Lafzullah

كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — مريم 19:1 – طه 20:135

المؤلف / المصدر: أبو بكر الحداد اليمني (ت 800هـ) · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-1239)

المحتويات
  1. مريم 19:1
  2. مريم 19:2
  3. مريم 19:3
  4. مريم 19:4
  5. مريم 19:5
  6. مريم 19:6
  7. مريم 19:7
  8. مريم 19:8
  9. مريم 19:9
  10. مريم 19:10
  11. مريم 19:11
  12. مريم 19:12
  13. مريم 19:13
  14. مريم 19:14
  15. مريم 19:15
  16. مريم 19:16
  17. مريم 19:17
  18. مريم 19:18
  19. مريم 19:19
  20. مريم 19:20
  21. مريم 19:21
  22. مريم 19:22
  23. مريم 19:23
  24. مريم 19:24
  25. مريم 19:25
  26. مريم 19:26
  27. مريم 19:27
  28. مريم 19:28
  29. مريم 19:29
  30. مريم 19:30
  31. مريم 19:31
  32. مريم 19:32
  33. مريم 19:33
  34. مريم 19:34
  35. مريم 19:35
  36. مريم 19:36
  37. مريم 19:37
  38. مريم 19:38
  39. مريم 19:39
  40. مريم 19:40
  41. مريم 19:41
  42. مريم 19:42
  43. مريم 19:43
  44. مريم 19:44
  45. مريم 19:45
  46. مريم 19:46
  47. مريم 19:47
  48. مريم 19:48
  49. مريم 19:49
  50. مريم 19:50
  51. مريم 19:51
  52. مريم 19:52
  53. مريم 19:53
  54. مريم 19:54
  55. مريم 19:55
  56. مريم 19:56
  57. مريم 19:57
  58. مريم 19:58
  59. مريم 19:59
  60. مريم 19:60
  61. مريم 19:61
  62. مريم 19:62
  63. مريم 19:63
  64. مريم 19:64
  65. مريم 19:65
  66. مريم 19:66
  67. مريم 19:67
  68. مريم 19:68
  69. مريم 19:69
  70. مريم 19:70
  71. مريم 19:71
  72. مريم 19:72
  73. مريم 19:73
  74. مريم 19:74
  75. مريم 19:75
  76. مريم 19:76
  77. مريم 19:77
  78. مريم 19:78
  79. مريم 19:79
  80. مريم 19:80
  81. مريم 19:81
  82. مريم 19:82
  83. مريم 19:83
  84. مريم 19:84
  85. مريم 19:85
  86. مريم 19:86
  87. مريم 19:87
  88. مريم 19:88
  89. مريم 19:89
  90. مريم 19:90
  91. مريم 19:91
  92. مريم 19:92
  93. مريم 19:93
  94. مريم 19:94
  95. مريم 19:95
  96. مريم 19:96
  97. مريم 19:97
  98. مريم 19:98
  99. طه 20:1
  100. طه 20:2
  101. طه 20:3
  102. طه 20:4
  103. طه 20:5
  104. طه 20:6
  105. طه 20:7
  106. طه 20:8
  107. طه 20:9
  108. طه 20:10
  109. طه 20:11
  110. طه 20:12
  111. طه 20:13
  112. طه 20:14
  113. طه 20:15
  114. طه 20:16
  115. طه 20:17
  116. طه 20:18
  117. طه 20:19
  118. طه 20:20
  119. طه 20:21
  120. طه 20:22
  121. طه 20:23
  122. طه 20:24
  123. طه 20:25
  124. طه 20:26
  125. طه 20:27
  126. طه 20:28
  127. طه 20:29
  128. طه 20:30
  129. طه 20:31
  130. طه 20:32
  131. طه 20:33
  132. طه 20:34
  133. طه 20:35
  134. طه 20:36
  135. طه 20:37
  136. طه 20:38
  137. طه 20:39
  138. طه 20:40
  139. طه 20:41
  140. طه 20:42
  141. طه 20:43
  142. طه 20:44
  143. طه 20:45
  144. طه 20:46
  145. طه 20:47
  146. طه 20:48
  147. طه 20:49
  148. طه 20:50
  149. طه 20:51
  150. طه 20:52
  151. طه 20:53
  152. طه 20:54
  153. طه 20:55
  154. طه 20:56
  155. طه 20:57
  156. طه 20:58
  157. طه 20:59
  158. طه 20:60
  159. طه 20:61
  160. طه 20:62
  161. طه 20:63
  162. طه 20:64
  163. طه 20:65
  164. طه 20:66
  165. طه 20:67
  166. طه 20:68
  167. طه 20:69
  168. طه 20:70
  169. طه 20:71
  170. طه 20:72
  171. طه 20:73
  172. طه 20:74
  173. طه 20:75
  174. طه 20:76
  175. طه 20:77
  176. طه 20:78
  177. طه 20:79
  178. طه 20:80
  179. طه 20:81
  180. طه 20:82
  181. طه 20:83
  182. طه 20:84
  183. طه 20:85
  184. طه 20:86
  185. طه 20:87
  186. طه 20:88
  187. طه 20:89
  188. طه 20:90
  189. طه 20:91
  190. طه 20:92
  191. طه 20:93
  192. طه 20:94
  193. طه 20:95
  194. طه 20:96
  195. طه 20:97
  196. طه 20:98
  197. طه 20:99
  198. طه 20:100
  199. طه 20:101
  200. طه 20:102
  201. طه 20:103
  202. طه 20:104
  203. طه 20:105
  204. طه 20:106
  205. طه 20:107
  206. طه 20:108
  207. طه 20:109
  208. طه 20:110
  209. طه 20:111
  210. طه 20:112
  211. طه 20:113
  212. طه 20:114
  213. طه 20:115
  214. طه 20:116
  215. طه 20:117
  216. طه 20:118
  217. طه 20:119
  218. طه 20:120
  219. طه 20:121
  220. طه 20:122
  221. طه 20:123
  222. طه 20:124
  223. طه 20:125
  224. طه 20:126
  225. طه 20:127
  226. طه 20:128
  227. طه 20:129
  228. طه 20:130
  229. طه 20:131
  230. طه 20:132
  231. طه 20:133
  232. طه 20:134
  233. طه 20:135

مريم 19:1

﴿كهيعص﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(أوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ ثَنَاءٌ أثْنَى بهِ الرَّبُّ عَلَى نَفْسِهِ، وَالْكَافُ مِنَ كَافٍ، وَالْهَاءُ مِنْ هَادٍ، وَالْيَاءُ مِنْ حَكِيْمٍ، وَالْعَيْنُ مِنْ عَلِيْمٍ، وَالصَّادُ مِنْ صَادِقٍ وَصَمَدٍ). وَقِيْلَ : معناهُ : كافٍ لخلقهِ هادٍ لعبادهِ، يده فوقَ أيديهم، عالِمٍ ببَريَّتهِ، صادقٍ في وعدهِ.

مريم 19:2

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ﴾ ؛ أي بهذا اذكر رحمةَ ربك على زكرَّيا، أو ما يُتْلَى عليكم ذكرُ رحمةِ ربكَ، و(عَبْدَهُ) منصوبٌ بالرحمة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً﴾ ؛ أي إذ دعَا ربَّهُ سِرّاً في جوفِ اللَّيلِ مُخلصاً لَم يطَّلِعُ عليه إلاَّ اللهُ، ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ ؛ أي ضَعُفَ منِّي. قال قتادةُ :(شَكَا ذهَابَ أضْرَاسِهِ)، والوَهَنُ في اللغة : نُقْصَانُ الْقُوَّةِ، ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ ؛ يقولُ : شِخْتُ وَضَعُفْتُ، ومن الموتِ قَرُبْتُ. والاشتعالُ : انتشارُ شُعَاعِ النَّارِ، واشتعالهُ في الشَّيْب من أحسنِ الاستعارةِ ؛ لأنه ينتشرُ في الرأسِ، كما ينتشرُ شُعاع النارِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :{ شَيْبًا) نُصِبَ على المصدرِ، وهذا يدلُّ على أن أفضلَ الدُّعاء دعاءُ السرِّ، كما قال ﷺ :" خَيْرُ الدُّعَاءِ الْخَفِيُّ، وَأفْضَلُ الرِّزْقِ مَا يَكْفِي ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ ؛ أي كنتَ تُجيبُنِي إذا دعوتُكَ، وقد عوَّدْتَني الإجابةَ في ما مضى فلِمَ لا تُجيبُنِي.

مريم 19:3

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ﴾ ؛ أي بهذا اذكر رحمةَ ربك على زكرَّيا، أو ما يُتْلَى عليكم ذكرُ رحمةِ ربكَ، و(عَبْدَهُ) منصوبٌ بالرحمة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً﴾ ؛ أي إذ دعَا ربَّهُ سِرّاً في جوفِ اللَّيلِ مُخلصاً لَم يطَّلِعُ عليه إلاَّ اللهُ، ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ ؛ أي ضَعُفَ منِّي. قال قتادةُ :(شَكَا ذهَابَ أضْرَاسِهِ)، والوَهَنُ في اللغة : نُقْصَانُ الْقُوَّةِ، ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ ؛ يقولُ : شِخْتُ وَضَعُفْتُ، ومن الموتِ قَرُبْتُ. والاشتعالُ : انتشارُ شُعَاعِ النَّارِ، واشتعالهُ في الشَّيْب من أحسنِ الاستعارةِ ؛ لأنه ينتشرُ في الرأسِ، كما ينتشرُ شُعاع النارِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :{ شَيْبًا) نُصِبَ على المصدرِ، وهذا يدلُّ على أن أفضلَ الدُّعاء دعاءُ السرِّ، كما قال ﷺ :" خَيْرُ الدُّعَاءِ الْخَفِيُّ، وَأفْضَلُ الرِّزْقِ مَا يَكْفِي ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ ؛ أي كنتَ تُجيبُنِي إذا دعوتُكَ، وقد عوَّدْتَني الإجابةَ في ما مضى فلِمَ لا تُجيبُنِي.

مريم 19:4

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ﴾ ؛ أي بهذا اذكر رحمةَ ربك على زكرَّيا، أو ما يُتْلَى عليكم ذكرُ رحمةِ ربكَ، و(عَبْدَهُ) منصوبٌ بالرحمة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً﴾ ؛ أي إذ دعَا ربَّهُ سِرّاً في جوفِ اللَّيلِ مُخلصاً لَم يطَّلِعُ عليه إلاَّ اللهُ، ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ ؛ أي ضَعُفَ منِّي. قال قتادةُ :(شَكَا ذهَابَ أضْرَاسِهِ)، والوَهَنُ في اللغة : نُقْصَانُ الْقُوَّةِ، ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ ؛ يقولُ : شِخْتُ وَضَعُفْتُ، ومن الموتِ قَرُبْتُ. والاشتعالُ : انتشارُ شُعَاعِ النَّارِ، واشتعالهُ في الشَّيْب من أحسنِ الاستعارةِ ؛ لأنه ينتشرُ في الرأسِ، كما ينتشرُ شُعاع النارِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :{ شَيْبًا) نُصِبَ على المصدرِ، وهذا يدلُّ على أن أفضلَ الدُّعاء دعاءُ السرِّ، كما قال ﷺ :" خَيْرُ الدُّعَاءِ الْخَفِيُّ، وَأفْضَلُ الرِّزْقِ مَا يَكْفِي ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ ؛ أي كنتَ تُجيبُنِي إذا دعوتُكَ، وقد عوَّدْتَني الإجابةَ في ما مضى فلِمَ لا تُجيبُنِي.

مريم 19:5

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى﴾ ؛ أي خِفْتُ العصبةَ وبَنِي العمِّ أن يرِثُوا عِلمي دون مَن كان مِن نَسْلِي، ويقالُ : خِفْتُهُمْ على الدِّين من ورائي ؛ لأنَّهم كانوا من أشرار بني إسرائيل. قرأ يحيى بن يعمر :(خَفَّتِ) بفتحِ الخاء وتشديدِ الفاء، و(الْمَوَالِيْ) بسكون الياء، يعني ذهَبَتِ الموالِي. وقلتُ : وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِن وَرَآءِى﴾ أي بعدَ موتِي. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً﴾ ؛ أي عَقِيماً من الولدِ، والرجلُ العَاقِرُ : الذي لا يولَدُ لهُ. وامرأتهُ هي أختُ أُمِّ مرَيم بنت عمرانَ بن ماثان. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾ ؛ أي أعطِني مِن عندك ولداً، ﴿يَرِثُنِي﴾ ؛ يَرِثُ نبوَّتِي ومكاني ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ ؛ العلمَ والنبوَّةَ، أرادَ بذلك يعقوبَ بنِ ماثان وهم أخوالُ يَحيى، وبنو ماثان كانوا رؤساءَ بني إسرائيل، وليسَ يعقوبُ هذا أبو يوسفَ. قرأ أبو عمرو والكسائي :(يَرِثُنِي وَيَرِثْ) بالجزمِ فيهما على جواب الدُّعاء، وقرأ الباقون برفعهما على الحالِ والصِّفة. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِيّاً﴾ أي وَالِياً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾ ؛ أي وَفِّقْهُ للعملِ حتى يصيرَ مِمَّن ترضاهُ. وقال أبو صالِح :(مَعْنَاهُ : وَاجْعَلْهُ رَب نَبيّاً كَمَا جَعَلْتَ أبَاهُ). وَقِيْلَ : إجْعَلْهُ صالِحاً تقيّاً بَرّاً مرْضِيّاً. وذهبَ بعضُ المفسِّرين أنَّ معنى قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَرِثُنِي﴾ أي يرِثُ مالِي، إلاّ أنَّ حملَ الآية على ميراثِ العلم أولَى ؛ لأن الأنبياءَ كانوا لا يَشُحُّونَ بالمالِ، ولا يتنافسونَ على مصيرِ المال بعد موتِهم إلى مستحقِّهِ ؛ ولأنه قال (وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) ولَم يُرِدْ بذلكَ المالَ، ولأنَّ البنيَّ ﷺ قالَ :" إنَّا - مَعْشَرَ الأنْبيَاءِ - لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةً " وإنَّما دعاءُ زكريا بالولدِ لِيَلِيَ أمورَ الدِّين بعدَهُ ؛ لخوفهِ من بَنِي أعمامهِ أن يبدِّلوا دِيْنَهُ بعدَ وفاته، وخافَ أن يستولُوا على علومهِ وكُتُبهِ فيحرِّفُونَها، ويواكلونَ الناس بها، ويفسدون دِيْنَهُ، ويصدُّون الناسَ عنه.

مريم 19:6

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى﴾ ؛ أي خِفْتُ العصبةَ وبَنِي العمِّ أن يرِثُوا عِلمي دون مَن كان مِن نَسْلِي، ويقالُ : خِفْتُهُمْ على الدِّين من ورائي ؛ لأنَّهم كانوا من أشرار بني إسرائيل. قرأ يحيى بن يعمر :(خَفَّتِ) بفتحِ الخاء وتشديدِ الفاء، و(الْمَوَالِيْ) بسكون الياء، يعني ذهَبَتِ الموالِي. وقلتُ : وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِن وَرَآءِى﴾ أي بعدَ موتِي. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً﴾ ؛ أي عَقِيماً من الولدِ، والرجلُ العَاقِرُ : الذي لا يولَدُ لهُ. وامرأتهُ هي أختُ أُمِّ مرَيم بنت عمرانَ بن ماثان. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾ ؛ أي أعطِني مِن عندك ولداً، ﴿يَرِثُنِي﴾ ؛ يَرِثُ نبوَّتِي ومكاني ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ ؛ العلمَ والنبوَّةَ، أرادَ بذلك يعقوبَ بنِ ماثان وهم أخوالُ يَحيى، وبنو ماثان كانوا رؤساءَ بني إسرائيل، وليسَ يعقوبُ هذا أبو يوسفَ. قرأ أبو عمرو والكسائي :(يَرِثُنِي وَيَرِثْ) بالجزمِ فيهما على جواب الدُّعاء، وقرأ الباقون برفعهما على الحالِ والصِّفة. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِيّاً﴾ أي وَالِياً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾ ؛ أي وَفِّقْهُ للعملِ حتى يصيرَ مِمَّن ترضاهُ. وقال أبو صالِح :(مَعْنَاهُ : وَاجْعَلْهُ رَب نَبيّاً كَمَا جَعَلْتَ أبَاهُ). وَقِيْلَ : إجْعَلْهُ صالِحاً تقيّاً بَرّاً مرْضِيّاً. وذهبَ بعضُ المفسِّرين أنَّ معنى قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَرِثُنِي﴾ أي يرِثُ مالِي، إلاّ أنَّ حملَ الآية على ميراثِ العلم أولَى ؛ لأن الأنبياءَ كانوا لا يَشُحُّونَ بالمالِ، ولا يتنافسونَ على مصيرِ المال بعد موتِهم إلى مستحقِّهِ ؛ ولأنه قال (وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) ولَم يُرِدْ بذلكَ المالَ، ولأنَّ البنيَّ ﷺ قالَ :" إنَّا - مَعْشَرَ الأنْبيَاءِ - لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةً " وإنَّما دعاءُ زكريا بالولدِ لِيَلِيَ أمورَ الدِّين بعدَهُ ؛ لخوفهِ من بَنِي أعمامهِ أن يبدِّلوا دِيْنَهُ بعدَ وفاته، وخافَ أن يستولُوا على علومهِ وكُتُبهِ فيحرِّفُونَها، ويواكلونَ الناس بها، ويفسدون دِيْنَهُ، ويصدُّون الناسَ عنه.

مريم 19:7

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يازَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ ؛ معناهُ : إنَّ الله استجابَ لهُ فأوحى إليه :﴿يازَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ أي نُفَرِّحُكَ ﴿بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ ؛ لأنَّ الله أحيَا به الإيْمانَ والحكمةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً﴾ قال الكلبيُّ وقتادةُ :(مَعْنَاهُ : لَمْ نُسَمِّ أحَداً قَبْلَهُ يَحْيَى)، قال ابنُ جبير وعطاء :(لَمْ نَجْعَلُ لَهُ شَبيْهاً وَلاَ مِثْلاً ؛ لأنَّهُ لَمْ يَعْصِ وَلاَ يَهِمُّ بمَعْصِيَةٍ). وَقِيْلَ : لَم تلِدِ العواقرُ مِثْلَهُ. وإنَّما قالَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ لأنهُ تعالى أرادَ أن يخلُقَ بَعْدَهُ أفضلَ منه وهو مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقِيْلَ : إن اللهَ تعالى لَم يُرِدْ بهذا القول جمعَ الفضائلِ كلِّها ليحيَى، وإنَّما أرادَ في بعضِها ؛ لأن الخليلَ والكليمَ كانا قبلَهُ، وكانا أفضلَ منهُ.

مريم 19:8

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ ؛ أي قال زكريَّا لجبريلَ : يا سيِّدي مِن أين يكونُ لِي ولدٌ، ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً﴾ ؛ مِن الولد، ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً﴾ ؛ أي حالَ اليأسِ والجفف. روي أنهُ كانَ له يومئذ بضعٌ وستُّون سنةً، والعِتِيُّ هو الذي غَيَّرَهُ طولُ الزمانِ إلى اليأسِ. قال قتادةُ :(وإنَّمَا قَالَ ذلِكَ لِنُحُولِ عَظْمِهِ) يقالُ : رجلٌ عَاتٍ إذا كان قاسيَ القلب غيرَ ليِّن. وقرأ حمزةُ والكسائي :(عِتِيّاً) بكسرِ العين وهُما لُغتان، وقد تقدَّم أن هذا القولَ من زكريا لَم يكن على جهةِ الإنكار، ولكن أحبَّ مِن أيِّ وجهٍ يكونُ أبرَدِّهِمَا إلى الشَّباب، أو يرزقهُما الولدَ وهما على هذه الصفةِ.

مريم 19:9

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ كَذالِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ ؛ أي قال لهُ جبريل : هكذا قَالَ رَبُّكَ، كما قلتُ لكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ﴾ ؛ أي من قبل يحيى، ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ ؛ وكنتَ معدوماً. قرأ حمزةُ والكسائيُّ :(وَقَدْ خَلَقْنَاكَ مِنْ قَبْلُ) بالنون والألف.

مريم 19:10

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ رَبِّ اجْعَل لِي آيَةً﴾ ؛ أي قالَ زكريا : يا رب اجعل لِي علامةً أعلمُ بها وقوعَ ما بُشِّرْتُ بهِ ؛ لأتعجَّلَ الْمَسَرَّةَ، ﴿قَالَ آيَتُكَ﴾ ؛ علامتُكَ، ﴿أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً﴾ ؛ أي لا تقدر أن تكلم الناسَ، وأنت سَوِيٌّ لا خَرَسَ بلسانِكَ ولا آفةَ، فإنه كان يقرأ الزَّبُورَ ويدعو اللهَ ويُسَبِّحُهُ، ولكنه اعتقلَ كلامَهُ عن كلامِ الناس. وقوله ﴿سَوِيًّا﴾ أي صَحيحاً سالِماً من غيرِ بأسٍ ولا خَرَسٍ، و(سَوِيّاً) منصوبٌ على الحال.

مريم 19:11

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ ؛ أي خَرَجَ عليهم من مُصَلاَّهُ مُتَغَيِّرَ اللونِ، وهم ينتظرونه فأنكروهُ وقالوا : ما لكَ يا زكريا ؟ ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ ؛ أي أشارَ إليهم وأوْمَأَ، ويقالُ : كتبَ بيدهِ ﴿أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ ؛ أي صَلُّوا لله غَدْوَةً وَعَشِيَّةً، والسُّبْحَةُ الصلاةُ، فلما كان وقتُ حملِ امرأتهِ ومنع من الكلامِ، خرج إليهم يأمرهم بالصلاة إشارةً، ثم تكلم بعد ثلاث، وأتى امرأته على طُهْرٍ، فحملت بيَحْيَى.

مريم 19:12

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ ؛ أي قال اللهُ ليَحْيَى بعدَ ما بَلَغَ البلغ الذي يجوزُ أن يخاطَبَ :﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ أي اعمل بما في التَّوراةِ بجِدٍّ ومواظبةٍ وعزِيْمَةٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾ ؛ أي أعطيناهُ الحكمةَ، وهي الفَهْمُ لكتاب الله صَبيّاً، وكان يحيى عليه السلام على هَيْأَةِ الصبيان، ولهُ عقلُ البالغينَ. وقال ابنُ عبَّاس :(وَآتَيْنَاهُ النُّبُوَّةَ فِي صِبَاهُ وَهُوَ ابْنُ ثَلاَتِ سِنِيْنَ. وروي أنهُ مَرَّ بالصِّبيانِ وهو صغيرٌ، فقالوا : تَعَالَ نلعبُ، فقال : مَا لِلَّعِب خُلِقْنَا.

مريم 19:13

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً﴾ ؛ أي وآتَيْنَاهُ تَحَنُّناً على قومهِ، وَرِقَّةَ قلبٍ عليهم ؛ ليدعوَهُم إلى طاعة ربهم، وقولهُ ﴿وَزَكَاةً﴾ أي عَمَلاً صالحاً وإخلاصاً، وَقِيْلَ : معناهُ : جعلناهُ طاهراً من الذُّنوب. وَقِيْلَ : معناه :﴿وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا﴾ أي جعلناهُ رحمةً من عندنا لأبويهِ ﴿وَزَكَاةً﴾ أي صدقةً عليهما. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَانَ تَقِيّاً﴾ ؛ أي مُطِيعاً مُخلصاً بجميعِ كل ما يرضاهُ الله مِن عبادهِ. قال المفسِّرون : وكانَ من تقواهُ أنه لَم يعمل خطيئةً ولا هَمَّ بها.

مريم 19:14

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ﴾ ؛ أي لطيفاً بوالديه، مُحسناً إليهما، ﴿وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً﴾ ؛ أي لَم يكن مُتَكَبراً على مَن في دِينه، ولا عاصياً لربهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ ؛ أي سلامةٌ وسعادة مِنَّا عليه حين وُلِدَ وحين يَموتُ، ﴿وَيَوْمَ﴾، وحين، ﴿يُبْعَثُ حَياً﴾ ؛ من القبرِ. قال عطاءُ :(يُرِيْدُ سَلاَمَةً لَهُ مِنَّا). قال سفيان بن عُيينة :(أوْحَشُ مَا يَكُونَ الْخَلْقُ فِي ثَلاَثَةِ مَوَاطِن : يَوْمَ وُلِدَ فَيَرَى نَفْسَهُ خَارجاً مِمَّا كَانَ فِيْهِ، وَيَوْمَ يَمُوتُ فَيَرَى قَوْماً مَا لَمْ يَكُنْ عَايَنَهُمْ، وَأحْكَاماً لَمْ يَعْهَدْهَا، وَيَوْمَ يُبْعَثُ فيَرَى نَفْسَهُ فِي مَحْشَرٍ لَمْ يَرَهُ، فَخَصَّهُ اللهُ بالْكَرَامَةِ وَالسَّلاَمَةِ وَالسَّلاَمِ فِي الْمَوَاطِنِ الثَّلاَثَةِ). وعن الحسن :(أنَّ يَحْيَى وَعِيْسَى عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ الْتَقَيَا، فَقَالَ لَهُ عِيْسَى : اسْتَغْفِرْ لِي فَأَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، وَقَالَ يَحْيَى : اسْتَغْفِرْ لِي فَأَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، فَقَالَ عِيْسَى : بَلْ أنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، أنَا سَلَّمْتُ عَلَى نَفْسِي، وَأنْتَ سَلَّمَ اللهُ عَلَيْكَ).

مريم 19:15

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ﴾ ؛ أي لطيفاً بوالديه، مُحسناً إليهما، ﴿وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً﴾ ؛ أي لَم يكن مُتَكَبراً على مَن في دِينه، ولا عاصياً لربهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ ؛ أي سلامةٌ وسعادة مِنَّا عليه حين وُلِدَ وحين يَموتُ، ﴿وَيَوْمَ﴾، وحين، ﴿يُبْعَثُ حَياً﴾ ؛ من القبرِ. قال عطاءُ :(يُرِيْدُ سَلاَمَةً لَهُ مِنَّا). قال سفيان بن عُيينة :(أوْحَشُ مَا يَكُونَ الْخَلْقُ فِي ثَلاَثَةِ مَوَاطِن : يَوْمَ وُلِدَ فَيَرَى نَفْسَهُ خَارجاً مِمَّا كَانَ فِيْهِ، وَيَوْمَ يَمُوتُ فَيَرَى قَوْماً مَا لَمْ يَكُنْ عَايَنَهُمْ، وَأحْكَاماً لَمْ يَعْهَدْهَا، وَيَوْمَ يُبْعَثُ فيَرَى نَفْسَهُ فِي مَحْشَرٍ لَمْ يَرَهُ، فَخَصَّهُ اللهُ بالْكَرَامَةِ وَالسَّلاَمَةِ وَالسَّلاَمِ فِي الْمَوَاطِنِ الثَّلاَثَةِ). وعن الحسن :(أنَّ يَحْيَى وَعِيْسَى عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ الْتَقَيَا، فَقَالَ لَهُ عِيْسَى : اسْتَغْفِرْ لِي فَأَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، وَقَالَ يَحْيَى : اسْتَغْفِرْ لِي فَأَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، فَقَالَ عِيْسَى : بَلْ أنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، أنَا سَلَّمْتُ عَلَى نَفْسِي، وَأنْتَ سَلَّمَ اللهُ عَلَيْكَ).

مريم 19:16

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً﴾ ؛ أي اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ في القُرْآنِ خَبَرَ مريَمَ ؛ لتعتبرَ الناسُ بدِينها وصلاحِها، والمعنى اذْكُرْ خبَرَها لأهلِ مكَّة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذِ انتَبَذَتْ﴾ أي تَنَحَّتْ من أهلِها، وتفرَّدت مِمَّن كانوا معَها في الدارِ إلى مكانٍ في جانب الشَّرق، جلست فيهِ ؛ لأنَّها كانت في الشتَّاء، فجلست في مَشْرَقَةِ الشمسِ. وقال عكرمةُ :(أرَادَتِ الْغُسْلَ مِنَ الْحَيْضِ، فَتَحَوَّلَتْ إلَى مَشْرَقَةِ دَارِهِمْ لِلْغُسْلِ) ﴿فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً﴾ ؛ أي مِن دون أهلِها سِتْراً لئلاَّ يرَوها، فَـ ؛ بينما هي في مشرقة الدار تغتسلُ من الحيضِ، ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا﴾، أي دخلَ عليها جبريل عليه السلام بعد ما فرغت من الاغتسالِ في صورة شابٍّ أمردَ حسنِ الوجه جَعْدَ الشعرِ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً﴾ ؛ وإنَّما أرسلَ اللهُ جبريلَ في صورة البشرِ ؛ لتثبت مريَمَ وتقدرَ على استماعِ كلامه. قال ابنُ عبَّاس :(فَلَمَّا رَأتْ مَرْيَمُ جِبْرِيلَ تَقَصَّدَ نَحْوَهَا نَادَتْهُ مِنْ بَعِيْدٍ)، ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَـانِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾ ؛ أي إنْ كنتَ تقيّاً مُخلصاً مطيعاً، فستنتهي لتعوذِي بالله منكَ، وَقِيْلَ : إنَّ تقيّاً كان رجُلاً من أمثلِ الناسِ في ذلك الزمان، فقالت : إن كنتَ في الصلاحِ مثل التقيِّ، فإنِّي أعوذُ بالرَّحمنِ منكَ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا﴾ أي جبريلَ عليه السلام، خُصَّ بالإضافةِ إلى اللهِ تعالى تشريفاً له، وسُمِّي روحاً ؛ لأن الناسَ يَحْيَوْنَ بما جاء في أديانِهم، كما يحيون بأرواحِ أبدانِهم.

مريم 19:17

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً﴾ ؛ أي اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ في القُرْآنِ خَبَرَ مريَمَ ؛ لتعتبرَ الناسُ بدِينها وصلاحِها، والمعنى اذْكُرْ خبَرَها لأهلِ مكَّة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذِ انتَبَذَتْ﴾ أي تَنَحَّتْ من أهلِها، وتفرَّدت مِمَّن كانوا معَها في الدارِ إلى مكانٍ في جانب الشَّرق، جلست فيهِ ؛ لأنَّها كانت في الشتَّاء، فجلست في مَشْرَقَةِ الشمسِ. وقال عكرمةُ :(أرَادَتِ الْغُسْلَ مِنَ الْحَيْضِ، فَتَحَوَّلَتْ إلَى مَشْرَقَةِ دَارِهِمْ لِلْغُسْلِ) ﴿فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً﴾ ؛ أي مِن دون أهلِها سِتْراً لئلاَّ يرَوها، فَـ ؛ بينما هي في مشرقة الدار تغتسلُ من الحيضِ، ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا﴾، أي دخلَ عليها جبريل عليه السلام بعد ما فرغت من الاغتسالِ في صورة شابٍّ أمردَ حسنِ الوجه جَعْدَ الشعرِ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً﴾ ؛ وإنَّما أرسلَ اللهُ جبريلَ في صورة البشرِ ؛ لتثبت مريَمَ وتقدرَ على استماعِ كلامه. قال ابنُ عبَّاس :(فَلَمَّا رَأتْ مَرْيَمُ جِبْرِيلَ تَقَصَّدَ نَحْوَهَا نَادَتْهُ مِنْ بَعِيْدٍ)، ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَـانِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾ ؛ أي إنْ كنتَ تقيّاً مُخلصاً مطيعاً، فستنتهي لتعوذِي بالله منكَ، وَقِيْلَ : إنَّ تقيّاً كان رجُلاً من أمثلِ الناسِ في ذلك الزمان، فقالت : إن كنتَ في الصلاحِ مثل التقيِّ، فإنِّي أعوذُ بالرَّحمنِ منكَ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا﴾ أي جبريلَ عليه السلام، خُصَّ بالإضافةِ إلى اللهِ تعالى تشريفاً له، وسُمِّي روحاً ؛ لأن الناسَ يَحْيَوْنَ بما جاء في أديانِهم، كما يحيون بأرواحِ أبدانِهم.

مريم 19:18

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً﴾ ؛ أي اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ في القُرْآنِ خَبَرَ مريَمَ ؛ لتعتبرَ الناسُ بدِينها وصلاحِها، والمعنى اذْكُرْ خبَرَها لأهلِ مكَّة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذِ انتَبَذَتْ﴾ أي تَنَحَّتْ من أهلِها، وتفرَّدت مِمَّن كانوا معَها في الدارِ إلى مكانٍ في جانب الشَّرق، جلست فيهِ ؛ لأنَّها كانت في الشتَّاء، فجلست في مَشْرَقَةِ الشمسِ. وقال عكرمةُ :(أرَادَتِ الْغُسْلَ مِنَ الْحَيْضِ، فَتَحَوَّلَتْ إلَى مَشْرَقَةِ دَارِهِمْ لِلْغُسْلِ) ﴿فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً﴾ ؛ أي مِن دون أهلِها سِتْراً لئلاَّ يرَوها، فَـ ؛ بينما هي في مشرقة الدار تغتسلُ من الحيضِ، ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا﴾، أي دخلَ عليها جبريل عليه السلام بعد ما فرغت من الاغتسالِ في صورة شابٍّ أمردَ حسنِ الوجه جَعْدَ الشعرِ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً﴾ ؛ وإنَّما أرسلَ اللهُ جبريلَ في صورة البشرِ ؛ لتثبت مريَمَ وتقدرَ على استماعِ كلامه. قال ابنُ عبَّاس :(فَلَمَّا رَأتْ مَرْيَمُ جِبْرِيلَ تَقَصَّدَ نَحْوَهَا نَادَتْهُ مِنْ بَعِيْدٍ)، ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَـانِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾ ؛ أي إنْ كنتَ تقيّاً مُخلصاً مطيعاً، فستنتهي لتعوذِي بالله منكَ، وَقِيْلَ : إنَّ تقيّاً كان رجُلاً من أمثلِ الناسِ في ذلك الزمان، فقالت : إن كنتَ في الصلاحِ مثل التقيِّ، فإنِّي أعوذُ بالرَّحمنِ منكَ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا﴾ أي جبريلَ عليه السلام، خُصَّ بالإضافةِ إلى اللهِ تعالى تشريفاً له، وسُمِّي روحاً ؛ لأن الناسَ يَحْيَوْنَ بما جاء في أديانِهم، كما يحيون بأرواحِ أبدانِهم.

مريم 19:19

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً﴾ ؛ أي لأهبَ لك بأمرِ الله ولداً صالحاً طاهراً من الذنوب. ومن قرأ :(لِيَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً) فالمعنى لِيَهَبَ اللهُ لكِ.

مريم 19:20

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ ؛ أي مِن أينَ يكون لِي ولدٌ، ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ ؛ ولَم يقربني زوجٌ، ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾ ؛ أي ولَم أكن فاجرةً زانية، والباغيةُ هي الطالبةُ للزِّنَى. قال ابنُ عبَّاس :(قَالَتْ مَرْيَمُ لَيْسَ لِي زَوْجٌ، وَلَسْتُ بزَانِيَةٍ، وَلاَ يَكُونُ الْوَلَدُ إلاَّ مِنَ الزَّوْجِ أو الزِّنَى).

مريم 19:21

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ كَذالِكَ قَالَ رَبُّكِ﴾ ؛ أي قالَ لَها جبريلُ، كما قلتُ لكِ قالَ ربُّك :﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ ؛ أي خَلْقُهُ عليَّ هيِّنٌ من غيرِ هاتين الجهتين، كخلقِ آدمَ، لا أبَ ولا أُمَّ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا﴾ ؛ أي لنجعلَهُ دلالةً على قدرتِنا ورحمةً للخلقِ، وَقِيْلَ : ورحمةً لِمن اتَّبعَهُ على دِينه وصِدقه وكان خلقهُ، ﴿وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً﴾ ؛ أي مَحكوماً به مَفروغاً منه، سابقاً في علمِ الله أن يقعَ.

مريم 19:22

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً﴾ ؛ وذلك أنَّها لَمَّا سَمعت كلامَ جبريل اطمأنَّتْ إلى قولهِ، فدَنَا منها ونفخَ في جيبها، فوصلت تلك النفخةُ إلى بطنِها فحملت بعيسَى عليه السلام. وَقِيْلَ : نفخَ جبريلُ بها من بعيدٍ فوصلت النفخةُ إليها فحملَتْ. فلما ظهرَ حملُها انْتَبَذتْ أي خرجت وانفردَتْ، وتَنَحَّتْ بولادتِها إلى مكانٍ بعيد من الناسِ. والانْتِبَاذُ : مأخوذٌ من نَبَذْتُ الشيءَ إذا رميتُ بهِ، وجلسَ نُبْذةً أي ناحيةً، والقاصِي والقصِيُّ خلافُ الدَّانِي. واختلفوا في مُدَّةِ حَملِها، فقال بعضُهم : تسعةُ أشهرٍ كحمل سائرِ النِّساء على ما جرت به العادةُ، وقال : بعضُهم ثَمانية أشهرٍ، وكان ذلك آيةً أُخرى ؛ لأنه لَم يعِشْ مولودٌ وُضِعَ لثمانيةِ أشهر غيرُ عيسى عليه السلام، وقال بعضُهم : ستةُ أشهر، وَقِيْلَ : ثلاث ساعات، وَقِيْلَ : ساعةٌ واحدة. وقال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :(مَا هُوَ إلاَّ أنْ حَمَلَتْ فَوَضَعَتْ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَمْلِ وَالإنْبَاذِ إلاَّ سَاعَةٌ ؛ لأنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ بَيْنَهُمَا فَصْلاً). وقال مقاتلُ :(حَمَلَتْهُ فِي سَاعَةٍ وَصُوِّرَ فِي سَاعَةٍ، وَوَضَعَتُهُ فِي سَاعَةٍ حِيْنَ زَالَتِ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِهَا وَهِيَ بنْتُ عَشْرِ سِنِيْنَ، وَقْدْ حَاضَتْ حَيْضَتَيْنِ قَبْلَ أنْ تَحْمِلَ بعِيْسَى عليه السلام). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَكَاناً قَصِيّاً﴾ أي مَكاناً بعيداً. قال ابنُ عبَّاس :(أقْصَى الْوَادِي فِرَاراً مِنْ قَوْمِهَا أنْ يُعَيِّرُوهَا بوِلاَدَتِهَا مِنْ غَيْرِ زَوْجٍ).

مريم 19:23

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَجَآءَهَا الْمَخَاضُ﴾ ؛ أي ألْجَأَهَا، ويقالُ : جاءَ بها وأجَاءَها بمعنى واحدٍ، كما يقالُ ذهبَ بهِ وأذهبَهُ. والْمَخَاضُ : وَجَعُ الولادةِ، وَقِيْلَ : تَحَرُّكُ الولدِ للولادة، وَقِيْلَ : الحملُ. وقرأ عبدُالله :(فَآوَاهَا الْمَخَاضُ). وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ ؛ وكانت نخلةً يابسة في الصحراءِ ولَم يكن لَها سَعَفٌ أي لا رأسَ لَها، وَقِيْلَ : كان جِذْعاً مِيتاً قد أُتِي به لبناء بيتٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـاذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً﴾ أي لَم أُخْلَقْ، وَقِيْلَ : شيئاً متروكاً لا يُذكر، والنَّسْيُ في كلام العرب : الشيءُ الحقير الذي إذا أُلْقِيَ نُسِيَ، ولَم يُلْتَفَتْ إليه. قال السديُّ :(إنَّما تَمَنَّتْ مَرْيَمُ الْمَوْتَ اسْتِحْيَاءً مِنَ النَّاسِ، خَافَتِ الْفَضِيْحَةَ). وَقِيْلَ : للحالِ الذي دُفِعَتْ إليها من الولادةِ، والصحيحُ : أنَّها إنَّمَا تَمَنَّتْ لعلمِها بأنَّ الناسَ سيرمُونَها بالفاحشةِ فيأثَمون بسبَبها، فَتَمَنَّتْ أن تكون ماتت قبلَ أن تقولَ الناسُ بسببها قولاً يُسْخِطُ اللهَ تعالى. قرأ حمزةُ وحفص (نَسْياً) بفتح النون وهما لُغتان.

مريم 19:24

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس والسديُّ والضحَّاك وقتادةُ :(إنَّ الْمُنَادِي مِنْ تَحْتِهَا هُوَ جِبْرِيْلُ عليه السلام، كَأَنَّهُ كَانَ فِي مَكَانٍ أسْفَلَ مِنْ مَكَانِهَا، فَنَادَاهَا ألاَّ تَحْزَنِي يَا مَرْيَمُ عَلَى ولاَدَةِ عِيْسَى، فَقَدْ أحْسَنَ اللهُ لَكِ الاخْتِيَارَ، وَجَعَلَ تَحْتَكِ سَرِيّاً). قَالَ السديُّ :(هُوَ النَّهْرُ الصَّغِيْرُ، سُمِّيَ سَرِيّاً ؛ لأَنَّهُ يَسْرِي لِجَرَيَانِهِ). وقال الحسنُ :(هُوَ عِيْسَى، وَهُوَ وَاللهِ السَّرِيُّ مِنَ الرِّجَالِ). وهذا التأويلُ على قراءةِ مَن قرأ (مِنْ تَحْتِهَا) بكسر الميم والتَّاء، وهي قراءةُ نافع وحمزة والكسائي وحفص، وقرأ الباقون بالفتحِ وهو عيسَى عليه السلام لَمَّا خرجَ من بطنِ أُمِّهِ نادَاها ألاَّ تَحْزَنِي، ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ ؛ أي نَهراً صغيراً.

مريم 19:25

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(ضَرَبَ جِبْرِيْلُ، وَقِيْلَ : عِيْسَى عليه السلام برِجْلِهِ الأَرْضَ فَظَهَرَتْ عَيْنُ مَاءٍ عَذْبٍ، وَجَرَى تَحْتَ النَّخْلَةِ، فَحَيَتْ بَعْدَ يُبْسِهَا فَأَوْرَقَتْ وَأَثْمَرَتْ وَرَطِبَتْ). ومعنى الآية : حَرِّكِي وخُذِي إليكِ جذعَ النخلةِ. والباءُ فيه زائدةٌ، تقولُ العرب : هَزَهَّ وهَزَّ بهِ، وخُذْ بالخطامِ وخُذِ الْخِطَامَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾ ؛ قرأ يعقوبُ (يُسَاقِطْ) بالياء، يعني الجذعَ، وقرأ حفصٌ بالتاء وضمِّها وتخفيف السِّين وكسرِ القاف. وقرأ حمزةُ (تَسَاقَطُ) بفتح التاء والقافِ مخفَّفاً، وقرأ الباقونَ بفتحِ التاء وتشديد السين ؛ أي يَتَسَاقَطُ، فأُدغمت الياءُ في السين. معناهُ : يُسْقِطُ عليكِ النخلةُ، والرطبُ الْجَنِيُّ : هو الْجَنِيُّ من الثمرةِ الرطبة الطريَّة. ونُصب (رُطَباً) على التفسيرِ. ومن قرأ (تُسَاقِطْ) بالضم انتصبَ على المفعول.

