام. وعن ابن مسعُودٍ رضي الله عنه أنه قال :(لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ؛ " شُقَّ ذلِكَ عَلَى أصْحَاب رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَالُواْ : وَأيُّنَا لَمْ يُلْبَسْ إيْمَانَهُ بظُلْمٍ ؟ فَقَالَ ﷺ :" إنَّهُ لَيْسَ كَذلِكَ، ألاَ تَسْمَعُونَ إلَى قَوْلِ لُقْمَانَ :﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ " ؟.

الأنعام 6:83

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ ؛ أي تلك المقالةُ التي حاجَّ بها إبراهيمُ حجَّتُنا أعطينَاها ولَقَّنَّاهَا إبراهيمَ ؛ لِيَحْتَجَّ بها على قومهِ، ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ ؛ في الدُّنيا بالحجَّة والنُّصرةِ، وفي الآخرةِ بالثواب والفضيلة. ومن قرأ (دَرَجَاتٍ) بالتنوين لا على الإِضافةِ فمعناهُ : نرفعُ مَن نشاءُ درجاتٍ، ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ ؛ يا مُحَمَّدُ :﴿حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ؛ في تفضيلِ بعض الناس على بعضٍ، وتخصيصِ بعضهم بالنُّبوَّة.

الأنعام 6:84

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا﴾ ؛ أي وَهَبْنَا لإِبراهيمَ إسْحَقَ نَبيّاً لصلبهِ ويعقوبَ نافلةً، (كُلاً) يعني أنَّ إبراهيمَ وإسحقَ ويعقوب هَدَيْنَاهم للنَّبوة والإِسلام ﴿وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ﴾ مِن قَبْلِ إبراهيمَ، ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ﴾ ؛ أي ومِن ذريَّة نوحٍ، وهذا قولُ بعضِهم ؛ جعلوا الهاءَ راجعةً إلى نوحٍ ؛ لأنَّها أقربُ إلى اسْمِهُ ؛ ولأنه ذُكِرَ في جملة المعطوفينَ على داودَ وسليمانَ مِمَّن ليس مِن ذريَّة إبراهيمَ وهو من ذريَّة نوحٍ كيونُسَ عليه السلام وكلُوطٍ عليه السلام الذي كان ابنَ أخِ إبراهيم ولم يكن مِنْ ولدهِ. وقال بعضُهم : هي راجعةٌ إلى إبراهيم ؛ لأنه هو المقصودُ بالذِّكر فيما تقدَّم من الآية، ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ؛ أي كما تفضَّلنا على هؤلاء الأنبياءِ بالنبوَّة وما يتصَّلُ بها من العِزِّ والكرامةِ، كذلك نتفضَّلُ على الْمُحسنينَ.

الأنعام 6:85

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ ؛ معناه : ومِن ذريَّة إبراهيمَ ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ﴾ المرسلينَ. قال الضَّحاك :(كَانَ إلْيَاسُ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيْلَ بْنِ إبْرَاهِيْمَ). وقال بعضُهم : معنى الآية : وَهدينا (زَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإلْيَاسَ). وفي الآيةِ حُجَّةٌ على مَن أنكرَ في الحسنِ والحسين أنَّهما أبناءُ رسولِ الله ﷺ ؛ لأنه تعالى جَعل عيسى - ولا أبَ له - مِن ذريَّة إبراهيمَ.

الأنعام 6:86

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً﴾ ؛ معناه : وَهدينا إسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ ؛ وهو تلميذُ إلياسَ وخليفتُه من بعده. وقال محمدُ بن إسحق :(هو ابن أخي موسى عليه السلام). و(الْيَسَعَ) فيه قراءَتان : بالتشديدِ والتخفيف، ﴿وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ؛ أي وكلَّ هؤلاء الأنبياءِ فضَّلناهُم بالنبوَّة والإِسلام على عالمَي زمانِهم.

الأنعام 6:87

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾ ؛ أي هدينا بعضَ آبائهم من قبلِهم مثلَ آدمَ وشيت وإدريسَ، وبعضَ ذرياتِهم مِن بعدهم ؛ وهم أولادُ يعقوب. ومن جملة ذرياتِهم نبيُّنا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى :(وَإخْوَانِهِمْ) هم أخوةُ يوسفَ في عصرهم، ويحتملُ أن يكون المراد بهم كلُّ من آمنَ معهُم، فإنَّهم كلُّهم داخلون في هدايةِ الإسلام. وقوله تعالى :﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾ ؛ أي اصفطينَا هؤلاءِ الأنبياءَ بالنبوَّة والإِخلاصِ، وجَمَعْنَا فيهم خصالَ الاجتباء ؛ مأخوذٌ من قولِهم : جَبَيْتُ الماءَ في الحوض واجْتَبَيْتُهُ ؛ إذا جَمَعْتُهُ. وقوله تعالى :﴿وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ؛ أي أثْبَتْنَاهُمْ على طريقِ الحقِّ وهو دينُ الإسلامِ.

الأنعام 6:88

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ؛ أي إنَّ ذلك الطريقُ المستقيم دينُ الله يُوَفِّقُ له من يشاءُ مِمَّن كان أهْلاً لذلك، ﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ﴾ ؛ أي لو أشْرَكَ هؤلاء الأنبياءُ طُرْفَةَ عين مع اصطفاءِ الله تعالى إيَّاهم، ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا﴾ ؛ أي لَبَطَلَتْ أعمالُهم التي ؛ ﴿كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ؛ من الطاعة، فكيفَ أنتُم يا أهلَ مكَّة؟!

الأنعام 6:89

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ ؛ أي أولئك الأنبياءُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أعطيناهُم الكتابَ المنَزَّلَ، والحُكْمَ بين الناس، وأكرمناهُم بالنبوَّة والرسَالة، ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا﴾ أي بملَّة هؤلاءِ الأنبياء، ﴿هَـاؤُلاءِ﴾ ؛ يعني قُريشاً ؛ ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا﴾ ؛ أي فقد قََام بها، ﴿قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ وهم أهلُ المدينةِ وأتباعُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم. وقيل : هم الملائكةُ، وإنَّما قال :﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا﴾ ولم يقل : فقد قامَ بها، تشريفاً للملائكةِ بالإضافة إلى نفسهِ على معنى : أكرَمْنا ووفَّقْنا إلى الإيْمان بها. يقال : معناهُ : فقد أكرمنَا بهَا قَوْماً لَيْسُوا بهَا بكَافِرِينَ ؛ فقامُوا بها.

الأنعام 6:90

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، أي أولئكَ الأنبياءُ الذين ذكرناهم من قَبْلُ هم الذين أكرمَهُمْ الله بالطريقةِ الحسَنة ؛ فَاقْتَدِ بسيرتِهم ؛ اصْبرْ كما صَبَروا حتى تستحقَّ من الثواب ما استحقُّوا. وأما الهاء في (اقْتَدِهِ) فإذا أثَبَتَّ الهاء في الوقفِ تتبين بها كسرة الدال، فإن وَصَلْتَ قُلْتَ :﴿اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ﴾. قَوْلُهُ :﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ ؛ معناهُ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ : لاَ أسْأَلُكْ على الإيْمان والقُرْآن جُعلاً، ﴿إِنْ هُوَ﴾ ؛ يعني القُرْآنِ، ﴿إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ ؛ إلا عِظَةً بليغةٌ للجنِّ والإنسِ. وفي الآية دليلٌ على أن شرائعَ الأنبياءِ تَلْزَمُنَا ما لم نَعْلَمْ نسخَة ؛ لأن اسمَ الهدى يعقُ على التوحيدِ والشَّرائع.

الأنعام 6:91

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ ؛ قال ابن عبَّاس وسعيدُ بن جُبير في معنى هذه الآية :" جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يُقَال لَهُ مَالِكُ بنُ الصَّيْفِ، وَكَأنَ رَأْسَ الْيَهُودِ ؛ فَقَِالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ :" أُنْشِدُكَ اللهَ يَا مَالِكُ بالَّذِي أنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى عليه السلام ؛ أتَجِدُ فِيْهَا أنَّ اللهَ يَبْغَضُ الْحَبْرَ السَّمِيْنَ ؟ " قَالَ : نَعَمْ. قَالَ :" فأَنْتَ الْحَبْرُ السَّمِيْنُ، وَقَدْ سَمََّنَتْكَ مَأكَلَتُكَ الَّتِي ُتُطْعِمُكَ الْيَهُودُ، وَلَسْتَ تَصُومُ - أيْ وَلَسْتَ تُمْسِكُ- " فَضَحِكَ بهِ بَعْضُ الْقَوْمِ، فَغَضِبَ مَالِكٌ، وَكَانَ حَبْراً سَمِيْناً، ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عُمَرَ رضي الله عنه وَقَالَ : مَا أنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ". وقال السُّدِّيُّ :(نَزَلَتْ في فِنْحَاصَ بْنِ زَوْرَاءَ ؛ وَهُوَ قَائِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ). وقال مُحمد بن كعبٍ :(جَاءَ نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ إلَى النَّبيِّ ﷺ ؛ وَهُوَ مُحْتَبٍ، فَقَالُوا : يَا أَبَا الْقَاسِمِ، ألاَ تَأْتِيْنَا بكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ، كَمَا جَاءَ بهِ مُوسَى مِنْ عِنْدِ اللهِ ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى :﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾[النساء: ١٥٣]. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ : مَا أنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ، وَلاَ عَلَى مُوسَى، وَلاَ عَلَى عيْسَى، وَلاَ عَلَى أحَدٍ شَيْئاً. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ). ومعناها : ما عَظَّمُوا اللهَ حقَّ عَظَمَتِهِ، ولا عَرَفُوهُ حقَّ معرفتِه إذ جَحَدُوا فقَالُوا : مَا أنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ؛ أي من كتابٍ ولا وَحْيٍ، ﴿قُلْ﴾ ؛ لَهم يا مُحَمّدُ :﴿مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَى﴾ ؛ يعني التوراةَ ؛ ﴿نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ﴾ ؛ أي ضياءً للناسِ وبياناً لَهم من الضَّلاَلة، ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾ ؛ يكتبونَه صحائفَ، ﴿تُبْدُونَهَا﴾ ؛ يُظهرونَ ما فيها مما ليسَ فيه صفةُ النبِيِّ ﷺ وزمانُه ومبعثه ونبوَّتُه، ﴿وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ ؛ أي يسترون ما فيه صفةُ النبِيِّ ﷺ وبَعَثُهُ وآيةُ الرَّجمِ. وقولُه تعالى :﴿وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ﴾ ؛ يحتملُ أن يكون خطاباً للمسلمين، أي عُلِّمْتُمْ أنتم أيُّها المؤمنون من الأحكامِ والحدُودِ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ. والأظهرُ : أنه خطابٌ لليهودِ ؛ لأنه مَسُوقٌ على ما سبقَ، معناهُ : عَلِمْتُمْ بالقُرْآنِ ما كنتم أخْفَيْتُمُوهُ قبلَ نزولِ القُرْآنِ ؛ لأنَّهم قد ضَيَّعُوا شيئاً كثيراً من الْقُرْآنِ والأحكامِ، وكانوا يُعَانِدُونَ ولا يعملونَ حتى صاروا كأنُّهم لم يعلمُوه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلِ اللَّهُ﴾ ؛ معناه : إنْ هم أجابُوكَ وقالوا : أعْلَمَنَا اللهُ، وإلا فَقُلْ : اللهُ عَلَّمَكُمْ. ويقال معناهُ : قُلْ اللهُ أنزلَ الكتابَ على موسى، ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ ؛ أي دَعْهُمْ واتركهم في باطلِهم يَلْهُونَ، ويقال لكلِّ من عَمِلَ ما لا ينفعهُ : إنَّما أنْتَ لاَعِبٌ.

الأنعام 6:92

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَهَـاذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ ؛ يعني الْقُرْآنَ الذي كذب به أهلُ الكتاب ومشركُو قريشٍ ؛ هو ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ أي فيه بَرَكَةً ومغفرةٌ للذنوب لِمَنْ آمنَ به، والبركةُ : ثبوتُ الخير على النَّماءِ والزيادةِ. وقوله تعالى :﴿مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ؛ هو موافقٌ للتوارة والإِنجيلِ وسائر كتب اللهِ في أصلِ الدِّين، ويقال : المرادُ بـ ﴿الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ النشأة الثانيَةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ؛ أي أنزلناهُ للبركةِ، ولِتُخَوِّفَ به أهلَ أُمِّ القُرَى، وسُميت مكةٌ أمَّ القرى لأنَّها أصلُ القرى دُحِيَتِ الأرضُ من تحتِها، ويقال : لأنَّها أعظمُ القرى شأناً، وقيل : لأنَّها قِبْلَةً تأْمُّهَا الناسُ بالصلوات إليها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ ؛ أي الذين يُقِرُّونَ ويصدِّقونَ بالبعثِ يؤمنون بالقُرْآنِ، وفي هذا بيانٌ أنَّ الإيْمانَ بالحساب والجزاءِ يقتضي الإيْمانَ بالقرآن، ولا ينفعُ بدون الإيْمان به وبمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ؛ أي يُدَاوِمُونَ على الصلوات الخمسِ بركوعها وسجودها ومواقيتها.

