كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — فصلت 41:1 – الدخان 44:59
المحتويات
- فصلت 41:1
- فصلت 41:2
- فصلت 41:3
- فصلت 41:4
- فصلت 41:5
- فصلت 41:6
- فصلت 41:7
- فصلت 41:8
- فصلت 41:9
- فصلت 41:10
- فصلت 41:11
- فصلت 41:12
- فصلت 41:13
- فصلت 41:14
- فصلت 41:15
- فصلت 41:16
- فصلت 41:17
- فصلت 41:18
- فصلت 41:19
- فصلت 41:20
- فصلت 41:21
- فصلت 41:22
- فصلت 41:23
- فصلت 41:24
- فصلت 41:25
- فصلت 41:26
- فصلت 41:27
- فصلت 41:28
- فصلت 41:29
- فصلت 41:30
- فصلت 41:31
- فصلت 41:32
- فصلت 41:33
- فصلت 41:34
- فصلت 41:35
- فصلت 41:36
- فصلت 41:37
- فصلت 41:38
- فصلت 41:39
- فصلت 41:40
- فصلت 41:41
- فصلت 41:42
- فصلت 41:43
- فصلت 41:44
- فصلت 41:45
- فصلت 41:46
- فصلت 41:47
- فصلت 41:48
- فصلت 41:49
- فصلت 41:50
- فصلت 41:51
- فصلت 41:52
- فصلت 41:53
- فصلت 41:54
- الشورى 42:1
- الشورى 42:2
- الشورى 42:3
- الشورى 42:4
- الشورى 42:5
- الشورى 42:6
- الشورى 42:7
- الشورى 42:8
- الشورى 42:9
- الشورى 42:10
- الشورى 42:11
- الشورى 42:12
- الشورى 42:13
- الشورى 42:14
- الشورى 42:15
- الشورى 42:16
- الشورى 42:17
- الشورى 42:18
- الشورى 42:19
- الشورى 42:20
- الشورى 42:21
- الشورى 42:22
- الشورى 42:23
- الشورى 42:24
- الشورى 42:25
- الشورى 42:26
- الشورى 42:27
- الشورى 42:28
- الشورى 42:29
- الشورى 42:30
- الشورى 42:31
- الشورى 42:32
- الشورى 42:33
- الشورى 42:34
- الشورى 42:35
- الشورى 42:36
- الشورى 42:37
- الشورى 42:38
- الشورى 42:39
- الشورى 42:40
- الشورى 42:41
- الشورى 42:42
- الشورى 42:43
- الشورى 42:44
- الشورى 42:45
- الشورى 42:46
- الشورى 42:47
- الشورى 42:48
- الشورى 42:49
- الشورى 42:50
- الشورى 42:51
- الشورى 42:52
- الشورى 42:53
- الزخرف 43:1
- الزخرف 43:2
- الزخرف 43:3
- الزخرف 43:4
- الزخرف 43:5
- الزخرف 43:6
- الزخرف 43:7
- الزخرف 43:8
- الزخرف 43:9
- الزخرف 43:10
- الزخرف 43:11
- الزخرف 43:12
- الزخرف 43:13
- الزخرف 43:14
- الزخرف 43:15
- الزخرف 43:16
- الزخرف 43:17
- الزخرف 43:18
- الزخرف 43:19
- الزخرف 43:20
- الزخرف 43:21
- الزخرف 43:22
- الزخرف 43:23
- الزخرف 43:24
- الزخرف 43:25
- الزخرف 43:26
- الزخرف 43:27
- الزخرف 43:28
- الزخرف 43:29
- الزخرف 43:30
- الزخرف 43:31
- الزخرف 43:32
- الزخرف 43:33
- الزخرف 43:34
- الزخرف 43:35
- الزخرف 43:36
- الزخرف 43:37
- الزخرف 43:38
- الزخرف 43:39
- الزخرف 43:40
- الزخرف 43:41
- الزخرف 43:42
- الزخرف 43:43
- الزخرف 43:44
- الزخرف 43:45
- الزخرف 43:46
- الزخرف 43:47
- الزخرف 43:48
- الزخرف 43:49
- الزخرف 43:50
- الزخرف 43:51
- الزخرف 43:52
- الزخرف 43:53
- الزخرف 43:54
- الزخرف 43:55
- الزخرف 43:56
- الزخرف 43:57
- الزخرف 43:58
- الزخرف 43:59
- الزخرف 43:60
- الزخرف 43:61
- الزخرف 43:62
- الزخرف 43:63
- الزخرف 43:64
- الزخرف 43:65
- الزخرف 43:66
- الزخرف 43:67
- الزخرف 43:68
- الزخرف 43:69
- الزخرف 43:70
- الزخرف 43:71
- الزخرف 43:72
- الزخرف 43:73
- الزخرف 43:74
- الزخرف 43:75
- الزخرف 43:76
- الزخرف 43:77
- الزخرف 43:78
- الزخرف 43:79
- الزخرف 43:80
- الزخرف 43:81
- الزخرف 43:82
- الزخرف 43:83
- الزخرف 43:84
- الزخرف 43:85
- الزخرف 43:86
- الزخرف 43:87
- الزخرف 43:88
- الزخرف 43:89
- الدخان 44:1
- الدخان 44:2
- الدخان 44:3
- الدخان 44:4
- الدخان 44:5
- الدخان 44:6
- الدخان 44:7
- الدخان 44:8
- الدخان 44:9
- الدخان 44:10
- الدخان 44:11
- الدخان 44:12
- الدخان 44:13
- الدخان 44:14
- الدخان 44:15
- الدخان 44:16
- الدخان 44:17
- الدخان 44:18
- الدخان 44:19
- الدخان 44:20
- الدخان 44:21
- الدخان 44:22
- الدخان 44:23
- الدخان 44:24
- الدخان 44:25
- الدخان 44:26
- الدخان 44:27
- الدخان 44:28
- الدخان 44:29
- الدخان 44:30
- الدخان 44:31
- الدخان 44:32
- الدخان 44:33
- الدخان 44:34
- الدخان 44:35
- الدخان 44:36
- الدخان 44:37
- الدخان 44:38
- الدخان 44:39
- الدخان 44:40
- الدخان 44:41
- الدخان 44:42
- الدخان 44:43
- الدخان 44:44
- الدخان 44:45
- الدخان 44:46
- الدخان 44:47
- الدخان 44:48
- الدخان 44:49
- الدخان 44:50
- الدخان 44:51
- الدخان 44:52
- الدخان 44:53
- الدخان 44:54
- الدخان 44:55
- الدخان 44:56
- الدخان 44:57
- الدخان 44:58
- الدخان 44:59
فصلت 41:1
﴿حـم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَـانِ الرَّحِيمِ﴾ ؛ قال ﴿تَنْزِيْلٌ﴾ مبتدأٌ ؛ وخبرهُ :﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ ؛ أي بُيِّنَ حَلاَلُهُ وحرامهُ، ومعنى التَّنْزِيْلِ : الْمُنَزَّلِ كما يذكرُ العلمُ بمعنى المعلومِ، والحلقُ بمعنى الْمَحلُوقِ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ ؛ منصوبٌ على الحالِ ؛ أي بُيِّنَتْ آياتهُ في حالِ جَمعهِ على مجرَى لُغةِ العرب، ﴿لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ اللِّسانَ العربيَّ، ﴿بَشِيراً﴾ ؛ بالجنَّة لِمَن أطاعَ، ﴿وَنَذِيراً﴾ ؛ بالنار لِمن عصَى اللهَ، ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾ ؛ أهلُ مكَّة عنِ الإيْمانِ، ﴿فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾ ؛ سَماعاً ينتفعُون بهِ.
فصلت 41:2
﴿حـم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَـانِ الرَّحِيمِ﴾ ؛ قال ﴿تَنْزِيْلٌ﴾ مبتدأٌ ؛ وخبرهُ :﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ ؛ أي بُيِّنَ حَلاَلُهُ وحرامهُ، ومعنى التَّنْزِيْلِ : الْمُنَزَّلِ كما يذكرُ العلمُ بمعنى المعلومِ، والحلقُ بمعنى الْمَحلُوقِ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ ؛ منصوبٌ على الحالِ ؛ أي بُيِّنَتْ آياتهُ في حالِ جَمعهِ على مجرَى لُغةِ العرب، ﴿لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ اللِّسانَ العربيَّ، ﴿بَشِيراً﴾ ؛ بالجنَّة لِمَن أطاعَ، ﴿وَنَذِيراً﴾ ؛ بالنار لِمن عصَى اللهَ، ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾ ؛ أهلُ مكَّة عنِ الإيْمانِ، ﴿فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾ ؛ سَماعاً ينتفعُون بهِ.
فصلت 41:3
﴿حـم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَـانِ الرَّحِيمِ﴾ ؛ قال ﴿تَنْزِيْلٌ﴾ مبتدأٌ ؛ وخبرهُ :﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ ؛ أي بُيِّنَ حَلاَلُهُ وحرامهُ، ومعنى التَّنْزِيْلِ : الْمُنَزَّلِ كما يذكرُ العلمُ بمعنى المعلومِ، والحلقُ بمعنى الْمَحلُوقِ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ ؛ منصوبٌ على الحالِ ؛ أي بُيِّنَتْ آياتهُ في حالِ جَمعهِ على مجرَى لُغةِ العرب، ﴿لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ اللِّسانَ العربيَّ، ﴿بَشِيراً﴾ ؛ بالجنَّة لِمَن أطاعَ، ﴿وَنَذِيراً﴾ ؛ بالنار لِمن عصَى اللهَ، ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾ ؛ أهلُ مكَّة عنِ الإيْمانِ، ﴿فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾ ؛ سَماعاً ينتفعُون بهِ.
فصلت 41:4
﴿حـم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَـانِ الرَّحِيمِ﴾ ؛ قال ﴿تَنْزِيْلٌ﴾ مبتدأٌ ؛ وخبرهُ :﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ ؛ أي بُيِّنَ حَلاَلُهُ وحرامهُ، ومعنى التَّنْزِيْلِ : الْمُنَزَّلِ كما يذكرُ العلمُ بمعنى المعلومِ، والحلقُ بمعنى الْمَحلُوقِ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ ؛ منصوبٌ على الحالِ ؛ أي بُيِّنَتْ آياتهُ في حالِ جَمعهِ على مجرَى لُغةِ العرب، ﴿لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ اللِّسانَ العربيَّ، ﴿بَشِيراً﴾ ؛ بالجنَّة لِمَن أطاعَ، ﴿وَنَذِيراً﴾ ؛ بالنار لِمن عصَى اللهَ، ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾ ؛ أهلُ مكَّة عنِ الإيْمانِ، ﴿فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾ ؛ سَماعاً ينتفعُون بهِ.
فصلت 41:5
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ ؛ أي قالَ كفَّارُ مكَّة للنبيِّ ﷺ : قلوبُنا في أغْطِيَةٍ مما تدعُونا إليه مِن القُرْآنِ لا يصلُ إلى قُلوبنا، ﴿وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ﴾ ؛ أي ثُقْلٌ وصَمَمٌ يَمنعُ مِن استماعِ ما تقرؤهُ.
والأَكِنَّةُ : جمعُ كِنَانٍ، مثل عِنَانٍ وأعِنَّةُ. ﴿وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ ؛ وبيننا وبينَكَ حاجِزٌ وفِرْقَةٌ في الدِّين فلا نوافِقُكَ على ما تقولُ، ﴿فَاعْمَلْ﴾ ؛ على أمرِكَ ودِينِكَ، ﴿إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ ؛ على أمرِنا ومذهَبنا.
فصلت 41:6
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ﴾ ؛ يا مُحَمَّدُ :﴿إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ ؛ أي كواحدٍ منكُم ولولاَ الوحيُ ما دعوتُكم. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـاهُكُمْ إِلَـاهٌ وَاحِدٌ﴾ ؛ لاَ شريكَ لَهُ، ﴿فَاسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ﴾ ؛ أي لا تَمِيلُوا عن سَبيلهِ وتوجَّهُوا إليه إلى طاعتهِ، ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ ؛ مِن الشِّرك ووحِّدُوهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ﴾ ؛ وويلٌ لِمَن لا يقولُ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ، ﴿الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾، ولا يُطَهِّرُونَ أنفُسَهم من الشِّركِ بالتوحيدِ، ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾، وقال الحسنُ :(لاَ يُقِرُّونَ بالزَّكَاةِ، وَلاَ يَرَوْنَ إيْتَاءَهَا وَلاَ يُؤْمِنُونَ بهَا)، قال الكلبيُّ :(عَابَهُمُ اللهُ وَقَدْ كَانُواْ يَحُجُّونَ وَيَعْتَمِرُونَ)، قال قتادةُ :(الزَّكَاةُ قَنْطَرَةُ الإسْلاَمِ، فَمَنَ قَطَعَهَا نَجَا) أي فمَن عَبَرَهَا نَجَا، ومَن لَم يعبُرْها هَلَكَ.
وفي هذهِ الآية دلالةٌ على أنَّ الكفارَ يُعاقَبون في الآخرةِ على تَرْكِ الشَّرَائِعِ كما يُعاقَبون على تَرْكِ الإيْمَانِ ؛ لأن اللهَ وَعَدَهم على ذلكَ، وقال فِي جواب أهلِ النار حين يقالُ لَهم﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾[المدثر: ٤٢-٤٤].
فصلت 41:7
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ﴾ ؛ يا مُحَمَّدُ :﴿إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ ؛ أي كواحدٍ منكُم ولولاَ الوحيُ ما دعوتُكم. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـاهُكُمْ إِلَـاهٌ وَاحِدٌ﴾ ؛ لاَ شريكَ لَهُ، ﴿فَاسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ﴾ ؛ أي لا تَمِيلُوا عن سَبيلهِ وتوجَّهُوا إليه إلى طاعتهِ، ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ ؛ مِن الشِّرك ووحِّدُوهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ﴾ ؛ وويلٌ لِمَن لا يقولُ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ، ﴿الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾، ولا يُطَهِّرُونَ أنفُسَهم من الشِّركِ بالتوحيدِ، ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾، وقال الحسنُ :(لاَ يُقِرُّونَ بالزَّكَاةِ، وَلاَ يَرَوْنَ إيْتَاءَهَا وَلاَ يُؤْمِنُونَ بهَا)، قال الكلبيُّ :(عَابَهُمُ اللهُ وَقَدْ كَانُواْ يَحُجُّونَ وَيَعْتَمِرُونَ)، قال قتادةُ :(الزَّكَاةُ قَنْطَرَةُ الإسْلاَمِ، فَمَنَ قَطَعَهَا نَجَا) أي فمَن عَبَرَهَا نَجَا، ومَن لَم يعبُرْها هَلَكَ.
وفي هذهِ الآية دلالةٌ على أنَّ الكفارَ يُعاقَبون في الآخرةِ على تَرْكِ الشَّرَائِعِ كما يُعاقَبون على تَرْكِ الإيْمَانِ ؛ لأن اللهَ وَعَدَهم على ذلكَ، وقال فِي جواب أهلِ النار حين يقالُ لَهم﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾[المدثر: ٤٢-٤٤].
فصلت 41:8
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ ؛ أي غيرُ مقطوعٍ، مِن قولِهم : مََنَنْتُ الْحَبْلَ إذا قطعتَهُ، وثوابُ المؤمنِ لا ينقطعُ. وَقيْلَ : لا يُمَنُّ عليهِم بذلكَ ؛ لأن الْمِنَّةَ تُكَدِّرُ الصنيعةَ.
فصلت 41:9
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ؛ أي ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ﴾ يا أهلَ مكَّة ﴿لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ﴾ في عِظَمِها وقوَّتِها في يومِ الأحَدِ ويوم الاثنينِ، ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً﴾ ؛ من الأصنامِ ؛ أي أضداداً، وقولهُ تعالى :﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ؛ أي ذلكَ الذي هذهِ قدرتهُ رَبُّ كلِّ ذِي رُوحٍ ومَلِكُهم.
فصلت 41:10
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا﴾ ؛ أي وخَلَقَ فيها جِبَالاً ثَوَابتَ أوتَاداً لَها في يومِ الثَّلاثاء، ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ ؛ أي بَارَكَ في الأرضِ بالسَّماء والشجرِ والنبات والثمار، ﴿وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ ؛ أي معايشَها، قدَّرَ اللهُ لكلِّ حيوانٍ ما يكفيهِ بحسبَ الحاجةِ، وجعلَ في كلِّ أرضٍ معيشةً ليست في غيرِها لتعايَشُوا وتَتَّجِرُوا.
وكان تقديرُ الأقواتِ في يومِ الأربعاءِ، فتَمَّ خلقُ الأرضِ بما فيها في أربعةِ أيَّام، ولو أرادَ اللهُ أن يخلُقَها في لحظةٍ واحدة لفَعَلَ وقَدِرَ، ولكنه خلقَها في ستَّة أيامٍ لأنه تعالى حَلِيْمٌ ذُو أنَاةٍ، أحبَّ أن يُعَلِّمَ الخلقَ الأَنَاةَ في الأمور.
وقال الحسنُ :(مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا﴾ أيْ قَسَّمَ الأَرْضَ أرْزَاقَ الْعِبَادِ وَالْبَهَائِمِ)، وقال الكلبيُّ :(الْخُبْزُ لأَهْلِ قُطْرٍ ؛ وَالثَّمَرُ لأَهْلِ قُطْرٍ ؛ وَالذرَّةُ لأَهْلِ قُطْرٍ ؛ وَالسَّمَكُ لأَهْلِ قُطْرٍ، جَعَلَ اللهُ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ مَا لَمْ يَجْعَلْ فِي الأُخْرَى ؛ لِيَعِيْشَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ بالتِّجَارَةِ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ).
وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ﴾ ؛ رفعَهُ أبو جعفرٍ على الابتداءِ ؛ أي هُنَّ سَوَاءٌ، وخفضَهُ الحسنُ ويعقوب نعتُ أربعةِ أيَّام، ونصبَهُ الباقون على معنى : اسْتَوَتْ سَوَاءً للسَّائِلِيْنَ، واستواءً يعني على المصدر كما يقالُ : في أربعةِ أيَّام تَماماً. ومعناهُ : مَن سألَ عنه فهكذا الأمرُ.
وقال السديُّ :(سَوَاءً لاَ زيَادَةَ وَلاَ نُقْصَانَ جَوَاباً لِمَنْ سَأَلَ فِي كَمْ خُلِقَتِ الأَرْضُ وَالأَقْوَاتُ، فَيُقَالُ : أرْبَعَةِ أيَّامٍ سَوَاءً). و(لِلسَّائِلِيْنَ) ههنا هُم اليهودُ، سألُوا النبيَّ ﷺ عن مدَّة خَلْقِ السَّموات والأرضِ، ويجوزُ قولهُ ﴿سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ﴾ عائداً على تقديرِ الأقواتِ، كأنه قال : لكلِّ مُحتاجٍ إلى القُوتِ.
فصلت 41:11
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ ؛ قال السديُّ :(كَانَ ذلِكَ الدُّخَانُ مِنْ نَفْسِ الْمَاءِ حِيْنَ تَنَفَّسَ، وَكَانَ بُخَارُهُ يَذْهَبُ فِي الْهَوَاءِ، فَخُلِقَتِ السَّمَاءُ مِنْهُ وَفُتِقَتْ سَبْعاً فِيْ يَوْمِ الْخَمِيْسِ وَالْجُمُعَةِ).
وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ ؛ أي ائْتِيَا ما آمُرُكما وافْعَلاَ، كما يقالُ : ائْتِ ما هو الأحسنُ ؛ أيِ افْعَلْهُ.
قالَ المفسِّرون : إن الله تعالى قال : أما أنتِ يا سماءُ فأطلعي شَمسَكِ وقمرَكِ ونجومَكِ، وأما أنتِ يا أرضُ فَشَقِّقِي أنْهَارَكِ واخرِجِي ثِمارَكِ ونباتَكِ، وقال لَهما : اعْمَلا ما آمُرُكُمَا طَوْعاً وإلاَّ ألْجَأْتُكما ذلكَ حتى تفعلاهُ كَرْهاً، فأجَابَتا بالطَّوعِ وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ ؛ أي أتَينا أمرَكَ. ولَمَّا ركَّبَ اللهُ فيهنَّ العقولَ، وخطابُ مَن يعقل جمعُهن جمع مَن يعقلُ كما قال تعالَى :﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾[الأنبياء: ٣٣] ولو جمعَهن جمعَ مَن لا يعقلُ لقيلَ : طَائِعَاتٍ.
ويقالُ في معناهُ : أتَينا نحنُ مَن فينا طائعينَ، وإنَّما ذكرَ تارة بلفظِ التَّثنيةِ وتارةً بلفظ الجمعِ ؛ لأن السَّموات والأرضِ شيئان من حيث الجنسُ بمنْزِلة الفئتين (والطائعين)، فقيلَ لَهما : ائْتِيَا، ثُم السَّموات بنفسِها جماعةٌ، وكذلك الأرضُ، فلذلك قالتَا :﴿أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾. وانتصب (طَوْعاً) و (كَرْهاً) على معنى أطِيعَا طاعةً أو تُكرَهَانِ كَرْهاً.
وبلَغَنا أن بعضَ الأنبياءِ قالَ : يا ربِّ ؛ لو أنَّ السَّمواتِ والأرضَ حين قُلْتَ لَهما ﴿ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ عصَياكَ ما كُنْتَ صانِعاً بهما ؟ قال : كنتُ آمُرُ دابَّة من دوابي فتبتلعهُما. قال : فأينَ تلك الدابةُ ؟ قال : في مَرْجٍ من مُروج، قال : وأين ذلكَ الْمَرْجُ ؟ قال : فِي علمٍ من عُلومِي.
فصلت 41:12
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ ؛ أي صَنَعَهُنَّ وأحكَمَهن وأتَمَّ خَلْقَهن سَبع سَمواتٍ بعضُها فوق بعضٍ بما فيهنَّ من الشمسِ والقمر والنجومِ، ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾، في يوم الخميسِ والجمُعة، فَتَمَّ خلقُ السموات والأرض في ستَّة أيامٍ.
لفظُ القََضَاءِ في اللغة بمعنى الإتْمَامِ، ومِن ذلك : انقضاءُ الشَّيء إذا تَمَّ، وقضَى فلانٌ إذا ماتَ ؛ لأنه تَمَّ عمرهُ، وقال الشاعرُ : وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَان قََضَاهُمَا دَاودُ أوْ صَنَعُ السَّوَابغِ تُبَّعُعَمِلَهما وصَنَعَهُمَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾ ؛ قال قتادةُ :(يَعْنِي خَلْقَ شَمْسِهَا وَقَمَرِهَا وَنُجُومِهَا، وَخَلَقَ فِي كُلِّ سَمَاءٍ خَلْقَهَا مِنَ الْمَلاَئِكَةِ وَالْخَلْقِ الَّذِي فِيْهَا مِنَ الْبحَار وَجِبَالِ الْبَرِّ وَمَا لاَ يَعْلَمُهُ إلاَّ هُوَ). وَقِيْلَ : أمَرَ في كلِّ سَماءٍ بما أرادَ. وَقِيْلَ : أوحَى إلى أهلِ كلِّ سَمَاءٍ ما يصلحُها به مِن أمرهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَزَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ ؛ أي زَيَّنَا السَّمَاءَ القُربَى إلى الأرضِ بمصابيحَ وهي النجومُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَحِفْظاً﴾ ؛ أي وحَفِظْنَاهَا بالنُّجوم من استراقِ الشَّياطين السمعَ حِفْظاً.
وَقِيْلَ : انتصبَ (حِفْظاً) على تقديرِ : وزيَّنَّا السَّماءَ الدُّنيا بمصابيحَ زينةً وحِفظاً، فبعضُ النَّجوم زينةٌ للسَّماء لا يتحرَّكُ، وبعضُها يُهتدَى بها في ظُلمات البَرِّ والبحرِ، وبعضُها رجومٌ للشَّياطينِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ؛ أي ذلكَ الذي سَبَقَ ذِكْرُهُ ؛ تقديرهُ : الْعَزِيْزُ في مُلكهِ القادرُ القاهرُ الذي لا يلحقهُ عَجْزٌ ولا يَعْتَرِيهِ سهوٌ ولا جهل، أحكَمَ ذلك كلَّهُ وأتقنَهُ حتى لا يدخلَهُ الخللُ مدَى الدُّهور.
فصلت 41:13
قًوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ * إِذْ جَآءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ﴾ ؛ الآيةُ، وذلكَ أنَّ الْمَلأَ مِنْ قُرَيْشٍ قَالُواْ : قَدِ الْتَبَسَ عَلَيْنَا أمْرُ مُحَمَّدٍ، فَلَوِ الْتَمَسْتُمْ رَجُلاً عَالِماً بالشِّعْرِ وَالْكَهَانَةِ وَالسِّحْرِ فَأَتَاهُ وَكَلَّمْنَاهُ، وَأتَانَا ببَيَانِ أمْرِهِ. فَقَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبيْعَةَ : وَاللهِ لَقَدْ سَمِعْتُ الشِّعْرَ وَالْكَهَانَةَ وَالسِّحْرَ، وَعَلِمْتُ مِنْ ذلِكَ عِلْماً لاَ يَخْفَى عَلَيَّ إنْ كَانَ كَذلِكَ.
فَمَضَى عُتْبَةُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْحَطِيْمِ، فَكَلَّمَهُ وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً إلاَّ قَالَهُ، وََكَانَ عُتْبَةُ مِنْ أحْسَنِ النَّاسِ حَدِيْثاً، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ أنْتَ خَيْرٌ أمْ هَاشِم ؟ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ الْمُطََّلِب ؟ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ اللهِ ؟ فِيْمَ تَشْتُمُ آلِهَتَنَا وَتُضَلِّلُ آبَاءَنَا ؟ فَإنْ كَانَ ذلِكَ طَلَباً لِلرِّئَاسَةِ عَقَدْنَا لَكَ ألْوِيَتَنَا وَكُنْتَ رَأسَنَا مَا بَقِيْتَ، وَإنْ كَانَ لَكَ الْبَاءهُ زَوَّجْنَاكَ عَشْرَ نِسْوَةٍ مِمَّنْ تَخْتَارُ مِنْ بَنَاتِ قُرَيْشٍ، وَإنْ كَانَ بكَ الْمَالُ جَمَعْنَا لَكَ مَا تَسْتَغْنِي بهِ أنْتَ وَعَقِبُكَ مِنْ بَعْدِكَ. وَرَسُولُ اللهِ ﷺ سَاكِتٌ لاَ يَتَكَلَّمُ.
فَلَمَّا فَرَغَ عُتْبَةُ مِنْ كَلاَمِهِ قَرَأ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ ﴿حـم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَـانِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ...﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾. فَوَثَبَ عُتْبَةُ فَزَعاً مَخَافَةَ أنْ يُصَبَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ الَّذِي خَوَّفَهُ بهِ النَّبيُّ صلى اله عليه وسلم، فَأَتَى قَوْمَهُ مَذْعُوراً وَأقْسَمَ لاَ يُكَلِّمُ مُحَمَّداً بَعْدَهَا أبَداً.
فَقَالَ لَهُ أبُو جَهْلٍ : لَعَلَّكَ صَبَوْتَ إلَى مُحَمَّدٍ، وَمَا ذاكَ إلاَّ مِنْ حَاجَةٍ أصَابَتْكَ، وَإنْ كَانَ بكَ حَاجَةٌ جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أمْوَالِنَا مَا يُغْنِيْكَ عَنْ مُحَمَّدٍ! فَغَضِبَ عُتْبَةُ وَقَالَ : وَاللهِ لَقَدْ كَانَ أبي مِنْ أكْثَرِ قُرَيْشٍ مَالاً، وَلَكِنْ أتَيْتُهُ وَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَأَجَابَنِي بشَيْءٍ وَاللهِ مَا هُوَ بشِعْرٍ وَلاَ كَهَانَةٍ وَلاَ سِحْرٍ، وَاللهِ مَا اهْتَدَيْتُ لِجَوَابهِ. فَقَالَ حَرْثُ بْنُ عَلْقَمَةَ : وَاللهِ لَقَدْ أفْسَدَ هَذا الرَّجُلُ دِيْنَنَا وَفَرَّقَ بَيْنَ كَلِمَتِنَا، وَأيْمِ اللهِ لَئِنْ بَقِيَ هَذا الرَّجُلُ وَيُقِيْمُ لَيَكُونَنًّ بَطْنُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا، وَسَيَبيْنُ ذلِكَ لَكُمْ إذا خَرَجَ مِنْكُمْ إلَى غَيْرِكُمْ، فَذرُوهُ مَا تَرَكَكُمْ.
ومعنى الآيةِ : فإنْ أعرَضُوا عنِ الإيْمَانِ بكَ ولَمْ يقبَلوا قولكَ بعد هذا البيانِ، فقُلْ : خوَّفْتُكم عَذاباً مثلَ عذاب قوم هودٍ وقوم صالِح. والصَّاعِقَةُ : هو الهلاكُ على حالةٍ هائلةٍ.
وقولهُ تعالى :﴿إِذْ جَآءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ أي إذا جاءتهم الرسلُ إلى مَن كان قبلَهُم فعلِمُوا بتواترِ الأخبار. ثم إنَّهم الرسلُ أيضاً من خَلَفِ مَن كان قبلَهم بأن لا يعبدُوا إلاّ اللهَ، ﴿قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً﴾ ؛ أي لو شاءَ رَبُّنا أنْ ينَزِّلَ إلينا رسُولاً لأنزلَ ملائكةً من جُندهِ، ﴿فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ ؛ ما أنتم إلاّ بشرٌ مثلُنا. ويجوز أن يكونَ معنى ﴿مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ بأن الرُّسُلَ أتَتْهُمْ من جميعِ جِهاتِهم.
فصلت 41:14
قًوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ * إِذْ جَآءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ﴾ ؛ الآيةُ، وذلكَ أنَّ الْمَلأَ مِنْ قُرَيْشٍ قَالُواْ : قَدِ الْتَبَسَ عَلَيْنَا أمْرُ مُحَمَّدٍ، فَلَوِ الْتَمَسْتُمْ رَجُلاً عَالِماً بالشِّعْرِ وَالْكَهَانَةِ وَالسِّحْرِ فَأَتَاهُ وَكَلَّمْنَاهُ، وَأتَانَا ببَيَانِ أمْرِهِ. فَقَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبيْعَةَ : وَاللهِ لَقَدْ سَمِعْتُ الشِّعْرَ وَالْكَهَانَةَ وَالسِّحْرَ، وَعَلِمْتُ مِنْ ذلِكَ عِلْماً لاَ يَخْفَى عَلَيَّ إنْ كَانَ كَذلِكَ.
فَمَضَى عُتْبَةُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْحَطِيْمِ، فَكَلَّمَهُ وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً إلاَّ قَالَهُ، وََكَانَ عُتْبَةُ مِنْ أحْسَنِ النَّاسِ حَدِيْثاً، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ أنْتَ خَيْرٌ أمْ هَاشِم ؟ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ الْمُطََّلِب ؟ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ اللهِ ؟ فِيْمَ تَشْتُمُ آلِهَتَنَا وَتُضَلِّلُ آبَاءَنَا ؟ فَإنْ كَانَ ذلِكَ طَلَباً لِلرِّئَاسَةِ عَقَدْنَا لَكَ ألْوِيَتَنَا وَكُنْتَ رَأسَنَا مَا بَقِيْتَ، وَإنْ كَانَ لَكَ الْبَاءهُ زَوَّجْنَاكَ عَشْرَ نِسْوَةٍ مِمَّنْ تَخْتَارُ مِنْ بَنَاتِ قُرَيْشٍ، وَإنْ كَانَ بكَ الْمَالُ جَمَعْنَا لَكَ مَا تَسْتَغْنِي بهِ أنْتَ وَعَقِبُكَ مِنْ بَعْدِكَ. وَرَسُولُ اللهِ ﷺ سَاكِتٌ لاَ يَتَكَلَّمُ.
فَلَمَّا فَرَغَ عُتْبَةُ مِنْ كَلاَمِهِ قَرَأ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ ﴿حـم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَـانِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ...﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾. فَوَثَبَ عُتْبَةُ فَزَعاً مَخَافَةَ أنْ يُصَبَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ الَّذِي خَوَّفَهُ بهِ النَّبيُّ صلى اله عليه وسلم، فَأَتَى قَوْمَهُ مَذْعُوراً وَأقْسَمَ لاَ يُكَلِّمُ مُحَمَّداً بَعْدَهَا أبَداً.
فَقَالَ لَهُ أبُو جَهْلٍ : لَعَلَّكَ صَبَوْتَ إلَى مُحَمَّدٍ، وَمَا ذاكَ إلاَّ مِنْ حَاجَةٍ أصَابَتْكَ، وَإنْ كَانَ بكَ حَاجَةٌ جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أمْوَالِنَا مَا يُغْنِيْكَ عَنْ مُحَمَّدٍ! فَغَضِبَ عُتْبَةُ وَقَالَ : وَاللهِ لَقَدْ كَانَ أبي مِنْ أكْثَرِ قُرَيْشٍ مَالاً، وَلَكِنْ أتَيْتُهُ وَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَأَجَابَنِي بشَيْءٍ وَاللهِ مَا هُوَ بشِعْرٍ وَلاَ كَهَانَةٍ وَلاَ سِحْرٍ، وَاللهِ مَا اهْتَدَيْتُ لِجَوَابهِ. فَقَالَ حَرْثُ بْنُ عَلْقَمَةَ : وَاللهِ لَقَدْ أفْسَدَ هَذا الرَّجُلُ دِيْنَنَا وَفَرَّقَ بَيْنَ كَلِمَتِنَا، وَأيْمِ اللهِ لَئِنْ بَقِيَ هَذا الرَّجُلُ وَيُقِيْمُ لَيَكُونَنًّ بَطْنُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا، وَسَيَبيْنُ ذلِكَ لَكُمْ إذا خَرَجَ مِنْكُمْ إلَى غَيْرِكُمْ، فَذرُوهُ مَا تَرَكَكُمْ.
ومعنى الآيةِ : فإنْ أعرَضُوا عنِ الإيْمَانِ بكَ ولَمْ يقبَلوا قولكَ بعد هذا البيانِ، فقُلْ : خوَّفْتُكم عَذاباً مثلَ عذاب قوم هودٍ وقوم صالِح. والصَّاعِقَةُ : هو الهلاكُ على حالةٍ هائلةٍ.
وقولهُ تعالى :﴿إِذْ جَآءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ أي إذا جاءتهم الرسلُ إلى مَن كان قبلَهُم فعلِمُوا بتواترِ الأخبار. ثم إنَّهم الرسلُ أيضاً من خَلَفِ مَن كان قبلَهم بأن لا يعبدُوا إلاّ اللهَ، ﴿قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً﴾ ؛ أي لو شاءَ رَبُّنا أنْ ينَزِّلَ إلينا رسُولاً لأنزلَ ملائكةً من جُندهِ، ﴿فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ ؛ ما أنتم إلاّ بشرٌ مثلُنا. ويجوز أن يكونَ معنى ﴿مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ بأن الرُّسُلَ أتَتْهُمْ من جميعِ جِهاتِهم.
فصلت 41:15
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُواْ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ؛ أي تَعَظَّمُوا عن الإيْمانِ بنبيهم وأعجبَتْهم أجسامهم، ﴿وَقَالُواْ﴾ ؛ لنَبيِّهم :﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ ؛ بالبَدَنِ فيهلِكَنا، وذلك أنَّ هُوداً عليه السلام خوَّفَهم وهدَّدَهم بالعذاب، فقالوا : نحن نقدرُ على دفعهِ بفضل قوَّتنا، وكانت لَهم أجسامٌ طويلة وخَلْقٌ عظيمٌ، فلما أَتَتْهُمُ الريحُ قاموا ليصدُّون عنهم فحملَتْهم إلى عَنَانِ السَّماء ثُم صرَعتهم على وجوهِهم ثُم ألقت عليهم الرَّملَ حتى غطَّتهم، وكان يُسمَعُ أنينُهم تحتَ التُّراب حتى أهلكَهم اللهُ.
فلمَّا قالوا لنَبيِّهم :﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ قَالَ اللهُ تَعَالَى رَدّاً عليهم :﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ ؛ لأن الخالقَ للشَّيءِ لا بدَّ أن تكون له مِزْيَةٌ على خلقهِ، ﴿وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ ؛ أي يكفُرون.
فصلت 41:16
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً﴾ ؛ أي عَاصِفاً شديدَ الصَّوتِ، مأخوذٌ من الصَّرَّةِ وهي الصيحةُ، وقال ابنُ عبَّاس :(يَعْنِي الْبَاردَةَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الصَّرِّ وَهُوَ الْبَرْدُ). قال الفرَّاءُ :(هِيَ الْبَاردَةُ تُحْرِقُ كَمَا تُحْرِقُ النَّارُ) وَهِيَ رِيْحٌ بَاردَةٌ شَدِيْدَةُ الْهُبُوب، ذاتُ صَوْتٍ تُحْرِقُ كَالنَّار.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ﴾ ؛ أي نَكِدَاتٍ مَشْؤُومَاتٍ عليهم، ذاتِ نُحُوسٍ، قال ابنُ عبَّاس :(كَانُواْ يَتَشَاءَمُونَ بتِلْكَ الأَيَّامِ). قرأ ابنُ عامرٍ وأهل الكوفة (نَحِسَاتٍ) بكسرِ الحاءِ، وقرأ الباقون بسكونِها، يقالُ : يَوْمُ نَحْسٍ وَنَحِسٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ؛ أي عذابُ الْهَوْنِ وَالذُّلِّ وهو العذابُ الذي يُخزَونَ به، والْخِزْيُ والفَضِيحَةُ والنَّكَالُ كلُّه بمعنى واحدٍ، ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ﴾، وعذابُ الآخرةِ أبلغُ في الْمَذلَّةِ وأبقَى وأشدُّ، لا يدفعُ عنهم ولا يخفَّفُ عنهم.
فصلت 41:17
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ ؛ أي وأمَّا ثَمُودٌ فَبَيَّنَّا لَهم سبيلَ الْهُدَى ودعَونَاهم ودلَلْناهم على الخيرِ بإرسال الرُّسلِ، فاختارُوا الكُفْرَ على الإيْمَانِ بعد أنْ أرَينَاهُم الأدلَّة وأخرجنا لَهم ناقةً عَشْرَاءَ من صخرةٍ ملسَاءَ، ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾، أي ذِي الْهَوَانِ، ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، بكُفرِهم وعَقْرِهم الناقةَ، ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ؛ بصَالِح، ﴿وَكَانُواْ يتَّقُونَ﴾ ؛ الشِّركَ والكبائرَ.
فصلت 41:18
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ ؛ أي وأمَّا ثَمُودٌ فَبَيَّنَّا لَهم سبيلَ الْهُدَى ودعَونَاهم ودلَلْناهم على الخيرِ بإرسال الرُّسلِ، فاختارُوا الكُفْرَ على الإيْمَانِ بعد أنْ أرَينَاهُم الأدلَّة وأخرجنا لَهم ناقةً عَشْرَاءَ من صخرةٍ ملسَاءَ، ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾، أي ذِي الْهَوَانِ، ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، بكُفرِهم وعَقْرِهم الناقةَ، ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ؛ بصَالِح، ﴿وَكَانُواْ يتَّقُونَ﴾ ؛ الشِّركَ والكبائرَ.
فصلت 41:19
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ ؛ قرأ نافعُ ويعقوب (نَحْشُرُ) بنونٍ مفتوحة وضمِّ الشِّين، ونصب (أعْدَاءَ)، وقرأ الباقونَ (يُحْشَرُ) بالياء المضمومةِ ورفعِ (أعْدَاءُ). ومعنى الآيةِ : وأنْذِرْهُم يومَ يُجمَعُ أعداءُ اللهِ ويُساقونَ إلى النار بالعُنفِ، وقولهُ تعالى ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي يُحبَسُ أوَّلُهم على آخرِهم ليتلاحَقُوا ثُم يقذفُون في النار.
فصلت 41:20
وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى إِذَا مَا جَآءُوهَا﴾ ؛ أي حتَّى إذا جَاءُوا النارَ التي لم يقذفوا ثم يقذفون في النار. قولهُ تعالى : حُشِر أعداءُ الله حُبسُوا عندَها وهم يُعَاينُونَها، ويقالُ لَهم : أينَ شُركاؤُكم الذين كنتم تَزعُمون، فيجْحَدُون ويقولونَ : واللهِ ربنا ما كُنا مشركينَ، فعند ذلك يُخْتَمُ على أفواهِهم وتُسْتَنْطَقُ جوارحُهم ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ﴾، وكلُّ عُضوٍ من أعضَائِهم بما ارتكَبُوا من الكُفرِ والمعاصِي.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(يُرِيْدُ فُُرُوجَهُمْ، كَنَّى عَنْهَا بالْجُلُودِ). وَقِيْلَ : الجلودُ الجوارحُ، ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ﴾، فيقولُ الكفَّار لجلودِهم بَعدَما يُرَدُّ النطقُ إلى ألسِنتهم :﴿لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا﴾ ؛ وعمِلتُم على هلاكِنا، ﴿قَالُواْ أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ؛ وتَمَّ الكلامُ.
ثُم قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ؛ أي ليسَ إنطاقهُ الجلودَ أبدعَ من خلقهِ إيَّاكم ابتداءً وإعادةً بعد الموتِ، وليس هذا مِن كلامِ الجلود.
فصلت 41:21
وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى إِذَا مَا جَآءُوهَا﴾ ؛ أي حتَّى إذا جَاءُوا النارَ التي لم يقذفوا ثم يقذفون في النار. قولهُ تعالى : حُشِر أعداءُ الله حُبسُوا عندَها وهم يُعَاينُونَها، ويقالُ لَهم : أينَ شُركاؤُكم الذين كنتم تَزعُمون، فيجْحَدُون ويقولونَ : واللهِ ربنا ما كُنا مشركينَ، فعند ذلك يُخْتَمُ على أفواهِهم وتُسْتَنْطَقُ جوارحُهم ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ﴾، وكلُّ عُضوٍ من أعضَائِهم بما ارتكَبُوا من الكُفرِ والمعاصِي.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(يُرِيْدُ فُُرُوجَهُمْ، كَنَّى عَنْهَا بالْجُلُودِ). وَقِيْلَ : الجلودُ الجوارحُ، ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ﴾، فيقولُ الكفَّار لجلودِهم بَعدَما يُرَدُّ النطقُ إلى ألسِنتهم :﴿لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا﴾ ؛ وعمِلتُم على هلاكِنا، ﴿قَالُواْ أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ؛ وتَمَّ الكلامُ.
ثُم قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ؛ أي ليسَ إنطاقهُ الجلودَ أبدعَ من خلقهِ إيَّاكم ابتداءً وإعادةً بعد الموتِ، وليس هذا مِن كلامِ الجلود.
فصلت 41:22
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ﴾ ؛ معناهُ : ما كنتم تَستَتِرُونَ بالمعاصِي عن الناسِ مخافةً مِن أن تشهدَ عليكم هذه الجوارحُ في الآخرةِ ؛ لأنَّكم ما كنتم تظنُّونَ ذلكَ، ﴿وَلَـاكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ؛ ولكن عمِلتُم بالمعاصِي عَمَلَ مَن يظُنُّ أنَّ الله لا يعلمُ بما يعملهُ في السرِّ. قال ابنُ عبَّاس :(كَانَ الْكُفَّارُ يَقُولُونَ : إنَّ اللهَ لاَ يَعْلَمُ مَا فِي أنْفُسِنَا وَلَكِنَّهُ يَعْلَمُ مَا يَظْهَرُ!).
فصلت 41:23
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ﴾ ؛ أي ظنكم أن الله لا يعلم ما تعملون، ﴿أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ الُخَاسِرِينَ﴾ ؛ أي أهلَكَكُم فصِرتُم من المنبذين بالوِزْر والعقوبةِ. وَقِيْلَ : معنى ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ أي طَرَحَكم في النار.
فصلت 41:24
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِن يَصْبِرُواْ فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ ؛ أي فإنْ يُمسِكُوا عن الاستغاثةِ ولم ينطقوا بشكوَى فالنارُ مسكنٌ لَهم منتقمةٌ منهم، ﴿وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ ؛ أي وإنْ يطلبُوا العُتْبَى وهي الرِّضَا فمَاهُم عن " أنْ " يطلبُوا رضَاهُم ويقبلُ عُذْرُهم. يقالُ : أعْتَبَنِي فلانٌ ؛ أي أرْضَانِي بعدَ اسْتِخَاطِهِ إيَّايَ، وَاسْتَعْتَبْتُهُ طلبتُ منه أن يَعْتَبَ أي يرضَى.
