Lafzullah

كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — الجاثية 45:1 – الذاريات 51:60

المؤلف / المصدر: أبو بكر الحداد اليمني (ت 800هـ) · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-1239)

المحتويات
  1. الجاثية 45:1
  2. الجاثية 45:2
  3. الجاثية 45:3
  4. الجاثية 45:4
  5. الجاثية 45:5
  6. الجاثية 45:6
  7. الجاثية 45:7
  8. الجاثية 45:8
  9. الجاثية 45:9
  10. الجاثية 45:10
  11. الجاثية 45:11
  12. الجاثية 45:12
  13. الجاثية 45:13
  14. الجاثية 45:14
  15. الجاثية 45:15
  16. الجاثية 45:16
  17. الجاثية 45:17
  18. الجاثية 45:18
  19. الجاثية 45:19
  20. الجاثية 45:20
  21. الجاثية 45:21
  22. الجاثية 45:22
  23. الجاثية 45:23
  24. الجاثية 45:24
  25. الجاثية 45:25
  26. الجاثية 45:26
  27. الجاثية 45:27
  28. الجاثية 45:28
  29. الجاثية 45:29
  30. الجاثية 45:30
  31. الجاثية 45:31
  32. الجاثية 45:32
  33. الجاثية 45:33
  34. الجاثية 45:34
  35. الجاثية 45:35
  36. الجاثية 45:36
  37. الجاثية 45:37
  38. الأحقاف 46:1
  39. الأحقاف 46:2
  40. الأحقاف 46:3
  41. الأحقاف 46:4
  42. الأحقاف 46:5
  43. الأحقاف 46:6
  44. الأحقاف 46:7
  45. الأحقاف 46:8
  46. الأحقاف 46:9
  47. الأحقاف 46:10
  48. الأحقاف 46:11
  49. الأحقاف 46:12
  50. الأحقاف 46:13
  51. الأحقاف 46:14
  52. الأحقاف 46:15
  53. الأحقاف 46:16
  54. الأحقاف 46:17
  55. الأحقاف 46:18
  56. الأحقاف 46:19
  57. الأحقاف 46:20
  58. الأحقاف 46:21
  59. الأحقاف 46:22
  60. الأحقاف 46:23
  61. الأحقاف 46:24
  62. الأحقاف 46:25
  63. الأحقاف 46:26
  64. الأحقاف 46:27
  65. الأحقاف 46:28
  66. الأحقاف 46:29
  67. الأحقاف 46:30
  68. الأحقاف 46:31
  69. الأحقاف 46:32
  70. الأحقاف 46:33
  71. الأحقاف 46:34
  72. الأحقاف 46:35
  73. محمد 47:1
  74. محمد 47:2
  75. محمد 47:3
  76. محمد 47:4
  77. محمد 47:5
  78. محمد 47:6
  79. محمد 47:7
  80. محمد 47:8
  81. محمد 47:9
  82. محمد 47:10
  83. محمد 47:11
  84. محمد 47:12
  85. محمد 47:13
  86. محمد 47:14
  87. محمد 47:15
  88. محمد 47:16
  89. محمد 47:17
  90. محمد 47:18
  91. محمد 47:19
  92. محمد 47:20
  93. محمد 47:21
  94. محمد 47:22
  95. محمد 47:23
  96. محمد 47:24
  97. محمد 47:25
  98. محمد 47:26
  99. محمد 47:27
  100. محمد 47:28
  101. محمد 47:29
  102. محمد 47:30
  103. محمد 47:31
  104. محمد 47:32
  105. محمد 47:33
  106. محمد 47:34
  107. محمد 47:35
  108. محمد 47:36
  109. محمد 47:37
  110. محمد 47:38
  111. الفتح 48:1
  112. الفتح 48:2
  113. الفتح 48:3
  114. الفتح 48:4
  115. الفتح 48:5
  116. الفتح 48:6
  117. الفتح 48:7
  118. الفتح 48:8
  119. الفتح 48:9
  120. الفتح 48:10
  121. الفتح 48:11
  122. الفتح 48:12
  123. الفتح 48:13
  124. الفتح 48:14
  125. الفتح 48:15
  126. الفتح 48:16
  127. الفتح 48:17
  128. الفتح 48:18
  129. الفتح 48:19
  130. الفتح 48:20
  131. الفتح 48:21
  132. الفتح 48:22
  133. الفتح 48:23
  134. الفتح 48:24
  135. الفتح 48:25
  136. الفتح 48:26
  137. الفتح 48:27
  138. الفتح 48:28
  139. الفتح 48:29
  140. الحجرات 49:1
  141. الحجرات 49:2
  142. الحجرات 49:3
  143. الحجرات 49:4
  144. الحجرات 49:5
  145. الحجرات 49:6
  146. الحجرات 49:7
  147. الحجرات 49:8
  148. الحجرات 49:9
  149. الحجرات 49:10
  150. الحجرات 49:11
  151. الحجرات 49:12
  152. الحجرات 49:13
  153. الحجرات 49:14
  154. الحجرات 49:15
  155. الحجرات 49:16
  156. الحجرات 49:17
  157. الحجرات 49:18
  158. ق 50:1
  159. ق 50:2
  160. ق 50:3
  161. ق 50:4
  162. ق 50:5
  163. ق 50:6
  164. ق 50:7
  165. ق 50:8
  166. ق 50:9
  167. ق 50:10
  168. ق 50:11
  169. ق 50:12
  170. ق 50:13
  171. ق 50:14
  172. ق 50:15
  173. ق 50:16
  174. ق 50:17
  175. ق 50:18
  176. ق 50:19
  177. ق 50:20
  178. ق 50:21
  179. ق 50:22
  180. ق 50:23
  181. ق 50:24
  182. ق 50:25
  183. ق 50:26
  184. ق 50:27
  185. ق 50:28
  186. ق 50:29
  187. ق 50:30
  188. ق 50:31
  189. ق 50:32
  190. ق 50:33
  191. ق 50:34
  192. ق 50:35
  193. ق 50:36
  194. ق 50:37
  195. ق 50:38
  196. ق 50:39
  197. ق 50:40
  198. ق 50:41
  199. ق 50:42
  200. ق 50:43
  201. ق 50:44
  202. ق 50:45
  203. الذاريات 51:1
  204. الذاريات 51:2
  205. الذاريات 51:3
  206. الذاريات 51:4
  207. الذاريات 51:5
  208. الذاريات 51:6
  209. الذاريات 51:7
  210. الذاريات 51:8
  211. الذاريات 51:9
  212. الذاريات 51:10
  213. الذاريات 51:11
  214. الذاريات 51:12
  215. الذاريات 51:13
  216. الذاريات 51:14
  217. الذاريات 51:15
  218. الذاريات 51:16
  219. الذاريات 51:17
  220. الذاريات 51:18
  221. الذاريات 51:19
  222. الذاريات 51:20
  223. الذاريات 51:21
  224. الذاريات 51:22
  225. الذاريات 51:23
  226. الذاريات 51:24
  227. الذاريات 51:25
  228. الذاريات 51:26
  229. الذاريات 51:27
  230. الذاريات 51:28
  231. الذاريات 51:29
  232. الذاريات 51:30
  233. الذاريات 51:31
  234. الذاريات 51:32
  235. الذاريات 51:33
  236. الذاريات 51:34
  237. الذاريات 51:35
  238. الذاريات 51:36
  239. الذاريات 51:37
  240. الذاريات 51:38
  241. الذاريات 51:39
  242. الذاريات 51:40
  243. الذاريات 51:41
  244. الذاريات 51:42
  245. الذاريات 51:43
  246. الذاريات 51:44
  247. الذاريات 51:45
  248. الذاريات 51:46
  249. الذاريات 51:47
  250. الذاريات 51:48
  251. الذاريات 51:49
  252. الذاريات 51:50
  253. الذاريات 51:51
  254. الذاريات 51:52
  255. الذاريات 51:53
  256. الذاريات 51:54
  257. الذاريات 51:55
  258. الذاريات 51:56
  259. الذاريات 51:57
  260. الذاريات 51:58
  261. الذاريات 51:59
  262. الذاريات 51:60

الجاثية 45:1

﴿حـم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ؛ ﴿حـم﴾ مبتدأٌ وخبرهُ ﴿تَنزِيلُ﴾، وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لأيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي لدَلالاَتٍ على الحقِّ تدلُّ بخلقِها على أنَّ لها خالقاً قَديماً لا أوَّلَ له، ويدلُّ تعظِيمُها وبقاؤها من غيرِ علاقةٍ فوقَها ولا عِمَادٍ تحتَها على قادرٍ لا يُعجِزهُ شيءٌ. وقولهُ تعالى ﴿لأيَاتٍ﴾ في موضعِ نصبٍ ؛ لأنه اسمُ (إنَّ)، كما يقالُ : إنَّ في الدار لزيداً.

الجاثية 45:2

﴿حـم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ؛ ﴿حـم﴾ مبتدأٌ وخبرهُ ﴿تَنزِيلُ﴾، وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لأيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي لدَلالاَتٍ على الحقِّ تدلُّ بخلقِها على أنَّ لها خالقاً قَديماً لا أوَّلَ له، ويدلُّ تعظِيمُها وبقاؤها من غيرِ علاقةٍ فوقَها ولا عِمَادٍ تحتَها على قادرٍ لا يُعجِزهُ شيءٌ. وقولهُ تعالى ﴿لأيَاتٍ﴾ في موضعِ نصبٍ ؛ لأنه اسمُ (إنَّ)، كما يقالُ : إنَّ في الدار لزيداً.

الجاثية 45:3

﴿حـم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ؛ ﴿حـم﴾ مبتدأٌ وخبرهُ ﴿تَنزِيلُ﴾، وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لأيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي لدَلالاَتٍ على الحقِّ تدلُّ بخلقِها على أنَّ لها خالقاً قَديماً لا أوَّلَ له، ويدلُّ تعظِيمُها وبقاؤها من غيرِ علاقةٍ فوقَها ولا عِمَادٍ تحتَها على قادرٍ لا يُعجِزهُ شيءٌ. وقولهُ تعالى ﴿لأيَاتٍ﴾ في موضعِ نصبٍ ؛ لأنه اسمُ (إنَّ)، كما يقالُ : إنَّ في الدار لزيداً.

الجاثية 45:4

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَاتٌْ﴾ ؛ أي وفي خلقِكم حَالاً بعد حالٍ من نُطفةٍ إلى أن يصيرَ إنساناً ثم يصيرَ فيه العقلُ ثم الحواسُّ، وما يبُثُّ من دابَّةٍ على وجهِ الأرض على اختلافِ أجناسِ الدواب ومنافعِها وصُوَرها، وما يقصرُ من منافعِها في ذلك دلالاتٌ واضحة على وحدانيَّة اللهِ تعالى :﴿لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ؛ يطلُبون علمَ اليقينِ، ويوقِنُون أنَّه لاَ إلهَ غيرهُ. وقرأ حمزةُ (آيَاتٍ) (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ) بالكسرِ على أنَّهما منصُوبان نَسَقاً على قولهِ تعالى﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾[الجاثية: ٣] على معنى وإنَّ في خلقِكم آياتٍ، ومَن رفعَ فعلى الاستئنافِ بعدَ أنْ، تقولُ العرب : إنَّ لِي عليكم مَالاً وعلى أخِيكَ مالٌ، ينصبُون الثاني ويرفعونَهُ.

الجاثية 45:5

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ؛ أي وفِي ذهابهما ومجيئِهما، وما يحدثُ في كلِّ واحدٍ منهما من الزيادةِ والنُّقصان من غير أنْ يكونا جَميعاً أزيدَ من أربعٍ وعشرين ساعةً، ﴿وَمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾، وفيما أنزلَ اللهُ من السَّماءِ من المطرِ فأحيَا به الأرضَ بعد يُبسِها، وفي تقَلُّب الرياحِ شمالاً وجَنُوباً وقُبُولاً ودُبُوراً وعَذاباً ورحمةً، ﴿ءَايَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ؛ الدلالةَ ويتدبَّرونَها.

الجاثية 45:6

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَلْكَ ءَايَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ ؛ أي تلكَ التي سبقَ ذِكرُها دلائلُ اللهِ لعبادهِ يتلُوهَا عليكَ جبريلُ بأَمرِنا بقصصنا عليك بالحقِّ، ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ﴾، كتاب، ﴿اللَّهِ وَءَايَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ؛ إنْ لم يُؤمِنُوا بهذا القرآنِ. ومَن قرأ بالتاءِ فعلى تأويلِ : قُل لَهم يا مُحَمَّدُ : فبأَيِّ حديثٍ تؤمنون.

الجاثية 45:7

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ ءَايَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ؛ يعني النضرَ بن الحارثِ، كان يروي من أحاديثِ العجَمِ للمشركين فيستَملِحُونَ حديثَهُ، وكان إذا سمعَ آياتِ القرآن استهزأ بها، فجعلَ اللهُ له العذابَ مرَّتين، مرَّةً ألِيماً ومرَّة مُهِيناً، وقد ذكرنا تفسيرَ الآيةِ في سُورةِ لقمان. ومعنى الآية : ويلٌ لكلِّ كذابٍ فاجرٍ كثيرِ الإثمِ، يسمعُ القرآنَ يُقرَأُ عليهِ ولا يتدبَّرهُ، ولا يخشعُ لاستماعهِ، بل يُقِيمُ على كُفرهِ مُتَعَظِّماً عن الإيمانِ بالله، كأنْ لَمْ يسمَعْ آياتِ الله، فخَوِّفْهُ يا مُحَمَّدُ بعذابٍ وجيعٍ يَخلُصُ وجعهُ إليه.

الجاثية 45:8

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ ءَايَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ؛ يعني النضرَ بن الحارثِ، كان يروي من أحاديثِ العجَمِ للمشركين فيستَملِحُونَ حديثَهُ، وكان إذا سمعَ آياتِ القرآن استهزأ بها، فجعلَ اللهُ له العذابَ مرَّتين، مرَّةً ألِيماً ومرَّة مُهِيناً، وقد ذكرنا تفسيرَ الآيةِ في سُورةِ لقمان. ومعنى الآية : ويلٌ لكلِّ كذابٍ فاجرٍ كثيرِ الإثمِ، يسمعُ القرآنَ يُقرَأُ عليهِ ولا يتدبَّرهُ، ولا يخشعُ لاستماعهِ، بل يُقِيمُ على كُفرهِ مُتَعَظِّماً عن الإيمانِ بالله، كأنْ لَمْ يسمَعْ آياتِ الله، فخَوِّفْهُ يا مُحَمَّدُ بعذابٍ وجيعٍ يَخلُصُ وجعهُ إليه.

الجاثية 45:9

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً﴾ ؛ أي إذا سمعَ من آياتِ القرآن شَيئاً اتَّخذها هُزُواً، ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾.

الجاثية 45:10

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ ؛ أي لَهم من بعدِ موتِهم جهنَّمُ، ﴿وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً﴾ ؛ ولا ينفَعُهم ما كسَبُوا من الأموالِ والأولادِ شيئاً، ﴿وَلاَ مَا اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ﴾ ؛ أربَاباً في دفعِ شيء من عذاب الله، ﴿وَلَهُمْ﴾ ؛ في الآخرةِ ؛ ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ؛ كلُّ ذلك للنَّضرِ بن الحارث وأمثالهِ.

الجاثية 45:11

وقولهُ :﴿هَـاذَا هُدًى﴾ ؛ أي هذا القرآنُ بيانٌ للحقِّ من الباطلِ في كلِّ ما يحتاجُ إليهِ من أمرِ الدِّين والدُّنيا، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ ؛ اللهِ أي جحَدُوا دلائلَ اللهِ، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾ ؛ أي عذابٌ من عذابٍ وجيعٍ يخلصُ وجعهُ إلى قلوبهم، وقرئ (ألِيمٌ) بالرفعِ على نعت العذاب، وبالكسرِ على نعتِ الرِّجْزِ.

الجاثية 45:12

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ﴾ ؛ أي هو الذي ذلَّلَ لكم البحرَ بتسهيلِ السبيلِ إلى سُلوكِها باتِّخاذِ السُّفنِ وإصلاحِها، ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، وباقي الآيةِ قد تقدَّم تفسيرُها.

الجاثية 45:13

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ؛ من شَمسٍ وقمرٍ ونجوم ومطرٍ وثلج وبَرَدٍ، ﴿وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ؛ من دابَّةٍ وشجَرٍ ونبات وثمارٍ وأنْهَارٍ، ومعنى سَخَّرَهُ لنا : هو أنَّهُ خلَقَها لانتفاعِنا بها على الوجهِ الذي يريدهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿جَمِيعاً مِّنْهُ﴾ ؛ أي الكلُّ رحمةٌ منه وبفضلهٍِ ومَنِّهِ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ؛ في صُنعِ الله وإحسانهِ، فيُوَحِّدُونَهُ.

الجاثية 45:14

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ ؛ نزَلت في عُمر رضي الله عنه : شَتَمَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ بمَكَّةَ، فَهَمَّ أنْ يَبْطُشَ بهِ، فَأَمَرَهُ اللهُ بالْعَفْوِ وَالتَّجَاوُز. والمعنى : قُل للَّذين آمَنُوا اغْفِرُوا، ولكنه شَبَّهَهُ بالشرطِ والجزاء كقوله تعالى :﴿قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾[إبراهيم: ٣١]. وقولهُ :﴿لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ أي لا يَخَافُونَ عذابَ اللهِ من إيذائِكُم، فتجاوَزُوا عنهم ليُوَفِّيَهُمُ اللهُ عقابَ سيِّئاتِهم بما عمِلُوا. ويجوزُ أن يكون المعنى : تجاوَزُوا عن الذين لا يَرجُونَ ثوابَ اللهِ للمؤمنين، ﴿لِيَجْزِيَ﴾ ؛ اللهُ، ﴿قَوْماً﴾، المؤمنينَ يومَ الجزاءِ، ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ ؛ بما كَانُوا يعملون من الخيراتِ. وَقِيْلَ : إن الآية نزلت في أصحاب النبيِّ ﷺ، كانوا في أذَى شديدٍ من أهلِ مكَّة قبلَ أن يُؤمَرُوا بقتالِهم، فأمرَ اللهُ المؤمنين بتركِ مكافَأَتِهم، ثم نُسخت بقولهِ تعالى﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾[الحج: ٣٩]. وقالَ الحسَنُ :(لَمْ تُنْسَخْ هَذِهِ الآيَةُ، وَهِيَ عَلَى الاسْتِحْبَاب فِي الْعَفْوِ مَا لَمْ يُؤَدُّواْ إلَى الإخْلاَلِ بحَقِّ اللهِ أوْ إلَى إذْلاَلِ الدِّينِ). ﴿مَنْ عَمِلَ صَـالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾.

الجاثية 45:15

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ ؛ نزَلت في عُمر رضي الله عنه : شَتَمَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ بمَكَّةَ، فَهَمَّ أنْ يَبْطُشَ بهِ، فَأَمَرَهُ اللهُ بالْعَفْوِ وَالتَّجَاوُز. والمعنى : قُل للَّذين آمَنُوا اغْفِرُوا، ولكنه شَبَّهَهُ بالشرطِ والجزاء كقوله تعالى :﴿قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾[إبراهيم: ٣١]. وقولهُ :﴿لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ أي لا يَخَافُونَ عذابَ اللهِ من إيذائِكُم، فتجاوَزُوا عنهم ليُوَفِّيَهُمُ اللهُ عقابَ سيِّئاتِهم بما عمِلُوا. ويجوزُ أن يكون المعنى : تجاوَزُوا عن الذين لا يَرجُونَ ثوابَ اللهِ للمؤمنين، ﴿لِيَجْزِيَ﴾ ؛ اللهُ، ﴿قَوْماً﴾، المؤمنينَ يومَ الجزاءِ، ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ ؛ بما كَانُوا يعملون من الخيراتِ. وَقِيْلَ : إن الآية نزلت في أصحاب النبيِّ ﷺ، كانوا في أذَى شديدٍ من أهلِ مكَّة قبلَ أن يُؤمَرُوا بقتالِهم، فأمرَ اللهُ المؤمنين بتركِ مكافَأَتِهم، ثم نُسخت بقولهِ تعالى﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾[الحج: ٣٩]. وقالَ الحسَنُ :(لَمْ تُنْسَخْ هَذِهِ الآيَةُ، وَهِيَ عَلَى الاسْتِحْبَاب فِي الْعَفْوِ مَا لَمْ يُؤَدُّواْ إلَى الإخْلاَلِ بحَقِّ اللهِ أوْ إلَى إذْلاَلِ الدِّينِ). ﴿مَنْ عَمِلَ صَـالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾.

الجاثية 45:16

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ ؛ يعني التوراةَ والإنجيلَ، ﴿وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ ؛ أي الفهمَ في الكتاب وفصْلَ الأمرِ، وجَعلنا فيهم الأنبياءَ والرُّسلَ، ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ ؛ أي من الحلالِ ومِن لذيذِ الأطعمةِ كالْمَنِّ والسَّلوَى وغيرِهما، ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمينَ﴾ ؛ أي على عالَمي زمانِهم بكثرةِ النبيِّين فيهم، وفضَّلَ اللهُ أُمَّةَ نبيِّنا محمدٍ ﷺ بكثرةِ العُلماءِ فيهم، والقائمِين بالحقِّ منهم كما قالَ تعالى :﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾[آل عمران: ١١٠].

الجاثية 45:17

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأَمْرِ﴾ ؛ يعني العلمَ بمبعَثِ النبيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ، وما بَيَّنَ لَهم من الأمرِ، ﴿فَمَا اخْتَلَفُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ؛ الآيةُ قد تقدَّمَ تفسيرُها.

الجاثية 45:18

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ ؛ أي ثُم أكرَمناكَ يا مُحَمَّدُ بعدَ اختلافِهم فجعلناكَ على طريقةٍ مستقرَّةٍ من الدِّين، فاستقِمْ عليها وادْعُ الخلقَ إليها، ولا تعمَلْ بأهواءِ الذين يخالِفونكَ في أمرِ الدِّين والقِبلة، وهو قَولُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، توحيدَ اللهِ ؛ قيل : يعني كفَّارَ قريش.

الجاثية 45:19

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ ؛ أي لن يدفَعُوا عنكَ من عذاب الله شيئاً إن اتَّبعتَ أهواءَهم، ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾، يعني المشرِكين أنصارُ بعضِهم بعضاً، ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ؛ أي ناصرُ المؤمنين المتَّقين الشركَ وهم أُمة مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.

الجاثية 45:20

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هَـاذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ ؛ أي هذا القرآنُ عِظَاتٌ للناسِ وعبرةٌ وبيان لهم من الضَّلالةِ ونجاةٌ من العذاب، ﴿لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ؛ أنه من اللهِ تعالى.

الجاثية 45:21

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ ؛ قِيْلَ : إنَّ هذه الآيةَ نزلَتْ في ثلاثِ نَفَرٍ من المشرِكين ؛ وهم عُتبَةُ وشَيبَةُ والوَلِيدُ بنُ عُتبَةَ، بارَزُوا علِيّاً وحمزةَ وعبيدةَ بن الحارث رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ يومَ بدرٍ، كانوا يقُولون لَهم : لئِنْ كان مُحَمَّدٌ حقّاً في الآخرةِ لتَفضَّلَ عليكم في الآخرةِ كما فضَّلَنا عليكم في الدُّنيا. ومعنى الآيةِ : أحَسِبَ الذين ﴿اجْتَرَحُواْ﴾ اكتسَبُوا ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ المعاصِي ﴿أَن نَّجْعَلَهُمْ﴾ فِي الآخرةِ ﴿كَالَّذِينَ آمَنُواْ﴾ بمُحَمَّدٍ ﷺ والقُرآنِ ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ من الصَّلاة والزكاةِ. وتَمَّ الكلامُ، ثم قالَ :﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾، ارتفعَ (سَوَاءٌ) على أنه خبرُ مبتدأ مقدَّمٍ، تقديرهُ : محياهُم ومماتُهم سواءٌ، والضميرُ فيهما يعودُ إلى القبيلتين المؤمنين والكافرين، يقولُ المؤمِنُ مؤمنٌ في محياهُ ومؤمنٌ في مماتهِ، والكافرُ كافرٌ في حياتهِ ومماتهِ. والمعنى : إنَّ المؤمن يموتُ على إيمانهِ ويُبعَثُ عليه، والكافرُ يموت على كُفرهِ ويبعَثُ عليه، يريد مَحيَا القبيلتَين ومَماتَهم سواءٌ. ومَن قرأ (سَوَاءً) بالنصب جعلَهُ مفعولاً ثانياً، فجعلَهُ على تقديرِ : فجعلَ محيَاهم ومماتَهم سواءً، يعني أحَسِبُوا أنَّ حياتَهم وموتَهم كحياةِ المؤمنين وموتِهم ؛ كَلاّ ؛ وقولهُ تعالى :﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ؛ أي بئْسَ ما يَقضُونَ حين يرَون أنَّ لهم في الآخرةِ ما للمؤمنين، ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾.

الجاثية 45:22

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ ؛ قِيْلَ : إنَّ هذه الآيةَ نزلَتْ في ثلاثِ نَفَرٍ من المشرِكين ؛ وهم عُتبَةُ وشَيبَةُ والوَلِيدُ بنُ عُتبَةَ، بارَزُوا علِيّاً وحمزةَ وعبيدةَ بن الحارث رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ يومَ بدرٍ، كانوا يقُولون لَهم : لئِنْ كان مُحَمَّدٌ حقّاً في الآخرةِ لتَفضَّلَ عليكم في الآخرةِ كما فضَّلَنا عليكم في الدُّنيا. ومعنى الآيةِ : أحَسِبَ الذين ﴿اجْتَرَحُواْ﴾ اكتسَبُوا ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ المعاصِي ﴿أَن نَّجْعَلَهُمْ﴾ فِي الآخرةِ ﴿كَالَّذِينَ آمَنُواْ﴾ بمُحَمَّدٍ ﷺ والقُرآنِ ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ من الصَّلاة والزكاةِ. وتَمَّ الكلامُ، ثم قالَ :﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾، ارتفعَ (سَوَاءٌ) على أنه خبرُ مبتدأ مقدَّمٍ، تقديرهُ : محياهُم ومماتُهم سواءٌ، والضميرُ فيهما يعودُ إلى القبيلتين المؤمنين والكافرين، يقولُ المؤمِنُ مؤمنٌ في محياهُ ومؤمنٌ في مماتهِ، والكافرُ كافرٌ في حياتهِ ومماتهِ. والمعنى : إنَّ المؤمن يموتُ على إيمانهِ ويُبعَثُ عليه، والكافرُ يموت على كُفرهِ ويبعَثُ عليه، يريد مَحيَا القبيلتَين ومَماتَهم سواءٌ. ومَن قرأ (سَوَاءً) بالنصب جعلَهُ مفعولاً ثانياً، فجعلَهُ على تقديرِ : فجعلَ محيَاهم ومماتَهم سواءً، يعني أحَسِبُوا أنَّ حياتَهم وموتَهم كحياةِ المؤمنين وموتِهم ؛ كَلاّ ؛ وقولهُ تعالى :﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ؛ أي بئْسَ ما يَقضُونَ حين يرَون أنَّ لهم في الآخرةِ ما للمؤمنين، ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾.

الجاثية 45:23

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَـاهَهُ هَوَاهُ﴾ ؛ وذلك أنَّ أهلَ مكَّة كانوا يعبُدون الحجَرَ والخشبَ، فإذا رأوْا ما هو أحسنُ منه، رَمَوا بالأوَّلِ وعبَدُوا الثانِي، فهُم يعبدون ما تَهوَاهُ أنفسُهم، قال قتادةُ :(هُوَ الْكَافِرُ لاَ يَهْوَى مَا شَاءَ إلاَّ رَكِبَهُ، يَبْنُونَ الْعِبَادَةَ عَلَى الْهَوَى لاَ عَلَى الْحُجَّةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ :﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَـاهَهُ هَوَاهُ﴾ ). قال الحسنُ :(اتَّخَذ إلَهَهُ هَوَاهُ لاَ يَعْرِفُ إلَهَهُ بعَقْلِهِ وَإنَّمَا يَعْرِفُهُ بهَوَاهُ). وقولهُ تعالى :﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ ؛ أي خذلَهُ على ما سبقَ في عمَلهِ أنه ضَالٌّ قبلَ أن يخلقَهُ، ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ﴾ ؛ فلم يسمَعِ الهدَى، وعلى ﴿وَقَلْبِهِ﴾ ؛ فلم يعقل الهدى، ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ ؛ أي ظُلمةً فهو لا يُبصِرُ الهدَى بهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ ؛ أي مَن يَهديهِ مِن بعدِ إضلالِ اللهِ لَهُ، ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ ؛ فتعرِفُوا قدرتَهُ على ما يشاءُ.

الجاثية 45:24

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ ؛ أي نموتُ نحنُ ويحيَى آخَرُون مِمَّن يأتُون بعدَنا، وقال الزجَّاجُ :(مَعْنَاهُ نُحيي وَنُمِيتُ، وَالْوَاوُ لِلاجْتِمَاعِ) وَالْقَائِلُونَ بهَذا زَنَادِقَةُ قُرَيْشٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ ؛ أي إلاَّ طُولُ الْعُمُرِ واختلافُ الليلِ والنهار، ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ ؛ أي لَمْ يقولوهُ على علمٍ عَلِموهُ، بل قالُوا ضُلاَّلاً شَاكِّين. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ ؛ وكان هذا القولُ من زنادِقَتهم الذين كانُوا يُنكِرُونَ الصانعَ الحكيمَ، ويزعمُون أنَّ الزمانَ ومُضِيَّ الأوقاتِ هو الذي يُحدِثُ هذه الحوادثَ، يَمُوتُ قومٌ ويحيَا قومٌ.

الجاثية 45:25

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائْتُواْ بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ ؛ فيه بيانُ أنَّهم كانوا يتعلَّقون بالْحُجَجِ الباطلةِ، ولو تأَمَّلوا لعَلِمُوا أنَّ دلائلَ معجزاتِ النبيَِّ ﷺ أوكدُ مما كانوا يطلبُون.

الجاثية 45:26

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائْتُواْ بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ ؛ فيه بيانُ أنَّهم كانوا يتعلَّقون بالْحُجَجِ الباطلةِ، ولو تأَمَّلوا لعَلِمُوا أنَّ دلائلَ معجزاتِ النبيَِّ ﷺ أوكدُ مما كانوا يطلبُون.

الجاثية 45:27

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائْتُواْ بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ ؛ فيه بيانُ أنَّهم كانوا يتعلَّقون بالْحُجَجِ الباطلةِ، ولو تأَمَّلوا لعَلِمُوا أنَّ دلائلَ معجزاتِ النبيَِّ ﷺ أوكدُ مما كانوا يطلبُون.

الجاثية 45:28

قَوْلُهُُ تَعَالَى :﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ ؛ أي وترَى أهلَ كلِّ دينٍ باركةً على الرُّكَب متهيِّئةً للحساب والجزاءِ، مُترقِبةً لِمَا يُصنَعُ بها، كما يَنحَنِي بين يدَي الحاكمِ ينتظرُ القضاءَ، ﴿كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ ؛ أي إلى صحائفِ أعمَالِها، يقالُ لَهم :﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ؛ في دار الدُّنيا من الخيرِ والشرِّ.

الجاثية 45:29

قَوْلُهُُ تَعَالَى :﴿هَـاذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ؛ يعني كتابَ الحفظِ يقرَؤُونَهُ فيدُلُّهم على ما عَمِلوا، فكأنَّهُ ينطقُ كما يقالُ : نطقَ الكتابُ بتحريمِ الخمرِ، وقولهُ ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي بالعدلِ، فيه حسناتُهم وسيِّئاتُهم، وقولهُ تعالى ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ﴾ أي نأمرُ الملائكةَ بنَسخِ ما عمِلتُم وتَبيينهِ بياناً شافياً وتثبيتهِ عليكم. وما بعدَها هذا ظاهرُ المعنى :﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَاتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ﴾.

الجاثية 45:30

قَوْلُهُُ تَعَالَى :﴿هَـاذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ؛ يعني كتابَ الحفظِ يقرَؤُونَهُ فيدُلُّهم على ما عَمِلوا، فكأنَّهُ ينطقُ كما يقالُ : نطقَ الكتابُ بتحريمِ الخمرِ، وقولهُ ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي بالعدلِ، فيه حسناتُهم وسيِّئاتُهم، وقولهُ تعالى ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ﴾ أي نأمرُ الملائكةَ بنَسخِ ما عمِلتُم وتَبيينهِ بياناً شافياً وتثبيتهِ عليكم. وما بعدَها هذا ظاهرُ المعنى :﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَاتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ﴾.

الجاثية 45:31

قَوْلُهُُ تَعَالَى :﴿هَـاذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ؛ يعني كتابَ الحفظِ يقرَؤُونَهُ فيدُلُّهم على ما عَمِلوا، فكأنَّهُ ينطقُ كما يقالُ : نطقَ الكتابُ بتحريمِ الخمرِ، وقولهُ ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي بالعدلِ، فيه حسناتُهم وسيِّئاتُهم، وقولهُ تعالى ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ﴾ أي نأمرُ الملائكةَ بنَسخِ ما عمِلتُم وتَبيينهِ بياناً شافياً وتثبيتهِ عليكم. وما بعدَها هذا ظاهرُ المعنى :﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَاتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ﴾.

الجاثية 45:32

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ؛ لبعثٍ، ﴿وَالسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا﴾ ؛ أي القيامةُ كائنةٌ من غيرِ شكٍّ، ﴿قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ﴾ ؛ أنْكَرتُموهم وأظهرتُم الشكَّ فقلتم :﴿إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ؛ ومَن قرأ (وَالسَّاعَةَ) بالنصب فهو عطفٌ على (وَعْدَ) ﴿وَبَدَا لَهُمْ﴾ ؛ في الآخرةِ، ﴿سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ؛ في الدُّنيا ؛ أي ظَهَرَ لهم قَبائِحُ أعمالهم حين عايَنُوا ذلكَ في كتابهم الذي أحْصَى عليهم كلَّ قليلٍ وكثير.

الجاثية 45:33

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ؛ لبعثٍ، ﴿وَالسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا﴾ ؛ أي القيامةُ كائنةٌ من غيرِ شكٍّ، ﴿قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ﴾ ؛ أنْكَرتُموهم وأظهرتُم الشكَّ فقلتم :﴿إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ؛ ومَن قرأ (وَالسَّاعَةَ) بالنصب فهو عطفٌ على (وَعْدَ) ﴿وَبَدَا لَهُمْ﴾ ؛ في الآخرةِ، ﴿سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ؛ في الدُّنيا ؛ أي ظَهَرَ لهم قَبائِحُ أعمالهم حين عايَنُوا ذلكَ في كتابهم الذي أحْصَى عليهم كلَّ قليلٍ وكثير.

الجاثية 45:34

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـاذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ ؛ أي نترُكم في النار، ونتركُ مراعاتَكم وحِفظَكم، ولا نحفظُكم من العذاب كما لم تحفَظُوا حقَّ اللهِ، وتركتُم الإيمانَ والعملَ بلقاءِ هذا اليوم. والنسيانُ ضِدُّ الحفظِ، وقد يكون للتَّركِ.

الجاثية 45:35

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ ءَايَاتِ اللَّهِ هُزُواً﴾ ؛ أي ذلك العذابُ عليكم بسبب أنَّكم اتَّخذتُم كتابَ اللهِ ورسولَهُ استهزاءً، ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ ؛ حتى قُلتم لا بعثَ ولا حسابَ، ﴿فَالْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ﴾ أي لا يُطلَبُ رضاهُم، ولا يقالُون ؛ لأنه لا يقبل في ذلك اليوم استقالة وقد انقطعتِ المعايَنةُ فلا يُجابون، ولا يُقبَلُ لَهم في " ذلك " اليومِ عُذرٌ ولا توبةٌ.

الجاثية 45:36

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ؛ أي للهِ الشُّكر على عظيمِ نَعمائهِ على الخلائقِ كلِّهم، ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَآءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ وهو المختصُّ بالكبرياءِ في السَّموات والأرضِ، وله العظَمةُ والجبَروتُ فيهما، ﴿وَهُوَ الْعِزِيزُ﴾ ؛ في مُلكهِ وسُلطانهِ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ ؛ في قضائهِ وأمرهِ لَهُ وَحْدَهُ فِي أعْلَى مَرَاتِب التَّعْظِيمِ لأنه سبحانَهُ لا يجوزُ عليه صفةُ النقصِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" يَقُولُ اللهُ : الْْكِبْرِيَاءُ ردَائِي، وَالْعَظَمَةُ إزَاري، مَنْ نَازَعَنِي وَاحِدَةً مِنْهَا ألْقَيْتُهُ فِي جَهَنَّمَ ".

الجاثية 45:37

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ؛ أي للهِ الشُّكر على عظيمِ نَعمائهِ على الخلائقِ كلِّهم، ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَآءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ وهو المختصُّ بالكبرياءِ في السَّموات والأرضِ، وله العظَمةُ والجبَروتُ فيهما، ﴿وَهُوَ الْعِزِيزُ﴾ ؛ في مُلكهِ وسُلطانهِ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ ؛ في قضائهِ وأمرهِ لَهُ وَحْدَهُ فِي أعْلَى مَرَاتِب التَّعْظِيمِ لأنه سبحانَهُ لا يجوزُ عليه صفةُ النقصِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" يَقُولُ اللهُ : الْْكِبْرِيَاءُ ردَائِي، وَالْعَظَمَةُ إزَاري، مَنْ نَازَعَنِي وَاحِدَةً مِنْهَا ألْقَيْتُهُ فِي جَهَنَّمَ ".

الأحقاف 46:1

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حـم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى، ﴿وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ ؛ ينتهِي إليه وهو يومُ القيامةِ تنتهي إليه السَّمواتُ والأرض، وهذا إشارةٌ إلى فنائِهما وانقضائِهما. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ﴾ ؛ أي مُعرِضون عمَّا خُوِّفُوا به من القُرآنِ، ولا يتدبَّرون ولا يتفكَّرون.

الأحقاف 46:2

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حـم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى، ﴿وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ ؛ ينتهِي إليه وهو يومُ القيامةِ تنتهي إليه السَّمواتُ والأرض، وهذا إشارةٌ إلى فنائِهما وانقضائِهما. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ﴾ ؛ أي مُعرِضون عمَّا خُوِّفُوا به من القُرآنِ، ولا يتدبَّرون ولا يتفكَّرون.

الأحقاف 46:3

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حـم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى، ﴿وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ ؛ ينتهِي إليه وهو يومُ القيامةِ تنتهي إليه السَّمواتُ والأرض، وهذا إشارةٌ إلى فنائِهما وانقضائِهما. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ﴾ ؛ أي مُعرِضون عمَّا خُوِّفُوا به من القُرآنِ، ولا يتدبَّرون ولا يتفكَّرون.

الأحقاف 46:4

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ من الملائكةِ والأصنامِ، وتدَّعون أنَّها آلهةٌ، ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأَرْضِ﴾ ؛ أي أخبرونِي ماذا خلَقُوا من الأرضِ، لأنَّ الخالقَ هو الذي يستحقُّ العبادةَ، ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أمْ لَهم نصيبٌ في خلقِ السَّموات، فذلك ما أشرَكتُموهم في عبادةِ الله تعالى، ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَـاذَآ﴾ ؛ القرآنِ فيه برهانُ ما تدَّعون، ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾ ؛ معناه ائتُونِي ببقية من علمِ المتقدِّمين، ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. وَقِيْلَ : الأثَارَةُ ؛ والأَثْرَةُ - بإسكان الثاء - والأَثَرَةُ - بفتحِها - معناها : الرِّوايَةُ من العُلماءِ، يقالُ : فلانٌ يَأْثُرُ الحديثَ عن فلانٍ، ومنهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنْ هَـاذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾[المدثر: ٢٤]، والعلمُ الْمَأْثُورُ هو الْمَرْويُّ.

الأحقاف 46:5

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ؛ أي أبْعَدُ ذهاباً عن الصَّواب ممن يدعُو مِن دون الله مَن لا يستجيبُ دعاءً ولو دعاهُ، ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يعني الأصنامَ، ﴿وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ﴾ أي عن دُعاءِ مَن دعاها ؛ لأنَّها جَمَادٌ لا تسمعُ ولا تُبصِرُ.

الأحقاف 46:6

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ معناهُ : وإذا جُمِعَ الناسُ يومَ القيامة صارتِ الأصنامُ أعداءً لِمَن عبَدَها في الدُّنيا، كما قالَ تعالى :﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ﴾[فاطر: ١٤]، وقال :﴿تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾[القصص: ٦٣].

الأحقاف 46:7

وقولهُ تعالى :﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَـاذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ ويقولون : إنَّ مُحَمَّداً أتَى به من نفسهِ، وهو قوله :﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ ؛ أي لايَقدِرون أن يُردُّوا عنِّي عذابَهُ، فكيف أفتَرِي على اللهِ لأجلِكم وأنتُم لا تقدِرُون على دفعِ عِقابهِ عنِّي إن افتريتُ عليهِ شيئاً ؟ وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ ؛ أي اللهُ أعلَمُ بما تَقولون في القرآنِ وتَخوضُونَ فيه من التَّكذيب به والقولِ فيه إنه سحرٌ وكهانةٌ، ﴿كَفَى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ ؛ أي القرآنُ جاءَ من عندِ الله، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ؛ في تأخيرِ العذاب عنكم حين لَمْ يعجِّلْ عليكم بالعقوبةِ. قال الزجَّاجُ :(هَذا دُعَاءٌ لَهُمْ ؛ أيِ التَّوْبَةُ، مَعْنَاهُ : أنَّ مَنْ أتَى مِنَ الْكَبَائِرِ بمِثْلِ مَا أتَيْتُمْ بهِ مِنَ الافْتِرَاءِ عَلَى اللهِ ثُمَّ تَابَ، فَاللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ، أيْ غَفُورٌ لَهُ رَحِيمٌ بهِ).

الأحقاف 46:8

وقولهُ تعالى :﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَـاذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ ويقولون : إنَّ مُحَمَّداً أتَى به من نفسهِ، وهو قوله :﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ ؛ أي لايَقدِرون أن يُردُّوا عنِّي عذابَهُ، فكيف أفتَرِي على اللهِ لأجلِكم وأنتُم لا تقدِرُون على دفعِ عِقابهِ عنِّي إن افتريتُ عليهِ شيئاً ؟ وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ ؛ أي اللهُ أعلَمُ بما تَقولون في القرآنِ وتَخوضُونَ فيه من التَّكذيب به والقولِ فيه إنه سحرٌ وكهانةٌ، ﴿كَفَى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ ؛ أي القرآنُ جاءَ من عندِ الله، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ؛ في تأخيرِ العذاب عنكم حين لَمْ يعجِّلْ عليكم بالعقوبةِ. قال الزجَّاجُ :(هَذا دُعَاءٌ لَهُمْ ؛ أيِ التَّوْبَةُ، مَعْنَاهُ : أنَّ مَنْ أتَى مِنَ الْكَبَائِرِ بمِثْلِ مَا أتَيْتُمْ بهِ مِنَ الافْتِرَاءِ عَلَى اللهِ ثُمَّ تَابَ، فَاللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ، أيْ غَفُورٌ لَهُ رَحِيمٌ بهِ).

الأحقاف 46:9

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرُّسُلِ﴾ ؛ أي ما أنا أوَّلُ رَسُولٍ أُرسِلَ إلى الناسِ، قد بُعِثَ قَبلِي كثيرٌ من الرُّسل. والبديعُ من كلِّ شيء المبتَدِعُ، ﴿وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ﴾ ؛ أيَتركُني بمكَّة أو يُخرِجُني منها أو يُخرِجكم. وَقِيْلَ : معناهُ : لا أدري أموتُ أم أُقتَلُ، ولا أدري أيُّها المكذِّبون أتُرمَون بالحجارةِ من السَّماء أو يُخسَفُ بكم. وهذا إنَّما هو في الدُّنيا، فأمَّا في الآخرةِ فقد عَلِمَ أنه في الجنَّة، وأنَّ مَن كذبَهُ في النار، ألاَ تراهُ يقول :﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ؛ وقد أُوحيَ إليه ما يصيرُ إليه الكافرُ والمؤمنُ في الآخرةِ. وَقِيْلَ : معناهُ : وما أدري ماذا أوْمَرُ به في الكفَّار من حربٍ أو سلِمٍ، وما أدري ماذا يفعَلُ اللهُ بهم أيُعَاجِلُهم اللهُ بالعقوبةِ أو يؤخِّرُها عنهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ أي ما أتَّبعُ إلاَّ القرآنَ ولا أبتَدِعُ من عندي شيئاً، ﴿وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ أي أُنذِرُكم وأُبَيِّنُ لكم الشرائعَ.

الأحقاف 46:10

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ ؛ ثم اختلَفُوا، والمرادُ بشاهدٍ في هذه الآيةِ فقالَ مَن ذهبَ إلى أنَّ هذه السُّورةَ مكِّيةٌ كلُّها : أنَّ المرادَ به يَامِينَ بن يامين، فإنَّ عبدَالله بنَ سلام مِمَّن أسلمَ بالمدينةِ، وهذا شاهدٌ قَدِمَ بمكَّة فآمنَ. وَقِيْلَ : إنَّ المرادَ بالشاهدِ مُوسَى عليه السلام كان مِن بني إسرائيلَ، وكان شهادتهُ للنبيِّ ﷺ في التوراةِ من تصديقِ القُرآنِ، ومثل القرآن هو التوراةُ. وقال ابنُ عبَّاس :(هُوَ عَبْدُاللهِ بْنُ سَلاَمٍ)، رُوي :" أنَّهُ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ، فأتَى النَّبيَّ عليه السلام لَيْلاً وشَهِدَ أنَّ نَعتَهُ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ فَآمَنَ بهِ، ثم قالَ : أخْبئْنِي فِي الْبَيْتِ، ثُمَّ أحْضِرِ الْيَهُودَ سَلْهُمْ عَنِّي، فَإنَّهُمْ سَيَذْكُرُونَنِي عِنْدَكَ ويُخْبرُونَكَ بمَكَانِي مِنَ الْعِلْمِ. فَفَعَلَ ذلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَاسْتَخْبَرَ الْيَهُودَ وَقَالَ لَهُمْ :" مَا تَقُولُونَ فِي عَبْدِاللهِ ابْنِ سَلاَمٍ ؟ " فَقَالُواْ : عَالِمُنَا وَابْنُ عَالِمِنَا، وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، وَبَقِيَّةُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَّا. فَقَالَ ﷺ :" أرَأيْتُمْ إنْ آمَنَ بي تُؤْمِنُوا أنْتُمْ ؟ " فَقَالُواْ : إنَّهُ لاَ يَفْعَلُ ذلِكَ. فَكَرَّرَ عَلَيْهِمْ النَّبيُّ ﷺ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى حَتَّى قَالُواْ : نَعَمْ، فَخَرَجَ عَبْدُاللهِ بْنُ سَلاَمٍ وَقَالَ لَهُمْ : ألَمْ يَأْتِكُمْ فِي التَّوْرَاةِ عَنْ مُوسَى عليه السلام : إذا رَأيْتُمْ مُحَمَّداً فَأَقْرِئُوهُ مِنِّي السَّلاَمَ وَآمِنْواْ بهِ ؟ ثُمَّ جَعَلَ يُوقِفُهُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ عَلَى مَوَاضِعَ مِنْهَا فِيْهَا ذِكْرُ النَّبيِّ ﷺ وَصِفَتُهُ، وَكَانُواْ يَسْتَكْبرُونَ وَيَجْحَدُونَ، فَقَالَ عَبْدُاللهِ بْنُ سَلاَمٍ لِلنَّبيِّ ﷺ : أشْهَدُ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ وَأنَّكَ رَسُولُ اللهِ، أرْسَلَكَ بالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ. فَقَالُواْ : مَا كُنْتَ أهْلاً لِمَا أثْنَيْنَا عَلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ كُنْتَ غَائِباً فَكَرِهْنَا أنْ نغْتَابَكَ ". ومعنى الآيةِ : أخبروني ماذا تقُولون إنْ كان القرآنُ من عندِ الله، أنزلَهُ وكفرتُم أيُّها المشرِكون، ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ عبدُاللهِ بن سلامٍ على صدقِ النبيِّ ﷺ في نبُوَّتهِ ﴿عَلَى مِثْلِهِ﴾ أي عليه أنَّهُ من عندِ الله، والْمِثْلُ صلةٌ. وقولهُ تعالى :﴿فَآمَنَ﴾ يعني الشاهدُ واستكبَرتُم أنتم عن الإيمانِ به، وجوابُ (إنْ) محذوفٌ ؛ وتقديرهُ : أليسَ قد ظَلمهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ وَقِيْلَ : تقديرُ الجواب :﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أفَأَمِنُوا عقوبةَ اللهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يعني المعانِدين بعدَ الوضُوحِ والبيانِ يَحرِمُهم اللهُ الهدايةَ.

الأحقاف 46:11

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ﴾ ؛ أي قالَ الكفارُ مِن بني أسَدٍ وغطَفان وأشجَعَ لِمَن أسلمَ من جُهينَةَ ومُزَيْنَةَ وأسْلمَ وغِفَارٍ :(لَوْ كَانَ هَذا) يعنُونَ القرآنَ (خَيْراً) مما نحنُ عليهِ لَمَا سبقَ رعاةُ الشاةِ ونحن أرفعُ منهم، ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ﴾ ؛ مع ظُهورهِ ووضُوحهِ، ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ مع ذلك، ﴿هَـاذَآ﴾ ؛ القرآنُ ؛ ﴿إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ ؛ كذِبٌ متقَادِمٌ أتَّبعَهُ مُحَمَّدٌ وأحِبَّاؤهُ في عصرهِ. يقول اللهُ تعالى :﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً﴾ ؛ أي ويشهدُ للقرآن كتابُ موسَى قبلَهُ إمامٌ يُقتدَى ونجاةٌ من العذاب لِمَن آمنَ به، ﴿وَهَـاذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ﴾ وَهَذَا القرآنُ مُصَدِّقٌ لِمَا في التوراةِ. وقولهُ تعالى :﴿لِّسَاناً عَرَبِيّاً﴾ ؛ أي بلسانٍ عربيٍّ تَعقِلونَهُ. ويجوزُ أن يكون منصوباً على الحالِ، ويكون (لِسَاناً) توكيداً، كما يقالُ : جاءَنِي زيدٌ رجلاً صالحاً، يريدُ : جاءَنِي زيدٌ صالحاً، وقال الزجَّاجُ :(قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِمَاماً﴾ نُصِبَ عَلَى الْحَالِ) تَقْدِيرُهُ : وَتَقَدَّمَهُ كِتَابُ مُوسَى عليه السلام إمَاماً. وَفِي الْكَلام محذوفٌ تقديرهُ : إمَاماً ورحمةً فَلَمْ يَهْتَدُوا بهِ، يدلُّ عليه قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ﴾ وذلك أنَّ المشرِكين لم يهَتدُوا بالتوراةِ فيترُكوا عبادةَ الأصنامِ ويعرِفُوا منه صفةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم. ثم قالَ تعالى :﴿وَهَـاذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ﴾ ؛ غيرَ الكُتب التي قبلَهُ ﴿لِّسَاناً عَرَبِيّاً﴾ منصوبٌ على الحالِ ؛ أي مصَدِّقٌ لما بين يَدَيهِ عَرَبيّاً. ومعنى قولهِ تعالى :﴿كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً﴾ أي يُقتدَى بهِ ؛ يعني التوراةَ، ﴿وَرَحْمَةً﴾ من اللهِ للمؤمنين به ؛ قِيْلَ : القرآنُ. وعن عروة عن أبيه قالَ :(كَانَتْ زنِّيرَةُ أمْرَأةً ضَعِيفَةَ الْبَصَرِ، فَلَمَّا أسْلَمَتْ كَانَ الأَشْرَافُ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ يَسْتَهْزِئُونَ بهَا وَيَقُولُونَ : وَاللهِ لَوْ كَانَ مَا جَاءَ بهِ مُحَمَّدٌ خَيْراً مَا سَبَقَتْنَا إلَيْهِ زنِّيرَةُ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيْهَا وَفِي أمْثَالِهَا ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـاذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ أيْ أسَاطيرُ الأَوَّلِينَ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّيُنذِرَ﴾ ؛ أي أنزلناهُ لِتُخَوِّفَ، ﴿الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾، يعني مُشرِكي مكَّة. ومَن قرأ بالياءِ أسندَ الفعلَ إلى الكتاب. وقولهُ تعالى :﴿وَبُشْرَى﴾ أي وهو بُشْرَى، ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ؛ الموحِّدين، يعني الكتابَ.

