لطائف الإشارات — المائدة 5:1 – الأعراف 7:206
المحتويات
- المائدة 5:1
- المائدة 5:2
- المائدة 5:3
- المائدة 5:4
- المائدة 5:5
- المائدة 5:6
- المائدة 5:7
- المائدة 5:8
- المائدة 5:9
- المائدة 5:10
- المائدة 5:11
- المائدة 5:12
- المائدة 5:13
- المائدة 5:14
- المائدة 5:15
- المائدة 5:16
- المائدة 5:17
- المائدة 5:18
- المائدة 5:19
- المائدة 5:20
- المائدة 5:21
- المائدة 5:22
- المائدة 5:23
- المائدة 5:24
- المائدة 5:25
- المائدة 5:26
- المائدة 5:27
- المائدة 5:28
- المائدة 5:29
- المائدة 5:30
- المائدة 5:31
- المائدة 5:32
- المائدة 5:33
- المائدة 5:34
- المائدة 5:35
- المائدة 5:36
- المائدة 5:37
- المائدة 5:38
- المائدة 5:39
- المائدة 5:40
- المائدة 5:41
- المائدة 5:42
- المائدة 5:43
- المائدة 5:44
- المائدة 5:45
- المائدة 5:46
- المائدة 5:47
- المائدة 5:48
- المائدة 5:49
- المائدة 5:50
- المائدة 5:51
- المائدة 5:52
- المائدة 5:53
- المائدة 5:54
- المائدة 5:55
- المائدة 5:56
- المائدة 5:57
- المائدة 5:58
- المائدة 5:59
- المائدة 5:60
- المائدة 5:61
- المائدة 5:62
- المائدة 5:63
- المائدة 5:64
- المائدة 5:65
- المائدة 5:66
- المائدة 5:67
- المائدة 5:68
- المائدة 5:69
- المائدة 5:70
- المائدة 5:71
- المائدة 5:72
- المائدة 5:73
- المائدة 5:74
- المائدة 5:75
- المائدة 5:76
- المائدة 5:77
- المائدة 5:78
- المائدة 5:79
- المائدة 5:80
- المائدة 5:81
- المائدة 5:82
- المائدة 5:83
- المائدة 5:84
- المائدة 5:85
- المائدة 5:86
- المائدة 5:87
- المائدة 5:88
- المائدة 5:89
- المائدة 5:90
- المائدة 5:91
- المائدة 5:92
- المائدة 5:93
- المائدة 5:94
- المائدة 5:95
- المائدة 5:96
- المائدة 5:97
- المائدة 5:98
- المائدة 5:99
- المائدة 5:100
- المائدة 5:101
- المائدة 5:102
- المائدة 5:103
- المائدة 5:104
- المائدة 5:105
- المائدة 5:106
- المائدة 5:107
- المائدة 5:108
- المائدة 5:109
- المائدة 5:110
- المائدة 5:111
- المائدة 5:112
- المائدة 5:113
- المائدة 5:114
- المائدة 5:115
- المائدة 5:116
- المائدة 5:117
- المائدة 5:118
- المائدة 5:119
- المائدة 5:120
- الأنعام 6:1
- الأنعام 6:2
- الأنعام 6:3
- الأنعام 6:4
- الأنعام 6:5
- الأنعام 6:6
- الأنعام 6:7
- الأنعام 6:8
- الأنعام 6:9
- الأنعام 6:10
- الأنعام 6:11
- الأنعام 6:12
- الأنعام 6:13
- الأنعام 6:14
- الأنعام 6:15
- الأنعام 6:16
- الأنعام 6:17
- الأنعام 6:18
- الأنعام 6:19
- الأنعام 6:20
- الأنعام 6:21
- الأنعام 6:22
- الأنعام 6:23
- الأنعام 6:24
- الأنعام 6:25
- الأنعام 6:26
- الأنعام 6:27
- الأنعام 6:28
- الأنعام 6:29
- الأنعام 6:30
- الأنعام 6:31
- الأنعام 6:32
- الأنعام 6:33
- الأنعام 6:34
- الأنعام 6:35
- الأنعام 6:36
- الأنعام 6:37
- الأنعام 6:38
- الأنعام 6:39
- الأنعام 6:40
- الأنعام 6:41
- الأنعام 6:42
- الأنعام 6:43
- الأنعام 6:44
- الأنعام 6:45
- الأنعام 6:46
- الأنعام 6:47
- الأنعام 6:48
- الأنعام 6:49
- الأنعام 6:50
- الأنعام 6:51
- الأنعام 6:52
- الأنعام 6:53
- الأنعام 6:54
- الأنعام 6:55
- الأنعام 6:56
- الأنعام 6:57
- الأنعام 6:58
- الأنعام 6:59
- الأنعام 6:60
- الأنعام 6:61
- الأنعام 6:62
- الأنعام 6:63
- الأنعام 6:64
- الأنعام 6:65
- الأنعام 6:66
- الأنعام 6:67
- الأنعام 6:68
- الأنعام 6:69
- الأنعام 6:70
- الأنعام 6:71
- الأنعام 6:72
- الأنعام 6:73
- الأنعام 6:74
- الأنعام 6:75
- الأنعام 6:76
- الأنعام 6:77
- الأنعام 6:78
- الأنعام 6:79
- الأنعام 6:80
- الأنعام 6:81
- الأنعام 6:82
- الأنعام 6:83
- الأنعام 6:84
- الأنعام 6:85
- الأنعام 6:86
- الأنعام 6:87
- الأنعام 6:88
- الأنعام 6:89
- الأنعام 6:90
- الأنعام 6:91
- الأنعام 6:92
- الأنعام 6:93
- الأنعام 6:94
- الأنعام 6:95
- الأنعام 6:96
- الأنعام 6:97
- الأنعام 6:98
- الأنعام 6:99
- الأنعام 6:100
- الأنعام 6:101
- الأنعام 6:102
- الأنعام 6:103
- الأنعام 6:104
- الأنعام 6:105
- الأنعام 6:107
- الأنعام 6:108
- الأنعام 6:109
- الأنعام 6:110
- الأنعام 6:111
- الأنعام 6:112
- الأنعام 6:113
- الأنعام 6:114
- الأنعام 6:115
- الأنعام 6:116
- الأنعام 6:117
- الأنعام 6:118
- الأنعام 6:119
- الأنعام 6:120
- الأنعام 6:121
- الأنعام 6:122
- الأنعام 6:123
- الأنعام 6:124
- الأنعام 6:125
- الأنعام 6:126
- الأنعام 6:127
- الأنعام 6:128
- الأنعام 6:129
- الأنعام 6:130
- الأنعام 6:131
- الأنعام 6:132
- الأنعام 6:133
- الأنعام 6:134
- الأنعام 6:135
- الأنعام 6:136
- الأنعام 6:137
- الأنعام 6:138
- الأنعام 6:139
- الأنعام 6:140
- الأنعام 6:141
- الأنعام 6:142
- الأنعام 6:143
- الأنعام 6:144
- الأنعام 6:145
- الأنعام 6:146
- الأنعام 6:147
- الأنعام 6:148
- الأنعام 6:149
- الأنعام 6:150
- الأنعام 6:151
- الأنعام 6:152
- الأنعام 6:153
- الأنعام 6:154
- الأنعام 6:155
- الأنعام 6:156
- الأنعام 6:157
- الأنعام 6:158
- الأنعام 6:159
- الأنعام 6:160
- الأنعام 6:161
- الأنعام 6:162
- الأنعام 6:163
- الأنعام 6:164
- الأنعام 6:165
- الأعراف 7:1
- الأعراف 7:2
- الأعراف 7:3
- الأعراف 7:4
- الأعراف 7:5
- الأعراف 7:6
- الأعراف 7:7
- الأعراف 7:8
- الأعراف 7:9
- الأعراف 7:10
- الأعراف 7:11
- الأعراف 7:12
- الأعراف 7:13
- الأعراف 7:14
- الأعراف 7:15
- الأعراف 7:16
- الأعراف 7:17
- الأعراف 7:18
- الأعراف 7:19
- الأعراف 7:20
- الأعراف 7:21
- الأعراف 7:22
- الأعراف 7:23
- الأعراف 7:24
- الأعراف 7:25
- الأعراف 7:26
- الأعراف 7:27
- الأعراف 7:28
- الأعراف 7:29
- الأعراف 7:30
- الأعراف 7:31
- الأعراف 7:32
- الأعراف 7:33
- الأعراف 7:34
- الأعراف 7:35
- الأعراف 7:36
- الأعراف 7:37
- الأعراف 7:38
- الأعراف 7:39
- الأعراف 7:40
- الأعراف 7:41
- الأعراف 7:42
- الأعراف 7:43
- الأعراف 7:44
- الأعراف 7:45
- الأعراف 7:46
- الأعراف 7:47
- الأعراف 7:48
- الأعراف 7:49
- الأعراف 7:50
- الأعراف 7:51
- الأعراف 7:52
- الأعراف 7:53
- الأعراف 7:54
- الأعراف 7:55
- الأعراف 7:56
- الأعراف 7:57
- الأعراف 7:58
- الأعراف 7:59
- الأعراف 7:60
- الأعراف 7:61
- الأعراف 7:62
- الأعراف 7:63
- الأعراف 7:64
- الأعراف 7:65
- الأعراف 7:66
- الأعراف 7:67
- الأعراف 7:68
- الأعراف 7:69
- الأعراف 7:70
- الأعراف 7:71
- الأعراف 7:72
- الأعراف 7:73
- الأعراف 7:74
- الأعراف 7:75
- الأعراف 7:76
- الأعراف 7:77
- الأعراف 7:78
- الأعراف 7:79
- الأعراف 7:80
- الأعراف 7:81
- الأعراف 7:82
- الأعراف 7:83
- الأعراف 7:84
- الأعراف 7:85
- الأعراف 7:86
- الأعراف 7:87
- الأعراف 7:88
- الأعراف 7:89
- الأعراف 7:90
- الأعراف 7:91
- الأعراف 7:92
- الأعراف 7:93
- الأعراف 7:94
- الأعراف 7:95
- الأعراف 7:96
- الأعراف 7:97
- الأعراف 7:98
- الأعراف 7:99
- الأعراف 7:100
- الأعراف 7:101
- الأعراف 7:102
- الأعراف 7:103
- الأعراف 7:104
- الأعراف 7:105
- الأعراف 7:106
- الأعراف 7:107
- الأعراف 7:108
- الأعراف 7:109
- الأعراف 7:110
- الأعراف 7:111
- الأعراف 7:112
- الأعراف 7:113
- الأعراف 7:114
- الأعراف 7:115
- الأعراف 7:116
- الأعراف 7:117
- الأعراف 7:118
- الأعراف 7:119
- الأعراف 7:120
- الأعراف 7:121
- الأعراف 7:122
- الأعراف 7:123
- الأعراف 7:124
- الأعراف 7:125
- الأعراف 7:126
- الأعراف 7:127
- الأعراف 7:128
- الأعراف 7:129
- الأعراف 7:130
- الأعراف 7:131
- الأعراف 7:132
- الأعراف 7:133
- الأعراف 7:134
- الأعراف 7:135
- الأعراف 7:136
- الأعراف 7:137
- الأعراف 7:138
- الأعراف 7:139
- الأعراف 7:140
- الأعراف 7:141
- الأعراف 7:142
- الأعراف 7:143
- الأعراف 7:144
- الأعراف 7:145
- الأعراف 7:146
- الأعراف 7:147
- الأعراف 7:148
- الأعراف 7:149
- الأعراف 7:150
- الأعراف 7:151
- الأعراف 7:152
- الأعراف 7:153
- الأعراف 7:154
- الأعراف 7:155
- الأعراف 7:156
- الأعراف 7:157
- الأعراف 7:158
- الأعراف 7:159
- الأعراف 7:160
- الأعراف 7:161
- الأعراف 7:162
- الأعراف 7:163
- الأعراف 7:164
- الأعراف 7:165
- الأعراف 7:166
- الأعراف 7:167
- الأعراف 7:168
- الأعراف 7:169
- الأعراف 7:170
- الأعراف 7:171
- الأعراف 7:172
- الأعراف 7:173
- الأعراف 7:174
- الأعراف 7:175
- الأعراف 7:176
- الأعراف 7:177
- الأعراف 7:178
- الأعراف 7:179
- الأعراف 7:180
- الأعراف 7:181
- الأعراف 7:182
- الأعراف 7:183
- الأعراف 7:184
- الأعراف 7:185
- الأعراف 7:186
- الأعراف 7:187
- الأعراف 7:188
- الأعراف 7:189
- الأعراف 7:190
- الأعراف 7:191
- الأعراف 7:192
- الأعراف 7:193
- الأعراف 7:194
- الأعراف 7:195
- الأعراف 7:196
- الأعراف 7:197
- الأعراف 7:198
- الأعراف 7:199
- الأعراف 7:200
- الأعراف 7:201
- الأعراف 7:202
- الأعراف 7:203
- الأعراف 7:204
- الأعراف 7:205
- الأعراف 7:206
المائدة 5:1
قوله جلّ ذكره: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } [المائدة: 1].
" يا " حرف نداء، و " أي " اسم منادى، " ها " تنبيه و { ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } صلة المنادى. ناداهم قبل أن بداهم، وسمَّاهم قبل أن يراهم، وأَهَّلهم في آزالهِ لِمَا أوصلهم إليه في آباده.
شَرَّفهم بقوله: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } وكلَّفهم بقوله { أَوْفُواْ } ولمَا عَلِمَ أن التكليف يوجب المشقة قَدَّم التشريف بالثناءِ على التكليف الموجِب للعناءِ.
ويقال الإيمانُ صنفان: أحدهما يشير إلى عين الجود، والثاني إلى بذل المجهود. فَبَذْلُ المجهودِ خِدْمَتُك، وعين الجود قِسْمَتُه؛ فبخدمتك عناءُ الأشباح، وبقسمته ضياءُ الأرواح.
وحقيقة الإيمان تحقق القلب بما أخبر من الغيب.
ويقال { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ }: يا مَنْ دخلوا في إيماني، ما وصلتم إلا أَماني إلا بسابق إحساني. ويقال يا مَنْ فتحتُ بصيرتَهم لشهود حقي حتى لا يكونوا كمن أعرضتُ عنهم مِنْ خَلْقِي.
قوله جلّ ذكره: { أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ }.
كُلُّ مُكلَّفٍ مُطَالَبٌ بالوفاء بعقده، والعقد، ما ألزمك بسابق إيجابه، ثم وفقَّكَ - بعدما أظهرك عند خطابه - بجوابه، فانبرم العقد بحصول الخطاب، والقبول بالجواب.
ويدخل في ذلك - بل يلتحق به - ما عَقَدَ القلبُ معه سِرًّا بِسِرٍّ؛ من خلوصٍ له أضمره، أو شيء تبيَّنه، أو معنًى كوشف به أو طولب به فقَبِله.
ويقال الوفاء بالعهد بصفاء القصد، ولا يكون ذلك إلا بالتبرِّي من المُنَّة، والتحقق بتولي الحق - سبحانه - بلطائف المِنَّة.
قوله جلّ ذكره: { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ }.
تحليل بعض الحيوانات وإباحتها من غير جُرْم سَبَق منها، وتحريم بعضها والمنع من ذبحها من غير طاعة حصلت منها - دليلٌ على ألاَّ عِلَّةَ لصنعه.
وحرَّم الصيد على المُحْرِم خصوصاً لأن المُحْرِمَ متجرِّدٌ عن نصيب نفسه بقصده إليه، فالأليق بصفاته كُفُّ الأذى عن كل حيوان.
قوله جلّ ذكره: { إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ }.
لا حَجْرَ عليه في أفعاله، فيخصُّ من يشاء بالنُّعْمى، ويفرد من يشاء بالبلوى؛ فهو يُمْضِي الأمور في آباده على حسب ما أراد وأخبر وقضى في آزاله.
المائدة 5:2
قوله جلّ ذكره: { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ }.
الشعائر معالم الدِّين، وتعظيم ذلك وإجلاله خلاصة الدين، ولا يكون ذلك إلا بالاستسلام عند هجوم التقدير، والتزام الأمر بجميل الاعتناق، وإخلال الشعائر (يكون) بالإخلال بالأوامر.
قوله جلّ ذكره: { وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ }.
تعظيم المكان الذي عظَّمه الله، وإكرامُ الزمان الذي أكرمه الله. وتشريف الإعلام على ما أمر به الله - هو المطلوب من العبيد أمراً، والمحبوب منه حالاً.
قوله جلّ ذكره: { وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً }.
وبالحريِّ لمن يقصد البيت ألا يخالف ربَّ البيت.
والابتغاء للفضل والرضوان بتوقِّي موجبات السخط، ومجانبة العصيان.
قوله جلّ ذكره: { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ }.
وإذا خرجتم عن أمر حقوقنا فارجعوا إلى استجلاب حظوظكم، فأمّا ما دمتم تحت قهر بطشنا فلا نصيب لكم منكم، وإنكم لنا.
قوله { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ... } أي لا يحملكم بغضُ قوم لأنهم صدوكم عن المسجد الحرام على ألا تجاوزوا حدَّ الإذن في الانتقام، أي كوّنوا قائمين بنا، متجردين عن كل نصيب وحَظٍّ لكم.
قوله جلّ ذكره: { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ }.
البِرُّ فِعْلُ ما أُمِرْتَ به، والتقوى تَرْكُ ما زُجِرتَ عنه.
ويقال البِرُّ إيثار حقه - سبحانه، والتقوى تركُ حظِّك.
ويقال البِرُّ موافقة الشرع، والتقوى مخالفةُ النَّفْس.
ويقال المعاونة على البِرِّ بحُسْنِ النصيحة وجميل الإشارة للمؤمنين، والمعاونة على التقوى بالقبض على أيدي الخطائين بما يقتضيه الحال من جميل الوعظ وبليغ الزجر، وتمام المنع على ما يقتضيه شرط العلم.
والمعاونة على الإثم والعدوان بأن تعمل شيئاً مما يقتدى بك لا يرضاه الدِّين، فيكون قولُك الذي تفعله ويقتدى بك (فيه) سُنَّةً تظهرها و (عليك) نبُوُّ وِزْرِها. وكذلك المعاونة على البر والتقوى أي الاتصاف بجميل الخِصال على الوجه الذي يُقْتدَى بكل فيه.
قوله جلّ ذكره: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ }.
العقوبة ما تعقب الجُرْم بما يسوء صاحبه. وأشد العقوبة حجاب المُعَاقَبِ عن شهود المُعَاقِب؛ فإنَّ تَجرُّعَ كاساتِ البلاء بشهود المُبْلِي أحلى من العسل والشهد.
المائدة 5:3
قوله جلّ ذكره: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ }.
وأكل الميتة أن تتناول من عِرْضِ أخيك على وجه الغيبة، وليس ذلك مما فيه رخصةٌ بحالٍ لا بالاضطرارِ ولا بالاختيارِ، وغير هذا من المَيْتَةِ مباحٌ في حالِ الضرورة.
ويقال كما أَنَّ في الحيوان ما يكون المزكى منه مباحاً والميتة منه حراماً فكذلك من ذبح نفسه بسكاكين المجاهدات وطَهَّرَ نفسه - مُبَاحٌ قربه، حلال صحبته. ومَنْ ماتت نفسه في ظلمة غفلته حتى لا إحساسَ له بالأمور الدينية فخبيثةٌ نفسه، محظورٌ قُربُه، حرام معاشرته، غيرُ مباركةٍ صحبتِه.
وإنَّ السلف سموا الدنيا خنزيرةً، ورأوا أَنَّ ما يُلْهِي قربُهُ، ويُنْسِي المعبودَ ركونُه، ويحمل على العصيان جنوحُه - فهو مُحرَّمٌ على القلوب؛ ففي طريقة القوم حبُّ الدنيا حرامٌ على القلوب، وإن كان إمساكُ بعضها حلالاً على الأبدان والنفوس.
قوله جلّ ذكره: { وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ }.
كما أنَّ المذبوح على غير اسمه ليس بطيِّبٍ فَمَنْ بَذَلَ رُوحَه فيه وَجَدَ رُوْحه منه، ومن تهارشته كلاب الدنيا، وقلته مخالب الأطماع، وأَسَرَتْهُ مطالبُ الأغراض والأعراض - فحرامٌ ماله على أهل الحقائق في مذهب التعزز، فللشريعَةِ الظرف والتقدير.
وأما المنخنقة فالإشارة منه إلى الذي ارتبك في حِبال المنى والرغائب، وأخذه خناقُ الطمع، وخنقته سلاسل (الحِرْص) فحرامٌ على السالكين سلوك خطتهم، ومحظور على المريدين متابعة مذهبهم.
وأمَّا الموقوذة فالإشارة منها إلى نفوس جُبِلَت على طلب الخسائس حتى استملكتها كلها فهي التي ذهبت بلا عوض حصل منها، وأمثال ذلك حرامٌ على أهل هذه القصة.
والإشارة من المتردية إلى من هلك في أودية التفرقة، وعمي عن استبصار رشد الحقيقة؛ فهو يهيم في مفاوز الظنون، وينهك في متاهات المنى.
والإشارة من النطيحة إلى من صَارَعَ الأمثال، وقارع الأشكال، وناطح كلاب الدنيا فحطموه بكلب حرصهم، وهزموه بزيادة تكلبهم، وكذلك الإشارة من:
قوله جلّ ذكره: { وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ }.
وأكيلة السبع ما ولغت فيه كلاب الدنيا، فإن الدنيا جيفة، وأَكَلَةُ الجيفِ الكلابُ ويستثنى منه المزكى وهو ما تقرر من متاع الدنيا لله؛ لأن زادَ المؤمِنِ من الدنيا: ما كان لله فهو محمود، وما كان للنَّفْس فهو مذموم.
قوله جلّ ذكره: { وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ }.
فهو ما أُرْصِدَ لغير الله، ومقصودُ كلِّ حريص - بموجب شرعه - معبودُه من حيث هواه قال الله تعالى:{ أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } [الجاثية: 23] يعني اتخذ هواه إلهه.
{ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ } ، الإشارة منه إلى كل معاملة ومُصَاحبةٍ بُنِيَتْ على استجلاب الحظوظ الدنيوية - لا على وجه الإذن - إذ القمار ذلك معناه. وقَلَّتْ المعاملات المجرَّدَة عن هذه الصفة فيما نحن فيه من الوقت.
قوله جلّ ذكره: { ذٰلِكُمْ فِسْقٌ }.
أي إيثار هذه الأشياء انسلاخ عن الدين.
قوله جلّ ذكره: { ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ }.
أي بعدما أزَحتُم عن قلوبكم آثار الحسبان، وتحققتم بأن المتفرد بالإبداع نحن فلا تلاحظوا سواي، ولا يُظَلِّلَنْ قلوبكم إشفاقٌ من غيري.
ويقال إذا كانت البصائرُ متحققة بأن النَّفع والضر، والخير والشر لا تحصل شظية منها إلا بقدرة الحق - سبحانه، فمن المحال أن تنطوي - من مخلوق - على رَغَبٍ أو رَهَبٍ.
قوله جلّ ذكره: { ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ }
إكمالُه الدين - وقد أضافه إلى نفسه - صَوْنُه العقيدة عن النقصان؛ وهو أنه لما أزعج قلوب المتعرفين لطلب توحيده أَمَّلها بأنوار تأييده وتسديده، حتى وضعوا النظر مَوْضِعَه من غير تقصيرٍ، وحتى وصلوا إلى كمال العرفان من غير قصور.
ويقال إكمالُ الدِّين تحقيقُ القَبُولِ في المآلِ، كما أن ابتداءَ الدِّين توفيقُ الحصول في الحال: فلولا توفيقه لم يكن للدين حصول، ولولا تحقيقه لم يكن للدين قبول.
ويقال إكمال الدين أنه لم يبق شيء يعلمه الحق - سبحانه - من أوصافه وقد علَّمك.
ويقال إكمال الدين أن ما تقصر عنه عقلك من تعيين صفاته - على التفصيل - أكرمك بأن عرَّفك ذلك من جهة الإخبار.
وإنما أراد بذكر { ٱلْيَوْمَ } وقتَ نزول الآية. وتقييد الوقت في الخطاب بقوله { ٱلْيَوْمَ } لا يعود إلى عين إكمال الدِّين، ولكن إلى تعريفنا ذلك الوقت.
والدِّين موهوبٌ ومطلوبٌ؛ فالمطلوب ما أمكن تحصيله، والموهوبُ ما سبق منه حصوله.
قوله جلّ ذكره: { وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي }.
النعمة - على الحقيقة - ما لا يقطعك عن المنعم بل يوصلك إليه والنعمة المذكورة ها هنا نعمة الدِّين، وإتمامها وفاء المآل، واقتران الغفران وحصوله. فإكمال الدين تحقيق المعرفة، وإتمام النعمة تحصيل المغفرة. وهذا خطاب لجماعة المسلمين، ولا شك في مغفرة جميع المؤمنين، وإنما الشك يعتري في الآحاد والأفراد هل يبقى على الإيمان؟
قوله جلّ ذكره: { وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً }.
وذلك لما قَسَمَ للخَلْق أديانَهم؛ فخصّ قوماً باليهودية، وقوماً بالنصرانية، إلى غير ذلك من النِّحَلِ والمِلَلِ، وأفرد المسلمين بالتوحيد والغفران.
وقدَّمَ قومٌ الإكمالَ على الإتمام، فقالوا: الإتمام يقبل الزيادة، فلذلك وَصَفَ به النعمة لقبول النِّعم للزيادة، ولا رتبةَ بعد الكمال فلذلك وصف به الدين.
ويقال لا فرق بين الدِّين والنعمة المذكورة ها هنا، وإنما ذُكِرَ بلفظين على جهة التأكيد، ثم أضافه إلى نفسه فقال: { نِعْمَتِي } وإلى العبد فقال: { دِينَكُمْ }. فَوَجْهُ إضافته إلى العبد من حيث الاكتساب، ووجه إضافته إلى نفسه من حيث الخَلْق. فالدين من الله عطاء، ومن العبد عناء، وحقيقة الإسلام الإخلاص والانقياد والخضوع لجريان الحكم بلا نزاعٍ في السِّرِّ.
قوله جلّ ذكره: { فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.
الإشارة من هذه الآية أنه لو وقع لسالكٍ فترة، أو لمريدٍ في السلوك وقفة، ثم تنبَّه لعظيم وقاعة فبادر إلى جميع الرَّجْعَةِ باستشعار التحسّر على ما جرى تَدارَكَتْه الرحمةُ، ونظر الله - سبحانه - إليه بقبول الرجعة.
والإشارة من قوله { غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ } أي غير معرِّج على الفترة، ولا مستديم لعُقْدةِ الإصرار، ويحتمل أن يكون معناه من نزل عن مطالبات الحقائق إلى رُخَصِ العلم لضعفٍ وَجَدَه في الحال فربما تجري معه مُساهلةٌ إذا لم يفسخ عَقْدَ الإرادة.
المائدة 5:4
لما علموا أن الحَسَنَ من أفعالهم ما ورد به الأمر وحصل فيه الإذن تعرَّفوا ذلك من تفصيل الشرع، فقال: { يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ } ثم قال:
{ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ } وهو الحلال الذي تحصل من تناوله طيبةُ القلوب فإنَّ أَكْلَ الحرام يُوجِبُ قسوة القلب، والوحشةُ مقرونةُ بقسوةِ القلبِ، وضياءُ القلوب وطِيبُ الأوقات متصلٌ بصَوْن الخُلُق عن تناول الحرام والشبهات.
وقوله: { وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ }: ولمَّا كان الكلب المُعَلَّمَ تركَ حظَّه، وأمسك ما اصطاده على صاحبه حلت فريسته، وجاز اقتناؤه، واستغرق في ذلك حكم خساسته فكذلك مَنْ كانت أعماله وأحواله لله - سبحانه مختصة، ولا يشوبها حظ تَجِلُّ رتبتُه وتعلو حالته.
ويقال حُسْنُ الأدب يُلْحِقُ الأَخِسَّة برتبة الأكابر، وسوء الأدب يَرُدُّ الأعِزَّة إلى حالة الأصاغر.
ثم قال: { وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ }: بيَّن أنَّ الأكلَ - على الغفلة - غير مَرْضِيٍّ عنه (في القيمة).
{ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } بحيث لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ، وسريعُ الحساب - اليومَ - مع الأحباب والأولياء، فهم لا يُسَامَحون في الخطوة ولا في اللحظة، معجَّلٌ حسابُهم، مُضَاعَفٌ - في الوقتِ - ثوابُهم وعقابُهم.
المائدة 5:5
ليس الطَّيِّبُ ما تستطيبه النفوس، ولكن الطيب ما يوجد فيه رضاء الحق - سبحانه - فتوجد عند ذلك راحةُ القلوب.
{ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ }: القَدْرُ الذي بيننا وبينهم من الوفاق في إثبات الربوبية لم يَعْرَ من أثرٍ في القربة فقال الله تعالى:{ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ } [المائدة: 82].
وكذلك الأمر في المحصنات من نسائهم. وأُحِلَّ الطعامُ والذبيحةُ بيننا وبينهم من الوجهين فيحلّ لنا أكل ذبائحهم، ويجوز لنا أن نطعمهم من ذبائحنا، ولكن التزوج بنسائهم يجوز لنا، ولا يجوز تزوجهم بنسائنا لأن الإسلام يعلو ولا يُعْلَى.
ثم قال { مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } يعني إنهم وإن كانوا كفاراً فلا تجب صحبتهن بغير نكاح تعظيماً لأمرِ السِّفاح، وتنبيهاً على وجوب مراعاة الأمر من الحق. وكذلك { وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ } لأنه إذا لم يجز تعلق قلبك بالمؤمنين على وجه المخادنة فمتى يسلم ذلك مع الكفار الذين هم الأعداء؟
المائدة 5:6
قوله جلّ ذكره: { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ }.
كما أنَّ في الشريعة لا تصحُّ الصلاةُ بغيرِ الطهور فلا تصحُّ - في الحقيقة - بغير طهور.
وكما أن للظاهر طهارةً فللسرائر أيضاً طهارة، وطهارةُ الأبدان بماء السماء أي المطر، وطهارة القلوب بماء الندم والخجل، ثم بماء الحياء والوجل.
وكما يجب غسلُ الوجهِ عند القيام إلى الصلاة يجب - في بيان الإشارة - صيانة الوجه عن التبذُّل للأشكال عن طلب خسائس الأعراض.
وكما يجب غسلُ اليدين في اليدين في الطهارة يجب قصرهما عن الحرام والشبهة.
وكما يجب مسحُ الرأس يجب صونه عن التواضع والخفض لكل أحد.
وكما يجب غسل الرِجْلين في الطهارة يجب صونهما في الطهارة الباطنة عن التنقل فيما لا يجوز.
قوله جلّ ذكره: { وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ }.
كما يقتضي غسل جميع البدن في الطهارة، كذلك في الطهارة الباطنة ما يوجب الاستقصاء؛ وذلك عندما تقع للمريد فَتْرةٌ فيقوم بتجديد عقدٍ، وتأكيد عهد، والتزام عزامة، وتسليم وقتٍ، واستدامة ندامة، واستشعار خجل.
وكما أنه إذا لم يجد المتطهرُ الماءَ فَفَرْضُه التَّيَمُمْ فكذلك إذا لم يجد المريد مَنْ يفيض عليه صَوْبَ همته، ويغسله ببركات إشارته، ويعينه بما يؤوب به من زيادة حالته - اشتغل بما تيسَّر له من اقتفاء آثارهم، والاستراحة إلى ما يجد من سالف سِيَرِهِم، وما ورد من حكاياتهم.
وكما أن فرض التيمم على الشطر والنقصان فكذلك المطالبات على إصفاء هذه الحالة تكون أخف لأنه وقت الفترة وزمان الضعف.
قوله جلّ ذكره: { مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ }.
وتلوح من هذه الجملة الإشارة إلى أنه إذا بقي المريد عن أحكام الإرادة فلْيَحْطُطْ رِجْلَه بساحات العبادة، فإذا عَدِمَ اللطائف في سرائره فَلْيَسْتَدِمْ الوظائف على ظاهره، وإذا لم يتحقَّقْ بأحكام الحقيقة فليتخلق بآداب الشريعة، وإن لم يتحرج عن تَرْكِه الفضيلة فلا يدنسْ تصرفه بالحرام والشبهة.
قوله جلّ ذكره: { وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ }.
أي يظهر ظواهركم عن الزلة بعصمته، ويظهر قلوبكم عن الغفلة برحمته.
ويقال يطهر سرائركم عن ملاحظة الأشكال، ويطهر ظواهركم عن الوقوع في شِباك الأشغال.
ويقال يطهر عقائدكم عن أن تتوهموا تدنُّسَ المقادير بالأعلال.
قوله جلّ ذكره: { وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }.
إتمام النعمة على قومٍ بنجاة نفوسهم، وعلى آخرين بنجاتهم عن نفوسهم، وشتَّان بين قوم وقوم!.
ويقال إتمام النعمة في وفاء العاقبة؛ فإذا خرج من الدنيا على وصف العرفان والإيمان فقد تَمتْ سعادته، وصَفَتْ نعمته.
ويقال إتمام النعمة في شهود المنعِم؛ فإنَّ وجودَ النعمة لكل أحد ولكنَّ إتمامَها في شهود المنعِم.
المائدة 5:7
قوله جلّ ذكره: { وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ }.
الإشارة منه إلى التعريف السابق الذي لولاه ما علمْتَ أنه من هو.
ويقال أمرهم بتذكّر ما سبق لهم من القِسَمِ وهم في كَتْمِ العَدَم، فلا للأغيار عنهم خبر، ولا لهم عين ولا أثر، ولا وقع عليهم بصيرة، وقد سماهم بالإيمان، وحكم لهم بالغفران قبل حصول العصيان، ثم لما أظهرهم وأحياهم عرَّفهم التوحيد قبل أن كلَّفهم الحدود، وعرض عليهم بعد ذلك الأمانة وحذَّرهم الخيانة، فقابلوا قوله بالتصديق، ووعَدُوا من أنفسهم الوفاءَ بشرط التحقيق، فأمدَّهم بحسن التوفيق، وثَبَّتهم على الطريق، ثم شكرهم حيث أخبر عنهم بقوله جل ذكره: { إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا }.
ثم قال: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ }: يعني في نقض ما أبرمتم من العقود، والرجوع عمَّا قدمتم من العهود، { إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } لا يخفى عليه من خطرات قلوبكم ونيات صدوركم.
المائدة 5:8
قوله جلّ ذكره: { يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ }.
لا يُعَوِّقنَّكم حصولُ نصيبٍ لكم في شيء عن الوفاء لنا، والقيام بما يتوجَّب عليكم من حقنا.
