لطائف الإشارات — آل عمران 3:1 – النساء 4:176
المحتويات
- آل عمران 3:1
- آل عمران 3:2
- آل عمران 3:3
- آل عمران 3:4
- آل عمران 3:5
- آل عمران 3:6
- آل عمران 3:7
- آل عمران 3:8
- آل عمران 3:9
- آل عمران 3:10
- آل عمران 3:11
- آل عمران 3:12
- آل عمران 3:13
- آل عمران 3:14
- آل عمران 3:15
- آل عمران 3:16
- آل عمران 3:17
- آل عمران 3:18
- آل عمران 3:19
- آل عمران 3:20
- آل عمران 3:21
- آل عمران 3:22
- آل عمران 3:23
- آل عمران 3:24
- آل عمران 3:25
- آل عمران 3:26
- آل عمران 3:27
- آل عمران 3:28
- آل عمران 3:29
- آل عمران 3:30
- آل عمران 3:31
- آل عمران 3:32
- آل عمران 3:33
- آل عمران 3:34
- آل عمران 3:35
- آل عمران 3:36
- آل عمران 3:37
- آل عمران 3:38
- آل عمران 3:39
- آل عمران 3:40
- آل عمران 3:41
- آل عمران 3:42
- آل عمران 3:43
- آل عمران 3:44
- آل عمران 3:45
- آل عمران 3:46
- آل عمران 3:47
- آل عمران 3:48
- آل عمران 3:49
- آل عمران 3:52
- آل عمران 3:53
- آل عمران 3:54
- آل عمران 3:55
- آل عمران 3:58
- آل عمران 3:59
- آل عمران 3:60
- آل عمران 3:61
- آل عمران 3:62
- آل عمران 3:63
- آل عمران 3:64
- آل عمران 3:65
- آل عمران 3:66
- آل عمران 3:67
- آل عمران 3:68
- آل عمران 3:69
- آل عمران 3:70
- آل عمران 3:71
- آل عمران 3:72
- آل عمران 3:73
- آل عمران 3:74
- آل عمران 3:75
- آل عمران 3:77
- آل عمران 3:78
- آل عمران 3:79
- آل عمران 3:80
- آل عمران 3:81
- آل عمران 3:82
- آل عمران 3:83
- آل عمران 3:84
- آل عمران 3:85
- آل عمران 3:86
- آل عمران 3:87
- آل عمران 3:88
- آل عمران 3:89
- آل عمران 3:90
- آل عمران 3:91
- آل عمران 3:92
- آل عمران 3:93
- آل عمران 3:94
- آل عمران 3:95
- آل عمران 3:96
- آل عمران 3:97
- آل عمران 3:98
- آل عمران 3:99
- آل عمران 3:100
- آل عمران 3:101
- آل عمران 3:102
- آل عمران 3:103
- آل عمران 3:104
- آل عمران 3:105
- آل عمران 3:106
- آل عمران 3:107
- آل عمران 3:108
- آل عمران 3:109
- آل عمران 3:110
- آل عمران 3:111
- آل عمران 3:112
- آل عمران 3:113
- آل عمران 3:114
- آل عمران 3:115
- آل عمران 3:116
- آل عمران 3:117
- آل عمران 3:118
- آل عمران 3:119
- آل عمران 3:120
- آل عمران 3:121
- آل عمران 3:122
- آل عمران 3:123
- آل عمران 3:124
- آل عمران 3:125
- آل عمران 3:126
- آل عمران 3:127
- آل عمران 3:128
- آل عمران 3:129
- آل عمران 3:130
- آل عمران 3:131
- آل عمران 3:132
- آل عمران 3:133
- آل عمران 3:134
- آل عمران 3:135
- آل عمران 3:136
- آل عمران 3:137
- آل عمران 3:138
- آل عمران 3:139
- آل عمران 3:140
- آل عمران 3:141
- آل عمران 3:142
- آل عمران 3:143
- آل عمران 3:144
- آل عمران 3:145
- آل عمران 3:146
- آل عمران 3:147
- آل عمران 3:148
- آل عمران 3:149
- آل عمران 3:150
- آل عمران 3:151
- آل عمران 3:152
- آل عمران 3:153
- آل عمران 3:154
- آل عمران 3:155
- آل عمران 3:156
- آل عمران 3:157
- آل عمران 3:158
- آل عمران 3:159
- آل عمران 3:160
- آل عمران 3:161
- آل عمران 3:162
- آل عمران 3:163
- آل عمران 3:164
- آل عمران 3:165
- آل عمران 3:166
- آل عمران 3:167
- آل عمران 3:168
- آل عمران 3:169
- آل عمران 3:170
- آل عمران 3:171
- آل عمران 3:172
- آل عمران 3:173
- آل عمران 3:174
- آل عمران 3:175
- آل عمران 3:176
- آل عمران 3:177
- آل عمران 3:178
- آل عمران 3:179
- آل عمران 3:180
- آل عمران 3:181
- آل عمران 3:182
- آل عمران 3:183
- آل عمران 3:184
- آل عمران 3:185
- آل عمران 3:186
- آل عمران 3:187
- آل عمران 3:188
- آل عمران 3:189
- آل عمران 3:190
- آل عمران 3:191
- آل عمران 3:192
- آل عمران 3:193
- آل عمران 3:194
- آل عمران 3:195
- آل عمران 3:196
- آل عمران 3:197
- آل عمران 3:198
- آل عمران 3:199
- آل عمران 3:200
- النساء 4:1
- النساء 4:2
- النساء 4:3
- النساء 4:4
- النساء 4:5
- النساء 4:6
- النساء 4:7
- النساء 4:8
- النساء 4:9
- النساء 4:10
- النساء 4:11
- النساء 4:12
- النساء 4:13
- النساء 4:14
- النساء 4:15
- النساء 4:16
- النساء 4:17
- النساء 4:18
- النساء 4:19
- النساء 4:20
- النساء 4:21
- النساء 4:22
- النساء 4:23
- النساء 4:24
- النساء 4:25
- النساء 4:26
- النساء 4:27
- النساء 4:28
- النساء 4:29
- النساء 4:30
- النساء 4:31
- النساء 4:32
- النساء 4:33
- النساء 4:34
- النساء 4:35
- النساء 4:36
- النساء 4:37
- النساء 4:38
- النساء 4:39
- النساء 4:40
- النساء 4:41
- النساء 4:42
- النساء 4:43
- النساء 4:44
- النساء 4:45
- النساء 4:46
- النساء 4:47
- النساء 4:48
- النساء 4:49
- النساء 4:50
- النساء 4:51
- النساء 4:52
- النساء 4:53
- النساء 4:54
- النساء 4:55
- النساء 4:56
- النساء 4:57
- النساء 4:58
- النساء 4:59
- النساء 4:60
- النساء 4:61
- النساء 4:62
- النساء 4:63
- النساء 4:64
- النساء 4:65
- النساء 4:66
- النساء 4:67
- النساء 4:68
- النساء 4:69
- النساء 4:70
- النساء 4:71
- النساء 4:72
- النساء 4:73
- النساء 4:74
- النساء 4:75
- النساء 4:76
- النساء 4:77
- النساء 4:78
- النساء 4:79
- النساء 4:80
- النساء 4:81
- النساء 4:82
- النساء 4:83
- النساء 4:84
- النساء 4:85
- النساء 4:86
- النساء 4:87
- النساء 4:88
- النساء 4:89
- النساء 4:90
- النساء 4:91
- النساء 4:92
- النساء 4:93
- النساء 4:94
- النساء 4:95
- النساء 4:96
- النساء 4:97
- النساء 4:98
- النساء 4:99
- النساء 4:100
- النساء 4:101
- النساء 4:102
- النساء 4:103
- النساء 4:104
- النساء 4:105
- النساء 4:106
- النساء 4:107
- النساء 4:108
- النساء 4:109
- النساء 4:110
- النساء 4:111
- النساء 4:112
- النساء 4:113
- النساء 4:114
- النساء 4:115
- النساء 4:116
- النساء 4:117
- النساء 4:118
- النساء 4:119
- النساء 4:120
- النساء 4:121
- النساء 4:122
- النساء 4:123
- النساء 4:124
- النساء 4:125
- النساء 4:126
- النساء 4:127
- النساء 4:128
- النساء 4:129
- النساء 4:130
- النساء 4:131
- النساء 4:132
- النساء 4:133
- النساء 4:134
- النساء 4:135
- النساء 4:136
- النساء 4:137
- النساء 4:138
- النساء 4:139
- النساء 4:140
- النساء 4:141
- النساء 4:142
- النساء 4:143
- النساء 4:144
- النساء 4:145
- النساء 4:146
- النساء 4:147
- النساء 4:148
- النساء 4:149
- النساء 4:150
- النساء 4:151
- النساء 4:152
- النساء 4:153
- النساء 4:154
- النساء 4:155
- النساء 4:156
- النساء 4:157
- النساء 4:158
- النساء 4:159
- النساء 4:160
- النساء 4:161
- النساء 4:162
- النساء 4:163
- النساء 4:164
- النساء 4:165
- النساء 4:166
- النساء 4:167
- النساء 4:168
- النساء 4:169
- النساء 4:170
- النساء 4:171
- النساء 4:172
- النساء 4:173
- النساء 4:174
- النساء 4:175
- النساء 4:176
آل عمران 3:1
قوله جلّ ذكره: { الۤمۤ ٱللَّهُ }.
أشار بقوله ألف إلى قيامه بكفايتك على عموم أحوالك، فأنت في أسر الغفلة لا تهتدي إلى صلاحك ورشدك، وهو مجرٍ ما يجبرك، وكافٍ بما ينصرك، فبغير سؤالك - بل بغير علمك بحالك - يكفيك من حيث لا تشعر، ويعطيك من غير أن تطلب.
والإشارة من اللام إلى لطفه بك في خفيِّ السرِّ حتى أنه لا يظهر عليك محل المنة فيما يثبتك فيه. والإشارة من الميم لموافقة جريان التقدير بمتعلقات الطِّلْبَةِ من الأولياء، فلا يتحرك في العالم شيء، ولا تظهر ذرة إلا وهو بمحل الرضا منهم حتى أن قائلاً لو قال في قوله:{ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } [الرحمن: 29] إن ذلك الشأن تحقيق مراد الأولياء - لم يكن ذلك ببعيد.
ويقال تفرَّق عن القلوب - باستماع هذه الحروف المقطعة التي هي خلاف عادة الناس في التخاطب - كلُّ معلومٍ ومرسوم، ومعتاد وموهوم، من ضرورة أو حِسٍّ أو اجتهاد، حتى إذا خلت القلوب عن الموهومات والمعلومات، وصفَّى الأسرار عن المعتادات والمعهودات يَرِدُ هذا الاسم وهو قوله: " الله " على قلب مقدَّسٍ من كل غَيْرٍ، وسِرٍّ مصفىً عن كل كيف؛ فقال: { الۤمۤ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ }.
فهو الذي لا يلهو فيشتغل عنك، ولا يسهو فتبقى عنه، فهو على عموم أحوالك رقيبُ سِرِّك؛ إنْ خلوتَ فهو رقيبك، وإن توسطت الخَلْقَ فهو رقيبك، وفي الجملة - كيفما دارت بك الأحوال - فهو حبيبك.
آل عمران 3:2
قوله جلّ ذكره: { الۤمۤ ٱللَّهُ }.
أشار بقوله ألف إلى قيامه بكفايتك على عموم أحوالك، فأنت في أسر الغفلة لا تهتدي إلى صلاحك ورشدك، وهو مجرٍ ما يجبرك، وكافٍ بما ينصرك، فبغير سؤالك - بل بغير علمك بحالك - يكفيك من حيث لا تشعر، ويعطيك من غير أن تطلب.
والإشارة من اللام إلى لطفه بك في خفيِّ السرِّ حتى أنه لا يظهر عليك محل المنة فيما يثبتك فيه. والإشارة من الميم لموافقة جريان التقدير بمتعلقات الطِّلْبَةِ من الأولياء، فلا يتحرك في العالم شيء، ولا تظهر ذرة إلا وهو بمحل الرضا منهم حتى أن قائلاً لو قال في قوله:{ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } [الرحمن: 29] إن ذلك الشأن تحقيق مراد الأولياء - لم يكن ذلك ببعيد.
ويقال تفرَّق عن القلوب - باستماع هذه الحروف المقطعة التي هي خلاف عادة الناس في التخاطب - كلُّ معلومٍ ومرسوم، ومعتاد وموهوم، من ضرورة أو حِسٍّ أو اجتهاد، حتى إذا خلت القلوب عن الموهومات والمعلومات، وصفَّى الأسرار عن المعتادات والمعهودات يَرِدُ هذا الاسم وهو قوله: " الله " على قلب مقدَّسٍ من كل غَيْرٍ، وسِرٍّ مصفىً عن كل كيف؛ فقال: { الۤمۤ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ }.
فهو الذي لا يلهو فيشتغل عنك، ولا يسهو فتبقى عنه، فهو على عموم أحوالك رقيبُ سِرِّك؛ إنْ خلوتَ فهو رقيبك، وإن توسطت الخَلْقَ فهو رقيبك، وفي الجملة - كيفما دارت بك الأحوال - فهو حبيبك.
آل عمران 3:3
قوله جلّ ذكره: { نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ }.
وما كنتَ يا محمد تدري ما الكتاب، ولا قصة الأحباب، ولكنما صادفك اختيار أزليّ فألقاك في أمرٍ عجيبٍ شأنُه، جَلِيٌّ برهانُه، عزيزٍ محلُّه ومكانُه.
{ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ }.
أي محققاً لموعوده لك في الكتاب على ألسنة الرسل عليهم السلام.
{ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ }.
أي إنا وإن أنزلنا قبلك كُتُبَنَا على المرسلين فما أخْلَيْنَا كتاباً من ذِكْرِكْ، قال قائلهم:وعندي لأحبابنا الغائبين صحائفُ ذِكرُك عنوانُها
وكما أتممنا بك أنوار الأنبياء زيَّنا بذكرك جميع ما أنزلنا من الأذكار.
قوله جلّ ذكره: { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ }.
وهو ذُلُّ الحجاب، ولكنهم لا يشعرون.
{ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ } على أوليائه { ذُو ٱنْتِقَامٍ } من أعدائه، عزيز يطلبه كل أحد، ولكن لا يجده - كثيراً - أحد.
آل عمران 3:4
قوله جلّ ذكره: { نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ }.
وما كنتَ يا محمد تدري ما الكتاب، ولا قصة الأحباب، ولكنما صادفك اختيار أزليّ فألقاك في أمرٍ عجيبٍ شأنُه، جَلِيٌّ برهانُه، عزيزٍ محلُّه ومكانُه.
{ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ }.
أي محققاً لموعوده لك في الكتاب على ألسنة الرسل عليهم السلام.
{ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ }.
أي إنا وإن أنزلنا قبلك كُتُبَنَا على المرسلين فما أخْلَيْنَا كتاباً من ذِكْرِكْ، قال قائلهم:وعندي لأحبابنا الغائبين صحائفُ ذِكرُك عنوانُها
وكما أتممنا بك أنوار الأنبياء زيَّنا بذكرك جميع ما أنزلنا من الأذكار.
قوله جلّ ذكره: { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ }.
وهو ذُلُّ الحجاب، ولكنهم لا يشعرون.
{ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ } على أوليائه { ذُو ٱنْتِقَامٍ } من أعدائه، عزيز يطلبه كل أحد، ولكن لا يجده - كثيراً - أحد.
آل عمران 3:5
لا يتنفس عبدٌ نَفَساً إلا والله سبحانه وتعالى مُحْصِيه، ولا تحصل في السماء والأرض ذرة لا وهو سبحانه مُحْدِثهُ ومُبْدِيه، ولا يكون أحد بوصف ولا نعت إلا هو متوليه.
هذا على العموم، فأمَّا على الخصوص: فلا رَفَعَ أحدٌ إليه حاجةً إلا وهو قاضيها، ولا رجع أحدٌ إليه في نازلة إلا وهو كافيها.
آل عمران 3:6
قوله جلّ ذكره: { هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ }.
هذا فيما لا يزال من حيث الخلقة، وهو الذي قدَّر أحوالكم في الأزل كيف شاء، وهذا فيما لم يزل من حيث القضاء والقسمة.
{ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }.
فلا يُعَقَّبُ حكمهُ بالنقض، أو يُعَارَضُ تقديره بالإهمال والرفض.
آل عمران 3:7
جَنَّسَ عليهم الخطاب؛ فمِنْ ظاهرٍ واضح تنزيله، ومن غامض مشكل تأويله. القِسْم الأول لبسط الشرع واهتداء أهل الظاهر، والقِسْم الثاني لصيانة الأسرار عن اطلاع الأجانب عليها، فسبيلُ العلماء الرسوخُ في طلب معناه على ما يوافق الأصول، فما حصل عليه الوقوف فمُقَابَلٌ بالقبول، وما امتنع من التأثر فيه بمعلول الفكر سلَّموه إلى عالم الغيب.
وسبيل أهل الإشارة والفهم إلقاء السمع بحضور القلب، فما سنح لفهومهم من لائح التعريفات بَنَوْا (عليه) إشارات الكشف.
إنْ (طولبوا) باستدامة الستر وطيِّ السِّر تخارسوا عن النطق، وإنْ أُمِروا بالإظهار والنشر أطلقوا بيان الحق، ونطقوا عن تعريفات الغيبة، فأمَّا الذين أُيِّدوا بأنوار البصائر فمستضيئون بشعاع شموس الفهم، وأمّا الذين ألبسوا غطاء الريب، وحرموا لطائف التحقيق، فتتقسم بهم الأحوال وتَتَرجَّمُ بهم الظنون، ويطيحون في أودية الرَّيْبِ والتلبيس، فلا يزدادون إلا جهلاً على جهل، ونفوراً على شك.
قوله جلّ ذكره: { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ }.
ومَنْ وجد علمه من الله فيكون إيمانهم بلا احتمال جولان خواطر التجويز بل عن صريحات الظهور، وصافيات اليقين. وأمّا أصحاب العقول الصاحية ففي صحبة التذكر، لظهور البراهين و(....) أحكام التحصيل.
آل عمران 3:8
ما ازدادوا قرباً إلا ازدادوا أدباً، واللياذ إلى التباعد أقوى أسباب رعاية الأدب ويقال حين صدقوا في حسن الاستغانة أُمِدُّوا بأنوار الكفاية.
آل عمران 3:9
اليوم جمع الأحباب على بساط الاقتراب، وغداً جمع الكافة لمحل الثواب والعقاب، اليوم جمع الأسرار لكشف الجلال والجمال، وغداً جمع الأبشار لشهود الأحوال، ومقاساة ما أخبر عنه من تلك الأحوال.
آل عمران 3:10
فلا فداء ينفعهم، ولا غناء يدفعهم، ولا مال يُقبَلُ منهم، ولا حجاب يُرفَع عنهم، ولا مقال يسمع فيهم، بهم يُسَعَّرُ الجحيم، ولهم الطرد الأليم، والبعد الحميم.
آل عمران 3:11
أصرُّوا في العتوِّ على سَنَنهم، وأدَمْنَا لهم في الانتقام سَنَنَا، فلا عن الإصرار أقلعوا، ولا في المَبَارِّ طَعِمُوا، ولعمري إنهم هم الذين نَدِموا وتحسَّرُوا على ما قدَّموا - ولكن حينما وجدوا البابَ مسدوداً، والندمَ عليهم مردوداً.
آل عمران 3:12
أخبرهم أنهم يفوتهم حديث الحق في الآجل، ولا تكون لهم لذةُ عيشٍ في العاجل، والذي يلقونه في الآخرة من شدة العقوبة بالحُرْقة فوق ما يصيبهم في الدنيا من الغيبة عن الله والفرقة، ولكن سَقِمتْ البصائر فلم يحسوا بأليم العقاب.
آل عمران 3:13
إذا أراد اللهُ إمضاءَ أمرٍ قلَّل الكثير في أعين قوم، وكثَّر القليل في أعين قوم، وإذا لبَّس على بصيرة قوم لم ينفعهم نفاذ أبصارهم، وإذا فتح أسرار آخرين فلا يضرهم انسداد بصائرهم.
آل عمران 3:14
يذكر بعض الشهوات على ما سواها مما هو في معناها، وفي الجملة ما يحجبك عن الشهود فهو من جملتها. وأصعب العوائق في هذه الطريق الشهوة الخفية. وأداء الطاعات على وجه الاستحلاء معدودٌ عندهم في جملة الشهوة الخفية. ومن المقاطع المشكلة السكون إلى ما يلقاك به من فنون تقريبك، وكأنه في حال ما يناجيك يناغيك، فإنه بكل لطيفة يصفك فيطريك وتحتها خُدَعٌ خافية. ومن أدركته السعادة كاشفه بشهود جلاله وجماله (لا) بإثباته في لطيف أحواله وما يخصه به من أفضاله وإقباله.
آل عمران 3:15
بيَّن فضيلة أهل التقوى على أرباب الدنيا، فقال: هؤلاء لهم متابعة المنى وموافقة الهوى وأولئك لهم الدرجات العُلى، والله بصير بالعباد؛ أنزل كل قوم مَنْزِلَه، وأوصله إلى ما لَهُ أَهَّله.
آل عمران 3:16
أي ينقطعون إلينا بالكلية، ويتضرعون بين أيدينا بذكر المحن والرزية، أولئك ينالون منا القربة والخصوصية، والدرجات العليَّة، والقِسَم المُرضيَّة.
آل عمران 3:17
الصبرُ حبسُ النَّفْس، وذلك على ثلاث مراتب:
صبر على ما أُمرَ به العبد، وصبر عما نُهي عنه وصبر هو الوقوف تحت جريان حكمه على ما يريد؛ إمَّا في فوات محبوبك أو هجومَ ما لا تستطيعه.
فإذا ترقيتَ عن هذه الصفة - بألا تصيبك مشقةٌ أو تنال راحةً - فذلك رضاً لا صبر ويقال الصابرين على أمر الله، والصادقين، فيما عاهدوا الله.
و { وَٱلْقَانِتِينَ } ، بنفوسهم بالاستقامة في محبة الله.
و { وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ } عن جميع ما فعلوه لرؤية تقصيرهم في الله.
ويقال: { ٱلصَّابِرِينَ } بقلوبهم و { وَٱلصَّادِقِينَ } بأرواحهم و { وَٱلْقَانِتِينَ } بنفوسهم، و { وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ } بألسنتهم.
ويقال " الصابرين " على صدق القصود " الصادقين " في العهود " القانتين " بحفظ الحدود و " المستغفرين " عن أعمالهم وأحوالهم عند استيلاء سلطان التوحيد.
ويقال " الصابرين " الذين صبروا على الطلب ولم يتعللوا بالهرب ولم يحتشموا من التعب، وهجروا كل راحة وطلب. وصبروا على البلوى، ورفضوا الشكوى، حتى وصلوا إلى المولى، ولم يقطعهم شيء من الدنيا والعقبى.
و " الصادقين " الذين صدقوا في الطلب فقصدوا، ثم صدقوا حتى وردوا، ثم صدقوا حتى شهدوا، ثم صدقوا حتى وجدوا، ثم صدقوا حتى فقدوا.. فترتيبهم قصود ثم ورود ثم شهود ثم وجود ثم خمود.
و " القانتين " الذين لازموا الباب، وداوموا على تجرّع الاكتئاب، وتركوا المحاب، ورفضوا الأصحاب إلى أن تحققوا بالاقتراب.
و { وَٱلْمُنْفِقِينَ } الذين جادوا بنفوسهم من حيث الأعمال، (ثم جادوا بميسورهم من الأموال)، ثم جادوا بقلوبهم بصدق الأحوال، ثم جادوا بترك كل حظٍ لهم في العاجل والآجل، استهلاكاً عند القرب والوصال بما لقوا من الاصطلام والاستئصال.
و { وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ } عن جميع ذلك إذا رجعوا إلى الصحو عند الأسحار يعني ظهور الإسفار، وهو فجر القلوب لا فجرَّ يظهر في الأقطار.
آل عمران 3:18
قوله جلّ ذكره: { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ }.
أي عَلِمَ اللهُ وأخبر اللهُ وحَكَمَ اللهُ بأنه لا إله إلا هو، فهو شهادة الحق للحق بأنه الحق، وأوَّلُ مَنْ شهد بأنه اللهُ - اللهُ، فشهد في آزاله بقوله وكلامه وخطابه الأزلي، وأخبر عن وجوده الأحدي، وكونه الصمدي، وعونه القيومي، وذاته الديمومي، وجلاله السرمدي، وجماله الأبدي. فقال: { شَهِدَ ٱللَّهُ } ثم في آباده، " شهد الله " أي بيَّنَ اللهُ بما نَصَبَ من البراهين، وأثبت من دلائل اليقين، وأوضح من الآيات، وأبدى من البينات. فكلُّ جزءٍ من جميع ما خلق وفطر، ومن كتم العدم أظهر، وعلى ما شاء من الصفة الذاتية حصل، من أعيان مستقلة، وآثار في (ثاني) وجودها مضمحلة، وذوات للملاقاة قابلة، وصفات في المَحَالِّ متعاقبة - فهو لوجوده مُفْصِح، ولربوبيته موضَّح، وعلى قِدَمِه شاهد، وللعقول مُخْبِر بأنه واحد، عزيز ماجد، شهد سبحانه بجلال قَدْره، وكمال عزه، حين لا جحد ولا جهود ولا عرفان لمخلوق ولا عقل، ولا وفاق، ولا كفر، ولا حدثان، ولا غير، ولا إلحاد، ولا شِرْك، ولا فهم ولا فكر، ولا سماء ولا فضاء، ولا ظلام ولا ضياء، ولا وصول للمزدوجات، ولا فضول باختلاف الآفات.
قوله جلّ ذكره: { وَٱلْمَلاَئِكَةُ }.
لم يؤيِّد شهادته بوحدانيته بشهادة الملائكة بل أسعدهم وأيَّدُهم، حين وفَّقَهم بشهادة وسدَّدهم، وإلى معرفة وحدانيته أرشدهم.
قوله جلّ ذكره: { وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ }.
وهم أولياء بني آدم إذ علموا جلال قدرته، وعرفوا نعت عزته فأكرمهم حيث قرن شهادته بشهادتهم، فشهدوا عن شهود وتعيين، لا عن ظن وتخمين، إن لم يدركوه - اليوم - ضرورة وحِسَّاً، لم يعتقدوه ظنّاً وحَدْساً؛ تعرَّف إليهم فعرفوه، وأشهدهم فلذلك شهدوا، ولو لم يقُلْ لهم إنه مَنْ هو لَمَا عرفوا مَنْ هو.
ولكنَّ العلماء يشهدون بصحو عقولهم، والمُوَحِّدُون يشهدون بعد خمودهم؛ فهم كما قيل:مُسْتَهْلَكُون بقهر الحق قد هَمَدُوا واستُنْطِقُوا بعد افتنائهمُ بتوحيد
فالمُجْرِي عليهم ما يبدو منهم - سواهم، والقائمُ عنهم بما هم عليه وبه - غيرُهم، ولقد كانوا لكنهم بانوا، قال قائلهم:كتابي إليكم بعد موتي بليلة ولم أدرِ أنِّي بعد موتي أكتب
وأولو العلم على مراتب: فَمِنْ عالِم نَعْتُه وفاق ورهبانية، ومن عالم وصفه فناء وربانية، وعالم يعرف أحكام حلاله وحرامه، وعالم يعلم أخباره وسننه وآثاره، وعالم يعلم كتابه ويعرف تفسيره وتأويله، ومحكمه وتنزيله، وعالم يعلم صفاته ونعوته ويستقوي حججه وتوحيده بحديث يخرجه (....)، وعالم لاطفه حتى أحضره ثم كاشفه فقهره، فالاسم باقٍ، والعين محو، والحكم طارق والعبد محق، قال قائلهم:بنو حق غدوا بالحق صِرفاً فنعت الخلْق فيهمو مستورُ
وليست الإشارة من هذا إلا إلى فنائهم عن إحساسهم، وعند عِلْمِهم بأنفسهم، فأما أعمالهم أعيانهم فمخلوقة، وما يفهم بذواتهم من أحوالهم فمسبوقة، وذات الحق لا توصف بقبول حدثان، وصفات ذاته لا تقبل اتصالاً بالغير ولا انفصالاً عن الذات، تقدَّس الحق عن كل ضدِّ وندِّ، ووصل وفصل، وجمع وفرق، وعين وخلق، وملك وفلك، ورسم وأثر، وعبد وبشر، وشمس وقمر، وشخص وغَبَر.
آل عمران 3:19
قوله جلّ ذكره: { إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ }.
الدِّينُ الذي يرتضيه، والذي حكم لصاحبه بأنه يجازيه ويعليه، وبالفضل يُلَقِّيه - هو الإِسلام.
والإسلام هو الإخلاص والاستسلام، وما سواه فمردود، وطريق النجاة على صاحبه مسدود.
قوله جلّ ذكره: { وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ }.
جاءهم العلم الذي عليهم حجة، لا المعرفة التي لها بيان ومحجة، فأصروا على الجحود، لأنهم حُجِبُوا عن محل الشهود.
آل عمران 3:20
طالِعْهُم بعين التصريف كيلا يفترق بك الحال في شهود اختلافهم وتباين أطوارهم؛ فإنَّ مَنْ طالَعَ الكائناتِ بعين القدرة علم أن المُثْبِتَ للكلِّ - على ما اختص به كل واحد من الكل - واحدٌ.
فادْعُهم جهراً بجهر، واشهد تصريفنا إياهم سِرَّاً بسر، واشغل لسانك بنصحهم، وفرِّغ قلبك عن حديثهم، وأفرد سِرَّك عن شهودهم، فليس الذي كلفناك من أمورهم إلا البلاغ، والمُجرِي للأمور والمبدي - نحن.
آل عمران 3:21
إن الذين ربطناهم بالخذلان ووسمناهم بوصف الحرمان - أخْبِرْهم بأن إعراضنا عنهم مؤبد، وأن حكمنا سبق بنقلهم عن دار الجنان إلى دار الهوان، من الخذلان والحرمان إلى العقوبة والنيران.
آل عمران 3:22
أولئك الذين ليس لهم - اليومَ - توفيق بأعمالهم، ولا غداً تحقيق لآمالهم، وما ذلك إلا لأنهم فقدوا في الدارين نصرتنا، ولم يشهدوا عِزَّنا وقدرتنا.
آل عمران 3:23
امتحناك بدعوة من سبق علمنا بأنهم لا يستجيبون، فاصبر على ما أُمِرْتَ فيهم، واعلم سوء أحوالهم، فإنهم أهل التولِّي عن الإجابة، لأنهم فقدوا منا حسن التجلي بسابق الإرادة.
آل عمران 3:24
عاقبناهم في الدنيا بالاستدراج حتى حكموا لأنفسهم بالنجاة وتخفيف العقاب، وسوف يعلمون تضاعف البلاء عليهم، ويحسبون أنهم على شيء ألا أنهم هم الكاذبون.
ظن المخطئون حكماً...
آل عمران 3:25
هذه كلمة تعجب لما أخبر به عن تعظيم الأمر، وتفخيم الشأن عند بهتة عقولهم ودهشة أسرارهم، وانقطاع دواعيهم، وانخلاع قلوبهم من مكامنها، وتراقيها إلى تراقيهم، ثم ما يلقونه من الحساب والعتاب، والعذاب والعقاب، وعدم الإكرام والإيجاب، وما في هذا الباب.
وقيامةُ الكفار يومَ الحشر، وقيامة الأحباب في الوقت، ولِشَرْحِ هذا تفسير طويل.
آل عمران 3:26
قوله جلّ ذكره: { قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ }.
" اللهم " معناها يا الله والميم في آخرها بدل عن حرف النداء وهو يا. فهذا تعليم الحق كيفية الثناء على الحق، أي صِفْني بما أسْتَحِقُّه من جلال القَدْر فَقُلْ: يا مالكَ المُلْكِ لا شريكَ لكَ ولا مُعينَ، ولا ظهير ولا قرين، ولا مُقاسِمَ لكَ في الذات، ولا مُسَاهِمَ في المُلْك، ولا مُعَارِضَ في الإبداع.
{ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ }.
حتى نعلم أن الملك لك، والمَلِكُ من المخلوقين مَنْ تَذَلَّلَ له، ومنزوعٌ المُلْكُ ممن تكبَّر عليه؛ فَتَجمُّلُ الخَلْقِ في تذللهم للحق، وعِزُّهم في محوهم فيه، وبقاؤهم في فنائهم به.
{ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ }.
بعز ذاتك.
{ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ }.
بخذلانك.
وتعز من تشاء بأن تهديه ليشهدك ويوحدك، وتذل من تشاء بأن يجحدك ويفقدك وتعزُّ من تشاء بيُمْنِ إقبالك، وتذل من تشاء بوحشة إعراضك. و تعزُّ من تشاء بأن تؤنسه بك، وتذل من تشاء بأن توحشه عنك. وتعز من تشاء بأن تشغله بك، وتذل من تشاء بأن تشغله عنك. وتعز من تشاء بسقوط أحكام نفسه، وتذل من تشاء بغلبة غاغة نفسه. وتعز من تشاء بطوالع أُنسه وتذل من تشاء بطوارق نفسه. وتعز من تشاء ببسطه بك، وتذل من تشاء بقبضه عنك.
و { تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ } يشد نطاق خدمتك، { وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ } بنفيه عن بساط عبادتك. توتي الملك من تشاء بإفراد سِرِّه لك وتنزع الملك ممن تشاء بأن تربط قلبه بمخلوق، { وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ } بإقامته بالإرادة، { وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ } يردُّه إلى ما عليه أهل العادة.
{ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ }.
ولم يذكر الشر حفظاً لآداب الخطاب، وتفاؤلاً بذكر الجميل، وتطيراً من ذكر السوء.
{ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }.
من الحجب والجذب، (والنصرة) والخذلان، والأخذ والرد، والفرق والجمع، والقبض والبسط.
آل عمران 3:27
تولج الليل في النهار حتى يَغْلِبَ سلطانُ ضياءِ التوحيد فلا يَبْقَى من آثار النفس وظلماتها شيءٌ، وتولج النهار في الليل حتى كأن شموسَ القلوب كُسِفَت، أو كأن الليل دام، وكأن الصبح فُقِد.
وتخرج الحي من الميت حتى كأن الفترة لم تكن، وعهد الوصال رجع فَتيَّاً، وعُودُ القلوبِ صار غضّاً طريَّاً.
وتخرج الميت من الحي حتى كأن شجرة البرم أورقت شوكاً وأزهرت شوكاً، وكأن اليائس لم يجد خيراً، ولم يشم ريحاً، وتقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة.
{ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }.
حتى لا (كدر) ولا جُهْدَ ولا عَرَقَ جبينٍ، ولا تَعَبَ يمينٍ، لَيْلَهُ روحْ وراحة، ونهارُه طرب وبهجة، وساعاته كرامات، ولحظاته قُرُبات، وأجناس أفعاله على التفصيل لا يحصرها لسان، ولا يأتي على استقصاء كنهها عبارة ولا بيان.
وفيما لوَّحنا من ذلك تنبيه على طريق كيفية الإفصاح عنه.
ويقال لما قال: { وَتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ } انكسر خُمَارُ كلِّ ظانٍّ أنه مَلِكٌ لأنه شاهد مُلكِهِ يعرض للزوال فَعَلِمَ أن التذلل إليه في استبقاء ملكه أولى من الإعجاب والإدلال.
ويقال المَلِكُ في الحقيقة - مَنْ لا يشغله شيء بالالتفات إليه عن شهود من هو المَلِكُ على الحقيقة.
آل عمران 3:28
قوله جلّ ذكره: { لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.
من حقائق الإيمان الموالاةُ في الله والمعاداة في الله.
وأوْلى مَنْ تسومه الهجرانَ والإعراضَ عن الكفار - نَفْسُك؛ فإنها مجبولةٌ على المجوسية حيث تقول: لي ومني وبي، وقال الله تعالى:{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ } [التوبة: 123].
وإن الإيمان في هذه الطريقة عزيز، ومن لا إيمان له بهذه الطريقة من العوام - وإن كانوا قد بلغوا من الزهد والجهد مبلغاً عظيماً - فليسوا بأهل لموالاتك، والشكل بالشكل أليق.
قوله جلّ ذكره: { وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ }.
صحبة الحق سبحانه وقربته لا تكون مقرونة بصحبة الأضداد وقربتهم - ألبتة.
{ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ }: هذا خطاب للخواص من أهل المعرفة، فأمَّا الذين نزلت رُتْبَتُهم عن هذا فقال لهم:{ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ } [آل عمران: 131] وقال:{ وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ.. } [البقرة: 281]. إلى غير ذلك من الآيات.
ويقال: { وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } أن يكون عندكم أنكم وصلتم؛ فإن خفايا المكر تعتري الأكابر، قال قائلهم:وأمِنْتُه فأتاح لي من مأمني مكراً، كذا مَنْ يأمن الأحبابا
ويقال: { وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } لأن يجري في وهم أحد أنه يصل إليه مخلوق، أو يطأ بساطَ العِزِّ قَدَمُ همة بشر، جلَّتْ الأحدية وعزَّت!
وإنَّ من ظن أنه أقربهم إليه ففي الحقيقة أنه أبعدهم عنه.
آل عمران 3:29
لا يَعْزُبُ معلوم عن علمه، فلا تحتشم من نازلة بك تسوءك، فعن قريب سيأتيك الغوث والإجابة، وعن قريب سيزول البلاء والمحنة، ويُعَجِّلُ المدَدَ والكفاية.
آل عمران 3:30
قوله جلّ ذكره: { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً }.
وَدَّ أهل الطاعات أَنْ لو استكثروا منها، ووَدَّ أهل المخالفات أَنْ لو كبحوا لجامهم عن الركض في ميادينهم، قال قائلهم:ولو إنني أُعْطِيتُ من دهري المُنَى وما كلُّ مَنْ يُعْطَى المنى بِمُسَدَّدِ
لَقُلْتَ لأيامٍ مَضَيْن: ألا ارجعي وقلتُ لأيام أتيْن ألا ابعدي
قوله جلّ ذكره: { وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ }.
الإشارة من قوله: { وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } للعارفين، ومن قوله { وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ } للمستأنفين، فهؤلاء أصحاب العنف والعنوة، وهؤلاء أصحاب التخفيف والسهولة.
ويقال لمَّا قال: { وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } اقتضى أسماع هذا الخطاب تحويلهم فقال مقروناً به { وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ } لتحقيق تأميلهم، وكذلك سُنَّتُه يطمعهم في عين ما يروعهم.
ويقال أفناهم بقوله { وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } ثم أحياهم وأبقاهم بقوله { وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ }.
آل عمران 3:31
{ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ } فرق، و { يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ } جمع.
{ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ } مشوب بالعلة، و { يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ } بِلا عِلّة، بل هو حقيقة الوصلة. ومحبة العبد لله حالة لطيفة يجدها من نفسه، وتحمله تلك الحالة على موافقة أمره على الرضا دون الكراهية، وتقتضي منه تلك الحالة إيثاره - سبحانه - على كل شيء وعلى كل أحد.
وشرطُ المحبةِ ألا يكون فيها حظٌّ بحال، فَمنْ لم يَفْنَ عن حظوظه بالكلِّية فليس له من المحبة شظيَّة.
ومحبة الحق للعبد إرادته إحسانَه إليه ولطفَه به، وهي إرادةُ فضلٍ مخصوص، وتكون بمعنى ثنائه سبحانه عليه ومدحه له، وتكون بمعنى فضله المخصوص معه، فعلى هذا تكون من صفات فعله.
ويقال شرط المحبة امتحاء كليتك عنك لاستهلاكك في محبوبك، قال قائلهم:وما الحبُّ حتى تنزف العين بالبكا وتخرس حتى لا تجيب المناديا
وهذا فرق بين الحبيب والخليل؛ قال الخليل:{ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي } [إبراهيم: 36].
وقال الحبيبُ: { فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ }.
فإن كان مُتَّبعُ الخليل " منه " إفضالاً فإن متابعَ الحبيبِ محبوبُ الحقِّ سبحانه، وكفى بذلك قربة وحالاً.
ويقال قطع أطماع الكافة أن يسلم لأحدٍ نفس إلا ومقتداهم وإمامهم سيد الأولين والآخرين محمد صلى الله عليه وسلم.
ويقال في هذه الآية إشارة إلى أن المحبة غير معلولة وليست باجتلاب طاعة، أو التجرد عن آفة لأنه قال: { يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } بيَّن أنه يجوز أن يكون عبد له فنون كثيرة ثم يحبُّ اللهَ ويحبُّه الله.
ويقال قال أولاً: { يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ } ثم قال: { وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } والواو تقتضي الترتيب ليُعْلَمَ أَنَّ المحبةَ سابقةٌ على الغفران؛ أولاً يحبهم ويحبونه (وبعده) يغفر لهم ويستغفرونه، فالمحبة توجِب الغفران لأن العفو يوجب المحبة.
والمحبة تشير إلى صفاء الأحوال ومنه حَبَبُ الأسنان وهو صفاؤها.
والمحبة توجب الاعتكاف بحضرة المحبوب في السر.
ويقال أحب البعير إذا استناخ فلا يبرح بالضرب.
والحبُّ حرفان حاء وباء، والإشارة من الحاء إلى الروح ومن الباء إلى البَدَن، فالمُحِبُّ لا يَدَّخِر عن محبوبه لا قلبَه ولا بَدَنَه.
آل عمران 3:32
أمرهم بالطاعة ثم قال: { فإِن تَوَلَّوْاْ } أي قَصَّرُوا في الطاعة بأن خالفوا، ثم قال: { فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ } لم يَقُلْ العاصين بل قال الكافرين، ودليل الخطاب أنه يحب المؤمنين وإن كانوا عُصَاة.
آل عمران 3:33
اتفق آدم وذريته في الطينة، وإنما الخصوصية بالاصطفاء الذي هو من قِبَلِه، لا بالنَّسَب ولا بالسبب.
آل عمران 3:34
اتفق آدم وذريته في الطينة، وإنما الخصوصية بالاصطفاء الذي هو من قِبَلِه، لا بالنَّسَب ولا بالسبب.
