كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — الرعد 13:1 – النحل 16:128
المحتويات
- الرعد 13:1
- الرعد 13:2
- الرعد 13:3
- الرعد 13:4
- الرعد 13:5
- الرعد 13:6
- الرعد 13:7
- الرعد 13:8
- الرعد 13:9
- الرعد 13:10
- الرعد 13:11
- الرعد 13:12
- الرعد 13:13
- الرعد 13:14
- الرعد 13:15
- الرعد 13:16
- الرعد 13:17
- الرعد 13:18
- الرعد 13:19
- الرعد 13:20
- الرعد 13:21
- الرعد 13:22
- الرعد 13:23
- الرعد 13:24
- الرعد 13:25
- الرعد 13:26
- الرعد 13:27
- الرعد 13:28
- الرعد 13:29
- الرعد 13:30
- الرعد 13:31
- الرعد 13:32
- الرعد 13:33
- الرعد 13:34
- الرعد 13:35
- الرعد 13:36
- الرعد 13:37
- الرعد 13:38
- الرعد 13:39
- الرعد 13:40
- الرعد 13:41
- الرعد 13:42
- الرعد 13:43
- إبراهيم 14:1
- إبراهيم 14:2
- إبراهيم 14:3
- إبراهيم 14:4
- إبراهيم 14:5
- إبراهيم 14:6
- إبراهيم 14:7
- إبراهيم 14:8
- إبراهيم 14:9
- إبراهيم 14:10
- إبراهيم 14:11
- إبراهيم 14:12
- إبراهيم 14:13
- إبراهيم 14:14
- إبراهيم 14:15
- إبراهيم 14:16
- إبراهيم 14:17
- إبراهيم 14:18
- إبراهيم 14:19
- إبراهيم 14:20
- إبراهيم 14:21
- إبراهيم 14:22
- إبراهيم 14:23
- إبراهيم 14:24
- إبراهيم 14:25
- إبراهيم 14:26
- إبراهيم 14:27
- إبراهيم 14:28
- إبراهيم 14:29
- إبراهيم 14:30
- إبراهيم 14:31
- إبراهيم 14:32
- إبراهيم 14:33
- إبراهيم 14:34
- إبراهيم 14:35
- إبراهيم 14:36
- إبراهيم 14:37
- إبراهيم 14:38
- إبراهيم 14:39
- إبراهيم 14:40
- إبراهيم 14:41
- إبراهيم 14:42
- إبراهيم 14:43
- إبراهيم 14:44
- إبراهيم 14:45
- إبراهيم 14:46
- إبراهيم 14:47
- إبراهيم 14:48
- إبراهيم 14:49
- إبراهيم 14:50
- إبراهيم 14:51
- إبراهيم 14:52
- الحجر 15:1
- الحجر 15:2
- الحجر 15:3
- الحجر 15:4
- الحجر 15:5
- الحجر 15:6
- الحجر 15:7
- الحجر 15:8
- الحجر 15:9
- الحجر 15:10
- الحجر 15:11
- الحجر 15:12
- الحجر 15:13
- الحجر 15:14
- الحجر 15:15
- الحجر 15:16
- الحجر 15:17
- الحجر 15:18
- الحجر 15:19
- الحجر 15:20
- الحجر 15:21
- الحجر 15:22
- الحجر 15:23
- الحجر 15:24
- الحجر 15:25
- الحجر 15:26
- الحجر 15:27
- الحجر 15:28
- الحجر 15:29
- الحجر 15:30
- الحجر 15:31
- الحجر 15:32
- الحجر 15:33
- الحجر 15:34
- الحجر 15:35
- الحجر 15:36
- الحجر 15:37
- الحجر 15:38
- الحجر 15:39
- الحجر 15:40
- الحجر 15:41
- الحجر 15:42
- الحجر 15:43
- الحجر 15:44
- الحجر 15:45
- الحجر 15:46
- الحجر 15:47
- الحجر 15:48
- الحجر 15:49
- الحجر 15:50
- الحجر 15:51
- الحجر 15:52
- الحجر 15:53
- الحجر 15:54
- الحجر 15:55
- الحجر 15:56
- الحجر 15:57
- الحجر 15:58
- الحجر 15:59
- الحجر 15:60
- الحجر 15:61
- الحجر 15:62
- الحجر 15:63
- الحجر 15:64
- الحجر 15:65
- الحجر 15:66
- الحجر 15:67
- الحجر 15:68
- الحجر 15:69
- الحجر 15:70
- الحجر 15:71
- الحجر 15:72
- الحجر 15:73
- الحجر 15:74
- الحجر 15:75
- الحجر 15:76
- الحجر 15:77
- الحجر 15:78
- الحجر 15:79
- الحجر 15:80
- الحجر 15:81
- الحجر 15:82
- الحجر 15:83
- الحجر 15:84
- الحجر 15:85
- الحجر 15:86
- الحجر 15:87
- الحجر 15:88
- الحجر 15:89
- الحجر 15:90
- الحجر 15:91
- الحجر 15:92
- الحجر 15:93
- الحجر 15:94
- الحجر 15:95
- الحجر 15:96
- الحجر 15:97
- الحجر 15:98
- الحجر 15:99
- النحل 16:1
- النحل 16:2
- النحل 16:3
- النحل 16:4
- النحل 16:5
- النحل 16:6
- النحل 16:7
- النحل 16:8
- النحل 16:9
- النحل 16:10
- النحل 16:11
- النحل 16:12
- النحل 16:13
- النحل 16:14
- النحل 16:15
- النحل 16:16
- النحل 16:17
- النحل 16:18
- النحل 16:19
- النحل 16:20
- النحل 16:21
- النحل 16:22
- النحل 16:23
- النحل 16:24
- النحل 16:25
- النحل 16:26
- النحل 16:27
- النحل 16:28
- النحل 16:29
- النحل 16:30
- النحل 16:31
- النحل 16:32
- النحل 16:33
- النحل 16:34
- النحل 16:35
- النحل 16:36
- النحل 16:37
- النحل 16:38
- النحل 16:39
- النحل 16:40
- النحل 16:41
- النحل 16:42
- النحل 16:43
- النحل 16:44
- النحل 16:45
- النحل 16:46
- النحل 16:47
- النحل 16:48
- النحل 16:49
- النحل 16:50
- النحل 16:51
- النحل 16:52
- النحل 16:53
- النحل 16:54
- النحل 16:55
- النحل 16:56
- النحل 16:57
- النحل 16:58
- النحل 16:59
- النحل 16:60
- النحل 16:61
- النحل 16:62
- النحل 16:63
- النحل 16:64
- النحل 16:65
- النحل 16:66
- النحل 16:67
- النحل 16:68
- النحل 16:69
- النحل 16:70
- النحل 16:71
- النحل 16:72
- النحل 16:73
- النحل 16:74
- النحل 16:75
- النحل 16:76
- النحل 16:77
- النحل 16:78
- النحل 16:79
- النحل 16:80
- النحل 16:81
- النحل 16:82
- النحل 16:83
- النحل 16:84
- النحل 16:85
- النحل 16:86
- النحل 16:87
- النحل 16:88
- النحل 16:89
- النحل 16:90
- النحل 16:91
- النحل 16:92
- النحل 16:93
- النحل 16:94
- النحل 16:95
- النحل 16:96
- النحل 16:97
- النحل 16:98
- النحل 16:99
- النحل 16:100
- النحل 16:102
- النحل 16:103
- النحل 16:104
- النحل 16:105
- النحل 16:106
- النحل 16:107
- النحل 16:108
- النحل 16:109
- النحل 16:110
- النحل 16:111
- النحل 16:112
- النحل 16:113
- النحل 16:114
- النحل 16:115
- النحل 16:116
- النحل 16:117
- النحل 16:118
- النحل 16:119
- النحل 16:120
- النحل 16:121
- النحل 16:122
- النحل 16:123
- النحل 16:124
- النحل 16:125
- النحل 16:126
- النحل 16:127
- النحل 16:128
الرعد 13:1
﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَى المر : أنَا اللهُ أعْلَمُ وَأرَى). وقولهُ تعالى :﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ أي هذهِ آياتُ القرآنِ، وقولهُ تعالى :﴿وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ﴾ هو القرآنُ أيضاً، وقال قتادةُ :(الْمُرَادُ بقَوْلِهِ ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ الآيَات الَّتِي أُنْزِلَتْ قَبْلَ الْقُرْآنِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَسَائِرِ الْكُتُب، وَالْمُرَادُ بـ ﴿وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ الْقُرْآنُ)، ﴿وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾.
الرعد 13:2
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ ؛ أي هو الذي رَفَعَ السَّموات، وأقامَها واقفةً على غير عَمَدٍ تَرونَها أنتم كذلكَ بلا عَمَد، هكذا قال أكثرُ المفسِّرين، وعن ابنِ عباس في روايةٍ (بعَمَدٍ لاَ تَرَوْنَهَا، كَأَنَّهُ قَالَ : بغَيْرِ عَمَدٍ مَرْئِيَّةٍ). والأولُ أقربُ إلى الصحَّة ؛ لأنه لو كان للسَّماء عِمَادٌ لكُنَّا نرى ذلك العمادَ، لأن مثلَ السموات في ثُقلِها وارتفاعها وعِظَمها لا يُقِلُّها عمادٌ إلاّ وقد يكون ذلك العمادُ جَسيماً عظيماً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرهُ.
وقولهُ تعالى :﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ ؛ تقديرُه : اللهُ الذي رفعَ السموات بغيرِ عَمَدٍ، ثم سخَّرَ الشمسَ والقمرَ وهو مستوٍ على العرشِ، لأنَّ استيلاءَ الله على الأشياءِ قدرتهُ عليها، وقدرةُ الله لا تكون مُحدَثَةً. وتسخيرُ الشمسِ والقمر إجراؤُهما لمنافعِ بني آدم، ومعنى السَّخْرِ أن يكون الشيءُ مَقهوراً لا يملكُ لنفسهِ ما يخلِّصُه من القهر. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى﴾ ؛ إلى وقتٍ معلوم وهو وقتُ فَنَاءِ الدُّنيا، فإذا انْفَنَتُ الُّدنيا كَوِّرَتِ الشمسُ وانكَدَرت النجومُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ﴾ ؛ أي يقضِي القضاءَ، ويبعثُ الملائكةَ بالوحي، ويُنْزِلُ الرزقَ والأقضيةَ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُفَصِّلُ الآيَاتِ﴾ أي يأتِي بآيةٍ في إثْرِ آيةٍ ليكون أمكنَ للاعتبار والفكر. وقوله تعالى :﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ ؛ أي لِتَسْتَيْقِنُوا بالبعثِ وبما وعَدَكم الله به من الثواب والعقاب.
الرعد 13:3
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ﴾ ؛ بسَطَها طُولاً وعَرضاً، ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ﴾ ؛ أي خَلَقَ فيها جِبَالاً ثوابتَ أوتَاداً لها، ولو أرادَ أن يُمسِكَها من غير رواسي لفعلَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنْهَاراً﴾ ؛ أي وأجرَى فيها أنْهَاراً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ؛ أي وخلَقَ من جميعِ الثمرات من كلِّ شيء لَونَين اثنين، وجعلَ فيها الحلوَ والحامضَ، والأسود والأبيضَ.
وقولهُ تعالى :﴿يُغْشِى الَّيلَ النَّهَارَ﴾ ؛ أي يأتِي بالليلِ ليَذْهَبَ بضياءِ النهار، فتسكُنَ الناسُ بالليل، ويأتِي بضياء النهار ليمحَوَ ظلامَ الليل فتصرفَ الناسُ فيه معايشَهم، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ؛ في صُنعِ الله، فيستدِلُّون بذلك على توحيدهِ.
الرعد 13:4
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ ؛ منها الجبلُ الصَّلبُ، ومنها الأرضُ الْجَرُزُ التي لا يمكن النباتُ عليها إلا بالمشقَّة، ومنها الأرضُ النَّحِسَةُ، ومنها الأرض الطَّيبة، وهذه الأراضِي في ذلك متجاوراتٌ ملتزِقَةٌ، ﴿وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ﴾ ؛ أي وبساتين من كُرُومٍ، ﴿وَزَرْعٌ﴾ ؛ ويجوزُ في القراءةِ (وَجَنَّاتٍ) على معنى : وجعلَ فيها جناتٍ، ومَن قرأ (وَزَرْعٌ) بالضمِّ فهو عطفٌ على القِطَعِ لأن الزرعَ لا يكون في الجنَّات، وقرأ العامَّة (وَزَرْعٍ ونَخِيلٍ) بالكسر على المجاورة.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ ؛ أي مجتمعٌ أصولُها في أصلٍ واحد، ونخيلٌ متفرِّق أصولُها، والصِّنْوَانُ جمعُ الصِّنْوِ، ويعني الصِّنوانُ أن يكون أصلٌ واحد تخرجُ منه النَّخلتان والثلاث والأربعِ كما وردَ في الحديثِ :" عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أبيهِ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُسْقَى بِمَآءٍ وَاحِدٍ﴾ ؛ إما المطرُ وإما النهرُ، ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ﴾، بعض أكُلِها أفضلُ من بعضٍ في الطَّعم حتى يكون بعضُها حُلواً، وبعضها حامضاً، وبعضها مُرّاً، والترابُ واحدٌ، وألوانُ الثمر وطعمُها مختلفة، وذلك من الدليلِ على وحدانيَّة اللهِ عَزَّ وَجلَّ ؛ لأنه الْمُحْدِثُ لها، واللهُ تعالى قَديرٌ حكيم قد أحدَثَها على علمٍ منه بها،
وقال مجاهدُ :(هَذا مِثْلُ بَنِي آدَمَ، أصْلُهُمْ تُرَابٌ وَاحِدٌ، ثُمَّ مِنْهُم صَالِحٌ وَخَبيثٌ، وَكَامِلُ الْخِلْقَةِ وَنَاقِصُ الْخِلْقَةِ، وَسَيِّءُ الْخُلُقِ)، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ﴾ ؛ أي لعلاماتٍ دالاَّتٍ على وحدانيَّة الله ؛ ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ؛ إنَّ في ذلك من اللهِ.
الرعد 13:5
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ؛ معناهُ وإنْ تعجَبْ يا مُحَمَّدُ من تكذيب أهلِ مكة وإشرَاكِهم بالله مع ما تقدَّمَ من الدلائلِ على توحيد اللهِ قولُهم عجبٌ عند العقلاءِ العارفين حيث قالوا : إذا كُنَّا تراباً أنُبْعَثُ وتُرَدُّ فينا الروحُ بعدَ الموتِ والبلاء؟! وإنما سُمي قولُهم ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً﴾ أعجبَ ؛ لأن البعثَ أسهلُ في القدرةِ مما بيَّن اللهُ لَهم ؛ إذِ البعثُ إعادةٌ إلى ما كانَ، والإعادةُ أسهل في طِبَاعِ الآدميِّين من الإنشاءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ ؛ أي تَغُلُّ أيْمَانَهم إلى أعناقِهم السلاسِلُ في النار، ويكون يسارُهم وراءَ ظهُورِهم وهم مُصْفَدُونَ من قُرونِهم الى أقدامِهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأُوْلَـائِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ﴾.
الرعد 13:6
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ ؛ أي يستعجِلُونكَ بالعذاب الذي توعِدُهم به على وجهِ التكذيب والاستهزاءِ قبلَ الثواب الذي تعِدُهم على الإيمان، يعني مُشركي مكَّة سأَلُوا رسولَ اللهِ ﷺ أن يأتِيَهم العذابُ استهزاءً منهم بذلك، فقالوا :﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـاذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآءِ﴾[الأنفال: ٣٢].
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ﴾ ؛ العقوباتُ من الله في الأمَمِ الماضية، والْمَثُلَةُ العقوبةُ في اللغة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ ؛ أي لذُو تَجاوُزٍ على الناس على ظُلمِهم لأنفسهم، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ؛ لِمَن استحقَّهُ.
الرعد 13:7
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ ؛ أي ويقولُ الذين كفَرُوا بمُحَمَّدٍ ﷺ والقرآنِ : هَلاَّ نُزِّلَ عليه آيةٌ من ربه لنُبوَّتهِ، يعنون الآياتِ التي كانوا يقترحونَها عليه نحو ما ذكرَ اللهُ تعالى من قولِهم :﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾[الإسراء: ٩٠]. الى آخرِ الآيات.
يقولُ الله تعالى :﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ﴾ ؛ أي أنتَ يا مُحَمَّد مُعَلِّمٌ بموضعِ الْمَخَافَةِ، وليس إنزالُ الآيات إليكَ، وإنما هو إلى اللهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ ؛ مَن جعل هذه الواوَ للجمعِ فوصَلها بما قبلها كان تقدير الكلام : إنما أنتَ منذرٌ وهادٍ لكلِّ قومٍ. ومَن قطعَ هذه الواوَ كان المعنى : لكلِّ قومٍ هادٍ ؛ أي نَبِيٌّ مثلُكَ يهديهم. وقال سعيدُ بن جبير والضحَّاك :(الْهَادِي هُوَ اللهُ)، والمعنى : أنتَ منذرٌ تُنْذِرُ، واللهُ هادي كلَّ قومٍ، يهدِي من يشاءُ.
الرعد 13:8
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى﴾ ؛ يعني من عَلَقَةٍ أو مُضْغَةٍ أو ذكرٍ أو أُنثى أو كامل الْخَلْقِ أو ناقصِ الخلق أو واحدٍ أو اثنين أو أكثرَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ ؛ أي وما تنقصُ من الأشهُرِ التسعةِ في الحمل وما تزدادُ عليهما، فإن الولدَ قد يولدُ في ستَّة أشهر فيعيشُ، ويولدَ لسنتَين فيعيشُ، وقال الحسنُ :(وَمَا تَنْقُصُ بالسَّقْطِ، وَمَا تَزْدَادُ بالتَّمَامِ). والغَيْضُ هو النُّقصان. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ ؛ أي بحَدٍّ لا يجاوزهُ ولا ينقص منه، ويدخلُ الولد فيه لأنه قد قَدَّرَ أجلَ حياتهِ وموتهِ، وصحَّته ومرَضهِ، ونقصان عقلهِ وكماله، وقَدَّرَ له ما جرَى من رزقٍ وما سيكونُ منه من طاعةٍ ومعصية وولدٍ وغير ذلك.
الرعد 13:9
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ ؛ أي عالِمُ ما غابَ عن العبادِ، وما عَلِمَهُ العبادُ. وَقِيْلَ : الغيبُ ما يكون، والشَّهادة ما كان. الكبيرُ : السيد الكامل المالِكُ المقتدرُ على كلِّ شيء، الْمُتَعَالِ عمَّا يقول المشرِكون.
الرعد 13:10
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ ؛ أي سواءٌ من أخفَى القولَ وكَتَمَهُ، ومن جهرَ به وأظهرَهُ، فالسِّرُّ والجهرُ عند الله سواءٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِالَّيلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ ؛ أي ومن هو مُسْتَتِرٌ مُتوارٍ بالليلِ، (وسَارِبٌ بالنَّهَار) أي ظاهرٌ في الطُّرقات، عِلْمُ الله فيهم سواءٌ.
قال الزجاجُ :(مَعْنَى الآيَةِ : الْجَاهِرُ بنُطْقِهِ، وَالْمُضْمِرُ فِي نَفْسِهِ، وَالظَّاهِرُ فِي الطُّرُقَاتِ وَالْمُسْتَخْفِي فِي الظُّلُمَاتِ، عِلْمُ اللهِ فِيْهِمْ جَمِيعاً سَوَاءٌ). ومعنى السَّارب : الظاهرُ بالنهار في سِرْبهِ ؛ أي في طَريقهِ وتصرُّفه في حوائجهِ، وعن قُطرب في :(مُسْتَخْفٍ باللَّيْلِ : أيْ ظَاهِرٍ، وَسَارِبٌ بالنَّهَارِ : أيْ مُسْتَتِرٌ) يقالُ : سَرَبَ الوحشُ إذا دخل في كِنَاسِهِ، والأولُ أبْيَنُ وأبلغُ في وصفِ عالِمِ الغيب.
الرعد 13:11
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ ؛ أي للإنسان مُسَاوياتٌ، والكنايةُ في قولهِ تعالى (له) رُدَّ على من أسَرَّ القولَ ومَن جَهَرَ به وهم الآدميُّون. وقال بعضُهم :(لَهُ مُعَقِّبَاتٌ) أي للهِ تعالى ملائكةٌ يتعاقَبُون بالليلِ والنهار، فإذا صعَدت ملائكةُ الليلِ أعقَبَها ملائكةُ النَّهارِ، وإذا صعَدت ملائكةُ النهار أعقبَتها ملائكةُ الليلِ.
وقولهُ تعالى :﴿مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ يعنِي من قُدَّامِ هذا المستخفِي بالليل والسَّارب بالنهار، ومِنْ خَلْفِهِ ؛ أي وراءِ ظهره ملائكةٌ يحفظونَهُ من بين يديهِ ومِن خلفهِ، فإذا جاءَ القَدَرُ خَلَّوا عنه.
واختلَفُوا في الْمُعَقِّبَاتِ، قال بعضُهم : الْكِرِامُ الْكَاتِبُونَ ؛ وهم أربعةً : ملَكان بالليلِ وملَكان بالنَّهار.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ؛ أي بأمرِ الله حتى ينهوا به إلى المقاديرِ، فيُخَلُّوا بينه وبين المقاديرِ، قال كعبُ الأحبار :(لَوْلاَ أنَّ اللهَ وَكَّلَ بكُمْ مَلاَئِكَةً يَذُبُّونَ عَنْكُمْ فِي مَطْعَمِكُمْ وَمَشْرَبكُمْ وَعوْرَاتِكُمْ لَخَطَفَتْكُمُ الْجِنُّ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ؛ أي لا يسلبُ قوماً نعمةً حتى يعمَلُوا المعاصِي، يعني بهذا أهلَ مكَّة، بعثَ فيهم رسولاً منهم، وأطعَمَهم من جوعٍ، وآمَنَهم من خوفٍ، فلم يعرِفُوا هذه النعمةَ وغيَّرُوها وجعلُوها لأهلِ المدينة.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ﴾ ؛ أي إذا أرادَ اللهُ إنزالَ عذابٍ على قومٍ فلا دافعَ له، ﴿وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ ؛ يتوَلاَّهم وينصرُهم، ويقال : من مَلْجَأ يلجَؤُون إليه، والْمَوْئِلُ هو الْمَلْجَأُ.
الرعد 13:12
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ ؛ أي خَوْفاً للمسافرِ أن يُؤذيهِ ويُبلَّ ثيابَهُ وطريقه فلا يمكنه السيرُ، وطمَعاً للمقيمِ أن يسقي حرثَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُنْشِىءُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ ؛ أي يخلقُ السحابَ الثِّقال بالمطرِ فيُجرِيَهُ في الجوِّ.
الرعد 13:13
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ ؛ رُوي أن الرَّعْدَ اسمُ ملَكٍ يزجرُ السحابَ يؤلفُ بعضه إلى بعضٍ، وتسبيحهُ زَجْرُهُ للسحاب، قال عكرمةُ :(هُوَ كَالْحَادِي لِلإبلِ).
وعن ابن عبَّاس قال :" أقْبَلَتِ الْيَهُودُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُواْ : يَا أبَا الْقَاسِمِ نَسْأَلُكَ عَنْ أشْيَاء، فَإنْ أصَبْتَ فِيْهَا اتَّبَعْنَاكَ وَآمَنَّا بكَ، قَالَ :" اسْأَلُوا " قَالُواْ : أخْبرْنَا عَنِ الرَّعْدِ، قَالَ :" مَلَكٌ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُوَكَّلٌ بالسَّحَاب، مَعَهُ مَخَاريقَ يَسُوقُ بهَا السَّحَابَ حَيْثُ يَشَاءُ اللهُ " قَالُواْ : صَدَقْتَ، فَمَا الَّذِي يُسْمَعُ ؟ قَالَ :" زَجْرُ السَّحَاب إذا زَجَرَهُ الْمَلَكُ " قَالُواْ : صَدَقْتَ ".
وقال عطيَّةُ :(الرَّعْدُ مَلَكٌ وَهَذا تَسْبيحُهُ، وَالْبَرْقُ سَوْطُهُ الَّذِي يَزْجُرُ بهِ السَّحَابَ، يُقَالُ لِذلِكَ الْمَلَكِ : رَعْدٌ، وَلِصَوْتِهِ : رَعْدٌ). وقالَ أبُو هريرةَ :" كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذا سَمِعَ الرَّعْدَ قَالَ : سُبْحَانَ مَنْ يُسَبحُ الرَّعْدُ بحَمْدِهِ "، وكان ابنُ عبَّاس إذا سَمِعَ الرعدَ قالَ :(سُبْحَانَ الَّذِي سَبَّحْتَ لَهُ).
قال ابنُ عبَّاس :(مَنْ سَمْعَ صَوْتَ الرَّعْدِ فَقَالَ : سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبحُ الرَّعْدُ بحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيْفَتِهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. فَإنْ أصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ فَعَلَيَّ دِيَتُهُ). و " عن رسولِ الله ﷺ أنَّهُ كَانَ إذا سَمِعَ الرَّعْدَ وَالصَّوَاعِقَ قَالَ :" اللَّهُمَّ لاَ تَقْتُلْنَا بَغَضَبكَ، وَلاَ تُهْلِكْنَا بعَذابكَ، وَعَافِنَا قَبْلَ ذلِكَ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ ؛ يعني ويُسَبحُ الملائكةُ من خِيْفَةِ اللهِ وخِشيَتِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ﴾ ؛ أي يرسلُ النِّيرانَ التي تسقطُ من الغيُومِ فيحرِقُ ما تقع عليه نيران البرقِ، فيُهلِكُ بها من يشاءُ من خلقهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ ؛ أي الكفارُ يخاصِمون في اللهِ وفي إثبات شريكٍ معه، ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ أي شديدُ القوَّة والعقوبةِ.
الرعد 13:14
قَوْلُهُ تَعَالَى :{ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ؛ أي له كلمةُ الإخلاصِ، شهادةُ أن لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :{ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ } أي آلِهَتُهم، ﴿لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ﴾ ما يستجيب ﴿إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَآءِ﴾ يدعوهُ لعطشهِ مُشِيراً مُريداً بإشارتهِ أن، ﴿لِيَبْلُغَ﴾ الماءُ، ﴿فَاهُ وَمَا هُوَ﴾ أي وليس الماءُ، ﴿بِبَالِغِهِ﴾ ومن الْمُحَالِ أن يُجيبه بإشارتهِ، وإنْ كان الماءُ في بئرٍ، أو ماءٍ على بُعْدٍ نهرِ أبعدُ في الإحالة، وكما لا يبلغُ الماءُ فَمَ هذا الرجلِ ولا يجيبهُ وإن ماتَ من العطشِ، كذلك لا ينفعُ الصَّنم لِمَن عبدَهُ بوجهٍ من الوجوهِ، قال عطاءُ :(مَعْنَاهُ كَالرَّجُلِ الْعَطْشَانِ الْجَالِسِ عَلَى شَفِيرِ الْبئْرِ، يَمُدُّ يَدَهُ فِي الْبئْرِ فَلاَ يَبْلُغُ الْمَاءَ وَلاَ الْمَاءُ يَرْتَفِعُ إلَى يَدِهِ)، ﴿وَمَا دُعَآءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ ؛ عن الصواب وذهابٍ عن الحقِّ ؛ لأن الأصنامَ لا تسمعُ ولا تقدر على الإجابةِ.
الرعد 13:15
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ ؛ وللهِ يسجدُ ويُصَلِّي ويعبدُ مَن في السَّموات والأرضِ والملائكة، ومَن دخلَ الإسلامَ طَوْعاً يسجدُ له طائعاً، والْمُكْرَهُ هو الذي قُوتِلَ وسُبيَ وأُجبرَ على الإسلامِ، ويقالُ : أرادَ بقوله (طَوْعاً) أهلَ الإخلاصِ، و(كَرْهاً) أهلَ النفاقِ، قوله ﴿وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ﴾ يعني إذا سجدَ الإنسانُ سَجَدَ معه ظِلُّهُ، قال الحسنُ :(أمَّا ظِلُّ الْكَافِرِ فَيَسْجُدُ للهِ، وَأمَّا هُوَ فَلاَ يَسْجُدُ، فَبئْسَ وَاللهِ مَا يَصْنَعُ).
الرعد 13:16
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ ؛ أي قُل يا مُحَمَّدُ لأهلِ مكَّة : مَن ربُّ السموات والأرض ؟ فَإن أجابُوكَ وقالوا : هو اللهُ، وإلاّ فقُلِ : اللهُ ربُّهما، و ﴿قُلْ﴾ ؛ لَهم :﴿أَفَاتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ ؛ أي أربَاباً، ﴿لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً﴾ ؛ فكيف يَملِكون لكم النفعَ والضر.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ ؛ أي قُل لَهم : هل يستوي أعمَى القلب الذي يعدلُ عن عبادةِ الخالق ؟ هل يستَوِي مع البصير بقلبه، العالم بأنه تعالى إلَهُهُ ووليُّهُ والقادرُ على نفعهِ ودفعِ الضُّرِّ عنهُ، ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ ؛ فيه تشبيهُ الكفرِ بالظُّلمات، وتشبيهُ الإيمانِ بالنُّور.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ﴾ ؛ معناه : أجَعَلَ الكفارُ لله شُركاءَ، خلَقَت شركاؤُهم شيئاً كما خَلَقَ اللهُ، ﴿فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ فلم يعرفُوا خلقَ الشركاء من خلق اللهِ فأشرَكُوها معه في العبادةِ ؛ ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ؛ بلا شريكٍ، فإذا لم يكن الخلقُ إلا من واحدٍ لم يكن الخالقُ إلا واحداً، فهو الذي يستحقُّ العبادةَ بلا شريكٍ، ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ؛ الغالبُ لكلِّ شيء، لا يقهَرهُ أحدٌ.
ثم ضربَ اللهُ مثلاً للحقِ والباطل، وقال تعالى :﴿أَنَزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ ؛ أنزلَ مطراً فسَالَتْ أودِيةٌ من ذلك المطرِ بقدرِ الأودية، فما كان منها كبيراً سالَ بقدرهِ، وما كان صَغيراً سالَ بقَدرهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً﴾ أي عَالياً مُرتفعاً على الماءِ، والسَّيلُ ما يسيلُ من الموضعِ المرتفع.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَآءَ حِلْيَةٍ﴾ ؛ أي ومما تطرَحون في النارِ من الذهب والفضَّة لطلب حِلْيَةٍ تلبَسونَها زَبَدٌ ؛ أي خَبَثٌ مثلُ زبَدِ الماءِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ﴾ ؛ أرادَ به الحديدَ والرصاص وما يشاكِلهُ مما يوقَدُ عليه في النار ؛ لاتِّخاذ المتاعِ له زَبَدٌ ؛ أي خَبَثٌ مثل ذلك الماءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذالِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ ؛ أي هكذا يضربُ الله مَثَلَ الحقِّ والباطل، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً﴾ ؛ أما زبَدُ هذه الأشياء، فيذهبُ ناحيةً لا ينتفعُ به، فإن زبدَ الماء يتعلَّقُ بأصولِ الأشجار وجَنَباتِ الوادي. والْجُفَاءُ : ما رَمَى به الوادِي، وجُفَاهُ في جَنَبَاتِهِ، يقال : أجْفَأَتِ القِدْرُ زبَدَها إذا قذفَتْ به، وكما أنَّ زَبَدض الماءِ يذهبُ بحيث لا ينتَفعُ به، كذلك خبَثُ الذهب والفضة والحديد، ﴿وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾.
قَوْلُهُ تعَالَى :﴿كَذالِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ ؛ للناسِ في أمر دِينهم، كما ضربَ لكم المثلَ، قال قتادةُ :(هُنَّ ثَلاَثَةُ أمْثَالٍ ضَرَبَهَا اللهُ فِي مَثَلٍ وَاحِدٍ، يَقُولُ : كَمَا أنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً، فَسَالَتْ أوْدِيَةٌ بقَدَرِهَا، الصَّغِيرُ عَلَى مِقْدَارِهِ، وَالْكَبيرُ عَلَى مِقْدَارِهِ، كَذلِكَ أنْزَلَ اللهُ الْقُرْآنَ، فَاحْتَمَلَ الْقُلُوبَ عَلَى قَدَرِهَا، ذا الْيَقِينِ عَلَى قَدْرِ يَقِينِهِ، وَذا الشَّكِّ عَلَى قَدْرِ شَكِّهِ).
قَالَ :(ثُمَّ شَبَّهَ خَطَرَاتِ وَوَسَاوِسَ الشَّيْطَانِ بالزَّبَدِ يَعْلُو عَلَى الْمَاءِ، وَذلِكَ مِنْ خَبَثِ الْبَرِّيَّةِ لاَ عَيْن الْمَاءِ، كَذَلِكَ مَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ مِنْ وَهْمٍ وَشَكٍّ فَهُوَ ذاتُ النَّفْسِ لاَ مِنَ الْحَقِّ).
قَالَ :(ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الزَّبَدَ يَذْهَبُ جُفَاءً ؛ أيْ هَبَاءً بَاطِلاً وَيَبْقَى صَفْوُهُ، كَذلِكَ الْبَاطِلُ يَذْهَبُ وَيَبْقَى الْحَقُّ).
الرعد 13:17
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ ؛ أي قُل يا مُحَمَّدُ لأهلِ مكَّة : مَن ربُّ السموات والأرض ؟ فَإن أجابُوكَ وقالوا : هو اللهُ، وإلاّ فقُلِ : اللهُ ربُّهما، و ﴿قُلْ﴾ ؛ لَهم :﴿أَفَاتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ ؛ أي أربَاباً، ﴿لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً﴾ ؛ فكيف يَملِكون لكم النفعَ والضر.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ ؛ أي قُل لَهم : هل يستوي أعمَى القلب الذي يعدلُ عن عبادةِ الخالق ؟ هل يستَوِي مع البصير بقلبه، العالم بأنه تعالى إلَهُهُ ووليُّهُ والقادرُ على نفعهِ ودفعِ الضُّرِّ عنهُ، ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ ؛ فيه تشبيهُ الكفرِ بالظُّلمات، وتشبيهُ الإيمانِ بالنُّور.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ﴾ ؛ معناه : أجَعَلَ الكفارُ لله شُركاءَ، خلَقَت شركاؤُهم شيئاً كما خَلَقَ اللهُ، ﴿فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ فلم يعرفُوا خلقَ الشركاء من خلق اللهِ فأشرَكُوها معه في العبادةِ ؛ ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ؛ بلا شريكٍ، فإذا لم يكن الخلقُ إلا من واحدٍ لم يكن الخالقُ إلا واحداً، فهو الذي يستحقُّ العبادةَ بلا شريكٍ، ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ؛ الغالبُ لكلِّ شيء، لا يقهَرهُ أحدٌ.
ثم ضربَ اللهُ مثلاً للحقِ والباطل، وقال تعالى :﴿أَنَزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ ؛ أنزلَ مطراً فسَالَتْ أودِيةٌ من ذلك المطرِ بقدرِ الأودية، فما كان منها كبيراً سالَ بقدرهِ، وما كان صَغيراً سالَ بقَدرهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً﴾ أي عَالياً مُرتفعاً على الماءِ، والسَّيلُ ما يسيلُ من الموضعِ المرتفع.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَآءَ حِلْيَةٍ﴾ ؛ أي ومما تطرَحون في النارِ من الذهب والفضَّة لطلب حِلْيَةٍ تلبَسونَها زَبَدٌ ؛ أي خَبَثٌ مثلُ زبَدِ الماءِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ﴾ ؛ أرادَ به الحديدَ والرصاص وما يشاكِلهُ مما يوقَدُ عليه في النار ؛ لاتِّخاذ المتاعِ له زَبَدٌ ؛ أي خَبَثٌ مثل ذلك الماءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذالِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ ؛ أي هكذا يضربُ الله مَثَلَ الحقِّ والباطل، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً﴾ ؛ أما زبَدُ هذه الأشياء، فيذهبُ ناحيةً لا ينتفعُ به، فإن زبدَ الماء يتعلَّقُ بأصولِ الأشجار وجَنَباتِ الوادي. والْجُفَاءُ : ما رَمَى به الوادِي، وجُفَاهُ في جَنَبَاتِهِ، يقال : أجْفَأَتِ القِدْرُ زبَدَها إذا قذفَتْ به، وكما أنَّ زَبَدض الماءِ يذهبُ بحيث لا ينتَفعُ به، كذلك خبَثُ الذهب والفضة والحديد، ﴿وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾.
قَوْلُهُ تعَالَى :﴿كَذالِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ ؛ للناسِ في أمر دِينهم، كما ضربَ لكم المثلَ، قال قتادةُ :(هُنَّ ثَلاَثَةُ أمْثَالٍ ضَرَبَهَا اللهُ فِي مَثَلٍ وَاحِدٍ، يَقُولُ : كَمَا أنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً، فَسَالَتْ أوْدِيَةٌ بقَدَرِهَا، الصَّغِيرُ عَلَى مِقْدَارِهِ، وَالْكَبيرُ عَلَى مِقْدَارِهِ، كَذلِكَ أنْزَلَ اللهُ الْقُرْآنَ، فَاحْتَمَلَ الْقُلُوبَ عَلَى قَدَرِهَا، ذا الْيَقِينِ عَلَى قَدْرِ يَقِينِهِ، وَذا الشَّكِّ عَلَى قَدْرِ شَكِّهِ).
قَالَ :(ثُمَّ شَبَّهَ خَطَرَاتِ وَوَسَاوِسَ الشَّيْطَانِ بالزَّبَدِ يَعْلُو عَلَى الْمَاءِ، وَذلِكَ مِنْ خَبَثِ الْبَرِّيَّةِ لاَ عَيْن الْمَاءِ، كَذَلِكَ مَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ مِنْ وَهْمٍ وَشَكٍّ فَهُوَ ذاتُ النَّفْسِ لاَ مِنَ الْحَقِّ).
قَالَ :(ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الزَّبَدَ يَذْهَبُ جُفَاءً ؛ أيْ هَبَاءً بَاطِلاً وَيَبْقَى صَفْوُهُ، كَذلِكَ الْبَاطِلُ يَذْهَبُ وَيَبْقَى الْحَقُّ).
الرعد 13:18
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾ ؛ فيه بيانُ الذي يبقَى مما تقدَّم ذِكرهُ فهو مثلٌ لِمَن يستجيبُ لرَبهِ، والذي يذهبُ جُفاءً هو مَثَلٌ لِمَنْ لا يستجيبُ. والمرادُ بـ (الْحُسْنَى) في الآيةِ الْجَنَّةَ ونَعيمها.
وقولهُ تعالى :﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ﴾ ؛ أي الذين لم يستجِيبُوا لربهم إلى الإيمان، ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ ؛ من الذهب وسائر الأموالِ، ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ ؛ وضِعفُهُ معه، ﴿لاَفْتَدَوْاْ بِهِ﴾ ؛ لفَادَوا به أنفُسَهم من عذاب الله يومَ القيامةِ لو قُبلَ منهم ذلك ولكن لا يُقْبَلُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ ؛ أي شدَّتهُ، والمناقشةُ فيه، قال إبراهيمُ النخعي :(هُوَ أنْ يُؤَخَذُوا بذُنُوبِهِمْ كُلِّهَا مِنْ دُونِ أنْ يُغْفَرَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْهَا). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ ؛ أي مَصيرُهم في الآخرةِ جهنَّمُ، ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ؛ أي المأْوَى، يتقلَّبون في النار ويقعُدون ويضطَجِعون عليها.
الرعد 13:19
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ ؛ معناه : أفمَن يعلمُ إنما أُنزل إليك مِن القرآن أنه الحقُّ فآمَنَ به، كمَن هو كافرٌ يعلَمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ﴾ ؛ أي ذوُو العقولِ.
الرعد 13:20
ثم وصَفَهم فقالَ :﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ يريدُ بالعهدِ الذين عاهَدتُم عليه في صُلب آدمَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ ؛ قِيْلَ : المرادُ به مواصلَةُ المؤمنين فيما بينهم بالموالاَةِ وصِلَةِ الرَّحِم بالبرِّ والشَّفقة، وَقِيْلَ : أرادَ بذلك الإيمانَ بمُحَمَّدٍ ﷺ وجميعِ الرسُل، ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ ؛ أي عقابَ ربهم، ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ ؛ أي يخافون أن يؤاخَذُوا بالعقاب.