فصلت 41:25
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ﴾ ؛ معناهُ : سبَّبنا لَهم أعوَاناً وقُرَنَاءِ من الشَّياطين حتى أضَلُّوهم وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ ؛ من أمرِ الآخرةِ أنْ لا جنَّةَ ولا نارَ ولا بعث ولا حسابَ، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ؛ من أمرِ الدُّنيا أن لا يُنفِقُوا في وجوهِ البرِّ، وأن يتلَذذُوا في الدُّنيا ويجمَعُوا الأموالَ، ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ ؛ أي وجبَ عليهم، ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ﴾.
فصلت 41:26
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـاذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ ؛ وذلك أنَّ كفارَ قريشٍ قالوا لأتْبَاعِهم : لاَ تَسْمَعُواْ هَذا الْقُرْآنَ الَّذِي يَقْرَؤُهُ عَلَيْكُمْ مُحَمَّدٌ، فَإذا سَمِعْتُمُوهُ يَقْرَأُ فَارْفَعُواْ أصْوَاتَكُمْ بالأشْعَار وَالأرَاجِيْزِ وَالْغُواْ فِيْهِ بالْمِكَاءِ وَالصَّفيرِ، وقَابلُوهُ بكَلامِ اللَّغْوِ حتى تَغْلِبُوهُ فَيَسْكُتَ.
فصلت 41:27
يقولُ اللهُ تعالى :﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ ؛ أي في الدُّنيا بالقتلِ والأسرِ، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، ولنُعاقِبَنَّهم في الآخرةِ بعذابٍ أشدَّ مِن عذابهم في الدُّنيا، ﴿ذَلِكَ﴾ ؛ العذابُ، ﴿جَزَآءُ أَعْدَآءِ اللَّهِ﴾. وقولهُ تعالى :﴿النَّارُ﴾ ؛ بدلٌ مِن العذاب ؛ أي بدلٌ من قولهِ ﴿جَزَآءُ أَعْدَآءِ اللَّهِ﴾. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ﴾ ؛ أي لَهم في النَّار دارُ الإقامةِ، ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ ؛ يعني الْقُرْآنَ جَحَدُوا أنه مِن عند اللهِ.
فصلت 41:28
يقولُ اللهُ تعالى :﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ ؛ أي في الدُّنيا بالقتلِ والأسرِ، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، ولنُعاقِبَنَّهم في الآخرةِ بعذابٍ أشدَّ مِن عذابهم في الدُّنيا، ﴿ذَلِكَ﴾ ؛ العذابُ، ﴿جَزَآءُ أَعْدَآءِ اللَّهِ﴾. وقولهُ تعالى :﴿النَّارُ﴾ ؛ بدلٌ مِن العذاب ؛ أي بدلٌ من قولهِ ﴿جَزَآءُ أَعْدَآءِ اللَّهِ﴾. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ﴾ ؛ أي لَهم في النَّار دارُ الإقامةِ، ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ ؛ يعني الْقُرْآنَ جَحَدُوا أنه مِن عند اللهِ.
فصلت 41:29
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ ؛ معناهُ : يقولُ الَّذين كفَرُوا في النار : يا رَبَّنَا أرنَا اللَّذينِ أضَلاَّنا عن الحقِّ. قال بعضُهم : يريدُ به إبليسَ وقابيلَ أوَّلَ مَن أحدثَ المعصيةَ في بنِي آدمَ، ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ ؛ أي أسْفَلَ منَّا في النار، ﴿لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ﴾ ؛ في الدَّرَكِ الأسْفَلِ. وَقِيْلَ : معناهُ : ليَكونَا أشَدَّ عذاباً منَّا.
فصلت 41:30
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ﴾ ؛ أي إنَّ الذين وحَّدُوا اللهََ، ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُواْ﴾، على الإيْمَانِ ولَم يشرِكُوا. وكان الحسنُ إذا قرأ هذه الآيةَ قال :(اللَّهُمَّ أنْتَ رَبُّنَا فَارْزُقْنَا الاسْتِقَامَةَ).
وقال أبُو بكرٍ رضي الله عنه :(يَعْنِي ثُمَّ اسْتَقَامُواْ عَلَى أنَّ اللهَ رَبٌ لَهُمْ)، وقال مجاهدُ :(هُمُ الَّذِيْنَ لَمْ يُشْرِكُواْ بهِ شَيْئاً حَتَّى يَلْقَوْهُ). وقال بعضُهم : يعني الاستقامةَ على أداءِ الفرائضِ ولُزومِ السُّنة. وروي عن عُمر رضي الله عنه :(اسْتَقَامُواْ للهِ بطَاعَتِهِ وَلَمْ يَرُوغُواْ رَوَغَانَ الثَّعَالِب).
وقوله :﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ﴾ ؛ يعني قَبْضَ أرواحِهم فتقولُ لَهم :﴿أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ؛ أي لا تَخافُوا ما أنتم وَاقِفُونَ عليه، ولا تَحزَنُوا على الدُّنيا وأهلِها، وتقولُ لَهم عند خُروجِهم حين يَرَونَ أهوالَ القيامةِ :﴿نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ ؛ تولَّينَاكم وحَفِظْنَا أعمالَكم، ونتولاَّكم في الآخرةِ ونحفَظُكم.
وعن ثابتٍ أنه قالَ :(بَلَغَنَا أنَّ الْمُؤْمِنَ إذا خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَظَرَ إلَى حَافِظِيْنَ قَائِمِيْنَ عَلَى رَأسِهِ يَقُولاَنِ لَهُ : لاَ تَخَفِ الْيَوْمَ وَلاَ تَحْزَنْ وَأَبْشِرْ بالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتَ تُوعَدُ).
وقال عثمانُ رضي الله عنه في معنى قولهِ :(ثُمَّ اسْتَقَامُواْ : ثُمَّ أخْلَصُواْ الْعَمَلَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ). وقال مجاهدُ وعكرمة :(مَعْنَاهُ : ثُمَّ اسْتَقَامُواْ عَلَى شَهَادَةِ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ حَتَّى لَحِقُوا باللهِ).
وقال مقاتلُ :(اسْتَقَامُواْ عَلَى الْمَعْرِفَةِ، وَلَمْ يَرْتَدُّوا، تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ) فِي ثَلاَثِ مَوَاطِن : عِنْدَ الْمَوْتِ، وَفِي الْقَبْرِ، وَفِي وَقْتِ الْبَعْثِ : أنْ لاَ تَخَافُواْ عَلَى صَنِيعِكُمْ وَلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مُخَلِّفِيكُمْ.
وقال مجاهدُ :(أنْ لاَ تَخَافُواْ عَلَى مَا تُقْدِمُونَ عَلَيْهِ مِنْ أمْرِ الآخِرَةِ، وَلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى خِلْفَتِكُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ وَلَدٍ وَأهْلٍ، فَإنَّهُ سَيَخْلِفُكُمْ فِي ذلِكَ كُلِّهِ). وقال السديُّ :(لاَ تَخَافُواْ مِنْ ذُنُوبكُمْ فَإنِّي أغْفِرُهَا لَكُمْ).
وقال بعضُهم : معنى هذه الآيةِ : أنَّ الذين قالُوا :﴿رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ﴾ بالوفاءِ على ترك الْخَنَى تَتَنَزَّلُ عليهمُ الملائكةُ بالرِّضَى : أن لا تخافُوا من الغِنَى ولا تحزنُوا على الغنَى وأبْشِرُوا بالبَقاءِ مع الذي كنتم توعدونَ من اللقاءِ. وَقِيْلَ : معناهُ : ألاَّ تَخافُوا فلا خوفٌ على أهلِ الاستقامةِ، ولا تَحزنُوا فإن لكم أنواعَ الكرامةِ وأبشِرُوا بالجنةِ التي هي دارُ السَّلامةِ، لا تخافُوا فعل دِينِ الله إنِ استقمتُم، ولا تحزَنُوا، فبحبلِ اللهِ اعتصَمتُم، وأبْشِرُوا بالجنةِ إن تُبْتُمْ لا تخافوا ما دُمتم ولا تحزنوا فقد نِلتُمْ ما طلبتم، وأبشِرُوا بالجنةِ التي فيها رَغِبْتم، ولا تحزنوا فأنتم أهلُ الإيْمانِ، ولا تحزنوا وأنتم أهلُ الغفرانِ، وأبشِرُوا بالجنةِ التي هي دارُ الرِّضوانِ، لا تخافوا وأنتم أهلُ الشَّهادة، ولا تحزَنوُا فأنتم أهلُ السَّعادة، وأبشروا بالجنةِ التي هي دارُ الزِّيادة، لا تخافوا فأنتم أهلُ النَّوالِ، ولا تحزنوا فأنتم أهلُ الوصالِ، وابشروا بالجنة التي هي دارُ الحَلالِ، لا تخافوا فقد أمنتم الثُّبُورَ، ولا تحزنوا فإن لكم الحورَ، وأبشروا بالجنة التي هي دار السرور، ولا تخافوا فسعيُكم مشكورٌ، ولا تحزنوا فذنبُكم مغفورٌ، وابشروا بالجنة التي هي دار النور، لا تخافوا فطَالَما كنتم خائفينَ، ولا تحزنوا فقد كنتم عَارفين، وأبشِرُوا بالجنة التي عَجَزَ عنها وصفُ الواصفين، لا تخافُوا فأنتم مِن أهل الإيْمانِ، ولا تحزنوا فأنتم من أهلِ الحرمَان، وأبشِروا بالجنة التي هي دارُ الأمانِ.
فصلت 41:31
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ﴾ ؛ أي إنَّ الذين وحَّدُوا اللهََ، ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُواْ﴾، على الإيْمَانِ ولَم يشرِكُوا. وكان الحسنُ إذا قرأ هذه الآيةَ قال :(اللَّهُمَّ أنْتَ رَبُّنَا فَارْزُقْنَا الاسْتِقَامَةَ).
وقال أبُو بكرٍ رضي الله عنه :(يَعْنِي ثُمَّ اسْتَقَامُواْ عَلَى أنَّ اللهَ رَبٌ لَهُمْ)، وقال مجاهدُ :(هُمُ الَّذِيْنَ لَمْ يُشْرِكُواْ بهِ شَيْئاً حَتَّى يَلْقَوْهُ). وقال بعضُهم : يعني الاستقامةَ على أداءِ الفرائضِ ولُزومِ السُّنة. وروي عن عُمر رضي الله عنه :(اسْتَقَامُواْ للهِ بطَاعَتِهِ وَلَمْ يَرُوغُواْ رَوَغَانَ الثَّعَالِب).
وقوله :﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ﴾ ؛ يعني قَبْضَ أرواحِهم فتقولُ لَهم :﴿أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ؛ أي لا تَخافُوا ما أنتم وَاقِفُونَ عليه، ولا تَحزَنُوا على الدُّنيا وأهلِها، وتقولُ لَهم عند خُروجِهم حين يَرَونَ أهوالَ القيامةِ :﴿نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ ؛ تولَّينَاكم وحَفِظْنَا أعمالَكم، ونتولاَّكم في الآخرةِ ونحفَظُكم.
وعن ثابتٍ أنه قالَ :(بَلَغَنَا أنَّ الْمُؤْمِنَ إذا خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَظَرَ إلَى حَافِظِيْنَ قَائِمِيْنَ عَلَى رَأسِهِ يَقُولاَنِ لَهُ : لاَ تَخَفِ الْيَوْمَ وَلاَ تَحْزَنْ وَأَبْشِرْ بالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتَ تُوعَدُ).
وقال عثمانُ رضي الله عنه في معنى قولهِ :(ثُمَّ اسْتَقَامُواْ : ثُمَّ أخْلَصُواْ الْعَمَلَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ). وقال مجاهدُ وعكرمة :(مَعْنَاهُ : ثُمَّ اسْتَقَامُواْ عَلَى شَهَادَةِ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ حَتَّى لَحِقُوا باللهِ).
وقال مقاتلُ :(اسْتَقَامُواْ عَلَى الْمَعْرِفَةِ، وَلَمْ يَرْتَدُّوا، تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ) فِي ثَلاَثِ مَوَاطِن : عِنْدَ الْمَوْتِ، وَفِي الْقَبْرِ، وَفِي وَقْتِ الْبَعْثِ : أنْ لاَ تَخَافُواْ عَلَى صَنِيعِكُمْ وَلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مُخَلِّفِيكُمْ.
وقال مجاهدُ :(أنْ لاَ تَخَافُواْ عَلَى مَا تُقْدِمُونَ عَلَيْهِ مِنْ أمْرِ الآخِرَةِ، وَلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى خِلْفَتِكُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ وَلَدٍ وَأهْلٍ، فَإنَّهُ سَيَخْلِفُكُمْ فِي ذلِكَ كُلِّهِ). وقال السديُّ :(لاَ تَخَافُواْ مِنْ ذُنُوبكُمْ فَإنِّي أغْفِرُهَا لَكُمْ).
وقال بعضُهم : معنى هذه الآيةِ : أنَّ الذين قالُوا :﴿رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ﴾ بالوفاءِ على ترك الْخَنَى تَتَنَزَّلُ عليهمُ الملائكةُ بالرِّضَى : أن لا تخافُوا من الغِنَى ولا تحزنُوا على الغنَى وأبْشِرُوا بالبَقاءِ مع الذي كنتم توعدونَ من اللقاءِ. وَقِيْلَ : معناهُ : ألاَّ تَخافُوا فلا خوفٌ على أهلِ الاستقامةِ، ولا تَحزنُوا فإن لكم أنواعَ الكرامةِ وأبشِرُوا بالجنةِ التي هي دارُ السَّلامةِ، لا تخافُوا فعل دِينِ الله إنِ استقمتُم، ولا تحزَنُوا، فبحبلِ اللهِ اعتصَمتُم، وأبْشِرُوا بالجنةِ إن تُبْتُمْ لا تخافوا ما دُمتم ولا تحزنوا فقد نِلتُمْ ما طلبتم، وأبشِرُوا بالجنةِ التي فيها رَغِبْتم، ولا تحزنوا فأنتم أهلُ الإيْمانِ، ولا تحزنوا وأنتم أهلُ الغفرانِ، وأبشِرُوا بالجنةِ التي هي دارُ الرِّضوانِ، لا تخافوا وأنتم أهلُ الشَّهادة، ولا تحزَنوُا فأنتم أهلُ السَّعادة، وأبشروا بالجنةِ التي هي دارُ الزِّيادة، لا تخافوا فأنتم أهلُ النَّوالِ، ولا تحزنوا فأنتم أهلُ الوصالِ، وابشروا بالجنة التي هي دارُ الحَلالِ، لا تخافوا فقد أمنتم الثُّبُورَ، ولا تحزنوا فإن لكم الحورَ، وأبشروا بالجنة التي هي دار السرور، ولا تخافوا فسعيُكم مشكورٌ، ولا تحزنوا فذنبُكم مغفورٌ، وابشروا بالجنة التي هي دار النور، لا تخافوا فطَالَما كنتم خائفينَ، ولا تحزنوا فقد كنتم عَارفين، وأبشِرُوا بالجنة التي عَجَزَ عنها وصفُ الواصفين، لا تخافُوا فأنتم مِن أهل الإيْمانِ، ولا تحزنوا فأنتم من أهلِ الحرمَان، وأبشِروا بالجنة التي هي دارُ الأمانِ.
فصلت 41:32
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ﴾ ؛ أي إنَّ الذين وحَّدُوا اللهََ، ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُواْ﴾، على الإيْمَانِ ولَم يشرِكُوا. وكان الحسنُ إذا قرأ هذه الآيةَ قال :(اللَّهُمَّ أنْتَ رَبُّنَا فَارْزُقْنَا الاسْتِقَامَةَ).
وقال أبُو بكرٍ رضي الله عنه :(يَعْنِي ثُمَّ اسْتَقَامُواْ عَلَى أنَّ اللهَ رَبٌ لَهُمْ)، وقال مجاهدُ :(هُمُ الَّذِيْنَ لَمْ يُشْرِكُواْ بهِ شَيْئاً حَتَّى يَلْقَوْهُ). وقال بعضُهم : يعني الاستقامةَ على أداءِ الفرائضِ ولُزومِ السُّنة. وروي عن عُمر رضي الله عنه :(اسْتَقَامُواْ للهِ بطَاعَتِهِ وَلَمْ يَرُوغُواْ رَوَغَانَ الثَّعَالِب).
وقوله :﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ﴾ ؛ يعني قَبْضَ أرواحِهم فتقولُ لَهم :﴿أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ؛ أي لا تَخافُوا ما أنتم وَاقِفُونَ عليه، ولا تَحزَنُوا على الدُّنيا وأهلِها، وتقولُ لَهم عند خُروجِهم حين يَرَونَ أهوالَ القيامةِ :﴿نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ ؛ تولَّينَاكم وحَفِظْنَا أعمالَكم، ونتولاَّكم في الآخرةِ ونحفَظُكم.
وعن ثابتٍ أنه قالَ :(بَلَغَنَا أنَّ الْمُؤْمِنَ إذا خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَظَرَ إلَى حَافِظِيْنَ قَائِمِيْنَ عَلَى رَأسِهِ يَقُولاَنِ لَهُ : لاَ تَخَفِ الْيَوْمَ وَلاَ تَحْزَنْ وَأَبْشِرْ بالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتَ تُوعَدُ).
وقال عثمانُ رضي الله عنه في معنى قولهِ :(ثُمَّ اسْتَقَامُواْ : ثُمَّ أخْلَصُواْ الْعَمَلَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ). وقال مجاهدُ وعكرمة :(مَعْنَاهُ : ثُمَّ اسْتَقَامُواْ عَلَى شَهَادَةِ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ حَتَّى لَحِقُوا باللهِ).
وقال مقاتلُ :(اسْتَقَامُواْ عَلَى الْمَعْرِفَةِ، وَلَمْ يَرْتَدُّوا، تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ) فِي ثَلاَثِ مَوَاطِن : عِنْدَ الْمَوْتِ، وَفِي الْقَبْرِ، وَفِي وَقْتِ الْبَعْثِ : أنْ لاَ تَخَافُواْ عَلَى صَنِيعِكُمْ وَلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مُخَلِّفِيكُمْ.
وقال مجاهدُ :(أنْ لاَ تَخَافُواْ عَلَى مَا تُقْدِمُونَ عَلَيْهِ مِنْ أمْرِ الآخِرَةِ، وَلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى خِلْفَتِكُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ وَلَدٍ وَأهْلٍ، فَإنَّهُ سَيَخْلِفُكُمْ فِي ذلِكَ كُلِّهِ). وقال السديُّ :(لاَ تَخَافُواْ مِنْ ذُنُوبكُمْ فَإنِّي أغْفِرُهَا لَكُمْ).
وقال بعضُهم : معنى هذه الآيةِ : أنَّ الذين قالُوا :﴿رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ﴾ بالوفاءِ على ترك الْخَنَى تَتَنَزَّلُ عليهمُ الملائكةُ بالرِّضَى : أن لا تخافُوا من الغِنَى ولا تحزنُوا على الغنَى وأبْشِرُوا بالبَقاءِ مع الذي كنتم توعدونَ من اللقاءِ. وَقِيْلَ : معناهُ : ألاَّ تَخافُوا فلا خوفٌ على أهلِ الاستقامةِ، ولا تَحزنُوا فإن لكم أنواعَ الكرامةِ وأبشِرُوا بالجنةِ التي هي دارُ السَّلامةِ، لا تخافُوا فعل دِينِ الله إنِ استقمتُم، ولا تحزَنُوا، فبحبلِ اللهِ اعتصَمتُم، وأبْشِرُوا بالجنةِ إن تُبْتُمْ لا تخافوا ما دُمتم ولا تحزنوا فقد نِلتُمْ ما طلبتم، وأبشِرُوا بالجنةِ التي فيها رَغِبْتم، ولا تحزنوا فأنتم أهلُ الإيْمانِ، ولا تحزنوا وأنتم أهلُ الغفرانِ، وأبشِرُوا بالجنةِ التي هي دارُ الرِّضوانِ، لا تخافوا وأنتم أهلُ الشَّهادة، ولا تحزَنوُا فأنتم أهلُ السَّعادة، وأبشروا بالجنةِ التي هي دارُ الزِّيادة، لا تخافوا فأنتم أهلُ النَّوالِ، ولا تحزنوا فأنتم أهلُ الوصالِ، وابشروا بالجنة التي هي دارُ الحَلالِ، لا تخافوا فقد أمنتم الثُّبُورَ، ولا تحزنوا فإن لكم الحورَ، وأبشروا بالجنة التي هي دار السرور، ولا تخافوا فسعيُكم مشكورٌ، ولا تحزنوا فذنبُكم مغفورٌ، وابشروا بالجنة التي هي دار النور، لا تخافوا فطَالَما كنتم خائفينَ، ولا تحزنوا فقد كنتم عَارفين، وأبشِرُوا بالجنة التي عَجَزَ عنها وصفُ الواصفين، لا تخافُوا فأنتم مِن أهل الإيْمانِ، ولا تحزنوا فأنتم من أهلِ الحرمَان، وأبشِروا بالجنة التي هي دارُ الأمانِ.
فصلت 41:33
قولهُ تعالى :﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :(أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَا إلَى شَهَادَةِ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ)، وقال الحسنُ :(هُوَ الْمُؤْمِنُ أجَابَ اللهُ دَعْوَتَهُ وَدَعْوَةَ النَّاسِ إلَى مَا أجَابَ اللهُ فِيِْهِ دَعْوَتُهُ وَعَمِلَ صَالِحاً فِي إجَابَتِهِ) ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ؛ وقالت عائشةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا :(إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْمُؤَذِّنِيْنَ الَّذِيْنَ يَدْعُونَ إلَى الصَّلاَةِ وَيُصَلُّونَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإقَامَةِ).
فصلت 41:34
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ﴾ ؛ ولا تَستَوِي كلمةُ التَّوحيدِ وكلمةُ الشِّركِ، وَقِيْلَ : هُما الطاعةُ والمعصية، ويقالُ : الخِصْلَةُ الحميدةُ والخِصلة السيِّئةُ. وَقِيْلَ : الْحِلْمُ والجهلُ، والعَفْوُ والإساءةُ.
ودخولُ (لاَ) في قولهِ :﴿وَلاَ السَّيِّئَةُ﴾ زائدةٌ للتأكيدِ وبُعدِ المساواةِ ؛ لأن المعنى : لا تستَوِي الحسنةُ والسيئةُ، ومثلهُ قولُ الشاعرِ : مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللهِ فِعْلَـ هُمُ وَالطَّيِّبَانِ أبُو بَكْرٍ وَعُمَرُوَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ؛ أي ادْفَعِ السَّفَاهَةَ والعجَلةَ بالأنَاةِ وبالرِّفقِ، وذلك أنكَ إنْ لقِيتَ بعض مَن يضمرُ في نفسهِ عداوتَكَ فتبدأهُ بالسَّلام أو تبتسِمُ في وجهه لأن ذلكَ يلين لك قلبَهُ، ويسلَمْ لك صدرُهُ فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ؛ أي إذا فعلتَ ذلك صارَ الذي يُعادِيكَ صَديقاً قريباً لك. وتُسمِّي العربُ القريبَ حَمِيماً ؛ لأنه يَحمِي لِمَا يهُم صاحبهُ.
فصلت 41:35
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ ؛ أي ما يلقَى هذه الخِصلَةَ التي هي دفعُ السَّيئة بالحسنةِ إلاّ الذين صَبَرُوا على كَظْم الغَيْظِ واحتمالِ المكروهِ وصبَرُوا على طاعةِ الله، وصبَروا عن معصيتهِ، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَآ﴾، أي وما يُعْطَاها، ﴿إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ؛ من الخيرِ. وَقِيْلَ : مِن الصبرِ، وَقِيْلَ : الحظُّ العظيمُ الجنَّة، أي ما يُلَقَّاهَا إلاّ مَن وجبت له الجنةُ. وَقِيْلَ : الحظُّ العظيمُ القَدْر، العظيمُ عندَ الله.
فصلت 41:36
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ ؛ أي وإمَّا يلحقنَّكَ مِن الشيطانِ وَسْوَسَةٌ عند هفوةِ غيرِك وعندما يدعُو بكَ إلى معصيةِ الله فتصرِفُكَ الوسوسةُ عن الاحتمالِ، ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ ؛ أي اعْتَصِمْ باللهِ من شرِّ الشَّيطانِ، امْضِ على حُكْمِكَ، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ ؛ لِمقالَةِ أعدائِكَ، ﴿الْعَلِيمُ﴾ ؛ بهم وبمُجارَاتِهم.
ثُم ذكرَ اللهُ علاماتِ توحيدهِ ودلائل قُدرتهِ ؛ فقال :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الَّيلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ ؛ أي ومن آياتهِ الدَّالةِ على رُبُوبيَّتِهِ ووَحدَانِيَّتهِ الليلُ والنهارُ بما فيهما من المنافعِ والمقاصدِ، والشمسُ والقمرُ بما فيهما من البدائعِ، ﴿لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ ؛ أي لا تَعبدُوا الشمسَ والقمرَ، واعبدُوا اللهَ الذي خَلَقَهُنَّ، ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ؛ أي إنْ كُنتم تُرِيدونَ بعبادةِ الشَّمس والقمرِ عبادةَ اللهِ.
وذلك أنَّ قَوماً من الكفَّار يَسجُدونَ لَهما ويزعمونَ أنَّهم يتقرَّبون بذلكَ إلى اللهِ تعالى، فقيلَ لَهم : إنْ كنتم تريدون بذلكَ عبادةَ الله تعالى، فالسُّجود لِخالِقِهما أولَى من السُّجود لَهما.
فإنْ قِيْلَ : ما معنى قولهِ ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ والقمرُ مذكَّرٌ والشمسُ مؤنَّثة، والمذكَّرُ والمؤنث إذا اجتمَعا غلبَ المذكَّر ؟ قُلْنَا : إنَّ قوله (خَلَقَهُنَّ) راجعٌ إلى الآياتِ التي سَبَقَ ذكرُها في أوَّلِ هذه الآيةِ من الليل والنهار والشَّمسِ والقمر، ويكون ضميرُ ما لا يعقلُ على لفظ التأنيثِ كما يقالُ : هذه كِبَاشُ ذُبحْنَ وذُبحَتْ.
فصلت 41:37
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ ؛ أي وإمَّا يلحقنَّكَ مِن الشيطانِ وَسْوَسَةٌ عند هفوةِ غيرِك وعندما يدعُو بكَ إلى معصيةِ الله فتصرِفُكَ الوسوسةُ عن الاحتمالِ، ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ ؛ أي اعْتَصِمْ باللهِ من شرِّ الشَّيطانِ، امْضِ على حُكْمِكَ، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ ؛ لِمقالَةِ أعدائِكَ، ﴿الْعَلِيمُ﴾ ؛ بهم وبمُجارَاتِهم.
ثُم ذكرَ اللهُ علاماتِ توحيدهِ ودلائل قُدرتهِ ؛ فقال :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الَّيلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ ؛ أي ومن آياتهِ الدَّالةِ على رُبُوبيَّتِهِ ووَحدَانِيَّتهِ الليلُ والنهارُ بما فيهما من المنافعِ والمقاصدِ، والشمسُ والقمرُ بما فيهما من البدائعِ، ﴿لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ ؛ أي لا تَعبدُوا الشمسَ والقمرَ، واعبدُوا اللهَ الذي خَلَقَهُنَّ، ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ؛ أي إنْ كُنتم تُرِيدونَ بعبادةِ الشَّمس والقمرِ عبادةَ اللهِ.
وذلك أنَّ قَوماً من الكفَّار يَسجُدونَ لَهما ويزعمونَ أنَّهم يتقرَّبون بذلكَ إلى اللهِ تعالى، فقيلَ لَهم : إنْ كنتم تريدون بذلكَ عبادةَ الله تعالى، فالسُّجود لِخالِقِهما أولَى من السُّجود لَهما.
فإنْ قِيْلَ : ما معنى قولهِ ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ والقمرُ مذكَّرٌ والشمسُ مؤنَّثة، والمذكَّرُ والمؤنث إذا اجتمَعا غلبَ المذكَّر ؟ قُلْنَا : إنَّ قوله (خَلَقَهُنَّ) راجعٌ إلى الآياتِ التي سَبَقَ ذكرُها في أوَّلِ هذه الآيةِ من الليل والنهار والشَّمسِ والقمر، ويكون ضميرُ ما لا يعقلُ على لفظ التأنيثِ كما يقالُ : هذه كِبَاشُ ذُبحْنَ وذُبحَتْ.
فصلت 41:38
قًوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُواْ فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ؛ أي فإن تَكبَّرُوا عن عبادتِي والسجودِ لِي فالملائكةُ الذين عندَ ربكَ بقرب الكرامة والمنْزِلة يُصلُّون له بالليلِ والنهار، ويَنزِّهُونَهُ عن كلِّ ما لا يليقُ له، ﴿وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ﴾ ؛ أي لا يَميلُونََ على عبادتهِ ولا يَفْتَرُونَ.
واختلَفُوا في موضعِ السُّجود من هذه السُّورةِ ؛ فقال الحسنُ :(عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعْبُدُونَ). وهو قولُ الشَّافعي. وقا ابنُ عبَّاس ومسروقُ :(هُوَ عِنْدَ قَوْلِهِ : لاَ يَسْأَمُونَ) وهو قولُ عُلمائِنَا، وهو الأصحُّ لأنه موضِعُ تَمام الكلامِ.
فصلت 41:39
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ ؛ مِن آياتهِ الدَّالة على وحْدَانِيَّتِهِ وقُدرتهِ أنَّكَ ترَى الأرضَ مُغْبَرَّةً يابسةً لا نباتَ فيها، ﴿فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ ؛ تحرَّكت للنباتِ وانتفخَتْ وارتفعت له حتى يكادُ النباتُ يظهر، ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا﴾ ؛ بإنزالِ المطر، ﴿لَمُحْىِ الْمَوْتَى﴾ ؛ في الآخرة، ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ من الإحياءِ والإمَاتةِ.
فصلت 41:40
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ ؛ أي يَمِيلُونَ عن الحقِّ في آياتنا إلى جانب الباطل، قال مقاتلُ :(يَمِيلُونَ عَنِ الإيْمَانِ بالْقُرْآنِ)، وقال مجاهدُ :(يَلْحِدُونَ بآيَاتِنَا بالْمُكَاءِ وَاللَّغَطِ)، ﴿لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ﴾، بأَشْخَاصِهِمْ وَأفْعَالِهِمْ وَأقْوَالِهِمْ وَعَزَائِمِهْمِ. واللَّحْدُ واللِّحَادُ بمعنى واحدٍ وهو الْمَيْلُ، ومنهُ الْمُلْحِدُ لعدولهِ عن الحقِّ، ومنهُ اللَّحْدُ الذي في القَبرِ لأنه في جانبٍ منهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ؛ هو تقديرُ نفيِ المساواة بين الفريقينِ. قِيْلَ : المرادُ قولهُ ﴿أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ﴾ أبو جهل وجدلهُ ﴿خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ حمزة، وَقَوْلُهُ :﴿اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ؛ لفظهُ لفظُ الأمرِ، ومعناهُ التهديدُ والوعيدُ.
فصلت 41:41
وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ﴾ ؛ أي بالقُرْآنِ، ﴿لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ ؛ وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ ؛ محذوفُ الجواب، تقديرهُ :(إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ) سيَنْزِلُ لهم مِن العذاب ما هو مذكورٌ في الكتاب العزيزِ. والعَزِيزُ : هو الكريمُ على اللهِ. وَقِيْلَ : هو الممتنعُ على مَن يريدُ مُعَارَضَتَهُ وَتَغْييْرَهُ بزيادةٍ ونُقصانٍ.
فصلت 41:42
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ﴾ ؛ أي لا يأتيهِ التكذيبُ من الكتب التي قبلَهُ ولا يجيءُ بعده كتابٌ فيبطلهُ، وقال الزجَّّاج :(مَعْنَاهُ : أنَّهُ مَحْفُوظٌ مِنْ أنْ يُنْقَصَ مِنْهُ فَيَأْتِيْهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، أوْ يُزَادَ فِيْهِ فَيَأْتِيْهِ الْبَاطِلُ مِنْ خَلْفِهِ)، فمعنى الباطلِ على هذا الزيادةُ والنقصانُ. وفي عَينِ المعانِي :(الْبَاطِلُ إبْليْسُ).
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ؛ أي مُنَزَّلٌ من عالِمٍ بوجوه الحكمةِ، مستحقٍّ للحمدِ على خَلْقِهِ بإنعامهِ عليهم.
فصلت 41:43
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ ؛ فيه تسليةٌ للنبيِّ ﷺ على ما كان يلحقهُ من أذِيَّةِ قومهِ ؛ أي قد قيلَ للأنبياءِ قبلَكَ ساحرٌ، وكُذِّبُوا كما كُذِّبْتَ. ويجوزُ أن يكون معناهُ : ما أقولُ لكَ ولا آمرُكَ بتبليغِ الوحْيِ والرسالةِ إلاّ ما قد قيلَ للرُّسلِ قبلَكَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ رَبَّكَ ذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ ؛ أي لذُو مغفرةٍ لِمَن تابَ وآمنَ، وذُو عقابٍ ألِيْمٍ لِمَن ثابَ على الكُفرِ.
فصلت 41:44
وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ ؛ أي لو جعلناهُ قُرْآناً بلُغةٍ غير لغةِ العرب لقال العربُ : ولو بُيِّنَتْ آيَاتهُ بلغةِ العرب حتى نفهمَها عندَكَ بغيرِ مُترجمٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ ؛ استفهامٌ على وجهِ الاستبعادِ ؛ كأنَّهم قالُوا : كتابٌ أعجميٌّ ورسول عربيٌّ، كيف يكونُ هذا؟! فيُنْكِرونَهُ أشدَّ الإنكار. يقالُ : رجل أعجميٌّ إذا كان لا يُفْصِحُ سواءٌ كان مِن العرب أو العجمِ، ورجلُ عَجَمِيٌّ إذا كان مَنْسُوباً إلى العجمِ وإنْ كان فَصِيحاً، ورجلٌ أعْرَابيٌّ إذا كان مِن أهل الباديةِ سواءٌ كان من العرب أو لَم يكن، ورجلٌ عَرَبيٌّ إذا كان مَنْسُوباً إلى العرب وإن كان غيرَ فصيحٍ.
ومعنَى الآيةِ : أنَّهم كانوا يقولُونَ : إنَّ الْمُنَزَّلَ عليه عربيٌّ، والْمُنَزِّلُ أعجميٌّ، فكان ذلك أشدُّ لتكذيبهم، ﴿قُلْ﴾ ؛ يا مُحَمَّد :﴿هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ﴾ ؛ يعني القُرْآنَ هُدًى للذين آمَنُوا من الضَّلالةِ وشِفَاءٌ من الأوجاعِ. وقال مقاتلُ :(شِفَاءٌ لِمَا فِي الْقُلُوب بالْبَيَانِ الَّذِي فِيْهِ).
وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ ؛ أي إنَّهم في تَرْكِ القَبُولِ بمنْزِلَةِ الصُّمِّ العُمْيِ، وسيؤدِّيهم تكذيبُهم إلى العَمَى، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ ؛ أي عُمُوا عنِ القُرْآنِ وصُمُّوا عنه.
وقال السديُّ :(عَمَتْ قُلُوبُهُمْ عَنْهُ). والمعنى : وهو عليهم ذُو عمَى. وانتصبَ قولهُ (عَمًى) على المصدر. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ ؛ أي إنَّهم لا يَسمَعُونَ ويفهمونَ كما أنَّ مَن دعَا مِن مكانٍ بعيدٍ لَم يسمَعْ ولَم يفهم. والمعنى : أنَّهُ بعيدٌ عندَهم مِن قُلوبهم ما يُتْلَى عليهم.
فصلت 41:45
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ؛ يعني التوراةَ، ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ ؛ قومهُ كما اختلفَ قومُكَ في القُرْآنِ، وهذا تسليةٌ للنبيِّ ﷺ ؛ أي كما آتينَاكَ الكتابَ وكذبَ به قومُكَ وصدَّقَ به بعضُهم كذلك آتينَا موسى الكتابَ فكذبَ به بعضُ قومهِ وصدَّقَ به بعضُهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ ؛ معناهُ : ولولا كلمةٌ سَبَقَتْ مِن ربكَ في تأخيرِ العذاب عن هذه الأُمةِ إلى يوم القيامةِ كما قَالَ تَعَالَى﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾[القمر: ٤٦] لعَذبَهم بعذاب الاستئصالِ. وَقِيْلَ : أرادَ بسبقِ الكلمةِ : أنْ لا يعَذِّبَهم وأنتَ فيهم.
والمعنى : ولَوْلاَ كلمةٌ سَبَقَتْ مِن ربكَ في تأخيرِ العذاب عن مُكَذِّبي القُرْآنِ إلى أجلٍ مُسمَّى يعني القيامةَ، لقُضِيَ بينَهم بالعذاب الواقعِ بمَن كذبَ، ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ﴾، مِن صِدقِكَ وكِتَابكَ، ﴿مُرِيبٍ﴾ ؛ أي موقعٌ لَهم الرِّيبة، وَقِيْلَ : إنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ من القُرْآنِ ظاهرِ الشَّكِّ.
فصلت 41:46
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّنْ عَمِلَ صَـالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ ؛ ظاهرُ المرادِ.
فصلت 41:47
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ ؛ أي لا يَعْلَمُ متَى وقتُ قيامِها إلاّ اللهُ تعالى، ولا يجابُ فيها بشيءٍ، ويقالُ : اللهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا﴾ ؛ قرأ نافعُ وابن عامر (ثَمَرَاتٍ) بالجمعِ، وقرأ الباقونَ (ثَمَرَةٍ) على والوِحدَانِ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِّنْ أَكْمَامِهَا﴾ الأكْمَامُ جَمْعُ الكُمَّةِ، وهي لِيْفُ النَّخْلِ، وقال ابنُ عبَّاس :(الأَكْمَامُ الكُفُرِّيُّ قَبْلَ أنْ يَنْشَقَّ، فَإذا انْشَقَّ فَلَيْسَ بأَكْمَامٍ) ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ ؛ بَيَّنَ اللهُ أنَّ الذي يعلمُ الثِّمارَ في الأكمامِ، والأولادَ في الأرحامِ مع مُشاهدةِ الأكمامِ، والأُمَّهاتِ هو اللهُ تعالى لا يَعْلَمُهُ أحدٌ غيرهُ، ومَن لَم يُشاهد شيئاً منها أوْلَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي﴾ ؛ فيه وعيدٌ للمشرِكين ؛ أي يقالُ للمشركين يومَ القيامةِ : أيْنَ شُرَكَائِي في ظَنِّكُمْ وزَعمِكم؟! فيقولون :﴿قَالُواْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ ؛ أي أعْلَمْنَاكَ وعرَّفنَاكَ أنَّا كُنا في الدُّنيا جُهلاءَ غيرَ عارفين، ما مِنَّا من شهيدٍ أنَّ لكَ شَريكاً، يَتَبَرَّؤُونَ يومئذٍ مِن أن يكونَ مع اللهِ شريكٌ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَضَلَّ عَنْهُم﴾ ؛ أي ضَاعَ، ﴿مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ﴾ ؛ يَعبُدُونَ، ﴿مِن قَبْلُ﴾ ؛ في الدُّنيا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾ ؛ أي أيْقَنُوا أنه لا خلاصَ لَهم من النَّار.
فصلت 41:48
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ ؛ أي لا يَعْلَمُ متَى وقتُ قيامِها إلاّ اللهُ تعالى، ولا يجابُ فيها بشيءٍ، ويقالُ : اللهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا﴾ ؛ قرأ نافعُ وابن عامر (ثَمَرَاتٍ) بالجمعِ، وقرأ الباقونَ (ثَمَرَةٍ) على والوِحدَانِ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِّنْ أَكْمَامِهَا﴾ الأكْمَامُ جَمْعُ الكُمَّةِ، وهي لِيْفُ النَّخْلِ، وقال ابنُ عبَّاس :(الأَكْمَامُ الكُفُرِّيُّ قَبْلَ أنْ يَنْشَقَّ، فَإذا انْشَقَّ فَلَيْسَ بأَكْمَامٍ) ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ ؛ بَيَّنَ اللهُ أنَّ الذي يعلمُ الثِّمارَ في الأكمامِ، والأولادَ في الأرحامِ مع مُشاهدةِ الأكمامِ، والأُمَّهاتِ هو اللهُ تعالى لا يَعْلَمُهُ أحدٌ غيرهُ، ومَن لَم يُشاهد شيئاً منها أوْلَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي﴾ ؛ فيه وعيدٌ للمشرِكين ؛ أي يقالُ للمشركين يومَ القيامةِ : أيْنَ شُرَكَائِي في ظَنِّكُمْ وزَعمِكم؟! فيقولون :﴿قَالُواْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ ؛ أي أعْلَمْنَاكَ وعرَّفنَاكَ أنَّا كُنا في الدُّنيا جُهلاءَ غيرَ عارفين، ما مِنَّا من شهيدٍ أنَّ لكَ شَريكاً، يَتَبَرَّؤُونَ يومئذٍ مِن أن يكونَ مع اللهِ شريكٌ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَضَلَّ عَنْهُم﴾ ؛ أي ضَاعَ، ﴿مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ﴾ ؛ يَعبُدُونَ، ﴿مِن قَبْلُ﴾ ؛ في الدُّنيا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾ ؛ أي أيْقَنُوا أنه لا خلاصَ لَهم من النَّار.
فصلت 41:49
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَّ يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ الْخَيْرِ﴾ ؛ أي لا يَمَلُّ الإنسانُ من الخيرِ، ﴿وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ﴾ ؛ والمكروهُ والأمراض والأسقامُ والشَّدائدُ، ﴿فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ ؛ أي يصيرُ آيَسَ شيءٍ من عَوْدٍ النِّعمةِ، وزوالِ المكروهِ عنه، فيَضْجَرُ على ذلكَ غايةَ الضَّجرِ.
فصلت 41:50
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا﴾ ؛ أي نِعْمَةً منَّا، ﴿مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ﴾ ؛ من بعدِ مَكْرُوهٍ مَسَّهُ، ﴿لَيَقُولَنَّ هَـاذَا لِي﴾ ؛ أي بفَضْلِي وقوَّتِي وعملٍ اسْتَحْقَقْتُهُ، وهذا من اختلافِ الكفَّار. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةً﴾ ؛ هذا يدلُّ على أنَّ هذا الإنسانَ كافرٌ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى﴾ ؛ أي لستُ على يقينٍ من البعثِ، فإن كان الأمرُ على ذلكَ ورُدِدْتُ إلَى رَبي أنَّ لِي عندَهُ الجنةَ ويعطيني في الآخرةِ أفضلَ ما أعطانِي في الدُّنيا. قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ ؛ وعيدٌ لَهم.
فصلت 41:51
قوله تعالى :﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ ؛ أي اذا أنْعَمْنَا على الكافرِ أعرضَ عن الطاعةِ والشُّكر وتباعدَ عن الواجب كِبَراً، ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ﴾، وإذا أصابَهُ مكروهُ الدَّهرِ فإذا هو يَئِسٌ يدعُو اللهَ ليكشِفَ ذلك عنهُ.
والمعنى بقولهِ تعالى ﴿دُعَآءٍ عَرِيضٍ﴾ أي كثيرٍ لا يَمِلُّ من الدُّعاء. وإنَّما لَم يقل : طَوِيلٍ ؛ لأن ذِكْرَ العريضِ أبلغُ في باب الامتدادِ والانبساط، لأن العريضَ يدلُّ على الطويلِ، ولا يدلُّ الطويلُ على العريضِ.
فصلت 41:52
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ ؛ أي قُلْ يا مُحَمَّد لأهلِ مكَّة : أرَأيْتُمْ إنْ كان القُرْآنُ من عندِ اللهِ، ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ﴾ ؛ عن الحقِّ والْهُدَى، ﴿مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ؛ خِلاَفٍ للحقِّ بعيدٍ عنهُ، وهو أنتُمْ، فلا أحدٌ أضَلُّ منكُم.
فصلت 41:53
وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾ ؛ أي سنُرِيهم دلائلَ التوحيدِ من مَسِيرِ النُّجومِ وجَرَيانِ الشَّمسِ والقمرِ طُلُوعاً وغُرُوباً على مرِّ الدُّهور، وفي الأرضِ من الجبالِ والأودية والأشجار. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾ من مَخَارجِ الأنْفَاسِ ومجَاري الدَّم وموضعِ العَقْلِ والفِكْرِ والفهمِ وآلاَتِ الكلامِ.