آل عمران 3:35
المُحَرَّرُ الذي ليس في رِقِّ شيء من المخلوقات، حرَّرَه الحق سبحانه في سابق حكمه عن رق الاشتغال بجميع الوجوه والأحوال. فلمَّا نذرت أمُّ مريم ذلك، ووضعتها أنثى خَجِلت، فلمَّا رأتها قالت { رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ } وهي لا تصلح أن تكون محرراً فقال تعالى: { وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } ولعمري ليس الذكر كالأنثى في الظاهر، ولكن إذا تَقَبَّلَها الحقُّ - سبحانه وتعالى - طلع عنها كل أعجوبة.
ولما قالت { إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً } قالت { فَتَقَبَّلْ مِنِّي } فاستجاب، وظهرت آثار القبول عليها وعلى ابنها، ونجا بحديثها عَالَمٌ وَهَلَكَ بسببها عَالَمٌ، ووقعت الفتنة لأجلهما في عَالَم.
قالت: { وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ } استجارت بالله من أن يكون للشيطان في حديثها شيء بما هو الأسهل، لتمام ما هم به من أحكام القلوب.
آل عمران 3:36
المُحَرَّرُ الذي ليس في رِقِّ شيء من المخلوقات، حرَّرَه الحق سبحانه في سابق حكمه عن رق الاشتغال بجميع الوجوه والأحوال. فلمَّا نذرت أمُّ مريم ذلك، ووضعتها أنثى خَجِلت، فلمَّا رأتها قالت { رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ } وهي لا تصلح أن تكون محرراً فقال تعالى: { وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } ولعمري ليس الذكر كالأنثى في الظاهر، ولكن إذا تَقَبَّلَها الحقُّ - سبحانه وتعالى - طلع عنها كل أعجوبة.
ولما قالت { إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً } قالت { فَتَقَبَّلْ مِنِّي } فاستجاب، وظهرت آثار القبول عليها وعلى ابنها، ونجا بحديثها عَالَمٌ وَهَلَكَ بسببها عَالَمٌ، ووقعت الفتنة لأجلهما في عَالَم.
قالت: { وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ } استجارت بالله من أن يكون للشيطان في حديثها شيء بما هو الأسهل، لتمام ما هم به من أحكام القلوب.
آل عمران 3:37
قوله جلّ ذكره: { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا }.
حيث بَلَّغَها فوق ما تَمَنَّتْ أمها، ويقال تقبَّلها بقبول حسنٍ حتى أفردها لطاعته، وتولاّهَا بما تَولَّى به أولياءه، حتى أفضى جمع مَنْ في عصرها العَجَبَ من حُسْنِ توليه أمرها، وإن كانت بنتاً.
ويقال القبولُ الحَسَنُ حُسْنُ تربيته لها مع علمه - سبحانه - بأنه يُقال فيه بسببها ما يُقال، فلم يُبالِ بِقُبْح مقال الأعداء.أجد الملامة في هواكِ لذيذةً حُبَّاً لذكرك فليلمني اللُّوَمُ
وكما قيل:ليقل من شاء ما شاء فإني لا أُبالي
ويقال القبول الحسن أَنْ ربّاها على نعت العصمة حتى كانت تقول:{ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً } [مريم: 18].
{ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً } حتى استقامت على الطاعة، وآثرت رضاه - سبحانه - في جميع الأوقات، وحتى كانت الثمرة منها مثل عيسى عليه السلام، وهذا هو النبات الحسن، وكفلها زكريا. ومن القبول الحسن والنبات الحسن أَنْ جعل كافَلَها والقَيَّمَ بأمرها وحفظها نبياً من الأنبياء مثل زكريا عليه السلام، وقد أوحى الله إلى داود عليه السلام: إنْ رأيْتَ لي طالباً فكُنْ له خادماً.
قوله جلّ ذكره: { كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }
. مِنْ إمارات القبول الحسن أنها لم تكن توجد إلا في المحراب، ومن كان مسكنه وموضعه الذي يتعبَّدُ فيه وهناك يوجد المحراب - فذلك عَبْدٌ عزيز.
ويقال مِنَ القبول الحسن أنه لم يطرح أمرَها كُلَّه وشُغْلُها على زكريا عليه السلام: فكان إذا دخل عليها زكريا ليتعهدها بطعام وَجَدَ عندها رزقاً لِيَعْلَمَ العاملون أن الله - سبحانه - لا يُلْقِي شُغْلَ أوليائه على غير، ومن خدم ولياً من أوليائه كان هو في رفق الولي لا إنه تكون عليه مشقة لأجل الأولياء. وفي هذا إشارة لمن يخدم الفقراء أن يعلم أنه في رفق الفقراء.
ثم كان زكريا عليه السلام يقول: { أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا }؟ لأنه لم يكن يعتقد فيها استحقاق تلك المنزلة، وكان يخاف أن غيره يغلبه وينتهز فرصة تعهدها ويسبقه بكفاية شُغْلها، فكان يسأل ويقول: { أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا } ومن أتاكِ به؟
وكانت مريم تقول: هو من عند الله لا من عند مخلوق، فيكون لزكريا فيه راحتان: إحداهما شهود مقامها وكرامتها عند الله تعالى، والثانية أنه لم يغلبه أحد على تعهدها، ولم يسبق به. قوله: { كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ } فلفظة كلَّما للتكرار وفي هذا إشارة: وهو أن زكريا عليه السلام لم يَذَرْ تَعهُّدَها - وإنْ وجد عندها رزقًا - بل كل يومٍ وكل وقتٍ كان يتفقد حالها لأن كراماتِ الأولياء ليست مما يجب أن يدوم ذلك قطعاً؛ فيجوز أن يُظهِرَ الله ذلك عليهم دائماً، ويجوز ألا يظهر، فما كان زكريا عليه السلام يعتمد على ذلك فيترك تفقد حالها، ثم كان يُجَدِّدُ السؤال عنها بقوله: { يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا }؟ لجواز أن يكون الذي هو اليوم لا على الوجه الذي كان بالأمس، فإنه لا واجب على الله سبحانه.
وقوله: { إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } إيضاح عن عين التوحيد، وأن رزقه للعباد، وإحسانه إليهم بمقتضى مشيئته، دون أن يكون مُعَلَّلاً بطاعاتهم ووسيلة عباداتهم.
آل عمران 3:38
أي لما رأى كرامة الله سبحانه معها ازداد يقيناً على يقين، ورجاء على رجاء؛ فسأل الوَلَدَ على كبر سِنِّه، وإجابتُه إلى ذلك كانت نقضاً للعادة.
ويقال إن زكريا عليه السلام سأل الوَلَدَ ليكونَ عوناً له على الطاعة، ووارثاً من نَسْلِه في النبوة، ليكون قائماً بحقِّ الله، فلذلك استحق الإجابة؛ فإن السؤال إذا كان لحقِّ الحقِّ - لا لحظِّ النَّفْسِ - لا يكون له الرد.
وكان زكريا عليه السلام يرى الفاكهة الصيفية عند مريم في الشتاء، وفاكهة الشتاء عندها في الصيف، فسأل الولد في حال الكِبَر ليكون آية ومعجزة.
آل عمران 3:39
قوله جلّ ذكره: { فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ }.
لما سأل السؤال، ولازم البال أَتَتْهُ الإجابةُ.
وفيه إشارة إلى أن من له إلى الملوك حاجة فعليه بملازمة الباب إلى وقت الإجابة.
ويقال حكم الله - سبحانه - أنه إنما يقبل بالإجابة على من هو مُعَانِقٌ لخدمته، فأمَّا مَنْ أعرض عن الطاعة ألقاه في ذُلِّ الوحشة.
قوله جلّ ذكره: { أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ }.
قيل سمَّاه يحيى لحياة قلبه بالله، ولسان التفسير أنه حي به عقر أمه.
ويقال إنه سبب حياة من آمن به بقلبه.
قوله: مصدقاً بكلمة من الله: أن تصديقه بكلمة " الله " فيما تعبده به أو هو مكوَّن بكلمة الله.
وقوله { وَسَيِّداً }: السيدُ من ليس في رق مخلوق، تحرَّر عن أسر هواه وعن كل مخلوق، ويقال السيد من تحقق بعلويته سبحانه، ويقال السيد من فاق أهل عصره، وكذلك كان يحيى عليه السلام.
ويقال سيد لأنه لم يطلب لنفسه مقامًا، ولا شَاهَدَ لنفسه قَدْرًا. ولما أخلص في تواضعه لله بكل وجهٍ رقَّاه على الجملة وجعله سيداً للجميع.
وقوله { وَحَصُوراً } أي مُعْتَقاً من الشهوات، مكفياً أحكام البشرية مع كونه من جملة البشر. ويقال متوقياً عن المطالبات، مانعاً نفسه عن ذلك تعززاً وتقرباً، وقيل منعته استئصالات بواده الحقائق عليه فلم يبق فيه فَضْلٌ لحظِّ.
{ وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ } أي مستحقاً لبلوغ رتبتهم.
آل عمران 3:40
قيل كان بين سؤاله وبين الإجابة مدة طويلة ولذلك قال: أنَّى يكون لي غلام؟
ويحتمل أنه قال: بأي استحقاقٍ مني تكون له هذه الإجابة لولا فضلك؟
ويحتمل أنه قال أنَّى يكون هذا: أَعَلَى وَجهِ التبني أم على وجه التناسل؟
ويحتمل أنه يكون من امرأة أخرى سوى هذه التي طعنت في السن أو من جهة التَّسرِّي بمملوكة؟ أمْ مِنْ هذه؟
فقيل له: لا بَلْ مِنْ هذه؛ فإنكما قاسيتما وحشة الانفراد معاً، فكذلك تكون بشارة الولد لكما جميعاً.
آل عمران 3:41
قوله جلّ ذكره: { قَالَ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً }.
طلب الآية ليعلم الوقت الذي هو وقت الإجابة على التعيين لا لِشك له في أصل الإجابة.
وجعل آية ولايته في إمساك لسانه عن المخلوقين مع انطلاقها مع الله بالتسبيح، أي لا تمتنع عن خطابي فإني لا أمنع أوليائي من مناجاتي.
قوله جلّ ذكره: { وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً }.
بقلبك ولسانك في جميع أوقاتك.
{ وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ }.
في الصلاة الدائبة.
آل عمران 3:42
يجوز أن يكون هذا ابتداء خطاب من الملائكة على مريم من قِبَلِهم رفعاً بشأنها، ويجوز أن تكون قد سمعت كلامهم وشاهدتهم، ويجوز أنها لم تشاهدهم وأنهم هتفوا بها: إن الله اصطفاك بتفضيلك، وإفرادكِ من أشكالك وأندادك، وطَهَّرَكِ من الفحشاء والمعاصي بجميل العصمة، وعن مباشرة الخلْق، واصطفاك على نساء العالمين في وقتك.
وفائدة تكرار ذكر الاصطفاء: الأول اصطفاك بالكرامة والمنزلة وعلو الحالة والثاني اصطفاكِ بأَنْ حَمَلْتِ بعيسى عليه السلام من غير أب، ولم تشبهك امرأة - ولن تشبَهك - إلى يوم القيامة، ولذلك قال { عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ }.
آل عمران 3:43
لازمي بساط العبادة، وداومي على الطاعة، ولا تُقَصِّرِى في استدامة الخدمة، فكما أفردكِ الحقُّ بمقامك، كوني في عبادته أوحد زمانك.
آل عمران 3:44
أي هذه القصص نحن عرفناكها و (خا)طبناك بمعانيها، وإنْ قَصَصْنَا نحن عليك هذا - فعزيزٌ خطابُنا، وأعزُّ وأتم مِنْ أَنْ لو كنتَ مشاهداً لها.
آل عمران 3:45
لم يُبَشرها بنصيب لها في الدنيا ولا في الآخرة من حيث الحظوظ، ولكن بَشَّرها بما أثبت في ذلك من عظيم الآية، وكونه نبياً لله مؤيَّداً بالمعجزة.
ويقال عرَّفها أن مَنْ وقع في تغليب القدرة، وانتهى عند حكمه يَلْقَى من عجائب القدرة ما لا عهد به لأحد. ولقد عاشت مريم مدةً بجميل الصيت، والاشتهار بالعفة، فشوَّش عليها ظاهر تلك الحال بما كان عند الناس بسبب استحقاق ملام، ولكن - في التحقيق - ليس كما ظَنَّهُ الأغبياء الذين سكرت أبصارهم من شهود جريان التقدير.
وقيل إنه (....) عَرَّفها ذلك بالتدريج والتفصيل، فأخبرها أن ذلك الولَدَ يعيش حتى يُكَلِّمَ الناس صبيَّا وكهلا، وأن كيد الأعداء لا يؤثر فيه.
وقيل كهلاً بعد نزوله من السماء.
ويقال ربط على قلبها بما عرَّفها أنه إذا لم ينطق لسانها بذكر براءة سَاحتها يُنْطِقُ اللهُ عيسى عليه السلام بما يكون دلالة على صدقها وجلالتها.
آل عمران 3:46
لم يُبَشرها بنصيب لها في الدنيا ولا في الآخرة من حيث الحظوظ، ولكن بَشَّرها بما أثبت في ذلك من عظيم الآية، وكونه نبياً لله مؤيَّداً بالمعجزة.
ويقال عرَّفها أن مَنْ وقع في تغليب القدرة، وانتهى عند حكمه يَلْقَى من عجائب القدرة ما لا عهد به لأحد. ولقد عاشت مريم مدةً بجميل الصيت، والاشتهار بالعفة، فشوَّش عليها ظاهر تلك الحال بما كان عند الناس بسبب استحقاق ملام، ولكن - في التحقيق - ليس كما ظَنَّهُ الأغبياء الذين سكرت أبصارهم من شهود جريان التقدير.
وقيل إنه (....) عَرَّفها ذلك بالتدريج والتفصيل، فأخبرها أن ذلك الولَدَ يعيش حتى يُكَلِّمَ الناس صبيَّا وكهلا، وأن كيد الأعداء لا يؤثر فيه.
وقيل كهلاً بعد نزوله من السماء.
ويقال ربط على قلبها بما عرَّفها أنه إذا لم ينطق لسانها بذكر براءة سَاحتها يُنْطِقُ اللهُ عيسى عليه السلام بما يكون دلالة على صدقها وجلالتها.
آل عمران 3:47
قوله جلّ ذكره: { قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ }.
كما شاهدت ظهور أشياء ناقضة للعادة في رزقنا فكذلك ننقض العادة في خلق ولدٍ من غير مسيس بشر.
قوله جلّ ذكره: { إِذَا قَضَىٰ أَمْراً }.
أي أراد إمضاء حُكْم.
{ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }.
فلا يتعسر عليه إبداء ولا إنشاء.
ولمَا بسطوا فيها لسان الملامة أنطق الله عيسى عليه السلام وهو ابن يومٍ حتى قال:
{ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ }.
آل عمران 3:48
وتلك آياته الظاهرة، ودلالاته القاهرة الباهرة من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والإخبار عما عملوه مُسِرِّين به، إلى غير ذلك من معجزاته. وأخبر أنه مصدِّق لما تقدمه من الشرائع، ومختص بشريعةٍ تنسخ بعض ما تقدمه، وأقرهم على البعض - على ما نطق به تفصيل القرآن.
آل عمران 3:49
وتلك آياته الظاهرة، ودلالاته القاهرة الباهرة من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والإخبار عما عملوه مُسِرِّين به، إلى غير ذلك من معجزاته. وأخبر أنه مصدِّق لما تقدمه من الشرائع، ومختص بشريعةٍ تنسخ بعض ما تقدمه، وأقرهم على البعض - على ما نطق به تفصيل القرآن.
آل عمران 3:52
قوله جلّ ذكره: { فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ } الآية.
حين بَلَّغهم الرسالة واختلفوا - فمنهم من صدَّقه ومنهم من كذّبه وهم الأكثرون - عَلِمَ أن النبوة لا تنفك عن البلاء وتسليط الأعداء، فقطع عنهم قلبه، وصدق إلى الله قصده، وقال لقومه: مَنْ أنْصاري إلى الله ليساعدوني على التجرد لحقِّه والخلوص في قصده؟ فقال مَنْ انبسطت عليهم آثار العناية، واستخلصوا بآثار التخصيص: نحن أنصار الله، آمنا بالله، واشهد علينا بالصدق، وليس يشكل عليك شيءٌ مما نحن فيه.
آل عمران 3:53
وأما الباقون فجدُّوا في الشقاق، وبالغوا في العداوة، ودسُّوا له المكائد، ومكروا ولكن أذاقهم الله وبال مكرهم، فتوهموا أنهم صلبوا عيسى عليه السلام وقتلوه، وذلك جهل منهم، ولَبْسٌ عليهم. فاللهُ - سبحانه - رفع عيسى عليه السلام نبيَّه ووليَّه، وحُقُّ الطردُ واللَّعنُ على أعدائه، وهذا مَكْرُهُ بهم:
{ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ }.
آل عمران 3:54
وأما الباقون فجدُّوا في الشقاق، وبالغوا في العداوة، ودسُّوا له المكائد، ومكروا ولكن أذاقهم الله وبال مكرهم، فتوهموا أنهم صلبوا عيسى عليه السلام وقتلوه، وذلك جهل منهم، ولَبْسٌ عليهم. فاللهُ - سبحانه - رفع عيسى عليه السلام نبيَّه ووليَّه، وحُقُّ الطردُ واللَّعنُ على أعدائه، وهذا مَكْرُهُ بهم:
{ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ }.
آل عمران 3:55
قوله جلّ ذكره: { إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ }.
الإشارة فيه إني متوفيك عنك، وقابضك منك، ورافعك من نعوت البشرية، ومطهرك من إرادتك بالكلية، حتى تكون مُصَرَّفاً بنا لنا، ولا يكون عليك من اختيارك شيء، ويكون إسبال التولي عليك قائماً عليك. وبهذا الوصف كان يظهر على يده إحياء الموتى، وما كانت تلك الأحداث حاصلة إلا بالقدرة - جَلَّتْ.
ويقال طَهَّرَ قلبه عن مطالعة الأغيار، ومشاهدة الأمثال والآثار، في جميع الأحوال والأطوار.
{ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ }.
بالنصرة والقهر والحجة.
ومتبعوه مَنْ لم يُبَدِّل دِينه ومَنْ هو على عقيدته في التوحيد - وهم المؤمنون، فَهُمْ على الحقِّ، إلى يوم القيامة لهم النصرة، ثم إن الله سبحانه يحكم - يوم القيامة - بينه وبين أعدائه. فأمّا الكفار ففي الجحيم وأمّا المؤمنون ففي النعيم.
آل عمران 3:58
ذلك نتلوه عليك يا محمد، نعرفك معانيه بما نوحي إليك، لا بتكلفك ما تصل إلى عِلْمِه، أو بِتَعلُّمِك من الأمثال، أو استنباطك ما تنزع من الاستدلال.
آل عمران 3:59
قوله جلّ ذكره: { إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ } الآية.
خَصَّهما بتطهير الروح عن التناسخ في الأصلاب وأفرد آدم بصفَةِ البدء؛ وعيسى عليه السلام بتخصيص نفخ الروح فيه على وجه الإعزاز، وهما وإنْ كانا كبيري الشأن فنِقْصُ الحدثان والمخلوقية لازِمٌ لهما:
{ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }.
آل عمران 3:60
قوله جلّ ذكره: { ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ } الآية.
{ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ } يا محمد، فلا تَشُكَّن في أنه - سبحانه - لا يماثله في الإيجاد أَحَدٌ، ولا على إثبات بينه لمخلوق قدرة. والموجودات التي (....)، وجودها عن كتم العَدَم - من الله مبدؤها وإليه عَوْدُها.
آل عمران 3:61
قوله جلّ ذكره: { فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ } الآية.
يعني بعدما ظَهَرْتَ على صدق ما يُقال لك، وتَحقَّقْتَ بقلبك معرفة ما خاطبناك، فلا تحتشم من حملهم على المباهلة، وثقْ بأن لك القهر والنصرة، وأَنَّا توليناك، وفي كنف قُرْبنا آويناك، ولو أنهم رغبوا في هذه المباهلة لأحرقت الأودية عليهم نيراناً مؤججة، ولكن أخَّر الله - سبحانه - ذلك عنهم لعلمه بِمَنْ في أصلابهم من المؤمنين.
والإشارة في هذه الآية لِمَنْ نزلت حالته عن أحوال الصديقين، فإنه إذا ظهرت أنوارهم انخنست آثار هؤلاء فلا إقرار، ولا عنهم آثار.
آل عمران 3:62
قوله جلّ ذكره: { إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ }.
لا يتسلط على شواهد التوحيد غبار شبهة، ولا يدرك سر حكمه وهم مخلوق، ولا يدانيه معلوم يحصره الوجود، أو موهوم يصوره التقدير.
آل عمران 3:63
فإن تولوا - يا محمد - فإنه لا ثَبَاتَ عند شعاع أنوارك لشبهة مُبْطِل.
{ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِٱلْمُفْسِدِينَ } إمَّا يجتاحهم، أو يحلم حتى إذا استمكنَتْ ظنونُهم يأخذهم بغتَةً وهم لا يُنْصَرون.
آل عمران 3:64
قوله جلّ ذكره: { قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } الآية.
هي كلمة التوحيدِ وإفرادِ الحق سبحانه في إنشاء الأشياء بالشهود.
وقوله: { أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ }: لا تطالع بِسِرِّك مخلوقاً. وكما لا يكون غيرُه معبودَك فينبغي ألا يكون غيرُه مقصودَك ولا مشهودَك، وهذا هو اتِّقاء الشِرْك، وأنت أول الأغيار الذين يجب ألا تشهدهم.
{ وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً } ويظهر صدقُ هذا بترك المدح والذم لهم.
ونفي الشكوى والشك عنهم، وتنظيف السر عن حسبان ذرة من المحو والإثبات منهم. قال صلى الله عليه وسلم " أصدق كلمة قالتها العربُ قول لبيد "
ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل وكل نعيمٍ لا مَحالة زائل
فإنَّ الذي على قلوبهم من المشاق أشد. وأمَّا أهل البداية فالأمر مُضيَّقٌ عليهم في الوظائف والأوراد، فسبيلهم الأخذ بما هو الأشق والأصعب، لفراغهم بقلوبهم من المعاني، فمن ظنَّ بخلاف هذا فقد غلط.
والإشارة من هذه الآية أيضاً في قوله جل ذكره:
{ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ } الآية.
ضرب على خليله - صلوات الله - نقاب الضنَّة وحجاب الغيرة، فقطع سببه عن جميعهم بعد ادِّعاء الكل فيه، وحَكَمَ بتعارض شُبُهَاتِهم، وكيف يكون إبراهيم - عليه السلام - على دين مَنْ أتى بعده؟! إن هذا تناقضٌ من الظن.
آل عمران 3:65
قوله جلّ ذكره: { قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } الآية.
هي كلمة التوحيدِ وإفرادِ الحق سبحانه في إنشاء الأشياء بالشهود.
وقوله: { أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ }: لا تطالع بِسِرِّك مخلوقاً. وكما لا يكون غيرُه معبودَك فينبغي ألا يكون غيرُه مقصودَك ولا مشهودَك، وهذا هو اتِّقاء الشِرْك، وأنت أول الأغيار الذين يجب ألا تشهدهم.
{ وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً } ويظهر صدقُ هذا بترك المدح والذم لهم.
ونفي الشكوى والشك عنهم، وتنظيف السر عن حسبان ذرة من المحو والإثبات منهم. قال صلى الله عليه وسلم " أصدق كلمة قالتها العربُ قول لبيد "
ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل وكل نعيمٍ لا مَحالة زائل
فإنَّ الذي على قلوبهم من المشاق أشد. وأمَّا أهل البداية فالأمر مُضيَّقٌ عليهم في الوظائف والأوراد، فسبيلهم الأخذ بما هو الأشق والأصعب، لفراغهم بقلوبهم من المعاني، فمن ظنَّ بخلاف هذا فقد غلط.
والإشارة من هذه الآية أيضاً في قوله جل ذكره:
{ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ } الآية.
ضرب على خليله - صلوات الله - نقاب الضنَّة وحجاب الغيرة، فقطع سببه عن جميعهم بعد ادِّعاء الكل فيه، وحَكَمَ بتعارض شُبُهَاتِهم، وكيف يكون إبراهيم - عليه السلام - على دين مَنْ أتى بعده؟! إن هذا تناقضٌ من الظن.
آل عمران 3:66
يعني ما كان في كتابكم له بيان، ويصح أن يكون لكم عليه برهان، فَخَصَّهُمْ في ذلك إمَّا بحق وإما بباطل، فالذي ليس لكم ألبتة عليه دليل ولا لكم إلى معرفته سبيل فكيف تصديتم للحكم فيه، وادِّعاء الإحاطة به؟!
آل عمران 3:67
قوله جلّ ذكره: { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً }.
الحنيف المستقيم على الحق، والأحنف هو المستقيم في حلقة الرِّجْل، ويسمى مائل القَدَم بذلك على التفاؤل وإبراهيم عليه السلام كان حنيفاً لا مائلاً عن الحق، ولا زائغاً عن الشرع، ولا مُعَرِّجاً على شيء وفيه نصيب للنفس، فقد سَلَّم مَالَه ونَفْسَه ووَلدَه، وما كان له به جملةً - إلى حكم الله وانتظار أمره.
آل عمران 3:68
لما تفرقت الأهواء والبدع وصار كل حزب إلى خطأ آخر، بقي أهل الحقِّ في كل عصر وكل حين ووقت على الحجة المثلى، فكانوا حزباً واحداً، فبعضهم أَوْلى ببعض. وإبراهيم صاحب الحق، ومن دان بدينه - كمثل رسولنا صلى الله عليه وسلم وأمته - على الدين الذي كان عليه إبراهيم عليه السلام وهو توحيد الله سبحانه وتعالى.
{ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ } لأنهم تولَّوْا دينه، ووافقوا توحيده، وولاية الله إنما تكون بالعَوْن والنصرة والتخصيص والقربة.
آل عمران 3:69
قوله جلّ ذكره: { وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ }.
من حلَّت به فتنة، وأصابته محنة، واستهوته غواية - رَضِي لجميع الناس ما حلَّ به، فأهل الكتاب يريدون بالمؤمنين أن يزيغوا عن الحق، ولكن أبى الله إلا أن يتم نوره، وأن يعودَ إليهم وبالُ فعلهم.
آل عمران 3:70
قَبْلَ بعثه - صلى الله عليه وسلم - على صحة نبوته، فما الذي يحملكم على غيكم حتى جحدتم ما علمتم؟
آل عمران 3:71
تكتمون الحق في شأن محمد عليه السلام وأنتم تعلمون أنه النبي الصادق، وهل هذا حكم الخذلان وقضية الحرمان، ثم أخبر أَنَّ منهم من ينافق في حالته، فيريد أن يدفع عنه أذى المسلمين، ولا يخالف إخوانه من الكافرين، فتواصوا فيما بينهم بموافقة الرسول عليه السلام والمسلمين جهراً، والخلوص في عقائدهم الفاسدة بعضهم مع بعض سِرَّاً.
آل عمران 3:72
فبين الله سبحانه أن نفاقهم كُشِف للمسلمين، وأن ذلك لا ينفعُهم أمَّا في الدنيا فَلإِطْلاع الله نبيُّه عليه السلام والمؤمنين - عليه، وأَمَّا في الآخرة فَلِفَقْدِ إخلاصهم فيه.
آل عمران 3:73
قوله جلّ ذكره: { وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ }.
يحتمل أن يكون هذا ابتداء أمر من الله سبحانه للمسلمين، والإشارة فيه ألا تعاشروا الأضداد، ولا تفشوا أسراركم للأجانب.
{ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ }.
فهو الذي يختص من يشاء بأنوار التعريف، ويختص من يشاء بالخذلان والحرمان.
آل عمران 3:74
يختص من يشاء بفنون إنعامه، فالرحمة على هذا سبب لتخصيص النعمة لمن أراده. ولا بُدَّ من إضمار فيحتمل أن يختص بالرحمة من يشاء فلا تجري الرحمة مجرى السبب فالرحمة على هذا التأويل تكون بمعنى النبوة وتكون بمعنى الولاية.
وبمعنى العصمة وجميع أقسام الخيرات التي يختصُّ - بشيء منها - عبداً من عباده، فيدخل تحت قوله: { يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ } أي بنعمته.
فقومٌ اختصهم بنعمة الأخلاق وقوم اختصهم بنعمة الأرزاق، وقوم اختصهم بنعمة العبادة وآخرين بنعمة الإرادة، وآخرين بتوفيق الظواهر وآخرين بعطاء الأبشار، وآخرين بلقاء الأسرار، قال تعالى:{ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } [إبراهيم: 34].
ويقال لمَّا سمعوا قوله: { يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ } ، علموا أن الوسائل ليست بهادية، وإنما الأمر بالابتداء والمشيئة.
ويقال: { يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ } بالفهم عنه فيما يكاشفه به من الأسرار ويلقيه إليه من فنون التعريفات.
آل عمران 3:75
قوله جلّ ذكره: { وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ } الآية.
أخبر أنهم - مع ضلالتهم وكفرهم - متفاوتون في أخلاقهم، فكُلُّهمْ خَوَنَةٌ في أمانة الدِّين، ولكنّ منهم من يرجع إلى سداد المعاملة، ثم وإن كانت معاملتهم بالصدق فلا ينفعهم ذلك في إيجاب الثواب ولكن ينفعهم من حيث تخفيف العذاب؛ إذ الكفار مُطَالَبُون بتفصيل الشرائع، فإذا كانوا في كفرهم أقلَّ ذنباً كانوا بالإضافة إلى الأخسرين أقلَّ عذاباً، وإن كانت عقوبتهم أيضاً مؤبَّدة.
ثم بيَّن أنه ليس الحكم إليهم حتى إذا:
{ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ }.
فلا تجري عليهم هذه الحالة، أو تنفعهم هذه القالة، بل الحكم لله تعالى.
آل عمران 3:77
الذين آثروا هواهم على عُقباهم، وقدَّموا مناهم على موافقة مولاهم أولئك لا نصيب لهم في الآخرة؛ فللاستمتاع بما اختاروا من العاجل خسروا في الدارين.
بقوا عن الحق، وما استمتعوا بحظِّ، جَمَعَ عليهم فنون المِحَن ولكنهم لا يدرون ما أصابهم، لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ثم مع هذا يُخَلِّدُم في العقوبة الأبدية.
آل عمران 3:78
الإشارة من هذه الآية إلى المبطلين في الدعاوى في هذه الطريقة.
يزيِّنون العبارات، ويطلقون ألسنتهم بما لا خَبَرَ في قلوبهم منه، ولا لهم بذلك تحقيق، تلبيساً على الأغبياء والعوام وأهل البداية؛ يوهمون أن لهم تحقيق ما يقولونه بألسنتهم. قال تعالى في صفة هؤلاء { لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ } ، كذلك أرباب التلبيس والتدليس، يُرَوِّجون قالتَهم على المستضعفين، فأما أهل الحقائق فأسرارهم عندهم مكشوفة.
قال الله تعالى: { وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } ، أي يعلمون أنهم كاذبون، كذلك أهل الباطل والتلبيس في هذه الطريقة يتكلمون عن قلوب خَرِبةَ، وأسرار محجوبة، نعوذ بالله من استحقاق المقت!
آل عمران 3:79
أي ليس من صفة مَنْ اختراناه للنبوة واصطفيناه للولاية أن يدعو الخلق إلى نفسه، أو يقول بإثبات نفسه وحظِّه، لأن اختياره - سبحانه - إياهم للنبوة يتضمن عصمتهم عَمَّا لا يجوز، فتجويز ذلك في وصفهم مُنافٍ لحالهم، وإنما دعاء الرسل والأولياء - للخلق - إلى الله سبحانه وتعالى، وهو معنى قوله تعالى: { وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ } أي إنما أشار بهم على الخلق بأن يكونوا ربانيين، والربَّاني منسوبٌ إلى الرب كما يقال فلان دقياني ولحياني... وبابه.
وهم العلماء بالله الحلماء في الله القائمون بفنائهم عن غير الله، المستهلكة حظوظهم، المستغرِقون في حقائق وجوده عن إحساسهم بأحوال أنفسهم، ينطقون بالله ويسمعون بالله، وينظرون بالله، فهم بالله مَحْوٌ عمَّا سوى الله.
ويقال الرباني من ارتفع عنه ظِلُّ نفسه، وعاش في كنف ظلِّه - سبحانه.
ويقال الرباني الذي لا يُثْبِتُ غير ربِّه مُوَحَّداً، ولا يشهد ذرة من المحو والإثبات لغيره أو مِنْ غيره.
ويقال الربَّاني من هو مَحْقٌ في وجوده - سبحانه - ومحو عن شهوده، فالقائم عنه غَيْرُه، والمُجْرِي لِمَا عليه سواه.
ويقال الربَّاني الذي لا تؤثر فيه تصاريف الأقدار على اختلافها.
ويقال الربَّاني الذي لا تُغَيِّره محنة ولا تَضُرُّه نِعْمة - فهو على حالة واحدة في اختلاف الطوارق.
ويقال الربَّاني الذي لا يتأثر بورود واردٍ عليه، فَمَنْ استنطقته رقة قلبِ، أو اسْتَمَالَه هجومُ أمر، أو تفاوتت عنده أخطار حادث - فليس برباني.
ويقال إنَّ الربَّاني هو الذي لا يبالي بشيء من الحوادث بقلبه وسِرِّه، ومن كان لا يقصر في شيء من الشرع بفعله.
{ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ } مِنْ توالي إحساني إليكم، وتضاعف نعمتي لديكم.
آل عمران 3:80
أي لا تنسبون إليهم ذرة من الإثبات في الخير والشر.
ويقال يعرفكم حدَّ البشرية وحقَّ الربوبية.
ويقال يأمركم بتوقيرهم من حيث الأمر والشريعة، وتحقير قدر الخلق - بالإضافة إلى الربوبية. { أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ } أيأمركم بإثبات الخلق بعد شهود الحق؟
ويقال: أيأمركم بمطالعة الأشكال، ونسبة الحدثان إلى الأمثال، بعد أن لاحت في أسراركم أنوار التوحيد، وطلعت في قلوبكم شموس التفريد.
آل عمران 3:81
قوله جلّ ذكره: { وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ } الآية.
أخذ الله ميثاق محمد صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء عليهم السلام، كما أخذ ميثاقهم في الإقرار بربوبيته - سبحانه، وهذا غاية التشريف للرسول عليه السلام، فقد قَرَنَ اسمه باسم نفسه، وأثبت قَدْرَة كما أثبت قدر نفسه، فهو أوحد الكافة في الرتبة، ثم سَهَّلَ سبيلَ الكافة في معرفة جلاله بما أظهر عليه من المعجزات.
آل عمران 3:82
الإشارة فيه: فَمَنْ حاد عن سُنَّتِه، أو زاغ عن اتباع طريقته بعد ظهور دليله، ووضوح معجزته فأولئك هم الذين خَبُثَتْ درجتهم، ووجب المقت عليهم لجحدهم، وسقوطهم عن تعلُّق العناية بهم.
آل عمران 3:83
قوله جلّ ذكره: { أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً }.
مَنْ لاحظه على غير الحقيقة، أو طالع سواه في توهم الأهلية كَرَاءٍ السراب ظَنَّه ماءً فلمَّا أتاه وجده هباءً. ومغاليط الحسبانات مُقَطِّعِةٌ مُشِكلَةٌ فَمَنْ حَلَّ بها نَزَلَ بوادٍ قَفْرٍ.
{ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً } لإجراء حكم الإلهية على وجه القهر عليهم.
آل عمران 3:84
آمنا بالله لا بنفوسنا أو حَوْلنا أو قوتنا.
وآمنا بما أنزل علينا بالله، وأَنَّا لا نُفَرِّق بين أحد منهم - بالله سبحانه - لا بحولنا واختيارنا، وجهدنا واكتسابنا، ولولا أنه عرَّفنا أنه مَنْ هو ما عرفنا وإلا فمتى عَلِمْنا ذلك.
آل عمران 3:85
مَنْ سَلَكَ غير الخمود تحت جريان حكمه سبيلاً زَلَّتَ قَدَمُه في وهدة من المغاليط لا مدى لقعرها.
ويقال من توسَّل إليه بشيء دون الاعتصام به فخُسْرانه أكثر من رِبْحِه.
ويقال من لم يَفْنَ عن شهود الكل لم يصل إلى مَنْ به الكل.
ويقال مَنْ لم يَمْشِ تحت راية المصطفى صلى الله عليه وسلم المُعظَّم في قَدْره، المُعَلَّى في وصفه، لم يُقْبَلْ منه شيء ولا ذرة.
آل عمران 3:86
قوله جلّ ذكره: { كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ } الآية.
مَنْ أبعده عن استحقاق الوصلة في سابق حكمه فمتى يقربه من بساط الخدمة بفعله في وقته؟
ويقال: الذي أقصاه حكم (الأول) متى أدناه صدق العمل؟ والله غالبٌ على أمره.
آل عمران 3:87
أولئك قصارى حالهم ما سبق لهم من حكمه في ابتداء أمرهم، ابتداؤهم ردُّ القسمة، ووسائطهم الصدُّ عن الخدمة، ونهايتهم المصير إلى الطرد والمذلة.
آل عمران 3:88
خالدين في تلك المذلة لا يفتر عنهم العذاب لحظة، ولا يخفف دونهم الفراق ساعة.
آل عمران 3:89
أولئك هم الذين تداركتهم الرحمة، ولم يكونوا في شق السبق من تلك الجملة، وإن كانوا في توهم الخلق من تلك الزمرة.
آل عمران 3:90
الإشارة منه: أن الذين رجعوا إلى أحوال أهل العادة بعد سلوكهم طريق الإرادة، وآثروا الدنيا ومطاوعة الهوى على طلب الحق سبحانه وتعالى، ثم أنكروا على أهل الطريقة، وازدادوا في وحشة ظلماتهم - لن تُقبلَ توبتهم، { وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ } عن طريق الحق فإنه لا يقبل الأمانة بعد ظهور الخيانة. وعقوبتهم أنهم على ممر الأيام لا يزدادون إلا نفرة قلب عن الطريقة، ولا يتحسرون على ما فاتهم من صفاء الحالة. ولو أنهم رجعوا عن إصرارهم لها لقُبِلت توبتهم، ولكن الحق سبحانه أجرى سنته مع أصحاب الفترة في هذه الطريقة إذا رجعوا إلى أصول العادة ألا يتأسَّفوا على ما مضى من أوقاتهم.
قال تعالى:{ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [الأنعام: 110] وإن المرتدَّ عن الإسلام لأشدُّ عداوة للمسلمين من الكافر الأصلي، فكذلك الراجع عن هذه الطريقة لأشد إنكاراً لها وأكثر إعراضاً عن أهلها من الأجنبيِّ عنها.
آل عمران 3:91
الإشارة منه: لِمنْ مات بعد فترته - وإن كانت له بداية حسنة - فلا يحشر في الآخرة مع أهل هذه القصة، ولو تشفع له ألف عارف، بل من كمال المكر به أنه يلقى شبهه في الآخرة على غيره حتى يتوهم معارفه من أهل المعرفة أنه هو - فلا يخطر ببال أحد أنه ينبغي أن يشفع له.
آل عمران 3:92
لمَّا كان وجود البرِّ مطلوباً ذكر فيه " مِنْ " التي للتبعيض فقال: { مِمَّا تُحِبُّونَ }؛ فَمنْ أراد البر فلينفق مما يحبه أي البعض، وَمَنْ أراد البَارَّ فلينفقْ جميع ما يحبه. ومن أنفق محبوبه من الدنيا وَجَدَ مطلوبه من الحق تعالى، ومن كان مربوطاً بحظوظ نفسه لم يحظ بقرب ربِّه.
ويقال إذا كنت لا تصل إلى البر إلا بإنفاق محبوبك فمتى تصل إلى البارّ وأنت تؤثر عليه حظوظك. { وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } منهم من ينفق على ملاحظة الجزاء والعِوض، ومنهم من ينفق على مراقبة دفع البلاء والحَزَن، ومنهم من ينفق اكتفاء بعلمه، قال قائلهم:ويهتز للمعروف في طلب العلى لتُذكَرَ يوماً - عند سلمى - شمائلُه
آل عمران 3:93
الأصل في الأشياء ألا يشرع فيها بالتحليل والتحريم، فما لا يوجد فيه حدٌّ فذلك من الحق - سبحانه - توسعة ورفقة إلى أن يحصل فيه أمر وشرع؛ فإنَّ الله - سبحانه - وسَّعَ أحكام التكليف على أهل النهاية، فسبيلهم الأخذ بما هو الأسهل لتمام ما هم به من أحكام القلوب، فإن الذي على قلوبهم من المشاق أشد. وأما أهل البداية فالأمر مضيَّقٌ عليهم في الوظائف والأوراد؛ فسبيلهم الأخذ بما هو الأشق والأصعب لفراغهم بقلوبهم من المعاني، فمن ظنّ بخلاف هذا فقد غلط.
والإشارة من هذه الآية أيضاً في قوله: { فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } إلى أحوال أهل الدعاوى والمغاليط؛ فإنهم يخلون بنفوسهم فينسبون إلى الله - سبحانه - هواجسها، والله بريء عنها. وعزيزٌ عبدٌ يفرِّق بين الخواطر والهواجس.
آل عمران 3:94
الأصل في الأشياء ألا يشرع فيها بالتحليل والتحريم، فما لا يوجد فيه حدٌّ فذلك من الحق - سبحانه - توسعة ورفقة إلى أن يحصل فيه أمر وشرع؛ فإنَّ الله - سبحانه - وسَّعَ أحكام التكليف على أهل النهاية، فسبيلهم الأخذ بما هو الأسهل لتمام ما هم به من أحكام القلوب، فإن الذي على قلوبهم من المشاق أشد. وأما أهل البداية فالأمر مضيَّقٌ عليهم في الوظائف والأوراد؛ فسبيلهم الأخذ بما هو الأشق والأصعب لفراغهم بقلوبهم من المعاني، فمن ظنّ بخلاف هذا فقد غلط.
والإشارة من هذه الآية أيضاً في قوله: { فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } إلى أحوال أهل الدعاوى والمغاليط؛ فإنهم يخلون بنفوسهم فينسبون إلى الله - سبحانه - هواجسها، والله بريء عنها. وعزيزٌ عبدٌ يفرِّق بين الخواطر والهواجس.