الأنعام 6:93

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ اللَّهُ﴾ ؛ قال ابن عبَّاس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي مَالِكِ بْنِ الصَّيْفِ وَمُسَيْلَمَةَ الْكَذاب الَّذِي كَانَ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ، وَفِي عَبْدِاللهِ بْنِ سَعْدِ بْن سَرْحٍ الْقُرَشِيِّ، " كَانَ عَبْدُاللهِ بْنُ سَعْدٍ يَتَكَلَّمُ بالإسْلاَمِ، وَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبيِّ ﷺ الْقُرْآنَ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ، وَكَانَ إذا أمْلَى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ اللهَ عَزِيْزٌ حَكِيْمٌ، كَتَبَ مِنْ قَلْبهِ : أنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيْمٌ، وَقَالَ : هَذا وَذاكَ سَوَاءٌ. فَلَمَّا نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ قَدْ أَفْلَحَ :﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً﴾ [المؤمنون: ١٢-١٤]، ثُمَّ أمْلاَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا أمْلَى عَلَيْهِ قَوْلَهُ :﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] عَجِبَ عَبْدُاللهِ بْنُ سَعْدٍ مِنْ تَفْصِيْلِ خَلْقِ الإِنْسَانِ، فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ : فَتَبَارَكَ اللهُ أحْسَنُ الْخَالِقِينَ، فَقَالَ ﷺ : أكْتُبْ، هَكَذا أُنْزِلَ عَلَيَّ. فَشَكَّ عَبْدُاللهِ حِيْنَئِذٍ، وَقَالَ : لَئِنْ كَانَ مُحَمُّدٌ صَادِقاً فَقَدْ أُوْحِيَ إلَيَّ كَمَا أُوْحِيَ إِلَيْهِ، وَلإنْ كَانَ كَاذِباً فَلَقَدْ قُلْتُ كَمَا قَالَ. " فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِه الآيَةَ) ومعناها : أيُّ أحدٍ أكفرُ وأشدُّ غبناً في كفره ممن اختلق على الله كذباً، بأن جعل له شريكاً وولداً كما قال المشركون ومالكُ بن الصيف :(وَمَنْ قَالَ سَأْنزِلُ مِثْلُ مَا أنزَلَ اللهُ)، والمرادُ بالذي ﴿قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ مسيلمةَ الكذاب وكان يَسْجَعُ وَتَكَهَّنُ ويدَّعي النبوَّة ويزعمُ أنَّ الله أوحَى إليه. وأما عبدُالله بن سرح فارتدَّ ولَحِقَ بالمشركين وقال : أنا أعلمُكم بمُحَمَّدٍ، فلقد كان يُملي عليَّ فأغيرَه واكتبُ كما شئت. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنْفُسَكُمُ﴾ ؛ أي لو رأيتَ الظالمين ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ لرأيتَ لَهم عذاباً عظيماً. والظالمون هُم الكافرون، وقيلَ : المنافقون رَآهُمْ رسولُ الله ﷺ يومَ بدرِ في صفوفِ المشركين، وقد نَرَى مسلمين بمكَّة فأخرجَهم أهلُ مكة معهم كرْهاً، فلما رأوا قِلَّةَ المؤمنين رَجَعُوا إلى الشِّرك، فقالوا : غَرَّ هؤلاء دينُهم، عَنَوا به المؤمنينَ، وقاتلُوا مع المشركين فَقُتِلُوا جميعاً عامَّتهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ أي في سَكَرَاتِهِ ونزعاتِه وشدائده، وقوله تعالى :﴿وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾ معناه : أنَّ مَلَكَ الموتِ وأعوانَه من ملائكةِ العذاب يَبْسُطُونَ أيدَيهم عليهم بالعذاب ويقولون لَهم :﴿أَخْرِجُواْ أَنْفُسَكُمُ﴾ أي خلَّصوا أنفسَكم، ولستُم تقدرون على خلاصٍ. وقيل : معناه فَارَقُوا أرواحكم الخبيثةَ، كما يقولُ : لأُحْرِقَنَّكَ بالْعَذاب، لأُخْرِجَنَّ نَفْسَكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ ؛ أي يقال لَهم يومَ قبضِ الرُّوح، وقيل : يومَ القيامةِ حين معاينَة العذاب : اليوم تُجْزَوْنَ العذابَ الشَّديد الذي تُهَانُونَ فيه، ﴿بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ﴾، بكَذِبكُمْ، ﴿عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾، وبما كنتم تَتَعَظَّمُونَ عن الإيْمَان بمُحَمَّد ﷺ والقُرْآنِ.

الأنعام 6:94

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ؛ أي جئتمونا بلا مَالٍ ولا وَلَدٍ كما خلقناكُم في الابتداءِ، والمعنى : أنهُ يقال لَهم :﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾. وفي الخبرِ :" أنُّهُمْ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً، قالت عائشةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا :(وَاسَوْأَتَاهُ! الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ كَذلِكَ) فَقَالَ ﷺ :" لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، لاَ يَنْظُرُ الرِّجَالُ إلَى النِّسَاءِ، وَلاَ النِّسَاءُ إلَى الرِّجَالِ، شُغِلَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ ؛ أي وخلَّفتُم ما أعطيناكم من الأموال لغيركم أي خَلَّفَ عليها غيرَكم في دار الدُّنيا، ولم تقدِّموها لأنفسكم، ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ﴾، آلِهَتَكَم، ﴿الَّذِينَ﴾، التي، ﴿زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ﴾، يشفعون لكم ويقرِّبونكم إلَيَّ، ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ ؛ أي وَصْلُكُمْ. ومن قرأ (بَيْنَكُمْ) بالنصب فمعناه : تقطعَ ما بينَكم ؛ أي ما كنتم فيه من الشِّركة، ﴿وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ؛ أنَِّها شفاؤُكم عندَ الله حين لم يقدرُوا عن دفعِ شيء من العذاب عنكُم. وقال الحسنُ :(مَعْنَى قَوْلِهِ :﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ أيْ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ). وقال ابنُ كيسان :(مُفْرَدِيْنَ مِنَ الْمَعْبُودِيْنَ). وقيل :(فُرَادَى) أي وحْداناً لا مالَ لكم ولا زوجَ ولا ولدَ ولا خدم. فُرَادَى : جمعَ فَرْدٍ، مثلُ سَكْرَانٍ وَسُكَارَى، كَسْلاَنٍ وكُسَالَى. ويقال أيضاً : فُرَادَى بجزمِ الرَّاء وكسرها وفتحها، وجمعه أفْرَادٌ. وقرأ الأعرجُ :(فُرْدَى) بغيرِ ألِفٍ مثل سُكْرَى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً، ﴿وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ أي ما أعطيناكم وملَّكناكم من الأموال والأولاد والخدَم وراءَ ظهوركم في الدنيا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قرأ أهلُ الحجاز والحسن ومجاهد والكسائيُّ وحفص بالنصب ؛ وهي قراءة أبي موسَى الأشعري، وقرأ الباقون بالرفع.

الأنعام 6:95

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ ؛ أي خالقُ الْحَب وَالنَّوَى، كقولهِ تعالى :﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾[الأنعام: ١٤] أي خالقُهما. وقال الحسنُ وقتادة :(فَالِقُ الْحَب) أيْ شَاقُّ الْحَبَّةِ عَنِ السُّنْبُلَةِ، وَالنَّوَاةِ عَنِ النَّخْلَةِ. والْحَبُّ : جمع حَبَّةٍ والنَّوَى : جمع نَوَاةٍ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ ؛ أي يخرجُ الإنسانَ من النُّطفةِ، والنطفةَ من الإنسانِ. وسُميت النطفةُ ميتاً ؛ لأنَّها من جُملة المواتِ. وقيل : معناهُ : يخرج النباتَ الغَضَّ الطرِيَّ من الحب اليابسِ، ويخرجُ الحبَّ اليابس من النباتِ. وكلُّ ما يكون نامياً عند أهلِ اللغة بمَنْزِلة الحيِّ، وما لا يكون نامياً فهو بمنْزِلة الميت. ويقال : معناهُ : يخرج المؤمنَ من الكافرِ، ويخرج الكافرَ من المؤمنِ، وقوله :﴿ذالِكُمُ اللَّهُ﴾ ؛ أي ذلكم اللهُ الذي يفعلُ هذا الفعلَ ؛ هو اللهُ، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ؛ أي فمن أينَ تُُصْرَفُونَ عن الحق والإفِكُ في اللُّغة : هُوَ قَلْبُ الشَّيْءِ وَصَرْفُهُ.

الأنعام 6:96

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ﴾ ؛ أي شاقُ عَمُودِ الصُّبح عن سوادِ الليل، وقال ابن عبَّاس :(مَعْنَاهُ : خَالِقُ الإصْبَاحِ). قال الزجَّاج :(الإصْبَاحُ وَالصُّبْحُ وَاحِدٌ، وَالأَصْبَاحُ جَمْعُ الصُّبْحِ). ويقالُ : الإصباحُ بكسر الألف المصدرٌ ؛ ومعناهُ الدخولُ في ضوءِ النَّهار. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلَ الْلَّيْلَ سَكَناً﴾ ؛ لستكنُوا فيه من ظُلْمتهِ في أوطانكم. وقرأ الحسنُ :(فَالِقُ الأَصْبَاحِ) بالفتحِ جمعُ صُبْحٍ، ﴿وَجَعَلَ الْلَّيْلَ سَكَناً﴾ يسكنُ فيه خَلْقُه. وقرأ النخعيُّ :(وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا) على الفعلِ في معناه : نَوَّرَ النهارَ بالنور ؛ لتبتغُوا من فضلهِ، وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً﴾ ؛ نصبُ الشَّمسِ على معنى :(وَجَعَلَ) ؛ لأنَّ في (جَاعِلُ) معنى جَعَلَ ؛ أي جعلَ منازلَ الشمسِ والقمرِ بحُسْبَانٍ معلومٍ لا يختلفُ، إذا انتهَى إلى أقصى منازلهِ رجعَ، فإن الشَّمسَ تدورُ على الفَلَكِ كلِّه في ثلاثِمائة وخمسةٍ وستِّين يوماً ورُبع يومٍ، والقمرَ يدورُ على الفَلَكِ كلِّه في ثَمانٍ وعشرين ليلةً، ويكون مستُوراً في ليلتين، ثم يعودُ إلى ما كان، فيعرفُ الناسُ بذلكَ آجالَ عقودِهم، وأوقاتَ معاملاتِهم وعبادتِهم، وسنينَ أعمارهم. والْحُسْبَانُ : مصدرٌ، يقال : فُلانٌ حُسْبَانُهُ على اللهِ ؛ أي حِسَابُهُ على اللهِ. ويقال : إنَّ الْحُسْبَانَ جمعُ حِسَابٍ، كما يقال : شِهَابٌ وَشُهْبَانٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ؛ أي ذلك الذي وَصَفَ تدبيرَ العزيزِ المنيع في سُلطانهِ، الغالب الذي لا يُغلبُ، العالِمِ بمصالح مَملكتهِ.

الأنعام 6:97

وقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ؛ أي هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ التي تختلفُ مواضِعها من جهة الشَّمال والجنوب والدبور والصبا، لتعرفوا بها الطُّرُقَ من بلدٍ إلى بلد ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي في الْمَفَاوز وَلُجَجِ البحار في الليلَة المظلمة في السُّفُنِ. فإنَّ مِن النُّجومِ ما يجعلهُ السائرَ تلقاءَ وجههِ، ومنها ما يجعلهُ خلفَه، ومنها ما يجعله على يَمينه، ومنها ما يَجعله على شِماله ؛ لتظهرَ له الطريقُ التي تؤدِّيه إلى بُغْيَتِهِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ﴾ ؛ أي بَيَّنا العلاماتِ مفصَّلةً، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.