وَقِيْلَ : معنى ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ﴾ أي سَنُرِيهم ما نفتحُ من القُرَى على مُحَمَّد ﷺ في النواحِي والأطرافِ ﴿وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾ فتحُ مكَّة. قال الحسنُ : يعني (سَنُرِيْهِمْ ظُهُورَ مُحَمَّدٍ عَلَى الآفَاقِ وَعَلَى مَكَّةَ حَتَّى يَعْرِفُواْ أنَّهُ مُؤَيَّدٌ مِنْ قِبَلِ اللهِ تَعَالَى بَعْدَ أنْ كَانَ وَاحِداً لاَ نَاصِرَ لَهُ). وذلك معنى قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ؛ أي ما يقولُ لَهم النبيُّ ﷺ هو الحقٌّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ؛ معناهُ : أوَلَمْ يَكْفِ برَبكَ شَاهداً أنَّ القُرْآنَ من اللهِ وأنَّ النبيَّ ﷺ صادقٌ وشهيد هو العالِمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ﴾ ؛ معناهُ : ألا إنَّهم في شكٍّ من البعثِ والثواب والعقاب، ﴿أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ﴾ ؛ أحاطَ بكلِّ شيءٍ عِلْماً ؛ إنَّهُ يعلَمُ الغيبَ والشَّهادةَ.
فصلت 41:54
وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾ ؛ أي سنُرِيهم دلائلَ التوحيدِ من مَسِيرِ النُّجومِ وجَرَيانِ الشَّمسِ والقمرِ طُلُوعاً وغُرُوباً على مرِّ الدُّهور، وفي الأرضِ من الجبالِ والأودية والأشجار. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾ من مَخَارجِ الأنْفَاسِ ومجَاري الدَّم وموضعِ العَقْلِ والفِكْرِ والفهمِ وآلاَتِ الكلامِ.
وَقِيْلَ : معنى ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ﴾ أي سَنُرِيهم ما نفتحُ من القُرَى على مُحَمَّد ﷺ في النواحِي والأطرافِ ﴿وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾ فتحُ مكَّة. قال الحسنُ : يعني (سَنُرِيْهِمْ ظُهُورَ مُحَمَّدٍ عَلَى الآفَاقِ وَعَلَى مَكَّةَ حَتَّى يَعْرِفُواْ أنَّهُ مُؤَيَّدٌ مِنْ قِبَلِ اللهِ تَعَالَى بَعْدَ أنْ كَانَ وَاحِداً لاَ نَاصِرَ لَهُ). وذلك معنى قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ؛ أي ما يقولُ لَهم النبيُّ ﷺ هو الحقٌّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ؛ معناهُ : أوَلَمْ يَكْفِ برَبكَ شَاهداً أنَّ القُرْآنَ من اللهِ وأنَّ النبيَّ ﷺ صادقٌ وشهيد هو العالِمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ﴾ ؛ معناهُ : ألا إنَّهم في شكٍّ من البعثِ والثواب والعقاب، ﴿أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ﴾ ؛ أحاطَ بكلِّ شيءٍ عِلْماً ؛ إنَّهُ يعلَمُ الغيبَ والشَّهادةَ.
الشورى 42:1
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حـم * عسق﴾ ؛ (ح) حِلمهُ و (م) مجدهُ و (ع) عِلمهُ و (س) سناؤه و (ق) قُدرَتهُ، أقسمَ اللهُ بها، ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ؛ اخباراً بالغيب ويكون قبلَ أن يكون، وَقِيْلَ : الحاءُ من الرَّحمنِ، والميمُ من مَلِكٍ، والعين من عزيزٍ والسين من قدُّوسٍ والقافُ من قاهرٍ، ومعنى ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ﴾ مثل ما أوحَينا إليك بهذه السُّورة أوحَينا إلى مَن قَبلَكَ من الرُّسلِ. وعن ابنِ عبَّاس رضي الله عنه أنه قالَ :(لَيْسَ مِنْ نَبيٍّ إلاَّ وَقَدْ أُوْحِيَ إلَيْهِ بـ حم عسق كَمَا أُوحِيَ إلَى نَبيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم).
الشورى 42:2
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حـم * عسق﴾ ؛ (ح) حِلمهُ و (م) مجدهُ و (ع) عِلمهُ و (س) سناؤه و (ق) قُدرَتهُ، أقسمَ اللهُ بها، ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ؛ اخباراً بالغيب ويكون قبلَ أن يكون، وَقِيْلَ : الحاءُ من الرَّحمنِ، والميمُ من مَلِكٍ، والعين من عزيزٍ والسين من قدُّوسٍ والقافُ من قاهرٍ، ومعنى ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ﴾ مثل ما أوحَينا إليك بهذه السُّورة أوحَينا إلى مَن قَبلَكَ من الرُّسلِ. وعن ابنِ عبَّاس رضي الله عنه أنه قالَ :(لَيْسَ مِنْ نَبيٍّ إلاَّ وَقَدْ أُوْحِيَ إلَيْهِ بـ حم عسق كَمَا أُوحِيَ إلَى نَبيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم).
الشورى 42:3
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حـم * عسق﴾ ؛ (ح) حِلمهُ و (م) مجدهُ و (ع) عِلمهُ و (س) سناؤه و (ق) قُدرَتهُ، أقسمَ اللهُ بها، ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ؛ اخباراً بالغيب ويكون قبلَ أن يكون، وَقِيْلَ : الحاءُ من الرَّحمنِ، والميمُ من مَلِكٍ، والعين من عزيزٍ والسين من قدُّوسٍ والقافُ من قاهرٍ، ومعنى ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ﴾ مثل ما أوحَينا إليك بهذه السُّورة أوحَينا إلى مَن قَبلَكَ من الرُّسلِ. وعن ابنِ عبَّاس رضي الله عنه أنه قالَ :(لَيْسَ مِنْ نَبيٍّ إلاَّ وَقَدْ أُوْحِيَ إلَيْهِ بـ حم عسق كَمَا أُوحِيَ إلَى نَبيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم).
الشورى 42:4
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.
الشورى 42:5
وقولهُ تعالى :﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ ؛ أي تكادُ كلُّ سماءٍ تشَقَّقُ فوقَ التي تَلِيها من قولِ المشركين : اتَّخذ اللهُ ولداً، ومِن استعظامِ كُفرِ أهل الأرضِ مع عِظَمِ نِعَمِ اللهِ تعالى عليهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ ؛ أي يُنَزِّهُونَ اللهَ عن القولِ الذي تكادُ السَّموات يتفطَّرن منه، ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأَرْضِ أَلاَ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ؛ لأوليائهِ وأهلِ طاعته.
الشورى 42:6
وقولهُ تعالى :﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ ؛ يعني كفارَ مكَّة اتَّخذُوا آلهةً فعبَدُوها من دونِ الله، وقولهُ تعالى :﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ أي اللهُ حفيظٌ على أعمالِهم ليجازيَهم بها، ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ ؛ أي لم يوَكِّلكَ حتى تُؤخَذ بهم وتعاقَبَ بمخالفَتِهم.
الشورى 42:7
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ؛ أي كما أنزَلنا على مَن قبلكَ بلسانِ قَومِهم أنزَلنا عليكَ قُرآناً بلُغَةِ العرب لتُخَوِّفَ به أُمَّ القُرى وهي مكَّةُ، سُمِّيت أُمَّ القرى لأنَّ الأرضَ دُحِيَتْ من تحتِها. وقولهُ تعالى :﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي لتُنذِرَ أهلَ أُمِّ القُرَى ومَن حولَها مِن البُلدانِ، وَقِيْلَ : يعني قُرَى الأرضِ كلِّها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ ؛ وهو يومُ القيامةِ، يَجْمَعُ اللهُ فيه الأوَّلين والآخِرين، وأهلَ السمواتِ وأهلَ الأرضِ، ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ ؛ أي لا شكَّ في الجمعِ فيه أنه كائنٌ، ثم بعدَ الجمعِ يتفرَّقون كما قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ ؛ أي طائفةٌ من أهل الجمع وهم المؤمنون يُساقون إلى الجنَّة يتنعَّمون ويتمتعون، وطائفة يُساقون إلى النار ذات الوقود وهمُ الكفَّارُ فيها يُعذبون.
الشورى 42:8
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ؛ أي لو شاءَ لجمَعَهم على دينِ الإسلامِ بأنْ يُعرِّفَهم طريقَ الحقِّ بالاضطرار، ولكنَّهُ لم يفعلْهُ، أرادَ أن يعرضهم للثواب والإلجاءُ يَمنَعُ من ذلكَ، ومثلُ قولهِ تعالى﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾[الأنعام: ٣٥]. وقولهُ تعالى :﴿وَلَـاكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ ؛ أي في دينِ الإسلام، ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾، يَمنَعُهم ؛ أي والكافِرُونَ ما لَهم من ولِيٍّ يدفعُ عنهم العذابَ وَلاَ نَصِيرٍ يَمنَعُهم من " النار ".
الشورى 42:9
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمِ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ ؛ بلِ اتَّخذ الكفارُ من دون اللهِ أربَاباً، ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(وَلِيُّكَ يَا مُحَمَّدُ وَوَلِيُّ مَنِ اتَّبَعَكَ) ﴿وَهُوَ يُحْيِـي الْمَوْتَى﴾ ؛ يَبعثُهم للجزاءِ، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ ؛ من الإحياءِ والإماتَةِ، ﴿قَدِيرٌ﴾.
الشورى 42:10
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ؛ معناهُ : وما اختلفتُم فيه من شيءٍ من الدِّين فرُدُّوا حُكمَهُ إلى كتاب الله، واعتَمدُوا الأدلَّةَ دون التقليدِ والشبه كما قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾[النساء: ٥٩].
وقولهُ تعالى :﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ ؛ الذي ادعُوكم إلى عبادتهِ وهو اللهُ ربي، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ ؛ في كِفَايَةِ مهمَّاتِي، ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ؛ أي أرجعُ في المعادِ.
الشورى 42:11
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي هو مُبتَدِعُهما ومدبرُهما، ﴿جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾ ؛ أي خَلَقَ لكم من مثلِ خَلقِكم نساءً، وَ خلقَ لكم، ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْواجاً﴾ ؛ ذُكوراً وإناثاً لتَكمَلَ منافعُكم بها، يعني خلقَ الذكرِ والأنثى من الحيوانِ كلِّه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ ؛ أي يَخلقُكم في الرَّحِم ويُكثِرُكم بالتزويجِ، ولولاهُ لم يكنِ الناسُ.
وقولهُ تعالى :﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ؛ في العلمِ والقدرةِ والتدبيرِ، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ ؛ بمقالَةِ العبادِ، ﴿الْبَصِيرُ﴾ ؛ بأعمالِهم، والكافُ في ﴿كَمِثْلِهِ﴾ زائدةٌ مُؤكِّدَةٌ، والمعنى : ليس مثلهُ شيءٌ، إذ لا يجوزُ أن يقالَ : ليس مثلَ مثلهِ شيءٌ ؛ لأن مَن قال ذلكَ فقد أثبتَ المثلَ للهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ ذلِكَ عُلُوّاً كَبيراً.
الشورى 42:12
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي له مَفاتِيحُها، قال ابنُ عبَّاس :(يُرِيدُ مَفَاتِيحَ الرِّزْقِ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ). وقال الكلبيُّ :(مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ خَزَائِنُ الْمَطَرِ، وَخَزَائِنُ الأَرْضِ النَّبَاتُ). والمعنى أنه يقدِرُ على فتحِها، يَملِكُ فتحَ السَّماء بالمطرِ، وفتح الأرضِ بالنبات، يدلُّ على هذا قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ ؛ أي يُوسِّعهُ على مَن يشاءُ، ويُضَيِّقهُ على مَن يشاءُ ؛ لأن مفاتيحَ الرزقِ بيدهِ، ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ؛ من البَسْطِ والضِّيقِ ما لا يفعلُ ذلك جُزَافاً، ولكن يرزقُ كلَّ أحدٍ على ما تُوجِبهُ الحكمةُ.
الشورى 42:13
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ﴾ ؛ أي بَيَّنَ وأوضحَ من الدينِ، ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً﴾ ؛ يعني التوحيدَ، ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ ؛ من القرآن وشَرائعِ الإسلامِ، ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ ؛ وشرعَ لكم ما وصَّى بهع إبراهيمَ وموسى وعيسى.
ثم بيَّن ما وصَّى به هؤلاء فقال :﴿أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ﴾ ؛ يعني التوحيدَ، ﴿وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾ ؛ أي لا تختلِفُوا في التوحيدِ، قال مجاهدُ :(يَعْنِي شَرَعَ لَكُمْ وَلِمَنْ قَبْلَكُمْ مِنَ الأَنْبيَاءِ دِيْناً وَاحِداً ؛ لأنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَبْعَثْ نَبيّاً إلاَّ وَصَّاهُ بإقَامَةِ الصَّلاَةِ وَإيْتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالإقْرَار باللهِ تَعَالَى وَالطَّاعَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ أمَرَهُ اللهُ بهِ، فَذلِكَ دِينُهُ الَّذِي شَرَعَهُ لَهُمْ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ ؛ قال مقاتلُ :(مَعْنَاهُ : عَظُمَ عَلَى مُشْرِكِي مَكَّةَ مَا دَعَاهُمُ النَّبيُّ ﷺ مِنْ تَوْحِيدِ اللهِ تَعَالَى وَالإخْلاَصِ لَهُ وَحْدَهُ وَخَلْعِ الأنْدَادِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ﴾ ؛ أي يصطفي من عباده لدينه من يشاء، ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ﴾ ؛ إلى دينهِ ؛ ﴿مَن يُنِيبُ﴾ ؛ أي مَن يُقبلُ إلى طاعتهِ، وَقِيْلَ : معناهُ : اللهُ يختارُ لرسالتهِ مِن يشاءُ مِمَّن تقتضِي الحكمةُ اختيارَهُ، ويَهدِي إلى جنَّتهِ وثوابهِ مَن يرجعُ إلى طاعتهِ.
الشورى 42:14
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا تَفَرَّقُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ ؛ أي ما اختلفَ اليهودُ والنَّصارى إلاَّ من بعدِ ما وَضُحَ لهم أمرُ النبيِّ ﷺ، وذلك أنَّهم كانوا يَعرِفُونَهُ كما يعرفون أبناءَهم، فأنكرَ مَن أنكرَ مِن علمائِهم للبَغيِ والعداوةِ على طلب الدُّنيا، خافُوا أن تذهبَ عنهم رئاسَتهم ومكانتهم، وأن يصِيرُوا تابعِين بعد أن كانوا مَتبُوعِين، فترَكُوا اسمَ الإسلامِ، وقولهُ تعالى ﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ أي بَغياً منهم على مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
قولهُ تعالى :﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ﴾ ؛ أي لولاََ حُكمِ اللهِ بإنظارهم وتأخيرِ العذاب عن هذه الأُمة ﴿إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ يعني يومَ القيامةِ ﴿لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ﴾ أي بين مَن آمنَ ومَن كفرَ بنُزولِ العذاب بالمكذِّبين في الدُّنيا. وقولهُ تعالى :﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُواْ الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ ؛ يعني اليهودَ والنصارى أُورثُوا التوراةَ من بعدِ أنبيائهم وأسلافِ أحبارهم، ﴿لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ ؛ من دينِ الإسلام ظاهرِ الشكِّ.
الشورى 42:15
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ﴾ ؛ أي فلذلكَ الذي سبقَ ذِكرهُ، يعني الذي وصَّى به الأنبياءُ من التوحيدِ فادعُ. وَقِيْلَ : معناهُ : فلأجلِ ما وقعَ منهم من الشكِّ فادعُ واستقِمْ على دينِ الإسلامِ كما أُمِرتَ ولا تتَّبع أهواءَ أهلِ الكتاب، وذلك أنَّهم دعَوا إلى دينِهم، ﴿وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ﴾ ؛ أي آمنتُ بكُتب الله كلِّها. وإنما قالَ ذلك لأنَّ الذين تفرَّقوا آمَنُوا ببعضِ الكُتب دون بعض. وقوله تعالى :﴿وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ ؛ أي أُمرت أن لا أحيفَ عليكم بأكثرَ مما افترضَ اللهُ عليكم في الأحكامِ.
وقولهُ تعالى :﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ ؛ أي إلِهُنا وإلَهُكم وإن اختلفَتْ أعمالُنا، وكلٌّ يجازَى بما عَمِلَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ ؛ لنا جزاءُ أعمالِنا ولكم جزاءُ أعمالِكم، لا يُؤاخَذُ أحدٌ بعملِ غيره، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ ؛ أي قد ظهرَ الحقُّ وسقطَ الباطلُ، ومع ذلك الحجَّة لنا عليكم لظهُورها، وقولهُ تعالى :﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ ؛ وبينَكم في الآخرةِ فيُجازي كُلاًّ بعملهِ، ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.
الشورى 42:16
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسَتُجِيبَ لَهُ﴾ ؛ أي والذين يخاصِمُون في دينِ الله من بعد ظُهور دلائلهِ، وهم اليهودُ والنصارى قالوا : كتابُنا قبلَ كتابكم، ونبيُّنا قبلَ نبيِّكم، فنحن خيرٌ منكم! فهذه خصومَتُهم وإنما قصَدُوا بما قالوا دفعَ ما أتَى به مُحَمَّدٌ ﷺ، وقولهُ تعالى :﴿مِن بَعْدِ مَا اسَتُجِيبَ لَهُ﴾ أي من بعدِ ما دخلَ الناسُ في الإسلامِ وأجَابُوا النبيَّ ﷺ إلى ما دعَاهُم إليه، ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ ؛ أي خصومتُهم باطلةٌ حين زعَمُوا أن دينََهم أفضلُ من الإسلامِ، وقوله ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي في حُكم ربهم، وإنما قالَ ذلك لأنَّها لم " تكن " باطلةً في زعمِهم، ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ ؛ من اللهِ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الآخرةِ.
الشورى 42:17
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ ؛ معناهُ : اللهُ الذي أنزلَ القرآن بالحقِّ ؛ أي بما ضَمَّنَهُ من الأمرِ والنهي والفرائضِ والأحكام، وكلُّه حقٌّ من اللهِ تعالى. وقولهُ تعالى ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ اختلَفُوا في إنزالِ الميزان، قال الحسنُ ومجاهد والضحَّاك :(أرَادَ الْعَدْلَ) وإنما كنَّى عن العدلِ بالميزان لأنَّ الميزانَ طريقٌ معه العدلُ والمساواة.
وقال بعضُهم : أنزلَ الميزان الذي يوزَنُ به في زمنِ نوحٍ عليه السلام. وقال ابنُ عبَّاس :(أمَرَ اللهُ بالْوَفَاءِ، وَنَهَى عَنِ الْبَخْسِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ؛ هذا تخويفٌ للمشرِكين من قُرب الساعة لينْزَجِرُوا، وقد كان قومٌ من المشركين سأَلُوا النبيَّ ﷺ عن الساعةِ تَكذيباً بها، فأنزلَ اللهُ هذه الآيةََ، وإنَّما قال ﴿قَرِيبٌ﴾ ولم يقل قريبةٌ ؛ لأن تأنيثَ الساعةِ غيرُ حقيقيٍّ كما في قولهِ تعالى﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾[الأعراف: ٥٦] ولأن معنى الساعةِ البعثُ.
الشورى 42:18
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ ؛ والذين يستعجِلون بها قصدَ الإتيان بها استِبعاداً لِقيامِها لأنَّهم لا يؤمنون بها، وهذه طريقةُ الْجُهَلاَءِ في كلِّ شيء يجحَدُونه من حقائقِ الأمُور.
وقولهُ تعالى :﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ ؛ أي خائِفُون منها لاَ يَدرُون على ما يُقدِمون عليه لأنَّهم موقنون أنَّهم مبعُوثون مُحاسَبون، ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ ؛ أي الساعةُ لا ريبَ فيها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلاَ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فَي السَّاعَةِ﴾ ؛ تدخُلهم الْمِرْيَةُ والشكُّ في القيامةِ، ﴿لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾ ؛ حين لم يفكِّروا فيعلَمُوا أن الذي خلَقَهم أوَّلاً قادرٌ على بعثِهم.
الشورى 42:19
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ ؛ أي بارٌّ رحيم بهم، يعني أهلَ طاعة، وقال مقاتلُ :(لَطِيفٌ بالْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، لاَ يُهْلِكُهُمْ جُوعاً)، يدلُّ على هذا قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ﴾ ؛ وكلُّ مَن رزقَهُ اللهُ من مؤمنٍ وكافر ذي روحٍ ممن يشاء أن يرزقَهُ، ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ﴾ ؛ على ما أرادَ من رزقِ مَن يرزقهُ، ﴿الْعَزِيزُ﴾ يعني الغالبُ الذي لا يلحقهُ عَجْزٌ فيما أرادَ. واللطيفُ هو الْمُوصِلُ للنفعِ إلى غيرهِ من جهةِ يدُقُّ استدراكُها.
الشورى 42:20
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ ؛ أي مَن كان يريدُ بعملهِ نفعَ الآخرةِ ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ أي نُعِينهُ على العبادةِ، ونسَهِّلُ له، وَقِيْلَ : نزِدْ له في ثوابهِ الْحَسَنَةَ بعشرِ أمثالها. وَقِيْلَ : نزِدْ له في قوتَّهِ ونشاطهِ وخِشيَتهِ في العملِ، كما قالَ تعالى﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾[العنكبوت: ٦٩].
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا﴾ ؛ أي ومَن كان يريدُ بعملهِ نفعَ الدُّنيا من رزقٍ أو مَحْمَدَةٍ، ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ ؛ ما نشاءُ على ما تقتضيهِ الحكمةُ، ﴿وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ ؛ مِن ثوابٍ ؛ لأنه عَمِلَ لغيرِ الله، قال السديُّ :(هَذا الْمُنَافِقُ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ُيُعْطِيهِ سَهْمَهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ).
الشورى 42:21
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ ؛ يعني كفارَ مكَّة ألَهُمْ آلِهةٌ سَنُّوا من الدينِ والشريعةِ ما لَم يعلمِ اللهُ به ؟ قال ابنُ عبَّاس :(شَرَعُوا لَهُمْ دِيْناً غَيْرَ دِينِ الإسْلاَمِ) ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ ؛ أي لولاَ حكمُ الله بأن يَفصِلَ بينهم يومَ القيامةِ لعاجَلَهم بالعقوبةِ، ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ أي وجيعٌ في الآخرةِ ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ﴾، الذين يكذبونك خائفين يوم القيامة، ﴿مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ﴾ ؛ مِن الكفرِ والتكذيب، ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ ؛ أي وجزاؤهُ واقعٌ بهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ ؛ الرَّوضَةُ : هي البستانُ الجامع لأنواعِ الرَّياحينِ، والجنَّةُ هي البستانُ الجامِعُ لأنواعِ الشَّجرِ، ﴿لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ ؛ مِن النعيمِ في حكمةِ ربهم، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ ؛ أي الْمَنُّ العظيمُ من اللهِ تعالى.
الشورى 42:22
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ ؛ يعني كفارَ مكَّة ألَهُمْ آلِهةٌ سَنُّوا من الدينِ والشريعةِ ما لَم يعلمِ اللهُ به ؟ قال ابنُ عبَّاس :(شَرَعُوا لَهُمْ دِيْناً غَيْرَ دِينِ الإسْلاَمِ) ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ ؛ أي لولاَ حكمُ الله بأن يَفصِلَ بينهم يومَ القيامةِ لعاجَلَهم بالعقوبةِ، ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ أي وجيعٌ في الآخرةِ ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ﴾، الذين يكذبونك خائفين يوم القيامة، ﴿مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ﴾ ؛ مِن الكفرِ والتكذيب، ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ ؛ أي وجزاؤهُ واقعٌ بهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ ؛ الرَّوضَةُ : هي البستانُ الجامع لأنواعِ الرَّياحينِ، والجنَّةُ هي البستانُ الجامِعُ لأنواعِ الشَّجرِ، ﴿لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ ؛ مِن النعيمِ في حكمةِ ربهم، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ ؛ أي الْمَنُّ العظيمُ من اللهِ تعالى.
الشورى 42:23
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ ؛ أي ذلك الذي سبقَ ذِكرهُ من النعيمِ يبشِّرُ اللهُ عبادَهُ المؤمنين المخلِصين.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ؛ أي لا أسألُكم على تبليغِ الرسالة ؛ أي تعليمِ الشريعةِ أجْراً، وهذا دأبُ كلِّ نبيٍّ مع قومهِ، وقولهُ تعالى :﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ أي لاَ أَسأَلُكم عليه أجراً إلاَّ أن تَصِلُوا ما بيني وبينَكم من القرابةِ. قال ابنُ عبَّاس :(لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ بُطُونِ قُرَيْشٍ إلاَّ وَلِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَرَابَةٌ فِيْهِمْ).
والمعنى : قُل لا أسأَلُكم على ما أدعُوكم إليه من الحقِّ إلاَّ أنْ تحفَظُوني في قرابَتِي بيني وبينكم. وقال مجاهدُ :(مَعْنَاهُ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لاَ أسْأَلُكُمْ عَلَى مَا أقُولُ أجْراً، أرْقُبُونِي فِي الدُّعَاءِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَلاَ تَعْجَلُوا إلَيَّ وَدَعُونِي وَالنَّاس). وقال الحسنُ :(مَعْنَاهُ : إلاَّ أنْ تُؤَدُّوا إلَى اللهِ فِيمَا يُقَرِّبُكُمْ إلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ).
وعن ابنِ عبَّاس قالَ :" لَمَّا نَزَلَتْ ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ قَالُواْ : يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ يَأْمُرُنَا اللهُ بمَودَّتِهِمْ ؟ قَالَ :" عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَوَلَدَهُمَا " ".
وعن عليٍّ رضي الله عنه قالَ :(قَالَ فِينَا، فِي آلِ مُحَمَّدٍ، فِي حَمِ آيَةً لاَ يَحْفَظُ مَوَدَّتَنَا إلاَّ كُلُّ مُؤْمِنٍ، ثُمَّ قَرَأ :﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ )، وقال الكلبيُّ :(مَعْنَاهُ : لاَ أسْأَلُكُمْ عَلَى الإيْمَانِ جُعْلاً إلاَّ أنْ تُوَادُّوا أقَاربي، حَثَّ اللهُ النَّاسَ عَلَى مَوَدَّةِ ذوي قَرَابَتِهِ).
وعلى الأقوالِ كلِّها قولهُ ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ﴾ استثناءٌ ليس من الأوَّلِ، وليس المعنى : أسأَلُكم المودَّةَ في القُربَى ؛ لأن الأنبياءَ لا يسأَلُون أجْراً على تبليغِ الرسالة، والمعنى ولكنِّي أُذكِّرُكم المودةَ في قرابَتِي.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً﴾ ؛ أي ومَن يكتَسِبْ حسنةً نُجازيه عليها أضْعَافاً، بالواحدةِ عشراً فصاعداً، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ ؛ لذُنوب الناسِ، ﴿شَكُورٌ﴾ ؛ للقليلِ حتى يُضاعفَهُ.
الشورى 42:24
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ ؛ يعني كفَّارَ مكَّة قالوا : اختلَقَ مُحَمَّدٌ كَذِباً حين زعمَ أن القرآنَ من عندِ اللهِ، فَاغْتَمَمْتَ لذلكَ يا مُحَمَّدُ، ﴿فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ ؛ أي يَرْبطْ على قلبكَ بالصبرِ على أذاهُم حتى لا يشقَّ عليك قولُهم، ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾، ويُذهِبُ اللهُ ما يقولون من الباطلِ، ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾ ؛ يعني الإسلامَ، ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ ؛ أي بما أنزَلَ من كتابهِ، وقد فعلَ اللهُ ذلك فأزهقَ باطلَهم وأعلَى كلمةَ الإسلام، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ؛ أي بما " فِي " قُلوب خَلقهِ.
الشورى 42:25
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ؛ مِن خيرٍ وشرٍّ، مَن قرأ بالتاءِ فهو خطابٌ للمشركين وتَهديدٌ لَهم، ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ ؛ أي يُجِيبُهم ما سألوهُ. قال ابنُ عبَّاس :(يُثِيبُهُمْ)، ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ ؛ سِوَى ثواب أعمالهم تفَضُّلاً عليهم، وقال أبو صالِح :(يُشَفِّعُهُمْ فِي إخْوَانِهِمْ)، ﴿وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾.
الشورى 42:26
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ؛ مِن خيرٍ وشرٍّ، مَن قرأ بالتاءِ فهو خطابٌ للمشركين وتَهديدٌ لَهم، ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ ؛ أي يُجِيبُهم ما سألوهُ. قال ابنُ عبَّاس :(يُثِيبُهُمْ)، ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ ؛ سِوَى ثواب أعمالهم تفَضُّلاً عليهم، وقال أبو صالِح :(يُشَفِّعُهُمْ فِي إخْوَانِهِمْ)، ﴿وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾.
الشورى 42:27
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي لو وسَّعَ على عبادهِ لطَغُوا وتطاوَلُوا، وقال مقاتلُ :(مَعْنَاهُ : لَوْ وَسَّعَ اللهُ لِعِبَادِهِ فَرَزَقَهُمْ مِنْ غَيْرِ كَسْبٍ لَعَصَواْ وَبَطَرُواْ النِّعْمَةَ وَطَلَبُواْ مَا لَيْسَ لَهُمْ أنْ يَطْلُبُوهُ) ؛ لأَنَّ الَّذِي يُوَسَّعُ عَلَيْهِ يَرْتَفِعُ مِنْ مَنْزِلَةٍ إلَى مَنْزِلَةٍ، وَمِنْ مَرْكَبٍ إلَى مَرْكَبٍ، وَمِنْ مَلْبَسٍ إلَى مَلْبَسٍ، وَيَسْتَطِيلُ بذلِكَ عَلَى النَّاسِ، وَيَسْتَعِينُ برزْقِ اللهِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.
وقولهُ تعالى :﴿وَلَـاكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ﴾ ؛ معناهُ : ولكن يوسِّعُ على قومٍ، ويُضَيِّقُ على آخَرِين على ما تقتضيهِ الحكمةُ، ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ أي أعلَمُ بهم من أنفُسِهم، منهم من يصلحُ له الفَقرُ ولو أغناهُ لكان شَرّاً له، ومنهم من يصلحُ له الغِنَى، ولو أفقَرهُ لكان شَرّاً له.
الشورى 42:28
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ ؛ أي يُنَزِّلُ المطرَ من بعدِ ما يَئِسُوا منه، ﴿وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ ؛ بإخراجِ النبات والثِّمار، وَقِيْلَ : معنى (يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ) أي يبسطُ مَطَرَهُ، ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ﴾ ؛ لِمَن أطاعَهُ، وَقِيْلَ : وهو الولِيُّ بإنزال المطرِ عَاماً بعدَ عامٍ، ﴿الْحَمِيدُ﴾ ؛ المستحقُّ للحمدِ على خَلقهِ بإنعامهِ عليهم.
الشورى 42:29
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ﴾ ؛ معناهُ : ومِن دلائلِ توحيدهِ خلقُ السَّموات والأرضِ بما فيهما من الشَّمسِ والقمر والنُّجوم والجبال والبحار والأشجار ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا﴾ أي وما فرَّقَ فيهما من الملائكةِ والناس وغيرِهم، وَقِيْلَ : معناهُ : وما بثَّ في الأرضِ من دابَّة، وهذا كقولهِ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾[الرحمن: ٢٢] وإنما يخرجُ من أحدِهما، ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ﴾ ؛ في الآخرةِ، ﴿إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ﴾.
الشورى 42:30
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أَصَـابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ﴾ ؛ يعني وما أصابَكم من المعاصِي في النَّفسِ والمالِ والولدِِ أو نكَبةِ حجَرٍ أو عثرَةِ قدَمٍ، ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، يعني المعاصِي، ﴿وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ ؛ فلا يعاقِبُ بها لُطفاً بهم.
قال ﷺ :" مَا مِنْ خَدْشَةِ عُودٍ أوْ عَثْرَةِ قَدَمٍ أو اخْتِلاَجِ عِرْقٍ إلاَّ بذنْبٍ، وَمَا يَعْفُو اللهُ تَعَالَى أكْثَرُ " وقال الحسنُ :(مَعْنَى الآيَةِ : وَمَا أصَابَكُمْ مِنْ حَدٍّ فِي سَرِقَةٍ أوْ زنَى فَبمَا كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ). وقال الضحَّاكُ :(مَا حَفِظَ رَجُلٌ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ إلاَّ بذنْبٍ) وَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وَقَالَ : إنَّ أعْظَمَ الذُّنُوب نِسْيَانُ الْقُرْآنِ).
وفي مصاحفِ المدينةِ والشَّام (بمَا كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ). قال الزجَّاجُ :(وَإثْبَاتُ الْفَاءِ أجْوَدُ لأَنَّ الْفَاءَ جَوَابُ الشَّرْطِ). وَمَنْ حَذفَهَا فَعَلَى أنَّ (مَا) بمعنى (الَّذِي) تقديرهُ : والَّذي أصابَكم وقعَ بما كسَبت أيدِيكُم) ﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ يا معشرَ المشركين لا تُعجِزونِي في السَّموات حيث كُنتم، ولا تَسبقونَنِي هَرباً في الأرضِ ولا في السَّماء لو كُنتم فيهما، ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾.
الشورى 42:31
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أَصَـابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ﴾ ؛ يعني وما أصابَكم من المعاصِي في النَّفسِ والمالِ والولدِِ أو نكَبةِ حجَرٍ أو عثرَةِ قدَمٍ، ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، يعني المعاصِي، ﴿وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ ؛ فلا يعاقِبُ بها لُطفاً بهم.
قال ﷺ :" مَا مِنْ خَدْشَةِ عُودٍ أوْ عَثْرَةِ قَدَمٍ أو اخْتِلاَجِ عِرْقٍ إلاَّ بذنْبٍ، وَمَا يَعْفُو اللهُ تَعَالَى أكْثَرُ " وقال الحسنُ :(مَعْنَى الآيَةِ : وَمَا أصَابَكُمْ مِنْ حَدٍّ فِي سَرِقَةٍ أوْ زنَى فَبمَا كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ). وقال الضحَّاكُ :(مَا حَفِظَ رَجُلٌ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ إلاَّ بذنْبٍ) وَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وَقَالَ : إنَّ أعْظَمَ الذُّنُوب نِسْيَانُ الْقُرْآنِ).
وفي مصاحفِ المدينةِ والشَّام (بمَا كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ). قال الزجَّاجُ :(وَإثْبَاتُ الْفَاءِ أجْوَدُ لأَنَّ الْفَاءَ جَوَابُ الشَّرْطِ). وَمَنْ حَذفَهَا فَعَلَى أنَّ (مَا) بمعنى (الَّذِي) تقديرهُ : والَّذي أصابَكم وقعَ بما كسَبت أيدِيكُم) ﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ يا معشرَ المشركين لا تُعجِزونِي في السَّموات حيث كُنتم، ولا تَسبقونَنِي هَرباً في الأرضِ ولا في السَّماء لو كُنتم فيهما، ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾.
الشورى 42:32
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ﴾ ؛ أي ومِن آياته الدَّالة على توحيدهِ وقُدرتهِ الجوَاري في البحرِ، وهي السُّفُنُ جمعُ جَاريَةٍ تجرِي في البحرِ، ﴿كَالأَعْلاَمِ﴾ أي كالجِبَالِ الطِّوَالِ، ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ ؛ معناهُ : إن شاءَ اللهُ يُسكِنِ الرِّيحَ التي تَجرِي بها السُّفنُ فيَبقينَ واقفاتٍ على ظهرِ الماء، ويبقَى أهلُها حيَارَى لا يجدُونَ حِيلةً في الخلاصِ ؛ لأن ماءَ البحرِ راكدٌ لا تجري السفينةُ فيه إلاَّ بريحٍ تُجرِيهِ، فذلك معنَى قولهِ تعالى :﴿فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ ؛ يعني السُّفنَ رَوَاكِدَ ؛ أي ثوابتَ على ظهرِ البحر لا تجرِي ولا تبرحُ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ ؛ أي لدلاَلاتٍ على توحيد اللهِ تعالى، ﴿لِّكُلِّ صَبَّارٍ﴾ ؛ على طاعتهِ، ﴿شَكُورٍ﴾ ؛ على نِعَمِهِ. وَقِيْلَ : لكلِّ صبَّارٍ في الشدَّة، شَكُورٍ في الرَّخاءِ.
الشورى 42:33
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ﴾ ؛ أي ومِن آياته الدَّالة على توحيدهِ وقُدرتهِ الجوَاري في البحرِ، وهي السُّفُنُ جمعُ جَاريَةٍ تجرِي في البحرِ، ﴿كَالأَعْلاَمِ﴾ أي كالجِبَالِ الطِّوَالِ، ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ ؛ معناهُ : إن شاءَ اللهُ يُسكِنِ الرِّيحَ التي تَجرِي بها السُّفنُ فيَبقينَ واقفاتٍ على ظهرِ الماء، ويبقَى أهلُها حيَارَى لا يجدُونَ حِيلةً في الخلاصِ ؛ لأن ماءَ البحرِ راكدٌ لا تجري السفينةُ فيه إلاَّ بريحٍ تُجرِيهِ، فذلك معنَى قولهِ تعالى :﴿فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ ؛ يعني السُّفنَ رَوَاكِدَ ؛ أي ثوابتَ على ظهرِ البحر لا تجرِي ولا تبرحُ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ ؛ أي لدلاَلاتٍ على توحيد اللهِ تعالى، ﴿لِّكُلِّ صَبَّارٍ﴾ ؛ على طاعتهِ، ﴿شَكُورٍ﴾ ؛ على نِعَمِهِ. وَقِيْلَ : لكلِّ صبَّارٍ في الشدَّة، شَكُورٍ في الرَّخاءِ.
الشورى 42:34
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ ؛ أي يُهلِكُهُنَّ بالريحِ العاصفِ، ويُغرِقُهُنَّ، يعني : أهلَهُنَّ ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ أي بما أشرَكُوا واقترَفُوا من الذنب، ﴿وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾ ؛ من ذنوبهم فيُنَجِّيهم من الغرقِ والهلاكِ. والمعنى :﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ وإنْ يشَأْ يَعْفُ عن كثيرٍ فتَجرِي السُّفنُ على ما يشاؤونَ.
الشورى 42:35
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾ ؛ يعني أن الكفارَ الذين يكذِّبون بالقرآنِ إذا صَارُوا إلى اللهِ بعدَ البعثِ عَلِمُوا أنْ لا مهربَ لَهم من عذاب الله تعالى.
فمَن قرأ (وَيَعْلَمُ) بالرفعِ فعلى الابتداءِ من غيرِ أن يكون مَعطُوفاً على (وَيَعْفُ) لأنَّ عِلمَ اللهِ تعالى مقطوعٌ به لا يجوزُ تعليقه بمشيئةٍ، ومَن قرأ بالنصب فهو نصب على إضمار (أنْ) معناهُ : ولَئنِ يَعْلَمَ الذين يُنازعُونَ في آياتِنا بالتكذيب أنه لا مَخْلَصَ لَهم في الآخرةِ مِن عذابهِ، كما لا مَخْلَصَ لأهلِ السَّفينة من البحرِ إلاَّ باللهِ.
الشورى 42:36
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ؛ أي ما أُعطِيتُم من شيءٍ مما في أيدِيكم فهو متاعٌ يتمتَّعُ به إلى حين، ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ؛ من الثواب أفضَلُ وأدوَمُ مما في أيدِيِكم، ثم بيَّن اللهُ لِمَنِ الثوابُ فقالَ :﴿لِلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
الشورى 42:37
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ ؛ قد تقدَّمَ الكلامُ في الكبائرِ والفواحشِ في سُورة النِّساء، قال مقاتلُ :(الْفَوَاحِشُ مَا يُقَامُ فِيْهَا الْحَدُّ فِي الدُّنْيَا). وَقِيْلَ : الفواحشُ الزِّنَى وأنواعهُ، وكبائِرُ الإثمِ الشِّركُ، كذا قالَ ابنُ عبَّاس. وقرأ حمزةُ (كَبيرَ الإثْمِ) على الوِحدان وهو يريدُ الجمعَ.
وقولهُ تعالى ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ أي يَكْظِمُونَ الغَيْظَ ويَعْفُونَ عمَّن ظلَمَهم، ويطلبون بذلك ثوابَ الله وعَفوَهُ. وهذه الآيةُ نزَلت في أبي بكر رضي الله عنه حين أقبلَ رجلٌ من المشرِكينَ يَشتِمهُ ويقعُ فيه ولم يَرُدُّ عليه أبو بكرٍ رضي الله عنه.
الشورى 42:38
قولهُ :﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ﴾ ؛ أي أجَابوهُ إلى ما دعاهم إليه من التوحيدِ والعبادة، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ أي فعالاً مِن المشورةِ، وهي الأمرُ الذي يُتَشَاوَرُ فيه، يقالُ : صارَ هذا الأمرُ شُورَى بين القومِ إذا تشَاوَرُوا فيه.
والمعنى أنَّهم يتَشاوَرُونَ فيما يبدُو لهم، ولا يَعجَلُونَ في الأمرِ. وقال الحسنُ :(وَاللهِ مَا تَشَاوَرَ قَوْمٌ إلاَّ هَدَاهُمُ اللهُ تَعَالَى لأَفْضَلِ مَا بحَضْرَتِهِمْ). والمعنى : أنَّهم إذا حَدَثَ بهم أمرٌ لا نصَّ فيه من كتابٍ ولا سُنة ولا إجماعٍ ؛ شاوَرَ بعضُهم بعضاً لإظهار الحقِّ.
الشورى 42:39
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾، معناهُ : الذين إذا أصابَهم البغيُ والظُّلم والعدوان هم ينتَصِرون مِمَّن ظلَمَهم، قال عطاءُ :(يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ الَّّذِينَ أخْرَجَهُمُ الْكُفَّارُ مِنْ مَكَّةَ وَبَغُواْ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ مَكَّنَهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي الأَرْضِ حَتَّى انْتَصَرُواْ مِمَّنْ ظَلَمَهُمْ).
قال ابنُ زيد :(جَعَلَ اللهُ الْمُوْمِنِينَ صِنْفَيْنِ : صِنْفٌ يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ، فَبَدَأ بذِكْرِهِمْ فَقَالَ :﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾[الشورى: ٣٧]. وَصِنْفٌ يَنْتَصِرُونَ مِمَّنْ ظَلَمَهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ ذُكِرُواْ فِي هَذِهِ الآيَةِ، وَمَنِ انْتَصَرَ فَأَخَذ حَقَّهُ وَلَمْ يُجَاوزْ فِي ذلِكَ مَا حَدَّ اللهُ فَهُوَ مُطِيعٌ للهِ، وَمَنْ أطَاعَ اللهَ فَهُوَ مَحْمُودٌ).
ثم اعْلَمْ : أن أوَّلَ هذه الآيةِ يقتضي أنَّ الاقتصارَ بأخذِ الواجب من القصاصِ أو نحوه أفضلُ ؛ لأن اللهَ تعالى عطفَ هذه الآيةَ على الآيةِ التي ذكرَ فيها الاستجابةَ للهِ تعالى وإقامِ الصَّلاة.
وتكلَّمُوا في معنى ذلك، قالَ بعضُهم : أرادَ به الانتصارَ مِمَّن فارَقَهم في دِينهم، فأما مِن المسلمين فالانتصارُ مباحٌ، كما قال﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـائِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ﴾[الشورى: ٤١] والعفوُ أفضل، كما قالَ تعالى﴿وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾[البقرة: ٢٣٧]، وقال تعالى :﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾[الشورى: ٤٠].
وقال بعضُهم : إذا كان العفوُ يؤدِّي إلى الإخلالِ بشيءٍ من حُقوقِ الله مثل العفوِ عن الفاسقِ الذي لا يرتدعُ، والعفوِ عن الباغِي الذي لا يكون مُصِرّاً على قصدهِ، فالانتصارُ أولى من العفوِ، وإذا كان العفوُ لا يؤدِّي إلى إسقاطِ شيءٍ من حُقوقِ الله تعالى فالعفوُ أفضَلُ كما قالَ تعالى في آيةِ القصاص﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾[المائدة: ٤٥]. وفي بعضِ التَّفاسيرِ : إنما جُعِلَ الانتصارُ في أوَّلِ هذه الآياتِ أفضلَ لأنَّهم كانوا يَكرَهُونَ أن يُذلِّلُوا أنفُسَهم فَيَجْتَرِئُ عليهم الفُسَّاق.
