Lafzullah

كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — يونس 10:1 – يوسف 12:111

المؤلف / المصدر: أبو بكر الحداد اليمني (ت 800هـ) · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-1239)

المحتويات
  1. يونس 10:1
  2. يونس 10:2
  3. يونس 10:3
  4. يونس 10:4
  5. يونس 10:5
  6. يونس 10:6
  7. يونس 10:7
  8. يونس 10:8
  9. يونس 10:9
  10. يونس 10:10
  11. يونس 10:11
  12. يونس 10:12
  13. يونس 10:13
  14. يونس 10:14
  15. يونس 10:15
  16. يونس 10:16
  17. يونس 10:17
  18. يونس 10:18
  19. يونس 10:19
  20. يونس 10:20
  21. يونس 10:21
  22. يونس 10:22
  23. يونس 10:23
  24. يونس 10:24
  25. يونس 10:25
  26. يونس 10:26
  27. يونس 10:27
  28. يونس 10:28
  29. يونس 10:29
  30. يونس 10:30
  31. يونس 10:31
  32. يونس 10:32
  33. يونس 10:33
  34. يونس 10:34
  35. يونس 10:35
  36. يونس 10:36
  37. يونس 10:37
  38. يونس 10:38
  39. يونس 10:39
  40. يونس 10:40
  41. يونس 10:41
  42. يونس 10:42
  43. يونس 10:43
  44. يونس 10:44
  45. يونس 10:45
  46. يونس 10:46
  47. يونس 10:47
  48. يونس 10:48
  49. يونس 10:49
  50. يونس 10:50
  51. يونس 10:51
  52. يونس 10:52
  53. يونس 10:53
  54. يونس 10:54
  55. يونس 10:55
  56. يونس 10:56
  57. يونس 10:57
  58. يونس 10:58
  59. يونس 10:59
  60. يونس 10:60
  61. يونس 10:61
  62. يونس 10:62
  63. يونس 10:63
  64. يونس 10:64
  65. يونس 10:65
  66. يونس 10:66
  67. يونس 10:67
  68. يونس 10:68
  69. يونس 10:69
  70. يونس 10:70
  71. يونس 10:71
  72. يونس 10:72
  73. يونس 10:73
  74. يونس 10:74
  75. يونس 10:75
  76. يونس 10:76
  77. يونس 10:77
  78. يونس 10:78
  79. يونس 10:79
  80. يونس 10:80
  81. يونس 10:81
  82. يونس 10:82
  83. يونس 10:83
  84. يونس 10:84
  85. يونس 10:85
  86. يونس 10:86
  87. يونس 10:87
  88. يونس 10:88
  89. يونس 10:89
  90. يونس 10:90
  91. يونس 10:91
  92. يونس 10:92
  93. يونس 10:93
  94. يونس 10:94
  95. يونس 10:95
  96. يونس 10:96
  97. يونس 10:97
  98. يونس 10:98
  99. يونس 10:99
  100. يونس 10:100
  101. يونس 10:101
  102. يونس 10:102
  103. يونس 10:103
  104. يونس 10:104
  105. يونس 10:105
  106. يونس 10:106
  107. يونس 10:107
  108. يونس 10:108
  109. يونس 10:109
  110. هود 11:1
  111. هود 11:2
  112. هود 11:3
  113. هود 11:4
  114. هود 11:5
  115. هود 11:6
  116. هود 11:7
  117. هود 11:8
  118. هود 11:9
  119. هود 11:10
  120. هود 11:11
  121. هود 11:12
  122. هود 11:13
  123. هود 11:14
  124. هود 11:15
  125. هود 11:16
  126. هود 11:17
  127. هود 11:18
  128. هود 11:19
  129. هود 11:20
  130. هود 11:21
  131. هود 11:22
  132. هود 11:23
  133. هود 11:24
  134. هود 11:25
  135. هود 11:26
  136. هود 11:27
  137. هود 11:28
  138. هود 11:29
  139. هود 11:30
  140. هود 11:31
  141. هود 11:32
  142. هود 11:33
  143. هود 11:34
  144. هود 11:35
  145. هود 11:36
  146. هود 11:37
  147. هود 11:38
  148. هود 11:39
  149. هود 11:40
  150. هود 11:41
  151. هود 11:42
  152. هود 11:43
  153. هود 11:44
  154. هود 11:45
  155. هود 11:46
  156. هود 11:47
  157. هود 11:48
  158. هود 11:49
  159. هود 11:50
  160. هود 11:51
  161. هود 11:52
  162. هود 11:53
  163. هود 11:54
  164. هود 11:55
  165. هود 11:56
  166. هود 11:57
  167. هود 11:58
  168. هود 11:59
  169. هود 11:60
  170. هود 11:61
  171. هود 11:62
  172. هود 11:63
  173. هود 11:64
  174. هود 11:65
  175. هود 11:66
  176. هود 11:67
  177. هود 11:68
  178. هود 11:69
  179. هود 11:70
  180. هود 11:71
  181. هود 11:72
  182. هود 11:73
  183. هود 11:74
  184. هود 11:75
  185. هود 11:76
  186. هود 11:77
  187. هود 11:78
  188. هود 11:79
  189. هود 11:80
  190. هود 11:81
  191. هود 11:82
  192. هود 11:83
  193. هود 11:84
  194. هود 11:85
  195. هود 11:86
  196. هود 11:87
  197. هود 11:88
  198. هود 11:89
  199. هود 11:90
  200. هود 11:91
  201. هود 11:92
  202. هود 11:93
  203. هود 11:94
  204. هود 11:95
  205. هود 11:96
  206. هود 11:97
  207. هود 11:98
  208. هود 11:99
  209. هود 11:100
  210. هود 11:101
  211. هود 11:102
  212. هود 11:103
  213. هود 11:104
  214. هود 11:105
  215. هود 11:106
  216. هود 11:107
  217. هود 11:108
  218. هود 11:109
  219. هود 11:110
  220. هود 11:111
  221. هود 11:112
  222. هود 11:113
  223. هود 11:114
  224. هود 11:115
  225. هود 11:116
  226. هود 11:117
  227. هود 11:118
  228. هود 11:119
  229. هود 11:120
  230. هود 11:121
  231. هود 11:122
  232. هود 11:123
  233. يوسف 12:1
  234. يوسف 12:2
  235. يوسف 12:3
  236. يوسف 12:4
  237. يوسف 12:5
  238. يوسف 12:6
  239. يوسف 12:7
  240. يوسف 12:8
  241. يوسف 12:9
  242. يوسف 12:10
  243. يوسف 12:11
  244. يوسف 12:12
  245. يوسف 12:13
  246. يوسف 12:14
  247. يوسف 12:15
  248. يوسف 12:16
  249. يوسف 12:17
  250. يوسف 12:18
  251. يوسف 12:19
  252. يوسف 12:20
  253. يوسف 12:21
  254. يوسف 12:22
  255. يوسف 12:23
  256. يوسف 12:24
  257. يوسف 12:25
  258. يوسف 12:26
  259. يوسف 12:27
  260. يوسف 12:28
  261. يوسف 12:29
  262. يوسف 12:30
  263. يوسف 12:31
  264. يوسف 12:32
  265. يوسف 12:33
  266. يوسف 12:34
  267. يوسف 12:35
  268. يوسف 12:36
  269. يوسف 12:37
  270. يوسف 12:38
  271. يوسف 12:39
  272. يوسف 12:40
  273. يوسف 12:41
  274. يوسف 12:42
  275. يوسف 12:43
  276. يوسف 12:44
  277. يوسف 12:45
  278. يوسف 12:46
  279. يوسف 12:47
  280. يوسف 12:48
  281. يوسف 12:49
  282. يوسف 12:50
  283. يوسف 12:51
  284. يوسف 12:52
  285. يوسف 12:53
  286. يوسف 12:54
  287. يوسف 12:55
  288. يوسف 12:56
  289. يوسف 12:57
  290. يوسف 12:58
  291. يوسف 12:59
  292. يوسف 12:60
  293. يوسف 12:61
  294. يوسف 12:62
  295. يوسف 12:63
  296. يوسف 12:64
  297. يوسف 12:65
  298. يوسف 12:66
  299. يوسف 12:67
  300. يوسف 12:68
  301. يوسف 12:69
  302. يوسف 12:70
  303. يوسف 12:71
  304. يوسف 12:72
  305. يوسف 12:73
  306. يوسف 12:74
  307. يوسف 12:75
  308. يوسف 12:76
  309. يوسف 12:77
  310. يوسف 12:78
  311. يوسف 12:79
  312. يوسف 12:80
  313. يوسف 12:81
  314. يوسف 12:82
  315. يوسف 12:83
  316. يوسف 12:84
  317. يوسف 12:85
  318. يوسف 12:86
  319. يوسف 12:87
  320. يوسف 12:88
  321. يوسف 12:89
  322. يوسف 12:90
  323. يوسف 12:91
  324. يوسف 12:92
  325. يوسف 12:93
  326. يوسف 12:94
  327. يوسف 12:95
  328. يوسف 12:96
  329. يوسف 12:97
  330. يوسف 12:98
  331. يوسف 12:99
  332. يوسف 12:100
  333. يوسف 12:101
  334. يوسف 12:102
  335. يوسف 12:103
  336. يوسف 12:104
  337. يوسف 12:105
  338. يوسف 12:106
  339. يوسف 12:107
  340. يوسف 12:108
  341. يوسف 12:109
  342. يوسف 12:110
  343. يوسف 12:111

يونس 10:1

﴿الر﴾ ؛ قال ابن عباس :(مَعَنْاهُ : أنَا اللهُ أرَى) وعنه :(أنَّهُ مِنْ حُرُوفِ الرَّحمَنِ). وقيل : أنا الربُّ لا ربَّ غيرهُ. وقولهُ تعالى :﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ ؛ أي هذهِ آياتُ الكتاب، وإنَّما أضافَ السورةَ إلى القُرآنِ ؛ لأنَّها بعضُ الكتاب، كما تضافُ السورة لأنَّها بعضهُ. وأما وصفُ القرآنِ بأنه حكيمٌ ؛ فلأنَّ القرآنَ كالناطِق بالحكمة بما فيه بين التمييزِ بين الحقِّ والباطلِ. ويقالُ : معنى الحكيمِ الْمُحْكَمُ بالحلالِ والحرامِ والأمرِ والنهي، يقالُ : أحكمتُ الشيءَ فهو مُحْكَمٌ وحكيمٌ، كما يقالُ : أكرمتُ الرجلَ فهو مُكْرَمٌ وكَرِيمٌ.

يونس 10:2

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ﴾ معناه : أعَجِبَتْ قريشُ أنْ أوحَينا إلى رجُلٍ مثلهم من أهلِ نسَبهم أنْ خَوِّفِ الناسَ بالعذاب، ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ ؛ وذلك أنَّ الكفار كانوا يقولُون : لم يجدِ اللهُ رسولاً يبعثه إلينا إلاَّ يتيمَ أبي طالبٍ. ويقالُ : كانوا يَعجَبون من البعثِ بعدَ الموتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي أعمالهم الصالحةَ التي قدَّمُوها لأنفسِهم سَلَفَ خيرٍ عند ربهم يستوجبون بها المنْزِلةَ الرفعيةَ في آخرتِهم عند ربهم، وعن ابنِ عبَّاس أنه قال :(قَدَمَ صِدْقٍ : شَفَاعَةً بَيْنَهُمْ لَهُمْ هُوَ إمَامُهُمْ إلَى الْجَنَّةِ وَهُمْ بالأَثَرِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـاذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ أي قال كفَّار مكة : إنَّ هذا القرآنَ لسِحرٌ مُبينٌ، وقرأ أهلُ الكوفة وابن كثير (لَسَاحِرٌ) بالألفِ يعنُونَ مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم.

يونس 10:3

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ؛ ولو شاءَ لخلقَها في أقلِّ من لحظةٍ، ولكنَّهُ خلَقَها للترتيب ؛ ليكون حدوثُ شيءٍ بعدَ شيءٍ على الترتيب أبلغَ للملائكةِ في التفكرُّ بها من حُدوثِها كلِّها في حالةٍ واحدة، وقد تقدَّم تفسيرُ الاستواءِ، ودخلت (ثُمَّ) على الاستواءِ وهي في المعنى داخلةٌ على الترتيب، كأنَّهُ قال : ثُمَّ يُدبرُ الأمرَ وهو مستوٍ على العرشِ، فإنَّ تدبيرَ الأمُور كلها يَنْزِلُ من عندِ العرش، ولهذا تُرْفَعُ الأيدِي في قضاءِ الحوائج نحوَ العرشِ. والاستواءُ : الاستيلاءُ، ولم يَزَلِ اللهُ سبحانه مُستَولياً على الأشياءِ كلِّها، إلا أن تخصيصَ العرشِ لتعظيمِ شأنه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ ؛ أي يقضِي القضاءَ إلى الملائكةِ من رسُلهِ ولا يُشرِكُه في تدبيرِ أحدٌ من خلقهِ. وعن عمرِو بن مُرَّة " عن عبدالرحمن بن سابط " قال :" يُدَبرُ أمْرَ الدُّنْيَا بأَمْرِ اللهِ أرْبَعَةٌ : جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَمَلَكُ الْمَوْتِ وَإسْرَافِيلُ. أمَّا جِبْرِيلُ فَعَلَى الرِّيَاحِ وَالْجُنُودِ، وَأمَّا مِيكَائِيلُ فَعَلَى الْقَطْرِ وَالنَّبَاتِ، وَأمَّا مَلَكٌ الْمَوْتِ فَوُكَّلَ بقَبْضِ الأَرْوَاحِ، وَأمَّا إسْرَافِيلُ فَهُوَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ بمَا يُؤْمَرُونَ بهِ ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ جوابُ قولِ الكفَّار أنَّ الأصنامَ شُفعاؤُنا عندَ اللهِ، فبيَّن اللهُ تعالى ما مِن مَلَكٍ مقرَّبٍ، ولا نبيٍّ مُرسَلٍ يشفعُ لأحدٍ إلا مِن بعد أنْ يأذنَ اللهُ لمن يشاء ويرضَى، فكيف تشفعُ الأصنام التي ليس لها عقلٌ وتمييز. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذالِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ ؛ أي الذي يفعلُ ما هو المذكور في هذه الآيةِ من خَلْقِ السَّموات والأرضِ وتدبير الخلق هو اللهُ خالقكم ورازقُكم، ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ ؛ ولا تعبدُوا الأصنامَ فإنَّها لا تستحقُ العبادةَ، وقولهُ تعالى :﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ ؛ أي هل تتَّعِظُونَ بالقرآن.

يونس 10:4

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً﴾ ؛ أي إلى اللهِ سبحانه رجوعُكم جميعاً، وانتصبَ قولهُ :﴿جَمِيعاً﴾ على الحالِ، وقوله ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ نُصبَ على المصدرِ ؛ أي وعدَ اللهُ وَعداً، والمعنى وعدَ الله البعثَ بعدَ الموتِ وعَداً حقّاً كائناً لا شكَّ فيه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ؛ أي يخلقُكم في بطون أمَّهاتِكم نُطَفاً، ثم عَلَقاً ثم مُضغَةً ثم عظاماً، ثم يخرجُكم نَسْماً للتَّمامِ، ثم يُميتكم عند انقضاءِ آجالكم ثم يبعثُكم بعد الموتِ، وفي هذا بيانُ أن خلقَ الشيءِ على الترتيب حالٌ بعد حالٍ أدلُّ على الترتيب في خلقهِ جُملةً واحدة في ساعةٍ واحدة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ ؛ فيه بيانُ أن البعثَ للجزاءِ ؛ لنَجزِيَهم بالعدلِ لئَلاَّ ننقصَ من ثواب محسن، ولا نزيدُ على عقاب مُسِيءٍ، بل يُجازي كُلاًّ على قدر عمله كما قال﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾[النبأ: ٢٦]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾ ؛ أي من ماءٍ حارٍّ قد انتهى حرُّهُ، ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ وجيعٌ يخلُصُ وجعهُ إلى قلوبهم، ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ ؛ بالكتُب والرسُل.

يونس 10:5

قَوْلُه تَعَالَى :﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ ؛ أي هو الذي جعل الشمسَ ضياءً للعالَمين بالنهارِ، والقمرَ نوراً بالليلِ. رُوي في الخبرِ : أنَّ وجوهَهما إلى العرشِ وظهُورَهما إلى الأرضِ، يُضيء وجوهَهما لأهلِ السموات السَّبع، وظهورهما لأهلِ الأرضين السبع، كما قال﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً﴾[نوح: ١٦]. قْوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَدَّرَهُ﴾ أي قدَّرَ القمرَ منازلَ وهي ثمانٍ وعشرون منْزِلةً في كلِّ شهرٍ. وقيل معناه :﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ لا يجاوِزُها ولا يقصِرُوها، وَِقِيْلَ : جعل (قَدَّرَ) لهما يعدى إلى مفعولين، ويجوز أن يكون المعنى وقدَّرَهما، إلا أنه حذفَ التثنيةَ للاختصار والإيجاز، كما قال تعالى :﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾[التوبة: ٦٢]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ ؛ أي ما خلقَ اللهُ الشمسَ والقمر، إلا لتعلَمُوا الحسابَ وتعتَبروا بهما، وتستدلُّوا بطلوعِها وغروبها على صانعِهما. وقوله :﴿لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ أي لتعلَمُوا بالشمسِ حسابَ السنين وحسابَ الشُّهور والليالي والأيمِ على ما تقدَّمَ أن القمرَ يقطعُ في الشهرِ ما تقطعهُ الشمس في السَّنة، ويعني بقولهِ :﴿وَالْحِسَابَ﴾ حسابَ الأشهُرِ والأيام والساعاتِ، وقولهُ تعالى :﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ ردَّهُ إلى الفعلِ والخلقِ والتدبيرِ، ولو أرادَ الأعيانَ المذكورة لقال : تِلْكَ إلا بالحقِّ، ثم يخلقهُ باطلاً، بل إظهارُ الصَّنعةِ، ودلالتهُ على قدرتهِ وحكمته. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ أي نُبَيِّنُ علاماتِ وحدانيَّة اللهِ تعالى بأنه بعدَ آيةٍ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ تفصيلَ الآياتِ. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص (يُفَصِّلُ) بالياء، واختاره أبو عُبيد وأبو حاتم لقولهِ قبلَهُ ﴿مَا خَلَقَ﴾ فيكون متَّبعاً له، وقرأ الباقون بالنُّون على التعظيمِ.

يونس 10:6

َقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ الَّيلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ ؛ معناهُ : إنَّ في اختلافِ ألوان الليلِ والنهار وتقلُّبها بذهاب الليل وجِيئَةِ النهار، وذهاب النهار وجيئةِ الليل، وفيما خلقَ اللهُ في السَّموات من الشمسِ والقمر والنجومِ والسَّحاب والرياح، والأرضِ من الجبالِ والشجر والبحار والأنهار والدواب والنبات، لعلاماتٍ لقوم يتَّقون اللهَ ويخشَون عقوبتَهُ. فلم يؤمِنوا بهذه الآياتِ ولم يصدِّقُوا، فأنزلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : قولَهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِالْحَياوةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ ؛ معناهُ : إن الذين لا يخشَون عقابَ الله، وتنعَّموا بالحياة الدُّنيا، فلا يعمَلون إلا بها ولا يرجُون إلى ما ورائِها ﴿وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا﴾ أي سَكَنُوا إليها وآثَرُوها على عملِ الآخرة، والذين هُم عن دلائلِ توحيدنا غافلون تاركون لها مكذِّبون بها.

يونس 10:7

َقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ الَّيلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ ؛ معناهُ : إنَّ في اختلافِ ألوان الليلِ والنهار وتقلُّبها بذهاب الليل وجِيئَةِ النهار، وذهاب النهار وجيئةِ الليل، وفيما خلقَ اللهُ في السَّموات من الشمسِ والقمر والنجومِ والسَّحاب والرياح، والأرضِ من الجبالِ والشجر والبحار والأنهار والدواب والنبات، لعلاماتٍ لقوم يتَّقون اللهَ ويخشَون عقوبتَهُ. فلم يؤمِنوا بهذه الآياتِ ولم يصدِّقُوا، فأنزلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : قولَهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِالْحَياوةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ ؛ معناهُ : إن الذين لا يخشَون عقابَ الله، وتنعَّموا بالحياة الدُّنيا، فلا يعمَلون إلا بها ولا يرجُون إلى ما ورائِها ﴿وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا﴾ أي سَكَنُوا إليها وآثَرُوها على عملِ الآخرة، والذين هُم عن دلائلِ توحيدنا غافلون تاركون لها مكذِّبون بها.

يونس 10:8

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ ؛ أي أهلُ هذه الصِّفة مصيرُهم إلى النار، ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ ؛ يعمَلون في دارِ الدُّنيا وقد يُذكر الرجاءُ بمعنى الخوفِ كما قال اللهُ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾[نوح: ١٣] أي لا تخافُون للهِ عَظَمَةً، ويجوزُ أن يكون المعنى : لا يرجون لقاءَنا ؛ أي لا يرجون جزاءَنا، فجعل لقاءَ جزائهِ بمنْزِِلة لقائهِ.

يونس 10:9

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ ؛ أي إن الذين صدَّقُوا بمُحَمَّدٍ والقرآنِ وعمِلُوا الصالحاتِ يُرِشِدُهم ربُّهم على الصِّراط إلى الجنَّة بنُور إيمانِهم. وَقِيْلَ : يرشدُهم إلى منازِلهم في الجنة. وَقِيْلَ : يُثَبتُهُمْ على الإيمان. وقولهُ تعالى :﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ ؛ أي تجرِي الأنهارُ بين أيدِيهم وهم في الغُرَفِ يتطلَّعون عليها كما قال عَزَّ وَجَلَّ حاكياً عن فرعون﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـاذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾[الزخرف: ٥١]. ويجوزُ أن يكون معناه : تجري من تحتِ شَجَرِهم وبساتينهم في جناتِ تنعمون فيها.

يونس 10:10

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾ ؛ أي قولُهم ودعاؤهم في الجنَّة :﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ ؛ فإذا سَمِعَ الخدَّام وذلك من قولِهم أتَوهم بما يشتهون، قال ابن جُريج :(يَمُرُّ الطَّيْرُ عَلَى الرَّجُلِ مِنْ أهلِ الْجَنَّةِ فَيَشْتَهِيهِ، فَيُسَبحُ اللهَ تَعَالَى، فَيَقَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَأْكُلُ مِنْهُ مَا شَاءَ، فَإذا فَرَغَ قَالَ : الْحَمْدُ للهِ). ويقالُ معنى قولهِ :﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾ أي مُفْتَتَحُ كلامِهم التسبيحُ، ومختَتَمُ كلامهم التحميدُ، لاَ أن يكون الحمدُ آخرَ كلامِهم حتى لا يتكلمون بعدَهُ بشيءٍ. قال طلحةُ بن عبدِاللهِ :" سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ قَوْلِ : سُبْحَانَ اللهِ، فَقَالَ :" هُوَ تَنْزِيهٌ للهِ مِنْ كُلِّ سُوءٍ ". وسُئِلَ عَلِيٌّ رضي الله عنه عَنْ ذلِكَ فَقَالَ :(كَلِمَةٌ رَضِيَهَا اللهُ لِنَفْسِهِ). وقال الحسنُ :(بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ حِينَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ :" إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يُلْهَمُونَ الْحَمْدَ وَالتَّسْبيحَ، كَمَا تُلْهَمُونَ أنْفُسَكُمْ ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ؛ أي يحيي بعضهم بعضاً بالسلام، وتحييهم الملائكة بالسلام، وتأتيهم الملائكة من عند ربهم بالسلام، كما في قولهِ تعالى :﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ﴾[الحزاب : ٤٤] قرأ بلالُ بن أبي بُردة وابن محيصن (إنَّ الْحَمْدَ للهِ) بكسرِ (إنَّ) وتشديدِ النون ونصب (الْحَمْدَ).

يونس 10:11

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ ؛ قِيْلَ : إنَّ هذه الآية نزلَت في النَّضْرِ بن الحارثِ حين قال﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـاذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ...﴾[الأنفال: ٣٢] الآية ثم صارت عامَّة في كلِّ مَن يستعجلُ العقابَ الذي يستحقُّه بالمعاصي. معناهُ : ولو يعجلُ الله للناسِ الشرَّ كما يعجِّلُ الخيرَ إذا دعَوا بالرَّحمة والرزقِ والعافية لَمَاتُوا وهَلَكُوا. وَقِيْلَ : المرادُ بهذه الآية دعاءُ الإنسان على نفسهِ وولَدِه وقومهِ، مثلُ قول الرجلِ إذا غَضِبَ على ولدهِ : اللهُمَّ لا تُبارِكْ فيه وَالْعَنْهُ، وقولهُ لنفسهِ : لا رفعني اللهُ من بينكم، والمعنى على هذا : ولو يعجِّلُ الله للناسِ إجابةَ دعائهم في الشرِّ كاستعجالهم الإجابةَ في الخير ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ أي لفَرَغَ من عذابهم وماتُوا جميعاً. وقال شهرُ بن حَوْشَبْ :(قَرَأتُ فِي بَعْضِ الْكُتُب أنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلْمَلَكَيْنِ الْمُوَكَّلَيْنِ : لاَ تَكْتُبَا عَلَى عَبْدِي فِي حَالِ ضَجَرِهِ شَيْئاً). وقرأ ابنُ عامرٍ ويعقوب (لَقَضَى) بفتح القاف والضاد (أجَلَهُمْ) بفتح اللام، وقرأ الأعمشُ (لَقَضَيْنَا) وقرأ العامة (لَقُضِيَ) بضمِّ القاف وكسرِ الضاد، ورفعِ قوله (أجلُهُمْ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي نتركُ الذين لا يخافون البعثَ في ضلالتِهم وكُفرِهم يتحيَّرون ويتردَّدون.

يونس 10:12

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً﴾ ؛ نزلت هذه الآيةُ في هِشَامِ بن المغيرةِ المخزوميِّ، ومعناهُ : إذا أصابَ الإنسانَ الشدَّةُ والمرضُ دعانَا لكشفهِ وهو مضطجِعٌ لِمَا به من المرضِ أو قاعِداً إذا هانت العلَّة، أو قائماً إذا بَقِيَ أثرُ العلَّة، أو كان في شدة معيشة أو غيرِها، ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾ ؛ رفعنَا ما كان به من الشدَّة استمرَّ على الإعراضِ عن شُكرِنا ما أنعَمنا عليه في كشفِ الضرِّ عنه، ﴿مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ﴾ ؛ قطّ ؛ أي كأنَّهُ لم يَمَسَّهُ ضُرٌّ، وكأنْ لم نكشف الضرَّ عنه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذالِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ؛ في الشِّركِ من الدعاء في الشدَّة، وتركِ الدعاء في الرَّخاءِ، فاغتَرُّوا بما زُيِّنَ لَهم.

يونس 10:13

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ﴾ ؛ أي ولقد أهلَكنا الأُممَ الماضيةَ من قبلِكم حين كَفرُوا، ﴿وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ؛ بالدلالاتِ الواضحاتِ، ﴿وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ ؛ فيه بيانٌ أنَّ الله تعالى إنما أهلكَهم ؛ لأنه كان المعلومُ من حالهم أنه لو أبقَاهم أبداً لأدبروا ولم يُؤمِنوا، ولو كان في بقائِهم صلاحٌ لهم ولغيرِهم لأبقَاهم. وقولهُ تعالى :﴿كَذالِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي هكذا نَجزِي القومَ المشركينَ، نُهلِكُهم كما أهلَكنا الأوَّلين.

يونس 10:14

قَوْلُهُ تََعَالَى :﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ ؛ أي ثم أسكنَّاكم الأرضَ من بعد الأوَّلين لنُجازِيكم على ما تعمَلون من الخيرِ والشرِّ، ونشاهدُ هل تعتَبرون بما صُنِعَ بالأَوَّلين أم لا ؟ وهذا على التهديدِ ؛ أي إنْ عامَلتُكم مثل معاملَتِهم أهلكْتُكم كما أهلكتُهم. وإنما قال ﴿لِنَنظُرَ﴾ ؛ لأنه سبحانُ يعامِلُ العبدَ معاملةَ المختبر الذي لا يعلمُ الشيءَ حتى يكون مظاهرة في العدلِ، وأنه إنما يُجَازي العبادَ على أعمالهم لا على علمهِ فيهم، قال رسولُ اللهِ ﷺ :" إنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ، وإنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيْهَا فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ " قال قتادةُ :(وَذكِرَ لَنَا أنَّ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ : صَدَقَ رَبُّنَا مَا جَعَلَنَا خَلْقاً إلاَّ لِيَنْظُرَ إلَى أعْمَالِنَا، فَأَدُّوا أعْمَالَكُمْ خَيْراً باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالسِّرِِّ وَالْعَلاَنِيَةِ).

يونس 10:15

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـاذَآ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ؛ معناهُ : وإذا قُرئَ على أهلِ مكة آياتُنا المنَزَّلة في القرآنِ، قال الذين لا يخشَون عِقابَنا ولا يطمَعون في ثوابنا ولا يُقِرُّونَ بالبعثِ : أئْتِ يا مُحَمَّدُ بقرآنٍ ليس فيه عيبُ آلِهَتنا ولا ذكرٌ في البعثِ والنُّشور. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَنْ أُبَدِّلَهُ﴾ أي قالوا أو بَدِّلْ هذِه بغيرِه، قُل يا مُحَمَّدُ ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ﴾ أي ما يجوزُ وما ينبغي لي أن أُغَيِّرَهُ من قِبَلِ نفسي، ما أقولُ أو ما أعملُ إلا ما يوحَى إلَيَّ من القرآنِ، ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾ ؛ أعلمُ، ﴿إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ ؛ فبدَّلتُ القرآنَ أنه يكون عليَّ، ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.

يونس 10:16

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُل لَّوْ شَآءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ ؛ أي قُل يا مُحَمَّدُ : لو شاءَ اللهُ ما قرأتُ القرآنَ عليكم بأن كان لا يُنَزِّلهُ عَلَيَّ، ﴿وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ ؛ أي ولا أعلمَكم اللهُ به ؛ أي لو شاءَ الله أنْ لا يُشعِرَكم، وفي قراءةِ الحسن (وَلاَ أدْرَاكُمْ بهِ) أي ولا أعلَمَكم به. وقولهُ تعالى :﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ﴾ ؛ أي ومكثتُ فيكم دَهْراً قبلَ إنزالِ القرآن، ولم أقُلْ مِن هذا شيئاً، فليس عليكم ذهنُ الإنسانيَّة أنه ليس من تِلْقَاءِ نفسِي. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ؛ استفهامٌ بمعن الإنكار له : أنَّ الله خالقُ السمواتِ والأرض وهو عالِمٌ بما فيها، يعلمُ أن ليس فيهما إلَهٌ ينفَعُ ويضرُّ غيرهُ، فتخبرونه أنتم بشيءٍ لا يعلمهُ، فيعلم بأخباركم، وهذا نفيٌّ للعلمِ، والمرادُ به نفيُ ما قالوه : من أن شفاعةَ الأصنامِ " تنفعهم ".

يونس 10:17

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ أي لا أجدُ ممن اختلقَ على اللهِ كذباً بأنْ جعلَ شريكاً له أو ولَداً إذا ادَّعَى النبوةَ بغيرِ حقٍّ، أو قالَ : أُمِرْنا بعبادةِ الأصنام فنتقرب بعبادتِها إليه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَـاتِهِ﴾ ؛ أي بأنبيائهِ ورسُلهِ وكتُبهِ، وقولُه تعالى :﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ ؛ أي لا يوصِلُهم إلى مُرادِهم.

يونس 10:18

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ﴾ ؛ أي وإنَّ أهلَ مكَّة يعبُدون مِن دون اللهِ الأصنامَ التي لا يضرُّهم إنْ تَرَكُوا عبادتَها ولا ينفعُهم إنْ عَبَدُوها، ﴿وَيَقُولُونَ هَـاؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ ؛ فإنَّهُ الذي أذِنَ لنا في عبادتِها وأنه يستشفعها فينا، وأرادُوا بذلك شفاعةَ الأصنامِ في مصالحِ دُنياهم ؛ لأنَّهم كانوا لا يُقِرُّونَ بالبعثِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ هذا لا يكون أبداً. ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ؛ أي تَنْزيهاً للهِ عن كلِّ صفةٍ لا تليقُ بذاتهِ، وارتفعَ وتَبَرَّأ عمَّا يُشرِكون بهِ مِن الأصنامِ والأوثان.

يونس 10:19

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ﴾ ؛ اختلفَ الناسُ في المرادِ بهذه الآيةِ، قال بعضُهم : أرادَ بذلك أنَّ الناسَ كانوا أُمَّةً واحدةً في وقتِ آدمَ عليه السلام، ثم اختلَفُوا بأنْ كَفَّرَ بعضُهم بعضاً، وأوَّلُ مَن اختلفَ قابيلُ وهابيل. ويقال : أرادَ به الناسَ كلَّهم وُلِدُوا على الفطرةِ، ثم اختلَفُوا بأنْ غيَّر بعضُهم الفطرةَ ولم يغِّيرْ بعضهم، بل ثبتَ عليها. وقال بعضهم : أرادَ بذلك أنَّهم كانوا أُمة واحدةً على عهدِ إبراهيم ونوحٍ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ كلُّهم كانوا كافِرين، فتفرَّقوا بين مؤمنٍ وكافر. ويقال : أرادَ بالناسِ ههنا العربَ، كانوا على الشِّركِ قبلَ مبعثِ النبيِّ ﷺ ثم اختلَفُوا بعدَهُ، فآمَنَ وكفرَ بعضُهم. فالقولُ الأوَّلُ أقربُ إلى ظاهرِ الآية. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ؛ لو كان لكم من اللهِ سبقٌ ببقاءِ التكليف على الناسِ أي وقت معلوم سواءٌ أطاعوهُ أو عصَوهُ لِمَا عَلِمَ من المصلحةِ لهم ولغيرِهم في ذلك، لعجَّلَ لهم العذابَ عند العصيانِ، فاضطرَّهم إلى معرفةِ الحقِّ فيما اختلفوا فيه. وقرأ عيسَى بن عُمر (لَقَضَى بَيْنَهُمْ) بالفتحِ.

يونس 10:20

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ للَّهِ﴾ ؛ أي يقولُ كفار مكةَ : هَلاَّ أنزِلَ على مُحَمَّدٍ آيةٌ من ربه، يعنُون الآيةِ التي كانوا يقترحونَها على سوى الآيات التي أنزل اللهُ تعالى ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ للَّهِ﴾ أي قُل لَهم يا مُحَمَّدُ نزول الآياتِ لله تعالى لو عَلِمَ الإصلاحَ في زيادةِ الآيات لأَنزَلَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَانْتَظِرُواْ﴾ ؛ أي فانتَظِروا عقابَ اللهِ بالقتلِ في الدُّنيا والنار في الآخرة، ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾ ؛ بهلاكِكُم بما أوعدَ اللهُ تعالى.

يونس 10:21

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ ؛ معناهُ : إذا أعطَينا الناسَ ما يُسَرُّونَ به من العافيةِ والنِّعمَةِ والرحمةِ المطر من بعدِ فَقْرٍ وبلاء ومرَضٍ وقحطٍ وشدَّةٍ أصابَتهُم، إذا لَهم مكرٌ في آياتِنا بالاحتيالِ في دفْعِها والتكذيب بها، كانوا لا يقولون : هو رزْقُ اللهِ ورحمتهُ، و(إذا) تنوب عن جواب الشرط كما ينوبُ الفعلُ، والمعنى إذا مَسَّتْهُمْ راحةٌ ورخاء بعد شدَّةٍ وبلاء. وَقِيْلَ : مطرٌ بعد قحطٍ إذا لهم كفرٌ وتكذيب. قال مقاتل :(لاَ يَقُولُونَ هَذا رزْقُ اللهِ، وَإنَّمَا يَقُولُونَ : سُقِينَا بنَوْءِ كَذا) وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾[الواقعة: ٨٢]. قَوْلُهُ تَعَالى :﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً﴾ أي أسرعُ جزاءً على المكرِ وأقدرُ على ذلكَ، يسمَّى الجزاءُ باسمِ الْمَجْزِيِّ عليه. وَقِيْلَ : معناهُ : قُلِ اللهُ أعجلُ عقوبةً وأشدُّ أخذاً وأقدرُ على الجزاءِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ ؛ أي الكِرَامُ الكَاتِبين، يكتبُون ما تَمكُرون أنتم. قرأ الحسنُ ومجاهد وقتادة ويعقوب (مَا يَمْكُرُونَ) بالياء.

يونس 10:22

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ؛ أي هو الذي يسهِّلُ عليكم السِّيرَ ويحفَظُكم إذا سافَرْتُم في البَرِّ على الدواب، وفي البحرِ على السُّفُن، فالسيرُ في البحرِ مضافٌ إلى اللهِ على الحقيقة ؛ لأنَّ سَيْرَ السفينةِ لا يكون بجَرْيِ الماء، وبالريحِ للسَّفينة. وأما السيرُ في البرِّ فإضافتهُ إلى اللهِ تعالى على معنى تسخير الْمَرْكُوب، وتسييرهِ بإمساكهِ بقُدرَةِ الله تعالى أيضاً. قرأ ابنُ عامرٍ وأبو جعفر (يَنْشُرُكُمْ)، والسَّيْرُ من النَّشْرِ ؛ أي نَبُثُّكُمْ في البرِّ والبحرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ ؛ أي حتى إذا كُنتم في السُّفن، وقد يكون الفُلْكُ واحداً، وقد يكون جَمعاً، فمَن جعلَهُ واحداً فجمعهُ أفْلاَكٌ، ومن جعلَهُ جَمعاً فواحدُ فَلَكٍ، كما يقالُ أسَدٌ وَأُسْدٌ. وقولهُ تعالى :﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ أي السُّفنُ جَرَيْنَ بأهِلها بريحٍ لَيِّنَةٍ ساكنةٍ، وفَرِحُوا بسُكونِ ريحِها وأُعجِبُوا، قال الزجَّاجُ :(ابْتِدَاءُ الْكَلاَمِ خَطَابٌ، وَبَعْدَ ذلِكَ إخْبَارٌ عَنْ مَعَانِيهِ ؛ لأنَّ مُخَاطَبَةَ اللهِ لِعِبَادِهِ لاَ تَكُونُ إلاَّ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ، وَذلِكَ بمَنْزِلَةِ الإخْبَارِ عَنِ الْغَائِب). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَآءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ ؛ أي ركوبُهم الموجَ من كلِّ جانبٍ. وقولهُ تعالى :﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ ؛ أي أيْقَنُوا أنه قد دَنَا هَلاكُهم، تقولُ العرب لكلِّ مَن وقعَ في الهلاكِ، أو بليَّة عظيمةٍ : أُحِيطَ بفُلاَنٍ ؛ أي أحاطَ به الهلاكُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ؛ أي دَعَوا اللهَ ليكشِفَ ذلك عنهم، مُخلصين له الاعتقادَ، لا يدعُون عند الشدَّة غيرَهُ، قال الحسنُ :(لَيْسَ هُوَ إخْلاَصُ الإيْمَانِ، وَلَكِنَّهُ لِعِلْمِهِمْ بأنَّهُ لاَ يُنْجِيهِمْ مِنْ تِلْكَ الشِّدَّةِ إلاَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـاذِهِ﴾ ؛ أي مِن هذه الرِّيح الشديدةِ والغرق، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ؛ لكَ على نَعمَائِكَ.

يونس 10:23

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ؛ فلما أنْجَاهُم من البحرِ إذا هم يتطاوَلون على أنبياءِ الله وأوليائهِ، ويعمَلُون بالمعاصِي والفساد، والدعاءِ إلى غير عبادة الله. والبَغْيُ في اللغة : التَّرَامِي إلى الفسادِ، يقالُ : بغَى الجرحُ بَغْياً إذا ترامَى إلى الفسادِ، وبَغَتِ المرأةُ إذا فسَدَتْ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي إنَّما ظُلْمُكم وتطاولُكم يعودُ ضَررهُ عليكم، ويرجعُ وَبَالُهُ إليكم، وقولهُ تعالى :﴿مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي هو تَمَتُّعٌ قليلٌ في الدُّنيا، ومتاعٌ يَذْهَبُ ويَفْنَى، ويجوزُ أن يكون قولهُ :﴿مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ خبرٌ لقولهِ ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ أي لا يتهيَّأُ لكم إلاَّ أن يبغِي على بعضٍ في مدَّة يسيرةٍ من الدُّنيا مع سرعةِ انقضائها، ﴿ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ﴾ ؛ بعد الموتِ، ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ؛ وقرأ حفص (مَتَاعَ) بالنصب على المصدر.

يونس 10:24

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَآءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ﴾ ؛ معناهُ : إنما صفةُ حياةِ الناسِ الدُّنيا وهي الحياةُ الأُولى، صفةُ ما أنزلَ اللهُ فينبتُ به أنواعَ النباتِ، واختلطَ بعضهُ إلى بعضٍ ؛ لأن المطرَ يختلطُ بالنباتِ ويدخلُ في خلالهِ. قَوْلُهَ تَعَالَى :﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ﴾ ؛ أي مما يصيرُ إلى الناسِ من الحبوب والثمارِ، وبعضه عَلَفاً للدَّواب من العشب والكَلإِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى إِذَآ أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ ؛ أي زيَّنَها من النباتِ، والزُّخْرُفُ : حُسْنُ الشَّيءِ، وقولهُ ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ أي تزَّينت بنباتِها وأثمارِها من الأحمرِ والأصفر والأخضر وسائرِ الألوان التي لا غايةَ لها في الْحُسْنِ بعدَها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ﴾ ؛ حسِبَ أهلُها إدراكَ الانتفاعِ بها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً﴾ ؛ أي أتَاها عقابُنا في ليلٍ أو نَهار، إما ببَردٍ أو بصواعقَ محرقةٍ أو غيرها، ويسمَّى العقابُ أمراً ؛ لأنَّ أفعالَ الله سبحانَهُ تضافُ إليها بلفظِ الأمر ؛ لأنَّ ذلك أدلُّ على سُرعَةِ السُّكون من غيرِ استبطاءٍ ولا تَعَبٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ ؛ أي كأَنْ لم يكن بذلكَ المكانِ شيءٌ من الخضرِ والحسن والنباتِ، والْمَغْنَى : هو الموضعُ الذي يقام فيه ويعمر، والمغانِي : المنازلُ التي يعمِّرها الناس بالنُّزول بها، كما يقالُ غنَينا بمكانِ كذا إذا نُزَادُ به، ووجهُ تشبيه الحيامةِ الدنيا بالمطرِ الذي يُنْزَلُ فينبت به النباتُ، ثم يقضى فينقطعُ أنه كما لا يبقَى من ذلك شيءٌ من ذلك النباتِ، كذلك المتمسِّكُ بالدنيا أقوَى ما ينتهِي إليه أمرُ دنياه يأتيهِ الموتُ. وقرأ ابنُ مسعودٍ وتزِّينت، وقرأ أبو عُثمان الشهدي والضحَّاك (وَازَّانَتْ) على وزن (احْمَارَّتْ)، وقرأ أبُو رجاء والشعبيُّ والحسن (وَازَّيَّنَتْ) على مثال (افَّعَّلَتْ) مقطوعةُ الألف ساكنة الزاي، قال قطربُ معناه :(أتَتْ بالزِّينَةِ) كما يقالُ : اذكَّرَتِ المرأةُ وَأَنَّثَتْ إذا أتَتْ بالذُّكورِ والإناثِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذالِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ﴾ ؛ أي كما فصَّلنَاكم، فكذلكَ نُبيِّنُ الآياتِ في القرآن، ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ؛ في أمرِ الدُّنيا والآخرة، وإنما خَصَّ بذلك من يتفَكَّرُ ؛ لأن الغافلَ عن ذلك والمتغافِلُ لا يكادُ ينتفع بهذه الأمور، بل هو كالأنعامِ وأضَلُّ.

يونس 10:25

قَوْلُهُ تَعََالَى :﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلاَمِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(وَاللهُ يَدْعُو إلَى عَمَلِ الْجَنَّةِ)، وقالَ : اللهُ السَّلامُ، وَدَارُهُ الْجَنَّةُ) ﴿وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ؛ أي يُكْرِمُ مَن يشاءُ بالكرامةِ وبالهدايةِ إلى دينِ القيم، قائمٌ برضاءِ الله وهو الإسلامِ، ويقالُ : معنى دار السَّلام الدار التي يسلمُ أهلُها عن الآفاتِ والأمراض والهرَمِ والموت، والسَّلامُ بمعنى كالرِّضاع والرِّضاعةِ.

يونس 10:26

قَوْلُهُ تَعَالىَ :﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ؛ أي للَّذين أحسَنُوا العملَ في الدُّنيا لَهم الْحُسنَى وهي الجنةُ ولذاتُها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَزِيَادَةٌ﴾ رُوي عن أبي بكرٍ رضي الله عنه أنه قالَ حين تَلاَ هذه الآية :(أتَدْرُونَ مَا الزِّيَادَةُ ؟ قَالُواْ : مَا هِيَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ : الْحُسْنَى الْجَنَّةُ وَالزِّيَادَةُ النَّظَرُ إلَى وَجْهِ اللهِ تَعَالَى). وعلى هذا القولِ حذيفةُ وأبو موسى وصُهيب وعبادةُ بن الصَّامت وكعبُ ابن عَجْرَةَ وعامرُ بن سعيد والحسنُ وعكرمة وأبو الجوزَاءِ والضحَّاكُ والسديُّ وعطاء ومقاتل، وهو قولُ أبي بكرٍ الصدِّيق رضي الله عنه يدلُّ عليه قولهُ ﷺ :" إذا دَخَلَ أهْلُ الْجَنَّةِ نُودُوا : أنْ أهْلَ الْجَنَّةِ إنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللهِ مَوْعِداً لَمْ تَرَوْهُ، فَيَقُولُونَ : وَمَا هُوَ؟! ألَمْ يُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وَيُزَحْزِحْنَا عَنِ النَّار وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ ؟ قَالَ : فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ وَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَوَاللهِ مَا أعْطَاهُمُ اللهُ شَيْئاً أحَبَّ إليَهِمْ مِنْهُ ". وقال ابنُ عبَّاس :(لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الْحُسْنَى ؛ أيْ لِلَّذِينَ شَهِدُوا أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ الْجَنَّةَ)، وروى عطيَّة :(أنَّ الْحُسْنُى هِيَ الْوَاحِدَةُ مِنَ الْحَسَنَاتِ بوَاحِدَةٍ، وَالزِّيَادَةُ التَّضْعِيفُ عَشْرُ أمْثَالِهَا إلَى سَبْعمِائَةِ ضِعْفٍ). وَقِيْلَ : الْحُسْنَى النُّصْرَةُ، وَالزِّيَادَةُ النَّظَرُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾[القيامة: ٢٢-٢٣]، وعن عليٍّ رضي الله عنه قالَ :(الزِّيَادَةُ غُرْفَةٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ، لَهَا أرْبَعَةُ أبْوَابٍ)، ويقالُ : الزيادة رضَا الرب، كما رُوي أنَّ أهلَ الجنَّة يُؤتَونَ بالتُّحَفِ والكراماتِ ويقولُ لَهم رسولُ رب العزَّة (إنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ لَكُمْ : قَدْ رَضِيتُ عَنْكُمْ فَهَلْ رَضِيتُمْ عَنِّي؟). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ؛ أي لا يَعلُو وجوهَهم ولا يلحقُها سوادٌ وهو كُسُوفُ الوجهِ (وَذِلَّةٌ) أي ولا هَوَانٌ ولا حَزَنٌ، ولا يكون نعيمُ الجنة كنعيمِ الدُّنيا، ولا يشوبهُ التنغيصُ ولا التنكيد. والرَّهَقُ في اللغة هو الرُّهُوقُ ومنه قولُهم للصبيِّ إذا قاربَ البلوغَ : مُرَاهِقٌ ؛ أي قاربَ أن يبلغَ الاحتلامَ. والْقَتَرُ : غَيْرَةٌ فيها سوادٌ. وقرأ الحسنُ (قَتْرٌ) بإسكانِ التاء، وهما لُغتان. وباقي الآية ظاهرُ المعنى.

يونس 10:27

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ ؛ معناهُ : والذين أبَوا طاعةَ اللهِ في ما أمَرَهم به ونَهاهُم عنه، يجازِيهم اللهُ بما يستحقُّونه على العقوبةِ، ولا يجازِيهم بأكثرَ من الاستحقاقِ، بخلافِ الطاعة فإنه تعالى قد يتفضَّلُ على الْمُطِيعِ بزيادة الأجرِ، فإنه كان يجوزُ أن يتَّصِلَ ابتداءً بتلك الزيادةِ، والجزاءُ مرفوعٌ بإضمارٍ، كقوله﴿فَفِدْيَةٌ﴾[البقرة: ١٩٦] أي فَعَلَيْهِ ذلكَ، ويجوزُ أن يكون مَرفوعاً بالابتداءِ خبرُ ﴿بِمِثْلِهَا﴾ أي مثلِ، الباءُ فيه زائدةٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ ؛ أي يَعْلُوهُمْ كآبَةٌ وكسُوفٌ وهوانٌ ؛ لأن العقابَ لا يكون عقاباً بمجرَّد الألَمِ، وإنما يكون عِقاباً بما يُقَارِنْهُ بإرادة الإذلالِ والإهانةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّا لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ ؛ أي ما لَهم من حافظٍ يدفعُ عنهم عقابَ الله. وقولهُ تعالى :﴿مِنْ عَاصِمٍ﴾ مِنْ هَهُنا صلةٌ. وقوله :﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ الْلَّيْلِ مُظْلِماً﴾ ؛ أي كأنَّما ألبسَتْ وجُوهم قِطَعاً من اللَّيل، أكثرُ القراءةِ على فتحِ الطَّاء وهو جمعُ قطعَةٍ، ويكون ﴿مُظْلِماً﴾ على هذهِ القراءة نَصباً على الحالِ، والقطعُ دونَ النعتِ كأنَّه أرادَ قِطَعاً من الليلِ المظلم، فلما حذفَ الألفَ واللام نُصب على القطعِ. ويجوزُ أن يكون حالاً ؛ أي قِطَعاً من الليلِ في حال الظُّلمة. وقرأ ابنُ كثير والكسائي ويعقوب (قِطْعاً) ساكنةً الطَّاء ؛ أي بَعْضاً كقوله تعالى :﴿بِقِطْعٍ مِّنَ الَّيلِ﴾[الحجر: ٦٥] ويكون ﴿مُظْلِماً﴾ نعتاً للقطعِ، وقولهُ تعالى :﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى. قال ابنُ عبَّاس رضي الله عنه :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أهْلِ الشِّرْكِ). وقولهُ :﴿جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ أي قِصَاصُ الشِّركِ بالله النارُ، ليس في النارِ زيادةٌ على جزاءِ الْمِثْلِ، إذ لا ذنبَ أعظمُ من الشِّرك، ولا عِقَابَ أشدُّ من النار، كما قال تعالى :﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾[النبأ: ٢٦]. وقال ﷺ :" أوْقِدَ عَلَى النَّار ألْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّت، ثُمَّ أُوْقِدَ عَلَيْهَا ألْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوْقِدَ عَلَيْهَا ألْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ كَاللِّيْلِ الْمُظْلِمِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإنَّ لَوْنَهَا أشَدُّ سَوَاداً مِنَ الْقَبْرِ فِي عَيْنَيْنِ خََضْرَاوَيْنِ، وَأهْلُهَا سُودٌ، فَكَذلِكَ طَعَامُهَا وَشَرَابُهَا، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَوِ اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ أهْلِهَا عَلَى الأَرْضِ لاَسْوَدَّتْ بهَا الأَرْضَ مِنْ شِدَّةِ سَوَادِهِ ".

يونس 10:28

﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾ ؛ أي يوم نَجْمَعُهم جميعاً من قُبورِهم إلى الْمَحْشَرِ للفَصْلِ بينهم. ونَحْشُرُ في اللغة : جَمْعُ الحيوانِ من كلِّ مكانٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ ؛ أي نقولُ للذِينَ أشرَكُوا في عبادتِهم مع اللهِ غيرَهُ، وأشرَكُوا في أموالِهم كما أخبرَ اللهُ عنهم بقولهِ﴿هَـاذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـاذَا لِشُرَكَآئِنَا﴾[الأنعام: ١٣٦]. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ﴾ ؛ أي يقالُ لَهم : قِفُوا أنتم وآلهتكم، وهذه كلمةُ تَهِديدٍ، كما يقالُ للغيرِ : مَكَانَكَ ؛ أي الْزَمْ مكانَكَ حتى تنتظرَ ماذا حلَّ بكَ بسوءِ صَنِيعكَ، وحتى نفصِلَ بينكَ وبين خصمِكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ ؛ أي ففرَّقنا بين الكفارِ وبين آلهتِهم في القولِ بالاختلاف الذي يكون بينهم، وليس هذا من الإزالة ولكنه من قولك : أزَلْتُ الشيءَ عن مكانهِ أُزِلْهُ أزيلاً، والترسل الكثيرةُ من هذا الباب، والمزايَلَةُ المفارقةُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ ؛ معناهُ : إن اللهَ يسألُ الأصنامَ التي عَبدُوها : هل أمرتُم هؤلاءِ بعبادتِكم ؟ فيقولون للذين كانوا يعبدُونَها ردّاً عليهم :﴿مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ بأمْرِنا ولم نعلَمْ بعبادتِكم، ولم يكن فينا روحٌ فنفعلَ بعبادِتكم، فيقولُ الكفار : بَلَى قد عبدنَاكم، وأمرتُمونا فأطعنَاكم، فتقولُ الأصنام، كما قال تعالى :﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ ؛ أي كفَى باللهِ فاصِلاً للحُكم بيننا وبينكم، ﴿إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ ؛ لا نعلمُ شيئاً من ذلك. والفائدةُ في اختصارِ الأصنام أن يُظهرَ اللهُ للمشركين ضَعْفَ معبُودِهم، وليزِيدَهم ذلك حسرةً على عبادتِهم.

يونس 10:29

﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾ ؛ أي يوم نَجْمَعُهم جميعاً من قُبورِهم إلى الْمَحْشَرِ للفَصْلِ بينهم. ونَحْشُرُ في اللغة : جَمْعُ الحيوانِ من كلِّ مكانٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ ؛ أي نقولُ للذِينَ أشرَكُوا في عبادتِهم مع اللهِ غيرَهُ، وأشرَكُوا في أموالِهم كما أخبرَ اللهُ عنهم بقولهِ﴿هَـاذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـاذَا لِشُرَكَآئِنَا﴾[الأنعام: ١٣٦]. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ﴾ ؛ أي يقالُ لَهم : قِفُوا أنتم وآلهتكم، وهذه كلمةُ تَهِديدٍ، كما يقالُ للغيرِ : مَكَانَكَ ؛ أي الْزَمْ مكانَكَ حتى تنتظرَ ماذا حلَّ بكَ بسوءِ صَنِيعكَ، وحتى نفصِلَ بينكَ وبين خصمِكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ ؛ أي ففرَّقنا بين الكفارِ وبين آلهتِهم في القولِ بالاختلاف الذي يكون بينهم، وليس هذا من الإزالة ولكنه من قولك : أزَلْتُ الشيءَ عن مكانهِ أُزِلْهُ أزيلاً، والترسل الكثيرةُ من هذا الباب، والمزايَلَةُ المفارقةُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ ؛ معناهُ : إن اللهَ يسألُ الأصنامَ التي عَبدُوها : هل أمرتُم هؤلاءِ بعبادتِكم ؟ فيقولون للذين كانوا يعبدُونَها ردّاً عليهم :﴿مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ بأمْرِنا ولم نعلَمْ بعبادتِكم، ولم يكن فينا روحٌ فنفعلَ بعبادِتكم، فيقولُ الكفار : بَلَى قد عبدنَاكم، وأمرتُمونا فأطعنَاكم، فتقولُ الأصنام، كما قال تعالى :﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ ؛ أي كفَى باللهِ فاصِلاً للحُكم بيننا وبينكم، ﴿إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ ؛ لا نعلمُ شيئاً من ذلك. والفائدةُ في اختصارِ الأصنام أن يُظهرَ اللهُ للمشركين ضَعْفَ معبُودِهم، وليزِيدَهم ذلك حسرةً على عبادتِهم.

يونس 10:30

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ﴾ ؛ من قرأ (يَبْلُو) بالياءِ فالمعنى فنخبرُ كلَّ نفسٍ ما قدَّمت من خيرٍ أو شر، ومن قرأ (تَبْلُو) بالتاء فالمعنى تقرأ كل " نفسٍ " كتابَ عمَلِها. ويجوزُ أن يكون معناهُ : تَتَّبعَ كلُّ نفسٍ جزاءَ عملها، و ﴿هُنَالِكَ﴾ من الظُّروف، أصلهُ هُنَاكَ، واللامُ زائدةٌ والكاف للمخاطَبةِ، وكُسِرت اللامُ لسكونِها وسكونِ الألفِ. وقولهُ تعالى :﴿وَرُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ﴾ ؛ أي رُدُّوا إلى جزاءِ الله وإلى الموضعِ الذي لا يملكُ الحكمَ فيه أحدٌ إلا الله، والحقُّ هو الذي يكون معنى اللفظِ حاصلاً فيه على الحقيقةِ، واللهُ تعالى حقٌّ لأنَّ الإلهيَّة حاصلةٌ له على الحقيقةِ ؛ لاقتدارهِ على جميعِ الأشياء. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ ؛ وبَطَلَ عنهم ما كانوا يختَلِقُون من الكذب بالأصنامِ أنَّها آلهةٌ وأنَّها تشفعُ عندَ اللهِ.

يونس 10:31

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ﴾ ؛ أي قل لكفَّار مكَّة : مَن يرزُقكم من السَّماء المطرَ ؛ و ؛ مِنَ ﴿وَالأَرْضِ﴾ ؛ النباتَ والثمارَ، ﴿أَمَّن يَمْلِكُ﴾ يقدرُ على أن يخلُقَ لكم، ﴿السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ ؛ أي مَن يُخرِجُ الحيَّ مِن النُّطفةِ، ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ ؛ أي مَن يخرِجُ النطقةَ من الحيِّ، والفرخَ من البيضةِ، والبيضةَ من الفرخِ، والسُّنبلةَ من الحبَّة، والحبةَ من السُّنبلةِ، ﴿وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ ؛ أمَرَ العبادَ على وجهِ الحكمة، ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ ؛ فيعرِفُون باللهِ تعالى هو الذي يفعلُ هذه الأشياءَ، وأنَّ الأصنامَ لا تقدرُ على شيءْ من هذا، ﴿فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ ؛ فقُل لَهم يا مُحَمَّد : أفَلا تخافون من عقاب الله، ولِمَ تعبدون الأصنامَ.

يونس 10:32

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ ؛ الذي يرزقُكم من السَّماء والأرضِ، ويُخرِجُ الحيَّ مِن الميت، ويُخرج الميتَ من الحيِّ، ويدبرُ الأمرَ، وهو ربُّكم الحقُّ دون الأصنامِ الباطلة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ﴾ ؛ أي فما يردُّكم عن عبادةِ الله وهو الحقُّ إلى عبادةِ الأصنام الباطلةِ إلا الضَّلالَ، ومِن أين ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ؛ عن الإيمانِ باللهِ وإخلاصِ الطاعة له بعدَ المعرفةِ.

يونس 10:33

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي كما وجَبت كلمةُ العذاب فيهم، وجبَ على كلِّ مَن تَمرَّدَ بالكفرِ، وقوله :﴿أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ يجرِي مجرَى التَّعليلِ، كأنَّه قالَ بإصرارِهم على الكُفرِ ؛ لأنه كلما كان تمرُّدهم أكثرَ، كانوا في الكفرِ أشدَّ ضلالةً، وإلا فقد آمَنَ كثيرٌ من الكفار، وقال ابنُ عبَّاس :(وَجَبَتْ كَلِمَةُ الْعَذَاب عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِي صُلْب آدَمَ عليه السلام).

يونس 10:34

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ؛ أي قل لَهم يا مُحَمَّد : هل مِن شركائِكم الذين أشرَكتُم مع اللهِ في العبادة من ينشئُ الخلقَ من النُّطفةِ بعد أنْ لم يكن، ويجعلُ فيه الروحَ ؟ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ فيه اختصارٌ ؛ لأنَّ الإعادةَ ردُّ الشيء إلى الحالةِ الأُولى، ولا يكون ذلك إلا بعد فَنَاءٍ، فيكون تقديرُ الآية : مَنْ يَبْدَأْ الخلقَ من النطفةِ، ثم يُفْنِيهِ، ثم يعيدهُ في الآخرةِ. ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ؛ أي مِن أين تُصرَفُون عن الإيمانِ بالله وإخلاصِ الطاعة له.

يونس 10:35

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ ؛ أي قل هل مِن آلهتِكم مَن يهتدي إلى الرُّشدِ، وما فيه صلاحٌ لَهم، ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ ؛ أي الرَّشَادِ وما فيه صلاحُ الإنسانِ، يقالُ : هُدِيتُ إلى الحقِّ، وهُدِيتُ لِلحَقِّ بمعنًى واحد. وقولهُ تعالى :﴿أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى﴾ معناهُ : أفمَن يدعو إلى عملِ الحقِّ أحقُّ أن يطاعَ ويُعمََل بأمرهِ، أمَّن لا يهتدِي طريقاً إلا أن يُمل فيُذهبَ به حيث يرادُ، يعني الأصنامَ، كأنه قالَ : إن " الأصنام " التي يعبدونَها مِن دون الله لا تَهتدي بأنفُسِها إلا أنْ يهدى بها عند غيرِها. واختلف القُرَّاء في قولهِ :﴿أَمَّن لاَّ يَهِدِّي﴾، وأجودُها قراءَتان :(يَهَدِّي) فتح الهاء، و(يَهِدِّي) بكسرِِ الهاء، والأصلُ في ذلك يهتَدِي أُدغمت التاءُ في الدَّال، وطُرِحَ فتحُها على الهاءِ، وكُسرت الهاءُ لالتقاء السَّاكِنَين. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ؛ معناهُ : أيُّ شيءٍ لكم في عبادةِ الأوثان ؟ فيكفَ تقضون لأنفُسِكم، فتعبدُون مَن لا يستحقُ العبادةَ؟

يونس 10:36

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً﴾ ؛ أي ما يعبدُ أكثرهم الأصنامَ إلاّ تقليداً لآبائِهم وقبائلِهم بظَنٍّ يظنُّونه في غيرِ يقين، يعني أنَّ رؤَساءَهم قالت لَهم : إن الأصنَامَ تشفعُ لهم عندِ الله، وأما السَّفَلَةُ فلا يعملون إلا ما قالت رُؤَساؤهم. وقوله تعالى :﴿إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ ؛ أي إنَّ الظنَّ في موضعٍ يمكن الوقوفُ فيه على العلمِ لا يُغني عن الحقِّ شيئاً ؛ لأنه لا يكون ذلك بمنْزِلة مَن عرفَ شيئاً باليقينِ ثم تركَ ما عرفَ بالظنَّ، فإن عِلْمَهُ بالظنِّ لا يُغني عن عمل الحقِّ شيئاً، وعبادةُ الصَّنم بالظنِّ لا تُغني من عذاب الله شيئاً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ ؛ وعيدٌ لهم على كُفرِهم.

يونس 10:37

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا كَانَ هَـاذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ هذا جوابٌ عن دعواهم على النبيِّ ﷺ الافتراءَ على اللهِ وقولهم : إئْتِ بقرآنٍ غيرِ هذا أو بدِّلهُ، معناه : إن القرآنَ كلامُ اللهِ في أعْلاَ طبَقاتِ البلاغةِ بحُسنِ النظامِ، فليس هذا مما يقدر أحدٌ أن يفتريَهُ عل اللهِ، ﴿وَلَـاكِن تَصْدِيقَ﴾ ؛ الكُتُبَ المَنَزَّلة، ﴿الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، من التوراةِ والإنجيل والزَّبُورِ ؛ لِمَجيئهِ شاهداً لها بالصِّدقِ، وبكونه مُصَادقاً بما تضمَّنته تلك الكتبُ من البشارةِ. ويجوزُ أن يكون معنى التصديقِ لما ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي التصديقُ بما بين يدَي القرآن من البعث والنُّشور والحساب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾ ؛ معناه : وتبيينَ المعاني المختلفةِ من الحلالِ والحرام والأمرِ والنهي، ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ ؛ أيْ لاَ شَكَّ فيه أنه حقٌّ، ﴿مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

يونس 10:38

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ ؛ معناهُ : بل يقولون : إنَّ مُحَمَّداً اختلقَ هذا القرآنَ من تِلْقَاءِ نفسهِ! قل يا مُحَمَّدُ : إن كان هو اخْتَلَقَهُ فَأْتُوا بسورةٍ من مثل " سُوَر " القرآنِ، فإنَّما قال ذلكَ ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ نَشَأ بين أظهُرِهم وتعلَّمَ اللغةَ منهم، فإذا لم يَأْتُوا مع حرصِهم على تكذيبهِ وإبطالِ أمره، دلَّ أنَّ مِثْلَهُ غيرُ مقدورٍ للبشرِ. ومعنى الآية : فلو قَدَرَ هو على افتراءِ القرآن لقَدرَتُم أنتم على الإتيانِ بسُورةِ مثلهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ أي استَعِينُوا على الإتيان بسورةٍ مثل القرآنِ بكلِّ مَن قدرتُم عليه، ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ؛ أن مُحَمَّداً اخْتَلَقَهُ من تلقاءِ نفسه، فَإنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بأَنْ يَسْتَبدَّ إنْسَانٌ بالافْتِرَاءِ عَلَى كَلاَمٍ لاَ يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَأْتِيَ بِمثْلِهِ. فلمَّا قرأ عليهم النبيُّ ﷺ هذه الآيةَ فلم يُجيبوا، فَأنزلَ الله : قولَهُ تعالى :﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ﴾ ؛ أي بل كذبوا بما لم يُدرِكوا من كيفيَّة ترتيبهِ ونَظْمِهِ، وما فيه من الجنَّة والنار والبعثِ والقيامة والثواب والعقاب، ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ ؛ أي ولَم يَأْتِهِمْ بعدُ حقيقةِ ما وُعِدُوا في الكتاب مما يَؤُولُ إليه أمرُهم من العقوبةِ والعذاب على التكذيب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ؛ أنبياءَهم من البعثِ، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ يعني أنَّ عاقِبَتهم العذابُ والهلاك بتكذيبهم، كذلك يكون عاقبةُ هؤلاءِ.

يونس 10:39

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ ؛ معناهُ : بل يقولون : إنَّ مُحَمَّداً اختلقَ هذا القرآنَ من تِلْقَاءِ نفسهِ! قل يا مُحَمَّدُ : إن كان هو اخْتَلَقَهُ فَأْتُوا بسورةٍ من مثل " سُوَر " القرآنِ، فإنَّما قال ذلكَ ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ نَشَأ بين أظهُرِهم وتعلَّمَ اللغةَ منهم، فإذا لم يَأْتُوا مع حرصِهم على تكذيبهِ وإبطالِ أمره، دلَّ أنَّ مِثْلَهُ غيرُ مقدورٍ للبشرِ. ومعنى الآية : فلو قَدَرَ هو على افتراءِ القرآن لقَدرَتُم أنتم على الإتيانِ بسُورةِ مثلهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ أي استَعِينُوا على الإتيان بسورةٍ مثل القرآنِ بكلِّ مَن قدرتُم عليه، ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ؛ أن مُحَمَّداً اخْتَلَقَهُ من تلقاءِ نفسه، فَإنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بأَنْ يَسْتَبدَّ إنْسَانٌ بالافْتِرَاءِ عَلَى كَلاَمٍ لاَ يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَأْتِيَ بِمثْلِهِ. فلمَّا قرأ عليهم النبيُّ ﷺ هذه الآيةَ فلم يُجيبوا، فَأنزلَ الله : قولَهُ تعالى :﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ﴾ ؛ أي بل كذبوا بما لم يُدرِكوا من كيفيَّة ترتيبهِ ونَظْمِهِ، وما فيه من الجنَّة والنار والبعثِ والقيامة والثواب والعقاب، ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ ؛ أي ولَم يَأْتِهِمْ بعدُ حقيقةِ ما وُعِدُوا في الكتاب مما يَؤُولُ إليه أمرُهم من العقوبةِ والعذاب على التكذيب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ؛ أنبياءَهم من البعثِ، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ يعني أنَّ عاقِبَتهم العذابُ والهلاك بتكذيبهم، كذلك يكون عاقبةُ هؤلاءِ.

يونس 10:40

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(يَعْنِي وَمِنَ الْيَهُودِ مَنْ يُؤْمِنُ بالْقُرْآنِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصِرُّ عَلَى كُفْرِهِ فَلاَ يُؤْمِنُ بهِ)، ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ ؛ باليهودِ مَن يؤمنُ ومَن لا يؤمنُ، وقال مقاتلُ :(نَزَلَت فِي أهْلِ مَكَّةَ). وَقِيْلَ : في الآيةِ إشارةٌ إلى أنه لولاَ أنَّ اللهَ تعالى عَلِمَ أنَّ منهم مَن سيُؤمِنُ في المستقبلِ لأهلَكَهم جميعاً في الحالِ.

يونس 10:41

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ ؛ أي إنْ كذبَكَ قومْكَ في ما أتَيْتَهم به فقل : لِي جزاءُ عمَلِي، ولكم جزاءُ أعمَالِكم، ﴿أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ﴾ ؛ من جزاءِ عمَلي، ﴿وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ؛ من جزاءِ أعمَالِكم، وكان هذا القولُ مع النبيِّ ﷺ على جهةِ حُسنِ العِشْرَةِ معهم لا لأنه كان شَاكّاً في جزاءِ عملهِ وجزاء عملهم، وقال الكلبي ومقاتلُ :(هَذِهِ الآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بأيَةِ الْجِهَادِ).

يونس 10:42

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَتْ فِي يَهُودِ الْمَدِينَةِ، كَانُوا يَبْلُغُونَ مَكَّةَ فَيَأْتُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَيَسْأَلُونَهُ وَيَسْتَمِعُونَ قِرَاءَتَهُ فَيُعْجِبُهُمْ ذلِكَ وَيَشْتَهُونَهُ ؛ ثُمَّ تَغْلِبْ عَلَيْهِم الشَّقَاوَةَ فَلاَ يُؤمِنُونَ بهِ). والمعنى : ومِنهم مَن يستمعُ إليك وهو في المعنى كأنَّهُ متفكِّرٌ في ما تقولُ وهو غيرُ متفكِّر فيهِ.

يونس 10:43

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ ؛ نظرَ مَن هو في الظاهرِِ مستمعٌ إلى كلامِكَ، وطالبٌ الانتفاعَ به، وليس في الحقيقةِ كذلكَ، قوله :﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾[يونس: ٤٢] أي كما لا يقدرُ أنْ يسمعَ كلامَكَ الصمُّ، فكذلك لا يقدرُ على أن ينتفع مِنْ كلامِكَ غيرَ طالبٍ الانتفاعَ به، وكما أنَّكَ لا تقدرُ على أن تُبْصِرَ العُمْيَ، فكذلك لا تقدرُ على أنْ تنفعَ بما يأتي مَن الأدلَّة مَن ينظرُ ولا يطلبُ الانتفاعَ بها. وفي الآية ما يدلُّ على تفضيلِ السَّمعِ على البصرِ ؛ لأنه تعالى ذكَرَ مع الصم فُقدان العقل، ولم يذكر مع العمَى إلا فقدانَ البصرِ.

يونس 10:44

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً﴾ ؛ أي لا ينقصُ من حسناتِهم، ولا يزيدُ في سيِّئاتِهم ما يمنعهم الانتفاعَ بكلامهِ وأدلَّتهِ، ﴿وَلَـاكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ؛ بأنْ لا يطلُبوا الانتفاعَ به ويُعرِضَوا عن التفكُّرِ فيه، أخبرَ اللهُ في هذه الآيةِ أن تقديرَ الشَّقاوَةِ عليهم لم يكن ظُلماً منه ؛ لأنه يتصرَّفُ في مُلكهِ كيف يشاءُ، وهم إذا كسَبُوا المعاصي فقد ظلَمُوا أنفُسَهم ؛ لأن الفعلَ منسوبٌ إليهم وإنْ كان القضاءُ من اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

يونس 10:45

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ ؛ أي ويوم يجمَعُهم في الموقف كأنْ لم يلبَثُوا في الدُّنيا إلا قدرَ ساعةٍ من النَّهارِ، وفي هذا بيانُ أنْ الْمُكْثَ في الدُّنيا وإنْ طالَ، كان في جَنْب الآخرةِ بمنْزِلة ساعةٍ من النَّهار. قوله تعالى :﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ أي يعرِفُ بضعهُمْ بعضاً، ويكون في معرفةِ بعضِهم لبعضٍ حَسْرَةٌ على مَن ضَلَّ بقيام الحجَّة عليهم. وقال ابنُ عبَّاس :(وَذلِكَ حِينَ يُخْرَجُونَ مِنْ قُبُورِهمْ ثُمَّ تَنْقَطِعُ الْمَعْرِفَةُ)، وَقِيْلَ : معناهُ : كأَنْ لَم يلبَثُوا في قبُورِهم إلا ساعةً من نَهارِهم، وقال الضحَّاك :(قَصْرَ عِنْدَهُمْ مِقْدَارُ الْوَقْتِ الَّذِي بَيْنَ مَوتِهِمْ وَبَعْثِهِمْ، فَصَارَ كَالسَّاعَةِ مِنَ النَّهَارِ لِهَوْلِ مَا اسْتَقْبَلُوا مِنْ آخِرِ الْبَعْثِ وَالْقِيَامَةِ، يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ بتَوْبيخِ بَعْضِهمْ بَعْضاً، يَقُولُ كُلُّ كَافِرٍ لآخَرَ : أنْتَ أضْلَلْتَنِي يَوْمَ كَذا، وَأنْتَ أوْرَثْتَنِي دُخُولَ النَّارِ بمَا عَلَّمْتَنِي وَزَيَّنْتَهُ لِي). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ اللَّهِ﴾ ؛ أي غُبنَ الذين كذبوا بالبعثِ بعد الموت بذهاب الدُّنيا والآخرة عنهم، ﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾.