الأنعام 6:98

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ؛ أي أنشأَ خلقكُم من نفسِ آدمَ عليه السلام وحدِها ؛ فإنه خَلَقَنَا جميعاً منهُ، وخلقَ أُمَّنا حَوَّاءَ من ضِلع من أضلاعِ آدم عليه السلام، وإنَّما مَنَّ علينا بهذا ؛ لأنَّ الناسَ إذا رجعوا إلى أصلٍ واحد كانوا أقربَ إلى أن يَأْلَفَ بعضُهم بعضاً. وَقَوْلُهُ تَعَالى :﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ ؛ قرأ ابن كثير وأبو عمرو :(فَمُسْتَقِرٌّ) بكسر القاف على معنى فَمنكم مُسْتَقِرٌّ، وقرأ الباقون بفتحها على معنى : ذلك مُسْتَقَرٌّ. قال ابن عبَِّاس :(مَعْنَى قَوْلُهُ :﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ أي مُسْتَقَرٌّ فِي أرْحَامِ الأّمَّهَاتِ، وَمُسْتَوْدَعٌ فِي أصْلاَب الآبَاءِ). وقال بعضهُم على الضدِّ من هذا، إلا أنَّ لفظ الـ (مُسْتَقَرُّ) فيمَن خَلَّفَ، كفلظِ المستودَع فيمَن لَمْ يَخَلِّفْ أقربُ. وقال ابنُ مسعُودٍ :(مَعْنَاهُ : فَمُسْتَقَرٌّ فِي الرَّحِمِ إلَى أنْ يولَدَ، وَمُسْتَوْدَعٌ فِي الْقَبْرِ إلَى أنْ يُبْعَثَ). وقال الحسنُ :(مُسْتَقَرٌّ فِي الدُّنْيَا، وَمُسْتَوْدَعٌ فِي القَبْرِ). وقال مجاهدُ :(فَمُسْتَقَرٌّ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ فِي الدُّنْيَا، وُمسْتَوْدَعٌ عِنْدَ اللهِ فِي الآخِرَةِ). وقال أبو العاليَة :(مُسْتَقَرُّهَا أيَّامُ حَيَاتِهَا، وَمُسْتَوْدَعُهَا حِيْنَ تَمُوتُ وَحِيْنَ تُبْعَثُ). وقال بعضُهم : مُسْتَقَرٌّ في الرَّحم، ومستقرُّ فوقَ الأرضِ، ومستقرُّ تحت الأرضِ، اقرأ :﴿وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾[الحج: ٥] و﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾[البقرة: ٣٦]. وقيل : المستقرُّ في القبرِ، والمستودعُ في الدنيا. وقال الحسنُ :(يا ابْنُ آدَمَ، أنْتَ وَدِيَعَةٌ فِي أهْلِكَ، وَيُوشِكُ أنْ تَلْحَقَ بصَاحِبكَ، وَأنْشَدَ قَوْلَ لَبْيدٍ : وَمَا الْمَالُ وَالأَهْلُونَ إلاَّ وَدِيْعَةُ وَلاَ بُدَّ يَوْماً أنْ تُرَدَّ الْوَدَائِعُوقال آخرُ : فُجِعَ الأَحِبَّةُ بالأَحِبَّةِ قَبْلَنَا وَالنَّاسُ مَفْجُوعٌ بهِ وَمُفَجَّعُمُسْتَقِرٌّ أوْ مُسْتَوْدَعٌ قَدْ خَلاَ وَالْمُسْتَقِرُّ يَزُورُهُ الْمُسْتَوْدَعُقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ﴾ ؛ أي بيَّنا العلاماتِ الدالاَّت على توحيدِ الله مفصَّلةً، ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ ؛ أي لقوم يستدلُّون بمعانِي الآيَات. والفِقْهُ في اللُّغة : هو الْفَهْمُ لِمَعْنَى الْكَلاَمِ، إلا أنه قد جُعِلَ في العُرْفِ عبارةً عن عِلْمِ الغيب، على معنى أنهُ استدراكُ معنى الكلامِ بالاستنباطِ عن الأُصُولِ، ولِهذا لاَ يَجُوزُ أن يوصفَ الله تعالى بأنه فَقِيْهٌ ؛ لأنه يوصَفُ بالعلمِ، والعلمُ حجَّةُ الاستنباطِ، ولكنه عَالِمٌ بجميعِ الأشياء على وجهٍ واحد.

الأنعام 6:99

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ؛ أي أنزلَ من السَّماء المطرَ، فإن الله تعالى مُنَزَّلُ المطرِ من السماء إلى السَّحاب، يُنَزِّلُ من السحاب إلى الأرضِ، كما قال تعالى :﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً مُّبَارَكاً﴾[ق: ٩] وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي فأخرجنا بالمطرِ نَبَاتَ كلِّ صِنْفٍ من أصنافِ الحبُوب معاشاً لَهم. فإن قيل : كيفَ قال الله تعالى :﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فجعلَ المطر سَبَباً للنباتِ، والفاعلُ بالسبب يكون مستعيناً بفعلِ السبب، واللهُ تعالى مُسْتَغْنٍ عن الأسباب؟ قيل : إنَّما قال اللهُ تعالى :﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ ؛ لأن المطرَ سببٌ يؤدِّي إلى النَّبات، وليس بمولودٍ لهُ، واللهُ تعالى قادرٌ على إنبات النباتِ بدون المطر، وإنَّما يكون الفاعلُ بالسبب مستعيناً بذلك السبب إذا لم يُمكنه فعلُ ذلك الشَّيء إلا بذلك السبب، كما أنَّ الإِنسانَ إذا لم يُمكنه أن يصعَد السطحَ إلا بالسُّلَّمِ، كان السُّلَّمُ آلةَ الصُّعود، والطائرُ إذا صعدَ السطح بالسُّلَّمِ، لم يكن السُّلَّمُ آلةً لهُ ؛ لأنه يُمكنه أن يصعدَ السطحَ بدون السُّلم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً﴾ ؛ أي أخرجنَا من المطرِ نباتاً أخضرَ ؛ وهو ساقُ السُّنْبلةِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً﴾ ؛ أي نُخْرِجَ من ساق السُّنبلةِ، ما قد رَكِبَ بعضُه بعضاً ؛ يعني سنابلَ البُرِّ والشعيرِ والأَرُزِّ والذرَّة وسائرَ الحبوب، يَرْكَبُ بعضُه بعضاً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ ؛ أي عُرُوقٌ قريبةُ المتناول ينالُها القاعدُ. والقِنْوَانُ : جَمْعُ الْقِنْوِ ؛ مثل صِنْوٍ وَصِنْوَانِ. والقِنْوُ : عَذقُ النَّخلةِ والعَذقُ ؛ بفتح العين : النَّخْلَةُ. قال الزجَّاج :(فِي الآيَةِ مَحْذُوفٌ ؛ أيْ دَانيَةٌ وَغَيْرُ دَانِيَةٍ ؛ وَهِيَ الَّتِي تَكُونُ بَعِيْدَةَ الْمُتَنَاوَلِ). وقرأ الأعرجُ :(قُنْوَانٌ) بضمِّ القاف ؛ وهي لغةُ قيس. وقال مجاهدُ :(مَعْنَى قَوْلِهِ :(دَانِيَةً) أيْ مُتَدَلِّيَةٌ). وقال الضَّحاك :(مُلْزَقَةٌ بالأِرْضِ). وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ﴾ ؛ عطفُ على قوله تعالى :﴿خَضِراً﴾ أي وأخرجنا جَنَّاتٍ ؛ أي بساتينَ وأشجارٍ مُلْتَفَّةٍ، وكل نَبَاتِ مَُتَكَاتِفٍ يَسْتُرُ بعضُه بعضاً فهو جَنَّةٌ، من جنَّ إذا اسْتَتَرَ. وقرأ الأعمشُ ويحيى بن يعمر وعاصم :(وَجَنَّاتٌ) بالرفعِ عطفاً على (قِنْوَانٌ) لفظاً، وإن لم تكن في المعنى من جِنْسِهَا، وكذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ بالرفعِ أيضاً. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ ؛ أي وأخرجنَا من شجرِ الزَّيتونِ وشجر الرُّمَّانِ، ﴿مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ أي منها ما يُشْبهُ غيرَه في الصُّورةِ واللَّون، ومنها ما لا يشبهُ. وَقِيْلَ : معناهُ : متشابهاً في المنظرِ واللَّونِ، وغيرَ متشابهٍ في الطَّعمِ مثلَ الرُّمَّانِ الحامضِ والْحُلْوِ. والفائدةُ في الجمعِ بين شَجَرِ الزيتونِ وشَجَرِ الرُّمانِ في هذه الآيَةِ : بأنَّهما شجرَتان يشتملُ ورقُهما على الغُصْنِ من أوَّلهِ إلى آخره مشتبهٌ بأوراقِهما، ومختلفٌ ثِمارهما.

الأنعام 6:100

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ الْجِنَّ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي الزَّنَادِقَةِ ؛ قَالُواْ : إنَّ اللهَ تَعَالَى وَإبْلِِيْسَ أخَوانِ ؛ فاللهُ تَعَالَى خَالِقُ النَّاسِ وَالدَّوَاب وَالأَنْعَامِ وَكُلِّ خَيْرٍ، وَإبْلِيْسُ خَالِقُ السِّبَاعِ وَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارب وَكُلِّ شَرٍّ، فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ الْجِنَّ﴾. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾[الصفات : ١٥٨]). وقال مقاتلُ :(نَزَلَتِ الآيَةُ فِي جُهَيْنَةَ وَخُزَاعَةَ، قَالُواْ : إنَّ صِنْفاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ يُقَالَ لَهُمْ الْجِنُّ : بَنَاتُ اللهِ) تَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبيْراً. وانتصبَ (الْجِنَّ) لكونهِ بدلاً من (شُرَكَاءَ) أو لأنهُ مفعولٌ ثانٍ على تقدير : وجعلُوا الجنَّ شركاءَ اللهِ ؛ كقولهِ :﴿وَجَعَلُواْ الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَـانِ إِنَاثاً﴾[الزخرف: ١٩]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ ؛ يجوزُ أن يكون الهاءُ والميم عائدةً إلى أهلِ الشِّركِ، ويجوز أن تكونَ عائدةً على الجنِّ، على أن المعنى : أنَّ الله خالِقُ الجنِّ ؛ فكيفَ يكونوا شركاءَ لهُ؟! وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ؛ أي وكذبُوا بنسبةِ البنين والبنات إلى اللهِ تعالى، فإنَّ مشركي العرب قالوا : الملائكةُ بناتُ الله، والنصارى قالوا : المسيحُ بنُ اللهِ، واليهود قالوا : عزيرٌ بنُ الله. وكَذبُوا كلُّهم لَعْنَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ، يقالُ : خَرَقَ ؛ وَاخْتَرَقَ ؛ وَاخْتَلَقَ ؛ وَافْتَرَى : إذا كَذبَ. وقرأ أهلُ المدينة :(وَخَرَّقُواْ) بالتشديد على التكثير. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي بجهلهم بلا حُجَّة ؛ ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ؛ كلمة تَنْزِيْهٍ وتبعيدٍ لله تعالى عن كلِّ سوءٍ ؛ أي سَبحُوهُ أيُّها المؤمنونَ عمَّا يقولُ عليه الجاهلون. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَعَالَى﴾ عُلُوَّاً من العُلُوِّ ؛ أي اسْتَعْلَى عمَّا وصفوهُ به. ويجوزُ في صفاتِ الله تعالى :(عَلاَ) ولا يجوز : ارْتَفَعَ ؛ لأن العُلُوَّ قد يكون بالاقتدارِ ؛ والارتفاعُ يقتضي الجهةَ والمكانَ.

الأنعام 6:101

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي مُبْتَدِعُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ ومُنْشِؤُهمَا ابتداءً على غيرِ مثال سبقَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ﴾ ؛ أي مِن أينَ يكونُ له ولدٌ ؛ وكيفَ يكون له ولدٌ ولم تكن له زوجةً، ولا يكون الولدُ إلا من زوجةٍ. وَقَوْلُهُ :﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ؛ نَفْيٌ للزوجةِ والولد ؛ أي كيفَ يكون له ولدٌ وصاحبة وقد خَلَقَ الأشياءَ كلَّها، ﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ؛ من خلْقِ العبادِ ومصالِحهم ؛ وجَهْلِ الكفَّار وعنادِهم.

الأنعام 6:102

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذالِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ ؛ معناهُ : إنَّ الذي خَلَقَ الأشياءَ كلَّها وعملَها وأشركتم به هو اللهُ تعالى رَبُّكُمْ لاَ إلَهَ غيرهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ من الْخَلْقِ فأطيعوهُ ووحِّدوهُ ولا تشركوا بينَهُ وبينَ غيرهِ في العبادةِ ؛ ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ؛ أي حافظٌ.

الأنعام 6:103

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ ؛ أي لا تدركُ الأبصار كُنْهَهُ ؛ ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ ؛ أي يعلمُ كُنْهَهَا وماهيَّتَها ؛ فإنهُ لا أحدَ يَعْلَمُ أنَّ الإنسانَ لِمَ صارَ يُبْصِرُ من عينَيهِ ولا يبصرُ بغيرهما ؛ وما الشيءُ الذي يصيرُ به الإنسانُ مُبْصِراً ؛ وكيفَ حقيقةُ البصرِ، فأعلَمَ اللهُ تعالى أنَّ خَلْقاً من خَلْقِهِ لا يُدْرَكُ كُنْهُهُ ولا يحيطونَ بعلمهِ ؛ فيكفَ يحيطونَ باللهِ؟! فمَنْ حَمَلَ الآيةَ على هذا التأويلِ ؛ لم يكن فيهِ ما يَنْفِي الرؤيةَ في الآخرةِ ؛ لأن معنى الرؤيةِ غيرُ معنى الإحاطةِ بحقيقة الشيء. وقال بعضُ المفسِّرين :(إنَّ الإِدْرَاكَ إذا قُرِنَ بالْبَصَرِ ؛ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ الرُّؤيَةُ، فَإِنَّهُ يُقَالُ : أدْرَكْتُ ببَصَرِي ؛ وَرَأيْتُ ببَصَرِي، بمَعْنًى وَاحدٍ، كَمَا يُقَالُ : أدْرَكْتُ بأُذْنِي ؛ وَسَمِعْتُ بأُذُنِي، بمَعْنًى وَاحِدٍ). قالوا : وأصلُ الإِدْراكِ : اللُّحُوقُ ؛ نحوُ قولِكَ : أدركتُ زمانَ فلانٍ ؛ وأدركَ فلانٌ أبا حَنِيْفَةَ ؛ وأدركَ الزرعَ والثمرةَ ؛ وأدركَ الغلامُ إذا لَحِقَ حَالَ الرِّجَالِ. وإدراكُ البصرِ الشيءَ ولُحُوقُهُ بهِ برُؤْيَتِهِ إيَّاهُ، إلا أنهُ لا يَمْتَنِعُ أن تكونَ هذه الآيةُ عامَّةً من جهةِ اللفظ والمرادُ منها الخصُوصُ تَوْفِيقاً بين هذه الآيةِ وبين قولهِ تعالى :﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾[القيامة: ٢٢-٢٣]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ؛ أي اللَّطيْفُ بعبادهِ في التَّدبيرِ، الْخَبيْرُ بمصالِحهم.