مريم 19:26

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً﴾ ؛ أي فكُلِي من الرُّطب، واشرَبي من النهرِ، وقَرِّي عَيْناً بولدِكِ عيسى، وطيبي نفساً ؛ أي يقالُ : قَرَّتْ عَيْنُهُ ؛ أي بَرَدَتْ بردَ السرورِ بما ترى، ويقالُ : سَكَنَتْ سكونَ السُّرور برؤيةِ ما تحبُّ، فالأولُ مِن القَرِّ ؛ والثانِي من القَرَارِ. وانتصبَ (عَيْناً) على التفسير الْمُحول، كما يقالُ : طِيْبي نَفْساً ؛ أي طابَتْ نفسْكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحَداً﴾ ؛ أي فإما تَرَينَّ من الآدميِّين أحداً، فسألَكِ عن الولدِ أو لاَمَكِ عليه، ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـانِ صَوْماً﴾ ؛ أي صَمْتاً، وكذلكَ كان يقرؤُها ابنُ مسعود وأنسُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :(صَمْتاً ؛ أيْ أوْجَبَتْ عَلَى نَفْسِهَا أنْ لاَ تَتَكَلَّمَ). وقال قتادةُ :(صَامَتْ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَاب وَالْكَلاَمِ) ولِهذا قالَتْ :﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً﴾ ؛ أي آدَمِيّاً، وكان قد أُذِنَ لَها أن تتكلمَ بهذا القدر ثم سكتت. قال ابنُ مسعود رضي الله عنه :(أُمِرَتْ بالصَّمْتِ ؛ لأَنَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا حُجَّةً عِنَدْ النَّاسِ فِي شَأْنِ وَلَدِهَا، فَأُمْرَتْ بالْكَفِّ عَنِ الْكَلاَمِ يَكْفِيْهَا وَلَدُهَا الْكَلاَمَ بمَا يُبْرِئُ سَاحَتَهَا). وفي الآيةِ دلالةً أنَّ الصمتَ كان قُرْبَةً في زمانِهم، ولولا ذلكَ لَمَا نذرتْهُ مريَمُ، ثم نُسِخَ ذلكَ بنهي النبيِّ ﷺ عن صومِ الصَّمت. ويروى " أنهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ صَمْتِ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ ".

مريم 19:27

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُواْ يامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً﴾ ؛ روي أنَّها أتَتْ بعيسى تحملهُ إلى قومِها بعد أن طَهُرَتْ من نِفَاسِهَا ؛ أي بعد أربعينَ يوماً، فتكلَّمَ عيسى في الطريقِ وهو ابنُ أربعينَ يوماً، فقالَ : يا أُمَّاهُ أبْشِرِي فإنِّي عبدُ اللهِ ومسيحُهُ، فلما دخلت على قومِها بَكَوا وحزِنُوا، وكانوا أهلَ بيتٍ صالح، و ﴿قَالُواْ يامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً﴾ أي مُنْكَراً عظيماً لا يُعْرَفُ منكِ، ولا من أهلِ بيتكِ.

مريم 19:28

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(هَارُونَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيْلَ نُسِبَتْ إلَيْهِ) والمعنَى : يا شَبيْهَةَ هارون في العبادةِ. " رويَ أن أهلَ الكتاب قالوا : كيفَ يقولون إنَّ مريم أختَ هارون وبينهُما ستُّمائة سنةٍ، فذُكِرَ ذلك للنبيِّ ﷺ، فقال : إنَّهُمْ كَانُوا يُسَمَّونَ باسْمِ الأَنْبيَاءِ وَالصَّالِحيْنَ ". فعلى هذا يجوزُ أنَّ أخا مريَم كان يسمَّى هارون. وقال السديُّ :(هُوَ هَارُونُ أخُو مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، نُسِبَتْ إلَيْهِ ؛ لأنَّهَا مِنْ وَلَدِهِ كَمَا يُقَالُ يَا أخَا بَنِي فُلاَنٍ). وَقِيْلَ : كان رجُلاً فاسقاً معروفاً بالفِسْقِ فنُسبت إليه : وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ قال ابنُ عبَّاس :(يُرِيْدُ زَانِياً)، ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ﴾ ؛ حِنَّةُ ؛ ﴿بَغِيّاً﴾ ؛ أي ما كانت بغيَّا، فمِن أينَ لكِ هذا الولد.

مريم 19:29

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ ؛ أي أشارَتْ إلى عيسَى عليه السلام وهو يرضعُ بأن كَلِّمُوهُ، فَعَجِبُوا مِن ذلك و ﴿قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً﴾ ؛ أي في الْحِجْرِ رضيعاً، والْمَهْدُ هَهُنَا حِجْرُ أُمِّهِ، وَقِيْلَ : هو الْمَهْدُ بعينهِ. قال أبو عبيدةَ :(كَانَ هَهُنَا زَائِدَةٌ لاَ مَعْنَى لَهَا). والمعنى كيفَ نُكَلِّمُ صبياً في المهدِ، ويجوزُ أن تكون (مَنْ) في موضعِ الشَّرط والجزاء، والمعنى مَن يكن في المهدِ صبيّاً فكيفَ نُكَلِّمُهُ، والماضي بمعنى المستقبل في باب الجزاء، ويجوزُ أن يكون (صَبيّاً) نُصِبَ على الحالِ ؛ أي كيفَ نُكَلِّمُ مَن في المهدِ صبياً ؛ أي في هذه الحالةِ. قال السديُّ :(فَلَمَّا أشَارَتْ إلَى عِيْسَى عليه السلام غَضِبُوا وَقَالُواْ : لَسُخْرِيَتُهَا بنَا أشَدُّ مِنْ زنَاهَا. فَلَمَّا سَمِعَ عِيْسَى كَلاَمَهُمْ، تَرَكَ الرِّضَاعَ وَأقْبَلَ بوَجْهِهِ عَلَيْهِمْ وَ ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ ؛ يعنِي علَّمَني التوراةَ والزبورَ. وقال مقاتلُ :(عَلَّمَهُ اللهُ الإنْجِيْلَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ) ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيّاً﴾ ؛ أي حَكَمَ لِي بالنبوَّةِ في ما مضَى.

مريم 19:30

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ ؛ أي أشارَتْ إلى عيسَى عليه السلام وهو يرضعُ بأن كَلِّمُوهُ، فَعَجِبُوا مِن ذلك و ﴿قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً﴾ ؛ أي في الْحِجْرِ رضيعاً، والْمَهْدُ هَهُنَا حِجْرُ أُمِّهِ، وَقِيْلَ : هو الْمَهْدُ بعينهِ. قال أبو عبيدةَ :(كَانَ هَهُنَا زَائِدَةٌ لاَ مَعْنَى لَهَا). والمعنى كيفَ نُكَلِّمُ صبياً في المهدِ، ويجوزُ أن تكون (مَنْ) في موضعِ الشَّرط والجزاء، والمعنى مَن يكن في المهدِ صبيّاً فكيفَ نُكَلِّمُهُ، والماضي بمعنى المستقبل في باب الجزاء، ويجوزُ أن يكون (صَبيّاً) نُصِبَ على الحالِ ؛ أي كيفَ نُكَلِّمُ مَن في المهدِ صبياً ؛ أي في هذه الحالةِ. قال السديُّ :(فَلَمَّا أشَارَتْ إلَى عِيْسَى عليه السلام غَضِبُوا وَقَالُواْ : لَسُخْرِيَتُهَا بنَا أشَدُّ مِنْ زنَاهَا. فَلَمَّا سَمِعَ عِيْسَى كَلاَمَهُمْ، تَرَكَ الرِّضَاعَ وَأقْبَلَ بوَجْهِهِ عَلَيْهِمْ وَ ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ ؛ يعنِي علَّمَني التوراةَ والزبورَ. وقال مقاتلُ :(عَلَّمَهُ اللهُ الإنْجِيْلَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ) ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيّاً﴾ ؛ أي حَكَمَ لِي بالنبوَّةِ في ما مضَى.

مريم 19:31

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً﴾ ؛ أي مُعَلِّماً للخيرِ، نَفَّاعاً ﴿أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ ؛ حيثُما كنتُ أدعُوا إلى اللهِ تعالى، وإلى توحيدهِ وعبادته، ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ﴾ ؛ أي أمَرَنِي بإقامةِ الصَّلاة وإيتاءِ الزكاة، ﴿مَا دُمْتُ حَيّاً﴾.

مريم 19:32

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَبَرّاً بِوَالِدَتِي﴾ ؛ أي وجعلَنِي بَرّاً لوالدتِي. قال ابنُ عبَّاس :(لَمَّا قَالَ عِيْسَى عليه السلام : بوَالِدَتِي، عَلِمُواْ أنَّهُ شَيْءٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى، ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً﴾ ؛ أي متعَظِّماً، أقْتُلُ وأضربُ على الغضب، ولا شقيّاً عاصياً لربهِ.

مريم 19:33

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾ ؛ معناهُ : والسلامُ عَلَيَّ يومَ وُلدْتُ حتى لَم يضرَّنِي شيطانٌ، وَيَوْمَ أمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً من القبرِ. وفي هذا دليلٌ على أنَّ للإنسانِ أن يصفَ نفسَهُ بصفاءِ الخيرِ إذا أرادَ تعريفَها إلى غيرهِ، ولَمْ يُرِدِ الافتخارَ، وهو مثلُ قولِ يوسفَ عليه السلام للملكِ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾[يوسف: ٥٥]. قال ابنُ عبَّاس :(إنَّمَا كَلَّمَهُمْ عِيْسَى عليه السلام بهَذا الْكَلاَمِ لاَ غَيْرِهِ، ثُمَّ سَكَتَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى بَلَغَ مِقْدَارَ مُدَّةِ مَا يَتَكَلَّمُ الصِّبْيَانُ).

مريم 19:34

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ ؛ أي ذلكَ الذي قالَ إنِّي عبدُ اللهِ عيسَى بنُ مريَمَ قَوْلَ الْحَقِّ، مَن قرأ بنصب (قَوْلَ) فالمعنى : قولَ الحقُ، ومَن رفعهُ فالمعنى : هو قولُ الحقِّ، أو كلمةُ الحقِّ، والحقُّ هو الحقُّ تعالى. ومعنى قراءةِ النصب أقولُ قولَ الحقِّ، ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ﴾ ؛ أي يَشُكُّونَ فيختلفون، فإنَّهم اختلفوا - يعنى النصَارَى - فقائلٌ منهم يقولُ : هو اللهُ، وقائلٌ يقولُ : هو ابنُ الله، واليهودُ تقول : وُلِدَ لغيرِ رشدةٍ.

مريم 19:35

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ ؛ أي ما ينبغي للهِ أن يتخذ ولداً وليس ذلك مِن صفاتهِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سُبْحَانَهُ﴾ ؛ أي تنْزيهاً له عن الولدِ والشريك. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ ؛ أي كيفَ يَتَّخِذُ ولداً مَنِ إذا شاءَ أمراً كان كما خلقَ عيسى بلا أبٍ.

مريم 19:36

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـاذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ ؛ هذا إخبارٌ عن عيسى أنهُ قال ذلك. من قرأ بفتحِ الهمزة فالمعنَى : وأوصانِي أنَّ اللهَ ربي وربُّكم، أو قضَى أنَّ اللهَ ربي وربُّكم، ومَن كسرَها فعلى الاستئنافِ، ويجوزُ أن يكون عطفاً على (إنَّي عَبْدُ اللهِ). والصراطُ المستقيمُ هو الدِّين المستمرُّ في جهةٍ واحدة، وَقِيْلَ : معناهُ : هذا الذي أخبَرَكم أنَّ اللهَ أمرَنِي به هو الطريقُ المستقيم الذي يؤدِّي إلى الجنَّة.

مريم 19:37

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ ؛ ويعني بالأحزاب : النصارَى، كانوا أحزَاباً متفرِّقين في أمرِ عيسى عليه السلام، فبعضُهم يقول : اللهُ، وبعضهم يقولُ : هو ابنُ الله، وبعضُهم يقولُ : ثالثُ ثلاثةٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ؛ أي فَوَيْلٌ لِلَّذِيْنَ تحدَّثوا في عيسَى مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ يشهدهُ الخلائقُ.

مريم 19:38

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ ؛ أي ما أسْمعُهم وما أبصرُهم يومَ القيامةِ ؛ أي يشاهدون من الغيب ما يُسْمَعُ ويُبْصَرُ بلا شكٍّ ولا مِرْيَةٍ. قال قتادةُ :(سَمِعُوا حِيْنَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ السَّمْعُ، وَأبْصَرُوا حِيْنَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ الْبَصَرُ). وقال الحسنُ :(لَئِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا عُمْياً وَصُمّاً عَنِ الْحَقِّ، فَمَا أبْصَرَهُمُ وَأسْمَعَهُمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَـاكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ أي لكنَّهم في الدُّنيا في كُفْرٍ بَيِّنٍ.

مريم 19:39

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ ؛ أي خَوِّفْ يا مُحَمَّدُ أهلَ مكَّة يومَ يَتَحَسَّرُ الْمُسِيْءُ هَلاَّ أحسنَ العملَ، والْمُحْسِنُ هلاَّ ازدادَ مِن الأحسنِ. وقال أكثرُ المفسِّرين : يعني الْحَسْرَةَ يومَ يُذْبَحُ الموتُ بين الفريقين، فلو ماتَ أحدٌ فرَحاً لَما ماتَ أهلُ الجنَّة، ولو ماتَ أحدٌ حُزناً لَمَا ماتَ أهلُ النارِ. وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه قال : قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" يُجَاءُ بالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أمْلَحُ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَالُ : يَا أهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيُشْرِفُونَ عَلَيْهِ، فَيَقُولُونَ : نَعَمْ ؛ هَذا الْمَوْتُ. فَيُقَالُ لأَهْلِ النَّارِ كَذلِكَ، فَكُلُّهُمْ قَدْ عَرَفَهُ، فَيُذْبَحُ، وَيُقَالُ : يَا أهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ بلاَ مَوْتٍ، وَيَا أهْلَ النَّارِ خُلُودٌ بلاَ مَوْتٍ " ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللهِ ﷺ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ " قال مقاتلٌ :(لَوْلاَ مَا قَضَى اللهُ مِنْ تَخْلِيْدِ أهْلِ النَّّارِ وَتَعْمِيْرِهِمْ فِيْهَا، لَمَاتُواْ حَسْرَةً حِيْنَ رَأوْا ذلِكَ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ﴾ أي قُضِيَ لَهم العذابُ في الآخرة، وهم في الدُّنيا في غفلةٍ. وقال السديُّ :(إذْ قُضِيَ الأَمْرُ ؛ أيْ ذُبحَ الْمَوْتُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ فِي الدُّنْيَا عَمَّا يُصْنَعُ بالْمَوْتِ ذلِكَ الْيَوْمِ) ﴿وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ ؛ بما يصنعُ بالموتِ ذلكَ اليوم. ويقالُ : معنى قولهِ تعالى ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ هو يومُ يأتيهم مَلَكُ الموتِ يقبضُ أرواحَهم، فإذا وقعتِ المعاينةُ قال عندَ ذلك : رَب أرْجِعُونِي، قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾[المؤمنون: ٩٩-١٠٠] وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ أي وَهُمْ في الدُّنيا في غفلةٍ، وهم لا يؤمنونَ بالقُرْآنِ.

مريم 19:40

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ ؛ أي نُمِتْ سكَّانَها فنرثُها، وهذا كقولهِ تعالى﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾[الحجر: ٢٣] ؛ لأنَّهم إذا ماتُوا انقطعَ مُلْكُ العبادِ عنِ الأرض. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ ؛ أي بعدَ الموتِ، فنجزِيَهم بأعمالِهم.

مريم 19:41

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾ ؛ أي واذكُرْ في القُرْآنِ لقومِكَ قصَّةَ إبراهيمَ ؛ إنهُ كثيرُ التصديقِ بالحقِّ مُوقِناً صَدُوقاً رَسُولاً نبيّاً.

مريم 19:42

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ ياأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ﴾ ؛ أي لِمَ تعبدُ مِن دون الله مَا لاَ يسمَعُ إنْ دعوتَهُ، ولا يُبْصِرُ إن عبدتَهُ، يعني الصنمَ، ﴿وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً﴾ ؛ من عذاب الله، ولا يدفعُ عنك ضُرّاً.

مريم 19:43

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ ؛ أي من العِلْمِ باللهِ والمعرفة، وإنَّ مَنْ عبدَ غيرَ الله عَذْبَهُ، ﴿فَاتَّبِعْنِي﴾ ؛ عَلَى دِيني ﴿أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً﴾ ؛ أي أُرشِدُكَ إلى دِينٍ مستقيم.

مريم 19:44

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ ؛ أي لا تُطِعْهُ فيما زَيَّنَ لكَ من الكفرِ والمعاصي، ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـانِ عَصِيّاً﴾ ؛ أي كثيرَ العصيانِ لله تعالى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَـانِ﴾ ؛ أي عذابٌ مِنَ اللهِ بطاعتك للشيطانِ، ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾ ؛ أي قَرِيْناً في النار.

مريم 19:45

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ ؛ أي لا تُطِعْهُ فيما زَيَّنَ لكَ من الكفرِ والمعاصي، ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَـانِ عَصِيّاً﴾ ؛ أي كثيرَ العصيانِ لله تعالى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَـانِ﴾ ؛ أي عذابٌ مِنَ اللهِ بطاعتك للشيطانِ، ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾ ؛ أي قَرِيْناً في النار.

مريم 19:46

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي ياإِبْرَاهِيمُ﴾ ؛ أي قالَ له أبوهُ مُجِيباً له : أمُعْرِضٌ وتاركٌ أنتَ عبادةَ آلِهتي يا ابراهيمُ، ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ﴾ ؛ عن مقالِتكَ، وتسكُتَ عن شَتْمِ آلِهتي وعيبها، ﴿لأَرْجُمَنَّكَ﴾ ؛ أي لأرمينَّكَ بالشَّتمِ والعيب، وَقِيْلَ : لأقتلنَّكَ رَجْماً، ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾ ؛ أي تَبَاعَدْ عنِّي دهراً طويلاً. وقال الحسنُ وقتادة :(مَعْنَى مَلِيّاً ؛ أي سالِماً سويّاً مِن قبلِ أن يلحقكَ مكروهٌ منِّي)، وأصلُ الْمَلاَوَةِ الزمانُ الطويل من الدهرِ، يقالُ : أقامَ في موضع كذا مَلِيّاً، والْمَلَوَانِ : الليلُ والنهارُ.

مريم 19:47

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ﴾ ؛ أي قالَ إبراهيمُ لأبيهِ : سَلِمْتَ منِّي لا أصيبُكَ بمكروهٍ، وذلك أنهُ لَم يؤمِن بقتالهِ على كُفرهِ، هذا سلامٌ توديعٍ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ ؛ أي سأسأَلُ اللهَ لكَ توبةٌ تنالُ بها مغفرتَهُ، ويرزقكَ التوحيدَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ ؛ أي لَطِيْفاً رَحِيماً، وَقِيْلَ : عالِماً يستجيبُ لِي إذا دعوتُ.

مريم 19:48

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ أي أتَنَحَّى عنكم وأفارِقُكم، وأعتزلُ ما تدعون من دون اللهِ يعني الأصنامَ، فاعتزلَهم وهاجرَ إلى الأرضِ المقدسة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً﴾ ؛ أي مَحْرُوماً خَائِباً.

مريم 19:49

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً﴾ ؛ أي فلما خرجَ إلى ناحيةِ الشَّام، وتركَهم وتركَ أصنامَهم آنَسْنَا وحشتَهُ بأولادٍ كِرَامٍ على اللهِ تعالى، ووَهَبْنَا لَهم نِعَماً كثيرةً، وأكرمناهم بالثَّناءِ الحسَنِ.

مريم 19:50

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَوَهَبْنَا لَهْم مِّن رَّحْمَتِنَا﴾ ؛ أي وهبنا لَهم المالَ والولدُ، وبسَطْنا لَهم في الرِّزقِ. وقال بعضُهم : يعني الكتابَ والنبوَّةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً﴾ ؛ أي ثناءً حَسَناً في الناس، مرتفعاً سائراً لإي الناسِ، فكلُّ أهلِ الْمِلَلِ والأديانِ يُحْسِنُونَ الثناءَ عليهم، ويتولَّون إبراهيمَ ودِينَهُ.

مريم 19:51

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ ؛ أي واذْكُرْ في القُرْآنِ خَبَرَ موسى إنه كان مُخلصاً للهِ تعالى بالعبادةِ والتوحيد، وكان رسُولاً رفيعاً. ومَن قرأ (مُخْلَصاً) بفتحِ اللام فمعناهُ : أخْلَصْنَاهُ وأحببناهُ.

مريم 19:52

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ﴾ ؛ قِيْلَ : إن النداءَ هو قولُ اللهِ تعالى له يا موسى﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾[القصص: ٣٠]، والطَّورُ : هو جبلٌ بالشامِ، نادهُ الله تعالى من ناحيةِ اليُمنى، يعني يَمين موسى، والمعنى أن موسَى سَمع النداءَ عن يَمينهِ، ولا يكون للجبلِ يَمينٌ ولا يسار. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ ؛ أي جعلنا محلَّهُ مِنَّا، محل مَن قربه مولاهُ من مجلسِ كرامته، والنَّجِيُّ هو المختصُّ بإدراكِ كلامِ مُكَلِّمِهِ. قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :(قَرِّبَ اللهُ تَعَالَى مُوسَى إلَى أعْلَى الْحُجُب حَتَّى سَمِعَ صَرِيْرَ الْقَلَمِ).

مريم 19:53

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾ ؛ وذلكَ حين سألَ موسى رَبَّهُ فقال﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي﴾[طه: ٢٩-٣٠] فاستجابَ اللهَ دعاءَهُ.

مريم 19:54

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ ؛ هو إسماعيلُ بن إبراهيمَ، ومعنى صادِقَ الوعدِ ؛ أي أنه كان إذا وَعَدَ أنْجَزَ. قال ابنُ عبَّاس :(إنَّهُ وَعَدَ رَجُلاً أنْ يَنْتَظِرَهُ حَتَّى رَجَعَ إلَيْهِ، فَأَقَامَ مَكَانَهُ يَنْتَظِرُهُ حَتَّى حَالَ الْحَوْلُ وَرَجَعَ إلْيْهِ الرَّجُلُ). ﴿وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ ؛ إلَى جُرْهُمَ.

مريم 19:55

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّـلاَةِ وَالزَّكَـاةِ﴾ ؛ قِيْلَ : أرادَ بالأهلِ أُمَّتَهُ، وأهلَ أُمَّتِهِ، ونظيره﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ﴾[طه: ١٣٢] أي قومَكَ، ﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ ؛ أي صَالحاً زكِيّاً.

مريم 19:56

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً﴾ ؛ اسمُ ادريسَ أخْنُوخَ، وهو جدُّ أبي نوحٍ، وسُمي إدريس لكثرةِ دَرْسِه الكتبَ، وكان خَيَّاطاً وهو أولُ من خطَّ بالقلمِ، وهو أولُ من خاطَ الثيابَ ولبس المخيطَ، وأولُ من نَظرَ في علمِ النُّجوم والحساب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً﴾ أنزلت عليه ثلاثونَ صحيفةً، وهو أولُ من لَبسَ القطنَ، وكانوا قَبْلَ ذلك يلبسونَ جلود الضَّأْنِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ رُوي عن أنسِ بن مالك، وأبي سعيدٍ الخدريِّ ومجاهد :(أنَّهُ رُفِعَ ألَى السَّمَاءِ الرَّابعَةِ)، وقال ابنُ عبَّاس والضحَّاك :(إلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ). وَقِيْلَ : معناهُ : ورفعناهُ في العلمِ والنبوَّة إلى درجةٍ عالية. وروي أنَّ النبيَّ ﷺ قال :" لَمَّا عُرِجَ بي رَأيْتُ إدْريْسَ فِي السَّمَاءِ الرَّابعَةِ ". وكان سببُ رفعهِ على قولِ ابنِ عبَّاس :(أنهُ سارَ ذات يومٍ في حاجتهِ فأصابَهُ وَهَجُ الشمسِ، فقال : يا رب إنِّي مشيتُ يوماً واحداً، فكيفَ بمن حملَها خمسمائةَ عامٍ في يوم واحد، اللَّهُمَّ خَفِّفْ عنهُ مِن ثقلِها واحمِلْ عنهُ حرَّها، فلما أصبحَ الملكُ الْمُوَكَّلُ بها وجدَ خِفَّةً في حرِّها بخلافِ ما يعرفُ، فقالَ : يا رب ما الذي قضيتَ ؟ فقال : إنَّ عبدي إدريسَ سألَني أن أخفِّفَ عنكَ حملَها وحرَّها فأجبتهُ، فقال : يا رب اجْمَعْ بيني وبينَهُ صبحةً فأذِنَ له حتى أتَى إلى إدريسَ، فسألَهُ عن ذلك فأخبرَهُ أنه دعا له شفقةً عليهِ، ثُم حملَهُ مَلَكُ الشمسِ على جناحهِ، ورفعه إلى السَّماء بإذنِ الله تعالى).

مريم 19:57

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً﴾ ؛ اسمُ ادريسَ أخْنُوخَ، وهو جدُّ أبي نوحٍ، وسُمي إدريس لكثرةِ دَرْسِه الكتبَ، وكان خَيَّاطاً وهو أولُ من خطَّ بالقلمِ، وهو أولُ من خاطَ الثيابَ ولبس المخيطَ، وأولُ من نَظرَ في علمِ النُّجوم والحساب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً﴾ أنزلت عليه ثلاثونَ صحيفةً، وهو أولُ من لَبسَ القطنَ، وكانوا قَبْلَ ذلك يلبسونَ جلود الضَّأْنِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ رُوي عن أنسِ بن مالك، وأبي سعيدٍ الخدريِّ ومجاهد :(أنَّهُ رُفِعَ ألَى السَّمَاءِ الرَّابعَةِ)، وقال ابنُ عبَّاس والضحَّاك :(إلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ). وَقِيْلَ : معناهُ : ورفعناهُ في العلمِ والنبوَّة إلى درجةٍ عالية. وروي أنَّ النبيَّ ﷺ قال :" لَمَّا عُرِجَ بي رَأيْتُ إدْريْسَ فِي السَّمَاءِ الرَّابعَةِ ". وكان سببُ رفعهِ على قولِ ابنِ عبَّاس :(أنهُ سارَ ذات يومٍ في حاجتهِ فأصابَهُ وَهَجُ الشمسِ، فقال : يا رب إنِّي مشيتُ يوماً واحداً، فكيفَ بمن حملَها خمسمائةَ عامٍ في يوم واحد، اللَّهُمَّ خَفِّفْ عنهُ مِن ثقلِها واحمِلْ عنهُ حرَّها، فلما أصبحَ الملكُ الْمُوَكَّلُ بها وجدَ خِفَّةً في حرِّها بخلافِ ما يعرفُ، فقالَ : يا رب ما الذي قضيتَ ؟ فقال : إنَّ عبدي إدريسَ سألَني أن أخفِّفَ عنكَ حملَها وحرَّها فأجبتهُ، فقال : يا رب اجْمَعْ بيني وبينَهُ صبحةً فأذِنَ له حتى أتَى إلى إدريسَ، فسألَهُ عن ذلك فأخبرَهُ أنه دعا له شفقةً عليهِ، ثُم حملَهُ مَلَكُ الشمسِ على جناحهِ، ورفعه إلى السَّماء بإذنِ الله تعالى).

مريم 19:58

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُولَـائِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ﴾ ؛ معناهُ : إن الذينَ ذكرتُهم هم الذينَ أكرَمَهم اللهُ بالنبوَّة والإسلام من ذريَّة آدمَ، وإنَّما قَرَنَ ذكرَ نَسَبهِمْ مع أنَّ كلَّهم كانوا لآدمَ لِيُبَيِّنَ مراتبَهم في شرفِ النسب، فإنهُ كان لإدريسَ شرفُ القُرْب من آدمَ، وكان إبراهيمُ من ذريَّة نوحٍ، وكان إسماعيل واسحقُ من ذريَّة إبراهيمَ، وكان موسى وهارون وزكريَّا ويحيى وعيسَى من ذريَّة إسرائيلَ، فقولهُ :﴿مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ﴾ يعني إدريسَ ونوح، ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ ؛ في السفينةِ يعني إبراهيمَ ؛ لأنه من ولدِ سَامِ بن نوحٍ، ﴿وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ ؛ يعني إسماعيلَ وإسحق ويعقوبَ، وقوله، ﴿وَإِسْرَائِيلَ﴾ ؛ يعني أنَّ من ذريَّة إسرائيل : موسَى وهارون ومَن ذكرناهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَآ﴾ ؛ أي هؤلاء كانوا مِمَّن أرشدنا واصطفينا لإداءِ الرِّسالة، ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَـانِ﴾ ؛ التي أُنزلت عليهم، ﴿خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ ؛ أي وَقَعُوا يسجدونَ للهِ تعالى، ويبكونَ من مخافةِ الله، والسُّجَّدُ : جمعُ ساجدٍ، والبُكِيُّ جمعُ بَاكٍ.

مريم 19:59

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهَوَاتِ﴾ ؛ أي فخَلَفَ مِن بعد هؤلاء الأنبياءِ المذكورين والصالحينَ ﴿خَلْفٌ﴾ أي قومٌ سُوءٍ وهم اليهودُ والنصارى ومَن لَحِقَ بهم. يقالُ في الرداءةِ : خَلْفٌ بإسكانِ اللام، وفي الصَّلاَحِ : خَلَفٌ بفتحِ اللام. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَضَاعُواْ الصَّلَاةَ﴾ أي أخَّرُوها عن مواقيتِها لغيرِ عُذر، وَقِيْلَ : تَرْكُوها أصلاً. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاتَّبَعُواْ الشَّهَوَاتِ﴾ يعني المعاصِيَ وشربَ الخمرِ، واشتغَلُوا بالملذات في ما حُرِّمَ عليهم، وآثرُوها على طاعةِ الله تعالى. قال وهبٌ :(شَرَّابُونَ الْقَهَوَاتِ ؛ لَعَّابُونَ بالْكِعَابِ ؛ رَكَّابُونَ الشَّهَوَاتِ ؛ مُتَّبعُونَ الْمَلَذاتِ ؛ تَاركُونَ الْجَمَاعَاتِ ؛ مُضَيِّعُونَ الصَّلَوَاتِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً﴾ ؛ قال ابنُ مسعودٍ وعطاء :(هُوَ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ بَعِيْدُ الْقَعْرِ)، قال ابنُ عبَّاس :(الْغَيُّ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ تَسْتَعِيْذُ أوْدِيَةُ جَهَنَّمُ مِنَ حَرِّهِ أُعِدَّ لِلزَّانِي وَشَارِب الْخَمْرِ وَآكِلِ الرِّبَا وَأهْلِ الْعُقُوقِ وَلِشَاهِدِ الزُّورِ، وَلإمْرَاةٍ أدْخَلَتْ عَلَى زَوْجِهَا وَلَداً مِنْ غَيْرِهِ). وَقِيْلَ : الغَيُّ وَادٍ في جهنَّمَ يسيلُ قيحاً ودَماً أُعِدَّ للغاوينَ، فسُمي غَيّاً ؛ لأنهُ جزاءُ الْغَيِّ، كما قالَ تعالى﴿يَلْقَ أَثَاماً﴾[الفرقان: ٦٨] أي جزاءَ الإثمِ. وقال كعبٌ :(الْغَيُّ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ أبْعَدُهَا قَعْراً وَأشَدُّهَا حَرّاً، فِيْهِ بئْرٌ يُسَمَّى بَهْغَمُ، كُلَّمَا خَبَتْ جَهَنَّمُ فُتِحَ لَهَا بَابٌ إلَى تِلْكَ الْبئْرِ فَتُسْعَرُ بهِ جَهَنَّمُ).

مريم 19:60

قوله تعالى :﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـائِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ ؛ معناه : إلاّ التائبينَ منهم، ويجوزُ أن يكون نَصْباً استثناءً من غيرِ الأوَّل على معنى لكِنْ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ولا ينقصونَ من حسناتِهم.

مريم 19:61

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَـانُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ ؛ أي بساتينَ إقامةٍ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بِالْغَيْبِ﴾ يعنِي أنَّهم غابُوا عن ما فيها، وانتصبَ قولهُ ﴿جَنَّاتِ﴾ ؛ لأنه بدلٌ من الجنةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً﴾ ؛ أي مُوعُودهُ آتِياً كائناً، وإنَّما لَم يقل آتِياً ؛ لأنه كلَّ ما أتاكَ فقد أتيتَهُ.

مريم 19:62

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً﴾ ؛ أي لا يسمعونَ في الجنَّةِ كَلاماً ساقطاً، ولا يسمعونَ إلاّ سلاماً، يُسَلِّمُ بعضُهم على بعضٍ، والسَّلاَمُ هو الكلامُ الذي لا لغوَ فيهِ ولا إثْمَ. وَقِيْلَ : معناه : لا يسمعونَ في الجنةِ كلاماً بَاطلاً وفحشاءَ وهدرًا وفُضولاً من الكلامِ. وقال مقاتلُ :(يَمِيْناً كَاذِبَةً وَلاَ يَسْمَعُونَ إلاَّ سَلاَماً، يُسَلِّمُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ، وَيُرْسِلُ إلَيْهِمْ الرَّبُّ بالسَّلاَمِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾، قال المفسِّرون : ليس في الجنَّةِ بُكْرَةً وعشيَّةً، ولكنَّهم يؤتَون رزقَهم على مقدار ما يعرفون من الغَذَاءِ والعشاءِ، قال قتادةُ :(كَانَ الْعَرَبُ إذا حَصَلَ لأَحَدِهِمْ الْغَدَاءُ وَالْعَشَاءُ أُعْجِبَ بهِ، فأخبرَ اللهُ تعالى أنَّ لَهم في الجنَّةِ رزْقَهم بكرةً وعشيّاً على قدرِ ذلك الوقتِ) ؛ أي يُجْمَعُ لَهم الطعامُ في هذين الوقتينِ كما يكونُ في الدُّنيا، ويأكلونَ فيما عدَا هذين الوقتينِ ما يشتهون كما في الدُّنيا.

مريم 19:63

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً﴾ ؛ أي هذه الجنةُ التي وصَفَها اللهُ تعالى هي التي نورثُ من اتَّقَى معصيةَ الله، وعَمِلَ بالطاعةِ والإيْمانِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿نُورِثُ﴾ أي نُعطي، وإنَّما قال ﴿نُورِثُ﴾ ؛ لأن اللهَ تعالى أوْرَثَهم من الجنةِ مساكنَ أهلِ النار لو اطَّلَعُوا. وَقِيْلَ : لأنه تَمليكٌ في حالِ مبتدأ بعدَ انقضاءِ أجَلِ الدُّنيا.

مريم 19:64

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ ؛ وذلك " أن جبريلَ عليه السلام أبْطَأَ على النبيِّ ﷺ بالوحيِ، فلَّما أتاهُ قالَ لهُ :" مَا زُرْتَنَا حَتَّى اسْتَبْطَأْنَاكَ ". وَقِيْلَ : قَالَ لَهُ :" مَا يَمْنَعُكَ يَا جِبْرِيْلُ أنْ تَزُورَنَا أكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا ". فأنزلَ اللهُ عُذْرَ جبريلَ " والمعنى : قُلْ لهُ وما نَتَنَزَّلُ مِن السَّماء إلاَّ بأَمْرِ رَبكَ. وَقِيْلَ :" اسْتَبْطَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ جِبْرِيْلَ، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ لَهُ :" يَا جِبْرِيْلُ أبْطَأْتَ عَلَيَّ حَتَّى سَاءَ ظَنِّي فاشْتَقْتُ إلَيْكَ " فَقَالَ لَهُ : إنِّي كُنْتُ إلَيْكَ أشْوَقَ، وَلَكِنِّي عَبْدٌ مَأْمُورٌ، إذا بُعْثْتُ نَزَلْتُ، وَإذا حُبسْتُ احْتَبَسْتُ. فَأَنْزَلَ اللهُ هذه الآيةَ ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ " قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذلِكَ﴾ ؛ أي لهُ ما بينَ أيدينا من أمرِ الدُّنيا وما خلفَنا من الآخرةِ، وَمَا بَيْنَ ذلِكَ ؛ يعني : ما بينَ النَّفختَين وبينَهُما أربعون سَنةً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ ؛ أي وما كان ربُّكَ ليَتْرُكَكَ، وإن تأخرَ عنك رسولهُ.

مريم 19:65

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ ؛ أي إصبرْ على أمرهِ ونَهْيهِ حتى الموتِ، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ ؛ أي شَبيهاً ومِثْلاً يُعْبَدُ، وَقِيْلَ : هل تَعْلَمُ مَن يستحقُّ الإلهيَّةَ سواهُ، وَقِيْلَ : هل تعلمُ أحداً يُسَمَّى اللهَ غيرَهُ، وَقِيْلَ : هل تعلمُ مِن أحدٍ سُمِّيَ ربَّ السَّمواتِ والأرضِ.

مريم 19:66

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(هُوَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الْجَمْحِيُّ، قَالَ هَذا الْقَوْلَ إنْكَاراً لِلْبَعْثِ). وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً﴾ أي أُخْرَجُ من القبرِ حيّاً ؛ استهزاءً وتكذيباً منه للبعثِ.

مريم 19:67

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوَلاَ يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ﴾ ؛ قرأ نافعُ وابن عامر وعاصم :(أوَلاَ يَذْكُرُ) بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديدِ وهو الاختيارُ ؛ أي أوَلاَ يَتَّعِظُ ويتفكَّرُ، وعلى القراءةِ الأُولى (يَذْكُرُ) بالتخفيفِ ضد النِّسيانِ، والمعنى : أوَلاَ يَتَّعِظُ الإنسانُ أنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نطفةٍ، ﴿وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ ؛ موجُوداً، فيُستَدلُّ بالابتداءِ على الإعادة.

مريم 19:68

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ ؛ يعني المنكرينَ للبعثِ، أقْسَمَ اللهُ تعالى على نفسهِ لنَحْشُرَنَّهُمْ مِن قبورِهم مع الشياطينِ الذين أضَلُّوهم، ﴿ثُمَّ﴾ لَنَجْمَعَنَّهُمْ، ﴿لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً﴾ ؛ بَارِكِيْنَ على الرُّكَب ؛ لأن المحاسبةَ إنَّما تكونُ بقُرْب جهنَّمَ، يُقْرَنُ مع كلِّ كافرٍ شيطانٌ في سِلْسِلَةٍ.

مريم 19:69

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَـانِ عِتِيّاً﴾ ؛ أي ثُم لَنُخْرِجَنَّ مِن كلِّ فرقةٍ وجماعة أيُّهمِ أشدُّ على الرَّحمنِ تَمَرُّداً وجُرْأةً وفُجُوراً وكُفْراً بدءاً بالأَعْتَى فالأعتَى، والأكثرُ جُرماً. قالَ قتادةُ :(الْمَعْنَى : لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ قَرْيَةٍ وَأهْلِ دِيْنٍ قَادَتَهُمْ وَرُؤَسَاءَهُمْ فِي الشَّرِّ). والشِّيْعَةُ : الْجَمَاعَةُ المعاونونَ على أمرٍ من الأمور. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَيُّهُمْ﴾ رُفِعَ على الاستثناءِ، و ﴿لَنَنزِعَنَّ﴾ يعملُ في موضعِ ﴿مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾، هذا قولُ يونسَ. وقال الخليلُ : على معنى الذين يقالُ لَهم أيُّهم أشدُّ فَلَنُخْرِجَ.

مريم 19:70

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً﴾ ؛ أي نحنُ أعلمُ بالأَوْلى بدخولِ النار وشدَّة العذاب، وأحقُّهم بعظيمِ العقاب. والصِّلِيُّ : هو اللُّزُومُ، من قولِهم صَلِيَ بالنارِ صِلِيّاً.

مريم 19:71

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ ؛ اختلَفُوا في الخطاب الذي في أوَّل هذه الآيةِ، قال بعضُهم : هو راجعٌ إلى الكفارِ ؛ لأنه تقدَّمَه قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً﴾[مريم: ٧٠]، وقالَ الأكثرون : هذا خطابٌ مبتدَأ لجميعِ الخلقِ، ودليلهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ﴾ ؛ أي نُنْجِي مِن الواردينَ مَنِ اتَّقَى. ثُم اخْتَلَفَ هؤلاءِ أيضاً في معنى الْوُرُودِ، قال بعضُهم : هو الدُّخُولُ كما في قولهِ تعالى﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾[هود: ٩٨] أي أدْخَلَهم النارَ، وقالوا : إلاّ أنَّها تكونُ على المؤمنينَ بَرْداً وسَلاماً، واستدلُّوا بما روى جابرٌ رضي الله عنه : أنَّهُ أهْوَى بيَدَيْهِ إلَى أُذُنَيْهِ وَقَالَ : صُمَّتا إنْ لَمْ أكُنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ :" الْوَرُودُ الدُّخُولُ، لاَ يَبْقَى بَرٌّ وَلاَ فَاجِرٌ إلاَّ دَخَلَهَا، فَتَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِيْنَ بَرْداً وَسَلاَماً، كَمَا كَانَتْ عَلَى إبْرَاهِيْمَ، حَتَّى أنَّ لِلنَّارِ ضَجِيْجاً بوُرُودِهِم " ". وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ : قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ لَهُ ثَلاَثةُ أوْلاَدٍ لَمْ يَلِجِ النَّارَ إلاَّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ، ثُمَّ قَرَأ :﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ ". ومعنى القَسَمِ : أن أولَ هذه الآيةِ فيها إضمارُ القَسَمِ ؛ تقديرهُ : وَاللهِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلاَّ وَارِدُهَا، ورُويَ عن ابنِ مسعود أنهُ قال :" الصِّرَاطُ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ مِثْلُ حَدِّ السَّيْفِ، تَمُرُّ عَلَيْهِ الطَّائِفَةُ الأُوْلَى كَالْبَرْقِ، وَالثَّانِيَةُ كَالرِّيْحِ، وَالثَّالِثَةُ كَالْجَوَادِ السَّابقِ، وَالرَّابعَةُ كَأَجْوَدِ الْبَهَائِمِ، ثُمَّ يَمُرُّونَ وَالْمَلاَئِكَةُ يَقُولُونَ : اللَّهُمَّ سَلِّمْ ؛ اللَّهُمَّ سَلِّمْ " وعن أبي هريرةَ : أنَّهُ أوَى إلَى فِرَاشِهِ فَقَالَ :(يَا لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي، فَقَالَتِ امْرَأتُهُ مَيْسَرَةُ : إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أحْسَنَ إلَيْكَ، هَدَاكَ إلَى الإسْلاَمِ. قَالَ : أجَلْ ؛ وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ لَنَا أنَّا لَوَارِدُونَ النَّارَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أنَّا خَارجُونَ مِنْهَا). وقال بعضُهم : الورودُ هو الإشرافُ على النار بلا دخولٍ ؛ لأن موضعَ المحاسبةِ يكون قريباً من النار، وقد قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾[القصص: ٢٣] ولَم يكن موسى دَخَلَ الماءَ، واستدَلُّوا بما روي أن النبيِّ ﷺ قالَ :" لَنْ يَدْخُلَ النَّارَ - إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى - وَاحِدٌ شَهِدَ بَدْراً أو الْحُدَيْبيَةَ ". وعن مجاهدٍ أنهُ قالَ :(الْحُمَّى حَظُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ النَّارِ). فعلَى هذا مَن حَمَّ مِن المسلمينَ فقد وَرَدَهَا، لأن الْحُمَّى مِن فَيْحِ جهنَّم. " وعن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ عَادَ مَرِيْضاً مِنْ وَعَكٍ كَانَ بهِ، فَقَالَ لَهُ :" أبْشِرْ ؛ إنَّ اللهَ يَقُولُ : هِيَ نَارِي أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي الْمُؤْمِنِ لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النَّار ". قال الزجَّاجُ :(وَالْحُجَّةُ الْقَاطِعَةُ عَلَى أنَّهُمْ لاَ يَدْخُلُونَ النَّارَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾[الأنبياء: ١٠١-١٠٢]) وهذهِ حُجَّةٌ لا معارضَ لَها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً﴾ ؛ الْحَتْمُ : القطعُ بالأمرِ، والمقضيُّ هو الذي قَضَى بأنه يكونُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَواْ﴾ ؛ أي الذينَ اتَّقوا الشركَ وصدَّقوا، ﴿وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ ؛ أي وَنَذرُ المشركينَ فيها جِثِيّاً على الرُّكب.