يونس 10:46

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ ؛ في الآيةِ وعدٌ مِن الله لنَبيِّهِ ﷺ أن ينتقمَ له منهم، منهُ في حياتهِ أو بعدَ مَماتهِ، قال المفسِّرون : كانت وَقْعَةُ بَدْرٍ مما أراهُ الله في حالِ حياته مما أوعدَ المشركين من العذاب ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبلَ أن نُريَكَ، ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ بعدَ الموتِ فيجزيَهم بأعمالِهم. قال الزجَّاج :(أعْلَمَ اللهُ أنَّهُ إنْ لَمْ يَنْتَقِمْ مِنْهُمْ فِي الْعَاجِلِ انْتَقَمَ مِنْهُمْ فِي الآجِلِ). وقولهُ تعالى :﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ أي لا يفوتُونَنا ولا يُعجِزُوننا. وعن ابن عبَّاس قال :" نَزَلَ جِبْرِيلُ عليه السلام عَلَى النَّبيِّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ : إنَّ رَبي أمَرَنِي أنْ لاَ أُفَارِقَكَ الْيَوْمَ حَتَّى تَرْضَى، فَهَلْ رَضِيتَ ؟ قَالَ :" نَعَمْ ؛ أرَانِي بَعْضَ مَا أوْعَدَهُمْ فَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى ذلِكَ ". وقولهُ تعالى :﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ ؛ مِن محاربَتِكَ وتكذيبكَ.

يونس 10:47

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ﴾ ؛ أي لكلِّ أُمَّةٍ من الأُمم رسولٌ يدعُوهم إلى ما أمَرَهم اللهُ به ونَهاهم عنه، ويبشِّرُهم بالجنةِ ويخوِّفُهم بالنار، ﴿فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ﴾ يومَ القيامةِ شاهدٌ عليهم بأعمالهم ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ ؛ بالعدلِ فيُوَفَّى كلُّ إنسانٍ جزاءَ عمله لا يُنقَصُ من ثواب مُحْسِنٍ، ولا يزادُ على عقاب مُسِيءٍ. كما رُوي في الخبرِ :(أنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : ألَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلِي بكِتَابي فِيْهِ حَلاَلِي وَحَرَامِي ؟ فَيَقُولُونَ : مَا أتَانَا رَسُولٌ وَلاَ كِتَابٌ! ثُمَّ يُؤْتَى بالرَّسُولِ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ فَيَقُولُ : بَلْ يَا رَب قَدْ أْبْلَغْتُهُمْ كِتَابَكَ وَرسَالَتَكَ. فَيَقُولُ : مَنْ يَشْهَدَ لَكَ ؟ فَيَقُولُ الْمَلاَئِكَةُ : نَحنُ نَشْهَدُ قَدْ أبْلَغَهُمْ رسَالَتَكَ وَكِتَابَكَ، فَيَقُولُونَ : يَا رَبَّنَا هَؤُلاَءِ خَلْقُكَ يَشْهَدُونَ لَكَ بمَا شِئْتَ! فَيَخْتِمُ اللهُ عَلَى ألْسِنَتِهِمْ وَيَأْذنُ لِجَوَارِحِهِمْ فِي الْكَلاَمِ، فَيَشْهَدُ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ).

يونس 10:48

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَـاذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ؛ أي يقولُ الكفَّارُ : وَقِّتْ لنا وَقتاً بمجيء هذا الوعدِ الذي وَعَدتَنا به من العذاب إنْ كنتَ من الصَّادقين أنَّ العذابَ ينْزِلُ بنا.

يونس 10:49

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ ؛ أي قل يا مُحَمَّدُ : لا أقدِرُ لنفسي على دفعِ ضَرٍّ وجرِّ نفعٍ إلا ما شاءَ اللهُ أن يقدرَ لي عليه، فكيف أقدرُ لكم. ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ ؛ أي وقتٌ مضروب، ﴿إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ؛ بعد الأجَلِ ولا يتقدَّمون.

يونس 10:50

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ ؛ أي قل لَهم يا مُحَمَّدُ : إنْ أتاكُم عذابُ الله لَيلاً أو نهَاراً ما الذي يستعجلُ من العذاب المشركونَ، أي كيف يَصنعون وكيف يقبَلُ منكم إيمانكم وهو إيمانُ الإنجاءِ إذا نزلَ بهم العذابُ.

يونس 10:51

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ ؛ الألِفُ في أوَّل هذه الآية ألِفُ استفهامٍ، ذُكرت على جهةِ الإنكارِ، والمعنى إذا نزلَ عليكم العذابُ آمَنتُم به ؟ قالوا : نَعَمْ، قل لَهم يا مُحَمَّدُ :﴿الآنَ﴾ ؛ تؤمنون ﴿وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ؛ وهو العذابُ الدائم الذي لا ينقطعُ، ﴿ثُمَّ قِيلَ﴾ ؛ أي يقولون، ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ؛ أي تعملون في الدُّنيا.

يونس 10:52

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ ؛ الألِفُ في أوَّل هذه الآية ألِفُ استفهامٍ، ذُكرت على جهةِ الإنكارِ، والمعنى إذا نزلَ عليكم العذابُ آمَنتُم به ؟ قالوا : نَعَمْ، قل لَهم يا مُحَمَّدُ :﴿الآنَ﴾ ؛ تؤمنون ﴿وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ؛ وهو العذابُ الدائم الذي لا ينقطعُ، ﴿ثُمَّ قِيلَ﴾ ؛ أي يقولون، ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ؛ أي تعملون في الدُّنيا.

يونس 10:53

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ ؛ ويَستَخبرُونَكَ يا مُحَمَّدُ : أحقٌّ ما تَعِدُنا من العذاب والبعث بعد الموت ؟ ﴿قُلْ﴾ ؛ نَعَمْ وأحْلِفْ عليه ﴿إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ ؛ إنه صدقٌ وكائن، ﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ؛ اللهَ عن إحلالِ العذاب بكم، ويحتملُ أن يكون المرادُ بقوله تعالى ﴿أَحَقٌّ﴾ هو دينُ الإسلام ؟ قالَ الزجَّاج :(مَعْنَى قَوْلِهِ :(أي وَرَبي) : نَعَمْ إنَّهُ لَحَقٌّ ؛ أيْ إنَّ الْعَذابَ نَازلٌ بكُمْ).

يونس 10:54

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ﴾ ؛ أي لو أنَّ كلَّ إنسان ظالمٍ كان له ما في الأرضِ جَميعاً لافتدَى به من عذاب الله، ثم لا ينفعهُ ذلك ولا يُقبَلُ منه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ﴾ أي أسَرَّ القادةُ الندامةَ عن الأتباع حين رأوا العذابَ، والمعنى : أخْفَى الرؤساءُ في الكفرِ الندامةَ عن الذين أضَلُّوهم وسَتَروها عنهم، هذا قولُ عامَّة المفسِّرين. وقال أبو عُبيد :(الإِسْرَارُ مِنَ الأَضْدَادِ، يُقَالُ : أسْرَرْتَ الشَّيْءَ إذا أخْفَيْتَهُ، وَأَسْرَرْتَهُ إذا أعْلَنْتَهُ) قَالَ :(مِنَ الإعْلاَنِ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ﴾ أيْ أظْهَرُوهَا). قِيْلَ : معناهُ : وأخلَصُوا الندامةَ، والإسرارُ الإخلاصُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ ؛ أي قَُضِيَ بين الخلائقِ كلِّهم بالعدل، ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ ؛ بأَنْ لا يُزادَ على عذاب الْمُسيءٍ على قدره المستحقِّ.

يونس 10:55

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ لا يقدرُ أحدٌ على منعهِ من إحلالِ العقاب بمَملُوكِه، ﴿أَلاَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ؛ بإحلالِ العقاب بالْمُجرِمين، ﴿وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.

يونس 10:56

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ لا يقدرُ أحدٌ على منعهِ من إحلالِ العقاب بمَملُوكِه، ﴿أَلاَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ؛ بإحلالِ العقاب بالْمُجرِمين، ﴿وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.

يونس 10:57

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ ؛ يعنِي قُريشاً، والموعظةُ القرآنُ، والمواعَظَة التي تدعو إلى الصلاحِ، (وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدور) أي دواءٌ لذوي الجهلِ، والقرآنُ مزيلٌ للجهلِ وكاشفٌ لَعَمَاءِ القلوب، ﴿وَهُدًى﴾ ؛ وبيانٌ من الضَّلالةِ، ﴿وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أي ونِعمَةٌ من اللهِ لأصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم. ومعنى الْمُوعِظَةُ الإِيَابَةُ بما يدعو إلى الصَّلاحِ بطريق الرَّغْبَةِ والرهبةِ. ومعنى الشَّفَاءِ ما يجدهُ مَن يستدلُّ إعجازَ القرآن من الرُّوح بزوالِ الشِّركِ والتشبيه، وهو شرحُ الصَّدرِ الذي ذكرَهُ الله بقولهِ :﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾[الزمر: ٢٢]. ومعنى (الْهُدَى) بيانُ الشَّرائعِ من الحلالِ والحرام والفَرضِ والنَّدب والإيابة. وأما الرَّحْمَةُ فهي الإنعامُ على المحتاجِ بدليلِ أن مَلِكاً لو أهدَى إلى مَلِكٍ لم يكن لهُ منهُ رحمةً عليه، وأما تخصيصُ المؤمنين بالرحمةِ ؛ فلأنَّهم همُ الذين ينتفِعون بنِعَمِ الدِّين.

يونس 10:58

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس ومجاهد والحسنُ وقتادة :(فَضْلُ اللهِ الإسْلاَمُ، وَرَحْمَتُهُ الْقُرْآنُ) وهذا قولُ عامَّة المفسِّرين. وعن أبي سعيدٍ الخدري قالَ في معنى هذهِ الآية :(فَضْلُ اللهِ الْقُرْآنُ، وَرَحْمَتُهُ جَعْلُكُمْ مِنْ أهْلِهِ) والمعنى : قل يا مُحَمدُ لأصحابكَ : بالقُرآنِ الذي أكرمَكَ اللهُ به والإسلام الذي وفَّقَكم له فَافْرَحُوا، ﴿هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ يجمعُ اليهود والمشركون من الأموالِ. وقرأ بعضُهم (فَلْتَفْرَحُوا) و(تَجْمَعُونَ) كِلاهما بالتاءِ المخاطبة. وعن محمَّد بن كعبٍ القرظي قال :(إذا عَمِلْتَ عَمَلاً رَجَاءَ ثَوَاب اللهِ فَافْرَحْ، فَإنَّهُ خَيْرٌ لَكَ مِمَّا يَجْمَعُ أهْلُ الدُّنْيَا).

يونس 10:59

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ﴾ ؛ أي قُل يا محمَّد لأهلِ مكَّة : أرأيتُم ما أنزلَ الله لكم في الكتاب من رزقٍ جعلَهُ لكم حَلالاً طيِّباً من الأنعامِ والحرث، ﴿فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً﴾ ؛ أي جعلتُم البَحَائِرَ والسَّوَائِبَ حَلالاً للرِّجال منفعةً، وحَراماً على النساءِ، وجعلتُم لآلهتِكم من الحرثِ نَصيباً فحرَّمتموهُ على النساءِ، وأحللتموهُ للرجال، والله سبحانه لم يحرِّمْ شيئاً من ذلكَ، ﴿قُلْ﴾ ؛ لَهم يا مُحَمدُ :﴿ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ ؛ أمَرَكم بتحريمهِ، ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ ؛ تختَلِقُون الكذبَ، يعني : بَيِّنُوا الحجةَ في ذلك، وإلاَّ فأنتم تَفْتَرُونَ على ربكم. ثم أوعدَهم على الكذب فقال :﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ؛ أي ما ظَنُّ الذين يَكْذِبُونَ على اللهِ في التحليل والتحريمِ ماذا يفعلُ بهم يومَ القيامةِ، أتَظنُّون أن اللهَ لا يعاقبُهم على افترائِهم عليه ؟ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ ؛ أي لَذُو مَنٍّ عليهم بتأخيرِ العذاب عنهم، ﴿وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ ؛ نِعَمَ اللهِ.

يونس 10:60

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ﴾ ؛ أي قُل يا محمَّد لأهلِ مكَّة : أرأيتُم ما أنزلَ الله لكم في الكتاب من رزقٍ جعلَهُ لكم حَلالاً طيِّباً من الأنعامِ والحرث، ﴿فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً﴾ ؛ أي جعلتُم البَحَائِرَ والسَّوَائِبَ حَلالاً للرِّجال منفعةً، وحَراماً على النساءِ، وجعلتُم لآلهتِكم من الحرثِ نَصيباً فحرَّمتموهُ على النساءِ، وأحللتموهُ للرجال، والله سبحانه لم يحرِّمْ شيئاً من ذلكَ، ﴿قُلْ﴾ ؛ لَهم يا مُحَمدُ :﴿ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ ؛ أمَرَكم بتحريمهِ، ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ ؛ تختَلِقُون الكذبَ، يعني : بَيِّنُوا الحجةَ في ذلك، وإلاَّ فأنتم تَفْتَرُونَ على ربكم. ثم أوعدَهم على الكذب فقال :﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ؛ أي ما ظَنُّ الذين يَكْذِبُونَ على اللهِ في التحليل والتحريمِ ماذا يفعلُ بهم يومَ القيامةِ، أتَظنُّون أن اللهَ لا يعاقبُهم على افترائِهم عليه ؟ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ ؛ أي لَذُو مَنٍّ عليهم بتأخيرِ العذاب عنهم، ﴿وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ ؛ نِعَمَ اللهِ.

يونس 10:61

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ ؛ أي وما تكونُ في أمرٍ من الأمُور، وقال الحسنُ :(مِنْ شَأْنِ الدُّنْيَا وَحَوَائِجِكَ فِيهَا، وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ، أيْ مِنَ اللهِ نَازلٍ مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ يُوحَى إلَيْكَ مِنْ سُورَةٍ أوْ آيَةٍ تَقْرَأُ عَلَى أُمَّتِكَ). والخطابُ للنبيِّ ﷺ وأُمَّتُهُ داخلون فيه ؛ لأنَّ خطابَ الرئيس خطابٌ له ولأتباعهِ، يدلُّ على ذلك قولهُ :﴿وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً﴾ أي ما تعمَلون أنتم جميعاً يا بَنِي آدمَ عامَّة ويا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ من خيرٍ أو شرٍّ، إلاّ كُنَّا على أمرِكم وتِلاوَتِكم وعمَلِكم شُهوداً إذ تدخلون فيه. قال الفرَّاء :(مَعْنَاهُ يَقُولُ : اللهُ تَعَالَى شَاهِدٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) وَالْمَعْنَى ألاَ يَعْلَمُهُ فَيُجَازِيكُمْ بهِ. والإفَاضَةُ الدخولُ في العملِ، وقال ابنُ الأنباريِّ :(إذ تَنْدَفِعُونَ فِيْهِ) وقال ابنُ عبَّاس :(إذ تَأْخُذُونَ فِيْهِ). قَوْلُهُ تََعَالَى :﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ﴾ ؛ أي ما يغيبُ وما يبعُد، ﴿مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾، من وزنِ نَملَةٍ حميراء صغيرةٍ من أعمالِ العباد، ﴿فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلِكَ﴾ ولا أخفَّ من الوزنِ من الذرَّة، ﴿وَلا أَكْبَرَ﴾، ولا أثقلَ منه، ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾، إلاّ وهو مع علمِ الله تعالى ومكتوبٌ في اللوحِ المحفوظ. والعُزُوبُ البُعْدُ والذهابُ، ويَعْزُِبُ بضمِّ الزاي وكسرِها لُغتان. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ أي وَزْنَ ذرَة، ومثقالُ الشيء ما وَازَنَهُ. قال الفرَّاءُ :(مَنْ نَصَبَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَصْغَرَ﴾ و ﴿أَكْبَرَ﴾ فَإِنَّمَا أرَادَ الْخَفْضَ يُتْبعْهُمَا الْمِثْقَالَ وَالذرَّةَ، إلاَّ أنَّهُمَا لاَ يَنْصَرِفَانِ ؛ لأنَّهُمَا عَلَى وَزْنِ أفْعَلَ اتِّبَاعُ مَعْنَى الْمِثْقَالِ ؛ لأنَّكَ لَوْ لَقِيتَ مِنَ الْمِثْقَالِ مَنْ كَانَ رَفْعاً وَهُوَ كَقَوْلِهِ : مَا أتَانِي مِنْ أحَدٍ عَاقِلٍ وَعَاقلٌ، وَكَذلِكَ : مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرِهِ وَغَيْرُهُ). وَقِيْلَ : رُفع على الابتداءِ، وخبرهُ ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾ فمَن قرأ (وَلاَ أصْغَرَ وَلاَ أكْبَرَ) بالنصب فالمعنى : وما يعزبُ عن ربك مِن مثقال ذرَّة، ولا أصغرَ من ذلكَ ولا أكبرَ. ومَن رفع المعنى : وما يعزبُ عن ربكَ مِثقالُ ذرَّةٍ، ولا أصغرُ ولا أكبر.

يونس 10:62

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ معناهُ : ألا إنَّ أولياءَ الله تولاَّهم اللهُ بفحظهِ وحيَاطَتهِ، لا خوفٌ عليهم يومَ القيامةِ ولا هم يَحْزَنُونَ على ما اختَلَفوا في الدُّنيا، وقولهُ تعالى :﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ ؛ تفسيرُ أولياءِ الله ؛ أي الذين يؤمِنون بمُحَمَّدٍ ﷺ والقرآنِ، ويتَّقون الشِّركَ والفواحشَ، وعن رسولِ لله ﷺ :" أنَّهُ سُئِلَ عَنْ أوْلِيَاءِ اللهِ فَقَالَ :" هُمُ المُتَحَابُّونَ فِي اللهِ " وعنه ﷺ قال :" هُمُ الَّذِينَ إذا رُؤُوا ذُكِرَ اللهُ " يعني إذا رآهمُ العامَّة ذُكِرَ من أجل سِيمَاهُم في وجوهِهم. وسُئل عيسى عليه السلام عنهم فقال :(هُمُ الَّذِينَ نَظروا إلَى بَاطِنِ الدُّنْيَا حِينَ نَظَرَ النَّاسُ إلَى ظَاهِرهَا، وَنَظَرَواْ إلَى آجِلِهَا حِينَ نَظَرَ النَّاسُ إلَى عَاجِلِهَا، فأَحْيَوا ذِكْرَ الْمَوْتِ وَأمَاتُوا ذِكْرَ الْحَيَاةِ، يُحِبُّونَ اللهَ وَيُحِبُّونَ ذِكْرَهُ).

يونس 10:63

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ معناهُ : ألا إنَّ أولياءَ الله تولاَّهم اللهُ بفحظهِ وحيَاطَتهِ، لا خوفٌ عليهم يومَ القيامةِ ولا هم يَحْزَنُونَ على ما اختَلَفوا في الدُّنيا، وقولهُ تعالى :﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ ؛ تفسيرُ أولياءِ الله ؛ أي الذين يؤمِنون بمُحَمَّدٍ ﷺ والقرآنِ، ويتَّقون الشِّركَ والفواحشَ، وعن رسولِ لله ﷺ :" أنَّهُ سُئِلَ عَنْ أوْلِيَاءِ اللهِ فَقَالَ :" هُمُ المُتَحَابُّونَ فِي اللهِ " وعنه ﷺ قال :" هُمُ الَّذِينَ إذا رُؤُوا ذُكِرَ اللهُ " يعني إذا رآهمُ العامَّة ذُكِرَ من أجل سِيمَاهُم في وجوهِهم. وسُئل عيسى عليه السلام عنهم فقال :(هُمُ الَّذِينَ نَظروا إلَى بَاطِنِ الدُّنْيَا حِينَ نَظَرَ النَّاسُ إلَى ظَاهِرهَا، وَنَظَرَواْ إلَى آجِلِهَا حِينَ نَظَرَ النَّاسُ إلَى عَاجِلِهَا، فأَحْيَوا ذِكْرَ الْمَوْتِ وَأمَاتُوا ذِكْرَ الْحَيَاةِ، يُحِبُّونَ اللهَ وَيُحِبُّونَ ذِكْرَهُ).

يونس 10:64

قولهُ :﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ ؛ معناهُ : لَهم البُشرى في الحياةِ بالقرآن، وفي الآخرةِ بالجنة. ويقالُ : أرادَ بالبشرى في الدُّنيا بشَارَةَ الملائكةِ﴿أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ...﴾[فصلت: ٣٠] الآية. وعن رسول الله ﷺ أنه قال :" لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ بَعْدِي إلاَّ الْمُبَشِّرَاتُ " قيل : وَمَا الْمُبَشِّراتُ ؟ قَالَ عليه السلام :" الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ لِنَفْسِهِ " وقرأ له :" وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأرْبَعِينَ جُزءْاً مِنَ النُّبُوَّةِ، فَمَنْ أُرِيَ ذلِكَ فَلْيُخْبرْ بهَا ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ ؛ أي لا خلفَ في وعدِ اللهِ، وقولهُ تعالى :﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ؛ أي ذلِكم الذي وعدَكم اللهُ هو الثوابُ الوافِرُ والنجاةُ الوافرة.

يونس 10:65

قْوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾ ؛ أي لا يحزُنكَ يا مُحَمَّدُ تكذيبُهم إيَّاكَ وتَهديدُهم لكَ بالقتلِ، وفيه تسليةٌ للنبيِّ ﷺ على كُفرِهم وتكذيبهم ونِسبَتِهم له إلى الافتراءِ على ربه، وقوله تعالى :﴿إِنَّ الْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً﴾ ؛ استئنافُ كلامٍ، ولذلك كُسرت (إنَّ)، والمعنى : فإنَّ القوةَ لله جميعاً يمنعُهم عنكَ بعزَّتهِ، ولا يتعذرُ أحدٌ الا بإذنه وهو ناصِرُكَ وناصرُ دينِكَ، و ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ ؛ لمقالةِ الكفَّار ﴿الْعَلِيمُ﴾ ؛ بضمائرهم. ولا يجوزُ أن يقرأ (أنَّ الْعِزَّةَ) بالنصب لاستحالةِ أن النبيَّ ﷺ كان يحزنهُ قولُ الكفارِ بأنَّ العزةّّ لله جميعاً.

يونس 10:66

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلا إِنَّ للَّهِ مَن فِي السَّمَاوَات وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي له مَن فيهما من الخلقِ على مَن لا يعقلُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكَآءَ﴾ ؛ أي ما يتَّبعون شركاءَ على الحقيقةِ والمعرفة، ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ ؛ أي ما يدَّعونَهم إلا بالظنِّ بتقليد آبائِهم وقولِ بعضهم :﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾[الزمر: ٣] ويظنُّون أنَّها تشفعُ لهم يومَ القيامةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ ؛ أي ما هُم إلا يكذِبون في قولِهم إنَّها تشفعُ لهم عند اللهِ.

يونس 10:67

قولهُ :﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الَّيلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً﴾ ؛ أي هو الذي جعلَ لكم الليلَ لتنَامُوا فيه وتستريحوا عمّا لَحِقَكم من النَّصَب بالنهار، وخلقَ النهارُ مُضيئاً للذهاب والمجيء وطلب المعيشةِ، وسَمَّاهُ مُبصراً ؛ لأنه يُبصر فيه كما قال رُؤبة :(قَدْ نَامَ لَيْلِي، وَتَجَلَّى هَمِّي). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ﴾ ؛ أي في ذلك للدلالاتِ، ﴿لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ ؛ دلائلَ الله، ويتفكَّرون فيها.

يونس 10:68

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ﴾ ؛ أي قال الكفارُ : اتَّخَذ اللهُ وَلَداً، فإن المشركين قالُوا : الملائكة بناتُ الله، واليهود قالوا : عزيرٌ ابن الله، والنصارى قالوا : المسيحُ ابن الله، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ؛ أي تَنْزِيهاً له عن الولدِ، والشَّريكِ، ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾، هو غنيٍّ عن اتخاذِ الولد. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ؛ معناهُ : إنَّ مَن كان له مُلْكُ السَّموات والأرضِِ وما بينهما، فما حاجتهُ الى اتِّخاذ الولدِ؟! وإنما يتخذُ الولدَ ذو الضَّعْفِ ليتقوَّى به، ويستعِينَ به على بعضِ أمُورهِ، وذو الوَحشَةِ ليستأنسَ به، ومَن يخافُ الموتَ على نفسهِ، فيتَّخذُ الولدَ ليخلُفَهُ في أملاكهِ بعد موته، واللهُ تعالى لا يجوز عليه السُّرور ولا المنافعُ والمصارف، ولا يلحقهُ الموت، فهو غَنِيٌّ عن اتخاذِ الولد. ثم طالبَ الكفارَ بالحجَّة والبرهان، فقال عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بِهَـاذَآ﴾ ؛ أي ما عنَدكم من حجَّةٍ وبرهان على هذا القولِ، ثم أنكرَ عليهم ذلك تَبْكِيتاً لهم فقال تعالى :﴿أَتقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ وهذا على حجَّة الإنكار والردِّ عليهم ؛ أي لِمَ تقولون على اللهِ ما لاَ علمَ لكم به ولا حجَّةَ لكم عليه.

يونس 10:69

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ أي قُل يا مُحَمَّد إن الذين يختلقون كَذِباً ؛ يكذِبُون به على اللهِ تعالى لا يُفلِحُونَ في الدُّنيا بالحجَّة ولا بالآخرةِ في الثواب، ولا يسعَدون في العاقبةِ وإن اغترُّوا بطول السَّلامة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا﴾ ؛ رُفع على معنى ذلكَ متَاعٌ في الدُّنيا يتمتَّعون به قليلاً ثم ينقضِي. وَقِيْلَ : لَهم متاعٌ في الدُّنيا يتمتَّعون به أيَّاماً يسيرةً، ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ﴾ ؛ الغليظَ الذي لا ينقطعُ، ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾، أي بكُفرِهم بالله ورسولهِ.

يونس 10:70

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ أي قُل يا مُحَمَّد إن الذين يختلقون كَذِباً ؛ يكذِبُون به على اللهِ تعالى لا يُفلِحُونَ في الدُّنيا بالحجَّة ولا بالآخرةِ في الثواب، ولا يسعَدون في العاقبةِ وإن اغترُّوا بطول السَّلامة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا﴾ ؛ رُفع على معنى ذلكَ متَاعٌ في الدُّنيا يتمتَّعون به قليلاً ثم ينقضِي. وَقِيْلَ : لَهم متاعٌ في الدُّنيا يتمتَّعون به أيَّاماً يسيرةً، ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ﴾ ؛ الغليظَ الذي لا ينقطعُ، ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾، أي بكُفرِهم بالله ورسولهِ.

يونس 10:71

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ ؛ أي إقرَأ عليهم خبرَ نوحٍ، ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ﴾ ؛ ثَقُلَ عليكم وعَظُمَ، ﴿مَّقَامِي﴾ ؛ ومُكثِي فيكم، ﴿وَتَذْكِيرِي﴾ ؛ وعِظَتي لكم ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ ؛ به وَثِقْتُ وإليه فوَّضتُ أمْرِي، وذلك حين قالُوا له :﴿قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾[الشعراء: ١١٦]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ﴾ ؛ أي اعِزمُوا علكى أمرِكم مع شركائِكم. وَقِيلَ : معناهُ : فاعِزمُوا على أمرِكم، وادعُوا لآلهتِكم واستَعِينوا بهم، وأجْمِعُوا على أمرٍ واحد. ومَن قرأ (فاجْمَعُواْ) بنصب الميم فهو من الْجَمْعِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ ؛ أي يكُن أمرُكم عليكم ظاهِراً مُنكَشفاً لا يسترهُ شيء. والغُمَّةُ مأخوذةٌ من الغَمامَةِ، ويقالُ الغَمُّ ؛ أي لا يكون أمرُكم غَمّاً عليكم وفرِّجوا عن أنفسكم، ﴿ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ﴾ ؛ أي امْضُوا بما تقصِدُون من القتلِ ولا تُمهَلون. قال الزجَّاجُ :(الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ ﴿وَشُرَكَآءَكُمْ﴾ بمَعْنَى مَعَ) والمعنى فاجْمِعوا أمرَكم مع شركائِكم ثم لا يكون أمرُكم عليكم مبهماً، يعني ليكن أمركم ظاهراً منكشفاً لا تسترون معاداتي، ثُمَّ امضُوا إلَيَّ بمكرُوهِكم وما توعدونني به. معنى قضاءِ الشيء امضاؤهُ والفراغُ منه، وهذا أحدُ معجزاتِ نوحٍ عليه السلام ؛ لأنه كان وَحيداً، وقد قَرَعَهم بالعجزِ عن الوصولِ اليه وإلى قتلهِ، فلم يقدِرُوا عليه بسُوءٍ.

يونس 10:72

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ﴾ ؛ معناهُ : فإنْ أعرَضتُم عن الإيمانِ بما جئتكم به لم يضُرّني إعراضُكم، فإنِّي لا أطلبُ أجراً ولا أدعُوكم إلى الإيمان لمطمع مني في مالكِم، وما دعاني فيما أدعوكم عليه إلا الإيمان بالله، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ﴾ ؛ أي وقد أمَرَني، ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ﴾ ؛ أي مع ؛ ﴿الْمُسْلِمِينَ﴾ ؛ على دِينهم.

يونس 10:73

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾ ؛ أي فنجَّيناهُ ومَن معه من المؤمنين من الغرَقِ في السفينةِ، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ﴾ ؛ أي جعلَ اللهُ الذين نَجَوا مع نوحٍ عليه السلام من الغَرَقِ خَلفاً ومَكاناً في الأرضِ مِن قومٍ أُهلِكُوا بالتكذيب كما قال تعالى :﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾[الصافات: ٧٧] وذلك أنَّ الناسَ كانوا من ذرِّيته بعد الغرقِ، وهَلَكَ أهلُ الأرضَ جميعاً بتكذِيبهم لنوحٍ. قَوْلُه تَعَالَى :﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ ؛ أي بدلالَتها حسّاً، ﴿فَانْظُرْ﴾ ؛ يا مُحَمَّدُ، ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ؛ أي كيف صارَ آخِرُ أمرِ الذين أنذرَتْهم الرسلُ فلم يؤمنوا، وهذا تَهديدٌ لقومِ النبيِّ ﷺ عن تكذيبهِ حتى لا يَنْزِلَ بهم مثل ما نزلَ بقومِ نوحٍ، وتسليةُ للنبيِّ ﷺ ليصبرَ على أذاهُم كما صبرَ نوحُ عليه السلام على أذى الكفَّارِ مع قلَّة مَن معه من المؤمنين.

يونس 10:74

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ ؛ أي ثم بعثنا مِن بعدِ نوحٍ رسُلاً مثلَ هودٍ وصالح وإبراهيمَ ولوط وشُعيب وغيرِهم إلى قومهم، ﴿فَجَآءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ؛ بالْحُجَجِ والبراهينَ، ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ ؛ ليُصَدِّقوا، ﴿بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ﴾ ؛ في الابتداءِ، والمعنى : فما كان الذين بُعِثَ إليهم الرسلُ ليُؤمِنوا بما كذبوا، ﴿مِن قَبْلُ﴾ ؛ يعني قومَ نُوحٍ عليه السلام ؛ أي لَمْ يصدِّقوا به، كما كذبَ قومُ نوح، وكانوا مِثلَهم في الكفرِ والعنف، قوله :﴿كَذَالِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(يُرِيدُ اللهُ تَعَالَى طَبَعَ عَلَى قُلُوبهِمْ فَأَعْمَاهَا فَلاَ يُبْصِرُونَ سَبيلَ الْهُدَى). وما بعدها من الآيات : ظاهر التفسير :﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ مُّوسَى وَهَـارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ بِآيَـاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ * فَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَـاذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ * قَالَ مُوسَى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هَـاذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾.

يونس 10:75

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ ؛ أي ثم بعثنا مِن بعدِ نوحٍ رسُلاً مثلَ هودٍ وصالح وإبراهيمَ ولوط وشُعيب وغيرِهم إلى قومهم، ﴿فَجَآءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ؛ بالْحُجَجِ والبراهينَ، ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ ؛ ليُصَدِّقوا، ﴿بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ﴾ ؛ في الابتداءِ، والمعنى : فما كان الذين بُعِثَ إليهم الرسلُ ليُؤمِنوا بما كذبوا، ﴿مِن قَبْلُ﴾ ؛ يعني قومَ نُوحٍ عليه السلام ؛ أي لَمْ يصدِّقوا به، كما كذبَ قومُ نوح، وكانوا مِثلَهم في الكفرِ والعنف، قوله :﴿كَذَالِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(يُرِيدُ اللهُ تَعَالَى طَبَعَ عَلَى قُلُوبهِمْ فَأَعْمَاهَا فَلاَ يُبْصِرُونَ سَبيلَ الْهُدَى). وما بعدها من الآيات : ظاهر التفسير :﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ مُّوسَى وَهَـارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ بِآيَـاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ * فَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَـاذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ * قَالَ مُوسَى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هَـاذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾.

يونس 10:76

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ ؛ أي ثم بعثنا مِن بعدِ نوحٍ رسُلاً مثلَ هودٍ وصالح وإبراهيمَ ولوط وشُعيب وغيرِهم إلى قومهم، ﴿فَجَآءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ؛ بالْحُجَجِ والبراهينَ، ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ ؛ ليُصَدِّقوا، ﴿بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ﴾ ؛ في الابتداءِ، والمعنى : فما كان الذين بُعِثَ إليهم الرسلُ ليُؤمِنوا بما كذبوا، ﴿مِن قَبْلُ﴾ ؛ يعني قومَ نُوحٍ عليه السلام ؛ أي لَمْ يصدِّقوا به، كما كذبَ قومُ نوح، وكانوا مِثلَهم في الكفرِ والعنف، قوله :﴿كَذَالِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(يُرِيدُ اللهُ تَعَالَى طَبَعَ عَلَى قُلُوبهِمْ فَأَعْمَاهَا فَلاَ يُبْصِرُونَ سَبيلَ الْهُدَى). وما بعدها من الآيات : ظاهر التفسير :﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ مُّوسَى وَهَـارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ بِآيَـاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ * فَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَـاذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ * قَالَ مُوسَى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هَـاذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾.

يونس 10:77

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ ؛ أي ثم بعثنا مِن بعدِ نوحٍ رسُلاً مثلَ هودٍ وصالح وإبراهيمَ ولوط وشُعيب وغيرِهم إلى قومهم، ﴿فَجَآءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ؛ بالْحُجَجِ والبراهينَ، ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ ؛ ليُصَدِّقوا، ﴿بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ﴾ ؛ في الابتداءِ، والمعنى : فما كان الذين بُعِثَ إليهم الرسلُ ليُؤمِنوا بما كذبوا، ﴿مِن قَبْلُ﴾ ؛ يعني قومَ نُوحٍ عليه السلام ؛ أي لَمْ يصدِّقوا به، كما كذبَ قومُ نوح، وكانوا مِثلَهم في الكفرِ والعنف، قوله :﴿كَذَالِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(يُرِيدُ اللهُ تَعَالَى طَبَعَ عَلَى قُلُوبهِمْ فَأَعْمَاهَا فَلاَ يُبْصِرُونَ سَبيلَ الْهُدَى). وما بعدها من الآيات : ظاهر التفسير :﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ مُّوسَى وَهَـارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ بِآيَـاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ * فَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَـاذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ * قَالَ مُوسَى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هَـاذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾.

يونس 10:78

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ؛ أي قالُوا لموسى عليه السلام : أجِئتَنا لتَصرِفَنا عما وجَدنا عليه آباءَنا، واللَّفْتُ هو الصَّرْفُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَآءُ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي ويكون لك ولِهارون السلطانُ والْمُلْكُ والشرف في أرضِ مصرَ، ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أي بمصدَّقين. وإنما سَمَّى الْمُلْكَ كبرياءً ؛ لأنه أكَبُرُ ما يطلبُ من أمرِ الدُّنيا، والكبرياُ استحقاق صفة الكِبْرِ في أعلَى المراتب، فلهذا لا يجوزُ أن يوصفَ به أحدٌ غيرُ اللهِ.

يونس 10:79

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ؛ أي بكلِّ حاذقٍ بالسِّحر، ﴿فَلَمَّا جَآءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُّوسَى أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾ قالَ هذا لَهم على وجهِ التعجيزِ لَهم، إنَّكم لا تقدِرون على إبطالِ أمْرِي، فيكون هذا أمرُ تعجيزٍ كقوله تعالى :﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾[البقرة: ٢٣] ولا يجوزُ أنْ يكون هذا أمراً بالسِّحر، إذ عملُ السحرِ كفرٌ، والأنبياءُ علَيْهِمْ السَّلاَمُ لا يَأْمُرونَ به.

يونس 10:80

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ؛ أي بكلِّ حاذقٍ بالسِّحر، ﴿فَلَمَّا جَآءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُّوسَى أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾ قالَ هذا لَهم على وجهِ التعجيزِ لَهم، إنَّكم لا تقدِرون على إبطالِ أمْرِي، فيكون هذا أمرُ تعجيزٍ كقوله تعالى :﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾[البقرة: ٢٣] ولا يجوزُ أنْ يكون هذا أمراً بالسِّحر، إذ عملُ السحرِ كفرٌ، والأنبياءُ علَيْهِمْ السَّلاَمُ لا يَأْمُرونَ به.

يونس 10:81

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّآ أَلْقُواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ ؛ معناهُ : فلما ألقَتِ السَّحَرَةُ ما جاؤُا به، قال لهم موسى : الذي جِئتُم به السحرُ والخداع ؛ أي الذي جئتم به سِحْرٌ. ووقفَ بعض القرِّاء على ﴿مَا جِئْتُمْ﴾ ثم قال :﴿السِّحْرُ﴾ على معنى : أيُّ شيءٍ جئتُم بهِ أهُوَ السحرُ ؟ على جهةِ التوبيخ لهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ ؛ أي يُبْطِلُ عملَ السَّحرة حتى يُظهرَ الحقَّ من الباطلِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ؛ أي لا يرضَى عملَ السَّاحِرين.

يونس 10:82

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ؛ أي ينصرُ دينَهُ الحقّ بالوعدِ الذي وعدَهُ لموسى كما قال تعالى :﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾[القصص: ٣٥] الى آخرِ الآية. ويجوزُ أن يكون معنى الكلمات : ما كتبَهُ اللهُ تعالى في اللوحِ المحفوظ.

يونس 10:83

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَآ آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ﴾ ؛ أي ما صدَّقَ بموسى وبما جاءَ به إلا ذريَّته من قومِ فرعون، وهم قومٌ كان آباؤُهم من القِبْطِ وأمَّهاتُهم من بني إسرئيل، فآمَنوا بموسى واتَّبعُوا أمَّهاتَّهم وأخوالَهم، ولم يُسلِمْ آباؤُهم الذي كان موسى عليه السلام مبعوثاً اليهم. وقال الحسنُ :(أرَادَ بقَوْلِهِ تَعَالَى (إلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَْوْمِ مُوسى) كَانَ فِرْعَونُ أجْبَرَهُمْ عَلَى تَعَلُّمِ السِّحْرِ وَجَعَلَهُمْ مِنْ أصْحاب نَفْسِهِ، فَلَمَّا أسْلَمَتِ السَّحَرَةُ وَآمَنُوا بمُوسَى اتَّبَعَهُمْ هَؤُلاَءِ الذُّرِّيَّةُ فِي الإيْمَانِ). وكان يقولُ :(لَمْ يُؤْمِنْ مِنَ الْقِبْطِ أحَدٌ إلاَّ الْمُؤمِنُ الَّذِي يَكْتُمُ إيْمَانَهُ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ). قولهُ :﴿عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ معناهُ على القول الأول : آمَنت به ذريَّتهُ على خوفٍ من فرعون وآبائِهم وقومِهم. وعلى القول الثاني : على خوفٍ من فرعون وأشرَافِهم ورُؤسائهم أن يعلمَ الأشرافُ أمرَهم فيُخبروا فرعونَ فيقتُلَهم ويعذبَهم أو يصرفَهم عن دينهم. وقال الزجَّاج :(إنَّمَا قَالَ :﴿فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ لأَنَّ فِرْعَوْنَ ذا أصْحَابٍ يَأْتَمِرُونَ بهِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي لَمُسْتَكْبرٌ في أرضِ مصر، ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ ؛ في الكفر والمعاصي، والإسرافُ : هو التجاوزُ عن الحدِّ في كلِّ شيءٍ. وعن محمَّد بن المنكدرِ قَالَ :(عَاشَ فِرْعَوْنُ ثَلاَثَمِائَةً وَاثْنَيْنِ وَِعِشْرِِينَ سَنَةً لَمْ يَرَ مَكْرُوهاً، وَدَعَا مُوسَى عليه السلام ثَلاَثِينَ سنةً).

يونس 10:84

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ مُوسَى ياقَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ﴾ ؛ أي قالَ موسى لبنِي إسرائيل : يا قومِي إنْ كُنتم صدَّقتُم باللهِ كما تقولون فأَسْنِدُوا أمُورَكم إليه ؛ ﴿إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾، إنْ كنتم مُخلصين مُستَسلِيمن لأوامرهِ، وذلك حينَ قالوا لِمُوسى :﴿أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾[الأعراف: ١٢٩]. وَقِيْلَ : إنَّ موسى خاطبَ بالخطاب المذكور في هذه الآية الذريَّةَ التي آمَنت على خوفٍ من فرعون وملئِِهم.

يونس 10:85

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَقَالُواْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ ؛ أي قالَ موسى أسْنَدْنَا أموُرَنا إلى اللهِ ووَثِقْنَا به، ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ أي لا تُظهِرْهُم علينا فيَظنُّوا أنَّهم على الحقِّ، فيكون ذلك فتنةً لهم ولغيرِهم. ويقال : يعني لا يمكِنُهم أن يُنْزِلُوا بنَا أمراً لا نطيقُ الصبرَ عليه فننصرفَ به عن الدِّين. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ؛ أي خَلِّصْنَا بطَاعِتكَ من استبعادِهم إيَّانا، فاستجابَ اللهُ دعاءَهم كما ذكرَ من بعدُ.

يونس 10:86

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَقَالُواْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ ؛ أي قالَ موسى أسْنَدْنَا أموُرَنا إلى اللهِ ووَثِقْنَا به، ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ أي لا تُظهِرْهُم علينا فيَظنُّوا أنَّهم على الحقِّ، فيكون ذلك فتنةً لهم ولغيرِهم. ويقال : يعني لا يمكِنُهم أن يُنْزِلُوا بنَا أمراً لا نطيقُ الصبرَ عليه فننصرفَ به عن الدِّين. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ؛ أي خَلِّصْنَا بطَاعِتكَ من استبعادِهم إيَّانا، فاستجابَ اللهُ دعاءَهم كما ذكرَ من بعدُ.

يونس 10:87

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً﴾ ؛ وذلك أنَّ فرعونَ لَمَّا أتاهُ موسَى بالرسالةِ أمرَ بمسَاجدِ بني إسرائيل فكُسِّرت كلُّها وخُرِّبت، ومنعُوهم من الصَّلاةِ علانيةً، فأنزلَ الله هذه الآيةَ، وأُمِرُوا أن يتَّخِذُوا مساجدَ في بيُوتِهم ويصَلُّون فيها خَوفاً من فرعون. والمعنى : وأوحَينا إليهما إنِ اتَّخِذا لقومِكما بمِصْرَ بيُوتاً، يقال : بَوَّأهُ إذا عدَّ لغيرهِ بَيتاً، وتبَوَّأ إذا اتخذ لنفسهِ بيتاً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ ؛ أي اجعَلُوها مُصَلَّى، ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾، فصَلُّوا فيها مُستَتِرين مِنْ فرعون وقومهِ. وَقِيْلَ : معناهُ : واجعلوا بُيوتَكم مساجدَ. وقال الحسنُ :(وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ نَحْوَ الْقِبْلَةِ وَجِبَالِ الْكَعْبَةِ) قال :(وَكَانَتِ الْكَعْبَةُ قِبْلَةَ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنينَ). وَقِيْلَ : إنَّما لم يذكرِ اللهُ الزكاةَ في هذه الآيةِ ؛ لأن فرعونَ قد استعبَدَهم وأخذ أموالَهم فلم يكن لهم ما يجبُ الزكاة فيهِ. قوله :﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أي وبشِّرهُم بالثواب في الآخرة، وبالنَّصرِ في الدُّنيا آجِلاً وعاجِلاً.

يونس 10:88

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ؛ أي قالَ موسى : إنكَ أعطيتَ فرعونَ وملأَهُ زينةً ؛ أي زهرةً من المركَب والْحِلِيِّ والثياب، وأموالاً كثيرةً من الدراهم والدنانير والعُروضِ. قولهُ :﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ﴾ ؛ أي ربَّنا أعطيتَهم الزينةَ والأموالَ ليكون عاقبةُ أمرِهم أن يُضِلُّوا عن سبيلِكَ فلا يُؤمِنوا، وهذه اللامُ لامُ العاقبة كما في قوله :﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾[القصص: ٨]. قولهُ :﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ ؛ معنى الطَّمْسِ على الأموالِ تغييرُها عن جِهَتِها إلى جهةٍ لا ينتفعُ بها، وحقيقةُ الطَّمْسِ ذهابُ الشيءِ عن صُورتهِ بمَحْقِ الأثرِ. قال مجاهد وقتادة :(فَغَيَّرَ اللهُ أمْوَالَ فِرْعَوْنَ حَتَّى صَارَتْ دَرَاهِمُهُمْ وَدَنَانِِيرُهُمْ حِجَارَةً أنْصَافاً وَأثْلاَثاً وأرْبَاعاً، وكَذلِكَ سَائِرُ أمْوَالِهِمْ حَتَّى السُّكَّرَ وَالْفَوَاكِهَ). قال قتادةُ :(بَلَغَنَا أنَّ حُرُوثاً لَهُمْ صَارَتْ حِجَارَةً). وقال عطاء :(لَمْ يَبْقَ لَهُمْ مَعْدِنٌ إلاَّ طَمَسَ اللهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِه أحَدٌ). قولهُ :﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ ؛ معناه : واربطْ على قلوبهم بالصبرِ حتى لا يتحوَّلوا عن بلادِهم إلى بلاد الخصب فيبقون في هذهِ العقوبة أبداً. وَقِيْلَ : معناهُ : امنَعهُم عن الإيمانِ بكَ، والمعنى اطْبعْ عليها حتى لا تَلِينَ ولا تشرحَ الايمان. قولهُ :﴿فَلاَ يُؤْمِنُواْ﴾ ؛ قال الزجَّاجُ والفراء :(هَذا دُعَاءٌ عَلَيْهِمْ أيْضاً)، والتأويلُ فلا آمنوا، ﴿حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ ؛ يعني الغرقَ.

يونس 10:89

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ ؛ أي قَالَ اللهُ تَعَالَى لموسى وهرون : قد أجبتُ دعوتَكما، وذلك أنَّ موسى كان يدعُو بالدُّعاء المذكورِ في الآية، وكان هرون يُؤَمِّنُ على دُعائهِ، فسمَّاها اللهُ دََاعِينَ، قوله ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾ أي فاستقيما في دُعاءِ الناسِ إلى الإيمان، ﴿وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ لأن سبيلَهم كان الغَيَّ والضلالَ، وخفَّفَ ابنُ عبَّاس (تَتْبَعَانِ) من تَبعَ يَتْبَعُ، والنون الشديدةُ إنما دخلت مؤكِّدةً للنهي.

يونس 10:90

قولهُ :﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ ؛ يعني بحرَ الْقَلْزَمِ وهو بقُرب نيلِ مصرَ، جعلَهُ الله لهم يُبْساً حتى جاوزوهُ، ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً﴾ ؛ ليَبغُوا عليهم، ﴿وَعَدْواً﴾ ؛ ويظلِمُوهم. قولهُ :﴿حَتَّى إِذَآ أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ ؛ حتى إذا ألجمَ فرعونَ الغرقُ من إيمان الإنجاء فلم ينفعْهُ ذلك، فلما، ﴿قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـاهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنواْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ؛ قال له جِبريلُ :﴿آلآنَ﴾ ؛ أي عند الغرقِ، ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ؛ بالكفرِ والمعاصي في وقتِ الْمُهْلَةِ. رُوي عن ابنِ عباس :" أنَّ جِبْرِيلَ قالَ لِلنَّبيِّ ﷺ : لَوْ رَأيْتَنِي وَفِرْعَوْنُ يَدْعُو بكَلِمَةِ الإخْلاَصِ وَأَنَا أدُسَّهُ فِي الْمَاءِ وَالطِّيِنِ لِشِدَّةِ غَضَبي عَلَيْهِ مَخَافَةَ أنْ يَتُوبَ فَيَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ :" يَا جِبْرِيلُ وَمَا شِدَّةِ غَضَبكَ ؟ " قَالَ : يَا مُحَمَّدُ لِقَوْلِهِ أنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى وَهِيَ كَلِمَتُهُ الأََخِيرَةُ، وَإنَّمَا قَالَهَا حِينَ انْتَهَى إلَى الْبَحْرِ، وَكَلِمَتُهُ الأُوْلَى : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرِي، وَكَانَ بَيْنَ الأُوْلَى وَالأُخْرَى أرْبَعِينَ سَنَةً ". وهذه الروايةُ صحيحةٌ إلاَّ قولهُ :(مَخَافَةَ أنْ يَتُوبَ فَيَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ) لأنه لا يخلُوا إما أن يكون التكليفُ ثابتاً في ذلكَ الوقتِ أو غيرَ ثابتٍ، فإنْ كان ثَابتاً لم يَجُزْ على جبريل عليه السلام أنْ يَمنَعَهُ من التوبةِ، ولو منعَهُ من التكلُّم باللسانِ لكانت ندامةُ فرعون بالقلب كافيةً في توبتهِ ؛ لأن الأخرسَ إذا تابَ بالندمِ بقلبهِ وعزَمَ على تركِ المعاودةِ إلى القبيح كانت توبتهُ صحيحةً. وإن لم يكن التكليفُ ثابتاً في ذلك الوقتِ لم يكن للمنعِ عن التوبة معنى بوجهٍ من الوجُوهِ، وإنما لا يُقْبَلُ الإيمانُ في وقتِ الإلجاءِ ؛ لأنَّ الذي يؤمِنُ في تلك الحالةِ يعلمُ أنه لو حاولَ خلافَ ما يُؤمَرُ به حِيلَ بينه وبينه، فلا يكون مُثاباً بإعلاءِ ذلك الإيمان معرفته من طريق الضرورةِ دون الاجتهاد.

يونس 10:91

قولهُ :﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ ؛ يعني بحرَ الْقَلْزَمِ وهو بقُرب نيلِ مصرَ، جعلَهُ الله لهم يُبْساً حتى جاوزوهُ، ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً﴾ ؛ ليَبغُوا عليهم، ﴿وَعَدْواً﴾ ؛ ويظلِمُوهم. قولهُ :﴿حَتَّى إِذَآ أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ ؛ حتى إذا ألجمَ فرعونَ الغرقُ من إيمان الإنجاء فلم ينفعْهُ ذلك، فلما، ﴿قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـاهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنواْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ؛ قال له جِبريلُ :﴿آلآنَ﴾ ؛ أي عند الغرقِ، ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ؛ بالكفرِ والمعاصي في وقتِ الْمُهْلَةِ. رُوي عن ابنِ عباس :" أنَّ جِبْرِيلَ قالَ لِلنَّبيِّ ﷺ : لَوْ رَأيْتَنِي وَفِرْعَوْنُ يَدْعُو بكَلِمَةِ الإخْلاَصِ وَأَنَا أدُسَّهُ فِي الْمَاءِ وَالطِّيِنِ لِشِدَّةِ غَضَبي عَلَيْهِ مَخَافَةَ أنْ يَتُوبَ فَيَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ :" يَا جِبْرِيلُ وَمَا شِدَّةِ غَضَبكَ ؟ " قَالَ : يَا مُحَمَّدُ لِقَوْلِهِ أنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى وَهِيَ كَلِمَتُهُ الأََخِيرَةُ، وَإنَّمَا قَالَهَا حِينَ انْتَهَى إلَى الْبَحْرِ، وَكَلِمَتُهُ الأُوْلَى : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرِي، وَكَانَ بَيْنَ الأُوْلَى وَالأُخْرَى أرْبَعِينَ سَنَةً ". وهذه الروايةُ صحيحةٌ إلاَّ قولهُ :(مَخَافَةَ أنْ يَتُوبَ فَيَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ) لأنه لا يخلُوا إما أن يكون التكليفُ ثابتاً في ذلكَ الوقتِ أو غيرَ ثابتٍ، فإنْ كان ثَابتاً لم يَجُزْ على جبريل عليه السلام أنْ يَمنَعَهُ من التوبةِ، ولو منعَهُ من التكلُّم باللسانِ لكانت ندامةُ فرعون بالقلب كافيةً في توبتهِ ؛ لأن الأخرسَ إذا تابَ بالندمِ بقلبهِ وعزَمَ على تركِ المعاودةِ إلى القبيح كانت توبتهُ صحيحةً. وإن لم يكن التكليفُ ثابتاً في ذلك الوقتِ لم يكن للمنعِ عن التوبة معنى بوجهٍ من الوجُوهِ، وإنما لا يُقْبَلُ الإيمانُ في وقتِ الإلجاءِ ؛ لأنَّ الذي يؤمِنُ في تلك الحالةِ يعلمُ أنه لو حاولَ خلافَ ما يُؤمَرُ به حِيلَ بينه وبينه، فلا يكون مُثاباً بإعلاءِ ذلك الإيمان معرفته من طريق الضرورةِ دون الاجتهاد.

يونس 10:92

قوله :﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ ؛ أي فاليومَ نُلقِيكَ على نَجْوةٍ من الأرضِ، وهي المكانُ المرتفع ؛ أي ببَدَنِكَ أي بدِرْعِكَ، قال ابنُ عبَّاس :(كَانَ فِرْعَوْنُ قَصِيراً طُولُهُ سِتَّةُ أشْبَارٍ، وَكَانَتْ لِحْيَتُهُ قَريباً مِنْ قَامَتِهِ، وَكَانَتْ لَهُ دِرْعٌ سَلاَسِلُهَا مِنْ ذهَبٍ يَعْرِفُهَا جَمِيعُ بَنِي إسْرَائِيلَ، فَسَأَلَتْ مُوسَى بَنُو إسْرَائِيلَ فَدَعَا اللهَ فأَخْرَجَهُ ببَدَنِهِ حَتَّى وَارَاهُ، وَعَرَفُوا الدِّرْعَ فَطَابَتْ أنْفُسُهُمْ بِـتِلْكَ). ويقال : كان في بَنِي إسرائيل من لا يصدِّقُ بهلاك فرعون، ولذلك سألَ موسى عليه السلام أن يُلقِيَهُ اللهُ علَى نَجْوَةٍ من الأرضِ ببدنهِ ؛ أي وحدَهُ دون قومهِ. وَقِيْلَ : معناهُ : نُنْجِيكَ من الماءِ ببدنك دون رُوحِكَ، فأما روحُكَ فتُعذبُ على كلِّ حال. قوله :﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ ؛ أي لِمَن بعدَكَ من الكفَّار آيةً في النَّكَالِ، لئَلاَّ تقول لأحدٍ بعدَكَ مثلَ مقَالَتِكَ، وتعرفوا أَنَّكَ لو كُنتَ إلهاً ما غَرِقْتَ. قوله :﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ ؛ يعني لغافِلُون عن التفكُّرِ في دلائِلنا.

يونس 10:93

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ ؛ أي ولقد أنزَلَنا بني إسرائيلَ في موضعِ خَصْبٍ وأمْنٍ، وهي أرضُ مصرَ ما بين أردن وفلسطين، ويقال : هي الأرضُ المقدَّسة التي وَرِثوها من أبيهم إبراهيمَ عليه السلام، وسَمَّاها مَنْزِلَ صِدْقٍ ؛ لأن فَضْلَهَا على سائرِ المنازل كفضْلِ الصِّدقِ على الكذب. وَقِيْلَ : هم بنُو قريظةَ والنضير أنزلناهم مبوَّأ صدْقٍ بين المدينة والشَّامِ من أرضِ يثربَ، ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ ؛ أي من النَّخلِ وما فيها من الرُّطَب والتمرِ. قولهُ :﴿فَمَا اخْتَلَفُواْ حَتَّى جَآءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ ؛ معناهُ أنَّهم لم يزالوا مُؤمنين بمُحَمَّدٍ ﷺ يجدونَهُ مكتوباً عندَهم في التوارةِ والإنجيل لم يختلفوا في ذلك، بعثَ اللهُ مُحَمَّداً ﷺ فآمَنَ به بعضُهم وكفرَ به بعضهم. ومعنى الآيةِ : ما اختَلفُوا في تصديقِ النبيِّ ﷺ وإنه نبيٌّ حتى جاءَهم العلمُ، قال ابنُ عبَّاس :(يُريدُ الْقُرْآنَ الَّذِي جَاءَ بهِ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم)، وقال الفرَّاء :(الْعِلْمُ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم) لأنَّهُ كَانَ مَعْلُوماً عِنْدَهُمْ بنَعْتِهِ، وَذلِكَ أنْ لَمَّا جَاءَهُمُ اخْتَلَفُوا فِيْهِ وَفِي تَصْدِيقِهِ فَكَفَرَ بهِ أكْثَرُهُمْ). قَولهُ :﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ ؛ يا مُحَمَّدُ، ﴿يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، بتمييزِ الْمُحِقِّ من الْمُبْطِلِ، ويُجَازي كُلاًّ منهم بما يستحُّقه، ﴿فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فيُدخِلُ المصدِّقين بكَ الجنةَ، ويُدخِلُ المكذِّبين النارَ.

يونس 10:94

قولهُ :﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ ؛ قال أكثرُ أهلِ العلم : هذا خطابٌ لرسول الله ﷺ والمرادُ به غيرهُ من الشُّكَّاكِ، ومثل ذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾[الأحزاب: ١] الخطابُ للنبيِّ ﷺ والمرادُ به غيرهُ بدليلِ قوله :﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾[النساء: ٩٤]، ولم يقُل بما تعملُ، قال الزجَّاج :(إنَّ اللهَ يُخَاطِبُ النَّبيَّ ﷺ وَذلِكَ الْخِطَابُ شَامِلٌ لِلْخَلْقِ، فالمعنى : فإن كنتُم في شكٍّ فاسأَلُوا). وقال ابنُ عبَّاس :(لَمْ يُرِدْ بهِ النَّبيِّ ﷺ ؛ لأنَّهُ لَمْ يَشُكَّ فِي اللهِ وَلاَ فِي مَا أوْحَى إلَيْهِ، لَكِنْ أرَادَ مَنْ آمَنَ بهِ وَصَدَّقَهُ فِي أمْرِهِمْ أنْ يَسْأَلُوا لِئَلاَّ يُنَافِقُوا كَمَا شَكَّ الْمُنَافِقُونَ). وعن ابنِ عبَّاس أنه قالَ :(وَذلِكَ أنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ قَالُوا : إنَّ هَذا الْقُرْآنَ الَّذِي يَجِيءُ إلى مُحَمَّدٍ مَا يُلْقِيهِ الشَّيَاطينُ إلَيْهِ! فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ). وَأَرَادَ بالَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مُؤْمِنِي أهْلِ الْكِتَاب عَبْدِاللهِ بْنِ سَلاَمٍ وَأصْحَابهِ، فَإنَّهُمْ يَسُتْخِبُرونَكَ أنَّهُ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ، فَقَالَ النَّبيُّّ :" لاَ أسْأَلُ أحَداً وَلاَ أشُكُّ فِيْهِ بَلْ أشْهَدُ أنَّهُ الْحَقُّ " وكان النبيُّ ﷺ أعلمَ باللهِ تعالى وأشدَّ يقيناً من أن يسألَهم، وإنَّّما التقديرُ : فإن كنتَ في شكٍّ أيُّها السامعُ مما أنزَلنا على نبيِّكَ. ومِن عادةِ العرب أنَّهم يُخاطِبون الرجلَ بشيءٍ يريدون به غيرَهُ كما قالوا : إيَّاكِ أعْنِي واسمعي يا جارةُ. وكانت الناسُ على عهدِ النبيِّ ﷺ ثلاثَ مراتب : مؤمنٌ ؛ وكافر ؛ وشاكٌّ، فخاطبَ الله بهذه الآية الشاكَّ أمَرَهُ بسُؤال الذين يقرَءُون الكتابَ من قَبْلِهِ عن النبيِّ ﷺ المبَشَّر به حتى إذا وافقت صفتهُ في الكتاب المنَزَّل له قَبلَ القرآن صفةَ النبيِّ ﷺ على الشَّاكِّ هو المبشَّر به. قوله :﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ؛ الشَّاكِّين في الحقِّ، وما في الآيةِ ظاهرُ المعنى.

يونس 10:95

قولهُ :﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ ؛ قال أكثرُ أهلِ العلم : هذا خطابٌ لرسول الله ﷺ والمرادُ به غيرهُ من الشُّكَّاكِ، ومثل ذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾[الأحزاب: ١] الخطابُ للنبيِّ ﷺ والمرادُ به غيرهُ بدليلِ قوله :﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾[النساء: ٩٤]، ولم يقُل بما تعملُ، قال الزجَّاج :(إنَّ اللهَ يُخَاطِبُ النَّبيَّ ﷺ وَذلِكَ الْخِطَابُ شَامِلٌ لِلْخَلْقِ، فالمعنى : فإن كنتُم في شكٍّ فاسأَلُوا). وقال ابنُ عبَّاس :(لَمْ يُرِدْ بهِ النَّبيِّ ﷺ ؛ لأنَّهُ لَمْ يَشُكَّ فِي اللهِ وَلاَ فِي مَا أوْحَى إلَيْهِ، لَكِنْ أرَادَ مَنْ آمَنَ بهِ وَصَدَّقَهُ فِي أمْرِهِمْ أنْ يَسْأَلُوا لِئَلاَّ يُنَافِقُوا كَمَا شَكَّ الْمُنَافِقُونَ). وعن ابنِ عبَّاس أنه قالَ :(وَذلِكَ أنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ قَالُوا : إنَّ هَذا الْقُرْآنَ الَّذِي يَجِيءُ إلى مُحَمَّدٍ مَا يُلْقِيهِ الشَّيَاطينُ إلَيْهِ! فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ). وَأَرَادَ بالَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مُؤْمِنِي أهْلِ الْكِتَاب عَبْدِاللهِ بْنِ سَلاَمٍ وَأصْحَابهِ، فَإنَّهُمْ يَسُتْخِبُرونَكَ أنَّهُ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ، فَقَالَ النَّبيُّّ :" لاَ أسْأَلُ أحَداً وَلاَ أشُكُّ فِيْهِ بَلْ أشْهَدُ أنَّهُ الْحَقُّ " وكان النبيُّ ﷺ أعلمَ باللهِ تعالى وأشدَّ يقيناً من أن يسألَهم، وإنَّّما التقديرُ : فإن كنتَ في شكٍّ أيُّها السامعُ مما أنزَلنا على نبيِّكَ. ومِن عادةِ العرب أنَّهم يُخاطِبون الرجلَ بشيءٍ يريدون به غيرَهُ كما قالوا : إيَّاكِ أعْنِي واسمعي يا جارةُ. وكانت الناسُ على عهدِ النبيِّ ﷺ ثلاثَ مراتب : مؤمنٌ ؛ وكافر ؛ وشاكٌّ، فخاطبَ الله بهذه الآية الشاكَّ أمَرَهُ بسُؤال الذين يقرَءُون الكتابَ من قَبْلِهِ عن النبيِّ ﷺ المبَشَّر به حتى إذا وافقت صفتهُ في الكتاب المنَزَّل له قَبلَ القرآن صفةَ النبيِّ ﷺ على الشَّاكِّ هو المبشَّر به. قوله :﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ؛ الشَّاكِّين في الحقِّ، وما في الآيةِ ظاهرُ المعنى.

يونس 10:96

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ معناهُ : إن الذين أخبَر اللهُ عنهم أنَّهم لا يؤمنون، ﴿وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ ؛ فيَصيرون مُلجَئِين إلى الإيمانِ، فلم يُقبَلْ منهم الإيمانُ حينئذٍ. قولهُ :﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا﴾ ؛ أي هلاَّ كانت قريةٌ آمَنت عندَ نزولِ العذاب فنفعَها إيمانُها وقُبلَ منهم، ﴿إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ﴾ ؛ لَمَّا آمنوا وعَلِمَ اللهُ منهم الصدقَ صرفَ عنهم عذابَ الهونِ، ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ ؛ آجالِهم المضروبةِ لهم. وعن ابنِ عبَّاس :(مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ والْمَعْنَى : لَمْ أفْعَلْ هَذا بأُمَّةٍ قَطُّ إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ، فَتَكُونُ (لَوْلاَ) مَعْنَاهَا النَّفْيُ. وقال قتادةُ :(لَمْ يَكُنْ هَذا مَعْرُوفاً لأُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ كَفَرَتْ، ثُمَّ آمَنَتْ عِنْدَ نُزُولِ الْعَذاب فَكُشِفَ عَنْهُمْ إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ كُشِفَ عَنْهُمْ الْعَذابُ بَعْدَ أنْ تَدَلَّى عَلَيْهِمْ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ آجالِهم، وذلكَ : أن يونُسَ عليه السلام. بعثَهُ اللهُ إلى قومهِ، فدعاهم إلى طاعةِ الله وتركِ الكُفرِ فَأَبَوا، قال : رَب فَدَعَوْتُهُمْ فَأَبَوا، فأوحَى اللهُ إليه : أنِ ادْعُوهُمْ فَإنْ أجَابُوكَ، وَإلاَّ فَأَعْلِمْهُمْ بأَنَّ الْعَذابَ يَأْتِيهِمْ إلَى ثَلاَثَةِ أيَّامٍ. فدعاهُم فلم يُجيبوا، فأخبَرهم بالعذاب وخرجَ مِن بينهم، فقالُوا : ما جَرَّبْنَا عليه كَذِباً مُذْ كانَ، فاحتَالُوا لأَنفُسِكم. فلمَّا كان اليومُ الثالث رَأوا حُمْرَةً وسَوَاداً من السَّماء كهيئة النارِ والدُّخان، فجعلوا يطلبُون يونُسَ فلم يجدوا، فلما يَئِسُوا من يونُسَ وجعل يحطُّ السوادُ والحمرة، فقال قائلٌ منهم : فإنْ لم تَجِدُوا يونسَ فإنَّكم تجدوا ربَّ يونس، فادعوهُ وتضرَّعُوا إليه. فخرَجُوا إلى الصحراءِ، وأخرَجُو النساءَ والصبيان والبهائمَ، وعَجُّوا إلى اللهِ مُؤمِنين به، وارتفعتِ الأصواتُ، وقرُبَتْ منهم الحمرةُ والدُّخان حتى غَشِيَ السوادُ سُطوحَهم وبلَغَهم حرُّ النار، فلما عَلِمَ اللهُ منهم صدقَ التوبةِ رفعَ عنهم العذابَ بعد ما كان غَشِيَهم.

يونس 10:97

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ معناهُ : إن الذين أخبَر اللهُ عنهم أنَّهم لا يؤمنون، ﴿وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ ؛ فيَصيرون مُلجَئِين إلى الإيمانِ، فلم يُقبَلْ منهم الإيمانُ حينئذٍ. قولهُ :﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا﴾ ؛ أي هلاَّ كانت قريةٌ آمَنت عندَ نزولِ العذاب فنفعَها إيمانُها وقُبلَ منهم، ﴿إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ﴾ ؛ لَمَّا آمنوا وعَلِمَ اللهُ منهم الصدقَ صرفَ عنهم عذابَ الهونِ، ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ ؛ آجالِهم المضروبةِ لهم. وعن ابنِ عبَّاس :(مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ والْمَعْنَى : لَمْ أفْعَلْ هَذا بأُمَّةٍ قَطُّ إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ، فَتَكُونُ (لَوْلاَ) مَعْنَاهَا النَّفْيُ. وقال قتادةُ :(لَمْ يَكُنْ هَذا مَعْرُوفاً لأُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ كَفَرَتْ، ثُمَّ آمَنَتْ عِنْدَ نُزُولِ الْعَذاب فَكُشِفَ عَنْهُمْ إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ كُشِفَ عَنْهُمْ الْعَذابُ بَعْدَ أنْ تَدَلَّى عَلَيْهِمْ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ آجالِهم، وذلكَ : أن يونُسَ عليه السلام. بعثَهُ اللهُ إلى قومهِ، فدعاهم إلى طاعةِ الله وتركِ الكُفرِ فَأَبَوا، قال : رَب فَدَعَوْتُهُمْ فَأَبَوا، فأوحَى اللهُ إليه : أنِ ادْعُوهُمْ فَإنْ أجَابُوكَ، وَإلاَّ فَأَعْلِمْهُمْ بأَنَّ الْعَذابَ يَأْتِيهِمْ إلَى ثَلاَثَةِ أيَّامٍ. فدعاهُم فلم يُجيبوا، فأخبَرهم بالعذاب وخرجَ مِن بينهم، فقالُوا : ما جَرَّبْنَا عليه كَذِباً مُذْ كانَ، فاحتَالُوا لأَنفُسِكم. فلمَّا كان اليومُ الثالث رَأوا حُمْرَةً وسَوَاداً من السَّماء كهيئة النارِ والدُّخان، فجعلوا يطلبُون يونُسَ فلم يجدوا، فلما يَئِسُوا من يونُسَ وجعل يحطُّ السوادُ والحمرة، فقال قائلٌ منهم : فإنْ لم تَجِدُوا يونسَ فإنَّكم تجدوا ربَّ يونس، فادعوهُ وتضرَّعُوا إليه. فخرَجُوا إلى الصحراءِ، وأخرَجُو النساءَ والصبيان والبهائمَ، وعَجُّوا إلى اللهِ مُؤمِنين به، وارتفعتِ الأصواتُ، وقرُبَتْ منهم الحمرةُ والدُّخان حتى غَشِيَ السوادُ سُطوحَهم وبلَغَهم حرُّ النار، فلما عَلِمَ اللهُ منهم صدقَ التوبةِ رفعَ عنهم العذابَ بعد ما كان غَشِيَهم.

يونس 10:98

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ معناهُ : إن الذين أخبَر اللهُ عنهم أنَّهم لا يؤمنون، ﴿وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ ؛ فيَصيرون مُلجَئِين إلى الإيمانِ، فلم يُقبَلْ منهم الإيمانُ حينئذٍ. قولهُ :﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا﴾ ؛ أي هلاَّ كانت قريةٌ آمَنت عندَ نزولِ العذاب فنفعَها إيمانُها وقُبلَ منهم، ﴿إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ﴾ ؛ لَمَّا آمنوا وعَلِمَ اللهُ منهم الصدقَ صرفَ عنهم عذابَ الهونِ، ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ ؛ آجالِهم المضروبةِ لهم. وعن ابنِ عبَّاس :(مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ والْمَعْنَى : لَمْ أفْعَلْ هَذا بأُمَّةٍ قَطُّ إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ، فَتَكُونُ (لَوْلاَ) مَعْنَاهَا النَّفْيُ. وقال قتادةُ :(لَمْ يَكُنْ هَذا مَعْرُوفاً لأُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ كَفَرَتْ، ثُمَّ آمَنَتْ عِنْدَ نُزُولِ الْعَذاب فَكُشِفَ عَنْهُمْ إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ كُشِفَ عَنْهُمْ الْعَذابُ بَعْدَ أنْ تَدَلَّى عَلَيْهِمْ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ آجالِهم، وذلكَ : أن يونُسَ عليه السلام. بعثَهُ اللهُ إلى قومهِ، فدعاهم إلى طاعةِ الله وتركِ الكُفرِ فَأَبَوا، قال : رَب فَدَعَوْتُهُمْ فَأَبَوا، فأوحَى اللهُ إليه : أنِ ادْعُوهُمْ فَإنْ أجَابُوكَ، وَإلاَّ فَأَعْلِمْهُمْ بأَنَّ الْعَذابَ يَأْتِيهِمْ إلَى ثَلاَثَةِ أيَّامٍ. فدعاهُم فلم يُجيبوا، فأخبَرهم بالعذاب وخرجَ مِن بينهم، فقالُوا : ما جَرَّبْنَا عليه كَذِباً مُذْ كانَ، فاحتَالُوا لأَنفُسِكم. فلمَّا كان اليومُ الثالث رَأوا حُمْرَةً وسَوَاداً من السَّماء كهيئة النارِ والدُّخان، فجعلوا يطلبُون يونُسَ فلم يجدوا، فلما يَئِسُوا من يونُسَ وجعل يحطُّ السوادُ والحمرة، فقال قائلٌ منهم : فإنْ لم تَجِدُوا يونسَ فإنَّكم تجدوا ربَّ يونس، فادعوهُ وتضرَّعُوا إليه. فخرَجُوا إلى الصحراءِ، وأخرَجُو النساءَ والصبيان والبهائمَ، وعَجُّوا إلى اللهِ مُؤمِنين به، وارتفعتِ الأصواتُ، وقرُبَتْ منهم الحمرةُ والدُّخان حتى غَشِيَ السوادُ سُطوحَهم وبلَغَهم حرُّ النار، فلما عَلِمَ اللهُ منهم صدقَ التوبةِ رفعَ عنهم العذابَ بعد ما كان غَشِيَهم.