الرعد 13:21
ثم وصَفَهم فقالَ :﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ يريدُ بالعهدِ الذين عاهَدتُم عليه في صُلب آدمَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ ؛ قِيْلَ : المرادُ به مواصلَةُ المؤمنين فيما بينهم بالموالاَةِ وصِلَةِ الرَّحِم بالبرِّ والشَّفقة، وَقِيْلَ : أرادَ بذلك الإيمانَ بمُحَمَّدٍ ﷺ وجميعِ الرسُل، ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ ؛ أي عقابَ ربهم، ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ ؛ أي يخافون أن يؤاخَذُوا بالعقاب.
الرعد 13:22
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ ؛ معطوفٌ على قولهِ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾[الرعد: ٢٠] ومعناهُ : الذين صَبَروا على أداءِ الفرائض واجتناب المحارم ومُقَاسَاةِ شدائدِ الدُّنيا لطلب ثواب الله ورضاهُ، ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ﴾ ؛ المفروضةَ، ﴿وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً﴾ ؛ أي أخرَجُوا من أموالهم جميعاً الصَّدقاتِ المفروضات خِفْيَةً وجهراً.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾، وإنما يكون دَرْؤُهم بالحسنةِ السيئةَ على وجهين، أحدُهما : العِلْمُ والوعظُ بالكلام الحسَنِ، والثاني : أن يقاتِلُوهم ويقبضُوا على أيديهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ ؛ أي أهلُ هذه الصِّفة لهم الدارُ التي أعقَبَتها لهم أعمالُهم وهي الجنَّة. ثم بيَّن اللهُ صفةَ الجنة فقال :﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(وَهِيَ وَسَطُ الْجَنَّةِ، وَهِيَ مَعْدِنُ الأَنْبيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحينَ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ ؛ أي ويدخُلها مَن صَلُحَ من آبائهم وأزواجِهم وذُرِّياتِهم، ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ﴾ يعني من أبواب البساتين يقولون لَهم :﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ على شدائدِ الدُّنيا، وعلى المشقَّة في طاعةِ الله، فِنِعْمَ الدارُ التي أعقَبَتُها لهم أعمالهم، قال ابنُ عبَّاس :(لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أهْلِ جَنَّاتِ عَدْنٍ جَنَّةً مِنْ دُرَّةٍ مُجَوَّفَةٍ لَهَا ألْفُ بَابٍ مِصْرَاعُهُ مِنَ الذهَبِ، يَدْخُلُ عَليَْهِ مِنْ بَابٍ مَلَكٌ يَقُولُونَ : سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بمَا صَبَرْتُمْ، ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾.
الرعد 13:23
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ ؛ معطوفٌ على قولهِ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾[الرعد: ٢٠] ومعناهُ : الذين صَبَروا على أداءِ الفرائض واجتناب المحارم ومُقَاسَاةِ شدائدِ الدُّنيا لطلب ثواب الله ورضاهُ، ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ﴾ ؛ المفروضةَ، ﴿وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً﴾ ؛ أي أخرَجُوا من أموالهم جميعاً الصَّدقاتِ المفروضات خِفْيَةً وجهراً.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾، وإنما يكون دَرْؤُهم بالحسنةِ السيئةَ على وجهين، أحدُهما : العِلْمُ والوعظُ بالكلام الحسَنِ، والثاني : أن يقاتِلُوهم ويقبضُوا على أيديهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ ؛ أي أهلُ هذه الصِّفة لهم الدارُ التي أعقَبَتها لهم أعمالُهم وهي الجنَّة. ثم بيَّن اللهُ صفةَ الجنة فقال :﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(وَهِيَ وَسَطُ الْجَنَّةِ، وَهِيَ مَعْدِنُ الأَنْبيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحينَ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ ؛ أي ويدخُلها مَن صَلُحَ من آبائهم وأزواجِهم وذُرِّياتِهم، ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ﴾ يعني من أبواب البساتين يقولون لَهم :﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ على شدائدِ الدُّنيا، وعلى المشقَّة في طاعةِ الله، فِنِعْمَ الدارُ التي أعقَبَتُها لهم أعمالهم، قال ابنُ عبَّاس :(لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أهْلِ جَنَّاتِ عَدْنٍ جَنَّةً مِنْ دُرَّةٍ مُجَوَّفَةٍ لَهَا ألْفُ بَابٍ مِصْرَاعُهُ مِنَ الذهَبِ، يَدْخُلُ عَليَْهِ مِنْ بَابٍ مَلَكٌ يَقُولُونَ : سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بمَا صَبَرْتُمْ، ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾.
الرعد 13:24
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ ؛ معطوفٌ على قولهِ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾[الرعد: ٢٠] ومعناهُ : الذين صَبَروا على أداءِ الفرائض واجتناب المحارم ومُقَاسَاةِ شدائدِ الدُّنيا لطلب ثواب الله ورضاهُ، ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ﴾ ؛ المفروضةَ، ﴿وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً﴾ ؛ أي أخرَجُوا من أموالهم جميعاً الصَّدقاتِ المفروضات خِفْيَةً وجهراً.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾، وإنما يكون دَرْؤُهم بالحسنةِ السيئةَ على وجهين، أحدُهما : العِلْمُ والوعظُ بالكلام الحسَنِ، والثاني : أن يقاتِلُوهم ويقبضُوا على أيديهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ ؛ أي أهلُ هذه الصِّفة لهم الدارُ التي أعقَبَتها لهم أعمالُهم وهي الجنَّة. ثم بيَّن اللهُ صفةَ الجنة فقال :﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(وَهِيَ وَسَطُ الْجَنَّةِ، وَهِيَ مَعْدِنُ الأَنْبيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحينَ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ ؛ أي ويدخُلها مَن صَلُحَ من آبائهم وأزواجِهم وذُرِّياتِهم، ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ﴾ يعني من أبواب البساتين يقولون لَهم :﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ على شدائدِ الدُّنيا، وعلى المشقَّة في طاعةِ الله، فِنِعْمَ الدارُ التي أعقَبَتُها لهم أعمالهم، قال ابنُ عبَّاس :(لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أهْلِ جَنَّاتِ عَدْنٍ جَنَّةً مِنْ دُرَّةٍ مُجَوَّفَةٍ لَهَا ألْفُ بَابٍ مِصْرَاعُهُ مِنَ الذهَبِ، يَدْخُلُ عَليَْهِ مِنْ بَابٍ مَلَكٌ يَقُولُونَ : سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بمَا صَبَرْتُمْ، ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾.
الرعد 13:25
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ ؛ أي الذين يترُكون فرائضَ الله من بعد تأكيد العهدِ عليهم، ﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ بالظُّلم والدعاءِ إلى غير عبادة الله، ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ ؛ أي ما يُبعِدُهم من رحمةِ الله، ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ ؛ وهو النارُ في الآخرةِ، وعن رسولِ الله ﷺ أنهُ قالَ :" أعْجَلُ الْخَيْرِ ثَوَاباً صِلَةُ الرَّحِمِ، وَأعْجَلُ الشَّرِّ عِقَاباً الْبَغْيُ وَاليَمِينُ الغَمُوسٌ تَدَعُ الدِّيَارَ بَلاَقِعَ ".
الرعد 13:26
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ﴾ ؛ أي يوسِّعُ الرزقَ في الدُّنيا على مَن يشاءُ، ويضيِّقُ على مَن يشاءُ، ﴿وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني مُشركي مكَّة أشِرُوا وبَطِرُوا، ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي﴾ ؛ جنب نعيمِ، ﴿الآخِرَةِ إِلاَّ﴾ ؛ شيءٌ قليل، ﴿مَتَاعٌ﴾ ؛ كمتاع يتمتَّعُ به ثم يفنَى ويذهبُ، قال ﷺ :" وَمَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إلاَّ كَمِثْلِ مَا جَعَلَ أحَدُكُمْ إصْبعَهُ فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بمَ يَرْجِعُ ".
الرعد 13:27
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ؛ أي يقولون على جِهة التّعَنُّتِ :﴿لَوْلاَ﴾ ؛ هَلاَّ، ﴿أُنزِلَ عَلَيْهِ﴾ ؛ على مُحَمَّدٍ، ﴿آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ ؛ يعني الآياتِ التي يَقترِحونَها عليه، ﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ :﴿إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ﴾ عن ثوابهِ وكرامته، ﴿وَيَهْدِي﴾، لدينه مَن أقبَلَ، ﴿إِلَيْهِ﴾ ؛ إلى الله و، ﴿مَنْ أَنَابَ﴾ ؛ رجَعَ عن الكفر.
الرعد 13:28
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ ؛ معناهُ : الذين آمَنوا بمُحَمَّدٍ ﷺ والقُرآنِ، تسكنُ قلوبُهم إلى ما وعدَهم اللهُ به من ثوابٍ، ﴿أَلاَ بِذِكْرِ﴾ ؛ بوَعدِ الله، ﴿اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
الرعد 13:29
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ﴾ ؛ أي لهم العيشُ الطيِّبُ والكرامةُ والغِبطَةُ، ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ ؛ حُسْنُ المرجعِ، وقال مجاهدُ :(طُوبَى اسْمُ الْجَنَّةِ بلُغَةِ الْحَبَشَةِ)، وعن أبي هريرة :(اسْمُ شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ سَاقُهَا مِنْ ذهَبٍ، وَوَرَقُهَا الْحُلَلُ، وَثَمَرُهَا مِنْ كُلِّ لَوْنٍ وَأغْصَانُهَا مُتَدَلِّيَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَيْسَ مَنْزِلٌ إلاَّ وَفِيْهِ غُصْنٌ مِنْ أغْصَانِهَا، وَتَحْتَهُ كُثْبَانُ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ وَالزَّعْفرَانِ، لَوْ رَكَبَ رَجُلٌ قُلُوصاً، ثُمَّ دَارَ بالشَّجَرَةِ لَمْ يَبْلُغِ الْمَكَانَ الَّذِي ارْتَحَلَ مِنْهُ حَتَّى يَمُوتَ الْقُلُوصُ هَرَماً).
الرعد 13:30
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ﴾ ؛ أي هكذا أرسَلناك إلى أُمَّة قد مَضَتْ من قبلِها أُمَمٌ أرسَلنا فيهم الرُّسل، ﴿لِّتَتْلُوَاْ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ ؛ يعني القرآنَ، ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَـانِ﴾ ؛ يعني أهلَ مكَّة فإنَّهم كانوا يقولون ما نعرفُ الرحمنَ إلا مُسَيْلَمَةَ، وكانوا يُسمُّونَهُ رحمانَ اليمامة.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ؛ قل لَهم : الرَّحْمَنُ رَبي لا إلهَ إلا هو، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ أي وإليه أتوبُ من ذنُوبي.
الرعد 13:31
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ ؛ وذلكَ أنَّ عبدَالله بن أُمية المخزومي، وجماعةٌ من كفَّار مكة قالوا : يا مُحَمَّدُ سَيِّرْ لنا جبالَ مكَّة، فأَذهِبْها حتى تنفسحَ فيها فإن أرضَنا ضيِّقة، ثم اجعَلْ لنا فيها عُيوناً وأنْهَاراً، وقرِّبُ أسفَارَنا فيما بيننا وبين الشَّام فإن السفرَ بعيدٌ، وافعَلْ كما فعلَ سُليمان بالرياحِ بزَعمِكَ، فأَنزَلَ اللهُ هذه الآيةَ.
ومعناها :﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ﴾ أُذهِبَتْ به الجبالُ عن وجهِ الأرض قُطِّعت به الأرضُ مسيرةَ شهرٍ في يومٍ أو أُحيي به الموتَى فتكلَّموا، لكان هذا القرآنُ لِمَا فيه من الدَّلالاتِ الكثيرةِ على صحَّة هذا الدِّين، ولو أمكن أن نجعلَ هذه الأمُورَ لشيءٍ من كُتب الله لأمكنَ بهذا القرآنِ.
وأما حذفُ جواب (لَوْ) في هذهِ الآية فهي على وجهِ الاختصار ؛ لأنَّ في الكلامِ دليلاً عليه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بَل للَّهِ الأَمْرُ جَمِيعاً﴾ ؛ أي بلِ اللهُ هو المالِكُ لهذه الأشياءِ، القادرُ عليها، ولكن لا يختار إلا ما فيه مصلحةُ العبادِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ؛ معناهُ : أفلَمْ يعلمِ الذين آمَنوا، ﴿أَن لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾ ؛ إلى الإيمان بالإلجاءِ إليه أن اللهَ تعالى قادرٌ على ذلك، ولكن لو فَعَلَ لبَطَلَ الامتحانُ والتكليف، والإياسُ بمعنى العلمِ في لُغة النخَعِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ﴾ ؛ أي ولا يزالُ الذين كفَروا في عقوباتٍ مِن قِبَلِ اللهِ يزجرُهم عن الكفرِ، ويحثُّهم على التمسُّك بدين اللهِ، كما نَزَلَ بقريش من القَحطِ، وبقوم فرعونَ من الشدائدِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ﴾ ؛ راجعٌ إلى القَارعةِ، والقَارعَةُ : هي النَّازلَةُ والشدائدُ التي تنْزِلُ بأمرٍ عظيم، ويقالُ : أراد بالقارعةِ سَرَايا النبيِّ ﷺ، وبقوله ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً﴾ معناه : أو تَنْزِلُ أنتَ يا مُحَمَّدُ مع أصحابكَ قربياً من مكَّة تقاتِلُهم على الدِّين، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ ؛ أي وقتُ إهلاكِ الكفَّار، وَقِيْلَ : فتحُ مكَّة، وَقْيَلَ : ما وعدَ اللهُ من عذابهم في الآخرة، ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ؛ ما وعدَ من عقاب الكفار.
الرعد 13:32
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ ؛ أي ولقدِ استُهزئَ بالأنبياءِ من قبلِكَ كما استهزَأ بكَ قومُكَ، ﴿فَأَمْلَيْتُ﴾ فأمهَلتُ، ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بعد استهزائِهم بالرُّسل، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ بذُنوبهم، ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ فانظُرْ كيف كان عاقبةُ ما حلَّ من عقاب الله بهم، فلا يكن في صدرِكَ حرجٌ من استهزائِهم.
الرعد 13:33
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ ؛ بالتدبيرِ ويعلمُ ما كسَبَت ويجازيها عليه، كمَن لا يعلمُ ذلك ولا يقدرُ على المجازاةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ﴾ ؛ في العبادةِ بين الأصنام، ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ ؛ هؤلاء الشُّركاء بأسمائهم التي تستحقُّها، وسَمُّوا منفعتَها وتدبيرَها ؛ لأن لها شركةً مع اللهِ، كما يوصَفُ الله بالخالقِ والرازق والمحيي والمميت.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي أتُخبرونَ اللهَ بما لا يصحُّ أن يكون مَعلوماً وهو كون الأصنامِ مستحقَّةً للعبادةِ، وهذا على وجه الإنكارِ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ﴾ ؛ إنكارٌ أيضاً معناهُ : أسَمَّيتم الأصنامَ آلهة بظاهرِ كتابٍ من كتُب الله، وَقْيْلَ : أسَمَّيتمُوهم آلهةً بحجَّةٍ ظاهرةٍ، بل سَمَّيتموهم بقولٍ باطل ليس لكم دليلٌ عليه.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ﴾ ؛ أي زُيِّنَ لهم قولُهم وفعلُهم في عبادةِ غيرِ الله، وتكذيب مُحَمَّدٍ ﷺ والقرآن. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ ؛ من قرأ بفتحِ الصَّاد فالمعنى صَرَفوا الناسَ عن دينِ الله، وَمن قرأ برفعها فالمعنى صَدَّهم رؤساؤُهم عن دينِ الله. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.
الرعد 13:34
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ؛ الأسقامُ والقتل والأسرُ، ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ﴾ ؛ أي أغلَظُ من عذاب الدُّنيا، ﴿وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ ؛ يَقِيهِم من عذاب الله.
الرعد 13:35
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا﴾ ؛ أي صفةُ الجنة التي وُعِدَ المتَّقون الكفرَ والمعاصي : أنَّها تجرِي من تحتها الأنْهارُ، ثَمرُها دائمٌ، لا كجِنَانِ الدُّنيا تظهرُ بظهور ورَقِها في حالٍ دون حال، وظِلُّلها أيضاً دائمٌ ليس فيه شمسٌ ولا أذَىً.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ﴾ ؛ أي دارُ المتَّقين الجنةُ في العاقبةِ، ﴿وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾، ودارُ الكافرين في العاقبةِ النارُ، وفي الحديثِ :" أنَّ الرَّجُلَ مِنْ أهْلِ الْجَنَّةِ تُقْسَمُ لَهُ شَهْوَةُ رَجُلٍ مِنْ أهْلِ الدُّنَيَا، فَإذا أكَلَ سُقِيَ شَراباً طَهُوراً، فَتَصِيرُ رَشَحاً تَخْرُجُ مِنْ جَسَدِهِ أطْيَبَ مِنْ ريحِ الْمِسْكِ، ثُمَّ تَعُودُ شَهْوَتُهُ إلَى مَا كَانَتْ ".
الرعد 13:36
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ ؛ وذلك أن عبدَاللهِ بن سلام، ومَن أسلمَ معه من أهلِ الكتاب، قالوا : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ مَا شَأْنُ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ فِي الْقُرْآنِ قَلِيلٌ وَهُوَ فِي التَّوْرَاةِ كَثِيرٌ ؟ فَنَزَلَ﴿قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـٰنَ﴾[الاسراء :: ١١٠] ونزل ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ مِن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ وغيرِ ذلك.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنَ الأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾ ؛ أي ومِن اليهود والنصارَى من ينكرُ بعضَ " ما في " القرآن، وإنَّهم كانوا يُقِرُّونَ بصحَّة " قصة " يوسف وغيرِها مما لا يكون فيه نسخُ شريعَتِهم، وكانوا يُنكِرُونَ مِن القرآن ما لا يوافقُ مذهَبَهم ودينَهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو﴾ ؛ الخلائق ﴿وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ ؛ رجُوعي في الآخرةِ.
الرعد 13:37
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذالِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً﴾ ؛ أي كما أنزلنا على الأنبياء المتقدمين بلسانهم كذلك أنزلنا اليك القرآن حُكماً عربياً، والْحُكَمْ : هو الفصل بين الشيئين على ما توجبه الحكمة، وقد يكون الحكم بمعنى الحكمة، كما في قوله تعالى﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾[مريم: ١٢] أي الحكم والنبوة.
قوله تعالى :﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم﴾ ؛ أين دين اليهود وقبلتهم ﴿بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ؛ أي دين الله دين ابراهيم وقبلته الكعبة ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ﴾ ؛ أي من ناصر ينصرك، ﴿وَلاَ وَاقٍ﴾ ؛ أي لا دافع يدفع العقاب عنك.
الرعد 13:38
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(وَذلِكَ أنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يُعَيِّرُونَ النَّبيَّ ﷺ بتَزَوُّجِ النِّسَاءِ حَتَّى قَالُواْ : لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ نَبيَّنَا لَشَغَلَتْهُ النُّبُوَّةُ عَنْ تَزْويجِ النِّسَاءِ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ). والمعنى : ولقد أرسَلنا رسُلاً من قبلِكَ، وجعلنا لهم نِسَاءً أكثرَ من نسائِكَ، وأولاداً أكثرَ من أولادك، كان لداودَ عليه السلام مائة امرأةٍ، ولسُليمان ثلاثمائة امرأةٍ مهرية وستُّمائة سريَّة.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ؛ أي هل يملِكُ أحدٌ من الرُّسل أن يأتي بآيةٍ إلا بإذنِ الله، سبحانهُ هو المالكُ للآياتِ لا يقدرُ أن يأتي أحدٌ شيئاً منها إلا بإذنهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ ؛ أي لكلِّ مدَّةٍ من آجَال العباد في الحياةِ والفَناءِ كتابٌ قد كتبَ اللهُ ذلك للملائكةِ ؛ يدُلَّهم به على علمهِ بالأَشياء. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ﴾ ؛ قال ابنُ عباس :(يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ مِنْ دِيوَانِ الْحَفَظَةِ مَا كَتَبُوهُ مِنْ أعْمَالِ الْعِبَادِ مَا لاَ جَرَاءَ لَهُ، وَيَتْرُكُ مَا لَهُ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ). وقال الضحَّاكُ :(يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ مِنَ الْقُرْآنِ فَيَنْسَخُهُ، وَيُثْبتُ مَا يَشَاءُ فَلاَ يَنْسَخُهُ)، وعن الحسنِ :(يَمْحُو أجَلَ مَنْ حَانَ أجَلُهُ، وَيَدَعُ أجَلَ مَنْ لَمْ يَحِنْ أجَلُهُ مَيِّتاً). وَقِيْلَ : يَمحُو الله ما يشاءُ من الطاعاتِ بإحباطِها بالمعاصي، ومن المعاصِي بتكفيرها بالطاعاتِ.
وقدِ اختلَفُوا : هل يدخلُ في الْمَحوِ والإثباتِ السعادةُ والشقاوة، والموتُ الحياة أم لا ؟ قال ابنُ عبَّاس :(لاَ يَدْخُلُ)، وقال عمرِو بن مسعود :(تَدْخُلُ فِيْهِ السَّعَادَةُ وَالشَّقَاوَةُ)، وكان من دُعاء عمرَ :(اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ كَتَبْتَنَا سُعَدَاءَ فَأَثْبتْنَا، وَإنْ كُنْتَ كَتَبْتَنَا أشْقِيَاءَ فَامْحُنَا وَاكْتُبْنَا سُعَدَاءَ، فَإنَّكَ تَمْحُو وَتُثْبتُ مَا تَشَاءُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الْكِتَاب)
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ؛ أي أصلُ الكتاب، قِيْلَ : إنه اللوحُ المحفوظ كَتَبَ اللهُ فيه كلَّ شيء قبلَ أن يخلُقَ العبادَ، ولا يُزَادُ فيه شيءٌ ولا ينقص منه شيء.
الرعد 13:39
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(وَذلِكَ أنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يُعَيِّرُونَ النَّبيَّ ﷺ بتَزَوُّجِ النِّسَاءِ حَتَّى قَالُواْ : لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ نَبيَّنَا لَشَغَلَتْهُ النُّبُوَّةُ عَنْ تَزْويجِ النِّسَاءِ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ). والمعنى : ولقد أرسَلنا رسُلاً من قبلِكَ، وجعلنا لهم نِسَاءً أكثرَ من نسائِكَ، وأولاداً أكثرَ من أولادك، كان لداودَ عليه السلام مائة امرأةٍ، ولسُليمان ثلاثمائة امرأةٍ مهرية وستُّمائة سريَّة.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ؛ أي هل يملِكُ أحدٌ من الرُّسل أن يأتي بآيةٍ إلا بإذنِ الله، سبحانهُ هو المالكُ للآياتِ لا يقدرُ أن يأتي أحدٌ شيئاً منها إلا بإذنهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ ؛ أي لكلِّ مدَّةٍ من آجَال العباد في الحياةِ والفَناءِ كتابٌ قد كتبَ اللهُ ذلك للملائكةِ ؛ يدُلَّهم به على علمهِ بالأَشياء. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ﴾ ؛ قال ابنُ عباس :(يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ مِنْ دِيوَانِ الْحَفَظَةِ مَا كَتَبُوهُ مِنْ أعْمَالِ الْعِبَادِ مَا لاَ جَرَاءَ لَهُ، وَيَتْرُكُ مَا لَهُ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ). وقال الضحَّاكُ :(يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ مِنَ الْقُرْآنِ فَيَنْسَخُهُ، وَيُثْبتُ مَا يَشَاءُ فَلاَ يَنْسَخُهُ)، وعن الحسنِ :(يَمْحُو أجَلَ مَنْ حَانَ أجَلُهُ، وَيَدَعُ أجَلَ مَنْ لَمْ يَحِنْ أجَلُهُ مَيِّتاً). وَقِيْلَ : يَمحُو الله ما يشاءُ من الطاعاتِ بإحباطِها بالمعاصي، ومن المعاصِي بتكفيرها بالطاعاتِ.
وقدِ اختلَفُوا : هل يدخلُ في الْمَحوِ والإثباتِ السعادةُ والشقاوة، والموتُ الحياة أم لا ؟ قال ابنُ عبَّاس :(لاَ يَدْخُلُ)، وقال عمرِو بن مسعود :(تَدْخُلُ فِيْهِ السَّعَادَةُ وَالشَّقَاوَةُ)، وكان من دُعاء عمرَ :(اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ كَتَبْتَنَا سُعَدَاءَ فَأَثْبتْنَا، وَإنْ كُنْتَ كَتَبْتَنَا أشْقِيَاءَ فَامْحُنَا وَاكْتُبْنَا سُعَدَاءَ، فَإنَّكَ تَمْحُو وَتُثْبتُ مَا تَشَاءُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الْكِتَاب)
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ؛ أي أصلُ الكتاب، قِيْلَ : إنه اللوحُ المحفوظ كَتَبَ اللهُ فيه كلَّ شيء قبلَ أن يخلُقَ العبادَ، ولا يُزَادُ فيه شيءٌ ولا ينقص منه شيء.
الرعد 13:40
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ ؛ أي فإما نُرِيَنَّكَ يا مُحَمَّدُ بعض الذي نَعِدُهم من نصرِ المؤمنين على الكفَّار، أو نَقبضُكَ إلينا قبلَ أن يكون ما نَعِدُهم من العذاب في حياتك، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ﴾ ؛ أي بلاغُ ما أُنزِلَ إليك، ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ ؛ وعلينا حسابُ ما يعمَلون، والجزاءُ عليه.
الرعد 13:41
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَاهُ أوَلَمْ يَرَ أهْلُ مَكَّةَ أنَّ نَنْقُصُ الأَرْضَ مِنْ أطْرَافِهَا بفَتْحِ دِيَارهِمْ لِلنَّبيِّ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ)، وقال الحسنُ :(أرَادَ بنَقْصِ أطْرَافِ الأَرْضِ ذهَابِ فُقَهَائِهَا وَخِيَارَ أهْلِهَا). قال :(وَمَثَلُ الْعُلَمَاءِ مَثَلُ النُّجُومِ إذا بَدَتْ اقْتَدَوْا بهَا، وإذا أظْلَمَتْ سَكَنوا، وَمَوْتُ الْعَالِمِ ثُلْمَةٌ فِي الإسْلاَمِ، لاَ يَسُدُّهَا شَيْءٌ مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ ؛ أي واللهُ يحكمُ بفَتْحِ البُلدانِ لا يتعقَّبُ أحدٌ حُكمَهُ بالردِّ، { وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) ؛ إذا حاسبَ محاسبةً سريعُ الحساب.
الرعد 13:42
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ؛ أي قد مَكَرَ الذين من قبل هؤلاء الكفارِ بأنبيائهم صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وبِمَنْ آمَن به، ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً﴾ ؛ وعندَ اللهِ جزاءُ مكرِهم جميعاً، فإنَّ ما يفعلهُ الله من إيصالِ المكروه يثبتُ، ومكرهم يضمحلُّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ ؛ من خيرٍ أو شرِّ فيُجازِيها عليه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ﴾ ؛ تَهديدٌ لهم أنَّهم إذا جَهِلوا اليومَ عاقبةَ أمرِهم فسيعلمون إذا صاروا إلى الآخرةِ، ﴿لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ ؛ المحمودةِ، لهم أمْ للمؤمنين؟
الرعد 13:43
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً﴾ ؛ أي ويقولُ الذين كفَرُوا من اليهود وغيرِهم : يا مُحْمَّدُ لستَ مُرسَلاً من اللهِ، ومَن يشهدُ لكَ على رسَالَتِكَ، ﴿قُلْ﴾ ؛ لَهم يا مُحْمَّدُ :﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ ؛ على أنِّي مرسَلٌ إليكم، شهادةُ الله على أنَّنِي نَبيُّهُ من المعجزاتِ لا شاهدَ أعدلَ من ذلك.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ ؛ كان ابنُ عباس يقرأ (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ) بالنصب ويقولُ :(هُوَ عَبْدُاللهِ بَنُ سَلاَمٍ وَأصْحَابُهُ، كَانَ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ نَعْتُ النَّبيِّ ﷺ وَصِفَتُهُ) وكان يقولُ :(هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بالْمَدِينَةِ ؛ لأَنَّ هَؤُلاَءِ أسْلَمُواْ بالْمَدِينَةِ).
وكان ابنُ مسعودٍ يقرأ (وَمِنْ عِنْدِهِ) بالخفضِ على معنى أنَّ القرآنَ مِن عندِ الله، وكان يقولُ :(هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وَعَبْدُاللهِ بَنُ سَلاَمٍ أسْلَمَ بالْمَدِينَةِ وقُرئ (وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الْكِتَابُ) بخفض (مِن) وضمِّ العين وكسرِ اللام من علم، هكذا رُوي عن سعيدِ ابن جُبير.
إبراهيم 14:1
﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ ؛ قد تقدَّم تفسيرُها، وقولهُ تعالى :(كِتَابٌ) خبرُ مبتدأ محذوفٍ، ويجوز أن يكون خبرَ (ألر) ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ؛ أي مِن ظُلماتِ الكفرِ إلى نور الإيمان، ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ بأمرِ ربهم أمَرَك أن تَدعُوَهم إلى الإيمانِ، وتزجُرَهم عن الكفرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ؛ أي الى دينِ العزيزِ الحميد الذي لا يمكنُ أن يُغلَبَ ويقهرَ، والحميدُ المستحقُ للحمدِ.
إبراهيم 14:2
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ؛ مَن قرأ برفع الهاء فعلى الابتداءِ، وَمن قرأ بالخفضِ جعلَهُ بدَلاً من الحمدِ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ ؛ الويلُ كلمةٌ تستعمَلُ في الشدَّة، ويقالُ : هو وادٍ في جهنَّم.
إبراهيم 14:3
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ ؛ أي يختارُونَها عليها، ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ؛ أي يُعرِضُونَ عن طاعةِ الله من الصدِّ وهو الإعراضُ، ويجوز أن يكون معناهُ : ويَمنَعُونَ الناسَ.
وقولهُ تعالى :﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾ ؛ أي ويطلبُونَ بدينِ الله العِوَجَ، والعِوَجُ بكسرِ العين في الدِّين، وبفتحِها في العصا، وقولهُ تعالى :﴿أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾ ؛ أي في ذهابٍ عن الحقِّ بعيدٍ.
إبراهيم 14:4
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ؛ أي بلُغَتِهم ليبيِّن لهم ما أُمِرُوا به ونُهوا عنه، فيفهَمُوا ويتعلَّموا، ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ﴾ ؛ مَن كان أهْلاً لذلك، ﴿وَيَهْدِي﴾ ؛ لدينهِ، ﴿مَن يَشَآءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
إبراهيم 14:5
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَآ﴾ ؛ أي بدَلائِلنا وحُجَجِنا التي دلَّت على صحَّة نُبوَّتهِ مثلُ العصا واليدِ وغيرهما، ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ ؛ أي بنَعِيمِ الله، وَقِيْلَ : بوقائعِ الله في الأيَّام السالفةِ من قوم نُوحٍ وعادٍ وثَمود. وَقِيْلَ : بنَعِيمِ اللهِ ونِقَمِهِ، والمعنى : عِظْهُمْ بالترغيب والترهيب والوعدِ والوعيد.
وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ ؛ أي إنَّ في ذلك التذكيرِ لدلالاتٍ على قدرةِ الله لكل صبَّارٍ شَكُورٍ على طاعتهِ، وعن معصيتهِ، وشكُورٍ لأَنعُمِ اللهِ، والشُّكرُ هو إظهارُ النعمةِ على جهة الاعتراف بها.
إبراهيم 14:6
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذالِكُمْ بَلاءٌ مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ﴾ ؛ هذه الآيةُ قد سبقَ تفسيرُها في سورةِ البقرة.
إبراهيم 14:7
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ ؛ هذه عطفٌ على قولهِ﴿إِذْ أَنجَاكُمْ﴾[ابراهيم: ٦] كأنه قالَ : اذكرُوا نعمةَ اللهِ عليكم إذ أنْجَاكُم، وإذ تأذنَ ربُّكم، وهذا إخبارٌ عن ما قالَ موسى لقومهِ ؛ أي أعلَمَكم في الكتاب، ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ﴾ نعمَتي ﴿لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ نعمةً، ﴿وَلَئِن كَفَرْتُمْ﴾ ؛ نِعمَتي، ﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ؛ لِمَن كفرَ.
قال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَى الآيَةِ : لَئِنْ وَحَّدْتُمُونِي وَأطَعْتُمُونِي، لأَزيدَنَّكُمْ نِعْمَةً)، قال قتادةُ :(حَقُّ اللهِ أنْ يُعْطِي مَنْ سَأَلَهُ، وَيَزِيدَ مَنْ شَكَرَهُ)، وقولهُ تعالى ﴿وَلَئِن كَفَرْتُمْ﴾ أي جَحَدتُّم حقِّي وحقَّ نِعْمَتي إنَّ عذابي لشديدٌ.
إبراهيم 14:8
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ ؛ بنعمتهِ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾ ؛ عن طاعَتِكم، لم يأمُرْكم بطاعته لحاجتهِ إليها وهو الـ ﴿حَمِيدٌ﴾ ؛ لِمَن وَحَّدَهُ وأطاعَهُ.
إبراهيم 14:9
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ ؛ قِيْلَ : إنَّ الخطابَ في هذه الآية لأُمَّة مُحَمَّدٍ ﷺ، وَقِيْلَ : هو خطابُ موسى لقومهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ يعني قومَ شُعيب وغيرهم، ﴿لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ﴾، لا يعلمُ عددَهم إلاّ الله، ﴿جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَـاتِ﴾ ؛ أي بالدَّلائلِ الواضحاتِ ﴿فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(عَضُّوا أنَامِلَهُمْ غَيْظاً عَلَى الرُّسُلِ فِيْمَا ادَّعَواْ مِنَ النُّبُوَّةِ)، وقال مجاهدُ :(هَذا كِنَايَةٌ عَنِ الْجَحْدِ وَالتَّكْذِيب). وَقِيْلَ : معناهُ : وضعَ الكفارُ أيدِيَهم على أفواهِ أنبيائهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ﴾ ؛ بسببٍ من التوحيد، ﴿مُرِيبٍ﴾ ؛ ظاهرِ الشكِّ، والرَّيْبُ الشكُّ مع التُّهمَةِ.
إبراهيم 14:10
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ ؛ أي في توحيدِ الله شَكٌ، وهذا إنكارٌ من الرسُل عليهم ؛ أي لا شكَّ في توحيدِ الله، ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي خالِقِهما فكيف يشُكُّون فيه ودلائلُ وحدانيَّته ظاهرةٌ، ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ ؛ إلى دينهِ، ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ ؛ في الجاهليَّةِ، ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَـمًّـى﴾ ؛ منتهَى آجَالِكم، فلا يعذِّبُكم بعذاب الاستئصال.
وأما دخولُ (مِنْ) في قولهِ ﴿مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ فيجوزُ أن تكون للجنسِ، كما في قوله﴿فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾[الحج: ٣٠]، ويجوزُ أن تكون للتبعيضِ ؛ أي ليغفرَ لكم بعضَ ذُنوبكم، فادْعُوا اللهَ وارغَبُوا إليه في مغفرةِ الذُّنوب كلِّها.
قولهُ :﴿قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ ؛ أي قالت الأُمَمُ لرُسُلِهم : هل أنتم إلاّ آدميُّون مثلُنا لا فضلَ لكم علينا، ﴿تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا﴾ ؛ تَمْنَعُونَا، ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا﴾ ؛ من الأصنامِ، ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ فَأْتُوا بحجَّة واضحةٍ بيِّنة، يعنون الآياتِ التي كانوا يقتَرحونَها على أنبيائهم.
إبراهيم 14:11
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ ؛ كما قُلتم، ﴿وَلَـاكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ؛ كما أنعمَ علينا بأن أرسَلَنا، ﴿وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ؛ ولا نملكُ الآيات التي تقتَرحون علينا ونحن بشرٌ مثلكم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَعلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ظاهرُ المعنى.
قالَتِ الكفارُ لَهم : فتوَكَّلوا أنتم على اللهِ حتى ترَونَ ما يفعلُ بكم، قالت الرُّسل :﴿وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ ؛ أي حسبُنا، والهدايةُ من اللهِ هي الدلالةُ على الحقِّ والرشدِ، ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَآ آذَيْتُمُونَا﴾ ؛ على أذاكُم، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ؛ والتوكُّلُ هو التمسُّكُ بطاعةِ الله مع الرِّضا بقضائهِ وتدبيره.
إبراهيم 14:12
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ ؛ كما قُلتم، ﴿وَلَـاكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ؛ كما أنعمَ علينا بأن أرسَلَنا، ﴿وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ؛ ولا نملكُ الآيات التي تقتَرحون علينا ونحن بشرٌ مثلكم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَعلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ظاهرُ المعنى.
قالَتِ الكفارُ لَهم : فتوَكَّلوا أنتم على اللهِ حتى ترَونَ ما يفعلُ بكم، قالت الرُّسل :﴿وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ ؛ أي حسبُنا، والهدايةُ من اللهِ هي الدلالةُ على الحقِّ والرشدِ، ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَآ آذَيْتُمُونَا﴾ ؛ على أذاكُم، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ؛ والتوكُّلُ هو التمسُّكُ بطاعةِ الله مع الرِّضا بقضائهِ وتدبيره.
إبراهيم 14:13
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ﴾ ؛ أي قالت الكفارُ لرُسُلِهم : لا نُسَاكِنُكم على مخالفتِكم ديننا ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ وقد ذكرنَا في قصَّة شعيب، ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾، فأوحَى اللهُ إلى الرُّسُلِ :﴿لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾، أي الكفارِ، ﴿وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ﴾ ؛ أرضَهم وديارهم، ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ ؛ من بعد هلاكِهم، وهذا نِهايةُ ما في الإنعامِ، فإن هذا جزاءُ مَن توكَّلَ على اللهِ، ﴿ذلِكَ﴾ ؛ جزاءٌ، ﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ ؛ مقامَ العبادِ عندي، ﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾ ؛ وخاف وعيدي بالعقاب ولِمَن عصانِي.
إبراهيم 14:14
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ﴾ ؛ أي قالت الكفارُ لرُسُلِهم : لا نُسَاكِنُكم على مخالفتِكم ديننا ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ وقد ذكرنَا في قصَّة شعيب، ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾، فأوحَى اللهُ إلى الرُّسُلِ :﴿لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾، أي الكفارِ، ﴿وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ﴾ ؛ أرضَهم وديارهم، ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ ؛ من بعد هلاكِهم، وهذا نِهايةُ ما في الإنعامِ، فإن هذا جزاءُ مَن توكَّلَ على اللهِ، ﴿ذلِكَ﴾ ؛ جزاءٌ، ﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ ؛ مقامَ العبادِ عندي، ﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾ ؛ وخاف وعيدي بالعقاب ولِمَن عصانِي.
إبراهيم 14:15
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ ؛ أي سألَتِ الرُّسل ربَّهم أن يحكُمَ بينهم وبين الكفارِ ؛ لأن الفتحَ ها هنا بمعنى الْحُكْمِ، يقال للحاكِم : الفَتَّاحُ، فلما فزِعَتِ الرسلُ إلى ربهم بانجاز الوعد، فتحَ لهم ما طلبوهُ فخابَ كلُّ جبارٍ عنيد.
والجبارُ : هو الطالبُ للخير والعُلُوِّ فوقَ كلِّ عُلُوٍّ، والعنيدُ : هو الدافعُ للحقِّ على جِهةِ الاستنكار، وقال قتادةُ :(الْعَنِيدُ : الْمُعْرِضُ عَنْ طَاعَةِ اللهِ)، وقال مجاهدُ :(هُوَ الْمُجَانِبُ لِلْحَقِّ).
إبراهيم 14:16
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ﴾ ؛ معناهُ أمامَ هذا الجبَّارِ بعدَ الموتِ جهنَّمُ، والوراءُ يكون من خَلْفٍ وقُدَّامٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُسْقَى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ﴾ ؛ أي يُسقَى من ماءٍ يَسِيلُ من جُلودِ أهلِ النَّار من القيحِ والدَّمِ، قال ابنُ عبَّاس :(فِي جَهَنَّمَ أوْدِيَةٌ، فِي تِلْكَ الأَوْدِيَةِ صَدِيدُ أهْلِ النَّار وَقَيْحُهُمْ وَدِمَاؤُهُمْ، فَيُسْقَوْنَ مِنْ ذلِكَ الصَّدِيدِ قَدْ نَتَنَ رِيْحُهُ) ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ ؛ شارِبهُ، والملَكُ يضربهُ بالمقامعِ ويقولُ له : اشرب، فيقولُ : لاَ أُطِيقهُ، فيضربهُ حتى يشربَهُ جرعةً جرعةً، ولا يكاد يسيغهُ من نتنه وحرِّه.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ ؛ لا يقدرُ أن يبتلعَهُ، والإسَاغَةُ هو دخولُ المشروب في حَلقهِ مع قَبُولِ النفسِ له، وفي الحديثِ عن النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ :" يُقَرَّبُ إلَيْهِ فَيَكْرَهُهُ، فَإذا أُدْنِيَ مِنْهُ شَوَى وَجْهَهُ، وَوَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأسِهِ فِيْهِ، فَإذا شَرِبَهُ قَطَّعَ أمْعَاءَهُ، فَتَخْرُجُ أمْعَاؤُهُ مِنَ الْجَانِب الآخَرِ " كما قال تعالى :﴿وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾[محمد: ١٥].