آل عمران 3:95
مِلَةُ إبراهيم الخروج إلى الله بالكلية، والتسليم لحُكْمِه من غير أن تبقى بقية؛ فإثبات ذرة في الحِسبان من الحدثان شِرْكٌ - في التحقيق.
آل عمران 3:96
البيت حَجَرةٌ والعبد مَدَرَةٌ، فَرَبَطَ المدرة بالحجرة، فالمدر مع الحجر. وتعزَّز وتَقَدَّس من لم يزل.
ويقال البيت مطاف النفوس، والحق سبحانه مقصود القلوب!
البيت أطلال وآثار وإنما هي رسوم وأحجار ولكن:تلك آثارنا تدلُّ علينا فانظروا بعدنا إلى الآثار
ويقال البيت حجر، ولكن ليس كل حجر كالذي يجانسه من الحجر.
حَجَرٌ ولكن لقلوب الأحباب مزعج بل لأكباد الفقراء منفج، لا بل لقلوب قومٍ مِثْلِجٌ مبهج، ولقلوب الآخرين منفج مزعج.
وهم على أصناف: بيت هو مقصد الأحباب ومزارهم، وعنده يسمع أخبارهم ويشهد آثارهم.
بيت من طالعه بعين التفرقة عاد بسرٍ خراب، ومن لاحظه بعين الإضافة حظي بكل تقريب وإيجاب، كما قيل:إن الديار - وإن صَمَتَتْ - فإنَّ لها عهداً بأحبابنا إذ عندها نزلوا
بيت من زاره بنفسه وجد ألطافه، ومن شهده بقلبه نال كشوفاته.
ويقال قال سبحانه:{ وَطَهِّرْ بَيْتِيَ } [الحج: 26] وأضافه إلى نفسه، وقال ها هنا: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } وفي هذا طرف من الإشارة إلى عين الجمع.
وسميت (بكة) لازدحام الناس، فالكلُّ يتناجزون على البدار إليه، ويزدحمون في الطواف حواليْه، ويبذلون المهج في الطريق ليصلوا إليه.
والبيت لم يخاطِب أحداً منذ بنِيَ بُمْنَيةٍ، ولم يستقبل أحداً بحظوة، ولا راسل أحداً بسطر في رسالة، فإذا كان البيت الذي خلقه من حجر - هذا وصفه في التعزز فما ظنُّك بِمَن البيتُ له. قال صلى الله عليه وسلم مخبراً عنه سبحانه: " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ".
ويقال إذا كان البيت المنسوب إليه لا تصل إليه من ناحية من نواحيه إلا بقطع المفاوز والمتاهات فكيف تطمع أن تصل إلى ربِّ البيت بالهوينى دون تحمُّل المشقات ومفارقة الراحات؟!
ويقال لا تُعِلِّق قلبك بأول بيتٍ وضع لَكَ ولكن أَفْرِدْ سِرِّكَ لأول حبيبٍ آثرك.
ويقال شتَّان بين عبدٍ اعتكف عند أول بيتٍ وُضِع له وبين عبدٍ لازم حضرة أول عزيز كان له.
ويقال ازدحام الفقراء بهممهم حول البيت ليس بأقل من ازدحام الطائفين بِقَدَمِهم، فالأغنياء يزورون البيت، ويطوفون بِقَدَمِهم، والفقراء يبقون عنه فيطوفون حوله بهممهم.
ويقال الكعبة بيت الحق سبحانه في الحجر، والقلب بيت الحق سبحانه في السِّر، قال قائلهم:لستُ من جملة المحبين إنْ لم أجعل القلبَ بيته والمقاما
وطوافي إجالة السِّر فيه وهو ركني إذا أردت استلاما
فاللطائف تطوف بقلوب العارفين، والحقائق تعتكف في قلوب الموحِّدين، والكعبة مقصود العبد بالحج، والقلب مقصود الحق بإفراده إياه بالتوحيد والوجد.
قوله جلّ ذكره: { مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ }.
بركاته اتصال الألطاف والكشوفات، فَمَنْ قصده بهمته، ونزل عليه بقصده هداه إلى طريق رُشْدِه.
قوله جلّ ذكره: { فِيهِ ءَايَٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ }.
ولكن لا تُدْرَكُ تلك الآيات بأبصار الرؤوس ولكن ببصائر القلوب، ومقام إبراهيم - في الظاهر - ما تأثر بِقَدَمِه، وفي الإشارة: ما وقف الخليل عليه السلام بهممه.
ويقال إن شرف مقام إبراهيم لأنه أَثَرُ الخليل، ولأثر الخليل خطر عظيم.
قوله جلّ ذكره: { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً }.
يقال مَنْ دَخَلَ مقام إبراهيم كان آمناً، ومقام إبراهيم التسليم، ومن كان مسلماً أموره إلى الله لم يبق له اختيار، وكان آمناً؛ فالأمن ضده الخوف، والخوف إنما يكون على ألا يحصل مرادك على ما تريد، فإِذا لم تكن للعبد إرادة واختيار فأيُّ مساغٍ للخوف في وصفه؟
ويقال إن الكناية بقوله: { دَخَلَهُ } راجعة إلى البيت، فمن دخل بيته - على الحقيقة - كان آمناً، وذلك بأن يكون دخوله على وصف الأدب، ولا محالة أدب دخول البيت تسليم الأمور إلى رب البيت، فإنَّ من لم يكن صاحب تسليم فهو معارضٌ للتقدير. ودخول البيت إنما الأدب فيه أن يكون دخولاً على التسليم دون المعارضة والنزاع فيؤول إلى المعنى المتقدم.
وإن جعلتَ الإشارة من البيت إلى القلب فمن دخل قلبَه سلطان الحقيقة أَمِنَ مِنْ نوازع البشرية وهواجسِ غاغة النفس، فإنَّ من التجأ إلى ظل المَلِكِ لم يمتطِ إليه محذوراً.
ويقال لا يكون دخول البيت - على الحقيقة - إلا بخروجك عنك، فإذا خرجت عنكَ صَحَّ دخولُك في البيت، وإذا خرجتَ عنكَ أَمِنْتَ.
ويقال دخول بيته لا يصحُّ مع تعريجك في أوطانك ومعاهدك، فإن الشخص الواحد لا يكون في حالة واحدة في مكانين؛ فمن دخل بيت ربِّه فبالحريِّ أن يخرج عن معاهد نفسه.
قوله جلّ ذكره: { وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً }.
شرط الغَنيِّ ألا يَدَّخِر عن البيت شيئاً مِنْ مالِه، وشرط الفقير ألا يدخر عن الوصول إلى بيته نَفَساً من روحه.
ويقال الاستطاعة فنون؛ فمستطيع بنفسه ومَالِه وهو الصحيح السليم، ومستطيع بغيره وهو الزَّمِنُ المعصوب، وثالث غفل الكثيرون عنه وهو مستطيع بربه وهذا نعت كل مخلص مستحق فإن بلاياه لا تحملها إلا مطايانا.
ويقال حج البيتِ فَرْضٌ على أصحاب الأموال، وربِّ البيتِ فَرْضٌ على الفقراء فرض حتم؛ فقد يَنْسَدُّ الطريق إلى البيت ولكن لا ينسدُّ الطريق إلى رب البيت، ولا يُمْنَعُ الفقير عن ربِّ البيت.
ويقال الحج هو القصد إلى مَنْ تُعَظِّمه: فقاصدٌ بنفسه إلى زيارة البيت، وقاصد بقلبه إلى شهود رب البيت، فشتان بين حج وحج، هؤلاء تحللهم عن إحرامهم عند قضاء منسكهم وأداء فَرضِهم، وهؤلاء تحللهم عن إحرامهم عند شهود ربهم، فأمَّا القاصدون بنفوسهم فأحرموا عن المعهودات من محرمات الإحرام، وأمَّا القاصدون بقلوبهم فإنهم أحرموا عن المساكنات وشهود الغير وجميع الأنام.
قوله جلّ ذكره: { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ }.
ضرب رقم الكفر على من ترك حج البيت، ووقعت بسبب هذا القول قلوب العلماء في كدِّ التأويل، ثم قال: { فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ } وهذا زيادة تهديد تدل عَلى زيادة تخصيص.
ويقال إن سبيل من حج البيت أن يقوم بآداب الحج، فإذا عقد بقلبه الإحرام يجب أن يفسخ كلَّ عَقْدٍ يصدُّه عن هذا الطريق، وينقض كل عزم يرده عن هذا التحقيق، وإذا طَّهَّرَ تَطَهَّرَ عن كل دَنَسٍ من آثار الأغيار بماء الخجل ثم بماء الحياء ثم بماء الوفاء ثم بماء الصفاء، فإذا تجرَّد عن ثيابه تجرد عن كل ملبوسٍ له من الأخلاق الذميمة، وإذا لبَّى بلسانه وجب ألا تبقى شَعْرَةٌ مِنْ بَدَنِهِ إلا وقد استجابت لله. فإذا بلغ الموقف وقف بقلبه وسِرِّه حيث وقفه الحق بلا اختيار مقام، ولا تعرض لتخصيص؛ فإذا وقف بعرفات عرف الحق سبحانه، وعرف له تعالى حقَّه على نفسه، ويتعرَّف إلى الله تعالى بِتَبَرِّيه عن مُنَّتِه وحَوْلِه، والحقُّ سبحانه يتعرَّف إليه بِمِنَّته وطَوْله، فإذا بلغ المشعر الحرام يذكر مولاه بنسيان نفسه، ولا يصحُّ ذكرُه لربِّه مع ذكره لنفسه، فإذا بلغ مَنيّ نفى عن قلبه كل طَلَبٍ ومُنَى، وكلَّ شهوةٍ وهوى.
وإذا رمى الجمار رمى عن قلبه وقذف عن سره كل علاقة في الدنيا والعقبى.
وإذا ذبح ذبح هواه بالكلية، وتَقَرَّب به إلى الحق سبحانه، فإذا دخل الحَرَمَ عَزَمَ على التباعد عن كل مُحرَّم على لسان الشريعة وإشارة الحقيقة.
وإذا وقع طَرْفُه على البيت شهد بقلبه ربَّ البيت، فإذا طاف بالبيت أخذ سِرُّه بالجولان في الملكوت.
فإذا سعى بين الصفا والمروة صفَّى عنه كل كدورة بشرية وكل آفة إنسانية.
فإذا حَلَقَ قطع كلَّ علاقة بقيت له.
وإذا تحلل من إحرام نفسه وقصده إلى بيت ربِّه استأنف إحراماً جديداً بقلبه، فكما خرج من بيت نفسه إلى بيت ربه يخرج من بيت ربه إلى ربه تعالى.
فمن أكمل نُسْكَه فإنما عمل لنفسه، ومن تكاسل فإنَّ الله غني عن العالمين وقال صلى الله عليه وسلم: " الحاج أشعث أغبر " ، فمن لم يتحقق بكمال الخضوع والذوبان عن كليته فليس بأشعث ولا أغبر.
آل عمران 3:97
البيت حَجَرةٌ والعبد مَدَرَةٌ، فَرَبَطَ المدرة بالحجرة، فالمدر مع الحجر. وتعزَّز وتَقَدَّس من لم يزل.
ويقال البيت مطاف النفوس، والحق سبحانه مقصود القلوب!
البيت أطلال وآثار وإنما هي رسوم وأحجار ولكن:تلك آثارنا تدلُّ علينا فانظروا بعدنا إلى الآثار
ويقال البيت حجر، ولكن ليس كل حجر كالذي يجانسه من الحجر.
حَجَرٌ ولكن لقلوب الأحباب مزعج بل لأكباد الفقراء منفج، لا بل لقلوب قومٍ مِثْلِجٌ مبهج، ولقلوب الآخرين منفج مزعج.
وهم على أصناف: بيت هو مقصد الأحباب ومزارهم، وعنده يسمع أخبارهم ويشهد آثارهم.
بيت من طالعه بعين التفرقة عاد بسرٍ خراب، ومن لاحظه بعين الإضافة حظي بكل تقريب وإيجاب، كما قيل:إن الديار - وإن صَمَتَتْ - فإنَّ لها عهداً بأحبابنا إذ عندها نزلوا
بيت من زاره بنفسه وجد ألطافه، ومن شهده بقلبه نال كشوفاته.
ويقال قال سبحانه:{ وَطَهِّرْ بَيْتِيَ } [الحج: 26] وأضافه إلى نفسه، وقال ها هنا: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } وفي هذا طرف من الإشارة إلى عين الجمع.
وسميت (بكة) لازدحام الناس، فالكلُّ يتناجزون على البدار إليه، ويزدحمون في الطواف حواليْه، ويبذلون المهج في الطريق ليصلوا إليه.
والبيت لم يخاطِب أحداً منذ بنِيَ بُمْنَيةٍ، ولم يستقبل أحداً بحظوة، ولا راسل أحداً بسطر في رسالة، فإذا كان البيت الذي خلقه من حجر - هذا وصفه في التعزز فما ظنُّك بِمَن البيتُ له. قال صلى الله عليه وسلم مخبراً عنه سبحانه: " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ".
ويقال إذا كان البيت المنسوب إليه لا تصل إليه من ناحية من نواحيه إلا بقطع المفاوز والمتاهات فكيف تطمع أن تصل إلى ربِّ البيت بالهوينى دون تحمُّل المشقات ومفارقة الراحات؟!
ويقال لا تُعِلِّق قلبك بأول بيتٍ وضع لَكَ ولكن أَفْرِدْ سِرِّكَ لأول حبيبٍ آثرك.
ويقال شتَّان بين عبدٍ اعتكف عند أول بيتٍ وُضِع له وبين عبدٍ لازم حضرة أول عزيز كان له.
ويقال ازدحام الفقراء بهممهم حول البيت ليس بأقل من ازدحام الطائفين بِقَدَمِهم، فالأغنياء يزورون البيت، ويطوفون بِقَدَمِهم، والفقراء يبقون عنه فيطوفون حوله بهممهم.
ويقال الكعبة بيت الحق سبحانه في الحجر، والقلب بيت الحق سبحانه في السِّر، قال قائلهم:لستُ من جملة المحبين إنْ لم أجعل القلبَ بيته والمقاما
وطوافي إجالة السِّر فيه وهو ركني إذا أردت استلاما
فاللطائف تطوف بقلوب العارفين، والحقائق تعتكف في قلوب الموحِّدين، والكعبة مقصود العبد بالحج، والقلب مقصود الحق بإفراده إياه بالتوحيد والوجد.
قوله جلّ ذكره: { مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ }.
بركاته اتصال الألطاف والكشوفات، فَمَنْ قصده بهمته، ونزل عليه بقصده هداه إلى طريق رُشْدِه.
قوله جلّ ذكره: { فِيهِ ءَايَٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ }.
ولكن لا تُدْرَكُ تلك الآيات بأبصار الرؤوس ولكن ببصائر القلوب، ومقام إبراهيم - في الظاهر - ما تأثر بِقَدَمِه، وفي الإشارة: ما وقف الخليل عليه السلام بهممه.
ويقال إن شرف مقام إبراهيم لأنه أَثَرُ الخليل، ولأثر الخليل خطر عظيم.
قوله جلّ ذكره: { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً }.
يقال مَنْ دَخَلَ مقام إبراهيم كان آمناً، ومقام إبراهيم التسليم، ومن كان مسلماً أموره إلى الله لم يبق له اختيار، وكان آمناً؛ فالأمن ضده الخوف، والخوف إنما يكون على ألا يحصل مرادك على ما تريد، فإِذا لم تكن للعبد إرادة واختيار فأيُّ مساغٍ للخوف في وصفه؟
ويقال إن الكناية بقوله: { دَخَلَهُ } راجعة إلى البيت، فمن دخل بيته - على الحقيقة - كان آمناً، وذلك بأن يكون دخوله على وصف الأدب، ولا محالة أدب دخول البيت تسليم الأمور إلى رب البيت، فإنَّ من لم يكن صاحب تسليم فهو معارضٌ للتقدير. ودخول البيت إنما الأدب فيه أن يكون دخولاً على التسليم دون المعارضة والنزاع فيؤول إلى المعنى المتقدم.
وإن جعلتَ الإشارة من البيت إلى القلب فمن دخل قلبَه سلطان الحقيقة أَمِنَ مِنْ نوازع البشرية وهواجسِ غاغة النفس، فإنَّ من التجأ إلى ظل المَلِكِ لم يمتطِ إليه محذوراً.
ويقال لا يكون دخول البيت - على الحقيقة - إلا بخروجك عنك، فإذا خرجت عنكَ صَحَّ دخولُك في البيت، وإذا خرجتَ عنكَ أَمِنْتَ.
ويقال دخول بيته لا يصحُّ مع تعريجك في أوطانك ومعاهدك، فإن الشخص الواحد لا يكون في حالة واحدة في مكانين؛ فمن دخل بيت ربِّه فبالحريِّ أن يخرج عن معاهد نفسه.
قوله جلّ ذكره: { وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً }.
شرط الغَنيِّ ألا يَدَّخِر عن البيت شيئاً مِنْ مالِه، وشرط الفقير ألا يدخر عن الوصول إلى بيته نَفَساً من روحه.
ويقال الاستطاعة فنون؛ فمستطيع بنفسه ومَالِه وهو الصحيح السليم، ومستطيع بغيره وهو الزَّمِنُ المعصوب، وثالث غفل الكثيرون عنه وهو مستطيع بربه وهذا نعت كل مخلص مستحق فإن بلاياه لا تحملها إلا مطايانا.
ويقال حج البيتِ فَرْضٌ على أصحاب الأموال، وربِّ البيتِ فَرْضٌ على الفقراء فرض حتم؛ فقد يَنْسَدُّ الطريق إلى البيت ولكن لا ينسدُّ الطريق إلى رب البيت، ولا يُمْنَعُ الفقير عن ربِّ البيت.
ويقال الحج هو القصد إلى مَنْ تُعَظِّمه: فقاصدٌ بنفسه إلى زيارة البيت، وقاصد بقلبه إلى شهود رب البيت، فشتان بين حج وحج، هؤلاء تحللهم عن إحرامهم عند قضاء منسكهم وأداء فَرضِهم، وهؤلاء تحللهم عن إحرامهم عند شهود ربهم، فأمَّا القاصدون بنفوسهم فأحرموا عن المعهودات من محرمات الإحرام، وأمَّا القاصدون بقلوبهم فإنهم أحرموا عن المساكنات وشهود الغير وجميع الأنام.
قوله جلّ ذكره: { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ }.
ضرب رقم الكفر على من ترك حج البيت، ووقعت بسبب هذا القول قلوب العلماء في كدِّ التأويل، ثم قال: { فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ } وهذا زيادة تهديد تدل عَلى زيادة تخصيص.
ويقال إن سبيل من حج البيت أن يقوم بآداب الحج، فإذا عقد بقلبه الإحرام يجب أن يفسخ كلَّ عَقْدٍ يصدُّه عن هذا الطريق، وينقض كل عزم يرده عن هذا التحقيق، وإذا طَّهَّرَ تَطَهَّرَ عن كل دَنَسٍ من آثار الأغيار بماء الخجل ثم بماء الحياء ثم بماء الوفاء ثم بماء الصفاء، فإذا تجرَّد عن ثيابه تجرد عن كل ملبوسٍ له من الأخلاق الذميمة، وإذا لبَّى بلسانه وجب ألا تبقى شَعْرَةٌ مِنْ بَدَنِهِ إلا وقد استجابت لله. فإذا بلغ الموقف وقف بقلبه وسِرِّه حيث وقفه الحق بلا اختيار مقام، ولا تعرض لتخصيص؛ فإذا وقف بعرفات عرف الحق سبحانه، وعرف له تعالى حقَّه على نفسه، ويتعرَّف إلى الله تعالى بِتَبَرِّيه عن مُنَّتِه وحَوْلِه، والحقُّ سبحانه يتعرَّف إليه بِمِنَّته وطَوْله، فإذا بلغ المشعر الحرام يذكر مولاه بنسيان نفسه، ولا يصحُّ ذكرُه لربِّه مع ذكره لنفسه، فإذا بلغ مَنيّ نفى عن قلبه كل طَلَبٍ ومُنَى، وكلَّ شهوةٍ وهوى.
وإذا رمى الجمار رمى عن قلبه وقذف عن سره كل علاقة في الدنيا والعقبى.
وإذا ذبح ذبح هواه بالكلية، وتَقَرَّب به إلى الحق سبحانه، فإذا دخل الحَرَمَ عَزَمَ على التباعد عن كل مُحرَّم على لسان الشريعة وإشارة الحقيقة.
وإذا وقع طَرْفُه على البيت شهد بقلبه ربَّ البيت، فإذا طاف بالبيت أخذ سِرُّه بالجولان في الملكوت.
فإذا سعى بين الصفا والمروة صفَّى عنه كل كدورة بشرية وكل آفة إنسانية.
فإذا حَلَقَ قطع كلَّ علاقة بقيت له.
وإذا تحلل من إحرام نفسه وقصده إلى بيت ربِّه استأنف إحراماً جديداً بقلبه، فكما خرج من بيت نفسه إلى بيت ربه يخرج من بيت ربه إلى ربه تعالى.
فمن أكمل نُسْكَه فإنما عمل لنفسه، ومن تكاسل فإنَّ الله غني عن العالمين وقال صلى الله عليه وسلم: " الحاج أشعث أغبر " ، فمن لم يتحقق بكمال الخضوع والذوبان عن كليته فليس بأشعث ولا أغبر.
آل عمران 3:98
الخطاب بهذه الآية لتأكيد الحجة عليهم، ومن حيث الحقيقة والقهر يَسُدُّ الحجة عليهم، فهم مدعوون - شرعاً وأمراً، مطرودون - حُكْماً وقهراً.
آل عمران 3:99
كيف يصد غيره مَنْ هو مصدودٌ في نَفْسِه؟ إنَّ في هذا لَسِرَّا للربوبية.
آل عمران 3:100
الوحشة ليست بلازمة لأصحابها، بل هي متعدية إلى كل من يحوِّم حول أهلها، فَمَنْ أطاع عدوَّ الله إلى شؤم صحبة (الأعداء) ألقاه في وهدته.
آل عمران 3:101
لا ينبغي لمن أشرقت في قلبه شموسُ العرفان أن يوقع الكفرُ عليه ظِلَّه، فإنه إذا أقبل النهارُ من ها هنا أدبر الليل من ها هنا.
وقوله: { وَمَن يَعْتَصِم } الآية إنما يعتصم بالله مَنَّ وَجَدَ العصمة من الله، فأمَّا مَنْ لم يَهْدِه الله فمتى يعتصم بالله؟ فالهدايةُ منه في البداية توجِبُ اعتصامك في النهاية، لا الاعتصام منك يوجب الهداية.
وحقيقةُ الاعتصام صدق اللُّجوء إليه، ودوامُ الفرار إليه، واستصحاب الاستغاثة إليه. ومَنْ كشف عن سِرِّه غطاء التفرقة تحقق بأنه لا لغير الله ذرة أو منه سينة، فهذا الإنسان يعتصم به ممن يُعْتَصَمُ به؛ قال سيد الأولين والآخرين صلوات الله عليه وعلى آله: { أَعُوذُ بِكَ مِنْ }.
ومَنْ اعتصم بنفسه دون أن يكون محواً عن حوله وقوته في اعتصامه - فالشِرْكُ وطنُه وليس يشعر.
آل عمران 3:102
قوله جلّ ذكره: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ }.
حقُّ التقوى أن يكون على وفق الأمر لا يزيد من قِبَلِ نَفْسِه ولا ينقص.
هذا هو المعتمد من الأقاويل فيه، وأمره على وجهين: على وجه الحَتْم وعلى وجه النَدْب وكذلك القول في النهي على قسمين: تحريم وتنزيه، فيدخل في جملة هذا أن يكون حق تقاته أولاً اجتناب الزلة ثم اجتناب الغفلة ثم التوقي عن كل خلة ثم التنقي من كل عِلَّة، فإذا تَقِيتَ عن شهود تقواك بعد اتصافك بتقواك فقد اتَّقَيْت حقَّ تقواك.
وحق التقوى رفض العصيان ونفي النسيان، وصون العهود، وحفظ الحدود، وشهود الإلهية، والانسلاخ عن أحكام البشرية، والخمود تحت جريان الحكم بعد اجتناب كل جُرْم وظلم، واستشعار الأنفة عن التوسل إليه بشيء من طاعتك دون صرف كرمه، والتحقق بأنه لا يَقْبل أحداً بعِلَّة ولا يَرُدُّ أحداً بعلة.
قوله جلّ ذكره: { وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ }.
لا تُصَادِفَنَّكم الوفاة إلا وأنتم بشرط الوفاء.
آل عمران 3:103
الاعتصامُ بحبله - سبحانه - التمسك بآثار الواسطة - العزيز صلوات الله عليه - وذلك بالتحقق والتعلُّق بالكتاب والسُّنَّة.
ويصح أن يقال: الخواص يُقال لهم { وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ } ، وخاص الخاص قيل لهم { وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ } ، ولِمَنْ رجع عند سوانحه إلى اختياره واحتياله، أو فكرته واستدلاله، أو معارفه وأشكاله، والتجأ إلى ظل تدبيره، واستضاء بنور عقله وتفكيره - فمرفوع عنه ظل العناية، وموكول إلى سوء حاله.
وقوله: { وَلاَ تَفَرَّقُواْ }: التفرقة أشد العقوبات وهي قرينة الشِرْك.
وقوله: { وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً }. وكانوا أعداء حين كانوا قائمين بحظوظهم، مُعَرِّجِين على ضيق البشرية، متزاحمين بمقتضى شُحِّ النفوس.
{ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ }: بالخلاص من أسْرِ المكونات، ودَفَعَ الأخطار عن أسرارهم، فصار مقصودُهم جميعاً واحداً؛ فلو ألَّفَ ألْفَ شخص في طلبٍ واحدٍ - فهم في الحقيقة واحد.
{ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً } نعمته التي هي عصمته إياكم، إخواناً مُتَّفقِي القصدَ والهمة، متفانين عن حظوظ النَّفْس وخفايا البخل والشحُّ.
{ وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ }: بكونكم تحت أسْرِ مُنَاكم، ورباط حظوظكم وهواكم.
{ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا }: بنور الرضاء، والخمود عند جريان القضاء، وتلك حقاً هي المكانة العُظمى والدرجة الكبرى، ويدخل في هذه الجملة تَرْكُ السكون إلى ما مِنْك من المناقب والتُّقى، والعقل والحجا، والتحصيل والنُّهى، والفرار إلى الله - عزَّ وجلَّ - عن كل غَيْر وسوى.
آل عمران 3:104
هذه إشارة إلى أقوامٍ قاموا بالله لله، لا تأخذهم لومة لائم، ولا تقطعهم عن الله استنامة إلى علة، وقفوا جملتهم على دلالات أمره، وقصَرُوا أنفاسَهم واستغرقوا أعمارَهم على تحصيل رضاه، عملوا لله، ونصحوا الدين لله، ودَعَوْا خَلْقَ الله إلى الله، فَرَبِحَتْ تجارتُهم، وما خَسِرتْ صفقتهم.
آل عمران 3:105
هؤلاء أقوام أظهر عليهم في الابتداء رقومَ الطلب، ثم وسمهم في الانتهاء بِكَيِّ الفُرقة، فباتوا في شق الأحباب، وأصبحوا في زمرة الأجانب.
آل عمران 3:106
أرباب الدَّعاوَى تسودُّ وجوههم، وأصحابَ المعاني تبيض وجوههم، وأهل الكشوفات غداً تبيضُّ بالإشراق وجوهُهُم، وأصحاب الحجاب تسودُّ بالحجبة وجوهُهُم، فتعلوها غَبَرة، وترهقها قَتَرَة.
ويقال مَنْ ابيض - اليومَ - قلبُه ابيضَّ - غداً - وجهُه، ومَنْ كان بالضد فحاله العكس.
ويقال مَنْ أعرض عن الخلق - عند سوانحه - ابيضَّ وجهه بروح التفويض، ومَنْ علَّق بالأغيار قلبَه عند الحوائج اسودّ محيَّاه بغبار الطمع؛ فأمّا الذين ابيضت وجوههم ففي أُنُسٍ وروح، وأمّا الذين اسودّت وجوههم ففي محن ونَوْح.
آل عمران 3:107
أرباب الدَّعاوَى تسودُّ وجوههم، وأصحابَ المعاني تبيض وجوههم، وأهل الكشوفات غداً تبيضُّ بالإشراق وجوهُهُم، وأصحاب الحجاب تسودُّ بالحجبة وجوهُهُم، فتعلوها غَبَرة، وترهقها قَتَرَة.
ويقال مَنْ ابيض - اليومَ - قلبُه ابيضَّ - غداً - وجهُه، ومَنْ كان بالضد فحاله العكس.
ويقال مَنْ أعرض عن الخلق - عند سوانحه - ابيضَّ وجهه بروح التفويض، ومَنْ علَّق بالأغيار قلبَه عند الحوائج اسودّ محيَّاه بغبار الطمع؛ فأمّا الذين ابيضت وجوههم ففي أُنُسٍ وروح، وأمّا الذين اسودّت وجوههم ففي محن ونَوْح.
آل عمران 3:108
نُدِيمُ مخاطبتنا معك على دوام الأوقات في كل قليل وكثير، عمارة لسبيل الوداد: { وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ } وأنَّى يجوز الظلم في وصفه تقديراً ووجوداً - والخلق كلُّهم خَلْقُه - والحكمُ عليهم حُكْمُه؟
{ وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } حُكماً.
آل عمران 3:109
نُدِيمُ مخاطبتنا معك على دوام الأوقات في كل قليل وكثير، عمارة لسبيل الوداد: { وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ } وأنَّى يجوز الظلم في وصفه تقديراً ووجوداً - والخلق كلُّهم خَلْقُه - والحكمُ عليهم حُكْمُه؟
{ وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } حُكماً.
آل عمران 3:110
قوله جلّ ذكره: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ }.
لمّا كان المصطفى صلوات الله عليه أشرفَ الأنبياء كانت أُمَّتُه - عليه السلام - خيرَ الأمم. ولمَّا كانوا خيرَ الأمم كانوا أشرفَ الأمم، ولمَّا كانوا أشرف الأمم كانوا أشْوَقَ الأمم، فلمَّا كانوا أشوق الأمم كانت أعمارُهم أقْصَرَ الأعمار، وخَلقَهم آخِرَ الخلائق لئلا يطولَ مُكْثُهم تحت الأرض. وما حصلت خيريتُهم بكثرة صلواتهم وعبادتهم، ولكن بزيادة إقبالهم، وتخصيصه إياهم. ولقد طال وقوف المتقدمين بالباب ولكن لما خرج الإذنُ بالدخول تقدَّم المتأخرون:وكم باسطين إلى وَصْلِنا أكُفَّهُم لم ينالوا نصيبا
قوله جلّ ذكره: { تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ }.
المعروف خدمة الحق، والمنكر صحبة النفس.
المعروف إيثار حقِّ الحق، والمنكر اختيار حظ النفس.
المعروف ما يُزْلِفُك إليه، والمنكر ما يحجبك عنه.
وشرط الآمر بالمعروف أن يكون متصفاً بالمعروف، وحقُّ النَّاهي عن المنكر أن يكون منصرفاً عن المنكر.
{ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ }.
لو دَخَلَ الكافةُ تحت أمرنا لوصلوا إلى حقيقة العزِّ في الدنيا والعقبى، ولكن بَعُدُوا عن القبول في سابق الاختيار فصار أكثرُهم موسوماً بالشِّرْك.
آل عمران 3:111
إن الحق سبحانه وتعالى لا يسلط على أوليائه إلا بمقدار ما يصدق إلى الله فرارهم، فإذا حق فرارهم أكرم لديه قرارهم، وإن استطالوا على الأولياء بموجب حسبانهم انعكس الحال عليهم بالصغار والهوان.
آل عمران 3:112
علَمُ الهجران لا ينكتم، وسِمَةُ البُعْد لا تَخْفَى، ودليل القطيعة لا يستتر؛ فهم في صغار الطرد، وذُلِّ الرد، يعتبر بهم أولو الأبصار، ويغترُّ بهم أضرابُهم من الكفار الفُجَّار.
آل عمران 3:113
كما غَايَرَ بين النور والظلام مغايرة تضاد فكذلك تضاد فكذلك أثبت منافاة بين أحوال الأولياء وأحوال الأعداء، ومتى يستوي الضياء والظلمة، واليقين والتُّهمة، والوصلة والفرقة، والبعاد والألفة، والمعتكف على البِساط والمنصرف عن الباب، والمتصف بالولاء والمنحرف عن الوفاء؟ هيهات يلتقيان! فكيف يتفقان أو يستويان؟!
آل عمران 3:114
كما غَايَرَ بين النور والظلام مغايرة تضاد فكذلك تضاد فكذلك أثبت منافاة بين أحوال الأولياء وأحوال الأعداء، ومتى يستوي الضياء والظلمة، واليقين والتُّهمة، والوصلة والفرقة، والبعاد والألفة، والمعتكف على البِساط والمنصرف عن الباب، والمتصف بالولاء والمنحرف عن الوفاء؟ هيهات يلتقيان! فكيف يتفقان أو يستويان؟!
آل عمران 3:115
لن يخيبَ عن بابه قاصد، ولم يخسر عليه (تاجر)، ولم يستوحش معه مصاحب، ولم يَذِلّ له طالب.
آل عمران 3:116
لا في الحال لهم بدل ولا في المآل عنهم خلف. في عاجلهم خَسِروا، وفي آجلهم في قطعٍ وهجْرٍ، وبلاءٍ وخُسْرٍ، وعذابٍ ونُكْر:تبَدَّلَتْ وتبدلنا واحسرةً لمن ابتغى عِوَضاً لسلمى فلم يَجدَ
آل عمران 3:117
ما وجدوا ميراث ما بذلوا لغير الله إلا حسراتٍ متتابعة، وما حصلوا من حسباناتهم إلا على محن مترادفة، وذلك جزاء من أعرض وتولّى.
آل عمران 3:118
الركون إلى الضد - بعد تبين المشاق - إعانة على الحال بما لا يبلغه كيد العدو، فأشار الحقُّ - سبحانه - على المسلمين بالتحرز عن الاعتراض، وإظهار البراءة عن كل غير، ودوام الخلوص للحق - سبحانه - بالقلب والسر. وأخبر أن مضادات القوم للرسول صلى الله عليه وسلم أصلية غير طارئة عليهم، وكيف لا؟ وهو صلوات الله عليه محلُّ الإقبال وهم محل الإعراض. ومتى يجتمع الليلُ والنهار؟!
آل عمران 3:119
قوله جلّ ذكره: { هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ }.
أنتم بقضية كرمكم تصفو - عن الكدورات - قلوبُكم؛ فتغلبكم الشفقة عليهم، وهم - لعتوِّهم وخُلْفِهم - يكيدون لكم ما استطاعوا، ولفرط وحشتهم لا تترشح منهم إلا قطرات غيظهم. فَفَرِّغْ - يا محمد - قلبك منهم.
{ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ }.
دَعْهُمْ يتفردوا بمقاساة ما تداخلهم من الغيظ، واستريحوا بقلوبكم عمَّا يَحِلُّ بهم، فإن الله أولى بعباده؛ يوصل إلى مَنْ يشاء ما يشاء.
آل عمران 3:120
الإشارة من هذه الآية إلى المنصرفين عن طريق الإرادة، الراجعين إلى أحوال أهل العادة؛ لا يعجبهم أن يكون لمريد نفاذ، وإذا رأوا فترةً لقاصِد استراحوا إلى ذلك. وإنَّ الله - بفضله ومِنَّته - يُتِمُّ نورَه على أهل عنايته، ويَذَرُ الظالمين الزائغين عن سبيله في عقوبة بعادهم، لا يبالي بما يستقبلهم.
آل عمران 3:121
أقامَه - صلى الله عليه وسلم - بتبوئه الأماكن للقتال، فانْتُدِب لذلك بأمره ثم أظهر في ذلك الباب مكنونات سِرِّه، فالمدار على قضائه وَقَدَرِه، والاعتبار بإجرائه واختياره.
آل عمران 3:122
يُبْرِزُ الجميعَ في صدار الاختيار؛ كأنَّ الأمر إليهم في نفيهم وإتيانهم، وفعلهم وتركهم، وفي الحقيقة لا يتقلبون إلا بتصريف القبضة، وتقليب القدرة.
آل عمران 3:123
تذكير ما سَلَفَ من الإنْعَام فتحٌ لباب التملق في اقتضاء أمثاله في المُسْتَأنَف.
آل عمران 3:124
كان تسكينُ الحقِّ سبحانه لقلبِ المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بلا واسطة من الله - سبحانه، والربطُ على قلوب المؤمنين بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم - فلولا بقية بقيت عليهم ما ردَّهم في حديث النصرة إلى إنزال المَلَك، وأنَّى بحديث المَلَك - والأمرُ كلُّه بِيَدِ المَلِك؟!
آل عمران 3:125
كان تسكينُ الحقِّ سبحانه لقلبِ المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بلا واسطة من الله - سبحانه، والربطُ على قلوب المؤمنين بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم - فلولا بقية بقيت عليهم ما ردَّهم في حديث النصرة إلى إنزال المَلَك، وأنَّى بحديث المَلَك - والأمرُ كلُّه بِيَدِ المَلِك؟!
آل عمران 3:126
أجرى الله - سبحانه - سُنَّتَه مع أوليائه أنه إذا ضعفت نِيَّاتُهم، أو تناقصت إرادتهم أو أشْرفت قلوبهم على بعض فترة - أراهم من الألطاف، وفنون الكرامات ما يُقَوِّي به أسباب عِرْفانهم، وتتأكد به حقائق يقينهم.
فعلى هذه السُّنَّة أنزل هذا الخطاب. ثم قطع قلوبهم وأسرارهم عن الأغيار بالكلية فقال: { وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ }.
آل عمران 3:127
إنَّ الله لا يُشْمِتُ بأوليائه عدواً؛ فالمؤمن وإن أصابته نكبة، فعدوُّه لا محالة يكبه الله في الفتنة والعقوبة.
آل عمران 3:128
الإله من له الأمر والنهي، فلمَّا لم يكن له في الإلهية نظير لم يكن له - (صلى الله عليه وسلم) - من الأمر والنهي شيء.
ويقال جرَّده - بما عرَّفه وخاطبه - عن كلِّ غيرٍ ونصيب ودعوى، حيث أخبر أنه ليس له من الأمر شيء، فإذا لم يَجُزْ أن يكون لسيِّد الأولين والآخرين شيء من الأمر فَمَنْ نزلت رتبتُه عن منزلته فمتى يكون له شيء من الأمر؟
ويقال استأثر (بِسَتْرِ عباده في حكمه) فقال أنا الذي أتوب على من أشاء من عبادي وأعذِّب من أشاء، والعواقب عليك مستورة، وإنك - يا محمد - لا تدري سرى فيهم.
ويقال أقامه في وقتٍ مقاماً فقالت:{ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } [الأنفال: 17] رمى بقبضة من التراب فأصاب جميع الوجوه، وقال له في وقت آخر: { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } ثم زاد في البيان فقال: { وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ }. فإذا كان المُلْك ملكه، والأمر أمره، والحكم حكمه - فَمَنْ شاء عذَّبه، ومن شاء قرَّبه، ومن شاء هداه، ومن شاء أغواه.
آل عمران 3:129
الإله من له الأمر والنهي، فلمَّا لم يكن له في الإلهية نظير لم يكن له - (صلى الله عليه وسلم) - من الأمر والنهي شيء.
ويقال جرَّده - بما عرَّفه وخاطبه - عن كلِّ غيرٍ ونصيب ودعوى، حيث أخبر أنه ليس له من الأمر شيء، فإذا لم يَجُزْ أن يكون لسيِّد الأولين والآخرين شيء من الأمر فَمَنْ نزلت رتبتُه عن منزلته فمتى يكون له شيء من الأمر؟
ويقال استأثر (بِسَتْرِ عباده في حكمه) فقال أنا الذي أتوب على من أشاء من عبادي وأعذِّب من أشاء، والعواقب عليك مستورة، وإنك - يا محمد - لا تدري سرى فيهم.
ويقال أقامه في وقتٍ مقاماً فقالت:{ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } [الأنفال: 17] رمى بقبضة من التراب فأصاب جميع الوجوه، وقال له في وقت آخر: { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ } ثم زاد في البيان فقال: { وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ }. فإذا كان المُلْك ملكه، والأمر أمره، والحكم حكمه - فَمَنْ شاء عذَّبه، ومن شاء قرَّبه، ومن شاء هداه، ومن شاء أغواه.
آل عمران 3:130
حرَّم الربا على العِباد ومنه إقراض الواحد باثنين تستردهما، وسأل منك القرض الواحد بسبعمائة إلى ما لا نهاية له، والإشارة فيه أن الكرم لا يليق بالخَلْق وإنما هو صفة الحق سبحانه.
{ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ }: دليل الخطاب أنَّ المؤمن لا يُعذِّبُ بها، وإن عُذِّب بها مُدَّةٌ فلا يُخَلَّدُ فيها.
آل عمران 3:131
حرَّم الربا على العِباد ومنه إقراض الواحد باثنين تستردهما، وسأل منك القرض الواحد بسبعمائة إلى ما لا نهاية له، والإشارة فيه أن الكرم لا يليق بالخَلْق وإنما هو صفة الحق سبحانه.
{ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ }: دليل الخطاب أنَّ المؤمن لا يُعذِّبُ بها، وإن عُذِّب بها مُدَّةٌ فلا يُخَلَّدُ فيها.
آل عمران 3:132
قَرَنَ طاعة الرسول صلوات الله عليه بطاعة نفسه تشريفاً لِقَدْرِه، وتخفيفاً على الأمة حيث ردَّهم إلى صحبة شخص من أنفسهم، فإنَّ الجنسَ إلى الجنسِ أسكنُ.
آل عمران 3:133
معناه سارعوا إلى علمٍ يوجب لكم المغفرة، فتقسمت القلوب وتوهمت أن ذلك أمرٌ شديد فقال صلى الله عليه وسلم: " الندم توبة " وإنما توجب المغفرةَ التوبةُ لأن العاصي هو الذي يحتاج إلى الغفران.