مريم 19:72

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ ؛ اختلَفُوا في الخطاب الذي في أوَّل هذه الآيةِ، قال بعضُهم : هو راجعٌ إلى الكفارِ ؛ لأنه تقدَّمَه قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً﴾[مريم: ٧٠]، وقالَ الأكثرون : هذا خطابٌ مبتدَأ لجميعِ الخلقِ، ودليلهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ﴾ ؛ أي نُنْجِي مِن الواردينَ مَنِ اتَّقَى. ثُم اخْتَلَفَ هؤلاءِ أيضاً في معنى الْوُرُودِ، قال بعضُهم : هو الدُّخُولُ كما في قولهِ تعالى﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾[هود: ٩٨] أي أدْخَلَهم النارَ، وقالوا : إلاّ أنَّها تكونُ على المؤمنينَ بَرْداً وسَلاماً، واستدلُّوا بما روى جابرٌ رضي الله عنه : أنَّهُ أهْوَى بيَدَيْهِ إلَى أُذُنَيْهِ وَقَالَ : صُمَّتا إنْ لَمْ أكُنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ :" الْوَرُودُ الدُّخُولُ، لاَ يَبْقَى بَرٌّ وَلاَ فَاجِرٌ إلاَّ دَخَلَهَا، فَتَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِيْنَ بَرْداً وَسَلاَماً، كَمَا كَانَتْ عَلَى إبْرَاهِيْمَ، حَتَّى أنَّ لِلنَّارِ ضَجِيْجاً بوُرُودِهِم " ". وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ : قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ لَهُ ثَلاَثةُ أوْلاَدٍ لَمْ يَلِجِ النَّارَ إلاَّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ، ثُمَّ قَرَأ :﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ ". ومعنى القَسَمِ : أن أولَ هذه الآيةِ فيها إضمارُ القَسَمِ ؛ تقديرهُ : وَاللهِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلاَّ وَارِدُهَا، ورُويَ عن ابنِ مسعود أنهُ قال :" الصِّرَاطُ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ مِثْلُ حَدِّ السَّيْفِ، تَمُرُّ عَلَيْهِ الطَّائِفَةُ الأُوْلَى كَالْبَرْقِ، وَالثَّانِيَةُ كَالرِّيْحِ، وَالثَّالِثَةُ كَالْجَوَادِ السَّابقِ، وَالرَّابعَةُ كَأَجْوَدِ الْبَهَائِمِ، ثُمَّ يَمُرُّونَ وَالْمَلاَئِكَةُ يَقُولُونَ : اللَّهُمَّ سَلِّمْ ؛ اللَّهُمَّ سَلِّمْ " وعن أبي هريرةَ : أنَّهُ أوَى إلَى فِرَاشِهِ فَقَالَ :(يَا لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي، فَقَالَتِ امْرَأتُهُ مَيْسَرَةُ : إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أحْسَنَ إلَيْكَ، هَدَاكَ إلَى الإسْلاَمِ. قَالَ : أجَلْ ؛ وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ لَنَا أنَّا لَوَارِدُونَ النَّارَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أنَّا خَارجُونَ مِنْهَا). وقال بعضُهم : الورودُ هو الإشرافُ على النار بلا دخولٍ ؛ لأن موضعَ المحاسبةِ يكون قريباً من النار، وقد قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾[القصص: ٢٣] ولَم يكن موسى دَخَلَ الماءَ، واستدَلُّوا بما روي أن النبيِّ ﷺ قالَ :" لَنْ يَدْخُلَ النَّارَ - إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى - وَاحِدٌ شَهِدَ بَدْراً أو الْحُدَيْبيَةَ ". وعن مجاهدٍ أنهُ قالَ :(الْحُمَّى حَظُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ النَّارِ). فعلَى هذا مَن حَمَّ مِن المسلمينَ فقد وَرَدَهَا، لأن الْحُمَّى مِن فَيْحِ جهنَّم. " وعن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ عَادَ مَرِيْضاً مِنْ وَعَكٍ كَانَ بهِ، فَقَالَ لَهُ :" أبْشِرْ ؛ إنَّ اللهَ يَقُولُ : هِيَ نَارِي أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي الْمُؤْمِنِ لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النَّار ". قال الزجَّاجُ :(وَالْحُجَّةُ الْقَاطِعَةُ عَلَى أنَّهُمْ لاَ يَدْخُلُونَ النَّارَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾[الأنبياء: ١٠١-١٠٢]) وهذهِ حُجَّةٌ لا معارضَ لَها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً﴾ ؛ الْحَتْمُ : القطعُ بالأمرِ، والمقضيُّ هو الذي قَضَى بأنه يكونُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَواْ﴾ ؛ أي الذينَ اتَّقوا الشركَ وصدَّقوا، ﴿وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ ؛ أي وَنَذرُ المشركينَ فيها جِثِيّاً على الرُّكب.

مريم 19:73

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ؛ معناهُ : وإذا تُتْلَى على الكفَّار آياتُ القُرْآنِ الْمُنَزَّلَةِ قالُوا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ ؛ أي الدِّينين، ﴿خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾ ؛ خيرٌ مَسْكناً وخيرٌ مجلساً في الدُّنيا، فكذلكَ يكون في الآخرةِ. يعني أنَّ مشركي قريشٍ كانوا يقولون لفقراءِ المؤمنين : أيُّ الفريقينِ خيرٌ مقاماً ؛ نُحْنُ أم أنتم ؟ والْمَقَامُ والمسكن والمنْزِلُ والنَّدِيُّ والنادي : مجلسُ القوم ومجتمعُهم، وكانوا يلبسون أحسنَ الثِّياب، ثُمَّ يقولون مِثْلَ هذا للمؤمنين. فأجابَهم اللهُ تعالى بقوله :﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً﴾ ؛ أي وَكَمْ أهلكنا قبلَ قُريشٍ مِن الأمم الخاليةِ هُم أحسنُ أموالاً وأحسنُ منظراً، والأثاثُ : المالُ، جَمْعُ الإبلِ والغنمِ والعبيد والمتاعِ، وقال الحسنُ :(الأَثَاثُ : اللِّبَاسُ، وَالرِّئِيُّ : الْمَنْظَرُ). وقُرِئَ (وَرِياً) بغيرِ همزٍ من الرَّيِّ الذي هو ضدُّ العطشِ، والمرادُ : أن منظَرَهم مُرْتَوٍ من النعمةِ كأنَّ النعيمَ بيِّن فيهم ؛ لأن الرِّيَّ يتبعهُ الطَرَاوَةُ، كما أنَّ العطشَ يتبعهُ الذُّبولُ.

مريم 19:74

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ؛ معناهُ : وإذا تُتْلَى على الكفَّار آياتُ القُرْآنِ الْمُنَزَّلَةِ قالُوا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ ؛ أي الدِّينين، ﴿خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾ ؛ خيرٌ مَسْكناً وخيرٌ مجلساً في الدُّنيا، فكذلكَ يكون في الآخرةِ. يعني أنَّ مشركي قريشٍ كانوا يقولون لفقراءِ المؤمنين : أيُّ الفريقينِ خيرٌ مقاماً ؛ نُحْنُ أم أنتم ؟ والْمَقَامُ والمسكن والمنْزِلُ والنَّدِيُّ والنادي : مجلسُ القوم ومجتمعُهم، وكانوا يلبسون أحسنَ الثِّياب، ثُمَّ يقولون مِثْلَ هذا للمؤمنين. فأجابَهم اللهُ تعالى بقوله :﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً﴾ ؛ أي وَكَمْ أهلكنا قبلَ قُريشٍ مِن الأمم الخاليةِ هُم أحسنُ أموالاً وأحسنُ منظراً، والأثاثُ : المالُ، جَمْعُ الإبلِ والغنمِ والعبيد والمتاعِ، وقال الحسنُ :(الأَثَاثُ : اللِّبَاسُ، وَالرِّئِيُّ : الْمَنْظَرُ). وقُرِئَ (وَرِياً) بغيرِ همزٍ من الرَّيِّ الذي هو ضدُّ العطشِ، والمرادُ : أن منظَرَهم مُرْتَوٍ من النعمةِ كأنَّ النعيمَ بيِّن فيهم ؛ لأن الرِّيَّ يتبعهُ الطَرَاوَةُ، كما أنَّ العطشَ يتبعهُ الذُّبولُ.

مريم 19:75

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَـالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَـانُ مَدّاً﴾ ؛ أي قُل لَهم يا مُحَمَّدُ : مَن كان في العمايةِ عن التوحيدِ، ودِين الله فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ ؛ أي لِيَزِدْ في مالهِ وعُمره وولدهِ، ويقالُ : لَيَدَعُهُ اللهُ في طُغيانه حتى إذا وصلَ الآخرةَ لَم يكن له فيها نصيبٌ. وهذا اللفظُ أمْرٌ ؛ ومعناهُ الخبرُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ ؛ يعني الذين مَدَّهُمُ اللهُ في الضلالةِ. وأخبرَ عن الجماعةِ لأنَّ لفظَ (مَنْ) يصلحُ للجماعةِ. ثُم ذكرَ ما يوعدون، فقال :﴿إِمَّا العَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ يعني القتلَ والأسرَ والقيامةَ والخلود في النارِ، ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ ؛ حينئذ ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً﴾ ؛ أي أهُمْ أمِ المؤمنونَ ؛ لأن مكانهم جهنمُ، ومكانَ المؤمنين الجنَّةُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَضْعَفُ جُنداً﴾ ؛ هذا ردٌّ عليهم في قولِهم : أيُّ الْفرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً، وَأحْسَنُ نَدِيّاً.

مريم 19:76

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَواْ هُدًى﴾ ؛ أي يَزيدُهم هذا بالإيْمانِ والشَّرائع، ويزيدُهم هُدًى بالأدلَّة والحجَجِ والطاعاتِ التي تَدْعُو إلى الحسناتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرُها، سُميت باقياتٍ ؛ لبقاء ثوابها للإنسانِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً﴾ ؛ أي أنفعُ من مقاماتِ الكفَّار التي يفتخرون بها، ﴿وَخَيْرٌ مَّرَدّاً﴾ ؛ أي وأفضلُ مَرْجِعاً في الآخرةِ، وأفضلُ ما يُرَدُّ على صاحبهِ.

مريم 19:77

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾ ؛ أنزلت هذه الآيةُ في العَاصِ بْنِ وَائِلٍ، قال خَبَّابُ بنُ الأَرَتِّ :(كَانَ لِي دَيْنٌ عَلَى الْعَاصِ ابْنِ وَائِلٍ، فَحَسِبَ دَيْنَهُ مِنْهُ، فَقَالَ : لاَ أقْضِيْكَ حَتَّى تَكْفُرَ بمُحَمَّدٍ، قال : لاَ وَاللهِ ؛ لاَ أكْفُرُ بمُحَمَّدٍ حَيّاً وَلاَ مَيِّتاً وَلاَ حِيْنَ أُبْعَثُ، قَالَ : فَدَعُ مَالَكَ، فَإذا بُعِثْتُ أُعْطِيْتُ مَالاً وَوَلَداً وَأُعْطِيْكَ هُنَالِكَ - قالَ ذلكَ مستهزءاً - قَالَ : فَذكَرْتُ ذلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَة). وقال الحسنُ :(نَزَلَتْ فِي الْوَلِيْدِ بَنِ الْمُغِيْرَةِ)، ومعنَى : لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً : لَئِنْ كَانَ ما يقولُ مُحْمَّدٌ في الآخرةِ حَقّاً لأُعَطَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً فِي الآخِرَةِ. ومَن قرأ (وَوُلْداً) بالضمِّ ؛ فمعناهُ واحدٌ، كالْحُزْنِ والْحَزَنِ، وَقِيْلَ : إنه جمعُ الولدِ كما يقالُ أسَدٌ وَأُسْدٌ.

مريم 19:78

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَـانِ عَهْداً﴾ ؛ أي أعَلِمَ ذلكَ غيباً أمْ عَهِدَ اللهُ إليهِ عهداً بما تَمنَّى؟! وقال ابنُ عبَّاس :(وَمَعْنَاهُ : مَا غَابَ عَنْهُ حَتَّى يَعْلَمَ أفِي الْجَنَّةِ هُوَ أمْ لاَ). وقال الكلبيُّ :(أنَظَرَ مَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَـانِ عَهْداً﴾، قال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَاهُ أمْ قَالَ : لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ؛ فَأَرْحَمُهُ بهَا). وقال قتادةُ :(أقَدَّمَ عَمَلاً صَالِحاً يَرْجُوهُ)، ﴿كَلاَّ﴾ ؛ أي ليس الأمرُ على ما قال : أنه يولِّي المالَ والولد. ويجوزُ أن يكون معناهُ : كَلاَّ إنَّهُ لَمْ يَطَّلِعِ الْغَيْبَ، وَلَمْ يتَّخذْ عندَ الرحمن عهداً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ ؛ أي سَنَأْمُرُ الْحَفَظَةَ بإثباتِ ما يقولُ لنجازيَهُ بهِ في الآخرة، ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً﴾ ؛ أي نزيدهُ عذاباً فوق العذاب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ ؛ أي نَرِثُهُ المالَ والولدَ بعد إهلاكنا إياهُ، فلا يعودُ بعد ذلكَ إليه، كما لا يعودُ المال إلى مَن خَلْقَهُ بعد موته، ﴿وَيَأْتِينَا﴾ ؛ في الآخرةِ، ﴿فَرْداً﴾ ؛ أي وَحِيْداً خالياً من المالِ والوَلَدِ.

مريم 19:79

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَـانِ عَهْداً﴾ ؛ أي أعَلِمَ ذلكَ غيباً أمْ عَهِدَ اللهُ إليهِ عهداً بما تَمنَّى؟! وقال ابنُ عبَّاس :(وَمَعْنَاهُ : مَا غَابَ عَنْهُ حَتَّى يَعْلَمَ أفِي الْجَنَّةِ هُوَ أمْ لاَ). وقال الكلبيُّ :(أنَظَرَ مَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَـانِ عَهْداً﴾، قال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَاهُ أمْ قَالَ : لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ؛ فَأَرْحَمُهُ بهَا). وقال قتادةُ :(أقَدَّمَ عَمَلاً صَالِحاً يَرْجُوهُ)، ﴿كَلاَّ﴾ ؛ أي ليس الأمرُ على ما قال : أنه يولِّي المالَ والولد. ويجوزُ أن يكون معناهُ : كَلاَّ إنَّهُ لَمْ يَطَّلِعِ الْغَيْبَ، وَلَمْ يتَّخذْ عندَ الرحمن عهداً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ ؛ أي سَنَأْمُرُ الْحَفَظَةَ بإثباتِ ما يقولُ لنجازيَهُ بهِ في الآخرة، ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً﴾ ؛ أي نزيدهُ عذاباً فوق العذاب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ ؛ أي نَرِثُهُ المالَ والولدَ بعد إهلاكنا إياهُ، فلا يعودُ بعد ذلكَ إليه، كما لا يعودُ المال إلى مَن خَلْقَهُ بعد موته، ﴿وَيَأْتِينَا﴾ ؛ في الآخرةِ، ﴿فَرْداً﴾ ؛ أي وَحِيْداً خالياً من المالِ والوَلَدِ.

مريم 19:80

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَـانِ عَهْداً﴾ ؛ أي أعَلِمَ ذلكَ غيباً أمْ عَهِدَ اللهُ إليهِ عهداً بما تَمنَّى؟! وقال ابنُ عبَّاس :(وَمَعْنَاهُ : مَا غَابَ عَنْهُ حَتَّى يَعْلَمَ أفِي الْجَنَّةِ هُوَ أمْ لاَ). وقال الكلبيُّ :(أنَظَرَ مَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَـانِ عَهْداً﴾، قال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَاهُ أمْ قَالَ : لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ؛ فَأَرْحَمُهُ بهَا). وقال قتادةُ :(أقَدَّمَ عَمَلاً صَالِحاً يَرْجُوهُ)، ﴿كَلاَّ﴾ ؛ أي ليس الأمرُ على ما قال : أنه يولِّي المالَ والولد. ويجوزُ أن يكون معناهُ : كَلاَّ إنَّهُ لَمْ يَطَّلِعِ الْغَيْبَ، وَلَمْ يتَّخذْ عندَ الرحمن عهداً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ ؛ أي سَنَأْمُرُ الْحَفَظَةَ بإثباتِ ما يقولُ لنجازيَهُ بهِ في الآخرة، ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً﴾ ؛ أي نزيدهُ عذاباً فوق العذاب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ ؛ أي نَرِثُهُ المالَ والولدَ بعد إهلاكنا إياهُ، فلا يعودُ بعد ذلكَ إليه، كما لا يعودُ المال إلى مَن خَلْقَهُ بعد موته، ﴿وَيَأْتِينَا﴾ ؛ في الآخرةِ، ﴿فَرْداً﴾ ؛ أي وَحِيْداً خالياً من المالِ والوَلَدِ.

مريم 19:81

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً﴾ ؛ أي واتَّخَذ أهلُ مكة مِن دون اللهِ أصناماً آلِهَةً ؛ ليكونوا لَهم أعْوَاناً وشُفعاء في الآخرةِ. والعِزُّ : الامتناعُ من الضمِّ، فَهُمُ اتخذوا هذه الآلهةَ ؛ ليصيروا بها إلى العزِّ في زَعْمِهِمْ فلا يصيبُهم سوءٌ، وذلك أنَّهم رَجَوا منها الشفاعةَ والنُّصرةَ والمنعَ من عذاب الله.

مريم 19:82

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَلاَّ﴾ ؛ أي لا يَمنعُهم منِّي شيءٌ، ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ ؛ أي يَجْحَدُ الآلِهَةُ عبادةَ المشركين لَها كما قالوا :﴿تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾[القصص: ٦٣]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ ؛ أي يصِيرون أعوَاناً عليهم يكذِّبونَهم يلعنونَهم يتبرَّأون منهم.

مريم 19:83

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ ؛ أي ألَم تَعْلَمْ أنَّا خَلَّيْنَا بينَ الشياطين والكفار وسلطانِهم عليهم، فلَمْ نعصم الكفارَ من القبول منهم، وتسمَّى التخليةُ إرسالاً في سَعَةِ اللغة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ أي تُزعِجُهم إلى معصيةِ الله تعالى إزعاجاً، وتغرِيهم إغراءً. وقال القتيبيُّ :(تُحَرِّكُهُمْ إلَى الْمَعَاصِي). وأصلهُ الحركةُ والغَلَيَانُ، ومنهُ الحديث المرويُّ :" وَلِجَوْفِهِ أزِيْزٌ كَأَزِيْزِ الْمِرْجَلِ ".

مريم 19:84

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ أي لا تَعْجَلْ بمسألة إهلاكهم، ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ ؛ أي نَعُدُّ أنفاسَهم نَفَساً بعد نَفَسٍ، كما نَعُدُّ أيَّامَهم وآجالَهم.

مريم 19:85

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَـانِ وَفْداً﴾ ؛ أي اذْكُرْ لَهم يا مُحَمَّدُ اليومَ الذي نجمعُ فيه مَن اتَّقَى اللهَ في الدُّنيا ؛ أي اجتنبَ الكبائرَ والفواحش إلى دارِ الرَّحْمَنِ ؛ وهي موضعُ الكرامةِ والثواب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَفْداً﴾ أي رُكْبَاناً، قال ابنُ عبَّاس :(يُؤْتَوْنَ بنُوقٍ لَمْ تَرَ الْخَلاَئِقُ مِثْلَهَا، عَلَيْهَا رحَالُ الذهَب وَأزِمَّتُهَا الزُّبُرْجُدُ، فَيَرْكَبُونَ عَلَيْهَا حَتَّى يَقْرُبُوا أبْوابَ الْجَنَّةِ)، وإنَّما وحَّدَ الوفدَ لأنه مصدرٌ.

مريم 19:86

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ ؛ أي يحثُّهم على السيرِ إلى جهنم، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وِرْداً﴾ ؛ أي عَطَاشَى مشاةً حفاة عُراةً قد تقطَّعت أعناقُهم من العطشِ، والوِرْدُ : الجماعةُ التي تَرِدُ الماءَ، ولا يردُ أحدٌ الماءَ إلاّ بعدَ العطشِ.

مريم 19:87

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَّ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ ؛ أي لا يقدرون على الشفاعةِ، ﴿إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَـانِ عَهْداً﴾ ؛ أي لكن مَن اتَّخذ عند الرحمنِ عهداً وهم المؤمنون، فإنَّهم يَملكون الشفاعةَ. قال ابنُ عبَّاس :(شَهَادَةُ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ). و(مَنْ) في موضعِ نصبٍ على الاستثناء المنقطعِ. قال ابنُ عبَّاس :(لاَ يَشْفَعُ إلاَّ مَنْ قَالَ : لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ، وَتَبَرَّأ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إلَيْهِ، وَلاَ يَرْجُو إلاَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ). وعن ابن مسعودٍ قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ ذاتَ يَوْمٍ :" أيَعْجَزُ أحَدُكُمْ أنْ يَتَّخِذ كُلَّ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ عِنْدَ اللهِ عَهْداً؟! " قَالُواْ : كَيْفَ ؟ قَالَ : يقولُ :" اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، إنِّي أعْهَدُ إلَيْكَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بأَنِّي أشْهَدُ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ أنْتَ وَحْدَكَ لاَ شَرِيْكَ لَكَ، وَأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، وَأنَّكَ إنْ تَكِلْنِي إلَى نَفْسِي، تُقَرِّبْنِي مِنَ الشَّرِّ وَتُبَاعِدْنِي مِنَ الْخَيْرِ، وإنِّي لاَ أثِقُ إلاَّ برَحْمَتِكَ، فَاجْعَلْهُ لِي عَهْداً تُوَفِّينَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ. فَإذا قَالَ ذلِكَ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهِ بطَابِعٍ وَوُضِعَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَإذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، نَادَى مُنَادٍ : أيْنَ الَّذِيْنَ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ".

مريم 19:88

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَـانُ وَلَداً * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ ؛ أي قالَ المشركون : الملائكةُ بناتُ اللهِ، وقالت النَّصارَى : المسيحُ ابنُ اللهِ، وقالتِ اليهودُ : عزيرٌ ابنُ الله. يقالُ لَهم :﴿لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ أي مُنكراً عظيماً.

مريم 19:89

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَـانُ وَلَداً * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ ؛ أي قالَ المشركون : الملائكةُ بناتُ اللهِ، وقالت النَّصارَى : المسيحُ ابنُ اللهِ، وقالتِ اليهودُ : عزيرٌ ابنُ الله. يقالُ لَهم :﴿لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ أي مُنكراً عظيماً.

مريم 19:90

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ ؛ أي يَتَشَقَّقْنَ من عِظَمِ هذا القولِ، ﴿وَتَنشَقُّ الأَرْضُ﴾ ؛ فَتَصَّدَّعُ، ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً﴾ ؛ أي يسقطُ بعضُها على بعضٍ بشدَّة صوتٍ، بأن سَمَّوا، ﴿أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـانِ وَلَداً * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـانِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ ؛ قرأ أهلُ الحجازِ والكسائي :(يَتَّفَطَّرْنَ) بالتاء مشدَّدةً، وقرأ نافعُ (يَكَادُ) بالياء لتقدُّمِ الفعل. قال المفسرون : اتخذ الرحمنُ ولداً، اقشَعَرَّتِ الأرضُ، وغضبت الملائكةُ، وأُسْعِرَتْ جهنمُ، وفَزِعَتِ السمواتُ والأرض والجبالُ.

مريم 19:91

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ ؛ أي يَتَشَقَّقْنَ من عِظَمِ هذا القولِ، ﴿وَتَنشَقُّ الأَرْضُ﴾ ؛ فَتَصَّدَّعُ، ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً﴾ ؛ أي يسقطُ بعضُها على بعضٍ بشدَّة صوتٍ، بأن سَمَّوا، ﴿أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـانِ وَلَداً * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـانِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ ؛ قرأ أهلُ الحجازِ والكسائي :(يَتَّفَطَّرْنَ) بالتاء مشدَّدةً، وقرأ نافعُ (يَكَادُ) بالياء لتقدُّمِ الفعل. قال المفسرون : اتخذ الرحمنُ ولداً، اقشَعَرَّتِ الأرضُ، وغضبت الملائكةُ، وأُسْعِرَتْ جهنمُ، وفَزِعَتِ السمواتُ والأرض والجبالُ.

مريم 19:92

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ ؛ أي يَتَشَقَّقْنَ من عِظَمِ هذا القولِ، ﴿وَتَنشَقُّ الأَرْضُ﴾ ؛ فَتَصَّدَّعُ، ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً﴾ ؛ أي يسقطُ بعضُها على بعضٍ بشدَّة صوتٍ، بأن سَمَّوا، ﴿أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـانِ وَلَداً * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـانِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ ؛ قرأ أهلُ الحجازِ والكسائي :(يَتَّفَطَّرْنَ) بالتاء مشدَّدةً، وقرأ نافعُ (يَكَادُ) بالياء لتقدُّمِ الفعل. قال المفسرون : اتخذ الرحمنُ ولداً، اقشَعَرَّتِ الأرضُ، وغضبت الملائكةُ، وأُسْعِرَتْ جهنمُ، وفَزِعَتِ السمواتُ والأرض والجبالُ.

مريم 19:93

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَـانِ عَبْداً﴾ ؛ أي ما مِن أحدٍ في السَّموات والأرضِ إلاّ سيأتِي الرحمنَ مُقِرّاً بالعبودية، ويأتيهِ يومَ القيامة عَبْداً ذليلاً. يعني أن الخلقَ كلَّهم عبيدهُ، وأن عيسى والعُزَيْرَ مِن جملة العبيدِ.

مريم 19:94

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾ ؛ أي لقد عَلِمَ عددَهم وأفعالَهم، ولا يخفَى عليه شيءٌ منهم مع كثرتِهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ ؛ لا أنْصَارَ لَهم أعوانَ ولا مالَ ولا ولد، كلُّ امرِيءٍ مشغولٌ بنفسه لا يهمُّهُ غيرهُ.

مريم 19:95

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾ ؛ أي لقد عَلِمَ عددَهم وأفعالَهم، ولا يخفَى عليه شيءٌ منهم مع كثرتِهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ ؛ لا أنْصَارَ لَهم أعوانَ ولا مالَ ولا ولد، كلُّ امرِيءٍ مشغولٌ بنفسه لا يهمُّهُ غيرهُ.

مريم 19:96

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَـانُ وُدّاً﴾ ؛ أي يُحِبُّهُمْ في الدُّنيا، ويُحَببُهُمْ إلى عبادهِ المؤمنين من أهلِ السَّموات وأهلِ الأرضين. وعن رسولِ الله ﷺ أنهُ قالَ :" إذا أحَبَّ اللهُ الْعَبْدَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى : يَا جِبْرِيْلُ إنِّي قَدْ أحْبَبْتُ فُلاَناً فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيْلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أهْلِ السَّمَوَاتِ : إنَّ اللهَ قَدْ أحَبَّ فُلاَناً فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْمَحَبَّةُ فِي الأَرْضِ. وَإذا أبْغَضَ الْعَبْدَ قَالَ مِثْلَ ذلِكَ. وَمَا أقْبَلَ عَبْدٌ بقَلْبهِ عَلَى اللهِ إلاَّ أقْبَلَ اللهُ بقُلُوب الْمُؤْمِنِيْنَ إلَيْهِ حَتَّى يَرْزُقُهُ اللهُ مَوَدَّتَهُمْ وَمَحَبَّتَهُمْ ".

مريم 19:97

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ ؛ أي يَسَّرْنَا قراءةَ القُرْآنِ على لسانِكَ، ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ أي بالقُرْآنِ ؛ ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً﴾ أي قَوْماً ذوِي جَدَلٍ بالباطلِ، واللُّدُّ جَمْعُ الألَدِّ : شَدِيْدُ الْخُصُومَةِ، نظيرهُ الأصَمُّ.

مريم 19:98

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ﴾ ؛ أي كَمْ أهلكنا يا مُحَمَّدُ قبلَ قومِك من قرونٍ ماضية، ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ﴾ ؛ أي هل تَرَى منهم مِن أحدٍ ؟ ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ ؛ أي صَوتاً. والإحساسُ مأخوذٌ من الْحِسِّ، يقالُ : هل أحْسَسْتَ فُلاناً ؛ أي هل رأيتَهُ. والرِّكْزُ : هو الصوتُ الْخَفِيُّ الذي لا يُفْهَمُ، ومنهُ الرِّكَازُ : وهو الْمُغَيَّبُ في الأرضِ. قال الحسنُ في معنى الآية :(ذهَبَ الْقَوْمُ فَلاَ يُسْمَعُ لَهُمْ صَوْتٌ). وقال قتادةُ :(مَعْنَاهُ : هَلْ تَرَى مِنْ عَيْنٍ أوْ تَسْمَعُ مِنْ صَوْتٍ). وعن أُبَيِّ بنِ كعب عن رسولِ الله ﷺ أنهُ قالَ :" مَنْ قَرَأ سُورَةَ مَرْيَمَ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ بعَدَدِ مَنْ صَدَّقَ بزَكَرِيّا وَيَحْيَى وَمَرْيَمَ وَعِيْسَى وَهَارُونَ وَإبْرَاهِيْمَ وَإسْمَاعِيْلَ وَإسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَإدْريْسَ، وَبعَدَدِ مَنْ كَذَبَهُمْ، وَبعَدَدِ مَنْ دَعَا للهِ وَلَداً، وَبعَدَدِ مَنْ وَحَّدَ اللهَ تَعَالَى ".

طه 20:1

﴿طه﴾ ؛ قرأ أبو عمرٍو ووَرْشٌ بفتحِ الطَّاء وكسرِ الْهَاء، وقرأ حمزةُ والكسائي وخَلَفٌ بكسرِ الطَّاء والْهَاء، وقرأ الباقون بالتفخيمِ فيهما. واختلفوا في معناهُ، فقالَ أكثرُ المفسِّرين : إنَّ معناهُ : يا رَجُلُ ؛ يعني النبيَّ ﷺ وهو قولُ ابن عبَّاس والحسن وعكرمة وابنِ جُبير والضحَّاك وقتادة ومجاهد، إلاّ عكرمةَ قال :(هُوَ بلِسَانِ الْحَبَشَةِ)، وقال قتادةُ :(إنَّمَا يَقُولُ هَذِهِ اللُّغَةَ أهْلُ السِّرْيَانِيَّةِ). وروَى السُّدِّيُّ عن أبي مَلَكٍ معنى قولهِ طه :(يَا فُلاَنُ)، قال الكلبيُّ :(بلُغَةِ عَكَّ : يَا رَجُلُ)، قال ابنُ الأنباريِّ :(وَلُغَةُ قُرَيْشٍ وَافَقَتْ تِلْكَ اللُّغَةَ أيْضاً فِي هَذا الْمَعْنَى ؛ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يُخَاطِبْ نَبيَّهُ إلاَّ بلِسَانِ قُرَيْشٍ. قَالَ : الشَّاعِرُ : إنَّ السَّفَاهَةَ طَه فِي خَلاَئِقَكُمْ لاَ قَدَّسَ اللهُ أرْوَاحَ الْمَلاَعِيْنيريدُ : يا رجلُ، وقال آخرُ : هَتَفْتُ بطَهَ فِي الْقِتَالِ فَلَمْ يُجِبْ فَخِفْتُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مُوَائِلاَوقُرئ (طَهْ) بتسكينِ الْهَاء، ولهُ معانٍ ؛ أحدُها : أن تكون الْهَاءُ بدلاً من همزةِ الطَّاء كقولِهم في : أرْقْتُ هَرَقْتُ. والآخرانِ : أن يكون على تركِ الهمزة طَا يا رجلُ بقدمِكَ الأرضَ، ثم يدخلُ الْهاءُ للوقفِ، فإنه رُويَ :" أنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ يَجْتَهِدُ فِي صَلاَةِ اللَّيْلِ بمَكَّةَ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، فَكَانَ إذا صَلَّى رَفَعَ رجْلاً وَوَضَعَ أُخْرَى ". فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى (طَهَ) أيْ طَأ الأَرْضَ بقَدَمِكَ. وقال بعضُهم : أولُ السُّورة قَسَمٌ ؛ أقْسَمَ اللهُ بطولهِ وهدايته. وقال بعضُهم : الطاءُ من الطَّهارةِ، والْهاءُ من الهدايةِ، كأنهُ تعالى قالَ لنبيِّه ﷺ : يَا طَاهِراً مِنَ الذُّنُوب، وَيَا هَادِياً إلَى عَلاَّمِ الْغُيُوب.

طه 20:2

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ ؛ أي لِتُجْهِدَ نفسكَ وتتعبَ، وذلك أنه لَمَّا نزلَ عليه الوحيُ اجتهدَ في العبادةِ، حتى أنه كان يُصلِّي على إحدى رجْلَيْهِ لشدَّة قيامهِ وطوله، فأمَرهُ اللهُ أن يُخَفِّفَ على نفسهِ، وذكرَ له أنهُ ما أنزلَ عليه القُرْآنَ ليتعبَ ذلك التعبَ، ولَم يُنْزِلْهُ، ﴿إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى﴾ ؛ قال مجاهدُ :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِسَبَب مَا كَانَ يَلْقَى النَّبيُّ ﷺ مِنَ التَّعَب وَالسَّهَرِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ). وقال الحسنُ :(هَذا جَوَابٌ لِلْمُشْرِكِيْنَ، وَذلِكَ أنَّ أبَا جَهْلٍ وَالنَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ قَالاَ لِلنَّبيِّ ﷺ : وَإنَّكَ لَتَشْقَى، لِمَا رَأواْ مِنْ طُولِ عِبَادَتِهِ وَشِدَّةِ اجْتِهَادِهِ، فَقَالَ ﷺ :" بُعِثْتُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِيْنَ " قَالُوا : بَلْ أنْتَ شَقِيٌّ، " فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ وَلَكِنْ لِتَسْعَدَ وَتَنَالَ الْكَرَامَةَ بهِ في الدُّنيا والآخرةِ). والشَّقَاءُ في اللغة : احمرارُ ما شُقَّ على النفْسِ من التعب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ ؛ نُصِبَ على المصدرِ ؛ أي نَزَلْنَاهُ تَنْزِيلاً. والعُلَى : جمع العَلْيَاءِ.

طه 20:3

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ ؛ أي لِتُجْهِدَ نفسكَ وتتعبَ، وذلك أنه لَمَّا نزلَ عليه الوحيُ اجتهدَ في العبادةِ، حتى أنه كان يُصلِّي على إحدى رجْلَيْهِ لشدَّة قيامهِ وطوله، فأمَرهُ اللهُ أن يُخَفِّفَ على نفسهِ، وذكرَ له أنهُ ما أنزلَ عليه القُرْآنَ ليتعبَ ذلك التعبَ، ولَم يُنْزِلْهُ، ﴿إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى﴾ ؛ قال مجاهدُ :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِسَبَب مَا كَانَ يَلْقَى النَّبيُّ ﷺ مِنَ التَّعَب وَالسَّهَرِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ). وقال الحسنُ :(هَذا جَوَابٌ لِلْمُشْرِكِيْنَ، وَذلِكَ أنَّ أبَا جَهْلٍ وَالنَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ قَالاَ لِلنَّبيِّ ﷺ : وَإنَّكَ لَتَشْقَى، لِمَا رَأواْ مِنْ طُولِ عِبَادَتِهِ وَشِدَّةِ اجْتِهَادِهِ، فَقَالَ ﷺ :" بُعِثْتُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِيْنَ " قَالُوا : بَلْ أنْتَ شَقِيٌّ، " فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ وَلَكِنْ لِتَسْعَدَ وَتَنَالَ الْكَرَامَةَ بهِ في الدُّنيا والآخرةِ). والشَّقَاءُ في اللغة : احمرارُ ما شُقَّ على النفْسِ من التعب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ ؛ نُصِبَ على المصدرِ ؛ أي نَزَلْنَاهُ تَنْزِيلاً. والعُلَى : جمع العَلْيَاءِ.

طه 20:4

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ ؛ أي لِتُجْهِدَ نفسكَ وتتعبَ، وذلك أنه لَمَّا نزلَ عليه الوحيُ اجتهدَ في العبادةِ، حتى أنه كان يُصلِّي على إحدى رجْلَيْهِ لشدَّة قيامهِ وطوله، فأمَرهُ اللهُ أن يُخَفِّفَ على نفسهِ، وذكرَ له أنهُ ما أنزلَ عليه القُرْآنَ ليتعبَ ذلك التعبَ، ولَم يُنْزِلْهُ، ﴿إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى﴾ ؛ قال مجاهدُ :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِسَبَب مَا كَانَ يَلْقَى النَّبيُّ ﷺ مِنَ التَّعَب وَالسَّهَرِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ). وقال الحسنُ :(هَذا جَوَابٌ لِلْمُشْرِكِيْنَ، وَذلِكَ أنَّ أبَا جَهْلٍ وَالنَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ قَالاَ لِلنَّبيِّ ﷺ : وَإنَّكَ لَتَشْقَى، لِمَا رَأواْ مِنْ طُولِ عِبَادَتِهِ وَشِدَّةِ اجْتِهَادِهِ، فَقَالَ ﷺ :" بُعِثْتُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِيْنَ " قَالُوا : بَلْ أنْتَ شَقِيٌّ، " فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ وَلَكِنْ لِتَسْعَدَ وَتَنَالَ الْكَرَامَةَ بهِ في الدُّنيا والآخرةِ). والشَّقَاءُ في اللغة : احمرارُ ما شُقَّ على النفْسِ من التعب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ ؛ نُصِبَ على المصدرِ ؛ أي نَزَلْنَاهُ تَنْزِيلاً. والعُلَى : جمع العَلْيَاءِ.

طه 20:5

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الرَّحْمَـانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ؛ وقد تقدَّم تفسيرهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ ؛ أي له ما لهُ في السَّموات وما في الأرضِ، وما بينَهما من الخلقِ، ومعناهُ : أنهُ مَالِكُ كلِّ شيءٍ ومُدَبرُهُ، وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ يعني الهواءَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ أي وما تحتَ التُّراب. والمفسِّرون يقولون هو الترابُ النديُّ تحت الأرضِ السُّفلى، وَقِيْلَ : تحتَ الصخرةِ التي عليها الثورُ، ولا يعلمُ ما تحتَ الثَّرى إلاّ اللهُ.

طه 20:6

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الرَّحْمَـانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ؛ وقد تقدَّم تفسيرهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ ؛ أي له ما لهُ في السَّموات وما في الأرضِ، وما بينَهما من الخلقِ، ومعناهُ : أنهُ مَالِكُ كلِّ شيءٍ ومُدَبرُهُ، وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ يعني الهواءَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ أي وما تحتَ التُّراب. والمفسِّرون يقولون هو الترابُ النديُّ تحت الأرضِ السُّفلى، وَقِيْلَ : تحتَ الصخرةِ التي عليها الثورُ، ولا يعلمُ ما تحتَ الثَّرى إلاّ اللهُ.

طه 20:7

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ ؛ معناهُ : ما حاجتُكَ إلى الجهرِ، فإن اللهَ لا يحتاجُ إلى جهرِكَ ليَسْمَعَ، فإنه تعالَى يَعْلَمُ السِّرَ وَأخْفَى منهُ. قال ابنُ عبَّاس :(السِّرُّ مَا أسْرَرْتَ بهِ فِي نَفْسِكَ، وَأخْفَى مِنْهُ مَا لَمْ تُحَدِّثْ بهِ نَفْسَكَ مِمَّا يَكُونُ فِي غَدٍ، عِلْمُ اللهِ فِيْهِمَا سَوَاءٌ) وَالتَّقْدِيْرُ : وَأخَفَى مِنْهُ، إلاّ أنهُ حُذِفَ للعلمِ بهِ. وعن سعيدِ بن جُبير قال :(السِّرُّ مَا تُسِرُّهُ فِي نَفْسِكَ، وَأخْفَى مِنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ وَهُوَ كَائِنٌ، فَاللهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا خَفِيَ عَنِ ابْنِ آدَمَ مِمَّا هُوَ فَاعِلُهُ قَبْلَ أنْ يَفْعَلَهُ).

طه 20:8

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى﴾ ؛ أي له الصفاتُ العليا.

طه 20:9

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ ؛ هذا استفهامُ تقريرٍ بمعنى الخبرِ، قد أتاكَ حديثُ موسى، ﴿إِذْ رَأَى نَاراً﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(كَاَنَ مُوسَى عليه السلام رَجُلاً غَيُوراً لاَ يَصْحَبُ الرِّفْقَةَ ؛ لِئَلاَّ يَرَى أحَدٌ امْرَأتَهُ، فَأَخْطَأَ الطَّرِيْقَ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَرَأى نَاراً مِنْ بَعِيْدٍ). ﴿فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُواْ﴾ ؛ أي قالَ لامرأتهِ : أقيموا مَكَانَكُمْ، ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَاراً﴾ ؛ أي رأيتُها وأبصرتُها، ﴿لَّعَلِّي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ﴾ ؛ أي بشُعلةٍ، ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ ؛ أي مَن يدلُّني على الطريقِ. قال الفرَّاء :(أرَادَ هَادِياً، فَذُكِرَ بلَفْظِ الْمَصْدَرِ). قال السديُّ :(لأنَّ النَّارَ لاَ تَخْلُو مِنْ أهْلٍ لَهَا وَنَاسٍ عِنْدَهَا). كانت رؤيتهُ للنارِ في ليلةِ الجمعة، وكان قد استأذنَ شُعيباً عليه السلام في الرجوعِ إلى والدتهِ فأذِنَ لهُ، فخرجَ بامرأتهِ، فولدت في الطريقِ في ليلةٍ باردة مثلجة، وقد حادَ عن الطريقِ، فقدحَ فلم يرَ نورَ المقدحة شيئاً، فبينما هو في مداولةِ ذلك إذ أبصرَ ناراً عن يسار الطريق، فقال لامرأتهِ : امْكُثُوا - أي أقِيمُوا مكانَكم - إنِّي أبصرتُ ناراً، لَعَلِّي آتِيْكُمْ مِنْهَا بقَبَسٍ، أوْ أجِدُ عَلَى النَّار مَن يدلُّني على الطريقِ.