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ ؛ أي ويأْتيهِ غَمُّ الموتِ من قدامه، ومن كلِّ مكان كان فيه يموتُ بدون ذلك في الدُّنيا، قال ابنُ عبَّاس :(يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ تَحْتِ كُلِّ شَعْرَةٍ فِي جَسَدِهِ). قِيْلَ : وتأتيهِ النيرانُ من كلِّ جانبٍ، ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾، فيستريحُ من العذاب، ﴿وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ ؛ أي ومن بعدِ ذلك عذابٌ شديد أشدُّ مما تقدَّمَ لا ينقطعُ ولا يَفْتُرُ.
إبراهيم 14:17
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ﴾ ؛ معناهُ أمامَ هذا الجبَّارِ بعدَ الموتِ جهنَّمُ، والوراءُ يكون من خَلْفٍ وقُدَّامٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُسْقَى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ﴾ ؛ أي يُسقَى من ماءٍ يَسِيلُ من جُلودِ أهلِ النَّار من القيحِ والدَّمِ، قال ابنُ عبَّاس :(فِي جَهَنَّمَ أوْدِيَةٌ، فِي تِلْكَ الأَوْدِيَةِ صَدِيدُ أهْلِ النَّار وَقَيْحُهُمْ وَدِمَاؤُهُمْ، فَيُسْقَوْنَ مِنْ ذلِكَ الصَّدِيدِ قَدْ نَتَنَ رِيْحُهُ) ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ ؛ شارِبهُ، والملَكُ يضربهُ بالمقامعِ ويقولُ له : اشرب، فيقولُ : لاَ أُطِيقهُ، فيضربهُ حتى يشربَهُ جرعةً جرعةً، ولا يكاد يسيغهُ من نتنه وحرِّه.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ ؛ لا يقدرُ أن يبتلعَهُ، والإسَاغَةُ هو دخولُ المشروب في حَلقهِ مع قَبُولِ النفسِ له، وفي الحديثِ عن النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ :" يُقَرَّبُ إلَيْهِ فَيَكْرَهُهُ، فَإذا أُدْنِيَ مِنْهُ شَوَى وَجْهَهُ، وَوَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأسِهِ فِيْهِ، فَإذا شَرِبَهُ قَطَّعَ أمْعَاءَهُ، فَتَخْرُجُ أمْعَاؤُهُ مِنَ الْجَانِب الآخَرِ " كما قال تعالى :﴿وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾[محمد: ١٥].
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ ؛ أي ويأْتيهِ غَمُّ الموتِ من قدامه، ومن كلِّ مكان كان فيه يموتُ بدون ذلك في الدُّنيا، قال ابنُ عبَّاس :(يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ تَحْتِ كُلِّ شَعْرَةٍ فِي جَسَدِهِ). قِيْلَ : وتأتيهِ النيرانُ من كلِّ جانبٍ، ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾، فيستريحُ من العذاب، ﴿وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ ؛ أي ومن بعدِ ذلك عذابٌ شديد أشدُّ مما تقدَّمَ لا ينقطعُ ولا يَفْتُرُ.
إبراهيم 14:18
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ ؛ أي مثَلُ أعمالِ الذين كفَرُوا بربهم في انتفاعهِ بها كرمادٍ اشتدَّتْ به الريحُ في يومِ ذي عَاصِفٍ، يقولُ : كما لا يقدرُ أحدٌ على الانتفاعِ على جمعِ ذلك الرَّماد إذا ذرَّتُهُ الريحُ الشديدة، فكذلك هؤلاءِ الكفَّار ؛ ﴿لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ﴾ ؛ أي لا يقدرون على الانتفاعِ بشيءٍ من الأعمالِ التي عَمِلُوها على جهةِ البرِّ مثلَ صِلَةِ الرَّحِمِ ونحوِها. وأما الكفرُ والمعاصي فلا يكون كرَمادٍ اشتدَّتْ به الريحُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ﴾ ؛ أي ذلك الذي ذُكِرَ هو الذهابُ عن التنفُّعِ البعيدِ عن الحقِّ والهدَى.
إبراهيم 14:19
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ﴾ ؛ أي ألَم تعلَمْ - يا محمَّدُ - أنَّ اللهَ خلقَ السموات والأرضَ على ما توجِبُ الحكمة وتقتضيه المصلحةُ، والحقُّ هو وضعُ الشيء موضعِهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ ؛ أيُّها الكفار ؛ أي يهلِكْكم، ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ؛ ويخلُقُ قَوماً آخرين أطوعَ للهِ منكم، ﴿وَمَا ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾، أي وليس ذلك على اللهِ بشديدٍ ولا متعذِّر.
إبراهيم 14:20
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ﴾ ؛ أي ألَم تعلَمْ - يا محمَّدُ - أنَّ اللهَ خلقَ السموات والأرضَ على ما توجِبُ الحكمة وتقتضيه المصلحةُ، والحقُّ هو وضعُ الشيء موضعِهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ ؛ أيُّها الكفار ؛ أي يهلِكْكم، ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ؛ ويخلُقُ قَوماً آخرين أطوعَ للهِ منكم، ﴿وَمَا ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾، أي وليس ذلك على اللهِ بشديدٍ ولا متعذِّر.
إبراهيم 14:21
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً﴾ ؛ أي إذا كان يومُ القيامةِ بَرَزَ الناسُ من قُبورهم للمُسَائَلَةِ والمحاسبةِ، فيُسأَلون عن أعمالهم ويُجَازَوْنَ عليها، ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ﴾ ؛ أتباعُ الظَّلَمَةِ والعُصاة، ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ﴾ ؛ وهم الرؤساءُ والقادة :﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ ؛ في المعصيةِ والظُّلم في الدُّنيا، ﴿فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ﴾ ؛ دَافِعُونَ، ﴿عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾. فيقولُ لهم رؤساؤهم :﴿قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ أي ما نخلصُ به من هذا العذاب، ﴿لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ ؛ إليه ؛ أي لا مَطْمَعَ لنا في ذلك، فكيف تطمَعون في مثلهِ من جِهَتنا ؟ ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ ؛ أي لا حِيلَةَ لنا سواءً أجَزِعْنَا أم صَبَرنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ مِنْ هذا العذاب.
إبراهيم 14:22
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ ؛ هذا إخبارٌ عن خُطبةِ الشيطانِ، وذلك أنه إذا دخلَ أهلُ الجنَّةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، قامَ إبليسُ خَطيبًا على مِنبَرٍ من نارٍ، فقال : يا أهلَ النار إنَّ اللهَ وعدَكم وعداً، وكان حقّاً وعدهُ، ﴿وَوَعَدتُّكُمْ﴾، أنا، ﴿فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ الإكراهِ على المعصية، ولا حجَّة على ما قلتُ، ﴿إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ﴾ ؛ إلى طاعَتي بالوَسْوَسَةِ، ﴿فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ ؛ بسوءِ اختياركم، ﴿فَلاَ تَلُومُونِي﴾ ؛ على ما حَلَّ بكم من العقاب، ﴿وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ ؛ فإنِّي لَمْ أُجْبرْكُمْ على المعصيةِ، ﴿مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ﴾ ؛ أي بمُغِيثِكم، ﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ ؛ ولا أنتم بمُغِيثِيَّ، والإصْرَاخُ في اللغة : هو الْمُسْتَغِيثُ إغَاثَةً بهِ. ويُحكى أنَّ أعرابياً أتَى على رجُلٍ يقرأ هذه الآيةَ، فقال : قَاتلَهُ اللهُ مَا أفْصَحَهُ!
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ ؛ إخبارٌ عن كلامِ إبليس، ومعناهُ : إنِّي كفرتُ من قَبْلُ بالذي أشرَكتُمونِ به في الطاعةِ من قبلِ أن أشركتُمونِي به ؛ أي كفرتُ برَبي من قبلِ ما عدلتُموني بهِ. ويقال : معناهُ : إنِّي كفرتُ الآنَ بما كان من إشرَاكِكُمْ إيَّاي في الطاعةِ إذا أطعتُمونِي وجعلتُمونِي كأنِّي ربٌّ، فصيَّرتُمونِي شَريكاً لربكُم، وأنا أكفرُ اليومَ بشِركِكُم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ أي قَالَ اللهُ تَعَالَى : إن الظالِمين من إبليسَ وغيرهِ لهم عذابٌ وَجِيعٌ يخلصُ وجعهُ إلى قُلوبهم.
إبراهيم 14:23
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ؛ أي في جنَّات تجرِي من تحت قُصورِها وأشجارها الأنْهارُ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ﴾ ؛ أي يُحَيِّي بعضُهم بعضاً بالسَّلام، ويرسلُ اللهَ الملائكة إليهم بالسَّلام.
إبراهيم 14:24
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ﴾ ؛ أي ألَم تعلَمْ يا مُحَمَّدُ كيف وصفَ اللهُ شبهاً كلمةً طيِّبةً وهي كلمةُ التوحيدِ : لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ والإقرَارُ بالنبُوَّة ؛ كشجرةٍ طيِّبةِ الثمرِ، وهي النخلةُ التي لا شيءَ أحلىَ من ثَمرِها وهو الرُّطَبُ، كما لا كلامَ أحسنَ من كلمةِ الرب.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ﴾ ؛ فيه شَبَّهَ ثباتَ الإيمان وما فيهِ من الأدلَّة، بقَرَارِ النخلةِ التي أصلُها ثابتٌ على نِهاية الثباتِ في تَمَكُّنِ فرعها في الأرضِ، بل المعرفةُ في قلب المؤمن أثبتُ من عروقِ النخلة ؛ لأن النخلةَ تُقلَعُ، ومعرفةُ العارفِ لا يقدر أحدٌ من الناسِ أن يُخرِجَها من قلبهِ.
وقولهُ تعالى :﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ﴾ ؛ تُؤتِي أكُلَها، فيه تشبيهُ أعمالِ المخلِصين التي هي فروعُ الإيمان في أنَها ترتفعُ وتعلُو إلى جانب السَّماء ؛ لأن الأعمالَ لا تصلحُ إلا بالإيمانِ، والأصلُ هو الإيمانُ، والفروعُ هو الأعمالُ الصالحة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ ؛ فيه تشبيهُ ما يحصلُ من الثواب الدائم الذي لا منْزلةَ أعلىَ منه، وقولهُ تعالى :﴿بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ ؛ أي بعِلْمِهِ وقُدرتهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ ؛ أي يُبَيِّنُ اللهُ الأشياءَ للناسِ في صفة التوحيدِ والدين، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ لكي يتَّعِظُوا ويؤمنوا.
إبراهيم 14:25
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ﴾ ؛ أي ألَم تعلَمْ يا مُحَمَّدُ كيف وصفَ اللهُ شبهاً كلمةً طيِّبةً وهي كلمةُ التوحيدِ : لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ والإقرَارُ بالنبُوَّة ؛ كشجرةٍ طيِّبةِ الثمرِ، وهي النخلةُ التي لا شيءَ أحلىَ من ثَمرِها وهو الرُّطَبُ، كما لا كلامَ أحسنَ من كلمةِ الرب.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ﴾ ؛ فيه شَبَّهَ ثباتَ الإيمان وما فيهِ من الأدلَّة، بقَرَارِ النخلةِ التي أصلُها ثابتٌ على نِهاية الثباتِ في تَمَكُّنِ فرعها في الأرضِ، بل المعرفةُ في قلب المؤمن أثبتُ من عروقِ النخلة ؛ لأن النخلةَ تُقلَعُ، ومعرفةُ العارفِ لا يقدر أحدٌ من الناسِ أن يُخرِجَها من قلبهِ.
وقولهُ تعالى :﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ﴾ ؛ تُؤتِي أكُلَها، فيه تشبيهُ أعمالِ المخلِصين التي هي فروعُ الإيمان في أنَها ترتفعُ وتعلُو إلى جانب السَّماء ؛ لأن الأعمالَ لا تصلحُ إلا بالإيمانِ، والأصلُ هو الإيمانُ، والفروعُ هو الأعمالُ الصالحة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ ؛ فيه تشبيهُ ما يحصلُ من الثواب الدائم الذي لا منْزلةَ أعلىَ منه، وقولهُ تعالى :﴿بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ ؛ أي بعِلْمِهِ وقُدرتهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ ؛ أي يُبَيِّنُ اللهُ الأشياءَ للناسِ في صفة التوحيدِ والدين، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ لكي يتَّعِظُوا ويؤمنوا.
إبراهيم 14:26
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ ؛ يعني كلمةَ الشِّرك، ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ ؛ يعني شجرةَ الْحَنْظَلِ ليس فيها حلاوةٌ ولا منفعة ولا رائحة طيِّبة، بل تضرُّ مَن تناولَها، فكذلك كلمةُ الكفرِ تضرُّ صاحبَها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ﴾ ؛ أي اقتُلِعَتْ، معناهُ : كما أنه ليس لشجرةِ الحنظل أصلٌ تثبتُ عليه وتَقَرُّ، ولكن تُقلع وتؤخذ حبَّتهُ من أصلهِ، فكذلك الكفرُ يُبْطِلُهُ الله ويستأصلُ أهلَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ ؛ فإن الريحَ تقلَعُها وتذهبُ، كذلك ليس لكلمةِ الكفر حجَّة يحتجُّ بها صاحبها.
إبراهيم 14:27
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ ؛ أي يُثَبتُ اللهُ الذين آمَنوا بقولٍ ثابت وهو : لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ في الحياةِ الدُّنيا، وفي الآخرةِ يعني القبرَ، كما روُي عن رسولِ الله ﷺ أنه قالَ :" إنَّ الْمُؤْمِنَ إذا دَخَلَ قَبْرَهُ وَأتَاهُ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ وَقَالاَ لَهُ : مَنْ رَبُّكَ ؟ وَمَا دِينُكَ ؟ وَمَنْ نَبيُّكَ ؟ فَيُثَبتُهُ اللهُ فَيَقُولُ : اللهُ رَبي ؛ وَالإسْلاَمُ دِينِي ؛ وَمُحَمْدٌ نَبيِّي. فَيَقُولاَنِ : صَدَقْتَ هَكَذا كُنْتَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إلَى النَّار، فَيَقُولاَنِ لَهُ : هذا كَانَ مَنْزِلَكَ لَوْ كَفَرْتَ برَبكَ، فَإذا آمَنْتَ برَبكَ فَهَذا مَنْزِلُكَ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إلَى الْجَنَّةِ وَيُفْتَحُ لَهُ فِي قَبْرِه.
وَإنْ كَانَ كَافِراً أوْ مُنَافِقاً فَيَقُولاَنِ لَهُ : مَا تَقُولُ لِهَذا الرَّجُلِ ؟ فَيَقُولُ : لاَ أدْري، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ كَذا وَكَذا. فَيَقُولاَنِ لَهُ : لاَ دَرَيْتَ وَلاَ اهْتَدَيْتَ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إلَى الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ : هَذا لَكَ لَوْ آمَنْتَ، فَأَمَّا إذا كَفَرْتَ فَإنَّ اللهَ بَدَّلَكَ بهِ هَذا، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إلَى النَّارِ، ثُمَّ يَقْمَعُهُ بالْمِطْرَاقِ قَمْعَةً فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللهِ كُلُّهُمْ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ، فَلاَ يَسْمَعُ صَوْتَهُ شَيْءٌ إلاَّ لَعَنَهُ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إلَى النَّارِ يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ ريحِهَا وَسَمُومِهَا، وَيُقَالُ لَهُ : نَمْ نَوْمَةَ اللَّدِيغِ، ثُمَّ يُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ عَلَيْهِ أضْلاَعُهُ " فَذلِكَ قولهُ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ ؛ ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ أي ويهلِكُهم، ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ ؛ من التَّثبيتِ والإضلالِ، لا مانعَ له مما يفعلهُ.
إبراهيم 14:28
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً﴾ ؛ فيه تعجيبٌ للنبيِّ ﷺ من صُنعِ المشركين، فإنَّهم بدَّلوا نعمةَ الله بالكُفرِ، ثم لم يقتَصِروا على هذا في أنفسهم حتى أضَلُّوا قومَهم، ﴿وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ ؛ أي دارَ الهلاكِ وهي :﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ ؛ أي يدخُلونَها يومَ القيامةِ، ﴿وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ ؛ قرارُ من يكون قرارهُ النار، وقوله تعالى :﴿جَهَنَّمَ﴾ بنَصب (يَصْلَوْنَهَا).
إبراهيم 14:29
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً﴾ ؛ فيه تعجيبٌ للنبيِّ ﷺ من صُنعِ المشركين، فإنَّهم بدَّلوا نعمةَ الله بالكُفرِ، ثم لم يقتَصِروا على هذا في أنفسهم حتى أضَلُّوا قومَهم، ﴿وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ ؛ أي دارَ الهلاكِ وهي :﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ ؛ أي يدخُلونَها يومَ القيامةِ، ﴿وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ ؛ قرارُ من يكون قرارهُ النار، وقوله تعالى :﴿جَهَنَّمَ﴾ بنَصب (يَصْلَوْنَهَا).
إبراهيم 14:30
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً﴾ ؛ أي أمْثَالاً ونُظرَاءَ، ﴿لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ﴾ ؛ أي كان عاقبَتُهم الضلالَ عن دينِ الله، ﴿قُلْ تَمَتَّعُواْ﴾ ؛ قَليلاً في الدنيا، ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾.
إبراهيم 14:31
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾ ؛ في الآية أمرٌ للنبيِّ ﷺ بأن يأمُرَ المؤمنين بما يؤدِّيهم إلى النعيم المقيم، وقولهُ تعالى :﴿يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾ أي يُؤدُّونَها لمواقيتها بشَرائِطها.
واختلَفُوا في جزمِ ﴿يُقِيمُواْ﴾ قِيْلَ : لأنه جوابُ الأمرِ، وقال بعضُهم : تقديره : قُل لعباديَ الذين آمَنوا أقِيمُوا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً﴾ ؛ من الأموالِ في وجه البرِّ من الفرائضِ والنوافل، سِرّاً في النوافلِ، وعلانيةٌ في الفرائضِ، ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ﴾ ؛ يومَ لا يُقبَلُ البدلُ للتخلُّصِ من النار، ﴿وَلاَ خِلاَلٌ﴾ ؛ أي ولا مَوَدَّةٌ يكون فيها تخليصُ أحدهما للآخرِ.
إبراهيم 14:32
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً﴾ ؛ يعني المطرَ، ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ﴾ ؛ أي من الثمارِ ما تنتفعون به. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ ؛ أي السُّفُنَ، ﴿لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ﴾، وتجرِي حيث تشاؤُون، ﴿وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ﴾ ؛ أي سخَّرَها لكم إلى يومِ القيامة، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيلَ وَالنَّهَارَ﴾ ؛ بأن أتَى بهما متعاقِبَين لينصرفَ الناسُ في معايشهم بالنهار ويهدأوا بالليلِ.
إبراهيم 14:33
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً﴾ ؛ يعني المطرَ، ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ﴾ ؛ أي من الثمارِ ما تنتفعون به. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ ؛ أي السُّفُنَ، ﴿لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ﴾، وتجرِي حيث تشاؤُون، ﴿وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ﴾ ؛ أي سخَّرَها لكم إلى يومِ القيامة، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيلَ وَالنَّهَارَ﴾ ؛ بأن أتَى بهما متعاقِبَين لينصرفَ الناسُ في معايشهم بالنهار ويهدأوا بالليلِ.
إبراهيم 14:34
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ ؛ من العاقبةِ وغير ذلك، ومَن قرأ (مِنْ كُلٍّ) بالتنوين فالمعنى : أعطاكُم من كلِّ ما تقدَّمَ ذِكرهُ من النِّعَمِ، ثم قالَ (مَا سَأَلْتُمُوهُ) أي لَم تسألوهُ، بلِ ابتدأكم بذلك تفضُّلاً.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ ؛ أي إنعَامهِ، والنِّعمةُ ها هنا اسمٌ أُقيمَ مقامَ المصدر، ولذلك لم يُجمع، (لاَ تُحْصُوهَا) أي تَأْتُوا على جميعِها بالعدِّ. وَقِيْلَ : لا تحفَظُوها ولا تطيقوا عدَّها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ ؛ معناهُ : إن الإنسانَ مع هذه النِّعَمِ لظلومٌ لنفسهِ كفَّارٌ لنِعَمِ ربهِ. والإنسانُ : اسمُ جنسٍ لكن يُقصد به في هذا الموضعِ الكافرُ خاصَّة.
إبراهيم 14:35
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـاذَا الْبَلَدَ آمِناً﴾ ؛ أي واذْكُرْ إذ قالَ إبراهيمُ بعدَ ما بَنَى البيتَ : رب اجعل مكَّة آمِناً يأمَنُ فيها الناسُ والوحش، فاستجابَ اللهُ دعاءَهُ حتى اجتمعَ فيه الناسُ مع شدَّة العداوةِ بينهم، وتَدْنُوا الوحوشُ فيه من الناسِ فتأمَنُ منهم. وإنما عَرَّفَ البلدَ في هذه الآيةِ ونَكَّرَها في البقرةِ ؛ لأن النَّكِرَةَ إذا أُعيدت تعرَّفت.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ ؛ أي وَالْطُفْ بي وَبَنِيَّ لُطفاً نتجنَّبُ به عبادةَ الأصنامِ، ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ﴾ ؛ يعني الأصنامَ، وأضافَ الإضلالَ إلى الأصنامِ، وإنْ لم تكن تفعلُ شيئاً ؛ لأنَّهم ضَلُّوا بعبادتِهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ أي فمَن تَبعَنِي على دِيني فإنه منِّي ومعي، ﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾ ؛ خالَفَني في دِيني، ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ أي غفورٌ لذُنوبهم، رحيمٌ بهم.
إبراهيم 14:36
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـاذَا الْبَلَدَ آمِناً﴾ ؛ أي واذْكُرْ إذ قالَ إبراهيمُ بعدَ ما بَنَى البيتَ : رب اجعل مكَّة آمِناً يأمَنُ فيها الناسُ والوحش، فاستجابَ اللهُ دعاءَهُ حتى اجتمعَ فيه الناسُ مع شدَّة العداوةِ بينهم، وتَدْنُوا الوحوشُ فيه من الناسِ فتأمَنُ منهم. وإنما عَرَّفَ البلدَ في هذه الآيةِ ونَكَّرَها في البقرةِ ؛ لأن النَّكِرَةَ إذا أُعيدت تعرَّفت.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ ؛ أي وَالْطُفْ بي وَبَنِيَّ لُطفاً نتجنَّبُ به عبادةَ الأصنامِ، ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ﴾ ؛ يعني الأصنامَ، وأضافَ الإضلالَ إلى الأصنامِ، وإنْ لم تكن تفعلُ شيئاً ؛ لأنَّهم ضَلُّوا بعبادتِهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ أي فمَن تَبعَنِي على دِيني فإنه منِّي ومعي، ﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾ ؛ خالَفَني في دِيني، ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ أي غفورٌ لذُنوبهم، رحيمٌ بهم.
إبراهيم 14:37
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿رَّبَّنَآ إِنَّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ ؛ أي قالَ إبراهيمُ : إنِّي أسكنْتُ بعضَ ذُرِّيَتي، وهو إسماعيلُ مع أُمِّه هَاجَرَ، بوادٍ جَدْبٍ لا يُنبتُ شيئاً، وأرادَ به وادِي مكَّة وهو الأَبْطَحُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ ؛ أي عندَ المسجدِ الحرام، سَمَّاهُ الْمُحَرَّمَ لأنه لا يستطيعُ أحدٌ الوصولَ إلا بالإحرامِ. وَقِيْلَ : أرادَ به حُرمَةَ الاصطيادِ والقتلِ، كما رُوي في الخبرِ :" أنَّ مَكَّةَ حَرَامٌ لاَ يُخْتَلَي خَلاَؤُهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَوْكُهَا، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا ".
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾ ؛ أي أسْكنتُهم عندَ بيتكَ الْمُحَرَّمِ ليُقِيمُوا الصلاةَ بحرَمِ مكَّة، ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ﴾ ؛ أي تُسرِعُ إليهم، قال مجاهدُ :(لَوْ قَالَ إيْرَاهِيمُ : أفْئِدَةَ النَّاسِ، لَزَاحَمَتْهُمُ الرُّومُ وَفَارِسُ، وَلَكِنْ قَالَ : أفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ)، وقال ابنُ جُبير :(لَوْ قاَلَ إبْرَاهِيمُ : أفْئِدَةَ النَّاسِ، لَحَجَّتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسُ، وَلَكِنَّهُ قَالَ : أفِئَدَةً مِنَ النَّاسِ فَهُمُ الْمُسْلِمُونَ).
وقُرئ (تَهْوَى) بنصب الواو من هَوَى يَهْوَى إذا أحبَّ، إلاَّ أن القراءةَ المعروفة بالكسرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَارْزُقْهُمْ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.
إبراهيم 14:38
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ ؛ أي ما تُسِرُّ أنفسُنا وما تُظهِرُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَآءِ﴾ ؛ يحتملُ أن يكون من كلامِ إبراهيمَ، ويحتملُ أن يكون قَولاً من اللهِ معترضٌ بين الكلامَين، كأنه صدَّقَ إبراهيمَ فإنه لا يخفَى على اللهِ من شيءٍ.
ثم رجعَ إلى قولِ إبراهيمَ :﴿الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ ؛ رُوي أنَّ إبراهيمَ كان ابن مائة سَنة يومَ وُلد له إسحاق، وكانت سارةُ يومئذٍ بنتَ تسع وتسعين سَنةً، وكان إسماعيلُ أكبرَ من إسحق بثلاثةِ عشرة سَنة. وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَآءِ﴾ ؛ أي قابلُ للدُّعاءِ.
إبراهيم 14:39
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ ؛ أي ما تُسِرُّ أنفسُنا وما تُظهِرُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَآءِ﴾ ؛ يحتملُ أن يكون من كلامِ إبراهيمَ، ويحتملُ أن يكون قَولاً من اللهِ معترضٌ بين الكلامَين، كأنه صدَّقَ إبراهيمَ فإنه لا يخفَى على اللهِ من شيءٍ.
ثم رجعَ إلى قولِ إبراهيمَ :﴿الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ ؛ رُوي أنَّ إبراهيمَ كان ابن مائة سَنة يومَ وُلد له إسحاق، وكانت سارةُ يومئذٍ بنتَ تسع وتسعين سَنةً، وكان إسماعيلُ أكبرَ من إسحق بثلاثةِ عشرة سَنة. وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَآءِ﴾ ؛ أي قابلُ للدُّعاءِ.
إبراهيم 14:40
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ﴾، أي مُدَاوِماً على إقامةِ الصَّلاة، وَاجعل ؛ ﴿وَمِن ذُرِّيَتِي﴾ ؛ مَن يقيمُ الصلاةَ، ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ﴾ ؛ أي أجِبْ دُعائِي، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ ؛ قال بعضُهم : أرادَ آدمَ وحوَّاء ؛ لأن اللهَ تعالى كان نَهَاهُ عن الاستغفارِ لأبيه من بعدِ ما تبيَّن له أنَّهُ عدُوُّ للهِ.
وقال بعضُهم : أرادَ أبوَيه الأدنَيَين، فكان إبراهيم يستغفرُ لأبَويه عن مَوعِدَةٍ وعدَ بها إياه. وقرأ بعضُهم (وَلِوَالِدَتِي) لأن أُمَّهُ كانت مسلمةٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ ؛ أي يومَ يحاسَبُ الخلقُ.
إبراهيم 14:41
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ﴾، أي مُدَاوِماً على إقامةِ الصَّلاة، وَاجعل ؛ ﴿وَمِن ذُرِّيَتِي﴾ ؛ مَن يقيمُ الصلاةَ، ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ﴾ ؛ أي أجِبْ دُعائِي، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ ؛ قال بعضُهم : أرادَ آدمَ وحوَّاء ؛ لأن اللهَ تعالى كان نَهَاهُ عن الاستغفارِ لأبيه من بعدِ ما تبيَّن له أنَّهُ عدُوُّ للهِ.
وقال بعضُهم : أرادَ أبوَيه الأدنَيَين، فكان إبراهيم يستغفرُ لأبَويه عن مَوعِدَةٍ وعدَ بها إياه. وقرأ بعضُهم (وَلِوَالِدَتِي) لأن أُمَّهُ كانت مسلمةٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ ؛ أي يومَ يحاسَبُ الخلقُ.
إبراهيم 14:42
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ ؛ أي لا تظُنَّنَّ اللهَ يا مُحَمَّدُ غافلاً عن أعمال الظَّالمين ومجازَاتِهم على ما يعملون، ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(إذا سِيقُوا إلَى النَّار شَخَصَتْ أبْصَارُهُمْ إلَيْهَا)، وقال الحسنُ :(تَشْخَصُ أبْصَارُهُمْ إلَى إجَابَةِ الدَّاعِي حِينَ يَدْعَوهُمْ مِنْ قُبُورهِمْ، لاَ يُغْمِضُونَ أعْيُنَهُمْ مِنْ هَوْلِ ذلِكَ الْيَوْمِ).
إبراهيم 14:43
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ ؛ أي مُسرِعين نحوَ البلاءِ الذي ينْزِلُ بهم، والإهْطَاعُ : الإسْرَاعُ، وقال مجاهدُ :(مُهْطِعينَ ؛ أيْ مُدِيْمِينَ النَّظَرَ)، قال الخليلُ :(الْمُهْطِعُ : الَّذِي قَدْ أقْبَلَ عَلَى الشَّيْءِ بنَظَرِهِ وَلاَ يَرْفَعُ عَيْنَيْهِ عَنْهُ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ أي رَافِعي رؤوسِهم إلى يَرَون في السَّماء من الانفطار، وانتشار الكواكب، وتكويرِ الشَّمس ونحوِ ذلك.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ ؛ أي لا يُغمِضُونَ أعْيُنهم من الهولِ والفزَعِ، وقولهُ تعالى :﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ أي قلوبُهم خاليةٌ من خيرٍ، وَقِيْلَ : مجوَّفَةٌ لا عقولَ فيها، قال السديُّ :(هَوَتْ أفْئِدَتُهُمْ بَيْنَ مَوْضِعِهَا وَبَيْنَ الْحِنْجَرَةِ، فَلاَ هِيَ عَائِدَةٌ إلَى مَوْضِعِهَا، وَلاَ هِيَ خَارجَةٌ مِنْهَا).
ثم عادَ إلى خطاب النبيِّ ﷺ فقال :﴿وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾ أي أعلِمْهُم بموضعِ المخافة يوم يأتيهم العذابُ وهو يومُ القيامةِ ؛ ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ ؛ أي الكفارُ :﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ ؛ أعِدْنَا إلى حالِ التكليف، ﴿نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ ؛ واستَمْهَلوا مدَّةً يسيرةً كي يُجيبوا الدعوةَ ويتَّبعُوا الرسُلَ، فقَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ﴾ ؛ أي حَلَفْتُمْ مِن قبلِ هذا في الدُّنيا، ﴿مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ ؛ من الدُّنيا الى الآخرةِ كما قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾[النحل: ٣٨].
إبراهيم 14:44
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ ؛ أي مُسرِعين نحوَ البلاءِ الذي ينْزِلُ بهم، والإهْطَاعُ : الإسْرَاعُ، وقال مجاهدُ :(مُهْطِعينَ ؛ أيْ مُدِيْمِينَ النَّظَرَ)، قال الخليلُ :(الْمُهْطِعُ : الَّذِي قَدْ أقْبَلَ عَلَى الشَّيْءِ بنَظَرِهِ وَلاَ يَرْفَعُ عَيْنَيْهِ عَنْهُ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ أي رَافِعي رؤوسِهم إلى يَرَون في السَّماء من الانفطار، وانتشار الكواكب، وتكويرِ الشَّمس ونحوِ ذلك.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ ؛ أي لا يُغمِضُونَ أعْيُنهم من الهولِ والفزَعِ، وقولهُ تعالى :﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ أي قلوبُهم خاليةٌ من خيرٍ، وَقِيْلَ : مجوَّفَةٌ لا عقولَ فيها، قال السديُّ :(هَوَتْ أفْئِدَتُهُمْ بَيْنَ مَوْضِعِهَا وَبَيْنَ الْحِنْجَرَةِ، فَلاَ هِيَ عَائِدَةٌ إلَى مَوْضِعِهَا، وَلاَ هِيَ خَارجَةٌ مِنْهَا).
ثم عادَ إلى خطاب النبيِّ ﷺ فقال :﴿وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾ أي أعلِمْهُم بموضعِ المخافة يوم يأتيهم العذابُ وهو يومُ القيامةِ ؛ ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ ؛ أي الكفارُ :﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ ؛ أعِدْنَا إلى حالِ التكليف، ﴿نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ ؛ واستَمْهَلوا مدَّةً يسيرةً كي يُجيبوا الدعوةَ ويتَّبعُوا الرسُلَ، فقَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ﴾ ؛ أي حَلَفْتُمْ مِن قبلِ هذا في الدُّنيا، ﴿مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ ؛ من الدُّنيا الى الآخرةِ كما قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾[النحل: ٣٨].
إبراهيم 14:45
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ ؛ أي سكَنتُم في مساكنِ عادٍ وثَمودَ، ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ ؛ أي ظهرَ لكم كيفَ كفَرُوا باللهِ ورسُلهِ، وكيف عاقَبَهم اللهُ، والمعنى : كان ينبغِي أن يَنْزَجِرُوا أو يَرْتَدِعُوا الكفرَ اعتباراً بمساكنِهم بعدَ ما تبيَّن لكم كيف فعلنا بهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ﴾ ؛ أي وبَيَّنَّا لكم الأمثالَ في القرآنِ الْمُنَبهِ على التفكُّرِ، فلم يعتَبروا تلكَ الأمثالِ.
إبراهيم 14:46
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ ؛ أي قد مكَرت الأُمَمُ الماضيةُ بأنبيائِهم ما أمكنَهم من المكرِ، واللهُ تعالى عالِمٌ بمكرِهم، ﴿وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ ؛ جزاءُ، ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ ؛ مَن قرأ (لِتَزُولَ) بكسر اللام فالمعنى : وإنْ كان مكرُهم قصداً منهم إلى أن تزولَ منه الجبالُ، ثم لا تزولُ منه الجبال، فكيف يزولُ منه الدِّينُ الذي هو أثبتُ من الجبالِ.
وَقِيْلَ : معناه الجحدُ، كأنه قال : وما كان مكرُهم ليزولَ منه دينُ الإسلام وثُبوته كثُبوتِ الجبالِ، واستحقرَ مكْرَهم. ومن قرأ (لَتَزُول) بفتح اللامِ فمعناهُ : وإنَّ مكرَهم قد بلغَ منتهاهُ حتى تزولَ منه الجبالُ، فلا يضرُّ ذلك أنبياءَ الله ورسُلَهُ، فإن اللهَ وعدَ رسُلَهُ النصرَ، لقولهِ :﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾[الفتح: ٢٢٨].
إبراهيم 14:47
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ ؛ أي لا تَظْنَّنَّ اللهَ يا مُحَمَّدُ مُخْلِفَ رُسُلِهِ ما وعدَهم من النصرِ وإظهار الدِّين، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ ؛ لا يعجزهُ شيْءٌ، ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ ؛ ذو نِقْمَةٍ ممن عصاهُ وكفرَ به.
إبراهيم 14:48
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ ؛ تبديلُها أنْ يُزادَ فيها وينقصَ منها، وتستوِي جبالُها وأوديتها، وتُمَدَّ الأدِيْم العُكَاظِيِِّ أرضاً بيضاءَ كالفِضَّة، وتبديلُ السَّموات انفطارُها وانتشارُ كواكبها وتكويرُ شَمسِها وخسوفُ قمَرِها.
وذهب بعضُهم : إلى أنَّ الآيةَ على ظاهرِها، وأن هذه الأرضَ تُبَدَّلُ يومئذٍ بأرضٍ أُخرى، كما رُوي عن عائشةَ : أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَرَأ عَلَيَّ هَذِهِ الآيَةَ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ فَأَيْنَ تَكُونَ النَّاسُ ؟ قَالَ :" عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ " يعني الصِّراطَ، وأما السمواتُ على هذا القولِ، فإنَّها تُطْوَى وتبدَّلُ سماءً أُخرى، كما قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَآءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾[الأنبياء: ١٠٤]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ؛ أي وبرَزُوا من قبورِهم للمحاسَبة.
إبراهيم 14:49
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾ ؛ أي وترَى يا مُحَمَّد الذين أجرَمُوا يومَ القيامةِ (مُقَرَّنِينَ) أي مجمُوعِين مع الشياطين ﴿فِي الأَصْفَادِ﴾ أي في الأغلالِ والسَّلاسلِ، كما رُوي في الخبرِ :" أَنَّهُ يُقْرَنُ كُلُّ كَافِرٍ مَعَ شَيْطَانِهِ فِي غِلٍّ مِنْ حَدِيدٍ وَقَيْدٍ مِنْ مِنْ حَدِيدٍ " والأصفادُ الأغلال، واحدها صِفْدٌ وصِفَادٌ. وَقِيْلَ : الأصفادُ الأغلال والقيُودُ.
إبراهيم 14:50
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ ؛ أي قَميصُهم من نارٍ سَوداء كالْقَطْرَانِ، وهو الذي تُهْنَأٌ به الإبل، ومَن قرأ (مِنْ قِطْرٍ) فالمعنى : من نُحاسٍ مُذابٍ قد بلغَ النهاية في الحمايةِ. وتحتملُ أنَّهم يُسَرْبَلُونَ سَرْباً ؛ لأن أحدَهما من القِطْرِ، والاخر من القِطْرَانِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ ؛ أي يعلُو وجوهَهُم النارُ، وذلك أنَّ بين الكافر وشَيطانهِ حَجَراً من الكبريتِ يشتعلُ في وجههِ، ﴿لِيَجْزِىَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ ؛ ليجزِيَ الذين أسَاؤُا بما عمِلُوا، ويجزي الذين أحسَنُوا بالْحُسْنَى، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ؛ إذا حاسب فحسابه سريعٌ ؛ لأنه لا يحاسِبُ بعقدٍ وإشارة، ولا يتكلَّمُ بلسانٍ، وإنه يكَلِّمُ الجميعَ في وقتٍ واحد.
إبراهيم 14:51
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ ؛ أي قَميصُهم من نارٍ سَوداء كالْقَطْرَانِ، وهو الذي تُهْنَأٌ به الإبل، ومَن قرأ (مِنْ قِطْرٍ) فالمعنى : من نُحاسٍ مُذابٍ قد بلغَ النهاية في الحمايةِ. وتحتملُ أنَّهم يُسَرْبَلُونَ سَرْباً ؛ لأن أحدَهما من القِطْرِ، والاخر من القِطْرَانِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ ؛ أي يعلُو وجوهَهُم النارُ، وذلك أنَّ بين الكافر وشَيطانهِ حَجَراً من الكبريتِ يشتعلُ في وجههِ، ﴿لِيَجْزِىَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ ؛ ليجزِيَ الذين أسَاؤُا بما عمِلُوا، ويجزي الذين أحسَنُوا بالْحُسْنَى، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ؛ إذا حاسب فحسابه سريعٌ ؛ لأنه لا يحاسِبُ بعقدٍ وإشارة، ولا يتكلَّمُ بلسانٍ، وإنه يكَلِّمُ الجميعَ في وقتٍ واحد.
إبراهيم 14:52
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هَـاذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـاهٌ وَاحِدٌ﴾ ؛ أي هذا القرآنُ ذِكْرٌ بالغٌ وموعظة كافيةٌ للناسِ، وليُخَوَّفوا بذكرِ العقاب، ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ﴾ ؛ أي ليَتَّعِظَ ذوُو العقولِ من الناسِ، فيوصلَهم ذلك إلى الجنةِ، ويخلِّصَهم من النارِ.