والناس في المسارعة على أقسام: فالعابدون يسارعون بقَدَمِهم في الطاعات، والعارفون يسارعون بهممهم في القربات، والعاصون يسارعون بندمهم بتجرُّع الحسرات. فَمَنْ سارع بِقَدَمِه وجد مثوبته، ومن سارع بهممه وجد قربته، ومن سارع بندمه وجد رحمته.
ولمَّا ذكر الجنة وصفها بسعة العرض، وفيه تنبيه على طولها لأن الطول في مقابلة العَرْض، وحين ذكر المغفرة لم يذكر الطول والعرض، فقومٌ قالوا: المغفرة من صفات الذات وهي بمعنى الرحمة فعلى هذا فمغفرته حُكْمُه بالتجاوز عن العبد وهو كلامه، وصفة الذات تتقدس عن الطول والعرض.
ومن قال: مغفرته من صفات فِعْلِه قال لكثرة الذنوب لم يصف الغفران بالنهاية، إشارةً إلى استغراقه جميع الذنوب.
قوله جلّ ذكره: { ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ }.
لا يدَّخِرون عن الله شيئاً، ويؤثِرونه على جميع الأشياء، ينفقون أبدانهم على الطاعات وفنون الأوراد والاجتهاد، وأموالهم في إفشاء الخيرات وابتغاء القربات بوجوه الصدقات، وقلوبهم في الطلب ثم دوام المراعاة، وأرواحهم على صفاء المحبَّات والوفاء على عموم الحالات، وينفقون أسرارهم على المشاهدات في جميع الأوقات؛ ينتظرون إشارات المطالبات، متشمرين للبدار إلى دقيق المطالعات.
قوله: { وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ }: يتجاوزون عن الخَلْق لملاحظاتهم إياهم بعين النسبة، وأقوام يَحْلُمون على الخلق علماً بأن ذلك بسبب جُرْمِهم فيشهدونهم بعين التسلط، وآخرون يكظمون الغيظ تحققاً بأن الحق سبحانه يعلم ما يقاسون فيهون عليهم التحمل، وآخرون فنوا عن أحكام البشرية فوجدوا صافِيَ الدرجات في الذُّلِّ لأن نفوسهم ساقطة فانية، وآخرون لم يشهدوا ذرة من الأغيار في الإنشاء والإجراء؛ فعلموا أنَّ المنشئ الله؛ فزالت خصوماتهم ومنازعاتهم مع غير الله لأنهم لمَّا أفردوه بالإبداع انقادوا لحكمه؛ فلم يروا معه وجهاً غير التسليم لحكمه، فأكرمهم الحق سبحانه بِبَرْدِ الرضاء، فقاموا له بشرط الموافقة.
قوله: { وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ } فرضاً رأوه على أنفسهم لا فضلاً منهم على الناس، قال قائلهم:رُبَّ رام لي بأحجار الأذى لم أجِدْ بُدَّاً من العطف عليه
{ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.. هذا في معاملة الحق، وأما في معاملة الخلق فالإحسان أن تَدَعَ جميع حقِّك بالكلية كم كان على من كان، وتقبل (...) منه ولا تقلده في ذلك مِنَّة.
آل عمران 3:134
معناه سارعوا إلى علمٍ يوجب لكم المغفرة، فتقسمت القلوب وتوهمت أن ذلك أمرٌ شديد فقال صلى الله عليه وسلم: " الندم توبة " وإنما توجب المغفرةَ التوبةُ لأن العاصي هو الذي يحتاج إلى الغفران.
والناس في المسارعة على أقسام: فالعابدون يسارعون بقَدَمِهم في الطاعات، والعارفون يسارعون بهممهم في القربات، والعاصون يسارعون بندمهم بتجرُّع الحسرات. فَمَنْ سارع بِقَدَمِه وجد مثوبته، ومن سارع بهممه وجد قربته، ومن سارع بندمه وجد رحمته.
ولمَّا ذكر الجنة وصفها بسعة العرض، وفيه تنبيه على طولها لأن الطول في مقابلة العَرْض، وحين ذكر المغفرة لم يذكر الطول والعرض، فقومٌ قالوا: المغفرة من صفات الذات وهي بمعنى الرحمة فعلى هذا فمغفرته حُكْمُه بالتجاوز عن العبد وهو كلامه، وصفة الذات تتقدس عن الطول والعرض.
ومن قال: مغفرته من صفات فِعْلِه قال لكثرة الذنوب لم يصف الغفران بالنهاية، إشارةً إلى استغراقه جميع الذنوب.
قوله جلّ ذكره: { ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ }.
لا يدَّخِرون عن الله شيئاً، ويؤثِرونه على جميع الأشياء، ينفقون أبدانهم على الطاعات وفنون الأوراد والاجتهاد، وأموالهم في إفشاء الخيرات وابتغاء القربات بوجوه الصدقات، وقلوبهم في الطلب ثم دوام المراعاة، وأرواحهم على صفاء المحبَّات والوفاء على عموم الحالات، وينفقون أسرارهم على المشاهدات في جميع الأوقات؛ ينتظرون إشارات المطالبات، متشمرين للبدار إلى دقيق المطالعات.
قوله: { وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ }: يتجاوزون عن الخَلْق لملاحظاتهم إياهم بعين النسبة، وأقوام يَحْلُمون على الخلق علماً بأن ذلك بسبب جُرْمِهم فيشهدونهم بعين التسلط، وآخرون يكظمون الغيظ تحققاً بأن الحق سبحانه يعلم ما يقاسون فيهون عليهم التحمل، وآخرون فنوا عن أحكام البشرية فوجدوا صافِيَ الدرجات في الذُّلِّ لأن نفوسهم ساقطة فانية، وآخرون لم يشهدوا ذرة من الأغيار في الإنشاء والإجراء؛ فعلموا أنَّ المنشئ الله؛ فزالت خصوماتهم ومنازعاتهم مع غير الله لأنهم لمَّا أفردوه بالإبداع انقادوا لحكمه؛ فلم يروا معه وجهاً غير التسليم لحكمه، فأكرمهم الحق سبحانه بِبَرْدِ الرضاء، فقاموا له بشرط الموافقة.
قوله: { وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ } فرضاً رأوه على أنفسهم لا فضلاً منهم على الناس، قال قائلهم:رُبَّ رام لي بأحجار الأذى لم أجِدْ بُدَّاً من العطف عليه
{ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.. هذا في معاملة الحق، وأما في معاملة الخلق فالإحسان أن تَدَعَ جميع حقِّك بالكلية كم كان على من كان، وتقبل (...) منه ولا تقلده في ذلك مِنَّة.
آل عمران 3:135
أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام " قل للظلمة حتى لا يذكروني فإني أوجبت أن أذكر من ذكرني وذكري للظلمة باللعنة ". وقال لظَلَمَةِ هذه الأمة.
{ أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ } ثم قال في آخر الآية: { وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ }.
ويقال فاحشةُ كلِّ أحد على حسب حاله ومقامه، وكذلك ظلمهم وإن خطور المخالفات ببال الأكابر كفِعْلها من الأغيار، قال قائلهم:أنت عيني وليس من حق عيني غضُّ أجفانها على الأقذاء
فليس الجُرْم على البساط كالذَّنب على الباب.
ويقال فعلوا فاحشة بركونهم إلى أفعالهم، أو ظلموا أنفسهم بملاحظة أحوالهم، فاستغفروا لذنوبهم بالتبري عن حركاتهم وسكناتهم علماً منهم بأنه لا وسيلة إليه إلا به، فخلصهم من ظلمات نفوسهم. وإن رؤية الأحوال والأفعال لَظُلُمَاتٌ عند ظهور الحقائق، ومَنْ طَهَّره الله بنور العناية صانه عن التورط في المغاليط البشرية.
{ أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ } بردِّهم إلى شهود الربوبية، وما سبق لهم من الحسنى في سابق القسمة.
{ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } مؤجلاً من الفراديس، ومُعَجلاً في روح المباحات وتمام الأُنْس.
آل عمران 3:136
أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام " قل للظلمة حتى لا يذكروني فإني أوجبت أن أذكر من ذكرني وذكري للظلمة باللعنة ". وقال لظَلَمَةِ هذه الأمة.
{ أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ } ثم قال في آخر الآية: { وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ }.
ويقال فاحشةُ كلِّ أحد على حسب حاله ومقامه، وكذلك ظلمهم وإن خطور المخالفات ببال الأكابر كفِعْلها من الأغيار، قال قائلهم:أنت عيني وليس من حق عيني غضُّ أجفانها على الأقذاء
فليس الجُرْم على البساط كالذَّنب على الباب.
ويقال فعلوا فاحشة بركونهم إلى أفعالهم، أو ظلموا أنفسهم بملاحظة أحوالهم، فاستغفروا لذنوبهم بالتبري عن حركاتهم وسكناتهم علماً منهم بأنه لا وسيلة إليه إلا به، فخلصهم من ظلمات نفوسهم. وإن رؤية الأحوال والأفعال لَظُلُمَاتٌ عند ظهور الحقائق، ومَنْ طَهَّره الله بنور العناية صانه عن التورط في المغاليط البشرية.
{ أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ } بردِّهم إلى شهود الربوبية، وما سبق لهم من الحسنى في سابق القسمة.
{ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } مؤجلاً من الفراديس، ومُعَجلاً في روح المباحات وتمام الأُنْس.
آل عمران 3:137
يعني اعتبروا بمن سلف، وانظروا كيف فعلنا بمن وَالَى وكيف انتقمنا ممن عَادَى، وقوله تعالى: { هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ }: بيان لقوم من حيث أدلة العقول، ولآخرين من حيث مكاشفات القلوب، ولآخرين من حيث تجلّى الحق في الأسرار.
آل عمران 3:138
يعني اعتبروا بمن سلف، وانظروا كيف فعلنا بمن وَالَى وكيف انتقمنا ممن عَادَى، وقوله تعالى: { هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ }: بيان لقوم من حيث أدلة العقول، ولآخرين من حيث مكاشفات القلوب، ولآخرين من حيث تجلّى الحق في الأسرار.
آل عمران 3:139
يعني إذا قلتم بالله (ووصلتم) بالله فلا ينبغي أن تخافوا من غير الله، ولا تَهِنوا ولا تضعفوا فإن النصرة من عند الله، والغالب الله، وما سوى الله فليس منهم ذرة ولا منهم سينة.
قوله: { إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ } أي ينبغي للمؤمن ألا تظله مهابةٌ من غير الله.
آل عمران 3:140
إن نالكم فينا مشقة فالذين تقدموكم لقوا مثل ما لقيتم، ومُنوا بمثل ما به مُنيتم، فمن صبر منهم ظفر، ومَنْ ضجر مِنْ حَمْلِ ما لقي خَسِر، والأيام نُوَبٌ والحالات دُوَلٌ، ولا يخفى على الحق شيء.
آل عمران 3:141
اختبارات الغيب سبك للعبد فباختلاف الأطوار يخلصه من المشائب فيصير كالذهب الخالص لا خَبَثَ فيه، كذلك يصفو عن العلل فيتخلص لله.
{ وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ } في أودية التفرقة.{ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً } [الرعد: 17].
آل عمران 3:142
من ظنَّ أنه يصل إلى محل عظيم من دون مقاساة الشدائد ألقته أمانيه في مهواة الهلاك، وإنَّ من عرف قَدْر مطلوبه سَهُلَ عليه بَذْلُ مجهوده: (....) وهو بلذاته على من يظن يخلع العذار وقال قائلهم:إذا شام الفتى برق المعاني فأهونُ فائتٍ طِيبُ الرُّقاد
آل عمران 3:143
طوارق التمني بعد الصبر على احتمال المشاق ولكن:إذا انسكبت دموعٌ في خُدُودٍ تبيَّن من بكى ممن تباكى
آل عمران 3:144
إن الرسل موقوفون حيثما وُقِفُوا، ومخبرون عمَّا عُرِّفوا بمقدار ما عَرفُوا؛ فإذا أُيِّدُوا بأنوار البصائر اطَّلعوا على مكنونات السرائر بلطائف التلويح بمقدار ما أُعْطُوا من الإشراق بوظائف البلوغ.
{ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ } لما تُوُفّي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - سقمت البصائر إلا بصيرة الصديق رضي الله عنه فأمَدَّه الله بقوة السكينة، وأفرغ عليه قوة التولي فقال: " من كان يعبد محمداً فإنَّ محمداً قد مات " فصار الكُلُّ مقهورين تحت سلطان قالته لِمَا انبسط عليهم من نور حالته، كالشمس بطلوعها تندرج في شعاعها أنوارُ الكواكب فيستتر فيها مقادير مطارح شعاع كل نجم.
وإنما قال: { أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ } لأنه صلى الله عليه وسلم مات. وقيل أيضاً لأنه قال: " ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان قطعت أبهري ".
آل عمران 3:145
الأنفاس محصورة؛ لا زيادة فيها، ولا نقصان منها.
{ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا }: للصالحين العاقبة وللآخرين الغفلة.
{ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا }: وثواب الآخرة أوله الغفران ثم الجِنان ثم الرضوان.
{ وَسَنَجْزِي ٱلشَّٰكِرِينَ }: وجزاء الشكرِ الشكرُ.
آل عمران 3:146
إنَّ الذين درجوا على الوفاء، وقاموا بحق الصفاء، ولم يرجعوا عن الطريق، وطالبوا نفوسهم بالتحقيق، وأخذوا عليها بالتضييق والتدقيق - وجدوا محبةَ الحقِّ سبحانه ميراثَ صبرِهم، وكان الخَلَف عنهم الحقُّ عند نهاية أمرهم، فما زاغوا عن شرط الجهد، ولا زاغوا في حفظ العهد، وسلَّموا تسليماً، وخرجوا عن الدنيا وكان كلٌّ منهم للعهد مقيماً مستديماً، وعلى شرط الخدمة والوداد مستقيماً.
آل عمران 3:147
تحققوا بحقائق المعنى فَخَرِسُوا عن إظهار الدعوى، ثم نطقوا بلسان الاستغفار، ووقفوا في موقف الاستحياء، كما قيل:يتجنَّبُ الآثامَ ثم يخافها فكأنَّما حسناتُه آثامُ
آل عمران 3:148
قوله جلّ ذكره: { فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا }.
وأقل ذلك القناعة ثم الرضا ثم العيش معه ثم الأُنس في الجلوس بين يديه ثم كمال الفرح بلقائه، ثم استقلال السرِّ بوجوده.
{ وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ }.
يعني دخولهم الجنة محررون عنها، غير داخلين في أسرها.
ويقال ثوابُ الدنيا والآخرة الغيبةُ عن الدارين برؤية خالقهما.
ولمّا قال { ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا } قال في الآخرة { وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ } فوجب أن يكون لثواب الآخرة مزية على ثواب الدنيا حيث خصَّه بوصف الحسن، وتلك المزية دوامها وتمامها وثمارها، وأنها لا يشوبها ما ينافيها، ويوقع آفةً فيها.
آل عمران 3:149
يعني إن طاوعتم الأضداد جرّوكم إلى أحوالهم، فألقوكم في ظلماتهم، بل الله مولاكم: ناصركم ومعينكم وسيدكم ومصلح أموركم، { وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّاصِرِينَ }: لأنه يعينكم على أنفسكم ليكفيكم شرَّها، ومَنْ سواه يزيد في بلائكم إذا ناصروكم لأنهم يعينون أنفسكم عليكم.
{ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّاصِرِينَ } لأن مَنْ سواه بمن عليك بنصرته إياك، وهو يجازيك على استنصارك به.
ويقال كل من استنصرت به احتجتَ إلى أن تُعْطِيَه شيئاً من كرائمك ثم قد ينصرك وقد لا ينصرك، فإذا استنصرته - سبحانه - يعطيك كلّ لطيفة، ولا يرضى بألا ينصرك.
آل عمران 3:150
يعني إن طاوعتم الأضداد جرّوكم إلى أحوالهم، فألقوكم في ظلماتهم، بل الله مولاكم: ناصركم ومعينكم وسيدكم ومصلح أموركم، { وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّاصِرِينَ }: لأنه يعينكم على أنفسكم ليكفيكم شرَّها، ومَنْ سواه يزيد في بلائكم إذا ناصروكم لأنهم يعينون أنفسكم عليكم.
{ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّاصِرِينَ } لأن مَنْ سواه بمن عليك بنصرته إياك، وهو يجازيك على استنصارك به.
ويقال كل من استنصرت به احتجتَ إلى أن تُعْطِيَه شيئاً من كرائمك ثم قد ينصرك وقد لا ينصرك، فإذا استنصرته - سبحانه - يعطيك كلّ لطيفة، ولا يرضى بألا ينصرك.
آل عمران 3:151
إن الله سبحانه خصّ نبيّنا - صلى الله عليه وسلم - بإلقاءِ الرعبِ منه في قلوب أعدائه، قال عليه السلام: " نُصِرْتُ بالرعب " فكذلك أجرى هذه السُّنّة مع أوليائه؛ يطرح الهيبة منهم في القلوب، فلا يكاد يكون محق إلا ومنه - على المبطلين وأصحاب الدعوى والتمويه - هيبةٌ في القلوب وقهرٌ.
آل عمران 3:152
قوله جلّ ذكره: { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ }.
(إنه سبحانه يجازيك على استنصارك به، ويقال كل من استنصرت به احتجت إلى أن تعطيه شيئاً من كرائمك ثم قد ينصرك وقد لا ينصرك، فإذا استنصرته - سبحانه - يعطيك كل لطيفة، ولا يرضى بألا ينصرك).
الإشارة من هذه الآية إلى أن الحق سبحانه أقام أولياءه بحق حقه، وأقعدهم عن تحصيل حظوظهم، وقام سبحانه بكفايتهم بكل وجه، فمن لازم طريق الاستقامة، ولم يزغ عن حدِّه ولم يُزغْ في عهده، فإنه سبحانه يصدق وعده له بجميل الكفاية ودوامها، ومن ضلّ عن الاستقامة - ولو خطوة - عثر في مشيته، واضطربت عليه - بمقدار جُرْمه - حاله وكفايته، فمن زَادَ زِيدَ له، ومن نَقَصَ نُقِصَ له.
قوله جلّ ذكره: { مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ }.
قيمة كل أحدٍ إرادته؛ فَمَنْ كانت همتُه الدنيا فقيمتُه خسيسةٌ حقيرة كالدنيا، ومن كانت همتُه الآخرة فشريفٌ خطره، ومن كانت همتُه ربانية فهو سيد وقته.
ويقال مَنْ صفا عن إرادته وصل إليه، ومن وصل إليه أقبل - بلطفه - عليه، وأزلفه بمحل الخصوصية لديه.
قوله: { ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ }: الإشارة منه أنه صرف قوماً عنه فشغلهم بغيره عنه، وآخرون صرفهم عن كل غير فأفردهم له؛ فالزاهدون صرفهم عن الدنيا، والعابدون صرفهم عن اتباع الهوى، والمريدون صرفهم عن المنى، والموحِّدون صرفهم عما هو غيرٌ وسوى.
آل عمران 3:153
قوله: { إِذْ تُصْعِدُونَ } الإشارة من هذه الآية لأقوام تقع لهم فترة، ودواعي الحق سبحانه - من أنفسهم، ومن جميع الأقطار حتى كأنّ الأحجارَ من الشوارع واللَّبِنَ من الجدران - تناديه: لا تفعل يا عبد الله! وهو مُصِرٌّ في ليِّه، مقيمٌ على غيِّه، جاحد لِمَا يعلم أنه هو الأحقُّ والأولى من حاله، فإذا قضى وطره واستوفى بهمته، فلا محالة يمسك من إرسال عنانه، ويقف عن ركضه في ميدانه، فلا يحصل إلا على أنفاس متصاعدة، وحسراتٍ متواترة؛ فأورثه الحقُّ - سبحانه - وحشةً على وحشة. حتى إذا طال في التحسُّر مقامه تداركه الحق - سبحانه - بجميل لطفه، وأقبل عليه بحسن عطفه، وأنقذه من ضيق أسره، ونقله إلى سعة عفوه وفضله، وكثيرٌ مِنْ هؤلاء يصلون إلى محل الأكابر ثم يقفون بالله لله (....) ويقومون بالله لله بلا انتظار تقريب ولا ملاحظة ترحيب.
قال تعالى: { ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ }: فأهل التحقيق والتوحيد يصلون بعد فتراتهم إلى القول بتَرْكِ أنفسهم، وغَسلِ أيديهم منهم، ورفع قلوبهم عنهم فيعيشون بالله لله، بلا ملاحظة طمع وطلبة، بل على عقيدة اليأس عن كل شيء. عليه أكّدُوا العهد، وبدَّلُوا اللحظ، وتركوا كل نصيب وحظ، وهذه صفة مَنْ أنزل عليه الأمَنةَ.
فأمَّا الطائفة التي أهمتهم أنفسهم - فبقوا في وحشة نفوسهم، ومِنْ عاجل عقوبتهم سوءُ عقيدتهم في الطريقة بعد إيمانهم بها؛ قال تعالى:{ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [الأنعام: 110].
والإشارة في قوله تعالى: { هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ } لهؤلاء أنهم يتحيَّرون في أمرهم فلا إقبال لهم على الصواب بالحقيقة، ولا إعراض بالكلية، يحيلون فترتهم على سوء اختيارهم، ويضيفون صفوة - لو كانت لقلوبهم - إلى اجتهادهم، وينسَوْن ربَّهم في الحالين، فلا يبصرون تقدير الحق سبحانه. قال تعالى:
{ قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ }: فَمَنْ عَرَفَ أن المنشئ الله انسلخ عن اختياره وأحواله كانسلاخ الشَّعْرِ عن العجين، وسَلَّمَ أموره إلى الله بالكلية. وأمارة مَنْ تحقق بذلك أن يستريح من كدِّ تدبيره، ويعيش في سعة شهود تقديره.
وقوله: { يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ }: لم يُخْلِصُوا في عقائدهم، وأضمروا خلاف ما أظهروا وأعلنوا غير ما ستروا، وأحالوا الكائنات على أسبابٍ توهموها.
قال تعالى: { قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ }.
أخبر أن التقدير لا يُزَاحَم، والقَدَر لا يُكابَرَ، وأن الكائناتِ محتومة، وأن الله غالب على أمره.
وقوله: { وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ }: فأمّا أهل الحقائق فإنه تعالى ينتزع من قلوبهم كل آفةٍ وحجبة، ويستخلص أسرارهم بالإقبال والزلفة، فتصبح قلوبهم خالصةً من الشوائب، صافيةً عن العلائق، منفردةً للحق، مجرَّدَةً عن الخلق، مُحَرَّرة عن الحظِّ والنَّفْس، ظاهرةً عليها آثارُ الإقبال، غالباً عليها حُسْنُ التَوَلِّي، باديةً فيها أنوارُ التجلي.
آل عمران 3:154
قوله: { إِذْ تُصْعِدُونَ } الإشارة من هذه الآية لأقوام تقع لهم فترة، ودواعي الحق سبحانه - من أنفسهم، ومن جميع الأقطار حتى كأنّ الأحجارَ من الشوارع واللَّبِنَ من الجدران - تناديه: لا تفعل يا عبد الله! وهو مُصِرٌّ في ليِّه، مقيمٌ على غيِّه، جاحد لِمَا يعلم أنه هو الأحقُّ والأولى من حاله، فإذا قضى وطره واستوفى بهمته، فلا محالة يمسك من إرسال عنانه، ويقف عن ركضه في ميدانه، فلا يحصل إلا على أنفاس متصاعدة، وحسراتٍ متواترة؛ فأورثه الحقُّ - سبحانه - وحشةً على وحشة. حتى إذا طال في التحسُّر مقامه تداركه الحق - سبحانه - بجميل لطفه، وأقبل عليه بحسن عطفه، وأنقذه من ضيق أسره، ونقله إلى سعة عفوه وفضله، وكثيرٌ مِنْ هؤلاء يصلون إلى محل الأكابر ثم يقفون بالله لله (....) ويقومون بالله لله بلا انتظار تقريب ولا ملاحظة ترحيب.
قال تعالى: { ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ }: فأهل التحقيق والتوحيد يصلون بعد فتراتهم إلى القول بتَرْكِ أنفسهم، وغَسلِ أيديهم منهم، ورفع قلوبهم عنهم فيعيشون بالله لله، بلا ملاحظة طمع وطلبة، بل على عقيدة اليأس عن كل شيء. عليه أكّدُوا العهد، وبدَّلُوا اللحظ، وتركوا كل نصيب وحظ، وهذه صفة مَنْ أنزل عليه الأمَنةَ.
فأمَّا الطائفة التي أهمتهم أنفسهم - فبقوا في وحشة نفوسهم، ومِنْ عاجل عقوبتهم سوءُ عقيدتهم في الطريقة بعد إيمانهم بها؛ قال تعالى:{ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [الأنعام: 110].
والإشارة في قوله تعالى: { هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ } لهؤلاء أنهم يتحيَّرون في أمرهم فلا إقبال لهم على الصواب بالحقيقة، ولا إعراض بالكلية، يحيلون فترتهم على سوء اختيارهم، ويضيفون صفوة - لو كانت لقلوبهم - إلى اجتهادهم، وينسَوْن ربَّهم في الحالين، فلا يبصرون تقدير الحق سبحانه. قال تعالى:
{ قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ }: فَمَنْ عَرَفَ أن المنشئ الله انسلخ عن اختياره وأحواله كانسلاخ الشَّعْرِ عن العجين، وسَلَّمَ أموره إلى الله بالكلية. وأمارة مَنْ تحقق بذلك أن يستريح من كدِّ تدبيره، ويعيش في سعة شهود تقديره.
وقوله: { يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ }: لم يُخْلِصُوا في عقائدهم، وأضمروا خلاف ما أظهروا وأعلنوا غير ما ستروا، وأحالوا الكائنات على أسبابٍ توهموها.
قال تعالى: { قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ }.
أخبر أن التقدير لا يُزَاحَم، والقَدَر لا يُكابَرَ، وأن الكائناتِ محتومة، وأن الله غالب على أمره.
وقوله: { وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ }: فأمّا أهل الحقائق فإنه تعالى ينتزع من قلوبهم كل آفةٍ وحجبة، ويستخلص أسرارهم بالإقبال والزلفة، فتصبح قلوبهم خالصةً من الشوائب، صافيةً عن العلائق، منفردةً للحق، مجرَّدَةً عن الخلق، مُحَرَّرة عن الحظِّ والنَّفْس، ظاهرةً عليها آثارُ الإقبال، غالباً عليها حُسْنُ التَوَلِّي، باديةً فيها أنوارُ التجلي.
آل عمران 3:155
الإشارة من هذه الآية إلى أحوال من سَقِمَتْ إرادتُهم، وضَعُفَتِ نِيَّاتُهم، وقادهم الهوى، ومَلَكَتُهُم الفترة.
قابَلَهم نصحُ الناصحين، ودعوة المنى، ووساوس الشياطين فركنوا إلى الغيبة، وآثروا الهوى على التُّقَى فبقوا عنه، ولم يتهنَّوا بما آثروه عليه.
آل عمران 3:156
مَنْ تعوَّد أن يتلهف على ماضيه وسالفه، أو يتدبر في مستقبله وآنِفِه، فأقلُّ عقوبة له ضيق قلبه في تفرقة الهموم، وامتحاء نعت الحياة عن قلبه لغفلته وقالته ليت كذا ولعلَّ كذا، وثمرةُ الفكرة في ليت ولعلَّ - الوحشةُ والحسرةُ وضيق القلبِ والتفرقة.
آل عمران 3:157
بذل الروح في الله خير من الحياة بغير الله، والرجوع إلى الله خير لمن عرف الله من البقاء مع غير الله، وما يؤثره العبدُ على الله فغير مبارك، إنْ شِئتَ: والدنيا، وإنْ شِئْتَ: والعقبى.
قوله: { وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ }: إذا كان المصير إلى الله طاب المسيرُ إلى الله: وإنَّ سَفْرةً إليه بعدها نَحُطُّ رِحَالَنا لَمُقَاسَاتُها أحلى من العسل!.
آل عمران 3:158
بذل الروح في الله خير من الحياة بغير الله، والرجوع إلى الله خير لمن عرف الله من البقاء مع غير الله، وما يؤثره العبدُ على الله فغير مبارك، إنْ شِئتَ: والدنيا، وإنْ شِئْتَ: والعقبى.
قوله: { وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ }: إذا كان المصير إلى الله طاب المسيرُ إلى الله: وإنَّ سَفْرةً إليه بعدها نَحُطُّ رِحَالَنا لَمُقَاسَاتُها أحلى من العسل!.
آل عمران 3:159
جرَّده عن أوصاف البشرية، وأفرده بما ألبسه من نعت الربوبية، وأخبر أن ما يلوح إليه فمن أنوار التولي، لا من آثار الوفاق والتبري، ولولا أنه استخلقه بما ألبسه وإلا متى كان بتلك الصفة؟!
ويقال إن من خصائص رحمته - سبحانه - عليه أنْ قَوّاه حتى صَحِبَهُم، وصبر على تبليغ الرسالة إليهم، وعلى ما كان يقاسيه من اختلافهم - مع سلطان ما كان مستغرقاً له ولجميع أوقاته من استيلاء الحق عليه، فلولا قوة إلهية استأثره الحق بها وإلا متى أطلق صحبتهم؟!
ألا ترى إلى موسى عليه السلام لما كان قريب العهد بسماع كلامه كيف لم يصبر على مخاطبة أخيه فأخذ برأس أخيه يجرُّه إليه؟
ويقال لولا أنه صلى الله عليه وسلم شاهدهم محواً فيما كان يَجْرِي عليهم من أحكام التصريف، وتحقَّق أن منشئها الله - لما أطاق صحبتهم.
قوله تعالى: { وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ }: لو سَقْيتَهم صِرْفَ شراب التوحيدِ غيرَ ممزوجٍ بما فيه لهم حظٌّ لتفرقوا عنك، هائمين على وجوههم، غير مطيقين للوقوف لحظةً، { فَٱعْفُ عَنْهُمْ } فيما يكون تقصيراً منهم في حقك وتوقيرك، وما عثرت عليه مِنْ تفريطهم في خدمتنا وطاعتنا - فانتصِبْ لهم شفيعاً إلينا.
ويقال: { فَٱعْفُ عَنْهُمْ } فاعف - أنت - عنهم فإن حكمك حكمُنا، فأنت لا تعفو إلا وقد عَفَوْنا، ثم ردَّه عن هذه الصفة بما أثبته في مقام العبودية، ونقله إلى وصف التفرقة فقال: ثم قِفْ في محل التذلل مبتهلاً إلينا في استغفارهم. وكذا سُنَّتُه - سبحانه - مع أنبيائه عليهم السلام وأوليائه، يردُّهم مِنْ جمعٍ إلى فرقٍ ومن فَرْقٍ إلى جمع، فقوله: { فَٱعْفُ عَنْهُمْ } جمع، وقوله: { وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ } فرق.
ويقال: { فَٱعْفُ عَنْهُمْ } وتجاوز عنهم في حقوقك، ولا تكتفِ بذلك ما لم تستغفِرْ لهم إكمالاً للكرم؛ ولهذا كان يقول: " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ".
ويقال ما يُقصِّرون في حقِّك تعلَّق به حقَّان: حقك وحقي، فإذا عفوتَ أنت فلا يكفي هذا القَدْرُ بل إنْ لَمْ أتجاوز عنهم في حقي كانوا مستوجبين للعقوبة؛ فمن أرضى خصمَه لا يَنْجَبِر حالُه ما لم يغفر الله له فيما ترك من أمره.
وقوله: { وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ } أي أثْبِتْ لهم محلاً؛ فإنَّ المعفوَ عنه في صدار الخجلة لا يرى لنفسه مقام الكَرامة، فإذا شاورتَهم أزَلْت عنهم انكسارهم، وطيَّبْتَ لهم قلوبهم.
ويقال تجَنَّسوا في أحوالهم: فَمِنْ مُقَصِّر في حقه أُمِرَ بالعفو عنه، ومن مرتكب لذنوبه أُمِرَ بالاستغفار له، ومن مطيعٍ غير مقصرٍ أُمِرَ بمشاورته.
ثم قال: { فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } أي لا تتكل على رأي مخلوق وكِلْ الأمور إليّ، فإنا لا نخليك عن تصريف القبض بحالٍ.
وحقيقة التوكل شهود التقدير، واستراحة القلوب عن كد التدبير.
{ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ } يذيقهم بَرْدَ الكفاية ليزول عنهم كل لغبٍ ونَصَبٍ، وإنه يعامل كلاً بما يستوجبه؛ فقومٌ يغنيهم - عند توكلهم - بعطائه، وآخرون يكفيهم - عند توكلهم - بلقائه، وقوم يرضيهم في عموم أحوالهم حتى يكتفون ببقائه، ويقفون معه به له - على تلوينات قَدَرِه وقضائه.
آل عمران 3:160
المؤمنون نصرته لهم بالتوفيق للأشباح ثم بالتحقيق للأرواح.
ويقال ينصركم الله بتأييد الظواهر وتسديد السرائر.
ويقال للنصرة إنما تكون على العدو، وأعدى عدوك نَفْسُكَ التي بين جنبيك. والنصرة على النَّفْس بأن تهزم دواعي مُنَّتِها بعواصم رحمته حتى تَنْفَضَّ جنود الشهوات بهجوم وفود المنازلات فتبقى الولاية لله خالصةً من شبهات الدواعي التي هي أوصاف البشرية، وشهوات النفوس وأمانيها، التي هي آثارالحجبة وموانع القربة.
{ وَإِن يَخْذُلْكُمْ } الخذلان التخلية مع المعاصي، فَمَنْ نَصَرَه قبض على يديه عن تعاطي المكروه، ومن خَذَلَه أَلقى حَبْله على غاربه، وَوَكَلَه إلى سوء اختياره، فيفترق عليه الحال في أودية الشهوات، فمرة يُشَرِّق غير محتشِم، وتارة يُغَرِّب غير مُحترِم، ألا ومن سبَّبه الحق فلا آخذ بيده، ومن أسلمه فلا مجيرَ له.
{ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ }: في وجدان الأمان عند صدق الابتهال، وإسبال ثوب العفو على هناة الجُرْم عند خلوص الالتجاء، بالتبري من المنَّة والحول.
ويقال لما كان حديث النصرة قال: { فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ } ، ولما كان حديث الخذلان لم يقل " فلا ناصر لكم " بل قال بالتلويح والرمز: { فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ }: وفي هذا لطيفةٌ في مراعاة دقائق أحكام الخطاب.
آل عمران 3:161
نزَّه أحوال الأنبياء عن الدَّنَس بالخيانات، فمن حَمَّلْنَاه من الرسالة إلى عبادنا يوصلها إلى مستحقيها واجباً، ولا يعتني بشأنِ حميمٍ له مِنْ دون أمرنا، ولا يمنع نصيب أحدٍ أمرناه بإيصاله إليه، بحقدٍ ينطوي عليه. ألا ترى كيف قال: " اذْهب فوارِه " لأبي طالب لمَّا قال له أمير المؤمنين عليٌّ رضي الله عنه: مات عمُّك الضال. وكيف قَبِلَ الوحشي قاتِلَ حمزة لمَّا أسلم؟
ويقال ما كان لنبي من الأنبياء صلوات الله عليهم أن يضل أسرارنا في غير أهلها، بل يُنْزِلون كل أحدٍ عندما يستوجبه، وفي الأثر " أُمِرْنَا أن نُنْزِلَ الناسَ منازلهم ".
آل عمران 3:162
لا يستوي مَنْ رضي عنه في آزاله ومَنْ سخط عليه فخذله في أحواله، وجعله متكلاً على أعماله، ناسياً لشهود أفضاله، واتباع الرضوان بمفارقة زُجِر عنه، ومعانقة ما أُمِرَ به، فَمَنْ تجرَّد عن المزجور، وتجلَّد في اعتناق المأمور فقد اتبع الرضوان، واستوجب الجنان.
{ هُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ }: أي هم أصحاب درجات في حكم الله، فَمِنْ سعيدٍ مُقَرَّب، ومِنْ شَقِيٍّ مُبْعَد.
آل عمران 3:163
لا يستوي مَنْ رضي عنه في آزاله ومَنْ سخط عليه فخذله في أحواله، وجعله متكلاً على أعماله، ناسياً لشهود أفضاله، واتباع الرضوان بمفارقة زُجِر عنه، ومعانقة ما أُمِرَ به، فَمَنْ تجرَّد عن المزجور، وتجلَّد في اعتناق المأمور فقد اتبع الرضوان، واستوجب الجنان.
{ هُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ }: أي هم أصحاب درجات في حكم الله، فَمِنْ سعيدٍ مُقَرَّب، ومِنْ شَقِيٍّ مُبْعَد.
آل عمران 3:164
أجزل لديهم العارفة، وأحسن إليهم النعم حيث أرسل إليهم مثل المصطفى سيد الورى صلوات الله عليه وعلى آله، وعرَّفهم دينهم، وأوضح لهم براهينهم، وكان لهم بكل وجه فلا نِعَمَهُ شكروا، ولا حَقَّه وقَّروا، ولا بما أرشدهم استبصروا، ولا عن ضلالتهم أقصروا.. هذا وصف أعدائه الذين جحدوا واستكبروا. وأمَّا المؤمنون فتقلدوا المِنَّة في الاختيار، وقابلوا الأمر بالسمع والطاعة عن كنه الاقتدار، فسَعِدُوا في الدنيا والعُقْبَى، واستوجبوا من الله الكرامة والزُّلفى.
آل عمران 3:165
عادة الخلق نسيان ما منهم من الخطأ والعصيان، والرجوع إلى الله بالتهمة فيما يتصل بهم من المحن والخسران، وفنون المكاره والافتتان، وإنَّ مَنْ تَعاطى (....) الإجرام فحقيق بألا ينسى حلول الانتقام.
آل عمران 3:166
هوَّن على المؤمنين وأصحاب البصائر ما لقوا من عظيم الفتنة يوم أُحُد، بأن قال إن ذلك أجمع كان بإذن الله، وإنَّ بلاءً يصيب بإذن الله لِمَن العسلِ أحلى، ومِنْ كل نعيم أشهى. ثم أخبر أن الذين لم يكن لهم في الصحبة خلوص كيف تعللوا وكيف تكاسلوا:وكذا المَلُولُ إذا أراد قطيعةً ملَّ الوصال وقال كان وكانا
قوله تعالى: { يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ } فلا جَرَم (سَقَوْا العَسَل ودَسُّوا له فيه الحنظل)، ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين.
آل عمران 3:167
هوَّن على المؤمنين وأصحاب البصائر ما لقوا من عظيم الفتنة يوم أُحُد، بأن قال إن ذلك أجمع كان بإذن الله، وإنَّ بلاءً يصيب بإذن الله لِمَن العسلِ أحلى، ومِنْ كل نعيم أشهى. ثم أخبر أن الذين لم يكن لهم في الصحبة خلوص كيف تعللوا وكيف تكاسلوا:وكذا المَلُولُ إذا أراد قطيعةً ملَّ الوصال وقال كان وكانا
قوله تعالى: { يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ } فلا جَرَم (سَقَوْا العَسَل ودَسُّوا له فيه الحنظل)، ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين.
آل عمران 3:168
الذين ركنوا إلى ما سوَّلت لهم نفوسهم من إيثار الهوى، ثم اعترضوا على من يصرف أحكام القضاء وقالوا لو تَحَرَّزُوا عن البروز للقتال لم يسقطوا عن درجة السلامة.. لمَذْمُومةٌ تلك الظنون، ولَذَاهِبَةٌ عن شهود التحقيق تلك القلوب.
قُلْ لهم - يا محمد - استديموا لأنفسكم الحياة، وادفعوا عنها هجوم الوفاة!
ومتى تقدرون على ذلك؟! هيهات هيهات!.
آل عمران 3:169
الحياة بذكر الحق بعد ما تتلف النفوس في رضاء الحق أتَمُّ من البقاء بنعمة الخلق مع الحجبة عن الحق.
ويقال إن الذي وارثُه الحي الذي لم يزل فليس بميت - وإن قُتِل:وإن كانت العبدان للموت أُنْشِئَتْ فقتل امرئ في الله - لا شكَّ - أفضلُ
قوله: { وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ }: مَنْ علم أن أحباءه ينتظرونه وهم في الرَّفَه والنعمة لا يهنأ بعيش دون التأهب والإلمام بهم والنزول عليهم.
آل عمران 3:170
الحياة بذكر الحق بعد ما تتلف النفوس في رضاء الحق أتَمُّ من البقاء بنعمة الخلق مع الحجبة عن الحق.
ويقال إن الذي وارثُه الحي الذي لم يزل فليس بميت - وإن قُتِل:وإن كانت العبدان للموت أُنْشِئَتْ فقتل امرئ في الله - لا شكَّ - أفضلُ
قوله: { وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ }: مَنْ علم أن أحباءه ينتظرونه وهم في الرَّفَه والنعمة لا يهنأ بعيش دون التأهب والإلمام بهم والنزول عليهم.
آل عمران 3:171
عِلَّةُ استبشارهم وموجبه فضلٌ من الله ونعمة منه، أي لولا فضله ونعمته بهم وإلا متى استبشروا؟ فليس استبشارهم بالنعمة إنما استبشارهم بأنهم عبادُه وأنه مولاهم، ولولا فضله ونعمته عليهم لما كانت لهم هذه الحالة.
آل عمران 3:172
للاستجابة مزية وفضيلة على الإجابة من حيث الإشارة لا من مقتضى العربية وهو أنه يستجيب طوعاً لا كرهاً، فهم استجابوا لله من غير انطواء على تحمل مشقة بل بإشارة القلب ومحبة الفؤاد واختيار الروح واستحلاء تحمُّل الحُكْم. فالاستجابة للحق بوجوده، والاستجابة للرسول - عليه السلام - بالتخلُّق بما شرع من حدوده.
استجابة الحق بالتحقق بالصفاء في حق الربوبية، واستجابة الرسول عليه السلام بالوفاء في إقامة العبودية.
{ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ }: في ابتداء معاملاتهم قبل ظهور أنوار التجلي على قلوبهم، وابتسام الحقائق في أسرارهم.
{ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ }: " الإحسان أن تعبد الله كأنَّك تراه... " - وهو المشاهدة والتقوى -... " فإن لم تكن تراه فإنه يراك " - وهو المراقبة في حال المجاهدة.