طه 20:10

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ ؛ هذا استفهامُ تقريرٍ بمعنى الخبرِ، قد أتاكَ حديثُ موسى، ﴿إِذْ رَأَى نَاراً﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(كَاَنَ مُوسَى عليه السلام رَجُلاً غَيُوراً لاَ يَصْحَبُ الرِّفْقَةَ ؛ لِئَلاَّ يَرَى أحَدٌ امْرَأتَهُ، فَأَخْطَأَ الطَّرِيْقَ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَرَأى نَاراً مِنْ بَعِيْدٍ). ﴿فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُواْ﴾ ؛ أي قالَ لامرأتهِ : أقيموا مَكَانَكُمْ، ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَاراً﴾ ؛ أي رأيتُها وأبصرتُها، ﴿لَّعَلِّي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ﴾ ؛ أي بشُعلةٍ، ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ ؛ أي مَن يدلُّني على الطريقِ. قال الفرَّاء :(أرَادَ هَادِياً، فَذُكِرَ بلَفْظِ الْمَصْدَرِ). قال السديُّ :(لأنَّ النَّارَ لاَ تَخْلُو مِنْ أهْلٍ لَهَا وَنَاسٍ عِنْدَهَا). كانت رؤيتهُ للنارِ في ليلةِ الجمعة، وكان قد استأذنَ شُعيباً عليه السلام في الرجوعِ إلى والدتهِ فأذِنَ لهُ، فخرجَ بامرأتهِ، فولدت في الطريقِ في ليلةٍ باردة مثلجة، وقد حادَ عن الطريقِ، فقدحَ فلم يرَ نورَ المقدحة شيئاً، فبينما هو في مداولةِ ذلك إذ أبصرَ ناراً عن يسار الطريق، فقال لامرأتهِ : امْكُثُوا - أي أقِيمُوا مكانَكم - إنِّي أبصرتُ ناراً، لَعَلِّي آتِيْكُمْ مِنْهَا بقَبَسٍ، أوْ أجِدُ عَلَى النَّار مَن يدلُّني على الطريقِ.

طه 20:11

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ يامُوسَى﴾ ؛ أي فلمَّا أتَى النارَ أي شجرة خضراءَ من أسفلها إلى أعلاها كأنَّها نارٌ بيضاءُ تَتَّقِدُ، فسمِعَ تسبيحَ الملائكة، ورأى نُوراً عظيماً، فخافَ وتعجَّبَ، وألقِيَتْ عليه السكينةُ، ثُم نودي يا موسى، ﴿إِنِّي أَنَاْ رَبُّكَ﴾ ؛ وإنَّما كرَّرَ الكنايةَ ؛ لتوكيدِ الدلالة، وإزالة الشُّبهة، وتحقيقِ المعرفة. قُرِئَ (إنِّي أنْ رَبُّكَ) بفتحِ الهمزة وكسرِها، فمن فتحَ فعلى معنى بأَنِّي، ومَن كسرَ فعلى معنى الابتداء. قال وهبُ :(نودي من الشجرةِ، فقيل : يا موسى، فأجابَ سريعاً لا يدري مَن دعاهُ، فقال : إنِّي أسمعُ صوتَكَ فلا أرى مكانكَ، فأين أنتَ ؟ قال : أنا فوقكَ ومعك وأمامكَ وخلفك وأقربُ إليك من نفسك، فعَلِمَ أن ذلك لا ينبغي إلاّ لرَبهِ عَزَّ وَجَلَّ، فأيقنَ به). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ ؛ قال الحسنُ :(إنَّمَا أُمِرَ بخَلْعِ نَعْلَيْهِ لِيَنَالَ قَدَمَاهُ بَرَكَةَ الْوَادِي الْمُقَدَّسِ، وَيُبَاشِرَ تُرَابَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ بقَدَمِهِ، فَيَنَالُهُ بَرَكَتُهَا) وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الْمُقَدَّسِ﴾ أي الْمُطَهَّرِ. قال عكرمةُ :(كَانَتْ نَعْلاَهُ مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيْتٍ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ ؛ المقدَّس : هو المطهَّر، وَقِيْلَ : المباركُ، ولا يستدلُّ بما قالَهُ عكرمةُ على أنَّ جلودَ الميتة لا تَطْهُرُ بالدِّباغ ؛ لأنه إنْ كانَ كذلك فهو منسوخٌ بقولهِ عليه السلام :" إيَّمَا إهَابٍ دُبغَ طَهُرَ ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿طُوًى﴾ هو اسم الوادي.

طه 20:12

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ يامُوسَى﴾ ؛ أي فلمَّا أتَى النارَ أي شجرة خضراءَ من أسفلها إلى أعلاها كأنَّها نارٌ بيضاءُ تَتَّقِدُ، فسمِعَ تسبيحَ الملائكة، ورأى نُوراً عظيماً، فخافَ وتعجَّبَ، وألقِيَتْ عليه السكينةُ، ثُم نودي يا موسى، ﴿إِنِّي أَنَاْ رَبُّكَ﴾ ؛ وإنَّما كرَّرَ الكنايةَ ؛ لتوكيدِ الدلالة، وإزالة الشُّبهة، وتحقيقِ المعرفة. قُرِئَ (إنِّي أنْ رَبُّكَ) بفتحِ الهمزة وكسرِها، فمن فتحَ فعلى معنى بأَنِّي، ومَن كسرَ فعلى معنى الابتداء. قال وهبُ :(نودي من الشجرةِ، فقيل : يا موسى، فأجابَ سريعاً لا يدري مَن دعاهُ، فقال : إنِّي أسمعُ صوتَكَ فلا أرى مكانكَ، فأين أنتَ ؟ قال : أنا فوقكَ ومعك وأمامكَ وخلفك وأقربُ إليك من نفسك، فعَلِمَ أن ذلك لا ينبغي إلاّ لرَبهِ عَزَّ وَجَلَّ، فأيقنَ به). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ ؛ قال الحسنُ :(إنَّمَا أُمِرَ بخَلْعِ نَعْلَيْهِ لِيَنَالَ قَدَمَاهُ بَرَكَةَ الْوَادِي الْمُقَدَّسِ، وَيُبَاشِرَ تُرَابَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ بقَدَمِهِ، فَيَنَالُهُ بَرَكَتُهَا) وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الْمُقَدَّسِ﴾ أي الْمُطَهَّرِ. قال عكرمةُ :(كَانَتْ نَعْلاَهُ مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيْتٍ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ ؛ المقدَّس : هو المطهَّر، وَقِيْلَ : المباركُ، ولا يستدلُّ بما قالَهُ عكرمةُ على أنَّ جلودَ الميتة لا تَطْهُرُ بالدِّباغ ؛ لأنه إنْ كانَ كذلك فهو منسوخٌ بقولهِ عليه السلام :" إيَّمَا إهَابٍ دُبغَ طَهُرَ ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿طُوًى﴾ هو اسم الوادي.

طه 20:13

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ ؛ أي اخترتُكَ للرسالة ؛ لكي تقومَ بأمرِي، فاستمِعْ لِما يوحَى إليك، فاحفظْهُ حتى تؤدِّيَهُ للناسِ. وقرأ حمزةُ :(وإنَّا اخْتَرْنَاكَ) بالتشديدِ في (إنَّا) على التعظيمِ.

طه 20:14

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَاْ فَاعْبُدْنِي﴾ ؛ ولا تعبُدْ غَيرِي ظاهرُ المعنى، ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾ ؛ أي لتَذْكُرَنِي بها بالتسبيحِ والتعظيم كذا قال مجاهدُ والحسن، وَقِيْلَ : لأَنْ أذْكُرَكَ بالثناءِ والمدح، وقال مقاتلُ :(مَعْنَاهُ : إذا نَسِيْتَ الصَّلاَةَ، فَأَقِمْهَا إذا ذكَرْتَهَا)، قال ﷺ :" مَنْ تَأَخَّرَ عَنْ صَلاَةٍ أوْ نَسِيَهَا ؛ فَلْيُصَلِّهَا إذا ذكَرَهَا، فَإنَّ ذلِكَ وَقْتُهَا " ثُمَّ قَرَأ ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾ ".

طه 20:15

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَاهُ : أنَّ الْقِيَامَةَ كَائِنَةً أكَادُ أُخْفِيْهَا عَنْ نَفْسِي، فَكَيْفَ أُظْهِرُهَا لِغَيْرِي)، قال الْمُبَرِّدُ :(هَذا عَلَى عَادَةِ مُخَاطَبَةِ الْعَرَب ؛ يَقُولُونَ إذا بَالَغُواْ فِي كِتْمَانِ السِّرِّ : كَتَمْتُهُ مِنْ نَفْسِي ؛ أيْ لَمْ أطْلِعْ عَلَيْهِ أحَداً). والمعنى : أنَّ اللهَ تعالى بَالَغَ في إخْفاءِ السَّاعةِ، فذكَرَهُ بأبلغِ ما تعرفُ العرب. قال قتادةُ :(هِيَ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَةِ : أَكَادُ أُخْفِيْهَا مِنْ نَفْسِي، وَلَعَمْرِي لَقَدْ أخْفَاهَا اللهُ عَنِ الْمَلاَئِكَةِ الْمُقَرِّبيْنَ وَالأَنْبيَاءِ وَالْمُرْسَلِيْنَ، وَفِي مُصْحَفِ أُبَيِّ وعَبْدِاللهِ : أكَادُ أُخْفِيْهَا مِنْ نَفْسِي، فَكَيْفَ يَعْلَمُهَا مَخْلُوقٌ؟). ومعنى الآية : أكَادُ أُخْفِيْهَا عن عبادي ؛ كَي لا تأتيَهم إلاّ بَغْتَةً، والفائدةُ في إخفائِها عن العبادِ : التهويلُ والتخويف، وفي ذلك مصلحةٌ لَهم ؛ لأنَّهم إذا لَم يعلموا متى قيامُها كانوا على حَذرٍ منها في كلِّ وقتٍ، خائفين من الموتِ، مستعدِّين لذلكَ بالتوبةِ والطاعة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ ؛ أي بسَعْيهَا، إما الثوابُ وإما العقابُ. وقرأ الحسنُ وابن جبير :(أكَادُ أخْفِيْهَا) بفتحِ الهمزة ؛ أي أُظْهِرُهَا وَأُبْرِزُهَا، يقالُ : خَفَيْتُ الشَّيْءَ إذا أظهرتهُ، وأخفيتهُ إذا سَتَرْتُهُ.

طه 20:16

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا﴾ ؛ أي فلا يَصْرِفَنَّكَ عن الإيْمانِ بالسَّاعة مَن لا يصدِّقُ بها، ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ بالإنكارِ ﴿فَتَرْدَى﴾ ؛ أي فَتَهْلَكَ، وهو خطابٌ لِموسى عليه السلام، ونَهيٌ لسائرِ المكلَّفين. والصَّدُّ : هو الصَّرْفُ عن الخيرِ، يقالُ : صَدَّهُ عن الخيرِ، وصَدَّهُ عن الإيْمانِ، ولا يقالُ : صَدَّهُ عن الشَّرِّ، ولكن يقالُ : صَرَفَهُ عن الشرِّ وَمَنَعَهُ عنهُ.

طه 20:17

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسَى﴾ ؛ أي وما التي بيمِينِكَ يا موسى ؟ ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ أي أعتمدُ عليها إذا أُعْييْتُ، وإذا مَشَيْتُ، فلفظُ أوَّلِ الآية استفهامٌ ؛ ومعناه : التقريرُ على المخاطَب، أن الذي في يدهِ عصا ؛ لكيلا تَهولهُ صارت ثُعباناً. وَقِيْلَ : كان الغرضُ بهذا السُّؤال إزالةُ الوحشةِ منه ؛ لأن موسَى كان خائفاً مُستوحشاً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ ؛ أي أخْبطُ به الشجرَ ؛ ليتناثرَ وَرَقُهُ فيأكلهُ غَنَمِي. وقرأ عكرمةُ :(وَأهُشُّ) بالشِّين، يعني أزْجُرُ بها الغنمَ، وذلكَ أنَّ العربَ تقولُ : هَشَّ وقَشَّ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ ؛ أي حوائجُ أُخرى، تقولُ : لا إرَبَ لِي في هذا ؛ أي لا حاجةَ لِي فيه، واحدُ الْمَآرِب مَأْرُبَةٌ بضمِّ الراء وكسرِها وفتحها، وإنَّما لَم يقل : أُخَرَ ؛ لأجلِ رُؤوسِ الآيِ. قال ابنُ عبَّاس :(كَانت مَآرِبُهُ أنه إذا ورد ماء قصر عنه رشاؤه وصله بالْمِحجنِ، ثم أدلَى العصا وكان في أسفلِها عكَّازةٌ يقاتلُ بها السباعَ، وكان يُلقي عليها كسائَهُ يستظلُّ تحتَها، ومن مآربهِ أيضاً أنه كان اذا أرادَ الاستسقاءَ مِن بئرٍ أدلاها، فطالَتْ على طولِ البشر، فصارت شُعبتاها كالدَّلو، وكان يظهرُ على شعبَتَيها الشَّمعتين بالليلِ - يعني : يضيءُ لهُ مد البصرِ ويهتدي بها - واذا اشتهَى ثمرة من الثمارِ رَكَزَها في الأرضِ، فَتَغَصَّنت أغصانُ تلك الشجرةِ، وأورقت أورقُها وأثْمَرت). ثم كان من المعلومِ أنَّ موسى لَمْ يُرِدْ بهذا الجواب إعلامَ اللهِ تعالى ؛ لأن اللهَ تعالى أعلمُ بذلكَ منه، ولكن لَمَّا اقتضى السؤالُ جواباً لَمْ يكن بدٌّ له من الإجابةِ، فذكرَ منافعَ العصا إقراراً بالنعمة فيها والتزاماً بما يجبُ عليه من الشُّكر للهِ، وهكذا سبيلُ أولياءِ الله تعالى في إظهار شُكر نِعَمِ اللهِ تعالى، وفي هذا جوابٌ عن بعضِ الْمُلْحِدَةِ في باب المسألةِ كانت عن فائدة ما في يده، ولَم يكن عن منافعِها، فلِمَ كان الجوابُ عن ما لَم يسأل؟

طه 20:18

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسَى﴾ ؛ أي وما التي بيمِينِكَ يا موسى ؟ ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ أي أعتمدُ عليها إذا أُعْييْتُ، وإذا مَشَيْتُ، فلفظُ أوَّلِ الآية استفهامٌ ؛ ومعناه : التقريرُ على المخاطَب، أن الذي في يدهِ عصا ؛ لكيلا تَهولهُ صارت ثُعباناً. وَقِيْلَ : كان الغرضُ بهذا السُّؤال إزالةُ الوحشةِ منه ؛ لأن موسَى كان خائفاً مُستوحشاً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ ؛ أي أخْبطُ به الشجرَ ؛ ليتناثرَ وَرَقُهُ فيأكلهُ غَنَمِي. وقرأ عكرمةُ :(وَأهُشُّ) بالشِّين، يعني أزْجُرُ بها الغنمَ، وذلكَ أنَّ العربَ تقولُ : هَشَّ وقَشَّ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ ؛ أي حوائجُ أُخرى، تقولُ : لا إرَبَ لِي في هذا ؛ أي لا حاجةَ لِي فيه، واحدُ الْمَآرِب مَأْرُبَةٌ بضمِّ الراء وكسرِها وفتحها، وإنَّما لَم يقل : أُخَرَ ؛ لأجلِ رُؤوسِ الآيِ. قال ابنُ عبَّاس :(كَانت مَآرِبُهُ أنه إذا ورد ماء قصر عنه رشاؤه وصله بالْمِحجنِ، ثم أدلَى العصا وكان في أسفلِها عكَّازةٌ يقاتلُ بها السباعَ، وكان يُلقي عليها كسائَهُ يستظلُّ تحتَها، ومن مآربهِ أيضاً أنه كان اذا أرادَ الاستسقاءَ مِن بئرٍ أدلاها، فطالَتْ على طولِ البشر، فصارت شُعبتاها كالدَّلو، وكان يظهرُ على شعبَتَيها الشَّمعتين بالليلِ - يعني : يضيءُ لهُ مد البصرِ ويهتدي بها - واذا اشتهَى ثمرة من الثمارِ رَكَزَها في الأرضِ، فَتَغَصَّنت أغصانُ تلك الشجرةِ، وأورقت أورقُها وأثْمَرت). ثم كان من المعلومِ أنَّ موسى لَمْ يُرِدْ بهذا الجواب إعلامَ اللهِ تعالى ؛ لأن اللهَ تعالى أعلمُ بذلكَ منه، ولكن لَمَّا اقتضى السؤالُ جواباً لَمْ يكن بدٌّ له من الإجابةِ، فذكرَ منافعَ العصا إقراراً بالنعمة فيها والتزاماً بما يجبُ عليه من الشُّكر للهِ، وهكذا سبيلُ أولياءِ الله تعالى في إظهار شُكر نِعَمِ اللهِ تعالى، وفي هذا جوابٌ عن بعضِ الْمُلْحِدَةِ في باب المسألةِ كانت عن فائدة ما في يده، ولَم يكن عن منافعِها، فلِمَ كان الجوابُ عن ما لَم يسأل؟

طه 20:19

وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ أَلْقِهَا يامُوسَى﴾ ؛ أي ألْقِهَا من يدكَ، ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ ؛ تشتدُّ رافعةٌ رأسَها، عيناها تتوقَّدان ناراً، تَمشي بسرعةٍ على بطنِها، لَها عُرْفٌ كعُرف الفَرسِ، فلما عاينَ ذلك موسى ولَّى مُدبراً ولَم يُعَقِّبْ هارباً منها، فنُودِيَ يا موسى : إرْجِعْ، فرجعَ وهو شديدُ الخوفِ و ﴿قَالَ﴾ ؛ اللهُ له :﴿خُذْهَا﴾ بيمينِكَ ؛ ﴿وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأُولَى﴾ ؛ عصاً كما كانت. فلما أمَرَهُ اللهُ بأخذِها أدنَى طَرَفَ ثوبهِ على يده، وكان عليه مَدْرَعَةٌ من صُوفٍ، فلما جعل طَرَفَ المدرعةِ على يدهِ ليتناولَها، قال مَلَكٌ : يا موسى ؛ أرأيتَ لو أنَّ الله قد رَعَاكَ ما تحاذرهُ ؟ أكانت المدرعةُ تُغني عنكَ شيئاً ؟ قال : لاَ، ولكنِّي ضعيفٌ ومن ضعفٍ. فأُمِرَ أن يُدخِلَ يدهُ في فَمِها فكشفَ عن يدهِ، ثُم وضعَها في فمِ الحيَّة، وإذا يدهُ في الموضعِ الذي كان يضعُها فيه بين الشُّعبتين اللَّتين في رأسِ العصا، وإنَّما أُمِرَ بإدخالِ يده فمِها ؛ لأنه إنَّما يُخشى من الحيَّة مِن فمِها، فأرادَ اللهُ أن يُريَهُ من الآيةِ التي لَم يقدر عليها مخلوقٌ. ولئلا يفزعَ منها اذا ألقَاها عند فرعونَ، فلا يولِّي مُدبراً.

طه 20:20

وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ أَلْقِهَا يامُوسَى﴾ ؛ أي ألْقِهَا من يدكَ، ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ ؛ تشتدُّ رافعةٌ رأسَها، عيناها تتوقَّدان ناراً، تَمشي بسرعةٍ على بطنِها، لَها عُرْفٌ كعُرف الفَرسِ، فلما عاينَ ذلك موسى ولَّى مُدبراً ولَم يُعَقِّبْ هارباً منها، فنُودِيَ يا موسى : إرْجِعْ، فرجعَ وهو شديدُ الخوفِ و ﴿قَالَ﴾ ؛ اللهُ له :﴿خُذْهَا﴾ بيمينِكَ ؛ ﴿وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأُولَى﴾ ؛ عصاً كما كانت. فلما أمَرَهُ اللهُ بأخذِها أدنَى طَرَفَ ثوبهِ على يده، وكان عليه مَدْرَعَةٌ من صُوفٍ، فلما جعل طَرَفَ المدرعةِ على يدهِ ليتناولَها، قال مَلَكٌ : يا موسى ؛ أرأيتَ لو أنَّ الله قد رَعَاكَ ما تحاذرهُ ؟ أكانت المدرعةُ تُغني عنكَ شيئاً ؟ قال : لاَ، ولكنِّي ضعيفٌ ومن ضعفٍ. فأُمِرَ أن يُدخِلَ يدهُ في فَمِها فكشفَ عن يدهِ، ثُم وضعَها في فمِ الحيَّة، وإذا يدهُ في الموضعِ الذي كان يضعُها فيه بين الشُّعبتين اللَّتين في رأسِ العصا، وإنَّما أُمِرَ بإدخالِ يده فمِها ؛ لأنه إنَّما يُخشى من الحيَّة مِن فمِها، فأرادَ اللهُ أن يُريَهُ من الآيةِ التي لَم يقدر عليها مخلوقٌ. ولئلا يفزعَ منها اذا ألقَاها عند فرعونَ، فلا يولِّي مُدبراً.

طه 20:21

وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ أَلْقِهَا يامُوسَى﴾ ؛ أي ألْقِهَا من يدكَ، ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ ؛ تشتدُّ رافعةٌ رأسَها، عيناها تتوقَّدان ناراً، تَمشي بسرعةٍ على بطنِها، لَها عُرْفٌ كعُرف الفَرسِ، فلما عاينَ ذلك موسى ولَّى مُدبراً ولَم يُعَقِّبْ هارباً منها، فنُودِيَ يا موسى : إرْجِعْ، فرجعَ وهو شديدُ الخوفِ و ﴿قَالَ﴾ ؛ اللهُ له :﴿خُذْهَا﴾ بيمينِكَ ؛ ﴿وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأُولَى﴾ ؛ عصاً كما كانت. فلما أمَرَهُ اللهُ بأخذِها أدنَى طَرَفَ ثوبهِ على يده، وكان عليه مَدْرَعَةٌ من صُوفٍ، فلما جعل طَرَفَ المدرعةِ على يدهِ ليتناولَها، قال مَلَكٌ : يا موسى ؛ أرأيتَ لو أنَّ الله قد رَعَاكَ ما تحاذرهُ ؟ أكانت المدرعةُ تُغني عنكَ شيئاً ؟ قال : لاَ، ولكنِّي ضعيفٌ ومن ضعفٍ. فأُمِرَ أن يُدخِلَ يدهُ في فَمِها فكشفَ عن يدهِ، ثُم وضعَها في فمِ الحيَّة، وإذا يدهُ في الموضعِ الذي كان يضعُها فيه بين الشُّعبتين اللَّتين في رأسِ العصا، وإنَّما أُمِرَ بإدخالِ يده فمِها ؛ لأنه إنَّما يُخشى من الحيَّة مِن فمِها، فأرادَ اللهُ أن يُريَهُ من الآيةِ التي لَم يقدر عليها مخلوقٌ. ولئلا يفزعَ منها اذا ألقَاها عند فرعونَ، فلا يولِّي مُدبراً.

طه 20:22

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى﴾ ؛ قالَ الفَرَّاءُ :(جَنَاحُ الإنْسَانِ عَضُدُهُ أيْ مِنْ غَيْرِ أصْلِ إبطِهِ) والمعنى : أدْخِلْ يدكَ في جيبكَ تَخرج بيضاءَ ذات شُعاعٍ من غير مَرَضٍ ولا بَرَصٍ آيَةً أُخْرَى نعطيكَها مع العصا، ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ ؛ سِوَى هَاتَين الآيتين، فكان عَلَيْهِ السَّلامُ إذا جَعَلَ يدَهُ في جيبهِ خرجت بيضاءَ يغلبُ شعاعُها نورَ الشمس. قال ابنُ عبَّاس :(كَانَ لِيَدِهِ نُورٌ سَاطِعٌ يُضِيْءُ باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ كَضَوْءِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَأشَدُّ ضَوْءًا).

طه 20:23

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى﴾ ؛ قالَ الفَرَّاءُ :(جَنَاحُ الإنْسَانِ عَضُدُهُ أيْ مِنْ غَيْرِ أصْلِ إبطِهِ) والمعنى : أدْخِلْ يدكَ في جيبكَ تَخرج بيضاءَ ذات شُعاعٍ من غير مَرَضٍ ولا بَرَصٍ آيَةً أُخْرَى نعطيكَها مع العصا، ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ ؛ سِوَى هَاتَين الآيتين، فكان عَلَيْهِ السَّلامُ إذا جَعَلَ يدَهُ في جيبهِ خرجت بيضاءَ يغلبُ شعاعُها نورَ الشمس. قال ابنُ عبَّاس :(كَانَ لِيَدِهِ نُورٌ سَاطِعٌ يُضِيْءُ باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ كَضَوْءِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَأشَدُّ ضَوْءًا).

طه 20:24

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ ؛ أي جَاوَزَ الحدَّ في العصيان، وكَفَرَ وتكبَّرَ.

طه 20:25

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ ؛ أي وَسِّعْ لِي صَدري لأتَمَكَّنَ من تحمُّلِ أثقالِ الرسالة، والقيامِ بأدائها ومخاصمةِ الناس فيها، وسَهِّلْ لِي أمرِي برفعِ المشقَّة ووضع الْمَحَبَّةِ. قوله تعالى :﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾ ؛ أي وَارْفَعْ العُقْدَةَ من لسانِي ؛ ليفقهوا قَولِي : كَلامِي. وكان سببُ العُقْدَةِ في لِسانِهِ أنه كان في حُجرة فرعونَ، فأتَى يومٌ فأخذ بلحيتهِ فَنَتَفَ منها شيئاً، وقال فرعونُ لامرأته آسْيَةُ : إنَّ هذا عَدُوِّي المطلوب وَهَمَّ بقتلهِ، فقالت له آسْيَةُ : لا تفعل، فإنه طِفْلٌ لا يعقلُ، ولا يفرِّقُ بين الأشياءِ ولا يُميز، وعلامةُ ذلك : أنه لا يُميز بين الدُّرَّةِ والجمرةِ، ثُم جاءت بطِشْتَيْنِ، فجعلت في أحدِهما الجمرَ من النار، وفي الآخرِ الجوهرَ والْحِلِيَّ، ووضعَتْهُما بين يَدَي موسى، فأراد مُوسى أن يأخذ شيئاً من الحليِّ، فأخذ جبريلُ بيدهِ فوضعَها على النارِ، فأخذ جمرةً ووضعَها في فمهِ حتى أحْرَقَ لسانَهُ، فكانت في لسانهِ رُتَّةٌ، فدفعَ عنهُ أكثرَ الضَّررين بأقلِّهما. وقد اختلفوا في هذه العُقْدَةِ : هل زَالَتْ بأجمعِها في وقتِ نُبُوَّتِهِ، أم لاَ ؟ قال بعضُهم - وهو الأصحُّ وإليه ذهبَ الحسنُ - : أنَّ الله استجابَ له، فَحَلَّ العُقدةَ من لسانهِ ؛ لأنه تعالى قال﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسَى﴾[طه: ٣٦] فعلى هذا قولُ فرعونَ﴿وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾[الزخرف: ٥٢] أي لا يأتِي ببيانٍ يُفْهِمُ، وكان هذا القولُ كذباً منهُ ؛ ليصرفَ الوجوهَ عنهُ.

طه 20:26

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ ؛ أي وَسِّعْ لِي صَدري لأتَمَكَّنَ من تحمُّلِ أثقالِ الرسالة، والقيامِ بأدائها ومخاصمةِ الناس فيها، وسَهِّلْ لِي أمرِي برفعِ المشقَّة ووضع الْمَحَبَّةِ. قوله تعالى :﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾ ؛ أي وَارْفَعْ العُقْدَةَ من لسانِي ؛ ليفقهوا قَولِي : كَلامِي. وكان سببُ العُقْدَةِ في لِسانِهِ أنه كان في حُجرة فرعونَ، فأتَى يومٌ فأخذ بلحيتهِ فَنَتَفَ منها شيئاً، وقال فرعونُ لامرأته آسْيَةُ : إنَّ هذا عَدُوِّي المطلوب وَهَمَّ بقتلهِ، فقالت له آسْيَةُ : لا تفعل، فإنه طِفْلٌ لا يعقلُ، ولا يفرِّقُ بين الأشياءِ ولا يُميز، وعلامةُ ذلك : أنه لا يُميز بين الدُّرَّةِ والجمرةِ، ثُم جاءت بطِشْتَيْنِ، فجعلت في أحدِهما الجمرَ من النار، وفي الآخرِ الجوهرَ والْحِلِيَّ، ووضعَتْهُما بين يَدَي موسى، فأراد مُوسى أن يأخذ شيئاً من الحليِّ، فأخذ جبريلُ بيدهِ فوضعَها على النارِ، فأخذ جمرةً ووضعَها في فمهِ حتى أحْرَقَ لسانَهُ، فكانت في لسانهِ رُتَّةٌ، فدفعَ عنهُ أكثرَ الضَّررين بأقلِّهما. وقد اختلفوا في هذه العُقْدَةِ : هل زَالَتْ بأجمعِها في وقتِ نُبُوَّتِهِ، أم لاَ ؟ قال بعضُهم - وهو الأصحُّ وإليه ذهبَ الحسنُ - : أنَّ الله استجابَ له، فَحَلَّ العُقدةَ من لسانهِ ؛ لأنه تعالى قال﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسَى﴾[طه: ٣٦] فعلى هذا قولُ فرعونَ﴿وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾[الزخرف: ٥٢] أي لا يأتِي ببيانٍ يُفْهِمُ، وكان هذا القولُ كذباً منهُ ؛ ليصرفَ الوجوهَ عنهُ.

طه 20:27

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ ؛ أي وَسِّعْ لِي صَدري لأتَمَكَّنَ من تحمُّلِ أثقالِ الرسالة، والقيامِ بأدائها ومخاصمةِ الناس فيها، وسَهِّلْ لِي أمرِي برفعِ المشقَّة ووضع الْمَحَبَّةِ. قوله تعالى :﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾ ؛ أي وَارْفَعْ العُقْدَةَ من لسانِي ؛ ليفقهوا قَولِي : كَلامِي. وكان سببُ العُقْدَةِ في لِسانِهِ أنه كان في حُجرة فرعونَ، فأتَى يومٌ فأخذ بلحيتهِ فَنَتَفَ منها شيئاً، وقال فرعونُ لامرأته آسْيَةُ : إنَّ هذا عَدُوِّي المطلوب وَهَمَّ بقتلهِ، فقالت له آسْيَةُ : لا تفعل، فإنه طِفْلٌ لا يعقلُ، ولا يفرِّقُ بين الأشياءِ ولا يُميز، وعلامةُ ذلك : أنه لا يُميز بين الدُّرَّةِ والجمرةِ، ثُم جاءت بطِشْتَيْنِ، فجعلت في أحدِهما الجمرَ من النار، وفي الآخرِ الجوهرَ والْحِلِيَّ، ووضعَتْهُما بين يَدَي موسى، فأراد مُوسى أن يأخذ شيئاً من الحليِّ، فأخذ جبريلُ بيدهِ فوضعَها على النارِ، فأخذ جمرةً ووضعَها في فمهِ حتى أحْرَقَ لسانَهُ، فكانت في لسانهِ رُتَّةٌ، فدفعَ عنهُ أكثرَ الضَّررين بأقلِّهما. وقد اختلفوا في هذه العُقْدَةِ : هل زَالَتْ بأجمعِها في وقتِ نُبُوَّتِهِ، أم لاَ ؟ قال بعضُهم - وهو الأصحُّ وإليه ذهبَ الحسنُ - : أنَّ الله استجابَ له، فَحَلَّ العُقدةَ من لسانهِ ؛ لأنه تعالى قال﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسَى﴾[طه: ٣٦] فعلى هذا قولُ فرعونَ﴿وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾[الزخرف: ٥٢] أي لا يأتِي ببيانٍ يُفْهِمُ، وكان هذا القولُ كذباً منهُ ؛ ليصرفَ الوجوهَ عنهُ.

طه 20:28

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ ؛ أي وَسِّعْ لِي صَدري لأتَمَكَّنَ من تحمُّلِ أثقالِ الرسالة، والقيامِ بأدائها ومخاصمةِ الناس فيها، وسَهِّلْ لِي أمرِي برفعِ المشقَّة ووضع الْمَحَبَّةِ. قوله تعالى :﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾ ؛ أي وَارْفَعْ العُقْدَةَ من لسانِي ؛ ليفقهوا قَولِي : كَلامِي. وكان سببُ العُقْدَةِ في لِسانِهِ أنه كان في حُجرة فرعونَ، فأتَى يومٌ فأخذ بلحيتهِ فَنَتَفَ منها شيئاً، وقال فرعونُ لامرأته آسْيَةُ : إنَّ هذا عَدُوِّي المطلوب وَهَمَّ بقتلهِ، فقالت له آسْيَةُ : لا تفعل، فإنه طِفْلٌ لا يعقلُ، ولا يفرِّقُ بين الأشياءِ ولا يُميز، وعلامةُ ذلك : أنه لا يُميز بين الدُّرَّةِ والجمرةِ، ثُم جاءت بطِشْتَيْنِ، فجعلت في أحدِهما الجمرَ من النار، وفي الآخرِ الجوهرَ والْحِلِيَّ، ووضعَتْهُما بين يَدَي موسى، فأراد مُوسى أن يأخذ شيئاً من الحليِّ، فأخذ جبريلُ بيدهِ فوضعَها على النارِ، فأخذ جمرةً ووضعَها في فمهِ حتى أحْرَقَ لسانَهُ، فكانت في لسانهِ رُتَّةٌ، فدفعَ عنهُ أكثرَ الضَّررين بأقلِّهما. وقد اختلفوا في هذه العُقْدَةِ : هل زَالَتْ بأجمعِها في وقتِ نُبُوَّتِهِ، أم لاَ ؟ قال بعضُهم - وهو الأصحُّ وإليه ذهبَ الحسنُ - : أنَّ الله استجابَ له، فَحَلَّ العُقدةَ من لسانهِ ؛ لأنه تعالى قال﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسَى﴾[طه: ٣٦] فعلى هذا قولُ فرعونَ﴿وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾[الزخرف: ٥٢] أي لا يأتِي ببيانٍ يُفْهِمُ، وكان هذا القولُ كذباً منهُ ؛ ليصرفَ الوجوهَ عنهُ.

طه 20:29

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي﴾ ؛ الوزيرُ الذي يُؤَازرُ الأميرَ فيحمِلُ عنه بعضَ ما يحملُ، فيكون المعنى : واجعل لِي عَوْناً وظَهْراً من أهلي، وقال الزجَّاج :(اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْوِزْر وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي يُعْتَصَمُ بهِ لِيَنْجُو مِنَ الْهَلَكَةِ). ثُم بَيَّنَ الوزيرَ مَن هو، فقالَ :﴿هَارُونَ أَخِي﴾، قِيْلَ : هرونُ مَفْعُولُ (اجْعَلْ)، تقديرهُ : اجْعَلْ هرونَ أخِي وزيراً لِي، ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ ؛ أي أُقَوِّي به ظَهرِي، والأَزْرُ الظَّهْرُ، لنتعاونَ على الأمرِ الذي أمَرْتَنَا به، يقالُ : آزَرْتُ فُلاناً إذا عاونتهُ.

طه 20:30

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي﴾ ؛ الوزيرُ الذي يُؤَازرُ الأميرَ فيحمِلُ عنه بعضَ ما يحملُ، فيكون المعنى : واجعل لِي عَوْناً وظَهْراً من أهلي، وقال الزجَّاج :(اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْوِزْر وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي يُعْتَصَمُ بهِ لِيَنْجُو مِنَ الْهَلَكَةِ). ثُم بَيَّنَ الوزيرَ مَن هو، فقالَ :﴿هَارُونَ أَخِي﴾، قِيْلَ : هرونُ مَفْعُولُ (اجْعَلْ)، تقديرهُ : اجْعَلْ هرونَ أخِي وزيراً لِي، ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ ؛ أي أُقَوِّي به ظَهرِي، والأَزْرُ الظَّهْرُ، لنتعاونَ على الأمرِ الذي أمَرْتَنَا به، يقالُ : آزَرْتُ فُلاناً إذا عاونتهُ.

طه 20:31

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي﴾ ؛ الوزيرُ الذي يُؤَازرُ الأميرَ فيحمِلُ عنه بعضَ ما يحملُ، فيكون المعنى : واجعل لِي عَوْناً وظَهْراً من أهلي، وقال الزجَّاج :(اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْوِزْر وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي يُعْتَصَمُ بهِ لِيَنْجُو مِنَ الْهَلَكَةِ). ثُم بَيَّنَ الوزيرَ مَن هو، فقالَ :﴿هَارُونَ أَخِي﴾، قِيْلَ : هرونُ مَفْعُولُ (اجْعَلْ)، تقديرهُ : اجْعَلْ هرونَ أخِي وزيراً لِي، ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ ؛ أي أُقَوِّي به ظَهرِي، والأَزْرُ الظَّهْرُ، لنتعاونَ على الأمرِ الذي أمَرْتَنَا به، يقالُ : آزَرْتُ فُلاناً إذا عاونتهُ.

طه 20:32

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾، أي اجعلهُ شَريكاً لِي في تبليغِ هذه الرسالة. ومن قرأ (أشْدُدْ) بفتح الألفِ و(أُشْرِكْهُ) بضمِّ الألف ردَّ الفعلَ إلى موسى عليه السلام.

طه 20:33

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾ ؛ أي كَي نُصلّي لكَ، وَقِيْلَ : كي نُنَزِّهَكَ كثيراً، ونذكرَكَ بالحمدِ والثَّناء كثيراً بما أوْلَيْتَنَا من نِعْمَتِكَ، ومَنَنْتَ علينا من تحمُّلِ رسالتِكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾ ؛ أي عالِماً.

طه 20:34

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾ ؛ أي كَي نُصلّي لكَ، وَقِيْلَ : كي نُنَزِّهَكَ كثيراً، ونذكرَكَ بالحمدِ والثَّناء كثيراً بما أوْلَيْتَنَا من نِعْمَتِكَ، ومَنَنْتَ علينا من تحمُّلِ رسالتِكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾ ؛ أي عالِماً.

طه 20:35

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾ ؛ أي كَي نُصلّي لكَ، وَقِيْلَ : كي نُنَزِّهَكَ كثيراً، ونذكرَكَ بالحمدِ والثَّناء كثيراً بما أوْلَيْتَنَا من نِعْمَتِكَ، ومَنَنْتَ علينا من تحمُّلِ رسالتِكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾ ؛ أي عالِماً.

طه 20:36

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسَى﴾ ؛ أي أُوتِيْتَ ما سألتَ يا موسى، وأوتيتَ مُرادَكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ ؛ أي أنعَمْنا عليكَ كَرَّةً أُخرى قبلَ هذه المرَّة. ثم بَيَّنَ تلك النعمة، فقالَ تعالى :﴿إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّكَ﴾ ؛ أي ألْهَمْنَاهَا حين عَنَتْ بأمرِكَ، وما كان فيه سببُ نَجاتِكَ من القتلِ، ﴿مَا يُوحَى﴾ ؛ أي ما يُلْهَمُ، ثم فسَّرَ ذلك الإلْهَامَ فقال :﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ وكان السببُ في ذلك أن فرعونَ كان يقتلُ غِلْمَانَ بنِي إسرائيلَ على ما تقدَّم ذكرهُ، ثُم خَشِيَ أن يَفْنَى نسلُ بني إسرائيلَ، فكان يقتلُ بعد ذلك في سنةٍ ولا يقتلُ في سنةٍ، فوُلِدَ موسى في السَّنة التي يقتلُ فيها الغلمانَ، فنجَّاهُ الله من القتلِ بأن ألْهَمَ أُمَّهُ أن جعلته في التابوتِ، وأُطْرِحَ التابوت في اليَمِّ وهو البحرُ، وأرادَ به النِّيْلَ ومعنى قوله تعالى :﴿أَنِ اقْذِفِيهِ﴾ أي اجعليه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ ؛ لفظهُ لفظ الأمر وهو خبرُ (بتقدير) حتى يلقيه اليَمُّ بالسَّاحل. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾ ؛ وأرادَ به فرعون. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ ؛ وذلك أن أُمَّ موسى لَمَّا اتخذت لِموسى تابوتاً جعلت فيه قُطْناً مَحْلُوجاً، ووضعت فيه موسَى وألقتْهُ في النِّيلِ، وكان يشرعُ منه نَهر كبيرٌ في دار فرعون، فبينما هو جالسٌ على رأسِ البرْكَةِ مع امرأتهِ آسْيَةُ، إذا بالتابوتِ يَجِيْءُ بالماء. فلما رأى ذلك أمَرَ الجوارِي والغلمان بإخراجهِ فأخرجوهُ، فإذا هو صبيٌّ من أحسنِ الناس وَجْهاً، فلما رآهُ فرعون أحَبَّهُ بحيثُ لَم يتمالك، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ قال عطية العوفي :(وَجَعَلَ عَلَيهِ مِسْحَةً مِنْ جَمَالٍ فَأَحَبَّهُ كُلُّ مَن رآهُ). وقال عطاءٌ عن ابنِ عبَّاس :(مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ أيْ لاَ يَلْقَاكَ أحَدٌ إلاَّ أحَبَّكَ مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ)، وقال عكرمةُ :(ألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً ومَلاَحَةً وَحُسْناً)، فحين أبصرَتْ آسية وجهَهُ قالت لفرعون : قُرَّةَ عَيْنٍ لِي ولكَ. وقال أبو عبيدةُ :(مَعْنَاهُ : جَعَلْتُ لَكَ مَحَبَّةً عِنْدِي وَعِنْدَ غَيْرِي، أحَبَّكَ فِرْعَوْنُ، فَسَلِمْتَ مِنْ شَرِّهِ، وَأحَبَّتْكَ امْرَأتُهُ فَتَبَنَّتْكَ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ؛ أي ولِتُرَبَّى وتغذى بمرأى أراكَ على ما أريدُ بك من الرفاهيَةِ في غذائِكَ. وقال قتادةُ :(مَعْنَاهُ : لِتُغَذى عَلَى مَحَبَّتِي). وأرادَ في قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ﴾ ؛ وذلكَ أن موسى جَعَلَ يبكي ويطلبُ اللَّبَنَ، فأمَرَ فرعونُ حتى أتَى بالنَّساءِ اللَّواتِي حولَ فرعون ليُرضعْنَ موسى، فلم يَقْبَلْ ثَديَ واحدةٍ منهن، وكانت أُخْتُ موسى مُتَّبعَةً للتابوتِ ماشيةً خَلْفَهُ. فلما حُمل التابوتُ إلى فرعونَ، ذهبت هي معهُ، فقالت : هَلْ أدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ ؟ أي يرضعهُ ويضمُّه ويحصنهُ ؟ فقالوا : مَن هي ؟ قالت : امرأةٌ قد قُتِلَ ولدُها، وهي تحبُّ أن تجدَ صبيّاً ترضعهُ.