الأحقاف 46:12

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ﴾ ؛ أي قالَ الكفارُ مِن بني أسَدٍ وغطَفان وأشجَعَ لِمَن أسلمَ من جُهينَةَ ومُزَيْنَةَ وأسْلمَ وغِفَارٍ :(لَوْ كَانَ هَذا) يعنُونَ القرآنَ (خَيْراً) مما نحنُ عليهِ لَمَا سبقَ رعاةُ الشاةِ ونحن أرفعُ منهم، ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ﴾ ؛ مع ظُهورهِ ووضُوحهِ، ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ مع ذلك، ﴿هَـاذَآ﴾ ؛ القرآنُ ؛ ﴿إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ ؛ كذِبٌ متقَادِمٌ أتَّبعَهُ مُحَمَّدٌ وأحِبَّاؤهُ في عصرهِ. يقول اللهُ تعالى :﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً﴾ ؛ أي ويشهدُ للقرآن كتابُ موسَى قبلَهُ إمامٌ يُقتدَى ونجاةٌ من العذاب لِمَن آمنَ به، ﴿وَهَـاذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ﴾ وَهَذَا القرآنُ مُصَدِّقٌ لِمَا في التوراةِ. وقولهُ تعالى :﴿لِّسَاناً عَرَبِيّاً﴾ ؛ أي بلسانٍ عربيٍّ تَعقِلونَهُ. ويجوزُ أن يكون منصوباً على الحالِ، ويكون (لِسَاناً) توكيداً، كما يقالُ : جاءَنِي زيدٌ رجلاً صالحاً، يريدُ : جاءَنِي زيدٌ صالحاً، وقال الزجَّاجُ :(قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِمَاماً﴾ نُصِبَ عَلَى الْحَالِ) تَقْدِيرُهُ : وَتَقَدَّمَهُ كِتَابُ مُوسَى عليه السلام إمَاماً. وَفِي الْكَلام محذوفٌ تقديرهُ : إمَاماً ورحمةً فَلَمْ يَهْتَدُوا بهِ، يدلُّ عليه قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ﴾ وذلك أنَّ المشرِكين لم يهَتدُوا بالتوراةِ فيترُكوا عبادةَ الأصنامِ ويعرِفُوا منه صفةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم. ثم قالَ تعالى :﴿وَهَـاذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ﴾ ؛ غيرَ الكُتب التي قبلَهُ ﴿لِّسَاناً عَرَبِيّاً﴾ منصوبٌ على الحالِ ؛ أي مصَدِّقٌ لما بين يَدَيهِ عَرَبيّاً. ومعنى قولهِ تعالى :﴿كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً﴾ أي يُقتدَى بهِ ؛ يعني التوراةَ، ﴿وَرَحْمَةً﴾ من اللهِ للمؤمنين به ؛ قِيْلَ : القرآنُ. وعن عروة عن أبيه قالَ :(كَانَتْ زنِّيرَةُ أمْرَأةً ضَعِيفَةَ الْبَصَرِ، فَلَمَّا أسْلَمَتْ كَانَ الأَشْرَافُ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ يَسْتَهْزِئُونَ بهَا وَيَقُولُونَ : وَاللهِ لَوْ كَانَ مَا جَاءَ بهِ مُحَمَّدٌ خَيْراً مَا سَبَقَتْنَا إلَيْهِ زنِّيرَةُ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيْهَا وَفِي أمْثَالِهَا ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـاذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ أيْ أسَاطيرُ الأَوَّلِينَ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّيُنذِرَ﴾ ؛ أي أنزلناهُ لِتُخَوِّفَ، ﴿الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾، يعني مُشرِكي مكَّة. ومَن قرأ بالياءِ أسندَ الفعلَ إلى الكتاب. وقولهُ تعالى :﴿وَبُشْرَى﴾ أي وهو بُشْرَى، ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ؛ الموحِّدين، يعني الكتابَ.

الأحقاف 46:13

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.

الأحقاف 46:14

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.

الأحقاف 46:15

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً﴾ ؛ في الآيةِ دليلٌ على أنَّها نزَلت في رجُلٍ بعينهِ ؛ لأنَّ الناسَ كلَّهم لا يكون حَملُهم ورضاعُهم ثلاثون شَهراً، ولا يقولون إذا بلَغُوا أربعين سَنةً :﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾. وجاءَ في التفسيرِ : أنَّها نزَلت في أبي بكرِ الصدِّيق رضي الله عنه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً﴾ ؛ أي على كُلْفَةٍ ومشَقَّةٍ، وأرادَ به الحملَ في البطنِ إذا ثَقُلَ عليها الولدُ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً﴾ ؛ يريدُ شدَّةَ الطَّلْقِ ومشقَّةَ الوضعِ. قرأ أهلُ الكوفة ﴿إِحْسَاناً﴾ وهي قراءةُ ابنِ عبَّاس رضي الله عنه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ ؛ أي حَملهُ سِتَّةُ أشْهُرٍ ورضاعهُ أربعَةٌ وعشرون شهراً. ورَوى عكرمةُ عن ابنِ عبِّاس رضي الله عنه قال :(إذا حَمَلَتِ الْمَرْأةُ تِسْعَةَ أشْهُرٍ أرْضَعَتْهُ أحَدَ وَعِشْرِينَ شَهْراً). وقال مقاتلُ وعطاء والكلبيُّ :(هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ فِي أبي بَكْرٍ رضي الله عنه، وَكَانَ حَمْلُهُ وَفِصَالُهُ هَذا الْقَدْرَ)، ويدلُّ على صحَّة هذا قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ ثم إلى آخر الآية. وقرأ الحسنُ ويعقوب (وَفَصْلُهُ) بغيرِ ألفٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس رضي الله عنه :(أشُدَّهُ بضْعٌ وَثَلاَثوُنَ سَنَةً) وقال :(ثَمَانِي عَشَرَةَ سَنَةً). وذلك أنه صَحِبَ رسولَ الله ﷺ وهو ابنُ ثَمانِي عشرةَ سنةً، والنبيُّ ﷺ ابنُ عشرين سَنة في تجارتهِ إلى الشامِ، وكان لا يفارقهُ في أسفارهِ وحضورهِ. فلما ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ؛ ونُبئَ رسولُ الله ﷺ دعا ربَّهُ، ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ ؛ أي ألْهِمْنِي شُكْرَ نِعمَتِكَ، ﴿الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ ؛ بالهدايةِ والإيمانِ حتى لم أُشرِكْ بكَ شيئاً، ﴿وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ ؛ أبي قُحَافَةَ عثمان بنِ عُمر وأُمِّي أمُّ الخيرِ بنت صخرِ بن عمر، قال عليٌّ رضي الله عنه :(هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ فِي أبي بَكْرٍ أسْلَمَ أبَوَاهُ جَمِيعاً، وَلَمْ يَجْتَمِعْ أحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالْمُهَاجِرِينَ أبَوَاهُ غَيْرُهُ، وَأوْصَاهُ اللهُ بهِمَا). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ﴾ ؛ فأجابَ اللهَ وأعتقَ تسعةً مِن المؤمنين يعذبون في اللهِ ولم يُرِدْ شيئاً من الخيرِ إلاَّ أعانَهُ اللهُ عليه، واستجابَ اللهُ في ذُريَّتهِ حين قال :﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ ؛ فلم يبقَ له ولدٌ ولا والدٌ إلاَّ آمَنُوا باللهِ وحدَهُ، قال موسى بنُ عُقبةَ :(لَمْ يُدْركْ أرْبَعَةٌ النَّبيَّ ﷺ هُمْ وَأبْنَاؤُهُمْ إلاَّ هَؤُلاَءِ : أبُو قُحَافَةَ، وَأبُو بَكْرٍ، وَابْنُهُ عَبْدُالرَّحْمَنِ، وَأبُو عَتِيقِ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أبي بَكْرِ رضي الله عنه). قال البخاريُّ :(أبُو عَتِيقٍ أدْرَكَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم). قولهُ ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ أي اجعَلْ أولاَدِي كُلَّهم صالِحين وقولهُ :﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ؛ أي إنِّي أقبَلْتُ إلى كلِّ ما يجبُ وأسلمتُ لكَ بقلبي ولسانِي وإنِّي من المخلِصين، فأسلمَ أبوهُ وأُمُّهُ ولم يبقَ له ولدٌ إلاَّ أسلمَ.

الأحقاف 46:16

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾ ؛ أي أهلَ هذه الصِّفةِ الذين يَتقبَّلُ عنهم أحسنَ ما عمِلُوا وهو الطاعاتُ، ﴿وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ﴾ ؛ التي سَبقت في الجهلِ، وقولهُ تعالى :﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ ؛ أي يدخُلون في أصحاب الجنَّة وَعْداً صِدْقاً من اللهِ تعالى :﴿الَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ ؛ به في الدُّنيا على ألسِنَةِ الرسُلِ.

الأحقاف 46:17

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ﴾ ؛ نزَلت في عبدِالرَّحمنِ بن أبي بكر، قالَ لأَبيه وأُمه قبلَ أن يسلمَ حين كانا يدعُوَانهِ إلى الإسلامِ، ويُخبرانهِ بالبعثِ بعد الموت وهو يأبَى ويُسِيءُ القولَ لهما، فقالَ لهما :﴿أُفٍّ لَّكُمَآ﴾ أي أُفٍّ قذفاً لكما، كما يقالُ عند شمِّ الرائحةِ الكريهة، ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ ؛ أي تُخوِّفانِني أن أخرَجَ من القبرِ وقد مضَتِ القرونُ مِن قبل ولم يخرج أحدٌ منهم من قبرهِ، أين عبدُالله بن جَدعان ؟ أين فلان وأين فُلان؟! ﴿وَهُمَا يَسْتَغثِيَانِ اللَّهَ﴾ ؛ يعني أبَويهِ يدعُوانِ الله له بالْهُدَى ويقولان له :﴿وَيْلَكَ آمِنْ﴾ ؛ أي صدِّقْ بالبعثِ، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، بالبعثِ، ﴿فَيَقُولُ مَا هَـاذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ ؛ فيقولُ لَهما : ما هذا الذي تقُولانِ إلاَّ أكاذيبُ الأوَّلين. والاستغاثةُ باللهِ دعاؤُكَ اللهَ ليُغِيثَكَ على ما نَابَكَ، والجارُّ محذوفٌ، تقديرهُ : يستغِيثان باللهِ. وقرأ القُرَّاء والأعمشُ (أنْ أخْرُجَ) بفتحِ الألف وضمِّ الراءِ. قال ابنُ عبَّاس :(فَلَمَّا ألَحَ عَلَيْهِ أبَوَاهُ فِي دُعَائِهِ إلَى الإِيْمَانِ ؛ قَالَ لَهُمَا : أحْيُوا لِي عَبْدَاللهِ بْنَ جَدْعَان، فَإنَّهُ كَانَ شَيْخاً صَدُوقاً، وَأحْيُوا لِي عَامِرَ بْنَ كَعْبٍ، وَمَشَايخَ مِنْ قُرَيْشٍ حَتَّى أسْأَلَهُمْ عَنْ مَا تَقُولاَنِ، وَأخْرِجَا لِي بَعْضَ آبَائِي وَأجْدَادِي مِنْ قُبُورهِمْ لأَسْأَلَهُمْ، فَإنْ صَدَّقُوكُمَا آمَنْتُ).

الأحقاف 46:18

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ؛ أي وجبَتْ عليهم كلمةُ العذاب في أُمَمٍ قد مضَتْ من قبلِهم، ﴿مِّنَ﴾ ؛ كفار، ﴿الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ﴾ ؛ الإيمانَ. ثم أسلمَ عبدُالرحمنِ وحَسُنَ إسلامهُ، وكان من أفاضلِ المؤمنين. وذهب الحسنُ إلى أنَّ الآيةَ نزلت في كافرٍ عاقٍّ لوالديهِ مكَذِّبٍ للبعثِ، ماتَ على كُفرهِ، قالَ :(لأَنَّ قَوْلَهُ ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ إعْلاَمٌ بأَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) وإلى هذا القولِ ذهبَ الزجَّاجُ. ويُروى أن معاويةَ كتبَ إلى مروان :(لَتَأْخُذنَّ عَلَى النَّاسِ الْبَيْعَةَ لِيَزِيدَ) فَكَرِهَ ذلِكَ عَبْدُالرَّحْمَنِ وَقَالَ :(أتَأْخُذُونَ الْبَيْعَةَ لأَبْنَائِكُمْ؟!) قَالَ مَرْوَانُ : هَذا الَّذِي يَقُولُ اللهُ فِيْهِ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ﴾[الحاقة: ١٧] فَلَمَّا بَلَغَ ذلِكَ عَائِشَةُ فَقَالَتْ :(كَذبَ مَرْوَانُ! وَاللهِ مَا هُوَ بهِ، إنَّمَا أنْزَلَ اللهُ ذلِكَ فِي رَجُلٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، وَلَوْ شِئْتُ أنْ أُسَمِّيَهُ لَسَمَّيْتُهُ لَكُمْ، وَلَكِنْ أشْهَدُ أنَّ اللهَ لَعَنَ أبَاكَ وَأنْتَ فِي صُلْبهِ، فَهُوَ فِي قَصَصِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ).

الأحقاف 46:19

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ﴾ ؛ أي ولكلِّ الفريقَين من الكافرِين والمؤمنين منازلُ مما عمِلُوا، ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ ؛ أي لا يُنقَصُ من حسناتِهم ولا يُزَادُ في سيِّئاتِهم.

الأحقاف 46:20

وقولهُ تعالى :﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ﴾ ؛ أي وأنذِرهُم يومَ يُعرَضُ كفَّارُ مكَّة على النار ويقالُ لَهم :﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ ؛ أي أذهَبتُم أموالَكم، وَقِيْلَ : قوَّتَكم وشبَابَكم في لذاتِكم في الدُّنيا، لا في طلب رضَى اللهِ، بل في وُجوهٍ مُحرَّمَةٍ، وانتقَصتُم بطيِّباتكم في الدُّنيا، ﴿وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ ؛ (فَـ) ليس لكم، ﴿فَالْيَوْمَ﴾ ؛ ههنا حسناتٍ، وإنما ﴿تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ؛ أي الْهَوَانِ الشديدِ باستكباركم في الأرضِ بالباطلِ، وخُروجِكم من أمرِ الله تعالى إلى المعصيةِ. وعن ابنِ عبَّاس :" أنَّ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ : لِلنَّبيِّ ﷺ :(أُدْعُ اللهَ أنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ، فَقَدْ وَسَّعَ اللهُ عَلَى فَارسَ وَالرُّومَ وَهُمْ لاَ يَعْبُدُونَ اللهَ تَعَالَى) فَقَالَ ﷺ :" أوَفِي شَكٍّ أنتَ يَا ابْنَ الْخَطَّاب؟! أوْلَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا " ". ورُوي :" أنَّ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ :(دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِ حَفْصَةٍ وَإنَّهُ لَمُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ، وَإنَّ بَعْضَهُ لَعَلَى التُّرَاب، وَتَحْتَ رَأسِهِ وسَادَةٌ مَحْشُوَّةٌ لِيْفاً، فَسَلَّمْتُ ثُمَّ جَلَسْتُ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أنْتَ نَبيُّ اللهِ وَصَفْوَتُهُ وَخِيْرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، وَكِسْرَى وَقَيْصَرَ عَلَى سُرُر الذهَب وَفُرُشِ الدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ، فَقَالَ ﷺ : يَا عُمَرُ ؛ إنَّ أُوْلَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ وَهِيَ وَشِيكَةُ الانْقِطَاعِ، وَإنَّا أُخِّرَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا " ) ". وعن سالِم بن عبدِالله بن عمر كان يقولُ :(وَاللهِ مَا نَعْبَأُ بلَذاتِ الْعَيْشِ بأَنْ نَأْمُرَ بصِغَار الْمِعْزَى فَتُسْمَطَ لَنَا، وَنَأْمُرَ بِلبَاب الْحِنْطَةِ فَيُخْبَزُ لَنَا، وَنَأْمُرَ بالنَّبيذِ فَيُنْبَذُ لَنَا، حَتَّى إذا صَارَ مِثْلَ عَيْنِ يَعْقُوبَ أكَلْنَا هَذا وَشَرِبْنَا هَذا، وَلَكِنَّا أرَدْنَا أنْ نَسْتَبْقِيَ طَيِّبَاتِنَا لأَنَّا سَمِعْنَا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَذْكُرُ قَوْماً فَقَالَ ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾. وعن جابرِ بن عبدِالله رضي الله عنه قالَ :(رَأى عُمَرُ رضي الله عنه فِي يَدَيَّ لَحْماً مُعَلَّقاً فَقَالَ : مَا هَذا يَا جَابرُ ؟ قَالَ : اشْتَهَيْتُ لَحْماً فَاشْتَرَيْتُهُ، فَقَالَ عُمَرُ : وَكُلَّمَا اشْتَهَيْتَ يَا جَابرُ اشْتَرَيْتَ ؟ أمَا تَخَافُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾. وعن محمَّد بن مَيسَرة قالَ : قال جابرُ بن عبدِالله :(اشْتَهَى أهْلِي لَحْماً فَشَرَيْتُهُ وَمَرَرْتُ بعُمَرَ، فَقَالَ : مَا هَذا يَا جَابرُ ؟ قُلْتُ : اشْتَهَى أهْلِي اللَّحْمَ فَاشْتَرَيْتُ هَذا اللَّحْمَ بدِرْهَمٍ، فَقَالَ : أوَكُلَّمَا اشْتَهَى أحَدُكُمْ شَيْئاً جَعَلَهُ فِي بَطْنِهِ، أمَا تَخْشَى أنْ تَكُونَ مِنْ أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ ). وعن عِمَارَةَ بن القَعْقَاعِ عن أبي زَرعَةَ قالَ :(دَخَلَ عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدَ عَلَى عُمَرَ رضي الله عنه وَهُوَ يُكَوِّمُ كَعْكاً شَامِيّاً وَيَتَفَوَّقُ لَبَناً حَازراً فَقَالَ : يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ أمَرْتَ أنْ يُصْنَعَ لَكَ طَعَامٌ ألْيَنُ مِنْ هَذا ؟ فَقَالَ : يَا ابْنَ فَرْقَد ؛ أتَرَى أحَداً مِنَ الْعَرَب أقْدَرُ عَلَى ذلِكَ مِنِّي ؟ فَقَالَ : مَا أحَدٌ أقْدَرُ عَلَى ذلِكَ مِنْكَ يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ عُمَرُ : سَمِعْتُ اللهَ تَعَالَى عَيَّرَ أقْوَاماً فَقَالَ ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ وَاللهِ لَوْ شِئْتُ أنْ أكُونَ أصْلَبَكُمْ طَعَاماً وَأحْسَنَكُمْ ثِيَاباً لَفَعَلْتُ، وَلَكِنْ أسْتَبْقِي دُنْيَايَ لآخِرَتِي).

الأحقاف 46:21

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾ ؛ أي اذكُرْ يا مُحَمَّدُ لقومِكَ أهلِ مكَّة أخَا عادٍ وهو هودٌ عليه السلام، ﴿إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ﴾ ؛ أي إذْ خَوَّفَ قومَهُ وحذرَهم عذابَ اللهِ إن لم يُؤمِنُوا بالأحقافِ، وهو جمعُ حُقْفٍ وهو المستطيلُ الْمُعْوَجُّ من الرَّملِ، قال عطاءٌ :(رمَالُ بلاَدِ الشَّعرِ)، وقال مقاتلُ :(هِيَ بالْيَمَنِ فِي حَضْرَمَوْتٍ)، وقال ابنُ عبَّاس :(وَادٍ بَيْنَ عُمَانَ وَمَهرة) وَإلَى مُهْرَةَ يُنْسَبُ الْجِمَالُ الْمَهْرِيَّةُ. وقال قتادةُ :(ذُكِرَ لَنَا أنَّ عَاداً كَانُوا حَيّاً بالْيَمَنِ أهْلَ رَمْلٍ مُشْرِفِينَ عَلَى الْبَحْرِ بأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا الشَّعر، وَكَانُواْ مِنْ قَبيلِ إرَمَ). وقال ابنُ زيد :(الأَحْقَافُ : مَا اسْتَطَالَ مِنَ الرَّمْلِ وَأشْرَفَ كَهَيْئَةِ الْجَبَلِ، وَلَمْ يَبْلُغُ أنْ يَكُونَ جِبَالاً، وَجَمْعُهُ حُقُفٌ، وَالأَحْقَافُ جَمْعُ الْجَمْعِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ ؛ أي وقد مضَتِ الرسُلُ من قبلِ هودٍ ومن بعدهِ إلى قومِهم، ﴿أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ﴾ ؛ أي لَمْ يُبعَثْ رسولاً قبلَ هودٍ ولا بعدَهُ إلاَّ بالأمرِ بعبادة اللهِ وحدَهُ، وهذا كلامٌ اعترضَ بين إنذار هود وكلامهِ لقومه، ثم عادَ إلى كلامِ هودٍ لقومه بقوله :﴿إِنَّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ؛ تقديرُ الكلامِ : إذ أنذرَ قومَهُ بالأحقافِ وقال : إنِّي أخافُ عليكم عذابَ يومٍ عظيم، ويحتملُ أن يكون المرادُ بهذا العذاب عذابَ الدُّنيا، ويحتمل عذابَ الآخرةِ.

الأحقاف 46:22

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ ؛ أي قالوا : يا هودُ أجِئتَنا لتَصرِفَنا عن عبادةِ آلهتنا بالإفكِ، ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ﴾ ؛ من العذاب، ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ إنَّ العذابَ نازلٌ بنا، ﴿قَالَ﴾ ؛ لَهم هودٌ :﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ﴾ بمجيءِ العذاب، ﴿عِندَ اللَّهِ﴾ ؛ يعلمُ متى يأتيكم العذابُ وَأنا ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ ؛ إليكم من الوحيِ والإنذار، والمعنى : إنما أنا مُبَلِّغٌ، والعلمُ بوقتِ العذاب عند الله، ﴿وَلَـاكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾ ؛ أي أمرَ اللهِ وعقابه.

الأحقاف 46:23

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ ؛ أي قالوا : يا هودُ أجِئتَنا لتَصرِفَنا عن عبادةِ آلهتنا بالإفكِ، ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ﴾ ؛ من العذاب، ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ إنَّ العذابَ نازلٌ بنا، ﴿قَالَ﴾ ؛ لَهم هودٌ :﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ﴾ بمجيءِ العذاب، ﴿عِندَ اللَّهِ﴾ ؛ يعلمُ متى يأتيكم العذابُ وَأنا ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ ؛ إليكم من الوحيِ والإنذار، والمعنى : إنما أنا مُبَلِّغٌ، والعلمُ بوقتِ العذاب عند الله، ﴿وَلَـاكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾ ؛ أي أمرَ اللهِ وعقابه.

الأحقاف 46:24

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ ؛ معناهُ : فلمَّا رأوا العذابَ الذي خوَّفُوا به عارضاً كهيئةِ السَّحاب تستقبلُ أودِيَتَهم التي كانوا إذا رأوا الغيمَ من نواحِيها كانت سَنتهم سَنة خصبٍ، ظنُّوهُ سحابَ خيرٍ، ﴿قَالُواْ هَـاذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ ؛ أي هذا الذي وعَدتَنا به سحابٌ قد عرضَ في السَّماء مُمطِرُنا، فقال لَهم هود :﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ أي ريحُ الدَّبُور جاءت من قِبَلِ المغرب فيها عذابٌ أليم وجيع لكم. قال المفسِّرون : كان عادٌ قد حُبسَ عنهم المطرُ أيَّاماً، فَسَاقَ اللهُ إليهم سحابةً سوداء فخرَجت عليهم من وادٍ لهم يقالُ له : الْمُغِيثُ، فلمَّا رأوهُ مستقبلَ أودِيتهم استَكبَروا وقالوا :﴿هَـاذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ غَيمٌ فيه مطرٌ، فقال هودُ :﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ﴾ ثُم بيَّنَ ما هو ؛ فقالَ :﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

الأحقاف 46:25

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ ؛ أي تُهلِكُ كلَّ شيءٍ مرَّت به من الناسِ والدواب والأموالِ ﴿فَأْصْبَحُواْ﴾ ؛ يعني عاداً ؛ ﴿لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ﴾ ؛ قال الزجاج :(معناهُ لا ترَى شيئاً إلاَّ مساكنَهم، والمعنى : لا ترَ أيُّها المخاطَبُ إلاَّ مساكِنَهم، لأنَّ السُّكَّانَ والأنعامَ بادت بالريحِ). قال ابنُ عبَّاس :(فَلَمْ يَبْقَ إلاَّ هُودٌ وَمَنْ مَعَهُ)، وعن ابنِ عبَّاس قالَ :(لَمَّا رَأوا الْعَارضَ قَامُواْ، فَأَوَّلُ مَا عَرَفُوا أنَّهُ عَذابٌ رَأوا مَا كَانَ خَارجاً مِنْ دِيَارهِمْ مِنَ الرُّعَاةِ وَالْمَوَاشِي تَطِيرُ بهِ الرِّيحُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرَأوا الْفَسَاطِيطَ وَالضَّعَائِنَ تُرْفَعُهَا الرِّيَاحُ كَأَنَّهَا جَرَادٌ فَدَخَلُوا بُيُوتَهُمْ وَأغْلَقُوا عَلَى أنْفُسِهِمُ الأَبْوَابَ، فَجَاءَتِ الرِّيحُ فَقَلَعَتْ أبْوَابَهُمْ وَاحْتَمَلَتْهُمْ إلَى عَنَانِ السَّمَاءِ، ثُمَّ هَرَعَتْهُمْ وَأهَالَتْ الرِّمَالَ، فَكَانُواْ تَحْتَ الرَّمْلِ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أيَّامٍ حُسُوماً لَهُمْ أنِينٌ، ثُمَّ أمَرَ اللهُ بَعْدَ ذلِكَ فَاحْتَمَلَتْهُمْ فَرَمَتْ بهِمْ فِي الْبَحْرِ). وقرأ الأعمشُ وحمزة وعاصم ويعقوب (فَأَصْبَحُوا لاَ يُرَى) بياءٍ مضمومة (إلاَّ مَسَاكِنُهُمْ) بالرفع أي لا ترَى الناسُ إلاَّ مساكنَهم لأنَّهم كانوا تحتَ الرَّملِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ؛ أي هكذا نَجزِي مَن أجرمَ جُرمَهم بمثلِ ما جازَيناهم. وعن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قالت :" كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذا رَأى الرِّيحَ فَزِعَ، وَقَالَ :" اللَّهُمَّ إنِّي أسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بهِ، وَأعُوذُ بكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بهِ " وَكَانَ يَقُومُ وَيَقْعُدُ وَيَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ، فَيَقُولُ لَهُ : مَا لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! فَيَقُولُ :" إنِّي أخَافُ أنْ تَكُونَ مِثْلَ قَوْمٍ هُودٍ حَيْثُ قَالُوا : هَذا عَارضٌ مُمْطِرُنَا " ".

الأحقاف 46:26

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ ؛ الخطابُ لأهلِ مكَّة، والمعنى : ولقد مكَّنا عَاداً فيما لم نُمكِّنْكُم فيه من البَسطَةِ في المالِ والولدِ وزيادة القوَّةِ والقامَةِ وشدَّة الأبدانِ، قال المبرِّدُ :(مَا) فِي قَوْلِهِ (فِيمَا) بِمَنْزِلَةِ (الَّذِي) و(إنْ) بمَنْزِلَةِ (ما). وتقديرهُ : ولقد مكنَّاهم في الذي ما مكنَّاكم فيه، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً﴾ ؛ أي قُلوباً يعقلون بها فلم ينفَعهم ذلك من عذاب الله إذ نزلَ بهم بسبب أنَّهم، ﴿فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ؛ دلائلِ الله، ﴿وَحَاقَ بِهم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ؛ أي نزلَ بهم عقابُ استهزائِهم بالرُّسلِ، أخبرَ اللهُ أنَّهم أعرَضُوا عن قبولِ الْحُجَجِ والتفكُّر فيما يدلُّهم على التوحيدِ ما أعطاهم اللهُ من الحواسِّ التي تدرَكُ بها الأدلَّة.

الأحقاف 46:27

قَوْلُه تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ الْقُرَى﴾ ؛ هذه زيادةُ التخويفِ لأهل مكَّة، والمعنى : ولقد أهلَكنا ما حولَكم من أهلِ القُرَى مثلَ عادٍ وقوم تُبَّعٍ باليمنِ وقومِ صالح بالحِجْرِ وقوم لوطٍ على طريقكم بالشَّام، أرادَ بالقُرَى الْمُهلَكَةِ باليمنِ والشَّام. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ؛ وبَيَّنَا لكم الآياتِ في كلِّ وجهٍ لكي تَرجِعُونَ من الكفرِ إلى الإيمانِ، وَقِيْلَ : معناهُ : وبيَّنا الآياتِ لعلَّ أهلَ القُرْى يرجِعون.

الأحقاف 46:28

وقولهُ تعالى :﴿فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةَ﴾ ؛ فهلاَّ حين نزلَ بهم العذابُ أعانَهم الذين عبَدُوهم من دونِ الله ليُقرِّبوهم إلى اللهِ في زَعمِهم، وقولهُ تعالى :﴿بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ﴾ ؛ أي بل ما نفَعُوهم، وقولهُ تعالى :﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ ؛ أي إنَّ دُعاءَهم آلهتَهم هو إفْكُهم وافتراؤُهم، ﴿وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ ؛ يعني اتِّخاذهم الآلهةَ من دون اللهِ هو كَذِبُهم وافتراؤُهم على اللهِ أنَّها آلهة.

الأحقاف 46:29

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ ؛ معناهُ : اذكُر إذ وجَّهنا نفَراً من الجنِّ ؛ " أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا آيَسَ مِنْ إسْلاَمِ أهْلِ مَكَّةَ، خَرَجَ إلَى الطَّائِفِ لِيَدْعُوَهُمْ إلَى الإسْلاَمِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنَ الطَّائِفِ رَاجِعاً إلَى مَكَّةَ وَوَصَلَ بَطْنَ نَخْلَةَ، قَامَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ، فَمَرَّ بهِ نَفَرٌ مِنْ أشْرَافِ جِنِّ نَصِيبينَ مِنَ الْيَمَنِ فَاسْتَمَعُواْ الْقُرْآنَ ". قال ابنُ عبَّاس :(كَانُوا تِسْعَةَ نَفَرٍ)، وقال الكلبيُّ ومقاتل :(كَانُوا سَبْعَةً صُرِِفُوا إلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيَسْتَمِعُواْ مِنْهُ وَيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ). وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾. فلمَّا انتهَوا إلى النبيِّ ﷺ قالَ بعضُهم لبعضٍ : اسكتُوا حتى تَستَمِعوا قراءَتهُ، وذلك معنى قولهِ تعالى :﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنصِتُواْ﴾ ؛ أي فلما فرغَ من التلاوةِ قال بعضُهم لبعض : اسكُتوا حتى تَستمعوا قراءته، وإما قالوا ذلك لأنهم سَمعوا شيئاً لم يسمعوا مثلَهُ، فلما فرغَ من القرآنِ انصرَفُوا إلى قومِهم مخوِّفين لهم بالقرآن، وذلك معنى قوله تعالى :﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾، أي فلما فرغَ من التلاوةِ انصرفوا إلى قومهم مُنذرين ؛ أي محذِّرين إياهم عذاباً إن لم يُؤمنوا، وهذا قاله سعيدِ بن جُبير وجماعةٍ من أئمَّة الخبرِ. وقالَ آخَرُون : بل " أُمِرَ رسولُ الله ﷺ أنْ يُنذِرَ الجنَّ ويدعُوَهم إلى اللهِ، فقرأ عليهم القرآنَ، فصرفَ اللهُ نفَراً من الجنِّ وجَمَعهم له، فقال ﷺ لأصحابهِ :" إنِّي أُمِرْتُ أنْ أقْرَأ عَلَى الْجِنِّ اللَّيْلَةَ، فَأَيُّكُمْ تَبعَنِي " فَأَطْرَقُوا، فَقَالَ لَهُمْ مَرَّةً ثَانِيَةً، فَأَطْرَقُواْ، فَقَالَ لَهُمْ مَرَّةً ثَالِثَةً، فَاتَّبَعَهُ عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْعُودٍ :(لَمْ يَحْضُرْ مََعَهُ أحَدٌ غَيْرِي، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى إذا كُنَّا بأَعْلَى مَكَّةَ دَخَلَ النَّبيُّ ﷺ شِعْباً يُقَالُ لَهُ شِعْبُ الْحِجَوْنِ، وَحَطَّ لِي ثُمَّ أمَرَنِي أنْ أجْلِسَ فِيْهِ، وَقَالَ :" لاَ تَخْرُجْ مِنْهُ حَتَّى أدْعُوَ إلَيْكَ ". ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى قَامَ فَافْتَتَحَ الْقُرْآنَ، فَجَعَلْتُ أرَى أمْثَالَ النُّور تَهْوِي، وَسَمِعْتُ لَفْظاً شَدِيداً حَتَّى خِفْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَغَشِيَتْهُ سَوْدَةٌ كَبيرةٌ حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ حَتَّى مَا سَمِعْتُ صَوْتَهُ، ثُمَّ طَفِقُواْ يَتَقَطَّعُونَ أمْثَالَ قِطَعِ السَّحَاب ذاهِبينَ. فَفَزِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ الْفَجْرِ، وَقَالَ :" أنِمْتَ ؟ " قُلْتُ : لاَ وَاللهِ ؛ وَلَقَدْ هَمَمْتُ مِرَاراً أنْ أسْتَغِيثَ بالنَّاسِ حَتَى سَمِعْتُكَ تُفْزِعَهُمْ بعَصَاكَ تَقُولُ :" اجْلِسُوا " فَقَالَ :" لَوْ خَرَجْتَ لَمْ آمَنْ عَلَيْكَ أنْ يخْتَطِفَكَ بَعْضُهُمْ " ثُمَّ قَالَ :" هَلْ رَأيْتَ ؟ " فَقُلْتُ : نَعَمْ ؛ رَأيْتُ رجَالاً سُوداً. قَالَ :" أُوْلَئِكَ جِنُّ نَصِيبينَ، سَأَلُونِي الْمَتَاعَ فَمَنَعْتُهُمْ بكُلِّ عَظْمٍ حَلِيلٍ وَرَوْثَةٍ وَبَعْرَةٍ " فَقَالُواْ : يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يُقَذِّرُهَا لِلنَّاسِ عَلَيْنَا، فَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يُسْتَنْجَى بالْعَظْمِ وَالرَّوْثِ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ صلى عليه وسلم وَمَا يَعْنِي ذلِكَ مِنْهُمْ ؟ قَالَ :" إنَّهُمْ لاَ يَجِدُونَ عَظْماً إلاَّ يَجِدُونَ عَلَيْهِ لَحْمَةً يَوْمَ أُكِلَ، وَلاَ رَوْثَةً إلاَّ وَجَدُواْ فِيْهَا حَبَّهَا يَوْمَ أُكِلَتْ ". فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ سَمِعْتُ لَفْظاً كَثِيراً شَدِيداً، قَالَ :" إنَّ الْجِنَّ تَدَارَتْ فِي قَتِيلٍ قُتِلَ بَيْنَهُمْ، فَتَحَاكَمُوا إلَيَّ فَقَضَيْتُ بَيْنَهُمْ ". ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ :" هَلْ مَعَكَ مَاءٌ ؟ " فَقُلْتُ : يَا رسُولَ اللهِ مَعِي نَبيذُ تَمْرٍ فِي إدْاَوةٍ، فَاسْتَدْعَاهُ فَصَبَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ فَتَوَضََّأَ بهِ وَقَالَ :" ثَمَرَةٌ طيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ " ".

الأحقاف 46:30

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ ؛ معناهُ : اذكُر إذ وجَّهنا نفَراً من الجنِّ ؛ " أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا آيَسَ مِنْ إسْلاَمِ أهْلِ مَكَّةَ، خَرَجَ إلَى الطَّائِفِ لِيَدْعُوَهُمْ إلَى الإسْلاَمِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنَ الطَّائِفِ رَاجِعاً إلَى مَكَّةَ وَوَصَلَ بَطْنَ نَخْلَةَ، قَامَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ، فَمَرَّ بهِ نَفَرٌ مِنْ أشْرَافِ جِنِّ نَصِيبينَ مِنَ الْيَمَنِ فَاسْتَمَعُواْ الْقُرْآنَ ". قال ابنُ عبَّاس :(كَانُوا تِسْعَةَ نَفَرٍ)، وقال الكلبيُّ ومقاتل :(كَانُوا سَبْعَةً صُرِِفُوا إلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيَسْتَمِعُواْ مِنْهُ وَيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ). وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾. فلمَّا انتهَوا إلى النبيِّ ﷺ قالَ بعضُهم لبعضٍ : اسكتُوا حتى تَستَمِعوا قراءَتهُ، وذلك معنى قولهِ تعالى :﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنصِتُواْ﴾ ؛ أي فلما فرغَ من التلاوةِ قال بعضُهم لبعض : اسكُتوا حتى تَستمعوا قراءته، وإما قالوا ذلك لأنهم سَمعوا شيئاً لم يسمعوا مثلَهُ، فلما فرغَ من القرآنِ انصرَفُوا إلى قومِهم مخوِّفين لهم بالقرآن، وذلك معنى قوله تعالى :﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾، أي فلما فرغَ من التلاوةِ انصرفوا إلى قومهم مُنذرين ؛ أي محذِّرين إياهم عذاباً إن لم يُؤمنوا، وهذا قاله سعيدِ بن جُبير وجماعةٍ من أئمَّة الخبرِ. وقالَ آخَرُون : بل " أُمِرَ رسولُ الله ﷺ أنْ يُنذِرَ الجنَّ ويدعُوَهم إلى اللهِ، فقرأ عليهم القرآنَ، فصرفَ اللهُ نفَراً من الجنِّ وجَمَعهم له، فقال ﷺ لأصحابهِ :" إنِّي أُمِرْتُ أنْ أقْرَأ عَلَى الْجِنِّ اللَّيْلَةَ، فَأَيُّكُمْ تَبعَنِي " فَأَطْرَقُوا، فَقَالَ لَهُمْ مَرَّةً ثَانِيَةً، فَأَطْرَقُواْ، فَقَالَ لَهُمْ مَرَّةً ثَالِثَةً، فَاتَّبَعَهُ عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْعُودٍ :(لَمْ يَحْضُرْ مََعَهُ أحَدٌ غَيْرِي، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى إذا كُنَّا بأَعْلَى مَكَّةَ دَخَلَ النَّبيُّ ﷺ شِعْباً يُقَالُ لَهُ شِعْبُ الْحِجَوْنِ، وَحَطَّ لِي ثُمَّ أمَرَنِي أنْ أجْلِسَ فِيْهِ، وَقَالَ :" لاَ تَخْرُجْ مِنْهُ حَتَّى أدْعُوَ إلَيْكَ ". ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى قَامَ فَافْتَتَحَ الْقُرْآنَ، فَجَعَلْتُ أرَى أمْثَالَ النُّور تَهْوِي، وَسَمِعْتُ لَفْظاً شَدِيداً حَتَّى خِفْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَغَشِيَتْهُ سَوْدَةٌ كَبيرةٌ حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ حَتَّى مَا سَمِعْتُ صَوْتَهُ، ثُمَّ طَفِقُواْ يَتَقَطَّعُونَ أمْثَالَ قِطَعِ السَّحَاب ذاهِبينَ. فَفَزِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ الْفَجْرِ، وَقَالَ :" أنِمْتَ ؟ " قُلْتُ : لاَ وَاللهِ ؛ وَلَقَدْ هَمَمْتُ مِرَاراً أنْ أسْتَغِيثَ بالنَّاسِ حَتَى سَمِعْتُكَ تُفْزِعَهُمْ بعَصَاكَ تَقُولُ :" اجْلِسُوا " فَقَالَ :" لَوْ خَرَجْتَ لَمْ آمَنْ عَلَيْكَ أنْ يخْتَطِفَكَ بَعْضُهُمْ " ثُمَّ قَالَ :" هَلْ رَأيْتَ ؟ " فَقُلْتُ : نَعَمْ ؛ رَأيْتُ رجَالاً سُوداً. قَالَ :" أُوْلَئِكَ جِنُّ نَصِيبينَ، سَأَلُونِي الْمَتَاعَ فَمَنَعْتُهُمْ بكُلِّ عَظْمٍ حَلِيلٍ وَرَوْثَةٍ وَبَعْرَةٍ " فَقَالُواْ : يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يُقَذِّرُهَا لِلنَّاسِ عَلَيْنَا، فَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يُسْتَنْجَى بالْعَظْمِ وَالرَّوْثِ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ صلى عليه وسلم وَمَا يَعْنِي ذلِكَ مِنْهُمْ ؟ قَالَ :" إنَّهُمْ لاَ يَجِدُونَ عَظْماً إلاَّ يَجِدُونَ عَلَيْهِ لَحْمَةً يَوْمَ أُكِلَ، وَلاَ رَوْثَةً إلاَّ وَجَدُواْ فِيْهَا حَبَّهَا يَوْمَ أُكِلَتْ ". فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ سَمِعْتُ لَفْظاً كَثِيراً شَدِيداً، قَالَ :" إنَّ الْجِنَّ تَدَارَتْ فِي قَتِيلٍ قُتِلَ بَيْنَهُمْ، فَتَحَاكَمُوا إلَيَّ فَقَضَيْتُ بَيْنَهُمْ ". ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ :" هَلْ مَعَكَ مَاءٌ ؟ " فَقُلْتُ : يَا رسُولَ اللهِ مَعِي نَبيذُ تَمْرٍ فِي إدْاَوةٍ، فَاسْتَدْعَاهُ فَصَبَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ فَتَوَضََّأَ بهِ وَقَالَ :" ثَمَرَةٌ طيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ " ".

الأحقاف 46:31

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُواْ بِهِ﴾ ؛ يعني مُحَمَّداً ﷺ، ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ؛ فاستجابَ لهم من قومِهم نحو من سبعينَ رجُلاً من الجنِّ، فرجَعُوا إلى رسولِ الله ﷺ فواقَفوهُ بالبطحاءِ، فقرأ عليهم القرآنَ، فقال بعضُهم : أمَرَهم ونَهاهم. واختلفَ العلماءُ في مؤمني الجنِّ، فقال بعضُهم : ليس لِمُؤمِني الجنِّ إلاَّ نجا منهم من النار، وتأوَّلوا فيه، قوله :﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، وعن الليث أنه (الجنُّ ثوابُهم أن يُجَارُوا من النار، ثم يقالُ لَهم : كونوا تُراباً مثلَ البهائمِ). وقال آخرون : إذا كان عليهم العقابُ في الإساءة، وجبَ أن يكون لهم الثوابُ في الإحسانِ مثل الإنسِ، وعن الضحَّاك قال :(الْجِنُّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ).

الأحقاف 46:32

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي لا يعجِزُ اللهَ ولا يفوتهُ، ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءُ أُوْلَئِكَ﴾ ؛ الذين لا يُجِيبُونَ الرسُلَ، ﴿فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾.

الأحقاف 46:33

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ ؛ أي لم يُضِعفْ عن إبداعِهنَّ، ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِـيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ والمعنى : أليسَ اللهُ بقادرٍ على إحياءِ الموتَى فيما ترَون يا أهلَ مكَّة، فإنَّ خلقَ السموات والأرضِ بما فيهنَّ من العجائب والبدائعِ أعظمُ من إعادةِ الحياة في الميِّت بعدَ ما كانت فيه.

الأحقاف 46:34

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَـاذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ؛ الآيةُ ظاهرة المعنى.

الأحقاف 46:35

وقولهُ تعالى :﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ ؛ وهم خمسةٌ أُولُوا الكتب والشرائع : مُحَمَّدٌ ﷺ ونوح وإبراهيم وموسَى وعيسى صَلواتُ اللهِ عليهم، وَقِيْلَ : إنَّهم رسلٌ سُلِخُوا من جلودِهم فلم يجزَعُوا. وَقِيْلَ : أرادَ بأُولِي العزمِ الأنبياءُ كلَّهم، وحرف (مِنْ) على هذا القولِ لِتَبيين الجنسِ كما في قوله﴿فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾[الحج: ٣٠]، قال ابنُ يزيد :(كُلُّ الرُّسُلِ كَانُوا أُوْلِي عَزْمٍ). وقال بعضُهم : كلُّ الأنبياءِ أُولُوا عزمٍ إلاَّ يونسَ عليه السلام، ألاَ ترَى أنَّ نبيَّنا ﷺ نُهي عن أنْ يكون مثلَهُ لخِفَّة وعجلةٍ ظهرت منهُ حين ولَّى مُغَاضِباً لقومهِ، فابتلاهُ الله بالحوتِ فابتلعَهُ، وَقِيْلَ : أُولُوا العزمِ نُجبَاءُ الرُّسلِ المذكورون في سُورةِ الأنعامِ وهم ثمانيةُ عشر، قَالَ اللهُ تَعَالَى فيهم﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾[الأنعام: ٩٠]. وقال مقاتلُ :(أُوْلُوا الْعَزْمِ سِتَّةٌ : نُوحٌ صَبَرَ عَلَى أذى قَوْمِهِ وَكَانُواْ يَضْرِبُونَهُ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ، وَإبْرَاهِيمُ صَبَرَ عَلَى النَّار، وَإسْحَاقُ صَبَرَ عَلَى الذبْحِ، وَيَعْقُوبُ صَبَرَ عَلَى فَقْدِ وَلَدِهِ وَذهَاب بَصَرِهِ، وَيُوسُفُ صَبَرَ عَلَى الْبئْرِ وَالسِّجْنِ، وأيُّوبَ صَبَرَ عَلَى الضُّرِّ). قال ابنُ عبَّاس :(الْعَزْمُ : الصَّبْرُ)، وقال القَرَظِيُّ : الرَّأيُ وَالصَّوَابُ). وقال الحسنُ :(أُوْلُوا الْعَزْمِ أرْبَعَةٌ : إبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَدَاوُدَ وَعِيسَى عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ، أمَّا إبْرَاهِيمُ فَعَزْمُهُ أنَّهُ قِيلَ لَهُ : أسْلِمْ، َفَقَالَ أسْلَمْتُ لِرَب الْعَالَمِينَ، وَابْتُلِيَ فِي وَلَدِهِ وََمَالِهِ وَنَفْسِهِ، فَوُجِدَ صَادِقاً وَافِياً فِي جَمِيعِ مَا ابْتُلِيَ بهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾[البقرة: ١٢٤]، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾[النجم: ٣٧]، وَأمَّا مُوسَى فَعَزْمُهُ أنَّ قَوْمَهُ كُلَّمَا قَالُوا لَهُ : إنَّا لَمُدْرَكُونَ، قَالَ : كَلاَّ إنَّ مَعِي رَبي سَيَهْدِينِ. وَأمَّا دَاوُد عليه السلام فَعَزْمُهُ أنَّهُ أخْطَأَ خطِيئَةً فَبَكَى عَلَيْهَا أرْبَعِينَ سَنَةً. وَأمَّا عِيسَى فَعَزْمُهُ أنْ لَمْ يَضَعْ لَبنَةً عَلَى لَبنَةٍ زُهْداً فِي الدُّنْيَا). فكأنَّ اللهَ تعالى قال لنَبيِّه ﷺ : فاصبرْ كما صبرَ أُولُوا العزمِ من الرُّسلِ ؛ أي كن صَادقاً فيما ابتُلِيت به مثلَ صدقِ إبراهيمَ عليه السلام، وكُن واثقاً بنصرِ مَولاَكَ مثلَ ثقةِ مُوسَى عليه السلام مُهتَمّاً بما سلفَ من هفَوَاتِكَ مثل اهتمامِ داودَ عليه السلام، زاهداً في الدُّنيا مثلَ زُهدِ عيسى عليه السلام، فقالَ الشاعرُ : أُوْلُواْ الْعَزْمِ نُوحٌ وَالْخَلِيلُ كِلاَهُمَا مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبيُّ مُحَمَّدُفلمَّا نزلت هذه الآيةُ قال النبيُّ ﷺ :" واللهِ لأَصْبرَنَّ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وَأجْهَدُ كَمَا جَهِدُوا، ولاَ قُوَّةٍ إلاّ بالله ". وقولهُ تعالى :﴿وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ ؛ وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ ضَجِرَ بعضَ الضَّجرِ من كُفرِهم، وأحبَّ أن ينْزِلَ العذابُ بمَن أبَى منهم الإسلامَ، فأُمِرَ بالصَّبرِ وتركِ الاستعجالِ، ثم أخبرَ أنَّ العذابَ منهم قريبٌ، فقوله :﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ﴾ ؛ من العذاب في الآخرة ؛ ﴿لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ﴾ ؛ أي إذا عايَنُوا العذابَ صارَ طولُ لُبثِهم في الدُّنيا والقبور كأنَّهُ ساعةٌ، لأنَّ ما مضَى كأنَّهُ لم يكن وإنْ كان طَويلاً. وتَمَّ الكلامُ، ثم قال تعالى :﴿بَلاَغٌ﴾ ؛ أي هذا القرآنُ وما فيه من البيانِ بلاغٌ عن الله إليك، والبلاغُ بمعنى التبليغِ بلَّغَكم مُحَمَّدٌ ﷺ عن اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ؛ أي لا يقعُ العذاب إلاَّ بالعاصِين الخارجين عن أمرِ الله تعالى، وَقِيْلَ : معناهُ : ما يهلكُ إلاَّ مشركٌ أو منافقٌ.