يونس 10:99

قوله :﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ ؛ أي لو شاء ربُّك يا مُحَمَّدُ لآمَنَ أهلُ الأرضِ كلُّهم. وَقِيْلَ : معناه : لو شاءَ ربُّكَ لأن يُجبرَ الناسَ على الإيمانِ لآمَنَ مَن في الأرضِ كلهم جميعاً، كما آمَنَ قومُ يونس. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ ؛ معناهُ أفَأنتَ تريدُ إكراهَ الناسِ على الإيمانِ إن لم يُرِدِ اللهُ إكراهَهم عليهِ مع أنه قادرٌ على إكراهِهم عليه، فلا ينبغِي لكَ أن تريدَ هذا، وأنت غيرُ قادرٍ على إكراهِهم عليه. وَقِيْلَ في سبب نزولِ هذه الآية : أنَّ النبي ﷺ كان حَريصاً على أنْ يُسلِمَ عمُّه أبو طالبٍ وقومه، فأعلمَهُ الله بهذه الآيةِ أنَّ إسلامَهم ليس بيدهِ.

يونس 10:100

قوله :﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ؛ أي فتوفيقهِ، ويقال : إلا بأمره وقد أمرَ اللهُ الكلَّ بالإيمانِ، وَقِيْلَ : معناهُ : إلا بتمكينِ الله. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(السُّخْطَ)، قال أبو الحسنِ :(الْعَذابَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ) أي على الذين لا ينتَفِعون بعقولِهم، وقال الحسنُ :(يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بالْكُفْرِ وَيَدْمُّهُمْ عَلَيْهِ).

يونس 10:101

قولهُ :﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي قُل لهم يا مُحَمَّدُ تكفَّروا فيما في السمواتِ والأرض من الآياتِ والدَّلالاتِ نحو مَسِيرِ الشمسِ والقمر والنُّجُومِ في مَجَارِيها في أوقاتٍ معلومة على الدَّوام، ووقوفِ السَّماء بغير عَمَدٍ ولا علاقةٍ، وخروجِ النِّتاجِ من الأُمَّهات، وانظروا إلى الجبال والشَّجر وغير ذلك، وكلُّ هذا يقتضي مُدَبرَ الأمر يُشبهُ الأشياءَ ولا تشبهه، ﴿وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾. ثم قالَ حين لم يتفكَّروا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ﴾ معناهُ : ما تنفعُ الآياتُ، ولا تدفعُ عمَّن سبقَ في علمِ الله أنه لا يؤمنُ، فهل ينظرون إلا أن يصيبَهم مثل ما أصابَ الأُمَم قبلَهم من العذاب، يقال : أيَّامُ فلان، ويرادُ به أيام دولته ومحنتَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ فَانْتَظِرُواْ﴾ ؛ أي انتظِرُوا حلولَ العذاب الذي أوعدَكم به ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾، لذلك.

يونس 10:102

قولهُ :﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي قُل لهم يا مُحَمَّدُ تكفَّروا فيما في السمواتِ والأرض من الآياتِ والدَّلالاتِ نحو مَسِيرِ الشمسِ والقمر والنُّجُومِ في مَجَارِيها في أوقاتٍ معلومة على الدَّوام، ووقوفِ السَّماء بغير عَمَدٍ ولا علاقةٍ، وخروجِ النِّتاجِ من الأُمَّهات، وانظروا إلى الجبال والشَّجر وغير ذلك، وكلُّ هذا يقتضي مُدَبرَ الأمر يُشبهُ الأشياءَ ولا تشبهه، ﴿وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾. ثم قالَ حين لم يتفكَّروا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ﴾ معناهُ : ما تنفعُ الآياتُ، ولا تدفعُ عمَّن سبقَ في علمِ الله أنه لا يؤمنُ، فهل ينظرون إلا أن يصيبَهم مثل ما أصابَ الأُمَم قبلَهم من العذاب، يقال : أيَّامُ فلان، ويرادُ به أيام دولته ومحنتَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ فَانْتَظِرُواْ﴾ ؛ أي انتظِرُوا حلولَ العذاب الذي أوعدَكم به ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾، لذلك.

يونس 10:103

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ؛ معناهُ : ثم نُنَجِِّي رسُلَنا والمؤمنين من العذاب الذي يحلُّ بالكفَّار. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أي كما نُنجِي الرسُلَ من العذاب كان علينا أن ننجِي المؤمنين كلهم من العذاب الذي ينْزِلُ بالكفَّار.

يونس 10:104

قوله تعالى :﴿قُلْ ياأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ أي قُل لَهم : يا أهلَ مكَّة إنْ كُنتم في شكٍّ من دِيني الذي أتيتُكم به، فأنا مستيقنٌ فلا أشكُّ في بُطلانِ دِينكم، فلا أعبدُ الذي تعبدُون من دونِ الله بشَكِّكُم في دِيني، ﴿وَلَـاكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ ؛ أي يُمِيتُكم ويُعِيدُكم، ولا أعبدُ الذي لا يقدر على الضرِّ والنفعِ والإحياء والإماتةِ، ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

يونس 10:105

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ ؛ أي وأمِرْتُ أن أُخْلِصَ دِيني وعَمَلي للهِ، والمرادُ بإقامةِ الوجه الإقبالُ على ما أُمِرَ به من أمُور الدِّين، ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وَقِيْلَ : أرادَ بذلك إقامةَ الصلاةِ. والحنيفُ : هو المستقيمُ في الدِّين. وَقِيْلَ : هو العادلُ عن الأديانِ الباطلة إلى دِين الحقِّ.

يونس 10:106

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ﴾ ؛ أي ما لا ينفعُكَ إنْ دعوتَهُ، ولا يضرُّكَ إنْ تركتَ عبادتَهُ، ﴿فَإِن فَعَلْتَ﴾، فإن دعوتَ غيرَ اللهِ إلهاً، ﴿فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ الضَّارِّين لنفسِكَ.

يونس 10:107

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ﴾ ؛ معناهُ : إنْ يُردِ اللهُ بك ضُرّاً فلا يقدرُ أحدٌ على دفعِ ذلك الضرر إلا هو، ﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ ؛ بنعمةٍ وأمر تُسَرُّ بهِ، ﴿فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ﴾ ؛ مانعٍ لعطيَّتهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ﴾ ؛ أي يختَصُُّ بالفضلِ مَن يشاءُ، ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ على ما توجِّهُ الحكمةُ على ما يستحقُّون بأعمالِهم، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾ ؛ لذُنوب العبادِ، ﴿الرَّحِيمُ﴾ ؛ بمَن ماتَ على التوبةِ.

يونس 10:108

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ ياأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ﴾ ؛ أي قُل يا مُحَمَّدُ للناسِ كلهم : قد جاءَكم الحقُّ من ربكم ؛ أي الكتابُ والرسول، ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ ؛ بالكتاب والرسول، ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ ؛ أي يرجعُ نفعُ هدايتهِ إليه، ﴿وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ ؛ فإنَّما يكونُ وبالَ ضلالهِ على نفسه، ﴿وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ ؛ أي لستُ بحفيظٍ عليكم، أدفعُ عنك الضرَّ، وأطلبُ إليكم النفعَ شِئتُم أو أبَيتُم.

يونس 10:109

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ ؛ أي اتَّبعْ يا مُحَمَّدُ ما تؤمرُ به في القرآنِ، ﴿وَاصْبِرْ﴾ ؛ على أذاهم، ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ ؛ يقضِي الله بينَكَ وبينهم، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ ؛ أعدَلُ القَاضِينَ ؛ لأنَّ الحاكمَ لا يكون إلا بالصَّلاحِ والسَّدادِ، وكان حكمهُ أنْ أمرَ النبيَّ ﷺ بقتالِهم.

هود 11:1

﴿الر﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَاهُ أنَا اللهُ الرَّحْمَنُ. وقولهُ :﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ ؛ وَقِيْلَ :(كِتَابٌ) بدلٌ من قولهِ ﴿الر﴾ لأنه خبرهُ، كأنه قال : هذه الحروفُ كتابٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ أي أُحكِمَتْ بالأمرِ والنهي، ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ ؛ بالثواب والعقاب، وقال قتادة :(أُحْكِمَتْ عَنِ الْبَاطِلِ بالْحُجَجِ وَالدَّلاَئِلِ، ثُمَّ فُصِّلَتْ بأَنْ أنْزِلَتْ شَيْئاً فَشَيْئاً). وقال الكلبيُّ :(كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ لَمْ يُنْسَخْ بكِتَابٍ، كَمَا نُسِخَتِ الْكُتُبُ وَالشَّرَائِعُ بهِ، ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ بُيِّنَتْ بالأَحْكَامِ مِنَ الْحَلاَلِ وَالْحَرَامِ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ). وقولهُ :﴿مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ؛ أي مِنْ عند حكيمٍ في خَلقهِ وتدبيرهِ، خبيرٍ بمَن يصدِّقُ ويكذِّبُ به.

هود 11:2

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ ؛ أي أحْكَمَ اللهُ القرآنَ بالْحُجَجِ لِئَلاَّ يُطيعوا إلاَّ اللهَ. وَقِيْلَ : معناهُ : أمَرَكم أنْ لا تعبُدوا غيرَهُ إنَّني لكم من اللهِ مُعَلِّمٌ بموضعِ المخافة لتَحذرُوا، وموضعِ الخيرِ لتطلُبوا، ونذيرٌ بمعنى مُنْذِرٍ، كما في قولهِ ﴿أَلِيمٌ﴾ يعني مؤلِم.

هود 11:3

قولهُ :﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ ؛ أي وأمرَكم أن تطلبُوا المغفرةَ من ربكم، واجعلُوها غرَضَكم وتوصَّلوا إليها بالتوبةِ وهي الندمُ على القبيح، والعزمُ على تركِ المعاودة إليه. وَقِيْلَ : معناهُ : وإنِ استغفروا ربَّكم بالتوبةِ عما سلَفَ من ذُنوبكم، ثم توبُوا إليه عمَّا يقعُ منكم من الذنوب في المستقبلِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ ؛ ﴿يُمَتِّعْكُمْ﴾ جُزِمَ على جواب الأمر ؛ أي إنْ فعلتُم ذلك أنعَمَ اللهُ عليكم نِعَماً سابغةً حِسَاناً تستبقون بها إلى آجَالِكم التي قدَّرَها اللهُ لكم، فلم يستَأْصِلكم كما استأصلَ الأُمَم المكذِّبَة به قبلَكم. قال القتيبيُّ :(أصْلُ الإمْتَاعِ الإطَالَةُ) يقالُ : جبلٌ مَاتِعٌ، وقد مَتَعَ النهارُ إذا طالَ، فمعنى يُمَتِّعْكُمْ يُعَمِّرْكُمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ ؛ أي مَن كان ذا فَضْلٍ في دينهِ فضَّلَهُ اللهُ في الآخرةِ بالثواب على عمله. وَقِيْلَ : يعطِي كلَّ ذِي عمَلٍ صالحٍ أجرَهُ وثوابه. وقال ابنُ عبَّاس :(يُعْطِي كُلَّ مَنْ فَضَلَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ فَضْلَهُ ؛ يَعْنِي الْجَنَّةَ وَهِيَ فَضْلُ اللهِ، يِعْنِي أنَّ مَنْ زَادَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ). وعن ابنِ مسعود قال في هذه الآيةِ :(مَنْ عَمِلَ حَسَنَةً كُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً كُتِبَتْ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً، وَإنْ لَمْ يُعَاقَبْ بتِلْكَ السَّيِّئَةِ فِي الدُّنْيَا أُخِذ مِنْ عَشْرِ حَسَنَاتِهِ وَاحِدَةً وَبَقِيَتْ لَهُ تِسْعٌ) ثُمَّ قالَ :(هَلَكَ مَنْ غَلَبَتْ آحَادُهُ أعْشَارَهُ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ ؛ أي إنْ أعرَضُوا عنِ الإيمانِ والتوبة، ﴿فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ ؛ أي عظيمِ الشَّأنِ وهو يومُ القيامةِ، وإنما ذكرَ الخوفَ في هذا الموضعِ ؛ لأن الخطابَ من الرسول ﷺ، والخوفُ عليه جائزٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ على إعادَتِكم.

هود 11:4

قولهُ :﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ ؛ أي وأمرَكم أن تطلبُوا المغفرةَ من ربكم، واجعلُوها غرَضَكم وتوصَّلوا إليها بالتوبةِ وهي الندمُ على القبيح، والعزمُ على تركِ المعاودة إليه. وَقِيْلَ : معناهُ : وإنِ استغفروا ربَّكم بالتوبةِ عما سلَفَ من ذُنوبكم، ثم توبُوا إليه عمَّا يقعُ منكم من الذنوب في المستقبلِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ ؛ ﴿يُمَتِّعْكُمْ﴾ جُزِمَ على جواب الأمر ؛ أي إنْ فعلتُم ذلك أنعَمَ اللهُ عليكم نِعَماً سابغةً حِسَاناً تستبقون بها إلى آجَالِكم التي قدَّرَها اللهُ لكم، فلم يستَأْصِلكم كما استأصلَ الأُمَم المكذِّبَة به قبلَكم. قال القتيبيُّ :(أصْلُ الإمْتَاعِ الإطَالَةُ) يقالُ : جبلٌ مَاتِعٌ، وقد مَتَعَ النهارُ إذا طالَ، فمعنى يُمَتِّعْكُمْ يُعَمِّرْكُمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ ؛ أي مَن كان ذا فَضْلٍ في دينهِ فضَّلَهُ اللهُ في الآخرةِ بالثواب على عمله. وَقِيْلَ : يعطِي كلَّ ذِي عمَلٍ صالحٍ أجرَهُ وثوابه. وقال ابنُ عبَّاس :(يُعْطِي كُلَّ مَنْ فَضَلَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ فَضْلَهُ ؛ يَعْنِي الْجَنَّةَ وَهِيَ فَضْلُ اللهِ، يِعْنِي أنَّ مَنْ زَادَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ). وعن ابنِ مسعود قال في هذه الآيةِ :(مَنْ عَمِلَ حَسَنَةً كُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً كُتِبَتْ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً، وَإنْ لَمْ يُعَاقَبْ بتِلْكَ السَّيِّئَةِ فِي الدُّنْيَا أُخِذ مِنْ عَشْرِ حَسَنَاتِهِ وَاحِدَةً وَبَقِيَتْ لَهُ تِسْعٌ) ثُمَّ قالَ :(هَلَكَ مَنْ غَلَبَتْ آحَادُهُ أعْشَارَهُ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ ؛ أي إنْ أعرَضُوا عنِ الإيمانِ والتوبة، ﴿فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ ؛ أي عظيمِ الشَّأنِ وهو يومُ القيامةِ، وإنما ذكرَ الخوفَ في هذا الموضعِ ؛ لأن الخطابَ من الرسول ﷺ، والخوفُ عليه جائزٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ على إعادَتِكم.

هود 11:5

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي الأَخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، كَانَ حِينَ يُجَالِسُ النَّبيَّ ﷺ وَيُظْهِرُ لَهُ أمْراً حَسَناً، وَكَانَ حَسَنَ الْمَنْظَرِ، وَكَانَ حَسَنَ الْحَدِيثِ، إلاَّ أنَّهُ كَانَ يُضْمِرُ فِي قَلْبهِ خِلاَفَ مَا يُظْهِرُ، فَأْنَزَلَ اللهُ فِي أمْرِهِ هَذِهِ الآيَةَ). يقالُ : إنَّ طائفةً من المشركين بَلَغَ بهم الجهلُ إلى أنْ قالُوا : إنَّا اذا أغلَقنا أبوابَنا، وأرخَينا سُتُورَنا، واسْتَغْشَيْنَا ثِيابَنا، وثَنَيْنَا صُدورَنا على عداوةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كيف يعلمُ بنا ؟ فَأَنْبَأَ اللهُ نَبيَّهُ عليه السلام عَمَّا كَتَمُوهُ. ومعنى الآيةِ : ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدورَهم على الكفرِِ وعداوةِ النبيِّ ﷺ ؛ لِيكتُموا منه ما في صدورهم من عداوتهِ بإظهار المحبَّة. ويقال : معنى (يَثْنُونَ) يعرضون بصدورهم عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ؛ معناه : ألا حين يَتَغَطَّونَ بثيابهم يعلمُ الله ما يُسِرُّونَ بقلوبهم وفيما بينهم وما يُظهرون من محبَّة أو غيرِها، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ؛ أي عالِمٌ بالقلوب التي في الصُّدور، لأن الصدورَ مواضعُ القلوب.

هود 11:6

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ ؛ أي ما من حيوان يدبُّ، قال الزجَّاج :(الدَّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ حَيْوَانٍ مُمَيِّزٍ وَغَيْرِهِ، ذكَراً كَانَ أوْ أُنْثَى). وفي الآيةِ بيانُ أن اللهَ عالِمٌ بالقلوب كلِّها، وذلك أنه إذا كان ضَامِناً رزقَ كلَّ دابةٍ في الأرض، فليس يرزِقُها إلاّ وهو يعلمُ صغيرَها وكبيرها، من الذرِّ فما فوقَها وما دونَها، وإذا عَلِمَها فقد عَلِمَ مستقرَّها ومستودَعَها، المستقَرُّ موضعُ قَرَارِها وهو الموضعُ الذي تَأْوِي إليه، والمستودَعُ هو الموضعُ الذي تُوَدعُ فيه، قِيْلَ : إنه الرَّحِمُ، وَقِيْلَ : هو الموضعُ الذي تُدْفَنُ فيه. وقال قتادةُ ومجاهد :(أمَّا مُسْتَقَرُّهَا فَفِي الرَّحِمِن وَأمَّا مُسْتَوْدَعُهَا فَفِي الصُّلْب) ﴿كُلٌّ﴾ ؛ ذلكَ عندَ اللهِ، ﴿فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ يعني اللوحَ المحفوظ، والمعنى : أن ذلك ثابتٌ في علمِ الله. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ قال المفسِّرون : فَصْلاً لا وجُوباً، والله تَكَفَّلَ بذلك بفضلهِ. قال أهلُ المعانِي (عَلَى) ههُنا بمعنى (من)، المعنى : إلاَّ مِنَ الله رزقُها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ أي رزقُ كلِّ دابَّةٍ وأجلُهأ مكتوبٌ في اللوحِ. قال ابنُ عبَّاس :(إنَّ مِمَّا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى لَوْحاً مَحْفُوظاً مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، دَفَّتَاهُ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، عَرْضُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، كِتَابُهُ نُورٌ وَقَلْبُهُ نُورٌ، يَنْظُرُ اللهُ تَعَالَى فِيْهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاَثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً، يَخْلُقُ بكُلِّ نَظْرَةٍ وَيُحْيي وَيُمِيتُ وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)، قال أبو رَوقٍ :(أعْلاَهُ مَعْقُودٌ بالْعَرْشِ، وَأسْفَلُهُ فِي حِجْرٍ مَلَكٍ كَرِيمٍ يُسَمَّى مَا طُوتُون).

هود 11:7

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾ ؛ يعني قبلَ أنْ خَلَقَ السموات والأرضَ، قال ابنُ عبَّاس :(خَلَقَ اللهُ السَّّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أيَّامٍ، أوَّلُهَا يَوْمَ الأحَدِ وَآخِرُهَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَلَوْ أرَادَ سُبْحَانَهُ خَلْقَهَا فِي أقَلِّ مِنْ لَحْظَةٍ لَفَعَلَ). قولهُ تعالى :﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾ فيه بيانُ أنَّ السموات والأرضَ ليستاَ بأوَّلِ خَلْقِ، وأنه تَقدَّمَهما خلقُ شيءٍ آخر، وفيه زيادةِ القَدْرِ ؛ لأن العرشَ مع كونِه أعظمَ مِن السمواتِ والأرضِ كان على الماءِ، ولم يكن ذلك الماءُ على قَرَارٍ، ولكنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ أمسكَهُ بقُدرتهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ؛ أي ليَبلُوَكم فينظرَ أيُّكم أحسنُ عملاً، فيُثِيبُ المطيعَ المعتَبرَ بما يَرى من آياتِ السموات والأرضِ، ويعاقِبَ أهلَ العنادِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـاذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ معناهُ : ولئن قُلتَ يا مُحَمَّدُ للكفار : إنَّكم مبعُوثون من بعدِ الموتِ، ليقولُنَّ الذين كفَرُوا : ما هذا إلا تَمويهٌ ليس له حقيقةٌ، وقد أقَرُّوا أنَّ الله خالقُ السمواتِ والأرض ويُمسِكُها بغيرِ عَمَدٍ، لا يعجزهُ شيءٌ فكيف يشكُّون في البعثِ بعدَ الموتِ.

هود 11:8

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ﴾ ؛ معناهُ : ولئن أخرنا العذاب عن الكفار، ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ﴾، ليقولون :﴿مَا يَحْبِسُهُ﴾، ما منعناهُ : قال ابنُ عبَّاس ومجاهد :(يَعْنِي إلَى أجَلٍ وَحِينٍ)، والأُمَّةُ ههنا المدةُ، ليقولُنَّ ما يحبسُ هذا العذابَ عنَّا إن كان ما يقولهُ مُحَمَّدٌ حقّاً، يقول اللهُ تعَالى :﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ ؛ العذابُ، ﴿لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ ؛ لا يقدرُ أحدٌ على صَرفهِ عنهم. فالمعنى : أنَّهم لَمَّا قالوا : ما يحبسُ العذابَ عنَّا على وجهِ الاستهزاء، قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ يعني إذا أخذتْهم سيوفُ النبيِّ ﷺ وأصحابهِ لم تُغْمَدْ عنهم حتى تعلُو كلمةُ الإخلاصِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ ؛ أي نَزَلَ بهم جزاءُ استهزائِهم وهو العذابُ.

هود 11:9

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ لا يصبرُ على سَلْب تلك النعمةِ، ويصيرُ أيْئَسُ شيء أقنطَهُ من رحمةِ الله، قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ)، وَقِيْلَ : في عبدِاللهِ بن أبي أُمَيَّة المخزوميِّ. والرحمةُ ههنا الرِّزْقُ، وقوله :﴿كَفُورٌ﴾ ؛ أي لا يشكرُ نِعَمَ اللهِ قبلَ أن تُسلَبَ عنه، ولا يصبرُ بعد أنْ سُلِبَتْ.

هود 11:10

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾ ؛ أي ولئن أذقنا الكافرَ النَِّعَمَ الظاهرةَ بعد المضَرَّة الظاهرةِ التي أصابتْهُ، ليقولَنَّ الكافرُ : ذهبَ الشدائدُ والضرُّ والفاقَةُ والآلامُ عَنِّي، ويفرحُ بذلك ويَبْطَرُ ويَفْجُرُ به على الناسِ من دون أنْ يشكُرَ اللهَ على كشفِ الشدائد عنه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ؛ أي بَطِرٌ مُفَاخِرٌ أوليائي بما وسَّعتُ عليه. وإنما نُصِبَ اللام في قولهِ ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ﴾ لأنه في موضعِ الوِحْدَان، وقوله :﴿لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾[هود: ٨] بضَمِّ اللام في موضعِ لفظ الجماعةِ، وقولهُ تعالى :﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾[هود: ٧] بنَصب اللام أيضاً ؛ لأن الفعلَ مقدَّمٌ على الاسمِ فذُكِرَ بلفظِ الوِحْدَانِ.

هود 11:11

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ؛ استثناءٌ ليس من الأوَّل، معناهُ : لكن الذين صَبَروا على الشدائدِ، وعَمِلوا الصالحاتِ فيما بينهم وبين ربهم أٌولئك لهم مغفرةٌ لذُنوبهم وثوابٌ عظيم على طاعتِهم وصبرِهم.

هود 11:12

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ ؛ سببُ نزول هذه الآيةِ : أنَّ المشركين كانُوا يقولون للنبيِّ ﷺ : لو تركتَ سبَّنَا وسبَّ آلهتنا جالَسنَاكَ، وكانوا يُؤذونَهُ ويقولون : لولا أُنزل على مُحَمَّدٍ كَنْزٌ من السَّماءِ فيعشُ به وينفعهُ، أو جاءَ معه مَلَكٌ يشهدُ له ويُعِينُهُ على الرسالةِ. وَقِيْلَ : إن المشركين قالوا للنبيَّ ﷺ : لو أتَيتَنا بكتابٍ ليس فيه سبٌّ آلهتِنا حتى نؤمنَ بكَ ونتَّبعَكَ، وقال بعضُ المتكبرين : هَلاَّ ينْزِلُ عليك يا مُحَمَّدُ مَلَكٌ يشهدُ لكَ بالصدقِ، أو تُعطَى كَنْزاً تستَغني أنتَ وأتباعُكَ ؟ فَهَمَّ رسولُ اللهِ ﷺ أن يدعَ سَبَّ آلهتِهم فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ. ولا يجوزُ أن تكون كلمة (لَعَلَّ) في أولِ هذه الآية على جهة الشَّكِّ، وإنما الغرضُ تثبيتُ النبيِّ ﷺ في ما أُمِرَ به ؛ كيلا يلتفتَ على قولِهم، وكي لا ييأَسُوا عن تركِ أداء الرسالة. فلما قالوا للنبيِّ ﷺ :﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾. يقولُ الله للنبيِّ ﷺ :﴿إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ﴾ ؛ أي عليكَ أن تُنذِرَهم وتُخوِّفَهم وتأتِيَهم بما يُوحَى إليكَ من الآياتِ، وليس عليك أن تأتِيَ بشهوَاتِهم وما يفرَحُون من الآياتِ، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ ؛ من مقالَتِهم وغيرِ ذلك، ﴿وَكِيلٌ﴾ ؛ أي حفيظٌ. والفرقُ بين ضَائِقٍ وَضَيِّقٍ، أن الضائقَ يكونُ بضِيقِ عَارِضٍ، والضِّيقُ قصورُ الشيءِ عن مقدارِ غيرهِ أنْ يكونَ فيه، وموضعُ ﴿أَن يَقُولُواْ﴾ حذف الباء تقديرهُ : ضَائِقٌ به صدرُكَ بأَنْ يقُولوا.

هود 11:13

قًوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ ؛ معناهُ : بل يقولُ الكفَّار : اختلقَ مُحَمَّدٌ القرآنَ من تلقاءِ نفسه، قُل لَهم يا مُحَمَّد : إنْ كان هذا مُفْتَرَى على اللهِ فأَتُوا بعشرِ سُوَرٍ مثله مُفْتَرياتٍ مختلفات، فإنَّ القرآنَ نزل بلُغَتكم، وأنا نشأتُ بين أظهُرِكم، فإن لم يُمكنكم أن تأتوا بمثلِ القرآن فاعلموا أنه من عندِ اللهِ، ﴿وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ أي استَعينوا بكلِّ أحدٍ يقدرُ على الإتيانِ بعشرِ سُوَرٍ مثله مفتريات، ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ؛ في مقالَتِكم أنَّ مُحَمَّداً اختلقَهُ. وذهبَ بعض المفسِّرين : إلى أن المرادَ بالسُّوَر العشرِ : من سُورةِ البقرة إلى هذه السُّورة، والأَوْلى أن يُقال : إن المرادَ فاتوا بعَشرِ سُور مثلِ سُوَر القرآنِ أيَّ سُورةٍ كانت، لأن سُورةَ هُودٍ مكِّية، وسورة البقرةِ وما بعدها مدَنِيَّاتٌ.

هود 11:14

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ ؛ الخطابُ للنبيِّ ﷺ والمسلمين ؛ أي فإن لم يُجِبْكَ هؤلاءِ الكفَّارُ إلى الإتيان بمثل القرآنِ، فاعلَمُوا أنَّ هذا القرآنَ أنزلَهُ جبريلُ بعلمِ الله وأمرِه. ويجوز أن يكون بعلمِ الله ؛ أي بما أنزلَ اللهُ فيه من غَيْبٍ. ويجوز أن يكون معناه : فإنْ لم يستجِيبوا لكُم ؛ أي فإن لم يُجِبْكُمُ الذين دعوتُموهم إلى المعاونةِ إلى الإتيان بمثل هذا القرآنِ، فقد قامت عليكم الحجَّةُ، فاعلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بعلمِ الله، واعلما أنَّما أنزلَهُ إلاَّ هو، ولا يُنْزِلُ الوحيَ أحدٌ غيرهُ، فهل أنتم تخلِصُون للهِ في التوحيد والعبادةِ.

هود 11:15

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ﴾ ؛ في الآيةِ وجهَان : أحدُهما : أنَّ المرادَ بالآيةِ إذا أتَى بالأعمالِ التي تكون حَسَنَةً في العقلِ مثل صِلَةِ الرَّحمِ والتصدُّقِ وإعانةِ المظلوم، فإن اللهَ يجازيهِ على هذه الأعمالِ في الدُّنيا بأن يُمَكِّنَهُ مما حولَهُ ويعطيهِ ما يسعَى لطلبهِ وافراً عليه ويُقِرَّ عَيْنَهُ بذلك. والثاني : أنَّ المراد بها المنافقُ إذا خرجَ للغزوِ مع المسلمين وهو يريدُ الغنيمةَ دون الثواب ونصرةِ الدِّين، يجزيهِ الله على غَزوهِ بأن أمرَ بأعطائهِ سَهْمَهُ من الغنميةِ لا يُبْخَسُ عنه شيءٌ من سهمهِ.

هود 11:16

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ﴾ ؛ معناهُ : إنَّ الذين عَمِلُوا لغيرِ الله من الكفارِ والمنافقين ليس لهم في الآخرةِ إلا النارُ، ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا﴾ ؛ من العمالِ الحسَنة ؛ لأنَّهم لم يرَوا لها ثواباً، ﴿وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ؛ من خيرٍ.

هود 11:17

قْولُهُ تَعَالَى :﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾ ؛ اختصارٌ معناهُ : أفمَن كان على بَيِّنةٍ من ربه، ويتلوهُ شاهدٌ منه كالذِي يريدُ الحياةَ الدُّنيا وزينَتها، وأرادَ بالبيِّنة البرهانَ الذي هو من اللهِ، وكان النبيُّ ﷺ على بُرهانٍ وحُجَّةٍ من ربه، ويقرأ عليه القرآنَ شاهدٌ من اللهِ وهو جبريلُ عليه السلام، هكذا قالَ أكثرُ المفسِّرين أنَّ المرادَ بقولهِ : أفَمَنْ كان على بيِّنة من ربهِ هو النبيُّ صلى الله عليه وسلم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً﴾ ؛ أي ومِن قبلِ القرآنِ كان جبريلُ يقرأ على موسَى التوراةَ إمَاماً يُقتَدى به، ونعمةً من اللهِ لِمَن آمَنَ به، و ﴿إِمَاماً﴾ بالنصب على الحالِ، ﴿وَرَحْمَةً﴾ أي ذا رحمةٍ، وَقِيْلَ : أرادَ بقوله :﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ جميعَ المؤمنين، وأرادَ بالشَّاهدِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ ؛ يعني أصحابَ النبيِّ ﷺ ومَن صَدَّقَهُ. وقولهُ تعالى :﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ ؛ أي مَن يكفُرْ بالنبيِّ ﷺ من أصنافِ الكفَّار واليهودِ والنصارى وغيرهم، فالنارُ مصيرهُ التي وعد َاللهُ في الآخرة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾ ؛ أي لا تكن في شَكٍّ من القرآنِ، وظاهرٌ أنَّ الخطابَ للنبيِّ ﷺ إلاَّ أن المرادَ به جميعُ الناسِ. وقولهُ تعالى :﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ ؛ يعني القرآن، ﴿وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ ؛ أي لا يصدِّقون في أنَّ القرآنَ من عندِ اللهِ.

هود 11:18

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ ؛ أي ليس أحدٌ أظلمَ لنفسهِ من الكاذب على ربه بأن زعمَ أن له وَلَداً وشَريكاً، ﴿أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ ؛ معناهُ : أولئكَ الكاذبون يُسَاقُونَ يوم القيامةِ إلى ربهم، ويُوقَفون في المقاماتِ التي يطالَبون فيها بأعمالِهم، ويُسأَلون فيها، ويُجَازُونَ عليها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَـاؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ ؛ قال ابنُ عباس ومجاهد :(الأَشْهَادُ هُمْ الْمَلاَئِكَةُ وَالأَنْبيَاءُ)، وقال قتادةُ :(يَعْنِي الْخَلاَئِقَ)، وقال مقاتلُ :(هُمُ النَّاسُ). والأَشْهَادُ جمعُ شَاهِدٍ مثل نَاصِرٍ وأنْصَارِ وصَاحِبٍ وأصحابٍ، ويجوزُ أن يكون جمعُ شَهِيدٍ مثل شريفٍ وأشرَافٍ. والمعنى : يقولُ الأشهادُ يومَ القيامة من الملائكةِ والنبِّيين والعلماءِ وعامَّة المؤمنين، ويُشيرون إلى الكفارِ فيقولون :﴿هَـاؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ فيُفضَحُ الكفارُ على رُؤوسِ الأشهادِ. وقولهُ تعالى :﴿أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ؛ يجوزُ أن يكون من قولِ الأشهادِ، ويجوز أنْ يكون من قولِ الله، وأرادَ بالظَّالمين المشركين، واللَّعْنَةُ : الإبعادُ من الخيرِ. وعن ابنِ عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ :" يَدْنُو الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يُقَرِّرُهُ بذُنُوبهِ : هَلْ تَعْرِفُ ؟ فَيَقُولُ : رَب أعْرِفُ، فَيَقُولُ : هَلْ تَعْرِفُ ؟ فَيَقُولُ : رَب أعْرِفُ، فَيَسْأَلُهُ عَنْ مَا شَاءَ أنْ يَسْأَلَهُ، قَالَ : فَإنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ يُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ بيَمِينِهِ. وَأمَّا الْكُفَّارُ فَيُنَادَى عَلَيْهِ عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ : هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذبُوا عَلَى رَبهِمْ، ألاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ".

هود 11:19

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾ ؛ أوَّلُ الآيةِ نعتٌ للظالمين، والمعنى : الذين يسببون للصدِّ من دون اللهِ وطاعته، ويبغُون للهِ سبيل الإسلام زَيغاً وعِوَجاً، يتأوَّلون القرآنَ على خلافِ تأويلهِ، ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ ؛ أعادَ كلمةَ (هُمْ) ؛ تأكيداً لشأنِهم في الكفرِ.

هود 11:20

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُولَـائِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ معناهُ : أولئك ليسُوا بغائبين عن اللهِ في الأرضِ، ولا مهربَ لهم من عذابهِ حتى يجزِيَهم بأعمالِهم الخبيثة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾ أي لا يقتصرُ لهم على عقاب الكُفر، بل يُعاقبون على الكفرِ، وعلى الصدِّ عن سبيل اللهِ. وَقِيْلَ : معناهُ : كلَّما مضَى ضِعْفٌ من العذاب جاءهم ضِعْفٌ من العذاب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ ؛ أي كان يَثْقُلُ عليهم سماعُ الحقِّ من شدَّة عداوتِهم للنبيِّ ﷺ، ﴿وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ﴾ ؛ لأنهَّهم صُمٌّ عن الحقُّ عُمْيٌ لا يُبصرون ولا يهتدون.

هود 11:21

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ ؛ أي أهلَكُوا أنفُسَهم في الآخرةِ، وذُكرَ الهلاكُ بلفظِ الْخُسرانِ ؛ لأن الخسرَان هو ذهابُ رأسِ المال، ورأسُ مال الإنسان نفسهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ ؛ أي ذهبَ عنهم الانتفاعُ بأعمالهم التي كانوا يكذِبون بها على اللهِ كما قالوا في الدُّنيا، وَقِيْلَ : معناهُ : ذهبَ عنهم الأصنامُ التي كانوا يعبدونَها في الدُّنيا، يَفْتَرُونَ بقولهم إنَّها آلهةٌ.

هود 11:22

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ جَرَمَ﴾ ؛ قيل : معنى ﴿لاَ جَرَمَ﴾ : لا بدَّ، ويقال : لا محالة، ويقال : حقاً، قال سيبويه :(لاَ جَرَمَ بمَعْنَى حَقّاً). قوال الزجَّاج :(لا َبَقَاءَ لِمَا ظَنُّوا أنَّهُ يَنْفَعُهُمْ) كأنه قالَ : لا ينفعُهم ذلك جَرَمَ، ﴿أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ﴾ ؛ أي كَسْبُ ذلك الفعلِ لهم الخسران، وجَرَمَ معناه : كَسَبَ، وذلك كقوله :﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ﴾[المائدة: ٢].

هود 11:23

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ؛ الإخْبَاتُ : الْخُشُوعُ والتواضعُ والطُّمَأنِينَةُ ؛ أي تواضَعُوا وخَشَغُوا لربهم. وقال مجاهد :(اطْمَأَنُّوا)، وقال قتادة :(أنَابُوا). وهذه الآيةُ نازلةٌ في أصحاب النبيِّ ﷺ، وما قبلَها نازلٌ في المشركين. ثم ضربَ اللهُ مثَلاً في الفريقين فقال : قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ﴾ ؛ يعني الكفارَ، ﴿وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ ؛ يعني المؤمنينَ ؛ لأنَّهم سَمِعوا الحقَّ وأبصروهُ واتَّبعوه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾ ؛ أي هل يستوِي الأعمَى والأصمُّ والبصير والسميع عند عاقلِ، كما لا يَستويان عندَ أحدٍ من العُقلاء، فكذلك لا يتسوِي حالُ المؤمن والكافرِ عندَ الله في الدُّنيا والآخرة، ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ ؛ أي أفلا تتَّعظون بأمثالِ القرآن.

هود 11:24

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ؛ الإخْبَاتُ : الْخُشُوعُ والتواضعُ والطُّمَأنِينَةُ ؛ أي تواضَعُوا وخَشَغُوا لربهم. وقال مجاهد :(اطْمَأَنُّوا)، وقال قتادة :(أنَابُوا). وهذه الآيةُ نازلةٌ في أصحاب النبيِّ ﷺ، وما قبلَها نازلٌ في المشركين. ثم ضربَ اللهُ مثَلاً في الفريقين فقال : قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ﴾ ؛ يعني الكفارَ، ﴿وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ ؛ يعني المؤمنينَ ؛ لأنَّهم سَمِعوا الحقَّ وأبصروهُ واتَّبعوه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾ ؛ أي هل يستوِي الأعمَى والأصمُّ والبصير والسميع عند عاقلِ، كما لا يَستويان عندَ أحدٍ من العُقلاء، فكذلك لا يتسوِي حالُ المؤمن والكافرِ عندَ الله في الدُّنيا والآخرة، ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ ؛ أي أفلا تتَّعظون بأمثالِ القرآن.

هود 11:25

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ابتدأ بذكرِ أوَّل رسول الله جاءَ بالشريعةِ بعد آدَمَ عليه السلام وهو نوحٌ عليه السلام، أوَّلُ مَن جاءَ بتحريمِ الأُمَّهات والأخوَاتِ، وقولهُ تعالى :﴿إِنَّي لَكُمْ﴾ مَنْ فتحَ الألِفَ كان التقديرُ : أرسَلنا نُوحاً بأنِّي لكم، ومَن كسرَ فتقديره ليقول : إنِّي لكم.

هود 11:26

وقولهُ تعالى :﴿أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ﴾ ؛ أي وليقُولوا لاَ تعبُدوا إلا اللهَ فإنه لا إله إلا هو، ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ ؛ أي إنِّي أعلمُ أن يكون عليكم إنْ لم تُؤمنوا عذابَ يوم أليمٍ، وإنما وصفَ اليومَ بالألَمِ ؛ لأن أسبابَ الألَمِ تقعُ فيه، فنَسَبَ الألَم إليه.

هود 11:27

وقوله :﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا﴾ ؛ أي قالَ الرُّؤساء والأشرافُ الذين كفَروا من قوم نوحٍ : ما نراكَ يا نوحُ إلا بَشَراً مثلَنا في الصورةِ والخفَّة، فلِمَ صِرْتَ أولى أن تكون نَبيّاً وَسُولاً للهِ منَّا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ ؛ ما نراكَ آمَنَ بكَ إلاّ الذين هم أسَافِلُنا وأخَسُّنا، قال ابنُ عبَّاس :(يُرِيدُونَ الْمَسَاكِينَ الَّذِينَ لا عُقُولَ لَهُمْ وَلاَ شَرَفَ وَلاَ مَالَ) والرَّاذِلُ الدُّونُ من كلِّ شيءٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ ؛ أي مَن قرأ (بَادِئَ) بالهمزِ فمعناهُ : أنَّهم اتَّبعوكَ بأوَّلِ الرأيِ من دون تفكُّر ونظرٍ، مِن قولهم : بَدَأتُ الأَمْرَ ؛ أي ابتدأتهُ، ويجوزُ أن يكون المعنى : بَادِيَ الرؤيةُ ؛ أي بأوَّل ما تقعُ الرؤية عليهم يعلمُ أنَّهم أراذِلُنا، وقد يكون الرأيُ بمعنى الرُّؤيةِ. قَالَ : الله تَعَالَى :﴿يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾[آل عمران: ١٣] أي رُؤيةَ العينِ : ومن قرأ (بَادِيَ) بغير همزٍ فمعناه : ظاهرَ الرأيِ وهم يعرِفون الظاهرَ ولا تمييزَ لَهم. ويجوزُ أن يكون معناه : اتَّبعوكَ في الظاهرِ، وباطنُهم على خلافِ ذلك. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ ؛ أي ما نرَى لكَ ولقومِكَ علينا من فَضْلٍ، فإنّ الفضلَ يكون بكثرةِ المال، وشرفِ النَّسب والمَنْزِلة في الدُّنيا، ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ ؛ فيما تقولونَهُ على اللهِ، وفيما تدْعُون إليه.

هود 11:28

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ ياقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي﴾ ؛ أي قالَ لهم نوحُ : أخبروني إنْ كنتُ على بُرهانٍ وحُجَّة من ربي، ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً﴾ ؛ نعمةً، ﴿مِّنْ عِندِهِ﴾ ؛ وهي النبوَّة، ﴿فَعُمِّيَتْ﴾ ؛ فخَفِيت، ﴿عَلَيْكُمْ﴾، هذه النعمةُ التي ظهرَتْ لِمَن اتَّبعوني فلم تُبصِروها لتَفاوُتِكم، ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾، أمكَنَنا أن نجعلَكم قابلين لها، ﴿وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ ؛ هذا مما لا يكونُ. قال قتادةُ :(وَاللهِ لَوِ اسْتَطَاعَ نَبيُّ اللهِ ألْزَمَهَا قَوْمَهُ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ ذلِكَ). فإن قِيْلَ : فهَلاَّ قال فَعَمِيتُمْ عَنْهَا وهم الذين كانوا عموا ؟ قُلْنَا : قد بيَّنا إنه وَضع ذلك موضع : فخَفِيت عليكم، ثم لا فرقَ بين اللفظين كما لا فرقَ بين قولهم : أدخلتُ الخاتمَ في الإصبع، وأدخلتُ الإصبعَ في الخاتَم. ومن قرأ (فَعُمِّيَتْ) بضمِّ العين وتشديد الميم، فالمعنى : ألَيْسَتْ عليكم نُبُوَّتِي؟.

هود 11:29

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَياقَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً﴾ ؛ أي لا أسألُكم على دُعائي لكم إلى اللهِ مالاً، فتخشَون العدمَ في أموالكم بإجابَتي، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ﴾ ؛ أي ما ثَوابي إلا على اللهِ يُعطيني في الآخرة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ؛ قال ابنُ جريج :(إنَّهُمْ سَأَلُوهُ طَرْدَ الَّذِينَ آمَنُوا لِيُؤْمِنُوا بهِ أنفَةً مِنْ أنْ يَكُونُوا مَعَهُمْ عَلَى سَوَاءٍ، فَقَالَ : لاَ يَجُوزُ لِي طَرْدُهُمْ بقَوْلِكُمْ وَازْدِرَائِكُمْ)، ﴿إِنَّهُمْ مُّلاَقُواْ﴾ ؛ ما وعدَهم، ﴿رَبِّهِمْ﴾ ؛ فيجزيهم بأعمالهم، ويقال : فيُخاصِمُونِي عندَهُ إنْ طردتُّهم، ﴿وَلَـاكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾ ؛ أوامرَ اللهِ وما فيه إصلاحُكم.

هود 11:30

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَياقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ﴾ ؛ معناهُ : يا قومِ مَن يمنَعُني من العقاب النازل في يومِ القيامة إنْ طردتُ مَنْ آمن بي، وآويتُ مَن كفرَ، ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ ؛ تتَّعظون بما أقولُ لكم فتؤمنون.

هود 11:31

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ ؛ أي لا أرفعُ نفسي فوقَ منْزِلتي، فأقولُ إنَّ عندي مقدوراتِ اللهِ، فأخصًّ بذلك من أشاءُ، وامنعهُ ممن أشاء. وقولهُ تعالى :﴿وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ أي ولا أدَّعي علمَ الغيب فإني لا أعلمُ إلا ما علَّمَني اللهُ. ويقال : إنَّهم لما قالوا لنوح عليه السلام : إن هؤلاءِ إنما آمَنوا بكَ، واتَّبعوكَ في ظاهرِ ما ترى منهم، أجابَهم نوحُ بهذا، فقال : لا أقولُ لكم عندِي خزائنُ اللهِ، يعني غُيُوبَ اللهِ التي يعلمُ منها ما تُضمِرهُ الناس، فلا أعلمُ الغيبَ، ولا أعلمُ ما يُسِرُّونَهُ في أنفسهم، فسَبيلي قَبُولُ إيمانِهم الذي ظهرَ لي، ومضمراتُهم لا يعلمها إلاّ اللهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ ؛ هذا جوابٌ لقولهم : ما نراكَ إلا بَشَراً مثلنا ؛ أي لا أدَّعي أنِّي مَلَكٌ نزلتُ إليكم من السَّماء. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً﴾ ؛ أي لا أقولُ للذين تحتقِرُ أعيُنكم وتستصغرُ : لن يؤتيكم اللهُ صَلاحاً في الدُّنيا وفَلاحاً في الآخرةِ، يعني المؤمنين الذين قالوا : هم أراذِلُنا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ أي إن طردتُّهم تَكذِيباً، الظاهرُ إيمانُهم.

هود 11:32

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ يانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ ؛ أي قالُوا : يا نوح قد خاصَمْتنا فيما دعوتَنا إليه من دِين غيرِ آبائنا، فأكثرتَ خصُومتَنا ودُعاءَنا، فلا نقبلُ منكَ، ﴿قَفَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ﴾ ؛ أي بما تعِدُنا أنَّ الله يُعذِّبنا على الكفرِ، ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ؛ أرادَ بهذا القول أن يُلْبسُوا على ضُعفائِهم أنَّ نوحاً عاجزٌ عن إنزالِ العذاب بهم.

هود 11:33

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِن شَآءَ﴾ ؛ أي إن العذابَ ليس بيَدِي، ولكنَّ اللهَ هو الذي يقدرُ عليه، فيُنْزِلهُ عليكم إنْ شاءَ، ﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ؛ من إنزال العذاب بكم، عن أبي هُريرة رضي الله عنه أنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" إنَّ نُوحاً عليه السلام كَانَ إذا جَادَلَ قَوْمَهُ ضَرَبُوهُ، فَإذا أفَاقَ قَالَ : اللَّهُمَّ اهدِ قَوْمِي ؛ فَإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ".

هود 11:34

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ﴾ ؛ معناهُ : قال لَهم : لا ينفعُكم دُعائِي، وتحذيرِي إيَّاكم إنْ أردتُ أنْ أحذِّرَكم من عذاب الله إنْ كان اللهُ يريدُ أن يُضِلَّكم عن الْهُدَى مجازاةً بعملِكم، فإن إرادةَ اللهِ فوق إرادَتِي، ويكونُ ما يريدُ لا ما أريدُ. فإن قِيْلَ : كيف يجوزُ أن تكون إرادةُ إبليس موافقةً لإرادةِ الله، وأرادةُ نوحٍ مخالفةً لإرادة الله ؟ فالجواب : إنَّ اللهَ تعالى شاءَ لأُؤلئك القومِ الكفرَ، وشاءَ لنوحٍ أن يسألَهم الإيمانَ، وشاءَ لإبليس أن يسألَهم الكفرَ، فالكلُّ بمشيئةِ الله تعالى. ويقالُ : معنى قولهِ :﴿إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ﴾ إن كان اللهُ يريد أن يُهلِكَكم، وينحِّيَكم من رحمتهِ بكُفرِكم، كما قال :﴿فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً﴾[مريم: ٥٩] أي هَلاكاً وعذاباً، والغَيُّ قد يكون بمعنى الْخَيْبَةِ، كما قال الشاعرُ : فَمَنْ يَلْقَ خَيْراً يَحْمَدِ النَّاسُ أمْرَهُ وَمَنْ يَغْوَ لاَ يَعْدَمْ عَلَى الْغَيِّ لاَئِمَاأي ومَن يَخِبْ، يقالُ : غوَى الرجلُ يَغْوِي غَيّاً ؛ إذا فسدَ عليه أمرهُ، أو فسدَ هو في نفسهِ، ومنه﴿وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾[طه: ١٢١] أي فَسَدَ عليه عيشهُ في الجنَّة، وهذا يُؤَوَّلُ أيضاً إلى معنى الْخَيْبَةِ فيها فسادُ العيشِ. وذكرَ الحسنُ في معنى الآية :(لاَ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي الْيَوْمَ إذا نَزَلَ بكُمُ الْعَذابُ، فَاسْتَدْركُوا أمْرَكُمْ قَبْلَ نُزُولِ الْعَذاب لِتَنْتَفِعُوا بنُصحِي). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ أي مَالِكُكُم يقدرُ على إنزال العذاب بكم، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ؛ أي إليه مصيرُكم بعد الموتِ فيجزِيَكُم بأعمالكم. وهذه الآيةُ مما يحتجُّ بها أنَّ الشرطَ إذا اعترضَ على الشرطِ مِن غير أن يتخلَّلهُما الجوابُ، كان الشرطُ الثاني مُقدَّماً على الأوَّلِ في المعنى، حتى لو قالَ قائلٌ : إنْ دخلتَ الدارَ، إنْ كلَّمْتَ زيداً فعبدِي حرٌّ، لا يحنَثُ حتى يكلِّمَ ثم يدخلَ. فيكون تقديرُ الآية : ولا ينفعُكم نُصحِي إنْ كان اللهُ يريد أن يُغوِيَكُمْ إن أردتُ أن أنصَحَ لكم.

هود 11:35

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ ؛ معناهُ : أنَّ قومَهُ يقولون : إنَّ نُوحاً قد تَقَوَّلَ على اللهِ الكذبَ، فأمَرَ اللهُ نوحاً أن يُجيبَهم بالقولِ اللَّيِّنِ بعدَ المبالغةِ في إقامة الحجَّة عليهم، فيقولُ لَهم :﴿إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ أي تَقَوَّلْتُ الكذبَ على اللهِ فعليَّ عقوبةُ إجرَامي، ﴿وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ﴾ ؛ وأنا بريءٌ من عُقوبَةِ جُرمِكم. ويقالُ : معنى الآية : أم يقولُ أهلُ مكَّة إنَّ مُحَمَّداً ﷺ قد افترَى قصَّةَ نوحٍ ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ والإجرامُ يستعمل في كَسْب الإثم خاصَّة.

هود 11:36

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ أي وأوحَى اللهُ إلى نوحٍ : أنه لن يصَدِّقَ من قومِكَ سِوَى مَن صدَّقَ، ﴿فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ ؛ فلا تَغْتَمَّ بالْحُزْنِ عليهم، والابْتِئَاسُ : هو الغَمُّ على وجهِ الاستكانةِ للحُزنِ على الشَّأن. فقيل : إنما دعاَ نوحُ عليه السلام بقولهِ :﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾[نوح: ٢٦] بعدَ هذا الوحيِ.

هود 11:37

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ ؛ أي اصْنَعِ السَّفينة بحِفظِنا لكَ حفظَ الرَّاعِي لغيرهِ لدفع الضَّرَرِ عنه، وذكرَ الأعيُنَ لتأكيدِ الحفظ. ويقالُ : معناهُ بأَعيُن الملائكةِ الذين يُعرِّفونَكَ كيف تُصنَعُ السفينةُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَوَحْيِنَا﴾ أي وبأمرِنا إيَّاك. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ ؛ أي لاَ تُراجِعْني الكلامَ في نجاةِ الذين ظلَمُوا أنفسهم بالكفرِ، ﴿إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ ؛ بالطُّوفَانِ.

هود 11:38

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ﴾ أي لما أخذ نوحٌ في علاجِ السَّفينة. ويُروى أنه استأجرَ أُجَراءَ ينحِتُون معه، وكلَّما مرَّ ملأٌ من قومهِ هَزِئُوا به لمعالجتهِ السفينةَ ؛ لأنَّهم كانوا يَرَونه يعملُ السفينةَ مع أنَّه لم يكن بقُربهِ ماءٌ، وكان من لَدُنْ آدم عليه السلام إلى نوحٍ يُسْقَوْنَ من ماءِ المطر، فلا بحرَ ولا نَهْرَ جَارٍ، فكانوا يقُولون : انظروا إلى هذا الشَّيخِ الضالِّ يصنعُ هذه السفينةَ يخوِّفُنا بالغرقِ، ويجعلُ للماءِ أكَافاً فأين الماءُ؟! وكانوا يقولون في كلامِهم : فَرَغْتَ من أمرِ النبُوَّة، وأخذتَ في أمر النِّجارةِ! وكانوا يَرَونَهُ ينجرُ الخشبَ وهي شبهُ البيتِ العظيم، فإذا سألوهُ عن ذلك، قال أعملُ سفينةً تجري في الماءِ، ولم يكن هناكَ قبل ذلك سفينةٌ، فكانوا يتضَاحَكون ويعجَبُون من عملهِ. و ﴿قَالَ﴾ ؛ لَهم نوحٌ :﴿إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا﴾ ؛ الآنَ، ﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ ؛ عندَ نزولِ العذاب، ﴿كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ ؛ أنتمُ الساعةَ ؛ أي إن كُنتم تسخَرون منَّا لِمَا تَرَوْنَ من صَنْعَةِ الفُلْكِ، فإنَّا نعجبُ من غفلَتِكم عما أضَلَّكم، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ من أحقُّ بالسِّخريِّ مِنَّا ومنكم، وتعلمون، ﴿مَن﴾ ؛ الذي، ﴿يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ ؛ في الدُّنيا، ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ ؛ وينْزِلُ عليه، ﴿عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ ؛ دائمٌ في الآخرة.

هود 11:39

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ﴾ أي لما أخذ نوحٌ في علاجِ السَّفينة. ويُروى أنه استأجرَ أُجَراءَ ينحِتُون معه، وكلَّما مرَّ ملأٌ من قومهِ هَزِئُوا به لمعالجتهِ السفينةَ ؛ لأنَّهم كانوا يَرَونه يعملُ السفينةَ مع أنَّه لم يكن بقُربهِ ماءٌ، وكان من لَدُنْ آدم عليه السلام إلى نوحٍ يُسْقَوْنَ من ماءِ المطر، فلا بحرَ ولا نَهْرَ جَارٍ، فكانوا يقُولون : انظروا إلى هذا الشَّيخِ الضالِّ يصنعُ هذه السفينةَ يخوِّفُنا بالغرقِ، ويجعلُ للماءِ أكَافاً فأين الماءُ؟! وكانوا يقولون في كلامِهم : فَرَغْتَ من أمرِ النبُوَّة، وأخذتَ في أمر النِّجارةِ! وكانوا يَرَونَهُ ينجرُ الخشبَ وهي شبهُ البيتِ العظيم، فإذا سألوهُ عن ذلك، قال أعملُ سفينةً تجري في الماءِ، ولم يكن هناكَ قبل ذلك سفينةٌ، فكانوا يتضَاحَكون ويعجَبُون من عملهِ. و ﴿قَالَ﴾ ؛ لَهم نوحٌ :﴿إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا﴾ ؛ الآنَ، ﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ ؛ عندَ نزولِ العذاب، ﴿كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ ؛ أنتمُ الساعةَ ؛ أي إن كُنتم تسخَرون منَّا لِمَا تَرَوْنَ من صَنْعَةِ الفُلْكِ، فإنَّا نعجبُ من غفلَتِكم عما أضَلَّكم، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ من أحقُّ بالسِّخريِّ مِنَّا ومنكم، وتعلمون، ﴿مَن﴾ ؛ الذي، ﴿يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ ؛ في الدُّنيا، ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ ؛ وينْزِلُ عليه، ﴿عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ ؛ دائمٌ في الآخرة.

هود 11:40

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(وَذلِكَ أنَّ اللهَ أوْحَى إلَيْهِ أنَّ مَوْعِدَكَ أنْ يَخْرُجَ الْمَاءُ مِنْ آخِرِ مَكَانٍ فِي دَاركَ وَهُوَ تَنُّورُ الْخَابزَةِ، تَنُّورُ آدَمَ عليه السلام كَانَ يَوْمَ حَجَّ نُوحٌ عليه السلام رَأى تَنُّورَ آدَمَ عليه السلام فَحَمَلَهُ مَعَهُ، وَوَهَبَهُ اللهُ تَعَالَى لَهُ). ثمَّ قَالَ لَهُ : إذا رَأَيْتَ الْمَاءَ قَدْ فَاضَ مِنْهُ فَاحْمِلْ فِي السَّفِينَةِ مَا أُمِرْتَ بهِ مِنْ أجْنَاسِ الْحَيْوَانِ، ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ؛ واحمِلْ ؛ ﴿وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ ؛ بالعذاب وهي امرأتهُ الكافرة وابنهُ كنعان استثنَاهما اللهُ من جُملة أهلهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ ؛ أي احمِلْ مَن آمَنَ معكَ أيضاً في السَّفينة، قال ابنُ عبَّاس وعكرمة الزهريُّ :(مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ أيِ انْبَجَسَ الْمَاءُ عَلَىَ وَجْهِ الأَرْضِ). وقال عليٌّ رضي الله عنه :(وَفَارَ التَنُورُ ؛ أيْ طَلَعَ الْفَجْرُ). وقولهُ تعالى :﴿جَآءَ أَمْرُنَا﴾ أي عذابُنا، وقولهُ تعالى :﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي احمِلْ في السفينةِ من كلِّ زوجين اثنين، الذكَرُ زوجٌ والأُنثى زوجٌ، وهو قولُ الحسنِ ومجاهد وقتادة ؛ قالوا :(ذكَراً وَأُنْثَى). فلما فارَ الماءُ من التَّنورِ أرسلَ الله السماءَ بمطرٍ شديد، فأقبلتِ الوحوشُ حين أصابَها مطرُ السماءِ إلى نوح وسُخِّرت، فحَمل في السفينةِ من كلِّ طير زَوجين، ومن كلِّ وحشٍ زوجين، وكلِّ دابَّة وبَهيمة زَوجين، ومن كلِّ سَبُعٍ زوجين، وحمَلَ من البقرِ والغنم خمسةَ أزواجٍ. وبعثُ اللهُ جبريلَ فقطعَ فِقَارَ العقرب، وضربَ فمَ الحيَّة فحمَلَها في السَّفينة، وكانت السماءُ تُمْطِرُ، وكان هو عندَ قومهِ يحذِّرُهم حتى ابتلَّت أقدامُهم، وصارَ الماءُ إلى الكعَبين، ثم حذرَهم حتى صارَ الماءُ إلى نصفِ الساق، ثم حذرَهم حتى صارَ إلى الرُّكَب وإلى الْحِقْوَيْنِ، كلُّ ذلك يحذِّرُهم ويُنذِرهم، وكان يَنُوحُ ويَبكِي عليهم، وقال ابنُ عبَّاس :(سُمِّيَ نُوحاً، لأنَّهُ كَانَ يَنُوحُ عَلَى الإسْلاَمِ حَيْثُ لَمْ يُقِرَّ به قَوْمُهُ). فلمَّا بلغَ الماءُ الشِّدْوَةَ قالَ : غَرِقَ قَومِي، ثم قال لابنهِ كنعانُ :(يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا) فكَثُرَ الماءُ حتى صار فوقَ الجبالِ خمسةَ عشر ذِراعاً بالذراع الأول، وكان للسفينةِ ثلاثةُ أبوابٍ بعضُها أسفل من بعضٍ، حملَ في الباب الأسفل السِّباع والهوامَّ، وفي الباب الأوسط الوحْشَ والبهائِمَ، وفي الباب الأعلَى بني آدمَ، وكانوا ثمانين إنساناً، أربعين رجُلاً وأربعين امرأةً، سِوَى التي غَرِقَتْ، وثلاثةَ بنين : سَامٌ وحَامٌ وَيَافِثُ، ونساؤُهم وإثنان وسَبعُون إنساناً فيهم الْخَضِرُ وهو ابنُ بنتِ نوحٍ. واختلَفُوا في مقدار السفينة، قال الحسنُ :(كَانَ طُولُهَا ألْفاً وَمِائَتَي ذِرَاعٍ، وَعَرْضُهَا سِتُّمِائَةِ ذِرَاعٍ)، وقال ابنُ عبَّاس :(كَانَ طُولُهَا ثَلاَثمِائَةِ ذِرَاعٍ وَعَرْضُهَا خَمْسِينَ ذِرَِاعاً، وَارْتِفَاعُهَا ثَلاَثِينَ) وهو قولُ قتادةَ قال :(وَكَانَ لَهَا بَابَانِ فِي عَرْضِهَا). وقولهُ تعالى :﴿وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ أي واحمِلْ أهلَكَ، يعني ولدَهُ وعياله، ﴿إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ يعني امرأتَهُ وأهله وابنهُ كنعان، و ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ يعني واحمِلْ مَنْ آمنَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ ؛ أي إلا نفرٌ قليل، قِيْلَ : ثَمانون إنساناً، وَقِيْلَ : ثلاثةُ بنين وثلاثُ كَنَائِن، الكَنَائِنُ : زوجاتُ البَنِين، وقال ابنُ جريج :(كَانُوا ثَمَانِيَةَ أنْفُسٍ).

هود 11:41

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرياهَا وَمُرْسَاهَا﴾ ؛ أي قالَ لَهم نوحُ : اركَبُوا في السفينةِ، وقولهُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ يجوزُ أن يكون متَّصلاً بقولهِ ﴿ارْكَبُواْ﴾ أي ارْكَبُوا بسمِ الله، ويجوزُ أن يكون متَّصلاً بقوله ﴿مَجْرياهَا وَمُرْسَاهَا﴾ أي بسمِ الله إجراؤُها وإرسَاؤُها. وقال الضحَّاك :(كَانُوا إذا أرَادُوا أنْ تَجْرِيَ السَّفِينَةُ قَالُواْ : بسْمِ اللهِ، فَجَرَتْ، وإذا أرَادُوا أنْ يُرْسُوهَا قَالُواْ : بسْمِ اللهِ، فَرَسَتْ)، ومَن قرأها (مَجْرَاهَا* بنصب الميم فهو عبارةٌ عن الموضعِ الذي تَجْرِي فيه، ولَم يقرأ أحدٌ (مُرْسَاهَا) الا بضَمِّ الميم، ومَن قرأ (مُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا) فهو نعتُ (اللهِ)، والمعنى بسمِ الله الْمُجْرِي لها حيث يشاءُ، ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.

هود 11:42

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ ؛ يعني : السفينة تجري بهم في موج كالجبال العظيمةِ، ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ ؛ كنعان وكان كافراً، ﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ ؛ عنهُ ولَمْ يركب معه، وَقِيْلَ : معناهُ : وكان في معزلٍ من دين أبيه :﴿يابُنَيَّ ارْكَبَ مَّعَنَا﴾ ؛ في السّفينة بشرطِ الإيمانِ، ولذلكَ قال :﴿وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ﴾ ؛ إي على دِينهم فتغرَقَ معهم، وقال الحسنُ :(إنَّمَا دَعَاهُ إلى رُكُوب السَّفِينَةِ ؛ لأنَّ ابْنَهُ كَانَ يُظْهِرُ لَهُ الإيْمَانَ نِفَاقاً، وَكَانَ يَحْسَ بُهُ مُؤْمِناً). واختلفَتِ القراءةُ في قوله ﴿يابُنَيَّ ارْكَبَ مَّعَنَا﴾ : قرأ بعضُهم بكسرِ الياء على الإضافة وهو الأجودُ ؛ لأن الأصلَ يا بني ثلاثُ يَاءَاتٍ، ياءُ التصغيرِ وياءُ الفعلِ وياءُ الإضافة، فحُذفت ياءُ الإضافة، وتُركت الكسرةُ دليلاً على الإضافة، وأُدغِمَت أحدى اليائَين في الأُخرى. وقرأ بعضُهم (يَا بُنَيَّ) بفتحِ الياء على أن أصلَها : يا بُنَيَّا بالألف، كما تقولُ العرب : يا غُلاَما أقْبلْ، تريدُ يا غُلامِي أقْبلْ، فتُبدَلُ الألفُ من ياءِ الإضافة على وجهِ النُّدْبَةِ والتَّفْجِيعِ، وكان الأصلُ يا بُنَيَّا ثم حُذِفت الألف لسكونِها وسكونِ الراء من قولهِ ﴿ارْكَبَ﴾.

هود 11:43

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَآءِ﴾ ؛ أي قال ابنُ نوحٍ : سأذهبُ وأرجع إلى مأوًى من الجبل حَريزٍ يَمنعُنِي من آفاتِ الماء، ﴿قَالَ﴾ ؛ له نوحُ عليه السلام :﴿لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ﴾ ؛ بالنجاةِ، وتقديرُ الكلامِ : لا عاصمَ اليومَ من عذاب الله إلا اللهُ تعالى، وقال بعضُهم : لا عاصمَ اليومَ من عذاب الله إلا مَنْ رَحِمَهُ اللهُ، وهو نوح عليه السلام فإنَّه قد جعلَ الله إليه إركابَ المؤمنين في السفينةِ وَقِيْلَ : معناهُ : لا معصومَ اليوم إلا من رَحِمَهُ اللهُ، كما قال الحطيئة :﴿_@_دَعِ الْمَكَارمَ لاَ تَرْحَلْ لِبُغْيَتِهَا _@_ وَاقْعُدْ فَإنَّكَ أنْتَ الطَّاعِمُ الْكَاسِي_@_﴾الْمَطْعُومُ الْمَكْسُوُّ، ومنه يقالُ : سِرٌّ كَاتِمٌ أي مكتومٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ﴾ ؛ أي بين كنعانَ ونوح، وَقِيْلَ : بين كنعان والجبلِ، ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾.

هود 11:44

قولهُ :﴿وَقِيلَ ياأَرْضُ ابْلَعِي مَآءَكِ وَياسَمَآءُ أَقْلِعِي﴾ ؛ أي قِيْلَ بعدَ ما تناهى أمرُ الطُّوفان، وذلك لِمَا روى ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :(أنَّ السَّمَاءَ مَطَرَتْ أرْبَعِينَ يَوْماً اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَخَرَجَ مَاءُ الأَرْضِ أرْبَعِينَ يَوْماً اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَسَارَتْ بهِمُ السَّفِينَةُ فَطَافَتْ بهِمُ الأَرْضَ كُلَّهَا فِي خَمْسَةِ أشْهُرٍ لاَ تَسْتَقِرُّ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى أتَتِ الْحَرَمَ فَلَمْ تَدْخُلْهُ، وَطَافَتْ بالْحَرَمِ أُسْبُوعاً، وَرُفِعَ الْبَيْتُ الَّذِي بَنَاهُ آدَمُ إلَى السَّمَاءِ، وَهُوَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، جُعِلَ الْحَجَرُ الأَسْوَدُ عَلَى أبي قُبَيْسٍ، وَأُوْدِعَ فِيْهِ، ثُمَّ ذهَبَتْ بهِمُ السَّفينَةُ في الأَرْضِ حَتَّى انْتَهَتْ بهِمْ إلَى الْجُودِيِّ وَهُوَ جَبَلٌ بَأَرْضِ الْمَوْصِلِ، فََاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ بَعْدَ خَمْسَةِ أشْهُرٍ). ويقالُ : رَكِبَ نوحُ في السفينةِ لعشرٍ مضَين من رجب، وخرجَ منها يومَ عاشوراء، فذلك خمسةُ أشهر. فلما استقرَّت السفينةُ على الْجُودِيِّ كشفَ نوح الطبقَ الذي فيه الطيرُ، فبعثَ الغرابَ ليأتيه بالخبرِ فأبصرَ جِيفَةً، فوقعَ عليها وأبطأَ على نوحٍ ولم يأتهِ، فأرسلَ الْحَدْأَةَ على إثرهِ فأبطأت عليه ولم تأته، فدعَا على الغراب أن يكون طويلَ العمر في مخافةٍ وشَقَاء. ثم أرسلَ الحمامة بعد الحدأة بسبعٍ فلم تجِدْ مَوقِعاً فرجعت، فبسطَ لها نوحُ عليه السلام كفَّهُ فوقعت عليهِ، ثم مكثَ نوح ما شاءَ الله، ثم أرسلَها مرَّة أخرى فجاءت بعدَ ذلك فوقعت على الأرضِ وغابَت رجلاَها في الطِّين، فعرفَ نوحٌ أن الأرضَ قد ظَهرت، فدعَا بها فقالَ : كونِي آنَسَ طيرٍ وأنعمَهُ وأكيَسَهُ. وقوله تعالى :﴿وَقِيلَ ياأَرْضُ ابْلَعِي مَآءَكِ﴾ أي انْشِفِي الماءَ الذي خرجَ منكِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَياسَمَآءُ أَقْلِعِي﴾ أي كُفِّي عن الصَّب، يقال : أقلعَتِ السماءُ إذا استمسكَ المطرُ حتى لم يبقَ له أثرٌ، وأقلعَتِ الْحُمَّى عن فلانٍ إذا تركتْهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَغِيضَ الْمَآءُ﴾ ؛ أي ونَشِفَ الأرض ماؤُها، ويقال غاضَ الماءُ يَغِيضُ إذا غَارَ في الأرضِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ ؛ أي وقعَ هلاكُ الكفار على التَّمامِ، هَلَكَ مَن هلكَ، ونَجا مَن نَجَا. قال ابنُ عبَّاس :(نَشَّفَتِ الأَرْضُ مَاءَهَا الَّذِي خَرَجَ مِنْهَا، وَذهَبَ مَاءُ السَّمَاءِ إلَى الْبُحُورِ ؛ لأنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ ﴿ياأَرْضُ ابْلَعِي مَآءَكِ﴾ ). قولهُ :﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ ؛ أي استوَتِ السفينةُ على الجوديِّ شَهراً، وهو جبلُ بالجزيرةِ، ﴿وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ يجوزُ أن يكون معناه : قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿بُعْداً﴾ أي سخطٌ من رحمة الله للقوم الكافرين، ويجوز أن يكون هذا مِن قول أهلِ السفينة حين نَجَوا من الغرقِ، وخرَجُوا من السفينةِ، قالوا :﴿بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي أبعَدَهم اللهُ من رحمتهِ في الآخرة أيضاً.