ويقال من لم يقسط عند مواعد رغائبه، ولم يمحُ عنه نواجم شهواته ومطالبه لم يقم لله بحق ولم يفِ لواجباته بشرط.
قوله جلّ ذكره: { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }.
أي لا تحملكم ضغائن صدوركم على الحلول بجنبات الحيف فإنَّ مرتعَ الظلمِ وبيءٌ، ومواضع الزيغ مهلكة.
ثم صرَّح بالأمر بالعدل فقال: { ٱعْدِلُواْ } ولا تكون حقيقة العدل إلا بالعدول عن كل حظٍ ونصيب.
والعدلُ أقربُ إلى التقوى، والجَوْزُ أقربُ من الرَّدَى، ويُوقِعُ عن قريبٍ في عظيم البلوى.
المائدة 5:9
والمغفرة لا تكون إلاَّ للذنب، فوصفهم بالأعمال الصالحات، ثم وعدهم المغفرة لِيُعْلَمَ أن العبد تكون له أعمال صالحة وإن كانت له ذنوب تحتاج إلى غفرانها، بخلاف ما تَوَهَّمَ مَنْ قال إن المعاصي تَحْبِطُ الطاعات.
ويقال بيَّن أن العبد وإن كانت له أعمال صالحة فإنه يحتاج إلى عَفْوِه وغفرانه، ولولا ذلك لَهلَكَ، خلافاً لمن قال إنه لا يجوز أن يَعذِّبَ البريءَ ويجب أن يثيب المحسنين.
ويقال لو كان ثوابُ المحسنين واجباً، وعقوبةُ البريء غيرَ حسنة لكان التجاوزُ عنه واجباً عليه، ولم يكن حينئذ فضل يمن به عليهم.
المائدة 5:10
لهم عقوبتان: معجلة وهي الفراق، ومؤجلة وهي الاحتراق.
المائدة 5:11
يذكِّرهم ما سلف لهم من نِعَم الدفع وهو ما قصر عنهم أيدي الأعداء، وذلك من أمارات العناية. ولقد بالغ في الإحسان إليك مَنْ كان يُظْهر لك الغيبَ من غير التماسٍ أو سَبْق شفاعة فيك، أو رجاءِ نفع من المستأنف منك، أو حصول ربحٍ في الحال عليك، أو وجود حق في المستأنف لك.
ثم قال: { وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } يعني كما أحسنت إليكم في السالف من غير استحقاق فانتظروا جميل إحساني في الغابر من غير استيجاب.
المائدة 5:12
قوله جلّ ذكره: { وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ }.
يذكرهم حُسْنَ أفضاله معهم، وقبح (فعلهم) في مقابلة إحسانه بنقضهم عهدهم.
وعرف المؤمنين - تحذيراً لهم - ألا ينزلوا منزلتَهم فيستوجبوا مثل ما استوجبوه من عقوبتهم.
قوله جلّ ذكره: { لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ }.
أي لئن قمتم بحقي لأوصلن إليكم حظوظكم، ولئن أجللتم أمري في العاجل لأجِلَّن قَدْرَكم في الآجل.
وإقامة الصلاة أن تشهد مَنْ تعبده، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " اعْبد اللهَ كأنَّكَ تراه ".
ويقال إقامة الصلاة شرطها أَنْ تُقْبِلَ على ما مَنْ تناجيه بأن تستقبل القُطْرَ الذي الكعبة فيه.
وأمَّا إيتاء الزكاة فحقُّه أن تكسب المال من وجه، وتصرفه في حقه، ولا تمنع الحق الواجب فيه عن أهله، ولا تؤخر الإيتاء عن وقته، ولا تُحْوِج الفقير إلى طلبه فإنَّ الواجبَ عليكَ أن توصل ذلك إلى مستحقه.
وتعزير الرسل الإيمان بهم على وجه الإجلال، واعتناق أمرهم بتمام الجد والاستقلال، وإيثارهم عليك في جميع الأحوال.
قوله جلّ ذكره: { وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً }.
الأغنياء ينفقون أموالهم في سبيل الله، والفقراء يبذلون مهجَتهم وأرواحَهم في طلب الله، (فأولئك) عن مائتي درهم يُخْرِجُونَ خَمْسَة، وهؤلاء لا يدخرون عن أمره نَفَساً ولا ذرَّة.
قوله جلّ ذكره: { لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ }.
التكفير هو الستر والتغطية، وإنه يستر الذنوب حتى عن العاصي فيمحو من ديوانه، وينسِي الحَفظَة سوالف عصيانه. وينفي عن قلبه تذكر ما أسلفه، ولا يوقفه في العرصة على ما قَدَّم من ذنبه، ثم بعد ذلك يدخله الجنة بفضله كما قال: { وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } ، كما قيل:ولما رضوا بالعفو عن ذي زلة حتى أنالوا كفَّه وازدادوا
قوله جلّ ذكره: { فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ }.
فَمَنْ جَحَدَ هذه الأيادي بعد اتضاحها فقد عَدَلَ عن نَهْجِ أهل الوفاء، وحاد عن سَنَنِ أصحاب الولاء.
المائدة 5:13
قوله جلّ ذكره: { فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ }.
جعل جزاءَ العصيان الخذلانَ للزيادة في العصيان.
قوله جلّ ذكره: { وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ }.
وتحريفُهم الكلم عن مواضعه نوعُ عصيان منهم، وإنما حرَّفوا لقساوة قلوبهم. وقسوة القلب عقوبة لهم مِنْ قِبَل الله تعالى على ما نقضوه من العهود، ونقض العهد أعظمُ وِزْرٍ يلم به العبد، والعقوبة عليه أشد عقوبة يُعَاقَبُ بها العبد، وقسوة القلب عدم التوجع مما يُمتَحَنَ به من الصدِّ، وعن قريبٍ يُمتَحَن بمحنة الرد بعد الصدِّ، وذلك غاية الفراق، ونهاية البعد.
ويقال قسوة القلب أولها فَقْدُ الصفوة ثم استيلاء الشهوة ثم جريان الهفوة ثم استحكام القسوة، فإن لم يتفق إقلاع من هذه الجملة فهو تمام الشقوة.
ومن تحريف الكلم - على بيان الإشارة - حَمْلُ الكلم على وجوه من التأويل مما تسوِّل لصاحبِه نَفْسُه، ولا تشهد له دلائلُ العلم ولا أصلُه.
قوله جلّ ذكره: { وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ }.
أوَّلُ آفاتِهِم نسيانُهم، وما عصوا ربهم إلا بعد ما نسوا، فالنسيان أول العصيان، والنسيانُ حاصلٌ من الخذلان.
قوله جلّ ذكره: { وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ }.
الخيانة أمرها شديد وهي من الكبار أبعد، وعليهم أشد وأصعب. ومن تعوَّد اتباع الشهوات، وأُشْرِبَ في قلبه حُبَّ الخيانة فلا يزال يعيش بذلك الخُلُق إلى آخر عمره، اللهم إلا أن يجودَ الحقُّ - سبحانه - عليه بجميل اللطف.
قوله جلّ ذكره: { فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ }.
قد يكون موجب العفو حقارة قدر المعفو عنه إذ ليس كل أحدٍ أهلاً للعقاب. وللصفح على العفو مزية وهي أن في العفو رفع الجناح، وفي الصفح إخراج ذكر الإثارة من القلب، فمن تجاوز عن الجاني، ولم يلاحظه - بعد التجاوز - بعين الاستحقار والازدراء فهو صاحب الصفح.
والإحسان تعميمٌ - للجمهور - بإسداء الفضل.
المائدة 5:14
الإشارة في هذه الآية أن النصارى أثبت لهم الاسم بدعواهم فقال: { قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ } وسموا نصارى لتناصرهم، وبدعواهم حرَّفوا وبدَّلوا؛ وأما المسلمون فقال:{ هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ } [الحج: 78].
كما قال:{ وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً } [المائدة: 3] فلا جَرَمَ ألا يسموا بالتناصر. ولمَّا سمَّاهم الحقُّ بالإسلام ورَضِيَ لَهم به صانهم عن التبديل فَعُصِمُوا.
ولما استمكن منهم النسيان أبدلوا بالعداوة فيما بينهم، وفساد ذات البين؛ فأرباب الغفلة لا ألفة بينهم. وأهل الوفاء لا مباينة لبعضهم من بعض، قال صلى الله عليه وسلم: " المؤمنون كنفس واحدة " ، وقال تعالى في صفة أهل الجنة:{ إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ } [الحجر: 47].
المائدة 5:15
قوله جلّ ذكره: { يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ }.
وصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإظهار بعض ما أخفوه، وذلك علامة على صدقه؛ إذ لولا صدقه لما عَرَفَ ذلك. ووصفه بالعفو عن كثير من أفعالهم، وذلك من أمارات خُلُقِه؛ إذ لولا خُلُقُهُ لَمَا فعل ذلك؛ فإظهار ما أبداه دليل عِلْمه، والعفو عما أخفى برهانِ حِلْمِه.
قوله جلّ ذكره: { قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }.
أنوار التوحيد ظاهرة لكنها لا تغني عند فقد البصيرة، فمن استخلصه بقديم العناية أخرجه من ظلمات التفرقة إلى ساحات الجمع فامتحى عن سِرِّه شواهد الأغيار، وذلك نعت كل من وقف على الحجة المثلى.
المائدة 5:16
قوله جلّ ذكره: { يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ }.
وصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإظهار بعض ما أخفوه، وذلك علامة على صدقه؛ إذ لولا صدقه لما عَرَفَ ذلك. ووصفه بالعفو عن كثير من أفعالهم، وذلك من أمارات خُلُقِه؛ إذ لولا خُلُقُهُ لَمَا فعل ذلك؛ فإظهار ما أبداه دليل عِلْمه، والعفو عما أخفى برهانِ حِلْمِه.
قوله جلّ ذكره: { قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }.
أنوار التوحيد ظاهرة لكنها لا تغني عند فقد البصيرة، فمن استخلصه بقديم العناية أخرجه من ظلمات التفرقة إلى ساحات الجمع فامتحى عن سِرِّه شواهد الأغيار، وذلك نعت كل من وقف على الحجة المثلى.
المائدة 5:17
مَنْ اشتملت عليه أرحامُ الطوامثُ متى يفارقه نَقْصُ الخِلْقة؟
ومَنْ لاحت عليه شواهدُ التغيُّر أَنَّى يليق به نعت الربوبية؟
ولو قَطَعَ البقاءَ عن جميع ما أوجد فأي نقصٍ يعود إلى الصمد؟
المائدة 5:18
البنوة تقتضي المجانسة، والحقُّ عنها مُنَزَّهٌ، والمحبةُ بين المتجانسين تقتضي الاحتظاظ والمؤانسة، والحق سبحانه عن ذلك مُقدَّس.
فردَّ الله - سبحانه - عليهم فقال تعالى: { بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ }.
والمخلوق لا يصلح أن يكون بعضاً للقديم؛ فالقديم لا بعضَ له لأن الأحدية حقه، فإذا لم يكن له عدد لم يجز أن يكون له ولد. وإذا لم يجز له ولد لم تجز - على الوجه الذي اعتقدوه - بينهم وبينه محبة.
ويقال في الآية بشارة لأهل المحبة بالأمان من العذاب والعقوبة به لأنه قال: { قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم }.
ويقال بيَّن في هذه الآية أن قصارى الخلْق إمَّا عذاب وإمّا غفران ولا سبيل إلى شيء وراء ذلك.
المائدة 5:19
يقال في: كل زمان تقع فَتْرَة في سبيل الله ثم تجدد الحال، ويُعَمُّ الطريق بإبداء السالكين من كتم العَدَم، ولقد كان زمانُ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - أكثرَ الأزمنة بركةً، فأحيا بظهوره ما اندرس من السبيل، وأضاء بنوره ما انطمس من الدليل، وبذلك مَنَّ عليهم، وذكَّرهم عظيمَ نعمتِه فيهم.
المائدة 5:20
قوله جلّ ذكره: { وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ }.
كان الأمر لبني إسرائيل - على لسان نَبِيِّهم - بأن يتذكروا نعمة الله عليهم، وكان الأمر لهذه الأمة - بخطاب الله لا على لسان مخلوق - بأن يذكروه فقال:{ فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ } [البقرة: 152] وشتان بين من أمره بذكره - سبحانه - وبين من أمره بذكر نعمته! ثم جعل جزاءَهم ثوابَه الذي هو فضله، وجعل جزاء هذه الأمة خطابه الذي هو قوله تعالى:{ فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ } [البقرة: 152].
قوله جلّ ذكره: { وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً }.
المَلِكُ مِنَ المخلوقين مَنْ عَبَدَ المَلِكَ الحقيقي.
ويقال المَلِكُ مَنْ مَلَكَ هواه، والعبد من هو في رِقِّ شهواته.
ويقال { وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً }: لم يخرجكم إلى أمثالكم، ولم يحجبكم عن نفسه بأشغالهم، وسَهَّلَ إليه سبيلَكم في عموم أحوالِكم.
قوله جلّ ذكره: { وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ }.
لئن آتي بني إسرائيل بمقتضى جوده فقد أغنى عن الإيتاء هذه الأمة فاستقلوا بوجوده، والاستقلال بوجوده أتمَّ من الاستغناء بمقتضى جوده.
المائدة 5:21
قوله جلّ ذكره: { يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ }.
من الفرق بين هذه الأمة وبين بني إسرائيل أنه أباح لهم دخولَ الأرض المقدسة على الخصوص فقال: { يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } ثم إنهم لم يدخلوها إلا بعد مدة، وبعد جهد وشدة، وقال في شأن هذه الأمة{ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ } [الأنبياء: 105] فأولئك كتب لهم دخول الأرض كتابةَ تكليف ثم قصروا، وهذه الأمة كتب لهم جميع الأرض على جهة التشريف، ثم وصلوا إلى ما كتب لهم وما قصروا.
وقال: { ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ } وقال لهذه الأمة:{ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ } [الملك: 15] فهؤلاء ذلَّل لهم وسهَّل عليهم، وأولئك صعَّب عليهم الوصول إلى ما أمرهم فيما أنزل الله عليهم.
قوله جلّ ذكره: { وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ }.
الارتداد على قسمين: عن الشريعة وإقامة العبودية وذلك يوجب عقوبة النفوس بالقتل، وعن الإرادة وذلك يوجب الشِّقْوَة - التي هي الفراق - على القلوب.
المائدة 5:22
لاحظوا الأغيار بعين الحسبان فتوهموا أن شيئاً من الحدثان، وداخلتهم هواجمُ الرعبِ فأصروا على ترك الأمر. ومَنْ طالع الأغيار بأنوار البصائر شاهدهم في أَسْرِ التقدير قوالبَ متعريةً عن إمكان الإيجاد، ولم يقع على قلبه ظلُّ التُّوهم.
المائدة 5:23
قوله جلّ ذكره: { قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ }.
أنعم الله (عليهما) بأنوار العرفان فلم يحتشما من المخلوقين، وعلما أن من رجع إليه بنعت الاستكفاء تداركتْه عواجلُ الكفاية ثم قال:
{ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }.
أي من شأن المؤمنين أن يتوكلوا، وينبغي للمؤمن أن يتوكل.
ويحتمل أن يقال التوكل من شرط الإيمان. وظاهر التوكل الذي لعوام المؤمنين العلم بأن قضاءه لا رادَّ له، وحقائق التوكل ولطائفه التي لخواص المؤمنين شهود الحادثات بالله ومِنْ الله ولله، فإنَّ مَنْ فَقَدَ ذلك انتفى عنه اسم الإيمان.
المائدة 5:24
قوله جلّ ذكره: { قَالُواْ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا }.
مَنْ أَقْصَتْه سوابِقُ التقدير لم يزِدْه تواترُ (العظة) إلا نفوراً وجحوداً.
قوله جلّ ذكره: { فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ }.
تركوا آداب الخطابِ فصرَّحوا ببيان الجحد ولم يحتشموا من مجاهرة الرد.
المائدة 5:25
لما ادَّعى أَنَّه يملك نَفْسَه عرف عجزه عن مِلْكِه لنفسه حيث أخذ برأس أخيه يجرُّه إليه.
ويقال: لا أملك إلا نفسي أي لا أدخرها عن البذل في أمرك. لا أملك إلا أخي فإنه لا يؤثر نفسه عن الذي أكلفه مِنْ قِبَلِكَ.
المائدة 5:26
مجاهرة الرد تعجّل العقوبة؛ فإن من مَاكَر الحقيقة أبدت الحقيقة له من مكامن التقدير ما يُلْجِئُه إلى التطوُّح في أوطان الذُّلِّ.
ويقال حيَّرهم في مفاوزهم حتى عموا عن القَصد؛ فصاروا يبيتون حيث يصبحون، بعد طول التعب وإدامة السير، وكذلك من حيَّره اللهُ في مفاوز القلب يتقلب ليلاً ونهاراً في مطارح الظنون ثم لا يحصل إلا على مناهل الحيرة، فيحطون بحيث يرحلون عنها، فلا وجهَ للرأي الصائب يلوح لهم، ولا خلاص من بعده للتجويز يساعدهم، والذي التجأ إلى شهود الصمدية استراح عن نقلة فكره، ووقع في روح الاستبصار بعد أتعاب التوهم.
المائدة 5:27
قوله جلّ ذكره: { وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ }.
كانت الدنيا بحذافيرها في أيديهما فحسد أحَدُهما صاحبَه، فلم يصبر حتى أسرع في شيء بإتلافه، وحين لم يُقْبَلْ قربانُه اشتد حسدُه على صاحبه، ورأى ذلك منه فهدَّدَه بالقتل.
فأجابه بنطق التوحيد.
قوله جلّ ذكره: { قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ }.
يعني إنما يُتَقَبَّلُ القربانُ مِمَّن طالَع في القربان مساعدةَ القدرة، وألقى توهُّم كونه باستحقاقه واستيجابه.
المائدة 5:28
لئن بدأتني بالإثارة لم أقابلك كأوصاف أهل الجهل بل أَكِلُ أمري إلى من بيده مقاليد الأمور.
المائدة 5:29
تحقَّق بأنَّ العقوبة لاحِقةٌ به على ما يسلفه من الذَّنب فَرَضِيَ بانتقامِ اللهِ دون انتقامه لنفسه.
وقوله: { أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ } الذي تستوجبه بسبب قتلك إياي، فأضافه إلى نفسه، وإذا رأى المظلوم ما يحلُّ بالظالم من أليم البلاء يهون عليه ما يقاسيه ويطيب قلبه.
المائدة 5:30
لا تستولي هواجس النفوس على صاحبها إلا بعد استتار مواعظ الحق، فإذا توالت العزائمُ الرديئةُ، واستحكمت القصودُ الفاسدةُ من العبد صارت دواعي الحق خفيةً مغمورةً. والنَّفْسُ لا تدعو إلا إلى اتباع الشهوات ومتابعة المعصية، وهي مجبولةٌ على الأخلاق المجوسية. فمن تابع الشهوات لا يلبث أن ينزل بساحات الندم ثم لا ينفعه ذلك.
المائدة 5:31
إرادة الحق - سبحانه - وصولُ الخلْقِ إلى لطف الاحتياط في أسباب التعيش، فإذا أشكل عليهم وجهٌ من لطائف الحيلة سبَّب الله شيئاً يُعَرِّفُهم ذلك به.
المائدة 5:32
هذا قريب مما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" من سنَّ حسنة فله أَجْرُها وأجر من عمل بها إلى يوم والقيامة، ومن سنَّ سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ".
المائدة 5:33
السعي في الفساد على ضربين: بالظاهر وعقوبته معلومة في مسائل الفقه بلسان العلم، وفي الباطن وعقوبته واردة على الأسرار، وذلك بقطع ما كان متصلاً من واردات الحق، وكسوف شمس العرفان، والستر بعد الكشف، والحجاب بعد البسط. والحجاب استشعار الوحشة بعد الأُنْس، وتبديل توالي التوفيق بصنوف الخذلان، والنفي على بساط العبادة، والإخراج إلى متابعة النفوس، وذلك - واللهِ - خِزْيٌ عظيم وعذابٌ أليم.
المائدة 5:34
من أقلع عن معاصيه، وارتدع عن ارتكاب مساويه، قبل أن يهتك عنه ستر السداد لا تقام عليه - في الظاهر - حدودُ الشريعة لاشتباهها على الإمام، ولا يؤاخذه الحق سبحانه بقضايا إجرامه أخذاً بظاهرِ ما يثبت من حاله مَالَه في استيجاب السداد، فإذا بدا للإمام جُرْمُه أُقيم عليه الحدُّ وإنْ تقنَّع بنقاب التقوى.
وكذلك إذا سقط العبد عن عين الله لم يصل بعده إلى ما كان عليه من معاودة تقريب الحق - سبحانه.
المائدة 5:35
ابتغاء الوسيلة التبري عن الحول والقوة، والتحقق بشهود الطول والمِنَّة.
ويقال ابتغاء الوسيلة هو التقريب إليه بما سبق لك من إحسانه.
ويقال الوسيلة ما سبق لك من العناية القديمة.
ويقال الوسيلة اختياره لك بالجميل.
ويقال الوسيلة خلوص (العقد) عن الشك.
ويقال ابتغاء الوسيلة استدامة الصدق في الولاء إلى آخر العمر.
ويقال ابتغاء الوسيلة تجريد الأعمال عن الرياء، وتجريد الأحوال عن الإعجاب، وتخليص النَّفْسِ عن الحظوظ.
المائدة 5:36
اليومَ - يقبل من الأحباب مثقال ذرة، وغداً - لا يقبل من الأعداء ملء الأرض ذهباً، كذا يكون الأمر.
ويقال إفراط العدو في التقرب موجِبٌ للمقت، وتستر الولي في التودد إحكامٌ لأسباب الحب.
المائدة 5:37
كما أن الأعداء لا محيص لهم من النار كذلك المُبْعَدُون عن التوفيق كلما أرادوا إقلاعاً عن التهتك أدركهم - من فجأة الخذلان - ما يركسهم في وهدة العناء.
المائدة 5:38
لو أنَّ ولياً من الأولياء سرق نصاباً من جرذ، ووجد فيه استحقاق القطع، أقيم عليه الحدُّ كما يقام على المتهتك، ولا يَسْقُطُ الحدُّ لصلاحه. والإشارة فيه أن أَمْرَ الملك مُقَابَلٌ بالتعظيم، بل كل من كان أعلى رتبةً فَخَطَرُه أتمُّ وأخفى، والمطالبةُ عليه أشدُّ. فلا يَسْتَخِفَنَّ أحدٌ الإلمام بزلة{ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ } [النور: 15].
المائدة 5:39
من استوفى أحكام التوبة فتَدَاركَ ما ضَيَّعه، وندم على ما صنعه، وأصلح من أمره ما أفسده - أقبل الله عليه بفضله فَغَفَره، وعاد إليه باللطف فَجَبَرَهُ.
المائدة 5:40
بيَّنَ أنه لا يعذِّب مَنْ يعذِّبُ بِعَلَّة، ولا يرحم من يرحم بعلة، وإنما يتصرف في عبده بحق ملكه، وأنَّ الحكمَ حكمه، والأمرَ أمرُه.
المائدة 5:41
قوله جلّ ذكره: { يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً }.
مَنْ أقصاه الحقُّ عن محلِّ التقريب، وأرخى له عنان الإمهال وَكَلَه إلى مكره، ولبَّسَ عليه حاله وسِرَّه، فهو ينهمك في أودية حسبانه، وإنما يسعى في أمر نفسه فيعمل بما يعود إليه وبالُه، فأَمَرَ نَبيَّه - صلى الله عليه وسلم - بترك المبالاة بأمثالهم، وقلة الاهتمام بأحوالهم، وعرَّفه أنهم بمعزلٍ عن رحمته؛ وإِنَّ مَنْ ردَّته القسمة الأزلية لا تنفعه الأعلال في الاستقبال، فقال: { وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً } يعني إِنْ أَهَّلَه الله للحرمان، وقيّده بشباك الخذلان فشفاعة الأغيار فيه غير مقبولة، ولطائف القبول إليه غير موصولة.
قوله جلّ ذكره: { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ }.
أولئك الذين لم تعجن طينتُهم بماء السعادة فَجُبِلوا على نجاسة الشِرْك فإن عدم الطهارة الأصلية لا يتنقَّى بفنون المعاملات.
ويقال: { وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ }: مَنْ أرسل عليه غاغة الهوى، وسلَّط عليه نوازع المنى، وأذلَّه (....) القضاء، فليس يلقى عليه غير الشقاء.
قوله جلّ ذكره: { لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }.
وَرَدُوا من الهوان إلى الهوان، ووُعِدُوا بالفراق، وَرُدُّوا إلى الاحتراق، فلا تدري أي حالِهم أقرب من استيجاب الذل؟ بدايتهم في الرد أم نهايتهم في الشِرْك والجحد؟
المائدة 5:42
يعني إنهم طرحوا حشمة الدِّين، وقنعوا بالحظوظ الخسيسة واكتفوا بالأعواض النذرة، فإذا تحاكموا إليك فأُحلِلْهم من حِلْمك على ما يستحق أمثالهم من الأزال، وأنت مُخيرٌ فيما تريد؛ فسواء أقبلت عليهم فحكمت أو أعرضت فرددت فالاختيار لك.
قوله: { إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ }: الإقساط الوقوف على حدِّ الأمر من غير (حَنَفِ) إلى الحظ.
المائدة 5:43
يعني أنهم قارفوا الجحد، وأصرُّوا على الغي، وتعودوا الإعراض عن الإيمان، فمتى تؤثِّر فيهم دعوتُكَ، وقد سُدَّت مسامعُهم عن القبول، وطُبعَ على قلوبهم سابقُ الحكم؟
المائدة 5:44
قوله جلّ ذكره: { إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ }.
يخبر أنه استحفظ بني إسرائيل التوراة فحرَّفوها، فلما وَكلَ إليهم حفظها ضيَّعوها.
وأمَّا هذه الأمة فخصَّهم بالقرآن، وتولَّى - سبحانه - حفظه عليهم فقال:{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [الحجر: 9] فلا جَرَمَ لو غيَّرَ واحدٌ حركة أو سكوناً من القرآن لنادي الصبيان بتخطيئه.
قوله جلّ ذكره: { فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ }.
إنَّ الخلْقَ تجري عليهم أحكامُ القدرة وأقسام التصريف؛ فالخشية منهم فرعٌ من المحال، فإنَّ من ليس له شظية من الإيجاد فأنَّى تصحُّ منه الخشية؟!
قوله جلّ ذكره: { وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ }.
لا تأخذوا على جحدِ أوليائي والركونِ إلى ما فيه رضاءُ أعدائي عِوَضاً يسيراً فتبقوا بذلك عنِّي، ولا يُبَارَكُ لكم فيما تأخذون من العوض.
{ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ... } فمن اتخذ بغيره حكماً، ولم يجد - تحت جريان حكمه - رضى واستسلاماً ففي شِرْكٍ خَامَرَ قلبَه، وكفرٍ قَارَنَ سِرَّه. وهيهات أن يكون على سَوَاء!
المائدة 5:45
بيَّن أن اعتبار العدالة كان حتماً في شرعهم، ولمّا جنحوا إلى التضييع استوجبوا الملام. { فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ } ، يعني فمن آثر ترك مالهُ باعتناق العفو لم يخسِرْ علينا باستيجاب الشكر، ومن أبى إلا تمادياً في إجابة دواعي الهوى فهم الذين وضعوا الشيءَ في غير موضعه؛ أي استبدلوا بلزوم الحقائق متابعةَ الحظوظ، وبإيثار الفتوة موافقةَ البشرية.
المائدة 5:46
يعني أتبعناهم بعيسى ابن مريم، وخصصناه بالإنجيل، وفي الإنجيل تصديق لما تقدَّمه، وتحقيقِ لِمَا أوجب الله وألزمه، فلا الدِّينَ قضوا حقه، ولا الإنجيلَ عرفوا فرضه، ولا الرسولَ حفظوا أمره؛ ففسقوا وضلوا، وظلموا وزلُّوا.
المائدة 5:47
قال الله تعالى في هذه السورة: { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ } وقال في موضع آخر {... فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ } وقال في هذه الآية {... فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ } أمّا في الأول فقال: { وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً } { فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ } لأن من لم يحكم بما أنزل الله فهو جاحد والجاحد كافر.
وفي الثاني قال: { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ } { فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ } لأن مَنْ جازو حدّ القصاص واعتبار المماثلة، وتعدى على خصمه فهو ظالم لأنه ظَلَمَ بعضهم على بعض.
وأمّا ها هنا فقال: { وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ... فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ } أراد به معصيةً دون الكفر والجحد.
المائدة 5:48
قوله جلّ ذكره: { وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ }.
قدَّم تعريفه - صلى الله عليه وسلم - قصص الأولين على تكليفه باتباع ما أنزل الله عليه لئلا يسلك سبيل من تقدَّمه فيستوجب ما استوجبوه.
قوله جلّ ذكره: { فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم }.
لا تتملكك مودَّةُ قريبٍ أو حميمٍ، واعتنِقْ ملازمةَ أمرِ الله - تبارك وتعالى - بترك كل نصيبٍ لك.
ثم قال: { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً } يعني طريقةً وسُنَّة؛ أي أفردنا كلَّ واحدٍ منكم - معاشِرَ الأنبياء - بطريقة، وأمَّا أنت فلا يدانيك في طريقتك أحد، وأنت المقدَّمُ على الكافة، والمُفَضَّلُ على الجملة، ولو شاء الله لَسَوَّى مراتَبَكم، ولكن غاير بينكم ابتلاء، وفَضَّلَ بعضكم على بعض امتحاناً.
قوله جلّ ذكره: { فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }.
مسارعة كل أحدٍ على ما يليق بوقته؛ فالعابدون تقدمهم من حيث الأوراد، والعارفون همتهم من حيث المواجد.
ويقال استباق الزاهدين برفض الدنيا، واستباق العابدين بقَطْعِ الهوى، واستباق العارفين بنفي المُنى، واستباق الموحدين بترك الورى، ونسيان الدنيا والعُقبى.
المائدة 5:49
قوله جلّ ذكره: { وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ }.
قُمْ بالله فيما تحكم بينهم، وأقِمْ حقوقه فيما تؤخر وتقدم، ولا تلاحظ الأغيار فيما (تُؤثِر) أو تَذَر، فإن الكلَّ محوٌ في التحقيق.
قوله جلّ ذكره: { فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ }.
يعني (عِظهم) بلسان العلم فإنْ أبَوْا قبولاً فشاهِدْهم بعين الحكم. ويقال: أشْدُدْ عليهم باعتناق لوازم التكليف، فإن أعرضوا فعاينهم بعين التصريف؛ فإنَّ الحقِّ - سبحانه - بشرط التكليف يلزمهم؛ وبحكم التصريف يؤخرهم ويقدمهم، فالتكليف فيما أوجب، والتصريف فيما أوجد، والعبرة بالإِيجاد والإيجاب.
المائدة 5:50
أيعودون في ظلمة الحجاب ووحشة الالتباس بعد ما سطع فَجْرُ العرفان، وطلعت شموسُ التحقيق، وانهتكت أستارُ الريب؟
ويقال أيطلبون منك أن تحيدَ عن المحبة المثلى، وقد اتضحت لك البراهين وتجلَّى اليقين؟
ويقال أيطمعون في استتار الحقائق في السرائر وقد تجلت شموس اليقين؟
ويقال أتحسبون أن (....) ظلمة الشك لها سلطان، وقد متَتَعَ نهارُ الحقائق؟.... كلاَّ، فإن ذلك محال.
المائدة 5:51
لا تجنحوا إلى الموالاة مع أعدائه - سبحانه - إيثاراً للسكون إلى الحظ، أو احتشاماً من القيام للحق، أو ركوناً إلى قرابة نَسَبٍ، أو استحقاقاً لمودة حميم، أو تهيباً من استيحاش صديق. بل صمموا عقودكم على التبرِّي منهم بكل وجه فهم بعضهم أولياء بعض، والضدية بينكم وبينهم قائمة إلى الدين. { وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ } التحق بهم، وانخرط في سِلكهم، وعُدَّ في جملتهم.
المائدة 5:52
يعني إن الذين سقمت ضمائرهم، وضعفت في التحقيق بصائرهم تسبق إلى قلوبهم مداراة الأعداء خوفاً من معاداتهم، و طمعاً في المأمول من صحبتهم، ولو استيقنوا أنهم في أسر العجز وذل الإعراض ونفي الطرد لأَملَّوا الموعود من كفاية الحق، والمعهود من جميل رعايته، ولكنهم حُجِبُوا عن محل التوحيد؛ فتفرَّقوا في أودية الحسبان والظنون، وعن قريبٍ يأتيكم الفَرَجُ - أيها المؤمنون، وتُرْزَقُون الفتحَ بحسن الإقبال، والظفر بالمسؤول لسابق الاختيار، فيشعرون الندم، ويقاسون الألم، وأنتم (تعلون) رؤوسكم بعد الإطراق، وتصفوا لكم مَشارِب الإكرام، وتضيء بزواهر القرب مَشَارِقُ القلوب. حينئذٍ يقول الذين آمنوا هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم يعاينون بأبصارهم ما تحققوه بالغيب في أسرارهم، ويَصِلُون من موعودهم إلى ما يوفي ويربو على مقصودهم.
المائدة 5:53
يعني إن الذين سقمت ضمائرهم، وضعفت في التحقيق بصائرهم تسبق إلى قلوبهم مداراة الأعداء خوفاً من معاداتهم، و طمعاً في المأمول من صحبتهم، ولو استيقنوا أنهم في أسر العجز وذل الإعراض ونفي الطرد لأَملَّوا الموعود من كفاية الحق، والمعهود من جميل رعايته، ولكنهم حُجِبُوا عن محل التوحيد؛ فتفرَّقوا في أودية الحسبان والظنون، وعن قريبٍ يأتيكم الفَرَجُ - أيها المؤمنون، وتُرْزَقُون الفتحَ بحسن الإقبال، والظفر بالمسؤول لسابق الاختيار، فيشعرون الندم، ويقاسون الألم، وأنتم (تعلون) رؤوسكم بعد الإطراق، وتصفوا لكم مَشارِب الإكرام، وتضيء بزواهر القرب مَشَارِقُ القلوب. حينئذٍ يقول الذين آمنوا هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم يعاينون بأبصارهم ما تحققوه بالغيب في أسرارهم، ويَصِلُون من موعودهم إلى ما يوفي ويربو على مقصودهم.
المائدة 5:54
قوله جلّ ذكره: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ }.
جعل صفة من لا يرتدُّ عن الدين أن اللهَ يحبه ويحبُّ الله، وفي ذلك بشارة عظيمة للمؤمنين لأنه يجب أن يُعْلَمَ أن من كان غير مرتد فإنَّ الله يحبه. وفي إشارة دقيقة فإن من كان مؤمناً يجب أن يكون لله محباً، فإذا لم تكن له محبة فالخطر بصحة إيمانه. وفي الآية دليل على جواز محبة العبد لله وجواز محبة الله للعبد.