{ أَجْرٌ عَظِيمٌ } لأهل البداية مؤجَّلاً، ولأهل النهاية مُعجَّلاً.
آل عمران 3:173
لم يلتَبِسْ على ظواهرهم شيءٌ مِنْ أحوال الدنيا إلا انفتحت لهم - في أسرارهم - طوالع من الكشوفات، فازدادوا يقيناً على يقين.
ومن أمارات اليقين استقلالُ القلوب بالله عند انقطاع المُنَى مِن الخَلْق في توهم الإنجاد والإعانة.
آل عمران 3:174
كذا سُنَّة الحق - سبحانه - مع مَنْ صَدَق في التجائه إليه أن يمهد مقيله في ظل كفايته؛ فلا البلاء يمسه، ولا العناء يصيبه، ولا النَّصَبَ يُظِلُّه.
آل عمران 3:175
الإشارة في تسليط دواعي الشيطان على قلوب الأولياء صدق فرارهم إلى الله؛ كالصبيِّ الذي يُخوَّف بشيء يفزع الصبيان، فإذا خاف لم يهتدِ إلى غير أمه، فإذا أتى إليها آوَتْه إلى نفسها، وضمَّتهُ إلى نَحْرِها، وألصقَتْ بِخَدِّه خدَّها.
كذلك العبد إذا صدق في ابتهاله إلى الله، ورجوعه إليه عن مخالفته، آواه إلى كنف قربته، وتداركه بحسن لطفه.
آل عمران 3:176
زاد في قوة قلبه بما جدَّدَ من تأكيد العهد، بأنه لا يشْمِتُ به عدوًّا، ولا يُوَصِّل إليه من قِبَلِهم سوءاً.
آل عمران 3:177
إنْ أضَرُّوا فما أضروا إلا بأنفسهم، وإنْ أصَرُّوا فما أصَرُّوا إلا على خسرانهم:فما نحن عذِّبْنَا بِبُعْدِ ديارهم ولا نحن ساقتنا إليهم نوازعُ
آل عمران 3:178
ومن تمام المكر بهم، والمبالغة في عقوبتهم أَنَّا نعذِّبهم وهم لا يشعرون؛{ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } [الأعراف: 182] نملي لهم فيظنون ذلك إنعاماً، ولا يحسبونه انتقاماً، فإذا برزت لهم كوامنُ التقدير عند مغاراتها علموا أنهم لفي خسران، وقد اتَّضح لكلِّ ذي بصيرة أن ما يكون سببَ العصيان وموجبَ النسيان غيرُ معدودٍ من جملة الإنعام.
آل عمران 3:179
جمعهم اليومَ من حيث الأشخاص والمباني، ولكنه فرَّقهم في الحقائق والمعاني؛ فَمِنْ طيِّبةٍ سجيته، وزمن خبيئةٍ طِينَتُه. وهم وإن كانوا مشائب ففي بصيرة الخواص هم ممتازون.
{ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ }: فإنَّ أسرار الغيب لا تظهر للمتلوثين بأدناس البشرية، وإن الحق سبحانه مستأثر بعلم ما جلَّ وقلَّ، فيختص من يشاء من أنبيائه بمعرفة بعض أسراره.
آل عمران 3:180
مَن آثرَ شيئاً على الله لم يبارِك له فيه؛ فلا يدوم له - في الدنيا - بذلك استمتاع، ولا للعقوبة عليه - في الآخرة - عنه دفاع.
والبخل - على لسان العلماء - منع الواجب، وعلى مقتضى الإشارة إبقاءُ شيءٍ ولو ذرةً من المال أو نَفَساً من الأحوال.
آل عمران 3:181
هذا الخطاب لو كان بين المخلوقين لكان شكوى. والشكوى إلى الأولياء من الأعداء سُنَّةُ الأحباب.
ويقال علم أن في المؤمنين مَنْ يغتاب الناس، وذلك قبيح من قالتهم، فَأَظْهَرَ قُبْحاً فوق ذلك ليتصاغر قبح قول المؤمنين بالإضافة إلى قبح قول الكفار، فكأنه قال: لئن قبحت قالتهم في الاغتياب فأقبحُ من قولهم قولُ الكفار حيث قالوا في وصفنا ما لا يليق بنعمتنا.
وفيه أيضاً إشارة إلى الدعاء إلى الخَلْق، والتجاوز عن الخَصْم، فإن الله - سبحانه - لم يسلبهم ما أولاهم مع قبيح ما ارتكبوه من التقصير في حقوقه.
قوله: { سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ }: هذه الكلمة من موجبات الخجلة لأهل التقصير بأدقّ إشارة؛ يعني أنهم وإنْ نَسُوا أحوالهم وأقوالَهم فإنا ننشر لهم ما كتبنا عليهم قال قائلهم:صحائفُ عِنْدِي للعِتاب طويتها سَتُنْشَرُ يوماً والعتابُ يطولُ
سأصبر حتى يجمع الله بيننا فإنْ نلتقِ يوماً فسوف أقول
قوله: { ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } هذا لو كان من مخلوقٍ مع مخلوق لأشبه العذر مما عمله به، فكأنه - سبحانه - يقول: " عبدي: هذا الذي تلقاه - اليوم - من العقوبة لأن الذنب لك، ولو لم تفعله لما عذَّبنُك ".
آل عمران 3:182
هذا الخطاب لو كان بين المخلوقين لكان شكوى. والشكوى إلى الأولياء من الأعداء سُنَّةُ الأحباب.
ويقال علم أن في المؤمنين مَنْ يغتاب الناس، وذلك قبيح من قالتهم، فَأَظْهَرَ قُبْحاً فوق ذلك ليتصاغر قبح قول المؤمنين بالإضافة إلى قبح قول الكفار، فكأنه قال: لئن قبحت قالتهم في الاغتياب فأقبحُ من قولهم قولُ الكفار حيث قالوا في وصفنا ما لا يليق بنعمتنا.
وفيه أيضاً إشارة إلى الدعاء إلى الخَلْق، والتجاوز عن الخَصْم، فإن الله - سبحانه - لم يسلبهم ما أولاهم مع قبيح ما ارتكبوه من التقصير في حقوقه.
قوله: { سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ }: هذه الكلمة من موجبات الخجلة لأهل التقصير بأدقّ إشارة؛ يعني أنهم وإنْ نَسُوا أحوالهم وأقوالَهم فإنا ننشر لهم ما كتبنا عليهم قال قائلهم:صحائفُ عِنْدِي للعِتاب طويتها سَتُنْشَرُ يوماً والعتابُ يطولُ
سأصبر حتى يجمع الله بيننا فإنْ نلتقِ يوماً فسوف أقول
قوله: { ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } هذا لو كان من مخلوقٍ مع مخلوق لأشبه العذر مما عمله به، فكأنه - سبحانه - يقول: " عبدي: هذا الذي تلقاه - اليوم - من العقوبة لأن الذنب لك، ولو لم تفعله لما عذَّبنُك ".
آل عمران 3:183
تقوَّلوا على الله - سبحانه - فيما تعللوا به من تَرْكِ الإيمان، فقالوا: لقد أُمِرْنَا ألا نصدِّق أحداً إلا لو أتانا بقربان يتقرب به إلى السماء، وتنزل نار من السماء، فتأخذ القربان عياناً ببصر، فقال تعالى قلْ لهم إن من تقدَّمني من الأنبياء عليهم السلام أَتَوْكم بما اقترحتم عليّ من القربان، ثم لم تؤمنوا، فلو أجبتكم إليه لن تؤمنوا بي أيضاً؛ فإن مَنْ أقصته السوابق - فلو خاطَبَتْه الشمسُ بلسان فصيح، أو سجدت له الجبالُ رآها بلحظٍ صحيح - لم يَلِجْ العرفان في قلبه، وما ازداد إلا شكاً على شك.
آل عمران 3:184
أي عادة الكفار تكذيب الرسل: وعلى هذا النحو درج سَلَفُهمْ، وبهديهم اقتدى خَلَفُهم.
آل عمران 3:185
أي كأسُ الموت توضع على كفِّ كلِّ حيٍّ فمن تحلاَّها طيِّبَةً نفُسه أوْرَثَتْهُ سُكْرَ الوَجْد، ومن تجرَّعَها على وجه التعبس، وقع في وهْدَةِ الرّدِّ، وَوُسِمَ بِكَيِّ الصَّدّ، ثم يوم القيامة: فمن أُجِير من النار وصل إلى الراحة الكبرى، ومن صُلِّيَ بالسعير وقع في المحنة الكبرى.
{ وَما ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ }: لأن ما هو آتِ فقريبٌ.
آل عمران 3:186
كفاهم أكثر أسباب الضر بما أخبرهم عن حلولها بهم قبل الهجوم، وعرّفهم أن خير الأمْرَيْن لهم إيثار الصبر واختيار السكون تحت مجاري الأقدار.
آل عمران 3:187
أخبر أنهم أبرموا عهودهم أن لا يزولوا عن وفائه، ولكنهم نقضوا أسباب الذِّمام بما صاروا إليه من الكفران، ثم تبيَّن أنَّ ما اعتاضوا من ذهاب الدين من أعراض يسيرة لم يُبارَكْ لهم فيه.
آل عمران 3:188
إن مَنْ باشر رؤيةَ الخلْق قلبُه، ولاَحَظَهم بِسِرِّه فلا تظننَّ أنَّ عقوبتَهم مؤخرةٌ إلى يوم القيامة، بل ليسوا من العذاب - في الحال - بمفازة، وأيُّ عذابِ أشدُّ من الردِّ إلى الخلْق والحجاب عن الحق؟
آل عمران 3:189
الإشارة من هذا الآية ها هنا إلى غناه - سبحانه - عمَّا في الكون، وكيف يحتاج إليهم؟! ولكنهم لا يجدون عنه خَلَفاً، ولا عليه بَدَلاً.
آل عمران 3:190
قوله جلّ ذكره: { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ }.
الآيات التي تعرَّف الحق سبحانه وتعالى بها إلى العوام هي التي في الأقطار من العبَرِ والآثار، والآيات التي تعرَّف بها إلى الخواص فالتي في أنفسهم. قال سبحانه:{ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ } [فصلت: 53]؛ فالآيات الظاهرة توجِب علم اليقين، والآيات الباطنة توجِب عين اليقين.
والإشارة من اختلاف الليل والنهار إلى اختلاف ليالي العباد؛ فليالي أهل الوصلة قصيرة، وليالي أهل الفراق طويلة؛ فهذا يقول:شهور ينقضين وما شعرنا بأنصافٍ لهن ولا سِرار
ويقول:صباحك سكر والمساء خمار فنمت وأيام السرور قصار
والثاني يقول:ليالي أقر الظاعنين (... ) شَكَوْتَ وليلُ العاشقين طويلُ
وثالث ليس له خبر عن طول الليل ولا عن قِصَرِه فهو لِمَا غَلَبَ عليه يقول:لستُ أدري أطال لَيْلِيَ أمْ لا؟ كيف يدري بذاك من يَتَقَلَّى؟!
لو تَفَرَّغْتُ لاستطالةِ لَيْلِي ورعَيْتُ النجوم كنتُ مُحِلاَّ
قوله تعالى: { لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ }: أولو الألباب هم الذين صَحَتْ عقولُهم من سِكْر الغفلة. وأمارة مَنْ كان كذلك أن يكون نظرُه بالحق؛ فإذا نظر من الحقِّ إلى الحقِّ استقام نظره، وإذا نظر من الخَلْق إلى الحق انتكست نعمته، وانقلبت أفكاره مُورِّثَةً للشبهة.
قوله تعالى: { ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً } الآية.
استغرق الذكرُ جميعَ أوقاتهم؛ فإن قاموا فبذكره، وإن قعدوا أو ناموا أو سجدوا فجملة أحوالهم مستهلكة في حقائق الذكر، فيقومون بحق ذكره ويقعدون عن إخلاف أمره، ويقومون بصفاء الأحوال ويقعدون عن ملاحظتها والدعوى فيها.
ويذكرون الله قياماً على بساط الخدمة ثم يقعدون على بساط القربة.
ومَنْ لم يَسْلَمْ في بداية قيامه عن التقصير لم يسلم له قعودٌ في نهايته بوصف الحضور.
والذكر طريق الحق - سبحانه - فما سلك المريدون طريقاً أصحَّ وأوضح من طريق الذكر، وإن لم يكن فيه سوى قوله: " أنا جليس من ذكرني " لكان ذلك كافياً.
والذاكرون على أقسام، وذلك لتباين أحوالهم: فذكر يوجب قبض الذاكر لما يذكره من نَقْصٍ سَلَفَ له، أو قُبْحٍ حصل منه، فيمنعه خجله عن ذكره، فذلك ذكر قبض.
وذكر يوجب بسط الذاكر لما يجد من لذائذ الذكر ثم تقريب الحقِّ إياه بجميل إقباله عليه.
وذاكر هو محو في شهود مذكوره؛ فالذكر يجري على لسانه عادةً، وقلبه مُصْطَلَمٌ فيما بدا له.
وذاكر هو محل الإجلال يأنف من ذكره ويستقذر وصفه، فكأنه لتصاغره عنه لا يريد أن يكون له في الدنيا والآخرة (ثناء) ولا بقاء، ولا كون ولا بهاء، قال قائلهم:ما إن ذكرتك إلا همّ يلعنني قلبي وروحي وسرى عند ذكراكا
حتى كأنَّ رقيباً منك يهتف بي إياك ويحك والتذكار إياكا
والذكر عنوان الولاية، وبيان الوصلة، وتحقيق الإرادة، وعلامة صحة البداية، ودلالة صفاء النهاية، فليس وراء الذكر شيء، وجميع الخصال المحمودة راجعة إلى الذكر، ومُنْشَأَةٌ عن الذكر.
قوله جلّ ذكره: { وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ }.
التفكر نعمة كل طالب، وثمرته الوصال بشرط العلم، فإذا سلم الذكر عن الشوائب ورد صاحبه على مناهل التحقيق، وإذا حصل الشهود والحضور سما صاحبه عن الفكر إلى حدود الذكر، فالذكر سرمد.
ثم فكر الزاهدين في فناء الدنيا وقلة وفائها لطلابها فيزدادون بالفكرة زهداً فيها.
وفكر العابدين في جميل الثواب فيزدادون نشاطاً عليه ورغبةً فيه.
وفكر العارفين في الآلاء والنعم فيزدادون محبةً للحق سبحانه.
قوله جلّ ذكره: { سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }.
التسبيح يشير إلى سبح الأسرار في بحار التعظيم.
آل عمران 3:191
قوله جلّ ذكره: { إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ }.
الآيات التي تعرَّف الحق سبحانه وتعالى بها إلى العوام هي التي في الأقطار من العبَرِ والآثار، والآيات التي تعرَّف بها إلى الخواص فالتي في أنفسهم. قال سبحانه:{ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ } [فصلت: 53]؛ فالآيات الظاهرة توجِب علم اليقين، والآيات الباطنة توجِب عين اليقين.
والإشارة من اختلاف الليل والنهار إلى اختلاف ليالي العباد؛ فليالي أهل الوصلة قصيرة، وليالي أهل الفراق طويلة؛ فهذا يقول:شهور ينقضين وما شعرنا بأنصافٍ لهن ولا سِرار
ويقول:صباحك سكر والمساء خمار فنمت وأيام السرور قصار
والثاني يقول:ليالي أقر الظاعنين (... ) شَكَوْتَ وليلُ العاشقين طويلُ
وثالث ليس له خبر عن طول الليل ولا عن قِصَرِه فهو لِمَا غَلَبَ عليه يقول:لستُ أدري أطال لَيْلِيَ أمْ لا؟ كيف يدري بذاك من يَتَقَلَّى؟!
لو تَفَرَّغْتُ لاستطالةِ لَيْلِي ورعَيْتُ النجوم كنتُ مُحِلاَّ
قوله تعالى: { لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ }: أولو الألباب هم الذين صَحَتْ عقولُهم من سِكْر الغفلة. وأمارة مَنْ كان كذلك أن يكون نظرُه بالحق؛ فإذا نظر من الحقِّ إلى الحقِّ استقام نظره، وإذا نظر من الخَلْق إلى الحق انتكست نعمته، وانقلبت أفكاره مُورِّثَةً للشبهة.
قوله تعالى: { ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً } الآية.
استغرق الذكرُ جميعَ أوقاتهم؛ فإن قاموا فبذكره، وإن قعدوا أو ناموا أو سجدوا فجملة أحوالهم مستهلكة في حقائق الذكر، فيقومون بحق ذكره ويقعدون عن إخلاف أمره، ويقومون بصفاء الأحوال ويقعدون عن ملاحظتها والدعوى فيها.
ويذكرون الله قياماً على بساط الخدمة ثم يقعدون على بساط القربة.
ومَنْ لم يَسْلَمْ في بداية قيامه عن التقصير لم يسلم له قعودٌ في نهايته بوصف الحضور.
والذكر طريق الحق - سبحانه - فما سلك المريدون طريقاً أصحَّ وأوضح من طريق الذكر، وإن لم يكن فيه سوى قوله: " أنا جليس من ذكرني " لكان ذلك كافياً.
والذاكرون على أقسام، وذلك لتباين أحوالهم: فذكر يوجب قبض الذاكر لما يذكره من نَقْصٍ سَلَفَ له، أو قُبْحٍ حصل منه، فيمنعه خجله عن ذكره، فذلك ذكر قبض.
وذكر يوجب بسط الذاكر لما يجد من لذائذ الذكر ثم تقريب الحقِّ إياه بجميل إقباله عليه.
وذاكر هو محو في شهود مذكوره؛ فالذكر يجري على لسانه عادةً، وقلبه مُصْطَلَمٌ فيما بدا له.
وذاكر هو محل الإجلال يأنف من ذكره ويستقذر وصفه، فكأنه لتصاغره عنه لا يريد أن يكون له في الدنيا والآخرة (ثناء) ولا بقاء، ولا كون ولا بهاء، قال قائلهم:ما إن ذكرتك إلا همّ يلعنني قلبي وروحي وسرى عند ذكراكا
حتى كأنَّ رقيباً منك يهتف بي إياك ويحك والتذكار إياكا
والذكر عنوان الولاية، وبيان الوصلة، وتحقيق الإرادة، وعلامة صحة البداية، ودلالة صفاء النهاية، فليس وراء الذكر شيء، وجميع الخصال المحمودة راجعة إلى الذكر، ومُنْشَأَةٌ عن الذكر.
قوله جلّ ذكره: { وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ }.
التفكر نعمة كل طالب، وثمرته الوصال بشرط العلم، فإذا سلم الذكر عن الشوائب ورد صاحبه على مناهل التحقيق، وإذا حصل الشهود والحضور سما صاحبه عن الفكر إلى حدود الذكر، فالذكر سرمد.
ثم فكر الزاهدين في فناء الدنيا وقلة وفائها لطلابها فيزدادون بالفكرة زهداً فيها.
وفكر العابدين في جميل الثواب فيزدادون نشاطاً عليه ورغبةً فيه.
وفكر العارفين في الآلاء والنعم فيزدادون محبةً للحق سبحانه.
قوله جلّ ذكره: { سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }.
التسبيح يشير إلى سبح الأسرار في بحار التعظيم.
آل عمران 3:192
من ابتليته في الآجل بالحرقة فقد أخزيته، ومن ابتليته بالفرقة في العاجل فقد أشقيته، ومن أوليته بِيُمْنِ الوصلة فقد آويته وأدنيته.
آل عمران 3:193
يعني أَجَبْنَا الداعي ولكن أنت الهادي، فلا تَكِلْنَا إلينا، ولا ترفع ظلَّ عنايتك عَنَّا.
والإيمان الدخول في مُوجِبات الأَمَان، وإنما يؤمِن بالحق من أَمَّنَه الحق، فأَمَانُ الحق للعبد - الذي هو إجارته - يوجِب إيمانَ العبدِ بالحق الذي هو تصديقه ومعرفته.
{ وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ }: وهم المختصون بحقائق التوحيد، القائمون لله بشرائط التفريد، والواقفون مع الله بخصائص التجريد.
آل عمران 3:194
حَقِّق لنا ما وعدتنا على ألسنة الوسائط من إكمال النُّعمى (....) وغفران كل ما سبق منا من متابعك الهوى.
آل عمران 3:195
كيف لا يستجيب لهم وهو الذي لَقَّنَهُم الدعاء، وهو الذي ضمن لهم الإجابة، ووَعْدُه جميل الثواب على الدعاء زائدٌ على ما يدعون لأَجْل الحوائج.
{ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ }: يعني الديار والمزار، وجميع المخالفين والموافقين من الأغيار.
{ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ }: إلى مفارقة معاهدهم من مألوفاتهم.
{ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي }: عُيِّروا بالفقر والملام، وفتنوا بفنون المحن والآلام.
{ وَقَـٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ }: ذاقوا من اختلاف الأطوار الحلو والمر.
{ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ }: يعني لنعطينَّهم فوق آمالهم وأكثر، مما استوجبوه بأعمالهم وأحوالهم.
آل عمران 3:196
لا تتداخلنك تهمة بأنَّ لهم عندنا قدراً وقيمة إنما هي أيام قلائل وأنفاس معدودة، ثم بعدها حسرات مترادفة، وأحزان متضاعفة.
آل عمران 3:197
لا تتداخلنك تهمة بأنَّ لهم عندنا قدراً وقيمة إنما هي أيام قلائل وأنفاس معدودة، ثم بعدها حسرات مترادفة، وأحزان متضاعفة.
آل عمران 3:198
الذين وسمناهم بذُلِّ الفرقة بئست حالتهم، والذين رفعوا قَدَماً لأجلنا فنعمت الحالة والزلفة؛ وصلوا إلى الثواب المقيم، وبقوا في الوصلة والنعيم، وما عند الله مما ادَّخرنا لهم خيرٌ مما أمَّلوه باختيارهم.
آل عمران 3:199
يريد منْ ساعَدَتْهم القسمةٌ بالحسنى فهم مع أولياء الله نعمةً كما كانوا معهم قسمةً.
آل عمران 3:200
الصبر فيما تفرد به العبد، والمصابرة مع العدو.
والرباط نوع من الصبر ولكن على وجه مخصوص.
ويقال أول الصبر التصبر، ثم الصبر ثم المصابرة ثم الاصطبار وهو نهاية.
ويقال اصبروا على الطاعات وعن المخالفات، وتصابروا في ترك الهوى والشهوات، وقطع المنى والعلاقات، ورابطوا بالاستقامة في الصحبة في عموم الأوقات والحالات.
ويقال اصبروا بنفوسكم وصابروا بقلوبكم، ورابطوا بأسراركم.
ويقال اصبروا على ملاحظة الثواب، وصابروا على ابتغاء القربة، ورابطوا في محل الدنوِّ والزلفة - على شهود الجمال والعِزَّة.
والصبر مُرٌّ مَذَاقُه إذا كان العبد يتحسَّاه على الغيبة، وهو لذيذٌ طعمُه إذا شربه على الشهود والرؤية.
{ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }: الفَلاَحُ الظَّفَرُ بالبُغْيَة، وهِمَّتُهم اليوم الظفر بنفوسهم، فعند ذلك يتم خلاصهم، وإذا ظفروا بنفوسهم ذبحوها بسيوف المجاهدة، وصلبوها على عيدان المكابدة، وبعد فنائهم عنها يحصل بقاءهم بالله.
النساء 4:1
الناس اسم جنس، والاشتقاق فيه غير قوي. وقيل سمي الإنس إنساً لظهوره فعلى هذه الإشارة: يا مَنْ ظهرتم عن كتم العَدَم بحكم تكليفي، ثم خصصتُ مَنْ شئتُ منكم بتشريفي، وحرمتُ من شئت منكم هدايتي وتعريفي، ونقلتكم إلى ما شئتُ بل أوصلتكم إلى ما شئت بحكم تصريفي.
ويقال لم أُظْهِرٍ منَ العَدَمِ أمثالكم، ولم أُظْهِرْ على أحدٍ ما أظْهَرٍتُ عليكم من أحوالكم.
ويقال سمِّيتَ إنساناً لنسيانك، فإن نسيتني فلا شيء أَخَس منك، وإنْ نسيت ذكري فلا أحد أَحَط منك.
ويقال من نَسِيَ الحق فلا غاية لمحنته، ومن نسي الخَلْقَ فلا نهاية لعلوِّ حالته.
ويقال يقول للمُذْنِبين، يا مَنْ نسِيتَ عهدي، ورفضتَ ودي، وتجاوزت حدِّي حانَ لك أن ترجع إلى بابي، لتستحقَّ لطفي وإيجابي. ويقول للعارفين يا مَنْ نسيت فينا حظَّكَ، وصُتَ عن غيرنا لَحْظَكَ ولَفْظَك - لقد عظُم علينا حَقُّك، وَوَجَبَ لدينا نصرُك، وجلَّ عندنا قَدْرُك.
ويقال يا من أَنِستَ بنسيم قرْبي، واستروحتَ إلى شهود وجهي، واعتززت بجلال قَدْري - فأنت أجلُّ عبادي عندي.
قوله: { ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ }: التقوى جماع الطاعات، وأوله ترك الشِّرْكِ وآخره اتقاء كل غير، وأولُ الأغيار لك نفسُكَ، ومَنْ اتَّقَى نفسه وقف مع الله بلا مقام ولا شهود حال، و (وقف) لله.. لا لشهود حظِّ في الدنيا والعقبى.
قوله: { ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ }: وهو آدم عليه السلام، وإذا كنا مخلوقين منه وهو مخلوق باليد فنحن أيضاً كذلك، لمَّا ظهرت مزية آدم عليه السلام به على جميع المخلوقين والمخلوقات فكذلك وصفُنا، قال تعالى:{ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ } [البيّنة: 7].
ولفظ " النفس " للعموم والعموم يوجب الاستغراق.
قوله: { وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا }: حَكَمَ الحقُّ - سبحانه - بمساكنة الخْلق مع الخْلق لبقاء النسل، ولردِّ المِثْل إلى المِثْل فربَطَ الشكلَ بالشكلِ.
قوله: { وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً }: تعرَّف إلى العقلاء على كمال القدرة بما ألاح من براهين الربوبية ودلالات الحكمة؛ حيث خَلق جميع هذا الخلق من نسل شخصٍ واحدٍ، على اختلاف هيئتهم، وتفاوت صورهم، وتباين أخلاقهم، وإن اثنين منهم لا يتشابهان، فلكلٍ وجه في الصورة والخْلق، والهمة والحالة، فسبحان من لا حدَّ لمقدوراته ولا غاية لمعلوماته.
ثم قال: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } تكرير الأمر بالتقوى يدلُّ على تأكيد حكمه.
وقوله: { تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ }: أي اتقوا الأرحام أن تقطعوها، فَمَنْ قَطَعَ الرحمَ قُطِع، ومَنْ وَصَلَها وَصَل.
{ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }: مطلعاً شهيداً، يعدُ عليك أنفاسكَ، ويرى حواسَك، وهو مُتَوَّلٍ خطراتِك، ومنشئٌ حركاتِك وسكناتِك. ومَنْ عَلِمَ أنه رقيب عليه فبالحريِّ أن يستحيَ منه.
النساء 4:2
مَنْ أُقيم بمحلِّ الرعاية فجاء على رعيَّتِه فَخَصْمُه ربُّه؛ فإنه - سبحانه - ينتقم لعباده ما لا ينتقم لنفسه. فَوَلِيُّ اليتيم إنْ أَنْصَفَ وأَحْسَنَ فحقُّه على الله، وإنْ أَساء وتعدَّى فَخَصْمُه اللهُ.
النساء 4:3
قوله جلّ ذكره: { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةً }.
أباح الله للرجال الأحرار التزوج بأربع في حالة واحدة، وأوجب العدل بينهن، فيجب على العبد أن يراعي الواجبَ فإنْ عَلِمَ أنه يقوم بحق هذا الواجب آثر هذا المُباح، وإنْ عَلِم أنه يقصِّر في الواجب فلا يتعرَّض لهذا المباح، فإنَّ الواجبَ مسؤولٌ عنه.
قوله جلّ ذكره: { فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً }.
دلَّ هذا على أن طعامَ الفتيان والأسخياء مريء لأنهم لا يُطعِمون إلا عن طيب نَفْسٍ، وطعام البخلاء رديء لأنهم يرون أنفسهم، وإنما يُطعِمون عن تكلّف لا عن طيب نَفْس. قال صلى الله عليه وسلم: " طعامُ السخيِّ دواء وطعام البخيل داء ".
النساء 4:4
قوله جلّ ذكره: { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةً }.
أباح الله للرجال الأحرار التزوج بأربع في حالة واحدة، وأوجب العدل بينهن، فيجب على العبد أن يراعي الواجبَ فإنْ عَلِمَ أنه يقوم بحق هذا الواجب آثر هذا المُباح، وإنْ عَلِم أنه يقصِّر في الواجب فلا يتعرَّض لهذا المباح، فإنَّ الواجبَ مسؤولٌ عنه.
قوله جلّ ذكره: { فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً }.
دلَّ هذا على أن طعامَ الفتيان والأسخياء مريء لأنهم لا يُطعِمون إلا عن طيب نَفْسٍ، وطعام البخلاء رديء لأنهم يرون أنفسهم، وإنما يُطعِمون عن تكلّف لا عن طيب نَفْس. قال صلى الله عليه وسلم: " طعامُ السخيِّ دواء وطعام البخيل داء ".
النساء 4:5
السَّفيه من يمنعك عن الحقِّ، و يشغلك عن الربِّ.
والسَّفيه من العيال والأولاد من تؤثر حظوظَهم على حقوق الله تعالى.
قوله: { ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰماً }: حفظ التجمل في الحال أجدى عليكم من التعرض للتبذل والسؤال، والكدية والاحتيال. وإنما يكون البذل خيراً من الإمساك عند تَحرُّرِ القلب والثقةِ بالصبر. فأمّا على نية الكدية وأن تجعل نفسك وعيالك كَلاًّ على الناس فَحِفْظُك ما جعله الله كفايةً لنفسك أَوْلَى، ثم الجود بفاضل كفايتك.
قوله: { وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً }: إذا كان ذات يدك يتسع لكفاية يومهم ويَفْضُل فلا تدَّخره عمّا تدعو إليه حاجتهم معلومك خشيةَ فقرٍ في الغد، فإِنْ ضاقت يدُك عن الإنفاق فلا يَتَّسِعَنَّ لسانك بالقبيح من المقال.
ويقال إذا دَعَتْكَ نَفْسُك إلى الإنفاق في الباطل فأنت أسفه السفهاء فلا تُطِعْ نَفْسَكَ.
النساء 4:6
إيناس الرشد العفة والديانة، والسخاء والصيانة، وصحبة الشيوخ، والحرص على مشاهدة الخير، وأداء العبادات على قضية الأمر.
ويقال الرشيد من اهتدى إلى ربِّه، وعندما تسنح له (حاجة) من حوائجه لا يتَّكل على حَوْله وقُوَّتِه، وتدبيره واختياره.
النساء 4:7
حكم الميراث لا يختلف بالفضل والمنقبة، ولا يتفاوت بالعيب والنقص والذنب؛ فلو مات رجلٌ وخلف ابنين تساويا في الاستحقاق وإنْ كان أحدهما براً تقياً والآخر فاجراً عَصِياً، فلا للتقي زيادة لتقواه، ولا للفاجر بخس لفجوره، والمعنى فيه أن الميراث ابتداء عطيّةٍ من قِبَل الله، فيتساوى فيه البر والفاجر. كذلك حكم الإيمان ابتداء عطيةً للمسلمين: قال الله تعالى:{ ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } [فاطر: 32]، ثم قال:{ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ... } [فاطر: 32] الآية.
النساء 4:8
يريد إذا حضر قسمة الميراث ذوو السهمان والمستحقون، وحضَرَ من لا نصيب لهم في الميراث من المساكين فلا تحرموهم من ذلك. فإن كان المستحقُ مُوَّلًى عليه، فَعِدوهم وعداً جميلاً وقولوا: " إِذا بلغ الصبي قلنا له حتى يعطيك شيئاً " وهذا معنى قوله: { وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً }. وفي هذا إِشارة لطيفة للمذنبين إذا حضروا لعرصته غداً، والحق سبحانه يغفر للمطيعين ويعطيهم ثواب أعمالهم، فمن كان منكم من فقراء المسلمين لا يحرمهم الغفران إن شاء الله بعدما كانوا من أهل الإيمان، وكذلك يوم القسمة لم تكن حاضراً، ولا لَكَ استحقاق سابق فبفضله ما أهَّلَكَ لمعرفته مع علمه بما يحصل منك في مستأنف أحوالك من زلتك.
النساء 4:9
بَيَّنَ في هذه الآية أن الذي ينبغي للمسلم أن يدخره لعياله التقوى والصلاح لا المال؛ لأنه لم يقل فليجمعوا المال وليكثروا لهم العقار وليخلفوا الأثاث بل قال: { فَلْيَتَّقُواْ ٱللَّهَ } فإنه يتولى الصالحين.
النساء 4:10
إنما تولَّى الحق سبحانه خصيمة اليتيم، لأنه لا أحدَ لليتيم غيرُه، وكلُّ من وَكلَ أمره إليه فَتَبَرَّأ من حوله وقوته فالحق سبحانه ينتقم له بما لا ينتقم لنفسه.
النساء 4:11
قوله جلّ ذكره: { يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ }.
الوصية ها هنا بمعنى الأمر، فإنه سبحانه جعل الميراث بين الورثة مستحقاً بوجهين:
1- الفرض 2- التعصيب، والتعصيب أقوى من الفرض لأن العَصَبَةَ قد تستغرق جميع المال أما أكثر الفروض فلا يزيد على الثلثين، ثم إن القسمة تبدأ بأصحاب الفروض وهم أضعف استحقاقاً، ثم العَصَبَة وهم أقوى استحقاقاً. قال صلى الله عليه وسلم:
" ما أبْقَتْ الفرائض فَلأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَر " كذلك أبداً سنته، كما في قوله تعالى:{ ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } [فاطر: 32] أعطاهم الكتاب بلفظ الميراث ثم قدَّم الظالم على السابق، وهو أضعف استحقاقاً إظهاراً للكرم مع الظالم لأنه مُنْكسِر القلب ولا يحتمل وقته طول المدافعة.
وقوله: { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ }. لو كان الأمر بالقياس لكانت الأنثى بالتفضيل أَوْلَى لضعفها، ولعجزها عن الحراك، ولكنَّ حُكْمَه - سبحانه - غيرُ معلَّل.
قوله جلّ ذكره: { آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً }.
الأبناء ينفعونكم بالخدمة، والآباء بالرحمة؛ الآباء في حال ضعفِك في بداية عمرك، والأبناء في حال ضعفك في نهاية عمرك.
النساء 4:12
الإشارة في ثبوت الميراث للأقربين من الورثة بالنَّسب؛ والسبب أنَّ الميت إذا مات تحمَّل القريبُ أحزانَه فعوَّض اللهُ الوارثَ على ما يقاسيه ويخامر قلبه من التوجُّع مالَ الموروث.. وكذا سُنَّهُ - سبحانه - التعويضُ على مقاساة الأذى - جوداً منه لا وجوباً عليه - كما توهَّم قوم. وكلُّ مَنْ كان أقربَ نسباً أو أقوى سبباً من الميت كان أكثر استحقاقاً لميراثه، وفي معناه أنشدوا:وما بات مطوياً على أريحية (.... ...) عقب النوى موت الفتى ظل مغرما
النساء 4:13
حدوده: أوامره ونواهيه، وما تعبَّد به عباده.
وأصل العبودية حفظ الحدود، وصون العهود، ومَنْ حَفظَ حَدَّه لم يُصِبْهُ مكروه ولا آفة، وأصلُ كلِّ بلاء مجاوزة الحدود.
النساء 4:14
وإنما هما عقوبتان: معجلة ومؤجلة، ويقترن بهما جميعاً الذُّلُّ؛ فلو اجتهد الخلائق على إذلال المعاصي بمثل الذل الذي يلحقهم بارتكاب المعصية لم يقدموا عليها: لذلك قال قائلهم: من بات مُلِماً بذنب أصبح وعليه مذلته، فقلت ومن أصبح مُبِرَّاً بِبِرٍ ظلَّ وعليه مهابته.
النساء 4:15
إنما اعتبر في ثبوت الفاحشة - التي هي الزنا - زيادة الشهود إسبالاً لِسَتْرِ الكَرِمِ على إجرام العِباد، فإنَّ إقامة الشهود - على الوجه الذي في الشرع لإثبات تلك الحالةَ - كالمُتَعَذِّرِ.
وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - لمَاعِز لما قال له: يا رسول الله - صلوات الله عليك - إنِّي زنيتُ فَطَهِّرْني. فقال: لعلِّك قَبَّلَتَ.. ثم قال في بعض المرات: " استنكهوه ".
ففي هذا أقوى دليل لما ذكرت من إسباله الستر على الأعمال القبيحة.
النساء 4:16
الأمر بفنون العقوبات لهم على فعل ذلك أبلغ شيءٍ في الردع والمنع منه بالرفع، لعلّ العبد يحذر ذلك فلا يستحق التعذيب الأعظم.
النساء 4:17
لا استغفار مع الإصرار: فإن التوبة مع غير إقلاعِ سِمَةٌ الكذَّابين.
وقوله: { ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ }: يعني عَمِلَ عَمِلَ الجُهّال.
وذنب كل أحدٍ يليق بحاله، فالخواص ذنوبهم حسبانهم أنهم بطاعاتهم يستوجبون محلاً وكرامة، وهذا وَهَنٌ في المكانة؛ إذ لا وسيلة إليه إلا به.
قوله: { ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ }: على لسان أهل العلم: قبل الموت، وعلى لسان المعاملة: قبل أن تتعود النفس ذلك فيصير لها عادة، قال قائلهم:قلتُ للنَّفْسِ إنْ أردتِ رجوعاً فارجعي قبل أَنْ يُسدَّ الطريقُ
النساء 4:18
يعني إذا كُشِف الغطاءُ وصارت المعارف ضرورية أُغْلِقَ بابُ التوبة؛ فإن مِنْ شرط التكليف أن يكون الإيمان غيبياً. ثم إن في هذه الطريقة إذا عُرِفَ بالخيانة لا يشم بعده حقيقة الصدق. قال داود - عليه السلام - في آخر بكائه لما قال الله تعالى لِمَ تبكي يا داود، وقد غفرت لك وأرضيت خصمك وقبلت توبتك؟
فقال: إلهي، الوقت الذي كان بي رُدَّه إليَّ.
فقال: هيهات يا داود، ذاك وُدٌّ قد مضى!!
وفي معناه أنشدوا:فَخَلِّ سبيلَ العين بعدك للبكا فليس لأيام الصفاءِ رجوعُ
النساء 4:19
التلبيسُ على المستضعفين، والتدليسُ على أهل السلامة والوداعة من المسلمين - غيرُ محموديْنَ عند الله. فمن تعاطَ ذلك انتقم الله منه، ولم يبارِك له فيما يختزل من أموال الناس بالباطل والاحتيال. ومن استصغر خصمه في الله فأهون ما يعاقبه الله به أنْ يَحْرِمَه الوصولَ إلى ما يأمل من محبوبه.
وقوله: { وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ }: أي بتعاليم الدين والتأدب بأخلاق المسلمين وحُسْنِ الصحبة على كراهة النفس، وأن تحتمل أذاهن ولا تحملهن كلف خدمتك، وتتعامى عن مواضع خجلتهن.
قوله: { فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً... } كل ما كان على نفسك أشقَّ كانت عاقبته أهْنَأَ وأَمْرَأَ.
واعلم أن الحقَّ سبحانه لم يُطْلِعْ أحداً على غَيْبِه، فأكثر ما يعافه الإنسان قد تكون الخيرة فيه أتم. وقد حكم الله - سبحانه - بأن مخالفة النفس توصل صاحبها إلى أعلى المنازل، وبعكس ذلك موافقتها، كما أَن مخالفة القلوب توجب عمى البصيرة، وبعكس ذلك موافقتها.
النساء 4:20
يعلمهم حسنَ العهد ونعتَ الكرم في العِشْرة، فيقول لا تجمعْ الفرقةَ واستردادَ المال عليها، فإن ذلك تَرْكُ الكرم؛ فإنْ خَوَّلْتَ واحدة مالاً كثيراً ثم جفوتها بالفراق فما آتيتها يَسيرٌ في جنب ما أَذَقْتَها من الفراق.
قوله: { وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ.... }: يعني أن للصحبة السالفة حرمة أكيدة، فقفوا عند مراعاة الذمام، وأوفوا بموجب الميثاق.
النساء 4:21
يعلمهم حسنَ العهد ونعتَ الكرم في العِشْرة، فيقول لا تجمعْ الفرقةَ واستردادَ المال عليها، فإن ذلك تَرْكُ الكرم؛ فإنْ خَوَّلْتَ واحدة مالاً كثيراً ثم جفوتها بالفراق فما آتيتها يَسيرٌ في جنب ما أَذَقْتَها من الفراق.
قوله: { وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ.... }: يعني أن للصحبة السالفة حرمة أكيدة، فقفوا عند مراعاة الذمام، وأوفوا بموجب الميثاق.
النساء 4:22
تشير الآية إلى حفظ الذمام، والوقوف على حدّ الاحترام، فإن السَّجيَّةَ تتداخلها الأَنَفةُ من أن ينكح فِراشَه غيرُه، فنهى الأبناء عن تخطي حقوق الآباء في استفراش منكوحة الأب.
النساء 4:23
تكلُّفُ انتزاع المعاني التي لأجلها حصل هذا التحريم محالٌ من الأمر؛ لأن الشرعَ غيرُ مُعَلَّلٍ، بل الحق تعالى حرَّم ما شاء على من شاء، وكذلك الإباحة، ولا عِلَّةَ للشرائع بحال، ولو كانت المحرَّمَاتُ من هؤلاء محلَّلاتٍ [محرمات] لكان ذلك سائغاً.
النساء 4:24
إذا حافظت الحدود، وراعيت العهود، وحصل التراضي بين النساء بحكم الشرع فما لا يكون فيه للخلق خصيمة، ولا من الحق سبحانه من تبِعة، فذلك مباحٌ طلقٌ.