هود 11:45

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ ؛ أي قَومِي، ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ﴾ ؛ بنجاةِ قومي، ﴿الْحَقُّ﴾ ؛ الصِّدقُ لا شكَّ فيه، ﴿وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ ؛ في قولِكَ وفعلِكَ، وكان دعاءُ نوحٍ عليه السلام بهذا الدُّعاء حين حَالَ الموجُ بينَهُ وبين ابنهِ كنعان. ﴿قَالَ يانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ ؛ معناهُ : قال اللهُ : يا نوحُ إنَّهُ ليس من إهلِكَ الذين وعدتُكَ أن أُنْجِيَهُمْ، إنما أهلُكَ دِينُكَ، وإنَّ ابنَكَ كافرٌ ليس على دينكَ، فانقطعَتِ العصمةُ بينَكَ وبينه بكُفرهِ وإيمانِكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ أي إنَّ سؤَالَكَ إيَّايَ أنْ أُنْجِي كافراً عمَلٌ غيرُ صالحٍ، قرأ الكسائيُّ ويعقوب (عَمِلَ) بكسرِ الميم وفتح اللام (غَيْرَ) منصوب، أي إنه عَمِلَ بالشِّركِ والتكذيب، وقرأ الباقون بالرَّفع والتنوينِ (غَيْرُ) بالرفع ؛ أي إنه ذُو عَمَلٍ غير صالح. وَقِيْلَ إنَّ سُؤالَكَ إيَّاي نجاةَ ولدِكَ الذي ليس من أهلِكَ سؤالٌ غيرُ مُرْضٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ؛ قرأ ابنُ كثير بتشديد النُّون وفتحِها، وقرأ أهلُ المدينة والشام بتشديد النونِ وكسرِها، والمعنى واحدٌ ؛ أي لا تسألني ما ليسَ لك به علمٌ أنه صوابٌ وأنا أفصِلهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ؛ إي إنِّي أعِظُكَ أن تسأَلَني سؤالَ الجاهلِ، ولكن سَلْنِي سؤالَ العالِم بي. والوَعْظُ في اللغة : هو الزَّجْرُ عن القبيحِ، وكان نداءُ نوح ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ نداءَ تعظيمٍ لله تعالى على ظنِّ أنَّ ابنَهُ من أهلِ دينه، وقولهُ تعالى ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ نداءُ تنبيهٍ على أنه ليسَ مِنْ أهلِ دينه، ولا من أهلِ أن يلطفَ به. واختلَفُوا في هذا الابنِ، فقالوا : إنه لَمْ يكن ابنَ نوحٍ لقوله تعالى :﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي مِن ولدِكَ وهو قولُ مجاهد والحسنِ، والمعنى على قولِهما إنهُ وُلِدَ لغيرِ رُشدهِ. قال قتادةُ :(وسُئلَ الْحسَنُ عَنْهُ فَقَالَ :(وَاللهِ مَا كَانَ ابْنَهُ)، وَقَرَأ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾[التحريم: ١٠]! فَقُلْتُ : إنَّ اللهَ تَعَالَى حَكَى عَنْهُ أنَّهُ قالَ :﴿إِنَّ ابْنِي﴾ وَقَالَ :(وَنَادَى نُوحٌ ابْنُهُ) وَأنْتَ تَقُولُ : لَمْ يَكُنِ ابْنَهُ! وَإنَّ أهْلَ الْكِتَابَيْنِ لاَ يَخْتَلِفُونَ فِي أنَّهُ كَانَ ابْنَهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ :(وَمَنْ يَأْخُذُ دِينَهُ مِنْ أهْلِ الْكِتَاب؟! إنَّهُمْ يَكْذِبُونَ). وقال ابنُ جريج :(وَنَادَاهُ وَهُوَ يَحْسَبُ أنَّهُ ابْنَهُ، وَكَانَ وُلِدَ علَى فِرَاشِهِ). وقال بعضُهم : إنما كان ابنَ امرأتهِ، واستدَلُّوا بقولهِ ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ ولَمْ يقُل إن ابني منِّي، وهو قولُ أبي جعفر الباقر. وقال أكثرُ المفسِّرين : إنه كان ولدَهُ مِن صُلبهِ، وقولهُ تعالى :﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي الذي وعدتُكَ أن أُنْجِيَهُمْ، قالُوا : ومَا بَغَتِ امرأةُ نَبيٍّ قط، وإنَّما خيانَتُهما في الدِّين لا في الفراشِ، ولأنَّ الله تعالى يعصِمُ أنبياءَهُ صلواتُ اللهُ عَلَيْهِمْ أن يقعَ مِن نسائهم ما يُلحِقُ بهم عَيْباً في الدُّنيا، وإنْ كان قد يقعُ منهنَّ ما يكون عَيْباً في أمرِ الآخرة، وفي الحديث :

هود 11:46

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ ؛ أي قَومِي، ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ﴾ ؛ بنجاةِ قومي، ﴿الْحَقُّ﴾ ؛ الصِّدقُ لا شكَّ فيه، ﴿وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ ؛ في قولِكَ وفعلِكَ، وكان دعاءُ نوحٍ عليه السلام بهذا الدُّعاء حين حَالَ الموجُ بينَهُ وبين ابنهِ كنعان. ﴿قَالَ يانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ ؛ معناهُ : قال اللهُ : يا نوحُ إنَّهُ ليس من إهلِكَ الذين وعدتُكَ أن أُنْجِيَهُمْ، إنما أهلُكَ دِينُكَ، وإنَّ ابنَكَ كافرٌ ليس على دينكَ، فانقطعَتِ العصمةُ بينَكَ وبينه بكُفرهِ وإيمانِكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ أي إنَّ سؤَالَكَ إيَّايَ أنْ أُنْجِي كافراً عمَلٌ غيرُ صالحٍ، قرأ الكسائيُّ ويعقوب (عَمِلَ) بكسرِ الميم وفتح اللام (غَيْرَ) منصوب، أي إنه عَمِلَ بالشِّركِ والتكذيب، وقرأ الباقون بالرَّفع والتنوينِ (غَيْرُ) بالرفع ؛ أي إنه ذُو عَمَلٍ غير صالح. وَقِيْلَ إنَّ سُؤالَكَ إيَّاي نجاةَ ولدِكَ الذي ليس من أهلِكَ سؤالٌ غيرُ مُرْضٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ؛ قرأ ابنُ كثير بتشديد النُّون وفتحِها، وقرأ أهلُ المدينة والشام بتشديد النونِ وكسرِها، والمعنى واحدٌ ؛ أي لا تسألني ما ليسَ لك به علمٌ أنه صوابٌ وأنا أفصِلهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ؛ إي إنِّي أعِظُكَ أن تسأَلَني سؤالَ الجاهلِ، ولكن سَلْنِي سؤالَ العالِم بي. والوَعْظُ في اللغة : هو الزَّجْرُ عن القبيحِ، وكان نداءُ نوح ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ نداءَ تعظيمٍ لله تعالى على ظنِّ أنَّ ابنَهُ من أهلِ دينه، وقولهُ تعالى ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ نداءُ تنبيهٍ على أنه ليسَ مِنْ أهلِ دينه، ولا من أهلِ أن يلطفَ به. واختلَفُوا في هذا الابنِ، فقالوا : إنه لَمْ يكن ابنَ نوحٍ لقوله تعالى :﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي مِن ولدِكَ وهو قولُ مجاهد والحسنِ، والمعنى على قولِهما إنهُ وُلِدَ لغيرِ رُشدهِ. قال قتادةُ :(وسُئلَ الْحسَنُ عَنْهُ فَقَالَ :(وَاللهِ مَا كَانَ ابْنَهُ)، وَقَرَأ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾[التحريم: ١٠]! فَقُلْتُ : إنَّ اللهَ تَعَالَى حَكَى عَنْهُ أنَّهُ قالَ :﴿إِنَّ ابْنِي﴾ وَقَالَ :(وَنَادَى نُوحٌ ابْنُهُ) وَأنْتَ تَقُولُ : لَمْ يَكُنِ ابْنَهُ! وَإنَّ أهْلَ الْكِتَابَيْنِ لاَ يَخْتَلِفُونَ فِي أنَّهُ كَانَ ابْنَهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ :(وَمَنْ يَأْخُذُ دِينَهُ مِنْ أهْلِ الْكِتَاب؟! إنَّهُمْ يَكْذِبُونَ). وقال ابنُ جريج :(وَنَادَاهُ وَهُوَ يَحْسَبُ أنَّهُ ابْنَهُ، وَكَانَ وُلِدَ علَى فِرَاشِهِ). وقال بعضُهم : إنما كان ابنَ امرأتهِ، واستدَلُّوا بقولهِ ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ ولَمْ يقُل إن ابني منِّي، وهو قولُ أبي جعفر الباقر. وقال أكثرُ المفسِّرين : إنه كان ولدَهُ مِن صُلبهِ، وقولهُ تعالى :﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي الذي وعدتُكَ أن أُنْجِيَهُمْ، قالُوا : ومَا بَغَتِ امرأةُ نَبيٍّ قط، وإنَّما خيانَتُهما في الدِّين لا في الفراشِ، ولأنَّ الله تعالى يعصِمُ أنبياءَهُ صلواتُ اللهُ عَلَيْهِمْ أن يقعَ مِن نسائهم ما يُلحِقُ بهم عَيْباً في الدُّنيا، وإنْ كان قد يقعُ منهنَّ ما يكون عَيْباً في أمرِ الآخرة، وفي الحديث :

هود 11:47

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ ؛ أي قال نوح : إني أمتنعُ بك أن أسألكَ ما ليس لي به علمٌ أنه صوابٌ، ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي﴾ خَطِيئَتِي هذهِ وهي هذا السؤالُ، ﴿وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ بالوِزْر والعقوبةِ.

هود 11:48

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قِيلَ يانُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى﴾ ؛ قالَ اللهُ لنوحٍ : فاهبطْ من السَّفينة إلى الأرضِ بأَمْنٍ وسلامةٍ من الآفاتِ، (وَبَرَكَاتٍ) وخَيرَاتٍ ثابتة عليك وعلى الذين معك مِن المؤمنين. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ أي وأُمَمٌ سنمَتِّعُهم عليهم بعدَكَ في الدُّنيا ثم يَمسُّهم في الآخرةِ منَّا عذابٌ أليم، وهم الكافرون وأهلُ الشَّقاوةِ. فهبطَ نوحُ ومَن معه من الجوديِّ، ولم يكن لواحدٍ منهم نَسْلٌ إلا لنوحٍ وأولادهِ، كما قالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾[الصافات: ٧٧]، وعن محمَّد بن كعبٍ قال :(دَخَلَ فِي السَّلاَمِ وَالْبَرَكَةِ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَدَخَلَ فِي الإمْتَاعِ وَالْعَذاب كُلُّ كَافِرٍ وَكَافِرَةٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ). وفي الآيةِ دلالةٌ على ذلك ؛ لأن لفظَ الأُمَمِ يدلُّ على الجماعاتِ الكثيرة، ولم يكن مع نوحٍ في السفينة إلا قليلٌ.

هود 11:49

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ﴾ ؛ أي تلك القصَّةُ التي ذكرتُها لكَ يا مُحَمَّدُ قصةُ نوحٍ من الأمور الغائبة عنكَ، ﴿مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـاذَا﴾، القرآنِ وهذا مِنَّةٌ من اللهِ تعالى :﴿فَاصْبِرْ﴾ ؛ على أذى الكفَّارِ، كما صبرَ نوحُ على أذاهم، واصبر على القيامِ بأمرِ الله وتبليغ الرِّسالةِ، وما تلقَى من أذى قومِكَ كما صبرَ نوحُ على أذى قومهِ، ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ؛ آخرَ الأمرِ بالسَّعادة والظَّفر والنصرِ للمتقين، كما كانت لنوحٍ ومَن آمَنَ بهِ.

هود 11:50

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً﴾ ؛ أي وأرسَلنا إلى عادٍ أخاهم هُوداً في النَّسب، ﴿قَالَ ياقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـاهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ﴾ ؛ أي وَحِّدُوهُ دونَ الأصنامِ فإنَّها ليست بآلِهَةٍ، وما أنتم إلا كاذبون في قولِكم إنَّها آلهةٌ.

هود 11:51

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياقَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ ؛ أي لاَ أسَألُكم على ما أُؤَدِّي إليكم من الرِّسالة مَالاً فتَتَّهمُونِي أنِّي أبتغِي بذلك كسبَ مالٍ أو تخشُون أن أُلزِمَكم غَرَماً في مالِكم، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ؛ أي ما ثَوابي إلا على الذي خلَقَني، ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ؛ أن الأمرَ على ما أقولهُ. وأصلُ الفَطْرِ الشَّقُّ، وسمي الخلقُ فَطراً لأنه يظهرُ به المخلوق كما يظهرُ الشيء بالشَّقِّ.

هود 11:52

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَياقَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ ؛ أي استغفِرُوا ربَّكم من الكفرِ والذنوب ثم ارجِعُوا إليه بالنَّدم والعزم على تركِ العَوْدِ في الذُّنوب، ﴿يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ﴾ ؛ بالمطرِ، ﴿مِّدْرَاراً﴾ ؛ دائماً مُتواتراً، ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً﴾ ؛ في أبدانِكم وأموالكم، ﴿إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ ؛ التي لكم، ﴿وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ﴾ ؛ عمَّا أدعُوكم إليه مُذنِبين.

هود 11:53

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ ياهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ ؛ أي حُجَّةٍ، وقد جاءَهم بمعجزةٍ إلا أنَّهم لم يعتِقدُوها حجَّةً، قًوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ﴾ ؛ أي قالُوا : ما نحنُ بتاركِي عبادةِ آلهتنا بقولِكَ، ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أي بمصدِّقين فيما تقولهُ.

هود 11:54

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ ؛ أي قالُوا ما نقولُ فيكَ إلا أنه أصابَكَ بعضُ آلهتنا بجُنونٍ فخَبَلَ عقلُكَ لسَبكَ إيَّاها، وكان القومُ يعلمون وكلُّ أحدٍ أنَّ الذي يعقلُ ويُميِّزُ لو أرادَ أن يصيبَ غيره بجُنونٍ لم يقدِرْ على ذلكَ، فكيف تقدرُ الأصنامُ التي لا عقلَ لها ولا تَمييزَ؟! والاعْتِرَاءُ افْتِعَالٌ من عَرَاةُ يَعْرُوهُ إذا مَسَّهُ وأصَابَه. وقولهُ تعَالَى :﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ﴾ ؛ أي قالَ : هودُ : إنِّي أُشهِدُ الله على نفسِي، واشهَدُوا أنتم أيضاً أنِّي بريءٌ مما تُشركون مع اللهِ في العبادة، ولم يكن إشهادهُ إيَّاهم للاحتجاجِ بقولهم، وإنما هو للاحتجاجِ عليهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ﴾ ؛ أي إنْ قدِرتُم على قَتلِي أنتم وآلهتُكم، أو على إنزالِ السُّوء، فافعَلُوا ولا تُمهلوني طَرَفَةَ عَينٍ، ولم يقُل هذا على جهةِ الأمرِ لهم، وإنما قال لبيانِ عَجزِهم.

هود 11:55

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ ؛ أي قالُوا ما نقولُ فيكَ إلا أنه أصابَكَ بعضُ آلهتنا بجُنونٍ فخَبَلَ عقلُكَ لسَبكَ إيَّاها، وكان القومُ يعلمون وكلُّ أحدٍ أنَّ الذي يعقلُ ويُميِّزُ لو أرادَ أن يصيبَ غيره بجُنونٍ لم يقدِرْ على ذلكَ، فكيف تقدرُ الأصنامُ التي لا عقلَ لها ولا تَمييزَ؟! والاعْتِرَاءُ افْتِعَالٌ من عَرَاةُ يَعْرُوهُ إذا مَسَّهُ وأصَابَه. وقولهُ تعَالَى :﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ﴾ ؛ أي قالَ : هودُ : إنِّي أُشهِدُ الله على نفسِي، واشهَدُوا أنتم أيضاً أنِّي بريءٌ مما تُشركون مع اللهِ في العبادة، ولم يكن إشهادهُ إيَّاهم للاحتجاجِ بقولهم، وإنما هو للاحتجاجِ عليهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ﴾ ؛ أي إنْ قدِرتُم على قَتلِي أنتم وآلهتُكم، أو على إنزالِ السُّوء، فافعَلُوا ولا تُمهلوني طَرَفَةَ عَينٍ، ولم يقُل هذا على جهةِ الأمرِ لهم، وإنما قال لبيانِ عَجزِهم.

هود 11:56

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ ؛ أي فوّضَتُ أمرِي إلى خالِقِي وخالِقُكم متمسِّكاً بطاعتهِ وتاركاً لمعصيتهِ، وهذا هو حقيقةُ التوكُّل على اللهِ. وقولهُ تعالى :﴿مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ﴾ ؛ أي ما مِن أحدٍ إلا وهو في قَهْرِ اللهِ وتحت قُدرَتهِ، وإنما جعلَ الأخذ بالناصيةِ كنايةً عن ذلك ؛ لأنَّكَ إذا أخذتَ بناصيةِ غيرِكَ فقد قَهَرْتَهُ وأدْلَلْتَهُ، والنَّاصِيَةُ مَقْدَمُ شَعْرِ الرأسِ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ؛ أي هو في تدبيرِ عباده لا يفعلُ إلا الحقَّ، فإنه عادلٌ لا يَجُورُ، ويقالُ : إن معناهُ : أن طريقَ العبادةِ على الله كما قال تعالى﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾[الفجر: ١٤].

هود 11:57

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾ ؛ أي فإنْ توَلَّوا عن الإيمان فما هو تقصيرٌ مني في إبلاغِ الرسالة، ولكن لسُوءِ اختياركم، ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ ؛ أطوعَ له منكم ؛ أي يهلِكُكم بعذاب استئصالٍ، قد يستخِلفُ بهلاكِكُم قوماً غيرَكم أطوعَ له منكم، ﴿وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً﴾ ؛ أي لا تَقدِرُون على أن تُنقِصُوا شيئاً من مُلكهِ وهو سبحانهُ لا يجوزُ عليه المضَارُّ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ ؛ أي هو شاهدٌ على أعمالِ العباد للمجازاةِ، لا يخفَى عليه شيءٌ منها.

هود 11:58

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ﴾ ؛ أي لما جاءَ أمْرُنا بعقاب قوم هُودٍ بالرِّيحِ العَقِيمِ، نَجَّيْنَا هُوداً والمؤمنين به من ذلكَ العقاب، ﴿بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ ؛ يُحتمل أن يكون المرادُ : أنْ نَجَّاهُمْ مِن الريحِ العقيمِ، إلا أنه أعادَ ذِكْرَ النجاةِ للتأكيدِ وتفخيم الحال. ويحتملُ أن يكون معناهُ : كما نَجَّينَا المؤمنين مِمَّا عُذِّبَ به عادٌ في الدُّنيا، فكذلك نَجَّينَاهم من عذاب الآخرة.

هود 11:59

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ﴾ ؛ أي كذبوا بدلائلِ الله الدالَّة على وَحْدَانِيَّتِهِ وصِدْقِ أنبيائهِ، وعَصَوا هُوداً ومَن قبلَهُ ومَن بعدَهُ ؛ لأنه عليه السلام أُرْسِلَ بتصديقِ مَن قبله وبالبشارةِ لمن بعده، فلما كذبوهُ فقد كذبوا الرُّسُلَ كلَّهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ ؛ أي أمرَ كلِّ طَاغٍ عَاتٍ مُعرِضٍ عن اللهِ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأُتْبِعُواْ فِي هَـاذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ ؛ أي أتبعُوا بعدَ الهلاكِ في هذه الدُّنيا بالإبعادِ عليهم باللَّعْنِ، فلَعَنَتْهُمُ الملائكةُ والناس ما دامَتِ الدُّنيا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ؛ أي ويومَ القيامةِ يُبعَدُونَ من رَحمةِ الله كما أُبعدوا في الدُّنيا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلا إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ﴾ ؛ أي جَحَدوا، ﴿أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾، أي أبعدَهم الله من رحمتهِ إبعاداً. وفي هذا تَهْدِيدٌ للكفار، كأنَّهُ تعالى قالَ : انظُروا يا أهلَ مكَّة كيف فعلَتْ عادٌ وكيف فُعِلَ بهم، فاحذرُوا أنْ يُصيبَكم مثلَ ما أصابَهم.

هود 11:60

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ﴾ ؛ أي كذبوا بدلائلِ الله الدالَّة على وَحْدَانِيَّتِهِ وصِدْقِ أنبيائهِ، وعَصَوا هُوداً ومَن قبلَهُ ومَن بعدَهُ ؛ لأنه عليه السلام أُرْسِلَ بتصديقِ مَن قبله وبالبشارةِ لمن بعده، فلما كذبوهُ فقد كذبوا الرُّسُلَ كلَّهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ ؛ أي أمرَ كلِّ طَاغٍ عَاتٍ مُعرِضٍ عن اللهِ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأُتْبِعُواْ فِي هَـاذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ ؛ أي أتبعُوا بعدَ الهلاكِ في هذه الدُّنيا بالإبعادِ عليهم باللَّعْنِ، فلَعَنَتْهُمُ الملائكةُ والناس ما دامَتِ الدُّنيا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ؛ أي ويومَ القيامةِ يُبعَدُونَ من رَحمةِ الله كما أُبعدوا في الدُّنيا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلا إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ﴾ ؛ أي جَحَدوا، ﴿أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾، أي أبعدَهم الله من رحمتهِ إبعاداً. وفي هذا تَهْدِيدٌ للكفار، كأنَّهُ تعالى قالَ : انظُروا يا أهلَ مكَّة كيف فعلَتْ عادٌ وكيف فُعِلَ بهم، فاحذرُوا أنْ يُصيبَكم مثلَ ما أصابَهم.

هود 11:61

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً﴾ ؛ في النَّسَب، ﴿قَالَ ياقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـاهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ﴾ ؛ أي أنشأَ آباءَكم كما قالَ في آيةٍ أخرى﴿خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾[الروم: ٢٠]، ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ ؛ أي المرادُ أن تكونوا عُمَّارَ الأرضِ وسُكَّانَها، فمَكَّنَكم من عِمارَتِها وأحوَجَكم إلى المسكنِ فيها. وقال مجاهدُ :(مَعْنَاهُ : أعْمَرَهَا لَكُمْ مُدَّةَ أعْمَارِكُمْ) مِنَ الْعُمَرَى، وَهِيَ الْهِبَةُ الَّتِي يَهَبُهَا الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ عَلَى أنْ تَكُونَ لِلْمَوْهُوب لَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى الْوَاهِب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ ؛ أي استغفروهُ من الشِّرك والذنوب، ثم دُومُوا على التوبةِ، ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ ؛ ممن تقرَّبَ إليه، ﴿مُّجِيبٌ﴾ ؛ لِمَن دعاهُ وأطاعَهُ. وأراد بالقُرب الإسراعَ بالرَّحمة والإجابَةِ ؛ لا قُرب المسافةِ.

هود 11:62

قْولُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ ياصَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـاذَا﴾ ؛ أي قد كُنَّا نَرجُوا فيكَ الخيرَ قبلَ هذا اليوم لِمَا كان فيكَ من الخلائقِ الحسَنة والشمائلِ المرْضِيَّة، والآنَ قد دعوتَنا إلى غيرِ دين آبَائِنا قد يَئِسنَا منكَ، ﴿أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ؛ الألفُ ألِفُ استفهامٍ بمعنى الإنكارِ. وقولهُ تعالى :﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ؛ أي لو أجبنَاكَ إلى ما تدعُونا إليه لأجَبنَاكَ على شَكٍّ ظاهرٍ، فإنَّا لا نعلمُ صِدقَكَ فيما تقولُ.

هود 11:63

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ ياقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ﴾ ؛ أخبرُونِي، ﴿إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً﴾ ؛ برهانٍ وحجَّة، ﴿مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ ؛ نعمةً وهي النبوَّةُ، ﴿فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ ؛ فمَن يمنعُ عذابَ الله عنِّي إنْ عصَيتهُ مع نعمتهِ علَيَّ، ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ ؛ إنْ عصيتُ اللهَ في اتِّباع دينِكُم إلا خُسران الدُّنيا والآخرةِ.

هود 11:64

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَياقَوْمِ هَـاذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ ؛ أي دلالةً ومُعجِزَةً على صِدْقِ قَولِي حيث اخرجتُهما لكم بإذن الله ناقةً عَشراءَ من صخرةٍ ملسَاءَ كما سألتُم، ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ * فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ ؛ وقد تقدمَ ذلك في سورةِ الأعراف.

هود 11:65

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَياقَوْمِ هَـاذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ ؛ أي دلالةً ومُعجِزَةً على صِدْقِ قَولِي حيث اخرجتُهما لكم بإذن الله ناقةً عَشراءَ من صخرةٍ ملسَاءَ كما سألتُم، ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ * فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ ؛ وقد تقدمَ ذلك في سورةِ الأعراف.

هود 11:66

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا﴾ ؛ أي لما جاءَ أمرُنا بالعذاب نَجَّينا صَالحاً من ذلك، ونَجَّينا الذين آمَنُوا معهُ بنعمةٍ منَّا، ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾، الْخِزْيُ : هو الذل الذي يُستَحَى منهُ، وهو ما نَزَلَ بم في كلِّ يومٍ من عَلاَمةِ الأشقياءِ من اصْفِرَارِ وجُوهِهم في اليوم الأوَّل، واحْمِرَارِها في اليومِ الثانِي، واسوِدَادِها في اليومِ الثالث، وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ ؛ أي هو القادرُ على أخذِ أعدائه، العزيزُ المنتَقِم مِمَّن عصاهُ.

هود 11:67

قَوْلُهُ تَعََالَى :﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ ؛ معناهُ : الذين ظَلَموا أنفُسَهم بالكفرِ، وَقِيْلَ : الذين ظلَمُوا الناقةَ. والصَّيحَةُ : جِبرِيلُ عليه السلام صَاحَ بهم صيحةً هائلةً عند صباحِ اليوم الرابعِ، لَمْ تحتَمِلها قلوبُهم فهلَكُوا. وإنَّما قالَ في هذهِ الآية :(وَأخَذ)، وفي آيةٍ أُخرى :(وَأخَذتْ) ؛ لأنَّ الصيحةَ والصِّياحَ واحدٌ، فردَّ الكنايةَ مرَّة إلى الصيَّاحِ ومرَّة إلى الصَّيحَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ ؛ أي مَيِّتِينَ قد هَمَدُوا رَمَاداً جُثُوماً على الرُّكَب. ويقال : أصبَحُوا في بلادِهم جَاثِمين على وجُوهِهم على الطَّرفِ. وقولهُ تعالى :﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ﴾ ؛ أي كأَنْ لم يكونُوا في الأرضِ قَطُّ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ﴾ ؛ أي برَبهِم، ﴿أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ﴾ ؛ أي أبعَدَهم اللهُ من رحمتهِ. وقرىء (لِثَمُودِ) بالكسرِ لقُربها من قولهِ ﴿أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ﴾، فمَنْ صرفَهُ جعله اسماً، ومَن لم يصرِفْهُ جعله اسماً للقبيلةِ.

هود 11:68

قَوْلُهُ تَعََالَى :﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ ؛ معناهُ : الذين ظَلَموا أنفُسَهم بالكفرِ، وَقِيْلَ : الذين ظلَمُوا الناقةَ. والصَّيحَةُ : جِبرِيلُ عليه السلام صَاحَ بهم صيحةً هائلةً عند صباحِ اليوم الرابعِ، لَمْ تحتَمِلها قلوبُهم فهلَكُوا. وإنَّما قالَ في هذهِ الآية :(وَأخَذ)، وفي آيةٍ أُخرى :(وَأخَذتْ) ؛ لأنَّ الصيحةَ والصِّياحَ واحدٌ، فردَّ الكنايةَ مرَّة إلى الصيَّاحِ ومرَّة إلى الصَّيحَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ ؛ أي مَيِّتِينَ قد هَمَدُوا رَمَاداً جُثُوماً على الرُّكَب. ويقال : أصبَحُوا في بلادِهم جَاثِمين على وجُوهِهم على الطَّرفِ. وقولهُ تعالى :﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ﴾ ؛ أي كأَنْ لم يكونُوا في الأرضِ قَطُّ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ﴾ ؛ أي برَبهِم، ﴿أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ﴾ ؛ أي أبعَدَهم اللهُ من رحمتهِ. وقرىء (لِثَمُودِ) بالكسرِ لقُربها من قولهِ ﴿أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ﴾، فمَنْ صرفَهُ جعله اسماً، ومَن لم يصرِفْهُ جعله اسماً للقبيلةِ.

هود 11:69

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى﴾ ؛ قالَ ابنُ عبَّاس :(وَذلِكَ أنَّ جِبرِيلَ وَمَنْ مَعَهُ اثْنَي عَشَرَ مَلَكاً جَاؤُا إلَى إبْرَاهِيمَ لِيُبَشِّرُوهُ بإسْحَقَ مِنْ زَوْجَتِهِ سَارَةَ). فلما دخَلُوا عليه، ﴿قَالُواْ سَلاَماً﴾ ؛ أي سلَّمُوا عليه سَلاَماً، وَقِيْلَ : قالوا : نُسَلِّمُ سَلاماً، وهو نَصْبٌ على المصدرِ، وقولهُ :﴿قَالَ سَلاَمٌ﴾ ؛ أي أجابَهم إبراهيمُ بأن قالَ : عليكم سَلامٌ. وإنما لم يقل عليكُم سَلاماً بالنصب ؛ لأنه لو كان كذلكَ لكان يُتوَهَّمُ أن إبراهيمَ عليه السلام حكَى قولَ الملائكةِ أنَّكُم سلَّمْتُم سلاماً، فخالَفَ بينهما ليكون قولهُ جَواباً لَهم. ومَن قرأ بكسرِ السِّين، فالسِّلْمُ السَّلامُ بمعنى واحدٍ، كحَلَّ وحَرُمَ مثل حلالٍ وحرام. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ؛ أي ما لَبثَ إبراهيمُ أن جاءَ بعِجْلٍ مَحْنُوذٍ ؛ أي مَشْوِيٍّ، قال ابنُ عبَّاس :(الْحَنِيذُ : النَّضِيجُ) هو قولُ مجاهد وقتادة، والْحِنْذُ : إشْوَاءُ اللَّحمِ بالحجارةِ الْمُحَمَّاةِ في شَوْءٍ مِن الأرضِ، وهو مِن فِعْلِ الباديةِ، وقال مقاتلُ :(إنَّمَا جَاءَهُمْ بعِجْلٍ لأنَّهُ كَانَ أكْثَرُ مَالِهِ الْبَقَرَ). وقال الحسنُ :(إنَّمَا جَاءَهُمْ بالطَّعَامِ لأنَّهُمْ جَاؤُهُ عَلَى صُورَةِ الآدَمِيِّينَ، عَلَى هَيْأَةِ الأَضْيَافِ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أحَبَّ إلَيْهِ مِنَ الضَّيفَانِ، وَلَوْ جَاؤُهُ عَلَى صُورَةِ الْمَلاَئِكَةِ لَمْ يَكُنْ يُقَدِّمُ إلَيْهِمْ ذلِكَ لِعِلْمِهِ باسْتِغْنَاءِ الْمَلاَئِكَةِ عَنِ الطَّعَامِ).

هود 11:70

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ ؛ أي لَمَّا وضعَ الطعامَ بين أيديهم، فرَآهُم لا يَمُدُّونَ إليه أيدِيَهم أنْكرَهم، ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ﴾ ؛ أضمَرَ في نفسهِ، ﴿خِيفَةً﴾ ؛ خَوْفاً منهم، وكان أهلُ ذلك الزمانِ إذا لم يأكُلْ بعضُهم من طعامِ بعضٍ خَافُوا من غَائِلَتِهِ. فلما عَلِمتِ الملائكةُ خوفَهُ منهم، ﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ﴾ ؛ منَّا يا إبراهيمُ، ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا﴾، أي إنَّ اللهَ أرسَلنا، ﴿إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ؛ لنُهلِكَهم.

هود 11:71

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ ؛ معناهُ : وامرأتهُ سَارَةُ كانت قائمةً معه على رؤُسِهم بالخدمةِ، ويقالُ : كانت قائمةً من وراءِ السَّترِ في حالِ محاروة إبراهيمَ مع الملائكةِ، ويقال : إنَّ سارةَ بنتُ عمِّ إبراهيم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَضَحِكَتْ﴾ أي ضَحِكَتْ من سُرورِها بالسَّلام، فزَادُوها بشَارةً بإسحقَ عليه السلام، وقال السديُّ :(إنَّ إبْرَاهِيمَ قَالَ لَهُمْ : ألاَ تأْكُلُونَ؟! قَالُوا : إنَّا قَوْمٌ لاَ نَأْكُلُ إلاَّ بالثَّمَنِ، قَالَ : كُلُوا وَأدُّوا ثَمَنَهُ، قَالُواْ : وَمَا ثَمَنُهُ ؟ قَالَ : أنْ تَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أوَّلِهِ وَتَحْمَدُوهُ فِي آخِرِهِ. فَنَظَرَ جِبْرِيلُ إلَى مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ وَقَالَ : حَقٌّ لِهَذا أنْ يَتََّخِذهُ اللهُ خَليلاً، فَضَحِكَتِ امْرَأَتُهُ وَقَالَتْ : عَجَباً لأَضْيَافِنَا نَخْدِمُهُمْ بأْنفُسِنَا تَكْرِمَةً لَهُمْ وَهُمْ لاَ يَأْكُلُونَ طَعَامَنَا!). وقال قتادةُ :(ضَحِكَتْ لِغَفْلَةِ قَوْمِ لُوطٍ، وَقُرْب الْعَذاب مِنْهُمْ). وَقِيْلَ : ضَحِكَتْ سُروراً بالأمْنِ منهم لَمَّا قالوا : لاَ تَخَفْ، وقال عكرمةُ :(ضَحِكَتْ أيْ حَاضَتْ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ ؛ قرأ ابنُ عامر وحمزة ويعقوب بالنصب على معنى : وَوَهَبْنَا لها من وراءِ اسحقَ يعقوبَ، وَقِيْلَ : بنَزعِ الخافض ؛ أي وبشَّرنَاها من وراءِ اسحقَ بيعقوب، فلما حُذفت الباء نُصِبَ. وقال الزجَّاج :(لاَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذلِكَ فِي مَوْضِعِ الْخَفْضِ عَلَى ذلِكَ ؛ لأنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْجَارِّ والْمَجْرُورِ وبَيْنَهُمَا وَاوُ الْعَطْفِ إلاَّ بإعَادَةِ حَرْفِ الْجَرِّ ؛ لأنَّهُ لاَ يَجُوزُ أنْ يُقَالَ : مَرَرْتُ بزَيْدٍ فِي الدَّار وَالْبَيْتِ وَعَمْرٍو، حَتَّى يَقُولَُ : وَبعَمرٍ). وقولهُ ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ قال المفسِّرون : كان إبراهيمُ قد وُلِدَ له من هاَجَرَ وكَبرَ وشَبَّ، فتمَنَّت سارةُ أن يكون لها ابنٌ وآيَسَتْ من ذلك لكبَرِ سِنَّها، فبُشِّرت على كِبَرِ السنِّ بولدٍ يكون نبيّاً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ قال الزجَّاج :(بَشَّرُوهَا أنَّهَا تَلِدُ اسْحَقَ، وَأنَّهَا تَعِيشُ إلَى أنْ تَرَى وَلَدَ وَلَدِهِ، وَوَرَاءَ هَهُنَا بمَعْنَى بَعْدَ)

هود 11:72

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـاذَا بَعْلِي شَيْخاً﴾ ؛ لا يجوزُ أن يكون هذا على جهةِ الإنكارِ، فإن (يَا وَيْلَتَا) كلمةٌ تستعمِلُها النساءُ عند وقوعِ أمرٍ فظيع، فاستعمَلَتها في هذا الموضعِ على جهة التعجُّب، ولهذا قالت :﴿إِنَّ هَـاذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. وأصلهُ : يَا وَيْلَتِي فأُبدل من الياءِ الألف لأنه أخَفُّ من الياءِ والكسرِ. قال ابنُ عبَّاس :(كَانَتْ سَارَةُ بنْتَ ثَمَانٍ وَتِسعِينَ سَنَةً، وَكَانَ زَوْجُهَا ابْنَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، فَتَعَجَّبَتْ بأَنْ يَكُونَ بَيْنَ شَيْخَيْنِ كَبيرَيْنِ وَلَدٌ)، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهَـاذَا بَعْلِي شَيْخاً﴾ أي هذا الذي يعرفونَهُ بَعْلِي، ثم قالت (شَيْخاً) أي انتَبهوا له في حالِ شيخوخَتهِ فهو نُصِبَ على الحالِ، وذهبَ الكوفيُّون إلى أنه نُصِبَ على القطعِ عن المعرفة إلى النَّكرة كما يقالُ : خَرجَ زَيدٌ راكباً.

هود 11:73

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ؛ أي قالت الملائكةُ : أتَعجَبينَ من قُدرة اللهِ وأنت عارفةٌ أنَّ الله قادرٌ على كلِّ شيء ؟ قال السديُّ :(أخَذ جِبْرِيلُ عُوداً يَابساً فَدَلَكَهُ بَيْنَ إصْبعَيْهِ فَإذا هُو أخْضَرُ يَهْتَزُّ، فَعَرَفَتْ أنَّهُ مِنَ اللهِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ ؛ معناهُ : نعمةُ اللهِ عليكم في الدِّين والدنيا وخيراتهِ التامَّة عليكم يا أهلَ البيتِ بيتِ إبراهيم عليه السلام، ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾ ؛ لأعمَالِكم، ﴿مَّجِيدٌ﴾ ؛ أي كريمٌ يُكرِمُكم بالنِّعَمِ، الكريمُ هو الذي يَبْتَدِئُ بالنعمةِ قبل الاستحقاقِ، والْمَجِيدُ الْمَاجِدُ وهو ذو الشَّرَفِ والمجدِ والكرَمِ.

هود 11:74

قوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ ؛ أي الخوفُ والفَزَعُ، ﴿وَجَآءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ ؛ بإسحقَ جعلَ، ﴿يُجَادِلُنَا﴾ ؛ يجادِلُ رسُلَنا، ﴿فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾. واختلَفُوا في هذهِ المجادلة، فقال بعضُهم : سألَ عن سبب تعذيب اللهِ لهم سؤالَ مُسَتقْصٍ حتى قالَ : إنَّ اللهَ أمرَ باستئصالِهم وبتخويفِهم بالعقاب، وحتى قال : إنَّ فيها لُوطاً. وقال بعضُهم : أراد بالمجادلةِ الدُّعاءَ والتضرُّعَ وشدةَ الحرصِ على نجاة القومِ رجاءَ إيمانِهم. كما رُوي أنَّ إبراهيمَ عليه السلام قامَ من الليلِ يُصلِّي وهو يقولُ : يا رب أتُهِلكُ قومَ لوطٍ ؟ قِيْلَ : يا إبراهيمَ ليس فيهم مؤمنون، قال : يا رب فإن كان فيهم خمسونَ أهلُ بيتٍ مُؤمنون أتُهلِكُهم ؟ قِيْلَ : لا، قال : فأربعونَ ؟ قِيْلَ : لاَ، فَلَمْ يزل يُرَدِّدُ حتى قِيْلَ : إنْ كان يهم خمسةُ أبياتٍ مؤمنين رفَعنا عنهم البلاءَ. يقولُ الله تعالى :﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾[الذاريات: ٣٦]. قِيْلَ : لَمَّا جادَلَهم إبراهيمُ عليه السلام قالت له الرُّسُل : يا إبراهيم أعْرِضْ عن هذا الجدالِ، إنه قد جاءَ أمرُ ربكَ بعذابهم، وإنَّهم آتِيهم عذابٌ غير مردودٍ، قوله :﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ ؛ أي وَقُورٌ بَطِيءُ الغضب، والحليمُ : الْمُحْتَمِلُ للأَذى مع قُدرتهِ على العقوبةِ والمكافأة، ﴿أَوَّاهٌ﴾ ؛ بالدعاء، ويقال : الرحيمُ، ويقال المتأَوِّهُ خَوفاً وأسَفاً على الذُّنوب، و ﴿مُّنِيبٌ﴾ ؛ هو الراجعُ إلى اللهِ.

هود 11:75

قوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ ؛ أي الخوفُ والفَزَعُ، ﴿وَجَآءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ ؛ بإسحقَ جعلَ، ﴿يُجَادِلُنَا﴾ ؛ يجادِلُ رسُلَنا، ﴿فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾. واختلَفُوا في هذهِ المجادلة، فقال بعضُهم : سألَ عن سبب تعذيب اللهِ لهم سؤالَ مُسَتقْصٍ حتى قالَ : إنَّ اللهَ أمرَ باستئصالِهم وبتخويفِهم بالعقاب، وحتى قال : إنَّ فيها لُوطاً. وقال بعضُهم : أراد بالمجادلةِ الدُّعاءَ والتضرُّعَ وشدةَ الحرصِ على نجاة القومِ رجاءَ إيمانِهم. كما رُوي أنَّ إبراهيمَ عليه السلام قامَ من الليلِ يُصلِّي وهو يقولُ : يا رب أتُهِلكُ قومَ لوطٍ ؟ قِيْلَ : يا إبراهيمَ ليس فيهم مؤمنون، قال : يا رب فإن كان فيهم خمسونَ أهلُ بيتٍ مُؤمنون أتُهلِكُهم ؟ قِيْلَ : لا، قال : فأربعونَ ؟ قِيْلَ : لاَ، فَلَمْ يزل يُرَدِّدُ حتى قِيْلَ : إنْ كان يهم خمسةُ أبياتٍ مؤمنين رفَعنا عنهم البلاءَ. يقولُ الله تعالى :﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾[الذاريات: ٣٦]. قِيْلَ : لَمَّا جادَلَهم إبراهيمُ عليه السلام قالت له الرُّسُل : يا إبراهيم أعْرِضْ عن هذا الجدالِ، إنه قد جاءَ أمرُ ربكَ بعذابهم، وإنَّهم آتِيهم عذابٌ غير مردودٍ، قوله :﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ ؛ أي وَقُورٌ بَطِيءُ الغضب، والحليمُ : الْمُحْتَمِلُ للأَذى مع قُدرتهِ على العقوبةِ والمكافأة، ﴿أَوَّاهٌ﴾ ؛ بالدعاء، ويقال : الرحيمُ، ويقال المتأَوِّهُ خَوفاً وأسَفاً على الذُّنوب، و ﴿مُّنِيبٌ﴾ ؛ هو الراجعُ إلى اللهِ.

هود 11:76

قوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـاذَآ﴾ ؛ أي عن جِدَالِكَ، ﴿إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ﴾ بهلاكهم، ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ ؛ غيرُ مُنْصَرِفٍ عنهم.

هود 11:77

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ ؛ يعني لَمَّا جاءت الملائكةُ لوطاً ساءَهُ مجيئُهم، وضاقَ بهيأتهم قلبُه ؛ فإنَّهم جاؤهُ في صورةِ الغُلمَانِ الْمُرْدِ الحِسَانِ، وكان قد عَلِمَ عادةَ قومهِ، فخافَ عليهم من صنع قومه، ﴿وَقَالَ﴾ ؛ في نفسِه :﴿هَـاذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ ؛ أي شديدٌ لازم شرُّهُ كالمعصُوب بالعُصبةِ، كأنَّهُ قال : هذا يومٌ الْتَفَّ الشرُّ فيه بالشرِّ، وأما ضِيقُ الذرْعِ فيوضعُ موضعَ ضيقٍ الصَّدر، يقال : ضاقَ فلانٌ بأمرهِ ذرْعاً إذا لم يجد من الْمَكْرَهِ في ذلك مَخْلصاً. قِيْلَ : معناهُ : ضَاقَ بهم وسْعاً. وكان لوطُ ضاقَ وسعَهُ بهم أنْ يحفَظَهم. وفي الخبرِ : أنه جعلَهم فيما بين مَواشِيهم، فلما كان في وقتِ غفلةِ الناس حَمَلَهُم إلى دارهِ، فذهبت امرأتهُ الخبيثة وأخبرَتْهم، وقالَتْ لَهم : إنه قد نزلَ عند لُوطٍ أضيافٌ لم يُرَ قط أحسَنَ وُجوهاً منهم، ولا أطيبَ ريحاً، ولا أنظفَ ثياباً.

هود 11:78

قْولُهُ تَعَالَى :﴿وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ وذلك أنَّ امرأةَ لوط لَمَّا أخبرَتْهم بأضيافهِ، جاؤُا إلى دارهِ يُسرِعُونَ إليه، ويُهَرْوِلُونَ هَرْوَلَةً، والإهْرَاعُ : مَشْيٌ بين مِشيَتَينِ، ومِن قبلِ ذلك كانوا يعمَلون المعاصِي، وهي ما كانوا يعمَلون من الفاحشةِ مع الذُّكور، فإنَّهم كانوا يعمَلون ذلك مِن دون أن يُخَفِي بعضٌ عن بعضٍ. ﴿قَالَ﴾ : لَهم لوطُ عليه السلام :﴿ياقَوْمِ هَـاؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ ؛ عَرَضَ عليهم بناتَهُ نِكَاحاً، وأظهرَ من نفسهِ في صونِهم ما لا شيءَ أبلغُ منه، أظهرَ الكرامةَ في باب الأضيافِ، فذكَرَ بناتَهُ ليدلُّ بذلك على التشديدِ في دَفعِهم عمَّا أرَادُوا. فكان يجوز في ذلك الوقتِ تزويجُ الْمُسْلِمَةِ من الكافرِ، كما كان يجوزُ في شَريعتنا في ابتداء الإسلام، فإنَّ النبيَّ ﷺ زَوَّجَ ابنتَهُ من ابنِ العاص بن الرَّبيع. ويقالُ : أرادَ بقوله ﴿بَنَاتِي﴾ بناتَ قومهِ ؛ لأن النبيَّ يكون للقومِ بمنْزِلة الوالدِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاتَّقُواْ اللًّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ ؛ أي اتَّقُوا عقابَ الله، ولا تُلزِمُونِي عَيباً في ضَيفِي، ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ ؛ في نفسهِ فَيَنْزَجِِرُ عن هذا الأمرِ، ويزجرُكم عنه.

هود 11:79

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ ؛ أي مَيلَنا إلى الغِلمَانِ دون النِّساء، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ ؛ أدفَعُكم بها عن أضيَافِي، ويُمكِنُني، ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ ؛ إلى قبيلةٍ أستغيثُ بها على دَفعِكم لَمَنَعْتُكُمْ أشدَّ المنعِ عما تُحاولون. وعن رسولِ اللهِ ﷺ قال :" رَحِمَ اللهُ أخِي لُوط لَقَدْ آوَى إلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ " أي التجأَ إلى اللهِ وملائكته، وقال ابنُ عبَّاس :(فَلَمَّا عَلِمَ جِبْرِيلُ وَالْمَلاَئِكَةُ خَوْفَ لُوطٍ مِنْ تَهدِيدِ قَوْمِهِ، وَقَدْ كَانَ لُوطُ أغْلَقَ الْبَابَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى الْمَلاَئَكَةِ وَهُوَ يُنَاشِدُ قَوْمَهُ، قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : يَا لُوطُ إنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ، وَإنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ).

هود 11:80

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ ؛ أي مَيلَنا إلى الغِلمَانِ دون النِّساء، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ ؛ أدفَعُكم بها عن أضيَافِي، ويُمكِنُني، ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ ؛ إلى قبيلةٍ أستغيثُ بها على دَفعِكم لَمَنَعْتُكُمْ أشدَّ المنعِ عما تُحاولون. وعن رسولِ اللهِ ﷺ قال :" رَحِمَ اللهُ أخِي لُوط لَقَدْ آوَى إلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ " أي التجأَ إلى اللهِ وملائكته، وقال ابنُ عبَّاس :(فَلَمَّا عَلِمَ جِبْرِيلُ وَالْمَلاَئِكَةُ خَوْفَ لُوطٍ مِنْ تَهدِيدِ قَوْمِهِ، وَقَدْ كَانَ لُوطُ أغْلَقَ الْبَابَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى الْمَلاَئَكَةِ وَهُوَ يُنَاشِدُ قَوْمَهُ، قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : يَا لُوطُ إنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ، وَإنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ).

هود 11:81

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ يالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ﴾ ؛ فافتَحِ البابَ ودَعْنا وإيَّاهم، ففتحَ البابَ فدخَلُوا، فقامَ جبريلُ في الصُّورةِ التي يكون فيها في السَّماء، فنَشَرَ جناحَهُ وضربَ به وُجوهَهم فطَمَسَ أعيُنَهم وأعمَاهُم، فصارُوا لا يعرفون الطريقَ ولا يهتَدُون إلى بُيوتِهم. فقالَ لوطُ عليه السلام متَى مَوعِدُ هَلاَكِهم ؟ قالوا : الصُّبْحَ، قالَ : أريدُ أسرعَ من ذلك، فقالوا : أليس الصُّبح بقريبٍ ؟ وذلك قولهُ تعالى :﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ﴾[القمر: ٣٧]. ثُم قالوا له :﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ ؛ وفيه قراءَتان (فَأَسْرِ) بالهمز والوصلِ، يقال سَرَى وأسْرَى بمعنى واحدٍ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بِقِطْعٍ مِّنَ الْلَّيْلِ﴾ ؛ أي في آخرِ الليل عند السَّحَرِ والهدوءِ، وقال الضحَّاك :(بقِطْعٍ أيْ ببَقِيَّةٍ)، وقال قتادةُ :(بَعْدَ مَا مَضَى صَدْرُهُ)، ﴿وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ﴾. قرأ ابنُ كثير وأبو عمرو (امْرَأَتُكَ) رفعاً على الاستثناءِ من الإلتفات ؛ أي ولا يلتَفِت أحدٌ إلا امرأتُكَ، فإنَّها تلتفِتُ فتهلَكُ. وقرأ الباقون بالنصب على الاستثناء من الإسراءِ ؛ أي فَاسْر بأهلِكَ إلا امرأتُكَ فلا تَسْرِ بها وخلِّفها مع قومِها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ﴾ ؛ أي قالت الملائكةُ : إن وقتَ هلاكِهم، ﴿الصُّبْحُ﴾ ؛ فقالَ لوط : الآنَ يا جبريلُ، وإنما ذلكَ لضيقِ صدرِه منهم وشدَّة غَيظِه، فقالَ جبريلُ :﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾، وفي هذا بيانُ أنَّ اللهَ لا يُهلِكُ أحداً قبلَ انقضاءِ مدَّتهِ، وإنْ ضَاقَتْ صدورُ أوليائهِ عنه. وعن ابن عبَّاس :(أنَّ جِبْرِيلَ لَمَّا قَالَ لِلُوطٍ : فَاسْرِ بأَهْلِكَ بقِطَْعٍ مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ لُوطُ : يَا جِبْرِيلُ كَيْفَ أصْنَعُ وَأَبَوابُ الْمَدِينَةِ قَدْ أُغْلِقَتْ، فجَمَعَ لَهُ جِيْرِيلُ أهْلَهُ وَبَقَرَهُ وَغَنَمَهُ وَمَالَهُ، وَاحْتَمَلَهُمْ عَلَى جَنَاحِهِ حَتَّى أخْرَجَهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَانْطَلَقَ بهِمْ مُتَوَجِّهاً إلَى صَغَرْ، وَهِيَ عَلَى أرْبَعَةِ فَرَاسِخَ مِنْ مَدَائِنِ لُوطٍ، وَهِيَ إحْدَى الْقَرَى الْخَمْسِ : سَدُومُ وَدَادَ وَمَاو وَعَامُورا وَصَغَرْ، وَلَمْ يَكُنْ أهْلُ صَغَرْ يَعْمَلُونَ عَمَلَهُمْ، وَكَانَ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ ألْفُ مُقَاتِلٍ، فَمَا سَارَ لٌُوطُ فَرْسَخَيْنِ حَتَّى سَمِعَ الصَّيْحَةَ). كما رُوي أنَّ جبريل عليه السلام جعلَ جناحه في أسفلِها فرَفَعها من الأرضِ السَّابعة إلى السَّماءِ حتى سَمِعَ أهلُ السَّماء نباحَ الكلاب وصياحَ الدِّيَكة، ثم قلَبَها وجعلَ أسفلها أعلاَها، وأعلاها أسفَلَها، وأقبَلَت تَهوِي من السَّماءِ إلى الأرضِ، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ ؛ قال وهبُ :(لَمَّا رُفِعَتْ إلَى السَّمَاءِ أمْطَرَ الله ُعَلَيْهَا حِجَارَةَ الْكِبْرِيتِ بالنَّارِ، ثُمَّ قُلِبَتْ عَلَيْهِمْ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ قِيْلَ : أمطرَ اللهُ الحجارةَ على شُذاذِهم ومُسافرِيهم. واختلَفُوا في السِّجِِّيلِ، فقيل : هو فارسيةٌ مُعرَّبَة، وفيه بيانُ أن تلك الحجارةَ كانت شديدةً صَلِبَةً، ونحو ما يُطبَخُ من الطِّين فيصيرُ كالآجُرِّ وأصلبَ منه، يدلُّ عليه قَوْلُهُ تَعَالَى :

هود 11:82

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ يالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ﴾ ؛ فافتَحِ البابَ ودَعْنا وإيَّاهم، ففتحَ البابَ فدخَلُوا، فقامَ جبريلُ في الصُّورةِ التي يكون فيها في السَّماء، فنَشَرَ جناحَهُ وضربَ به وُجوهَهم فطَمَسَ أعيُنَهم وأعمَاهُم، فصارُوا لا يعرفون الطريقَ ولا يهتَدُون إلى بُيوتِهم. فقالَ لوطُ عليه السلام متَى مَوعِدُ هَلاَكِهم ؟ قالوا : الصُّبْحَ، قالَ : أريدُ أسرعَ من ذلك، فقالوا : أليس الصُّبح بقريبٍ ؟ وذلك قولهُ تعالى :﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ﴾[القمر: ٣٧]. ثُم قالوا له :﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ ؛ وفيه قراءَتان (فَأَسْرِ) بالهمز والوصلِ، يقال سَرَى وأسْرَى بمعنى واحدٍ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بِقِطْعٍ مِّنَ الْلَّيْلِ﴾ ؛ أي في آخرِ الليل عند السَّحَرِ والهدوءِ، وقال الضحَّاك :(بقِطْعٍ أيْ ببَقِيَّةٍ)، وقال قتادةُ :(بَعْدَ مَا مَضَى صَدْرُهُ)، ﴿وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ﴾. قرأ ابنُ كثير وأبو عمرو (امْرَأَتُكَ) رفعاً على الاستثناءِ من الإلتفات ؛ أي ولا يلتَفِت أحدٌ إلا امرأتُكَ، فإنَّها تلتفِتُ فتهلَكُ. وقرأ الباقون بالنصب على الاستثناء من الإسراءِ ؛ أي فَاسْر بأهلِكَ إلا امرأتُكَ فلا تَسْرِ بها وخلِّفها مع قومِها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ﴾ ؛ أي قالت الملائكةُ : إن وقتَ هلاكِهم، ﴿الصُّبْحُ﴾ ؛ فقالَ لوط : الآنَ يا جبريلُ، وإنما ذلكَ لضيقِ صدرِه منهم وشدَّة غَيظِه، فقالَ جبريلُ :﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾، وفي هذا بيانُ أنَّ اللهَ لا يُهلِكُ أحداً قبلَ انقضاءِ مدَّتهِ، وإنْ ضَاقَتْ صدورُ أوليائهِ عنه. وعن ابن عبَّاس :(أنَّ جِبْرِيلَ لَمَّا قَالَ لِلُوطٍ : فَاسْرِ بأَهْلِكَ بقِطَْعٍ مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ لُوطُ : يَا جِبْرِيلُ كَيْفَ أصْنَعُ وَأَبَوابُ الْمَدِينَةِ قَدْ أُغْلِقَتْ، فجَمَعَ لَهُ جِيْرِيلُ أهْلَهُ وَبَقَرَهُ وَغَنَمَهُ وَمَالَهُ، وَاحْتَمَلَهُمْ عَلَى جَنَاحِهِ حَتَّى أخْرَجَهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَانْطَلَقَ بهِمْ مُتَوَجِّهاً إلَى صَغَرْ، وَهِيَ عَلَى أرْبَعَةِ فَرَاسِخَ مِنْ مَدَائِنِ لُوطٍ، وَهِيَ إحْدَى الْقَرَى الْخَمْسِ : سَدُومُ وَدَادَ وَمَاو وَعَامُورا وَصَغَرْ، وَلَمْ يَكُنْ أهْلُ صَغَرْ يَعْمَلُونَ عَمَلَهُمْ، وَكَانَ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ ألْفُ مُقَاتِلٍ، فَمَا سَارَ لٌُوطُ فَرْسَخَيْنِ حَتَّى سَمِعَ الصَّيْحَةَ). كما رُوي أنَّ جبريل عليه السلام جعلَ جناحه في أسفلِها فرَفَعها من الأرضِ السَّابعة إلى السَّماءِ حتى سَمِعَ أهلُ السَّماء نباحَ الكلاب وصياحَ الدِّيَكة، ثم قلَبَها وجعلَ أسفلها أعلاَها، وأعلاها أسفَلَها، وأقبَلَت تَهوِي من السَّماءِ إلى الأرضِ، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ ؛ قال وهبُ :(لَمَّا رُفِعَتْ إلَى السَّمَاءِ أمْطَرَ الله ُعَلَيْهَا حِجَارَةَ الْكِبْرِيتِ بالنَّارِ، ثُمَّ قُلِبَتْ عَلَيْهِمْ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ قِيْلَ : أمطرَ اللهُ الحجارةَ على شُذاذِهم ومُسافرِيهم. واختلَفُوا في السِّجِِّيلِ، فقيل : هو فارسيةٌ مُعرَّبَة، وفيه بيانُ أن تلك الحجارةَ كانت شديدةً صَلِبَةً، ونحو ما يُطبَخُ من الطِّين فيصيرُ كالآجُرِّ وأصلبَ منه، يدلُّ عليه قَوْلُهُ تَعَالَى :

هود 11:83

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ يالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ﴾ ؛ فافتَحِ البابَ ودَعْنا وإيَّاهم، ففتحَ البابَ فدخَلُوا، فقامَ جبريلُ في الصُّورةِ التي يكون فيها في السَّماء، فنَشَرَ جناحَهُ وضربَ به وُجوهَهم فطَمَسَ أعيُنَهم وأعمَاهُم، فصارُوا لا يعرفون الطريقَ ولا يهتَدُون إلى بُيوتِهم. فقالَ لوطُ عليه السلام متَى مَوعِدُ هَلاَكِهم ؟ قالوا : الصُّبْحَ، قالَ : أريدُ أسرعَ من ذلك، فقالوا : أليس الصُّبح بقريبٍ ؟ وذلك قولهُ تعالى :﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ﴾[القمر: ٣٧]. ثُم قالوا له :﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ ؛ وفيه قراءَتان (فَأَسْرِ) بالهمز والوصلِ، يقال سَرَى وأسْرَى بمعنى واحدٍ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بِقِطْعٍ مِّنَ الْلَّيْلِ﴾ ؛ أي في آخرِ الليل عند السَّحَرِ والهدوءِ، وقال الضحَّاك :(بقِطْعٍ أيْ ببَقِيَّةٍ)، وقال قتادةُ :(بَعْدَ مَا مَضَى صَدْرُهُ)، ﴿وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ﴾. قرأ ابنُ كثير وأبو عمرو (امْرَأَتُكَ) رفعاً على الاستثناءِ من الإلتفات ؛ أي ولا يلتَفِت أحدٌ إلا امرأتُكَ، فإنَّها تلتفِتُ فتهلَكُ. وقرأ الباقون بالنصب على الاستثناء من الإسراءِ ؛ أي فَاسْر بأهلِكَ إلا امرأتُكَ فلا تَسْرِ بها وخلِّفها مع قومِها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ﴾ ؛ أي قالت الملائكةُ : إن وقتَ هلاكِهم، ﴿الصُّبْحُ﴾ ؛ فقالَ لوط : الآنَ يا جبريلُ، وإنما ذلكَ لضيقِ صدرِه منهم وشدَّة غَيظِه، فقالَ جبريلُ :﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾، وفي هذا بيانُ أنَّ اللهَ لا يُهلِكُ أحداً قبلَ انقضاءِ مدَّتهِ، وإنْ ضَاقَتْ صدورُ أوليائهِ عنه. وعن ابن عبَّاس :(أنَّ جِبْرِيلَ لَمَّا قَالَ لِلُوطٍ : فَاسْرِ بأَهْلِكَ بقِطَْعٍ مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ لُوطُ : يَا جِبْرِيلُ كَيْفَ أصْنَعُ وَأَبَوابُ الْمَدِينَةِ قَدْ أُغْلِقَتْ، فجَمَعَ لَهُ جِيْرِيلُ أهْلَهُ وَبَقَرَهُ وَغَنَمَهُ وَمَالَهُ، وَاحْتَمَلَهُمْ عَلَى جَنَاحِهِ حَتَّى أخْرَجَهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَانْطَلَقَ بهِمْ مُتَوَجِّهاً إلَى صَغَرْ، وَهِيَ عَلَى أرْبَعَةِ فَرَاسِخَ مِنْ مَدَائِنِ لُوطٍ، وَهِيَ إحْدَى الْقَرَى الْخَمْسِ : سَدُومُ وَدَادَ وَمَاو وَعَامُورا وَصَغَرْ، وَلَمْ يَكُنْ أهْلُ صَغَرْ يَعْمَلُونَ عَمَلَهُمْ، وَكَانَ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ ألْفُ مُقَاتِلٍ، فَمَا سَارَ لٌُوطُ فَرْسَخَيْنِ حَتَّى سَمِعَ الصَّيْحَةَ). كما رُوي أنَّ جبريل عليه السلام جعلَ جناحه في أسفلِها فرَفَعها من الأرضِ السَّابعة إلى السَّماءِ حتى سَمِعَ أهلُ السَّماء نباحَ الكلاب وصياحَ الدِّيَكة، ثم قلَبَها وجعلَ أسفلها أعلاَها، وأعلاها أسفَلَها، وأقبَلَت تَهوِي من السَّماءِ إلى الأرضِ، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ ؛ قال وهبُ :(لَمَّا رُفِعَتْ إلَى السَّمَاءِ أمْطَرَ الله ُعَلَيْهَا حِجَارَةَ الْكِبْرِيتِ بالنَّارِ، ثُمَّ قُلِبَتْ عَلَيْهِمْ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ قِيْلَ : أمطرَ اللهُ الحجارةَ على شُذاذِهم ومُسافرِيهم. واختلَفُوا في السِّجِِّيلِ، فقيل : هو فارسيةٌ مُعرَّبَة، وفيه بيانُ أن تلك الحجارةَ كانت شديدةً صَلِبَةً، ونحو ما يُطبَخُ من الطِّين فيصيرُ كالآجُرِّ وأصلبَ منه، يدلُّ عليه قَوْلُهُ تَعَالَى :

هود 11:84

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ ؛ أي وإلى ولَدِ مِديَنَ بن إبراهيم أخاهُم في النَّسب، ﴿قَالَ ياقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـاهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ ؛ أي ولا تَنقُصُوا حقوقَ الناسِ عند الكَيْلِ والوزنِ عليهم بالتَّطفِيفِ، ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ ؛ أي إنِّي أراكُم في الخصُب والرُّخْصِ ما أوفَيتُم للناسِ حقوقَهم. وَقِيْلَ : معناهُ : إنِّي أراكم في كَثرَةِ الأموالِ، وأنتم مُستَغنون عن نُقصَانِ الكَيْلِ والوزنِ، ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾ أي عَذاباً يحيطُ بكم فلا يفلتُ منكم أحد.

هود 11:85

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَياقَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ ؛ أي بالعدلِ، ﴿وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ﴾ ؛ أي ولا تَنقُصوهم حُقوقَهم، ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ؛ أي لا تضطَرِبوا في الأرضِ بالقبيح مُفسدِين بالمعاصِي.

هود 11:86

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَآ﴾ ؛ معناهُ : ما أبقاهُ الله خيرٌ لكم من الحلالِ بعد إتْمَامِ الكيلِ والوزن خيرٌ لكم مما حرَّمَ عليكم من البخْسِ والتطفيفِ إنْ كنتم مصدِّقين ما أقولهُ لكم. ويقالُ : أراد بالبقيَّة طاعةَ الله، فإنَّها هي التي يبقَى ثوابُها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ ؛ أي لم أوَكَّلْ بحفظِكم فأُقاتِلَكم وأمنَعَكم.

هود 11:87

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ ياشُعَيْبُ أَصَلَاوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ ؛ أي قالوا يا شُعيبُ : أكثرَةُ صَلواتِكَ التي تفعَلُها تأمرُكَ أن نتركَ عبادةَ ما يعبدُ آباؤنا، وتأمُرك أن تأمُرَنا بأنْ لا نفعلَ في أموالنا ما نشاءُ، وقال عطاء :(مَعْنَى قَوْلِهِ : أصَلاَتُكَ ؛ أيْ دِينُكَ يَأْمُرُكَ، فَكَنَّى عَنِ الدِّينِ بالصَّلاَةِ ؛ لأنَّهَا مِنْ أمْرِ الدِّينِ، وَكَانَ شُعَيْبُ كَثِيرَ الصَّلاَةِ، فَلِذلِكَ قَالُواْ هَذا). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ ؛ السفيه الجاهل، فذكروا الحليم الرشيد على جهةِ الاستهزاء، هكذا رُوي عن ابنِ عبَّاس، وياقل : قالوا ذلك علَى جهةِ التحقيقِ إنكَ لأنتَ الحليمُ الرشيد في قومِكَ، فكيف تَنهَانَا عن عبادةِ ما يعبدُ آباؤنا وعن أن نفعلَ في أموالِنا ما نشاءُ من البَخْسِ والتَّطفِيفِ، كأنَّهم استبعَدُوا أن يكون آباؤُهم قد أخطَأُوا في دِينهم ورباهم.

هود 11:88

قولُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ ياقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي﴾ ؛ أي قال لَهم شعيبُ : أخبروني إنْ كنتُ على دلالةٍ واضحة من ربي، ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً﴾ ؛ قِيْلَ : أرادَ البنوَّةَ فإنَّها أعظمُ رزْقِ الله تعالى. وَقِيْلَ : أراد به المالَ الحلالَ. قال ابنُ عبَّاس :(كَانَ شُعَيْبُ عليه السلام كَثِيرَ الْمَالِ كَثِيرَ الصَّلاَةِ)، وَقِيْلَ : معنى قولِه :﴿رِزْقاً حَسَناً﴾ أي عِلْماً ومعرفةً. وأما جوابُ قولهِ ﴿إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي﴾ المالَ الحلال اتبعهُ الضلالَ فأبْخَسُ وأُطَفِّفُ، أشُوبَ الحلالَ بالحرامِ كما تفعلون به. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ ؛ أي ما أريدُ أن تترُكوا ما نَهيتُكم عنه لأعملَ أنا به فانتفعَ، والمعنى لستُ أنْهاكُم عن شيءٍ ثم أدخلُ فيه، ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ ؛ أي ما أريدُ إلا الإصلاحَ في أمرِ الدين والمعاشِ بقدر استطاعَتي، ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ؛ أي ما توفيقي للصَّلاحِ إلا مِنَ اللهِ، والتوفيقُ من اللهِ، هو كلُّ فِعْلٍ يَتَّفِقُ مَعَ الْعَبْدِ عِنْدَ اخْتِيَار الطَّاعةِ وَالصَّلاحِ، وَلَوْلاَهُ لَكَانَ يَخْتَارُ خِلاَفَ ذلِكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ ؛ أي فوَّضتُ أمرِي إلى اللهِ، وقولهُ تعالى :﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ؛ أي أرجِعُ.

هود 11:89

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَياقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ ؛ أي يا قومِ لا يكسِبَنَّكم عدَاوتِي أنْ لا تُؤمِنُوا فيصِيبُكم مثلُ ما أصابَ قومَ نوحٍ من الغرَقِ، ﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ ؛ من الرِّيح العقيمِ، ﴿أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ ؛ من الصَّيحَةِ، ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ ؛ أي قد بلَغَكم ما أصابَهم وهم أقربُ إليكم ممن تقدَّمَهم. يجوزُ أن يكون المراد بذلك قُرْبَ زمانِهم، ويجوز أن يكون المرادُ به قربَ ديارهم منهم، وكلُّ ذلك أقربُ إلى الاعتبار.

هود 11:90

قولهُ :﴿وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ ؛ أي استَغفِرُوهُ من الشِّركِ والذنوب، ثم تُوبُوا إليه بإخلاصٍ، ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾ بعبادهِ، ﴿وَدُودٌ﴾ مُتَوَدِّدٌ بالنِّعم وقَبول التوبةِ.

هود 11:91

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ ياشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ﴾ ؛ أي ما نَفْهَمُ كثيراً ما تقولُ، قال ابنُ الأنباريِّ :(مَعْنَاهُ مَا نَفْقَهُ صِحَّةَ كَثِيرٍ مِمَّا تَقُولُ، يَعْنُونَ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالْبَعْثِ، وَمَا يَأْمُرُهُمْ بهِ مِنَ الزَّكَاةِ وَتَرْكِ الْبَخْسِ، وَالْفِقْهُ فِي اللُّغَةِ هُوَ اسْتِدْرَاكُ مَعْنَى الْكَلاَمِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً﴾ ؛ قالَ ابنُ عبَّاس :(أرَادُوا بالضَّعْفِ أنَّهُ ضَرِيرُ الْبَصَرِ)، وقال ابنُ جبير :(مَعْنَاهُ إنَّا لَنَرَاكَ أعْمَى)، وقد رُوي أنه كان قد ذهبَ بصرهُ من كثرةِ بُكائِهِ من خِشيَةِ اللهِ تعالى. وفي بعضِ الرِّوايات : أنه عَمِيَ ثلاثَ مرَّات، وكان اللهُ تعالى يرُدُّ عليه بَصَرَهُ حتى أوحَى إليه : يا شعيبُ ما هذا البكاءُ ؟ قال : شَوقاً إليك يا رب. " وسُئِلَ النَّبيُّ ﷺ عَنْ شُعَيْبٍ قَالَ :" ذاكَ خَطيبُ الأَنْبيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ ؛ أي ولو لا عَشِيرتُكَ لقَتلنَاكَ بالحجارةِ، ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ ؛ أي إنا لا نَدَعُ قتلَكَ لعزَّتِكَ علينا، ولكن لأجلِ قومِكَ. والمعنى : لستَ تَمتَنِعُ علينا أنْ نقتُلَكَ لولا ما نُراعِي من حقِّ عَشيرِتَكَ.

هود 11:92

قْوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ ياقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ﴾ ؛ أي إنَّكم تزعُمون أنَّكم تتركون قَتلِي إكراماً لرَهْطِي واللهُ تعالى أوْلَى بأن يُتَّبَعَ أمرهُ ؛ إنَّكم تركتم قَتلِي لأجلِ عشيرتِي، ولا تتركونَهُ لأجلِ اللهِ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً﴾ ؛ أي نَبَذْتُمْ أمرَ اللهِ وراءَ ظُهورِكم، والظِّهْرِيُّ : ما نَبَذهُ الإنسانُ وراءَ ظَهرهِ، ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ؛ أي عليمٌ، لا يَعْزِبُ عنه عِلمُ شيءٍ.

هود 11:93

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَياقَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾ ؛ أي اعمَلُوا على دِينِكم إنِّي عاملٌ على دِيني، وهذا على سبيلِ التَّهديد والوعيدِ، والْمَكَانَةُ والمكانُ بمعنى واحد. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ ؛ أي يُذِلُّهُ ويُهِينُهُ، وَتعلمُون ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ ؛ على اللهِ، ﴿وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ ؛ أي انتَظِروا إنِّي منتظرٌ معكم.

هود 11:94

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا﴾ ؛ أي نَجَّينا شُعيباً من ذلك العذاب، ونَجَّينَا الذين آمَنوا معه برحمةٍ منَّا، ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ ؛ يعني من قومِ شُعيب. يقال : إنَّ جبريل صاحَ بهم صيحةً، فخرجت أرواحُهم من أجسادِهم، ﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ ؛ أي ميِّتين سَاقِطِين صَرْعَى. وَقِيْلَ : بل وَاقِفِين على رُكَبهم، ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ﴾ ؛ أي كأنْ لم يكونوا في الأرضِ قطٌّ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ ؛ معناهُ : ألاَّ سُحْقاً وهلاكاً لقومِ شُعيب كما هلَكت ثَمُودُ، وإنما شبَّهَهم بثَمُودَ ؛ لأن الصيحةَ كانت سَبباً في هلاكِ الفريقين جميعاً. قال ابنُ عبَّاس :(وَذلِكَ أنَّ مَدْيَنَ أصَابَهُمْ حَرٌّ شَدِيدٌ، وَلَمْ تَتَحَرَّكِ الرِّيحُ لَيْلاً وَلاَ نَهَاراً، فَكَانَ يُحْرِقُهُمْ باللَّيْلِ حَرُّ الْقَمَرِ، وَبالنَّهَار حَرُّ الشَّمْسِ، فَنَشَأَتْ لَهُمْ سَحَابَةٌ كَهَيْئَةِ الظُّلَّةِ فِيْهَا عَذابُهُمْ، فَأَتَوهَا يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَهَا وَيَطْلُبُونَ الرُّوْحَ، فَسَالَ عَلَيْهِمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَرَجَفَتِ الأَرْضُ مِنَ الْعَذاب وَأحْرَقَتْهُمُ السَّحَابَةُ، وَذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾[الشعراء: ١٨٩]). قال :(وَلَمْ يُعَذبْ أُمَّتَانِ بعَذابٍ وَاحِدٍ إلاَّ قَوْمَ شُعَيْبَ وَصَالِح، فَأَمَّا قَوْمُ صَالِحٍ فَأَخَذتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ تَحْتِهِمْ، وَأمَّا قَوْمُ شُعَيْبٍ فأَخَذتْهُمُ الصَّيْحَةَ مِنْ فَوْقِهِم).

هود 11:95

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا﴾ ؛ أي نَجَّينا شُعيباً من ذلك العذاب، ونَجَّينَا الذين آمَنوا معه برحمةٍ منَّا، ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ ؛ يعني من قومِ شُعيب. يقال : إنَّ جبريل صاحَ بهم صيحةً، فخرجت أرواحُهم من أجسادِهم، ﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ ؛ أي ميِّتين سَاقِطِين صَرْعَى. وَقِيْلَ : بل وَاقِفِين على رُكَبهم، ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ﴾ ؛ أي كأنْ لم يكونوا في الأرضِ قطٌّ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ ؛ معناهُ : ألاَّ سُحْقاً وهلاكاً لقومِ شُعيب كما هلَكت ثَمُودُ، وإنما شبَّهَهم بثَمُودَ ؛ لأن الصيحةَ كانت سَبباً في هلاكِ الفريقين جميعاً. قال ابنُ عبَّاس :(وَذلِكَ أنَّ مَدْيَنَ أصَابَهُمْ حَرٌّ شَدِيدٌ، وَلَمْ تَتَحَرَّكِ الرِّيحُ لَيْلاً وَلاَ نَهَاراً، فَكَانَ يُحْرِقُهُمْ باللَّيْلِ حَرُّ الْقَمَرِ، وَبالنَّهَار حَرُّ الشَّمْسِ، فَنَشَأَتْ لَهُمْ سَحَابَةٌ كَهَيْئَةِ الظُّلَّةِ فِيْهَا عَذابُهُمْ، فَأَتَوهَا يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَهَا وَيَطْلُبُونَ الرُّوْحَ، فَسَالَ عَلَيْهِمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَرَجَفَتِ الأَرْضُ مِنَ الْعَذاب وَأحْرَقَتْهُمُ السَّحَابَةُ، وَذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾[الشعراء: ١٨٩]). قال :(وَلَمْ يُعَذبْ أُمَّتَانِ بعَذابٍ وَاحِدٍ إلاَّ قَوْمَ شُعَيْبَ وَصَالِح، فَأَمَّا قَوْمُ صَالِحٍ فَأَخَذتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِنْ تَحْتِهِمْ، وَأمَّا قَوْمُ شُعَيْبٍ فأَخَذتْهُمُ الصَّيْحَةَ مِنْ فَوْقِهِم).

هود 11:96

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ أي أرسَلنا مُوسَى بدَلائِلنا، والآيةُ العلامةُ التي فيها العِبرَةُ، وقولهُ تعالَى :﴿وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي وحجَّة بيِّنَةٍ مسلَّطة على إبطَال الفاسد. وقولهُ تعالى :﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ ؛ وأشرافِ قَومِهِ، ﴿فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ ؛ أي اتَّبعوا قولَهُ وترَكُوا أمرَ الله، ﴿وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ ؛ أي ما هو بصَائبٍ، إلا أنَّهم اتبعوا وخالَفُوا أمرَ موسى.