الأنعام 6:104

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ ؛ أي جاءَكُمْ الْقُرْآنُ الذي فيه الْبَيَانُ. والبَصَائِرُ : جَمْعُ الْبَصِيْرَةِ ؛ وهي الْحُجَّةُ الْبَيِّنَةُ، فَمَنْ أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ نفعهُ، ﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾ ؛ عنِ الْحَقِّ وَالقُرْآنِ ؛ ﴿فَعَلَيْهَا﴾ ؛ فَعَلَى نفسهِ ضَرَرُ ذلكَ، ﴿وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ ؛ أي برَقِيْبٍ أحْفَظُ أعمالَكُم وأجازيكم عليها، فإنَّ اللهَ يجازيكُم على أعمالِكم. وَقِيْلَ : معناهُ : لستُ عليكم بحَفِيْظٍ فأَحُولَ بينَكم وبينَ إضْرَاركُمْ بأنفسكم، وإنَّما أنا رسولٌ أُبَلِّغُكُمْ رسَالاَتِ رَبكُمْ وهو الحفيظٌ عليكم، لا يخفَى عليهِ شيءٌ من أعمالكم.

الأنعام 6:105

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذالِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾ أي مِثْلَ ما صَرَّفْنَا الآيَاتِ وبيَّناها فيما تُلِيَ عليكَ ؛ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ونُبَيِّنُهَا في المستقبلِ لِئَلاَّ يقولُوا : تَخْتَلِقُهُ من تِلْقَاءِ نَفْسِكَ، وَلئَلاَّ يَقُولُوا دَرَسْتَ ؛ أي قَرَأْتَ كُتُبَ أهلِ الكتاب. ومن قرأ (دَارَسْتَ) فمعناهُ : ذاكَرْتَ أهلَ الكتاب. وكان أهلُ مكَّة يقولون : إنَّما يَتَعَلَّمُهُ مِن جَبرٍ ويَسَار ؛ وكَانا غُلامَين عَبْرَانِيَّيْنِ بِمَكَِّةَ. وَمعنى (دَرَسْتَ) أدَرَسْتَ هذه الأخبارَ التي تَتْلُوهَا علينَا، ومعنى (دَارَسْتَ) أي قَارَأتَ أهلَ الكتاب : تَعَلَّمْتَ منهُم وقرأتَ عليهم وقرأوا عليكَ. وقرأ قتادةُ :(دُرِّسْتَ) أي قُرِّيْتَ وَتُلِيْتَ، وقرأ الحسنُ وابن عامر ويعقوب :(دَرَسَتْ) بفتح الدال والرَّاء والسين وجَزْمِ التاء ؛ يعني : تَقَادَمَتْ وانْمَحَتْ وَانْمَضَتْ، وذكر الأخفشُ :(دَرُسْتَ) بضمِّ الراء ؛ ومعناها : دَرَسْتَ ؛ إلا أن ضَمَّ الراءِ أشدُّ مبالغةً. وقرأ ابنُ مسعودٍ والأعمشُ :(دَرَسَ) بفتح السِّين من غيرِ تاء ؛ يعنونَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم. قَوْلُهٌُ تَعَالَى :﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ أي وَلِنُبَيِّنَ الْقُرْآنَ والتصريفَ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.

الأنعام 6:106

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ ؛ أي اعْمَلْ يا مُحَمَّدُ بما أُنزل إليكَ من الْقُرْآنِ من حَلالهِ وحَرامهِ ؛ ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ؛ أنْزَلَهُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ ؛ أي اتْرُكْهُمْ في ضَلاَلَتِهِمْ. وهذا منسوخٌ بآيةِ السَّيفِ. وَقِيْلَ : معناهُ : أعِرضْ عنهم اسْتِجْهَالاً لَهم.

الأنعام 6:107

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ﴾ ؛ أي لو شاءَ اللهُ لَوَفَّقَهُمْ إلى الإيْمان، ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ ؛ أي يَمْنَعُهُمْ عما يضرُّهم، ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ ؛ أي وما أمَرْنَا أن تُلْزِمَهُمْ الإيْمانَ شاءُوا أم أبَوا، فإنَّكَ لا يُمْكنكَ أنْ تفعلَ ذلك بهم، وإنَّما هو الذي يَقْدِرُ على فِعْلِ هذا، ولكنَّهُ لم يفعلْ حتى لا يزولَ التكليفُ. وإنَّما جَمَعَ بين حَفِيْظٍ ووَكِِيْلٍ لاختلافِ معناهما، فإن الْحَافِظَ للشيءِ هو الذي يَصُونُهُ عما يَضُرُّهُ، والْوَكِيْلُ بالشيء هو الذي يَجْلِبُ الخيرَ إليه.

الأنعام 6:108

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ؛ وذلك حينَ قالَ اللهُ تعالى :﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَـاؤُلاءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[الأنبياء: ٩٨-٩٩] قال المشرِكونَ : لئن لَمْ تَنْتَهِ يَا مُحَمَّدُ عن سَب آلِهَتنا وعَيْبها لَنَسُبَّنَّ إلهكَ الذي تعبدهُ، فأنزلَ اللهُ تعالى هذه الآيةَ. أي لا تَسُبُّوا معبودَهم الذي يعبدونَه من دون اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً وظُلْماً. ونُصبَ (عَدْوًا) على المصدر ؛ أي يَعْدُونَ عَدْواً. ويقال : نُصِبَ على إرادة اللام ؛ أي يَسُبُّونَ بالعَدْو. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي بجَهْلِهِمْ يحملهم الغَيْظُ على أن يَسُبُّوا معبودَكم. وفي هذا دليلٌ على أن الإنسانَ إذا أراد أن يَأْمُرَ غيرَه بالمعروفِ، ويَعْلَمُ أنَّ المأمورَ يقعُ بذلك فيما هو أشدُّ مِمَّا هو فيه من شَتْمٍ أو ضربٍ أو قَتْلٍ، كان الأَََولى أن لا يَأْمُرُهُ ويتركه على ما هو فيهِ. وقرأ بعضُهم :(عَدُوًّا بغَيْرِ عِلْمٍ) أي أعْدَاءً ؛ نُصبَ على الحالِ. وقال قتادةُ :(كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسُبُّونَ أصْنَامَ الْكُفَّار، فَنَهَاهُمُ اللهُ تَعَالَى عَنْ ذلِكَ لِئَلاَّ يَسُبُّوا اللهَ، فَإنَّهُمْ قَوْمٌ جَهَلَةٌ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ ؛ أي كما زيَّنا لك دِينَكَ وعملَكَ ؛ زَيَّنَّا لَهم دينَهم وعملَهم، ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ الذي يعملونَه بمَيْلِ الطَّبائِع إليهِ مُجَازَاةً لَهم على فِعْلِهِمْ، كما قالَ تعالى :﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾[النساء: ١٥٥]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ﴾ ؛ أي مصيرُهم ومُنقلبَهم إلى اللهِ تعالى، ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ ؛ فيجزِيَهم ؛ ﴿بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ؛ في الدُّنيا.

الأنعام 6:109

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ ؛ أي حَلَفُوا بالله واجْتَهَدُوا في المبالغةِ في اليمين ﴿لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ أي علامةٌ لِنُبُوَّتِكَ ليصدِّقن بها. وعَنَوا بالآيةِ الآيات التي كانوا يقترحونَها عليه، ﴿قُلْ﴾ ؛ لَهم يا مُحَمَّدُ :﴿إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ﴾ ؛ إنَّ مَجِيْءَ الآياتِ مِن عند اللهِ ؛ إن شَاءَ أنزلَها وإن شاء لم يُنْزِلْهَا، وإنما يُنْزِلُ على حَسْب المصلحةِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ ؛ خطابٌ للمؤمنين ؛ ﴿أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ ؛ أي وما يدريكم أيُّها المؤمنون ؛ أنَّهَا إذا جَاءَتْهم لاَ يُؤْمِنُونَ لِمَا سبقَ لَهم في عِلْمِ اللهِ تعالىل من الشَّقَاوَةِ. وقرأ مجاهدُ وقتادة وأبو عمرٍو وابنُ كثير :(إنَّهَا) بالكسر على الابتداءِ ؛ وخبرهُ :﴿لاَ يُؤْمِنُونَ﴾. وقرأ الباقون بالفتحِ ؛ ومعناهُ عند الخليل وسِيْبَوَيْهِ : لَعَلَّهَا إذا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ. وقرأ ابنُ عامرٍ وحمزةُ :(لاَ تُؤْمِنُونَ) بالتاء على مُخَاطَبَةِ الكفَّار ؛ أي وَمَا يُشْعِرُكُمْ يا أهلَ مَكَّةَ أنَّهَا إذا جَاءَتْ لاَ تُؤْمِنُونَ. وقرأ الباقون بالياء. وقرأ الأعمشُ :(وَمَا يُشْعِرُكُمْ أنَّهَا إذا جَاءَتْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ).

الأنعام 6:110

قَوْلَهُ تَعَالَى :﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ؛ أي نَتْرُكُ أفْئِدَتََهُمْ وأبصارَهم مُنْقَلِبَةً كما هي في الحيرةِ التي بهم ؛ والغفلةِ التي فيهم ؛ فلا نُوَفِّقُهُمْ مجازاةً لَهم فلاَ يؤمنون ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي أوَّلَ ما رَأوا من الآياتِ. وَقِيْلَ : معناه : وَنُقَلِّبُ أفئدتَهم وأبصارَهم على جَمْرِ جهنَّم ونارِها ؛ جزاءً على تَرْكِ الإيْمان وعقوبةً عليهِ، ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ؛ أي نَتْرُكُهُمْ في ضلاَلَتِهِمْ يتحيَّرون ويتردَّدون.

الأنعام 6:111

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ ؛ نزلَتْ هذه الآيةُ في رهْطٍ من أهلِ مكَّةَ من المستهزئينَ، وهم : الوليدُ بنُ المغيرةِ ؛ والعاصُ بنُ وائلٍ ؛ والأسودُ بنُ عبدِ يَغُوثَ ؛ وغيرُهم. قالوا : يا مُحَمَّدُ ؛ ابْعَثْ لنا بعضَ موتَانا حتى نسألَهم عنكَ : أحقٌّ ما تقولُ أم باطلٌ ؟ فنؤمِنُ بِكَ، وأرنَا الملائكةَ يشهدون أنَّكَ رسولُ اللهِ، وائْتِنَا باللهِ والملائكة قَبيْلاً - أي كَفِيلاً - على ما تقولُ إنه الحقُّ. فأنزلَ اللهُ تعالى هذهِ الآيةَ. ومعناها :﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ﴾ معاينةً للشَّهادةِ على نبوَّتكَ كما سألوكَ، ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾ بأنكَ رسولُ اللهِ، وأنَّ القُرْآنَ كلامهُ، وجَمعنا عندَهُم كلَّ شيء من الطَّيرِ والوحوشِ والسِّباعِ وسائر الدواب كَفِيلاً يكلفُون بصحَّةِ ما تقولُ يا مُحَمَّدُ، ما كانوا لِيُؤْمِنُوا بكَ إلا أن يُوَفِّقَهُمُ اللهُ للإيْمانِ، ﴿وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ ؛ أنَّ اللهَ قادرٌ على ذلك. ويجوزُ أن يكون معنى (قُبُلاً) أي قََبيْلاً يقابِلُهم ويواجههم مِن الْمُقَابَلَةِ، ويقالُ : جماعةٌ على معنى أن القُبُلَ جمعُ القبيلِ، والقَبيْلُ جمعُ القبيلةِ ؛ كسفينةِ وسُفُنٍ. قرأ أهلُ المدينةِ والشامِ :(قِبَلاً) بكسرِ القاف وفتحِ الباء ؛ أي مُعَايَنَةً ؛ والمعنى : لو نَاطََقَتْهُمْ الأرضُ والسَّماءُ والطير والوحوشُ أن مُحَمَّداً رسولُ اللهِ، وأن ما أتَاكُم به حقٌّ، قالوا لَهم ذلك معاينةً ومُشَافَهَةً ؛ ما كانوا ليؤمنُوا إلا أنْ يَشَاءَ اللهُ.