النساء 4:25
الرخص جعلت للمستضعفين، فأما الأقوياء فأمرهم الجِدّ، والأخذ بالاحتياط والتضييق؛ إذ لا شغل لهم سوى القيام بحق الحق، فإن كان أمر الظاهر يشغلهم عن مراعاة القلوب فالأخذ في الأمور الظاهرة بالسهولة والأخف أوْلى من الاستقصاء فيما يمنع من مراعاة السر، لأنه ترك بعض الأمور لما هو الأهم والأجَلُّ، فمن نزلت درجته عن الأخذ بالأوثق والأحوط فمباح له الانحدار إلى وصف الترخص.
ثم قال في آخر الآية: { وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ }: يعني على مقاساة ما فيه الشدة، وفي هذا نوع استمالة للعبيد حيث لم يقل اصبروا بل قال: { وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ }.
النساء 4:26
لما عرَّف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمَّته أخبار مَنْ مضى من الأمم، وما عملوا، وما عاملهم به انتظروا ما الذي يفعل بهم؛ فإن فيهم أيضاً من ارتكب ما لا يجوز، فقالوا: ليت شِعْرنا بأيِّ نوع يعاملنا... أبا لخسف أو بالمسخ أو بالعذاب أو بماذا؟
فقال تعالى: { وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } نعرِّفكم ما الذي عملنا بهم.
{ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } أمَّا أنتم فأتوب عليكم، أمّا من تقدَّم فلقد دمّرتُ عليهم.
ويقال: { يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ }: أي يكاشفكم بأسراره فيظهر لكم ما خفي على غيركم.
ويقال يريد الله ليبيِّن لكم انفرادَه - سبحانه - بالإيجاد والإبداع، وأنه ليس لأحد شيء.
{ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } طريقة الأنبياء والأولياء وهو التفويض والرضاء، والاستسلام للحكم والقضاء.
وقيل: { وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } أي يتقَبَّلُ توبتكم بعدما خلقَ توبتكم، ثم يُثِيبُكُم على ما خلق لكم من توبتكم.
النساء 4:27
عزل بهذا الحديث حديث الأولين والآخرين.
ومن أراد اللهُ توبتَه فلا يُشمِتُ به عدوَّا، ولا يناله في الدارين سوء.
{ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَاتِ }: إرادتهم منكوسة، وهي عند إرادة الحق - سبحانه - ضائعة مردودة.
{ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ }: يعني ثقل الأوزار بمواترة الأوراد إلى قلوبكم، ويقال يريد الله أن يخفف عنكم مقاساة المجاهدات بما يلج لقلوبكم من أنوار المشاهدات.
ويقال يريد الله أن يخفف عنكم أتعاب الخدمة بحلاوة الطاعات.
ويقال يخفف عنكم كلف الأمانة بحملها عنكم.
ويقال يخفف عنكم أتعاب الطلب بروح الوصول.
{ وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً }: وصف بهذا فقرهم وضُرّهم، و (....) بها عذرهم.
النساء 4:28
عزل بهذا الحديث حديث الأولين والآخرين.
ومن أراد اللهُ توبتَه فلا يُشمِتُ به عدوَّا، ولا يناله في الدارين سوء.
{ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَاتِ }: إرادتهم منكوسة، وهي عند إرادة الحق - سبحانه - ضائعة مردودة.
{ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ }: يعني ثقل الأوزار بمواترة الأوراد إلى قلوبكم، ويقال يريد الله أن يخفف عنكم مقاساة المجاهدات بما يلج لقلوبكم من أنوار المشاهدات.
ويقال يريد الله أن يخفف عنكم أتعاب الخدمة بحلاوة الطاعات.
ويقال يخفف عنكم كلف الأمانة بحملها عنكم.
ويقال يخفف عنكم أتعاب الطلب بروح الوصول.
{ وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً }: وصف بهذا فقرهم وضُرّهم، و (....) بها عذرهم.
النساء 4:29
كل نفقة كانت لغير الله فهي أكل مالٍ بالباطل.
ويقال القبض إذا كان على غفلةٍ، والبذل إذا لم يكن بمشهد الحقيقة، فكل ذلك باطل، { وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ }: يعني بارتكاب الذنوب، ويقال تعريضها لمساخطته سبحانه. ويقال بنظركم إليها وملاحظتكم إياها.
ويقال باستحسانكم شيئاً منها بإيثارها دون رضاء الحق.
ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فإنَّا لا نُخليه من عقوبة شديدة، وهو أن نَكِلَها إلى صاحبها، ونلقي حبْلَها على غاربها.
النساء 4:30
كل نفقة كانت لغير الله فهي أكل مالٍ بالباطل.
ويقال القبض إذا كان على غفلةٍ، والبذل إذا لم يكن بمشهد الحقيقة، فكل ذلك باطل، { وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ }: يعني بارتكاب الذنوب، ويقال تعريضها لمساخطته سبحانه. ويقال بنظركم إليها وملاحظتكم إياها.
ويقال باستحسانكم شيئاً منها بإيثارها دون رضاء الحق.
ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فإنَّا لا نُخليه من عقوبة شديدة، وهو أن نَكِلَها إلى صاحبها، ونلقي حبْلَها على غاربها.
النساء 4:31
الكبائر - على لسان العلم - ها هنا الشِّرْكُ بالله، وعلى بيان الإشارة أيضاً الشِّرْكُ الخَفِيّ. ومن جملة ذلك ملاحظة الخلق، واستحلاء قبولهم، والتودد إليهم، والإغماض على حق الله بسببهم.
ويقال إذا سلم العهد فما حصل من مجاوزة الحد فهو بعيد عن التكفير.
ويقال أكبر الكبائر إثباتُك نَفْسَك فإذا شاهدت نَفْيَها تخلَّصْتَ من أسر المحن. { وَنُدْخِلْكُمْ } في أموركم { مُّدْخَلاً كَرِيماً } إدخالاً حسناً لا ترون منكم دخولكم ولا خروجكم وإنما ترون المُصَرِّفَ لكم.
النساء 4:32
لسان المعاملة أن الأمر بالتعني لا بالتمني، ولسان التوحيد أن الأمر بالحُكْم والقضاء لا بالإرادة والمنى. ويقال اسلكوا سبيل من تقدَّمكم في قيامكم بحق الله، ولا تتعرضوا لنَيْلِ ما خُصُّوا به من فضل الله. قوموا بحقِّ مولاكم ولا تقوموا بمتابعة هواكم واختيار مناكم.
ويقال لا تتمنوا مقام السادة دون أن تسلكوا سُبُلَهُم، وتلازموا سيرهم، وتعملوا عملهم.. فإن ذلك جَوْرٌ من الظن.
ويقال: كُن طالب حقوقه لا طالب نصيبك على أي وجه شئت: دنيا وآخرة (وإلاَّ) أشركت في توحيدك من حيث لم تشعر.
ويقال لا تتمنَّ مقامات الرجال فإنَّ لكل مقام أهلاً عند الله، وهم معدودون؛ فما لم يمت واحد منهم لا يورثَ مكانه غيرُه، قال تعالى:{ جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ } [الأنعام: 165، وفاطر: 39] والخليفة من يخلف من تقدَّمه، فإذا تمنَّيْتَ مقام وليَّ من الأولياء فكأنَّكَ استعجلتَ وفاتَه؛ على الجملة تمنيت أو على التفصيل، وذلك غير مُسَلَّم.
ويقال خمودُك تحت جريان حكمه - على ما سبق به اختياره - أحظَى لكَ من تعرضك لوجود مناك، إذ قد يكون حتفك في مُنيتك.
ويقال مَنْ لم يؤدّب ظاهرهُ بفنون المعاملات، ولم يهذِّب باطنه بوجوه المنازلات فلا ينبغي أن يتصدَّى لنيل المواصلات، وهيهات هيهات متى يكون ذلك!
{ وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ }: الفرق بين التمني وبين السؤال من فضله من وجوه: يكون التمني للشيء مع غفلتك عن ربك؛ فتتمنى بقلبك وجود ذلك الشيء من غير توقعه من الله، فإذا سألت الله فلا محالة تذكره، والآخر أن السائل لا يرى استحقاق نفسه فيحْمِلُه صِدْقُ الإرادة على التملُّق والتضرع، والتمني يخلو عن هذه الجملة.
والآخر أن الله نهى عن تمني ما فضل الله به غيرك إذ معناه أن يسلب صاحبك ما أعطاه ويعطيك إياه، وأباح السؤال من فضله بأن يعطيك مثل ما أعطى صاحبك.
ويقال لا تتمنَّ العطاء وسَلْ الله أن يعطيك من فضله الرضا بِفَقْدِ العطاء وذلك أتمُّ من العطاء، فإنَّ التَّحرُّرَ من رقِّ الأشياء أتمُّ مِنْ تملُّكِها.
النساء 4:33
جعل المعاقدة في ابتداء الإسلام نظيرةَ النَّسَبِ في ثبوت الميراث بها فَنَسَخَ حكم الميراث وبقي حكم الاحترام، فإذا كانت المعاقدة بين الناس بهذه المثابة فما ظنُّك بالمعاهدة مع الله؟ قال الله تعالى:{ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ } [الأحزاب: 23]. وأنشدوا:إنَّ الأُلى ماتوا على دين الهوى وجدوا المنيَّةَ منهلاً معسولا
النساء 4:34
خصَّ الرجال بالقوة فزيد بالحمل عليهم؛ فالحمل على حسب القوة. والعبرة بالقلوب والهمم لا بالنفوس والجثث.
قوله: { وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ }: أي ارتقوا في تهذيبهن بالتدريج والرفق، وإنْ صَلُحَ الأمر بالوعظ فلا تستعمل العصا بالضرب، فالآية تتضمن آداب العِشْرة.
ثم قال: { فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً }: يعني إن وَقَفَتْ في الحال عن سوء العشرة (.....) ورجعت إلى الطاعة فلا تَنْتَقِمْ منها عمَّا سَلَفَ، ولا تتمنع من قبول عذرها والتأبِّي عليها.
يقال: { فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً } بمجاوزتك عن مقدار ما تستوجب من نقمتك.
النساء 4:35
يقال لك عليها الطاعة بالبدن، فأمَّا المحبة والميل إليك بالقلب فذلك إلى الله، فلا تكلِّفها ما لا يرزقك الله منها؛ فإن القلوب بقدرة الله، يُحبِّبُ إليها من يشاء، ويُبَغِّضُ إليها من يشاء.
ويقال: { فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً } أي لا تَنسَ وفاءها في الماضي بنادر جفاءٍ يبدو في الحال فربما يعود الأمر إلى الجميل.
النساء 4:36
قوله: { وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ }: العبودية معانقة الأمر ومفارقة الزجر.
{ وَلاَ تُشْرِكُواْ } الشِّركُ جَلِيُّه اعتقادُ معبودٍ سواه، وخفِيُّه: ملاحظةُ موجود سواه، والتوحيد أن تعرف أنَّ الحادثاتِ كلَّها حاصلةٌ بالله، قائمةٌ به؛ فهو مجريها ومنشيها ومبقيها، وليس لأحد ذوة ولا شظية ولا سينة ولا شمة من الإيجاد والإبداع.
ودقائق الرياء وخفايا المصانعات وكوامن الإعجاب والعمل على رؤية الخلْق، واستحلاء مدحهم والذبول تحت ردّهم وذمِّهم - كلُّ ذلك من الشِّرْكِ الخَفِّي.
قوله: { وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ } الإحسان إلى الوالدين على وجه التدريج إلى صحبة فإنك أُمِرْتَ أولاً بحقوقهما لأنهما من جِنْسِك ومنها تربيتك، ومنهما تصل إلى استحقاق زيادتك وتتحقق بمعرفتك. وإذا صَلُحْتَ للصحبة والعِشْرة مع ذوي القربى والفقراء والمساكين واليتامى ومن في طبقتهم - رُقِّيتَ عن ذلك إلى استيجاب صحبته - سبحانه.
قوله: { وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ }... الآية من جيرانك (....) فلا تؤذهما بعصيانك، وراعِ حقهما بما تُولِي عليهما من إحسانك.
فإذا كان جار دارك مستوجباً للإحسان إليه ومراعاة حقه فجارُ نفسِك - وهو قلبك - أوْلى بألا تضيِّعه ولا تَغْفَل عنه، ولا تُمكِّنَ حلول الخواطر الرديئة به.
وإذا كان جار نفسك هذا حكمه فجار قلبك - وهو روحك - أوْلى أن تحامي على حقِّها، ولا تُمكِّن لما يخالفها من مساكنتها ومجاورتها. وجار روحك - وهو سِرُّك - أوْلى أن ترعى حقّه، فلا تمكنه من الغيبة عن أوطان الشهود على دوام الساعات.
قوله:{ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ } [الحديد: 4] الإشارة منه غير ملتبسة على قلوب ذوي التحقيق.
قوله: { ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ }... الآية البخل على لسان العلم منع الواجب، وعلى بيان الإشارة ترك الإيثار في زمان الاضطرار. وأمرُ الناسِ بالبخل معناه مَنْعُهم عن مطالبات الحقائق في معرِض الشفقة عليهم بموجب الشرع، وبيان هذا أن يقع بلسانك الانسلاخ عن العلائق وحذف فضولات الحالة فَمَن نصحه بأن يقول: " ربما لا تَقْوَى على هذا، ولأن تكون مع معلومك الحلال أولى بأن تصير مكدياً، وربما تخرج إلى سؤال الناس وأن تكون كَلاًّ على المسلمين - ويَرْوِي له في هذا الباب الأخبار والآثار أمثال هذا... " فلولا بُخْلُه المستكن في قلبه لأعانه بهمته فيما يسنح لقلبه بَدَلَ أن يمنع عنه ما (يجب أن) يقول في معرض النصح. ومن كانت هذه صفته أدركه عاجل المقت حيث أطفأ شرر إرادة ذلك المُسْتَضْعَفِ بما هو عند نفسه أنه نصيحة وشفقة في الشرع.
وقوله: { وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ }: إن كان الله أغناهم عن طلب الفضيلة بما خوَّلهم وآتاهم كتموا ذلك طمعاً في الزيادة على غير وجه الإذن.
ويقال يكتمون ما آتاهم الله من فضله إذا سألهم مريدٌ شيئاً عندهم فيه نجاته، وضنوا عليه بإرشاده.
ويقال بخل الأغنياء بمنع النعمة، وبخْلُ الفقراء بمنع الهمة.
النساء 4:37
قوله: { وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ }: العبودية معانقة الأمر ومفارقة الزجر.
{ وَلاَ تُشْرِكُواْ } الشِّركُ جَلِيُّه اعتقادُ معبودٍ سواه، وخفِيُّه: ملاحظةُ موجود سواه، والتوحيد أن تعرف أنَّ الحادثاتِ كلَّها حاصلةٌ بالله، قائمةٌ به؛ فهو مجريها ومنشيها ومبقيها، وليس لأحد ذوة ولا شظية ولا سينة ولا شمة من الإيجاد والإبداع.
ودقائق الرياء وخفايا المصانعات وكوامن الإعجاب والعمل على رؤية الخلْق، واستحلاء مدحهم والذبول تحت ردّهم وذمِّهم - كلُّ ذلك من الشِّرْكِ الخَفِّي.
قوله: { وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ } الإحسان إلى الوالدين على وجه التدريج إلى صحبة فإنك أُمِرْتَ أولاً بحقوقهما لأنهما من جِنْسِك ومنها تربيتك، ومنهما تصل إلى استحقاق زيادتك وتتحقق بمعرفتك. وإذا صَلُحْتَ للصحبة والعِشْرة مع ذوي القربى والفقراء والمساكين واليتامى ومن في طبقتهم - رُقِّيتَ عن ذلك إلى استيجاب صحبته - سبحانه.
قوله: { وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ }... الآية من جيرانك (....) فلا تؤذهما بعصيانك، وراعِ حقهما بما تُولِي عليهما من إحسانك.
فإذا كان جار دارك مستوجباً للإحسان إليه ومراعاة حقه فجارُ نفسِك - وهو قلبك - أوْلى بألا تضيِّعه ولا تَغْفَل عنه، ولا تُمكِّنَ حلول الخواطر الرديئة به.
وإذا كان جار نفسك هذا حكمه فجار قلبك - وهو روحك - أوْلى أن تحامي على حقِّها، ولا تُمكِّن لما يخالفها من مساكنتها ومجاورتها. وجار روحك - وهو سِرُّك - أوْلى أن ترعى حقّه، فلا تمكنه من الغيبة عن أوطان الشهود على دوام الساعات.
قوله:{ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ } [الحديد: 4] الإشارة منه غير ملتبسة على قلوب ذوي التحقيق.
قوله: { ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ }... الآية البخل على لسان العلم منع الواجب، وعلى بيان الإشارة ترك الإيثار في زمان الاضطرار. وأمرُ الناسِ بالبخل معناه مَنْعُهم عن مطالبات الحقائق في معرِض الشفقة عليهم بموجب الشرع، وبيان هذا أن يقع بلسانك الانسلاخ عن العلائق وحذف فضولات الحالة فَمَن نصحه بأن يقول: " ربما لا تَقْوَى على هذا، ولأن تكون مع معلومك الحلال أولى بأن تصير مكدياً، وربما تخرج إلى سؤال الناس وأن تكون كَلاًّ على المسلمين - ويَرْوِي له في هذا الباب الأخبار والآثار أمثال هذا... " فلولا بُخْلُه المستكن في قلبه لأعانه بهمته فيما يسنح لقلبه بَدَلَ أن يمنع عنه ما (يجب أن) يقول في معرض النصح. ومن كانت هذه صفته أدركه عاجل المقت حيث أطفأ شرر إرادة ذلك المُسْتَضْعَفِ بما هو عند نفسه أنه نصيحة وشفقة في الشرع.
وقوله: { وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ }: إن كان الله أغناهم عن طلب الفضيلة بما خوَّلهم وآتاهم كتموا ذلك طمعاً في الزيادة على غير وجه الإذن.
ويقال يكتمون ما آتاهم الله من فضله إذا سألهم مريدٌ شيئاً عندهم فيه نجاته، وضنوا عليه بإرشاده.
ويقال بخل الأغنياء بمنع النعمة، وبخْلُ الفقراء بمنع الهمة.
النساء 4:38
أدخل هؤلاء أيضاً تحت قوله: { إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا } فعقوبتهم في العاجل أنهم ليسوا من جملة مُحِبِّيه، وكفى بذلك محنة.
والمختال الذي ينظر إلى نفسه والمرائي الذي ينظر إلى أبناء جنسه، وكلاهما مُسَوَّمَان بالشرك الخفيِّ والله لا يحب المشركين. والفخور من الإبل كالمصراة من الغنم وهو الذي سُدَّت أخلافه ليجتمع فيها الدر، فيتوهم المشتري أن جميع ذلك معتاد لها وليس كذلك، فكذلك الذي يرى من نفسه حالاً ورتبة وهو في ذلك مدعٍ وهو الفخور، والله لا يحبه، وكذلك المرائي الذي ينفق ماله رئاء الناس.
النساء 4:39
ليس في إيمانهم بالله عليهم مشقة، بل لو آمنوا لوصلوا إلى عِزِّ الدنيا والآخرة، ولا يحملهم على الإعراض عنه إلا قلة الوفاء والحرمة.
النساء 4:40
لا ينقص من ثوابهم شيئاً بل يبتدئهم - من غير استحقاقهم - بفضله، ويضاعف أجورَهم على أعمالهم؛ فأمَّا الظلم فمحالٌ تقديره في وصفه لأن الخلقَ خلْقُه، والمُلْكَ ملكه. والظالم من يعتدي حداً رُسِمَ له - وهو في وصفه مُحال لِعزِّه في جلال قدره.
النساء 4:41
إذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - الشهيد على أمته، وهو الشفيع لهم، فإنما يشهد بما يُبْقي للشفاعة موضِعَها.
قوله تعالى: { يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }... الآية: يحصلون على ندم ثم لا ينفعهم، ويعضون على أناملهم ثم لا يسكن عنهم جزعهم، فيتقنعون بِخِمار الذُّل، وينقلبون إلى أوطان المحن والضر.
النساء 4:42
إذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - الشهيد على أمته، وهو الشفيع لهم، فإنما يشهد بما يُبْقي للشفاعة موضِعَها.
قوله تعالى: { يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }... الآية: يحصلون على ندم ثم لا ينفعهم، ويعضون على أناملهم ثم لا يسكن عنهم جزعهم، فيتقنعون بِخِمار الذُّل، وينقلبون إلى أوطان المحن والضر.
النساء 4:43
النُّهيُ عن موجب السكر من الشراب لا من الصلاة، أي لا تصادفنكم الصلاة وأنتم بصفة السُّكْر، أي امتنعوا عن شُرْبِ ما يُسْكِر فإنكم إن شربتم سكرتم، ثم إذا صادفكم الصلاة على تلك الحالة لا تُقْبَل منكم صلاتكم.
والسُّكْر ذهاب العقل والاستشعار، ولا تَصحُّ معه المناجاة مع الحق.
المُصَلِّي يناجي ربَّه؛ فكلُّ ما أوجب للقلب الذهول عن الله فهو ملحق بهذا من حيث الإشارة؛ ولأجل هذه الجملة حَصَلَ، والسُكْرُ على أقسام:
فسُكْرٌ من الخمر وسُكْرٌ من الغفلة لاستيلاء حب الدنيا.
وأصعب السكر سكرك من نفسك فهو الذي يلقيك في الفرقة عنه، فإنَّ مَنْ سَكِرَ من الخمر فقصاراه الحرقة - إن لم يُغْفَر له. ومن سكر من نفسه فحاله الفرقة - في الوقت - عن الحقيقة.
فأمَّا السُكْر الذي يشير إليه القوم فصاحبه محفوظٌ عليه وقته حتى يصلي والأمر مخفف عليه: (فإذا خرج عن الصلاة هجم عليه غالبُه فاختطفه عنه ومن لم يكن محفوظاً) عليه أحكام الشرع (فمشوبُ بحظ).
وقوله تعالى: { وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ }... الآية: أذن للمضطر أن يترخَّص في عبور المسجد وهو على وصف الجنابة، فإذا عرج زائداً على قدر الضرورة فمُعَاتَبٌ غيرُ معذور، وكذلك فيما يحصل من معاذير الوقت في القيام بشرائط الوقت فمرفوعةٌ عن صاحبه المطالبة به.
ثم إنه - سبحانه - بفضله جعل التيمم بدلاً من الطهارة بالماء عند عَوَزِ الماء كذلك النزولُ إلى ساحات الفَرْقِ عن ارتقاء ذرة الجمع - بِقَدْر ما يحصل من الضعف - بَدَلٌ لأهل الحقائق.
ثم إن التيمم - الذي هو بَدَلُ الماء - أعمُّ وجوداً من الماء، وأقلُّ استعمالاً من الأصل، فإن كل من كان أقرب كانت المطالبات عليه أصعب.
ثم في الظاهر أمَرْنا باستعمال التراب وفي الباطن باستشعار الخضوع واستدامة الذبول.
وردَّ التيمم إلى التقليل، وراعى فيه صيانةً لرأسِك عن التُّراب ولقَدَمِك؛ فإنَّ العزَّ بالمؤمن - ومولاه باستحقاق الجلال - أوْلى من الذل لِمَا هو مفلس فيه من الحال، ولئن كان إفلاسه عن أعماله يوجب له التذلُّل فعرفانُه بجلال سيِّده يوجب كل تَعَزُّزٍ وتَجَمُّل.
النساء 4:44
ومكروا مكراً ولم يشعروا وجهة مكرهم أن أُعْطُوا الكتابَ ثم حُرِمُوا بركاتِ الفهم حتى حرَّفوا وأصَرُّوا.
قوله: { مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ }... الآية: تركوا حشمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ورفضوا حرمته، فعوقبوا بالشك في أمره، ولذلك لم يترك أحد حشمته (محتشم) إلا حيل بينه وبين نيل بركات صحبته وزوائد خدمته. ولو أنهم عاجلوا في نفي ما دَاخَلَهم من الحسد وقابلوا حاله بالتبجيل والإعظام لوجدوا بركات متابعته، فأُسْعِدوا به في الدارين، وكيف لم يكونوا كذلك وقد أقصتهم السوابق فأقعدتهم القسمة عن بساط الخدمة؟ وإنَّ مَنْ قعدت به الأقدار لم ينهض به الاحتيال.
النساء 4:45
ومكروا مكراً ولم يشعروا وجهة مكرهم أن أُعْطُوا الكتابَ ثم حُرِمُوا بركاتِ الفهم حتى حرَّفوا وأصَرُّوا.
قوله: { مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ }... الآية: تركوا حشمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ورفضوا حرمته، فعوقبوا بالشك في أمره، ولذلك لم يترك أحد حشمته (محتشم) إلا حيل بينه وبين نيل بركات صحبته وزوائد خدمته. ولو أنهم عاجلوا في نفي ما دَاخَلَهم من الحسد وقابلوا حاله بالتبجيل والإعظام لوجدوا بركات متابعته، فأُسْعِدوا به في الدارين، وكيف لم يكونوا كذلك وقد أقصتهم السوابق فأقعدتهم القسمة عن بساط الخدمة؟ وإنَّ مَنْ قعدت به الأقدار لم ينهض به الاحتيال.
النساء 4:46
ومكروا مكراً ولم يشعروا وجهة مكرهم أن أُعْطُوا الكتابَ ثم حُرِمُوا بركاتِ الفهم حتى حرَّفوا وأصَرُّوا.
قوله: { مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ }... الآية: تركوا حشمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ورفضوا حرمته، فعوقبوا بالشك في أمره، ولذلك لم يترك أحد حشمته (محتشم) إلا حيل بينه وبين نيل بركات صحبته وزوائد خدمته. ولو أنهم عاجلوا في نفي ما دَاخَلَهم من الحسد وقابلوا حاله بالتبجيل والإعظام لوجدوا بركات متابعته، فأُسْعِدوا به في الدارين، وكيف لم يكونوا كذلك وقد أقصتهم السوابق فأقعدتهم القسمة عن بساط الخدمة؟ وإنَّ مَنْ قعدت به الأقدار لم ينهض به الاحتيال.
النساء 4:47
صرف القلوب عن الإرادة إلى أحوال أهل العادة حتى كانت دواعيه يتوفر في رفض الدنيا فعاد لا يصبر عن جمعِها ومنعِها.
النساء 4:48
العوام طولبوا بترك الشِرْكِ الجليّ، والخواص طولبوا بترك الشرك الخفيّ، فمن توسَّل إليه بعمله ويظنه منه، أو توهَّم أن أحكامه - سبحانه - معلولة بحركاته وسكناته، أو راعى خَلْقاً أو لاحظ نَفْساً فوطنه الشرك عند أهل الحقائق.
والله لا يغفر أن يُشْرَكَ به وكذلك من توهَّم أن مخالفته حصلت من غير تقديره فهو ملتحق بهم.
النساء 4:49
مَن ركن إلى تزكية الناس له، واستحلى قبول الخواص له - فضلاً عن العوام - فهو من زكَّى نَفْسه، ورؤية النَّفْس أعظم حجاب، ومن توهَّم أنه بِتَكَلُّفِه يزكِّي نفسه: بأوراده أو اجتهاده، بحركاته أو سكناته - فهو في غطاء جهله.
قوله: { انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ }... الآية. الإشارة إلى من أطلق لسان الدعوى من غير تحقيق، والمُفْتَرِي - في قالته في هذا الأمر - لا ينطق بشيءٍ إلا أجبَّتْه الآذان وانزجرت له القلوب، فإذا سكت عاد إلى قلب خراب.
النساء 4:50
مَن ركن إلى تزكية الناس له، واستحلى قبول الخواص له - فضلاً عن العوام - فهو من زكَّى نَفْسه، ورؤية النَّفْس أعظم حجاب، ومن توهَّم أنه بِتَكَلُّفِه يزكِّي نفسه: بأوراده أو اجتهاده، بحركاته أو سكناته - فهو في غطاء جهله.
قوله: { انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ }... الآية. الإشارة إلى من أطلق لسان الدعوى من غير تحقيق، والمُفْتَرِي - في قالته في هذا الأمر - لا ينطق بشيءٍ إلا أجبَّتْه الآذان وانزجرت له القلوب، فإذا سكت عاد إلى قلب خراب.
النساء 4:51
طاغوتُ كلِّ أحدٍ نَفسُه وهواه وجِبْتُه وهو (....) مقصوده من الأغيار، فمن لاحظ شخصاً أو طالع سبباً أو عرَّجَ على عِلَّةٍ أو طاع هوىً، فذلك جبته وطاغوته. وأصحاب الجبت والطاغوت يستوجبون اللعن؛ وهو الطرد عن بساط العبودية، والحجاب عن شهود الربوبية.
النساء 4:52
طاغوتُ كلِّ أحدٍ نَفسُه وهواه وجِبْتُه وهو (....) مقصوده من الأغيار، فمن لاحظ شخصاً أو طالع سبباً أو عرَّجَ على عِلَّةٍ أو طاع هوىً، فذلك جبته وطاغوته. وأصحاب الجبت والطاغوت يستوجبون اللعن؛ وهو الطرد عن بساط العبودية، والحجاب عن شهود الربوبية.
النساء 4:53
مَنْ جُبِلَ على الشُّحِّ لا يزداد بسعة يده إلا تأسفاً على راحةٍ ينالها الخلق، كأنَّ مَنْ شَرِبَ قطرة ماءٍ قد تحسَّى بل رَشَفَ من ماء حياته!.
قوله: { أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ }: بل ينكرون تخصيص الحق سبحانه لأوليائه بما يشاء حسداً من عند أنفسهم فلا يقابلونهم بالإجلال، وسُنَّةُ الله سبحانه مع أوليائه مضت بالتعزيز والتوقير لهم. ودأبُ الكافرين جرى بالارتياب في القدرة؛ فمنهم من آمن بهم، ومنهم من ردَّ ذلك وجحد، وكفى بعقوبة الله منتقماً عنهم.
قوله: { وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً }: المُلْك العظيم معرفة المَلِك، ويقال هو المُلْكُ على النَّفس.
ويقال الإشراف على أسرار المملكة حتى لا يخفى عليه شيء.
ويقال الاطلاع على أسرار الخلق.
النساء 4:54
مَنْ جُبِلَ على الشُّحِّ لا يزداد بسعة يده إلا تأسفاً على راحةٍ ينالها الخلق، كأنَّ مَنْ شَرِبَ قطرة ماءٍ قد تحسَّى بل رَشَفَ من ماء حياته!.
قوله: { أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ }: بل ينكرون تخصيص الحق سبحانه لأوليائه بما يشاء حسداً من عند أنفسهم فلا يقابلونهم بالإجلال، وسُنَّةُ الله سبحانه مع أوليائه مضت بالتعزيز والتوقير لهم. ودأبُ الكافرين جرى بالارتياب في القدرة؛ فمنهم من آمن بهم، ومنهم من ردَّ ذلك وجحد، وكفى بعقوبة الله منتقماً عنهم.
قوله: { وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً }: المُلْك العظيم معرفة المَلِك، ويقال هو المُلْكُ على النَّفس.
ويقال الإشراف على أسرار المملكة حتى لا يخفى عليه شيء.
ويقال الاطلاع على أسرار الخلق.
النساء 4:55
مَنْ جُبِلَ على الشُّحِّ لا يزداد بسعة يده إلا تأسفاً على راحةٍ ينالها الخلق، كأنَّ مَنْ شَرِبَ قطرة ماءٍ قد تحسَّى بل رَشَفَ من ماء حياته!.
قوله: { أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ }: بل ينكرون تخصيص الحق سبحانه لأوليائه بما يشاء حسداً من عند أنفسهم فلا يقابلونهم بالإجلال، وسُنَّةُ الله سبحانه مع أوليائه مضت بالتعزيز والتوقير لهم. ودأبُ الكافرين جرى بالارتياب في القدرة؛ فمنهم من آمن بهم، ومنهم من ردَّ ذلك وجحد، وكفى بعقوبة الله منتقماً عنهم.
قوله: { وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً }: المُلْك العظيم معرفة المَلِك، ويقال هو المُلْكُ على النَّفس.
ويقال الإشراف على أسرار المملكة حتى لا يخفى عليه شيء.
ويقال الاطلاع على أسرار الخلق.
النساء 4:56
الإشارة منه إلى الجاحدين لآيات الأولياء، يُقيمهم بوصف الصغار ويبقيهم في وحشة الإنكار؛ كلَّما لاح لقلوبهم شيء من هذه القصة جرَّهم إنكارُهم إلى ترك الإيمان بها والإزراء بأهلها على وجه الاستبعاد، فهم مؤبدة عقوبتهم.
النساء 4:57
هم اليوم في ظل الرعاية، وغداً في ظل الحماية والكفاية، بل هم في الدنيا والعقبى في ظل العناية.
والناس في هذه الدنيا متفاوتون: فمنهم من هو في ظل رحمته، ومنهم من هو في ظل رعايته، ومنهم من هو في ظل كرامته، ومنهم من هو في ظل عنايته، ومنهم من هو في ظل قربته.
النساء 4:58
ردُّ الأمانات إلى أهلها تسليم أموال الخلق لهم بعد إشرافك عليها بحيث لا تفسد عليهم.
ويقال لله - سبحانه وتعالى - أماناتٌ وَضَعَها عِنْدَك؛ فردُّ الأمانة إلى أهلها تسليمها إلى الله - سبحانه - سالمةً مِنْ خيانتِكَ فيها؛ فالخيانة في أمانة القلب ادعاؤك فيها، والخيانة في أمانة السِّرِّ ملاحظتك إياها.
والحُكْمُ بين الناس بالعدل تسويةُ القريب والبعيد في العطاء والبذل، وألا تحملك مخامرةُ حقدٍ على انتقامٍ لنفسٍ.
النساء 4:59
قَرَنَ طاعته بطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - تفخيماً لشأنه ورفعاً لِقَدْرِه.
وأمَّا أولو الأمر - فعلى لسان العلم - السلطان، وعلى بيان المعرفة العارفُ ذو الأمر على المستأنف، والشيخُ أولو الأمر على المريد، وإمامُ كل طائفة ذو الأمر عليهم.
ويقال الولي أولى بالمريد (من المريد) للمريد.
قوله: { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَئٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ } على لسان العلم - إلى الكتاب والسُّنَّة، وعلى بيان التوحيد فوَّض ذلك وَوَكلَ علمَهُ إلى الله سبحانه، وإذا اختلف الخاطران في قلب المؤمن فإن كان له اجتهاد العلماء تأمل ما يسنح لخاطره بإشارة فهمه، ومن كان صاحب قلب وكَلَ ذلك إلى الحق - سبحانه - وراعى ما خوطب به في سرائره، وأُلْقِيَ - بلا واسطة - في قلبه.
النساء 4:60
أظهروا الإخلاص، ونافقوا في السِّر، ففضحهم - سبحانه - على لسان جبريل عليه السلام بقوله { يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ } أي يرفضوه. فمن حاد عن طريقه ورجع إلى غير أستاذه استوجب الحرمان والذم.
النساء 4:61
كل شيء سوى كلمة الحق فهو خفيف على المنافقين، فأمّا التوحيد فلا يسمع كلمته إلا مخلص، وأهل الفترة في الله وأصحاب النفرة لا يسمعون ما هو الحق؛ لأن خلافَ الهوى يَشُقُّ على غير الصديقين. وكما أن ناظِرَ الخلق لا يقوى على مقابلة الشمس فكذلك المنافقون لم يطيقوا الثبات له - صلى الله عليه وسلم - فلذلك كان صدودهم.
النساء 4:62
تَضَرُّعُ غير المخلص عند هجوم الضُّر لا أصل له، فلا ينبغي أن يكون به اعتبار لأن بقاءه إلى زوال المحنة، والمصيبة العظمى ترك المبالاة (بما يحصل من التقصير).
ويقال من المصيبة أن يمحقك وقتك فيما لا يجدي عليك.
النساء 4:63
أُبْسُطْ لهم لسانَ الوعظِ بمقتضى الشفقة عليهم، ولكن انْقَبِضْ بقلبك عن المبالاة بهم والسكون إليهم، واعلم أن من لا نكون نحن له لا يغني عنه أن تعينه شيئاً.
النساء 4:64
ما أَمَرْنَا الرسلَ إلاَّ بدعوة الخلْقِ إلينا.
وقوله: { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ }. لو جعلوك ذريعتهم لوصلوا إلينا، ويقال لو لازموا التذلل والافتقار وركبوا مطية الاستغفار لأناخوا بعقوة المبار.
النساء 4:65
سدَّ الطريق - إلى نفسه - على الكافة إلا بعد الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، فمَنْ لم يمشِ تحت رايتِه فليس له من الله نفس.
ثم جعل من شرط الإيمان زوال المعارضات بالكلية بقلبك.
قوله: { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ }: فلا بُدَّ لك من (...) تلك المهالك بوجه ضاحك، كما قال بعضهم:وحبيبٍ إنْ لم يكن منصفاً كنتُ منصفا أتحسّى له الأمَرَّ وأسقيه ما صفا
إن يقل لي انشقَّ اخترتُ رضاً لا تَكَلَّفَا
النساء 4:66
أخبر عن سُقْم إخلاصهم وقوة إفلاسهم، ثم أخبر الله بعلمه بتقصيرهم.
خلاهم عن كثير من الامتحانات ثم قال ولو أنهم جنحوا إلى الخدمة، وشدُّوا نطاق الطاعة لكان ذلك خيراً لهم من إصرارهم على كفرهم واستكبارهم. ولو أنهم فعلوا ذلك لآتيناهم من عندنا ثواباً عظيماً، ولأرشدناهم صراطاً مستقيماً ولأوليناهم عطاء مقيماً.
والأمر - على بيان الإشارة - يرجع إلى مخالفة الهوى وذبح النفوس بمنعها عن المألوفات، والخروج من ديار (تَقَبُّل النَّفْس)، ومفارقة أوطان (إرادة) الدنيا.
النساء 4:67
أخبر عن سُقْم إخلاصهم وقوة إفلاسهم، ثم أخبر الله بعلمه بتقصيرهم.
خلاهم عن كثير من الامتحانات ثم قال ولو أنهم جنحوا إلى الخدمة، وشدُّوا نطاق الطاعة لكان ذلك خيراً لهم من إصرارهم على كفرهم واستكبارهم. ولو أنهم فعلوا ذلك لآتيناهم من عندنا ثواباً عظيماً، ولأرشدناهم صراطاً مستقيماً ولأوليناهم عطاء مقيماً.
والأمر - على بيان الإشارة - يرجع إلى مخالفة الهوى وذبح النفوس بمنعها عن المألوفات، والخروج من ديار (تَقَبُّل النَّفْس)، ومفارقة أوطان (إرادة) الدنيا.
النساء 4:68
أخبر عن سُقْم إخلاصهم وقوة إفلاسهم، ثم أخبر الله بعلمه بتقصيرهم.
خلاهم عن كثير من الامتحانات ثم قال ولو أنهم جنحوا إلى الخدمة، وشدُّوا نطاق الطاعة لكان ذلك خيراً لهم من إصرارهم على كفرهم واستكبارهم. ولو أنهم فعلوا ذلك لآتيناهم من عندنا ثواباً عظيماً، ولأرشدناهم صراطاً مستقيماً ولأوليناهم عطاء مقيماً.
والأمر - على بيان الإشارة - يرجع إلى مخالفة الهوى وذبح النفوس بمنعها عن المألوفات، والخروج من ديار (تَقَبُّل النَّفْس)، ومفارقة أوطان (إرادة) الدنيا.
النساء 4:69
جعل طاعة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - مفتاحَ الوصول إلى مقامات النبيين والصديقين والشهداء على الوجه الذي يصحُّ للأُمة وكفى له عليه السلام بذلك شرفاً.
ثم قال: { ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ }: جرَّد عليهم محلّهم عن كل علة واستحقاق وسبب؛ فإن ما لاح لهم وأصابهم صرفُ فضله وابتداء كرمه.
النساء 4:70
جعل طاعة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - مفتاحَ الوصول إلى مقامات النبيين والصديقين والشهداء على الوجه الذي يصحُّ للأُمة وكفى له عليه السلام بذلك شرفاً.
ثم قال: { ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ }: جرَّد عليهم محلّهم عن كل علة واستحقاق وسبب؛ فإن ما لاح لهم وأصابهم صرفُ فضله وابتداء كرمه.
النساء 4:71
الفرار إلى الله من صفات القاصدين، والفرار مع الله من صفات الواصلين؛ فلا يجد القرار مع الله إلا من صدق في الفرار إلى الله. والفرارُ من كل غَيْرٍ شأنُ كل مُوَحِّد.
قوله تعالى: { وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ } الآية: أي لم تستقر عقائدهم على وصفٍ واحد، فكانوا مرتبطين بالحظوظ؛ فإذا رأوا مكروهاً يظِلُّ المسلمين شكروا وقالوا: الحمد لله الذي حفظنا من متابعتهم فكان يصيبنا ما أصابهم، وإن كانت لكم نعمة وخير سكنوا إليكم، وتمنوا أن لو كانوا معكم، خسروا في الدنيا والآخرة: فَهُمْ لا كافرٌ قبيحٌ ولا مؤمنٌ مخلصٌ.
قوله: { كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ }: يعني طرحوا حشمة الحياة فلم يراعوا حرمتكم.
النساء 4:72
الفرار إلى الله من صفات القاصدين، والفرار مع الله من صفات الواصلين؛ فلا يجد القرار مع الله إلا من صدق في الفرار إلى الله. والفرارُ من كل غَيْرٍ شأنُ كل مُوَحِّد.
قوله تعالى: { وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ } الآية: أي لم تستقر عقائدهم على وصفٍ واحد، فكانوا مرتبطين بالحظوظ؛ فإذا رأوا مكروهاً يظِلُّ المسلمين شكروا وقالوا: الحمد لله الذي حفظنا من متابعتهم فكان يصيبنا ما أصابهم، وإن كانت لكم نعمة وخير سكنوا إليكم، وتمنوا أن لو كانوا معكم، خسروا في الدنيا والآخرة: فَهُمْ لا كافرٌ قبيحٌ ولا مؤمنٌ مخلصٌ.
قوله: { كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ }: يعني طرحوا حشمة الحياة فلم يراعوا حرمتكم.
النساء 4:73
الفرار إلى الله من صفات القاصدين، والفرار مع الله من صفات الواصلين؛ فلا يجد القرار مع الله إلا من صدق في الفرار إلى الله. والفرارُ من كل غَيْرٍ شأنُ كل مُوَحِّد.