هود 11:97

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ أي أرسَلنا مُوسَى بدَلائِلنا، والآيةُ العلامةُ التي فيها العِبرَةُ، وقولهُ تعالَى :﴿وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي وحجَّة بيِّنَةٍ مسلَّطة على إبطَال الفاسد. وقولهُ تعالى :﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ ؛ وأشرافِ قَومِهِ، ﴿فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ ؛ أي اتَّبعوا قولَهُ وترَكُوا أمرَ الله، ﴿وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ ؛ أي ما هو بصَائبٍ، إلا أنَّهم اتبعوا وخالَفُوا أمرَ موسى.

هود 11:98

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ ؛ أي يَمشِي أمامَ قومهِ يومَ القيامةِ حتى يهجُمَ بهم على النارِ، وإنما يمشِي أمامَ قومهِ يومَ القيامة لأنَّهم اتبعوهُ في الدنيا حتى هدَاهُم إلى طريقِ النار، فكذلكَ يمشي بهم في الآخرةِ حتى يدخلَ بهم النارَ. وأما عطفُ الماضي الذي هو (فَأَوْرَدَهُمْ) على المستقبلِ فهو على معنى فهو إذا قَدِمَهُمْ أوردَهم النارَ. وإنما تقدَّمَهم ولم يقل يسبقُ ؛ لأن قولَهُ يسبقُ قومَهُ لا يدلُّ على أنه يَمشِي بين أيديهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ فيه إلى النارِ، والوِرْدُ في الحقيقة إنما يستعملُ في الماءِ كما قالَ تعالى﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾[القصص: ٢٣]، ولكنْ لَمَّا كان فرعونُ وقومه في الآخرةِ يكونون عَطَاشَى ويَرِدُونَ على ما بهم من العطشِ استعملَ فيهم هذه اللَّفظة.

هود 11:99

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأُتْبِعُواْ فِي هَـاذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ؛ أي وأتْبَعَهُم اللهُ في الدنيا لعنةً بإبعادهِم عن الرَّحمة بالغرقِ ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لَهم لعنةٌ أُخرى وهي النارُ، ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ ؛ بئْسَتِ اللعنةُ على إثْرِ اللعنة، تَرَادَفَتْ عليهم اللَّعَنَاتُ الغرَقُ في الدنيا والنارُ في الآخرةِ. والرِّفْدُ في اللغة : هو العَوْنُ في الأمرِ إلا أن العطيةَ تُسمَّى رِفْداً لما فيها من العَوْنِ، كأنَّهُ قالَ : بئْسَ العطاءِ ما أعطَى. وقال بعضُهم : هذا من الْمَقْلُوب ؛ أي بئْسَ الرِّدْفُ الْمَرْدُوفُ، فالرِّدْفُ : لَعْنَةُ اللهِ إياهم، والمردوفُ لَعْنَةُ الأنبياءِ والمؤمنين.

هود 11:100

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ ؛ أي ذلكَ الذي ذكرتُ يا مُحَمَّدُ من أخبارِ الأُمَمِ الماضيةِ ينْزِلُ به عليكَ جبريلُ عليه السلام نقصُصهم عليكَ مرَّةً بعد مرةٍ، مأخوذٌ من إتبَاعِ الشيءِ الشيءَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ أي منها قائمٌ الأبنِية وقد بادَ أهلهُ كما قالَ تعالى :﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾[الحج: ٤٥]، والحصيدُ ما هَلَكَ بأهلهِ فلا يبقَى له مكان ولا أثرَ نحو مدائنِ قومِ لوط حُصدت من الأرضِ السُّفلَى. والمعنى منها قائمٌ بقيَت حيطانهُ ومنها حصيدٌ مخسوفٌ به قد أُمْحِيَ أثرهُ، قال ابنُ عبَّاس :(قَائِمٌ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ وإلَى مَا بَقِيَ مِنْ أثَرِهِ، وَحَصِيدٌ قَدْ خَرِبَ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ أثَرٌ شَبيهٌ بالزَّرْعِ إذا حُصِدَ).

هود 11:101

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـاكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ ؛ أي ما ظلَمنَاهم بإهلاكِهم، ولكن ظلَمُوا أنفُسَهم بسوءِ اختيارِهم، ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ ؛ أي فما نفعَتهُم آلهتُهم، ﴿الَّتِي يَدْعُونَ﴾ ؛ التي كانوا يعبُدونَها، ﴿مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ ؛ أي تَخْسِيرٍ ومنهُ :﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾[المسد: ١] أي خَسِرَتْ يداهُ وخَسِرَ هو.

هود 11:102

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذالِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ ؛ معناهُ : كما أخذ ربُّكَ فرعون ومَن تَقدَّمَهُ من الكفارِ، فكذلك أخْذُ ربكَ إذا أخذ القُرى وهي كافرةٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى. وقولهُ تعالى :﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ من صِفَةِ القُرَى وهي في الحقيقةِ لأهلِها وسُكانِها، ونحو هذا قوله ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ [الأنبياء: ١١].

هود 11:103

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ﴾ ؛ أي إنَّ في ذلك لعِبرَةً لمن خافَ عذابَ الآخرةِ فلا يَقتَدِى بهم، وقولهُ تعالى :﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ﴾ ؛ معناهُ : إن يومَ القيامة يومُ يُجْمَعُ فيه الأوَّلون والآخِرون، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ ؛ أي يشهدُه أهلُ السموات والأرضِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ﴾ ؛ وقد عَدَّهُ الله، وعَلِمَ أن صلاحَ الخلقِ في إدامة التكليفِ عليهم إلى ذلك الأجَلِ.

هود 11:104

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ﴾ ؛ أي إنَّ في ذلك لعِبرَةً لمن خافَ عذابَ الآخرةِ فلا يَقتَدِى بهم، وقولهُ تعالى :﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ﴾ ؛ معناهُ : إن يومَ القيامة يومُ يُجْمَعُ فيه الأوَّلون والآخِرون، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ ؛ أي يشهدُه أهلُ السموات والأرضِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ﴾ ؛ وقد عَدَّهُ الله، وعَلِمَ أن صلاحَ الخلقِ في إدامة التكليفِ عليهم إلى ذلك الأجَلِ.

هود 11:105

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ؛ مَن قرأ (يَأْتِي) بإثبات الياء فعلَى الأصلِ، ومعناهُ : يوم يأتِي ذلك اليومُ لا تَكَلَّمُ نفسٌ في الشَّفاعةِ إلا بأمرِ الله، ويقالُ : لا يجبرُ أحدٌ أن يتكلَّم بالاحتجاجِ وإقامة العُذرِ من مَشِيئَةِ اللهِ إلا بإذنه، ومَن قرأ (يَأْتِ) بغيرِ ياء فهي لُغة هُذيلٍ، وهكذا في مُصحَفِ عُثمان، ومنه يقولُ العرب : لاَ أدْرِ ولا أمْضِ، فيحذفُ الياءَ ويجتزئُ بالكسرِ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ ؛ أي مِن الناس شَقِيٌّ وسعيدٌ.

هود 11:106

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ﴾ ؛ أي فأمَّا الذين كُتبت عليهم الشقاوةُ ففي النارِ، وقال بعضُهم : شَقُوا بفِعلِهم، وقال بعضُهم : شَقُوا في بطُونِ أمَّهاتِهم، فما شَقِيَ أحدٌ بفعلٍ إلا بعدَ ما شَقِيَ في بطنِ أُمه، وما شَقِيَ في بطنِ أُمه إلا بعدَ سابق علمِ الله فيه، وإنما يلحقهُ اللَّومُ بالشقاوة المحتومةِ لا بالشقاوة المعلومة، وكذلك السعادةُ على هذه الجملة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ ؛ الزفيرُ شدَّةُ الأَنِينِ في الصَّدرِ، والشيهقُ الأَنِينُ الشديدُ المرتفع نحوَ الزَّعْقَةِ التي تكون من شدَّةِ الكَرْب والحزنِ، وربَّما يتبعُها الغَشْيَةُ، ومن هذا قالوا : إن الزفيرَ أوَّلُ صوتِ نَهيق الحمارِ، والشهيقُ آخر صوت نَهيقهِ، وسُمي رأسُ الجبلِ شاهقاً لارتفاعهِ.

هود 11:107

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ؛ أي دَائمين في النارِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ ؛ قال بعضُهم : أرادَ بذلك مقدارَ سماء الدُّنيا وأرضها، وذلكَ أنَّ العربَ إذا أرادت تأكيدَ التأكيدِ والتبعيد قالت : ما دامتِ السمواتُ والأرض، وما لاحَ كوكبٌ، وما أضاءَ القمرُ، وما اختلفَ الجديدان، لا يريدُ بذلك الشرطَ، وإنما يريد بذلك التأكيدَ والتبعيدَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ ؛ أي سِوَى ما شاءَ ربُّكَ من الْخُلُودِ بعدَ مُضِيِّ مقدارِ سماء الدُّنيا وأرضها. وقال بعضُهم : معنى الآية : ما دامَت سماءُ الدُّنيا وأرضها، وسماءُ الجنَّة وأرضها، وسماءُ الجنَّة وأرضها، وقوله :﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ مذكورٌ على وجه التأبيدِ أيضاً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ ؛ أي يفعلُ ما شاءَ.

هود 11:108

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ﴾ ؛ مَن قرأ (سُعِدُوا) بضمِّ السين فمعناهُ : رُزقُوا السعادةَ، ومِمَّن قرأ ذلك أهلُ الكوفة، قولهُ :﴿فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ؛ أي أعطَاهم النعيمَ عطاءً غير مجذوذٍ أي غير مقطوعٍ.

هود 11:109

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾ ؛ أي فلا تكن أيُّها الشاكُّ في مِرْيَةٍ، ﴿مِّمَّا يَعْبُدُ هَـاؤُلاءِ﴾ ؛ من دون الله أنه باطلٌ، والْمِرْيَةُ هي الشكُّ مع ظهور دلائل التُّهمةِ، وقولهُ تعالى :﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ﴾ ؛ معناهُ : ما يعبدون إلا على جهةِ التقليد لآبائهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ ؛ أي حظَّهم من العذاب غيرَ منقوصٍ عن مقدار ما استحَقُّوا ؛ آيسَهم الله بهذا القول عن العفوِ، وَقِيْلَ : أرادَ بالنصيب الأرزاقَ والآجال، وما قُدِّرَ لهم في دُنياهم.

هود 11:110

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ ؛ أي ولقد أعطينا موسى الكتابَ، فصدَّق به بعضُهم، وكذب بهِ بعضهم، ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ ؛ أي لولاَ وعدُ الله سبقَ بإبقاء التكليفِ عليهم إلى ذكرِ الوقت لقضى بتعجيلِ العقاب لمن استحقَّ العقابَ في الدُّنيا، وبتعجيلِ الثواب لمن استحقَّ الثوابَ في الدنيا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ ؛ أي وإنَّهم لفِي شكٍّ من القرآنِ يريبُهم أمرهُ.

هود 11:111

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ﴾ ؛ معناهُ : وإنَّ كُلاًّ من الفريقَين المصدِّق والمكذِّب يجتمعان يومَ القيامة فيُوفِّيهم ربُّكَ، ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ ؛ على التمامِ، ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ؛ وبما يستحقُّون من الجزاءِ خَبِيرٌ. قرأ ابنُ كثير ونافع (وَإنْ كُلاًّ لَمَا) كلاهما بالتخفيفِ، وقرأ أبو بكر عن عاصم (وَإنْ) مخفَّفة (لَمَّا) مشدَّدة، والباقون كلاهما بالتشديدِ، فحُجة أبو عمرِو والكسائي أن اللامَ في قوله :(لَمَّا) لامُ التأكيدِ دخلت في خبرِ إن، واللامُ التي في ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ لامُ القسمِ، تقديره : واللهِ ليُوَفِّينَّهُمْ، دخلت (مَا) للفصلِ بين اللاَّمَين. وأما حُجة نافع وابن كثير في نصبهِ (كُلاً) ما قال سيبويه : إنَّهُ سَمِعَ مِنَ الْعَرَب مَنْ يَقُولُ : إنْ عَمراً لَمُنْطَلِقٌ، فَيُخَفِّفُونَ إنْ وَيُعْمِلُونَهَا، وأنشدَهُ الشاعرُ : وَوَجْهٌ حَسَنُ النَّحْرِ كَأنْ ثَدْيَيْهِ حُقَّانِوالمعنى على قراءةِ أبي عمرو (وَإنَّ كُلاً) من السعيدِ والشقيِّ ليُوفِّيَنَّهُمْ ربُّك أعمالَهم، و(مَا) زائدةٌ في قولهِ (لَمَّا)، ومَن خفَّف (إنْ) كان معناه من معنى المشدَّدة، تقول : إنْ زَيْداً لْقَائِمٌ، وَإنَّ زَيْداً لَقَائِمٌ، تريدُ إثباتَ قيامهِ، فإذا قُلتَ : إنْ زَيْدٌ قَائِمٌ، فمعناهُ : مَا زَيْدٌ قَائِمٌ، ونظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾[الطارق: ٤] بتخفيفِ (لَمَا)، تقدير لعلَّها حافظٌ، ومن خفَّف (إنْ) وشدَّدَ (لَمَّا) فتأويلهُ الجحدُ والتحقيق ؛ أي ما كلٌّ إلا ليُوَفينَّهم، ونُصبَ (كُلاًّ) على هذا التأويلِ بـ (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) لا بـ (أنْ).

هود 11:112

قْوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ﴾ ؛ أي استقِمْ يا مُحَمَّدُ في التمسُّكِ بطاعةِ اللهِ تعالى كما أُمِرْتَ وَليستقم، ﴿وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾ ؛ من الشِّركِ، ﴿وَلاَ تَطْغَوْاْ﴾ ؛ بمجاوزَةِ أوامرِ الله تعالى، ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ؛ من الخيرِ والشرِّ، ﴿بَصِيرٌ﴾.

هود 11:113

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ ؛ أي لا تَميلُوا إلى الذين ظَلموا بالأُنس بهم والمحبَّة والرضا بفِعلِهم، قال السديُّ :(وَلاَ تُدَاهِنُواْ الظَّلَمَةَ)، وقال أبو العاليةِ :(لاَ تَرْضَوا بأَعْمَالِهِمْ)، وقال عكرمةُ :(هُوَ أنْ يُحِبَّهُمْ)، وقال قتادةُ :(وَلاَ تَلْحَقُواْ الْمُشْرِكِينَ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ أي فتُصِيبَكم كما تصيبُهم، ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ ؛ من أعوانٍ يدفعون عنكم عذابَ الله، ﴿ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾ ؛ على أعدائِكم ؛ لأنَّ الله تعالى إنما ينصرُ المطيعِين.

هود 11:114

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ ؛ أي وقتَ الغَدَاةِ والعصرِ، ﴿وَزُلَفاً مِّنَ الَّيْلِ﴾ ؛ أي ساعةً بعد ساعةٍ من الليل، يعني صلاةَ المغرب والعِشَاء. والزُّلْفَى جَمْعُ الزُّلْفَةِ ؛ هي الساعةُ القريبة من أوَّلِ الليل. ويقالُ : إن صلاةَ الظُّهر داخلةٌ في قوله ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ ؛ لأنَّها لا تقامُ إلا بعدَ الزوالِ، فإذا زالتِ الشمسُ فقد دخلَ الطرفُ الآخر خُصوصاً إذا اعتبرَ النهارُ من طلوعِ الفجر. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ﴾ ؛ أي إن الصلواتِ الخمس يُذهِبْنَ الصغائرَ، كما رُوي عن رسول الله ﷺ أنه قال :" الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ ". وَقِيْلَ : إنَّ التوبةَ تُكَفِّرُ عقابَ السيِّئات، وَقِيْلَ : أرادَ بالحسناتِ : سُبحان الله ؛ والحمدُ للهِ ؛ ولا إلهَ إلا اللهُ ؛ واللهُ أكبر. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ؛ أي ذلك الخطابُ تذكيرٌ للذاكرِين الذين يذْكُرون أوامرَ اللهِ ويأخذون بها، ويذكرون نَواهِيَهُ فيجتبنونَ معاصيه. وعن ابنِ عبَّاس قال :" نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ عُمَرَ بْنَ عَرَفَةَ الأَنْصَاريّ، أتَتْهُ امْرَأةٌ تَبْتَاعُ تَمْراً فَأَعْجَبَتْهُ، فَقَالَ : إنَّ فِي الْبَيْتِ تَمْراً أجْودَ مِنْهُ، فانْطَلِِقِي مَعِي حَتَّى أُعْطِيكِ مِنْهُ. فَانْطَلَقَتْ مَعَهُ، فَلَمَّا دَخَلَتِ الْبَيْتَ وَثَبَ عَلَيْهَا، فَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً مِمَّا يَفْعَلُهُ الرَّجُلُ بالْمَرْأةِ إلاَّ وَقَدْ فَعَلَهُ، إلاَّ أنَّهُ لَمْ يُجَامِعْهَا - يَعْنِي أنَّهُ ضَمَّهَا وَقَبَّلَهَا وَحَذفَ شَهْوَتَهُ - فَقَالَتْ لَهُ : اتَّقِ اللهَ، فَتَرَكَهَا وَنَدِمَ، ثُمَّ اغْتَسَلَ وَأتَى رَسُولِ اللهِ. فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ رَاوَدَ امْرَأةً عَنْ نَفْسِهَا، وَلَمْ يُبْقِ شَيْئاً مِنْ مَا يَفْعَلُهُ الرَّجُلُ بالنِّسَاءِ غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يُجَامِعْهَا ؟ فَقَالَ عُمَرٌ : لَقَدْ سَتَرَكَ اللهُ لَوْ سَتَرْتَ عَلَى نَفْسِكَ! وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَيْئاً، فَقَالَ :" مَا أدْرِي، مَا أدْرِي عَلَيْكَ حَتَّى يَأْتِي فِيكَ شَيْءٌ " فَحَضَرَتْ صَلاَةُ الْعَصْرِ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الصَّلاَةِ، نَزَلَ جِبْرِيلُ عليه السلام يُنْبؤُهُ بهَذِهِ الآيَةِ، فَقَرَأهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ أخَاصٌّ لَهُ أمْ عَامٌّ ؟ فَقَالَ :" بَلْ عَامٌّ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ ".

هود 11:115

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ ؛ أي وقتَ الغَدَاةِ والعصرِ، ﴿وَزُلَفاً مِّنَ الَّيْلِ﴾ ؛ أي ساعةً بعد ساعةٍ من الليل، يعني صلاةَ المغرب والعِشَاء. والزُّلْفَى جَمْعُ الزُّلْفَةِ ؛ هي الساعةُ القريبة من أوَّلِ الليل. ويقالُ : إن صلاةَ الظُّهر داخلةٌ في قوله ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ ؛ لأنَّها لا تقامُ إلا بعدَ الزوالِ، فإذا زالتِ الشمسُ فقد دخلَ الطرفُ الآخر خُصوصاً إذا اعتبرَ النهارُ من طلوعِ الفجر. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ﴾ ؛ أي إن الصلواتِ الخمس يُذهِبْنَ الصغائرَ، كما رُوي عن رسول الله ﷺ أنه قال :" الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ ". وَقِيْلَ : إنَّ التوبةَ تُكَفِّرُ عقابَ السيِّئات، وَقِيْلَ : أرادَ بالحسناتِ : سُبحان الله ؛ والحمدُ للهِ ؛ ولا إلهَ إلا اللهُ ؛ واللهُ أكبر. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ؛ أي ذلك الخطابُ تذكيرٌ للذاكرِين الذين يذْكُرون أوامرَ اللهِ ويأخذون بها، ويذكرون نَواهِيَهُ فيجتبنونَ معاصيه. وعن ابنِ عبَّاس قال :" نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ عُمَرَ بْنَ عَرَفَةَ الأَنْصَاريّ، أتَتْهُ امْرَأةٌ تَبْتَاعُ تَمْراً فَأَعْجَبَتْهُ، فَقَالَ : إنَّ فِي الْبَيْتِ تَمْراً أجْودَ مِنْهُ، فانْطَلِِقِي مَعِي حَتَّى أُعْطِيكِ مِنْهُ. فَانْطَلَقَتْ مَعَهُ، فَلَمَّا دَخَلَتِ الْبَيْتَ وَثَبَ عَلَيْهَا، فَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً مِمَّا يَفْعَلُهُ الرَّجُلُ بالْمَرْأةِ إلاَّ وَقَدْ فَعَلَهُ، إلاَّ أنَّهُ لَمْ يُجَامِعْهَا - يَعْنِي أنَّهُ ضَمَّهَا وَقَبَّلَهَا وَحَذفَ شَهْوَتَهُ - فَقَالَتْ لَهُ : اتَّقِ اللهَ، فَتَرَكَهَا وَنَدِمَ، ثُمَّ اغْتَسَلَ وَأتَى رَسُولِ اللهِ. فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ رَاوَدَ امْرَأةً عَنْ نَفْسِهَا، وَلَمْ يُبْقِ شَيْئاً مِنْ مَا يَفْعَلُهُ الرَّجُلُ بالنِّسَاءِ غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يُجَامِعْهَا ؟ فَقَالَ عُمَرٌ : لَقَدْ سَتَرَكَ اللهُ لَوْ سَتَرْتَ عَلَى نَفْسِكَ! وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَيْئاً، فَقَالَ :" مَا أدْرِي، مَا أدْرِي عَلَيْكَ حَتَّى يَأْتِي فِيكَ شَيْءٌ " فَحَضَرَتْ صَلاَةُ الْعَصْرِ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الصَّلاَةِ، نَزَلَ جِبْرِيلُ عليه السلام يُنْبؤُهُ بهَذِهِ الآيَةِ، فَقَرَأهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ أخَاصٌّ لَهُ أمْ عَامٌّ ؟ فَقَالَ :" بَلْ عَامٌّ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ ".

هود 11:116

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ﴾ ؛ أي فهَلاَّ كان مِن القرون الماضية، وَقِيْلَ : ما كان من القُرونِ من قبلِكم ذو تَمييزٍ، ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ عن المعاصِي ؛ أي ولِمَاذا أطبَقُوا كلُّهم على المعصيةِ حتى استحَقُّوا بذلك عذابَ الاستئصالِ، والبَقِيَّةُ في اللغة : ما يُمْدَحُ به الإنسانُ، يقال : فلانٌ في بَقِيَّةٍ، وفي بني فُلان بَقِيَّةٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ ؛ كانوا ينهَون عن الفسادِ، وهم الأنبياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والصالحون، فأنْجَينَاهُم من العذاب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ﴾ ؛ أي أقبَلُوا على ما خُوِّلوا من دُنياهم، واستَغنوا بذلك عن طاعةِ الله، فلم يَنْهَوا عن الفسادِ، وعَتَوا عن أمرِ الله، وآثَرُوا الدُّنيا وبَطَرُوا، ﴿وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ ؛ أي وكانوا مُذنِبين بتركِ الأمرِ بالمعروف.

هود 11:117

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ أي لم يكن ليُهلِكَ أهلَ القرى بظُلمٍ منهُ عليهم إذا كان أهلُها مصلحين، ولكن إنَّما كان أهلَكَهم بظُلمِهم لأنفسهم. وعن ابنِ عبَّاس رضي الله عنه أنَّ معناهُ :(مَا كَانَ لِيُهْلِكَ أهْلَ الْقُرَى بشِرْكِهِمْ وَهُمْ مُصْلِحُونَ، يَتَعَاطَوْنَ الْحَقَّ بَيْنَهُمْ، أيْ لَيْسَ مِنْ سَبيلِ الْكُفَّارِ إذا قََصَدُواْ الْحَقَّ فِي الْمُعَامَلَةِ، وَتَرْكِ الظُّلْمِ أنْ يُنْزِلَ اللهُ بهِمْ عَذاباً يُهلِكُهُمْ). والمعنى : ما كان اللهُ ليُهلِكَهم بشِرْكِهم، وهم مُصلِحون ما بينهم لا يتظالَمون ويتعاطَون الحقَّ بينهم، وإنما يهلِكُهم إذا تظَالَموا ؛ لأنَّ مكافأةَ الشِّركِ النارُ ؛ أي إنما يُهلِكُهم بزيادةِ المعصية على الشِّرك، كما في قومِ لُوطٍ وقومِ صالح وقومِ موسى وغيرهم.

هود 11:118

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ؛ أي لجعلَهم كلُّهم على دينِ الإسلام، ولكن عَلِمَ أنَّهم كلُّهم ليسوا بأهلٍ لذلك، وَقِيلَ : لو شاءَ لأَلْجَأَهُمْ إلى الإيمانِ لآمَنُوا كلُّهم ضرورةَ، ولكن لو فَعَلَ ذلك لزَالَ التكليفُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ؛ أي في الدِّين على أدْيَانٍ شتَّى من يهودِيٍّ ونصرانِيٍّ ومجوسي وغيرِ ذلك. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ ؛ إلا مَن عَصَمَهُ اللهُ من الباطلِ والأديان والمخالفَةِ بأنْ لَطَفَ به، ووفَّقَهُ للإيمان المؤدِّي إلى الثواب، فهو نَاجٍ من الاختلاف بالباطلِ.

هود 11:119

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِذالِكَ خَلَقَهُمْ﴾ ؛ أي وللرَّحمةِ خلَقَهم ؛ أي لكي يُؤمِنُوا فيَرحَمَهم. وَقِيْلَ : معناهُ وللاختلافِ خلَقَهم، فتكون اللامُ في هذا لامَ العاقبةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ؛ أي من كفَّار الجنِّ وكفار الإنس.

هود 11:120

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ ؛ أي كلُّ القِصَصِ وكلُّ ما يحتاجُ إليه نبيِّنهُ لكَ من أخبار الرُّسل ما يطيبُ ويسكنُ به قلبُكَ ويزيدُكَ يَقِِيناً ويقوِّي قلبَكَ. وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ كان ضَاقَ صدرهُ بما يكون من أذى قومهِ في الله، فقَصصَ اللهُ عليه شيئاً من أخبار الرُّسل المقدِّمين مع أُمَمِهم لنثبتَ به فُؤادَكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَآءَكَ فِي هَـاذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ﴾ ؛ أي في هذه السُّورة الصِّدق من أقاصيصِ الأنبياء وللوعظِ وذكر الجنَّة والنار. وخُصَّت هذه السورةُ بمجيءِ الحقِّ فيها تَشريفاً لها ورَفعاً لمْنزِلَتِها. وقِيْلَ : أرادَ بقولهِ ﴿فِي هَـاذِهِ﴾ الدُّنيا، والموعظةُ : تعريفُ القبيحِ للزَّجرِ عنه، وتعريفُ الحسَنِ للترغيب فيه، و ؛ هي ؛ ﴿وَذِكْرَى﴾ ؛ الذِّكرى :﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.

هود 11:121

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ﴾ أي اثبتُوا على ما أنتم عليه كثباتِ الرَّجُل على مكانهِ، وهذا على وجهِ التهديد، ﴿وَانْتَظِرُواْ﴾ ؛ ما يَعِدُكم الشيطانُ، ﴿إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ ؛ ما وَعَدَ اللهُ بنا ونزول ما وعدَ الله بكم.

هود 11:122

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ﴾ أي اثبتُوا على ما أنتم عليه كثباتِ الرَّجُل على مكانهِ، وهذا على وجهِ التهديد، ﴿وَانْتَظِرُواْ﴾ ؛ ما يَعِدُكم الشيطانُ، ﴿إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ ؛ ما وَعَدَ اللهُ بنا ونزول ما وعدَ الله بكم.

هود 11:123

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَللَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي له ما غابَ عن البلادِ في السَّموات والأرضِ، ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ﴾ ؛ أمرُ العبادِ، كُلُّهُ ؛ فأَطِعْهُ وفوِّضْ أمرَكَ إليه، ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي يَجزِي المحسِنين بإحسانهِ، والمسيءَ بإساءَتهِ. وقرأ (يَعْمَلُونَ) بالياءِ على معنى قُل لَهم ذلك. عن رسولِ الله ﷺ قالَ :" مَنْ قَرَأَ سُورَةَ هُودٍ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ بعَدَدِ مَنْ صَدَّقَ نُوحاً وَهُوداً وَشُعيباً وَلُوطاً وَصَالِحاً وَإبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَمَنْ كَذبَهُمْ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَكَانَ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ السُّعَدَاءِ ".

يوسف 12:1

﴿الر﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرهُ، قولهُ :﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ؛ قِيْلَ : معناهُ : هذه الآياتُ الكتاب المبين، وَقِيْلَ : معناهُ : سورةُ يوسف آياتُ الكتاب على القول الذي يقولُ : إن (الر) اسمُ السورةِ. وقولهُ تعالى :﴿الْمُبِينِ﴾ ؛ لأنه يُبَيِّنُ الهدَى والرُّشدَ، وَقِيْلَ : البَيِّنُ حلاله وحرامهُ وحدوده وأحكامهُ.

يوسف 12:2

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ ؛ أي أنزلَنا القرآنَ على مجاري كلام العرب في مخاطباتِهم، ﴿لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ؛ أي لكي يُدرِكُوا معناهُ ويَفهَموا ما فيهِ، ولو نزلَ بغيرِ لغة العرب لم يعلموهُ.

يوسف 12:3

قَوْلُهُ تعَالَى :﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـاذَا الْقُرْآنَ﴾ ؛ أي نحن نُبَيِّنُ لكَ أحسنَ البيناتِ، والقاصُّ هو الذي يأتِي بالقصةِ على حقيقتِها. واختلفَ العلماءُ لِمَ سُميت بأحسَنِ القصصِ من بين الأقاصيص، فقيل : سماها أحسن القصص ؛ لأنه ليس قصَّةٌ في القرآنِ تتضمَّنُ من العبرةِ والحِكَمِ والنكت ما يتضمَّنُ هذه القصة. وَقِيْلَ : سماعاً أحسنَ القصصِ لامتداد الأوقات في ما بين مبتدَأها إلى مُنتهاها. قال ابنُ عبَّاس :(كَانَ بَيْنَ رُؤْيَا يُوسُفَ وَمَسِيرَاتِه وَإخْوَانِهِ أربََعُونَ سَنَةً). وَقِيْلَ : سَمَّاها أحسنَ القصصِ ؛ لأنّ فيها ذِكرَ الأنبياءِ والملائكة والصالحين، والإنسِ والجنِّ والأنعام والطيرِ، والملك والمماليكِ والبحار، والعلماءِ والجهَّال، والرجال والنساءِ وحِيَلِهِنَّ ومَكرِهن، وفيها أيضاً ذكرُ التوحيدِ والفقه والسيَر، وتعبيرِ الرُّؤيا والسياسَة والمعاشَرة والتدبير والمعايش، فصارَتْ أحسنَ القصصِ لما فيها من المعانِي الجزيلةِ والفوائد الجليلةِ التي تصلُح للدنيا. وَقِيْلَ : أحسنُ القصصِ بمعنى أعجَب. وَقِيْلَ : أرادَ بأحسنِ القصص جميعَ القصصِ التي في القُرآن، فإنَّ اللهَ تعالى ذكرَ في القرآنِ أخبارَ الأُمم الماضية، وحالَ رسُلِهم عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلامُ، وذكرَ جميعَ ما يحتاجُ العباد إليه إلى يومِ القيامة بأعذب لفظٍ في أحسنِ نَظْمٍ وترتيبٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـاذَا الْقُرْآنَ﴾ أي أوحَينا إليك هذا القرآنَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ؛ أي وقد كُنتَ من قبلِ نُزول جبريل عليكَ بالقرآنِ غَافِلاً عن قصَّة يوسُفَ وعن الحكمةِ فيها.

يوسف 12:4

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ ياأَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً﴾ ؛ الآيةُ متَّصلةٌ بما قبلَها، فإنَّ معناهُ : نحن نقصُّ عليكَ أحسنَ القصص، إذ قالَ يوسفُ لأبيهِ. قرأ طلحة بن مصرف (يُوسِفُ) بكسرِ السين، ثم قرأ ابنُ عبَّاس (يَا أبَتَ) بفتح التاء في جميعِ القرآن، وأصلهُ على هذا يا أبَتَا، ثم حُذفت الألف، وأبقى فتحةً دلالةً عليها، قال رُؤبة : تَقُولُ بنْتِي قَدْ أنَى أنَاكَا يَا أبَتَا عَلَّكَ أَوْ عَسَاكَاوقرأ الباقون (يَا أبَتِ) بالكسرة على الإضافةِ يقدِّرُها بعدَها، وَقِيْلَ : كُسرت ؛ لأنَّها أُجريت مجرَى التأنيثِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً﴾ قال المفسِّرون : رأى يوسفُ عليه السلام هَذِهِ الرُّؤيا وهو ابنُ اثنى عشرَ سنةً، قال ابنُ عبَّاس :(وذلِكَ أنَّهُ قَالَ لأَبيهِ : يَا أبَتِ إنِّي رَأيْتُ فِي الْمَنَامِ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً نَزَلَتْ مِنْ أمَاكِنِهَا فَسَجَدَتْ لِي، وَرَأيْتُ ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ ؛ نَزَلاَ مِنْ أمَاكِنِهمَا فَسَجَدَا لِي، وأرَادَ بذلِكَ سَجْدَةَ التَّحِيَّةِ وَالْعِبَادَةِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَمَا يَقُومُ الْمَلاَئِكَةُ بالسُّجُودِ لآدَمَ عليه السلام). قال :(وَكَانَتِ الرُّؤْيَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، وَكَانَ تَأْويلُ رُؤيَاهُ عِنْدَ يَعْقوبَ : أنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ هُوَ فِي حَالَتِهِ، وَأنَّ أُمَّ يُوسُفَ وَهِيَ رَاحِيلُ كَانَتْ قَدْ مَاتَتْ، وَأنَّ الأَحَدَ عَشََ كَوْكَباً إخْوَةُ يُوسُفَ وَكَانُواْ أحَدَ عَشَرَ أخاً، وإنَّهُمْ كُلُّهُمْ سَيَخْضَعُونَ لِيُوسُفَ). وَإنَّمَا تَأَوَّلَهَا يَعْقُوبُ عَلَى ذلِكَ ؛ لأنَّهُ لاَ شَيْءَ أضْوَأُ مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَيَهْتَدِي بضَوْئِهِمَا أهْلُ الأَرْضِ، ثُمَّ لاَ شَيْءَ بَعْدَهُمَا أضْوَأُ مِنَ الْكَوَاكِب، فَدَلَّتْ رُؤْيَاهُ عَلَى أنَّ الَّذِي يَخُضَعُونَ لَهُ أئِمَّةُ الْهُدَى الَّذِينَ يَهْتَدِي النَّاسُ بهِمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ ؛ ثانياً ليس بتكرارٍ ؛ لأنه أرادَ بالرُّؤية الثانية رؤيةَ سُجودِهم له، وإنما حُملت الآية على الرؤيا لا على رؤيةِ العين ؛ لأنا نعلمُ أن الكواكبَ لا تسجدُ حقيقةً للآدميِّين، ولهذا قال يعقوبُ :﴿لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾. وعن ابنُ عبَّاس أنَّهُ قَالَ :(لَمَا قَصَّ يُوسُفُ رُؤْيَاهُ عَلَى أبيهِ نَهَرَهُ وَزَجَرَهُ لِئَلاَّ يَفْطَنَ إخْوَتُهُ، وَقَالَ لَهُ فِي السِّرِّ : إذا رَأيْتَ رُؤْيَا بَعْدَهَا لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى أخْوَتِكَ). فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ يابُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً﴾ ؛ لأن رؤيا الأنبياء وحيٌ، يعلم يعقوب أن الإخوة إذا سمعوا بها حسَدوهُ فأمرَهُ بالكتمان، وإنما كان قَصَّهَا على يعقوبَ فقط، وهذا القولُ أقربُ إلى ظاهرِ الآية، أي لا تُخبرهُم بذلك لَئَلاَّ يحمِلُهم الحسدُ إلى قصدِكَ بسوءٍ، ومن الخضوعِ له على إنزال التثريب عليه والاحتيالِ لهلاكه، والكَيْدُ : هو طلبُ الشرِّ بالإنسان على جهةِ الغَيْظِ عليه. اختُلِفَ فيما عناهُ فيه هذه اللامِ التي في قولهِ تعالى :﴿فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً﴾ قال بعضُهم : معناهُ : فيَكِيدُوكَ واللامُ صِلَةٌ كقولهِ تعالى :﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾[الأعراف: ١٥٤]، وقال بعضُهم : هو مثلُ قولِهم : نصَحتُكَ ونَصحتُ لكَ وأشباههِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ ؛ أي إنَّ الشيطان عدوٌّ ظاهرُ العدوان لبني آدمَ، فلا تذكُرْ رؤياكَ لإخوتِكَ ؛ لئلا يحملُهم الشيطان على الحسَدِ وإنزال الضُّرِّ بكَ. وهذا أصلٌ في جوازِ تركِ إظهار النِّعمة عند مَن يُخشى حسدهُ وكَيدهُ، وإنْ كان الله تعالى : قال :﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾[الضحى: ١١]، وعن رسولِ اللهِ صلى الله علي سلم أنَّهُ قالَ :" اسْتَعِينُواْ عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِكُمْ بالْكِتْمَانِ، فَإنُّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ ".

يوسف 12:5

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ ياأَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً﴾ ؛ الآيةُ متَّصلةٌ بما قبلَها، فإنَّ معناهُ : نحن نقصُّ عليكَ أحسنَ القصص، إذ قالَ يوسفُ لأبيهِ. قرأ طلحة بن مصرف (يُوسِفُ) بكسرِ السين، ثم قرأ ابنُ عبَّاس (يَا أبَتَ) بفتح التاء في جميعِ القرآن، وأصلهُ على هذا يا أبَتَا، ثم حُذفت الألف، وأبقى فتحةً دلالةً عليها، قال رُؤبة : تَقُولُ بنْتِي قَدْ أنَى أنَاكَا يَا أبَتَا عَلَّكَ أَوْ عَسَاكَاوقرأ الباقون (يَا أبَتِ) بالكسرة على الإضافةِ يقدِّرُها بعدَها، وَقِيْلَ : كُسرت ؛ لأنَّها أُجريت مجرَى التأنيثِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً﴾ قال المفسِّرون : رأى يوسفُ عليه السلام هَذِهِ الرُّؤيا وهو ابنُ اثنى عشرَ سنةً، قال ابنُ عبَّاس :(وذلِكَ أنَّهُ قَالَ لأَبيهِ : يَا أبَتِ إنِّي رَأيْتُ فِي الْمَنَامِ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً نَزَلَتْ مِنْ أمَاكِنِهَا فَسَجَدَتْ لِي، وَرَأيْتُ ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ ؛ نَزَلاَ مِنْ أمَاكِنِهمَا فَسَجَدَا لِي، وأرَادَ بذلِكَ سَجْدَةَ التَّحِيَّةِ وَالْعِبَادَةِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَمَا يَقُومُ الْمَلاَئِكَةُ بالسُّجُودِ لآدَمَ عليه السلام). قال :(وَكَانَتِ الرُّؤْيَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، وَكَانَ تَأْويلُ رُؤيَاهُ عِنْدَ يَعْقوبَ : أنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ هُوَ فِي حَالَتِهِ، وَأنَّ أُمَّ يُوسُفَ وَهِيَ رَاحِيلُ كَانَتْ قَدْ مَاتَتْ، وَأنَّ الأَحَدَ عَشََ كَوْكَباً إخْوَةُ يُوسُفَ وَكَانُواْ أحَدَ عَشَرَ أخاً، وإنَّهُمْ كُلُّهُمْ سَيَخْضَعُونَ لِيُوسُفَ). وَإنَّمَا تَأَوَّلَهَا يَعْقُوبُ عَلَى ذلِكَ ؛ لأنَّهُ لاَ شَيْءَ أضْوَأُ مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَيَهْتَدِي بضَوْئِهِمَا أهْلُ الأَرْضِ، ثُمَّ لاَ شَيْءَ بَعْدَهُمَا أضْوَأُ مِنَ الْكَوَاكِب، فَدَلَّتْ رُؤْيَاهُ عَلَى أنَّ الَّذِي يَخُضَعُونَ لَهُ أئِمَّةُ الْهُدَى الَّذِينَ يَهْتَدِي النَّاسُ بهِمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ ؛ ثانياً ليس بتكرارٍ ؛ لأنه أرادَ بالرُّؤية الثانية رؤيةَ سُجودِهم له، وإنما حُملت الآية على الرؤيا لا على رؤيةِ العين ؛ لأنا نعلمُ أن الكواكبَ لا تسجدُ حقيقةً للآدميِّين، ولهذا قال يعقوبُ :﴿لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾. وعن ابنُ عبَّاس أنَّهُ قَالَ :(لَمَا قَصَّ يُوسُفُ رُؤْيَاهُ عَلَى أبيهِ نَهَرَهُ وَزَجَرَهُ لِئَلاَّ يَفْطَنَ إخْوَتُهُ، وَقَالَ لَهُ فِي السِّرِّ : إذا رَأيْتَ رُؤْيَا بَعْدَهَا لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى أخْوَتِكَ). فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ يابُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً﴾ ؛ لأن رؤيا الأنبياء وحيٌ، يعلم يعقوب أن الإخوة إذا سمعوا بها حسَدوهُ فأمرَهُ بالكتمان، وإنما كان قَصَّهَا على يعقوبَ فقط، وهذا القولُ أقربُ إلى ظاهرِ الآية، أي لا تُخبرهُم بذلك لَئَلاَّ يحمِلُهم الحسدُ إلى قصدِكَ بسوءٍ، ومن الخضوعِ له على إنزال التثريب عليه والاحتيالِ لهلاكه، والكَيْدُ : هو طلبُ الشرِّ بالإنسان على جهةِ الغَيْظِ عليه. اختُلِفَ فيما عناهُ فيه هذه اللامِ التي في قولهِ تعالى :﴿فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً﴾ قال بعضُهم : معناهُ : فيَكِيدُوكَ واللامُ صِلَةٌ كقولهِ تعالى :﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾[الأعراف: ١٥٤]، وقال بعضُهم : هو مثلُ قولِهم : نصَحتُكَ ونَصحتُ لكَ وأشباههِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ ؛ أي إنَّ الشيطان عدوٌّ ظاهرُ العدوان لبني آدمَ، فلا تذكُرْ رؤياكَ لإخوتِكَ ؛ لئلا يحملُهم الشيطان على الحسَدِ وإنزال الضُّرِّ بكَ. وهذا أصلٌ في جوازِ تركِ إظهار النِّعمة عند مَن يُخشى حسدهُ وكَيدهُ، وإنْ كان الله تعالى : قال :﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾[الضحى: ١١]، وعن رسولِ اللهِ صلى الله علي سلم أنَّهُ قالَ :" اسْتَعِينُواْ عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِكُمْ بالْكِتْمَانِ، فَإنُّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ ".

يوسف 12:6

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذالِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ ؛ أي مثلَ ما رأيتَ من سُجودِ الشمسِ والقمر والكواكب، كذلكَ يصطَفِيكَ ربُّكَ ويختارُكَ، ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ ؛ قِيْلَ : معناهُ : من تأويلِ الرُّؤيا لأنَّ فيه أحاديثَ الناسِ عن رُؤياهم. وَقِيْلَ : معناهُ : من تأويلِ الرُّؤيا لأنَّ فيه أحاديثَ الناسِ عن رُؤياهم. وَقِيْلَ : معناهُ : أفْهَمَكَ عواقبَ الأمُورِ الحوادث. ويقالُ : يعلِّمُكَ الشرائعَ التي لا تُعْلَمُ إلا من قِبَلِ اللهِ تعالى. قَوْلُ تَعَالَى :﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى ءَالِ يَعْقُوبَ﴾ ؛ أي يُتِمُّ نِعمَتَهُ عليك بالنبوَّة كما أتَمَّ النعمةَ ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ ؛ أي يُتِمَّ النعمةَ أيضاً على أولادِ يعقوبَ بكَ ؛ لأن ذلك يكون سرَّ حالِهم ؛ أي تكون النبوَّةُ فيهم، ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، في أفعالهِ. وفي بعض التفاسيرِ : أنَّ يعقوب عليه السلام كان خطبَ إلى خالهِ ابْنَتَهُ راحيلَ على أن يخدمَهُ سبعَ سنين فأجابَهُ، فلما حلَّ الأجَلُ زوَّجَهُ ابنتَهُ الكبرى لاَيَا، فقالَ يعقوبُ لخالهِ : لَمْ يكن هذا على شَرطِي، قال : إنَّا لا نُنكِحُ الصغيرةَ قبلَ الكبيرةِ، فهَلُمَّ فَآخُذْ منِّي سبعَ سنين أُخرى وأزَوِّجُكَ راحيلَ، وكانوا يجمعون بين الأُختين، فرعَى يعقوبَ سبعَ سنين أُخرى وزوَّجه راحيل، ودفعَ لكلِّ واحدةٍ من ابنتيه أمَةً تخدمها فوهبتاهما ليعقوبَ عليه السلام فولَدت لاَيَا أربعةَ بَنين : روبيل وسَمعون ويهودَا ولاَوِي، ووَلَدت راحيل : يوسُفَ وبنيامين، وولدت الأَمَيَانِ : بنيامين وهابيل ودان ويسائيل وجادوان وآشير. فجملة بَنيهِ اثنا عشرَ ولداً سِوَى البنتينِ. فإن قالَ قائلٌ : إنْ كان يعقوبُ عَلِمَ أنَّ الله يجتبي يوسُفَ ويعَلِّمهُ مِن تأويلِ الأحاديث، فلِمَ إذاً قال :﴿لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ﴾[يوسف: ٥] ؟ وكيفَ قالَ لَهم :﴿وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾[يوسف: ١٣] مع علمهِ أنَّ الله سيبعثهُ رَسُولاً؟ والجوابُ : أنه عليه السلام كان عَالِماً من طريقِ القطعِ أنَّ سيُبلِغُهُ هذه المنْزِلة، ولكن كان مع ذلك يخافُ من وصُولِ الْمَضَارِّ إليه بكَيدِهم، وإنْ لم يخَفِ الهلاكَ. وأرادَ بقولهِ :﴿أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾[يوسف: ١٣] الزجرَ لهم عن التَّهاوُنِ في حفظهِ، وإنْ كان يعلمُ أن الذئبَ لا يَصِلُ إليه، ولذلك لَمْ يصَدِّقهم في قولِهم :﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾[يوسف: ١٧]، بل حاجَّهم بما يظهرُ به كَذِبُهم. وَقِيْلَ : أرادَ بقوله ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ التخلُّصَ من السِّجنِ، كما خَلَّصَ اللهُ إبراهيمَ عليه السلام من النار، وإسحقَ من الذبحِِ.

يوسف 12:7

قْوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ﴾ ؛ معناهُ : لقد كان في خَبَرِ يُوسُفَ وإخوَتهِ عبرةٌ للسَّائلين عنهم. وقرأ ابنُ كثير (آيَةً) كأنَّهُ جعلَ شأنَهُ كُلَّهُ آيةً للسائلين، " وذلك أنَّ اليهودَ سألَت النبيَّ ﷺ عن قصَّة يوسُفَ، فأخبَرَهم بها كما في التَّوراة، فعَجِبُوا منهُ وقالوا : مِن أين لكَ هذا يا مُحَمَّدُ ؟ قالَ :" عَلَّمَنِيَهُ رَبي ". وَقِيْلَ : معناهُ : للسَّائلين أي لِمَن سألَ عن أمرِهم.

يوسف 12:8

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ ؛ هذه لامُ القَسَمِ، تقديرهُ : واللهِ ليُوسُفُ وأخوهُ بنيامين أحَبُّ إلى أبينَا منَّا، ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ ؛ أي جماعةً وكانوا عشرةً، سُموا عصبةً ؛ لأن بعضَهم يتعصَّبُ لبعضٍ، ويُعِينُ بعضُهم بعضاً. والعُصبَةُ : ما بين الواحدِ إلى العشرةِ، وَقِيْلَ : إلى الخمسةَ عشر. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ أي من الْخَاطِئِين في تَرْكِ العدلِ في المحبَّة بينَنا لَفِي خطأ بَيِّنٍ من التدبيرِ باختياره الصغيرين، ولا منفعةَ له فيهما علَينا مع أنَّا نسعى في منافعه ونرعَى له غَنَمَهُ ونتعهَّدها.

يوسف 12:9

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ ؛ اختلَفُوا في قائلِ هذا القول، قال وهب :(قَائِلُهُ سَمْعُون)، وقال مقاتلُ :(قَالَهُ روبيل)، وقوله تعالى ﴿أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً﴾ يعنون أبْعِدُوهُ على وجهٍ يقعُ به اليأسُ من اجتماعهِ مع أبيه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ أي يَخْلُ لكم وجههُ عن يوسُفَ، ويخلصُ محبَّتَهُ لكم، ﴿وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ﴾ ؛ أي تَتُوبُوا بعدَ ذلك من هذا الذنب، ويصلحُ حالتكم مع أبيكم.

يوسف 12:10

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ ؛ قال أكثر المفسِّرين : القائلُ بهذا هو يَهُودَا، وكان أعقلَهم وأشدَّهم قوةً، والمعنى أنه قالَ لهم اطرحوهُ في قعرِ البئر، ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ ؛ على الطريقِ. والغَيَابَةُ : هو الموضعُ الذي غابَ عن بصَرِكَ، والْجُبُّ : هو البئرُ التي لم يُطْوَ بالحجارةِ. قَوْلهُ تَعَالَى :﴿إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ؛ معناهُ : قال لَهم : إنْ كُنتم لا بدَّ فَاعِلين به أمراً فَاعْدِلُوا إلى هذا الأمرِ، وإلاَّ فاتركُوا كلَّ ذلك. والظاهرُ من قولهِ (الْجُب) أنه جُبُّ مُشار إليه معروفٌ، قال وهب :(هُوَ بأَرْضِ الأُرْدُنِّ عَلَى ثَلاَثَةِ فَرَاسِخَ مِنْ مَنْزِلِ يَعْقوبَ). فلمَّا أبْرمُوا هذا التدبيرَ وعَزَمُوا عليهِ تلَطَّفوا بالوصُول إلى مُرادِهم، وجَاؤُا إلى أبيهم، فقالوا كما قالَ اللهُ :﴿قَالُواْ يَاأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ ؛ أي مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عليه، فتُرسِلَهُ معنا وإنَّا له لناصحون في الرَّحمةِ والبرِّ. قولهُ :﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ ؛ أي يذهبُ ويجيء وينشطُ ؛ ويقرأ كلاهما بالنُّون والياءِ. والرَّتْعُ : هو التردُُّدُ يَميناً وشِمالاً للاتساعِ في الملاذِ. ومن قرأ (يَرْتَعْ) بالياء فهو من يَرْتَعُ ؛ أي يرعَى ما شيتَهُ، واللَّعِبُ : هو الفعلُ الذي يطلبُ منه التَّفْرِيحُ من غيرِ عاقبةٍ محمودة، وهو على وَجيهن : مباحٌ ومحظور، كما قالَ عليه السلام :" كُلُّ لَعِبٍ حَرَامٌ إلاَّ ثَلاَثَةٌ : مُلاَعَبَةُ الرَّجُلِ أهْلُهُ، وَنَبْلُهُ بقَوْسِهِ، وَتأَدِيبُهُ فَرَسَهُ " ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ؛ عن الأَسْوَاءِ ؛ وعن كلِّ ما يخافُ عليه.

يوسف 12:11

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ ؛ قال أكثر المفسِّرين : القائلُ بهذا هو يَهُودَا، وكان أعقلَهم وأشدَّهم قوةً، والمعنى أنه قالَ لهم اطرحوهُ في قعرِ البئر، ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ ؛ على الطريقِ. والغَيَابَةُ : هو الموضعُ الذي غابَ عن بصَرِكَ، والْجُبُّ : هو البئرُ التي لم يُطْوَ بالحجارةِ. قَوْلهُ تَعَالَى :﴿إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ؛ معناهُ : قال لَهم : إنْ كُنتم لا بدَّ فَاعِلين به أمراً فَاعْدِلُوا إلى هذا الأمرِ، وإلاَّ فاتركُوا كلَّ ذلك. والظاهرُ من قولهِ (الْجُب) أنه جُبُّ مُشار إليه معروفٌ، قال وهب :(هُوَ بأَرْضِ الأُرْدُنِّ عَلَى ثَلاَثَةِ فَرَاسِخَ مِنْ مَنْزِلِ يَعْقوبَ). فلمَّا أبْرمُوا هذا التدبيرَ وعَزَمُوا عليهِ تلَطَّفوا بالوصُول إلى مُرادِهم، وجَاؤُا إلى أبيهم، فقالوا كما قالَ اللهُ :﴿قَالُواْ يَاأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ ؛ أي مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عليه، فتُرسِلَهُ معنا وإنَّا له لناصحون في الرَّحمةِ والبرِّ. قولهُ :﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ ؛ أي يذهبُ ويجيء وينشطُ ؛ ويقرأ كلاهما بالنُّون والياءِ. والرَّتْعُ : هو التردُُّدُ يَميناً وشِمالاً للاتساعِ في الملاذِ. ومن قرأ (يَرْتَعْ) بالياء فهو من يَرْتَعُ ؛ أي يرعَى ما شيتَهُ، واللَّعِبُ : هو الفعلُ الذي يطلبُ منه التَّفْرِيحُ من غيرِ عاقبةٍ محمودة، وهو على وَجيهن : مباحٌ ومحظور، كما قالَ عليه السلام :" كُلُّ لَعِبٍ حَرَامٌ إلاَّ ثَلاَثَةٌ : مُلاَعَبَةُ الرَّجُلِ أهْلُهُ، وَنَبْلُهُ بقَوْسِهِ، وَتأَدِيبُهُ فَرَسَهُ " ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ؛ عن الأَسْوَاءِ ؛ وعن كلِّ ما يخافُ عليه.

يوسف 12:12

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ ؛ قال أكثر المفسِّرين : القائلُ بهذا هو يَهُودَا، وكان أعقلَهم وأشدَّهم قوةً، والمعنى أنه قالَ لهم اطرحوهُ في قعرِ البئر، ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ ؛ على الطريقِ. والغَيَابَةُ : هو الموضعُ الذي غابَ عن بصَرِكَ، والْجُبُّ : هو البئرُ التي لم يُطْوَ بالحجارةِ. قَوْلهُ تَعَالَى :﴿إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ؛ معناهُ : قال لَهم : إنْ كُنتم لا بدَّ فَاعِلين به أمراً فَاعْدِلُوا إلى هذا الأمرِ، وإلاَّ فاتركُوا كلَّ ذلك. والظاهرُ من قولهِ (الْجُب) أنه جُبُّ مُشار إليه معروفٌ، قال وهب :(هُوَ بأَرْضِ الأُرْدُنِّ عَلَى ثَلاَثَةِ فَرَاسِخَ مِنْ مَنْزِلِ يَعْقوبَ). فلمَّا أبْرمُوا هذا التدبيرَ وعَزَمُوا عليهِ تلَطَّفوا بالوصُول إلى مُرادِهم، وجَاؤُا إلى أبيهم، فقالوا كما قالَ اللهُ :﴿قَالُواْ يَاأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ ؛ أي مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عليه، فتُرسِلَهُ معنا وإنَّا له لناصحون في الرَّحمةِ والبرِّ. قولهُ :﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ ؛ أي يذهبُ ويجيء وينشطُ ؛ ويقرأ كلاهما بالنُّون والياءِ. والرَّتْعُ : هو التردُُّدُ يَميناً وشِمالاً للاتساعِ في الملاذِ. ومن قرأ (يَرْتَعْ) بالياء فهو من يَرْتَعُ ؛ أي يرعَى ما شيتَهُ، واللَّعِبُ : هو الفعلُ الذي يطلبُ منه التَّفْرِيحُ من غيرِ عاقبةٍ محمودة، وهو على وَجيهن : مباحٌ ومحظور، كما قالَ عليه السلام :" كُلُّ لَعِبٍ حَرَامٌ إلاَّ ثَلاَثَةٌ : مُلاَعَبَةُ الرَّجُلِ أهْلُهُ، وَنَبْلُهُ بقَوْسِهِ، وَتأَدِيبُهُ فَرَسَهُ " ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ؛ عن الأَسْوَاءِ ؛ وعن كلِّ ما يخافُ عليه.

يوسف 12:13

قَولهُ :﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ﴾ ؛ أي يحزِنُنِي ذهابُكم به ؛ لأنه يُفارقُني فلا أراهُ، ﴿وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ ؛ ذكرَ شَيئين : الحزنُ لذهابهم، والخوفُ عليه أن يجده الذِّئبُ وحدَهُ وقتَ غَفلَتِهم عنه فيأكلَهُ. وكان يعقوبُ قد رأى في منامهِ كأَنَّ ذِئْباً قد عَدَا على يُوسفَ، فكان خَائفاً عليه، فمِن ذلك قال :﴿وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾.

يوسف 12:14

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ ؛ أي ونحن جماعةٌ ترَى الذِّئبَ قد قصَدَ، ﴿إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ﴾ ؛ أي لعَاجِزُونَ والْخُسْرَانُ هنا العجزُ.

يوسف 12:15

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ ؛ أي فأرسَلَهُ معهم، فلَمَّا ذهبوا به اتَّفَقَتْ دَوَاعِيهم أن يجعلوهُ في الْجُب، قال السديُّ :(خَرَجُوا بهِ مِنْ عِنْدِ أبيهِمْ وَهُمْ مُكْرِمُونَ لَهُ، فَلَمَّا صَارُواْ فِي الْبَرِّيَّةِ أظْهَرُواْ لَهُ الْعَدَاوَةَ، فَجَعَلَ أخٌ لَهُ يَضْرِبُهُ، فَيَسْتَغِيثُ بالآخَرِ فَيَضْرِبُهُ، لاَ يَرَى فِيْهِمْ رَحِيماً، فَضَرَبُوهُ حَتَّى كَادُواْ يَقْتُلُونَهُ. فَجَعَلَ يَصَيحُ وَيَقُولُ : يَا أبَتَاهُ لَوْ تَعْلَمُ مَا صُنِعَ بابْنِكَ ؟ فَقَالَ لَهُمْ يَهُودَا : ألَيْسَ قَدْ أعْطَيْتُمُوهُ مَوْثِقاً ألاَّ تَقْتُلُوهُ ؟ فَانْطَلَقُواْ بهِ فِي الْجُب فَدَلُّوهُ فِيْهِ، فَتَعَلَّقَ بشَفِيرِ الْبئْرِ، فَرَبَطُواْ يَدَيْهِ وَنَزَعُواْ قَمِيصَهُ وَقَالَ : يا إخْوَتَاهُ رُدُّواْ عَلَيَّ قَمِيصِي أتَوَارَى بهِ، فَقَالُواْ : أُدْعُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالأَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً يُلْبسُوكَ وَيُؤْنِسُوكَ، فَدَلّوهُ حَتَّى إذا بَلَغَ نِصْفَ الْبِئْرِ ألْقَوْهُ وَأرَادُواْ أنْ يَمُوتَ، وَكَانَ فِي الْبئْرِ مَاءٌ فَسَقَطَ فِيْهِ، وَآوَى إلَى صَخْرَةٍ فَقَامَ عَلَيْهَا وَجَعَلَ يَبْكِي، فَنَادَوا فَظَنَّ أنَّ الرَّحْمَةَ أدْرَكَتْهُمْ فَأَجَابَهُمْ، فَأَرَادُوا أنْ يَرْضُخُوهُ بالْحِجَارَةِ لِيَقْتُلُوهُ فَمَنَعَهُمْ يَهُودَا، وَكَانَ يَهُودَا يَأْتِيهِ بالطَّعَامِ). قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـاذَا﴾ ؛ قال المفسِّرون : أوحَى اللهُ إلى يوسفَ في البئرِ تَقْويَةً لقلبهِ : لَتَصْدُقَنَّ رُؤْيَاكَ، وَلَتُخْبرَنَّ إخْوَتَكَ بصُنْعِهِمْ هَذا بَعْدَ الْيَوْمِ، ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ ؛ بأنَّ يوسفَ في وقتِ إخباركَ إيَّاهم بأمرِهم، وكان فيما أُوحي إليه : أنِ اصبر على ما أصابَكَ واكْتُمْ حالَكَ، فإنَّكَ تُخبرُهم بما فَعَلُوا بكَ. وعن ابنِ عبَّاس : قال :(كَانَ يَوْمَئِذٍ ابْنَ سَبْعَ عَشْرَةِ سَنَةً وَبَقِيَ فِي الْجُب ثَلاَثَةَ أيَّامٍ). وفي بعضِ الروايات : أنه لَمَّا أُلقِيَ في الْجُب جعلَ يقول : يا شاهداً غيرَ غائبٍ، ويا قريباً غيرَ بعيدٍ، ويا غالباً غيرَ مغلوبٍ : اجعَلْ لي من أمْرِي فَرَجاً ومَخرجاً، فأوحَى اللهُ إليه وهو في البئرِ : اصبرْ على ما أصابَكَ واكْتُمْ حالكَ، فإنَّكَ تخبرُ إخوانَكَ في وقتٍ عن ما فعَلُوا بكَ في وقتِ إخباركَ إيَّاهم بأمرِهم. ثم عَمَدوا إلى سَخْلَةٍ فذبَحوها، وجعلوا دَمَها على قميصِ يوسف، ﴿وَجَآءُوا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ﴾ ؛ أي يتَبَاكون، ﴿قَالُواْ يَاأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ أي نتسابقُ في الرَّمي، وَقِيْلَ : نُسابَقُ في الاصطيادِ، ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا﴾ ؛ ليحفظَهُ، ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ ؛ أي بمُصدِّقٍ لنا في أمرِ يوسف لفَرطِ محبَّتِكَ له وتُهمَتِكَ إيانا فيه، ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ ؛ محل الصدقِ عندكَ في غير هذا الحديثِ. ثم أرَوهُ قميصَهُ ملطَّخًا بالدمِ، فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَآءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ ؛ أي بدَمٍ كذبٍ، فلمَّا نظرَ يعقوبَ إلى القميصِ قال : ما عهدتُ ذِئْباً حَلِيماً مثلَ هذا الذئب! فَكَيْفَ أكلَ لحمه ولم يخرِّقْ قميصَهُ؟! ولو أنَّهم كانوا مزَّقُوا قميصَهُ حين لطَّخوهُ بالدم، كان ذلك أبعدَ عن التُّهمةِ عنهم، ولكن لا بدَّ في المعاصِي أن يقترنَ بها الحزنان، ﴿قَالَ﴾ ؛ يعقوبُ : كَذبْتُمْ، ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً﴾ أي زيَّنت لكم أنفسُكم في هلاكِ يوسف فضيَّعتموهُ، يقالُ : إن يعقوب كما قال لَهم : لو أكلَهُ الذئبُ فشَقَّ قميصَهُ! قالوا : لو قتَلهُ اللصوصُ لَمَا ترَكُوا قميصَهُ، هل يريدون إلا الثيابَ والمتاعَ، فَسَكَتوا متحيِّرين.

يوسف 12:16

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ ؛ أي فأرسَلَهُ معهم، فلَمَّا ذهبوا به اتَّفَقَتْ دَوَاعِيهم أن يجعلوهُ في الْجُب، قال السديُّ :(خَرَجُوا بهِ مِنْ عِنْدِ أبيهِمْ وَهُمْ مُكْرِمُونَ لَهُ، فَلَمَّا صَارُواْ فِي الْبَرِّيَّةِ أظْهَرُواْ لَهُ الْعَدَاوَةَ، فَجَعَلَ أخٌ لَهُ يَضْرِبُهُ، فَيَسْتَغِيثُ بالآخَرِ فَيَضْرِبُهُ، لاَ يَرَى فِيْهِمْ رَحِيماً، فَضَرَبُوهُ حَتَّى كَادُواْ يَقْتُلُونَهُ. فَجَعَلَ يَصَيحُ وَيَقُولُ : يَا أبَتَاهُ لَوْ تَعْلَمُ مَا صُنِعَ بابْنِكَ ؟ فَقَالَ لَهُمْ يَهُودَا : ألَيْسَ قَدْ أعْطَيْتُمُوهُ مَوْثِقاً ألاَّ تَقْتُلُوهُ ؟ فَانْطَلَقُواْ بهِ فِي الْجُب فَدَلُّوهُ فِيْهِ، فَتَعَلَّقَ بشَفِيرِ الْبئْرِ، فَرَبَطُواْ يَدَيْهِ وَنَزَعُواْ قَمِيصَهُ وَقَالَ : يا إخْوَتَاهُ رُدُّواْ عَلَيَّ قَمِيصِي أتَوَارَى بهِ، فَقَالُواْ : أُدْعُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالأَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً يُلْبسُوكَ وَيُؤْنِسُوكَ، فَدَلّوهُ حَتَّى إذا بَلَغَ نِصْفَ الْبِئْرِ ألْقَوْهُ وَأرَادُواْ أنْ يَمُوتَ، وَكَانَ فِي الْبئْرِ مَاءٌ فَسَقَطَ فِيْهِ، وَآوَى إلَى صَخْرَةٍ فَقَامَ عَلَيْهَا وَجَعَلَ يَبْكِي، فَنَادَوا فَظَنَّ أنَّ الرَّحْمَةَ أدْرَكَتْهُمْ فَأَجَابَهُمْ، فَأَرَادُوا أنْ يَرْضُخُوهُ بالْحِجَارَةِ لِيَقْتُلُوهُ فَمَنَعَهُمْ يَهُودَا، وَكَانَ يَهُودَا يَأْتِيهِ بالطَّعَامِ). قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـاذَا﴾ ؛ قال المفسِّرون : أوحَى اللهُ إلى يوسفَ في البئرِ تَقْويَةً لقلبهِ : لَتَصْدُقَنَّ رُؤْيَاكَ، وَلَتُخْبرَنَّ إخْوَتَكَ بصُنْعِهِمْ هَذا بَعْدَ الْيَوْمِ، ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ ؛ بأنَّ يوسفَ في وقتِ إخباركَ إيَّاهم بأمرِهم، وكان فيما أُوحي إليه : أنِ اصبر على ما أصابَكَ واكْتُمْ حالَكَ، فإنَّكَ تُخبرُهم بما فَعَلُوا بكَ. وعن ابنِ عبَّاس : قال :(كَانَ يَوْمَئِذٍ ابْنَ سَبْعَ عَشْرَةِ سَنَةً وَبَقِيَ فِي الْجُب ثَلاَثَةَ أيَّامٍ). وفي بعضِ الروايات : أنه لَمَّا أُلقِيَ في الْجُب جعلَ يقول : يا شاهداً غيرَ غائبٍ، ويا قريباً غيرَ بعيدٍ، ويا غالباً غيرَ مغلوبٍ : اجعَلْ لي من أمْرِي فَرَجاً ومَخرجاً، فأوحَى اللهُ إليه وهو في البئرِ : اصبرْ على ما أصابَكَ واكْتُمْ حالكَ، فإنَّكَ تخبرُ إخوانَكَ في وقتٍ عن ما فعَلُوا بكَ في وقتِ إخباركَ إيَّاهم بأمرِهم. ثم عَمَدوا إلى سَخْلَةٍ فذبَحوها، وجعلوا دَمَها على قميصِ يوسف، ﴿وَجَآءُوا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ﴾ ؛ أي يتَبَاكون، ﴿قَالُواْ يَاأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ أي نتسابقُ في الرَّمي، وَقِيْلَ : نُسابَقُ في الاصطيادِ، ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا﴾ ؛ ليحفظَهُ، ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ ؛ أي بمُصدِّقٍ لنا في أمرِ يوسف لفَرطِ محبَّتِكَ له وتُهمَتِكَ إيانا فيه، ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ ؛ محل الصدقِ عندكَ في غير هذا الحديثِ. ثم أرَوهُ قميصَهُ ملطَّخًا بالدمِ، فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَآءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ ؛ أي بدَمٍ كذبٍ، فلمَّا نظرَ يعقوبَ إلى القميصِ قال : ما عهدتُ ذِئْباً حَلِيماً مثلَ هذا الذئب! فَكَيْفَ أكلَ لحمه ولم يخرِّقْ قميصَهُ؟! ولو أنَّهم كانوا مزَّقُوا قميصَهُ حين لطَّخوهُ بالدم، كان ذلك أبعدَ عن التُّهمةِ عنهم، ولكن لا بدَّ في المعاصِي أن يقترنَ بها الحزنان، ﴿قَالَ﴾ ؛ يعقوبُ : كَذبْتُمْ، ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً﴾ أي زيَّنت لكم أنفسُكم في هلاكِ يوسف فضيَّعتموهُ، يقالُ : إن يعقوب كما قال لَهم : لو أكلَهُ الذئبُ فشَقَّ قميصَهُ! قالوا : لو قتَلهُ اللصوصُ لَمَا ترَكُوا قميصَهُ، هل يريدون إلا الثيابَ والمتاعَ، فَسَكَتوا متحيِّرين.

يوسف 12:17

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ ؛ أي فأرسَلَهُ معهم، فلَمَّا ذهبوا به اتَّفَقَتْ دَوَاعِيهم أن يجعلوهُ في الْجُب، قال السديُّ :(خَرَجُوا بهِ مِنْ عِنْدِ أبيهِمْ وَهُمْ مُكْرِمُونَ لَهُ، فَلَمَّا صَارُواْ فِي الْبَرِّيَّةِ أظْهَرُواْ لَهُ الْعَدَاوَةَ، فَجَعَلَ أخٌ لَهُ يَضْرِبُهُ، فَيَسْتَغِيثُ بالآخَرِ فَيَضْرِبُهُ، لاَ يَرَى فِيْهِمْ رَحِيماً، فَضَرَبُوهُ حَتَّى كَادُواْ يَقْتُلُونَهُ. فَجَعَلَ يَصَيحُ وَيَقُولُ : يَا أبَتَاهُ لَوْ تَعْلَمُ مَا صُنِعَ بابْنِكَ ؟ فَقَالَ لَهُمْ يَهُودَا : ألَيْسَ قَدْ أعْطَيْتُمُوهُ مَوْثِقاً ألاَّ تَقْتُلُوهُ ؟ فَانْطَلَقُواْ بهِ فِي الْجُب فَدَلُّوهُ فِيْهِ، فَتَعَلَّقَ بشَفِيرِ الْبئْرِ، فَرَبَطُواْ يَدَيْهِ وَنَزَعُواْ قَمِيصَهُ وَقَالَ : يا إخْوَتَاهُ رُدُّواْ عَلَيَّ قَمِيصِي أتَوَارَى بهِ، فَقَالُواْ : أُدْعُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالأَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً يُلْبسُوكَ وَيُؤْنِسُوكَ، فَدَلّوهُ حَتَّى إذا بَلَغَ نِصْفَ الْبِئْرِ ألْقَوْهُ وَأرَادُواْ أنْ يَمُوتَ، وَكَانَ فِي الْبئْرِ مَاءٌ فَسَقَطَ فِيْهِ، وَآوَى إلَى صَخْرَةٍ فَقَامَ عَلَيْهَا وَجَعَلَ يَبْكِي، فَنَادَوا فَظَنَّ أنَّ الرَّحْمَةَ أدْرَكَتْهُمْ فَأَجَابَهُمْ، فَأَرَادُوا أنْ يَرْضُخُوهُ بالْحِجَارَةِ لِيَقْتُلُوهُ فَمَنَعَهُمْ يَهُودَا، وَكَانَ يَهُودَا يَأْتِيهِ بالطَّعَامِ). قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـاذَا﴾ ؛ قال المفسِّرون : أوحَى اللهُ إلى يوسفَ في البئرِ تَقْويَةً لقلبهِ : لَتَصْدُقَنَّ رُؤْيَاكَ، وَلَتُخْبرَنَّ إخْوَتَكَ بصُنْعِهِمْ هَذا بَعْدَ الْيَوْمِ، ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ ؛ بأنَّ يوسفَ في وقتِ إخباركَ إيَّاهم بأمرِهم، وكان فيما أُوحي إليه : أنِ اصبر على ما أصابَكَ واكْتُمْ حالَكَ، فإنَّكَ تُخبرُهم بما فَعَلُوا بكَ. وعن ابنِ عبَّاس : قال :(كَانَ يَوْمَئِذٍ ابْنَ سَبْعَ عَشْرَةِ سَنَةً وَبَقِيَ فِي الْجُب ثَلاَثَةَ أيَّامٍ). وفي بعضِ الروايات : أنه لَمَّا أُلقِيَ في الْجُب جعلَ يقول : يا شاهداً غيرَ غائبٍ، ويا قريباً غيرَ بعيدٍ، ويا غالباً غيرَ مغلوبٍ : اجعَلْ لي من أمْرِي فَرَجاً ومَخرجاً، فأوحَى اللهُ إليه وهو في البئرِ : اصبرْ على ما أصابَكَ واكْتُمْ حالكَ، فإنَّكَ تخبرُ إخوانَكَ في وقتٍ عن ما فعَلُوا بكَ في وقتِ إخباركَ إيَّاهم بأمرِهم. ثم عَمَدوا إلى سَخْلَةٍ فذبَحوها، وجعلوا دَمَها على قميصِ يوسف، ﴿وَجَآءُوا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ﴾ ؛ أي يتَبَاكون، ﴿قَالُواْ يَاأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ أي نتسابقُ في الرَّمي، وَقِيْلَ : نُسابَقُ في الاصطيادِ، ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا﴾ ؛ ليحفظَهُ، ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ ؛ أي بمُصدِّقٍ لنا في أمرِ يوسف لفَرطِ محبَّتِكَ له وتُهمَتِكَ إيانا فيه، ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ ؛ محل الصدقِ عندكَ في غير هذا الحديثِ. ثم أرَوهُ قميصَهُ ملطَّخًا بالدمِ، فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَآءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ ؛ أي بدَمٍ كذبٍ، فلمَّا نظرَ يعقوبَ إلى القميصِ قال : ما عهدتُ ذِئْباً حَلِيماً مثلَ هذا الذئب! فَكَيْفَ أكلَ لحمه ولم يخرِّقْ قميصَهُ؟! ولو أنَّهم كانوا مزَّقُوا قميصَهُ حين لطَّخوهُ بالدم، كان ذلك أبعدَ عن التُّهمةِ عنهم، ولكن لا بدَّ في المعاصِي أن يقترنَ بها الحزنان، ﴿قَالَ﴾ ؛ يعقوبُ : كَذبْتُمْ، ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً﴾ أي زيَّنت لكم أنفسُكم في هلاكِ يوسف فضيَّعتموهُ، يقالُ : إن يعقوب كما قال لَهم : لو أكلَهُ الذئبُ فشَقَّ قميصَهُ! قالوا : لو قتَلهُ اللصوصُ لَمَا ترَكُوا قميصَهُ، هل يريدون إلا الثيابَ والمتاعَ، فَسَكَتوا متحيِّرين.