الأنعام 6:112

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَكَذَالِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ أي كما جعلنَا لكَ ولأُمَّتِكَ أعداءً مثلَ أبي جهلٍ وأصحابه، كذلك جعلنا لِمَنْ تقدَّمَكَ من الأنبياءِ وأُمَمِهِمْ عَدُوّاً. و(شَيَاطِيْنَ) نصبَ على البدلِ من (عَدُوّاً) ومفسِّراً لهُ، ويجوزُ أن يكون مَفْعُولاً ثانياً. قال ابنُ عبَّاس في معنى هذه الآيةِ :(إنَّ إبْلِيْسَ قََسَّمَ جُنْدَهُ فَرِيْقَيْنِ، فَبَعَثَ فَرِيْقاً مِنْهُمْ إلَى الإنْسِ ؛ وَفَرِيْقاً إلَى الْجِنِّ. فَشَيَاطِيْنُ الإِنْسِ وَشَيَاطِينُ الْجِنِّ يَلْتَقِي بَعْضُهُمْ ببَعْضِ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : أضْلَلْتُ صَاحبِي بكَذَا وَكَذا، أتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ الشَّهَوَاتِ وَاللَّذاتِ، وَمِنْ قِبَلِ الْمَرَاكِب وَالْمَلاَبسِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَاب، فَإنْ أعْيَانِي مِنْ وَجْهٍ أتَيْتُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فأَضْلِلْ صَاحِبَكَ بِمثْلِهِ). فَذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ ؛ أي يُلْقِي بعضُهم إلى بعضٍ ويُمْلِي بعضُهم إلى بعضٍ ؛ ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ ؛ أي الْمُمَوَّهُ الذي يكونُ فيه تَزْييْنُ الأعمالِ القبيحة. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿غُرُوراً﴾ نُصبَ على المصدرِ ؛ كأنه قالَ : يُغْرُونَ به غُرُوراً. وذهبَ بعضُ المفسِّرين :(إلَى أنَّ الشَّيَاطِيْنَ اسْمٌ لِكُلِّ عَاتٍ مُتَمَرِّدٍ ؛ مِنَ الْجِنِّ وَمِنَ الإِنْسِ شَيَاطِيْنُ). كما رُويَ عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال :" دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فأَمَرَنِي أنْ أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ؛ فَصَلَّيْتُ وَجَلَسْتُ إلَيْهِ ؛ فَقَالَ لِي :" يَا أَبَا ذرٍّ ؛ تَعَوَّذْ باللهِ مِنْ شَيَاطِيْنِ الإنْسِ وَالْجِنِّ ". فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أوَمِنَ الإنْسِ شَيَاطِيْنَ؟! فَقَالَ :" أوَمَا تَقْرَأْ قَوْلَهُ تَعَالَى :﴿شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ ؟ ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ ؛ أي لو شاءَ ربُّكَ أن يَمْنَعَ الشياطين من الْوَسْوَسَةِ مَا فَعَلُوهُ، ولكن يَمْتَحِنُ عِبَادَهُ بما يعلمُ أنه أبلغُ في الحكمةِ وأجزلُ في الثواب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ ؛ أي اتْرُكْهُمْ وَافْتِرَائِهِمِ وكَذِبهِمْ على استجهالاتِهم، فإنِّي القادرُ عليهم.

الأنعام 6:113

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ﴾ عطفٌ على (غُرُوراً) ؛ أي يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقُوْلِ الغُرُور، وَلِتَمِيْلَ إليه أفئدةُ الذين لا يُقِرُّونَ بالبعثِ، ولكن يَرْضُوا القولَ الزخرف ويَكْتَسِبُونَ من الإثْمِ ؛ وهو ما قُضِيَ عليهم في اللَّوحِ الْمَحْفُوظِ، يقالُ : اقْتَرَفَ فُلاَنٌ ذنْباً ؛ إذا عَمِلَهُ. وَقِيْلَ : معنى (لِيَقْتَرِفُوا) أي لِيَخْتَلِقُوا وَيَكْذِبُوا. وقرأ النخعيُّ :(وَلِتُصْغِيَ) بضمِّ التاءِ وكسرِ الغين ؛ أي تَمِيْلُ، الإصْغَاءُ : الإمَالَةُ ؛ ومنهُ الحديث :" إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصْغِي الإِنَاءَ لِِلْهِرَّةِ ". والأفْئِدَةُ : جمعُ فُؤَادٍ ؛ مثلُ أغْرِبَةٍ وَغُرَابٍ. ﴿وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾ أي فَلْيَكْتَسِبُوا ما هم مُكْتَسِبُونَ. وقال ابنُ زيدٍ :(وَلِيَعْمَلُوا مَا هُمْ عَامِلُونَ). يقال : اقْتَرَفَ فُلاَنٌ مَالاً ؛ أي اكْتَسَبَهُ، وقَارَفْتُ الأمْرَ : أي وَاقَعْتُهُ ؛ قالَ الله تعالى :﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾[الشورى: ٢٣]. ومَن قرأ :(وَلْيَرْضَوْهُ وَلْيَقْتَرِفُوا) بجزمِ اللام على لفظِ الأمرِ، فمعناهُ : التهديدُ ؛ أي اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ.

الأنعام 6:114

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً﴾ ؛ وذلك أن نَفَراً من أهلِ مكَّةَ قالوا : يَا مُحَمَّدُ ؛ اجْعَلْ بينَنا وبينكَ حَكَماً من اليهودِ والنَّصَارى، فإنَّهم قرأوا الكُتُبَ قبلكَ. فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ. ومعناها : قُلْ لَهم يَا مُحَمَّدُ : أفَغَيْرَ اللهِ أطلبُ رَبّاً ومعبوداً يُسَاوِي حُكْمُهُ حُكْمَ اللهِ ؛ فأجعلهُ حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أنزلََ إلَيْكُمْ القرآن مُفَصَّلاً مبيَّناً أمرَهُ ونَهْيَهُ بلغةٍ تَعرفونَها. ويقالُ : مُتَفَرِّقاً سورةً سورةً ؛ وآية آيةً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ ؛ أي التَّوْرَاةَ ؛ هم عَبْدُاللهِ بْنُ سَلاَمٍ وأصحابُه ؛ ﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ ؛ أي الْقُرْآنُ ؛ ﴿مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ﴾ ؛ بما تقدَّم لَهم من البشَارَةِ في كُتُبهِمْ بأنَّ الله يبعثُ في آخِرِ الزمانِ نَبِيّاً من ولْدِ إسماعيلَ، ويُنَزِّلُ عليه الْقُرْآنَ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بِالْحَقِّ﴾ ؛ أي بمَا أقام لَهم من البراهينِ على ذلك. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ؛ أي لا تَكُونَنَّ يا مُحَمَّدُ من الشَّاكِّيْنَ في أنَّهم يعلمونَ ذلك. ويقالُ : هذا خطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمرادُ به غيرُه، كأنه قال : لا تَكُونَنَّ أيها الجاهلُ بأَمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ من الشَّاكِّينَ في أمرهِ. وقرأ الحسنُ والأعمش وابنُ عامرٍ وحفصُ :(مُنْزَّلٌ) بالتشديدِ من التَّنْزِيْلِ ؛ لأنه أُنْزِلَ نُجُوماً مرَّةً بعد مرَّةٍ، وقرأ الباقونَ بالتخفيفِ من الإنْزَالِ.

الأنعام 6:115

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ﴾ ؛ قرأ أهلُ الكوفة ويعقوبُ :(كَلِمَةُ) على التوحيدِ، وقرأ الباقون :(كَلِمَاتُ) على الجمعِ. ومعنى الآية : وَتَمَّ إلزام الحجَّة على وَجْهِ الحكمة، لاَ ينقصان في ذلك. قولهُ (صِدْقاً) أي مُخْبَرُهُ على ما أخْبَرَ به فيما وعَدَ وأوْعَدَ، و(عَدْلاً) أي أحْكَامُهُ كلُّها عدلٌ، و ﴿لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أي لا مُغَيِّرَ لِحُكْمِهِ ودِيْنِهِ، فإن اليهودَ والنصارى - وإنْ غيَّروا التوراةَ والإنجيلَ - لن يُمْكِنَهُمْ أن يأتُوا بحُكْمٍ حتى يقومَ مقامَ حُكْمِهِ. وَقِيْلَ : معناه :﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أي وَجَبَ قولُ ربكَ بأنه ناصرٌ مُحَمَّداً ﷺ وأنَّ عاقبةَ الأمر له صِدْقاً وَعَدْلاً ؛ لا مُغَيِّرَ لقولهِ :﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾[غافر: ٥١]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.

الأنعام 6:116

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وذلك أنَّ أهلَ مكَّةَ كانوا يستحلُّون أكلَ الميتةِ، ويَدعُونَ المسلمين إلى أكلِها، وكانوا يقولون : إنَّما ذلك ذبحُ اللهِ ؛ فهو أحَلُّ مَمَّا ذبحتُم أنتم بسكاكينكُم، فأنزلَ اللهُ تعالى هذه الآيةَ. ومعناها : إن تُطِعْ - يا مُحَمَّد - أكثرَ مَن في الأرض يصرفونَكَ عن ديْنِ الله، وإنَّما قال :﴿أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ﴾ لأن أكثرهَم كفَّار ضُلاَّلٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ ؛ معناه : إن أكثرُهم يتَّبعونَ أكَابرَهُمْ بالشَّكِّ ؛ يتبعونهم فيما يعملون " ويظنون " أنَّهم على الحق، وإنَّما يعذبون على هذا الظنِّ ؛ لأنَّهم اقْتَصَرُوا على الظَّنِّ والجهلِ واتَّبَعُوا أهواءَهم، ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ ؛ أي ما هم إلا يَكْذِبُونَ في قولِهم : ما قَتَلَ اللهُ أحقُّ أن تأكلوهُ مِمَّا قَتَلْتُمْ بسكاكينِكم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ﴾ ؛ أي عن دِيْنِ الإسلامِ وشرائعهِ ؛ ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ؛ بمُحَمَّدٍ والإسلامِ، وإنَّما قال :(أعْلَمَ) لأنَّ الله تعالى يعلمُ الشيءَ من كلِّ جهاتهِ، وغيرُه يعلمُ الشيءَ من بَعْضِ جهاتهِ.

الأنعام 6:117

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وذلك أنَّ أهلَ مكَّةَ كانوا يستحلُّون أكلَ الميتةِ، ويَدعُونَ المسلمين إلى أكلِها، وكانوا يقولون : إنَّما ذلك ذبحُ اللهِ ؛ فهو أحَلُّ مَمَّا ذبحتُم أنتم بسكاكينكُم، فأنزلَ اللهُ تعالى هذه الآيةَ. ومعناها : إن تُطِعْ - يا مُحَمَّد - أكثرَ مَن في الأرض يصرفونَكَ عن ديْنِ الله، وإنَّما قال :﴿أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ﴾ لأن أكثرهَم كفَّار ضُلاَّلٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ ؛ معناه : إن أكثرُهم يتَّبعونَ أكَابرَهُمْ بالشَّكِّ ؛ يتبعونهم فيما يعملون " ويظنون " أنَّهم على الحق، وإنَّما يعذبون على هذا الظنِّ ؛ لأنَّهم اقْتَصَرُوا على الظَّنِّ والجهلِ واتَّبَعُوا أهواءَهم، ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ ؛ أي ما هم إلا يَكْذِبُونَ في قولِهم : ما قَتَلَ اللهُ أحقُّ أن تأكلوهُ مِمَّا قَتَلْتُمْ بسكاكينِكم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ﴾ ؛ أي عن دِيْنِ الإسلامِ وشرائعهِ ؛ ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ؛ بمُحَمَّدٍ والإسلامِ، وإنَّما قال :(أعْلَمَ) لأنَّ الله تعالى يعلمُ الشيءَ من كلِّ جهاتهِ، وغيرُه يعلمُ الشيءَ من بَعْضِ جهاتهِ.

الأنعام 6:118

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ؛ عُطِفَ على ما دلَّ عليه الكلامُ الذي قبلَه، كأنه قال : كُونُوا على الْهُدَى فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ من الذبائحِ، ﴿إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ؛ هذا للترغيب في اعتقاد صحَّة إباحتهِ وفي أكلهِ.

الأنعام 6:119

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ؛ يعني من الذبائحِ، وموضع (أنْ) نصب لأنَّ (في) سقطت، ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ ؛ أي وقد بَينَ لكم مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ من الْمَيْتَةِ والدَّمِ والخنْزيرِ على ما تقدَّم في سورةِ المائدة. قرأ الحسنُ وقتادة وأهلُ المدينة وحفصُ :(وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) بالفتحِ فيهما على معنى : فصَّل اللهُ. وقرأ ابنُ عامر وابنُ كثير وأبو عمرٍو بضمِّهما جميعاً. وقرأ أهلُ الكوفةِ إلا حفصاً :(فَصَّلَ) بالفتح (وحُرِّمَ) بالضَّمِّ. وقرأ عطيةُ العوفِيُّ :(فَصَلَ) بالتخفيف مفتوحاً ؛ يعني قَطَعَ الحكمَ فيما حرَّمَ عليكم. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ ؛ أي إلا ما دَعتْكُمُ الضرورةُ إلى أكلهِ، فقد رَخَّصَ لكم حينئذٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّ كَثِيراً﴾ ؛ يعني الكفارَ يأكلونَ الْمَيْتَةَ والذبائحَ التي لم يُذْكَرِ اسمُ اللهِ عليها عَمْداً، والتي يذبحونَها لآلِهتهم بلا عِلْمٍ عندهم ولا بَصِيْرَةٍ، يتَّبعون الهوَى والشَّهوات في ذلك. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ؛ قرأ الحسنُ وأهلُ الكوفة بضمِّ الياء لقوله :﴿يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾[الأنعام: ١١٦]. وقرأ الباقونَ بفتحِها لقولهِ :﴿هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ﴾[الأنعام: ١١٧]. فمعنى مَن قرأ بضمِّ الياء : أنَّهم يَصْرِفُونَ الناسَ عن الْهُدَى بالدُّعاءِ إلى أكلِ الْمَيْتَةِ على وجهِ الْجِدَالِ والْخِدَاعِ، وقولهُ :﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ أي أعْلَمُ بعقوبةِ المتجاوزين من الحلالِ إلى الحرام.