قوله تعالى: { وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ } الآية: أي لم تستقر عقائدهم على وصفٍ واحد، فكانوا مرتبطين بالحظوظ؛ فإذا رأوا مكروهاً يظِلُّ المسلمين شكروا وقالوا: الحمد لله الذي حفظنا من متابعتهم فكان يصيبنا ما أصابهم، وإن كانت لكم نعمة وخير سكنوا إليكم، وتمنوا أن لو كانوا معكم، خسروا في الدنيا والآخرة: فَهُمْ لا كافرٌ قبيحٌ ولا مؤمنٌ مخلصٌ.
قوله: { كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ }: يعني طرحوا حشمة الحياة فلم يراعوا حرمتكم.
النساء 4:74
مَن لم يَقْتُلْ نَفْسَه في نَفْسِه لا يصحُّ جهادُه بنفسِه؛ فأولا (إخراج خطر الروح) من القلب ثم تسليم النفس للقتل.
وقوله: { فَسَوْفَ نُؤْتِيهَ أَجْرًا عَظِيمًا } يعني بقاؤنا بعده خيرٌ له من حياته بنفسه لنفسه، قال قائلهم:ألست لي عِوَضاً مني؟ كفى شَرَفاً فما وراءك لي قصدٌ ومطلوب
النساء 4:75
أي شيء يمنعكم عن القتال في سبيل الله؟ وما الذي لا يُرَغِّبُكُم في بذل المهجة لله؟ وماذا عليكم لو بذلتم أرواحكم في الله ولله؟ أتخافون أن تخسِرُوا على الله؟ أم لا تعلمون أنكم تُحشَرُونَ إلى الله؟ فلم لا تكتفون ببقائه بعد فنائكم في الله؟
النساء 4:76
المخلصَون لله لا يؤثِرُون شيئاً على الله، ولا يضنون بشيء عن الله، فهم أبداً على نفوسهم لأجل الله، والذين كفروا على العكس من أحوال المؤمنين. ثم قوَّاهم وشجَّعهم بقوله: { فَقَٰتِلُوۤاْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَٰنِ } أي لا تُضْمِرُوا لهم مخافة، فإني متوليكم وكافيكم على أعدائكم.
النساء 4:77
قوله جلّ ذكره: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ }.
أخْرِجُوا أيديَكُمْ عن أمورِكم، وكِلُوها إلى معبودكم.
ويقال اقصروها عن أخذ الحرام والتصرف فيه.
ويقال امْتَنِعُوا عن الشهوات.
ويقال: { كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ } إلا عن رَفْعِها إلى الله في السؤال بوصف الابتهال.
فلمَّا كتب عليهم القتال استثقلوا أمره، واستعجلوا لطفه. والعبودية في تَرْكِ الاستثقال، ونفي الاستعجال، والتباعد عن التبرم والاستثقال.
قوله جلّ ذكره: { قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً }.
مَكَّنَكَ من الدنيا ثم قال: { قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ } فلم يَعُدَّها شيئاً لك ثم لو تَصَدَّقْتَ منها بِشقِّ تمرةٍ لتَخَلَّصْتَ من النار، وحظيت بالجنة، وهذا غاية الكرم.
واستقلالُ الكثير من نفسك - لأجل حبيبك - أقوى أمارات صُحْبتك.
ويقال لما زَهَّدَهم في الدنيا قلَّلَها في أعينهم ليهون (عليها) تركها.
ويقال قل متاعُ الدنيا بجملتها قليلٌ، والذي هو نصيبك منها أقلُّ من القليل، فمتى يناقشك لأجلها (بالتخليل)، ولو سَلِم عهدك من التبديل؟
وإذا كانت قيمة الدنيا قليلة فأخَسُّ من الخسيس مَنْ رَضِيَ بالخسيس بدلاً عن النفيس.
وقد اخْتَلَعَ المؤمن من الكون بالتدريج. فقال أولاً: { قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ } (فاحفظهم) عن الدنيا بالعقبى، ثم سلبهم عن الكونين بقوله:{ وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } [طه: 73].
النساء 4:78
الموت فرح للمؤمن، فالخبرُ عن قرْبه بِشارةٌ له، لأنه سببٌ يوصله إلى الحق، ومن أحبَّ لقاء الله أحبَّ اللهُ لقاءه.
ويقال إذا كان الموت لا بد منه فالاستسلام لحكمه طوعاً خيرٌ من أن يحمل كرهاً.
ثم أخبر أنهم - لضَعْفِ بصائرهم ومرض عقائدهم - إذا أصابتهم حَسَنَةٌ فَرِحُوا بها، وأظهروا الشكر، وإن أصابتهم سيئة لم يهتدوا إلى الله فجرى فيهم العرْقُ المجوسي فأضافوه إلى المخلوق، فَرَدَّ عليهم وقال: قل لهم يا محمد كلُّ من عند الله خلقاً وإبداعاً، وإنشاء واختراعاً، وتقديراً وتيسيراً.
النساء 4:79
ما أصابك من حسنة فمن الله فضلاً، وما أصابك من سسيئة فمن نفسك كسباً وكلاهما من الله سبحانه خَلْقاً.
النساء 4:80
هذه الآية تشير إلى الجَمْع لحال الرسول - صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه طاعته طاعتنا، فمن تقرَّبَ منه تقرَّبَ منا، ومقبولُه مقبولُنا، ومردودُه مردودنا.
النساء 4:81
يعني إذا حضروك استسلموا في مشاهدتك، فإذا خرجوا انقطع عنهم نور إقبالك، فعادوا إلى ظلمات، كما قالوا:إذا ارعوى عاد إلى جهله كذي الضنى عاد إلى نكسه
النساء 4:82
تدبرُ إشارة المعاني بغوص الأفكار، واستخراجُ جواهر المعاني بدقائق الاستنباط.
قوله: { وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ }: لمَّا كانوا غافلين عن الحق لم يكن لهم من ينقل إليه أسرارهم فأظهروا السرَّ بعضُهم لبعض. فأمَّا المؤمنون فعالِمُ أسرارهم مولاهم، وما يسنح لهم خَاطَبُوه فيه فلم يحتاجوا إلى إذاعة السِّر لمخلوق؛ فسامِعُ نجواهم الله، وعالِم خطابهم الله.
قوله تعالى: { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ } أي لو بَثوا أسرارهم عند من هو (....) ومَنْ هو من أهل القصد لأزالوا عنهم الإشكال، وأمدوهم بنور الهداية والإرشاد.
{ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ } مع أوليائه لهاموا في كل وادٍ من التفرقة كأشكالهم في الوقت.
النساء 4:83
تدبرُ إشارة المعاني بغوص الأفكار، واستخراجُ جواهر المعاني بدقائق الاستنباط.
قوله: { وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ }: لمَّا كانوا غافلين عن الحق لم يكن لهم من ينقل إليه أسرارهم فأظهروا السرَّ بعضُهم لبعض. فأمَّا المؤمنون فعالِمُ أسرارهم مولاهم، وما يسنح لهم خَاطَبُوه فيه فلم يحتاجوا إلى إذاعة السِّر لمخلوق؛ فسامِعُ نجواهم الله، وعالِم خطابهم الله.
قوله تعالى: { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ } أي لو بَثوا أسرارهم عند من هو (....) ومَنْ هو من أهل القصد لأزالوا عنهم الإشكال، وأمدوهم بنور الهداية والإرشاد.
{ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ } مع أوليائه لهاموا في كل وادٍ من التفرقة كأشكالهم في الوقت.
النساء 4:84
اسْتَقِمْ معنا بتسليم الكُلِّ مِنْكَ إلى أمرنا؛ فإنَّك - كما لا يقارنُكَ أحَدٌ في رتبتك لعلوِّك على الكل - فنحن لا نكلِّف غيرك بمثل ما تكلفت، ولا نُحَمِّل غيرك ما تحملت لانفرادك عن أشكالك في القدوة.
النساء 4:85
الشفيع يخلِّص للمشفوع له حاله. ويستوجب الشفيعُ - من الله سبحانه على شفاعته - عظيمَ الرتبة، ومَنْ سعى في أمرنا بالفساد تحمَّل الوِزْرَ واحتقب الإثم.
النساء 4:86
تعليم لهم حُسْنَ العِشْرة وآداب الصحبة. وإن من حمَّلَكَ فَضلاً صار ذلك - في ذمتك - له قرضاً، فإمَّا زِدْتَ على فِعله وإلاَّ فلا تنقص عن مثله.
النساء 4:87
هذا الخطاب يتضمن نفياً وإثباتاً؛ فالنفي يعود إلى الأغيار ويستحيل لغيره ما نفاه، والإثبات له بالإلهية ويستحيل له النفي فيما أثبته.
النساء 4:88
(.....) العهد فيهم أنهم أعدائي، لا ينالون مِنِّي في الدنيا والعقبى رضائي، وإنكم لا تُنْقِذون بهممكم من أقمته بقسمتي فإن المدار على القِّسَم دون (....).
النساء 4:89
الإشارة إلى أرباب التخليط والأحوال السقيمة يتمنون أن يكون الصديقون منهم، وهيهات أن يكون لمناهم تحقيق! وما دام المخالفون لكم غير موافقين فبائنوهم وخالفوهم ولا تطابقوهم بحال، ولا تعاشروهم، ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً؛ وموافِقٌ لك في قصدِك خيرٌ لك من مخالفٍ على الكره تعاشره.
قوله: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ } الإشارة من هذه الآية أن عند الأعذار أذِن في معاشرة في الظاهر رفقاً بالمستضعفين.
{ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ } الإشارة منه أنه إذا عاشركم من ليس من أهل القصة معرجين في أوطان نصيبهم فلا تدعوهم إلى طريقتكم وسلِّموا لهم أحوالهم. فإن أمكنكم أن تلاحظوهم بعين الرحمة بحيث تؤثر فيهم همتكم وإلا فسلِّموا لهم أحوالهم.
النساء 4:90
الإشارة إلى أرباب التخليط والأحوال السقيمة يتمنون أن يكون الصديقون منهم، وهيهات أن يكون لمناهم تحقيق! وما دام المخالفون لكم غير موافقين فبائنوهم وخالفوهم ولا تطابقوهم بحال، ولا تعاشروهم، ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً؛ وموافِقٌ لك في قصدِك خيرٌ لك من مخالفٍ على الكره تعاشره.
قوله: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ } الإشارة من هذه الآية أن عند الأعذار أذِن في معاشرة في الظاهر رفقاً بالمستضعفين.
{ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ } الإشارة منه أنه إذا عاشركم من ليس من أهل القصة معرجين في أوطان نصيبهم فلا تدعوهم إلى طريقتكم وسلِّموا لهم أحوالهم. فإن أمكنكم أن تلاحظوهم بعين الرحمة بحيث تؤثر فيهم همتكم وإلا فسلِّموا لهم أحوالهم.
النساء 4:91
إن من رام الجمع بين الضدين خاب سعيُه، ولم يرتفع عزمُه، فكما لا يكون شخص واحد منافقاً ومسلماً لا يكون شخص واحد مريداً للحق ومقيماً على أحكام أهل العادة. فإن الإرادة والعادة ضدان، والواجب مباينة الأضداد، ومجانبة الأجانب.
النساء 4:92
خفَّف أمْرَ الخطأ على فاعله حتى حَمَّل موجب قتل الخطأ على العاقلة؛ فالخواص عاقلة المستضعفين من الأمة، وأهل المعرفة عاقلة المريدين، والشيوخ عاقلة الفقراء؛ فسبيلُهم أن يحْمِلوا أثقال المستضعفين فيما ينوبهم.
النساء 4:93
كما يُحرَّم قتلُ غيرك يحرَّمُ قتلُ نفسك عليك، ومن اتَّبعَ هواه سعى في دَمِ نفسه، ومن لم ينصح مريداً بحسنِ وعظِه ولم يُعِنْه بهمته فقد سعى في دمِه، وهو مأخوذ بحاله وخليق بأن تكون له عقوبة الأذية بألا يتمتع بما ضنّ به على المريدين من أحواله: ولقد قال - سبحانه -: يا داود إذا رأيت لي طالباً فكن له (خادماً).
النساء 4:94
عَاشِرُوا الناسَ على ما يُظْهِرُون من أحوالهم، ولا تَتَفَرَّسوا فيهم بالبطلان؛ فإنَّ مُتَوَلِّيَ الأسرار الله. هذا إذا كان غرضٌ فاسدٌ يحملكم عليه من أحكام النَفْس، فأمَّا من كان نظرُه بالله ولم يَنْسَتِرْ عليه شيءٌ فَلْيَحْفَظْ سِرَّ الله فيما كوشِفَ به، ولا يظهر لصاحبه ما أراد الله فيه.
النساء 4:95
الحقُّ سبحانه جمع جميع أوليائه في أفضاله لكنه غَايَرَ بينهم في الدرجات، فَمِنْ غنيٍّ ومن عبدٍ هو أغنى منه، ومِنْ كبيرٍ ومن هو أكبر منه، هذه الكواكب دُرِّية ولكن القمرَ فوقها، وإذا طلعت الشمسُ بهرت الجميع بنورها!
النساء 4:96
الحقُّ سبحانه جمع جميع أوليائه في أفضاله لكنه غَايَرَ بينهم في الدرجات، فَمِنْ غنيٍّ ومن عبدٍ هو أغنى منه، ومِنْ كبيرٍ ومن هو أكبر منه، هذه الكواكب دُرِّية ولكن القمرَ فوقها، وإذا طلعت الشمسُ بهرت الجميع بنورها!
النساء 4:97
الإشارة منه إلى من أدركه الأجلُ وهو في أسْر نَفْسه وفي رِقِّ شهواته - ليس له عذر حيث لم يهاجر إلى ظِلِّ قُربته ليتخلَّصَ مِنْ هوى نفسِه إذ لا حجابَ بينك وبين هذا الحديث إلا هواك.
النساء 4:98
الإشارة منه إلى الذين مَلَكَتْهُم المعاني فأفنتهم عنهم، فَبَقُوا مُصَرَّفِين له، لا لهم حَوْلٌ ولا قوة، يبدو عليهم ما يُجْرِيه - سبحانه - عليهم، فهم بعد عود نفوسهم بحق الحقّ محوٌ عنهم، فلا يهتدون إلى غيره سبيلاً، ولا يتنفَّسون لغيره نَفَساً.
ويقال على موجب ظاهر الآية إن الذين أقعدتهم الأعذار عن الاختيار فعسى أن يتفضَّل الحقُّ - سبحانه - عليهم بالعفو.
النساء 4:99
الإشارة منه إلى الذين مَلَكَتْهُم المعاني فأفنتهم عنهم، فَبَقُوا مُصَرَّفِين له، لا لهم حَوْلٌ ولا قوة، يبدو عليهم ما يُجْرِيه - سبحانه - عليهم، فهم بعد عود نفوسهم بحق الحقّ محوٌ عنهم، فلا يهتدون إلى غيره سبيلاً، ولا يتنفَّسون لغيره نَفَساً.
ويقال على موجب ظاهر الآية إن الذين أقعدتهم الأعذار عن الاختيار فعسى أن يتفضَّل الحقُّ - سبحانه - عليهم بالعفو.
النساء 4:100
مَنْ هَاجَرَ في الله عما سوى الله، وصحح قَصَده إلى الله وَجَدَ فسحة في عقوة الكَرَم، ومقيلاً في ذرى القبول، وحياة وَسَعةً في كنف القرب.
والمهاجر - في الحقيقة - من هجر نَفْسَه وهواه، ولا يصحُّ ذلك إلا بانسلاخه عن جميع مراداته، ومَنْ قَصَدَه ثم أدركه الأجلُ قبل وصوله فلا ينزل إلا بساحات وصله، ولا يكون محطُّ روحه إلا أوطان قربه.
النساء 4:101
القَصْرُ في الصلاة سُنَّةٌ في السفر، وكان في ابتداء الشرع عند الخوف، فأقرَّ ذلك مع زوال الخوف رفقاً بالعباد، فلما دخل الفرضَ القَصرُ لأجل السفر عوضوا بإباحة النَّفل في السفر على الراحلة أينما توجهت به دابته من غير استقبال، فكذلك الماشي؛ ليُعْلَم أنَّ الإذنَ في المناجاة مستديمٌ في كل وقت؛ فإن أردْتَ الدخول فمتى شئت، وإن أردت التباعد مترخصاً فلك ما شئت، وهذا غاية الكرم، وحفظ سُنَّة الوفاء، وتحقق معنى الولاء.
النساء 4:102
تدل هذه الآية على أن الصلاة لا ترتفع عن العبد ما دام فيه نَفَسٌ من الاختيار لا في الخوف ولا في الأمن، ولا عند غلبات أحكام الشرع إذا كنت بوصف التفرقة، ولا عند استيلاء سلطان الحققة إذا كنتَ بعين الجمع.
النساء 4:103
الوظائف الظاهرة مُوَقته وحضور القلب بالذكر مسرمد غير منقطع؛ أمَّا بالرسوم فوقتاً دون وقت، وأمَّا بالقلوب فإياكم والغيبة عن الحقيقة لحظة كيفما اختلفت بكم الأحوال.. الذكرُ كيفما كنتم وكما كنتم، وأما الصلاةُ فإذا اطمأننتم.
النساء 4:104
قوموا بالله وليكن استنادكم في جهادكم إلى الله.
{ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ }: القومُ شاركوكم في إحساس الألم، ولكن خالفوكم في شهود القلب، وأنتم تشهدون ما لا يشهدون، وتجدون لقلوبكم ما لا يجدون، فلا ينبغي أن تستأخروا عنهم في الجد والجهد.
النساء 4:105
لم يأمرُك بالحكم بينهم على عمًى ولكن بما أراك الله أي كاشفك به من أنوار البصيرة حتى وقفت عليه بتعريفنا إياك وتسديدنا لك، وكذلك من يحكم بالحق من أمتك.
قوله: { وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً }: أي لا تناضِل عن أرباب الحظوظ ولكن مع أبناء الحقوق، ومن جنح إلى الهوى خان فيما أودع نفسه من التقوى، ومَنْ رَكَنَ إلى أنواع نوازع المنى خان فيما طولب به من الحياء لاطلاع المولى.
{ وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ } لأمتك؛ فإنا قد كفيناك حديثك بقولنا: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك.
النساء 4:106
لم يأمرُك بالحكم بينهم على عمًى ولكن بما أراك الله أي كاشفك به من أنوار البصيرة حتى وقفت عليه بتعريفنا إياك وتسديدنا لك، وكذلك من يحكم بالحق من أمتك.
قوله: { وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً }: أي لا تناضِل عن أرباب الحظوظ ولكن مع أبناء الحقوق، ومن جنح إلى الهوى خان فيما أودع نفسه من التقوى، ومَنْ رَكَنَ إلى أنواع نوازع المنى خان فيما طولب به من الحياء لاطلاع المولى.
{ وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ } لأمتك؛ فإنا قد كفيناك حديثك بقولنا: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك.
النساء 4:107
هم المؤثرون حظوظهم على حقوقه، والراضون بالتعريج في أوطان هواهم دون النقلة إلى منازل الرضا، إن الله لا يحب أهل الخيانة فيذلهم - لا جَرَم - ولا يكرمهم.
قوله: { يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ } الغالب على قلوبهم رؤية الخلق ولا يشعرون أنَّ الحق مُطَّلِعٌ على قلوبهم أولئك الذين وَسَمَ الله قلوبهم بوسم الفرقة.
النساء 4:108
هم المؤثرون حظوظهم على حقوقه، والراضون بالتعريج في أوطان هواهم دون النقلة إلى منازل الرضا، إن الله لا يحب أهل الخيانة فيذلهم - لا جَرَم - ولا يكرمهم.
قوله: { يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ } الغالب على قلوبهم رؤية الخلق ولا يشعرون أنَّ الحق مُطَّلِعٌ على قلوبهم أولئك الذين وَسَمَ الله قلوبهم بوسم الفرقة.
النساء 4:109
أي ندفع عنهم - بحرمتك - لأنك فيهم، فكيف حالهم يوم القيامة إذ زالت عنهم بركاتكم أيها المؤمنون؟!
النساء 4:110
" ثم ": حرفٌ يدل على التراخي؛ أي يزجون عمرهم في البطالات والمخالفات ثم في آخر أعمارهم يستغفرون الله.
وقوله: { يَجِدِ ٱللَّهَ }: الوجود غاية الحديث، والعاصي لا يطلب غير الغفران، ولكن الله - سبحانه يوصله إلى النهاية بفضله - إذا شاء، فسُنَّتُه تحقيق ما فوق المأمول لمن رجاه.
النساء 4:111
الحَقُّ غنيٌّ عن طاعة المطيعين، وزلة العاصين، فمن أطاع فحظُّه حَصَّلَ، ومن عصى فحظه أخذ.
النساء 4:112
من نسب إلى بريء ما هو صفته من المخازي عكس الله عليه الحال، وألبس ذلك البريء ثواب محاسن راميه، وسحب ذيل العفو على مساويه، وقَلَبَ الحال على المتعدِّي بما يفضحه بين أشكاله، في عامة أحواله.
النساء 4:113
الفضلُ إحسانٌ غيرُ مستحق، والإشارة هاهنا - من الفضل - إلى عصمته إياه، فالحقُّ - سبحانه - عَصَمَه تخصيصاً له بتلك العصمة، وكما عصمه عن تَرْكِ حقه - سبحانه - عصمته بأن كفَّ عنه كيد خلقه فقال: { وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ } الآية.
كلاَّ، لن يكونَ لأحدٍ سبيلُ إلى إضلالك فأنت في قبضة العزة، وما يُضِلُّونَ إلا أنفسهم، وما يضرونك بشيء، إذ المحفوظ منا محروس عن كل غير، وإنَّ الله سبحانه قد اختصك بإنزال الكتاب، واستخلصك بوجوه الاختصاص والإيجاب، وعلَّمك ما لم تكن تعلم، ولم يمن عليك بشيءٍ بمثل ما مَنَّ به على من خصَّه به من العلم. ويحتمل أنه أراد به علمه - صلى الله عليه وسلم - بالله وبجلاله، وعلمه بعبودية نَفْسه، ومقدار حاله في استحقاق عِزِّه وجماله.
ويقال علَّمك ما لم تكن تعلم من آداب الخدمة إذ لم تكن ملتبساً عليك معرفة الحقيقة.
ويقال أغناك عن تعليم الأغيار حتى لا يكون لأحدٍ نور إلا مُقْتَبَساً مِنْ نورِك، ومَنْ لم يمشِ تحت رايتك لا يصل إلى جميع برِّنا، ولا يحظى بقربنا وَوصْلنا.
{ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً }: في الآباد؛ أنَّكَ كنت - لنا بشرف العز وكرم الربوبية في الآزال - معلوماً. ويقال وعلَّمك ما لم تكن تعلم من عُلُوِّ رُتْبَتِكَ على الكافة.
ويقال: { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } أنَّ أحَداً لا يُقَدِّرُ قَدْرَنا إلا بمقدار مُوافَقَتِه لأمْرِنا.
النساء 4:114
أفضل الأعمال ما كانت بركاته تتعدى صاحبَه إلى غيره؛ ففضيلة الصَدَقَة يتعدى نفعها إلى من تصل إليه، والفُتُوةُ أن يكون سعيك لغيرك، ففي الخبر: " شَرُّ الناسِ مَنْ أكَلَ وَحْدَه " وكلُّ أصناف الإحسان ينطبق عليها لفظ الصدقة.
قال صلى الله عليه وسلم في قَصْرِ الصلاة في السفر: " هذه صدقة تصدَّقها الله عليكم فاقبلوا صَدَقَته ".
والصدقة على أقسام: صدقتك على نفسك، وصدقتك على غيرك؛ فأمَّا صدقتك (على نفسك فَحْملُها على أداء حقوقه تعالى، ومَنْعُها عن مخالفة أمره، وقصرُ يدها عن أذية الخَلْق وصَوْنُ خواطرها وعقائدها عن السوء. وأمَّا صدقتك) على الغير فَصَدقةٌ بالمال وصدقة بالقلب وصدقة بالبدن.
فصدقة بالمال بإنفاق النعمة، وصدقة بالبدن بالقيام بالخدمة، وصدقة بالقلب بحسن النية وتوكيد الهمة.
والصدقة على الفقراء ظاهرة لا إشكالَ فيها، أمَّا الصدقة على الأغنياء فتكون بأن تجود عليهم بهم، فتقطع رجاءك عنهم فلا تطمع فيهم.
وأمّا المعروف: فكلُّ حَسَنٍ في الشرع فهو معروف، ومن ذلك إنجاد المسلمين وإسعادهم فيما لهم فيه قربة إلى الله، وزلفى عنده، وإعلاء النواصي بالطاعة.
ومن تصدَّق بنفسه على طاعة ربه، وتصدَّقَ بقلبه على الرضا بحكمه، ولم يخرج بالانتقام لنفسه، وحثَّ الناس على ما فيه نجاتهم بالهداية إلى ربه، وأصلح بين الناس بِصِدْقه في حاله - فإنَّ لسان فعله أبلغ في الوعظ من لسان نطقه، فهو الصِّدِيق في وقته. ومن لم يؤدِّبْ نَفْسَه لم يتأدبْ به غيرُه، وكذلك من لم يهذِّب حالَه لم يتهذَّبْ به غيره.
{ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ } غيرَ سائلٍ به مالاً أو حائزٍ لنفسه به حالاً فعن قريب يبلغ رتبة الإمامة في طريق الله، وهذا هو الأجر الموعود في هذه الآية.
النساء 4:115
خواطر الحق سفراؤه تعالى إلى العبد، فمن خَالَفَ إشارات ما طولب به مِنْ طريق الباطن استوجب عقوبات القلوب، ومنها أنْ يَعْمَى عن إبصار رشده. وكما أن مخالفَ الإجماع عن الدين خارجٌ فمخالِفُ ما عرف من الحقيقة بعد ما تبين له الطريق - ساقط.
النساء 4:116
قوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ }: إثبات الغير في توهم ذرة من الإبداع عين الشِرْك، فلا للعفو فيه مساغ. وما دون الشرك فللعفو فيه مساغ، ومن توسَّل إليه سبحانه بما توهَّم من نفسه فقد أشرك من حيث لم يعلم. كلاّ، بل هو الله الواحد.
قوله: { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَٰثاً }: أوقعوا على الجماداتِ تسمياتٍ، وانخرطوا في سلك التوهم، وركنوا إلى مغاليط الحسبان، فَضَلُّوا عن الحقيقة.
{ وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَٰناً مَّرِيداً لَّعَنَهُ ٱللَّهُ } ، أي ما يدعون إلا إبليس الذي أبعده الحقُّ عن رحمته، وأسحقه بِبُعده، وما إبليس غلا مُقَلَّبٌ في القبضة على ما يريده المنشئ، ولو كان به ذرة من الإثبات لكان به شريكاً في الإلهية. كلاَّ، إنما يُجرِي الحقُّ - سبحانه - على الخلْقِ أحوالاً، ويخلق عقيب وساوسه للخلق ضلالاً، فهو الهادي والمُضِل، وهو - سبحانه - المُصَرِّفُ للكل، فيخلق (....) في قلوبهم عُقَيْبَ وساوسه إليهم طول الآمال، ويُحَسِّن في أعينهم قبيح الأعمال، ثم لا يجعل لأمانيِّهم تحقيقاً، ولا يعقب لما أمَّلُوه تصديقاً، فهو تعالى مُوجِد تلك الآثار جملةً، ويضيفها إلى الشيطان مرةً، وإلى الكافر مرة، وهذا معنى قوله: { وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ }... الآية ومعنى قوله تعالى: { يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ }.
النساء 4:117
قوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ }: إثبات الغير في توهم ذرة من الإبداع عين الشِرْك، فلا للعفو فيه مساغ. وما دون الشرك فللعفو فيه مساغ، ومن توسَّل إليه سبحانه بما توهَّم من نفسه فقد أشرك من حيث لم يعلم. كلاّ، بل هو الله الواحد.
قوله: { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَٰثاً }: أوقعوا على الجماداتِ تسمياتٍ، وانخرطوا في سلك التوهم، وركنوا إلى مغاليط الحسبان، فَضَلُّوا عن الحقيقة.
{ وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَٰناً مَّرِيداً لَّعَنَهُ ٱللَّهُ } ، أي ما يدعون إلا إبليس الذي أبعده الحقُّ عن رحمته، وأسحقه بِبُعده، وما إبليس غلا مُقَلَّبٌ في القبضة على ما يريده المنشئ، ولو كان به ذرة من الإثبات لكان به شريكاً في الإلهية. كلاَّ، إنما يُجرِي الحقُّ - سبحانه - على الخلْقِ أحوالاً، ويخلق عقيب وساوسه للخلق ضلالاً، فهو الهادي والمُضِل، وهو - سبحانه - المُصَرِّفُ للكل، فيخلق (....) في قلوبهم عُقَيْبَ وساوسه إليهم طول الآمال، ويُحَسِّن في أعينهم قبيح الأعمال، ثم لا يجعل لأمانيِّهم تحقيقاً، ولا يعقب لما أمَّلُوه تصديقاً، فهو تعالى مُوجِد تلك الآثار جملةً، ويضيفها إلى الشيطان مرةً، وإلى الكافر مرة، وهذا معنى قوله: { وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ }... الآية ومعنى قوله تعالى: { يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ }.
النساء 4:118
قوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ }: إثبات الغير في توهم ذرة من الإبداع عين الشِرْك، فلا للعفو فيه مساغ. وما دون الشرك فللعفو فيه مساغ، ومن توسَّل إليه سبحانه بما توهَّم من نفسه فقد أشرك من حيث لم يعلم. كلاّ، بل هو الله الواحد.
قوله: { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَٰثاً }: أوقعوا على الجماداتِ تسمياتٍ، وانخرطوا في سلك التوهم، وركنوا إلى مغاليط الحسبان، فَضَلُّوا عن الحقيقة.
{ وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَٰناً مَّرِيداً لَّعَنَهُ ٱللَّهُ } ، أي ما يدعون إلا إبليس الذي أبعده الحقُّ عن رحمته، وأسحقه بِبُعده، وما إبليس غلا مُقَلَّبٌ في القبضة على ما يريده المنشئ، ولو كان به ذرة من الإثبات لكان به شريكاً في الإلهية. كلاَّ، إنما يُجرِي الحقُّ - سبحانه - على الخلْقِ أحوالاً، ويخلق عقيب وساوسه للخلق ضلالاً، فهو الهادي والمُضِل، وهو - سبحانه - المُصَرِّفُ للكل، فيخلق (....) في قلوبهم عُقَيْبَ وساوسه إليهم طول الآمال، ويُحَسِّن في أعينهم قبيح الأعمال، ثم لا يجعل لأمانيِّهم تحقيقاً، ولا يعقب لما أمَّلُوه تصديقاً، فهو تعالى مُوجِد تلك الآثار جملةً، ويضيفها إلى الشيطان مرةً، وإلى الكافر مرة، وهذا معنى قوله: { وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ }... الآية ومعنى قوله تعالى: { يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ }.
النساء 4:119
قوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ }: إثبات الغير في توهم ذرة من الإبداع عين الشِرْك، فلا للعفو فيه مساغ. وما دون الشرك فللعفو فيه مساغ، ومن توسَّل إليه سبحانه بما توهَّم من نفسه فقد أشرك من حيث لم يعلم. كلاّ، بل هو الله الواحد.
قوله: { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَٰثاً }: أوقعوا على الجماداتِ تسمياتٍ، وانخرطوا في سلك التوهم، وركنوا إلى مغاليط الحسبان، فَضَلُّوا عن الحقيقة.
{ وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَٰناً مَّرِيداً لَّعَنَهُ ٱللَّهُ } ، أي ما يدعون إلا إبليس الذي أبعده الحقُّ عن رحمته، وأسحقه بِبُعده، وما إبليس غلا مُقَلَّبٌ في القبضة على ما يريده المنشئ، ولو كان به ذرة من الإثبات لكان به شريكاً في الإلهية. كلاَّ، إنما يُجرِي الحقُّ - سبحانه - على الخلْقِ أحوالاً، ويخلق عقيب وساوسه للخلق ضلالاً، فهو الهادي والمُضِل، وهو - سبحانه - المُصَرِّفُ للكل، فيخلق (....) في قلوبهم عُقَيْبَ وساوسه إليهم طول الآمال، ويُحَسِّن في أعينهم قبيح الأعمال، ثم لا يجعل لأمانيِّهم تحقيقاً، ولا يعقب لما أمَّلُوه تصديقاً، فهو تعالى مُوجِد تلك الآثار جملةً، ويضيفها إلى الشيطان مرةً، وإلى الكافر مرة، وهذا معنى قوله: { وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ }... الآية ومعنى قوله تعالى: { يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ }.
النساء 4:120
الذين قسم لهم الضلالة في الحال حكم عليهم بالعقوبة في المآل، ولولا أنه أظهر ما أظهر بقدرته وإلا متى كانت شظية من الضلالة والهداية لأربابها؟! والوقوفُ على صدق التوحيد عزيزٌ، وأربابُ التوحيد قليلٌ.
النساء 4:121
الذين قسم لهم الضلالة في الحال حكم عليهم بالعقوبة في المآل، ولولا أنه أظهر ما أظهر بقدرته وإلا متى كانت شظية من الضلالة والهداية لأربابها؟! والوقوفُ على صدق التوحيد عزيزٌ، وأربابُ التوحيد قليلٌ.
النساء 4:122
الذين أسعدناهم حكماً وقَوْلاً، أنجدناهم حين أوجدناهم كرماً وطَوْلاً، ثم إنَّا نُحقِّق لهم الموعودَ من الثواب، بما نُكْرِمُهم به من حسن المآب.
النساء 4:123
مَنْ زَرَعَ الحنظل لم يجتْنِ الورد والعبهر، ومن شرب السُّمَّ الزَّعاف لم يجد طعم العسل، كذلك مَنْ ضيَّعَ حقَّ الخدمة لم يستمكِنْ على بساط القربة، وَمَنْ وُسِمَ بالشِّقوة لم يُرْزَقْ الصفوة، ومَنْ نَفَتْه القضية فلا ناصرَ له من البَريَّة.
قوله: { وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ } الآية. مَنْ تَعَنَّي في خدمتنا لم يبق عن نَيْلِ نعمتنا، بل من أغنيناه في طلبنا أكرمناه بوجودنا، بل من جرَّعْنَاه كأسَ اشتياقنا أنلناه أُنْسَ لقائنا.
النساء 4:124
مَنْ زَرَعَ الحنظل لم يجتْنِ الورد والعبهر، ومن شرب السُّمَّ الزَّعاف لم يجد طعم العسل، كذلك مَنْ ضيَّعَ حقَّ الخدمة لم يستمكِنْ على بساط القربة، وَمَنْ وُسِمَ بالشِّقوة لم يُرْزَقْ الصفوة، ومَنْ نَفَتْه القضية فلا ناصرَ له من البَريَّة.
قوله: { وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ } الآية. مَنْ تَعَنَّي في خدمتنا لم يبق عن نَيْلِ نعمتنا، بل من أغنيناه في طلبنا أكرمناه بوجودنا، بل من جرَّعْنَاه كأسَ اشتياقنا أنلناه أُنْسَ لقائنا.
النساء 4:125
لا أحدَ أحسنُ ديناً ممن أسلم وجهه لله؛ يعني أفرد قصده إلى الله، وأخلص عقده لله عما سوى الله، ثم استسلم في عموم أحواله لله بالله، ولم يدَّخِرْ شيئاً عن الله؛ لا من ماله ولا من جَسَدِه، ولا من روحه ولا من جَلَدِه، ولا من أهله ولا من وَلَدِه، وكذلك كان حال إبراهيم عليه السلام.
وقوله: { وَهُوَ مُحْسِنٌ }: الإحسان - بشهادة الشرع - أن تعبد الله كأنك تراه، ولا بد للعبد من بقية من عين الفرق حتى يصحّ قيامه بحقوقه - سبحانه - لأنه إذا حصل مستوفيّ بالحقيقة لم يصح إسلامه ولا إحسانه، وهذا اتِّباع إبراهيم عليه السلام الحنيف الذي لم يبق منه شيء على وصف الدوام.
وقوله: { وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً }: جرَّد الحديث عن كل سعي وكدٍ وطلبٍ وجهدٍ حيث قال: { وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً } فعُلِمَ أَنَّ الخلَّة لُبسةٌ يُلبِسها الحقُّ لا صفةٌ يكتسبها العبد.
ويقال الخليل المحتاج بالكلية إلى الحق في كل نَفَسٍ ليس له شيء منه بل هو بالله لله في جميع أنفاسه وأحواله، اشتقاقاً من الخُلَّة التي هي الخَصَاصة وهي الحاجة.
ويقال إنه من الخلة التي هي المحبة، والخلة أن تباشِر المحبةُ جميع أجزائه، وتتخلل سِرَّه حتى لا يكون فيه مساغ للغير.
فلمَّا صفَّاه الله - سبحانه - (عليه السلام) عنه، وأخلاه منه نَصَبَه للقيام بحقه بعد امتحائه عن كل شيء ليس الله سبحانه.
ثم قال:{ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً } [الحج: 27] لا يلبي الحاج إلا لله، وهذه إشارة إلى جمع الجمع.
النساء 4:126
لا أحدَ أحسنُ ديناً ممن أسلم وجهه لله؛ يعني أفرد قصده إلى الله، وأخلص عقده لله عما سوى الله، ثم استسلم في عموم أحواله لله بالله، ولم يدَّخِرْ شيئاً عن الله؛ لا من ماله ولا من جَسَدِه، ولا من روحه ولا من جَلَدِه، ولا من أهله ولا من وَلَدِه، وكذلك كان حال إبراهيم عليه السلام.
وقوله: { وَهُوَ مُحْسِنٌ }: الإحسان - بشهادة الشرع - أن تعبد الله كأنك تراه، ولا بد للعبد من بقية من عين الفرق حتى يصحّ قيامه بحقوقه - سبحانه - لأنه إذا حصل مستوفيّ بالحقيقة لم يصح إسلامه ولا إحسانه، وهذا اتِّباع إبراهيم عليه السلام الحنيف الذي لم يبق منه شيء على وصف الدوام.
وقوله: { وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً }: جرَّد الحديث عن كل سعي وكدٍ وطلبٍ وجهدٍ حيث قال: { وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً } فعُلِمَ أَنَّ الخلَّة لُبسةٌ يُلبِسها الحقُّ لا صفةٌ يكتسبها العبد.
ويقال الخليل المحتاج بالكلية إلى الحق في كل نَفَسٍ ليس له شيء منه بل هو بالله لله في جميع أنفاسه وأحواله، اشتقاقاً من الخُلَّة التي هي الخَصَاصة وهي الحاجة.
ويقال إنه من الخلة التي هي المحبة، والخلة أن تباشِر المحبةُ جميع أجزائه، وتتخلل سِرَّه حتى لا يكون فيه مساغ للغير.
فلمَّا صفَّاه الله - سبحانه - (عليه السلام) عنه، وأخلاه منه نَصَبَه للقيام بحقه بعد امتحائه عن كل شيء ليس الله سبحانه.
ثم قال:{ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً } [الحج: 27] لا يلبي الحاج إلا لله، وهذه إشارة إلى جمع الجمع.
النساء 4:127
نهاهم عن الطمع الذي يحملهم على الحيف والظلم على المستضعفين من النِّسْوان واليتامى، وبَيَّنَ أنَّ المنتقِمَ به لهم الله، فَمَنْ راقب الله فيهم لم يخسر على الله بل يجد جميل الجزاء، ومن تجاسر عليهم قاسى لذلك أليمَ البلاء.
النساء 4:128
صحبة الخلق بعضهم مع بعض إن تجردت عن حديث الحق فإنها تتعرض للوحشة والملامة، وممازجة النفرة والسامة. فمَنْ أعرض عن الله بقلبه أعرض الخلْقُ عن مراعاة حقه، وخرج الكافة عليه باستصغار أمره واستحقار قَدْرِه. ومَنْ رجع إلى الله بقلبه، استوى له - في الجملة والتفصيل - أمرُه، واتسع لاحتمال ما يستقبل من سوء خُلُقِ الخَلْق صدرُه فهو يسحب ذيلَ العفو على هَنَاتِ جميعهم، ويُؤثِرُ الصلح بترك نصيبه وتسليم نصيبهم قال الله تعالى: { وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ }.
واتضاعك في نفسك عن منافرة مَنْ يخاصمك أجدى عليك، وأحرى لك من تطاولك على خصمك باغياً الانتقام، وشهودِ مَالَكَ في مزية المقام. وأكثر المنافقين في أسْرِ هذه المحنة.
قوله تعالى: { وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ }: وشُحُّ النَفْس قيام العبد بحظِّه.
فلا محالة مَنْ حُجِبَ عن شهود الحق رُدَّ إلى شهود النَّفْس.
قوله تعالى: { وَإِن تُحْسِنُواْ }: يعني يكن ذلك خيراً لكم. والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.
{ وَتَتَّقُواْ }: يعني عن رؤيتكم مقامَ أنفسكم، وشهود قَدْرِكم، يعني وأنْ تروا ربَّكم، وتفنوا برؤيته عن رؤية قدْرِكم.
{ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } يعني إذا فنيتم عنكم وعن عملكم، فكفى بالله عليماً بعد فنائكم، وكفى به موجداً عقب امتحائكم.
النساء 4:129
يعني أنْكم إذا (....) في أموركم انعكس الحال عليكم، وانعكس صلاح ذات بينكم فساداً لكم، فإذا قمتم بالله في أموركم استوى العيشُ لكم، وصفا عن الكدر وقتكم.
ويقال مَنْ حَكَم الله بنقصان عقله في حاله فلا تقتدرون أن تجبروا نقصانهم بكفايتُكم.
قوله تعالى: { فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ }: يعني لا تزيغوا عن نهج الأمر.
قِفوا حيثما وُقْفتم، وأنفذوا فيما أُمِرْتُم.