الشورى 42:40
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ ؛ فيه بيانُ أنه لا تجوزُ الزيادةُ على السَّيئة الأُولى، وإنما سُميت الثانيةُ سيئة لأنَّها في مقابَلة الأُولى، والأُولى سيِّئة لفظاً ومعنىً، والثانيةُ سيئةٌ لفظاً لا معنى، وسُميت بهذا الاسمِ لأن مُجازاةَ السُّوء لا تكون إلاَّ بمثلهِ، قال مقاتلُ :(مَعْنَى هَذِهِ الآيَةِ فِي الْقِصَاصِ فِي الْجِرَاحَاتِ وَالدِّمَاءِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ ؛ أي مَن عفَى عمَّن ظلمَهُ وأصلحَ بالعفوِ بينه وبين ظالِمه فأجرهُ على اللهِ تعالى، وقولهُ تعالى :﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ يعنِي مَن يبدأُ بالظُّلمَ. وفيه بيانُ أنَّ اللهَ تعالى إنما نَدَبَ المظلومَ إلى العفوِ لا لِمَيلهِ إلى الظالِمِ أو لِحُبهِ إياهُ، ولكن ليُعَرِّضَ المظلومَ لجزيلِ الثَّواب بالعفوِ.
الشورى 42:41
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ ؛ أي بعدَ ظُلمِ الظالِم إيَّاهُ، فالمصدرُ ها هنا مضافٌ إلى المفعولِ، كقولهِ :﴿مِن دُعَآءِ الْخَيْرِ﴾[فصلت: ٤٩] و﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾[ص: ٢٤]، ﴿فَأُوْلَـائِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ ؛ يعني الذين يَبدَأُونَ بالظُّلمِ، ﴿وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ؛ أي يعمَلون بالمعاصِي، ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
الشورى 42:42
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ ؛ أي بعدَ ظُلمِ الظالِم إيَّاهُ، فالمصدرُ ها هنا مضافٌ إلى المفعولِ، كقولهِ :﴿مِن دُعَآءِ الْخَيْرِ﴾[فصلت: ٤٩] و﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾[ص: ٢٤]، ﴿فَأُوْلَـائِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ ؛ يعني الذين يَبدَأُونَ بالظُّلمِ، ﴿وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ؛ أي يعمَلون بالمعاصِي، ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
الشورى 42:43
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ ؛ يعني من صَبَر ولم ينتَصِرْ وغفرَ، ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ ؛ الصبرُ والتَّجاوُز، ﴿لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ؛ قال مقاتلُ :(مِنْ الأُمُور الَّتِي أمَرَ اللهُ بهَا)، وَالْمُرَادُ بذلِكَ إذا كَانَ الْجَانِي نَادِماً مُقْلِعاً. وَالْعَزْمُ على الشيءِ هو أن يَعْقِدَ قَلْبَهُ على أنَّهُ سيفعَلهُ، وكلُّها كانت رغبةَ الصابرِ في الثواب أكثرَ كان عزمهُ على التجاوُز أتَمَّ لتَيَقُّنهِ بالخلَفِ والثواب.
الشورى 42:44
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ ؛ أي مَن يخذلْهُ الله بعنادهِ وجُحودهِ، ويُضِلَّهُ عن الهدَى، ﴿فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ﴾ ؛ أي ما لَهُ من أحدٍ يَلِي هِدَايتَهُ بعدَ إضلالِ الله إيَّاهُ. وَقِيْلَ : معناهُ : مَن يُهلِكْهُ اللهُ ويُضَيِّعْهُ فما لَهُ من ولِيٍّ يَلِي أمرَهُ ويدفعُ عنه العذابَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ﴾ ؛ أي ترَى المشرِكين يا مُحَمَّدُ، ﴿لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ﴾ ؛ في الآخرةِ يسأَلُون الرجعةَ إلى الدُّنيا، ﴿يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ﴾.
الشورى 42:45
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ ؛ أي على النار قبلَ أن يدخلُوها، ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ ؛ أي أذِلاَّءَ من الهوَانِ، وَقِيْلَ : سَاكنِين مُتواضِعين، ﴿يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ ؛ أي يَنظُرون إلى النار سَارقَةِ الأَعيُن نظرَ الخائفِ ؛ أي مَن يخافهُ فَزَعاً منه. وَقِيْلَ : معنى ﴿خَاشِعِينَ﴾ مُطرِقِينَ من الْخَجَلِ والوَجَلِ، والطَّرْفُ هو العينُ.
وعن ابنِ عبَّاس أنه قال :(يَنْظُرُونَ بقُلُوبهِمْ نَظَرَ الأَعْمَى، إذا سَمِعَ حِسّاً وَقَفَ مُسْتَمِعاً خَائِفاً مِنْهُ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ :﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً﴾[الإسراء: ٩٧]).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ؛ أي عرَفَ المؤمنون خُسرانَ الكفَّار في ذلك اليومِ فقالوا :﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ بأن صَارُوا إلى النار، وأهلِيهم في الجنَّة بأَنْ صَارُوا لغَيرِهم. وقولهُ تعالى :﴿أَلاَ إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾ ؛ أي دائمٍ لا ينقطعُ، ﴿وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾.
الشورى 42:46
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ ؛ أي على النار قبلَ أن يدخلُوها، ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ ؛ أي أذِلاَّءَ من الهوَانِ، وَقِيْلَ : سَاكنِين مُتواضِعين، ﴿يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ ؛ أي يَنظُرون إلى النار سَارقَةِ الأَعيُن نظرَ الخائفِ ؛ أي مَن يخافهُ فَزَعاً منه. وَقِيْلَ : معنى ﴿خَاشِعِينَ﴾ مُطرِقِينَ من الْخَجَلِ والوَجَلِ، والطَّرْفُ هو العينُ.
وعن ابنِ عبَّاس أنه قال :(يَنْظُرُونَ بقُلُوبهِمْ نَظَرَ الأَعْمَى، إذا سَمِعَ حِسّاً وَقَفَ مُسْتَمِعاً خَائِفاً مِنْهُ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ :﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً﴾[الإسراء: ٩٧]).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ؛ أي عرَفَ المؤمنون خُسرانَ الكفَّار في ذلك اليومِ فقالوا :﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ بأن صَارُوا إلى النار، وأهلِيهم في الجنَّة بأَنْ صَارُوا لغَيرِهم. وقولهُ تعالى :﴿أَلاَ إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾ ؛ أي دائمٍ لا ينقطعُ، ﴿وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾.
الشورى 42:47
قولهُ :﴿اسْتَجِيبُواْ لِرَبِّكُمْ﴾ ؛ أي أجِيبُوا دَاعِيَ ربكم، يعني مُحَمَّداً ﷺ، ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ ؛ لا يقدرُ أحدٌ على دفعهِ وهو يومُ القيامةِ، ﴿مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ﴾ ؛ تلجَأُون إليه، ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ﴾ ؛ يُنكِرُ العذابَ ويدفعهُ عنكم، وَقِيْلَ : لا تَقدِرُونَ أن تُنكِرُوا ما توقَفُون عليه مِن ذنوبكم وما ينْزِلُ بكم.
الشورى 42:48
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ ؛ فإنْ أعرَضُوا عن إجَابَتِكَ يا مُحَمَّدُ فما أرسَلناكَ عليهم حَفيظاً تحفَظُ أعمالَهم وأقوالَهم، ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاَغُ﴾ ؛ عن اللهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ ؛ أي غِنًى وصحَّةً، ﴿فَرِحَ بِهَا﴾ ؛ يعني الكافرُ، ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ ؛ أي قَحْطٌ، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ ؛ من الكُفرِ، ﴿فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ﴾ ؛ لِمَا تقدَّمَ من نِعَمِ اللهِ عليه ويجحَدُ.
الشورى 42:49
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي له التصرُّفُ فيهما بما يريدُ، ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً﴾ ؛ مثلَ ما وَهَبَ للُوطٍ عليه السلام، ﴿وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ﴾ ؛ مثلَ ما وهبَ لإبراهيم عليه السلام لم يكُن له ولدٌ أُنثى، ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً﴾ ؛ أي يَجمَعُ لِمَن يشاءُ البنينَ والبناتِ، كما وهبَ لنبيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ فإنه كانَ له ثلاثةُ بَنين وأربعُ بناتٍ، ﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً﴾ ؛ لا يولَدُ له مثلَ يحيَى وعيسَى عليه السلام، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾ ؛ بعواقب الأمُور وَأواخرِها وأوَائلِها، وفواتِحها وخواتِمها، وظواهِرها وبواطنِها، ﴿قَدِيرٌ﴾ ؛ على كلِّ شيء، لا يلحقهُ عَجزٌ ولا يعتريهِ منعٌ.
الشورى 42:50
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي له التصرُّفُ فيهما بما يريدُ، ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً﴾ ؛ مثلَ ما وَهَبَ للُوطٍ عليه السلام، ﴿وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ﴾ ؛ مثلَ ما وهبَ لإبراهيم عليه السلام لم يكُن له ولدٌ أُنثى، ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً﴾ ؛ أي يَجمَعُ لِمَن يشاءُ البنينَ والبناتِ، كما وهبَ لنبيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ فإنه كانَ له ثلاثةُ بَنين وأربعُ بناتٍ، ﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً﴾ ؛ لا يولَدُ له مثلَ يحيَى وعيسَى عليه السلام، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾ ؛ بعواقب الأمُور وَأواخرِها وأوَائلِها، وفواتِحها وخواتِمها، وظواهِرها وبواطنِها، ﴿قَدِيرٌ﴾ ؛ على كلِّ شيء، لا يلحقهُ عَجزٌ ولا يعتريهِ منعٌ.
الشورى 42:51
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ﴾ ؛ أي ما كان لآدمِيٍّ أن يُكلِّمَهُ اللهُ مواجهةً بغيرِ حجابٍ، إلاَّ أن يوحِي أن يقذفَ في قلبهِ ويُلهِمَ إما في المنامِ أو بالإلهام، كما أخبرَ اللهُ في قصَّة إبراهيم عليه السلام في قوله﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾[الصافات: ١٠٢].
وقولهُ تعالى :﴿أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ كما كلَّمَ موسَى عليه السلام، كان يسمعُ كلامَهُ من حيث لا يراهُ، أو يُرسِلَ من الملائكةِ جبريلَ أو غيرَهُ فيُوحِي ذلك الرسولُ إلى الْمُرْسَلِ إليه بإذن الله ما يشاءُ الله.
قال الزجَّاجُ :(الْمَعْنَى : أنَّ كَلاَمَ اللهِ لِلْبَشَرِ إمَّا أنْ يَكُونَ بإلْهَامٍ أوْ يُكَلِّمَهُمْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ كَمَا كَلَّمَ مُوسَى، أوْ برِسَالَةِ مَلَكٍ إلَيْهِمْ). فمَن قرأ (أوْ يُرْسِلَ) بنصب اللام فمعناهُ : أو أنْ يُرسِلَ رسُولاً من الملائكةِ، كما أرسلَ جبريلَ عليه السلام، وتقديرهُ : وما كان لبشرٍ أن يُكلِّمَهُ اللهُ إلاَّ وَحْياً أن يُوحِي إليه أو يُكلِّمه من وراءِ حجابٍ أو يرسِلَ رسُولاً. ومَن قرأ بالرفعِ أرادَ : وهو يُرسِلُ فهو ابتداءٌ واستئناف، والوقفُ كافٍ على ما قبله.
وقولهُ تعالى :﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ؛ أي هو أعلَى مِن أن يدركَهُ الخلقُ بالأبصار الفانية بلا حجابٍ، الحكيمُ فيما يأمرُ وينهَى.
الشورى 42:52
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ ؛ أي كما أوْحَينَا إلى الرُّسُلِ من قبلِكَ أوحَينا إليك جبريلَ بالقُرآنِ الذي " فيه " حياةُ القلوب من الجهلِ. ومِن هذا سُمِّي القرآنُ رُوحاً ؛ لأنه سببُ حياةِ الدِّّين، كما أنَّ الروحَ سببُ حياةِ الجسد. وقال مقاتلُ :(مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿رُوحاً﴾ يَعْنِي الْوَحْيَ) وَهُوَ الْقُرْآنُ ؛ لأَنَّهُ يُهْتَدَى بهِ، فَفِيهِ حَيَاةٌ مِنْ مَوْتِ الْكُفْرِ. وقولهُ ﴿مِّنْ أَمْرِنَا﴾، وَقِيْلَ : إنَّ الروحَ ها هنا جبريلُ.
وقولهُ :﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ﴾ ؛ أي ما كنتَ تدري قبلَ الوحيِ ما الكتابُ ولا ما الإيمانُ ؛ قيل : لأنه كان لا يعرِفُ القرآنَ قبلَ الوحي، ولا كان يعرفُ بشرائعِ الإيمان ومعالِمه، وهي كلُّها إيمانٌ، وهذا اختيارُ الإمامِ محمَّد بن جرير، واحتجَّ بقولهِ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾[البقرة: ١٤٣] يعني الصَّلاةَ سَمَّاها إيْماناً. وَقِيْلَ : معناهُ : ما كُنتَ تدري ما الإيمانُ قبلَ البلوغِ، يعني حين كان طِفْلاً في الْمَهْدِ. وقال الحسينُ بن الفضلِ :(هَذا مِنْ بَاب حَذْفِ الْمُضَافِ ؛ مَعْنَاهُ :" أيْ مَا كُنْتَ تَدْري مَا الْكِتَابُ " ولا أهْلِ الإيْمَانِ " أيْ " مَنِ الَّذِي يُؤْمِنُ وَمَنِ الَّذِي لاَ يُؤْمِنُ)، وَفِي الْجُمْلَةِ لَمْ يَكُنِ النَّبيُّ ﷺ عَلَى الْكُفْرِ قَطُّ، وَإنَّهُ كَانَ عَلَى فِطْرَةِ الإسْلاَمِ حِينَ وُلِدَ، وَكَذلِكَ جَمِيعُ أنْبيَاءِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ الْوَحْيِ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يَعْبُدُ اللهَ قَبْلَ الْوَحْيِ عَلَى دِينِ إبْرَاهِيمَ عليه السلام.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَـاكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً﴾ ؛ يعني الوحيَ ودليلاً على الإيمانِ والتوحيد، ﴿نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ ؛ إلى دينِ الحقِّ، ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ؛ أي لتَدعُو الخلقَ كلَّهم بوَحينا إليك إلى طريقٍ قائمٍ يرضاهُ اللهُ وهو الإسلامُ. وقولهُ تعالى :﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ؛ خُفِضَ على البدلِ، وقولهُ تعالى :﴿أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ ؛ أي إليه ترجعُ عواقِبُ الأمُور في الآخرةِ.
الشورى 42:53
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ ؛ أي كما أوْحَينَا إلى الرُّسُلِ من قبلِكَ أوحَينا إليك جبريلَ بالقُرآنِ الذي " فيه " حياةُ القلوب من الجهلِ. ومِن هذا سُمِّي القرآنُ رُوحاً ؛ لأنه سببُ حياةِ الدِّّين، كما أنَّ الروحَ سببُ حياةِ الجسد. وقال مقاتلُ :(مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿رُوحاً﴾ يَعْنِي الْوَحْيَ) وَهُوَ الْقُرْآنُ ؛ لأَنَّهُ يُهْتَدَى بهِ، فَفِيهِ حَيَاةٌ مِنْ مَوْتِ الْكُفْرِ. وقولهُ ﴿مِّنْ أَمْرِنَا﴾، وَقِيْلَ : إنَّ الروحَ ها هنا جبريلُ.
وقولهُ :﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ﴾ ؛ أي ما كنتَ تدري قبلَ الوحيِ ما الكتابُ ولا ما الإيمانُ ؛ قيل : لأنه كان لا يعرِفُ القرآنَ قبلَ الوحي، ولا كان يعرفُ بشرائعِ الإيمان ومعالِمه، وهي كلُّها إيمانٌ، وهذا اختيارُ الإمامِ محمَّد بن جرير، واحتجَّ بقولهِ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾[البقرة: ١٤٣] يعني الصَّلاةَ سَمَّاها إيْماناً. وَقِيْلَ : معناهُ : ما كُنتَ تدري ما الإيمانُ قبلَ البلوغِ، يعني حين كان طِفْلاً في الْمَهْدِ. وقال الحسينُ بن الفضلِ :(هَذا مِنْ بَاب حَذْفِ الْمُضَافِ ؛ مَعْنَاهُ :" أيْ مَا كُنْتَ تَدْري مَا الْكِتَابُ " ولا أهْلِ الإيْمَانِ " أيْ " مَنِ الَّذِي يُؤْمِنُ وَمَنِ الَّذِي لاَ يُؤْمِنُ)، وَفِي الْجُمْلَةِ لَمْ يَكُنِ النَّبيُّ ﷺ عَلَى الْكُفْرِ قَطُّ، وَإنَّهُ كَانَ عَلَى فِطْرَةِ الإسْلاَمِ حِينَ وُلِدَ، وَكَذلِكَ جَمِيعُ أنْبيَاءِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ الْوَحْيِ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يَعْبُدُ اللهَ قَبْلَ الْوَحْيِ عَلَى دِينِ إبْرَاهِيمَ عليه السلام.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَـاكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً﴾ ؛ يعني الوحيَ ودليلاً على الإيمانِ والتوحيد، ﴿نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ ؛ إلى دينِ الحقِّ، ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ؛ أي لتَدعُو الخلقَ كلَّهم بوَحينا إليك إلى طريقٍ قائمٍ يرضاهُ اللهُ وهو الإسلامُ. وقولهُ تعالى :﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ؛ خُفِضَ على البدلِ، وقولهُ تعالى :﴿أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ ؛ أي إليه ترجعُ عواقِبُ الأمُور في الآخرةِ.
الزخرف 43:1
﴿حـم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ؛ أقسمَ اللهُ بالقرآنِ، الْمُبين : الذي أبَانَ طريقَ الهدى من طريقِ الضَّلالةِ، وأبانَ ما يحتاجُ إليه من الشَّرائعِ، وجوابُ ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ؛ أي إنَّا أنزلناهُ على لُغةِ العرب ليكون أبلغَ في الحجَّة وأدعَى إلى القَبولِ، كي يَعْقِلَهُ العربُ من غيرِ متَرجِمٍ.
الزخرف 43:2
﴿حـم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ؛ أقسمَ اللهُ بالقرآنِ، الْمُبين : الذي أبَانَ طريقَ الهدى من طريقِ الضَّلالةِ، وأبانَ ما يحتاجُ إليه من الشَّرائعِ، وجوابُ ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ؛ أي إنَّا أنزلناهُ على لُغةِ العرب ليكون أبلغَ في الحجَّة وأدعَى إلى القَبولِ، كي يَعْقِلَهُ العربُ من غيرِ متَرجِمٍ.
الزخرف 43:3
﴿حـم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ؛ أقسمَ اللهُ بالقرآنِ، الْمُبين : الذي أبَانَ طريقَ الهدى من طريقِ الضَّلالةِ، وأبانَ ما يحتاجُ إليه من الشَّرائعِ، وجوابُ ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ؛ أي إنَّا أنزلناهُ على لُغةِ العرب ليكون أبلغَ في الحجَّة وأدعَى إلى القَبولِ، كي يَعْقِلَهُ العربُ من غيرِ متَرجِمٍ.
الزخرف 43:4
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ؛ أي إنَّهُ مذكورٌ مُثْبَتٌ في اللَّوحِ المحفوظِِ عندَنا، كما قالَ في آيةٍ أُخرى﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾[البروج: ٢١ - ٢٢]، وسُمي اللوحُ أُمَّ الكتاب ؛ لأنه أصلُ كلِّ كتابٍ، وتُسمَّى الوالدةُ : أُمّاً ؛ لأنَّها أصلُ الولدِ.
وقولهُ تعالى ﴿لَدَيْنَا﴾ يريدُ الذي عندَنا نُخبرُ عن فضيلتهِ، ومَنْزِلتِه وشرفهِ أنْ كذبتُم به يا أهلَ مكَّة، فإنه عندَنا شريفٌ رفيع مُحكَمٌ من الباطلِ. ويقالُ : ذُو حِكمَةٍ لا يحتملُ الزيادةَ والنُّقصانَ، والتبديلَ والتغييرَ.
الزخرف 43:5
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ﴾ ؛ قال الكلبيُّ :(يَقُولُ اللهُ لأَهْلِ مَكَّةَ : أَفَنَتْرُكُ عَنْكُمُ الْوَحْيَ صَفْحاً فَلاَ نَأْمُرُكُمْ وَلاَ نَنْهَاكُمْ وَلاَ نُرْسِلُ إلَيْكُمْ رَسُولاً ؟ وَهَذا اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ الإنْكَارُ ؛ أيْ لاَ نَفْعَلُ ذلِكَ).
ومعنى الآيةِ : إفَنُمسِكُ عن إنزالِ القرآن ونُهمِلُكم فلا نُعرِّفُكم ما يجبُ عليكم من أجلِ أنَّكم أسرَفتُم في كُفرِكم، وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ﴾، والمعنى : لإنْ كُنتم، والكسرُ في (إنْ) على أنه جزاءٌ استغنى عن جوابهِ بما تَقدَّمَهُ، كما تقولُ : أنتَ ظالِمٌ إنْ فعلتَ كذا، ومثلهُ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ﴾[المائدة: ٢] بالفتحِ والكسر، وقد تقدَّمَ.
ومعنى الآيةِ : أفنَضرِبُ عنكم تَذكُّرنَا إيَّاكم الواجبَ ونتركُكم بلا أمرٍ ولا نَهيٍ مُعرِضين عنكم لَئِن أسرَفتُم. والصَّفْحُ في اللغة : هو الإعراضُ، يقالُ : صَفَحَ عن دِينه أي أعرضَ عنه، " صَفَحَ " فلانُ عنِّي بوجههِ ؛ أي أعرَضَ، وهو في صِفات اللهِ بمعنى العَفْوِ، يقالُ : أصْفحَ عن دينه ؛ أي أعرضَ عنه. والإضرابُ والضَّربُ في الكلامِ كلاهُما بمعنى الإعراضِ والعدُولِ.
الزخرف 43:6
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِم مِّنْ نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ؛ فيه تسليةٌ للنبيِّ ﷺ، وبيانُ أنَّ دَأبَ كلَّ أُمة مع رسولِهم التكذيبُ والاستهزاء به، وإنَّ من سُنة اللهِ تعالى إهلاكُ المكَذِّبين، فحدِّث أيها الرسولُ قومَك كي لا يَسلِكوا طريقَ من قبلهم فينزلُ بهم من العذاب ما نزلَ بمَن قبلَهم.
الزخرف 43:7
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِم مِّنْ نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ؛ فيه تسليةٌ للنبيِّ ﷺ، وبيانُ أنَّ دَأبَ كلَّ أُمة مع رسولِهم التكذيبُ والاستهزاء به، وإنَّ من سُنة اللهِ تعالى إهلاكُ المكَذِّبين، فحدِّث أيها الرسولُ قومَك كي لا يَسلِكوا طريقَ من قبلهم فينزلُ بهم من العذاب ما نزلَ بمَن قبلَهم.
الزخرف 43:8
وقولهُ تعالى :﴿فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً﴾ ؛ أي أقوَى من قومِكَ، يعني الأوَّلين الذين هَلَكوا بتكذيبهم، ﴿وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾ ؛ وسبقَ فيما أنزلنا إليكَ تشبيهٌ بتكذيبهم، فعاقبةُ هؤلاء أيضاً الإهلاكُ.
الزخرف 43:9
قَوْلُهُ تعالى :﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ ؛ معناهُ : ولئن سألتَ قومَكَ مَن خلقَ السَّموات والأرضَ، ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾، وهذا إخبارٌ عن غايةِ جَهلِهم إذ أقَرُّوا بأنَّ الله خلقَ السموات والأرض، ثم عَبَدُوا معه غيرَهُ وأنكَرُوا قدرته على البعثِ، فهُم يُقرُّون بالله ويُشركون به غيرَهُ، كما قالَ تعالى في آيةٍ أخرى﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾[يوسف: ١٠٦] وتَمَّ الكلامُ والإخبار عنهم.
ثُم ابتدأ قوله عَزَّ وَجَلَّ فقال :﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً﴾ ؛ هذا ابتداءُ كلامٍ من اللهِ تعالى على معنى : نَعَمْ خلَقَهُنَّ العزيزُ العليم الذي جعلَ لكم الأرضَ مِهَاداً يمكنُكم القرارُ عليها، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ ؛ أي طُرقاً، ﴿لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ؛ في الطريقِ من بلدٍ إلى بلد، وتَهتدون بوحدانيَّة اللهِ.
الزخرف 43:10
قَوْلُهُ تعالى :﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ ؛ معناهُ : ولئن سألتَ قومَكَ مَن خلقَ السَّموات والأرضَ، ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾، وهذا إخبارٌ عن غايةِ جَهلِهم إذ أقَرُّوا بأنَّ الله خلقَ السموات والأرض، ثم عَبَدُوا معه غيرَهُ وأنكَرُوا قدرته على البعثِ، فهُم يُقرُّون بالله ويُشركون به غيرَهُ، كما قالَ تعالى في آيةٍ أخرى﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾[يوسف: ١٠٦] وتَمَّ الكلامُ والإخبار عنهم.
ثُم ابتدأ قوله عَزَّ وَجَلَّ فقال :﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً﴾ ؛ هذا ابتداءُ كلامٍ من اللهِ تعالى على معنى : نَعَمْ خلَقَهُنَّ العزيزُ العليم الذي جعلَ لكم الأرضَ مِهَاداً يمكنُكم القرارُ عليها، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ ؛ أي طُرقاً، ﴿لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ؛ في الطريقِ من بلدٍ إلى بلد، وتَهتدون بوحدانيَّة اللهِ.
الزخرف 43:11
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ﴾ ؛ يعني المطرَ بمقدارٍ معلوم يعلمهُ خازنُ المطرِ ليس كما أنزلَ على قومِ نوح بغير قَدَرٍ حتى أهلكَهم، بل هو بقَدرٍ يكون مَعاشاً لكم ولأنعامِكم، وقولهُ تعالى :﴿فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ ؛ أي فأَحيَينا بذلك المطرِ بَلداً ميتاً بإخراجِ الأشجار والزرعِ، ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ؛ من القُبور يومَ النشور للحساب والجزاء.
الزخرف 43:12
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ ؛ معناهُ والذي خلقَ الأصنافَ كُلَّها والألوانَ كُلَّها، ويقالُ : الذكورُ والإناث كلِّها، وجعل لكم من الفُلكِ والأنعامِ ما تركبون عليها في البَرِّ.
الزخرف 43:13
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِتَسْتَوُواْ عَلَى ظُهُورِهِ﴾ ؛ الكنايةُ تعود إلى لفظ (مَا) أي لتَستَوُوا على ظُهور ما تركبون، ﴿ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ ؛ يعني النعمةَ بتسخيرِ ذلك المركَب في البَرِّ والبحرِ، قال مقاتلُ والكلبي :(وَهُوَ أنْ تَقُولَ : الْحَمْدُ للهِ الَّذِي رَزَقَنِي هَذا وَحَمَلَنِي عَلَيْهِ)، ﴿وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـاذَا﴾ ؛ المركَبَ وذلَّلَهُ لنا، وسهَّلَ رُكوبَهُ، ولولاَ تسخيرهُ لنا، ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ؛ أي مُطِيقين ضابطين، يريدُ : لا طاقةَ لنا بالإبلَ ولا بالفلكِ ولا بالبحر، لولاَ أنَّ اللهَ تعالى سخَّرَ لنا ذلك.
قال قتادةُ :(قَدْ عَلَّمَكُمُ اللهُ كَيْفَ تَقُولُونَ إذا رَكِبْتُمْ). وعن ابنِ مسعودٍ أنَّهُ قالَ :(إذا رَكِبَ الرَّجُلُ الدَّابَّةَ فَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ، رَدَفَهُ الشَّيْطَانُ، فَقَالَ لَهُ : تَغَنَّ، فَإنْ لَمْ يُحْسِنْ قَالَ لَهُ : تَمَنَّ).
وعن رسولِ الله ﷺ :" " أنَّهُ كَانَ إذا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارجاً فِي سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلاَثاً سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإنَّا إلَى رَبنَا لَمُنْقَلِبُونَ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذا الْبرَّ وَالتَّقْوَى، وَالْعَمَلَ بمَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا وَأطْوِعْنَا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ، اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَب، وَسُوءِ الْمُنْظَرِ فِي الأَهْلِ وَالْمَالِ ". وَإذا رَجَعَ قَالَ :" آيبُونَ تَائِبُونَ لِرَبنَا حَامِدُونَ " ".
الزخرف 43:14
وقولهُ تعالى :﴿وَإِنَّآ إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ ؛ فيه بيانٌ أنه كما يَذكرُ نعمةَ اللهِ عليه في الدُّنيا، فعلَيهِ أنْ يذكُرَ مصيرَهُ إلى الآخرةِ. وينبغِي للعاقلِ إذا ركِبَ دابَّةً أو سفينةً أن يتذكَّرَ آخرَ مركَبهِ وهي الجنازةُ، وإذا لَبسَ أن يتذكَّرَ آخرَ مَلبَسهِ وهو الكفَنُ، وإذا اغتسلَ أن يتذكَّرَ آخرَ عهدهِ بالغُسلِ، وإذا نامَ أن يذكَّرَ الحالَ التي يوضَعُ فيها على جَنبهِ في اللَّحدِ.
الزخرف 43:15
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ ؛ أي جَعل الكفارُ للهِ تعالى من عبادهِ جُزءاً ؛ لأنَّهم قالوا : الملائكةُ بنات اللهِ، فوصَفُوا عبادَ اللهِ بأنَّهم جزءٌ من اللهِ، وقد تقدَّمَ أن الذين قالوا هذا القولَ حيٌّ من خزاعةَ، ومعنى الجعلُ ههنا الحكمُ بالشيءِ، والوصفُ والتسمية كما جعلَ فلانٌ زيداً مِن أعلمِ الناس ؛ أي وصفَهُ بذلك، ويقالُ : إن الْجُزْءَ في كلامِ العرب عبارةٌ عن الأُنثى كما قال الشاعرُ : إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْماً فَلاَ عَجَبٌ قَدْ تُجْزِئُ الْحُرَّةُ الْمِذْكَارُ أحْيَانَاأرادَ بـ (أجْزَأتْ) : ولَدَت أُنثى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ أرادَ الإنسانِ الكافرَ، وقولهُ تعالى ﴿لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾ أي لَجَحُودٌ لنِعَمِ اللهِ، ﴿مُّبِينٌ﴾ ظاهرُ الكُفرَانِ.
ثُم أنكرَ عليهم هذا فقالَ تعالى :﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ﴾ ؛ هذا استفهامُ توبيخٍ وإنكار، يقولوا : أتَّخَذ ربُّكم لنفسهِ البنات وأصفاكم بالبنينِ وأخلَصَكم بهم. والمعنى : كيف اختارَ لنفسهِ أهونَ قِسْمَي الولدِ، واختارَ لكم أعلَى القِسمَين، والحكمةُ لا توجبُ أن يختارَ الحكيمُ الأدوَنَ لنفسهِ والأعلَى لغيرهِ.
ثم وصَفَ كراهتَهم بالبناتِ، فقالَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـانِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً﴾ ؛ أي وإذا أُخبر أحدُهم بما وصفَ للرحمنِ من إضافةِ البنت إليه صارَ وجههُ مُسْوَدّاً متغَيِّراً يُعرَفُ فيه الحزنُ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ؛ أي يتردَّدُ حُزنهُ في جَوفهِ. وقد تقدم تفسيرهُ في سورة النحلِ.
الزخرف 43:16
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ ؛ أي جَعل الكفارُ للهِ تعالى من عبادهِ جُزءاً ؛ لأنَّهم قالوا : الملائكةُ بنات اللهِ، فوصَفُوا عبادَ اللهِ بأنَّهم جزءٌ من اللهِ، وقد تقدَّمَ أن الذين قالوا هذا القولَ حيٌّ من خزاعةَ، ومعنى الجعلُ ههنا الحكمُ بالشيءِ، والوصفُ والتسمية كما جعلَ فلانٌ زيداً مِن أعلمِ الناس ؛ أي وصفَهُ بذلك، ويقالُ : إن الْجُزْءَ في كلامِ العرب عبارةٌ عن الأُنثى كما قال الشاعرُ : إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْماً فَلاَ عَجَبٌ قَدْ تُجْزِئُ الْحُرَّةُ الْمِذْكَارُ أحْيَانَاأرادَ بـ (أجْزَأتْ) : ولَدَت أُنثى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ أرادَ الإنسانِ الكافرَ، وقولهُ تعالى ﴿لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾ أي لَجَحُودٌ لنِعَمِ اللهِ، ﴿مُّبِينٌ﴾ ظاهرُ الكُفرَانِ.
ثُم أنكرَ عليهم هذا فقالَ تعالى :﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ﴾ ؛ هذا استفهامُ توبيخٍ وإنكار، يقولوا : أتَّخَذ ربُّكم لنفسهِ البنات وأصفاكم بالبنينِ وأخلَصَكم بهم. والمعنى : كيف اختارَ لنفسهِ أهونَ قِسْمَي الولدِ، واختارَ لكم أعلَى القِسمَين، والحكمةُ لا توجبُ أن يختارَ الحكيمُ الأدوَنَ لنفسهِ والأعلَى لغيرهِ.
ثم وصَفَ كراهتَهم بالبناتِ، فقالَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـانِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً﴾ ؛ أي وإذا أُخبر أحدُهم بما وصفَ للرحمنِ من إضافةِ البنت إليه صارَ وجههُ مُسْوَدّاً متغَيِّراً يُعرَفُ فيه الحزنُ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ؛ أي يتردَّدُ حُزنهُ في جَوفهِ. وقد تقدم تفسيرهُ في سورة النحلِ.
الزخرف 43:17
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ ؛ أي جَعل الكفارُ للهِ تعالى من عبادهِ جُزءاً ؛ لأنَّهم قالوا : الملائكةُ بنات اللهِ، فوصَفُوا عبادَ اللهِ بأنَّهم جزءٌ من اللهِ، وقد تقدَّمَ أن الذين قالوا هذا القولَ حيٌّ من خزاعةَ، ومعنى الجعلُ ههنا الحكمُ بالشيءِ، والوصفُ والتسمية كما جعلَ فلانٌ زيداً مِن أعلمِ الناس ؛ أي وصفَهُ بذلك، ويقالُ : إن الْجُزْءَ في كلامِ العرب عبارةٌ عن الأُنثى كما قال الشاعرُ : إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْماً فَلاَ عَجَبٌ قَدْ تُجْزِئُ الْحُرَّةُ الْمِذْكَارُ أحْيَانَاأرادَ بـ (أجْزَأتْ) : ولَدَت أُنثى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ أرادَ الإنسانِ الكافرَ، وقولهُ تعالى ﴿لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾ أي لَجَحُودٌ لنِعَمِ اللهِ، ﴿مُّبِينٌ﴾ ظاهرُ الكُفرَانِ.
ثُم أنكرَ عليهم هذا فقالَ تعالى :﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ﴾ ؛ هذا استفهامُ توبيخٍ وإنكار، يقولوا : أتَّخَذ ربُّكم لنفسهِ البنات وأصفاكم بالبنينِ وأخلَصَكم بهم. والمعنى : كيف اختارَ لنفسهِ أهونَ قِسْمَي الولدِ، واختارَ لكم أعلَى القِسمَين، والحكمةُ لا توجبُ أن يختارَ الحكيمُ الأدوَنَ لنفسهِ والأعلَى لغيرهِ.
ثم وصَفَ كراهتَهم بالبناتِ، فقالَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـانِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً﴾ ؛ أي وإذا أُخبر أحدُهم بما وصفَ للرحمنِ من إضافةِ البنت إليه صارَ وجههُ مُسْوَدّاً متغَيِّراً يُعرَفُ فيه الحزنُ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ؛ أي يتردَّدُ حُزنهُ في جَوفهِ. وقد تقدم تفسيرهُ في سورة النحلِ.
الزخرف 43:18
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ ؛ زيادةٌ في الإنكار عليهم والْمَذمَّةِ لَهم، كأنَّهُ قالَ : أوَيَختارُ لنفسهِ مع استغنائهِ عن الخلقِ كلِّهم (مَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ) أي مَن رُبيَ في حِلية الذهب والفضَّة، ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾، وهو في الكلامِ غيرُ ثابتِ الحجَّة.
قال المبرَّدُ :(تَقْدِيرُ الآيَةِ : أوَتَجْعَلُُونَ لَهُ مَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ، يَعْنِي الْبنْتَ نَبَتَتْ). (وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبينٍ) ؛ أي وهو عندَ الْمُخَاصَمَة غيرُ مُبينِ الحجَّة، قال قتادةُ :(قَلَّ مَا تَكَلَّمَتِ امْرَأةٌ بحُجَّتِهَا إلاَّ تَكَلَّمَتْ بحُجَّتِهَا عَلَيْهَا) لِضَعْفِ رَأيهَا وَنُقْصَانِ عَقْلِهَا.
ويستدَلُّ من هذه الآيةِ على ثُبوتِ الترخُّصِ للنساءِ في التزَيُّن بحِلية الذهب والفضَّة، " كما قالَ ﷺ وَقَدْ أخَذ الذهَبَ بإحْدَى يَدَيْهِ، وَالْحَرِيرَ بالأُخْرَى وَقَالَ :" هَذانِ مُحَرَّمَانِ عَلَى ذُكُور أُمَّتِي، حِلٌّ لإنَاثِهِمْ " ".
الزخرف 43:19
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلُواْ الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَـانِ إِنَاثاً﴾ ؛ معناهُ : ووَصَفُوا الملائكةَ الذين هم عبادُ الرحمنِ أنَّهم بناتُ اللهِ، وقرئ (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) وكلٌّ صوابٌ، وقد جاءَ القرآنُ بالأمرَين معاً، وذلك قولهُ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾[الأنبياء: ٢٦] وقولهُ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾[الأعراف: ٢٠٦]، وفي قولهِ تعالى (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) دلالةٌ على رفعِ المنْزِلة والقُربَةِ من الكرامةِ.
وقولهُ تعالى :﴿أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ﴾ ؛ معناهُ : أحَضَرُوا عندَ خَلقِهم فعَلمُوا ذلك، والشهادةُ ها هنا من الحضور، ووبَّخَهم اللهُ على ما قالوا ما لَم يُشاهِدُوهُ. وقرأ نافعُ :(أشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ) بهمزة الاستفهامِ وتخفيف الهمزةِ الثانية على معنى أحَضَرُوا وعَايَنُوا خَلقَهُم حتى عَلِموا أنَّهم أناثٌ، وهكذا كقوله﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾[الصافات: ١٥٠].
قال ابنُ عبَّاس :(يُرِيدُ : أحَضَرُواْ وَعَايَنُواْ خَلْقَهُمْ؟)، قال الكلبيُّ :" لَمَّا قَالُواْ هَذِهِ الْمَقَالَةَ سَأَلَهُمُ النَّبيُّ ﷺ فَقًَالَ :" مَا يُدْرِيكُمْ أنَّهُمْ إنَاثٌ ؟ " قَالُواْ : سَمِعْنَا مِنْ آبَائِنَا وَنَحْنُ نَشْهَدُ أنَّهُمْ لَمْ يَكْذِبُواْ أنَّهُمْ إنَاثٌ " فقالَ اللهُ :﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ ؛ عنها في الآخرةِ.
الزخرف 43:20
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرَّحْمَـانُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ ؛ يعني بني مَلِيح من خُزاعة، كانوا يعبُدون الملائكةَ، ﴿وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرَّحْمَـانُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ أي ما عبَدُوا الملائكةَ، وإنما عبَدناهم بمشيئةِ الله تعالى. وإنما كانوا يقُولون هذا القولَ إبلاغاً لعُذرهم عند سَفَلَتِهم، يقول اللهُ تعالى :﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ ؛ بقولِهم إنَّ الملائكةَ بناتُ الله وإنَّهم كَذبُوا في ذلك، وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ ؛ أي ما هُم إلا يكذبون فيما قالوا، ولم يتعرَّضْ لقولِهم ﴿لَوْ شَآءَ الرَّحْمَـانُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ بشيءٍ ؛ لأن هذا القولَ حقٌّ، وإنْ كان من الكفار، وهذا كقولهِ :﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾[النحل: ٣٥] أي ولو جعلتَ قولَهُ ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ ردّاً لقولِهم ﴿لَوْ شَآءَ الرَّحْمَـانُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ كان المعنى : أنَّهم قالوا : إنَّ الله قدَّرَنا على عبادتِهم فلم يُعاقِبْنا لأنه رَضِيَ ذلك، وهذا كذبٌ منهم ؛ لأنَّ اللهَ تعالى وإنْ قدَّرَ كُفرَ الكافرِ لا يرضاهُ، وتقديرُ الكفرِ من الكافرِ لا يكون رضًى من اللهِ له.
الزخرف 43:21
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ﴾ ؛ أي هل أعطَيناهم كِتَاباً من قبلِ القرآن بأن يعبُدوا غيرَ اللهِ، ﴿فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ ؛ أي آخِذُونَ بمَا فيه. ثم أعلمَ اللهُ أنَّهم اتَّبعُوا آباءَهم في الضَّلالةِ فقالَ تعالى :﴿بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ ؛ أي على سُنَّةٍ وملَّةٍ ودينٍ.
ومَن قرأ (عَلَى إمَّةٍ) بكسر الهمزةِ فمعناهُ : على طريقةٍ ؛ أي ليس لَهم حُجَّةٌ إلاَّ هذا القول، ﴿وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ ؛ أي ليس لهم حُجَّة إلاَّ تقليدُ آبائِهم.
الزخرف 43:22
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ﴾ ؛ أي هل أعطَيناهم كِتَاباً من قبلِ القرآن بأن يعبُدوا غيرَ اللهِ، ﴿فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ ؛ أي آخِذُونَ بمَا فيه. ثم أعلمَ اللهُ أنَّهم اتَّبعُوا آباءَهم في الضَّلالةِ فقالَ تعالى :﴿بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ ؛ أي على سُنَّةٍ وملَّةٍ ودينٍ.
ومَن قرأ (عَلَى إمَّةٍ) بكسر الهمزةِ فمعناهُ : على طريقةٍ ؛ أي ليس لَهم حُجَّةٌ إلاَّ هذا القول، ﴿وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ ؛ أي ليس لهم حُجَّة إلاَّ تقليدُ آبائِهم.
الزخرف 43:23
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ﴾ أي مُلوكُها وأغنياؤُها ورؤساؤها :﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ ؛ بهم.
فقالَ اللهُ تعالى لنبيِّهِ ﷺ :﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ﴾ ؛ معناهُ : أتَّتبعون دينَ آبائكم وتكفُرون مِثلَهم، ولو جئتُكم بأرشدِ مما وجدتُّم عليه آباءَكم، فأَبَوا أنْ يقبَلُوا ذلك ؛ و ﴿قَالُواْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.
ثُم ذكَرَ ما فعَلَ بالأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ تخويفاً لَهم فقالَ تعالى :﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ؛ يعني ما صَنَعَ بقومِ نوحٍ وعاد وثَمود.
الزخرف 43:24
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ﴾ أي مُلوكُها وأغنياؤُها ورؤساؤها :﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ ؛ بهم.
فقالَ اللهُ تعالى لنبيِّهِ ﷺ :﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ﴾ ؛ معناهُ : أتَّتبعون دينَ آبائكم وتكفُرون مِثلَهم، ولو جئتُكم بأرشدِ مما وجدتُّم عليه آباءَكم، فأَبَوا أنْ يقبَلُوا ذلك ؛ و ﴿قَالُواْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.
ثُم ذكَرَ ما فعَلَ بالأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ تخويفاً لَهم فقالَ تعالى :﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ؛ يعني ما صَنَعَ بقومِ نوحٍ وعاد وثَمود.
الزخرف 43:25
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ﴾ أي مُلوكُها وأغنياؤُها ورؤساؤها :﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ ؛ بهم.
فقالَ اللهُ تعالى لنبيِّهِ ﷺ :﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ﴾ ؛ معناهُ : أتَّتبعون دينَ آبائكم وتكفُرون مِثلَهم، ولو جئتُكم بأرشدِ مما وجدتُّم عليه آباءَكم، فأَبَوا أنْ يقبَلُوا ذلك ؛ و ﴿قَالُواْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.
ثُم ذكَرَ ما فعَلَ بالأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ تخويفاً لَهم فقالَ تعالى :﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ؛ يعني ما صَنَعَ بقومِ نوحٍ وعاد وثَمود.
الزخرف 43:26
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ معناه واذكُر يا مُحَمَّدُ إذ قالَ إبراهيمُ لأبيهِ وقومهِ حين خرجَ من السِّرب وهو ابنُ سبعَ عشرة سنةً، رأى أباهُ وقومَهُ يعبدون الأصنامَ، فقالَ لَهم : إنِّي بَرَاءٌ مما تعبُدون من دونِ الله تعالى، ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، إلاَّ مِن الذي خلَقَني فإنه سيحفَظُني ويُرشِدُني لدينهِ وطاعته.