محمد 47:1

﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ ؛ معناهُ : الذين كفَرُوا بتوحيدِ الله وصَدُّوا الناسَ عن الإسلامِ، يعني كفارَ مكَّة أضلَّ أعمالَهم ؛ أي أبطَلَها وأذهبَها فلا أجْرَ لهم فيها وكأنَّها لم تكن، وأرادَ بأعمالِهم إطعامَهم الطعامَ وصِلَتهم الأرحامَ.

محمد 47:2

وقولهُ تعالى :﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ ؛ أي صدُّقُوا بالقرآنِ الذي نزلَ على مُحَمَّدٍ، ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ ؛ أي الصدقُ، ﴿مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ ؛ أي غفَرَها لهم فلا يُحاسَبون عليها، ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ ؛ أي حالَهم، قال المبرِّدُ :(الْبَالُ : الْحَالُ). وقال ابنُ عبَّاس :(عَصَمَهُمْ أيَّامَ حَيَاتِهِمْ حَتَّى لَمْ يُمْنَعُوا). وَقِيْلَ : معناهُ : وأظهرَهم على أعدائِهم وقوَّاهم من ضَعفِهم، قال ابنُ عبَّاس رضي الله عنه :(الَّذِينَ كَفَرُواْ صَدُّواْ عَنْ سَبيلِ اللهِ أهْلُ مَكَّةَ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لِلأَنْصَار).

محمد 47:3

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ اتَّبَعُواْ الْبَاطِلَ﴾ ؛ أي ذلك الإضلالُ والإصلاحُ باتِّباعِ الذين كفَرُوا الشِّركَ، ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّبَعُواْ الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ ؛ واتِّباعُ المؤمنين التوحيدَ والقرآن، فالشِّركُ هو الباطلُ، والتوحيدُ هو الحقُّ والقرآن. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ ؛ معنى أنَّ مَن كان كَافراً أضلَّ اللهُ عملَهُ، ومَن كان مُؤمناً كفَّرَ اللهُ سيِّئاته وأصلحَ بالَهُ.

محمد 47:4

وقولهُ تعالى :﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ ؛ أي إذا لَقِيتمُوهم في القتالِ فاضْرِبُوا رقابَهم ؛ أي اقتلُوهم، والمعنى : فاضرِبُوا الرقابَ ضَرباً، وهذا مصدرٌ أُقِيمَ مقامَ الأمرِ، كما في قولهِ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾[البقرة: ٩٢]، وَقِيْلَ : انتصبَ قولهُ ﴿فَضَرْبَ﴾ على الإغراءِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الْوَثَاقَ﴾ ؛ أي حتى إذا أكثَرتُم القتلَ فيه وغلَبتُموهم وبالَغْتُم في قتلِهم فاستوثَقُوهم بالأسرِ، ولا يكون الأسرُ إلاَّ بعد المبالَغةِ في القتلِ، كما قال اللهُ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾[الأنفال: ٦٧]، والمعنَى حتى إذا قَهرتُموهم وغَلبتُموهم وصَاروا أسَارَى في أيدِيكم فشُدُّوا وثاقَهم كَيلاَ يَهربُوا، يقال : أوْثَقَهُ أيْ إيْثَاقاً إذا شدَّ أسْرَهُ لِئَلاَّ يُفْلِتَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ ؛ معناهُ : فإما أن تَمُنُّوا عليهم بعد أن تَأسِرُوهم وتطلقوهم بغيرِ فداءٍ، وإما تُطلِقُوهم يُفْدَوْنَ بأَسرَاكُم عندَهم أو بمالٍ، والمعنى فإمَّا بعدَ أن تأسِرُوهم إما مَنَنْتُمْ عليهم مَنّاً فأطلقتُموهم بغيرِ عِوَضٍ، وإما أنْ تُفَدُوا فِدَاءً. وعن ابنِ عبَّاس قال :(هَذِهِ الآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾[التوبة: ٥]). وَإلَيْهِ ذهَبَ أبُو حَنِيفَةَ وقالَ :(لاَ يَجُوزُ الْمَنُّ عَلَى الأَسِيرِ وَلاَ الْفِدَاءُ بالْمَالِ وَلاَ بغَيْرِ الْمَالِ مِنَ الأُسَارَى، وَلاَ يُبَاعُ السَّبْيُ مِنْ أهْلِ الْحَرْب). ولم يختلف أهلُ التفسيرِ في أنَّ التوبةَ نزلت بعدَ سُورَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ولا خلافَ بين العلماءِ في جواز قتل الأسيرِ وجواز قِسمَةِ الأُسَارَى بين المسلمِين إذا لم يكن الأُسارَى من العرب، وإنما اختَلَفُوا في جواز الْمَنِّ عليهم في مَفَادَاتِهم بالمالِ أو النفس. قال الشافعيُّ :(يَجُوزُ المَنُّ عَلَيْهِمْ لأَنَّ النَّبيَّ ﷺ مَنَّ عَلَى أبي عَزَّةَ الشَّاعِرِ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى أنْ لاَ يُقَاتِلَ، فَرَجَعَ إلَى مَكَّةَ ثُمَّ عَادَ بَعْدَ ذلِكَ لِلْقِتَالِ فَأُسِرَ، فَأَمَرَ النَّبيُّ ﷺ بقَتْلِهِ). فأجابَ أصحابُنا عن هذا إنَّما مَنَّ عليه كما مَنَّ العربُ، وكان لا يجوزُ استرقاقهُ، وقال أبو يوسف ومحمَّد :(تَجُوزُ مُفَادَاةُ الأَسِيرِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ أي حتى يضعَ أهلُ الحرب أسلِحتَهم، والأوْزَارُ في اللغة : الأَثْقَالُ، وَقِيْلَ : المرادُ بالأوزار هنا الآثَامُ، وقال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ أيْ حَتَّى لاَ يَبْقَى أحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). وقال مجاهدُ :(حَتَّى لاَ يَكُونَ دِينٌ إلاَّ الإسْلاَمُ). وَقِيْلَ : حتى تضعَ حربُكم وقتالُكم أوزارَ المشركين وقبائحَ أعمالِهم بأنْ يُسلِمُوا فلا يبقَى دينٌ غيرُ الإسلامِ، ولا يُعبَدُ وثنٌ. وقال الفرَّاءُ :(مَعْنَاهُ : حَتَّى لاَ يَبْقَى إلاَّ مُسْلِمٌ أوْ مُسَالِمٌ). وَقِيْلَ : معناهُ : حتى تضعَ أهلُ الحرب آلتَها وعُدَّتَها، وآلَتُهم أسلِحَتُهم فيُمسِكُوا عن الحرب، وحربُ القومِ الْمُحاربُونَ كالرَّكْب والشُّرب، ويقال أيضاً للكِرَاعِ : أوْزَارٌ، قال الشاعرُ وهو الأعشَى :

محمد 47:5

وقولهُ تعالى :﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ ؛ أي إذا لَقِيتمُوهم في القتالِ فاضْرِبُوا رقابَهم ؛ أي اقتلُوهم، والمعنى : فاضرِبُوا الرقابَ ضَرباً، وهذا مصدرٌ أُقِيمَ مقامَ الأمرِ، كما في قولهِ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾[البقرة: ٩٢]، وَقِيْلَ : انتصبَ قولهُ ﴿فَضَرْبَ﴾ على الإغراءِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الْوَثَاقَ﴾ ؛ أي حتى إذا أكثَرتُم القتلَ فيه وغلَبتُموهم وبالَغْتُم في قتلِهم فاستوثَقُوهم بالأسرِ، ولا يكون الأسرُ إلاَّ بعد المبالَغةِ في القتلِ، كما قال اللهُ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾[الأنفال: ٦٧]، والمعنَى حتى إذا قَهرتُموهم وغَلبتُموهم وصَاروا أسَارَى في أيدِيكم فشُدُّوا وثاقَهم كَيلاَ يَهربُوا، يقال : أوْثَقَهُ أيْ إيْثَاقاً إذا شدَّ أسْرَهُ لِئَلاَّ يُفْلِتَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ ؛ معناهُ : فإما أن تَمُنُّوا عليهم بعد أن تَأسِرُوهم وتطلقوهم بغيرِ فداءٍ، وإما تُطلِقُوهم يُفْدَوْنَ بأَسرَاكُم عندَهم أو بمالٍ، والمعنى فإمَّا بعدَ أن تأسِرُوهم إما مَنَنْتُمْ عليهم مَنّاً فأطلقتُموهم بغيرِ عِوَضٍ، وإما أنْ تُفَدُوا فِدَاءً. وعن ابنِ عبَّاس قال :(هَذِهِ الآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾[التوبة: ٥]). وَإلَيْهِ ذهَبَ أبُو حَنِيفَةَ وقالَ :(لاَ يَجُوزُ الْمَنُّ عَلَى الأَسِيرِ وَلاَ الْفِدَاءُ بالْمَالِ وَلاَ بغَيْرِ الْمَالِ مِنَ الأُسَارَى، وَلاَ يُبَاعُ السَّبْيُ مِنْ أهْلِ الْحَرْب). ولم يختلف أهلُ التفسيرِ في أنَّ التوبةَ نزلت بعدَ سُورَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ولا خلافَ بين العلماءِ في جواز قتل الأسيرِ وجواز قِسمَةِ الأُسَارَى بين المسلمِين إذا لم يكن الأُسارَى من العرب، وإنما اختَلَفُوا في جواز الْمَنِّ عليهم في مَفَادَاتِهم بالمالِ أو النفس. قال الشافعيُّ :(يَجُوزُ المَنُّ عَلَيْهِمْ لأَنَّ النَّبيَّ ﷺ مَنَّ عَلَى أبي عَزَّةَ الشَّاعِرِ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى أنْ لاَ يُقَاتِلَ، فَرَجَعَ إلَى مَكَّةَ ثُمَّ عَادَ بَعْدَ ذلِكَ لِلْقِتَالِ فَأُسِرَ، فَأَمَرَ النَّبيُّ ﷺ بقَتْلِهِ). فأجابَ أصحابُنا عن هذا إنَّما مَنَّ عليه كما مَنَّ العربُ، وكان لا يجوزُ استرقاقهُ، وقال أبو يوسف ومحمَّد :(تَجُوزُ مُفَادَاةُ الأَسِيرِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ أي حتى يضعَ أهلُ الحرب أسلِحتَهم، والأوْزَارُ في اللغة : الأَثْقَالُ، وَقِيْلَ : المرادُ بالأوزار هنا الآثَامُ، وقال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ أيْ حَتَّى لاَ يَبْقَى أحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). وقال مجاهدُ :(حَتَّى لاَ يَكُونَ دِينٌ إلاَّ الإسْلاَمُ). وَقِيْلَ : حتى تضعَ حربُكم وقتالُكم أوزارَ المشركين وقبائحَ أعمالِهم بأنْ يُسلِمُوا فلا يبقَى دينٌ غيرُ الإسلامِ، ولا يُعبَدُ وثنٌ. وقال الفرَّاءُ :(مَعْنَاهُ : حَتَّى لاَ يَبْقَى إلاَّ مُسْلِمٌ أوْ مُسَالِمٌ). وَقِيْلَ : معناهُ : حتى تضعَ أهلُ الحرب آلتَها وعُدَّتَها، وآلَتُهم أسلِحَتُهم فيُمسِكُوا عن الحرب، وحربُ القومِ الْمُحاربُونَ كالرَّكْب والشُّرب، ويقال أيضاً للكِرَاعِ : أوْزَارٌ، قال الشاعرُ وهو الأعشَى :

محمد 47:6

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ ؛ أي بَيَّنها لهم حتى عرَفُوها من غيرِ استدلالٍ، وذلك أنَّهم إذا دخَلُوا الجنةَ تعرَّفُوا إلى منازلِهم. وَقِيْلَ : معناهُ : طيَّبَها لَهم من العُرْفِ وهي الرائحةُ الطيِّبة، وطعامٌ مُعَرَّفٌ ؛ أي مطَيَّبٌ.

محمد 47:7

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ ؛ أي إن تَنصُروا دينَ اللهِ ونبيَّهُ ﷺ ينصُرْكُم بالتوفيقِ والكفاية والإظهار على الأعداءِ، ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ؛ عندَ القتالِ بتقوِيَةِ قُلوبكم، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ﴾ ؛ أي فمَكرُوهاً لهم وسوءاً، والتَّعْسُ في اللغة : الانحطاطُ والعثُورُ، يقال : تَعَسَ يَتْعَسُ إذا انْكَبَّ وعَثَرَ، قال ابنُ عبَّاس :(يُرِيدُ : فِي الدُّنْيَا الْعَثْرَةُ، وَفِي الآخِرَةِ التَّرَدِّي فِي النَّار). وانتصبَ قولهُ ﴿فَتَعْساً لَّهُمْ﴾ على الدُّعاء ؛ أي أتْعَسَهُمُ اللهُ تَعْساً، قال الفرَّاءُ :(هُوَ نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَر)، وأصلُ التَّعْسِ في الدوَاب والناسِ، وهو أن يُقالَ للعاثرِ : تَعْساً ؛ إذا لَمْ يُرِيدُوا قِيَامَهُ، وضِدُّهُ لَعَّا إذا أرَادُوا قِيامَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ ؛ أي أبْطَلَها وأحبَطَها لأنَّها كانت في طاعةِ الشيطان. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ ؛ أي ذلك التَّعْسُ والإضلالُ بأنَّهم كَرِهُوا ما أنزلَ اللهُ على نبيِّه ﷺ وبيَّن من الفرائضِ من الصَّلاة والزكاةِ، ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ؛ لأنَّها لم تكن في إيمانٍ.

محمد 47:8

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ ؛ أي إن تَنصُروا دينَ اللهِ ونبيَّهُ ﷺ ينصُرْكُم بالتوفيقِ والكفاية والإظهار على الأعداءِ، ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ؛ عندَ القتالِ بتقوِيَةِ قُلوبكم، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ﴾ ؛ أي فمَكرُوهاً لهم وسوءاً، والتَّعْسُ في اللغة : الانحطاطُ والعثُورُ، يقال : تَعَسَ يَتْعَسُ إذا انْكَبَّ وعَثَرَ، قال ابنُ عبَّاس :(يُرِيدُ : فِي الدُّنْيَا الْعَثْرَةُ، وَفِي الآخِرَةِ التَّرَدِّي فِي النَّار). وانتصبَ قولهُ ﴿فَتَعْساً لَّهُمْ﴾ على الدُّعاء ؛ أي أتْعَسَهُمُ اللهُ تَعْساً، قال الفرَّاءُ :(هُوَ نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَر)، وأصلُ التَّعْسِ في الدوَاب والناسِ، وهو أن يُقالَ للعاثرِ : تَعْساً ؛ إذا لَمْ يُرِيدُوا قِيَامَهُ، وضِدُّهُ لَعَّا إذا أرَادُوا قِيامَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ ؛ أي أبْطَلَها وأحبَطَها لأنَّها كانت في طاعةِ الشيطان. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ ؛ أي ذلك التَّعْسُ والإضلالُ بأنَّهم كَرِهُوا ما أنزلَ اللهُ على نبيِّه ﷺ وبيَّن من الفرائضِ من الصَّلاة والزكاةِ، ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ؛ لأنَّها لم تكن في إيمانٍ.

محمد 47:9

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ ؛ أي إن تَنصُروا دينَ اللهِ ونبيَّهُ ﷺ ينصُرْكُم بالتوفيقِ والكفاية والإظهار على الأعداءِ، ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ؛ عندَ القتالِ بتقوِيَةِ قُلوبكم، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ﴾ ؛ أي فمَكرُوهاً لهم وسوءاً، والتَّعْسُ في اللغة : الانحطاطُ والعثُورُ، يقال : تَعَسَ يَتْعَسُ إذا انْكَبَّ وعَثَرَ، قال ابنُ عبَّاس :(يُرِيدُ : فِي الدُّنْيَا الْعَثْرَةُ، وَفِي الآخِرَةِ التَّرَدِّي فِي النَّار). وانتصبَ قولهُ ﴿فَتَعْساً لَّهُمْ﴾ على الدُّعاء ؛ أي أتْعَسَهُمُ اللهُ تَعْساً، قال الفرَّاءُ :(هُوَ نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَر)، وأصلُ التَّعْسِ في الدوَاب والناسِ، وهو أن يُقالَ للعاثرِ : تَعْساً ؛ إذا لَمْ يُرِيدُوا قِيَامَهُ، وضِدُّهُ لَعَّا إذا أرَادُوا قِيامَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ ؛ أي أبْطَلَها وأحبَطَها لأنَّها كانت في طاعةِ الشيطان. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ ؛ أي ذلك التَّعْسُ والإضلالُ بأنَّهم كَرِهُوا ما أنزلَ اللهُ على نبيِّه ﷺ وبيَّن من الفرائضِ من الصَّلاة والزكاةِ، ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ؛ لأنَّها لم تكن في إيمانٍ.

محمد 47:10

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ يعني أهلَ مكَّة، ﴿فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ؛ من الأُمم المكذِّبة، ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ منازَلهم وأهلكَهم بالعذاب، والتدميرُ : الهلاكُ، ثم يوعِدُ مشركِي مكَّة فقال :﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ ؛ إنْ لم يُؤمِنُوا ؛ أي أمثالُ عقُوبَتِهم وأشباهُ عقوباتِ مَن كان قبلَهم.

محمد 47:11

وقولُه تعالى :﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ؛ أي ذلك النَّصرُ للمؤمنين والهلاكُ للكافرين بأنَّ الله ولِيُّ الذين آمَنُوا يلِي أمرَهم ويتولَّى نصرَهم، ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ﴾ ؛ أي ليس لَهم ولِيٌّ يُعِينُهم ولا ناصرَ يُنْجِيهم من العذاب.

محمد 47:12

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ﴾ ؛ في الدُّنيا، ﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ﴾ ؛ تأكلُ وتشرَبُ ولا تدري ما في غدٍ، كذلك الكفارُ لا يلتَفِتُونَ إلى الآخرة، ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ ؛ أي منْزِلُهم ومُقَامُهم ومصيرُهم. وأرادَ بالتمتُّعِ التعيُّشَ في الدنيا في الجهلِ، وشبَّهَ أكلَ الكافرِ بأكلِ الأنعام لأنَّهم يأكلُون للشَّبَعِ لا يَهمُّهم ما في غدٍ، والمؤمنُ هِمَّتُهُ مصروفةٌ إلى أمرِ دينه يأكلُ للقيامِ بعبادة اللهِ لا للشَّبع، ويكون قصدهُ من التَّمتُّع إعفافَ نفسه وزوجتهِ، وابتغاءَ ما كُتِبَ من الولدِ. وفي الحديثِ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ :" مَا مَلأَ ابْنُ آدَمَ وعَاءً شَرّاً مِنْ بَطْنِهِ، فَإنْ كَانَ لاَ بُدَّ : فَثُلُثاً لِلطَّعَامِ وَثُلُثاً لِلشَّرَاب وَثُلُثاً لِلنَّفَسِ " وقال الحسنُ :(وَهُوَ أنَّكُمْ إذا أشْبعْتُمْ عَصَيْتُمْ شِئْتُمْ أوْ أبَيْتُمْ).

محمد 47:13

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ ؛ هذا تحذيرٌ لأهلِ مكَّة بقولهِ : كم أهلَكنا من أهلِ قريةٍ مَن كان أكثرَ عَدداً وأبسطَ مُلكاً ويَداً من أهلِ قريتِكَ ؛ يعني مكَّة التي أخرجَتْكَ أهلُها، ﴿فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ﴾ ؛ فلم يكن لَهم ناصرٌ يُنجِيهم من عذاب الله، فحَذِّرْ قومَكَ يا مُحَمَّدُ مثلَ حالَتِهم.

محمد 47:14

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ ؛ معناهُ : حالُ مَن كان على نصرهِ من ربهِ ويقين كحالِ مَن زُيِّنَ له قُبْحُ عملهِ فيعبُدوا الأوثانَ، ﴿وَاتَّبَعُواْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ؛ في عبادتِها.

محمد 47:15

قَوْلُهُ تَعَلَى :﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ ؛ أي صِفَةُ الجنَّة التي وُعِدَ المتَّقون الشركَ والكبائرَ، ﴿فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ ؛ أي مُتغيِّر طَعمهُ وريحهُ، يقالُ : آسَنَ الماءُ يَأْسَنُ أُسُونَا وَأسَناً إذا تغيَّرَ، وهو الذي لا يشتهيه مِن نَتَنِهِ فهو آسِنٌ وأسِنٌ، مثلُ حَاذِرٍ وحَذِرٍ. وَقِيْلَ : إن الآسِنَ ما يعرَضُ أن يتغيَّر، والأَسِنُ بالقَصْرِ، ما تغيَّرَ في الحالِ، وقرأ ابنُ كثير (آسِنٍ) بالقصرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ ؛ أي لم يَحْمَضْ كما تَحْمَضُ وتتغيَّرُ ألبانُ الدُّنيا ؛ لأنه لم يخرُجْ من ضُروعِ الأنعامِ، ﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾ ؛ بخلاف خمرِ الدُّنيا ؛ فإنَّها لا تخلُو من المرارةِ، وعن ما يحدثُ فيها من أنواعِ المرضِ ومن العقوبةِ في الدُّنيا والآخرةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ ؛ أي مُصَفَّى من الأقذار، من العِكْرِ والكَدَر، بخلافِ عسلِ الدُّنيا الذي يكون من بطونِ النَّحل، فإنه لا يخلُو من الشَّعرِ وغيرهِ. قال مقاتلُ :(أنْهَارُ الْجَنَّةِ الْمَذْكُورَةُ تَتَفَجَّرُ مِنَ الْكَوْثَرِ إلَى الْجَنَّةِ). ويقالُ : إنَّها تتفجرُ من تحتِ شجرة طُوبَى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ ؛ أي ولَهم في الجنَّة من جميعِ أنواع الثَّمرَاتِ والفواكهِ مما عَلِموهُ وما لَمْ يعلموهُ، ومما سَمعوهُ وما لَمْ يسمعوهُ، ظاهرُها مثلُ باطِنها، لا يخالِطُها قشرٌ ولا رذالٌ ولا نَوَى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ ؛ أي ولَهم مع ذلك النعيمِ المقيم مغفرةٌ مِن ربهم لذُنوبهم، فلا يُذكَرُ شيءٌ من معاريضِهم في الجنَّة ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قد ستَرَها عليهم فهي بمنْزِلة ما لَمْ يُعمَلْ، ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾ ؛ أي مَن كان في هذا النعيمِ كمَنْ هو خالدٌ في النار ﴿وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً﴾ شَديدَ الحرِّ تسْتَعرُ عليه جهنَّم منذُ خُلِقت ﴿فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾ في الجوفِ من شدَّة الحرِّ، والأمعاءُ : جميعُ ما في البطنِ من الحوايَا، واحدُها مِعَاءٌ، كما قالَ تعالى في آيةٍ أُخرى :﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾[الحج: ٢٠]. وعن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قالَ :" إذا شَرِبَهُ صَاحِبُهُ قَطَّعَ أمْعَاءَهُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ " وعن محمَّد بن عبدِالله الكاتب قال : قَدِمْتُ مِنْ مَكَّةَ، فَلَمَّا صِرْتُ إلَى طِيزنَابَاذ ذكَرْتُ بَيْتَ أبي نُؤَاسٍ : بطِيزْنابَاذ كَرْمٌ مَا مَرَرْتُ بهِ إلاَّ تَعَجَّبْتُ مِمَّنْ شَرِبَ الْمَاءَفَهَتَفَ بهِ هَاتِفٌ أسْمَعُهُ وَلاَ أرَاهُ : فِي الْجَحِيمِ حَمِيمٌ مَا تَجَرَّعَهُ خَلْـ قٌ إلاَّ مَا بَقِيَ لَهُ بَطْنُ أمْعَاءِ

محمد 47:16

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً﴾ ؛ وذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعَابَ الْمُنَافِقِينَ فيِ خُطْبَتِهِ، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْمَسْجِدِ قَالُواْ لِعَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ : مَاذا قَالَ مُحَمَّدٌ عَلَى الْمِنْبَرِ السَّاعَةَ ؟ فَقَدْ سَمِعْنَا قَوْلَهُ وَلَمْ نَفْهَمْهُ، كَأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ سَمَاعَ تَهَاوُنٍ وَاسْتِخْفَافٍ. والآنِفُ : السَّاعَةُ ؛ مِن قولِكَ : اسْتَأْنَفْتُ الشَّيءَ إذا ابتدأتَهُ، والمعنى : ومِن هؤلاءِ الكفَّار مَن يستمعُ إليك : المنافِقُون يستمِعون قولَكَ فلا يَعُونَهُ ولا يفهمونَهُ تَهَاوُناً منهم بذلكَ وتثَاقُلاً، فإذا خرَجُوا قالوا للَّذين أوُتُوا العلمَ من الصحابةِ : مذا قالَ مُحَمَّدٌ الآنَ، وذلك أنَّهم سأَلُوا ابنَ مسعودٍ وابنَ عبَّاس عمَّا قال النبيُّ ﷺ استهزاءً وتَهاوُناً وهذا كالرجُلِ يستمعُ إلى غيرِ سماعٍ استخفافاً، ثم يقولُ بعدَ ذلك لأصحابهِ : أليس الذي كانَ يقولُ فلانٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ ؛ أي خَتَمَ عليها بالكُفرِ فلا يعقِلُون الإيمانَ، والطبعُ هو الْخَتْمُ على القلب بسِمَةٍ تعلَمُها الملائكةُ بأنَّه جاحدٌ لا يفلحُ أبداً، ﴿وَاتَّبَعُواْ أَهْوَآءَهُمْ﴾ ؛ في الكفرِ والنِّفاقِ.

محمد 47:17

وقولهُ تعالى :﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ ؛ أي والذين اهتدَوا بالإيمانِ بكَ والاستماعِ إلى خُطبَتِكَ زادَهم اللهُ بصيرةً في دِينهم، وألْهَمَهُم تركَ المعاصِي واجتنابَ المحارمِ. ويجوزُ أن يكون زادَهم إعراضُ المنافقين هدًى، وأعطَاهم اللهُ ثوابَ تَقَوَاهُم في الآخرةِ.

محمد 47:18

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ ؛ أي ما ينتظرُ هؤلاءِ الكفارُ والمنافقون إلاَّ أنْ تأتِيَهم الساعةُ فجأةً على غِرَّةٍ منهم، ﴿فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا﴾ ؛ أي علاَماتُها، ومِن أشراطِها خروجُ نبيِّنا ﷺ، فإنَّهَا تَأتِيهِمْ بَغْتَةً في آخرِ الزمان، قالَ ﷺ :" بُعِثْتُ أنَا وَالسَّاعَةِ كَهَاتَيْنٍ "، ومِن أشراطِها أيضاً بيعُ الْحُكْمِ وقطيعةُ الرَّحمِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ ؛ أي مِن أين لَهم التوبةُ ؟ ومِن أين لَهم أن يتذكَّروا أو يتُوبُوا إذا جاءَتْهم الساعةُ حين لا ينفَعُهم ذلكَ.

محمد 47:19

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ؛ الخطابُ للنبيِّ ﷺ، والمرادُ بهِ غيرُ. والمعنى : إذا جاءَتْهم الساعةُ فاعلم أنَّه لا قاضيَ حينئذٍ إلاَّ اللهُ، ولا مخرجَ يومئذٍ إلاَّ إليهِ، والنبيُّ ﷺ قد كان عَلِمَ ذلك، ولكن هذا خطابٌ يدخلُ فيه الناسُ. والمعنى : مَن عَلِمَ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ فليَقُمْ على العلمِ ويَثبُتْ عليهِ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ ؛ أي استَعصِمْ مِن مُواقعَةِ ذنبٍ يُوجِبُ الاستغفارُ. ويقالُ : معناهُ : استَغفِرْ لصَغَائِرِكَ ؛ فإنه لا صغيرةَ مع الإصرار، ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ؛ واستغفِرْ لذُنوب المؤمنين والمؤمناتِ، وهذا إكرامٌ من اللهِ لهذه الأُمة حين أمرَ نبيَّهم أنْ يستغفرَ لهم وهو الشفيعُ الْمُجَابُ فيهم. وقوله تعالى :﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ ؛ أي مُتصرَّفَاتِكم في الدُّنيا من أوَّلِ ما ينقلِبُون من ظهرٍ إلى بطنٍ إلى أن تَخرُجوا من دُنياكم إلى قُبوركم، ويعلمُ أينَ مَثْوَاكُمْ في الآخرةِ، قال عكرمةُ :(مَعْنَاهُ : واللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ مِنَ أصْلاَب الآبَاءِ إلَى أرْحَامِ الأُمَّهَاتِ، وَمَثْوَاكُمْ مَقَامَكُمْ فِي الأَرْضِ). وقال مقاتلُ :(وَاللهُ يَعْلَمُ مُنْتَشَرَكُمْ بالنَّهَار وَمَأْوَاكُمْ باللَّيْلِ). والمعنى : إنَّهُ عالِمٌ بجميعِ أحوالِكم، لا يخفَى عليه شيءٌ منها.

محمد 47:20

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(إنَّ الْمُؤْمِنِينَ سَأَلُواْ رَبَّهُمْ أنْ يُنْزِلَ سُورَةً فِيهَا ثَوَابُ الْقِتَالِ فِي سَبيلِ اللهِ). وَقِيْلَ : إنَّ المؤمنين كانُوا يَشتَاقُون إلى تَواتُرِ نزولِ القرآن، وكانوا يَستَوحِشُونَ إذا أبطأَ الوحيُ، وهو قولُهم ﴿لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ أي هلاَّ نُزِّلتْ سورةٌ، يقولُ اللهُ تعالى :﴿فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ﴾ ؛ أي بالأحكامِ التي لا يجرِي عليها النسخُ، يعني لا يُنسَخُ منها شيءٌ، قال قتادةُ :(كُلُّ سُورَةٍ يُذْكَرُ فِيْهَا الْجِهَادُ فَهِيَ مُحْكَمَةٌ وَهِيَ أشَدُّ السُّوَر عَلَى الْمُنَافِقِينَ). والمعنى : أنَّ المؤمنِين قالُوا : هلاَّ أُنزِلَتْ سورةٌ تأمُرنا بالجهادِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ﴾ ﴿وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ﴾ ؛ أي إيجابُ القتالِ، ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾ ؛ وهم المنافِقُون، ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ ؛ عندَ ذكرِ القتالِ كنظَرِ الذي هو في غَشَيَانٍِ من الموتِ، كراهةً منهم للقتالِ مخافةَ أن يُقتَلوا في الحرب. قال الزجَّاجُ : مَعْنَاهُ : رَأيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَشْخَصُونَ نَحْوَكَ بأَبْصَارهِمْ، وَيَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَراً شَدِيداً، شَزِراً بتَحْدِيقٍ شَدِيدٍ كَرَاهَةً مِنْهُمْ لِلْجِهَادِ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ ؛ كلمةُ وعيدٍ لهم، ومعناهُ : وَلِيَهُم المكروهُ والعقابُ أولَى لهم، وهذا كما قالَ تعالى :﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾[القيامة: ٣٤]، قال الأصمعيُّ :(مَعْنَى قَوْلِهِ : أوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ؛ أيْ وَلِيَكَ وَقَارَبَكَ مَا تَكْرَهُ).

محمد 47:21

وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ ؛ ابتداءٌ وخبرهُ محذوف، تقديرهُ : طاعةٌ وقولٌ معروفٌ أمثَلُ وأحسنُ، والمعنى على هذا : أنَّ اللهَ تعالى قالَ : لو أطَاعُوا وقالوا قَوْلاً مَعْرُوفاً كان أمثلَ وأحسنَ. ويجوز أنْ يكون هذا متَّصلاً بما قبلَهُ على معنى : فأَوْلَى لَهم طاعةٌ لله ولرسولهِ وقولٌ معروف بالإجابةِ والطاعة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ﴾ ؛ فإذا وُجِدَ الأمرُ ولَزِمَ فرضُ القتالِ، نَكَلُوا وكذبوا فيما وعَدُوكَ من أنفسهم، ﴿فَلَوْ صَدَقُواْ اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ ؛ أي صدَّقوا اللهَ في إيمانِهم وجِهَادِهم لكان خيراً لَهم من المعصيةِ والكراهة والمخالفةِ.

محمد 47:22

وقولهُ تعالى :﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي فلعَلَّكم إن انصَرفتُم من مُحَمَّدٍ ﷺ وعن ما يأمُركم به أنْ تعودُوا إلى مثلِ ما كُنتم عليه من الكفرِ والفسادِ في الأرضِ من وَأدِ البناتِ، ومن قَتْلِ بعضِكم بعضاً كفعلِ الجاهليَّة، وَقِيْلَ : معناهُ : لعلَّكم إنْ توَلَّيتُم أمرَ هذه الأُمة بعدَ النبيِّ ﷺ أنْ تُفسِدُوا في الأرضِ بالقتال، ﴿وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ﴾ ؛ بالبغْيِ، فيقتلُ قريشٌ بني هاشِمَ، وبنو هاشمٍ قُريشاً. وذهبَ كثيرٌ من الناسِ إلى أنَّ هؤلاءِ بنُو أُميَّة، والمعنى : فلعلَّكم إنْ أعرَضتُم عن الإيمانِ والقرآن، وفارَقتم أحكامَهُ أن تُفسِدُوا في الأرضِ فتَعُودُوا إلى ما كُنتم عليه في الجاهليَّة من الفسادِ وقتلِ بعضكم بعضاً، وتُقَطِّعُوا أرْحَامَكُمْ بسَفكِ الدماءِ بعد ما جَمَعكم اللهُ بالاسلامِ والأُلفة، فتَعُودوا إلى ما كُنتم عليه في جاهلِيَّتكم من القتلِ والبغيِ وقطيعة الرَّحم. وقال المسيَّب بن شُريك :(مَعْنَاهُ : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أمْرَ النَّاسِ أنْ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بالظُّلْمِ، نَزَلَتْ فِي أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَفِي بَنِي هَاشِمٍ). قرأ يعقوبُ وأبو حاتمٍ :(وَتَقْطَعُوا) مُخفَّفاً من القطعِ اعتباراً بقولهِ﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾[البقرة: ٢٧]، وقولُ الحسن (وَتَقَطَّعُواْ) بفتح الحروف المشدَّدة اعتباراً بقوله﴿فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾[المؤمنون: ٥٣]، وقرأ الكافَّة (وَتُقَطِّعُواْ) بضمِّ التاء وتشديدِ الطاء وكسرِها من القطعِ على التكثيرِ لأجل الأرحامِ. ثم ذمَّ اللهُ تعالى مَن يريدُ ذلك فقالَ تعالى :﴿أَوْلَـائِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ ؛ فلاَ يَسمعون الحقَّ ولا يهتَدون للرُّشدِ، يعني المنافقِين الذين يُفسِدون في الأرضِ، ويُقطِّعون أرحامَهم، ونسَبَهم اللهُ تعالى إلى الصَّمَمِ والعمَى لإعراضِهم عن أمرِ الله تعالى، وأمَّا في مُشاهدَتِهم فإنَّهم لا يكونون صُمّاً ولا عُمياناً، ومثلهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾[الأحقاف: ٢٦].

محمد 47:23

وقولهُ تعالى :﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي فلعَلَّكم إن انصَرفتُم من مُحَمَّدٍ ﷺ وعن ما يأمُركم به أنْ تعودُوا إلى مثلِ ما كُنتم عليه من الكفرِ والفسادِ في الأرضِ من وَأدِ البناتِ، ومن قَتْلِ بعضِكم بعضاً كفعلِ الجاهليَّة، وَقِيْلَ : معناهُ : لعلَّكم إنْ توَلَّيتُم أمرَ هذه الأُمة بعدَ النبيِّ ﷺ أنْ تُفسِدُوا في الأرضِ بالقتال، ﴿وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ﴾ ؛ بالبغْيِ، فيقتلُ قريشٌ بني هاشِمَ، وبنو هاشمٍ قُريشاً. وذهبَ كثيرٌ من الناسِ إلى أنَّ هؤلاءِ بنُو أُميَّة، والمعنى : فلعلَّكم إنْ أعرَضتُم عن الإيمانِ والقرآن، وفارَقتم أحكامَهُ أن تُفسِدُوا في الأرضِ فتَعُودُوا إلى ما كُنتم عليه في الجاهليَّة من الفسادِ وقتلِ بعضكم بعضاً، وتُقَطِّعُوا أرْحَامَكُمْ بسَفكِ الدماءِ بعد ما جَمَعكم اللهُ بالاسلامِ والأُلفة، فتَعُودوا إلى ما كُنتم عليه في جاهلِيَّتكم من القتلِ والبغيِ وقطيعة الرَّحم. وقال المسيَّب بن شُريك :(مَعْنَاهُ : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أمْرَ النَّاسِ أنْ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بالظُّلْمِ، نَزَلَتْ فِي أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَفِي بَنِي هَاشِمٍ). قرأ يعقوبُ وأبو حاتمٍ :(وَتَقْطَعُوا) مُخفَّفاً من القطعِ اعتباراً بقولهِ﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾[البقرة: ٢٧]، وقولُ الحسن (وَتَقَطَّعُواْ) بفتح الحروف المشدَّدة اعتباراً بقوله﴿فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾[المؤمنون: ٥٣]، وقرأ الكافَّة (وَتُقَطِّعُواْ) بضمِّ التاء وتشديدِ الطاء وكسرِها من القطعِ على التكثيرِ لأجل الأرحامِ. ثم ذمَّ اللهُ تعالى مَن يريدُ ذلك فقالَ تعالى :﴿أَوْلَـائِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ ؛ فلاَ يَسمعون الحقَّ ولا يهتَدون للرُّشدِ، يعني المنافقِين الذين يُفسِدون في الأرضِ، ويُقطِّعون أرحامَهم، ونسَبَهم اللهُ تعالى إلى الصَّمَمِ والعمَى لإعراضِهم عن أمرِ الله تعالى، وأمَّا في مُشاهدَتِهم فإنَّهم لا يكونون صُمّاً ولا عُمياناً، ومثلهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾[الأحقاف: ٢٦].

محمد 47:24

قولهُ :﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ ؛ فتَعرِفُوا ما يُوعَدون للمُتمَسِّكِ بالقرآن، ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ ؛ يعني الطَّبْعَ على القلب، وهذا استعارةٌ لإغلاقِ القلب عن معرفةِ الإسلامِ والقرآن، وكأنَّ على قُلوبهم أقفَالاً تَمْنَعُهُمْ من الاستدلالِ.

محمد 47:25

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّواْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ ؛ قال قتادةُ :(هُمْ كُفَّارُ أهْلِ الْكِتَاب، كَفَرُواْ بمُحَمَّدٍ ﷺ وَهُمْ يَعْرِفُونَهُ وَيَجِدُونَ صِفَتَهُ فِي كِتَابهِمْ، وَنَعْتَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ). فمعناهُ : إنَّ الذين رجَعُوا كفَّاراً من بعدِ ما ظهرَ لهم أمرُ النبيِّ ﷺ بنَعتهِ وصفتهِ في كتابهم، ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ ؛ أي زَيَّنَ لهم القبيحَ، ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ ؛ اللهُ تعالى ؛ أي أمْهَلَهُمْ مَوَسِّعاً عليهم ليتَمَادَوا في طُغيانِهم، ولم يُعجِّلْ عليهم بالعقوبةِ. ويُحْسَنُ الوقوفُ على قولِ :﴿سَوَّلَ لَهُمْ﴾ لأنه فِعلُ الشيطانِ، والإملاءُ فعلُ اللهِ تعالى، على قولِ الحسنِ : لاَ يُحْسَنُ الْوُقُوفُ ؛ لأنَّهُ يُقَالُ فِي تَفْسِيرِهِ :﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ : مَدَّ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فِي الْعَمَلِ. وقرأ أبو عمرٍو (وَأُمْلِي لَهُمْ) على ما لَمْ يُسَمَّ فاعلهُ، وهو حسنٌ للفصلِ بين فعلِ الشَّيطان وفعلِ الله تعالى، ونعلمُ يقيناً أنَّهُ لا يُؤَخِّرُ أحدٌ مدَّة أحدٍ ولاَ يُوَسِّعُ فيها إلاَّ اللهُ تعالى. وقرأ مجاهدُ (وَأُمْلِي) بضمِّ الهمزةِ وإسكانِ الياء على معنى : وأنَا أُمْلِي لَهم.

محمد 47:26

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ﴾ ؛ معناهُ : ذلكَ الإملاءُ لليهودِ بأنَّهم قالُوا للمُشرِكين : سَنُطِيعُكُمْ في بعضِ الأمُور ؛ أي في التَّعاوُنِ على عداوةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالُوا ذلك فيما بينَهم، فأخبرَ اللهُ تعالى عنهم وأعلمَ أنه يعلمُ ذلك فقالَ :﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ ؛ وقرأ بكسر الألفِ على المصدر ؛ أي إسْرَارَهُمْ بكسر الألف، والمعنى : وَاللهُ يعلَمُ أسرارَ اليهودِ والمنافقين.

محمد 47:27

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ﴾ ؛ أي كيف يكونُ حالُهم إذا قبَضت أرواحَهم الملائكةُ، ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ ؛ وظُهورَهم بمَقَامِعِ الحديدِ عند قبضِ الأرواح. ثم ذكرَ سببَ ذلك الضَّرب :﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ؛ بما كتَمُوا من التوراةِ، وكفَرُوا بمُحَمَّدٍ ﷺ، وكَرِهُوا ما فيهِ رضوانُ اللهِ وهو الطاعةُ والإيمانُ ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾، معنى ما كان من برٍّ وصلةٍ وخير عَمِلوهُ في غيرِ الإيمان بكُفرِهم.

محمد 47:28

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ﴾ ؛ أي كيف يكونُ حالُهم إذا قبَضت أرواحَهم الملائكةُ، ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ ؛ وظُهورَهم بمَقَامِعِ الحديدِ عند قبضِ الأرواح. ثم ذكرَ سببَ ذلك الضَّرب :﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ؛ بما كتَمُوا من التوراةِ، وكفَرُوا بمُحَمَّدٍ ﷺ، وكَرِهُوا ما فيهِ رضوانُ اللهِ وهو الطاعةُ والإيمانُ ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾، معنى ما كان من برٍّ وصلةٍ وخير عَمِلوهُ في غيرِ الإيمان بكُفرِهم.

محمد 47:29

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾ ؛ أظَنَّ المنافقون ؛ ﴿أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ ؛ يعني أنْ لَنْ يَتْلُوا شيئاً يُظْهِرُ فيه حِقدَهم للمسلمين وضَغْنَهُمْ عليهم، فأمرَ اللهُ تعالى بالقتالِ والنَّفقةِ، فبَخِلَ المنافقون بالمالِ فظهرَ نفاقُهم، والضَّغْنُ : هو الحقدُ الذي يُضمِرهُ الإنسانُ بقلبهِ ولا يُظهِرهُ لغيرهِ.

محمد 47:30

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ ؛ أي لعرَّفنَاكَهُمْ وأعْلَمْنَاكَهُمْ، ﴿فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ﴾ ؛ أي بالعلامةِ القبيحةِ التي نظهرها عليهم، قال الزجَّاجُ :(مَعْنَاهُ : لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا عَلَى الْمُنَافِقِينَ عَلاَمَةً ؛ وَهِيَ السِّيمَاءُ ؛ فَلَعَرَفْتَهُمْ بتِلْكَ الْعَلاَمَةِ). وقولهُ تعالى :﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ ؛ أعلمَ اللهُ النبيَّ ﷺ أنْ يُطلِعَهُ على نفاقِهم في فَحْوَى كلامِهم، فكان لا يتكلَّمُ بعدَ نُزولِ الآية منافقٌ عندَ النبيِّ ﷺ إلاَّ عُرِفَ بكلامهِ وبما يعتذرون إليه به مِن المعاذيرِ الكاذبة. قال المفسِّرون معنى قولهِ ﴿فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ أي في فَحْوَى القولِ، ومعناهُ : ومَقْصَدِهِ، ويقالُ : فلانٌ لَحَنَ بحُجَّتهِ ولاَحَنَ في كلامهِ، وفي الحديث :" لَعَلَّ بَعْضَكُمْ ألْحَنُ بحُجَّتِهِ " أي أذْهَبُ بها في الجهاتِ لقوَّتهِ على تصريفِ الكلام، وإذا قِيْلَ : لَحَنَ في كلامهِ أو ألْحَنَ ؛ فمعناهُ : ذهبَ بالكلامِ إلى خلافِ جهة الصَّواب. ولَحَنَ القارئُ إذا تركَ الإعرابَ الصَّوابَ وعدلَ عنه. وقولهُ تعالى :﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ ؛ أي يعلمُ ظَواهِرَها وبوَاطِنَها.

محمد 47:31

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ ؛ لنُعامِلُكم معاملةَ المختَبر فيما نأمُركم به من الجهادِ حتى نُمَيِّزَ المجاهدينَ منكم من غيرِهم، والصابرِين في القتالِ من الذين لا يصبرُون. وإنما كَنَّى بالعلمِ عن التمييزِ ؛ لأنه يُتَوَصَّلُ بالعلمِ إلى التمييزِ، فكان اللهُ تعالى عالِماً بكلٍّ منهم قبلَ أنْ خَلَقَهم، ولكن أرادَ بالعلمِ في هذه الآية العلمَ الذي يجبُ به الجزاءُ، وهو علمُ الشهادةِ لا علمُ الغيب. وقولهُ تعالى :﴿وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ﴾ ؛ أي نَختَبرُ بما نأمرُكم به وننهاكم عنه أخبارَكم وأحوالكم حتى يظهرَ للناسِ، وكان الفضيلُ بن عِيَاضٍ إذا أتَى على هذه الآيةِ بَكَى وقالَ :(إنَّكَ إنْ بَلَوْتَ أخْبَارَنَا وَفَضَحْتَنَا وَهَتَكْتَ أسْتَارَنَا).

محمد 47:32

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ؛ يعني بنِي قُريظَةَ والنَّضيرِ، ﴿وَشَآقُّواْ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ ؛ في التوراةِ، ﴿لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئاً﴾ ؛ بتَركِهم الهدَى، إنما يضُرُّون أنفُسَهم، ﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ ؛ فلا يُرِيدُونَ لها في الآخرةِ ثوَاباً.

محمد 47:33

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَالَكُمْ﴾ أي أطِيعُوا اللهَ في الفرائضِ وأطِيعُوا الرسولَ في السُّنن، ﴿وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَالَكُمْ﴾ بالشِّركِ والربا، فإن الشركَ يُبطِلُ العملَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾[الزمر: ٦٥]، والرِّياءُ يُحبطُ العملَ بالمعصيةِ، وَقِيْلَ : بالْعُجْب، وقال عطاءُ :(بالشَّكِّ وَالنِّفَاقِ)، قال الحسنُ :(بالْمَعَاصِي وَالْكَبَائِرِ). ويستدلُّ بظاهرِ هذه الآيةِ : على أنَّ مَنْ شَرَعَ في قُربَةٍ نحوَ الصلاةِ والصومِ والحجِّ، لم يَجُزْ له الخروجُ منها قبلَ إتْمَامِها ؛ لِمَا فيه من إبطالِ عَمَلِها.

محمد 47:34

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ؛ وإنما ذُكِرَ الموتُ على الكفرِ ؛ لأن الكفارَ قبلَ الموتِ يُفْرَضُ أن يُؤمِنَ فيُغفَرَ له، وإذا ماتَ على كُفرهِ حَبطَ عملهُ حُبُوطاً لا يلحقهُ التداركُ والتَّلافِي.

محمد 47:35

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُواْ إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ ؛ أي لا تَعطِفُوا عن قتالِ الكفَّار وتدعُوهم إلى الصُّلحِ ﴿وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ بما وعدَكم اللهُ من النصرِ في الدُّنيا والثواب والكرامةِ في الأُخرَى. قال الزجَّاجُ :(مَنَعَ اللهُ الْمُسْلِمِينَ أنْ يَدْعُوا الْكُفَّارَ إلَى الصُّلْحِ وَأمَرَهُمْ بحَرْبهِمْ حَتَّى يُسْلِمُواْ) ﴿وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ أي الغَالِبُونَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ ؛ أي بالعَوْنِ والنُّصرَةِ على عدُوِّكم بثَوَابَي حِفظِكم، ﴿وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ ؛ أي لن يَنْقِصَكم شيئاً من ثواب أعمالكم، وفي الآيةِ دلالةٌ على أنَّهُ لا يجوزُ للإمامِ أن يدعُوا الكفارَ إلى الصُّلحِ، ولا أنْ يُجِيبَهم إلى الصُّلح في حالِ ما تكون الغَلَبَةُ للمسلمين، فإنَّ الواوَ في قولهِ :﴿وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ واوُ الحالِ، كما يقالُ : لا تُسَلِّمْ على فُلانٍ وأنتَ راكبٌ ؛ أي في حالِ ما كُنتَ راكباً.

محمد 47:36

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّمَا الْحَيَاوةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ ؛ أي الدُّنيا بما فيها من زينَتِها باطلٌ وغُرورٌ، تفنَى وتزولُ عن قريبٍ، واللَّعِبُ : العملُ الذي لا تتعلَّقُ به فائدةٌ، واللَّهْوُ : هو الفرحُ الذي لا يبقَى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ ؛ أي تُؤمِنُوا بمُحَمَّدٍ ﷺ والقرآنِ، وتتَّقُوا الفواحشَ والكبائرَ، يُؤتِكُمْ ثوابَ أعمالكم كافياً وَافِياً، ﴿وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ ؛ كلَّها في الإنفاقِ في سَبيلهِ، بل يأمرُكم بالإيمانِ والطاعة ليُثِيبَكم الجنَّةَ، ونظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ﴾[الذاريات: ٥٧]. وَقِيْلَ : معناهُ : ولا يسأَلُكم مُحَمَّدٌ ﷺ أموالَكم، وَقِيْلَ : معناهُ : ولا يسأَلُكم اللهُ ورسولهُ أموالَكم كلَّها، إنما يسألُكم رُبُعَ العُشرِ، فطِيبُوا نَفْساً، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ ؛ معناهُ : إنْ يُجهِدْكُم في المسألةِ، ويُلِحَّ عليكم ويسألُكم جميعَ أموالِكم، فبَخِلُوا بها ويمنَعُوا الواجبَ. وقوله :﴿وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ التي تحدثُ في القلوب بسبب البُخلِ، قال قتادةُ :(قَدْ عَلِمَ اللهُ أنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْمَالِ خُرُوجَ الأَضْغَانِ). وقوله ﴿أَضْغَانَكُمْ﴾ أي بَغضَكم وعداوَتَكم للهِ ولرسوله، ولكن فَرَضَ عليكم يَسِيراً وهو رُبُعُ العُشرِ. والإحْفَاءُ في المسألةِ : هو الإْلحَاحُ والتشديدُ. وَقِيْلَ : معنى الآيةِ : ولا يسألُكم أموالَكم لنفسهِ، بل يسألُكم ليُؤتِكُمْ أجُورَكم.