الأنعام 6:120

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ ؛ أي لا تَقْرَِبُوا ما حَرَّمَ اللهُ عليكم جهراً ولا سِرّاً، ويقالُ : أرادَ بظاهر الإثْمِ : الزِّنَا الظاهرَ، وبباطنهِ : الزِّنا السِّر. فالعربُ كانوا يَرَوْنَ الزِّنا ظاهراً معصِيةً، ولا يَرَوْنَهُ في الْخِفْيَةِ معصيةً. وَقَوُْلهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ﴾ ؛ أي إنَّ الذين يعملون المعصيةَ ظاهراً وباطناً سَيُعَاقَبُونَ في الآخرةِ بما كانوا يَكْسِبُونَ في الدُّنيا من المعاصِي والفواحشِ.

الأنعام 6:121

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ؛ يعني الذبائح. رويَ عن عبدِالله بن عمرَ :(أنَّهُ أتَى حُرّاً ذَبَحَ شَاةً نَسِيَ أنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا، فأَمَرَ ابْنُ عُمَرَ غُلاَمَهُ أنْ يَقُومَ عِنْدَهُ، فَإذا جَاءَ إنْسِانٌ يَشْتَرِي مِنْهُ قَالَ : إنَّ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ : إنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهَا اسْمَ اللهِ، فَلاَ تَشْتَرِي). وقال ابنُ سيرينَ :(إذا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ نَاسِياً ؛ لَمْ تُؤْكَلْ). إلاَّ أن أكثرَ أهل العلمِ على أن نسيانِها لاَ يوجبُ التحريْمَ. هكذا رُويَ عن عَلِيٍّ وابن عبَّاس ومجاهدٍ وعطاء وابنِ المسيِّب ؛ قالوا :(إنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ نَاسِياً لاَ بَأْسَ بأَكْلِهَا ؛ لأَنَّ خِطَابَ الآيَةِ يَتَنَاوَلُ الْعَامِدَ، إذِ النَّاسِي فِي حَالِ نِسْيَانِهِ لاَ يَكُونُ مُكَلَّفاً). وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ؛ أي إنَّ أكلَهُ لفسقٌ. وَقيْلَ : إنْ تركَ التسميةَ، وَقِيْلَ : المذبوحَ بغير تسميةِ الله فِسْقٌ فيه حينَ ذُبحَ على غيرِ وجه الحقِّ ؛ كقولهِ :﴿أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾[الأنعام: ١٤٥]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ ؛ أي إنَّ الشياطين لِيُوَسْوِسُونَ لأوليائِهم من الإنْسِ ؛ وهم : أبُو الأَخْوَصِ الْخَثْعَمِيُّ وَبَدِيْنُ ابْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ وغَيرُهما من أهلِ مكَّة ؛ كانوا يُخَاصِمُونَ النَّبِيَّ ﷺ في أكل الْمَيْتَةِ وَاسْتِحْلاَلِهَا. والوَحْيُ : إلْقَاءُ الْمَعْنَى إلَى النَّفْسِ فِي الْخِفْيَةِ، ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ ؛ في أكلِ الْمَيْتَةِ واستحلالِها من غير اضطرارٍ، ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ؛ مثْلُهُمْ.

الأنعام 6:122

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾، قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَتْ فِي عَمَّار بْنِ يَاسِرٍ، وَأبِي جَهْلٍ). ويقالُ : إنَّ المرادَ بالآية النبيُّ ﷺ وأبو جَهْلٍ. ومعنى الآيةِ على القولِ الأَوَّل : أوَمَنْ كَانَ كافراً، فهديناهُ إلى المغفرةِ والإسلامِ، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً﴾ ؛ وهو نورُ القُرْآنِ والإيْمَانِ والحكمةِ ؛ ﴿يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ ؛ يضيءُ بذلك النور فيما بين النَّاسِ ؛ ﴿كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ ؛ أي كَمَثَلِ مَن هو في الضَّلاَلة وظُّلُمَاتِ الكفرِ، ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ ؛ أبَداً. بيَّنَ اللهُ تعالى بهذه الآيةِ أنَّ أبا جَهْلٍ ليسَ بخارجٍ من الضَّلالة أبداً. وقال بعضُهم : الْمِثْلُ زائدٌ ؛ تقديره : كَمَنْ في الظُّلُمَاتِ. وعن ابنِ عبَّاس أيضاً :(أنَّ مَعْنَاهُ :﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ يُرِيْدُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِب ﴿كَمَن مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ أبَا جَهْلٍ ؛ رَمَى رَسُولَ اللهِ ﷺ وَحَمْزَةُ كَافِرٌ، فَأُخْبرَ حَمْزَةُ بمَا فَعَلَ أبُو جَهْلٍ وَهُوَ رَاجِعٌ مِنْ قًنْصِهِ يَفُوتُ وَبيَدِهِ قَوْسٌ، فَأَقْبَلَ وَهُوَ غَضْبانٌ حَتَّى عَلاَ أبَا جَهْلٍ بالْقَوْسِ وَهُوَ يَتَضَرَّعُ وَيَسْتَكِيْنُ وَيَقُولُ : أمَا تَرَى مَا جَاءَ بهِ مُحَمَّداً، قَدْ سَفَّهَ عُقُولَنَا وَسَبَّ آلِهَتَنَا وَخَالَفَ آبَاءَنَا. فَقَالَ حَمْزَةُ : وَمَنْ أسْفَهُ مِنْكُمْ؟! تَعْبُدُونَ الْحِجَارَةَ مِنْ دُونِ اللهِ، أنَا أَشْهَدُ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ ؛ وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ؛ أي كما زُيِّنَ لأبي جَهْلٍ عملهُ الذي كان يعملُ ؛ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ أعمالُهم مجازاةً لَهم على كُفْرِهم. وقال الحسنُ :(مَا زَيَّنَهَا لَهُمْ إلاَّ الشَّيْطَانُ).

الأنعام 6:123

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذالِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا﴾ ؛ أي جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ ذا نُور يَمشي به في الناسِ، كَذلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ رؤساءَها وكبراءَ وعظماءَ أهلِها مُجْرِمِيهَا. وَقيلَ : معناهُ : جعلنا في أهلِ مكَّةِ عظاؤُهم مُجْرِمِيها، كَذلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِيَمْكُرُواْ فِيهَا﴾ أي لِيَصِيْرَ أمرُهم إلى أن يَمكروا بالتَّكَبُّرِ وتكذيب الرسُلِ، ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾، أنَّ كلَّ وَبَالَ أمرِهم يرجعُ إليهم.

الأنعام 6:124

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ ؛ أي إذا جاءَتِ الأكابرَ المذكورين، وَقِيْلَ : أهلَ مكَّة ؛ إذا جَاءَتُهُمْ دلالةٌ واضحة على نُبُوَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ قالوا : لاَ نُصَدِّقُ حتى نُعطى من الآياتِ مثلَ ما أُعْطِيَ رسلُ اللهِ المعجزاتِ والدَّلائل. وذلك أنَّ الوليدَ بن المغيرةِ قال : وَاللهِ لو كانتِ النُّبُوَّةُ حقّاً لكنتُ أوْلَى بها منكَ ؛ لأنِّي أكبرُ منكَ سِنّاً وأكثرُ منكَ مالاً. وقال مقاتلُ :(قالَ أَبُو جَهْلٍ : زَحَمَنَا بَنُوا عَبْدِ الْمُطَّلِب فِي الشَّرَفِ ؛ حَتَّى إذا كُنَّا كَفَرَسَي رهَانٍ، قَالُواْ : مِنَّا نَبِيٌّ يُوحَى إلَيْهِ، وَاللهِ لاَ نُؤْمِنُ بهِ وَلاَ نَتَّبعُهُ أبَداً ؛ إلاَّ أنْ يَأْتِيْنَا وَحْيٌ كَمَا يَأْتِيَهِ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ). يقولُ اللهُ تعالى :﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ؛ أي هو أعلمُ مَن يُرْسِلُ ومن يَخْتَصُّ بالرسالةِ ومَن هو أهْلٌ لَها. وهذا جوابٌ يَمنعهم أن يكونوا رُسُلاً حين أنِفُوا أن يكونوا أتْبَاعاً للرُّسلِ بعد قيام حُجَّةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم. بَيَّنَ اللهُ تعالى أنه إنَّما يجعلُ الرسالةَ عند مَن يقومُ بأدائِها، ولا يجعلُ عند مَن يضيِّعُ ولا يصبرُ على الْمَكَارِهِ. وَقِيْلَ : إنَّما لم يجعلِ اللهُ الرسلَ في الرؤساءِ والأغنياء ؛ لأنَّ الناسَ يتبعونَهم وإن لم يأتوا بالْحُجَجِ، فيقولُ مَنْ بعدُهم : إنَّما اتَّبعوهم لأنَّهم كانوا رؤساءَ وأكابرَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ﴾ ؛ أي سيصيبُ الذين اكتسَبُوا الْجُرْمَ مَذلَّةٌ وهَوَانٌ ثابتٌ لَهم عندَ الله ؛ ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ﴾ ؛ أي بفكرِهم وتكذيبهم الرسلَ. قال ابن عبَّاس رَضِيَ الله عَنْهُمَا :(ثُمَّ رَجَعَ إلَى ذِكْرِ عَمَّارِ وأبي جَهْلٍ) فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ﴾ ؛ أي فمن يُرِدِ اللهُ أن يُوَفِّقَهُ للإِسلام يُوسِعَ قَلْبَهُ وَيُلَيِّنْهُ لِقَبُولِ الإِسلام، ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ﴾ ؛ أي أن يَخْذِلَهُ ويجعلهُ في ضلالةِ الكفر، ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً﴾. ﴿حَرَجاً﴾ ؛ قِيْلَ : الْحَرَجُ : مَوْضِعُ الشَّجَرِ الْمُلْتَفِّ ؛ يعني أنَّ قلبَ الكافرِ لا تصلُ إليه الحكمةُ كما لا تصلُ إلى الموضعِ الذي الْتَفَّ فيه الشجرُ. وقال أهلُ اللغة : الْحَرَجُ : أضْيَقُ الضِّيْقِ. وقال مجاهدُ :(الْحَرَجُ : الشَّكُّ) وقال قتادةُ :(حَرَجاً مُلْتَبساً). وقال النَّضْرُ بن شُمَيْلٍ :(قَلِقاً)، وقال الكلبيُّ :(لَيْسَ لِلْخَيْرِ فِيْهِ مَنْفَذٌ). قرأ ابنُ كثير :(ضَيْقاً) بالتخفيفِ، وشدَّدهُ الباقون ؛ وهما لُغتان مثل هَيِّنٍ وَلَيِّنٍ. وقولهُ تعالى :(حَرِجاً) قرأ أهلُ المدينةِ وأبو بكرٍ بكسرِ الرَّاء، وفتحَها الباقون ؛ وهُما لُغتان مثل دَنَفٍ وَدَنِفٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَآءِ﴾ ؛ يعني : يَشُقُّ عليه الإيْمَانُ ويَمْتَنِعُ ويعجزُ عنه، كما يَشُقُّ عليه صعودُ السَّماء. واختلفَ القُرَّاءُ في قوله تعالى :﴿يَصَّعَّدُ﴾ فقرأ أهلُ المدينة والبصرةِ والكوفة إلا أبَا بكرٍ :(يَصَّعَّدُ) بتشديد الصَّاد والعينِ من غير ألفٍ، وقرأ طلحةُ والنخعيُّ وأبو بكر :(يَصَّاعَدُ) بتشديدِ الصَّاد وبألفٍ بعدها، بمعنى يَتَصَاعَدُ.