ومحبة الحق للعبد لا تخرج عن وجوه: إمَّا أن تكون بمعنى الرحمة عليه أو بمعنى اللطف والإحسان إليه، والمدح والثناء عليه.
أو يقال إنها بمعنى إرادته لتقريبه وتخصيص محله.
وكما أن رحمته إرادته لإنعامه فمحبته إرادته لإكرامه، والفرق بين المحبة والرحمة على هذا القول أن المحبة إرادة إنعامٍ مخصوصٍ، والرحمة إرادة كل نعمة فتكون المحبةُ أخصَّ من الرحمة، واللفظان يعودان إلى معنًى واحد فإن إرادة الله تعالى واحدة وبها يريد سائر مراداته، وتختلف أسماء الإرادة باختلاف أوصاف المتعلق.
وأمَّا محبة العبد لله - سبحانه - فهي حالة لطيفة يجدها في قلبه، وتحمله تلك الحالة على إيثارِ موافقة أمره، وتَرْكِ حظوظ نفسه، وإيثارِ حقوقه - سبحانه - بكل وجه.
وتحصل العبارة عن تلك الحالة على قدر ما تكون صفة العبد في الوقت الذي يعبَّر عنه؛ فيقال المحبة ارتياح القلب لوجود المحبوب، ويقال المحبة ذهاب المُحِبِّ بالكلية في ذكر المحبوب، ويقال المحبة خلوص المحب لمحبوبه بكل وجه، والمحبة بلاء كل كريم، والمحبة نتيجة الهمة فمن كانت همته أعلى فمحبته أصفى بل أوفى بل أعلى.
ويقال المحبة سُكْرٌ لا صحوَ فيه ودَهَشٌ في لقاء المحبوب يوجِب التعطُّلَ عن التمييز، ويقال المحبة بلاء لا يُرْجَى شفاؤه، وسقام لا يعرف دواؤه. ويقال المحبة غريمٌ يلازمك لا يبرح، ورقيبٌ من المحبوب يستوفي له منك دقائقَ الحقوق في دوام الأحوال، ويقال المحبة قضية توجب المحبة؛ فمحبة الحق أوجبت محبة العبد.
قوله جلّ ذكره: { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }.
لولا أنه يحبهم لما أحبهم، ولولا أنه أخبر عن المحبة فأنَّى تكون للطينة ذِكْرُ المحبة؟ ثم بيَّن الله تعالى صفة المحبين فقال: { أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ }. يبذلون المُهَجَ في المحبوب من غير كراهة، ويبذلون الأرواح في الذَبِّ عن المحبوب من غير ادخار شظية من الميسور.
ثم قال تعالى في صفتهم: { يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي يجاهدون بنفوسهم من حيث استدامة الطاعة، ويجاهدون بقلوبهم بقطع المنى والمطالبات، ويجاهدون بأرواحهم بحذف العلاقات، ويجاهدون بأسرارهم بالاستقامة على الشهود في دوام الأوقات.
ثم قال: { وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ } أي لا يلاحظون نُصْحَ حميم، ولا يركنون إلى استقلال حكم، ولا يجنحون إلى حظ ونصيب، ولا يزيغون عن سَنَنِ الوفاء بحالٍ.
ثم بيَّن - سبحانه - أن جميع ذلك إليه لا منهم فقال: و { ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } متفضِّلٌ عليم بِمَنْ يَخُصَّ بذلك من عبيده.
المائدة 5:55
الولي أي الناصر، ولا موالاة بين المؤمنين وبين أعداء الحق - سبحانه - فأعداء الحقِّ هم أعداء الدِّين.
و " إنما " حرفٌ يقتضي أن ما عداه بخلافه، وأعدى عدوِّك نَفْسُكَ - كما في الخبر - ومَنْ عادى نَفْسَه لم يخرج بالمخاصمة عنها مع الخلْق وبالمعارضة فيها مع الحق.
المائدة 5:56
الفائزون على حظوظهم الذين هم خصم لِلحقِّ على أنفسهم لا خصم لأنفسهم على مولاهم، والغلبة بالحُجَّةِ والبرهان دون اليد.
ويقال من قام لله بصدق انخنس دونه كلُّ مُبْطِل. ويقال إذا طلعت أنوار الحق أدبر ليل أهل الباطل.
المائدة 5:57
نَبَّهَهُم على وجوب التحيز عنهم والتميز منهم، فإن المخالف في العقيدة لا يكون موافقاً في الحقيقة.
ويقال: أَمَرَهم بأن يلاحظوهم بعين الاستصغار كما لاحظوا دين المسلمين بعين الاستحقار.
المائدة 5:58
الأَذانُ دعاءٌ إلى محلِّ النجوى، فَمَنْ تحقَّقَ بعلوِّ المحلِّ فسماعُ الأذانِ يوجب له روْحَ القلب واسترواح الروح، ومن كان محجوباً عن حقيقة الحال لاحَظَ ذلك بعين اللعب وأدركه بسمع الاستهزاء، وذلك حكمُ الله: غايَرَ بين عباده على ما يشاء.
المائدة 5:59
ما لنا عندكم عيبٌ إلا أننا تحققنا أننا محو في الله وأنَّ الكائنات حاصلة بالله ولا نتقفى أثراً سوى لله في الله، وهذا - واللهِ - عيبٌ زائلٌ، ونقصٌ ليس له - في التحقيق - حاصل.
المائدة 5:60
يعني أخسُّ من المذكورين قَدْراً، وأقل منهم خطراً من سقط عن عين الله فأذلَّة، وأبعده عن نعت التخصيص فأضلَّه، ومنعه عن وصف التقريب وأبعده، وحجبه عن شهود الحقيقة وطرده.
المائدة 5:61
أظهروا الصدق، وفي التحقيق نافقوا، وافتضحوا من حيث أوهموا ولبَّسُوا؛ فلا حالُهم بقيت مستورة، ولا أسرارهم كانت عند الله مكبوتة، وهذا نعتُ كل مبطل. وعند أرباب الحقائق أحوالهم ظاهرة في أنوار فراستهم.
المائدة 5:62
تَملكتْهُم الأطماعُ فاستهوتهم في متاهات العناء، وذلك نعت كل (طالع) في غير مطمع؛ ذُلٌّ حاضر، وصَغَارٌ مستولٍ.
المائدة 5:63
الربانيُّ من كان لله وبالله؛ لم تبق منه بقية لغير الله.
ويقال الربّانيُّ الذي ارتقى عن الحدود.
والربانيُّ مَنْ توقَّى الآفات ثم ترقَّى إلى الساحات، ثم تلَّقى ما كوشِفَ به من زوائد القربات، فخلا عن نفسه، وصفا عن وصفه، وقام لِرَبِّه وبربِّه.
وقد جعل الله الربانيين تالين للأنبياء الذين هم أولو الدِّين، فهم خلفاءٌ ينهون الخلْقَ بممارسة أحوالهم أكثر مما ينهونهم بأقوالهم، فإِنهم إذا أشاروا إلى الله حقق الله ما يُؤمِنُون إليه، وتحقق ما علقوا هممهم به.
المائدة 5:64
صغَّر سوء قالة الموحِّدين - في اغتياب بعضهم لبعض بعد ما كانوا بالتوحيد قائلين وبالشهادة ناطقين - بالإضافة إلى ما قاله الكفار من سوء القول في الله؛ يعني أنهم وإن أساءوا قولاً فلقد كان أسوأ قولاً منهم مَنْ نَسبَنَا إلى ما نحن عنه مُنَزَّهٌ، وأَطلق في وصفنا ما نحن عنه مُقدَّسٌ.
ثم إن الحق - سبحانه قال: { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ } فلا ريح الصدق يشمون، ولا نَفَساً من الحقِّ يجدون.
ثم أثنى على نفسه فقال: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } أي بل قدرته بالغة ومشيئته نافذة، ونعمته سابغة وإرادته ماضية.
ويقال { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } أي يرفع ويضع، وينفع ويدفع، ولا يخلو أحدٌ عن نِعَمِ النفع وإن خلا عن نعم الدفع.
المائدة 5:65
إنما وعدهم الغفرانَ بشرط التقوى. ودليل الخطاب يقتضي أنه لا يغفر لمن لا يتق منهم.
وقال لظالمي هذه الأمة:{ ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ } [فاطر: 32] ثم قال في آخر الآية:{ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا } [فاطر: 33] أي أهل التقوى لأنه أهل المغفرة، فإِنْ تركتم التقوى فهو أهلٌ لأن يغفر.
ويقال لو أنهم راعوا أمرنا أصلحنا لهم أمرهم، ولكنهم وَقَفُوا فوُقِفُوا.
المائدة 5:66
قوله جلّ ذكره: { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم }.
أي لو سلكوا سبيلَ الطاعة لوسَّعنا عليهم أسباب المعيشة وسهَّلنا لهم الحال حتى إن ضربوا بيمينٍ ما لقوا غيرَ اليُمْن، وإِنْ ذهبوا بعسْرةً ما وجدوا إلا اليُسْر.
قوله جلّ ذكره: { مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ }.
المقتصد الواقف على حدِّ الأمر؛ لا يُقَصِّر فيُنْقِص، ولا يجاوزُ فيزيد.
ويقال المقتصدُ الذي تساوى في هِمَّتِه الفقدُ والوجودُ في الحادثات.
المائدة 5:67
قوله جلّ ذكره: { يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ }.
لا تكتم شيئاً مما أوحينا إليك مُلاَحَظَةً لِغَيْرٍ، إذ لا غير - في التحقيق - إلا رسوم موضعة، وأحكام القدرة عليها جارية.
ويقال بَيِّنْ للكافة أنك سيِّدُ ولد آدم، وأنَّ آدم دون لوائك.
ويقال بلِّغْ ما أُنْزِلَ إليك أنِّي أغفر للعصاة ولا أبالي، وأردُّ مِنَ المطيعين مَنْ شِئْتُ ولا أُبالي.
قوله جلّ ذكره: { وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ }.
يحفظ ظاهرك من أن يَمَسَّكَ أذاهم، فلا يتسلط بعد هذا عليك عدوٌّ، أو يصون سِرَّك عنهم حتى لا يقع احتشامٌ منهم.
ويقال يعصمك من الناس حتى لا تغرق في بحر التوهم؛ بل تشاهدهم كما هُمْ؛ وجوداً بين طرفي العَدَم.
المائدة 5:68
أي ليس انتعاشكم ولا نظام معاشكم، ولا قَدْركم في الدنيا والعُقبى، ولا مقداركم ولا منزلكم في حال من حالاتكم إلا بمراعاة الأمر والنهي، والمحافظةِ على أحكام الشرع.
المائدة 5:69
بَيَّنَ أنهم - وإنْ تجنَّسَتْ أحوالهم - فبعدما تجمعهم أصولُ التوحيد فلهم الأمانُ من الوعيد، والفوزُ بالمزيد.
المائدة 5:70
داروا مع الهوى فوقعوا في البلاء. ومِنْ أمارات الشقاء الإصرارُ على متابعة الهوى، وحسبوا ألا تكون فتنة، فعموا وصموا. واغتروا بطول الإمهال فأصروا على قبيح الأعمال، فلما أَخَذَتْهم فجاءةُ الانتقام لم ينفعهم الندم، وبَرَّحَ بهم الألم.
المائدة 5:71
داروا مع الهوى فوقعوا في البلاء. ومِنْ أمارات الشقاء الإصرارُ على متابعة الهوى، وحسبوا ألا تكون فتنة، فعموا وصموا. واغتروا بطول الإمهال فأصروا على قبيح الأعمال، فلما أَخَذَتْهم فجاءةُ الانتقام لم ينفعهم الندم، وبَرَّحَ بهم الألم.
المائدة 5:72
سَقِمَتْ بصائرهم والتبست عليهم أمارات الحدوث، فخَلَطُوا في عقائدهم استحقاقَ أوصافِ القِدَمِ بنعوت الحدوث!.
المائدة 5:73
بلغ الخذلانُ بهم حداً أَنْ كابروا الضرورة فحكموا للواحد بأنه ثلاثة، ولا يخفى فسادٌ هذا على مجنونٍ.. فكيف على عاقل؟!
قوله: { أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لم يُغْلِقُ بابَ التوبة عليهم - مع قبيح أقوالهم، وفساد عقائدهم - تضعيفاً لآمال المؤمنين بخصائص رحمته.
المائدة 5:74
بلغ الخذلانُ بهم حداً أَنْ كابروا الضرورة فحكموا للواحد بأنه ثلاثة، ولا يخفى فسادٌ هذا على مجنونٍ.. فكيف على عاقل؟!
قوله: { أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لم يُغْلِقُ بابَ التوبة عليهم - مع قبيح أقوالهم، وفساد عقائدهم - تضعيفاً لآمال المؤمنين بخصائص رحمته.
المائدة 5:75
مَنْ اشتملت عليه الأرحامُ، وتناوبته الآثار المتعاقبة أنَّى يليق بوصف الإلهية؟
ثم مَنْ مَسَّتْه الحاجةُ حتى اتصف بالأكل وأصابته الضرورةُ إلى أن يَخْلُصَ من بقايا الطعام فَأَنَّى يليق به استيجابُ العبادة والتسميةُ بالإلهية؟
انظر - يا محمد - كيف نزيد في إيضاح الحجة وكيف تلبَّس عليهم سلوكُ المحجة؟
المائدة 5:76
تعليقُ القلوب - بدون الرب - في استدفاع الشر واستجلاب الخير تمحيق للوقت فيما لا يُجْدِي، وإذهابٌ للعمر فيما لا يُغْني؛ إذ المتفردُ بالإيجاد بريءٌ عن الأنداد.
المائدة 5:77
التعمقُ في الباطل قطعٌ لآمال الرجوع؛ فكلما كان بُعْدُ المسافةِ مِنَ الحقِّ أتمَّ كان اليأسُ من الرجعةِ أوجبَ، ومُتَّبعُ الضلالة شرٌّ مِنْ مبتدِعها؛ لأن المبتدعَ يبني والمُتَّبع يُتِمُّ البناء، ومنْ به كمالُ الشرِّ شرُّ ممن منه ابتداءُ الشر.
المائدة 5:78
أَمَر الأنبياء - عليهم السلام - حتى ذكروا الكفار بالسوء، وأمَّا الأولياء فخصَّهم بذكر نفسه فقال:{ هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ } [الأحزاب: 43] فلعنةُ الكفار بلسان الأنبياء، وذِكْرُ المؤمنين بالجميل بلسان الحقِّ - سبحانه، ولو كان ذلك ذِكْراً بالسوء لكان فيه استحقاقُ فضيلةٍ، فكيف وهو ذكرٌ بالجميل!؟ ولقد قال قائلهم:لئن ساءني أَنْ تَلْقَني بمساءةٍ فقد سرَّني أَني خَطَرْتُ ببالِكا
المائدة 5:79
الرضاءُ بمخالفة أمر الحبيب مُوَافَقَةٌ للمخالف، ولا أَنْفَةَ بعد تميز الخلاف. والسكوتُ عن جفاءٍ تُعامَلْ به كَرَمٌ، والاغضاءُ عما يُقَال في محبوبك دناءةٌ.
المائدة 5:80
شرُّ خِصال اللئام مطابقةُ مَنْ يضاد الصديق، فإذا كان سخط الله في موالاة أعدائه فرحمته - سبحانه - في معاداة أعدائه.
المائدة 5:81
صَرَّحَ بأنَّ مُوَافِقَ مَنْ نَاوَءَكَ آثَرَ التباعدَ عنك؛ إذ لو كانت بينكما شَعْرَةٌ غيرُ مُنْقَطِعَةٍ لأخلصت في موالاته، وأخلصَ في مصافاتك.
المائدة 5:82
بَيَّنَ أَنَّ صفة العداوة وإن كانت تجمعهم فمعاداةُ بعضهم تزيد على بعض، وبقدر ما للنصارى من التَّرهُّب أثر فيهم بالمقاربة من أهل الحق؛ فإنهم وإن لم ينتفعوا بهم من حيث الخلاص فقد ذكرهم الله سبحانه - بمقاربة أهل الاختصاص.
المائدة 5:83
هذه صفة من نظر إليه الحق نظر القبول، فإذا قَرَعَتْ سَمْعَهُم دعوةُ الحقِّ ابتسمت البصيرة في قلوبهم، فسكنوا إلى المسموع لما وجدوا من التحقيق.
المائدة 5:84
وأي عذر لنا في التعريج في أوطان الارتياب، وقد تجلَّت لقلوبنا الحجج؟ ثم ما نؤمله من حُسْنِ العاقبة.. متى بدونه يمكن أن نطلبه؟.
المائدة 5:85
لمَّا صَدَقَتْ آمالهم قابلها بالتحقيق، سُنَّةً منه - سبحانه - ألا يخيب راجيه، ولا يرد مؤمليه، وإنما علَّق الثواب على قولِ القلب الذي هو شهادةٌ عن شهوده، فأمّا النظر المنفردُ عن البصيرةِ فلا ثوابَ عليه ولا إيجاب.
المائدة 5:86
(هذا) أثر الإعراض عن الأعداء في مقابلة أثر الإقبال على الأولياء معجَّلاً ومؤجلاً.
المائدة 5:87
من أمارات السعادة الوقوفُ على حد الأمر؛ إنْ أَبَاحَ الحقُّ شيئاً قَبِلَه، وقابله بالخشوع، وإنْ خَطَرَ شيئاً وقف ولم يتعرض للجحود.
ومما أباحه من الطيبات الاسترواح إلى نسيم القرب في أوطان الخلوة، وتحريم ذلك: إنْ اسْتَبدَلَ تلك الحالة بالخلطة دون العزلة؛ والعِشْرَةِ دون الخلوة، وذلك هو العدوان العظيم والخسران المبين.
المائدة 5:88
الحلال الصَّافي بأن يأكلَ العبدُ ما يأكلُ على شهوده - سبحانه - فإنْ نَزَلَتْ الحالةُ عن هذا فَعَلَى ذِكْرِ - سبحانه - فإنَّ الأكلَ على الغفلة حرامٌ في شريعة الإرادة.
المائدة 5:89
الإشارة منه إلى وقتٍ يغلب على قلبك التعطشُ إلى شيء من إقباله أو وصاله، فَتُقْسِمُ عليه بجماله أو جلاله أن يرزقَك شظيةً من إقباله، فكذلك في شريعة الرضا نوعٌ من اليمين، فيعفو عنك رحمةً عليك لضعف حالك. والأوْلى الذوبان والخمود بحسن الرضا تحت ما يُجْرِي عليكَ من أحكامه في الردِّ والصد، وأن تؤثِرَ استقامتَك في أداء حقوقه على إكرامك بحسن تقريبه وإقباله، كما قال قائلهم:أُريدُ وِصالَه ويريد هجري فأتركُ ما أريد لما يريد
ومِنَ اللغْوِ في اليمين - عندهم - ما يجري على لسانهم في حال غلبات الوجْد من تجريد العهد وتأكيد العقد، فيقول:
وحقِّك ما نظرتُ إلى سواكا، ولا قُلْت بغيرك.. ولا حُلْتُ عن عهدك، وأمثال هذا...
وكلُّه في حكم التوحيد لغو، وعن شهود عهد الأحدية سهوٌ... ومَنْ أنتَ في الرِّفعةِ حتى تَعْدِمَ نَفْسَكَ؟ وأين في الدار ديَّار حتى تقول بتركه أو تتحقق بوصله أو هجره؟ كلا... بل هو الله الواحد القهار.
وكما أن الكفَّارة الشرعيةَ إمَّا عِتْق أو إطعامٌ وإما كسوةٌ فإن لم تستطع فصيام ثلاثة أيام: فكفَّارتهم - على موجب الإشارة - إمّا بذل الروح بحكم الوَجْدِ، أو بذل القلب بصحة القصد، أو بذل النفس بدوام الجهد، فإن عجزتَ فإمساكٌ وصيامٌ عن المناهي والزواجر.
المائدة 5:90
الخمر ما خامر العقول، والخمر حرام.
والإشارة فيه أنه يزيد نَفَادَ العقل بما يوجب عليه من الالتباس.
ومَنْ شَرِبَ من خمر الغفلة فسُكْرُه أصعب؛ فشرابُ الغفلةِ يوجب البعد عن الحقيقة.
وكما أن من سَكِرَ من خمر الدنيا ممنوعٌ عن الصلاةِ فمن سَكِرَ من خمر الغفلة فهو محجوبٌ عن المواصلاتِ.
وكما أنَّ مَنْ شَرِبَ من خمر الدنيا وجبَ عليه الحدُّ فكذلك من شَرِبَ شرابَ الغفلة فعليه الحَدُّ إذ يُضْرَبُ بسياط الخوف.
وكما أنَّ السكرانَ لا يُقامُ عليه الحدُّ ما لم يُفِقْ فالغافل لا ينجح فيه الوعظُ ما لم ينته.
وكما أن مفتاحَ الكبائر شربُ الخمر (فالغفلة)، أصلُ كلِّ زَلَّة، وسببُ كلِّ ذِلَّة وبدءُ كل بُعْد وحجبة عن الله تعالى.
ويقال لم يحرم عليه الشرابَ في الدنيا إلا وأباح له شرابَ القلوب؛ فشراب الكبائر محظور وشراب الاستئناس مبذول، وعلى حسب المواجد حظى القوم بالشراب، وحيثما كان الشرابُ كان السكْر، وفي معناه أنشدوا:فما ملَّ ساقيها وما ملَّ شارب عقار لحاظ كأسه يسكر اللُّبَّا
فصحوك من لفظي هو الوصل كله وسكرك من لحظي يبيح لك الشربا
وحُرِّم الميسر في الشرع، وفي شريعة الحب القوم مقهورون؛ فمن حيث الإشارة أبدانهم مطروحة في شوارع التقدير، يطؤها كل عابر سبيل من الصادرين من عين المقادير، وأرواحهم مستباحة بحكم القهر، عليها خرجت القُرْعةُ من (....)، قال تعالى{ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ } [الصافات: 141].
المائدة 5:91
طال بُعْدُهم عن الحقيقة فقاسوا الهوان في مطارح الغربة، وصاروا سخرة للشيطان؛ فبقوا عن الصلاة التي هي محل النجوى وكمال الراحة، وفَسَدَتْ ذاتُ بَيْنِهِم بما تولد من الشحناء والبغضاء.
المائدة 5:92
كما كان العبد أعرفَ بربه كان أخوفَ من ربه، وإنما ينتفي الحذر عن العبد عند تحقيق الموعد بقوله:{ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ } [الأنعام: 82] وذلك عند دخول الجنة. وحقيقةُ الحذر نهوضُ القلب بدوام الاستغاثة مع مجاري الأنفاس.
المائدة 5:93
من حافظ على الأمر والنهي فليس للقمة يتناولها من الخطر ما يُضَايَق فيها، وإنما المقصود من العبد التأدبُ بصحبة طريقه سبحانه، فإذا اتَّقى الشِرْكَ تعَرّف، ثم اتقى الحرامَ فما تصرّف، ثم اتقى الشحَّ فآثر وما أسرف.
وقوله { ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ } يعني اتقوا المنع وأحسنوا للخلْق - وهذا للعموم. ثم اتقوا شهود الخلْق؛ فأحسنُ الشهودِ الحقُّ، والإحسانُ أَنْ تعبد الله كأنك تراه - وهذا للخواص.
والله يحب المحسنين أعمالاً والمحسنين (آمالاً) والمحسنين أحوالاً.
المائدة 5:94
أباح الصيد لمن كان حَلاَلاً، وحرَّم الصيد على المُحْرِم الذي قَصْدهُ زيارة البيت. والإشارة فيه أن من قصد بيتنا فينبغي أن يكون الصيد منه في الأمان، لا يتأذى منه حيوان بحال، لذا قالوا: البَرُّ مَنْ لا يؤذي الذر ولا يُضْمِر الشر.
ويقال الإشارة في هذا أَنْ مَنْ قصَدَنا فعليه نَبْذُ الأطماعِ جملةً، ولا ينبغي أن تكون له مطالبة بحالٍ من الأحوال.
وكما أنَّ الصيدَ على المُحْرِم حرامٌ إلى أن يتحلل فكذلك الطلب والطمع والاختيار - على الواجِد - حرامٌ ما دام مُحْرِمًا بقلبه.
ويقال العارفُ صيدُ الحق، ولا يكون للصيد صيد.
وإذا قَتَلَ المُحرِمُ الصيدَ فعليه الكفَّارة، وإذا لاحظ العارفُ الأغيارَ، أو طمع أو رغب في شيءٍ أو اختار لَزِمَتْه الكفَّارة، ولكن لا يُكْتَفى منه بجزاء المثل، ولا بأضعاف أمثال ما تصرَّف فيه أو طمع، ولكن كفَّارته تجرده - على الحقيقة - عن كل غير، قليلٍ أو كثير، صغير أو كبير.
المائدة 5:95
أباح الصيد لمن كان حَلاَلاً، وحرَّم الصيد على المُحْرِم الذي قَصْدهُ زيارة البيت. والإشارة فيه أن من قصد بيتنا فينبغي أن يكون الصيد منه في الأمان، لا يتأذى منه حيوان بحال، لذا قالوا: البَرُّ مَنْ لا يؤذي الذر ولا يُضْمِر الشر.
ويقال الإشارة في هذا أَنْ مَنْ قصَدَنا فعليه نَبْذُ الأطماعِ جملةً، ولا ينبغي أن تكون له مطالبة بحالٍ من الأحوال.
وكما أنَّ الصيدَ على المُحْرِم حرامٌ إلى أن يتحلل فكذلك الطلب والطمع والاختيار - على الواجِد - حرامٌ ما دام مُحْرِمًا بقلبه.
ويقال العارفُ صيدُ الحق، ولا يكون للصيد صيد.
وإذا قَتَلَ المُحرِمُ الصيدَ فعليه الكفَّارة، وإذا لاحظ العارفُ الأغيارَ، أو طمع أو رغب في شيءٍ أو اختار لَزِمَتْه الكفَّارة، ولكن لا يُكْتَفى منه بجزاء المثل، ولا بأضعاف أمثال ما تصرَّف فيه أو طمع، ولكن كفَّارته تجرده - على الحقيقة - عن كل غير، قليلٍ أو كثير، صغير أو كبير.
المائدة 5:96
حُكْمُ البحرِ خِلافُ حُكْم البر. وإذا غرق العبدُ في بحار الحقائق سَقَطَ حكمه، فصيد البحر مباح له لأنه إذا غرق صار محواً، فما إليه ليس به ولا منه إذ هو محوٌ، واللهُ غالِبٌ على أمره.
المائدة 5:97
حَكَمَ الله سبحانه - بأن يكون بيتُه - اليومَ ملجأ يلوذ به كل مُؤمِّل، ويستقيم ببركات زيارته كلُّ مائلٍ عن نهج الاستقامة، ويستنجح بابتهاله هنالك كلُّ ذي أَرَبٍ.
والبيتُ حَجَرٌ والعبد مَدَرٌ، والحق سبحانه ربط المدر بالحجر ليُعْلَمَ أنه الذي لم يَزَلْ لا سبيل إليه للحدثان والغير.
المائدة 5:98
شديد العقاب للأعداء، غفور رحيم للأولياء.
ويقال شديد العقاب للخواص بتعجيل الحجاب إنْ زاغُوا عن الشهود لحظةً، غفور رحيم للعوام إن رجعوا إليه بتوبة وحسرة.
المائدة 5:99
المتفرِّدُ بالإلهية اللهُ. والرسولُ - وإنْ جلَّ قَدْرُه - فليس عليه إلا البلاغ وهو أيضاً (بتسييره).
قوله: { قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ }: الخبيث ما اكتسبه الغافل عن الله تعالى في حالة اكتسابه، والطيب ما اكتسبه على شهود الحق.
ويقال الخبيث ما لم يُخْرَجْ منه حقُّ الله تعالى، والطيب ما أُخْرجَ منه حقه - سبحانه. ويقال الخبيث ما ادخرتَه لنفسك، والطيب ما قدَّمتَه لأمره.
المائدة 5:100
المتفرِّدُ بالإلهية اللهُ. والرسولُ - وإنْ جلَّ قَدْرُه - فليس عليه إلا البلاغ وهو أيضاً (بتسييره).
قوله: { قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ }: الخبيث ما اكتسبه الغافل عن الله تعالى في حالة اكتسابه، والطيب ما اكتسبه على شهود الحق.
ويقال الخبيث ما لم يُخْرَجْ منه حقُّ الله تعالى، والطيب ما أُخْرجَ منه حقه - سبحانه. ويقال الخبيث ما ادخرتَه لنفسك، والطيب ما قدَّمتَه لأمره.
المائدة 5:101
إذا أسبل عليكم ستر اللطف فلا تتعرضوا لعلم أُخْفِيَ عنكم، فيتنغَص (بالتجـ...) - عليكم - عَيْشُكم.
ويقال لا تتعرضوا للوقوف على محل الأكابر - حيث لا تستوجبون ذلك - فيسوءكم تقاصرُ رتبتك.
ويقال إذا بدا من الإعراض علم فاطلبوا له عندكم وجهاً من التفال ولا تطلبوا أسرار الباري، واركنوا إلى روْح المنى في استدفاع ما ظلكم ولا تبحثوا عن سر ذلك وراعوا الأمر مجملاً.
المائدة 5:102
يعني توهَّم قوم أنهم محرورون عن التأثر فيما يصادفهم في فجاءة التقدير، وذلك منهم ظَنٌّ، كما يقول بعضهم:تبيَّن يومَ البيْن أنَّ اعتزامَه على الصبر من إحدى الظنون الكواذب
المائدة 5:103
هذه أحكامٌ ابتدعوها، فردَّهم الحقُّ - سبحانه - عن الابتداع، وأمَرهم بحسن الاتِّباع، وأخبر أنَّ ما صدر من عاداتهم لا يُعَدُّ من جملة عبادتهم.
المائدة 5:104
إذا هتفت بهم دواعي الحقِّ بالجنوح إلى وصف الصدق صَدَّهم عن الإجابة ما مرنوا عليه من سهولة التقليد، وإن أسلافهم الذين وافقوهم لم يكونوا إلاَّ في ضلال.
المائدة 5:105
يكفي للفقير أن يمشيَ وقد جُبِرَ بعضُ كَسْرِه، فأمَّا إذا ادَّعى التقدم أو الطمع في إنجادِ منْ سواه فمحال من الحدث والظن.
ويقال من يفرغ إلى غيره يتشاغل عن نفسه، ومن اشتغل بنفسه لم يتفرَّغ إلى غيره.
المائدة 5:106
حكم هذه الآية كان ثابتاً في الشرع ونُسخ، وفي بيان التفسير تفصيلُه.
والنسخُ هو الإزالة، وذلك جائزٌ في العبادات.
ومعنى النسخ يوجد في سلوك المريدين؛ فهم في الابتداء فَرْضُهم القيام بالظواهر من حيث المجاهدات، فإذا لاح لهم من أحوال القلوب شيء آلت أحوالهم إلى مراعاة القلوب فتسقط عنهم أوراد الظاهر، فهو كالنسخ من حيث الصورة.
قال تعالى:{ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } [البقرة: 106]. واتصافهم بمراعاة القلوب أتمُّ بتأديبهم بأحكام المعاملات.
المائدة 5:107
حكم هذه الآية كان ثابتاً في الشرع ونُسخ، وفي بيان التفسير تفصيلُه.
والنسخُ هو الإزالة، وذلك جائزٌ في العبادات.
ومعنى النسخ يوجد في سلوك المريدين؛ فهم في الابتداء فَرْضُهم القيام بالظواهر من حيث المجاهدات، فإذا لاح لهم من أحوال القلوب شيء آلت أحوالهم إلى مراعاة القلوب فتسقط عنهم أوراد الظاهر، فهو كالنسخ من حيث الصورة.
قال تعالى:{ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } [البقرة: 106]. واتصافهم بمراعاة القلوب أتمُّ بتأديبهم بأحكام المعاملات.
المائدة 5:108
حكم هذه الآية كان ثابتاً في الشرع ونُسخ، وفي بيان التفسير تفصيلُه.
والنسخُ هو الإزالة، وذلك جائزٌ في العبادات.
ومعنى النسخ يوجد في سلوك المريدين؛ فهم في الابتداء فَرْضُهم القيام بالظواهر من حيث المجاهدات، فإذا لاح لهم من أحوال القلوب شيء آلت أحوالهم إلى مراعاة القلوب فتسقط عنهم أوراد الظاهر، فهو كالنسخ من حيث الصورة.
قال تعالى:{ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } [البقرة: 106]. واتصافهم بمراعاة القلوب أتمُّ بتأديبهم بأحكام المعاملات.
المائدة 5:109
يكاشفهم بنعت الجلال فتنخنس فهومُهم وعلومُهم حتى ينطقوا بالبراءة عن التحقيق ويقولون: { لاَ عِلْمَ لَنَآ } ، وهكذا تكون الحالة غداً: مَنْ قال لشيءٍ، أو مَالَ لشيءٍ مما يكون نعتاً بمخلوق فعند ظهور وابل التعزُّز تتلاشى الجملة، فالملائكة يقولون: " ما عبدناك حق عبادتك " والأنبياء يقولن: { لاَ عِلْمَ لَنَآ }.
المائدة 5:110
التذكيرُ بوجوه النعم يستخرج خلاصة الحُب والهيمان في المذكور وكلُّ وقتٍ للأحباب يمضي يصير لهم حديثاً يتلى من بعدهم: إما عليهم وإمَّا عنهم.
المائدة 5:111
وإنما خصَّهم بالوحي إلهاماً وإكراماً لانبساط ضياء عيسى عليهم، وفي الأثر: " هُمُ القومُ لا يَشْقَى بهم جليسُ ".
المائدة 5:112
طلبوا المائدةَ لتسكن قلوبهم بما يشاهدونه من عظيم الآية وعجيب المعجزة، فعُذِرُوا وأجيبوا إليها؛ إذ كان مرادُهم حصولَ اليقين وزيادةَ البصيرة.
ويقال كلٌ يطلب سُؤْله على حسب ضرورته وحالته، فمنهم من كان سكونه في مائدة من الطعام يجدها، ومنهم من يكون سكونه في (فائدة) من الموارد يَرِدُها، وعزيز منهم من يجد الفناء عن برهان يتأمله، أو بيان دليل يطلبه.
المائدة 5:113
طلبوا المائدةَ لتسكن قلوبهم بما يشاهدونه من عظيم الآية وعجيب المعجزة، فعُذِرُوا وأجيبوا إليها؛ إذ كان مرادُهم حصولَ اليقين وزيادةَ البصيرة.