وقوله: { فَتَذَرُوهَا كَالمُعَلَّقَةِ } يعني أنكم إذا منعتموهن عن صحبة أغياركم ثم قطعتم عنهن ما هو حظوظهن منكم أضررتم بهن من الوجهين؛ لا منكم نصيب، ولا إلى غيركم سبيل، وإن هذا الحيف عظيم. والإشارة من هذا أنه إذا انسد عليك طريق حظوظك فَتَحَ - سبحانه - عليك شهود حقه، ووجود لطفه؛ فإنَّ من كان في الله تلَفُه فالحق - سبحانه - خَلَفُه، وإنْ تُصْلِحوا ما بينكم وبين الخَلْق، وتثقوا فيما بينكم وبين الحق فإن الله غفور لعيوبكم، رحيم بالعفو عن ذنوبكم.
النساء 4:130
الصحبة التي لا بُدَّ منها صحبةُ القلب مع دوام افتقارٍ إلى الله؛ إذ الحقُّ لا بُدَّ منه. فأمَّا الأغيار فلا حاجة لبعضهم إلى بعض إلا من حيث الظاهر، وذلك في ظنون أصحاب التفرقة، فأمَّا أهل التحقيق فلا تحرية لهم أن حاجة الخلق بجملتها إلى الله سبحانه.
النساء 4:131
كلَّف الكافة بالرجوع إليه، ومجانبة مَنْ سِواه، والوقوف على أمره، ولكن فريقاً وُفِّق وَفَرِيقًا خُذِل. ثم عَرَّفَ أهلَ التحقيق أنه غَنِيٌّ عن طاعة كلِّ وليِّ، وبريء عن زلة كل غويٍّ.
النساء 4:132
قَطَعَ الأسرار عن التَّعلُّق بالأغيار بأن عرَّفهم انفراده بمُلْكِ ما في السماوات والأرض، ثم أطمعهم في حسن تولِّيه، وقيامه بما يحتاجون إليه بجميل اللطف وحسن الكفاية بقوله: { وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً } يصلح يملك حالك ولا يختزل مالك.
النساء 4:133
من استغنى عنه في آزاله فلا حاجة له إليه في آباده. ويقال لا يحتاج إلى أحدٍ والعبد لا يستغني عنه في نَفَسٍ.
ويقال لا نهاية للمقدورات فإن لم يكن عمرو فَزَيْدٌ، وإن لم يكن عبدٌ فعبيد، والذي لا بَدَلَ عنه ولا خَلَفَ فهو الواحد احد.
النساء 4:134
لمَّا علَّقوا قلوبهم بالعاجل من الدنيا ذكَّرهم حديث الآخرة، فقال: { فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ } تعريفاً لهم أنَّ فوق هممهم من هذه الخسيسة ما هو أعلى منها من نعيم الآخرة، فلمَّا سَمَتْ إلى الآخرة قصودُهم قطعهم عن كل مرسوم ومخلوق بقوله:{ وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } [طه: 73].
النساء 4:135
القسط العدل، والقيام بالله العدل بإيفاء حقوقه من نفسك، واستيفاء حقوقه مِنْ كلِّ مَنْ هو لَكَ عليه أمر، وإلى تحصيل ذلك الحق سبيل إمَّا أمر بمعروف أو زجر عن مكروه أو وعظ بنصح أو إرشاد إلى شرع أو هداية إلى حق.
ومَنْ بقي لله عليه حق لم يباشر خلاصة التحقيق سره لله.
وأصل الدِّين إيثار حق الحق على حق الخلق، فمن آثر على الله - سبحانه أحداً إمَّا والداً أو أُمّاً أو وَلَداً أو قريباً أو نسيباً، أو ادَّخر عنه نصيباً فهو بمعزل عن القيام بالقسط.
النساء 4:136
يا أيها الذين آمنوا من حيث البرهان آمِنوا من حيث البيان إلى أن تؤمنوا من حيث الكشف والعيان.
ويقال يا أيها الذين آمنوا تصديقاً آمنوا تحقيقاً بأن نجاتكم بفضله لا بإيمانكم.
ويقال يا أيها الذين آمنوا في الحال آمنوا باستدامة الإيمان إلى المآل.
ويقال يا أيها الذين آمنوا وراء كل وصل وفصل ووجد وفقد.
ويقال يا أيها الذين آمنوا باستعمال أدلة العقول آمنوا إذا أنختم بعقوة الوصول، واستمكنت منكم حيرة البديهة وغلبات الذهول ثم أفقتم عن تلك الغيبة فآمنوا أن الذي كان غالباً عليكم كان شاهد الحق لا حقيقة الذات فإن الصمدية منزهة متقدسة عن كل قرب وبعد، ووصل وفصل.
النساء 4:137
الذين تبدَّلَتْ بهم الأحوال فقاموا وسقطوا ثم انتعشوا ثم ختم بالسوء أحوالهم، أولئك الذين قصمتهم سطوة العزة حكماً، وأدركتهم شقاوة القسمة خاتمة وحالاً - فالحقُّ سبحانه لا يهديهم لقصد، ولا يدلهم على رشد، فبَشِّرْهم بالفُرْقة الأبدية، وأخبرهم بالعقوبة السرمدية.
النساء 4:138
الذين تبدَّلَتْ بهم الأحوال فقاموا وسقطوا ثم انتعشوا ثم ختم بالسوء أحوالهم، أولئك الذين قصمتهم سطوة العزة حكماً، وأدركتهم شقاوة القسمة خاتمة وحالاً - فالحقُّ سبحانه لا يهديهم لقصد، ولا يدلهم على رشد، فبَشِّرْهم بالفُرْقة الأبدية، وأخبرهم بالعقوبة السرمدية.
النساء 4:139
من اعتصم بمخلوقٍ فقد التجأ إلى غير مُجير، واستند إلى غير كهفٍ، وسقط في مهواة من الغلط بعيد قعرها، شديد مكرها. أيبتغون العِزَّ عند الذي أصابه ذلّ التكوين؟! متى يكون له عزٌّ على التحقيق؟ ومَنْ لا عزَّ له يلزمه فكيف يكون له عز يتعدَّى إلى غيره؟
ويقال لا ندري أي حالتهم أقبح: طلب العز وهم في ذل القهر وأسر القبضة أم حسبان ذلك وتوهمه من غير الله؟
ويقال مَنْ طَلَبَ الشيء من غير وجهه فالإخفاق غاية جهده، ومن رام الغنى في مواطن الفاقة فالإملاق قصارى كدِّه.
ويقال لو هُدُوا بوجدان العِزِّ لما صُرِفَتْ قُصُودُهم إلى من ليس بيده شيء من الأمر.
قوله: { فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } العزُّ على قسمين: عزٌّ قديمٌ فهو لله وصفاً، وعزٌّ حادثٌ يختص به سبحانه من يشاء فهو له - تعالى - مِلْكاً ومنه لطفاً.
قوله: { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ } الآية: لا تجاوروا أرباب الوحشة فإن ظلماتِ أنفسِهم تتعدى إلى قلوبكم عند استنشاقكم ما يَرُدُّون من أنفاسهم، فمن كان بوصفٍ ما متحققاً شاركه حاضروه فيه؛ فجليسُ مَنْ هو في أُنْسٍ مستأنِسِ، وجليسُ من هو في ظلمةٍ مستوحِش.
ويقال هجرانُ أعداءِ الحقِّ فرضٌ، ومخالفة الأضداد ومفارقتهم دين، والركون إلى أصحاب الغفلة قَرْعُ بابِ الفرقة.
قوله: { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ }: أوضحُ برهانٍ على سريرة (.....) صحبة من يقارنه وعِشْرة مَنْ يخادنه؛ فالشكل مقيد بشكله، والفرعُ منتشِرٌ عن أصله.
النساء 4:140
من اعتصم بمخلوقٍ فقد التجأ إلى غير مُجير، واستند إلى غير كهفٍ، وسقط في مهواة من الغلط بعيد قعرها، شديد مكرها. أيبتغون العِزَّ عند الذي أصابه ذلّ التكوين؟! متى يكون له عزٌّ على التحقيق؟ ومَنْ لا عزَّ له يلزمه فكيف يكون له عز يتعدَّى إلى غيره؟
ويقال لا ندري أي حالتهم أقبح: طلب العز وهم في ذل القهر وأسر القبضة أم حسبان ذلك وتوهمه من غير الله؟
ويقال مَنْ طَلَبَ الشيء من غير وجهه فالإخفاق غاية جهده، ومن رام الغنى في مواطن الفاقة فالإملاق قصارى كدِّه.
ويقال لو هُدُوا بوجدان العِزِّ لما صُرِفَتْ قُصُودُهم إلى من ليس بيده شيء من الأمر.
قوله: { فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً } العزُّ على قسمين: عزٌّ قديمٌ فهو لله وصفاً، وعزٌّ حادثٌ يختص به سبحانه من يشاء فهو له - تعالى - مِلْكاً ومنه لطفاً.
قوله: { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ } الآية: لا تجاوروا أرباب الوحشة فإن ظلماتِ أنفسِهم تتعدى إلى قلوبكم عند استنشاقكم ما يَرُدُّون من أنفاسهم، فمن كان بوصفٍ ما متحققاً شاركه حاضروه فيه؛ فجليسُ مَنْ هو في أُنْسٍ مستأنِسِ، وجليسُ من هو في ظلمةٍ مستوحِش.
ويقال هجرانُ أعداءِ الحقِّ فرضٌ، ومخالفة الأضداد ومفارقتهم دين، والركون إلى أصحاب الغفلة قَرْعُ بابِ الفرقة.
قوله: { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ }: أوضحُ برهانٍ على سريرة (.....) صحبة من يقارنه وعِشْرة مَنْ يخادنه؛ فالشكل مقيد بشكله، والفرعُ منتشِرٌ عن أصله.
النساء 4:141
لمّا عَدِمُوا الإخلاص في الحقيقة، وما ذقوا فيما استشعروا من العقيدة، امتازوا عن المسلمين في الحُكْم، وباينوا الكافرين في الاسم، وواجبٌ على أهل الحقِّ التحرُّزُ عنهم والتحفُّظ منهم، ثم ضمن لهم - سبحانه - جميلَ الكفاية بقوله: { وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } وهذا على العموم؛ فإن وبال كيدهم إليهم مصروف، وجزاء مَكْرِهم عليهم موقوف، والحقُّ - من قِبَلِ الحقِّ سبحانه - منصورٌ أهلُه، والباطلُ - بنصر الحقِّ سبحانه - مُجْتثٌ أصلُه.
النساء 4:142
خداع المنافقين: إظهار الوفاق في الطريقة واستشعار الشِرْك في العقيدة.
وخداع الحق إياهم: ما توهموه من الخلاص، وحكموا به لأنفسهم من استحقاق الاختصاص، فإذا كُشِفَ الغطاء أيقنوا أن الذي ظنُّوه شراباً كان سراباً، قال تعالى:{ وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ } [الزمر: 47].
وقوله: { وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ } الآية: علامة النفاق وجود النشاط عند شهود الخلق، وفتور العزم عند فوات رؤية الخلق.
وقوله: { مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ } الآية: أخَسُّ الخَلْقِ من يَدَعُ صدار العبودية، ولم يجد سبيلاً إلى حقيقة الحرية، فلا له من العز شظية، ولا في الغفلة عيشة هنية.
النساء 4:143
خداع المنافقين: إظهار الوفاق في الطريقة واستشعار الشِرْك في العقيدة.
وخداع الحق إياهم: ما توهموه من الخلاص، وحكموا به لأنفسهم من استحقاق الاختصاص، فإذا كُشِفَ الغطاء أيقنوا أن الذي ظنُّوه شراباً كان سراباً، قال تعالى:{ وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ } [الزمر: 47].
وقوله: { وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ } الآية: علامة النفاق وجود النشاط عند شهود الخلق، وفتور العزم عند فوات رؤية الخلق.
وقوله: { مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ } الآية: أخَسُّ الخَلْقِ من يَدَعُ صدار العبودية، ولم يجد سبيلاً إلى حقيقة الحرية، فلا له من العز شظية، ولا في الغفلة عيشة هنية.
النساء 4:144
كرَّر عليهم الوعظ، وأكَّد بمباينة الأعداء عليهم الأمر، إبلاغاً في الإنذار، وتغليظاً في الزجر، وإلزاماً للحجة (....) موضع العذر.
قوله: { أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً }: تَوَعَّدَهم على موالاتهم للكفار بما لم يتوعَّد على غيره من المخالفات، لما فيه من إيثار الغير على المعبود؛ وإيثارُ الغير على المحبوب من أعظم الكبائر في أحكام الوداد. فإذا شَغَلَ من قلبه محلاً - كان للمؤمنين - بالأغيار استوجب ذلك العقوبة فكيف إذا شغل محلاً من قلبه - هو للحق - بالغير؟!
والعقوبة التي تَوَعَّدَهم بها أنْ يَكِلهَم وما اختاروه من موالاة الكفار، وبئس البدل!
كذلك مَنْ بقي عن الحق تركه مع الخَلْق؛ فيتضاعف عليه البلاءُ للبقاء عن الحق والبقاء مع الخلق، وكلاهما شديدٌ مِنَ العقوبة.
النساء 4:145
دلَّت الآية على أنَّ المنافق ليس بمُسْتأمنٍ لأنَّ الإيمان ما يوجب الأمان، فالمؤمن يتخلَّص بإيمانه من النار، فما يكون سبب وقوعه في الدرك الأسفل من النار لا يكون إيماناً، ويقال هذا تحقيق قوله:{ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ } [آل عمران: 54، والأنفال: 30] أي مَكْرُه فوق كل مَكْرٍ. لمَّا أظهر المنافق ما هو مكر مع المؤمنين كانت عقوبتهم أشد من عقوبة من جاهر بكفره.
ويقال نقلهم في آجلهم إلى أشد ما هم عليه في عاجلهم، لِمَا في الخبر: " من كان بحالةٍ لقي الله بها " فالمنافق - اليومَ - في الدرك - الأسفل من الحجر - فكذلك ينقلون إلى الدرك الأسفل من النار. والدرك الأسفل من الحجر - اليوم - لهم ما عليهم من اسم الإيمان وليس لهم من الله شظية وهذا هو البلاء الأكبر.
ويقال استوجبوا الدرك الأسفل من النار لأنهم صحبوا اليوم اسم الله الأعظم لا على طريقة الحرمة. ويقال استوجبوا ذلك لأنهم أساءوا الأدب في حال حضورهم بألسنتهم، وسوءُ الأدبِ يوجِبُ الطردَ.
النساء 4:146
لم يشترط كل هذه الشرائط في رجوع أحدٍ عن جُرْمِه ما اشترط في رجوع المنافقين عن نفاقهم لصعوبة حالهم في كفرهم. وبعد تحصيلهم هذه الشروط قال لهم: { فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } ولم يقل من المؤمنين، وفي هذا إشارة أيضاً إلى نقصان رتبتهم وإن تداركوا بإخلاصهم ما سبق من آفتهم، وفي معناه أنشدوا:والعُذر مبسوطٌ ولكنما شتان بين العذر والشكر
ويقال إن حرف (مع) للمصاحبة، فإذا كانوا مع المؤمنين استوجبوا ما يستوجب جماعة المؤمنين، فالتوبة هاهنا أي رجعوا عن نفاقهم، وأصلحوا - بصدقهم في إيمانهم، واعتصموا بالله بالتبرؤ من حولهم وقوتهم، وشاهدوا المِنَّة لله عليهم حيث هداهم، وعن نفاقهم نجَّاهم.
قوله: { وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ }: ونجاتهم بفضل ربهم لا بإيمانهم في الحال، ورجوعهم عن نفاقهم فيما مضى عليهم من الأحوال.
ويقال أخلصوا دينهم لله وهو دوام الاستعانة بالله في أن يثبتهم على الإيمان، ويعصمهم عن الرجوع إلى ما كانوا عليه من النفاق.
ويُقال: تابوا عن النفاق، وأصلحوا بالإخلاص في الاعتقاد، واعتصموا بالله باستدعاء التوفيق وأخلصوا دينهم لله في أن نجاتهم بفضل الله ولطفه لا بإتيانهم بهذه الأشياء - في التحقيق.
النساء 4:147
هذه الآية من الآيات التي توجب حُسْنَ الرجاء وقوة الأمل، لأنه جعل من أمارات الأمان من العقوبات شيئين اثنين: الشكر والإيمان، وهما خصلتان يسيرتان خفيفتان؛ فإن الشكر قالة، والإيمان حالة، ولقد هوَّن السبيل على العبد حين رضي منه بقالته وحالته. والشكر لا يصح إلا من المؤمنين فأمَّا الكافر فلا يصح منه الشكر؛ لأن الشكر طاعته والطاعة لا تصح من غير المؤمن.
وقوله: { وَآمَنْتُمْ } يعني في المآل؛ فكأنه بيَّن أن النجاة إنما تكون لمن كانت عاقبته على الإيمان، فمعنى الآية لا يعذبكم الله عذاب التخليد، إن شكرتم في الحال وآمنتم في المآل.
ويقال: إن شكرتم وآمنتم صدقتم بأن نجاتكم بالله لا بشكركم وبإيمانكم.
ويقال الشكر شهود النعمة من الله والإيمان رؤية الله في النعمة، فكأنه قال: إن شاهدتم النعمة من الله فلا يقطعنَّكم شهودها عن شهود المُنْعِم.
وقوله: { وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً } أي والله شاكر عليم، ومعنى كونه شاكراً أنه مادِحٌ للعبد ومُشْهِدٌ عليه فيما يفعله لأن حقيقة الشكر وحَدَّه الثناء على المُحْسِن بذكر إحسانه؛ فالعبد يشكر الله أي يثني عليه بذكر إحسانه إليه الذي هو نعمته عليه، والربُّ يشكر للعبد أن يثني عليه بذكر إحسانه الذي هو طاعته له، فإن الله يثني عليه بما يفعله من الطاعة مع علمه بأن له ذنوباً كثيرة.
ويقال يشكره - وإنْ عَلِمَ أنه سيرجع في المستأنف إلى قبيح أعماله.
ويقال يشكره لأنه يعلم ضعفه، ويقال يشكره لأنه يعلم أنه لا يعصي وقَصْدُه مخالفةُ ربِّه ولكنه يُذْنِبُ لاستيلاء أحوال البشرية عليه من شهوات غالبة.
ويقال يشكره لأن العبد يعلم في حالة ذنوبه أنه له ربّاً يغفر له.
النساء 4:148
قول المظلوم في ظالمه - على وجه الإذن له - ليس بسوءٍ في الحقيقة، لكنه يصح وقوع لفظة السوء عليه كقوله تعالى:{ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } [الشورى: 40] والجزاء ليس بسيئة.
ويقال مَنْ عَلِمَ أن مولاه يسمع استحيا من النطق بكثيرٍ مما تدعو نفسه إليه.
ويقال الجهر بالسوء هو ما تسمعه نفسك منك فيما تُحدِّثُ في نفسك من مساءة الخلق؛ فإن الخواص يحاسبون على ما يتحدثون في أنفسهم بما (يعد) لا يُطالَب به كثيرٌ من العوام فيما يَسمعُ منهم الناس.
قوله: { إِلاَّ مَن ظُلِمَ }: قيل ولا من ظُلِمَ. وقيل معناه ولكن مَنْ ظُلِمَ فله أنْ يذكرَ ظالمَه بالسوء.
ويقال من لم يُؤثِرْ مدحَ الحقِّ على القَدْحِ في الخَلْق فهو المغبون في الحال.
ويقال من طَالَعَ الخلْقَ بعين الإضافة إلى الحق بأنهم عبيد الله لم يبسط فيهم لسان اللوم؛ يقول الرجل لصاحبه: " أنا أحْتَمِل من (....) خدمتك لك ما لا أحتمله من ولدي " ، فإذا كان مثل هذا معهوداً بين الخلق فالعبد بمراعاة هذا الأدب - بينه وبين مولاه - أوْلى.
ويقال لا يحب الله الجهر بالسوء من القول من العوام، ولا يحب ذلك بخطوره من الخواص.
ويقال الجهر بالسوء من القول من العوام أن يقول في صفة الله ما لم يَرِدْ به الإذن والتوفيق.
والجهر بالسوء من القول في صفة الخَلْق أن تقول ما ورد الشرع بالمنع منه، وتقول في صفة الحق ما لا يتصف به فإنك تكون فيه كاذباً، وفي صفة الخلق عن الخواص ما اتصفوا به من النقصان - وإن كنت فيه صادقاً.
قوله: { وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً }: سميعاً لأقوالكم، عليماً بعيوبكم، يعني لا تقولوا للأغيار ما تعلمون أنكم بمثابتهم.
ويقال سميعاً لأقوالكم عليماً ببراءةِ ساحةِ مَنْ تَقَوَّلْتُم عليه، فيكون فيه تهديد للقائل - لبرئ الساحة - بما يتقَوَّلُ عليه.
ويقال سميعاً: أيها الظالم، عليمًا: أيها المظلوم؛ تهديدٌ لهؤلاء وتبشيرٌ لهؤلاء.
النساء 4:149
{ إِن تُبْدُواْ خَيْراً } تخلقاً بآداب الشريعة، وتخفوه تحققاً بأحكام الحقيقة.
{ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوۤءٍ } أخذاً من الله ما ندبكم إليه من محاسن الخُلُق.
{ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً } لعيوبكم { قَدِيراً } على تحصيل محبوبكم وتحقيق مطلوبكم.
ويقال إن تبدوا خيراً لتكونوا للناس قدوة فيما تُسِنُّون وما تعينون غيركم على ما يُهَدْون به من سلوك سُنَّتكم، وإن تخفوه اكتفاءً بعلمه، وصيانة لنفوسكم عن آفات التصنَّع، وثقةً بأن من تعملون له يرى ذلك ويعلمه منكم، وإن تعفوا عن سوءٍ أي تتركوا ما تدعوكم إليه نفوسكم فالله يجازيكم بعفوه على ما تفعلون، وهو قادر على أن يبتليكم بما ابتلى به الظالم، فيكون تحذيراً لهم من أن يغفلوا عن شهود المنَّة، وتنبيهاً على أن يستعيذوا أن يُسلَبوا العصمة، وأنْ يُخْذَلُوا حتى يقعوا في الفتنة والمحنة.
ويقال إنْ تبدوا خيراً فتحسنوا إلى الناس، أو تخفوه بأن تدعوا لهم في السرِّ، أو تعفوا عن سوءٍ إنْ ظُلِمْتم.
ويقال من أحسن إليك فأبْدِ معه خيراً جهراً، ومن كفاك شرَّه فأخلِصْ بالولاء والدعاء له سِرَّاً، ومن أساء إليك فاعفُ عنه كرمًا وفضلاً؛ تجِدْ من الله عفوَه عنك عما ارتكبت، فإن ذنوبَك أكثرُ، وهو قادرٌ على أنْ يُعطيَك من الفضل والإنعام ما لا تصل إليه بالانتصاف من خصمك، وما تجده بالانتقام.
النساء 4:150
أخبر عنهم أنهم أضافوا إلى قبيح كفرهم ما عُدَّ من ذميم فعلهم، ثم بَيَّنَ أنه ضاعف من عذابهم ما كان جزاء جرمهم، لِتَعْلَمَ أنه لأهل الفساد بالمرصاد.
النساء 4:151
أخبر عنهم أنهم أضافوا إلى قبيح كفرهم ما عُدَّ من ذميم فعلهم، ثم بَيَّنَ أنه ضاعف من عذابهم ما كان جزاء جرمهم، لِتَعْلَمَ أنه لأهل الفساد بالمرصاد.
النساء 4:152
لما آمنوا بجميع الرسل، وصَدَقُوا في جميع ما أُمِروا به استوجبوا القبول وحسن الجزاء. وتقاصر الإيمان عن بعض الأعيان كتقاصره عن بعض الأزمان، فكما أنه لا يقبل إيمان من لم يستغرق إيمانه جميع (....) إلى آخر ما له - كذلك لا يقبل إيمان من لم يستغرق إيمانه جميع من أُمِرَ بالإيمان به؛ إذ جعل ذلك شرط تحقيقه وكماله. فالإشارة في هذا أن من لم يخرج عن عهدة الإلزام بالكلية فليس له من حقيقة الوصل شظية، قال صلى الله عليه وسلم: " الحجُّ عرفة " فمن قطع المسافة - وإن كان من فج عميق - ثم بقي عن عرفات بأدنى بقية لم يُدْرِك الحج.
وقال صلى الله عليه وسلم: " المكاتَبُ عَبْدٌ ما بقي عليه درهم ".
النساء 4:153
اشتملت الآية على جنسين من قبيح ما فعلوه: أحدهما سؤالهم الرؤية والثاني عبادة العجل بعدما ظهرت لهم الآيات الباهرة.
فأمّا سؤالهم الرؤية فَذُمُّوا عليه لأنهم اقترحوا عليه ذلك بعد ما قطع عذرهم بإقامة المعجزات، ثم طلبوا الرؤية لا على وجه التعليم، أو على موجب التصديق به، أو على ما تحملهم عليه شدة الاشتياق، و كل ذلك سوء أدب.
الإشارة فيه أيضاً أنْ مَنْ يكتفي بأن يكون العجلُ معبودَه - متى - يسلم له أن يكون الحقُّ مشهودَه؟
ويقال القومُ لم يباشِرْ العرفانُ أسرارَهم فلذلك عكفوا بعقولهم على ما يليق بهم من محدودٍ جوَّزوا أنْ يكون معبودَهم.
قوله جلّ ذكره: { وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَاناً مُّبِيناً }.
حجةً ظاهرةً، بل تفرداً صَانَه من التمثيل والتعطيل.
والسلطان المبين التحصيل والتنزيه المانع من التعطيل والتشبيه.
ويقال السلطان المبين القوة بسماع الخطاب من غير واسطة.
ويقال السلطان المبين لهذه الأمة غداً، وهو بقاؤهم في حال لقائهم - قال صلى الله عليه وسلم: " لا تضامون في رؤيته " - في خبر الرؤية.
النساء 4:154
ما زادهم في الظاهر آيةً إلا زادوا في قلوبهم جحداً ونُكْراً، فلم تنفعهم زيادة نصيب الإعلام؛ لمَّا لم تنفتح لشهودها بصائرُ قلوبهم، قال تعالى:{ وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ } [يونس: 101].
النساء 4:155
معناه لارتكابهم هذه المناهي، ولاتصافهم بهذه المخازي، أحللناهم منازل الهوان، وأنزلنا بهم من العقوبة فنون الألوان.
ويقال لَحِقَهُمْ شؤم المخالفات حالة بعد حالة، لأن من عقوبات المعاصي الخذلان لغيرها من ارتكاب المناهي؛ فَبِنَقْضِهم الميثاق، ثم لم يتوبوا، جرَّهم إلى كفرهم بالآيات، ثم لشؤم كفرهم خذِلُوا حتى قتلوا أنبياءهم - عليهم السلام - بغير حقٍ، ثم لشؤم ذلك تجاسروا حتى ادَّعوا شدةَ التفَهُّم، وقالوا: قلوبنا أوعية العلوم، فَرَدَّ الله عليهم وقال: { بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } فحَجَبَهُمْ عن محلِّ العرفان، فعمهوا في ضلالتهم.
النساء 4:156
مجاوزةُ الحدِّ ضلالٌ، كما أن النقصانَ والتقاصرَ عن الحقِّ ضلالٌ، فقومٌ تَقَوَّلُوا على مريم ورموها بالزنا، وآخرون جاوزوا الحدَّ في تعظيمها فقالوا: ابنُها ابنُ الله، وكلا الطائفتين وقعوا في الضلال.
ويقال مريم - رضي الله عنها - كانت وليَّةَ الله، فَشَقِيَ بها فرقتان: أهل الإفراط وأهل التفريط. وكذلك كان أولياؤه - سبحانه - فمُنْكِرُهَم يَشْقَى بِتَرْكِ احترامهم، والذين يعتقدون فيهم ما لا يستوجبونه يَشْقَوْن بالزيادة في إعظامهم، وعلى هذه الجملة دَرَجَ الأكثرون من الأكابر.
قوله تعالى: { وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ }.
قوله تعالى: { وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ } { عَزِيزاً حَكِيماً } قيل أوقع الله شَبَهَهُ على الساعي به فقُتِلَ وصُلِبَ مكانه، وقد قيل: مَنْ حفر بئراً لأخيه وقع فيها.
وقيل إن عيسى عليه السلام قال: مَنْ رَضِيَ بأن يُلْقَى عليه شَبَهِي فيُقتَل دوني فله الجنة، فرضي به بعضُ أصحابه، فيقال لمَّا صبر على مقاساة التلف لم يعدِم من الله الخلف، قال الله تعالى:{ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } [الكهف: 30].
ويقال لمَّا صَحَّتْ صحبةُ الرجل مع عيسى - عليه السلام - بِنَفْسِهِ صَحِبَه بروحه، فلمَّا رُفِعَ عيسى - عليه السلام - إلى محل الزلفة، رفع روح هذا الذي فداه بنفسه إلى محل القربة.
النساء 4:157
مجاوزةُ الحدِّ ضلالٌ، كما أن النقصانَ والتقاصرَ عن الحقِّ ضلالٌ، فقومٌ تَقَوَّلُوا على مريم ورموها بالزنا، وآخرون جاوزوا الحدَّ في تعظيمها فقالوا: ابنُها ابنُ الله، وكلا الطائفتين وقعوا في الضلال.
ويقال مريم - رضي الله عنها - كانت وليَّةَ الله، فَشَقِيَ بها فرقتان: أهل الإفراط وأهل التفريط. وكذلك كان أولياؤه - سبحانه - فمُنْكِرُهَم يَشْقَى بِتَرْكِ احترامهم، والذين يعتقدون فيهم ما لا يستوجبونه يَشْقَوْن بالزيادة في إعظامهم، وعلى هذه الجملة دَرَجَ الأكثرون من الأكابر.
قوله تعالى: { وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ }.
قوله تعالى: { وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ } { عَزِيزاً حَكِيماً } قيل أوقع الله شَبَهَهُ على الساعي به فقُتِلَ وصُلِبَ مكانه، وقد قيل: مَنْ حفر بئراً لأخيه وقع فيها.
وقيل إن عيسى عليه السلام قال: مَنْ رَضِيَ بأن يُلْقَى عليه شَبَهِي فيُقتَل دوني فله الجنة، فرضي به بعضُ أصحابه، فيقال لمَّا صبر على مقاساة التلف لم يعدِم من الله الخلف، قال الله تعالى:{ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } [الكهف: 30].
ويقال لمَّا صَحَّتْ صحبةُ الرجل مع عيسى - عليه السلام - بِنَفْسِهِ صَحِبَه بروحه، فلمَّا رُفِعَ عيسى - عليه السلام - إلى محل الزلفة، رفع روح هذا الذي فداه بنفسه إلى محل القربة.
النساء 4:158
مجاوزةُ الحدِّ ضلالٌ، كما أن النقصانَ والتقاصرَ عن الحقِّ ضلالٌ، فقومٌ تَقَوَّلُوا على مريم ورموها بالزنا، وآخرون جاوزوا الحدَّ في تعظيمها فقالوا: ابنُها ابنُ الله، وكلا الطائفتين وقعوا في الضلال.
ويقال مريم - رضي الله عنها - كانت وليَّةَ الله، فَشَقِيَ بها فرقتان: أهل الإفراط وأهل التفريط. وكذلك كان أولياؤه - سبحانه - فمُنْكِرُهَم يَشْقَى بِتَرْكِ احترامهم، والذين يعتقدون فيهم ما لا يستوجبونه يَشْقَوْن بالزيادة في إعظامهم، وعلى هذه الجملة دَرَجَ الأكثرون من الأكابر.
قوله تعالى: { وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ }.
قوله تعالى: { وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ } { عَزِيزاً حَكِيماً } قيل أوقع الله شَبَهَهُ على الساعي به فقُتِلَ وصُلِبَ مكانه، وقد قيل: مَنْ حفر بئراً لأخيه وقع فيها.
وقيل إن عيسى عليه السلام قال: مَنْ رَضِيَ بأن يُلْقَى عليه شَبَهِي فيُقتَل دوني فله الجنة، فرضي به بعضُ أصحابه، فيقال لمَّا صبر على مقاساة التلف لم يعدِم من الله الخلف، قال الله تعالى:{ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } [الكهف: 30].
ويقال لمَّا صَحَّتْ صحبةُ الرجل مع عيسى - عليه السلام - بِنَفْسِهِ صَحِبَه بروحه، فلمَّا رُفِعَ عيسى - عليه السلام - إلى محل الزلفة، رفع روح هذا الذي فداه بنفسه إلى محل القربة.
النساء 4:159
لما حكم بأن لا أمَان لهم في وقت اليأس لم ينفعهم الإيمان في تلك الحالة، فعُلِمَ أنَّ العِبْرَةَ بأمان الحقِّ لا بإيمان العبد.
النساء 4:160
يقال ارتكاب المحظورات يوجب تحريم المُبَاحَات.
فَمَنْ ركب محظوراً بظاهره حُرِم ما كان يجده من الأحوال المباحة، والألطاف الحاصلة في سرائره.
النساء 4:161
يقال ارتكاب المحظورات يوجب تحريم المُبَاحَات.
فَمَنْ ركب محظوراً بظاهره حُرِم ما كان يجده من الأحوال المباحة، والألطاف الحاصلة في سرائره.
النساء 4:162
الراسخ في العلم هو ألا يكون في الدليل مُقَلِّداً، كما لا يكون في الحكم مقلداً، بل يضع النظر موضعه إلى أن ينتهي إلى حد لا يكون للشكِّ في عقله مساغ.
ويقال الراسخ في العلم من يرتقي عن حد تأمل البرهان ويصل إلى حقائق البيان.
ويقال الراسخ في العلم أن يكون بعلمه عامِلاً حتى يفيد عِلمَ ما خفي على غيره، ففي الخبر: " من عمل بما علمه ورَّثه الله علم ما لم يعلم ".
وخَصَّ { وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ } في الإعراب فَنَصَب اللفظ بإضمار أعني على المدح لِمَا للصلاة من التخصيص من بين العبادات لأنها تالية الإيمان في أكثر المواضع في القرآن، ولأن الله - سبحانه - أمر الرسول صلى الله عليه وسلم (بها) ليلةَ المعراج بغير واسطة جبريل عليه السلام... وغير هذا من الوجوه.
قوله تعالى: { أَجْراً عَظِيماً }: الأجر العظيم هو الذي يزيد على قدر الاستحقاق بالعمل.
النساء 4:163
إفراد النبي صلى الله عليه وسلم من الأنبياء بالإيمان لإفرادهم بالتخصيص والفضيلة؛ فأفرد نوحاً على ما استحقه من المقام وأفرد رسولنا عليه السلام على ما استحقه هو، فاشتركا في الإفراد لكنهما تباينا في الفضيلة على حسن المقام، فتفرَّد واحد من بين أشكاله بغير فضائل، وتفرَّد آخر من بين أضرابه بألف فضيلة.
النساء 4:164
سُنَّةُ الله في أوليائه سترُ قومٍ، وشَهْرُ قومٍ، وبذلك جَرَتْ سُنَّتُه أيضاً في الأنبياء - عليهم السلام - أظهر أسماء قومٍ وأجمل تفصيل آخرين. والإيمان واجب بجميع الأنبياء جملة وتفصيلاً، كما أنّ الاحترام واجب لجميع الأولياء جملة وتفصيلاً، وكذلك أحوال العباد ستر عليهم بعضاً وأظهر لهم بعضها، فما أظهرها لهم - طالبهم بالإخلاص فيها، وما سترها عليهم - فلأنه غار على قلوبهم من ملاحظة أحوالهم تأهيلاً لهم للاختصاص بحقائق أفردهم بمعانيها.
{ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً }: إخبار عن تخصيصه إياه باستماع كلامه بلا واسطة.
النساء 4:165
قوله جلّ ذكره: { رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ }.
وقَفَ الخلْقَ عند مقاديرهم؛ وبيَّن أنه أرسل إليهم الرسل فتفردوا عليهم إلى اجتباء ثوابهم، واجتناب ما فيه استحقاق عذابهم، وأنه ليس للخلْق سبيل إلى راحة يطلبونها ولا إلى آفة يجتنبونها إما في الحال أو في المآل.
قوله جلّ ذكره: { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً }.
أنَّى يكون لمن له إلى الله حاجة على الله حُجَّة؟! ولكنَّ الله خاطبهم على حسب عقولهم.
النساء 4:166
سلاَّه الله عن تكذيب الخلق إياه بما ذكره من علم الله بصدقه، ولذلك قال: { وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً }.
النساء 4:167
جعْل صدَّهم المؤمنين من اتباع الحقِّ كفرهم بالله، واللهُ تعالى عظَّم حقوق أوليائه كتعظيم حقِّ نفسه، ثم قال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ } جعل ظُلْمَهُم سبيلَ كفرهم، فَعَلَّقَ استحقاق العقوبة المؤبَّدة عليها جميعاً. والظلم - وإنْ لم يكن كالكفر في استحقاق وعيد الأبد - فَلِشُؤْمِ الظلم لا يبعد أن يخذلَه اللهُ حتى يُوَافِيَ ربَّه على الكفر.
النساء 4:168
جعْل صدَّهم المؤمنين من اتباع الحقِّ كفرهم بالله، واللهُ تعالى عظَّم حقوق أوليائه كتعظيم حقِّ نفسه، ثم قال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ } جعل ظُلْمَهُم سبيلَ كفرهم، فَعَلَّقَ استحقاق العقوبة المؤبَّدة عليها جميعاً. والظلم - وإنْ لم يكن كالكفر في استحقاق وعيد الأبد - فَلِشُؤْمِ الظلم لا يبعد أن يخذلَه اللهُ حتى يُوَافِيَ ربَّه على الكفر.
النساء 4:169
جعْل صدَّهم المؤمنين من اتباع الحقِّ كفرهم بالله، واللهُ تعالى عظَّم حقوق أوليائه كتعظيم حقِّ نفسه، ثم قال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ } جعل ظُلْمَهُم سبيلَ كفرهم، فَعَلَّقَ استحقاق العقوبة المؤبَّدة عليها جميعاً. والظلم - وإنْ لم يكن كالكفر في استحقاق وعيد الأبد - فَلِشُؤْمِ الظلم لا يبعد أن يخذلَه اللهُ حتى يُوَافِيَ ربَّه على الكفر.
النساء 4:170
{ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ }: أخبر أنه سبحانه غني عنهم، فإنْ آمنوا فحظوظ أنفسهم اكتسبوها وإن كفروا فَبَلاَيَاهُم لأنفسهم اجتلبوها. والحقُّ - تعالى - مُنَزَّه الوصف عن (الجهل) لوفاق أحدٍ، والنقص لخلاف أحد.
قوله: { وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } يعني إن خرجوا عن استعمال العبودية - فعلاً، لم يخرجوا عن حقيقة كونهم عبيده - خلْقاً، قال تعالى:{ إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً } [مريم: 93].
النساء 4:171
غُلُوُّهم في دينهم جَرْيهُم على مقتضى حسبانهم؛ حيث وصفوا - بمشابهة الخلْق - معبودَهم، ثم مناقضتهم؛ حيث قالوا الواحد ثلاثة والثلاثة واحد، والتمادي في الباطل لا يزيد غير الباطل.
النساء 4:172
قوله جلّ ذكره: { لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ }.
كيف يستنكف عن عبوديته وبالعبودية شَرَفُه، وكيف يستكبر عن التذلُّلِ وفي استكباره تَلَفُه، ولهذا الشأن نطق المسيح أول ما نطق بقوله: إني عبد الله، وتجمُّل العبيد في التذلل للسَّادة، هذا معلوم لا تدخله ريبة.
وقوله: { وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ } لا يدل على أنهم أفضل من المسيح، لأنه إنما خاطبهم على حسب عقائدهم، والقوم اعتقدوا تفضيل الملائكة على بني آدم.
قوله جلّ ذكره: { وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً }.
العذاب الأليم ألا يصلوا إليه أبداً بعدما عرفوا جلاله، فإذا صارت معارفُهم ضروريةً فإنهم يعرفون أنهم عنه بقوا، فَحَسَراتُهم حينئذ على ما فاتهم أشدُّ عقوبة لهم.
النساء 4:173
قوله جلّ ذكره: { لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ }.
كيف يستنكف عن عبوديته وبالعبودية شَرَفُه، وكيف يستكبر عن التذلُّلِ وفي استكباره تَلَفُه، ولهذا الشأن نطق المسيح أول ما نطق بقوله: إني عبد الله، وتجمُّل العبيد في التذلل للسَّادة، هذا معلوم لا تدخله ريبة.
وقوله: { وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ } لا يدل على أنهم أفضل من المسيح، لأنه إنما خاطبهم على حسب عقائدهم، والقوم اعتقدوا تفضيل الملائكة على بني آدم.
قوله جلّ ذكره: { وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً }.
العذاب الأليم ألا يصلوا إليه أبداً بعدما عرفوا جلاله، فإذا صارت معارفُهم ضروريةً فإنهم يعرفون أنهم عنه بقوا، فَحَسَراتُهم حينئذ على ما فاتهم أشدُّ عقوبة لهم.
النساء 4:174
قوله جلّ ذكره: { يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ }.
البرهان ما لاح في سرائرهم من شواهد الحق.
قوله جلّ ذكره: { وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً }.
وهو خطابه الذي في تأملهم معانيه حصولُ استبصارِهم.
النساء 4:175
قوله جلّ ذكره: { فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ }.
{ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ }: والسين للاستقبال أي يحفظ عليهم إيمانهم في المآل عند التوفي، كما أكرمهم بالعرفان والإيمان في الحال.
قوله جلّ ذكره: { وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً }.
هذه الهداية هي إكرامهم بأن عرفوا أن هذه الهداية من الله فضل لا لأنهم استوجبوها بطلبهم وجهدهم، ولا بتعبهم وكدِّهم.
النساء 4:176
قطع الخصومة بينهم في قسمة الميراث فيما أظهر لهم من النصِّ على الحكم، فإن المال محبَّبٌ إلى الإنسان، وجُبِلَت النفوس على الشحِّ؛ فلو لم ينص على مقادير الاستحقاق (لقابلة الأشباه) في الاجتهاد، فكان يؤدي ذلك إلى التجاذب والتواثب؛ فَحَسَمَ تلك الجملة بما نصَّ على المقادير في الميراث قطعاً للخصام. ولتوريثه للنسوان - وإن لم يوجد منهن الذبُّ عن العشيرة - دلالة على النظر لضعفهن. وفي تفضيل الذكور عليهن لِمَا عليهم مِنْ حَمْلِ المؤن وكذا السعي في تحصيل المال، والقيام عليهن.