كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — الإسراء 17:1 – الكهف 18:110
المحتويات
- الإسراء 17:1
- الإسراء 17:2
- الإسراء 17:3
- الإسراء 17:4
- الإسراء 17:5
- الإسراء 17:6
- الإسراء 17:7
- الإسراء 17:8
- الإسراء 17:9
- الإسراء 17:10
- الإسراء 17:11
- الإسراء 17:12
- الإسراء 17:13
- الإسراء 17:14
- الإسراء 17:15
- الإسراء 17:16
- الإسراء 17:17
- الإسراء 17:18
- الإسراء 17:19
- الإسراء 17:20
- الإسراء 17:21
- الإسراء 17:22
- الإسراء 17:23
- الإسراء 17:24
- الإسراء 17:25
- الإسراء 17:26
- الإسراء 17:27
- الإسراء 17:28
- الإسراء 17:29
- الإسراء 17:30
- الإسراء 17:31
- الإسراء 17:32
- الإسراء 17:33
- الإسراء 17:34
- الإسراء 17:35
- الإسراء 17:36
- الإسراء 17:37
- الإسراء 17:38
- الإسراء 17:39
- الإسراء 17:40
- الإسراء 17:41
- الإسراء 17:42
- الإسراء 17:43
- الإسراء 17:44
- الإسراء 17:45
- الإسراء 17:46
- الإسراء 17:47
- الإسراء 17:48
- الإسراء 17:49
- الإسراء 17:50
- الإسراء 17:51
- الإسراء 17:52
- الإسراء 17:53
- الإسراء 17:54
- الإسراء 17:55
- الإسراء 17:56
- الإسراء 17:57
- الإسراء 17:58
- الإسراء 17:59
- الإسراء 17:60
- الإسراء 17:61
- الإسراء 17:62
- الإسراء 17:63
- الإسراء 17:64
- الإسراء 17:65
- الإسراء 17:66
- الإسراء 17:67
- الإسراء 17:68
- الإسراء 17:69
- الإسراء 17:70
- الإسراء 17:71
- الإسراء 17:72
- الإسراء 17:73
- الإسراء 17:74
- الإسراء 17:75
- الإسراء 17:76
- الإسراء 17:77
- الإسراء 17:78
- الإسراء 17:79
- الإسراء 17:80
- الإسراء 17:81
- الإسراء 17:82
- الإسراء 17:83
- الإسراء 17:84
- الإسراء 17:85
- الإسراء 17:86
- الإسراء 17:87
- الإسراء 17:88
- الإسراء 17:89
- الإسراء 17:90
- الإسراء 17:91
- الإسراء 17:92
- الإسراء 17:93
- الإسراء 17:94
- الإسراء 17:95
- الإسراء 17:96
- الإسراء 17:97
- الإسراء 17:98
- الإسراء 17:99
- الإسراء 17:100
- الإسراء 17:101
- الإسراء 17:102
- الإسراء 17:103
- الإسراء 17:104
- الإسراء 17:105
- الإسراء 17:106
- الإسراء 17:107
- الإسراء 17:108
- الإسراء 17:109
- الإسراء 17:110
- الإسراء 17:111
- الكهف 18:1
- الكهف 18:2
- الكهف 18:3
- الكهف 18:4
- الكهف 18:5
- الكهف 18:6
- الكهف 18:7
- الكهف 18:8
- الكهف 18:9
- الكهف 18:10
- الكهف 18:11
- الكهف 18:12
- الكهف 18:13
- الكهف 18:14
- الكهف 18:15
- الكهف 18:16
- الكهف 18:17
- الكهف 18:18
- الكهف 18:19
- الكهف 18:20
- الكهف 18:21
- الكهف 18:22
- الكهف 18:23
- الكهف 18:24
- الكهف 18:25
- الكهف 18:26
- الكهف 18:27
- الكهف 18:28
- الكهف 18:29
- الكهف 18:30
- الكهف 18:31
- الكهف 18:32
- الكهف 18:33
- الكهف 18:34
- الكهف 18:35
- الكهف 18:36
- الكهف 18:37
- الكهف 18:38
- الكهف 18:39
- الكهف 18:40
- الكهف 18:41
- الكهف 18:42
- الكهف 18:43
- الكهف 18:44
- الكهف 18:45
- الكهف 18:46
- الكهف 18:47
- الكهف 18:48
- الكهف 18:49
- الكهف 18:50
- الكهف 18:51
- الكهف 18:52
- الكهف 18:53
- الكهف 18:54
- الكهف 18:55
- الكهف 18:56
- الكهف 18:57
- الكهف 18:58
- الكهف 18:59
- الكهف 18:60
- الكهف 18:61
- الكهف 18:62
- الكهف 18:63
- الكهف 18:64
- الكهف 18:65
- الكهف 18:66
- الكهف 18:67
- الكهف 18:68
- الكهف 18:69
- الكهف 18:70
- الكهف 18:71
- الكهف 18:72
- الكهف 18:73
- الكهف 18:74
- الكهف 18:75
- الكهف 18:76
- الكهف 18:77
- الكهف 18:78
- الكهف 18:79
- الكهف 18:80
- الكهف 18:81
- الكهف 18:82
- الكهف 18:83
- الكهف 18:84
- الكهف 18:85
- الكهف 18:86
- الكهف 18:87
- الكهف 18:88
- الكهف 18:89
- الكهف 18:90
- الكهف 18:91
- الكهف 18:92
- الكهف 18:93
- الكهف 18:94
- الكهف 18:95
- الكهف 18:96
- الكهف 18:97
- الكهف 18:98
- الكهف 18:99
- الكهف 18:100
- الكهف 18:101
- الكهف 18:102
- الكهف 18:103
- الكهف 18:104
- الكهف 18:105
- الكهف 18:106
- الكهف 18:107
- الكهف 18:108
- الكهف 18:109
- الكهف 18:110
الإسراء 17:1
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ ؛ أي سُبحان الذي أسْرَى بعبدهِ مُحَمَّدٍ ﷺ في ليلةٍ واحدة من مَسجِدِ مكَّة إلى مسجدِ بيتِ المقدس.
وسُمِّي مسجدُ بيتِ المقدس المسجدَ الأقصى ؛ لأنه لم يكن وراءَهُ مسجدٌ يُعْبَدُ اللهُ فيه. وقيل : لأنه أبعدُ المساجدِ التي تُزار، قالَ ﷺ :" أنَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْحِجْرِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ، إذْ أتَانِي جِبْرِيلُ بالْبُرَاقِ... " وذكرَ حديث المعراجِ ".
وقال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :(أُسْرِيَ بهِ مِنْ بَيْتِ أُمِّ هَانِئ بنْتِ أبي طَالِبٍ أُخْتِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ، وَالْحَرَمُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ). وعن الكلبي عن أبي صالحٍ عن أُمِّ هانئ أنَّها كانت تقولُ :(مَا أُسْرِيَ برَسُولِ اللهِ ﷺ إلاَّ وَهُوَ فِي بَيْتٍ)، قال مقاتلُ :(كَانَ الإسْرَاءُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بسَنَةٍ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ صفةُ بيتِ المقدسِ، بارَكَ الله فيما حولَهُ بالأشجار والأثمار والأنهار حتى لا يحتَاجُون إلى أنْ يُجلَبَ إليهم من موضعٍ آخر : وَقِيْلَ : يَعْنِي ﴿بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ : جعلنَاهُ مَوضعاً للأنبياءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ، وفيه مَهبطُ الملائكةِ، وفيه الوحيُ، وفيه الصَّخرةُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ﴾ ؛ أي من عَجائب قُدرَتِنا، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ ؛ لمقالةِ قُريشٍ وإنكارِهم ﴿البَصِيرُ﴾ ؛ بهم وبأعمالهم.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " لَمَّا كَانَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بي وَأنَا بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ، جَاءَنِي جِبْرِيلُ عليه السلام وَقَالَ لِي : يَا مُحَمَّدُ قُمْ، فَقُمْتُ فَإذا جِبْرِيلُ مَعَهُ مِيكَائِيلُ، فَقَالَ لِي : تَوَضَّأْ، فَتَوَضَّأْتُ، ثُمَّ قَالَ لِي : انْطَلِقْ يَا مُحَمَّدُ، فَقُلْتُ : إلَى أيْنَ ؟ فَقَالَ : إلَى رَبكَ. فَأَخَذ بيَدِي وَأخْرَجَنِي مِنَ الْمَسْجِدِ، فَإذا بالْبُرَاقِ دَابَّةٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، خَدُّهُ كَخَدِّ الإنْسَانِ، وَذنَبُهُ كَذنَبِ الْبَعِيرِ، وَأظْلاَفُهُ كَأَظْلاَفِ الْبَقَرِ، وَصَدْرُهُ كَأَنَّهُ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ، وَظَهْرُهُ كَأَنَّهُ دُرَّةٌ بَيْضَاءُ، عَلَيْهِ رَحْلٌ مِنْ رحَالِ الْجَنَّةِ، خَطْوُهُ مُنْتَهَى طَرْفِهِ. فَقَالَ لِي : ارْكَبْ، فَلَمَّا وَضَعْتُ يَدِي عَلَيْهِ شَمَسَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ : مَهْلاً يَا بُرَاقُ ؛ أمَا تَسْتَحِي! فَوَاللهِ مَا رَكِبَكَ نَبيٌّ أكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنْ هَذا، هُوَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم. فَارْتَعَشَ الْبُرَاقُ، وَتَصَبَّبَ عَرَقاً حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ خَفَضَ حَتَّى لَزَقَ بالأَرْضِ، فَرَكِبْتُهُ وَاسْتَوَيْتُ عَلَى ظَهْرِهِ.
قَامَ جِبْرِيلُ نَحْوَ الْمَسْجِدِ الأَقْصَى يَخْطُو مَدَّ الْبَصَرِ، وَالْبُرَاقُ يَتْبَعُهُ لاَ يَفُوتُ أحَدُهُمَا الآخَرَ حَتَّى أتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَإذا بالْمَلاَئِكَةِ قَدْ نَزَلُوا مِنَ السَّمَاءِ يَتَلَقَّوْنِي بالْبشَارَةِ وَالْكَرَامَةِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، فَلَمَّا وَصَلْتُ بَابَ الْمَسْجِدِ أنْزَلَنِي جِبْرِيلُ، وَرَبَطَ الْبُرَاقَ بالْحَلَقَةِ الَّتِي كَانَتْ تَرْبطُ بهَا الأَنْبيَاءُ، وَكَانَ لِلبُراقِ خِطَامٌ مِنْ حَرِيرِ الْجَنَّةِ، فَصَلَّيْتُ فِي الْمَسْجِدِ رَكْعَتَيْنِ، وَالْمَلاَئِكَةُ خَلْفِي صُفُوفاً يُصَلُّونَ مَعِي.
ثُمَّ أخَذ جِبْرِيلُ بيَدِي، وَانْطَلَقَ بي إلَى الصَّخْرَةِ فَصَعَدَ بي عَلَيْهَا. وَإذا مِعْرَاجٌ أصُلُهُ عَلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَرَأسُهُ مُلْتَصِقٌ بالسَّمَاءِ، إحْدَى عَارِضَيْهِ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاء وَالأُخْرَى زُبُرْجُدَةٌ خَضْرَاءُ، وَدَرْجُهُ زُمُرُّدٌ مُكَلَّلٌ بالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، فَاحْتَمَلَنِي جِبْرِيلُ حَتَّى وَضَعَنِي عَلَى جَنَاحَيْهِ، ثُمَّ صَعَدَ بي ذلِكَ الْمِعْرَاجَ حَتَّى وَصَلَ بي إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا.
فَقَرَعَ الْبَابَ فَقِيلَ : مَنْ هَذا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ، قَالُوْا : مَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم. فَفَتَحُواْ الْبَابَ فَدَخَلْنَا، فَقَالُواْ : مَرْحَباً وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ : فَأَتَيْتُ عَلَى آدَمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذا ؟ قَالَ : أبُوكَ آدَمُ، فَسَلَّمْتُ عَلِيْهِ فَقَالَ : مَرْحَباً بكَ، بالابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبيِّ الصَّالِحِ.
ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَفَتَحُواْ لَنَا وَقَالُواْ : مَرْحَباً برَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ رَسُولُ اللهِ، فَأَتَيْتُ عَلَى عِيسَى وَيَحْيَى فَقُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذانِ ؟ قَالَ : عِيسَى وَيَحْيَى ابْنَا الْخَالَةِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمَا، فَقَالاَ : مَرْحَباً بالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبيِّ الصَّالِحِ.
ثُمَّ انْطَلَقْنَا إلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقَالُواْ : مَنْ هَذا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ وَمَعِي مُحَمَّدٌ ﷺ، فَفَتَحُواْ وَقَالُواْ : مَرْحَباً بهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، قَالَ : جَاءَ، قَالَ : فَأَتَيْتُ عَلَى يُوسُفَ عليه السلام فَقَالَ : مَرْحَباً بالأَخِ الصَّالِحِ.
ثُمَّ أتَيْنَا السَّمَاءَ الرَّابعَةَ فَكَانَ مِنَ الاسْتِفْتَاحِ وَالْجَوَاب مِثْلَ مَا تَقَدَّمْ، فَوَجَدْتُ إدْريسَ فَقَالَ لِي : مَرْحَباً بالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبيِّ الصَّالِحِ. وَفِي السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ وَجَدْتُ هَارُونَ فَقَالَ لِي كَذلِكَ، وَفِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ وَجَدْتُ مُوسَى فَقَالَ لِي كَذلِكَ، وَفِي السَّمَاءِ السَّابعَةِ وَجَدْتُ إبْرَاهِيمَ فَقَالَ لِي : مَرْحَباً بالابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبيِّ الصَّالِحِ.
ثُمَّ رُفِعْتُ إلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَإنَّ نَبقَهَا مِثْلَ قِلاَلِ هَجَرٍ، وَوَرَقُهَا كَأَذانِ الْفِيَلَةِ، وَرَأيِْتُ أرْبَعَةَ أنْهَارٍ تَجْرِي مِنْ أصْلِهَا، فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مَا هَذِهِ الأَنْهَارِ ؟ فَقَالَ : النَّهْرَانِ الْبَاطِنَانِ فِي الْجَنَّةِ، وأمَّا النَّهْرَانِ الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ، وَفِيهَا مَلاَئِكَةٌ لاَ يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إلاَّ اللهُ، وَمَقَامُ جِبْرِيلَ فِي وَسَطِهَا، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إلَيْهَا فَقَالَ لِي جِبْرِيلُ : تَقَدَّمْ، فَقُلْتُ : تَقَدَّمْ أنْتَ يَا جِبْرِيلُ! فَقَالَ : بَلْ تَقَدَّمْ أنْتَ يَا مُحَمَّدُ ؛ فَأَنْتَ أكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنِّي.
قَالَ : فَتَقَدَّمْتُ وَجِبْرِيلُ عَلَى إثْرِي حَتَّى انْتِهَائِي إلَى حِجَابٍ مِنْ ذهَبٍ، فَحَرَّكَهُ، فَقِيلَ : مَنْ هَذا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ وَمَعِي مُحَمَّدٌ، فَأَخْرَجَ الْمَلَكُ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْحِجَاب، فَاحْتَمَلَنِي وَتَخَلَّفَ جِبْرِيلُ، فَقُلْتُ : إلَى أيْنَ ؟ فَقَالَ : وَمَا مِنَّا إلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ، وَإنَّمَا أُذِنَ لِي فِي الدُّنُوِّ مِنَ الْحِجَاب لإكْرَامِكَ وَإجْلاَلِكَ. فَانْطَلَقَ بي الْمَلَكُ فِي أسْرَعِ مِنْ طُرْفَةِ عَيْنٍ إلَى حِجَابٍ آخَرَ، فَحَرَّكَهُ فَقَالَ الْمَلَكُ : مَنْ هَذا ؟ فَقَالَ : هَذا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعِي، فَأخْرَجَ يَدَهُ مِنَ الْحِجَاب، فَاحْتَمَلَنِي حَتَّى وَسِعَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ.
فَلَمْ أزَلْ كَذلِكَ مِنْ حِجَابٍ إلَى حِجَابٍ حَتَّى سَبْعِينَ حِجَاباً، غِلْظُ كُلِّ حِجَابٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَمَا بَيْنَ الْحِجَاب إلَى الْحِجَاب خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ احْتُمْلِتُ إلَى الْعَرْشِ "
الإسراء 17:2
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتَيْنَآ مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ؛ أي أعطَينا موسَى التوراة وجعلناهُ دلالةً لبني إسرائيل، ﴿أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً﴾ ؛ رَبّاً، ولا تتوكَّلوا على غَيري، ومَن قرأ ﴿أَلاَّ تَتَّخِذُواْ﴾ بالتاءِ، فهو على الخطاب بعد الغَيبَةِ مثلُ﴿الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[الفاتحة: ٢] ثُم قالَ :﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾[الفاتحة: ٥].
الإسراء 17:3
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ ؛ أي يا ذرِّيةَ مَن حَمَلنا مع نُوحٍ، والناسُ كلُّهم ذريةُ نوحٍ، ثم اثنَى على نوحٍ فقال :﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ لنِعَمِ اللهِ، كان إذا أكلَ أو شَرِبَ أو اكتسَى أو احتذى قال : الْحَمْدُ للهِ.
الإسراء 17:4
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ ؛ أي أخبَرنَاهُم في التوراةِ، ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ ؛ أي لتَعْصُنَّ كرَّتَين بقتلِ النُّفوس، وتخريب الديارِ، وأخذِ الأموال، ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً﴾ ؛ ولتظلمُنَّ ظُلماً عظيماً.
الإسراء 17:5
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ؛ أي سلَّطنا عليكم عِبَاداً لنا ذوي عُدَّة في القتالِ، ﴿فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ﴾ ؛ قال ابنُ عباس :(وَهُمْ بَخِتْنَصَّرَ وَأصْحَابُهُ الْمَجُوس، سَلَّطَهُمْ اللهُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ حِينَ عَصَتْ فِي أوَّلِ الْفَسَادَيْنِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ بَخِتْنَصَّرَ أرْبَعِينَ ألْفاً مِمَّنْ كَانَ يَقْرَأْ التَّوْرَاةَ، وَدَخَلَ ديَارَهُمْ وَطَلَبَهُمْ طَلَباً شَدِيداً حَتَّى كَانُوا يَنْظُرُونَ فِي الأَزِقَّةِ وَالْبُيُوتِ، هَلْ بَقِيَ أحَدٌ لَمْ يَقْتُلُوهُ، وَاسْتَأْسَرُواْ مِنْ بَقِيَ بَعْدَ الأَرْبَعِينَ ألْفاً، وَمَضَواْ بهِمْ إلَى بلاَدِهِمْ، فَمَكَثَ الأُسَرَاءُ فِي أيْدِيهِمْ تِسْعِينَ سَنَةً حَتَّى مَاتَ بَخِتْنَصَّرَ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً﴾ ؛ أي وَعداً كَائناً لا محالةَ.
الإسراء 17:6
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ أي جعَلنا لكم الدولةَ والرجعةَ عليهم، ﴿وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ ؛ أي وأعطيناكم أمْوَالاً وبنينَ، ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾ ؛ أي أكثرَ عَدَداً ينفِرُون إليهم.
وذلك أنَّ رجُلاً من أهلِ الكتاب يقالُ له : كُورشُ غزَا أرضَ بابل، وهي بلادُ بَخِتْنَصَّر، فظهرَ عليهم فقتلَهم وسكنَ ديارَهم، وتزوَّجَ امرأةً مِن بني إسرائيلَ أُخْتُ مَلكِ بني إسرائيلَ، فطلَبت من زوجِها أن يَرُدَّ قومَها إلى أرضِهم ففعلَ، فمكثَ في بيتِ المقدس مِائتين وعشرين سنةً، وقامت بينهم الأنبياءُ، ورجَعُوا الى أحسنَ ما كانوا عليهِ، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾.
وعن حذيفةَ بن اليمانِ قالَ : قال رسولُ الله ﷺ في هذهِ الآية :" إنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ لَمَّا اعْتَدَواْ وَقَتَلُواْ الأَنْبيَاءَ، بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمْ مَلِكَ الرُّومِ بَخِتْنَصَّرَ، فَسَارَ إلَيْهِمْ حَتَّى دَخَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَحَاصَرَهُمْ وَفَتَحَهَا، فَقَتلَ عَلَى دَمِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا أرْبَعِينَ ألْفاً - وَقِيْلَ : سَبْعِينَ ألْفاً - وَسَبَى أهْلَهَا، وَسَلَبَ حُلِيَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ ابْنُ دَاوُدَ قَدْ بَنَاهُ مِنْ ذهَبٍ وَيَقُوتٍ وَزُبُرْجُدٍ، وَعَمُودُهُ ذهَبٌ، أعْطَاهُ اللهُ ذلِكَ وَسَخَّرَ الشَّيَاطِينَ لَهُ يَأْتُونَهُ بهَذِهِ الأَشْيَاءِ.
ثُمَّ سَارَ بَخِتْنَصَّرَ بالأُسَارَى حَتَّى نَزَلَ بَابلَ فَأَقَامَ بَنُو إسْرَائِيلَ فِي مُدَّتِهِ سَنَةً تَتَعَبَّدُ الْمَجُوسَ وَأبْنَاءَ الْمَجُوسِ، ثُمَّ إنَّ اللهَ تَعَالَى رَحِمَهُمْ فَسَلَطَ مَلِكاً مِنْ مُلُوكِ فَارسَ يُقَالُ لَهُ كُورشُ وَكَانَ مُؤْمِناً، فَسَارَ إلَيْهِمْ فَاسْتَنْقَذ بَنِي إسْرَائِيلَ مِنْهُمْ، وَاسْتَنْقَذ حُلِيَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَتَّى رَدَّهُ إلَيْهِ، فَأَقَامَ بَنُو إسْرَائِيلَ مُطِيعِينَ اللهَ زَمَاناً، ثُمَّ عَادُوا إلَى الْمَعَاصِي، فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ مَلِكاً آخَرَ وَحَرَقَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَسَبَاهُمْ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا﴾[الإسراء: ٥] يعني أُولى الْمَرَّتَين، واختلَفُوا فيها، فعلى قولِ قتادة :(إفْسَادُهُمْ فِي الْمَرَّةِ الأُوْلَى مَا تَرَكُواْ مِنْ أحْكَامِ التَّوْرَاةِ، وَعَصَوا رَبَّهُمْ وَلَمْ يَحْفَظُوا أمْرَ نَبيِّهِمْ مُوسَى، وَرَكِبُواْ الْمَحَارمَ).
وعن ابنِ مسعود رضي الله عنه (أنَّ الْفَسَادَ الأَوَّلَ قَتْلُ زَكَرِيَّا)، وَقِيْلَ : قَتْلُهُمْ شَعْيَا نَبيُّ اللهِ فِي الشَّجَرَةِ، قال ابنُ اسحق :(إنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ أخْبَرَهُ أنَّ زَكَرِيَّا مَاتَ مَوْتاً وَلَمْ يُقْتَلْ، وَإنَّمَا الْمَقْتُولُ شَعْيَا).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ﴾[الإسراء: ٥] يعني جَالُوتَ وجنودَهُ، وقال ابنُ اسحق :(بَخِتْنَصَّرَ الْبَابليُّ وَأصْحَابُهُ، أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ؛ أيْ ذوِي بَطْشٍ شَدِيدٍ فِي الْحَرْب، فَجَاسُوا خِلاَلَ الدِّيَار ؛ أيْ طَافُوا وَدَارُواْ). وقال الفرَّاء : قتلوكم بين بيوتكم، قال حَسَّنُ : وَمِنَّا الَّذِي لاَقَى بسَيْفٍ مُحَمَّدٍ فَجَاسَ بهِ الأَعْدَاءَ عَرْضَ الْعَسَاكِرِوَقِيْلَ :(فَجَاسُواْ) أي طلَبُوا مَن فيها كما تُجَاسُ الأخبارُ.
وقولهُ تعالى :﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخِرَةِ﴾[الإسراء: ٧] أي المرَّة الآخرة، وهو قصدُهم قتلَ عيسى حين رُفِعَ، وقتلُهم يحيى بن زكريَّا عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، فسلَّطَ الله عليهم طَطُوسُ بن استِيباتيُوس فَارسَ وَالروُّمَ حِينَ قَتَلُوهُمْ وسَبَوهم، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ﴾[الإسراء: ٧].
الإسراء 17:7
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ﴾ ؛ أي منفعةُ إحسَانِكم راجعةً إليكم، ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ ؛ أي فإلى أنفُسِكم، ولم يقل فإليها على جهةِ المقابلة للكلامِ الأول، ومثلُ هذه الحروفِ قد تُقام بعضُها مقامَ بعضٍ، كما في قولهِ تعالى :﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾[الزلزلة: ٥] أي إليها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخِرَةِ﴾ ؛ أي وعدَ المرَّة الآخرة في الفسادِ، ﴿لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ ؛ بالقتلِ والسَّبي، ﴿وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ﴾ ؛ أي مسجدَ بيتِ المقدس، ﴿كَمَا دَخَلُوهُ﴾ ؛ دخلَهُ بَخِتْنَصِّر وأصحابهُ، ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً﴾ ؛ أي وليُخَرِّبوا ما عَلَوا عليه تخريباً، والتَّبَارُ والرَّماد والهلاكُ بمعنى واحدٍ.
ذلك أن اللهَ سلَّط عليهم بعدَ مائتين وعشرين سنةً ططوس بن استيباتوس الرومي، فحاصَرَهم وقَتَلَ منهم مائةَ ألفٍ وثمانين، وخرَّبَ بيتَ المقدس، وذلك بعدَ قَتلِهم يحيى عليه السلام، فلم يزَلْ كذلك خَراباً إلى أن بناهُ المسلمون، فلم يدخلْهُ رُومِيٌّ بعد ذلكَ إلا خائفاً، كما قالَ تعالى :﴿أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ﴾[البقرة: ١١٤].
وذهبَ بعضُهم إلى أن بَخِتْنَصَّرَ غَزَا بني إسرائيلَ مرَّتين، ففتحَ مدينَتهم في المرَّة الأولى، وجَاسُوا خلالَها يَقتُلون فيهم، فتابَتْ بنو إسرائيلَ إلى اللهِ تعالى فأظهرَهم اللهُ تعالى على بختنصِّر فرَدَّ عنهم، ثم بعثَ الله إلى بني اسرائيلَ (أرْضِيَّا) النبيَّ عليه السلام، فقامَ فيه بوحيِِ الله تعالى، فضربوهُ وقيَّدوه وحبسوهُ، فسلَّطَ الله عليهم بختنَصِّر مرَّةً أُخرى ففعلَ ما فعلَ.
الإسراء 17:8
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ﴾ ؛ أي بعدَ استقامةِ منكم، ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ﴾ ؛ لمعصيةٍ، ﴿عُدْنَا﴾ ؛ إلى العقوبةٍ، قال قتادةُ :(فَعَادُواْ فَبَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمْ مُحَمَّداً ﷺ، فَعَادَ اللهُ عَلَيْهِمْ بالْعُقُوبَةِ بإذْلاَلِهِمْ بأَخْذِ الْجِزْيَةِ وَالْقَتْلِ، فَهُمْ يُعْطُونَ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾ ؛ أي مُحْتَبَساً من قولِكَ : حصَرتهُ فهو محصورٌ إذا حبستَهُ، وَقِيْلَ : فِرَاشاً ومِهَاداً تَشْبيهاً بالحصيرِ الذي يُبسَطُ ويُفرَشُ.
الإسراء 17:9
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ هَـاذَا الْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ؛ أي يَهدي للحالةِ التي هي أقوَمُ الحالاتِ، والطريقةِ التي هي أصوبُ، وَقِيْلَ : يُرشِدُ إلى الكلمةِ التي هي أعدلُ الكلماتِ، وهي كلمةُ التوحيد والطاعةِ لله تعالى والإيمان به وبرُسلهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ ؛ ثواباً عظيماً وهو الجنَّةُ، ﴿وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ ؛ أي إنَّ الذين لا يُؤمنون بالآخرةِ يُبشِّرُهم بعذابٍ أليم وهو النارُ.
الإسراء 17:10
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ هَـاذَا الْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ؛ أي يَهدي للحالةِ التي هي أقوَمُ الحالاتِ، والطريقةِ التي هي أصوبُ، وَقِيْلَ : يُرشِدُ إلى الكلمةِ التي هي أعدلُ الكلماتِ، وهي كلمةُ التوحيد والطاعةِ لله تعالى والإيمان به وبرُسلهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ ؛ ثواباً عظيماً وهو الجنَّةُ، ﴿وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ ؛ أي إنَّ الذين لا يُؤمنون بالآخرةِ يُبشِّرُهم بعذابٍ أليم وهو النارُ.
الإسراء 17:11
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَآءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ ؛ أي يدعُو على نفسهِ وعلى ولَدهِ بالسُّوء عندَ الضَّجَرِ والغضب، فيقولُ : اللَّهُمَّ الْعَنْهُ اللهم أهلِكْهُ ونحوُ ذلك، كدُعائِه ربَّهُ بأن يهَبَ له العافِيةَ والنِّعمةَ، ويرزقه السلامةَ في نفسهِ وماله وولدهِ، فلو استجابَ اللهُ له إذا دعاهُ باللعنِ والهلاك، كما يستجابُ له إذا دعاهُ بالخيرِ لَهَلَكَ، ولكنَّ اللهَ تعالى بفضلهِ لا يستجيبُ له، ونظيرُ هذا﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾[يونس: ١١].
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً﴾ ؛ أي عَجُولاً في الدُّعاء بما يكرَهُ أن يستجابَ لهُ، وقال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَاهُ ضَجُوراً لاَ صَبْرَ لَهُ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ). وَقِيْلَ : أرادَ به آدمَ عليه السلام لَمَّا نُفِخَ في الروحُ فبلغَ إلى رجليه، قصدَ القيامَ قبلَ أن يجرِيَ فيه الروحُ فسقَطَ، فقيل له : لاَ تَعْجَلْ).
الإسراء 17:12
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلْنَا الَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ ؛ أي عَلامَتَين تدُلاَّن على قُدرةِ خالِقِهما، ﴿فَمَحَوْنَآ آيَةَ الَّيلِ﴾ ؛ أي ضوءَ القمَرِ، قال ابنُ عبَّاس :(أرَادَ بهِ السَّوَادَ الَّذِي فِي الْقَمَرِ، وَذلِكَ أنَّ اللهَ خَلَقَ الْقَمَرَ أوَّلَ مَا خَلَقَهُ عَلَى صُورَةِ الشَّمْسِ، وَكَانَتِ شَمْسٌ باللَّيْلِ وَشَمَسٌ بالنَّهَارِ، وَكَانَ لاَ يُعْرَفُ اللَّيْلُ مِنَ النَّهَار، فَأَمَرَ اللهُ جِبْرِيلَ فَمَسَحَ بجَنَاحَيْهِ شَمْسَ اللَّيْلَ فَذَهَبَ ضَوْءُهَا، وَبَقِيَ عَلاَمَةُ جَنَاحِهِ وَهُوَ السَّوَادُ الَّذِي يَرَوْنَهُ فِي جَوْفِ الْقَمَرِ).
وقال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أيضاً :(جَعَلَ اللهُ نُورَ الشَّمْسَ سَبْعِينَ جُزْءاً، وَنُورَ الْقَمَرِ سَبْعِينَ جُزْءاً، فَأُمْحِيَ مِنْ نُور الْقَمَرِ تَسْعَةٌ وَسِتُّونَ جُزْءاً فَجَعَلَهَا مِنْ نُور الشَّمْسِ، فَصَارَ ضَوْءُ الشَّمْسِ مِائَةً وَثَلاَثِينَ جُزْءاً، وَالْقَمَرُ جُزْءاً واحداً).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلْنَآ آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ ؛ وهي الشَّمسُ مُبْصِرَةً مُضِيئةً مُنِيرةً، ﴿لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ؛ أي لتَسكنُوا بالليلِ، وتطلبُوا معايشَكم بالنهار، إلاَّ أنه حذفَ لتَسكنُوا بالليلِ ؛ لأنه ذكرَهُ في موضعٍ آخر، ﴿وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ ؛ أي جعَلنا ذلك لتَعلَمُوا حسابَ الشُّهور والأيَّامِ ومواقيتَ الصلاةِ والصيام والحجِّ، يعني بمَحْوِ آيةِ الليل، ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ ؛ من الأمرِ والنهي والحلال والحرامِ، ﴿فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ ؛ أي بَيَّنَّاه في القرآنِ ؛ ليكونَ أقربَ إلى معرِفَتكم، وبَيَّنَّاهُ تبييناً ؛ لئلا يلتبسَ بغِيرِهِ.
الإسراء 17:13
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ ؛ أي ألزمناهُ عمَلهُ من خيرٍ أو شرٍّ في عنُقهِ، فجعلنا جزاءَ عملهِ لازماً له، كما يقالُ : هذا الحقُّ في عُنقِ فلان وفي ذمَّتهِ، قال مجاهدُ :(مَكْتُوبٌ فِي وَرَقَةٍ مُعَلَّقَةٍ فِي عُنُقِهِ شَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ) روىَ الحكمُ عن مجاهدٍ :(مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلاَّ وَفِي عُنُقِهِ مَكْتُوبٌ شَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ).
وفي الآية تشبيهُ العملِ بالطائرِ الذي يجيءُ من ناحية اليمينِ فيُتبَرَّك بهِ، والذي يجيءُ من ذاتِ الشِّمال فيُتشاءَمُ به، وأما الإضافةُ إلى العُنقِ دون سائرِ الأعضاء ؛ فلأنَّ ما يتزيَّن به من طَوقٍ أو ما يشين من غِلٍّ فإنما يضافُ إلى الأعناقِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً﴾ ؛ أي يرفعُ الله يوم القيامةِ كتابَهُ يرَى فيه جزاءَ أعمالهِ، قرأ الحسنُ ومجاهد :(وَنُخْرَجُ) على ما لَم يسَمَّ فاعلهُ، على معنى : ونخرجُ له الطائرَ كتاباً. وانتصبَ قولهُ (كِتَاباً) على الحالِ.
وقرأ أبو جعفرٍ :(وَيُخْرِجُ) بالياء مسمَّى الفاعل ؛ أي ويَخرُجُ له الطائرُ يومَ القيامةِ. وقرأ يحيى بن وثَّاب (وَيُخْرِجُ) بضمِّ الياء وكسر الراء، المعنى : ويخرِجُ اللهُ له كتاباً، وقرأ الحسنُ ومجاهد :(ألْزَمْنَاهُ طَيْرَهُ) بغيرِ ألف، وقال أهلُ المعاني : أرادَ بالطائرِ ما قضَى عليهِ أنه فاعلهُ، وما هو صائرٌ إليه من شقاوةٍ أو سعادة. قَوْلُهُ تَعَالَى :(يُلَقَّاهُ مَنشُوراً) قرأ أبو جعفر بضمِّ الياء وفتحِ اللام وتشديدِ القاف، يعني يَلقى الإنسانُ ذلك الكتابَ الذي يؤتى، وقرأ الباقون بالتخفيفِ ؛ أي يراهُ مَنشورةً فيه حسناتهُ وسيئاته.
قال ابنُ عباس (يُعْطَى الْمُؤْمِنُ كِتَاباً بيَمِينِهِ وَهِيَ صَحِيفَتُهُ، يَقْرَأ فِيْهَا حَسَنَاتِهِ وَسَيِّئَاتِهِ فِي بَطْنِهَا : عَمِلْتَ كَذا، وَقُلْتَ كَذا فِي سَنَةِ كَذا، فِي شَهْرِ كَذا، فِي يَوْمِ كَذا، فِي سَاعَةِ كَذا، فِي مَكَانِ كَذا. فَإذا انْتَهَىَ إلَى أسْفَلِهَا قِيْلَ لَهُ : قَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ، إقْرَأ مَا فِي ظَاهِرِهَا، فَيْقْرَأ حَسَنَاتِهِ فَيَسُرُّهُ مَا يَرَى فِيْهَا، وَيُشْرِقُ لَوْنُهُ عِنْدَ ذلِكَ﴿فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقْرَءُواْ كِتَـابيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾[الحاقة : ١٩ و٢٠]).
قال :(وَيُعْطَى الْكَافِرُ كِتَابَهُ بشِمَالِهِ، فَيَقْرَأُ حَسَنَاتِهِ فِي بَاطِنِهَا، فَيَجِدُ عَمِلْتْ كَذا فِي سَنَةِ كَذا فِي شَهْرِ كَذا، فِي يَوْمِ كَذا، فِي سَاعَةِ كَذا. فَإذا انْتَهَى إلَى آخِرِهَا قِيلَ لَهُ : هَذِهِ حَسَنَاتُكَ قَدْ رُدَّتْ عَلَيْكَ، إقْرَأْ مَا فِي ظَاهِرِ كِتَابكَ، فَيَرَى مَا فِي ظَاهِرِ كِتَابِهِ كُلَّ سَيِّئَاتِهِ، كُلَّ صَغِيرَةٍ وَكَبيرَةٍ، فَيَسْوَدُّ وَجْهُهُ وَتَزْرَقُ عَيْنَاهُ، وَيَقُولُ عِنْدَ ذلِكَ﴿يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾[الحاقة : ٢٥ و٢٦]).
الإسراء 17:14
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ ؛ أي يقالُ له اقْرَأ كِتَابَكَ، قال الحسنُ :(يَقْرَؤُهُ أُمِّيّاً كَانَ أوْ غَيْرَ أُمِّيٍّ)، وقال قتادةُ :(يَقْرَؤُهُ يَوْمَئِذٍ مَنْ لَمْ يَكُنْ قَارِئاً). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ ؛ أي مُحَاسِباً، وإنما جُعل محاسباً لنفسهِ ؛ لأنه إذا رأى أعمالَهُ كلَّها مكتوبةً، ورأى خيرَ أعمالهِ مكتوباً لم ينقُصْ من ثوابهِ شيءٌ، ولم يُزَدْ على عقابهِ شيءٌ كفاهُ ذلك في الحساب، وكان الحسنُ يقول :(يَا ابْنَ آدَمَ لَقَدْ عَدَلَ عَلَيْكَ مَنْ جَعَلَكَ لِنَفْسِكَ حَسِيباً).
الإسراء 17:15
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ﴾ ؛ أي منفعةُ هدايتهِ راجعةٌ إليه، ﴿وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ ؛ أي ومَن ضلَّ في الدُّنيا، فإنَّ وَبَالَ ضلالهِ راجعٌ إليهِ، ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ؛ أي لا يَحْمِلُ أحدٌ حِمْلَ غيرهِ، فلا يؤخَذُ بذنب غيره، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ؛ إقامةً للحجَّة، وقطعاً للعُذرِ.
الإسراء 17:16
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾ ؛ أي إذا أرَدنا الحكمَ بهَلاكِ قريةٍ، (أمَرْنَا مُتْرَفِيهَا) جَبَابرَتَهَا ورُؤساءَها بالطاعةِ فعَمِلُوا بالمعاصي، وهذا كما يقالُ للرجُلِ : أمَرتُكَ فَعَصَيتَنِي، يعني أمرتُكَ لتُطيعَنِي فخالَفتَني.
وإنما ذكرَ الرؤساءَ دون المتبوعين ؛ لأن غيرَهم تَبَعٌ لَهم، فيكون الأمرُ لهم بالطاعةِ أمرٌ للأَتباع. وقرأ مجاهدُ وأبو رجاء (أمَّرْنَا) بالتشديدِ ؛ أي جعَلنا لهم إمْرَةً وسُلطاناً. وقولهُ تعالى :﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ ؛ أي وجبَ عليها القولُ بالعذاب، ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ ؛ أي أهلَكناها هَلاكاً.
الإسراء 17:17
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ ؛ أي أهلكنا قروناً كثيرة بعد نوح، قال ابنُ عباس :(الْقَرْنُ مشائَةٌ وَعُشْرُونَ سَنَةً)، وقال المازنِيُّ :(مِائةُ سَنَةٍ)، وقولهُ تعالى :﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.
الإسراء 17:18
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾ ؛ أي مَن كان هَمُّهُ مَقصوراً على طلب الدُّنيا دونَ الآخرةِ، نحوُ أن يكون يريدُ بالجهادِ الغنيمةَ وبعمَلهِ الذي فرضَهُ اللهُ عليه في الدُّنيا ويَغنَمُهَا خاصَّةً، عجَّلنا له في الدُّنيا ما نشاءُ مِن عَرَضِ الدُّنيا لا ما يشاءُ العبد، ولِمَن يريدُ أن يُعطِيَهُ لا لكلِّ مَن يطلبُ، فأدخلَ اللهُ تعالى في إعطاءِ المراد من العاجِلَة استثناءً من استثناءٍ في العطيَّة، واستثناءً في المعطِين ؛ لئلاَّ يَثِقُ الطالِبون للدُّنيا بأنَّهم لا محالةَ سينَالون بسَعيهم ما يريدون.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ﴾ ؛ أي بهذا الذي لم يُرِدِ اللهَ بعمَلهِ، ﴿يَصْلاهَا﴾ ؛ أي يدخُلها، ﴿مَذْمُوماً﴾ ؛ بذمِّ نفسهِ ويَذُمُّهُ الناسُ، ﴿مَّدْحُوراً﴾ ؛ أي مَطرُوداً مُبعَداً من كلِّ خيرٍ.
الإسراء 17:19
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ ؛ شَرَطَ اللهُ تعالى في ذلك ثلاثةَ شرائطَ : أحدُها : أنْ يريدَ بعملهِ ثوابَ الآخرةِ بالإخلاصِ في النيَّة.
والثانِي : أن يسعَى في العملِ الذي يستحقُّ به ثوابَ الآخرةِ. والثالثُ أن يكون مُؤمناً ؛ لأنه إذا كان كَافراً لا ينتفعُ بشيءٍ من عملهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً﴾ ؛ أي تُضَعَّفُ لهم الحسناتُ، وتُمْحَى عنهم السَّيئاتُ، وتُرفَعُ لهم الدرجاتُ، وقال مجاهدُ :(شُكْرُهُ أنْ يُثِبَهُمْ عَلَى طَاعَتِهِمْ لَهُ، وَيَعْفُوَ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ).
الإسراء 17:20
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هَـاؤُلاءِ وَهَـاؤُلاءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ﴾ ؛ أي كلُّ واحدٍ من الفريقَين ممن يريدُ الدنيا، وممن يريدُ الآخرةَ نُمِدُّهُ من رزقِ ربكَ، ﴿وَمَا كَانَ عَطَآءُ﴾ ؛ رزقُ، ﴿رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ ؛ أي مَحْبُوساً من البرِّ والفاجرِ. وفي هذا بيانُ أنَّ نِعَمَ الدنيا مشتركةٌ بينهم، بخلافِ نِعَمِ الآخرةِ التي هي خاصَّةٌ للمتَّقين، ألاَ ترَى أن سائرَ نِعَمِ اللهِ من الشَّمسِ والقمر ؛ والهواءِ والماء ؛ والنباتِ والحيوانات ؛ والأغذيَةِ والأدويةِ ؛ وصحَّة الجسمِ والعافيةِ ؛ وغيرِ ذلك شاملةٌ للمؤمنِ والكافر.
الإسراء 17:21
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ؛ أي انظُرْ يا مُحَمَّدُ كيف فضَّلنا بعضَهم على بعضٍ في الرِّزق في الدُّنيا بالمال والخَدَمِ، منهم الْمُقِلُّ ومنهم الْمُكْثِرُ، هذا في الدُّنيا، ﴿وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ ؛ أي ولدرجاتُ الآخرةِ أكبرُ من درجاتِ الدُّنيا، وفضائلُ الآخرة وثوابُها أرفَعُ مما فُضِّلوا في الدنيا، فينبغي أنْ يكون سَعيُهم للآخرةِ أكثرَ.