وقوله تعالى :﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ ؛ أي وجعلَ براءتَهُ عن عبادةِ غير الله وهي كلمةُ التوحيدِ : لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ؛ باقيةً في عَقِبهِ لكي يرجِعُوا إلى التوحيدِ، ويدعُوا الخلقَ إليهِ، فلا يزالُ في ولَدهِ مَن يوحِّدُ اللهَ تعالى. ومعنى الآيةِ : وجعلَها كلمةً باقيةً في ذريَّة إبراهيم ونَسلهِ، فلا يزالُ في ذُريَّتهِ مَن يعبدُ اللهَ ويوحِّدهُ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ؛ أي لعَلَّ أهلَ مكَّة يتَّبعون هذا الدِّينَ ويرجعون إلى دِينكَ دينِ إبراهيمَ، إذ كانوا مِن وَلدهِ. وقال السديُّ :(لَعَلَّهُمْ يَتُوبُونَ وَيَرْجِعُونَ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ إلَى عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى).
ثُم ذكرَ نِعمَتهُ على قريشٍ فقالَ :﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَـاؤُلاَءِ وَآبَآءَهُمْ﴾ ؛ يعني المشركين متَّعْتُهم بأموالِهم وأنفُسِهم وأنواعِ النِّعَمِ، ولم أُعاجِلْهُم بعقوبةِ كُفرِهم، بل أمهَلتُهم زيادةً في الْحُجَّةِ وقطعاً للمعذرةِ، ﴿حَتَّى جَآءَهُمُ الْحَقُّ﴾ ؛ أي القرآنُ، ﴿وَرَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ للحُجَجِ وهو النبيُّ ﷺ بَيَّنَ لَهم الأحكامَ والدينَ.
وكان من حقِّ الإنعَامِ أن يُطيعوا الرسولَ بإجابتهِ، فلم يُجيبوه وعَصَوا، وهو قولهُ :﴿وَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَـاذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ ؛ أي لما جاءَ الرسولُ والقرآن، نَسَبوا القرآنَ إلى السِّحر وجحَدُوا بهِ.
الزخرف 43:27
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ معناه واذكُر يا مُحَمَّدُ إذ قالَ إبراهيمُ لأبيهِ وقومهِ حين خرجَ من السِّرب وهو ابنُ سبعَ عشرة سنةً، رأى أباهُ وقومَهُ يعبدون الأصنامَ، فقالَ لَهم : إنِّي بَرَاءٌ مما تعبُدون من دونِ الله تعالى، ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، إلاَّ مِن الذي خلَقَني فإنه سيحفَظُني ويُرشِدُني لدينهِ وطاعته.
وقوله تعالى :﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ ؛ أي وجعلَ براءتَهُ عن عبادةِ غير الله وهي كلمةُ التوحيدِ : لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ؛ باقيةً في عَقِبهِ لكي يرجِعُوا إلى التوحيدِ، ويدعُوا الخلقَ إليهِ، فلا يزالُ في ولَدهِ مَن يوحِّدُ اللهَ تعالى. ومعنى الآيةِ : وجعلَها كلمةً باقيةً في ذريَّة إبراهيم ونَسلهِ، فلا يزالُ في ذُريَّتهِ مَن يعبدُ اللهَ ويوحِّدهُ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ؛ أي لعَلَّ أهلَ مكَّة يتَّبعون هذا الدِّينَ ويرجعون إلى دِينكَ دينِ إبراهيمَ، إذ كانوا مِن وَلدهِ. وقال السديُّ :(لَعَلَّهُمْ يَتُوبُونَ وَيَرْجِعُونَ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ إلَى عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى).
ثُم ذكرَ نِعمَتهُ على قريشٍ فقالَ :﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَـاؤُلاَءِ وَآبَآءَهُمْ﴾ ؛ يعني المشركين متَّعْتُهم بأموالِهم وأنفُسِهم وأنواعِ النِّعَمِ، ولم أُعاجِلْهُم بعقوبةِ كُفرِهم، بل أمهَلتُهم زيادةً في الْحُجَّةِ وقطعاً للمعذرةِ، ﴿حَتَّى جَآءَهُمُ الْحَقُّ﴾ ؛ أي القرآنُ، ﴿وَرَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ للحُجَجِ وهو النبيُّ ﷺ بَيَّنَ لَهم الأحكامَ والدينَ.
وكان من حقِّ الإنعَامِ أن يُطيعوا الرسولَ بإجابتهِ، فلم يُجيبوه وعَصَوا، وهو قولهُ :﴿وَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَـاذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ ؛ أي لما جاءَ الرسولُ والقرآن، نَسَبوا القرآنَ إلى السِّحر وجحَدُوا بهِ.
الزخرف 43:28
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ معناه واذكُر يا مُحَمَّدُ إذ قالَ إبراهيمُ لأبيهِ وقومهِ حين خرجَ من السِّرب وهو ابنُ سبعَ عشرة سنةً، رأى أباهُ وقومَهُ يعبدون الأصنامَ، فقالَ لَهم : إنِّي بَرَاءٌ مما تعبُدون من دونِ الله تعالى، ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، إلاَّ مِن الذي خلَقَني فإنه سيحفَظُني ويُرشِدُني لدينهِ وطاعته.
وقوله تعالى :﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ ؛ أي وجعلَ براءتَهُ عن عبادةِ غير الله وهي كلمةُ التوحيدِ : لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ؛ باقيةً في عَقِبهِ لكي يرجِعُوا إلى التوحيدِ، ويدعُوا الخلقَ إليهِ، فلا يزالُ في ولَدهِ مَن يوحِّدُ اللهَ تعالى. ومعنى الآيةِ : وجعلَها كلمةً باقيةً في ذريَّة إبراهيم ونَسلهِ، فلا يزالُ في ذُريَّتهِ مَن يعبدُ اللهَ ويوحِّدهُ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ؛ أي لعَلَّ أهلَ مكَّة يتَّبعون هذا الدِّينَ ويرجعون إلى دِينكَ دينِ إبراهيمَ، إذ كانوا مِن وَلدهِ. وقال السديُّ :(لَعَلَّهُمْ يَتُوبُونَ وَيَرْجِعُونَ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ إلَى عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى).
ثُم ذكرَ نِعمَتهُ على قريشٍ فقالَ :﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَـاؤُلاَءِ وَآبَآءَهُمْ﴾ ؛ يعني المشركين متَّعْتُهم بأموالِهم وأنفُسِهم وأنواعِ النِّعَمِ، ولم أُعاجِلْهُم بعقوبةِ كُفرِهم، بل أمهَلتُهم زيادةً في الْحُجَّةِ وقطعاً للمعذرةِ، ﴿حَتَّى جَآءَهُمُ الْحَقُّ﴾ ؛ أي القرآنُ، ﴿وَرَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ للحُجَجِ وهو النبيُّ ﷺ بَيَّنَ لَهم الأحكامَ والدينَ.
وكان من حقِّ الإنعَامِ أن يُطيعوا الرسولَ بإجابتهِ، فلم يُجيبوه وعَصَوا، وهو قولهُ :﴿وَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَـاذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ ؛ أي لما جاءَ الرسولُ والقرآن، نَسَبوا القرآنَ إلى السِّحر وجحَدُوا بهِ.
الزخرف 43:29
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ معناه واذكُر يا مُحَمَّدُ إذ قالَ إبراهيمُ لأبيهِ وقومهِ حين خرجَ من السِّرب وهو ابنُ سبعَ عشرة سنةً، رأى أباهُ وقومَهُ يعبدون الأصنامَ، فقالَ لَهم : إنِّي بَرَاءٌ مما تعبُدون من دونِ الله تعالى، ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، إلاَّ مِن الذي خلَقَني فإنه سيحفَظُني ويُرشِدُني لدينهِ وطاعته.
وقوله تعالى :﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ ؛ أي وجعلَ براءتَهُ عن عبادةِ غير الله وهي كلمةُ التوحيدِ : لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ؛ باقيةً في عَقِبهِ لكي يرجِعُوا إلى التوحيدِ، ويدعُوا الخلقَ إليهِ، فلا يزالُ في ولَدهِ مَن يوحِّدُ اللهَ تعالى. ومعنى الآيةِ : وجعلَها كلمةً باقيةً في ذريَّة إبراهيم ونَسلهِ، فلا يزالُ في ذُريَّتهِ مَن يعبدُ اللهَ ويوحِّدهُ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ؛ أي لعَلَّ أهلَ مكَّة يتَّبعون هذا الدِّينَ ويرجعون إلى دِينكَ دينِ إبراهيمَ، إذ كانوا مِن وَلدهِ. وقال السديُّ :(لَعَلَّهُمْ يَتُوبُونَ وَيَرْجِعُونَ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ إلَى عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى).
ثُم ذكرَ نِعمَتهُ على قريشٍ فقالَ :﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَـاؤُلاَءِ وَآبَآءَهُمْ﴾ ؛ يعني المشركين متَّعْتُهم بأموالِهم وأنفُسِهم وأنواعِ النِّعَمِ، ولم أُعاجِلْهُم بعقوبةِ كُفرِهم، بل أمهَلتُهم زيادةً في الْحُجَّةِ وقطعاً للمعذرةِ، ﴿حَتَّى جَآءَهُمُ الْحَقُّ﴾ ؛ أي القرآنُ، ﴿وَرَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ للحُجَجِ وهو النبيُّ ﷺ بَيَّنَ لَهم الأحكامَ والدينَ.
وكان من حقِّ الإنعَامِ أن يُطيعوا الرسولَ بإجابتهِ، فلم يُجيبوه وعَصَوا، وهو قولهُ :﴿وَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَـاذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ ؛ أي لما جاءَ الرسولُ والقرآن، نَسَبوا القرآنَ إلى السِّحر وجحَدُوا بهِ.
الزخرف 43:30
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ معناه واذكُر يا مُحَمَّدُ إذ قالَ إبراهيمُ لأبيهِ وقومهِ حين خرجَ من السِّرب وهو ابنُ سبعَ عشرة سنةً، رأى أباهُ وقومَهُ يعبدون الأصنامَ، فقالَ لَهم : إنِّي بَرَاءٌ مما تعبُدون من دونِ الله تعالى، ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، إلاَّ مِن الذي خلَقَني فإنه سيحفَظُني ويُرشِدُني لدينهِ وطاعته.
وقوله تعالى :﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ ؛ أي وجعلَ براءتَهُ عن عبادةِ غير الله وهي كلمةُ التوحيدِ : لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ؛ باقيةً في عَقِبهِ لكي يرجِعُوا إلى التوحيدِ، ويدعُوا الخلقَ إليهِ، فلا يزالُ في ولَدهِ مَن يوحِّدُ اللهَ تعالى. ومعنى الآيةِ : وجعلَها كلمةً باقيةً في ذريَّة إبراهيم ونَسلهِ، فلا يزالُ في ذُريَّتهِ مَن يعبدُ اللهَ ويوحِّدهُ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ؛ أي لعَلَّ أهلَ مكَّة يتَّبعون هذا الدِّينَ ويرجعون إلى دِينكَ دينِ إبراهيمَ، إذ كانوا مِن وَلدهِ. وقال السديُّ :(لَعَلَّهُمْ يَتُوبُونَ وَيَرْجِعُونَ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ إلَى عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى).
ثُم ذكرَ نِعمَتهُ على قريشٍ فقالَ :﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَـاؤُلاَءِ وَآبَآءَهُمْ﴾ ؛ يعني المشركين متَّعْتُهم بأموالِهم وأنفُسِهم وأنواعِ النِّعَمِ، ولم أُعاجِلْهُم بعقوبةِ كُفرِهم، بل أمهَلتُهم زيادةً في الْحُجَّةِ وقطعاً للمعذرةِ، ﴿حَتَّى جَآءَهُمُ الْحَقُّ﴾ ؛ أي القرآنُ، ﴿وَرَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ للحُجَجِ وهو النبيُّ ﷺ بَيَّنَ لَهم الأحكامَ والدينَ.
وكان من حقِّ الإنعَامِ أن يُطيعوا الرسولَ بإجابتهِ، فلم يُجيبوه وعَصَوا، وهو قولهُ :﴿وَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَـاذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ ؛ أي لما جاءَ الرسولُ والقرآن، نَسَبوا القرآنَ إلى السِّحر وجحَدُوا بهِ.
الزخرف 43:31
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـاذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ؛ أي قال كفَّارُ مكَّة : هلاَّ نُزِّلَ هذا القرآنُ على رجلٍ من القَريتَينِ مكَّة والطائف، وعَنَوا بالرَّجُلين إما الوليدَ بنَ المغيرةِ من مكَّة، وإما أبا مسعودٍ الثقفيِّ من الطائفِ، ظَنُّوا بجهلِهم أنَّ استحقاقَ النبوَّة إنما يكون بشَرفِ الدُّنيا مع اعترافِهم بأنَّ النبيَّ ﷺ مِن أرفعِهم نَسباً.
فقالَ اللهُ تعالى ردّاً عليهم وإنكاراً لِمَا قالوا :﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ ؛ يعني النبوَّةَ التي هي مِن أعظمِ النِّعَمِ، وذلك أنَّهم اعترَضُوا على اللهِ بقولِهم : لِمَ لَمْ ينْزِل هذا القرآنُ على غيرِ مُحَمَّدٍ، فَبَيَّنَ اللهُ تعالى أنه الذي يقسِمُ النبوَّةَ لا غيرهُ.
قال مقاتلُ :(يَقُولُ اللهُ تَعَالَى : أبأَيْدِيهِمْ مَفَاتِيحُ الرِّسَالَةِ فَيَضَعُونَهَا حَيْثُ شَاؤُا). فبيَّن اللهُ تعالى أنه لَمْ يجعَلْ أمرَ معايشِهم مع قلَّةِ خطرِ ذلك إلى رأيهم، بل رفعَ بعضَهم فوقَ بعضٍ في الرِّزقِ، وتلقاه شذ على ما تُوجبهُ الحكمةُ، فقال تعالى :﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ؛ أي قسَمنا الرزقَ في المعيشةِ، وليس لأحدٍ أن يتحكَّمَ في شيءٍ من ذلك، فكيف نجعلُ أمرَ النبوَّة مع عِظَمِ قَدرهِ ورفعةِ شأنه إلى رأيهم، قال قتادةُ في معنى (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ) :(تَلْقَى الرَّجُلَ ضَعِيفَ الْحِيلَةِ عَيَّ اللِّسَانِ وَهُوَ مَبْسُوطٌ فِي الرِّزْقِ، وَتَلْقَاهُ شَدِيدَ الْحِيلَةِ بَسِطَ اللِّسَانِ وَهُوَ مُقَتَّرٌ عَلَيْهِ).
وقولهُ تعالى :﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ ؛ يعني الفضل في الغنى والمال ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾ ؛ أي ليستخدِمَ بعضُهم بعضاً، فيُسخِّر الأغنياءُ بأموالهم الفقراءَ لِيلتَئِمَ قِوَامُ أمرِ العالَم، وقال قتادةُ :(لِيَمْلِكَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً فَيَتَّخِذُونَهُمْ عَبيداً وَمََمَالِيكَ). والسِّخْرِيُّ بالكسرِ مِن الاستهزاءِ، وبالضَّم من التسخيرِ.
وقولهُ تعالى :﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ؛ أي وما خصَّكَ اللهُ به من النبوَّةِ خيرٌ لكَ مما يجمَعُون من المالِ. وَقِيْلَ : معناهُ : ورحمةُ ربكَ يعني الجنَّةَ للمؤمنين خيرٌ مما يجمَعُ الكفَّارُ من الأموالِ.
الزخرف 43:32
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـاذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ؛ أي قال كفَّارُ مكَّة : هلاَّ نُزِّلَ هذا القرآنُ على رجلٍ من القَريتَينِ مكَّة والطائف، وعَنَوا بالرَّجُلين إما الوليدَ بنَ المغيرةِ من مكَّة، وإما أبا مسعودٍ الثقفيِّ من الطائفِ، ظَنُّوا بجهلِهم أنَّ استحقاقَ النبوَّة إنما يكون بشَرفِ الدُّنيا مع اعترافِهم بأنَّ النبيَّ ﷺ مِن أرفعِهم نَسباً.
فقالَ اللهُ تعالى ردّاً عليهم وإنكاراً لِمَا قالوا :﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ ؛ يعني النبوَّةَ التي هي مِن أعظمِ النِّعَمِ، وذلك أنَّهم اعترَضُوا على اللهِ بقولِهم : لِمَ لَمْ ينْزِل هذا القرآنُ على غيرِ مُحَمَّدٍ، فَبَيَّنَ اللهُ تعالى أنه الذي يقسِمُ النبوَّةَ لا غيرهُ.
قال مقاتلُ :(يَقُولُ اللهُ تَعَالَى : أبأَيْدِيهِمْ مَفَاتِيحُ الرِّسَالَةِ فَيَضَعُونَهَا حَيْثُ شَاؤُا). فبيَّن اللهُ تعالى أنه لَمْ يجعَلْ أمرَ معايشِهم مع قلَّةِ خطرِ ذلك إلى رأيهم، بل رفعَ بعضَهم فوقَ بعضٍ في الرِّزقِ، وتلقاه شذ على ما تُوجبهُ الحكمةُ، فقال تعالى :﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ؛ أي قسَمنا الرزقَ في المعيشةِ، وليس لأحدٍ أن يتحكَّمَ في شيءٍ من ذلك، فكيف نجعلُ أمرَ النبوَّة مع عِظَمِ قَدرهِ ورفعةِ شأنه إلى رأيهم، قال قتادةُ في معنى (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ) :(تَلْقَى الرَّجُلَ ضَعِيفَ الْحِيلَةِ عَيَّ اللِّسَانِ وَهُوَ مَبْسُوطٌ فِي الرِّزْقِ، وَتَلْقَاهُ شَدِيدَ الْحِيلَةِ بَسِطَ اللِّسَانِ وَهُوَ مُقَتَّرٌ عَلَيْهِ).
وقولهُ تعالى :﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ ؛ يعني الفضل في الغنى والمال ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾ ؛ أي ليستخدِمَ بعضُهم بعضاً، فيُسخِّر الأغنياءُ بأموالهم الفقراءَ لِيلتَئِمَ قِوَامُ أمرِ العالَم، وقال قتادةُ :(لِيَمْلِكَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً فَيَتَّخِذُونَهُمْ عَبيداً وَمََمَالِيكَ). والسِّخْرِيُّ بالكسرِ مِن الاستهزاءِ، وبالضَّم من التسخيرِ.
وقولهُ تعالى :﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ؛ أي وما خصَّكَ اللهُ به من النبوَّةِ خيرٌ لكَ مما يجمَعُون من المالِ. وَقِيْلَ : معناهُ : ورحمةُ ربكَ يعني الجنَّةَ للمؤمنين خيرٌ مما يجمَعُ الكفَّارُ من الأموالِ.
الزخرف 43:33
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَـانِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ ؛ معناهُ : ولولاَ أن تَمِيلَ بالناسِ الدُّنيا فيصيرَ الخلقُ كلُّهم كُفَّاراً لأعطى اللهُ الكافرَ في الدُّنيا غايةَ ما يتمنَّى فيها لِهَوانِهَا وقلَّتِها عندَ الله تعالى، ولكنَّهُ لم يفعَلْ ذلك لعلمهِ بأن الغالبَ على الخلقِ حبُّ العاجلةِ.
وقوله (سَقْفاً) من قرأهُ بالوحدانِ فهو على معنى جعلنا لكلِّ بيتٍ سَقْفاً من فضَّة. ومن قرأ (سُقُفاً) بضمَّتين فهو جمعُ سَقْفٍ، مثلُ رَهْنٍ وَرُهُنٍ. ومَن قرأهُ (سُقْفاً) بضمِّ السين وجزمِ القاف فعلى تخفيفِ سِقْفٌ مثل رهْنٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ يعني الدَّرَجَ عليها يرتَفِعون ويَعلُون، واحدُها مَعْرِجٌ، ويقالُ مِعْرَاجٌ وَمَعَاريجُ وَمَعَارجُ، مثل مَفَاتِيح وَمَفَاتِح في جمعِ مِفتاحٍ، والمعنى : وكذلك جعلنا لَهم معارجَ من فضَّة عليها يصعَدُون.
الزخرف 43:34
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ ؛ أي ولبُيوتِهم أبوَاباً من فضَّة وسُرُراً من فضَّة، على سُرُُر الفضَّة يجلِسُون ويتَّكئِون، وقولهُ تعالى :﴿وَزُخْرُفاً﴾ ؛ الزُّخرُفُ هو الذهَبُ، كأنَّهُ قال : وجعَلنا أمتِعَتَهم من الذهب.
هكذا في التفاسيرِ أنَّ المرادَ بالزُّخرُفِ الذهبَ، إلاَّ أنَّهُ في اللغةِ الزُّخرف : كَمَالُ الزِّينةِ، كما قال تعالى﴿حَتَّى إِذَآ أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾[يونس: ٢٤]، ويجوزُ أن يكون قولهُ ﴿وَزُخْرُفاً﴾ عَطفاً على قولهِ﴿مِّن فِضَّةٍ﴾[الزخرف: ٣٣] كأنَّهُ قالَ : مِن فضَّةٍ وزُخرُفاً، إلاَّ أنه لَمَّا قالَ حذفَ (مِنْ) جعل نصباً، وهذا إنما يكون على قولِ الكوفِيِّين.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ؛ مَن قرأ (لَمَّا) بالتشديدِ فالمعنى : ما كلُّ ذلك إلاَّ متاعُ الحياةِ الدُّنيا، ومَن قرأ بالتخفيفِ فـ (مَا) صلةٌ زائدة، والمعنى : وإنْ كلُّ لَمَا متاعُ الحياة الدنيا، يُتَمَتَّعُ به إلى حين ثُم يفنَى، وَ ثوابُ ﴿وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ؛ الكفرَ والفواحشَ، والذي قرأ (لَمَّا) بالتشديدِ حمزةُ جعلَهُ في معنى إلاَّ، وحُكي عن سيبويهِ : نشَدتُكَ لَمَّا فعلتَ، بمعنى إلاَّ فعلتَ.
وعن رسولِ الله ﷺ أنه قالَ :" لَوْلاَ أنْ يَجْزَعَ عَبْدِي الْمُؤْمِن لَعَصَبْتُ الْكَافِرَ بعَصَابَةٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَلَصَبَّبْتُ الدُّنْيَا عَلَيْهِ صَبّاً " قال : ومصداقُ ذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَـانِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾[الزخرف: ٣٣].
الزخرف 43:35
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ ؛ أي ولبُيوتِهم أبوَاباً من فضَّة وسُرُراً من فضَّة، على سُرُُر الفضَّة يجلِسُون ويتَّكئِون، وقولهُ تعالى :﴿وَزُخْرُفاً﴾ ؛ الزُّخرُفُ هو الذهَبُ، كأنَّهُ قال : وجعَلنا أمتِعَتَهم من الذهب.
هكذا في التفاسيرِ أنَّ المرادَ بالزُّخرُفِ الذهبَ، إلاَّ أنَّهُ في اللغةِ الزُّخرف : كَمَالُ الزِّينةِ، كما قال تعالى﴿حَتَّى إِذَآ أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾[يونس: ٢٤]، ويجوزُ أن يكون قولهُ ﴿وَزُخْرُفاً﴾ عَطفاً على قولهِ﴿مِّن فِضَّةٍ﴾[الزخرف: ٣٣] كأنَّهُ قالَ : مِن فضَّةٍ وزُخرُفاً، إلاَّ أنه لَمَّا قالَ حذفَ (مِنْ) جعل نصباً، وهذا إنما يكون على قولِ الكوفِيِّين.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ؛ مَن قرأ (لَمَّا) بالتشديدِ فالمعنى : ما كلُّ ذلك إلاَّ متاعُ الحياةِ الدُّنيا، ومَن قرأ بالتخفيفِ فـ (مَا) صلةٌ زائدة، والمعنى : وإنْ كلُّ لَمَا متاعُ الحياة الدنيا، يُتَمَتَّعُ به إلى حين ثُم يفنَى، وَ ثوابُ ﴿وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ؛ الكفرَ والفواحشَ، والذي قرأ (لَمَّا) بالتشديدِ حمزةُ جعلَهُ في معنى إلاَّ، وحُكي عن سيبويهِ : نشَدتُكَ لَمَّا فعلتَ، بمعنى إلاَّ فعلتَ.
وعن رسولِ الله ﷺ أنه قالَ :" لَوْلاَ أنْ يَجْزَعَ عَبْدِي الْمُؤْمِن لَعَصَبْتُ الْكَافِرَ بعَصَابَةٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَلَصَبَّبْتُ الدُّنْيَا عَلَيْهِ صَبّاً " قال : ومصداقُ ذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَـانِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾[الزخرف: ٣٣].
الزخرف 43:36
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَـانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً﴾ ؛ أي مَن يُعرِضُ عن ذكرِ الرَّحمنِ نُسَببْ له شَيطاناً يُضِلُّهُ، يجعلُ ذلك جزاؤه، ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ ؛ لا يفارقهُ في الدُّنيا والآخرةِ، يقالُ : عَشِيَ إلى النار باللَّيل إذا تنَوَّرَها فقَصَدَها، وعَشِيَ عنها إذا أعرضَ عنها قاصداً لغيرِها، ونظيرُ هذا مالَ إليه ومالَ عنهُ، قال الشاعرُ : مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلَى ضَوْءِ نَارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرُ مَوْقِدِومَن قرأ (يَعْشَ) بفتح الشينِ وهو من عَشَى يَعشَى إذا لم يُبصِرْ بالليلِ، والمعنى : ومَن يَعْمَ عن ذكرِ الرَّحمنِ.
قال الزجَّاجُ :(مَعْنَى الآيَةِ : وَمَنْ يُعْرِضْ عَنِ الْقُرْآنِ وَمَا فِيْهِ مِنَ الْحِكْمَةِ إلَى أبَاطِيلِ الْمُضِلِّينَ، نُعَاقِبْهُ بشَيْطَانٍ نُقَيِّضُهُ لَهُ حَتَّى يُضِلَّهُ وَيُلاَزمَهُ قَرِيناً لَهُ فَلاَ يَهْتَدِي، مُجَازَاةً لَهُ حِينَ آثَرَ الْبَاطِلَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبينِ).
وقولهُ تعالى :﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ أي صاحبٌ يُزَيِّنُ له العَمَى ويُخَيِّلُ إليه أنَّهُ على الْهُدَى وهو على الضَّلالة، وذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ ؛ معناهُ : وإنَّ الشياطين ليمنعونَهم عن سبيلِ الهدى، ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾ ؛ الكفارُ، ﴿أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾.
الزخرف 43:37
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَـانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً﴾ ؛ أي مَن يُعرِضُ عن ذكرِ الرَّحمنِ نُسَببْ له شَيطاناً يُضِلُّهُ، يجعلُ ذلك جزاؤه، ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ ؛ لا يفارقهُ في الدُّنيا والآخرةِ، يقالُ : عَشِيَ إلى النار باللَّيل إذا تنَوَّرَها فقَصَدَها، وعَشِيَ عنها إذا أعرضَ عنها قاصداً لغيرِها، ونظيرُ هذا مالَ إليه ومالَ عنهُ، قال الشاعرُ : مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلَى ضَوْءِ نَارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرُ مَوْقِدِومَن قرأ (يَعْشَ) بفتح الشينِ وهو من عَشَى يَعشَى إذا لم يُبصِرْ بالليلِ، والمعنى : ومَن يَعْمَ عن ذكرِ الرَّحمنِ.
قال الزجَّاجُ :(مَعْنَى الآيَةِ : وَمَنْ يُعْرِضْ عَنِ الْقُرْآنِ وَمَا فِيْهِ مِنَ الْحِكْمَةِ إلَى أبَاطِيلِ الْمُضِلِّينَ، نُعَاقِبْهُ بشَيْطَانٍ نُقَيِّضُهُ لَهُ حَتَّى يُضِلَّهُ وَيُلاَزمَهُ قَرِيناً لَهُ فَلاَ يَهْتَدِي، مُجَازَاةً لَهُ حِينَ آثَرَ الْبَاطِلَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبينِ).
وقولهُ تعالى :﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ أي صاحبٌ يُزَيِّنُ له العَمَى ويُخَيِّلُ إليه أنَّهُ على الْهُدَى وهو على الضَّلالة، وذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ ؛ معناهُ : وإنَّ الشياطين ليمنعونَهم عن سبيلِ الهدى، ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾ ؛ الكفارُ، ﴿أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾.
الزخرف 43:38
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى إِذَا جَآءَنَا﴾ ؛ يعني الكافرَ إذا جاءَ يومَ القيامةِ ﴿قَالَ﴾، لقَرِينهِ وهو الشيطانُ الذي يُجعَلُ معه في سِلسلةٍ واحدةٍ :﴿يالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ ؛ المشرقُ والمغرِبُ إذ كُنَّا في الدُّنيا فلم أرَكَ ولم تَرَنِي، ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ ؛ كُنْتَ لِي.
وإنما سُمِّيَ المشرقُ والمغربُ باسمٍ الواحد للازدواجِ، كما يقالُ للشَّمسِ والقمر : القَمَرَانِ، وفي تثنيةِ أبي بكرٍ وعمرَ : العُمَرَينِ، قال الشاعرُ : أخَذْنَا بآفَاقِ السَّمَاءِ عَلَيْكُمُ لَنَا قَمَرَهَا وَالنُّجُومُ الطَّوَالِعُوقُرئ :(حَتَّى إذا جَاءَنَا) يعني الكافرَ وشيطانهُ يُبعثان يومَ القيامةِ في سلسلةٍ واحدة، كما رُوي أنَّ الكافرَ إذا بُعث يومَ القيامةِ مِن قبرهِ أخذ بيدهِ شَيطانهُ فلم يُفارقْهُ حتى يُصَيِّرهُما اللهُ إلى النار، فلذلك حيثُ يقولُ :(يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدُ الْمَشْرِقَيْنِ فَبئْسَ الْقَرِينُ)، ويقولُ اللهُ في ذلك اليومِ للكافرين " و " أنت أيها الشيطان :﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ﴾ ؛ أي إذا أشرَكتُم في الدُّنيا، ﴿أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ؛ قال المفسِّرون : لا يُخفَّفُ عنهم الإشراكُ شيئاً من العذاب، لأنَّ لكلِّ واحدٍ منهم الحظَّ الأوفرَ من العذاب، ولا يستأنِسُ بعضُهم ببعضٍ.
الزخرف 43:39
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى إِذَا جَآءَنَا﴾ ؛ يعني الكافرَ إذا جاءَ يومَ القيامةِ ﴿قَالَ﴾، لقَرِينهِ وهو الشيطانُ الذي يُجعَلُ معه في سِلسلةٍ واحدةٍ :﴿يالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ ؛ المشرقُ والمغرِبُ إذ كُنَّا في الدُّنيا فلم أرَكَ ولم تَرَنِي، ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ ؛ كُنْتَ لِي.
وإنما سُمِّيَ المشرقُ والمغربُ باسمٍ الواحد للازدواجِ، كما يقالُ للشَّمسِ والقمر : القَمَرَانِ، وفي تثنيةِ أبي بكرٍ وعمرَ : العُمَرَينِ، قال الشاعرُ : أخَذْنَا بآفَاقِ السَّمَاءِ عَلَيْكُمُ لَنَا قَمَرَهَا وَالنُّجُومُ الطَّوَالِعُوقُرئ :(حَتَّى إذا جَاءَنَا) يعني الكافرَ وشيطانهُ يُبعثان يومَ القيامةِ في سلسلةٍ واحدة، كما رُوي أنَّ الكافرَ إذا بُعث يومَ القيامةِ مِن قبرهِ أخذ بيدهِ شَيطانهُ فلم يُفارقْهُ حتى يُصَيِّرهُما اللهُ إلى النار، فلذلك حيثُ يقولُ :(يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدُ الْمَشْرِقَيْنِ فَبئْسَ الْقَرِينُ)، ويقولُ اللهُ في ذلك اليومِ للكافرين " و " أنت أيها الشيطان :﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ﴾ ؛ أي إذا أشرَكتُم في الدُّنيا، ﴿أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ؛ قال المفسِّرون : لا يُخفَّفُ عنهم الإشراكُ شيئاً من العذاب، لأنَّ لكلِّ واحدٍ منهم الحظَّ الأوفرَ من العذاب، ولا يستأنِسُ بعضُهم ببعضٍ.
الزخرف 43:40
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ ؛ أي أفأنتَ تُسمِعُ الكفارَ الذين يتصَامَمُون عن الحقِّ ويتعامَون عنهُ، ﴿وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ أي بَيِّنٍ قد ظهرَتْ ضَلالتهُ.
الزخرف 43:41
وقولهُ تعالى :﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ ؛ أي نُمِيتُكَ قبلَ أن نُرِيَكَ النَّقمَةَ في كفار مكَّة، ﴿فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ﴾ ؛ بالقتلِ بَعدَكَ، ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ﴾ ؛ في حياتِكَ ما، ﴿الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ ؛ من الذُلِّ، ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ﴾. بَيَّنَ اللهُ تعالى أنه قادرٌ على عقوبتِهم في حالِ حياة النبيِّ ﷺ وبعدَ وفاتهِ.
والأصلُ : في (إمَّا) :(إنْ مَا) فحُذف الشرطُ (ان ما) صلةٌ ومتى دخلت (مَا) في الشرطِ للتوكيدِ دخلت النونُ الثَّقيلةُ المؤكِّدة في الفعلِ المذكور بعدَها.
ومعنى الآية : أنَّ الله تعالى " قالَ " مُطَيِّباً لقلب نَبيِّهِ ﷺ : إنْ ذهَبْنَا بكَ انتقَمنَا لكَ مِمَّنْ كَذبَكَ بعدَكَ أو نُرِيَنَّكَ في حياتِكَ ما وعدنَاهم من العذاب، فإنَّا قادِرُون عليهم متى شِئْنَا عذبنَاهُم ثم أُريَ ذلِكَ يومَ بدرٍ.
الزخرف 43:42
وقولهُ تعالى :﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ ؛ أي نُمِيتُكَ قبلَ أن نُرِيَكَ النَّقمَةَ في كفار مكَّة، ﴿فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ﴾ ؛ بالقتلِ بَعدَكَ، ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ﴾ ؛ في حياتِكَ ما، ﴿الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ ؛ من الذُلِّ، ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ﴾. بَيَّنَ اللهُ تعالى أنه قادرٌ على عقوبتِهم في حالِ حياة النبيِّ ﷺ وبعدَ وفاتهِ.
والأصلُ : في (إمَّا) :(إنْ مَا) فحُذف الشرطُ (ان ما) صلةٌ ومتى دخلت (مَا) في الشرطِ للتوكيدِ دخلت النونُ الثَّقيلةُ المؤكِّدة في الفعلِ المذكور بعدَها.
ومعنى الآية : أنَّ الله تعالى " قالَ " مُطَيِّباً لقلب نَبيِّهِ ﷺ : إنْ ذهَبْنَا بكَ انتقَمنَا لكَ مِمَّنْ كَذبَكَ بعدَكَ أو نُرِيَنَّكَ في حياتِكَ ما وعدنَاهم من العذاب، فإنَّا قادِرُون عليهم متى شِئْنَا عذبنَاهُم ثم أُريَ ذلِكَ يومَ بدرٍ.
الزخرف 43:43
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ ؛ أي استَمسِكْ بالقُرآنِ، ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ ؛ أي القرآنُ شَرَفٌ لكَ ولَهم، ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ ؛ عن شُكرِ هذه النِّعمةِ، يعني ما أعطاهُ الله من الحكمةِ وقومَهُ المؤمنين من الْهُدَى بالقرآنِ إلى إدراكِ الحقِّ، وقال مجاهدُ :(الْقَوْمُ هَا هُنَا الْعَرَبُ، وَالْقُرْآنُ لَهُمْ شَرَفٌ إذْ نَزَلَ بلُغَتِهِمْ).
الزخرف 43:44
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ ؛ أي استَمسِكْ بالقُرآنِ، ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ ؛ أي القرآنُ شَرَفٌ لكَ ولَهم، ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ ؛ عن شُكرِ هذه النِّعمةِ، يعني ما أعطاهُ الله من الحكمةِ وقومَهُ المؤمنين من الْهُدَى بالقرآنِ إلى إدراكِ الحقِّ، وقال مجاهدُ :(الْقَوْمُ هَا هُنَا الْعَرَبُ، وَالْقُرْآنُ لَهُمْ شَرَفٌ إذْ نَزَلَ بلُغَتِهِمْ).
الزخرف 43:45
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَـانِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ؛ وذلك أنه " لَمَّا أُسرِيَ بالنبيِّ ﷺ بعثَ اللهُ آدمَ وجميعَ الْمُرسَلِينَ وأذنَ جبريلُ ثم أقَامَ، وقالَ : يا مُحَمَّدُ تقَدَّمْ فصَلِّ بهم، فلمَّا فرغَ من الصَّلاةِ قَالَ جِبْرِيلُ : سَلْ يَا مُحَمَّدُ مَنْ أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ، هَلْ أرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ جَوَازَ عِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ ؟ فَقَالَ ﷺ :" لاَ أسْأَلُ قَدِ اكْتَفَيْتُ " ".
وَقِيْلَ : معناهُ : اسأَل أُمَمَ مَن أرسَلنا قبلَكَ، يعني مؤمني أهلِ الكتاب سَلْهُم هل جاءَتْهم الرُّسُلُ إلاَّ بالتوحيدِ، فلم يشُكَّ ولم يسأَلْ، (ومعنى الأمرِ بالسُّؤال لتقريرِ مُشرِكي قريشٍ أنه لَمْ يأتِ رسولٌ ولا كتابٌ بعبادةِ غير اللهِ تعالى).
الزخرف 43:46
وقولهُ تعالى :﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَـاتِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَـالَمِينَ * فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ ؛ أي يَهْزَأُونَ ويضحَكُون منها جَهْلاً وغفلةً.
الزخرف 43:47
وقولهُ تعالى :﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَـاتِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَـالَمِينَ * فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ ؛ أي يَهْزَأُونَ ويضحَكُون منها جَهْلاً وغفلةً.
الزخرف 43:48
وقولهُ تعالى :﴿وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ ؛ يعني ما نرادفُ عليهم من الطُّوفان والجرَادِ والقُمَّلِ والضفادعِ والدَّمِ والطَّمْسِ، وكانت كلُّ آيةٍ من هذه الآياتِ أكبرَ مِن التي قبلَها، وهي العذابُ المذكور في قولهِ تعالى :﴿وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ؛ لأنَّهم عُذِّبوا بهذه الآياتِ.
الزخرف 43:49
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالُواْ يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ ؛ قال الكلبيُّ :(يَا أيُّهَا الْعَالِمُ، وَكَانَ السَّاحِرُ فِيْهِمْ عَظِيماً يُعَظِّمُونَهُ، ولَمْ يَكُنْ " السِّحْرُ " صِفَةَ ذمٍّ، وَكَانَ عُلَمَاؤُهُمْ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ السَّحَرَةُ، فَكَانُواْ يُوَقِّرُونَهُ بهَذا الْقَوْلِ، وَلَمْ يُرِيدُوا شَتْمَهُ).
وقوله تعالى :﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ﴾ ؛ أي سَلْ ربَّكَ بما عَهِدَ عِندَكَ فيمن آمنَ بكَ ليكشِفَ العذابَ عنَّا، والمعنى : بمَا عَهِدَ فيمَنْ آمنَ به من كشفِ العذاب عنه، ﴿إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ ؛ مُؤمنون بكَ.
فدَعَا مُوسَى ربَّهُ فكشفَ عنهم فلم يُؤمِنُوا، فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾ ؛ العهدَ الذي عَاهَدُوا موسَى، معناهُ إذا هم يَنْقُضُونَ عهُودَهم.
الزخرف 43:50
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالُواْ يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ ؛ قال الكلبيُّ :(يَا أيُّهَا الْعَالِمُ، وَكَانَ السَّاحِرُ فِيْهِمْ عَظِيماً يُعَظِّمُونَهُ، ولَمْ يَكُنْ " السِّحْرُ " صِفَةَ ذمٍّ، وَكَانَ عُلَمَاؤُهُمْ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ السَّحَرَةُ، فَكَانُواْ يُوَقِّرُونَهُ بهَذا الْقَوْلِ، وَلَمْ يُرِيدُوا شَتْمَهُ).
وقوله تعالى :﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ﴾ ؛ أي سَلْ ربَّكَ بما عَهِدَ عِندَكَ فيمن آمنَ بكَ ليكشِفَ العذابَ عنَّا، والمعنى : بمَا عَهِدَ فيمَنْ آمنَ به من كشفِ العذاب عنه، ﴿إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ ؛ مُؤمنون بكَ.
فدَعَا مُوسَى ربَّهُ فكشفَ عنهم فلم يُؤمِنُوا، فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾ ؛ العهدَ الذي عَاهَدُوا موسَى، معناهُ إذا هم يَنْقُضُونَ عهُودَهم.
الزخرف 43:51
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ ؛ إلى قولهِ :﴿قَالَ ياقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـاذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ ؛ يعنِي أنْهارَ النِّيلِ تجرِي مِن تَحتِي ؛ أي من تحتِ قُصوري وفي بساتينِي، وقال الحسنُ :(بأَمْرِي) فعلى هذا معناهُ : من تحتِ أمري، أفلا تُبصِرُونَ عظَمَتي وشدَّةَ مُلكِي وفضلِي على موسى.
الزخرف 43:52
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـاذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ ؛ أي بل أنا خيرٌ من هذا الذي هو ضعيفٌ حقير، يعني موسَى ؛ وإنما وصفَهُ بهذا لأنه كان يقومُ بأمرِ نفسه، ولم يكن أحدٌ يقومُ بأمرهِ، ومن ذلك المهنَةُ، وقولهُ تعالى :﴿وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾ ؛ أي لا يكادُ يُبينُ الكلامَ، يعني أنه كان بلسانهِ لَثْغَةً من أثرِ العُقدةِ التي كانت، وكان ذلك بَليغاً مُبيناً.
الزخرف 43:53
قَولُهُ تََعَالَى :﴿فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ﴾ ؛ معناهُ : قالَ فرعونُ : هلاَّ أُلقِيَ على موسى أسوِرَةٌ من ذهبٍ إن كان رَسُولاً كما يُسَوِّرُ الملوكُ رُسُلَهم تَعظيماً لهم، وكان آلُ فِرعَون يلبَسُون الأسَاورَ، والأسْوِرَةُ جمعُ السِّوَار، والأسَاورُ جمعُ الأسْوِرَةِ.
وقولهُ تعالى :﴿أَوْ جَآءَ مَعَهُ الْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ ؛ أي مُتَتابعِين يُعِينُونَهُ على أمرهِ الذي بُعث له، ويشهَدُون له بصِدقهِ. والمعنى : أنَّ فرعون قالَ : هلاَّ جاءَ معه الملائكةُ متعاونين يَمشُونَ معه فيدُلُّون على صدقهِ بنبوَّتهِ.
الزخرف 43:54
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ ؛ أي استخفَّ فرعونُ عُقُولَ قومهِ القبطِ فوجَدَهم خِفَافَ العقولِ فأطاعوهُ على تكذيب موسى، ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ ؛ أي خارجين عن أمْرِنا.
الزخرف 43:55
وقولهُ تعالى :﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ ؛ أي فلَمَّا أغضَبُونا انتقَمنا منهم، وجازَيناهم على معاصِيهم، ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. والآسَفُ : الْغَضَبُ في هذه الآيةِ، وأصلهُ في اللغة : الْحُزْنُ، إلاَّ أن الحزنَ لا يجوزُ في صفاتِ الله.
وقولهُ تعالى :﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً﴾ ؛ أي متقدِّمين، وَقِيْلَ : سَلَفاً إلى النار، ﴿وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ﴾ ؛ يُتمَثَّلُ بهم في الهلاكِ إلى آخر الدَّهرِ.
وقرأ حمزةُ (سُلُفاً) بالضمِّ في السين واللامِ : جمعُ سَلِيفٍ وهو الماضِي مأخوذٌ من سُلُفٍ بضمِّ اللام يَسْلُفُ ؛ أي تقدَّمَ فهو سَلِيفٌ. ومَن قرأ (سُلَفاً) بضمِّ السين وفتحِ اللام فهو جمعُ سُلَفَةٍ وهي الفِرقَةُ التي قد مضَتْ.
الزخرف 43:56
وقولهُ تعالى :﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ ؛ أي فلَمَّا أغضَبُونا انتقَمنا منهم، وجازَيناهم على معاصِيهم، ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. والآسَفُ : الْغَضَبُ في هذه الآيةِ، وأصلهُ في اللغة : الْحُزْنُ، إلاَّ أن الحزنَ لا يجوزُ في صفاتِ الله.