يوسف 12:18

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ ؛ أي فأرسَلَهُ معهم، فلَمَّا ذهبوا به اتَّفَقَتْ دَوَاعِيهم أن يجعلوهُ في الْجُب، قال السديُّ :(خَرَجُوا بهِ مِنْ عِنْدِ أبيهِمْ وَهُمْ مُكْرِمُونَ لَهُ، فَلَمَّا صَارُواْ فِي الْبَرِّيَّةِ أظْهَرُواْ لَهُ الْعَدَاوَةَ، فَجَعَلَ أخٌ لَهُ يَضْرِبُهُ، فَيَسْتَغِيثُ بالآخَرِ فَيَضْرِبُهُ، لاَ يَرَى فِيْهِمْ رَحِيماً، فَضَرَبُوهُ حَتَّى كَادُواْ يَقْتُلُونَهُ. فَجَعَلَ يَصَيحُ وَيَقُولُ : يَا أبَتَاهُ لَوْ تَعْلَمُ مَا صُنِعَ بابْنِكَ ؟ فَقَالَ لَهُمْ يَهُودَا : ألَيْسَ قَدْ أعْطَيْتُمُوهُ مَوْثِقاً ألاَّ تَقْتُلُوهُ ؟ فَانْطَلَقُواْ بهِ فِي الْجُب فَدَلُّوهُ فِيْهِ، فَتَعَلَّقَ بشَفِيرِ الْبئْرِ، فَرَبَطُواْ يَدَيْهِ وَنَزَعُواْ قَمِيصَهُ وَقَالَ : يا إخْوَتَاهُ رُدُّواْ عَلَيَّ قَمِيصِي أتَوَارَى بهِ، فَقَالُواْ : أُدْعُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالأَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً يُلْبسُوكَ وَيُؤْنِسُوكَ، فَدَلّوهُ حَتَّى إذا بَلَغَ نِصْفَ الْبِئْرِ ألْقَوْهُ وَأرَادُواْ أنْ يَمُوتَ، وَكَانَ فِي الْبئْرِ مَاءٌ فَسَقَطَ فِيْهِ، وَآوَى إلَى صَخْرَةٍ فَقَامَ عَلَيْهَا وَجَعَلَ يَبْكِي، فَنَادَوا فَظَنَّ أنَّ الرَّحْمَةَ أدْرَكَتْهُمْ فَأَجَابَهُمْ، فَأَرَادُوا أنْ يَرْضُخُوهُ بالْحِجَارَةِ لِيَقْتُلُوهُ فَمَنَعَهُمْ يَهُودَا، وَكَانَ يَهُودَا يَأْتِيهِ بالطَّعَامِ). قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـاذَا﴾ ؛ قال المفسِّرون : أوحَى اللهُ إلى يوسفَ في البئرِ تَقْويَةً لقلبهِ : لَتَصْدُقَنَّ رُؤْيَاكَ، وَلَتُخْبرَنَّ إخْوَتَكَ بصُنْعِهِمْ هَذا بَعْدَ الْيَوْمِ، ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ ؛ بأنَّ يوسفَ في وقتِ إخباركَ إيَّاهم بأمرِهم، وكان فيما أُوحي إليه : أنِ اصبر على ما أصابَكَ واكْتُمْ حالَكَ، فإنَّكَ تُخبرُهم بما فَعَلُوا بكَ. وعن ابنِ عبَّاس : قال :(كَانَ يَوْمَئِذٍ ابْنَ سَبْعَ عَشْرَةِ سَنَةً وَبَقِيَ فِي الْجُب ثَلاَثَةَ أيَّامٍ). وفي بعضِ الروايات : أنه لَمَّا أُلقِيَ في الْجُب جعلَ يقول : يا شاهداً غيرَ غائبٍ، ويا قريباً غيرَ بعيدٍ، ويا غالباً غيرَ مغلوبٍ : اجعَلْ لي من أمْرِي فَرَجاً ومَخرجاً، فأوحَى اللهُ إليه وهو في البئرِ : اصبرْ على ما أصابَكَ واكْتُمْ حالكَ، فإنَّكَ تخبرُ إخوانَكَ في وقتٍ عن ما فعَلُوا بكَ في وقتِ إخباركَ إيَّاهم بأمرِهم. ثم عَمَدوا إلى سَخْلَةٍ فذبَحوها، وجعلوا دَمَها على قميصِ يوسف، ﴿وَجَآءُوا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ﴾ ؛ أي يتَبَاكون، ﴿قَالُواْ يَاأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ أي نتسابقُ في الرَّمي، وَقِيْلَ : نُسابَقُ في الاصطيادِ، ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا﴾ ؛ ليحفظَهُ، ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا﴾ ؛ أي بمُصدِّقٍ لنا في أمرِ يوسف لفَرطِ محبَّتِكَ له وتُهمَتِكَ إيانا فيه، ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ ؛ محل الصدقِ عندكَ في غير هذا الحديثِ. ثم أرَوهُ قميصَهُ ملطَّخًا بالدمِ، فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَآءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ ؛ أي بدَمٍ كذبٍ، فلمَّا نظرَ يعقوبَ إلى القميصِ قال : ما عهدتُ ذِئْباً حَلِيماً مثلَ هذا الذئب! فَكَيْفَ أكلَ لحمه ولم يخرِّقْ قميصَهُ؟! ولو أنَّهم كانوا مزَّقُوا قميصَهُ حين لطَّخوهُ بالدم، كان ذلك أبعدَ عن التُّهمةِ عنهم، ولكن لا بدَّ في المعاصِي أن يقترنَ بها الحزنان، ﴿قَالَ﴾ ؛ يعقوبُ : كَذبْتُمْ، ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً﴾ أي زيَّنت لكم أنفسُكم في هلاكِ يوسف فضيَّعتموهُ، يقالُ : إن يعقوب كما قال لَهم : لو أكلَهُ الذئبُ فشَقَّ قميصَهُ! قالوا : لو قتَلهُ اللصوصُ لَمَا ترَكُوا قميصَهُ، هل يريدون إلا الثيابَ والمتاعَ، فَسَكَتوا متحيِّرين.

يوسف 12:19

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ﴾ ؛ أي جاءَت قافلةٌ من المسافرين بعد أن مكثَ يوسفُ عليه السلام في الْجُب ثلاثةَ أيَّام. يُروى أنَّهم جاءوا من قِبَلِ مَدْيَنَ يريدون مُعَرِّفاً خطرَ الطريقِ، فتحيَّرُوا وجعلوا يَهِيمُونَ حتى وَقَعُوا في الأرضِ التي فيها الْجُبُّ، فأَرسَلَ كلُّ قومٍ منهم وارِدَهم، والوارِدُ الذي يُقَوِّمُ القومَ لطلبِ الماء، فوافقَ الْجُبُّ مَالِكَ بْنَ ذعَرٍ وهو رجلٌ من العرب من أهل مَديَنَ، ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ في البئرِ، فتعلَّقَ بها يوسفُ، فلم يَقدِرُوا على نَزْعِهِ، فنَظَرُوا فرأوا غُلاماً قد تعلَّقَ بالدَّلْوِ، فنادَى أصحابَهُ فَـ ﴿قَالَ يابُشْرَى هَـاذَا غُلاَمٌ﴾، قال : مَا ذاكَ يا مالِكُ ؟ قال : غلامٌ أحسنَ ما يكون من الغِلمَانِ. فاجتمَعُوا عليه وأخرَجوهُ. قال كعبٌ :(كَانَ يُوسُفْ حَسَنَ الْوَجْهِ جَعِدَ الشَّعْرِ ضَخْمَ الْعَيْنِ مُسْتَوِيَ الْبَطْنِ صَغِيرَ السُّرَّةِ، وَكَانَ إذا تَبَسَّمَ رَأيْتَ النُّورَ فِي ضَوَاحِكِهِ، َلاَ يَسْتَطِيعُ أحَدٌ وَصْفَهُ، وَكَانَ حُسْنَهُ كَضَوْءِ النَّارِ وَكَانَ يُشْبهُ آدَمَ يَوْمَ خَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى قَبْلَ أنْ يُصِيبَ الْمَعْصِيَةَ). ويقال : إنه وَرِثَ ذلك الجمالَ من جدَّتهِ سارة، وكانت قد أُعطيت سُدُسَ الْحُسْنِ. وقولهُ تعالى :﴿قَالَ يابُشْرَى هَـاذَا غُلاَمٌ﴾ من قرأ (يَا بُشْرِي) أي بياء الإضافة، فهو خطابٌ للفرَحِ على القلب، كما قالَ : يا فَرَحِي يا طُوبَايَ ويا أسَفِي. ومن قرأ بغيرِ ياء الإضافة فمعناهُ تبشيرُ الأصحاب، كما يقالُ : يا عَجَبَا ويرادُ به يا أيُّها القومُ اعجَبُوا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ ؛ أي أسَرَّ الذين وجَدُوا يوسُفَ من رُفَقَائِهم ومِن القافلة مخافةَ أن يَطلُبَ أحدٌ منهم الشِّركَةَ معهم في يوسف عليه السلام، قولهُ :﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ نُصِبَ على المصدرِ ؛ أي قالوا في ما بينَهم : إنَّا نقولُ إن أهلَ الماءِ استَبضَعُوكَ بضاعةً، ويجوزُ أن يكون (بضَاعَةً) نَصباً على الحالِ على معنى أنَّهم كَتَمُوهُ حين أعقَدُوا التجارةَ فيه. ويقال : إن قولَهُ ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ راجعٌ إلى إخوَةِ يوسف، فإنه رُوي أنَّهم جَاؤُا بعدَ ثلاثةِ أيَّام فلم يجدُوا في البئرِ، فنظَرُوا فإذا القومُ نُزُولٌ بقُرب البئرِ، فإذا هم بيوسُفَ، فقالوا لَهم : هذا عبدٌ آبقٌ منذُ ثلاثةِ أيام، وقالوا لِيُوسُفَ : لئِنْ أنكرتَ أنَّكَ عبدٌ لنا فَلَنَقتُلَنَّكَ، وقالوا للقومِ : اشتَرُوا مِنَّا فذلك معنى قولهِ ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ بأن طلَبُوا من يوسُفَ كتمانَ نسَبهِ، إلا أنَّ القولَ الأوَّلَ أقربُ إلى ظاهرِ الآية. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ ؛ أي بيوسُفَ، وهذا يجرِي مجرَى الوعيدِ.

يوسف 12:20

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ ؛ أي بَاعوهُ أخوتهُ من مالكِ بن ذعْرٍ بعشرِينَ دِرهَماً، فأصابَ كلٌّ منهم دِرهَمين فلم يأخُذْ يهُودَا نصيبَهُ، وأخذهُ الباقون، وقال الضحَّاكُ :(بَاعُوهُ باثْنَي عَشَرَ دِرْهَماً). وقال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أيْ بثَمَنٍ حَرَامٍ ؛ لأنَّهُ سَمَّى الْبَخْسَ حَرَاماً، وَسَمَّى الْحَرَامَ بَخْساً ؛ لأنَّهُ لاَ بَرَكَةَ فِيْهِ). وقال الكلبيُّ :(بَاعُوهُ باثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ دِرْهَماً). وقولهُ تعالى :﴿مَعْدُودَةٍ﴾ أي قليلةٍ، وذِكْرُ العددِ عبارةٌ عن القلَّة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ ؛ أي لم يكُن لَهم فيه رغبةٌ ولا في ردِّهِ على أبيهِ، ولم يعلَمُوا منْزِلتَهُ من اللهِ تعالى، يعني : أنَّ إخوةَ يوسُفَ كانوا في يوسف من الزَّاهدِين ؛ لأنَّهم لم يعرِفُوا كرامتَهُ على اللهِ تعالى. وَقِيْلَ : كانوا في يُمْنِهِ من الزَّاهدين أن عرضهم أن يُغَيِّبُوهُ عن أبيهِ، وكتَمَ يوسفَ شأنه مخافةَ أن يقتلَهُ إخوتهُ، و ﴿وَشَرَوْهُ﴾ أي باعوهُ، قال الشاعرُ : وَشَرَيْتُ بُرْداً لَيْتَنِي مِنْ بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هَامَهْأي بعتُ بُرْداً وهو غلامهُ. ثم انطلقَ مالك بن ذُعْر وأصحابهُ بيُوسُفَ ومعهم إخوتهُ يقولون : استَوثِقُوا منه فإنه آبقُ سارقٌ كاذب، وقد بَرِئْنَا إليكم من عُيوبهِ. فحمله مالِكُ بن ذُعر على ناقتهِ وسارَ به نحو مِصْرَ، وكان طريقُهم على قبرِ أُمهِ، فلما بلغَ قبرَ أُمه أسقطَ نفسه من الناقةِ وهو يبكِي ويقولُ : يا أماهُ ارفَعِي رأسَكِ من الثَّرى، وانظُرِي إلى ولدكِ يوسفَ وما لَقِيَ بعدَكِ من البلايَا، يا أماهُ لو رأيتِي ضَعفِي ودُلِّي، ويا أماه لو رأيتِني، نزَعُوا قميصي وشدُّونِي، وفي الْجُب ألقونِي وعلى حرِّ وجهي لطَمُونِي، وبالحجارةِ رجَمونِي. ثم فقدَهُ مالك بن ذُعر فصاحَ في القافلةِ : ألاَ إنَّ الغلامَ رجعَ إلى أهلهِ، فطلبوهُ فوجدوه، فقال له رجلٌ منهم : يا غلامُ قد أخبَرَنا مواليكَ أنكَ آبقٌ سارقٌ، فلم نصدِّقْ حتى رأيناكَ، فقال : واللهِ ما آبقْتُ، ولكنَّكم مرَرتُم على قبرِ أُمِّي، فلم أتَمالَكْ أن رميتُ نفسي عليه، فرفعَ فلطَمَ وجهَهُ حتى حمله على ناقتهِ. وذهَبُوا به حتى قَدِمُوا مصرَ، فأمرَهُ مالك بن ذُعر حتى اغتسلَ ولَبِسَ ثَوْباً حَسَناً، وعرضَهُ على البيعِ، فاشتراهُ قطفيرُ بن رُوَيحِب لامرأته، قال وهب :(تَرَافَعَ النَّاسُ فِي ثَمَنِهِ وَتَزَايَدُواْ حَتَّى بَلَغَ ثَمَنُهُ وَزْنَهُ مِسْكاً وَوَرِقاً، فابتاعَهُ قطفيرُ بهذا الثمنِ وأتى به إلى منْزِله).

يوسف 12:21

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ﴾ ؛ واسْمُها رَاعِيل :﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ ؛ أي أحْسِني طولَ مُقامهِ عندَنا، ﴿عَسَى أَن يَنفَعَنَآ﴾ ؛ في أمُورنا ونبيعُ فنربح في ثَمنِه، ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ ؛ نسبناه، وكان العزيزُ عَقيماً، أو حصُوراً لا يولَدُ له، إنما قالَ لِمَا رأى على يوسُفَ من الجمالِ والعقل والهداية إلى الأمُور. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذالِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي كما خلَّصناهُ من البئرِ وإخوته كذلك مكَّنَّاهُ فيها حتى بلَغَ ما بلغَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ ؛ أي لنُعلِّمَهُ من ضُروب العلومِ، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ أي لا يقدرُ أحدٌ منكم دفعِ ما أرادَ من أمرهِ، ﴿وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ أن اللهَ غالبٌ على أمرهِ وهم المشركون.

يوسف 12:22

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(لَمَّا بَلَغَ ثَمَانِي عَشْرَةَ سنَةَ آتَيْنَاهُ النُّبُوَّةَ وَالْفِقْهَ، وَجَعَلْنَاهُ حَكِيماً عَلِيماً)، قال : وَالأَشَدُّ مِنْ ثَمَانِي عَشَرَة إلَى ثَلاَثِينَ سَنَةً). ويقال : أقصاهُ اثنانِ وستُّونَ سنةً، فأما الاستواءُ فهو أربعونَ سَنةً. وقال الحسنُ :(أُعطِْيَ يُوسُفُ الرِّسَالَةَ عِنْدَ هَذِهِ الْحَالَةِ، وَكَانَ أُعْطِيَ النُّبُوَّةَ مِنْ قَبْلُ). ويقال : معناه : وآتيناهُ حُكماً وعلماً بين الناسِ، فإذا الناسُ كانوا تحاكَمُوا إلى العزيز، أمرَهُ أن يحكمَ بينهم ؛ لِمَا رأى من عقلهِ وأمانته وعلمه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذالِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ؛ أي كما جَزَينا يوسُفَ على صبرهِ على الْمِحَنِ، كذلك نَجزِي الْمُحسِنين في أقوالِهم وأفعالهم.

يوسف 12:23

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ ؛ أي رَاوَدَتْهُ امرأةُ العزيزِ واسْمُها زُلَيْخَا، وكان يوسفُ من أحسنِ البشر، وكان كضَوءِ النَّهار ونور الشَّمسِ، وكان بحيث لا يستطيعُ آدميٌّ أن يصِفَهُ، فراودَتهُ أي طالَبَته لِمُرادِها منه، ﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ﴾ ؛ عليهِ وعليها وطلَبت منه أن يُواقِعَها، قولهُ ﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ﴾ قال المفسِّرون أغلَقَت سبعةَ أبوابٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ ؛ أي هَلُمَّ إلى ما هُيِّءَ لك، قرأ ابنُ كثير (هَيْتُ لَكَ) بفتح الهاء وضمِّ التاء، وقرأ أهلُ المدينة والشام بكسرِها وبفتح التاءِ، وقرأ الباقون بفتح الهاءِ والتاء، وهي قراءةُ النبيِّ ﷺ، ومعناهُ جميعاً، هَلُمَّ وأقبلْ، قال مجاهدُ :(تَدْعُوهُ إلَى نَفْسِهَا وَهِيَ كَلِمَةُ حَثٍّ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ ؛ أعوذ باللهِ أن أفعلَ ما لا يجوزُ لِي فِعْلهُ. وَقِيْلَ : اعتصمُ باللهِ عن فعلِ ما تدُعُنَّني إليه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ ؛ ذهبَ أكثرُ المفسِّرين إلى أنَّ معناهُ : إنَّ زوجَكِ سيِّدي أحسنَ تَربيَتي ومنْزِلَتِي مدَّة مُقامِي عندَهُ، لا أخونهُ في أهلهِ. سَمَّاهُ رَبّاً للرقِّ الذي كان ثبتَ له في الظاهرِ عليه. وَقِيْلَ : معناهُ : إن اللهَ تعالى ربي أحسنَ إلَيَّ بتخليصِي من البئرِ وما قصدَنِي قَوْمِي من الهلاكِ، ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ؛ أي لا يأْمَنُ ولا ينجُو من عذاب الله الذين يظلِمُون أنفسهم، أراد بهم الزُّنَاةَ، ويجوزُ أن يكون أرادَ لو فَعَلَ ما دَعَتْهُ إليه لكان ظَالِماً لزَوجِها في أهلهِ. وفي قولهِ (هَيْتَ) خلافٌ من فتحِ التاء فلِسُكونِها وسكونِ الياء قبلَها نحوُ : كيفَ وأينَ، ومَن ضَمَّ التاءَ فعلى أنَّها مبنيَّةٌ على الضمِّ نحو حيثُ ومنذ، ومَن قرأ بفتحِ الهاء وكسرِ التاء فلأنَّ الأصلَ في التقاءِ السَّاكِنَين حركةُ الكسرِ، ويجوز أن يكون مبنيّاً على الكسرِ مثل أمسِ وجَيْرٍ.

يوسف 12:24

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ ؛ قال الحسنُ :(أمَّا هَمُّهَا فَأَحَبُّ هَمٍّ وَهُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْفَاحِشَةِ، وَأمَّا هَمُّهُ فَهُوَ مَا طُبعَ عَلَيْهِ الرِّجَالُ مِنْ شَهْوَةِ النِّسَاءِ مِنْ دُونِ عَزْمٍ عَلَى الزِّنَا). واختلفَ أهلُ العلمِ في ذلك، فرُوي عن ابنِ عبَّاس أنه سُئِلَ : مَا بَلَغَ مِنْ أمْرِ يُوسُفَ ؟ قَالَ :(حَلَّ الْهِمْيَانَ وَجَلَسَ مِنْهَا مَجْلِسَ الْخَاتِنِ). وعن ابن أبي مليكة قال : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ : مَا بَلَغَ مِنْ أمْرِ يُوسُفَ ؟ قَالَ :(اسْتَلْقَتْ لَهُ عَلَى قَفَاهَا وَقَعَدَ بَيْنَ رَجْلَيْهَا يَنْزِعُ ثِيَابَهُ) وهو قولُ سعيدِ بن جُبير والضحَّاك والسديُّ. ورُوي عن ابنِ عبَّاس :(أنَّه لَمَّا راوَدت يوسُفَ جعلت تذكرُ محاسنَهُ وتشوِّقه إلى نفسها، فقالت : يا يوسفُ ما أحسنَ ماء عينيكَ ؟ قال : هو أوَّلُ ما سِيلَ على الأرضِ من جسَدِي، قالت : ما أحسنَ وجهَكَ ؟ قال : هو للتُّراب يأكلهُ، قالت : ما أحسنَ شَعْرَك، قال : هو أوَّلُ سَتْرٍ من بدَنِي، قالت : ما أحسنَ صُورَتَكَ، قال : رَبي صوَّرَنِي، قال، يا يوسفُ صورةُ وجهِكَ أنْحَلَتْ جسمي، قال : إن الشيطانَ يُعِينُكِ على ذلكَ، قالت : فراشُ الحريرِ قد بسطتهُ قم فاقضِ حاجَتي، قال : إذن يذهبُ نصيبي من الجنَّة، قالت : أُدخل في السترِ معي، قال ليس بشيءٍ يستُرنِي من ربي. فلم تزَلْ تدعوهُ إلى اللذة، ويوسف شابٌّ مستقبلٌ يجد من شبق الشباب ما يجدُ الرجل، وهي حسناءُ جميلة حتى لاَنَ لها لما يرى من كَلَفِها به وهمَّ بها). فهذه أقاويلُ أجِلَّةِ أهلِ التفسير، وقال جماعةٌ من المتأخِّرين :(لاَ يَلِيقُ هَذا بالأَنْبيَاءِ) وأوَّلوا الآيةَ، قال بعضُهم : هَمَّ بالفرار، وهذا لا يصحُّ لأن الفرارَ مذكَّرٌ، وَقِيْلَ : هَمَّ بضَربها ودَفعِها ومخاصمتها، قال بعضُهم معنى قوله :﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ بمُنَاهَا أن تكون له زوجةً. وقال أهلُ الحقائقِ : الْهَمُّ هَمَّانِ : همٌّ مقيمٌ ثابت، وهو إذا كان معه عَزْمٌ وعقدٌ ونيَّة ورضًى مثل هَمِّ امرأةِ العزيزِ، فالعبدُ مأخوذُ به، وهَمٌّ عارضٌ وارد وهو الْخَطْرَةُ والفكرةُ وحديث النَّفسِ من غيرِ اختيارٍ ولا عَزْمٍ مثل همِّ يوسف، والعبدُ غير مأخوذٌ به. وفي الحديثِ عن النبيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ :" إنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بهِ أنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُواْ أوْ يَفْعَلُواْ بهِ ". عن ابن عبَّاس قالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" مَا مِنْ أحَدٍ يَلْقَى اللهَ قَدْ هَمَّ بخَطِيئَةٍ قَدْ عَمِلَهَا، إلاَّ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيّا فإنَّهُ لاَ يَهِمُّ ولَمْ يَفْعَلْ ". وقال بعضُهم في قولهِ ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ قال أبو العبَّاس أحمدُ بن يحيى ثعلب :(هَمَّتِ الْمَرْأةُ بالْمَعْصِيَةِ مُصِرَّةَ عَلَى ذلِكَ، وَهَمَّ يُوسُفُ بالْمَعْصِيَةِ وَلَمْ يَأْتِهَا). وَقِيْلَ، هَمَّت المرأةُ عازمةً على الزنَى، ويوسفُ عارَضَهُ ما يعارضُ الشبابَ من خَطَراتِ القلب وحديث النَّفس، فلم يلزمه، وهذا الْهَمُّ ليس ذنباً إذ الرجلُ الصائم يخطرُ بقلبهِ شرابُ الماءِ البارد، فإذا لم يشرب كان غيرَ مُؤَاخَذٍ بما يحسُّ في نفسهِ فيه.

يوسف 12:25

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ ؛ قال السديُّ :(ذلِكَ أنَّ زُلَيخَا قالَتْ لِيُوسُفَ حِينَ أغْلَقَتِ الْبَابَ : مَا أحْسنَ شَعْرَك رضي الله عنه إلَى آخِرِ الْكَلاَمِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ ذلِكَ حَتَّى هَمَّ بَها، فَلَمَّا رَأى الْبُرْهَانَ قَامَ مُبَادِراً إلَى الْبَاب هَارِباً، فَاتَّبَعَتْهُ الْمَرْأةُ فَأَدْرَكَتْهُ، فَلَمَّا أحَسَّتْ بقُوَّتِهِ مَزَّقَتْ آخِرَ قَمِيصِهِ مَانِعَةً لَهُ مِنَ الْخُرُوجِ. والقَدُّ قطعُ الشيءِ بأَسرهِ طُولاً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ ؛ صَادفا زوجَها عند الباب جَالساً، فلمَّا رأتْهُ هَابَتْهُ، و ﴿قَالَتْ﴾ سابقةً بإلقاءِ الذنب على يوسف :﴿مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ ؛ يعني الزِّنَى، ﴿إِلاَّ أَن يُسْجَنَ﴾ ؛ أن يُودَعَ في السجنِ، أَوْ ؛ يُعَذبَ، ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ يعني الضَّربَ الوجيعَ. فلمَّا قالت المرأةُ ذلك، لَمْ يجدْ يوسُفُ بُدّاً من تبرئةِ نفسه، ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾ ؛ أي طالَبَتني بمُرادِها من نفسي فأبَيتُ وفرَرْتُ منها، فأدرَكَتْنِي وشقَّتْ قَمِيصِي، ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾، وكان مع زوجِها بالباب، ﴿مِّنْ أَهْلِهَآ﴾، ابنُ عمٍّ لها حكيم، فقال ابنُ عمِّها :﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ ؛ إنْ كان شُقَّ القميصُ مِن قُدَّامِهِ، ﴿فَصَدَقَتْ﴾ ؛ فهي صادقةٌ، ﴿وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ﴾، وإنْ كَانَ من خَلْفِهِ فهو صادقٌ، وقال الضحَّاك :(كَانَ الشَّاهِدُ صَبيّاً فِي الْمَهْدِ فَأَنْطَقَهُ اللهُ تَعَالَى). قِيْلَ : كان ذلك الصبيُّ ابنَ خالِ المرأة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ ؛ أي فلَمَّا رأى ابنُ عمِّها قُدَّ القيمصُ من خلفٍ، ويقال : فلمَّا رأى زوجُها ذلك، ﴿قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾ ؛ أي قولُها ﴿مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ من مَكْرِكُنَّ، ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾. ثم قالَ ليوسُفَ بعدَما ظهَرتْ براءتهُ :﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـاذَا﴾ ؛ يعني أمْسِكْ ذِكرَهُ حتى لا ينتشرَ في البلدِ وفي ما بين الناس، ثم أقبلَ عليها وقال :﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ ؛ فإن الخطابَ كان منكِ ألقَيتِهِ على يوسف. وقد احتجَّ مالكُ والحسنُ بن حيٍّ في الحكمِ بالعلامة بهذه الآيةِ : أنَّ اللُّقَطَةَ إذا ادَّعَاهَا مُدَّعٍ وَوَصَفَها وَجَبَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ أنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ عَلَى مَذْهَبهِمَا. ولا حجَّةَ لهما في هذه الآيةِ، إذ لا خلافَ بين الفُقهاءِ أن الأملاكَ والأيدي لا تستَحقُّ بالعلاماتِ، فإنَّ العطَّارَ والدباغَ إذا اختلفَا في عِطْرٍ في أيدِيهما لم يكن العطارُ أوْلَى به من الدَّباغِ، وكذلك الاسكافِيُّ الصَّيرَفِيُّ إذا اختلفَا في حذاءٍ في يدِ الصيرفِيِّ لم يستحقُّهُ الاسكافِيُّ ؛ لأن ذلك من صِنَاعتهِ. وعن مجاهد :(أنَّ امْرَأَتَيْنِ اخْتَصَمَتَا إلَى شُرَيْحٍ فِي وَلَدٍ لَهُنَّ، فَقَالَ شُرَيْحُ : ألْقُوهَا مَعَ هَذِهِ، فَإنْ هِيَ رَدَّتْ وَفَرَّتْ وَاسْتَفَزَّتْ فِهِيَ لَهَا، وَإنْ هَرَبَتْ وَفَرَّتْ فَلَيْسَتْ لَهَا). وكان ذا القولِ من شُريح على جهةِ ما يغلبُ في الظنِّ ليميِّز المبطلَ من المدعِيَين فنحكمُ عليه بالإقرار.

يوسف 12:26

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ ؛ قال السديُّ :(ذلِكَ أنَّ زُلَيخَا قالَتْ لِيُوسُفَ حِينَ أغْلَقَتِ الْبَابَ : مَا أحْسنَ شَعْرَك رضي الله عنه إلَى آخِرِ الْكَلاَمِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ ذلِكَ حَتَّى هَمَّ بَها، فَلَمَّا رَأى الْبُرْهَانَ قَامَ مُبَادِراً إلَى الْبَاب هَارِباً، فَاتَّبَعَتْهُ الْمَرْأةُ فَأَدْرَكَتْهُ، فَلَمَّا أحَسَّتْ بقُوَّتِهِ مَزَّقَتْ آخِرَ قَمِيصِهِ مَانِعَةً لَهُ مِنَ الْخُرُوجِ. والقَدُّ قطعُ الشيءِ بأَسرهِ طُولاً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ ؛ صَادفا زوجَها عند الباب جَالساً، فلمَّا رأتْهُ هَابَتْهُ، و ﴿قَالَتْ﴾ سابقةً بإلقاءِ الذنب على يوسف :﴿مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ ؛ يعني الزِّنَى، ﴿إِلاَّ أَن يُسْجَنَ﴾ ؛ أن يُودَعَ في السجنِ، أَوْ ؛ يُعَذبَ، ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ يعني الضَّربَ الوجيعَ. فلمَّا قالت المرأةُ ذلك، لَمْ يجدْ يوسُفُ بُدّاً من تبرئةِ نفسه، ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾ ؛ أي طالَبَتني بمُرادِها من نفسي فأبَيتُ وفرَرْتُ منها، فأدرَكَتْنِي وشقَّتْ قَمِيصِي، ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾، وكان مع زوجِها بالباب، ﴿مِّنْ أَهْلِهَآ﴾، ابنُ عمٍّ لها حكيم، فقال ابنُ عمِّها :﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ ؛ إنْ كان شُقَّ القميصُ مِن قُدَّامِهِ، ﴿فَصَدَقَتْ﴾ ؛ فهي صادقةٌ، ﴿وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ﴾، وإنْ كَانَ من خَلْفِهِ فهو صادقٌ، وقال الضحَّاك :(كَانَ الشَّاهِدُ صَبيّاً فِي الْمَهْدِ فَأَنْطَقَهُ اللهُ تَعَالَى). قِيْلَ : كان ذلك الصبيُّ ابنَ خالِ المرأة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ ؛ أي فلَمَّا رأى ابنُ عمِّها قُدَّ القيمصُ من خلفٍ، ويقال : فلمَّا رأى زوجُها ذلك، ﴿قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾ ؛ أي قولُها ﴿مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ من مَكْرِكُنَّ، ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾. ثم قالَ ليوسُفَ بعدَما ظهَرتْ براءتهُ :﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـاذَا﴾ ؛ يعني أمْسِكْ ذِكرَهُ حتى لا ينتشرَ في البلدِ وفي ما بين الناس، ثم أقبلَ عليها وقال :﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ ؛ فإن الخطابَ كان منكِ ألقَيتِهِ على يوسف. وقد احتجَّ مالكُ والحسنُ بن حيٍّ في الحكمِ بالعلامة بهذه الآيةِ : أنَّ اللُّقَطَةَ إذا ادَّعَاهَا مُدَّعٍ وَوَصَفَها وَجَبَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ أنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ عَلَى مَذْهَبهِمَا. ولا حجَّةَ لهما في هذه الآيةِ، إذ لا خلافَ بين الفُقهاءِ أن الأملاكَ والأيدي لا تستَحقُّ بالعلاماتِ، فإنَّ العطَّارَ والدباغَ إذا اختلفَا في عِطْرٍ في أيدِيهما لم يكن العطارُ أوْلَى به من الدَّباغِ، وكذلك الاسكافِيُّ الصَّيرَفِيُّ إذا اختلفَا في حذاءٍ في يدِ الصيرفِيِّ لم يستحقُّهُ الاسكافِيُّ ؛ لأن ذلك من صِنَاعتهِ. وعن مجاهد :(أنَّ امْرَأَتَيْنِ اخْتَصَمَتَا إلَى شُرَيْحٍ فِي وَلَدٍ لَهُنَّ، فَقَالَ شُرَيْحُ : ألْقُوهَا مَعَ هَذِهِ، فَإنْ هِيَ رَدَّتْ وَفَرَّتْ وَاسْتَفَزَّتْ فِهِيَ لَهَا، وَإنْ هَرَبَتْ وَفَرَّتْ فَلَيْسَتْ لَهَا). وكان ذا القولِ من شُريح على جهةِ ما يغلبُ في الظنِّ ليميِّز المبطلَ من المدعِيَين فنحكمُ عليه بالإقرار.

يوسف 12:27

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ ؛ قال السديُّ :(ذلِكَ أنَّ زُلَيخَا قالَتْ لِيُوسُفَ حِينَ أغْلَقَتِ الْبَابَ : مَا أحْسنَ شَعْرَك رضي الله عنه إلَى آخِرِ الْكَلاَمِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ ذلِكَ حَتَّى هَمَّ بَها، فَلَمَّا رَأى الْبُرْهَانَ قَامَ مُبَادِراً إلَى الْبَاب هَارِباً، فَاتَّبَعَتْهُ الْمَرْأةُ فَأَدْرَكَتْهُ، فَلَمَّا أحَسَّتْ بقُوَّتِهِ مَزَّقَتْ آخِرَ قَمِيصِهِ مَانِعَةً لَهُ مِنَ الْخُرُوجِ. والقَدُّ قطعُ الشيءِ بأَسرهِ طُولاً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ ؛ صَادفا زوجَها عند الباب جَالساً، فلمَّا رأتْهُ هَابَتْهُ، و ﴿قَالَتْ﴾ سابقةً بإلقاءِ الذنب على يوسف :﴿مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ ؛ يعني الزِّنَى، ﴿إِلاَّ أَن يُسْجَنَ﴾ ؛ أن يُودَعَ في السجنِ، أَوْ ؛ يُعَذبَ، ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ يعني الضَّربَ الوجيعَ. فلمَّا قالت المرأةُ ذلك، لَمْ يجدْ يوسُفُ بُدّاً من تبرئةِ نفسه، ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾ ؛ أي طالَبَتني بمُرادِها من نفسي فأبَيتُ وفرَرْتُ منها، فأدرَكَتْنِي وشقَّتْ قَمِيصِي، ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾، وكان مع زوجِها بالباب، ﴿مِّنْ أَهْلِهَآ﴾، ابنُ عمٍّ لها حكيم، فقال ابنُ عمِّها :﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ ؛ إنْ كان شُقَّ القميصُ مِن قُدَّامِهِ، ﴿فَصَدَقَتْ﴾ ؛ فهي صادقةٌ، ﴿وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ﴾، وإنْ كَانَ من خَلْفِهِ فهو صادقٌ، وقال الضحَّاك :(كَانَ الشَّاهِدُ صَبيّاً فِي الْمَهْدِ فَأَنْطَقَهُ اللهُ تَعَالَى). قِيْلَ : كان ذلك الصبيُّ ابنَ خالِ المرأة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ ؛ أي فلَمَّا رأى ابنُ عمِّها قُدَّ القيمصُ من خلفٍ، ويقال : فلمَّا رأى زوجُها ذلك، ﴿قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾ ؛ أي قولُها ﴿مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ من مَكْرِكُنَّ، ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾. ثم قالَ ليوسُفَ بعدَما ظهَرتْ براءتهُ :﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـاذَا﴾ ؛ يعني أمْسِكْ ذِكرَهُ حتى لا ينتشرَ في البلدِ وفي ما بين الناس، ثم أقبلَ عليها وقال :﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ ؛ فإن الخطابَ كان منكِ ألقَيتِهِ على يوسف. وقد احتجَّ مالكُ والحسنُ بن حيٍّ في الحكمِ بالعلامة بهذه الآيةِ : أنَّ اللُّقَطَةَ إذا ادَّعَاهَا مُدَّعٍ وَوَصَفَها وَجَبَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ أنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ عَلَى مَذْهَبهِمَا. ولا حجَّةَ لهما في هذه الآيةِ، إذ لا خلافَ بين الفُقهاءِ أن الأملاكَ والأيدي لا تستَحقُّ بالعلاماتِ، فإنَّ العطَّارَ والدباغَ إذا اختلفَا في عِطْرٍ في أيدِيهما لم يكن العطارُ أوْلَى به من الدَّباغِ، وكذلك الاسكافِيُّ الصَّيرَفِيُّ إذا اختلفَا في حذاءٍ في يدِ الصيرفِيِّ لم يستحقُّهُ الاسكافِيُّ ؛ لأن ذلك من صِنَاعتهِ. وعن مجاهد :(أنَّ امْرَأَتَيْنِ اخْتَصَمَتَا إلَى شُرَيْحٍ فِي وَلَدٍ لَهُنَّ، فَقَالَ شُرَيْحُ : ألْقُوهَا مَعَ هَذِهِ، فَإنْ هِيَ رَدَّتْ وَفَرَّتْ وَاسْتَفَزَّتْ فِهِيَ لَهَا، وَإنْ هَرَبَتْ وَفَرَّتْ فَلَيْسَتْ لَهَا). وكان ذا القولِ من شُريح على جهةِ ما يغلبُ في الظنِّ ليميِّز المبطلَ من المدعِيَين فنحكمُ عليه بالإقرار.

يوسف 12:28

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ ؛ قال السديُّ :(ذلِكَ أنَّ زُلَيخَا قالَتْ لِيُوسُفَ حِينَ أغْلَقَتِ الْبَابَ : مَا أحْسنَ شَعْرَك رضي الله عنه إلَى آخِرِ الْكَلاَمِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ ذلِكَ حَتَّى هَمَّ بَها، فَلَمَّا رَأى الْبُرْهَانَ قَامَ مُبَادِراً إلَى الْبَاب هَارِباً، فَاتَّبَعَتْهُ الْمَرْأةُ فَأَدْرَكَتْهُ، فَلَمَّا أحَسَّتْ بقُوَّتِهِ مَزَّقَتْ آخِرَ قَمِيصِهِ مَانِعَةً لَهُ مِنَ الْخُرُوجِ. والقَدُّ قطعُ الشيءِ بأَسرهِ طُولاً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ ؛ صَادفا زوجَها عند الباب جَالساً، فلمَّا رأتْهُ هَابَتْهُ، و ﴿قَالَتْ﴾ سابقةً بإلقاءِ الذنب على يوسف :﴿مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ ؛ يعني الزِّنَى، ﴿إِلاَّ أَن يُسْجَنَ﴾ ؛ أن يُودَعَ في السجنِ، أَوْ ؛ يُعَذبَ، ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ يعني الضَّربَ الوجيعَ. فلمَّا قالت المرأةُ ذلك، لَمْ يجدْ يوسُفُ بُدّاً من تبرئةِ نفسه، ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾ ؛ أي طالَبَتني بمُرادِها من نفسي فأبَيتُ وفرَرْتُ منها، فأدرَكَتْنِي وشقَّتْ قَمِيصِي، ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾، وكان مع زوجِها بالباب، ﴿مِّنْ أَهْلِهَآ﴾، ابنُ عمٍّ لها حكيم، فقال ابنُ عمِّها :﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ ؛ إنْ كان شُقَّ القميصُ مِن قُدَّامِهِ، ﴿فَصَدَقَتْ﴾ ؛ فهي صادقةٌ، ﴿وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ﴾، وإنْ كَانَ من خَلْفِهِ فهو صادقٌ، وقال الضحَّاك :(كَانَ الشَّاهِدُ صَبيّاً فِي الْمَهْدِ فَأَنْطَقَهُ اللهُ تَعَالَى). قِيْلَ : كان ذلك الصبيُّ ابنَ خالِ المرأة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ ؛ أي فلَمَّا رأى ابنُ عمِّها قُدَّ القيمصُ من خلفٍ، ويقال : فلمَّا رأى زوجُها ذلك، ﴿قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾ ؛ أي قولُها ﴿مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ من مَكْرِكُنَّ، ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾. ثم قالَ ليوسُفَ بعدَما ظهَرتْ براءتهُ :﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـاذَا﴾ ؛ يعني أمْسِكْ ذِكرَهُ حتى لا ينتشرَ في البلدِ وفي ما بين الناس، ثم أقبلَ عليها وقال :﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ ؛ فإن الخطابَ كان منكِ ألقَيتِهِ على يوسف. وقد احتجَّ مالكُ والحسنُ بن حيٍّ في الحكمِ بالعلامة بهذه الآيةِ : أنَّ اللُّقَطَةَ إذا ادَّعَاهَا مُدَّعٍ وَوَصَفَها وَجَبَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ أنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ عَلَى مَذْهَبهِمَا. ولا حجَّةَ لهما في هذه الآيةِ، إذ لا خلافَ بين الفُقهاءِ أن الأملاكَ والأيدي لا تستَحقُّ بالعلاماتِ، فإنَّ العطَّارَ والدباغَ إذا اختلفَا في عِطْرٍ في أيدِيهما لم يكن العطارُ أوْلَى به من الدَّباغِ، وكذلك الاسكافِيُّ الصَّيرَفِيُّ إذا اختلفَا في حذاءٍ في يدِ الصيرفِيِّ لم يستحقُّهُ الاسكافِيُّ ؛ لأن ذلك من صِنَاعتهِ. وعن مجاهد :(أنَّ امْرَأَتَيْنِ اخْتَصَمَتَا إلَى شُرَيْحٍ فِي وَلَدٍ لَهُنَّ، فَقَالَ شُرَيْحُ : ألْقُوهَا مَعَ هَذِهِ، فَإنْ هِيَ رَدَّتْ وَفَرَّتْ وَاسْتَفَزَّتْ فِهِيَ لَهَا، وَإنْ هَرَبَتْ وَفَرَّتْ فَلَيْسَتْ لَهَا). وكان ذا القولِ من شُريح على جهةِ ما يغلبُ في الظنِّ ليميِّز المبطلَ من المدعِيَين فنحكمُ عليه بالإقرار.

يوسف 12:29

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ ؛ قال السديُّ :(ذلِكَ أنَّ زُلَيخَا قالَتْ لِيُوسُفَ حِينَ أغْلَقَتِ الْبَابَ : مَا أحْسنَ شَعْرَك رضي الله عنه إلَى آخِرِ الْكَلاَمِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ ذلِكَ حَتَّى هَمَّ بَها، فَلَمَّا رَأى الْبُرْهَانَ قَامَ مُبَادِراً إلَى الْبَاب هَارِباً، فَاتَّبَعَتْهُ الْمَرْأةُ فَأَدْرَكَتْهُ، فَلَمَّا أحَسَّتْ بقُوَّتِهِ مَزَّقَتْ آخِرَ قَمِيصِهِ مَانِعَةً لَهُ مِنَ الْخُرُوجِ. والقَدُّ قطعُ الشيءِ بأَسرهِ طُولاً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ ؛ صَادفا زوجَها عند الباب جَالساً، فلمَّا رأتْهُ هَابَتْهُ، و ﴿قَالَتْ﴾ سابقةً بإلقاءِ الذنب على يوسف :﴿مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ ؛ يعني الزِّنَى، ﴿إِلاَّ أَن يُسْجَنَ﴾ ؛ أن يُودَعَ في السجنِ، أَوْ ؛ يُعَذبَ، ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ يعني الضَّربَ الوجيعَ. فلمَّا قالت المرأةُ ذلك، لَمْ يجدْ يوسُفُ بُدّاً من تبرئةِ نفسه، ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾ ؛ أي طالَبَتني بمُرادِها من نفسي فأبَيتُ وفرَرْتُ منها، فأدرَكَتْنِي وشقَّتْ قَمِيصِي، ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾، وكان مع زوجِها بالباب، ﴿مِّنْ أَهْلِهَآ﴾، ابنُ عمٍّ لها حكيم، فقال ابنُ عمِّها :﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ ؛ إنْ كان شُقَّ القميصُ مِن قُدَّامِهِ، ﴿فَصَدَقَتْ﴾ ؛ فهي صادقةٌ، ﴿وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ﴾، وإنْ كَانَ من خَلْفِهِ فهو صادقٌ، وقال الضحَّاك :(كَانَ الشَّاهِدُ صَبيّاً فِي الْمَهْدِ فَأَنْطَقَهُ اللهُ تَعَالَى). قِيْلَ : كان ذلك الصبيُّ ابنَ خالِ المرأة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ ؛ أي فلَمَّا رأى ابنُ عمِّها قُدَّ القيمصُ من خلفٍ، ويقال : فلمَّا رأى زوجُها ذلك، ﴿قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾ ؛ أي قولُها ﴿مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ من مَكْرِكُنَّ، ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾. ثم قالَ ليوسُفَ بعدَما ظهَرتْ براءتهُ :﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـاذَا﴾ ؛ يعني أمْسِكْ ذِكرَهُ حتى لا ينتشرَ في البلدِ وفي ما بين الناس، ثم أقبلَ عليها وقال :﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ ؛ فإن الخطابَ كان منكِ ألقَيتِهِ على يوسف. وقد احتجَّ مالكُ والحسنُ بن حيٍّ في الحكمِ بالعلامة بهذه الآيةِ : أنَّ اللُّقَطَةَ إذا ادَّعَاهَا مُدَّعٍ وَوَصَفَها وَجَبَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ أنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ عَلَى مَذْهَبهِمَا. ولا حجَّةَ لهما في هذه الآيةِ، إذ لا خلافَ بين الفُقهاءِ أن الأملاكَ والأيدي لا تستَحقُّ بالعلاماتِ، فإنَّ العطَّارَ والدباغَ إذا اختلفَا في عِطْرٍ في أيدِيهما لم يكن العطارُ أوْلَى به من الدَّباغِ، وكذلك الاسكافِيُّ الصَّيرَفِيُّ إذا اختلفَا في حذاءٍ في يدِ الصيرفِيِّ لم يستحقُّهُ الاسكافِيُّ ؛ لأن ذلك من صِنَاعتهِ. وعن مجاهد :(أنَّ امْرَأَتَيْنِ اخْتَصَمَتَا إلَى شُرَيْحٍ فِي وَلَدٍ لَهُنَّ، فَقَالَ شُرَيْحُ : ألْقُوهَا مَعَ هَذِهِ، فَإنْ هِيَ رَدَّتْ وَفَرَّتْ وَاسْتَفَزَّتْ فِهِيَ لَهَا، وَإنْ هَرَبَتْ وَفَرَّتْ فَلَيْسَتْ لَهَا). وكان ذا القولِ من شُريح على جهةِ ما يغلبُ في الظنِّ ليميِّز المبطلَ من المدعِيَين فنحكمُ عليه بالإقرار.

يوسف 12:30

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(هُنَّ أرْبَعُ نِسْوَةٍ : أمْرأَةُ سَاقِي الْمَلِكِ، وَامْرَأةُ خَبَّازِهِ، وَامْرَأَةُ صَاحِب سِجْنِهِ، وَامْرَأَةُ صَاحِب دَوَابهِ، قُلْنَ فِي امْرَأةِ الْعَزِيزِ : إنَّهَا تَدْعُو عَبْدَهَا إلَى نَفْسِهَا). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً﴾ ؛ قد خَرَقَ حبُّهُ حجابَ قلبها فلا يعقلُ غيره، ويقال : قد أحبَّتهُ حتى دخلَ حُبُّهُ شِغَافَ قَلبها. والشِّغَافُ : جلدةٌ تشتملُ على القلب، يقالُ : شَغفَهُ إذا رماهُ فأصابَ ذلك الموضعِ منه كما يقالُ كَبَدَهُ إ ذا أصابَ كَبدَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حُبّاً﴾ نُصِبَ على التمييزِ كأنَّهُنَّ قُلنَ : أصابَ حبُّه وسطَ قلبها وسويداءَ قلبها. وقرأ أبو رجاءٍ والشعبي : بالعين المهملة، ومعناه ذهبَ بها الحبُّ كلَّ مذهبٍ، مشتقٌ من شِعَافِ الجبالِ أي رُؤوسها. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ أي في الخطأ البيِّن. قال ابنُ عبَّاس :(فَجَعَلْنَ يُفْشِينَ هَذا فِي الْمَدِينَةِ، فَبَلَغَ ذلِكَ زُلَيْخَا) فهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ ؛ أي فلما سَمعت بكلامَ هؤلاء النِّسوة وذمِّهن لها أرسَلت إليهنَّ، فدَعَتهُنَّ لوليمةٍ أعدَّتْها لهن، ويقال : إنما سمُي قولُ النسوةِ مَكْراً ؛ لأنَّها كانت أطلَعَتْهُنَّ واستكتَمَتْهن فأَفْشَيْنَ سِرَّها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً﴾ ؛ أي أصلَحت وهيَّأَتْ لهن أمكنةً يقعُدن عليها، ووسائدَ يتَّكِينَ عليها، وفي قراءة ابنِ عباس (مُتْكاً) بالتخفيف بغير همز، قال :(وَالْمُتْكُ : الأَتْرُجّ). قال وهبُ :(دَعَتْ أرْبَعِينَ امْرأَةً، وَأعَدَّتْ لَهُنَّ أتْرُجاً وَبطِّيخاً). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً﴾ ؛ لتقطعَ بها الفواكِهَ والأُترج على ما جَرت به العادةُ، ويقال : كانت وضَعت لَهُنَّ خُبزاً ولَحماً وهذه الفواكه، ﴿وَقَالَتِ﴾ ؛ ليوسُف :﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ ؛ وذلك أنَها كانت قد أجْلَسَتهُ في مجلسٍ غير الذي كُنَّ جلسنَ فيه. قال عكرمةُ :(وَكَانَ فَضْلُ يُوسُفَ عَلَى النَّاسِ فِي الْحُسْنِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى النُّجُومِ). وعن أبي سعيدٍ الخدري قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بي فَرَأيْتُ يُوسُفَ عليه السلام، فَقُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذا ؟ فَقَالَ : يُوسُفَ " قَالَ : كَيْفَ رَأيْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ :" كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ". ورُوي أن يوسف عليه السلام كان إذا مشَى في أزِقَّة مصرَ يُرى نورُ وجههِ على الجِدَارَاتِ كما ترى نورَ الشمسِ والماء على الجدار. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ فخرجَ عليهن، ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ ؛ أي عَظُمَ عندَهُن، وَ ؛ بلغَ من شَغْلِ قُلوبهن برؤيته ما، ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ ؛ بالسَّكاكين. قال قتادةُ :(قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ حَتَّى ألْقَيْنَهَا وَهُنَّ لاَ يَشْعُرْنَ)، ويقالُ : معنى (أكْبَرْنَهُ) أي حِضْنَ، ويقال : معنى (أكْبَرْنَ) آمَنَّ. قِيْلَ : أنَّهن كُنَّ يقَطِّعن أيديهن وهن يحسَبن أنَّهن يُقَطِّعنَ الأتْرَجُ، ولم يجدن الألَمَ لاشتغالِ قُلوبهن برؤيةِ يوسف. قال وهب :(وَبَلَغَنِي أنَّ سَبْعاً مِنَ الأرْبَعِينَ مِمَّنْ كُنَّ فِي ذلِكَ الْمَجْلِسِ وَجَدْنَ بيُوسُفَ عليه السلام).

يوسف 12:31

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(هُنَّ أرْبَعُ نِسْوَةٍ : أمْرأَةُ سَاقِي الْمَلِكِ، وَامْرَأةُ خَبَّازِهِ، وَامْرَأَةُ صَاحِب سِجْنِهِ، وَامْرَأَةُ صَاحِب دَوَابهِ، قُلْنَ فِي امْرَأةِ الْعَزِيزِ : إنَّهَا تَدْعُو عَبْدَهَا إلَى نَفْسِهَا). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً﴾ ؛ قد خَرَقَ حبُّهُ حجابَ قلبها فلا يعقلُ غيره، ويقال : قد أحبَّتهُ حتى دخلَ حُبُّهُ شِغَافَ قَلبها. والشِّغَافُ : جلدةٌ تشتملُ على القلب، يقالُ : شَغفَهُ إذا رماهُ فأصابَ ذلك الموضعِ منه كما يقالُ كَبَدَهُ إ ذا أصابَ كَبدَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حُبّاً﴾ نُصِبَ على التمييزِ كأنَّهُنَّ قُلنَ : أصابَ حبُّه وسطَ قلبها وسويداءَ قلبها. وقرأ أبو رجاءٍ والشعبي : بالعين المهملة، ومعناه ذهبَ بها الحبُّ كلَّ مذهبٍ، مشتقٌ من شِعَافِ الجبالِ أي رُؤوسها. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ أي في الخطأ البيِّن. قال ابنُ عبَّاس :(فَجَعَلْنَ يُفْشِينَ هَذا فِي الْمَدِينَةِ، فَبَلَغَ ذلِكَ زُلَيْخَا) فهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ ؛ أي فلما سَمعت بكلامَ هؤلاء النِّسوة وذمِّهن لها أرسَلت إليهنَّ، فدَعَتهُنَّ لوليمةٍ أعدَّتْها لهن، ويقال : إنما سمُي قولُ النسوةِ مَكْراً ؛ لأنَّها كانت أطلَعَتْهُنَّ واستكتَمَتْهن فأَفْشَيْنَ سِرَّها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً﴾ ؛ أي أصلَحت وهيَّأَتْ لهن أمكنةً يقعُدن عليها، ووسائدَ يتَّكِينَ عليها، وفي قراءة ابنِ عباس (مُتْكاً) بالتخفيف بغير همز، قال :(وَالْمُتْكُ : الأَتْرُجّ). قال وهبُ :(دَعَتْ أرْبَعِينَ امْرأَةً، وَأعَدَّتْ لَهُنَّ أتْرُجاً وَبطِّيخاً). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً﴾ ؛ لتقطعَ بها الفواكِهَ والأُترج على ما جَرت به العادةُ، ويقال : كانت وضَعت لَهُنَّ خُبزاً ولَحماً وهذه الفواكه، ﴿وَقَالَتِ﴾ ؛ ليوسُف :﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ ؛ وذلك أنَها كانت قد أجْلَسَتهُ في مجلسٍ غير الذي كُنَّ جلسنَ فيه. قال عكرمةُ :(وَكَانَ فَضْلُ يُوسُفَ عَلَى النَّاسِ فِي الْحُسْنِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى النُّجُومِ). وعن أبي سعيدٍ الخدري قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بي فَرَأيْتُ يُوسُفَ عليه السلام، فَقُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذا ؟ فَقَالَ : يُوسُفَ " قَالَ : كَيْفَ رَأيْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ :" كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ". ورُوي أن يوسف عليه السلام كان إذا مشَى في أزِقَّة مصرَ يُرى نورُ وجههِ على الجِدَارَاتِ كما ترى نورَ الشمسِ والماء على الجدار. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ فخرجَ عليهن، ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ ؛ أي عَظُمَ عندَهُن، وَ ؛ بلغَ من شَغْلِ قُلوبهن برؤيته ما، ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ ؛ بالسَّكاكين. قال قتادةُ :(قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ حَتَّى ألْقَيْنَهَا وَهُنَّ لاَ يَشْعُرْنَ)، ويقالُ : معنى (أكْبَرْنَهُ) أي حِضْنَ، ويقال : معنى (أكْبَرْنَ) آمَنَّ. قِيْلَ : أنَّهن كُنَّ يقَطِّعن أيديهن وهن يحسَبن أنَّهن يُقَطِّعنَ الأتْرَجُ، ولم يجدن الألَمَ لاشتغالِ قُلوبهن برؤيةِ يوسف. قال وهب :(وَبَلَغَنِي أنَّ سَبْعاً مِنَ الأرْبَعِينَ مِمَّنْ كُنَّ فِي ذلِكَ الْمَجْلِسِ وَجَدْنَ بيُوسُفَ عليه السلام).

يوسف 12:32

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(هُنَّ أرْبَعُ نِسْوَةٍ : أمْرأَةُ سَاقِي الْمَلِكِ، وَامْرَأةُ خَبَّازِهِ، وَامْرَأَةُ صَاحِب سِجْنِهِ، وَامْرَأَةُ صَاحِب دَوَابهِ، قُلْنَ فِي امْرَأةِ الْعَزِيزِ : إنَّهَا تَدْعُو عَبْدَهَا إلَى نَفْسِهَا). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً﴾ ؛ قد خَرَقَ حبُّهُ حجابَ قلبها فلا يعقلُ غيره، ويقال : قد أحبَّتهُ حتى دخلَ حُبُّهُ شِغَافَ قَلبها. والشِّغَافُ : جلدةٌ تشتملُ على القلب، يقالُ : شَغفَهُ إذا رماهُ فأصابَ ذلك الموضعِ منه كما يقالُ كَبَدَهُ إ ذا أصابَ كَبدَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حُبّاً﴾ نُصِبَ على التمييزِ كأنَّهُنَّ قُلنَ : أصابَ حبُّه وسطَ قلبها وسويداءَ قلبها. وقرأ أبو رجاءٍ والشعبي : بالعين المهملة، ومعناه ذهبَ بها الحبُّ كلَّ مذهبٍ، مشتقٌ من شِعَافِ الجبالِ أي رُؤوسها. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ أي في الخطأ البيِّن. قال ابنُ عبَّاس :(فَجَعَلْنَ يُفْشِينَ هَذا فِي الْمَدِينَةِ، فَبَلَغَ ذلِكَ زُلَيْخَا) فهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ ؛ أي فلما سَمعت بكلامَ هؤلاء النِّسوة وذمِّهن لها أرسَلت إليهنَّ، فدَعَتهُنَّ لوليمةٍ أعدَّتْها لهن، ويقال : إنما سمُي قولُ النسوةِ مَكْراً ؛ لأنَّها كانت أطلَعَتْهُنَّ واستكتَمَتْهن فأَفْشَيْنَ سِرَّها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً﴾ ؛ أي أصلَحت وهيَّأَتْ لهن أمكنةً يقعُدن عليها، ووسائدَ يتَّكِينَ عليها، وفي قراءة ابنِ عباس (مُتْكاً) بالتخفيف بغير همز، قال :(وَالْمُتْكُ : الأَتْرُجّ). قال وهبُ :(دَعَتْ أرْبَعِينَ امْرأَةً، وَأعَدَّتْ لَهُنَّ أتْرُجاً وَبطِّيخاً). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً﴾ ؛ لتقطعَ بها الفواكِهَ والأُترج على ما جَرت به العادةُ، ويقال : كانت وضَعت لَهُنَّ خُبزاً ولَحماً وهذه الفواكه، ﴿وَقَالَتِ﴾ ؛ ليوسُف :﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ ؛ وذلك أنَها كانت قد أجْلَسَتهُ في مجلسٍ غير الذي كُنَّ جلسنَ فيه. قال عكرمةُ :(وَكَانَ فَضْلُ يُوسُفَ عَلَى النَّاسِ فِي الْحُسْنِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى النُّجُومِ). وعن أبي سعيدٍ الخدري قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بي فَرَأيْتُ يُوسُفَ عليه السلام، فَقُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذا ؟ فَقَالَ : يُوسُفَ " قَالَ : كَيْفَ رَأيْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ :" كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ". ورُوي أن يوسف عليه السلام كان إذا مشَى في أزِقَّة مصرَ يُرى نورُ وجههِ على الجِدَارَاتِ كما ترى نورَ الشمسِ والماء على الجدار. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ فخرجَ عليهن، ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ ؛ أي عَظُمَ عندَهُن، وَ ؛ بلغَ من شَغْلِ قُلوبهن برؤيته ما، ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ ؛ بالسَّكاكين. قال قتادةُ :(قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ حَتَّى ألْقَيْنَهَا وَهُنَّ لاَ يَشْعُرْنَ)، ويقالُ : معنى (أكْبَرْنَهُ) أي حِضْنَ، ويقال : معنى (أكْبَرْنَ) آمَنَّ. قِيْلَ : أنَّهن كُنَّ يقَطِّعن أيديهن وهن يحسَبن أنَّهن يُقَطِّعنَ الأتْرَجُ، ولم يجدن الألَمَ لاشتغالِ قُلوبهن برؤيةِ يوسف. قال وهب :(وَبَلَغَنِي أنَّ سَبْعاً مِنَ الأرْبَعِينَ مِمَّنْ كُنَّ فِي ذلِكَ الْمَجْلِسِ وَجَدْنَ بيُوسُفَ عليه السلام).

يوسف 12:33

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(هُنَّ أرْبَعُ نِسْوَةٍ : أمْرأَةُ سَاقِي الْمَلِكِ، وَامْرَأةُ خَبَّازِهِ، وَامْرَأَةُ صَاحِب سِجْنِهِ، وَامْرَأَةُ صَاحِب دَوَابهِ، قُلْنَ فِي امْرَأةِ الْعَزِيزِ : إنَّهَا تَدْعُو عَبْدَهَا إلَى نَفْسِهَا). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً﴾ ؛ قد خَرَقَ حبُّهُ حجابَ قلبها فلا يعقلُ غيره، ويقال : قد أحبَّتهُ حتى دخلَ حُبُّهُ شِغَافَ قَلبها. والشِّغَافُ : جلدةٌ تشتملُ على القلب، يقالُ : شَغفَهُ إذا رماهُ فأصابَ ذلك الموضعِ منه كما يقالُ كَبَدَهُ إ ذا أصابَ كَبدَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حُبّاً﴾ نُصِبَ على التمييزِ كأنَّهُنَّ قُلنَ : أصابَ حبُّه وسطَ قلبها وسويداءَ قلبها. وقرأ أبو رجاءٍ والشعبي : بالعين المهملة، ومعناه ذهبَ بها الحبُّ كلَّ مذهبٍ، مشتقٌ من شِعَافِ الجبالِ أي رُؤوسها. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ أي في الخطأ البيِّن. قال ابنُ عبَّاس :(فَجَعَلْنَ يُفْشِينَ هَذا فِي الْمَدِينَةِ، فَبَلَغَ ذلِكَ زُلَيْخَا) فهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ ؛ أي فلما سَمعت بكلامَ هؤلاء النِّسوة وذمِّهن لها أرسَلت إليهنَّ، فدَعَتهُنَّ لوليمةٍ أعدَّتْها لهن، ويقال : إنما سمُي قولُ النسوةِ مَكْراً ؛ لأنَّها كانت أطلَعَتْهُنَّ واستكتَمَتْهن فأَفْشَيْنَ سِرَّها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً﴾ ؛ أي أصلَحت وهيَّأَتْ لهن أمكنةً يقعُدن عليها، ووسائدَ يتَّكِينَ عليها، وفي قراءة ابنِ عباس (مُتْكاً) بالتخفيف بغير همز، قال :(وَالْمُتْكُ : الأَتْرُجّ). قال وهبُ :(دَعَتْ أرْبَعِينَ امْرأَةً، وَأعَدَّتْ لَهُنَّ أتْرُجاً وَبطِّيخاً). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً﴾ ؛ لتقطعَ بها الفواكِهَ والأُترج على ما جَرت به العادةُ، ويقال : كانت وضَعت لَهُنَّ خُبزاً ولَحماً وهذه الفواكه، ﴿وَقَالَتِ﴾ ؛ ليوسُف :﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ ؛ وذلك أنَها كانت قد أجْلَسَتهُ في مجلسٍ غير الذي كُنَّ جلسنَ فيه. قال عكرمةُ :(وَكَانَ فَضْلُ يُوسُفَ عَلَى النَّاسِ فِي الْحُسْنِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى النُّجُومِ). وعن أبي سعيدٍ الخدري قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بي فَرَأيْتُ يُوسُفَ عليه السلام، فَقُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذا ؟ فَقَالَ : يُوسُفَ " قَالَ : كَيْفَ رَأيْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ :" كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ". ورُوي أن يوسف عليه السلام كان إذا مشَى في أزِقَّة مصرَ يُرى نورُ وجههِ على الجِدَارَاتِ كما ترى نورَ الشمسِ والماء على الجدار. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ فخرجَ عليهن، ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ ؛ أي عَظُمَ عندَهُن، وَ ؛ بلغَ من شَغْلِ قُلوبهن برؤيته ما، ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ ؛ بالسَّكاكين. قال قتادةُ :(قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ حَتَّى ألْقَيْنَهَا وَهُنَّ لاَ يَشْعُرْنَ)، ويقالُ : معنى (أكْبَرْنَهُ) أي حِضْنَ، ويقال : معنى (أكْبَرْنَ) آمَنَّ. قِيْلَ : أنَّهن كُنَّ يقَطِّعن أيديهن وهن يحسَبن أنَّهن يُقَطِّعنَ الأتْرَجُ، ولم يجدن الألَمَ لاشتغالِ قُلوبهن برؤيةِ يوسف. قال وهب :(وَبَلَغَنِي أنَّ سَبْعاً مِنَ الأرْبَعِينَ مِمَّنْ كُنَّ فِي ذلِكَ الْمَجْلِسِ وَجَدْنَ بيُوسُفَ عليه السلام).

يوسف 12:34

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(هُنَّ أرْبَعُ نِسْوَةٍ : أمْرأَةُ سَاقِي الْمَلِكِ، وَامْرَأةُ خَبَّازِهِ، وَامْرَأَةُ صَاحِب سِجْنِهِ، وَامْرَأَةُ صَاحِب دَوَابهِ، قُلْنَ فِي امْرَأةِ الْعَزِيزِ : إنَّهَا تَدْعُو عَبْدَهَا إلَى نَفْسِهَا). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً﴾ ؛ قد خَرَقَ حبُّهُ حجابَ قلبها فلا يعقلُ غيره، ويقال : قد أحبَّتهُ حتى دخلَ حُبُّهُ شِغَافَ قَلبها. والشِّغَافُ : جلدةٌ تشتملُ على القلب، يقالُ : شَغفَهُ إذا رماهُ فأصابَ ذلك الموضعِ منه كما يقالُ كَبَدَهُ إ ذا أصابَ كَبدَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حُبّاً﴾ نُصِبَ على التمييزِ كأنَّهُنَّ قُلنَ : أصابَ حبُّه وسطَ قلبها وسويداءَ قلبها. وقرأ أبو رجاءٍ والشعبي : بالعين المهملة، ومعناه ذهبَ بها الحبُّ كلَّ مذهبٍ، مشتقٌ من شِعَافِ الجبالِ أي رُؤوسها. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ أي في الخطأ البيِّن. قال ابنُ عبَّاس :(فَجَعَلْنَ يُفْشِينَ هَذا فِي الْمَدِينَةِ، فَبَلَغَ ذلِكَ زُلَيْخَا) فهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ ؛ أي فلما سَمعت بكلامَ هؤلاء النِّسوة وذمِّهن لها أرسَلت إليهنَّ، فدَعَتهُنَّ لوليمةٍ أعدَّتْها لهن، ويقال : إنما سمُي قولُ النسوةِ مَكْراً ؛ لأنَّها كانت أطلَعَتْهُنَّ واستكتَمَتْهن فأَفْشَيْنَ سِرَّها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً﴾ ؛ أي أصلَحت وهيَّأَتْ لهن أمكنةً يقعُدن عليها، ووسائدَ يتَّكِينَ عليها، وفي قراءة ابنِ عباس (مُتْكاً) بالتخفيف بغير همز، قال :(وَالْمُتْكُ : الأَتْرُجّ). قال وهبُ :(دَعَتْ أرْبَعِينَ امْرأَةً، وَأعَدَّتْ لَهُنَّ أتْرُجاً وَبطِّيخاً). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً﴾ ؛ لتقطعَ بها الفواكِهَ والأُترج على ما جَرت به العادةُ، ويقال : كانت وضَعت لَهُنَّ خُبزاً ولَحماً وهذه الفواكه، ﴿وَقَالَتِ﴾ ؛ ليوسُف :﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ ؛ وذلك أنَها كانت قد أجْلَسَتهُ في مجلسٍ غير الذي كُنَّ جلسنَ فيه. قال عكرمةُ :(وَكَانَ فَضْلُ يُوسُفَ عَلَى النَّاسِ فِي الْحُسْنِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى النُّجُومِ). وعن أبي سعيدٍ الخدري قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بي فَرَأيْتُ يُوسُفَ عليه السلام، فَقُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذا ؟ فَقَالَ : يُوسُفَ " قَالَ : كَيْفَ رَأيْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ :" كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ". ورُوي أن يوسف عليه السلام كان إذا مشَى في أزِقَّة مصرَ يُرى نورُ وجههِ على الجِدَارَاتِ كما ترى نورَ الشمسِ والماء على الجدار. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ فخرجَ عليهن، ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ ؛ أي عَظُمَ عندَهُن، وَ ؛ بلغَ من شَغْلِ قُلوبهن برؤيته ما، ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ ؛ بالسَّكاكين. قال قتادةُ :(قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ حَتَّى ألْقَيْنَهَا وَهُنَّ لاَ يَشْعُرْنَ)، ويقالُ : معنى (أكْبَرْنَهُ) أي حِضْنَ، ويقال : معنى (أكْبَرْنَ) آمَنَّ. قِيْلَ : أنَّهن كُنَّ يقَطِّعن أيديهن وهن يحسَبن أنَّهن يُقَطِّعنَ الأتْرَجُ، ولم يجدن الألَمَ لاشتغالِ قُلوبهن برؤيةِ يوسف. قال وهب :(وَبَلَغَنِي أنَّ سَبْعاً مِنَ الأرْبَعِينَ مِمَّنْ كُنَّ فِي ذلِكَ الْمَجْلِسِ وَجَدْنَ بيُوسُفَ عليه السلام).

يوسف 12:35

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(هُنَّ أرْبَعُ نِسْوَةٍ : أمْرأَةُ سَاقِي الْمَلِكِ، وَامْرَأةُ خَبَّازِهِ، وَامْرَأَةُ صَاحِب سِجْنِهِ، وَامْرَأَةُ صَاحِب دَوَابهِ، قُلْنَ فِي امْرَأةِ الْعَزِيزِ : إنَّهَا تَدْعُو عَبْدَهَا إلَى نَفْسِهَا). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً﴾ ؛ قد خَرَقَ حبُّهُ حجابَ قلبها فلا يعقلُ غيره، ويقال : قد أحبَّتهُ حتى دخلَ حُبُّهُ شِغَافَ قَلبها. والشِّغَافُ : جلدةٌ تشتملُ على القلب، يقالُ : شَغفَهُ إذا رماهُ فأصابَ ذلك الموضعِ منه كما يقالُ كَبَدَهُ إ ذا أصابَ كَبدَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حُبّاً﴾ نُصِبَ على التمييزِ كأنَّهُنَّ قُلنَ : أصابَ حبُّه وسطَ قلبها وسويداءَ قلبها. وقرأ أبو رجاءٍ والشعبي : بالعين المهملة، ومعناه ذهبَ بها الحبُّ كلَّ مذهبٍ، مشتقٌ من شِعَافِ الجبالِ أي رُؤوسها. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ أي في الخطأ البيِّن. قال ابنُ عبَّاس :(فَجَعَلْنَ يُفْشِينَ هَذا فِي الْمَدِينَةِ، فَبَلَغَ ذلِكَ زُلَيْخَا) فهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ ؛ أي فلما سَمعت بكلامَ هؤلاء النِّسوة وذمِّهن لها أرسَلت إليهنَّ، فدَعَتهُنَّ لوليمةٍ أعدَّتْها لهن، ويقال : إنما سمُي قولُ النسوةِ مَكْراً ؛ لأنَّها كانت أطلَعَتْهُنَّ واستكتَمَتْهن فأَفْشَيْنَ سِرَّها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً﴾ ؛ أي أصلَحت وهيَّأَتْ لهن أمكنةً يقعُدن عليها، ووسائدَ يتَّكِينَ عليها، وفي قراءة ابنِ عباس (مُتْكاً) بالتخفيف بغير همز، قال :(وَالْمُتْكُ : الأَتْرُجّ). قال وهبُ :(دَعَتْ أرْبَعِينَ امْرأَةً، وَأعَدَّتْ لَهُنَّ أتْرُجاً وَبطِّيخاً). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً﴾ ؛ لتقطعَ بها الفواكِهَ والأُترج على ما جَرت به العادةُ، ويقال : كانت وضَعت لَهُنَّ خُبزاً ولَحماً وهذه الفواكه، ﴿وَقَالَتِ﴾ ؛ ليوسُف :﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ ؛ وذلك أنَها كانت قد أجْلَسَتهُ في مجلسٍ غير الذي كُنَّ جلسنَ فيه. قال عكرمةُ :(وَكَانَ فَضْلُ يُوسُفَ عَلَى النَّاسِ فِي الْحُسْنِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى النُّجُومِ). وعن أبي سعيدٍ الخدري قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بي فَرَأيْتُ يُوسُفَ عليه السلام، فَقُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذا ؟ فَقَالَ : يُوسُفَ " قَالَ : كَيْفَ رَأيْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ :" كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ". ورُوي أن يوسف عليه السلام كان إذا مشَى في أزِقَّة مصرَ يُرى نورُ وجههِ على الجِدَارَاتِ كما ترى نورَ الشمسِ والماء على الجدار. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ فخرجَ عليهن، ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ ؛ أي عَظُمَ عندَهُن، وَ ؛ بلغَ من شَغْلِ قُلوبهن برؤيته ما، ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ ؛ بالسَّكاكين. قال قتادةُ :(قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ حَتَّى ألْقَيْنَهَا وَهُنَّ لاَ يَشْعُرْنَ)، ويقالُ : معنى (أكْبَرْنَهُ) أي حِضْنَ، ويقال : معنى (أكْبَرْنَ) آمَنَّ. قِيْلَ : أنَّهن كُنَّ يقَطِّعن أيديهن وهن يحسَبن أنَّهن يُقَطِّعنَ الأتْرَجُ، ولم يجدن الألَمَ لاشتغالِ قُلوبهن برؤيةِ يوسف. قال وهب :(وَبَلَغَنِي أنَّ سَبْعاً مِنَ الأرْبَعِينَ مِمَّنْ كُنَّ فِي ذلِكَ الْمَجْلِسِ وَجَدْنَ بيُوسُفَ عليه السلام).