طه 20:37

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسَى﴾ ؛ أي أُوتِيْتَ ما سألتَ يا موسى، وأوتيتَ مُرادَكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ ؛ أي أنعَمْنا عليكَ كَرَّةً أُخرى قبلَ هذه المرَّة. ثم بَيَّنَ تلك النعمة، فقالَ تعالى :﴿إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّكَ﴾ ؛ أي ألْهَمْنَاهَا حين عَنَتْ بأمرِكَ، وما كان فيه سببُ نَجاتِكَ من القتلِ، ﴿مَا يُوحَى﴾ ؛ أي ما يُلْهَمُ، ثم فسَّرَ ذلك الإلْهَامَ فقال :﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ وكان السببُ في ذلك أن فرعونَ كان يقتلُ غِلْمَانَ بنِي إسرائيلَ على ما تقدَّم ذكرهُ، ثُم خَشِيَ أن يَفْنَى نسلُ بني إسرائيلَ، فكان يقتلُ بعد ذلك في سنةٍ ولا يقتلُ في سنةٍ، فوُلِدَ موسى في السَّنة التي يقتلُ فيها الغلمانَ، فنجَّاهُ الله من القتلِ بأن ألْهَمَ أُمَّهُ أن جعلته في التابوتِ، وأُطْرِحَ التابوت في اليَمِّ وهو البحرُ، وأرادَ به النِّيْلَ ومعنى قوله تعالى :﴿أَنِ اقْذِفِيهِ﴾ أي اجعليه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ ؛ لفظهُ لفظ الأمر وهو خبرُ (بتقدير) حتى يلقيه اليَمُّ بالسَّاحل. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾ ؛ وأرادَ به فرعون. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ ؛ وذلك أن أُمَّ موسى لَمَّا اتخذت لِموسى تابوتاً جعلت فيه قُطْناً مَحْلُوجاً، ووضعت فيه موسَى وألقتْهُ في النِّيلِ، وكان يشرعُ منه نَهر كبيرٌ في دار فرعون، فبينما هو جالسٌ على رأسِ البرْكَةِ مع امرأتهِ آسْيَةُ، إذا بالتابوتِ يَجِيْءُ بالماء. فلما رأى ذلك أمَرَ الجوارِي والغلمان بإخراجهِ فأخرجوهُ، فإذا هو صبيٌّ من أحسنِ الناس وَجْهاً، فلما رآهُ فرعون أحَبَّهُ بحيثُ لَم يتمالك، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ قال عطية العوفي :(وَجَعَلَ عَلَيهِ مِسْحَةً مِنْ جَمَالٍ فَأَحَبَّهُ كُلُّ مَن رآهُ). وقال عطاءٌ عن ابنِ عبَّاس :(مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ أيْ لاَ يَلْقَاكَ أحَدٌ إلاَّ أحَبَّكَ مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ)، وقال عكرمةُ :(ألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً ومَلاَحَةً وَحُسْناً)، فحين أبصرَتْ آسية وجهَهُ قالت لفرعون : قُرَّةَ عَيْنٍ لِي ولكَ. وقال أبو عبيدةُ :(مَعْنَاهُ : جَعَلْتُ لَكَ مَحَبَّةً عِنْدِي وَعِنْدَ غَيْرِي، أحَبَّكَ فِرْعَوْنُ، فَسَلِمْتَ مِنْ شَرِّهِ، وَأحَبَّتْكَ امْرَأتُهُ فَتَبَنَّتْكَ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ؛ أي ولِتُرَبَّى وتغذى بمرأى أراكَ على ما أريدُ بك من الرفاهيَةِ في غذائِكَ. وقال قتادةُ :(مَعْنَاهُ : لِتُغَذى عَلَى مَحَبَّتِي). وأرادَ في قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ﴾ ؛ وذلكَ أن موسى جَعَلَ يبكي ويطلبُ اللَّبَنَ، فأمَرَ فرعونُ حتى أتَى بالنَّساءِ اللَّواتِي حولَ فرعون ليُرضعْنَ موسى، فلم يَقْبَلْ ثَديَ واحدةٍ منهن، وكانت أُخْتُ موسى مُتَّبعَةً للتابوتِ ماشيةً خَلْفَهُ. فلما حُمل التابوتُ إلى فرعونَ، ذهبت هي معهُ، فقالت : هَلْ أدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ ؟ أي يرضعهُ ويضمُّه ويحصنهُ ؟ فقالوا : مَن هي ؟ قالت : امرأةٌ قد قُتِلَ ولدُها، وهي تحبُّ أن تجدَ صبيّاً ترضعهُ.

طه 20:38

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسَى﴾ ؛ أي أُوتِيْتَ ما سألتَ يا موسى، وأوتيتَ مُرادَكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ ؛ أي أنعَمْنا عليكَ كَرَّةً أُخرى قبلَ هذه المرَّة. ثم بَيَّنَ تلك النعمة، فقالَ تعالى :﴿إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّكَ﴾ ؛ أي ألْهَمْنَاهَا حين عَنَتْ بأمرِكَ، وما كان فيه سببُ نَجاتِكَ من القتلِ، ﴿مَا يُوحَى﴾ ؛ أي ما يُلْهَمُ، ثم فسَّرَ ذلك الإلْهَامَ فقال :﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ وكان السببُ في ذلك أن فرعونَ كان يقتلُ غِلْمَانَ بنِي إسرائيلَ على ما تقدَّم ذكرهُ، ثُم خَشِيَ أن يَفْنَى نسلُ بني إسرائيلَ، فكان يقتلُ بعد ذلك في سنةٍ ولا يقتلُ في سنةٍ، فوُلِدَ موسى في السَّنة التي يقتلُ فيها الغلمانَ، فنجَّاهُ الله من القتلِ بأن ألْهَمَ أُمَّهُ أن جعلته في التابوتِ، وأُطْرِحَ التابوت في اليَمِّ وهو البحرُ، وأرادَ به النِّيْلَ ومعنى قوله تعالى :﴿أَنِ اقْذِفِيهِ﴾ أي اجعليه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ ؛ لفظهُ لفظ الأمر وهو خبرُ (بتقدير) حتى يلقيه اليَمُّ بالسَّاحل. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾ ؛ وأرادَ به فرعون. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ ؛ وذلك أن أُمَّ موسى لَمَّا اتخذت لِموسى تابوتاً جعلت فيه قُطْناً مَحْلُوجاً، ووضعت فيه موسَى وألقتْهُ في النِّيلِ، وكان يشرعُ منه نَهر كبيرٌ في دار فرعون، فبينما هو جالسٌ على رأسِ البرْكَةِ مع امرأتهِ آسْيَةُ، إذا بالتابوتِ يَجِيْءُ بالماء. فلما رأى ذلك أمَرَ الجوارِي والغلمان بإخراجهِ فأخرجوهُ، فإذا هو صبيٌّ من أحسنِ الناس وَجْهاً، فلما رآهُ فرعون أحَبَّهُ بحيثُ لَم يتمالك، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ قال عطية العوفي :(وَجَعَلَ عَلَيهِ مِسْحَةً مِنْ جَمَالٍ فَأَحَبَّهُ كُلُّ مَن رآهُ). وقال عطاءٌ عن ابنِ عبَّاس :(مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ أيْ لاَ يَلْقَاكَ أحَدٌ إلاَّ أحَبَّكَ مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ)، وقال عكرمةُ :(ألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً ومَلاَحَةً وَحُسْناً)، فحين أبصرَتْ آسية وجهَهُ قالت لفرعون : قُرَّةَ عَيْنٍ لِي ولكَ. وقال أبو عبيدةُ :(مَعْنَاهُ : جَعَلْتُ لَكَ مَحَبَّةً عِنْدِي وَعِنْدَ غَيْرِي، أحَبَّكَ فِرْعَوْنُ، فَسَلِمْتَ مِنْ شَرِّهِ، وَأحَبَّتْكَ امْرَأتُهُ فَتَبَنَّتْكَ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ؛ أي ولِتُرَبَّى وتغذى بمرأى أراكَ على ما أريدُ بك من الرفاهيَةِ في غذائِكَ. وقال قتادةُ :(مَعْنَاهُ : لِتُغَذى عَلَى مَحَبَّتِي). وأرادَ في قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ﴾ ؛ وذلكَ أن موسى جَعَلَ يبكي ويطلبُ اللَّبَنَ، فأمَرَ فرعونُ حتى أتَى بالنَّساءِ اللَّواتِي حولَ فرعون ليُرضعْنَ موسى، فلم يَقْبَلْ ثَديَ واحدةٍ منهن، وكانت أُخْتُ موسى مُتَّبعَةً للتابوتِ ماشيةً خَلْفَهُ. فلما حُمل التابوتُ إلى فرعونَ، ذهبت هي معهُ، فقالت : هَلْ أدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ ؟ أي يرضعهُ ويضمُّه ويحصنهُ ؟ فقالوا : مَن هي ؟ قالت : امرأةٌ قد قُتِلَ ولدُها، وهي تحبُّ أن تجدَ صبيّاً ترضعهُ.

طه 20:39

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسَى﴾ ؛ أي أُوتِيْتَ ما سألتَ يا موسى، وأوتيتَ مُرادَكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ ؛ أي أنعَمْنا عليكَ كَرَّةً أُخرى قبلَ هذه المرَّة. ثم بَيَّنَ تلك النعمة، فقالَ تعالى :﴿إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّكَ﴾ ؛ أي ألْهَمْنَاهَا حين عَنَتْ بأمرِكَ، وما كان فيه سببُ نَجاتِكَ من القتلِ، ﴿مَا يُوحَى﴾ ؛ أي ما يُلْهَمُ، ثم فسَّرَ ذلك الإلْهَامَ فقال :﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ وكان السببُ في ذلك أن فرعونَ كان يقتلُ غِلْمَانَ بنِي إسرائيلَ على ما تقدَّم ذكرهُ، ثُم خَشِيَ أن يَفْنَى نسلُ بني إسرائيلَ، فكان يقتلُ بعد ذلك في سنةٍ ولا يقتلُ في سنةٍ، فوُلِدَ موسى في السَّنة التي يقتلُ فيها الغلمانَ، فنجَّاهُ الله من القتلِ بأن ألْهَمَ أُمَّهُ أن جعلته في التابوتِ، وأُطْرِحَ التابوت في اليَمِّ وهو البحرُ، وأرادَ به النِّيْلَ ومعنى قوله تعالى :﴿أَنِ اقْذِفِيهِ﴾ أي اجعليه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ ؛ لفظهُ لفظ الأمر وهو خبرُ (بتقدير) حتى يلقيه اليَمُّ بالسَّاحل. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾ ؛ وأرادَ به فرعون. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ ؛ وذلك أن أُمَّ موسى لَمَّا اتخذت لِموسى تابوتاً جعلت فيه قُطْناً مَحْلُوجاً، ووضعت فيه موسَى وألقتْهُ في النِّيلِ، وكان يشرعُ منه نَهر كبيرٌ في دار فرعون، فبينما هو جالسٌ على رأسِ البرْكَةِ مع امرأتهِ آسْيَةُ، إذا بالتابوتِ يَجِيْءُ بالماء. فلما رأى ذلك أمَرَ الجوارِي والغلمان بإخراجهِ فأخرجوهُ، فإذا هو صبيٌّ من أحسنِ الناس وَجْهاً، فلما رآهُ فرعون أحَبَّهُ بحيثُ لَم يتمالك، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ قال عطية العوفي :(وَجَعَلَ عَلَيهِ مِسْحَةً مِنْ جَمَالٍ فَأَحَبَّهُ كُلُّ مَن رآهُ). وقال عطاءٌ عن ابنِ عبَّاس :(مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ أيْ لاَ يَلْقَاكَ أحَدٌ إلاَّ أحَبَّكَ مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ)، وقال عكرمةُ :(ألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً ومَلاَحَةً وَحُسْناً)، فحين أبصرَتْ آسية وجهَهُ قالت لفرعون : قُرَّةَ عَيْنٍ لِي ولكَ. وقال أبو عبيدةُ :(مَعْنَاهُ : جَعَلْتُ لَكَ مَحَبَّةً عِنْدِي وَعِنْدَ غَيْرِي، أحَبَّكَ فِرْعَوْنُ، فَسَلِمْتَ مِنْ شَرِّهِ، وَأحَبَّتْكَ امْرَأتُهُ فَتَبَنَّتْكَ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ؛ أي ولِتُرَبَّى وتغذى بمرأى أراكَ على ما أريدُ بك من الرفاهيَةِ في غذائِكَ. وقال قتادةُ :(مَعْنَاهُ : لِتُغَذى عَلَى مَحَبَّتِي). وأرادَ في قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ﴾ ؛ وذلكَ أن موسى جَعَلَ يبكي ويطلبُ اللَّبَنَ، فأمَرَ فرعونُ حتى أتَى بالنَّساءِ اللَّواتِي حولَ فرعون ليُرضعْنَ موسى، فلم يَقْبَلْ ثَديَ واحدةٍ منهن، وكانت أُخْتُ موسى مُتَّبعَةً للتابوتِ ماشيةً خَلْفَهُ. فلما حُمل التابوتُ إلى فرعونَ، ذهبت هي معهُ، فقالت : هَلْ أدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ ؟ أي يرضعهُ ويضمُّه ويحصنهُ ؟ فقالوا : مَن هي ؟ قالت : امرأةٌ قد قُتِلَ ولدُها، وهي تحبُّ أن تجدَ صبيّاً ترضعهُ.

طه 20:40

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسَى﴾ ؛ أي أُوتِيْتَ ما سألتَ يا موسى، وأوتيتَ مُرادَكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ ؛ أي أنعَمْنا عليكَ كَرَّةً أُخرى قبلَ هذه المرَّة. ثم بَيَّنَ تلك النعمة، فقالَ تعالى :﴿إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّكَ﴾ ؛ أي ألْهَمْنَاهَا حين عَنَتْ بأمرِكَ، وما كان فيه سببُ نَجاتِكَ من القتلِ، ﴿مَا يُوحَى﴾ ؛ أي ما يُلْهَمُ، ثم فسَّرَ ذلك الإلْهَامَ فقال :﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ وكان السببُ في ذلك أن فرعونَ كان يقتلُ غِلْمَانَ بنِي إسرائيلَ على ما تقدَّم ذكرهُ، ثُم خَشِيَ أن يَفْنَى نسلُ بني إسرائيلَ، فكان يقتلُ بعد ذلك في سنةٍ ولا يقتلُ في سنةٍ، فوُلِدَ موسى في السَّنة التي يقتلُ فيها الغلمانَ، فنجَّاهُ الله من القتلِ بأن ألْهَمَ أُمَّهُ أن جعلته في التابوتِ، وأُطْرِحَ التابوت في اليَمِّ وهو البحرُ، وأرادَ به النِّيْلَ ومعنى قوله تعالى :﴿أَنِ اقْذِفِيهِ﴾ أي اجعليه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ ؛ لفظهُ لفظ الأمر وهو خبرُ (بتقدير) حتى يلقيه اليَمُّ بالسَّاحل. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾ ؛ وأرادَ به فرعون. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ ؛ وذلك أن أُمَّ موسى لَمَّا اتخذت لِموسى تابوتاً جعلت فيه قُطْناً مَحْلُوجاً، ووضعت فيه موسَى وألقتْهُ في النِّيلِ، وكان يشرعُ منه نَهر كبيرٌ في دار فرعون، فبينما هو جالسٌ على رأسِ البرْكَةِ مع امرأتهِ آسْيَةُ، إذا بالتابوتِ يَجِيْءُ بالماء. فلما رأى ذلك أمَرَ الجوارِي والغلمان بإخراجهِ فأخرجوهُ، فإذا هو صبيٌّ من أحسنِ الناس وَجْهاً، فلما رآهُ فرعون أحَبَّهُ بحيثُ لَم يتمالك، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ قال عطية العوفي :(وَجَعَلَ عَلَيهِ مِسْحَةً مِنْ جَمَالٍ فَأَحَبَّهُ كُلُّ مَن رآهُ). وقال عطاءٌ عن ابنِ عبَّاس :(مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ أيْ لاَ يَلْقَاكَ أحَدٌ إلاَّ أحَبَّكَ مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ)، وقال عكرمةُ :(ألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً ومَلاَحَةً وَحُسْناً)، فحين أبصرَتْ آسية وجهَهُ قالت لفرعون : قُرَّةَ عَيْنٍ لِي ولكَ. وقال أبو عبيدةُ :(مَعْنَاهُ : جَعَلْتُ لَكَ مَحَبَّةً عِنْدِي وَعِنْدَ غَيْرِي، أحَبَّكَ فِرْعَوْنُ، فَسَلِمْتَ مِنْ شَرِّهِ، وَأحَبَّتْكَ امْرَأتُهُ فَتَبَنَّتْكَ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ؛ أي ولِتُرَبَّى وتغذى بمرأى أراكَ على ما أريدُ بك من الرفاهيَةِ في غذائِكَ. وقال قتادةُ :(مَعْنَاهُ : لِتُغَذى عَلَى مَحَبَّتِي). وأرادَ في قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ﴾ ؛ وذلكَ أن موسى جَعَلَ يبكي ويطلبُ اللَّبَنَ، فأمَرَ فرعونُ حتى أتَى بالنَّساءِ اللَّواتِي حولَ فرعون ليُرضعْنَ موسى، فلم يَقْبَلْ ثَديَ واحدةٍ منهن، وكانت أُخْتُ موسى مُتَّبعَةً للتابوتِ ماشيةً خَلْفَهُ. فلما حُمل التابوتُ إلى فرعونَ، ذهبت هي معهُ، فقالت : هَلْ أدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ ؟ أي يرضعهُ ويضمُّه ويحصنهُ ؟ فقالوا : مَن هي ؟ قالت : امرأةٌ قد قُتِلَ ولدُها، وهي تحبُّ أن تجدَ صبيّاً ترضعهُ.

طه 20:41

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ ؛ أي اخْتَصَصْتُكَ لوحيي ورسالَتِي، والاصطناعُ هو الإخلاصُ بالألطافِ. وقال الزجَّاج معناه :(اخْتَرْتُكَ لإقَامَةِ حُجَّتِي، وَجَعَلْتُكَ بَيْنِي وَبَيْنَ خَلْقِي).

طه 20:42

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي﴾ ؛ أي باليدِ والعصا، ﴿وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ ؛ اي لا تُقَتِّرَا في تبليغِ رسالَتِي إلى فرعونَ، ولا تضْعُفَا عن ذِكري، وَقِيْلَ : لا تُقَصِّرا ولا تُبْطِئَا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ ؛ قد تقدَّم تفسيرهُ.

طه 20:43

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي﴾ ؛ أي باليدِ والعصا، ﴿وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ ؛ اي لا تُقَتِّرَا في تبليغِ رسالَتِي إلى فرعونَ، ولا تضْعُفَا عن ذِكري، وَقِيْلَ : لا تُقَصِّرا ولا تُبْطِئَا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ ؛ قد تقدَّم تفسيرهُ.

طه 20:44

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً﴾ ؛ أي قولاَ لهُ بالشَّفَقة، ولا تقولاَ له قولاً عَنِيفاً، فيزدادَ غَيْضاً بغِلَظِ القولِ. قال السديُّ وعكرمةُ :(كَنِّيَاهُ قُولاَ لَهُ : يَا أبَا الْعَبَّاسِ) وَقِيْلَ : يا أبَا الوليدِ، ويا أيُّها الملكُ. وَقِيْلَ : يعني بالقولِ اللَّينِ :﴿هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾[النازعات: ١٨-١٩]. وعن السديِّ قال :(الْقَوْلُ اللَّيِّنُ : أنَّ موسَى أتَاهُ فَقَالَ لَهُ : تُؤِمِنُ بمَا جِئْتُ بهِ، وَتَعْبُدُ رَبَّ الْعَالَمِيْنَ عَلَى أنَّ لَكَ شَبَابَكَ فَلاَ تَهْرَمُ، وَأنَّ لَكَ مُلْكَكَ لاَ تُنْزَعُ حَتَّى تَمُوتَ، وَلاَ تُنْزَعُ عَنْكَ لَذةُ الطَّعَامِ وَالشَّرَاب وَالْجِمَاعِ حَتَّى تَمُوتَ، فَإذا مِتَّ دَخَلْتَ الْجَنَّةَ. فَأَعْجَبَهُ ذلِكَ، وَكَانَ لاَ يَقْطَعُ أمْراً دُونَ هَامَانَ، وَكَانَ هَامَانُ غَائِباً، فَقَالَ فِرْعَونُ : إنَّ لِي ذا أمْرٍ غَائِبٍ، فَاصْبرْ حَتَّى يَقْدُمَ. فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ إنَّ مُوسَى دَعَانِي إلَى أمْرٍ فَأَعْجَبَنِي - وَأخْبَرَهُ بالَّذِي دَعَاهُ إلَيْهِ - وَأرَدْتُ أنْ أقْبَلَ مِنْهُ. فَقَالَ هَامَانُ : قَدْ كُنْتُ أرَى أنَّ لَكَ عَقْلاً، بَيْنَمَا أنْتَ رَبٌّ فَتُرِيْدُ أنْ تَكُونَ مَرْبُوباً، وَأنْتَ تُعْبَدُ فَتُرِيْدُ أنْ تَعْبُدَ؟. فَغَلَبَهُ عَلَى رَأيهِ فَأَبَى. رُويَ أنَّ رَجُلاً قَرَأ فِي مَجْلِسِ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ :﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً﴾ فَبَكَى يَحْيَى ابْنُ مُعَاذٍ وَقَالَ :(إلَهِي، هَذا رفْقُكَ بمَنْ يَقُولُ أنَا إلَهٌ، فَكَيْفَ رفْقُكَ بمَنْ يَقُولُ أنْتَ إلَهِي، إنَّ قَوْلَ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ يَهْدِمُ كُفْرَ خَمْسِيْنَ سَنَةٍ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ؛ أي يَتَّعِظُ أو يخشى العاقبةَ، وكلمة (لَعَلَّ) للترجِّي والطمعِ ؛ أي اذهبَا على رجائِكُما وطمَعِكُما وأنا عالِمٌ بما يفعلُ، فإن قيلَ : كيفَ قال ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ وعلمهُ سابقٌ في فرعونَ أنه لا يؤمنُ، ولا يتذكر ولا يخشَى ؟ قِيْلَ : هذا مصروفٌ إلى غيرِ فرعون، تقديرهُ : لِكَي يتذكرُ متذكرٌ ويخشَى خَاشٍ إذا رأى بَرِئ، وألطَافِي بمن خلقتهُ ورزقتُهُ وصحَّحتُ جِسمَهُ وأنعمتُ عليه، ثم ادَّعى الربوبيةَ دونِي. قال بعضُ العارفين في قولهِ تعالى :﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً﴾ :(إذا كَانَ هَذا رفْقُكَ بمَنْ ينافيكَ، فكيفَ رفقُكَ بمن يصافيكَ ؟ هذا رفقُكَ بمن يعاديكَ، فكيف رفقُكَ بمن يواليكَ ؟ هذا رفقُكَ بمن يسبُّكَ، فكيفَ رفقُكَ بمن يحبُّكَ ؟ هذا رفقُكَ بمن يقولُ نداً فكيفَ بمن يقول فرداً ؟ هذا رفقُكَ بمن ضَلَّ، فكيفَ رفقُكَ بمن زلَّ ؟ هذا رفقُكَ بمن اقترفَ، فكيفَ رفقُكَ بمن اعترفَ ؟ هذا رفقُكَ بمن أصرَّ، فكيف رفقُكَ بمن أقرَّ ؟ هذا رفقُكَ بمن استكبرَ، فكيف رفقكَ بمن استغفرَ؟). وعن وهب بن منبه قال :(أوحى اللهُ إلى موسى : انطلِقُ إلى فرعونَ برسالتِي، فمعكَ نَظَرِي وأنتَ جندٌ عظيم من جُنودِي، بعثتُكَ إلى خلقٍ ضعيف قد عزَّته الدنيا حتى كفرَ وأقسَم بعزي لولا اتخاذُ الحجَّة عليه والعذرَ إليه لبطشتُ به بطشةَ جبارٍ يغضبُ لغضبهِ السَّموات والأرض، فإن أذنَ للسَّماء صَعَقَتْهُ، وللأرضِ ابتلعتْهُ، وللجبال دمَّرتهُ، وللبحار أغرقته، ولكنهُ وسعَهُ حِلْمي، فبلِّغْهُ رسالَتي وقل له فيما بين ذلك قولاً ليناً لا يغرُّ بك فألبسه من لباسِ الدُّنيا، فأحِبْ ربك الذي هو واسعُ المغفرة، أنه قد أمهلَكَ منذُ خمسمائة سنة لَم تَهرمْ ولَم تسقمْ وَلم تفتَقِرْ، واعلم أنَّ أفضلَ ما تزينَ به العبادُ الزهدَ في الدنيا، ومن أهانَ ولِيّاً فقد بارَزَنِي بالْمُحاربةِ).

طه 20:45

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَى﴾ ؛ معناه : قال موسى وهارونُ : رَبَّنَا إنَّنَا نَخَافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا، قال ابنُ عبَّاس :(يُعَجِّلُ وَالْعُقُوبَةِ)، وَقِيْلَ : تغليب أو أن يطغَى بتكبُّرٍ ويستعصِي علينا، ويقالُ : فرَّطَ علينا فلانٌ إذا أعجلَ بمكروهٍ، وفرَّطَ منه أمري بدر وسبق.

طه 20:46

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ﴾ ؛ أي معَكُما بالبصيرةِ والعون، ﴿أَسْمَعُ﴾ ؛ ما يَرُدُّ عليكُما، ﴿وَأَرَى﴾ ؛ ما يصنعهُ بكما، وَقِيْلَ : معناهُ : أسْمَعُ دعاءَكما فأجيبهُ، وأرى ما يريدُ بكما فأمنعهُ، ولستُ بغافلٍ عنكُما، فلا تَهتمَّا، ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ﴾ ؛ أرسلنا إليكَ، ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ ؛ أي أطلِقْهُم من اعتقالِكَ، ولا تُتْعِبْهُمْ بالأعمالِ الشَّاقة، ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾ ؛ أي بعلامةٍ من ربك وهي اليدُ والعصا، وهما أوَّلُ آية، وَقِيْلَ : اليدُ خاصَّة. وكان فرعونُ قد أتعبَ بنِي إسرائيلَ بالأعمالِ الشَّاقة، مثلَ اللَّبن والطينِ والبناء، وما لا يقدرونَ عليه. فلمَّا قال موسى : قَدْ جِئْنَاكَ بآيَةٍ مِنْ رَبكَ، قال : ما هيَ ؟ فأدخلَ يدَهُ في جيب قميصه ثُم أخرجَها، فإذا هي بيضاءُ لَها شعاعٌ غَلَبَ نورَ الشمسِ، ولَم يُرِهِ العصا إلاّ بعدَ ذلك يوم الزِّينة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ ؛ ليس هو بتحيَّةٍ لفرعون ولكن معناهُ : أن مَن اتَّبَعَ الْهُدى سَلِمَ من عذاب الله بدليلِ أنه عَقَّبَهُ بقولهِ تعالى :﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ ؛ أي إنَّما يُعَذِّبُ اللهُ مَن كذبَ بما جئنا به وأعرضَ عنه، فأمَّا مَن اتَّبَعَهُ فإنه يَسْلَمُ.

طه 20:47

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ﴾ ؛ أي معَكُما بالبصيرةِ والعون، ﴿أَسْمَعُ﴾ ؛ ما يَرُدُّ عليكُما، ﴿وَأَرَى﴾ ؛ ما يصنعهُ بكما، وَقِيْلَ : معناهُ : أسْمَعُ دعاءَكما فأجيبهُ، وأرى ما يريدُ بكما فأمنعهُ، ولستُ بغافلٍ عنكُما، فلا تَهتمَّا، ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ﴾ ؛ أرسلنا إليكَ، ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ ؛ أي أطلِقْهُم من اعتقالِكَ، ولا تُتْعِبْهُمْ بالأعمالِ الشَّاقة، ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾ ؛ أي بعلامةٍ من ربك وهي اليدُ والعصا، وهما أوَّلُ آية، وَقِيْلَ : اليدُ خاصَّة. وكان فرعونُ قد أتعبَ بنِي إسرائيلَ بالأعمالِ الشَّاقة، مثلَ اللَّبن والطينِ والبناء، وما لا يقدرونَ عليه. فلمَّا قال موسى : قَدْ جِئْنَاكَ بآيَةٍ مِنْ رَبكَ، قال : ما هيَ ؟ فأدخلَ يدَهُ في جيب قميصه ثُم أخرجَها، فإذا هي بيضاءُ لَها شعاعٌ غَلَبَ نورَ الشمسِ، ولَم يُرِهِ العصا إلاّ بعدَ ذلك يوم الزِّينة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ ؛ ليس هو بتحيَّةٍ لفرعون ولكن معناهُ : أن مَن اتَّبَعَ الْهُدى سَلِمَ من عذاب الله بدليلِ أنه عَقَّبَهُ بقولهِ تعالى :﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ ؛ أي إنَّما يُعَذِّبُ اللهُ مَن كذبَ بما جئنا به وأعرضَ عنه، فأمَّا مَن اتَّبَعَهُ فإنه يَسْلَمُ.

طه 20:48

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ﴾ ؛ أي معَكُما بالبصيرةِ والعون، ﴿أَسْمَعُ﴾ ؛ ما يَرُدُّ عليكُما، ﴿وَأَرَى﴾ ؛ ما يصنعهُ بكما، وَقِيْلَ : معناهُ : أسْمَعُ دعاءَكما فأجيبهُ، وأرى ما يريدُ بكما فأمنعهُ، ولستُ بغافلٍ عنكُما، فلا تَهتمَّا، ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ﴾ ؛ أرسلنا إليكَ، ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ ؛ أي أطلِقْهُم من اعتقالِكَ، ولا تُتْعِبْهُمْ بالأعمالِ الشَّاقة، ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾ ؛ أي بعلامةٍ من ربك وهي اليدُ والعصا، وهما أوَّلُ آية، وَقِيْلَ : اليدُ خاصَّة. وكان فرعونُ قد أتعبَ بنِي إسرائيلَ بالأعمالِ الشَّاقة، مثلَ اللَّبن والطينِ والبناء، وما لا يقدرونَ عليه. فلمَّا قال موسى : قَدْ جِئْنَاكَ بآيَةٍ مِنْ رَبكَ، قال : ما هيَ ؟ فأدخلَ يدَهُ في جيب قميصه ثُم أخرجَها، فإذا هي بيضاءُ لَها شعاعٌ غَلَبَ نورَ الشمسِ، ولَم يُرِهِ العصا إلاّ بعدَ ذلك يوم الزِّينة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ ؛ ليس هو بتحيَّةٍ لفرعون ولكن معناهُ : أن مَن اتَّبَعَ الْهُدى سَلِمَ من عذاب الله بدليلِ أنه عَقَّبَهُ بقولهِ تعالى :﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ ؛ أي إنَّما يُعَذِّبُ اللهُ مَن كذبَ بما جئنا به وأعرضَ عنه، فأمَّا مَن اتَّبَعَهُ فإنه يَسْلَمُ.

طه 20:49

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يامُوسَى﴾ ؛ أي من إلَهُكما الذي أرسلَكُما، ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ﴾ ؛ أي ربُّنا الذي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ على الْهَيْأَةِ التي ينتفعُ بها، فأعطاهُ صحَّته وسلامتَهُ وَركَّبَ فيه شهوتَهُ، ثم هَدَاهُ لمعيشتهِ. وَقِيْلَ : معناهُ : الذي صَوَّرَ كُلَّ جنسٍ من الحيوان على صورةٍ أُخرى، فلم يجعل خَلْقَ الإنسانِ كخلق البهائمِ، ولا خَلْقَ البهائمِ كخلق الإنسانِ، ولكن خَلَقَ كلَّ شيء فقَدَّرَهُ تقديراً. وقال الضحَّاك :(أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقْهُ ؛ يَعْنِي لِلْيَدِ الْبَطْشَ، ولِلرِّجْلِ الْمَشْيَ، وَلِلِّسَانِ النُّطْقَ، وَلِلْعَيْنِ النَّظَرَ، وَلِلأُذُنِ السَّمْعَ). وقال سعيدُ بن جبير :(أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ شَكْلَهُ لِلإنْسَانِ زَوْجَةً، وَلِلْبَعِيْرِ نَاقَةً، وَلِلْفَرَسِ رَمَكَةً، وَلِلْحِمَارِ أتَاناً، وَلِلثَّوْر بَقَرَةً، ﴿ثُمَّ هَدَى﴾ ؛ أي ألْهمَ وعَرَّفَ كيف يأتِي الذكرُ الأنثى في النِّكاحِ).

طه 20:50

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يامُوسَى﴾ ؛ أي من إلَهُكما الذي أرسلَكُما، ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ﴾ ؛ أي ربُّنا الذي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ على الْهَيْأَةِ التي ينتفعُ بها، فأعطاهُ صحَّته وسلامتَهُ وَركَّبَ فيه شهوتَهُ، ثم هَدَاهُ لمعيشتهِ. وَقِيْلَ : معناهُ : الذي صَوَّرَ كُلَّ جنسٍ من الحيوان على صورةٍ أُخرى، فلم يجعل خَلْقَ الإنسانِ كخلق البهائمِ، ولا خَلْقَ البهائمِ كخلق الإنسانِ، ولكن خَلَقَ كلَّ شيء فقَدَّرَهُ تقديراً. وقال الضحَّاك :(أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقْهُ ؛ يَعْنِي لِلْيَدِ الْبَطْشَ، ولِلرِّجْلِ الْمَشْيَ، وَلِلِّسَانِ النُّطْقَ، وَلِلْعَيْنِ النَّظَرَ، وَلِلأُذُنِ السَّمْعَ). وقال سعيدُ بن جبير :(أعْطَى كُلَّ شَيْءٍ شَكْلَهُ لِلإنْسَانِ زَوْجَةً، وَلِلْبَعِيْرِ نَاقَةً، وَلِلْفَرَسِ رَمَكَةً، وَلِلْحِمَارِ أتَاناً، وَلِلثَّوْر بَقَرَةً، ﴿ثُمَّ هَدَى﴾ ؛ أي ألْهمَ وعَرَّفَ كيف يأتِي الذكرُ الأنثى في النِّكاحِ).

طه 20:51

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ ؛ قال : ما حالُ، وما بيانُ الأُممِ الماضية، لَم يُبعثوا ولَم يُجازَوا على أفعالِهم، ومعنى البالُ : الشأنُ والحالُ. والمعنَى : مَا حَالُهَا، فإنَّها لَم تُقِرَّ بالله، ولكنَّها عبدَتِ الأوثانَ، ويعني بالقُرُونِ الأُولى، مِثْلَ قوم نُوحٍ وعاد وثَمودِ، ﴿قَالَ﴾ موسى :﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ ؛ وإذا عَلِمَ لا بدَّ أن يُجازي. وَقِيْلَ : معناهُ : عِلْمُ أعمالِها عند ربي في كتاب الله، أراد به اللَّوحَ الْمَحفُوظَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ ؛ أي لا يذهبُ عليه شيءٌ، ولا يخطئُ ولا ينسى ما كان من أمرِهم حتى يُجازِيهم عليه، وَقِيْلَ : لا يغفلُ ربي ولا يتركُ شيئاً، ولا يغيبُ عنه شيءٌ، وفي هذا دليلٌ أنَّ الله تعالى لَم يكتُبْ أفعالَ العبادِ لحاجتهِ في معرفتها إلى الكتاب، ولكن لمعرفةِ الملائكة. ويقالُ : كان سؤالُ فرعون عن القرونِ الأُولى : هل بُعِثَ فيهم أنبياءُ كما بُعْثْتَ إلينا، فأحالَها على ما في المعلومِ من أمرها.

طه 20:52

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ ؛ قال : ما حالُ، وما بيانُ الأُممِ الماضية، لَم يُبعثوا ولَم يُجازَوا على أفعالِهم، ومعنى البالُ : الشأنُ والحالُ. والمعنَى : مَا حَالُهَا، فإنَّها لَم تُقِرَّ بالله، ولكنَّها عبدَتِ الأوثانَ، ويعني بالقُرُونِ الأُولى، مِثْلَ قوم نُوحٍ وعاد وثَمودِ، ﴿قَالَ﴾ موسى :﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ ؛ وإذا عَلِمَ لا بدَّ أن يُجازي. وَقِيْلَ : معناهُ : عِلْمُ أعمالِها عند ربي في كتاب الله، أراد به اللَّوحَ الْمَحفُوظَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ ؛ أي لا يذهبُ عليه شيءٌ، ولا يخطئُ ولا ينسى ما كان من أمرِهم حتى يُجازِيهم عليه، وَقِيْلَ : لا يغفلُ ربي ولا يتركُ شيئاً، ولا يغيبُ عنه شيءٌ، وفي هذا دليلٌ أنَّ الله تعالى لَم يكتُبْ أفعالَ العبادِ لحاجتهِ في معرفتها إلى الكتاب، ولكن لمعرفةِ الملائكة. ويقالُ : كان سؤالُ فرعون عن القرونِ الأُولى : هل بُعِثَ فيهم أنبياءُ كما بُعْثْتَ إلينا، فأحالَها على ما في المعلومِ من أمرها.

طه 20:53

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ ؛ وقرأ أهلُ الكوفةِ (مَهْداً) بغيرِ ألف ؛ أي فَرْشاً، والفراشُ : الْمِهَادُ لغةٌ فيه كالفُرُشِ والفِرَاشِ ؛ أي جعلَها مبسوطةً ليمكن القرارُ عليها، ولَم يجعلها حادَّةً كرؤوسِ الجبال. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ أي طُرُقاً تذهبون وتجيئُونَ فيها وتسلكونَها. قال ابنُ عبَّاس :(سَلَكَ أيْ سَهَّلَ لَكُمْ فِيْهَا طُرُقاً). ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً﴾ ؛ يعني المطرَ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى﴾ ؛ أي فأخرَجْنا بالمطرِ أصنافاً من نباتٍ مختلف الألوانِ.

طه 20:54

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كُلُواْ وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ ؛ أي كُلُوا من نباتِ الأرض، وارْعَوا أنعامَكم من عُشْبهَا، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى﴾ ؛ أي إنَّما ذكَرْتُ لكم لعلامةٍ دالَّة على البعثِ لذوي العقول من الناس، وإنَّما سُميت العقولُ (نُهَى) ؛ لأن أصحابَها ينتهون بها عن القبيحِ والمعاصي.

طه 20:55

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ ؛ أي من الأرضِ خلقنا أباكم آدمُ وكلُّكم من ذريَّته، ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ ؛ عند الموتِ والدفنِ، ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ ؛ للبعثِ، وقد جَرَى ذكرُ الأرضِ في قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً﴾[النبأ: ٦].

طه 20:56

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾ ؛ أي أرَيْنَا فرعونَ آياتنا السَّبع كلَّها فَكَذبَ وَأبَى، أي قال : ليست هذه مِن الله، وأبَى أن يُسْلِمَ ويقبلَ، ونسبَ موسى إلى السِّحر ؛ فـ ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا﴾ ؛ أي مصْرَ، ﴿بِسِحْرِكَ يامُوسَى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ﴾ ؛ أي مِثْلِ ما جِئْتَنَا به، ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً﴾ ؛ أي مِيْقَاتاً وأجَلاً في موضعٍ معلوم، ﴿لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ﴾ ؛ أي لا نجاوزهُ ولا يقع منا خَلْفٌ في حضورهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَكَاناً سُوًى﴾ ؛ أي مكاناً مُستوياً يُبَيِّنُ للناسِ ما بيننا، ويستوي حالُنا من الرِّضى به. وَقِيْلَ : تستوي مسافتهُ على الفريقينِ فتكونُ مسافةُ كلِّ فريقٍ إليه كمسافة الفريق الآخر. فواعدَهُ موسى يوماً مَعْلُوماً وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ أي يومُ العيدِ الذي لكم. قال سعيدُ بن جبير :(كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ)، قرأ الحسنُ :(يَوْمَ الزِّيْنَةِ) بنصب الميم ؛ أي فِي يوم. وقرأ الباقون بالرفعِ على الخبرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ ؛ أي ضُحى ذلك اليومِ، وأراد بالناسِ أهلَ مصر، ومعنى يُحشرون أي يجتمعون إلى العيدِ، وإنَّما جعلَ موسى موعدَهم نَهاراً في يومِ اجتماعهم ؛ ليكون أبلغَ في الحجَّة، وأبعدَ من الرِّيبة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَن يُحْشَرَ﴾ يحتمل أن يكون في موضعٍ رفعٍ على معنى موعدٍ كما حُشِرَ الناسُ وقتَ الضُّحى يوم الزينة، ويحتملُ أن يكون في موضعِ خَفْضٍ عَطْفاً على الزينةِ، المعنى يومُ الزينةِ، ويومُ حشرِ الناس في وقتِ الضَّحوة.

طه 20:57

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾ ؛ أي أرَيْنَا فرعونَ آياتنا السَّبع كلَّها فَكَذبَ وَأبَى، أي قال : ليست هذه مِن الله، وأبَى أن يُسْلِمَ ويقبلَ، ونسبَ موسى إلى السِّحر ؛ فـ ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا﴾ ؛ أي مصْرَ، ﴿بِسِحْرِكَ يامُوسَى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ﴾ ؛ أي مِثْلِ ما جِئْتَنَا به، ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً﴾ ؛ أي مِيْقَاتاً وأجَلاً في موضعٍ معلوم، ﴿لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ﴾ ؛ أي لا نجاوزهُ ولا يقع منا خَلْفٌ في حضورهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَكَاناً سُوًى﴾ ؛ أي مكاناً مُستوياً يُبَيِّنُ للناسِ ما بيننا، ويستوي حالُنا من الرِّضى به. وَقِيْلَ : تستوي مسافتهُ على الفريقينِ فتكونُ مسافةُ كلِّ فريقٍ إليه كمسافة الفريق الآخر. فواعدَهُ موسى يوماً مَعْلُوماً وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ أي يومُ العيدِ الذي لكم. قال سعيدُ بن جبير :(كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ)، قرأ الحسنُ :(يَوْمَ الزِّيْنَةِ) بنصب الميم ؛ أي فِي يوم. وقرأ الباقون بالرفعِ على الخبرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ ؛ أي ضُحى ذلك اليومِ، وأراد بالناسِ أهلَ مصر، ومعنى يُحشرون أي يجتمعون إلى العيدِ، وإنَّما جعلَ موسى موعدَهم نَهاراً في يومِ اجتماعهم ؛ ليكون أبلغَ في الحجَّة، وأبعدَ من الرِّيبة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَن يُحْشَرَ﴾ يحتمل أن يكون في موضعٍ رفعٍ على معنى موعدٍ كما حُشِرَ الناسُ وقتَ الضُّحى يوم الزينة، ويحتملُ أن يكون في موضعِ خَفْضٍ عَطْفاً على الزينةِ، المعنى يومُ الزينةِ، ويومُ حشرِ الناس في وقتِ الضَّحوة.