الإسراء 17:22
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَّ تَجْعَل مَعَ اللَّهِ إِلَـاهاً آخَرَ﴾ ؛ قِيْلَ : أنَّ الخطابَ للنبيِّ ﷺ، والمرادُ به كافَّةُ المكلَّفين كما في قولهِ تعالى :﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾[الزمر: ٦٥]. وَقِيْلَ : هو خطابٌ للإنسانِ، كأنَّهُ قالَ : لا تجعَلْ أيُّها الإنسانُ مع مَن له العَطَايا عَاجِلاً وآجلاً إلَهاً آخر، ﴿فَتَقْعُدَ﴾ ؛ فتبقَى في جهنم، ﴿مَذْمُوماً مَّخْذُولاً﴾ ؛ لا نَاصِرَ لكَ.
الإسراء 17:23
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ ؛ برّاً بهما وعَطْفاً عليهما، وقولهُ تعالى :﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا﴾ ؛ أي إنْ عاشَا عندَكَ أيُّها الإنسانُ حتى يَكبُرَا، وقرأ حمزة والكسائي (يَبْلُغَانِ) ؛ لأن الوالدينِ قد ذُكر قبلَهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ ؛ تقذُّراً حين ترَى منهما شيئاً من الأذى، بل أمِطْ عنهما كما كانا يُمِيطَانِ عنكَ في حالةِ الصِّغَرِ، والأُفُّ هو وسَخُ الأظفارِ، والتُّفُّ وسخُ الأُذن، والمعنى : لا تتأَذى بهما، كما لم يكُونَا يتأذيان بكَ، قال ﷺ " لَوْ عَلِمَ اللهُ شَيْئاً مِنَ الْعُقُوقِ أدْنَى مِنْ أُفٍّ لَحَرَّمَهُ، فَلْيَعْمَلِ الْعَاقُّ مَا شَاءَ أنْ يَعْمَلَ، فَلَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ. وَلْيَعْمَلِ الْبَارُّ مَا شَاءَ أنْ يَعْمَلَ، فَلَنْ يَدْخُلَ النَّارَ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾ ؛ أي لا تَزجُرهما بإغْلاَظٍ وصِيَاحٍ في وجُوهِهِما، ولا تُكلِّمْهُما ضَجِراَ، ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ ؛ أي يكون فيه كرامةٌ لهما كقولِ العبدِ الْمُذْنِب للسيِّد الغليظِ، كذا قال ابنُ المسيَّب، وقال عطاءُ :(لاَ تَشْتُمْهُمَا وَلاَ تُبْكِيهِمَا، وقُلْ لَهُمَا : يَا أبَتَاهُ، يَا أُمَّاهُ).
الإسراء 17:24
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ ؛ أي وكُن لهما مُتضرِّعاً مُتَذلِّلاً، فإنَّ خَفْضَ الْجَنَاحِ عبارةٌ عن الخضُوعِ، والمبالغةِ في التذلُّل والتواضعِ، وعن عطاء أنه قالَ :(جَنَاحُكَ يَدُكَ، فَلاَ يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَرْفَعَ يَدَيْكَ عِنْدَ أبَوَيْكَ، وَلاَ أنْ تُحِدَّ بَصَرَكَ عَلَيْهِمَا تَعْظِيماً لَهُمَا).
وعن عُروة بنِ الزُّبير قال :(مَا أبَرَّ وَالِدَهُ مَنْ أحَدَّ النَّظَرَ إلَيْهِ). وَقِيْلَ : خفضُ الجناحِ عبارةٌ عن السُّكون، قرأ الحسنُ وسعيد بن جبير وعاصم :(جَنَاحَ الذِّلِّ) بكسرِ الذال ؛ أي لا تَسْتَصْعِبْ معَهُما.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ ؛ وهذا أمرٌ بالدُّعاء لهما بالرحمةِ والمغفرةِ إذا كانا مُسلِمين، والمعنى : رب ارحَمهُما مثلَ رَحمتِهما أيَّايَ في صِغَري حتى ربَّيانِي، وقال قتادةُ :(هَكَذا عُلِّمْتُمْ، بهَذا أُمِرْتُمْ).
قال ﷺ :" رضَا اللهِ مَعَ رِضَا الْوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُ اللهِ مَعَ سَخَطِ الْوَالِدَيْنِ "، وقال ﷺ :" " مَنْ أمْسَى مَرْضِيّاً لِوَالِدَيْهِ وَأصْبَحَ، أصْبَحَ لَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ إلَى الْجَنَّةِ، وَإنْ كَانَ وَاحِداً فَوَاحِدٌ. وَمَنْ أمْسَى مُسْخِطاً لِوَالِدَيْهِ وَأصْبَحَ، أصْبَحَ لَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ إلَى النَّارِ، وَإنْ كَانَ وَاحِداً فَوَاحِدُ " فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللهِ فَإْنْ ظَلَمَاهُ ؟ قَالَ :[وَإنْ ظَلَمَاهُ ؛ وَإنْ ظَلَمَاهُ ؛ وَإنْ ظَلَمَاهُ] " ثَلاَثَ مَرَّاتٍ.
الإسراء 17:25
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ ؛ أي هو أعلَمُ بما في قُلوبكم من الرَّحمة عليهما، والمعنى : ربُّكم أعلمُ بما تُضمِرون من البرِّ والعُقوقِ، فمَن ندرَتْ منه نادرةٌ وهو لا يُضمِرُ عُقوقاً غَفَرَ اللهُ له ذلكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ﴾ ؛ أي إن تَكونُوا مُطِيعِينَ للهِ تعالى، ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً﴾ ؛ أي للرَّاجِعين من الذُّنوب إلى طاعةِ الله، النادمِين على المعاصي والزَّلاَّتِ. والأوَّابُ : هو الذي يتوبُ مرَّةً بعدَ مرةٍ، كلَّما أذنبَ بادرَ إلى التوبةِ. وعن مجاهدٍ :(أن الأَوَّابَ : هُوَ الَّذي يَذْكُرُ ذنْبَهُ فِي الْخَلاَءِ فَيَسْتَغْفِرُ مِنْهُ).
الإسراء 17:26
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(أرَادَ بذِي الْقُرْبَى قَرَابَةَ الأنْسَانِ، وَحَقُهُ مَا يَصِلُ بهِ رَحِمَهُ). وقال بعضُهم : أرادَ به قرابةَ النبيِّ ﷺ، وحقُّهم هو الحقُّ الذي يجب لهم من الْخُمَسِ. والتأويلُ الأول أقربُ إلى ظاهرِ الآية ؛ لأن ذكرَ القرابةِ معطوفٌ على ذكرِ الوالدَين، وذلك عامٌّ في جميعِ الناس. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ ؛ أي وآتِ المسكين وابنَ السَّبيل حقَّهم الذي وجبَ لهم من الزَّكاة والعُشرِ وغيرِهما.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾ ؛ التبذيرُ : تفريقُ المالِ في المعصية، قال مجاهدُ :(لَوْ أنْفَقَ دِرْهَماً أوْ مُدّاً فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى كَانَ مُبَذِّراً، وَلَوْ أنْفَقَ فِي مِثْلِ أبي قُبَيْسٍ فِي طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ مُبَذِّراً). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ ؛ أي أتباعَ الشَّياطين، يَتبعونَهم ويَجْرُونَ على سُنَنِهم، وَقِيْلَ : يُقْرَنُونَ بالشَّياطينِ في النارِ، ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾.
الإسراء 17:27
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(أرَادَ بذِي الْقُرْبَى قَرَابَةَ الأنْسَانِ، وَحَقُهُ مَا يَصِلُ بهِ رَحِمَهُ). وقال بعضُهم : أرادَ به قرابةَ النبيِّ ﷺ، وحقُّهم هو الحقُّ الذي يجب لهم من الْخُمَسِ. والتأويلُ الأول أقربُ إلى ظاهرِ الآية ؛ لأن ذكرَ القرابةِ معطوفٌ على ذكرِ الوالدَين، وذلك عامٌّ في جميعِ الناس. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ ؛ أي وآتِ المسكين وابنَ السَّبيل حقَّهم الذي وجبَ لهم من الزَّكاة والعُشرِ وغيرِهما.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾ ؛ التبذيرُ : تفريقُ المالِ في المعصية، قال مجاهدُ :(لَوْ أنْفَقَ دِرْهَماً أوْ مُدّاً فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى كَانَ مُبَذِّراً، وَلَوْ أنْفَقَ فِي مِثْلِ أبي قُبَيْسٍ فِي طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ مُبَذِّراً). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ ؛ أي أتباعَ الشَّياطين، يَتبعونَهم ويَجْرُونَ على سُنَنِهم، وَقِيْلَ : يُقْرَنُونَ بالشَّياطينِ في النارِ، ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾.
الإسراء 17:28
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ ؛ معناه : إنْ أعرضتَ عن هؤلاءِ الذين أوصَيناكَ بهم من ذوي القُربَى والمساكينِ انتظارَ رزقٍ يأتيكَ من اللهِ تعالى ؛ لأنَّكَ لا تجدُ ما تصِلُهم، وكنتَ مُنتظراً لرزقِ ربكَ ترجوهُ من اللهِ لتُعطِيهم منهُ، ﴿فَقُل لَّهُمْ﴾ ؛ عندَ ذلك، ﴿قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾ ؛ سَهلاً لَيِّناً، نحوَ أن تَعِدَهم عدةً حسنةً وبقَولِ : افْعَلُ ؛ وكرامةً ليس عندي اليومَ شيءٌ، وسوف أُعطِيكُم ؛ وأقضِي حقَّكُم إذا ادركتُ الغُلَّةَ، ووصَلَ إلَيَّ مالِي الذي في موضعِ كذا. أو تقولَ : يرزُقنا الله وإيَّاكم من فضلهِ.
الإسراء 17:29
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ ؛ أي تَبْخَلُ بالمنعِ من حقُوقِهم الواجبة لهم، ومرادهُ : الذي يتركُ الإنفاقَ يكون بمنْزِلة مَن غُلَّتْ يداهُ إلى عُنقهِ، فلا يعطِي من مالهِ شَيئاً في الخير، وسُمِّي البخلُ بمثل هذه الصِّفات، يقولون : فلانٌ قصيرُ البَاعِ، وإذا كان كَريماً قالوا : طويلَ الباعِ، وقال ﷺ لنسائهِ :" أسْرَعُكُنَّ لَحَاقاً أطْوَلُكُنَّ يَداً " فَكَانَتْ زَيْنَبُ بنْتُ جَحْشٍ ؛ لأنَّهَا كَانَتْ أكْثَرَهُنَّ صَدَقَة.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ ؛ أي لا تُخرِجْ جميعَ ما في يدِكَ مع حاجتِكَ وحاجة عيالك إليه، ﴿فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً﴾ ؛ ذا حَسرَةٍ تلومُ نفسَكَ وتُلاَمُ، وتبقَى الحسرَةُ على ما تُخرِجهُ من يدِكَ، والحسرةُ : الغَمُّ لانْحِسَارِ مَا فَاتَ، وحَسَرَ عن ذراعهِ يَحْسُرُ حَسْراً إذا كَشَفَ عنه.
وقد قِيْلَ : إنَّ المرادَ بالخطاب في هذه الآية غيرُ النبيِّ ﷺ ؛ لأنه ﷺ لم يكن يدَّخِرُ شيئاً لِغَدٍ، وكان يجوعُ حتى يشُدَّ الحجرَ على بطنهِ، وقد كان كثيرٌ من فُضَلاءِ الصَّحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُمُ يُنفقون جميعَ أمْلاكِهم في سبيلِ الله تعالى، مِثْلَ ما فعلَهُ أبو بكرٍ رضي الله عنه حتى يبقَى في عباءة، فلم يُعنِّفْهمُ النبيُّ ﷺ، ولم يُنكِرْ عليهم لصحَّةِ يقينهم وشدَّةِ بصائرهم.
وإنما نَهَى اللهُ تعالى عن الإفراطِ في الإنفاقِ مَن خِيفَ عليه الحسرةَ على ما يخرجهُ من يدهِ، كما رُوي :" أنَّ رَجُلاً أتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ بمِثْلِ بَيْضَةٍ مِنْ ذهَبٍ، فَقَالَ : وَجَدْتُهَا فِي مَعْدِنِ كَذا وَلاَ أمْلِكُ غَيْرَهَا، فَتَصَدَّقَ بهَا، فَأَخَذهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَمَاهُ بهَا حَتَّى لَوْ أصَابَهُ بهَا لَشَجَّهُ، ثُمَّ قَالَ :" إنَّ أحَدَكُمْ لَيَتَصَدَّقُ بجَمِيعِ مَالِهِ، ثُمَّ يَقْعُدُ يَتَكَفَّفُ النَّاسَ ". " ومن الدليلِ أنَّ النبي ﷺ لَم يكن دَاخِلاً في هذا الخطاب : أن اللهَ تعالى قال ﴿مَلُوماً مَّحْسُوراً﴾ ومعلومٌ أنه ﷺ لم يكن يتحسَّرُ على ما كان يملِكهُ.
وذهبَ بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ الخطابَ للنبيِّ ﷺ، وأن سببَ نُزولِ هذه الآية ما رُوي :" أنَّ امْرَأةً بَعَثَتِ ابْنَهَا إلَى النِّبيِّ ﷺ فَقَالَتْ لَهُ : قُلْ : إنَّ أُمِّي تَسْتَكْسِيكَ دِرْعاً، فَإنْ قَالَ لَكَ حَتَّى يَأْتِينَا شَيْءٌ، فَقُلْ لَهُ : فَإنَّهَا تَسْتَكْسِيكَ قَمِيصَكَ، فَفَعَلَ الابْنُ كَمَا قَالَتْ أُمُّهُ، فَنَزَعَ النَّبيُّ ﷺ قَمِيصَهُ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ قَمِيصٌ يَخْرُجُ فِيْهِ إلَى الصَّلاَةِ "، فنَزلت هذه الآيةُ بما فيها من الدلالةِ بالنَّهي عن الإمساكِ، فيكون التحسُّرُ على هذا القولِ لتأخُّرِ خروجهِ إلى الصلاةِ بسبب القَميصِ.
الإسراء 17:30
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ ؛ أي يوسِّعُ الرزقَ لمن يشاءُ، ويُضيِّقُ على من يشاءُ، على ما يرَى فيه المصلحةَ، ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ ؛ وهذا كما قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأَرْضِ وَلَـاكِن﴾[الشورى: ٢٧].
الإسراء 17:31
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ ؛ أي خَشيَةَ الفقرِ والإقْتَارِ، ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم﴾ ؛ نزلَ في جماعةٍ كانوا يدفِنون بنَاتِهم خشيةَ الفَاقَةِ، ولئَلاَّ يحتاجُوا إلى النفقةِ عليهم، وكان ذلك مُستفيضاً شَائعاً بينهم وهي الْمَوْءُودَةُ التي ذكرَها اللهُ تعالى في قوله﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾[التكوير: ٨].
وقوله تعالى :﴿نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم﴾ أي إنَّ رِزقَكم ورزقَ بناتِكم على اللهِ، وإنْ كان لسببٍ يجري على أيدِيكم، فإنَّ اللهَ تعالى لو لَم يُقوِّكُم على الاكتساب ولَم يُمكِّنكُم من تحصيلِ النفقة لم تتمَكَّنوا من تحصيلٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً﴾ ؛ أي إنَّ دَفنَهم أحياءً كان ذنباً عظيماً في العقوبةِ، يقال : خَطِأَ الرجُل يَخْطَأُ خطأً مثل أثِمَ يأثَمُ إثماً، وقرأ ابنُ عامر (خَطَأً) بفتحِ الخاء على أنه مصدرُ أخْطَأَ، فيكون المعنى على هذا أنَّ قَتلَهم كان غيرَ صوابٍ.
الإسراء 17:32
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ ؛ الفَاحِشَةُ ما تفاحَشَ قُبحهُ وتعظَّمَ، فكان الزنَى قبيحاً في الفعلِ قبل ورُودِ السمعِ ؛ لأن فيه قطعَ الأنساب وما يتعلَّقُ به من الْمُحَرَّمَاتِ، وإبطالِ حقِّ الولد على الوالدِ.
قال ﷺ :" وَفِي الزِّنَى سِتُّ خِصَالٍ : ثَلاَثٌ فِي الدُّنْيَا، وَثَلاَثٌ فِي الآخِرَةِ. فَأمَّا اللَّوَاتِي فِي الدُّنْيَا : فَيُذْهِبُ نُورَ الْوَجْهِ وَيَقْطَعُ الرِّزْقَ وَيُسْرِعُ الْفَنَاءَ. وأمَّا اللَّوَاتِي فِي الآخِرَةِ : فَغَضَبُ الرَّب وَسُوءُ الْحِسَاب وَالدُّخُولُ فِي النَّارِ "، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ ؛ أي بئْسَ الزِّنَى طَريقاً لمن يسلكهُ.
الإسراء 17:33
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ﴾ ؛ أي لا تقتُلوا النفسَ التي حرَّمَ اللهُ قتلَها إلا بحقٍّ تستحقُّ بهِ، وهو أن يَقتُلَ نَفساً بغيرِ حقٍّ، أو يَزنِيَ وهو مُحصَنٌ، أو يرتدَّ عن الإسلامِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ ؛ أي مَن قُتل بغيرِ حقٍّ، فقد جَعلنا لوارثهِ حجَّةًُ في كتاب الله تعالى في إيجاب القَوَدِ على القاتلِ، وعن ابنِ عبَّاس أنه قالَ :(الْمُرَادُ بهَذا السُّلْطَانِ : أنَّ لِلْوَلِيِّ أنْ يَقْتُلَ إنْ شَاءَ، أوْ أخَذ الدِّيَةَ، أوْ عَفَى). ويجوزُ أن يكون المرادُ بالسُّلطان السلطانَ الذي يلِي الأمرَ والنهيَ يجب عليه أن يُعِينَ ولِيَّ القتيلِ حتى يطلبَ قاتلَهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ﴾ ؛ السَّرَفُ : أن يقتُلَ غيرَ القاتلِ كما يفعلهُ العربُ. وَقِيْلَ : معناهُ : ولا تُمَثِّلُوا بالقاتلِ في القتل. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً﴾ ؛ يعنِي ولِيَّ المقتولِ، حكمَ اللهُ له بذلك، وأمرَ المؤمنين أن يُعينوهُ، ويجبُ أيضاً على الإمامِ أن يُدفَعَ إليه القاتلُ. ويقالُ : معناه : إن المقتولَ كان منصُوراً بالثَّوابِ وبإيجاب القَصَاصِ لِوَلِيِّهِ، وعن رسولِ الله ﷺ أنه قالَ :" إنَّ مِنْ أعْتَى النَّاسِ عَلَى اللهِ ثَلاَثةٌ : رَجُلٌ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، أوْ قَتَلَ بدَخَنٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أوْ قَتَلَ فِي حَرَمِ اللهِ ".
الإسراء 17:34
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ؛ أي إلا بما يؤدِّي إلى حفظهِ وصيانته وتَمييزهِ، وإنما خَصَّ اليتيمَ بذلك ؛ لأن الطمعَ في مالهِ أكثرُ، وهو إلى الحفظِ أحوَجُ لِعَجْزِهِ عن حفظهِ بنفسه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ ؛ أي حتى يُكمِلَ ثَماني عشرةَ سَنة. وَقِيْلَ : معناهُ : حتى يبلُغَ وقتَ الْحَلُمِ ويكمل عقله.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ ؛ أي وأوْفُوا بعهدِ الله إليكم في أموالِ اليتَامى، وكلُّ ما أمرَ اللهُ به ونَهى عنهُ فهو من العهدِ، ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ عنه للجزاءِ، فحُذِفَ استكفاءً بدلالةِ الحال.
الإسراء 17:35
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ﴾ ؛ أي أتِمُّوهُ ولا تَبْخَسُوهُ، ﴿وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ ؛ أي بميزان العدل، قرأ أهلُ الكوفة (بالْقِسْطَاسِ) بكسر القافِ وهما لُغتان. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ؛ أي ذلكَ الذي أمَرتُكم به خيرٌ لكم وأحسنُ عاقبةً، والتَّأْويلُ : هو الذي إليه مرجعُ الشيءِ من قولِهم آلَيَؤُولُ.
الإسراء 17:36
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ؛ أي لا تَقُلْ ما ليسَ لك به علمٌ، وقال قتادة :(لاَ تَقُلْ : سَمِعْتُ وَرَأيْتُ، وَلَمْ تَرَ وَلَمْ تَسْمَعْ، وَعَلِمْتُ وَلَمْ تَعْلَمُ).
والقَفْوُ في اللغة : اتِّباعُ الأمرِ كأنه يتبَعُ الأثرَ، ومنه القِيَافَةُ، كانت العربُ يتَّبعون فيها أثرَ الآباءِ، ويقولُ : قفوتُ الشيءَ أقْفُوهُ ؛ إذا اتَّبَعْتَ أثَرَهُ، والمعنى على هذا : لا تُتْبعَنَّ لسَانَكَ مِن القول ما ليس لكَ به علمٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ﴾ ؛ يعني إنَّ المرءَ مسؤُولٌ يومَ القيامةِ عمَّا يفعلهُ بهذه الجوارحِ مِن الاستماعِ لِمَا لا يحلُّ، والنظر الى ما لا يجوزُ، والارادةِ لِمَا يَقْبُحُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كُلُّ أُولـائِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ ؛ أي كلُّ هذه الجوارجِ والأعضاء، ولَم يقُل تلكَ، قال الشاعرُ : ذّمَّ الْمَنَازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى وَالْعَيْشَ بَعْدَ أُوْلَئِكَ الأَيَّامِويجوزُ أن يكون راجعاً إلى أصحَابها وأربَابها.
الإسراء 17:37
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً﴾ ؛ أي بَطَراً وكِبْراً وخُيَلاَءً، والْمَرَحُ : شدَّةُ الفَرَحِ، ﴿إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ﴾ ؛ بقَدَمَيكَ وكِبْرِكَ، ﴿وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ﴾ ؛ بعَظَمَتِكَ، ﴿طُولاً﴾ ؛ أي لا تُطاولُ الجبالَ فاستقصِرْ نفسَكَ عندما ترَى من سَعَةِ الأرضِ وبسطِها وعِظَمِ الجبال وطُولِها. من قرأ (مَرَحاً) بنصب الراء فهو المصدرُ، ومَن قرأ بكسرِ الراء فهو اسمُ الفاعلِ.
الإسراء 17:38
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كُلُّ ذلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ ؛ أي كُلُّ ما تقدَّمَ مِن قولهِ تعالى﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾[الإسراء: ٣٠] إلى هذا الموضعِ كان سَيِّئَةً لا حسنةَ فيه، وهذا على قراءةِ مَن قرأ (سَيِّئَةً) بالنصب، وقرأ ابنُ عامر والكوفيُّون (سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبكَ) على الإضافةِ بمعنى : هذا الذي ذكرتهُ مِن قوله تعالى﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾[الإسراء: ٢٣] إلى هذه الآيةِ ذكرُ الحسَنِ، والسَّيِّءُ وقولهُ تعالى ﴿مَكْرُوهاً﴾ على قراءة من قرأ سَيِّئَةً بالنصب بدل من سَيِّئُهُ.
الإسراء 17:39
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ ؛ أي ذلك الذي سبقَ ذِكرهُ من هذه الأشياءِ مما أوحَى إليكَ ربُّكَ من صواب القول والعملِ، ﴿وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَـاهاً آخَرَ﴾ ؛ هذا خطابٌ لكلِّ مؤمنٍ، كأنَّهُ قال : ولا تجعَلْ أيُّها الإنسانُ، ﴿فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً﴾ ؛ تَلُومُ نفسَكَ، ﴿مَّدْحُوراً﴾ ؛ أي مَطرُوداً من رحمةِ الله تعالى.
قال الكلبيُّ وابنُ عبَّاس :(هَذِهِ الثَّمَانِي عَشْرَةَ آيَةً مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَـاهاً آخَرَ...﴾ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿كُلُّ ذلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾[الإسراء: ٣٨] كَانَتْ فِي ألْوَاحِ مُوسَى عليه السلام حِينَ كَتَبَهَا اللهُ لَهُ، وَقَدْ أنْزَلَهَا عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَهِيَ فِي الْكُتُب كُلِّهَا مَوْجُودَةٌ لَمْ تُنْسَخْ قَطُّ).
الإسراء 17:40
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثاً﴾ ؛ خطابٌ للمشرِكين الذين زعَموا أن الملائكةَ بناتُ اللهِ مُنكِراً عليهم، تعالى اللهُ عن ذلكَ عُلُوّاً كَبيراً، والمعنى : أفحَكَم لكم ربكم بالبنين، فأخلصَ لكم البنينَ دونَهُ وجعل البناتِ مشتركةً بينَكم وبينَهُ، فأخلَصَكم بالأجَلِّ وجعلَ لنفسه الأَدْوَنَ، ولا يكون هذا من الحكمةِ أن يَخُصَّ الحكيمُ عَدُوَّهُ بالأشرفِ ويختارُ لنفسه الأَدْوَنَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾ ؛ في الكُفرِ والفِرْيَةِ على اللهِ تعالى.
الإسراء 17:41
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـاذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ﴾ ؛ أي بَيَّنَّا في هذا القرآنِ من الأمثال والعِبَرِ لِتَّعِظُوا بها، ﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ ؛ تصريفُ الأمثالِ، ﴿إِلاَّ نُفُوراً﴾ ؛ أي تَبَاعُداً عن الإيمانِ. قرأ الأعمشُ وحمزة (لِيَذْكُرُوا) مخفَّفاً.
الإسراء 17:42
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ ؛ أي قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ : لو كانَ مع اللهِ آلِهَةٌ كما تقولُون أنتُم إذاً لطَلَبُوا ما يُفرِّقُهم إلى مالكِ العرشِ لعُلُوِّهِ عليهم وكونهِ أفضلَ منهم، وهذا قولُ مجاهدٍ. وذهب أكثرُ المفسِّرين إلى أنَّ المعنى : لطَلَبُوا مُغَالَبَتَهُ، وَابْتَغَوا طَرِيقاً لِيَقْهَرُوهُ، كَفِعْلِ الْمُلُوكِ يَطْلُبُ كُلُّ وَاحِدٍ مُغَالَبَةَ صَاحِبهِ لِيَصْفُو لَهُ الْمُلْكُ. وقرأ ابنُ كثير (كَمَا يَقُولُونَ) بالياءِ على معنى : كما يقولُ المشركون.
الإسراء 17:43
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً﴾ ؛ قرأ الأعمشُ وحمزةُ والكسائي (عَمَّا تَقُولُونَ) بالتاء، وقرأ الباقون بالياءِ. ومعنى الآيةِ : تَنْزِيهَاً للهِ عن كلِّ ما لاَ يليقُ بهِ من الولدِ والشَّريكِ ؛ أي يُرَفَّعُ عما يقولون من إضافةِ البناتِ إلى اللهِ تعالى. وقولهُ تعالى ﴿عُلُوّاً كَبِيراً﴾ أي تَعظِيماً كَبيراً، ولم يقل تَعَالِياً ؛ لأن المصدرَ قد يُذكَرُ لا على لفظِ الأوَّل كما في قولهِ تعالى :﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾[المزمل: ٨].
الإسراء 17:44
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ؛ قرأ أبو عمرٍو وحمزةُ والكسائي بالتاء، وقرأ غيرُهم بالياءِ. قال إبراهيمُ النخعيُّ وجماعةٌ من المفسِّرين :(إنَّ كُلَّ شَيْءٍ سَبَّحَ للهِ حَتَّى صَرِيرُ الْبَاب)، ولِهذا قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَلَـاكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ؛ أي لا تَعلَمُونَ، قال الحسنُ والضحَّاك :(يَعْنِي كُلَّ شَيْءٍ فِيْهِ الرُّوحُ)، وقال قتادةُ :(يَعْنِي الْحَيْوَانَاتِ)، وقال عكرمةُ :(وَالشَّجَرُ يُسَبحُ وَالاسْطِوَانَةُ تُسَبحُ).
وَقِيْلَ : إن الترابَ يسبحُ ما دام يَابساً، فإذا ابْتَلَّ تركَ التسبيحَ! وإنَّ الماءَ يُسَبحُ ما دامَ جَارياً، فإذا ركَدَ تركَ التسبيحَ! وإنَّ الورقَ ما دامَ على الشَّجرِ يسبحُ، فإذا سقطَ تركَ التسبيحَ! وإنَّ الثوبَ يسبحُ ما دامَ جَديداً، فإذا توَسَّخَ تركَ التسبيحَ! وإنَّ الوحشَ إذا صاحتَ سبَّحَتْ، فإذا سكَتَتْ تَرَكَتِ التسبيحَ.
وعن أنسٍ رضي الله عنه قالَ :" كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَخَذ كَفّاً مِنْ حَصَى فَسَبَّحَ فِي يَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى سَمْعْنَا التَّسْبيحَ، فَصَبَّهُنَّ فِي أيْدِينَا فَمَا سَبَّحْنَ فِي أيْدِينَا "
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ ؛ أي حَليماً لا يَعْجَلُ بعقاب الكفَّار، غَفُوراً يَسْتُرُ الذنوبَ على عبادهِ.
الإسراء 17:45
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً﴾ ؛ نزلَ في قومٍ من المشركين كادوا يُؤذُونَ النبيَّ ﷺ إذا قرأ القرآنَ، قال الكلبيُّ :(هُمْ أبُو سُفْيَانَ وَالنَّضْرُ بنُ الْحَرِثِ وَأبُو جَهْلٍ وَأُمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبي لَهَبٍ، حَجَبَ اللهُ رَسُولَهُ عَنْ أبْصَارِهِمْ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَكَانُواْ يَأْتُونَهُ وَيَمُرُّونَ بهِ وَلاَ يَرَوْنَهُ)
وعن سعيدِ بن جُبير قال :" (لَمَّا نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] جَاءَتِ امْرَأةُ أبي لَهَبٍ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ أبُو بَكْرٍ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ تَجَنَّبْتَ عَنِ امْرَأةِ أبي لَهَبٍ لِئَلاَّ تُسْمِعَكَ، فَإنَّهَا امْرَأةٌ نَدِيَّةٌ، فَقَالَ ﷺ :" إنَّّهُ سَيُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهَا " فَجَاءَتْ أُمُّ جَمِيلٍ وَلَهَا وَلْوَلَةٌ وَفِي يَدِهَا فِهْرٌ، وَهِيَ تَقُولُ : هَذا مِمَّا أبَيْنَا وَدِينِهِ قَلَيْنَا وَأمْرِهِ عَصَيْنَا.
وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ وَأبُو بَكْرٍ إلَى جَنْبهِ. فَقَالَ أبُو بَكْرٍ رضي الله عنه : لَقَدْ أقْبَلَتْ هَذِهِ وَأنَا أخَافُ أنْ تَرَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ : إنَّهَا لَنْ تَرَانِي، وَقَرَأ ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً﴾. قَالَ : فَجَاءَتْ حَتَّى قَامَتْ عِنْدَ أبي بَكْرٍ وَلَمْ تَرَ النَّبيَّ ﷺ فَقَالَتْ : يَا أبَا بَكْرٍ بَلَغَنِي أنَّ صَاحِبَكَ هَجَانِي، فَقَالَ : لاَ وَرَب الْبَيْتِ مَا هَجَاكِ، فَانْدَفَعَتْ رَاجِعَةً، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللهِ أمَا رَأتْكَ ؟ قَالَ :" لا ". قال : لِمَ ؟ قَالَ :" نَزَلَ مَلَكٌ بَيْنِي وَبَيْنَهَا يَسْتُرُنِي حَتَّى ذهَبْتُ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حِجَاباً مَّسْتُوراً﴾ أي سَاتِراً لَهم عن إدراكهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ﴾ ؛ أي منعناهم عن تدبُّرِ كلامِ النبيِّ ﷺ في وقتٍ مخصوصٍ، وهو الوقتُ الذي أرادوا إيذاءَهُ فيهِ، ﴿وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْراً﴾ ؛ ففِي ذلك الوقتِ صرَفنا آذانَهم عن الاستماعِ إليه، والمعنى : طبَعنا على قُلوبهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ﴾ ؛ يعني إذا قُلتَ : لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ، وأنتَ تَتلُو القرآنَ، ﴿وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً﴾، قال ابنُ عبَّاس :(كَارهِينَ أنْ يُوَحِّدُواْ اللهَ)، وقال قتادةُ :" إنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمَّا قَالَ : لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ، أنْكَرَ ذلِكَ الْمُشْرِكُونَ، وَكَبُرَ عَلَيْهِمْ ". والمعنى : انصَرَفُوا عنكَ هاربين ؛ كراهةً لما يسمعونَهُ من توحيدِ الله.
الإسراء 17:46
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً﴾ ؛ نزلَ في قومٍ من المشركين كادوا يُؤذُونَ النبيَّ ﷺ إذا قرأ القرآنَ، قال الكلبيُّ :(هُمْ أبُو سُفْيَانَ وَالنَّضْرُ بنُ الْحَرِثِ وَأبُو جَهْلٍ وَأُمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبي لَهَبٍ، حَجَبَ اللهُ رَسُولَهُ عَنْ أبْصَارِهِمْ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَكَانُواْ يَأْتُونَهُ وَيَمُرُّونَ بهِ وَلاَ يَرَوْنَهُ)
وعن سعيدِ بن جُبير قال :" (لَمَّا نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] جَاءَتِ امْرَأةُ أبي لَهَبٍ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ أبُو بَكْرٍ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ تَجَنَّبْتَ عَنِ امْرَأةِ أبي لَهَبٍ لِئَلاَّ تُسْمِعَكَ، فَإنَّهَا امْرَأةٌ نَدِيَّةٌ، فَقَالَ ﷺ :" إنَّّهُ سَيُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهَا " فَجَاءَتْ أُمُّ جَمِيلٍ وَلَهَا وَلْوَلَةٌ وَفِي يَدِهَا فِهْرٌ، وَهِيَ تَقُولُ : هَذا مِمَّا أبَيْنَا وَدِينِهِ قَلَيْنَا وَأمْرِهِ عَصَيْنَا.
وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ وَأبُو بَكْرٍ إلَى جَنْبهِ. فَقَالَ أبُو بَكْرٍ رضي الله عنه : لَقَدْ أقْبَلَتْ هَذِهِ وَأنَا أخَافُ أنْ تَرَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ : إنَّهَا لَنْ تَرَانِي، وَقَرَأ ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً﴾. قَالَ : فَجَاءَتْ حَتَّى قَامَتْ عِنْدَ أبي بَكْرٍ وَلَمْ تَرَ النَّبيَّ ﷺ فَقَالَتْ : يَا أبَا بَكْرٍ بَلَغَنِي أنَّ صَاحِبَكَ هَجَانِي، فَقَالَ : لاَ وَرَب الْبَيْتِ مَا هَجَاكِ، فَانْدَفَعَتْ رَاجِعَةً، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللهِ أمَا رَأتْكَ ؟ قَالَ :" لا ". قال : لِمَ ؟ قَالَ :" نَزَلَ مَلَكٌ بَيْنِي وَبَيْنَهَا يَسْتُرُنِي حَتَّى ذهَبْتُ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حِجَاباً مَّسْتُوراً﴾ أي سَاتِراً لَهم عن إدراكهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ﴾ ؛ أي منعناهم عن تدبُّرِ كلامِ النبيِّ ﷺ في وقتٍ مخصوصٍ، وهو الوقتُ الذي أرادوا إيذاءَهُ فيهِ، ﴿وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْراً﴾ ؛ ففِي ذلك الوقتِ صرَفنا آذانَهم عن الاستماعِ إليه، والمعنى : طبَعنا على قُلوبهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ﴾ ؛ يعني إذا قُلتَ : لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ، وأنتَ تَتلُو القرآنَ، ﴿وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً﴾، قال ابنُ عبَّاس :(كَارهِينَ أنْ يُوَحِّدُواْ اللهَ)، وقال قتادةُ :" إنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمَّا قَالَ : لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ، أنْكَرَ ذلِكَ الْمُشْرِكُونَ، وَكَبُرَ عَلَيْهِمْ ". والمعنى : انصَرَفُوا عنكَ هاربين ؛ كراهةً لما يسمعونَهُ من توحيدِ الله.
الإسراء 17:47
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ ؛ أي نحنُ أعلمُ بما يستَمعون إليه من قراءةِ القرآن، أنَّهم لماذا يستَمِعون وأنَّ قَصدَهم به الأذى دون طلب الحقِّ، فيسمعون إلى قِرَاءَتِكَ، ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ ؛ في أمرِكَ يتَناجَوْنَ، فيقولُ بعضهم : هذا كاهنٌ، ويقول بعضُهم : هذا ساحرٌ، ويقول بعضهم : هذا مجنونٌ، ويقول بعضُهم : هذا شاعرٌ.
وَقِيْلَ : إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أمَرَ عَلِيّاً رضي الله عنه أنْ يتَّخِذ طَعاماً، فيدعُو إليه أشرافَ قُريش من المشركين، ففعلَ ذلكَ، ودخلَ رسولُ اللهِ ﷺ وقرأ عليهم القرآنَ، ودعاهُم إلى التوحيدِ، فكانوا يستَمِعون ويقولون فيما بينهم مُتَنَاجِينَ : هو ساحرٌ، وهو مجنون مسحورٌ.
فأخبرَ اللهُ تعالى نَبيَّهُ بذلكَ، وأنزلَ عليه ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ أي يتناجَون بينهم بالتكذيب والاستهزاءِ، ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ﴾ ؛ أي أُولئك المشرِكون :﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾ أي مغلوبَ العقلِ قد سُحِرَ، وأُزيلَ عن حدِّ الاستواءِ.
الإسراء 17:48
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأَمْثَالَ﴾ ؛ أي كيف وصَفُوا لكَ الأشباهَ، فشَّبهوكَ بالمجنون والكاهنِ والساحر، ﴿فَضَلُّواْ﴾ ؛ عن الحقِّ، ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً﴾ ؛ مَخرَجاً عن الضَّلالِ إلى الهدَى.
الإسراء 17:49
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالُواْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً﴾ ؛ أي إذا صِرْنَا عِظَاماً بَالِيَةً وصِرنَا تُراباً، ﴿أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ؛ لنُبعَثُ بعدَ ذلكَ ؛ ﴿خَلْقاً جَدِيداً﴾ ؛ أيْ أنْبْعَثُ بعدَ ذلكَ ؟ وهذا استفهامُ إنكارٍ وتعجُّبٍ منهم. والرُّفَاتُ في اللغة : كلُّ شيء يُحَطِّمُ ويُكَسَّرُ، قال ابنُ عبَّاس :(يَقُولُونَ : إذا ذهَبَ اللَّحْمُ وَالْعُرُوقُ وَتَفَتَّتَ عِظَامٌ قَدْ بَلَتْ، فَإذا مَسَّيْتَهُ بَيْنَ يَدَيْكَ انْسَحَقَ، أنُبْعَثُ بَعْدَ ذلِكَ).
الإسراء 17:50
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً﴾ ؛ أي قُل لَهم يا مُحَمَّدُ : كونُوا حجارةً إنْ قَدرتُم عليها، أو أشدَّ منها بأن تكُونوا حَديداً، أو أقوَى من الحديدِ ؛ ﴿أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ ؛ أو أيَّ شيءٍ من الخلقِ نحوَ السَّموات والأرضِ والجبالِ، فإنِّي أُعيدكم لا محالةَ إلى ما كُنتم عليهِ من قَبْل.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا﴾ أي إذا قُلْتَ لهم ذلكَ فسيقولون لكَ : مَن يُعِيدُنا ؟ ﴿قُلِ﴾ ؛ لَهم : يُعِيدُكم، ﴿الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ؛ لأنَّ مَن قَدَرَ على البناءِ كان على الهدمِ أقدرَ، ومَن قدر على ابتداءِ الشيء كان على إعادتهِ أقدرَ.
قولهُ :﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ﴾ ؛ أي فسيُحرِّكون إليكَ رُؤوسَهم تعجُّباً لقولِكَ، والإنْغَاضُ : تحرُّكُ الرأس بالارتفاع والانخفاضِ على جهة الاستهزاءِ والاستبطاء، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾ ؛ أي متى تكون الإعادةُ، ﴿قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً﴾ ؛ أي قل عسى أن تكون الإعادةُ قريبةً، و(عَسَى) مِن الله واجبةٌ، ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ ؛ في النَّفخةِ الثانية، فتجيبون دَاعِيَ اللهِ حامِدين لله، قال سعيدُ بن جبير :(يَخْرُجُونَ مِنْ قُبُورهِمْ يَقُولُونَ : سُبْحَانَكَ وَبحَمْدِكَ، وَلاَ يَنْفَعُهُمْ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ ؛ لأَنَّهُمْ حَمَدُوا حِينَ لاَ يَنْفَعُهُمُ الْحَمْدُ).
قولهُ :﴿وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ؛ أي تظُنون أنَّكم لم تلبَثُوا في الدُّنيا إلا قَليلاً لسُرعةِ انقلاب الدُّنيا إلى الآخرةِ، كما قال الحسنُ :(كَأَنَّكَ بالدُّنْيَا وَلَمْ تَكُنْ وَبالآخِرَةِ وَلَمْ تَزَلْ).
ومِن المفسِّرين مَن قالَ : هذه الآية خطابٌ للمؤمنِين ؛ لأنَّهم يستَجيبون للهِ بحمده على إحسانهِ إليهم، كما قالَ ﷺ :" كَأَنِّي بأَهْلِ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ وَهُمْ يَنْفِضُونَ التُّرَابَ عَنْ رُؤُوسِهِمْ وَيَقُولُونَ : الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ".
الإسراء 17:51
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً﴾ ؛ أي قُل لَهم يا مُحَمَّدُ : كونُوا حجارةً إنْ قَدرتُم عليها، أو أشدَّ منها بأن تكُونوا حَديداً، أو أقوَى من الحديدِ ؛ ﴿أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ ؛ أو أيَّ شيءٍ من الخلقِ نحوَ السَّموات والأرضِ والجبالِ، فإنِّي أُعيدكم لا محالةَ إلى ما كُنتم عليهِ من قَبْل.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا﴾ أي إذا قُلْتَ لهم ذلكَ فسيقولون لكَ : مَن يُعِيدُنا ؟ ﴿قُلِ﴾ ؛ لَهم : يُعِيدُكم، ﴿الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ؛ لأنَّ مَن قَدَرَ على البناءِ كان على الهدمِ أقدرَ، ومَن قدر على ابتداءِ الشيء كان على إعادتهِ أقدرَ.
قولهُ :﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ﴾ ؛ أي فسيُحرِّكون إليكَ رُؤوسَهم تعجُّباً لقولِكَ، والإنْغَاضُ : تحرُّكُ الرأس بالارتفاع والانخفاضِ على جهة الاستهزاءِ والاستبطاء، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾ ؛ أي متى تكون الإعادةُ، ﴿قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً﴾ ؛ أي قل عسى أن تكون الإعادةُ قريبةً، و(عَسَى) مِن الله واجبةٌ، ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ ؛ في النَّفخةِ الثانية، فتجيبون دَاعِيَ اللهِ حامِدين لله، قال سعيدُ بن جبير :(يَخْرُجُونَ مِنْ قُبُورهِمْ يَقُولُونَ : سُبْحَانَكَ وَبحَمْدِكَ، وَلاَ يَنْفَعُهُمْ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ ؛ لأَنَّهُمْ حَمَدُوا حِينَ لاَ يَنْفَعُهُمُ الْحَمْدُ).