الأنعام 6:125

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ ؛ أي إذا جاءَتِ الأكابرَ المذكورين، وَقِيْلَ : أهلَ مكَّة ؛ إذا جَاءَتُهُمْ دلالةٌ واضحة على نُبُوَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ قالوا : لاَ نُصَدِّقُ حتى نُعطى من الآياتِ مثلَ ما أُعْطِيَ رسلُ اللهِ المعجزاتِ والدَّلائل. وذلك أنَّ الوليدَ بن المغيرةِ قال : وَاللهِ لو كانتِ النُّبُوَّةُ حقّاً لكنتُ أوْلَى بها منكَ ؛ لأنِّي أكبرُ منكَ سِنّاً وأكثرُ منكَ مالاً. وقال مقاتلُ :(قالَ أَبُو جَهْلٍ : زَحَمَنَا بَنُوا عَبْدِ الْمُطَّلِب فِي الشَّرَفِ ؛ حَتَّى إذا كُنَّا كَفَرَسَي رهَانٍ، قَالُواْ : مِنَّا نَبِيٌّ يُوحَى إلَيْهِ، وَاللهِ لاَ نُؤْمِنُ بهِ وَلاَ نَتَّبعُهُ أبَداً ؛ إلاَّ أنْ يَأْتِيْنَا وَحْيٌ كَمَا يَأْتِيَهِ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ). يقولُ اللهُ تعالى :﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ؛ أي هو أعلمُ مَن يُرْسِلُ ومن يَخْتَصُّ بالرسالةِ ومَن هو أهْلٌ لَها. وهذا جوابٌ يَمنعهم أن يكونوا رُسُلاً حين أنِفُوا أن يكونوا أتْبَاعاً للرُّسلِ بعد قيام حُجَّةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم. بَيَّنَ اللهُ تعالى أنه إنَّما يجعلُ الرسالةَ عند مَن يقومُ بأدائِها، ولا يجعلُ عند مَن يضيِّعُ ولا يصبرُ على الْمَكَارِهِ. وَقِيْلَ : إنَّما لم يجعلِ اللهُ الرسلَ في الرؤساءِ والأغنياء ؛ لأنَّ الناسَ يتبعونَهم وإن لم يأتوا بالْحُجَجِ، فيقولُ مَنْ بعدُهم : إنَّما اتَّبعوهم لأنَّهم كانوا رؤساءَ وأكابرَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ﴾ ؛ أي سيصيبُ الذين اكتسَبُوا الْجُرْمَ مَذلَّةٌ وهَوَانٌ ثابتٌ لَهم عندَ الله ؛ ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ﴾ ؛ أي بفكرِهم وتكذيبهم الرسلَ. قال ابن عبَّاس رَضِيَ الله عَنْهُمَا :(ثُمَّ رَجَعَ إلَى ذِكْرِ عَمَّارِ وأبي جَهْلٍ) فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ :﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ﴾ ؛ أي فمن يُرِدِ اللهُ أن يُوَفِّقَهُ للإِسلام يُوسِعَ قَلْبَهُ وَيُلَيِّنْهُ لِقَبُولِ الإِسلام، ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ﴾ ؛ أي أن يَخْذِلَهُ ويجعلهُ في ضلالةِ الكفر، ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً﴾. ﴿حَرَجاً﴾ ؛ قِيْلَ : الْحَرَجُ : مَوْضِعُ الشَّجَرِ الْمُلْتَفِّ ؛ يعني أنَّ قلبَ الكافرِ لا تصلُ إليه الحكمةُ كما لا تصلُ إلى الموضعِ الذي الْتَفَّ فيه الشجرُ. وقال أهلُ اللغة : الْحَرَجُ : أضْيَقُ الضِّيْقِ. وقال مجاهدُ :(الْحَرَجُ : الشَّكُّ) وقال قتادةُ :(حَرَجاً مُلْتَبساً). وقال النَّضْرُ بن شُمَيْلٍ :(قَلِقاً)، وقال الكلبيُّ :(لَيْسَ لِلْخَيْرِ فِيْهِ مَنْفَذٌ). قرأ ابنُ كثير :(ضَيْقاً) بالتخفيفِ، وشدَّدهُ الباقون ؛ وهما لُغتان مثل هَيِّنٍ وَلَيِّنٍ. وقولهُ تعالى :(حَرِجاً) قرأ أهلُ المدينةِ وأبو بكرٍ بكسرِ الرَّاء، وفتحَها الباقون ؛ وهُما لُغتان مثل دَنَفٍ وَدَنِفٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَآءِ﴾ ؛ يعني : يَشُقُّ عليه الإيْمَانُ ويَمْتَنِعُ ويعجزُ عنه، كما يَشُقُّ عليه صعودُ السَّماء. واختلفَ القُرَّاءُ في قوله تعالى :﴿يَصَّعَّدُ﴾ فقرأ أهلُ المدينة والبصرةِ والكوفة إلا أبَا بكرٍ :(يَصَّعَّدُ) بتشديد الصَّاد والعينِ من غير ألفٍ، وقرأ طلحةُ والنخعيُّ وأبو بكر :(يَصَّاعَدُ) بتشديدِ الصَّاد وبألفٍ بعدها، بمعنى يَتَصَاعَدُ.

الأنعام 6:126

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَهَـاذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً﴾ ؛ (هذا) إشارةٌ إلى الإسلامِ، وَقِيلَ : إلى بَيَانِ الْقُرْآنِ، سُمي ذلك مُسْتَقِيماً ؛ لأنه يَسْتَقِيمُ بِمن يَسْلُكُهُ ؛ فلا يَعْرِجُ فيه حتَّى يُورِدَهُ إلى الجِنَّةِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ﴾ ؛ أي أتَيْنَا بآيةٍ على إثْرِ آية مُفَصَّلَةً مُبَيَّنَةً ؛ ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ ؛ أي يَتََّعِظُونَ بآياتِ الله، وَيَتَفَكَّرُونَ في دَلالاَتِ القُرْآنِ، فلم يَبْقَ لأحدٍ عذرٌ في التَّخَلُّفِ عن الإيْمان بعد هذا البَيَانِ.

الأنعام 6:127

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(اللهُ السلاَمُ، وََدَارُهُ الْجَنَّةُ). كأنه قِيْلَ لَهم : جَنَّةُ اللهِ. وقال الفرَّاء :(مَعْنَاهُ : لَهُمْ دَارُ السَّلاَمُ الدَّائِمَةِ مِنْ كُلِّ آفَةٍ وَبَلِيَّةٍ). وََقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي في الآخرةِ. وَقِيْلَ : معناهُ : مُقِيمُونَ عند ربهم ؛ ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ ؛ أي يتولَّى أمرَهم بنصرِهم في الدُّنيا وإكرامِهم في الآخرة، ﴿بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ؛ مِن الطاعَة.

الأنعام 6:128

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ الإِنْسِ﴾ معناه : يَوْمَ نَحْشُرُ الخلائقَ كلَّهم إلى الجزاءِ، يقول : يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قََدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ مِمَّنْ أضْلَلْتُمُوهُمْ ؛ أي أضلَلْتم كثيراً من الإنسِ وكثيرٌ مُتَّبعُوكُمْ منهُم ؛ ﴿وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم﴾ ؛ أي قُرَنَاءُ الجنِّ ؛ ﴿مِّنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾. أما اسْتِمْتَاعُ الإنسِ بالجن فما روى الحسنُ :(أنَّ الْعَرَبَ كَانُواْ إذا سَافَرُواْ فَنَزَلُواْ وَادِياً ؛ خَافُوا عَلَى أنْفُسِهِمْ فَقَالُواْ : نَعُوذُ بسَيِّدِ هَذا الْوَادِي مِنْ سُفَهَاءِ قَوْمِهِ ؛ فَيَبيْتُونَ فِي جِوارٍ مِنْهُمْ، وَكَانُوا يَرَوْنَ ذلِكَ اسْتَجَارَةً بالْجِنِّ). وأما استمتاعُ الجنِّ بالإِنسِ ؛ فكان عُظَمَاءُ الجنِّ يقولون : قد سُدْنَا الإنسَ مع الجنِّ ؛ حتى أن الإنسَ يعودُون بنَا، فيزدادون بنَا، فيزدادون بذلك شَرَفاً في قومِهم وَعَظَماً في أنفسهم. وذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾[الجن: ٦]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ ؛ أي أدْرَكْنَا وَقْتَنَا الذي وُقَّتَ لنا. قِيْلَ : إنَّ المرادُ به وقتُ البعثِ، وَقِيْلَ : إن المراد وقتُ الموتِ. وفي هذا دليلٌ على أنه لا يكون للمقتول أجَلاَنِ بخلافِ ما يقولُ بعض القومِ : إنَّ المقتولَ لو لم يُقتل لكان يبقى حَيّاً لا محالةَ. لأنه قد كان في هؤلاءِ مقتولون وقد أُخْبرُوا كلُّهم أنَّهم قد بلغُوا أجلهم الذي أجَّلَهُ الله لَهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾ ؛ أي قالَ اللهُ تَعَالَى : النَّارُ مقرُّكم ومَنْزِلُكمْ ؛ فإنكم قد أقْرَرْتُمْ على أنفسكم باستحقاقِ العذاب ولزُومِ الحقِّ عليكم، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(وَكَانَ مَا شَاءَ اللهُ بقَوْلِهِ :﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾[النساء: ٤٨]). وَقِيْلَ : معناه :﴿إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ ما بَيْنَ البعثِ من القبرِ إلى وقت الفَرَاغ من الحساب ؛ فإنه لا يكون لَهم عذابٌ في ذلك الوقت. وَقِيْلَ : معناه :﴿إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ أن يعذِّبَهم من صُنُوفِ العذاب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ ؛ في عِقَابهِ ؛ ﴿عَليمٌ﴾ ؛ بقَدْر ما يستحقُّونَ من العذاب.

الأنعام 6:129

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَكَذالِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ أي مِثْلَ ما قصَصْنَا عليكَ من تسليطِ الجنِّ على الإنس ؛ كذلك نُسَلِّطُ بعضَ الْمُجْرِمِيْنَ على بعضٍ، ثم يُنْتَقَمُ منهما جميعاً في الآخرةِ بالنَّار. وقال بعضُهم : معناهُ : يَتْبَعُ بعضُهم بعضاً في النار من الْمُوَالاَةِ. وقال بِعضُهم : يُسَلِّطُ بعضَهم على بعضٍ، يدلُّ عليه قوله ﷺ :" مَنْ أعَانَ ظَالِماً سَلَّطَهُ اللهُ عَلَيْهِ ".

الأنعام 6:130

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ ؛ أي يقول لَهم يومَ القيامةِ : يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ ؛ لِمَاذَا فعلتُم ما فعلتم ألَمْ يأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقْرَأْونَ عليكُم القُرْآنَ، ﴿وَيُنذِرُونَكُمْ﴾ ؛ أي وَيُخَوِّفُونَكُمْ ؛ ﴿لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـاذَا﴾ ؛ وهو يومُ القيامةِ. قَالَ ابن عبَّاس :(كَانَتِ الرُّسُلُ تُبْعَثُ إلَى الإِنْسِ ؛ وَبُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ إلَى الْجِنِّ وَالإِنْسِ). قال :(وَهَذا كَقَوْلِهِ :﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾[الرحمن: ٢٢] يَخْرُجُ مِنَ الْمِلْحِ مِنْهُمَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ مِنَ الإِنسِ). وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ ؛ يعني أنَّهم لا يَجِدُونَ جَوَاباً إلاَّ الاعترافَ بذنوبهم ؛ ويقولون : أقْرَرْنَا على أنفسِنا، أنَّهم بَلَّغُوا الرسالةَ، وكَفَرْنا بهم. يقولُ اللهُ تعالى :﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ ؛ أي بزهرتِها ونَعِيْمِهَا، ﴿وَشَهِدُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ ؛ في الآخرةِ ؛ ﴿أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ﴾ ؛ في الدُّنيا ؛ أي أقَرُّوا.

الأنعام 6:131

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ (ذلِكَ) أي ذلكَ الأمرُ. وَقِيْلَ : أرادَ الإِشارةِ إلى إرسَالِ الرُّسُلِ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ﴾ أي معناهُ : لأَجْلِ أنهُ لم يَكُنْ رُبُّكَ مُعَذِّبَ أهلِ القُرى ﴿بِظُلْمٍ﴾ أي بشركِهم وذنوبهم ﴿وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ عن الأمرِ والنَّهْيِ وتبليغِ الرُّسُلِ ؛ أي لم يكن يُهْلِكُهُمْ بذنوبهم قَبْلَ أن يأتيَهم رسولٌ يُبَيِّنُ لَهم. وينهاهُم عمَّا هم عليهِ من المعصيةِ، فإن رجَعُوا وإلا عذبَهم اللهُ. وَقِيْلَ : معناهُ : لا يهلكهم بظلم منه ؛ ولا يعذبهم وهم غافلون لِمَا كُلِّفوا من غيرِ إقامة الحجَّة بما يُقَبَّحُ ويُحَسَّن من غيرِ تَنْبيْهِ لَهم من الرُّسُلِ.

الأنعام 6:132

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ﴾، أي لِكُلِّ عَاملٍ من الفريقين مراتبُ في عملهِ، لأهل الخير درجاتٌ في الجنَّةِ بعضُها فوقَ بعضٍ، ولأهلِ الشِّرْكِ درجاتٌ في النار بعضُها أشدُّ عذاباً من بعضٍ، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ؛ أي لا يَجْرِي عليه السُّهْوُ عن طاعةِ المطيعين ومعصيَةِ العاصِينَ، فيجزِي كلَّ عاملٍ بما عَمِلَ.

الأنعام 6:133

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ ؛ أي هو الغَنِيُّ عن إيْمَانِ العبادِ وطاعتِهم. والغَنِيُّ : الَّذي لاَ يَحْتَاجُ إلَى شَيءٍ ؛ فَيَكُونُ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ عِنْدَهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ بيانٌ أنه تَعَالَى مع كوْنِهِ غَنِيّاً عن شُكْرِ العبادِ وطاعتهم ذو إنْعَامٍ عليهم. والمعنى : ورَبُّكَ الْغَنِيُّ عن خَلْقِهِ ذو الرحمةِ بهم، ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ ؛ أي إنْ يشاء يُهْلِكُّم يا أهلَ مكَّة ؛ ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكمْ﴾ ويخلِف من بعدكم ؛ أي مِنْ بَعْدِ إهلاكِكم ؛ ﴿مَّا يَشَآءُ﴾ ؛ خَلْقاً آخرَ أطوعَ للهِ منكُم ؛ ﴿كَمَآ أَنشَأَكُمْ﴾ ؛ أي مِثْلَ ما ابْتَدَأ خَلْقَكم قَرْناً بعد قرنٍ ؛ ﴿مِّن ذُرِّيَّةِ﴾ ؛ أي من أولادِ ؛ ﴿قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ؛ هالكِين.

الأنعام 6:134

وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ﴾ ؛ أي إنَّ الذي تخافونَ من البَعْثِ والعَذاب لكائنٌ لا خَلَفَ فيه، ﴿وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ ؛ أي فائِتين لستُم تقدرونَ أن تُعْجِزُوا اللهَ عن إدراكِكم.