وقولهُ تعالى :﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً﴾ ؛ أي متقدِّمين، وَقِيْلَ : سَلَفاً إلى النار، ﴿وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ﴾ ؛ يُتمَثَّلُ بهم في الهلاكِ إلى آخر الدَّهرِ.
وقرأ حمزةُ (سُلُفاً) بالضمِّ في السين واللامِ : جمعُ سَلِيفٍ وهو الماضِي مأخوذٌ من سُلُفٍ بضمِّ اللام يَسْلُفُ ؛ أي تقدَّمَ فهو سَلِيفٌ. ومَن قرأ (سُلَفاً) بضمِّ السين وفتحِ اللام فهو جمعُ سُلَفَةٍ وهي الفِرقَةُ التي قد مضَتْ.
الزخرف 43:57
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :" لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ...﴾ الآيةُ، قَرَأهَا النَّبيُّ ﷺ، قَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى : أخَاصٌّ هَذا أمْ عَامٌّ ؟ فَقَالَ :" عَامٌّ " فَقَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى : فَإنَّ عِيسَى تَعْبُدُهُ النَّصَارَى، فَهُوَ وَالنَّصَارَى فِي النَّار، وَعُزَيْرٌ تَعْبُدُهُ الْيَهُودُ، وَخُزَاعَةُ تَعْبُدُ الْمَلاَئِكَةَ، فَإنْ كَانَ هَؤُلاَءِ فِي النَّار فَآلِهَتُنَا خَيْراً مِنْهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً﴾ ".
والمعنى : لَمَّا شبَّهوهُ بآلهتهم ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ يعني قومَهُ الكفارَ كانوا يضُجُّون ضجيجَ المجادَلةِ، حيث خاصَموهُ وقالوا : رضِينَا أن تكون آلهتَنا، وهو قولُهم :﴿وَقَالُواْ ءَأَ الِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ ؛ أي ليست آلِهتُنا خيراً من عيسَى، فإنْ كان عيسَى في النار بأنه يُعبَدَ من دونِ الله فآلِهتُنا في النار.
قرئ (يَصِدُّونَ) بكسرِ الصاد وضمِّها، قال الفرَّاءُ والزجَّاجُ والأخفش والكسائيُّ :(هُمَا لُغَتَانِ، مَعْنَاهُمَا : يَضُجُّونَ). وَقِيْلَ : يَصُدُّونَ : يُعْرِضُونَ. ومَنَ قرأ بكسرِ الصاد فمعناهُ : يضحَكُون.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً﴾ ؛ أي ما ذكَروا لكَ وصفَ عيسى إلاَّ لِيُجادِلُوكَ به ؛ لأنَّهم قد علِمُوا أن المرادَ بحصَب جهنَّم ما اتخذوهُ من الموتِ.
ثم ذكرَ أنَّهم أصحابُ خصُومَاتٍ فقالَ :﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ؛ أي جَدِلُونَ بالباطلِ، وعن أبي أُمامةَ الباهليِّ أنه قالَ :(مَا ضَلَّ قَوْمٌ إلاَّ أُوْتُوا الْجَدَلَ. ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ).
الزخرف 43:58
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :" لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ...﴾ الآيةُ، قَرَأهَا النَّبيُّ ﷺ، قَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى : أخَاصٌّ هَذا أمْ عَامٌّ ؟ فَقَالَ :" عَامٌّ " فَقَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى : فَإنَّ عِيسَى تَعْبُدُهُ النَّصَارَى، فَهُوَ وَالنَّصَارَى فِي النَّار، وَعُزَيْرٌ تَعْبُدُهُ الْيَهُودُ، وَخُزَاعَةُ تَعْبُدُ الْمَلاَئِكَةَ، فَإنْ كَانَ هَؤُلاَءِ فِي النَّار فَآلِهَتُنَا خَيْراً مِنْهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً﴾ ".
والمعنى : لَمَّا شبَّهوهُ بآلهتهم ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ يعني قومَهُ الكفارَ كانوا يضُجُّون ضجيجَ المجادَلةِ، حيث خاصَموهُ وقالوا : رضِينَا أن تكون آلهتَنا، وهو قولُهم :﴿وَقَالُواْ ءَأَ الِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ ؛ أي ليست آلِهتُنا خيراً من عيسَى، فإنْ كان عيسَى في النار بأنه يُعبَدَ من دونِ الله فآلِهتُنا في النار.
قرئ (يَصِدُّونَ) بكسرِ الصاد وضمِّها، قال الفرَّاءُ والزجَّاجُ والأخفش والكسائيُّ :(هُمَا لُغَتَانِ، مَعْنَاهُمَا : يَضُجُّونَ). وَقِيْلَ : يَصُدُّونَ : يُعْرِضُونَ. ومَنَ قرأ بكسرِ الصاد فمعناهُ : يضحَكُون.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً﴾ ؛ أي ما ذكَروا لكَ وصفَ عيسى إلاَّ لِيُجادِلُوكَ به ؛ لأنَّهم قد علِمُوا أن المرادَ بحصَب جهنَّم ما اتخذوهُ من الموتِ.
ثم ذكرَ أنَّهم أصحابُ خصُومَاتٍ فقالَ :﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ؛ أي جَدِلُونَ بالباطلِ، وعن أبي أُمامةَ الباهليِّ أنه قالَ :(مَا ضَلَّ قَوْمٌ إلاَّ أُوْتُوا الْجَدَلَ. ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ).
الزخرف 43:59
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ ؛ فيه بيانُ أنَّ عيسَى عليه السلام عبدٌ مثلُهم فضَّلَهُ بالنبوَّةِ والرسالةِ، والمعنى : أنعَمْنا عليه بالنبوَّةِ، ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ؛ أي جَعلنا خلقَهُ بغيرِ الأب آية تدلُّهم على وحدانيَّةِ اللهِ تعالى وقُدرتهِ على ما يريدُ.
ثم خاطبَ كفارَ مكَّة فقالََ تعالى :﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً﴾ ؛ أي لو نشاءُ أهلَكنَاكُم وجعلنا بَدَلاً منكم ملائكةً، ﴿فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ؛ كم يكون خَلَفاً منكم.
الزخرف 43:60
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ ؛ فيه بيانُ أنَّ عيسَى عليه السلام عبدٌ مثلُهم فضَّلَهُ بالنبوَّةِ والرسالةِ، والمعنى : أنعَمْنا عليه بالنبوَّةِ، ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ؛ أي جَعلنا خلقَهُ بغيرِ الأب آية تدلُّهم على وحدانيَّةِ اللهِ تعالى وقُدرتهِ على ما يريدُ.
ثم خاطبَ كفارَ مكَّة فقالََ تعالى :﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً﴾ ؛ أي لو نشاءُ أهلَكنَاكُم وجعلنا بَدَلاً منكم ملائكةً، ﴿فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ؛ كم يكون خَلَفاً منكم.
الزخرف 43:61
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾ ؛ يعني نزولَ عيسى من أشراطِ السَّاعَةِ نعلمُ به، ﴿فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ ؛ أي لاَ تَشُكُّنَّ في القيامةِ إنَّها كائنةٌ، ولا تُكَذِّبُوا، وَ ؛ قُل لَهم :﴿وَاتَّبِعُونِ﴾ ؛ على التوحيدِ، و ﴿هَـاذَا﴾ ؛ الذي أنا عليهِ، ﴿صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ ؛ أي دينٌ قائم لا عِوَجَ فيهِ، ﴿وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ ؛ أي لا يَصرِفنَّكُم عن هذا الدينِ، ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ ؛ أي ظاهرُ العداوةِ.
الزخرف 43:62
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾ ؛ يعني نزولَ عيسى من أشراطِ السَّاعَةِ نعلمُ به، ﴿فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ ؛ أي لاَ تَشُكُّنَّ في القيامةِ إنَّها كائنةٌ، ولا تُكَذِّبُوا، وَ ؛ قُل لَهم :﴿وَاتَّبِعُونِ﴾ ؛ على التوحيدِ، و ﴿هَـاذَا﴾ ؛ الذي أنا عليهِ، ﴿صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ ؛ أي دينٌ قائم لا عِوَجَ فيهِ، ﴿وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ ؛ أي لا يَصرِفنَّكُم عن هذا الدينِ، ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ ؛ أي ظاهرُ العداوةِ.
الزخرف 43:63
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا جَآءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ؛ أي بالْمُعجِزَاتِ، وقال قتادةُ :(يَعْنِي الإنْجِيلَ)، وقوله تعالى :﴿قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ﴾ ؛ أي بالإنجيلِ، وَقِيْلَ : بالنبوَّةِ، وَ ؛ جئتكم ﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ ؛ فيما بينكم، قال مجاهدُ :(مِنْ أحْكَامِ التَّوْرَاةِ).
فإن قِيْلَ : فهلاَّ بَيَّنَ لَهم جميعَ ما اختلَفُوا فيه وقد أُرسِلَ إليهم ؟ قُلنا : قد اختلفوا فيه ؛ قال بعضُهم : إنَّ الذي جاءَ به عيسى في الإنجيلِ إنما هو بعضُ الذي اختلَفُوا فيهِ، وقد بيَّنَ لهم من غيرِ الإنجيلِ ما احتاجُوا إليه.
وقال بعضُهم : معناهُ : لأُبَيِّنَ لكم بعضَ الكتاب الذي تختلفون فيهِ، إذ كانوا مختلفين في بعضِ التَّوراةِ. وقال بعضُهم معناهُ : لأُبيِّنَ لكم أمرَ دينكم لأنَّهم كانوا مُختلفين في أمرِ دينهم ودُنياهم، والمقصودُ من إرسالِ الرسُلِ بيانُ الدينِ، فكان ذلك بعضَ ما اختلفوا فيه، وقد يذكَرُ البعضُ أيضاً بمعنى الكلِّ، كما قالَ الشاعرُ : قَدْ يُدْرِكُ الْمُتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُوأرادَ بالبعضِ الكلَّ، لأن المستعجلَ أيضاً قد يدركُ البعضَ، ﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـاذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾.
الزخرف 43:64
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا جَآءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ؛ أي بالْمُعجِزَاتِ، وقال قتادةُ :(يَعْنِي الإنْجِيلَ)، وقوله تعالى :﴿قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ﴾ ؛ أي بالإنجيلِ، وَقِيْلَ : بالنبوَّةِ، وَ ؛ جئتكم ﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ ؛ فيما بينكم، قال مجاهدُ :(مِنْ أحْكَامِ التَّوْرَاةِ).
فإن قِيْلَ : فهلاَّ بَيَّنَ لَهم جميعَ ما اختلَفُوا فيه وقد أُرسِلَ إليهم ؟ قُلنا : قد اختلفوا فيه ؛ قال بعضُهم : إنَّ الذي جاءَ به عيسى في الإنجيلِ إنما هو بعضُ الذي اختلَفُوا فيهِ، وقد بيَّنَ لهم من غيرِ الإنجيلِ ما احتاجُوا إليه.
وقال بعضُهم : معناهُ : لأُبَيِّنَ لكم بعضَ الكتاب الذي تختلفون فيهِ، إذ كانوا مختلفين في بعضِ التَّوراةِ. وقال بعضُهم معناهُ : لأُبيِّنَ لكم أمرَ دينكم لأنَّهم كانوا مُختلفين في أمرِ دينهم ودُنياهم، والمقصودُ من إرسالِ الرسُلِ بيانُ الدينِ، فكان ذلك بعضَ ما اختلفوا فيه، وقد يذكَرُ البعضُ أيضاً بمعنى الكلِّ، كما قالَ الشاعرُ : قَدْ يُدْرِكُ الْمُتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُوأرادَ بالبعضِ الكلَّ، لأن المستعجلَ أيضاً قد يدركُ البعضَ، ﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـاذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾.
الزخرف 43:65
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ ؛ يعني اليهودَ والنصارَى، وَقِيْلَ : المرادُ فِرَقَ النصَارَى على ما تقدَّم ذِكرهُ من الاختلافِ فيما بينهم في عيسَى عليه السلام، وقوله تعالى :﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ * هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ ؛ أي هل ينظُرون إلاَّ القيامةَ أن تأتِيَهم فجأةً على غِرَّةٍ منهم، " مِنْ " غير تأهُّبٍ ولا استعدادٍ، ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ ؛ وقتَ مجِيئها.
فإنْ قِيْلَ : كيف تُسمَّى القيامةُ الساعةَ وهي تشتملُ على خمسين ألفَ سَنة ؟ قلنا : إنما سُمِّيت ساعةً لسُرعَةِ مجيئِها، ولأنَّها في جنب ما وراءَـها ساعةٌ، وهي سريعةُ الانقضاءِ على المؤمنين.
الزخرف 43:66
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ ؛ يعني اليهودَ والنصارَى، وَقِيْلَ : المرادُ فِرَقَ النصَارَى على ما تقدَّم ذِكرهُ من الاختلافِ فيما بينهم في عيسَى عليه السلام، وقوله تعالى :﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ * هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ ؛ أي هل ينظُرون إلاَّ القيامةَ أن تأتِيَهم فجأةً على غِرَّةٍ منهم، " مِنْ " غير تأهُّبٍ ولا استعدادٍ، ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ ؛ وقتَ مجِيئها.
فإنْ قِيْلَ : كيف تُسمَّى القيامةُ الساعةَ وهي تشتملُ على خمسين ألفَ سَنة ؟ قلنا : إنما سُمِّيت ساعةً لسُرعَةِ مجيئِها، ولأنَّها في جنب ما وراءَـها ساعةٌ، وهي سريعةُ الانقضاءِ على المؤمنين.
الزخرف 43:67
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ ؛ يعني الأخِلاَّءَ في يومئذٍ ؛ أي يومَ تأتي الساعةُ ﴿بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يعني إذا كانت الْخِلَّةُ على المعصيةِ والكُفرِ صارت عداوةً يومَ القيامةِ، ﴿إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ يعني المؤمنينَ الذين يُخَالِلُ بعضُهم بعضاً على الإيمانِ والتقوَى، فإنَّ خِلَّتَهُمْ لا تصيرُ عدواةً.
وفي الحديثِ :" أنَّ الأَخِلاَّءَ أرْبَعَةٌ : مُؤْمِنَانِ وَكَافِرَانِ، فَإذا سُئِلَ الْمُؤْمِنُ عَنْ خَلِيلِهِ، قَالَ : مَا عَلِمْتُهُ إلاَّ أمَّاراً بالْمَعْرُوفِ نَهَّاءً عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُسْأَلُ الْمُؤْمِنُ الثَّانِي عَنْ خَلِيلِهِ، فَيَقُولُ مِثْلَ ذلِكَ، وَيُثْنِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبهِ خَيْراً، فَتَزْدَادُ مُخَالَلَتُهُمَا فِي الآخِرَةِ عَلَى الَّتِي كَانَتْ فِي الدُّنْيَا. ثُمَّ يُسْأَلُ أحَدُ الْكَافِرِيْنِ عَنْ خَلِيلِهِ، فَيَقُولُ : بئْسَ الأَخُ ؛ مَا عَلِمْتُهُ إلاَّ أمَّاراً بالْمُنْكَرِ، نَهَّاءً عَنِ الْمَعْرُوفِ، اللَّهُمَّ أضْلِلْهُ كَمَا أضَلَّنِي، وَيَقُولُ الآخَرُ مِثْلَ ذلِكَ، وَيُثْنِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبهِ شَرّاً وَتَنْقَلِبُ مُخَالَلَتُهُمَا عَدَاوَةً، لأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي ذاتِ اللهِ تَعَالَى ".
الزخرف 43:68
قوله تعالى :﴿ياعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ ؛ أي يقالُ للمتَّقين : يا عِبَادِي لا خوفٌ عليكم من أهوالِ القيامة وما بعدَها، ولا أنتُم تَحزَنُونَ إذا حَزِنَ الناسُ، فقولهُ :(الَّذِينَ) موضعُ نصبٍ على النعتِ لِعِبَادِي، لأن عِبَادِي مُنَادَى مضاف.
وقولهُ تعالى :﴿وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ أي خَاضِعينَ مُنقَادِين، يقالُ لَهم :﴿ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ ؛ أي لأَنْتُم وحَلائِلِكُم المؤمناتِ تُكرَمُونَ غايةَ الإكرامِ بالتُّحَفِ والهدايا. ويقالُ : معنى : تُحبَرُونَ : تُسَرُّونَ، والْحُبُورُ السُّرُورُ.
الزخرف 43:69
قوله تعالى :﴿ياعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ ؛ أي يقالُ للمتَّقين : يا عِبَادِي لا خوفٌ عليكم من أهوالِ القيامة وما بعدَها، ولا أنتُم تَحزَنُونَ إذا حَزِنَ الناسُ، فقولهُ :(الَّذِينَ) موضعُ نصبٍ على النعتِ لِعِبَادِي، لأن عِبَادِي مُنَادَى مضاف.
وقولهُ تعالى :﴿وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ أي خَاضِعينَ مُنقَادِين، يقالُ لَهم :﴿ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ ؛ أي لأَنْتُم وحَلائِلِكُم المؤمناتِ تُكرَمُونَ غايةَ الإكرامِ بالتُّحَفِ والهدايا. ويقالُ : معنى : تُحبَرُونَ : تُسَرُّونَ، والْحُبُورُ السُّرُورُ.
الزخرف 43:70
قوله تعالى :﴿ياعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ ؛ أي يقالُ للمتَّقين : يا عِبَادِي لا خوفٌ عليكم من أهوالِ القيامة وما بعدَها، ولا أنتُم تَحزَنُونَ إذا حَزِنَ الناسُ، فقولهُ :(الَّذِينَ) موضعُ نصبٍ على النعتِ لِعِبَادِي، لأن عِبَادِي مُنَادَى مضاف.
وقولهُ تعالى :﴿وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ أي خَاضِعينَ مُنقَادِين، يقالُ لَهم :﴿ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ ؛ أي لأَنْتُم وحَلائِلِكُم المؤمناتِ تُكرَمُونَ غايةَ الإكرامِ بالتُّحَفِ والهدايا. ويقالُ : معنى : تُحبَرُونَ : تُسَرُّونَ، والْحُبُورُ السُّرُورُ.
الزخرف 43:71
وقولهُ تعالى :﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ﴾ ؛ أي يَطُوفُ عليهم خَدَمُهم بقِصَاعٍ من ذهبٍ فيها من أنواعِ الأطعمَةِ اللَّذِيذةِ الشَّهيَّةِ، وواحدُ الصِّحَافِ : صَحْفَةٌ ؛ وهي القَصْعَةُ الواسعةُ العريضة، وقولهُ تعالى :﴿وَأَكْوَابٍ﴾ ؛ أي وأكوابٍ من ذهَبٍ، والأكوابُ جمع الكُوب، وهو إناءٌ مستدير مُدَوَّرُ الرأسِ لا عُروةَ له. وَقِيْلَ : الأكوابُ هي الأباريقُ التي لا خرَاطِيمَ لها ولا أُذُنَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ ؛ أي في الجنَّة ما تتمنَّى الأنفُسُ وتستحسنهُ الأعيُن، ﴿وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ؛ مِن الأعمالِ الصالحة، ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ ؛ ألوان الفاكهةِ الكثيرة، ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.
الزخرف 43:72
وقولهُ تعالى :﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ﴾ ؛ أي يَطُوفُ عليهم خَدَمُهم بقِصَاعٍ من ذهبٍ فيها من أنواعِ الأطعمَةِ اللَّذِيذةِ الشَّهيَّةِ، وواحدُ الصِّحَافِ : صَحْفَةٌ ؛ وهي القَصْعَةُ الواسعةُ العريضة، وقولهُ تعالى :﴿وَأَكْوَابٍ﴾ ؛ أي وأكوابٍ من ذهَبٍ، والأكوابُ جمع الكُوب، وهو إناءٌ مستدير مُدَوَّرُ الرأسِ لا عُروةَ له. وَقِيْلَ : الأكوابُ هي الأباريقُ التي لا خرَاطِيمَ لها ولا أُذُنَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ ؛ أي في الجنَّة ما تتمنَّى الأنفُسُ وتستحسنهُ الأعيُن، ﴿وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ؛ مِن الأعمالِ الصالحة، ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ ؛ ألوان الفاكهةِ الكثيرة، ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.
الزخرف 43:73
وقولهُ تعالى :﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ﴾ ؛ أي يَطُوفُ عليهم خَدَمُهم بقِصَاعٍ من ذهبٍ فيها من أنواعِ الأطعمَةِ اللَّذِيذةِ الشَّهيَّةِ، وواحدُ الصِّحَافِ : صَحْفَةٌ ؛ وهي القَصْعَةُ الواسعةُ العريضة، وقولهُ تعالى :﴿وَأَكْوَابٍ﴾ ؛ أي وأكوابٍ من ذهَبٍ، والأكوابُ جمع الكُوب، وهو إناءٌ مستدير مُدَوَّرُ الرأسِ لا عُروةَ له. وَقِيْلَ : الأكوابُ هي الأباريقُ التي لا خرَاطِيمَ لها ولا أُذُنَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ ؛ أي في الجنَّة ما تتمنَّى الأنفُسُ وتستحسنهُ الأعيُن، ﴿وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ؛ مِن الأعمالِ الصالحة، ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ ؛ ألوان الفاكهةِ الكثيرة، ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.
الزخرف 43:74
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ ؛ أي إنَّ الْمُجرِمِينَ في عذاب جهنَّم دائمون، ﴿لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ ؛ أي يُرَفَّهُ عنهم ولا يُهَوَّنُ عليهم، ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ؛ أي آيسُونَ مِن الرَّوْحِ والرَّاحَةِ.
والإبْلاَسُ هو : اليأسُ من الخيرِ، والْمُبْلِسُ هو الساكتُ المنقطعُ لِيَأْسِهِ من الفرحِ، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ ؛ بهذا العذاب، ﴿وَلَـاكِن كَانُواْ هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ لأنفُسِهم بالكفرِ والمعاصي.
وفي قراءةِ ابنِ مسعود (الظَّالِمُونَ) بالرفعِ على لُغة تَميم يُعمِلُونَ الْمُضْمَرَ قبلَهُ، وأما على القراءةِ التي ليست في المصحَفِ (فَهُمْ) زيادةٌ وفصلٌ لا موضعَ لها من الإعراب بمنْزِلة (مَا) في قولهِ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ﴾[آل عمران: ١٥٩].
الزخرف 43:75
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ ؛ أي إنَّ الْمُجرِمِينَ في عذاب جهنَّم دائمون، ﴿لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ ؛ أي يُرَفَّهُ عنهم ولا يُهَوَّنُ عليهم، ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ؛ أي آيسُونَ مِن الرَّوْحِ والرَّاحَةِ.
والإبْلاَسُ هو : اليأسُ من الخيرِ، والْمُبْلِسُ هو الساكتُ المنقطعُ لِيَأْسِهِ من الفرحِ، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ ؛ بهذا العذاب، ﴿وَلَـاكِن كَانُواْ هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ لأنفُسِهم بالكفرِ والمعاصي.
وفي قراءةِ ابنِ مسعود (الظَّالِمُونَ) بالرفعِ على لُغة تَميم يُعمِلُونَ الْمُضْمَرَ قبلَهُ، وأما على القراءةِ التي ليست في المصحَفِ (فَهُمْ) زيادةٌ وفصلٌ لا موضعَ لها من الإعراب بمنْزِلة (مَا) في قولهِ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ﴾[آل عمران: ١٥٩].
الزخرف 43:76
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ ؛ أي إنَّ الْمُجرِمِينَ في عذاب جهنَّم دائمون، ﴿لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ ؛ أي يُرَفَّهُ عنهم ولا يُهَوَّنُ عليهم، ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ؛ أي آيسُونَ مِن الرَّوْحِ والرَّاحَةِ.
والإبْلاَسُ هو : اليأسُ من الخيرِ، والْمُبْلِسُ هو الساكتُ المنقطعُ لِيَأْسِهِ من الفرحِ، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ ؛ بهذا العذاب، ﴿وَلَـاكِن كَانُواْ هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ لأنفُسِهم بالكفرِ والمعاصي.
وفي قراءةِ ابنِ مسعود (الظَّالِمُونَ) بالرفعِ على لُغة تَميم يُعمِلُونَ الْمُضْمَرَ قبلَهُ، وأما على القراءةِ التي ليست في المصحَفِ (فَهُمْ) زيادةٌ وفصلٌ لا موضعَ لها من الإعراب بمنْزِلة (مَا) في قولهِ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ﴾[آل عمران: ١٥٩].
الزخرف 43:77
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنَادَوْاْ يامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ ؛ وذلكَ أنَّهُ إذا اشتدَّ عليهم العذابُ وقد صيَّرَهم، تَمَنَّوا الموتَ، فنادَوا مَالِكاً خازنَ جهنَّم : يا مالِكُ ادعُ لنا ربَّكَ يقضِي علينا بالموتِ فنستريحَ من العذاب بعد أربعين سنةً، ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ ؛ مُقيمون دائمون، وعن ابنُ عبَّاس :(أنَّهُمْ يُنَادُونَ مَالِكاً ألْفَ سَنَةٍ فَيُجِيبُهُمْ : إنَّكُمْ مَاكِثُونَ فِي الْعَذاب)، وقرأعليٌّ وابنُ مسعودٍ :(يَا مَالِ) بالترخيمِ.
الزخرف 43:78
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ﴾ ؛ أي لقد أرسَلنا إليكم يا معشرَ قُريش مُحَمَّداً رسُولَنا بالحقِّ، ﴿وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾.
الزخرف 43:79
وقولهُ تعالى :﴿أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ ؛ أي بل احكَمُوا عند نُفوسِهم أمراً في كيدِ مُحَمَّد ﷺ والْمَكْرِ به، فإنَّا مُحكِمُونَ أمْراً في مُجازَاتِهم شَرّاً بشَرٍّ.
الزخرف 43:80
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ؛ السِّرُّ ما يعقدهُ الإنسانُ في نفسهِ ويُضمِرَهُ بقلبهِ، والنَّجوَى ما يُحَدِّثُ به غيرَهُ في الخِفْيَةِ، وقولهُ تعالى (بَلَى) أي نسمَعُ سِرَّهم ونَجوَاهُم، ورسُلُنا هم الْحَفَظَةُ عندَهم، يكتُبونَ عليهم ذلكَ.
ويقالُ : إنَّ هذه الآيةَ نزلت في ثلاثةِ نَفَرٍ من المشركين، وهم صفوانُ بن أُمَية، وربيعةُ بن عمرٍو وأخوهُ حبيبُ بن عمرٍو، وكانوا يَمْكُرُونَ في قتلِ النبيِّ ﷺ، فقالوا : أخبرْنَا أنَّ النبيَّ ﷺ يقولُ لأصحابهِ : إنَّ الله يعلَمُ السرَّ يكون بين الاثنينِ، أفَتَرَوْنَهُ يعلمُ ما نقولُ ؟ قال ربيعةُ : أراهُ يعلَمُ بعضَ ما نقولُ ولا يعلَمُ بعضاً، فقال صفوانُ : ولا كلمةً واحدةً، ولو عَلِمَ بعضَهُ لعلمَهُ كُلَّهُ، فأنزلَ اللهُ تعالى هذهِ الآيةَ.
الزخرف 43:81
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـانِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ ؛ وذلك أنَّ المشركين لَمَّا قالوا : لله ولدٌ! ولَم يرجِعُوا عن مَقالَتِهم، أنزلَ اللهُ هذه الآيةَ، والمعنى : قُل لَهم يا مُحَمَّدُ :﴿إِن كَانَ لِلرَّحْمَـانِ وَلَدٌ﴾ في زَعمِكم ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ مَن عبدَ اللهَ وحدَهُ وكذبَكم بما تقولون، هكذا رُوي عن مجاهد.
وقال قتادةُ والحسن :(مَعْنَاهُ : مَا كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ، وَأنَا أوَّلُ مَنْ عَبَدَ اللهَ مِنْ أهْلِ هَذا الزَّمَانِ). وَقِيْلَ : معناهُ : إنْ كان للرَّحمنِ ولدٌ كما تزعمون فأنَا أوَّلُ مَن غَضِبَ للرحمنِ، فعلى هذا القولِ العَابدُ من العَبَدِ بمعنى الغَضَب. وقال الفرَّاءُ :(عَبَدَ عَلَيْهِ أيْ غَضِبَ عَلَيْهِ). وَقِيْلَ : معناهُ : فأنا أوَّلُ الآنِفِينَ، يقالُ : عَبَدَ يَعْبُدُ ؛ إذا أنِفَ وَغَضِبَ.
الزخرف 43:82
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ نَزَّهَ اللهَ تعالى نفسَهُ مما يقولُ المشركون ؛ أي تَنْزِيهاً لخالقِ السَّمواتِ والأرضِ، ﴿رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ؛ يُضِيفُونَ إليه مِن الولدِ.
الزخرف 43:83
وقوله تعالى :﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّى يُلَـاقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ؛ أمرٌ بتركِهم على وجه التوبيخِ ؛ أي اترُكْ يا مُحَمَّدُ كفارَ مكَّة يخوضُوا في أباطيلِهم، ويلعَبُوا في دُنياهم بمقالتِهم حتى يُعاينُوا يومَ القيامةِ.
الزخرف 43:84
وقولهُ تعالى :﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمآءِ إِلَـاهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَـاهٌ﴾ ؛ أي هو معبودُ مَن في السَّموات ومَن في الأرضِ، لا معبودَ غيرهُ ولا إلهَ إلاَّ هُوَ، ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ ؛ في أمرهِ وقضائه، ﴿الْعَلِيمُ﴾ ؛ بخلقهِ وتدبيرِهم.
الزخرف 43:85
وقولهُ تعالى :﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ ؛ أي تعالَى ودامَ الذي بيدهِ خزائنُ السموات والأرضِ وما بينهما، ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ ؛ أي عِلمُ قيامِ الساعة، لا يعلَمُ وقتَها أحدٌ غيرهُ، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ؛ في الآخرةِ.
الزخرف 43:86
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ ؛ أي لا يَملِكُ الذين يدْعُونَ من دونهِ الشفاعةَ، ثُم استَثْنَى عيسَى والعزيرَ والملائكةَ فقالَ :﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ ؛ أي مَن شَهِدَ أنَّهُ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ بقُلوبهم ما شَهِدُوا به بأَلسِنَتِهم. والمعنى : إلاَّ مَن شَهِدَ بكلمةِ التوحيد، وعَلِمَ بقَلْبهِ أنَّها حقٌّ.
الزخرف 43:87
وقولهُ تعالى :﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ؛ أي ولئِنْ سألتَ هؤلاءِ الذين عَبَدُوا غيرَ اللهِ : مَن خلَقَهم وخلَقَ معبودَهم ؟ ليقُولُنَّ : اللهُ خلَقَهم، فمِن أين يُصرَفُونَ عن عبادةِ اللهِ مع معرفتِهم بأنه الخالقُ، والخالقُ أولى بالعبادةِ من المخلوقِ؟
الزخرف 43:88
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقِيلِهِ يارَبِّ إِنَّ هَـاؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ ؛ من قرأ بنصب اللام ؛ فمعناهُ : يعلمُ قيامَ الساعة، ويعلمُ (قِيلَهُ) محمد يا ربِّ ؛ لأن معنى﴿وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾[الزخرف: ٨٥] ويعلمُ قيامَ الساعةِ. وقيل : انتصبَ عطفاً على قوله﴿سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم﴾[الزخرف: ٨٠] كأنه قال : أمْ يحسبون أنا لا نسمعُ سِرَّهم ونجواهم، (وَقِيلَهُ) يا ربِّ في شكوى منهم إلى ربه. قال المبرِّدُ :(الْعَطْفُ عَلَى الْمَنْصُوب حَسَنٌ وَإنْ تَبَاعَدَ الْمَعْطُوفُ عَلَى الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ).
ومَن قرأ (وَقِيلِهِ) بكسرِ اللامِ فهو على معنى : وعندَهُ علمُ الساعةِ وعلمُ قِيلِهِ. والقِيْلُ مصدرٌ كالقولِ، يقالُ : قلْتُ قَوْلاً وقِيْلاً وقَالاً. ولو قُرئ (وَقِيلُهُ) بالرفعِ على معنى : وقيلُ مُحَمَّدٍ ﷺ، هذا كان جائزاً في الكلامِ.
الزخرف 43:89
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ ؛ أي أعرِضْ عنهم إلى أن تُؤمَرَ فيهم بشيءٍ، ﴿وَقُلْ سَلاَمٌ﴾، قال عطاءُ :(يُرِيدُ مُدَارَاةً حَتَّى يَنْزِلُ حُكْمِي)، ومعناهُ : الْمُتَارَكَةُ ؛ أي سلامُ هِجرَانٍ وتركٍ لا سلامَ تحيَّةٍ، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ عاقبةَ كُفرِهم، وماذا ينْزِلُ بهم فيَندَمُونَ حين لا ينفعُهم الندمُ.
ومَن قرأ (تَعْلَمُونَ) فعلى الأمرِ للنبيِّ ﷺ بأن يُخاطِبَهم بهذا، قال مقاتلُ :(نَسَخَ السَّيْفُ الإعْرَاضَ وَالسَّلاَمَ).
الدخان 44:1
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حـم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ؛ أوَّلُ السورةِ قَسَمٌ، وجوابهُ :﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ ؛ وَقِيْلَ : جوابهُ :﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ لأنه ليس من عادةِ العرب أن يُقسِمُوا بنفسِ الشيء الذي يُخبرُونَ عنه، فعلَى هذا يكون قولهُ :﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ مُعتَرِضاً بين القسَمِ والجواب، ﴿فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، والليلةُ المباركَةُ : هي ليلةُ القَدْرِ، ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أنزلَ اللهُ فيها القرآنَ إلى السَّفَرَةِ في السَّماءِ الدُّنيا، فوضعوهُ في بيت العِزَّةِ، ثُم كان جبريلُ يَنْزِلُ به على النبيِّ ﷺ شيئاً بعدَ شيءٍ على مقدار الحاجة، هكذا رُوي عن ابنِ عبَّاس، وقد قدمنا ذلكَ في قولهِ تعالى﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾[البقرة: ١٨٥].
وسُمِّيت هذه الليلةُ مباركةً لأنَّ فيها الرحمةُ ومغفرةُ الذنوب، وفيها يقدِّرُ اللهُ الأشياءَ من أرزاقِ العباد وآجالِهم وغيرِ ذلك من الأمُور. ويقالُ : إنما سُمِّيت مباركةً لأنه لا يُقدِّرُ فيها شيئاً من الْمَكَارهِ، كما قالَ تعالى :﴿سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾[القدر: ٥].
وعن عكرمةَ أنه كان يقولُ :(اللَّيْلَةُُ الْمُبَارَكَةُ هِيَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فِيهَا يُقْضَى كُلُّ أمْرٍ فِيْهِ حِكْمَةٌ، وَفِيهَا يُنْسَخُ لِجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإسْرَافِيلَ وَمَلَكُ الْمَوْتِ جَمِيعَ مَا هُمْ مُوَكَّلُونَ بهِ مِنْ سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ). وكان ابنُ عبَّاس يقولُ :(إنَّكَ لَتَلْقَى الرَّجُلَ فِي السُّوقِ قَدْ كُتِبَ اسْمُهُ فِي الْمَوْتَى). والصحيحُ : أنَّ الليلةَ المباركةَ هي ليلةُ القَدْر، وعليه أكثرُ المفسِّرين.
الدخان 44:2
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حـم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ؛ أوَّلُ السورةِ قَسَمٌ، وجوابهُ :﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ ؛ وَقِيْلَ : جوابهُ :﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ لأنه ليس من عادةِ العرب أن يُقسِمُوا بنفسِ الشيء الذي يُخبرُونَ عنه، فعلَى هذا يكون قولهُ :﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ مُعتَرِضاً بين القسَمِ والجواب، ﴿فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، والليلةُ المباركَةُ : هي ليلةُ القَدْرِ، ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أنزلَ اللهُ فيها القرآنَ إلى السَّفَرَةِ في السَّماءِ الدُّنيا، فوضعوهُ في بيت العِزَّةِ، ثُم كان جبريلُ يَنْزِلُ به على النبيِّ ﷺ شيئاً بعدَ شيءٍ على مقدار الحاجة، هكذا رُوي عن ابنِ عبَّاس، وقد قدمنا ذلكَ في قولهِ تعالى﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾[البقرة: ١٨٥].
وسُمِّيت هذه الليلةُ مباركةً لأنَّ فيها الرحمةُ ومغفرةُ الذنوب، وفيها يقدِّرُ اللهُ الأشياءَ من أرزاقِ العباد وآجالِهم وغيرِ ذلك من الأمُور. ويقالُ : إنما سُمِّيت مباركةً لأنه لا يُقدِّرُ فيها شيئاً من الْمَكَارهِ، كما قالَ تعالى :﴿سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾[القدر: ٥].
وعن عكرمةَ أنه كان يقولُ :(اللَّيْلَةُُ الْمُبَارَكَةُ هِيَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فِيهَا يُقْضَى كُلُّ أمْرٍ فِيْهِ حِكْمَةٌ، وَفِيهَا يُنْسَخُ لِجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإسْرَافِيلَ وَمَلَكُ الْمَوْتِ جَمِيعَ مَا هُمْ مُوَكَّلُونَ بهِ مِنْ سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ). وكان ابنُ عبَّاس يقولُ :(إنَّكَ لَتَلْقَى الرَّجُلَ فِي السُّوقِ قَدْ كُتِبَ اسْمُهُ فِي الْمَوْتَى). والصحيحُ : أنَّ الليلةَ المباركةَ هي ليلةُ القَدْر، وعليه أكثرُ المفسِّرين.
الدخان 44:3
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حـم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ؛ أوَّلُ السورةِ قَسَمٌ، وجوابهُ :﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ ؛ وَقِيْلَ : جوابهُ :﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ لأنه ليس من عادةِ العرب أن يُقسِمُوا بنفسِ الشيء الذي يُخبرُونَ عنه، فعلَى هذا يكون قولهُ :﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ مُعتَرِضاً بين القسَمِ والجواب، ﴿فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، والليلةُ المباركَةُ : هي ليلةُ القَدْرِ، ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أنزلَ اللهُ فيها القرآنَ إلى السَّفَرَةِ في السَّماءِ الدُّنيا، فوضعوهُ في بيت العِزَّةِ، ثُم كان جبريلُ يَنْزِلُ به على النبيِّ ﷺ شيئاً بعدَ شيءٍ على مقدار الحاجة، هكذا رُوي عن ابنِ عبَّاس، وقد قدمنا ذلكَ في قولهِ تعالى﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾[البقرة: ١٨٥].
وسُمِّيت هذه الليلةُ مباركةً لأنَّ فيها الرحمةُ ومغفرةُ الذنوب، وفيها يقدِّرُ اللهُ الأشياءَ من أرزاقِ العباد وآجالِهم وغيرِ ذلك من الأمُور. ويقالُ : إنما سُمِّيت مباركةً لأنه لا يُقدِّرُ فيها شيئاً من الْمَكَارهِ، كما قالَ تعالى :﴿سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾[القدر: ٥].
وعن عكرمةَ أنه كان يقولُ :(اللَّيْلَةُُ الْمُبَارَكَةُ هِيَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فِيهَا يُقْضَى كُلُّ أمْرٍ فِيْهِ حِكْمَةٌ، وَفِيهَا يُنْسَخُ لِجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإسْرَافِيلَ وَمَلَكُ الْمَوْتِ جَمِيعَ مَا هُمْ مُوَكَّلُونَ بهِ مِنْ سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ). وكان ابنُ عبَّاس يقولُ :(إنَّكَ لَتَلْقَى الرَّجُلَ فِي السُّوقِ قَدْ كُتِبَ اسْمُهُ فِي الْمَوْتَى). والصحيحُ : أنَّ الليلةَ المباركةَ هي ليلةُ القَدْر، وعليه أكثرُ المفسِّرين.
الدخان 44:4
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حـم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ؛ أوَّلُ السورةِ قَسَمٌ، وجوابهُ :﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ ؛ وَقِيْلَ : جوابهُ :﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ لأنه ليس من عادةِ العرب أن يُقسِمُوا بنفسِ الشيء الذي يُخبرُونَ عنه، فعلَى هذا يكون قولهُ :﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ مُعتَرِضاً بين القسَمِ والجواب، ﴿فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، والليلةُ المباركَةُ : هي ليلةُ القَدْرِ، ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أنزلَ اللهُ فيها القرآنَ إلى السَّفَرَةِ في السَّماءِ الدُّنيا، فوضعوهُ في بيت العِزَّةِ، ثُم كان جبريلُ يَنْزِلُ به على النبيِّ ﷺ شيئاً بعدَ شيءٍ على مقدار الحاجة، هكذا رُوي عن ابنِ عبَّاس، وقد قدمنا ذلكَ في قولهِ تعالى﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾[البقرة: ١٨٥].
وسُمِّيت هذه الليلةُ مباركةً لأنَّ فيها الرحمةُ ومغفرةُ الذنوب، وفيها يقدِّرُ اللهُ الأشياءَ من أرزاقِ العباد وآجالِهم وغيرِ ذلك من الأمُور. ويقالُ : إنما سُمِّيت مباركةً لأنه لا يُقدِّرُ فيها شيئاً من الْمَكَارهِ، كما قالَ تعالى :﴿سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾[القدر: ٥].
وعن عكرمةَ أنه كان يقولُ :(اللَّيْلَةُُ الْمُبَارَكَةُ هِيَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فِيهَا يُقْضَى كُلُّ أمْرٍ فِيْهِ حِكْمَةٌ، وَفِيهَا يُنْسَخُ لِجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإسْرَافِيلَ وَمَلَكُ الْمَوْتِ جَمِيعَ مَا هُمْ مُوَكَّلُونَ بهِ مِنْ سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ). وكان ابنُ عبَّاس يقولُ :(إنَّكَ لَتَلْقَى الرَّجُلَ فِي السُّوقِ قَدْ كُتِبَ اسْمُهُ فِي الْمَوْتَى). والصحيحُ : أنَّ الليلةَ المباركةَ هي ليلةُ القَدْر، وعليه أكثرُ المفسِّرين.
الدخان 44:5
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ﴾ ؛ انتصبَ بـ (يُفْرَقُ) بمنْزِلة (يُفْرَقُ) لأن (أمْراً) بمعنى فَرْقاً. وفيه بيانُ أنَّ الذي يُفْرَقُ في هذه الليلةِ لا يكون إلاَّ من عندِ الله تعالى وتدبيرهِ، كأنَّهُ قال : بأمرٍ مِن عندِنا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ ؛ أي مُرسلِين مُحَمَّداً ﷺ ومَن قَبلَهُ من الأنبياءِ، ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ ؛ أي رَأفَةً منِّي بخَلْقِي ونعمةً عليهم. وانتصبَ على أنه مفعولٌ له على تقديرِ الرَّحمةِ، وقال الزجَّاجُ :(تَقْدِيرُهُ : إنَّا أنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ لِلرَّحْمَةِ). ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ ؛ لِمَا يقولهُ الْمُحِقُّ والْمُبْطِلُ، ﴿الْعَلِيمُ﴾، بأفْعَالِ العبادِ.
الدخان 44:6
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ﴾ ؛ انتصبَ بـ (يُفْرَقُ) بمنْزِلة (يُفْرَقُ) لأن (أمْراً) بمعنى فَرْقاً. وفيه بيانُ أنَّ الذي يُفْرَقُ في هذه الليلةِ لا يكون إلاَّ من عندِ الله تعالى وتدبيرهِ، كأنَّهُ قال : بأمرٍ مِن عندِنا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ ؛ أي مُرسلِين مُحَمَّداً ﷺ ومَن قَبلَهُ من الأنبياءِ، ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ ؛ أي رَأفَةً منِّي بخَلْقِي ونعمةً عليهم. وانتصبَ على أنه مفعولٌ له على تقديرِ الرَّحمةِ، وقال الزجَّاجُ :(تَقْدِيرُهُ : إنَّا أنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ لِلرَّحْمَةِ). ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ ؛ لِمَا يقولهُ الْمُحِقُّ والْمُبْطِلُ، ﴿الْعَلِيمُ﴾، بأفْعَالِ العبادِ.
الدخان 44:7
وقولهُ تعالى :﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ﴾ ؛ بالخفضِ على البدلِ من قوله ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾. وقولهُ تعالى :﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ﴾ يعني من الهواءِ والخلقِ. وقوله تعالى :﴿إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ * لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ ؛ معناهُ : أنَّ الذي دَبَّرَ السمواتِ والأرضَ هو الذي دَبَّرَ بإرسالِ الرُّسُلِ رحمةً منه، فإنْ كُنتم مُوقِنينَ بتدبيرهِ في السَّمواتِ والأرض، فأَيقِنُوا إنَّما هو مثلهُ. واليقينُ : ثَلْجُ الصَّدر بالْعِلْمِ، ولذلك يقالُ : وجدَ بَرْدَ اليَقِينِ، ولا يجوزُ في صفاتِ الله تعالى : مُوقِنٌ، ويجوزُ : عَلِيمٌ وعَالِمٌ.