قولهُ :﴿وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ؛ أي تظُنون أنَّكم لم تلبَثُوا في الدُّنيا إلا قَليلاً لسُرعةِ انقلاب الدُّنيا إلى الآخرةِ، كما قال الحسنُ :(كَأَنَّكَ بالدُّنْيَا وَلَمْ تَكُنْ وَبالآخِرَةِ وَلَمْ تَزَلْ).
ومِن المفسِّرين مَن قالَ : هذه الآية خطابٌ للمؤمنِين ؛ لأنَّهم يستَجيبون للهِ بحمده على إحسانهِ إليهم، كما قالَ ﷺ :" كَأَنِّي بأَهْلِ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ وَهُمْ يَنْفِضُونَ التُّرَابَ عَنْ رُؤُوسِهِمْ وَيَقُولُونَ : الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ".
الإسراء 17:52
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً﴾ ؛ أي قُل لَهم يا مُحَمَّدُ : كونُوا حجارةً إنْ قَدرتُم عليها، أو أشدَّ منها بأن تكُونوا حَديداً، أو أقوَى من الحديدِ ؛ ﴿أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ ؛ أو أيَّ شيءٍ من الخلقِ نحوَ السَّموات والأرضِ والجبالِ، فإنِّي أُعيدكم لا محالةَ إلى ما كُنتم عليهِ من قَبْل.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا﴾ أي إذا قُلْتَ لهم ذلكَ فسيقولون لكَ : مَن يُعِيدُنا ؟ ﴿قُلِ﴾ ؛ لَهم : يُعِيدُكم، ﴿الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ؛ لأنَّ مَن قَدَرَ على البناءِ كان على الهدمِ أقدرَ، ومَن قدر على ابتداءِ الشيء كان على إعادتهِ أقدرَ.
قولهُ :﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ﴾ ؛ أي فسيُحرِّكون إليكَ رُؤوسَهم تعجُّباً لقولِكَ، والإنْغَاضُ : تحرُّكُ الرأس بالارتفاع والانخفاضِ على جهة الاستهزاءِ والاستبطاء، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾ ؛ أي متى تكون الإعادةُ، ﴿قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً﴾ ؛ أي قل عسى أن تكون الإعادةُ قريبةً، و(عَسَى) مِن الله واجبةٌ، ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ ؛ في النَّفخةِ الثانية، فتجيبون دَاعِيَ اللهِ حامِدين لله، قال سعيدُ بن جبير :(يَخْرُجُونَ مِنْ قُبُورهِمْ يَقُولُونَ : سُبْحَانَكَ وَبحَمْدِكَ، وَلاَ يَنْفَعُهُمْ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ ؛ لأَنَّهُمْ حَمَدُوا حِينَ لاَ يَنْفَعُهُمُ الْحَمْدُ).
قولهُ :﴿وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ؛ أي تظُنون أنَّكم لم تلبَثُوا في الدُّنيا إلا قَليلاً لسُرعةِ انقلاب الدُّنيا إلى الآخرةِ، كما قال الحسنُ :(كَأَنَّكَ بالدُّنْيَا وَلَمْ تَكُنْ وَبالآخِرَةِ وَلَمْ تَزَلْ).
ومِن المفسِّرين مَن قالَ : هذه الآية خطابٌ للمؤمنِين ؛ لأنَّهم يستَجيبون للهِ بحمده على إحسانهِ إليهم، كما قالَ ﷺ :" كَأَنِّي بأَهْلِ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ وَهُمْ يَنْفِضُونَ التُّرَابَ عَنْ رُؤُوسِهِمْ وَيَقُولُونَ : الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ".
الإسراء 17:53
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ؛ وذلك " أنَّ المشركين كانوا يُؤذُونَ الصَّحابةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ بالقولِ والفعلِ بمكَّة، فشَكَوا ذلكَ إلى رسولِ الله ﷺ وقالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ ائْذنْ لَنَا فِي قِتَالِهِمْ، فَقَالَ :" إنِّي لَمْ أُؤْمَرْ فِيْهِمْ بشَيْءٍ " وكان ذلك قبلَ أن يُؤمَرَ بالجهادِ.
والمعنى : قُل للمؤمنين يقولون للكفَّار، والمقالَةُ التي هي أحسَنُ من الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر على وجه الرِّفقِ، ويقولون لَهم : يَهدِيكُمُ اللهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ ؛ أي يُغْرِي المشركين على المسلمين، فيوقعُ العداوةَ بينهم ويفسِدُ نيَّتَهم، ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً﴾ ؛ مُظْهِراً للعداوةِ.
الإسراء 17:54
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ ؛ أي بأحوالِكم، ﴿إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ ؛ بأن يُنَجِّيكُمْ من كفَّار مكَّة وينصُرَكم عليهم، ﴿أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ ؛ أي يُسلِّطْهم عليكم، ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ ؛ أي حَفيظاً وكفيلاً ؛ أي ما وُكِّلَ إليكَ إيمانُهم، إنْ شاءَ اللهُ تعالى هدَاهُم، وإنْ شاءَ خذلَهم.
الإسراء 17:55
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ لأنه خلَقَهم فهدَى بعضَهم وأضلَّ بعضهم على علمٍ منه بهم، لم يَخْتَرْ بعضَ الملائكةِ والأنبياء لِمَيْلِهِ إليهم، وإنما أختَارَهم لعِلمهِ بباطنهم، وقولهُ تعالى :﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾.
قال قتادةُ :(اتَّخَذ اللهُ إبْرَاهِيمَ خَلِيلاً، وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً، وَجَعَلَ عِيسَى كَلْمَتَهُ وَرُوحَهُ، وَآتَى سُلَيْمَانَ مُلْكاً لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ، وَغَفَرَ لِمُحَمَّدٍ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذنْبهِ وَمَا تَأَخَّرَ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً﴾ ؛ يعني كِتَابَهُ الذي أعطاهُ إياه، وهو مِائَةٌ وخمسون سورةً، ليس فيها حُكمٌ ولا فريضة، وإنما هو ثناءٌ على اللهِ تعالى.
الإسراء 17:56
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ﴾ ؛ أي قالَ المفسِّرون : ابتلَى اللهُ كفارَ مكَّة بالقحطِ سنينَ، فشَكَوا ذلك إلى رسولِ الله ﷺ، فأنزلَ اللهُ هذهِ الآيةَ ؛ أي قُل للمشركين : ادْعُوا الذين زعَمتُم أنَّهم آلهةٌ، ﴿فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ﴾ ؛ أي البُؤْسِ والشدَّةِ، ﴿عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً﴾ التحويلُ : النَّقْلُ من حالٍ الى حال.
الإسراء 17:57
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُولَـائِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ؛ معناهُ : أولئكَ الذين يْدعون إلى اللهِ في طلب الجنَّة، ويطلُبون التقرُّبَ إليه، فكيف تَعبُدونَهم أنتم. والوسيلةُ : القربَةُ إلى اللهِ تعالى.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ أي أقرَبُ إلى اللهِ بالوسيلة، يعني يتقرَّبون إليه بالعملِ الصالح، وعن ابنِ مسعودٍ في تفسيرِ هذه الآية :(أنَّ قَوْماً مِنَ الإنْسِ كَانُواْ يَعْبُدُونَ قَوْماً مِنَ الْجِنِّ، فَأَسْلَمَ الْجِنُّ وَبَقِيَ الإنْسُ عَلَى كُفْرِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ).
وقولهُ تعالى :﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ أي يطلبُون أن يعلَمُوا أيُّهم أقربُ إلى اللهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾ ؛ أي يريدون جَنَّتَهُ، ﴿وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ ؛ أي مما يجبُ أن يُحذرَ عنهُ.
الإسراء 17:58
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً﴾ ؛ يعني بالموتِ أو معذِّبوها بعذاب الاستئصال، ومعنى ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ﴾ : وما مِنْ قريةٍ قال ابنُ مسعودٍ :(إذا ظَهَرَ الزِّنَى وَالرِّبَا فِي قَرْيَةٍ أذِنَ اللهُ فِي هَلاَكِهَا)، وقال مقاتلُ :(أمَّا الصَّالِحَةُ فَبالْمَوْتِ، وَأمَّا الطَّالِحَةُ فَبالْعَذاب).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَانَ ذالِك فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾ ؛ أي قضاءً من اللهِ، كما يسمَعون ليس منه بدٌّ، وَقِيْلَ : كان ذلك في اللَّوحِ المحفوظِ مَكتوباً، فإنه مكتوبٌ فيه كيفَ يُهلِكهم اللهُ، ومتى يُهِلِكهم، وبأَيِّ عذابٍ يُهلكهم.
الإسراء 17:59
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ﴾ ؛ وذلكَ أنَّ قُريشاً قالت للنبيِّ ﷺ : حوِّلْ لَنَا الصَّفَا ذهَباً، وَنَحِّ الْجِبَالَ عَنَّا لنَنْفَسِحَ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ؛ أي أنْ حوَّلتهُ فلم يؤمنوا لَمْ أُمهِلْهُمْ لسُنَّتي في مَن قبلَهم.
وموضع (أنْ) الأُولى نُصِبَ بتكذيب الأوَّلين برفعِ المنع عليه، وموضعُ (أنْ) الثانية رَفعٌ تقديره : وما مَنَعَنَا الإرسالَ بالآياتِ إلا تكذيب الأوَّلين بها، وهذا اللفظُ أغنَى عن لفظ المنعِ على طريق المجازِ ؛ لأن المنعَ لا يجوزُ على اللهِ تعالى.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ ؛ أي أخرَجنا لثمودَ الناقةَ ليُبصِرُوا بها الْهُدَى من الضَّلالة، والسعادةَ من الشقاوةِ، ﴿فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ ؛ أي جَحَدوا بها وعَقَرُوها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً﴾ ؛ أي العِبَرَ والدلالاتِ إلا تَخْوِيفاً للعبادِ ليُؤمِنُوا، فإذا لم يفعَلُوا عُذِّبُوا.
قال قتادةُ :(يُخَوِّفُ اللهُ الْخَلْقَ بمَا شَاءَ مِنْ آيَةٍ لَعَلَّهُمْ يَعْتَبرُونَ أوْ يَرْجِعُونَ، ذُكِرَ لَنَا أنَّ الْكُوفَةَ رَجَفَتْ عَلَى عَهْدِ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ : يَا أيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللهَ يَسْتَعْتِبُكُمْ فَاعْتِبُوهُ). وعن الحسنِ في قوله :﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً﴾ قال :(الْمَوْتُ الذريعُ).
الإسراء 17:60
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ ؛ عِلْماً وقدرةً فَهُمْ في قبضتهِ لا يقدرون على الخروجِ عن مَشِيئته، وهو مانعُكَ منهم وحافظُكَ، فلا تتَهيَّب وتخافُ منهم، وامْضِ بما أُمِرْتَ به من تبليغِ الرِّسالةِ، وقال مقاتلُ :(مَعْنَاهُ : أحَاطَ بالنَّاسِ ؛ أيْ أهْلَ مَكَّةَ أَنَّهَا سَتُفْتَحُ لَكَ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّءْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ ؛ قال أكثرُ المفسِّرين : يعني ما ذُكِرَ في أوَّلِ هذه السُّورة من الإسراءِ في ليلةٍ واحدة من المسجدِ الحرام إلى المسجدِ الأقصَى على معنى أنَّها شدَّةٌ من التكليفِ، كما رُوي أنَّ المشركين استعظَمُوا ذلك وكذبوهُ، فيكون معنى الرُّؤيا رؤيةَ العينِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ﴾ ؛ أي وما جعَلنا الشجرةَ الملعونةَ إلاَّ فتنةً للناس، والشجرةُ الْمَلْعُونَةُ : شجرةُ الزَّقُّومِ، يقولُ العرب : لكُلِّ طعامٍ منارٌ معلوم، وسَمَّوها فتنةً ؛ لأنَّهم قالوا : إنَّ النارَ تأكلُ الشجرةَ، فكيف تنبتُ الشجرة في النارِ؟!
وقال ابن الزُّبْعَرَى :(مَا نَعْلَمُ الزَّقُّومَ إلاَّ التَّمْرَ وَالزَّبَدَ) فَهَذا الْكَلاَمُ مِنْهُمْ هُوَ فِتْنَتُهُمْ ؛ أيْ فُتِنُواْ بذلِكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً﴾ ؛ أي نُخوِّفُهم بما نُرسِلُ الآياتِ، فما يزدادون إلا تَجاوُزاً عن الحدِّ.
الإسراء 17:61
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرُ ذلك. وقولهُ تعالى :﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾ ؛ أي قالَ إبليسُ : أأسجدُ لآدم وهو مخلوقٌ من طينٍ ؟ وهذا استفهامٌ بمعنى الإنكار، ونُصِبَ (طِيناً) على الحالِ.
قال اللهُ تعالى حَاكياً عن إبليس :﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـاذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ أي قالَ إبليس : أخبرنِي عن هذا الذي كرَّمتهُ عليَّ، لِمَ كرَّمتَهُ علَيَّ، وقد خلَقتَني من نارٍ وخلقتهُ من طينٍ؟! اعتقدَ إبليس أنَّ النارَ أكرَمُ أصلاً من الطينِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ؛ أي لأَستَأْصِلَنَّ ذُرِّيتَهُ بإغوائِهم، إلاَّ قليلاً منهم وهمُ الذين عصَمتَهم مني، تقولُ العربُ : احْتَنَكَتِ السَّنَةُ أمْوالَنَا ؛ أي استأْصَلَتْهَا، قال الشاعرُ : أشْكُو إلَيْكَ سَنَةً قَدْ أجْحَفَتْ وَاحْتَنَكَتْ أمْوَالَنَا وَاجْتَلَفَتْوَاحْتَنَكَتْ حَلَقَتْ، وَاحْتَنَكَتِ الْجَرَادُ مَا عَلَى الأَرْضِ. وَقِيْلَ : معنى ﴿لأَحْتَنِكَنَّ﴾ أي لأقتَطِعَنَّ ذُرِّيتَهُ إلى المعاصي، يقالُ : احْتَنَكَ فلانٌ ما عندَ فلانٍ من مالٍ، إذا اقتطعَهُ. وَقِيْلَ : معناهُ : لأَقُودَنَّ ذُريَّتَهُ إلى المعاصِي وإلى النار، مِن قولهم : حَنَكَ دَابَّتَهُ يَحْنِكُهَا من الأَسْفَلِ بحَبْلٍ يَقُودُهَا بهِ.
الإسراء 17:62
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرُ ذلك. وقولهُ تعالى :﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾ ؛ أي قالَ إبليسُ : أأسجدُ لآدم وهو مخلوقٌ من طينٍ ؟ وهذا استفهامٌ بمعنى الإنكار، ونُصِبَ (طِيناً) على الحالِ.
قال اللهُ تعالى حَاكياً عن إبليس :﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـاذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ أي قالَ إبليس : أخبرنِي عن هذا الذي كرَّمتهُ عليَّ، لِمَ كرَّمتَهُ علَيَّ، وقد خلَقتَني من نارٍ وخلقتهُ من طينٍ؟! اعتقدَ إبليس أنَّ النارَ أكرَمُ أصلاً من الطينِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ؛ أي لأَستَأْصِلَنَّ ذُرِّيتَهُ بإغوائِهم، إلاَّ قليلاً منهم وهمُ الذين عصَمتَهم مني، تقولُ العربُ : احْتَنَكَتِ السَّنَةُ أمْوالَنَا ؛ أي استأْصَلَتْهَا، قال الشاعرُ : أشْكُو إلَيْكَ سَنَةً قَدْ أجْحَفَتْ وَاحْتَنَكَتْ أمْوَالَنَا وَاجْتَلَفَتْوَاحْتَنَكَتْ حَلَقَتْ، وَاحْتَنَكَتِ الْجَرَادُ مَا عَلَى الأَرْضِ. وَقِيْلَ : معنى ﴿لأَحْتَنِكَنَّ﴾ أي لأقتَطِعَنَّ ذُرِّيتَهُ إلى المعاصي، يقالُ : احْتَنَكَ فلانٌ ما عندَ فلانٍ من مالٍ، إذا اقتطعَهُ. وَقِيْلَ : معناهُ : لأَقُودَنَّ ذُريَّتَهُ إلى المعاصِي وإلى النار، مِن قولهم : حَنَكَ دَابَّتَهُ يَحْنِكُهَا من الأَسْفَلِ بحَبْلٍ يَقُودُهَا بهِ.
الإسراء 17:63
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً﴾ ؛ أي فمَن تَبعَكَ من ذُرية آدمَ فإنَّ جهنمَ جزاؤُكم جزاء وافراً مُكَمَّلاً. قولهُ :﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ ؛ أي اسْتَنْزِلْ واستَخِفَّ واستَجْهِلْ مَن استطعتَ منهم بدُعائِكَ في المعصيةِ، مِن قولهم : صَوَّتَ فلانٌ، إذا دعاهُ، ويقال : أراد بالصوتِ صوتَ الغناءِ والمزامير، وهذا لعَلَى وجهِ التهديدِ وإنْ كان في صورَةِ الأمرِ كقوله تعالى :﴿اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾[فصلت: ٤٠] وكقولهم : أجْهِدْ جُهْدَكَ.
الإسراء 17:64
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ ؛ أي صِحْ بخَيْلِكَ ورَجْلِكَ احْثُثْهُمْ على الإغواءِ، يقالُ : أجْلَبَ على العدوِّ، إذا جمعَ عليهم الخيولَ، والمعنى على هذا : إجمعْ عليهم كلَّ ما تقدرُ من مكائدٍ، وقال مقاتلُ :(مَعْنَاهُ : اسْتَعِنْ عَلَيْهِمْ برِكَاب جُنْدِكَ وَمُشَاتِهِمْ). والْجَلْبُ هو قَوْدُ الشيءِ وسَوقُهُ بالصوتِ، يقالُ للغنَمِ : جَلَبٌ وجَلُوبَةٌ ؛ أي جلبت من موضعٍ إلى آخر، قال الحسنُ :(كُلُّ رَاكِبٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ فَهْوَ مِنْ خَيْلِ إبْلِيسَ، وَكُلُّ مَاشٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ فَهْوَ مِنْ رَجْلِ الشَّيْطَانِ)، وقرأ حفصٌ (وَرَجِلِكَ) بنصب الراء وكسرِ الجيم وهما لُغتان، أتبَعَ كسرةَ الجيمِ كسرةَ اللام، وهذا على طريقِ الإهانَةِ لإبليسَ، لاَ أنَّ له خَيْلاً ورَجِلاً، كما يقولُ الرجل لغيرهِ : أجْمِعْ خَيْلَكَ وَرَجِلَكَ وَمَا أمْكَنَكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ ؛ شِركَتهُ في الأموالِ أن يجعَلُوا شيئاً من أموالهم لغيرِ الله، كما جعَلُوا من الحرثِ والأنعامِ، وشِركَتهُ في الأولادِ أن سَمَّوا أولادَهم : عبدَ يَغُوث، وعبدَ شمسٍ، وعبدَ الحرب. وقال بعضُهم : شِركتهُ في أولادِهم أولاد الزِّنَى، كذا قال مجاهدُ والضحَّاك. ويقالُ شركتهُ في الأموالِ كلَّ ما أُخذ من حرامٍ وأُنفِقَ في حرامٍ، وشركتهُ في الأولادِ الذي يُهَوِّدَاهُ أبَوَاهُ ويُنَصِّرانِهِ ويُمَجِّسانِه.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ ؛ أي مَنِّيهِمْ بما شِئتَ من الغُرور : من طولِ الحياةِ، والتَّشكيكِ في البعثِ، وما تكون مواعيدُ الشَّيطان إلا غُروراً ؛ أي تَزييناً بَاطِلاً.
الإسراء 17:65
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ؛ أي " إلاَّ " في الوسوَسة، فإما أن يَمنعَهم عن الطاعةِ، أو يحملَهم على المعصيةِ فلا، وَقِيْلَ : معناهُ : إنَّ أولِيائي ليس لك عليهم حجَّة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾ ؛ أي حَافِظاً لأوليائهِ يعصِمُهم عن القبولِ من إبليس ؛ لأن الوكيلَ بالشيءِ يكون حَافظاً له.
ثُم ذكَرَ سبحانَهُ نِعَمَهُ على عبادهِ فقال :
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ﴾ ؛ أي ربُّكم الذي يسوقُ لكم، ويُجرِي لكم السُّفنَ في البحرِ، ﴿لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ ؛ أي لتطلبُوا ما كان مصلحةً لكم في دُنياكم وآخِرَتِكم من التِّجارة وغيرِها، ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ ؛ حين أنعمَ عليكم بهذه النِّعم.
الإسراء 17:66
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ؛ أي " إلاَّ " في الوسوَسة، فإما أن يَمنعَهم عن الطاعةِ، أو يحملَهم على المعصيةِ فلا، وَقِيْلَ : معناهُ : إنَّ أولِيائي ليس لك عليهم حجَّة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾ ؛ أي حَافِظاً لأوليائهِ يعصِمُهم عن القبولِ من إبليس ؛ لأن الوكيلَ بالشيءِ يكون حَافظاً له.
ثُم ذكَرَ سبحانَهُ نِعَمَهُ على عبادهِ فقال :
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ﴾ ؛ أي ربُّكم الذي يسوقُ لكم، ويُجرِي لكم السُّفنَ في البحرِ، ﴿لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ ؛ أي لتطلبُوا ما كان مصلحةً لكم في دُنياكم وآخِرَتِكم من التِّجارة وغيرِها، ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ ؛ حين أنعمَ عليكم بهذه النِّعم.
الإسراء 17:67
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ؛ أي يُخَلِّصُكم من الشدَّة في البحرِ عند عَصْفِ الرياحِ وترادُفِ الأمواجِ، وخِفتُم الغرقَ، ضلَّ مَن تدعون من الأصنامِ عن تخليصِكم ؛ أي بَطَلَ وزَالَ، ولا يرجُون النجاةَ إلا من اللهِ.
قال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَاهُ : إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ نَسِيتُمُ الأَنْدَادَ وَالشُّرَكَاءَ، وَتَرَكْتُمُوهُمْ وَأخْلَصْتُمْ للهِ)، ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾، فَلَمَّا أجَابَ دُعَاءَكُمْ وَنَجَّاكُمْ مِنَ الْبَحْرِ، وَأخْرَجَكُمْ إلى البَرِّ ونجاكم، ﴿أَعْرَضْتُمْ﴾ ؛ عن الإيمانِ والطاعة، ورجعتُم إلى ما كنتم عليهِ، ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً﴾ ؛ لنِعَمِ اللهِ تعالى، وأرادَ بالإنسانِ الكافرَ.
الإسراء 17:68
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ ؛ معناهُ : أفأَمِنتُمْ بعدَ ذلك أن نَخسِفَ بكمُ الأرضَ كما فُعِلَ بقارونَ، ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ ؛ أي حجارةً تُمطِرُ من السَّماءِ عليكم، كما أمطَرتْ على قومِ لوط، قال القُتَيْبيُّ :(الْحَاصِبُ : الرِّيحُ الَّتِي تَرْمِي بالْحَصْبَاءِ) وهي الحصَى الصِّغار، يقال : حَصَبَهُ بالحجارةِ، إذا رمَاهُ بها مُتَتابعاً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً﴾ ؛ أي حَافِظاً يحفَظُكم من عذاب الله.
الإسراء 17:69
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى﴾ ؛ أي أمْ أمِنتُم أن يُعيدَكم اللهُ في البحرِ مرَّةً أُخرى، ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ الرِّيحِ﴾ ؛ أي ريحاً شديدةً تَقْصِفُ الفُلْكَ، قال أبو عُبيدة :(الْقَاصِفُ هِيَ الرِّيحُ الَّتِي تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ ؛ أيْ تَدُقُّهُ وَتُحَطِّمُهُ). وقال القتيبيُّ :(هِيَ الَّتِي تَقْصِفُ الشَّجَرَ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ﴾ ؛ أي بكُفرِكم، ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً﴾ ؛ أي لا تجدُوا لكم من يَتْبَعُنَا فيطالِبُنا بدمائِكم، والتَّبيعُ : مَنْ يَتْبَعُ غَيْرَهُ لأمرٍ.
الإسراء 17:70
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ﴾ ؛ أي فضَّلناهم بالعقلِ والنُّطقِ والتمييزِ، وعامَلناهم معاملةَ الإكرامِ بالنعمة، وجعلناهم يهتَدُون إلى مَعايشهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ؛ أي في البَرِّ على الدواب، وفي البحرِ على السُّفن. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ ؛ أي لَذِيذِ المطاعمِ والمشارب، قال مقاتلُ :(السَّمْنُ وَالزُّبْدُ وَالتَّمْرُ وَالْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ ؛ أي فضَّلنَاهم على كثيرٍ من حيواناتِ البرِّ والبحرِ، ومِن تفضيلهم أنَّهم يأكُلون بالأيدِي، وغيرُهم من الحيواناتِ يأكلون بالأفواهِ. ويقالُ : إنَّ ابنَ آدم يَمشِي مُنتَصِباً قائماً وسائرُ الحيواناتِ تَمشِي مُنْكَبَّةً.
ولم يقُل في الآية : عَلَى كلِّ مَنْ خلَقْنَا ؛ لأن اللهَ فضَّلَ الملائكةَ كما قالَ تعالى :﴿وَلاَ الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾[النساء: ١٧٢] ولكنَّ ابنَ آدمَ مُفَضَّلٌ على سائرِ الحيوانات، وقال عطاءُ في هذه الآيةِ :(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ بتَعْدِيلِ الْقَامَةِ وَامْتِدَادِهَا)، وقال محمَّدُ بن كعبٍ :(بأَنْ جَعَلَ مُحَمَّداً ﷺ مِنْهُمْ). وَقِيْلَ : بحُسنِ الصُّورة، وَقِيْلَ : الرِّجالُ باللِّحَا والنِّساءُ بالذوائب.
وَقِيْلَ : بتسلِيطهم على غيرِهم من الخلائقِ، وبتسخيرِ الخلائق لَهم. وعن النبيِّ ﷺ في تفسيرِ الآية قال :" الْكَرَامَةُ الأَكْلُ بالأصَابعِ " وقولهُ :﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ يعني الثِّمارَ والحبوبَ، وكلَّ طعامٍ لَيِّنٍ، ورَزَقَ الدوابَ التِّبنَ والحشيشَ والشَّوكَ.
الإسراء 17:71
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ ؛ يعني يومَ القيامةِ وهو منصوبٌ على معنى : واذْكُرْ يومَ ندعُو كلَّ أناسٍ بإمامِهم ؛ أي نَبيِّهِمْ، فيقالُ : هاتُوا متَّبعِي إبراهيمَ، هاتوا مُتَّبعي موسَى، هاتوا متَّبعي عيسَى، هاتوا متَّبعي مُحَمَّدٍ ﷺ، فيقومُونَ يأْخذُونَ كُتبَهم بأَيمانِهم.
ثم يقالُ : هاتُوا متَّبعي الشيطانِ رؤساءَ الضَّلالةِ، هاتوا مُتَّبعي الطاغوتِ، فيقُومون ويُعطَونَ كُتبَهم بشمائلِهم. ويقالُ : يُدعَى كلُّ أُناسٍ بعَملهِ، فيقالُ : أين صاحبُ هذا الكتاب ؟ أين فلانُ بن فلان الْمُصَلِّي ؟ وأين فلانُ بن فلان الصَّوَّام ؟ إلى أن يُنادِي بالعازفِ والدفَّافِ والرَّقاصِ، فيُدعَى كلُّ أُناسٍ بعملهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ؛ أي مَن أُعطِيَ كتابَهُ الذي فيه ثوابُ عملهِ بيمينه، ﴿فَأُوْلَـائِكَ يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ﴾ ؛ يفرَحُون ويُسَرُّونَ بما يقرَأُون، وقولهُ تعالى :﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ ؛ ولا يُنقَصُونَ من ثواب أعمالهم مقدارَ الفَتِيلِ، وهو القِشْرُ الذي في شِقِّ النَّواةِ، ويقالُ : هو الوَسَخُ الذي تَفْتِلُهُ بين إصبعَيكَ.
الإسراء 17:72
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن كَانَ فِي هَـاذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ ؛ أي مَن كان في هذه الدُّنيا التي هو مُشَاهِدٌ لها أعمَى عن الحجَّة، لا يتفكَّرُ بقلبهِ في ملَكوتِ السَّموات والأرضِ، فهو في الآخرةِ التي هي غائبةٌ عن عَينَيهِ أشدُّ عمًى، وأخطأُ طَريقاً. ويقالُ : معناهُ : مَن كان في هذه الدُّنيا ضَالاً عن الحقِّ فهو في الآخرةِ أشدُّ تَحَيُّراً وذهَاباً عن طريقِ الحقِّ.
الإسراء 17:73
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ ؛ وذلك " أنَّ ثَقيفاً أرسَلُوا وَفدَهُم إلى رسولِ الله ﷺ وهو بالمدينةِ، فقالُوا : يَا مُحَمَّدُ نَحْنُ أخْوَالُكَ وَأصْهَارُكَ وَجِيرَانُكَ، وَجِيرَانُ أهْلِ نَجْدٍ لَكَ سِلْماً وَصِرْهُمْ عَلَيْكَ حَزَناً، إنْ سَالَمْنَا سَالَمَ مَنْ بَعْدَنَا، وَإنْ حَارَبْنَا حَارَبَ مَنْ بَعْدَنَا، فَقَالَ ﷺ :" مَاذا تُرِيدُونَ ؟ " قَالُواْ : نُبَايعُكَ عَلَى أنْ تُعْطِيَنَا ثَلاَثَ خِصَالٍ : أنْ لاَ نَنْحَنِي - يَعْنُونَ فِي الصَّلَوَاتِ - وَأنْ لاَ تُكْسَرَ أصْنَامُنَا بأَيْدِينَا، تُمَتِّعُنَا بالأَصْنَامِ سَنَةً.
فَقَالَ لَهُمُ النَّبيُّ ﷺ :" لاَ خَيْرَ فِي دِينٍ لاَ صَلاَةَ فِيْهِ وَلاَ رُكُوعَ وَلاَ سُجُودَ، وَأمَّا قَوْلُكُمْ عَلَى أنْ لاَ تَكْسِرُواْ أصْنَامَكُمْ بأَيْدِيكُمْ فَذلِكَ لَكُمْ، وَنَحْنُ نَبْعَثُ لَهَا مَنْ يَكْسِرُهَا، وأمَّا الأَصْنَامُ فَأَنَا غَيْرُ مُمَتِّعُكُمْ بهَا " فَقَالُواْ : يَا رَسُولَ اللهِ فَإنَّا نُحِبُّ أنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ أنَّكَ أعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ غَيْرَنَا، فَإنْ خِفْتَ أنْ تَقُولَ الْعَرَبُ أعْطَيْتَهُمْ مَا لَمْ تُعْطِنَا، فَقُلِ اللهُ أمَرَنِي بذلِكَ! فَسَكَتَ النَّبيُّ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ لاَ : رَجَاءَ أنْ يُسْلِمُواْ "، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ أي يَصرِفُونَكَ عن الذي أمَرنَاكَ من كَسْرِ آلِهتِهم وعَيب دِينِهم ؛ لتَفتَرِيَ علينا غيرَ الذي أمرنَاكَ به، فلو فعلتَ ما أرادوهُ، ﴿وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ ؛ أي صَفِيّاً لمبايَعتِكَ إيَّاهم.
الإسراء 17:74
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ ؛ أي لقد كِدْتَ تَميلُ إليهم، قال ابنُ عبَّاس :(يَعْنِي حِينَ سَكَتَّ عَنْ جَوَابهِمْ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ ؛ أي إنَّكَ لو مِلْتَ إليهم لأذقناكَ ضِعْفَ عذاب الدُّنيا، وضعفَ عذاب الآخرة، يريدُ عذابَ الآخرةِ ضِعْفَ ما يُعذبُ به غيرهُ، ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ ؛ أي مَانِعاً يَمنعُنَا من تعذيبكَ، قال ابنُ عبَّاس :(وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مَعْصُومٌ، وَلَكِنْ هَذا تَخْوِيفاً لأُمَّتِهِ ؛ لِئَلاَّ يَرْكَنَ أحَدٌ منَ الْمُؤْمِنِينَ إلَى أحَدٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ أحْكَامِ اللهِ تَعاَلَى وَشَرَائِعِهِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَالَ النَّبيُّ ﷺ :" اللَّهُمَّ لاَ تَكِلْنِي إلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلاَ أدْنَى مِنْ ذلِكَ ".
وذهبَ السديُّ في هذه الآياتِ :(إلَى أنَّ قُرَيْشاً قَالَتْ لِلنَّبيِّ ﷺ : إنَّكَ تَرْفُضُ آلِهَتَنَا كُلَّ الرَّفْضِ، فَلَوْ أنَّكَ تأْتِيهَا وَتَلْمِسُهَا وَتَبْعَثُ بَعْضَ وَلَدِكَ فَيَمْسَحُهَا، كَانَ أرَقَّ لِقُلُوبنَا وَأحْرَى أنْ نَتَّبعَكَ! فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَبْعَثَ بَعْضَ وَلَدِهِ فَيَمْسَحَهَا، فَنَهَاهُ اللهُ عَنْ ذلِكَ). ويقال : إنَّهم قالوا : أُطْرُدْ سِقَاطَ الناسِ وموالِيهم، هؤلاءِ الذين رائحتُهم كرائحةِ الضَّأنِ حتى نتَّبعَكَ، فَهَمَّ رسولُ الله ﷺ أن يفعلَ رجاءَ أن يُسلِمُوا، فأنزلَ اللهُ هذه الآياتِ.
وقولهُ تعالى :﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا﴾ ؛ وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ لِمَّا قَدِمَ المدينةَ، حسَدَتْهُ اليهودُ قالوا له : يَا مُحَمَّدُ أنَبيٌّ أنْتَ ؟ فَقَالَ :" نَعَمْ " قَالُواْ لَهُ : وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَذِهِ بأرْضِ الأَنْبيَاءِ، وَإنَّ أرْضَ الأَنْبيَاءِ الشَّامُ، كَانَ بهَا إبْرَاهِيمُ وَعِيسَى، فَإنْ كُنْتَ نَبيّاً فَأْتِ الشَّامَ، فَإنَّ اللهَ سَيَمْنَعُكَ بهَا مِنَ الرُّومِ إنْ كُنْتَ رَسُولَهُ، وَهِيَ الأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ وَأرْضُ الْمَحْشَرِ. فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَخْرُجَ إلَى الشَّامِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بهَذِهِ الآيَةِ. ومعناها : وقد كَادُوا ليَستَفِزُّونَكَ من أرضِ المدينة ليُخرِجُوكَ منها إلى الشَّامِ، ﴿وَإِذاً﴾ ؛ لو أخرَجُوكَ، ﴿لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ؛ أي الاَّ مدَّةً يسيرةً حتى يُهلِكَهم اللهُ. ومن قرأ (خِلاَفَكَ) فمعناهُ : مُخالَفَتِكَ.
الإسراء 17:75
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ ؛ أي لقد كِدْتَ تَميلُ إليهم، قال ابنُ عبَّاس :(يَعْنِي حِينَ سَكَتَّ عَنْ جَوَابهِمْ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ ؛ أي إنَّكَ لو مِلْتَ إليهم لأذقناكَ ضِعْفَ عذاب الدُّنيا، وضعفَ عذاب الآخرة، يريدُ عذابَ الآخرةِ ضِعْفَ ما يُعذبُ به غيرهُ، ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ ؛ أي مَانِعاً يَمنعُنَا من تعذيبكَ، قال ابنُ عبَّاس :(وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مَعْصُومٌ، وَلَكِنْ هَذا تَخْوِيفاً لأُمَّتِهِ ؛ لِئَلاَّ يَرْكَنَ أحَدٌ منَ الْمُؤْمِنِينَ إلَى أحَدٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ أحْكَامِ اللهِ تَعاَلَى وَشَرَائِعِهِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَالَ النَّبيُّ ﷺ :" اللَّهُمَّ لاَ تَكِلْنِي إلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلاَ أدْنَى مِنْ ذلِكَ ".
وذهبَ السديُّ في هذه الآياتِ :(إلَى أنَّ قُرَيْشاً قَالَتْ لِلنَّبيِّ ﷺ : إنَّكَ تَرْفُضُ آلِهَتَنَا كُلَّ الرَّفْضِ، فَلَوْ أنَّكَ تأْتِيهَا وَتَلْمِسُهَا وَتَبْعَثُ بَعْضَ وَلَدِكَ فَيَمْسَحُهَا، كَانَ أرَقَّ لِقُلُوبنَا وَأحْرَى أنْ نَتَّبعَكَ! فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَبْعَثَ بَعْضَ وَلَدِهِ فَيَمْسَحَهَا، فَنَهَاهُ اللهُ عَنْ ذلِكَ). ويقال : إنَّهم قالوا : أُطْرُدْ سِقَاطَ الناسِ وموالِيهم، هؤلاءِ الذين رائحتُهم كرائحةِ الضَّأنِ حتى نتَّبعَكَ، فَهَمَّ رسولُ الله ﷺ أن يفعلَ رجاءَ أن يُسلِمُوا، فأنزلَ اللهُ هذه الآياتِ.
وقولهُ تعالى :﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا﴾ ؛ وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ لِمَّا قَدِمَ المدينةَ، حسَدَتْهُ اليهودُ قالوا له : يَا مُحَمَّدُ أنَبيٌّ أنْتَ ؟ فَقَالَ :" نَعَمْ " قَالُواْ لَهُ : وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَذِهِ بأرْضِ الأَنْبيَاءِ، وَإنَّ أرْضَ الأَنْبيَاءِ الشَّامُ، كَانَ بهَا إبْرَاهِيمُ وَعِيسَى، فَإنْ كُنْتَ نَبيّاً فَأْتِ الشَّامَ، فَإنَّ اللهَ سَيَمْنَعُكَ بهَا مِنَ الرُّومِ إنْ كُنْتَ رَسُولَهُ، وَهِيَ الأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ وَأرْضُ الْمَحْشَرِ. فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَخْرُجَ إلَى الشَّامِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بهَذِهِ الآيَةِ. ومعناها : وقد كَادُوا ليَستَفِزُّونَكَ من أرضِ المدينة ليُخرِجُوكَ منها إلى الشَّامِ، ﴿وَإِذاً﴾ ؛ لو أخرَجُوكَ، ﴿لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ؛ أي الاَّ مدَّةً يسيرةً حتى يُهلِكَهم اللهُ. ومن قرأ (خِلاَفَكَ) فمعناهُ : مُخالَفَتِكَ.
الإسراء 17:76
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ ؛ أي لقد كِدْتَ تَميلُ إليهم، قال ابنُ عبَّاس :(يَعْنِي حِينَ سَكَتَّ عَنْ جَوَابهِمْ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ ؛ أي إنَّكَ لو مِلْتَ إليهم لأذقناكَ ضِعْفَ عذاب الدُّنيا، وضعفَ عذاب الآخرة، يريدُ عذابَ الآخرةِ ضِعْفَ ما يُعذبُ به غيرهُ، ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ ؛ أي مَانِعاً يَمنعُنَا من تعذيبكَ، قال ابنُ عبَّاس :(وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مَعْصُومٌ، وَلَكِنْ هَذا تَخْوِيفاً لأُمَّتِهِ ؛ لِئَلاَّ يَرْكَنَ أحَدٌ منَ الْمُؤْمِنِينَ إلَى أحَدٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ أحْكَامِ اللهِ تَعاَلَى وَشَرَائِعِهِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَالَ النَّبيُّ ﷺ :" اللَّهُمَّ لاَ تَكِلْنِي إلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلاَ أدْنَى مِنْ ذلِكَ ".
وذهبَ السديُّ في هذه الآياتِ :(إلَى أنَّ قُرَيْشاً قَالَتْ لِلنَّبيِّ ﷺ : إنَّكَ تَرْفُضُ آلِهَتَنَا كُلَّ الرَّفْضِ، فَلَوْ أنَّكَ تأْتِيهَا وَتَلْمِسُهَا وَتَبْعَثُ بَعْضَ وَلَدِكَ فَيَمْسَحُهَا، كَانَ أرَقَّ لِقُلُوبنَا وَأحْرَى أنْ نَتَّبعَكَ! فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَبْعَثَ بَعْضَ وَلَدِهِ فَيَمْسَحَهَا، فَنَهَاهُ اللهُ عَنْ ذلِكَ). ويقال : إنَّهم قالوا : أُطْرُدْ سِقَاطَ الناسِ وموالِيهم، هؤلاءِ الذين رائحتُهم كرائحةِ الضَّأنِ حتى نتَّبعَكَ، فَهَمَّ رسولُ الله ﷺ أن يفعلَ رجاءَ أن يُسلِمُوا، فأنزلَ اللهُ هذه الآياتِ.
وقولهُ تعالى :﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا﴾ ؛ وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ لِمَّا قَدِمَ المدينةَ، حسَدَتْهُ اليهودُ قالوا له : يَا مُحَمَّدُ أنَبيٌّ أنْتَ ؟ فَقَالَ :" نَعَمْ " قَالُواْ لَهُ : وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَذِهِ بأرْضِ الأَنْبيَاءِ، وَإنَّ أرْضَ الأَنْبيَاءِ الشَّامُ، كَانَ بهَا إبْرَاهِيمُ وَعِيسَى، فَإنْ كُنْتَ نَبيّاً فَأْتِ الشَّامَ، فَإنَّ اللهَ سَيَمْنَعُكَ بهَا مِنَ الرُّومِ إنْ كُنْتَ رَسُولَهُ، وَهِيَ الأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ وَأرْضُ الْمَحْشَرِ. فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَخْرُجَ إلَى الشَّامِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بهَذِهِ الآيَةِ. ومعناها : وقد كَادُوا ليَستَفِزُّونَكَ من أرضِ المدينة ليُخرِجُوكَ منها إلى الشَّامِ، ﴿وَإِذاً﴾ ؛ لو أخرَجُوكَ، ﴿لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ؛ أي الاَّ مدَّةً يسيرةً حتى يُهلِكَهم اللهُ. ومن قرأ (خِلاَفَكَ) فمعناهُ : مُخالَفَتِكَ.
الإسراء 17:77
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا﴾ ؛ نَصْبٌ على المصدرِ ؛ أي سَنَّ لَهم سُنَّةَ مَن قد أرسَلنا، فإن سُنَّةَ اللهِ قد جرت في مَن قبلِكَ من الرُّسل بأنَّ أُمَمَهم إذا أخرجُوهم من مواضِعهم لم يلبَثُوا إلا قليلاً، والسُّنَّةُ : هي العادةُ الجارية. وقولهُ تعالى :﴿وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً﴾ ؛ أي لا يقدرُ أحدٌ على تحويلِ السُّنة التي أجرَاها اللهُ.
وقال مجاهدُ وقتادة :(هَمَّ أهْلُ مَكَّةَ بإخْرَاجِ النَّبيِّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ حِينَ شَاوَرُواْ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَلَوْ فَعَلُواْ مَا أُمْهِلُواْ، وَلَكِنَّ اللهَ كَفَّهُمْ عَنْ إخْرَاجِهِ حَتَّى أمَرَهُ بالْخُرُوجِ). والقَلِيلُ : مَا لَبثُوا بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى أهْلَكَهُمُ اللهُ يَوْمَ بَدْرٍ، غيرَ أن التأويلَ الأول أصحُّ.