محمد 47:37

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّمَا الْحَيَاوةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ ؛ أي الدُّنيا بما فيها من زينَتِها باطلٌ وغُرورٌ، تفنَى وتزولُ عن قريبٍ، واللَّعِبُ : العملُ الذي لا تتعلَّقُ به فائدةٌ، واللَّهْوُ : هو الفرحُ الذي لا يبقَى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ ؛ أي تُؤمِنُوا بمُحَمَّدٍ ﷺ والقرآنِ، وتتَّقُوا الفواحشَ والكبائرَ، يُؤتِكُمْ ثوابَ أعمالكم كافياً وَافِياً، ﴿وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ ؛ كلَّها في الإنفاقِ في سَبيلهِ، بل يأمرُكم بالإيمانِ والطاعة ليُثِيبَكم الجنَّةَ، ونظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ﴾[الذاريات: ٥٧]. وَقِيْلَ : معناهُ : ولا يسأَلُكم مُحَمَّدٌ ﷺ أموالَكم، وَقِيْلَ : معناهُ : ولا يسأَلُكم اللهُ ورسولهُ أموالَكم كلَّها، إنما يسألُكم رُبُعَ العُشرِ، فطِيبُوا نَفْساً، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ ؛ معناهُ : إنْ يُجهِدْكُم في المسألةِ، ويُلِحَّ عليكم ويسألُكم جميعَ أموالِكم، فبَخِلُوا بها ويمنَعُوا الواجبَ. وقوله :﴿وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ التي تحدثُ في القلوب بسبب البُخلِ، قال قتادةُ :(قَدْ عَلِمَ اللهُ أنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْمَالِ خُرُوجَ الأَضْغَانِ). وقوله ﴿أَضْغَانَكُمْ﴾ أي بَغضَكم وعداوَتَكم للهِ ولرسوله، ولكن فَرَضَ عليكم يَسِيراً وهو رُبُعُ العُشرِ. والإحْفَاءُ في المسألةِ : هو الإْلحَاحُ والتشديدُ. وَقِيْلَ : معنى الآيةِ : ولا يسألُكم أموالَكم لنفسهِ، بل يسألُكم ليُؤتِكُمْ أجُورَكم.

محمد 47:38

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هَا أَنتُمْ هَـاؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ؛ يعني ما فَرَضَ عليهم في أموالِهم من الزكاةِ، ﴿فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ﴾ ؛ بذلك، ﴿وَمَن يَبْخَلْ﴾ ؛ بذلكَ، ﴿فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ﴾ ؛ عاقبةُ بُخلِهِ تعودُ عليه في العقاب، فيصيرُ بُخلهُ على نفسهِ، ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ﴾ ؛ عن ما عندَكم من الأموالِ وعن أعمالِكم، ﴿وَأَنتُمُ الْفُقَرَآءُ﴾ ؛ وأنتم مُحتَاجُونَ إلى اللهِ وإلى ما عندهِ من الجزاءِ والرَّحمةِ والمغفرة، ثم يأمرُكم بالإنفاقِ لحاجتهِ ولا لِجَرِّ منفعةٍ ولا لدفعِ مضَرَّة، وإنما أمرُكم بذلك لمصالِحكم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ ؛ أي وإنْ تُعرِضُوا عن طاعةِ الله يَسْتَبْدِلْ قَوماً لا يَعْصُونَ ويفعلون ما يُؤمَرون، وَقِيْلَ : معناهُ : وإنْ تُعرِضُوا عن الإسلامِ وعمَّا افتَرَضَ عليكم من حقٍّ يستبدِلْ قوماً غيرَكم أطوعَ للهِ منكم، ﴿ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَالَكُم﴾ ؛ بل يكون أمثلَ منكم وأطوعَ. قال الكلبيُّ :(هُمْ كِنْدَةُ وَالنَّخْعُ)، وقال الحسنُ :(هُمُ الْعَجَمُ)، قال عكرمةُ :(هُمْ فَارسُ وَالرُّومُ). وعن رسولِ الله ﷺ " أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ؛ فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ إنْ تَوَلَّيْنَا اسْتُبْدِلُواْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أمْثَالَنَا ؟ فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ فِي صَدْر سَلْمَانَ الْفَارسِيَّ - وَقِيلَ : عَلَى فَخِذِهِ - وَقَالَ :" هَذا وَأصْحَابُهُ ". وَقَالَ :" وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لَوْ كَانَ الإيْمَانُ مُعَلَّقاً بالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رجَالٌ مِنْ أبْنَاءِ فَارسَ " قال الكلبيُّ فِي قَوْلِهِ :﴿وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ قَالَ :(لَمْ يَتَوَلَّوْا وَلَمْ يَسْتَبْدِلْ بهِمْ).

الفتح 48:1

﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ ؛ " وذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ خَرَجَ إلَى مَكَّةَ يُرِيدُ الْعُمْرَةَ، وَتَجَهَّزَ مَعَهُ نَاسٌ كَثِيرٌ مِنْ أصْحَابهِ وَمَعَهُمُ الْهَدْي يَسُوقُونَهَا مَعَ أنْفُسِهِمْ، فَبَلَغَ ذلِكَ قُرَيْشاً فَاسْتَعَدُّواْ لِيَصُدُّوهُ وَأصْحَابَهُ، فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بالْحُدَيْبيَةِ، فَزِعَ الْمُشْرِكُونَ بنُزُولِهِ ﷺ، فَبَعَثُوا إلَيْهِ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيّ لِيَأْتِيَهُمْ بالْخَبَرِ، فَلَمَّا أتَاهُمْ عُرْوَةُ أبْصَرَ قَوْماً عُمَّاراً لَمْ يَأْتُواْ لِلْقِتَالِ، فَرَجَعَ إلَى قُرَيْشٍ وَأخْبَرَهُمْ بذلِكَ وَهُوَ كَارهٌ لِصَدِّهِمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْكَعْبَةِ، فَشَتَمُوهُ وَاتَّهَمُوهُ. ثُمَّ بَعَثُوا رَجُلَيْنِ آخَرَيْنِ، فَقَالَ النَّبيُّ :" ابْعَثُوا الْهَدْيَ فِي وُجُوهِهِمَا وَلَبُّوا " فَلَمَّا رَجَعَ الرَّجُلاَنِ إلَيْهِمْ قَالاَ لَهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ عُرْوَةُ. فَبَعَثُوا سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو أحَدَ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ، قَالَ ﷺ حِينَ أبْصَرَهُ :" هَذا رَجُلٌ فَاجِرٌ، وَمَا أرَى إلاَّ قَدْ سَهُلَ أمْرُكُمْ ". فَلَمَّا أتَاهُمْ سُهَيْلُ تَذاكَرُواْ الْمُهَادَنَةَ وَالْمُوَادَعَةَ. فَلَمَّا كَانَ فِي وَسَطِ النَّهار، أمَرَ النَّبيُّ ﷺ بالْبَيْعَةِ، فَنَادَى مُنَادِيهِ فِي الْعَزْمِ :" الآنَ رُوحُ الْقُدُسِ جِبْرِيلُ عليه السلام نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَمَرَهُ بالْبَيْعَةِ " فَأَتَوا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَدْ جَلَسَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَبَايَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وكَادَتْ تِلْكَ الْبَيْعَةُ فِي صُدُور الْمُشْرِكِينَ. فَلَمَّا أمْسَوا وَهُمْ عَلَى ذلِكَ، رَمَى رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ باللَّيلِ فِي أصْحَاب رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ بالْحِجَارَةِ فَرَمَواْ أعْدَاءَ اللهِ حَتَّى أدْخَلُوهُمُ الْبُيُوتَ وَهَزَمُوهُمْ بإذْنِ اللهِ. وَأقْبَلَ أشْرَافُهُمْ إلَى النَّبيِّ ﷺ فَقَالُوا : يَا مُحَمَّدُ هَذا لَمْ يَكُنْ عَنْ رضًى مِنَّا وَلاَ مُمَالأَةً، وَإنَّمَا فَعَلَهُ سُفَهَاؤُنَا، وَعَرَضُوا الصُّلْحَ عَلَى النَّبيِّ ﷺ فَقَبلَهُ، وَلَمْ يُعْطِهِمُ الْمُشْرِكُونَ الصُّلْحَ حَتَّى قَهَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فِي غَيْرِ قِتَالٍ بالرَّمْيِ بالْحِجَارَةِ. فَاصْطَلَحَ الْفَرِيقَانِ عَلَى أنْ يَتَوَادَعُوا سِنِينَ، عَلَى أنْ يَرْجِعَ النَّبيُّ ﷺ وَأصْحَابُهُ تِلْكَ السَّنَةَ، فَمَنْ لَحِقَ بالنَّبيِّ ﷺ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَقْبَلْهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ، وَمَنْ لَحِقَ بالْمُشْرِكِينَ مِنْ أصْحَاب النَّبيِّ ﷺ فَهُوَ مِنْهُمْ. عَلَى أنَّ الْمُسْلِمِينَ إذا شَاؤُا اعْتَمَرُوا الْعَامَ الْقَابلَ فِي هَذا الشَّهْرِ الَّذِي صَدَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ فِيْهِ، عَلَى أنْ لاَ يَحْمِلُواْ بأَرْضِهِمْ سِلاَحاً. فَصَالَحَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ذلِكَ، وَكَتَبُواْ كِتَابَ الْقَضِيَّةَ بَيْنَ النَّبيِّ ﷺ وَبَيْنَهُمْ، فَوَجَدَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ذلِكَ الشَّرْطِ وَجْداً شديداً، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ مَنْ لَحِقَ بنَا مِنْهُمْ لَمْ نَقْبَلْهُ، وَمَنْ لَحِقَ بهِمْ مِنَّا فَهُوَ مِنْهُمْ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" أمَّا مَنْ لَحِقَ بهِمْ مِنَّا فَأَبْعَدَهُمُ اللهُ، وَأمَّا مَنْ أرَادَنَا مِنْهُمْ فَسَيَجْعَلُ اللهُ لَهُ مَخْرَجاً، وَإنْ يَعْلَمِ اللهُ مِنْهُ الصِّدْقَ يُنَجِّيهِ مِنْهُمْ ". فَلَمَّا فَرَغُواْ مِنْ كِتَاب الْقَضِيَّةِ، أقْبَلَ جَنْدَلُ بْنُ سُهَيْلٍ وَهُوَ يَرْشِفُ فِي قُيُودِهِ، وَكَانَ أبُوهُ قَدْ أوْثَقَهُ حِينَ خَشِيَ أنْ يَذْهَبَ إلَى رَسُولِ اللهِ، فَجَاءَ حَتَّى وَقَعَ بَيْنَ ظَهْرَانِ المُسْلِمِينَ ؛ وَقَالَ : إنِّي مِنْكُمْ وَإنِّي أعُوذُ باللهِ أنْ تُرْجِعُونِي إلَى الْكُفَّار. فَأَرَادَ رجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أنْ يَمْنَعُوهُ، وَنَاشَدَهُمْ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الْعَهْدَ وَالْمِثَاقَ! فَقَالَ ﷺ :" خَلُّوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ ؛ فَسَيُنَجِّيهِ اللهُ مِنْهُمْ ". فَانْطَلَقَ بهِ أبُوهُ، وَكَانَ مَاءُ الْحُدَيْبيَةِ قَدْ قَلَّ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأُتِيَ بدَلْوٍ مِنَ الْمَاءِ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتَمَضْمَضَ ثُمَّ مَجَّهُ فِي الدَّلْوِ، ثُمَّ أمَرَهُمْ أنْ يَجْعَلُوهُ فِي الْبئْرِ، فَامْتَلأَتِ الْبئْرُ مَاءً حَتَّى جَعَلُواْ يَغْرِفُونَ مِنْهُ وَهُمْ جُلُوسٌ عَلَى شَفَةِ الْبئْرِ، وََكَانَ هَذا شَأْنُ الْحُدَيْبيَةِ. ولَبثَ رسولُ اللهِ ﷺ شَهراً وَصَيْفاً فوعَدَهم اللهُ خَيراً أنْ يفتحَها لَهم، فلَمَّا رجعَ النبيُّ ﷺ إلى المدينةِ نزلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾، والفتحُ الْمُبينُ : ما كان من استعلاءِ المسلمين عليهم حتى غلَبُوهم بالحجارةِ وأدخَلُوهم بيوتَهم، وتيسير الصلحِ أيضاً من الفتحِ المبين وظهور النبيِّ ﷺ على خَيبرَ من الفتحِ. قال :(وَأنْجَى اللهُ أبَا جَنْدَلَ بْنَ سُهَيْلٍ مِنْ أيْدِيهِمْ، وَخَرَجَ مِنْهُمْ وَاجْتَمَعَ إلَيْهِ قَرِيبٌ مِنْ سَبْعِينَ رَجُلاً كَرِهُواْ أنْ يَقْعُدُواْ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، وَعَلِمُواْ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لاَ يَقْبَلُهُمْ حَتَّى تَنْقَضِي الْمُدَّةُ، فَجَعَلُواْ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَأَرْسَلَ الْمُشْرِكُونَ إلَى النَّبيِّ ﷺ يُنَاشِدُونَهُ أنْ يَقْبضَهُمْ إلَيْهِ، وَقالُواْ : أنْتَ فِي حِلٍّ مِمَّنِ اخْتَارَكَ عَلَيْنَا يَا مُحَمَّدُ ؛ فَإنَّهُمْ إنْ يَكُونُوا مَعَكَ كَانَ أهْوَنَ عَلَيْنَا، فَلَحِقُوا بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم) ".

الفتح 48:2

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ ؛ قال ابنُ الأنباريِّ :(سَأَلْتُ أبَا عَبَّاسٍ عَنِ اللاَّمِ فِي قَوْلِهِ ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾، فَقَالَ : هُوَ لاَمُ كَيْ، مَعْنَاهَا : إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبيْناً لِكَيْ يَجْتَمِعَ لَكَ مَعَ الْمَغْفِرَةِ تَمَامُ النِّعْمَةِ فِي الْفَتْحِ، فَلَمَّا انْضَمَّ إلَى الْمَغْفِرَةِ حادثٌ واقعٌ حَسُنَ مَعْنَى (كي). وقولهُ تعالى :﴿مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ المرادُ بالذنب ههُنا الصغائرُ، فأما الكبائرُ فالأنبياء معصُومون منها أبداً ؛ لأنَّهم الأُمَناء على الوحيِ والرسالةِ. وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال :" كَانَ النَّبيُّ ﷺ يَقُومُ حَتَّى تَدْمَى قَدَمَاهُ، فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أتَصْنَعُ هَذا وَقَدْ جَاءَكَ مِنَ اللهِ أنْ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذنْبكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟! قَالَ : أفَلاَ أكُونُ عَبْداً شَكُوراً ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ ؛ أي بالنبوَّة والمغفرةِ، والمعنى ليجتمعَ لكَ مع الفتحِ تَمامُ النِّعمة بالمغفرةِ والهداية إلى صراطٍ مستقيم وهو الإسلامُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ ؛ أي ينصُرَك بالحجَّةِ والسيفِ على عدُوِّك نصراً قوياً لا ذُلَّ معه.

الفتح 48:3

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ ؛ قال ابنُ الأنباريِّ :(سَأَلْتُ أبَا عَبَّاسٍ عَنِ اللاَّمِ فِي قَوْلِهِ ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾، فَقَالَ : هُوَ لاَمُ كَيْ، مَعْنَاهَا : إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبيْناً لِكَيْ يَجْتَمِعَ لَكَ مَعَ الْمَغْفِرَةِ تَمَامُ النِّعْمَةِ فِي الْفَتْحِ، فَلَمَّا انْضَمَّ إلَى الْمَغْفِرَةِ حادثٌ واقعٌ حَسُنَ مَعْنَى (كي). وقولهُ تعالى :﴿مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ المرادُ بالذنب ههُنا الصغائرُ، فأما الكبائرُ فالأنبياء معصُومون منها أبداً ؛ لأنَّهم الأُمَناء على الوحيِ والرسالةِ. وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال :" كَانَ النَّبيُّ ﷺ يَقُومُ حَتَّى تَدْمَى قَدَمَاهُ، فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أتَصْنَعُ هَذا وَقَدْ جَاءَكَ مِنَ اللهِ أنْ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذنْبكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟! قَالَ : أفَلاَ أكُونُ عَبْداً شَكُوراً ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ ؛ أي بالنبوَّة والمغفرةِ، والمعنى ليجتمعَ لكَ مع الفتحِ تَمامُ النِّعمة بالمغفرةِ والهداية إلى صراطٍ مستقيم وهو الإسلامُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ ؛ أي ينصُرَك بالحجَّةِ والسيفِ على عدُوِّك نصراً قوياً لا ذُلَّ معه.

الفتح 48:4

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ قِيْلَ : السَّكينةُ هي ما أسكنَ اللهُ قلوبَهم من التعَظُّيم للهِ ولرسولهِ والوَقَار لئَلاَّ تُزعَجَ نفوسُهم لِمَا يَرِدُ عليهم. وقوله تعالى :﴿لِيَزْدَادُواْ إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ؛ أي ليَزدَادُوا تَصديقاً إلى تصدِيقهم السابقِ. قال الكلبيُّ :(لَمَّا نَزَلَتْ آيَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فَصَدَّقُوا بَها ازْدَادُواْ تَصْدِيقاً إلَى تَصْدِيقِهِمْ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي جُمُوعُ أهلِ السَّموات والإرضِ، يعني الملائكةَ والإنس والشياطين، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً﴾ ؛ بمصالِحِ خَلقهِ، ﴿حَكِيماً﴾ ؛ فيما يأمُرهم به وينهاهُم عنه. قال ابنُ عبَّاس :(فَلَمَّا نَزَلَ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾[الفتح: ١-٢] قَالَ الصَّحَابَةُ : هَنِيئاً لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا أعْطَاكَ اللهُ، فَمَا لَنَا ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً﴾ ؛ أي نجاةً عظيمةً من النار وظَفَراً بالجنَّة.

الفتح 48:5

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ قِيْلَ : السَّكينةُ هي ما أسكنَ اللهُ قلوبَهم من التعَظُّيم للهِ ولرسولهِ والوَقَار لئَلاَّ تُزعَجَ نفوسُهم لِمَا يَرِدُ عليهم. وقوله تعالى :﴿لِيَزْدَادُواْ إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ؛ أي ليَزدَادُوا تَصديقاً إلى تصدِيقهم السابقِ. قال الكلبيُّ :(لَمَّا نَزَلَتْ آيَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فَصَدَّقُوا بَها ازْدَادُواْ تَصْدِيقاً إلَى تَصْدِيقِهِمْ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي جُمُوعُ أهلِ السَّموات والإرضِ، يعني الملائكةَ والإنس والشياطين، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً﴾ ؛ بمصالِحِ خَلقهِ، ﴿حَكِيماً﴾ ؛ فيما يأمُرهم به وينهاهُم عنه. قال ابنُ عبَّاس :(فَلَمَّا نَزَلَ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾[الفتح: ١-٢] قَالَ الصَّحَابَةُ : هَنِيئاً لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا أعْطَاكَ اللهُ، فَمَا لَنَا ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً﴾ ؛ أي نجاةً عظيمةً من النار وظَفَراً بالجنَّة.

الفتح 48:6

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ ؛ معناهُ : إنَّا فتَحنا لكَ ليُدخِلَ اللهُ المؤمنين والمؤمناتِ جنَّاتٍ تجري من تحتِها الأنْهارُ ولِيُعَذِّبَ المنافقين من الرِّجال والمنافقاتِ من النساءِ، وهُم أظهَرُوا الإيمانَ باللِّسان وأسَرُّوا الكفرَ من أهلِ المدينة، ﴿وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ ؛ مِن أهلِ مكَّة، ﴿الظَّآنِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ ؛ ومعنى ظنُّهم السوءَ : أنَّهم ظَنُّوا أن مُحَمَّداً صلى الله عليه لا يُنصَرُ عليهم وأنَّهم هم الذين ينصرُهم اللهُ على رسولهِ، وذلك قبيحٌ لا يجوز في صفةِ الله تعالى : وقوله :﴿عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ﴾ ؛ أي العذابُ والهلاكُ، ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ أي وطردَهم عن رحمتهِ، ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ﴾ ؛ في الآخرةِ، ﴿وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾.

الفتح 48:7

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ ليس على وجهِ التِّكرار ؛ لأنَّ الأولَ في أعانةِ المؤمنين، وهذا متَّصلٌ بذكرِ المنافقين في الانتقامِ منهم، ومعنى ذلك : أنَّ في الأولِ ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ فاللهُ قادرٌ على أن يُسَخِّرهم لينتقمَ بهم من أعدائهِ مِن كلِّ ما دبَّ ودرجَ من ذلك حتى البرغوث والعقربَ ؛ لأنَّ اللهَ لم يأمُرِ المسلمين بالقتالِ لأجلِ هلاك المشركين، وإنما أمَرَهم بالقتالِ ليُعوِّضَهم بذلكَ جزيلَ الثواب الذي لا يُنَالُ إلاَّ بالقتالِ، وههنا متَّصل ذكرُ الانتقامِ من المنافقين. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ ؛ أي لم يَزَلْ مَنِيعاً مستغنياً من الكفَّار، حَكِيماً في أمرهِ وقضائه.

الفتح 48:8

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ ؛ معناهُ : إنا أرسلناكَ يا مُحَمَّدُ شَاهداً على أُمَّتِكَ بتبليغِ الرسالة، وَقِيْلَ : شاهدٌ على أقوالِهم وأفعالهم فإنَّها تُعرَضُ عليه، ﴿وَمُبَشِّراً﴾ بالجنةِ للمطيعين، ﴿وَنَذِيراً﴾ أي مُخَوِّفاً بالنار لِمَن عصَى اللهَ تعالى.

الفتح 48:9

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ ؛ أي قُرِئ بالتاءِ في الأربعةِ على معنى قولِهم : لتُؤمِنَ باللهِ ورسوله، وقُرئ بالياءِ في الأربعة أيضاً ؛ يعني : مَن آمنَ به وصدَّقَهُ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ راجعٌ إلى النبيِّ ﷺ ؛ أي يُعِينُوهُ ويَنصرُونَهُ بالسَّيْفِ واللسان، وقرأ محمَّد بن السُّمَيقِعِ :(وَتُعَزِّزُوهُ) بزائين، وقولهُ ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ أي وتُعَظِّموهُ وتُبجِّلوهُ، وهذا وقفٌ تامٌّ. وقولهُ تعالى :﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ ؛ أي وتسَبحون اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ ؛ أي يُصَلُّونَ له بالغَداةِ والعشِيِّ، وفي قراءةِ ابن عبَّاس :(وَتُسَبحُوا اللهَ بُكْرَةً وَأصِيلاً).

الفتح 48:10

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾، يعني بيعةَ الرِّضوان بالحديبيةِ، ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ بايَعُوا النبيَّ ﷺ على أنْ لا يفِرُّوا ويقاتِلُوا، بايعَهم النبيُّ ﷺ تحتَ شجرةٍ استظلَّ بها بالحديبيةِ، وكان الذين بايعوهُ نحوَ ألفِ رجُلٍ وخمسمائة رجل، بايعوهُ على النُّصرَةِ والنُّصحِ والسمعِ والطاعة، وأن لا يفِرُّوا من العدوِّ. ومعنى الآيةِ : إنَّ الذين يُبايعونكَ يا مُحَمَّدُ بالحديبيةِ على أن لا يفِرُّوا، إنما يُبايعُون في ذاتِ الله، ليس أنتَ المرادُ بذلك، بل المرادُ به القيامُ بعبادةِ الله. وَقِيْلَ : المرادُ بذلك أنَّهم بَاعُوا اللهَ أنفُسَهم بالجنَّة. وقولهُ تعالى :﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، أي نِعمَةُ اللهِ في الهدايةِ فوقَ أيديهم في الطاعة، يعني إحسانَ اللهِ إليهم بأن هدَاهُم للإيمانِ أبلغُ وأتَمُّ من إحسانِهم إليكَ بالنُّصرة والبيعةِ، وقال ابنُ كَيسان :(مَعْنَاهُ : قُوَّةُ اللهِ وَنُصْرَتُهُ فَوْقَ أيْدِيهِمْ وَنُصْرَتِهِمْ ؛ أي اتَّقِ باللهِ وَنُصْرَتِهِ لَكَ لاَ بنُصْرَتِهِمْ، وَإنْ بَايَعُوكَ)، وقال : مَعْنَاهُ : يَدُ اللهِ فِي الثَّوَاب وَالْوَفَاءِ لَهُمْ فَوْقَ أيْدِيهِمْ في الوفاء، فَإنَّهُمْ لَوْ وَفَّوا بمَا ضَمِنُوا فَاللهُ أوْفَى بمَا ضَمِنَ، وَأقْدَرُ عَلَى ذلِكَ). واليدُ ههنا هي القُدْرَةُ. قولهُ :﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ ؛ أي مَن نقضَ عقدَ البيعةِ فضررُ نقضهِ عائدٌ عليه، وليس له الجنَّةُ ولا كرامةٌ، ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ ؛ مِن البيعة فتَمَّ على ذلك واستقامَ، ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ ؛ فسيعطيهِ اللهُ في الآخرةِ ثَواباً عظيماً في الجنة. ورُوي أنَّ هؤلاء المبايعين لم ينقُضْ أحدٌ منهم البيعةَ ؛ لأنَّهم كانوا مُخلِصين، ولذلك قالَ اللهُ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾[الفتح: ١٨] رضاهُ عنهم دليلٌ على أنَّهم كانوا مُؤمنين على الحقيقةِ، أولياءَ الله أهلَ النُّصرة، والذي لَمْ يدخُلْ معهم في البيعةِ يومئذٍ إلا رجلٌ من المنافقِين يقال له جَدُّ بن قيسٍ، اختبأ يومئذ تحتَ إبطِ بَعيرهِ ولم يدخُلْ في بيعتِهم، أماتَهُ اللهُ على نفاقهِ.

الفتح 48:11

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ أخبرَ اللهُ النبيُّ ﷺ أنه إذا رجعَ من الحديبيةِ إلى المدينةِ، أتاهُ الأعرابُ الذين يخلِفُون عنه بغيرِ عُذرٍ، ولم يَخرُجوا معه وهم مُزَينَةُ وجُهَيْنَةُ وغطَفَانُ وقومٌ من الدَّيلِ، فيقولون له : شَغَلَتْنَا أموالُنا وأهلُونا عن الخروجِ معك يا محمد، أي شغلَتنا النساءُ والذراري فلم يكن لنا مَن يخلِفُنا فيهم، ﴿فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ ؛ من التخلُّفِ عنكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ؛ أي يسأَلُون المغفرةَ بأَلسِنَتِهم ﴿مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ يعني : لأنَّهم لا يُبَالُونَ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لم تستغفِرْ لَهم. وقد كَانَ النَّبيُّ ﷺ حِينَ أرَادَ الْمَسِيرَ إلَى مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبيَةِ، اسْتَنْفَرَ مَنْ حَوْلَ الْمَدِينَةِ مِنَ الأَعْرَاب وَأهْلِ الْبَوَادِي لِيَخْرُجُوا مَعَهُ حَذراً مِنْ قُرَيْشٍ أنْ يُحَاربُوهُ وَيَصْرِفُوهُ عَنِ الْبَيْتِ، وَأحْرَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بالْعُمْرَةِ وَسَاقَ الْهَدْيَ لِيُعْلِمَ النَّاسَ أنَّهُ لاَ يُرِيدُ حَرْباً، فَتَثَاقَلَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ الأَعْرَاب وَقَالُواْ : نَذْهَبُ مَعَهُ إلَى قَوْمٍ قَدْ جَاءُوا يَقْتُلُونَ أصْحَابَهُ فَيُقَاتِلُهُمْ، فَتَخَلَّفُوا عَنْهُ، وَاعْتَلُّوا بالشُّغْلِ، فأنزلَ اللهُ تعالى :﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ الآيةُ. قًوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً﴾ ؛ معناهُ : مَن يمنعُكم من عذاب الله إنْ أقَمتُم على الكفرِ والنفاق، ﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ ؛ معناهُ : بل كان اللهُ عالِماً بتخلُّفِكم عن القتالِ من غير عُذرٍ. قرأ حمزةُ والكسائي وخلفٌ (ضُرّاً) بضم الضاد وهو سُوءِ الحالِ، وقرأ الباقون (ضَرّاً) بفتح الضادِ لأنه قابَله بالنفعِ، وأرادَ بالنفعِ الغنيمةَ. وذلك أنَّهم ظَنُّوا أن تَخلُّفَهم عن النبيِّ ﷺ يدفعُ عنهم الضُّرَّ، ويعجِّلُ لهم النفعَ بالسلامةِ في أنفسهم وأموالِهم، فأخبرَهم اللهُ تعالى أنه إنْ أرادَ بهم شيئاً لم يقدِرْ أحدٌ على دفعهِ عنهم.

الفتح 48:12

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً﴾ أظهرَ اللهُ نفاقَهم، وبيَّن أنَّ تخلُّفَهم عنه لم يكن بسبب أموالهم وأهلِيهم، ولكن كانوا يقُولون فيما بينهم : يَسْتَأْصِلُ مُحَمَّداً وأصحابَهُ عدُوُّهم في هذِه الكرَّة فلا يرجِعون إلى المدينةِ أبداً فنَستريحُ منهم. وقولهُ تعالى :﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ؛ أي زَيَّنَ الشيطانُ لكم ذلك الظنَّ في قُلوبكم، ﴿وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ ؛ أي ظنَنتُم نبيَّ اللهِ وأصحابَهُ أنَّهم لن يرجِعُوا من سفَرِهم هذا وأنَّهم سيهلَكُون. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً﴾ ؛ أي هَلْكَى فاسدِي القلُوب لا تَصلُحون لخيرٍ، والبَوَارُ الهلاكُ، وما بعدَ هذا، ﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً * وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾، ظاهرُ المعنى.

الفتح 48:13

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً﴾ أظهرَ اللهُ نفاقَهم، وبيَّن أنَّ تخلُّفَهم عنه لم يكن بسبب أموالهم وأهلِيهم، ولكن كانوا يقُولون فيما بينهم : يَسْتَأْصِلُ مُحَمَّداً وأصحابَهُ عدُوُّهم في هذِه الكرَّة فلا يرجِعون إلى المدينةِ أبداً فنَستريحُ منهم. وقولهُ تعالى :﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ؛ أي زَيَّنَ الشيطانُ لكم ذلك الظنَّ في قُلوبكم، ﴿وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ ؛ أي ظنَنتُم نبيَّ اللهِ وأصحابَهُ أنَّهم لن يرجِعُوا من سفَرِهم هذا وأنَّهم سيهلَكُون. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً﴾ ؛ أي هَلْكَى فاسدِي القلُوب لا تَصلُحون لخيرٍ، والبَوَارُ الهلاكُ، وما بعدَ هذا، ﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً * وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾، ظاهرُ المعنى.

الفتح 48:14

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً﴾ أظهرَ اللهُ نفاقَهم، وبيَّن أنَّ تخلُّفَهم عنه لم يكن بسبب أموالهم وأهلِيهم، ولكن كانوا يقُولون فيما بينهم : يَسْتَأْصِلُ مُحَمَّداً وأصحابَهُ عدُوُّهم في هذِه الكرَّة فلا يرجِعون إلى المدينةِ أبداً فنَستريحُ منهم. وقولهُ تعالى :﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ؛ أي زَيَّنَ الشيطانُ لكم ذلك الظنَّ في قُلوبكم، ﴿وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ ؛ أي ظنَنتُم نبيَّ اللهِ وأصحابَهُ أنَّهم لن يرجِعُوا من سفَرِهم هذا وأنَّهم سيهلَكُون. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً﴾ ؛ أي هَلْكَى فاسدِي القلُوب لا تَصلُحون لخيرٍ، والبَوَارُ الهلاكُ، وما بعدَ هذا، ﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً * وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾، ظاهرُ المعنى.

الفتح 48:15

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ﴾ ؛ يعني هؤلاءِ المخَلَّفين سيقولون لرَسُول اللهِ ﷺ وأصحابهِ :﴿إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ﴾، خيرٍ، ﴿لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ ؛ نخرُجْ معَكم، فأمرَ اللهُ النبيَّ ﷺ أنْ يَمنَعَهم من ذلك بعدَ تخلُّفهم من غزوةِ الحديبية. فلما رجعَ النبيُّ ﷺ من الحديبيةِ وانطلقَ إلى خيبرَ، قال هؤلاءِ المخلَّفون ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ اللَّهِ﴾ ؛ أي أنَّ اللهَ تعالى خصَّ أهلَ الحديبيةِ بمغانمِ خَيبرَ، وأمرَ النبيَّ ﷺ أن لا يَأْذنَ للمنافقين أن يُخرِجُوهم معهم إلاَّ متطوِّعين ليس لهم من المغانمِ شيءٌ. فأرادَ المنافقون أن يُشاركوا فيها ليُبطِلُوا حكمَ اللهِ تعالى :﴿قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَالِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ ؛ يعني : أمَرَ اللهُ نَبيَّهُ ﷺ أنْ لا يُسَيِّرَ معه منهم أحداً. ومعنى قوله ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي قالَ اللهُ في ذلك بالحديبيةِ قبلَ خيبرَ، وقبلَ خروجنا إليكم : أنَّ غينمةَ خيبر لِمَن شَهِدَ الحديبيةَ، ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ ؛ أي سيقُولون للنبيِّ ﷺ لم يأمُرْكم اللهُ بذلك، ولكن تحسُدُونَنا أن نُشاركَكم في الغنيمةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ؛ أي لا يعلَمُون عن اللهِ ما لهم وعليهم مِن الدين إلاَّ قليلاً منهم، وهو مَن صدَّقَ الرسول ولم يُنافِقْ.

الفتح 48:16

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ﴾ ؛ أي قُل لهؤلاء المخلَّفين عن الحديبيةِ :﴿سَتُدْعَوْنَ﴾ ؛ بعدَ موتِ النبي ﷺ ﴿إِلَى﴾ ؛ قتالِ ؛ ﴿قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ؛ أي أهلِ اليمَامَةِ، قال الزهريُّ :(هُمْ أهْلُ الْيَمَامَةِ بَنُو حَنِيفَةَ أتْبَاعُ مُسَيْلَمَةَ، فَأَتَاهُ أبُو بَكْر ٍ رضي الله عنه)، قال رافعُ بن خَديج :(كُنَّا نَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ وَلاَ نَعْلَمُ مَنْ هُمْ حَتَّى دَعَا أبُو بَكْرٍ رضي الله عنه إلَى قِتَالِ بَنِي حَنِيفَةَ فَعَلِمْنَا أنَّهُمْ هُمْ). وقال ابنُ جُريج :(سَيَدْعُوكُمْ عُمَرُ رضي الله عنه إلَى قِتَالِ فَارسَ وَالرُّومَ) ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ ؛ معناهُ : تُقاتِلُوهم أن يكون منهم الإسلام، ﴿فَإِن تُطِيعُواْ﴾ ؛ أبَا بكرٍ وعمر، ﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً﴾ ؛ عَظيماً في الجنَّة، ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ﴾ ؛ عن طاعةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في المسيرِ إلى الحديبية، ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾ ؛ في الآخرةِ، ﴿عَذَاباً أَلِيماً﴾ ؛ شَديداً. قرأ أُبَيُّ (أوْ يُسْلِمُوا) بحذفِ النُّون ؛ أي حتى يُسلِمُوا، وكقولِ امرئِ القيسِ :(أوْ نَمُوتَ)، وقرأ الكافَّة بإثباتِ النُّون في محل الرفعِ عطفاً على ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾.

الفتح 48:17

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ ؛ أي ليس على هؤلاءِ إثْمٌ في قُعودِهم عن القتالِ لعَجزِهم عنه، ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ؛ عائدٌ إلى مَن يلزمهُ الجهادُ، ﴿وَمَن يَتَوَلَّ﴾ ؛ عن الجهادِ مع قُدرتهِ عليه، ﴿يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً﴾.

الفتح 48:18

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ؛ يعني بيعةَ الرُّضوانِ بالحديبيةِ، وإنما سُميت بيعةُ الرضوانِ بهذه الآية، وكان سببُ هذه البيعةِ :" أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا سَارَ يُرِيدُ مَكَّةَ، فَلَمَّا بَلَغَ الْحُدَيْبيَةَ وَقَفَتْ نَاقَتُهُ، فَزَجَرَهَا فَلَمْ تَنْزَجِرْ وَبَرَكَتْ، فَقَالَ ﷺ :" مَا هَذا بعَادَةٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابسُ الفِيْلِ ". وَدَعَا عُمَرَ رضي الله عنه لِيُرْسِلَهُ إلَى أهْلِ مَكَّةَ، فَيَأْذنُوا لَهُ بأَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ وَيُحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ وَيَنْحَرَ هَدْيَهُ، فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ مَا لِي بهَا حَمِيمٌ وَلَيْسَ بمَكَّةَ مِنْ بَنِي عَدِيُّ بْنُ كَعْبٍ يَمْنَعُنِي، وَإنِّي أخَافُ قُرَيْشَ عَلَى نَفْسِي لأَنَّهَا قَدْ عَلِمَتْ عَدَاوَتِي إيَّاهَا، وَلَكِنْ أدُلُّكَ عَلَى رَجُلٍ أعَزُّ بهَا مِنِّي عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانٍ، قالَ :" صَدَقْتَ ". فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عُثْمَانَ بْنُ عَفَّانٍ فَأَرْسَلَهُ. فَجَاءَ الشَّيْطَانُ وَصَاحَ فِي عَسْكَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : بأَنَّ أهْلَ مَكَّة قَتَلُواْ عُثْمَانَ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الشَّجَرَةِ فَاسْتَنَدَ إلَيْهَا، وَبَايَعَ النَّاسَ عَلَى قِتَالِ أهْلِ مَكَّةَ. قَالَ عَبْدُاللهِ بْنُ مَعْقِلٍ : كُنْتُ قَائِماً عَلَى رَأسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذلِكَ الْيَوْمَ، وَبيَدِي غُصْنٌ مِنَ الشَّجَرَةِ أذبُّ بهِ عَنْهُ وَهُوَ يُبَايعُ النَّاسَ، كَانَ أوَّلُ مَنْ بَايَعَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أسَدٍ يُقَالُ لَهُ أبُو سِنَانِ بْنِ وَهَبٍ ". واختلَفُوا في عددِ أهلِ البيعة، فقال قتادةُ :(كَانُوا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً)، وقال ابنُ عبَّاس :(كَانُوا ألْفاً وَخَمْسَمِائَةٍ وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ)، وقال جابرُ :(كَانُوا ألفاً وَأرْبَعَمِائَةٍ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ؛ أي فعَلِمَ اللهُ ما في قلوبهم من الصِّدق والوفاءِ والإخلاصِ والعزمِ على القتال، ﴿فَأنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ يعني الطُّمَأنِينَةَ والصبرَ والرضا حين بايَعُوا على أن يُقاتِلوا ولا يفِرُّوا، ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ ؛ أي وأعطَاهم فتحَ خيبرَ.

الفتح 48:19

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ ؛ معناهُ : ومغانِمَ كثيرةً يأخذُونَها من أموالِ يهود خيبرَ، وكانت خيبرُ ذات عقارٍ وأموالٍ، ﴿وَكَان اللَّهُ عَزِيزاً﴾ ؛ أي غَالباً، ﴿حَكِيماً﴾ ؛ في أمرهِ، حكَمَ لهم بالغنيمةِ، ولأهلِ خيبرَ بالسَّبي والهزيمةِ. وعن أنسٍ رضي الله عنه :" وأنَا رَدِيفَ أبي طَلْحَةَ يَوْمَ أتَيْنَا إلَى خَيْبَرَ، فَصَبَّحَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ أخَذُواْ مَسَاحِيهِمْ وَفُؤُسَهُمْ وَغَدَوا عَلَى حُرُوثِهِمْ، فَلَمَّا رَأوْنَا ألْقَواْ ما بأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" اللهُ أكْبَرُ، خَرِبَتْ خيْبَرُ، إنَّا إذا نَزَلْنَا بسَاحَةٍ قَوْمٍ فَسٍَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذرينَ " ". وعن عبدِاللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أبيِهِ قَالَ :" خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَى خَيْبَرَ، سَرَيْنَا لَيْلاً وَعَامِرُ بْنُ الأَكْوَعِ مَعَنَا وَكَانَ شَاعِراً، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : ألاَ تُسْمِعُنَا يَا عَامِرُ، فَنَزَلَ يَحْدُوا بالْقَوْمِ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ :" اللَّهُمَّ لَوْلاَ أنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَلاَ تَصَدَّقْنَا وَلاَ صَلَّيْنَاهُمُ الَّذِينَ بَغَواْ عَلَيْنَا وَنَحْنُ مِنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَافَاغْفِرْ بفَضْلِكَ مَا أتَيْنَا وَثَبتِ الأَقْدَامَ إنْ لاَقَيْنَاوَألْقِيَنَّ السَّكِينَةَ عَلَيْنَا " قَالَ ﷺ :" مَنْ هَذا ؟ " قَالُوا : عَامِرُ بْنُ الأَكْوَعِ، قَالَ :" قَدْ غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ يَا عَامِرُ " فَقَالَ رَجُلٌ : لَوْ أمْتَعْتَنَا بهِ يَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم). وإنما قالَ ذلكَ ؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ ما استغفرَ لرجُلٍ قطُّ إلاَّ استُشهِدَ. قالَ :(فَلَمَّا قَدِمْنَا خَيْبَرَ وَتَصَافَّ الْقَوْمُ، خَرَجَ يَهُودِيٌّ فَخَرَجَ إلَيْهِ عَامِرُ بْنُ الأَكْوَعِ وَهُوَ يَقُولُ :" قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أنِّي عَامِرُ شَاكِي السِّلاَحِ بَطَلٌ مُغَامِرُ " وَاخْتَلَفَا بضَرْبَتَيْنِ، فَوَقَعَ سَيْفُ الْيَهُودِيِّ فِي تِرْسِ عَامِرٍ، وََوَقَعَ سَيْفُ عَامِرٍ عَلَى رُكْبَةِ نَفْسِهِ وَسَاقِهِ فَمَاتَ مِنْهَا. قَالَ سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ : فَمَرَرْتُ عَلَى نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَهُمْ يَقُولُونَ : بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ، فَأَتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ وَأنَا أبْكِي فَأَخْبَرْتُهُ بذلِكَ، فَقَالَ :" كَذبَ مَنْ قَالَ ذلِكَ، بَلْ لَهُ أجْرُهُ مَرَّتَيْنِ ". ثُمَّ عَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيّاً رضي الله عنه وَكَانَ حِيْنَئِذٍ أرْمَدَ قَدْ عَصَبَ عَيْنَهُ بشِِقِّ بُرْدٍ، قَالَ سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ : فَجِئْتُ بهِ أقُودُهُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" مَا لَكَ يَا عَلِيُّ ؟ " قَالَ : رَمَدْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ :" أُدْنُ مِنِّي " فَدَنَا مِنْهُ، فَتَفَلَ فِي عَيْنَيْهِ فَبَرِئَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَمَا وُجِعَتْ عَيْنَاهُ بَعْدَ ذلِكَ أبَداً حَتَّى مَضَى سَبيلُهُ. ثُمَّ أعْطَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّايَةَ فَهَدَى بهَا وَعَلَيْهِ حُلَّةُ أُرْجُوَانٍ حَمْرَاءُ، فَأَتَى مَدِينَةَ خَيْبَرَ، فَخَرَجَ مَرْحَبُ صَاحِبُ الْحِصْنِ وَعَلَيْهِ مِغْفَرٌ وَحَجَرٌ قَدْ ثَقَبَهُ مِثْلَ الْبَيْضَةِ عَلَى رَأسِهِ وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ :"

الفتح 48:20

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ ؛ أي وعدَكم اللهُ في المستقبلِ من زمانٍ غنائمَ كثيرةً تأخُذونَها، قال مقاتلُ :(مَنْ قَاتَلَ مَعَ النَّبيِّ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـاذِهِ﴾ ؛ يعني غنيمةَ خيبر، ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ ؛ أي مَنَعَ أسَداً وغطفانَ من قتالِكم، وكانوا حُلفاء لأهلِ خيبرَ، وذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمَّا قَصَدَ خَيْبَرَ وَحَاصَرَ أهْلََهَا، هَمَّتْ قَبَائِلُ مِنْ أسَدٍ وَغَطَفَانَ أنْ يُغِيرُواْ عَلَى عِيَالِ الْمُسْلِمِينَ وَذرَاريهِمْ بالْمَدِينَةِ، فَكَفَّ اللهُ أيْدِيَهُمْ بإلْقَاءِ الرُّعْب فِي قُلُوبهِمْ. وقولهُ تعالى :﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أي ولتكون غنيمةُ خيبرَ دلالةً على المؤمنين على صدقِكَ يا مُحَمَّدُ، حيث إنَّ اللهَ تعالى أخبرَ أنَّهم يُصيبونَها في المستقبلِ، ثم وجدَ المخبر على وفق الخبر، وقولهُ تعالى :﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ ؛ أي ويُثِيبَكم على دينِ الإسلامِ، ويُرشِدَكم إلى الأدلَّة في الدينِ.

الفتح 48:21

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا﴾ ؛ أي وعدَكم فتحَ بلدةٍ أُخرى لم يقدِرُوا عليها الآن، ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ ؛ يفتَحُها عليكم، قال الفرَّاءُ :(حَفِظَهَا لَكُمْ وَمَنَعَهَا مِنْ غَيْرِكُمْ حَتَّى يَفْتَحَهَا لَكُمْ). واختلَفُوا فيها، فقالَ ابنُ عبَّاس وابن أبي ليلى والحسن ومقاتل :(هِيَ فَارسُ وَالرُّومُ) وَكَانَتِ الْعَرَبُ لاَ تَقْدِرُ عَلَى قِتَالِ فَارسَ وَالرُّومَ، وَفَتْحِ مَدَائِنِهَا حَتَّى قَدِرُواْ عَلَيْهَا بالإسْلاَمِ. وقال قتادةُ :(هِيَ مَكَّةُ)، وقال عكرمةُ :(هِيَ خَيْبَرُ). وقولهُ تعالى ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ أي أحاطَتْ قدرتهُ بها وبأهلِها، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ ؛ كلِّ شيءٍ من فتحِ القُرَى والنصرِ وغير ذلك قديرٌ.

الفتح 48:22

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ قَـاتَلَكُمُ الَّذِينَ كفَرُواْ لَوَلَّوُاْ الأَدْبَارَ﴾ ؛ يعني أسَداً وغطفانَ الذين أرَادُوا نَهب ذراري المسلمين فانْهَزَمُوا عنكم لأنَّ الله ينصرُكم عليهم، ﴿ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ ؛ قال ابنُ عباس :(مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ اللهِ خَذلَهُ اللهُ وَلَمْ يَنْصُرْهُ).

الفتح 48:23

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ﴾ ؛ أي سُنة اللهِ التي قد خلَتْ من قبلُ في نَصرِ أوليائهِ وقهرِ أعدائه ؛ أي هذه سُنَّتي في أهلِ طاعةٍ وأهلِ معصية أنصُر أوليائي وأخذلُ أعدائي، ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ﴾ ؛ لحكمِ الله، ﴿تَبْدِيلاً﴾ ؛ تغييراً.

الفتح 48:24

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ أوَّلُ هذه الآيةِ يدلُّ على أنَّ اللهَ تعالى منعَ أيدِي أهلِ مكَّة يومَ الحديبيةِ عن قتالِ المسلمين بالرُّعب، ومنعَ أيدينا عن قتالِهم بالنَّهي. وَقِيْلَ : إنَّ المؤمنين لم يُنهَوا عن قتالِهم يومئذٍ، ولكن لم يقدِّرْ الله ذلك للمؤمنين إبقاءً للمؤمنين المستضعَفين الذين كانوا في أيدِي المشركين كما قال تعالى :﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾. وقولهُ تعالى :﴿مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾، قال أنسُ رضي الله عنه :(وَذلِكَ أنَّ ثَمَانِينَ رَجُلاً مِنْ أهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ مِنْ جَبلِ التَّنْعِيمِ عِنْدَ صَلاَةِ الْفَجْرِ مُتَسَلِّحِينَ، يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبيِّ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبيَةِ، فَأَخَذهُمْ رَسُولُ اللهِ وَأعْتَقَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ) ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾. وقال ابنُ عبَّاس :(بَعَثَتْ قُرَيْشُ أرْبَعِينَ رَجُلاً أوْ خَمْسِينَ رَجُلاً مِنْهُمْ، وَأمَرُوهُمْ أنْ يَطُوفُواْ بعَسْكَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبيَةِ لِيُصِيبُوا لَهُمْ مِنْ أصْحَابهِ أحَداً، فَأُخِذُواْ فَأُتِيَ بهِمْ رَسُولُ اللهِ، فَعَفَا عَنْهُمْ وَخَلَّى سَبيلَهُمْ، وَقَدْ كَانُوا رَمَوا فِي عَسْكَرِ رَسُولِ اللهِ بالْحِجَارَةِ وَالنَّبْلِ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ). ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ أي همُ الذين كفَرُوا بمُحَمَّدٍ والقرآنِ، يعني كفَّارَ مكة، وصَدُّوكم عن المسجدِ الحرام أن تطُوفوا به للعُمرة ويحلوا من عمرتِكم. وقولهُ تعالى ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً﴾ أي وصَدُّوا الهديَ مَمْنُوعاً أن يبلغَ مَحِلَّهُ الذي إذا صارَ إليه حلَّ نحرهُ وهو الحرمُ، وكان النبيُّ ﷺ ساقَ في ذلك العام سَبعين بَدْنَةً إلى مكَّة. ﴿مَعْكُوفاً﴾ في اللغة هو الممنوعُ عن الذهاب في جهته بالإقامةِ في مكانه، يقالُ : عَكَفَ على الأمر عكوفاً، واعْتَكَفَ في المسجدِ إذا أقامَ به. ومعنى الآيةِ : هم الذين كفَرُوا وصدُّوكم عن المسجدِ الحرام، وصدُّوا الهديَ وهي البُدْنُ التي ساقَها رسولُ الله ﷺ وكانت سَبعين بَدْنَةً معكوفاً أي مَحْبُوساً أن يبلُغَ مَحِلَّهُ أي مسجدَهُ، وهذه الآيةُ دلالةٌ على أن محِلَّ الهدي الحرمُ، ولو كان محلهُ غيرُ الحرمِ لَمَا كان مَعْكُوفاً عن بلوغِ محلَّه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ﴾ ؛ معناهُ : ولو تطَأُوا رجالاً مُؤمِنين ونساءً مُؤمِنات مُقِيمَات بمكَّة لم تعلَمُوهم فتقتلوهم، ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ﴾ ؛ قِبَلَهم، ﴿مَّعَرَّةٌ﴾ ؛ أي عَيْبٌ ومسَبَّة في العرب بأنَّكم قتَلتُم أهلَ دينِكم، ويقالُ : أراد بالْمَعَرَّةِ الغَمَّ والجزعَ. وجوابُ (لَوْلاَ) محذوفٌ تقديرهُ : لولا ذلك لدَخلتُم على أهلِ مكَّة ولوطأتموهم لَيْلاً ولضَربتُم رقابَ المشركين بنَصرِنا إيَّاكم، ولكنَّ اللهَ منعَ من ذلك كراهةَ وطئِ المؤمنين المستضعَفين الذين كانوا بمكَّة، والمؤمناتِ بالقتلِ لأنَّهم لو دخَلُوا مكَّة لم يتميَّز لهم المؤمنون من الكفَّار، فلم يأْمَنوا أن يَقتُلوا المؤمنين.