طه 20:58

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾ ؛ أي أرَيْنَا فرعونَ آياتنا السَّبع كلَّها فَكَذبَ وَأبَى، أي قال : ليست هذه مِن الله، وأبَى أن يُسْلِمَ ويقبلَ، ونسبَ موسى إلى السِّحر ؛ فـ ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا﴾ ؛ أي مصْرَ، ﴿بِسِحْرِكَ يامُوسَى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ﴾ ؛ أي مِثْلِ ما جِئْتَنَا به، ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً﴾ ؛ أي مِيْقَاتاً وأجَلاً في موضعٍ معلوم، ﴿لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ﴾ ؛ أي لا نجاوزهُ ولا يقع منا خَلْفٌ في حضورهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَكَاناً سُوًى﴾ ؛ أي مكاناً مُستوياً يُبَيِّنُ للناسِ ما بيننا، ويستوي حالُنا من الرِّضى به. وَقِيْلَ : تستوي مسافتهُ على الفريقينِ فتكونُ مسافةُ كلِّ فريقٍ إليه كمسافة الفريق الآخر. فواعدَهُ موسى يوماً مَعْلُوماً وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ أي يومُ العيدِ الذي لكم. قال سعيدُ بن جبير :(كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ)، قرأ الحسنُ :(يَوْمَ الزِّيْنَةِ) بنصب الميم ؛ أي فِي يوم. وقرأ الباقون بالرفعِ على الخبرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ ؛ أي ضُحى ذلك اليومِ، وأراد بالناسِ أهلَ مصر، ومعنى يُحشرون أي يجتمعون إلى العيدِ، وإنَّما جعلَ موسى موعدَهم نَهاراً في يومِ اجتماعهم ؛ ليكون أبلغَ في الحجَّة، وأبعدَ من الرِّيبة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَن يُحْشَرَ﴾ يحتمل أن يكون في موضعٍ رفعٍ على معنى موعدٍ كما حُشِرَ الناسُ وقتَ الضُّحى يوم الزينة، ويحتملُ أن يكون في موضعِ خَفْضٍ عَطْفاً على الزينةِ، المعنى يومُ الزينةِ، ويومُ حشرِ الناس في وقتِ الضَّحوة.

طه 20:59

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾ ؛ أي أرَيْنَا فرعونَ آياتنا السَّبع كلَّها فَكَذبَ وَأبَى، أي قال : ليست هذه مِن الله، وأبَى أن يُسْلِمَ ويقبلَ، ونسبَ موسى إلى السِّحر ؛ فـ ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا﴾ ؛ أي مصْرَ، ﴿بِسِحْرِكَ يامُوسَى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ﴾ ؛ أي مِثْلِ ما جِئْتَنَا به، ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً﴾ ؛ أي مِيْقَاتاً وأجَلاً في موضعٍ معلوم، ﴿لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ﴾ ؛ أي لا نجاوزهُ ولا يقع منا خَلْفٌ في حضورهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَكَاناً سُوًى﴾ ؛ أي مكاناً مُستوياً يُبَيِّنُ للناسِ ما بيننا، ويستوي حالُنا من الرِّضى به. وَقِيْلَ : تستوي مسافتهُ على الفريقينِ فتكونُ مسافةُ كلِّ فريقٍ إليه كمسافة الفريق الآخر. فواعدَهُ موسى يوماً مَعْلُوماً وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ أي يومُ العيدِ الذي لكم. قال سعيدُ بن جبير :(كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ)، قرأ الحسنُ :(يَوْمَ الزِّيْنَةِ) بنصب الميم ؛ أي فِي يوم. وقرأ الباقون بالرفعِ على الخبرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ ؛ أي ضُحى ذلك اليومِ، وأراد بالناسِ أهلَ مصر، ومعنى يُحشرون أي يجتمعون إلى العيدِ، وإنَّما جعلَ موسى موعدَهم نَهاراً في يومِ اجتماعهم ؛ ليكون أبلغَ في الحجَّة، وأبعدَ من الرِّيبة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَن يُحْشَرَ﴾ يحتمل أن يكون في موضعٍ رفعٍ على معنى موعدٍ كما حُشِرَ الناسُ وقتَ الضُّحى يوم الزينة، ويحتملُ أن يكون في موضعِ خَفْضٍ عَطْفاً على الزينةِ، المعنى يومُ الزينةِ، ويومُ حشرِ الناس في وقتِ الضَّحوة.

طه 20:60

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾ ؛ أي فأعرضَ فرعونُ عن الحقِّ والطاعة فجمع كَيْدَهُ ومَكْرَهُ، وذلك جمعهُ السَّحرةَ ثُم أتى الموعدَ، والمعنى :﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ أي سحرتَهُ، وَقِيْلَ : كانوا أربعمائةِ ساحرٍ ؛ و ﴿قَالَ لَهُمْ مُّوسَى﴾ ؛ للسحرة :﴿وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ ؛ أي لا تُشركوا مع اللهِ أحداً، ولا تَخْتَلِقُوا عليه كَذِباً بتكذيبي، ﴿فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾ ؛ أي فيُهْلِكَكُمْ ويستأصِلَكم بعذاب من عندهِ، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ ؛ أي وقد خابَ منِ اخْتَلَقَ على الله كَذباً. ومعنى قولهِ :﴿وَيْلَكُمْ﴾ أي أُلْزِمُكُمُ الوَيْلَ. قرأ أهلُ الكوفة :(فَيُسْحِتَكُمْ) بضمِّ التاء وكسرِ الحاء، يقالُ : سَحَتَهُ اللهُ وأسْحَتَهُ ؛ أي أهْلَكَهُ.

طه 20:61

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾ ؛ أي فأعرضَ فرعونُ عن الحقِّ والطاعة فجمع كَيْدَهُ ومَكْرَهُ، وذلك جمعهُ السَّحرةَ ثُم أتى الموعدَ، والمعنى :﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ أي سحرتَهُ، وَقِيْلَ : كانوا أربعمائةِ ساحرٍ ؛ و ﴿قَالَ لَهُمْ مُّوسَى﴾ ؛ للسحرة :﴿وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ ؛ أي لا تُشركوا مع اللهِ أحداً، ولا تَخْتَلِقُوا عليه كَذِباً بتكذيبي، ﴿فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾ ؛ أي فيُهْلِكَكُمْ ويستأصِلَكم بعذاب من عندهِ، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ ؛ أي وقد خابَ منِ اخْتَلَقَ على الله كَذباً. ومعنى قولهِ :﴿وَيْلَكُمْ﴾ أي أُلْزِمُكُمُ الوَيْلَ. قرأ أهلُ الكوفة :(فَيُسْحِتَكُمْ) بضمِّ التاء وكسرِ الحاء، يقالُ : سَحَتَهُ اللهُ وأسْحَتَهُ ؛ أي أهْلَكَهُ.

طه 20:62

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَتَنَازَعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى﴾ ؛ أي فتشاورتِ السحرةُ فيما بينهم من فرعون في أمرِ موسى، وأسرُّوا المناجاةَ، فقالوا : إن غَلَبَنَا موسى اتَّبَعْنَاهُ وآمَنَّا به فهذا نَجْوَاهُمْ.

طه 20:63

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ إِنْ هَـاذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ ؛ أي قال الملأُ من قومِ فرعون : إنَّ موسى وهارون لَسَاحرانِ، ﴿يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾ ؛ من أرضِ مصرَ، ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ ؛ أي بدِيْنِكُم الأمثلُ، وَقِيْلَ : معناه : ويَذْهَبَا بأهلِ طريقتكم. وأختلفَ القُرَّاء في قولهِ تعالى ﴿إِنْ هَـاذَانِ﴾، قرأ أبو عمرو (هَذيْنِ) على اللغة المعروفةِ وهي لغةُ أهلِ الحجاز، وقرأ نافعُ وابن عامر وحمزةُ والكسائي (هَذانِ) بالألفِ وهي لغَةُ كنانةَ وبني الحارثِ بن كعب وخَثْعَمَ وزيدٍ وقبائلَ من اليمنِ : يجعلون ألِفَ الاثنين في الرفعِ والنصب والخفضِ على لفظٍ واحد، يقولون : أتانِي الزَّيدان، ورأيتُ الزَّيدان، مَرَرْتُ بالزيدان. قال الفرَّاءُ :(أنْشَدَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي أسَدٍ، وَمَا رَأيْتُ أفْصَحَ مِنْهُ : فَأَطْرَق إطْرَاقَ الأُفْعُوَانِ وَلَوْ يَرَى مَسَاغاً لِنَابَاهُ الشُّجَاعُ لَصَمَّمَا)ويقولون : كَسَرْتُ يَدَاهُ وَرَكِبْتُ عُلاَهُ، يعني يديهِ وعليه، قال شاعرُهم : تَزَوَّدَ مِنَّا بَيْنَ أُذْنَاه ضَرْبَةً دَعَتْهُ إلَى هَابي التُّرَاب عَقِيْمُأراد بين أُذُنيهِ فقال آخرُ : أيُّ قُلُوصِ رَاكِبٍ تَرَاهَا طَارُوا عَلاَهُنَّ فَطِرْ عَلاَهَا أي عليهنَّ وعليها، وقال آخرُ : إنَّ أبَاهَا وَأبَا أبَاهَا قَدْ بَلَغَا فِي الْمَجْدِ غَايَتَاهَاوقال بعضُهم (إنْ) هنا بمعنى : نَعَمْ. رويَ أنَّ أعرابياً سألَ ابن الزُّبير شيئاً فَحَرَّمَهُ، فقال : لَعَنَ اللهُ نَاقَةً حَمَلَتْنِي إلَيْكَ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ :(إنْ وَصَاحِبُهَا) يعنِي نَعَمْ. وقال الشاعرُ : بَكَرَ الْعَوَاذِلُ فِي الصَّبا حِ يَلُمْنَني وَألُومُهُنَّهْوَيَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلاَ كَ وَقَدْ كَبرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْأي نعم. وقد ذكرَ أهلُ النحوِ لتصحيح هذه القراءةِ وجُوهاً : أحدُها : ضَعْفُ عملِ (إنْ) لأنَّها تعملُ بالمشبَّه بالفعلِ وليست بأصلٍ في العمل، ألا ترى أنَّها خُففت لَم تعمل. والثانِي : أنَّها تشبهُ (اللَّذيْنِ) في البناءِ ؛ لأن (اللَّذيْنِ) في الرفع والنصب والخفض سواءٌ، ولأنَّ الألفَ في (هَذانِ) ليس ألفَ التشبيهِ لوجودها في الوِحْدَانِ، وإنَّما زيْدَتْ النونُ في التثنيةِ ليكون فرقاً بين الواحدِ والاثنين، كما قالواُ (الَّذِيْ) ثُم زادوا نُوناً تدلُّ على الجمعِ، قالوا (الَّذِيْنَ) في رفعِهم ونصبهم. والثالثُ :(إنْ) ها هُنا مخففة وليست مضمرة إلاّ أنه حُذفت الهاء. والرابعُ : أنه لَمَّا حُذفت الألِفُ صارت ألفَ التثنية عِوَضاً منها. والخامسُ : أنَّ (إنْ) بمعنى نَعَمْ.

طه 20:64

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ﴾ ؛ قرأ أبو عمرو (فَاجْمَعُوا) بوصلِ الألف وفتحِ الميم من الجمعِ، وتصديقهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾[طه: ٦٠]، وقرأ الباقونَ (فَأَجْمِعُوا) بقطعِ الألف وكسرِ الميم، مأخوذٌ من أجْمَعْتُ الأمرَ إذا عزمتُ عليه وأحكمتهُ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَيْدَكُمْ﴾ أي مَكْرَكُمْ وسِحرَكم، وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ ائْتُواْ صَفّاً﴾ ؛ مُجتمعين ؛ ليكونَ أنظَمَ لأُموركم، وأشدَّ لِهيبَتكم. وَقِيْلَ : معناهُ : ثُم ائتوا الْمُصَلَّى. والعربُ تسمِّي الْمُصَلَّى صَفّاً. قال الزجَّاج :(فَعَلَى هَذا مَعْنَاهُ : ثُمَّ ائْتُوا الْمَوْضِعَ الَّذِي تَجْتَمِعُونَ فِيْهِ لِعِيْدِكُمْ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ ؛ أي قد فَازَ بالفلاحِ والبقاء مَن كانت الغَلَبَةُ لهُ.

طه 20:65

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ يامُوسَى إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ ؛ أي قالتِ السَّحرةُ : يَا مُوسَى إمَّا أنْ تُلْقِيَ عَصَاكَ إلى الأرض، وَإمَّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَنْ ألْقَى الْعِصِيَّ والحبالَ، ﴿قَالَ﴾ لَهم موسى :﴿بَلْ أَلْقُواْ﴾ ؛ فألْقَوا حبالَهم وعِصِيَّهم. روي أنَّهم كانوا سبعينَ ألفَ ساحرٍ، وكان عددُ ما عمِلُوا من الحبالِ والعصيِّ حِمْلَ ثلاثِمائة بعيرٍ، فألْقَوا ما معهم، ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ ؛ أي تَمشي وتتحرَّكَ، وكانوا قد احتالُوا فيها بحيلةٍ، فكان كلُّ مَن رآها مِن بعيد يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّها تتحركُ. قرأ ابنُ عامر :(تُخَيِّلُ) بالتاء، ردَّهُ إلى الحبالِ والعِصِيِّ، وقرأ الباقون بالياء، ردُّوهُ إلى الكيدِ والسِّحر، وذلك أنَّهم لَطَّخُوا حبالَهم وعصيَّهم بالزِّئبقِ، فلما أصَابَهُ حرُّ الشمسِ ارتعشت واهتَزَّت، فظنَّ موسى أنَّها تقصده، ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى﴾ ؛ أي أحسَّ ووَجَدَ، وَقِيْلَ : أضْمَرَ في نفسه خِيْفَةً. فإن قِيْلَ : لِمَ جازَ أمرُهم بالإلقاءِ وهو كفرٌ ؟ قِيْلَ : يجوزُ أن يكون معناهُ : ألْقُوا إنْ كنتم مُحِقِّيْنَ كما زعمتُم، ويجوزُ أن يكون أمراً بالإلقاءِ على وجه الاعتبارِ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى * قُلْنَا لاَ تَخَفْ﴾، فإن قِيْلَ : ما الذي خَافَهُ موسى ؟ قِيْلَ : خافَ أن يلتبسَ على الناسِ أمرُ السَّحَرَةِ فيتوهَّمون أنَّ حبالَهم وعصيهم بمنْزِلة عصاهُ. وَقِيْلَ : كان خوفهُ خوفَ الطبعِ لِمَا رأى من كثرةِ الحيَّات العِظَامِ.

طه 20:66

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ يامُوسَى إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ ؛ أي قالتِ السَّحرةُ : يَا مُوسَى إمَّا أنْ تُلْقِيَ عَصَاكَ إلى الأرض، وَإمَّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَنْ ألْقَى الْعِصِيَّ والحبالَ، ﴿قَالَ﴾ لَهم موسى :﴿بَلْ أَلْقُواْ﴾ ؛ فألْقَوا حبالَهم وعِصِيَّهم. روي أنَّهم كانوا سبعينَ ألفَ ساحرٍ، وكان عددُ ما عمِلُوا من الحبالِ والعصيِّ حِمْلَ ثلاثِمائة بعيرٍ، فألْقَوا ما معهم، ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ ؛ أي تَمشي وتتحرَّكَ، وكانوا قد احتالُوا فيها بحيلةٍ، فكان كلُّ مَن رآها مِن بعيد يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّها تتحركُ. قرأ ابنُ عامر :(تُخَيِّلُ) بالتاء، ردَّهُ إلى الحبالِ والعِصِيِّ، وقرأ الباقون بالياء، ردُّوهُ إلى الكيدِ والسِّحر، وذلك أنَّهم لَطَّخُوا حبالَهم وعصيَّهم بالزِّئبقِ، فلما أصَابَهُ حرُّ الشمسِ ارتعشت واهتَزَّت، فظنَّ موسى أنَّها تقصده، ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى﴾ ؛ أي أحسَّ ووَجَدَ، وَقِيْلَ : أضْمَرَ في نفسه خِيْفَةً. فإن قِيْلَ : لِمَ جازَ أمرُهم بالإلقاءِ وهو كفرٌ ؟ قِيْلَ : يجوزُ أن يكون معناهُ : ألْقُوا إنْ كنتم مُحِقِّيْنَ كما زعمتُم، ويجوزُ أن يكون أمراً بالإلقاءِ على وجه الاعتبارِ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى * قُلْنَا لاَ تَخَفْ﴾، فإن قِيْلَ : ما الذي خَافَهُ موسى ؟ قِيْلَ : خافَ أن يلتبسَ على الناسِ أمرُ السَّحَرَةِ فيتوهَّمون أنَّ حبالَهم وعصيهم بمنْزِلة عصاهُ. وَقِيْلَ : كان خوفهُ خوفَ الطبعِ لِمَا رأى من كثرةِ الحيَّات العِظَامِ.

طه 20:67

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ يامُوسَى إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ ؛ أي قالتِ السَّحرةُ : يَا مُوسَى إمَّا أنْ تُلْقِيَ عَصَاكَ إلى الأرض، وَإمَّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَنْ ألْقَى الْعِصِيَّ والحبالَ، ﴿قَالَ﴾ لَهم موسى :﴿بَلْ أَلْقُواْ﴾ ؛ فألْقَوا حبالَهم وعِصِيَّهم. روي أنَّهم كانوا سبعينَ ألفَ ساحرٍ، وكان عددُ ما عمِلُوا من الحبالِ والعصيِّ حِمْلَ ثلاثِمائة بعيرٍ، فألْقَوا ما معهم، ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ ؛ أي تَمشي وتتحرَّكَ، وكانوا قد احتالُوا فيها بحيلةٍ، فكان كلُّ مَن رآها مِن بعيد يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّها تتحركُ. قرأ ابنُ عامر :(تُخَيِّلُ) بالتاء، ردَّهُ إلى الحبالِ والعِصِيِّ، وقرأ الباقون بالياء، ردُّوهُ إلى الكيدِ والسِّحر، وذلك أنَّهم لَطَّخُوا حبالَهم وعصيَّهم بالزِّئبقِ، فلما أصَابَهُ حرُّ الشمسِ ارتعشت واهتَزَّت، فظنَّ موسى أنَّها تقصده، ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى﴾ ؛ أي أحسَّ ووَجَدَ، وَقِيْلَ : أضْمَرَ في نفسه خِيْفَةً. فإن قِيْلَ : لِمَ جازَ أمرُهم بالإلقاءِ وهو كفرٌ ؟ قِيْلَ : يجوزُ أن يكون معناهُ : ألْقُوا إنْ كنتم مُحِقِّيْنَ كما زعمتُم، ويجوزُ أن يكون أمراً بالإلقاءِ على وجه الاعتبارِ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى * قُلْنَا لاَ تَخَفْ﴾، فإن قِيْلَ : ما الذي خَافَهُ موسى ؟ قِيْلَ : خافَ أن يلتبسَ على الناسِ أمرُ السَّحَرَةِ فيتوهَّمون أنَّ حبالَهم وعصيهم بمنْزِلة عصاهُ. وَقِيْلَ : كان خوفهُ خوفَ الطبعِ لِمَا رأى من كثرةِ الحيَّات العِظَامِ.

طه 20:68

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى﴾ ؛ عليهم بالظَّفَرِ والغلبة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ ؛ يعني العصَا، ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ﴾ ؛ أي تَلْقَمْ وتَبْلَعْ ما طَرحُوا من العصيِّ والحبالِ، ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ ؛ أي أنَّ الذي صنعوهُ كَيْدُ سَاحِرٍ. وقُرئ (كَيْدُ سِحْرٍ) كما قالوا بمعنى حذر، ﴿وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ؛ أي لا يَغْلِبُ حَقَّكَ بباطلهِ. وَقِيْلَ : لا يُسْعَدُ السَّاحرُ حيث كان. فألقَى موسى عصاهُ فتلقَّفت جميعَ ما صنعوا، ثُم أخذها موسى فرجعت عصا كما كانت، ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ ؛ فما رفَعُوا رؤوسَهم حتى رأوا الجنةَ والنار، ورأوا ثوابَ أهلِها، فعندَ ذلك قالوا :(لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ البيِّنات) يعني الجنةَ والنار، وما رأوا مِن درجاتِهم. قال : وكانتِ امرأةُ فرعون تسألُ مَنْ غَلَبَ ؟ فقيل لَها : موسى، فقالت : آمنتُ برب موسى وهارون، فأرسلَ إليها فرعونُ، فقال : انظرُوا إلى أعظمِ صخرة تَجدونَها فأْتُوها، فإنْ هي رجعت عن قولِها وإلاّ فألْقُوها عليها، فلما أتَوها رفعت ببصرِها إلى السَّماءِ فرأتِ الجنَّةَ فقالت :﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾[التحريم: ١١] فانْتُزِعَتْ روحُها، والصخرةُ على جسدٍ لا روحَ فيه.

طه 20:69

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى﴾ ؛ عليهم بالظَّفَرِ والغلبة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ ؛ يعني العصَا، ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ﴾ ؛ أي تَلْقَمْ وتَبْلَعْ ما طَرحُوا من العصيِّ والحبالِ، ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ ؛ أي أنَّ الذي صنعوهُ كَيْدُ سَاحِرٍ. وقُرئ (كَيْدُ سِحْرٍ) كما قالوا بمعنى حذر، ﴿وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ؛ أي لا يَغْلِبُ حَقَّكَ بباطلهِ. وَقِيْلَ : لا يُسْعَدُ السَّاحرُ حيث كان. فألقَى موسى عصاهُ فتلقَّفت جميعَ ما صنعوا، ثُم أخذها موسى فرجعت عصا كما كانت، ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ ؛ فما رفَعُوا رؤوسَهم حتى رأوا الجنةَ والنار، ورأوا ثوابَ أهلِها، فعندَ ذلك قالوا :(لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ البيِّنات) يعني الجنةَ والنار، وما رأوا مِن درجاتِهم. قال : وكانتِ امرأةُ فرعون تسألُ مَنْ غَلَبَ ؟ فقيل لَها : موسى، فقالت : آمنتُ برب موسى وهارون، فأرسلَ إليها فرعونُ، فقال : انظرُوا إلى أعظمِ صخرة تَجدونَها فأْتُوها، فإنْ هي رجعت عن قولِها وإلاّ فألْقُوها عليها، فلما أتَوها رفعت ببصرِها إلى السَّماءِ فرأتِ الجنَّةَ فقالت :﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾[التحريم: ١١] فانْتُزِعَتْ روحُها، والصخرةُ على جسدٍ لا روحَ فيه.

طه 20:70

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى﴾ ؛ عليهم بالظَّفَرِ والغلبة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ ؛ يعني العصَا، ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ﴾ ؛ أي تَلْقَمْ وتَبْلَعْ ما طَرحُوا من العصيِّ والحبالِ، ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ ؛ أي أنَّ الذي صنعوهُ كَيْدُ سَاحِرٍ. وقُرئ (كَيْدُ سِحْرٍ) كما قالوا بمعنى حذر، ﴿وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ؛ أي لا يَغْلِبُ حَقَّكَ بباطلهِ. وَقِيْلَ : لا يُسْعَدُ السَّاحرُ حيث كان. فألقَى موسى عصاهُ فتلقَّفت جميعَ ما صنعوا، ثُم أخذها موسى فرجعت عصا كما كانت، ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ ؛ فما رفَعُوا رؤوسَهم حتى رأوا الجنةَ والنار، ورأوا ثوابَ أهلِها، فعندَ ذلك قالوا :(لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ البيِّنات) يعني الجنةَ والنار، وما رأوا مِن درجاتِهم. قال : وكانتِ امرأةُ فرعون تسألُ مَنْ غَلَبَ ؟ فقيل لَها : موسى، فقالت : آمنتُ برب موسى وهارون، فأرسلَ إليها فرعونُ، فقال : انظرُوا إلى أعظمِ صخرة تَجدونَها فأْتُوها، فإنْ هي رجعت عن قولِها وإلاّ فألْقُوها عليها، فلما أتَوها رفعت ببصرِها إلى السَّماءِ فرأتِ الجنَّةَ فقالت :﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾[التحريم: ١١] فانْتُزِعَتْ روحُها، والصخرةُ على جسدٍ لا روحَ فيه.

طه 20:71

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ﴾ ؛ بموسى، ﴿قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ﴾ ؛ في الإيْمانِ. والفرقُ بين (آمنْتُمْ لَهُ) وآمَنتُم بهِ : أنَّ في (آمَنْتُمْ لَهُ) معنى الاتِّباع لهُ، وآمنتم به إيْمانٌ بالخبر من اتباع له في ما دعَا اليه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ ؛ أي رئيسُكم ومعلِّمُكم، وإنَّما قال فرعونُ هذه المقالةَ قصداً منه إلى صَرْفِ الناس عن اتِّباع موسى ؛ لأن السَّحرةَ لَم يتعلَّموا من موسى، وإنَّما كانوا يعلَّمون السحرَ قبل قُدوم موسى وقبل ولادته، ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ﴾ ؛ قد تقدَّم تفسيرهُ، ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ؛ أي على جُذوع النَّخلِ، أُقيمَ حرفُ (في) مقام حرفِ (على)، فكان فرعونُ أوَّلَ من قطعَ اليد والرِّجل من خلافٍ وصَلَبَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾ ؛ أي لتعلمنَّ أيُّنا أشدُّ عذاباً وأبقى عذاباً، أنا أمْ ربُّ موسى وهارون.

طه 20:72

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ ؛ أي قالتِ السحرةُ لفرعونَ : لن نَخْتَارَكَ على ما جاءَنا من الحقِّ والبراهين يعني اليدَ والعصا. وقال عكرمةُ :(هُوَ لَمَّا رَفَعُواْ رُؤُوسَهُمْ مِنَ السُّجُودِ رَأوا الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَرَأواْ مَنَازِلَهُمْ فِي الْجَنَّةِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ ؛ أي لن نُؤْثِرَكَ على الله الذي فَطَرَنَا ؛ أي خَلَقَنَا، ويجوزُ أن يكون قولهُ ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ قَسَماً، ﴿فَاقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ﴾ ؛ أي إصْنَعُ ما أنتَ صانع، ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَـاذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَآ﴾ ؛ أي إنَّما تحكمُ علينا في الدُّنيا وهي منقضيةٌ لا محالةَ، وأما الآخرةُ فليسَ لك فيها حظٌّ.

طه 20:73

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾ ؛ أي إشْرَاكُنا في الجاهليَّة ويغفر لنا ﴿وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(كَانَ فِرْعَوْنُ يُكْرِهُ النَّاسَ عَلَى تَعَلُّمِ السِّحْرِ حَتَّى لاَ يَنْقَطِعَ عَنْهُمْ). وِقِيْلَ : إنه أكْرَهَ هؤلاء السَّحرة على معارضةِ مُوسى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ؛ أي هو خيرٌ ثواباً إنْ أُطِيْعَ، وأبقى عقاباً إنْ عُصِي. ويقالُ : ما عندَ الله من الكرامةِ والثواب أفضلُ وأدوم مما تعطينا أنتَ من المالِ، وهذا جوابٌ عن قوله﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾[طه: ٧٣] وها هنا انتهى قولُ السَّحرةِ.

طه 20:74

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ ؛ أي مَن يَأْتِ إلى موضعِ الحساب عَاصِياً، ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا﴾ ؛ فيستريحَ، ﴿وَلاَ يَحْيَى﴾ ؛ حياةً تنفعهُ، قال ابنُ عبَّاس :(الْمُجْرِمُ الْكَافِرُ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ ؛ أي قد عَمِلَ الطاعاتِ، ﴿فَأُوْلَـائِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ ؛ أي الرفيعةُ في الجنَّة. ودرجاتُ الجنة بعضُها أعلى من بعضٍ، والعُلْى جمعُ العُلْيَا، قال ﷺ :" إنَّ أهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى لَيَرَاهُمْ مَنْ هُوَ أسْفَلُ مِنْهُمْ كَأَضْوَاءِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ، وَإنَّ أبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ ".

طه 20:75

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ ؛ أي مَن يَأْتِ إلى موضعِ الحساب عَاصِياً، ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا﴾ ؛ فيستريحَ، ﴿وَلاَ يَحْيَى﴾ ؛ حياةً تنفعهُ، قال ابنُ عبَّاس :(الْمُجْرِمُ الْكَافِرُ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ ؛ أي قد عَمِلَ الطاعاتِ، ﴿فَأُوْلَـائِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ ؛ أي الرفيعةُ في الجنَّة. ودرجاتُ الجنة بعضُها أعلى من بعضٍ، والعُلْى جمعُ العُلْيَا، قال ﷺ :" إنَّ أهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى لَيَرَاهُمْ مَنْ هُوَ أسْفَلُ مِنْهُمْ كَأَضْوَاءِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ، وَإنَّ أبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ ".

طه 20:76

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذالِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّى﴾ ؛ أي مَنْ تَطَهَّرَ من الذنوب بالطاعة بدلاً من تَدَنُّسِ النفوسِ بالمعصية.

طه 20:77

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ ؛ يعني أسْرِ بهم في أوَّلِ الليل من أرضِ مصرَ، يعني بني إسرائيلَ، ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً﴾ ؛ أي يَابساً، وذلك أنَّ اللهَ تعالى أيْبَسَ لَهم ذلك الطريقَ حتى لَم يكن فيه ماءٌ ولا طين. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَى﴾ ؛ أي إنكَ آمنٌ لا تخافُ أن يُدركَكَ فرعونُ، ولا تخشَ الغرقَ من البحرِ. وقرأ حمزةُ (لاَ تَخَفْ) على النَّهي مجزوماً، (وَلاَ تَخْشَى) بالألفِ، كأنه استأنفٌ، وتقديرهُ : وأنتَ لا تخشى، كقولهِ :﴿يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾[آل عمران: ١١١].

طه 20:78

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ ؛ مَن قرأ (فَأَتْبَعَهُمْ) بالتخفيف فمعناهُ : ألَحَقَ جُنُودَهُ بهم، والباءُ في (جُنُودِهِ) زائدةٌ، والمعنى : أمَرَهُم أن يتَّبعُوا موسى وقومَهُ، ومن قرأ (فَأَتَّبَعَهَمْ) بالتشديدِ، فالمعنى اتَّبَعَهُمْ بنفسهِ ومعهُ الجنود. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَغَشِيَهُمْ مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ ؛ أي عَلاَهُمْ وسَتَرَهُمْ من البحرِ ما علاهُم وهو الغرقُ. وذلك أنَّهُ لَمَّا تَرَاءَى الجمعانِ، أمرَ اللهُ موسى أن يضربَ بعصاهُ البحرَ، فضربه فانفلقَ الماءُ في عِرْضِ البحرِ حتى صارَ فيه اثنا عشرَ طريقاً، وبَقِيَ الماءُ قائماً بين الطريقين كالجبلِ، فسَلَكَ موسى، وأخذ كلُّ سِبْطٍ من بني إسرائيل طَريقاً من هذه الطُّرُقُ. فلما أشرفَ فرعونُ وقومُهُ على البحرِ فرأوهُ مُنْفَلِقاً فيه طُرُقٌ يابسةٌ، أوْهَمَ قومَهُ أنَّ البحرَ إنَّما انفلقَ من هَيْبَتِهِ! فدخلَ فرعونُ خَلْفَ بني إسرائيلَ، فصاحَتِ الملائكةُ في القومِ : أنْ الْحَقُوا الْمَلِكَ حتى إذا دَخَلَ آخرُهم، وهَمَّ أوَّلُهم بالخروجِ أن يخرجَ، أطبقَ اللهُ تعالى البحرَ عليهم فَغَرِقُوا. وقال وهبُ :(استعارَ بنُو إسرائيلَ حُلِيّاً كثيراً من القِبْطِ، ثُم خرجَ بهم موسى من أوَّلِ الليل، وكانوا سبعينَ ألفاً، فأُخْبرَ فرعونُ بذلك فركِبَ في ستمائة ألفٍ مِن القِبْطِ يَقُصُّ أثرَ بنِي إسرائيل. فلما رأى قومُ موسَى رَهَجَ الخيلِ - أي غُبَارَها - قالوا : إنا لَمُدَركون، قال موسى : كلاَّ، إنَّ معي ربي سيهدينِ، فلما قَرُبوا قالوا : يا موسى أينَ تَمضي البحرُ أمامَنا وفرعونُ خَلفَنا؟! فضربَ البحرَ بعصاهُ فانفلقَ وصار فيه اثنا عشرَ طريقاً يابسةً، لكلِّ سِبْطٍ طريقٌ، وصارَ بين كلِّ طريقين كالطَّوْدِ العظيم من الماءِ، وكانوا يَمُرُّونَ في الطريق ولا يرَى بعضُهم بعضاً، فاستوحَشُوا وخافوا، فجعلَ اللهُ الأطوادَ شبَكاتٍ يرَى بعضُهم بعضاً، ويسمعُ بعضُهم كلامَ بعضٍ. فلما أتَى فرعونُ الساحلَ ورأى بني اسرائيل قد عَدَوا البحرَ، جاء جبريلُ على رَمَكَةٍ طالبةٍ للذكَرِ، وكان فرعونُ على حصانٍ، فأدخلَ الرَّمَكَةَ في الماء فلم يتمالكِ حصانُ فرعون أن اقْتَحَمَ على إثْرِها، ودخلَ القِبْطُ عن آخرهم، فلما وَلَجُوا كلُّهم أوحى اللهُ تعالى إلى البحرِ : أنْ أغرِقْهُمْ عن آخرِهم، فعلاهم الماءُ فغَرِقُوا). قال كعبٌ :(فَعَرَفَ السَّامِرِيُّ فَرَسَ جِبْرِيْلَ، فَحَمَلَ مِنْ أثَرِهِ تُرَاباً، وَألْقَاهُ فِي الْعِجْلِ حِيْنَ اتَّخَذُوهُ).

طه 20:79

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ ؛ أي أضلَّهُم حين دعاهُم إلى عبادتهِ، ﴿وَمَا هَدَى﴾ أي وما أرْشَدَهم حين أورَدَهم مواقعَ الْهَلَكَةِ، وهذا تكذيبٌ له في قولهِ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾[غافر: ٢٩].

طه 20:80

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ﴾ ؛ يعني فرعونَ أغْرَقَهُ بمرأى منهم، ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ﴾ ؛ قرأ حمزةُ :(نَجَّيْتُكُمْ... وَوَعَدْتُكُمْ... وَرَزَقْتُكُمْ) بغيرِ ألف. وذلك أنَّ اللهَ وَعَدَ موسى بعد ما أغرقَ فرعون ليأتِي جانبَ الطُّورِ الأيْمَنَ فيؤتيهِ التوراةَ فيها بيانُ ما يحتاجُ إليه. ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ في التِّيْهِ، ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ؛ أي من حَلاَلِ ما رزقناكم من الْمَنِّ والسَّلْوَى، واشكروا إنعامِي. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ﴾، أي لا تَبْطَرُوا فيما أنعمتَ فتكونوا طاغينَ، ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾، أي فتجبُ عليكم عقوبَتي. قرأ الأعمشُ والكسائيُّ :(فَيَحُلُّ) أي فينْزِلُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ ؛ أي فقد تَرَدَّ في النار. وَقِيْلَ : معناهُ : فقد هَلَكَ وسقط في النارِ. وقرأ الكسائيُّ :(وَمَنْ يَحْلُلْ) بضمِّ اللام، قال الفرَّاءُ :(وَالْكَسْرُ أوْلَى مِنَ الضَّمَّ ؛ لأنَّ الضَّمَّ مِنَ الْحُلُولِ وَهَُوَ الْوُقُوعُ، وَيَحْلِلُ بالْكَسْرِ يَجِبُ، وَجَاءَ التَّفْسِيْرُ بالْوُجُوب لاَ بالْوُقُوعِ).

طه 20:81

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ﴾ ؛ يعني فرعونَ أغْرَقَهُ بمرأى منهم، ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ﴾ ؛ قرأ حمزةُ :(نَجَّيْتُكُمْ... وَوَعَدْتُكُمْ... وَرَزَقْتُكُمْ) بغيرِ ألف. وذلك أنَّ اللهَ وَعَدَ موسى بعد ما أغرقَ فرعون ليأتِي جانبَ الطُّورِ الأيْمَنَ فيؤتيهِ التوراةَ فيها بيانُ ما يحتاجُ إليه. ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ في التِّيْهِ، ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ؛ أي من حَلاَلِ ما رزقناكم من الْمَنِّ والسَّلْوَى، واشكروا إنعامِي. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ﴾، أي لا تَبْطَرُوا فيما أنعمتَ فتكونوا طاغينَ، ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾، أي فتجبُ عليكم عقوبَتي. قرأ الأعمشُ والكسائيُّ :(فَيَحُلُّ) أي فينْزِلُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ ؛ أي فقد تَرَدَّ في النار. وَقِيْلَ : معناهُ : فقد هَلَكَ وسقط في النارِ. وقرأ الكسائيُّ :(وَمَنْ يَحْلُلْ) بضمِّ اللام، قال الفرَّاءُ :(وَالْكَسْرُ أوْلَى مِنَ الضَّمَّ ؛ لأنَّ الضَّمَّ مِنَ الْحُلُولِ وَهَُوَ الْوُقُوعُ، وَيَحْلِلُ بالْكَسْرِ يَجِبُ، وَجَاءَ التَّفْسِيْرُ بالْوُجُوب لاَ بالْوُقُوعِ).

طه 20:82

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ ؛ أي لِمَنْ تَابَ مِنَ الشِّرْكِ، وآمَنَ بالله وعَمِلَ صالحاً، ثُم استقامَ على معرفةِ الله وأداءِ فرائضه واجتناب مَحَارِمِهِ حتى ماتَ على ذلكَ بتوفيقِ الله.

طه 20:83

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يامُوسَى﴾ ؛ الآيةُ، روي : أنَّ موسى لَمَّا ذهبَ مع السبعينَ الذين اختارَهم إلى الميقاتِ ليأخذ التوراة من رَبهِ، تعجَّلَ إلى الميقاتِ قبل السَّبعين شَوْقاً إلى رَبهِ، وخَلَفَ أولئكَ السبعين وأمَرَهم أن يلحقوهُ ويتبعوه إلى الجبلِ وهو الطُّورُ والميقاتُ، فقال اللهُ تعالى لهُ :﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يامُوسَى﴾ ﴿قَالَ﴾ ؛ أي موسى : يا رب، ﴿هُمْ أُوْلاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ ؛ أي هُم أولاء يجيئون بعدي، ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ ؛ أي لتزدادَ رضىً عنِّي، والرِّضَى من اللهِ إيجابُ الدرجةِ والكرامة لَهم.

طه 20:84

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يامُوسَى﴾ ؛ الآيةُ، روي : أنَّ موسى لَمَّا ذهبَ مع السبعينَ الذين اختارَهم إلى الميقاتِ ليأخذ التوراة من رَبهِ، تعجَّلَ إلى الميقاتِ قبل السَّبعين شَوْقاً إلى رَبهِ، وخَلَفَ أولئكَ السبعين وأمَرَهم أن يلحقوهُ ويتبعوه إلى الجبلِ وهو الطُّورُ والميقاتُ، فقال اللهُ تعالى لهُ :﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يامُوسَى﴾ ﴿قَالَ﴾ ؛ أي موسى : يا رب، ﴿هُمْ أُوْلاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ ؛ أي هُم أولاء يجيئون بعدي، ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ ؛ أي لتزدادَ رضىً عنِّي، والرِّضَى من اللهِ إيجابُ الدرجةِ والكرامة لَهم.

طه 20:85

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ ؛ أي ابتَلَينا قومَكَ الذين خلفتَهُم مع هارون وكانوا ستمائة ألفٍ. وقال الزجَّاجُ :(مَعْنَى : فَتَنَّا قَوْمَكَ ؛ أيْ ألْقَيْنَاهُمْ فِي فِتْنَةٍ وَمِحْنَةٍ)، وقال ابنُ الأنباريِّ :(صَيَّرْنَاهُمْ مَفْتُونِيْنَ أشْقِيَاءَ بعِبَادَةِ الْعِجْلِ، فَافْتَتَنُواْ بالْعِجْلِ غَيْرَ اثْنَي عَشَرَ ألْفاً). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِن بَعْدِكَ﴾ أي مِن بعد انطلاقِكَ إلى الجبلِ، قولهُ ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ أي دَعَاهُمْ إلى عبادةِ العجل وحَمَلهم عليها.

طه 20:86

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً﴾ ؛ أي رَجَعَ من الميقاتِ إلى السبعين، إلى قومهِ. فلما سَمِعَ صوتَ الفتنةِ رجعَ ﴿غَضْبَانَ أَسِفاً﴾ أي حَزِيناً شديدَ الحزن جَزِعاً مع عصبة و ﴿قَالَ ياقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾ ؛ أي ألَمْ يَعِدْكُمْ إنزالَ التوراةِ لتعمَلُوا بما فيها فتستحقُّوا الجنة والكرامة الدائمة، ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ ؛ مدَّةَ مُفارقَتي إياكم، ﴿أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ؛ بأن يَنْزِلَ بكم بعبادتكم العجلَ، ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي﴾ ؛ ما وَعَدَ الْمَوْلَى منْ حُسنِ الخلافةِ بعدي.

طه 20:87

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ﴾ ؛ أي الذين لَم يعبدوا العجلَ، ﴿مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ ؛ ونحنُ نَملكُ من أمرِنا شيئاً ؛ أي لَم نُطِقُ رَدَّ عَبَدَةِ العجلِ مِن ما ارتكبوهُ لكثرَتِهم وقِلَّتِنَا ؛ لأنَّهم اثنا عشر ألفاً، والذين عَبَدُوا العجلَ خمسُمائة ألفٍ وثَمانية وثَمانون ألفاً ؛ لأنَّهم كانوا جميعاً ستُمائة ألف. وأكثرَ القُرَّاءُ (بِملْكِنَا) بالكسرِ أي بأمرِنا. ومَن قرأ بفتحِ الميم فهو المصدرُ، ومَن قرأ بضمِّ الميم فمعناه : بسُلطاننا وقُدرتنا ؛ أي لَم نقدِرْ على ردِّهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَـاكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ ؛ أي أثْقَالاً وحمالاً من حِلِيِّ آلِ فرعون، والوِزْرُ في اللغة : هو الْحِمْلُ الثقيلُ، وذلك أن موسَى كان أمرَهم أن يستعيرُوا مِن حِلِيِّهم حين أرادوا أن يَسْرُوا، هكذا روي عن ابنِ عباس. وَقِيْلَ : إنهم كانوا استعارُوها ؛ ليتزيَّنُوا بها في عِيْدٍ كان لَهم، ثم يردُّوها عليهم عند الخروجِ، وكان ذلك ذنْباً منهم، فعلى ذلك يكونُ معناه : حُمِّلْنَا آثاماً مِن حِلِيِّ القوم. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ ؛ أي فَقَذفْنَا الحِلِيِّ في النارِ ليُذابَ، ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ ؛ ما معهُ من الحليِّ كما ألقينا، وذلكَ أنَّ اللهَ تعالى قد وَقَّتَ لِموسى ثلاثينَ ليةً ثُم أتَمَّها بعشرٍ، فلما مضت الثلاثونَ قال السامريُّ : إنَّما أصابَكم هذا عقوبةً لكم بالحليِّ الذي معكم، فاجْمَعُوها حتى يجيءَ موسى فيقضي فيها، فجُمعت لهُ، فصنعَ منها العجلَ في ثلاثةِ أيَّام، ثُم قَذفَ فيه القبضةَ التي اتخذها من أثَرِ فرسِ جبريلَ.