عن أُبَيِّ بن كعبٍ قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" مَنْ قَرَأ سُورَةَ إبْرَاهِيمَ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ عَشْرَ حَسَنَاتٍ بعَدَدٍ مَنْ عَبَدَ الأَصْنَامَ، وَبعَدَدِ مَنْ لَمْ يَعْبُدْهَا ".
الحجر 15:1
﴿الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرُ الر، ومعنَى ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ أي هذه آياتُ الكتاب الذي وعدتُ إنزالَهُ عليكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ﴾ أي مبَيِّنٌ للحلالِ والحرام، مميِّزٌ بين الحقِّ والباطلِ.
الحجر 15:2
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ ؛ أي ربَّما يأتِي على الكفارِ يوم يتمَنَّون أن لو كانوا مُسلمين، وذلكَ في الآخرةِ إذا صارَ المسلمون إلى الجنَّة والكفارُ إلى النارِ.
قال ابنُ عبَّاس :(وَذلِكَ أنَّ اللهَ تَعَالَى إذا أدْخَلَ أهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأهْلَ النَّارِ النَّارَ، أُحْبسَ قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمِنَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى الصِّرَاطِ، فَيَقُولُ الْمُنَافِقُونَ لَهُمْ : نَحْنُ حُبسْنَا بكُفْرِنَا وَنِفَاقِنَا، فَمَا نَفَعَكُمْ بِمُحَمَّدٍ ؟ فَعِنْدَ ذلِكَ يَصِيحُونَ صَيْحَةً لَمَّا عَيَّرَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، فَيَسْمَعُهَا أهْلُ الْجَنَّةِ، فَيَقُومُونَ إلى آدَمَ ثُمَّ إلى إبْرَاهِيمَ، ثُمَّ إلى مُوسَى، ثُمَّ إلى عِيسَى يَطْلُبُونَ الشَّفَاعَةَ لَهُمْ، فَيُحِيلُونَهُمْ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيَشْفَعُ لَهُمْ، وَذلِكَ هُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ، فَيُدْخِلُهُمُ اللهُ الْجَنَّةَ، فَإذا نَظَرَ الْمُنَافِقُونَ إلَيْهِمْ تَمَنَّواْ أنْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ).
الحجر 15:3
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ﴾ ؛ أي اترُكهم يا مُحَمَّد يأكُلوا في الدُّنيا كالأنعامِ، ويتلذذُوا قَليلاً، ويُشغِلْهم الأملُ الطويل عن طاعةِ الله، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، فسيعلمون ماذا ينْزلُ بهم من العذاب، وعن رسولِ الله ﷺ أنهُ قالَ :" إنَّ أخْوَفَ مَا أخَافُ عَلَى أُمَّتِي شَيْئَينِ : طُولَ الأَمَلِ وَاتِّبَاعَ الْهَوَى، فَأَمَّا طُولُ الأَمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ، وَأمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ ".
الحجر 15:4
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ * مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ؛ أي أجلٌ ينتَهون إليه لا يُهلِكُهم اللهُ حتى ينتهون إليه، لا يهلِكُ أُمَّة قبل أجلِها الذي كتبَ لها، ولا تؤخَّرُ عن أجلِها طرفةَ عينٍ، فلا يفترُ هؤلاء الكفار بتأخيرِ وقت إهلاكهم، فإنه إذا جاءَ الوقتُ الذي كتبَ الله هلاكَهم فيه، لم يتأخَّروا عنه كما لا يتقدمون عليه.
وفي هذا بيانُ أنه لا يموتُ أحدٌ ولا يقتلُ إلاّ لأَجَلهِ الذي جعلَهُ الله له، ولا يعترضُ على هذا بقولِ مَن قالَ : يجبُ أن لا يكون القاتلُ ظالماً للمقتولِ ؛ لأنه لو لم يقتلْهُ كان يموتُ في ذلك الوقتِ! قُلنا : كان يموتُ من غير ألَمِ القتلِ، فكان القاتلُ بإيصالِ ذلك الألَمِ إليه ظَالماً له.
الحجر 15:5
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ * مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ؛ أي أجلٌ ينتَهون إليه لا يُهلِكُهم اللهُ حتى ينتهون إليه، لا يهلِكُ أُمَّة قبل أجلِها الذي كتبَ لها، ولا تؤخَّرُ عن أجلِها طرفةَ عينٍ، فلا يفترُ هؤلاء الكفار بتأخيرِ وقت إهلاكهم، فإنه إذا جاءَ الوقتُ الذي كتبَ الله هلاكَهم فيه، لم يتأخَّروا عنه كما لا يتقدمون عليه.
وفي هذا بيانُ أنه لا يموتُ أحدٌ ولا يقتلُ إلاّ لأَجَلهِ الذي جعلَهُ الله له، ولا يعترضُ على هذا بقولِ مَن قالَ : يجبُ أن لا يكون القاتلُ ظالماً للمقتولِ ؛ لأنه لو لم يقتلْهُ كان يموتُ في ذلك الوقتِ! قُلنا : كان يموتُ من غير ألَمِ القتلِ، فكان القاتلُ بإيصالِ ذلك الألَمِ إليه ظَالماً له.
الحجر 15:6
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالُواْ ياأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ؛ أي قالَ الكفارُ مِن أهلِ مكَّة وهم : عبدُالله بن أُمَية المخزومي وأصحابهُ ؛ قالوا للنبيِّ ﷺ : يا أيُّها الذي نزلَ عليه الذِّكرُ في دعواهُ وفي زعمهِ إنَّكَ لَمجنون في دعواكَ أنه نَزَلَ عليكَ هذا. فإنَّهم كانوا لا يُقِرُّونَ بأن القرآنَ أُنزِلَ عليه، وقولهُ تعالى :﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ﴾ ؛ أي هَلاَّ تأتِينَا بالملائكةِ من السَّماء يشهَدُون أنَّكَ رسولُ اللهِ، ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ؛ فيما تدَّعي.
الحجر 15:7
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالُواْ ياأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ؛ أي قالَ الكفارُ مِن أهلِ مكَّة وهم : عبدُالله بن أُمَية المخزومي وأصحابهُ ؛ قالوا للنبيِّ ﷺ : يا أيُّها الذي نزلَ عليه الذِّكرُ في دعواهُ وفي زعمهِ إنَّكَ لَمجنون في دعواكَ أنه نَزَلَ عليكَ هذا. فإنَّهم كانوا لا يُقِرُّونَ بأن القرآنَ أُنزِلَ عليه، وقولهُ تعالى :﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ﴾ ؛ أي هَلاَّ تأتِينَا بالملائكةِ من السَّماء يشهَدُون أنَّكَ رسولُ اللهِ، ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ؛ فيما تدَّعي.
الحجر 15:8
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالحَقِّ﴾ ؛ جوابٌ من اللهِ لَهم يقولُ : ما تَتنَزَّلُ الملائكةُ من السَّماء إلا بالرِّسالةِ والعقاب والموتِ، كلُّ ذلك حقٌّ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ﴾ ؛ أي وما كانوا إذاً مؤَجَّلين إذا نزلت عليهم الملائكةُ، بل يُستَأصَلُونَ بالعذاب حينئذٍ، إلا مَن يكون له المعلومُ من حالهِ أنه يؤمنُ.
الحجر 15:9
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ؛ الذي جعلنَاهُ مُعجِزاً لا يقدرُ على الإتيان بمثلهِ، فهو محفوظٌ من الزِّيادة والنقصان، ويقال : هو محفوظٌ من كَيْدِ المشركين بالإبطال.
الحجر 15:10
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ﴾ ؛ أي ولقد أرسَلنا رسُلاً من قبلِكَ في الأُمَم الأوَّلين، والشِّيَعُ : جمعُ شِيعَةٍ، والشِّيعَةُ : الأمَّةُ والفِرقَةُ.
الحجر 15:11
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ؛ في إنكار التوحيد والبعثِ، كما يفعلُ بكَ قومُكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ ؛ بأن تُسمِعَهم ويُفهِمَهم ثم لا يؤمنون بهِ. وَقِيْلَ : معناهُ : كذلك نسلكُ الاستهزاءَ ف قلوب الْمُجرِمين حتى يَمتَنِعُوا عنه. والسَّلْكُ : إدخالُ الشيءِ في الشيء. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ بعذاب الاستئصالِ عندَ مُعاندَتِهم في التكذيب.
الحجر 15:12
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ؛ في إنكار التوحيد والبعثِ، كما يفعلُ بكَ قومُكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ ؛ بأن تُسمِعَهم ويُفهِمَهم ثم لا يؤمنون بهِ. وَقِيْلَ : معناهُ : كذلك نسلكُ الاستهزاءَ ف قلوب الْمُجرِمين حتى يَمتَنِعُوا عنه. والسَّلْكُ : إدخالُ الشيءِ في الشيء. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ بعذاب الاستئصالِ عندَ مُعاندَتِهم في التكذيب.
الحجر 15:13
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ؛ في إنكار التوحيد والبعثِ، كما يفعلُ بكَ قومُكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ ؛ بأن تُسمِعَهم ويُفهِمَهم ثم لا يؤمنون بهِ. وَقِيْلَ : معناهُ : كذلك نسلكُ الاستهزاءَ ف قلوب الْمُجرِمين حتى يَمتَنِعُوا عنه. والسَّلْكُ : إدخالُ الشيءِ في الشيء. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ بعذاب الاستئصالِ عندَ مُعاندَتِهم في التكذيب.
الحجر 15:14
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ ؛ أي لو فَتحنا على هؤلاءِ الكفار بَاباً من السَّماء ينظُرون إليه، فظَلُّوا يصعَدُون إليه وينْزِلُونَ عنه، لَم يؤمنوا وقالُوا :(إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا) أي غُطِّيَتْ أبصارُنا وأُغْشِيَتْ عن حقيقةِ الرُّؤية، ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾ ؛ نحن قومٌ قد سُحِرْنَا، وتُخَيَّلُ لنا هذه الأشياءُ على خلافِ حقَائِقها، كما قالوا حين انشقَّ القمرُ وعاينوهُ : هَذا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ.
ومَن قرأ (سُكِرَتْ) بالتخفيفِ فهو من السُّكْرِ، وقراءةُ التشديدِ ؛ لتكثير الفعلِ والمبالغة.
الحجر 15:15
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ ؛ أي لو فَتحنا على هؤلاءِ الكفار بَاباً من السَّماء ينظُرون إليه، فظَلُّوا يصعَدُون إليه وينْزِلُونَ عنه، لَم يؤمنوا وقالُوا :(إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا) أي غُطِّيَتْ أبصارُنا وأُغْشِيَتْ عن حقيقةِ الرُّؤية، ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾ ؛ نحن قومٌ قد سُحِرْنَا، وتُخَيَّلُ لنا هذه الأشياءُ على خلافِ حقَائِقها، كما قالوا حين انشقَّ القمرُ وعاينوهُ : هَذا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ.
ومَن قرأ (سُكِرَتْ) بالتخفيفِ فهو من السُّكْرِ، وقراءةُ التشديدِ ؛ لتكثير الفعلِ والمبالغة.
الحجر 15:16
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً﴾ ؛ وهي منازلُ الشَّمسِ والقمر والكواكب التِّسعة، وهي اثنَا عسرَ بُرجاً : أوَّلُها الْحَمَلُ والثورُ إلى آخرها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ ؛ أي زيَّنا السماءَ بالكواكب للناظِرين إليها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾ ؛ أي حَفِظْنَا السماءَ أن يدخُلَ فيها شيطانُ يمكنه الاستماعُ إلى كلامِ الملائكة.
قال ابنُ عبَّاس :(كَانَتِ الشَّيَاطِينُ لاَ تُحْجَبُ عَنِ السَّمَوَاتِ كُلِّهَا، وَكَانُواْ يَقْعُدُونَ فِي السَّمَاءِ مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ، فَيَسْتَمِعُونَ إلى مَا هُوَ كَائِنٌ فِي الأَرْضِ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ، فَيَنْزِلُونَ بهِ عَلَى كَهَنَتِهِمْ، فَيَتَكَلَّمُ بهِ الْكَهَنَةُ لِلنَّاسِ، حَتَّى بُعِثَ عِيسَى عليه السلام فَمُنِعُواْ مِنْ ثَلاَثِ سَمَوَاتٍ، وَكَانُوا يَصْعَدُونَ إلَى أرْبَعِ سَمَوَاتٍ إلَى أنْ بَعَثَ اللهُ النَّبِيَّ ﷺ، فَمُنِعُواْ مِنَ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ، وَحُرِسَتِ السَّمَاءُ بالنُّجُومِ وَالْمَلاَئِكَةِ، فَمَا مِنْهُمْ أحَدٌ يُرِيدُ اسْتِرَاقَ السَّمْعِ إلاَّ رُمِيَ بشِهَابٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِي عَلَى نَفْسِهِ، وَمِنْهُمُ مَنْ يَخْبَلُ). فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ أي نجمٌ مُضِيءٌ حارٌّ يتوقدُ لا يخطؤهُ، والشِّهَابُ : هو الكوكبُ الْمُنْقَضُّ.
الحجر 15:17
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً﴾ ؛ وهي منازلُ الشَّمسِ والقمر والكواكب التِّسعة، وهي اثنَا عسرَ بُرجاً : أوَّلُها الْحَمَلُ والثورُ إلى آخرها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ ؛ أي زيَّنا السماءَ بالكواكب للناظِرين إليها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾ ؛ أي حَفِظْنَا السماءَ أن يدخُلَ فيها شيطانُ يمكنه الاستماعُ إلى كلامِ الملائكة.
قال ابنُ عبَّاس :(كَانَتِ الشَّيَاطِينُ لاَ تُحْجَبُ عَنِ السَّمَوَاتِ كُلِّهَا، وَكَانُواْ يَقْعُدُونَ فِي السَّمَاءِ مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ، فَيَسْتَمِعُونَ إلى مَا هُوَ كَائِنٌ فِي الأَرْضِ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ، فَيَنْزِلُونَ بهِ عَلَى كَهَنَتِهِمْ، فَيَتَكَلَّمُ بهِ الْكَهَنَةُ لِلنَّاسِ، حَتَّى بُعِثَ عِيسَى عليه السلام فَمُنِعُواْ مِنْ ثَلاَثِ سَمَوَاتٍ، وَكَانُوا يَصْعَدُونَ إلَى أرْبَعِ سَمَوَاتٍ إلَى أنْ بَعَثَ اللهُ النَّبِيَّ ﷺ، فَمُنِعُواْ مِنَ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ، وَحُرِسَتِ السَّمَاءُ بالنُّجُومِ وَالْمَلاَئِكَةِ، فَمَا مِنْهُمْ أحَدٌ يُرِيدُ اسْتِرَاقَ السَّمْعِ إلاَّ رُمِيَ بشِهَابٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِي عَلَى نَفْسِهِ، وَمِنْهُمُ مَنْ يَخْبَلُ). فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ أي نجمٌ مُضِيءٌ حارٌّ يتوقدُ لا يخطؤهُ، والشِّهَابُ : هو الكوكبُ الْمُنْقَضُّ.
الحجر 15:18
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً﴾ ؛ وهي منازلُ الشَّمسِ والقمر والكواكب التِّسعة، وهي اثنَا عسرَ بُرجاً : أوَّلُها الْحَمَلُ والثورُ إلى آخرها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ ؛ أي زيَّنا السماءَ بالكواكب للناظِرين إليها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾ ؛ أي حَفِظْنَا السماءَ أن يدخُلَ فيها شيطانُ يمكنه الاستماعُ إلى كلامِ الملائكة.
قال ابنُ عبَّاس :(كَانَتِ الشَّيَاطِينُ لاَ تُحْجَبُ عَنِ السَّمَوَاتِ كُلِّهَا، وَكَانُواْ يَقْعُدُونَ فِي السَّمَاءِ مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ، فَيَسْتَمِعُونَ إلى مَا هُوَ كَائِنٌ فِي الأَرْضِ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ، فَيَنْزِلُونَ بهِ عَلَى كَهَنَتِهِمْ، فَيَتَكَلَّمُ بهِ الْكَهَنَةُ لِلنَّاسِ، حَتَّى بُعِثَ عِيسَى عليه السلام فَمُنِعُواْ مِنْ ثَلاَثِ سَمَوَاتٍ، وَكَانُوا يَصْعَدُونَ إلَى أرْبَعِ سَمَوَاتٍ إلَى أنْ بَعَثَ اللهُ النَّبِيَّ ﷺ، فَمُنِعُواْ مِنَ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ، وَحُرِسَتِ السَّمَاءُ بالنُّجُومِ وَالْمَلاَئِكَةِ، فَمَا مِنْهُمْ أحَدٌ يُرِيدُ اسْتِرَاقَ السَّمْعِ إلاَّ رُمِيَ بشِهَابٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِي عَلَى نَفْسِهِ، وَمِنْهُمُ مَنْ يَخْبَلُ). فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ أي نجمٌ مُضِيءٌ حارٌّ يتوقدُ لا يخطؤهُ، والشِّهَابُ : هو الكوكبُ الْمُنْقَضُّ.
الحجر 15:19
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ ؛ أي بسَطنَاها، ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ ؛ أي جِبَالاً ثوابتَ أوتاداً لها، ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ ؛ أي في الجبالِ، { مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ) ؛ من كلِّ ما يوزَنُ مثل الذهب والفضة والحديد والصُّفرِ والنُّحاس والرصاصِ. ويجوز أن يكون المعنى : وأنبَتْنَا في الأرضِ من كلِّ شيءٍ من النباتِ والثمار مقدورٍ مقسومٍ لا يجاوِزُ ما قَدَّرَهُ اللهُ على ما تقتضيه الحكمةُ. وأما تخصيصُ الموزون فلأنَّ ما يُكَالُ من الحبوب يعاقبهُ الوزن أيضاً.
الحجر 15:20
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ أي جعلنَا لكم في الأرضِ معايشَ مما تأكُلون وتشرَبُون وتلبَسون، وقولهُ تعالى :﴿وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ ؛ أي وجَعلنا لِمَن لستُمْ له برَازِقِينَ معايشَ من الدواب وغيرِها، وجاءت (مَنْ) لغيرِ الناس كقوله تعالى﴿فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾[النور: ٤٥] الآيةُ. وَقِيْلَ : المعنى : وجعَلنا لكم مَن لستُم له برَازِقين، كأنه قال : جعلنا لكم فيها معايشَ، وجعلنا لكُم العبيدَ والدوابَّ، وكفيناكُم مُؤْنَةَ أرزَاقِها.
الحجر 15:21
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾ ؛ أي ما مِن شيءٍ تحتاجون إليه من النَّباتِ والثمار والأمطار، إلاّ ومفاتيحَهُ إلَينا وهو في مَقدُورِنا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ ؛ أي ما نُنَزِّلُ الرزقَ والمطرَ إلا بمقدارٍ معلوم تقتضِي الحكمةُ إنزالَهُ، ويعلمُ الْخُزَّانُ مقاديرَهُ، كما رُوي في الخبرِ :" مَعَ كُلِّ قَطْرَةٍ مَلَكٌ يَضَعُهَا فِي مَوْضِعِهَا، إلاَّ يَوْمَ الطُّوفَانِ فَإنَّهُ طَغَى الْمَاءُ يَوْمَئِذٍ عَلَى خُزَّانِهِ، فَلَمْ يَحْفَظُواْ مَا خَرَجَ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ".
الحجر 15:22
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ ؛ أي ذاتَ لُقَاحٍ تأتِي بالسَّحاب وتَلْقَحُ الشَّجرَ، فالريحُ هي الْمُلَقَّحَةُ للسَّحاب ؛ أي الْمُحَمِّلَةُ للسحاب المطرَ، قال ابنُ مسعود :(يَبْعَثُ اللهُ الرِّيحَ فَتَلْقَحُ السَّحَابَ، ثُمَّ تَمُرُّ بهِ فَيُدِرُّ كَمَا تُدِرُّ النَّعْجَةُ، ثُمَّ يُمْطِرُ)، وعنهُ أيضاً قال :(خَلَقَ اللهُ الْمَاءَ فِي الرِّيحِ فَتُفْرِغُهُ الرِّيحُ فِي السَّحَاب ثُمَّ تَمُرُّ بهِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ ؛ يعني المطرَ، ﴿وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ ؛ أي لستُم لذلك الماءِ بخَازنِينَ ولا مفاتيحهُ بأيدِيكم.
الحجر 15:23
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ ؛ أي نُحيي بالبعثِ في الآخرة، ونُميتُ في الدنيا ونحن الوارثونَ لِمَا في السَّموات والأرضِ بعدَ موتِ أهلها، ومعنى الإرْثِ : الخلائقُ كلُّهم يَموتُونَ ولا يبقَى إلا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وما يبقَى للحيِّ بعد الميْت يُسمَّى مِيرَاثاً.
الحجر 15:24
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ ؛ أي عِلمْنَا الأوَّلين منكم وعلِمْنا الآخِرين، وَقِيْلَ : ولقد علِمْنا السَّابقين منك إلى الطاعةِ، ولقد علمنا المتأخِّرين عن الطاعةِ.
وعن ابنِ عبَّاس قال :(كَانْتِ امْرَأةٌ حَسْنَاءُ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي آخِرِ النِّسَاءِ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَتَقَدَّمُ فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ لِئَلاَّ يَرَاهَا، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَكُونُ فِي آخِرِ الصَّفِّ، فَإذا رَكَعَ تَقُولُ هَكَذا، وَنَظَرَ إلَيْهَا مِنْ تَحْتِ إبْطِهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ).
الحجر 15:25
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾ ؛ أي يجمَعُهم للجزاءِ والحساب، ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ﴾ ؛ في أفعالهِ، ﴿عَلِيمٌ﴾ ؛ بما يستحقُّه كلُّ واحدٍ منهم.
الحجر 15:26
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ ؛ يعني آدمَ، والصَّلْصَالُ : هو الطِّينُ اليابسُ الذي لَم تُصِبْهُ نارٌ، فإذا ضَربَتْهُ صَلَّ ؛ أيْ صَوَّتَ، وإذا مَسَّهُ النارُ فهو فَخَّارٌ. والْحَمَأُ : جَمْعُ الْحَمَأَةِ، وَهُوَ الطِّينُ الْمُتَغَيِّرُ إلَى السَّوَادِ. والْمَسْنُونُ : مُتَغَيِّرُ الرَّائِحَةِ إلَى النَّتَنِ من قوله﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾[البقرة: ٢٥٩]. وهو الذي أتت عليه السُّنون.
وذلك أن أدمَ كان في الأصلِ تُراباً ثم عُجِنَ ذلك الترابُ بالماءِ فصارَ طِيناً، ثم صارَ حَمَأً مَسْنُوناً ثم صُوِّرَ، وتُرِكَ مصَوَّراً حتى يَبسَ فصارَ صَلْصَالاً، فمكثَ أربعين سنةً ثم صارَ بَشَراً، لَحماً ودماً وعظماً، ثم نُفِخَ فيه الروحُ.
الحجر 15:27
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾ ؛ قِيْلَ : إن الْجَانَّ أبو الجنِّ وهو إبليسُ، فمَن أسلَمَ من ولدهِ فهو جِنِّيٌّ، ومَن كفرَ فهو شيطانٌ، وقوله تعالى :﴿مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل آدمَ، وقال الكلبيُّ :(الْجِنُّ وَلَدُ الْجِنِّ وَلَيْسَ هُوَ بإبْلِيسَ، إنَّمَا إبْلِيسُ أبُو الشَّيَاطِينِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾ أي مِن نارٍ حارَّة، قال ابنُ مسعود :(سَمُومُكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنَ السَّمُومِ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ الْجَانُّ)، ويقالُ : السُّمُومُ نارٌ صافية لا دخانَ لها، ومِن هذا سُمِّيت الريحُ المحرقة الحارَّة سَموماً. وأما الْمَارجُ الذي ذكرَهُ الله تعالى في قولهِ﴿وَخَلَقَ الْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾[الرحمن: ١٥] فمعنى الْمَارجِ ما اختلطَ من لَهَب النار.
الحجر 15:28
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرهُ، ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ ؛ أي جمعتُ خَلقَهُ باليدَين والرجلين والعينَين وسائرِ الأعضاء، ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ ؛ وأدخلتُ فيه روحاً فصارَ بشراً بعدَ ما كان طِيناً يابساً، ﴿فَقَعُواْ لَهُ﴾ ؛ على وجُوهِكم، ﴿سَاجِدِينَ﴾ ؛ أي خاضعين له بالتحيَّة، ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ ؛ لآدمَ سجودَ تحيَّة له، وعبادةً للهِ، وقولهُ تعالى :﴿أَجْمَعُونَ﴾ يدلُّ على اجتماعِهم في السُّجود في حالةٍ واحدة.
الحجر 15:29
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرهُ، ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ ؛ أي جمعتُ خَلقَهُ باليدَين والرجلين والعينَين وسائرِ الأعضاء، ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ ؛ وأدخلتُ فيه روحاً فصارَ بشراً بعدَ ما كان طِيناً يابساً، ﴿فَقَعُواْ لَهُ﴾ ؛ على وجُوهِكم، ﴿سَاجِدِينَ﴾ ؛ أي خاضعين له بالتحيَّة، ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ ؛ لآدمَ سجودَ تحيَّة له، وعبادةً للهِ، وقولهُ تعالى :﴿أَجْمَعُونَ﴾ يدلُّ على اجتماعِهم في السُّجود في حالةٍ واحدة.
الحجر 15:30
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرهُ، ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ ؛ أي جمعتُ خَلقَهُ باليدَين والرجلين والعينَين وسائرِ الأعضاء، ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ ؛ وأدخلتُ فيه روحاً فصارَ بشراً بعدَ ما كان طِيناً يابساً، ﴿فَقَعُواْ لَهُ﴾ ؛ على وجُوهِكم، ﴿سَاجِدِينَ﴾ ؛ أي خاضعين له بالتحيَّة، ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ ؛ لآدمَ سجودَ تحيَّة له، وعبادةً للهِ، وقولهُ تعالى :﴿أَجْمَعُونَ﴾ يدلُّ على اجتماعِهم في السُّجود في حالةٍ واحدة.
الحجر 15:31
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ ؛ أي امتنعَ من السُّجود لآدمَ، ﴿قَالَ ياإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ﴾ ؛ أي كيفَ ينبغي أن أسجُدَ له، وأنا أشرفُ منه أصلاً وهو، ﴿خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾، من طينٍ يتصَلصَلُ مجوَّف محتاجٌ إلى الطعامِ والشراب، وهو من حَمَأ، والْحَمَأُ ظلمةٌ وسواد، والْمَسْنُونُ من الحمأ مُنْتِنٌ، ﴿قَالَ﴾ ؛ اللهُ تعالى :﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ ؛ أي من الجنَّة، وَقِيْلَ : من الأرضِ، فأَلْحَقَهُ بجُزر البحارِ، ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ؛ أي من مطرودٌ من الرحمةِ، مُبْعَدٌ من الخير، ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ﴾ ؛ مع هذا، ﴿اللَّعْنَةَ﴾ ؛ لَعْنَةَ اللهِ ولعنةَ الخلائقِ، ﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ يومِ الجزاء وهو يومُ القيامةِ، وهو أوَّلُ من عصَى اللهَ من أهل السَّموات والأرضِ.
الحجر 15:32
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ ؛ أي امتنعَ من السُّجود لآدمَ، ﴿قَالَ ياإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ﴾ ؛ أي كيفَ ينبغي أن أسجُدَ له، وأنا أشرفُ منه أصلاً وهو، ﴿خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾، من طينٍ يتصَلصَلُ مجوَّف محتاجٌ إلى الطعامِ والشراب، وهو من حَمَأ، والْحَمَأُ ظلمةٌ وسواد، والْمَسْنُونُ من الحمأ مُنْتِنٌ، ﴿قَالَ﴾ ؛ اللهُ تعالى :﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ ؛ أي من الجنَّة، وَقِيْلَ : من الأرضِ، فأَلْحَقَهُ بجُزر البحارِ، ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ؛ أي من مطرودٌ من الرحمةِ، مُبْعَدٌ من الخير، ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ﴾ ؛ مع هذا، ﴿اللَّعْنَةَ﴾ ؛ لَعْنَةَ اللهِ ولعنةَ الخلائقِ، ﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ يومِ الجزاء وهو يومُ القيامةِ، وهو أوَّلُ من عصَى اللهَ من أهل السَّموات والأرضِ.
الحجر 15:33
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ ؛ أي امتنعَ من السُّجود لآدمَ، ﴿قَالَ ياإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ﴾ ؛ أي كيفَ ينبغي أن أسجُدَ له، وأنا أشرفُ منه أصلاً وهو، ﴿خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾، من طينٍ يتصَلصَلُ مجوَّف محتاجٌ إلى الطعامِ والشراب، وهو من حَمَأ، والْحَمَأُ ظلمةٌ وسواد، والْمَسْنُونُ من الحمأ مُنْتِنٌ، ﴿قَالَ﴾ ؛ اللهُ تعالى :﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ ؛ أي من الجنَّة، وَقِيْلَ : من الأرضِ، فأَلْحَقَهُ بجُزر البحارِ، ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ؛ أي من مطرودٌ من الرحمةِ، مُبْعَدٌ من الخير، ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ﴾ ؛ مع هذا، ﴿اللَّعْنَةَ﴾ ؛ لَعْنَةَ اللهِ ولعنةَ الخلائقِ، ﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ يومِ الجزاء وهو يومُ القيامةِ، وهو أوَّلُ من عصَى اللهَ من أهل السَّموات والأرضِ.
الحجر 15:34
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ ؛ أي امتنعَ من السُّجود لآدمَ، ﴿قَالَ ياإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ﴾ ؛ أي كيفَ ينبغي أن أسجُدَ له، وأنا أشرفُ منه أصلاً وهو، ﴿خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾، من طينٍ يتصَلصَلُ مجوَّف محتاجٌ إلى الطعامِ والشراب، وهو من حَمَأ، والْحَمَأُ ظلمةٌ وسواد، والْمَسْنُونُ من الحمأ مُنْتِنٌ، ﴿قَالَ﴾ ؛ اللهُ تعالى :﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ ؛ أي من الجنَّة، وَقِيْلَ : من الأرضِ، فأَلْحَقَهُ بجُزر البحارِ، ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ؛ أي من مطرودٌ من الرحمةِ، مُبْعَدٌ من الخير، ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ﴾ ؛ مع هذا، ﴿اللَّعْنَةَ﴾ ؛ لَعْنَةَ اللهِ ولعنةَ الخلائقِ، ﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ يومِ الجزاء وهو يومُ القيامةِ، وهو أوَّلُ من عصَى اللهَ من أهل السَّموات والأرضِ.
الحجر 15:35
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ ؛ أي امتنعَ من السُّجود لآدمَ، ﴿قَالَ ياإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ﴾ ؛ أي كيفَ ينبغي أن أسجُدَ له، وأنا أشرفُ منه أصلاً وهو، ﴿خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾، من طينٍ يتصَلصَلُ مجوَّف محتاجٌ إلى الطعامِ والشراب، وهو من حَمَأ، والْحَمَأُ ظلمةٌ وسواد، والْمَسْنُونُ من الحمأ مُنْتِنٌ، ﴿قَالَ﴾ ؛ اللهُ تعالى :﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ ؛ أي من الجنَّة، وَقِيْلَ : من الأرضِ، فأَلْحَقَهُ بجُزر البحارِ، ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ؛ أي من مطرودٌ من الرحمةِ، مُبْعَدٌ من الخير، ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ﴾ ؛ مع هذا، ﴿اللَّعْنَةَ﴾ ؛ لَعْنَةَ اللهِ ولعنةَ الخلائقِ، ﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ يومِ الجزاء وهو يومُ القيامةِ، وهو أوَّلُ من عصَى اللهَ من أهل السَّموات والأرضِ.
الحجر 15:36
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ؛ أي أجِّلنِي إلى يوم يبعَثُ الخلائقُ، أرادَ الخبيثُ أن لا يذوقَ الموتَ، ﴿قَالَ﴾ ؛ الله تعالى :﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ أي وقتِ النَّفخَةِ الأُولى حين يُصعَقُ مَن في السمواتِ ومن في الأرض، وبين النفخة الأُولى والثانية أربعون سنةً.
وهذا لم يكن إجابةً من اللهِ لإبليس إلى ما سألَ، لأنه لم يكن أجلهُ ما دون آخرِ التكليف ثم أجَّله إليه، ولكن كان في علمِ الله أنه لم يسأَلْ لكان أجلهُ يمتَدُّ إلى آخرِ التكليف، فيكون هذا جوابَ إهانةٍ لا جواب له.
فلما لم يعطَ الخبيثُ ما سألَ من النَّظْرَةِ ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ ؛ أي خَيَّبْتَنِي من جنَّتك ورحمتك، ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ ؛ لبَنِي آدمَ، ﴿فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ؛ من الشهوات واللذاتِ حتى يختارُوها على ما عندَكَ.
الحجر 15:37
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ؛ أي أجِّلنِي إلى يوم يبعَثُ الخلائقُ، أرادَ الخبيثُ أن لا يذوقَ الموتَ، ﴿قَالَ﴾ ؛ الله تعالى :﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ أي وقتِ النَّفخَةِ الأُولى حين يُصعَقُ مَن في السمواتِ ومن في الأرض، وبين النفخة الأُولى والثانية أربعون سنةً.
وهذا لم يكن إجابةً من اللهِ لإبليس إلى ما سألَ، لأنه لم يكن أجلهُ ما دون آخرِ التكليف ثم أجَّله إليه، ولكن كان في علمِ الله أنه لم يسأَلْ لكان أجلهُ يمتَدُّ إلى آخرِ التكليف، فيكون هذا جوابَ إهانةٍ لا جواب له.
فلما لم يعطَ الخبيثُ ما سألَ من النَّظْرَةِ ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ ؛ أي خَيَّبْتَنِي من جنَّتك ورحمتك، ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ ؛ لبَنِي آدمَ، ﴿فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ؛ من الشهوات واللذاتِ حتى يختارُوها على ما عندَكَ.
الحجر 15:38
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ؛ أي أجِّلنِي إلى يوم يبعَثُ الخلائقُ، أرادَ الخبيثُ أن لا يذوقَ الموتَ، ﴿قَالَ﴾ ؛ الله تعالى :﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ أي وقتِ النَّفخَةِ الأُولى حين يُصعَقُ مَن في السمواتِ ومن في الأرض، وبين النفخة الأُولى والثانية أربعون سنةً.
وهذا لم يكن إجابةً من اللهِ لإبليس إلى ما سألَ، لأنه لم يكن أجلهُ ما دون آخرِ التكليف ثم أجَّله إليه، ولكن كان في علمِ الله أنه لم يسأَلْ لكان أجلهُ يمتَدُّ إلى آخرِ التكليف، فيكون هذا جوابَ إهانةٍ لا جواب له.
فلما لم يعطَ الخبيثُ ما سألَ من النَّظْرَةِ ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ ؛ أي خَيَّبْتَنِي من جنَّتك ورحمتك، ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ ؛ لبَنِي آدمَ، ﴿فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ؛ من الشهوات واللذاتِ حتى يختارُوها على ما عندَكَ.
الحجر 15:39
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ؛ أي أجِّلنِي إلى يوم يبعَثُ الخلائقُ، أرادَ الخبيثُ أن لا يذوقَ الموتَ، ﴿قَالَ﴾ ؛ الله تعالى :﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ أي وقتِ النَّفخَةِ الأُولى حين يُصعَقُ مَن في السمواتِ ومن في الأرض، وبين النفخة الأُولى والثانية أربعون سنةً.
وهذا لم يكن إجابةً من اللهِ لإبليس إلى ما سألَ، لأنه لم يكن أجلهُ ما دون آخرِ التكليف ثم أجَّله إليه، ولكن كان في علمِ الله أنه لم يسأَلْ لكان أجلهُ يمتَدُّ إلى آخرِ التكليف، فيكون هذا جوابَ إهانةٍ لا جواب له.
فلما لم يعطَ الخبيثُ ما سألَ من النَّظْرَةِ ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ ؛ أي خَيَّبْتَنِي من جنَّتك ورحمتك، ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ ؛ لبَنِي آدمَ، ﴿فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ؛ من الشهوات واللذاتِ حتى يختارُوها على ما عندَكَ.
الحجر 15:40
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ؛ من قرأ بكسرِ اللام فمعناه : الذين أخلَصُوا الطاعةَ لكَ، ومَن نصبَها فمعناهُ : الذين أخلَصتَهم لنفسِكَ.
الحجر 15:41
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ ؛ أي افعَلْ ما شِئْتَ، فإن طريقكَ عليَّ لا تَفوتُني، وهذا تَهديدٌ لإبليسَ، وَقِيْلَ : معناهُ : علَيَّ مَمَرُّ مَنْ أطاعكَ وعلَيَّ مَمَرُّ من عصَاكَ، كما قال :﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾[الفجر: ١٤]، وَقِيْلَ : معناهُ : إن هذا دينٌ مستقيم عليَّ بيانهُ والهداية إليه.
الحجر 15:42
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ؛ أي لا تقدرُ أن تحمِلَهم على المعصيةِ وتُكرِهَهم عليها، ﴿إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾، ولكن مَن يتَّبعُكَ فإنما يتَّبعُكَ باختيارهِ.
الحجر 15:43
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ؛ أي لموعِدُ إبليس ومَن تَبعَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ ؛ بعضُها أسفلَ من بعضٍ، وكلُّ طَبَقٍ منها أشدُّ حرّاً مِن الذي فوقَهُ سبعين ضِعْفاً، والبابُ الأوَّلُ أهونُ حرّاً، ولو أن رجُلاً بالمشرقِ فكُشِفَ عنها بالمغرب لخرجَ دماغهُ من مِنْخَرَيهِ من شدَّة حرِّها.
والطبقُ الأول : جهنَّم، فيه أهلُ القِبلَةِ مِن أهلِ الكبائر إذا ماتوا غيرَ تائبين. الثانِي : لَظَّى، وفيه النَّصارَى. والثالثُ : الْحُطَمَةُ، وفيه اليهودُ. الرابعُ : السَّعِيرُ، وفيه الْمَجُوسُ. الخامسُ : سَقَرُ ؛ وفيه المشركين وأهلِ الأهواء المختلفة، السادسُ : الْجَحِيمُ، وفيه الصَّابئُونَ والزنادقةُ، السابعُ : الْهَاويَةُ، وفيه المنافقونَ، فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾.
الحجر 15:44
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ؛ أي لموعِدُ إبليس ومَن تَبعَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ ؛ بعضُها أسفلَ من بعضٍ، وكلُّ طَبَقٍ منها أشدُّ حرّاً مِن الذي فوقَهُ سبعين ضِعْفاً، والبابُ الأوَّلُ أهونُ حرّاً، ولو أن رجُلاً بالمشرقِ فكُشِفَ عنها بالمغرب لخرجَ دماغهُ من مِنْخَرَيهِ من شدَّة حرِّها.
والطبقُ الأول : جهنَّم، فيه أهلُ القِبلَةِ مِن أهلِ الكبائر إذا ماتوا غيرَ تائبين. الثانِي : لَظَّى، وفيه النَّصارَى. والثالثُ : الْحُطَمَةُ، وفيه اليهودُ. الرابعُ : السَّعِيرُ، وفيه الْمَجُوسُ. الخامسُ : سَقَرُ ؛ وفيه المشركين وأهلِ الأهواء المختلفة، السادسُ : الْجَحِيمُ، وفيه الصَّابئُونَ والزنادقةُ، السابعُ : الْهَاويَةُ، وفيه المنافقونَ، فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾.
الحجر 15:45
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ ؛ أي المتَّقين للمعاصي بالإيمان والطَّاعة في بساتينَ وأنْهارٍ ظاهرةٍ تنبعُ مثلَ الفَوَّارَاتِ، وتجرِي بلا أُخدودٍ، يقالُ لهم يومَ القيامة :﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ﴾ ؛ ادخلُوا الجنةَ بسلامٍ ؛ أي سلامٍ من الآفَاتِ، وَقْيْلَ : بتحيَّة من اللهِ، ﴿آمِنِينَ﴾، من كلِّ ما تكرَهُون.
الحجر 15:46
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ ؛ أي المتَّقين للمعاصي بالإيمان والطَّاعة في بساتينَ وأنْهارٍ ظاهرةٍ تنبعُ مثلَ الفَوَّارَاتِ، وتجرِي بلا أُخدودٍ، يقالُ لهم يومَ القيامة :﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ﴾ ؛ ادخلُوا الجنةَ بسلامٍ ؛ أي سلامٍ من الآفَاتِ، وَقْيْلَ : بتحيَّة من اللهِ، ﴿آمِنِينَ﴾، من كلِّ ما تكرَهُون.