الفتح 48:25

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ أوَّلُ هذه الآيةِ يدلُّ على أنَّ اللهَ تعالى منعَ أيدِي أهلِ مكَّة يومَ الحديبيةِ عن قتالِ المسلمين بالرُّعب، ومنعَ أيدينا عن قتالِهم بالنَّهي. وَقِيْلَ : إنَّ المؤمنين لم يُنهَوا عن قتالِهم يومئذٍ، ولكن لم يقدِّرْ الله ذلك للمؤمنين إبقاءً للمؤمنين المستضعَفين الذين كانوا في أيدِي المشركين كما قال تعالى :﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾. وقولهُ تعالى :﴿مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾، قال أنسُ رضي الله عنه :(وَذلِكَ أنَّ ثَمَانِينَ رَجُلاً مِنْ أهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ مِنْ جَبلِ التَّنْعِيمِ عِنْدَ صَلاَةِ الْفَجْرِ مُتَسَلِّحِينَ، يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبيِّ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبيَةِ، فَأَخَذهُمْ رَسُولُ اللهِ وَأعْتَقَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ) ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾. وقال ابنُ عبَّاس :(بَعَثَتْ قُرَيْشُ أرْبَعِينَ رَجُلاً أوْ خَمْسِينَ رَجُلاً مِنْهُمْ، وَأمَرُوهُمْ أنْ يَطُوفُواْ بعَسْكَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبيَةِ لِيُصِيبُوا لَهُمْ مِنْ أصْحَابهِ أحَداً، فَأُخِذُواْ فَأُتِيَ بهِمْ رَسُولُ اللهِ، فَعَفَا عَنْهُمْ وَخَلَّى سَبيلَهُمْ، وَقَدْ كَانُوا رَمَوا فِي عَسْكَرِ رَسُولِ اللهِ بالْحِجَارَةِ وَالنَّبْلِ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ). ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ أي همُ الذين كفَرُوا بمُحَمَّدٍ والقرآنِ، يعني كفَّارَ مكة، وصَدُّوكم عن المسجدِ الحرام أن تطُوفوا به للعُمرة ويحلوا من عمرتِكم. وقولهُ تعالى ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً﴾ أي وصَدُّوا الهديَ مَمْنُوعاً أن يبلغَ مَحِلَّهُ الذي إذا صارَ إليه حلَّ نحرهُ وهو الحرمُ، وكان النبيُّ ﷺ ساقَ في ذلك العام سَبعين بَدْنَةً إلى مكَّة. ﴿مَعْكُوفاً﴾ في اللغة هو الممنوعُ عن الذهاب في جهته بالإقامةِ في مكانه، يقالُ : عَكَفَ على الأمر عكوفاً، واعْتَكَفَ في المسجدِ إذا أقامَ به. ومعنى الآيةِ : هم الذين كفَرُوا وصدُّوكم عن المسجدِ الحرام، وصدُّوا الهديَ وهي البُدْنُ التي ساقَها رسولُ الله ﷺ وكانت سَبعين بَدْنَةً معكوفاً أي مَحْبُوساً أن يبلُغَ مَحِلَّهُ أي مسجدَهُ، وهذه الآيةُ دلالةٌ على أن محِلَّ الهدي الحرمُ، ولو كان محلهُ غيرُ الحرمِ لَمَا كان مَعْكُوفاً عن بلوغِ محلَّه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ﴾ ؛ معناهُ : ولو تطَأُوا رجالاً مُؤمِنين ونساءً مُؤمِنات مُقِيمَات بمكَّة لم تعلَمُوهم فتقتلوهم، ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ﴾ ؛ قِبَلَهم، ﴿مَّعَرَّةٌ﴾ ؛ أي عَيْبٌ ومسَبَّة في العرب بأنَّكم قتَلتُم أهلَ دينِكم، ويقالُ : أراد بالْمَعَرَّةِ الغَمَّ والجزعَ. وجوابُ (لَوْلاَ) محذوفٌ تقديرهُ : لولا ذلك لدَخلتُم على أهلِ مكَّة ولوطأتموهم لَيْلاً ولضَربتُم رقابَ المشركين بنَصرِنا إيَّاكم، ولكنَّ اللهَ منعَ من ذلك كراهةَ وطئِ المؤمنين المستضعَفين الذين كانوا بمكَّة، والمؤمناتِ بالقتلِ لأنَّهم لو دخَلُوا مكَّة لم يتميَّز لهم المؤمنون من الكفَّار، فلم يأْمَنوا أن يَقتُلوا المؤمنين.

الفتح 48:26

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ قال مقاتلُ :(إنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْحُدَيْبيَةَ وَمَعَهُ الْهَدْيُ، قَالَ كُفَّارُ مَكَّةَ : قَتَلَ مُحَمَّدٌ أبْنَاءَنَا وَإخْوَانَنَا، ثُمَّ أتَانَا يَدْخُلُ عَلَيْنَا فِي مَنَازلِنَا، فَتُحَدِّثُ الْعَرَبُ أنَّهُمْ دَخَلُوا عَلَيْنَا عَلَى رَغْمِ آنَافِنَا، واللاَّتِ وَالعُزَّى لاَ يَدْخُلُ عَلَيْنَا. فَهَذِهِ الْحَمِيَّةُ حَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي دَخَلَتْ قُلُوبَهُمْ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ حتى لم يدخُلوا، ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ ؛ وهو كلمةُ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ، الكلمةُ التي يُتَّقَي بها من الشِّرك. والحميَّةُ في اللغة : هي الأَنَفَةُ التي تَحمِي الإنسانِ كأنَّ قُلوبَهم حَمِيَّةٌ لِمَعصِيَةِ اللهِ، فأنزلَ اللهُ بدلُّ ذلك على قلب نَبيِّهِ عليه السلام وعلى قلوب المؤمنين من الطُّمأنينةِ والسُّكون والوقَار والهيبةِ، وألزَمَهم توحيدَ اللهِ والإيمان برسولهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ ؛ أي كانُوا أحَقَّ بكلمةِ التوحيد من كفَّار مكَّة وكانوا أهلَها في علمِ الله تعالى مستحقِّين لها في الدُّنيا، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ؛ من أمرِهم، ﴿عَلِيماً﴾. وعن وعثمانِ بن عفان رضي الله عنه قال :" سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ :" إنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لاَ يَقُولُهَا عَبْدٌ حَقّاً مِنْ قَلْبهِ إلاَّ حَرَمَهُ عَلَى النَّار "، قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه :(أنَا أُحَدِّثُكَ بهَا، هِيَ كَلِمَةُ الإخْلاَصِ الِّتِي ألْزَمَهَا اللهُ مُحَمَّداً وَأصْحَابَهُ وَهِيَ كَلِمَةُ التَّقْوَى). وقال عطاءُ الخراساني :(هِيَ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ). وعن عليٍّ رضي الله عنه أنْ سُئِلَ عَنْ كَلِمَة ِالتَّقْوَى فَقَالَ :(هِيَ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ وَاللهُ أكْبَرُ)، وهو قولُ ابنِ عمر. وقال عطاءُ بن رَباح :(هِيَ لاَ إلََهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). وَقِيْلَ : إنَّ الْحَمِيَّةَ التي جعلَها الكفارُ في قلوبهم، هي مَا رُوي :" أنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا سَأَلُواْ رَسُولَ اللهِ ﷺ أنْ يَكْتُبَ لَهُمْ بكِتَاب الصُّلْحِ، قَالَ لِعَلِيٍّ رضي الله عنه :" أكْتُبْ : بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : أمَّا الرَّحْمَنُ فَلاَ نَدْري مَا هُوَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ : باسْمِكَ اللَّهُمَّ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : وَاللهِ لاَ يَكْتُبُهَا إلاَّ بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَقَالَ ﷺ لِعَلِيٍّ :" أُكْتُبْ : باسْمِكَ اللَّهُمَّ، ثُمَّ اكْتُبْ : هَذا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ ". فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو : وَاللهِ لَوْ نَعْلَمُ أنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ وَلاَ قَاتَلْنَاكَ، لَكِنِ اكْتُبْ باسْمِكَ وَاسْمِ أبيكَ، فَقَالَ ﷺ :" إنِّي لَرَسُولُ اللهِ وَلَقَدْ كَذبْتُمُونِي ". وَقَالَ لِعَلِيٍّ رضي الله عنه :" أمْحُ رَسُولَ اللهِ ﷺ " فََقَالَ عَلِيٌّ : لاَ أمْحُوكَ يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَمَحَاهُ النَّبيُّ ﷺ، ثُمَّ قَالَ :" أكْتُبْ : هَذا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِاللهِ سُهَيْلَ ابْنَ عَمْرٍو عَلَى وَضْعِ الْحَرْب بَيْنَ النَّاسِ بكَفِّ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، عَلَى أنَّهُ مَنْ قَدِمَ مَكَّةَ مِنْ أصْحَاب مُحَمَّدٍ حَاجّاً أوْ مُعْتَمِراً أوْ يَبْتَغِي مِنْ فَضْلِ اللهِ فَهُوَ آمِنٌ عَلَى دَمِهِ وَمَالِهِ. وَمَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ قُرَيْشٍ مُجْتَازاً إلَى مِصْرَ أو الشَّامِ فَهُوَ آمِنٌ عَلَى دَمِهِ وَمَالِهِ " ".

الفتح 48:27

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّءْيَا بِالْحَقِّ﴾ ؛ وذلك أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأى فِي الْمَنَامِ وَهُوَ بالْمَدِينَةِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ إلَى الْحُدَيْبيَةِ كَأَنَّهُ هُوَ وَأصْحَابُهُ حَلَقُواْ وَقَصَّرُواْ، فَأَخْبَرَ بذلِكَ أصْحَابَهُ فَفَرِحُوا وَحَسِبوا أنَّهُمْ دَاخِلُوا مَكَّةَ عَامَهُمْ ذلِكَ، وَقَالُواْ : إنَّ رُؤْيَةَ النَّبيِّ ﷺ حَقٌّ. فَلَمَّا رَجَعَ وَأصْحَابُهُ مِنَ الْحُدَيْبيَةِ وَلَمْ يَدْخُلُواْ مَكَّةَ، قَالَ الْمُنَافِقُونَ : وَاللهِ مَا حَلَقْنَا وَلاَ قَصَّرْنَا وَلاَ دَخَلْنَا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ. فأنزلَ اللهُ الآيةَ وأخبرَ أنه أرَى رسولَ الله الصِّدقَ في منامهِ، وأنَّهم يدخلونَهُ فقالَ اللهُ :﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ ؛ يعني العامَ المقبل، ﴿إِن شَآءَ اللَّهُ﴾ ؛ قال أبو عُبيدة :(إنَّ مَعْنَى : إنْ شَاءَ اللهُ) حَيْثُ أُريَ رَسُولَ اللهِ فِي الْمَنَامِ. وقال أبو العبَّاس أحمدُ بن يحيى :(اسْتَثْنَى اللهُ فِيْمَا يَعْلَمُ، ليَسْتَثْنِي الْخَلْقُ فِيْمَا لاَ يَعْلَمُونَ). وَقِيْلَ : معناهُ : بمشيئةِ اللهِ، وقال بعضُهم : هذا اللفظُ حكايةُ الرُّؤيا التي رَآها النبيُّ ﷺ، وذلك أنَّهُ رأى في المنامِ أنَّ ملَكاً يُنادي :﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾. وَقِيْلَ : إنما كان ذلك تَأدِيباً للعبادِ ليَدخُلوا كلمةَ الاستثناءِ فيما يُخبرونَ عنه في المستقبلِ من نفيٍ وإثبات، قوله :﴿آمِنِينَ﴾ ؛ أي آمِنين من العدوِّ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ ؛ قَريباً أنَّهم يدخُلون مكَّة إلى أنْ يبلُغوا آخرَ النُّسُكِ، ﴿لاَ تَخَافُونَ﴾ ؛ العدوَّ، بخلافِ عامِ الحديبية. فيه دليلٌ أن الحلقَ والتقصيرَ قُرْبَةٌ في الإحرامِ من حيث إن الإحلالَ يقعُ بهما، وفيه دليلٌ أن المحرِمَ بالخيار عند التحليلِ من الإحرام إنْ شاءَ حَلَقَ وإنْ شاء قصَّرَ. وفي الحديثِ :" أنَّ النَّبيَّ ﷺ دَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلاَثاً، وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ تَخَافُونَ﴾ أي لا تخافُون من المشركين، ﴿فَعَلِمَ﴾ ؛ اللهُ ما في تأخيرِ الدُّخول عامَ الحديبيةِ من الخير والصَّلاحِ، ﴿مَا لَمْ تَعْلَمُواْ﴾ ؛ أنتم، ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ ؛ أي من قبلِ الدُّخول، ﴿فَتْحاً قَرِيباً﴾ ؛ يعني فتحَ خيبر.

الفتح 48:28

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ ؛ أي أرسلَ رسولَهُ بالطريقِ المؤدِّي إلى الجنَّة ودينِ الإسلامِ ليُظهِرَ دينَ الإسلامِ على الأديانِ كُلِّها بالحجَّة والغلَبَة، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾ ؛ على نبُوَّتكَ ورسالتكَ إنْ لم يشهَدْ سُهَيلُ وأمثالهُ.

الفتح 48:29

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾ ؛ هذا مبتدأ وخبرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ ؛ أي والَّذين معَهُ من المؤمنينِ أشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّار، غِلاَظٌ عليهم، والأشِدَّاءُ جمعُ الشَّديدِ، وهو قويُّ في دينِ الله تعالى، القويُّ على أعداءِ الله، كانوا لا يَمِيلُونَ إلى الكفَّار لقَرابَةٍ ولا غيرِها، بل أظهَرُوا لهم العداوةَ في الدينِ، وكانوا على الكفَّار كالأَسَدِ على فرسهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾ ؛ أي مُتَوادِدُون فيما بينَهم، مُتعَاطِفُون حتى أنَّهم كانوا بعضَهم لبعضٍ كالوالدِ لولدهِ، والعبدِ لسيِّدهِ، وقولهُ تعالى :﴿تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً﴾ ؛ أي رَاكعين وساجِدين يُكثرون الصلاةَ للهِ، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾ ؛ يعني الجنَّةَ، ورضَى اللهِ تعالى. قولهُ :﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ ؛ أي علامةُ التهَجُّد ظاهرةٌ على وجوهِهم من كَثرَةِ السُّجود بالليلِ، والمعنى يتبيَّن في وُجوهِهم أثرُ السَّهَرِ، قال الضحَّاك :(إذا سَهِرَ أصْبَحَ مُصْفَرّاً) وقال عطيَّةُ :(مَوَاضِعُ السُّجُودِ أشَدُّ بَيَاضاً فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ). وقال مجاهدُ :(يَعْنِي الأَثَرُ : الْخُشُوعُ وَالتَّوَاضُعُ وَالسَّمْتُ الْحَسَنُ). وقال عكرمةُ :(هُوَ التُّرَابُ عَلَى الْجِبَاهِ لأَنَّهُمْ يَسْجُدُونَ عَلَى التُّرَاب لاَ عَلَى الثِّبَاب). وقال الحسنُ في وصفِهم :(إذا رَأيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ مَرْضَى، وَمَا بالْقَوْمِ مَرَضٌ، وَيَقُولُ : لَعَلَّهُمْ خُولِطُواْ فِي عُقُولِهِمْ، وَاللهِ لَقَدْ خَالَطَهُمْ أمْرٌ عَظِيمٌ). يريدُ بذلك ما في قلوبهم من خوفِ الآخرةِ. وقال بعضُهم :﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ هو نورٌ يجعلهُ الله في وجوهِهم يومَ القيامةِ، يُعرَفون بتلك العلامةِ أنَّهم سجَدُوا في الدُّنيا كما قالَ اللهُ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾[آل عمران: ١٠٦]، وقال النبيُّ ﷺ :" تُحْشَرُ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرّاً مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَار الْوُضُوءِ ". وقال منصورُ :(سَأَلْتُ مُجَاهِدَ عَنْ قَوْلِهِ :﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ قَالَ : لَيْسَ هُوَ الأَثَرُ الَّذِي يَكُونُ فِي جَبْهَةِ الرَّجُلِ مِثْلَ رُكْبَةِ الْبَعِيرِ، فَقَدْ يَكُونُ ذلِكَ برَجُلٍ هُوَ أقْسَى قَلْباً مِنَ الْحِجَارَةِ، وَلَكِنْ هُوَ نُورٌ فِي وُجُوهِهِمْ مِنَ الْخُشُوعِ). وقال ابن جُريج :(هُوَ الْوَقَارُ)، وقال سَمُرة :(هُوَ الْبَهَاءُ)، وقال سفيانُ :(يُصَلُّونَ باللَّيْلِ، فَإذا أصْبَحُوا عُرِفَ ذلِكَ فِي وُجُوهِهِمْ ؛ بيانهُ قولهُ عليه السلام :" مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتُهُ باللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بالنَّهَار " ورُوي في بعضِ الأخبار :" أنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِِيَامَةِ : يَا نَارُ أنْضِجِي، يَا نَارُ أحْرِقِي وَمَوْضِعَ السُّجُودِ لاَ تقرَبي ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ ؛ أي ذلك الَّذي ذكرَهُ في القرآنِ مَن وصفَهم هو ما وُصِفوا به في التَّوراةِ، ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ﴾ ؛ أيضاً، ثم ذكَرَ اللهُ وَصْفَهم في الإنجيلِ :﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ ؛ أي سبيلَهُ، وقال ابنُ زيدٍ :(أوْلاَدَهُ). والشَّطْأُ : فِرَاخُ الزَّرعِ، يقالُ : الشَّطْأُ الزَّرْعُ أنْ يُخْرِجَ سَبْعاً أو ثَمَانياً أو عَشْراً، وهذا مثَلٌ ضربَهُ اللهُ لأصحاب النبيِّ ﷺ، يعني أنَّهم يكُونون قَليلاً ثم يَزدَادون ويَكثَرون ويَقْوَوْنَ، قال قتادةُ :(مَكْتُوبٌ فِي الإنْجِيلِ : أنَّهُ سَيَخْرُجُ قَوْمٌ يَنْبُتُونَ نَبَاتَ الزَّرْعِ، يَأْمُرُونَ بالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ).

الحجرات 49:1

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ؛ أي لا تقطَعُوا أمراً دونَ اللهِ ورسولهِ، ولا تعجَلُوا بهِ، وقالت عائشةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا في قولهِ ﴿لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ :(أيْ تَصُومُواْ قَبْلَ أنْ يَصُومَ نَبيُّكُمْ صلى الله عليه وسلم) ﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾ ؛ في تَضييعِ حقِّه ومخالفةِ أمرهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ ؛ لأقوالِكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ ؛ بأفعالِكم، وقال جابرٍ (نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فِي النَّهْيِ عَنِ الذبْحِ يَوْمَ الأَضْحَى قَبْلَ الصَّلاَةِ). وقالت عائشةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا :" نَزَلْنَ فِي النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الشُّكِّ)، وعن مسروقٍ قالَ :(دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فِي يَوْمِ الشُّكِّ، فَقَالَتْ لِلْجَاريَةِ : اسْقِيهِ، فَقُلْتُ : إنِّي صَائِمٌ، فَقَالَتْ : قَدْ نَهَى اللهُ تَعَالَى عَنْ صَوْمِ هَذا الْيَوْمِ، وَفِيْهِ نَزَلَ ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. وعن الحسنِ البصريِّ قال :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي الذبْحِ يَوْمَ الأَضْحَى، كَأَنَّهُ قَالَ : لاَ تَذْبَحُواْ قَبْلَ ذبْحِ النَّبيِّ ﷺ، وَذلِكَ أنَّ نَاساً مِنَ الْمُسْلِمِينَ ذبَحُواْ قَبْلَ صَلاَةِ النَّبيِّ ﷺ : فَأَمَرَهُمْ أنْ يُعِيدُواْ الذبْحَ). وعن ابنِ عبَّاس رضي الله عنه قال :(سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ :" أنَّ النَّبيَّ ﷺ بَعَثَ رَهْطاً مِنْ أصْحَابهِ وَهُمْ سَبْعٌ وَعُشْرُونَ رَجُلاً، وَأمَّرَ عَلَيْهِمُ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو، وَأمَرَهُمْ أنْ يَسِيرُوا إلَى بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَأنْ يَمُرُّواْ عَلَى بَنِي سُلَيْمٍ، فَبَاتُوا عِنْدَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الرَّحِيلِ، أضَلَّ أرْبَعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَعِيراً لَهُمْ، فَاسْتَأْذنُوا الْمُنْذِرَ أنْ يَتَخَلَّفُواْ عَنْهُ حَتَّى يَطْلِبُوهُ، فَأَذِنَ لَهُمْ. وَسَارَ الْمُنْذِرُ بمَنْ بَقِيَ مَعَهُ، وَكَانَتْ بَنُوا سُلَيْمٍ دَسَّتْ إلَى بَنِي عَامِرِ خَبَرَ أصْحَاب رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَاسْتَعَدُّواْ لِقِتَالِهِمْ وَاجْتَمَعُواْ لَهُمْ، فَسَارَ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَى بئْرِ مَعُونَةَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالاً شَدِيداً وَقُتِلَ الْمُنْذِرُ وَأصْحَابُهُ، وَقُتِلَ أحَدُ الأَرْبَعَةِ وَرَجَعَ الثَّلاَثَةُ إلَى الْمَدِينَةِ، فَلَقُوا رَجُلَيْنِ خَارجَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ فَقَالُواْ : مِمَّا أنْتُمَا ؟ فَقَالاَ : مِنْ بَنِي عَامِرٍ، فَقَالُواْ : إنَّهُمَا مِنْ عَدُوِّنَا، فَقَتَلُوهُمَا وَأخُذوْا سَلْبَهُمَا. وَجَاءُوا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَذكَرُوا لَهُ الْقِصَّةَ، فَقَالَ لَهُمْ ﷺ :" بئْسَمَا فَعَلْتُمْ، إنَّهُمَا مِنْ أهْلِ مِيثَاقِي مَنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَهَذا الَّذِي مَعَكُمْ مِنْ سَلْبهِمَا مِنْ كِسْوَتِي ". وَجَاءَ السُّلَيْمِيُّونَ يَطْلُبُونَ الْقَوَدَ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه سلم :" إنَّ صَاحِبَيْكُمْ اعْتَزَمَا إلَى عَدُوَِّنَا، فَلاَ قَوَدَ فِيهِمَا وَلَكِنَّا نُؤَدِّي إلَيْكُمُ الدِّيَةَ " فَأَمَرَ عليه السلام أنْ تُقْسَمَ دِيَتَهُمَا عَلَى أهْلِ مِيثَاقِهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ) ". والمعنى : لا تُقدِّموا بقولٍ ولا فعلٍ حتى يكون النبيُّ ﷺ هو الذي يأمُركم في ذلك.

الحجرات 49:2

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ ؛ رُوي :" أنَّ رَهْطاً مِنْ بَنِي تَمِيمٍ قَدِمُوا عَلَى النَّبيِّ ﷺ، مِنْهُمُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابسٍ وَعُطَاردُ ابْنُ الْحَاجِب وَالْحَارثُ بْنُ عَمْرٍو وَغَيْرُهُمْ، فَقَامُوا عَلَى بَاب الْمَسْجِدِ، فَنَادَى الأَقْرَعُ ابْنُ حَابسٍ : يَا مُحَمَّدُ أتَأْذنُ لِي فِي الْكَلاَمِ ؟ فَوَاللهِ إنَّ حَمْدِي لَزَيْنٌ وَذمِّي لَشَيْنٌ، فَقَالَ ﷺ :" كَذبْتَ! ذلِكُمُ اللهُ تَعَالَى ". ثُمَّ أذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُواْ، فَقَالَ :" يَا مُحَمَّدُ أتَأْذنُ لِخَطِيبنَا ؟ " فَقَالَ ﷺ :" أُدْعُوا إلَيَّ ثَابتَ بْنَ قَيْسٍ بْنِ شَمَّاسٍ " فَدُعِيَ لَهُ، فَقَالَ ﷺ :" لِيَتَكَلَّمْ صَاحِبُكُمْ " فَتََكَلَّمَ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ :" أجِبْ يَا ثَابتَ " فَأَجَابَهُ. فَقَالَ الأَقْرَعُ :" إئْذنْ لِشَاعِرِنَا يَا مُحَمَّدُ " فَقَالَ عليه السلام :" أُدْعُوا إلَيَّ الْقَارعَةَ " يَعْنِي حَسَّانَ، فَلَمَّا جَاءَ حَسَّانُ قَالَ ﷺ :" لِيَتَكَلَّمْ شَاعِرُكُمْ " فَلَمَّا تَكَلَّمَ، قَالَ ﷺ :" أجِبْهُ يَا حَسَّانُ " فَأَجَابَهُ، فَقَالَ عُطَاردُ لِلأَقْرَعِ : وَاللهِ إنَّ مُحَمَّداً الْمُؤْتَى لَهُ - أيْ أُعْطِيَ كُلَّ شَيْءٍ - فَإنَّ خَطِيبَهُ أخْطَبُ مِنْ خَطِيبنَا، وَشَاعِرُهُ أشْعَرُ مِنْ شَاعِرِنَا. وَعَلَتِ الأَصْوَاتُ وَكَثُرَ اللَّغَطُ، وَكَانَ أشَدَّهُمْ صَوْتاً وَأعْلاَهُمْ ثَابتُ بْنُ قَيْسٍ، وَكَانَ بهِ صَمَمٌ لاَ يَكَادُ يَسْمَعُ إلاَّ أنْ يُصَاحَ بهِ فَيُجِيبُ بمِثْلِهِ. فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ، ونُهوا أن يَرفَعُوا أصواتَهم على صوتِ النبيِّ ﷺ تَعظِيماً له ؛ لأن رفعَ الصَّوت على الإنسانِ يُوهِمُ الاستخفافَ به في ظاهرِ الحال ". وعن جابرِ بن عبدِالله قال :" لَمَّا جَاءَ بَنُو تَمِيمٍ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَادَوا عَلَى الْبَاب : أُخْرُجْ يَا مُحَمَّدُ ؛ فَإنَّ مَدْحَنَا زَيْنٌ وَذمَّنَا شَيْنٌ، قَالَ : فَخَرَجَ إلَيْهِمْ وَقَالَ :" إنَّمَا ذلِكُمْ اللهُ الَّذِي مَدْحُهُ زَيْنٌ وَذمُّهُ شَيْنٌ " قَالُوا : نَحْنُ أُنَاسٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، جِئْنَا بشَاعِرِنَا وَخَطِيبنَا لِشَاعِرِكُمْ وَنُفَاخِرُكَ، فَقَالَ ﷺ :" مَا بالشِّعْرِ بُعِثْتُ وَلاَ بالْفَخَار أُمِرْتُ، وَلَكِنْ هَاتُوا ". فَقَالَ : لِشَابٍّ مِنْ شَبَابهِمْ : قُمْ يَا فُلاَنُ فَاذْكُرْ فَضْلَكَ وَفَضْلَ قَوْمِكَ، فَقَامَ فَقَالَ : الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَنَا خَيْرَ خَلْقِهِ، وَآتَانَا أمْوَالاً نَفْعَلُ فِيْهَا مَا نَشَاءَ، فَنَحْنُ مِنْ خَيْرِ أهْلِ الأَرْضِ وَأكْثَرِهِمْ عُدَّةً وَسِلاَحاً وَمَالاً، فَمَنْ أنْكَرَ عَلَيْنَا قَوْلََنَا فَلْيَأْتِ بقَوْلٍ هُوَ أحْسَنُ مِنْ قَوْلِنَا، وَفِعَالٍ هِيَ خَيْرٌ مِنْ فِعَالِنَا. فَقَالَ ﷺ لثابتِ بن قَيسٍ، وَكَانَ خَطِيبَ رَسُولِ اللهِ ﷺ :" قُمْ " فَقَامَ فَقَالَ : الْحَمْدُ للهِ أحْمَدُهُ وَأسْتَعِينُهُ وَأُؤْمِنُ بهِ وَأتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَأشْهَدُ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، دَعَا الْمُهَاجِرِينَ مِنْ بَنِي عَمِّهِ أحْسَنَ النَّاسِ وُجُوهاً فَأَعْظَمَهُمْ أخْلاَقاً فَأَجَابُوهُ، وَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَنَا أنْصَارَهُ، وَرَدَّ اللهُ لِرَسُولِهِ وَعَزَّ الْمَدِينَةَ. فَنَحْنُ نُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُواْ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ، وَأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، فَمَنْ قَالَهَا مَنَعَ مِنَّا مَالَهُ وَنَفْسَهُ، وَمَنْ أبَاهَا قَتَلْنَاهُ، وَكَانَ قَتْلُهُ فِي اللهِ عَلَيْنَا هَيِّناً، أقُولُ قَوْلِي وَأسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ. فَقَالُواْ لِشَابٍّ مِنْهُمْ : قُمْ يَا فُلاَنُ فَقُلْ أبْيَاتاً تَذْكُرُ فِيْهَا فَضْلَكَ وَفَضْلَ قَوْمِكَ، فَقَامَ الشَّابُّ وَقَالَ :"

الحجرات 49:3

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ ؛ أي أخلصَها واصطفَاها واختبرهَا، كما يُمتحَنُ الذهبُ بالنار فيخرجُ خَالصاً، وقال ابنُ عبَّاس :" مَعْنَاهُ : أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أكْرَمَ اللهُ قُلُوبَهُمْ). وَقِيْلَ : أذهبَ الشهواتِ عنها. قال الزجَّاجُ : أمَرَ اللهُ بتَبْجِيلِ نَبيِّهِ ﷺ وَأنْ يَغُضُّواْ أبْصَارَهُمْ عِنْدَمَا يُخَاطَبُونَ بالسَّكِينَةِ وَالْوَقَار ؛ لِئَلاَّ تَحْبَطَ أعْمَالُهُمْ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ فلذلك قال : فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْيَمَامَةِ فِي حَرْب مُسَيْلَمَةَ، قَاتَلَ ثَابتُ بْنُ قَيْسٍ وَسَالِمُ مَوْلَى أبي حُذيْفَةَ قِتَالاً شَدِيداً حَتَّى قُتِلاَ، وَاسْتُشْهِدَ ثَابتُ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾ الغَضُّ النَّقْصُ مِن كلٍّ شيءٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾[لقمان: ١٩]، وقولهُ تعالى :﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ أي أخلَصَها للتَّقوى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ؛ أي فِي الجنَّة.

الحجرات 49:4

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ ؛ وذلك : أنَّ قَوْماً مِنْ بَنِي الْعَنْبَرِ وَهُمْ حَيٌّ مِنْ تَمِيمٍ، بَعَثَ النَّبيُّ ﷺ إلَيْهِمْ سَرِيَّةُ، وَأمَّرَ عَلَيْهِمْ عُيَيْنَةُ بْنُ الْحُصَيْنِ الْفَزَّاريُّ، فَهَرَبُوا فَسَبَى ذرَاريهِمْ وَنِسَاءَهُمْ وَجَاءَ بهِمْ إلَى النَّبيِّ ﷺ، فَجَاءَ رجَالُهُمْ لِيُفَادُوا ذرَاريهِمْ، فَدَخَلُواْ الْمَدِينَةَ عِنْدَ الْقَيْلُولَةِ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ نَائِمٌ. فَلَمَّا أبْصَرَهُمُ الْعِيَالُ بَكَوا عَلَيْهِمْ، فَنَهَضُواْ وَعَجَّلُواْ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ إلَيْهِمُ النَّبيُّ ﷺ، وَجَعَلُوا يُنَادُونَ : يَا مُحَمَّدُ اخْرُجْ إلَيْنَا، وَكَانَ ﷺ حِينَئِذٍ نَائِماً، فَتَأَذى بأَصْوَاتِهِمْ، وَلَمْ يَعْلَمُوْا فِي أيِّ حُجْرَةٍ هُوَ، فَجَعَلُواْ يَطْرِقُونَ عَلَى جَميعِ حُجُرَاتِهِ، وَكَانَ لِكُلِّ امْرَأةٍ مِنْ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حُجْرَةٌ وَبَيْتٌ، فطَافُوا عَلَى جَمِيعِ الْحُجُرَاتِ وَهُمْ يُنَادُونَ : اخْرُجْ عَلَيْنَا. وقولهُ تعالى :﴿أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ وصَفَهم اللهُ بالجهلِ وقلَّة العقلِ وقلَّة الصبرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ ؛ يعني ولَو أنَّهم صبَرُوا حتى تخرجَ إليهم للصَّلاة لَخَلَّى سبيلَهم بغيرِ فداءٍ، فلما نادَوهُ وأيقظوهُ أعتَقَ نصفَ ذرَاريهم وفادَى نِصفَهم بقوله تعالى :﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ﴾ كُنتَ تَعِيقُ كُلَّهم، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ لِمَن تابَ منهم.

الحجرات 49:5

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ ؛ وذلك : أنَّ قَوْماً مِنْ بَنِي الْعَنْبَرِ وَهُمْ حَيٌّ مِنْ تَمِيمٍ، بَعَثَ النَّبيُّ ﷺ إلَيْهِمْ سَرِيَّةُ، وَأمَّرَ عَلَيْهِمْ عُيَيْنَةُ بْنُ الْحُصَيْنِ الْفَزَّاريُّ، فَهَرَبُوا فَسَبَى ذرَاريهِمْ وَنِسَاءَهُمْ وَجَاءَ بهِمْ إلَى النَّبيِّ ﷺ، فَجَاءَ رجَالُهُمْ لِيُفَادُوا ذرَاريهِمْ، فَدَخَلُواْ الْمَدِينَةَ عِنْدَ الْقَيْلُولَةِ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ نَائِمٌ. فَلَمَّا أبْصَرَهُمُ الْعِيَالُ بَكَوا عَلَيْهِمْ، فَنَهَضُواْ وَعَجَّلُواْ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ إلَيْهِمُ النَّبيُّ ﷺ، وَجَعَلُوا يُنَادُونَ : يَا مُحَمَّدُ اخْرُجْ إلَيْنَا، وَكَانَ ﷺ حِينَئِذٍ نَائِماً، فَتَأَذى بأَصْوَاتِهِمْ، وَلَمْ يَعْلَمُوْا فِي أيِّ حُجْرَةٍ هُوَ، فَجَعَلُواْ يَطْرِقُونَ عَلَى جَميعِ حُجُرَاتِهِ، وَكَانَ لِكُلِّ امْرَأةٍ مِنْ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حُجْرَةٌ وَبَيْتٌ، فطَافُوا عَلَى جَمِيعِ الْحُجُرَاتِ وَهُمْ يُنَادُونَ : اخْرُجْ عَلَيْنَا. وقولهُ تعالى :﴿أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ وصَفَهم اللهُ بالجهلِ وقلَّة العقلِ وقلَّة الصبرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ ؛ يعني ولَو أنَّهم صبَرُوا حتى تخرجَ إليهم للصَّلاة لَخَلَّى سبيلَهم بغيرِ فداءٍ، فلما نادَوهُ وأيقظوهُ أعتَقَ نصفَ ذرَاريهم وفادَى نِصفَهم بقوله تعالى :﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ﴾ كُنتَ تَعِيقُ كُلَّهم، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ لِمَن تابَ منهم.

الحجرات 49:6

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ ؛ وذلك :" أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ مُصَّدِّقاً إلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ أحَنَةٌ، فَلَمَّا اتَّصَلَ خَبَرُهُ بهِمْ وَسَمِعُواْ بهِ اجْتَمَعُواْ لِيَتَلَقَّوهُ، فَفَرَّ مِنْهُمْ وَكَرَّ رَاجِعاً إلَى الْمَدِينَةِ، وَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : إنَّهُمْ قَدْ مَنَعُواْ الزَّكَاةَ وَارْتَدُّوا عَنِ الإسْلاَمِ وَقَصَدُواْ قَتْلِي. فَبَعَثَ إلَيْهِمُ النَّبيُّ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي جَيْشٍ، وَقَالَ لَهُ :" انْزِلْ بسَاحَتِهِمْ لَيْلاً، فَإنْ رَأيْتَ مَا يَدُلُّ عَلَى الإسْلاَمِ مِنَ الأَذَانِ لِلصَّلاَةِ وَالتَّهَجُّدِ أمْسِكْ عَنْ مُحَارَبَتِهِمْ، وَطَالِبْهُمْ بصَدَقَاتِهِمْ ". فَلَمَّا سَارَ إلَيْهِمْ خَالِدُ لَيْلاً سَمِعَ فِيهِمْ الأَذانُ وَالتَّهَجُّدَ، فَكَفَّ عَنْهُمْ إلَى أنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ لاَ عَلَى وَجْهِ قِتَالٍ، وَقُالُواْ : قَدِ اسْتَبْطَأْنَا رسَالَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الصَّدَقَاتِ، فَسَلَّمُوهَا إلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ ". وسَمَّى الوليدَ بن عُقبة فَاسقاً، لِكَذِبهِ الذي وقعَ به. الأغَرُّ أو الفاسقُ : الخارجُ عن طاعةٍ بارتكاب كثيرٍ من الذُّنوب. وَقِيْلَ : الفاسقُ الذي لا يَستَحِي من اللهِ. وَقِيْلَ : هو الكذابُ الْمُعلِنُ بالذنب. والنَّبَأُ : الخبرُ عمَّا يَعظُمُ شأنهُ فيما يعملُ عليه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَتَبَيَّنُواْ﴾ ؛ قد ذكَرنا قِراءَتين فيه في سُورة النساءِ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ ؛ أي لِئَلا تُصيبوا قَوماً وهم مُسلمون، ﴿فَتُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.

الحجرات 49:7

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ معناهُ : إعْلَمُوا أنَّ رسولَ الله لو يُجِيبُكم في كثيرٍ مما سألتموهُ لوقَعتُم في العَنَتِ وهو الإثمُ والمشقَّة. وَقِيْلَ : اتَّقُوا أن تَكذِبُوا رسولَ اللهِ وتقولوا بَاطلاً، فإنَّ اللهَ يخبرهُ فتُفتَضَحُوا، ثم قال : لو يُطِيعُكم الرسولُ في كثيرٍ مما تُخبرونَهُ فيه بالباطلِ لَعَنِتُّمْ ؛ أي لوقَعتُم في العَنَتِ وهو الإثْمُ والهلاكُ. ثم خاطبَ المؤمنين الذين لا يَكذِبُون فقالَ :﴿وَلَـاكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ﴾ ؛ أي جعلَهُ أحبَّ الأديان إليكم، ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ؛ حتى اختَرتُموهُ، ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ ؛ أي بَغَّضَ إليكم هذه الأشياءَ : الكفرُ ظاهر المعنى، والفُسُوق وَالكَذِبُ والخروجُ عن أمرِ الله، والعصيانُ : جمعُ معاصِي الله. ثم عادَ إلى الخبرِ عنهم فقال :﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ ؛ أي المهتَدُون إلى محاسنِ الأمُور. ثم بيَّنَ أنَّ جميعَ ذلك تفضُّلٌ من اللهِ تعالى فقالَ :﴿فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ ؛ أي تَفَضُّلاً مِن اللهِ ورحمةً، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ ؛ بما في قُلوبهم، ﴿حَكِيمٌ﴾ ؛ فيهم بعِلمهِ.

الحجرات 49:8

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ معناهُ : إعْلَمُوا أنَّ رسولَ الله لو يُجِيبُكم في كثيرٍ مما سألتموهُ لوقَعتُم في العَنَتِ وهو الإثمُ والمشقَّة. وَقِيْلَ : اتَّقُوا أن تَكذِبُوا رسولَ اللهِ وتقولوا بَاطلاً، فإنَّ اللهَ يخبرهُ فتُفتَضَحُوا، ثم قال : لو يُطِيعُكم الرسولُ في كثيرٍ مما تُخبرونَهُ فيه بالباطلِ لَعَنِتُّمْ ؛ أي لوقَعتُم في العَنَتِ وهو الإثْمُ والهلاكُ. ثم خاطبَ المؤمنين الذين لا يَكذِبُون فقالَ :﴿وَلَـاكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ﴾ ؛ أي جعلَهُ أحبَّ الأديان إليكم، ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ؛ حتى اختَرتُموهُ، ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ ؛ أي بَغَّضَ إليكم هذه الأشياءَ : الكفرُ ظاهر المعنى، والفُسُوق وَالكَذِبُ والخروجُ عن أمرِ الله، والعصيانُ : جمعُ معاصِي الله. ثم عادَ إلى الخبرِ عنهم فقال :﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ ؛ أي المهتَدُون إلى محاسنِ الأمُور. ثم بيَّنَ أنَّ جميعَ ذلك تفضُّلٌ من اللهِ تعالى فقالَ :﴿فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ ؛ أي تَفَضُّلاً مِن اللهِ ورحمةً، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ ؛ بما في قُلوبهم، ﴿حَكِيمٌ﴾ ؛ فيهم بعِلمهِ.

الحجرات 49:9

قوله :﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ ؛ " نزلَ ذلك في الأَوْسِ والخزرَجِ بسبب الكلامِ الذي جرَى بين عبدِالله بن أُبَي رأسِ المنافقين وعبدِالله ابن رَوَاحة لَمَّا اسْتَبَّا جَاءَ قوْمُ هَذا فَاقْتَتَلُواْ بالنِّعَالِ وَالتَّرَامِي بالْحِجَارَةِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ سَيْفٌ. وَسَبَبُ اخْتِصَامِهِمَا أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ ذاتَ يَوْمٍ عَلَى مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الأَنْصَار وَهُوَ عَلَى حِمَارهِ، فبَالَ حِمَارُهُ وَهِيَ أرْضٌ سَبْخَةٌ، فَأَمْسَكَ عَبْدُاللهِ بْنُ أُبَيٌّ آنْفَهُ وَقَالَ : إلَيْكَ عَنِّي فَوَاللهِ لَقَدْ آذانِي نَتَنُ حِمَاركَ. فَقَالَ عَبْدُاللهِ بْنُ رَوَاحَةَ : وَاللهِ لَنَتَنُ حِمَار رَسُولِ اللهِ أطْيَبُ ريْحاً مِنْكَ. فَغَضَّبَ لعَبْدِاللهِ بْنِ أُبَيٍّ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهٍ، وغَضِبَ لابْنِ رَوَاحَةَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاسْتَبُّواْ وَتَحَامَلَ أصْحَابُ كُلِّ وَاحِدٍ مِعَ أصْحَاب الآخَرِ، فَتَجَادَلُواْ بالأَيْدِي وَالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَقَرَأهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاصْطَلَحُواْ وَكَفَّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ. وَأقْبَلَ بَشِيرُ بْنُ النُّعْمَانِ الأَنْصَاريُّ مُشْتَمِلاً عَلَى سَيْفِهِ فَوَجَدَهُمْ قَدِ اصْطَلَحُواْ، فَقَالَ عَبْدُاللهِ بْنُ أُبَيٍّ : أعَلَيَّ تَشْتَمِلُ بالسَّيْفِ يَا بَشِيرُ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَالَّذِي أحْلِفُ بهِ لَوْ جِئْتُ قَبْلَ أنْ تَصْطَلِحُواْ لَضَرَبْتُكَ حَتَّى أقْتُلَكَ ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ أي الدُّعاء إلى حُكم اللهِ والرِّضا بما في كتاب اللهِ لهما وعليهما. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى﴾ ؛ أي طَلبت ما ليس لها ولم ترجِعْ إلى الصُّلح، ﴿فَقَاتِلُواْ الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ؛ حتى ترجعَ عن البغيِ إلى كتاب اللهِ، والصُّلح الذي أمر اللهُ تعالى به. والبغيُ هو الاستطالَةُ، والعدولُ عن الحقِّ وعمَّا عليه جماعةُ المسلمين. والطائفةُ الباغِيَةُ هي التي تطلبُ ما ليس لها أنْ تَطْلُبَهُ، قولهُ ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُواْ الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي حتى ترجعَ إلى طاعةِ اللهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُواْ﴾ ؛ أي واعدِلُوا في الإصلاحِ بينهما، وفي كلِّ حكمٍ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ؛ أي يحبُّ الذين يَعدِلُون في حُكمِهم وأهلِيهم وما تولَّوهُ، الإقْسَاطُ في اللغة هو العَدْلُ، يقالُ : أقسَطَ الرجلُ إذا عَدَلَ، وقَسَطَ إذا جَارَ، ومنه قولهُ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾[الجن: ١٥]. وعن ابنِ عُمر رضي الله عنه أن النبيَّ ﷺ قال :" يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ ؛ هَلْ تَدْري كَيْفَ حُكْمُ اللهِ فِيمَنْ يَفِيءُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ " ؟ قَالَ : اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ :" لاَ يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهَا وَلاَ يُقْتَلُ أسِيرُهَا وَلاَ يُطْلََبُ هَاربُهَا وَلاَ يُقْسَمُ فِيْهَا ".

الحجرات 49:10

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ؛ يعني في الدُّنيا والولايةِ، ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ؛ يعني بين كلِّ مُسلِمين تَخَاصَما وتقاتَلاَ واختلَفا، قرأ ابنُ سيرين (بَيْنَ أخَوَيْكُمْ) بالجمعِ، وقرأ حسن (بَيْنَ إخْوَانِكُمْ) بالألف والنُّون. وقوله تعالى :﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾ ؛ أي أطِيعُوا اللهَ ولا تُخالفوا أمرَهُ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال :(الْمُسْلِمُ أخُو الْمُسْلِمِ ؛ لاَ يَظْلِمُهُ ؛ وَلاَ يَعِيبُهُ وَلاَ يَخْذِلُهُ، وَلاَ يَتَطَاوَلُ عَلَيْهِ بالْبُنْيَانِ فَيَسْتُرُ عَنْهُ الرِّيحَ إلاَّ بإذْنِهِ، وَلاَ يُؤْذِيهِ بقِتَار قِدْرهِ إلاَّ أنْ يَغْرِفَ لَهُ مِنْهُ، وَلاَ يَشْتَرِي لِبَيْتِهِ الْفَاكِهَةَ فَيَخْرِجُونَ بهَا إلَى أوْلاَدِ جَارهِ إلاَّ أنْ يُطْعِمُوهُمْ مِنْهَا).