ويقال كلٌ يطلب سُؤْله على حسب ضرورته وحالته، فمنهم من كان سكونه في مائدة من الطعام يجدها، ومنهم من يكون سكونه في (فائدة) من الموارد يَرِدُها، وعزيز منهم من يجد الفناء عن برهان يتأمله، أو بيان دليل يطلبه.
المائدة 5:114
شَتَّان بين أمة طلب لهم نبيُّهم سكوناً بإنزال المائدة عليهم، وبين أمة بدأهم - سبحانه بإنزال السكينة عليهم، من غير سؤال أحد، قال الله تعالى:{ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ } [الفتح: 4].
وقال في صفتهم:{ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً } [الأنفال: 2].
وفَرْقٌ بين مَنْ زيادةُ إيمانه بآياته التي تتلى عليهم وبين من يكون سكونهم إلى كرامات وعطايا تُبَاحُ لهم.
المائدة 5:115
أجابه إلى سؤاله لهم، ولكن توعدهم بأليم العقاب لو خالفوا بعده لِيَعْلَمَ السالكون أَنَّ المراد إذا حصل، وأَنْ الكرامة إذا تحققت - فالخطر أشدُّ والحالُ من الآفة أقربُ، وكلما كانت الرتبة أعلى كانت الآفة أخفى، ومحن الأكابر إذا حلَّت جلَّت.
المائدة 5:116
المراد من هذا السؤال إظهار براءة ساحته عما نسب إليه من الدعاء إلى القول بالتثليث، فهذا ليس خطاب تعنيف بل هو سؤال تشريف.
ثم إن عيسى - عليه السلام - حفظ أدب الخطاب فلم يُزَكِّ نَفْسَه، بل بدأ بالثناء على الحق - سبحانه - فقال: تنزيهاً لك! إنني أنزهك عما لا يليق بوصفك.
ثم قال: { مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ } أي إني إن كنت مخصوصاً مِنْ قِبَلِكَ بالرسالة - وشرط النبوة العصمة - فكيف يجوز أن أفعل ما لا يجوز لي؟
ثم إني { إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ }: كان واثقاً بأن الحقَّ - سبحانه - عليم بنزاهته من تلك القالة.
{ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي }: أي علمك محيطٌ بكل معلوم.
{ وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ } أي لا أطلع على غيبك إلا بقدر ما تُعَرِّفُني بإعلامك. { إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ } الذي لا يخرج معلوم عن علمك، ولا مقدور عن حكمك.
المائدة 5:117
ما دعوتُهم إلا لعبادتك، وما أمرتهم إلا لتوحيدك وتقديسك، وما دمت حياً فيهم كنت (....) على هذه الجملة، فلما فارقتُهم كان تصرفهم في قبضتك على مقتضى مشيئتك، فأنت أعلم بما كانوا عليه من وَصْفَي وفاقهم وخلافهم، ونِعَمَتَيْ اقتصادهم وإسرافهم.
المائدة 5:118
بيَّن أن حكم المولى في عبيده نافذ بحكم إطلاق ملكه، فقال إن تعذبهم يحسن منك تعذيبهم وكان ذلك لأنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم أي المُعِز لهم بمغفرتك لهم.
ويقال أنت العزيز الحكيم الذي لا يضركَ كُفْرُهم.
ويقال { ٱلْعَزِيزُ } القادر على الانتقام منهم فالعفو (عند) القدرة سِمَةُ الكرمِ، وعند العجز أمارةُ الذُّل.
ويقال إن تغفر لهم فإنك أعزُّ من أن تتجمل بطاعة مطيعٍ أو تنتقص بِزِلَّةِ عاصٍ. وقوله { ٱلْحَكِيمُ } ردٌّ على من قال: غفران الشّركِ ليس بصحيح في الحكمة.
المائدة 5:119
قوله جلّ ذكره: { قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً }.
مَنْ تَعَجَّل ميراثَ صدقه في دنياه من قبولٍ حصل له من الناس، أو رياسةٍ عقدت له، له أو نفع وصل إليه من جاهٍ أو مالٍ. فلا شيء له في آجله من صواب صدقه، لأن الحقَّ - سبحانه - نصّ بأنَّ يومَ القيامة ينفع فيه الصادقين صدقهم.
قوله جلّ ذكره: { رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ }.
ورضاءُ الحق - سبحانه - إثباتُ مَحَلِّ لهم، وثناؤه عليهم ومدحُه لهم، وتخصيصهم بأفضاله وفنون نواله. ورضاؤهم عن الحق - سبحانه في الآخرة وصولهم إلى مناهم؛ فهو الفوز العظيم والنجاة الكبرى.
المائدة 5:120
قوله جلّ ذكره: { للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ }.
تَمَدَّحَ لحقُّ - سبحانه - بقدرته القديمة الشاملة لجميع المقدورات، الصالحة لإيجاد المصنوعات، ولم يتجمل بإضافة غيرٍ إلى نفسه من اسمٍ أو أثرٍ، أو عينٍ أو طلل.
قوله جلّ ذكره: { وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }.
من الإبعاد والإسعاد، والصد والرد، والدفع والنفع، والقمع والمنع.
الأنعام 6:1
بدأ الله - سبحانه - بالثناء على نفسه، فحمد نفسه بثنائه الأزليّ وأخبر عن سنائه الصمدي، وعلائه الأحدي فقال: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ }.
وقوله عز وجل: { ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ }: " فالذي " إشارة و { خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ } عبارة. استقلت الأسرارُ بسماع " الذي " لتحققها بوجوده، ودوامها لشهوده، واحتاجت القلوب عند سماع " الذي " إلى سماع الصلة لأن " الذي " من الأسماء الموصولة بكوْنِ القلوب تحت ستر الغيب فقال: { خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ }.
قوله جلّ ذكره: { وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ }.
خَلَقَ ظلمةَ الليل وضياءَ النهار، ووحشةَ الكفر والشِرْك، ونور العرفان والاستبصار.
ويقال جَعَلَ الظلماتِ نصيبَ قوم لا لجُرْمٍ سَلَفَ، والنورَ نصيبَ قومٍ لا لاستحقاقٍ سبق، ولكنه حُكْمٌ به جرى قضاؤه.
ويقال جعل ظلماتِ العصيان محنةَ قومٍ، ونور العرفان نزهةَ قوم.
الأنعام 6:2
أثبت الأصل من الطين وأدعها عجائب (السير) وأظهر عليها ما لم يظهر على مخلوق، فالعِبْرَةُ بالوَصْلِ لا بالأصل؛ فالوَصْلُ قُرْبَةٌ وَالأصل تُرْبةٌ، الأصل من حيث النُّطفة والقطرة، والوصل من حيث القربة والنَّصرة.
قوله { ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ }: جعل للامتحان أجلاً، ثم جعل للامتنان أجلاً، فَأَجَلُ الامتحان في الدنيا، وأَجَلُ الامتنان في العُقبى.
ويقال ضَرَبَ للطلب أجلاً وهو وقت المهلة، ثم عقبه بأجل بعده وهو وقت الوصلة؛ فالمهلة لها مدًى ومنتهى، والوصلة بلا مدًى ولا منتهى؛ فوقتُ الوجودِ له ابتداء وهو حين تطلع شموس التوحيد ثم يتسرمد فلا غروب لها بعد الطلوع.
الأنعام 6:3
وهو الذي هو معبودُ مَنْ في السماء، مقصود مَنْ في الأرض، وهو الموجود قبل كل سماءٍ وفضاء، وظلام وضياء، وشمس وقمر، وعين وأثر، وغيْر وغَبَر.
الأنعام 6:4
أي لا يزيدهم كشفاً ولطفاً إلا قابلوهُ جحداً وكفراً، ولا يُولِيهم إقبالاً إلا قابلوه بإعراض، ولا يلقاهم بَسْطًا إلاَّ (....) بانقباض.
الأنعام 6:5
إنهم أصَرُّوا على الخلافِ مستكبرين، وعن قريب يقاسون وبالَ أمرهم، ويذوقون غِبَّ جُحْدِهم.
الأنعام 6:6
يعني مَنْ تَقَدَّمَهُم كانوا أشدَّ تمكناً في إمهالنا، وأكثرَ نصيباً - في الظاهر - من أقوالنا؛ سهَّلنا لهم أسبابَ المعاش، ووسَّعنا عليهم أبواب الانتعاش، فحين وَطَّنُوا على كواذب المنى قلوبَهم، وأدركوا من الدنيا محبوبهم ومطلوبَهم فتحنا عليهم من مكامن التقدير، وأبرزنا لهم من غوامض الأمور ما فزعوا عليه من النَّدّم، وذاقوا دونه طعم الألم. ثم أنشأنا من بعدهم قرناً آخرين، وأورثناهم مساكنهم، وأسكناهم أماكنهم، فلمَّا انخرطوا - في الغيّ - عن سلكهم، ألحقناهم في الإهلاك بهم، سُنَّةً منا في الانتقام قضيناها على أعدائنا، وعادةً في الإكرام أجريناها لأوليائنا.
الأنعام 6:7
يُخْبِرُ عن كمالِ قدرته في إبداء ما يريده بعد ما قَضَى لهم الضلالَ، فلو أشهدهم كُلَّ دليل، وأوْضَحَ لهم كل سبيل ما ازدادوا إلاّ تمادياً في الضلال والنفرة، وانهماكاً في الجهل والغيّ.
الأنعام 6:8
بيَّنَ أَنَّ العبرة بالقسمة دون الاعتبار بالحجة، وما يغني السراج عند مَنْ فَقَدَ البصر؟ كذلك ما تغني الحجَجُ عند مَنْ عدم عناية الأزل؟.
الأنعام 6:9
مَنْ لم يُقَدِّسْ سِرَّه لَبَّسَ عليه أَمْرَه.
الأنعام 6:10
أي سَبَقَكَ - يا محمد - مَنْ كُذِّب به كما كُذِّبْتَ، فحقَّ لهم نصرنا، فانتقمنا ممن ناوءهم، فعاد إليهم وبالُ كيدهم.
الأنعام 6:11
قُلْ دوخوا في الأرضِ، وسيحوا في سيركم فيها من الطول والعَرْضِ، ثم انظروا هل أفْلَتَ من حكمنا أحدٌ، وهل وجد من دونَ أمرنا مُلْتَحداً؟.
الأنعام 6:12
سَلْهُم هل في الدار ديار؟ وهل للكوْنِ - في التحقيق - عند الحق مقدار؟ فإنْ بقوا عن جوابٍ يَشْفِي، فَقُلْ: الله في الربوبية يكفي.
قوله: { كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ }: أخبرَ وحَكَمَ وأرادَ على حسب ما عَلِمَ، فَمَنْ تَعلَّقَ بنجاته عِلْمُه سَبَقَ بدرجاته حُكْمُه، ومَنْ عَلِمَه في آزاله أنه يَشْقَى فبقدر شقائه في البلاء يبقى.
الأنعام 6:13
الحادثاتُ للهِ مِلْكاً، وباللهِ ظهوراً، ومِنْ اللهِ بدءاً، وإلى اللهِ رجوعاً. وهو { ٱلسَّمِيعُ } لأنين المشتاقين، { ٱلْعَلِيمُ } بحنين الواجدين.
الأنعام 6:14
قوله جلّ ذكره: { قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ }.
أَبَعْدَ ما أكرمني بجميل ولايته أتولى غيره؟ وبعد ما وَقَعَ عليَّ ضياءُ عنايته أنظرُ في الدارين إلى أحد؟ إنَّ هذا محالٌ في الظنِّ والتقدير.
قوله جلّ ركره: { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ }.
له نعتُ الكَرَمِ فلذلك يُطْعِمُ، وله حقُّ القِدَمِ فلذلك لا يُطْعَمْ.
الأنعام 6:15
أي إنِّي بعجزي متحقق، ومن عذاب ربي مُشْفِق، وبمتابعة أمره مُتَخَلِّقٌ.
الأنعام 6:16
من أدركه سابقُ عنايته صَرَفَ عنه لاحِقَ عقوبته.
الأنعام 6:17
إنَّه مَنْ ينجيك من البلاء، ومن يُلقيك في العناء. وإذ المتفرِّد بالإبلاغ واحد فالأغيارُ كلُّهم أفعاله؛ وإن الإيجاد لا يَصْلُحُ من الأفعال.
الأنعام 6:18
عَلَتْ رُتبةُ الأحدية صفةَ البشرية، فهذا لم يزل لم يكن فحصل. ومتى يكون بقاء للحدثان مع وضوح سلطان التوحيد؟.
الأنعام 6:19
غلَبَتْ شهادة الحق - سبحانه - كلَّ شهادة، فهم إذا أقبلوا يشهدون فلا تحيط بحقائِقِ الشيء علومُهم، والحقُّ - سبحانه - هو الذي لا يَخْفَى عليه شيءٌ، ثم أخبره - صلى الله عليه وسلم أنه مبعوثٌ إلى الكافة ومَنْ سيوجد إلى يوم القيامة.
الأنعام 6:20
أحاط علمُهم بصدقِ المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في نُبوَّتِه، ولكن أدركتهم الشقاوة الأزلية فعقدت ألسنتهم عن الإقرار به؛ فجحدوه جهراً، وعلموا صِدْقَه سِرّاً.
الأنعام 6:21
شؤم الخذلان بلغ بالنكاية فيهم ما جرَّهم إلى الإصرار على الكذب على الله تعالى، ثم لم يستحيوا من اطلاعه، ولم يخشوا من عذابه.
الأنعام 6:22
يجمعهم ليوم الحشر والنشر، لكنه يفرقهم في الحكم والأمر، فالبعث يجمعهم ولكن الحكم يفرقهم.
الأنعام 6:23
هذا الذي أخبر عنهم غايةُ التمرد؛ حيث جحدوا ما كَذبُوا فيه وأقسموا عليه، ولو كان لهم بالله عِلمٌ بأنه يعلم سِرَّهم ونجواهم، ولا يخفى عليه شيءٌ من أُولاَهم وعُقباهم، لكن الجهل الغالب عليهم استنطقهم بما فيه فضائحهم.
الأنعام 6:24
هذه كلمة تعجب؛ يعني إنَّ قصتهم منها ما هو محلُّ التعجب لأمثالكم.
الأنعام 6:25
قوله جلّ ذكره: { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً }.
بيَّنَ أن السمعَ - في الحقيقة - سمعُ القبول، وذلك عن عين اليقين يصدر، فأما سَمْعُ الظاهر فلا عِبْرَةَ به.
ويقال مَنْ ابتلاه الحقُّ بقلبٍ مطبق، ووضع فوق بصيرته غطاءَ التلبيس لم يزدْه ذلك إلا نفرة على نفرة.
قوله جلّ ذكره: { وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ }.
يعني مَنْ أَقصَته القسمة الأزلية لم تنعشه الحيلة الأبدية.
الأنعام 6:26
في هذه الآية إشارة صعبة (لمن) يدعو إلى الحق جهراً ثم لا يأتي بذلك سراً.
ويقال خالَفَتْ أحوالُهم قضايا أقوالهم، وجرى إجرامُهم مجرى مَنْ ألقوا حِبالَهم على غاربهم، وكذلك من أبعده عن القسمة لم يقربه فعلُه.
الأنعام 6:27
يعني حين ينجز للعبد ما وعده له من القربة يشغل من شاء بنوعٍ من العلة حتى لا يطلع أحد على محل الأسرار.
الأنعام 6:28
غداً يوم تنتهك الأستار، وتظهر الأسرار - فكم من مُجَلَّل بثوب تقواه، ويَحْكُم له معارفُه بأنه زاهدٌ في دنياه، راغب في عقباه، محبٌ لمولاه، مُفَارِقٌ لهواه، فَيُكْشَفُ الأمر عن خلاف ما فهموه، ويفتضح عندهم بغير ما ظنوه.
وكم من متهتك ستر بما أظهر عليه! ظنَّ الكلُّ أنه خليع العذار هيِّن الأعلال، مشوش الأسرار، فظهر لذوي البصائر جوهره، وبدت عن خفايا الستر حقيقته.
ثم قال: { وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } أخبر عما علم أنه لا يكون أنه لو كان كيف كان يكون؛ فقال لو رُدَّ أهل العقوبة إلى دنياهم لعادوا إلى جحدهم وإنكارهم، وكذلك لو رُدَّ أهل الصفاء والوفاء إلى دنياهم لعادوا إلى حسن أعمالهم.
الأنعام 6:29
غداً يوم تنتهك الأستار، وتظهر الأسرار - فكم من مُجَلَّل بثوب تقواه، ويَحْكُم له معارفُه بأنه زاهدٌ في دنياه، راغب في عقباه، محبٌ لمولاه، مُفَارِقٌ لهواه، فَيُكْشَفُ الأمر عن خلاف ما فهموه، ويفتضح عندهم بغير ما ظنوه.
وكم من متهتك ستر بما أظهر عليه! ظنَّ الكلُّ أنه خليع العذار هيِّن الأعلال، مشوش الأسرار، فظهر لذوي البصائر جوهره، وبدت عن خفايا الستر حقيقته.
ثم قال: { وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } أخبر عما علم أنه لا يكون أنه لو كان كيف كان يكون؛ فقال لو رُدَّ أهل العقوبة إلى دنياهم لعادوا إلى جحدهم وإنكارهم، وكذلك لو رُدَّ أهل الصفاء والوفاء إلى دنياهم لعادوا إلى حسن أعمالهم.
الأنعام 6:30
يا حسرة عليهم من موقف الخجل، محل مقاساة الوَجَل، وتذكر تقصير العمل!
فهم واقفون على أقدام الحسرة، يقرعون أسنان النذر حين لا ندم ينفعهم، ولا شكوى تُسْمَعُ منهم، ولا رحمة تنزل عليهم.
وحين يقول لهم: أليس هذا بالحق؟ يُقِرُّونَ كارهين، ويصرخون بالتبري عن كل غَيْر.
الأنعام 6:31
خسران وأي خسران! لم يخسروا مالاً، ولا مقاماً ولا حالاً، ولكن كما قيل:لعمري لئن أنزفتُ دمعي فإنه لفرقِه مَنْ أفنيتُ في ذكره عمري
المصيبة لهم والحسرة على غيرهم، ومَنْ لم يَعْرِفْ جَلالَ قدره متى تأسَّف على ما يفوته من حديثه وأمره؟!
وقوله: { وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ }: ما كان للنفس فيه حظ ونصيب اليوم فهو من الدنيا، وما كان من الدنيا فإنه - لا محالة - يُلهيك عن مولاك، وما يشغلك عن الحق ركونُه فغيرُ مباركٍ قُرْبُه.
قوله: { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ }: هذه تعزية للرسول - صلى الله عليه وسلم - وتسلية. أي قد نعلم ما قالوا فيك وهم إنما قالوا ذلك بسَببِنَا ولأَجْلِنا. ولقد كُنْتَ عظيمَ الجاه فيهم قبل أن أوقعنا عليكَ هذا الرقم؛ وكانوا يسمونك محمداً الأمين، فإنْ أصابَكَ ما يصيبك فَلأَجْلِ حديثنا، وغيرُ ضائعٍ لك هذا عندنا، وحالُكَ فينا كما قيل:أشاعوا لنا في الحيِّ أشنع قصةٍ وكانوا لنا سِلْما فصاروا لنا حَربا
الأنعام 6:32
خسران وأي خسران! لم يخسروا مالاً، ولا مقاماً ولا حالاً، ولكن كما قيل:لعمري لئن أنزفتُ دمعي فإنه لفرقِه مَنْ أفنيتُ في ذكره عمري
المصيبة لهم والحسرة على غيرهم، ومَنْ لم يَعْرِفْ جَلالَ قدره متى تأسَّف على ما يفوته من حديثه وأمره؟!
وقوله: { وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ }: ما كان للنفس فيه حظ ونصيب اليوم فهو من الدنيا، وما كان من الدنيا فإنه - لا محالة - يُلهيك عن مولاك، وما يشغلك عن الحق ركونُه فغيرُ مباركٍ قُرْبُه.
قوله: { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ }: هذه تعزية للرسول - صلى الله عليه وسلم - وتسلية. أي قد نعلم ما قالوا فيك وهم إنما قالوا ذلك بسَببِنَا ولأَجْلِنا. ولقد كُنْتَ عظيمَ الجاه فيهم قبل أن أوقعنا عليكَ هذا الرقم؛ وكانوا يسمونك محمداً الأمين، فإنْ أصابَكَ ما يصيبك فَلأَجْلِ حديثنا، وغيرُ ضائعٍ لك هذا عندنا، وحالُكَ فينا كما قيل:أشاعوا لنا في الحيِّ أشنع قصةٍ وكانوا لنا سِلْما فصاروا لنا حَربا
الأنعام 6:33
خسران وأي خسران! لم يخسروا مالاً، ولا مقاماً ولا حالاً، ولكن كما قيل:لعمري لئن أنزفتُ دمعي فإنه لفرقِه مَنْ أفنيتُ في ذكره عمري
المصيبة لهم والحسرة على غيرهم، ومَنْ لم يَعْرِفْ جَلالَ قدره متى تأسَّف على ما يفوته من حديثه وأمره؟!
وقوله: { وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ }: ما كان للنفس فيه حظ ونصيب اليوم فهو من الدنيا، وما كان من الدنيا فإنه - لا محالة - يُلهيك عن مولاك، وما يشغلك عن الحق ركونُه فغيرُ مباركٍ قُرْبُه.
قوله: { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ }: هذه تعزية للرسول - صلى الله عليه وسلم - وتسلية. أي قد نعلم ما قالوا فيك وهم إنما قالوا ذلك بسَببِنَا ولأَجْلِنا. ولقد كُنْتَ عظيمَ الجاه فيهم قبل أن أوقعنا عليكَ هذا الرقم؛ وكانوا يسمونك محمداً الأمين، فإنْ أصابَكَ ما يصيبك فَلأَجْلِ حديثنا، وغيرُ ضائعٍ لك هذا عندنا، وحالُكَ فينا كما قيل:أشاعوا لنا في الحيِّ أشنع قصةٍ وكانوا لنا سِلْما فصاروا لنا حَربا
الأنعام 6:34
يعني إنَّ مَنْ سَلَكَ سبيلَنا صبر على ما أصابه من حديثنا، فلا خَسِرَتْ فينا صفقتُه، ولا خَفِيَتْ علينا حالتُه، وما قَابَلَ حُكْمَنَا مَنْ عَرَفَنَا إلا بالمُهج، وما حملوا ما لقوا فينا إلا على الحدق:إنَّ الأُلى ماتوا على دين الهوى وجدوا المنيةَ منهلاً معسولا
الأنعام 6:35
لفرط شفقته - صلى الله عليه وسلم - استقصى في التماس الرحمة من الله لهم، وحمل على قلبه العزيز بسبب ما عَلِمَ من سوء أحوالهم ما أثَّر فيه من فنون الأحزان. فعرَّفه أنهم مُبْعَدُون عن التقريب، منكوبون بسالف القسمة.
ولو أراد الحقُّ - سبحانه - لخَفَّفَ عنهم، ولو شاء أن يهديَهم لكان لهم مقيل في الصدور، ومثوى على النشاط، ولكن مَنْ كبَسَتْهُ العِزَّةُ لم تُنْعِشْه الحيلة.
الأنعام 6:36
مَنْ فقد الاستماع في سرائره عَدِمَ توفيقَ الاتِّباعِ بظاهره، والاختيارُ السابقُ في معلومه - سبحانه - غالبٌ.
الأنعام 6:37
استزادوا من المعجزات وقد حصل من ذلك ما يذبح العذر، ولم يعلموا أن الله المانع لهم فلولا ما (...) من بصائرهم لما تواهموا من عدم دلائلهم.
الأنعام 6:38
يعني تساوت المخلوقات، وتماثلت المصنوعات في الحاجة إلى المُنْشِئ: في حال الإبداع ثم في حال البقاء، وكذلك جميع الصفات النفسية والنعوت الذاتية توقفت عن الإيجاد والاختيار، فما من شيء من عينٍ وأثر، ورسم وطلل.. إلا وهو على وحدانيته شاهِدٌ، وعلى كون أنه مخلوق.. دليلٌ ظاهرٌ.
الأنعام 6:39
الذين فاتتهم العناية الأزلية سَدَّ الحرمانُ أسماعَهم، وغَشَّى الخِذلان أبصارَهم. والإرادة لا تُعارَض، والمشيئةُ لا تَزَاحَم، والحقُّ - سبحانه - في جميع الأحوالِ غالبٌ.
الأنعام 6:40
إذا مَسَّكم الضُرُّ، ونَابَكُم أمرٌ فمِمَّنْ ترومون كَشْفَه؟ ومَنْ الذي تؤملون لُطْفَه؟ أمخلوقاً شرقياً أم شخصاً غربياً؟ أم مَلَكاً سماوياً أم عبداً أرضياً؟
ثم قال: { بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ }: أي إنكم - إنْ تذللتم بنفوسكم أو فكرتم طويلاً بقلوبكم - لن تجدوا من دونه أحداً، ولا عن حكمه مُلْتَحَداً، فتعودون إليه في استكشاف الضر، واستلطاف الخير والبِّر، كما قيل:ويرجعني إليك - وإن تناءتْ دياري عنكَ - معرفةُ الرجال
وقد تركنـاكَ للـذي تريد فعسى إِنْ خَبَرْتَه أَنْ تعودا
فإذا جرَّبْتَ الكُل، وذُقْتَ الحُلْوَ والمُرَّ، أفضى بك الضُرُّ إلى بابه، فإذا رجعت بنعت الانكسار، وشواهد الذل والاضطرار، فإنه يفعل ما يريد: إِنْ شاء أتاح اليُسْر وأزال العُسر، وإن شاء ضاعف الضُر وعوَّض الأجر، وإنْ شاء ترك الحال على ما (قبل) السؤال والابتهال.
الأنعام 6:41
إذا مَسَّكم الضُرُّ، ونَابَكُم أمرٌ فمِمَّنْ ترومون كَشْفَه؟ ومَنْ الذي تؤملون لُطْفَه؟ أمخلوقاً شرقياً أم شخصاً غربياً؟ أم مَلَكاً سماوياً أم عبداً أرضياً؟
ثم قال: { بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ }: أي إنكم - إنْ تذللتم بنفوسكم أو فكرتم طويلاً بقلوبكم - لن تجدوا من دونه أحداً، ولا عن حكمه مُلْتَحَداً، فتعودون إليه في استكشاف الضر، واستلطاف الخير والبِّر، كما قيل:ويرجعني إليك - وإن تناءتْ دياري عنكَ - معرفةُ الرجال
وقد تركنـاكَ للـذي تريد فعسى إِنْ خَبَرْتَه أَنْ تعودا
فإذا جرَّبْتَ الكُل، وذُقْتَ الحُلْوَ والمُرَّ، أفضى بك الضُرُّ إلى بابه، فإذا رجعت بنعت الانكسار، وشواهد الذل والاضطرار، فإنه يفعل ما يريد: إِنْ شاء أتاح اليُسْر وأزال العُسر، وإن شاء ضاعف الضُر وعوَّض الأجر، وإنْ شاء ترك الحال على ما (قبل) السؤال والابتهال.
الأنعام 6:42
يخبر عن سالف سنته في أبداء الأمم وما أوجب لمن أطاعه منهم من النعم والكرم، وما أحلَّ بمن خالفه من الألم وفنون النِّقَم.
الأنعام 6:43
يعني أنهم لما أَظَلَّهُم البلاء، فلو رجعوا بجميل التضرع وحسن الابتهال والتملق لكشفنا عنهم المحن، ولأتحنا لهم المنن، ولكن صدَّهم الخذلان عن العقبى فأصروا على تمردهم، فَقَسَتْ قلوبُهم وتضاعفت أسباب شقوتهم.
قوله تعالى: { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ } يخبر عن خَفِيَ مكره بهم، وكيف أنه استدرجهم، ثم أذاقهم وبالَ أمرهم فقال: لما طالتْ عن الحضرة غيبتُهم، ولم تنجحْ مواعظُنا فيهم سَهَّلْنَا لهم أسبابَ العوافي وصببنا عليهم عزالي النِّعم، وفتحنا لهم أبواب الرفاهية، فلما استمكن الرجاءُ من قلوبهم أخذناهم بغتةً وعذبنَاهم فجأة، وأذقناهم حسرةً فإذا هم من الرحمة قانطون، ولِمَا خامر قلوبَهم - من أسباب الوحشة عن الاستراحة بدوام المناجاة - آيسون.
الأنعام 6:44
يعني أنهم لما أَظَلَّهُم البلاء، فلو رجعوا بجميل التضرع وحسن الابتهال والتملق لكشفنا عنهم المحن، ولأتحنا لهم المنن، ولكن صدَّهم الخذلان عن العقبى فأصروا على تمردهم، فَقَسَتْ قلوبُهم وتضاعفت أسباب شقوتهم.
قوله تعالى: { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ } يخبر عن خَفِيَ مكره بهم، وكيف أنه استدرجهم، ثم أذاقهم وبالَ أمرهم فقال: لما طالتْ عن الحضرة غيبتُهم، ولم تنجحْ مواعظُنا فيهم سَهَّلْنَا لهم أسبابَ العوافي وصببنا عليهم عزالي النِّعم، وفتحنا لهم أبواب الرفاهية، فلما استمكن الرجاءُ من قلوبهم أخذناهم بغتةً وعذبنَاهم فجأة، وأذقناهم حسرةً فإذا هم من الرحمة قانطون، ولِمَا خامر قلوبَهم - من أسباب الوحشة عن الاستراحة بدوام المناجاة - آيسون.
الأنعام 6:45
فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى لم يبقَ منهم عين ولا أثر، ولم يَرِدْ حديث منهم أو خبر، والله - سبحانه وتعالى - بنعت العِزِّ واستحقاق الجلال لا عن فَقْدِهم له استيحاش، ولا بوجودهم استرواح أَو استبشار.
الأنعام 6:46
عَرَّفهم محلَّ عجزهم، وحقيقة حاجتهم إلى القدرة القديمة لدوام فقرهم.
وحذَّرهم فقال: إنْ لم يُدِمْ عليهم نعمة أسماعهم وأبصارهم، ولم يوجِبْ لهم ما ألبسهم من العوافي - بكل وجهٍ في كل لحظة - فمن الذي يهب ما سلبه، أو يضع ما منعه، أو يعيد ما نفاه، أو يَرُدُّ ما أبداه؟ كلا... بل هو الله تعالى.
الأنعام 6:47
يقول إِنْ عجَّلَ موعودَه لكم من العقاب أفترون أن غيرَ المستوجِب يُبْتَلى؟ أو أن المستحِقَّ له يجد من دونه مهرباً ومَنْجَى؟ إِنَّ هذا محالٌ من الظن.
الأنعام 6:48
يعني ليس أمرنا لهم إلا بالتزام ما فيه نجاتهم، ثم بجميل الوعد لهم، ومفارقة ما فيه هلاكهم، ثم بأليم العقوبة في الآجل ما يحل من خلافهم.
فَمَنْ آمن وصدَّق أنجزنا له الوعد، ومَنْ كفر وجحد عارضنا عليه الأمر، وأدخلنا عليه الضُّر.
الأنعام 6:49
يعني ليس أمرنا لهم إلا بالتزام ما فيه نجاتهم، ثم بجميل الوعد لهم، ومفارقة ما فيه هلاكهم، ثم بأليم العقوبة في الآجل ما يحل من خلافهم.
فَمَنْ آمن وصدَّق أنجزنا له الوعد، ومَنْ كفر وجحد عارضنا عليه الأمر، وأدخلنا عليه الضُّر.
الأنعام 6:50
يعني قل لهم إني لا أتخطى خطي، ولا أتعدَّى حدِّي، ولا أُثْبِتُ من ذات نفسي شيئاً، وإنما يقال لي أَبلَّغْتَ؟ وأقول: أَجَلَ، أَوْصَلْتُ.
ثم قال: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ }: هل يتشاكل الضوءُ والظلام؟ وهل يتماثل الجُحْدُ والتوحيد؟ كلا... لا يكون ذلك.
الأنعام 6:51
الإنذارُ إعلامٌ بمواضع الخوف، وإنما خص الخائفين بالإنذار كما خصَّ المتقين بإضافة الهدى إليهم حيث قال:{ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } [البقرة: 2] لأن الانتفاع والاتِّباع بالتقوى، والإنذار اختص بهم.
ويقال: الخوف ها هنا العلم، وإنما يخاف من علم، فأمَّا القلوب التي هي تحت غطاء الجهل فلا تباشرها طوارقُ الخوف.
قوله:{ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ } [السجدة: 4] يعني كما أنه لا ناصر لهم من الأغيار فلا معتمدَ لهم من أفعالهم، ولا مستندَ من أحوالهم، ولا يؤمنون شيئاً سوى صرف العناية وخصائص الرحمة.
الأنعام 6:52
هذه وصية له - صلى الله عليه وسلم - في باب الفقراء والمستضعفين، وذلك لما قَصَرُوا لسان المعارضة عن استدفاع ما كانوا بصدده من أمر إخلاء الرسول - صلوات الله عليه وسلامه - مجلسه منهم، وسكنوا متضرعين بقلوبهم بين يدي الله أرادَ أنْ يُبَيِّن له أَثرَ حُسْنِ الابتهال فتولَّى - سبحانه - خصيمتهم.
وقال: { وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ }: لا تنظر يا محمد إلى خِرقتهم على ظاهرهم وانظر إلى حرقتهم في سرائرهم.
ويقال كانوا مستورين بحالتهم فشهرهم بأن أظهر قصتهم، ولولا أنه - سبحانه - قال: { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } فشهد لهم بالإرادة وإلا فمن يتجاسر أن يقول إن شخصاً مخلوقاً يريد الحق سبحانه؟
ويقال إذا كانت الإرادة لا تتعلق - في التحقيق - إلا بالحدوث، وحقيقة الصمدية متقدسة عن الاتصاف بالحدثان، فمن المعلوم أن هذه الإرادة ليست بمعنى المشيئة، ولا كاشتقاق أهل اللغة لها.
فيقال تكلم الناس في الإرادة: وأكثر تحقيقها أنها احتياج يحصل في القلوب يسلب القرار من العبد حتى يصل إلى الله؛ فصاحب الإرادة لا يهدأ ليلاً ولا نهاراً، ولا يجد من دون وصوله إليه - سبحانه - سكوناً ولا قراراً، كما قال قائلهم:ثم قطعتُ الليلَ في مَهْمَةٍ لا أسداً أخشى ولا ذيبا
يغلبني شوقي فأطوي السُّرى ولم يَزَلْ ذو الشوق مغلوبا
ويقال تقيَّدت دعوتهم بالغداة والعشيّ لأنها من الأعمال الظاهرة، والأعمالُ الظاهرة مؤقتة، ودامت إرادتهم فاستغرقت جميع أوقاتهم لأنها من الأحوال الباطنة، والأحوال الباطنة مسرمدة غير مؤقتة، فقال: { يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ } ثم قال: { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } أي مريدين وجهه فهي في موضع الحال.