الحجر 15:47
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ ؛ أي نزَعنا ما في صدور أهل الجنَّة من أسباب العداوةِ من الحقد والحسَدِ والتباغُض، ﴿إِخْوَاناً﴾ ؛ أي حتى يصِيروا بمنْزِلة الإخوان، ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾ ؛ من ذهبٍ، ﴿مُّتَقَـابِلِينَ﴾ ؛ في الزيادةِ تسيرُ بهم سُرُوُهم في الجِنَانِ، بعضُها إلى بعضٍ، والسُّرُرُ جمع سَرِيرٍ. وعن عليٍّ رضي الله عنه أنه قالَ :(إنِّي لأَرْجُو أنْ أكُونَ أنَا وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ مِنَ الَّذينَ قَالَ اللهُ ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَـابِلِينَ﴾ ).
الحجر 15:48
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ ؛ أي لا يُتعِبُون أنفُسَهم في طلب العيش، ﴿وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ ؛ ولا يخافون الإخراجَ منها أبداً، شبابٌ لا يَهرَمُون ؛ أصحاءٌ لا يَسقَمُونَ ؛ أحياءٌ لا يَموتون.
الحجر 15:49
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ؛ أي أخْبرْ عِبادي أنِّي أنا الغفورُ لذنوب مَن تابَ، الرحيمُ لِمَن ماتَ على التوبةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ ؛ لِمَن استحقَّهُ.
الحجر 15:50
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ؛ أي أخْبرْ عِبادي أنِّي أنا الغفورُ لذنوب مَن تابَ، الرحيمُ لِمَن ماتَ على التوبةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ ؛ لِمَن استحقَّهُ.
الحجر 15:51
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ ؛ أي أخبرهُم عن أضيافِ إبراهيمَ وهم الملائكةُ، إلاّ أنه قالَ (عن ضَيْفِ) لأن الضيفَ مصدرٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرهُ.
الحجر 15:52
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ ؛ أي قالَ لهم إبراهيم حين لم يَطعَمُوا من طَعَامِهِ : إنَّا منكم فَزِعُونَ، والوَجَلُ : هو الفزعُ، ﴿قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ﴾ ؛ أي لا تَخَفْ، ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ؛ بمولودٍ إذا وُلد كان غُلاماً، وإذا بَلَغَ كان عَليماً، ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي﴾ ؛ بالولدِ، ﴿عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ ؛ بالشَّيب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ ؛ قالَ هذا على جهة التعجُّب. وَقِيْلَ : أراد فتُبشِّرون بهذا من عندِ الله، أو من تلقاءِ أنفُسِكم. ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ ؛ أي بأمرِ الله، فإنَّ أمرَ اللهِ لا يكون إلا حقّاً، ﴿فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ﴾ ؛ من رحمةِ الله، ثم ﴿قَالَ﴾ ؛ لَهم : كيف أقنطُ من رحمةِ الله، ﴿وَمَن يَقْنَطُ﴾ ؛ منها، ﴿مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ﴾.
الحجر 15:53
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ ؛ أي قالَ لهم إبراهيم حين لم يَطعَمُوا من طَعَامِهِ : إنَّا منكم فَزِعُونَ، والوَجَلُ : هو الفزعُ، ﴿قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ﴾ ؛ أي لا تَخَفْ، ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ؛ بمولودٍ إذا وُلد كان غُلاماً، وإذا بَلَغَ كان عَليماً، ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي﴾ ؛ بالولدِ، ﴿عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ ؛ بالشَّيب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ ؛ قالَ هذا على جهة التعجُّب. وَقِيْلَ : أراد فتُبشِّرون بهذا من عندِ الله، أو من تلقاءِ أنفُسِكم. ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ ؛ أي بأمرِ الله، فإنَّ أمرَ اللهِ لا يكون إلا حقّاً، ﴿فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ﴾ ؛ من رحمةِ الله، ثم ﴿قَالَ﴾ ؛ لَهم : كيف أقنطُ من رحمةِ الله، ﴿وَمَن يَقْنَطُ﴾ ؛ منها، ﴿مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ﴾.
الحجر 15:54
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ ؛ أي قالَ لهم إبراهيم حين لم يَطعَمُوا من طَعَامِهِ : إنَّا منكم فَزِعُونَ، والوَجَلُ : هو الفزعُ، ﴿قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ﴾ ؛ أي لا تَخَفْ، ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ؛ بمولودٍ إذا وُلد كان غُلاماً، وإذا بَلَغَ كان عَليماً، ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي﴾ ؛ بالولدِ، ﴿عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ ؛ بالشَّيب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ ؛ قالَ هذا على جهة التعجُّب. وَقِيْلَ : أراد فتُبشِّرون بهذا من عندِ الله، أو من تلقاءِ أنفُسِكم. ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ ؛ أي بأمرِ الله، فإنَّ أمرَ اللهِ لا يكون إلا حقّاً، ﴿فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ﴾ ؛ من رحمةِ الله، ثم ﴿قَالَ﴾ ؛ لَهم : كيف أقنطُ من رحمةِ الله، ﴿وَمَن يَقْنَطُ﴾ ؛ منها، ﴿مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ﴾.
الحجر 15:55
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ ؛ أي قالَ لهم إبراهيم حين لم يَطعَمُوا من طَعَامِهِ : إنَّا منكم فَزِعُونَ، والوَجَلُ : هو الفزعُ، ﴿قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ﴾ ؛ أي لا تَخَفْ، ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ؛ بمولودٍ إذا وُلد كان غُلاماً، وإذا بَلَغَ كان عَليماً، ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي﴾ ؛ بالولدِ، ﴿عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ ؛ بالشَّيب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ ؛ قالَ هذا على جهة التعجُّب. وَقِيْلَ : أراد فتُبشِّرون بهذا من عندِ الله، أو من تلقاءِ أنفُسِكم. ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ ؛ أي بأمرِ الله، فإنَّ أمرَ اللهِ لا يكون إلا حقّاً، ﴿فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ﴾ ؛ من رحمةِ الله، ثم ﴿قَالَ﴾ ؛ لَهم : كيف أقنطُ من رحمةِ الله، ﴿وَمَن يَقْنَطُ﴾ ؛ منها، ﴿مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ﴾.
الحجر 15:56
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ ؛ أي قالَ لهم إبراهيم حين لم يَطعَمُوا من طَعَامِهِ : إنَّا منكم فَزِعُونَ، والوَجَلُ : هو الفزعُ، ﴿قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ﴾ ؛ أي لا تَخَفْ، ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ؛ بمولودٍ إذا وُلد كان غُلاماً، وإذا بَلَغَ كان عَليماً، ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي﴾ ؛ بالولدِ، ﴿عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ ؛ بالشَّيب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ ؛ قالَ هذا على جهة التعجُّب. وَقِيْلَ : أراد فتُبشِّرون بهذا من عندِ الله، أو من تلقاءِ أنفُسِكم. ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ ؛ أي بأمرِ الله، فإنَّ أمرَ اللهِ لا يكون إلا حقّاً، ﴿فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ﴾ ؛ من رحمةِ الله، ثم ﴿قَالَ﴾ ؛ لَهم : كيف أقنطُ من رحمةِ الله، ﴿وَمَن يَقْنَطُ﴾ ؛ منها، ﴿مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ﴾.
الحجر 15:57
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ ؛ أي ما شأْنُكم أيُّها المرسَلون ؛ لأنَّهم رسُل اللهِ، ﴿قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَى﴾ ؛ أي لهلاكِ، ﴿قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ﴾ ؛ وهم قومُ لوطٍ.
الحجر 15:58
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ ؛ أي ما شأْنُكم أيُّها المرسَلون ؛ لأنَّهم رسُل اللهِ، ﴿قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَى﴾ ؛ أي لهلاكِ، ﴿قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ﴾ ؛ وهم قومُ لوطٍ.
الحجر 15:59
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ﴾ ؛ أي إلاّ خاصَّةَ الذين آمَنوا به، ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ؛ من الهلاكِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ ؛ استثناءٌ من الهاءِ والميمِ، وكانت امرأتهُ منافقةً واسمها وَاعَلَة، فقُدِّرَ عليها الهلاكُ، والغابرُون هم الباقون في موضعِ العذاب.
الحجر 15:60
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ﴾ ؛ أي إلاّ خاصَّةَ الذين آمَنوا به، ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ؛ من الهلاكِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ ؛ استثناءٌ من الهاءِ والميمِ، وكانت امرأتهُ منافقةً واسمها وَاعَلَة، فقُدِّرَ عليها الهلاكُ، والغابرُون هم الباقون في موضعِ العذاب.
الحجر 15:61
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾ ؛ أي لما جاءَ الملائكةُ آلَ لوطٍ، ﴿قَالَ﴾ ؛ لهم لوطُ :﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ ؛ وإنما قالَ لهم ذلك ؛ لأنَّهم جاؤهُ على هيئةٍ وجَمال لم يكن قد شاهدَ مِثلَهم في الجمالِ، وكان يعلمُ طلبَ قومه لأمثالهم، فخافَ عليهم منهُم فقالَ : إنَّكم قومٌ أُنْكِرُ مجيئَكم إلَيَّ في هذه الديار، ﴿قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ؛ أي بالعذاب الذي يكونُ فيه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ ؛ بأمرٍ من اللهِ، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ ؛ في ذلكَ.
الحجر 15:62
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾ ؛ أي لما جاءَ الملائكةُ آلَ لوطٍ، ﴿قَالَ﴾ ؛ لهم لوطُ :﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ ؛ وإنما قالَ لهم ذلك ؛ لأنَّهم جاؤهُ على هيئةٍ وجَمال لم يكن قد شاهدَ مِثلَهم في الجمالِ، وكان يعلمُ طلبَ قومه لأمثالهم، فخافَ عليهم منهُم فقالَ : إنَّكم قومٌ أُنْكِرُ مجيئَكم إلَيَّ في هذه الديار، ﴿قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ؛ أي بالعذاب الذي يكونُ فيه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ ؛ بأمرٍ من اللهِ، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ ؛ في ذلكَ.
الحجر 15:63
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾ ؛ أي لما جاءَ الملائكةُ آلَ لوطٍ، ﴿قَالَ﴾ ؛ لهم لوطُ :﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ ؛ وإنما قالَ لهم ذلك ؛ لأنَّهم جاؤهُ على هيئةٍ وجَمال لم يكن قد شاهدَ مِثلَهم في الجمالِ، وكان يعلمُ طلبَ قومه لأمثالهم، فخافَ عليهم منهُم فقالَ : إنَّكم قومٌ أُنْكِرُ مجيئَكم إلَيَّ في هذه الديار، ﴿قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ؛ أي بالعذاب الذي يكونُ فيه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ ؛ بأمرٍ من اللهِ، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ ؛ في ذلكَ.
الحجر 15:64
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾ ؛ أي لما جاءَ الملائكةُ آلَ لوطٍ، ﴿قَالَ﴾ ؛ لهم لوطُ :﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ ؛ وإنما قالَ لهم ذلك ؛ لأنَّهم جاؤهُ على هيئةٍ وجَمال لم يكن قد شاهدَ مِثلَهم في الجمالِ، وكان يعلمُ طلبَ قومه لأمثالهم، فخافَ عليهم منهُم فقالَ : إنَّكم قومٌ أُنْكِرُ مجيئَكم إلَيَّ في هذه الديار، ﴿قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ؛ أي بالعذاب الذي يكونُ فيه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ ؛ بأمرٍ من اللهِ، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ ؛ في ذلكَ.
الحجر 15:65
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الَّيلِ﴾ ؛ أي ببَعضِ من اللَّيلِ عند السَّحَر، ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ ؛ أي كُن فيمَن يسيرُ خلفَهم ؛ كي لا ينالَهم العذابُ، وقوله تعالى :﴿وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ﴾ أي لا يتخلِفْ في موضعِ الهلاك، وَقِيْلَ : لا يلتفِتْ إلى شيءٍ يخلِّفهُ ؛ أي لا يعرِجْ على شيءٍ، ﴿وَامْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ بالمضيِّ إليه وهو صفد.
الحجر 15:66
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ﴾ ؛ أي وأوحَينا إليه ذلك الأمرَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ﴾ ؛ في موضعِ نصبٍ بدل مِن قوله (ذلِكَ الأَمْرَ)، وَقِيْلَ : في موضع خفضٍ ؛ لأن المعنى بأنَّ دابرَ هؤلاءِ مقطوعٌ، وقَطْعُ الدَّابرِ هو الإتيان على آخرِهم بالهلاكِ حتى لا يبقَى منهم أحدٌ. وقولهُ تعالى :﴿مُّصْبِحِينَ﴾ ؛ أي مُستَأصَلون عندَ الصَّباح، ولا يبقَى لهم نسلٌ ولا عَقِبٌ.
الحجر 15:67
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَآءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ؛ أي أهلُ مدينة قومِ لوط وهي سَدُوم، يبَشِّرُ بعضُهم بعضاً بأضيافِ لوط لعمَلِهم الخبيثِ، فإنَّهم كانوا يُجَاهِرُونَ بهذه الفاحشةِ، وقال لَهم لوطُ :﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾ ؛ في الحرامِ، ﴿وَلاَ تُخْزُونِ﴾ ؛ ولا تُذِلُّون في أمرِي، ﴿قَالُواْ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ؛ أي عن ضيافةِ الغُرباء.
الحجر 15:68
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَآءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ؛ أي أهلُ مدينة قومِ لوط وهي سَدُوم، يبَشِّرُ بعضُهم بعضاً بأضيافِ لوط لعمَلِهم الخبيثِ، فإنَّهم كانوا يُجَاهِرُونَ بهذه الفاحشةِ، وقال لَهم لوطُ :﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾ ؛ في الحرامِ، ﴿وَلاَ تُخْزُونِ﴾ ؛ ولا تُذِلُّون في أمرِي، ﴿قَالُواْ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ؛ أي عن ضيافةِ الغُرباء.
الحجر 15:69
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَآءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ؛ أي أهلُ مدينة قومِ لوط وهي سَدُوم، يبَشِّرُ بعضُهم بعضاً بأضيافِ لوط لعمَلِهم الخبيثِ، فإنَّهم كانوا يُجَاهِرُونَ بهذه الفاحشةِ، وقال لَهم لوطُ :﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾ ؛ في الحرامِ، ﴿وَلاَ تُخْزُونِ﴾ ؛ ولا تُذِلُّون في أمرِي، ﴿قَالُواْ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ؛ أي عن ضيافةِ الغُرباء.
الحجر 15:70
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَآءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ؛ أي أهلُ مدينة قومِ لوط وهي سَدُوم، يبَشِّرُ بعضُهم بعضاً بأضيافِ لوط لعمَلِهم الخبيثِ، فإنَّهم كانوا يُجَاهِرُونَ بهذه الفاحشةِ، وقال لَهم لوطُ :﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾ ؛ في الحرامِ، ﴿وَلاَ تُخْزُونِ﴾ ؛ ولا تُذِلُّون في أمرِي، ﴿قَالُواْ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ؛ أي عن ضيافةِ الغُرباء.
الحجر 15:71
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ ؛ أُزَوِّجُكُموهُنَّ، ﴿إِن كُنْتُمْ﴾ ؛ لا بدَّ، ﴿فَاعِلِينَ﴾ ؛ مثلَ هذا الفعلِ، وذلك أنه لم يَجِدْ ما يتَّقِي به أضيافَهُ أبلغَ من عَرضِ بناته عليهم للتزويجِ، وافتداءِ ضَيفهِ ببناتهِ في الشَّفاعة، وقد كان عَلِمَ أنَّهم لا يرغبون في التزويجِ. وَقِيْلَ : أرادَ بقولهِ (بَنَاتِي) بناتِ قَومِي ؛ لأن نساءَ أُمَّة كلِّ نبيٍّ بمنْزِلةِ بناتهِ في نفقته عليهنَّ.
الحجر 15:72
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ؛ هذا قسَمٌ بحياةِ نبيِّنا مُحَمَّد ﷺ، ولم يُقسِمْ بحياة أحَدٍ غيرهِ، تقديرهُ : لعَمرُكَ قَسَمِي، إلاَّ أنه حُذفَ الخبرَ، وجوابهُ : إنَّهم لَفِي غَفَلَتِهم يتحيَّرون.
الحجر 15:73
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ؛ أي وقتَ الإشراقِ، وذلك أنَّ الملائكةَ قلَعُوا مَدائِنَهم وقتَ الصُّبح، فرفَعُوها إلى قريبٍ من السَّماء، ثم قلَبُوها عند طلوعِ الشمس، وصاحَ بهم جبريلُ حينئذٍ، ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾، وقد تقدَّم تفسيرُ باقي الآيةِ في سورة هودٍ.
الحجر 15:74
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ؛ أي وقتَ الإشراقِ، وذلك أنَّ الملائكةَ قلَعُوا مَدائِنَهم وقتَ الصُّبح، فرفَعُوها إلى قريبٍ من السَّماء، ثم قلَبُوها عند طلوعِ الشمس، وصاحَ بهم جبريلُ حينئذٍ، ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾، وقد تقدَّم تفسيرُ باقي الآيةِ في سورة هودٍ.
الحجر 15:75
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ؛ أي في إهلاكِ قومِ لوط لآياتٍ للمتفرِّسِين، والمتوسِّمُون هم النُّظَّارُ المثبتون في نَظَرِهم حتى يعرفوا حقيقيةَ السِّمَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ﴾ ؛ أي إنَّ قَريَاتِ قومِ لوط لبطَريقٍ واضحٍ ولا يندرسُ ولا يخفَى على طريقِ قُومِكَ إلى الشَّام، والمعنى أن الاعتبارَ بها ممكنٌ. وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أي لدلالةً للمؤمنين الذين يصدِّقون بذلك.
الحجر 15:76
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ؛ أي في إهلاكِ قومِ لوط لآياتٍ للمتفرِّسِين، والمتوسِّمُون هم النُّظَّارُ المثبتون في نَظَرِهم حتى يعرفوا حقيقيةَ السِّمَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ﴾ ؛ أي إنَّ قَريَاتِ قومِ لوط لبطَريقٍ واضحٍ ولا يندرسُ ولا يخفَى على طريقِ قُومِكَ إلى الشَّام، والمعنى أن الاعتبارَ بها ممكنٌ. وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أي لدلالةً للمؤمنين الذين يصدِّقون بذلك.
الحجر 15:77
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ؛ أي في إهلاكِ قومِ لوط لآياتٍ للمتفرِّسِين، والمتوسِّمُون هم النُّظَّارُ المثبتون في نَظَرِهم حتى يعرفوا حقيقيةَ السِّمَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ﴾ ؛ أي إنَّ قَريَاتِ قومِ لوط لبطَريقٍ واضحٍ ولا يندرسُ ولا يخفَى على طريقِ قُومِكَ إلى الشَّام، والمعنى أن الاعتبارَ بها ممكنٌ. وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أي لدلالةً للمؤمنين الذين يصدِّقون بذلك.
الحجر 15:78
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾ ؛ أي وقد كان أصحابُ الأيْكَةِ وهو قومُ شُعَيبٍ لَظَالمين بكُفرِهم، والأيْكَةُ : الشَّجرُ الملتف الكبيرُ، وكان شُعيب بُعِثَ إلى قَومَين، إلى أهلِ مدينَ كانوا يطفِّفون الكيلَ والوزنَ فأُهلِكوا بالصَّيحة، وبُعث إلى أصحاب الأيكةِ فأُهلِكُوا بالظُّلَّّةِ.
ويقالُ : إن مَديَنَ والأيكة واحدٌ، كانت الأيكةُ عند مِديَن، فخرَجُوا من مديَن إليها يطلبون الرُّوح عندَها، فأخذهم عذابُ يوم الظُّلةِ، واضطرمَ المكانُ عليهم نَاراً فهَلَكوا عن آخرِهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ ؛ أي بالعذاب، ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ أي إن قريَات لوطٍ ومواضعِ شُعيب لعلَى طريقٍ مُبين.
الحجر 15:79
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾ ؛ أي وقد كان أصحابُ الأيْكَةِ وهو قومُ شُعَيبٍ لَظَالمين بكُفرِهم، والأيْكَةُ : الشَّجرُ الملتف الكبيرُ، وكان شُعيب بُعِثَ إلى قَومَين، إلى أهلِ مدينَ كانوا يطفِّفون الكيلَ والوزنَ فأُهلِكوا بالصَّيحة، وبُعث إلى أصحاب الأيكةِ فأُهلِكُوا بالظُّلَّّةِ.
ويقالُ : إن مَديَنَ والأيكة واحدٌ، كانت الأيكةُ عند مِديَن، فخرَجُوا من مديَن إليها يطلبون الرُّوح عندَها، فأخذهم عذابُ يوم الظُّلةِ، واضطرمَ المكانُ عليهم نَاراً فهَلَكوا عن آخرِهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ ؛ أي بالعذاب، ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ أي إن قريَات لوطٍ ومواضعِ شُعيب لعلَى طريقٍ مُبين.
الحجر 15:80
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ ؛ أي ولقد كذبَ قومُ صالحٍ ومَن تقدَّم من المرسَلين، والْحِجْرُ ديارُ ثَمُودٍ، وإنما سُمُّوا أصحابَ الحجرِ ؛ لأن الحجرَ اسمٌ لوادٍ كانوا يسكُنون عندَهُ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا﴾ ؛ يريدُ الناقةَ، ﴿فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾.
الحجر 15:81
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ ؛ أي ولقد كذبَ قومُ صالحٍ ومَن تقدَّم من المرسَلين، والْحِجْرُ ديارُ ثَمُودٍ، وإنما سُمُّوا أصحابَ الحجرِ ؛ لأن الحجرَ اسمٌ لوادٍ كانوا يسكُنون عندَهُ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا﴾ ؛ يريدُ الناقةَ، ﴿فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾.
الحجر 15:82
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ ؛ أي يَنقُبُونَ بيوتَهم في الجبالِ آمِنِينَ من الموتِ لطُولِ أعمارِهم، وَقِيْلَ : من الحرِّ وسقُوطِ السَّقفِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ؛ أي وقتَ الصُّبح صاحَ بهم جبريلُ فهلَكوا، ﴿فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ﴾ ؛ من عذاب الله، ﴿مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ ؛ من الأموالِ.
الحجر 15:83
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ ؛ أي يَنقُبُونَ بيوتَهم في الجبالِ آمِنِينَ من الموتِ لطُولِ أعمارِهم، وَقِيْلَ : من الحرِّ وسقُوطِ السَّقفِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ؛ أي وقتَ الصُّبح صاحَ بهم جبريلُ فهلَكوا، ﴿فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ﴾ ؛ من عذاب الله، ﴿مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ ؛ من الأموالِ.
الحجر 15:84
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ ؛ أي يَنقُبُونَ بيوتَهم في الجبالِ آمِنِينَ من الموتِ لطُولِ أعمارِهم، وَقِيْلَ : من الحرِّ وسقُوطِ السَّقفِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ؛ أي وقتَ الصُّبح صاحَ بهم جبريلُ فهلَكوا، ﴿فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ﴾ ؛ من عذاب الله، ﴿مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ ؛ من الأموالِ.
الحجر 15:85
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ ؛ أي للحقِّ وإظهارِ الحق لم نخلُقْهما عَبَثاً، ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ ؛ يعني القيامةَ لِمُجازَاةِ الناسِ كلِّهم، ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ ؛ أي أعرِضْ عن مُجازَاةِ المشركين وعن مجاوبَتِهم، فإنَّ مجاوبةَ السَّفيه سَفَهٌ، قال مجاهدُ :(هَذا مَنْسُوخٌ بآيَةِ الْقِتَالِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ﴾ ؛ أي الخالقُ للإنسان، العالِمُ بتدبيرِ خَلقِهِ.
الحجر 15:86
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ ؛ أي للحقِّ وإظهارِ الحق لم نخلُقْهما عَبَثاً، ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ ؛ يعني القيامةَ لِمُجازَاةِ الناسِ كلِّهم، ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ ؛ أي أعرِضْ عن مُجازَاةِ المشركين وعن مجاوبَتِهم، فإنَّ مجاوبةَ السَّفيه سَفَهٌ، قال مجاهدُ :(هَذا مَنْسُوخٌ بآيَةِ الْقِتَالِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ﴾ ؛ أي الخالقُ للإنسان، العالِمُ بتدبيرِ خَلقِهِ.
الحجر 15:87
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ ؛ أي أكرَمناكَ يا مُحَمَّدُ بسبعٍ من الْمَثَانِي، قِيْلَ : هي السبعُ الطِّوالُ، وهي السورُ السبع من أوَّلِ البقرةِ إلى الأنفالِ والتوبةِ، وهما جميعاً سورةٌ واحدة، وسُميت هذه السورةُ مَثَانِيَ ؛ لأنَّهُ ثَنَّى فيها الأقاصيصَ، والأمر والنهيَ، والوعيد، والْمُحكَمَ، والمتشابهَ.
وقال ابنُ عبَّاس :(السَّبْعُ الْمَثَانِي فَاتِحَةُ الْكِتَاب) هكذا رُوي عن رسولِ الله ﷺ، حيث قال :" مَا أنْزَلَ اللهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالزَّبُورِ مِثْلَ فَاتِحَةِ الْكِتَاب، وَإنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي ".
وإنما سُمِّيت هذه السورةُ مَثَانِيَ ؛ لأنَّها تُثْنَى في كلِّ صلاةٍ. وإنما خَصَّ هذه السورةَ من جُملةِ القرآن تَعظيماً لها ؛ لأن كمالَ الصلاةِ متعلَّقٌ بها، كما خصَّ جبريلَ وميكائيل من جُملة الملائكةِ تَعظيماً لهما. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ ؛ أي وآتَيناكَ القرآن العظيمَ.
الحجر 15:88
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ﴾ ؛ أي لا تَنْظُرَنَّ بعَينِ الرَّغبةِ إلى ما أعطَينا من الأموالِ رجَالاً من بني قُريظة والنَّضير وغيرِهم من قُريش، فإنَّ ما نُعطيكَ من النبوَّةِ والقرآن أعظمُ مما أعطَيناهم من الأموالِ، ﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ بما أنعَمْنا عليهم من ما لَم نُنعِمُ به عليكَ.
ويقالُ : لا تحزَنْ على هلاكِهم إن لَم يُؤمِنوا، وهذا القولُ أقربُ ؛ لأن النبيَّ ﷺ كان لا يجوزُ أن يَحْسِدَ أحداً بما أنعمَ اللهُ به عليهِ من نَعيمِ الدُّنيا، وإنما كان يحزنُ على إصرارِهم على الكُفرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أي تواضَعْ، وألِنْ جناحَكَ للمؤمِنين ؛ لكي يتَّبعْكَ الناسُ على دِينِكَ، ولا ينفِرُوا من عندِكَ.
الحجر 15:89
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ ؛ أي الْمُعَلْمُ بموضعِ المخافة، الْمُبينُ لكم بلُغةٍ تصدِّقونَها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ ؛ قال الحسنُ :(مَعْنَاهُ : وَأنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ كَمَا أنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى). سَمَّاهم مُقتَسِمينَ ؛ لأنَّهم اقتَسَموا كُتُبَ اللهِ تعالى، فآمَنُوا ببعضِها وكَفَرُوا ببعضِها، وهمُ، ﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ ؛ أي فرَّقوهُ فآمَنُوا ببعضهِ وهو ما وافقَ دينَهم، وكفَرُوا ببعضهِ وهو ما خالفَ دينهم،
وقال بعضُهم : رهطٌ من أهلِ مكَّة، قال مقاتلُ :(سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلاً بَعَثَهُمُ الْوَلِيدُ ابْنُ الْمُغِيرَةِ أيَّامَ الْمَوْسِمِ، فَاقْتَسَمُواْ الأعْقَابَ، وَقَعَدُواْ عَلَى طَرِيقِهَا، فَإذا جَاءَ الْحُجَّاجُ قَالَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ : لاَ تَغْتَرُّوا بهَذا الْخَارجِ مِنَّا الْمُدَّعِي النُّبُوَّةَ فَإنَّهُ مَجْنُونٌ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى عَلَى طَرِيقٍ أُخْرَى : إنَّهُ كاَهِنٌ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى : شَاعِرٌ، وَالْوَلِيدُ قَاعِدٌ عَلَى بَاب الْمَسْجِدِ نَصَّبُوهُ حَكَماً، فَإذا سُئِلَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ : صَدَقَ أُوْلَئِكَ يَعْنِي الْمُقْتَسِمِينَ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ هم هؤلاءِ المقتَسِمين جَزَّءُوا القرآن، فقالَ بعضُهم : سحرٌ، وقال بعضهم : كَذِبٌ، وقال بعضُهم : شِعرٌ، وقال بعضُهم : أساطيرُ الأوَّلين، وقال بعضُهم : مُفترَى. ومعنى التَّعْضِيَة : التفريقُ، يقالُ : عَضَيْتُ الشيءَ إذا فرَّقتَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ؛ أي في الآخرةِ، ﴿عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ؛ مِن تفريقِ القرآن، وصَرفِهم الناسَ عن دينِ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم.
وعن أنسٍ عن النبيِّ ﷺ وفي هذهِ الآية قالَ :" فَوَرَبكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ قَوْلِ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ " وَقَالَ عبدُالله :(وَالَّذِي لاَ إلَهَ غَيْرُهُ مَا مِنْكُمْ أحَدٌ إلاَّ وَيَسْأَلُهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ : يَا ابْنَ آدَمَ مَاذا عَمِلْتَ ؟ يَا ابْنَ آدَمَ مَاذا أجَبْتَ الْمُرْسَلِينَ).
واعترضت الْمُلْحِدَةُ على هذه الآيةِ، وعلى قولهِ تعالى﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾[الرحمن: ٣٩] وحكَمُوا عليهم بالتناقُضِ!
والجوابُ : إنه لا يقالُ لهم هل عملتم كذا ؛ لأنه أعلَمُ بذلكَ منهم، ولكن نقولُ لَهم : لِمَ عملتم كذا، وقال قطربُ :(السُّؤَالُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : سُؤَالُ اسْتِعْلاَمٍ وَاسْتِخْبَارٍ، وَسُؤَالُ تَقْرِيرٍ وَتَوْبيخٍ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾[الرحمن: ٣٩] يَعْنِي لاَ يَسْأَلُهُمْ سُؤَالَ اسْتِخْبَارٍ ؛ لأنَّهُ عَالِمٌ قَبْلَ أنْ يَخْلِقَهُمْ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ سُؤَالُ تَقْرِيرٍ وَتَقْرِيعٍ).
الحجر 15:90
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ ؛ أي الْمُعَلْمُ بموضعِ المخافة، الْمُبينُ لكم بلُغةٍ تصدِّقونَها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ ؛ قال الحسنُ :(مَعْنَاهُ : وَأنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ كَمَا أنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى). سَمَّاهم مُقتَسِمينَ ؛ لأنَّهم اقتَسَموا كُتُبَ اللهِ تعالى، فآمَنُوا ببعضِها وكَفَرُوا ببعضِها، وهمُ، ﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ ؛ أي فرَّقوهُ فآمَنُوا ببعضهِ وهو ما وافقَ دينَهم، وكفَرُوا ببعضهِ وهو ما خالفَ دينهم،
وقال بعضُهم : رهطٌ من أهلِ مكَّة، قال مقاتلُ :(سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلاً بَعَثَهُمُ الْوَلِيدُ ابْنُ الْمُغِيرَةِ أيَّامَ الْمَوْسِمِ، فَاقْتَسَمُواْ الأعْقَابَ، وَقَعَدُواْ عَلَى طَرِيقِهَا، فَإذا جَاءَ الْحُجَّاجُ قَالَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ : لاَ تَغْتَرُّوا بهَذا الْخَارجِ مِنَّا الْمُدَّعِي النُّبُوَّةَ فَإنَّهُ مَجْنُونٌ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى عَلَى طَرِيقٍ أُخْرَى : إنَّهُ كاَهِنٌ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى : شَاعِرٌ، وَالْوَلِيدُ قَاعِدٌ عَلَى بَاب الْمَسْجِدِ نَصَّبُوهُ حَكَماً، فَإذا سُئِلَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ : صَدَقَ أُوْلَئِكَ يَعْنِي الْمُقْتَسِمِينَ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ هم هؤلاءِ المقتَسِمين جَزَّءُوا القرآن، فقالَ بعضُهم : سحرٌ، وقال بعضهم : كَذِبٌ، وقال بعضُهم : شِعرٌ، وقال بعضُهم : أساطيرُ الأوَّلين، وقال بعضُهم : مُفترَى. ومعنى التَّعْضِيَة : التفريقُ، يقالُ : عَضَيْتُ الشيءَ إذا فرَّقتَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ؛ أي في الآخرةِ، ﴿عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ؛ مِن تفريقِ القرآن، وصَرفِهم الناسَ عن دينِ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم.
وعن أنسٍ عن النبيِّ ﷺ وفي هذهِ الآية قالَ :" فَوَرَبكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ قَوْلِ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ " وَقَالَ عبدُالله :(وَالَّذِي لاَ إلَهَ غَيْرُهُ مَا مِنْكُمْ أحَدٌ إلاَّ وَيَسْأَلُهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ : يَا ابْنَ آدَمَ مَاذا عَمِلْتَ ؟ يَا ابْنَ آدَمَ مَاذا أجَبْتَ الْمُرْسَلِينَ).
واعترضت الْمُلْحِدَةُ على هذه الآيةِ، وعلى قولهِ تعالى﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾[الرحمن: ٣٩] وحكَمُوا عليهم بالتناقُضِ!
والجوابُ : إنه لا يقالُ لهم هل عملتم كذا ؛ لأنه أعلَمُ بذلكَ منهم، ولكن نقولُ لَهم : لِمَ عملتم كذا، وقال قطربُ :(السُّؤَالُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : سُؤَالُ اسْتِعْلاَمٍ وَاسْتِخْبَارٍ، وَسُؤَالُ تَقْرِيرٍ وَتَوْبيخٍ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾[الرحمن: ٣٩] يَعْنِي لاَ يَسْأَلُهُمْ سُؤَالَ اسْتِخْبَارٍ ؛ لأنَّهُ عَالِمٌ قَبْلَ أنْ يَخْلِقَهُمْ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ سُؤَالُ تَقْرِيرٍ وَتَقْرِيعٍ).
الحجر 15:91
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ ؛ أي الْمُعَلْمُ بموضعِ المخافة، الْمُبينُ لكم بلُغةٍ تصدِّقونَها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ ؛ قال الحسنُ :(مَعْنَاهُ : وَأنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ كَمَا أنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى). سَمَّاهم مُقتَسِمينَ ؛ لأنَّهم اقتَسَموا كُتُبَ اللهِ تعالى، فآمَنُوا ببعضِها وكَفَرُوا ببعضِها، وهمُ، ﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ ؛ أي فرَّقوهُ فآمَنُوا ببعضهِ وهو ما وافقَ دينَهم، وكفَرُوا ببعضهِ وهو ما خالفَ دينهم،
وقال بعضُهم : رهطٌ من أهلِ مكَّة، قال مقاتلُ :(سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلاً بَعَثَهُمُ الْوَلِيدُ ابْنُ الْمُغِيرَةِ أيَّامَ الْمَوْسِمِ، فَاقْتَسَمُواْ الأعْقَابَ، وَقَعَدُواْ عَلَى طَرِيقِهَا، فَإذا جَاءَ الْحُجَّاجُ قَالَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ : لاَ تَغْتَرُّوا بهَذا الْخَارجِ مِنَّا الْمُدَّعِي النُّبُوَّةَ فَإنَّهُ مَجْنُونٌ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى عَلَى طَرِيقٍ أُخْرَى : إنَّهُ كاَهِنٌ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى : شَاعِرٌ، وَالْوَلِيدُ قَاعِدٌ عَلَى بَاب الْمَسْجِدِ نَصَّبُوهُ حَكَماً، فَإذا سُئِلَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ : صَدَقَ أُوْلَئِكَ يَعْنِي الْمُقْتَسِمِينَ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ هم هؤلاءِ المقتَسِمين جَزَّءُوا القرآن، فقالَ بعضُهم : سحرٌ، وقال بعضهم : كَذِبٌ، وقال بعضُهم : شِعرٌ، وقال بعضُهم : أساطيرُ الأوَّلين، وقال بعضُهم : مُفترَى. ومعنى التَّعْضِيَة : التفريقُ، يقالُ : عَضَيْتُ الشيءَ إذا فرَّقتَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ؛ أي في الآخرةِ، ﴿عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ؛ مِن تفريقِ القرآن، وصَرفِهم الناسَ عن دينِ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم.
وعن أنسٍ عن النبيِّ ﷺ وفي هذهِ الآية قالَ :" فَوَرَبكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ قَوْلِ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ " وَقَالَ عبدُالله :(وَالَّذِي لاَ إلَهَ غَيْرُهُ مَا مِنْكُمْ أحَدٌ إلاَّ وَيَسْأَلُهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ : يَا ابْنَ آدَمَ مَاذا عَمِلْتَ ؟ يَا ابْنَ آدَمَ مَاذا أجَبْتَ الْمُرْسَلِينَ).
واعترضت الْمُلْحِدَةُ على هذه الآيةِ، وعلى قولهِ تعالى﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾[الرحمن: ٣٩] وحكَمُوا عليهم بالتناقُضِ!
والجوابُ : إنه لا يقالُ لهم هل عملتم كذا ؛ لأنه أعلَمُ بذلكَ منهم، ولكن نقولُ لَهم : لِمَ عملتم كذا، وقال قطربُ :(السُّؤَالُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : سُؤَالُ اسْتِعْلاَمٍ وَاسْتِخْبَارٍ، وَسُؤَالُ تَقْرِيرٍ وَتَوْبيخٍ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾[الرحمن: ٣٩] يَعْنِي لاَ يَسْأَلُهُمْ سُؤَالَ اسْتِخْبَارٍ ؛ لأنَّهُ عَالِمٌ قَبْلَ أنْ يَخْلِقَهُمْ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ سُؤَالُ تَقْرِيرٍ وَتَقْرِيعٍ).
الحجر 15:92
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ ؛ أي الْمُعَلْمُ بموضعِ المخافة، الْمُبينُ لكم بلُغةٍ تصدِّقونَها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ ؛ قال الحسنُ :(مَعْنَاهُ : وَأنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ كَمَا أنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى). سَمَّاهم مُقتَسِمينَ ؛ لأنَّهم اقتَسَموا كُتُبَ اللهِ تعالى، فآمَنُوا ببعضِها وكَفَرُوا ببعضِها، وهمُ، ﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ ؛ أي فرَّقوهُ فآمَنُوا ببعضهِ وهو ما وافقَ دينَهم، وكفَرُوا ببعضهِ وهو ما خالفَ دينهم،
وقال بعضُهم : رهطٌ من أهلِ مكَّة، قال مقاتلُ :(سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلاً بَعَثَهُمُ الْوَلِيدُ ابْنُ الْمُغِيرَةِ أيَّامَ الْمَوْسِمِ، فَاقْتَسَمُواْ الأعْقَابَ، وَقَعَدُواْ عَلَى طَرِيقِهَا، فَإذا جَاءَ الْحُجَّاجُ قَالَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ : لاَ تَغْتَرُّوا بهَذا الْخَارجِ مِنَّا الْمُدَّعِي النُّبُوَّةَ فَإنَّهُ مَجْنُونٌ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى عَلَى طَرِيقٍ أُخْرَى : إنَّهُ كاَهِنٌ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى : شَاعِرٌ، وَالْوَلِيدُ قَاعِدٌ عَلَى بَاب الْمَسْجِدِ نَصَّبُوهُ حَكَماً، فَإذا سُئِلَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ : صَدَقَ أُوْلَئِكَ يَعْنِي الْمُقْتَسِمِينَ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ هم هؤلاءِ المقتَسِمين جَزَّءُوا القرآن، فقالَ بعضُهم : سحرٌ، وقال بعضهم : كَذِبٌ، وقال بعضُهم : شِعرٌ، وقال بعضُهم : أساطيرُ الأوَّلين، وقال بعضُهم : مُفترَى. ومعنى التَّعْضِيَة : التفريقُ، يقالُ : عَضَيْتُ الشيءَ إذا فرَّقتَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ؛ أي في الآخرةِ، ﴿عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ؛ مِن تفريقِ القرآن، وصَرفِهم الناسَ عن دينِ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم.
وعن أنسٍ عن النبيِّ ﷺ وفي هذهِ الآية قالَ :" فَوَرَبكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ قَوْلِ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ " وَقَالَ عبدُالله :(وَالَّذِي لاَ إلَهَ غَيْرُهُ مَا مِنْكُمْ أحَدٌ إلاَّ وَيَسْأَلُهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ : يَا ابْنَ آدَمَ مَاذا عَمِلْتَ ؟ يَا ابْنَ آدَمَ مَاذا أجَبْتَ الْمُرْسَلِينَ).