الحجرات 49:11

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ﴾ ؛ أي لا يَستَهزِئُ الرجلُ من أخيهِ فيقولُ : إنَّكَ رَدِيءُ المعيشةِ لَئِيمُ الْحَسَب وأشباهُ ذلك مما يَنتَقِصهُ به وهو خيرٌ منه عندَ اللهِ. وَقِيْلَ : معناهُ : لا يُعَيِّرْ قومٌ قوماً لعلَّ المسخُورَ منه أفضلُ عندَ الله تعالى من السَّاخِرين، ﴿وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ﴾ ؛ ولا يُعَيِّرُ نساؤُنا نساءَنا لعلَّ الْمَسخُورَةَ منهنَّ أفضلُ من السَّاخرتاتِ. وَقِيْلَ : معناهُ : لا يسخَرْ غَنِيٌّ من فقيرٍ لفَقرهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ ؛ أي لا تُعِيبُوا إخوانَكم الذين هم كأَنفُسكم، ﴿وَلاَ تَنَابَزُواْ بِالأَلْقَابِ﴾ ؛ أي لا يَدْعُ بعضُكم بعضاً باللَّقَب الذي يكرههُ صاحبهُ ؛ لأن عليه أنْ يخاطِبَ أخاهُ بأحَب الأسماءِ إليه. وقال قتادةُ :(مَعْنَاهُ : لاَ تَقُلْ لأَخِيكَ الْمُسْلِمِ : يَا فَاسِقُ وَيَا مُنَافِقُ، وَلاَ يَقُولُ لِلْيَهُودِيِّ بَعْدَ أنْ آمَنَ : يَا يَهُودِيُّ) وذلك معنى :﴿بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإَيمَانِ﴾ ؛ قال عطاءُ :(هُوَ كُلُّ شَيْءٍ أغْضَبْتَ بهِ أخَاكَ كَقَوْلِكَ : يَا كَلْبُ ؛ يَا خِنْزِيرُ ؛ يَا حِمَارُ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ﴾ ؛ أي مَن لَمْ يَتُبْ ممن التَّنابُزِ ﴿فَأُوْلَـائِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ؛ وقال :(نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ﴾ فِي نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ عَيَّرْنَ أُمَّ سَلَمَةَ بالْقِصَرِ). ويقالُ : نزلَت في عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أشَارَتْ بيَدِهَا فِي أُمِّ سَلَمَةَ أنَّهَا قَصِيرَةٌ. ورَوى عكرمةُ عن ابنِ عبَّاس :" أنَّ صَفِيَّةَ بنْتَ حَييِّ بْنِ أخْطَبَ أتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ : إنَّ النِّسَاءَ يُعَيِّرْنَنِي يَا يَهُودِيَّةُ بنْتُ يَهُودِيَّينِ، فَقَالَ ﷺ :" هَلاَّ قُلْتِ : أبي هَرُونُ وَعَمِّي مُوسَى وَأنَّ زَوْجِي مُحَمَّدٌ " " فَأنزلَ اللهُ تعالى هذه الآيةَ ﴿وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي لا يَغتَبْ بعضُكم بعضاً ولا يطعَنْ بعضُكم على بعضٍ. وَقِيْلَ : اللَّمْزُ العيبُ في الْمَشْهَرِ، والْهَمْزُ فِي الْمَغِيب، وقال محمَّدُ بن زيدٍ :(اللَّمْزُ يَكُونُ باللِّسَانِ وَالْعَيْنِ وَالإِشَارَةِ، وَالْهَمْزُ لاَ يَكُونُ إلاَّ باللِّسَانِ)، قال الشاعرُ : إنْ لَقِيتُكَ تُبْدِي لِي مُكَاشَرَةً وَإنْ أغِبْ فَلأَنْتَ الْهَامِزُ اللُّمَزَهْ

الحجرات 49:12

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ " وذلك أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إذا غَزَا أوْ سَافَرَ، ضَمَّ الرَّجُلَ الْمُحْتَاجَ إلَى رَجُلَيْنِ مُوسِرَيْنِ يَخْدِمُهُمَا وَيُهَيِّءُ لَهُمَا طَعَامَهُمَا وَشَرَابَهُمَا، وَيُصِيبُ مِنْ طَعَامِهِمَا، فَضَمَّ سَلْمَانَ إلَى رَجُلَيْنِ مِنْ أصْحَابهِ فِي بَعْضِ أسْفَارهِ، فَتَقَوَّمَ سَلْمَانُ مَعَهُمَا. فَاتَّفَقَ ذاتَ يَوْمٍ أنَّهُ لَمْ يُعِدَّ لَهُمَا شَيْئاً فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ، فَلَمَّا قَدِمَا قَالاَ لَهُ : مَا صَنَعْتَ شَيْئاً ؟ قَالَ : لاَ، قَالاَ : وَلِمَ ؟ قَالَ : غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ، فَقَالاَ : انْطَلِقْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَاطْلُبْ لَنَا مِنْهُ طَعَاماً وَإدَاماً - وَقِيْلَ : إنَّهُمَا قَالاَ لَهُ : انْطَلِقْ إلَى النَّبيِّ ﷺ وَاسْأَلْهُ لَنَا فَضْلَ إدَامٍ إنْ كَانَ عِنْدَهُ - فَذهَبَ فَسَأَلَ فَقَالَ ﷺ :" إنْطَلِقْ إلَى الْخَازنِ فَلْيُطْعِمُكَ إنْ كَانَ عِنْدَهُ " وَكَانَ الْخَازنُ يَوْمَئِذٍ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَانْطَلَقَ إلَيْهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ شَيْئاً. فَرَجَعَ إلَيْهِمَا فَأَخْبَرَهُمَا بذلِكَ، فَقَالاَ : إنَّهُ بَخيلٌ يَأْمُرُهُ رَسُولُ اللهِ وَيَبْخَلُ هُوَ عَلَيْنَا، فَقَالاَ فِي سَلْمَانَ : لَوْ بَعَثْنَاهُ إلَى بئْرٍ سَمِيحَةٍ لَقَالَ : لَيْسَ فِيهَا مَاءٌ! ثُمَّ جَعَلاَ يَتَجَسَّسَانِ هَلْ كَانَ عِنْدَ أُسَامَةَ مَا أمَرَ لَهُمَا بهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الإدَامِ. فَلَمَّا جَاءَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُمَا :" مَا لِي أرَى حُمْرَةَ اللَّحْمِ عَلَى أفْوَاهِكُمَا ؟ " قَالاَ يَا رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا تَنَاوَلْنَا يَوْمَنَا هَذا لَحْماً ؟ فَقَالَ :" ظَلْتُمَا تَأْكُلاَنِ لَحْمَ سَلْمَانَ وَأُسَامَةَ " فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِه الآيَةَ :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ ﴿وَلاَ تَجَسَّسُواْ﴾ ؛ والظنُّ الذي هو الإثْمُ : أن يُعرَضَ بقلب الإنسان في أخيه ما يوجبُ الريبةَ فيحقِّقهُ من غيرِ سببٍ يوجبهُ، كما رُوي في الخبرِ :" إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإنَّ الظَّنَّ أكْذبُ الْحَدِيثِ " ". وقولهُ تعالى :﴿وَلاَ تَجَسَّسُواْ﴾ التَّجَسُّسُ : البحثُ عن عيب أخيهِ الذي سترَهُ اللهُ عليه. ومعنى الآيةِ : خُذوا ما ظهرَ ودَعُوا ما سترَ اللهُ ولا تتَّبعوا عوراتِ الناس، قال ﷺ :" لاَ تَجَسَّسُواْ ؛ وَلاَ تَحَاسَدُواْ ؛ وَلاَ تَبَاغَضُواْ ؛ وَلاَ تَدَابَرُواْ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوَاناً ". ورُوي : أنَّ رَجُلاً جَاءَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب رضي الله عنه قَالَ لَهُ :(إنَّ فُلاَناً يُوَاظِبُ عَلَى شُرْب الْخَمْرِ، فَقَالَ لَهُ : إذا عَلِمْتَهُ يَشْرَبُهَا فَأَعْلِمْنِي. فَأَعْلَمَهُ فَذهَبَ مَعَهُ حَتَّى انْتَهَى إلَى دَارهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَقَالَ : أنْتَ الَّذِي تَشْرَبُ الْخَمْرَ ؟ فَقَالَ : وَأنْتَ تَتَجَسَّسُ عُيُوبَ الْمُسْلِمِينَ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : تُبْتُ أنْ لاَ أعُودَ، فَقَالَ الرَّجُلُ : وَأنَا تُبْتُ لاَ أعُودُ). وروى زيدُ بن أسلمَ :(أنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّاب رضي الله عنه خَرَجَ ذاتَ لَيْلَةٍ وَمَعَهُ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ إذْ شَبَّتْ لَهُمَا نَارٌ، فَأَتَيَا الْبَابَ فَاسْتَأْذنَا فَفُتِحَ لَهُمَا فَدَخَلاَ، فَإذا رَجُلٌ وَامْرَأةٌ تُغَنِّي وَعَلَى يَدِ الرَّجُلِ قَدَحٌ، فَقَالَ عُمَرُ لِلرَّجُلِ : وَأنْتَ بهَذا يَا فُلاَنُ ؟ فَقَالَ : وَأنْتَ بهَذا يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ عُمَرُ : مَنْ هَذِهِ مَعَكَ ؟ قَالَ : امْرَأتِي، قَالَ : وَفِي الْقَدَحِ ؟ قَالَ : مَاءٌ زُلاَلٌ، فَقَالَ لِلْمَرْأةِ : وَمَا الَّذِي تُغَنِّينَ ؟ فَقَالَتْ : أقُولُ :

الحجرات 49:13

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ ؛ نزَلت في نفَرٍ من قريشٍ قالوا حِينَ سَمعوا أذانَ بلالٍ : أمَا وجدَ مُحَمَّدٌ مؤذِّناً غيرَ هذا الغُراب ؟ والمعنى : يا أيُّها النَّاسُ إنا خلَقنَاكم من آدمَ وحوَّاء، فكلُّكم مُتساوون في النَّسب، لأنَّ كلَّكم يرجعُ إلى أبٍ واحد وأُمٍّ واحدةٍ. ومعنى الآيةِ : الزَّجرُ عن التفاخُر بالأنساب، قال ﷺ :" إنَّمَا أنْتُمْ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَامْرَأةٍ وَاحِدَةٍ، لَيْسَ لأَحَدٍ عَلَى أحَدٍ فَضُلٌ إلاَّ بالتَّقْوَى ". ثُم ذكرَ أنه إنما فرَّقَ أنسابَ الناسِ ليتعَارفُوا لا ليتفَاخَرُوا فقالَ تعالى :﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ﴾ ؛ الشُّعوب جمعُ شَعبٍ بفتح الشِّين ؛ وهو الحيُّ العظيمُ مثل رَبيعةَ ومُضَرَ، والقبائلُ دونَها وهو كبَكرٍ من ربيعةَ، وتَميم من مُضر، هذا قولُ جماعةٍ من المفسِّرين. ورَوى عطاءُ عن ابن عباس أنه قال :" يُرِيدُ بالشُّعُوب الْمَوَالِي، وَبالْقَبَائِلِ الْعَرَبَ) وإلى هذا ذهبَ قومٌ فقالوا : الشُّعوب من العجَمِ مَن لا يُعرَفُ لهم أصلُ نَسَبٍ كالهندِ والتُّرك، والقبائلُ من العرب. وَقِيْلَ : معناهُ : وجعلَكم متشَعِّبين مفرَّقين نحو العرب وفارسَ والرُّوم والهند وقبائلِ العرب وبيوتات العجَمِ. والشِّعبُ بكسرِ الشين : الطريقُ في الجبلِ، وجمعه شِعَابٌ. والحاصلُ أنَّ الشعوبَ رُؤوسُ القبائلِ مثلَ رَبيعةَ ومُضر والأوسَ والخزرجَ، والقبائلُ دُونَ الشُّعوب وهم كبكرٍ من ربيعةَ وتَميم من مُضر، ودونَ القبائلِ العَمَائِرُ ؛ واحدَتُها عَمَارَةٌ بفتحِ العين، وهم كشَيبان من بكرٍ ودَارمِ من تَميم، ودونَ العمائرِ البطونُ ؛ واحدُها بطنٌ وهو كبَني غالبٍ ولُؤَي من قريشٍ، ودونَ البُطونِ الأفخاذُ ؛ واحدُها فَخْذٌ وهم بني هاشمٍ وبني أُمية من لُؤي، ثم الفصَائِلُ واحدها فَصِيلَةٌ وعشيرةٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِتَعَارَفُواْ﴾ أي ليَعرِف بعضَكم بعضاً في النَّسَب لا لتُفاخِرُوا فيما بينَكم، كما أنَّ اللهَ تعالى خَالَفَ بين خَلقِكم وصُوَركم لتَعرِفُوا بعضَكم بعضاً، وقرأ الأعمشُ (لِتَعَارَفُوا) وقرأ ابنُ عبَّاس (لِتَعْرِفُوا) بغير ألفِ. وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ؛ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ﴾ بفتحِ الألفِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ؛ معناهُ : إنَّ أكرمَكم في الآخرةِ اتقَاكُم للهِ في الدُّنيا، وقال ﷺ :" إنَّ اللهَ قَدْ أذْهَبَ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعْظِيمِهَا بالآبَاءِ، النَّاسُ مِنْ آدَمَ ؛ وَآدَمُ مِنَ التُّرَاب ؛ أكْرَمُكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْقَاكُمْ، لاَ فَضْلَ لِعَرَبيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ إلاَّ بالتَّقْوَى ". وقال ﷺ :" مَنْ سَرَّهُ أنْ يَكُونَ أكْرَمَ النَّاسِ فَلْيَتَّقِ اللهَ " وقَالَ :" كَرَمُ الرَّجُلِ دِينُهُ وَتَقْوَاهُ، وَفَضْلُهُ عَقْلُهُ، وَحَسَبُهُ خُلُقُهُ ". وقال ﷺ :" إنَّ اللهَ لاَ يَنْظُرُ إلَى صُوَركُمْ وَلاَ إلَى أقْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلَى قُلُوبكُمْ وَأعْمَالِكُمْ، وَإنَّمَا أنْتُمْ بَنِي آدَمَ، أكْرَمُكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْقَاكُمْ ". وقال ابنُ عبَّاس :(كَرَمُ الدُّنْيَا الْغِنَى، وَكَرَمُ الآخِرَةِ التَّقْوَى)، وقال الشاعرُ : مَا يَصْنَعُ الْعَبْدُ بعِزِّ الْغِنَى وَالْعِزُّ كُلُّ الْعِزِّ لِلْمُتَّقِيمَنْ عَرَفَ اللهَ فَلَمْ تُغْنِهِ مَعْرِفَةُ اللهِ فَذاكَ الشَّقِي

الحجرات 49:14

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـاكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ ؛ نزَلت في نفرٍ من بني أسَدٍ بن خُزيمة قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ فِي سَنَةٍ جَدْبَةٍ، وَأظْهَرُواْ شَهَادَةَ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ، وَلَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ فِي السِّرِّ، وَأفْسَدُوا طُرُقَ الْمَدِينَةِ بالعَذرَاتِ وَأغْلَوْا أسْعَارَهَا، وَكَانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهُمْ مُخْلِصُونَ فِي إيْمَانِهِمْ، وَلَمْ يَكُونُوا كَذلِكَ، وَكَانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبيِّ ﷺ : يَأْتِيكَ الْعَرَبُ بأَنْفُسِهَا عَلَى ظُهُور رَوَاحِلِهَا وَأتَيْنَاكَ بالأَثْقَالِ وَالْعِيَالِ وَالذرَاري، يَمُنُّونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَلَمْ نُقَاتِلْكَ كَمَا تُقَاتِلُكَ بَنُو فُلاَنٍ وَبَنُو فُلاَنٍ، وَيُرِيدُونَ بذلِكَ الصَّدَقَةَ وَيَقُولُونَ : أعْطِنَا. فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ. والمعنى : أنَّهم قالوا صدَّقنا باللسانِ والقُلوب، قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ : لَمْ تُؤْمِنُوا ؛ أي لَمْ تُصدِّقوا بقُلوبكم كما صدَّقتم بأَلسِنَتِكم ﴿وَلَـاكِن قُولُواْ﴾ اسْتَسْلَمْنَا وأنقَدْنا مخافةَ السَّبي والقتلِ :﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ؛ في السِّر كما أطَعتُم في العَلانية، فتُتوبوا من الكفرِ والنفاق، ﴿لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً﴾ ؛ أي لا يَنقِصْكُم من ثواب أعمالكم شيئاً، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ ؛ لِمَن تابَ، ﴿رَّحِيمٌ﴾ ؛ بمَن ماتَ على التوبةِ. ومن قرأ (لاَ يَأْلِتْكُمْ) بالهمزةِ فهو من ألَتَ يَأْلِتُ ألَتاً إذا نَقَصَ، ويقال : لاتَ يَلِيتُ لَيْتاً بهذا المعنى، وكِلا القراءَتين بمعنىً واحدٍ.

الحجرات 49:15

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ؛ أي هم الذين أقَرُّوا وصدَّقوا بوحدانيَّةِ اللهِ ونُبوَّة رسولهِ، ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ﴾ ؛ أي لَمْ يَشُكُّوا في دينِهم بعدَ الإيمانِ، ﴿وَجَاهَدُواْ﴾ ؛ العدوَّ، ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ؛ طاعةً، ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ؛ في الإيمانِ. فلمَّا نَزلت هذه الآيةُ جاءَ القومُ يحلِفون لرسولِ اللهِ ﷺ إنَّهم يُؤمنون في السرِّ والعلانيةِ، وقد عَلِمَ الله منهم غيرَ ذلك، فأنزلَ اللهُ : قولَهُ تعالى :﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ؛ معناهُ : كيف يُعلِّمونَ اللهَ بالدِّين الذي أنتُم عليه، وهو عالِمٌ بكلِّ شيءٍ من كلِّ وجهٍ، وكيف يجوزُ أن يُعَلَّمَ مَن كان بهذه الصِّفة. وقوله :﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾ وذلكَ أنَّ هؤلاءِ المنافقين كانوا يقُولون للنبيِّ ﷺ : قَاتَلَتْكَ العربُ بأسيافِهم ونحنُ جِئناك بالأهلِ والذراري والأثقالِ، ولم نُقاتِلْكَ كما قاتَلَك بنو فلانٍ، فقال اللهُ تعالى :﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ﴾ ؛ يا مُحَمَّدُ ؛ ﴿أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ﴾ ؛ فإنَّ إجَابَتَكم إلى الإسلامِ لم تكن إلاَّ لاجابتكم على أنفُسِكم لاَ إنَّكم أنعَمتُم على مَن دعاكُم إلى ذلك. ومِن المعلومِ أنَّ حقَّ الداعِي إلى الهدايةِ أعظمُ من حقِّ المطيعِ بالإجابةِ، فليس للمطالِب أن يُطالِبَ بالحقِّ الذي لَهُ وينسَى الحقَّ الأعظمَ الذي عليهِ، ولذلك قالَ اللهُ :﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ ؛ وأخرجَكم من الضَّلال، ﴿إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ؛ في مَقالَتِكم.

الحجرات 49:16

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ؛ أي هم الذين أقَرُّوا وصدَّقوا بوحدانيَّةِ اللهِ ونُبوَّة رسولهِ، ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ﴾ ؛ أي لَمْ يَشُكُّوا في دينِهم بعدَ الإيمانِ، ﴿وَجَاهَدُواْ﴾ ؛ العدوَّ، ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ؛ طاعةً، ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ؛ في الإيمانِ. فلمَّا نَزلت هذه الآيةُ جاءَ القومُ يحلِفون لرسولِ اللهِ ﷺ إنَّهم يُؤمنون في السرِّ والعلانيةِ، وقد عَلِمَ الله منهم غيرَ ذلك، فأنزلَ اللهُ : قولَهُ تعالى :﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ؛ معناهُ : كيف يُعلِّمونَ اللهَ بالدِّين الذي أنتُم عليه، وهو عالِمٌ بكلِّ شيءٍ من كلِّ وجهٍ، وكيف يجوزُ أن يُعَلَّمَ مَن كان بهذه الصِّفة. وقوله :﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾ وذلكَ أنَّ هؤلاءِ المنافقين كانوا يقُولون للنبيِّ ﷺ : قَاتَلَتْكَ العربُ بأسيافِهم ونحنُ جِئناك بالأهلِ والذراري والأثقالِ، ولم نُقاتِلْكَ كما قاتَلَك بنو فلانٍ، فقال اللهُ تعالى :﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ﴾ ؛ يا مُحَمَّدُ ؛ ﴿أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ﴾ ؛ فإنَّ إجَابَتَكم إلى الإسلامِ لم تكن إلاَّ لاجابتكم على أنفُسِكم لاَ إنَّكم أنعَمتُم على مَن دعاكُم إلى ذلك. ومِن المعلومِ أنَّ حقَّ الداعِي إلى الهدايةِ أعظمُ من حقِّ المطيعِ بالإجابةِ، فليس للمطالِب أن يُطالِبَ بالحقِّ الذي لَهُ وينسَى الحقَّ الأعظمَ الذي عليهِ، ولذلك قالَ اللهُ :﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ ؛ وأخرجَكم من الضَّلال، ﴿إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ؛ في مَقالَتِكم.

الحجرات 49:17

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ؛ أي هم الذين أقَرُّوا وصدَّقوا بوحدانيَّةِ اللهِ ونُبوَّة رسولهِ، ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ﴾ ؛ أي لَمْ يَشُكُّوا في دينِهم بعدَ الإيمانِ، ﴿وَجَاهَدُواْ﴾ ؛ العدوَّ، ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ؛ طاعةً، ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ؛ في الإيمانِ. فلمَّا نَزلت هذه الآيةُ جاءَ القومُ يحلِفون لرسولِ اللهِ ﷺ إنَّهم يُؤمنون في السرِّ والعلانيةِ، وقد عَلِمَ الله منهم غيرَ ذلك، فأنزلَ اللهُ : قولَهُ تعالى :﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ؛ معناهُ : كيف يُعلِّمونَ اللهَ بالدِّين الذي أنتُم عليه، وهو عالِمٌ بكلِّ شيءٍ من كلِّ وجهٍ، وكيف يجوزُ أن يُعَلَّمَ مَن كان بهذه الصِّفة. وقوله :﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ﴾ وذلكَ أنَّ هؤلاءِ المنافقين كانوا يقُولون للنبيِّ ﷺ : قَاتَلَتْكَ العربُ بأسيافِهم ونحنُ جِئناك بالأهلِ والذراري والأثقالِ، ولم نُقاتِلْكَ كما قاتَلَك بنو فلانٍ، فقال اللهُ تعالى :﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ﴾ ؛ يا مُحَمَّدُ ؛ ﴿أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ﴾ ؛ فإنَّ إجَابَتَكم إلى الإسلامِ لم تكن إلاَّ لاجابتكم على أنفُسِكم لاَ إنَّكم أنعَمتُم على مَن دعاكُم إلى ذلك. ومِن المعلومِ أنَّ حقَّ الداعِي إلى الهدايةِ أعظمُ من حقِّ المطيعِ بالإجابةِ، فليس للمطالِب أن يُطالِبَ بالحقِّ الذي لَهُ وينسَى الحقَّ الأعظمَ الذي عليهِ، ولذلك قالَ اللهُ :﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ ؛ وأخرجَكم من الضَّلال، ﴿إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ؛ في مَقالَتِكم.

الحجرات 49:18

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ؛ فيه بيانُ أنه لا ينفعُ المنافقَ عندَ اللهِ كتمانُ الكفرِ ؛ لأنه تعالَى عالِمٌ به. فإن قِيْلَ : كيف تجوزُ الْمِنَّةُ من اللهِ تعالى والمنَّةُ مما يُكَدِّرُ الصنيعةَ ؟ قِيْلَ : إنَّ الْمِنَّةَ عمَّن يُستغنى عنه تكدِّرُ الصنيعةَ، وأمَّا اللهُ تعالى ليس من أحَدٍ إلاَّ وهو محتاجٌ إليه، فليس في مِنَّتِهِ تكديرٌ للنعمةِ لاستحالةِ أن يُستغنى بغيرهِ عنه. وقد يقالُ : إذا كُفرت النعمةُ حَسُنَتِ الْمِنَّةُ، وباللهِ التوفيقُ.

ق 50:1

﴿ق﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(هُوَ اسْمٌ مِنْ أسْمَاءِ اللهِ أقْسَمَ بهِ)، وقال القرطبيُّ :(هُوَ افْتِتَاحُ اسْمِهِ : قَدِيرٌ ؛ وَقَادِرٌ ؛ وَقَاهِرٌ ؛ وَقَابِضٌ)، وقال عكرمةُ والضحَّاك وجماعةٌ المفسِّرين :(هُوَ اسْمُ جَبَلٍ مُحِيطٍ بالدُّنْيَا مِنْ زُبُرْجُدٍ أخْضَرٍ اخْضَرَّتِ السَّمَاءُ مِنْهُ، وَهُوَ وَرَاءَ الْحِجَاب الَّذِي فِيهِ تَغِيبُ الشَّمْسُ مِنْ وَرَائِهِ بمَسِيرَةِ سَنَةٍ، وَلَيْسَ فِي الأَرْضِ بَلَدٌ إلاَّ وَتَحْتَهَا عِرْقٌ مِنْ عُرُوقِ ذلِكَ الْجَبَلِ، فَإذا أرَادَ اللهُ أنْ يُزَلْزِلَ تِلْكَ الأَرْضَ حَرَّكَ عِرْقَهُ ذلِكَ فَزَلْزَلَ، وَإذا أرَادَ اللهُ بأَهْلِ مَدِينَةٍ هَلاَكاً أمَرَهُ فَحَرَّكَ عِرْقَهُ فَخُسِفَ بهِمْ). قال وهبُ :(إنَّ ذا الْقَرْنَيْنِ أتَى عَلَى جَبَلِ قَاف، فَسَأَلَهُ : هَلْ وَرَاءَكَ شَيْءٌ ؟ قَالَ : وَرَائِي أرْضٌ مَسِيرَةَ خَمْسَمِائَةِ عَامٍ فِي عَرْضِ خَمْسَمِائَةٍ مِنْ جِبَالِ الثَّلْجِ يَخْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَمِنْ وَرَائِكَ أيْضاً أرْضٌ مِثْلُهَا مِنْ الْبَرَدِ، لَوْلاَ ذلِكَ الثَّلْجُ وَالْبَرَدُ لاحْتَرَقْتَ مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ). وقال بعضُهم : معنى قوله تعالى ﴿ق﴾ قُضِيَ الأمرُ ما هو كائنٌ، وقال أبو بكرٍ الورَّاق :(مَعْنَاهُ : قِفْ عِنْدَ أمْرِنَا وَنَهْينَا وَلاَ تُعَدِّيهِمَا). وَقِيْلَ : معناهُ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ؛ أي الشَّريفِ الكريمِ على اللهِ. واختلفَ العلماءُ في جواب القسَمِ، فقال أهلُ الكوفةِ جوابهُ :﴿بَلْ عَجِبُواْ﴾، وقال الأخفشُ :(جَوَابُهُ مَحْذُوفٌ ؛ تَقْدِيرُهُ : وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ لَتُبْعَثُ). وَقِيْلَ : جوابهُ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾[ق: ١٨]. وَقِيْلَ : جوابهُ﴿قَدْ عَلِمْنَا﴾[ق: ٤] كما قالَ اللهُ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾[الشمس: ١] إلى أنْ قالَ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾[الشمس: ٩] فذلكَ جوابُ القسَمِ، إلاَّ أن اللامَ حُذفت منه، ويجوزُ أن تُجعل (بَلْ) في جواب القسَمِ موضعَ (لَقَدْ). وجواباتُ القسَمِ سِتَّةٌ : ١. (إنَّ) شديدةٌ كقوله﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾[الفجر: ١-٢] إلى أنْ قالَ :﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾[الفجر: ١٤]. ٢. و(مَا) في النَّفي كقولهِ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾[الضحى: ١-٣]. ٣. و(لا) أي النافية، واللامُ مفتوحةٌ كقوله﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾[الحجر: ٩٢]. ٤. و(إنْ) الخفيفةُ كقوله﴿تَاللَّهِ إِن كُنَّا﴾[الشعراء: ٩٧]. ٥. و(لاَ) كقوله﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾[النحل: ٣٨]. ٦. و(قَدْ) كقوله﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾[الشمس: ١] إلى أنْ قالَ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾[الشمس: ٩]. ٧. و(بَلْ) كقولهِ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُواْ﴾.

ق 50:2

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بَلْ عَجِبُواْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾، أي مُخَوِّفٌ يَعرِفُون حسَبَهُ ونسَبَهُ وصِدقَهُ وأمانتَهُ، ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَـاذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ؛ عَجِبُوا لكونِ مُحَمَّدٍ رسُولاً إليهم، فأنكَرُوا رسالتَهُ وأنكروا البعثَ بعد الموتِ، وهو قولهُ :﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً﴾ ؛ أي أنُبعَثُ إذا مِتنا ؟ قالوا ذلك متعجِّبين أنَّهم إذا ماتُوا وصارُوا تُراباً كيف يُبعثون بعدَ ذلك ؟ وقالوا :﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ ؛ أي الردُّ إلى الحياةِ بعيدٌ غيرُ كائنٍ أبداً، استبعَدُوا بجهلهِم أنْ يُبعثوا بعدَ الموتِ.

ق 50:3

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بَلْ عَجِبُواْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾، أي مُخَوِّفٌ يَعرِفُون حسَبَهُ ونسَبَهُ وصِدقَهُ وأمانتَهُ، ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَـاذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ؛ عَجِبُوا لكونِ مُحَمَّدٍ رسُولاً إليهم، فأنكَرُوا رسالتَهُ وأنكروا البعثَ بعد الموتِ، وهو قولهُ :﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً﴾ ؛ أي أنُبعَثُ إذا مِتنا ؟ قالوا ذلك متعجِّبين أنَّهم إذا ماتُوا وصارُوا تُراباً كيف يُبعثون بعدَ ذلك ؟ وقالوا :﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ ؛ أي الردُّ إلى الحياةِ بعيدٌ غيرُ كائنٍ أبداً، استبعَدُوا بجهلهِم أنْ يُبعثوا بعدَ الموتِ.

ق 50:4

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ ؛ أي ما تأكلُ الأرضُ من لُحومِهم ودِمائهم وأشعَارهم، والمعنى : لا يخفَى علينا شيءٌ مما تأخذُ الأرض من أبدانِ الموتَى، فمَن عَلِمَ ذلك فهو قادرٌ على إعادةِ ذلك الخلقِ بعَينهِ إلى الحياةِ. وقوله :﴿وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ ؛ أرادَ به اللوحَ المحفوظَ، حُفِظَ من الزِّيادة والنُّقصان، عِندَنا كتابٌ حافظٌ لعِدَّتِهم وأسمائِهم، وقد أثبَتنا فيه ما يكون من جميعِ الأشياء المقدَّرة.

ق 50:5

قَْوْلُهُ تَعَالَى :﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ ؛ أي كذبُوا بالقرآنِ لَمَّا جاءَهم بدلائلِ الله، ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ﴾ ؛ أي مُختَلطٍ مُلتَبسٍ عليهم، لا يَثُبتون على شيءٍ واحد، مرَّةً يشُكُّون وأُخرى يجحَدُون، ومرَّة يقولون في النبيِّ ﷺ : إنَّهُ ساحرٌ، ومرَّة يقولون : هو شاعرٌ، ومرَّة يقولون : مُعَلَّمٌ مجنونٌ، وتارةً يقولون للقرآنِ : هو سِحرٌ يؤثَرُ، وتارةً يقولون : هو أساطيرُ الأوَّلين، وتارةً يقولون : سِحرٌ مُفتَرى. وقال الحسنُ :(مَا تَرَكَ قَوْمٌ الْحَقَّ إلاَّ مَرَجَ أمْرُهُمْ)، وقالَ قتادةُ :(مَنْ تَرَكَ الْحَقَّ مُرِجَ عَلَيْهِ رَأيُهُ، وَالْتَبَسَ عَلَيْهِ دِينُهُ)، ومن ذلك الْمَرْجُ لاختلاطِ أشجَارها بعضُها من بعضٍ.

ق 50:6

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى السَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾ ؛ ودلَّهم بهذا على قُدرتهِ بعظيمِ خَلقهِ، فقالَ : أفَلَمْ ينظُروا كيف بَنَيناها وزيَّناها بالكواكب وما لَها من فُتُوقٍ وشُقوقٍ وصُدوعٍ.

ق 50:7

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ ؛ أي بسَطناها، ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ أي جِبَالاً، ﴿وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ؛ أي من كلِّ لونٍ حَسَنٍ منظَرهُ.

ق 50:8

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ ؛ أي فَعَلنا ذلك الذي ذكرنَاهُ ليُبصَرَ به ويُتَذكرَ به، فهو تذكيرٌ وعِظَةٌ وتنبيهٌ لكلِّ عبدٍ مُنِيبٍ يرجعُ إلى اللهِ ويتفكَّرُ في قُدرتهِ. قال أبُو حاتم :(قَوْلُهُ ﴿تَبْصِرَةً﴾ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَر) يعني تَبصِيراً وتَذكيراً وتَنبيهاً له ؛ لأن مَن قَدَرَ على خَلقِ السَّموات والأرضِ والنبات قَدَرَ على بعثهِم.

ق 50:9

قَوْلهُ تَعَالَى :﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً مُّبَارَكاً﴾ ؛ يعني المطرَ، ﴿فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾ ؛ أي بساتينَ، ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ ؛ يعني الزرعَ الذي من شأنهِ أن يُحصدَ حَصِيداً، حُصد أم لم يُحصَدْ، وذلك البُرُّ والشعيرُ وسائرُ الحبوب التي تُحصَدُ وتدَّخَرُ وتُقتَاتُ. وإضافةُ الحب إلى الحصيدِ وهما واحدٌ لاختلافِ اللَّفظين، كما يُقال مسجدُ الجامعِ، وربيعُ الأوَّل، وخُفُّ البعيرِ، وحبلُ الوريدِ ونحوُها.

ق 50:10

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ ؛ معناهُ : وأنبَتنا النخلَ طِوَالاً، يقالُ : بَسَقَتِ النَّخلَةُ إذا طَالَتْ. والطَّلعُ النَّضِيدُ : هو الكُفُرِّيُّ ما دامَ في أكمَامِها، فهو مَنضُودٌ بعضهُ فوقَ بعضٍ، وإذا خرجَ من أكمَامِها فليس بنَضيدٍ.

ق 50:11

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ﴾ ؛ انتصبَ على وجهَين : أحدِهما : رَزَقَنَاهُم هذهِ الأشياءَ، والثاني : انبَتنَاها للرِّزقِ، فهو منصوبٌ ؛ لأنه مفعولٌ لَهُ ؛ ولأنه مصدرُ فعلٍ محذوف. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ ؛ أي أحيَينا بالمطرِ مَكاناً مَيْتاً لا نباتَ فيه، فكما أحيَينا هذه الأرضَ الْمَيتَة بالماءِ، وأنبَتنا هذه الأقواتَ من الحبوب الياسبةِ، ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ ؛ أي كذلك تَنبُتُونَ بالمطرِ في قُبوركم ثم تُخرَجون للبعثِ، والقدرةُ على إعادةِ النَّبات دليلٌ على القدرةِ على إعادةِ الحياة إلى الميْت.

ق 50:12

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ﴾ ؛ فيه تسليةٌ للنبيِّ ﷺ يقولُ : إنَّ هؤلاءِ الكفار سَلَكوا التكذيبَ طريقةَ مَن قبلِهم من الأُمم المكذِّبة لرُسلِهم، وقد رأيتُم كيف كان إنْكَاري عليهم، وكيف أهلَكناهُم. والرَّسُّ : برزون اليَمَامَةِ، والنبيُّ هو حَنظَلُ بن سِنَان. وأصحابُ الأيْكَةِ قومُ شُعيب عليه السلام، والأَيكَةُ غَيْظٌ. وأما قومُ تُبَّعٍ فقد تقدَّم أن تُبَّعَ اسمُ ملكٍ حِميَر، وقد ذُكر ذلك في قولهِ تعالى :﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾[الدخان: ٣٧]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ ؛ أي كلٌّ مِن هؤلاءِ المذكُورين كذبَ الرُّسل، ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ ؛ أي فوجبَ عليهم عذابهُ، وحقَّ عليهم كلمةُ العذاب. وسُمي تُبَّعاً لكثرةِ أتباعهِ وكان يعبدُ النارَ فأسلمَ ودعَا قومَهُ إلى الإسلامِ وهم حِميَرُ فكذبوهُ، قال حاتِمُ الرقَّاشي : كَانَ أسْعَدُ الْحِمْيَرِيُّ مِنَ التَّتَابعَةِ، آمَنَ بالنَّبيِّ ﷺ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ بسَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ، وَقَالَ : شَهِدْتُ عَلَى أحْمَدَ أنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللهِ بَاري النَّسَمْفَلَوْ مَدَّ عُمْرِي إلَى عُمْرِهِ لَكُنْتُ وَزيراً لَهُ وَابْنُ عَمْقال قتادةُ :(ذمَّ اللهُ قَوْمَ تُبَّعٍ وَلَمْ يَذُمَّهُ، وَكَانَ مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ، فَسَارَ بالْجُيُوشِ وَافْتَتَحَ الْبلاَدَ وَقَصَدَ مَكَّةَ لِيَهْدِمَ الْبَيْتَ، فَقِيلَ لَهُ : إنَّ لِهَذا الْبَيْتِ رَبّاً يَحْمِيهِ، فَنَدِمَ وَأحْرَمَ وَدَخَلَ مَكَّةَ وَطَافَ بالْبَيْتِ وَكَسَاهُ، وَهُوَ أوَّلُ مَنْ كَسَا الْبَيْتَ).

ق 50:13

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ﴾ ؛ فيه تسليةٌ للنبيِّ ﷺ يقولُ : إنَّ هؤلاءِ الكفار سَلَكوا التكذيبَ طريقةَ مَن قبلِهم من الأُمم المكذِّبة لرُسلِهم، وقد رأيتُم كيف كان إنْكَاري عليهم، وكيف أهلَكناهُم. والرَّسُّ : برزون اليَمَامَةِ، والنبيُّ هو حَنظَلُ بن سِنَان. وأصحابُ الأيْكَةِ قومُ شُعيب عليه السلام، والأَيكَةُ غَيْظٌ. وأما قومُ تُبَّعٍ فقد تقدَّم أن تُبَّعَ اسمُ ملكٍ حِميَر، وقد ذُكر ذلك في قولهِ تعالى :﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾[الدخان: ٣٧]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ ؛ أي كلٌّ مِن هؤلاءِ المذكُورين كذبَ الرُّسل، ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ ؛ أي فوجبَ عليهم عذابهُ، وحقَّ عليهم كلمةُ العذاب. وسُمي تُبَّعاً لكثرةِ أتباعهِ وكان يعبدُ النارَ فأسلمَ ودعَا قومَهُ إلى الإسلامِ وهم حِميَرُ فكذبوهُ، قال حاتِمُ الرقَّاشي : كَانَ أسْعَدُ الْحِمْيَرِيُّ مِنَ التَّتَابعَةِ، آمَنَ بالنَّبيِّ ﷺ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ بسَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ، وَقَالَ : شَهِدْتُ عَلَى أحْمَدَ أنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللهِ بَاري النَّسَمْفَلَوْ مَدَّ عُمْرِي إلَى عُمْرِهِ لَكُنْتُ وَزيراً لَهُ وَابْنُ عَمْقال قتادةُ :(ذمَّ اللهُ قَوْمَ تُبَّعٍ وَلَمْ يَذُمَّهُ، وَكَانَ مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ، فَسَارَ بالْجُيُوشِ وَافْتَتَحَ الْبلاَدَ وَقَصَدَ مَكَّةَ لِيَهْدِمَ الْبَيْتَ، فَقِيلَ لَهُ : إنَّ لِهَذا الْبَيْتِ رَبّاً يَحْمِيهِ، فَنَدِمَ وَأحْرَمَ وَدَخَلَ مَكَّةَ وَطَافَ بالْبَيْتِ وَكَسَاهُ، وَهُوَ أوَّلُ مَنْ كَسَا الْبَيْتَ).

ق 50:14

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ﴾ ؛ فيه تسليةٌ للنبيِّ ﷺ يقولُ : إنَّ هؤلاءِ الكفار سَلَكوا التكذيبَ طريقةَ مَن قبلِهم من الأُمم المكذِّبة لرُسلِهم، وقد رأيتُم كيف كان إنْكَاري عليهم، وكيف أهلَكناهُم. والرَّسُّ : برزون اليَمَامَةِ، والنبيُّ هو حَنظَلُ بن سِنَان. وأصحابُ الأيْكَةِ قومُ شُعيب عليه السلام، والأَيكَةُ غَيْظٌ. وأما قومُ تُبَّعٍ فقد تقدَّم أن تُبَّعَ اسمُ ملكٍ حِميَر، وقد ذُكر ذلك في قولهِ تعالى :﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾[الدخان: ٣٧]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ ؛ أي كلٌّ مِن هؤلاءِ المذكُورين كذبَ الرُّسل، ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ ؛ أي فوجبَ عليهم عذابهُ، وحقَّ عليهم كلمةُ العذاب. وسُمي تُبَّعاً لكثرةِ أتباعهِ وكان يعبدُ النارَ فأسلمَ ودعَا قومَهُ إلى الإسلامِ وهم حِميَرُ فكذبوهُ، قال حاتِمُ الرقَّاشي : كَانَ أسْعَدُ الْحِمْيَرِيُّ مِنَ التَّتَابعَةِ، آمَنَ بالنَّبيِّ ﷺ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ بسَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ، وَقَالَ : شَهِدْتُ عَلَى أحْمَدَ أنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللهِ بَاري النَّسَمْفَلَوْ مَدَّ عُمْرِي إلَى عُمْرِهِ لَكُنْتُ وَزيراً لَهُ وَابْنُ عَمْقال قتادةُ :(ذمَّ اللهُ قَوْمَ تُبَّعٍ وَلَمْ يَذُمَّهُ، وَكَانَ مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ، فَسَارَ بالْجُيُوشِ وَافْتَتَحَ الْبلاَدَ وَقَصَدَ مَكَّةَ لِيَهْدِمَ الْبَيْتَ، فَقِيلَ لَهُ : إنَّ لِهَذا الْبَيْتِ رَبّاً يَحْمِيهِ، فَنَدِمَ وَأحْرَمَ وَدَخَلَ مَكَّةَ وَطَافَ بالْبَيْتِ وَكَسَاهُ، وَهُوَ أوَّلُ مَنْ كَسَا الْبَيْتَ).

ق 50:15

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ﴾ ؛ هذا جوابٌ لقولِهم (ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ). والمعنى : أعَجِزْنَا حين خلَقنَاهم أوَّلاً ولم يكونوا شَيئاً، فكيف عن بعثِهم، وهذا تقريرٌ لهم لأنَّهم اعترَفُوا بأنَّ اللهَ الخالقُ أنكَرُوا البعثَ. ثم ذكَرَ أنَّهم في شَكٍّ من البعثِ، فقالَ اللهُ تعالى :﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ؛ أي بل هُم في شَكٍّ من البعثِ.

ق 50:16

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ ؛ أي ولقد خلَقنا لبنِي آدمَ ونعلمُ ما يُحدِّثُ به قلبهُ ؛ أي نعلَمُ ما يُخفِي ويُكِنُّ في نفسهِ، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ ؛ بالعلمِ بأحوالهِ وبما في ضَميرهِ، ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ؛ وهو عِرْقٌ في باطنِ العُنقِ بين العَليا والْحُلقُومِ، وهما وَريدان عن يَمين ثغرَةِ النَّحرِ ويسارها، يتَّصِلان من نَاحِيَتي الحلقِ والعاتقِ، ينصَبَّان أبداً من الإنسانِ. وقال الحسنُ :(الْوَريدُ : الْوَتِينُ ؛ وَهُوَ عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بهِ الْقَلْبُ، وَاللهُ تَعَالَى أقْرَبُ إلَى الْمَرْءِ مِنْ قَلْبهِ). ومعنى الآيةِ :﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ أي أعلَمُ به وأقدَرُ عليه مِن بعضهِ، وإنْ كان بعضهُ له حجابٌ فلا يحجِبُنا شيءٌ ؛ أي لا يحجبُ عِلمُنا عنه شيءٌ. ثم ذكرَ أنه مع علمهِ وَكَّلَ به مَلَكين يكتُبان ويحفَظان عليه عملهُ إلزاماً للحجَّة، فقالَ :﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ ؛ قال مقاتلُ :(هُمَا مَلَكَانِ يَتَلَقَّيَانِ عَمَلَ ابْنِ آدَمَ وَمَنْطِقِهِ) أي يَأخُذان ذلك ويُثبتانه في صحائِفهما، أحدُهما عن يمينِ يكتبُ الحسَنات، والثاني عن شِمالٍ يكتبُ السيِّئات، فذلك قولهُ ﴿وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ ولم يقل قَعِيدَان ؛ لأنه أرادَ عن اليمينِ قعيدٌ وعن الشمالِ قعيدٌ، فاكتفَى من أحدِهما عن الأُخرى، كقولِ الشَّاعر : نَحْنُ بمَا عِندَنَا وَأنْتَ بمَا عِنْدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُأي نحنُ بما عندَنا رَاضُون. والقعيدُ مثل قاعدٍ كالسَّميع والعليمِ والقدير، وقال أهلُ الكوفةِ : أرَادَ قُعُوداً. رُوي :" أنَّ اللهَ تَعَالَى وَكَّلَ بالإنْسَانِ مَلَكَيْنِ باللَّيلِ، وَمَلَكَيْنِ بالنَّهَار يَحْفَظَانِ عَمَلَهُ، أحَدُهُمَا يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ، وَالثَّانِي يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ، فَإذا تَكَلَّمَ الْعَبْدُ بحَسَنَةٍ كَتَبَهَا الَّذِي عَلَى الْيَمِينِ عَشْراً، وَإذا تَكَلَّمَ بسَيِّئَةٍ قَالَ صَاحِبُ الْيَمِينِ لِلآخَرِ : أنْظِرْهُ، فَنَظَرَهُ سِتَّ سَاعَاتٍ أوْ سَبْعَ سَاعَاتٍ، فَإنْ تَابَ وَاسْتَغْفَرَ لَمْ يَكْتُبْهَا، وَإنْ لَمْ يَتُبْ كَتَبَ عَلَيْهِ سَيِّئَةً وَاحِدَةً " هكذا قال صلى الله عليه وسلم. وعن أنسٍ قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" وَكَّلَ بعَبْدِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبَانِ عَلَيْهِ، فَإذا مَاتَ الْعَبْدُ قَالاَ : يَا رَب قَدْ قَبَضْتَ عَبْدَكَ ؛ أفَتَأْذنُ لَنَا أنْ نَصْعَدَ إلَى السَّمَاءِ ؟ فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى : سَمَائِي مَمْلُوءَةٌ مِنْ مَلاَئِكَتِي يُسَبحُونَ، فَيَقُولاَنِ : أنُقِيمُ فِي أرْضِكَ ؟ فَيَقُولُ : إنَّ أرْضِي مَمْلُوءَةٌ مِنْ خَلْقِي يَعْبُدُونَنِي، فَيَقُولاَنِ : أيْنَ نَذْهَبُ ؟ فَيَقُولُ : قُومَا عَلَى قَبْرِ عَبْدِي وَهَلِّلاَنِي وَكَبرَانِي وَاكْتُبَا ذلِكَ لِعَبْدِي إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَعِيدٌ﴾ أي رَصِيدٌ حافظٌ حاضر ملازمٌ لا يبرحُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ؛ أي حافظٌ حاضر ﴿عَتِيدٌ﴾ أي مُعْتَدٌّ لَهُ.

ق 50:17

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ ؛ أي ولقد خلَقنا لبنِي آدمَ ونعلمُ ما يُحدِّثُ به قلبهُ ؛ أي نعلَمُ ما يُخفِي ويُكِنُّ في نفسهِ، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ ؛ بالعلمِ بأحوالهِ وبما في ضَميرهِ، ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ؛ وهو عِرْقٌ في باطنِ العُنقِ بين العَليا والْحُلقُومِ، وهما وَريدان عن يَمين ثغرَةِ النَّحرِ ويسارها، يتَّصِلان من نَاحِيَتي الحلقِ والعاتقِ، ينصَبَّان أبداً من الإنسانِ. وقال الحسنُ :(الْوَريدُ : الْوَتِينُ ؛ وَهُوَ عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بهِ الْقَلْبُ، وَاللهُ تَعَالَى أقْرَبُ إلَى الْمَرْءِ مِنْ قَلْبهِ). ومعنى الآيةِ :﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ أي أعلَمُ به وأقدَرُ عليه مِن بعضهِ، وإنْ كان بعضهُ له حجابٌ فلا يحجِبُنا شيءٌ ؛ أي لا يحجبُ عِلمُنا عنه شيءٌ. ثم ذكرَ أنه مع علمهِ وَكَّلَ به مَلَكين يكتُبان ويحفَظان عليه عملهُ إلزاماً للحجَّة، فقالَ :﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ ؛ قال مقاتلُ :(هُمَا مَلَكَانِ يَتَلَقَّيَانِ عَمَلَ ابْنِ آدَمَ وَمَنْطِقِهِ) أي يَأخُذان ذلك ويُثبتانه في صحائِفهما، أحدُهما عن يمينِ يكتبُ الحسَنات، والثاني عن شِمالٍ يكتبُ السيِّئات، فذلك قولهُ ﴿وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ ولم يقل قَعِيدَان ؛ لأنه أرادَ عن اليمينِ قعيدٌ وعن الشمالِ قعيدٌ، فاكتفَى من أحدِهما عن الأُخرى، كقولِ الشَّاعر : نَحْنُ بمَا عِندَنَا وَأنْتَ بمَا عِنْدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُأي نحنُ بما عندَنا رَاضُون. والقعيدُ مثل قاعدٍ كالسَّميع والعليمِ والقدير، وقال أهلُ الكوفةِ : أرَادَ قُعُوداً. رُوي :" أنَّ اللهَ تَعَالَى وَكَّلَ بالإنْسَانِ مَلَكَيْنِ باللَّيلِ، وَمَلَكَيْنِ بالنَّهَار يَحْفَظَانِ عَمَلَهُ، أحَدُهُمَا يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ، وَالثَّانِي يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ، فَإذا تَكَلَّمَ الْعَبْدُ بحَسَنَةٍ كَتَبَهَا الَّذِي عَلَى الْيَمِينِ عَشْراً، وَإذا تَكَلَّمَ بسَيِّئَةٍ قَالَ صَاحِبُ الْيَمِينِ لِلآخَرِ : أنْظِرْهُ، فَنَظَرَهُ سِتَّ سَاعَاتٍ أوْ سَبْعَ سَاعَاتٍ، فَإنْ تَابَ وَاسْتَغْفَرَ لَمْ يَكْتُبْهَا، وَإنْ لَمْ يَتُبْ كَتَبَ عَلَيْهِ سَيِّئَةً وَاحِدَةً " هكذا قال صلى الله عليه وسلم. وعن أنسٍ قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" وَكَّلَ بعَبْدِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبَانِ عَلَيْهِ، فَإذا مَاتَ الْعَبْدُ قَالاَ : يَا رَب قَدْ قَبَضْتَ عَبْدَكَ ؛ أفَتَأْذنُ لَنَا أنْ نَصْعَدَ إلَى السَّمَاءِ ؟ فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى : سَمَائِي مَمْلُوءَةٌ مِنْ مَلاَئِكَتِي يُسَبحُونَ، فَيَقُولاَنِ : أنُقِيمُ فِي أرْضِكَ ؟ فَيَقُولُ : إنَّ أرْضِي مَمْلُوءَةٌ مِنْ خَلْقِي يَعْبُدُونَنِي، فَيَقُولاَنِ : أيْنَ نَذْهَبُ ؟ فَيَقُولُ : قُومَا عَلَى قَبْرِ عَبْدِي وَهَلِّلاَنِي وَكَبرَانِي وَاكْتُبَا ذلِكَ لِعَبْدِي إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَعِيدٌ﴾ أي رَصِيدٌ حافظٌ حاضر ملازمٌ لا يبرحُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ؛ أي حافظٌ حاضر ﴿عَتِيدٌ﴾ أي مُعْتَدٌّ لَهُ.