الدخان 44:8
وقولهُ تعالى :﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ﴾ ؛ بالخفضِ على البدلِ من قوله ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾. وقولهُ تعالى :﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ﴾ يعني من الهواءِ والخلقِ. وقوله تعالى :﴿إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ * لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ ؛ معناهُ : أنَّ الذي دَبَّرَ السمواتِ والأرضَ هو الذي دَبَّرَ بإرسالِ الرُّسُلِ رحمةً منه، فإنْ كُنتم مُوقِنينَ بتدبيرهِ في السَّمواتِ والأرض، فأَيقِنُوا إنَّما هو مثلهُ. واليقينُ : ثَلْجُ الصَّدر بالْعِلْمِ، ولذلك يقالُ : وجدَ بَرْدَ اليَقِينِ، ولا يجوزُ في صفاتِ الله تعالى : مُوقِنٌ، ويجوزُ : عَلِيمٌ وعَالِمٌ.
الدخان 44:9
وقولهُ تعالى :﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ﴾ ؛ يعني الكفارَ من هذا القرآنِ، ﴿يَلْعَبُونَ﴾ ؛ أي يَهْزَأُونَ به لاَهِينَ عنهُ.
الدخان 44:10
وقوله تعالى :﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَـاذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَّبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ * أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾ ؛ وذلك أنَّ الْمُشْرِكِينَ بَالَغُوا فِي إيْذاءِ النَّبيِّ ﷺ ويَئِسَ مِنْ إيْمَانِهِمْ بهِ ودعَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ :" اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرٍ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ ".
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَاتِ، فَأَخَذتْهُم السَّنَةُ حَتَّى أكَلُوا الْجِيَفَ وَالْكِلاَبَ وَالْعِظَامَ الْمُحَرَّقَةَ مِنَ الْجُوعِ، وَارْتَفَعَ الْقَطْرُ وَأجْدَبَتِ الأَرْضُ، وَكَانُواْ إذا نَظَرُواْ إلَى السَّمَاءِ رَأوا دُخَّاناً بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لِلظُّلْمَةِ الَّتِي غَشِيَتْ أعْيُنَهُمْ وأبْصَارَهُمْ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ. ويقال : يَبسَتِ الأرضُ وانقطعَ الغيثُ.
والمعنى : فانتظِرْ يا مُحَمَّدُ يومَ تأتِي السَّماءُ بدُخَانٍ مُبينٍ، " فَجَاءَ أبُو سُفْيَانَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدٌ جِئْتَ تَأْمُرُنَا بصِلَةِ الرَّحِمِ وَإنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُواْ، فَادْعُ اللهَ لَهُمْ، فَقَالَ ﷺ :" اللَّهُمَّ دَعَوْتُكَ فَأَجَبْتَنِي، وَسَأَلْتُكَ فَأَعْطََيْتَنِي، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثاً مُغِيْثاً مَرِيّاً مَرِيعاً طَبَقاً عَاجِلاً غَيْرَ آجِلٍ نَافِعاً غَيْرَ ضَارٍّ "، فَمَا بَرِحَ النَّبيُّ ﷺ حَتَّى أنْزَلَ اللهُ الْمَطَرَ.
وَجَاءَ النَّاسُ يَشْتَدُّونَ وَقَالُواْ : الْغَرَقُ الْغَرَقُ، فَقَرَأ رَسُولُ اللهِ ﷺ ﴿إنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾ فَكَشَفَ اللهُ عَنْهُمُ الشِّدَّةَ، ثُمَّ عَادُوا إلَى الْكُفْرِ " فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ ؛ وذلك يومُ بدرٍ، ﴿إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾.
وهذا التأويلُ إنما يستقيمُ على قولِ ابن مسعودٍ فإنه كان يقولُ :(خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ : الدُّخَّانُ وَالرُّومُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ) وكان يذهبُ إلى أنَّ البطشةَ الكُبرَى هي التي أصابَتْهُم يومَ بدرٍ، وذلك أعظمُ من الجوعِ الذي أصابَهم بمكَّةَ.
وذهبَ بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ المرادَ بالدُّخان في هذه الآياتِ : الدخَّانُ الذي يُنْزِلهُ اللهُ تعالى عندَ قيامِ الساعة، ثم يغشَاهُم عذابٌ أليم بعدَ ذلك، كما رُوي عن مسروقٍ أنه قالَ :(إذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَزَلَ دُخَّانٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَخَذ بأَسْمَاعِ الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَأبْصَارهِمْ حَتَّى تَصِيرَ رُؤُوسُهُمْ كَالرَّأسِ الْحَنِيذِ، وَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنِينَ بمَنْزِلَةِ الزُّكَامِ).
فعلى هذا القولِ يكون معنى قولهِ تعالى :﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ أي مِن أين لَهم الذِّكرَى، أي مِن أين ينفعُهم إيمانُهم ﴿وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ في الوقتِ الذي كانوا مكلَّفين فيه ثُمَّ أعرَضُوا عن الإيمانِ به ﴿وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾ أي هو معلِّمٌ يعلِّمهُ الجنُّ، ويعترِضُون له. وَقِيْلَ : معناهُ : يعلِّمهُ بشَرٌ مجنونٌ بادِّعائهِ النبوَّةَ. ويكون معنى قولهِ :﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ أي عذابَ الدُّنيا بعد مجيءِ الرسولِ إلى وقت الدُّخان، فمَهَّلَهُم لكي يتُوبُوا، ولن يتُوبُوا.
والمرادُ بالبطشةِ الكُبرَى على هذا القولِ يومُ القيامةِ، وأما على القولِ الأوَّلِ فقولهُ :﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ أي التذكُّر والاتِّعاظُ، يقولُ : كيف يتذكَّرُون ويتِّعِظون، وحالُهم أنه قد جاءَهم رسولٌ مُبينٌ ظاهرُ الصِّدقِ والدلالة، ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ﴾ أي أعْرَضُوا ولَمْ يقبَلُوا قولَهُ.
وقولهُ تعالى :﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ يعني عذابَ الجوعِ ﴿قَلِيلاً﴾ أي زَمَاناً يَسِيراً، قال مقاتلُ :(يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ إنَّكُمْ عَائِدُونَ فِي كُفْرِكُمْ وَتَكْذِيبكُمْ) وفيه إعلامٌ أنَّهم لا يتَّعِظُون، وإنه إذا رُفِعَ عنهم العذابُ عادُوا إلى طُغيانِهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ أي واذكُرْ لَهم ذلك اليومَ، يعني يومَ بدرٍ.
الدخان 44:11
وقوله تعالى :﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَـاذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَّبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ * أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾ ؛ وذلك أنَّ الْمُشْرِكِينَ بَالَغُوا فِي إيْذاءِ النَّبيِّ ﷺ ويَئِسَ مِنْ إيْمَانِهِمْ بهِ ودعَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ :" اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرٍ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ ".
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَاتِ، فَأَخَذتْهُم السَّنَةُ حَتَّى أكَلُوا الْجِيَفَ وَالْكِلاَبَ وَالْعِظَامَ الْمُحَرَّقَةَ مِنَ الْجُوعِ، وَارْتَفَعَ الْقَطْرُ وَأجْدَبَتِ الأَرْضُ، وَكَانُواْ إذا نَظَرُواْ إلَى السَّمَاءِ رَأوا دُخَّاناً بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لِلظُّلْمَةِ الَّتِي غَشِيَتْ أعْيُنَهُمْ وأبْصَارَهُمْ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ. ويقال : يَبسَتِ الأرضُ وانقطعَ الغيثُ.
والمعنى : فانتظِرْ يا مُحَمَّدُ يومَ تأتِي السَّماءُ بدُخَانٍ مُبينٍ، " فَجَاءَ أبُو سُفْيَانَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدٌ جِئْتَ تَأْمُرُنَا بصِلَةِ الرَّحِمِ وَإنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُواْ، فَادْعُ اللهَ لَهُمْ، فَقَالَ ﷺ :" اللَّهُمَّ دَعَوْتُكَ فَأَجَبْتَنِي، وَسَأَلْتُكَ فَأَعْطََيْتَنِي، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثاً مُغِيْثاً مَرِيّاً مَرِيعاً طَبَقاً عَاجِلاً غَيْرَ آجِلٍ نَافِعاً غَيْرَ ضَارٍّ "، فَمَا بَرِحَ النَّبيُّ ﷺ حَتَّى أنْزَلَ اللهُ الْمَطَرَ.
وَجَاءَ النَّاسُ يَشْتَدُّونَ وَقَالُواْ : الْغَرَقُ الْغَرَقُ، فَقَرَأ رَسُولُ اللهِ ﷺ ﴿إنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾ فَكَشَفَ اللهُ عَنْهُمُ الشِّدَّةَ، ثُمَّ عَادُوا إلَى الْكُفْرِ " فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ ؛ وذلك يومُ بدرٍ، ﴿إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾.
وهذا التأويلُ إنما يستقيمُ على قولِ ابن مسعودٍ فإنه كان يقولُ :(خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ : الدُّخَّانُ وَالرُّومُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ) وكان يذهبُ إلى أنَّ البطشةَ الكُبرَى هي التي أصابَتْهُم يومَ بدرٍ، وذلك أعظمُ من الجوعِ الذي أصابَهم بمكَّةَ.
وذهبَ بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ المرادَ بالدُّخان في هذه الآياتِ : الدخَّانُ الذي يُنْزِلهُ اللهُ تعالى عندَ قيامِ الساعة، ثم يغشَاهُم عذابٌ أليم بعدَ ذلك، كما رُوي عن مسروقٍ أنه قالَ :(إذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَزَلَ دُخَّانٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَخَذ بأَسْمَاعِ الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَأبْصَارهِمْ حَتَّى تَصِيرَ رُؤُوسُهُمْ كَالرَّأسِ الْحَنِيذِ، وَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنِينَ بمَنْزِلَةِ الزُّكَامِ).
فعلى هذا القولِ يكون معنى قولهِ تعالى :﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ أي مِن أين لَهم الذِّكرَى، أي مِن أين ينفعُهم إيمانُهم ﴿وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ في الوقتِ الذي كانوا مكلَّفين فيه ثُمَّ أعرَضُوا عن الإيمانِ به ﴿وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾ أي هو معلِّمٌ يعلِّمهُ الجنُّ، ويعترِضُون له. وَقِيْلَ : معناهُ : يعلِّمهُ بشَرٌ مجنونٌ بادِّعائهِ النبوَّةَ. ويكون معنى قولهِ :﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ أي عذابَ الدُّنيا بعد مجيءِ الرسولِ إلى وقت الدُّخان، فمَهَّلَهُم لكي يتُوبُوا، ولن يتُوبُوا.
والمرادُ بالبطشةِ الكُبرَى على هذا القولِ يومُ القيامةِ، وأما على القولِ الأوَّلِ فقولهُ :﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ أي التذكُّر والاتِّعاظُ، يقولُ : كيف يتذكَّرُون ويتِّعِظون، وحالُهم أنه قد جاءَهم رسولٌ مُبينٌ ظاهرُ الصِّدقِ والدلالة، ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ﴾ أي أعْرَضُوا ولَمْ يقبَلُوا قولَهُ.
وقولهُ تعالى :﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ يعني عذابَ الجوعِ ﴿قَلِيلاً﴾ أي زَمَاناً يَسِيراً، قال مقاتلُ :(يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ إنَّكُمْ عَائِدُونَ فِي كُفْرِكُمْ وَتَكْذِيبكُمْ) وفيه إعلامٌ أنَّهم لا يتَّعِظُون، وإنه إذا رُفِعَ عنهم العذابُ عادُوا إلى طُغيانِهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ أي واذكُرْ لَهم ذلك اليومَ، يعني يومَ بدرٍ.
الدخان 44:12
وقوله تعالى :﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَـاذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَّبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ * أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾ ؛ وذلك أنَّ الْمُشْرِكِينَ بَالَغُوا فِي إيْذاءِ النَّبيِّ ﷺ ويَئِسَ مِنْ إيْمَانِهِمْ بهِ ودعَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ :" اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرٍ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ ".
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَاتِ، فَأَخَذتْهُم السَّنَةُ حَتَّى أكَلُوا الْجِيَفَ وَالْكِلاَبَ وَالْعِظَامَ الْمُحَرَّقَةَ مِنَ الْجُوعِ، وَارْتَفَعَ الْقَطْرُ وَأجْدَبَتِ الأَرْضُ، وَكَانُواْ إذا نَظَرُواْ إلَى السَّمَاءِ رَأوا دُخَّاناً بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لِلظُّلْمَةِ الَّتِي غَشِيَتْ أعْيُنَهُمْ وأبْصَارَهُمْ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ. ويقال : يَبسَتِ الأرضُ وانقطعَ الغيثُ.
والمعنى : فانتظِرْ يا مُحَمَّدُ يومَ تأتِي السَّماءُ بدُخَانٍ مُبينٍ، " فَجَاءَ أبُو سُفْيَانَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدٌ جِئْتَ تَأْمُرُنَا بصِلَةِ الرَّحِمِ وَإنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُواْ، فَادْعُ اللهَ لَهُمْ، فَقَالَ ﷺ :" اللَّهُمَّ دَعَوْتُكَ فَأَجَبْتَنِي، وَسَأَلْتُكَ فَأَعْطََيْتَنِي، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثاً مُغِيْثاً مَرِيّاً مَرِيعاً طَبَقاً عَاجِلاً غَيْرَ آجِلٍ نَافِعاً غَيْرَ ضَارٍّ "، فَمَا بَرِحَ النَّبيُّ ﷺ حَتَّى أنْزَلَ اللهُ الْمَطَرَ.
وَجَاءَ النَّاسُ يَشْتَدُّونَ وَقَالُواْ : الْغَرَقُ الْغَرَقُ، فَقَرَأ رَسُولُ اللهِ ﷺ ﴿إنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾ فَكَشَفَ اللهُ عَنْهُمُ الشِّدَّةَ، ثُمَّ عَادُوا إلَى الْكُفْرِ " فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ ؛ وذلك يومُ بدرٍ، ﴿إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾.
وهذا التأويلُ إنما يستقيمُ على قولِ ابن مسعودٍ فإنه كان يقولُ :(خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ : الدُّخَّانُ وَالرُّومُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ) وكان يذهبُ إلى أنَّ البطشةَ الكُبرَى هي التي أصابَتْهُم يومَ بدرٍ، وذلك أعظمُ من الجوعِ الذي أصابَهم بمكَّةَ.
وذهبَ بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ المرادَ بالدُّخان في هذه الآياتِ : الدخَّانُ الذي يُنْزِلهُ اللهُ تعالى عندَ قيامِ الساعة، ثم يغشَاهُم عذابٌ أليم بعدَ ذلك، كما رُوي عن مسروقٍ أنه قالَ :(إذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَزَلَ دُخَّانٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَخَذ بأَسْمَاعِ الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَأبْصَارهِمْ حَتَّى تَصِيرَ رُؤُوسُهُمْ كَالرَّأسِ الْحَنِيذِ، وَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنِينَ بمَنْزِلَةِ الزُّكَامِ).
فعلى هذا القولِ يكون معنى قولهِ تعالى :﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ أي مِن أين لَهم الذِّكرَى، أي مِن أين ينفعُهم إيمانُهم ﴿وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ في الوقتِ الذي كانوا مكلَّفين فيه ثُمَّ أعرَضُوا عن الإيمانِ به ﴿وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾ أي هو معلِّمٌ يعلِّمهُ الجنُّ، ويعترِضُون له. وَقِيْلَ : معناهُ : يعلِّمهُ بشَرٌ مجنونٌ بادِّعائهِ النبوَّةَ. ويكون معنى قولهِ :﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ أي عذابَ الدُّنيا بعد مجيءِ الرسولِ إلى وقت الدُّخان، فمَهَّلَهُم لكي يتُوبُوا، ولن يتُوبُوا.
والمرادُ بالبطشةِ الكُبرَى على هذا القولِ يومُ القيامةِ، وأما على القولِ الأوَّلِ فقولهُ :﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ أي التذكُّر والاتِّعاظُ، يقولُ : كيف يتذكَّرُون ويتِّعِظون، وحالُهم أنه قد جاءَهم رسولٌ مُبينٌ ظاهرُ الصِّدقِ والدلالة، ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ﴾ أي أعْرَضُوا ولَمْ يقبَلُوا قولَهُ.
وقولهُ تعالى :﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ يعني عذابَ الجوعِ ﴿قَلِيلاً﴾ أي زَمَاناً يَسِيراً، قال مقاتلُ :(يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ إنَّكُمْ عَائِدُونَ فِي كُفْرِكُمْ وَتَكْذِيبكُمْ) وفيه إعلامٌ أنَّهم لا يتَّعِظُون، وإنه إذا رُفِعَ عنهم العذابُ عادُوا إلى طُغيانِهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ أي واذكُرْ لَهم ذلك اليومَ، يعني يومَ بدرٍ.
الدخان 44:13
وقوله تعالى :﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَـاذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَّبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ * أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾ ؛ وذلك أنَّ الْمُشْرِكِينَ بَالَغُوا فِي إيْذاءِ النَّبيِّ ﷺ ويَئِسَ مِنْ إيْمَانِهِمْ بهِ ودعَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ :" اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرٍ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ ".
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَاتِ، فَأَخَذتْهُم السَّنَةُ حَتَّى أكَلُوا الْجِيَفَ وَالْكِلاَبَ وَالْعِظَامَ الْمُحَرَّقَةَ مِنَ الْجُوعِ، وَارْتَفَعَ الْقَطْرُ وَأجْدَبَتِ الأَرْضُ، وَكَانُواْ إذا نَظَرُواْ إلَى السَّمَاءِ رَأوا دُخَّاناً بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لِلظُّلْمَةِ الَّتِي غَشِيَتْ أعْيُنَهُمْ وأبْصَارَهُمْ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ. ويقال : يَبسَتِ الأرضُ وانقطعَ الغيثُ.
والمعنى : فانتظِرْ يا مُحَمَّدُ يومَ تأتِي السَّماءُ بدُخَانٍ مُبينٍ، " فَجَاءَ أبُو سُفْيَانَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدٌ جِئْتَ تَأْمُرُنَا بصِلَةِ الرَّحِمِ وَإنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُواْ، فَادْعُ اللهَ لَهُمْ، فَقَالَ ﷺ :" اللَّهُمَّ دَعَوْتُكَ فَأَجَبْتَنِي، وَسَأَلْتُكَ فَأَعْطََيْتَنِي، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثاً مُغِيْثاً مَرِيّاً مَرِيعاً طَبَقاً عَاجِلاً غَيْرَ آجِلٍ نَافِعاً غَيْرَ ضَارٍّ "، فَمَا بَرِحَ النَّبيُّ ﷺ حَتَّى أنْزَلَ اللهُ الْمَطَرَ.
وَجَاءَ النَّاسُ يَشْتَدُّونَ وَقَالُواْ : الْغَرَقُ الْغَرَقُ، فَقَرَأ رَسُولُ اللهِ ﷺ ﴿إنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾ فَكَشَفَ اللهُ عَنْهُمُ الشِّدَّةَ، ثُمَّ عَادُوا إلَى الْكُفْرِ " فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ ؛ وذلك يومُ بدرٍ، ﴿إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾.
وهذا التأويلُ إنما يستقيمُ على قولِ ابن مسعودٍ فإنه كان يقولُ :(خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ : الدُّخَّانُ وَالرُّومُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ) وكان يذهبُ إلى أنَّ البطشةَ الكُبرَى هي التي أصابَتْهُم يومَ بدرٍ، وذلك أعظمُ من الجوعِ الذي أصابَهم بمكَّةَ.
وذهبَ بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ المرادَ بالدُّخان في هذه الآياتِ : الدخَّانُ الذي يُنْزِلهُ اللهُ تعالى عندَ قيامِ الساعة، ثم يغشَاهُم عذابٌ أليم بعدَ ذلك، كما رُوي عن مسروقٍ أنه قالَ :(إذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَزَلَ دُخَّانٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَخَذ بأَسْمَاعِ الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَأبْصَارهِمْ حَتَّى تَصِيرَ رُؤُوسُهُمْ كَالرَّأسِ الْحَنِيذِ، وَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنِينَ بمَنْزِلَةِ الزُّكَامِ).
فعلى هذا القولِ يكون معنى قولهِ تعالى :﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ أي مِن أين لَهم الذِّكرَى، أي مِن أين ينفعُهم إيمانُهم ﴿وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ في الوقتِ الذي كانوا مكلَّفين فيه ثُمَّ أعرَضُوا عن الإيمانِ به ﴿وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾ أي هو معلِّمٌ يعلِّمهُ الجنُّ، ويعترِضُون له. وَقِيْلَ : معناهُ : يعلِّمهُ بشَرٌ مجنونٌ بادِّعائهِ النبوَّةَ. ويكون معنى قولهِ :﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ أي عذابَ الدُّنيا بعد مجيءِ الرسولِ إلى وقت الدُّخان، فمَهَّلَهُم لكي يتُوبُوا، ولن يتُوبُوا.
والمرادُ بالبطشةِ الكُبرَى على هذا القولِ يومُ القيامةِ، وأما على القولِ الأوَّلِ فقولهُ :﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ أي التذكُّر والاتِّعاظُ، يقولُ : كيف يتذكَّرُون ويتِّعِظون، وحالُهم أنه قد جاءَهم رسولٌ مُبينٌ ظاهرُ الصِّدقِ والدلالة، ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ﴾ أي أعْرَضُوا ولَمْ يقبَلُوا قولَهُ.
وقولهُ تعالى :﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ يعني عذابَ الجوعِ ﴿قَلِيلاً﴾ أي زَمَاناً يَسِيراً، قال مقاتلُ :(يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ إنَّكُمْ عَائِدُونَ فِي كُفْرِكُمْ وَتَكْذِيبكُمْ) وفيه إعلامٌ أنَّهم لا يتَّعِظُون، وإنه إذا رُفِعَ عنهم العذابُ عادُوا إلى طُغيانِهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ أي واذكُرْ لَهم ذلك اليومَ، يعني يومَ بدرٍ.
الدخان 44:14
وقوله تعالى :﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَـاذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَّبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ * أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾ ؛ وذلك أنَّ الْمُشْرِكِينَ بَالَغُوا فِي إيْذاءِ النَّبيِّ ﷺ ويَئِسَ مِنْ إيْمَانِهِمْ بهِ ودعَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ :" اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرٍ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ ".
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَاتِ، فَأَخَذتْهُم السَّنَةُ حَتَّى أكَلُوا الْجِيَفَ وَالْكِلاَبَ وَالْعِظَامَ الْمُحَرَّقَةَ مِنَ الْجُوعِ، وَارْتَفَعَ الْقَطْرُ وَأجْدَبَتِ الأَرْضُ، وَكَانُواْ إذا نَظَرُواْ إلَى السَّمَاءِ رَأوا دُخَّاناً بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لِلظُّلْمَةِ الَّتِي غَشِيَتْ أعْيُنَهُمْ وأبْصَارَهُمْ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ. ويقال : يَبسَتِ الأرضُ وانقطعَ الغيثُ.
والمعنى : فانتظِرْ يا مُحَمَّدُ يومَ تأتِي السَّماءُ بدُخَانٍ مُبينٍ، " فَجَاءَ أبُو سُفْيَانَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدٌ جِئْتَ تَأْمُرُنَا بصِلَةِ الرَّحِمِ وَإنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُواْ، فَادْعُ اللهَ لَهُمْ، فَقَالَ ﷺ :" اللَّهُمَّ دَعَوْتُكَ فَأَجَبْتَنِي، وَسَأَلْتُكَ فَأَعْطََيْتَنِي، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثاً مُغِيْثاً مَرِيّاً مَرِيعاً طَبَقاً عَاجِلاً غَيْرَ آجِلٍ نَافِعاً غَيْرَ ضَارٍّ "، فَمَا بَرِحَ النَّبيُّ ﷺ حَتَّى أنْزَلَ اللهُ الْمَطَرَ.
وَجَاءَ النَّاسُ يَشْتَدُّونَ وَقَالُواْ : الْغَرَقُ الْغَرَقُ، فَقَرَأ رَسُولُ اللهِ ﷺ ﴿إنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾ فَكَشَفَ اللهُ عَنْهُمُ الشِّدَّةَ، ثُمَّ عَادُوا إلَى الْكُفْرِ " فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ ؛ وذلك يومُ بدرٍ، ﴿إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾.
وهذا التأويلُ إنما يستقيمُ على قولِ ابن مسعودٍ فإنه كان يقولُ :(خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ : الدُّخَّانُ وَالرُّومُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ) وكان يذهبُ إلى أنَّ البطشةَ الكُبرَى هي التي أصابَتْهُم يومَ بدرٍ، وذلك أعظمُ من الجوعِ الذي أصابَهم بمكَّةَ.
وذهبَ بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ المرادَ بالدُّخان في هذه الآياتِ : الدخَّانُ الذي يُنْزِلهُ اللهُ تعالى عندَ قيامِ الساعة، ثم يغشَاهُم عذابٌ أليم بعدَ ذلك، كما رُوي عن مسروقٍ أنه قالَ :(إذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَزَلَ دُخَّانٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَخَذ بأَسْمَاعِ الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَأبْصَارهِمْ حَتَّى تَصِيرَ رُؤُوسُهُمْ كَالرَّأسِ الْحَنِيذِ، وَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنِينَ بمَنْزِلَةِ الزُّكَامِ).
فعلى هذا القولِ يكون معنى قولهِ تعالى :﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ أي مِن أين لَهم الذِّكرَى، أي مِن أين ينفعُهم إيمانُهم ﴿وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ في الوقتِ الذي كانوا مكلَّفين فيه ثُمَّ أعرَضُوا عن الإيمانِ به ﴿وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾ أي هو معلِّمٌ يعلِّمهُ الجنُّ، ويعترِضُون له. وَقِيْلَ : معناهُ : يعلِّمهُ بشَرٌ مجنونٌ بادِّعائهِ النبوَّةَ. ويكون معنى قولهِ :﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ أي عذابَ الدُّنيا بعد مجيءِ الرسولِ إلى وقت الدُّخان، فمَهَّلَهُم لكي يتُوبُوا، ولن يتُوبُوا.
والمرادُ بالبطشةِ الكُبرَى على هذا القولِ يومُ القيامةِ، وأما على القولِ الأوَّلِ فقولهُ :﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ أي التذكُّر والاتِّعاظُ، يقولُ : كيف يتذكَّرُون ويتِّعِظون، وحالُهم أنه قد جاءَهم رسولٌ مُبينٌ ظاهرُ الصِّدقِ والدلالة، ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ﴾ أي أعْرَضُوا ولَمْ يقبَلُوا قولَهُ.
وقولهُ تعالى :﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ يعني عذابَ الجوعِ ﴿قَلِيلاً﴾ أي زَمَاناً يَسِيراً، قال مقاتلُ :(يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ إنَّكُمْ عَائِدُونَ فِي كُفْرِكُمْ وَتَكْذِيبكُمْ) وفيه إعلامٌ أنَّهم لا يتَّعِظُون، وإنه إذا رُفِعَ عنهم العذابُ عادُوا إلى طُغيانِهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ أي واذكُرْ لَهم ذلك اليومَ، يعني يومَ بدرٍ.
الدخان 44:15
وقوله تعالى :﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَـاذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَّبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ * أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾ ؛ وذلك أنَّ الْمُشْرِكِينَ بَالَغُوا فِي إيْذاءِ النَّبيِّ ﷺ ويَئِسَ مِنْ إيْمَانِهِمْ بهِ ودعَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ :" اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرٍ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ ".
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَاتِ، فَأَخَذتْهُم السَّنَةُ حَتَّى أكَلُوا الْجِيَفَ وَالْكِلاَبَ وَالْعِظَامَ الْمُحَرَّقَةَ مِنَ الْجُوعِ، وَارْتَفَعَ الْقَطْرُ وَأجْدَبَتِ الأَرْضُ، وَكَانُواْ إذا نَظَرُواْ إلَى السَّمَاءِ رَأوا دُخَّاناً بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لِلظُّلْمَةِ الَّتِي غَشِيَتْ أعْيُنَهُمْ وأبْصَارَهُمْ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ. ويقال : يَبسَتِ الأرضُ وانقطعَ الغيثُ.
والمعنى : فانتظِرْ يا مُحَمَّدُ يومَ تأتِي السَّماءُ بدُخَانٍ مُبينٍ، " فَجَاءَ أبُو سُفْيَانَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدٌ جِئْتَ تَأْمُرُنَا بصِلَةِ الرَّحِمِ وَإنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُواْ، فَادْعُ اللهَ لَهُمْ، فَقَالَ ﷺ :" اللَّهُمَّ دَعَوْتُكَ فَأَجَبْتَنِي، وَسَأَلْتُكَ فَأَعْطََيْتَنِي، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثاً مُغِيْثاً مَرِيّاً مَرِيعاً طَبَقاً عَاجِلاً غَيْرَ آجِلٍ نَافِعاً غَيْرَ ضَارٍّ "، فَمَا بَرِحَ النَّبيُّ ﷺ حَتَّى أنْزَلَ اللهُ الْمَطَرَ.
وَجَاءَ النَّاسُ يَشْتَدُّونَ وَقَالُواْ : الْغَرَقُ الْغَرَقُ، فَقَرَأ رَسُولُ اللهِ ﷺ ﴿إنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾ فَكَشَفَ اللهُ عَنْهُمُ الشِّدَّةَ، ثُمَّ عَادُوا إلَى الْكُفْرِ " فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ ؛ وذلك يومُ بدرٍ، ﴿إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾.
وهذا التأويلُ إنما يستقيمُ على قولِ ابن مسعودٍ فإنه كان يقولُ :(خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ : الدُّخَّانُ وَالرُّومُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ) وكان يذهبُ إلى أنَّ البطشةَ الكُبرَى هي التي أصابَتْهُم يومَ بدرٍ، وذلك أعظمُ من الجوعِ الذي أصابَهم بمكَّةَ.
وذهبَ بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ المرادَ بالدُّخان في هذه الآياتِ : الدخَّانُ الذي يُنْزِلهُ اللهُ تعالى عندَ قيامِ الساعة، ثم يغشَاهُم عذابٌ أليم بعدَ ذلك، كما رُوي عن مسروقٍ أنه قالَ :(إذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَزَلَ دُخَّانٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَخَذ بأَسْمَاعِ الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَأبْصَارهِمْ حَتَّى تَصِيرَ رُؤُوسُهُمْ كَالرَّأسِ الْحَنِيذِ، وَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنِينَ بمَنْزِلَةِ الزُّكَامِ).
فعلى هذا القولِ يكون معنى قولهِ تعالى :﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ أي مِن أين لَهم الذِّكرَى، أي مِن أين ينفعُهم إيمانُهم ﴿وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ في الوقتِ الذي كانوا مكلَّفين فيه ثُمَّ أعرَضُوا عن الإيمانِ به ﴿وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾ أي هو معلِّمٌ يعلِّمهُ الجنُّ، ويعترِضُون له. وَقِيْلَ : معناهُ : يعلِّمهُ بشَرٌ مجنونٌ بادِّعائهِ النبوَّةَ. ويكون معنى قولهِ :﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ أي عذابَ الدُّنيا بعد مجيءِ الرسولِ إلى وقت الدُّخان، فمَهَّلَهُم لكي يتُوبُوا، ولن يتُوبُوا.
والمرادُ بالبطشةِ الكُبرَى على هذا القولِ يومُ القيامةِ، وأما على القولِ الأوَّلِ فقولهُ :﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ أي التذكُّر والاتِّعاظُ، يقولُ : كيف يتذكَّرُون ويتِّعِظون، وحالُهم أنه قد جاءَهم رسولٌ مُبينٌ ظاهرُ الصِّدقِ والدلالة، ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ﴾ أي أعْرَضُوا ولَمْ يقبَلُوا قولَهُ.
وقولهُ تعالى :﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ يعني عذابَ الجوعِ ﴿قَلِيلاً﴾ أي زَمَاناً يَسِيراً، قال مقاتلُ :(يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ إنَّكُمْ عَائِدُونَ فِي كُفْرِكُمْ وَتَكْذِيبكُمْ) وفيه إعلامٌ أنَّهم لا يتَّعِظُون، وإنه إذا رُفِعَ عنهم العذابُ عادُوا إلى طُغيانِهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ أي واذكُرْ لَهم ذلك اليومَ، يعني يومَ بدرٍ.
الدخان 44:16
وقوله تعالى :﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَـاذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَّبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ * أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾ ؛ وذلك أنَّ الْمُشْرِكِينَ بَالَغُوا فِي إيْذاءِ النَّبيِّ ﷺ ويَئِسَ مِنْ إيْمَانِهِمْ بهِ ودعَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ :" اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرٍ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ ".
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَاتِ، فَأَخَذتْهُم السَّنَةُ حَتَّى أكَلُوا الْجِيَفَ وَالْكِلاَبَ وَالْعِظَامَ الْمُحَرَّقَةَ مِنَ الْجُوعِ، وَارْتَفَعَ الْقَطْرُ وَأجْدَبَتِ الأَرْضُ، وَكَانُواْ إذا نَظَرُواْ إلَى السَّمَاءِ رَأوا دُخَّاناً بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لِلظُّلْمَةِ الَّتِي غَشِيَتْ أعْيُنَهُمْ وأبْصَارَهُمْ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ. ويقال : يَبسَتِ الأرضُ وانقطعَ الغيثُ.
والمعنى : فانتظِرْ يا مُحَمَّدُ يومَ تأتِي السَّماءُ بدُخَانٍ مُبينٍ، " فَجَاءَ أبُو سُفْيَانَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدٌ جِئْتَ تَأْمُرُنَا بصِلَةِ الرَّحِمِ وَإنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُواْ، فَادْعُ اللهَ لَهُمْ، فَقَالَ ﷺ :" اللَّهُمَّ دَعَوْتُكَ فَأَجَبْتَنِي، وَسَأَلْتُكَ فَأَعْطََيْتَنِي، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثاً مُغِيْثاً مَرِيّاً مَرِيعاً طَبَقاً عَاجِلاً غَيْرَ آجِلٍ نَافِعاً غَيْرَ ضَارٍّ "، فَمَا بَرِحَ النَّبيُّ ﷺ حَتَّى أنْزَلَ اللهُ الْمَطَرَ.
وَجَاءَ النَّاسُ يَشْتَدُّونَ وَقَالُواْ : الْغَرَقُ الْغَرَقُ، فَقَرَأ رَسُولُ اللهِ ﷺ ﴿إنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾ فَكَشَفَ اللهُ عَنْهُمُ الشِّدَّةَ، ثُمَّ عَادُوا إلَى الْكُفْرِ " فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ ؛ وذلك يومُ بدرٍ، ﴿إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾.
وهذا التأويلُ إنما يستقيمُ على قولِ ابن مسعودٍ فإنه كان يقولُ :(خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ : الدُّخَّانُ وَالرُّومُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ) وكان يذهبُ إلى أنَّ البطشةَ الكُبرَى هي التي أصابَتْهُم يومَ بدرٍ، وذلك أعظمُ من الجوعِ الذي أصابَهم بمكَّةَ.
وذهبَ بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ المرادَ بالدُّخان في هذه الآياتِ : الدخَّانُ الذي يُنْزِلهُ اللهُ تعالى عندَ قيامِ الساعة، ثم يغشَاهُم عذابٌ أليم بعدَ ذلك، كما رُوي عن مسروقٍ أنه قالَ :(إذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَزَلَ دُخَّانٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَخَذ بأَسْمَاعِ الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَأبْصَارهِمْ حَتَّى تَصِيرَ رُؤُوسُهُمْ كَالرَّأسِ الْحَنِيذِ، وَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنِينَ بمَنْزِلَةِ الزُّكَامِ).
فعلى هذا القولِ يكون معنى قولهِ تعالى :﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ أي مِن أين لَهم الذِّكرَى، أي مِن أين ينفعُهم إيمانُهم ﴿وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ في الوقتِ الذي كانوا مكلَّفين فيه ثُمَّ أعرَضُوا عن الإيمانِ به ﴿وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾ أي هو معلِّمٌ يعلِّمهُ الجنُّ، ويعترِضُون له. وَقِيْلَ : معناهُ : يعلِّمهُ بشَرٌ مجنونٌ بادِّعائهِ النبوَّةَ. ويكون معنى قولهِ :﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ أي عذابَ الدُّنيا بعد مجيءِ الرسولِ إلى وقت الدُّخان، فمَهَّلَهُم لكي يتُوبُوا، ولن يتُوبُوا.
والمرادُ بالبطشةِ الكُبرَى على هذا القولِ يومُ القيامةِ، وأما على القولِ الأوَّلِ فقولهُ :﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ أي التذكُّر والاتِّعاظُ، يقولُ : كيف يتذكَّرُون ويتِّعِظون، وحالُهم أنه قد جاءَهم رسولٌ مُبينٌ ظاهرُ الصِّدقِ والدلالة، ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ﴾ أي أعْرَضُوا ولَمْ يقبَلُوا قولَهُ.
وقولهُ تعالى :﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ يعني عذابَ الجوعِ ﴿قَلِيلاً﴾ أي زَمَاناً يَسِيراً، قال مقاتلُ :(يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ إنَّكُمْ عَائِدُونَ فِي كُفْرِكُمْ وَتَكْذِيبكُمْ) وفيه إعلامٌ أنَّهم لا يتَّعِظُون، وإنه إذا رُفِعَ عنهم العذابُ عادُوا إلى طُغيانِهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ أي واذكُرْ لَهم ذلك اليومَ، يعني يومَ بدرٍ.
الدخان 44:17
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ ؛ أي كلَّفنا قبلَ أهلِ مكَّة قومَ فرعونِ مِن الطاعَةِ ما اشتدَّ عليهم، ﴿وَجَآءَهُمْ﴾ ؛ موسَى، ﴿رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾، لا خلافَ على اللهِ تعالى.
الدخان 44:18
وقولهُ تعالى :﴿أَنْ أَدُّواْ إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ ؛ أي بأَنْ أدُّوا إلَيَّ بني إسرائيلَ، وهذا قولُ موسَى، يقولُ : أطلِقُوا بني إسرائيلَ من العذاب والتسخيرِ، فإنَّهم أحرارٌ، ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾ ؛ من اللهِ، ﴿أَمِينٌ﴾ ؛ على الرسالةِ، لستُ بخائنٍ ولا كذابٍ ولا كاتِمٍ مما أُوحِيَ إلَيَّّ، ﴿وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى اللَّهِ﴾ ؛ أي لا تتجبَّرُوا عليه بتركِ طاعته، ﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ بحجَّةٍ بَيِّنَةٍ ظاهرةٍ تدلُّ على صِدقِي.
فلمَّا قالَ موسى هذه المقالةَ توعَّدُوهُ بالقتلِ بالحجارةِ، فقال :﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ﴾، أي اعتصمتُ بخالقي وخالقكم من أن تقتلوني بالحجارة، ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ ؛ أي وإنْ لَم تصَدِّقونِ فاترُكونِي لا معِي ولا عليَّ، فلا أقلَّ مِن أن تَكُفُّوا شرَّكُم عنِّي.
فأَبَوا أن يقبَلُوا منه، ولم يؤمنوا به، ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـاؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾ ؛ أي مُشرِكون، ولم يَدْعُ إلاَّ بعد أنْ أُذِنَ له في الدُّعاء عليهم، فدعا عليهم.
قَالَ اللهُ تَعَالَى له :﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً﴾ ؛ حتى تَقْطَعَ بهمُ البحرَ، ﴿إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾ ؛ يتبعكم فرعونُ وقومهُ فيكون ذلك سَبباً لغَرقِهم، فسارَ موسَى بمَن معَهُ من بني إسرائيلَ حتى أتَى بهم البحرَ، فضربَهُ بعصاهُ بأمرِ الله تعالى فانفلَقَ ودخلَهُ أصحابهُ.
ثُم عطَفَ موسَى ليضرِبَ البحرَ بعصاهُ ليَلتَئِمَ ويخلطَ الطريقَ التي جعلَها اللهُ لبني إسرائيل حتى لا يعبُرَ فيها فرعونُ وقومه، فقيلَ له :﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً﴾ ؛ أي سَاكِناً مُنفَتِحاً على ما هو عليه حتى يدخلَهُ فرعونُ وجنوده، ﴿إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ﴾ ؛ في حُكمِ اللهِ تعالى.
قال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَى قَوْلِهِ اتْرُكْهُ رَهْواً ؛ أي اتْرُكْهُ طَرِيقاً). والرَّهْوُ : يكون بمعنى الفُرْجَةِ بين الشَّيئين، ونظرَ أعرابيٌّ إلى فَالِجٍ ؛ فقالَ : سُبحان اللهِ! رَهُوٌ بين سِنَامَين، فيكونُ المعنى على هذا : واترُكِ البحرَ ذا رَهْوٍ ؛ أي ذا فُرجَةٍ، وهي الطريقُ التي أظهرَها اللهُ تعالى في الماءِ.
الدخان 44:19
وقولهُ تعالى :﴿أَنْ أَدُّواْ إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ ؛ أي بأَنْ أدُّوا إلَيَّ بني إسرائيلَ، وهذا قولُ موسَى، يقولُ : أطلِقُوا بني إسرائيلَ من العذاب والتسخيرِ، فإنَّهم أحرارٌ، ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾ ؛ من اللهِ، ﴿أَمِينٌ﴾ ؛ على الرسالةِ، لستُ بخائنٍ ولا كذابٍ ولا كاتِمٍ مما أُوحِيَ إلَيَّّ، ﴿وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى اللَّهِ﴾ ؛ أي لا تتجبَّرُوا عليه بتركِ طاعته، ﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ بحجَّةٍ بَيِّنَةٍ ظاهرةٍ تدلُّ على صِدقِي.
فلمَّا قالَ موسى هذه المقالةَ توعَّدُوهُ بالقتلِ بالحجارةِ، فقال :﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ﴾، أي اعتصمتُ بخالقي وخالقكم من أن تقتلوني بالحجارة، ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ ؛ أي وإنْ لَم تصَدِّقونِ فاترُكونِي لا معِي ولا عليَّ، فلا أقلَّ مِن أن تَكُفُّوا شرَّكُم عنِّي.
فأَبَوا أن يقبَلُوا منه، ولم يؤمنوا به، ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـاؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾ ؛ أي مُشرِكون، ولم يَدْعُ إلاَّ بعد أنْ أُذِنَ له في الدُّعاء عليهم، فدعا عليهم.
قَالَ اللهُ تَعَالَى له :﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً﴾ ؛ حتى تَقْطَعَ بهمُ البحرَ، ﴿إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾ ؛ يتبعكم فرعونُ وقومهُ فيكون ذلك سَبباً لغَرقِهم، فسارَ موسَى بمَن معَهُ من بني إسرائيلَ حتى أتَى بهم البحرَ، فضربَهُ بعصاهُ بأمرِ الله تعالى فانفلَقَ ودخلَهُ أصحابهُ.
ثُم عطَفَ موسَى ليضرِبَ البحرَ بعصاهُ ليَلتَئِمَ ويخلطَ الطريقَ التي جعلَها اللهُ لبني إسرائيل حتى لا يعبُرَ فيها فرعونُ وقومه، فقيلَ له :﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً﴾ ؛ أي سَاكِناً مُنفَتِحاً على ما هو عليه حتى يدخلَهُ فرعونُ وجنوده، ﴿إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ﴾ ؛ في حُكمِ اللهِ تعالى.
قال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَى قَوْلِهِ اتْرُكْهُ رَهْواً ؛ أي اتْرُكْهُ طَرِيقاً). والرَّهْوُ : يكون بمعنى الفُرْجَةِ بين الشَّيئين، ونظرَ أعرابيٌّ إلى فَالِجٍ ؛ فقالَ : سُبحان اللهِ! رَهُوٌ بين سِنَامَين، فيكونُ المعنى على هذا : واترُكِ البحرَ ذا رَهْوٍ ؛ أي ذا فُرجَةٍ، وهي الطريقُ التي أظهرَها اللهُ تعالى في الماءِ.