ويقال أصبحوا ولا سؤال لهم من دنياهم، و لا مطالبة من عقباهم، ولا همَّ سوى حديث مولاهم، فلما تجردوا لله تمحضت عناية الحق لهم، فتولَّى حديثهم وقال: ولا تطردهم - يا محمد - ثم قال: ما عليك من حسابهم من شيء؛ فالفقير خفيف الظهر لا يكون منه على أحد كثير مؤنة؛ قال تعالى: { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ } لا تطالب بحسابهم ولا يطالبون بحسابك، بل كلٌّ يتولى الحقُّ - سبحانه - حسابَه؛ فإِن كان أمره خيراً فهو ملاقيه، وإن كان شراً فهو مقاسيه.
الأنعام 6:53
أمَّا الفاضل فَلْيشكرْ، وأمَّا المفضول فليَصْبِرْ.
ويقال سبيل المفضول على لسان المحبة الشكر، ولا يتقاصر شكره عن شكر الفاضل، قال قائلهم في معناه:أتاني منكِ سبُّكِ لي فَسُبِّي أليس جَرَى بفيكِ اسمي؟ فَحَسْبِي
وقال آخر:وإِنَّ فؤاداً بِعْتُه - لَكَ شاكرٌ وإِنَّ دَمَاً أجريتُه - لَكَ حامدُ
الأنعام 6:54
قوله جلّ ذكره: { وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ }.
أحلَّه محل الأكابر والسَّادة، فإن السلام من شأن الجائي إلا في صفة الأكابر؛ فإن الجائي أو الآتي يسكت لهيبة المأتي حتى يبتدئ ذلك المقصودُ بالسؤال، فعند ذلك يجيب الآتي.
ويقال إذا قاسوا تعبَ المجيء فأزِلْ عنهم المشقةَ بأن قُلْ: { سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ }.
ويقال السلام هو السلامة أي فَقُلْ لهم سلام عليكم؛ سَلِمْتُمْ في الحال عن الفُرقة وفي المآل عن الحُرْقة.
قوله جلّ ذكره: { كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ }.
إِنْ وَكَلَ بك من كتب عليك الزلة فقد تولَّى بنفسه لك كتابة الرحمة.
ويقال كتب بمعنى حَكَمَ، وإنه ما حكم إلا بما علم.
ويقال كتابته لك أزلية، وكتابته عليك وقتية، والوقتية لا تبْطِلُ الأزلية.
قوله جلّ ذكره: { أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَٰلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.
يعني مَنْ تعاطى شيئاً من أعمال الجُهَّال ثم سوَّف في الرجوع والأوبة قابلناه، يعني مَن تعاطى شيئاً بحسن الإمهال وجميل الأفضال، فإذا عاد بتوبة وحسرة أقبلنا عليه بِكُلِّ لطف وقبول.
الأنعام 6:55
نزيل الإشكال، ونُفْصِحُ طريق الاستدلال، ونُطْلِعُ شموسَ التوحيد، ونمد أهله بحسن التأييد، ونَسِمُ قلوبَ الأعداء بوسم الخذلان، ونذيقهم شؤمَ الحرمان لئلا يبقى لأحدٍ عذرٌ، ولا في الطريق إشكال.
الأنعام 6:56
يعني صرِّح بالاعتراف بجميل ما خصصناكَ به من وجوه العصمة والنعمة، وأخبرهم أنك في كنف الإيواء مُتقلَّب، وفي قبضة (الصون) مُصَرَّفٌ؛ فلا للهوى عليك سلطان، ولا لك من محل التحقيق تباعد أو عن الحضور غيبة.
الأنعام 6:57
قلْ إنَّ الله - سبحانه - لم يغادرني في قطر الطلب والتباس التحيَّر، وأغناني عن (كَدِّ) الاستدلال، وَروَّحَني بشموس الحقيقة. ولئن بقيتم في ظلمة الالتباس فليس لي قدرة على إزالة ما مُنيتم به من التحير، ونفي ما امتُحِنْتُم به من الجهالة والتردد.
الأنعام 6:58
لو قدرتُ على إبداء ما طلبتم من إقامة البراهين لأجبتكم إلى كل ما اقترحتم عليَّ - شفقةً عليكم، لكن المتفرِّد بالحكم لا يُعَارَضُ فيما يريد.
{ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ }: المفتاح ما به يرتفع الغَلْقُ، والذي يحصل مقصود كلِّ أحد، وهو قدرة الحق - سبحانه؛ فإنَّ التأثير لها في الإيجاد، والموصوفُ بقدرةِ الإيجاد هو الله.
ويقال أراد بهذا شمول علمه، أي هو المتفرِّد بالإحاطة بكل معلوم، وقطعاً لا يُسأَل عن شيء، ولا يخفى عليه شيء.
ويقال عندك مفاتح الغيب وعنده مفاتح الغيب فإنْ آمنتَ بغيبه مدَّ الشمس على غيبك.
الأنعام 6:59
لو قدرتُ على إبداء ما طلبتم من إقامة البراهين لأجبتكم إلى كل ما اقترحتم عليَّ - شفقةً عليكم، لكن المتفرِّد بالحكم لا يُعَارَضُ فيما يريد.
{ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ }: المفتاح ما به يرتفع الغَلْقُ، والذي يحصل مقصود كلِّ أحد، وهو قدرة الحق - سبحانه؛ فإنَّ التأثير لها في الإيجاد، والموصوفُ بقدرةِ الإيجاد هو الله.
ويقال أراد بهذا شمول علمه، أي هو المتفرِّد بالإحاطة بكل معلوم، وقطعاً لا يُسأَل عن شيء، ولا يخفى عليه شيء.
ويقال عندك مفاتح الغيب وعنده مفاتح الغيب فإنْ آمنتَ بغيبه مدَّ الشمس على غيبك.
الأنعام 6:60
إنه يتوفَّى الأنفس في حال النوم وفي حال الوفاة، وكما أنه لا يعاقبك بالليل فإنه لا يعذبك - إذا توفَّاك - على ما جرحت بالنهار مع علمه بأفعالك، فبالحريِّ ألا يعذِّبَك عداً - إذا توفَّاك - على ما علمه من قبيح أحوالك.
الأنعام 6:61
فوق عباده بالقهر والرفعة، وفوقهم بالقدرة على أن يُعَذِّبهم من فوقهم بإنزال العقوبة عليهم والسخطة.
الأنعام 6:62
ردَّهم إلى نفسه. وما غابوا عن القبضة.
الأنعام 6:63
تذكير النعمة يوجب الزيادة في المحبة، فإنه إذا عرف جميلاً أسداه تمكَّن من قلبه الحبُّ.
الأنعام 6:64
المتفرِّدُ بالقدرة على إيجادكم اللهُ، والذي هو (الخَلَفَ) عما يفوتكم اللهُ، والذي حكَمَ بنجاتكم اللهُ، والذي يأخذ بأيديكم كلما عَثرْتم اللهُ.
الأنعام 6:65
قوله جلّ ذكره: { قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً }.
إذا أراد الله هلاك قومٍ أمر البلاء حتى يحيط بهم سرادقه كما يحيط بالكفار غداً إذا أدركتهم العقوبة، وخرج بعضهم على بعض؛ حتى يتبرأ التابع من المتبوع، والمتبوع من التابع.
قوله جلّ ذكره: { وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ }.
لا طعمَ أردأ للإنسان من طعم الإنسان: إن شِئْتَ من الولاية والمحبة، وإن شئت في العداوة والبغضة؛ فَمَنْ مُنِي بالبغضة مع أشكاله تنغَّصَ عليه عَيْشُه في الدنيا، ومَنْ مُنِيَ بمحبة أمثاله تكدَّر عليه حالُه مع المولى، ومن صانَه عن الخلق فهو المحفوظ (المعاني).
الأنعام 6:66
يعني قل لهم إنما على تبليغ الرسالة، فأمَّا تحقيق الوصلة بالوجود والحال فَمِنْ خصائص القدرة وأحكام المشيئة الأزلية.
الأنعام 6:67
يعني قل لهم إنما على تبليغ الرسالة، فأمَّا تحقيق الوصلة بالوجود والحال فَمِنْ خصائص القدرة وأحكام المشيئة الأزلية.
الأنعام 6:68
قوله جلّ ذكره: { وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }.
لا توافقهم في الحالة، ولا ترد عليهم ببسط القالة. ذَرْهُم ووحشتَهم بِحُسْنِ الإعراض عنهم، والبعد عن الإصغاء إلى تهاويشهم بحُسْنِ الانقباض.
قوله جلّ ذكره: { وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ }.
أي إنْ بَدَرَ منك تغافلٌ فتداركْتَه بحسن التذكر وجميل التَّنَبُّه، فاجتهِدْ ألا (تزل) في تلك الغلطة قدمُك ثانيةً لئلا تقاسي أليمَ العقوبة مِنّا.
الأنعام 6:69
أي من كان نقيَّ (الثوب) عن ارتكاب الإجرام يُعْزَل يوم نشره عن ملاقاة تلك الآلام.
الأنعام 6:70
أي كِلْهم وما اختاروه فإِنَّا أَعْتَدْنَا لهم (من خفيِّ المكر ما إذا أحللناه بهم كسرنا عليهم) خُمار الوهم والغِلظة.
الأنعام 6:71
أي كان الكفار يدعون المسلمين إلى الرجوع عن الدين والعوْد إلى الشِرْك، فقال لهم الله: قل لهم - يا محمد -: أَنُؤْثِرُ الضلالَ على الهدى بعد طلوع شمس البرهان؟
ونَدَعُ الطريقة المُثْلى بعد ظهور البيان؟ ونترك عِقوةَ الجَنَّةِ وقد نزلناها؟ ونطلب الجحيم مثوًى بعد ما كُفِيناها؟ إنَّ هذا بعيدٌ من المعقول، محالٌ من الظنون.
وكيف يساعد أتباعُ الشيطانِ مَنْ وَجَدَ الخلاصَ من صحبتهم، وأبصر الغيَّ من صفتهم؟.
الأنعام 6:72
أي أَمَرَنا بملازمة محل المناجاة لأن اللسان إِنْ تعوَّد نجوى السلطان متى ينطق (بمكالمه) الأخَسِّ؟!
الأنعام 6:73
يعني أنه لا يعترض على قدرته - سبحانه - حدوث مقصود، ولا يتقاصر حكمه عن تصريف موجود.
الأنعام 6:74
الأصل متَّهَمٌ في الجحود، والنَّسْلُ متَّصِفٌ بالتوحيد، والحقُّ - سبحانه - يفعل ما يريد.
الأنعام 6:75
لاطَفه بسابق العناية، ثم كاشفه بِلاحِق الهداية فأراه من دلالات توحيده ما لم يبق في قضاء سِرِّه شظية من غبار العيب، فلمَّا صحا من غيم التجوز سما سِرُّه فقال بنفي الأغيار جملةً، وتبرَّأ عن الجميع ولم يغادر منها تهمة.
الأنعام 6:76
يعني أحاطت به (سجوف) الطلب، ولم يتجل له بعد صباح الوجود، فطلع نجم العقول فشاهد الحق بسره بنور البرهان، فقال: هذا ربي ثم يزيد في ضيائه فطلع له قمر العلم فطالعه بشرط البيان، فقال: { هَـٰذَا رَبِّي }.
ثم أسفر الصبح ومتع النهار فطلعت شموس العرفان من برج شرفها فلم يبقَ للطلب مكان، ولا للتجويز حكم، ولا للتهمة قرار فقال: { يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } إذ ليس بعد العيان ريب، ولا عَقِبَ الظهور ستر.
ويقال قوله - عند شهود الكواكب والشمس والقمر - { هَـٰذَا رَبِّي } إنه كان يلاحظ الآثار والأغيار بالله، ثم كان يرى الأشياء لله ومن الله، ثم طالع الأغيار محواً في الله.
الأنعام 6:77
يعني أحاطت به (سجوف) الطلب، ولم يتجل له بعد صباح الوجود، فطلع نجم العقول فشاهد الحق بسره بنور البرهان، فقال: هذا ربي ثم يزيد في ضيائه فطلع له قمر العلم فطالعه بشرط البيان، فقال: { هَـٰذَا رَبِّي }.
ثم أسفر الصبح ومتع النهار فطلعت شموس العرفان من برج شرفها فلم يبقَ للطلب مكان، ولا للتجويز حكم، ولا للتهمة قرار فقال: { يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } إذ ليس بعد العيان ريب، ولا عَقِبَ الظهور ستر.
ويقال قوله - عند شهود الكواكب والشمس والقمر - { هَـٰذَا رَبِّي } إنه كان يلاحظ الآثار والأغيار بالله، ثم كان يرى الأشياء لله ومن الله، ثم طالع الأغيار محواً في الله.
الأنعام 6:78
يعني أحاطت به (سجوف) الطلب، ولم يتجل له بعد صباح الوجود، فطلع نجم العقول فشاهد الحق بسره بنور البرهان، فقال: هذا ربي ثم يزيد في ضيائه فطلع له قمر العلم فطالعه بشرط البيان، فقال: { هَـٰذَا رَبِّي }.
ثم أسفر الصبح ومتع النهار فطلعت شموس العرفان من برج شرفها فلم يبقَ للطلب مكان، ولا للتجويز حكم، ولا للتهمة قرار فقال: { يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } إذ ليس بعد العيان ريب، ولا عَقِبَ الظهور ستر.
ويقال قوله - عند شهود الكواكب والشمس والقمر - { هَـٰذَا رَبِّي } إنه كان يلاحظ الآثار والأغيار بالله، ثم كان يرى الأشياء لله ومن الله، ثم طالع الأغيار محواً في الله.
الأنعام 6:79
أفردتُ قصدي لله، وطهَّرت عقدي عن غير الله، وحفظت عهدي في الله لله، وخلصت وجدي بالله، فإني لله وبالله، بل محو في الله والله الله.
الأنعام 6:80
يعني قال لهم أترومون سَتْرَ الشموسِ بإسبال أكمامكم عليها أو تريدون أن تجروا ذيولكم وأن تُسْدِلوا سجوفَكم على ضياء النهار وقد تعالى سلطانُه وتوالى بيانُه؟
الأنعام 6:81
يعني وأي خوفٍ يقع على قلبي ظِله ولم أُلِمْ بِشِرْكٍ ولم أَجْنَحْ قطُّ إلى جحد؟ وأنتم ما شممتم رائحة التوحيد في طول عمركم، ولا ذقتم طعم الإيمان في سالف دهركم! ثم بسوء ظنِّكم تجاسرتم وما ارعويتم، وخسرتم وما باليتم. فأيُّنَا أَوْلى أن يُعْلِن بسرِّه ما هو بصدده من سوءِ مَكْرِه وعاقبةِ أَمْرِه؟
الأنعام 6:82
أي الذين أشاروا إلى الله ثم لم يرجعوا إلى غير الله؛ فإن من قال " الله " ثم رجع بالتفضيل - عند حاجاته أو مطالباته أو شيءٍ من حالاته إلى غير الله فخِصْمُه - في الدنيا والعقبى - اللهُ.
والظلمُ - في التحقيق - وضعُ الشيء في غير موضعه، وأصعبه حسبان أن من الحدثان ما لم يكن وكان؛ فإِنَّ المنشئَ اللهُ، والمُجْرِىَ اللهُ، ولا إله إلا الله، وسقط ما سوى الله.
الأنعام 6:83
أشار إلى ترقِّيه من شهود آياته إلى إثبات ذاته، وذلك ترتيب أهل السلوك في وصولهم إلى الله، فالتحقيق بالآيات التي هي أفعاله ومراعاة ذلك وهي الأولى؛ ثم إثبات صفاته وهي الثانية، ثم التحقق بوجوده وذاته وهو غاية الوصول، فبرسومه يعرف العبد نعوته، وبنعوته يعرف ثبوته.
الأنعام 6:84
ذَكَرَ عظيم المِنَّة على كَافَّتِهم - صلوات الله عليهم، وبَيَّنَ أنه لولا تخصيصه إياهم بالتعريف، وتفضيله لهم على سواهم بغاية التشريف، وإلا لم يكن لهم استيجاب ولا استحقاق.
ثم قال: { ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ... يَعْمَلُونَ } يعني لو لاحظوا غيراً، أَو شاهدوا - من دوننا - شيئاً، أو نسبوا شظية من الحدثان - إلى غير قدرتنا - في الظهور لتلاشى ما أسلفوه من عرفانهم وإحسانهم، فإن الله - سبحانه - لا يغفر الشِرْكَ بحالٍ، وإن كان (يغفر) ما دونه لِمنْ أراد.
الأنعام 6:85
ذَكَرَ عظيم المِنَّة على كَافَّتِهم - صلوات الله عليهم، وبَيَّنَ أنه لولا تخصيصه إياهم بالتعريف، وتفضيله لهم على سواهم بغاية التشريف، وإلا لم يكن لهم استيجاب ولا استحقاق.
ثم قال: { ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ... يَعْمَلُونَ } يعني لو لاحظوا غيراً، أَو شاهدوا - من دوننا - شيئاً، أو نسبوا شظية من الحدثان - إلى غير قدرتنا - في الظهور لتلاشى ما أسلفوه من عرفانهم وإحسانهم، فإن الله - سبحانه - لا يغفر الشِرْكَ بحالٍ، وإن كان (يغفر) ما دونه لِمنْ أراد.
الأنعام 6:86
ذَكَرَ عظيم المِنَّة على كَافَّتِهم - صلوات الله عليهم، وبَيَّنَ أنه لولا تخصيصه إياهم بالتعريف، وتفضيله لهم على سواهم بغاية التشريف، وإلا لم يكن لهم استيجاب ولا استحقاق.
ثم قال: { ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ... يَعْمَلُونَ } يعني لو لاحظوا غيراً، أَو شاهدوا - من دوننا - شيئاً، أو نسبوا شظية من الحدثان - إلى غير قدرتنا - في الظهور لتلاشى ما أسلفوه من عرفانهم وإحسانهم، فإن الله - سبحانه - لا يغفر الشِرْكَ بحالٍ، وإن كان (يغفر) ما دونه لِمنْ أراد.
الأنعام 6:87
ذَكَرَ عظيم المِنَّة على كَافَّتِهم - صلوات الله عليهم، وبَيَّنَ أنه لولا تخصيصه إياهم بالتعريف، وتفضيله لهم على سواهم بغاية التشريف، وإلا لم يكن لهم استيجاب ولا استحقاق.
ثم قال: { ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ... يَعْمَلُونَ } يعني لو لاحظوا غيراً، أَو شاهدوا - من دوننا - شيئاً، أو نسبوا شظية من الحدثان - إلى غير قدرتنا - في الظهور لتلاشى ما أسلفوه من عرفانهم وإحسانهم، فإن الله - سبحانه - لا يغفر الشِرْكَ بحالٍ، وإن كان (يغفر) ما دونه لِمنْ أراد.
الأنعام 6:88
ذَكَرَ عظيم المِنَّة على كَافَّتِهم - صلوات الله عليهم، وبَيَّنَ أنه لولا تخصيصه إياهم بالتعريف، وتفضيله لهم على سواهم بغاية التشريف، وإلا لم يكن لهم استيجاب ولا استحقاق.
ثم قال: { ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ... يَعْمَلُونَ } يعني لو لاحظوا غيراً، أَو شاهدوا - من دوننا - شيئاً، أو نسبوا شظية من الحدثان - إلى غير قدرتنا - في الظهور لتلاشى ما أسلفوه من عرفانهم وإحسانهم، فإن الله - سبحانه - لا يغفر الشِرْكَ بحالٍ، وإن كان (يغفر) ما دونه لِمنْ أراد.
الأنعام 6:89
يعني إِنْ أعرض قومُك - يا محمد - فليس كلُّ من (....) على الجحود أظهرناهم، بل كثير من عبادنا نزَّهنا - عن الجحود - قلوبَهم، وعَجَنَّا بماء السعادة طينتهم وهم لا يحيدون عن التوحيد لحظةً، ولا يزيغون عن التحصيل شمَّة.
الأنعام 6:90
أولئك الذين طهَّر اللهُ عن الجحد أسرارَهم، ورَفَعَ على الكافة أقدارَهم، فاقْتَفِ - يا محمد - هداهم، فإنّ مَنْ سلك الجادَّة أَمِن من العناء.
الأنعام 6:91
مَنْ توهَّم أَنْ العلومَ تحيط بجلاله فالإحاطة غير سائغة في نعته، كما أنَّ الإدراك غير جائزٍ في وصفه، وكما أن الإشراف مُحالٌ على ذاته.
ثم قال: { قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً } أي سَلْهم عن الأحوال، وخاطِبْهم في معاني أحكام الرسول والأطلال، فَإِنْ بقوا في ظلمة (الحيرة) فَقُلْ: الله تعالى، ثم ذَرْهُم. يعني صَرِّح بالإخبار عن التوحيد، ولا يهولنَّك تماديهم في الباطل، فإنَّ تمويهاتِ الباطلِ لا تأثير لها في الحقائق.
الأنعام 6:92
كتابُ الأحبابِ عزيزُ الخَطَرِ جليلُ الأَثَرِ، فيه سلوة عند غلبات الوجد، ومن بقي عن الوصول تذلَّل للرسول، وقيل:وكُتْبُك حولي لا تفارق مضجعي وفيها شفاءٌ للذي أنا كاتِمُ
كأني ملحوظٌ من الجِنِّ نظرةً ومِنْ حواليَّ الرُّقى والتمائمُ
الأنعام 6:93
يعني إن الذين يَنْزِلون منزلة المُحدَّثين، ولم تُلق إلى أسرارهم خصائصُ الخطاب - فالحقُّ - سبحانه عنهم بريء. والمتَّبعُ بما لم يَسَلْ كلابسِ ثوبي زور، وفي معناه أنشدوا:إذا اشتبكت دموع في خدود تبيَّن مَنْ بكى ممن تباكى
الأنعام 6:94
دَخَلْتَ الدنيا بخرقةٍ، وخَرَجْتَ منها بخرقة، أَلاَ وتلك الخرقة أيضاً (....)، وما دخلت إلا بوصف التجرد، ولا خرجتَ إلا بحكم التفرد. ثم الأثقالُ والأوزارُ، والأحمالُ والأوضارُ لا يأتي عليها حَصْرٌ ولا مقدار؛ فلا ما لكم أغني عنكم ولا حالكم يَرْفُعُ منكم، ولا لكم شفيعٌ يخاطبنا فيكم؛ فقد تَقَطَّعَ بَيْنُكم، وتَفرَّق وَصْلُكم، وتبدَّد شملُكم، وتلاشى ظنُّكم، وخانكم - في التحقيق - وسعُكم.
الأنعام 6:95
موجِد ما في العالَم من الأعيانِ والآثار والرسوم والأطلال يُسَلِّط العَدَمَ على ما يريد من مصنوعاته، ويحكم بالبقاء لما يريد من مخلوقاته، فلا لحكمه ردٌّ، ولا لحقِّه جحدٌ.
الأنعام 6:96
وكما فَلَقَ صبحَ الكون فأشرقَتْ الأنوارُ كذلك فَلَقَ صبحَ القلوبِ فاستنارت به الأسرار، وكما جعل الليل سَكَناً لِتَسْكَنَ فيه النفوس من كدِّ التصرف عن أسباب المَعَاش كذلك جعل الليلَ سَكَناً للأحباب يَسْكَنونَ فيه إلى روح المناجاة إذا هدأت العيونُ من الأغيار.
وجعل الشمس والقمر يجريان بحسبان معلوم على حد معلوم، فالشمس بوصفها مذ خُلِقَت لم تنقص ولم تزِدْ، والقمر لا يبقى ليلةً واحدةً على حالة واحدة فأبداً في الزيادة والنقصان، ولا يزال ينمو حتى يصير بدراً، ثم يتناقص حتى لا يُرى، ثم يأخذ في الظهور، وكذلك دأبُه دائماً إلى أَنْ تُنْقضَ عليه العادة.
الأنعام 6:97
كما أن نجوم السماء يُهتدى بها في الفلوات فكذلك نجوم القلوب يهتدى بها في معرفة ربِّ الأرضين والسماوات.
الأنعام 6:98
ذكَّرهم وصفهم حين خَلَقَهم من آدم عليه السلام. وكما أن للنفوس والأبشار مستقراً ومستودعاً فللأسرار والضمائر مستقر ومستودع، فَمِنْ عَبْدٍ مُسْتَقَرٌّ قلبِه أوطانُ الشهواتِ والمنى، ومن عبدٍ مستقره موقع الزهد والتُّقى، ومن عبدٍ مستقره - حيث لا مسكن ولا مأوى - وراء الورى.
الأنعام 6:99
تجانست أجزاءُ الأرض وتوافقت أقطارُ الكون، وتباين النبات في اللون والطَّعم واختلفت الأشياء، ودلَّ كلُّ مخلوقٍ بلسان فصيح، وبيان صريح أنه بنفسه غير مُستَقِل.
الأنعام 6:100
سُدَّت بصائرهم فاكتفوا بكل منقوصٍ أن يعبدوه، وتلك عقوبةٌ لأرباب الغفلة عن الله تعالى عُجِّلَتْ.
الأنعام 6:101
البديع الذي لا مثل له، أو هو المنشئ لا على مثال، وكلاهما في وصفه مستحق.
والواحد يستحيل له الوَلَدُ لاقتضائه البعضية، والتوحيد ينافيه.
الأنعام 6:102
تعرَّف إليهم بآياته، ثم تعرَّف إليهم بصفاته، ثم كاشفهم بحقائق ذاته.
فقوله: { لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } تعريف للسادات والأكابر، وقوله: { خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ } تعريف للعوام والأصاغر.
الأنعام 6:103
قدَّسَ الصمديةَ عن كل لحوقٍ ودَرَك، فأنَّى بالإدراك ولا حدَّ له ولا طرف؟!
{ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ } الذي لا يخفى عليه شيء، { ٱلْخَبِيرُ } الذي أحاط علمُه بكل معلوم.
الأنعام 6:104
أوضحَ البيانَ وأَلاَحَ الدليلَ، وأزاحَ العِلَل وأنارَ السبيلَ، ولكن قيل:وما انتفاعُ أخي الدنيا بمقلته إذا استوت عنده الأنوارُ والظُّلَمُ
الأنعام 6:105
أوقع الفتنةَ في قلوبهم فَخَنِسَتْ عليهم الأحوال: فَمِنْ شُبْهةٍ دَاخَلْتُهم ومن حَيْرةٍ مَلَكَتْهُم. ومن تحقيق أدركه قوم، وتعريفٍ توقف على آخرين.
الأنعام 6:107
العَجَبُ ممن أقرَّ بقصور حاله عن استحقاق المدح ببقائه عن مراده، وكيف يصف معبوده بجواز ألا يرتفع في ملكه مراده؟!
الأنعام 6:108
قوله جلّ ذكره: { وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ }.
يعني خَاطِبْهم بلسان الحجة والتزام الدلائل ونفي الشبهة، ولا تُكلِّمْهم على موجب نوازع النَّفْس والعادة، فَيَحْمِلَهم ذلك على ترك الإجلال لذكر الله.
ويقال لا تطابِقْهُم على قبيح ما يفعلون فيزدادوا جرأة في غيِّهم، فسيكون فِعْلُكَ سبباً وَعِلَّةً لزيادةِ كفرهم وفِسْقهم.
قوله جلّ ذكره: { كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }.
لبَّسْنا عليهم حقائق الأشياء حتى ظنوا القبيحَ جميلاً، ولم يَرَوْا لسوءِ حالتهم تبديلاً، فركنوا إلى الهوى، ولم يميزوا بين العوافي والبَلا.
الأنعام 6:109
وعدوا من أنفسهم الإيمان لو شاهدوا البرهان، ولم يعلموا أنهم تحت قهر الحكم، وما يُغْنِي وضوحُ الأدلة لمن لا تساعده سوابقُ الرحمة، ولواحق الحفظ بموجبات القسمة.
الأنعام 6:110
العَجَبُ ممن تبْقَى على قلبه شبهةٌ في مسألة القَدَر، والحقُّ - سبحانه - يقول: { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ } ، لا بل من حقائق التقليب بقاء إشكال هذا الأمر - مع وضوحه - على قلوب مَنْ هو مِنْ جملة العقلاء، فسبحان مَنْ يُخْفِي هذا الأمر مع وضوحه! هذا هو قهر القادر وحكم الواحد.
الأنعام 6:111
لأن الآيات وإنْ توالت، وشموس البرهان وإنْ تعالَتْ فَمَنْ قَصَمَتْه العِزَّةُ وكَبَسْته القِسمة لم يَزِدْه ذلك إلا حيرة وضلالاً، ولم يستنجز إلا للشقوة حالاً.
الأنعام 6:112
كلمَّا كان المحلُّ أعلى كانت البلايا أوفى، والمطالبات أقوى، فلمَّا كانت رتبُ الأنبياء - عليهم - السلام - أشرفَ كانت العداوة معهم أشد وأصعب.
الأنعام 6:113
وكلت أسماع الكفار باللغو وقلوبهم بالسوء فَرَضُوا لأنفسهم أخَسَّ الأنصباءَ.
الأنعام 6:114
قلْ لهم أترون أنى - بعد ظهور البيان ووضوح البرهان - أَذَرُ اليقين، وأوثر التخمين وأفارق الحقَّ، وأقارن الحظ؟ إن هذا محال من الظن.
الأنعام 6:115
تقدَّسَتْ عن التغيير ذاتُه، وتنزهت عن التبديل صفاتُه. والتمام ينفي النقصان. وكلُّ نقصانٍ فمن الحَدَثِ أصلُه، وأَنَّى بالنقص - والقِدَمُ وصفُه؟
الأنعام 6:116
أهلُ الله قليلون عدداً وإن كانوا كثيرين وزناً وخَطَراً، وأمَّا الأعداء ففيهم كثرة. فإنْ لاحظْتَهُم - يا محمد - فَتَنُوكَ، وإنْ صاحبتهم منعوك عن الحق وقلبوكَ.
الأنعام 6:117
تقاصرت علومُ الخَلْق عن إدراك غيبه إلا بقدر ما عَرَّفهم من أمره، والذي لا يخفى عليه شيءٌ فهو الواحدُ - سبحانه.
الأنعام 6:118
هذا في حكم التفسير مختص بالذبيحة، وفي معنى الإشارة منع الأكل على الغفلة، فإِن من أكل على الغفلة فما دامت تلك القوةُ باقيةً فيه فخواطره إما هواجس النَّفْس أو وساوس الشيطان.
الأنعام 6:119
يعني أي شيء عليكم لو تركتم الغفلة؟ وما الذي يضركم لو استدمتم الذكر؟
وقد تبيَّن لكم الفَرْقُ بين أُنْس الذكر ووحشة الغفلة في الحال والوقت، أَلاَ تعرفوا حكم الثواب والعقاب في المآل.
الأنعام 6:120
ظاهر الإثم ما للأغيار عليه اطلاع، وباطن الإثم هو سرٌ بينك وبين الله، لا وقوفَ لمخلوقٍ عليه.
ويقال باطن الإثم خَفِيُّ العقائد و (....) الألحاظ.
ويقال باطن الإثم ما تمليه عليك نفسك بنوع تأويل.
ويقال باطن الإثم - على لسان أهل المعرفة - الإغماض عَمَّا لَك فيه حظ، ويقال باطن الإثم - على لسان أهل المحبة - دوام التغاضي عن مطالبات الحب؛ وإنَّ بِناءَ مطالبات الحب على التجني والقهر، قال قائلهم:إذا قلتُ: ما أذنبتُ؟ قالت مجيبةً: حياتُك ذنبٌ لا يقاس به ذنبُ
ويقال أسبغتُ عليكم النِّعم ظاهراً وباطناً، فذروا الإثم ظاهراً وباطناً، فإنَّ من شرط الشكر ترك استعمال النعمة فيما يكون إثماً ومخالفة.
الأنعام 6:121
ما كانت (....) من الأحوال عاصياً ولربِّه ناسياً فتوقِّيه شرط عند أصحاب (...).
ثم قال: { وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ } فهذا يدل على أنَّ مَنْ توقَّى ذلك اتحدت لله خواطِرُه، وانقطعت عنه خواطر الشيطان. وأصلُ كل قسوةٍ متابعةُ الشهوات، ومَنْ تعوَّد مُتَابَعَتها فليودِّعْ صفوةَ القلب.
الأنعام 6:122
الإيمان عند هؤلاء القوم حياةُ القلب بالله. وأهل الغفلة إذْ لَهُمْ الذكر فقد صاروا أحياءً بعد ما كانوا أمواتاً، وأربابُ الذكرِ لو اعتراهم نسيانٌ فقد ماتوا بعد الحياة. والذي هو في أنوار القرب وتحت شعاع العرفان وفي روْح الاستبصار لا يدانيه مَنْ هو في (أسْرِ) الظلمات، ولا يساويه مَنْ هو رهين الآفات.
الأنعام 6:123
لبَّسنا عليهم حقائق التوحيد، وسوَّلت لهم ظنونهم أن بهم شظية من المحو والإثبات؛ فانهمكوا ظانين أنهم يَمْكرون، وهم في التحقيق مخادعون، وسيعلمون حين لا ينفعهم علم.
الأنعام 6:124
بعد إزاحة العلة، وبيان الحجة، وزوال الشبهة (فالتعلُّل) باستزادة البصيرة إعلام عن سوء الأدب، وذلك منهم من التعدي؛ لمساواة مَنْ جاء بالاستحقاق بمَنْ جاء بنوع من تسويلات النَّفْس يوجب مقاساة الهوان. وملازمةُ الحدود. وتركُ التعدي على الحقِّ قضيةُ التوفيق.
الأنعام 6:125
قوله جلّ ذكره: { فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ }.
المُسْلِمُ لا يتحرك في باطنه عِرْقٌ للمنازعة مع التقدير، فإن الإسلام يقتضي تسليم الكل بلا استئثار، ومَنْ استثقل شيئاً من التكليف أو بقي منه نَفَسٌ لكراهية شيء فيعدُّ غير مستسلمٍ لحُكْمِه.
ويقال نورٌ في البداية هو نور العقل، ونورٌ في الوسائط هو نور العلم ونور في النهاية هو نور العرفان؛ فصاحب العقل مع البرهان، وصاحب العلم مع البيان، وصاحب المعرفة حكم العيان.
ويقال مَنْ وَجَدَ أنوار الغيب ظهرت له خفايا الأمور فلا يشكل عليه شيء من ذوات الصدور عند ظهور النور، وقال صلى الله عليه وسلم: " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى ".