ق 50:18

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ ؛ أي ولقد خلَقنا لبنِي آدمَ ونعلمُ ما يُحدِّثُ به قلبهُ ؛ أي نعلَمُ ما يُخفِي ويُكِنُّ في نفسهِ، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ ؛ بالعلمِ بأحوالهِ وبما في ضَميرهِ، ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ؛ وهو عِرْقٌ في باطنِ العُنقِ بين العَليا والْحُلقُومِ، وهما وَريدان عن يَمين ثغرَةِ النَّحرِ ويسارها، يتَّصِلان من نَاحِيَتي الحلقِ والعاتقِ، ينصَبَّان أبداً من الإنسانِ. وقال الحسنُ :(الْوَريدُ : الْوَتِينُ ؛ وَهُوَ عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بهِ الْقَلْبُ، وَاللهُ تَعَالَى أقْرَبُ إلَى الْمَرْءِ مِنْ قَلْبهِ). ومعنى الآيةِ :﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ أي أعلَمُ به وأقدَرُ عليه مِن بعضهِ، وإنْ كان بعضهُ له حجابٌ فلا يحجِبُنا شيءٌ ؛ أي لا يحجبُ عِلمُنا عنه شيءٌ. ثم ذكرَ أنه مع علمهِ وَكَّلَ به مَلَكين يكتُبان ويحفَظان عليه عملهُ إلزاماً للحجَّة، فقالَ :﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ ؛ قال مقاتلُ :(هُمَا مَلَكَانِ يَتَلَقَّيَانِ عَمَلَ ابْنِ آدَمَ وَمَنْطِقِهِ) أي يَأخُذان ذلك ويُثبتانه في صحائِفهما، أحدُهما عن يمينِ يكتبُ الحسَنات، والثاني عن شِمالٍ يكتبُ السيِّئات، فذلك قولهُ ﴿وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ ولم يقل قَعِيدَان ؛ لأنه أرادَ عن اليمينِ قعيدٌ وعن الشمالِ قعيدٌ، فاكتفَى من أحدِهما عن الأُخرى، كقولِ الشَّاعر : نَحْنُ بمَا عِندَنَا وَأنْتَ بمَا عِنْدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُأي نحنُ بما عندَنا رَاضُون. والقعيدُ مثل قاعدٍ كالسَّميع والعليمِ والقدير، وقال أهلُ الكوفةِ : أرَادَ قُعُوداً. رُوي :" أنَّ اللهَ تَعَالَى وَكَّلَ بالإنْسَانِ مَلَكَيْنِ باللَّيلِ، وَمَلَكَيْنِ بالنَّهَار يَحْفَظَانِ عَمَلَهُ، أحَدُهُمَا يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ، وَالثَّانِي يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ، فَإذا تَكَلَّمَ الْعَبْدُ بحَسَنَةٍ كَتَبَهَا الَّذِي عَلَى الْيَمِينِ عَشْراً، وَإذا تَكَلَّمَ بسَيِّئَةٍ قَالَ صَاحِبُ الْيَمِينِ لِلآخَرِ : أنْظِرْهُ، فَنَظَرَهُ سِتَّ سَاعَاتٍ أوْ سَبْعَ سَاعَاتٍ، فَإنْ تَابَ وَاسْتَغْفَرَ لَمْ يَكْتُبْهَا، وَإنْ لَمْ يَتُبْ كَتَبَ عَلَيْهِ سَيِّئَةً وَاحِدَةً " هكذا قال صلى الله عليه وسلم. وعن أنسٍ قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" وَكَّلَ بعَبْدِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبَانِ عَلَيْهِ، فَإذا مَاتَ الْعَبْدُ قَالاَ : يَا رَب قَدْ قَبَضْتَ عَبْدَكَ ؛ أفَتَأْذنُ لَنَا أنْ نَصْعَدَ إلَى السَّمَاءِ ؟ فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى : سَمَائِي مَمْلُوءَةٌ مِنْ مَلاَئِكَتِي يُسَبحُونَ، فَيَقُولاَنِ : أنُقِيمُ فِي أرْضِكَ ؟ فَيَقُولُ : إنَّ أرْضِي مَمْلُوءَةٌ مِنْ خَلْقِي يَعْبُدُونَنِي، فَيَقُولاَنِ : أيْنَ نَذْهَبُ ؟ فَيَقُولُ : قُومَا عَلَى قَبْرِ عَبْدِي وَهَلِّلاَنِي وَكَبرَانِي وَاكْتُبَا ذلِكَ لِعَبْدِي إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَعِيدٌ﴾ أي رَصِيدٌ حافظٌ حاضر ملازمٌ لا يبرحُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ؛ أي حافظٌ حاضر ﴿عَتِيدٌ﴾ أي مُعْتَدٌّ لَهُ.

ق 50:19

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ ؛ أي جاءَت غمَرَاتُ الموتِ وأهوالهُ وشدَّتُها التي تَغشَى الإنسانَ وتَغلِبُ على عقلهِ، ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي بما يصيرُ إليه من أمرِ الآخرةِ من شَقاوَةٍ أو سَعادةٍ تُحَقَّقُ عليه عندَ الموتِ. ويقالُ له :﴿ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ ؛ أي تميلُ وتَهربُ وتَكرَهُ، قد أيقَنْتَ أنه الآنَ، يقالُ : حاجَ عنِ الشيء يَحِيدُ عنهُ حَيْداً ؛ إذا مَالَ وزَاغَ ونَكَصَ، وقرأ أبو بكرٍ الصدِّيق رضي الله عنه (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْحَقِّ بالْمَوْتِ).

ق 50:20

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ ؛ يريدُ نفخةَ البعثِ، يكون يومُ القيامةِ وهو يومٌ يتحقَّقُ فيه الوعيدُ، وهو اليومُ الموعُود للأوَّلين والآخِرين يجتَمعون فيه. وَقِيْلَ : معناهُ : ذلك الذي وعدَ اللهُ الكفارَ أنْ يُعذِّبَهم فيه.

ق 50:21

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ ؛ أي سائِقٌ يَسُوقُها إلى الْمَحْشَرِ، وشاهدٌ يَشهَدُ عليها بما عَمِلَتْ قال الكلبيُّ :(السَّائِقُ هُوَ الَّذِي يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ، وَالشَّهِيدُ هُوَ الَّذِي يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ)، والمرادُ بالنَّفْسِ ههُنا نفس الكافر، يدلُّ عليه قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـاذَا﴾ ؛ اليومِ في الدُّنيا، ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ﴾ ؛ الذي كان في الدُّنيا يغشَى قلبَكَ وسمعَكَ وبصركَ، ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ ؛ أي فأنتَ اليومَ عالِمٌ نافذُ البصرِ، تُبصِرُ ما كنتَ تُنكِرُ في الدُّنيا. وَقِيْلَ : معناهُ :﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أي فعِلمُكَ نافذٌ، وهو من البَصِيرَةِ لا بصرَ العينِ، كما يقالُ : فلانٌ بصير بهذا الأمرِ ؛ عالِمٌ به. وَقِيْلَ : معناهُ : فبصرُكَ اليوم شاخصٌ لِمَا ترى من الْهَوْلِ.

ق 50:22

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ ؛ أي سائِقٌ يَسُوقُها إلى الْمَحْشَرِ، وشاهدٌ يَشهَدُ عليها بما عَمِلَتْ قال الكلبيُّ :(السَّائِقُ هُوَ الَّذِي يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ، وَالشَّهِيدُ هُوَ الَّذِي يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ)، والمرادُ بالنَّفْسِ ههُنا نفس الكافر، يدلُّ عليه قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـاذَا﴾ ؛ اليومِ في الدُّنيا، ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ﴾ ؛ الذي كان في الدُّنيا يغشَى قلبَكَ وسمعَكَ وبصركَ، ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ ؛ أي فأنتَ اليومَ عالِمٌ نافذُ البصرِ، تُبصِرُ ما كنتَ تُنكِرُ في الدُّنيا. وَقِيْلَ : معناهُ :﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أي فعِلمُكَ نافذٌ، وهو من البَصِيرَةِ لا بصرَ العينِ، كما يقالُ : فلانٌ بصير بهذا الأمرِ ؛ عالِمٌ به. وَقِيْلَ : معناهُ : فبصرُكَ اليوم شاخصٌ لِمَا ترى من الْهَوْلِ.

ق 50:23

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَـاذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ ؛ يعني الْمَلَكَ الذي يكتبُ عملَهُ السَّيِّءَ في الدُّنيا يقول : هذا الذي كَتَبتهُ من عملهِ مُعَدٌّ محفوظٌ مُحصَى، يعني أن الملَك يقولُ : لديه هذا الذي وكَّلتَني به قد أحضَرتهُ، فيقولُ الله تعالى لقَرينهِ :﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ ؛ إطرَحا فيها، ﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾ ؛ بالله وبنعمتهِ، ﴿عَنِيدٍ﴾، مُعرضٍ عن الإيمانِ والقرآنِ إعراضَ المضَادِّ له. وهذا خطابُ الواحدِ بلفظ التَّثنِيَةِ على عادةِ العرب، يقولون للواحدِ : ارحلاها وآزجراها. وَقِيْلَ : الخطابُ لخازنِ النَّار، ومخاطبَةُ الواحدِ بلفظ الاثنين من فصيحِ كلامِ العرب، ومنه قولُهم للواحد في الشِّعر (خَلِيلَيَّ)، قال امرؤُ القيسِ : خَلِيلَيَّ مُرَّا بي عَلَى أُمِّ جُنْدَب نُقَضِّ لُبَانَاتٍ لِلْفُؤَادِ الْمُعَذبوقالَ : قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبيبٍ وَمَنْزِلِ بسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِوقال الفرَّاءُ والسديُّ وأبو ثروان : فَإنْ تَزْجُرَانِي يَا ابْنَ عَفَّانَ أنْزَجِرْ وَإنْ تَدَعَانِي أحْمِ عِرْضاً مُمَنَّعَاومنه قولُ الحجَّاج :(يَا حَرَسِيُّ إضْرِبَا عُنُقَهُ)، قال الزجَّاجُ :(تَثْنِيَةٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْخِطَابُ لِلْمُتَلَقِّينَ مَعاً، وَالسَّائِقُ وَالشَّهِيدُ جَمِيعاً)، وقرأ الحسنُ :(ألْقَيْنَ) بنونِ التأكيد كقوله تعالى :﴿لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ﴾[العلق: ١٥].

ق 50:24

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَـاذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ ؛ يعني الْمَلَكَ الذي يكتبُ عملَهُ السَّيِّءَ في الدُّنيا يقول : هذا الذي كَتَبتهُ من عملهِ مُعَدٌّ محفوظٌ مُحصَى، يعني أن الملَك يقولُ : لديه هذا الذي وكَّلتَني به قد أحضَرتهُ، فيقولُ الله تعالى لقَرينهِ :﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ ؛ إطرَحا فيها، ﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾ ؛ بالله وبنعمتهِ، ﴿عَنِيدٍ﴾، مُعرضٍ عن الإيمانِ والقرآنِ إعراضَ المضَادِّ له. وهذا خطابُ الواحدِ بلفظ التَّثنِيَةِ على عادةِ العرب، يقولون للواحدِ : ارحلاها وآزجراها. وَقِيْلَ : الخطابُ لخازنِ النَّار، ومخاطبَةُ الواحدِ بلفظ الاثنين من فصيحِ كلامِ العرب، ومنه قولُهم للواحد في الشِّعر (خَلِيلَيَّ)، قال امرؤُ القيسِ : خَلِيلَيَّ مُرَّا بي عَلَى أُمِّ جُنْدَب نُقَضِّ لُبَانَاتٍ لِلْفُؤَادِ الْمُعَذبوقالَ : قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبيبٍ وَمَنْزِلِ بسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِوقال الفرَّاءُ والسديُّ وأبو ثروان : فَإنْ تَزْجُرَانِي يَا ابْنَ عَفَّانَ أنْزَجِرْ وَإنْ تَدَعَانِي أحْمِ عِرْضاً مُمَنَّعَاومنه قولُ الحجَّاج :(يَا حَرَسِيُّ إضْرِبَا عُنُقَهُ)، قال الزجَّاجُ :(تَثْنِيَةٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْخِطَابُ لِلْمُتَلَقِّينَ مَعاً، وَالسَّائِقُ وَالشَّهِيدُ جَمِيعاً)، وقرأ الحسنُ :(ألْقَيْنَ) بنونِ التأكيد كقوله تعالى :﴿لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ﴾[العلق: ١٥].

ق 50:25

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ﴾ ؛ أي لا يُنْزِلُ خَيراً ولا يُعطي شيئاً من حقِّ الله. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مُعْتَدٍ﴾ ؛ أي ظالِمٍ لا يُقِرُّ بتوحيدِ الله، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مُّرِيبٍ﴾ ؛ أي شَاكٍّ في البعثِ والتوحيد. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَـاهاً آخَرَ﴾ ؛ أي شَريكاً، ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ ؛ أي إطرحاهُ في النار.

ق 50:26

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ﴾ ؛ أي لا يُنْزِلُ خَيراً ولا يُعطي شيئاً من حقِّ الله. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مُعْتَدٍ﴾ ؛ أي ظالِمٍ لا يُقِرُّ بتوحيدِ الله، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مُّرِيبٍ﴾ ؛ أي شَاكٍّ في البعثِ والتوحيد. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَـاهاً آخَرَ﴾ ؛ أي شَريكاً، ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ ؛ أي إطرحاهُ في النار.

ق 50:27

وقولهُ :﴿قَالَ قرِينُهُ﴾ ؛ أي شَيطانهُ :﴿رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ﴾ ؛ أي ما أغوَيتهُ، ما أضلَلتهُ ؛ أي لم أتَوَلَّ ذلك. وَقِيْلَ : معناهُ : قال قَرينهُ الذي يشهَدُ عليه من الملائكةِ :﴿رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ﴾ أي ما عجِلتُ عليه في الكتابةِ وما كتبتُ عليه إلاَّ ما قالَ وفعلَ، ﴿وَلَـاكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ﴾ ؛ خطأ، ﴿بَعِيدٍ﴾ ؛ من الصَّواب. وإنما يقولُ الملَكُ هذا القولَ بعدَ ما يقولُ الكافرُ : يا رب عليَّ كتبَ ما لَمْ أقُلْ ولم أفعَلْ وما أنظَرَني، ولكن عجَّلَ في الكتابةِ عليَّ.

ق 50:28

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ﴾ ؛ أي يقولُ اللهُ تعالى : لا تَختَصِمُوا عندِي كما تختَصِمُوا عند مُلوكِ الدُّنيا، فإنِّي مَلِكٌ لا يُكرَّرُ الكلامُ عندي، ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم﴾ ؛ على ألْسِنَةِ الرسُلِ بالوعدِ و ؛ ﴿بِالْوَعِيدِ﴾ ؛ لا ينفعكُم الاختصامُ بعدَ أن أخبَرتُكم على ألسِنَةِ الرُّسل بعذابي في الآخرةِ لِمَن كفرَ.

ق 50:29

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ ؛ أي لا خَلَفَ لوَعدِي ووعيدي، وقد قَضيتُ ما أنَا قاضٍ عليكم من العذاب، لا تبديلَ له. وَقِيْلَ : معناهُ : لا يُكذبُ عندي ولا يغيَّرُ القولُ من جُملتهِ ؛ لأنِّي أعلمُ الغيبَ وأعلمُ كيف ضَلُّوا وكيف أضْلَلتُموهم، ولا يقدرُ أحدٌ أن يُشقِي أحداً مِمَّن أسعَدتُّهُ، ولا يُسعِدُ أحدٌ ممن أشقَيتهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ ؛ أي لا أعاقِبُ أحداً من غيرِ جُرمٍ، ولا أخذُل أحداً من غيرِ ذنبٍ، ومَن عَمِلَ سيِّئةً فلا يُجزَى إلاَّ مِثلَها.

ق 50:30

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ قرأ نافعُ (يَقُولُ) بالياءِ على معنى : يقولُ اللهُ. والمعنى : أنذِرْهُمْ يومَ يقولُ لجهنَّم : هَلِ امْتَلأْتِ كما وعَدتُّكِ، فتقولُ :﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ أي لَمْ يبقَ موضعٌ لم يمتلئ فلا مزيدَ، على هذا قال المفسِّرون : أرَاها اللهُ تصديقَ قوله﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ﴾[الأعراف: ١٨] فلمَّا امتَلأَتْ قالَ لَها : هلِ امتلأْتِ ؟ فتقولُ : هل مِن مزيدٍ على هذا الامتلاءِ ؟ وهذا استفهامُ إنكار ؛ أي قدِ امتلأتُ ولم يبقَ فِيَّ موضعٌ خالٍ. هذا قولُ عطاء ومجاهد. وقال ابنُ عبَّاس في رواية أبي صالِح :(أنَّها تَسْتَزِيدُ إلَى مَا فِيهَا) ووجهُ هذا القولِ أنَّ هذا السؤالَ في قوله ﴿هَلِ امْتَلأَتِ﴾ كان قبلَ دُخولِ جميعِ أهلها فيها. ويجوزُ أن يكون المعنى : أنَّها طَلبت أن تُزَادَ في سِعَتها لتَضَايُقِها بأهلِها.

ق 50:31

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ ؛ أي قريبٍ، وأدِّيت الجنةُ للمتَّقين الشِّركَ غيرَ بعيدٍ، ينظُرون إليها قبلَ دخُولِها، ويقالُ لَهم عندَ تَقرِيبها :﴿هَـاذَا﴾ ؛ الذي تَرونَهُ، ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ ؛ في الدُّنيا على ألسِنَةِ الرُّسل، ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ ؛ أي لكلِّ رجَّاعٍ عن معاصِي اللهِ إلى طاعةِ الله، حافظٍ لحدُودِ اللهِ من الخروجِ إلى ما لا يجوزُ. قال مجاهدُ :(الأَوَّاب الَّذِي يَذْكُرُ اللهَ فَيَسْتَغْفِرُ مِنْهُ)، وَقِيْلَ : هو الذي يُذنِبُ ثم يتوبُ، ثم يُذنِبُ ثم يتوبُ. وَقِيْلَ : الأوَّابُ الْمُسَبحُ مِن قوله﴿ياجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾[سبأ: ١٠]. وَقِيْلَ : هو الذاكرُ للهِ، وقال مقاتلُ :(الْمُطِيعُ). وَقِِيْلَ : هو الذي لا يقومُ من محلِّه حتى يستغفرَ اللهَ، وقال أبو بكرٍ الورَّاق :(هُوَ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللهِ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، لاَ يَهْتَدِي إلَى غَيْرِ اللهِ). وَقِيْلَ : هو الذي لا يشتَغِلُ إلاَّ باللهِ.

ق 50:32

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ ؛ أي قريبٍ، وأدِّيت الجنةُ للمتَّقين الشِّركَ غيرَ بعيدٍ، ينظُرون إليها قبلَ دخُولِها، ويقالُ لَهم عندَ تَقرِيبها :﴿هَـاذَا﴾ ؛ الذي تَرونَهُ، ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ ؛ في الدُّنيا على ألسِنَةِ الرُّسل، ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ ؛ أي لكلِّ رجَّاعٍ عن معاصِي اللهِ إلى طاعةِ الله، حافظٍ لحدُودِ اللهِ من الخروجِ إلى ما لا يجوزُ. قال مجاهدُ :(الأَوَّاب الَّذِي يَذْكُرُ اللهَ فَيَسْتَغْفِرُ مِنْهُ)، وَقِيْلَ : هو الذي يُذنِبُ ثم يتوبُ، ثم يُذنِبُ ثم يتوبُ. وَقِيْلَ : الأوَّابُ الْمُسَبحُ مِن قوله﴿ياجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾[سبأ: ١٠]. وَقِيْلَ : هو الذاكرُ للهِ، وقال مقاتلُ :(الْمُطِيعُ). وَقِِيْلَ : هو الذي لا يقومُ من محلِّه حتى يستغفرَ اللهَ، وقال أبو بكرٍ الورَّاق :(هُوَ الْمُتَوَكِّلُ عَلَى اللهِ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، لاَ يَهْتَدِي إلَى غَيْرِ اللهِ). وَقِيْلَ : هو الذي لا يشتَغِلُ إلاَّ باللهِ.

ق 50:33

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَـانَ بِالْغَيْبِ﴾ ؛ صفةٌ للأَوَّاب الحفيظِ، والمعنى : مَن خافَ اللهَ وخَافَ من عذابهِ وأطاعَهُ ولم يَعْصِهِ، وعبدَهُ حيث لا يراهُ إلاَّ اللهُ، وهو معنى قولهِ ﴿بِالْغَيْبِ﴾ ﴿وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ ؛ أي جاءَ بقَلبٍ مُخلِصٍ راجعٍ عن معاصِي الله إلى طاعتهِ، والقلبُ الْمُنِيبُ : هو التَّائِبُ، وموضِعُ ﴿مَّنْ خَشِيَ﴾ الخفضُ على نعتِ الأوَّاب.

ق 50:34

وقولهُ تعالى :﴿ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ﴾ ؛ يعني سلامة من الهمومِ والعذاب وأمانٍ من كلِّ مكروه، ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الُخُلُودِ﴾ ؛ في الجنَّة لأنه لا موتَ فيها ولا فناءَ ولا انقطاعَ، ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ ؛ من أنواعِ النَّعيم، ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ؛ أي نَزِيدُهم من عندِنا ما لم يسألوهُ، ولا خَطَرَ على قلوبٍ، ولا بلغَتهُ أفهامُهم، وقال جابرُ :" الْمَزِيدُ هُوَ النَّظَرُ إلَى وَجْهِ اللهِ الْكَرِيمِ بلا كَيْفٍ).

ق 50:35

وقولهُ تعالى :﴿ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ﴾ ؛ يعني سلامة من الهمومِ والعذاب وأمانٍ من كلِّ مكروه، ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الُخُلُودِ﴾ ؛ في الجنَّة لأنه لا موتَ فيها ولا فناءَ ولا انقطاعَ، ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ ؛ من أنواعِ النَّعيم، ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ؛ أي نَزِيدُهم من عندِنا ما لم يسألوهُ، ولا خَطَرَ على قلوبٍ، ولا بلغَتهُ أفهامُهم، وقال جابرُ :" الْمَزِيدُ هُوَ النَّظَرُ إلَى وَجْهِ اللهِ الْكَرِيمِ بلا كَيْفٍ).

ق 50:36

قًوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً﴾ ؛ هذا تخويفٌ لأهلِ مكَّة ؛ أي كم أهلَكنا من قومٍ هُم أشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً، ﴿فَنَقَّبُواْ فِي الْبِلاَدِ﴾ ؛ أي سَارُوا وتَقلَّبُوا وطافُوا في البلادِ. وأصلهُ من النَّقَب وهو الطريقُ ؛ وكأنَّهم سلَكُوا كلَّ طريقٍ فلم يجِدُوا مَخْلَصاً عن أمرِ الله. قال الزجَّاجُ :(لَمْ يَرَوا مَخْلَصاً مِنَ الْمَوْتِ، كَأَنَّهُمْ ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ مَعَ شِدَّةِ شَوْكَتِهِمْ وَبَطْشِهِمْ، وَفِي هَذا إنْذارٌ لأَهْلِ مَكَّةَ أنَّهُمْ عَلَى مِثْلِ سَبيلِهِمْ لاَ يَجِدُونَ مَفَرّاً مِنَ الْمَوْتِ، يَمُوتُونَ فَيَصِيرُونَ إلَى عَذاب اللهِ). قرأ الحسنُ :(فَنَقَبُوا) بالتخفيف، وقرأ السُّلَمي على اللفظِ الأمرِ على التهديدِ والوعيد ؛ أي أقبلُوا في البلادِ وأدبرُوا يا أهلَ مكَّة وتصرَّفُوا منها كلَّ مُتَصَرَّفٍ، وسِيرُوا في الأرضِ فانُظروا، ﴿هَلْ مِن مَّحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ ؛ أي إنَّ ما صُنِعَ بهم من هلاكِ القُرى لعِبرَةً وعِظَةً ؛ ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ ؛ عقلٌ وحَزْمٌ وبصيرة، ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ ؛ أي استمعَ ما يقالُ له على جهة التَّفَهُّمِ، يقولُ العربُ : ألْقِ سَمْعَكَ ؛ أي اسْتَمِعْ مِنِّي ؛ ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ؛ أي شاهِدُ القلب حاضرهُ غير غافلٍ ولا سَاهٍ.

ق 50:37

قًوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً﴾ ؛ هذا تخويفٌ لأهلِ مكَّة ؛ أي كم أهلَكنا من قومٍ هُم أشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً، ﴿فَنَقَّبُواْ فِي الْبِلاَدِ﴾ ؛ أي سَارُوا وتَقلَّبُوا وطافُوا في البلادِ. وأصلهُ من النَّقَب وهو الطريقُ ؛ وكأنَّهم سلَكُوا كلَّ طريقٍ فلم يجِدُوا مَخْلَصاً عن أمرِ الله. قال الزجَّاجُ :(لَمْ يَرَوا مَخْلَصاً مِنَ الْمَوْتِ، كَأَنَّهُمْ ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ مَعَ شِدَّةِ شَوْكَتِهِمْ وَبَطْشِهِمْ، وَفِي هَذا إنْذارٌ لأَهْلِ مَكَّةَ أنَّهُمْ عَلَى مِثْلِ سَبيلِهِمْ لاَ يَجِدُونَ مَفَرّاً مِنَ الْمَوْتِ، يَمُوتُونَ فَيَصِيرُونَ إلَى عَذاب اللهِ). قرأ الحسنُ :(فَنَقَبُوا) بالتخفيف، وقرأ السُّلَمي على اللفظِ الأمرِ على التهديدِ والوعيد ؛ أي أقبلُوا في البلادِ وأدبرُوا يا أهلَ مكَّة وتصرَّفُوا منها كلَّ مُتَصَرَّفٍ، وسِيرُوا في الأرضِ فانُظروا، ﴿هَلْ مِن مَّحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ ؛ أي إنَّ ما صُنِعَ بهم من هلاكِ القُرى لعِبرَةً وعِظَةً ؛ ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ ؛ عقلٌ وحَزْمٌ وبصيرة، ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ ؛ أي استمعَ ما يقالُ له على جهة التَّفَهُّمِ، يقولُ العربُ : ألْقِ سَمْعَكَ ؛ أي اسْتَمِعْ مِنِّي ؛ ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ؛ أي شاهِدُ القلب حاضرهُ غير غافلٍ ولا سَاهٍ.

ق 50:38

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ ؛ واللُّغُوبُ هو التَّعَبُ، وذلك أنَّ اليهودَ لَعَنَهُمُ اللهُ قالُوا : خلقَ اللهُ السمواتِ والأرضَ في ستَّةِ أيَّام، أوَّلُها يوم الأحَدِ، وآخرُها يومُ الجمعةِ، فأَعَيا واستراحَ يومَ السبتِ! فذلكَ لا يُعمَلُ فيهِ شيئاً. فأكذبَهم اللهُ بقولهِ ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾، واللُّغُوبُ هو التعبُ، وسُبحانَ اللهِ أن يُوصَفَ بتَعَبٍ أو نصَبٍ.

ق 50:39

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ ؛ أي إصبرْ يا مُحَمَّدُ على ما يقُولون من الأذى والتكذيب، وهذا قبلَ أن يؤمَرَ بالقتال، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ ؛ أي صَلِّ بأَمرِ ربكَ واحْمَدْهُ، ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ ؛ أرادَ بذلك صلاةَ الفجرِ وصلاةَ العصرِ. وَقِيْلَ : معناهُ : قبلَ الغروب : الظهرَ والعصرَ، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ ؛ يعني : صلاةَ المغرب والعشاءِ. وسُمِّيت الصلاةُ تَسبيحاً لِمَا فيها من التسبيحِ :(سُبْحَانَ رَبيَ الْعَظِيمِ، وَسُبْحَانَ رَبيَ الأَعْلَى). وقولهُ تعالى :﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ ؛ يعني الرَّكعتين بعدَ المغرب وقبلَ الوترِ. وَقِيْلَ : التسبيحُ في أواخرِ الصَّلاة، يُسَبحُونَ اللهَ ثلاثاً وثلاثين، ويَحمَدُون ثلاثاً وثلاثين، ويُكَبرُونَ ثلاثاً وثلاثين. وعن رسولِ الله ﷺ :" أنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ صَلاَتِهِ عِنْدَ انْصِرَافِهِ :﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ...﴾ إلَى آخرِ السُّورة ". وعن الشعبيِّ والأوزاعيِّ أنَّهما قالا :(أدْبَارُ السُّجُودِ الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِب، وأدْبَارُ النُّجُومِ : الرَّكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ). وقال ابنُ زيدٍ :(مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ وَهُوَ النَّوَافِلُ، وَأدْبَارُ الْمَكْتُوبَاتِ). قرأ الحسنُ وأبو عمرٍو ويعقوبُ وعاصم والكسائيُّ وابنُ عامرٍ :(وَأدْبَارَ) بفتحِ الألف جمعُ الدُّبُرِ. وقرأ الباقون بالكسرِ على المصدر مِن أدْبَرَ يُدْبرُ إدْبَاراً.

ق 50:40

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ ؛ أي إصبرْ يا مُحَمَّدُ على ما يقُولون من الأذى والتكذيب، وهذا قبلَ أن يؤمَرَ بالقتال، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ ؛ أي صَلِّ بأَمرِ ربكَ واحْمَدْهُ، ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ ؛ أرادَ بذلك صلاةَ الفجرِ وصلاةَ العصرِ. وَقِيْلَ : معناهُ : قبلَ الغروب : الظهرَ والعصرَ، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ ؛ يعني : صلاةَ المغرب والعشاءِ. وسُمِّيت الصلاةُ تَسبيحاً لِمَا فيها من التسبيحِ :(سُبْحَانَ رَبيَ الْعَظِيمِ، وَسُبْحَانَ رَبيَ الأَعْلَى). وقولهُ تعالى :﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ ؛ يعني الرَّكعتين بعدَ المغرب وقبلَ الوترِ. وَقِيْلَ : التسبيحُ في أواخرِ الصَّلاة، يُسَبحُونَ اللهَ ثلاثاً وثلاثين، ويَحمَدُون ثلاثاً وثلاثين، ويُكَبرُونَ ثلاثاً وثلاثين. وعن رسولِ الله ﷺ :" أنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ صَلاَتِهِ عِنْدَ انْصِرَافِهِ :﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ...﴾ إلَى آخرِ السُّورة ". وعن الشعبيِّ والأوزاعيِّ أنَّهما قالا :(أدْبَارُ السُّجُودِ الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِب، وأدْبَارُ النُّجُومِ : الرَّكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ). وقال ابنُ زيدٍ :(مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ وَهُوَ النَّوَافِلُ، وَأدْبَارُ الْمَكْتُوبَاتِ). قرأ الحسنُ وأبو عمرٍو ويعقوبُ وعاصم والكسائيُّ وابنُ عامرٍ :(وَأدْبَارَ) بفتحِ الألف جمعُ الدُّبُرِ. وقرأ الباقون بالكسرِ على المصدر مِن أدْبَرَ يُدْبرُ إدْبَاراً.

ق 50:41

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ﴾ ؛ أي استمِعْ يا مُحَمَّدُ صيحةَ القيامةِ والبعثِ والنَّشرِ، ويومَ النداءِ هو يومُ صَيحَةِ إسرافيلَ، وهو يومُ النَّفْخَةِ الأخيرةِ، يقومُ فيه على صخرةِ بيتِ المقدسِ فينفخُ في الصُّور، والصَّخرةُ أقربُ مكانٍ من الأرضِ إلى السَّماء باثْنَي عشر مِيلاً كذا قال الكلبيُّ. وفي الحديثِ :" أنَّهُ يُنَادِي : أيَّتُهَا الْعِظَامُ الْبَالِيَةُ، وَالْعُرُوقُ الْمُتَمَزِّقَةُ، وَالشُّعُورُ الْمُتَفَرِّقَةُ، أُخْرُجْنَ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ فِيَكُنَّ، فَيَخْرُجُونَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ ".

ق 50:42

وقوله تعالى :﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ﴾ ؛ أي بالبعثِ، وَقِيْلَ : إنَّها كائنةٌ بالحقِّ، ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ ؛ أي مِن القبور إلى المحشَرِ.

ق 50:43

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ﴾ ؛ أي نُحيي الأمواتَ ونُمِيتُ الأحياءَ، ﴿وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾ ؛ في الآخرةِ للجَزاءِ.

ق 50:44

وقولُه تعالى :﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً﴾ ؛ أي تتصَدَّعُ عنهم مُسرعين، والمعنى يوم تشَقَّقُ الأرضُ عنهم خارجين سِرَاعاً يُسرِعُونَ إلى الدَّاعي، ﴿ذَلِكَ﴾ ؛ الحشرُ، ﴿حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ ؛ أي هَيِّنٌ وسَهْلٌ.

ق 50:45

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ ؛ يا مُحَمَّدُ مِن تكذيبكَ من أمرِ البعث وغيرِ ذلك، يعني كفَّارَ مكَّة، ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ ؛ أي بُمسَلَّطٍ قَهَّارٍ تُجبرُهُمْ على الإسلامِ، إنما بُعِثتَ مُذكِّراً مُحَذِّراً، وذلك قبلَ أن يُؤمَرَ بالقتالِ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ﴾ ؛ أي عِظْ به، ﴿مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ ؛ وإنما خَصَّ الخائفِين بالوعظِ ؛ لأنَّهم همُ الذي يَنتَفِعُونَ بذلك، والمعنى : ذكِّرْ بالقُرآنِ مَن يخافُ ما وعَدتُ مَن عصَانِي من العذاب.

الذاريات 51:1

﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً﴾ ؛ يعين الرِّياحَ تَذرُوا الترابَ، وتَهشِمُ النباتَ، أي تُفَرِّقهُ، وهي مخفوضةٌ على القسَمِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَالْحَامِلاَتِ وِقْراً﴾ ؛ يعني السَّحابَ تَحمِلُ ثُقْلاً من ماءِ المطرِ، فتصيرُ كالْمُوقَدَةِ، والوِقْرُ بكسرِ الواو الْحِمْلُ، والوَقْرُ بفتح الواو الثُّقلُ في الأُذن.

الذاريات 51:2

﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً﴾ ؛ يعين الرِّياحَ تَذرُوا الترابَ، وتَهشِمُ النباتَ، أي تُفَرِّقهُ، وهي مخفوضةٌ على القسَمِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَالْحَامِلاَتِ وِقْراً﴾ ؛ يعني السَّحابَ تَحمِلُ ثُقْلاً من ماءِ المطرِ، فتصيرُ كالْمُوقَدَةِ، والوِقْرُ بكسرِ الواو الْحِمْلُ، والوَقْرُ بفتح الواو الثُّقلُ في الأُذن.

الذاريات 51:3

قَوْلٌُهُ تَعَالَى :﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً﴾ ؛ يعني السُّفن تجرِي في الماءِ جَرْياً سَهْلاً مع عِظَمِها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً﴾ ؛ يعني الملائكةَ يَقسِمُونَ الأمُورَ بين الخلقِ على ما أُمِرُوا به من الأرزاقِ وغيرِها. أقسمَ اللهُ بهذه الأشياءِ لِمَا فيها من الدَّلالةِ على صَنعَتِهِ وقُدرتهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ ؛ يعني إنَّ الذي تُوعَدون من الثَّواب والعقاب لصَادِقٌ، ﴿وَإِنَّ الدِّينَ﴾ ؛ أي الجزاءَ، ﴿لَوَاقِعٌ﴾ ؛ كائنٌ يومَ القيامةِ. وعن عليٍّ رضي الله عنه أنَّهُ قالَ ذاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَةٍ :(سَلُونِي فَوَاللهِ لاَ تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إلاَّ وَسَأُخْبرُكُمْ بهِ. فَقَالَ رَجُلٌ : يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؛ مَا الذاريَاتِ ذرْواً ؟ فَقَالَ : الرِّيَاحُ : وَقَالَ : مَا الْحَامِلاَتِ وقْراً ؟ قَالَ : السَّحَابُ. قَالَ : مَا الْجَاريَاتِ يُسْراً ؟ قَالَ : السُّفُنُ. قَالَ : مَا الْمُقَسِّمَاتِ أمْراً ؟ قَالَ : الْمَلاَئِكَةُ). وعن الأعرجِ قال : بَلَغَنَا أنَّ مَسَاكِنَ الرِّيَاحِ تَحْتَ أجْنِحَةِ الْكُرُوبيِّينَ حَمَلَةِ الْكُرْسِيِّ، فَتَهِيجُ مِنْ ثَمَّ فَتَقَعُ بعَجَلَةِ الشَّمْسِ، ثُمَّ تَهِيجُ مِنْ عَجَلَةِ الشَّمْسِ فَتَقَعُ برُؤُوسِ الجِبَالِ، ثُمَّ تَهِيجُ مِنْ رُؤُوسِ الجِبَالِ فَتَقَعُ فِي البَرِّ، وأمَّا الشِّمَالُ فإنَّهَا تَمُرُّ بجَنَّةِ عَدْنٍ، فَتَأْخُذُ مِنْ عَرْفِ طِيبهَا، فَتَمُرُّ عَلَى أرْوَاحِ الصِّدِّيقِينَ، ثُمَّ يَكُونُ مَهَبُّهَا مِنْ كُرْسِي بَنَاتِ نَعْشٍ إلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَتَهُبُّ الدُّبُورُ مِن مَغْرِبِ الشَّمْسِ إلى مَطْلَعِ سُهَيْلٍ، وَتَهُبُّ الصَّبَا مِنْ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِ بَنَاتِ نَعْشِ، لاَ تَدْخُلُ هَذِهِ فِي حَدِّ هَذِهِ، وَلاَ هَذِهِ في حَدِّ هَذِهِ).

الذاريات 51:4

قَوْلٌُهُ تَعَالَى :﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً﴾ ؛ يعني السُّفن تجرِي في الماءِ جَرْياً سَهْلاً مع عِظَمِها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً﴾ ؛ يعني الملائكةَ يَقسِمُونَ الأمُورَ بين الخلقِ على ما أُمِرُوا به من الأرزاقِ وغيرِها. أقسمَ اللهُ بهذه الأشياءِ لِمَا فيها من الدَّلالةِ على صَنعَتِهِ وقُدرتهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ ؛ يعني إنَّ الذي تُوعَدون من الثَّواب والعقاب لصَادِقٌ، ﴿وَإِنَّ الدِّينَ﴾ ؛ أي الجزاءَ، ﴿لَوَاقِعٌ﴾ ؛ كائنٌ يومَ القيامةِ. وعن عليٍّ رضي الله عنه أنَّهُ قالَ ذاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَةٍ :(سَلُونِي فَوَاللهِ لاَ تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إلاَّ وَسَأُخْبرُكُمْ بهِ. فَقَالَ رَجُلٌ : يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؛ مَا الذاريَاتِ ذرْواً ؟ فَقَالَ : الرِّيَاحُ : وَقَالَ : مَا الْحَامِلاَتِ وقْراً ؟ قَالَ : السَّحَابُ. قَالَ : مَا الْجَاريَاتِ يُسْراً ؟ قَالَ : السُّفُنُ. قَالَ : مَا الْمُقَسِّمَاتِ أمْراً ؟ قَالَ : الْمَلاَئِكَةُ). وعن الأعرجِ قال : بَلَغَنَا أنَّ مَسَاكِنَ الرِّيَاحِ تَحْتَ أجْنِحَةِ الْكُرُوبيِّينَ حَمَلَةِ الْكُرْسِيِّ، فَتَهِيجُ مِنْ ثَمَّ فَتَقَعُ بعَجَلَةِ الشَّمْسِ، ثُمَّ تَهِيجُ مِنْ عَجَلَةِ الشَّمْسِ فَتَقَعُ برُؤُوسِ الجِبَالِ، ثُمَّ تَهِيجُ مِنْ رُؤُوسِ الجِبَالِ فَتَقَعُ فِي البَرِّ، وأمَّا الشِّمَالُ فإنَّهَا تَمُرُّ بجَنَّةِ عَدْنٍ، فَتَأْخُذُ مِنْ عَرْفِ طِيبهَا، فَتَمُرُّ عَلَى أرْوَاحِ الصِّدِّيقِينَ، ثُمَّ يَكُونُ مَهَبُّهَا مِنْ كُرْسِي بَنَاتِ نَعْشٍ إلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَتَهُبُّ الدُّبُورُ مِن مَغْرِبِ الشَّمْسِ إلى مَطْلَعِ سُهَيْلٍ، وَتَهُبُّ الصَّبَا مِنْ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِ بَنَاتِ نَعْشِ، لاَ تَدْخُلُ هَذِهِ فِي حَدِّ هَذِهِ، وَلاَ هَذِهِ في حَدِّ هَذِهِ).

الذاريات 51:5

قَوْلٌُهُ تَعَالَى :﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً﴾ ؛ يعني السُّفن تجرِي في الماءِ جَرْياً سَهْلاً مع عِظَمِها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً﴾ ؛ يعني الملائكةَ يَقسِمُونَ الأمُورَ بين الخلقِ على ما أُمِرُوا به من الأرزاقِ وغيرِها. أقسمَ اللهُ بهذه الأشياءِ لِمَا فيها من الدَّلالةِ على صَنعَتِهِ وقُدرتهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ ؛ يعني إنَّ الذي تُوعَدون من الثَّواب والعقاب لصَادِقٌ، ﴿وَإِنَّ الدِّينَ﴾ ؛ أي الجزاءَ، ﴿لَوَاقِعٌ﴾ ؛ كائنٌ يومَ القيامةِ. وعن عليٍّ رضي الله عنه أنَّهُ قالَ ذاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَةٍ :(سَلُونِي فَوَاللهِ لاَ تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إلاَّ وَسَأُخْبرُكُمْ بهِ. فَقَالَ رَجُلٌ : يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؛ مَا الذاريَاتِ ذرْواً ؟ فَقَالَ : الرِّيَاحُ : وَقَالَ : مَا الْحَامِلاَتِ وقْراً ؟ قَالَ : السَّحَابُ. قَالَ : مَا الْجَاريَاتِ يُسْراً ؟ قَالَ : السُّفُنُ. قَالَ : مَا الْمُقَسِّمَاتِ أمْراً ؟ قَالَ : الْمَلاَئِكَةُ). وعن الأعرجِ قال : بَلَغَنَا أنَّ مَسَاكِنَ الرِّيَاحِ تَحْتَ أجْنِحَةِ الْكُرُوبيِّينَ حَمَلَةِ الْكُرْسِيِّ، فَتَهِيجُ مِنْ ثَمَّ فَتَقَعُ بعَجَلَةِ الشَّمْسِ، ثُمَّ تَهِيجُ مِنْ عَجَلَةِ الشَّمْسِ فَتَقَعُ برُؤُوسِ الجِبَالِ، ثُمَّ تَهِيجُ مِنْ رُؤُوسِ الجِبَالِ فَتَقَعُ فِي البَرِّ، وأمَّا الشِّمَالُ فإنَّهَا تَمُرُّ بجَنَّةِ عَدْنٍ، فَتَأْخُذُ مِنْ عَرْفِ طِيبهَا، فَتَمُرُّ عَلَى أرْوَاحِ الصِّدِّيقِينَ، ثُمَّ يَكُونُ مَهَبُّهَا مِنْ كُرْسِي بَنَاتِ نَعْشٍ إلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَتَهُبُّ الدُّبُورُ مِن مَغْرِبِ الشَّمْسِ إلى مَطْلَعِ سُهَيْلٍ، وَتَهُبُّ الصَّبَا مِنْ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِ بَنَاتِ نَعْشِ، لاَ تَدْخُلُ هَذِهِ فِي حَدِّ هَذِهِ، وَلاَ هَذِهِ في حَدِّ هَذِهِ).

الذاريات 51:6

قَوْلٌُهُ تَعَالَى :﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً﴾ ؛ يعني السُّفن تجرِي في الماءِ جَرْياً سَهْلاً مع عِظَمِها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً﴾ ؛ يعني الملائكةَ يَقسِمُونَ الأمُورَ بين الخلقِ على ما أُمِرُوا به من الأرزاقِ وغيرِها. أقسمَ اللهُ بهذه الأشياءِ لِمَا فيها من الدَّلالةِ على صَنعَتِهِ وقُدرتهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ ؛ يعني إنَّ الذي تُوعَدون من الثَّواب والعقاب لصَادِقٌ، ﴿وَإِنَّ الدِّينَ﴾ ؛ أي الجزاءَ، ﴿لَوَاقِعٌ﴾ ؛ كائنٌ يومَ القيامةِ. وعن عليٍّ رضي الله عنه أنَّهُ قالَ ذاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَةٍ :(سَلُونِي فَوَاللهِ لاَ تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إلاَّ وَسَأُخْبرُكُمْ بهِ. فَقَالَ رَجُلٌ : يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؛ مَا الذاريَاتِ ذرْواً ؟ فَقَالَ : الرِّيَاحُ : وَقَالَ : مَا الْحَامِلاَتِ وقْراً ؟ قَالَ : السَّحَابُ. قَالَ : مَا الْجَاريَاتِ يُسْراً ؟ قَالَ : السُّفُنُ. قَالَ : مَا الْمُقَسِّمَاتِ أمْراً ؟ قَالَ : الْمَلاَئِكَةُ). وعن الأعرجِ قال : بَلَغَنَا أنَّ مَسَاكِنَ الرِّيَاحِ تَحْتَ أجْنِحَةِ الْكُرُوبيِّينَ حَمَلَةِ الْكُرْسِيِّ، فَتَهِيجُ مِنْ ثَمَّ فَتَقَعُ بعَجَلَةِ الشَّمْسِ، ثُمَّ تَهِيجُ مِنْ عَجَلَةِ الشَّمْسِ فَتَقَعُ برُؤُوسِ الجِبَالِ، ثُمَّ تَهِيجُ مِنْ رُؤُوسِ الجِبَالِ فَتَقَعُ فِي البَرِّ، وأمَّا الشِّمَالُ فإنَّهَا تَمُرُّ بجَنَّةِ عَدْنٍ، فَتَأْخُذُ مِنْ عَرْفِ طِيبهَا، فَتَمُرُّ عَلَى أرْوَاحِ الصِّدِّيقِينَ، ثُمَّ يَكُونُ مَهَبُّهَا مِنْ كُرْسِي بَنَاتِ نَعْشٍ إلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَتَهُبُّ الدُّبُورُ مِن مَغْرِبِ الشَّمْسِ إلى مَطْلَعِ سُهَيْلٍ، وَتَهُبُّ الصَّبَا مِنْ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِ بَنَاتِ نَعْشِ، لاَ تَدْخُلُ هَذِهِ فِي حَدِّ هَذِهِ، وَلاَ هَذِهِ في حَدِّ هَذِهِ).

الذاريات 51:7

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ ؛ هذا قسَمٌ آخرُ، ومعناهُ : والسَّماءِ ذاتِ الْخَلْقِ الْحَسَنِ المستَوِي، هذا قولُ عكرمةَ، قالَ :(ألَمْ تَرَ إلَى النَّسَّاجِ إذا نَسَجَ الثَّوْبَ فَأَجَادَ نَسْجَهُ، قِيْلَ : مَا أحْسَنَ حَبْكَهُ!)، وبهِ قالَ ابنُ عبَّاس وقتادةُ والربيع. وقال سعيدُ بن جبير :(وَمَعْنَاهُ : ذاتِ الزِّينَةِ). وقال مجاهدُ :(وَالسَّمَاءِ ذاتِ الْبُنْيَانِ الْمُتْقَنِ). وقال الضحَّاكُ :(ذاتِ الطَّرِيقِ الَّتِي تُرَى فِيهَا كَحُبُكِ الْمَاءِ إذا ضَرَبَتْهُ الرِّيَاحُ، وَحُبُكِ الرَّمْلِ إذا سَفَّتْهُ الرِّيحُ، وَحُبُكِ الشَّعْرِ الْجَعْدِ، وَحُبُكِ الثَّوْب الْحَسَنِ النَّسِيجِ). والْحُبُوكُ في اللغة : مَا أُجِيدَ عَمَلُهُ، وواحدُ الْحُبُكِ حِبَاكٌ، مثلُ مِثَالٍ ومُثُلٍ. ويجوزُ أن يكون واحدةُ حَبيكَةٍ مثلُ طَرِيقَةٍ وَطُرُقٍ. وَقِيْلَ : الْحُبُكُ طَرِيقُ الملائكةِ، وقال الحسنُ :(حَبَكَهَا زَيَّنَهَا بالنُّجُومِ). وَقِيْلَ :(ذاتِ الْحُبُكِ) أي ذاتِ الْخَلْقِ الشَّديدِ، قال تعالى :﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾[النبأ: ١٢].

الذاريات 51:8

وقولهُ تعالى :﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ﴾ ؛ هذا جوابُ القسَمِ الثانِي، والمعنى : إنَّكم يا أهلَ مكَّة لَفِي قولٍ مُختَلِفٍ من بين مُصَدِّقٍ بالنبيِّ ﷺ ومُكذِّبٍ به، ومُتوَقِّفٍ في أمرهِ، وبعضُكم يقولُ في مُحَمَّدٍ : هو شاعرٌ، وبعضكم يقول : مجنونٌ، وفي القرآنِ يقول بعضُكم : هو سحرٌ، وبعضكم يقول : هو كهَانَةٌ، وبعضكم يقولُ : هو أساطيرُ الأوَّلين.

الذاريات 51:9

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ ؛ أي يَنصَرِفُ عن الإيمانِ مَن صُرِفَ حتى يُكَذِّبَ بهِ، يعني بذلك مَن حَرَمَهُ اللهُ الإيمان بمُحَمَّدٍ ﷺ والقرآنِ.

الذاريات 51:10

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ ؛ أي لُعِنَ الكَذابُونَ، وقال ابنُ عبَّاس :(الْمُرْتَابُونَ)، والقَتْلُ إذا أُخبرَ به عن اللهِ كان بمعنَى اللَّعْنِ ؛ لأنَّ مَن لَعَنَهُ اللهُ فهو بمنْزِلة المقتولِ الهالكِ، كما قالَ اللهُ﴿قُتِلَ الإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ﴾[عبس: ١٧] أي لُعِنَ. والْخَرَّاصُونَ : همُ الكذابُونَ. قال الفرَّاء :(وَالْمُرَادُ بهِمْ هَهُنَا الَّذِينَ قَالُوا : مُحَمَّدٌ شَاعِرٌ وَكَذابُ وَمَجْنُونٌ وَسَاحِرٌ). والْخَارصُ : هو الذي يقطعُ في الأمور والْحُكمِ بمقدارهِ بالتَّخمِينِ، يعني مِن غير علمٍ، ومنه خَارصُ الذي يقطعُ في مقدارهِ بغيرِ حقيقةٍ.

الذاريات 51:11

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ ؛ نَعْتٌ لهم، والغَمْرَةُ هي الجهلُ، ومنه الغَمْرُ الجهلُ، والسَّاهِي هو الغافلُ عن أمرِ الآخرة. والمعنى : الذين هُم في غفلةٍ وعمًى وجهالةٍ عن أمرِ الآخرة، سَاهُونَ لاَهُونَ.

الذاريات 51:12

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ ؛ أي يسأَلون متى يكونُ الجزاءُ على وجهِ الإنكار، يقولون : يا مُحَمَّدُ متى يومُ الجزاءِ، تَكذيباً منهم واستهزاءً، فأُجِيبُوا بما يَسُوءُهم، فقيل :﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ ؛ أي يُحرَقون ويُنضَجون ويعذبون بها. يقالُ : فَتَنْتُ الذهبَ إذا أحرقتُ الغشَّ الذي فيه، والكفارُ غِشٌّ كلُّهم فيُحرَقون، ويقولُ لَهم خَزَنَةُ النار :﴿ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ﴾ ؛ أي حَرِيقَكم وعذابَكم، ﴿هَـاذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ؛ في الدُّنيا تَكذيباً به. وإنَّما لم يقُل : فِتنَتَكم هذهِ ؛ لأنَّ الفتنةَ ههُنا بمعنى العذاب، فردَّ الإشارةَ إلى المعنَى.