واعترضت الْمُلْحِدَةُ على هذه الآيةِ، وعلى قولهِ تعالى﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾[الرحمن: ٣٩] وحكَمُوا عليهم بالتناقُضِ!
والجوابُ : إنه لا يقالُ لهم هل عملتم كذا ؛ لأنه أعلَمُ بذلكَ منهم، ولكن نقولُ لَهم : لِمَ عملتم كذا، وقال قطربُ :(السُّؤَالُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : سُؤَالُ اسْتِعْلاَمٍ وَاسْتِخْبَارٍ، وَسُؤَالُ تَقْرِيرٍ وَتَوْبيخٍ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾[الرحمن: ٣٩] يَعْنِي لاَ يَسْأَلُهُمْ سُؤَالَ اسْتِخْبَارٍ ؛ لأنَّهُ عَالِمٌ قَبْلَ أنْ يَخْلِقَهُمْ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ سُؤَالُ تَقْرِيرٍ وَتَقْرِيعٍ).
الحجر 15:93
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ ؛ أي الْمُعَلْمُ بموضعِ المخافة، الْمُبينُ لكم بلُغةٍ تصدِّقونَها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ ؛ قال الحسنُ :(مَعْنَاهُ : وَأنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ كَمَا أنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى). سَمَّاهم مُقتَسِمينَ ؛ لأنَّهم اقتَسَموا كُتُبَ اللهِ تعالى، فآمَنُوا ببعضِها وكَفَرُوا ببعضِها، وهمُ، ﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ ؛ أي فرَّقوهُ فآمَنُوا ببعضهِ وهو ما وافقَ دينَهم، وكفَرُوا ببعضهِ وهو ما خالفَ دينهم،
وقال بعضُهم : رهطٌ من أهلِ مكَّة، قال مقاتلُ :(سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلاً بَعَثَهُمُ الْوَلِيدُ ابْنُ الْمُغِيرَةِ أيَّامَ الْمَوْسِمِ، فَاقْتَسَمُواْ الأعْقَابَ، وَقَعَدُواْ عَلَى طَرِيقِهَا، فَإذا جَاءَ الْحُجَّاجُ قَالَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ : لاَ تَغْتَرُّوا بهَذا الْخَارجِ مِنَّا الْمُدَّعِي النُّبُوَّةَ فَإنَّهُ مَجْنُونٌ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى عَلَى طَرِيقٍ أُخْرَى : إنَّهُ كاَهِنٌ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى : شَاعِرٌ، وَالْوَلِيدُ قَاعِدٌ عَلَى بَاب الْمَسْجِدِ نَصَّبُوهُ حَكَماً، فَإذا سُئِلَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ : صَدَقَ أُوْلَئِكَ يَعْنِي الْمُقْتَسِمِينَ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ هم هؤلاءِ المقتَسِمين جَزَّءُوا القرآن، فقالَ بعضُهم : سحرٌ، وقال بعضهم : كَذِبٌ، وقال بعضُهم : شِعرٌ، وقال بعضُهم : أساطيرُ الأوَّلين، وقال بعضُهم : مُفترَى. ومعنى التَّعْضِيَة : التفريقُ، يقالُ : عَضَيْتُ الشيءَ إذا فرَّقتَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ؛ أي في الآخرةِ، ﴿عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ؛ مِن تفريقِ القرآن، وصَرفِهم الناسَ عن دينِ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم.
وعن أنسٍ عن النبيِّ ﷺ وفي هذهِ الآية قالَ :" فَوَرَبكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ قَوْلِ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ " وَقَالَ عبدُالله :(وَالَّذِي لاَ إلَهَ غَيْرُهُ مَا مِنْكُمْ أحَدٌ إلاَّ وَيَسْأَلُهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ : يَا ابْنَ آدَمَ مَاذا عَمِلْتَ ؟ يَا ابْنَ آدَمَ مَاذا أجَبْتَ الْمُرْسَلِينَ).
واعترضت الْمُلْحِدَةُ على هذه الآيةِ، وعلى قولهِ تعالى﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾[الرحمن: ٣٩] وحكَمُوا عليهم بالتناقُضِ!
والجوابُ : إنه لا يقالُ لهم هل عملتم كذا ؛ لأنه أعلَمُ بذلكَ منهم، ولكن نقولُ لَهم : لِمَ عملتم كذا، وقال قطربُ :(السُّؤَالُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : سُؤَالُ اسْتِعْلاَمٍ وَاسْتِخْبَارٍ، وَسُؤَالُ تَقْرِيرٍ وَتَوْبيخٍ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾[الرحمن: ٣٩] يَعْنِي لاَ يَسْأَلُهُمْ سُؤَالَ اسْتِخْبَارٍ ؛ لأنَّهُ عَالِمٌ قَبْلَ أنْ يَخْلِقَهُمْ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ سُؤَالُ تَقْرِيرٍ وَتَقْرِيعٍ).
الحجر 15:94
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ ؛ أي أظهِرْ أمرَكَ بمكَّة واترُكهم حتى يجيءَ أمرُ الله بقتالهم، وكان ﷺ مُستَخفياً بمكَّة قبلَ نزولِ هذه الآيةِ، لا يظهرُ شيئاً مما أنزلَ الله عليه، فلما نزلت هذه الآيةُ أظهرَ النبيُّ ﷺ أمرَهُ وأعلنه بمكَّة.
الحجر 15:95
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ ؛ بكَ، ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلـاهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ وهم خمسةُ نَفَرٍ أهلكَهم اللهُ في يومٍ واحد، منهم العاصُ بن وائلٍ، نزلَ شِعباً من ذلكَ الشِّعاب، فلمَّا وضعَ قدمَهُ على الأرضِ قال : لُدِغْتُ، فطلَبُوا فلم يجدوا شيئاً، فانتفَخَت رجلهُ حتى صارَت مثل عنُقِ البعيرِ فماتَ مكانَهُ.
ومنهم الحارثُ بن قيسٍ أكلَ حُوتاً مالحاً فأصابَهُ عطشٌ شديد فلم يزل يشربُ حتى انقدَّ مكانه فماتَ.
ومنهم الأسودُ بن عبدِالمطلب بن الحارث، قعدَ إلى أصل شجرةٍ، فجعلَ جبريل يضربُ رأسَهُ على الشَّجرة حتى ماتَ، وكان يستغيثُ بغُلامهِ، فقال غلامهُ : لا أرَى أحداً صنعَ بكَ شيئاً غيرَ نفسِكَ.
ومنهم الأسودُ بن عبدِ يَغوث خرجَ من أهلهِ فأصابه السَّمُومُ فاسودَّ حتى صارَ حَبَناً، واتَى أهلَهُ فلم يعرفوهُ فأغلقوا دونه البابَ حتى ماتَ.
ومنهم الوليدُ بن المغيرةِ خرجَ يتبَختَرُ في مِشْيَتِهِ حتى وقفَ على رجُلٍ يعملُ السِّهامَ، فتعلَّقَ سهمٌ بثوبهِ فجعل رداءَهُ على كَتِفِهِ فأصابَ السهمُ أكحلَهُ فقطعه، ثم لَم ينقطعْ عنه الدمُ حتى ماتَ، فذلك قوله ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ أي بكَ وبالقرآنِ.
الحجر 15:96
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ ؛ بكَ، ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلـاهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ وهم خمسةُ نَفَرٍ أهلكَهم اللهُ في يومٍ واحد، منهم العاصُ بن وائلٍ، نزلَ شِعباً من ذلكَ الشِّعاب، فلمَّا وضعَ قدمَهُ على الأرضِ قال : لُدِغْتُ، فطلَبُوا فلم يجدوا شيئاً، فانتفَخَت رجلهُ حتى صارَت مثل عنُقِ البعيرِ فماتَ مكانَهُ.
ومنهم الحارثُ بن قيسٍ أكلَ حُوتاً مالحاً فأصابَهُ عطشٌ شديد فلم يزل يشربُ حتى انقدَّ مكانه فماتَ.
ومنهم الأسودُ بن عبدِالمطلب بن الحارث، قعدَ إلى أصل شجرةٍ، فجعلَ جبريل يضربُ رأسَهُ على الشَّجرة حتى ماتَ، وكان يستغيثُ بغُلامهِ، فقال غلامهُ : لا أرَى أحداً صنعَ بكَ شيئاً غيرَ نفسِكَ.
ومنهم الأسودُ بن عبدِ يَغوث خرجَ من أهلهِ فأصابه السَّمُومُ فاسودَّ حتى صارَ حَبَناً، واتَى أهلَهُ فلم يعرفوهُ فأغلقوا دونه البابَ حتى ماتَ.
ومنهم الوليدُ بن المغيرةِ خرجَ يتبَختَرُ في مِشْيَتِهِ حتى وقفَ على رجُلٍ يعملُ السِّهامَ، فتعلَّقَ سهمٌ بثوبهِ فجعل رداءَهُ على كَتِفِهِ فأصابَ السهمُ أكحلَهُ فقطعه، ثم لَم ينقطعْ عنه الدمُ حتى ماتَ، فذلك قوله ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ أي بكَ وبالقرآنِ.
الحجر 15:97
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ ؛ أي ولقَدْ نعلمُ يا مُحَمَّد أنَّكَ يضيقُ صدرُك بما يقولون من التكذيب بأنَّكَ شاعرٌ وساحر وكاهن، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ ؛ أي فَصَلْ بأمرِ ربكَ، واحمدْهُ بالثَّناءِ عليه، ﴿وَكُنْ مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ ؛ أي مِنَ العابدين لله. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ ؛ أي استقِمْ على عبادةِ ربكَ وطاعتهِ حتى يأتيكَ الموتُ، سَمَّاهُ يَقيناً ؛ لأنه مُوقِنٌ به.
وعن رسولِ الله ﷺ :" مَا أوْحِيَ إلَيَّ أنْ أجْمَعَ الْمَالَ وَأكُونَ مِنَ التَّاجِرِينَ، وَلَكِنْ أُوْحِيَ إلَيَّ أنْ أُسَبحَ بحَمْدِ رَبي وَأكُونَ مِنَ السَّاجِدِين "، وقال الضحَّاكُ :(مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أيْ قُلْ سُبْحَانَ اللهِ وَبحَمْدِهِ، ﴿وَكُنْ مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ أيِ الْمُصَلِّينَ، فَكَانَ ﷺ إذا حَزَّ بهِ أمْرٌ فَزِعَ إلَى الصَّلاَةِ(.
وعن أُبَي بن كعبٍ قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" مَنْ قَرَأ سُورَةَ الْحِجْرِ كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بعَدَدِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ، وَبعَدَدِ الْمُسْتَهْزِئِينَ برَسُولِ اللهِ ﷺ ".
الحجر 15:98
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ ؛ أي ولقَدْ نعلمُ يا مُحَمَّد أنَّكَ يضيقُ صدرُك بما يقولون من التكذيب بأنَّكَ شاعرٌ وساحر وكاهن، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ ؛ أي فَصَلْ بأمرِ ربكَ، واحمدْهُ بالثَّناءِ عليه، ﴿وَكُنْ مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ ؛ أي مِنَ العابدين لله. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ ؛ أي استقِمْ على عبادةِ ربكَ وطاعتهِ حتى يأتيكَ الموتُ، سَمَّاهُ يَقيناً ؛ لأنه مُوقِنٌ به.
وعن رسولِ الله ﷺ :" مَا أوْحِيَ إلَيَّ أنْ أجْمَعَ الْمَالَ وَأكُونَ مِنَ التَّاجِرِينَ، وَلَكِنْ أُوْحِيَ إلَيَّ أنْ أُسَبحَ بحَمْدِ رَبي وَأكُونَ مِنَ السَّاجِدِين "، وقال الضحَّاكُ :(مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أيْ قُلْ سُبْحَانَ اللهِ وَبحَمْدِهِ، ﴿وَكُنْ مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ أيِ الْمُصَلِّينَ، فَكَانَ ﷺ إذا حَزَّ بهِ أمْرٌ فَزِعَ إلَى الصَّلاَةِ(.
وعن أُبَي بن كعبٍ قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" مَنْ قَرَأ سُورَةَ الْحِجْرِ كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بعَدَدِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ، وَبعَدَدِ الْمُسْتَهْزِئِينَ برَسُولِ اللهِ ﷺ ".
الحجر 15:99
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ ؛ أي ولقَدْ نعلمُ يا مُحَمَّد أنَّكَ يضيقُ صدرُك بما يقولون من التكذيب بأنَّكَ شاعرٌ وساحر وكاهن، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ ؛ أي فَصَلْ بأمرِ ربكَ، واحمدْهُ بالثَّناءِ عليه، ﴿وَكُنْ مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ ؛ أي مِنَ العابدين لله. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ ؛ أي استقِمْ على عبادةِ ربكَ وطاعتهِ حتى يأتيكَ الموتُ، سَمَّاهُ يَقيناً ؛ لأنه مُوقِنٌ به.
وعن رسولِ الله ﷺ :" مَا أوْحِيَ إلَيَّ أنْ أجْمَعَ الْمَالَ وَأكُونَ مِنَ التَّاجِرِينَ، وَلَكِنْ أُوْحِيَ إلَيَّ أنْ أُسَبحَ بحَمْدِ رَبي وَأكُونَ مِنَ السَّاجِدِين "، وقال الضحَّاكُ :(مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أيْ قُلْ سُبْحَانَ اللهِ وَبحَمْدِهِ، ﴿وَكُنْ مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ أيِ الْمُصَلِّينَ، فَكَانَ ﷺ إذا حَزَّ بهِ أمْرٌ فَزِعَ إلَى الصَّلاَةِ(.
وعن أُبَي بن كعبٍ قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" مَنْ قَرَأ سُورَةَ الْحِجْرِ كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بعَدَدِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ، وَبعَدَدِ الْمُسْتَهْزِئِينَ برَسُولِ اللهِ ﷺ ".
النحل 16:1
﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] قَالَ الْكُفَّارُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : إنْ يَزْعُمْ أنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَرُبَتْ، فَأَمْسِكُواْ عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حَتَّى نَنْظُرَ مَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَمَّا رَأواْ أنَّهُ لاَ يُنْزِلُ شَيْئاً قَالُواْ : مَا نَرَى شَيْئاً، فَأَنْزَلَ اللهُ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾[الأنبياء: ١]، فَانْتَظَرُواْ قُرْبَ السَّاعَةِ، فَلَمَّا امْتَدَّتِ الأَيَّامُ قَالُواْ : يَا مُحَمَّدُ مَا نَرَى شَيْئاَ تُخَوِّفُنَا بهِ، فَأنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ فَوَثَبَ النَّبيُّ ﷺ لاَ يَشُكُّ أنَّ الْعَذابَ قَدْ أتَى، فَقَالَ اللهُ ﴿فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ يَعْنِي الْعَذابَ، فَجَلَسَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم).
وأما ذِكرُ لفظِ الإتيان في هذا ؛ فلأنَّ أمرَ اللهِ في القُرب بِمنْزِلَةِ ما قد أتَى، كما قالَ تعالى :﴿وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾[النحل: ٧٧]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ؛ أي تنزيهاً له تعالى بصفات المدحِ عمَّا يشركون بهِ من الأصنَامِ.
النحل 16:2
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ ؛ أي ينَزَّلُ الملائكةَ بالوحيِ، ﴿عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ؛ قرأ الأعمشُ (يَنْزِلُ) بفتح الياء وجزم النون وكسرِ الزَّاي، قال ابنُ عبَّاس :(يَعْنِي بالْمَلاَئِكَةِ جِبْرِيلَ وَحْدَهُ)، ويسمَّى الوحيُ رُوحاً ؛ لأنَّهُ تَحْيَا به القلوبُ والحقُّ، ويموتُ الكفرُ والباطلُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَاْ﴾ ؛ أي أنْ أعلِمُوا بالتَّخويفِ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، ﴿فَاتَّقُونِ﴾ ؛ أي فاتَّقوا المعاصيَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَنْ أَنْذِرُواْ﴾ في موضعِ النصب بنَزعِ الخافضِ ؛ أي بأنْ أنذِرُوا.
النحل 16:3
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾، أي ليُستَدَلَّ بهما على توحيدِ الله، وليُعمَلَ بالحقِّ، ﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ؛ مِن أن يكون له شريكٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَ فِي أُبَيِّ بْنِ خَلَفِ الْجَمْحِيِّ حِينَ قَالَ﴿مَن يُحيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾[يس: ٧٨]. والمعنى : خلَقَ الإنسانَ من نُطفَةٍ مُنْتِنَةٍ وأنعمَ عليه حَالاً بعد حالٍ إلى أن أبلغَهُ الحالةَ التي تخاصِمُ عن نفسهِ، فيُنكِرُ إعادتَهُ بعد موتهِ.
النحل 16:4
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾، أي ليُستَدَلَّ بهما على توحيدِ الله، وليُعمَلَ بالحقِّ، ﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ؛ مِن أن يكون له شريكٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَ فِي أُبَيِّ بْنِ خَلَفِ الْجَمْحِيِّ حِينَ قَالَ﴿مَن يُحيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾[يس: ٧٨]. والمعنى : خلَقَ الإنسانَ من نُطفَةٍ مُنْتِنَةٍ وأنعمَ عليه حَالاً بعد حالٍ إلى أن أبلغَهُ الحالةَ التي تخاصِمُ عن نفسهِ، فيُنكِرُ إعادتَهُ بعد موتهِ.
النحل 16:5
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا﴾ ؛ أي وخلَقَ لكم الأنعامَ، وهي ذواتُ الْحِقَافِ والأظْلاَفِ دون الحوَافِرِ. وقولهُ تعالى :﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ ؛ أي مل يُدَفِّيكُمْ من أصوافِها وأوبَارِها من الأكْسِيَةِ ونحوها، ومِن القَلاَنِسِ واللِّحَافِ، ومنافعُ أُخَرَ من ألبانِها ونَسْلِها، والرُّكوب والحمل عليها، والفُرُشِ والبيوت من أصوافِها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ؛ يعني لُحومَها.
النحل 16:6
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ؛ أي ولكم فيها منظرٌ حَسَنٌ، يقالُ : هذه مَوَاشِي فلان، فيكون له في ذلك جمالٌ، قال قتادة :(وَذلِكَ أعْجَبُ مَا يَكُونُ إذا رَاحَتْ عِظَاماً ضُرُوعُهَا طِوَالاً أسْنِمَتُهَا)، وقولهُ تعالى :﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ أي حين تُرِيحونَها في العَشِيِّ مِن مراعيها إلى مَبَارِكِهَا التي تَأْوي إليها، ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ أي تَخرُجون بها بالغَدَاةِ من مَرَاحِهَا إلى مَسَارِحِهَا.
النحل 16:7
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ﴾ ؛ أرادَ به الإبلَ تحملُ أمتِعتَكم وزادَكم، وما يَثْقُلُ عليكم إلى بلدِ قصدتُموه للحجِّ إلى مكَّة، أو تجارةٍ إلى سائرِ البُلدان، لولاَ الإبلُ لكان لا يمكِنُكم بلوغُ تلكَ البلدِ إلا بجَهْدٍ ومشَقَّة. وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ أي مُتَفَضِّلٌ مُنْعِمٌ عليكم.
النحل 16:8
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ ؛ أي وخلَقَ لكم الخيلَ والبغال والحميرَ ؛ لتَركَبوها وتتزَيَّنوا بها زينةٌ، فيحصلُ لكم منافعُها، وحُسْنُ منظَرِها للناسِ، كما قال تعالى :﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾[الكهف: ٤٦]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ أي يخلقُ أشياءَ لا تَعرِفُونَها لم يُسَمِّها لكم.
رُوي عن رسولِ الله ﷺ أنه قالَ :" " إنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ أرْضاً بَيْضَاءَ مِثْلَ الدُّنْيَا ثَلاَثِينَ مَرَّةً مَحْشُوَّةً خَلْقاً مِنْ خَلْقِ اللهِ، لاَ يَعْلَمُونَ أنَّ اللهَ يُعْصَى طَرْفَةَ عَيْنٍ " قَالُواْ : يَا رَسُولَ اللهِ أمِنْ وَلَدِ آدَمَ هُمْ ؟ قَالَ :" ما يَعْلَمُونَ أنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ ؟ " قَالُواْ : فَأَيْنَ إبْلِيسُ عَنْهُمْ ؟ قَالَ : مَا يَعْلَمُونَ أنَّ اللهَ خَلَقَ إبْلِيسَ " ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللهِ ﷺ ﴿وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ "
وهذه الآيةُ مما يُستَدلُّ بها على كراهيةِ لحم الخيلِ على مَذهب أبي حنيفةَ ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال في الأنعامِ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾[النحل: ٥] ولم يذكُرْ في آيةِ الخيل والبغال إلا الركوبَ والزينةَ.
النحل 16:9
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ﴾ ؛ أي وعلَى اللهِ بينُ الهدى والضَّلالة ليُتَّبَعَ الهدى وتُجْتَنَبَ الضَّلالةُ، كما قالَ تعالى :﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾[الانسان: ٣]، وقال تعالى :﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾[الشمس: ٨]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنْهَا جَآئِرٌ﴾ أي مِن الطُّرُقِ ما هو عادلٌ عنِ الحقِّ، قال : يعني اليهوديَّةَ والنصرانية والمجوسية، وقال ابنُ المبارك :(يَعْنِي الأَهْوَاءَ وَالْبدَعَ). قولهُ :﴿وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ؛ إلى جنَّتهِ وثوابهِ، ولأرشدَكم كلَّكم.
النحل 16:10
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ﴾ ؛ مثل البرَكِ والغُدْرَان، ِ ولكم، ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ؛ تَرْعَونَ أنعامَكم، يعني الكَلأَ والأشجارَ التي ترعاهُ الإبلُ.
النحل 16:11
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.
النحل 16:12
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ؛ تسخيرَ الليل والنَّهار، مَجيءَ كلِّ واحدٍ منهما عَقِبَ الآخرِ بتقديرِ اللهِ ؛ لينصرفَ الناسُ في معايشِهم بالنَّهار، ويَسكنُوا بالليلِ، وتسخيرَ الشمسِ والقمر والنُّجوم مجيئهُ بها في أوقاتٍ معلومة.
النحل 16:13
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي وسخَّرَ لكم ما خَلَقَ في الأرضِ من الدواب والأشجار وغيرها، ﴿مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ﴾، ومناظِرهُ وصُوَرُهُ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ ؛ دلائلَ اللهِ.
النحل 16:14
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً﴾ ؛ يعني السَّمَكَ، ﴿وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ ؛ وهو العرضُ لاستخراجِ اللُّؤلؤ والْمَرْجَانِ لتلبسَهُ نساؤُكم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ ؛ أي وترَى السُّفن في البحرِ مقبلةً ومُدبرةً تشقُّ الماءَ يَميناً وشِمالاً، يقالُ : مَخَرَتِ السفينةُ البحرَ، إذا جَرَتْ جَرْياً شقَّت الماءَ شَقّاً، والْمَخْرُ صوتُ هُبُوب الرِّيح، والسفينةُ تجري بالرِّيح، فسُمِّيت السفينةُ مَوَاخِرَ، والواحدة مَاخِرَةٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ؛ يعني لتَركَبوهُ للتِّجارةِ، فتطلبوا الربحَ من فضلِ الله لكي تشكُروا نِعَمَهُ.
النحل 16:15
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ ؛ أي وجعلَ فيها جِبَالاً عاليةً يابسةً لئَلاَّ تحركَ بكم الأرضُ وَ ؛ أجرَى فيها، ﴿وَأَنْهَاراً﴾، مثلَ النِّيل والفُرات ودِجلَةَ وسِيحُونَ وجِيحُون، وَجعلَ فيها، ﴿وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، طُرُقَ منافعكم ؛ لكي تَهتَدُوا إلى الموضعِ الذي تقصدونَهُ.
النحل 16:16
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ؛ أي جعلَ في الأرضِ أعْلاَماً للمسافرين من الجبالِ وغيرِ ذلك. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ معناهُ : إنَّ مَن يسيرُ بالليلِ فإنَّما يهتدِي إلى الطُّرُقِ في البرِّ والبحرِ بالنُّجوم مثل الثُّريا وبنات نَعْشٍ والفرقَدين، يهتدي بها إلى القِبلة والطُّرق.
النحل 16:17
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ﴾ ؛ أي أفَمَن يخلقُ هذه الأشياءَ وهو اللهُ تعالى كمَن لا يقدرُ أن يخلقَ شيئاً وهي الأصنامُ، ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أنَّهما لا يَستويان في استحقاقِ العبادة.
النحل 16:18
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ﴾ ؛ يعني إذا أردتُّم أن تُعَرِّفوا بفاضلِ نِعَمِ الله عليكم في الخلقِ والرِّزق والتمكُّن من الأمور في الدُّنيا لم تقدرُوا على إحصاءِ هذه النِّعم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ﴾ ؛ لذُنوب عباده إذا تابُوا، ﴿رَّحِيمٌ﴾ ؛ بهم بالإمهالِ إلى وقت التَّوبة.
النحل 16:19
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ يعني الأصنامَ، ﴿لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ؛ واللهُ تعالى هو الخالقُ لَها. قولهُ :﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ﴾ ؛ يعني الأصنامَ، والمعنى : كيفَ تخلقُ شيئاً، وهي أمواتٌ لا روحَ لها.
وإنما جَمَعَ بين قولهِ ﴿أَمْواتٌ﴾ وبينَ قولهِ ﴿غَيْرُ أَحْيَآءٍ﴾ لأنه يقالُ : فلانٌ ميِّتٌ وإنْ كان حيّاً، إذا كان لا يُنتَفَعُ بهِ، فكأنَّ اللهَ تعالى بيَّنَ أنه لَم يُسَمِّ الأصنامَ أمواتاً من حيث أنه لا ينتفعُ بها، ولكن لأنه لا حياةَ فيها، فكيف يعبُدون ما لا يخلقُ وما لا يرزقُ ولا ينفع، وهو مع ذلك مِن الأمواتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ؛ أي وما تشعرُ الأصنامُ متى يُبْعَثُ الناسُ من القبور فيُحاسَبون، فكيف يرجُو الكفارُ الجزاءَ من قِبَلِ الأصنامِ، و(أيَّانَ) كلمةُ اختصارٍِ أصلُها (أيَّ) و (أنَّ).
النحل 16:20
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ يعني الأصنامَ، ﴿لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ؛ واللهُ تعالى هو الخالقُ لَها. قولهُ :﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ﴾ ؛ يعني الأصنامَ، والمعنى : كيفَ تخلقُ شيئاً، وهي أمواتٌ لا روحَ لها.
وإنما جَمَعَ بين قولهِ ﴿أَمْواتٌ﴾ وبينَ قولهِ ﴿غَيْرُ أَحْيَآءٍ﴾ لأنه يقالُ : فلانٌ ميِّتٌ وإنْ كان حيّاً، إذا كان لا يُنتَفَعُ بهِ، فكأنَّ اللهَ تعالى بيَّنَ أنه لَم يُسَمِّ الأصنامَ أمواتاً من حيث أنه لا ينتفعُ بها، ولكن لأنه لا حياةَ فيها، فكيف يعبُدون ما لا يخلقُ وما لا يرزقُ ولا ينفع، وهو مع ذلك مِن الأمواتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ؛ أي وما تشعرُ الأصنامُ متى يُبْعَثُ الناسُ من القبور فيُحاسَبون، فكيف يرجُو الكفارُ الجزاءَ من قِبَلِ الأصنامِ، و(أيَّانَ) كلمةُ اختصارٍِ أصلُها (أيَّ) و (أنَّ).
النحل 16:21
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ يعني الأصنامَ، ﴿لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ؛ واللهُ تعالى هو الخالقُ لَها. قولهُ :﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ﴾ ؛ يعني الأصنامَ، والمعنى : كيفَ تخلقُ شيئاً، وهي أمواتٌ لا روحَ لها.
وإنما جَمَعَ بين قولهِ ﴿أَمْواتٌ﴾ وبينَ قولهِ ﴿غَيْرُ أَحْيَآءٍ﴾ لأنه يقالُ : فلانٌ ميِّتٌ وإنْ كان حيّاً، إذا كان لا يُنتَفَعُ بهِ، فكأنَّ اللهَ تعالى بيَّنَ أنه لَم يُسَمِّ الأصنامَ أمواتاً من حيث أنه لا ينتفعُ بها، ولكن لأنه لا حياةَ فيها، فكيف يعبُدون ما لا يخلقُ وما لا يرزقُ ولا ينفع، وهو مع ذلك مِن الأمواتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ؛ أي وما تشعرُ الأصنامُ متى يُبْعَثُ الناسُ من القبور فيُحاسَبون، فكيف يرجُو الكفارُ الجزاءَ من قِبَلِ الأصنامِ، و(أيَّانَ) كلمةُ اختصارٍِ أصلُها (أيَّ) و (أنَّ).
النحل 16:22
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاهُكُمْ إِلاهٌ وَاحِدٌ﴾ ؛ وهو عَزَّ وَجَلَّ، ﴿فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ﴾ ؛ للحقِّ، ﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ ؛ وهم مُتَعَظِّمُونَ عن قَبولِ الحقِّ أنَفةً مِن اتِّباعهِ واتِّباعِكَ.
النحل 16:23
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ؛ أي حقّاً إنَّ اللهَ يعلمُ سِرَّهم وعلانِيَتَهم، ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾.
النحل 16:24
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ ؛ أي إذا قِيْلَ لهؤلاءِ الكفار : ما الذي يدَّعِي مُحَمَّدٌ ﷺ أنه يَنْزِلُ عليهِ مِن اللهِ، ﴿قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ أي الذي تذكُرون أنه مُنْزِلُ كلامِ الأولين، وما يسطِّرون في كتُبهِم من الأخبار والأقاصيصِ.
النحل 16:25
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ﴾ ؛ أي آثامَهم، ﴿كَامِلَةً﴾، أي وافرةً، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ؛ ليَحمِلُوا، ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ﴾ ؛ أي آثامِ، ﴿الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾، يصرِفونَهم عن مُحَمَّدٍ ﷺ والقرآنِ، ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، بلا عِلْمٍ ولا حجَّة، يعني يكونُ عليهم إثْمُ إضلالِهم غيرَهم لا أن يحملون ذنوبَ غيرِهم، كما قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾[الأنعام: ١٦٤]. وقوله تعالى :﴿أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ ؛ ظاهر المعنى.
النحل 16:26
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ الْقَوَاعِدِ﴾ ؛ أي قد مَكَرَ الذين من قَبْلِ هؤلاءِ بأنبيائهم، كما مَكَرَ هؤلاء المقتَسِمون الذين اقتَسَمُوا أعقابَ مكَّة ؛ ليصُدُّوا الناسَ عن دينِ الله، فأتَى اللهُ بُنيَانَ أولئكَ مِن القواعدِ بالعذاب، ﴿فَخَرَّ﴾، فوقعَ، ﴿عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ﴾ ؛ الهدمُ والاستئصالُ، ﴿مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ ؛ بإتيانِ العذاب منهُ.
وقد اختَلفُوا في هؤلاءِ الذي خَرَّ عليهم السقفُ، قال بعضُهم : هو نَمرُودُ بن كَنعان الذي بَنَى صَرْحاً طولهُ خمسُ آلافٍ وخمسون ذِرَاعاً، وعرضهُ عرضُ ثلاثةِ آلاف وخمسون ذِرَاعاً ؛ ليصعدَ إلى السَّماءِ، فوقعَ الصرحُ على الذي كانوا فيه، وأهلَكَ اللهُ نمرودَ بالبَعُوضِ. وقال بعضُهم : هذا على وجهِ الْمَثَلِ، فكأنه جعلَ أعمالَهم بمنْزِل البَانِي بناءً سَقَطَ عليهِ.
النحل 16:27
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ ؛ تُشرِكُونَهم معي في العبادةِ، وقولهُ تعالى :﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ ؛ أي قالَ المؤمنون :﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالْسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ إنَّ الذُّلَّ اليومَ والهوانَ على الكافرين، ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ تقبضُ أرواحَهم في حالِ ظُلمِهم لأنفُسِهم بالكفر، ﴿فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ﴾، واستَسلَمُوا وانقادوا للمذلَّةِ والهوانِ، يقولون :﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ ؛ أي مِن معصيةٍ في الدُّنيا، فيقول المؤمنون :﴿بَلَى﴾ ؛ قد فَعَلتُمْ ذلكَ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ؛ وتقولُ لهم خَزَنَةُ جهنَّمَ، ﴿فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ؛ عن توحيدِ الله وعبادته.
النحل 16:28
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ ؛ تُشرِكُونَهم معي في العبادةِ، وقولهُ تعالى :﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ ؛ أي قالَ المؤمنون :﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالْسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ إنَّ الذُّلَّ اليومَ والهوانَ على الكافرين، ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ تقبضُ أرواحَهم في حالِ ظُلمِهم لأنفُسِهم بالكفر، ﴿فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ﴾، واستَسلَمُوا وانقادوا للمذلَّةِ والهوانِ، يقولون :﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ ؛ أي مِن معصيةٍ في الدُّنيا، فيقول المؤمنون :﴿بَلَى﴾ ؛ قد فَعَلتُمْ ذلكَ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ؛ وتقولُ لهم خَزَنَةُ جهنَّمَ، ﴿فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ؛ عن توحيدِ الله وعبادته.
النحل 16:29
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ ؛ تُشرِكُونَهم معي في العبادةِ، وقولهُ تعالى :﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ ؛ أي قالَ المؤمنون :﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالْسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ إنَّ الذُّلَّ اليومَ والهوانَ على الكافرين، ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ تقبضُ أرواحَهم في حالِ ظُلمِهم لأنفُسِهم بالكفر، ﴿فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ﴾، واستَسلَمُوا وانقادوا للمذلَّةِ والهوانِ، يقولون :﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ ؛ أي مِن معصيةٍ في الدُّنيا، فيقول المؤمنون :﴿بَلَى﴾ ؛ قد فَعَلتُمْ ذلكَ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ؛ وتقولُ لهم خَزَنَةُ جهنَّمَ، ﴿فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ؛ عن توحيدِ الله وعبادته.
النحل 16:30
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(وَذلِكَ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ لَمَّا بَعَثُواْ إلَى أعْقَاب مَكَّةَ رجَالاً ؛ لِيَصُدُّوا النَّاسَ عَنْ دِينِ اللهِ، بَعَثَ النَّبيُّ ﷺ رجَالاً مِنْ أصْحَابهِ : عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ، فَكَانَ وَافِدُ النَّاسِ إذا قَدِمَ فَرَدَّهُ الْكُفَّارُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ وعَنِ الإيْمَانِ، سَأَلَ أصْحَابُ النَّبيِّ ﷺ :(مَاذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ؟ قَالُواْ : خَيْراً أيْ أنْزَلَ حَقّاً وَصَوَاباً).
وعلى هذا انتصبَ قولهُ (خَيْراً)، وإنما ارتفعَ قولهُ في جواب المقتسِمين من كفَّار مكَّة (أسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) لأنَّهم كانوا لا يُقِرُّونَ بإنزالهِ، بل كانوا يقولُون على جهةِ التكذيب هو أساطيرُ الأولين.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هاذِهِ الْدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ ؛ أراد بالحسَنَةِ الثناءَ والمدحَ على ألْسِنَةِ المؤمنين، وَقِيْلَ : للَّذين قالوا لا إلهَ إلا اللهُ يُضَعَّفُ لَهُ بعَشْرٍ، ﴿وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ ؛ يعني الجنَّةَ خيرٌ مما يصِلُ إليهم في الدُّنيا، ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾.
ثُم فسَّرَ دارَ المتَّقين فقال :﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ ؛ أي بساتِينُ إقامةٍ، ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾، يومَ القيامة، ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا﴾ ؛ أي من تحت أشجَارِها، ﴿الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ﴾ ؛ كذلك تكون مجازاةُ الله، ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ ؛ للشِّرك والمعاصِي.
النحل 16:31
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(وَذلِكَ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ لَمَّا بَعَثُواْ إلَى أعْقَاب مَكَّةَ رجَالاً ؛ لِيَصُدُّوا النَّاسَ عَنْ دِينِ اللهِ، بَعَثَ النَّبيُّ ﷺ رجَالاً مِنْ أصْحَابهِ : عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ، فَكَانَ وَافِدُ النَّاسِ إذا قَدِمَ فَرَدَّهُ الْكُفَّارُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ وعَنِ الإيْمَانِ، سَأَلَ أصْحَابُ النَّبيِّ ﷺ :(مَاذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ؟ قَالُواْ : خَيْراً أيْ أنْزَلَ حَقّاً وَصَوَاباً).
وعلى هذا انتصبَ قولهُ (خَيْراً)، وإنما ارتفعَ قولهُ في جواب المقتسِمين من كفَّار مكَّة (أسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) لأنَّهم كانوا لا يُقِرُّونَ بإنزالهِ، بل كانوا يقولُون على جهةِ التكذيب هو أساطيرُ الأولين.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هاذِهِ الْدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ ؛ أراد بالحسَنَةِ الثناءَ والمدحَ على ألْسِنَةِ المؤمنين، وَقِيْلَ : للَّذين قالوا لا إلهَ إلا اللهُ يُضَعَّفُ لَهُ بعَشْرٍ، ﴿وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ ؛ يعني الجنَّةَ خيرٌ مما يصِلُ إليهم في الدُّنيا، ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾.
ثُم فسَّرَ دارَ المتَّقين فقال :﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ ؛ أي بساتِينُ إقامةٍ، ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾، يومَ القيامة، ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا﴾ ؛ أي من تحت أشجَارِها، ﴿الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ﴾ ؛ كذلك تكون مجازاةُ الله، ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ ؛ للشِّرك والمعاصِي.
النحل 16:32
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ ؛ عند قبضِ أروَاحِهم، ﴿طَيِّبِينَ﴾ ؛ أي زَاكِيَةٌ أعمالُهم متمسِّكِين بما أُمِرُوا به مجتَبِينَ لِمَا نُهُوا عنه، طِّيبَةٌ أرواحُهم بما يُبَشَّرُونَ به من الجنَّة، ﴿يَقُولُونَ﴾ ؛ أي يقولُ لهم الملائكة :﴿سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ؛ في الدُّنيا.
النحل 16:33
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ ؛ أي ما ينظرُ أهلُ مكَّة في تكذيبهم للرَّسولِ واستبطائهم العذابَ، إلاّ أن تأتيَهم الملائكةُ لقبضِ أرواحهم، ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ ؛ بعذاب الاستئصال، ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ؛ هؤلاءِ الكفار من تكذيب الرُّسل مثلَ ما فَعَلَ هؤلاءِ فعذبَهم اللهُ ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ ؛ بذلكَ، ﴿وَلـاكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ؛ ظلَمُوا أنفُسَهم حيث فعَلُوا ما استوجَبُوا به العذابَ.
النحل 16:34
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾ ؛ أي عقابُ ما عَمِلوا، أرادَ بالسَّيئات العقابَ كما قال تعالى :﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾[الشورى: ٤٠] ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ؛ أي وحلَّ بهم ما كانوا يستَهزِئُون به من العذاب.
النحل 16:35
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ ؛ هذا نظيرُ الآيةِ التي في الأنعامِ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا﴾[النحل: ١٤٨] قد تقدَّمَ تفسيرهُ، يعني كفارَ أهلِ مكَّة.
وقولهُ تعالى :﴿كَذالِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ؛ مِنَ الأُمَم الماضيةِ من تكذيب الأنبياء مثلَ ما فعلَ هؤلاءِ، فلم يكن ذلك حجَّةً لَهم، ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ؛ عنِ الله بلُغَةٍ يَعرِفونَها. وقال بعضُهم : إنما قالوا هذا القولَ استهزاءً وسخرية كما قال قومُ شعيب : أتَنهَانَا عمَّا كان يعبدُ آباؤنا.
النحل 16:36
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً﴾ ؛ كما بعثنَاكَ رسُولاً في هؤلاءِ، ﴿أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطَّاغُوتَ﴾ ؛ أي اجتَنِبوا الشيطانَ وعبادةَ كلِّ ما تعبدون مِن دون الله، ﴿فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ أي الكفرُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي في أرضِ الذين عاقَبَهم اللهُ، ﴿فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ؛ أي كيف صارَ عاقبةُ مَكرِهم.
النحل 16:37
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ﴾ ؛ أي إنْ تطلُبْ يا مُحَمَّد من جهتك هُداهم، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ ؛ أي يحكمُ عليه بالضَّلالة، ومَن يُضْلِلْهُ اللهُ فلا يهدِي ولا يهتدي، ﴿وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ ؛ أي مَن يدفعُ عنهم العذابَ.