الأنعام 6:135

قَوْلَهُ تَعَالَى :﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ ؛ أي قل لَهم يا مُحَمَّد : اثْبُتُوا على حَالَتِكُمْ وعلى عملكم القَبيْحِ الذي أنتُم عليهِ وعلى منازلكم ؛ ﴿إِنَّي عَامِلٌ﴾ ؛ في أمْرِي على مَنْزِلَتِي، وهذا على سبيلِ الوَعِيْدِ والتَّهْدِيْدِ، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ ؛ أي ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيُّنا يَكُونُ لَهُ العَاقِبَةُ المحمودةُ في الدُّنيا ؛ وفي الآخرة، ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ؛ أي لا يَظْفَرُونَ بمُرادهِم. وقرأ السلميُّ وعاصمُ (عَلَى مَكَانَاتِكُمْ) على لفظِ الجماعة. وقرأ مجاهدُ وأهل الكوفة إلا عاصماً :(مَنْ يَكُونُ) بالياء ؛ لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي.

الأنعام 6:136

وقوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـاذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـاذَا لِشُرَكَآئِنَا﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(وَذلِكَ أنَّ أهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُواْ إذا حَرَثُوا حَرْثاً ؛ جَعَلُوا للهِ خَطّاً ؛ وَقَالُواْ : مَا دُونَ هَذا الْخَطِّ لآلِهَتِنَا يُنْفَقُ عَلَيْهَا وَعَلَى خُدَّامِ الأصْنَامِ، وَمَا وَرَاءَ هَذا الْخَطِّ لله يُتَصَدَّقُ بهِ عَلَى أهْلِ الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالسَّائِلِيْنَ. وَكَانُوا إذا أرْسَلُواْ الَْمَاءَ فِيْمَا سَمَّوْهُ للهِ تَعَالَى، فَانْفَجَرَ مِنْهُ إلَى الَّذِي جَعَلُوهُ لآلِهَتِهِمْ تَرَكُوهُ ؛ وَقَالُواْ : هَذا أحْوَجُ وَاللهُ غَنِيٌّ عَنْهُ، وَإذا انْفَجَرَ مِنَ الَّذِي جَعَلُوهُ لأَصْنَامِهِمْ ؛ رَدُّوهُ وَقَالُواْ : لَيْسَ لآلِهَتِنَا بُدُّ مِنَ النَّفَقَّةِ. وَكَانُواْ إذا هَلَكَ الَّذِي لآلِهَتِهِمْ : وَكَثُرَ الَّذِي للهِ ؛ أخَذُوا الَّذِي للهِ وَأَنْفَقُوهُ عَلَى الأَصْنَامِ، وَإذا هَلَكَ الَّذِي للهِ ؛ وَكَثُرَ الَّذِي لِلأَصْنَامِ قَالُواْ : لَوْ شَاءَ اللهُ لأَزْكَى الَّذِي لِهُ). ومعنى الآية : وجعلَ المشركون مِن أهلِ مكَّة لله مَِّا خَلَقَ من الزَّرْعِ والأنعامِ نَصِيْباً. وللأصْنَامِ نَصِيْباً فقالُوا : هذا نصيبُ اللهِ بقولِهم، ولم يأمرْهُم اللهُ تعالى بذلك، وهذا نصيبُ الآخر لآلِهتنَا. وفي الايةِ إضمارٌ تقديرهُ : وَجَعَلُواْ للهِ نَصِيْباً ولشركائِهم نَصِيْباً. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ قرأ السلميُّ والأعمشُ والكسائيُّ بضمِّ الراء، والباقون بفتحِها، وُهما لُغتان. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللَّهِ﴾ ؛ أي ما كان مِن نصيب آلِهتهم فلا يرجعُ إلى الذي جعلوهُ للهِ، ﴿وَمَا كَانَ للَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ﴾ ؛ أي يرجعُ إلى الذي جَعَلُوهُ لشركائِهم، ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ؛ أي بئْسَ ما يَقْضُونَ ؛ يُوَفُّونَ نَصِيْبَ الأصنامِ ويُنْقِصُونَ نصيبَ الرَّحْمَنِ، فَبئْْسَ الحكمُ حكمُهم في الإشراكِ وبالقسمةِ. وكانوا يفعلونَ بالأنعامِ الثمانيةِ أزواجٍ ونحوِها كذلكَ.

الأنعام 6:137

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذالِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(كَانَ أهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَدْفِنُونَ بَنَاتَهُمْ أحْيَاءً كَرَاهِيَةً لِلْبَنَاتِ، وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَحْلِفُ لَئِنْ وَلِدَ لَهُ كَذَا وَكَذا غُلاَمًا لَيَنْحَرَ أحَدَهُمْ كَمَا حَلَفَ عَبْدُ الْمُطَّلِب عَلَى ابْنِهِ عَبْدِاللهِ. وَكَانَ لآلِهَتِهِمْ خُدَّامٌ يَقُومُونَ عَلَيْهِمُ الَّذِيْنَ كَانُواْ يُزَيِّنُونَ لِلْمُشْرِكِيْنَ قَتْلَ أوْلاَدِهِمْ.). ومعنى الآية : وكما زُيِّنَ تحريمُ الحرثِ والأنعام ؛ زُيِّنَ لكثيرٍ من المشركين دفنُ بناتِهم أحياءً كراهيةً لَهُنَّ ومخافةَ الفقرِ، وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿شُرَكَآؤُهُمْ﴾ أي قُرَنَاؤُهُمْ وشَيَاطِيْنُهُمْ، وَقِيْلَ : سَدَنَةُ ألهِتهم ؛ يعني خُدَّامَ أصنامِهم. قرأ بعضُهم :(زُيِّنَ) على ما لَمْ يُسَمَّ فاعلهُ، ورَفَعَ قولَهُ :﴿قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾ يحملُ على المعنى على الفَاعِلِ ؛ كأنهُ قال : مَنْ زُيِّنَ لَهم، ثم قالَ (شُرَكَاؤُهُمْ) على إضمار (زَيَّنَهُ). وقرأ ابنُ عامرٍ بضمِّ الزاي، وَقِيْلَ : بضمِّ اللام (أوْلاَدَهُمْ) بالنصب و(شُرَكَائِهِمْ) بالكسرِ. ومعنى ذلكَ : على التقديمَ والتَّاخيرِ ؛ كأنهُ قالَ : زُينِّ لكثيرٍ من المشركينَ قَتلَ شُرَكايُهم أولادِهم، فيكونُ معنى الشركاءِ الكفار القاتلون، المتقدِّمون منهمُ والباقونَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ أي لِيُهْلِكُوهُمْ. يجوزُ أن تكون هذه لامَ العاقبةِ، إن لم يكن غرضُهم بذلكَ الأمرِ إهلاكَهم، ويجوزُ أن تكون لامَ الغرضِ ؛ لأنه قد كانَ فيهم معانِدون وغيرُ معاندين ؛ فَغلبَتْ صفةُ المعاندين. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ ؛ أي لِيَخْلِطُوا ويُشَبهُوا عليهم دينَهم دينَ إسماعيلَ عليه السلام. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ ؛ أي لو شاءَ الله لَمَنَعَهُمْ من دفنِ البناتِ أحياءً، ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ ؛ أي اتْرُكْهُمْ وافتراءَهم على اللهِ أنه أمَرهم بدفنِ بناتِهم أحياءً، فإنَّ اللهَ تعالى مع قدرتهِ عليهم تَرَكَهُمْ ؛ فاتركْهُم أنتَ، فإنَّ لَهم موعداً يُحاسبون فيهِ. وقُرِىءَ :(قَتْلَ أوْلاَدِهِمْ شُرَكَائِهِمْ) كلاهُما بالكسرِ، فتكون الشركاءُ من نعتِ الأولاد ؛ لأن أولادَهم شركاؤهم في أموالِهم.

الأنعام 6:138

قَوْلُهُ عَزََّ وَجَلَّ :﴿وَقَالُواْ هَـاذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ ؛ أي قالوا : هذهِ الأنعامُ والحرثُ التي جعلوا بعضَها للهِ وبعضَها للأوثان حِجْرٌ ؛ أي حرامٌ لا يأكلُها ولا يذوقُها إلا مَن يُأذنُ له في أكلِها ؛ وهم الرجالُ دونَ النِّسَاءِ، ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ أي بقولِهم. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ ؛ هي الْبَحِيْرَةُ والسَّائِبَةُ وَالْحَامُ ؛ حَرَّمُوا الركوبَ عليها، وأما الْوَصِيْلَةُ فإنَّها كانت من الغَنَمِ خاصَّة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ ؛ أي وأنعامٌ أُخَرُ كانوا يذبحونَها للأصنامِ تَقَرُّباً إليها ؛ زَعَمُوا أنَّ اللهَ أمرَهم بذلك. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿افْتِرَآءً عَلَيْهِ﴾ ؛ أي على اللهِ، نُصِبَ على معنى :﴿لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ كَذِباً على اللهِ أنهُ أمرَهم بذلك. وَقِيْلَ : نُصِبَ على المصدر ؛ أي افَتَرَوا افْتِرَاءً. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ ؛ أي سَيُكَافِئُهُمْ بكَذِبهِمْ وافترائِهم على اللهِ.

الأنعام 6:139

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـاذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ ؛ أي قالَ أهلُ الجاهليَّةِ : إنَّ الأجِنَّةَ التي في بُطُونِ هذه الأنعام - التي زَعَمُوا أنَّهَا لأوثانِهم - إذا انْفَصَلَتْ عن الأمَّهاتِ ؛ فهي حلالٌ لرجالِنا منافعُها وألبانُها، ومُحَرَّمٌ على نسائِنا ما دامَت تلكَ حَيَّةً. وأمَّا تأنيثُ الـ (خَالِصَةٌ) ؛ فعلى معنَى : سَأَلَهُمْ. قال جماعةٌ : مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأنْعَامِ أو الأنعامِ التي في بُطُونِ هذهِ الأنعامِ. وأما تذكيرُ قولهِ :﴿وَمُحَرَّمٌ﴾ فلأنهُ مردودٌ على لفظِ (مَا). وقرأ الأعمشُ :(خَالِصٌ لِذُكُورنَا) بغيرِها، وردَّهُ إلى (مَا). ومَن نَصَبَ (خَالِصَةً) فعلى القَطْعِ ؛ تقديرهُ : مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأنْعَامِ لِذُكُورنَا خَالِصاً. وقرأ ابنُ عبَّاس :(خَالِصَةٍ) بالإضافةِ إلى الهاء. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن يَكُن مَّيْتَةً﴾ ؛ أي قالُوا : وَإنْ تَكُنْ أجنَّةُ هذه الأنعام ميتةً ؛ ﴿فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ﴾ ؛ الرِّجَالُ النساءُ. قرأ أبو جعفرٍ وابنُ عامرِ :(وَإنْ تَكُنْ) بالتاء (مَيْتَةٌ) بالرفعِ على معنى وإنْ يَقَعْ. وقرأ ابنُ كثيرٍ كذلكَ إلا أنه بالياء، وقرأ أبو بكرٍ التاء (تَكُنْ مَيْتَةً) بالنصب على معنى : وإن تكن الأجنةُ ميتةً. وقرأ الباقون (يَكُنْ) بالياء والنصب، وردُّوه إلى ما يؤيِّدُ ذلكَ قولهُ :﴿فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ﴾ ولم يقل : فيها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ ؛ أي سَيَجْزِيَهِمْ في الآخرةِ بوَصْفِهِمْ الذي وَصَفُوا في هذه الأنعام، إلا أنهُ لَمَّا حذفَ الباءَ انتصبَ، ويجوزُ أن يكون معناه : سَيَجْزِيُهِمْ جَزَاءَ وَصْفِهِمْ، إلا أنهُ حذف الجزاءَ، وأجرى إعرابَهُ على (وَصْفَهُمْ)، ﴿إِنَّهُ حِكِيمٌ﴾ ؛ في مجازاتهم ؛ ﴿عَلِيمٌ﴾ ؛ بمقدار جزائهِم. والمعنى : سيجزيهم على وَصْفِهِمُ الكذبَ على اللهِ.

الأنعام 6:140

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ؛ أي الذين قَتَلُوا بناتِهم أحياءً جَهْلاً منهم، ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي بلاَ بَيَانٍ ولا حُجَّةٍ. نزلت في رَبيْعَةَ ومُضَرٍ الذين كانوا يدفِنون بناتِهم أحياءً مخافةَ السَِّبْيِ والفقرِ، إلا مَن كان مِن بني كِنَانَةَ، فإنَّهم كانوا لا يفعلونَ ذلك. وقرأ الحسنُ والسلميُّ وأهلُ مكة والشَّام :(قَتَلُوا) بالتشديد على التَّكْثِيْرِ، وخفَّفَ الباقون. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَآءً عَلَى اللَّهِ﴾ ؛ أي حَرَّمُوا على أنفسِهم ما أعطاهُم اللهُ من الرِّزْقِ ومن الأنعامِ والحرث، يعني : أنَّ هؤلاء الكفَّار لِجَهْلِهِمْ يقتلونَ البناتَ أحياءً مخالفةَ الفقرِ والإنفاق، ثم يجعلون طائفةً من أموالِهم للأوثانِ، ويُحَرِّمُونَهَا على إنَاثِ أولادِهم. وقولهُ :﴿افْتِرَآءً عَلَى اللَّهِ﴾ أي يَفْتَرُونَ ذلك افْتِرَاءً عَلَى اللهِ ؛ بأنَّ اللهَ حَرَّمَ هذه الأشياءَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَدْ ضَلُّواْ﴾ ؛ أي ضَلُّوا في فِعْلِهِمْ هذا عنِ الْهُدَى، ﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ ؛ مَنَ الضَّلاَلَةِ.