الإسراء 17:78
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيلِ﴾ ؛ قال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه :(مَعْنَاهُ : أقِمِ الصَّلاَةَ لِغُرُوب الشَّمْسِ) والصلاةُ المأمور بها على هذا هي المغربُ، والغَسَقُ بُدُوُّ الليلِ، وعن ابنِ عباسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا في إحدى الرِّوايَتين عنه مثلُ قول ابنِ مسعود، وفي الروايةِ الثانية وهو قولُ الحسنِ ومجاهد وقتادةُ :(إنَّ دُلُوكَهَا زَوَالُهَا) وَالصَّلاَةُ المأمور بها على هذا الظهرُ والعصر والمغربُ والعشاءُ. فالغَسَقُ على هذا القولِ هو اجتماعُ ظُلمَةِ الليلِ.
قوله تعالى :﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ ؛ صلاةَ الفجرِ تشهدُها ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النهارِ يُصلُّونَها مع المسلمين. وإنما سُميت صلاةُ الفجرِ قُرْآناً ؛ لأن القراءةَ فيها طولٌ، ولأن القراءةَ فريضةٌ من الرَّكعتين، وفي هذا بيانُ أن الصلاةَ لا تكون إلا بقراءةٍ.
الإسراء 17:79
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنَ الْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(فَصَلِّ بالْقُرْآنِ). والتَّهَجُّدُ هو التَّيَقُّظُ بَعْدَ النَّومِ، ويقالُ : تَهَجَّدَ إذا نامَ، وتَهَجَّدَ إذا استيقظَ، والمعنى : أقِمِ الصلاةَ بالليلِ بعد التيقُّظِ من النومِ، ويقال : الْمُتَهَجِّدُ القائمُ إلى الصلاةِ من النوم، وقيل له : مُتَهَجِّدٌ لانتفاءِ التجدُّدِ عن نفسهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿نَافِلَةً لَّكَ﴾ أي تطَوُّعاً، وَقِيْلَ : فضيلةً لكَ لرفعِ الدرجات لا للكفَّارات، فإنه عليه السلام قد غُفِرَ له من ذنبهِ ما تقدَّمَ وما تأخَّرَ، وليست لنا بنافلةٍ، لكَثرَةِ ذُنوبنا وإنما هي كفارةٌ لغيرِ النبيِّ ﷺ، هكذا قال مجاهدُ. وقد رُوي ما يدلُّ على أنَّها نافلةٌ لغيرِ النبيِّ ﷺ وهو ما روَى أبو أُمامة عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ :" الْوُضُوءُ يُكَفِّرُ مَا قَبْلَهُ، وَتَصِيرُ الصَّلاَةُ نَافِلَةً " قِيلَ لَهُ : أنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ : نَعَمْ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلاَ مَرَّتَيْنِ وَلاَ ثَلاَثٍ وَأرْبَعٍ وَلاَ خَمْسٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾ ؛ أي المقامَ الذي تُحْمَدُ عاقبتهُ، وهو المقامُ الذي يُعطيهِ اللهُ النبيَّ ﷺ فيه لواءُ الْحَمْدِ تجتمعُ تحته الملائكةُ والأنبياء، فيكون النبيُّ ﷺ أوَّلَ شافعٍ وأوَّلَ مُشفَّعٍ، قال ابنُ عبَّاس :(وَعَسَى مِنَ اللهِ وَاجِبَةٌ). ويعني بقولهِ ﴿مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾ أي يُعطِيكَ اللهُ يومَ القيامة مقاماً يحمدُكَ فيه الأوَّلون والآخِرون شرفٌ به على جميعِ الخلائق، والمقامُ المحمود مقامُ الشَّفاعَةُ، ومعنى ﴿يَبْعَثَكَ﴾ يُقِيمُكَ.
الإسراء 17:80
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ ؛ أي أدخِلني المدينةَ وأخرِجني من مكَّة. وَقِيْلَ : أدخِلني في ما أمَرتَّني به، وأخرِجني من ما نَهيتني عنهُ. وَقِيْلَ : أدخِلني مُدخَلَ صدقِ في جميع الأمور، وأخرجني مُخرَجَ صدقٍ من جميعِ الأمور.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً﴾ ؛ أي واجعَلْ لي من عندَكَ قوَّةً أمتنِعُ بها عن مَن عادَانِي. وقِيْلَ : حجَّةً أتقَوَّى بها على إبطالِ سائرِ الأديان الباطلة.
وعن محمَّد بن المنكدر قال :" قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ دَخَلَ الْغَارَ : أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ " وقال الضحَّاكُ :(مَعْنَاهُ أخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ مِنْ مَكَّةَ آمِناً مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَأدْخِلْنِي مَكَّةَ مُدْخَلَ صِدْقٍ ظَاهِراً عَلَيْهَا بالْفَتْحِ)، وقال عطيةُ عن ابنِ عبَّاس :(أدْخِلْنِي الْقَبْرَ مُدْخَلَ صِدْقٍ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَأخْرِجْنِي مِنْهُ مُخْرَجَ صِدْقٍ عِنْدَ الْبَعْثِ). وَقِيْلَ : المعنى : أدخلني حيث ما أدخلتَني بالصِّدقِ، وأخرجني منه بالصِّدقِ، أي لا تجعلني مِمَّن يدخلُ بوجهٍ ويخرجُ بوجهٍ آخرَ، فإنَّ ذا الوجهَين لا يكون أمِيناً عند الله.
الإسراء 17:81
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ ؛ معنى : الحقُّ هو ما جاءَ به النبيُّ ﷺ من الشَّرائعِ والإسلامِ، وما جاءَ به من القُرآنِ، وقال السديُّ :(الْحَقُّ الإسْلاَمُ، وَالْبَاطِلُ الشِّرْكُ). ومعنى (زَهَقَ) : بَطَلَ واضْمَحَلَّ.
قال ابنُ مسعودٍ وابن عبَّاس :[ " لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ، وَجَدَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلاَثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ صَنَماً، فَجَعَلَ يَطْعَنُهَا بمخْصَرَةٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ : جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ، إنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً " فَكَانَ الصَّنَمُ يَنْكَبُّ لِوَجْهِهِ، وَكَانَ أهْلُ مَكَّةَ يَتْبَعُونَهُ وَيَقُولُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ : مَا رَأيْنَا رَجُلاً أسْحَرَ مِنْ مُحَمَّدٍ "
الإسراء 17:82
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أي شفاءٌ للمسلمين في الدُّنيا والآخرةِ، يتبَرَّكون بقراءَتهِ على أنفُسِهم، ويستَعينون به على دفعِ الأسقام والبلاَيا. وَقَيْلَ : شفاءٌ للقلوب يزولُ به الجهلُ منها كما يشفَى المريض.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي نعمةٌ مِن الله تعالى عليهم، وكونُ القرآن شفاءٌ ؛ أي يُزِيلُ عمَى الجهلِ وحيرةَ الشكِّ، فهو شفاءٌ من داءِ الجهلِ. وقال ابنُ عبَّاس :(يُرِيدُ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ)، ويؤيِّدُ هذا ما رُوي أنَّ النبي ﷺ قال :" مَنْ لَمْ يَسْتَشْفِ بالْقُرْآنِ فَلاَ شَفَاهُ اللهُ " قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً﴾ ؛ أي لا يُزَادُ الكفارُ عند نزولِ القرآن إلا خَسَاراً لأنه لا ينتفِعُ به.
الإسراء 17:83
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنْسَانِ﴾ ؛ أي أنعَمنا عليه بكشفِ الضُّرِّ وتبديلِ البُؤسِ بالنعمةِ، ﴿أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ ؛ أي أعرضَ عن شُكرِه وتباعَدَ عن ذلك بنفسهِ، وقولهُ تعالى :﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ أي تعَظَّمَ وتكَبَّر وبعَّدَ نفسَهُ عن القيامِ بحقوق النِّعَمِ. يريدُ بالإنسانِ، قال ابنُ عبَّاس :(يُرِيدُ بالإنْسَانِ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً﴾ ؛ أي إذا أصابتْهُ شدَّةٌ كان قَنُوطاً من رجاءِ الفَرَجِ من اللهِ، لا يَثِقُ بفضلِ الله تعالى على عبادهِ فيطمعُ في كشفِ تلك البليَّةِ من جهتهِ، وهذه صفةُ الكافرِ.
الإسراء 17:84
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ ؛ أي على طَبْعِهِ الذي جُبلَ عليه، وَقِيْلَ : على عادتهِ التي ألِفَها، وفي هذا تحذيرٌ من الفسادِ المسكون إليهِ، وَقِيْلَ على فِئَتِهِ، وَقِيْلَ : على طريقتهِ التي تشابهُ كلَّ أخلاقهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً﴾ ؛ أي إنَّ اللهَ يعلمُ أيَّ الفريقَين على الهدى وأيُّهما على الضلالةِ من المؤمنين والكفَّارِ.
الإسراء 17:85
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ ؛ اختلَفُوا في الذي سأَلُوا عنه النبيَّ ﷺ، قال بعضُهم : سأَلوهُ عن جبريلَ قد سَمَّاهُ اللهُ روحاً في قولهِ تعالى﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾[الشورى: ٥٢]، وعن عليٍّ رضي الله عنه قالَ :(إنَّ الرُّوحَ مَلَكٌ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ لَهُ سَبْعُونَ ألْفَ وَجْهٍ، فِي كُلِّ وَجْهٍ سَبْعُونَ ألْفَ لِسَانٍ يُسَبحُ اللهَ تَعَالَى بكُلِّ لِسَانٍ مِنْ هَذِهِ الأَلْسِنَةِ، فَسَأَلُوهُ عَنْ ذلِكَ الْمَلَكِ).
وعن عبدِالله بن مسعود قال :(كُنْتُ أمْشِي مَعَ النَّبيِّ ﷺ، فَمَرَّ بقَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : اسْأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لاَ تَسْأَلُوهُ، ثُمَّ أتَاهُ نَفَرٌ مِنْهُمْ فَقَالُواْ لَهُ : يَا أبَا الْقَاسِمِ مَا تَقُولُ فِي الرُّوحِ ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قَامَ فَاشْتَدَّ بيَدِهِ عَلَى جَبْهَتِهِ، فَعَرَفْتُ أنَّهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ وَحْيٌ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية).
وعن ابن عبَّاس :(أنَّ الْيَهُودَ اجْتَمَعُواْ فَقَالُواْ لِقُرَيْشٍ : سَلُوا مُحَمَّداً فِي ثَلاَثٍ، فَإنْ أخْبَرَكُمْ باثْنَيْنِ وَأمْسَكَ عَنِ الثَّالِثَةِ فَهُوَ نبيٌّ، سَلُوهُ عَنْ فِتْيَةٍ مَضَوا فِي الزَّمَانِ، وَعَنْ رَجُلٍ بَلَغَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَاسْأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ. فَسَأَلُوهُ عَنْ ذلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي الْفِتْيَةِ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾[الكهف: ٩]... إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ، وَأنْزَلَ اللهُ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾[الكهف: ٨٣]... إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ، وَأنْزَلَ اللهُ فِي الرُّوحِ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ...﴾ الآيَةُ، وإنَّمَا سَأَلَتْهُ الْيَهُودُ عَنِ الرُّوحِ لأَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ قِصَّتُهُ وَلاَ تَفْسِيرُهُ، وَلَيْسَ فِيهَا إلاَّ ذِكْرُ اسْمِهِ الرُّوحُ).
وقال سعيدُ بن جبير :(لَمْ يَخْلُقِ اللهُ خَلْقاً أعْظَمَ مِنَ الرُّوحِ غَيْرَ الْعَرْشِ، لَوْ شَاءَ أنْ يَبْلَعَ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَالأَرْضَ السَّبْعِ وَمَنْ فِيْهِمَا بلُقْمَةٍ فَعَلَ، صُورَةُ خَلْقِهِ عَلضى صُورَةِ الْمَلاَئِكَةِ، وَصُورَةُ وَجْهِهِ عَلَى وَجْهِ الآدَمِيِّينَ، وَلَوْلاَ أنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَلاَئِكَةِ سِتْراً مِنْ نُورٍ لاحْتَرَقَتِ السَّمَوَاتُ مِنْ نُوره).
ويقالُ : أرادَ بالرُّوحِ روحَ الحيوانِ وهو ظاهرُ الكلامِ، وفي روحِ الحيوان خِلافٌ بين العلماءِ، وكلُّ حيوانٍ فهو روحٌ وبَدَنٌ، وروحُ الحيوان جسمٌ رقيق على بُنيَةٍ حيوانيَّة، في كلِّ جُزءٍ منها حياةٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي من الأمرِ الذي لا يعلمهُ إلا ربي، وإنما لم يُجِبْهُمْ عن ذلك ؛ لأن اليهودَ هم الذين سألوهُ عن الروحِ، وكان في كتابهم أنه إنْ أجابَهم عن الروحِ فليس بنبيٍّ! فلم يُجِبهُم تصديقاً لِمَا في كتابهم، وكانت المصلحةُ في هذا أن لا يُعرِّفَهم الروحَ من جهة النصِّ، بل يكلِّمُهم في تعريفهِ إلى ما في عقولهم، لِمَا في ذلك من الرياضةِ باستخراج الفائدة.
وقال بعضُهم : هو الدمُ! ألا ترَى أنه مَن نَزَفَ دمهُ ماتَ، والْمَيْتُ لا يَفْقُدُ من جسمهِ إلا الدمَ.
الإسراء 17:86
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ ؛ أي لو شِئْنا لَمَحَونَا القرآنَ من القلوب والكتُب، وأنسَيْنَا ذكرَهُ كَيلاَ يوجدَ له أثرٌ، ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً﴾ ؛ تتوكَّلُ عليه في ردِّ شيءٍ منهُ، وقولهُ تعالى :﴿إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ ؛ أي لكِنْ لا نشاءُ ذلك إلا رحمةً من ربك، فأثبتَ ذلك في قلبكَ وقلوب المؤمنين. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً﴾ ؛ أي حيث اختارَكَ للنبوَّةِ، واصطفاكَ للرسالةِ، وخصَّكَ بالوحيِ والقرآن، وجعلَكَ سيِّدَ ولدِ آدمَ، وختمَ بك الأنبياءَ، وأعطاكَ المقامَ المحمودَ.
وعن رسولِ الله ﷺ :" أنَّهُ خَرَجَ وَهُوَ مَعْصُوبُ الرَّأسِ مِنْ وَجَعٍ، فَصَعَدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمَدَ اللهَ وَأثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ :" يَا أيُّهَا النَّاسُ، مَا هَذِهِ الْكُتُبُ الَّتِي تَكْتُبُونَ ؟ أكِتَابٌ غَيْرُ كِتَاب اللهِ، كُلُّ مَنْ كَتَبَ كِتَاباً غَيْرَ كِتَاب اللهِ يُوشِكُ أنْ يَغْضَبَ اللهُ عَلَيْهِ لِكِتَابهِ، وَلاَ يَدَعُ وَرَقاً وَلاَ قَلْباً إلاَّ أُخِذ مِنْهُ " قَالُواْ : يَا رَسُولَ اللهِ فَكَيْفَ بالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ :" مَنْ أرَادَ اللهُ بهِ خَيْراً بَقِيَ فِي قَلْبهِ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ".
وعن عبدِالله بن مسعودٍ :(إنَّ أوَّلَ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمُ الأَمَانَةُ، وَآخِرُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمُ الصَّلاَةَ، وَلَيُصَلِّيَنَّ أَقْوَامٌ ولاَ دِينَ لَهُمْ، وَإنَّ هَذا الْقُرْآنَ لَيُصْبحَنَّ وَمَا فِيكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ) فَقَالَ رَجُلٌ : كَيْفَ يَكُونُ ذلِكَ يَا أبَا عَبْدِالرَّحْمَنِ وَقَدْ أتْقَنَّاهُ فِي قُلُوبنَا، وَأثْبَتْنَاهُ فِي مَضَاجِعِنَا، نُعَلِّمُهُ أبَاءَنَا وَأبْنَاءَنَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ :(يَسْرِي بهِ فِي لَيْلَةٍ فَيَذْهَبُ مَا فِي الْمَصَاحِفِ وَمَا فِي الْقُلُوب. وقرأ عبدُالله :﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ ).
وعن عبدِالله قالَ :(أكْثِرُواْ الطَّوَافَ بالْبَيْتِ قَبْلَ أنْ يُرْفَعَ وَتَبْنِي النَّاسُ مَكَانَهُ، وَأكْثِرُواْ مِنْ تِلاَوَةِ الْقُرْآنِ قَبْلَ أنْ يُرْفَعَ) فَقِيلَ : هَذِهِ الْمَصَاحِفُ تُرْفَعُ، فَكَيْفَ بمَا فِي صُدُور الرِّجَالِ ؟ قَالَ :(يَسْرِي عَلَيْهِ لَيْلاً فَتُصْبحُواَ مِنْهُ فُقَرَاءَ، وَتَنْسَوْنَ قَوْلَ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ، وَتَقَعُونَ فِي قَوْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَأشْعَارهِمْ).
وعن عبدِالله بن عَمروٍ قال :(لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَرْتَفِعَ الْقُرْآنُ مِنْ حَيْثُ نَزَلَ بهِ، لَهُ دَويٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، فَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ : مَا بَالُكَ ؟ فَيَقُولُ : يَا رَب مِنْكَ خَرَجْتُ وَإلَيْكَ أعُودُ، أُتْلَى وَلاَ يُعْمَلُ بي).
الإسراء 17:87
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ ؛ أي لو شِئْنا لَمَحَونَا القرآنَ من القلوب والكتُب، وأنسَيْنَا ذكرَهُ كَيلاَ يوجدَ له أثرٌ، ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً﴾ ؛ تتوكَّلُ عليه في ردِّ شيءٍ منهُ، وقولهُ تعالى :﴿إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ ؛ أي لكِنْ لا نشاءُ ذلك إلا رحمةً من ربك، فأثبتَ ذلك في قلبكَ وقلوب المؤمنين. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً﴾ ؛ أي حيث اختارَكَ للنبوَّةِ، واصطفاكَ للرسالةِ، وخصَّكَ بالوحيِ والقرآن، وجعلَكَ سيِّدَ ولدِ آدمَ، وختمَ بك الأنبياءَ، وأعطاكَ المقامَ المحمودَ.
وعن رسولِ الله ﷺ :" أنَّهُ خَرَجَ وَهُوَ مَعْصُوبُ الرَّأسِ مِنْ وَجَعٍ، فَصَعَدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمَدَ اللهَ وَأثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ :" يَا أيُّهَا النَّاسُ، مَا هَذِهِ الْكُتُبُ الَّتِي تَكْتُبُونَ ؟ أكِتَابٌ غَيْرُ كِتَاب اللهِ، كُلُّ مَنْ كَتَبَ كِتَاباً غَيْرَ كِتَاب اللهِ يُوشِكُ أنْ يَغْضَبَ اللهُ عَلَيْهِ لِكِتَابهِ، وَلاَ يَدَعُ وَرَقاً وَلاَ قَلْباً إلاَّ أُخِذ مِنْهُ " قَالُواْ : يَا رَسُولَ اللهِ فَكَيْفَ بالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ :" مَنْ أرَادَ اللهُ بهِ خَيْراً بَقِيَ فِي قَلْبهِ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ".
وعن عبدِالله بن مسعودٍ :(إنَّ أوَّلَ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمُ الأَمَانَةُ، وَآخِرُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمُ الصَّلاَةَ، وَلَيُصَلِّيَنَّ أَقْوَامٌ ولاَ دِينَ لَهُمْ، وَإنَّ هَذا الْقُرْآنَ لَيُصْبحَنَّ وَمَا فِيكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ) فَقَالَ رَجُلٌ : كَيْفَ يَكُونُ ذلِكَ يَا أبَا عَبْدِالرَّحْمَنِ وَقَدْ أتْقَنَّاهُ فِي قُلُوبنَا، وَأثْبَتْنَاهُ فِي مَضَاجِعِنَا، نُعَلِّمُهُ أبَاءَنَا وَأبْنَاءَنَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ :(يَسْرِي بهِ فِي لَيْلَةٍ فَيَذْهَبُ مَا فِي الْمَصَاحِفِ وَمَا فِي الْقُلُوب. وقرأ عبدُالله :﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ ).
وعن عبدِالله قالَ :(أكْثِرُواْ الطَّوَافَ بالْبَيْتِ قَبْلَ أنْ يُرْفَعَ وَتَبْنِي النَّاسُ مَكَانَهُ، وَأكْثِرُواْ مِنْ تِلاَوَةِ الْقُرْآنِ قَبْلَ أنْ يُرْفَعَ) فَقِيلَ : هَذِهِ الْمَصَاحِفُ تُرْفَعُ، فَكَيْفَ بمَا فِي صُدُور الرِّجَالِ ؟ قَالَ :(يَسْرِي عَلَيْهِ لَيْلاً فَتُصْبحُواَ مِنْهُ فُقَرَاءَ، وَتَنْسَوْنَ قَوْلَ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ، وَتَقَعُونَ فِي قَوْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَأشْعَارهِمْ).
وعن عبدِالله بن عَمروٍ قال :(لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَرْتَفِعَ الْقُرْآنُ مِنْ حَيْثُ نَزَلَ بهِ، لَهُ دَويٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، فَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ : مَا بَالُكَ ؟ فَيَقُولُ : يَا رَب مِنْكَ خَرَجْتُ وَإلَيْكَ أعُودُ، أُتْلَى وَلاَ يُعْمَلُ بي).
الإسراء 17:88
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـاذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ ؛ هذا تكذيبٌ للنَّضرِ بن الحارثِ حين قالَ : لو نشاءُ لقُلنَا مثلَ هذا، والمعنى : قُل لو اجتَمَعوا على أن يأتُوا بمثلهِ في حُسنِ النَّظْمِ، وجودَةِ اللفظِ، وجمعِ المعاني الكثيرة في الألفاظ اليسيرةِ لا يأتُونَ بمثلهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ ؛ أي أعْوَاناً، وأما رَفْعُ ﴿لاَ يَأْتُونَ﴾، فلأنَّ جوابَ القسَمِ غالبٌ على جواب (أنْ) لوقوعه في صدر الكلام.
الإسراء 17:89
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـاذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ ؛ أي من التخويفِ والتَّرغيب، ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾ وامتنعَ أكثرُهم ؛ أي أكثرُ أهلِ مكَّة إلا جُحوداً وإنكاراً للحقِّ.
الإسراء 17:90
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ رَوى عكرمةُ عن ابنِ عبَّاس :" [أنَّ عُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَا رَبيعَةَ، وَأبَا سُفْيَانَ، وَالنَّضرَ بْنَ الْحَارِثِ، وأبَا جَهْلٍ بْنَ هِشَام، وَالأَسْوَدَ بْنَ الْمُطَّلِب، وَرَبيعَةَ بْنَ الأَسْوَدِ، وَالْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ، وَأبَا جَهْلٍ، وَأُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، وَالْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ وَغَيْرَهُمُ، اجْتَمَعُوْا بَعْدَ غُرُوب الشَّمْسِ عِنْدَ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : إبْعَثُواْ إلَى مُحَمَّدٍ، وَكَلِّمُوهُ وَخَاصِمُوهُ. فَبَعَثُوا إلَيْهِ أنَّ أشْرَافَ قَوْمِكَ قَدِ اجْتَمَعُواْ لَكَ لِيُكَلِّمُوكَ.
فَجَاءَ إلَيْهِمُ النَّبيُّ ﷺ سَرِيعاً يَظُنُّ أنَّهُ بَدَا لَهُمْ فِي أمْرِهِ شَيْءٌ، فَجَلَسَ إلَيْهِمْ فَقَالُواْ : يَا مُحَمَّدُ وَاللهِ مَا نَعْلَمُ رَجُلاً مِنَ الْعَرَب أدْخَلَ عَلَى قَوْمِهِ مَا أدْخَلْتَ عَلَى قَوْمِكَ، لَقَدَ شَتَمْتَ الآبَاءَ، وَعِبْتَ الدِّينَ، وَسَفَّهْتَ الأَحْلاَمَ، وَشَتَمْتَ الآلِهَةُ، وَفَرَّقْتَ الْجَمَاعَةَ. فَمَا أمْرٌ قَبيحٌ إلاَّ وَقَدْ جِئْتَهُ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ، فَإنْ كُنْتَ إنَّمَا جِئْتَ بهَذا الْحَدِيثَ تَطْلُبُ مَالاً، جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أمْوَالِنَا حَتَّى تَكُونَ أكْثَرَنَا مَالاً، وَإنْ كُنْتَ تَطْلُبُ بهِ الشَّرَفَ فِيْنَا سَوَّدْنَاكَ عَلَيْنَا، وَإنْ كَانَ هَذا الَّذِي بكَ تَابعٌ مِنَ الْجِنِّ، بَدْلْنَا أمْوَالَنَا فِي طَلَب الطِّب لَكَ حَتَّى نُبْرِيَكَ مِنْهُ!
فَقَالَ ﷺ :" مَا بي مَا تَقُولُونَ، مَا جِئْتُكُمْ بهِ لِطَلَب أمْوَالِكُمْ وَلاَ الشَّرَفَ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى بَعَثَنِي رَسُولاً وَأنْزَلَ عَلَيَّ كِتَاباً، وَأمَرَنِي أنْ أكُونَ لَكُمْ بَشِيراً وَنَذِيراً، فَبَلَّغْتُكُمْ رسَالَةَ رَبي وَنَصَحْتُ لَكُمْ، فَإنْ تَقْبَلُوا مِنِّي مَا جِئْتُكُمْ بهِ فَهُوَ حَظُّكُمْ مِنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَإنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أصْبرُ عَلَى مَا أمَرَ اللهُ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمِ ".
فَقَالُواْ : يَا مُحَمَّدُ فَإنْ كُنْتَ غَيْرَ قَابلٍ مِنَّا مَا عَرَضْنَا عَلَيْكَ، فَقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أحَدٌ أضْيَقَ بلاَداً وَلاَ أقَلَ مِنَّا، فَاسْأَلْ لَنَا رَبَّكَ الَّذِي بَعَثَكَ إلَيْنَا أنْ يُسَيِّرَ عَنَّا هَذِهِ الْجِبَالَ الَّتِي ضَيَّقَتْ عَلَيْنَا، وَيَبْسُطَ لَنَا بلاَدَنَا وَيُجْرِيَ لَنَا فِيهَا أنْهَاراً كَأَرْضِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، وَلْيَبْعَثْ لَنَا مَنْ مَضَى مِنْ أبَائِنَا، وَلْيَكُنْ مِمَّنْ يَبْعَثُ لَنَا قُصَيَّ بْنَ كِلاَبٍ فَإنَّهُ كَانَ شَيْخاً صَدُوقاً، فَنَسْأَلُهُمْ عَنْ مَا تَقُولُ : أحَقٌّ هُوَ أمْ بَاطِلٌ ؟ فَإنْ صَنَعْتَ لَنَا مَا سَأَلْنَاكَ وَصَدَّقُوكَ صَدَّقْنَاكَ، وَعَرَفْنَا بذلِكَ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ اللهِ بأَنَّهَ بَعَثَكَ رَسُولاً كَمَا تَقُولُ. فَقَالَ ﷺ :" مَا بهَذا بُعِثْتُ، إنَّمَا جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ بمَا بَعَثَنِي ".
قَالُواْ : وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ هَذاَ فَاسْأَلْ رَبَّكَ يَبْعَثْ مَلَكاً يُصَدِّقُكَ، وَيُعِينُكَ عَمَّا نَرَى بكَ، فَإنَّكَ تَقُومُ فِي الأَسْوَاقِ تَتَلَمَّسُ الْمَعَاشَ. فَقَالَ ﷺ :" مَا أنَا بالَّذِي يَسْأَلُ اللهَ هَذا، وَلَكِنَّ اللهَ بَعَثَنِي بَشِيراً ونَذِيراً ".
قَالُواْ : فَأَسْقِطِ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً، كَمَا زَعَمْتَ أنَّ اللهَ مَا شَاءَ فَعَلَ! فَقَالَ ﷺ :" ذلِكَ إلَى اللهِ، إنْ شَاءَ فَعَلَهُ بكُمْ " فَقَالُواْ : قَدْ أُعْذِرْنَا إلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، أمَا وَاللهِ مَا نَتْرُكُكَ وَمَا فَعَلْتَ بنَا حَتَّى نُهْلِكَكَ أوْ تُهْلِكَنَا. وَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ : لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى تَأْتِيَ باللهِ وَالْمِلاَئِكَةِ قَبيلاً.
فَلَمَّا قَالُواْ ذلِكَ قَامَ النَّبيُّ ﷺ، فَقَامَ مَعَهُ عَبْدُاللهِ بْنُ أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيُّ، وَهُوَ ابْنُ عَمَّتِهِ عَاتِكَةُ بنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِب، فَقَالَ لَهُ : يَا مُحَمَّدُ عَرَضَ عَلَيْكَ قَوْمُكَ مَا عَرَضُواْ فَلَمْ تَقْبَلْ مِنْهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوكَ أُمُوراً لأَنْفُسِهِمْ ؛ لِيَعْرِفُواْ بهَا مَنْزِلَتَكَ مِنَ اللهِ فَلَمْ تَفْعَلْ، ثُمَّ سَأَلُوكَ أنْ تُعَجِّلَ لَهُمْ مَا خَوَّفْتَهُمْ بهِ مِنَ الْعَذاب فَلَمْ تَفْعَلْ، فَوَاللهِ لاَ أُؤْمِنُ بكَ أبَداً حَتَّى تَتَّخِذ سُلَّّماً إلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ تَرْقَى فِيْهِ وَأنَا أنْظَرُ حَتَّى تَلِجَ بَابَهَا، أوْ تَأْتِيَ مَعَكَ بنُسْخَةٍ مَنْشُورَةٍ، وَنَفَرٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ يَشْهَدُونَ أنَّكَ نِبيٌّ كَمَا تَقُولُ، وَأيْمِ اللهِ لَمْ فَعَلْتَ ذلِكَ لَظَنَنْتُ أنِّي لاَ أُصَدِّقُكَ.
ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى مَنْزِلهِ حَزِيناً لِمَا نَالَهُ مِنْ سَفَاهَةِ قَوْمِهِ وَتَبَاعُدِهِمْ مِنَ اللهِ، فَقَالَ أبُو جَهْلٍ حِينَ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنَّ مُحَمَّداً قَدْ أتَى إلَى مَا تَرَوْنَ مِنْ عَيْب دِينِنَا وَشَتْمِ آبَائِنَا وَتَسْفِيهِ أحْلاَمِنَا وَتَتْبيب آلِهَتِنَا، إنِّي أُعَاهِدُ اللهَ لأَجْلِسُ لَهُ بحَجَرٍ غَداً قَدْرَ مَا أُطِيقُ حَمْلَهُ، فَإذا سَجَدَ فِي صَلاَتِهِ رَضَخْتُ بهِ رَأسَهُ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ "
الإسراء 17:91
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ﴾ ؛ فَتُشَقِّقَ، ﴿الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً﴾ ؛ في وسطِ ذلك البُستَان تَشْقِيقاً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً﴾ ؛ مَن قرأ بسُكون السِّين ؛ أي قِطَعاً، فجَمعُ الكثيرِ كسِدرَةٍ وسُدْرٍ، وَقِيْلَ : أراد جَانِباً. ومن قرأ (كِسَفاً) بفتح السين فهو جمعُ القليلِ ؛ أي جمعُ كُسْفَةٍ، يقالُ : أعْطِني كُسْفَةً من هذا الثوب ؛ أي قطعةً منه، والكُسُوفُ هو انقطاعُ النُّورِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً﴾ ؛ قال قتادةُ والضحَّاك :(عَيَاناً)، والمعنى : تأتِي بهم حتى نرَاهُم مقابلةً ونُشاهِدُهم، ويشهَدُون على صدقِ دعوَاكَ.
الإسراء 17:92
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ﴾ ؛ فَتُشَقِّقَ، ﴿الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً﴾ ؛ في وسطِ ذلك البُستَان تَشْقِيقاً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً﴾ ؛ مَن قرأ بسُكون السِّين ؛ أي قِطَعاً، فجَمعُ الكثيرِ كسِدرَةٍ وسُدْرٍ، وَقِيْلَ : أراد جَانِباً. ومن قرأ (كِسَفاً) بفتح السين فهو جمعُ القليلِ ؛ أي جمعُ كُسْفَةٍ، يقالُ : أعْطِني كُسْفَةً من هذا الثوب ؛ أي قطعةً منه، والكُسُوفُ هو انقطاعُ النُّورِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً﴾ ؛ قال قتادةُ والضحَّاك :(عَيَاناً)، والمعنى : تأتِي بهم حتى نرَاهُم مقابلةً ونُشاهِدُهم، ويشهَدُون على صدقِ دعوَاكَ.
الإسراء 17:93
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ﴾ ؛ أي من ذهَبٍ، والزُّخْرُفُ في الأصلِ هو الزِّينَةُ كما في قولهِ تعالى﴿حَتَّى إِذَآ أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾[يونس: ٢٤] أي بزينَتِها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَآءِ﴾ ؛ معناهُ : أو تصعدُ، ﴿وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ ؛ أي لن نصدِّقَك مع ذلك، ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً﴾ ؛ تأتِينا بكتابٍ من الله، ﴿نَّقْرَؤُهُ﴾ ؛ أنَّك رسولُ من اللهِ إلينا.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾ ؛ أي قُل لَهم يا مُحَمَّد : تَنْزِيهاً لرَبي عن المقابَلةِ التي وصَفتُمْ، فإنَّ العارفَ باللهِ يعلمُ أنه لا يجوزُ المقابَلةُ على اللهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾ ؛ أي ما كنتُ إلا بَشراً رَسُولاً كسائرِ الرُّسل، فلا أقدرُ على الإتيانِ بالآيات المقترَحة، كما لم يقدِرْ عليها مَن قبلِي من الأنبياءِ.
قرأ ابنُ مسعودٍ (أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ ذهَبٍ) قال مجاهدُ :(كُنْتُ مَا أدْرِي مَا الزُّخْرُفُ حَتَّى رَأْيْتُهُ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾، قرأ أهلُ مكَّة والشام :(قَالَ سُبْحَانَ رَبي) يعني مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم.
الإسراء 17:94
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً﴾ ؛ أي ما صَرَفَ الناسَ إذ جاءَهم الْهُدَى إلاّ شبهةً أدخَلُوها على أنفُسِهم، يعني قولَهم ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً﴾ وهذه شبهةٌ ضعيفة، ويعجَبُ منهم في غير التعجُّب، ومرادُهم هَلاَّ بعثَ اللهُ بشَراً رسولاً ؟ فأجابَهم اللهُ بقولهِ تعالى :﴿قُل لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ ؛ أي لو كان في الأرض ملائكةٌ يَمشُونَ على أقدامِهم مُقِيمين في الأرض كما أنتم مُقيمون فيها، ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ مَلَكاً﴾ ؛ مِن جِنسِهم، ﴿رَّسُولاً﴾ ؛ كما أرسَلنا إليكم بشَراً من جِنْسِكم رسُولاً، لأن الملَك إنما يُبعَثُ إلى الملائكةِ.
الإسراء 17:95
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً﴾ ؛ أي ما صَرَفَ الناسَ إذ جاءَهم الْهُدَى إلاّ شبهةً أدخَلُوها على أنفُسِهم، يعني قولَهم ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً﴾ وهذه شبهةٌ ضعيفة، ويعجَبُ منهم في غير التعجُّب، ومرادُهم هَلاَّ بعثَ اللهُ بشَراً رسولاً ؟ فأجابَهم اللهُ بقولهِ تعالى :﴿قُل لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ ؛ أي لو كان في الأرض ملائكةٌ يَمشُونَ على أقدامِهم مُقِيمين في الأرض كما أنتم مُقيمون فيها، ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ مَلَكاً﴾ ؛ مِن جِنسِهم، ﴿رَّسُولاً﴾ ؛ كما أرسَلنا إليكم بشَراً من جِنْسِكم رسُولاً، لأن الملَك إنما يُبعَثُ إلى الملائكةِ.
الإسراء 17:96
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ ؛ فإن اللهَ يشهدُ لِي بالنبوَّة في القرآنِ، وأنتم تُنكِرُونَ نُبُوَّتِي، ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ ؛ بأحوالِهم.
الإسراء 17:97
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ ؛ أي من يُوَفِّقْهُ اللهُ لدينهِ بالطاعة فهو المهتدي، ﴿وَمَن يُضْلِلْ﴾ ؛ أي مَن يخذُلْهم عن دينهِ، ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ﴾ ؛ يَهدُونَهم من دون الله. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً﴾ ؛ عما يسُرُّهم، ﴿وَبُكْماً﴾ ؛ عما ينفعُهم، ﴿وَصُمّاً﴾ ؛ عما يَمنَعُهم.
وَقِيْلَ : يُحشَرون في أول الحشرِ عُمياً وبُكماً وصُمّاً على هذه الصفةِ، ثم تزولُ هذه الصفات عنهم فيَرَونَ ويتكلَّمون ويسمعون كما قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ﴾[الكهف: ٥٣] وقال﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾[الفرقان: ١٢] وقال﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾[الفرقان: ١٣]. ويقالُ : إنه لَمْ يُرِدْ بالحشرِ في هذه الآية الحشرَ عن القبرِ، وإنما أرادَ به الحشرَ عن موضعِ الْمُحاسَبَة، فإنَّهم يُسحَبُونَ عن ذلك الموضعِ على وجُوهِهم على هذه الصِّفاتِ. وعن أنسٍ :" أنَّ رَجُلاً قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافُِ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ فَقَالَ :" إنَّ الَّذِي أمْشَاهُ عَلَى رِجْلَيْهِ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُمْشِيهِ عَلَى وَجْهِهِ ".
وعن أبي هريرةَ قال : قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" " يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى ثَلاَثَةِ أصْنَافٍ : صِنْفٌ مُشَاةٌ، وَصِنْفٌ رُكْبَانٌ، وَصِنْفٌ عَلَى وُجُوهِهِمْ " قِيْلَ : يَا رَسُولَ اللهِ وَكَيْفَ يَمْشُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ ؟ قَالَ :" إنَّ الَّذِي أمْشَاهُمْ عَلَى أرْجُلِهِمْ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ، يَتَّقُونَ بوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَدَبٍ وَشَوْكٍ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ ؛ أي مَصيرُهم إليها. وقولهُ تعالى :﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ ؛ أي كلَّما سَكَنَ لَهبُها من جانبٍ زدنَاها اشْتِعَالاً من جانبٍ آخر، يقالُ للنار اذا سَكَنَ لَهبُها : خَمَدَتْ، فَإذا أُطْفِئَتْ ولَمْ يبقَ فيها شيءٌ من النارِ قِيْلَ : هَمَدَتْ، وقال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خَبَتْ﴾ أيْ سَكَنَتْ)، وقال مجاهدُ :(طُفِئَتْ)، وقال قتادةُ :(لاَنَتْ وَضَعُفَتْ)، وقولهُ تعالى :﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ أي وَقُوداً.
ثم بَيَّنَ اللهُ تعالى لماذا يزدَادُون سَعيراً، فقال تعالى :﴿ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا﴾ ؛ أي ذلك العذابُ جزاءُ كُفرِهم بدلاَئِلنا، وإنكارِهم للبعثِ، وهو قولُهم :﴿وَقَالُواْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾.
الإسراء 17:98
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ ؛ أي من يُوَفِّقْهُ اللهُ لدينهِ بالطاعة فهو المهتدي، ﴿وَمَن يُضْلِلْ﴾ ؛ أي مَن يخذُلْهم عن دينهِ، ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ﴾ ؛ يَهدُونَهم من دون الله. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً﴾ ؛ عما يسُرُّهم، ﴿وَبُكْماً﴾ ؛ عما ينفعُهم، ﴿وَصُمّاً﴾ ؛ عما يَمنَعُهم.
وَقِيْلَ : يُحشَرون في أول الحشرِ عُمياً وبُكماً وصُمّاً على هذه الصفةِ، ثم تزولُ هذه الصفات عنهم فيَرَونَ ويتكلَّمون ويسمعون كما قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ﴾[الكهف: ٥٣] وقال﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾[الفرقان: ١٢] وقال﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾[الفرقان: ١٣]. ويقالُ : إنه لَمْ يُرِدْ بالحشرِ في هذه الآية الحشرَ عن القبرِ، وإنما أرادَ به الحشرَ عن موضعِ الْمُحاسَبَة، فإنَّهم يُسحَبُونَ عن ذلك الموضعِ على وجُوهِهم على هذه الصِّفاتِ. وعن أنسٍ :" أنَّ رَجُلاً قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافُِ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ فَقَالَ :" إنَّ الَّذِي أمْشَاهُ عَلَى رِجْلَيْهِ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُمْشِيهِ عَلَى وَجْهِهِ ".
وعن أبي هريرةَ قال : قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" " يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى ثَلاَثَةِ أصْنَافٍ : صِنْفٌ مُشَاةٌ، وَصِنْفٌ رُكْبَانٌ، وَصِنْفٌ عَلَى وُجُوهِهِمْ " قِيْلَ : يَا رَسُولَ اللهِ وَكَيْفَ يَمْشُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ ؟ قَالَ :" إنَّ الَّذِي أمْشَاهُمْ عَلَى أرْجُلِهِمْ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ، يَتَّقُونَ بوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَدَبٍ وَشَوْكٍ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ ؛ أي مَصيرُهم إليها. وقولهُ تعالى :﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ ؛ أي كلَّما سَكَنَ لَهبُها من جانبٍ زدنَاها اشْتِعَالاً من جانبٍ آخر، يقالُ للنار اذا سَكَنَ لَهبُها : خَمَدَتْ، فَإذا أُطْفِئَتْ ولَمْ يبقَ فيها شيءٌ من النارِ قِيْلَ : هَمَدَتْ، وقال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خَبَتْ﴾ أيْ سَكَنَتْ)، وقال مجاهدُ :(طُفِئَتْ)، وقال قتادةُ :(لاَنَتْ وَضَعُفَتْ)، وقولهُ تعالى :﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ أي وَقُوداً.
ثم بَيَّنَ اللهُ تعالى لماذا يزدَادُون سَعيراً، فقال تعالى :﴿ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا﴾ ؛ أي ذلك العذابُ جزاءُ كُفرِهم بدلاَئِلنا، وإنكارِهم للبعثِ، وهو قولُهم :﴿وَقَالُواْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾.
الإسراء 17:99
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ ؛ في صِغَرِهم وضَعْفِهم، ونظيرُ هذا قوله﴿ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَآءُ﴾[النازعات: ٢٧] وقولهِ تعالى :﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾[غافر: ٥٧] ولأنَّ مَن قَدَرَ على خلقِ الأكبر عُلِمَ أنه قادرٌ على خلقِ الأصغرِ، فإذا قدرَ على خلقِ أمثالهم قدرَ على إعادَتِهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ ؛ أي جعلَ لإعادَتِهم وقتاً لا شكَّ فيه أنه كائنٌ، ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً﴾ ؛ جُحوداً مع وضُوحِ الدلالة والحجَجِ.