يوسف 12:36

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ ؛ رُوي : أنه دخلَ على يوسُفَ بعدَ دخولهِ الخمسَ سنين عَبْدَانِ للملكِ، وهو صاحبُ شرابهِ وصاحبُ طعامهِ، غَضِبَ عليهما الملكُ، واتَّهَمَ صاحبَ الطعامِ أنه يريدُ أن يَسُمَّهُ، وصاحبَ الشَّراب بأنه مَالأَهُ على ذلك، وذلك أنَّ أعداءَ الملكِ أرادوا الْمَكْرَ بالملكِ واغتيالهِ، فطَلَبوا هذين وضَمِنُوا لهما مَالاً ليَسُمَّا طعامَ الملكِ وشرابَهُ، فأبَى السَّاقِي وقَبلَ الخبَّازُ الرِّشْوَةَ فسَمَّ الطعامَ. فَلَمَّا حضرَ وقتهُ قال السَّاقِي : أيَّها الملكُ لا تأكُلْ فإنه مسمومٌ، وقال الخبازُ : أيُّها الملكُ لا تشرب فإنه مسمومٌ. فقال الملكُ للسَّاقي : اشْرَبْ، فَشَرِبَ فلم يضُرَّهُ، وقال للخباز : كُلْ من طَعامِكَ فأَبَى، فجرَّبَهُ الملكُ على دابَّة فأكلت من الطعامِ فمَاتَتْ، فأمرَ الملكُ بحبسِهما. وكان يوسفُ قد قالَ لأهلِ السِّجن لَمَّا دخله : إنِّي أعَبرُ الأحلامَ، فقال أحدُ هَذين القيمين لصاحبهِ : هلُمَّ فلنُجَرِّبْ هذا العَبْرَانِيَّ برُؤيا له، فسأَلاهُ من غيرِ أن يكونا رأيا شيئاً. قال ابنُ مسعود :(مَا رَأيَا شَيْئاً إنَّمَا كَانَا تَحَالَمَا عَلَيْهِ لِيُجَرِّبَا عِلْمَهُ). وقال قومٌ : كانَا رأيَاها على حقيقةٍ ويقين، فقالَ السَّاقي : أيُّها العالِمُ إنِّي رأيتُ كأنَّي في بُستانٍ وإذا بكُرَةٍ عليها ثلاثةُ عناقيد فجنَيُتها، وكأنَّ كأسَ الملكِ بيدي فعصَرتُهم فيه وسقَيتُ الملكَ فشَرِبَهُ، وقال الخبَّازُ : إنِّي رأيتُ كأنَّ فوقَ رأسي ثلاثَ سِلاَلٍ من خُبْزٍ وألوانِ الأطعمَةِ فإذا سِبَاعُ الطيرِ تَنْهَشُه. وإنما سُمي العنبُ باسمِ الخمر لأن الشيءَ يُسمَّى بما يؤُولُ إليهِ، وقال الضحَّاك :(الْخَمْرُ هُوَ الْعِنَبُ) بَعَيْنِهِ بلُغَةِ عُمَانَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرٍَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ (إنِّي أرَانِي أعْصِرُ عِنَباً). قال الأصمعيُّ :(أخْبَرَنِي الْمُعْتَزُّ أنَّهُ لَقِيَ أعْرَابياً مَعَهُ عِنَبٌ، فَقَالَ : مَا مَعَكَ ؟ قَالَ : خَمْرٌ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ ؛ أي أخبرنا بتفسيرهِ وتعبيره، وما يؤولُ إليه أمرُ هذه الرُّؤيا، ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ؛ أي العالِمينَ الذين أحسَنُوا العلمَ. وَقِيْلَ : من الْمُحسِنين إلينا إنْ قلتَ ذلك وفسَّرتَ رُؤيانا. وعن الضحَّاك في قولهِ تعالى :﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال :(كَانَ إحْسَانُهُ إذا مَرِضَ رَجُلٌ فِي السِّجْنِ قَامَ عَلَيْهِ، وَإذا أضَاقَ وَسَّعَ عَلَيْهِ، وَإذا احْتَاجَ سَأَلَ لَهُ). وقيل : إحسَانهُ أنه كان يُداوِي مَريضَهم، ويُعزِّي حَزينَهم. قال :(فَكَرِهَ يُوسُفُ أنْ يُعَبرَ لَهُمَا لَمَا عَلِمَ فِيْهِ مِنَ الْمَكْرُوهِ عَلَى أحَدِهِمْ، فَأَعْرَضَ عَنْ سَؤَالِهِمَا وَأخَذ فِي غَيْرِهِ) و ﴿قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا﴾ ؛ أي لا يَأتِكُما طعامٌ تَطعَمَانِهِ وتأكُلانهِ إلاّ نبَّأتُكما بتفسيرهِ وَلَونهِ أيَّ طعامٍ أكلتمُوهُ، قالاَ له : هذا مِن فعلِ الكَهَنةِ، قال : ما أنَا بَكاهنٍ وإنما :﴿ذالِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.

يوسف 12:37

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ ؛ رُوي : أنه دخلَ على يوسُفَ بعدَ دخولهِ الخمسَ سنين عَبْدَانِ للملكِ، وهو صاحبُ شرابهِ وصاحبُ طعامهِ، غَضِبَ عليهما الملكُ، واتَّهَمَ صاحبَ الطعامِ أنه يريدُ أن يَسُمَّهُ، وصاحبَ الشَّراب بأنه مَالأَهُ على ذلك، وذلك أنَّ أعداءَ الملكِ أرادوا الْمَكْرَ بالملكِ واغتيالهِ، فطَلَبوا هذين وضَمِنُوا لهما مَالاً ليَسُمَّا طعامَ الملكِ وشرابَهُ، فأبَى السَّاقِي وقَبلَ الخبَّازُ الرِّشْوَةَ فسَمَّ الطعامَ. فَلَمَّا حضرَ وقتهُ قال السَّاقِي : أيَّها الملكُ لا تأكُلْ فإنه مسمومٌ، وقال الخبازُ : أيُّها الملكُ لا تشرب فإنه مسمومٌ. فقال الملكُ للسَّاقي : اشْرَبْ، فَشَرِبَ فلم يضُرَّهُ، وقال للخباز : كُلْ من طَعامِكَ فأَبَى، فجرَّبَهُ الملكُ على دابَّة فأكلت من الطعامِ فمَاتَتْ، فأمرَ الملكُ بحبسِهما. وكان يوسفُ قد قالَ لأهلِ السِّجن لَمَّا دخله : إنِّي أعَبرُ الأحلامَ، فقال أحدُ هَذين القيمين لصاحبهِ : هلُمَّ فلنُجَرِّبْ هذا العَبْرَانِيَّ برُؤيا له، فسأَلاهُ من غيرِ أن يكونا رأيا شيئاً. قال ابنُ مسعود :(مَا رَأيَا شَيْئاً إنَّمَا كَانَا تَحَالَمَا عَلَيْهِ لِيُجَرِّبَا عِلْمَهُ). وقال قومٌ : كانَا رأيَاها على حقيقةٍ ويقين، فقالَ السَّاقي : أيُّها العالِمُ إنِّي رأيتُ كأنَّي في بُستانٍ وإذا بكُرَةٍ عليها ثلاثةُ عناقيد فجنَيُتها، وكأنَّ كأسَ الملكِ بيدي فعصَرتُهم فيه وسقَيتُ الملكَ فشَرِبَهُ، وقال الخبَّازُ : إنِّي رأيتُ كأنَّ فوقَ رأسي ثلاثَ سِلاَلٍ من خُبْزٍ وألوانِ الأطعمَةِ فإذا سِبَاعُ الطيرِ تَنْهَشُه. وإنما سُمي العنبُ باسمِ الخمر لأن الشيءَ يُسمَّى بما يؤُولُ إليهِ، وقال الضحَّاك :(الْخَمْرُ هُوَ الْعِنَبُ) بَعَيْنِهِ بلُغَةِ عُمَانَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرٍَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ (إنِّي أرَانِي أعْصِرُ عِنَباً). قال الأصمعيُّ :(أخْبَرَنِي الْمُعْتَزُّ أنَّهُ لَقِيَ أعْرَابياً مَعَهُ عِنَبٌ، فَقَالَ : مَا مَعَكَ ؟ قَالَ : خَمْرٌ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ ؛ أي أخبرنا بتفسيرهِ وتعبيره، وما يؤولُ إليه أمرُ هذه الرُّؤيا، ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ؛ أي العالِمينَ الذين أحسَنُوا العلمَ. وَقِيْلَ : من الْمُحسِنين إلينا إنْ قلتَ ذلك وفسَّرتَ رُؤيانا. وعن الضحَّاك في قولهِ تعالى :﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال :(كَانَ إحْسَانُهُ إذا مَرِضَ رَجُلٌ فِي السِّجْنِ قَامَ عَلَيْهِ، وَإذا أضَاقَ وَسَّعَ عَلَيْهِ، وَإذا احْتَاجَ سَأَلَ لَهُ). وقيل : إحسَانهُ أنه كان يُداوِي مَريضَهم، ويُعزِّي حَزينَهم. قال :(فَكَرِهَ يُوسُفُ أنْ يُعَبرَ لَهُمَا لَمَا عَلِمَ فِيْهِ مِنَ الْمَكْرُوهِ عَلَى أحَدِهِمْ، فَأَعْرَضَ عَنْ سَؤَالِهِمَا وَأخَذ فِي غَيْرِهِ) و ﴿قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا﴾ ؛ أي لا يَأتِكُما طعامٌ تَطعَمَانِهِ وتأكُلانهِ إلاّ نبَّأتُكما بتفسيرهِ وَلَونهِ أيَّ طعامٍ أكلتمُوهُ، قالاَ له : هذا مِن فعلِ الكَهَنةِ، قال : ما أنَا بَكاهنٍ وإنما :﴿ذالِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.

يوسف 12:38

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ ؛ رُوي : أنه دخلَ على يوسُفَ بعدَ دخولهِ الخمسَ سنين عَبْدَانِ للملكِ، وهو صاحبُ شرابهِ وصاحبُ طعامهِ، غَضِبَ عليهما الملكُ، واتَّهَمَ صاحبَ الطعامِ أنه يريدُ أن يَسُمَّهُ، وصاحبَ الشَّراب بأنه مَالأَهُ على ذلك، وذلك أنَّ أعداءَ الملكِ أرادوا الْمَكْرَ بالملكِ واغتيالهِ، فطَلَبوا هذين وضَمِنُوا لهما مَالاً ليَسُمَّا طعامَ الملكِ وشرابَهُ، فأبَى السَّاقِي وقَبلَ الخبَّازُ الرِّشْوَةَ فسَمَّ الطعامَ. فَلَمَّا حضرَ وقتهُ قال السَّاقِي : أيَّها الملكُ لا تأكُلْ فإنه مسمومٌ، وقال الخبازُ : أيُّها الملكُ لا تشرب فإنه مسمومٌ. فقال الملكُ للسَّاقي : اشْرَبْ، فَشَرِبَ فلم يضُرَّهُ، وقال للخباز : كُلْ من طَعامِكَ فأَبَى، فجرَّبَهُ الملكُ على دابَّة فأكلت من الطعامِ فمَاتَتْ، فأمرَ الملكُ بحبسِهما. وكان يوسفُ قد قالَ لأهلِ السِّجن لَمَّا دخله : إنِّي أعَبرُ الأحلامَ، فقال أحدُ هَذين القيمين لصاحبهِ : هلُمَّ فلنُجَرِّبْ هذا العَبْرَانِيَّ برُؤيا له، فسأَلاهُ من غيرِ أن يكونا رأيا شيئاً. قال ابنُ مسعود :(مَا رَأيَا شَيْئاً إنَّمَا كَانَا تَحَالَمَا عَلَيْهِ لِيُجَرِّبَا عِلْمَهُ). وقال قومٌ : كانَا رأيَاها على حقيقةٍ ويقين، فقالَ السَّاقي : أيُّها العالِمُ إنِّي رأيتُ كأنَّي في بُستانٍ وإذا بكُرَةٍ عليها ثلاثةُ عناقيد فجنَيُتها، وكأنَّ كأسَ الملكِ بيدي فعصَرتُهم فيه وسقَيتُ الملكَ فشَرِبَهُ، وقال الخبَّازُ : إنِّي رأيتُ كأنَّ فوقَ رأسي ثلاثَ سِلاَلٍ من خُبْزٍ وألوانِ الأطعمَةِ فإذا سِبَاعُ الطيرِ تَنْهَشُه. وإنما سُمي العنبُ باسمِ الخمر لأن الشيءَ يُسمَّى بما يؤُولُ إليهِ، وقال الضحَّاك :(الْخَمْرُ هُوَ الْعِنَبُ) بَعَيْنِهِ بلُغَةِ عُمَانَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرٍَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ (إنِّي أرَانِي أعْصِرُ عِنَباً). قال الأصمعيُّ :(أخْبَرَنِي الْمُعْتَزُّ أنَّهُ لَقِيَ أعْرَابياً مَعَهُ عِنَبٌ، فَقَالَ : مَا مَعَكَ ؟ قَالَ : خَمْرٌ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ ؛ أي أخبرنا بتفسيرهِ وتعبيره، وما يؤولُ إليه أمرُ هذه الرُّؤيا، ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ؛ أي العالِمينَ الذين أحسَنُوا العلمَ. وَقِيْلَ : من الْمُحسِنين إلينا إنْ قلتَ ذلك وفسَّرتَ رُؤيانا. وعن الضحَّاك في قولهِ تعالى :﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال :(كَانَ إحْسَانُهُ إذا مَرِضَ رَجُلٌ فِي السِّجْنِ قَامَ عَلَيْهِ، وَإذا أضَاقَ وَسَّعَ عَلَيْهِ، وَإذا احْتَاجَ سَأَلَ لَهُ). وقيل : إحسَانهُ أنه كان يُداوِي مَريضَهم، ويُعزِّي حَزينَهم. قال :(فَكَرِهَ يُوسُفُ أنْ يُعَبرَ لَهُمَا لَمَا عَلِمَ فِيْهِ مِنَ الْمَكْرُوهِ عَلَى أحَدِهِمْ، فَأَعْرَضَ عَنْ سَؤَالِهِمَا وَأخَذ فِي غَيْرِهِ) و ﴿قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا﴾ ؛ أي لا يَأتِكُما طعامٌ تَطعَمَانِهِ وتأكُلانهِ إلاّ نبَّأتُكما بتفسيرهِ وَلَونهِ أيَّ طعامٍ أكلتمُوهُ، قالاَ له : هذا مِن فعلِ الكَهَنةِ، قال : ما أنَا بَكاهنٍ وإنما :﴿ذالِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.

يوسف 12:39

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ ؛ رُوي : أنه دخلَ على يوسُفَ بعدَ دخولهِ الخمسَ سنين عَبْدَانِ للملكِ، وهو صاحبُ شرابهِ وصاحبُ طعامهِ، غَضِبَ عليهما الملكُ، واتَّهَمَ صاحبَ الطعامِ أنه يريدُ أن يَسُمَّهُ، وصاحبَ الشَّراب بأنه مَالأَهُ على ذلك، وذلك أنَّ أعداءَ الملكِ أرادوا الْمَكْرَ بالملكِ واغتيالهِ، فطَلَبوا هذين وضَمِنُوا لهما مَالاً ليَسُمَّا طعامَ الملكِ وشرابَهُ، فأبَى السَّاقِي وقَبلَ الخبَّازُ الرِّشْوَةَ فسَمَّ الطعامَ. فَلَمَّا حضرَ وقتهُ قال السَّاقِي : أيَّها الملكُ لا تأكُلْ فإنه مسمومٌ، وقال الخبازُ : أيُّها الملكُ لا تشرب فإنه مسمومٌ. فقال الملكُ للسَّاقي : اشْرَبْ، فَشَرِبَ فلم يضُرَّهُ، وقال للخباز : كُلْ من طَعامِكَ فأَبَى، فجرَّبَهُ الملكُ على دابَّة فأكلت من الطعامِ فمَاتَتْ، فأمرَ الملكُ بحبسِهما. وكان يوسفُ قد قالَ لأهلِ السِّجن لَمَّا دخله : إنِّي أعَبرُ الأحلامَ، فقال أحدُ هَذين القيمين لصاحبهِ : هلُمَّ فلنُجَرِّبْ هذا العَبْرَانِيَّ برُؤيا له، فسأَلاهُ من غيرِ أن يكونا رأيا شيئاً. قال ابنُ مسعود :(مَا رَأيَا شَيْئاً إنَّمَا كَانَا تَحَالَمَا عَلَيْهِ لِيُجَرِّبَا عِلْمَهُ). وقال قومٌ : كانَا رأيَاها على حقيقةٍ ويقين، فقالَ السَّاقي : أيُّها العالِمُ إنِّي رأيتُ كأنَّي في بُستانٍ وإذا بكُرَةٍ عليها ثلاثةُ عناقيد فجنَيُتها، وكأنَّ كأسَ الملكِ بيدي فعصَرتُهم فيه وسقَيتُ الملكَ فشَرِبَهُ، وقال الخبَّازُ : إنِّي رأيتُ كأنَّ فوقَ رأسي ثلاثَ سِلاَلٍ من خُبْزٍ وألوانِ الأطعمَةِ فإذا سِبَاعُ الطيرِ تَنْهَشُه. وإنما سُمي العنبُ باسمِ الخمر لأن الشيءَ يُسمَّى بما يؤُولُ إليهِ، وقال الضحَّاك :(الْخَمْرُ هُوَ الْعِنَبُ) بَعَيْنِهِ بلُغَةِ عُمَانَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرٍَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ (إنِّي أرَانِي أعْصِرُ عِنَباً). قال الأصمعيُّ :(أخْبَرَنِي الْمُعْتَزُّ أنَّهُ لَقِيَ أعْرَابياً مَعَهُ عِنَبٌ، فَقَالَ : مَا مَعَكَ ؟ قَالَ : خَمْرٌ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ ؛ أي أخبرنا بتفسيرهِ وتعبيره، وما يؤولُ إليه أمرُ هذه الرُّؤيا، ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ؛ أي العالِمينَ الذين أحسَنُوا العلمَ. وَقِيْلَ : من الْمُحسِنين إلينا إنْ قلتَ ذلك وفسَّرتَ رُؤيانا. وعن الضحَّاك في قولهِ تعالى :﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال :(كَانَ إحْسَانُهُ إذا مَرِضَ رَجُلٌ فِي السِّجْنِ قَامَ عَلَيْهِ، وَإذا أضَاقَ وَسَّعَ عَلَيْهِ، وَإذا احْتَاجَ سَأَلَ لَهُ). وقيل : إحسَانهُ أنه كان يُداوِي مَريضَهم، ويُعزِّي حَزينَهم. قال :(فَكَرِهَ يُوسُفُ أنْ يُعَبرَ لَهُمَا لَمَا عَلِمَ فِيْهِ مِنَ الْمَكْرُوهِ عَلَى أحَدِهِمْ، فَأَعْرَضَ عَنْ سَؤَالِهِمَا وَأخَذ فِي غَيْرِهِ) و ﴿قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا﴾ ؛ أي لا يَأتِكُما طعامٌ تَطعَمَانِهِ وتأكُلانهِ إلاّ نبَّأتُكما بتفسيرهِ وَلَونهِ أيَّ طعامٍ أكلتمُوهُ، قالاَ له : هذا مِن فعلِ الكَهَنةِ، قال : ما أنَا بَكاهنٍ وإنما :﴿ذالِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.

يوسف 12:40

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ ؛ رُوي : أنه دخلَ على يوسُفَ بعدَ دخولهِ الخمسَ سنين عَبْدَانِ للملكِ، وهو صاحبُ شرابهِ وصاحبُ طعامهِ، غَضِبَ عليهما الملكُ، واتَّهَمَ صاحبَ الطعامِ أنه يريدُ أن يَسُمَّهُ، وصاحبَ الشَّراب بأنه مَالأَهُ على ذلك، وذلك أنَّ أعداءَ الملكِ أرادوا الْمَكْرَ بالملكِ واغتيالهِ، فطَلَبوا هذين وضَمِنُوا لهما مَالاً ليَسُمَّا طعامَ الملكِ وشرابَهُ، فأبَى السَّاقِي وقَبلَ الخبَّازُ الرِّشْوَةَ فسَمَّ الطعامَ. فَلَمَّا حضرَ وقتهُ قال السَّاقِي : أيَّها الملكُ لا تأكُلْ فإنه مسمومٌ، وقال الخبازُ : أيُّها الملكُ لا تشرب فإنه مسمومٌ. فقال الملكُ للسَّاقي : اشْرَبْ، فَشَرِبَ فلم يضُرَّهُ، وقال للخباز : كُلْ من طَعامِكَ فأَبَى، فجرَّبَهُ الملكُ على دابَّة فأكلت من الطعامِ فمَاتَتْ، فأمرَ الملكُ بحبسِهما. وكان يوسفُ قد قالَ لأهلِ السِّجن لَمَّا دخله : إنِّي أعَبرُ الأحلامَ، فقال أحدُ هَذين القيمين لصاحبهِ : هلُمَّ فلنُجَرِّبْ هذا العَبْرَانِيَّ برُؤيا له، فسأَلاهُ من غيرِ أن يكونا رأيا شيئاً. قال ابنُ مسعود :(مَا رَأيَا شَيْئاً إنَّمَا كَانَا تَحَالَمَا عَلَيْهِ لِيُجَرِّبَا عِلْمَهُ). وقال قومٌ : كانَا رأيَاها على حقيقةٍ ويقين، فقالَ السَّاقي : أيُّها العالِمُ إنِّي رأيتُ كأنَّي في بُستانٍ وإذا بكُرَةٍ عليها ثلاثةُ عناقيد فجنَيُتها، وكأنَّ كأسَ الملكِ بيدي فعصَرتُهم فيه وسقَيتُ الملكَ فشَرِبَهُ، وقال الخبَّازُ : إنِّي رأيتُ كأنَّ فوقَ رأسي ثلاثَ سِلاَلٍ من خُبْزٍ وألوانِ الأطعمَةِ فإذا سِبَاعُ الطيرِ تَنْهَشُه. وإنما سُمي العنبُ باسمِ الخمر لأن الشيءَ يُسمَّى بما يؤُولُ إليهِ، وقال الضحَّاك :(الْخَمْرُ هُوَ الْعِنَبُ) بَعَيْنِهِ بلُغَةِ عُمَانَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرٍَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ (إنِّي أرَانِي أعْصِرُ عِنَباً). قال الأصمعيُّ :(أخْبَرَنِي الْمُعْتَزُّ أنَّهُ لَقِيَ أعْرَابياً مَعَهُ عِنَبٌ، فَقَالَ : مَا مَعَكَ ؟ قَالَ : خَمْرٌ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ ؛ أي أخبرنا بتفسيرهِ وتعبيره، وما يؤولُ إليه أمرُ هذه الرُّؤيا، ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ؛ أي العالِمينَ الذين أحسَنُوا العلمَ. وَقِيْلَ : من الْمُحسِنين إلينا إنْ قلتَ ذلك وفسَّرتَ رُؤيانا. وعن الضحَّاك في قولهِ تعالى :﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال :(كَانَ إحْسَانُهُ إذا مَرِضَ رَجُلٌ فِي السِّجْنِ قَامَ عَلَيْهِ، وَإذا أضَاقَ وَسَّعَ عَلَيْهِ، وَإذا احْتَاجَ سَأَلَ لَهُ). وقيل : إحسَانهُ أنه كان يُداوِي مَريضَهم، ويُعزِّي حَزينَهم. قال :(فَكَرِهَ يُوسُفُ أنْ يُعَبرَ لَهُمَا لَمَا عَلِمَ فِيْهِ مِنَ الْمَكْرُوهِ عَلَى أحَدِهِمْ، فَأَعْرَضَ عَنْ سَؤَالِهِمَا وَأخَذ فِي غَيْرِهِ) و ﴿قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا﴾ ؛ أي لا يَأتِكُما طعامٌ تَطعَمَانِهِ وتأكُلانهِ إلاّ نبَّأتُكما بتفسيرهِ وَلَونهِ أيَّ طعامٍ أكلتمُوهُ، قالاَ له : هذا مِن فعلِ الكَهَنةِ، قال : ما أنَا بَكاهنٍ وإنما :﴿ذالِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.

يوسف 12:41

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ﴾ ؛ معنى الآيةِ : أما أحدُكما وهو السَّاقي، فيَسقِي سيِّدَهُ يعني الملِك خَمراً، وأما العناقيدُ الثلاثة التي رَآها فإنَّها ثلاثةُ أيام يبقَى في السجنِ، ثم يخرِجهُ الملكُ ويعود في ما كان عليه، وأما الآخَرُ فيُصلَبُ والسِّلالُ التي رَآها فإنَّها ثلاثةُ أيَّام يبقَى في السجنِ، ثم يخرجهُ الملك في اليومِ الرابع فيَصلِبَهُ فتأكلُ الطيرُ من رأسهِ. فقال الخبَّازُ : إنِّي لَمْ أرَ شيئاً، فقال لَهما يوسفُ :﴿قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ ؛ أي فَرَغَ من الأمرِ الذي سأَلتُما عليه فهو كائنٌ، رأيتُما أو لَم تَرَيَا.

يوسف 12:42

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ ؛ أي قالَ يوسفُ للذي عَلِمَ أنه ناجٍ منهما، وهو صاحبُ الشَّراب : اذْكُرِنِي عندَ سيِّدِكَ الملِك أنِّي مظلومٌ، عَدَا عليَّ أخْوَتِي فبَاعُوني وأنا حرٌّ، وحُبستُ في السجنِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ ؛ أي أنسَى الشيطانُ السَّاقي أنْ يذكُرَ يوسف عندَ الملكِ ؛ أي شَغَلَهُ عن ذلك بما كان يدعوهُ إليه من اشتغالهِ برُكوب سَوْأتِهِ وخدمتهِ للملك. وَقِيْلَ : معناهُ أنسَى الشيطانُ يوسف ذِكْرَ ربهِ حتى التمسَ من النَّاجي منهما أن يذكُرَهُ عند ربه، وكان مِن حقِّه أن يتوَكَّل على اللهِ في ذلك. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ ؛ والبِضْعُ ما بين الثَّلاث إلى التسعِ. وفي الخبر : أنه يبقَى في السجنِ بعد هذا القولِ سبعَ سنين. وعن الحسنِ : عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قَالَ :" رَحِمَ اللهُ أخِي يُوسُفَ لَوْ أنَّهُ ذكَرَ رَبَّهُ، وَلَمْ يَسْتَغِيثْ بالْمَلِكِ لَمْ يَلْبَثْ فِي السِّجْنِ مَا لَبثَ " قال : ثُمَّ بَكَى الْحَسَنُ وَقَالَ :(نَحْنُ إذا نَزَلَ بنَا أمْرٌ فَزِعْنَا إلَى النَّاسِ). وقالَ مالكُ بن دينار :(لَمَّا قَالَ يُوسُفُ لِلسَّاقِي : أذْكُرْنِي عِنْدَ رَبكَ، قِيْلَ لَهُ : يَا يُوسُفُ أتَّخَذْتَ مِنْ دُونِي وَكِيلاً، لأُطِيلَنَّ حَبْسَكَ، فَبَكَى يُوسُفُ وَقَالَ : يَا رَب أنْسَى قَلْبي كُثْرَةُ الْبَلْوَى). ويُحكى : أنَّ جبريل عليه السلام دخلَ على يُوسف السجنَ، فلمَّا رآهُ يوسف عَرَفَهُ وقال : يا أخَا المنذرِين، ما لِي أراكَ بين الخطائِين ؟ فقالَ له جبريلُ : ربُّكَ يُقرِؤُكَ السلامَ ويقول لكَ : ما استَحيَيتَ منِّي إذِ استشفَعتَ بالآدمِيِّين! فَوَعِزَّتِي لأُلبثَنَّكَ في السجنِ بضعَ سنين، قال يوسفُ : أهو عنِّي في ذلك راضٍ ؟ قال : نعم، قال : إذاً لا أبَالِي.

يوسف 12:43

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ ؛ رُوي أن يوسفَ مَرِضَ في السجنِ، فأمرَ اللهُ جبريلَ أن يَعُودَهُ، فعاده فعرفَهُ لكثرةِ اختلافه إلى آبائهِ، فقال له جبريلُ : يا طاهرَ بن الطاهرِ، ربُّ العزَّة يقولُ لكَ : مَنِ حبَّبَكَ إلى أبيكَ من بين إخوتِكَ ؟ قالَ : هو، قال : فمَن أنقذكَ من أيدِي إخوتِكَ ؟ قالَ : هو، قال : فمَن سهَّلَ لك السيَّارةَ في الأرضِ القِفْرِ حتى أخرَجوكَ من قعر البئرِ ؟ قال : هو. ثم نَشَرَ جبريلُ جناحه، وأشارَ إلى الأرضِ فانفَرَجَت، قال : يوسفُ انظر ما ترَى ؟ قال : أرَى هو، ثم أشارَ إلى الأرضِ ثانية فانفَرَجت كهلا حتى نظرَ يوسفُ إلى الصخرةِ التي عليها الأرضُون، فقال جبريلُ : ما ترَى ؟ قال : صخرةٌ عليها دُرَّةٌ، قال فما ترَى في فمِ الدُّرَّةِ ؟ قال : أرَى طعاماً، قال ربُّ العزة يقول لكَ : أنا أذْكُرُ هذه الدرَّة في هذا الموضعِ ثم أنساكَ على وجهِ الأرض ؟ أما استحيَيتَ مني حتى تقولَ لعبدِ مَلِكٍ اذكُرني عندَ ربك، ولم تقُل يا رب، فعندَ ذلك قال يوسفُ : يا رب فاسأَلُكَ بمَنَّكَ القديمِ، وفضلِكَ العميمِ إلاّ غفرتَ لي، قال : يا سوفُ أغفِرُ لكَ وأخرِجُكَ من السجنِ، ثم كان من رُؤيا الملكِ ما كان. ومعنى الآية : أن الملِكَ واسمه زيَّان بن الوليدِ رأى في النومِ سبعَ بقَراتٍ سِمَانٍ خرجنَ من نَهرٍ من أنْهَار مصرَ، فخرجَ من بعدِهنَّ سبعُ بقَرِاتٍ عِجَافٍ، فابتلعَ العجافُ السِّمانَ فدخلن في بُطونِهِنَّ ولم يزد منهنَّ شيئاً، فعَجِبَ منُهنَّ، ورأى سبعَ سُنبلات خُضْرٍ وسبعَ سُنبلات أخَرَ يابساتٍ، الْتَوَتِ اليابساتُ على الْخُضْرِ فقَلَبن خُضرَتَهُنَّ ولم يسير عليهن شيءٌ منهن. فأرسلَ الملِكُ في هذه الرُّؤيا إلى السَّحَرةِ والكَهَنة، فجمَعَهم ثم قصَّ عليهم ذلك وقال لهم :﴿ياأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ﴾ ؛ أي قالتِ الكهننةُ والسَّحرة : هذه الرُّؤيا أباطيلُ الأحلامِ كاذبَةٌ، وما نحنُ بتأويلِ الإحلامِ المختلفة بعالِمين، ليس لها عندنا تأويلٌ.

يوسف 12:44

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ ؛ رُوي أن يوسفَ مَرِضَ في السجنِ، فأمرَ اللهُ جبريلَ أن يَعُودَهُ، فعاده فعرفَهُ لكثرةِ اختلافه إلى آبائهِ، فقال له جبريلُ : يا طاهرَ بن الطاهرِ، ربُّ العزَّة يقولُ لكَ : مَنِ حبَّبَكَ إلى أبيكَ من بين إخوتِكَ ؟ قالَ : هو، قال : فمَن أنقذكَ من أيدِي إخوتِكَ ؟ قالَ : هو، قال : فمَن سهَّلَ لك السيَّارةَ في الأرضِ القِفْرِ حتى أخرَجوكَ من قعر البئرِ ؟ قال : هو. ثم نَشَرَ جبريلُ جناحه، وأشارَ إلى الأرضِ فانفَرَجَت، قال : يوسفُ انظر ما ترَى ؟ قال : أرَى هو، ثم أشارَ إلى الأرضِ ثانية فانفَرَجت كهلا حتى نظرَ يوسفُ إلى الصخرةِ التي عليها الأرضُون، فقال جبريلُ : ما ترَى ؟ قال : صخرةٌ عليها دُرَّةٌ، قال فما ترَى في فمِ الدُّرَّةِ ؟ قال : أرَى طعاماً، قال ربُّ العزة يقول لكَ : أنا أذْكُرُ هذه الدرَّة في هذا الموضعِ ثم أنساكَ على وجهِ الأرض ؟ أما استحيَيتَ مني حتى تقولَ لعبدِ مَلِكٍ اذكُرني عندَ ربك، ولم تقُل يا رب، فعندَ ذلك قال يوسفُ : يا رب فاسأَلُكَ بمَنَّكَ القديمِ، وفضلِكَ العميمِ إلاّ غفرتَ لي، قال : يا سوفُ أغفِرُ لكَ وأخرِجُكَ من السجنِ، ثم كان من رُؤيا الملكِ ما كان. ومعنى الآية : أن الملِكَ واسمه زيَّان بن الوليدِ رأى في النومِ سبعَ بقَراتٍ سِمَانٍ خرجنَ من نَهرٍ من أنْهَار مصرَ، فخرجَ من بعدِهنَّ سبعُ بقَرِاتٍ عِجَافٍ، فابتلعَ العجافُ السِّمانَ فدخلن في بُطونِهِنَّ ولم يزد منهنَّ شيئاً، فعَجِبَ منُهنَّ، ورأى سبعَ سُنبلات خُضْرٍ وسبعَ سُنبلات أخَرَ يابساتٍ، الْتَوَتِ اليابساتُ على الْخُضْرِ فقَلَبن خُضرَتَهُنَّ ولم يسير عليهن شيءٌ منهن. فأرسلَ الملِكُ في هذه الرُّؤيا إلى السَّحَرةِ والكَهَنة، فجمَعَهم ثم قصَّ عليهم ذلك وقال لهم :﴿ياأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ﴾ ؛ أي قالتِ الكهننةُ والسَّحرة : هذه الرُّؤيا أباطيلُ الأحلامِ كاذبَةٌ، وما نحنُ بتأويلِ الإحلامِ المختلفة بعالِمين، ليس لها عندنا تأويلٌ.

يوسف 12:45

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ ؛ قالَ صاحبُ الشَّراب الذي نَجَا من السِّجنِ والقتل وتذكَّر بعد سِنين، ويقالُ : هذا بعدَ انقراضِ أُمَّة، والأُمَّة في اللغة هي المدَّة الكثيرةُ كما أنَّها في الجماعةِ الجماعةُ الكثيرة. ومَن قرأ (بَعْدَ أُمَّةٍ) فمعناهُ : بعدَ نسيانٍ. وقولهُ تعالى :﴿أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ قولُ صاحب الشَّراب لَمَّا عجزَ الكهنةُ عن تأويلِ رُؤيا الملكِ، جاءَ ووقفَ بين يديه فخاطبَهُ بلفظِ الجماعة كما يخاطَبُ الملكُ، وقال : أنا أخبرُكم بتعبيرِ هذه الرُّؤيا، فأَرسِلُون إلى السِّجن. ثم قالَ : إنَّما كنتُ عصَيتُ فحبَستَني أنا وخبَّازُكَ، فرَأينا فيها رُؤْيا فقصَصْنَاها على رجُلٍ في السجنِ عالِمٍ صالح صادقٍ، فأخبَرَنا بها فكان كما أخبرَ، فأرسِلُون إليه. فأرسلوهُ فدخلَ السجنَ وقال :﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ ؛ وحذفَ كلمةَ النداءِ اختصاراً، والصِّدِّيقُ : الذي يَجرِي على عاداتهِ في الصِّدق والتصديق بالحقِّ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ ؛ خرَجْنَ من نَهر بيتٍ تبعَهُنَّ ﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ﴾ ؛ بقراتٍ، ﴿عِجَافٌ﴾ ؛ هالِكات من الهزالِ، وفي ﴿وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ ؛ التَوَينَ على الْخُضْرِ وغَلَبْنَ خُضرَتَهن. قولهُ تعالى :﴿لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ أي لإِنَّ أرجِعَ بتأويلِ ذلك إلى الملِك والناسُ يعملونَهُ. فقال له يوسفُ : أما سبعُ بقراتٍ سِمَانٍ فهي سبعُ سنين خَصْبَةٍ، وأما سبعُ بقرات عِجَافٍ فهي السُّنون السَّبع الْجَدْبَةِ، وأما سبعُ سُنبلات يابساتٍ فهو القحطُ والغَلاءُ في السِّنين الجدبَة، ثم عَلَّمَهُ يوسفُ عليه السلام كيف يصنَعون، كما قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً﴾ ؛ أي على ما هو عادتُكم في الزراعةِ، وَقِيْلَ : معنى قوله ﴿دَأَباً﴾ بجِدٍّ واجتهادٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ﴾ ؛ أي فما حصَدتُم من الزَّرعِ، فاتركوهُ في سُنبُلِهِ ولا تدرسوهُ، ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾ ؛ مِن ذلك في كلِّ سَنة، وإنما أمَرَهم بهذا ؛ لأن الحنطةَ إذا كانت في سُنبلها كانت أبقَى منها اذا دُرسَتْ، فإنَّها إذا دُرست تآكَلَت، وفَسَدت بمُضِيِّ المدَّة عليها.

يوسف 12:46

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ ؛ قالَ صاحبُ الشَّراب الذي نَجَا من السِّجنِ والقتل وتذكَّر بعد سِنين، ويقالُ : هذا بعدَ انقراضِ أُمَّة، والأُمَّة في اللغة هي المدَّة الكثيرةُ كما أنَّها في الجماعةِ الجماعةُ الكثيرة. ومَن قرأ (بَعْدَ أُمَّةٍ) فمعناهُ : بعدَ نسيانٍ. وقولهُ تعالى :﴿أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ قولُ صاحب الشَّراب لَمَّا عجزَ الكهنةُ عن تأويلِ رُؤيا الملكِ، جاءَ ووقفَ بين يديه فخاطبَهُ بلفظِ الجماعة كما يخاطَبُ الملكُ، وقال : أنا أخبرُكم بتعبيرِ هذه الرُّؤيا، فأَرسِلُون إلى السِّجن. ثم قالَ : إنَّما كنتُ عصَيتُ فحبَستَني أنا وخبَّازُكَ، فرَأينا فيها رُؤْيا فقصَصْنَاها على رجُلٍ في السجنِ عالِمٍ صالح صادقٍ، فأخبَرَنا بها فكان كما أخبرَ، فأرسِلُون إليه. فأرسلوهُ فدخلَ السجنَ وقال :﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ ؛ وحذفَ كلمةَ النداءِ اختصاراً، والصِّدِّيقُ : الذي يَجرِي على عاداتهِ في الصِّدق والتصديق بالحقِّ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ ؛ خرَجْنَ من نَهر بيتٍ تبعَهُنَّ ﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ﴾ ؛ بقراتٍ، ﴿عِجَافٌ﴾ ؛ هالِكات من الهزالِ، وفي ﴿وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ ؛ التَوَينَ على الْخُضْرِ وغَلَبْنَ خُضرَتَهن. قولهُ تعالى :﴿لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ أي لإِنَّ أرجِعَ بتأويلِ ذلك إلى الملِك والناسُ يعملونَهُ. فقال له يوسفُ : أما سبعُ بقراتٍ سِمَانٍ فهي سبعُ سنين خَصْبَةٍ، وأما سبعُ بقرات عِجَافٍ فهي السُّنون السَّبع الْجَدْبَةِ، وأما سبعُ سُنبلات يابساتٍ فهو القحطُ والغَلاءُ في السِّنين الجدبَة، ثم عَلَّمَهُ يوسفُ عليه السلام كيف يصنَعون، كما قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً﴾ ؛ أي على ما هو عادتُكم في الزراعةِ، وَقِيْلَ : معنى قوله ﴿دَأَباً﴾ بجِدٍّ واجتهادٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ﴾ ؛ أي فما حصَدتُم من الزَّرعِ، فاتركوهُ في سُنبُلِهِ ولا تدرسوهُ، ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾ ؛ مِن ذلك في كلِّ سَنة، وإنما أمَرَهم بهذا ؛ لأن الحنطةَ إذا كانت في سُنبلها كانت أبقَى منها اذا دُرسَتْ، فإنَّها إذا دُرست تآكَلَت، وفَسَدت بمُضِيِّ المدَّة عليها.

يوسف 12:47

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ ؛ قالَ صاحبُ الشَّراب الذي نَجَا من السِّجنِ والقتل وتذكَّر بعد سِنين، ويقالُ : هذا بعدَ انقراضِ أُمَّة، والأُمَّة في اللغة هي المدَّة الكثيرةُ كما أنَّها في الجماعةِ الجماعةُ الكثيرة. ومَن قرأ (بَعْدَ أُمَّةٍ) فمعناهُ : بعدَ نسيانٍ. وقولهُ تعالى :﴿أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ قولُ صاحب الشَّراب لَمَّا عجزَ الكهنةُ عن تأويلِ رُؤيا الملكِ، جاءَ ووقفَ بين يديه فخاطبَهُ بلفظِ الجماعة كما يخاطَبُ الملكُ، وقال : أنا أخبرُكم بتعبيرِ هذه الرُّؤيا، فأَرسِلُون إلى السِّجن. ثم قالَ : إنَّما كنتُ عصَيتُ فحبَستَني أنا وخبَّازُكَ، فرَأينا فيها رُؤْيا فقصَصْنَاها على رجُلٍ في السجنِ عالِمٍ صالح صادقٍ، فأخبَرَنا بها فكان كما أخبرَ، فأرسِلُون إليه. فأرسلوهُ فدخلَ السجنَ وقال :﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ ؛ وحذفَ كلمةَ النداءِ اختصاراً، والصِّدِّيقُ : الذي يَجرِي على عاداتهِ في الصِّدق والتصديق بالحقِّ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ ؛ خرَجْنَ من نَهر بيتٍ تبعَهُنَّ ﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ﴾ ؛ بقراتٍ، ﴿عِجَافٌ﴾ ؛ هالِكات من الهزالِ، وفي ﴿وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ ؛ التَوَينَ على الْخُضْرِ وغَلَبْنَ خُضرَتَهن. قولهُ تعالى :﴿لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ أي لإِنَّ أرجِعَ بتأويلِ ذلك إلى الملِك والناسُ يعملونَهُ. فقال له يوسفُ : أما سبعُ بقراتٍ سِمَانٍ فهي سبعُ سنين خَصْبَةٍ، وأما سبعُ بقرات عِجَافٍ فهي السُّنون السَّبع الْجَدْبَةِ، وأما سبعُ سُنبلات يابساتٍ فهو القحطُ والغَلاءُ في السِّنين الجدبَة، ثم عَلَّمَهُ يوسفُ عليه السلام كيف يصنَعون، كما قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً﴾ ؛ أي على ما هو عادتُكم في الزراعةِ، وَقِيْلَ : معنى قوله ﴿دَأَباً﴾ بجِدٍّ واجتهادٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ﴾ ؛ أي فما حصَدتُم من الزَّرعِ، فاتركوهُ في سُنبُلِهِ ولا تدرسوهُ، ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾ ؛ مِن ذلك في كلِّ سَنة، وإنما أمَرَهم بهذا ؛ لأن الحنطةَ إذا كانت في سُنبلها كانت أبقَى منها اذا دُرسَتْ، فإنَّها إذا دُرست تآكَلَت، وفَسَدت بمُضِيِّ المدَّة عليها.

يوسف 12:48

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ ؛ أي قَحْطَةٌ ضيِّقةٌ على الناسِ، تأكلون فيها ما ادَّخَرتُم من زُروعِ السِّنين الخصبَة، ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾ ؛ إلا شيئاً قليلاً تُحصِنُونَهُ في موضعٍ من المواضع، ونسبَ الأكلَ إلى السِّنين القحطِ على التوسُّع ؛ لأن الأكلَ كان يقعُ فيها.

يوسف 12:49

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ هذا خبرٌ من يوسف عليه السلام عما لم يكن في رُؤيا الملِك، ولكنه من علمِ الغيب الذي آتَاهُ الله إياه، كما قال قتادةُ :(زَادَهُ اللهُ عِلْماً سَنَةً لَمْ يَسْأَلُوهُ عَنْهَا). والمعنى : أنَّ يوسف عليه السلام قالَ له : ثم يأتِي من بعدِ هذه السنين الأربعَةَ عشرةَ، سنةٌ فيها يغالُ الناس. يجوز أن يكون هذا من الغَوْثِ ؛ أي يُغِيثُ اللهَ في تلك السَّنة عبادَهُ فتزَكُوا فيها زرُوعَهم وفَواكههم وأعنَابُهم. ويجوز أن يكون من الغَيْثِ وهو المطرُ ؛ أي آتَاهُم اللهُ بالأمطارِ والخصب في تلك السَّنة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ قرأ أهلُ الكوفة إلاَّ عَاصِماً بالتَّاء ؛ لأن الكلامَ كلَّه خطابٌ، وقرأ الباقون بالياءِ ردَّهُ إلى الناسِ، قال أكثرُ المفسِّرين : يَعْصِرُونَ العِنَبَ خَمْراً، والزيتونَ زَيْتاً، والسمسُمَ دُهناً، وهنا أراد يعصِرون الأعنابَ والأثمارَ والحبوب من كثرةِ الغيثِ والخير. وَقِيْلَ : معناهُ : يَنْجُونَ من البلاءِ والشدَّة، والعُصْرَةُ النجاةُ والملجَأُ، وقال الشاعر : صَادِياً يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغَاثٍ وَلَقَدْ كَانَ عُصْرَةَ الْمَنْجُودِومَن قرأ (يُعْصَرُونَ) بضمِّ الياء ونصب الصاد، فمعناهُ يُعْصَرُونَ من قولهِ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً﴾[النبأ: ١٤]. فلمَّا رجعَ الرسولُ إليه وأخبرَهُ بمقالتهِ، قالَ الملِكُ : ائْتُونِي به، فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَآءَهُ الرَّسُولُ﴾ ؛ قال له : إن الملِكَ يدُعوكَ، ﴿قَالَ﴾ ؛ له يوسفُ :﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ ؛ سيِّدِكَ الملكِ، ﴿فَاسْأَلْهُ﴾ ؛ حتى يسألَ، ﴿مَا بَالُ﴾، عن شأنِ، ﴿النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ ؛ أكُنَّ صادقاتٍ على يُوسُفَ أم كاذباتٍ عيه، وليعلمَ صحَّةَ بَراءَتِي، وأنِّي مظلومٌ بالحبسِ، وأبَى أن يخرُجَ مع الرسولِ، ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ ؛ وعن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال :" لَقَدْ عَجِبْتُ مِنْ صَبْرِ أخِي يُوسُفَ وَكَرَمِهِ، وَلَوْ كُنْتُ أنَا الَّذِي دُعِيتُ إلَى الْخُرُوجِ لَبَادَرْتُهُمْ إلَى الْبَاب، وَلَكِنَّهُ أحَبَّ أنْ يَكُونَ لَهُ الْعُذْرُ ".

يوسف 12:50

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ هذا خبرٌ من يوسف عليه السلام عما لم يكن في رُؤيا الملِك، ولكنه من علمِ الغيب الذي آتَاهُ الله إياه، كما قال قتادةُ :(زَادَهُ اللهُ عِلْماً سَنَةً لَمْ يَسْأَلُوهُ عَنْهَا). والمعنى : أنَّ يوسف عليه السلام قالَ له : ثم يأتِي من بعدِ هذه السنين الأربعَةَ عشرةَ، سنةٌ فيها يغالُ الناس. يجوز أن يكون هذا من الغَوْثِ ؛ أي يُغِيثُ اللهَ في تلك السَّنة عبادَهُ فتزَكُوا فيها زرُوعَهم وفَواكههم وأعنَابُهم. ويجوز أن يكون من الغَيْثِ وهو المطرُ ؛ أي آتَاهُم اللهُ بالأمطارِ والخصب في تلك السَّنة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ قرأ أهلُ الكوفة إلاَّ عَاصِماً بالتَّاء ؛ لأن الكلامَ كلَّه خطابٌ، وقرأ الباقون بالياءِ ردَّهُ إلى الناسِ، قال أكثرُ المفسِّرين : يَعْصِرُونَ العِنَبَ خَمْراً، والزيتونَ زَيْتاً، والسمسُمَ دُهناً، وهنا أراد يعصِرون الأعنابَ والأثمارَ والحبوب من كثرةِ الغيثِ والخير. وَقِيْلَ : معناهُ : يَنْجُونَ من البلاءِ والشدَّة، والعُصْرَةُ النجاةُ والملجَأُ، وقال الشاعر : صَادِياً يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغَاثٍ وَلَقَدْ كَانَ عُصْرَةَ الْمَنْجُودِومَن قرأ (يُعْصَرُونَ) بضمِّ الياء ونصب الصاد، فمعناهُ يُعْصَرُونَ من قولهِ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً﴾[النبأ: ١٤]. فلمَّا رجعَ الرسولُ إليه وأخبرَهُ بمقالتهِ، قالَ الملِكُ : ائْتُونِي به، فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَآءَهُ الرَّسُولُ﴾ ؛ قال له : إن الملِكَ يدُعوكَ، ﴿قَالَ﴾ ؛ له يوسفُ :﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ ؛ سيِّدِكَ الملكِ، ﴿فَاسْأَلْهُ﴾ ؛ حتى يسألَ، ﴿مَا بَالُ﴾، عن شأنِ، ﴿النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ ؛ أكُنَّ صادقاتٍ على يُوسُفَ أم كاذباتٍ عيه، وليعلمَ صحَّةَ بَراءَتِي، وأنِّي مظلومٌ بالحبسِ، وأبَى أن يخرُجَ مع الرسولِ، ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ ؛ وعن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال :" لَقَدْ عَجِبْتُ مِنْ صَبْرِ أخِي يُوسُفَ وَكَرَمِهِ، وَلَوْ كُنْتُ أنَا الَّذِي دُعِيتُ إلَى الْخُرُوجِ لَبَادَرْتُهُمْ إلَى الْبَاب، وَلَكِنَّهُ أحَبَّ أنْ يَكُونَ لَهُ الْعُذْرُ ".

يوسف 12:51

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ﴾ ؛ فيه إضمارٌ، تقديرُ الكلامِ : فرجعَ الرسولُ إلى الملِك فأعلمهُ بذلكَ، فأرسلَ الملكُ إلى النسوةِ فأحضرَهنَّ، ثم قالَ لهن :﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾ أي ما شأنُكن إذا طلبتُنَّ يوسف عن نفسهِ، ﴿قُلْنَ حَاشَ للَّهِ﴾ ؛ هذا جوابُ النسوةِ للملك بكملة التَّنْزِيهِ، نزَّهنَ يوسفَ عن ما اتُّهِمَ بهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ ؛ أي من قبيحٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ ؛ أي تَبَيَّنَ وظهرَ الحقُّ ليوسف، ﴿أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ﴾ ؛ أي دعوتهُ إلى نفسي، ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ؛ في قولهِ إنه لَمْ يُراوِدْنِي. قال ابنُ عبَّاس :(فَرَجَعَ صَاحِبُ الشَّرَاب إلَى يُوسُفَ فَأَخْبَرَهُ بذلِكَ، فَقَالَ يُوسُفَ :﴿ذلِكَ﴾، الَّذِي فَعَلْتُ مِنْ رَدِّي رَسُولَ الْمَلِكِ إلَيْهِ فِي شَأْنِ النِّسْوَةِ) ﴿لِيَعْلَمَ﴾ العزيزُ، ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ في زوجتهِ في حال غَيْبَتهِ عنِّي. قال أهلُ الوعظ : فقال جبريلُ : بل ولاَ هَمَمْتَ بها، فقال يوسفُ :﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِي﴾ ؛ فإن صحَّت هذه الروايةُ كان المعنى : وما أُبَرِّئُ نفسسي من الْهَمِّ ؛ أي ما أُزَكِّيها، وتزكيةُ النفسِ مما يُذمُّ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ ؛ أي بالقبيحِ، وذلك لكثرةِ ما تَشتَهيهِ وتسارعُ إليه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ ؛ أي إلا ما عَصَمني ربي بلُطفِه، و(ما) بمعنى (من)، كقولهِ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ﴾[النساء: ٣]، وفي هذا دليلٌ أنَّ أحداً لا يمتنعُ من المعصيةِ إلا بعصمةِ الله، وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ أي غفورٌ لذنوب المذنِبين، رحيمٌ بهم بعد التوبةِ.

يوسف 12:52

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ﴾ ؛ فيه إضمارٌ، تقديرُ الكلامِ : فرجعَ الرسولُ إلى الملِك فأعلمهُ بذلكَ، فأرسلَ الملكُ إلى النسوةِ فأحضرَهنَّ، ثم قالَ لهن :﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾ أي ما شأنُكن إذا طلبتُنَّ يوسف عن نفسهِ، ﴿قُلْنَ حَاشَ للَّهِ﴾ ؛ هذا جوابُ النسوةِ للملك بكملة التَّنْزِيهِ، نزَّهنَ يوسفَ عن ما اتُّهِمَ بهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ ؛ أي من قبيحٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ ؛ أي تَبَيَّنَ وظهرَ الحقُّ ليوسف، ﴿أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ﴾ ؛ أي دعوتهُ إلى نفسي، ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ؛ في قولهِ إنه لَمْ يُراوِدْنِي. قال ابنُ عبَّاس :(فَرَجَعَ صَاحِبُ الشَّرَاب إلَى يُوسُفَ فَأَخْبَرَهُ بذلِكَ، فَقَالَ يُوسُفَ :﴿ذلِكَ﴾، الَّذِي فَعَلْتُ مِنْ رَدِّي رَسُولَ الْمَلِكِ إلَيْهِ فِي شَأْنِ النِّسْوَةِ) ﴿لِيَعْلَمَ﴾ العزيزُ، ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ في زوجتهِ في حال غَيْبَتهِ عنِّي. قال أهلُ الوعظ : فقال جبريلُ : بل ولاَ هَمَمْتَ بها، فقال يوسفُ :﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِي﴾ ؛ فإن صحَّت هذه الروايةُ كان المعنى : وما أُبَرِّئُ نفسسي من الْهَمِّ ؛ أي ما أُزَكِّيها، وتزكيةُ النفسِ مما يُذمُّ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ ؛ أي بالقبيحِ، وذلك لكثرةِ ما تَشتَهيهِ وتسارعُ إليه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ ؛ أي إلا ما عَصَمني ربي بلُطفِه، و(ما) بمعنى (من)، كقولهِ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ﴾[النساء: ٣]، وفي هذا دليلٌ أنَّ أحداً لا يمتنعُ من المعصيةِ إلا بعصمةِ الله، وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ أي غفورٌ لذنوب المذنِبين، رحيمٌ بهم بعد التوبةِ.

يوسف 12:53

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ﴾ ؛ فيه إضمارٌ، تقديرُ الكلامِ : فرجعَ الرسولُ إلى الملِك فأعلمهُ بذلكَ، فأرسلَ الملكُ إلى النسوةِ فأحضرَهنَّ، ثم قالَ لهن :﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾ أي ما شأنُكن إذا طلبتُنَّ يوسف عن نفسهِ، ﴿قُلْنَ حَاشَ للَّهِ﴾ ؛ هذا جوابُ النسوةِ للملك بكملة التَّنْزِيهِ، نزَّهنَ يوسفَ عن ما اتُّهِمَ بهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ ؛ أي من قبيحٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ ؛ أي تَبَيَّنَ وظهرَ الحقُّ ليوسف، ﴿أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ﴾ ؛ أي دعوتهُ إلى نفسي، ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ؛ في قولهِ إنه لَمْ يُراوِدْنِي. قال ابنُ عبَّاس :(فَرَجَعَ صَاحِبُ الشَّرَاب إلَى يُوسُفَ فَأَخْبَرَهُ بذلِكَ، فَقَالَ يُوسُفَ :﴿ذلِكَ﴾، الَّذِي فَعَلْتُ مِنْ رَدِّي رَسُولَ الْمَلِكِ إلَيْهِ فِي شَأْنِ النِّسْوَةِ) ﴿لِيَعْلَمَ﴾ العزيزُ، ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ في زوجتهِ في حال غَيْبَتهِ عنِّي. قال أهلُ الوعظ : فقال جبريلُ : بل ولاَ هَمَمْتَ بها، فقال يوسفُ :﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِي﴾ ؛ فإن صحَّت هذه الروايةُ كان المعنى : وما أُبَرِّئُ نفسسي من الْهَمِّ ؛ أي ما أُزَكِّيها، وتزكيةُ النفسِ مما يُذمُّ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ ؛ أي بالقبيحِ، وذلك لكثرةِ ما تَشتَهيهِ وتسارعُ إليه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ ؛ أي إلا ما عَصَمني ربي بلُطفِه، و(ما) بمعنى (من)، كقولهِ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ﴾[النساء: ٣]، وفي هذا دليلٌ أنَّ أحداً لا يمتنعُ من المعصيةِ إلا بعصمةِ الله، وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ أي غفورٌ لذنوب المذنِبين، رحيمٌ بهم بعد التوبةِ.

يوسف 12:54

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ ؛ إي قالَ الملكُ : ائتُونِي بيوسُفَ أجعلْهُ خَالصاً لنفسِي أرجعُ إليه في تدبيرِ مملكَتي، وأعملُ على إشارته، فلما جاءَهُ الرسولُ قال : أجِب الملكَ، قال : الآنَ. فخرجَ يوسفُ، ﴿فَلَمَّا﴾ ؛ دخلَ على الملكِ، ﴿كَلَّمَهُ﴾، قال : اللَّهُمَّ إنِّي أسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهِ وَأَعُوذ بكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ غَيْرِهِ، ثم سَلَّمَ عليه يوسف بالعربيَّة، فقالَ له : وما هذا اللسانُ ؟ قال : لسانُ عَمِّي إسماعيل، ثم دعَا له بالعبرانيَّة، فقال له : وما هذا اللسانُ ؟ قال : لسانُ آبَائِي. فأُعجِبَ الملكُ ما رأى منه. وكان يوسفُ يومئذٍِ ابنُ ثلاثين سَنة، فلما رأى الملك حَدَاثَةَ سِنِّهِ قال لِمَن عندَهُ : إنَّ هذا عَلِمَ تأويلَ رُؤيَايَ، ولَم تَعْلَمْهُ السحرةُ ولا الكهنة، ثم أجلسَهُ وقال له : إنِّي أحبُّ أن أسمعَ تأويلَ رُؤيَايَ شِفَاهاً منك. قال : أيُّها الملكُ، رأيتَ سبعَ بقراتٍ سِمَانٍ حِسَانٍ كشفَ لكَ عنهُنَّ النيلُ، خرجنَ عليكَ من شاطئهِ، فبينما أنتَ تنظرُ إليهن، ويُعجِبُكَ حُسْنُهُنَّ إذ نَضَبَ النيلُ وغَارَ ماؤهُ، فخرجَ من حَمْأَتِهِ وَوَجَلِهِ سبعُ بقراتٍ عِجَافٍ شُعْثٍ غيرِ مقلصات البُطون، ليس لهن ضُروعٌ ولهن أضراسُ وأنياب وأكُفٌّ كَأَكُفِّ الكلاب، فاختطَفن بالسِّمانِ فافتَرسُوهنَّ افتراسَ السَّبُعِ، فأكلنَ لُحومَهن ومزَّقْنَ جُلودَهن ومَشْمَشَنَ مُخَّهُنَّ وحطَّمن عِظَامَهُنَّ. فبَينا أنتَ تتعجَّبُ إذ بسبعِ سنبلات خُضْرٍ وسبع آُخر سُود في منبتٍ واحد وأصولُهن في الماءِ، إذ هبَّت ريحٌ فجعلت اليابساتِ السودِ على الْخُضْرِ المثمِرات، فأشعَلَت فيهن النارَ فأحرقتهن، فهذا ما رأيتَ من الرُّؤيا. فقال الملكُ : واللهِ إن هذه الرؤيا وإنْ كانت عَجَباً، فإن الذي سمعتُ منك أعجَبُ، فما ترَى فيها ؟ فقال تَأْويلُها كذا وكذا كما قد تقدَّم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ ؛ أي قالَ له الملكُ : إنَّك اليومَ لدينا مُتَمَكِّنٌ من فعلِ ما تريدُ، نافذُ القولِ والأمرِ، قد ظهَرت أمَانَتُكَ، وظهرَ كَذِبُ النساءِ عليكَ، ولم تظهرْ منكَ خيانةٌ.

يوسف 12:55

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ؛ أي قال يوسفُ : اجعَلنِي على خزائنِ أرضِكَ، واجعَلْ تدبيرَها إلَيَّ، وأرادَ بذلك الخزائنَ التي يُجمع فيها طعامُ الأرضِ وأموالُها التي كان مصيرُها إلى الملكِ، وكانت أرضُ مصر أربعين فَرسخاً في أربعين فرسخاً. وإنما قال يوسف ذلك لصلاحِ الْخَلْقِ ؛ لأن الأنبياءَ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ بُعِثُوا لإقامةِ العدلِ ووضعِ الأشياء مواضِعَها، فعَلِمَ يوسف أنه لا أحدَ أقْوَمُ بذلك منهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ أي حافظٌ للخزائنِ، عالِمٌ بوَضعِها مواضعها، وَقِيْلَ : لجميعِ ألْسُنِ الغرباء الذين يأتونَك، فإنه كان يتكلَّمُ بالعربيِّ والعبرانِي والسريانِي والقِبْطي. وقيل عالِمٌ بساعات حاجاتِ الناس، وذلك أنْ أمَرَ الخبَّازين أن يجعلوا غداءَ الملكِ نصفَ النهارِ، فمَن ثمَّ جعلَ الملوكُ غداءَهم نصفَ النهار، فلما كانت الليلةُ التي وقعَ فيها الجوعُ أوَّل السنين الْجَدْبَةِ، أمَرَ الخبَّازين أن يجعلُوا غَدَاءَهُ مع عشَائهِ ففعلوا، فوقَعَ الجوعُ فِي نصفِ الليل، فهتفَ الملكُ : يا يوسفُ الجوعَ الجوعَ، فقرَّب إليه طعامَهُ. وفي الآية دليلٌ على أنه لا يجوزُ للإِنسان أن يمدحَ نفسه بالأفضلِ عند مَن لا يعرفهُ، وأنَّ المرادَ بقولهِ تعالى :﴿فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ﴾[النجم: ٣٢] النهيُ من تزكيةِ النفس للفَخْرِ والسُّمعة.

يوسف 12:56

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذالِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ﴾ ؛ أي كما برَّأنا سَاحَتَهُ وخلَّصانهُ من الحبسِ، كذلك مَكَّنَا له في أرضِ مصر ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا﴾ أي يَنْزِلُ بها حيثُ يشاء، ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ﴾. ورُوي أن الملكَ تَوَّجَهُ وأعطاهُ سَيْفَهُ ووضعَ له سَريراً من ذهبٍ مُكَلَّلاً بالدُّرِّ والياقوتِ، ثم أمرَ بأن يجلسَ عليه، فجلسَ ولَزِمَ الملكُ بيته وفوَّضَ إليه كلَّ أمُورهِ، وذلَّت له سائرُ الملوكِ، فلَطَفَ يوسفُ بالناسِ وأقامَ فيهم العدلَ وأخذ يدعوهم إلى الإسلامِ، فأحبَّهُ الناسُ كلهم وآمَنَ كثيرٌ منهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ؛ على إحسانِهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ؛ أي ولَثَوابُ الآخرةِ خيرٌ من ثواب الدُّنيا للذين آمَنُوا بالله وكتُبهِ، ﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ ؛ الكفرَ والفواحشَ.

يوسف 12:57

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذالِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ﴾ ؛ أي كما برَّأنا سَاحَتَهُ وخلَّصانهُ من الحبسِ، كذلك مَكَّنَا له في أرضِ مصر ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا﴾ أي يَنْزِلُ بها حيثُ يشاء، ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ﴾. ورُوي أن الملكَ تَوَّجَهُ وأعطاهُ سَيْفَهُ ووضعَ له سَريراً من ذهبٍ مُكَلَّلاً بالدُّرِّ والياقوتِ، ثم أمرَ بأن يجلسَ عليه، فجلسَ ولَزِمَ الملكُ بيته وفوَّضَ إليه كلَّ أمُورهِ، وذلَّت له سائرُ الملوكِ، فلَطَفَ يوسفُ بالناسِ وأقامَ فيهم العدلَ وأخذ يدعوهم إلى الإسلامِ، فأحبَّهُ الناسُ كلهم وآمَنَ كثيرٌ منهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ؛ على إحسانِهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ؛ أي ولَثَوابُ الآخرةِ خيرٌ من ثواب الدُّنيا للذين آمَنُوا بالله وكتُبهِ، ﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ ؛ الكفرَ والفواحشَ.

يوسف 12:58

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾ ؛ وهم عشرةٌ، جَاؤُا من بعدِ أبيهم في سِنِيِّ القحطِ لطلب الطعام كما يجيءُ غيرهم، فدخَلُوا عليه وكلَّموهُ بالعبرانية، وعليه ثيابُ حريرٍ وطَوْقُ ذهَبٍ، وهو جالسٌ على سريرِ مُلكهِ، ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾ ؛ أنَّهم إخوَتهُ، ﴿وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾، وكانوا لا يعرفونَهُ لطُولِ العهدِ ؛ لأنَّهم كانوا رَأوْهُ صَغيراً، ولم يظُنُّوا أنه مَلِكاً، فأَمَرَهُمْ وأحسنَ إليهم، وفاوضَهم في الحديثِ حتى حدَّثوهُ بحديث أبيهم، وقالوا : إنَّ لنا أباً شَيخاً كبيراً وكُنا اثني عشرَ، فهلكَ واحدٌ منَّا في الغنَمِ ووجدنا قميصَهُ وعليه دمٌ فأتَينا به أبَانَا، ولهُ أخٌ وهو آثرُ إلى أبينَا مِنَّا.

يوسف 12:59

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ﴾ ؛ لهم :﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ﴾ ؛ أي لمََّا أعطاهم الْمِيرَةَ وكالَ لهم كَيلَهم، قال لَهم :﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ﴾ ﴿أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ ؛ أعطِي الناسَ حُقوقَهم على التمامِ، ﴿وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ ؛ للأُمور منَازلُها، ﴿فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ﴾ ؛ مرَّة أُخرى.

يوسف 12:60

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ﴾ ؛ لهم :﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ﴾ ؛ أي لمََّا أعطاهم الْمِيرَةَ وكالَ لهم كَيلَهم، قال لَهم :﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ﴾ ﴿أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ ؛ أعطِي الناسَ حُقوقَهم على التمامِ، ﴿وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ ؛ للأُمور منَازلُها، ﴿فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ﴾ ؛ مرَّة أُخرى.

يوسف 12:61

قولهُ :﴿قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ ؛ أي قالُوا : سَنَطْلُبهُ من أبيهِ، ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ ؛ أين سنَجِيء به، وخافَ يوسفُ أن لا يكون عند أبيهم من الرِّزقِ ما يرجِعُون به إليه مرَّة أُخرى. فأمَرَ أن يجعلَ درَاهِمَهم في أوعِيَتهم من غيرِ علمٍ لَهم، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ ؛ أي قالَ يوسفُ لِخُدَّامِهِ مِن مماليكهِ : اجعَلُوا دَراهِمَهم ودنانِيرَهم التي جَاؤُا بها في رحالِهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا انْقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ﴾، لكي يعرِفُوا هذه الكرامةَ مِنِّي. ويقال : كي يعرِفُوا أنَّها دَرَاهِمي، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، فيرجِعُوها فيردُّها عَلَيَّ.

يوسف 12:62

قولهُ :﴿قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ ؛ أي قالُوا : سَنَطْلُبهُ من أبيهِ، ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ ؛ أين سنَجِيء به، وخافَ يوسفُ أن لا يكون عند أبيهم من الرِّزقِ ما يرجِعُون به إليه مرَّة أُخرى. فأمَرَ أن يجعلَ درَاهِمَهم في أوعِيَتهم من غيرِ علمٍ لَهم، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ ؛ أي قالَ يوسفُ لِخُدَّامِهِ مِن مماليكهِ : اجعَلُوا دَراهِمَهم ودنانِيرَهم التي جَاؤُا بها في رحالِهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا انْقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ﴾، لكي يعرِفُوا هذه الكرامةَ مِنِّي. ويقال : كي يعرِفُوا أنَّها دَرَاهِمي، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، فيرجِعُوها فيردُّها عَلَيَّ.

يوسف 12:63

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ ياأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ ؛ في المستقبلِ إن لم تُرسِلْ معنا بنيامين، ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ ؛ لنَا ولَهُ. ومن قرأ (يَكْتَلْ) بالياء أخُونَا، يأخذ لنفسهِ حِمْلاً، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ؛ حتى نَرُدَّهُ عليكَ. ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾ ؛ يوسُفَ، ﴿مِن قَبْلُ﴾ ؛ فضيَّعتموهُ وغيَّبتموهُ عني، ولئن أرسلتُ معكم بنيامين، ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً﴾، أي فعلَى اللهِ أتوكَّلُ، فإنَّ حِفْظَ اللهِ خيرٌ من حفظِكم. ومن قرأ (حَافِظٍ) أي خيرُ حافظٍ، وكُلاًّ نُصب على التمييزِ، ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. قال كعبٌ :(لَمَّا قَالَ يَعْقُوبُ : واللهُ خَيْرٌ حَافِظاً، قَالَ اللهُ تَعَالَى : وَعَزَّتي لأَرُدَّنَّ عَلَيْكَ كِلاَهُمَا بَعْدَ مَا تَوَكَّلْتَ عَلَيَّ).

يوسف 12:64

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ ياأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ ؛ في المستقبلِ إن لم تُرسِلْ معنا بنيامين، ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ ؛ لنَا ولَهُ. ومن قرأ (يَكْتَلْ) بالياء أخُونَا، يأخذ لنفسهِ حِمْلاً، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ؛ حتى نَرُدَّهُ عليكَ. ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾ ؛ يوسُفَ، ﴿مِن قَبْلُ﴾ ؛ فضيَّعتموهُ وغيَّبتموهُ عني، ولئن أرسلتُ معكم بنيامين، ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً﴾، أي فعلَى اللهِ أتوكَّلُ، فإنَّ حِفْظَ اللهِ خيرٌ من حفظِكم. ومن قرأ (حَافِظٍ) أي خيرُ حافظٍ، وكُلاًّ نُصب على التمييزِ، ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. قال كعبٌ :(لَمَّا قَالَ يَعْقُوبُ : واللهُ خَيْرٌ حَافِظاً، قَالَ اللهُ تَعَالَى : وَعَزَّتي لأَرُدَّنَّ عَلَيْكَ كِلاَهُمَا بَعْدَ مَا تَوَكَّلْتَ عَلَيَّ).

يوسف 12:65

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ ؛ أي لما فتَحُوا أوعِيَتهم وجدوا دارهِمهم رُدَّتْ إليهم، ﴿قَالُواْ﴾ ؛ لأَبيهم :﴿ياأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ ؛ أي ما نظلِمُ ولا نكذبُ في ما أخبَرنَاكَ به أنَّ مَلِكَ مصرَ أكرَمَنا وألطفنا، وهذا إذا كان قولهُ :﴿مَا نَبْغِي﴾ من البغيِ، فأما إذا كان من الطلب، فمعناهُ الاستفهامُ دون الجحدِ، وموضع (مَا) نَصْبٌ تقديرهُ أيُّ شيءِ نريدُ، وفي قراءةِ عائشةَ عن النبيِّ ﷺ :" مَا نَبْغِي مَعْنَاهُ مَا نَطْلُبُ ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هَـاذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ ؛ ابتداءُ كلامٍ معناهُ : درَاهمنا وهي ثمنُ الطعامِ الذي اشتريناهُ بمصرَ رُدَّتْ إلينا، وقولهُ تعالى :﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ ؛ أي نَمْتَارُ لأهلنا، بقولهِ مَارَ فُلانٌ لأَهْلِهِ إذا حَمَلَ إليهم قُوتَهم من غيرِ بلدةٍ. ومَن قرأ (نُمِيرُ) بضم النون، أي نجعلهم أصحابَ مِيرَةٍ، ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ ؛ مِن أن يضيعَ، ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ ؛ إذا كان هُوَ مَعنا، وسُمي الْحِمْلُ كَيْلاً ؛ لأنه يُكَالُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ ؛ أي هَيِّنٌ سريع لا حَبْسَ فيه إنْ أرسَلتَهُ معَنا.