الذاريات 51:13

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ ؛ أي يسأَلون متى يكونُ الجزاءُ على وجهِ الإنكار، يقولون : يا مُحَمَّدُ متى يومُ الجزاءِ، تَكذيباً منهم واستهزاءً، فأُجِيبُوا بما يَسُوءُهم، فقيل :﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ ؛ أي يُحرَقون ويُنضَجون ويعذبون بها. يقالُ : فَتَنْتُ الذهبَ إذا أحرقتُ الغشَّ الذي فيه، والكفارُ غِشٌّ كلُّهم فيُحرَقون، ويقولُ لَهم خَزَنَةُ النار :﴿ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ﴾ ؛ أي حَرِيقَكم وعذابَكم، ﴿هَـاذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ؛ في الدُّنيا تَكذيباً به. وإنَّما لم يقُل : فِتنَتَكم هذهِ ؛ لأنَّ الفتنةَ ههُنا بمعنى العذاب، فردَّ الإشارةَ إلى المعنَى.

الذاريات 51:14

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ ؛ أي يسأَلون متى يكونُ الجزاءُ على وجهِ الإنكار، يقولون : يا مُحَمَّدُ متى يومُ الجزاءِ، تَكذيباً منهم واستهزاءً، فأُجِيبُوا بما يَسُوءُهم، فقيل :﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ ؛ أي يُحرَقون ويُنضَجون ويعذبون بها. يقالُ : فَتَنْتُ الذهبَ إذا أحرقتُ الغشَّ الذي فيه، والكفارُ غِشٌّ كلُّهم فيُحرَقون، ويقولُ لَهم خَزَنَةُ النار :﴿ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ﴾ ؛ أي حَرِيقَكم وعذابَكم، ﴿هَـاذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ؛ في الدُّنيا تَكذيباً به. وإنَّما لم يقُل : فِتنَتَكم هذهِ ؛ لأنَّ الفتنةَ ههُنا بمعنى العذاب، فردَّ الإشارةَ إلى المعنَى.

الذاريات 51:15

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي قَابلين ما أعطَاهُم ربُّهم من كرامةٍ في الجنَّة. وَقِيْلَ : معناهُ : عَامِلين بما أمَرَهم ربُّهم في الدُّنيا، وقولهُ تعالى :﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ ؛ في الدُّنيا في أعمالِهم، وقولهُ تعالى :﴿كَانُواْ قَلِيلاً مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ ؛ أي ما ينَامُون، هذا بيانُ إحسانِهم. والْهُجُوعُ : النَّومُ باللَّيلِ دون النَّهار، و(مَا) زائدةٌ، والمعنى : كانُوا يَهجَعُونَ قليلاً من اللَّيلِ ويُصَلُّونَ أكثرَ اللَّيلِ. وَقِيْلَ : معناهُ : قَلَّ ليلةً أتت عليهم هَجَعُوها كلَّها، وقال مجاهدُ :(كَانُوا لاَ يَنَامُونَ كُلَّ اللَّيْلِ). واختارَ قومٌ الوقفَ على قولهِ ﴿كَانُواْ قَلِيلاً﴾ على معنى : كَانُوا من الناسِ قَليلاً، وهو قولُ الضحَّاك ومقاتل. ثم ابتدأ فقالَ :﴿مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ وهذا على نفيِ النومِ عنهم البتَّةَ. وَقِيْلَ : معناهُ : كانوا لا ينَامُون حتى يُصَلُّوا الْعَتْمَةَ، وقال أنسُ بن مالكٍ رضي الله عنه :(يُصَلُّونَ مَا بَيْنَ الْمَغْرِب وَالْعِشَاءِ). وعن جعفرَ بن محمَّد أنه قال :(مَنْ لَمْ يَهْجَعْ مَا بَيْنَ الْمَغْرِب وَالْعِشاءِ فَهُوَ مِنْهُمْ)، عن أبي ذرٍّ قال :" سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ : أيُّ صَلاَةِ اللَّيْلِ أفْضَلُ ؟ قَالَ :" نِصْفُ اللَّيْلِ وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ " قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ؛ قال الحسنُ :(كَانُوا يَمُدُّونَ الصَّلاَةَ إلَى الْعَصْرِ ثُمَّ يَأْخُذُونَ فِي الاسْتِغْفَار بالأَسْحَار).

الذاريات 51:16

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي قَابلين ما أعطَاهُم ربُّهم من كرامةٍ في الجنَّة. وَقِيْلَ : معناهُ : عَامِلين بما أمَرَهم ربُّهم في الدُّنيا، وقولهُ تعالى :﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ ؛ في الدُّنيا في أعمالِهم، وقولهُ تعالى :﴿كَانُواْ قَلِيلاً مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ ؛ أي ما ينَامُون، هذا بيانُ إحسانِهم. والْهُجُوعُ : النَّومُ باللَّيلِ دون النَّهار، و(مَا) زائدةٌ، والمعنى : كانُوا يَهجَعُونَ قليلاً من اللَّيلِ ويُصَلُّونَ أكثرَ اللَّيلِ. وَقِيْلَ : معناهُ : قَلَّ ليلةً أتت عليهم هَجَعُوها كلَّها، وقال مجاهدُ :(كَانُوا لاَ يَنَامُونَ كُلَّ اللَّيْلِ). واختارَ قومٌ الوقفَ على قولهِ ﴿كَانُواْ قَلِيلاً﴾ على معنى : كَانُوا من الناسِ قَليلاً، وهو قولُ الضحَّاك ومقاتل. ثم ابتدأ فقالَ :﴿مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ وهذا على نفيِ النومِ عنهم البتَّةَ. وَقِيْلَ : معناهُ : كانوا لا ينَامُون حتى يُصَلُّوا الْعَتْمَةَ، وقال أنسُ بن مالكٍ رضي الله عنه :(يُصَلُّونَ مَا بَيْنَ الْمَغْرِب وَالْعِشَاءِ). وعن جعفرَ بن محمَّد أنه قال :(مَنْ لَمْ يَهْجَعْ مَا بَيْنَ الْمَغْرِب وَالْعِشاءِ فَهُوَ مِنْهُمْ)، عن أبي ذرٍّ قال :" سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ : أيُّ صَلاَةِ اللَّيْلِ أفْضَلُ ؟ قَالَ :" نِصْفُ اللَّيْلِ وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ " قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ؛ قال الحسنُ :(كَانُوا يَمُدُّونَ الصَّلاَةَ إلَى الْعَصْرِ ثُمَّ يَأْخُذُونَ فِي الاسْتِغْفَار بالأَسْحَار).

الذاريات 51:17

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي قَابلين ما أعطَاهُم ربُّهم من كرامةٍ في الجنَّة. وَقِيْلَ : معناهُ : عَامِلين بما أمَرَهم ربُّهم في الدُّنيا، وقولهُ تعالى :﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ ؛ في الدُّنيا في أعمالِهم، وقولهُ تعالى :﴿كَانُواْ قَلِيلاً مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ ؛ أي ما ينَامُون، هذا بيانُ إحسانِهم. والْهُجُوعُ : النَّومُ باللَّيلِ دون النَّهار، و(مَا) زائدةٌ، والمعنى : كانُوا يَهجَعُونَ قليلاً من اللَّيلِ ويُصَلُّونَ أكثرَ اللَّيلِ. وَقِيْلَ : معناهُ : قَلَّ ليلةً أتت عليهم هَجَعُوها كلَّها، وقال مجاهدُ :(كَانُوا لاَ يَنَامُونَ كُلَّ اللَّيْلِ). واختارَ قومٌ الوقفَ على قولهِ ﴿كَانُواْ قَلِيلاً﴾ على معنى : كَانُوا من الناسِ قَليلاً، وهو قولُ الضحَّاك ومقاتل. ثم ابتدأ فقالَ :﴿مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ وهذا على نفيِ النومِ عنهم البتَّةَ. وَقِيْلَ : معناهُ : كانوا لا ينَامُون حتى يُصَلُّوا الْعَتْمَةَ، وقال أنسُ بن مالكٍ رضي الله عنه :(يُصَلُّونَ مَا بَيْنَ الْمَغْرِب وَالْعِشَاءِ). وعن جعفرَ بن محمَّد أنه قال :(مَنْ لَمْ يَهْجَعْ مَا بَيْنَ الْمَغْرِب وَالْعِشاءِ فَهُوَ مِنْهُمْ)، عن أبي ذرٍّ قال :" سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ : أيُّ صَلاَةِ اللَّيْلِ أفْضَلُ ؟ قَالَ :" نِصْفُ اللَّيْلِ وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ " قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ؛ قال الحسنُ :(كَانُوا يَمُدُّونَ الصَّلاَةَ إلَى الْعَصْرِ ثُمَّ يَأْخُذُونَ فِي الاسْتِغْفَار بالأَسْحَار).

الذاريات 51:18

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي قَابلين ما أعطَاهُم ربُّهم من كرامةٍ في الجنَّة. وَقِيْلَ : معناهُ : عَامِلين بما أمَرَهم ربُّهم في الدُّنيا، وقولهُ تعالى :﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ ؛ في الدُّنيا في أعمالِهم، وقولهُ تعالى :﴿كَانُواْ قَلِيلاً مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ ؛ أي ما ينَامُون، هذا بيانُ إحسانِهم. والْهُجُوعُ : النَّومُ باللَّيلِ دون النَّهار، و(مَا) زائدةٌ، والمعنى : كانُوا يَهجَعُونَ قليلاً من اللَّيلِ ويُصَلُّونَ أكثرَ اللَّيلِ. وَقِيْلَ : معناهُ : قَلَّ ليلةً أتت عليهم هَجَعُوها كلَّها، وقال مجاهدُ :(كَانُوا لاَ يَنَامُونَ كُلَّ اللَّيْلِ). واختارَ قومٌ الوقفَ على قولهِ ﴿كَانُواْ قَلِيلاً﴾ على معنى : كَانُوا من الناسِ قَليلاً، وهو قولُ الضحَّاك ومقاتل. ثم ابتدأ فقالَ :﴿مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ وهذا على نفيِ النومِ عنهم البتَّةَ. وَقِيْلَ : معناهُ : كانوا لا ينَامُون حتى يُصَلُّوا الْعَتْمَةَ، وقال أنسُ بن مالكٍ رضي الله عنه :(يُصَلُّونَ مَا بَيْنَ الْمَغْرِب وَالْعِشَاءِ). وعن جعفرَ بن محمَّد أنه قال :(مَنْ لَمْ يَهْجَعْ مَا بَيْنَ الْمَغْرِب وَالْعِشاءِ فَهُوَ مِنْهُمْ)، عن أبي ذرٍّ قال :" سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ : أيُّ صَلاَةِ اللَّيْلِ أفْضَلُ ؟ قَالَ :" نِصْفُ اللَّيْلِ وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ " قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ؛ قال الحسنُ :(كَانُوا يَمُدُّونَ الصَّلاَةَ إلَى الْعَصْرِ ثُمَّ يَأْخُذُونَ فِي الاسْتِغْفَار بالأَسْحَار).

الذاريات 51:19

وقولهُ تعالى :﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ؛ يعني بذلك الحقِّ الزكاةَ، فليس عليهم مِن سِوَاها، والسائلُ : هو الذي يسأَلُ الناسَ، والْمَحْرُومُ : هو الذي لا يسألُ، يَحْرِمُ نفسَهُ بتركِ سُؤالهِ، ويحرِمهُ الناسُ بتركِ إعطائهِ. وقال إبراهيمُ :(الْمَحْرُومُ : هُوَ الَّذِي لاَ سَهْمَ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ)، وقال زيدُ بن أسلَم :(هُوَ الْمُصَابُ ثَمَرُهُ أوْ زَرْعُهُ أوْ نَسْلُ مَاشِيَتِهِ)، ويقالُ : هو صاحبُ الحاجةِ بذهاب مالهِ بدليلِ قوله﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾[الواقعة: ٦٦-٦٧]. عن أبي قُلابة قال : كَانَ رَجُلٌ مِنْ أهْلِ الْيَمَامَةِ لَهُ مَالٌ، فَجَاءَ سَيْلٌ فَذهَبَ مَالُهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أصْحَاب النَّبيِّ ﷺ هَذا الْمَحْرُومُ فَأَقْسَمَ لَهُ). وقال قتادةُ والزهري :(هُوَ الْمُتَعَفِّفُ الَّذِي لاَ يَسْأَلُ)، وقد ذكرَ النبيُّ ﷺ فقالَ :" لاَ يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلاَ يُفْطَنُ لِحَاجَتِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ ". وعن عبدِالله بن عمرَ والشعبيِّ والحسن ومجاهد أنَّهم قالوا :(فِي الْمَالِ حَقٌّ وَاجِبٌ سِوَى الزَّكَاةِ)، وَهِيَ الْحُقُوقُ الَّتِي تَلْزَمُ عِنْدَمَا يُعْرَضُ مِنَ الأَمْوَالِ مِنَ النَّفَقَةِ عَلَى الْوَالِدَيْنِ إذا كَانَا فَقِيرَيْنِ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، وَمَا يَجِبُ مِنْ إطْعَامِ الْمُضْطَرِّ وَحَمْلِ الْمُنْقَطِعِ وَغَيْرِ ذلِكَ.

الذاريات 51:20

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ﴾ ؛ آياتُ الأرضِ جِبالُها وأنْهارُها واختلافُ نباتِها وبحارها وأشجارها، بذلك كلِّه دلائلُ توحيدِ الله لِمَن أيقنَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ ؛ معناهُ : وفي أنفُسِكم آياتٌ إذ كانت نطفةً ثم علقةً ثم مُضغةً ثم عَظْماً إلى نَفْخِ الروحِ. وقال عطاءُ :(يَعْنِي اخْتِلاَفَ الأَلْسِنَةِ وَالصُّوَر وَالأَلْوَانِ وَالطَّبَائِعِ). وقال ابنُ الزُّبير :(هُوَ أنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ مِنْ مَكَانٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَخْرُجُ بَعْدَ ذلِكَ مِنْ مَكَانَيْنِ، مَكَانِ الْغَائِطِ وَمَكَانِ الْبَوْلِ، حَتَّى أنَّهُ لَوْ شَرِبَ لَبَناً مَحْضاً خَرَجَ مَاءً). وقولهُ تعالى ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ أي أفَلا تنظُرون بقُلوبكم نظرَ مَن كان يرَى الحقَّ بعَينهِ.

الذاريات 51:21

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ﴾ ؛ آياتُ الأرضِ جِبالُها وأنْهارُها واختلافُ نباتِها وبحارها وأشجارها، بذلك كلِّه دلائلُ توحيدِ الله لِمَن أيقنَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ ؛ معناهُ : وفي أنفُسِكم آياتٌ إذ كانت نطفةً ثم علقةً ثم مُضغةً ثم عَظْماً إلى نَفْخِ الروحِ. وقال عطاءُ :(يَعْنِي اخْتِلاَفَ الأَلْسِنَةِ وَالصُّوَر وَالأَلْوَانِ وَالطَّبَائِعِ). وقال ابنُ الزُّبير :(هُوَ أنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ مِنْ مَكَانٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَخْرُجُ بَعْدَ ذلِكَ مِنْ مَكَانَيْنِ، مَكَانِ الْغَائِطِ وَمَكَانِ الْبَوْلِ، حَتَّى أنَّهُ لَوْ شَرِبَ لَبَناً مَحْضاً خَرَجَ مَاءً). وقولهُ تعالى ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ أي أفَلا تنظُرون بقُلوبكم نظرَ مَن كان يرَى الحقَّ بعَينهِ.

الذاريات 51:22

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَفِي السَّمَآءِ رِزْقُكُمْ﴾ ؛ يعني المطرَ الذي هو سببُ النباتِ، والنباتُ هو مما قَسَمَهُ اللهُ تعالى للعبادِ وكَتبَهُ في السَّماء، أخبرَ اللهُ تعالى أنَّ أرزاقَ العبادِ حيث لا يأكلهُ السُّوس ولا تنالهُ اللُّصوصُ، فقال تعالى :﴿وَفِي السَّمَآءِ رِزْقُكُمْ﴾. وعن واصل الأحدب أنَّهُ قرأ هذه الآيةَ فقال :(إنِّي أرَى رزْقِي فِي السَّمَاءِ وَأنَا أطْلُبُهُ فِي الأَرْضِ، فَدَخَلَ خَرِبَةً فَمَكَثَ فِيهَا لَيَالِيَ لاَ يُصِيبُ شَيْئاً، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الرَابعِ إذْ هُوَ خُوصٍ صُرَّةٍ مِنْ دَوْخَلَّةٍ رُطَب، فَلَمْ يَزَلْ كَذلِكَ حَتَّى مَاتَ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ ؛ قال عطاءُ :(مَعْنَاهُ : وَفِي السَّمَاءِ مَا تُوعَدُونَ مِنَ الثَّوَاب وَالْعِقَاب مَكْتُوبٌ)، وقال الكلبيُّ :(وَمَا تُوعَدُونَ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ). وقال مجاهدُ :(الْجَنَّةِ وَالنَّار).

الذاريات 51:23

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَوَرَبِّ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ أقسَمَ اللهُ تعالى بنَفسهِ، والذي بَيَّنَهُ مِن أمرِ الرِّزقِ وغيرِه (لَصِدْقٌ) كان نِطقُكم الذي هو الصدقُ من كلمةِ التَّوحيدِ ونحوِها حقٌّ قرأهُ أهلُ الكوفة (مِثْلُ مَا أنَّكُم) برفعِ (مِثْلُ) على أنَّهُ صفةٌ لقوله (لَحَقٌّ). وقرأ الباقون بالنصب على التركِ على معنى إنه يَحِقُّ حَقّاً ﴿مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾، وَقِيْلَ : تقديرهُ : كَمِثْلِ ما أنَّكم تَنطِقُونَ. وقالَ بعضُ الحكماء : معنى قولهِ :﴿مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ أي كما أنَّ كلَّ إنسانٍ لا ينطقُ بلسانِ غيرهِ، كذلك لا يأكلُ إنسانٌ رزقَ غيرهِ والذي قُدِّرَ له، ولا يأكلُ إلاَّ رزقَ نفسهِ، كما لا يتكلَّمُ إلاَّ بلسانِ نفسه. قال الحسنُ :(بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ :" قَاتَلَ اللهُ أقْوَاماً أقْسَمَ لَهُمْ رَبُّهُمْ بنَفْسِهِ فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ "، وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" لَوْ أنَّ أحَدَكُمْ فَرَّ مِنْ رزْقِهِ لَتَبعُهُ كَمَا يَتْبَعُهُ الْمَوْتُ "، قال الشاعرُ : أسْعَى لأَطْلُبَهُ وَالرِّزْقُ يَطْلُبُنِي وَالرِّزْقُ أكْثَرُ لِي مِنِّي لَهُ طَلَبَا

الذاريات 51:24

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ ؛ أي قد أتاكَ يا مُحَمَّدُ أضيافُ إبراهيم عليه السلام الذي أكرَمَهم بخِدمَتهِ وقيامهِ بين أيديهم، قال ابنُ عبَّاس ومقاتل :(مَعْنَى الآيَةِ : قَدْ أتَاكَ وَلَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ آتَاكَ إيَّاهُ)، وقولهُ تعالى ﴿الْمُكْرَمِينَ﴾ يعني عندَ اللهِ. وذكرَ ابنُ عبَّاس :(أنَّ أضْيَافَ إبْرَاهِيمَ : إسْرَافِيلُ وَجِبْرَائِيلُ وَمِيكَائِيلُ). وقال مقاتلُ :(يَعْنِي بقَوْلِهِ ﴿الْمُكْرَمِينَ﴾ أيْ أكْرَمَهُمْ إبْرَاهِيمُ فَأَحْسَنَ عَلَيْهِمُ الْقَياَم، وَكَانَ لاَ يَقُومُ عَلَى رَأسِ ضَيْفٍ، فَلَمَّا رَأى هَيْئَتَهُمْ حَسَنَةً قَامَ هُوَ وَامْرَأتُهُ سَارَةُ لِخِدْمَتِهِمْ). وقال الكلبيُّ :(أكْرَمَهُمْ بالْعِجْلِ). قال ﷺ :" مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أوْ لِيَسْكُتْ ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾ ؛ وهم جِبرَائِيلُ ومعه مِن الملائكةِ، قال ابنُ عبَّاس ومقاتلُ :(كَانُوا اثْنَى عَشَرَ مَلَكاً)، وقال محمَّدُ بن كعبٍ :(كَانُوا سَبْعَةً مَا خَلاَ جِبْرَائِيلَ)، وقال عطاءُ :(كَانُوا ثَلاَثَةً : جِبْرَائِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإسْرَافِيلُ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَقَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ ؛ معناهُ : سَلَّمُوا عليه سَلاَماً. وَقِيْلَ : قالوا أسْلِمْ سَلاماً ؛ كأنَّهم آنَسوهُ من الوَجَلِ. فقال سلامٌ مِنكُم ؛ أي أمِنتُ بما جاءَني من السَّلام. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ أي إنه لم يَعرِفْهم لأنه ظنَّ أنَّهم من الإنسِ.

الذاريات 51:25

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ ؛ أي قد أتاكَ يا مُحَمَّدُ أضيافُ إبراهيم عليه السلام الذي أكرَمَهم بخِدمَتهِ وقيامهِ بين أيديهم، قال ابنُ عبَّاس ومقاتل :(مَعْنَى الآيَةِ : قَدْ أتَاكَ وَلَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ آتَاكَ إيَّاهُ)، وقولهُ تعالى ﴿الْمُكْرَمِينَ﴾ يعني عندَ اللهِ. وذكرَ ابنُ عبَّاس :(أنَّ أضْيَافَ إبْرَاهِيمَ : إسْرَافِيلُ وَجِبْرَائِيلُ وَمِيكَائِيلُ). وقال مقاتلُ :(يَعْنِي بقَوْلِهِ ﴿الْمُكْرَمِينَ﴾ أيْ أكْرَمَهُمْ إبْرَاهِيمُ فَأَحْسَنَ عَلَيْهِمُ الْقَياَم، وَكَانَ لاَ يَقُومُ عَلَى رَأسِ ضَيْفٍ، فَلَمَّا رَأى هَيْئَتَهُمْ حَسَنَةً قَامَ هُوَ وَامْرَأتُهُ سَارَةُ لِخِدْمَتِهِمْ). وقال الكلبيُّ :(أكْرَمَهُمْ بالْعِجْلِ). قال ﷺ :" مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أوْ لِيَسْكُتْ ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾ ؛ وهم جِبرَائِيلُ ومعه مِن الملائكةِ، قال ابنُ عبَّاس ومقاتلُ :(كَانُوا اثْنَى عَشَرَ مَلَكاً)، وقال محمَّدُ بن كعبٍ :(كَانُوا سَبْعَةً مَا خَلاَ جِبْرَائِيلَ)، وقال عطاءُ :(كَانُوا ثَلاَثَةً : جِبْرَائِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإسْرَافِيلُ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَقَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ ؛ معناهُ : سَلَّمُوا عليه سَلاَماً. وَقِيْلَ : قالوا أسْلِمْ سَلاماً ؛ كأنَّهم آنَسوهُ من الوَجَلِ. فقال سلامٌ مِنكُم ؛ أي أمِنتُ بما جاءَني من السَّلام. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ أي إنه لم يَعرِفْهم لأنه ظنَّ أنَّهم من الإنسِ.

الذاريات 51:26

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ؛ أي عدَلَ ومالَ إلى سارة من حيث لم يَعلَمْ أضيافهُ لأيِّ شيءٍ عدَلَ، ﴿فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ ؛ أي كَثِيرِ الشَّحمِ فَوَضَعَهُ بين أيدِيهم، قال قتادةُ :(وَكَانَ عَامَّةَ مَالِ إبْرَاهِيمَ الْبَقَرُ) ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾ ؛ ليَأكلوهُ، فلم يأكُلوا، ﴿قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ﴾ ؛ من طعامِي، ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ ؛ أي فأَضمرَ في نفسهِ خيفةً منهم حيث لم يأكلُوا من طعامهِ، ظنَّ أنَّهم يُريدون به سوءً، فلمَّا عَلِموا خوفَهُ، ﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ﴾ ؛ إنَّا رسُلُ ربكَ، ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلَيمٍ﴾ ؛ حَليمٍ في صِغَرِهِ، عليمٍ في كِبَرِهِ وهو إسحقُ عليه السلام.

الذاريات 51:27

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ؛ أي عدَلَ ومالَ إلى سارة من حيث لم يَعلَمْ أضيافهُ لأيِّ شيءٍ عدَلَ، ﴿فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ ؛ أي كَثِيرِ الشَّحمِ فَوَضَعَهُ بين أيدِيهم، قال قتادةُ :(وَكَانَ عَامَّةَ مَالِ إبْرَاهِيمَ الْبَقَرُ) ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾ ؛ ليَأكلوهُ، فلم يأكُلوا، ﴿قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ﴾ ؛ من طعامِي، ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ ؛ أي فأَضمرَ في نفسهِ خيفةً منهم حيث لم يأكلُوا من طعامهِ، ظنَّ أنَّهم يُريدون به سوءً، فلمَّا عَلِموا خوفَهُ، ﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ﴾ ؛ إنَّا رسُلُ ربكَ، ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلَيمٍ﴾ ؛ حَليمٍ في صِغَرِهِ، عليمٍ في كِبَرِهِ وهو إسحقُ عليه السلام.

الذاريات 51:28

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ؛ أي عدَلَ ومالَ إلى سارة من حيث لم يَعلَمْ أضيافهُ لأيِّ شيءٍ عدَلَ، ﴿فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ ؛ أي كَثِيرِ الشَّحمِ فَوَضَعَهُ بين أيدِيهم، قال قتادةُ :(وَكَانَ عَامَّةَ مَالِ إبْرَاهِيمَ الْبَقَرُ) ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾ ؛ ليَأكلوهُ، فلم يأكُلوا، ﴿قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ﴾ ؛ من طعامِي، ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ ؛ أي فأَضمرَ في نفسهِ خيفةً منهم حيث لم يأكلُوا من طعامهِ، ظنَّ أنَّهم يُريدون به سوءً، فلمَّا عَلِموا خوفَهُ، ﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ﴾ ؛ إنَّا رسُلُ ربكَ، ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلَيمٍ﴾ ؛ حَليمٍ في صِغَرِهِ، عليمٍ في كِبَرِهِ وهو إسحقُ عليه السلام.

الذاريات 51:29

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ ؛ أي في ضجَّةٍ وصَيحَةٍ ؛ أي أخذتْ تُوَلْوِلُ ؛ أي تقولُ : يَا وَيْلَتَا. وَقِيْلَ : الصَّرَّةُ جماعةُ النساءِ، مأخوذٌ من الصَّرَّةِ التي هي مجمَعُ الدراهمِ، ومنه الشَّاةُ الْمُصْرَاةُ، وقولهُ تعالى :﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ ؛ قال مقاتلُ والكلبي :(جَمَعَتْ أصَابعَهَا فَضَرَبَتْ جَنْبَيْهَا تَعَجُّباً). ومعنى الصَّكِّ : الضربُ للشيءِ بالشيء العريض، والصَّرةُ مأخوذٌ من الصَّرِّ وهو الصوتُ، كأنَّها جاءت بشِدَّة الصياحٍ فلطَمَتْ وجهَها وهي تقولُ : أألِدُ وأنا عجوزٌ عاقرةٌ، وكانت يومَ البُشرى بنتَ ثَمان وتسعين سَنة، وكان إبراهيمُ أكبرَ منها بسَنةٍ. ومعنى قولهِ تعالى :﴿وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ ؛ تقديرهُ : أتَلِدُ عجوزٌ عقيم، وكانت سَارَةُ لَمْ تَلِدْ قبلَ ذلك، وكان بين البشَارَةِ والولادةِ سنةٌ، فولدَت سارةُ وهي بنتُ تسعٍ وتسعين سَنة، وإبراهيمَ يومئذ ابنُ مائةِ سَنة.

الذاريات 51:30

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ﴾ ؛ أي كما قُلنا لكِ إنَّكِ ستَلِدِينَ غُلاماً عليماً، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ ؛ الحكيمُ من العَقيمِ بالولد وغيرِ العقيم، العليمُ بمصالحِ العباد. والعقيمُ في النِّساء هي التي لا تأتِي بالولدِ، وفي الرِّياح هي التي لا تأتِى بالمطرِ، ولا يكون فيها الخيرُ.

الذاريات 51:31

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ ؛ أي قالَ إبراهيمُ : ما شَأنُكم وفيما أُرسِلتُم، ﴿قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ﴾ ؛ كافرِين لنُهلِكَهم بكُفرِهم وعمَلِهم الخبيثِ، أرادُوا بذلك قومَ لوطٍ.

الذاريات 51:32

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ ؛ أي قالَ إبراهيمُ : ما شَأنُكم وفيما أُرسِلتُم، ﴿قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ﴾ ؛ كافرِين لنُهلِكَهم بكُفرِهم وعمَلِهم الخبيثِ، أرادُوا بذلك قومَ لوطٍ.

الذاريات 51:33

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ﴾ ؛ أرادَ به الحجارةَ المطبوخةَ كالآجُرِّ، ﴿مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ ؛ والْمُسَوَّمَةِ الْمُعَلَّمَةِ. رُوي : أنَّها كانت مُخَطَّطَةً بسَوَادٍ في حُمرَةٍ، وكان على كلِّ حجرٍ اسمُ مَن جُعِلَ إهلاكهُ. والْمُسْرِفُ هو الخارجُ من الحقِّ، والشِّركُ أسْرَفُ الذنوب وأعظَمُها.

الذاريات 51:34

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ﴾ ؛ أرادَ به الحجارةَ المطبوخةَ كالآجُرِّ، ﴿مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ ؛ والْمُسَوَّمَةِ الْمُعَلَّمَةِ. رُوي : أنَّها كانت مُخَطَّطَةً بسَوَادٍ في حُمرَةٍ، وكان على كلِّ حجرٍ اسمُ مَن جُعِلَ إهلاكهُ. والْمُسْرِفُ هو الخارجُ من الحقِّ، والشِّركُ أسْرَفُ الذنوب وأعظَمُها.

الذاريات 51:35

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أرادَ به لُوطاً ومَن كان معه آمَن وهُما ابنتاهُ، وهما زَعُورَا و ريثَا، أمرَهم اللهُ تعالى بأنْ يخرجُوا بقِطَعٍ من الليلِ، ومعنى قولهِ تعالى ﴿مَن كَانَ فِيهَا﴾ أي في قرية لوطٍ، وذلك قولهُ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾[هود: ٨١] أمرَ اللهُ لوطاً بأنْ يخرُجَ هو ومَن معه مِن المؤمنين لئَلاَّ يُصيبَهم العذابُ.

الذاريات 51:36

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ؛ أي غيرَ أهلِ بيتٍ مِن المسلمين، يعني لُوطاً وبنتَيهِ، وصَفَهم اللهُ بالإيمانِ والإسلام جميعاً ؛ لأنه مَا مِن مؤمنٍ إلاّ وهو مسلمٌ، والمرادُ بالإسلامِ هَهُنا الإيمانُ.

الذاريات 51:37

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَرَكْنَا فِيهَآ آيَةً﴾ ؛ أي وتَركنا في مدينةِ قومِ لوطٍ عليه السلام علامةً، ﴿لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ ؛ تدُلُّهم على أنَّ اللهَ أهلكَهم فيخَافُون مثلَ عذابهم، فإن اقتلاعَ البُلدان لا يقدرُ عليه أحدٌ إلاَّ اللهُ.

الذاريات 51:38

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ أي وفِي خبرِ موسى عليه السلام وقضِيَّتهِ مع فرعون آيَةٌ أيضاً، وقولهُ تعالى ﴿بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي بحُجَّةٍ ظاهرةٍ وهي العصَا واليد.

الذاريات 51:39

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ ؛ أي أعرضَ فرعونُ عن الإيمان به بجَمعهِ وجُندهِ الذين يتَقَوَّى كالرُّكن الذي يتقوَّى به البنيان، ﴿وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ ؛ ونَسَبَ موسى إلى السِّحر والجنون مع ظُهور حُجَّتهِ عليه.

الذاريات 51:40

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ ؛ أي فعاقَبناهُ وجُموعَهُ فطَرحَناهُم في البحرِ وأغرقناهم، ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ ؛ أي وهو مُستَوَجِبٌ الْمَلاَمَةَ ؛ لأنه أتَى بما يُلامُ عليه حين أدَّعَى الرُّبوبيَّةَ وكذبَ الرُّسلَ.

الذاريات 51:41

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ ؛ أي وفي خَبرِ قومِ هودٍ آيةٌ أيضاً، حين أرسَلنا عليه الدُّبُورَ والعقيمَ التي لا خيرَ لَهم فيها ولا بركةَ ولا تلقَحُ شَجراً ولا تحمِلُ مَطراً، إنما هي ريحُ الهلاكِ، وكانت تلك الريحُ التي أُهلِكَتْ بها عادٌ ريحَ الدُّبُور، قال ﷺ :" نُصِرْتُ بالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بالدُّبُور ".

الذاريات 51:42

وقولهُ تعالى :﴿مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ ؛ معناهُ : ما تتركُ من شيءٍ مرَّت عليه مِن أنفُسِهم وأنعامِهم إلاَّ جعلتْهُ كالْحَطِيمِ البَالِي الْمُنْسَحِقِ. ويقالُ : الرَّمِيمُ : هو الورقُ اليَابسُ المتحَطِّم مثل الْهَشِيمِ الذي يَسِيرُ كالْهَبَاءِ بأَيسَرِ ما تجرِي عليه. قال قتادة :(مَعْنَاهُ : إلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ الشَّجَرِ)، وقال أبو العاليةِ :(كَالتُّرَاب الْمُدَقَّقِ)، وقال ابنُ عبَّاس :(كَالشَّيْءِ الْهَالِكِ)، وفي الحديثِ :" أنَّ تِلْكَ الرِّيحَ كَانَتْ تَتْبَعُ مُسَافِرِيهِمْ وَمَا شُدَّ مِنْ مَتَاعِهِمْ فَتَحْمِلُهُ فَتُلْقِيَهُ فِي وَادِي صَنْعَاءَ، وَلَمْ تَضُرَّ غَرِيباً لَيْسَ مِنْهُمْ ".

الذاريات 51:43

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حَتَّى حِينٍ﴾ ؛ أي في خبرِ ثَمود وإهلاكِهم آيةٌ أيضاً، إذ قِيْلَ لَهم تَمَتَّعُوا إنْ أطَعتُم اللهَ إلى آجالِكم، ﴿فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ ؛ فأعرَضُوا عن قَبولِ أمرِ الله، فأخذهم العذابُ الْمُحْرِقُ وهم ينظُرون إلى أنفُسِهم وإلى قومهِم يحترِقُون في العذاب. وَقِيْلَ : معناهُ : لما عَقَرُوا الناقةَ قالَ لهم صالِحُ : تَمتَّعُوا ثلاثةَ أيامٍ، وهو قولهُ ﴿حَتَّى حِينٍ﴾، والتَّمَتُّعُ : التَّلَذُّذُ بأسباب اللَّذة من المناظرِ والروائح الطيِّبة وأشباهِ ذلك. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ ؛ يعني بعدَ مُضِيِّ ثلاثةِ أيَّام. والصَّاعِقَةُ : كلُّ عذابٍ مُهلِكٍ، وقرأ الكسائيُّ (الصَّعْقَةُ) وهي الصوتُ الشَّديد، ﴿وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ ؛ ذلك عَيَاناً، ﴿فَمَا اسْتَطَاعُواْ مِن قِيَامٍ﴾ ؛ ما قَدَروا على النُّهوض من مقامِهم حين غَشِيَهم العذابُ فيَرُدُّوهُ، ﴿وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ﴾ ؛ أي مَا كانت لهم قوَّةٌ يَمتَنِعُونَ بها مِنَّا، ولا كانوا طَالِبين نَاصراً لهم يمنعُهم من عذاب الله.

الذاريات 51:44

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حَتَّى حِينٍ﴾ ؛ أي في خبرِ ثَمود وإهلاكِهم آيةٌ أيضاً، إذ قِيْلَ لَهم تَمَتَّعُوا إنْ أطَعتُم اللهَ إلى آجالِكم، ﴿فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ ؛ فأعرَضُوا عن قَبولِ أمرِ الله، فأخذهم العذابُ الْمُحْرِقُ وهم ينظُرون إلى أنفُسِهم وإلى قومهِم يحترِقُون في العذاب. وَقِيْلَ : معناهُ : لما عَقَرُوا الناقةَ قالَ لهم صالِحُ : تَمتَّعُوا ثلاثةَ أيامٍ، وهو قولهُ ﴿حَتَّى حِينٍ﴾، والتَّمَتُّعُ : التَّلَذُّذُ بأسباب اللَّذة من المناظرِ والروائح الطيِّبة وأشباهِ ذلك. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ ؛ يعني بعدَ مُضِيِّ ثلاثةِ أيَّام. والصَّاعِقَةُ : كلُّ عذابٍ مُهلِكٍ، وقرأ الكسائيُّ (الصَّعْقَةُ) وهي الصوتُ الشَّديد، ﴿وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ ؛ ذلك عَيَاناً، ﴿فَمَا اسْتَطَاعُواْ مِن قِيَامٍ﴾ ؛ ما قَدَروا على النُّهوض من مقامِهم حين غَشِيَهم العذابُ فيَرُدُّوهُ، ﴿وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ﴾ ؛ أي مَا كانت لهم قوَّةٌ يَمتَنِعُونَ بها مِنَّا، ولا كانوا طَالِبين نَاصراً لهم يمنعُهم من عذاب الله.

الذاريات 51:45

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حَتَّى حِينٍ﴾ ؛ أي في خبرِ ثَمود وإهلاكِهم آيةٌ أيضاً، إذ قِيْلَ لَهم تَمَتَّعُوا إنْ أطَعتُم اللهَ إلى آجالِكم، ﴿فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ ؛ فأعرَضُوا عن قَبولِ أمرِ الله، فأخذهم العذابُ الْمُحْرِقُ وهم ينظُرون إلى أنفُسِهم وإلى قومهِم يحترِقُون في العذاب. وَقِيْلَ : معناهُ : لما عَقَرُوا الناقةَ قالَ لهم صالِحُ : تَمتَّعُوا ثلاثةَ أيامٍ، وهو قولهُ ﴿حَتَّى حِينٍ﴾، والتَّمَتُّعُ : التَّلَذُّذُ بأسباب اللَّذة من المناظرِ والروائح الطيِّبة وأشباهِ ذلك. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ ؛ يعني بعدَ مُضِيِّ ثلاثةِ أيَّام. والصَّاعِقَةُ : كلُّ عذابٍ مُهلِكٍ، وقرأ الكسائيُّ (الصَّعْقَةُ) وهي الصوتُ الشَّديد، ﴿وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ ؛ ذلك عَيَاناً، ﴿فَمَا اسْتَطَاعُواْ مِن قِيَامٍ﴾ ؛ ما قَدَروا على النُّهوض من مقامِهم حين غَشِيَهم العذابُ فيَرُدُّوهُ، ﴿وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ﴾ ؛ أي مَا كانت لهم قوَّةٌ يَمتَنِعُونَ بها مِنَّا، ولا كانوا طَالِبين نَاصراً لهم يمنعُهم من عذاب الله.

الذاريات 51:46

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ﴾ ؛ فيه قراءَتان، قرأ أبو عمرٍو وحمزةُ والكسائي وخلَف (وَقَوْمِ) بالخفضِ ؛ أي وفِي قومِ نوحٍ وهلاكهم بالطُّوفان آيةٌ أيضاً، وقرأ الباقون بالنَّصب على معنى : وأهلَكنا قومَ نوحٍ من قبلِ عادٍ وثمود. وَقِيْلَ : نُصب على تقديرِ : وَاذكُرْ قومَ نوحٍ من قبلِ عادٍ وثمود وقومِ فرعون، ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ ؛ أي خارجين من طاعةِ الله. وَقِيْلَ : انتصبَ قولهُ ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ على قراءةِ النصب عَطفاً على الهاءِ والميم في قوله﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾[الذاريات: ٤٠] كأنه قالَ وأغرَقنا فرعونَ وجنودَهُ، وأغرَقنا قومَ نوحٍ من قبلُ.

الذاريات 51:47

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ﴾ ؛ أي بقُدرَةٍ وقوَّة، ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ ؛ في السَّماء على الأرضِ في كلِّ جهاتٍ، ونحن نقدرُ على أكثرَ من ذلك، ولم يكن هذا جهدُ قوَّتنا، وقال الحسنُ :(وَإنَّا لَمُوسِعُونَ الرِّزْقَ عَلَى مَنْ فَوْقَهَا وَمَنْ تَحْتَهَا).

الذاريات 51:48

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾ ؛ أي بسَطنَاها على الماءِ، ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ ؛ الفارشُون، والْمَاهِدُ في اللغة : هو الْمُوَظِّبُ للشَّيءِ الْمُهَيِّءُ لِمَا يصلحُ الاستقرارُ عليه.

الذاريات 51:49

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ ؛ أي ومِن كلِّ شيءٍ خَلقنا مِن الحيوان ذكراً أو أُنثى، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ؛ وَقِيْلَ : المرادُ بالزَّوجين صِنفَين ولَونَين من حلوٍ وحامض وأبيض لكي يعتَبروا ويتَّعظوا بذلك، ويعلموا أنه ليس مع اللهِ تعالى إلهٌ غيره.

الذاريات 51:50

قولهُ تعالى :﴿فَفِرُّواْ إِلَى اللَّهِ﴾ ؛ أي اهرُبوا من عقابهِ إلى رَحمتهِ بالإخلاصِ في طاعته وتركِ ما يشغَلُكم عن أوامرهِ. وَقِيْلَ : معناهُ : فَفِرُّوا إلى الله مِن ذُنوبكم واهرُبوا من الكفرِ إلى الإسلامِ، ومِن العصيان إلى الطاعةِ، ﴿إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ أُنذرُِكم العقابَ على الكفرِ والمعصيةِ وأُخَوِّفُكم عذابَ الله بلُغَةٍ تَعرِفُونَها متى تركتم الفرار إلى الله من الله، ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ اللَّهِ إِلَـاهاً آخَرَ﴾ ؛ أي تَصِفُوهُ بالشَّريك والولدِ، ﴿إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ رسولٌ أُخَوِّفُكم لِتَمتنِعُوا أنْ تجعَلُوا مع اللهِ إلهاً آخرَ غيرهُ.

الذاريات 51:51

قولهُ تعالى :﴿فَفِرُّواْ إِلَى اللَّهِ﴾ ؛ أي اهرُبوا من عقابهِ إلى رَحمتهِ بالإخلاصِ في طاعته وتركِ ما يشغَلُكم عن أوامرهِ. وَقِيْلَ : معناهُ : فَفِرُّوا إلى الله مِن ذُنوبكم واهرُبوا من الكفرِ إلى الإسلامِ، ومِن العصيان إلى الطاعةِ، ﴿إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ أُنذرُِكم العقابَ على الكفرِ والمعصيةِ وأُخَوِّفُكم عذابَ الله بلُغَةٍ تَعرِفُونَها متى تركتم الفرار إلى الله من الله، ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ اللَّهِ إِلَـاهاً آخَرَ﴾ ؛ أي تَصِفُوهُ بالشَّريك والولدِ، ﴿إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ رسولٌ أُخَوِّفُكم لِتَمتنِعُوا أنْ تجعَلُوا مع اللهِ إلهاً آخرَ غيرهُ.

الذاريات 51:52

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذَلِكَ مَآ أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ ؛ أي كمَا نَسَبَكَ قومُكَ إلى السِّحر مرَّةً والجنونِ أُخرى، هكذا ما أتَى الذين من قبلِ قَومِكَ من رسولٍ دعَاهُم إلى اللهِ إلاَّ قالوا لذلك الرسُولِ : هو ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾.

الذاريات 51:53

يقولُ اللهُ تعالى :﴿أَتَوَاصَوْاْ بِهِ﴾ ؛ معناهُ أتَواصَوا بهذا القولِ فتوافَقُوا عليهِ وأوصَى كلُّ قوم مَن بعدَهم أنْ يقولوا مثلَ هذا لرسُولهم، هذا اللفظُ لفظُ الاستفهامِ، ومعناهُ : التوبيخُ والإنكار. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ ؛ يعني أهلَ مكَّة قومٌ طاغُونَ.

الذاريات 51:54

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ﴾ ؛ أي أعرِضْ يا مُحَمَّدُ عن هؤلاءِ المشرِكين، فما أنتَ عندنا بمَلُومٍ، فأنَّكَ قد بلَّغتَ وأنذرتَ، ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أي وعِظْ أهلَ مكَّة بالقرآنِ، فإن العِظَةَ بالقرآن تنفعُ المؤمنين وتَزيدُهم صَلاحاً، يعني تنفعُ مَن عَلِمَ اللهُ أنْ يُؤمِنَ منهم. وقال الكلبيُّ :(مَعْنَاهُ : عِظْ بالْقُرْآنِ مَنْ آمَنَ مِنْ قَوْمِكَ، فَإنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ).

الذاريات 51:55

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ﴾ ؛ أي أعرِضْ يا مُحَمَّدُ عن هؤلاءِ المشرِكين، فما أنتَ عندنا بمَلُومٍ، فأنَّكَ قد بلَّغتَ وأنذرتَ، ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أي وعِظْ أهلَ مكَّة بالقرآنِ، فإن العِظَةَ بالقرآن تنفعُ المؤمنين وتَزيدُهم صَلاحاً، يعني تنفعُ مَن عَلِمَ اللهُ أنْ يُؤمِنَ منهم. وقال الكلبيُّ :(مَعْنَاهُ : عِظْ بالْقُرْآنِ مَنْ آمَنَ مِنْ قَوْمِكَ، فَإنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ).

الذاريات 51:56

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ؛ يعني : ما خَلقتُهم لجرِّ منفعةٍ ولا لدفعِ مضَرَّة ولا الاستكثار بهم من قلَّة، وما خلَقتُهم إلاَّ لآمُرَهم بعبادَتِي وأنْهَاهُمْ عن مَعصِيَتي، ولو أنَّهم خُلِقُوا لعبادةِ ربهم لَمَا عَصَوا ربَّهم طرفةَ عينٍ. وقال ابنُ عبَّاس :(هَذِهِ الآيَةُ خَاصَّةٌ لأَهْلِ طَاعَةِ اللهِ لأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ :﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ﴾[الاعراف: ١٧٩]). وقرأ ابنُ عبَّاس :(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ)، وقال عليُّ بن أبي طالبٍ :(مَعْنَى الآيَةِ : مَا خَلَقْتُهُمْ إلاَّ لآمُرَهُمْ لِيَعْبُدُونِي وَأدْعُوَهُمْ إلَى عِبَادَتِي).

الذاريات 51:57

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾ ؛ أي لم يكلِّفهُم أن يرزُقوا أنفُسَهم، ولا أحَداً من خلقِي، ولم أكلِّفهُم أن يَرزقُونِي، ولا يُعِينُونِي على عطاءِ الرزقِ لعبادِي. والمعنى : ما أريدُ منهم أن يَرزُقوا أحَداً من خلقِي، ولا أنْ يرزُقوا أنفُسَهم، وما أريدُ أن يُطعِمُوا أحداً من خَلقِي، ولا أنْ يُطعِمُوا أنفسهم، وإنما أسندَ الإطعامَ إلى نفسهِ ؛ لأن الخلقَ عيالُ اللهِ، فمَن أطعمَ عيالَ أحدٍ فقد أطعمَهُ.

الذاريات 51:58

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ؛ معناهُ : إنَّ اللهَ هو الرزَّاقُ جميعَ خَلقهِ، ذو القوَّة والاقتدار على جميعِ ما خلقَ، ﴿الْمَتِينُ﴾ يعني القوِيُّ. قرأ العامَّة (الْمَتِينُ) بالرفعِ (ذُو) أو هو اللهُ سبحانه، وقرأ الأعمشُ (الْمَتِينِ) بالخفضِ على نعتِ القوَّة، وكان مِن حقِّه أن يقولَ : الْمَتِينَةِ، وإنما ذكرَهُ لأنه ذهبَ به إلى الشيء الْمُبْرَمِ الْمُحْكَمِ.

الذاريات 51:59

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ﴾ أخبرَ اللهُ تعالى بهذا أن لِمُشرِكي مكَّة من العذاب مثلَ ما لغيرِهم من الأُمم الكافرةِ. والمعنى : فإنَّ للذين كفَرُوا نَصيباً من العذاب مثلَ نصيب أصحابهم الذين هلَكُوا نحوُ قومِ نوحٍ وعاد وثمود. وأصلُ الذنوب الدَّلْوُ المملوءَـةُ بالماءِ، قال ابنُ قتيبة :(كَانُوا يَسْقُونَ فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ ذنُوبٌ)، فجعل الذنوبَ مكان الحظِّ والنصيب، قال الشاعرُ : لَنَا ذنُوبٌ وَلَكُمْ ذنُوبُ فَإنْ أبَيْتُمْ فَلَنَا الْقَلِيبُوقال آخرُ : لَعَمْرُكَ وَالْمَنَايَا طَارقَاتٌ لِكُلِّ بَنِي أبٍ مِنْهَا ذنُوبُوقولهُ تعالى :﴿فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ﴾ أي لا يستَعجِلُونِي بالعذاب، فإنِّي قد أخَّرتُهم إلى يومِ القيامة، يدلُّ عليه قَوْلُهُ تَعََالَى :﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ؛ يعني يومَ القيامةِ.

الذاريات 51:60

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ﴾ أخبرَ اللهُ تعالى بهذا أن لِمُشرِكي مكَّة من العذاب مثلَ ما لغيرِهم من الأُمم الكافرةِ. والمعنى : فإنَّ للذين كفَرُوا نَصيباً من العذاب مثلَ نصيب أصحابهم الذين هلَكُوا نحوُ قومِ نوحٍ وعاد وثمود. وأصلُ الذنوب الدَّلْوُ المملوءَـةُ بالماءِ، قال ابنُ قتيبة :(كَانُوا يَسْقُونَ فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ ذنُوبٌ)، فجعل الذنوبَ مكان الحظِّ والنصيب، قال الشاعرُ : لَنَا ذنُوبٌ وَلَكُمْ ذنُوبُ فَإنْ أبَيْتُمْ فَلَنَا الْقَلِيبُوقال آخرُ : لَعَمْرُكَ وَالْمَنَايَا طَارقَاتٌ لِكُلِّ بَنِي أبٍ مِنْهَا ذنُوبُوقولهُ تعالى :﴿فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ﴾ أي لا يستَعجِلُونِي بالعذاب، فإنِّي قد أخَّرتُهم إلى يومِ القيامة، يدلُّ عليه قَوْلُهُ تَعََالَى :﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ؛ يعني يومَ القيامةِ.