الإسراء 17:100
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُوراً﴾ ؛ جوابٌ لقولِهم :﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾[الإسراء: ٩٠] المعنى : لو أنتم تَملِكون مقدورات رحمةِ ربي إذاً لأَمسَكْتُم لأنفُسِكم مخافةَ أن يَفْنَى بالإنفاقِ ولا يبقَى لكم، وقوله تعالى :﴿خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ﴾، أي خشيةَ الفقرِ والحاجة، وَقِيْلَ : خشيةَ أن يُنفِقُوا فيَفتَقِروا.
الإسراء 17:101
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ ؛ أي تِسْعَ دلالاتٍ واضحات، قال ابنُ عبَّاس :(هِيَ الْعَصَا وَاللِّسَانِ، فَإنَّهُ كَانَ فِي لِسَانِهِ عُقْدَةً فَرَفَعَهَا اللهُ، كَمَا قَالَ :﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾[طه: ٢٧-٢٨] والْبَحْرُ وَالْيَدُ، وَالآيَاتُ الْخَمْسُ : وَهِيَ الطُّوفَانُ وَالْجَرَادُ وَالْقُمَّلُ وَالضَّفَادِعُ وَالدَّمُ). وقال محمَّد بنُ كعبٍ :(هَذِهِ الْخَمْسُ وَالْعَصَا وَاللِّسَانِ وَانْفِجَارِ الْمَاءِ مِنَ الْحَجَرِ، وَالطَّمْسِ كَمَا قَالَ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾[يونس: ٨٨]. وَقِيْلَ : هي الخمسُ والعصى ويدهُ والسُّنون ونقصٌ من الثمراتِ.
قال محمَّد بن كعبٍ في الطَّمسِ :(كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ مَعَ أهْلِهِ فِي فِرَاشِهِ، وَإذا قَدْ صَارَا حَجَرَيْنَ، وَأنَّ الْمَرْأةَ الْقَائِمَةَ تَخْبزُ وَقَدْ صَارَتْ حَجَراً، وَأنَّ الْمَرْأةَ فِي الْحَمَّامِ وَأنَّهَا لَحَجَرٌ، وَكَانَتْ تَنْقَلِبُ الْفَوَاكِهُ وَالْفُلُوسُ وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ أحْجَاراً).
ورُوي :" أنَّ يَهُودِيّاً قَالَ لِصَاحِبهِ : تَعَالَ حَتَّى نسْأَلَ هَذا النَّبيَّ، فَأَتَيَاهُ فَسَأَلاَهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ قَالَ :" لاَ تُشْرِكُواْ باللهِ شَيْئاً، وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَسْرِقُواْ، وَلاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا، وَلاَ تَسْحَرُواْ، وَلاَ تَمْشُواْ ببَرِيءٍ إلَى سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ، وَلاَ تَقْذِفُواْ الْمُحْصَنَةَ، وَلاَ تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ، وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً يَا يَهُودُ أنْ لاَ تَعْدَواْ فِي السَّبْتِ " فَقَبَّلُواْ يَدَهُ وَقَالُواْ : نَشْهَدُ أنَّكَ نَبيٌّ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ﴾ ؛ الخطابُ للنبيِّ ﷺ والمرادُ به غيرهُ ؛ لأنه ﷺ كان يقعُ له العِلمُ من عندِ الله، فكان لا يحتاجُ في معرفةِ ذلك إلى الرُّجوعِ إلى أهلِ الكتاب، فكأنَّهُ تعالى قال : فاسأل أيها السامعُ وأيها الشَّاكُّ بنَي إسرائيلَ إذ جاءَهم موسى بالبيِّنات، قال ابنُ عباس :(فَاسْأَلْ بَنِي إسْرَائِيلَ، يَعْنِي الْمُؤمِنِينَ مِنْ قُرَيْظَةَ وَالنَّظِيرِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يامُوسَى مَسْحُوراً﴾ ؛ أي إنِّي لأَظُنُّكَ يا موسى قد سُحِرتَ فلذلك تدَّعي النبوةَ، وَقِيْلَ : هذا مفعولٌ بمعنى فاعلٍ كأنه قالَ : إنِّي لأَظُنكَ ساحراً، وَقِيْلَ : المسحورُ المخدوع.
الإسراء 17:102
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـاؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي قالَ موسى لفرعونَ : لقد عَلِمتَ يا فرعون أنَّ هذه الآيات لا تدخلُ في مقدور العبادِ، فلَمْ يُنْزِلها إلا ربُّ السموات والأرضِ، ﴿بَصَآئِرَ﴾ ؛ أي حُجَجاً للناسِ يُبصَرُونَ بها في أمرِ دينهم، ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يافِرْعَونُ مَثْبُوراً﴾ ؛ وإني لأعلَمُ يا فرعون إنَّكَ هالكٌ، يقال : ثَبَرَ الرجلُ فهو مَثْبُورٌ ؛ أي هالكٌ، والظنَّ قد يُذكَرُ بمعنى اليقينِ على ما تقدَّمَ.
وقرأ الكسائيُّ (لَقَدْ عَلِمْتُ) بضمِّ التاء، وهي قراءةُ عليٍّ (كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ) وقالَ :(وَاللهَ مَا عَلِمَ عَدُوُّ اللهِ، وِلَكِنْ مُوسَى هُوَ الَّذِي عَلِمَ) فبلغَ ذلك ابنَ عبَّاس فقالَ :( ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ تَصْدِيقاً لِقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾[النمل: ١٤]). وقراءةُ النصب أصحُّ وأشهر، وليست قراءةُ الضمِّ مشهورةً عن عليٍّ رضي الله عنه ولا ثابتة، وإنما روَاها عنه رجلٌ مجهول لا يُعْرَفُ، ولا تَمسَّكَ بها أحدٌ من القرَّاء غيرَ الكسائيِّ.
وقولهُ تعالى :﴿مَثْبُوراً﴾ قال ابنُ عبَّاس :(مَغْلُوباً)، وقال مجاهدُ :(هَالِكاً)، وَقِيْلَ : مُخَبَّلاً لا عقلَ لكَ، وَقِيْلَ : بَعِيداً من الخيراتِ، وَقِيْلَ : سِلاَخاً في القطيفةِ، قال مجاهدُ :(دَخَلَ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَعَلَيْهِ قَطِيفَةٌ، فَأَلْقَى عَصَاهُ فَرَأى فِرْعَوْنَ ثُعْبَاناً فَفَزِعَ وَأحْدَثَ فِي الْقَطِيفَةِ).
وروَى أبو سعيدٍ الجوهريُّ قال :(كُنْتُ قَائِماً عَلَى رَأسِ الْمَأْمُونِ وَهُوَ يُنَاظِرُ رَجُلاً وَهُوَ يَقُولُ : يَا مَثْبُورُ، ثُمَّ أقْبَلَ إلَيَّ فَقَالَ : مَا مَعْنَى (مَثْبُوراً) ؟ قُلْتُ : لاَ أدْرِي، فَقَالَ : حَدَّثَنِي الرَّشِيدُ قَالَ : حَدَّثَنِي الْمَهْدِي قَالَ : كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ أمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَنْصُور، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لِرَجُلٍ : يَا مَثْبُورُ، فَقُلْتُ : يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا مَعْنَى يَا مَثْبُورُ ؟ قَالَ مَيْمُونُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (يَا فِرْعَوْنَ مَثْبُوراً) مَا مَثْبُوراً ؟ قَالَ : نَاقِصُ الْعَقْلِ).
الإسراء 17:103
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ ؛ أي فأرادَ فرعونُ أن يُزعِجَ بني إسرائيلَ، ويُخرِجَهم من أرضِ مصرَ قَهْراً. والاسْتِفْزَازُ : هو الخوفُ بالشدِّة، ويجوز أن يكون المرادُ به أنه قصَدَ قَتلَهم، ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعاً﴾ ؛ أي أمَرْنا موسى وقومَهُ بالخروجِ من مصرَ، فتَبعَهُ فرعونُ وقومهُ، فجعلنَا في الماءِ طريقاً يَابساً، فجاوزَ موسى وقومهُ البحرَ، فَتَبعَهُمْ فرعونُ وقومهُ، فأطبَقنا الماءَ عليهم حتى غَرِقوا كلُّهم.
الإسراء 17:104
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ﴾ ؛ من بعدِ هلاك فرعون، ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ﴾ ؛ الشَّامَ وأرضَ مصرَ، وأورثَ بني إسرائيلَ مساكِنَهم وديارَهم، وفي هذا تسليةٌ للنبيِّ ﷺ أنه يفعلُ به وبالمشركين ما فعلَ بموسَى وعدُوِّهِ، فأظهرَ اللهُ النبيَّ ﷺ على المشركين، ورَدَّهُ إلى مكَّةَ ظَافراً عليها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ ؛ يعني يومَ القيامةِ جِئنَا بكم جَميعاً ؛ أي أتَينا بكم مِن كلِّ قبيلةٍ، واللَّفِيفُ : الجماعاتُ من قبائلَ شتَّى، وَقِيْلَ : جئنا بكم مُختَلِطِينَ لا تتعارَفُون، والمعنى : جِئنا بكم من قُبورِكم إلى الْمَحْشَرِ أخلاطاً، يعني جميعَ الخلقِ، المسلمَ والكافرَ والبَرَّ والفاجرَ.
الإسراء 17:105
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ ؛ يعني القرآنَ، ويجوز أن تكون الهاءُ كنايةً عن جبريلَ، فإن اللهَ أنزلَهُ بالقرآنِ، ونزَلَ هو به. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ ؛ أي بَشيراً لِمَن أطاعَ بالجنَّة، ومخوِّفاً بالنُّذُر للكفارِ.
الإسراء 17:106
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ﴾ ؛ معناه : وأنزَلنا قُرآناً فرَّقناهُ شيئاً بعد شيءٍ، فإنه كان ينْزِلُ منه شيءٌ، ثم يَمكثُون ما شاءَ اللهُ، ثم ينْزِلُ منه شيءٌ آخر، وكان بين أوَّهِ وآخرهِ عشرون سَنة. وقولهُ تعالى :﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ ؛ أي على تَثَبُّتٍ وتوقُّفٍ ليَفهموهُ بالتأمُّلِ، ويعمَلُوا ما فيه بالتفكُّرِ، وهو معنى قولهِ تعالى﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾[المزمل: ٤]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ ؛ تَأكيداً لأَنزلنَاهُ مرَّةً بعدَ مرةٍ لعِظَمِ شأنهِ.
الإسراء 17:107
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ﴾ ؛ أي قُل يا مُحَمَّدُ لأهلِ مكَّة : آمِنوا بالقرآنِ أو لا تُؤمِنُوا، وهذا وعيدٌ لَهم ؛ أي إنْ آمَنتُم وإنْ لَم تُؤمِنُوا، فاللهُ غنِيٌّ عنكم وعن إيمانِكم، وإيمانُكم لا ينفعُ غيرَكم، وكفرُكم لا يضرُّ سِوَاكُم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ ؛ أي مِن قبلِ نُزولِ القرآن، والمرادُ بهم مُؤمِنوا أهلِ الكتاب، ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ ؛ القرآنُ، ﴿يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ﴾ ؛ أي يقَعُون على وجُوهِهم ﴿سُجَّداً﴾ ؛ لله، والمرادُ بالأذقانِ الوجوهَ، كذا قال ابنُ عبّاس.
الإسراء 17:108
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً﴾ ؛ أي يقولُون في سُجودِهم : تَنْزيهاً للهِ عما لا يليقُ به، وقد كان وعدُ ربنا كَائناً لا محالةَ. وهؤلاءِ الذين سجدوا كانوا يسمَعون أنَّ اللهَ يبعثُ نَبيّاً من العرب وينَزِّلُ عليه كِتَاباً، فلما سَمعوا القرآنَ سَجَدوا للهِ وحمدوه على إنجازِ الوعدِ ببعثِ الرسولِ والكتاب، وقالوا : قد كان وعدُ ربنا مَفعُولاً.
الإسراء 17:109
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ ؛ أي يسقُطون على الوجوهِ يَبْكُونَ في السُّجودِ، ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ ؛ البكاءُ في السُّجودِ، ﴿خُشُوعاً﴾ ؛ إلى خُشوعِهم ؛ لأن مخافَتهم الله داعيةً إلى طاعتهِ، والإخلاصِ في عبادتهِ.
وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّ البكاءَ في الصَّلاةِ من خوفِ الله لا يقطعُ الصلاةَ ؛ لأن اللهَ مدَحَهم عليه. " وعن رسولِ الله ﷺ " أنَّهُ كَانَ يُصَلِّي، فَيُسْمَعُ لِصَدْرِهِ أزيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ مِنَ الْبُكَاءِ ". وعن عبدِالله بن شدَّاد قالَ :(كُنْتُ أُصَلّي خَلْفَ عُمَرَ رضي الله عنه صَلاَةَ الصُّبْحِ، وَكَانَ يَقْرَأُ سُورَةَ يُوسُفَ حَتَّى إذا بَلَغَ﴿إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾[يوسف: ٨٦] سَمِعْتُ نَشِيجَهُ، وَأَنَا فِي آخِرِ الصُّفُوفِ).
الإسراء 17:110
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـٰنَ﴾ ؛ فقالَ ابنُ عبَّاس :(تَهَجَّدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذاتَ لَيْلَةٍ بمَكَّةَ، فَجَعَلَ يَقُولُ في سجودهِ :" يَا اللهُ يَا رَحْمَنُ ". فَقَالَ أبُو جَهْلٍ : إنَّ مُحَمَّداً يَنْهَانَا أنْ نَعْبُدَ الَهَيْنِ وَهُوَ يَدْعُو إلَهاً آخَرَ مَعَ اللهِ يُقَالُ لَهُ الرَّحْمَنُ! وَهُمْ لاَ يَعْرِفُونَ الرَّحْمَنَ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ).
ومعناها : قل يا مُحَمَّدُ : أُدعوا اللهَ يا معشرَ المؤمنين، أو ادعُو الرَّحْمَنَ، إنْ شِئتُم فقُولُوا : يا رَحْمَنُ، وإنْ شِئتُم فقولوا : يَا اللهُ يا رَحْمَنُ ؛ ﴿أَيّاً مَّا تَدْعُواْ﴾ ؛ أيُّ أسماءِ الله تدعوهُ بها، ﴿فَلَهُ الأَسْمَآءَ الْحُسْنَى﴾ ؛ فأسْماؤهُ كلُّها حَسنةٌ فادعوهُ بصفاتهِ. وقوله تعالى :﴿أَيّاً مَّا تَدْعُواْ﴾ قال بعضُهم :(مَا) في هذا صِلَةٌ، ومعناها التأكيدُ، تقديرهُ : أيّاً تدعون، ومِثلهُ : عمَّا قليلٍ، وخُذ مَا هُنالِكَ، و﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾[أل عمران: ١٥٩].
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَتْ بمَكَّةَ، كَانَ النَّبيُّ ﷺ إذا صَلَّى بأَصْحَابهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بالْقُرْآنِ، فَإذا سَمِعَهُ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ أنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بهِ، وَلَعِبُوا وَصَفَّقُوا وَصَفَّرُواْ وَلَغَطُوْا، كُلُّ ذلِكَ لِيُغْلِطُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَكَانُوا بهِ يُؤْذُونَهُ، وَإذا خَافَتَ بالْقِرَاءَةِ لَمْ يَسْمَعْهُ أصْحَابُهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ). أي لا تجهَرْ بقِراءَتِكَ في الصَّلاةِ فيسمَعُها المشركون فيُؤذونَكَ، فِي الصَّلاَةِ كُلِّهَا وَلاَ تُخَافِتْ بهَا فِي الصَّلاَةِ كُلِّهَا، وَلَكِنِ اجْهَرْ بهَا فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ، وَخَافِتْ بهَا فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ).
" وَسَأَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أبَا بَكْرٍ عَنْ قِراءَتِهِ باللَّيْلِ، فَقَالَ :(أُخَافِتُ بهَا كَيْ لاَ أُؤْذِي جَاري، أُنَاجِي رَبي وَقَدْ عَلِمَ بحَاجَتِي، فَقَالَ ﷺ " أحْسَنْتَ " وَسَأَلَ عُمَرَ رضي الله عنه عَنْ قِرَاءَتِهِ باللَّيْلِ فَقَالَ : أرْفَعُ صَوْتِي أُوْقِظُ الْوَسْنَانَ وَأطْرُدُ الشَّيْطَانَ، فَقَالَ :" أحْسَنْتَ " فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَالَ لأبي بكر :" زدْ فِي صَوْتِكَ " وقال لعُمر :" انْقُصْ مِنْ صَوْتِكَ " ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً﴾. وعن ابن عباس أن معنى الآية :(لاَ تُصَلِّ مُرَاءَاةً لِلنَّاسِ وَلاَ تَدَعَهَا مَخَافَةً لِلنَّاسِ). " وسئل رسول الله ﷺ عن أحسنِ الناس قراءةً ؟ فقال :" الَّذِي إذا سَمِعْتَ قِرَاءَتَهُ رَأيْتَ أنَّهُ يَخْشَى اللهَ تَعَالَى ".
الإسراء 17:111
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ ؛ فيرثه ؛ ﴿وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ ؛ يعاونه عليه، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ﴾ ؛ أي من أهل الذل وهم اليهود والنصارى، يودون إخراج رؤوسهم ويقولون : نحن أبناء الله وأحباؤه. وقال مجاهد :(مَعْنَاهُ : لَمْ يُحَالِفْ، وَلَمْ يَبْتَغِ نَصْرَ أحَدٍ) والمعنى أنه عَزَّ وَجَلَّ لا يحتاج إلى موالاة أحد لذل يلحقه فهو مستغن عن الولي والنصير،
وقوله تعالى :﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ ؛ أي عظِّمهُ عظمّةً تامة عن أن يكون له شريك أو ولي وصِفْهُ بأنه أكبر من كل شيء، وأنه القادر الذي لا يُعجِزهُ شيءٌ، العالِمُ الذي لا يخفى عليه شيء، الغنيُّ عن كل شيء. معتقداً لذلك بقلبك، عاملاً على أمره فيما أمركَ. وعن رسول الله ﷺ " أَنَّهُ كَانَ إذا أفْصَحَ الْوَلَدُ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَّمَهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية ".
وروي أنَّ " رَجُلاً جَاءَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي كَثِيرُ الدَّينِ كَثِيرُ الْهَمِّ، فَقَالَ :" إقْرَأ آخِرَ سُورَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ ﴿قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـانَ...﴾ [الإسراء: ١١٠] إلَى آخِرِ السُّورَةِ، ثُمَّ قُلْ : تَوَكَّلْتُ عَلَى الَّذِي لاَ يَمُوتُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ".
وعن ابن عباس أنه قال :((مَنْ قَرَأ سُورَةَ بَنِي إسْرَائِيلَ فِي سَفَرٍ أوْ حَضَرٍ إيْمَاناً وَاحْتِسَاباً ضَرَبَ اللهُ عَلَيْهِ سُوراً مِنْ حَدِيدٍ مِنَ الْغَرَقِ وَالْحَرْقِ وَالْبَرْقِ)). وعن عبدِالحميد أنه قال :((مَنْ قَرَأ آخِرِ بَنِي إسْرَائِيلَ، كَتَبَ اللهُ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلَ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَالأَرْضِينَ السَّبْعِ، وَالْبحَارِ وَالْجِبَالِ)).
الكهف 18:1
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ ؛ أي الذي أنزلَ على عبدهِ مُحَمَّدٍ ﷺ الْقُرْآنَ ؛ ﴿وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا﴾ ؛ أي لَم يجعلْهُ مُلْتَبساً لا يُفْهَمُ، ومِعْوَجَاً لا يَسْتَقِيْمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَيِّماً﴾ ؛ أي مُستقيماً عَدْلاً ؛ أي مُستوياً قيما على الكُتُب كلِّها ناسخاً لشرائعِها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ﴾ ؛ أي لِيُنْذِرَ العبدُ الذي أَنزل عليه الكتابُ بَأْساَ شَدِيداً ؛ أي لينذرَ الكفَّارَ عذاباً شديداً من عندِ الله. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً﴾ أي ثَواباً حَسَناً في الجنة ؛ ﴿مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً﴾ ؛ أي مُقيمين في ذلك الأجْرِ خالدين فيه.
الكهف 18:2
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ ؛ أي الذي أنزلَ على عبدهِ مُحَمَّدٍ ﷺ الْقُرْآنَ ؛ ﴿وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا﴾ ؛ أي لَم يجعلْهُ مُلْتَبساً لا يُفْهَمُ، ومِعْوَجَاً لا يَسْتَقِيْمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَيِّماً﴾ ؛ أي مُستقيماً عَدْلاً ؛ أي مُستوياً قيما على الكُتُب كلِّها ناسخاً لشرائعِها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ﴾ ؛ أي لِيُنْذِرَ العبدُ الذي أَنزل عليه الكتابُ بَأْساَ شَدِيداً ؛ أي لينذرَ الكفَّارَ عذاباً شديداً من عندِ الله. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً﴾ أي ثَواباً حَسَناً في الجنة ؛ ﴿مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً﴾ ؛ أي مُقيمين في ذلك الأجْرِ خالدين فيه.
الكهف 18:3
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ ؛ أي الذي أنزلَ على عبدهِ مُحَمَّدٍ ﷺ الْقُرْآنَ ؛ ﴿وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا﴾ ؛ أي لَم يجعلْهُ مُلْتَبساً لا يُفْهَمُ، ومِعْوَجَاً لا يَسْتَقِيْمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَيِّماً﴾ ؛ أي مُستقيماً عَدْلاً ؛ أي مُستوياً قيما على الكُتُب كلِّها ناسخاً لشرائعِها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ﴾ ؛ أي لِيُنْذِرَ العبدُ الذي أَنزل عليه الكتابُ بَأْساَ شَدِيداً ؛ أي لينذرَ الكفَّارَ عذاباً شديداً من عندِ الله. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً﴾ أي ثَواباً حَسَناً في الجنة ؛ ﴿مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً﴾ ؛ أي مُقيمين في ذلك الأجْرِ خالدين فيه.
الكهف 18:4
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً﴾ ؛ وهم قريشٌ واليهودُ والنصارى، فإنَّ قُريشاً قالوا : الملائكةُ بناتُ اللهِ، واليهودُ قالوا : عُزَيْرٌ ابنُ الله، والنصارى قالوا : المسيحُ ابن الله.
الكهف 18:5
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ﴾ ؛ أي هم وآباؤهم كلُّهم مقلِّدين ليس لَهم على ذلك بيانٌ ولا حُجَّةٌ، بل قالوا جَهْلاً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ ؛ أي كَبُرَتْ مقالتُهم تلكَ كلمةً تخرجُ من أفواهِهم ما ؛ ﴿إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً﴾ ؛ و(كلمةً) نَصْبٌ على التمييزِ، وإنَّما كَبُرَتْ هذه الكلمةُ ؛ لأن صاحبَها يستحقُّ بها العذابَ، ومِن ذلك سُميت الكبيرةُ كبيرةً ؛ لأن عقابَها يزيدُ على استطاعة صاحبها.
الكهف 18:6
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ﴾ ؛ فيه نَهْيٌ للنبيِّ ﷺ من إهلاكِ نفسه حُزناً عليهم بسبب إعراضِهم عن الإيْمان لشدَّة شفقتهِ عليهم، وحقيقةُ الأسفِ الحزنُ على من فاتَ.
ومعنى الآية : فَلعلَّكَ قاتلٌ نفسَكَ، يقال بَخَعَ الرجلُ نفسَهُ إذا قتلَها غيظاً من شدَّةِ حُزنه على الشيءِ أو وَجْدِهِ بالشيءِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ أي مِن بعدهم، يعني مِن بعدِ تولِّهم وإعراضهم عنكَ إن لَم يؤمنوا، ﴿بِهَـاذَا الْحَدِيثِ﴾ ؛ يعني القُرْآنَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَسَفاً﴾ ؛ أي حُزناً.
الكهف 18:7
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا﴾ ؛ أي جعلنا جميعَ ما على الأرضِ مِن الأشجارِ والثِّمار والنباتِ والمياه والذهب والفضةِ والحيوان لهم منها زينةً للأرض، وجعلناها محفوفةً بالشَّهواتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ؛ أي لنأمرَهم فننظُرَ أيُّهُم أعملُ بطاعةِ الله هذا أم هذا. فال الحسنُ :(أيُّهُمْ أزْهَدُ فِي الدُّنْيَا وَأتْرَكُ لَهَا). وقال مقاتلُ :(أيُّهُمْ أصْلَحُ فِيْمَا أُوْتِيَ مِنَ الْمَالِ، وَيُحْسِنُ الْعَمَلَ، وَيَزْهَدُ فِي مَا زُيِّنَ لَهُ مِنَ الدُّنْيَا).
ثُم بيَّن اللهُ تعالى أنه يعني ذلكَ كلَّه ؛ فَقَالَ تَعَالَى :﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً﴾ ؛ أي يجعلُ ما عليها من الحيوانِ والنَّبات تُراباً يابساً مستوياً على الأرضِ، والْجُزُرُ الأرضُ التي لا ماءَ فيها ولا نباتَ، ويقالُ : سَنَةٌ جُزُراً إذا كانت حرَّة. قال عطاءُ :(يُرِيْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَجْعَلُ اللهُ الأَرْضَ جُزُراً لاَ مَاءَ فِيْهَا وَلاَ نَبَاتَ).
الكهف 18:8
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا﴾ ؛ أي جعلنا جميعَ ما على الأرضِ مِن الأشجارِ والثِّمار والنباتِ والمياه والذهب والفضةِ والحيوان لهم منها زينةً للأرض، وجعلناها محفوفةً بالشَّهواتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ؛ أي لنأمرَهم فننظُرَ أيُّهُم أعملُ بطاعةِ الله هذا أم هذا. فال الحسنُ :(أيُّهُمْ أزْهَدُ فِي الدُّنْيَا وَأتْرَكُ لَهَا). وقال مقاتلُ :(أيُّهُمْ أصْلَحُ فِيْمَا أُوْتِيَ مِنَ الْمَالِ، وَيُحْسِنُ الْعَمَلَ، وَيَزْهَدُ فِي مَا زُيِّنَ لَهُ مِنَ الدُّنْيَا).
ثُم بيَّن اللهُ تعالى أنه يعني ذلكَ كلَّه ؛ فَقَالَ تَعَالَى :﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً﴾ ؛ أي يجعلُ ما عليها من الحيوانِ والنَّبات تُراباً يابساً مستوياً على الأرضِ، والْجُزُرُ الأرضُ التي لا ماءَ فيها ولا نباتَ، ويقالُ : سَنَةٌ جُزُراً إذا كانت حرَّة. قال عطاءُ :(يُرِيْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَجْعَلُ اللهُ الأَرْضَ جُزُراً لاَ مَاءَ فِيْهَا وَلاَ نَبَاتَ).
الكهف 18:9
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً﴾ ؛ أي لَم يكونوا بأعجبَ، فقد كان مِن آياتنا ما هو أعجبُ من ذلك. قال الزجَّاجُ :(أعْلَمَ اللهُ أنَّ قِصَّةَ أهْلَ الْكَهْفِ لَيْسَتْ بعَجِيْبَةٍ ؛ لأَنَّ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا أعْجَبُ مِنْ قِصَّةِ أصْحَاب الْكَهْفِ).
والكهفُ : الغَارُ فِي الْجَبَلِ، والرَّقِيْمُ : قِيْلَ : هو وادٍ دونَ فلسطين، وهو الوادي الذي فيه أصحابُ الكهفِ، وَقِيْلَ : الرقيمُ لوحٌ من حجارةٍ، وَقِيْلَ : من رصاصٍ كتبوا فيه أسماءَ أهلِ الكهف وقصَّتَهم ثُم وضعوهُ على باب الكهفِ وهو على هذا التأويل بمعنى الْمَرْقُومِ ؛ أي المكتوب، والرقيمُ : الْخَطُّ والعلامةُ، والرقيمُ : الكتابةُ.
قال ابنُ عبَّاس :(وَذلِكَ أنَّ قُرَيْشاً بَعَثُوا خَمْسَةَ رَهْطٍ إلَى الْيَهُودِ يَسْأَلُونَهُمْ عَنْ أمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالُوا لَهُمْ : إنَّهُ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَاسْمُهُ مَحَمَّدٌ، وَهُوَ فَقِيرٌ يَتِيمٌ وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمٌ، وَإنَّا نَزْعُمُ أنَّهُ يَتَعَلَّمُ مِنْ مُسَيْلَمَةَ، فَإنَّهُ يَقُولُ : أنَا مُرْسَلٌ مِنْ عِنْدِ الرَّحْمَنِ، وَنَحْنُ لاَ نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلاَّ رَحْمَنَ الْيَمَامَةِ - يَعْنُونَ مُسَيْلَمَةَ -.
فَلَمَّا أتَى هَؤُلاَءِ الرَّهْطُ الْمَدِيْنَةَ، أتَوا أحْبَارَ الْيَهُودِ وَعُلَمَائَهُمْ فَسَأَلُوا عَنْهُ وَوَصَفُوا لَهُمْ صِفَتَهُ وَخَاتَمَهُ، قَالُوا : نَحْنُ نَجِدُهُ فِي التَّوْرَاةِ كَمَا وَصَفْتُمُوهُ، وَلَكِنْ سَلُوهُ عَنْ ثَلاَثِ خِصَالٍ، فَإنْ كَانَ نَبيّاً أخْبَرَكُمْ بِخصْلَتَيْنِ، وَلَمْ يُخْبرْكُمْ بالثَّالِثَةِ ؟ فَإنَّا سَأَلْنَا مُسَيْلَمَةَ عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ فَلَمْ يَدْرِ مَا هِيَ، وَأنْتُمُ سَلُوهُ عَنْ خَبَرِ ذِي الْقَرْنَيْنِ، وَعَنِ الرُّوحِ، وَعَنْ أصْحَاب الْكَهْفِ.
فَرَجَعُوا وَأخْبَرُوا قُرَيْشاً بذلِكَ، فَسَأَلُوا النَّبيَّ ﷺ فَقَالَ : سَأُخْبرُكُمْ غَداً، وَلَمْ يَقُلْ إنْ شَاءَ اللهُ. فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ جِبْرِيْلُ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَشُقَّ ذلِكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ نَزَلَ جِبْرِيْلُ بهَذِهِ الآيَةِ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾[الكهف: ٢٣-٢٤].
ثُم أخبرَهُ عن أصحاب الكهف وحديثِ ذي القرنين وخبرِ أمر الرُّوح، وحدَّثهُ أن مدينةً بالروم كان فيها ملكٌ كافر يدعو إلى عبادةِ الأوثان والنِّيران، ويقتلُ مَن خَالَفَهُ، وفي المدينةِ شابٌّ يدعو إلى الإسلامِ سرّاً، فتابعهُ فتيةٌ من أهلِ المدينة، فَفَطِنَ بهم الملكُ فأخذهم، ودفعَهم الى آبائهم يحفظونَهم، فمرُّوا بغلامٍ راع، فبايَعَهم ومعهُ كلبُهم حتى إذا أتَوا غاراً فدخلوهُ، وألقَى اللهُ عليهم النَّومَ سنين عدداً، والملكُ طالبٌ لَهم لَم يقِفْ على أمرِهم، وَعمِيَ عليه خبرُهم، فسدُّوا بابَ الكهف ليموتوا فيه إن كانوا هنالكَ.
ثُم عَمَدَ رجلٌ إلى لوحِ رصاص، فكتبَ فيه أسماءَهم وأسماءَ آبائهم ومدينتَهم، وأنَّهم خرجُوا فراراً من دِين ملكِهم في شهرِ كذا في سنة كذا وألزقَهُ بالسدِّ، وكان السدُّ في داخل الكهفِ، وذكر الفصةَ إلى آخرِها، فهذا اللوحُ الرصاص هو الرَّقِيْمُ. فأخبرَ النبيُّ ﷺ قُريشاً بذلك، فلما أتَوا النبيَّ ﷺ قولَ اليهودِ أخبرَهم بخصلَتين ولَم يخبرهم بالثالثةِ، قال كفارُ قريشٍ :
الكهف 18:10
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ ؛ أي اذْكُرْ لقومِكَ إذْ أوَى الْفِتْيَةُ يعني الشبابُ ؛ ﴿فَقَالُواْ رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً﴾ ؛ نَنْجُوا بها مِن قومنا، ﴿وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً﴾، أي اجْعَلْ لنا طريقاً ومَخرجاً يوفِّقُنا إليكَ، وارشِدْنا إلى ما يقرِّبنا إليكَ.
الكهف 18:11
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً﴾ ؛ أي أنَمنَاهُم في الكهفِ سنين معدودةً وهم أحياء يتعشَّون، ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾ ؛ أي أيقظناهم من نومهم ؛ ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً﴾ ؛ أي ليعرف غيرُهم أنه ليس فيهم من يعرفُ مقدارَ السِّنين التي نَامُوا فيها ؛ والمرادُ بأحدِ الحِزْبَين : الفتيةُ، والآخرُ ناسُ ذلك الزمانِ، وقيلَ : أراد بأحدِ الحزبين : المؤمنينَ، والحزبُ الآخر : الكافرين.
الكهف 18:12
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً﴾ ؛ أي أنَمنَاهُم في الكهفِ سنين معدودةً وهم أحياء يتعشَّون، ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾ ؛ أي أيقظناهم من نومهم ؛ ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً﴾ ؛ أي ليعرف غيرُهم أنه ليس فيهم من يعرفُ مقدارَ السِّنين التي نَامُوا فيها ؛ والمرادُ بأحدِ الحِزْبَين : الفتيةُ، والآخرُ ناسُ ذلك الزمانِ، وقيلَ : أراد بأحدِ الحزبين : المؤمنينَ، والحزبُ الآخر : الكافرين.
الكهف 18:13
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِالْحَقِّ﴾ ؛ أي نُبَيِّنُ لكَ خبرَهم بالصِّدق ؛ ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾ ؛ أي شبابٌ ؛ ﴿آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ ؛ أي ثَبَّتْنَاهُمْ على الإيْمانِ.
الكهف 18:14
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ﴾ ؛ أي ألْهَمْنَا قلوبَهم الصبرَ، وشجَّعناها حين قاموا بحضرة الكفَّار ؛ يعني بين يَدَي دقيانوس الذي كان يَفْتِنُ أهلَ الإيْمان حتى قالوا بين يديه ؛ ﴿فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـاهاً لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾ ؛ أي كَذِباً وجُوراً، والمعنى إنْ عَبَدْنَا غيرَ الله ودَعَوْنَا معهُ إلَهاً آخر، قُلْنا قَوْلاً ذا شَطَطٍ ؛ أي مُتَجَاوِزاً للحقِّ في غايةِ البُطلان.
الكهف 18:15
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هَـاؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ﴾ ؛ أي قالُوا : هؤلاء قومُنا عَبَدُوا مِن دونِ الله ؛ ﴿آلِهَةً﴾ ؛ أي عبدُوا الأصنامَ ؛ يَعْنُونَ الذين كانوا في زَمَنِ دقيانوس، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ ؛ أي هَلاَّ يأتون على عبادتِهم لَها ببُرْهَانٍ واضحٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ ؛ أي فمَنْ أظلمُ لنفسهِ ممن اختلقَ على اللهِ كَذِباَ بأن جعلَ معه شريكاً في العبادةِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ ؛ أي قال بعضُهم لبعضٍ، قيلَ : إن القائلَ بهذا يَمليخا وهو رئيسُ أصحاب الكهف ؛ قال لأصحابهِ : إذ فارقْتُموهم وتَنَحَّيْتُمْ عنهُم جانباً ؛ أي عن عبادةِ الأصنام ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ﴾ ؛ وهذا آخرُ الكلام ثُم قال :﴿إِلاَّ اللَّهَ﴾ ؛ يعنِي إلاَّ الله فلا تعتزلوهُ أي فلا تعتزلوا عبادتَهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ ؛ أي فصيرُوا إلى الكهفِ، واجعلوهُ مأواكم ؛ ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم﴾ ؛ أي يبسِطْ لكم ؛ ﴿مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ ؛ نعمتهِ ؛ ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً﴾ ؛ ما تَرْفِقُونَ به هناك في معايشِكم يكون مخلِّصاً لكم مِن ظُلم هؤلاء الكفَّار. قال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَاهُ : وَيُسَهِّلْ عَلَيْكُمْ مَا تَخَافُونَ مِنَ الْمَلِكِ وَظُلْمِهِ). يقال : فيه (مَرْفَقاً) بكسر الميم وفتح القاف، وفتحِ الميم وكسرِ الفاء، وكذلكَ في مِرفق اليدِ.
الكهف 18:16
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هَـاؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ﴾ ؛ أي قالُوا : هؤلاء قومُنا عَبَدُوا مِن دونِ الله ؛ ﴿آلِهَةً﴾ ؛ أي عبدُوا الأصنامَ ؛ يَعْنُونَ الذين كانوا في زَمَنِ دقيانوس، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ ؛ أي هَلاَّ يأتون على عبادتِهم لَها ببُرْهَانٍ واضحٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ ؛ أي فمَنْ أظلمُ لنفسهِ ممن اختلقَ على اللهِ كَذِباَ بأن جعلَ معه شريكاً في العبادةِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ ؛ أي قال بعضُهم لبعضٍ، قيلَ : إن القائلَ بهذا يَمليخا وهو رئيسُ أصحاب الكهف ؛ قال لأصحابهِ : إذ فارقْتُموهم وتَنَحَّيْتُمْ عنهُم جانباً ؛ أي عن عبادةِ الأصنام ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ﴾ ؛ وهذا آخرُ الكلام ثُم قال :﴿إِلاَّ اللَّهَ﴾ ؛ يعنِي إلاَّ الله فلا تعتزلوهُ أي فلا تعتزلوا عبادتَهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ ؛ أي فصيرُوا إلى الكهفِ، واجعلوهُ مأواكم ؛ ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم﴾ ؛ أي يبسِطْ لكم ؛ ﴿مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ ؛ نعمتهِ ؛ ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً﴾ ؛ ما تَرْفِقُونَ به هناك في معايشِكم يكون مخلِّصاً لكم مِن ظُلم هؤلاء الكفَّار. قال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَاهُ : وَيُسَهِّلْ عَلَيْكُمْ مَا تَخَافُونَ مِنَ الْمَلِكِ وَظُلْمِهِ). يقال : فيه (مَرْفَقاً) بكسر الميم وفتح القاف، وفتحِ الميم وكسرِ الفاء، وكذلكَ في مِرفق اليدِ.
الكهف 18:17
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ﴾ ؛ الخطابُ للنبيِّ ﷺ، قرأ أهلُ الكوفة (تَزَاوَرُ) بالتخفيف على حذفِ إحدَى التَّائين، وقرأ أهلُ الشام ويعقوبُ (تَزْوَرُّ) بوزن تَحْمَرُّ، وكلُّها بمعنى واحد أي تَمِيْلُ، وفيه بيانُ أن الكهفَ الذي أوَوا إليه كان بابهُ نحوَ القُطْب الذي يقربُ بباب نعشٍ، وكانت الشمسُ تَطْلُعُ مزوارةً على باب الكهف عند الطلوعِ وعند الغروب.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ ؛ أي ناحيةَ اليمين، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ ؛ أي تَعْدِلُ عنهم. قال الكلبيُّ :(إذا طَلَعَتْ مَالَتْ عَنْ كَهْفِهْمْ ذاتَ يَمِيْنِ الْكَهْفِ، وَإذا غَرَبَتْ تَمُرُّ بهِمْ ذاتَ الشِّمَالِ يَعْنِي شِمَالَ الْكَهْفِ لاَ تُصِيْبُهُ، وكَانَ كَهْفُهُمْ فِي أرْضِ الرُّومِ، أعْلَمَ اللهُ أنَّهُ يُمِيْلُ عَنْهُمْ الشَّمْسَ طَالِعَةً وَغَاربَةً، لاَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ فَتُؤْذِيَهُمْ بحَرِّهَا وَتُغَيِّرَ ألْوَانَهُمْ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ﴾ ؛ أي في مُتَّسَعٍ من الكهفِ، هَيَّأَ اللهُ لَهم مكاناً واسعاً لا يصيبُهم فيه حَرٌّ ولا سَمومٌ، ولا يتغيرُ لَهم ثوبٌ ولا لون ولا رائحةٌ، ولكن كان ينالُهم فيه نسيمُ الرِّيح وبردُها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ القَرْضُ من قولِهم : قَرَضْتُهُ بالْمِقْرَاضِ ؛ إذا قَطَعْتُهُ، كأنهُ قال : تقطعُهم ذاتَ الشمالِ. وَقِيْلَ : تعطيهم اليسيرَ مِن شُعاعها عند الغروب، كأنه شبَّهَهُ بقرضِ الدراهم التي تُعطى ثُم تستردُّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذلِكَ﴾ ؛ أي إبقاؤُهم طولَ السنين التي ذكرَها اللهُ نياماً لا يستطيعون يستيقظون من دون طعامٍ ولا شَراب، ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً﴾ ظاهر المعنى.
الكهف 18:18
قولهِ تعالى :﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ﴾ ؛ تظنُّهم يا مُحَمَّدُ منتَبهين وهو نائمونَ، وإنَّما كان يحسَبُهم الرَّائي منتبهينَ ؛ لأنَّّهم كانوا نياماً وهم مفتوحُو الأعيُنِ، وكانوا يتنفَّسُون.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ ؛ قرا الحسنُ (وَنُقْلِبُهُمْ) بالنخفيفِ، والمعنى نقلبُهم تارةً عن اليمين إلى الشمال ؛ وتارةً عن الشمالِ إلى اليمين، كما نقلبُ النائمُ ؛ لئَلاَّ تأكُلَ الأرضُ أجسامَهم. ذكرَ قتادةُ :(أنَّ لَهُمْ فِي عَامٍ تَقْلِيْبَيْنِ)، وعن ابنِ عبَّاس :(فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالوَصِيدِ﴾ ؛ أي على باب الفجوة أنامَهُ الله كذلكَ، والوَصِيْدُ مِن قولِهم : أوْصَدْتُ البَابَ، وَأصَدْتُهُ إذا أغلقتهُ، وقد يقالُ لذلكَ الأصِيْدُ أيضاً، وَقِيْلَ : الوَصِيْدُ فناءُ الكهفِ. وقال سعيدُ بن جُبير :(الْوَصِيْدُ : التُّرَابُ). وقال السديُّ :(الْوَصِيْدُ : الْبَابُ). وقال عطاءُ :(عَتَبَةُ الْبَاب).
وكان لونُ الكلب أحمرَ، كذا قال ابنُ عبَّاس، وقال مقاتلُ :(كَانَ أصْفَرَ يَضْرِبُ إلَى الْحُمْرَةِ) وَقِيْلَ : كان كلونِ الحجَرِ، وَقِيْلَ : كلونِ السَّماء. قال عليٌّ رضي الله عنه :(كَانَ اسْمُهُ رَيَّان). وقال ابنُ عبَّاس :(قِطَمِيْرُ). وقال سفيانُ :(اسْمُهُ حِمْرَانُ). وقال عبدُالله بن سلام :(لسْمُهُ نَشِيْطٌ). روي عن بعضِهم أنه مما أخذ على الكلب أن لا يضرَّ بأحدٍ يقرأُ : وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالْوَصِيدِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً﴾ ؛ أي لو اطَّلَعْتَ عليهم يا مُحَمَّدُ لَوَلَّيْتَ منهم فِراراً لِما ألبَسَهم اللهُ تعالى من الْهَيْبَةِ حتى لا يصلَ إليهم أحدٌ حتى يبلغَ الكتابُ أجَلَهُ فيهم وينتبهوا من رقدتِهم. وَقِيْلَ : لأنَّهم كانوا في مكانِ مُوحِشٍ من الكهفِ، وَقِيْلَ : لأن أعيُنَهم مفتحةً كالمستيقظ الذي يريدُ أن يتكلَّمَ وهم نيامٌ.