يوسف 12:66

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ﴾ ؛ لهم يعقوبُ :﴿لَنْ أُرْسِلَهُ﴾ ؛ بنيامين، ﴿مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً﴾ ؛ أي تُعطونِي عَهْداً وثيقاً، ﴿مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ ؛ لتَرُدُّنَّهُ عليَّ، ﴿إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾، يُنْزِلُ بكُم أمِينُ السَّماءِ والأرض لا تَقدِرُون على دفعِ ذلك، ﴿فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ ؛ أي لما حَلَفوا، ﴿قَالَ﴾ ؛ لَهم يعقوبُ :﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ ؛ أي شهيدٌ حفيظ.

يوسف 12:67

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ يابَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾ قال ابنُ عبَّاس :(خَافَ يَعْقُوبُ عَلَى بَنِيهِ الْعَيْنَ لِجَمَالِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ، وَكُلُّهُمْ بَنُو أبٍ وَاحِدٍ). ثم رجعَ إلى علمهِ، ﴿وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ﴾ ؛ أي ما القضاءُ إلا اللهِ، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ ؛ إليهِ فوَّضتُ أمرِي وأمْرَكم مع التمسُّك بطاعتهِ والرضا بقضائهِ، ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. واختلفَ العلماءُ في أمرِ العَيْنِ، فقالَ بعضُهم : هي حَقٌّ، واستدَلُّوا بما " رُوي عن النبيِّ ﷺ أنَّهُ عَوَّذ الْحَسَنَ وَالْحَسَيْنَ وَرَقَّى لَهُمَا مِنَ الْعَيْنِ وَقَالَ " وَأُعِيذُكُمَا باللهِ مِنْ كُلِّ عَيْنٍ لاَمَّةٍ "، وَقَالَ ﷺ :" وَالْعَيْنُ حَقٌّ ". وقال بعضُهم : إنه يَمْتَدُّ من عينِ الناظر أجزاء، فتتصلُ بما يَسْتَحسِنهُ فتؤثِّرُ فيه كتأثيرِ اللَّسْعِ من النارِ والسُّمِّ. وأنكرَ بعضُ العلماءِ الإصابةَ بالعينِ ؛ لأنه لا شُبهةَ في أنَّ الأمراضَ والأسقامَ لا تكون إلا مِن فعلِ اللهِ ؛ لأن الإنسانَ لا يقدرُ على ذلكَ. وفي قولهِ :﴿وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ بيانُ أنه لا ينفعُ حَذرٌ مِنْ قَدَرٍ.

يوسف 12:68

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم﴾ ؛ أي لَمَّا دخَلُوا مصرَ من أبوابٍ متفرِّقةٍ، وكان لمصرَ أربعةُ أبوابٍ، فدخَلُوها من أبوابها كلِّها كما أمَرَهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ ؛ أي ما كان يُغنِي يدفعُ عنهم شَيئاً من قضاءِ الله، يعني : لو قَدَّرَ اللهُ أن تُصِيبَهم العينُ لأصَابَتهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ ؛ وهي دخولُهم مصرَ من أبوابٍ متفرِّقة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ ؛ أي إن يعقوبَ لَذُو يَقينٍ ومعرفةٍ بالله وبأمر الدِّين لتَعلِيمِنَا إياهُ أن لا يصيبَ أحداً شيءٌ إلا بقضاءِ الله، ﴿وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ ذلكَ.

يوسف 12:69

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ ؛ أي ضَمَّ أخاهُ بنيامين إلى نفسهِ، وَقِيْلَ : أذِنَ له بالدُّخولِ عليه، وجَلَسَ إخوتهُ بالباب، فلما دخلَ عليه قالَ : ما اسْمُكَ ؟ قال : بنيَامِينَ، قال : مَا اسمُ أُمِّكَ ؟ قال : رَاحِيل، قال : فهَلْ لَكَ والدٌ ؟ قالَ : نَعَمْ، قالَ : هل لك إخوةٌ من أبيكَ ؟ قالَ : عشرةٌ، فقال : هل لكَ أخٌ من أُمِّكَ ؟ قال : كانَ لِي أخٌ من أُمِّي هَلَكَ، قال : أُحِبُّ أنْ أكونَ أخاكَ بدلَ أخِيكَ الهالِكَ ؟ فقال : أيُّها الملِكُ ومَن يجدُ أخاً مثلكَ ؟ لكن لَمْ يَلِدْكَ يعقوبَ ولا راحيلُ. فخَنقَتْ يوسفُ العبرةَ، فبَكَى ثم وثبَ إليه فَاعتنَقَهُ، و ﴿قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ﴾ ؛ وبكَى كلُّ واحدٍ منهما، ثم أعلَمَهُ يوسف أنه سَيحتَالُ في إحباسهِ عنده، ثم أذِنَ لإخوتهِ بعدَ ذلك في الدُّخولِ عليه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ؛ أي لا تَحْزَنْ بما كانوا يعمَلون بي وبكَ مِن حَسدِنَا، وصَرْفِ وجهِ أبينَا عنَّا. فقد جمعَ اللهُ بيني وبينكَ، وأرجُو أن يجمعَ اللهَ بيننا وبين يعقوب، ثم أوْفَى يوسفُ لإخوتهِ الكيلَ.

يوسف 12:70

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ ؛ أي فلمَّا كَالَ لَهم، أمَرَ أصحابَهُ المختصِّين به أن يجعَلُوا الصاعَ في رَحْلِ أخيهِ بنيامين، وسُمِّيَ الصاعُ سقايةً ؛ لأنه كان قبلَ ذلك مما يَسْتَقِي به الملِكُ الخمرَ وكان من ذهبٍ. وقال ابنُ عبَّاس :(كَانَ قَدَحاً مِنْ زُبُرْجَدٍ). وَقِيْلَ : كان من فضَّةٍ مُمَّوَّهٍ بالذهَب، وكان الشُّربُ في مثلِ ذلك الإناء جَائزاً في شَريعَتِهم، فلما كان في أيَّام القحطِ أمَرَ الملِكُ أن يُكالَ به الطعامُ للناسِ. قِيْلَ : فلمَّا قال يوسفُ لبنيامين : إنِّي أنا أخُوكَ، قال لهُ : فإنِّي لا أُفارِقُكَ أبداً، قال يوسفُ : قد علمتُ اغتِمامُ وَالِدي لي، فأخافُ إنْ حبَستُكَ معي ازدادَ غَمُّهُ، ثم لا يُمكِنُني حَبُسُكَ إلاَّ أُشَهِّرَكَ بأمرٍ فظيع، قال : لاَ أُباليِ فافعَلْ ما شئتَ. قال : فإنِّي أدُسُّ صَاعِي هذا في رَحلِكَ، ثم أُنادِي عليكَ بالسَّرقة ليَتهَيَّأَ لِي حَبسُكَ معي، ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾، أي فلما رَحَلت إخوةُ يوسفَ نادَى مُنَادٍ :﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ ؛ وكان النداءُ على ظنٍّ مِن هؤلاءٍ الموَكَّلِين بالصاع أنَّهم كذلكَ. ولم يكن هذا النداءُ بأمر يُوسف ولا يعلمهُ ؛ لأن الأنبياءَ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ لا يَأْمُرُونَ بالكذب، ومَن قالَ : إنَّ هذا النداءَ كان بأمرِ يُوسُفَ، فيحتملُ أنْ يكون معناهُ : إنَّكم لسَارِقُونَ يُوسُفَ على أبيهِ حين غيَّبتموهُ عنه. والعِيرُ اسمٌ لقافلةِ الْحَمِيرِ دُون قافلةِ الإبل، ثم كَثُرَ استعمالهُ في كلِّ قافلةٍ.

يوسف 12:71

قَوْلُهُ تَعَالَى :{ قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ ؛ أي قالَتْ إخوةُ يوسُفَ وَأقبَلُوا على المنادِي وأصحابهِ : ماذا تَطلبُون أتَنسِبُونا إلى السَّرقَةِ، { قَالُواْ نَفْقِدُ } ؛ أي نَطْلُبُ، ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ ؛ والصُّوَاعُ والصَّاعُ واحدٌ وهو والسِّقايَةُ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ ؛ من الطَّعامِ، ﴿وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ﴾ ؛ أي كَفِيلٌ، قالَ هذا القولَ المؤَذِّنُ، وقال لَهم أيضاً : إنَّ الملِكَ قَدِ اتَّهَمَنِي، وأخافُ عقوبتَهُ وسقوطَ مَنْزلَتي عندَهُ إنْ لم أجدِ الصَّاعَ.

يوسف 12:72

قَوْلُهُ تَعَالَى :{ قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ ؛ أي قالَتْ إخوةُ يوسُفَ وَأقبَلُوا على المنادِي وأصحابهِ : ماذا تَطلبُون أتَنسِبُونا إلى السَّرقَةِ، { قَالُواْ نَفْقِدُ } ؛ أي نَطْلُبُ، ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ ؛ والصُّوَاعُ والصَّاعُ واحدٌ وهو والسِّقايَةُ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ ؛ من الطَّعامِ، ﴿وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ﴾ ؛ أي كَفِيلٌ، قالَ هذا القولَ المؤَذِّنُ، وقال لَهم أيضاً : إنَّ الملِكَ قَدِ اتَّهَمَنِي، وأخافُ عقوبتَهُ وسقوطَ مَنْزلَتي عندَهُ إنْ لم أجدِ الصَّاعَ.

يوسف 12:73

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي حلَفُوه باللهِ وقالوا : لقد عَلِمتُم ما جِئْنَا لنُفسِدَ في أرضِ مِصْرَ بالسَّرقة من الناسِ، ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ ؛ ما تَظُنَّونَهُ.

يوسف 12:74

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ﴾ ؛ أي ما جزاءُ مَنْ سَرَقَ إنْ كنتم كَاذِبين، ﴿قَالُواْ جَزَآؤُهُ﴾ السارقُ، ﴿مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ أُخِذ عَبداً لسَرِقته، ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ استِرقاقهُ، ﴿كَذالِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ أي هكَذا جزاءُ السَّارقين في أرضِنا وهي سُنَّةُ يعقوبَ عليه السلام، حَكَمُوا على أنفُسِهم بما كان يطلبُ يوسُفَ من احتباسِ أخيه.

يوسف 12:75

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ﴾ ؛ أي ما جزاءُ مَنْ سَرَقَ إنْ كنتم كَاذِبين، ﴿قَالُواْ جَزَآؤُهُ﴾ السارقُ، ﴿مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ أُخِذ عَبداً لسَرِقته، ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ استِرقاقهُ، ﴿كَذالِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ أي هكَذا جزاءُ السَّارقين في أرضِنا وهي سُنَّةُ يعقوبَ عليه السلام، حَكَمُوا على أنفُسِهم بما كان يطلبُ يوسُفَ من احتباسِ أخيه.

يوسف 12:76

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ﴾، أي فبدأ يوسفُ بتفتيشِ أوعِيَتهم قبلَ وعاءِ أخيه، ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ﴾ ؛ فلَمَّا فتَّشَ وعاءَ أخيهِ وجدَ الصَّاعَ، فلما رأى أخوةَ يوسُفَ ذلك، تحيَّرُوا ونَكَّسُوا رُؤوسَهم، وقالوا لبنيامين : يَا ابْنَ المشؤومةِ وأخُوا المشؤومِ! ما الذِي حَمَلَكَ على أن تسرُقَ صُواعَ الملكِ فتَفضَحَنا وتُزْري بأَبيكَ يعقوبَ، فجعلَ يحلِفُ باللهِ ما سرقتهُ ولا عِلْمَ لِي بمن وضعَهُ. فلم يقبَلُوا منهُ وقالوا له : فمَن وضعَهُ في متَاعِكَ ؟ قال : الذي وضعَ بضاعَتَكم في رحالِكم في المرَّة الأُولى، فقالُوا فيما بينهم : لعلَّ هذا الملكُ يريد بنَا أمراً، فبينما هُم في الخصومةِ إذ أقبلَ فتى يُوسف فأخذ برَقبَةِ بنيامينَ وذهبَ به إليه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذالِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ كذلك ضَنَعنا ليوسُفَ حتى أخذ أخاهُ، وفي هذا دليلٌ على أنَّ يوسُفَ كان مأْذُوناً له من جهةِ الله في هذه الحيلةِ ليُضَاعِفَ الثوابَ ليعقوبَ على فَقدِهما. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ ؛ أي ما كان ليأخُذ أخاهُ في قضاءِ الملك، لأن من حُكمِ الملكِ في السَّارق أن يُضْرَبَ ويَغْرَمَ ضِعْفَي ما سَرَقَ، فلم يكن يوسفُ يتمكَّنُ من حبسِ أخيه عندَهُ في حُكمِ الملكِ لولا ما كادَ اللهُ له تلطُّفاً حتى وجدَ السبيلَ في ذلك، وهو ما جرَى عليه ألسِنَةُ إخوتهِ أنَّ جزاءَ السارقِ الاسترقاقُ، فأمِرُوا به وكان ذلك مُراده، وهو معنى قولهِ ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ وكان ذلك بمشئةِ الله. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ ؛ أي في العلمِ كما رفَعنا درجةَ يوسف، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ ؛ أي فوقَ كلِّ عالِم عالِمٌ حتى ينتهِي العلمُ إلى اللهِ.

يوسف 12:77

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ﴾ ؛ لأبيهِ وأُمِّه، ﴿مِن قَبْلُ﴾ ؛ أي قالَ أخوةُ يوسف : إنْ يسرِقْ بنيامينُ سقايةَ الملكِ ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ يَعْنُونَ يوسف، وذلك أنَّ عمَّةَ يوسف كانت تُحِبُّهُ وهو صغيرٌ، وكان يعقوبُ لا يتركهُ عندَها، فاحتَالَتْ وجاءَتْ بمِنْطَقَةِ أبيها إسحقَ فشَدَّتْها على وسط يوسُفَ تحتَ القميصِ، ثم قالت : فقد سَرَقَ مِنْطَقَةَ أبي فأنا آخذهُ بذلكَ. فهي التي أرادَ إخوتهُ بإضافتِهم السرقةَ إليه. وعن مجاهدٍ :(أنَّ يُوسُفَ جَاءَهُ سَائِلٌ يَوْماً، فَسَرَقَ بَيْضَةً مِنَ الْبَيْتِ فَنَاوَلَهُ إيَّاهَا، فَعَيَّرُوهُ بذلِكَ). وَقِيْلَ : كان يُخَبىءُ الطعامَ من المائدةِ للفُقراء، وَقِيْلَ : جاءَ سائلٌ ولم يكن في المنْزِل معه أحدٌ، فأعطاهُ جَدْياً من غيرِ أمرِ أبيه فهذه سرَقتهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ ؛ أي أخَّرَ هذه الكلمةَ في نفسهِ، ولم يُظهِرْ لَهم جَواباً، بل ﴿قَالَ﴾ ؛ في نفسهِ :﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً﴾ ؛ أي صُنعاً من يوسُف بما قدَّمتُم عليه من ظُلْمِ أخيكم وعُقوقِ أبيكُم، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ﴾ ؛ به يُوسُفَ.

يوسف 12:78

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ ياأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ ؛ رُوي أنَّ يَهُودَا كان أشدَّ بني يعقوبَ غَضباً، وكان إذا غَضِبَ صاحَ فلا تسمَعُ صوتهُ حَامِلٌ إلاَّ وضَعَتْ، وكان إذا غَضِبَ تقومُ كلُّ شعرةٍ من جسدهِ وتنتفخُ، فلا يسكنُ غضبهُ حتى يَمَسَّهُ واحدٌ من آلِ يعقوب. فقال يَهُودا لبعضِ أخوَتهِ : انظرُوا كَمْ سُوقاً بمصْرَ ؟ فنَظَروا فإذا هي عشرةٌ، فقالَ لأخوته : اكفوني مِن هذه الأسواقِ حتى أكفِيكُمْ من الملكِ، ثم قالَ : تباعَدُوا منِّي، فأمرَ يوسفُ ابناً له صَغيراً، فقال : اذهَبْ فمُسَّ ذلك الرجلُ، فدَنَا منه فمَسَّهُ فذهبَ غضبهُ، ثم هَمَّ أن يصبحَ ثانيةً، فقامَ إليه يوسفُ فَرَكَضَهُ برجلهِ ليُرِيَهُ أنه شديدٌ، ودفعَهُ ثم أخذ بتَلاَبيبهِ فجَذبَهُ فوقعَ في الأرضِ. ثُم قال : إنَّكم تَرونَ مَعْشَر العبرانيِّين أنَّ أحداً ليس مِثلَكم في الشدَّة. فقال يَهُودَا لإخوتهِ : هل مَسَّني أحدٌ من آل يعقوبَ ؟ قالوا : لاَ، وذلَّ يهودا عند ذلكَ، وقال : أيُّها العزيزُ إنَّ له أباً شَيخاً كبيراً في السنِّ، فذكَروا هذا على جهةِ الاستِرحَامِ. وَقِيْلَ : معناهُ : كبيرَ القَدْر لا يحسبن، أين مِثْلهُ ؟ فخُذْ أحدَنا مكانه عَبداً. وَقِيْلَ : وفي هذه دليلٌ أنه كان يجوزُ لإنسان أن يُرِقَّ نفسه لغيرهِ، وقد نُسِخَ هذا بشريةِ نبيِّنا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ؛ إلى كُلِّ مَن يأتيكَ وقد أوفَيتَ لنا الكيلَ، ورَدَدتَّ علينا بضَاعَتنا وقضَيتَ حاجَتنا، فإنْ رَدَدْتَّ معَنا أخانا كان أعظمَ مِنَّةٍ علينا مِن جميعِ ما سبقَ.

يوسف 12:79

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ﴾ ؛ يوسفُ :﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ ؛ وهذا نُصِبَ على المصدرِ ؛ أي أعودُ باللهِ، ﴿أَن نَّأْخُذَ﴾ ؛ أي أن آخُذ بالسَّرقة، ﴿إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ﴾ ؛ إذا فَعَلنا ذلك كُنَّا ظَالِمين، نحبسُ مَن لم نجِدْ متَاعَنا عندَهُ. يجوزُ أن يكون أرادَ إنَّا، ﴿إِنَّـآ إِذاً لَّظَالِمُونَ﴾، عندكم وفي حكمكم.

يوسف 12:80

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً﴾ ؛ أي لَمَّا يَئِسوا من يوسُفَ أن يَرُدَّ أخَاهم عليهم انفَرَدُوا مُتناجِينَ فيما بينهم يتشاوَرُون كيفَ يرجِعُون إلى أبيهم وماذا يقُولون له. والتَّنَجِّي مصدرٌ يُعَبرُ بهِ عن الواحدِ والجميع، وقد يُجْمَعُ النَّجِيُّ أنْجِيَةً، قال الشاعرُ : إنِّى إذا مَا الْقَوْمُ صَارُواْ أنْجِيَهْ وَاخْتَلَفَتْ أعْنَاقَهُمْ الأَرْشِيَهْهُنَاكَ أُوْصِي وَلاَ يُوصَى بيَهْ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ اللَّهِ﴾ ؛ أي قالَ لهم رُبيل وهو أكبرُهم في السنِّ : ألَمْ تعلَمُوا أنَّ أباكم قد أخذ عليكم عَهْداً من اللهِ لَتَرُدُّنَّهُ عليهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ ؛ أي وتعلَمُون تفرِيطَكم في يوسف، ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ﴾ أي أرضَ مصرَ، ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ في البَرَاحِ، ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ ؛ في موتٍ، أو وصُولٍ إلى أخِي فأَرُدُّهُ إلى أبيهِ ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ ؛ لا يحكمُ إلا بالحقِّ. ثُم قالَ لأخوتهِ كما قَالَ اللهُ تَعَالَى : قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ ياأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ ؛ صُوَاعَ الملكِ. وقرأ ابنُ عبَّاس (سُرِّقَ) بضمِّ السين وتشديدِ الراء، ﴿وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ ؛ إخبارٌ عن ظاهر وجودِ الصَّاع في رَحْلِ بنيامين أنه هو الآخذُ له، ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ ؛ أي ما كُنَّا ندري باطنَ الأمرِ في السَّرقة أنه سَرَقَ أو كُذِبَ عليه.

يوسف 12:81

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً﴾ ؛ أي لَمَّا يَئِسوا من يوسُفَ أن يَرُدَّ أخَاهم عليهم انفَرَدُوا مُتناجِينَ فيما بينهم يتشاوَرُون كيفَ يرجِعُون إلى أبيهم وماذا يقُولون له. والتَّنَجِّي مصدرٌ يُعَبرُ بهِ عن الواحدِ والجميع، وقد يُجْمَعُ النَّجِيُّ أنْجِيَةً، قال الشاعرُ : إنِّى إذا مَا الْقَوْمُ صَارُواْ أنْجِيَهْ وَاخْتَلَفَتْ أعْنَاقَهُمْ الأَرْشِيَهْهُنَاكَ أُوْصِي وَلاَ يُوصَى بيَهْ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ اللَّهِ﴾ ؛ أي قالَ لهم رُبيل وهو أكبرُهم في السنِّ : ألَمْ تعلَمُوا أنَّ أباكم قد أخذ عليكم عَهْداً من اللهِ لَتَرُدُّنَّهُ عليهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ ؛ أي وتعلَمُون تفرِيطَكم في يوسف، ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ﴾ أي أرضَ مصرَ، ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ في البَرَاحِ، ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ ؛ في موتٍ، أو وصُولٍ إلى أخِي فأَرُدُّهُ إلى أبيهِ ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ ؛ لا يحكمُ إلا بالحقِّ. ثُم قالَ لأخوتهِ كما قَالَ اللهُ تَعَالَى : قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ ياأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ ؛ صُوَاعَ الملكِ. وقرأ ابنُ عبَّاس (سُرِّقَ) بضمِّ السين وتشديدِ الراء، ﴿وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ ؛ إخبارٌ عن ظاهر وجودِ الصَّاع في رَحْلِ بنيامين أنه هو الآخذُ له، ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ ؛ أي ما كُنَّا ندري باطنَ الأمرِ في السَّرقة أنه سَرَقَ أو كُذِبَ عليه.

يوسف 12:82

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ ؛ أي اسأَلْ مَن شِئْتَ من أهلِ القرية التي كُنَّا فيها وهي مصرَ، فإنَّ أمرٌ شائع فيهم، يخبرْكَ به مَن سألتَهُ. وسَمَّى مصرَ قَريةً ؛ لأن العربَ تُسمِّي الأمصارَ والمدائنَ قُرَى. وَقِيْلَ : أرادَ بالقريةِ قريةً من قُرَى مصرَ وهي التي ارتَحَلُوا من مصرَ إليها. قوله :﴿وَالّعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ ؛ أي واسأَلْ أهلَ القافلةِ التي رجَعنا منهم، وكان قد صَحِبَهم قومُ كنعان. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ ؛ أي لصَادِقُون فيما نقولُ لكَ. فقالَ لَهم يعقوبُ كما قَالَ اللهُ تَعَالَى : قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ ؛ أي قالَ : إنَّ ابنيِ لا يسرقُ، وإنَّما سهَّلَت لكم أنفسُكم أمراً إذا قُلتم فيه سَرَقَ، فأمرِي صبرٌ جميل لا جَزَعَ فيهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً﴾ ؛ أي بيوسُفَ وبنيامينَ وروبيل، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ ؛ بعبادهِ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ ؛ في تدبيرِ أمرِ خَلْقِهِ.

يوسف 12:83

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ ؛ أي اسأَلْ مَن شِئْتَ من أهلِ القرية التي كُنَّا فيها وهي مصرَ، فإنَّ أمرٌ شائع فيهم، يخبرْكَ به مَن سألتَهُ. وسَمَّى مصرَ قَريةً ؛ لأن العربَ تُسمِّي الأمصارَ والمدائنَ قُرَى. وَقِيْلَ : أرادَ بالقريةِ قريةً من قُرَى مصرَ وهي التي ارتَحَلُوا من مصرَ إليها. قوله :﴿وَالّعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ ؛ أي واسأَلْ أهلَ القافلةِ التي رجَعنا منهم، وكان قد صَحِبَهم قومُ كنعان. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ ؛ أي لصَادِقُون فيما نقولُ لكَ. فقالَ لَهم يعقوبُ كما قَالَ اللهُ تَعَالَى : قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ ؛ أي قالَ : إنَّ ابنيِ لا يسرقُ، وإنَّما سهَّلَت لكم أنفسُكم أمراً إذا قُلتم فيه سَرَقَ، فأمرِي صبرٌ جميل لا جَزَعَ فيهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً﴾ ؛ أي بيوسُفَ وبنيامينَ وروبيل، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ ؛ بعبادهِ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ ؛ في تدبيرِ أمرِ خَلْقِهِ.

يوسف 12:84

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ ؛ أي أعْرَضَ عنهم لشدَّة الحزن، ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ ؛ أي أقْبلْ أيُّها الأسَفُ فقد حانتَ وقتُكَ، والأسَفُ والحزنُ واحدٌ. وَقِيْلَ : الأسَفُ أشدُّ من الحزنِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾، من شدَّة البُكاءِ وإلاَّ فالحزنُ لا يُبَيِّضُ العينَ، والدمعُ مما لا يمكن الاحترازُ عنه كما قالَ ﷺ :" الْقَلْبُ يَحْزَنُ وَالْعَيْنُ تَدْمَعُ ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ؛ أي مُمسِكٌ للحُزنِ يتردَّدُ حزنهُ في جَوفهِ، وقال عطاءُ :(الْكَظِيمُ الْحَزِينُ)، وقال الضحَّاك :(كَمِيدٌ)، وقال ابنُ عبَّاس :(مَهْمُومٌ) قال مقاتلُ :(لَمْ يُبْصِرْ بعَيْنَيْنِ سِتَّ سِنِينَ حَتَّى كَشَفَهُ اللهُ بقَميصِ يُوسُفَ)، قِيْلَ : بلغَ من حُزنِ يعقوبَ حزن سَبعين ثكلَى.

يوسف 12:85

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ تَالله تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ ؛ أي قالَ أولادُ يعقوبَ : واللهِ لا تزالُ تذكرُ يوسفَ حتى تكون دَنفاً أو تَموت، والْحَرَضُ الذائِبُ البَالِي. وعن الحسن :(حَتَّى تَكُونَ حُرُضاً) بضَمَّتَيْنِ، أرَادَ كَالأشْنَانِ الْمَوْقُوفِ. وقال الربيعُ :(الْحَرْضُ يَابسُ الْجِلْدِ عَلَى الْعَظْمِ). وَقِيْلَ : هو الضَّعِيفُ الذي لا حِرَاكَ بهِ. وإنما أضمرَ (لاَ) في قولهِ (تَفْتَؤُ) لأنَّ العربَ تقولُ : و اللهِ تدخلُ هذا الدارُ، تريدُ بذلك نفيَ الدخولِ، فإذا أرادَتْ للإثباتِ قالت : لَتَدْخُلُنَّ.

يوسف 12:86

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ ؛ أي قالَ يعقوبُ : إنَّما أشْكُو غَمِّي وحُزْنِي إلى اللهِ. والْبَثُّ : هو تفريقُ الحزنِ الذي لا يكادُ يصبرُ عنه صاحبهُ حتى يَبُثَّهُ. ورُوي أنَّ رجُلاً قالَ ليعقوب عليه السلام : مَا الذي أذهبَ بصَرَكَ ؟ قال : حُزْنِي على يوسُفَ، قال : فما الذي قَوَّسَ ظَهرَك ؟ قال : حُزنِي على أخيهِ. فأوحَى اللهُ إليه : يا يعقوبُ أتَشْكُونِي ؟ وعِزَّتِي لا أكشفُ ما بكَ حتى تَدعُوَنِي، فقال عند ذلك :﴿إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ فأوحَى اللهُ إليه : وعِزَّتِي وجَلالِي لو كانَا مَيِّتَينِ لأحيَيتُهما لكَ حتى تنظُرَ إلَيهما. وَقِيْلَ : إنَّ رجُلاً دخلَ عليه فقالَ له : يا يعقوبُ ما لِي أراكَ قد انْهَشَمْتَ وَفَنَيْتَ ؟ قال : هَشَّمَنِي وَأفْنَانِي ما ابتلانِي اللهُ به من هَمِّ يوسُفَ، فأوحَى اللهُ إليه : أتَشْكُونِي إلى خَلقِي ؟ فقالَ : يا رب خطيئةٌ أخطَأْتُها فَاغفِرْها لِي، فقال : قد غفَرتُها لَكَ، فكان بعدَ ذلك إذا سُئلَ قال :﴿إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. قال وهبُ بن مَنبه :(أوحَى اللهُ إلى يعقوبَ : أتدري لِمَ عاقبتُكَ وحبستُ عنك يوسف ثمانين سنةَ ؟ فقالَ : لاَ، قال : لأنَّكَ شويتَ وقتَّرْتَ على جارِكَ وأكلتَ ولم تُطعِمْهُ!). ويقالُ : إن سببَ ابتلاءِ يعقوب، أنه كان له بقرةٌ وكان لها عِجْلٌ، فذبحَ عِجلَها بين يديها وهي تخورُ، فلم يَرحَمْها يعقوبُ فأخذهُ الله به وابتلاهُ بفقدِ أعزِّ أولادهِ من وسيطٍ الواحد! قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ أي أعلمُ أن رُؤيا يوسف صادقةٌ وإنَّا سنسجدُ له. وَقِيْلَ : أعلمُ أن يوسف حيٌّ لم يَمُتْ ؛ لأنه رويَ أن مَلَكَ الموتِ دخلَ على يعقوبَ، فقال له يعقوبُ : هل قبضتَ روحَ ولَدي يوسف في الأرواحِ ؟ قال : لاَ وستراهُ عاجلاً. فعندَ ذلك قال يعقوبُ لأولادهِ كما قَالَ اللهُ تََعَالَى :﴿يابَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ ؛ أي اذهَبُوا واسْتَخْبرُوا واطلبُوا يوسف وأخاهُ، وقال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَاهُ : فالْتَمِسُوا يُوسُفَ وَأخَاهُ)، ﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾ ؛ أي لا تقنَطُوا من فَرَجِ اللهِ، ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ؛ وسُئل ابنُ عبَّاس عن الفرقِ بين التَّحْسِيسِ والتَّجْسِيسِ، فقالَ :(التَّحَسُّسُ فِي الْخَيْرِ، وَالتَّجَسُّسُ فِي الشَّرِّ). ورُوي أن يعقوبَ كتبَ كتاباً إلى عزيزِ مصرَ : بسمِ الله الرَّحمنِ الرحيم : من يعقوبَ بن اسحقَ بن إبراهيم إلى عزيزِ مصرَ، أمَا فإنَّا أهلُ بيتٍ موَكَّل بنا البلاءُ، ابتلَى اللهُ جَدِّي بأن طُرِحَ في النار فجعلَها اللهُ عليه بَرْداً وسَلاَماً، وابتَلَى عمِّي إسماعيلَ بالذبْحِ، ففداهُ اللهُ بكَبْشٍ عظيمٍ، وابتلَى أبي بالعمَى، وابتُلِيتُ أنا بغَيْبَةِ ابنِي يوسُفَ فذهبَ بصَرِي، وزعمتَ أنَّ ابني سَرَقَ، وما ولدتُ سَارقاً، فخَلِّ سبيلَ ابني وإلا فإن اللهَ يفعلُ ما يشاء.

يوسف 12:87

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ ؛ أي قالَ يعقوبُ : إنَّما أشْكُو غَمِّي وحُزْنِي إلى اللهِ. والْبَثُّ : هو تفريقُ الحزنِ الذي لا يكادُ يصبرُ عنه صاحبهُ حتى يَبُثَّهُ. ورُوي أنَّ رجُلاً قالَ ليعقوب عليه السلام : مَا الذي أذهبَ بصَرَكَ ؟ قال : حُزْنِي على يوسُفَ، قال : فما الذي قَوَّسَ ظَهرَك ؟ قال : حُزنِي على أخيهِ. فأوحَى اللهُ إليه : يا يعقوبُ أتَشْكُونِي ؟ وعِزَّتِي لا أكشفُ ما بكَ حتى تَدعُوَنِي، فقال عند ذلك :﴿إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ فأوحَى اللهُ إليه : وعِزَّتِي وجَلالِي لو كانَا مَيِّتَينِ لأحيَيتُهما لكَ حتى تنظُرَ إلَيهما. وَقِيْلَ : إنَّ رجُلاً دخلَ عليه فقالَ له : يا يعقوبُ ما لِي أراكَ قد انْهَشَمْتَ وَفَنَيْتَ ؟ قال : هَشَّمَنِي وَأفْنَانِي ما ابتلانِي اللهُ به من هَمِّ يوسُفَ، فأوحَى اللهُ إليه : أتَشْكُونِي إلى خَلقِي ؟ فقالَ : يا رب خطيئةٌ أخطَأْتُها فَاغفِرْها لِي، فقال : قد غفَرتُها لَكَ، فكان بعدَ ذلك إذا سُئلَ قال :﴿إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. قال وهبُ بن مَنبه :(أوحَى اللهُ إلى يعقوبَ : أتدري لِمَ عاقبتُكَ وحبستُ عنك يوسف ثمانين سنةَ ؟ فقالَ : لاَ، قال : لأنَّكَ شويتَ وقتَّرْتَ على جارِكَ وأكلتَ ولم تُطعِمْهُ!). ويقالُ : إن سببَ ابتلاءِ يعقوب، أنه كان له بقرةٌ وكان لها عِجْلٌ، فذبحَ عِجلَها بين يديها وهي تخورُ، فلم يَرحَمْها يعقوبُ فأخذهُ الله به وابتلاهُ بفقدِ أعزِّ أولادهِ من وسيطٍ الواحد! قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ أي أعلمُ أن رُؤيا يوسف صادقةٌ وإنَّا سنسجدُ له. وَقِيْلَ : أعلمُ أن يوسف حيٌّ لم يَمُتْ ؛ لأنه رويَ أن مَلَكَ الموتِ دخلَ على يعقوبَ، فقال له يعقوبُ : هل قبضتَ روحَ ولَدي يوسف في الأرواحِ ؟ قال : لاَ وستراهُ عاجلاً. فعندَ ذلك قال يعقوبُ لأولادهِ كما قَالَ اللهُ تََعَالَى :﴿يابَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ ؛ أي اذهَبُوا واسْتَخْبرُوا واطلبُوا يوسف وأخاهُ، وقال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَاهُ : فالْتَمِسُوا يُوسُفَ وَأخَاهُ)، ﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾ ؛ أي لا تقنَطُوا من فَرَجِ اللهِ، ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ؛ وسُئل ابنُ عبَّاس عن الفرقِ بين التَّحْسِيسِ والتَّجْسِيسِ، فقالَ :(التَّحَسُّسُ فِي الْخَيْرِ، وَالتَّجَسُّسُ فِي الشَّرِّ). ورُوي أن يعقوبَ كتبَ كتاباً إلى عزيزِ مصرَ : بسمِ الله الرَّحمنِ الرحيم : من يعقوبَ بن اسحقَ بن إبراهيم إلى عزيزِ مصرَ، أمَا فإنَّا أهلُ بيتٍ موَكَّل بنا البلاءُ، ابتلَى اللهُ جَدِّي بأن طُرِحَ في النار فجعلَها اللهُ عليه بَرْداً وسَلاَماً، وابتَلَى عمِّي إسماعيلَ بالذبْحِ، ففداهُ اللهُ بكَبْشٍ عظيمٍ، وابتلَى أبي بالعمَى، وابتُلِيتُ أنا بغَيْبَةِ ابنِي يوسُفَ فذهبَ بصَرِي، وزعمتَ أنَّ ابني سَرَقَ، وما ولدتُ سَارقاً، فخَلِّ سبيلَ ابني وإلا فإن اللهَ يفعلُ ما يشاء.

يوسف 12:88

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ ؛ أي قالَ يعقوبُ : إنَّما أشْكُو غَمِّي وحُزْنِي إلى اللهِ. والْبَثُّ : هو تفريقُ الحزنِ الذي لا يكادُ يصبرُ عنه صاحبهُ حتى يَبُثَّهُ. ورُوي أنَّ رجُلاً قالَ ليعقوب عليه السلام : مَا الذي أذهبَ بصَرَكَ ؟ قال : حُزْنِي على يوسُفَ، قال : فما الذي قَوَّسَ ظَهرَك ؟ قال : حُزنِي على أخيهِ. فأوحَى اللهُ إليه : يا يعقوبُ أتَشْكُونِي ؟ وعِزَّتِي لا أكشفُ ما بكَ حتى تَدعُوَنِي، فقال عند ذلك :﴿إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ فأوحَى اللهُ إليه : وعِزَّتِي وجَلالِي لو كانَا مَيِّتَينِ لأحيَيتُهما لكَ حتى تنظُرَ إلَيهما. وَقِيْلَ : إنَّ رجُلاً دخلَ عليه فقالَ له : يا يعقوبُ ما لِي أراكَ قد انْهَشَمْتَ وَفَنَيْتَ ؟ قال : هَشَّمَنِي وَأفْنَانِي ما ابتلانِي اللهُ به من هَمِّ يوسُفَ، فأوحَى اللهُ إليه : أتَشْكُونِي إلى خَلقِي ؟ فقالَ : يا رب خطيئةٌ أخطَأْتُها فَاغفِرْها لِي، فقال : قد غفَرتُها لَكَ، فكان بعدَ ذلك إذا سُئلَ قال :﴿إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. قال وهبُ بن مَنبه :(أوحَى اللهُ إلى يعقوبَ : أتدري لِمَ عاقبتُكَ وحبستُ عنك يوسف ثمانين سنةَ ؟ فقالَ : لاَ، قال : لأنَّكَ شويتَ وقتَّرْتَ على جارِكَ وأكلتَ ولم تُطعِمْهُ!). ويقالُ : إن سببَ ابتلاءِ يعقوب، أنه كان له بقرةٌ وكان لها عِجْلٌ، فذبحَ عِجلَها بين يديها وهي تخورُ، فلم يَرحَمْها يعقوبُ فأخذهُ الله به وابتلاهُ بفقدِ أعزِّ أولادهِ من وسيطٍ الواحد! قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ أي أعلمُ أن رُؤيا يوسف صادقةٌ وإنَّا سنسجدُ له. وَقِيْلَ : أعلمُ أن يوسف حيٌّ لم يَمُتْ ؛ لأنه رويَ أن مَلَكَ الموتِ دخلَ على يعقوبَ، فقال له يعقوبُ : هل قبضتَ روحَ ولَدي يوسف في الأرواحِ ؟ قال : لاَ وستراهُ عاجلاً. فعندَ ذلك قال يعقوبُ لأولادهِ كما قَالَ اللهُ تََعَالَى :﴿يابَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ ؛ أي اذهَبُوا واسْتَخْبرُوا واطلبُوا يوسف وأخاهُ، وقال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَاهُ : فالْتَمِسُوا يُوسُفَ وَأخَاهُ)، ﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾ ؛ أي لا تقنَطُوا من فَرَجِ اللهِ، ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ؛ وسُئل ابنُ عبَّاس عن الفرقِ بين التَّحْسِيسِ والتَّجْسِيسِ، فقالَ :(التَّحَسُّسُ فِي الْخَيْرِ، وَالتَّجَسُّسُ فِي الشَّرِّ). ورُوي أن يعقوبَ كتبَ كتاباً إلى عزيزِ مصرَ : بسمِ الله الرَّحمنِ الرحيم : من يعقوبَ بن اسحقَ بن إبراهيم إلى عزيزِ مصرَ، أمَا فإنَّا أهلُ بيتٍ موَكَّل بنا البلاءُ، ابتلَى اللهُ جَدِّي بأن طُرِحَ في النار فجعلَها اللهُ عليه بَرْداً وسَلاَماً، وابتَلَى عمِّي إسماعيلَ بالذبْحِ، ففداهُ اللهُ بكَبْشٍ عظيمٍ، وابتلَى أبي بالعمَى، وابتُلِيتُ أنا بغَيْبَةِ ابنِي يوسُفَ فذهبَ بصَرِي، وزعمتَ أنَّ ابني سَرَقَ، وما ولدتُ سَارقاً، فخَلِّ سبيلَ ابني وإلا فإن اللهَ يفعلُ ما يشاء.

يوسف 12:89

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾ ؛ رُوي أنَّهم لما دفَعُوا الكتابَ إليه وقرأهُ أرعدَ حتى سقطَ الكتابُ من يدهِ، ثم انتحبَ انْتحَابَةً كادَ أن يتقطَّعَ منها قلبهُ، وقال لَهم عند ذلكَ : هل علمتُم ما فعلتم بيوسُفَ وأخيهِ، وقصَّ عليهم جميعَ ما عمِلوهُ به من إلقائِهم أياهُ في الْجُب، وبَيعِهم له وقولهم : إنْ يَسرِقْ فقد سرقَ أخٌ له من قبلُ، وفعلهم بأخيهِ حتى ضارَ ذليلاً فيما بينهم. وأرادَ بقولهِ ﴿إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾ جهالةَ الصِّبا، وَقِيْلَ : أرادَ إذ أنتم شبابٌ أحداث لا تعرِفون أمُورَ الدينِ. فلما قصَّ عليهم ذلك، ﴿قَالُواْ أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـاذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَآ﴾ ؛ بصبرِنا على الشدَّة، ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ﴾ ؛ المعاصيَ، ﴿وَيَِصْبِرْ﴾ ؛ على الشدائدِ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ﴾ ؛ أي ثوابَ ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾.

يوسف 12:90

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾ ؛ رُوي أنَّهم لما دفَعُوا الكتابَ إليه وقرأهُ أرعدَ حتى سقطَ الكتابُ من يدهِ، ثم انتحبَ انْتحَابَةً كادَ أن يتقطَّعَ منها قلبهُ، وقال لَهم عند ذلكَ : هل علمتُم ما فعلتم بيوسُفَ وأخيهِ، وقصَّ عليهم جميعَ ما عمِلوهُ به من إلقائِهم أياهُ في الْجُب، وبَيعِهم له وقولهم : إنْ يَسرِقْ فقد سرقَ أخٌ له من قبلُ، وفعلهم بأخيهِ حتى ضارَ ذليلاً فيما بينهم. وأرادَ بقولهِ ﴿إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾ جهالةَ الصِّبا، وَقِيْلَ : أرادَ إذ أنتم شبابٌ أحداث لا تعرِفون أمُورَ الدينِ. فلما قصَّ عليهم ذلك، ﴿قَالُواْ أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـاذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَآ﴾ ؛ بصبرِنا على الشدَّة، ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ﴾ ؛ المعاصيَ، ﴿وَيَِصْبِرْ﴾ ؛ على الشدائدِ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ﴾ ؛ أي ثوابَ ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾.

يوسف 12:91

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ ؛ أي فضَّلَكَ بما أنعمَ عليكَ، ﴿وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ ؛ أي وقد كُنَّا عَاصِينَ للهِ في ما فَعَلنا، وهذا يدلُ على أنَّهم نَدِموا على ما فعلوا.

يوسف 12:92

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ ؛ أي لا تَعْييرَ عليكم اليومَ ؛ أي لا أذكرُ لكم ذنبَكم بعد هذا اليوم. وقال ابنُ عبَّاس :(لاَ لَوْمَ عَلَيْكُمْ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ؛ بعبادهِ.

يوسف 12:93

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـاذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي﴾ ؛ أي قالَ لَهم : اذهبوا بقمِيصي هذا فألقوهُ على وجهِ أبي يرجعُ، ﴿يَأْتِ بَصِيراً﴾ ؛ كما كانَ، قال الضحَّاك :(كَانَ ذلِكَ الْقَمِيصُ مِنْ نَسْجِ الْجَنَّةِ). وقولهُ تعالى :﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، رُوي أنُّهم كانوا نحو سَبعين إنساناً. وقولهُ تعالى :﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ ؛ رُوي أنه لمَّا خَرجت القافلةُ من العريشِ وهي قريةٌ بين مصرَ وكنعان، بينهم وبين يعقوب ثَمانية أيَّام، ﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾ ؛ قال يعقوبُ لولدِ وَلَدِه، وكان أولادُه كلُّهم بمصرَ :﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾. رُوي أن الريحَ حَملت رائحةَ يوسف إلى أبيهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ﴾ ؛ تُسَفِّهُونِي في الرأيِ لقُلتُ إنه حيٌّ. وقال الخليلُ :(الْفَنْدُ إنْكَارُ الْعَقْلِ مِنْ هَرَمٍ، يُقَالُ شَيْخٌ مُفْنِدٌ، وَلاَ يُقَالُ عَجُوزٌ مُفْنِدَةٌ ؛ لأنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي شَبيبَتِهَا ذاتَ رَأيٍ فَتُفْنِدُ). وقال ابنُ عبَّاس :(تُفَنِّدُونِ تُجَهِّلُون)، وعن مجاهد :(لَوْلاَ أنْ تَقُولُوا ذهَبَ عَقْلَكَ)، وقال الضحَّاك وابنُ جبير :(لَوْلاَ أنْ تُكَذِّبُونِ)، وَقِيْلَ : لولا أنْ تقولوا إنِّي شيخٌ خَرِفٌ، وقال أبو عُبيدة :(تُضَلِّلُونِ)، والفَنْدُ الْفَسَادُ، قال الشاعرُ : يَا صَاحِبَيَّ دَعَا لَوْمِي وَتَفْنِيدِي فَلَيْسَ مَا فَاتَ مِنْ أمْري بمَرْدُودِوفي بعضِ الرِّوايات : أنَّ ذلك القميصَ كان من الجنَّة، وكان اللهُ ألبسَهُ إبراهيمَ حين أُلقي في النار فصارت عليه بَرْداً وسلاماً، ثم كساهُ إبراهيمُ اسحقَ وكساهُ يعقوبَ، وكان يعقوبُ أدرَجَ ذلك القميصَ في قصبةٍ وعلَّقه على يوسف لما كان يخافُ عليه من العينِ. وأمرَهُ جبريلُ أن أرسِلْ إليه قميصكَ هذا فإن فيه ريحَ الجنَّة، لا يقعُ على مُبتَلَى أو سَقيمٍ إلا عُوفِيَ، فلذلك أصابَ يعقوب ريحه من بعد ثمانيةِ أيَّام، ﴿قَالُواْ تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ﴾.

يوسف 12:94

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـاذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي﴾ ؛ أي قالَ لَهم : اذهبوا بقمِيصي هذا فألقوهُ على وجهِ أبي يرجعُ، ﴿يَأْتِ بَصِيراً﴾ ؛ كما كانَ، قال الضحَّاك :(كَانَ ذلِكَ الْقَمِيصُ مِنْ نَسْجِ الْجَنَّةِ). وقولهُ تعالى :﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، رُوي أنُّهم كانوا نحو سَبعين إنساناً. وقولهُ تعالى :﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ ؛ رُوي أنه لمَّا خَرجت القافلةُ من العريشِ وهي قريةٌ بين مصرَ وكنعان، بينهم وبين يعقوب ثَمانية أيَّام، ﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾ ؛ قال يعقوبُ لولدِ وَلَدِه، وكان أولادُه كلُّهم بمصرَ :﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾. رُوي أن الريحَ حَملت رائحةَ يوسف إلى أبيهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ﴾ ؛ تُسَفِّهُونِي في الرأيِ لقُلتُ إنه حيٌّ. وقال الخليلُ :(الْفَنْدُ إنْكَارُ الْعَقْلِ مِنْ هَرَمٍ، يُقَالُ شَيْخٌ مُفْنِدٌ، وَلاَ يُقَالُ عَجُوزٌ مُفْنِدَةٌ ؛ لأنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي شَبيبَتِهَا ذاتَ رَأيٍ فَتُفْنِدُ). وقال ابنُ عبَّاس :(تُفَنِّدُونِ تُجَهِّلُون)، وعن مجاهد :(لَوْلاَ أنْ تَقُولُوا ذهَبَ عَقْلَكَ)، وقال الضحَّاك وابنُ جبير :(لَوْلاَ أنْ تُكَذِّبُونِ)، وَقِيْلَ : لولا أنْ تقولوا إنِّي شيخٌ خَرِفٌ، وقال أبو عُبيدة :(تُضَلِّلُونِ)، والفَنْدُ الْفَسَادُ، قال الشاعرُ : يَا صَاحِبَيَّ دَعَا لَوْمِي وَتَفْنِيدِي فَلَيْسَ مَا فَاتَ مِنْ أمْري بمَرْدُودِوفي بعضِ الرِّوايات : أنَّ ذلك القميصَ كان من الجنَّة، وكان اللهُ ألبسَهُ إبراهيمَ حين أُلقي في النار فصارت عليه بَرْداً وسلاماً، ثم كساهُ إبراهيمُ اسحقَ وكساهُ يعقوبَ، وكان يعقوبُ أدرَجَ ذلك القميصَ في قصبةٍ وعلَّقه على يوسف لما كان يخافُ عليه من العينِ. وأمرَهُ جبريلُ أن أرسِلْ إليه قميصكَ هذا فإن فيه ريحَ الجنَّة، لا يقعُ على مُبتَلَى أو سَقيمٍ إلا عُوفِيَ، فلذلك أصابَ يعقوب ريحه من بعد ثمانيةِ أيَّام، ﴿قَالُواْ تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ﴾.

يوسف 12:95

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـاذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي﴾ ؛ أي قالَ لَهم : اذهبوا بقمِيصي هذا فألقوهُ على وجهِ أبي يرجعُ، ﴿يَأْتِ بَصِيراً﴾ ؛ كما كانَ، قال الضحَّاك :(كَانَ ذلِكَ الْقَمِيصُ مِنْ نَسْجِ الْجَنَّةِ). وقولهُ تعالى :﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، رُوي أنُّهم كانوا نحو سَبعين إنساناً. وقولهُ تعالى :﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ ؛ رُوي أنه لمَّا خَرجت القافلةُ من العريشِ وهي قريةٌ بين مصرَ وكنعان، بينهم وبين يعقوب ثَمانية أيَّام، ﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾ ؛ قال يعقوبُ لولدِ وَلَدِه، وكان أولادُه كلُّهم بمصرَ :﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾. رُوي أن الريحَ حَملت رائحةَ يوسف إلى أبيهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ﴾ ؛ تُسَفِّهُونِي في الرأيِ لقُلتُ إنه حيٌّ. وقال الخليلُ :(الْفَنْدُ إنْكَارُ الْعَقْلِ مِنْ هَرَمٍ، يُقَالُ شَيْخٌ مُفْنِدٌ، وَلاَ يُقَالُ عَجُوزٌ مُفْنِدَةٌ ؛ لأنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي شَبيبَتِهَا ذاتَ رَأيٍ فَتُفْنِدُ). وقال ابنُ عبَّاس :(تُفَنِّدُونِ تُجَهِّلُون)، وعن مجاهد :(لَوْلاَ أنْ تَقُولُوا ذهَبَ عَقْلَكَ)، وقال الضحَّاك وابنُ جبير :(لَوْلاَ أنْ تُكَذِّبُونِ)، وَقِيْلَ : لولا أنْ تقولوا إنِّي شيخٌ خَرِفٌ، وقال أبو عُبيدة :(تُضَلِّلُونِ)، والفَنْدُ الْفَسَادُ، قال الشاعرُ : يَا صَاحِبَيَّ دَعَا لَوْمِي وَتَفْنِيدِي فَلَيْسَ مَا فَاتَ مِنْ أمْري بمَرْدُودِوفي بعضِ الرِّوايات : أنَّ ذلك القميصَ كان من الجنَّة، وكان اللهُ ألبسَهُ إبراهيمَ حين أُلقي في النار فصارت عليه بَرْداً وسلاماً، ثم كساهُ إبراهيمُ اسحقَ وكساهُ يعقوبَ، وكان يعقوبُ أدرَجَ ذلك القميصَ في قصبةٍ وعلَّقه على يوسف لما كان يخافُ عليه من العينِ. وأمرَهُ جبريلُ أن أرسِلْ إليه قميصكَ هذا فإن فيه ريحَ الجنَّة، لا يقعُ على مُبتَلَى أو سَقيمٍ إلا عُوفِيَ، فلذلك أصابَ يعقوب ريحه من بعد ثمانيةِ أيَّام، ﴿قَالُواْ تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ﴾.

يوسف 12:96

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً﴾ ؛ البشيرُ هو يَهُودَا، وذلك أن يهودَا قال ليوسف : أنا ذهبتُ بالقميصِ وهو ملطَّخٌ بالدمِ إليه، فأنا أذهبُ بالقميصِ إليه فأُخبرهُ بأنَّكَ حيٌّ وأفَرِّحُهُ كما أحزنتهُ، فكان هو البشيرُ، فحملَ القميصَ وخرجَ حاسراً حافياً، وكان معه سبعةُ أرغفةٍ لم يشوَّقْ أكلَها حتى بلغَ كنعان، وكانت المسافةُ ثمانين فرسخاً، فلما أتاهُ ألقاه على وجههِ فارتدَّ بصيراً. قال الضَّحاك :(رَجَعَ بَصَرَهُ بَعْدَ العَمي، وَقُوَّتُهُ بَعْدَ الضَّعْفِ، وَشَبَابُهُ بَعْدَ الْهَرَمِ، وَسُرُورُهُ بَعْدَ الْحُزْنِ)، ثم قال يعقوبُ للبشيرِ : على أيِّ دينٍ تركتَ يوسفَ ؟ قال : على الإسلامِ، قال : الآنَ تَمَّتِ النعمةُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ أي ألَمْ أقُلْ لكم إن يوسُفَ حَيٌّ وكنتم لا تعلمون ذلك.

يوسف 12:97

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ ياأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ﴾ ؛ أي ادْعُ اللهَ أن يغفرَ لنا ذنُوبنَا، ﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ ؛ أي مسيئين عاصِين لله. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ ؛ رُوي أنه قال لَهم يوسف : أدعُو لكم ربي ليلة الجمعة آخرَ السَّحَر، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ﴾ ؛ لعبادِه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ لَهم، ويقال : إنَّهم التَمَسُوا منه أن يستغفرَ لهم على الدوامِ، وأن يجعلَهم في ورْدِهِ في الدُّعاء.

يوسف 12:98

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ ياأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ﴾ ؛ أي ادْعُ اللهَ أن يغفرَ لنا ذنُوبنَا، ﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ ؛ أي مسيئين عاصِين لله. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ ؛ رُوي أنه قال لَهم يوسف : أدعُو لكم ربي ليلة الجمعة آخرَ السَّحَر، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ﴾ ؛ لعبادِه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ لَهم، ويقال : إنَّهم التَمَسُوا منه أن يستغفرَ لهم على الدوامِ، وأن يجعلَهم في ورْدِهِ في الدُّعاء.

يوسف 12:99

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ ؛ رُوي أن يوسف كان يبعثُ إلى يعقوبَ بمائتي راحلةٍ، وسألَهُ أن يأتيَهُ بأهلهِ أجمعين، فتهيَّأَ يعقوبُ للخروجِ، فلما دنَا من مصرَ، وكان يوسف قد خرجَ في أربعةِ آلاف من الجند، فلما رأى يعقوب الخيلَ قال : ما هذا؟. قال هو ابْنُكَ، فلما دنَا كلُّ واحد من صاحبهِ، ابتدأ يعقوبُ بالسلامِ فقال : السلامُ عليكَ يا مُذهِبَ الأحزانِ، ثم عانقَ كلُّ واحدٍ منهما صاحبَهُ وبَكَيَا. فقال يوسفُ : يا أبَتِ بكيتَ عليَّ حتى ذهبَ بصَرُكَ ؟ قال : نعم، قال : يا أبَتِ حزنتَ عليَّ حتى انحنيتَ ؟ قال : نعم، قال : يا أبتِ أما علمتَ أن القيامةَ تجمَعُنا ؟ قال : إنِّي خشيتُ أن يُسلَبَ دِينُكَ فلا نجتمعَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ أي ضمَّهُما إلي نفسهِ وأنزَلَهما عندَهُ، قال عامَّةُ المفسِّرين : يعني أباهُ وخالتَهُ ؛ لأن أُمَّهُ كانت قد ماتَتْ قبلَ ذلك، وكان موتُها نفاسها ببنيامين، ولأن بنيامين بلغَةِ العبرانية ابنُ الوجيعِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ؛ من العدُوِّ والقحطِ والأسْوَاءِ كلِّها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ ؛ أي رفَعَهُما معه على سريرٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً﴾ ؛ أي سجدَ له أبوهُ وخالته وإخوتهُ الأحدَ عشر سجودَ تحيَّةٍ وتشريف، وكان في ذلك الزمانِ يسجدُ الوضيعُ للشريفِ، وقد تقدَّمَ نَسْخُ هذا السجودِ في سورة البقرةِ، وعن عمرَ رضي الله عنه :(أنَّهُ خَرَجَ إلَى بَعْضِ الْقُرَى، فَخَرَجَ إلَيْهِ رَئِيسُ أهْلِ الْقَرْيَةِ فَسَجَدَ لَهُ، فَقَالَ : مَا هَذا؟! قَالَ : شَيْءٌ نَصْنَعُهُ للأُمَرَاءِ وَالْخُلَفَاءِ، فَقَالَ : أُسْجُدْ لِرَبكَ الَّذِي خلَقَكَ). ويقالُ في معنى هذا : إنَّهم سَجَدوا شُكراً للهِ على ما أنعمَ اللهُ عليهم من اجتماعهم على أيسَرِ الأحوالِ. ويجوزُ أن يكون معنى السجودُ الْمَيَلاَنُ والانحناءُ، عن ابنِ عبَّاس :(أنَّ مَعْنَاهُ : وَخَرُّوا للهِ سُجَّداً)، وقولهُ (لَهُ) كنايةٌ عن اللهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ ياأَبَتِ هَـاذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ﴾ ؛ أي هذا السجودُ تصديقُ رُؤيَايَ التي رأيتُها من قبلُ، ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بَي﴾ أي أحسنَ إلَيَّ، ﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ ؛ هذا ثناءٌ منه على اللهِ تعالى بإنعامهِ عليه ؛ إذ خَلَّصَهُ وَنَجَّاهُ من العبوديَّة، ﴿وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ﴾ ؛ وجاءَ بأبيهِ وإخوته من الباديةِ إليه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ ؛ بالحسدِ، ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ﴾ ؛ أي لطيفٌ في تدبيرِ عباده وبلُطفهِ جمعَ بيننا على أحسنِ الأحوال، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ ؛ بمصالحِ عبادهِ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيرِهم. واختلَفُوا في المدَّة التي كانت بين رُؤيا يوسف وبين تَصدِيقها، قال سلمانُ رضي الله عنه :(أرْبَعُونَ سَنَةً)، وقال ابنُ عبَّاس :(اثْنَانِ وَعُشْرُونَ سَنَةً).

يوسف 12:100

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ ؛ رُوي أن يوسف كان يبعثُ إلى يعقوبَ بمائتي راحلةٍ، وسألَهُ أن يأتيَهُ بأهلهِ أجمعين، فتهيَّأَ يعقوبُ للخروجِ، فلما دنَا من مصرَ، وكان يوسف قد خرجَ في أربعةِ آلاف من الجند، فلما رأى يعقوب الخيلَ قال : ما هذا؟. قال هو ابْنُكَ، فلما دنَا كلُّ واحد من صاحبهِ، ابتدأ يعقوبُ بالسلامِ فقال : السلامُ عليكَ يا مُذهِبَ الأحزانِ، ثم عانقَ كلُّ واحدٍ منهما صاحبَهُ وبَكَيَا. فقال يوسفُ : يا أبَتِ بكيتَ عليَّ حتى ذهبَ بصَرُكَ ؟ قال : نعم، قال : يا أبَتِ حزنتَ عليَّ حتى انحنيتَ ؟ قال : نعم، قال : يا أبتِ أما علمتَ أن القيامةَ تجمَعُنا ؟ قال : إنِّي خشيتُ أن يُسلَبَ دِينُكَ فلا نجتمعَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ أي ضمَّهُما إلي نفسهِ وأنزَلَهما عندَهُ، قال عامَّةُ المفسِّرين : يعني أباهُ وخالتَهُ ؛ لأن أُمَّهُ كانت قد ماتَتْ قبلَ ذلك، وكان موتُها نفاسها ببنيامين، ولأن بنيامين بلغَةِ العبرانية ابنُ الوجيعِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ؛ من العدُوِّ والقحطِ والأسْوَاءِ كلِّها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ ؛ أي رفَعَهُما معه على سريرٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً﴾ ؛ أي سجدَ له أبوهُ وخالته وإخوتهُ الأحدَ عشر سجودَ تحيَّةٍ وتشريف، وكان في ذلك الزمانِ يسجدُ الوضيعُ للشريفِ، وقد تقدَّمَ نَسْخُ هذا السجودِ في سورة البقرةِ، وعن عمرَ رضي الله عنه :(أنَّهُ خَرَجَ إلَى بَعْضِ الْقُرَى، فَخَرَجَ إلَيْهِ رَئِيسُ أهْلِ الْقَرْيَةِ فَسَجَدَ لَهُ، فَقَالَ : مَا هَذا؟! قَالَ : شَيْءٌ نَصْنَعُهُ للأُمَرَاءِ وَالْخُلَفَاءِ، فَقَالَ : أُسْجُدْ لِرَبكَ الَّذِي خلَقَكَ). ويقالُ في معنى هذا : إنَّهم سَجَدوا شُكراً للهِ على ما أنعمَ اللهُ عليهم من اجتماعهم على أيسَرِ الأحوالِ. ويجوزُ أن يكون معنى السجودُ الْمَيَلاَنُ والانحناءُ، عن ابنِ عبَّاس :(أنَّ مَعْنَاهُ : وَخَرُّوا للهِ سُجَّداً)، وقولهُ (لَهُ) كنايةٌ عن اللهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ ياأَبَتِ هَـاذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ﴾ ؛ أي هذا السجودُ تصديقُ رُؤيَايَ التي رأيتُها من قبلُ، ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بَي﴾ أي أحسنَ إلَيَّ، ﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ ؛ هذا ثناءٌ منه على اللهِ تعالى بإنعامهِ عليه ؛ إذ خَلَّصَهُ وَنَجَّاهُ من العبوديَّة، ﴿وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ﴾ ؛ وجاءَ بأبيهِ وإخوته من الباديةِ إليه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ ؛ بالحسدِ، ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ﴾ ؛ أي لطيفٌ في تدبيرِ عباده وبلُطفهِ جمعَ بيننا على أحسنِ الأحوال، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ ؛ بمصالحِ عبادهِ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيرِهم. واختلَفُوا في المدَّة التي كانت بين رُؤيا يوسف وبين تَصدِيقها، قال سلمانُ رضي الله عنه :(أرْبَعُونَ سَنَةً)، وقال ابنُ عبَّاس :(اثْنَانِ وَعُشْرُونَ سَنَةً).

يوسف 12:101

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ ؛ يعني مُلْكَ مصرَ أربعين فرسخاً في أربعين فرسخاً، ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ ؛ أي تعبيرِ الرُّؤيا وتأويل كُتب الدين. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ نُصِبَ على النداءِ ؛ أي يا فاطرَ السماءِ والأرض مُنشِئُهما على غيرِ مثالٍ، ﴿أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ﴾ ؛ أي تتَولَّى حِفظِي وصيانتي، ﴿تَوَفَّنِى مُسْلِماً﴾ ؛ أي ألطُفْ بي لُطفاً أثبتُ به على الإيمانِ إلى أن يلحَقُني الموت، ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ؛ يعني يلحقهُ بآبائه. وأما ما كان من أخرِ زُليخا فإنه لما ماتَ العزيزُ وبَقِيت أرملةً، قالت : أنا مِن يوسف على رجاءٍ، وأمري كلَّ يوم إلى نقصٍ ؛ وذلك بمَعصِيَتي لآلهِ يوسف، فكيف لا أقومُ إلى هذا الصَّنم والمشؤومِ فأجعلهُ جُذاذاً، وألْحَقُ بيوسف وأُسلِمُ على يدهِ ؟ لعلَّ إلَهَهُ يرحَمُني ويقضي حاجَتي، فقامت وكسرت صنَمَها وجاءت إلى طريق يوسف، فوقفت له في يومِ ركوبهِ فأقبلَ مع الأعلامِ والرايات مكتوبات عليها :﴿قُلْ هَـاذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾[يوسف: ١٠٨]. فلمَّا صارَ يوسف بحذاءِ زُليخا نادت : سُبحان من يعلي العبيد ويجعلَهم مُلوكاً بطاعتهِ، ويذِلُّ الموالِي ويجعلهم عبيداً بمعصيتهِ. فسَمِعَ ذلك يوسف فقال : علَيَّ بصاحبةِ هذا الكلامِ، فأُتِيَ بها إليه فقال : مَن أنتِ ؟ قالت : زُليخا أمَا تعرِفُنِي؟! قال : لا، قالت : قد أنكَرتَني ؟ قال : أشدَّ الإنكار، قالت : أنا الذي راودتُكَ عن نفسك فاستعصمتَ بإلهِ السَّماء، فرفعَكَ ووضعَنِي ؛ وأعزَّكَ وأذلَّني ؛ وأغناكَ وأفقرَنِي، فعلمتُ أني في باطلٍ وغُرورٍ، فكسرتُ صنَمِي وجئتُكَ طائعةً مؤمنةً أقولُ : لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ، لِيَرْحَمَنِي، فوقعت رحمتُها في قلبهِ، فقالَ : سَلِي حاجتَكِ، قالت : أتفعلُ ؟ قال : نعم، قالت : لي ثلاثُ حوائجَ يا يوسف قد ذهبَ بصَري فادعُ اللهَ أن يرُدَّ عليَّ لأنظُرَ إلى جمالِ وجهك، فدعا اللهَ فردَّ عليها بصرَها فأقبلت تنظرُ إلى يوسف، ثم قالت : وادعُ اللهَ أن يرُدَّ علي حُسني وجَمالي، فدعَا اللهَ فردَّه عليها ذلك. فلما نظرَ يوسفُ إليها نكَّسَ رأسه وقال : أما تسأَلِي الثالثةَ يا رأسَ الفتنةِ ؟ قالت : تتزوَّجُ بي حلالاً ؟ قال لها : قُومِي يا رأسَ الفتنةِ هذه حاجةٌ ليس في نفسي قضاؤُها، قالت : أما أنا فلا أقنطُ من رحمةِ اللهِ، فنَزل جبريلُ على يوسف وقال : إن اللهَ يأمُركَ أن تتزوجَ بها، فجعلت تحمدُ اللهَ وتشكرهُ فتزوَّجَها، فلما دخلَ بها وجدَها عذراءَ، فولَدَت له وَلَدَين، وأقامَ يعقوبُ عند يوسف ثَماني عشرةَ سنةً، ومات قبل يوسف بسنتين.

يوسف 12:102

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ ؛ أي ذلكَ الذي ذكرتُ لكَ يا مُحَمَّد من قصَّة يوسف وإخوته من أخبار ما غابَ علمهُ عنكَ نوحيه إليك. قولهُ :﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ﴾ ؛ أي وما كنتَ عندهم إذ عزَمُوا أمرَهم على إلقاءِ يوسف في الْجُب، ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ ؛ به، وكان مَكرُهم إلقاءَهم إياه في البئرِ.

يوسف 12:103

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أي وما أكثرُ الناسِ بمؤمنين بالقرآن والرسول ولو حرصتَ يا مُحَمَّدُ على دعائِهم إلى الإيمان وجهدتَ كلَّ الجهد.

يوسف 12:104

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ ؛ أي وما تسأَلُهم يا مُحَمَّدُ على دعائِهم إلى الله من جُعْل في مالِهم فيصدُّهم ذلك عن الإيمان. قَوْلُهُ تَعَالى :﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ ؛ أي ما القرآن إلا موعظةٌ للعالَمين. وقوله تعالى :﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ ؛ أي فكم من آيةٍ دالَّة على وحدانيَّة اللهِ مما في السَّموات من الشمسِ والقمر والنجوم، وما في الأرضِ من الأشجارِ والجبال والنبات وغيرِ ذلك من الحيوانات، يرَونَها ويشاهدونَها ثم لا يستدلُّون بذلك على أنَّ لها مُدبراً حكيماً عليماً قادراً لا يشبههُ شيء من المخلوقاتِ. ويقال : أرادَ بالآياتِ التي في الأرضِ آيات عادٍ وثَمود وقومِ لوط وغيرهم، كان أهلُ مكة يَمُرُّونَ عليها في أسفارِهم ولا يتَّعظون بهم.

يوسف 12:105

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ ؛ أي وما تسأَلُهم يا مُحَمَّدُ على دعائِهم إلى الله من جُعْل في مالِهم فيصدُّهم ذلك عن الإيمان. قَوْلُهُ تَعَالى :﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ ؛ أي ما القرآن إلا موعظةٌ للعالَمين. وقوله تعالى :﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ ؛ أي فكم من آيةٍ دالَّة على وحدانيَّة اللهِ مما في السَّموات من الشمسِ والقمر والنجوم، وما في الأرضِ من الأشجارِ والجبال والنبات وغيرِ ذلك من الحيوانات، يرَونَها ويشاهدونَها ثم لا يستدلُّون بذلك على أنَّ لها مُدبراً حكيماً عليماً قادراً لا يشبههُ شيء من المخلوقاتِ. ويقال : أرادَ بالآياتِ التي في الأرضِ آيات عادٍ وثَمود وقومِ لوط وغيرهم، كان أهلُ مكة يَمُرُّونَ عليها في أسفارِهم ولا يتَّعظون بهم.

يوسف 12:106

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ ؛ أي ما يُصَدِّقُ أكثرُهم بلسانِهم إلا وهم مُشركون به غيرَهُ ؛ لأنَّهم يؤمنون من وجهٍ، كما قال تعالى :﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾[الزخرف: ٨٧] ويُشرِكون من وجهٍ وهو عبادتُهم الأصنامَ، وقال الحسنُ :(الْمُرَادُ بهَذِهِ الآيَةِ أهْلُ الْكِتَاب مَعَهُمْ إيْمَانٌ مِنْ وَجْهٍ وَشِرْكٌ مِنْ وَجْهٍ، فَإنَّ مَعَ الْيَهُودِ إيْمَاناً بمُوسَى وَكُفْراً بمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم).

يوسف 12:107

قولهُ :﴿أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ ؛ أي أفَأَمِنَ الكفارُ أن يغشاهم العذابُ من اللهِ، ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ ينُزول العذاب.

يوسف 12:108

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ هَـاذِهِ سَبِيلِي﴾ ؛ أي هذه الدَّعوةُ دِيني، وإنما قالَ :(هَذِهِ) لأن السبيلَ يذكَّر ويُؤنَّثُ، ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ ؛ على معرفةٍ منِّي باللهِ تعالى، وقوله تعالى :﴿أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ ؛ معناهُ : يدعُو إلى اللهِ، ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أي وقُل : سبحانَ اللهِ، ﴿وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ؛ أي لستُ معَهم على دِينهم.

يوسف 12:109

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ أي وما أرسَلنا مِن قبلِكَ يا مُحَمَّدُ إلا رجَالاً منسُوبين إلى القُرى مثلكَ يُوحَى إليهم كما يوحَى إليكَ، قال الحسنُ :(لَمْ يُرْسِلِ اللهُ امْرَأَةً وَلاَ رَسُولاً مِنْ أهْلِ الْبَادِيَةِ ؛ وَذلِكَ لأَنَّ أهْلَ الأَمْصَارِ يَكُونُونَ أثْبَتَ عُقُولاً مِنْ أهْلِ الْبَادِيَةِ، وَأشَدَّ أحْلاَماً مِنْهُمْ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ يعني أفَلَم يسير أهلُ مكة في الأرضِ، ﴿فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾ ؛ فيَرَوا آثارَ ديارِ، ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ؛ من الكفَّار فيخافون ما ينْزِلُ بهم من عذاب الله وما نزلَ بأولئِكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ؛ يعني قولهُ (دَارُ الآخِرَةِ) الجنَّة (خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوا) الكفرَ والفواحشَ (أفلاَ يَعْقِلُونَ) معناهُ : أفليسَ لهم ذهنُ الإنسانية أنَّ الآخرةَ الباقيةَ خيرٌ من الدنيا الفانية، وأضافَ الدارَ الآخرةِ على سبيلِ إضافة الشيء إلى نفسه كما يقالُ يومُ الجمعُة.

يوسف 12:110

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ ؛ أي حتى إذا يَئِسَ الرسلُ عن إجابة الأُمَم وأيقنوا أن القومَ، ﴿قَدْ كُذِبُواْ﴾ ؛ تَكذيباً لا يرجعون عنه، ﴿جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ﴾ ؛ بإهلاكِ قومهم، ومن قرأ (كُذِبُوا) بالتخفيف فمعناهُ : وظنَّ المرسَلُ إليهم أن الرُّسُلَ قد كذبُوهم في ما أوعَدُهم من العذاب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ ؛ أي لا يُرَدُّ عذابُنا عن الكافرينِ.

يوسف 12:111

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ ؛ أي لقد كان في قَصَصِ مَن تقدَّم من الأنبياءِ عبرةٌ لذوِي العقولِ من الناس. وَقِيْلَ : إن قصةَ يوسف وإخوته عبرةٌ لمن أرادَ أن يعتبرَ فيصبر على البلاءِ والْمِحَنِ، كما صبرَ يعقوبُ ويوسف حتى خَتَمَ لهما بالْمُلْكِ والعُلُوِّ، والفرَجِ من الأحزان، ولا يَحْسُدُ أحداً كما حَسَدَ إخوة يوسف، فلم يُغْنِ عنهم كَيدُهم شيئاً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـاكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ؛ أي ما كان القرآنُ حديثاً يختلَقُ و لكن كان تَصديقاً للكُتب التي بين يديهِ من التوارة والإنجيل وغيرهما، ومَن قرأ (تَصْدِيقُ) بالرفع فعلى إضمار هو. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ؛ أي وبيانَ كلِّ شيءٍ يحتاجُ الناس إليه في دِينهم، ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ؛ ودلالةً ونجاةً من العذاب الأليم لقوم يصدِّقون بمُحَمَّدٍ والقرآنِ.