الدخان 44:20
وقولهُ تعالى :﴿أَنْ أَدُّواْ إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ ؛ أي بأَنْ أدُّوا إلَيَّ بني إسرائيلَ، وهذا قولُ موسَى، يقولُ : أطلِقُوا بني إسرائيلَ من العذاب والتسخيرِ، فإنَّهم أحرارٌ، ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾ ؛ من اللهِ، ﴿أَمِينٌ﴾ ؛ على الرسالةِ، لستُ بخائنٍ ولا كذابٍ ولا كاتِمٍ مما أُوحِيَ إلَيَّّ، ﴿وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى اللَّهِ﴾ ؛ أي لا تتجبَّرُوا عليه بتركِ طاعته، ﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ بحجَّةٍ بَيِّنَةٍ ظاهرةٍ تدلُّ على صِدقِي.
فلمَّا قالَ موسى هذه المقالةَ توعَّدُوهُ بالقتلِ بالحجارةِ، فقال :﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ﴾، أي اعتصمتُ بخالقي وخالقكم من أن تقتلوني بالحجارة، ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ ؛ أي وإنْ لَم تصَدِّقونِ فاترُكونِي لا معِي ولا عليَّ، فلا أقلَّ مِن أن تَكُفُّوا شرَّكُم عنِّي.
فأَبَوا أن يقبَلُوا منه، ولم يؤمنوا به، ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـاؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾ ؛ أي مُشرِكون، ولم يَدْعُ إلاَّ بعد أنْ أُذِنَ له في الدُّعاء عليهم، فدعا عليهم.
قَالَ اللهُ تَعَالَى له :﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً﴾ ؛ حتى تَقْطَعَ بهمُ البحرَ، ﴿إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾ ؛ يتبعكم فرعونُ وقومهُ فيكون ذلك سَبباً لغَرقِهم، فسارَ موسَى بمَن معَهُ من بني إسرائيلَ حتى أتَى بهم البحرَ، فضربَهُ بعصاهُ بأمرِ الله تعالى فانفلَقَ ودخلَهُ أصحابهُ.
ثُم عطَفَ موسَى ليضرِبَ البحرَ بعصاهُ ليَلتَئِمَ ويخلطَ الطريقَ التي جعلَها اللهُ لبني إسرائيل حتى لا يعبُرَ فيها فرعونُ وقومه، فقيلَ له :﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً﴾ ؛ أي سَاكِناً مُنفَتِحاً على ما هو عليه حتى يدخلَهُ فرعونُ وجنوده، ﴿إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ﴾ ؛ في حُكمِ اللهِ تعالى.
قال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَى قَوْلِهِ اتْرُكْهُ رَهْواً ؛ أي اتْرُكْهُ طَرِيقاً). والرَّهْوُ : يكون بمعنى الفُرْجَةِ بين الشَّيئين، ونظرَ أعرابيٌّ إلى فَالِجٍ ؛ فقالَ : سُبحان اللهِ! رَهُوٌ بين سِنَامَين، فيكونُ المعنى على هذا : واترُكِ البحرَ ذا رَهْوٍ ؛ أي ذا فُرجَةٍ، وهي الطريقُ التي أظهرَها اللهُ تعالى في الماءِ.
الدخان 44:21
وقولهُ تعالى :﴿أَنْ أَدُّواْ إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ ؛ أي بأَنْ أدُّوا إلَيَّ بني إسرائيلَ، وهذا قولُ موسَى، يقولُ : أطلِقُوا بني إسرائيلَ من العذاب والتسخيرِ، فإنَّهم أحرارٌ، ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾ ؛ من اللهِ، ﴿أَمِينٌ﴾ ؛ على الرسالةِ، لستُ بخائنٍ ولا كذابٍ ولا كاتِمٍ مما أُوحِيَ إلَيَّّ، ﴿وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى اللَّهِ﴾ ؛ أي لا تتجبَّرُوا عليه بتركِ طاعته، ﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ بحجَّةٍ بَيِّنَةٍ ظاهرةٍ تدلُّ على صِدقِي.
فلمَّا قالَ موسى هذه المقالةَ توعَّدُوهُ بالقتلِ بالحجارةِ، فقال :﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ﴾، أي اعتصمتُ بخالقي وخالقكم من أن تقتلوني بالحجارة، ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ ؛ أي وإنْ لَم تصَدِّقونِ فاترُكونِي لا معِي ولا عليَّ، فلا أقلَّ مِن أن تَكُفُّوا شرَّكُم عنِّي.
فأَبَوا أن يقبَلُوا منه، ولم يؤمنوا به، ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـاؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾ ؛ أي مُشرِكون، ولم يَدْعُ إلاَّ بعد أنْ أُذِنَ له في الدُّعاء عليهم، فدعا عليهم.
قَالَ اللهُ تَعَالَى له :﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً﴾ ؛ حتى تَقْطَعَ بهمُ البحرَ، ﴿إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾ ؛ يتبعكم فرعونُ وقومهُ فيكون ذلك سَبباً لغَرقِهم، فسارَ موسَى بمَن معَهُ من بني إسرائيلَ حتى أتَى بهم البحرَ، فضربَهُ بعصاهُ بأمرِ الله تعالى فانفلَقَ ودخلَهُ أصحابهُ.
ثُم عطَفَ موسَى ليضرِبَ البحرَ بعصاهُ ليَلتَئِمَ ويخلطَ الطريقَ التي جعلَها اللهُ لبني إسرائيل حتى لا يعبُرَ فيها فرعونُ وقومه، فقيلَ له :﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً﴾ ؛ أي سَاكِناً مُنفَتِحاً على ما هو عليه حتى يدخلَهُ فرعونُ وجنوده، ﴿إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ﴾ ؛ في حُكمِ اللهِ تعالى.
قال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَى قَوْلِهِ اتْرُكْهُ رَهْواً ؛ أي اتْرُكْهُ طَرِيقاً). والرَّهْوُ : يكون بمعنى الفُرْجَةِ بين الشَّيئين، ونظرَ أعرابيٌّ إلى فَالِجٍ ؛ فقالَ : سُبحان اللهِ! رَهُوٌ بين سِنَامَين، فيكونُ المعنى على هذا : واترُكِ البحرَ ذا رَهْوٍ ؛ أي ذا فُرجَةٍ، وهي الطريقُ التي أظهرَها اللهُ تعالى في الماءِ.
الدخان 44:22
وقولهُ تعالى :﴿أَنْ أَدُّواْ إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ ؛ أي بأَنْ أدُّوا إلَيَّ بني إسرائيلَ، وهذا قولُ موسَى، يقولُ : أطلِقُوا بني إسرائيلَ من العذاب والتسخيرِ، فإنَّهم أحرارٌ، ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾ ؛ من اللهِ، ﴿أَمِينٌ﴾ ؛ على الرسالةِ، لستُ بخائنٍ ولا كذابٍ ولا كاتِمٍ مما أُوحِيَ إلَيَّّ، ﴿وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى اللَّهِ﴾ ؛ أي لا تتجبَّرُوا عليه بتركِ طاعته، ﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ بحجَّةٍ بَيِّنَةٍ ظاهرةٍ تدلُّ على صِدقِي.
فلمَّا قالَ موسى هذه المقالةَ توعَّدُوهُ بالقتلِ بالحجارةِ، فقال :﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ﴾، أي اعتصمتُ بخالقي وخالقكم من أن تقتلوني بالحجارة، ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ ؛ أي وإنْ لَم تصَدِّقونِ فاترُكونِي لا معِي ولا عليَّ، فلا أقلَّ مِن أن تَكُفُّوا شرَّكُم عنِّي.
فأَبَوا أن يقبَلُوا منه، ولم يؤمنوا به، ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـاؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾ ؛ أي مُشرِكون، ولم يَدْعُ إلاَّ بعد أنْ أُذِنَ له في الدُّعاء عليهم، فدعا عليهم.
قَالَ اللهُ تَعَالَى له :﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً﴾ ؛ حتى تَقْطَعَ بهمُ البحرَ، ﴿إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾ ؛ يتبعكم فرعونُ وقومهُ فيكون ذلك سَبباً لغَرقِهم، فسارَ موسَى بمَن معَهُ من بني إسرائيلَ حتى أتَى بهم البحرَ، فضربَهُ بعصاهُ بأمرِ الله تعالى فانفلَقَ ودخلَهُ أصحابهُ.
ثُم عطَفَ موسَى ليضرِبَ البحرَ بعصاهُ ليَلتَئِمَ ويخلطَ الطريقَ التي جعلَها اللهُ لبني إسرائيل حتى لا يعبُرَ فيها فرعونُ وقومه، فقيلَ له :﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً﴾ ؛ أي سَاكِناً مُنفَتِحاً على ما هو عليه حتى يدخلَهُ فرعونُ وجنوده، ﴿إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ﴾ ؛ في حُكمِ اللهِ تعالى.
قال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَى قَوْلِهِ اتْرُكْهُ رَهْواً ؛ أي اتْرُكْهُ طَرِيقاً). والرَّهْوُ : يكون بمعنى الفُرْجَةِ بين الشَّيئين، ونظرَ أعرابيٌّ إلى فَالِجٍ ؛ فقالَ : سُبحان اللهِ! رَهُوٌ بين سِنَامَين، فيكونُ المعنى على هذا : واترُكِ البحرَ ذا رَهْوٍ ؛ أي ذا فُرجَةٍ، وهي الطريقُ التي أظهرَها اللهُ تعالى في الماءِ.
الدخان 44:23
وقولهُ تعالى :﴿أَنْ أَدُّواْ إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ ؛ أي بأَنْ أدُّوا إلَيَّ بني إسرائيلَ، وهذا قولُ موسَى، يقولُ : أطلِقُوا بني إسرائيلَ من العذاب والتسخيرِ، فإنَّهم أحرارٌ، ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾ ؛ من اللهِ، ﴿أَمِينٌ﴾ ؛ على الرسالةِ، لستُ بخائنٍ ولا كذابٍ ولا كاتِمٍ مما أُوحِيَ إلَيَّّ، ﴿وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى اللَّهِ﴾ ؛ أي لا تتجبَّرُوا عليه بتركِ طاعته، ﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ بحجَّةٍ بَيِّنَةٍ ظاهرةٍ تدلُّ على صِدقِي.
فلمَّا قالَ موسى هذه المقالةَ توعَّدُوهُ بالقتلِ بالحجارةِ، فقال :﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ﴾، أي اعتصمتُ بخالقي وخالقكم من أن تقتلوني بالحجارة، ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ ؛ أي وإنْ لَم تصَدِّقونِ فاترُكونِي لا معِي ولا عليَّ، فلا أقلَّ مِن أن تَكُفُّوا شرَّكُم عنِّي.
فأَبَوا أن يقبَلُوا منه، ولم يؤمنوا به، ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـاؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾ ؛ أي مُشرِكون، ولم يَدْعُ إلاَّ بعد أنْ أُذِنَ له في الدُّعاء عليهم، فدعا عليهم.
قَالَ اللهُ تَعَالَى له :﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً﴾ ؛ حتى تَقْطَعَ بهمُ البحرَ، ﴿إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾ ؛ يتبعكم فرعونُ وقومهُ فيكون ذلك سَبباً لغَرقِهم، فسارَ موسَى بمَن معَهُ من بني إسرائيلَ حتى أتَى بهم البحرَ، فضربَهُ بعصاهُ بأمرِ الله تعالى فانفلَقَ ودخلَهُ أصحابهُ.
ثُم عطَفَ موسَى ليضرِبَ البحرَ بعصاهُ ليَلتَئِمَ ويخلطَ الطريقَ التي جعلَها اللهُ لبني إسرائيل حتى لا يعبُرَ فيها فرعونُ وقومه، فقيلَ له :﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً﴾ ؛ أي سَاكِناً مُنفَتِحاً على ما هو عليه حتى يدخلَهُ فرعونُ وجنوده، ﴿إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ﴾ ؛ في حُكمِ اللهِ تعالى.
قال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَى قَوْلِهِ اتْرُكْهُ رَهْواً ؛ أي اتْرُكْهُ طَرِيقاً). والرَّهْوُ : يكون بمعنى الفُرْجَةِ بين الشَّيئين، ونظرَ أعرابيٌّ إلى فَالِجٍ ؛ فقالَ : سُبحان اللهِ! رَهُوٌ بين سِنَامَين، فيكونُ المعنى على هذا : واترُكِ البحرَ ذا رَهْوٍ ؛ أي ذا فُرجَةٍ، وهي الطريقُ التي أظهرَها اللهُ تعالى في الماءِ.
الدخان 44:24
وقولهُ تعالى :﴿أَنْ أَدُّواْ إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ ؛ أي بأَنْ أدُّوا إلَيَّ بني إسرائيلَ، وهذا قولُ موسَى، يقولُ : أطلِقُوا بني إسرائيلَ من العذاب والتسخيرِ، فإنَّهم أحرارٌ، ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾ ؛ من اللهِ، ﴿أَمِينٌ﴾ ؛ على الرسالةِ، لستُ بخائنٍ ولا كذابٍ ولا كاتِمٍ مما أُوحِيَ إلَيَّّ، ﴿وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى اللَّهِ﴾ ؛ أي لا تتجبَّرُوا عليه بتركِ طاعته، ﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ بحجَّةٍ بَيِّنَةٍ ظاهرةٍ تدلُّ على صِدقِي.
فلمَّا قالَ موسى هذه المقالةَ توعَّدُوهُ بالقتلِ بالحجارةِ، فقال :﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ﴾، أي اعتصمتُ بخالقي وخالقكم من أن تقتلوني بالحجارة، ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ ؛ أي وإنْ لَم تصَدِّقونِ فاترُكونِي لا معِي ولا عليَّ، فلا أقلَّ مِن أن تَكُفُّوا شرَّكُم عنِّي.
فأَبَوا أن يقبَلُوا منه، ولم يؤمنوا به، ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـاؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾ ؛ أي مُشرِكون، ولم يَدْعُ إلاَّ بعد أنْ أُذِنَ له في الدُّعاء عليهم، فدعا عليهم.
قَالَ اللهُ تَعَالَى له :﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً﴾ ؛ حتى تَقْطَعَ بهمُ البحرَ، ﴿إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾ ؛ يتبعكم فرعونُ وقومهُ فيكون ذلك سَبباً لغَرقِهم، فسارَ موسَى بمَن معَهُ من بني إسرائيلَ حتى أتَى بهم البحرَ، فضربَهُ بعصاهُ بأمرِ الله تعالى فانفلَقَ ودخلَهُ أصحابهُ.
ثُم عطَفَ موسَى ليضرِبَ البحرَ بعصاهُ ليَلتَئِمَ ويخلطَ الطريقَ التي جعلَها اللهُ لبني إسرائيل حتى لا يعبُرَ فيها فرعونُ وقومه، فقيلَ له :﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً﴾ ؛ أي سَاكِناً مُنفَتِحاً على ما هو عليه حتى يدخلَهُ فرعونُ وجنوده، ﴿إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ﴾ ؛ في حُكمِ اللهِ تعالى.
قال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَى قَوْلِهِ اتْرُكْهُ رَهْواً ؛ أي اتْرُكْهُ طَرِيقاً). والرَّهْوُ : يكون بمعنى الفُرْجَةِ بين الشَّيئين، ونظرَ أعرابيٌّ إلى فَالِجٍ ؛ فقالَ : سُبحان اللهِ! رَهُوٌ بين سِنَامَين، فيكونُ المعنى على هذا : واترُكِ البحرَ ذا رَهْوٍ ؛ أي ذا فُرجَةٍ، وهي الطريقُ التي أظهرَها اللهُ تعالى في الماءِ.
الدخان 44:25
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ أي كَم ترَكَ فرعونُ وقومه بعدَ الغرقِ من بسَاتين عامرةٍ بليغةِ الأشجار، وعيونٍ ظَاهرةٍ عَذْبَةٍ فيها زرعٌ ومساكن شريفةٌ حسَنةٌ، ﴿وَنَعْمَةٍ﴾ ؛ أي وعيشٍ ليِّنٍ، ﴿كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ ؛ أي نَاعِمينَ متعجِّبين، ﴿كَذَلِكَ﴾ ؛ كانت حالُهم. وَقِيْلَ : كذلك أفعَلُ بمَن عصَانِي، ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾ ؛ وأورثنا ما تركوهُ، ﴿قَوْماً آخَرِينَ﴾ ؛ وهم بنو إسرائيل، رجَعُوا بعدَ هلاكِ فرعون إلى مصرَ فصارت أموالُ قومِ فرعون ونَعيمُهم لهم من غيرِ كُلفَةٍ ولا مشقَّةٍ، كالميراثِ الذي ينقلُ من المورثِ إلى الوارثِ من غير مشقَّةٍ تلحقُ الوارثَ، وهذا من غايةِ إنعامِ الله على بني إسرائيل.
الدخان 44:26
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ أي كَم ترَكَ فرعونُ وقومه بعدَ الغرقِ من بسَاتين عامرةٍ بليغةِ الأشجار، وعيونٍ ظَاهرةٍ عَذْبَةٍ فيها زرعٌ ومساكن شريفةٌ حسَنةٌ، ﴿وَنَعْمَةٍ﴾ ؛ أي وعيشٍ ليِّنٍ، ﴿كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ ؛ أي نَاعِمينَ متعجِّبين، ﴿كَذَلِكَ﴾ ؛ كانت حالُهم. وَقِيْلَ : كذلك أفعَلُ بمَن عصَانِي، ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾ ؛ وأورثنا ما تركوهُ، ﴿قَوْماً آخَرِينَ﴾ ؛ وهم بنو إسرائيل، رجَعُوا بعدَ هلاكِ فرعون إلى مصرَ فصارت أموالُ قومِ فرعون ونَعيمُهم لهم من غيرِ كُلفَةٍ ولا مشقَّةٍ، كالميراثِ الذي ينقلُ من المورثِ إلى الوارثِ من غير مشقَّةٍ تلحقُ الوارثَ، وهذا من غايةِ إنعامِ الله على بني إسرائيل.
الدخان 44:27
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ أي كَم ترَكَ فرعونُ وقومه بعدَ الغرقِ من بسَاتين عامرةٍ بليغةِ الأشجار، وعيونٍ ظَاهرةٍ عَذْبَةٍ فيها زرعٌ ومساكن شريفةٌ حسَنةٌ، ﴿وَنَعْمَةٍ﴾ ؛ أي وعيشٍ ليِّنٍ، ﴿كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ ؛ أي نَاعِمينَ متعجِّبين، ﴿كَذَلِكَ﴾ ؛ كانت حالُهم. وَقِيْلَ : كذلك أفعَلُ بمَن عصَانِي، ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾ ؛ وأورثنا ما تركوهُ، ﴿قَوْماً آخَرِينَ﴾ ؛ وهم بنو إسرائيل، رجَعُوا بعدَ هلاكِ فرعون إلى مصرَ فصارت أموالُ قومِ فرعون ونَعيمُهم لهم من غيرِ كُلفَةٍ ولا مشقَّةٍ، كالميراثِ الذي ينقلُ من المورثِ إلى الوارثِ من غير مشقَّةٍ تلحقُ الوارثَ، وهذا من غايةِ إنعامِ الله على بني إسرائيل.
الدخان 44:28
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ أي كَم ترَكَ فرعونُ وقومه بعدَ الغرقِ من بسَاتين عامرةٍ بليغةِ الأشجار، وعيونٍ ظَاهرةٍ عَذْبَةٍ فيها زرعٌ ومساكن شريفةٌ حسَنةٌ، ﴿وَنَعْمَةٍ﴾ ؛ أي وعيشٍ ليِّنٍ، ﴿كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ ؛ أي نَاعِمينَ متعجِّبين، ﴿كَذَلِكَ﴾ ؛ كانت حالُهم. وَقِيْلَ : كذلك أفعَلُ بمَن عصَانِي، ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾ ؛ وأورثنا ما تركوهُ، ﴿قَوْماً آخَرِينَ﴾ ؛ وهم بنو إسرائيل، رجَعُوا بعدَ هلاكِ فرعون إلى مصرَ فصارت أموالُ قومِ فرعون ونَعيمُهم لهم من غيرِ كُلفَةٍ ولا مشقَّةٍ، كالميراثِ الذي ينقلُ من المورثِ إلى الوارثِ من غير مشقَّةٍ تلحقُ الوارثَ، وهذا من غايةِ إنعامِ الله على بني إسرائيل.
الدخان 44:29
قوله :﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَآءُ وَالأَرْضُ﴾ ؛ أي ما بَكَتْ على فرعونَ وقومه ؛ أي كانوا أهْوَنَ من أن يَبكِي عليهم أحدٌ من أهلِ السَّماء والأرضِ، إنَّهم كانوا في مقامِ الجدي.
قال ﷺ :" مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إلاَّ وَلَهُ فِي السَّمَاءِ بَابَان : بَابٌ يَصْعَدُ فِيْهِ عَمَلُهُ، وَبَابٌ يَنْزِلُ فِيْهِ رزْقُهُ، فَإذا مَاتَ بَكَيَا عَلَيْهِ، وَكَذلِكَ مُصَلاَّهُ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيْهِ مِنَ الأَرْضِ " فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَآءُ وَالأَرْضُ﴾. وعن مجاهدٍ أنه قالَ :(إذا مَاتَ الْمُؤْمِنُ بَكَتْ عَلَيْهِ الأَرْضُ أرْبَعِينَ يَوْماً صَبَاحاً). وعن السديِّ قالَ :(لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ رضي الله عنه بَكَتِ السَّمَاءُ عَلَيْهِ، وَبُكَاؤُهَا حُمْرَةُ أطْرَافِهَا).
والمعنى على هذا : لَمْ يكن لفرعونَ وقومه موضعُ طاعةٍ في الأرضِ ولا مصاعِدُ طاعاتٍ في السَّماء فتفقِدَهم وتبكِي عليهم، بخلافِ المؤمنين. وقولهُ تعالى :﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾ ؛ أي لَمْ يُنظَروا ولم يُمهَلُوا حين أخذهم العذابُ لتوبةٍ ولا لغيرِها.
الدخان 44:30
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ ؛ أي خلَّصنَاهُم مما كان فرعونُ يفعلُ بهم من ذبحِ الأبناء واستحياءِ النِّساء واستعمالِهم في الأمُور الشاقَّة. وقولهُ تعالى :﴿مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً﴾ ؛ أي متَكبراً ؛ ﴿مِّنَ الْمُسْرِفِينَ﴾، من الْمُتَجَاوزينَ عن الحدِّ حتى ادَّعَى الإلهيَّة.
الدخان 44:31
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ ؛ أي خلَّصنَاهُم مما كان فرعونُ يفعلُ بهم من ذبحِ الأبناء واستحياءِ النِّساء واستعمالِهم في الأمُور الشاقَّة. وقولهُ تعالى :﴿مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً﴾ ؛ أي متَكبراً ؛ ﴿مِّنَ الْمُسْرِفِينَ﴾، من الْمُتَجَاوزينَ عن الحدِّ حتى ادَّعَى الإلهيَّة.
الدخان 44:32
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ؛ أي اختَرنا بني إسرائيلَ بكَثرَةِ الأنبياءِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ فيهم على عالَمي زمانِهم، ﴿وَآتَيْنَاهُم مِّنَ الآيَاتِ﴾ ؛ من فَلْقِ البحرِ وتظليلِ الغَمامِ وإنزال الْمَنِّ والسَّلوَى وغيرِ ذلك، ﴿مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ أي نعمةٌ ظاهرة.
الدخان 44:33
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ؛ أي اختَرنا بني إسرائيلَ بكَثرَةِ الأنبياءِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ فيهم على عالَمي زمانِهم، ﴿وَآتَيْنَاهُم مِّنَ الآيَاتِ﴾ ؛ من فَلْقِ البحرِ وتظليلِ الغَمامِ وإنزال الْمَنِّ والسَّلوَى وغيرِ ذلك، ﴿مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ أي نعمةٌ ظاهرة.
الدخان 44:34
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ هَـاؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأُوْلَى﴾ ؛ راجعٌ إلى ذكرِ كفَّار مكَّة يقولون : ما الْمَوْتَةُ نَموتُها في الأُولى ثم لا نُبعَثُ بعدَها، ومعنى قولهِ :﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ ؛ أي بمبعُوثِينَ، وهذا ذمٌّ لهم على الجهلِ.
الدخان 44:35
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ هَـاؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأُوْلَى﴾ ؛ راجعٌ إلى ذكرِ كفَّار مكَّة يقولون : ما الْمَوْتَةُ نَموتُها في الأُولى ثم لا نُبعَثُ بعدَها، ومعنى قولهِ :﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ ؛ أي بمبعُوثِينَ، وهذا ذمٌّ لهم على الجهلِ.
الدخان 44:36
وقوله تعالى :﴿فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ؛ أي قالوا فَأحْيي يا محمد آباءَنا الذين ماتوا حتى نسألَهم : أحقٌّ ما تقولُ أم باطلٌ ؟ ورُوي أنَّهم كانوا يقولون : إنْ كان ما تقولهُ فَأْتِ بقُصَيِّ بن كلابٍ ليُخبرَنا عنكَ، فإنه كان صَدُوقاً فيما بيننا.
الدخان 44:37
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ ؛ خوَّفَهم اللهُ تعالى مثلَ عذاب الأُمم الخاليةِ، فقال :(أهُمْ خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ) أي ليسوا خَيراً منهم، يعني أقوَى وأشدَّ وأكثرَ، والمعنى أهُمْ خيرٌ في القدرةِ والقوَّةِ والمالِ، أمْ قومُ مَلِكِ اليمَنِ ﴿وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾.
وخصَّ مَلِكَ اليمنِ بالذِّكرِ لأنه كان أقربَ إلى زمانِهم. وتُبَّعُ اسمٌ لكلِّ مَن كان من مُلوكِ اليمنِ، كما أنَّ فرعونَ اسمُ ملكِ مصرَ، وقيصرَ اسمُ ملكِ الروم، وكسرَى اسم ملك العجَمِ. وإنما سُمِّي ملكُ اليمنِ بهذا الاسمِ لكثرة تَبَعِهِ.
وجاءَ في التفسيرِ : أنَّ ملكَ اليمنِ الذي كان أقربَ إلى زمانِهم كان مُؤمناً، وكان اسمهُ أسعَدُ بنُ مَلكي كرب، وكان قومهُ كُفَّاراً. ورُوي عن عائشةَ أنَّها قالت :(كَانَ تُبَّعُ رَجُلاً صَالِحاً، ألاَ تَرَى أنَّ اللهَ تَعَالَى ذمَّ قَوْمَهُ وَلَمْ يَذِمَّهُ). ورُوي :(أنَّهُ وُجِدَ مَكتُوباً عَلَى قَبْرَينِ بنَاحِيَةِ حِمْيَرَ : هَذانِ قَبْرَا رَضْوَى وَحَصْيَا ابْنَيْ تُبَّعٍ مَاتَا لاَ يُشْرِكَانِ باللهِ شَيْئاً).
الدخان 44:38
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـاعِبِينَ﴾ ؛ أي لَمْ نخلِقْهُما عابثين، ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ ؛ أي للحَقِّ ؛ أي للثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، ﴿وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ ؛ أكثر المشركين، ﴿لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
الدخان 44:39
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـاعِبِينَ﴾ ؛ أي لَمْ نخلِقْهُما عابثين، ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ ؛ أي للحَقِّ ؛ أي للثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، ﴿وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ ؛ أكثر المشركين، ﴿لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
الدخان 44:40
وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ؛ معناهُ : إنَّ يومَ الفَصْلِ بين الخلائقِ ميعادُهم أجمعين، يُوافِي يومَ القيامةِ الأوَّلُون والآخِرون.
ثم نَعَتَ ذلك اليومَ فقال تعالى :﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً﴾ ؛ أي يومَ لا ينفعُ فيه صديقٌ صديقاً ولا قريبٌ قريباً، ﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ ؛ أي ولا يُمنَعُونَ من عذاب الله، ﴿إِلاَّ مَن رَّحِمَ اللَّهُ﴾ ؛ وهم المؤمنون، فإنه يَشْفَعُ بعضُهم لبعضٍ، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" وَإنَّ الرَّجُلَ مِنْ أُمَتِّي لَيَشْفَعُ لأَكْثَرَ مِنْ رَبيعَةَ وَمُضَرَ " ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ﴾ ؛ في انتقامهِ من أعدائهِ، ﴿الرَّحِيمُ﴾ ؛ بالمؤمِنين.
الدخان 44:41
وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ؛ معناهُ : إنَّ يومَ الفَصْلِ بين الخلائقِ ميعادُهم أجمعين، يُوافِي يومَ القيامةِ الأوَّلُون والآخِرون.
ثم نَعَتَ ذلك اليومَ فقال تعالى :﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً﴾ ؛ أي يومَ لا ينفعُ فيه صديقٌ صديقاً ولا قريبٌ قريباً، ﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ ؛ أي ولا يُمنَعُونَ من عذاب الله، ﴿إِلاَّ مَن رَّحِمَ اللَّهُ﴾ ؛ وهم المؤمنون، فإنه يَشْفَعُ بعضُهم لبعضٍ، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" وَإنَّ الرَّجُلَ مِنْ أُمَتِّي لَيَشْفَعُ لأَكْثَرَ مِنْ رَبيعَةَ وَمُضَرَ " ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ﴾ ؛ في انتقامهِ من أعدائهِ، ﴿الرَّحِيمُ﴾ ؛ بالمؤمِنين.
الدخان 44:42
وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ؛ معناهُ : إنَّ يومَ الفَصْلِ بين الخلائقِ ميعادُهم أجمعين، يُوافِي يومَ القيامةِ الأوَّلُون والآخِرون.
ثم نَعَتَ ذلك اليومَ فقال تعالى :﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً﴾ ؛ أي يومَ لا ينفعُ فيه صديقٌ صديقاً ولا قريبٌ قريباً، ﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ ؛ أي ولا يُمنَعُونَ من عذاب الله، ﴿إِلاَّ مَن رَّحِمَ اللَّهُ﴾ ؛ وهم المؤمنون، فإنه يَشْفَعُ بعضُهم لبعضٍ، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" وَإنَّ الرَّجُلَ مِنْ أُمَتِّي لَيَشْفَعُ لأَكْثَرَ مِنْ رَبيعَةَ وَمُضَرَ " ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ﴾ ؛ في انتقامهِ من أعدائهِ، ﴿الرَّحِيمُ﴾ ؛ بالمؤمِنين.
الدخان 44:43
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرُ شجرةِ الزقُّوم، والأثِيمُ ذو الإثْمِ وهو أبُو جهلٍ، قال أهلُ اللغة : الأثِيمُ كثيرُ الإثمِ، وعن ابنِ مسعود :(أنَّهُ كَانَ يُلَقِّنُ رَجُلاً :(إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُومِ طَعَامُ الأَثِيمِ) فَكَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ : طَعَامُ الْيَتِيمِ! فَقَالَ لَهُ : قُلْ : طَعَامُ الْفَاجِرِ). ﴿كَالْمُهْلِ﴾ ؛ دُرْدِيُّ الزيتِ وعكرُ القِطْرَانِ، وهو أسوَدُ غليظٌ. وَقِيْلَ : الْمُهْلُ كُلُّ مَا يُمْهَلُ في النار من نُحاسٍ أو فضَّةٍ أو غيرِ ذلك حتى يَذُوبَ ويَنْمَاعَ يشتَدُّ حرُّهُ.
وقولهُ تعالى :﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ ؛ أي في بُطونِ الكفَّار، وقرئَ (يَغْلِي) بالياءِ يعني الطعامَ، واختارَهُ أبو عبيدٍ ؛ لأن الْمُهْلَ مذكَّرٌ، وقرئَ بالتاءِ يعني الشَّجرةَ، قال أبو علي الفارسي :(لاَ يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ الْغَلْيُ عَلَى الْمُهْلِ ؛ لأَنَّ الْمُهْلَ إنَّمَا ذُكِرَ لِلتَّشْبيهِ به فِي الذوْب، ألاَ تَرَى أنَّ الْمُهْلَ لاَ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ إنَّمَا يَغْلِي مَا شُبهَ بهِ).
الدخان 44:44
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرُ شجرةِ الزقُّوم، والأثِيمُ ذو الإثْمِ وهو أبُو جهلٍ، قال أهلُ اللغة : الأثِيمُ كثيرُ الإثمِ، وعن ابنِ مسعود :(أنَّهُ كَانَ يُلَقِّنُ رَجُلاً :(إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُومِ طَعَامُ الأَثِيمِ) فَكَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ : طَعَامُ الْيَتِيمِ! فَقَالَ لَهُ : قُلْ : طَعَامُ الْفَاجِرِ). ﴿كَالْمُهْلِ﴾ ؛ دُرْدِيُّ الزيتِ وعكرُ القِطْرَانِ، وهو أسوَدُ غليظٌ. وَقِيْلَ : الْمُهْلُ كُلُّ مَا يُمْهَلُ في النار من نُحاسٍ أو فضَّةٍ أو غيرِ ذلك حتى يَذُوبَ ويَنْمَاعَ يشتَدُّ حرُّهُ.
وقولهُ تعالى :﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ ؛ أي في بُطونِ الكفَّار، وقرئَ (يَغْلِي) بالياءِ يعني الطعامَ، واختارَهُ أبو عبيدٍ ؛ لأن الْمُهْلَ مذكَّرٌ، وقرئَ بالتاءِ يعني الشَّجرةَ، قال أبو علي الفارسي :(لاَ يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ الْغَلْيُ عَلَى الْمُهْلِ ؛ لأَنَّ الْمُهْلَ إنَّمَا ذُكِرَ لِلتَّشْبيهِ به فِي الذوْب، ألاَ تَرَى أنَّ الْمُهْلَ لاَ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ إنَّمَا يَغْلِي مَا شُبهَ بهِ).
الدخان 44:45
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرُ شجرةِ الزقُّوم، والأثِيمُ ذو الإثْمِ وهو أبُو جهلٍ، قال أهلُ اللغة : الأثِيمُ كثيرُ الإثمِ، وعن ابنِ مسعود :(أنَّهُ كَانَ يُلَقِّنُ رَجُلاً :(إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُومِ طَعَامُ الأَثِيمِ) فَكَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ : طَعَامُ الْيَتِيمِ! فَقَالَ لَهُ : قُلْ : طَعَامُ الْفَاجِرِ). ﴿كَالْمُهْلِ﴾ ؛ دُرْدِيُّ الزيتِ وعكرُ القِطْرَانِ، وهو أسوَدُ غليظٌ. وَقِيْلَ : الْمُهْلُ كُلُّ مَا يُمْهَلُ في النار من نُحاسٍ أو فضَّةٍ أو غيرِ ذلك حتى يَذُوبَ ويَنْمَاعَ يشتَدُّ حرُّهُ.
وقولهُ تعالى :﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ ؛ أي في بُطونِ الكفَّار، وقرئَ (يَغْلِي) بالياءِ يعني الطعامَ، واختارَهُ أبو عبيدٍ ؛ لأن الْمُهْلَ مذكَّرٌ، وقرئَ بالتاءِ يعني الشَّجرةَ، قال أبو علي الفارسي :(لاَ يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ الْغَلْيُ عَلَى الْمُهْلِ ؛ لأَنَّ الْمُهْلَ إنَّمَا ذُكِرَ لِلتَّشْبيهِ به فِي الذوْب، ألاَ تَرَى أنَّ الْمُهْلَ لاَ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ إنَّمَا يَغْلِي مَا شُبهَ بهِ).
الدخان 44:46
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ ؛ يعنِي الماءَ الحارَّ إذا اشتدَّ غَليانهُ. وقولهُ تعالى :﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَآءِ الْجَحِيمِ﴾ ؛ يقالُ للزَّبانِيَةِ :(خُذُوهُ) يعني الآثِمَ (فَاعْتِلُوهُ) أي قُودُوهُ بالعُنقِ دَفعاً وسَحباً إلى وسطِ الجحيمِ، يقالُ : عَتَلَهُ يَعْتُلُهُ، ويَعْتِلُهُ إذا جَرَّهُ وذهبَ به إلى مكَروهٍ، وقال مجاهدُ :(فَادْفَعُوهُ عَلَى وَجْهِهِ إلَى وَسَطِ الْجَحِيمِ). وَقِيْلَ للوسَطِ : سَوَاءٌ لاستواءِ المسافة بينَهما وبين أطرافهِ المحيطة به.
الدخان 44:47
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ ؛ يعنِي الماءَ الحارَّ إذا اشتدَّ غَليانهُ. وقولهُ تعالى :﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَآءِ الْجَحِيمِ﴾ ؛ يقالُ للزَّبانِيَةِ :(خُذُوهُ) يعني الآثِمَ (فَاعْتِلُوهُ) أي قُودُوهُ بالعُنقِ دَفعاً وسَحباً إلى وسطِ الجحيمِ، يقالُ : عَتَلَهُ يَعْتُلُهُ، ويَعْتِلُهُ إذا جَرَّهُ وذهبَ به إلى مكَروهٍ، وقال مجاهدُ :(فَادْفَعُوهُ عَلَى وَجْهِهِ إلَى وَسَطِ الْجَحِيمِ). وَقِيْلَ للوسَطِ : سَوَاءٌ لاستواءِ المسافة بينَهما وبين أطرافهِ المحيطة به.
الدخان 44:48
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ ؛ قال مقاتلُ :(إنَّ خَازنَ النَّار يَضْرِبُهُ عَلَى رَأَسِهِ " بمَقْمَعَةٍ مِنْ حَدِيدٍ " فَيَنْقِبُ رَأسَهُ عَنْ دِمَاغِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ فِيْهِ مَاءً حَمِيماً قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ، وَيَقُولُ لَهُ) :﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾.
وذلكَ أنَّ أبا جَهلٍ قالَ للنبيِّ ﷺ بأَيِّ شَيْءٍ تُهَدِّدُنِي! فَوَاللهِ مَا تَسْتَطِيعُ أنْتَ وَلاَ رَبُّكَ " أنْ " تَفْعَلاَ بي شَيْئاً، وَإنِّي لَمِنْ أعَزِّ أهْلِ هَذا الْوَادِي وَأكْرَمِهِمْ! فَيَقُولُ لَهُ الْمَلَكُ : ذُقِ الْعَذابَ أيُّهَا الْمُتَعَزِّزُ الْمُتَكَرِّمُ فِي زَعْمِكَ كَمَا كُنْتَ تَقُولُهُ. وقرأ الكسائيُّ (أنَّكَ) بالفتحِ على تقدير : ذُقْ بأنَّكَ أو لأَنَّكَ أنتَ العزيزُ الكريم، أو بهذا القولِ الذي قلتَهُ في الدُّنيا.
الدخان 44:49
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ ؛ قال مقاتلُ :(إنَّ خَازنَ النَّار يَضْرِبُهُ عَلَى رَأَسِهِ " بمَقْمَعَةٍ مِنْ حَدِيدٍ " فَيَنْقِبُ رَأسَهُ عَنْ دِمَاغِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ فِيْهِ مَاءً حَمِيماً قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ، وَيَقُولُ لَهُ) :﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾.
وذلكَ أنَّ أبا جَهلٍ قالَ للنبيِّ ﷺ بأَيِّ شَيْءٍ تُهَدِّدُنِي! فَوَاللهِ مَا تَسْتَطِيعُ أنْتَ وَلاَ رَبُّكَ " أنْ " تَفْعَلاَ بي شَيْئاً، وَإنِّي لَمِنْ أعَزِّ أهْلِ هَذا الْوَادِي وَأكْرَمِهِمْ! فَيَقُولُ لَهُ الْمَلَكُ : ذُقِ الْعَذابَ أيُّهَا الْمُتَعَزِّزُ الْمُتَكَرِّمُ فِي زَعْمِكَ كَمَا كُنْتَ تَقُولُهُ. وقرأ الكسائيُّ (أنَّكَ) بالفتحِ على تقدير : ذُقْ بأنَّكَ أو لأَنَّكَ أنتَ العزيزُ الكريم، أو بهذا القولِ الذي قلتَهُ في الدُّنيا.
الدخان 44:50
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ هَـاذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ ؛ أي يقولُ لَهم الخازنُ : إنَّ هذا العذابَ الذي كُنتم به تَشُكُّونَ في الدُّنيا أو تَكذِبُونَ به.
الدخان 44:51
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ الأمِينُ هو المقَامُ الذي أمِنُوا فيه الغَيَرَ من الموتِ والحوادث، والْمَقَامُ هو المجلسُ، وقرئَ (مُقَامٍ) بضمِّ الميمِ، يريدُ موضعَ الإقامةِ، ومعنى القراءَتين واحدٌ.
الدخان 44:52
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ الأمِينُ هو المقَامُ الذي أمِنُوا فيه الغَيَرَ من الموتِ والحوادث، والْمَقَامُ هو المجلسُ، وقرئَ (مُقَامٍ) بضمِّ الميمِ، يريدُ موضعَ الإقامةِ، ومعنى القراءَتين واحدٌ.
الدخان 44:53
وقوله :﴿يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ ؛ السُّنْدُسُ ما لَطُفَ من الدِّيباجِ، والاسْتَبْرَقِ ما غَلُظَ منه مع دقَّةِ السِّلكِ، وهما نَوعَانِ من الحريرِ. وقوله تعالى :﴿مُّتَقَابِلِينَ﴾ ؛ أي يُقابلُ بعضُهم بعضاً في المجالسِ بالتحيَّة والمحبَّةِ.
الدخان 44:54
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ؛ أي كذلكَ حالُهم في الجنَّة، وقَرَنَّاهُمْ بحُورٍ عِينٍ، والْحُوْرُ : الشَّدِيدَةُ بيَاضِ العينِ، الشديدةُ سَوَادِها، البيضاءُ البشَرةِ والعينِ، جمعُ العَيْنَاءِ، واسعةُ العينِ الحسَنةِ، قال مجاهدُ :(الْحُورُ : هُنَّ اللَّوَاتِي يُحَارُ الطَّرْفُ فِيْهِنَّ، يَرَى مُخَّ سُوقِهِنَّ مِنْ وَرَاءِ ثِيَابهِنَّ، يَرَى النَّاظِرُ وَجْهَهُ فِي صَدْر إحْدَاهُنَّ كَالْمِرْآةِ مِنْ رقَّةِ الْجِلْدِ وَصَفَاءِ اللَّونِ).
الدخان 44:55
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ ؛ فيه بيانُ أنَّ بساتينَ الجنَّة تشتملُ على كلِّ الفواكهِ في كلِّ وقتٍ من الأوقاتِ بخلاف بسَاتينِ الدُّنيا، وقولهُ تعالى :﴿آمِنِينَ﴾ من الانقطاعِ والنُّقصانِ، وآمِنينَ مما يخافُ من الفواكهِ من التُّخَمِ والأمراضِ والأسقامِ.
الدخان 44:56
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ ؛ أي لا يَمُوتونَ سِوَى الموتَة التي ذاقُوها في الدُّنيا، ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ ؛ أي ودفعَ عنهم ربُّهم عذابَ النار مع ما أعطَاهُم من النعيمِ المقيم. وقوله تعالى :﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ؛ أي فَعَلَ اللهُ ذلك بالمتَّقين تفَضُّلاً منه عليهم. وسُمي الثوابُ " فضلاً " لأنَّ اللهَ تعالى لم يكلِّفْهم لحاجتهِ، ولكن ليَصِلُوا إلى ذلك الثواب.
الدخان 44:57
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ ؛ أي لا يَمُوتونَ سِوَى الموتَة التي ذاقُوها في الدُّنيا، ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ ؛ أي ودفعَ عنهم ربُّهم عذابَ النار مع ما أعطَاهُم من النعيمِ المقيم. وقوله تعالى :﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ؛ أي فَعَلَ اللهُ ذلك بالمتَّقين تفَضُّلاً منه عليهم. وسُمي الثوابُ " فضلاً " لأنَّ اللهَ تعالى لم يكلِّفْهم لحاجتهِ، ولكن ليَصِلُوا إلى ذلك الثواب.
الدخان 44:58
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ ؛ أي أنزَلنا القُرآنَ بلُغَتِكَ ولُغةِ قَومِكَ ليَسهُلَ عليهم، و ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ؛ يتَّعِظُونَ فيُؤمِنُوا به، ولولا تَيسِيرُ اللهِ حِفظَهُما ما قَدَرَ أحدٌ على حفظهِ لعِظَمِ أمرهِ وجَلالِ قَدرهِ.
الدخان 44:59
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ﴾ ؛ أيِ انتَظِرْ بالكفَّار ما وعَدنَاهُم من العذاب إنَّهم مُنتَظِرُونَ هلاكَكَ.
قال رسولُ اللهِ ﷺ :" مَنْ قَرَأ سُورَةَ الدُّخَانِ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ إيْمَاناً وَاحْتِسَاباً وَتَصْدِيقاً، بهَا، أصْبَحَ مَغْفُوراً لَهُ، وَإنْ قَرَأهَا فِي سَائِرِ اللَّيَالِي كَانَتْ لَهُ نُوراً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".