وعن ابنِ عبَّاس قال :(غَزَوْنَا مَعَ مُعَاوِيَةَ نَحْوَ الرُّومِ فَمَرَرْنَا بالْكَهْفِ الَّذِي فِيهِ أصْحَابُ الْكَهْفِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ : لَوْ كَشَفَ لَنَا عَنْ هَؤُلاَءِ فَنَظَرْنَا إلَيْهِمْ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَيْسَ لَكَ ؛ قَدْ مَنَعَ اللهُ ذلِكَ عَنْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، فَقَالَ : لَوْ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً ؛ ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾ ؛ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ : لاَ أنْتَهِي حَتَّى أعْلَمَ عِلْمَهُمْ، فَبَعَثَ أُنَاساً فَقَالَ : اذْهَبُوا وَانْظُرُواْ، فَفَعَلُوا فَلَمَّا دَخَلُواْ الْكَهْفَ بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمْ ريْحاً فَأَخْرَجَتْهُمُ مِنَ الْكَهْفِ).
الكهف 18:19
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذالِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ ؛ أي وكذلكَ أيقظناهُم، كما أنَمناهُم ليتحدَّثوا ويسألوا بعضَهم بعضاً، ﴿قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ﴾ ؛ وهو رئيسُهم وسُمِّي مكسلميا :﴿كَم لَبِثْتُمْ﴾ ؛ في نومِكم في الكهفِ ؛ ﴿قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً﴾ ؛ فلما نظَرُوا إلى الشَّمسِ، وقد بَقِيَ منها شيءٌ ؛ قالوا :﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ؛ تَوَقِّياً من الكذب، فلما نظَرُوا إلى أظفارِهم وأشعارِهم علموا أنَّهم لبثُوا أكثرَ من يومٍ ؛ فـ ؛ ﴿قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَابْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـاذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ ؛ أي فابعثوا يَمليخا، والوَرقُ الفِضَّةُ مضروبةً كانت أو غيرَ مضروبةٍ، وأما المدينةُ فهي أفسوس، وَقِيْلَ : طرسوسُ، كان اسْمُها في الجاهلية : أقسوس، فلما جاءَ الإسلامُ سَمَّوها طرسوسُ. ومعنى الآيةِ : فابعثُوا أحدُكم بدراهمكم هذه إلى السُّوق ؛ ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَى طَعَاماً﴾ ؛ أي أحَلَّ ذِبْحَةً ؛ لأن عامَّتَهم كانوا مَجُوساً، وفيهم مؤمنون يُخفون إيْمانَهم، وَقِيْلَ : أطيبَ خُبزاً وأبعدَ عن الشُّبهة، لأن مَلِكَهم كان يظلمُ الناسَ في طعامهم، وكانوا يحسبون أن ملكَهم دقيانوس الكافرُ. وقال عكرمةُ معناه :(أكْثَرَ وَأفْضَلَ) في معنى أنَّ الزكاةَ هو الزيادةُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾ ؛ أي بقُوتٍ وطعام. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ ؛ أي يتوقَّف في الذهاب والْمَجيءِ، وفي دخولِه المدينة حتى لا تعرفَهُ الكفارُ ؛ ﴿وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً﴾ ؛ أي لا يخبرنَ أحدٌ من أهلِ المدينة بمكانكم.
الكهف 18:20
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾ ؛ أي إنهم إنْ علِمُوا مكانَكم رجموكُم بالحجارةِ حتى يقتلوكم، وَقِيْلَ : يشتموكُم ويؤذوكم، وكان من عادتِهم القتلُ بالرَّجمِ وهو أخبثُ القتل. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ ؛ أي إلى دِينهم وهو الكفرُ ؛ ﴿وَلَن تُفْلِحُواْ إِذاً أَبَداً﴾ ؛ إن عُدْتُمْ إلى دِينهم، وَلم تظفَرُوا الخيرَ في الدُّنيا والآخرة.
فإن قيلَ : أليسَ لو أكرهوهم، وأظهَرُوا الكفرَ لَم يكن في ذلك مَضَرَّةً عليهم ؟ قِيْلَ : يجوزُ أنه لَم يكن في شريعةِ الإسلام جوازُ إظهار كلمة الكفر على وجه التُّقيةِ.
الكهف 18:21
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذالِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ؛ أي أطْلَعْنَا عليهم، وذلك أنَّهم لَمَّا بَعَثُوا بورقِهم على يدِ يَمليخا ومضَى إلى السُّوق، فإذا ملكُهم مسلمٌ قد أظهرَ علامات الإسلامِ فتعجَّبَ من تغيُّرِ الأمرِ، وقال لخبَّازٍ : يعني من طعامِكَ بهذا الوَرِقِ، فلما رأى الخبازُ دراهمَه أنكرَها وقال : مِن أينَ لك هذه وقد ضُربت منذ ثلاثِمائة سنةٍ ؟ فإما أن تعطيَني من هذا الكَنْزِ، أو أرفعُكَ إلى الْمَلِكِ ؟ فأنتَ وجدْتَ كَنْزاً.
فحملَهُ إلى الملكِ فلم يجِدْ بُداً من أن يذكرَ للملكِ قصَّتَهم، فجاءَ الناسُ معهُ إلى باب الكهف، فدخل هُوَ قَبْلَهم، وأخبَرَ أصحابَهُ بأنَّ الملِكَ أتاهُم إذ ظهرَ القومُ عليهم فسألوهُ عن أمرِهم، فقَصُّوا عليهم قصَّتَهم، فَنَظَرُوا فإذا اللوحُ الرَّصاصُ وفيه أسماؤُهم وفرارُهم من دقيانوسِ.
فقالَ الملكُ : هؤلاء قومٌ هلَكُوا في زمانِ الكافرِ، فأحياهُم اللهُ في زمانِي، وحَسَبُوا المدَّةَ، فوجدُوها ثلاثَمائة سنةٍ وتسعَ سنين، فبينا هم كذلكَ يحدِّثونَهم إذ دخلُوا المكانَ، وقد ضربَ اللهُ على آذانِهم بالنَّومِ، هكذا رويَ عنِ ابن عبَّاس.
وذهبَ عكرمةُ إلى أنَّ القومَ دخلُوا المكانَ وقد ضربَ اللهُ على آذانِهم، فهذا معنى قولهِ ﴿وَكَذالِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ وقولهِ تعالَى :﴿لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي ليعلَمَ الملكُ وقومه وغيرُهم أن البعثَ بعد الموتِ كائنٌ، ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ﴾ ؛ القيامة، ﴿لاَ رَيْبَ فِيهَا﴾ ؛ لا شك فيها.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ ؛ قِيْلَ : كان التنازعُ في أنْ قالَ بعضُهم لبعضٍ إنَّهم قد ماتوا في الكهفِ، وقال بعضُهم : بل ناموا كما نامُوا مِن قبلُ، وسيوقظُهم اللهُ من بعد.
وَقِيْلَ : كانوا يتنازعون في البنَاءِ كما قالَ تعالَى :﴿فَقَالُواْ ابْنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً﴾ ؛ أي قال بعضُهم : نَبْنِي عليهم بُنياناً كما تُبْنَى المقابرُ ؛ كي يستُرُوهم عن الناسِ، وقال بعضُهم : بل نَبْنِي في هذا الموضعِ مَسْجِداً يُعْبَدُ اللهُ فيه، وهو قولُ الذين غَلَبُوا على أمرِهم وهم رؤساؤُهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً﴾ ؛ أي أعْلَمُ بلَبْثِهِمْ ورُقادِهم وأحوالِهم ؛ لأنَّ قومَ الملكِ تنازَعُوا في قدر مَكْثِهم في الكهفِ، وفي عددهم وفي ما يفعلونَ بعدَ ذلك.
الكهف 18:22
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ ؛ أي وذلكَ أنَّ أهل الكتاب الذين سأَلُوا رسولَ اللهِ ﷺ عن أهلِ هذه الصفةِ يختلفون في عدَدِهم. رويَ أنَّ السيدَ والعاقبَ وأصحابَهما من النَّصَارَى وأهلِ نجرانَ كانوا عندَ رسولِ الله ﷺ، وذكروا أصحابَ الكهفِ، فقال السيدُ : كانوا ثلاثةً رابعُهم كلبُهم، وقال العاقبُ : كانوا خمسةً سادسُهم كلبهم، ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ﴾ ؛ أي ظَنّاً من غيرِ يقينٍ كأنَّهم يرجُمون بالغيب بالقول فَهُمْ بالغيبةِ عنهم، وقال المسلمونَ : كانوا سبعةً وثامِنُهم كلبُهم. ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾
وقال بعضُهم : هذه الواوُ واو الثَّمانية، وذلك أن العربَ تقولُ : واحدٌ اثنانِ ثلاثةً أربعة ستَّة سبعة وثَمانية ؛ لأن العددَ عندهم سبعةٌ، كما هو اليومُ عندنا عشرة، ونظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾[التوبة: ١١٢] إلى قولهِ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾[التوبة: ١١٢] وقولهُ في صفةِ أهلِ الجنَّة﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾[الزمر: ٧٣] وقولهُ في أزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم﴿وَأَبْكَاراً﴾[التحريم: ٥].
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم﴾ ؛ أي قُل ربي أعلمُ كَمْ كان عددهُم، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً﴾ ؛ عَنَى به رسولَ اللهِ ﷺ ؛ لأنه تعالَى أخبرَهُ بعدَّتِهم، وأمرَهُ أن لا يُمَارِ في معرفةِ مَن أدَّعى عددَهم إلاّ بأن بيَّن لهُ أنه يقولهُ بغيرِ حُجَّةٍ، ولا خبرَ عنده من اللهِ، فإنَّ هذا العلمَ ليس عند أهلِ الكتاب، وهذا هو المرادُ الظاهر.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً﴾ ؛ أي لا تَسْتَفْتِ في أصحاب الكهف من اليهود وأهل الكتاب أحداً، فالخطابُ للنبيِّ ﷺ، والمرادُ به أُمَّتُهُ، فإنهُ مستغنياً بإخبارِ الله إياه عن أن يستَفْتِيهم. وعن ابنِ عبَّاس أنهُ قال :(أنَا مِنَ الْقَلِيْلِ الَّذِي يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ كَانُوا سَبْعَةً وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ)، وَإْنَّمَا عَرَفَهُ سَمَاعاً مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
الكهف 18:23
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ ؛ أي لا تَقُلْ إنَّي فاعلٌ شيئاً حتى تَقْرُنَ به قولَكَ به قولَكَ إنْ شاءَ اللهُ، فلعلَّكَ لا تبقَى إلى الغدِ، ولا تقدرُ عليه من الغدِ.
قال المفسِّرون : لَمَّا سألَ اليهودُ النبيَّ ﷺ عن خبرِ الفِتْيَةِ وَعَدِهُمْ أن يُخبرَهُمْ غداً، ولَم يقُلْ إن شاءَ اللهُ، فحُبسَ عنه الوحيُ حتى شُقَّ عليه، وأنزل هذه الآية يأمرهُ بالاستثناءِ بمشيئة اللهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس ومجاهدُ :(مَعْنَاهُ إذا نَسِيْتَ الاسْتِثْنَاءَ ثُمَّ ذكَرْتَهُ فَاسْتَثْنِ)، وقال سعيدُ بن جبير :(إذا قُلْتَ لِشَيْءٍ : إنِّي فَاعِلُهُ غَداً ؛ وَنَسِيْتَ الاسْتِثْنَاءَ بمَشِيْئَةِ اللهِ، ثُمَّ تَذكَّرْتَ، فَقُلْ : إنْ شَاءَ اللهُ، وَإنْ كَانَ بَعْدَ يَوْمٍ أوْ بَعْدَ شَهْرٍ أوْ سَنَةٍ).
وعن ابنِ عبَّاس :(مَعْنَاهُ : إذا حَلَفْتَ عَلَى شَيْءٍ وَنَسِيْتَ الاسْتِثْنَاءَ، ثُمَّ ذكَرْتَ فَاسْتَثْنِ مَكَانَكَ وَقُلْ : إنْ شَاءَ اللهُ وَلَوْ كَانَ إلَى سَنَةٍ مَا لَمْ تَحْنَثْ). وقال الحسنُ :(لَهُ أنْ يَسْتَثْنِيَ فِي الْيَمِيْنَ مَا لَمْ يَقُمْ مِنَ الْمَجْلِسِ).
وقال إبراهيمُ وعطاء والشعبيُّ :(لاَ يَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ إلاَّ مَوْصُولاً بالْكَلاَمِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى عَلَى هَذا الْقَوْلِ : وَإذا ذكَرْتَ إذا نَسِيْتَ شَيْئاً فَادْعُ اللهَ حَتَّى يُذكِّرُكَ). وقال عكرمةُ :(مَعْنَاهُ : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إذا غَضِبْتَ).
قال وهبُ :(مكتوبٌ في الإنجيلِ : يا ابنَ آدمَ اذكرونِي حين تغضبُ أذكُركَ حين أغضبُ). وقال الضحَّاك والسُّدي :(هَذا فِي الصَّلاَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ :" مَنْ نَسِيَ صَلاَةً أوْ نَامَ عَنْهَا ؛ فَلْيُصَلِّهَا إذا ذكَرَهَا " ).
قَوْلُهُ :﴿وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـاذَا رَشَداً﴾ ؛ أي قُلْ عسى أن يعطيَنِي ربي مِن الآيات والدلالاتِ على النبوَّة ما يكونُ أقربَ في الرَّشد، وأدلَّ من قصَّة أصحاب الكهف.
الكهف 18:24
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ ؛ أي لا تَقُلْ إنَّي فاعلٌ شيئاً حتى تَقْرُنَ به قولَكَ به قولَكَ إنْ شاءَ اللهُ، فلعلَّكَ لا تبقَى إلى الغدِ، ولا تقدرُ عليه من الغدِ.
قال المفسِّرون : لَمَّا سألَ اليهودُ النبيَّ ﷺ عن خبرِ الفِتْيَةِ وَعَدِهُمْ أن يُخبرَهُمْ غداً، ولَم يقُلْ إن شاءَ اللهُ، فحُبسَ عنه الوحيُ حتى شُقَّ عليه، وأنزل هذه الآية يأمرهُ بالاستثناءِ بمشيئة اللهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس ومجاهدُ :(مَعْنَاهُ إذا نَسِيْتَ الاسْتِثْنَاءَ ثُمَّ ذكَرْتَهُ فَاسْتَثْنِ)، وقال سعيدُ بن جبير :(إذا قُلْتَ لِشَيْءٍ : إنِّي فَاعِلُهُ غَداً ؛ وَنَسِيْتَ الاسْتِثْنَاءَ بمَشِيْئَةِ اللهِ، ثُمَّ تَذكَّرْتَ، فَقُلْ : إنْ شَاءَ اللهُ، وَإنْ كَانَ بَعْدَ يَوْمٍ أوْ بَعْدَ شَهْرٍ أوْ سَنَةٍ).
وعن ابنِ عبَّاس :(مَعْنَاهُ : إذا حَلَفْتَ عَلَى شَيْءٍ وَنَسِيْتَ الاسْتِثْنَاءَ، ثُمَّ ذكَرْتَ فَاسْتَثْنِ مَكَانَكَ وَقُلْ : إنْ شَاءَ اللهُ وَلَوْ كَانَ إلَى سَنَةٍ مَا لَمْ تَحْنَثْ). وقال الحسنُ :(لَهُ أنْ يَسْتَثْنِيَ فِي الْيَمِيْنَ مَا لَمْ يَقُمْ مِنَ الْمَجْلِسِ).
وقال إبراهيمُ وعطاء والشعبيُّ :(لاَ يَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ إلاَّ مَوْصُولاً بالْكَلاَمِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى عَلَى هَذا الْقَوْلِ : وَإذا ذكَرْتَ إذا نَسِيْتَ شَيْئاً فَادْعُ اللهَ حَتَّى يُذكِّرُكَ). وقال عكرمةُ :(مَعْنَاهُ : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إذا غَضِبْتَ).
قال وهبُ :(مكتوبٌ في الإنجيلِ : يا ابنَ آدمَ اذكرونِي حين تغضبُ أذكُركَ حين أغضبُ). وقال الضحَّاك والسُّدي :(هَذا فِي الصَّلاَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ :" مَنْ نَسِيَ صَلاَةً أوْ نَامَ عَنْهَا ؛ فَلْيُصَلِّهَا إذا ذكَرَهَا " ).
قَوْلُهُ :﴿وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـاذَا رَشَداً﴾ ؛ أي قُلْ عسى أن يعطيَنِي ربي مِن الآيات والدلالاتِ على النبوَّة ما يكونُ أقربَ في الرَّشد، وأدلَّ من قصَّة أصحاب الكهف.
الكهف 18:25
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُواْ تِسْعاً﴾ يعني مِن يوم دخلُوا الكهفَ إلى أنْ بعثَهم اللهُ وأطَلَعَ عليهم الخلقَ. قال الفرَّاء والزجَّاج والكسائيُّ :(التَّقْدِيْرُ : سِنِيْنَ ثَلاَثَمِائَةٍ ؛ لأنَّ التَّفْسِيْرَ لاَ يَكُونُ بلَفْظِ الْجَمَعِ). وقال أبو عليِّ الفارسي :(سِنِيْنَ بَدَلٌ مِنْ ثَلاَثَمِائَةٍ). وقرأ حمزةُ :(ثَلاَثَمِائَةِ سِنِيْنَ) مُضَافَةً غير مُنَوَّنَةٍ. وقال الضحَّاكُ :(نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلَبثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَمِائَةٍ، فَقَالُوا : أيَّاماً أوْ شُهُوراً أوْ سِنِيْنَ ؟ فَقِيْلَ : سِنِيْنَ) ولذلكَ لَم يقُلْ سنةً.
الكهف 18:26
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ﴾ ؛ أي لقَدْرِ ما لبثوا ؛ ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي لهُ العلمُ بكلِّ مستورٍ عن الخلق في السَّمواتِ والأرضِ وفي قعرِ البحار. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ ؛ أي أذْكُرْ بذلكَ الناسَ فهو مِن خَفِيِّ صفاتهِ : وَقِيْلَ : معناهُ : ما أبصرَ اللهُ بكلِّ موجودٍ! وما أبصرَهُ بكلِّ مسموعٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ﴾ ؛ أي ما لأهلِ السَّموات والأرضِ مِن دون اللهِ مِن ولِيٍّ ولا ناصرٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ ؛ أي لا يشركُ في حُكمهِ أحداً غيرَهُ. وقرأ ابنُ عامرٍ :(وَلاَ تُشْرَكُ) على المخاطبةِ : أي لا تُشْرِكْ أيُّها الإنسانُ على النَّهي.
الكهف 18:27
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاتْلُ مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ﴾ ؛ أي اقْرَأ عليهم القُرْآنَ وعرِّفْهم أنهُ الحقُّ ؛ ﴿لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ ؛ ولا خَلَفَ لخبرهِ ولا مغيِّرَ لهُ : قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ ؛ أي مَلْجَأً أو مَعْدَلاً تَهربُ إليه، مِن قولِهم : لَحَدْثُ إلَى كَذا ؛ إذا مِلْتِ إليه، ومنهُ اللَّحْدُ ؛ لأنهُ يُمال به إلى ناحيةِ القبرِ، ومنه الإلحادُ في الدِّين الْمَيَلاَنُ عليهِ.
الكهف 18:28
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ ؛ نزلَتْ هذه الآيةُ في سَلمان الفارسيِّ وصهيب بن سِنان وعمَّار بن ياسر وخبَّاب وعامرِ بن فُهيرة وغيرِهم من الفقراءِ، كانوا عندَ النبيِّ ﷺ وكان مع سَلمان شَمْلَةٌ قد عَرِقَ فيها إذ دخلَ عُيينة بن حصنٍ الفزَاريِّ، فقال : يا مُحَمَّدُ إنْ رؤوسَ مُضَرَ وأشرافَها، وإنهُ والله ما يَمنعُنا من الدُّخول عليكَ إلاّ هذا - يعني سلمانَ وأصحابهُ - ولو أنَّا إذا دخلنا عليكَ أخرَجْتَهم عنا لاتَّبعناكَ، إنه ليؤذِينا ريحهُ أما يؤذيكَ ريحهُ ؟ فأنزلَ اللهُ في سلمان وأصحابهِ هذه الآية. ومعناها : واحبسْ نفسكَ أيُّها النبيُّ مع الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وتعظيمَهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ ؛ أي لا تَصْرِفْ بصرَكَ عنهم لفقرهِم إلى غيرِهم من ذوي الهيئاتِ والزِّينة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ؛ أي مجالسةِ أهل الشَّرف والغِنَى (تريدُ) ههنا في موضعِ الحال أي مُريداً.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ ؛ يريدُ عُيَيْنةَ وأبناءَهُ، أي لا تطِعْهم في تنحيةِ الفُقراءِ عنكَ ليجلسوا إليك، ومعنى :﴿أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ أي جعلنَاهُ غافلاً عن القُرْآنِ والإسلام. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ أي ضَيَاعاً ونَدَماً، وَقِيْلَ : هلاكاً، وَقِيْلَ : مُخالفاً للحق، وَقِيْلَ : بَاطلاً، وَقِيْلَ : معناه : ضَيَّعَ أمرَهُ وبطلَ أيامه.
الكهف 18:29
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ﴾ ؛ أي قُلِ القُرْآنُ والدلالاتُ على وحدانيَّة الله ونبوَّة رسولهِ هو الحقُّ من ربكم، و(الحقُّ) مرفوعٌ على الحكاية، وَقِيْلَ : خبرُ مبتدأ مُضْمَرٍ ؛ أي هو الحقُّ ؛ والمعنى : وقُلْ يا مُحَمَّدُ لِهؤلاء الذي أغفَلْنا قلوبَهم عن ذِكرنا : أيُّها الناس الذي أُنذركم به (الْحَقُّ مِنْ رَبكُمْ)، لَم أتكلَّمْ به مِن قِبَلِ نفسِي.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ؛ تَهديدٌ بلفظِ الخبر، والمعنى : فمَن شاءَ فيؤمن، ومن شاء فيكفرُ، ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ ؛ فقد أعدَّ لكم ناراً على كُفركم أحاطَ بكم سرادقها ؛ قال ابنُ عبَّاس :(السُّرَادِقُ : حَائِطٌ مِنَ النَّار يُحِيْطُ بهِمْ).
وَقِيْلَ : دخانٌ يحيطُ بهِمْ قَبْلَ أن يَصِلْوا إلى النار. وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ قال :(سُرَادِقُ النَّارِ أرْبَعَةُ جُدُرٍ، غِلَظُ كُلِّ جِدَارٍ مَسِيْرَةُ أرْبَعِيْنَ سَنَةَ، فَهَذِهِ الْجُدُرُ مُحِيْطَةٌ بهِمْ). وقال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَى الآيَةِ : فَمَنْ شَاءَ اللهُ لَهُ الإيْمَانَ آمَنَ، وَمَنْ شَاءَ لَهُ الْكُفْرَ كَفَرَ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ﴾ ؛ معناهُ : وإنْ يستَغيثُوا من شدَّة الحرارةِ يُغاثوا بماءٍ كَعَكَرِ الزَّيت أسودَ غليظ، وَقِيْلَ : إن الْمُهْلَ هو الصُّفُرُ المذابُ، ويقالُ : هو القيحُ والدم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَشْوِي الْوجُوهَ﴾ ؛ أي إذا قَرُبَ البشر منه أنضجَ الوجهَ بحرارتهِ، وأسقطَ فَرْوَةَ وجههِ ولحمَهُ فيه، ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ﴾ ؛ النارُ ؛ ﴿مُرْتَفَقاً﴾ ؛ أي ساءَتْ مُتَّكَأً لَهم، مأخوذٌ من المرْفَقِ ؛ لأنَّهم يتَّكِؤنَ على مرافِقِهم، وَقِيْلَ : معناهُ : وساءَتْ مَنْزلاً ومَقَرّاً، وَقِيْلَ : مُجتمعاً مأخوذٌ من المرافقةِ.
الكهف 18:30
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ ؛ أي لا يبطلُ ثوابُ من أخلصَ للهِ، ويجوزُ أن يكون معناهُ : إنا لا نضيعُ أجرَ مَن أحسنَ منهم، بل يجازيهم.
ثُم ذكرَ جَزَاءَهُمُ فقالَ :﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ ؛ أي بساتينُ إقامةٍ، وقد ذكرَنا صفات جنَّات عَدْنٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ ؛ أي يُلْبَسُونَ في الجِنَانِ ذلك.
قال الزجَّاج :(أسَاوِرُ : جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وَأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوَارٍ) ؛ وَهُوَ زيْنَةٌ يُلْبَسُ فِي الزَّنْدِ مِنَ الْيَدِ، مِنْ زيْنَةَ الْمُلُوكِ يُسَوُّرُ فِي الْيَدِ وَيُتَوَّجُ عَلَى الرَّأسِ. قال ابنُ جبير :(عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَلاَثَةٌ مِنَ الأَسَاوِر، وَاحِدٌ مِنْ فِضَّةٍ وَوَاحِدٌ مِنْ ذهَبٍ وَوَاحِدٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَيَاقُوتٍ).
وعن النبيِّ ﷺ أنهُ قال :" لَوْ أنَّ أدْنَى أهْلِ الْجَنَّةِ حِلْيَةً عُدِلَتْ حِلْيَتُهُ بحِلْيَةِ أهْلِ الدُّنْيَا جَمِيْعِهَا لَكَانَ مَا يُحَلِّيهْ اللهُ بهِ فِي الآخِرَةِ أفْضَلَ مِنْ حِلْيَةً أهْلِ الدُّنْياَ جَمِيْعِهَا ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ ؛ الْخُضَرُ : جمعُ أخضرَ، وهو أحسنُ ما يكون من الثِّياب، والسُّنْدُسُ : الدِّيْبَاجُ الرقيقُ الفاخر، وَقِيْلَ : هو الحريرُ ؛ وواحدُ السُّندس سُنْدُسَةٌ، والاسْتَبْرَقُ الدِّيباجُ الغليظُ الذي له بريقٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مُّتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ ؛ أي في الجِنَانِ ؛ ﴿عَلَى الأَرَآئِكِ﴾ ؛ أي على السُّرُرِ في الْحِجَالِ وهي من ذهَبٍ مكَلَّلٍ بالدُّرِّ والياقوتِ ؛ ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ ؛ جزاءُ أعمالِهم ؛ ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ ؛ أي مُتَّكَأً.
الكهف 18:31
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ ؛ أي لا يبطلُ ثوابُ من أخلصَ للهِ، ويجوزُ أن يكون معناهُ : إنا لا نضيعُ أجرَ مَن أحسنَ منهم، بل يجازيهم.
ثُم ذكرَ جَزَاءَهُمُ فقالَ :﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ ؛ أي بساتينُ إقامةٍ، وقد ذكرَنا صفات جنَّات عَدْنٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ ؛ أي يُلْبَسُونَ في الجِنَانِ ذلك.
قال الزجَّاج :(أسَاوِرُ : جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وَأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوَارٍ) ؛ وَهُوَ زيْنَةٌ يُلْبَسُ فِي الزَّنْدِ مِنَ الْيَدِ، مِنْ زيْنَةَ الْمُلُوكِ يُسَوُّرُ فِي الْيَدِ وَيُتَوَّجُ عَلَى الرَّأسِ. قال ابنُ جبير :(عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَلاَثَةٌ مِنَ الأَسَاوِر، وَاحِدٌ مِنْ فِضَّةٍ وَوَاحِدٌ مِنْ ذهَبٍ وَوَاحِدٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَيَاقُوتٍ).
وعن النبيِّ ﷺ أنهُ قال :" لَوْ أنَّ أدْنَى أهْلِ الْجَنَّةِ حِلْيَةً عُدِلَتْ حِلْيَتُهُ بحِلْيَةِ أهْلِ الدُّنْيَا جَمِيْعِهَا لَكَانَ مَا يُحَلِّيهْ اللهُ بهِ فِي الآخِرَةِ أفْضَلَ مِنْ حِلْيَةً أهْلِ الدُّنْياَ جَمِيْعِهَا ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ ؛ الْخُضَرُ : جمعُ أخضرَ، وهو أحسنُ ما يكون من الثِّياب، والسُّنْدُسُ : الدِّيْبَاجُ الرقيقُ الفاخر، وَقِيْلَ : هو الحريرُ ؛ وواحدُ السُّندس سُنْدُسَةٌ، والاسْتَبْرَقُ الدِّيباجُ الغليظُ الذي له بريقٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مُّتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ ؛ أي في الجِنَانِ ؛ ﴿عَلَى الأَرَآئِكِ﴾ ؛ أي على السُّرُرِ في الْحِجَالِ وهي من ذهَبٍ مكَلَّلٍ بالدُّرِّ والياقوتِ ؛ ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ ؛ جزاءُ أعمالِهم ؛ ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ ؛ أي مُتَّكَأً.
الكهف 18:32
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً﴾ ؛ الآيةُ، هذا مثلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لعبادهِ ؛ ليستدعيَهم إلى طاعتهِ، ويزجرَهم عن كُفران نعمتهِ، والمعنى : واضرِبْ لَهم مثلاً رَجُلين.
قال ابنُ عبَّاس :(كَانُوا أخَوَيْنِ فِي بَنِي إسْرَائِيْلَ ؛ تُوُفِّيَ أبُوهُمَا وَتَرَكَ ثَمَانِيَةَ آلافِ دِيْنَارٍ، وَكَانَ أحَدُهُمَا مُسْلِماً وَالآخَرُ كَافِراً، وَأصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أرْبَعَةَ آلاَفِ دِينَارٍ، فاَلْمُسْلِمُ أنْفَقَهَا فِي سَبيْلٍ حَتَّى أنْفَدَهَا فَأَوْجَبَ اللهُ لَهُ الْجَنَّةَ، وَالْكَافِرُ اشْتَرَى بهَا بَسَاتِيْنَ، فَاحْتَاجَ الْمُسْلِمُ إلَيْهِ فَأَتَاهُ يَتَعَرَّضُ إلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ : أيْنَ مَالُكَ ؟ فَقَالَ لَهُ : أنْفَقْتُهُ فِي سَبيْلِ اللهِ، فَقَالَ لَهُ الْكَافِرُ : لاَ أُعْطِيْكَ حَتَّى تَتَّبعَ دِيْنِي، ثُمَّ أخَذ بيَدِ أخِيْهِ فَأَدْخَلَهُ بَسَاتِيْنَهُ، وَجَعَلَ يَطُوفُ بهِ فِيْهَا وَيَقُولُ لَهُ : مَا أظُنُّ أنْ تَبيدَ هَذِهِ أبَداً، فَذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ أي جعلَ للكافرِ منهُما بساتينَ من كُرُومٍ، وجعلَ حَوْلَ البساتينِ نَخيلاً وجعلنا بينَ البساتينِ زَرْعاً ؛ أي يزرعهُ.
الكهف 18:33
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً﴾ ؛ أي كِلاَ البساتين أخرجَتْ ثَمرها ولَم تنقُصْ منه شيئاً كأنْ ما أن يذهبُ صنفٌ من الثمار إلاّ أثْمرَ صنفٌ آخر، وإنَّما قال : آتَتْ ؛ ولَم يقل آتَتَا ؛ لأن المعنى أعطَتْ كلُّ واحدةٍ من الجنَّتين، ولفظُ كِلْتَا واحدةٌ ؛ لأن الألِفَ في كلتا ليسَتْ ألِفَ تثنيةٍ، كأنه قالَ : كلُّ واحدةٍ منهُما آتَتْ أكُلها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً﴾ ؛ أي فجَّرنا وسطَ البساتين نَهراً نَسقيها، ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ ؛ أي كان لِهذا الكافرِ ذهبٌ وفضة ومن كل المال، وقيل : من قرأ :(ثُمُرٌ) بضم الثاء، فمعناه صنوف من الأموال : الذهب والفضة وغيرهما، يقالُ : أثْمَرَ الرجلُ إذا كَثُرَ مالهُ. ومن قرأ بنصب الثَّاء كان معناهُ ثَمرة البساتينِ، والأولُ هو الأقربُ لأن قولَهُ ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ يدلُّ على الثِّمار، فاقتضَى أن يكون الثمرُ غير ذلك.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ﴾ ؛ أي لأخيهِ المسلم ؛ ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ ؛ أي يراجعهُ بالكلامِ ويفاخرهُ :﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ ؛ يعني خَدَماً وحَشَماً وولداً، يتطاولُ بذلك على أخيهِ، ورأى تلك النعمةَ مِن قِبَلِ نفسهِ لا من قِبَلِ اللهِ.
الكهف 18:34
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً﴾ ؛ أي كِلاَ البساتين أخرجَتْ ثَمرها ولَم تنقُصْ منه شيئاً كأنْ ما أن يذهبُ صنفٌ من الثمار إلاّ أثْمرَ صنفٌ آخر، وإنَّما قال : آتَتْ ؛ ولَم يقل آتَتَا ؛ لأن المعنى أعطَتْ كلُّ واحدةٍ من الجنَّتين، ولفظُ كِلْتَا واحدةٌ ؛ لأن الألِفَ في كلتا ليسَتْ ألِفَ تثنيةٍ، كأنه قالَ : كلُّ واحدةٍ منهُما آتَتْ أكُلها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً﴾ ؛ أي فجَّرنا وسطَ البساتين نَهراً نَسقيها، ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ ؛ أي كان لِهذا الكافرِ ذهبٌ وفضة ومن كل المال، وقيل : من قرأ :(ثُمُرٌ) بضم الثاء، فمعناه صنوف من الأموال : الذهب والفضة وغيرهما، يقالُ : أثْمَرَ الرجلُ إذا كَثُرَ مالهُ. ومن قرأ بنصب الثَّاء كان معناهُ ثَمرة البساتينِ، والأولُ هو الأقربُ لأن قولَهُ ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ يدلُّ على الثِّمار، فاقتضَى أن يكون الثمرُ غير ذلك.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ﴾ ؛ أي لأخيهِ المسلم ؛ ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ ؛ أي يراجعهُ بالكلامِ ويفاخرهُ :﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ ؛ يعني خَدَماً وحَشَماً وولداً، يتطاولُ بذلك على أخيهِ، ورأى تلك النعمةَ مِن قِبَلِ نفسهِ لا من قِبَلِ اللهِ.
الكهف 18:35
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ ؛ أي دخلَ الكافرُ بستانَهُ وهو ظالِم لنفسهِ بالكفر وتركِ الشُّكرِ ؛ ﴿قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـاذِهِ أَبَداً﴾ ؛ أي ما أظنُّ أن تَفْنَى هذه أبداً. قال المفسِّرون : أخذ بيد أخيهِ المسلم فأدخلَهُ جنَّته، وطافَ به فيها، وأراهُ إياها وجعلَ يعجبه منها، ويقولُ ما أظنُّ أنْ تَفْنَى هذه أبداً، ﴿وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ ؛ أنكرَ البعثَ والثواب والعقابَ، وأخبرَ أخاهُ بكفرهِ وإنكاره للقيامةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾ ؛ يعني لَئِنْ كان البعثُ حقّاً، ورُدِدْتُ إلَى ربي على زعمِكَ لأجدنَّ في الآخرةِ خيراً منها مرجِعاً ومنْزِلاً، ولَم يعني اللهُ هذه في الدُّنيا إلاّ ولي عنده أفضلُ منها لكرامتِي عليه، فمعناه الجنَّتين التي تقدَّم ذِكرُهما، وفي هذا بيانُ أن هذا الكافرَ لَم يكن قاطعاً لنْفِي الْمَعَادِ ولكن كان شَاكّاً فيه، والشاكُّ في الْمَعَادِ كافرٌ.
الكهف 18:36
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ ؛ أي دخلَ الكافرُ بستانَهُ وهو ظالِم لنفسهِ بالكفر وتركِ الشُّكرِ ؛ ﴿قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـاذِهِ أَبَداً﴾ ؛ أي ما أظنُّ أن تَفْنَى هذه أبداً. قال المفسِّرون : أخذ بيد أخيهِ المسلم فأدخلَهُ جنَّته، وطافَ به فيها، وأراهُ إياها وجعلَ يعجبه منها، ويقولُ ما أظنُّ أنْ تَفْنَى هذه أبداً، ﴿وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ ؛ أنكرَ البعثَ والثواب والعقابَ، وأخبرَ أخاهُ بكفرهِ وإنكاره للقيامةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾ ؛ يعني لَئِنْ كان البعثُ حقّاً، ورُدِدْتُ إلَى ربي على زعمِكَ لأجدنَّ في الآخرةِ خيراً منها مرجِعاً ومنْزِلاً، ولَم يعني اللهُ هذه في الدُّنيا إلاّ ولي عنده أفضلُ منها لكرامتِي عليه، فمعناه الجنَّتين التي تقدَّم ذِكرُهما، وفي هذا بيانُ أن هذا الكافرَ لَم يكن قاطعاً لنْفِي الْمَعَادِ ولكن كان شَاكّاً فيه، والشاكُّ في الْمَعَادِ كافرٌ.
الكهف 18:37
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ ؛ أي أجابَهُ صاحبه المسلمُ مُنكراً بما قالَ وهو يخاطبهُ :﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ﴾ ؛ أي بالذي خلقَ أصْلَكَ من ترابٍ ؛ ﴿ثُمَّ﴾ ؛ خَلَقَكَ ؛ ﴿مِن نُّطْفَةٍ﴾ ؛ أبيْكَ ؛ ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ ؛ أي أكْمَلكَ وجعلَكَ معتدلَ الخلقِ والقامَة، وجعلكَ بشراً سويّاً.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّاكِنَّاْ هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ؛ معناهُ : أمَّا أنا فلا أكفرُ بربي، لكن هو اللهُ ربي ؛ تقديرهُ : لَكِنْ أنَا هو اللهُ ربي، وَقِيْلَ : فيه تقديمٌ وتأخير تقديرهُ : لكنَّ اللهَ هو ربي ؛ أعلَمَ بذلك أخاهُ الكافر بأنه مُوَحِّدٌ مسلمٌ.
ومن قرأ :(لَّكِنَّا) فالمعنى لكِنْ أنا ؛ إلاَّ أنهُ حُذفت الهمزةُ، وأُبقيت حركتها على السَّاكن الذي قبلَها، فالتقى نُونانِ فأُدغمت إحداهُما في الأُخرى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ ؛ ظاهرُ المرادِ.
الكهف 18:38
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ ؛ أي أجابَهُ صاحبه المسلمُ مُنكراً بما قالَ وهو يخاطبهُ :﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ﴾ ؛ أي بالذي خلقَ أصْلَكَ من ترابٍ ؛ ﴿ثُمَّ﴾ ؛ خَلَقَكَ ؛ ﴿مِن نُّطْفَةٍ﴾ ؛ أبيْكَ ؛ ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ ؛ أي أكْمَلكَ وجعلَكَ معتدلَ الخلقِ والقامَة، وجعلكَ بشراً سويّاً.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّاكِنَّاْ هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ؛ معناهُ : أمَّا أنا فلا أكفرُ بربي، لكن هو اللهُ ربي ؛ تقديرهُ : لَكِنْ أنَا هو اللهُ ربي، وَقِيْلَ : فيه تقديمٌ وتأخير تقديرهُ : لكنَّ اللهَ هو ربي ؛ أعلَمَ بذلك أخاهُ الكافر بأنه مُوَحِّدٌ مسلمٌ.
ومن قرأ :(لَّكِنَّا) فالمعنى لكِنْ أنا ؛ إلاَّ أنهُ حُذفت الهمزةُ، وأُبقيت حركتها على السَّاكن الذي قبلَها، فالتقى نُونانِ فأُدغمت إحداهُما في الأُخرى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ ؛ ظاهرُ المرادِ.
الكهف 18:39
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ ؛ معناه : أنَّ المسلمَ قال للكافرِ : هَلاَّ قُلْتَ حين دخلتَ ما شاءَ اللهُ! أي الأمرُ بمشيئة اللهِ، وما شاءَ اللهُ كانَ يعني إنَّ شاءَ اللهُ خرابَ هذه الجنَّة وإهلاكَها كان ذلك بمشيئة الله، ﴿لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ ؛ أي لا يَقْوَى أحدٌ على ما في يدهِ من مُلْكٍ ونعمة إلاّ باللهِ، ولا يكون له ما شاءَ الله، ولا قوةَ في بدنهِ ومُلْكِهِ إلاّ باللهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ ؛ معناهُ : أن المسلمَ قال للكافرِ : إن كنتُ أنا أقلَّ منك مالاً وعشيرةً فأنا راضٍ بما قُسِمَ لِي، قَوْلُهُ تَعَالَى :(أقَلَّ) منصوبٌ ؛ لأنه مفعولُ (تَرَنِي). وَقَوْلُهُ تَعَالَى :(أنَا) عمادٌ، ومَن قرأ (أقَلُّ) بالرفع فعلَى معنى (أنَا) مبتدأ و(أقَلُّ) خبرٌ في موضعِ المفعول.
الكهف 18:40
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فعسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ﴾ ؛ أي لعلَّ الله يؤتيَنِي في دار البقاء بُستاناً خيراً من بستانِكَ في الدُّنيا، ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا﴾ ؛ على بستانِكَ ؛ ﴿حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَآءِ﴾ ؛ أي ناراً مِن السَّماء فتُحرِقها، وسُمِّي العذابُ حُسْبَاناً على معنى أنه يرسل عليها بحساب ما كسبت يدك.
وقال النضرُ بن شميل :(الْحُسْبَانُ الْمَرَامِي) أي يرسلُ عليها مَرَامِي عذابهِ إما بردٌ، وإما حجارةٌ وغيرهما بما شاء مِن أنواعِ العذاب، ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ ؛ أي أرْضاً ملساءَ لا نباتَ عليها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً﴾ ؛ أي غَائِراً في الأرضِ يعني النهرَ الذي في خلالِها، ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾ ؛ أي لا يَبْقَى لهُ أثرٌ يطلبهُ بوجهٍ من الوجوه، لا تنالهُ الأيدي ولا الأرشيةَ.
الكهف 18:41
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فعسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ﴾ ؛ أي لعلَّ الله يؤتيَنِي في دار البقاء بُستاناً خيراً من بستانِكَ في الدُّنيا، ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا﴾ ؛ على بستانِكَ ؛ ﴿حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَآءِ﴾ ؛ أي ناراً مِن السَّماء فتُحرِقها، وسُمِّي العذابُ حُسْبَاناً على معنى أنه يرسل عليها بحساب ما كسبت يدك.
وقال النضرُ بن شميل :(الْحُسْبَانُ الْمَرَامِي) أي يرسلُ عليها مَرَامِي عذابهِ إما بردٌ، وإما حجارةٌ وغيرهما بما شاء مِن أنواعِ العذاب، ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ ؛ أي أرْضاً ملساءَ لا نباتَ عليها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً﴾ ؛ أي غَائِراً في الأرضِ يعني النهرَ الذي في خلالِها، ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾ ؛ أي لا يَبْقَى لهُ أثرٌ يطلبهُ بوجهٍ من الوجوه، لا تنالهُ الأيدي ولا الأرشيةَ.