طه 20:88

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ﴾ ؛ أي أخرجَ لَهم من النار صورةَ عِجْلٍ صاغَها من الحليِّ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّهُ خُوَارٌ﴾ أي صَوْتٌ كصوتِ العجل. واختلفوا في هذا الْخُوَارِ ؛ قال مجاهدُ :(خُوَارُهُ حَفِيْفُ الرِّيْحِ إذا دَخَلَتْ جَوْفَهُ، وَذلِكَ أنَّهُ كَانَ جَعَلَ فِي جَوْفِ الْعِجْلِ خُرُوقاً إذا دَخَلَتْهَا الرِّيْحُ أوْهَمَ أنَّهُ يَخُورُ). قال الحسنُ وقتادة والسديُّ :(كَانَ السَّامِرِيُّ ألْقَى عَلَيْهِ شَيْئاً مِنْ أثَرِ فَرَسِ جِبْرِيْلَ كَمَا قَالَ :﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا﴾[طه: ٩٦]، فَانْقَلَبَ الْعِجْلُ حَيْوَاناً يَخُورُ) أي وكان معلوماً في ذلكَ الزمانِ أنَّ مَن أخذ من حافرِ دابة مَلَكٍ، فألقاها على شيءٍ صارَ ذلِك الشيءُ حيواناً. قالوا : وإنَّما عَرَفَ أن راكبَ تلك الدَّابة جبريلُ ؛ لأنَّها كانت لا تضعُ حافِرَها على موضعٍ إلاّ اخْضَرَّ. ويروَى أن هارونَ مَرَّ بالسامريِّ وهو يصنعُ العجلَ، فقالَ لهُ : ما تصنعُ ؟ قال : أصنعُ ما ينفع ولا يضرُّ، ثُم قال لِهارون : ادعُ لِي، فقال : اللَّهُمَّ أعْطِهِ ما يسألُ كما يحبُّ، فسألَ اللهَ أن يجعلَ للعجلِ خُواراً، فكان الخوارُ يخرج من ذلك الجسدِ الْمُجَسَّدِ كما يخورُ الثور، فأوهَمَهم السامريُّ أنه حَيٌّ فافتتنَ به قومٌ فعبدوه، ولو رجَعُوا إلى عُقولِهم لعرفوا أنه لا يصلحُ أن يكون إلَهاً ؛ لأنه مصنوعٌ صنعةَ آدميٍّ مخلوقٍ من حُلِيٍّ مخلوقة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَقَالُواْ هَـاذَآ إِلَـاهُكُمْ وَإِلَـاهُ مُوسَى﴾ ؛ أي قال لَهم السامريُّ ذلك ووافقَهُ قومٌ على ذلك. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَنَسِيَ﴾ ؛ أي فَنَسِيَ السامريُّ الإسلامَ ؛ أي فَتَرَكَهُ، وَقِيْلَ : معناه : قال السامريُّ لِمن وافقَهُ على كُفْرِهِ : إن موسَى أرادَ هذا العجلَ، فترك الطريق الذي كان يصلُ إليه ؛ أي أن موسى تركَ إلَهَهُ هنا، وذهبَ يطلبهُ.

طه 20:89

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾ ؛ أفلاَ يرى السامريُّ وأصحابهُ (أنَّهُ) يعني العجلَ لا يَرُدُّ إليهم جواباً، ﴿وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً﴾ ؛ جرَّ منفعةٍ ولا دفعَ ضُرِّ شيءٍ.

طه 20:90

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ ياقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ﴾ ؛ وذلكَ أن السامريَّ لَمَّا دعاهُم إلى عبادةِ العجل وقال لَهم : إنَّ هذا إلَهُنا وإلهُ موسى، وأن موسَى مَعْنِيٌّ في طلبهِ، وهو ههنا. فقامَ هرونُ فيهم خطيباً، وقالَ : يَا قَوْمِ إنَّمَا فُتِنْتُمْ بعبادةِ العجل، ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَـانُ﴾ ؛ لا العجلُ، ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ ؛ لِما أدعوكم اليه، ﴿وَأَطِيعُواْ أَمْرِي﴾ ؛ لا أمرَ السامريِّ، فَعَصَوْهُ ؛ ﴿قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ ؛ أي لا نزالُ مقيمين على عبادتهِ، ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ ؛ ومعنى قولهِ تعالى ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ﴾ أي من قبلِ أن يأتِي موسى. فلما رجعَ موسى ؛ ﴿قَالَ﴾ ؛ لِهارون :﴿ياهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ﴾ ؛ بعبادةِ العجل، ﴿أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ ؛ لا زائدةٌ ؛ أي ما منعكَ من اتِّباعي واللحوقِ بي بمن أقامَ على إيْمَانِهِ، ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ ؛ بإقامتِكَ بينهم وقد كفروا، ثُم أخذ موسى برأسِ هارون ولِحيَته غضباً منهُ عليه فـ ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ ؛ ولا بشعرِ رأسي، ﴿إِنِّي خَشِيتُ﴾ ؛ إن فارقتُهم واتبعتك بمن أقامَ على دِينك أن يتفرَّقُوا أحزاباً، وخشيتُ أن يَقْتُلَ بعضُهم بعضاً و ﴿أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ﴾ ؛ أي ولَم تحفَظْ، ﴿قَوْلِي﴾ ؛ وصيَّتي، ولَم تنتَظِر قُدُومِي وأمري، فلذلك لَم أتَّبعْكَ بمن أقامَ منهم على دِينك. قال ابنُ عبَّاس :(كَانَ هَارُونُ أخَا مُوسَى لأَبيْهِ وَأُمِّهِ، وَإنَّمَا قَالَ : يَا ابْنَ أُمِّ ليرفقَهُ ويستعطفه عليه)، وفي قولهِ (يَا ابْنَ أُمِّ) قِرَاءَتان، مَن قرأ بفتح الميمِ جعلهُ بمنْزِلة اسمٍ واحد يصلُ الثانِي بالأول، مثلُ خمسةَ عشر، ومَن قرأ بالكسرِ فعلى معنى الإضافة، ودلَّتْ كسرةُ الميم على الياءِ التي بعدها. فإن قِيْلَ : كيف جازَ أن يأخذ موسى بلحيةِ هارون ورأسه مع أن ذلك يقتضِي الاستخفافَ به ؟ قِيْلَ : لأن العادةَ في ذلك الوقتِ لَم تكن كهذهِ العادة، بل كان ذلكَ في زمانِهم يجري مجرَى القبضِ على يده، وَقِيْلَ : لأنه أجرَى هرون مُجرى نفسهِ ؛ لأنه لَم يكن يتَّهم، كما لا يتهم على نفسهِ، فقد يأخذُ الإنسانُ بلحيةِ نفسهِ إذا غَضِبَ، ويقال :(إنَّ عُمَرَ عليه السلام كَانَ إذا غَضِبَ يَفْتِلُ شَارِبَهُ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ أي فتركتَ وصيَّتي، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ يعني : ولَم تحفَظْ وصيَّتي حين قلتُ لكَ أخلفني في قومي وأصلِحْ. فلما اعتذرَ هارونُ بهذا العذرِ أقبلَ موسى السامريِّ ؛ ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ ياسَامِرِيُّ﴾ ؛ أي ما شأنُكَ وما الذي دعاكَ إلى ما صنعتَ ؟ وَقِيْلَ : معناه : ما هذا الْخَطْبُ الْعظيم الذي دعاكَ إلى ما صنعتَ، والْخَطْبُ هو الجليلُ من الأمرِ. قال قتادةُ :(كَاَنَ السَّامِرِيُّ مِنْ عُظَمَاءِ بَنِي إسْرَائِيْلَ، مِنْ قَبيْلَةٍ يُقَالُ لَهَا سَامِرَةٌ، وَلَكِنَّهُ بَعْدَ مَا قَطَعَ الْبَحْرَ مَعَ بَنِي إسْرَائِيْلَ مَرَّ بجَمَاعَةٍ وَهُم يَعْكِفُونَ عَلَى أصْنَامٍ لَهُمْ وَمَعَهُ بَنُو إسْرَائِيْلَ، فَقَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، فَاغْتَنَمَهَا السَّامِرِيُّ فَاتَّخَذَ الْعِجْلَ)، ﴿قَالَ﴾ ؛ السَّامِرِيُّ مُجيباً لِموسى :﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ ؛ أي رأيتُ ما لَم يَرَوا، بَصُرْتُ به، وعرفتُ ما لَم يعرفوا وفطنتُ ما لَم يفطنوا، قال له موسى : وما الذي بَصُرْتَ به دون بني إسرائيل؟ قال :﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ ؛ من حافرِ فرسِ جبريل، وكان قد أُلقي في نفسِي أن أقبضها ؛ وما ألقيهِ على شيءٍ إلاّ صارَ له روحٌ ولَحم ودمٌ، فحين رأيتُ قومَكَ طلبوا منكَ أن تجعل لَهم إلَهاً حدَّثَتني نفسي بذلكَ، ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ أي فطرحتُها في العجلِ، ﴿وَكَذالِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ ؛ أي زَيَّنَتْ لِي نَفْسِي) أي أطمَعَتني نفسي في أن العجلَ ينقلبُ حيواناً.

طه 20:91

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ ياقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ﴾ ؛ وذلكَ أن السامريَّ لَمَّا دعاهُم إلى عبادةِ العجل وقال لَهم : إنَّ هذا إلَهُنا وإلهُ موسى، وأن موسَى مَعْنِيٌّ في طلبهِ، وهو ههنا. فقامَ هرونُ فيهم خطيباً، وقالَ : يَا قَوْمِ إنَّمَا فُتِنْتُمْ بعبادةِ العجل، ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَـانُ﴾ ؛ لا العجلُ، ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ ؛ لِما أدعوكم اليه، ﴿وَأَطِيعُواْ أَمْرِي﴾ ؛ لا أمرَ السامريِّ، فَعَصَوْهُ ؛ ﴿قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ ؛ أي لا نزالُ مقيمين على عبادتهِ، ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ ؛ ومعنى قولهِ تعالى ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ﴾ أي من قبلِ أن يأتِي موسى. فلما رجعَ موسى ؛ ﴿قَالَ﴾ ؛ لِهارون :﴿ياهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ﴾ ؛ بعبادةِ العجل، ﴿أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ ؛ لا زائدةٌ ؛ أي ما منعكَ من اتِّباعي واللحوقِ بي بمن أقامَ على إيْمَانِهِ، ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ ؛ بإقامتِكَ بينهم وقد كفروا، ثُم أخذ موسى برأسِ هارون ولِحيَته غضباً منهُ عليه فـ ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ ؛ ولا بشعرِ رأسي، ﴿إِنِّي خَشِيتُ﴾ ؛ إن فارقتُهم واتبعتك بمن أقامَ على دِينك أن يتفرَّقُوا أحزاباً، وخشيتُ أن يَقْتُلَ بعضُهم بعضاً و ﴿أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ﴾ ؛ أي ولَم تحفَظْ، ﴿قَوْلِي﴾ ؛ وصيَّتي، ولَم تنتَظِر قُدُومِي وأمري، فلذلك لَم أتَّبعْكَ بمن أقامَ منهم على دِينك. قال ابنُ عبَّاس :(كَانَ هَارُونُ أخَا مُوسَى لأَبيْهِ وَأُمِّهِ، وَإنَّمَا قَالَ : يَا ابْنَ أُمِّ ليرفقَهُ ويستعطفه عليه)، وفي قولهِ (يَا ابْنَ أُمِّ) قِرَاءَتان، مَن قرأ بفتح الميمِ جعلهُ بمنْزِلة اسمٍ واحد يصلُ الثانِي بالأول، مثلُ خمسةَ عشر، ومَن قرأ بالكسرِ فعلى معنى الإضافة، ودلَّتْ كسرةُ الميم على الياءِ التي بعدها. فإن قِيْلَ : كيف جازَ أن يأخذ موسى بلحيةِ هارون ورأسه مع أن ذلك يقتضِي الاستخفافَ به ؟ قِيْلَ : لأن العادةَ في ذلك الوقتِ لَم تكن كهذهِ العادة، بل كان ذلكَ في زمانِهم يجري مجرَى القبضِ على يده، وَقِيْلَ : لأنه أجرَى هرون مُجرى نفسهِ ؛ لأنه لَم يكن يتَّهم، كما لا يتهم على نفسهِ، فقد يأخذُ الإنسانُ بلحيةِ نفسهِ إذا غَضِبَ، ويقال :(إنَّ عُمَرَ عليه السلام كَانَ إذا غَضِبَ يَفْتِلُ شَارِبَهُ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ أي فتركتَ وصيَّتي، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ يعني : ولَم تحفَظْ وصيَّتي حين قلتُ لكَ أخلفني في قومي وأصلِحْ. فلما اعتذرَ هارونُ بهذا العذرِ أقبلَ موسى السامريِّ ؛ ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ ياسَامِرِيُّ﴾ ؛ أي ما شأنُكَ وما الذي دعاكَ إلى ما صنعتَ ؟ وَقِيْلَ : معناه : ما هذا الْخَطْبُ الْعظيم الذي دعاكَ إلى ما صنعتَ، والْخَطْبُ هو الجليلُ من الأمرِ. قال قتادةُ :(كَاَنَ السَّامِرِيُّ مِنْ عُظَمَاءِ بَنِي إسْرَائِيْلَ، مِنْ قَبيْلَةٍ يُقَالُ لَهَا سَامِرَةٌ، وَلَكِنَّهُ بَعْدَ مَا قَطَعَ الْبَحْرَ مَعَ بَنِي إسْرَائِيْلَ مَرَّ بجَمَاعَةٍ وَهُم يَعْكِفُونَ عَلَى أصْنَامٍ لَهُمْ وَمَعَهُ بَنُو إسْرَائِيْلَ، فَقَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، فَاغْتَنَمَهَا السَّامِرِيُّ فَاتَّخَذَ الْعِجْلَ)، ﴿قَالَ﴾ ؛ السَّامِرِيُّ مُجيباً لِموسى :﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ ؛ أي رأيتُ ما لَم يَرَوا، بَصُرْتُ به، وعرفتُ ما لَم يعرفوا وفطنتُ ما لَم يفطنوا، قال له موسى : وما الذي بَصُرْتَ به دون بني إسرائيل؟ قال :﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ ؛ من حافرِ فرسِ جبريل، وكان قد أُلقي في نفسِي أن أقبضها ؛ وما ألقيهِ على شيءٍ إلاّ صارَ له روحٌ ولَحم ودمٌ، فحين رأيتُ قومَكَ طلبوا منكَ أن تجعل لَهم إلَهاً حدَّثَتني نفسي بذلكَ، ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ أي فطرحتُها في العجلِ، ﴿وَكَذالِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ ؛ أي زَيَّنَتْ لِي نَفْسِي) أي أطمَعَتني نفسي في أن العجلَ ينقلبُ حيواناً.

طه 20:92

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ ياقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ﴾ ؛ وذلكَ أن السامريَّ لَمَّا دعاهُم إلى عبادةِ العجل وقال لَهم : إنَّ هذا إلَهُنا وإلهُ موسى، وأن موسَى مَعْنِيٌّ في طلبهِ، وهو ههنا. فقامَ هرونُ فيهم خطيباً، وقالَ : يَا قَوْمِ إنَّمَا فُتِنْتُمْ بعبادةِ العجل، ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَـانُ﴾ ؛ لا العجلُ، ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ ؛ لِما أدعوكم اليه، ﴿وَأَطِيعُواْ أَمْرِي﴾ ؛ لا أمرَ السامريِّ، فَعَصَوْهُ ؛ ﴿قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ ؛ أي لا نزالُ مقيمين على عبادتهِ، ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ ؛ ومعنى قولهِ تعالى ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ﴾ أي من قبلِ أن يأتِي موسى. فلما رجعَ موسى ؛ ﴿قَالَ﴾ ؛ لِهارون :﴿ياهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ﴾ ؛ بعبادةِ العجل، ﴿أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ ؛ لا زائدةٌ ؛ أي ما منعكَ من اتِّباعي واللحوقِ بي بمن أقامَ على إيْمَانِهِ، ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ ؛ بإقامتِكَ بينهم وقد كفروا، ثُم أخذ موسى برأسِ هارون ولِحيَته غضباً منهُ عليه فـ ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ ؛ ولا بشعرِ رأسي، ﴿إِنِّي خَشِيتُ﴾ ؛ إن فارقتُهم واتبعتك بمن أقامَ على دِينك أن يتفرَّقُوا أحزاباً، وخشيتُ أن يَقْتُلَ بعضُهم بعضاً و ﴿أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ﴾ ؛ أي ولَم تحفَظْ، ﴿قَوْلِي﴾ ؛ وصيَّتي، ولَم تنتَظِر قُدُومِي وأمري، فلذلك لَم أتَّبعْكَ بمن أقامَ منهم على دِينك. قال ابنُ عبَّاس :(كَانَ هَارُونُ أخَا مُوسَى لأَبيْهِ وَأُمِّهِ، وَإنَّمَا قَالَ : يَا ابْنَ أُمِّ ليرفقَهُ ويستعطفه عليه)، وفي قولهِ (يَا ابْنَ أُمِّ) قِرَاءَتان، مَن قرأ بفتح الميمِ جعلهُ بمنْزِلة اسمٍ واحد يصلُ الثانِي بالأول، مثلُ خمسةَ عشر، ومَن قرأ بالكسرِ فعلى معنى الإضافة، ودلَّتْ كسرةُ الميم على الياءِ التي بعدها. فإن قِيْلَ : كيف جازَ أن يأخذ موسى بلحيةِ هارون ورأسه مع أن ذلك يقتضِي الاستخفافَ به ؟ قِيْلَ : لأن العادةَ في ذلك الوقتِ لَم تكن كهذهِ العادة، بل كان ذلكَ في زمانِهم يجري مجرَى القبضِ على يده، وَقِيْلَ : لأنه أجرَى هرون مُجرى نفسهِ ؛ لأنه لَم يكن يتَّهم، كما لا يتهم على نفسهِ، فقد يأخذُ الإنسانُ بلحيةِ نفسهِ إذا غَضِبَ، ويقال :(إنَّ عُمَرَ عليه السلام كَانَ إذا غَضِبَ يَفْتِلُ شَارِبَهُ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ أي فتركتَ وصيَّتي، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ يعني : ولَم تحفَظْ وصيَّتي حين قلتُ لكَ أخلفني في قومي وأصلِحْ. فلما اعتذرَ هارونُ بهذا العذرِ أقبلَ موسى السامريِّ ؛ ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ ياسَامِرِيُّ﴾ ؛ أي ما شأنُكَ وما الذي دعاكَ إلى ما صنعتَ ؟ وَقِيْلَ : معناه : ما هذا الْخَطْبُ الْعظيم الذي دعاكَ إلى ما صنعتَ، والْخَطْبُ هو الجليلُ من الأمرِ. قال قتادةُ :(كَاَنَ السَّامِرِيُّ مِنْ عُظَمَاءِ بَنِي إسْرَائِيْلَ، مِنْ قَبيْلَةٍ يُقَالُ لَهَا سَامِرَةٌ، وَلَكِنَّهُ بَعْدَ مَا قَطَعَ الْبَحْرَ مَعَ بَنِي إسْرَائِيْلَ مَرَّ بجَمَاعَةٍ وَهُم يَعْكِفُونَ عَلَى أصْنَامٍ لَهُمْ وَمَعَهُ بَنُو إسْرَائِيْلَ، فَقَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، فَاغْتَنَمَهَا السَّامِرِيُّ فَاتَّخَذَ الْعِجْلَ)، ﴿قَالَ﴾ ؛ السَّامِرِيُّ مُجيباً لِموسى :﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ ؛ أي رأيتُ ما لَم يَرَوا، بَصُرْتُ به، وعرفتُ ما لَم يعرفوا وفطنتُ ما لَم يفطنوا، قال له موسى : وما الذي بَصُرْتَ به دون بني إسرائيل؟ قال :﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ ؛ من حافرِ فرسِ جبريل، وكان قد أُلقي في نفسِي أن أقبضها ؛ وما ألقيهِ على شيءٍ إلاّ صارَ له روحٌ ولَحم ودمٌ، فحين رأيتُ قومَكَ طلبوا منكَ أن تجعل لَهم إلَهاً حدَّثَتني نفسي بذلكَ، ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ أي فطرحتُها في العجلِ، ﴿وَكَذالِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ ؛ أي زَيَّنَتْ لِي نَفْسِي) أي أطمَعَتني نفسي في أن العجلَ ينقلبُ حيواناً.

طه 20:93

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ ياقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ﴾ ؛ وذلكَ أن السامريَّ لَمَّا دعاهُم إلى عبادةِ العجل وقال لَهم : إنَّ هذا إلَهُنا وإلهُ موسى، وأن موسَى مَعْنِيٌّ في طلبهِ، وهو ههنا. فقامَ هرونُ فيهم خطيباً، وقالَ : يَا قَوْمِ إنَّمَا فُتِنْتُمْ بعبادةِ العجل، ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَـانُ﴾ ؛ لا العجلُ، ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ ؛ لِما أدعوكم اليه، ﴿وَأَطِيعُواْ أَمْرِي﴾ ؛ لا أمرَ السامريِّ، فَعَصَوْهُ ؛ ﴿قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ ؛ أي لا نزالُ مقيمين على عبادتهِ، ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ ؛ ومعنى قولهِ تعالى ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ﴾ أي من قبلِ أن يأتِي موسى. فلما رجعَ موسى ؛ ﴿قَالَ﴾ ؛ لِهارون :﴿ياهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ﴾ ؛ بعبادةِ العجل، ﴿أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ ؛ لا زائدةٌ ؛ أي ما منعكَ من اتِّباعي واللحوقِ بي بمن أقامَ على إيْمَانِهِ، ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ ؛ بإقامتِكَ بينهم وقد كفروا، ثُم أخذ موسى برأسِ هارون ولِحيَته غضباً منهُ عليه فـ ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ ؛ ولا بشعرِ رأسي، ﴿إِنِّي خَشِيتُ﴾ ؛ إن فارقتُهم واتبعتك بمن أقامَ على دِينك أن يتفرَّقُوا أحزاباً، وخشيتُ أن يَقْتُلَ بعضُهم بعضاً و ﴿أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ﴾ ؛ أي ولَم تحفَظْ، ﴿قَوْلِي﴾ ؛ وصيَّتي، ولَم تنتَظِر قُدُومِي وأمري، فلذلك لَم أتَّبعْكَ بمن أقامَ منهم على دِينك. قال ابنُ عبَّاس :(كَانَ هَارُونُ أخَا مُوسَى لأَبيْهِ وَأُمِّهِ، وَإنَّمَا قَالَ : يَا ابْنَ أُمِّ ليرفقَهُ ويستعطفه عليه)، وفي قولهِ (يَا ابْنَ أُمِّ) قِرَاءَتان، مَن قرأ بفتح الميمِ جعلهُ بمنْزِلة اسمٍ واحد يصلُ الثانِي بالأول، مثلُ خمسةَ عشر، ومَن قرأ بالكسرِ فعلى معنى الإضافة، ودلَّتْ كسرةُ الميم على الياءِ التي بعدها. فإن قِيْلَ : كيف جازَ أن يأخذ موسى بلحيةِ هارون ورأسه مع أن ذلك يقتضِي الاستخفافَ به ؟ قِيْلَ : لأن العادةَ في ذلك الوقتِ لَم تكن كهذهِ العادة، بل كان ذلكَ في زمانِهم يجري مجرَى القبضِ على يده، وَقِيْلَ : لأنه أجرَى هرون مُجرى نفسهِ ؛ لأنه لَم يكن يتَّهم، كما لا يتهم على نفسهِ، فقد يأخذُ الإنسانُ بلحيةِ نفسهِ إذا غَضِبَ، ويقال :(إنَّ عُمَرَ عليه السلام كَانَ إذا غَضِبَ يَفْتِلُ شَارِبَهُ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ أي فتركتَ وصيَّتي، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ يعني : ولَم تحفَظْ وصيَّتي حين قلتُ لكَ أخلفني في قومي وأصلِحْ. فلما اعتذرَ هارونُ بهذا العذرِ أقبلَ موسى السامريِّ ؛ ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ ياسَامِرِيُّ﴾ ؛ أي ما شأنُكَ وما الذي دعاكَ إلى ما صنعتَ ؟ وَقِيْلَ : معناه : ما هذا الْخَطْبُ الْعظيم الذي دعاكَ إلى ما صنعتَ، والْخَطْبُ هو الجليلُ من الأمرِ. قال قتادةُ :(كَاَنَ السَّامِرِيُّ مِنْ عُظَمَاءِ بَنِي إسْرَائِيْلَ، مِنْ قَبيْلَةٍ يُقَالُ لَهَا سَامِرَةٌ، وَلَكِنَّهُ بَعْدَ مَا قَطَعَ الْبَحْرَ مَعَ بَنِي إسْرَائِيْلَ مَرَّ بجَمَاعَةٍ وَهُم يَعْكِفُونَ عَلَى أصْنَامٍ لَهُمْ وَمَعَهُ بَنُو إسْرَائِيْلَ، فَقَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، فَاغْتَنَمَهَا السَّامِرِيُّ فَاتَّخَذَ الْعِجْلَ)، ﴿قَالَ﴾ ؛ السَّامِرِيُّ مُجيباً لِموسى :﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ ؛ أي رأيتُ ما لَم يَرَوا، بَصُرْتُ به، وعرفتُ ما لَم يعرفوا وفطنتُ ما لَم يفطنوا، قال له موسى : وما الذي بَصُرْتَ به دون بني إسرائيل؟ قال :﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ ؛ من حافرِ فرسِ جبريل، وكان قد أُلقي في نفسِي أن أقبضها ؛ وما ألقيهِ على شيءٍ إلاّ صارَ له روحٌ ولَحم ودمٌ، فحين رأيتُ قومَكَ طلبوا منكَ أن تجعل لَهم إلَهاً حدَّثَتني نفسي بذلكَ، ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ أي فطرحتُها في العجلِ، ﴿وَكَذالِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ ؛ أي زَيَّنَتْ لِي نَفْسِي) أي أطمَعَتني نفسي في أن العجلَ ينقلبُ حيواناً.

طه 20:94

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ ياقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ﴾ ؛ وذلكَ أن السامريَّ لَمَّا دعاهُم إلى عبادةِ العجل وقال لَهم : إنَّ هذا إلَهُنا وإلهُ موسى، وأن موسَى مَعْنِيٌّ في طلبهِ، وهو ههنا. فقامَ هرونُ فيهم خطيباً، وقالَ : يَا قَوْمِ إنَّمَا فُتِنْتُمْ بعبادةِ العجل، ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَـانُ﴾ ؛ لا العجلُ، ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ ؛ لِما أدعوكم اليه، ﴿وَأَطِيعُواْ أَمْرِي﴾ ؛ لا أمرَ السامريِّ، فَعَصَوْهُ ؛ ﴿قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ ؛ أي لا نزالُ مقيمين على عبادتهِ، ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ ؛ ومعنى قولهِ تعالى ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ﴾ أي من قبلِ أن يأتِي موسى. فلما رجعَ موسى ؛ ﴿قَالَ﴾ ؛ لِهارون :﴿ياهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ﴾ ؛ بعبادةِ العجل، ﴿أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ ؛ لا زائدةٌ ؛ أي ما منعكَ من اتِّباعي واللحوقِ بي بمن أقامَ على إيْمَانِهِ، ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ ؛ بإقامتِكَ بينهم وقد كفروا، ثُم أخذ موسى برأسِ هارون ولِحيَته غضباً منهُ عليه فـ ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ ؛ ولا بشعرِ رأسي، ﴿إِنِّي خَشِيتُ﴾ ؛ إن فارقتُهم واتبعتك بمن أقامَ على دِينك أن يتفرَّقُوا أحزاباً، وخشيتُ أن يَقْتُلَ بعضُهم بعضاً و ﴿أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ﴾ ؛ أي ولَم تحفَظْ، ﴿قَوْلِي﴾ ؛ وصيَّتي، ولَم تنتَظِر قُدُومِي وأمري، فلذلك لَم أتَّبعْكَ بمن أقامَ منهم على دِينك. قال ابنُ عبَّاس :(كَانَ هَارُونُ أخَا مُوسَى لأَبيْهِ وَأُمِّهِ، وَإنَّمَا قَالَ : يَا ابْنَ أُمِّ ليرفقَهُ ويستعطفه عليه)، وفي قولهِ (يَا ابْنَ أُمِّ) قِرَاءَتان، مَن قرأ بفتح الميمِ جعلهُ بمنْزِلة اسمٍ واحد يصلُ الثانِي بالأول، مثلُ خمسةَ عشر، ومَن قرأ بالكسرِ فعلى معنى الإضافة، ودلَّتْ كسرةُ الميم على الياءِ التي بعدها. فإن قِيْلَ : كيف جازَ أن يأخذ موسى بلحيةِ هارون ورأسه مع أن ذلك يقتضِي الاستخفافَ به ؟ قِيْلَ : لأن العادةَ في ذلك الوقتِ لَم تكن كهذهِ العادة، بل كان ذلكَ في زمانِهم يجري مجرَى القبضِ على يده، وَقِيْلَ : لأنه أجرَى هرون مُجرى نفسهِ ؛ لأنه لَم يكن يتَّهم، كما لا يتهم على نفسهِ، فقد يأخذُ الإنسانُ بلحيةِ نفسهِ إذا غَضِبَ، ويقال :(إنَّ عُمَرَ عليه السلام كَانَ إذا غَضِبَ يَفْتِلُ شَارِبَهُ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ أي فتركتَ وصيَّتي، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ يعني : ولَم تحفَظْ وصيَّتي حين قلتُ لكَ أخلفني في قومي وأصلِحْ. فلما اعتذرَ هارونُ بهذا العذرِ أقبلَ موسى السامريِّ ؛ ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ ياسَامِرِيُّ﴾ ؛ أي ما شأنُكَ وما الذي دعاكَ إلى ما صنعتَ ؟ وَقِيْلَ : معناه : ما هذا الْخَطْبُ الْعظيم الذي دعاكَ إلى ما صنعتَ، والْخَطْبُ هو الجليلُ من الأمرِ. قال قتادةُ :(كَاَنَ السَّامِرِيُّ مِنْ عُظَمَاءِ بَنِي إسْرَائِيْلَ، مِنْ قَبيْلَةٍ يُقَالُ لَهَا سَامِرَةٌ، وَلَكِنَّهُ بَعْدَ مَا قَطَعَ الْبَحْرَ مَعَ بَنِي إسْرَائِيْلَ مَرَّ بجَمَاعَةٍ وَهُم يَعْكِفُونَ عَلَى أصْنَامٍ لَهُمْ وَمَعَهُ بَنُو إسْرَائِيْلَ، فَقَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، فَاغْتَنَمَهَا السَّامِرِيُّ فَاتَّخَذَ الْعِجْلَ)، ﴿قَالَ﴾ ؛ السَّامِرِيُّ مُجيباً لِموسى :﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ ؛ أي رأيتُ ما لَم يَرَوا، بَصُرْتُ به، وعرفتُ ما لَم يعرفوا وفطنتُ ما لَم يفطنوا، قال له موسى : وما الذي بَصُرْتَ به دون بني إسرائيل؟ قال :﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ ؛ من حافرِ فرسِ جبريل، وكان قد أُلقي في نفسِي أن أقبضها ؛ وما ألقيهِ على شيءٍ إلاّ صارَ له روحٌ ولَحم ودمٌ، فحين رأيتُ قومَكَ طلبوا منكَ أن تجعل لَهم إلَهاً حدَّثَتني نفسي بذلكَ، ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ أي فطرحتُها في العجلِ، ﴿وَكَذالِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ ؛ أي زَيَّنَتْ لِي نَفْسِي) أي أطمَعَتني نفسي في أن العجلَ ينقلبُ حيواناً.

طه 20:95

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ ياقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ﴾ ؛ وذلكَ أن السامريَّ لَمَّا دعاهُم إلى عبادةِ العجل وقال لَهم : إنَّ هذا إلَهُنا وإلهُ موسى، وأن موسَى مَعْنِيٌّ في طلبهِ، وهو ههنا. فقامَ هرونُ فيهم خطيباً، وقالَ : يَا قَوْمِ إنَّمَا فُتِنْتُمْ بعبادةِ العجل، ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَـانُ﴾ ؛ لا العجلُ، ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ ؛ لِما أدعوكم اليه، ﴿وَأَطِيعُواْ أَمْرِي﴾ ؛ لا أمرَ السامريِّ، فَعَصَوْهُ ؛ ﴿قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ ؛ أي لا نزالُ مقيمين على عبادتهِ، ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ ؛ ومعنى قولهِ تعالى ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ﴾ أي من قبلِ أن يأتِي موسى. فلما رجعَ موسى ؛ ﴿قَالَ﴾ ؛ لِهارون :﴿ياهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ﴾ ؛ بعبادةِ العجل، ﴿أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ ؛ لا زائدةٌ ؛ أي ما منعكَ من اتِّباعي واللحوقِ بي بمن أقامَ على إيْمَانِهِ، ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ ؛ بإقامتِكَ بينهم وقد كفروا، ثُم أخذ موسى برأسِ هارون ولِحيَته غضباً منهُ عليه فـ ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ ؛ ولا بشعرِ رأسي، ﴿إِنِّي خَشِيتُ﴾ ؛ إن فارقتُهم واتبعتك بمن أقامَ على دِينك أن يتفرَّقُوا أحزاباً، وخشيتُ أن يَقْتُلَ بعضُهم بعضاً و ﴿أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ﴾ ؛ أي ولَم تحفَظْ، ﴿قَوْلِي﴾ ؛ وصيَّتي، ولَم تنتَظِر قُدُومِي وأمري، فلذلك لَم أتَّبعْكَ بمن أقامَ منهم على دِينك. قال ابنُ عبَّاس :(كَانَ هَارُونُ أخَا مُوسَى لأَبيْهِ وَأُمِّهِ، وَإنَّمَا قَالَ : يَا ابْنَ أُمِّ ليرفقَهُ ويستعطفه عليه)، وفي قولهِ (يَا ابْنَ أُمِّ) قِرَاءَتان، مَن قرأ بفتح الميمِ جعلهُ بمنْزِلة اسمٍ واحد يصلُ الثانِي بالأول، مثلُ خمسةَ عشر، ومَن قرأ بالكسرِ فعلى معنى الإضافة، ودلَّتْ كسرةُ الميم على الياءِ التي بعدها. فإن قِيْلَ : كيف جازَ أن يأخذ موسى بلحيةِ هارون ورأسه مع أن ذلك يقتضِي الاستخفافَ به ؟ قِيْلَ : لأن العادةَ في ذلك الوقتِ لَم تكن كهذهِ العادة، بل كان ذلكَ في زمانِهم يجري مجرَى القبضِ على يده، وَقِيْلَ : لأنه أجرَى هرون مُجرى نفسهِ ؛ لأنه لَم يكن يتَّهم، كما لا يتهم على نفسهِ، فقد يأخذُ الإنسانُ بلحيةِ نفسهِ إذا غَضِبَ، ويقال :(إنَّ عُمَرَ عليه السلام كَانَ إذا غَضِبَ يَفْتِلُ شَارِبَهُ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ أي فتركتَ وصيَّتي، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ يعني : ولَم تحفَظْ وصيَّتي حين قلتُ لكَ أخلفني في قومي وأصلِحْ. فلما اعتذرَ هارونُ بهذا العذرِ أقبلَ موسى السامريِّ ؛ ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ ياسَامِرِيُّ﴾ ؛ أي ما شأنُكَ وما الذي دعاكَ إلى ما صنعتَ ؟ وَقِيْلَ : معناه : ما هذا الْخَطْبُ الْعظيم الذي دعاكَ إلى ما صنعتَ، والْخَطْبُ هو الجليلُ من الأمرِ. قال قتادةُ :(كَاَنَ السَّامِرِيُّ مِنْ عُظَمَاءِ بَنِي إسْرَائِيْلَ، مِنْ قَبيْلَةٍ يُقَالُ لَهَا سَامِرَةٌ، وَلَكِنَّهُ بَعْدَ مَا قَطَعَ الْبَحْرَ مَعَ بَنِي إسْرَائِيْلَ مَرَّ بجَمَاعَةٍ وَهُم يَعْكِفُونَ عَلَى أصْنَامٍ لَهُمْ وَمَعَهُ بَنُو إسْرَائِيْلَ، فَقَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، فَاغْتَنَمَهَا السَّامِرِيُّ فَاتَّخَذَ الْعِجْلَ)، ﴿قَالَ﴾ ؛ السَّامِرِيُّ مُجيباً لِموسى :﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ ؛ أي رأيتُ ما لَم يَرَوا، بَصُرْتُ به، وعرفتُ ما لَم يعرفوا وفطنتُ ما لَم يفطنوا، قال له موسى : وما الذي بَصُرْتَ به دون بني إسرائيل؟ قال :﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ ؛ من حافرِ فرسِ جبريل، وكان قد أُلقي في نفسِي أن أقبضها ؛ وما ألقيهِ على شيءٍ إلاّ صارَ له روحٌ ولَحم ودمٌ، فحين رأيتُ قومَكَ طلبوا منكَ أن تجعل لَهم إلَهاً حدَّثَتني نفسي بذلكَ، ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ أي فطرحتُها في العجلِ، ﴿وَكَذالِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ ؛ أي زَيَّنَتْ لِي نَفْسِي) أي أطمَعَتني نفسي في أن العجلَ ينقلبُ حيواناً.

طه 20:96

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ ياقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ﴾ ؛ وذلكَ أن السامريَّ لَمَّا دعاهُم إلى عبادةِ العجل وقال لَهم : إنَّ هذا إلَهُنا وإلهُ موسى، وأن موسَى مَعْنِيٌّ في طلبهِ، وهو ههنا. فقامَ هرونُ فيهم خطيباً، وقالَ : يَا قَوْمِ إنَّمَا فُتِنْتُمْ بعبادةِ العجل، ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَـانُ﴾ ؛ لا العجلُ، ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ ؛ لِما أدعوكم اليه، ﴿وَأَطِيعُواْ أَمْرِي﴾ ؛ لا أمرَ السامريِّ، فَعَصَوْهُ ؛ ﴿قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ ؛ أي لا نزالُ مقيمين على عبادتهِ، ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ ؛ ومعنى قولهِ تعالى ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ﴾ أي من قبلِ أن يأتِي موسى. فلما رجعَ موسى ؛ ﴿قَالَ﴾ ؛ لِهارون :﴿ياهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ﴾ ؛ بعبادةِ العجل، ﴿أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ ؛ لا زائدةٌ ؛ أي ما منعكَ من اتِّباعي واللحوقِ بي بمن أقامَ على إيْمَانِهِ، ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ ؛ بإقامتِكَ بينهم وقد كفروا، ثُم أخذ موسى برأسِ هارون ولِحيَته غضباً منهُ عليه فـ ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ ؛ ولا بشعرِ رأسي، ﴿إِنِّي خَشِيتُ﴾ ؛ إن فارقتُهم واتبعتك بمن أقامَ على دِينك أن يتفرَّقُوا أحزاباً، وخشيتُ أن يَقْتُلَ بعضُهم بعضاً و ﴿أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ﴾ ؛ أي ولَم تحفَظْ، ﴿قَوْلِي﴾ ؛ وصيَّتي، ولَم تنتَظِر قُدُومِي وأمري، فلذلك لَم أتَّبعْكَ بمن أقامَ منهم على دِينك. قال ابنُ عبَّاس :(كَانَ هَارُونُ أخَا مُوسَى لأَبيْهِ وَأُمِّهِ، وَإنَّمَا قَالَ : يَا ابْنَ أُمِّ ليرفقَهُ ويستعطفه عليه)، وفي قولهِ (يَا ابْنَ أُمِّ) قِرَاءَتان، مَن قرأ بفتح الميمِ جعلهُ بمنْزِلة اسمٍ واحد يصلُ الثانِي بالأول، مثلُ خمسةَ عشر، ومَن قرأ بالكسرِ فعلى معنى الإضافة، ودلَّتْ كسرةُ الميم على الياءِ التي بعدها. فإن قِيْلَ : كيف جازَ أن يأخذ موسى بلحيةِ هارون ورأسه مع أن ذلك يقتضِي الاستخفافَ به ؟ قِيْلَ : لأن العادةَ في ذلك الوقتِ لَم تكن كهذهِ العادة، بل كان ذلكَ في زمانِهم يجري مجرَى القبضِ على يده، وَقِيْلَ : لأنه أجرَى هرون مُجرى نفسهِ ؛ لأنه لَم يكن يتَّهم، كما لا يتهم على نفسهِ، فقد يأخذُ الإنسانُ بلحيةِ نفسهِ إذا غَضِبَ، ويقال :(إنَّ عُمَرَ عليه السلام كَانَ إذا غَضِبَ يَفْتِلُ شَارِبَهُ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ أي فتركتَ وصيَّتي، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ يعني : ولَم تحفَظْ وصيَّتي حين قلتُ لكَ أخلفني في قومي وأصلِحْ. فلما اعتذرَ هارونُ بهذا العذرِ أقبلَ موسى السامريِّ ؛ ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ ياسَامِرِيُّ﴾ ؛ أي ما شأنُكَ وما الذي دعاكَ إلى ما صنعتَ ؟ وَقِيْلَ : معناه : ما هذا الْخَطْبُ الْعظيم الذي دعاكَ إلى ما صنعتَ، والْخَطْبُ هو الجليلُ من الأمرِ. قال قتادةُ :(كَاَنَ السَّامِرِيُّ مِنْ عُظَمَاءِ بَنِي إسْرَائِيْلَ، مِنْ قَبيْلَةٍ يُقَالُ لَهَا سَامِرَةٌ، وَلَكِنَّهُ بَعْدَ مَا قَطَعَ الْبَحْرَ مَعَ بَنِي إسْرَائِيْلَ مَرَّ بجَمَاعَةٍ وَهُم يَعْكِفُونَ عَلَى أصْنَامٍ لَهُمْ وَمَعَهُ بَنُو إسْرَائِيْلَ، فَقَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، فَاغْتَنَمَهَا السَّامِرِيُّ فَاتَّخَذَ الْعِجْلَ)، ﴿قَالَ﴾ ؛ السَّامِرِيُّ مُجيباً لِموسى :﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ ؛ أي رأيتُ ما لَم يَرَوا، بَصُرْتُ به، وعرفتُ ما لَم يعرفوا وفطنتُ ما لَم يفطنوا، قال له موسى : وما الذي بَصُرْتَ به دون بني إسرائيل؟ قال :﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ ؛ من حافرِ فرسِ جبريل، وكان قد أُلقي في نفسِي أن أقبضها ؛ وما ألقيهِ على شيءٍ إلاّ صارَ له روحٌ ولَحم ودمٌ، فحين رأيتُ قومَكَ طلبوا منكَ أن تجعل لَهم إلَهاً حدَّثَتني نفسي بذلكَ، ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ أي فطرحتُها في العجلِ، ﴿وَكَذالِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ ؛ أي زَيَّنَتْ لِي نَفْسِي) أي أطمَعَتني نفسي في أن العجلَ ينقلبُ حيواناً.