ويقال أول أثر لأنوار الغيب في العبد يُنَبِّهه إلى نقائص قَدَرِه ومساوئ غيِّه، ثم يشغله عن شهود نفسه مما يلوح لقلبه من شهود ربه، ثم غَلَباتُ الأنوار على سِرِّهِ حتى لا يشهد السرَّ بعد ما كان يشهد؛ كالنَّاطِر في قُرصِ الشمس تُسْتَهْلَكُ أنوار بصره في شعاع الشمس كذلك تستهلك أنوار البصيرة في حقائق الشهود، فيكون العبد صاحب الوجود دون الشهود ثم بعده خمود العبد بالكلية، وبقاء الأحدية بنعت السرمدية.
قوله جلّ ذكره: { وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ }.
وذلك حتى لا يسعى في غير مراد الحق سبحانه، وحدُّ البشرية ضيق القلب، وصاحبه في أسْرِ الحدثان والأعلال، ولا عقوبةَ أشدُّ من عقوبة الغفلة عن الحق.
الأنعام 6:126
الصراطُ المستقيمُ إقامة العبودية عند تحقق الربوبية فهو فرق مؤيَّدٌ بجمع، وجمعٌ مقيدٌ بشرع، وإثباتٌ للعرفان بغاية الوسع، ونبو عن المخالفات بغاية الجهد، والتحقق بأنَّ المُجْرِي واحدٌ لا شريك له، ثم تركُ الاعتماد ونفي الاستناد، لا على (حركاته) يعتمد، ولا إلى سكناته يستند، (بل) ينتظر ما يفتح به التقدير، فإِن زاغَ صاحبُ الاستقامة لحظةً، والتفت يمنةً أو يسرةً سقط سقوطاً لا ينتعش.
الأنعام 6:127
قوله جلّ ذكره: { لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ }.
دار السلام أي دار السلامة، ومَنْ كان في رِقِّ شيءٍ من (الأغراض) والمخلوقات لم يجد السلامة، وإنما يجد السلامة مَنْ تحرر عن رِقِّ المُكُوِّنَات، والآية تشير إلى أنَّ القومَ في الجنة لكنهم ليسوا في أَسْرِ الجنة، بل تحرروا من رِقِّ كل مُكَوَّن.
ويقال مَنْ لم يُسلِّمْ - اليوم - على نفسه وروحه وكلِّ مالَه من كل كريمة وعظيمة تسليمَ وداعٍ لا يجد - غداً - ذلك الفضْل، فمن أراد أن يُسلِّم عليه ربُّه - غداً - فَلْيُسَلِّمْ على (الكون) بجملته، وأولاً على نفسه وروحه.
ويقال دار السلام غداً لمن سَلِمَ - اليوم - لسانُه عن الغيبة، وجَنانه عن الغيبة، وأبشاره وظواهره من الزَّلَّة، وأسراره وضمائره من الغفلة، وعقله من البدعة، ومعاملته من الحرام والشبهة، وأعماله من الرياء والمصانعة، وأحواله من الإعجاب.
ويقال شرفُ قَدْرِ تلك الدار لكونها في محل الكرامة، واختصاصها بِعِنْدية الزُّلفة، وإلا فالأقطار كلها ديار، ولكن قيمة الدار بالجار، قال قائلهم:إنِّي لأحسد داراً في جِوارِكمُ طوبى لمن أضحى لدارك جارا
يا ليت جارَكَ يعطيني من داره شِبراً إذاً لأعطيه بِشْبرٍ دارا
ويقال: وإن كانت الدارُ منزهةً عن قبول الجار، وليس القرب منه بتداني الأقطار، فإطلاق هذا اللفظ لقلوب الأحباب مؤنسٌ، بل لو جاز القربُ في وصفه من حيث المسافة لم يكن لهذا كبير أثر، وإنما حياة القلوب بهذا، لأن حقيقته مقدسة عن هذه الصفات؛ فهو لأَجْلِ قلوب الأحباب يُطْلق هذا ويقع العلماء في كد التأويل، وهذا هو أمارة الحب، قال قائلهم:أنا من أَجْلِكَ حُمِّلْتُ الأ ذى الذي لا أستطيع
قوله جلّ ذكره: { وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }.
هذا شرف قدر تلك المنازل حيث قال: { وَهُوَ وَلِيُّهُمْ } لأنه إذا كان - سبحانه - هو وليَّهم فإنَّ المنازل بأَسرِها طابت كيفما كانت، قال قائلهم:أهوى هواها لمن قد كان ساكنها وليس في الدار لي همٌّ ولا وَطَرُ
هو وليُّهم في دنياهم، ووليُّهم في عقباهم، هو وليهم في أولادهم وفي أخراهم، وليهم الذي استولى حديثه على قلوبهم، فلم يَدَعْ فيها لغيره نصيباً ولا سِوىً وليهم الذي هو أَوْلَى بهم منهم وليُّهم الذي آثرهم على أضرابهم وأشكالهم فآثروه في جميع أحوالهم وليهم الذي تطلب رضاهم، وليهم الذي لم (يَكْلهُم) إلى هواهم، ولا إلى دنياهم، ولا إلى عقباهم.
وليُّهم الذي بأفضاله يلاطفهم، وبجماله وجلاله يكاشفهم.
وليُّهم الذي اختطفهم عن كل حظ ونصيب، وحال بينهم وبين كل حميم وقريب، فحرَّرهم عن كل موصوف ومطلوب ومحبوب، وليُّهم الذي هو مؤنِس أسرارهم.
مَشَاهِدهُ مُعْتَكِفُ أبصارهم، وحضْرَتهُ مَرْتُع أرواحهم.
وليُّهم الذي ليس لهم سواه، وليهم الذي لا يشهدون إلا إياه، ولا يجدون إلا إياه، لا في بدايتهم يقصدون غيره، ولا في نهايتهم يجدون غيره، ولا في وسائلهم يشهدون غيره.
الأنعام 6:128
يعتذرون فلا يسمع، ويحتجون بما لا ينفع، ولقد كانوا من قبل لو أتوا بأقلَّ منه قُبِلَ منهم، لكنْ سبقت القسمة فحقت لهم الشقوة.
الأنعام 6:129
يعني نجمع بين الأشكال، فالأولياء مجموعون يستمتع بعضهم ببعض، والأعداء مجموعون يفرُّ بعضهم من بعض.
الأنعام 6:130
عرَّفهم أنه أزاح لهم العِلَلَ من حيث التزام الحجة، لكنه حكم لهم بالشقوة في الأزل، (فَلبَّسَ) عليهم المحجة.
الأنعام 6:131
متى يصحُّ في وصفة توهم الظلم والمُلكُ مُلكه والخَلْقُ خلقُه؟
ومتى يقبح منه تصرُّفٌ في شخصٍ بما أراد، والعبد عبده والحكم حكمه؟
الأنعام 6:132
المحسن في روْح الثواب متنعِّم، والمذنب في نوْح العذاب متألم.
الأنعام 6:133
الغنيُّ يشير إلى كشفه وذو الرحمة يشير إلى لطفه.
أخبرهم بقوله الغني عن جلاله، وبقوله: ذو الرحمة عن أفضاله؛ فبجلاله يكاشفهم فيُفْتِيهم، وبأفضاله يلاطفهم فيحييهم.
ويقال سماع غِنَاه يوجِب محوَهم، وسماعه رحمته يوجب صحوهم، فهم في سماع هذه الآية مترددون بين بقاء وبين فناءٍ، وبين إكرام وبين اصطلام، وبين تقريبٍ وبين تذويب، وبين اجتياح وبين ارتياح.
الأنعام 6:134
الإشارة من هذه الآية إلى قِصَر الأمل، ومَنْ قصُرَ أملُه حَسُنَ عملُه، وكل ما هو آتٍ فقريبٌ أجَلُه.
الأنعام 6:135
هذا غاية الزجر لأنه تهديد وإن كان في صيغة الأمر.
الأنعام 6:136
لما بَنَوا قاعدة أمرِهم على موجب الهوى صارت فروعُهم لائقةً بأصولهم؛ فهو كما قيل:إذا كان القضاءُ إلى ابن آوى فتعويل الشهود إلى القرود
الأنعام 6:137
وسوست إليهم شياطينهم بالباطل فقبلت نفوسهم ذلك؛ إذْ الأشكالُ يتناصرون، فالنَّفْسُ لا تدعو إلا إلى الأجنبية، لأنها مُدَّعيةٌ تتوهم أن منها شيئاً، وأصلُ كلِّ شرْكٍ الدعوى، والشيطان لا يوسوس إلا بالباطل والكفر، فهم أعوانٌ يتناصرون.
ثم قال: { وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ } صَرَّح بأن المراد على المشيئة، والاعتبار (بسابق) القضية.
الأنعام 6:138
أخبر عن أشياء ابتدعوها على ما أرادوا، وأمورٍ شرعوها على الوجه الذي اعتادوا، ثم أضافوا ذلك إلى الحق بغير دليل، وشرعوها بلا حجةٍ من إذن رسول، والإشارة فيه أن من (نحا نحوهم) في زيادة شيء في الدين، أو نقصان شيءٍ من شرع المسلمين فمضاهٍ لهم في البطلان، ينخرط في سلكهم في الطغيان.
الأنعام 6:139
أخبر عن أشياء ابتدعوها على ما أرادوا، وأمورٍ شرعوها على الوجه الذي اعتادوا، ثم أضافوا ذلك إلى الحق بغير دليل، وشرعوها بلا حجةٍ من إذن رسول، والإشارة فيه أن من (نحا نحوهم) في زيادة شيء في الدين، أو نقصان شيءٍ من شرع المسلمين فمضاهٍ لهم في البطلان، ينخرط في سلكهم في الطغيان.
الأنعام 6:140
فسدت عليهم طريقة الثقة بالله فحملتهم خشيةُ الفقر على قتل الأولاد، ولذلك قال أهل التحقيق: من أمارات اليقين وحقائقه كثرة العيال على بساط التوكل.
الأنعام 6:141
قوله جلّ ذكره: { وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ }.
يعني كما أنشأ في الظاهر جناتٍ وبساتينَ كذلك أنشأ في السِّر جناتٍ وبساتين، ونزهة القلوب أثم من جنات الظاهر؛ فأزهار القلوب مونِقة، وشموس الأسرار مشرقة، وأنهار المعارف زاخرة.
ويقال كما تتشابه الثمار كذلك تتماثل الأحوال، وكما تختلف طعومها وروائحها مع تشاكلها من وجه، فكذلك الأحوال مختلفة القضايا، وإن اشتركت في كونها أحوالاً.
قوله جلّ ذكره: { وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ }.
حَقُّ الواجبِ يومَ الحصاد إقامة الشكر، فأمَّا إخراج البعض فبيانه على لسانه العلم، وشهودُ المِنعم في عين النعمة أتمُّ من الشكر على وجود النعمة.
قوله جلّ ذكره: { وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ }.
الإسراف - على لسان العلم - مجاوزة الحد.
وعلى بيان الإشارة فالإسرافُ كلُّ ما أَنْفَقْتَه في حظِّ نَفْسِكَ - ولو كانت سمسمة، وما أنفقته في سبيله - سبحانه - فليس بإسراف، ولو أربى على الآلاف.
الأنعام 6:142
قوله جلّ ذكره: { وَمِنَ ٱلأَنْعَٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشاً }.
يعني تسخير الحيوانات للإنسان آية مزية في الفضيلة على المخلوقات. وكما سخَّر الأعيان للإنسان كذلك سخر الأزمان في تصريف الحدثان لخواصِّ الإنسان.
قوله جلّ ذكره: { كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ } إلى قوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ }.
الرزق لا يتخصص بالمأكولات بل هو شائعٌ في جميع ما يحصل به الانتفاع.
وينقسم الرزق إلى رزق الظواهر ورزق السرائر، ذلك وجود النعم وهذا شهود الكَرَم بل الخمود في وجود القِدَم.
وللقلب رزق وهو التحقيق من حيث العرفان، وللروح رزق وهو المحبة بصدق التحرر عن الأكوان، وللسِّر رزق وهو الشهود الذي يكون للعبد وهو قرين العيان.
قوله { ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ } الإشارة من ذكر الضأن أن يتأدَّب العبدُ باستدامة السكون والتزام حُسْنِ الخُلُق، فإِنَّ الضانية مستسلمةٌ لمن يلي عليها، فلا بصياحها تُؤذِي ولا (بـ.... وها)، يعني كذلك سبيل من وَطُئَ هذا البساط.
وكذلك " في الإبل آيات " منها انقيادها لمن جَرَّ زِمَامَها، واستناختها حيثما تُنَاخ، بلا نزاع ولا اختيار. ومنها ركوبها عند الحَمْل، ومنها صبرها على مقاساة العطش، وذوبانها في السير.
الأنعام 6:143
قوله جلّ ذكره: { وَمِنَ ٱلأَنْعَٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشاً }.
يعني تسخير الحيوانات للإنسان آية مزية في الفضيلة على المخلوقات. وكما سخَّر الأعيان للإنسان كذلك سخر الأزمان في تصريف الحدثان لخواصِّ الإنسان.
قوله جلّ ذكره: { كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ } إلى قوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ }.
الرزق لا يتخصص بالمأكولات بل هو شائعٌ في جميع ما يحصل به الانتفاع.
وينقسم الرزق إلى رزق الظواهر ورزق السرائر، ذلك وجود النعم وهذا شهود الكَرَم بل الخمود في وجود القِدَم.
وللقلب رزق وهو التحقيق من حيث العرفان، وللروح رزق وهو المحبة بصدق التحرر عن الأكوان، وللسِّر رزق وهو الشهود الذي يكون للعبد وهو قرين العيان.
قوله { ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ } الإشارة من ذكر الضأن أن يتأدَّب العبدُ باستدامة السكون والتزام حُسْنِ الخُلُق، فإِنَّ الضانية مستسلمةٌ لمن يلي عليها، فلا بصياحها تُؤذِي ولا (بـ.... وها)، يعني كذلك سبيل من وَطُئَ هذا البساط.
وكذلك " في الإبل آيات " منها انقيادها لمن جَرَّ زِمَامَها، واستناختها حيثما تُنَاخ، بلا نزاع ولا اختيار. ومنها ركوبها عند الحَمْل، ومنها صبرها على مقاساة العطش، وذوبانها في السير.
الأنعام 6:144
قوله جلّ ذكره: { وَمِنَ ٱلأَنْعَٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشاً }.
يعني تسخير الحيوانات للإنسان آية مزية في الفضيلة على المخلوقات. وكما سخَّر الأعيان للإنسان كذلك سخر الأزمان في تصريف الحدثان لخواصِّ الإنسان.
قوله جلّ ذكره: { كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ } إلى قوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ }.
الرزق لا يتخصص بالمأكولات بل هو شائعٌ في جميع ما يحصل به الانتفاع.
وينقسم الرزق إلى رزق الظواهر ورزق السرائر، ذلك وجود النعم وهذا شهود الكَرَم بل الخمود في وجود القِدَم.
وللقلب رزق وهو التحقيق من حيث العرفان، وللروح رزق وهو المحبة بصدق التحرر عن الأكوان، وللسِّر رزق وهو الشهود الذي يكون للعبد وهو قرين العيان.
قوله { ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ } الإشارة من ذكر الضأن أن يتأدَّب العبدُ باستدامة السكون والتزام حُسْنِ الخُلُق، فإِنَّ الضانية مستسلمةٌ لمن يلي عليها، فلا بصياحها تُؤذِي ولا (بـ.... وها)، يعني كذلك سبيل من وَطُئَ هذا البساط.
وكذلك " في الإبل آيات " منها انقيادها لمن جَرَّ زِمَامَها، واستناختها حيثما تُنَاخ، بلا نزاع ولا اختيار. ومنها ركوبها عند الحَمْل، ومنها صبرها على مقاساة العطش، وذوبانها في السير.
الأنعام 6:145
بيَّن أَنَّ الشارعَ اللهُ، والمانعَ عن الخلْق هو الله، وما كان من غير الله فضائعٌ باطِلٌ عند الله. بيَّن أنه إذا جاء الاضطرارُ زال حكمُ الاختيار.
الأنعام 6:146
بيَّن أن ما حرَّم عليهم ضيَّعوه؛ إذ لمَّا لم يعاقبهم عليه لم يشهدوا مَكْرَه العظيم فيما ابتدعوه من قِبَلِ نفوسهم - فأهملوه ولم يحافظوا عليه، فاستوجبوا عظيم الوِزْر وأليم العجر.
الأنعام 6:147
الإشارة منه بيان تخصيص الأولياء بالرحمة وتخصيص الأعداءِ بالطرد واللعنة. والصورة الإنسانية جامعة ولكن القسمة الأزلية فاصلةٌ بينهم.
الأنعام 6:148
كذبت إقالتُهم لأنها لم تَصْدُرْ عن تصديق، فَذُمُّوا على جهالتهم وإن كانت (....) في التحقيق.
الأنعام 6:149
صَرَّحَ بان إرادته - سبحانه - لا تتقاصر عن مراد، وليس عليه اعتراض.
الأنعام 6:150
أشار إلى أَنَّ مَنْ تجرَّد عن برهانٍ يُصَرِّحه وبيان (يوضِّحهُ) فغيرُ مقبول من فاعله.
الأنعام 6:151
هذه أشياء عشرة تضمنتها هذه الآية أولها الشِرْك فإنه رأس المحرمات، والذي لا يقبل معه شيءٌ من الطاعات، وينقسم ذلك إلى شِرك جَلِيٍّ وشِرْك خَفِيِّ؛ فالجَليُّ عبادةُ الأصنامِ، والخفيُّ ملاحظةُ الأنامِ، بعين استحقاق الإعظام.
والثاني من هذه الخصال ترك العقوق، وتوقير الوالدين بحفظ ما يجب من أكيدات الحقوق.
وبعد ذلك قتل الأولاد خشية الإملاق، وإراقة دمائهم بغير استحقاق.
ثم ارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وما بدا وما استتر، ويدخل في ذلك جميع أقسام الآثام.
ثم قتل النَّفس بغير الحق، وذلك إنما يكون لفقد شفقة الخلق.
ثم مجانبة مال اليتيم والنظر إليه بعين التكريم.
ثم بذل الإنصاف في المعاملات والتوقي من جميع التبعات.
ثم الصدق في القول والعدل في الفعل.
ثم متابعة السبيل بما تشير إليه لوائح الدليل.
فَمَنْ قابل هذه الأوامر بجميل الاعتناق سعد في داريه وحظي بعظائم منزلته.
الأنعام 6:152
هذه أشياء عشرة تضمنتها هذه الآية أولها الشِرْك فإنه رأس المحرمات، والذي لا يقبل معه شيءٌ من الطاعات، وينقسم ذلك إلى شِرك جَلِيٍّ وشِرْك خَفِيِّ؛ فالجَليُّ عبادةُ الأصنامِ، والخفيُّ ملاحظةُ الأنامِ، بعين استحقاق الإعظام.
والثاني من هذه الخصال ترك العقوق، وتوقير الوالدين بحفظ ما يجب من أكيدات الحقوق.
وبعد ذلك قتل الأولاد خشية الإملاق، وإراقة دمائهم بغير استحقاق.
ثم ارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وما بدا وما استتر، ويدخل في ذلك جميع أقسام الآثام.
ثم قتل النَّفس بغير الحق، وذلك إنما يكون لفقد شفقة الخلق.
ثم مجانبة مال اليتيم والنظر إليه بعين التكريم.
ثم بذل الإنصاف في المعاملات والتوقي من جميع التبعات.
ثم الصدق في القول والعدل في الفعل.
ثم متابعة السبيل بما تشير إليه لوائح الدليل.
فَمَنْ قابل هذه الأوامر بجميل الاعتناق سعد في داريه وحظي بعظائم منزلته.
الأنعام 6:153
هذه أشياء عشرة تضمنتها هذه الآية أولها الشِرْك فإنه رأس المحرمات، والذي لا يقبل معه شيءٌ من الطاعات، وينقسم ذلك إلى شِرك جَلِيٍّ وشِرْك خَفِيِّ؛ فالجَليُّ عبادةُ الأصنامِ، والخفيُّ ملاحظةُ الأنامِ، بعين استحقاق الإعظام.
والثاني من هذه الخصال ترك العقوق، وتوقير الوالدين بحفظ ما يجب من أكيدات الحقوق.
وبعد ذلك قتل الأولاد خشية الإملاق، وإراقة دمائهم بغير استحقاق.
ثم ارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وما بدا وما استتر، ويدخل في ذلك جميع أقسام الآثام.
ثم قتل النَّفس بغير الحق، وذلك إنما يكون لفقد شفقة الخلق.
ثم مجانبة مال اليتيم والنظر إليه بعين التكريم.
ثم بذل الإنصاف في المعاملات والتوقي من جميع التبعات.
ثم الصدق في القول والعدل في الفعل.
ثم متابعة السبيل بما تشير إليه لوائح الدليل.
فَمَنْ قابل هذه الأوامر بجميل الاعتناق سعد في داريه وحظي بعظائم منزلته.
الأنعام 6:154
يهوِّن عليهم مشقة مقاساة التكليف بما ذكر من التعريف بأنَّ الذين كانوا قبلنا كانوا في الضعف والعجز مثلها، ثم صَبرُوا فظَفروا، وأخْلَصُوا فخَلُصُوا.
الأنعام 6:155
إنزال الكتاب عليهم تحقيق للإيجاب، وإذا بَقِيَ العبدُ عن سماع الخطاب تسلى بقراءة الكتاب، ومن لم يجدْ في قراءة القرآن كمالَ العيشِ والإِنس فَلأنَّه يقرأ ترسماً لا تحققاً.
الأنعام 6:156
قوله جلّ ذكره: { أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ }.
أزاح كلَّ عِلَة، وأبدى كل وصلة، فلم يُبْقِ لك تعللا، ولا في آثار الالتجاء إلى العذر موضعاً.
قوله جلّ ذكره: { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ }.
عقوبةُ كلِّ جُرْمٍ مؤجلة، وعقوبة التكذيب معجلة، وهي ما يوجب بقاءهم في أَسْرِ الشك حتى لا يستقر قلبهم على شيء.
الأنعام 6:157
قوله جلّ ذكره: { أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ }.
أزاح كلَّ عِلَة، وأبدى كل وصلة، فلم يُبْقِ لك تعللا، ولا في آثار الالتجاء إلى العذر موضعاً.
قوله جلّ ذكره: { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ }.
عقوبةُ كلِّ جُرْمٍ مؤجلة، وعقوبة التكذيب معجلة، وهي ما يوجب بقاءهم في أَسْرِ الشك حتى لا يستقر قلبهم على شيء.
الأنعام 6:158
أخبر أنه بعدما (أزاح) لهم العلل اقترحوا ما ليس لهم، واغتروا بطول السلامة لهم، ثم بيَّن أنه إذا أمضى عقوبة عبدٍ حُكْماً فلا معارِضَ لتقديره، ولا مُناقِضَ لتدبيره.
الأنعام 6:159
اتفقوا بأبدانهم وافترقوا بقلوبهم، فكانوا مجتمعين جهراً بجهر؛ متفرقين - في التحقيق - سِرَّاً بِسِرٍّ.
قوله: { لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ }. لا نجمعك وإياهم، يعني شِقُّكَ شقُّ الحقائق، وشِقُّهم شِقُّ الباطل، ولا اجتماعَ للضدين.
الأنعام 6:160
قوله جلّ ذكره: { مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا }.
هذه الحسنات للظاهر: وأمَّا حسنات القلوب فللواحد مائة إلى أضعاف مضاعفة.
ويقال الحسنة من فضله تعالى تَصْدُر، وبلطفه تحصل، فهو يُجْرِي، ثم يَقْبَلُ ويثني، ثم يجازي ويُعطي.
ويقال إحسانه - الذي هو التوفيق - يوجِبُ إحسانك الذي هو الوفاق، وإحسانه - الذي هو خَلق الطاعة - يوجِبُ لك نعت الإحسان الذي هو الطاعة؛ فالعناءُ منك فِعْلُه والجزاءُ لكَ فَضْلُه.
ويقال إحسان النفوس تَوْفِيَة الخدمة، وإحسان القلوب حفظ الحرمة، وإحسان الأرواح مراعاة آداب الحشمة.
ويقال إحسان الظاهر يوجب إحسانه في السرائر فالذي منك مجاهدتُك، والذي إليك مشاهدتك.
ويقال إحسان الزاهدين ترك الدنيا، وإحسان المريدين رفض الهوى، وإحسان العارفين قطع المنى، وإحسان الموحدين التخلِّي عن الدنيا والعقبى، والاكتفاء بوجود المولى.
ويقال إحسان المبتدئين الصدق في الطلب، وإحسان أصحاب النهاية حفظ الأدب، فشرطُ الطلبِ ألا يبقى ميسورٌ إلاَّ بَذَلْتَه، وشرط الأدب ألا تسمو لك هِمَّةٌ إلى شيءٍ إلا قطعتَه وتركته.
ويقال للزهاد والعبَّاد، وأصحاب الأوراد وأرباب الاجتهاد جزاءٌ محصور معدود ولأهل المواجيد لقاء غير مقطوع ولا ممنوع.
قوله جلّ ذكره: { وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }.
يعني (يُكالُ) عليه بالكيل الذي يكيل، ويُوقَفُ حيث يرضى لنفسه بأن يكون له موقفاً.
الأنعام 6:161
أرشده إلى الطريق الصحيح. ولا يكون الإرشاد إليه إلا بانسداد الطرق أجمع إلى سواه. ومَنْ وَجَدَ سبيلاً إلى مخلوق عرج في أوطان الحسبان لأن الأغيار ليس لها من الإبداع شظية، ومن سلك إلى مخلوق سبيلاً وأبرم فيهم تأميلاً أو قدَّم عليهم تعويلاً، فقد استشعر تسويلاً، وجُرِّعَ تضليلاً.
و " الصراط المستقيم " ألاَّ ترى من دونه مثبتاً لذرةٍ ولا سنة.
و " الدين القيم " ما لا تمثيلَ فيه ولا تعطيل، ولا نفي للفَرْقِ الذي يشير إلى العبودية، ولا رد للجمع الذي هو شهود الربوبية.
والحنيف المائل إلى الحق، الزائغ عن الباطل، الحائل عن ضد الحقيقة.
الأنعام 6:162
مَنْ كوشِفَ بحقائق التوحيد شَهدَ أن القائم عليه والمجري عليه والممسك له والمُنَقَّل إياه من وصفٍ إلى وصف، و (...) عليه فنون الحدثان - واحدٌ لا يشاركه قسيم، وماجِدٌ لا يضارعه نديم.
ويقال مَنْ عَلمَ أنه بالله علم أنه لله، فإذا علم لله لم يَبقَ فيه نصيب لغير الله؛ فهو مستسلمٌ لحكم الله، لا مُعْتَرِضٌ على تقدير الله، ولا معارِضٌ لاختيار الله، ولا مُعْرِضٌ عن اعتناق أمر الله.
الأنعام 6:163
مَنْ كوشِفَ بحقائق التوحيد شَهدَ أن القائم عليه والمجري عليه والممسك له والمُنَقَّل إياه من وصفٍ إلى وصف، و (...) عليه فنون الحدثان - واحدٌ لا يشاركه قسيم، وماجِدٌ لا يضارعه نديم.
ويقال مَنْ عَلمَ أنه بالله علم أنه لله، فإذا علم لله لم يَبقَ فيه نصيب لغير الله؛ فهو مستسلمٌ لحكم الله، لا مُعْتَرِضٌ على تقدير الله، ولا معارِضٌ لاختيار الله، ولا مُعْرِضٌ عن اعتناق أمر الله.
الأنعام 6:164
كيف أوثِر عليه بَدَلاً وإني لا أجد عن حكمه حِوَلا، وكيف أقول بغيرٍ أو ضدٍ أو شريك؟ أو أقول بدونه معبود أو مقصود؟ وإنْ لاحظتُ يمنةً ما شاهدتُ إلا مُلْكَه، وإنْ طالعتُ يَسْرةً ما عايَنْتُ إلا مُلكَه! بل إني إنْ نظرتُ يمنةً شهدت يُمْنَه، وإنْ نظرتُ يَسْرةً وجدتُ نحوي يُسْرَه!.
الأنعام 6:165
صير التوبة إليكم، وقَصَرَ حكم عصركم عليكم، فأنتم المقصودون اليوم دون من هو سواكم. ثم إنه جعلكم أصنافاً، وخلقكم أخْيافاً فمنْ مُسَخَّرٍ له، مُرَفَّهٍ، مُرَوَّحٍ، يتعب لأَجْله كثيرٌ. ومن مُعَنَّيّ، وذي مشقةٍ أُدِير عليه رأسهُ. وجاء البلاءُ ليختبركم فيما آتاكم، ويمتحنكم فيما أعطاكم. إنَّ حسابه لكم لاحِقٌ، وحكمه فيكم سابق. والله أعلم.
الأعراف 7:1
هذه الحروف من المتشابه في القرآن على طريقة قوم من السَلَف، والحق - سبحانه - مستأثر بعلمها دون خلقه. وعلى طريقة قوم فلها معانٍ تُعْرَف، وفيها إشارات إلى أشياء توصَف: فالألِف تشير إلى أُلفة الأرواح العطرة أصابت الشكلية مع بعض الأرواح العطرة، فهي - في التحقيق - في ذلك المعنى كالمتحدة؛ فمنه تقع الألفة بين المتشاكين، ولأجل اتحاد المقصود يتفق القاصدون.
ويقال أَلِفَ القلبُ حديثَه فلم يحتشم من بَذْل روحه.
ويقال الألف تجرُّد مَنْ قَصَدَه عن كل غَيْرٍ فلم يتصل بشيء، وحين استغنى عن كل شيء اتصل به كل شيء على جهة الاحتياج إليه.
ويقال صورة اللام كصورة الألف ولكن لما اتصلت بالحروف تعاقبتها الحركات كسائر الحروف؛ فمرةً أصبحت مفتوحة، ومرةً مسكونة، ومرة مرفوعة، وأمّا الألف التي هي بعيدة عن الاتصال بالعلاقات فباقية على وصف التجرد عن تعاقب الحركات عليها فهي على سكونها الأصلي.
وأمّا الصاد فتشير إلى صدق أحوال المشتاقين في القصد، وصدق أحوال العارفين في الوجد، وتشير إلى صدق قلوب المريدين وأرباب الطلب، إذ العطش نعت كلِّ قاصد، كما أن الدهشة وصف كل واحد.
ويقال الصاد تبدي محبةً للصدورِ وهو بلاء الأحباب.
ويقال الصاد تطالبك بالصدق في الود، وأمارة الصدق في الود بلوغ النهاية والكمال، حتى لا يزيد بالبر، ولا ينقص بالمنع.
الأعراف 7:2
كتاب الأحباب تحفة الوقت، وشفاءٌ لمقاساة ألم البعد، وهو لداء الضنى مُزِيل، ولشفاء الشكِّ مُقِيل، وقال تعالى: { فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ } ولم يقل: في قلبك؛ فإن قلبه - عليه السلام - في محل الشهود، ولذلك قال{ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } [الحجر: 97] وكذلك قال موسى عليه السلام:{ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي } [طه: 25]. وقال للمصطفى صلوات الله عليه:{ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } [الشرح: 1]. فإن القلب في محل الشهود، وهو أبداً بدوام أُنْس القرب، قال صلى الله عليه وسلم: " تنام عيني ولا ينام قلبي " وقال: " أسألك لذة النظر " وصاحب اللذة لا يكون له حرج.
الأعراف 7:3
اسْتَسْلِموا لمطالبات التقدير، قِفُوا حيثما وقفتم، وتحققوا بما عرفتم، وطالعوا بما كوشفتم، ولا تلاحظوا غيراً، ولا تركنوا إلى عِلَّةٍ، ولا تظنوا أن لكم من دونه وسيلة.
الأعراف 7:4
يعني كم من قرية ركنوا إلى الغفلة، واغتروا بطول المهلة؛ باتوا في (خَفْضِ) الدعة وأصبحوا وقد صادقتهم البلايا بغتة، وأدركتهم القضيةُ فجأة، فلا بلاء كُشِف عنهم، ولا دعاءَ سُمِع لهم، ولا فرار نَفَعَهم، ولا صريخ أنقذهم. فما زالوا يفزعون إلى الابتهال، ويصيحون: الويل! ويدعون إلى كشف الضر، ويبكون من مسِّ السوء؟! بادوا وكأنه لا عين ولا أثر، ولا لأحدٍ منهم (خبر). تلك سُنَّة الله في الذين خَلَوْا من الكافرين، وعادته في الماضين من الماردين.
الأعراف 7:5
يعني كم من قرية ركنوا إلى الغفلة، واغتروا بطول المهلة؛ باتوا في (خَفْضِ) الدعة وأصبحوا وقد صادقتهم البلايا بغتة، وأدركتهم القضيةُ فجأة، فلا بلاء كُشِف عنهم، ولا دعاءَ سُمِع لهم، ولا فرار نَفَعَهم، ولا صريخ أنقذهم. فما زالوا يفزعون إلى الابتهال، ويصيحون: الويل! ويدعون إلى كشف الضر، ويبكون من مسِّ السوء؟! بادوا وكأنه لا عين ولا أثر، ولا لأحدٍ منهم (خبر). تلك سُنَّة الله في الذين خَلَوْا من الكافرين، وعادته في الماضين من الماردين.
الأعراف 7:6
{ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ } سؤال تعنيف وتعذيب.
{ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ } سؤال تشريف وتقريب.
{ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ } عن القبول فيتقنَّعون بذل الخجل.
{ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ } عن البلاغ فيتكلمون ببيان الهيبة، فالكلُّ بِسِمةِ العبودية والتوقير، والحقُّ بنعت الكبرياء والتقدير.
الأعراف 7:7
فلنخبرنهم يومَ الفضلِ ما هو عليه اليوم، ونوقفهم على ما أسلفوه، ونقيمنهم في مقام الصَّغَارِ ومحل الخزي، وسيعلمون أنه لم يَغِبْ عن علمنا صغير ولا كبير.
ويقال أجرى الحقُّ - سبحانه - سُنَّتَه بتخويف العباد بعلمه مرة كما خوَّفهم بعقوبته تارة؛ فقال تعالى:{ وَٱتَّقُواْ يَوْماً } [البقرة: 48] يعني العذاب الواقع في ذلك اليوم، وقال في موضع آخر{ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } [آل عمران: 28] وهذا أبلغ في التخويف، وقال{ أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ } [العلق: 14].
الأعراف 7:8
يَزِنُ أعمالهم بميزان الإخلاص، وأحوالهم بميزان الصدق. فَمَعنْ كانت أعمالُهم بالرياء مصحوبة لم يَقْبَلُ أعمالَهم، ومَن كانت أحوالُهم بالإعجاب مشوبةً لم يرفع أحوالَهم.