الكهف 18:42
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ ؛ أي هَلَكَ مالهُ وبستانه، يقالُ : أُحِيْطَ القومُ إذا هَلَكْوا، ﴿فَأَصْبَحَ﴾ ؛ الكافرُ، ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ؛ أي يضربُ بإحْدَى يديهِ على الأخرى، وتقليبُ الكفَّين يفعلهُ النادمُ كثيراً، وصارَ عبارةً عن النَّدَمِ، ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا﴾ ؛ أي في جنَّته، ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ؛ أي ساقطةٌ على سقوفِها ؛ ﴿وَيَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ ؛ فَنَدِمَ حيث لا ينفعهُ الندم، ولَم يكن تندُّمه على إشراكهِ إيْماناً منهُ ؛ لأنه لَم يَقُلْهُ تحقيقاً للتَّوبة، ولكن كان يتأسفُ على هلاكِ مالهِ.
الكهف 18:43
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ أي لَم تَنْصُرْهُ الفئةُ الذين افتخرَ بهم في قولهِ﴿وَأَعَزُّ نَفَراً﴾[الكهف: ٣٤] ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً﴾ ؛ بأن استَرَدَّ بدلَ ما ذهبَ منه.
الكهف 18:44
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُنَالِكَ الْوَلاَيَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ ؛ في ذلك الموطنِ عَلِمَ الكافرُ أن الوَلاَيَةَ بالنصرِ لله الحقِّ، فهو الذي يَملكُ النصرَ، هذا معنى قراءةِ (الوِلاَيَةُ) بخفضِ الواو، وأما (الْوَلاَيَةُ) بفتحِ الواو فهو نقيضُ العداوةِ، وَقِيْلَ : إن معنى قراءةِ (الْوِلاَيَةُ) بالكسرِ : الإمارةُ والسُّلطانُ، يعني في يومِ القيامة الولايةُ لله. ومن قرأ بفتحِها فهو مِن الْمُوَالاَةِ كقولهِ تعالى﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾[البقرة: ٢٥٧] يعني : إنَّهم يؤمنونَ بالله يومئذٍ، ويتبرَّءُون مما كانوا يعبدونَ من دونِ الله. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :(الْحَقِّ) مَن قرأ بالكسرِ فهو نعتٌ لله، وَمن رفعَهُ فهو نعتٌ للولايةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً﴾ ؛ أي خيرُ مَن أثابَ وجازى على العملِ ؛ ﴿وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ ؛ أي خيرُ مَن أعقبَ عاقبةً، وَقِيْلَ : عاقبةُ طاعتهِ خيرٌ من عاقبةِ غيره. قال ابنُ عبَّاس :(هَذانِ الرَّجُلاَنِ ذكَرَهُمَا اللهُ فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إن﴿لِي قَرِينٌ﴾[الصافات: ٥١] إلَى قولهِ تعالَى﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ الْجَحِيمِ﴾[الصافات: ٥٥].
الكهف 18:45
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ﴾ ؛ أي اضرِبْ يا مُحَمَّدُ لِهؤلاء المتكبرين المترَفين مِن قومِكَ الذين سألوكَ طردَ فقراءِ المؤمنين صفةَ الحياة الدُّنيا في بقائها وفنائِها ؛ كَمَاءٍ أنزَلْنَاهُ ﴿مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ﴾ ؛ فَنَجَعَ في النَّباتِ حتى خالَطَهُ، وأخذ النباتُ زُخْرُفَهُ فصار أجناساً مختلفةً بعضُها مخلَّطٌ ببعضٍ ؛ ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ ؛ متفتِّتاً، والهشيمُ ما تَكَسَّرَ وَانْحَطَمَ، ثم فرَّقتْهُ الرياحُ، وطارت به كما يطيرُ بأشياءٍ خفيفة فلا يبقَى له أثرٌ، كذلك الدُّنيا يفنى منها كلُّ شيء كما لا يبقَى من الهشيمِ شيءٌ ؛ ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً﴾ ؛ أي لَم يزل قادراً على خَلْقِ الأشياء. قالتِ الحكماءُ : شبَّهَ اللهُ الدنيا بالماءِ ؛ لأن الماءَ لا يستقرُّ في موضعٍ، كذلك الدُّنيا لا تُبقِي على أحدٍ.
الكهف 18:46
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ؛ أي مما ينتفعُ به في الدُّنيا لا في الآخرةِ ؛ ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ قِيْلَ : إنَّها الصلواتُ الخمسُ، وَقِيْلَ : جميعُ الطاعاتِ. وسُمِّيت الباقياتُ لبقاء ثوابها للإنسانِ، بخلاف الأموالِ والأولاد التي لا تبقَى.
وقال ابنُ عبَّاس وعكرمةُ ومجاهد :(هِيَ قَوْلُ الْعَبْدِ : سُبْحَانَ اللهِ ؛ وَالْحَمْدُ للهِ ؛ وَلاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ؛ وَاللهُ أكْبَرُ). يدلُ عليه ما رُويَ عن أبي الدَّرداءِ :" أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أخَذ غُصْناً فحرَّكَهُ حتى سقطَ ورَقهُ، فقالَ :" إنَّ الْمُسْلِمَ إذا قَالَ : سُبْحَانَ اللهِ ؛ وَالْحَمْدُ للهِ ؛ وَلاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ؛ وَاللهُ أكْبَرُ، تَحَاتَّتْ خَطَايَاهُ كَمَا تَحَاتَّ هَذا، خُذْهُنَّ إلَيْكَ يَا أبَا الدَّرْدَاءِ قَبْلَ أنْ يُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُنَّ، فإنَّهنَّ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ وَهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ".
وعن أنسٍ رضي الله عنه : أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ :" خُذُوا حَسْبَكُمْ مِنَ النَّارِ، قُولُوا : سُبْحَانَ اللهِ ؛ وَالْحَمْدُ للهِ وَلاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ؛ وَاللهُ أكْبَرُ ؛ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ باللهِ، فَإنَّهُنَّ الْمُقَدِّمَاتُ ؛ وَهُنْ الْمُنْجِيَاتُ ؛ وَهُنَّ الْمُعَقِّبَاتُ ؛ وَهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ". وقال عثمانُ بن عفَّان وابنُ عمرَ وسعيدُ بن المسيَّب :(هُنَّ : سُبْحَانَ اللهِ ؛ وَالْحَمْدُ للهِ ؛ وَلاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ؛ وَاللهُ أكْبَرُ ؛ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ باللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيْمِ).
وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ قالَ : قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" " اسْتَكْثِرُواْ مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ " قِيْلَ : مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ :" التَّكْبيْرُ ؛ وَالتَّهْلِيْلُ ؛ وَالتَّسْبيْحُ ؛ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ باللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيْمِ ". وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ : قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" إنْ عَجْزْتُمْ عَنِ اللَّيْلِ أنْ تُكَابدُوهُ، وَعَنِ الْعَدُوِّ أنْ تُجَاهِدُوهُ، فَلاَ تَعْجَزُواْ عَنْ قَوْلِ : سُبْحَانَ اللهِ ؛ وَالْحَمْدُ للهِ ؛ وَلاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ؛ وَاللهُ أكْبَرُ. فإنَّهَا مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ ".
وَقِيْلَ : هِيَ كلُّ عملٍ صالح يُثاب عليه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ أي أفضلُ ثواباً، وأفضلُ أملاً من المالِ والبنين.
الكهف 18:47
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً﴾ ؛ أي واذكر يومَ نُسَيِّرُ الجبالَ، ويجوزُ أن يكونَ المعنى وخيرٌ أمَلاً يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ، وتَسَيُّرُ الجبالِ وتسييرُها : قلعُها، فإنَّ الله تعالى يقلعها عن وجهِ الأرضِ يومئذٍ، فيسيِّرُها في الهوَاء، كما يسيِّرُ السحابَ في الدُّنيا، ثم يَجْعلُها هباءً منثوراً فتهودُ في الأرضِ حتى لا يبقَى شيءٌ، ولذلك قالَ تعالَى ﴿وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً﴾ أي ظاهرةً مستويةً لا يسترُ شيءٌ شيئاً، ولو كان يبقَى شيءٌ من الجبالِ والأشجار والنبات لَم تكن الأرضُ بارزةً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ ؛ يعني المؤمنينَ والكافرين، أي بعثناهُم من قبورِهم، ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ ؛ أي لَم نترُكْ منهم أحداً في قبرهِ نسياناً ولا غفلةً.
الكهف 18:48
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفَّاً﴾ ؛ أي معناهُ : ان الناسَ كلَّهم يعرضون على اللهِ تعالى مصفُوفِين، كلُّ زُمرةٍ وأمَّة صَفٌّ، فيكونون صَفّاً بعد صفٍّ كصفوفِ الصلاة إلاَ أنَّهم صفٌّ واحد.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ؛ أي أعدنَاكم كما خلقنَاكم أوَّلَ مرة. وقال ابنُ عبَّاس : معناه (حُفَاةٌ عُرَاةٌ لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ مِمَّ اكْتَسَبُوهُ فِي الدُّنْيَا كَمَا فِي أوَّلِ الْخَلْقِ).
قال ﷺ :" يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قٌُبُورِهِمْ حُفَاةٌ عُرَاةٌ غُرْلاً " فَقَالَتْ عَائِشَةُ : وَاسَوْأتَاهُ يَا رَسُولَ اللهِ! أمَا يَسْتَحْيي بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ؟ فَقَالَ ﷺ :" لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيْهِ ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً﴾ ؛ أي بل زعمتُم في الدُّنيا أن لن نجعلَ لكُم أجَلاً للبعثِ، وهذا خطابٌ لِمنكري البعثِ خاصَّة.
الكهف 18:49
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ ؛ أي كتابُ كلِّ إنسانٍ في يده، بعضُهم في اليمينِ وبعضُهم الشِّمالِ، ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾ ؛ أي المذنبينَ وهم المشركونَ ؛ ﴿مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ ؛ أي خائفينَ مما في الكتاب، يَدْعُونَ على أنفسِهم بالويلِ والثُّبور ؛ ﴿وَيَقُولُونَ ياوَيْلَتَنَا مَالِ هَـاذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(الصَّغِيْرَةُ التَّبَسُّمُ، وَالْكَبيْرَةُ الضَّحِكُ). وقال ابنُ جُبيرٍ :(الصَّغِيْرَةُ الْمَسِيْسُ وَالتَّقْبيْلُ، وَالْكَبيْرَةُ الزِّنَا). والمعنى لا يتركُ صغيرةً ولا كبيرة من أعمالِنا إلاَّ أثبتَها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً﴾ ؛ أي وجدُوا جُزْءَ ما عملُوا مكتوباً مثبَّتاً في الكتاب، ﴿وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ ؛ أي لا ينقصُ من حسناتِ أحدٍ، ولا يزيدُ في سيِّئات أحدٍ، ولا يعاقبُ بغير جُرْمٍ. وروي أنَّ الفضيلَ بن عيَاضٍ كان إذا قرأ هذه الآيةَ قال :(صَحَوا واللهِ مِنَ الصِّغَارِ قَبْلَ الْكِبَارِ).
الكهف 18:50
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ﴾ ؛ قد تقدَّم تفسيرهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ ؛ تقدَّم أيضاً، الخلافُ في أنه من الملائكةِ أم من الجنِّ، بَنِي الجانِ، والصحيحُ أنهُ من بَنِي الجانِّ جنسٌ غير جنسِ الملائكة ؛ لأنَّ الملائكةَ رُسُلُ اللهِ، ولا يجوزُ على رسولِ مِن رُسُلِ اللهِ أن يكفرَ، ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ ؛ أي خرجَ عن طاعةِ ربهِ، وَقِيْلَ : ردَّ أمرَ ربهِ، ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي﴾ ؛ هذا استفهامٌ بمعنى الإنكارِ، يقولُ : كيفَ تطيعونَهُ وقد فَسَقَ، ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ ؛ وهو اليومُ عدوٌّ لكم، ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ ؛ ما استبدلَ الظَّالِمون عن رب العزَّة إبليسَ لَعَنَهُ اللهُ حيث تركوا طاعةَ مَن خَلَقَهم، وأنعمَ عليهم، ويجازيهم جنةَ الْخُلْدِ، وأطاعوا مَن يؤدِّيهم إلى العقاب الدائم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَذُرِّيَّتَهُ﴾. قال قتادةُ والحسن :(يَعْنِي أوْلاَدَ إبْلِيْسَ ؛ وَهُمْ يَتَوَالَدُونَ، كَمَا يَتَوَالَدُ بَنُو آدَمَ)، قال مجاهدُ :(فَمِنْ ذُرِّيَّةِ إبْلِيْسَ وَلْهَانُ ؛ وَهُوَ صَاحِبُ الطَّهَارَةِ وَالصَّلاَةِ، وَزَلْيَِنُورُ صَاحِبُ رَايَةِ إبْليْسَ لِكُلِّ سُوقٍ، وَدِثِّيْرُ صَاحِبُ الْمَصَائِب يَأْمُرُ بضَرْب الْوَجْهِ وَالدُّعَاءِ بالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ وَغَيْرِ ذلِكَ، وَالأَعْوَرُ وَهُوَ صَاحِبُ أبْوَاب الزِّيَادَةِ، وَمَنْيُوطُ وَهُوَ صَاحِبُ الأَخْبَارِ يَأْتِي بهَا فَيُلْقِيَهَا فِي أفْوَاهِ النَّاسِ فَلاَ يُوجَدُ لَهَا أصْلٌ، وَدَاسِمُ هُوَ الَّذِي إذا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَلَمْ يُسَلِّمْ وَلَمْ يَذْكِرِ اسْمَ اللهِ ضَرَّهُ فِي الْمَتَاعِ مَا لَمْ يُرْفَعُ وَلَمْ يُوضَعْ فِي مَوْضِعِهِ، وَإذا أكَلَ وَلَمْ يَذْكِرِ اسْمَ اللهِ أكَلَ مَعَهُ. وَمِنْ أوْلاَدِ إبْلِيْسَ الْهَفَّافُ وَمُرَّةُ، وَبهِ كَانَ يُكْنَى أبَا مُرَّةَ). وقال ابنُ زيدٍ :(إنَّ إبْلِيْسَ أبُو الْْجِنِّ، كَمَا أنَّ آدَمَ أبُو الإنْسِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى لإبْلِيْسَ : إنِّي لاَ أخْلُقُ لآدَمَ ذُرِّيَّةً إلاَّ جَعَلْتُ لَكَ مِثْلَهَا، فَلَيْسَ مِنْ وَلَدِ آدَمَ أحَدٌ إلاَّ بشَيْطَانٍ قُرِنَ بهِ).
الكهف 18:51
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ ؛ يعني إبليسَ وذريَّته، والمعنى : ما اطْلَعْتُهُمْ على خلقِ السَّموات والأرضِ، ولا أحضرتُهم، ولَم يكونوا موجودينَ يوم خَلَقْتُ السَّمواتِ والأرض، ولا أشهدتُ بعضَهم خلقَ بعضٍ، ولا أعطيتُهم العلمَ وكيفيَّة خلقِ الأشياء، ولو كنتُ مِمن يستعينُ بأحدٍ لما أستعنتُ بالمضِلِّين، فكيفَ والاستعانةُ عليَّ مستحيلةٌ إذا أردتُ خلقَ شيء كانَ. والمعنى أنَّكم اتبعتُم الشيطانَ، كاتِّباع مَن يكونُ عنده عِلمُ باطن الأشياءِ، وأنا ما أشهدتُهم خلقَ السَّموات والأرضِ ولا خلقَ أنفُسِهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ ؛ أي ما كنتُ مُتَّخِذ الشياطينِ الذين يُضِلُونَ الناسَ أعواناً يعضِدُونني. ومَن قرأ (وَمَا كُنْتَ) بالفتحِ، فالمعنى : وما كنتَ يا مُحَمَّدُ لِتَتَّخِذ المضلِّين أنصاراً.
الكهف 18:52
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ ؛ معناهُ : يومَ القيامةِ يقولُ الله للمشركين : نَادُوا شُرَكَائِي الَذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم شُركاؤهم للأصنامِ والشياطين وذريَّته ؛ ليدفعُوا عنكم العذابَ، ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً﴾ ؛ أي جعلنا بينَ العابدِ والمعبود من العذاب ما يُوبقُهُمْ ؛ أي ما يُهِلِكُهم، وَقِيْلَ : معناهُ : وجعلنا بينَهم وبين المؤمنين ؛ أي بين أهلِ الْهُوى وأهلِ الضَّلالة مَوْبقاً.
قال عبدُالله بنُ عمرَ :(هُوَ وَادٍ فِي جَنَهَّمَ مِنَ الصَّدِيْدِ وَالْقَيْحِ وَالدَّمِ، يُفَرِّقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهِ وَمَنْ سِوَاهُمْ). وقال عكرمةُ :(هُوَ نَهْرٌ مِنَ النَّارِ يَسِيْلُ نَاراً، عَلَى حَافَّتَيْهِ حَيَّاتٌ مِثْلَ الْبغَالِ). وقال الضحَّاكُ :(مَعْنَاهُ : وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَهْلِكاً)، وقال الحسنُ :(عَدَاوَةً)، ويقالُ : أوْبَقَهُ اللهُ ؛ أي أهْلَكَهُ، وَوَبقَ أي هَلَكَ. قرأ حمزةُ (وَيَوْمَ نَقُولُ) بالنُّونِ.
الكهف 18:53
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا﴾ ؛ أي ورأى المشركونَ النارَ مسيرةَ أربعين سنةٍ، وايقنُوا أنَّهم داخلُوها، ﴿وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً﴾ ؛ مَعْدِلاً يعدلون إليه، لأنَّها أحاطَتْ بهم من كلِّ جانب، والمواقعةُ مُلاَمَسَةُ الشَّيءِ بشدَّةٍ، ومنه وقائعُ الحروب.
الكهف 18:54
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـاذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ ؛ أي بَيَّنَّا لَهم من كلِّ مثَلٍ يحتاجون إليه في أمرِ دينهم، ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ﴾ ؛ أي الكافرُ، ﴿أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ ؛ في تكذيب الرُّسل، وما جاءُوا به من الآياتِ. قِيْل : َ أرادَ بالإنسانِ النضرِ بنِ الحارثِ وجدالَهُ في القُرْآنِ. وقال الكلِبيُّ :(يَعْنِي أُبَي بْنَ خَلَفٍ) ويقالُ : معناه : ما ليسَ بشيءٍ مِن الملائكة والجنِّ والشياطينِ، وسائرِ الأصناف أجدَلُ من الإنسانِ. وعن رسولِ الله ﷺ قالَ :" مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدىً كاَنُواْ عَلَيْهِ إلاَّ أُعْطُواْ الْجَدَلَ ".
الكهف 18:55
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً﴾ ؛ أي ما منعَ أهلُ مكة أن يُمِنوا ﴿إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى﴾ يعني مُحَمَّداً ﷺ جاءَهم مِن اللهِ بالرَّشَادِ، ﴿وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ﴾ أي يتوبُوا من الكفرِ، ما منعَهم من ذلك إلاّ طلبُ أن يأتيَهم سُنَّةُ الأَوَّلِيْنَ ؛ وهو أنَّهم إذا لَم يؤمنوا جاءَهم العذابُ مِن حيث لا يشعرونَ، أو مقابلةً من حيث يَرَوْنَ. وهذه الآيةُ فِيمَنْ قُتِلَ من المشركين ببَدْرٍ وأُحُدٍ ؛ وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً﴾ أي عَيَاناً مقابلةً. وقرأ أهلُ الكوفة (قُبُلاً) بضمِّ القافِ والباء، جمعُ قَبيْلٍ ؛ أي صنوفٍ من العذاب، وضُروبٍ منه مختلفةٍ.
الكهف 18:56
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى، ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالْبَاطِلِ﴾ ؛ أي يخاصِمُ الذين كفرُوا بالكتاب والرُّسل بالحجَّة الباطلةِ، ﴿لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ﴾ ؛ أي ليُبْطِلُوا بها الإسلامَ القُرْآنَ. قال ابنُ عبَّاس :(يَعْنِي الْمُسْتَهْزِئِيْنَ وَالْمُقْتَسِمِيْنَ وَأتْبَاعَهُمْ)، يقالُ : دُحِضَتْ حُجَّتُهُ إذا بَطَلَتْ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاتَّخَذُواْ ءَايَاتِي وَمَآ أُنْذِرُواْ هُزُواً﴾ ؛ أي اتَّخذُوا القُرْآنَ وما خوِّفوا به مِن النار يومَ القيامة هُزُواً.
الكهف 18:57
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ ؛ أي ليسَ أحدٌ أظلمَ ممن وَعِظَ بالقُرْآنِ، وما فيه مِن الوعيدِ، ﴿فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ ؛ أي تَهاون بها ولَم يتفكَّرْ فيها. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ ؛ أي ونَسِيَ ذِكْرَ ما عملت يداهُ وتغافلَ عن ذكرهِ، ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ﴾ ؛ أي أغْطِيَةً ؛ لئلاَّ يفَقَهُوا الْهُدَى، وَجعلنا ﴿وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْراً﴾ ؛ لئَلاَّ يستَمِعوا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُواْ إِذاً أَبَداً﴾ ؛ أي إن تَدْعُهُمْ إلى الْقُرْآنِ وإلى الرحمةِ وإلى الإيْمَانِ فلن يهتدُوا، أخبرَ اللهُ أن هؤلاءِ طَبَعَ اللهُ على قلوبهم.
الكهف 18:58
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ ؛ أي الغافرُ السَّاتِرُ على عبادهِ، والرحمةُ حين لا يُعَجِّلُهُمْ بالعقوبةِ، ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُم﴾ بعقاب، ﴿بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ ؛ في الحالِ ؛ ﴿بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ﴾ ؛ أي لعذابهم أجْلٌ ضَرَبَهُ اللهُ، ﴿لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً﴾ ؛ أي مَلْجَأْ وَمَنْجاً.
الكهف 18:59
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ﴾ ؛ أي القُرَى الماضية، قُرى عَادٍ وثَمود لَمَّا أشركوا، والمرادُ أهلُ القرى، ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً﴾ ؛ أي لوقتِ إهلاكهم أجَلاً.
الكهف 18:60
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ ؛ أي وَاذْكُرْ إذ قالَ موسى لفتاهُ يوشعَ بنَ نونِ، قال ابنُ عبَّاس :(وقصَّةُ ذلكَ : أن موسى عليه السلام قامَ خطيباً في بنِي إسرائيلَ، فسُئِلَ أيُّ الناسِ أعلمُ ؟ فقال : أنَا فبعثَ اللهُ عليه فقالَ : إن لِي عبداً بمجمع البحرينِ هو أعلمُ منكَ، قال موسى : يا رب كيفَ لِي بهِ، يا رب دُلَّنِي عليه.
فقال : تأخذُ معكَ حُوتاً وتَمضي إلى شَاطِئ البحرِ، فحيث ما فقدتَ الحوتَ فهو ثَمَّ، فأخذ حوتاً من السَّمكِ، وجعلهُ في مكتلٍ وانطلقَ معه بفتاهُ يوشعَ بن نون إلى شاطئ البحرِ، فأَوَيَا إلى صخرةٍ عندَها ماءً يسمى ماءُ عينِ الحياة، فجلسَ يوشعُ يتوضَّأُ من تلكَ العينِ، فانتضحَ من ذلك الماءِ على الحوتِ فحَييَ، فوثبَ في الماءِ، وَاتَّخَذ سَبيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً ؛ أي اتخذ الحوتُ طريقاً في البحرِ مسْلَكاً يَابساً).
وَقِيْلَ : معنى قولهِ (سَرَباً) أي ذاهِباً، فقامَ يوشعُ حين رأى ذلك مِن الحوت، وذهبَ إلى موسى ليخبرَهُ بذلكَ، وذهبَا يومَهُما ذلكَ حتى صلَّيا الظهرَ مِن الغدِ، فتَعِبَ موسى، فقَالَ لِفَتَاهُ : آتِنَا غَدَاءَنَا لَقْدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذا نَصَباً ؛ أي تَعَباً.
ومعنى الآية : وإذ قالَ موسى لفتاهُ لا أزالُ أمضِي حتى أبلُغَ مجمع البحرين الموضعَ الذي يلتقِي فيه بحرُ فارسَ والرومِ أو أمضِيَ سنينَ كثيرة، والْحُقَبُ جمعُ أحْقَابٍ، والأحقابُ جمع الحِقْبِ، والْحِقْبُ ثَمَانُونَ سنةً، وَقِيْلَ : سبعونَ سنةً بلُغة قريشٍ، وسُمي يوشعُ فَتَاهُ ؛ لأنه كان يخدمهُ ويلازمهُ في الْحَضَرِ والسَّفرِ للتعلُّم منه.
الكهف 18:61
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ أي الموضعَ الذي يجتمعُ فيه ماء البحرينِ نَسِيَ صاحبُ موسى أن يخبرَهُ بخبرِ الحوت. قال المفسِّرون : وكان حُوتاً في زَنْبيْلٍ، وكانا يأكُلانِ منه عندَ الغدَاءِ والعشاءِ، فلما أتَيَا إلى الصخرةِ على ساحلِ البحر وضعَ فتاهُ الزنبيلَ فأصابَ الحوتَ من الماءِ الذي ذكرناهُ شيءٌ فتحرَّكَ في الزنبيلِ فانسربَ في البحرِ، قد قيلَ لِموسى : تزوَّدْ معكَ حُوتاً مالِحاً فحيثُ تفقدُ الحوتَ فهناك تجدُ الرجلَ العالِمَ.
فلما انتهيَا إلى الصخرةِ، قال موسَى لفتاهُ : امْكُثْ هنا، وانطلقَ لحاجتهِ فحرى الحوتُ في البحرِ، فقال فتاهُ : إذا جاء نبيُّ اللهِ أخبرتهُ بذلكَ، فأنساهُ الشيطان، فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ ؛ وإنَّما نَسِيَ يوشعُ أن يذكرَ قصَّتَهُ لِموسى، وأضافَ النسيانَ إليهما توسُّعاً لأنَّهما تزوَّدا، فصارَ كما يقالُ : نسيَ القومُ زادَهم، وإنَّما نسيَهُ أحدُهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً﴾ ؛ أي جعلَ الحوتُ يضرِبُ بذنبهِ في البحرِ فلا يضربُ شيئاً وهو ذاهبٌ إلاّ يَبسَ موضعهُ كهيأة السَّرَب. قال قتادةُ :(جَعَلَ لاَ يَسْلِكَ فِيهِ طَرِيْقاً إلاَّ صَارَ الْمَاءُ جَامِداً)، وقال الربيعُ :(انْجَابَ الْمَاءُ عَلَى مَسْلَكِ الْحُوتِ فِي الْمَاءِ فَصَارَ كُوَّةً لَمْ يَلْتَمَّ).
والسَّرْبُ في اللُّغة : الْمَحْفُورُ في الأرضِ، وعن أُبَيِّ بنِ كعبٍ قالَ : قال رسولُ اللهِ ﷺ :" انْجَابَ الْمَاءُ عَنْ مَسْلَكِ الْحُوتِ، فَصَارَ كُوَّةً لَمْ يَلْتَمَّ، فَدَخَلَ مُوسَى الْكُوَّةَ عَلَى إثرِ الْحُوتِ، فَإذا بالْخَضِرِ ". وَقَالَ ابنُ عبَّاس :(جَعَلَ الْحُوتُ لاَ يَمَسُّ شَيْئاً مِنَ الْمَاءِ إلاَّ يَبسَ حَتَّى صَارَ صَخْرَةً).
الكهف 18:62
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَآءَنَا﴾ ؛ أي لَمَّا جاوزَ بين البحرينِ، قال موسَى ليوشع : آتِنَا بما نتغدَّى بهِ، ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـاذَا نَصَباً﴾ ؛ أي تَعَباً ومَشَقَّةً، فلما قال لهُ موسى ذلكَ ؛ تَذكَّرَ قصَّة الحوتِ ؛ فـ ﴿قَالَ﴾ ؛ له :﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ ؛ عند رأسِ البحر ؛ ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ ؛ ما رأيتُ هناكَ من أمرِ الحوت أنْ أذكرَهُ لك يا نبيَّ اللهِ ﴿وَمَآ أَنْسَانِيهُ﴾ ؛ أي وما شَغَلَنِي عن ذكرهِ لكَ، ﴿إِلاَّ﴾، وَسْوَسَةُ، ﴿الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾، الحوتُ، ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾ ؛ أي شيئاً عَجَباً وهو أن الماءَ إنْجَابَ عنهُ، وبقيَ كالكوَّةِ لَم يَلْتَمَّ.
الكهف 18:63
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَآءَنَا﴾ ؛ أي لَمَّا جاوزَ بين البحرينِ، قال موسَى ليوشع : آتِنَا بما نتغدَّى بهِ، ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـاذَا نَصَباً﴾ ؛ أي تَعَباً ومَشَقَّةً، فلما قال لهُ موسى ذلكَ ؛ تَذكَّرَ قصَّة الحوتِ ؛ فـ ﴿قَالَ﴾ ؛ له :﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ ؛ عند رأسِ البحر ؛ ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ ؛ ما رأيتُ هناكَ من أمرِ الحوت أنْ أذكرَهُ لك يا نبيَّ اللهِ ﴿وَمَآ أَنْسَانِيهُ﴾ ؛ أي وما شَغَلَنِي عن ذكرهِ لكَ، ﴿إِلاَّ﴾، وَسْوَسَةُ، ﴿الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾، الحوتُ، ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾ ؛ أي شيئاً عَجَباً وهو أن الماءَ إنْجَابَ عنهُ، وبقيَ كالكوَّةِ لَم يَلْتَمَّ.
الكهف 18:64
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ ؛ أي قال موسَى : ذلكَ الذي كُنَّا نطلبُ دلالةً لنا مِن اللهِ تعالى على موضعِ الْخَضِرِ ومرتدَّة من العلامةِ، ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً﴾ ؛ أي رَجَعَا وعادَا في الطريقِ الذي جاءَ منه يقُصَّانِ آثارَهما قَصَصاً، والقَصُّ اتِّباعُ الأثرِ، ومنهُ قوله﴿قُصِّيهِ﴾[القصص: ١١].
الكهف 18:65
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ﴾ ؛ وهو الْخَضِرُ. قال ابنُ عبَّاس :(وَذلِكَ أنَّهُمَا لَمَّا انْتَهَيَا إلَى الصَّخْرَةِ جَعَلَ يُوشُعُ يُرِي مُوسَى مَكَانَ الْحُوتِ وَأثَرَهُ فِي الْمَاءِ، وَكَانَ مُوسَى يَتَعَجَّبُ مِنْ ذلِكَ إذ وَقَعَ مُوسَى عَلَى رَجُلٍ قَائِمٍ يُصَلِّي، فَانْتَظَرَ حَتَّى فَرَغَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ).
وإنَّما سُمي الْخَضِرُ ؛ لأنَّهُ إذا صلَّى في مكانٍ أخْضَرَّ ما حولهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ ؛ أي أكرَمْناه بالنبوَّةِ، ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً﴾ ببواطنِ الأمُور. قال ابنُ عبَّاس :(أعْطَاهُ عِلْماً مِنْ عِلْمِ الْغَيْب).
الكهف 18:66
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ ؛ أي مِمَّا يهديني إلى الصواب، ويجوزُ أن يكونَ معنى رشداً يُرْشِدُنِي به، والرُّشْدُ والرَّشَدُ لُغتان. قال قتادةُ :(لَوْ كَانَ أحَدٌ مُكْتَفِياً عَنِ الْعِلْمِ لاكْتَفَى نَبيُّ اللهِ مُوسَى عليه السلام، وَلَكِنَّهُ قَالَ : هَلْ أتَّبعُكَ عَلَى أنْ تُعَلِّمَنِي). قال الزجَّاجُ :(فِي فِعْلِ مُوسَى عليه السلام - وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الأَنْبيَاءِ - مِنْ طَلَب الْعِلْمِ وَالرِّحْلَةِ دَلِيْلٌ عَلَى أنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ أنْ يَتْرُكَ طَلَبَ الْعِلْمِ، وَإنْ كَانَ قَدْ بَلَغَ نِهَايَتَهُ، وَأنْ يَتَوَاضَعَ لِمَنْ هُوَ أعْلَمُ مِنْهُ).
الكهف 18:67
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ ؛ أي قال الْخَضِرُ لِموسى : إنَّكَ ترى منِّي شيئاً لا تصبرُ عليه، ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ ؛ ظاهرهُ مُنْكَراً، والأنبياءُ والصالحون لا يصبرونَ على ما يرونَهُ منكراً، ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِراً﴾ ؛ على ما أراهُ منكَ، ﴿وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً﴾ ؛ تأمُرنِي بهِ.
الكهف 18:68
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ ؛ أي قال الْخَضِرُ لِموسى : إنَّكَ ترى منِّي شيئاً لا تصبرُ عليه، ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ ؛ ظاهرهُ مُنْكَراً، والأنبياءُ والصالحون لا يصبرونَ على ما يرونَهُ منكراً، ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِراً﴾ ؛ على ما أراهُ منكَ، ﴿وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً﴾ ؛ تأمُرنِي بهِ.
الكهف 18:69
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ ؛ أي قال الْخَضِرُ لِموسى : إنَّكَ ترى منِّي شيئاً لا تصبرُ عليه، ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ ؛ ظاهرهُ مُنْكَراً، والأنبياءُ والصالحون لا يصبرونَ على ما يرونَهُ منكراً، ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِراً﴾ ؛ على ما أراهُ منكَ، ﴿وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً﴾ ؛ تأمُرنِي بهِ.
الكهف 18:70
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ ؛ أي قال الخضرُ لِموسى فإنْ اتَّبعتَنِي فلا تسألنَّ عن شيءٍ أنكرتَ فعلَهُ، ولا تعجَلْ في المسألةِ عنهُ حتى أُبَيِّنَ لك الوجهَ فيه وأفسرَهُ لك، لأنه قد غابَ علمهُ عنكَ.
الكهف 18:71
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ ؛ أي فمَضَيا حتى إذا رَكِبَا في السفينةِ خَرَقَهَا الخضرُ، وذلك أنَّهما لَمَّا مشَيَا على الساحلِ مرَّت بهما سفينةٌ، فكلَّمُوهم أن يحملوهما بغيرِ أُجرة. قال ابنُ عبَّاس :(فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِيْنَةِ أخَذ الْخَضِرُ بِيَدِهِ فَأْساً، أوْ مِنْقَاراً وَأكَبَّ عَلَى السَّفِيْنَةِ يَخْرِقُهَا، فَقَالَ لَهُ أهْلُ السَّفِيْنَةِ : نَنْشُدُكَ اللهَ أنْ لاَ تَخْرِقَهَا، فَقَالَ لَهُ : يَا عَبْداللهِ لاَ يَحِلُّ لَكَ هَذا، فَإنَّكَ تُغْرِقُهُمْ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ الْخَضِرُ حَتَّى خَرَقَ السَّفِيْنَةَ).
قِيْلَ : إنهُ قَلَعَ لوحين مما يلِي الماءَ، فحشَاهما موسى بثوبهِ و ﴿قَالَ﴾ ؛ منكراً عليهِ :﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ ؛ أي مُنْكَراً، ثم تَنَحَّى موسى فجلسَ، وقالَ : ما أصنعُ في اتِّباع هذا الرجلِ الذي يظلمُ الناسَ؟! كنتُ في بني اسرائيلَ أقرأُ عليهم التوراةَ بُكْرَةً وعشيَّة ويقبَلُون منِّي، فتركتُ ذلكَ وصَحِبْتُ هذا الظالِمَ...
فقال له الخضرُ بعد ما أخرجَ أهلُ السفينةِ متاعهم إلى الساحل : أتدري ما تحدث به نفسك ؟ قال : ما هو ؟ فأخبره بما حدَّث به نفسه، ثُم ﴿قَالَ﴾ ؛ له الخضرُ :﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ ؛ أي لِمَا تركتُ من عهدِك ووصيَّتِك، وَقِيْلَ : أرادَ به النسيانَ الذي هو ضدُّ الذِّكر.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ أي لا تُكلِّفْني مشقَّةً، وعامِلني باليُسْرِ لا بالعسرِ، ولا تضيِّقْ عليَّ في صُحبتِي إياكَ. وأصلُ الرَّهَقِ : الْغَشَيَانُ، يقالُ : رَهَقَ الفارسُ فلاناً إذا غَشِيَهُ فأدركَهُ.
الكهف 18:72
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ ؛ أي فمَضَيا حتى إذا رَكِبَا في السفينةِ خَرَقَهَا الخضرُ، وذلك أنَّهما لَمَّا مشَيَا على الساحلِ مرَّت بهما سفينةٌ، فكلَّمُوهم أن يحملوهما بغيرِ أُجرة. قال ابنُ عبَّاس :(فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِيْنَةِ أخَذ الْخَضِرُ بِيَدِهِ فَأْساً، أوْ مِنْقَاراً وَأكَبَّ عَلَى السَّفِيْنَةِ يَخْرِقُهَا، فَقَالَ لَهُ أهْلُ السَّفِيْنَةِ : نَنْشُدُكَ اللهَ أنْ لاَ تَخْرِقَهَا، فَقَالَ لَهُ : يَا عَبْداللهِ لاَ يَحِلُّ لَكَ هَذا، فَإنَّكَ تُغْرِقُهُمْ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ الْخَضِرُ حَتَّى خَرَقَ السَّفِيْنَةَ).
قِيْلَ : إنهُ قَلَعَ لوحين مما يلِي الماءَ، فحشَاهما موسى بثوبهِ و ﴿قَالَ﴾ ؛ منكراً عليهِ :﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ ؛ أي مُنْكَراً، ثم تَنَحَّى موسى فجلسَ، وقالَ : ما أصنعُ في اتِّباع هذا الرجلِ الذي يظلمُ الناسَ؟! كنتُ في بني اسرائيلَ أقرأُ عليهم التوراةَ بُكْرَةً وعشيَّة ويقبَلُون منِّي، فتركتُ ذلكَ وصَحِبْتُ هذا الظالِمَ...
فقال له الخضرُ بعد ما أخرجَ أهلُ السفينةِ متاعهم إلى الساحل : أتدري ما تحدث به نفسك ؟ قال : ما هو ؟ فأخبره بما حدَّث به نفسه، ثُم ﴿قَالَ﴾ ؛ له الخضرُ :﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ ؛ أي لِمَا تركتُ من عهدِك ووصيَّتِك، وَقِيْلَ : أرادَ به النسيانَ الذي هو ضدُّ الذِّكر.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ أي لا تُكلِّفْني مشقَّةً، وعامِلني باليُسْرِ لا بالعسرِ، ولا تضيِّقْ عليَّ في صُحبتِي إياكَ. وأصلُ الرَّهَقِ : الْغَشَيَانُ، يقالُ : رَهَقَ الفارسُ فلاناً إذا غَشِيَهُ فأدركَهُ.
الكهف 18:73
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ ؛ أي فمَضَيا حتى إذا رَكِبَا في السفينةِ خَرَقَهَا الخضرُ، وذلك أنَّهما لَمَّا مشَيَا على الساحلِ مرَّت بهما سفينةٌ، فكلَّمُوهم أن يحملوهما بغيرِ أُجرة. قال ابنُ عبَّاس :(فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِيْنَةِ أخَذ الْخَضِرُ بِيَدِهِ فَأْساً، أوْ مِنْقَاراً وَأكَبَّ عَلَى السَّفِيْنَةِ يَخْرِقُهَا، فَقَالَ لَهُ أهْلُ السَّفِيْنَةِ : نَنْشُدُكَ اللهَ أنْ لاَ تَخْرِقَهَا، فَقَالَ لَهُ : يَا عَبْداللهِ لاَ يَحِلُّ لَكَ هَذا، فَإنَّكَ تُغْرِقُهُمْ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ الْخَضِرُ حَتَّى خَرَقَ السَّفِيْنَةَ).
قِيْلَ : إنهُ قَلَعَ لوحين مما يلِي الماءَ، فحشَاهما موسى بثوبهِ و ﴿قَالَ﴾ ؛ منكراً عليهِ :﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ ؛ أي مُنْكَراً، ثم تَنَحَّى موسى فجلسَ، وقالَ : ما أصنعُ في اتِّباع هذا الرجلِ الذي يظلمُ الناسَ؟! كنتُ في بني اسرائيلَ أقرأُ عليهم التوراةَ بُكْرَةً وعشيَّة ويقبَلُون منِّي، فتركتُ ذلكَ وصَحِبْتُ هذا الظالِمَ...
فقال له الخضرُ بعد ما أخرجَ أهلُ السفينةِ متاعهم إلى الساحل : أتدري ما تحدث به نفسك ؟ قال : ما هو ؟ فأخبره بما حدَّث به نفسه، ثُم ﴿قَالَ﴾ ؛ له الخضرُ :﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ ؛ أي لِمَا تركتُ من عهدِك ووصيَّتِك، وَقِيْلَ : أرادَ به النسيانَ الذي هو ضدُّ الذِّكر.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ أي لا تُكلِّفْني مشقَّةً، وعامِلني باليُسْرِ لا بالعسرِ، ولا تضيِّقْ عليَّ في صُحبتِي إياكَ. وأصلُ الرَّهَقِ : الْغَشَيَانُ، يقالُ : رَهَقَ الفارسُ فلاناً إذا غَشِيَهُ فأدركَهُ.
الكهف 18:74
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ﴾ ؛ قال سعيدُ بن جبير :(وَجَدَ الْخَضِرُ غُلْمَاناً، فَأَخَذ غُلاَماً وَضِيْءَ الْوَجْهِ). قال ابنُ عبَّاس :(كَانَ مِنْ أحْسَنِهمْ وَأصْبَحِهمْ، فَأَخَذهُ مِنْ بَيْنَهِمْ فَأصْرَعَهُ وَأضْجَعَهُ، ثُمَّ ذبَحَهُ بالسِّكِّيْنِ، وَكَانَ غُلاَماً لَمْ يَبْلُغِ الْحِنْثَ).
وَقِيْلَ : إنهُ اجتذبَ رأسَهُ فقلعَهُ، وَقِيْلَ : نزعَ رأسَهُ من جسدهِ، وَقِيْلَ : رفصَهُ برجلهِ فقتلَهُ، وَقِيْلَ : ضربَ رأسَهُ فقتلَهُ، وكان اسمُ الغلامِ خشيود، وَقِيْلَ : جيشور. و ﴿قَالَ﴾ لهُ موسى حين رأى ذلكَ منهُ :﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ ؛ أي أقَتَلْتَ نفساً بريئةً من الذُّنوب، لَم تجب ما يوجبُ قتلَها. ومن قرأ (زَاكِيَةً) فمعناهُ : طاهرةً من الذُّنوب لَم تبلغِ الْحُلُمَ، ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً﴾ ؛ أي قَطِيعاً مُنْكَراً لا يعرفُ في شَرْعٍ.
وقد اختلفُوا في هذا الغلامِ أنَّهُ كان بالِغاً أم لَم يكن بالغاً، إلاّ أن قولَهُ (بغيرِ نفسٍ) فيه دليلٌ على أنه بالغاً، لأن غيرَ البالغِ لا يُقْتَلُ، وإن قَتَلَ غيرَهُ، وكان هذا الغلامُ يقطعُ الطريقَ، ويلجأُ إلى أبويهِ فيحلفان دونَهُ، وعن رسولِ الله ﷺ أنه قالَ :" إنَّ الْغُلاَمَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبعَ كَافِراً ".
وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً﴾ أي مُنْكَراً عظيماً. قال القتيبي :(النُّكُرُ أبْلَغُ مِنَ الإمْرِ فِي الإنْكَارِ ؛ لأَنَّ قَتْلَ النَّفْسِ أشَدُّ مِنْ خَرْقِ السَّفِيْنَةِ)، وقالَ الزجَّاجُ :(الإمْرُ أبْلَغُ فِي الإنْكَارِ ؛ لأَنَّ خَرْقَ السَّفِيْنَةِ يُوجِبُ غَرْقَ أهْلِهَا، وَذلِكَ أعْظَمُ مِنْ قَتْلِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.
الكهف 18:75
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ﴾ ؛ قال سعيدُ بن جبير :(وَجَدَ الْخَضِرُ غُلْمَاناً، فَأَخَذ غُلاَماً وَضِيْءَ الْوَجْهِ). قال ابنُ عبَّاس :(كَانَ مِنْ أحْسَنِهمْ وَأصْبَحِهمْ، فَأَخَذهُ مِنْ بَيْنَهِمْ فَأصْرَعَهُ وَأضْجَعَهُ، ثُمَّ ذبَحَهُ بالسِّكِّيْنِ، وَكَانَ غُلاَماً لَمْ يَبْلُغِ الْحِنْثَ).
وَقِيْلَ : إنهُ اجتذبَ رأسَهُ فقلعَهُ، وَقِيْلَ : نزعَ رأسَهُ من جسدهِ، وَقِيْلَ : رفصَهُ برجلهِ فقتلَهُ، وَقِيْلَ : ضربَ رأسَهُ فقتلَهُ، وكان اسمُ الغلامِ خشيود، وَقِيْلَ : جيشور. و ﴿قَالَ﴾ لهُ موسى حين رأى ذلكَ منهُ :﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ ؛ أي أقَتَلْتَ نفساً بريئةً من الذُّنوب، لَم تجب ما يوجبُ قتلَها. ومن قرأ (زَاكِيَةً) فمعناهُ : طاهرةً من الذُّنوب لَم تبلغِ الْحُلُمَ، ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً﴾ ؛ أي قَطِيعاً مُنْكَراً لا يعرفُ في شَرْعٍ.
وقد اختلفُوا في هذا الغلامِ أنَّهُ كان بالِغاً أم لَم يكن بالغاً، إلاّ أن قولَهُ (بغيرِ نفسٍ) فيه دليلٌ على أنه بالغاً، لأن غيرَ البالغِ لا يُقْتَلُ، وإن قَتَلَ غيرَهُ، وكان هذا الغلامُ يقطعُ الطريقَ، ويلجأُ إلى أبويهِ فيحلفان دونَهُ، وعن رسولِ الله ﷺ أنه قالَ :" إنَّ الْغُلاَمَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبعَ كَافِراً ".
وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً﴾ أي مُنْكَراً عظيماً. قال القتيبي :(النُّكُرُ أبْلَغُ مِنَ الإمْرِ فِي الإنْكَارِ ؛ لأَنَّ قَتْلَ النَّفْسِ أشَدُّ مِنْ خَرْقِ السَّفِيْنَةِ)، وقالَ الزجَّاجُ :(الإمْرُ أبْلَغُ فِي الإنْكَارِ ؛ لأَنَّ خَرْقَ السَّفِيْنَةِ يُوجِبُ غَرْقَ أهْلِهَا، وَذلِكَ أعْظَمُ مِنْ قَتْلِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.
الكهف 18:76
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾ ؛ أي بعدَ هذه الكرَّةِ، ﴿فَلاَ تُصَاحِبْنِي﴾ ؛ إنْ طلبتُ صحبتَكَ، ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً﴾ ؛ أي بَلغْتَ من عندي إلى وقتِ العُذْرِ. رويَ عن رسولِ الله ﷺ أنه قالَ :" رَحِمَ اللهُ أخِي مُوسَى اسْتَحْيَا، فَقَالَ إنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي، وَلَوْ ثَبَتَ مَعَ صَاحِبه لأَبْصَرَ الأَعَاجِيْبَ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِن لَّدُنِّي﴾ قرأ العامَّةُ بتشديدِ النونِ وهو الأجودُ ؛ لأنَّ أصلَ (لَدُنْ) الإسكانُ، فإذا أضفتَها إلى نفسِكَ رُدَّتْ نوناً ليسلمَ سكونُ النون الأُولَى، كما يقولُ عن زيدٍ وَعَنِّي. ومَن قرأ بتخفيفِها قال (لَدُنِ) اسمٌ غير متمكّن، فيجوزُ حذفُ النونِ منه.
الكهف 18:77
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا﴾ ؛ قيل هي قريةُ أنطاكيَّة، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا﴾ أي سَأَلاَ لَهم الطعامَ، ﴿فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا﴾ ؛ قال ﷺ :" وَكَانُوا أهْلَ قَرْيَةٍ لِئَاماً ".
وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ ؛ أي جِدَاراً مَائِلاً مُشْرِفاً على الانْهِدامِ يكادُ يسقطُ بسرعةٍ. قال وهبُ :(كان جِداراً طولهُ في السَّماءِ مائةُ ذراعٍ) وأمَّا قولهُ ﴿يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ﴾ هذا من مَجَازِ كلام العرب ؛ لأن الجدارَ لا إرادةَ لهُ، وإنَّما معناه : قَرُبَ وَدَنَا.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَقَامَهُ﴾. قال ابنُ عبَّاس :(هَدَمَهُ ثُمَّ أعَادَ بنَاءَهُ). وقال ابنُ جبير :(مَسَحَ الْجِدَارَ وَرَفَعَهُ بيَدِهِ فَاسْتَقَامَ). وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا﴾ قرأ أبو رجاءٍ (يُضِيْفُوهُمَا) مخفَّفة.
وعن رسول الله ﷺ أنه قال :" كَانُوا أهْلَ قَرْيَةٍ لِئَاماً "، وقال قتادةُ في هذه الآية :(شَرُّ الْقُرَى الَّتِي لا تُضَيِّفُ الضَّيْفَ، وَلاَ تَعْرِفُ لابْنِ السَّبيْلِ حَقَّهُ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ ؛ أي قالَ لهُ موسى : لاتَّخذتَ على إقامتِكَ للجدار جُعلاً. وقُرِئَ (لتَخِذْتَ) ومعناهُ معنى الأول.
الكهف 18:78
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ هَـاذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ ؛ أي هذا الكلامُ والإنكارُ على تركِ الأجر هو الْمُفَرِّقُ بينَنا، لأنَّكَ قد حكمتَ على نفسكَ، وَقِيْلَ : معناهُ هذا فراقٌ بينَنا ؛ أي فراقُ إيصالنا، والبَيْنُ مِن الأضدادِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾ ؛ أي سأخبرُكَ بتأويلِ الأشياء التي رأيتَها منِّي فلم تصبرُ علَيْها.
الكهف 18:79
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ ؛ يعني السفينةَ التي كانت لفقراءٍ يعملونَ في البحرِ لَم يكن لَهم مالٌ غيرُها، وكانوا يعملونَ عليها، ويأخذونَ إجرَتَها، ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ ؛ بالخرقِ، ﴿وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ﴾ ؛ يقال له جَلَنْدُ، ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ ؛ صحيحةٍ، ﴿غَصْباً﴾ ؛ وقد يذكرُ (وَرَاءَ) بمعنى أمامَ، وفيه دليلٌ أن للوصيِّ أنّ يعيبَ مالَ اليتيمِ إذا رأى فيه مصلحةً.
الكهف 18:80
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ ؛ أي الغلامُ الذي قَتَلَهُ كان كافراً، وكان أبواهُ مؤمنين، ﴿فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ ؛ فلذلكَ قَتَلَهُ، وكان قد أعلمَهُ اللهُ بذلك، قال ﷺ :" إنَّ الْغُلاَمَ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبعَ كَافِراً، وَلَوْ عَاشَ لأَرْهَقَ أبَوَيْهِ طُغْيَاناً وَكُفْراً ".
الكهف 18:81
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ ؛ أي فأرادَ اللهُ أن يبدلَهما ولَداً خيراً منهُ صلاحاً وطهارةً، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ أي وأوْصَلَ للرَّحمِ وأبرَّ بوالديهِ. قال ابنُ عبَّاس :(أبدَلَهُمَا اللهُ بهِ جَاريَةً تَزَوَّجَهَا نَبيٌّ مِنَ الأَنْبيَاءِ فَوَلَدَتْ سَبْعِيْنَ نَبيّاً).
الكهف 18:82
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ ؛ أي في القريةِ المذكورة، وكان اسمُ اليتيمين : أصْرَماً وَصَرِيْماً، ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا﴾ ؛ قِيْلَ : إنه كان مَالاً، وَقِيْلَ : كان عِلماً.
وعن ابنِ عبَّاس :(أنه كانَ لَوحاً من ذهبٍ وفيه : بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ ؛ لاَ إلَهَ إلاّ اللهُ ؛ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، عَجِبْتُ لِمن أيقنَ بالموتِ كيف يفرحُ، ولِمن أيقنَ بالنارِ كيف يضحكُ، وعجبْتُ لِمن أيقنَ بالقَدَر كيف يحزنُ، وعجبتُ لِمن يرى الدُّنيا وتقلُّبَها بأهلِها كيف يطمئنُّ إليها). وَقِيْلَ : كان ذهباً وفضَّةً.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾ ؛ أي كان ذا أمانةٍ، كان يقالُ له : كاشح، وَقِيْلَ : إنه مِن الأنبياءِ. قال سعيدُ بن جُبير عن ابنِ عبَّاس :(حُفِظا بصَلاَحِ أبيهِمَا وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْهُمَا صَلاَحاً). قال جعفرُ بن محمَّد :(كَانَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الأَب الصَّالِحِ سَبْعَةُ آبَاءٍ).
وعن محمَّد بنِ المنكدرِ قال :(إنَّ اللهَ تَعَالَى لَيَحْفَظُ بالرَّجُلِ الصَّالِحِ وَلَدَهُ وَوَلَدَ وَلَدِهِ وَأهْلَ دُوَيْرَتِهِ، وَأهْلَ دُوَيْرَاتٍ حَوْلَهُ وَأُسْرَتِهِ الَّتِي هُوَ فِيْهَا، فَمَا يَزَالُونَ فِي حِفْظِ اللهِ مَا دَامَ فِيْهِمْ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا﴾ ؛ أي فأرادَ ربُّكَ بالأمرِ تسويةِ الجدار إلى أن يَكْبُرَا ويعقلاَ، ﴿وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً﴾ ؛ أي نعمةً ؛ ﴿مِّن رَّبِّكَ﴾ ؛ وهذا نُصِبَ على المصدريَّة ؛ أي رَحِمَهما اللهُ بذلك رحمةً.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ ؛ وإنَّما فعلتهُ بأمرِ الله تعالى، ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾ ؛ وأصلهُ تَسْتَطِعْ ؛ إلاّ أن الطاءَ والتاء من مخرجٍ واحد، فحذفَ التاء لَمَّا اجتمعا لتخفيفِ اللفظ.
وروَي أن الخضرَ لَمَّا أرادَ أن يُفارقَ موسى أوصاهُ، قال يا موسَى : أفْرِغ عن اللَّجَاجَةِ ولا تَمشِ في غيرِ حاجة، ولا تضحَكْ من غير عجبٍ، ولا تعيِّرِ المذنبين بخطاياهم، وابْكِ على خطيئتك يا ابنَ عمرانَ.
الكهف 18:83
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً﴾ ؛ يعني يسألُكَ اليهودُ يا مُحَمَّدُ عن خبرِ ذي القَرنَين ﴿قُلْ سَأَتْلُواْ﴾ سأقرأ عليكم خبرَهُ. قال مجاهدُ :(مَلَكَ الأَرْضَ أرْبَعةً : مُؤْمِنَانِ وَكَافِرَانِ، فَالْمُؤْمِنَانِ سُلَيْمَانُ وَذُو الْقَرْنَيْنِ، وَالْكَافِرَانِ النَّمْرُودُ وَبَخِتْنَصِّرُ).
واختلفُوا في تسميتهِ بذِي القرنَين، فقال بعضُهم : أنه مَلَكَ فارسَ والرُّوم، وَقِيْلَ : لأنه دَعَا قومَهُ إلى التوحيدِ، فضربوهُ على قرنهِ الأيسر، وَقِيْلَ : على قَرْنَيْهِ، وَقِيْلَ : لنه دخلَ النورَ والظلمة، وَقِيْلَ : لأنه بَلَغَ قُطْرَي الأرضِ، وكان اسمهُ اسْكَنْدَرُ.
الكهف 18:84
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي مَكَّنَّاهُ في الأرضِ، ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ ؛ أي من كلِّ شيء تستعينُ به الملوكُ على فتحِ المدائن ومحاربةِ الأعداء، (سَبَباً) أي بلاداً إلى حيث أرادَ، وَقِيْلَ : قَرَّبْنَا له أقطاراَ الأرضِ، كما سَخَّرْنَا الريحَ لسليمان. وقال عليٌّ رضي الله عنه :(سَخَرَ اللهُ لِهُ السَّحَابَ فَحَمَلَهُ عَلَيْهَا وَمَدَّ لَهُ فِي الأَسْبَاب، وَبَسَطَ لَهُ النُّورَ، وَكَانَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ) وهذا معنى تَمَكُّنِهِ في الأرضِ، وهو أنه سَهَّلَ عليه المسيرَ فيها، وذلَّلَ له طُرُقَها.
الكهف 18:85
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ ؛ أي طريقاً تؤدِّيه إلى مغرب الشَّمس. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ ؛ أي إلَى قومٍ لَم يكن بينَهم وبين مغرب الشَّمس أحدٌ ؛ لأنه لا يُمكنه أن يبلُغَ موضعَ غروب الشَّمس. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ ؛ أي رآها تغربُ في الماءِ، وَقِيْلَ : في عينٍ ذات حَمَأَةٍ وهي الطينُ الأسودُ الْمُنْتَنُ.
وتقرأ (حَامِيَةٍ) أي حارَّةٍ، وهي قراءةُ العبادلةِ الثلاثةِ - عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَعَبْدُاللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدُاللهِ بْنُ عُمَرَ - وابنُ عامرٍ وأهلُ الكوفةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً﴾ ؛ أي عند العينِ، ﴿قُلْنَا ياذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ ؛ قِيْلَ : في هذا دليلٌ أن ذا القرنين كان نبيّاً ؛ لأن الانسانَ لا يعلمُ أمرَ الله إلاّ بالوحيِ، ولا يجوزُ الوحيُ إلاّ إلى الأنبياءِ، وَقِيْلَ : كان معه نبيٌّ، فأوحَى اللهُ إلى ذلك النبيِّ، وفي الجملةِ لا يُمكن إثباتُ النبوَّة إلاّ بدليلٍ مقطوع به.
ورويَ " عن النبيِّ ﷺ أنه سُئِلَ عن ذي القرنينِ قال :" هُوَ مَلِكٌ يَسِيْحُ فِي الأَرْضِ ". قال ابنُ الأنباريِّ :(إنَّهُ كَانَ نَبيّاً، فَإنَّ اللهَ قَالَ لَهُ كَمَا قَالَ لِلأنْبيَاءِ، إمَّا بتَكْلِيْمٍ أوْ بوَحْيٍ، وَمَنْ قَالَ لَمْ يَكُنْ نَبيّاً، قَالَ مَعْنَى قَوْلِهِ ألْهَمْنَا كقولهِ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾[القصص: ٧] أي ألْهَمْنَاها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ ؛ أي قُلنا له إما أن تَقْتُلَهُمْ على الكفرِ إن أبَوا الإسلامَ، وإما أن تأسِرَهم فتعلِّمَهم الهدى وتبصِّرَهم الرشادَ.
الكهف 18:86
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ ؛ أي طريقاً تؤدِّيه إلى مغرب الشَّمس. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ ؛ أي إلَى قومٍ لَم يكن بينَهم وبين مغرب الشَّمس أحدٌ ؛ لأنه لا يُمكنه أن يبلُغَ موضعَ غروب الشَّمس. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ ؛ أي رآها تغربُ في الماءِ، وَقِيْلَ : في عينٍ ذات حَمَأَةٍ وهي الطينُ الأسودُ الْمُنْتَنُ.
وتقرأ (حَامِيَةٍ) أي حارَّةٍ، وهي قراءةُ العبادلةِ الثلاثةِ - عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَعَبْدُاللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدُاللهِ بْنُ عُمَرَ - وابنُ عامرٍ وأهلُ الكوفةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً﴾ ؛ أي عند العينِ، ﴿قُلْنَا ياذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ ؛ قِيْلَ : في هذا دليلٌ أن ذا القرنين كان نبيّاً ؛ لأن الانسانَ لا يعلمُ أمرَ الله إلاّ بالوحيِ، ولا يجوزُ الوحيُ إلاّ إلى الأنبياءِ، وَقِيْلَ : كان معه نبيٌّ، فأوحَى اللهُ إلى ذلك النبيِّ، وفي الجملةِ لا يُمكن إثباتُ النبوَّة إلاّ بدليلٍ مقطوع به.
ورويَ " عن النبيِّ ﷺ أنه سُئِلَ عن ذي القرنينِ قال :" هُوَ مَلِكٌ يَسِيْحُ فِي الأَرْضِ ". قال ابنُ الأنباريِّ :(إنَّهُ كَانَ نَبيّاً، فَإنَّ اللهَ قَالَ لَهُ كَمَا قَالَ لِلأنْبيَاءِ، إمَّا بتَكْلِيْمٍ أوْ بوَحْيٍ، وَمَنْ قَالَ لَمْ يَكُنْ نَبيّاً، قَالَ مَعْنَى قَوْلِهِ ألْهَمْنَا كقولهِ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾[القصص: ٧] أي ألْهَمْنَاها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ ؛ أي قُلنا له إما أن تَقْتُلَهُمْ على الكفرِ إن أبَوا الإسلامَ، وإما أن تأسِرَهم فتعلِّمَهم الهدى وتبصِّرَهم الرشادَ.
الكهف 18:87
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ﴾ ؛ أي من أسرفَ، ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ ؛ أي نقتلهُ، وكلُّ مَن أشركَ فقد ظلمَ نفسه، ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ﴾ ؛ في الآخرةِ بعد قتلي إيَّاهُ، ﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً﴾ ؛ يعني في النارِ أنكَى من القتلِ وأعظم.
الكهف 18:88
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الْحُسْنَى﴾ ؛ أي فلَهُ في الآخرة جزاءَ الْحُسنَى أي الجنةَ بالطاعةِ التي عمِلَها في الدنيا. وقرأ أهلُ الكوفةِ (جَزَاءً) نصباً وهو مصدرٌ وقعَ موقعَ الحالِ ؛ أي فلهُ الْحُسْنَى مَجْزِيّاً بها. قال ابنُ الأنباريِّ :(جَزَاءً نصباً على المصدر ؛ أي فيُجْزَى الْحُسْنَى جَزَاءً). قولهُ :﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾ ؛ أي سنأمرهُ في الدُّنيا بما نُيَسِّرُ عليهِ.
الكهف 18:89
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ ؛ أي سَلَكَ طريقاً آخرَ نحو المشرقِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً﴾ ؛ أي حتى إذا انتهىَ إلى آخرِ العمارة من جهةِ المشرق وجدَ عند الشمسِ قوماً لَم يكن لَهم جبلٌ ولا شجرٌ ولا شيء يسترُهم عن الشمسِ. قال لكلبيُّ :(مَعْنَاهُ حُفَاةً عُرَاةً يَفْتَرِشُ أحَدُهُمْ أُذُنَهُ وَيَلْبَسُ الأُخْرَى).
الكهف 18:90
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ ؛ أي سَلَكَ طريقاً آخرَ نحو المشرقِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً﴾ ؛ أي حتى إذا انتهىَ إلى آخرِ العمارة من جهةِ المشرق وجدَ عند الشمسِ قوماً لَم يكن لَهم جبلٌ ولا شجرٌ ولا شيء يسترُهم عن الشمسِ. قال لكلبيُّ :(مَعْنَاهُ حُفَاةً عُرَاةً يَفْتَرِشُ أحَدُهُمْ أُذُنَهُ وَيَلْبَسُ الأُخْرَى).
الكهف 18:91
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً﴾ ؛ أي وجدَ قوماً كذلك. الذين كانوا عند مغرب الشَّمسِ، وَقِيْلَ معناهُ : كما بَلَغَ مغربَ الشمسِ وكذلك بَلَغَ مطلعَها، ثم استأنفَ وقال ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً﴾ ؛ أي عِلْماً.
الكهف 18:92
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ ؛ أي ثُم أتبعَ سبباً ثالثاً مما يبلغهُ قطراً من أقطارِ الأرض، وَقِيْلَ : أتْبَعَ سَبَباً : حتى إذا بلغَ طريقاً من المشرقِ نحو الرُّومِ، وحتى إذا بلغَ بين الجبلين الذين جعلوا الرَّدْمَ بينهما، وهما السدَّانِ.
قرأ ابنُ كثير وأبو عمرٍو :(السَّدَّيْنِ) بفتحِ السِّين، وقرأ الباقون بضمِّها، وهما لُغتان، ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِمَا﴾ ؛ الجبلينِ، ﴿قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ ؛ أي لا يكادون يفقهونَ قولَ غيرِهم، ولا يعرفون لُغة غيرهم.
قرأ حمزةُ والكسائيُ وخلف (يُفْقَهُونَ) بضمِّ الياء وكسر القاف، ومعناهُ : لا يكادون يفقهونَ أحداً قولاً. قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :(لاَ يَفْقَهُونَ كَلاَمَ أحَدٍ، وَلاَ أحَدٌ يَفْهَمُ كَلاَمَهُمْ).
الكهف 18:93
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ ؛ أي ثُم أتبعَ سبباً ثالثاً مما يبلغهُ قطراً من أقطارِ الأرض، وَقِيْلَ : أتْبَعَ سَبَباً : حتى إذا بلغَ طريقاً من المشرقِ نحو الرُّومِ، وحتى إذا بلغَ بين الجبلين الذين جعلوا الرَّدْمَ بينهما، وهما السدَّانِ.
قرأ ابنُ كثير وأبو عمرٍو :(السَّدَّيْنِ) بفتحِ السِّين، وقرأ الباقون بضمِّها، وهما لُغتان، ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِمَا﴾ ؛ الجبلينِ، ﴿قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ ؛ أي لا يكادون يفقهونَ قولَ غيرِهم، ولا يعرفون لُغة غيرهم.
قرأ حمزةُ والكسائيُ وخلف (يُفْقَهُونَ) بضمِّ الياء وكسر القاف، ومعناهُ : لا يكادون يفقهونَ أحداً قولاً. قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :(لاَ يَفْقَهُونَ كَلاَمَ أحَدٍ، وَلاَ أحَدٌ يَفْهَمُ كَلاَمَهُمْ).
الكهف 18:94
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ ياذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي قالوا بإشارةٍ أو ترجُمانٍ ؛ لأنه قد تقدَّم أنَّهم لا يفقهونَ قولاً، إن يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وهما قبيلتان من أولادِ يافث بنِ نوحٍ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ ؛ أي يفسدونَ أموالَ الناسِ ؛ لأنَّهم كانوا أهلَ بغيٍ وظُلْمٍ. قال الكلبيُّ :(كَانُواْ يَخْرُجُونَ إلَى أرْضِ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ شَكَوهُمْ إلَى ذِي الْقَرْنَيْنِ أيَّامَ الرَّبيْعِ فَلاَ يَدَعُونَ فِيْهَا شَيْئاً أخْضَرَ إلاّ أكَلُوهُ، وَلاَ يَابساً إلاَّ احْتَمَلُوهُ).
" وعن عبدِالله قالَ : سَأَلْتُ النَّبيَّ ﷺ عَنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، قَالَ :" يَأْجُوجُ أُمَّةٌ وَمَأْجُوجُ أُمَّةٌ، كُلُّ أُمَّةٍ أرْبَعُمِائَةِ ألْفٍ، لاَ يَمُوتُ أحَدُهُمْ حَتَّى يَنْظُرَ إلَى ألْفِ ذكَرِ مِنْ صُلْبهِ كُلُّهُمْ قَدْ حَمَلَ السِّلاَحَ " قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللهِ! صِفْهُمْ لَنَا ؟ قَالَ :" هُمْ ثَلاَثَةُ أصْنَافٍ : صِنْفٌ مِنْهُمْ طُولُ الرَّجُلِ مِنْهُمْ مِائَةٌ وَعُشْرُونَ ذِرَاعاً، وَصِنْفٌ طُولُهُ وَعِرْضُهُ سَوَاءٌ عُشْرُونَ وَمِائَةُ ذِرَاعٍ أيْضاً، وَهُمُ الَّذِيْنَ لاَ يَقُومُ لَهُمْ جَبَلٌ وَلاَ يَمُرُّونَ بفِيْلٍ وَلاَ جَمَلٍ وَلاَ وَحْشٍ وَلاَ خِنْزِيْرٍ إلاَّ أكْلُوهُ، لَهُمْ مَخَالِبُ فِي أيْدِيْهِمْ وَأضْرَاسٌ كَأَضْرَاسِ السِّبَاعِ، وَأنْيَابٌ يُسْمَعُ لَهَا حَرَكَةٌ كَحَرَكَةِ الْجَرَسِ فِي حُلُوقِ الإبلِ، وَلَهُمْ مِنَ الشَّعْرِ فِي أجْسَادِهِمْ مَا يُوَارِيْهِمْ، وَمَا يُتَّقَى مِنْهُ الْحَرُّ وَالْبَرْدُ، يَعْوُونَ عَوِيَّ الذِّئَاب، وَيَتَسَافَدُونَ كَتَسَافُدِ الْبَهَائِمِ إذا الْتَقَوْا ".
قال وهبُ :(يَشْرَبُونَ مَاءَ الْبَحْرِ وَيَأْكُلُونَ دَوَابَّهَا، وَيَأْكُلُونَ الْخَشَبَ وَالشَّجَرَ، وَمَنْ ظَفَرُواْ بهِ مِنَ النَّاسِ أكَلُوهُ). وقال كعبٌ :(هُمْ زيَادَةٌ فِي وَلِدِ آدَمَ، وَذلِكَ أنَّ آدَمَ احْتَلَمَ ذاتَ يَوْمٍ فَامْتَزَجَتْ نُطْفَتُهُ فِي التُّرَاب، فَخَلَقَ اللهُ مِنْ ذلِكَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، فَهُمْ مُتَّصِلُونَ بنَا مِنْ جِهَةِ الأَب دُونَ الأُمِّ).
وقال ابنُ عبَّاس :(هُمْ عَشْرَةُ أجْزَاءٍ وَوَلَدُ آدَمَ كُلُّهُمْ جُزْءٌ). وَقِيْلَ : إن التُّرْكَ منهم إلاّ أن أولئكَ أشدُّ فساداً من التُّركِ، فتباعدُوا عن الناسِ، كما ينعزلُ اللُّصوصُ. ويأجوجُ ومأجوج اسْمانِ أعجميَّان لا ينصرفان ؛ لأنَّهما معرفةٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً﴾ ؛ أي قالوا هل نجعلُ لك بعضاً من أموالِنا ضربتهُ في كلِّ سنةٍ على أن تجعلَ بيننا وبينهم حاجزاً وسدّاً. والرَّدْمُ هو السدُّ. وردمْتُ البابَ ؛ أي سَدَدْتُهُ، والْخَرْجُ والخراجُ واحدٌ.
الكهف 18:95
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ ؛ أي قال لَهم ذو القَرنين : مَا مَكَّنْي اللهُ مِن الإتساعِ في الدُّنيا خيرٌ من خَراجِكم الذي تبذلونه لِي، يريدُ ما أعطانِي اللهُ وملَّكَني أفضلُ من عطيَّتِكم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ ؛ أي الرِّجالِ والآلاتِ، ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾ ؛ الرَّدْمُ أشدُّ الحجاب، وهو أكبرُ من السدِّ.
الكهف 18:96
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ ؛ والزُّبَرَةُ القطعةُ العظيمة، فأتَوهُ بها فبناهُ، ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ ؛ أي حتى إذا مَلأَ ما بين الجبلينِ، وسَمَّاهُما صَدَفَيْنِ ؛ لأنَّهما يتصادفان، أي يتقابَلان، فلما وضعَ بينهما الحديدَ وجعلَ " بين " كلَّ قطعتَي حديدِ حطباً حتى ملأَ ما بين الجبلين، فأمرَ بالنارِ فأُرسِلت فيه، و ﴿قَالَ﴾ ؛ للحدَّادين :﴿انفُخُواْ﴾ ؛ بالمنافيخ، ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً﴾ ؛ حتى إذا صارَ الحديدُ كالنارِ، ﴿قَالَ آتُونِي﴾ ؛ أي أعطونِي قِطْراً، ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ ؛ وهو النحاسُ الذائب أصبُّهُ على الحديدِ والحطب فيتقطَّرُ كما يتقطرُ الماء، ففعلَ حتى إذا جعلَ بعضه في بعضٍ، فصارَ الجميعُ شيئاً واحداً جبلاً صَلْداً من حديدٍ ونُحاس. قيل إنه حفر له الأساس حتى بلغ الماء، ثم جعل عرضه خمسين فرسخًا ثم ملأه وشرفه.
الكهف 18:97
قولهُ تعالى :﴿فَمَا اسْطَاعُواْ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً﴾ ؛ أي ما قدَرُوا أن يَعْلُوهُ لارتفاعهِ ومَلاسَتِهِ، وما قدَرُوا أن ينقِبُوهُ من أصلهِ ؛ لشدَّتهِ وصلابتهِ.
وعن أبي هريرةَ :" أنَّّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يَحْفُرُونَ كُلَّ يَوْمٍ، ثُمَّ يَقُولُونَ : نَرْجِعُ إلَى غَدٍ وَنِجِيْءُ أيْضاً نَحْفِرُهُ، فَيَأْتُونَهُ غَداً وَقَدْ أعَادَهُ اللهُ كَمَا كَانَ قَبْلَ أنْ يَحْفِرُوهُ "
الكهف 18:98
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ هَـاذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي﴾ ؛ أي قال لَهم ذُو القرنينِ لَمَّا فَرَغَ من بنائهِ، هذا التمكينُ الذي أدركتُ به السدَّ رحمةٌ مِن ربي من حيثُ ألْهَمني وقوَّانِي، ونعمةٌ مِن ربي عليكم، ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّآءَ﴾ ؛ أي وقتُ اشتراطِ السَّاعة جعلَ السدَّ كَسْراً. ومن قرأ (دَكّاً) فمعناهُ أرْضاً منبسطةً، يقالُ : نَاقَةٌ دَكَّاءٌ إذا لَم يكن لَها سِنَامٌ، ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً﴾ ؛ أي كان تقديرهُ لِخروجهم صِدْقاً كائناً.
الكهف 18:99
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ ؛ أي تركنا يأجوجَ ومأجوجَ يومَ انقضاءِ أمر السدِّ يَموجُونَ في الدُّنيا مختلطين لكثرَتِهم، يقالُ : مَاجَ الناسُ إذا دخلَ بعضُهم في بعضٍ حيَارَى كمَوْجِ الماءِ، فيخرجون على الناسِ فيشرَبُون الماءَ، يأكلونَ الدوابَّ، ومَن ظَفَرُوا به من الناسِ أكلوهُ، فاذا كَثُرَ فسادُهم في الأرضِ بعثَ اللهُ عليهم بعثاً فيقتلهم فيموتون كموتِ الجرادِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً﴾ ؛ يعني النفخةَ الثانيةَ التي تكون للحَشْرِ يُحْشَرُ بها الناسُ من قبورِهم، ويُجمَعُون جَمعاً في الموقفِ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً﴾ ؛ أي وأظْهَرْنَا جهنَّمَ يومَ القيامةِ للكافرينَ حتى يَرَوا فيها جزاءَ أعمالِهم مُعَايَنَةً.
الكهف 18:100
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ ؛ أي تركنا يأجوجَ ومأجوجَ يومَ انقضاءِ أمر السدِّ يَموجُونَ في الدُّنيا مختلطين لكثرَتِهم، يقالُ : مَاجَ الناسُ إذا دخلَ بعضُهم في بعضٍ حيَارَى كمَوْجِ الماءِ، فيخرجون على الناسِ فيشرَبُون الماءَ، يأكلونَ الدوابَّ، ومَن ظَفَرُوا به من الناسِ أكلوهُ، فاذا كَثُرَ فسادُهم في الأرضِ بعثَ اللهُ عليهم بعثاً فيقتلهم فيموتون كموتِ الجرادِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً﴾ ؛ يعني النفخةَ الثانيةَ التي تكون للحَشْرِ يُحْشَرُ بها الناسُ من قبورِهم، ويُجمَعُون جَمعاً في الموقفِ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً﴾ ؛ أي وأظْهَرْنَا جهنَّمَ يومَ القيامةِ للكافرينَ حتى يَرَوا فيها جزاءَ أعمالِهم مُعَايَنَةً.
الكهف 18:101
وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي﴾ ؛ أي أظْهَرْنَا جهنَّمَ حتى شاهَدَها الناسُ الذين كانت أعينُ قلوبهم فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي لِما تراءى لها من الرَّين والغشاوةِ، ﴿وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ ؛ أي كان يثقلُ عليهم ذِكْرُ اللهِ تعالى.
الكهف 18:102
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَآءَ﴾ ؛ أي أيَحْسَبُ الكفارُ أن ينفعَهم اتِّخاذُهم عبادي مثلَ المسيحِ والملائكة الذين عبدُوهم مشن دونِي أرْبَاباً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً﴾ ؛ أي جعلناها مَنْزِلاً ومَأْوىً لَهم، ومعدَّةً عندنا، كما يُهَيَّأُ المنْزِل للضَّيف.
الكهف 18:103
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً﴾ ؛ أي قل لَهم يا مُحَمَّدُ : هل نُخبرُكم بالآخْسَرِيْنَ أعْمَالاً في الآخرةِ يعني كفار أهل الكتاب واليهودَ والنصارى ؟ وقال عليٌّ رضي الله عنه :(هُمُ الرُّهْبَانُ وَالْقِسِّيْسُونَ حَبَسُواْ أنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ) وَقِيْلَ : هم جميعُ اليهودِ والنَّصارى، ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ؛ أي بَطَلَ عملُهم واجتهادُهم في الدِّين، ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ ؛ أي وهم يظنُّونَ أنَّهم يعملون صالِحاً.
ثُم بَيَّنَ مَن هم فقال :﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ ؛ أي جَحَدُوا دلائلَ توحيدهِ، وأنكَرُوا البعثَ بعد الموتِ، ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ ؛ أي بَطَلَتْ حسناتُهم التي عَمِلُوها مثل صِلَةِ الرَّحمِ، والإحسانِ إلى الناس، فلا يَرَوْنَ سعيَهم مع الكفرِ شيئاً، ﴿فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ﴾ ؛ ولا يكون لَهم عند اللهِ، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ ؛ قَدْراً ولا مَنْزِلَةً.
الكهف 18:104
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً﴾ ؛ أي قل لَهم يا مُحَمَّدُ : هل نُخبرُكم بالآخْسَرِيْنَ أعْمَالاً في الآخرةِ يعني كفار أهل الكتاب واليهودَ والنصارى ؟ وقال عليٌّ رضي الله عنه :(هُمُ الرُّهْبَانُ وَالْقِسِّيْسُونَ حَبَسُواْ أنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ) وَقِيْلَ : هم جميعُ اليهودِ والنَّصارى، ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ؛ أي بَطَلَ عملُهم واجتهادُهم في الدِّين، ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ ؛ أي وهم يظنُّونَ أنَّهم يعملون صالِحاً.
ثُم بَيَّنَ مَن هم فقال :﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ ؛ أي جَحَدُوا دلائلَ توحيدهِ، وأنكَرُوا البعثَ بعد الموتِ، ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ ؛ أي بَطَلَتْ حسناتُهم التي عَمِلُوها مثل صِلَةِ الرَّحمِ، والإحسانِ إلى الناس، فلا يَرَوْنَ سعيَهم مع الكفرِ شيئاً، ﴿فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ﴾ ؛ ولا يكون لَهم عند اللهِ، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ ؛ قَدْراً ولا مَنْزِلَةً.
الكهف 18:105
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً﴾ ؛ أي قل لَهم يا مُحَمَّدُ : هل نُخبرُكم بالآخْسَرِيْنَ أعْمَالاً في الآخرةِ يعني كفار أهل الكتاب واليهودَ والنصارى ؟ وقال عليٌّ رضي الله عنه :(هُمُ الرُّهْبَانُ وَالْقِسِّيْسُونَ حَبَسُواْ أنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ) وَقِيْلَ : هم جميعُ اليهودِ والنَّصارى، ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ؛ أي بَطَلَ عملُهم واجتهادُهم في الدِّين، ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ ؛ أي وهم يظنُّونَ أنَّهم يعملون صالِحاً.
ثُم بَيَّنَ مَن هم فقال :﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ ؛ أي جَحَدُوا دلائلَ توحيدهِ، وأنكَرُوا البعثَ بعد الموتِ، ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ ؛ أي بَطَلَتْ حسناتُهم التي عَمِلُوها مثل صِلَةِ الرَّحمِ، والإحسانِ إلى الناس، فلا يَرَوْنَ سعيَهم مع الكفرِ شيئاً، ﴿فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ﴾ ؛ ولا يكون لَهم عند اللهِ، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ ؛ قَدْراً ولا مَنْزِلَةً.
الكهف 18:106
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ﴾ ؛ أي ذلك الإحباطُ جزاؤهم، ﴿وَاتَّخَذُواْ آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً﴾ ؛ أي واتِّخاذهم القُرْآنَ ونبوَّة أنبيائي هُزُواً ؛ يستهزؤن بها.
الكهف 18:107
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ ؛ الْفرْدَوْسُ في اللُّغة : جَنَّةٌ ذاتُ كُرُومٍ. قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" الْجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، الْفِرْدَوْسُ أعْلاَهَا، مِنْهَا تَتَفَجَّرُ الأَنْهَارُ الأَرْبَعَةُ، فَإذا سَأَلْتُمُ اللهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ " وقال ﷺ :" جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ أرْبَعٌ : جَنَّتَان مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيْهِمَا مِنْ فِضَّةٍ، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذهَبٍ آنِيَتُهَمَا وَمَا فِيْهِمَا مِنْ ذهَبٍ ".
وَقِيْلَ : خلقَ اللهُ الفردوسَ بيدهِ يفتحُها كلَّ يومٍ خمسَ مرَّات، فيقولُ : ازْدَادِيَ حُسْناً وَطِيْباً لأَوْلِيَائِي. وقال قتادةُ :(الْفِرْدَوْسُ رَبْوَةُ الْجَنَّةِ وَأفْضَلُهَا وَأرْفَعُهَا) وقال أبو أُسَامَةَ :(الْفِرْدَوْسُ سُرَّةُ الْجَنَّةِ). وقال كعبٌ :(لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ جَنَّةٌ أرْفَعُ مِنَ الْفِرْدَوْسِ، فِيْهَا الآمِرُونَ بالْمَعْرُوفِ، والنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ).
الكهف 18:108
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ أي مُقيمين فيها لا يطلبونَ عنها تِحوِيلاً. قال ﷺ :" إنَّ الْفِرْدَوْسَ أرْفَعُ مَوْضِعٍ فِي الْجَنَّةِ وَأحْسَنُهُ ".
الكهف 18:109
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ ؛ الآيةُ، وذلكَ أنه لَمَّا نزلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾[الاسراء: ٨٥] وقالَتِ اليهودُ والنصارى : أوْتِيْنَا عِلماً كثيراً، أوْتِيْنَا التوراةَ فيها عِلْمُ كلِّ شيء، فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ ؛ أي لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِعِلْمِ ربي وحكمتهِ، فيكتبُ من البحرِ كما يكتبُ من المدادِ، ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ ؛ وتكسَّرَتِ الأقلامُ، ﴿قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ﴾ ؛ أي بمثل البحر، ﴿مَدَداً﴾ ؛ لِهذا البحرِ. ويقالُ أرادَ بـ (كَلِمَاتِ رَبي) معانِيَ القُرْآنِ والأحكامِ المستنبطةِ منه، والْمَدَدُ شيءٌ بعدَ شيءٍ.
الكهف 18:110
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ ؛ أي قُلْ يا مُحَمَّدُ : إنَّمَا أنَا بَشَرٌ آدَمِيٌّ مثلُكم. قال ابنُ عبَّاس :(عَلَّمَ اللهُ نَبيَّهُ التَّوَاضُعَ لِئَلاَّ يَتَبَاهَى عَلَى خَلْقِهِ، فَأَمَرَهُ اللهُ أنْ يُقِرَّ عَلَى نَفِسِهِ بأَنَّهُ آدَمِيٌّ كَغَيْرِهِ إلاَّ أنَّهُ أكْرِمَ بالْوَحْيِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـاهُكُمْ إِلَـاهٌ وَاحِدٌ﴾ ؛ لا شريك له، ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ﴾ ؛ أي يَخْشَى لقاءَ ربه ويخافُ البعثَ في المصيرِ إليه، ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ ؛ أي خالِصاً لا يرَى في عبادةِ الله أحداً، ﴿وَلاَ يُشْرِكْ﴾ ؛ مع اللهِ غيرَهُ في العبادةِ.
وقال سعيدُ بن جبير : معناه (وَلاَ يَرَى) ﴿بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً﴾ ؛ وعن عطاء عن ابن عباس قال :(قال : وَلاَ يُشْرِكْ بعِبَادَةِ رَبهِ أحَداً، ولَم يقُلْ : ولا يشركْ بهِ ؛ لأنه أرادَ العملَ الذي يعملهُ للهِ، ويحبُّ أن يُحمدَ عليهِ). قال الحسنُ :(هَذا فِي مَنْ أشْرَكَ بعَمَلِهِ يُرِيْدُ اللهَ بهِ وَالنَّاسَ).
وعن عُبادة بن الصامتِ : قال سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول :" مَنْ صَلَّى صَلاَةً يُرَائِي بهَا فَقَدْ أشْرَكَ، وَمَنْ صَامَ صَوْماً يُرَائِي بهِ فَقَدْ أشْرَكَ " وقرأ هذه الآية ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً﴾ "
وعَن أبي هريرةَ وأُبَيِّ بنِ كعب عن رسولِ الله ﷺ أنه قالَ :" مَنْ قَرَأ سُورَةَ الكَهْفِ فَهُوَ مَعْصُومٌ إلَى ثَمَانِيَةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ يَكُونُ فِيْهَا، وَمَنْ قَرَأ الآيَةَ الَّتِي فِي آخِرِهَا حِينَ يَأْخُذُ مَضْجَعَهُ كَانَ لَهُ نُورٌ يَتَلأْلأُ إلَى مَكَّةَ، حِشْوُ ذلِكَ النُّورِ مَلاَئِكَةٌ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُومَ مِنْ مَضْجَعِهِ. وَإنْ كَانَ مَضْجُعُهُ بمَكَّةَ فَتَلاَهَا كَانَ لَهُ نُورٌ يَتَلأْلأُ مِنْ مَضْجَعِهِ إلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، حِشْوُ ذلِكَ النُّورِ مَلاَئِكَةٌ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ".
وقال ﷺ :" وَمَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ ثُمَّ أدْرَكَ الدَّجَّالَ لَمْ يَضُرَّهُ ". وقال ﷺ :" مَنْ قَرَأ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَهْوَ مَعْصُومٌ إلَى سِتَّةِ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ تَكُونُ، فَإنْ خَرَجَ الدَّجَّالُ عُصِمَ مِنْهُ ".