طه 20:97

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ﴾ ؛ أي قال موسَى : فَاذهَبْ مِن بيننا، فإن لكَ ما دُمْتَ حيّاً أن تقولَ :(لاَ مِسَاسَ) أي لا أمُسُّ ولا أُمَسُّ ولا أخالطُ، وأمرَ موسى أن لا يؤاكلوهُ ولا يخالطوه ولا يبايعوهُ، فَحَرَّمَ عليهم مخالطةَ السامريِّ زَجْراً لفعلهِ، وكان هو يقيمُ في البريَّة مع الوحوشِ والسِّباع. ويقالُ : إنه ابْتُلِيَ بالوَسْوَاسِ، ويقال : إنَّ موسى هَمَّ بقتلِ السامريِّ فقال اللهُ : لا تَقتُلْهُ فإنه سخيٌّ! فكان السامريُّ إذا لَقِيَ أحداً يقولُ : لاَ مِسَاسَ ؛ أي لا تَقْرَبْنِي ولا تَمسَّني، وذلك عقوبة لهُ ولولدهِ، عَاقَبَهُ اللهُ بذلك حتى أن بقايَاهم اليومَ يقولون كذلكَ. وذُكِرَ أنه إذا مَسَّ واحدٌ من نَسْلِهِ أحداً من غيرهم حَمَّ كلاهُما في الوقت. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ﴾ ؛ معناهُ : وإن لكَ يا سامريُّ أجَلاً يُكَافِؤُكَ اللهُ فيه على ما فعلتَ وهو يومُ القيامة. قرأ الحسنُ وابن مسعود :(نُخْلِفَهُ) وابن كثير وابن عامرٍ (تُخْلِفَهُ) بكسرِ اللام ؛ أي لن يغيبَ عنه بل يوافقهُ، ولا مذهبَ لك عنه، وقرأ الباقون بفتحِ اللام بمعنى لن يَخْلَفَهُ اللهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَانظُرْ إِلَى إِلَـاهِكَ﴾ ؛ أي وانظر إلى العجلِ الذي أقمتَ على عبادتهِ، وزعمتَ أنه إلَهُكَ ومعبودُك، ﴿الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً﴾ ؛ أي مُقيماً تعبدهُ، تقولُ العرب ظَلْتُ أفْعَلُ كذا بمعنى ظَلَلْتُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(حَرَّقَهُ بالنَّارِ، ثُمَّ ذرَّاهُ فِي الْيَمِّ) وهذه القراءةُ تدلُّ على أن ذلك العجلَ صار حيواناً لَحماً ودماً لأن الذهبَ والفضَّة لا يُمكن إحراقُهما بالنار. وذُكِرَ في بعضِ التفاسير : أن موسى أخذ العجلَ فذبَحَهُ فسالَ منه دمٌ، لأنَّه كان قد صارَ دماً ولحماً، ثُم أحرقه بالنارِ ثم ذرَّاهُ في البحرِ. وكان الحسنُ يقرأ (لَنُحْرِقَنَّهُ) بالتخفيف، ومعناه : لَنَذْبَحَنَّهُ ثم لنحرقنه بالنار، لأنه لا يجوزُ إحراقُ الحيوانِ قبل الذبحِ كما روي في الخبر :" لاَ تُعَذِّبُوا أحَداً بعَذاب اللهِ ". وقرأ أبو جعفرٍ وأشهبُ العقيلي :(لَنَحْرُقَنَّهُ) بنصب النونِ وضمِّ الراء ؛ أي لَنَبْرُدَنَّهُ بالْمِبْرَدِ، يقال : حرقتُ الشيءَ أُحرِقهُ أذا بَرَدْتَهُ، والْمِحْرَقُ هو الْمِبْرَدُ، وهذه القراءةُ تدلُّ على أن العجلَ كان ذهباً، ولكن كان له خُوار. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً﴾ أي لَنُذرِّيَهُ في البحرِ تذريةً، يقالُ : نَسَفَ فلانٌ الطعامَ بالْمَنْسَفِ إذا ذرَّاهُ ليطيرَ عنه قشوره وترابه.

طه 20:98

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّمَآ إِلَـاهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ؛ أي قال لَهم موسى :﴿إِنَّمَآ إِلَـاهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي لا معبودَ للخلقِ سواهُ، فهو الذي يستحقُّ العبادةَ لا العجلَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ ؛ أي أحاطَ علمهُ بكلِّ شيء، فلا يخفَى عليه شيءٌ من أعمالِ العباد.

طه 20:99

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذالِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ ؛ أي كما قصَصْنا عليكَ يا مُحَمَّدُ خبرَ موسى وقومِهُ كذلك نقصُّ عليك مِن أخبارِ مَن قد مضَى وتقدَّمَ من أخبارِ الرُّسل وأُمَمِهم، ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً﴾ أي وقد أكرمناكَ بالقُرْآنِ العظيم.

طه 20:100

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً﴾ ؛ أي مَن أعرضَ عن القُرْآنِ فلم يؤمِنْ به فإنه يَحْمِلُ يوم القيامة إثْماً. والوِزْرُ ها هنا : الْحِمْلُ الثقيلُ من الإثْمِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ ؛ أي مُقيمين في عقوبةِ ذلك الإثمِ وعذابهِ، ﴿وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً﴾ ؛ أي ساء وِزْرُهُمْ، يومئذ حملاً.

طه 20:101

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً﴾ ؛ أي مَن أعرضَ عن القُرْآنِ فلم يؤمِنْ به فإنه يَحْمِلُ يوم القيامة إثْماً. والوِزْرُ ها هنا : الْحِمْلُ الثقيلُ من الإثْمِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ ؛ أي مُقيمين في عقوبةِ ذلك الإثمِ وعذابهِ، ﴿وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً﴾ ؛ أي ساء وِزْرُهُمْ، يومئذ حملاً.

طه 20:102

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾ ؛ قرأ ابو عمرٍو بنون مفتوحةٍ، وقرأ الباقون بياءٍ مَضمومة غير تسمية الفاعل، والصُّورُ : قَرْنٌ يُنْفَخُ فيه يومئذٍ ؛ ليقومَ الناسُ من قبورهم مثلَ بُوقِ الرَّحيل وبوقِ النُّزولِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾ ؛ قِيْلَ : معناهُ : قد ازْرَقَّتْ أعيُنهم من شدَّة العطشِ ؛ لأن العطشَ إذا اشتدَّ يغيِّرُ سوادَ العين إلى الزُّرقة. وَقِيْلَ : معناهُ : عُمْياً، ومعنى الزُّرقَةِ الْخُضْرَةُ في سَوادِ العين كعَيْنَي السَّنُّورِ، والمعنى في هذا : تشويهُ الْخَلْقِ سوادُ الوُجوهِ، وزُرْقَةُ العيون.

طه 20:103

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ ؛ أي يَتَشَاوَرُونَ فيما بينهم، يقولُ بعضُهم لبعضٍ :﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً﴾ ؛ أي ما لَبثْتُمْ من النَّفخة الأُولى إلى الثانيةِ إلاّ عشرَ ليال، وذلك أنَّهم يُكَفُّ عنهم العذابُ فيما بين النَّفختين وهو أربعونَ سنةً، فاسْتَقْصَرُوا مدَّةَ لُبْثِهِمْ لِهولِ ما عاينوا. وَقِيْلَ : معناهُ : يقولون ما لَبثْتُمْ في الدُّنيا إلاّ عشرَ ليالٍ، وذلك لشدَّة ما يَرَوْنَ من هَوْلِ يوم القيامة يَنْسُونَ ما لَبثوا في الدُّنيا.

طه 20:104

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ ؛ أعلَمُهم عندَهم، ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾ ؛ نَسَوا مقدارَ لُبْثِهِمْ لشدَّة وهمِهم، فقالوا هذا القولَ وهو كذبٌ منهم.

طه 20:105

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ ؛ أي يسألُكَ الكفارُ عن حالِ الجبال يومَ القيامة : أينَ تذهبُ مع عِظَمِهَا. وقال ابنُ عبَّاس :(سَأَلَ رَجُلٌ مِنْ ثَقِيْفٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ، كَيْفَ تَكُونُ الْجِبَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ فأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً﴾ ؛ أي يُصَيِّرُها رَمْلاً تسيلُ سَيلاً، ثُم يرسلُ عليها الرياحَ فتفرِّقُها كتَذْريَةِ الطعامِ من القشُور والتراب، فيصيِّرُها كالْهَبَاءِ، وكالصُّوف المنفوشِ.

طه 20:106

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً﴾ ؛ أي أرْضاً ملساءَ مستويةً لا نَبَاتَ فيها، والصَّفْصَفُ : الأَمْلَسُ الذي لا نباتَ فيه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَّ تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(الْعِوَجُ : الأَوْدِيَةُ، وَالأَمْتُ : الرَّوَابي)، وقال مجاهدُ :(انْخِفَاضاً وَارْتِفَاعاً)، وقال قتادةُ :(لاَ تَرَى فِيْهَا صَدْعاً وَلاَ أكَمَةً)، وقال الحسنُ :(الْعِوَجُ : مَا انْخَفَضَ مِنَ الأَرْضِ، وَالأَمْتُ : مَا يَسْتُرُ مِنَ الرَّوَابي)، ويقالُ : مَدَّ حَبْلَهُ حتى ما تركَ فيه أمتَاً، وملأَ سقَاءه حتى ما ترك فيه أمتاً ؛ أي انثناءً.

طه 20:107

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً﴾ ؛ أي أرْضاً ملساءَ مستويةً لا نَبَاتَ فيها، والصَّفْصَفُ : الأَمْلَسُ الذي لا نباتَ فيه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَّ تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(الْعِوَجُ : الأَوْدِيَةُ، وَالأَمْتُ : الرَّوَابي)، وقال مجاهدُ :(انْخِفَاضاً وَارْتِفَاعاً)، وقال قتادةُ :(لاَ تَرَى فِيْهَا صَدْعاً وَلاَ أكَمَةً)، وقال الحسنُ :(الْعِوَجُ : مَا انْخَفَضَ مِنَ الأَرْضِ، وَالأَمْتُ : مَا يَسْتُرُ مِنَ الرَّوَابي)، ويقالُ : مَدَّ حَبْلَهُ حتى ما تركَ فيه أمتَاً، وملأَ سقَاءه حتى ما ترك فيه أمتاً ؛ أي انثناءً.

طه 20:108

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ﴾ ؛ أي يومئذٍ يتَّبعون داعِيَ اللهِ الذي يدعوهم إلى موقفِ القيامة وهو اسرافيلُ لا عِوَجَ لدعائهِ، وَقِيْلَ : لا عِوَجَ لَهم عن دعائهِ ؛ أي لا يزيغون عنه، بل يَتْبَعُونَهُ سَرَايا لا يُعدِلُونَ عن الطريقِ يَميناً ولا شِمالاً ولا يَملكون التأخُّرَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـانِ﴾ أي ذلَّتِ الأصواتُ لِهَيْبَةِ الرَّحمنِ، وَقِيْلَ : سَكَنَتِ الأصواتُ لهُ، فَوَصَفَ الأصواتَ بالخشوعِ، والمعنى لأهْلِها، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً﴾ ؛ أي إلاَّ صَوتاً خَفيّاً يعني صوتَ نقل الأقدامِ إلى الْمَحْشَرِ. والْهَمْسُ : الصوتُ الخفيُّ كأخفافِ صوت الإبل في المشيِ. وقال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَى الْهَمْسِ تَحْرِيْكُ الشِّفَاهِ بغَيْرِ مَنْطِقٍ) وهو قولُ مجاهد، والكلامُ الخفيُّ، والمعنى على هذا التفسيرِ : سَكَنَتِ الأصواتُ فلا يَجْهَرُ أحدٌ بكلامٍ إلاّ كالمشير مِن الإشارة بالشَّفَةِ، وتحريكِ الفمِ مِن غيرِ صوتٍ.

طه 20:109

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَـانُ﴾ ؛ أي لا تنفعُ لأحدٍ من الناس إلاّ مَن أذِنَ اللهُ أن يُشْفَعَ له فذاك الذي تنفعُ الشفاعة، وَقِيْلَ : لا تنفعُ شفاعةُ أحدٍ إلاّ مَن أُذِنَ له الرَّحمنُ في أن يَشْفَعَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ ؛ في الدُّنيا وهم المؤمنونَ، فإنَّ اللهَ لا يرضَى إلاّ قول المؤمنين.

طه 20:110

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ؛ هذا كنايةٌ راجعة إلى الَذين يتَّبعون الداعيَ ؛ أي يعلمُ ما قَدَّمُوا واخْلَفُوا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ ؛ الكنايةُ تعودُ إلى ما في قولهِ ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي هو يعلمُ ذلك.

طه 20:111

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ ؛ أي ذلَّتِ الوجوهُ وخضعت واستسلَمَت للحيِّ الذي لا يَموتُ، القائمُ الذي لا نِدَّ لهُ، والعَانِي في اللغة : هو الأسيرُ، ومنهُ قولُهم : أخذتَ الشيءَ عُنْوَةً ؛ أي غَلَبَةً بدلٌ الماخوذ منه : قال الشاعرُ : مَلِيْكٌ عَلَى عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنٌ لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الْوُجُوهُ وَتَسْجُدُوقال الحسنُ :(الْقَيُّومُ : الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بمَا كَسَبَتْ حَتَّى يَجْزِيَهَا). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ ؛ أي خابَ مِن ثواب الله مَن حَمل شِرْكاً، ومعنى خابَ أي خَسِرَ.

طه 20:112

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً﴾ ؛ في سيِّئاته، ﴿وَلاَ هَضْماً﴾ ؛ بالنُّقصان من حسناتهِ، والْهَضْمُ : النَّقْصُ ؛ يقال : هَضَمَنِي فلانٌ حَقِّي ؛ أي نَقَصَنِي، وهذا شيءٌ يَهْضِمُ الطعامَ أي ينقصُ نقله.

طه 20:113

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذالِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ ؛ أي وهكذا أنزلناهُ قُرْآناً على اللُّغة العربية، ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ﴾ ؛ أي وكَرَّرْنَا فيه، ﴿مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ؛ وَقِيْلَ : معنى (وَصَرَّفْنَا) أي بَيَّنَّا فِيْهِ مِنَ الْوَعِيْدِ، يعني الوقائعَ في الأُممِ الْمُكَذِّبَةِ ؛ لكي يَتَّقُوا الشِّركَ بالاتِّعاظ بمن قبْلَهم، ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾ ؛ أي يُحْدِثُ لَهمُ الْقُرْآنُ اعتباراً فيذكروا به عقابَ الله، وَقِيْلَ : معناهُ : أوْ يُحْدِثَ لَهُمْ ذِكْراً شَرفاً بإيْمانِهم، كما قالَ تَعَالَى﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾[الزخرف: ٤٤] أي شَرَفٌ لكَ ولقومك.

طه 20:114

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ ؛ أي ارتفعت صفةُ الرَّحمن فوقَ كلِّ شيء سواهُ، لأنه أقدرُ من كلِّ قادرٍ، وأعلمُ من كلِّ عالِم، وكلُّ قادرٍ وعالِم سواهُ مُحْتَاجٌ إليه، وهو غَنِيٌّ عنه، قولهُ ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أي يَحِقُّ له الْمُلْكُ، وإن كان مَلِكٌ سواهُ يَملكُ بعضَ الأشياء ويبيد مُلْكَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ ؛ قال الحسنُ :" كَانَ النَّبيُّ ﷺ إذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ عَجَّلَ بقِرَاءَتهِ مَخَافَةَ نِسْيَانِهِ، وَكَانَ يَقْرَأُ مَعَ الْمَلَكِ مَخَافَةَ أنْ يَذْهَبَ عَنْهُ، فَنُهِيَ عَنْ ذلِكَ " فَقَالَ ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾ أيْ بقِرَاءَتِهِ مِنْ قَبْلِ أنْ يَفْرَغَ جِبْرِيْلُ مِنْ تِلاَوَتِهِ عَلَيْكَ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ ؛ أي زدْنِي حِفْظاً لا أنساهُ.

طه 20:115

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ﴾ ؛ أي أمَرْنَاهُ أن لا يأكلَ مِن الشَّجرةِ مِن قَبْلِ هؤلاء الذين نَقَضُوا عهدي، وترَكُوا الإيْمانَ بي، وهمُ الذين ذكَرَهم اللهُ في قولهِ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾[طه: ١١٣]، والمعنى أن هؤلاءِ الذينَ صَرَّفَ لَهم في القُرْآنِ الوعيدَ إذ ضيَّعُوا عهدي وخالَفُوا أمري، فإنَّ أبَاهُم آدمُ عليه السلام عَهدْنَا إليه أيضاً، ﴿فَنَسِيَ﴾ ؛ وتركَ عهدِي وما أُمِرَ بهِ، ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ ؛ أي لَم نَجِدْ له حِفْظاً لِمَا أمَرْنَا به. وقال الحسنُ :(مَعْنَاهُ : وَلَمْ نَجِدْ لَهُ صَبْراً عَمَّا نُهِيَ عَنْهُ، وَلَمْ نَجِدْ لَهُ رَأْياً مَعْزُوماً عَلَيْهِ)، حيثُ أطاعَ عَدُوَّهُ إبليسَ الذي حَسَدَهُ وأبَى أن يسجُدَ لهُ. قال الحسنُ :(كَانَ عَقْلُ آدَمَ كَعَقْلِ جَمِيْعِ ذُرِّيَّتِهِ)، قال اللهُ ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾. وجاءَ في الحديث :" لَوْ وُزِنَ حِلْمُ بَنِي آدَمَ مُذْ كَانَ آدَمُ إلَى أنْ تَقُومَ السَّاعَةُ لَرَجَحَ حِلْمُ آدَمَ عَلَى حِلْمِهِمْ، وَقَدْ قالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ ".

طه 20:116

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى﴾ ؛ قد تقدَّم تفسيرهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هَـاذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ ؛ أي لكَ ولامرأتِكَ، فلا تَميلاَ إليه، ولا تعيلاَ منهُ، ﴿فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا﴾ ؛ أي فيكونُ ذلك سببَ خروجكما، ﴿مِنَ الْجَنَّةِ﴾ ؛ إلى شَدائِدِ الدنيا وجُوعِها وعطَشِها وفَقْرِها وتعبها في طلب المعاش، وهذا معنى قولهِ :﴿فَتَشْقَى﴾ ؛ أي تتعبُ بالأكلِ من كّدِّ يدِكَ، وما تكسبهُ لنفسك، والمعنى : إنَّ عيشَكَ لا يكونُ إلاّ من كَدِّ يَمينك وعرقِ جبينك. قال سعيدُ بن جبير :(أهْبَطَ اللهُ إلَى آدَمَ ثَوْرَيْنِ، فَكَانَ يَحْرِثُ عَلَيْهِما، وَيَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ جَبيْنِهِ) فهو شقاؤُهُ الذي قالَ اللهُ تَعَالَى، وكان مِن حَقِّهِ أن يقولَ : فَيَشْقَيَا أو تَشْقَى أنتَ وزوجُكَ، لكن غَلَّبَ المذكَّرَ ؛ لأن تَعَبَهُ أكثرُ، وَقِيْلَ : لأجلِ رُؤُوسِ الآيِ.

طه 20:117

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى﴾ ؛ قد تقدَّم تفسيرهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هَـاذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ ؛ أي لكَ ولامرأتِكَ، فلا تَميلاَ إليه، ولا تعيلاَ منهُ، ﴿فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا﴾ ؛ أي فيكونُ ذلك سببَ خروجكما، ﴿مِنَ الْجَنَّةِ﴾ ؛ إلى شَدائِدِ الدنيا وجُوعِها وعطَشِها وفَقْرِها وتعبها في طلب المعاش، وهذا معنى قولهِ :﴿فَتَشْقَى﴾ ؛ أي تتعبُ بالأكلِ من كّدِّ يدِكَ، وما تكسبهُ لنفسك، والمعنى : إنَّ عيشَكَ لا يكونُ إلاّ من كَدِّ يَمينك وعرقِ جبينك. قال سعيدُ بن جبير :(أهْبَطَ اللهُ إلَى آدَمَ ثَوْرَيْنِ، فَكَانَ يَحْرِثُ عَلَيْهِما، وَيَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ جَبيْنِهِ) فهو شقاؤُهُ الذي قالَ اللهُ تَعَالَى، وكان مِن حَقِّهِ أن يقولَ : فَيَشْقَيَا أو تَشْقَى أنتَ وزوجُكَ، لكن غَلَّبَ المذكَّرَ ؛ لأن تَعَبَهُ أكثرُ، وَقِيْلَ : لأجلِ رُؤُوسِ الآيِ.

طه 20:118

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى﴾ ؛ أي إنَّكَ ما دُمْتَ مُقيماً في الجنَّة على طاعةِ الله فلا تجوعُ فيه ولا تَعْرَى ؛ أي لكثرة أثْمَارها وأثوابها ونعيمها، ﴿وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا﴾ ؛ أي لا تعطشُ، ﴿وَلاَ تَضْحَى﴾ ؛ أي ولا تَبْرُزُ إلى الشَّمسِ ؛ لأنه ليس في الجنَّة شَمسٌ، إنَّما هو ظِلٌّ ممدودٌ. وقرئ : وَإنَّكَ لاَ تَظْمَأُ) بكسرِ الهمزة عطفاً على (إنَّ لَكَ أنْ تَجُوعَ)، وقرئَ بالنصب عطفاً على (أنْ لاَ تَجُوعَ).

طه 20:119

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى﴾ ؛ أي إنَّكَ ما دُمْتَ مُقيماً في الجنَّة على طاعةِ الله فلا تجوعُ فيه ولا تَعْرَى ؛ أي لكثرة أثْمَارها وأثوابها ونعيمها، ﴿وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا﴾ ؛ أي لا تعطشُ، ﴿وَلاَ تَضْحَى﴾ ؛ أي ولا تَبْرُزُ إلى الشَّمسِ ؛ لأنه ليس في الجنَّة شَمسٌ، إنَّما هو ظِلٌّ ممدودٌ. وقرئ : وَإنَّكَ لاَ تَظْمَأُ) بكسرِ الهمزة عطفاً على (إنَّ لَكَ أنْ تَجُوعَ)، وقرئَ بالنصب عطفاً على (أنْ لاَ تَجُوعَ).

طه 20:120

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾ ؛ أي وَسْوَسَ لهُ ليأكلَ من الشجرةِ فـ ﴿قَالَ ياآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ ؛ أي على شجرةٍ مَن أكلَ منها خُلِّدَ ولَم يَمُتْ، ﴿وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى﴾ ؛ وَيبقى في ملك لا يبلى ولا يفنَى.

طه 20:121

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَكَلاَ مِنْهَا﴾ ؛ أي أكلَ آدمُ وحوَّاءُ من الشجرة على وجهِ الخطأ في التأويلِ لا تعمُّداً في المعصيةِ إذ الأنبياءُ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ لا يُقيمون المعصيةَ، وهم أشدُّ خوفاً من الله أن يفعلُوا ذلك. لأنَّ بعض المفسِّرين قالَ : إن اللهَ تعالى أشارَ بالنَّهي إلى شجرةٍ بعينِها، فقال لهُ : لا تَأْكُلْ من هذه الشجرةِ، وأرادُوا جنسَ تلك الشجرة، فَنَسِيَ آدمُ الاستدلالَ بذلك على الجنسِ، فحملَ النهيَ على العينِ. وهذا كما " رُوي عن النبيِّ ﷺ : أنَّهُ أخَذ الذهَبَ بإحْدَى يَدَيْهِ، وَالْحَرِيْرَ بالأُخْرَى، وَقَالَ :" هَذانِ حَرَامَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، حِلُّ لإنَاثِهِمْ " وأرادَ به الجنسَ دون العينِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ ؛ أي ظهرت لَهما عوراتُهما، وإنَّما جمع السَّوءَاتِ ولَم يثَنِّهما ؛ لأن كلَّ شيء من شيءٍ فهو جمعٌ في موضعِ التثنية. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا﴾ ؛ أي جعلاَ يقطعان عليهما، ﴿مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ ؛ ويجعلانه على سوءاتِهما. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ﴾ ؛ أي عصاهُ بأكلِ الشجرةِ، ﴿فَغَوَى﴾ ؛ أي فَعَلَ ما لَم يكن لهُ فِعْلُهُ. وَقِيْلَ : ضَلَّ حين طلبَ الْخُلْدَ بأكلِ ما نُهِيَ عن أكلهِ. وَقِيْلَ : الغيُّ الفسادُ ؛ أي فَسَدَ عليه عيشهُ، وَقِيْلَ :(فَغَوَى) أي أخطأ، وَقِيْلَ : خابَ في طلبه في أكلِ الشجرة.

طه 20:122

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ ؛ أي اجتباهُ للرِّسالة، وَقِيْلَ : قَرَّبَهُ، ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ ؛ إلى ذِكْرِهِ، وَقِيْلَ : اصطفاهُ فتابَ عليه وهداهُ حين قال﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾[الأعراف: ٢٣] الآيةُ.

طه 20:123

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً﴾ ؛ قد تقدم تفسيره، قوله تعالى :﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ ؛ يعني آدمَ وذريَّته وإبليسَ وذريَّته، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾ ؛ أرادَ به الكتابَ والرَّسُولَ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾ ؛ أي مَنِ اتَّبَعَ الكتابَ والرسول، ﴿فَلاَ يَضِلُّ﴾ في الدُّنيا، ﴿وَلاَ يَشْقَى﴾ في الآخرةِ. قال ابنُ عبَّاس رضي الله عنه :(ضَمِنَ اللهُ لِمَنْ قَرَأ الْقُرْآنَ وَعَمِلَ بهِ أنْ لاَ يَضِلَّ وَلاَ يَشْقَى).

طه 20:124

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾ ؛ أي عن مَوْعِظَتِي، وَقِيْلَ : عن القُرْآنِ فلم يؤمِنْ به ولَم يَتَّبعْهُ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾، الضَّنْكُ : الضيِّقُ والشدةُ والصُّعوبَةُ. قال ابنُ عبَّاس :(يَعْنِي أنَّ عَيْشَهُ يَكُونُ مُنَغِّصاً عَلَيْهِ غَيْرَ مُوقِنٍ بالْخَلْفِ وَالْجَزَاءِ)، وقال عبدُالله بنُ مسعودٍ وأبو سعيدٍ الخدريُّ والسديُّ :(مَعَنْى قَوْلِهِ ﴿مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ عَذابُ الْقَبْرِ ؛ يَضِيْقُ عَلَيْهِ حَتَّى تَخْتَلِفَ أضْلاَعُهُ)، وقال الحسنُ :(هُوَ الضَّرِيْعُ وَالزَّقُّومُ فِي النَّارِ)، قال عكرمةُ :(هُوَ أكْلُ الْحَرَامِ فِي الدُّنْيَا الَّذِي يُؤَدِّيْهِ إلَى النَّار). وعن رسولِ الله ﷺ أنهُ قالَ :" أتَدْرُونَ مَا الْمَعِيْشَةُ الضَّنْكَةُ ؟ " قَالُواْ : اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قَالَ :" عَذابُ الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ إنَّهُ لَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تَسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّيْناً، لِكُلِّ تِنِّيْنٍ سَبْعَةُ رُؤُوسٍ، يَنْهَشُونَهُ وَيَلْسَعُونَهُ وَيَخْدِشُونَ لَحْمَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَوْ أنَّ تِنِّيْناً نَفَخَ فِي الأَرْضِ لَمْ تُنْبتْ شَيْئاً ". وقال ابنُ زيد :(الْمَعِيْشَةَ الضَّنْكَى : الزَّقُّومُ وَالْغِسْلِيْنُ وَالضَّرِيْعُ)، وقال الضحَّاكُ :(الْكَسْبُ الْخَبيْثُ)، وَقِيْلَ : إذا كان العبدُ سَيِّءَ الظنِّ بالله ضاقَ عليه عيشهُ وَضَنِكَ. وقال ابنُ جبير :(معنى قوله :﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ أي سَلَبَهُ الْقَنَاعَةَ حَتَّى لاَ يَشْبَعَ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَى﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(عَمَى الْبَصَرِ)، وقال مجاهدُ :(أعْمَى عَن الْحُجَّةِ ؛ أيْ لاَ حُجَّةَ لَهُ يَهْتَدِي إلَيْهَا)، ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً﴾ ؛ بعَيْنَيَّ، ﴿قَالَ كَذالِكَ﴾ ؛ تكونُ كَمَا ﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ ؛ أي فتَرَكْتَهَا وأعرضتَ عنها، ﴿وَكَذالِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ ؛ أي تُتْرَكُ في النار.

طه 20:125

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾ ؛ أي عن مَوْعِظَتِي، وَقِيْلَ : عن القُرْآنِ فلم يؤمِنْ به ولَم يَتَّبعْهُ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾، الضَّنْكُ : الضيِّقُ والشدةُ والصُّعوبَةُ. قال ابنُ عبَّاس :(يَعْنِي أنَّ عَيْشَهُ يَكُونُ مُنَغِّصاً عَلَيْهِ غَيْرَ مُوقِنٍ بالْخَلْفِ وَالْجَزَاءِ)، وقال عبدُالله بنُ مسعودٍ وأبو سعيدٍ الخدريُّ والسديُّ :(مَعَنْى قَوْلِهِ ﴿مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ عَذابُ الْقَبْرِ ؛ يَضِيْقُ عَلَيْهِ حَتَّى تَخْتَلِفَ أضْلاَعُهُ)، وقال الحسنُ :(هُوَ الضَّرِيْعُ وَالزَّقُّومُ فِي النَّارِ)، قال عكرمةُ :(هُوَ أكْلُ الْحَرَامِ فِي الدُّنْيَا الَّذِي يُؤَدِّيْهِ إلَى النَّار). وعن رسولِ الله ﷺ أنهُ قالَ :" أتَدْرُونَ مَا الْمَعِيْشَةُ الضَّنْكَةُ ؟ " قَالُواْ : اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قَالَ :" عَذابُ الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ إنَّهُ لَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تَسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّيْناً، لِكُلِّ تِنِّيْنٍ سَبْعَةُ رُؤُوسٍ، يَنْهَشُونَهُ وَيَلْسَعُونَهُ وَيَخْدِشُونَ لَحْمَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَوْ أنَّ تِنِّيْناً نَفَخَ فِي الأَرْضِ لَمْ تُنْبتْ شَيْئاً ". وقال ابنُ زيد :(الْمَعِيْشَةَ الضَّنْكَى : الزَّقُّومُ وَالْغِسْلِيْنُ وَالضَّرِيْعُ)، وقال الضحَّاكُ :(الْكَسْبُ الْخَبيْثُ)، وَقِيْلَ : إذا كان العبدُ سَيِّءَ الظنِّ بالله ضاقَ عليه عيشهُ وَضَنِكَ. وقال ابنُ جبير :(معنى قوله :﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ أي سَلَبَهُ الْقَنَاعَةَ حَتَّى لاَ يَشْبَعَ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَى﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(عَمَى الْبَصَرِ)، وقال مجاهدُ :(أعْمَى عَن الْحُجَّةِ ؛ أيْ لاَ حُجَّةَ لَهُ يَهْتَدِي إلَيْهَا)، ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً﴾ ؛ بعَيْنَيَّ، ﴿قَالَ كَذالِكَ﴾ ؛ تكونُ كَمَا ﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ ؛ أي فتَرَكْتَهَا وأعرضتَ عنها، ﴿وَكَذالِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ ؛ أي تُتْرَكُ في النار.

طه 20:126

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾ ؛ أي عن مَوْعِظَتِي، وَقِيْلَ : عن القُرْآنِ فلم يؤمِنْ به ولَم يَتَّبعْهُ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾، الضَّنْكُ : الضيِّقُ والشدةُ والصُّعوبَةُ. قال ابنُ عبَّاس :(يَعْنِي أنَّ عَيْشَهُ يَكُونُ مُنَغِّصاً عَلَيْهِ غَيْرَ مُوقِنٍ بالْخَلْفِ وَالْجَزَاءِ)، وقال عبدُالله بنُ مسعودٍ وأبو سعيدٍ الخدريُّ والسديُّ :(مَعَنْى قَوْلِهِ ﴿مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ عَذابُ الْقَبْرِ ؛ يَضِيْقُ عَلَيْهِ حَتَّى تَخْتَلِفَ أضْلاَعُهُ)، وقال الحسنُ :(هُوَ الضَّرِيْعُ وَالزَّقُّومُ فِي النَّارِ)، قال عكرمةُ :(هُوَ أكْلُ الْحَرَامِ فِي الدُّنْيَا الَّذِي يُؤَدِّيْهِ إلَى النَّار). وعن رسولِ الله ﷺ أنهُ قالَ :" أتَدْرُونَ مَا الْمَعِيْشَةُ الضَّنْكَةُ ؟ " قَالُواْ : اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قَالَ :" عَذابُ الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ إنَّهُ لَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ تَسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّيْناً، لِكُلِّ تِنِّيْنٍ سَبْعَةُ رُؤُوسٍ، يَنْهَشُونَهُ وَيَلْسَعُونَهُ وَيَخْدِشُونَ لَحْمَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَوْ أنَّ تِنِّيْناً نَفَخَ فِي الأَرْضِ لَمْ تُنْبتْ شَيْئاً ". وقال ابنُ زيد :(الْمَعِيْشَةَ الضَّنْكَى : الزَّقُّومُ وَالْغِسْلِيْنُ وَالضَّرِيْعُ)، وقال الضحَّاكُ :(الْكَسْبُ الْخَبيْثُ)، وَقِيْلَ : إذا كان العبدُ سَيِّءَ الظنِّ بالله ضاقَ عليه عيشهُ وَضَنِكَ. وقال ابنُ جبير :(معنى قوله :﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ أي سَلَبَهُ الْقَنَاعَةَ حَتَّى لاَ يَشْبَعَ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَى﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(عَمَى الْبَصَرِ)، وقال مجاهدُ :(أعْمَى عَن الْحُجَّةِ ؛ أيْ لاَ حُجَّةَ لَهُ يَهْتَدِي إلَيْهَا)، ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً﴾ ؛ بعَيْنَيَّ، ﴿قَالَ كَذالِكَ﴾ ؛ تكونُ كَمَا ﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ ؛ أي فتَرَكْتَهَا وأعرضتَ عنها، ﴿وَكَذالِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ ؛ أي تُتْرَكُ في النار.

طه 20:127

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذالِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ﴾ ؛ أي كما جَزَيْنَا مَن أعرضَ عن القُرْآنِ، كذلك نَجْزِي مَن أسْرَفَ على نفسهِ بالمعاصي، ﴿وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ ؛ أي أشدُّ مِن عذاب الدُّنيا وأدومُ، لأن عذابَ الدُّنيا ينقطعُ.

طه 20:128

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ الْقُرُونِ﴾ ؛ من قرأ بالياء فمعناهُ : ألَمْ نُبَيِّنْ، يعني كفَّارَ مكَّةَ كَمْ أهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ الْقُرُونِ، والمعنى : ألَمْ نُبَيِّنْ لَهم طُرُقَ الاعتبارِ بكثرة إهلاكِنا القرونَ قبلَهم بتكذيب الرسُل فيعتَبروا ويؤمنُوا. وكانت قريشُ تَتَّجِرُ إلى الشَّام فترَى مساكنَ قومِ لُوطٍ وثَمود وعلاماتِ الإهلاك. ومَن قرأ بالنُّون فمعناهُ : ألَمْ نُبَيِّنْ لأهلِ مكة بَيَاناً يهتدون به فيرتَدِعُوا عن المعاصي. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى﴾ ؛ أي لِذوي العقولِ.

طه 20:129

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ ؛ معناهُ : وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبكَ في تأخيرِ العذاب عن هؤلاءِ الكفَّار إلى يومِ القيامة، قولهُ ﴿وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ لكان العذابُ لاَزماً لَهم، واقعاً في الحالِ. وتقديرُ الآية : وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبكَ وأجَلٌ مُسَمًّى لَكَانَ لاَزِماً ؛ أي لكانَ العذابُ لاَزِماً لَهم في الدُّنيا، كما لَزِمَ القرونَ الماضية الكافرةَ.

طه 20:130

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ ؛ أي فاصبر يا مُحَمَّدُ على ما يقولون من الشَّتمِ والتكذيب فسيعودُ عليهم وَبَالُ ذلكَ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ ؛ أي صَلِّ صلاةَ الفجرِ، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ ؛ يعني صلاةَ العصرِ، ﴿وَمِنْ آنَآءِ الْلَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾ ؛ يعني المغرِبَ والعشاءَ، وآناءُ اللَّيلِ ساعاتهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ ؛ يعني صلاةَ الظهر، قال قتادةُ :(كَأَنَّهُ ذهَبَ إلَى أنَّهُ آخِرُ النِّصْفِ الأَوَّلِ مِنَ النَّهَارِ طَرَفٌ، وَأوَّلُ النِّصْفِ الثَّانِي طَرَفٌ). وقال الحسنُ :((وَقَبْلَ غُرُوبهَا) : الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ، (وَأطْرَافَ النَّهَار) : صَلاَةُ التَّطَوُّعِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ ؛ قرأ الكسائيُّ وأبو بكر بضَمِّ التاء ؛ أي تُعْطَى الرِّضَى بالدرجاتِ الرفيعة، يرضاكَ اللهُ ويسمى مَرْضِيّاً، وتصديقهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾[مريم: ٥٥]. وقرأ الباقونَ (تَرْضَى) بفتحِ التاء ؛ أي لَعَلَّكَ تَرْضَى بالثَّواب والشَّفاعةِ، ودليلُ ذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾[الضحى: ٥]، والمعنى : أقِمْ هذه الصَّلَواتِ لكي تُعطى من الثواب ما ترضَى.

طه 20:131

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ؛ أي لا تَنْظُرَنَّ بعينِ الرَّغبة إلَى مَا مَتَّعْنَا بهِ رجالاً منهم زِيْنَةَ الحياةِ الدُّنيا، ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ ؛ أي لِنَخْتَبرَهُمْ في ما أعطيناهم من الزِّينة. وَقِيْلَ : لنجعلَهُ فتنةً لَهم وضَلالاً بأنْ أزيدَ لَهم في النعمةِ، فيزدادوا كُفراً وطغياناً. قال أبو رافع :" بَعَثَنِي رَسُولَ اللهِ ﷺ إلَى يَهُودِيٍّ، فَقَالَ :" قُلْ لَهُ : إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَنِي إلَيْكَ لِتُسْلِفَهُ كَذا وَكَذا مِنَ الدَّقِيْقِ، أوْ تَبيْعَهُ وَتَصْبرَ عَلَيْهِ إلَى هِلاَلِ رَجَبٍ " فَأتَيْتُهُ، فَقَالَ : وَاللهِ مَا أبيْعُهُ وَلاَ أُسْلِفُهُ إلاَّ برَهْنٍ! فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ :" وَاللهِ لَوْ بَاعَنِي أوْ أسْلَفَنِي لَقَضَيْتُهُ، وَإنِّي لأَمِيْنٌ فِي الأَرْضِ، إذهَبْ بدِرْعِي إلَيْهِ " ثُمَّ حَزِنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ذلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كأنه يعزِّيهِ عَنِ الدُّنْيَا " وَقِيْلَ : معنى قولهِ تعالى ﴿أَزْوَاجاً﴾ أي أصْنَافاً من نِعَمِ الدُّنيا وزهرَتِها. قولهُ :﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ؛ أي وَرِزْقُ رَبكَ الذي وعدكَ في الجنَّة خَيْرٌ وَأبْقَى مما رُزِقَ هو.

طه 20:132

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ ؛ أي وَأمُرْ قَوْمَكَ الذين على دِيْنِكَ، ﴿لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً﴾ ؛ لِخَلْقِنَا ولا لنفسكَ، لَم نَخْلُقْكَ لِحاجتنا إليكَ كحاجة السَّادَةِ إلى عبيدِهم، بل ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ ؛ ونرزقُ جميعَ خَلْقِنَا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ ؛ أي وَالْعَاقِبَةُ الْمَحمودةُ لِمن يَتَّقِي اللهَ ولا يعصيهِ، وتقديرهُ : والعاقبةُ لأهلِ التقوى. " وَكَانَ النَّبيُّ ﷺ إذا دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ الضِّيْقِ فِي الرِّزْقِ أمَرَ أهْلَهُ بالصَّلاَةِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ﴾ إلى آخِرِها ".

طه 20:133

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ ؛ أي قالَ المشركون مِن أهلِ مكَّة : هَلاَّ يأتينا مُحَمَّدٌ بآيةٍ من ربه كما أتى بها الأنبياءُ، نحوُ الناقةِ والعصا، ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ ؛ أي بيانُ ما في التَّوراة والإنجيلِ من البشَارَةِ بما وافَقَهُما من صِفَةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم. وَقِيْلَ : معناهُ : أوَلَمْ يأْتِهم ما في الصُّحُفِ الأُوْلَى من أنبياءِ الأُمَمِ الذين أهلكنَاهم لَمَّا سألُوا الآياتِ ثُم كَفَرُوا بها، فماذا يُؤَمِّنُهُمْ أن يكون حالُهم في سؤالِهم الآيةَ كَحَالِ أولئكَ. وهذا البيانُ إنَّما قُصَّ عليهم في القُرْآنِ.

طه 20:134

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ ؛ أي لَوْ أنَّا أهلكنَاهُم بعذاب الاسْتِئْصَالِ من قَبْلِ إرسالِ الرُّسل لقالوا : هَلاَّ أرْسَلْتَ إلينا رَسُولاً يُرْشِدُنَا إلى دِينِكَ فنتَّبعَ دلائلكَ، ﴿مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ﴾ ؛ في الدُّنيا بالقتلِ ونُفْضَحَ في الآخرةِ بالعذاب. والمعنى : ولو أنَّا أهلكنا كُفَّارَ مكَّة بعذابٍ مِن قَبْلِ بعث مُحَمَّدٍ ﷺ ونُزُولِ القُرْآنِ لقالوا يومَ القيامةِ : ربَّنَا هلاَّ أرسلتَ إلينا رسُولاً يدعُونا إلى طاعتِكَ فنتَّبعَ آياتِكَ من قَبْلِ أن ينْزِلَ العذابُ، ﴿وَنَخْزَى﴾ ؛ فِي جهنَّمَ.

طه 20:135

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُواْ﴾ ؛ أي قُل لَهم يا مُحَمَّدُ : كلٌّ منَّا ومنكم مُنْتَظِرٌ، فانتظروا نحن ننتظر بكم ما وعَدَنا اللهُ فيكم من النَّصرِ والفتح، وأنتم تنتظرون بنَا أن نَموتَ فتستريحون منَّا، وذلك أنَّهم كانوا يقولون : نتربَّصُ بمُحَمَّدٍ ريبَ الْمَنُونِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾ ؛ فَسَتَعْلَمُونَ بعدَ هذا إذا قامتِ القيامةُ مَن أصحابُ الدِّين المستقيمِ، ومَن اهتدى إلى الرُّشد والصلاحِ نحنُ أم أنتم! وعن أُبَيِّ بنِ كعبٍ عن رسولِ الله ﷺ أنهُ قال :" مَن قَرَأ سُورَةَ طَهَ أُعْطِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَوَابَ الْمُهَاجِرِيْنَ وَالأَنْصَارِ ".