الأعراف 7:9
يَزِنُ أعمالهم بميزان الإخلاص، وأحوالهم بميزان الصدق. فَمَعنْ كانت أعمالُهم بالرياء مصحوبة لم يَقْبَلُ أعمالَهم، ومَن كانت أحوالُهم بالإعجاب مشوبةً لم يرفع أحوالَهم.
الأعراف 7:10
سَهَّلنا عليكم أسباب المعيشة، ويسَّرنا لكم أحوال التصرف، ثم أراد منكم أَنْ تتخذوا إليه سبيلاً، ولم يعتصِ عليه مراد.
{ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } لاستعمالكم - في الخلاف - أبدانَكم، ولإنفاقكم - بالإسراف - أحوالكم، ولاستغراقكم - في الحظوظ - أوقاتكم. فلا نعمة الفراغ شكرتم، ولا من مسِّ العقوبة شكوتم... خسرتم وما شعرتم!
الأعراف 7:11
ثَبَّتْنَاكم على النعت الذي أردناكم، وأقمناكم في الشواهد التي اخترنا لكم؛ فمِنْ قبيح صورته خَلْقاً ومن مليح، ومن سقيم حالته خُلُقاً، ومن صحيح. ثم إنا نعرفكم سابِق آيادينا إلى أبيكم، ثم لاحِقَ خلافه بما بقي عِرْقٌ منه فيكم، ثم ما علمنا به (من مكان يحسدكم) ويعاديكم.
الأعراف 7:12
أي لولا قهر الربوبية جرى عليك وإلا فما مُوجِبُ امتناعك عن السجودِ لآدم لو كُنْتَ تُعَظِّم أمري؟ فيتحقق الموحدون أن موجِبَ امتناعه عن السجود الخذلانُ الحاصلُ، ولو ساعده التوفيق لم يبرح بعد من السجود.
قال: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ } ادَّعى الخيرية، وكان الواجب عليه - لولا الشقوة - أَنْ يؤثِرَ التذلَّلَ على التكبُّر، لا سيما والخطاب الوارد عليه من الحقِّ.
ثم إنه وإنْ سَلَكَ طريق القياس فلا وجه له مع النَّفس لأنه بِحَظٍّ، فلم يزِدْه قياسُه إلا في استحقاق نفيه إذ ادَّعى الخيرية بجوهره، ولم يعلم أن الخيرية بحكمه - سبحانه - وقسمته.
الأعراف 7:13
فارِقْ بساطَ القربة؛ فإنَّ التكبّرَ والترفَّعَ على البساط تركٌ للأدب، وتركُ الأدبِ يوجِب الطرد.
ويقال مَنْ رأى لنفسه محلاً أو قيمة فهو متكبِّر، والمتكبِّر بعيد عن الحق سبحانه، ورؤية المقام قَدْحٌ في الربوبية إذ لا قَدْرَ لغيره تعالى، فَمَنْ ادَّعى لنفسه محلا فقد نازع الربوبية.
الأعراف 7:14
أجاب دعاءَه في الحال ولكن كان ذلك مكراً به لأنه مكَّنه من مخالفة أمره إلى يوم القيامة، فلم يَزِدْه بذلك التمكين إلا شِقوةً. ليعلمَ الكافةُ أنه ليس كل إجابة للدعاء نعمةً ولطفاً بل قد تكون بلاءً ومكراً.
الأعراف 7:15
أجاب دعاءَه في الحال ولكن كان ذلك مكراً به لأنه مكَّنه من مخالفة أمره إلى يوم القيامة، فلم يَزِدْه بذلك التمكين إلا شِقوةً. ليعلمَ الكافةُ أنه ليس كل إجابة للدعاء نعمةً ولطفاً بل قد تكون بلاءً ومكراً.
الأعراف 7:16
جَاهَرَ الحقيقةَ بالخلاف بعدما أظهر من نفسه غايةَ الخلوص في العبودية، فَعُلِمَ أن جميع ما كان منه في سالف حاله لم يصدر عن الإخلاص والصدق.
الأعراف 7:17
أخبر أنه يأخذ عليهم جوانبَهم، ويتسلطُ عليهم من جميع جهاتهم، ولم يَعْلَمْ أن الحقَّ سبحانه قادر على حفظهم عنه، فإنَّ ما يكيد بهم مِنَ القدرةِ حَصَلَ، وبالمشيئة يوجد، ولو كان الأمر به أو إليه لَكَانَ أوْلى الخلْقِ بأنْ يُؤَثِّرَ فيه كدْحُه نَفْسَه، وحيْث لم ينفعه جهدُه في سالِف أحواله لم يضرهم كيده بما توعدهم به من سوء أفعاله.
الأعراف 7:18
أخرجه من درجته، ومن حالته ورتبته، ونقله إلى ما استوجبه من طرده ولعنته، ثم تخليده أبداً في عقوبته، ولا يذيقه ذرةً من يَرْدِ رحمته، فأصبح وهو مقدَّمٌ على الجملة، وأمسى وهو أبعد الزُّمرة، وهذه آثار قهر العِزَّة. فأيُّ كَبِدِ يسمع هذه القصة ثم لا يتفتت؟!.
الأعراف 7:19
لما أسكن آدمَ الجنةَ خَلَق معه سببَ الفتنةِ، وهو ما أكرمه به من الزوجة، وأي نقصٍ يكون في الجنة لو لم يخلق فيها تلك الشجرة التي هي شجرة المحنة لولا ما أخفى من سِرِّ القسمة؟.
الأعراف 7:20
قوله جلّ ذكره: { فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ }.
نِسْبَتُه ما حَصَلَ منهما إلى الشيطان من أمارات العناية، كانت الخطيئةُ منهما لكنَّه تعالى قال: { فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ }.
ويقال التقى آدمُ بإبليس بعد ذلك فقال: يا شَقِيُّ! وسوستَ إليَّ وفعلتُ!، فقال إبليس لآدم. يا آدم! هَبْ أنِّي إبليسُك فَمَنْ كان إبليسي!؟.
قوله جلّ ذكره: { لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا }.
وفي ذلك دلالة على عناية زائدة حيث قال: { لِيُبْدِيَ لَهُمَا } فلم يطلع على سوأتهما غيرهما.
قوله جلّ ذكره: { وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ }.
تاقت أنفسهما إلى أن يكونا مَلَكين - لا لأن رتبة الملائكة كانت أعلى من رتبة آدم عليه السلام - ولكن لانقطاع الشهوات والمنى عنهما.
ويقال لمَّا طمعا في الخلود وقعا في الخمود، ووقعا في البلا والخوف؛ وأصلُ كلِّ محنةٍ الطمعُ.
ويقال إذا كان الطمع في الجنة - وهي دار الخلود - أَوْجَبَ كُلَّ تلك المحن فالطمع في الدنيا - التي هي دار الفناء - متى يسلم صاحبه من ذلك؟ ويقال إن يكونا إنما ركنا إلى الخلود فلا لنصيبِ أنفسهما، ولكن لأجل البقاء مع الله تعالى، وهذا أَوْلى لأنه يوجب تنزيه محلِّ النبوة. وقيل ساعاتُ الوصال قصيرة وأيام الفراق طويلة، فما لبثا في دار الوصلة إلاَّ بعضاً من النهار؛ دَخَلاَ ضحوةَ النهار وخَرَجَا نِصْفَ النهار! ويقال إن الفراقَ عينٌ تصيب أهلَ الوصلة، وفي معناه قال قائلهم:إنْ تكُنْ عينٌ أصابتك فما إلا لأنَّ العين تصيب الحَسَنَا
ويقال حين تمَّتْ لهما أسباب الوصلة، وَوَطَّأَ نفوسهما على دوام البربة بدا الفراق من مكامنه فأباد من شملهما ما انتظم، كما قيل:حين تمَّ الهوى وقلنا سُرِرْنا وحَسِبْنا مِنْ الفراق أَمنَّا
بَعَثَ البَيْنُ رُسْلَه في خفاءٍ فأبادوا من شملنا ما جمعنا
الأعراف 7:21
قوله جلّ ذكره: { وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ }.
حُسْنُ ظنِّ آدم - عليه السلام - حَملَه على سكون قلبه إلى يمين العدو لأنه لم يخطر بباله أن يكذب في يمينه بالله، ثم لمَّا بان له أنه دلاَّهما بغرورٍ تاب إلى الله بصدق الندم، واعترف بأنه أساء وأجرم، فَعَلِمَ - سبحانه - صِدْقَه فيما ندم، فتداركه بجميل العفو والكرم.
قوله جلّ ذكره: { فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا }.
لم يحصل استيفاء من الأكل والاستمتاع به للنفس حتى ظهرت تباشيرُ العقاب؛ وتَنَغُّصِ الحال، وكذا صفة مَنْ آثر على الحق - سبحانه - شيئاً يبقيه عنه، فلا يكون له بما آثر استمتاع. وكذلك مَنْ ادَّخَر عن الله - سبحانه - نَفْسَه أو مالَه أو شيئاً بوجهٍ من الوجوه - لا يبارك الله فِيه، قال تعالى في صفة الأعداء:{ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ } [الحج: 11].
ويقال مَّا بَدَتْ سوأتهما احتالا في السَّتْرِ، وطَفِقَا يخصفان عليهما من ورق الجنة فبعدما كانت كسوتهما حُلَلَ الجنة ظَّلا يستتران بورق الجنة، كما قيل:لله دَرُّهمُ مِنْ فِتْيَةٍ بكروا مثل الملوك، وراحوا كالمساكين
وأنشدوا:لا تعجبوا لمذلتي فأنا الذي عَبَثَ الزمان بمهجتي فأذَلَّها
ثم إن آدم عليه السلام لم يساعده الإمكان في الاستتار بالورق إذ كانت الأشجار أجمع كلُّها تتطاول وتأبى أن يأخذ آدم - عليه السلام - شيئاً من أوراقها. وقيل ذلك كان لا يلاحِظ الجنة فكان يتيه على الكون بأسره ولكنه صار كما يقال:وكانت - على الأيام - نفسي عزيزة فلمَّا رأت صبري على الذلِّ ذلَّتِ
ولمّا أُخْرِج آدمُ من الجنة وأُسْكِن الأرض كلّف العملَ والسعيَ والزرع والغرس، وكان لا يتجدد له حال إلا تجدّد بكاؤه، وجبريل - عليه السلام - يأتيه ويقول: أهذا الذي قيل لك:{ إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ } [طه: 118].
فَلَمْ تعرِف قدره. " فَذُقْ جزايا خِلافِك " فكان يسكن عن الجزع. ويقال بل الحكم بالخنوع كما قيل:وجاشَتْ إليَّ النفسُ أوَّلَ مرةٍ وزيدت على مكروهها فاستقرتِ
قوله جلّ ذكره: { وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ }.
كانت لا تصل يدُه إلى الأوراق حين أراد قطافها ليخصفها على نفسه، فلو لم تصل يده إلى تلك الشجرة - التي هي شجرة المحنة - لكان ذلك عنايةً بشأنه، ولكن وصلت يده إلى شجرة المحنة، تتمةً للبلاء والفتنة، ولو لم تصل يده إلى شجرة الستر - إبلاغاً في القهر - لَمَا خالف الأمر، ولَمَا حَصَلَ ما حَصَلَ.
{ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ }: فكان ما دَاخَلَهما من الخجل أشدَّ من كل عقوبة؛ لأنهما لو كانا من الغيبة عند سماع النداء فإن الحضور يوجب الهيبة، فلما ناداهما بالعتاب حَلَّ بهما من الخجل ما حلّ، وفي معناه أنشدوا:واخجلتا من وقوفي وَسْطَ دَارِهمُ إذ قال لي مغضبا: من أنت يا رجل؟
الأعراف 7:22
قوله جلّ ذكره: { وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ }.
حُسْنُ ظنِّ آدم - عليه السلام - حَملَه على سكون قلبه إلى يمين العدو لأنه لم يخطر بباله أن يكذب في يمينه بالله، ثم لمَّا بان له أنه دلاَّهما بغرورٍ تاب إلى الله بصدق الندم، واعترف بأنه أساء وأجرم، فَعَلِمَ - سبحانه - صِدْقَه فيما ندم، فتداركه بجميل العفو والكرم.
قوله جلّ ذكره: { فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا }.
لم يحصل استيفاء من الأكل والاستمتاع به للنفس حتى ظهرت تباشيرُ العقاب؛ وتَنَغُّصِ الحال، وكذا صفة مَنْ آثر على الحق - سبحانه - شيئاً يبقيه عنه، فلا يكون له بما آثر استمتاع. وكذلك مَنْ ادَّخَر عن الله - سبحانه - نَفْسَه أو مالَه أو شيئاً بوجهٍ من الوجوه - لا يبارك الله فِيه، قال تعالى في صفة الأعداء:{ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ } [الحج: 11].
ويقال مَّا بَدَتْ سوأتهما احتالا في السَّتْرِ، وطَفِقَا يخصفان عليهما من ورق الجنة فبعدما كانت كسوتهما حُلَلَ الجنة ظَّلا يستتران بورق الجنة، كما قيل:لله دَرُّهمُ مِنْ فِتْيَةٍ بكروا مثل الملوك، وراحوا كالمساكين
وأنشدوا:لا تعجبوا لمذلتي فأنا الذي عَبَثَ الزمان بمهجتي فأذَلَّها
ثم إن آدم عليه السلام لم يساعده الإمكان في الاستتار بالورق إذ كانت الأشجار أجمع كلُّها تتطاول وتأبى أن يأخذ آدم - عليه السلام - شيئاً من أوراقها. وقيل ذلك كان لا يلاحِظ الجنة فكان يتيه على الكون بأسره ولكنه صار كما يقال:وكانت - على الأيام - نفسي عزيزة فلمَّا رأت صبري على الذلِّ ذلَّتِ
ولمّا أُخْرِج آدمُ من الجنة وأُسْكِن الأرض كلّف العملَ والسعيَ والزرع والغرس، وكان لا يتجدد له حال إلا تجدّد بكاؤه، وجبريل - عليه السلام - يأتيه ويقول: أهذا الذي قيل لك:{ إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ } [طه: 118].
فَلَمْ تعرِف قدره. " فَذُقْ جزايا خِلافِك " فكان يسكن عن الجزع. ويقال بل الحكم بالخنوع كما قيل:وجاشَتْ إليَّ النفسُ أوَّلَ مرةٍ وزيدت على مكروهها فاستقرتِ
قوله جلّ ذكره: { وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ }.
كانت لا تصل يدُه إلى الأوراق حين أراد قطافها ليخصفها على نفسه، فلو لم تصل يده إلى تلك الشجرة - التي هي شجرة المحنة - لكان ذلك عنايةً بشأنه، ولكن وصلت يده إلى شجرة المحنة، تتمةً للبلاء والفتنة، ولو لم تصل يده إلى شجرة الستر - إبلاغاً في القهر - لَمَا خالف الأمر، ولَمَا حَصَلَ ما حَصَلَ.
{ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ }: فكان ما دَاخَلَهما من الخجل أشدَّ من كل عقوبة؛ لأنهما لو كانا من الغيبة عند سماع النداء فإن الحضور يوجب الهيبة، فلما ناداهما بالعتاب حَلَّ بهما من الخجل ما حلّ، وفي معناه أنشدوا:واخجلتا من وقوفي وَسْطَ دَارِهمُ إذ قال لي مغضبا: من أنت يا رجل؟
الأعراف 7:23
اعترفا بالظلم جهراً، وعرفا الحكم في ذلك سِرّاً؛ فقولهما: { قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا } اعتراف بالظلم من حيث الشريعة، وعرفان بأن المدارَ على الحكم من حيث الحقيقة، فَمَنْ لم يعترف بظلم الخلْق طوى الشريعة، ومن لم يعرف جريان حكم الحق فَقَدْ جَحَدَ الحقيقة، فلمَّا أقرّا بالظلم قالا: { وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ } نطقا على عين التوحيد حيث لم يقولا بظلمنا خَسِرْنا، بل قالا: فَعَلْنَا فإنْ لم تغفر لنا خسرنا، فبِتَرْكِ غفرانك تخسر لارتكاب ظلمنا.
الأعراف 7:24
قوله جلّ ذكره: { قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ }.
أهْبَطَهم، ولكنه أهبط إبليسَ عن رتبته فوقع في اللعنة، وأهبط آدم عن بقعته فتداركتْه الرحمة.
ويقال لم يُخْرَج آدم عليه السلام من رتبة الفضيلة وإنْ أُخرِجَ عن دار الكرامة، فلذلك قال الله تعالى:{ ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ } [طه: 122] وأما إبليس - لعنةُ الله عليه - فإنه أُخْرِجَ من الحالة والرتبة؛ فلم ينتعش قط عن تلك السَّقْطة.
قوله جلّ ذكره: { وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ }.
{ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ } هذا عامٌّ { وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ }: أراد به إبليسَ على الخصوص.
الأعراف 7:25
أخبر أنه يستقبلهم اختلافُ الأحوالِ في الدنيا، ويتعاقب عليهم تفاوتُ الأطوار، فَمِنْ عُسْرٍ ومن يُسْر، ومن خير ومن شر، ومن حياةٍ ومن موت، ومن ظَفَرٍ ومِنْ فَوْت... إلى غير ذلك من الأحوال.
الأعراف 7:26
سترناكم عن الأسباب الظاهرة، ويَسَّرنا لكم ما تدفعون به صنوفَ المضار عنكم بما مَكَّنَّا لكم من وجوه المنافع.
ثم قال: { وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ } فإن اللباس الظاهر يقي آفاتِ الدنيا، ولباس التقوى يصون عن الآفات التي توجب سخط المولى، ولباس التقوى بجميع أجزاء العبد وأعضائه. وللنَّفْس لباسٌ من التقوى وهو بذل الجهد والروح والقلب، لباس من التقوى وهو صدق القصد بنفي الطمع. وللروح لباس من التقوى وهو ترك العلائق وحذف العوائق. وللسرِّ لباسٌ من التقوى وهو نفي المساكنات والتصاون من الملاحظات.
ويقال تقوى العُبَّاد ترك الحرام، وتقوى العارفين نفي مساكنة الأنام. ويقال للعوام التقوى، وللخواص للباس التقوى عن شهود التقوى.
الأعراف 7:27
قوله جلّ ذكره: { يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ }.
من أصغى إلى وساوس نفسه بأسماع الهوى وجد الشكَّ بين وسواس الشيطان وهاجس النَّفْس، ويتناصر الوسواس والهاجس وتصير خواطرُ وزواجرُ العلمِ مغمورةً مقهورةً - فعن قريبٍ تشمل تلك الهواجس والوساوس صاحبها، وينخرط في سلك موافقة الهوى فيسقط في مهواة الزلة، فإذا لم يحصل تداركٌ بوشيك التوبة صارت الحالةُ قسوةً في القلب، وإذا قسا القلبُ فارقته الحياة وتمَّ له البلاء.
قوله جلّ ذكره: { إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ }.
لا يحصل للعبد احتراس من رؤية الشيطان إياه وهو عنه غائب إلا برؤية العبد للحق - سبحانه - بقلبه، فيستغيث إليه من كيده، فيُدْخِلْه - سبحانه - في كنف عنايته فيجد الخلاص من مكر الشيطان.
الأعراف 7:28
استروحوا في التعلل إلى سلوكهم نهجَ أسلافِهِم، فاستمسكوا بحبلٍ واهٍ فزلَّت بهم أقدامُ الغرور، وقعوا في وهدة المحنة.
الأعراف 7:29
قوله جلّ ذكره: { قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ }.
القِسط العدل، ويقع ذلك في حق الله تعالى، وفي حق الخلْق، وفي حق نفسك؛ فالعدلُ في حقِّ الله الوقوفُ على حدِّ الأمر من غير تقصير في المأمور بِهِ أو إقدامٍ على المنهيِّ عنه، ثم ألا تدخِّر عنه شيئاً مما خوَّلك، ثم لا تُؤثِرَ عليه شيئاً فيما أحلَّ لك. وأمَّا العدل مع الخلْق - فعلى لسان العلم - بذلُ الإنصاف، وعلى موجِب الفتوة ترك الانتصاف. وأمَّا العدل في حق نَفْسِك فإدخال العتق عليها، وسدُّ أبواب الراحة بكل وجه عليها، والنهوض بخلافها على عموم الأحوال في كل نَفَس.
قوله جلّ ذكره: { وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ }.
الإشارة منه إلى استدامة شهوده في كل حالة، وألا تنساه لحظةً في كلِّ ما تأتيه وتذره وتقدمه وتؤخره.
قوله جلّ ذكره: { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ }.
من كانت قِسمتهُ - سبحانه - له بالسعادة كانت فطرته على السعادة، وكانت حالته بنعت السعادة، ومن كانت حالته بنعت السعادة كانت عاقبته إلى السعادة، ومن كانت القسمة له بالعكس فالحالة بالضد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كان بحالةٍ لقي الله بها ".
وجملة العلم بالقضاءِ والقَدَرِ أن يتحقق أنه علم ما يكون أنه كيف يكون، وأراد أن يكون كما علم. وما علم ألا يكون - مما جاز أن يكون أراده ألا يكون - أخبر أنه لا يكون. وهو على وجه الذي أخبر، وقضى على العبد وقدَّر أجرى عليه ما سبق به الحكم، وعلى ما قضى عليه حصل العبد على ذلك الوصف.
الأعراف 7:30
قوله جلّ ذكره: { قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ }.
القِسط العدل، ويقع ذلك في حق الله تعالى، وفي حق الخلْق، وفي حق نفسك؛ فالعدلُ في حقِّ الله الوقوفُ على حدِّ الأمر من غير تقصير في المأمور بِهِ أو إقدامٍ على المنهيِّ عنه، ثم ألا تدخِّر عنه شيئاً مما خوَّلك، ثم لا تُؤثِرَ عليه شيئاً فيما أحلَّ لك. وأمَّا العدل مع الخلْق - فعلى لسان العلم - بذلُ الإنصاف، وعلى موجِب الفتوة ترك الانتصاف. وأمَّا العدل في حق نَفْسِك فإدخال العتق عليها، وسدُّ أبواب الراحة بكل وجه عليها، والنهوض بخلافها على عموم الأحوال في كل نَفَس.
قوله جلّ ذكره: { وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ }.
الإشارة منه إلى استدامة شهوده في كل حالة، وألا تنساه لحظةً في كلِّ ما تأتيه وتذره وتقدمه وتؤخره.
قوله جلّ ذكره: { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ }.
من كانت قِسمتهُ - سبحانه - له بالسعادة كانت فطرته على السعادة، وكانت حالته بنعت السعادة، ومن كانت حالته بنعت السعادة كانت عاقبته إلى السعادة، ومن كانت القسمة له بالعكس فالحالة بالضد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كان بحالةٍ لقي الله بها ".
وجملة العلم بالقضاءِ والقَدَرِ أن يتحقق أنه علم ما يكون أنه كيف يكون، وأراد أن يكون كما علم. وما علم ألا يكون - مما جاز أن يكون أراده ألا يكون - أخبر أنه لا يكون. وهو على وجه الذي أخبر، وقضى على العبد وقدَّر أجرى عليه ما سبق به الحكم، وعلى ما قضى عليه حصل العبد على ذلك الوصف.
الأعراف 7:31
قوله جلّ ذكره: { يَابَنِيۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ }.
على لسان العلم: يجب سَتْرُ العَوْرة في الصلاة، وعلى موجِب الإشارة: زينة العبد بحضور الحضرة، ولزوم السُّدَّة، واستدامة شهود الحقيقة.
ويقال زينة نفوس العابدين آثار السجود، وزينة قلوب العارفين أنوار الوجود؛ فالعبد على الباب بنعت العبودية، والعارف على البساط بحكم الحرية. وشتَّان بين عبدٍ وعبد!.
قوله جلّ ذكره: { وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ }.
الإسراف ما تناولته لَكَ ولو بقدر سمسمة.
ويقال الإسراف هو التعدي عن حدِّ الاضطرار فيما يتضمن نصيباً لك أو حظّاً بأي وجهٍ كان.
الأعراف 7:32
الإشارة منها إلى زينة السرائر؛ فزينة العابدين آثار التوفيق، وزينة الواجدين أنوار التحقيق، وزينة القاصدين ترك العادة، وزينة العابدين حسن العبادة.
ويقال زينةُ النفوس صدارُ الخدمة، وزينة القلوب حفظ الحرمة، وزينة الأرواح الإطراق بالحضرة باستدامة الهيبة والحشمة.
ويقال زينة اللسان الذكر وزينة القلب الشكر.
ويقال زينة الظاهر السجود وزينة الباطن الشهود.
ويقال زينة النفوس حسن المعاملة من حيث المجاهدات، وزينة القلوب دوام المواصلة من حيث المشاهدات.
ومعنى قوله: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ } يعني إن الله لم يمنع هذه الزينة عمن تعرض لوجدانها، فمن تصدى لطلبها فهي مباحة له من غير تأخير قصود.
قوله جلّ ذكره: { وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ }.
أرزاق النفوس بحكم أفضاله سبحانه، وأرزاق القلوب بموجب إقباله تعالى.
ويقال أرزاق المريدين إلهام ذكر الله، وأرزاق العارفين الإكرام بنسيان ما سوى الله.
الأعراف 7:33
ما ظهر منها الزَّلَّةُ، وما بطن منها الغفلةُ.
ويقال ما ظهر منها كان بنسيان الشريعة، وما بطن بإشارة الحقيقة.
ويقال لقومٍ تركُ الرخص يكون علة، والأوْلى بهم والأفضل لهم الأخذ به. وقومٌ لو ركنوا إلى الرُّخص لقامت عليهم القيامة.
ويقال فاحشة الخواص تتبع ما لأنفسهم فيه نصيب ولو بذرة ولو بذرة أو سِنَّة.
ويقال فاحشة الأحبابِ الصبر على المحبوب.
ويقال فاحشةُ الأحبابِ أن تبقى حيَّاً وقد منيت بالفراق، قال قائلهم:لا عيشَ بعد فراقهم هذا هو الخطب الأَجَلُّ
ويقال فاحشة قومٍ أن يلاحظوا غيراً بعين الاستحقاق، قال قائلهم:يا قُرَّةَ العين سَلْ عيني هل اكتحلت بمنظر حسنٍ مذ غبت عن عيني؟
ويقال فاحشة قوم أن تبقى لهم قطرةُ من الدمع ولم يسكبوها للفرقة، أو يبقى لهم نَفَسٌ لم يَتَنَفُّسوا به في حسرة، وفي معناه أنشدوا:لئن بقِيَتْ في العين منِّي دمعةٌ فإني إذاً في العاشقين دخيلُ
الأعراف 7:34
لكلِّ قوم مدةٌ مضروبةٌ، فإذا تناهت تلك المدة زالت تلك الحالة؛ فلنعمةِ المُتْرَفِين مُدَّةٌ، فإذا زالت فليس بعدها إلا الشِّدّة، ولمحنةِ المستضعفين مدةٌ فإذا انقضت تلك المدة زالت تلك الشدة.
ويقال إذا سقط قرصُ الشمس زال سلطانُ النهار فلا يزداد بعده إلا تراكم الظلمة، فإذا ارتحلت عساكرُ الظلام بطلوع الفجر فبعد ذلك لا تبقى فيه للنهار تهمةٌ.
الأعراف 7:35
إذا أتاكم الرُّسُلُ فلا تركنوا إلى مجوزاتِ الظنون، واحملوا الأمرَ على الجِدِّ فإنَّا - مع استغنائنا على الأغيار، وتَقَدُّسِنا عن المنافع والمضار - نُطَالِبُ بالقليل والكثير، ونحاسِبُ على النقير والقطمير.
الأعراف 7:36
مَنْ قَابَلَ ربوبيتَنا بالجُحْدِ، وحكمنا بالرد، لقِيَ الهوانَ، وقاسى الآلام والأحزان، ثم العَجْزُ يلجئه إلى الخنوع، ولكن بعد ألا ينفع ولا يسمع.
الأعراف 7:37
يصيبهم من الكتاب ما سبق لهم به الحكم، فمن جرى بسعادته الحكمُ وقع عليه رقم السعادة، ومن سبق بشقاوته الحكمُ حُقَّ عليه عَلَمُ الشقاوة.
ويقال من سبقت له قسمة السعادة فلو وقع في قَعْرِ اللَّظَى تداركتْه العنايةُ وأخرجتْه الرحمةُ، ومَنْ سَبَقَتْ له قسمةُ الشقاوةِ.. فلو نزل الفراديس تداركته السخطة وأخرجته اللعنة.
الأعراف 7:38
آثار إعراض الحق عنهم أورثَتْ لهم وحشةَ الوقت؛ تبرَّم بعضُهم ببعض، وضاق كلُّ واحدٍ منهم عن كل شيء حتى عن نفسه، فدعا بعضهم على بعض، وتبرَّأ بعضهم من بعض، وكذلك صفة المطرودين.
الأعراف 7:39
آثار إعراض الحق عنهم أورثَتْ لهم وحشةَ الوقت؛ تبرَّم بعضُهم ببعض، وضاق كلُّ واحدٍ منهم عن كل شيء حتى عن نفسه، فدعا بعضهم على بعض، وتبرَّأ بعضهم من بعض، وكذلك صفة المطرودين.
الأعراف 7:40
قوله جلّ ذكره: { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ }.
فلا دعاؤهم يُسمَع، ولا بكاؤهم ينفع، ولا بلاؤهم يكشف، ولا عناؤهم يُرْفَع.
قوله جلّ ذكره: { وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ }.
كما أحاطت العقوبات بهم في الدنيا فَتَدَنَّس بالغفلة باطنُهم، وتلوَّثَ بالزَّلة ظاهرهم، فكذلك أحاطت العقوبات بجوانبهم؛ فَمِنْ فوقهم عذاب ومن تحتهم عذاب، وكذلك من جوانبهم في القلب من ضيق العيش واستيلاء الوحشة ما يفي ويزيد على الكل.
الأعراف 7:41
قوله جلّ ذكره: { إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ }.
فلا دعاؤهم يُسمَع، ولا بكاؤهم ينفع، ولا بلاؤهم يكشف، ولا عناؤهم يُرْفَع.
قوله جلّ ذكره: { وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ }.
كما أحاطت العقوبات بهم في الدنيا فَتَدَنَّس بالغفلة باطنُهم، وتلوَّثَ بالزَّلة ظاهرهم، فكذلك أحاطت العقوبات بجوانبهم؛ فَمِنْ فوقهم عذاب ومن تحتهم عذاب، وكذلك من جوانبهم في القلب من ضيق العيش واستيلاء الوحشة ما يفي ويزيد على الكل.
الأعراف 7:42
رفعنا عن ظاهرهم وباطنهم كلفة العمل فيسَّرنا عليهم الطاعاتِ بحسن التوفيق، وخَفَّفْنَا عنهم العباداتِ بتقليل التكليف.
الأعراف 7:43
قوله جلّ ذكره: { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَٰرُ }.
طهرنا قلوبهم من كل غش، واستخلصنا أسرارهم عن كل آفة. وطَهَّرَ قلوب العارفين من كل حظ وعلاقة، كما طهَّر قلوب الزاهدين عن كل رغبة ومُنْية، وطهَّر قلوب العابدين عن كل تهمة وشهوة، وطهَّر قلوب المحبين عن محبة كل مخلوق وعن غل الصدر - كل واحد على قدر رتبته.
ويقال لمَّا خَلَق الجنة وَكَلَ ترتبيها إلى رضوان، والعرش ولي حفظه إلى الجملة، والكعبة سلَم مفتاحها إلى بني شيبة، وأمَّا تطهير صدور المؤمنين فتولاّه بنفسه.
وقال: { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ }.
ويقال إذا نزع الغل من الصدور مِنْ قِبَله فلا محلّ للغرم الذي لزمهم بسبب الخصوم حيث كان منه سبحانه وجه آدائه.
قوله جلّ ذكره: { وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ }.
في قولهم اعترافٌ منهم وإقرارٌ بأنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من جزيل تلك العطيات، وعظيم تلك الرتب والمقامات بجهدهم واستحقاق فعلهم، وإنما ذلك أجمع ابتداء فضل منه ولطف.
قوله جلّ ذكره: { وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }.
تسكينٌ لقلوبهم، وتطييبٌ لهم، وإلا فإذا رأوا تلك الدرجات علموا أن أعمالهم المشوبة بالتقصير لم توجب لهم كل تلك الدرجات.
الأعراف 7:44
اعترف أهل النار بحقيقة الدِّين، وأقروا بسوء ما عملوا، ولكن حين لم ينفعهم إقرارٌ بحالٍ من الأحوال.
الأعراف 7:45
اعترف أهل النار بحقيقة الدِّين، وأقروا بسوء ما عملوا، ولكن حين لم ينفعهم إقرارٌ بحالٍ من الأحوال.
الأعراف 7:46
قوله جلّ ذكره: { وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ }.
ذلك الحجاب الذي بينهما حصل من الحجاب السابق؛ لمَّا حُجِبُوا في الابتداء في سابق القسمة عما خُصَّ به المؤمنون من القربة والزلفة حُجِبوا في الانتهاء عما خَصَّ به السعداء من المغفرة والرحمة.
ويقال حجاب وأي حجاب! لا يُرفَع بحيلة ولا تنفع معه وسيلة.
حجابٌ سبق به الحكم قبل الطاعة والجُرْم.
قوله جلّ ذكره: { وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ }.
هؤلاء الأشراف خصوا بأنوار البصائر اليوم فأشرفوا على مقادير الخلْق بأسرارهم، ويشرفون غداً على مقامات الكل وطبقات الجميع بأبصارهم.
ويقال يعرفونهم غداً بسيماهم التي وجدوهم عليها في دنياهم؛ فأقوامٌ موسومون بأنوار القرب، وآخرون موسومون بأنوار الرد والحجب.
قوله جلّ ذكره: { وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ }.
سَلِمُوا اليومَ عن النكرة والجحودِ، وأكرِمُوا بالعرفان والتوحيد.
وسلموا غداً من فنون الوعيد، وسَعِدُوا بلطائف المزيد. وتحققوا أنهم بلغوا من الرتب ما لم يَسْمُ إليه طرْفُ تأميلهم، ولم يُحِطْ بتفصيله كُنْهُ عقولهم.
الأعراف 7:47
إنما يصرف أبصارهم اليومَ تقديراً عليهم عظيم المِنّة التي بها نجاتُهم، فيزيدون في الاستغاثة وصدق الابتهاء، فتكمل بهم العارفة بإدامة ما لاطفهم به من الإيواء والحفظ.