النحل 16:38
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ ؛ أي حلفَ الكفارُ بالله مجتهدين في اليمينِ : أنه لا يبعثُ الله مَن يموتُ، وقوله تعالى :﴿بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً﴾ ؛ أي قُلْ : بلَى، وَقِيْلَ : إنَّ اللهَ تولَّى الجوابَ بنفسهِ، كأنه قال : لِيَبْعَثَهُمْ بعدَ الموتِ وَعْداً عليهِ.
انتصبَ قوله (حَقّاً) على المصدرِ ؛ أي وَعَدَ وَعْداً حَقّاً كأنَّما أوجبَهُ على نفسهِ، ﴿وَلـاكِنَّ أَكْثَرَ الْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ أنه حقٌّ.
النحل 16:39
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ ؛ معناهُ : يبعَثُهم لكي يُبَيِّنَ لهم ما يختلِفون فيه من الدِّين ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ﴾ في الدُّنيا بأنْ لا جنةَ ولا نارَ.
النحل 16:40
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي إنَّما أمْرُنا في البعثِ وغيرهِ إذا أرَدْنا أن نقولَ له : كُنْ ؛ فيكونُ. مَن رفعَ (فَيَكُونَ) معناهُ : فهو يكونُ، ومَن نصبَ فعلى جواب كُنْ، وَقِيْلَ : عَطفاً على (أنْ يَقُولَ).
النحل 16:41
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَصُهَيْبٍ وَبلاَلٍ وَأصْحَابهِ الَّذِينَ هَاجَرُواْ إلَى الْمَدِينَةِ مِنْ بَعْدِ مَا عَذبَهُمْ أهْلُ مَكَّةَ).
والمعنَى : والذين هَجَروا أوطانَهم في طاعةِ الله، وسَارُوا إلى النبيِّ ﷺ من بعدِ ما ظلَمَهم الكفارُ، ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾، أرضاً كَرِيمَةً وهي المدينةُ بدلَ أوطانِهم، ﴿وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ ؛ لَهم مما أعطينَاهم في الدُّنيا، ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ يعلمُ الكفَّار.
ثُم وَصَفَهم فقال :﴿الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ ؛ يعني على الشَدائِد والعبادات، وصَبَروا عنِ الْمُحَرَّمَاتِ، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ في طلب الدِّين والدُّنيا.
النحل 16:42
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَصُهَيْبٍ وَبلاَلٍ وَأصْحَابهِ الَّذِينَ هَاجَرُواْ إلَى الْمَدِينَةِ مِنْ بَعْدِ مَا عَذبَهُمْ أهْلُ مَكَّةَ).
والمعنَى : والذين هَجَروا أوطانَهم في طاعةِ الله، وسَارُوا إلى النبيِّ ﷺ من بعدِ ما ظلَمَهم الكفارُ، ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾، أرضاً كَرِيمَةً وهي المدينةُ بدلَ أوطانِهم، ﴿وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ ؛ لَهم مما أعطينَاهم في الدُّنيا، ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ يعلمُ الكفَّار.
ثُم وَصَفَهم فقال :﴿الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ ؛ يعني على الشَدائِد والعبادات، وصَبَروا عنِ الْمُحَرَّمَاتِ، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ في طلب الدِّين والدُّنيا.
النحل 16:43
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ﴾ ؛ نزلت جَواباً لأهلِ مكَّة حين قالوا : لو أرادَ اللهُ أن يبعثَ إلينا رسُولاً لبعَثَ رسولاً من الملائكةِ لا رجُلاً منَّا. ومعنى الآيةِ ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ﴾ يا مُحَمَّدُ إلى الأُمَم الماضيةِ إلا رجَالاً أوحَينا إليهم كما أوحَينا إليكَ، ﴿فَاسْأَلُواْ﴾ ؛ يا أهلَ مكَّة، ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ ؛ أي الكتاب، ﴿إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ أنَّ الرسُلَ كانت من البشَرِ.
النحل 16:44
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ ؛ راجعٌ إلى قولهِ تعالى﴿نُّوحِي إِلَيْهِمْ﴾[النحل: ٤٣]. وَقِيْلَ : في هذا إضمارٌ كأنه قالَ : وأرسلنَاهم بالبيِّناتِ والزُّبُرِ. والبيناتُ : هي الدلالاتُ الواضِحَاتُ، والزُّبُرُ : جمعُ الزَّبُور وهو الكتابُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ ؛ أي القرآنَ، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ؛ الحلالَ والحرامَ والحقَّ والباطل، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ؛ فيهِ فيُؤمِنُوا بهِ.
النحل 16:45
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ؛ يَعْنِي الشِّرْكَ) ؛ وَقِيْلَ : معناهُ : أفأَمِنَ الذين مَكَروا في تكذيب الرُّسل وأذى المسلمين أنْ يخسفَ اللهُ بهم كما خَسَفَ بقارون، ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ﴾ ؛ موضعُ، ﴿لاَ يَشْعُرُونَ﴾ أي لا يعلمونَ، ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ ؛ أي في أسفَارِهم وتجارتِهم وتصرُّفِهم، ﴿فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ﴾ ؛ اللهَ على ما يريدُ إحلالَهُ بهم.
النحل 16:46
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ؛ يَعْنِي الشِّرْكَ) ؛ وَقِيْلَ : معناهُ : أفأَمِنَ الذين مَكَروا في تكذيب الرُّسل وأذى المسلمين أنْ يخسفَ اللهُ بهم كما خَسَفَ بقارون، ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ﴾ ؛ موضعُ، ﴿لاَ يَشْعُرُونَ﴾ أي لا يعلمونَ، ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ ؛ أي في أسفَارِهم وتجارتِهم وتصرُّفِهم، ﴿فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ﴾ ؛ اللهَ على ما يريدُ إحلالَهُ بهم.
النحل 16:47
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ ؛ أي على تَنَقُّصٍ إما بقَتلٍ أو بمَوتٍ ؛ الأوَّلُ فالأولُ حتى يهلَكُوا عن آخرِهم، رُوي عن عمرَ رضي الله عنه أنه قالَ :(مَا كُنْتُ أدْرِي مَا مَعْنَى (عَلَى تَخَوُّفٍ) حَتَّى سَمِعْتُ قَوْلَ الشَّاعِرِ : تَخَوَّفَ السَّيْرُ مِنْهَا تَامِكاً قَرِدَا كَمَا تَخَوَّفَ عُودُ النَّبْعَةِ السَّفَنُوقال الحسنُ :(مَعْنَاهُ : أنْ يُخَوِّفَهُمْ بأَنْ يُهْلِكَ قَرْيَةً لِتَنْزَجِرَ قَرْيَةٌ أُخْرَى). وقولهُ تعالى :﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ أي شديدُ الرَّحمة بتأخيرِ العذاب عن الكفَّار، أو شديدُ الرحمةِ على مَن تابَ منهم.
النحل 16:48
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ ؛ أي من شَخْصٍ قائمٍ من شَجر أو إنسان أو نحوِ ذلك، ﴿يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشَّمَآئِلِ﴾ ؛ أي يتَمَيَّلُ ظِلالهُ عن اليمينِ والشَّمائلِ، إذا طلعَتِ الشمسُ وإذا غرَبت، ﴿سُجَّداً لِلَّهِ﴾ ؛ أي مَيَلانُهَا أو دوَرَانُها من موضعٍ إلى موضعٍ سجودُها، فيسجدُ الظلُّ غدوةً إلى أن يفيءَ الظلُّ، ثم يسجدُ أيضاً إلى الليلِ. وفي هذا دليلُ توحيدِ الله تعالى، قال الحسنُ :(أمَّا ظِلُّكَ فَيَسْجُدُ للهِ، وَأمَّا أنْتَ فَلاَ تَسْجُدُ). قولهُ :﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ أي صَاغِرُون ذليلُونَ.
النحل 16:49
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ﴾ ؛ أي ما دبَّ على الأرضِ، ﴿وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ؛ أي ويخضع الملائكة وهم لا يتعظَّمون الخضوعِ له، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ﴾ ؛ أي يخافونَ عقابَ ربهم من فوقِهم. وَقِيْلَ : يخافون ربَّهم خوفَ المقهورِ من القاهر، فذكَرَ لفظَ فَوْقِ على هذا المعنى.
وقولهُ تعالى :﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ؛ يعني الملائكةَ لا يعصُونَ اللهَ ما أمَرَهم. وعن رسولِ الله ﷺ أنه قالَ :" إنَّ للهِ مَلائِكَةً فِي السَّمَاءِ السَّابعَةِ سُجُوداً مُنْذُ خَلَقَهُمُ اللهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، تَرْعَدُ فَرَائِصُهُمْ مِنْ مَخَافَةِ اللهِ، وَتَجْرِي دُمُوعُهُمْ وَتَضْطَرِبُ أجْنِحَتُهُمْ، لاَ تَقَطُرُ مِنْ دُمُوعِهِمْ قَطْرَةٌ إلاَّ صَارَتْ مَلَكاً قَائِماً، فإذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ رَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ وَقَالُواْ : سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ ".
وعن ابنِ عبَّاس أنه قالَ في هذه الآيةِ :(مَنْ سَجَدَ هَذِهِ السَّجْدَةَ إيْمَاناً وَتَصْدِيقاً، أعْطَاهُ اللهُ بعَدَدِ الْمَلاَئِكَةِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَقَطْرِ الْمَطَرِ وَنَبَاتِ الأَرْضِ وَتُرَابهَا وَرَمْلِهَا وَمَدَرِهَا، وَبَعَدَدِ مَا دَبَّ عَلَى وَجْهِ الأرْضِ حَسَنَةً حَسَنَةً).
النحل 16:50
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ﴾ ؛ أي ما دبَّ على الأرضِ، ﴿وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ؛ أي ويخضع الملائكة وهم لا يتعظَّمون الخضوعِ له، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ﴾ ؛ أي يخافونَ عقابَ ربهم من فوقِهم. وَقِيْلَ : يخافون ربَّهم خوفَ المقهورِ من القاهر، فذكَرَ لفظَ فَوْقِ على هذا المعنى.
وقولهُ تعالى :﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ؛ يعني الملائكةَ لا يعصُونَ اللهَ ما أمَرَهم. وعن رسولِ الله ﷺ أنه قالَ :" إنَّ للهِ مَلائِكَةً فِي السَّمَاءِ السَّابعَةِ سُجُوداً مُنْذُ خَلَقَهُمُ اللهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، تَرْعَدُ فَرَائِصُهُمْ مِنْ مَخَافَةِ اللهِ، وَتَجْرِي دُمُوعُهُمْ وَتَضْطَرِبُ أجْنِحَتُهُمْ، لاَ تَقَطُرُ مِنْ دُمُوعِهِمْ قَطْرَةٌ إلاَّ صَارَتْ مَلَكاً قَائِماً، فإذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ رَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ وَقَالُواْ : سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ ".
وعن ابنِ عبَّاس أنه قالَ في هذه الآيةِ :(مَنْ سَجَدَ هَذِهِ السَّجْدَةَ إيْمَاناً وَتَصْدِيقاً، أعْطَاهُ اللهُ بعَدَدِ الْمَلاَئِكَةِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَقَطْرِ الْمَطَرِ وَنَبَاتِ الأَرْضِ وَتُرَابهَا وَرَمْلِهَا وَمَدَرِهَا، وَبَعَدَدِ مَا دَبَّ عَلَى وَجْهِ الأرْضِ حَسَنَةً حَسَنَةً).
النحل 16:51
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـاهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـاهٌ وَاحِدٌ﴾ ؛ يجوزُ أن يكون قولهُ (اثْنَيْنِ) تأكيداً لما سَبَقَ، ويجوزُ أن يكون المعنى : لا تتَّخذوا اثنين إلَهين إنما اللهُ إلهٌ واحد، ﴿فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ؛ أي فَاخْشَوْنِ ولا تَخْشَوا أحَداً غيري، ﴿وَلَهُ مَا فِي الْسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً﴾ ؛ أي دَائِماً، وقوله تعالى (وَاصِباً) انتصبَ على القطعِ وإنْ كان فيه الوصفُ، والوَصَبُ : شدَّةُ التَّعَب ؛ لأن اللهَ هو المستحقُّ أن يُعبَدَ في جميعِ الأوقات. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ؛ إنكارٌ عليهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.
وقولهُ تعالى :﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ ؛ أي فإليه تتضرَّعون في كشفهِ، والْجُؤَارُ في اللغة : رفعُ الصَّوتِ، فكأنَّهُ قالَ : فإليه تَضُجُّونَ وَتَصِيحُونَ، ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ؛ عادَ فريقٌ منكم إلى الشِّرك، ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾ ؛ أي ليجْحَدوا نعمةَ اللهِ في كشف الضرِّ عنهم. ثم أوْعَدَهُمْ فقالَ :﴿فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ أي فتمتَّعوا في الدُّنيا، فسوف تعلمونَ ما يحلُّ بكم من العقاب.
النحل 16:52
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـاهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـاهٌ وَاحِدٌ﴾ ؛ يجوزُ أن يكون قولهُ (اثْنَيْنِ) تأكيداً لما سَبَقَ، ويجوزُ أن يكون المعنى : لا تتَّخذوا اثنين إلَهين إنما اللهُ إلهٌ واحد، ﴿فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ؛ أي فَاخْشَوْنِ ولا تَخْشَوا أحَداً غيري، ﴿وَلَهُ مَا فِي الْسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً﴾ ؛ أي دَائِماً، وقوله تعالى (وَاصِباً) انتصبَ على القطعِ وإنْ كان فيه الوصفُ، والوَصَبُ : شدَّةُ التَّعَب ؛ لأن اللهَ هو المستحقُّ أن يُعبَدَ في جميعِ الأوقات. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ؛ إنكارٌ عليهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.
وقولهُ تعالى :﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ ؛ أي فإليه تتضرَّعون في كشفهِ، والْجُؤَارُ في اللغة : رفعُ الصَّوتِ، فكأنَّهُ قالَ : فإليه تَضُجُّونَ وَتَصِيحُونَ، ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ؛ عادَ فريقٌ منكم إلى الشِّرك، ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾ ؛ أي ليجْحَدوا نعمةَ اللهِ في كشف الضرِّ عنهم. ثم أوْعَدَهُمْ فقالَ :﴿فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ أي فتمتَّعوا في الدُّنيا، فسوف تعلمونَ ما يحلُّ بكم من العقاب.
النحل 16:53
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـاهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـاهٌ وَاحِدٌ﴾ ؛ يجوزُ أن يكون قولهُ (اثْنَيْنِ) تأكيداً لما سَبَقَ، ويجوزُ أن يكون المعنى : لا تتَّخذوا اثنين إلَهين إنما اللهُ إلهٌ واحد، ﴿فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ؛ أي فَاخْشَوْنِ ولا تَخْشَوا أحَداً غيري، ﴿وَلَهُ مَا فِي الْسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً﴾ ؛ أي دَائِماً، وقوله تعالى (وَاصِباً) انتصبَ على القطعِ وإنْ كان فيه الوصفُ، والوَصَبُ : شدَّةُ التَّعَب ؛ لأن اللهَ هو المستحقُّ أن يُعبَدَ في جميعِ الأوقات. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ؛ إنكارٌ عليهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.
وقولهُ تعالى :﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ ؛ أي فإليه تتضرَّعون في كشفهِ، والْجُؤَارُ في اللغة : رفعُ الصَّوتِ، فكأنَّهُ قالَ : فإليه تَضُجُّونَ وَتَصِيحُونَ، ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ؛ عادَ فريقٌ منكم إلى الشِّرك، ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾ ؛ أي ليجْحَدوا نعمةَ اللهِ في كشف الضرِّ عنهم. ثم أوْعَدَهُمْ فقالَ :﴿فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ أي فتمتَّعوا في الدُّنيا، فسوف تعلمونَ ما يحلُّ بكم من العقاب.
النحل 16:54
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـاهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـاهٌ وَاحِدٌ﴾ ؛ يجوزُ أن يكون قولهُ (اثْنَيْنِ) تأكيداً لما سَبَقَ، ويجوزُ أن يكون المعنى : لا تتَّخذوا اثنين إلَهين إنما اللهُ إلهٌ واحد، ﴿فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ؛ أي فَاخْشَوْنِ ولا تَخْشَوا أحَداً غيري، ﴿وَلَهُ مَا فِي الْسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً﴾ ؛ أي دَائِماً، وقوله تعالى (وَاصِباً) انتصبَ على القطعِ وإنْ كان فيه الوصفُ، والوَصَبُ : شدَّةُ التَّعَب ؛ لأن اللهَ هو المستحقُّ أن يُعبَدَ في جميعِ الأوقات. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ؛ إنكارٌ عليهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.
وقولهُ تعالى :﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ ؛ أي فإليه تتضرَّعون في كشفهِ، والْجُؤَارُ في اللغة : رفعُ الصَّوتِ، فكأنَّهُ قالَ : فإليه تَضُجُّونَ وَتَصِيحُونَ، ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ؛ عادَ فريقٌ منكم إلى الشِّرك، ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾ ؛ أي ليجْحَدوا نعمةَ اللهِ في كشف الضرِّ عنهم. ثم أوْعَدَهُمْ فقالَ :﴿فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ أي فتمتَّعوا في الدُّنيا، فسوف تعلمونَ ما يحلُّ بكم من العقاب.
النحل 16:55
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـاهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـاهٌ وَاحِدٌ﴾ ؛ يجوزُ أن يكون قولهُ (اثْنَيْنِ) تأكيداً لما سَبَقَ، ويجوزُ أن يكون المعنى : لا تتَّخذوا اثنين إلَهين إنما اللهُ إلهٌ واحد، ﴿فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ؛ أي فَاخْشَوْنِ ولا تَخْشَوا أحَداً غيري، ﴿وَلَهُ مَا فِي الْسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً﴾ ؛ أي دَائِماً، وقوله تعالى (وَاصِباً) انتصبَ على القطعِ وإنْ كان فيه الوصفُ، والوَصَبُ : شدَّةُ التَّعَب ؛ لأن اللهَ هو المستحقُّ أن يُعبَدَ في جميعِ الأوقات. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ؛ إنكارٌ عليهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.
وقولهُ تعالى :﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ ؛ أي فإليه تتضرَّعون في كشفهِ، والْجُؤَارُ في اللغة : رفعُ الصَّوتِ، فكأنَّهُ قالَ : فإليه تَضُجُّونَ وَتَصِيحُونَ، ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ؛ عادَ فريقٌ منكم إلى الشِّرك، ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾ ؛ أي ليجْحَدوا نعمةَ اللهِ في كشف الضرِّ عنهم. ثم أوْعَدَهُمْ فقالَ :﴿فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ أي فتمتَّعوا في الدُّنيا، فسوف تعلمونَ ما يحلُّ بكم من العقاب.
النحل 16:56
قوله تعالى :﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ ؛ أي ويجعلون للأصنامِ التي لا تعلمُ نَصيباً مما رزقناهم، وهو ما كانوا يجعلونَ لها من السَّائبة والبَحِيرَةِ والْحَامِ وبعضِ الحرث. ويجوز أن يكون :﴿لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ﴾ راجعاً إلى الكفارِ على معنى أنَّهم لا يعلَمون أنَّها تنفعُهم ولا تضرُّهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ ؛ قَسَمٌ بأن اللهَ يسألُهم في الآخرةِ عن افترائهم فيما جعلوهُ للاصنامِ.
النحل 16:57
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ﴾ ؛ معناه : إنَّهم يقولون : إن الملائكةَ بناتُ الله، وقوله تعالى ﴿سُبْحَانَهُ﴾ تَنْزِيهاً للهِ تعالى عما لا يليقُ به. وقولهُ تعالى :﴿وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ﴾ ؛ أي ما يختارُون لأنفسِهم من البنين دونَ البناتِ.
النحل 16:58
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً﴾ ؛ أي ظهرَ أثرُ كراهةِ الحزن على وجههِ من ذلك، يقال لِمَن لَقِيَ مكروهاً : قَدِ اسْوَدَّ وجههُ غَمّاً وحُزناً وخَجلاً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ؛ أي ممتلئ غَيظاً وغَمّاً يتردَّدُ حزنهُ في جوفهِ.
النحل 16:59
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ ؛ أي يختفِي من المبشِّرين له بذلكَ ومن جُلسائهِ من كراهةِ ما بُشِّرَ به من الأُنثى، ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ ؛ أي أيحفظُ المبشَّرَ به على هَوْنٍ ومشقَّة، والْهَوْنُ : الْهَوَانُ، ﴿أَمْ يَدُسُّهُ﴾ ؛ أي يدفنهُ، ﴿فِي التُّرَابِ﴾ ؛ حَيّاً كما كان في عادةِ العرب كان إذا وُلد لأحدهم أُنثى حفرَ لها حفرةً وألقاهَا فيها ودفَنَها حتى تَموتَ، وهي الْمَوْءُدَةُ.
وأما لفظُ التذكيرِ في قوله ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى﴾ فإنه راجعٌ إلى المبشَّر بهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ؛ أي ألاَ ساءَ ما يقضُونَ من اختيار البنين لأنفُسِهم، وإضافةِ البنات إلى اللهِ وقَتلِ الْمَوْءُودةِ.
النحل 16:60
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ ؛ أي لَهم صفةُ السُّوء من احتياجِهم إلى الولدِ، وكراهيتهم الإناثَ خوف العار، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ ؛ أي الصفةُ العليا وهي الأُلوهية والربُوبيَّة لم يلد ولم يولَدْ ولم يكن له كُفُواً أحدٌ، وقولهُ تعالى :﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ؛ أي الغالبُ الذي لا يقدرُ أحدٌ أن يغلبَهُ، الحكيمُ في أمرهِ وتدبيره.
النحل 16:61
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ ؛ أي بعقاب معاصيهم عاجلاً، ﴿مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا﴾ ؛ أي على الأرضِ، ﴿مِن دَآبَّةٍ وَلاكِن يُؤَخِّرُهُمْ﴾ ؛ أي يُمهِلُهِم، ﴿إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ ؛ أي إلى وقتٍ ضَرَبَهُ لامهالهم، ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ﴾ ذلكَ الوقتُ، ﴿لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ؛ لا يتقدَّمون ساعةً ولا يتأخَّرون.
فإن قِيْلَ : كيف قال ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ مع عِلمنا أن في الناسِ من هو غيرُ ظالِمٍ، قيل : معناه :(ما تركَ عليها من دابَّة ظالمةٍ). وَقِيْلَ : معناهُ : ولو يؤاخِذُ الله الناسَ بظُلمِهم عَاجلاً لانقطعَ النسلُ ؛ لا أحدَ إلا وقد كان في آبائهِ وأجداده من هو ظالِمٌ.
فإن قِيْلَ : في الآية تعميمُ الناسِوالدواب في الهلاكِ ؛ فأيُّ شيء يوجبُ هلاكَ الدواب ؟ قِيْلَ : إن الدوابَّ إنما خلقَها اللهُ لمنافعِ الناس، فإذا هلكت الناس بمنع المطرِ عنهم، لم يبقَ في الأرضِ دابَّة إلا وهلَكَت، وإذا هلكَ الناسُ بوجهٍ من الوجوه لم تبقَ الدوابُّ.
النحل 16:62
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ ؛ لأنفُسِهم. في الآيةِ إعادةُ ذكر جَهلِ الكفَّار أنَّهم يجعلون للهِ ما يكرَهون لأنفُسِهم وهو البناتُ، ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ﴾ ؛ مع ذلكَ، ﴿الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ ؛ أي أن لهم الجنَّة في الآخرةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ﴾ ؛ أي حَقّاً، وَقِيْلَ : لا بدَّ ولا محالةَ أن لهم النارَ، ﴿وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ﴾ ؛ أي مقدَّمون إلى النارِ، والفَارطُ في اللغة : هو القادمُ إلى الماءِ، ومنه قولهُ ﷺ :" وَأنَا فَرْطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ " أي سَابقُكم.
ومَن قرأ (مُفْرِطُونَ) بكسرِ الراء، فهُم الذين أفرَطُوا في الذنوب والمعاصي، ومَن قرأ (مُفَرّطُونَ) بالتشديدِ فهو من التَّفريطِ وهو التقصيرُ.
النحل 16:63
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ ؛ تسليةٌ للنبيِّ ﷺ أي كما أرسلناكَ إلى هؤلاءِ أرسلنا إلى أُمَم من قبلِكَ، فزَيَّن لهم الشيطانُ أعمالَهم في الكفرِ والتكذيب، ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ ؛ في الدُّنيا يتبَعون إغواءَهُ، ويقال :(هُوَ وَلِيُّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } أي يقالُ لهم يومئذٍ : هذا وليُّكم، فيَكِلُكُم الله يومئذ إلى مَن لا يملكُ دفعَ العذاب عن نفسهِ، فكيف يدفعُ عنهم العذابَ، ومَن كان الشيطانُ ولِيُّه دخلَ النارَ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
النحل 16:64
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾ ؛ أي لتُبيِّن لهم الحقَّ من الباطلِ، وَأنزلناهُ، ﴿وَهُدًى﴾، دلالةً، ﴿وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ؛ أي للمؤمنين. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ الْسَّمَآءِ مَآءً﴾ ؛ يعني المطرَ، ﴿فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ﴾ ؛ أي يُبسِها، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ ؛ أدِلَّةَ اللهِ، ويتفكَّرون فيها.
النحل 16:65
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾ ؛ أي لتُبيِّن لهم الحقَّ من الباطلِ، وَأنزلناهُ، ﴿وَهُدًى﴾، دلالةً، ﴿وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ؛ أي للمؤمنين. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ الْسَّمَآءِ مَآءً﴾ ؛ يعني المطرَ، ﴿فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ﴾ ؛ أي يُبسِها، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ ؛ أدِلَّةَ اللهِ، ويتفكَّرون فيها.
النحل 16:66
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً﴾ ؛ مِن دون أن يظهرَ فيه لونُ الدمِ ولا رائحة الفَرَثِ، ﴿سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾ ؛ أي مُتَيسِّرَ الجري في الحلقِ، لا يغُصُّ به شاربهُ. وإنما لم يقل في بطونِها ؛ لأن الأنعامَ والنَّعيمَ واحدٌ، فكأنه ردَّ الكنايةَ إلى النَّعيمِ. وفي قوله تعالى ﴿نُّسْقِيكُمْ﴾ قرآءَتان : فتحُ النون وضمُّها، يقال سَقَى وأسْقَى بمعنى واحدٍ.
النحل 16:67
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾ ؛ أراد بالسَّكَرِ الْمُسْكَرَ ؛ وهو من العِنَب الخمرُ، ومن النَّخيلِ نقيعُ التَّمر إذا غلَى واشتدَّ، نزلَتْ هذه الآيةُ وهُمَا لهم حلالٌ يومئذٍ، هكذا قال ابنُ عبَّاس، والرِّزقُ الحسَنُ : ما أُحِلَّ منها مثل الْخَلِّ والزبيب والتَّمر.
وسُئل بعضهم عن هذهِ الآية فقال :(السَّكَرُ مَا حُرِّمَ مِنْ ثَمَرهَا، وَالرِّزْقُ الْحَسَنُ مَا حَلَّ مِن ثَمَرِهَا). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ؛ دلائلَ اللهِ.
النحل 16:68
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ ؛ أي وألْهَمَ ربُّكَ النحلَ وعرَّفَها ووَفَّرَ عليها ودعَاها إلى ما هو مذكورٌ في هذه الآيةِ، وسَمَّى الإلهامَ وَحياً ؛ لأن الوحيَ هو ظهورُ المعنى للنَّفسِ على وجهٍ خَفِيٍّ، وقد ألْهَمَ اللهُ كلَّ دابة التماسَ منافعها واجتنابَ مضارِّها، إلاّ أنَّ أمَر النحلِ أعجبُ ؛ لأن فيها مِن لطيفِ الصَّنعة ما فيه أعظمُ مُعتَبَرٍ، فإنَّ اللهَ ألهمَها اتخاذ المنازل والمساكنَ، وأنْ تأكُلَ من كلِّ الثمرات لمنافعِ بني آدم، وأنْ لا تقذفَ ما أكلتْهُ بعد ما صارَ عَسَلاً إلا على حَجَرٍ صافٍ أو مكان نَظِيفٍ لا يخالطهُ طين ولا ترابٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ﴾ ؛ فهي تتخذُ من الجبالِ بُيوتاً إذا لم تكن لأحدٍ، وقولهُ تعالى :﴿وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ ؛ يعني مما يَبنِي الناسُ لها من خلاَياها ومساكنِها، ولولا التسخيرُ وإلهام الله ما كانت تأْوِي إلى ما يُبنى لها.
النحل 16:69
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ ؛ أي من ألوان الثمرِ كُلِّه، ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً﴾ ؛ أي طُرُقَ ربكِ لطلب الرَّعي، وقوله تعالى ﴿ذُلُلاً﴾ يجوز أن يكون من نَعْتِ السُّبُلِ ؛ أي لا يتوعَّرُ عليها مكان سلكَتْهُ، وهي ترعَى الأماكنَ البعيدة ذات العاصِ، قد ذلَّلَ اللهُ لها مسالِكَها أي سهَّلها. وقال ابنُ عباس :(ذُلُلاً نَعْتُ النَّحْلِ ؛ أيْ مُطِيعَةً بالتَّسْخِيرِ وَإخْرَاجِ الْعَسَلِ مِنْ بُطُونِهَا).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ ؛ يعني العسَلَ يلقيهِ النحلُ أبيضَ وأصفرَ وأحمر، يقالُ : إنه يَخرجُ من شبابها الأبيضُ، ومِن كهولِها الأصفرُ، ومن شُيوخها الأحمرُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ﴾ ؛ أي في ذلكَ الشراب شفاءٌ للأوجاعِ التي شفاؤُها فيه، كذا قال السديُّ.
وليس إذا كان في الناسِ من يضرهُ العسل لمعنى في نفسهِ ما يوجبُ أن يخرجَ العسلُ من كونهِ شفاءٌ للناس، فإنَّ اللهَ جعلَ الماءَ حياةً لكلِّ شيء، وربَّما يكون الماءُ سَبباً للهلاكِ، لكن الاعتبارَ للأعمِّ، وقال قتادةُ :(فِيْهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ مِنَ الأَدْوَاءِ)، وعن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قالت :" كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ "، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
النحل 16:70
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ ؛ أي خلَقَكم في بُطونِ أمَّهاتكم طوراً بعد طورٍ حتى أخرجَكم وربَّاكم إلى أن يقبضَ أرواحكم عندَ آجالِكم، ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ ؛ حتى يعودَ في كِبَرهِ وهرمهِ في نُقصان قوَّته ونقصان عقلهِ إلى مثل حالِ الطُّفولة.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ ؛ أي لكي يصيرَ كالصبيِّ الذي لا عقلَ له، وقال السديُّ :(أرْذلُ الْعُمُرِ الْخَرَفُ)، وقال قتادةُ :(تِسْعُونَ سَنَةً) وعن عليٍّ رضي الله عنه :(أنَّ أرْذلَ الْعُمُرِ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ ؛ أي عليمٌ بكلِّ شيء، قادرٌ على تحويلِ الأحوال.
النحل 16:71
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ﴾ ؛ أي في المالِ والْخَدَمِ والنِّعَمِ، وجعل بعضَكم سادةً وبعضكم مَماليكَ، ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ﴾ ؛ أي فمَا أربابُ الأخدامِ وفُضِّلوا، ﴿بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ؛ أي المماليكِ، ﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ﴾ ؛ فيُسَوُّونَهُمْ معَ أنفُسِهم في الملكِ.
فإذا لم تَرْضَوا في الحكمةِ أن يشرككم مماليككم أيبطلوا فضلكم ؟ فكيف يرضَى اللهُ مِنْ خلقهِ أن يجعلوا له شَريكاً في الملكِ من خَلقِهِ، وهذا مثلٌ ضربه الله للمُشرِكين فقال : إذا لَم يكن عبيدُكم معكم سواءٌ في المِلك فكيف يجعلون عبادِي معي سواء؟
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ؛ أي أتَصِفُونَ نعمةَ الله إلى غيرهِ وتشكرونَهُ عليها فتَجْحَدون نعمةَ الله، فإنَّ مَن أضافَ النعمةَ إلى غير الْمُنْعِمِ وشكرَ عليها فقد جحدَ النِّعمةَ.
النحل 16:72
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾ ؛ أي جعلَ لكم من جِنسِكم نساءً، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم﴾ ؛ أي من نسائِكم ؛ ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾، قِيْلَ : إن الحفدةَ الأختان، وَقِيْلَ : ولَدُ الولدِ، وَقِيْلَ : الخدَمُ، وحقيقيةُ الحفَدة مَن يعاون على ما يحتاجُ، سرعة من الْحَفْدِ والإسراعِ، ويقال لكلِّ من أسرعَ في الخدمةِ والعملِ : حَفَدَةٌ، ومنه قولهم في دُعاء الوتر (نَسْعَى وَنَحْفِدُ) أي نُسرِعُ في طاعتكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ ؛ أي من الملاذِّ والحلالِ، وقولهُ تعالى :﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ ؛ أي أفَبالأَصنَامِ يؤمنون، ﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ ؛ أي يجحَدون بإضافَتها إلى غيرِ الله.
النحل 16:73
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئاً﴾ ؛ أي ويعبدون الأصنامَ التي لا تملكُ لهم رزْقاً من السَّموات بإنزال الغَيْثِ، ولا مِن الأرض بإنباتِ النبات شيئاً قليلاً ولا كثيراً، ﴿وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ ؛ أي لا يَملِكون، وليست لهم استطاعةٌ.
النحل 16:74
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ ؛ أي لا تجعَلُوا للهِ الأشباهَ ؛ لأنه لا يشبهُ شيئاً ولا يشبههُ شيءٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ أي إن اللهَ يعلمُ ما يكون قبلَ أن يكون، وأنتمْ لا تعلمون قَدْرَ عظَمَتي حيث أشرَكتمُونِي وعجَّزتُمونِي أن أبعثَ خَلقِي.
النحل 16:75
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ ؛ أي ضربَ اللهُ المثلَ بعبدٍ مَملوكٍ لا يقدرُ على شيءٍ، ﴿وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً﴾ ؛ وهو الحرُّ، فهو ينفق منه خِفيةً وعلانية ؛ ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ ؛ في المثلِ، كما أن الحرَّ الذي يملكُ وينفقُ سِراً وعلانيةً، والذي لا يملكُ شيئاً ينفقهُ، لا يستويان في المثَلِ، كما لا يستوِي المنعِمُ الذي جاءَت من قِبَلِهِ النعمةُ، والأصنام المواتُ التي لا تقدر على النعمةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ؛ أي قُلِ الحمدُ للهِ الذي أوضحَ لنا السبيل والطريقَ، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ ؛ الكفارُ، ﴿لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ ذلكَ.
النحل 16:76
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ ؛ أي ضربَ اللهُ المثلَ برَجُلين ؛ أحدُهما أخرَسُ لا يقدرُ على شيءٍ كم الكلام، ويقال الأبْكَمُ هو الذي وُلد أصمّ لا يسمعُ ولا يفهمُ ولا يمكنه أن يفهمَ غيره، ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ﴾ ؛ اي ثقِيلٌ على ولِيِّهِ وصاحبهِ، ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ ؛ لا يهتدِي إلى منفعةٍ ولا إلى خيرٍ، ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ ؛ ناطقٌ متكلم آمِرٌ بالعدلِ، تامُّ التمييزِ، ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ؛ أي دِين مستقيمٍ، وهذا مَثَلٌ للمؤمنِ والكافر.
النحل 16:77
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ قِيْلَ : هذه الآيةُ نزلت جَواباً عن سؤالِ قُريش : متى الساعةُ ؟ وهي ظاهرةُ المعنى.
النحل 16:78
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ ؛ أي أخرَجَكم جَاهِلين، ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ ؛ أي خلقَ لكم الحواسَّ التي بها تعلَمون نعمَتهُ وقدرتهُ، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
النحل 16:79
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ؛ أي ألَمْ يرَوا إلى الطيرِ مذلَّلات في الهواءِ ما يُمسِكُهنَّ حتى يسقُطنَ على الأرضِ إلا اللهُ ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لأََياتٍ﴾ ؛ أي دلالاتٍ على وحدانيَّة الله، ﴿لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
النحل 16:80
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً﴾ ؛ أي بيوتِ الْمَدَرِ والحجَرِ مواضعَ تسكُنون فيها، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً﴾ ؛ وهي الخيَامُ، ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾، تَخُفُّ عليكم نقلُها وحملها من مكانِ إلى مكان، يومَ سفَرِكم ويومَ إقامتكم، ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ﴾ ؛ وجعلَ لكم من أصوافِ الضَّأْنِ، وأوبَار الإبلِ، وأشعَار الماعزِ، ﴿أَثَاثاً﴾ ؛ أي مَتَاعاً للبيتِ من الفُرُشِ والأكْسِيَةِ والبُسُطِ، ﴿وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ﴾ ؛ أي منفعةً تنتفعون بها إلى حينِ آجالِكم.
النحل 16:81
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً﴾ ؛ أي أشياءَ تستظِلُّون بها مثلَ الأشجارِ ونحوها، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً﴾ ؛ وهي الكهوفُ والغِيرَانُ يدخلُها الناس ليسكنوا فيها من الحرِّ والبرد.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ ؛ أي جعلَ لكم سَرابيلَ يعني القَمِيصَ من القُطنِ والكتَّان والصوف يدفعُ عنكم الحرَّ في الصيفِ والبردَ في الشتاء. ولم يذكرِ البردَ في الآية ؛ لأنه لَمَّا ذكرَ الحرَّ فقد دلَّ به على ما في مقابلتهِ من البرد.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ ؛ أرادَ به الدُّورعَ من الحديدِ يتَّقون بها في الحرب سلاحَ العدوِّ، يعني الطعنَ والضرب والرميَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ ؛ في سائرِ الأشياء، كما أتَمَّها عليكم في هذه الأشياءِ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ ؛ لكي تُسلِمُوا، قال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ أيْ لَعَلَّكُمْ يَا أهْلَ مَكَّةَ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى هَذا غَيْرُ اللهِ فَتُؤْمِنُوا بهِ وَتُصَدِّقُواْ رَسُولَهُ). وفي قراءةِ ابن عبَّاس (لَعَلَّكُمْ تَسْلَمُونَ) بنصب التاء من الجراحاتِ إذا لبستُم الدروعَ من الحديدِ، ومن الحرِّ والبرد إذا لبستُم القميصَ.
النحل 16:82
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾ أي إنْ أعرَضُوا عن الإيمانِ، فإنما عليكَ يا مُحْمَّدُ البلاغُ الظاهر، وهو أن تُبَلِّغَ الرسالةَ، وتُبَيِّنَ الدلالَة، فلما ذكَرَ لهم النبيُّ ﷺ هذه النِّعَمَ، قالوا : أنْعِمْ يَا مُحَمَّدُ هَذِهِ كُلُّهَا مِنَ اللهِ؟
ثُمَّ قَالُواْ : شَفَاعَةُ آلِهَتَنَا، فأنزلَ اللهُ تعالى قولَهُ :﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ ؛ أي يعرفون أنَّ هذه النعمَ كلَّها من اللهِ، ﴿ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾، بإضافتها إلى الأوثانِ، ويشكرونَ الأوثانَ عليها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ؛ أي كلُّهم يكفرون باللهِ وبنعمته، فذكر الأكثرَ والمراد به الجميعَ.
النحل 16:83
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾ أي إنْ أعرَضُوا عن الإيمانِ، فإنما عليكَ يا مُحْمَّدُ البلاغُ الظاهر، وهو أن تُبَلِّغَ الرسالةَ، وتُبَيِّنَ الدلالَة، فلما ذكَرَ لهم النبيُّ ﷺ هذه النِّعَمَ، قالوا : أنْعِمْ يَا مُحَمَّدُ هَذِهِ كُلُّهَا مِنَ اللهِ؟
ثُمَّ قَالُواْ : شَفَاعَةُ آلِهَتَنَا، فأنزلَ اللهُ تعالى قولَهُ :﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ ؛ أي يعرفون أنَّ هذه النعمَ كلَّها من اللهِ، ﴿ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾، بإضافتها إلى الأوثانِ، ويشكرونَ الأوثانَ عليها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ؛ أي كلُّهم يكفرون باللهِ وبنعمته، فذكر الأكثرَ والمراد به الجميعَ.
النحل 16:84
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً﴾ ؛ يعني يومَ القيامةِ تشهدُ الأنبياء على أُمَمِهم بما فعلوا من التصديقِ والتكذيب، وتشهد العدولُ مِن كلِّ عصرٍ على أهلِ عصرهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ؛ أي لا يُؤذنُ لهم بعدَ شهادةِ الرُّسل في الاعتذار، ﴿وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ؛ ولا ينفعُهم الاعتذارُ يومئذٍ ولا يُجابُونَ إلى الردِّ إلى الدُّنيا.
النحل 16:85
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُواْ الْعَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ ؛ أي إذا رأوْهُ بالدخول فيه، فلا نرفعهُ عنهم في وقتٍ ونشدِّدُ في وقتٍ، ﴿وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ ؛ ولا يؤجَّلون بتأخيرِ العذاب إلى وقتٍ آخرَ.
النحل 16:86
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ ؛ أي إذا رأى الذين أشرَكوا الأصنامَ مع اللهِ في العبادةِ، ﴿شُرَكَآءَهُمْ﴾، يعني الأصنامَ، ﴿قَالُواْ رَبَّنَا هَـاؤُلآءِ﴾ ؛ الأصنام، ﴿شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ﴾ ؛ التي أشرَكناها معكَ في العبادةِ، فألقَى الأصنامَ ﴿فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في أنَّا آلهةً وفي أنَّا أمَرنَاكم بالعبادةِ، ﴿وَأَلْقَوْاْ إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾، واستَسلَمُوا كلُّهم لأمرِ الله يومئذ، ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾. والفائدةُ في إعادةِ الأصنام يومئذ : أنْ يُعَيِّرَهم اللهُ بها، وأن يُعذِّبَهم بها في الدُّنيا.
النحل 16:87
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ ؛ أي إذا رأى الذين أشرَكوا الأصنامَ مع اللهِ في العبادةِ، ﴿شُرَكَآءَهُمْ﴾، يعني الأصنامَ، ﴿قَالُواْ رَبَّنَا هَـاؤُلآءِ﴾ ؛ الأصنام، ﴿شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ﴾ ؛ التي أشرَكناها معكَ في العبادةِ، فألقَى الأصنامَ ﴿فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في أنَّا آلهةً وفي أنَّا أمَرنَاكم بالعبادةِ، ﴿وَأَلْقَوْاْ إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾، واستَسلَمُوا كلُّهم لأمرِ الله يومئذ، ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾. والفائدةُ في إعادةِ الأصنام يومئذ : أنْ يُعَيِّرَهم اللهُ بها، وأن يُعذِّبَهم بها في الدُّنيا.
النحل 16:88
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ﴾ ؛ الذين كَفَروا باللهِ ورسُله، وصَدُّوا عن سبيلِ الله بامتناعهم عنهُ ومنعِ الناس عنه، زِدنَاهُمْ عذاباً فوقَ العذاب، قال ابنُ مسعود :(زيدُواْ عَقَارِبَ لَهَا أنْيَابٌ كَالنَّخْلِ الطِّوَالِ)، وَقِيْلَ : زيدُوا حَيَّاتٍ كأمثالِ الفِيَلَةِ. وَقِيْلَ : تجرِي فوق رؤُوسِهم أنْهَارٌ من نُحاسٍ ذائبٍ إذا وقعَ على كفِّ الرجل اشتعلَ الجسدُ منه ناراً، فليس فيها عذابٌ أشدَّ منه.
النحل 16:89
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ؛ فيه بيانٌ أنَّ كلَّ عصرٍ لا يخلو من شهيدٍ على الناس، ﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾ ؛ يا مُحَمَّدُ، ﴿شَهِيداً عَلَى هَـاؤُلآءِ﴾ ؛ يعني قومَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ ؛ أي القرآنَ، ﴿تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ ؛ من أمورِ الدِّين، ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى﴾ وبشارةً، ﴿لِلْمُسْلِمِينَ﴾.
النحل 16:90
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ﴾ ؛ يعني بالعدلِ في الأفعالِ، والإحسانِ في الأقوالِ، ولا يفعلُ إلا ما هو عدلٌ، ولا يقولُ إلا ما هو حسَنٌ، قال ابنُ عبَّاس :(الْعَدْلُ شَهَادَةُ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ، وَالإحْسَانُ أدَاءُ الْفَرَائِضِ).
وَقِيْلَ : العدلُ هو الإنصافُ، ويدخل فيه إنصافُ المرءِ من نفسه لغيرهِ في الحقوق والأمانَاتِ، ومن نفسهِ لنفسه فيما يكون حَقّاً عليه من شُكر نِعَمِ اللهِ، وأن لا يَعبدَ غيره، وأن لا يصفَ اللهَ بما لا يليقُ به من الصفاتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالإحْسَانِ﴾ يدخلُ في ذلك المتفضِّلُ على الغيرِ، إما بالمال، وإما بالمعاشرة الجميلة من قولٍ أو فعل، أو إكرام أو بحسَبٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِيتَآءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ ؛ أي صلةِ الأرحام.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ ؛ فالفحشاءُ : الزِّنَى، والمنكرُ : الشِّركُ، والبَغْيُ : الظُّلمُ والكِبْرُ. وَقْيْلَ : الفحشاءُ : ما عَظُمَ قبحهُ من قولٍ أو فعل، سرّاً كان أو علانيةً، والْمُنْكَرُ : ما يظهرُ للناسِ، فيجبُ إنكارهُ، والبغيُ : الاستطالَةُ والظلمُ.
وقيل في معنى الآيةِ : إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ : بالتوحيدِ، والإحسان : الإخلاصُ، وَقْيْلَ : الإحْسَانُ أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ. وَقِيْلَ : الإحسان العفوُ عن الناسِ، وَقِيْلَ : العدلُ : استواءُ السرِّ والعلانيَةِ، والإحسان : أن تكون سَريرتهُ أحسنَ من علانيتهِ، والفحشاء والمنكر : تكون علانيتهُ أحسنَ من سَريرتهِ.
رُوي عن النبيِّ ﷺ أنه قرأ على الوليدِ :﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فقالَ : يَا ابْنَ أخِي أعِدْ عَلَيَّ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ : إنَّ لَهُ لَحَلاَوَةً وَإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاَوَةً، وَإنَّ أعْلاَهُ لَمُورِفٌ وَأنَّ أسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ، وَمَا هُوَ بقَوْلِ الْبَشَرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ؛ معناهُ يأمرُكم بثلاثٍ أن تفعَلوهُنَّ، وينهاكم عن ثلاثٍ ؛ لتَنتَهُوا عنهنَّ لعلكم تتَّعظون بما تُؤمَرون، وتَحْتَرِزُونَ عن التقصيرِ.
النحل 16:91
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ ؛ أي أتِمُّوا العهودَ التي بينكم وبين الناسِ إذا حلَفتُم باللهِ تعالى، ﴿وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ﴾ ؛ العهودَ، ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ ؛ توثِيقها باسمٍ، ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ﴾ ؛ قُلتم :﴿اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ ؛ شهيداً عَليكم بالوفاءِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ؛ من النَّقضِ والوفاءِ فيَجزِيَكم عليه. وفي الآيةِ دلالةٌ على أنَّ الرجلَ إذا قال : عليَّ عهدُ اللهِ إنْ فعلتُ كذا كان يَميناً ؛ لأنه تعالى ذكرَ العهدَ في أوَّل الآيةِ، ثم عَقَّبَهُ بقوله :﴿وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾.
النحل 16:92
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً﴾ ؛ أي لا تكُونوا في نقضِ العهود كالتي نَقَضَتْ غزْلَها من بعدِ إبرامٍ وإحكامٍ، وهي امرأةٌ من قُريش أُمُّ أخنسَ بنِ شُريق تُعرَفُ بـ (رَيْطَةِ الْحَمْقَاء)، كانت تغزلُ من الصُّوف والشعر والوبَرِ بمغزَلٍ عظيمٍ مثلَ طُولِ الذِّراع وصنَّارَة في رأسِ المغزلِ مثل طُولِ الإصبَعِ وفُلكَةٌ عظيمةٍ، فإذا غَزَلَتْهُ وأبرمتْهُ أمَرَت جاريَتها فنقَضتْهُ. والأنْكَاثُ : جمعُ نَكْثٍ، وهو ما تَنَقَّضَ من غزلِ الشَّعر والقُطْنِ ونحوهما، والمعنى : لا تكونوا في نقضِ الإيمان كهذه المرأةِ، غَزَلَتْ غَزْلاً، وأحكمَتْهُ ثم نقضتهُ فجعلته أنْكَاثاً، والأنكاثُ : ما يُقطع من الخيوطِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ﴾ ؛ أي تتَّخذون عهُودَكم دَخَلاً وخديعةً وغِشًا وخيانةً بينكم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ ؛ أي لأنْ تكون جماعةٌ هي أعزَّ وأكثرَ من جماعة، قال مجاهدُ :(إنَّهُمْ كَانُوا يُحَالِفُونَ الْحُلَفَاءَ فَيَجِدُونَ أكْثَرَ مِنْهُمْ وَأعَزَّ، فَيَنْقُضُونَ حِلْفَ هَؤُلاَءِ، وَيُحَالِفُونَ الأَكْثَرَ، فَنَهَاهُمُ اللهُ عَنْ ذلِكَ).
وحاصلُ التأويلِ النهيُ عن أن تَحْلِفَ على شيءٍ وهو مُنْطَوٍ على خلافهِ، وأن يَغُرَّ غَيْرَهُ يَمِينُهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ ؛ أي إنما يُخبرُكم بأَمْرهِ إياكم بالوفاءِ بالعهد، ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ؛ في الدُّنيا من الحقِّ والباطلِ.
النحل 16:93
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ؛ أي أهلَ مِلَّةٍ واحدة ودِينٍ واحد، ﴿وَلـاكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ ؛ بتوفيقهِ فَضلاً منه، ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ﴾، يوم القيامة، ﴿عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ؛ من الخيرِ والشرِّ.
النحل 16:94
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ﴾ ؛ أي مَكْراً وخديعةً، ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ﴾ ؛ فتَزِلُّوا عن طاعةِ الله كما تَزِلُّ قدمُ الرجلِ، ﴿بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ جعلَ اللهُ زلَّةَ القدَمِ عبارةً عن سُخطِ الله، وثَبَاتَ القَدَمِ عبارةٌ عن رِضَى اللهِ.
وَقِيْلَ : معنى قولهِ تعالى :﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ أي فتهلَكُوا بعد أنْ كنتم آمنين، وقال ابنُ عبَّاس :(فَتَزِلَّ عَنِ الإيْمَانِ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَذُوقُواْ الْسُّوءَ﴾ ؛ يعني العذابَ، ﴿بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ؛ أي بما منَعتُم الناسَ عن دينِ الله، ﴿وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ؛ في الآخرةِ.
النحل 16:95
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ ؛ أي لا تختَارُوا الحِلْفَ باللهِ كَذِباً عَرَضاً يَسيراً من الدُّنيا، ولكن أوْفُوا بها، ﴿إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي فإنَّ ما عندَ اللهِ من الثواب في الآخرة على الوفَاءِ هو خير لكم مما عِندَكم، ﴿إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ ثوابَ اللهِ
النحل 16:96
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ﴾ ؛ أي يَفْنَى ولا يبقَى، ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ﴾ ؛ من الثواب في الآخرةِ على الوفاء، ﴿بَاقٍ﴾، هو خيرٌ لكم مما عندَكم يدومُ ويبقى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ ؛ قرأ ابنُ كثيرٍ وعاصم بالنُّون، وقرأ الباقون بالياءِ، ومعناهُ : الذين صَبَروا على الوفاءِ وعلى الطاعةِ، ﴿أَجْرَهُمْ﴾ ؛ بالطاعاتِ، ﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ؛ دون إسرَارِها، ويعفُو عن سيِّئاتِها.
قال ابنُ عبَّاس :" (وَذلِكَ أنَّ رَجُلاً مِنْ حَضْرَمَوْتَ يُقَالُ لَهُ عِيدَانُ بْنُ الأَشْوَعِ قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ الْكِنْدِيَّ جَاوَرَنِي فِي أرْضِي فَاقْتَطَعَهَا، فَقَالَ ﷺ :" لِيَشْهَدْ لَكَ أحْدٌ " قَالَ : إنَّ الْقَوْمَ كُلَّهُمْ يَعْلَمُونَ أنِّي صَادِقٌ، وَلَكِنَّهُ أكْرَمُ عَلَيْهِمْ مِنِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلأَشْعَثِ :" مَا يَقُولُ صَاحِبُكَ ؟ " قَالَ : الْبَاطِلَ وَالْكَذِبَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ :" أتَحْلِفُ ؟ " قَالَ : نَعَمْ، فَهَمَّ بالْحَلْفِ.
فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ :﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [النحل: ٩٥] إلَى آخِرِ الآيَتَيْنِ. فَقَرَأهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الأَشْعَثِ فَقَالَ : أمَّا مَا عِنْدِي فَيَنْفَذُ، وَأمَّا مَا بصَاحِبي فَيُجْزَى بأَحْسَنَ مَا كَانَ يَعْمَلُ، اللَّهُمَّ إنَّهُ صَادِقٌ فِي مَا قَالَ، لَقَدِ اقْتَطَعْتُ أرْضَهُ، وَاللهِ مَا أدْري كَمْ هِيَ، وَلَكِنْ يَأْخُذُ مَا شَاءَ مِنْ أرْضِي وَمِثْلَهَا مَعَهَا بمَا أكَلْتُ مِنْ ثَمَرِهَا ". فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ بَعْدَ ذلِكَ فِي الأَشْعَثِ :
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ ؛ أي مَن عَمِلَ صَالحاً فيما بينه وبين ربهِ وأقرَّ بالحقِّ وهو مع ذلك مؤمنٌ ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، قِيْلَ : المرادُ بها القَنَاعَةُ بما يُؤتَى من الرِّزق الحلالِ، كما رُوي عن وهب بن مُنبه أنه قالَ :(الْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ هِيَ الْقَنَاعَةُ بمَا رُزقَ).
وَقِيْلَ : هي أنْ يكون صدرهُ مُنفَرِجاً بما يعتقدهُ من دلائلِ الله تعالى، وبما يعرفهُ من وجوب مفارقةِ المعاصي، فيصيرُ قليلَ الْهَمِّ في أمورِ دنياهُ. وَقِيْلَ : الحياة الطيِّبة الجنةُ ؛ لأنه لم يَطِبْ لأحدٍ حياةً إلاّ فيها.
النحل 16:97
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ﴾ ؛ أي يَفْنَى ولا يبقَى، ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ﴾ ؛ من الثواب في الآخرةِ على الوفاء، ﴿بَاقٍ﴾، هو خيرٌ لكم مما عندَكم يدومُ ويبقى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ ؛ قرأ ابنُ كثيرٍ وعاصم بالنُّون، وقرأ الباقون بالياءِ، ومعناهُ : الذين صَبَروا على الوفاءِ وعلى الطاعةِ، ﴿أَجْرَهُمْ﴾ ؛ بالطاعاتِ، ﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ؛ دون إسرَارِها، ويعفُو عن سيِّئاتِها.
قال ابنُ عبَّاس :" (وَذلِكَ أنَّ رَجُلاً مِنْ حَضْرَمَوْتَ يُقَالُ لَهُ عِيدَانُ بْنُ الأَشْوَعِ قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ الْكِنْدِيَّ جَاوَرَنِي فِي أرْضِي فَاقْتَطَعَهَا، فَقَالَ ﷺ :" لِيَشْهَدْ لَكَ أحْدٌ " قَالَ : إنَّ الْقَوْمَ كُلَّهُمْ يَعْلَمُونَ أنِّي صَادِقٌ، وَلَكِنَّهُ أكْرَمُ عَلَيْهِمْ مِنِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلأَشْعَثِ :" مَا يَقُولُ صَاحِبُكَ ؟ " قَالَ : الْبَاطِلَ وَالْكَذِبَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ :" أتَحْلِفُ ؟ " قَالَ : نَعَمْ، فَهَمَّ بالْحَلْفِ.
فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ :﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [النحل: ٩٥] إلَى آخِرِ الآيَتَيْنِ. فَقَرَأهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الأَشْعَثِ فَقَالَ : أمَّا مَا عِنْدِي فَيَنْفَذُ، وَأمَّا مَا بصَاحِبي فَيُجْزَى بأَحْسَنَ مَا كَانَ يَعْمَلُ، اللَّهُمَّ إنَّهُ صَادِقٌ فِي مَا قَالَ، لَقَدِ اقْتَطَعْتُ أرْضَهُ، وَاللهِ مَا أدْري كَمْ هِيَ، وَلَكِنْ يَأْخُذُ مَا شَاءَ مِنْ أرْضِي وَمِثْلَهَا مَعَهَا بمَا أكَلْتُ مِنْ ثَمَرِهَا ". فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ بَعْدَ ذلِكَ فِي الأَشْعَثِ :
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ ؛ أي مَن عَمِلَ صَالحاً فيما بينه وبين ربهِ وأقرَّ بالحقِّ وهو مع ذلك مؤمنٌ ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، قِيْلَ : المرادُ بها القَنَاعَةُ بما يُؤتَى من الرِّزق الحلالِ، كما رُوي عن وهب بن مُنبه أنه قالَ :(الْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ هِيَ الْقَنَاعَةُ بمَا رُزقَ).
وَقِيْلَ : هي أنْ يكون صدرهُ مُنفَرِجاً بما يعتقدهُ من دلائلِ الله تعالى، وبما يعرفهُ من وجوب مفارقةِ المعاصي، فيصيرُ قليلَ الْهَمِّ في أمورِ دنياهُ. وَقِيْلَ : الحياة الطيِّبة الجنةُ ؛ لأنه لم يَطِبْ لأحدٍ حياةً إلاّ فيها.
النحل 16:98
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أي إذا أردتَ قراءةَ القرآن، ونظيرهُ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾[المائدة: ٦]، وقولهُ تعالى :﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ﴾[الأنعام: ١٥٢].
وفائدة الأمرِ بالاستعاذةِ قبلَ القراءةِ نَفْيُ وَسْوَاسِ الشَّيطانِ عند القراءة، وقد أجمعتِ الفقهاءُ على أنَّ الاستعاذةَ قبلَ القراءة إلاَّ ما رُوي عن أبي داود بن عليّ ومالك أنّهم قالوا :(الاسْتِعَاذةُ بَعْدَ الْقِراءَةِ) أخذُوا بظاهرِ الآية.
النحل 16:99
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ؛ أي إنَّ الشيطانَ ليس له سَلْطَنَةٌ على المؤمنِ إلا في الوسوسةِ، ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ ؛ على الذين يقبَلون دُعاءَهُ، ﴿وَالَّذِينَ هُم بِهِ﴾ ؛ باللهِ، ﴿مُشْرِكُونَ﴾ ؛ فإنَّهم جعَلُوا له سُلطاناً على أنفسِهم.
النحل 16:100
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ؛ أي إنَّ الشيطانَ ليس له سَلْطَنَةٌ على المؤمنِ إلا في الوسوسةِ، ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ ؛ على الذين يقبَلون دُعاءَهُ، ﴿وَالَّذِينَ هُم بِهِ﴾ ؛ باللهِ، ﴿مُشْرِكُونَ﴾ ؛ فإنَّهم جعَلُوا له سُلطاناً على أنفسِهم.
النحل 16:102
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ﴾ ؛ أي قل نَزَّلَ القرآنَ جبريلُ من ربكَ، ﴿بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ؛ ويُقَوِّيَهم لإيمانِهم ؛ ليزدَادُوا تَصديقاً ويقيناً، ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾.
النحل 16:103
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(وَذلِكَ أنَّ كُفَّارَ مَكَّةَ كَانُواْ يَقُولُونَ : إنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وإنَّمَا يُعَلِّمُ النَّبيَّ بَشَرٌ، أرَادُوا بذلِكَ جَبْراً وَيَسَاراً كَانَا عَالِمَيْنِ نَصْرَانِيَّيْنِ، وَكَانَ ﷺ يُحَدِّثُهُمَا وَيُعَلِّمُهُمَا، وَكَانَا يَقْرَءآنِ كِتَابَهُمَا بالْعَرَبيَّةِ، وَكَانَا قَدْ أسْلَمَا). وَقِيْلَ : كانوا يَعْنُونَ بقولِهم (بَشَرٌ) : سلمانَ الفارسيَّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ ؛ أي لسانُ الذي يَمِيلُونَ إليه ويزعُمون أنَّهُ يُعلِّمُكَ أعْجَمِيٌّ، ﴿وَهَـاذَا﴾ ؛ القرآنُ الذي يقرَءُونَه، ﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ ؛ فكيف يقدرُ الأعجميُّ على تعليمِ مثلهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ ؛ إلى ثوابهِ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ وجيعٌ في الآخرةِ.
النحل 16:104
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(وَذلِكَ أنَّ كُفَّارَ مَكَّةَ كَانُواْ يَقُولُونَ : إنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وإنَّمَا يُعَلِّمُ النَّبيَّ بَشَرٌ، أرَادُوا بذلِكَ جَبْراً وَيَسَاراً كَانَا عَالِمَيْنِ نَصْرَانِيَّيْنِ، وَكَانَ ﷺ يُحَدِّثُهُمَا وَيُعَلِّمُهُمَا، وَكَانَا يَقْرَءآنِ كِتَابَهُمَا بالْعَرَبيَّةِ، وَكَانَا قَدْ أسْلَمَا). وَقِيْلَ : كانوا يَعْنُونَ بقولِهم (بَشَرٌ) : سلمانَ الفارسيَّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ ؛ أي لسانُ الذي يَمِيلُونَ إليه ويزعُمون أنَّهُ يُعلِّمُكَ أعْجَمِيٌّ، ﴿وَهَـاذَا﴾ ؛ القرآنُ الذي يقرَءُونَه، ﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ ؛ فكيف يقدرُ الأعجميُّ على تعليمِ مثلهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ ؛ إلى ثوابهِ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ وجيعٌ في الآخرةِ.
النحل 16:105
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلـائِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ؛ معناهُ : إنما يكذبُ على اللهِ مَن لا يؤمنُ بدلائلهِ، بَيَّنَ اللهُ أن الذين نَسبوهُ إلى رسولِ الله ﷺ من الافتراءِ هم أحقُّ به.
النحل 16:106
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ ؛ يجوزُ أن يكون مَن كَفَرَ رفعا على البدلِ من (الْكَاذِبينَ)، ويجوز أن يكون كَلاماً مبتدأ، وقولهُ تعالى ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ خبرٌ له أو خبرٌ لقولهِ ﴿وَلَـاكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾. والمرادُ بقولهِ ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ﴾ : عَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ.
رُوي :" أنَّ الْمُشْرِكِينَ أخَذُوهُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَعَذبُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبيَّ ﷺ وَذكَرَ آلِهَتَهُمْ بخَيْرٍ، فَلَمَّا فَعَلَ ذلِكَ تَرَكُوهُ، فَأَتَى النَّبيَّ ﷺ وَهُوَ يَمْسَحُ الدُّمُوعَ مِنْ عَيْنَيْهِ، فَأَخْبَرَهُ الْقِصَّةَ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَقَالَ لَهُ ﷺ :" كَيْفَ وَجَدْتَ قَلْبَكَ ؟ " قَالَ : مُطْمَئِناً بالإيْمَانِ. فَقَالَ ﷺ :" إنْ عَادُوا فَعُدْ " ".
وقوله عليه السلام :" إنْ عَادُوا فَعُدْ " على جهةِ الإباحة والرُّخصة دون الإيجاب، فإنَّ الْمُكْرَهَ على الكفرِ إذا صبرَ حتى قُتِلَ كان أعظمَ لأجرهِ، والإكراهُ السماح لإجراءِ كلمة الكُفرِ على اللِّسان، وهو أن يخافَ التلفَ على نفسهِ، أو على عُضو من أعضائهِ إن لم يفعل ما أُمِرَ بهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَـاكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾، أي فَسَحَ صدرَهُ للكفرِ بالقَبُولِ وأتَى به على الاختيارِ، ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قِيْلَ : إنَّها نزلت في أبي سَرْحٍ القرشي رجعَ إلى الشركِ، وباحَ بالكفرِ ولَحِقَ بمكَّة.
النحل 16:107
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ ؛ أي ذلك العذابُ بأنَّهم اختَارُوا الحياةَ الدُّنيا على ثواب الآخرة، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ؛ إلى جنَّتهِ وثوابهِ.
النحل 16:108
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُولَـائِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَـائِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ﴾ ؛ أي حَقّاً ﴿فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ﴾ ؛ أي خَسِروا أنفُسَهم.
النحل 16:109
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُولَـائِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَـائِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ﴾ ؛ أي حَقّاً ﴿فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ﴾ ؛ أي خَسِروا أنفُسَهم.
النحل 16:110
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ﴾ ؛ نزلت في قومٍ بمكَّة بعدَ هجرةِ النبيِّ ﷺ إلى المدينةَ، ثم إنَّهم هاجَروا إلى المدينةِ من بعدِ ما عذبَهم أهلُ مكة، ﴿ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ﴾ ؛ مع النبيِّ ﷺ فَصَبَروا على الجهادِ، فوعَدَهم اللهُ المغفرةَ لِمَا كان فيهم من التخلُّفِ عن الهجرةِ.
وذلك أنَّهم كانوا مُستضعَفين بمكَّة وكانوا مؤمنين، فعذبَهم أهلُ مكة حتى ارتَدُّوا عن الإسلام ليَسْلَمُوا من شرِّهم، ثم هاجَرُوا مِن بعدِ ما فُتنوا ؛ أي من بعدِ ما عُذِّبوا، ثم جاهَدُوا مع النبيِّ ﷺ وصَبَروا على الجهادِ، ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا﴾ ؛ تلك الفتنةِ وتلك الفِعْلَةِ التي فعَلُوها من التلفُّظِ بكلمة الكفرِ، ﴿لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ وقرأ ابنُ عامرٍ (فَتَنُوا) بفتحِ الفاء ؛ أي فَتَنُوا أنفُسَهم بإظهارِ ما أظهَرُوا للفتنةِ.
النحل 16:111
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ ؛ يجوزُ أن يكون (يَوْمَ) منصوباً بنَزعِ الخافض أي في يومِ تأتِي كلُّ نفسٍ، ويجوزُ أن يكون المعنى : واذْكُرْ يومَ تأتِي كلُّ نفسٍ، وهو يومُ القيامةِ، يجادلُ فيه كلُّ إنسانٍ عن نفسهِ، ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ ؛ بَرَّةٍ أو فاجرةٍ، ﴿مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾، جزاءَ ما عمِلَتْ من خيرٍ أو شرٍّ، لا ينقصُ من ثواب محسنٍ، ولا يزادُ على عقاب مُسِيء.
واختلَفُوا في الْمُجَادَلَةِ المذكورةِ في الآية، قال بعضُهم : هو قولُ الكفَّار : مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ، وقولُهم : رَبَّنَا هَؤُلاَءِ أضَلُّونَا. ومعنى الآية : إنَّ كلَّ أحدٍ لا تَهُمُّهُ إلا نفسهُ، فهو يخاصِمُ ويحتجُّ عن نفسهِ، لا يتفرَّغُ إلى غيرهِ.
النحل 16:112
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً﴾ ؛ يعني مكَّةَ كان أهلُها آمِنِينَ لا يُهَاجُ أهلُها ولا يُغَارُ عليها، بخلافِ قُرَى سائرِ العرب، لأن العربَ كانت لا تقصدُ مكَّة احتراماً لِحَرَمِ اللهِ، وقولهُ تعالى :﴿مُّطْمَئِنَّةً﴾ أي قارَّةً بأهلِها لا يحتاجون إلى الانتجاعِ ولا الانتقال، كما يحتاجُ إليه سائرُ العرب.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ﴾ ؛ أي كان الرزقُ وَاسِعاً على أهلِ مكَّة يُحمَلُ إليهم من البَرِّ والبحرِ، كما قالَ تعالى﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾[القصص: ٥٧]، ﴿فَكَفَرَتْ﴾ ؛ فكَفَرَ أهلُ مكَّة، ﴿بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾، حين كذبُوا بمُحَمَّدٍ ﷺ وخالفوهُ، وكذبُوا بالقرآنِ بعدَ قيام الحجَّة عليهم، ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾، فعاقَبَهم اللهُ سبعَ سنين بالقَحْطِ، وخوَّفَهم من النبيِّ ﷺ ومن عساكرهِ وسراياهُ، ﴿بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾، من تكذيبهِ.
رُوي أنه بَلَغَ بهم من الجوعِ ما لا غايةَ بعدَهُ حتى أكلُوا العظامَ الْمُحْرَقَة والْجِيَفَ والكلابَ، وكان ذلك بدعاءِ النبيِّ ﷺ :" اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ " فاستجابَ اللهُ دعاءَهُ حتى صارَ أمرُهم إلى هذه الحالةِ.
النحل 16:113
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ﴾ ؛ أرادَ به مُحَمَّداً ﷺ، ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ ؛ الذي تقدَّم ذِكرهُ من الجوعِ والخوف، ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ؛ وكانوا ظَالِمين لأنفسهم.
النحل 16:114
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَـالاً طَيِّباً وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ أي كُلُو يا معشرَ المؤمنين مما رزَقَكم اللهُ حَلالاً طيِّباً إلى آخرِ الآيتين، قد تقدَّمَ تفسيرهُما في سورة البقرةِ.
النحل 16:115
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَـالاً طَيِّباً وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ أي كُلُو يا معشرَ المؤمنين مما رزَقَكم اللهُ حَلالاً طيِّباً إلى آخرِ الآيتين، قد تقدَّمَ تفسيرهُما في سورة البقرةِ.
النحل 16:116
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـاذَا حَلاَلٌ وَهَـاذَا حَرَامٌ﴾ ؛ أي ولا تقولُوا الكذبَ لِمَا تصفهُ ألسِنتُكم بالحلِّ والحرمةِ، فتُحِلُّوا الميتةَ، وتُحَرِّمُوا بعضَ الزَّرعِ والأنعامِ، كما تقدَّم ذِكرهُ في سورةِ الأنعام. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ ؛ أي لتَكْذِبُوا على اللهِ بقولِكم أنَّ هذا من عندِ الله.
وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ ؛ أي لا يَظْفَرونَ بالْمُرادِ، ولا يَنْجُونَ يومَ القيامةِ، إنما لهم في الدُّنيا ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ ؛ ثم يتعقَّبُهم، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
النحل 16:117
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـاذَا حَلاَلٌ وَهَـاذَا حَرَامٌ﴾ ؛ أي ولا تقولُوا الكذبَ لِمَا تصفهُ ألسِنتُكم بالحلِّ والحرمةِ، فتُحِلُّوا الميتةَ، وتُحَرِّمُوا بعضَ الزَّرعِ والأنعامِ، كما تقدَّم ذِكرهُ في سورةِ الأنعام. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ ؛ أي لتَكْذِبُوا على اللهِ بقولِكم أنَّ هذا من عندِ الله.
وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ ؛ أي لا يَظْفَرونَ بالْمُرادِ، ولا يَنْجُونَ يومَ القيامةِ، إنما لهم في الدُّنيا ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ ؛ ثم يتعقَّبُهم، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
النحل 16:118
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ ؛ أرادَ به ما بَيَّنَهُ اللهُ في سورةِ الأنعامِ، وقد تقدَّمَ هناك، وفيه بيانُ أن التحريمَ الذي كان في اليهودِ كان من قِبَلَ اللهِ، وأنه مخالفٌ للتحريمِ الذي كان في كفَّار مكة. وقولهُ تعالى :﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ ؛ أي وما ظلَمنَاهم بتحريم ذلك، فإنَّ تحريْمَها كان عقوبةً لهم، ولا تكون العقوبةُ ظُلماً، ﴿وَلَـاكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ؛ بمخالفَتِهم أمرَ اللهِ تعالى.
النحل 16:119
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ فيه بيانٌ أنَّ مَنِ ارتكبَ المعاصي، وخالفَ أمرَ اللهِ، واستعملَ الجهالةَ في ارتكابهِ، لَمْ يَمْنَعْهُ ذلك من التوبةِ، فإنه إذا تابَ وأصلحَ في المستقبلِ، مَحَا اللهُ عنه كلَّ السيئاتِ، قال ابنُ عبَّاس :(كُلُّ سُوءٍ يَعْمَلُهُ ابْنُ آدَمَ فَهُوَ جَاهِلٌ فِيْهِ، وَإنْ كَانَ يَعْلَمُ أنَّ ارْتِكَابَهُ رُكُوبَ سَيِّئَةٍ).
النحل 16:120
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً﴾ ؛ فيه بيانُ أنَّ إبراهيمَ كان هو القُدْوَةَ للناسِ بالخيرِ، وسُمِّيَ الإمامُ (أُمَّةً) ؛ لأنه يجمعُ خِصَالَ الخيرِ، ويقالُ للرجلِ الْمُنْفَرِدِ بدِينٍ لا يشركهُ فيه غيره : أُمَّةٌ، ويقالُ للعالِمِ : أُمَّةُ، والأُمَّةُ : الرجلُ الجامعُ للخيرِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً﴾ القَانِتُ : هو الدائمُ على الطاعةِ، والقُنُوتُ : هو الدوامُ على الطاعةِ، والقَانِتُ : هو المطيعُ، والحنيفُ قد تقدَم تفسيرهُ، ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ؛ كما ادَّعاهُ كفارُ قريش، فإنَّهم يدَّعون أنَّهم يتبعون دينِ إبراهيم.
النحل 16:121
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿شَاكِراً لأَنْعُمِهِ﴾ ؛ أي كان إبراهيمُ شَاكرًا لنِعَمِ اللهِ عليه، وانتصبَ قولهُ ﴿شَاكِراً﴾ على البَدلِ من قولهِ﴿أُمَّةً قَانِتاً﴾[النحل: ١٢٠]. وقوله :﴿اجْتَبَاهُ﴾ ؛ أي اصْطَفَاهُ بالنبوَّةِ واختارَهُ، ﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ؛ أي إلى دينِ الإسلام.
النحل 16:122
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(يَعْنِي الذِّكْرَ الْحَسَنَ)، وقال الحسنُ :(هِيَ النُّبُوَّةُ)، وقال مجاهدُ :(لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ) وقال مقاتلُ :(يَعْنِي الصَّلاَةَ عَلَيْهِ مَقْرُونَةً بالصَّلاَةِ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ؛ أي معَ الْمُرْسَلِينَ في الجنَّة.
النحل 16:123
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ؛ أي أمَرنَاكَ يا مُحَمَّدُ باتِّباعِ مِلَّةِ إبراهيمَ في مُجانَبةِ الكفَّار، كما كان إبراهيمُ يَتَجَنَّبُهم.
فإنْ قِيْلَ : كيف يجوزُ أن يُوصِي الفاضلَ بمتابعةِ المفضُولِ، ونبيُّنا مُحَمَّد ﷺ كان أفضلَ الأنبياءِ ؟ فكيفَ أمرَهُ الله بمتابعةِ إبراهيمَ عليه السلام ؟ قِيْلَ : إنَّ إبراهيمَ عليه السلام كان قد سَبَقَ إلى اتَّباعِ الحقِّ، ولا يكون في سَبْقٍ المفضولِ إلى اتِّباعِ الحقِّ عيبٌ على الفاضلِ في اتِّباعهِ.
النحل 16:124
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ؛ وهم اليهودُ، وذلك أنَّ موسى قال لبَني إسرائيلَ : تفرَّغُوا إلى اللهِ في كلِّ سبعةِ أيَّام يوماً واحداً، فاعبدوهُ في يومِ الجمعةِ، ولا تعمَلُوا فيه شيئاً من أمُورِ الدُّنيا، وستَّة أيامٍ لمعايشِكم وصنائعِكم، فأَبَوا أن يقبَلُوا ذلكَ منهُ، وقالوا : لاَ نبتَغِي إلاَّ اليومَ الذي فرَغَ فيه مِن الخلقِ، يعنون السَّبت، فجعلَ ذلك عليهم فيهِ، وقالت جماعةٌ منهم : بل أعظمُ الأيَّامِ يومُ الأحَدِ ؛ لأنه اليومُ الذي بدأ اللهُ فيه بخلقُ الأشياءَ، فاختارُوا تعظيمَ غيرِ ما فَرَضَ اللهُ عليهم، أي تركُوا تعظيمَ يومِ الجمعة.
النحل 16:125
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ ؛ أي أدعُ إلى سبيلِ دين الله ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ يعني بالنبوَّةِ، ﴿وَالْمَوْعِظَةِ﴾ يعني القرآنَ، وَقِيْلَ : التخويفُ بالعذاب على جهةِ إظهار الشَّفقة عليهم ليكون ذلك أقربَ إلى إجابتهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ؛ أي بالرِّفقِ واللُّطفِ، وذِكرِ أحسنِ ما عنده من الحجَجِ، وأعرضْ عن أذاهُم، ولا تقصِّر في أداءِ الرسال والدُّعاء إلى الحقِّ، قِيْلَ : إن هذه الآيةَ نسَجَتها آيةُ السَّيف. وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ؛ أي هو أعلمُ بمَن يقبلُ الهدى ومَن لا يقبلهُ، فيجزِي كُلاًّ على ما عَمِلَ.
النحل 16:126
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ؛ وذلك " أنَّ حمزةَ ابنَ عبدِالمطَّلب وأصحابه الذين قُتلوا يومَ أُحُد مَثَّلَ بهم المشرِكون، عَمَدُوا إلى حمزة فشَقُّوا بطنَهُ، وأخذت منه هندُ بنت عتبة كَبدَهُ، فجعلت تلوكُها ثم تطرَحُها، وقطَعُوا مذاكيرَهُ وجدَعُوا أنفه وأذُنيه، ومثَّلوا به أشدَّ الْمُثْلَةِ، وكذلك سائرُ شهداء أحُد مَثَّلَ بهم المشركون، بقَرُوا بطونَهم، وقطعُوا مذاكيرَهم.
فلما نَظَرَ رسولُ الله ﷺ إلى عمِّه حمزةَّ لم ينظُرْ إلى شيءٍ قَطُّ أوجعَ إلى قلبهِ منه، فقال :" رَحْمَةُ اللهِ علَيْكَ، فَإنَّكَ كُنْتَ فَعَّالاً لِلخَيْرِ، وَصَّلاً لِلرَّحِمِ، وَاللهِ لَئِنْ أظْفَرَنِي اللهُ بهِمْ لأَقْتُلَنَّ بكَ سَبْعِينَ مِنْهُمْ، وَلأُمَثِلَنَّ سَبْعِينَ مِنْهُمْ " وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : وَاللهِ لَئِنْ أمْكَنَنَا اللهُ مِنْهُمْ، لَنُمَثِّلَنَّ بالأَحْيَاءِ فَضْلاً عَنِ الأَمْوَاتِ. فأنزلَ اللهُ تعالى هذه الآيةَ ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ﴾ ؛ فقالَ ﷺ :" أصْبرُ وَلاَ أُمَثِّلُ " وكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ "، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ ؛ أي ما صبرُكَ إلاّ بمعونةِ الله وتوفيقه، ولا تقدرُ على الصَّبرِ في الحزن الذي لَحِقَكَ بسبب الشُّهداء، إلا أنْ يُسَهِّلَ اللهُ عليكَ.
النحل 16:127
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ أي لا تحزَنْ على الكفَّار إذا امتنَعُوا من الاستجابةِ لكَ. وَقْيَلَ : لا تحزَنْ على الشُّهداء، فإن اللهَ أنزَلَهم منَازِلَهم في الجنَّة، لو رأيتَهم في الكرامةِ التي أكرمَهَم اللهُ بها لَغَبطْتَهُمُ عليها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ ؛ أي لا يَضِيقُ صَدرُكَ من مَكرِهم، فيكون ذلك شاغلاً عن ما كُلِّفْتَهُ من الدُّعاء إلى سَبيل ربكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ ؛ أي مع المتَّقِينَ الْمُحسِنِينَ، وهم المسلمون يَنصرُهم ويُظهِرُهم على الكفار ويُعِينُهم عليه.
النحل 16:128
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ أي لا تحزَنْ على الكفَّار إذا امتنَعُوا من الاستجابةِ لكَ. وَقْيَلَ : لا تحزَنْ على الشُّهداء، فإن اللهَ أنزَلَهم منَازِلَهم في الجنَّة، لو رأيتَهم في الكرامةِ التي أكرمَهَم اللهُ بها لَغَبطْتَهُمُ عليها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ ؛ أي لا يَضِيقُ صَدرُكَ من مَكرِهم، فيكون ذلك شاغلاً عن ما كُلِّفْتَهُ من الدُّعاء إلى سَبيل ربكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ ؛ أي مع المتَّقِينَ الْمُحسِنِينَ، وهم المسلمون يَنصرُهم ويُظهِرُهم على الكفار ويُعِينُهم عليه.