الأعراف 7:48
ذلك ما يرون عليهم من غبار الرد وأمارات البعد، وهي مما لا يخفى على ذي عينين، فيقولون لهم: هل يُغْنِي عنكم ما ركنتم إليه من أباطيلكم، وسكنتم إليه من فاسد ظنونكم، وباطل تأويلكم؟ فشاهِدوا - اليومَ - تخصيص الحق لمن ظننتم أنهم ضعفاؤكم، وانظروا هل يغني عنكم الذين زعمتم أنهم أولياؤكم وشركاؤكم؟
الأعراف 7:49
ذلك ما يرون عليهم من غبار الرد وأمارات البعد، وهي مما لا يخفى على ذي عينين، فيقولون لهم: هل يُغْنِي عنكم ما ركنتم إليه من أباطيلكم، وسكنتم إليه من فاسد ظنونكم، وباطل تأويلكم؟ فشاهِدوا - اليومَ - تخصيص الحق لمن ظننتم أنهم ضعفاؤكم، وانظروا هل يغني عنكم الذين زعمتم أنهم أولياؤكم وشركاؤكم؟
الأعراف 7:50
دلَّت الآية على أن من أواخر ما يبقى على الإنسان الأكل والشربَ؛ فإنهم في تلك العقوبات الشديدة يقع عليهم الجوعُ والعطش حتى يتضرعون كلَّ ذلك التضرع؛ فيطلبون شربة ماء أو لقمة طعام وهم في غاية الآلام، والعادة - اليومَ - أن من كان في ألم شديد لا يأكل ولا يشرب، وهذا شديد.
ثم أَبْصِرْ كيف لا يسقيهم قطرةً - مع استغنائه عن تعذيبهم، وقدرتِه على أن يعطيه ما يريدون! ولكنه قهر الربوبية وعِزُّ الأحدية، وأنه فَعَّالٌ لما يريد. فكما لم يرزقهم - اليومَ - من عرفانه ذرة، لا يسقيهم غداً في تلك الأحوال قطرة، وفي معناه أنشدوا:وأَقْسَمْنَ لا يسقيننا - الدهرَ - قطرةً ولو فُجِّرت من أرضهن بحورُ
ويقال إنما يطلبون الماء ليبكوا به بعدما نفدت دموعهم، وفي هذا المعنى قيل:يا نازحاً نَزَفَتْ دمعي قطيعتُه هَبْ لي من الدمعِ ما أبكي عليكَ به
وفي هذا المعنى أنشدوا.جرف البكاءُ دموعَ عينك فاستعِرْ عيناً لغيرك دمعها مدرار
مَنْ ذا يُعيرك عينَه تبكي بها أرأيتَ عيناً للبكاء تُعار؟
قوله جلّ ذكره: { ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَٰتِنَا يَجْحَدُونَ }.
كما تركوا أمره وضيَّعوه تركهم في العقوبة، ولا (...) فيما يشكون، فتأتي عليهم الأحقاب، فلا كشف عذاب، ولا بَرْد شراب، ولا حسن جواب، ولا إكرامٌ بخطاب. ذلك جزاءٌ لِمَنْ يعرف قَدْرَ الوصلة في أوقات المهلة.
الأعراف 7:51
دلَّت الآية على أن من أواخر ما يبقى على الإنسان الأكل والشربَ؛ فإنهم في تلك العقوبات الشديدة يقع عليهم الجوعُ والعطش حتى يتضرعون كلَّ ذلك التضرع؛ فيطلبون شربة ماء أو لقمة طعام وهم في غاية الآلام، والعادة - اليومَ - أن من كان في ألم شديد لا يأكل ولا يشرب، وهذا شديد.
ثم أَبْصِرْ كيف لا يسقيهم قطرةً - مع استغنائه عن تعذيبهم، وقدرتِه على أن يعطيه ما يريدون! ولكنه قهر الربوبية وعِزُّ الأحدية، وأنه فَعَّالٌ لما يريد. فكما لم يرزقهم - اليومَ - من عرفانه ذرة، لا يسقيهم غداً في تلك الأحوال قطرة، وفي معناه أنشدوا:وأَقْسَمْنَ لا يسقيننا - الدهرَ - قطرةً ولو فُجِّرت من أرضهن بحورُ
ويقال إنما يطلبون الماء ليبكوا به بعدما نفدت دموعهم، وفي هذا المعنى قيل:يا نازحاً نَزَفَتْ دمعي قطيعتُه هَبْ لي من الدمعِ ما أبكي عليكَ به
وفي هذا المعنى أنشدوا.جرف البكاءُ دموعَ عينك فاستعِرْ عيناً لغيرك دمعها مدرار
مَنْ ذا يُعيرك عينَه تبكي بها أرأيتَ عيناً للبكاء تُعار؟
قوله جلّ ذكره: { ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَٰتِنَا يَجْحَدُونَ }.
كما تركوا أمره وضيَّعوه تركهم في العقوبة، ولا (...) فيما يشكون، فتأتي عليهم الأحقاب، فلا كشف عذاب، ولا بَرْد شراب، ولا حسن جواب، ولا إكرامٌ بخطاب. ذلك جزاءٌ لِمَنْ يعرف قَدْرَ الوصلة في أوقات المهلة.
الأعراف 7:52
أنزلنا عليهم من الكتاب وأوحينا إليهم من الخطاب ما لو قابلوه بالتصديق وصاحَبُوه بالتحقيق لوجدوا الشفاء من محنة البعاد، ونالوا لضياء بقرب الوداد، ووصلوا في الدنيا والعقبى إلى جميل المراد، ولكنه - سبحانه أَبَى القسمة في نصيبهم إلا الشِّقْوة.
الأعراف 7:53
إذا كُشِفَ جلالُ الغيب، وانتفت عن قلوبهم أغطيةُ الرَّيب، فلا بكاء لهم يَنْفَع، ولا دعاء منهم يُسْمَع، ولا شكوى عنهم ترْفَع، ولا بلوى من دونهم تُقْطَع.
الأعراف 7:54
تعرّف إلى الخلق بآياته الظاهرة الدالة على قدرته وهي أفعاله، وتعرّف إلى الخواص منهم بآياته الدالة على نصرته التي هي أفضاله وإقباله، وظهر لأسرار خواص الخواص بنعوته الذاتية التي هي جماله وجلاله، فشتان بين قومٍ وقوم!.
ثم كما يدخل في الظاهر الليل على النهار والنهارَ على الليل فكذلك يدخل القبض على البسط والبسط على القبض. ومنه الإشارة إلى ليل القلوب ونهار القلوب: فَمِنْ عبدٍ أحواله أجمع قبض، ومن عبدِ أحواله أجمع بسط، ومن عبيد يكون مرة بعين القبض ومرة بعين البسط كما أن بعض أقطار العالَم فيها نهار بلا ليل، وفي بعضها ليل بلا نهار، وفي بعضها ليل يدخل على نهار ونهار يدخل على ليل.
{ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ } فمنه الخير والشر، والنفع والضر، فإن له الخلْقَ والأمر.
{ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } هذه الكلمة مجمع الدعاء لاشتمالها على إفادة معنى قِدَمِه ودوامِ ثبوته من حيث يُقال بَرَكَ الطيرُ على الماء.
وأفادت معنى جلاله الذي هو استحقاقه لنعوت العِزِّ لأنه قد تبارك أي تعظَّم. وأشارت إلى إسداد النِّعم وإتاحة الإحسان من حيث إن البَرَكَة هي الزيادة فهي مجمع الثناء والمدح للحق سبحانه.
الأعراف 7:55
قوله جلّ ذكره: { ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً }.
الأمر بالدعاء إذنٌ - في التسلِّي - لأرباب المحنة، فإنهم إلى أن يصلوا إلى كشف المحنة ووجود المأمول استروحوا إلى روْح المناجاة في حال الدعاء؛ والدعاء نزهةٌ لأرباب الحوائج، وراحةٌ لأصاحب المطالبات، ومعجل من الإِنس بما (...) إلى القلب عاجل التقريب. وما أخلص عبدٌ من دعائه إلى رَوَّحَ - سبحانه - في الوقت قلبَه.
ويقال علَّمهم آداب الدعاء حيث قال: { تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً } وهذا أدب الدعاء؛ أن يَدْعُوا بوصف الافتقار والانكسار ونشر الاضطرار. ومن غاية ما تقرر لديك نعت كرمه بك أنه جعل إمساكَكَ عن دعائه - الذي لا بد منه - اعتداء منك.
قوله جلّ ذكره: { وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ }.
من الإفساد بعد الإصلاح إحمالُ النفس عن المجاهدات بخلع عذارها حتى تتبع هواها بعدما كَبَحْتَ لجامَها مدةً عن العَدْوِ في ميدان الخلاف، ومن ذلك إرسالُ القلب في أودية المنى بعد إمساكه على أوصاف الإرادة، ومن ذلك الرجوعُ إلى الحظوظ بعد القيام بالحقوق، ومن ذلك استشعارُ محبة المخلوق بعد تأكيد العقد معه بألا تحب سواه، ومن ذلك الجنوحُ إلى تتبع الرُّخص في طريق الطلب بعد حمل النَّفْس على ملازمة الأَوْلى والأشَق، ومن ذلك الانحطاطُ بِحَظٍّ إلى طلبِ مقامٍ منه أو إكرام، بعد القيام معه بترك كل نصيب.
وفي الجملة: الرجوعُ من الأعلى إلى الأدنى إفسادٌ في الأرض بعد الإصلاح.
قوله جلّ ذكره: { إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ }.
يقال المحسنين عملاً والمحسنين أملاً، فالأول العابدون والثاني العاصون.
ويقال المحسن من كان حاضراً بقلبه غير لاهٍ عن ربِّه ولا ناسياً لِحقِّه.
ويقال المحسن القائم بما يلزم من الحقوق.
ويقال المحسن الذي لم يخرج (...) عن إحسانه بقدر الإمكان ولو بشطر كلمة.
الأعراف 7:56
قوله جلّ ذكره: { ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً }.
الأمر بالدعاء إذنٌ - في التسلِّي - لأرباب المحنة، فإنهم إلى أن يصلوا إلى كشف المحنة ووجود المأمول استروحوا إلى روْح المناجاة في حال الدعاء؛ والدعاء نزهةٌ لأرباب الحوائج، وراحةٌ لأصاحب المطالبات، ومعجل من الإِنس بما (...) إلى القلب عاجل التقريب. وما أخلص عبدٌ من دعائه إلى رَوَّحَ - سبحانه - في الوقت قلبَه.
ويقال علَّمهم آداب الدعاء حيث قال: { تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً } وهذا أدب الدعاء؛ أن يَدْعُوا بوصف الافتقار والانكسار ونشر الاضطرار. ومن غاية ما تقرر لديك نعت كرمه بك أنه جعل إمساكَكَ عن دعائه - الذي لا بد منه - اعتداء منك.
قوله جلّ ذكره: { وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ }.
من الإفساد بعد الإصلاح إحمالُ النفس عن المجاهدات بخلع عذارها حتى تتبع هواها بعدما كَبَحْتَ لجامَها مدةً عن العَدْوِ في ميدان الخلاف، ومن ذلك إرسالُ القلب في أودية المنى بعد إمساكه على أوصاف الإرادة، ومن ذلك الرجوعُ إلى الحظوظ بعد القيام بالحقوق، ومن ذلك استشعارُ محبة المخلوق بعد تأكيد العقد معه بألا تحب سواه، ومن ذلك الجنوحُ إلى تتبع الرُّخص في طريق الطلب بعد حمل النَّفْس على ملازمة الأَوْلى والأشَق، ومن ذلك الانحطاطُ بِحَظٍّ إلى طلبِ مقامٍ منه أو إكرام، بعد القيام معه بترك كل نصيب.
وفي الجملة: الرجوعُ من الأعلى إلى الأدنى إفسادٌ في الأرض بعد الإصلاح.
قوله جلّ ذكره: { إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ }.
يقال المحسنين عملاً والمحسنين أملاً، فالأول العابدون والثاني العاصون.
ويقال المحسن من كان حاضراً بقلبه غير لاهٍ عن ربِّه ولا ناسياً لِحقِّه.
ويقال المحسن القائم بما يلزم من الحقوق.
ويقال المحسن الذي لم يخرج (...) عن إحسانه بقدر الإمكان ولو بشطر كلمة.
الأعراف 7:57
قوله جلّ ذكره: { وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ }.
تباشير القرب تتقدم فيتأدّى نسيمُه إلى مشام الأسرار، وكذلك آثار الإعراض تتقدم فتوجد ظلمة القبض في الباطن، فظلُّ الوحشة يتقدمها، ونسيم الوصلة بعدها، وفي قريبٍ منه قال قائلهم:ولقد تشمَّمْتُ القضاءَ لحاجتي فإذا له من راحتيك نسيم
قوله جلّ ذكره: { حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }.
الإشارة منه أنه يحصل بالمهجور ما يتأذى به الصدر ويُبَرِّحُ به الوجه ويَنْحلُ به الجسم، بل يُبْطِلُ كلَّه البعدُ، فيأتيه القُرب فيعود عود وصاله بعد الذبول طرياً، ويصير دارس حاله عقيب السقوط نديا، كما قال بعضهم:كُنّا كمن أُلْبِسَ أكفانه وقرَّب النعشُ من اللَّحد
فجالتْ الروحُ في جسمه وردَّه الوصلُ إلى المولد
الأعراف 7:58
إذا زكا الأصلُ نما الفرع، وإنْ خبُث الجوهر لم يَطبْ ما تحلَّل منه، وإن طاب العنصر فالجزء يحاكي أصله، والأَسِرَّةُ تدل على السريرة، فَمَنْ صفا باطنُ قلبه زكا ظاهرُ فعله، ومن كان بالعكس فحاله بالضد.
الأعراف 7:59
بَلَّغَ الرسالةَ فلم ينجعْ فيهم ما أظهر من الآلاء، لأنَّ محرومَ القسمة لا ينفعه مجهودُ الحيلة.
الأعراف 7:60
قوله: { لَيْسَ بِي ضَلَـٰلَةٌ }: نسبوا نوحاً - عليه السلام - إلى الضلالة، فتولَّى إجابتهم بنفسه فقال: { يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَـٰلَةٌ } ، ونبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - نُسِبَ إليه فتولَّى الحق - سبحانه - الردَّ عنه فقال:{ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ } [النجم: 2] فشتّان بين مَنْ دافع عن نفسه، وبين مَنْ دَافَع عنه ونفى عنه ربُّه!.
الأعراف 7:61
قوله: { لَيْسَ بِي ضَلَـٰلَةٌ }: نسبوا نوحاً - عليه السلام - إلى الضلالة، فتولَّى إجابتهم بنفسه فقال: { يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَـٰلَةٌ } ، ونبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - نُسِبَ إليه فتولَّى الحق - سبحانه - الردَّ عنه فقال:{ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ } [النجم: 2] فشتّان بين مَنْ دافع عن نفسه، وبين مَنْ دَافَع عنه ونفى عنه ربُّه!.
الأعراف 7:62
إني أعلم أَنِّي وإنْ بالغت في تبليغ الرسالة فمَنْ سبقت له القسمة بالشقاوة لا ينفعه نصحي، ولا يُؤَثِّرُ فيه قولي، فمَنْ أسقطته القسمةُ لم تنعشه النصيحة.
الأعراف 7:63
عجبوا مِنْ كوْنِ شخصِ رسولَ اللهِ، ولم يتعجبوا من كون الصنمِ شريكاً لله، هذا فَرْطُ الجهالة وغاية الغباء!
الأعراف 7:64
تسربلوا غِبَّ التكذيب لمَّا ذاقوا طعم العقوبة، فلم يسعدوا بما حملوه ولم يصلوا إلى ما أملَّوه.
الأعراف 7:65
قوله جلّ ذكره: { وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلٰتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ }
أخبر أنهم سلكوا طريق أسلافهم وإخوانهم، فوقعوا في وهدتهم، ومُنُوا بمثل حالتهم فلا خيرَ فيمن آثر هواه على رضاءِ الله، ولا رَبحَ مَنْ قَدَّم هواه على حقِّ الله.
قوله جلّ ذكره: { وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ }.
جعل الله الخلقَ بعضهم خَلَفاً عن بعض، فلا يُفْنِي فوجاً منهم من جنسٍ إلا أقام فوجاً منهم مِنْ ذلك الجنس. فأهل الغفلة إذا انقرضوا خَلَفَ عنهم قوم، وأهل الوصلة إذا درجوا خلف عنهم قوم، ولا ينبغي للعبد أن يسمو طَرْفُ تأميله إلى الأكابر فإن ذلك المقام مشغول بأهله، فما لم تنتهِ نوبةُ أولئك لا تنتهي النوبة إلى هؤلاء.
قوله جلّ ذكره: { وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً }.
كما زاد قوماً على من تقدمهم في بسطة الخَلْقِ زاد قوماً على من تقدمهم في بسطة الخُلُق، وكما أوقع التفاوتَ بين شخصٍ وشخص فيما يعود إلى المباني أوقع التباين بين قوم وقوم فيما يرجع إلى المعاني.
قوله جلّ ذكره: { فَٱذْكُرُوۤاْ ءَالآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.
النَّعماء عام، والآلاء خاص، فتلك تتضمن ترويح الظواهر، وهذه تتضمن التلويح في السرائر، تلك بالترويح بوجود المبار، وهذه بالتلويح بشهود الأسرار.
الأعراف 7:66
قوله جلّ ذكره: { وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلٰتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ }
أخبر أنهم سلكوا طريق أسلافهم وإخوانهم، فوقعوا في وهدتهم، ومُنُوا بمثل حالتهم فلا خيرَ فيمن آثر هواه على رضاءِ الله، ولا رَبحَ مَنْ قَدَّم هواه على حقِّ الله.
قوله جلّ ذكره: { وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ }.
جعل الله الخلقَ بعضهم خَلَفاً عن بعض، فلا يُفْنِي فوجاً منهم من جنسٍ إلا أقام فوجاً منهم مِنْ ذلك الجنس. فأهل الغفلة إذا انقرضوا خَلَفَ عنهم قوم، وأهل الوصلة إذا درجوا خلف عنهم قوم، ولا ينبغي للعبد أن يسمو طَرْفُ تأميله إلى الأكابر فإن ذلك المقام مشغول بأهله، فما لم تنتهِ نوبةُ أولئك لا تنتهي النوبة إلى هؤلاء.
قوله جلّ ذكره: { وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً }.
كما زاد قوماً على من تقدمهم في بسطة الخَلْقِ زاد قوماً على من تقدمهم في بسطة الخُلُق، وكما أوقع التفاوتَ بين شخصٍ وشخص فيما يعود إلى المباني أوقع التباين بين قوم وقوم فيما يرجع إلى المعاني.
قوله جلّ ذكره: { فَٱذْكُرُوۤاْ ءَالآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.
النَّعماء عام، والآلاء خاص، فتلك تتضمن ترويح الظواهر، وهذه تتضمن التلويح في السرائر، تلك بالترويح بوجود المبار، وهذه بالتلويح بشهود الأسرار.
الأعراف 7:67
قوله جلّ ذكره: { وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلٰتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ }
أخبر أنهم سلكوا طريق أسلافهم وإخوانهم، فوقعوا في وهدتهم، ومُنُوا بمثل حالتهم فلا خيرَ فيمن آثر هواه على رضاءِ الله، ولا رَبحَ مَنْ قَدَّم هواه على حقِّ الله.
قوله جلّ ذكره: { وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ }.
جعل الله الخلقَ بعضهم خَلَفاً عن بعض، فلا يُفْنِي فوجاً منهم من جنسٍ إلا أقام فوجاً منهم مِنْ ذلك الجنس. فأهل الغفلة إذا انقرضوا خَلَفَ عنهم قوم، وأهل الوصلة إذا درجوا خلف عنهم قوم، ولا ينبغي للعبد أن يسمو طَرْفُ تأميله إلى الأكابر فإن ذلك المقام مشغول بأهله، فما لم تنتهِ نوبةُ أولئك لا تنتهي النوبة إلى هؤلاء.
قوله جلّ ذكره: { وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً }.
كما زاد قوماً على من تقدمهم في بسطة الخَلْقِ زاد قوماً على من تقدمهم في بسطة الخُلُق، وكما أوقع التفاوتَ بين شخصٍ وشخص فيما يعود إلى المباني أوقع التباين بين قوم وقوم فيما يرجع إلى المعاني.
قوله جلّ ذكره: { فَٱذْكُرُوۤاْ ءَالآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.
النَّعماء عام، والآلاء خاص، فتلك تتضمن ترويح الظواهر، وهذه تتضمن التلويح في السرائر، تلك بالترويح بوجود المبار، وهذه بالتلويح بشهود الأسرار.
الأعراف 7:68
قوله جلّ ذكره: { وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلٰتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ }
أخبر أنهم سلكوا طريق أسلافهم وإخوانهم، فوقعوا في وهدتهم، ومُنُوا بمثل حالتهم فلا خيرَ فيمن آثر هواه على رضاءِ الله، ولا رَبحَ مَنْ قَدَّم هواه على حقِّ الله.
قوله جلّ ذكره: { وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ }.
جعل الله الخلقَ بعضهم خَلَفاً عن بعض، فلا يُفْنِي فوجاً منهم من جنسٍ إلا أقام فوجاً منهم مِنْ ذلك الجنس. فأهل الغفلة إذا انقرضوا خَلَفَ عنهم قوم، وأهل الوصلة إذا درجوا خلف عنهم قوم، ولا ينبغي للعبد أن يسمو طَرْفُ تأميله إلى الأكابر فإن ذلك المقام مشغول بأهله، فما لم تنتهِ نوبةُ أولئك لا تنتهي النوبة إلى هؤلاء.
قوله جلّ ذكره: { وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً }.
كما زاد قوماً على من تقدمهم في بسطة الخَلْقِ زاد قوماً على من تقدمهم في بسطة الخُلُق، وكما أوقع التفاوتَ بين شخصٍ وشخص فيما يعود إلى المباني أوقع التباين بين قوم وقوم فيما يرجع إلى المعاني.
قوله جلّ ذكره: { فَٱذْكُرُوۤاْ ءَالآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.
النَّعماء عام، والآلاء خاص، فتلك تتضمن ترويح الظواهر، وهذه تتضمن التلويح في السرائر، تلك بالترويح بوجود المبار، وهذه بالتلويح بشهود الأسرار.
الأعراف 7:69
قوله جلّ ذكره: { وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلٰتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ }
أخبر أنهم سلكوا طريق أسلافهم وإخوانهم، فوقعوا في وهدتهم، ومُنُوا بمثل حالتهم فلا خيرَ فيمن آثر هواه على رضاءِ الله، ولا رَبحَ مَنْ قَدَّم هواه على حقِّ الله.
قوله جلّ ذكره: { وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ }.
جعل الله الخلقَ بعضهم خَلَفاً عن بعض، فلا يُفْنِي فوجاً منهم من جنسٍ إلا أقام فوجاً منهم مِنْ ذلك الجنس. فأهل الغفلة إذا انقرضوا خَلَفَ عنهم قوم، وأهل الوصلة إذا درجوا خلف عنهم قوم، ولا ينبغي للعبد أن يسمو طَرْفُ تأميله إلى الأكابر فإن ذلك المقام مشغول بأهله، فما لم تنتهِ نوبةُ أولئك لا تنتهي النوبة إلى هؤلاء.
قوله جلّ ذكره: { وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً }.
كما زاد قوماً على من تقدمهم في بسطة الخَلْقِ زاد قوماً على من تقدمهم في بسطة الخُلُق، وكما أوقع التفاوتَ بين شخصٍ وشخص فيما يعود إلى المباني أوقع التباين بين قوم وقوم فيما يرجع إلى المعاني.
قوله جلّ ذكره: { فَٱذْكُرُوۤاْ ءَالآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.
النَّعماء عام، والآلاء خاص، فتلك تتضمن ترويح الظواهر، وهذه تتضمن التلويح في السرائر، تلك بالترويح بوجود المبار، وهذه بالتلويح بشهود الأسرار.
الأعراف 7:70
طاحوا في أودية التفرقة فلم يجدوا قراراً في ساحات التوحيد، فَشَقَّ عليهم الإعراضُ عن الأغيار، وفي معناه قال قائلهم:أراكَ بقيةً من قوم موسى فهم لا يصبرون على طعام
ويقال شخص لا يُخْرِجُه من غش التفرقة، وشخص لا يحيد لحظةً عن سَنَنِ التوحيد فهو لا يعبد إلا واحداً، وكما لا يعبد إلا واحد لا يشهد إلا واحداً، قال قائلهم:لا يهتدي قلبي إلى غيركم لأنه سُدَّ عليه الطريق
الأعراف 7:71
إذا أراد اللهُ هوانَ عبدٍ طَرَحَه في مفازات التفرقة؛ وإنَّ من علامات غضبه وإعراضه ردَّ العبد إلى شهود الأغيار، وتغريقَه إياه في بحار الظنون، إذ لا تحصيل للأغيار في معنى الإثبات.
الأعراف 7:72
لا رتبةَ فوق رتبة النبوة، ولا درجة أعلى من درجة الرسالة.
وأخبر - سبحانه - أنه نجَّى هوداً برحمته، وكذلك نجَّى الذين آمنوا معه برحمته، ليُعْلَمَ أنَّ النجاةَ لا تكون باستحقاق العمل، وإنما تكون بابتداء فضلٍ من الله ورحمته؛ فما نَجَا مَنْ نجا إلا بفضل الحق سبحانه.
الأعراف 7:73
غاير الحقُّ - سبحانه - بين الرسل من حيث الشرائع، وجمع بينهم في التوحيد؛ فالشرائع التي هي العبادات مختلفة، ولكن الكل مأمورون بالتوحيد على وجه واحد.
ثم أخبر عن إمضاءِ سُنَّتِه تعالى بإرسال الرسل عليهم السلام، وإمهال أُمَمِهم ريثما ينظرون في معجزات الرسل.
ثم أخبر عما دَرَجُوا عليه في مقابلتهم الرسل بالتكذيب تسليةً للمصطفى صلى الله عليه وسلم وعلى آله - فيما كان يقاسي من بلاء قومه.
الأعراف 7:74
أزاح علتهم في بسط الدلالة، ووسع عليهم حالتهم بتمكينهم من العطايا على ما دعت إليه حالتُهم.. فلا الدليلَ تأمَّلُوه، والسبيل لازموه، ولا النعمة عرفوا قدرها، ولا المِنَّة قدَّموا شكرها، فصادفهم من البلاء ما أدرك أشكالهم.
الأعراف 7:75
أجرى الله - سبحانه - سُنَّتَه ألا يخص بأفضاله، وجميل صنعه وإقباله - في الغالب من عباده - إلاَّ مَنْ يسمو إليه طَرْفُه بالإجلال، وأَلاَّ يوضحَ له قَدْرَه بين الأضراب والأشكال؛ فأنصار كلِّ نبي إنما هم ضعفاء وقته، ويلاحظهم أهل الغفلة بعين الاحتقار، ولكن ليس الأمر كما تذهب إليه الأوهام، ولا كما يعتقد فيهم الأنام، بل الجواهر مستورة في معادتها، وقيمة المَحَالِّ بساكنيها، قال قائلهم:وما ضرَّ نصلَ السيف إخلاقُ غمده إذا كان غَصْباً حيث وجهته وترا
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كم من أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبرَّه ".
قوله تعالى: { وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ } الحيلة تدعو إلى وِفاق الهوى؛ فتستثقل النّفْسُ قولَ الناصحين، فيخرجون عليهم وكأن الناصحين هم الغائبون، قال قائلهم:وكم سُقْتُ في آثاركم من نصيحةٍ وقد يستفيد البغضة المتنصح
الأعراف 7:76
أجرى الله - سبحانه - سُنَّتَه ألا يخص بأفضاله، وجميل صنعه وإقباله - في الغالب من عباده - إلاَّ مَنْ يسمو إليه طَرْفُه بالإجلال، وأَلاَّ يوضحَ له قَدْرَه بين الأضراب والأشكال؛ فأنصار كلِّ نبي إنما هم ضعفاء وقته، ويلاحظهم أهل الغفلة بعين الاحتقار، ولكن ليس الأمر كما تذهب إليه الأوهام، ولا كما يعتقد فيهم الأنام، بل الجواهر مستورة في معادتها، وقيمة المَحَالِّ بساكنيها، قال قائلهم:وما ضرَّ نصلَ السيف إخلاقُ غمده إذا كان غَصْباً حيث وجهته وترا
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كم من أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبرَّه ".
قوله تعالى: { وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ } الحيلة تدعو إلى وِفاق الهوى؛ فتستثقل النّفْسُ قولَ الناصحين، فيخرجون عليهم وكأن الناصحين هم الغائبون، قال قائلهم:وكم سُقْتُ في آثاركم من نصيحةٍ وقد يستفيد البغضة المتنصح
الأعراف 7:77
أجرى الله - سبحانه - سُنَّتَه ألا يخص بأفضاله، وجميل صنعه وإقباله - في الغالب من عباده - إلاَّ مَنْ يسمو إليه طَرْفُه بالإجلال، وأَلاَّ يوضحَ له قَدْرَه بين الأضراب والأشكال؛ فأنصار كلِّ نبي إنما هم ضعفاء وقته، ويلاحظهم أهل الغفلة بعين الاحتقار، ولكن ليس الأمر كما تذهب إليه الأوهام، ولا كما يعتقد فيهم الأنام، بل الجواهر مستورة في معادتها، وقيمة المَحَالِّ بساكنيها، قال قائلهم:وما ضرَّ نصلَ السيف إخلاقُ غمده إذا كان غَصْباً حيث وجهته وترا
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كم من أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبرَّه ".
قوله تعالى: { وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ } الحيلة تدعو إلى وِفاق الهوى؛ فتستثقل النّفْسُ قولَ الناصحين، فيخرجون عليهم وكأن الناصحين هم الغائبون، قال قائلهم:وكم سُقْتُ في آثاركم من نصيحةٍ وقد يستفيد البغضة المتنصح
الأعراف 7:78
أجرى الله - سبحانه - سُنَّتَه ألا يخص بأفضاله، وجميل صنعه وإقباله - في الغالب من عباده - إلاَّ مَنْ يسمو إليه طَرْفُه بالإجلال، وأَلاَّ يوضحَ له قَدْرَه بين الأضراب والأشكال؛ فأنصار كلِّ نبي إنما هم ضعفاء وقته، ويلاحظهم أهل الغفلة بعين الاحتقار، ولكن ليس الأمر كما تذهب إليه الأوهام، ولا كما يعتقد فيهم الأنام، بل الجواهر مستورة في معادتها، وقيمة المَحَالِّ بساكنيها، قال قائلهم:وما ضرَّ نصلَ السيف إخلاقُ غمده إذا كان غَصْباً حيث وجهته وترا
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كم من أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبرَّه ".
قوله تعالى: { وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ } الحيلة تدعو إلى وِفاق الهوى؛ فتستثقل النّفْسُ قولَ الناصحين، فيخرجون عليهم وكأن الناصحين هم الغائبون، قال قائلهم:وكم سُقْتُ في آثاركم من نصيحةٍ وقد يستفيد البغضة المتنصح
الأعراف 7:79
أجرى الله - سبحانه - سُنَّتَه ألا يخص بأفضاله، وجميل صنعه وإقباله - في الغالب من عباده - إلاَّ مَنْ يسمو إليه طَرْفُه بالإجلال، وأَلاَّ يوضحَ له قَدْرَه بين الأضراب والأشكال؛ فأنصار كلِّ نبي إنما هم ضعفاء وقته، ويلاحظهم أهل الغفلة بعين الاحتقار، ولكن ليس الأمر كما تذهب إليه الأوهام، ولا كما يعتقد فيهم الأنام، بل الجواهر مستورة في معادتها، وقيمة المَحَالِّ بساكنيها، قال قائلهم:وما ضرَّ نصلَ السيف إخلاقُ غمده إذا كان غَصْباً حيث وجهته وترا
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كم من أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبرَّه ".
قوله تعالى: { وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ } الحيلة تدعو إلى وِفاق الهوى؛ فتستثقل النّفْسُ قولَ الناصحين، فيخرجون عليهم وكأن الناصحين هم الغائبون، قال قائلهم:وكم سُقْتُ في آثاركم من نصيحةٍ وقد يستفيد البغضة المتنصح
الأعراف 7:80
أباح الحقُّ - سبحانه - في الشرع ما أزاح به العذر، فمن تَخَطَّ هذا الأمر وجرى على مقتضى الهوى استقبل هوانه، واستوجب إذلاله، واستجلب - باختياره - صغره.
الأعراف 7:81
أباح الحقُّ - سبحانه - في الشرع ما أزاح به العذر، فمن تَخَطَّ هذا الأمر وجرى على مقتضى الهوى استقبل هوانه، واستوجب إذلاله، واستجلب - باختياره - صغره.
الأعراف 7:82
أباح الحقُّ - سبحانه - في الشرع ما أزاح به العذر، فمن تَخَطَّ هذا الأمر وجرى على مقتضى الهوى استقبل هوانه، واستوجب إذلاله، واستجلب - باختياره - صغره.
الأعراف 7:83
أباح الحقُّ - سبحانه - في الشرع ما أزاح به العذر، فمن تَخَطَّ هذا الأمر وجرى على مقتضى الهوى استقبل هوانه، واستوجب إذلاله، واستجلب - باختياره - صغره.
الأعراف 7:84
أباح الحقُّ - سبحانه - في الشرع ما أزاح به العذر، فمن تَخَطَّ هذا الأمر وجرى على مقتضى الهوى استقبل هوانه، واستوجب إذلاله، واستجلب - باختياره - صغره.
الأعراف 7:85
خسَّت هِممُ قومِ شعيبٍ فقنعوا بالتطفيف في المكيال والميزان عند معاملاتهم، ثم إنّ الحقَ - سبحانه - لم يُساهِلْهم في ذلك ليُعْلَم أَنَّ الأقدار ليست من حيث الأخطار.
الأعراف 7:86
قوله جلّ ذكره: { وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً }.
من المعاصي ما لا يكون لازماً لصاحبه وحدَه بل يكون متعدِّياً عنه إلى غيره. ثم بِقَدْرِ الأثر في التعدِّي يحصل الضر للمبتدئ.
قوله جلّ ذكره: { وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَٱصْبِرُواْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ }.
مَنَّ عليهم بتكثير العدد لأن بالتناصر والتعاون تمشي الأمور ويحصل المراد.
ويقال كما أن كل أمرٍ بالأعوان والأنصار خيراً أو شراً، فلا نعمة فوق اتفاق الأنصار في الخير، ولا محنة فوق اتفاق الأعوان في الشر.
الأعراف 7:87
قوله جلّ ذكره: { وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً }.
من المعاصي ما لا يكون لازماً لصاحبه وحدَه بل يكون متعدِّياً عنه إلى غيره. ثم بِقَدْرِ الأثر في التعدِّي يحصل الضر للمبتدئ.
قوله جلّ ذكره: { وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَٱصْبِرُواْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ }.
مَنَّ عليهم بتكثير العدد لأن بالتناصر والتعاون تمشي الأمور ويحصل المراد.
ويقال كما أن كل أمرٍ بالأعوان والأنصار خيراً أو شراً، فلا نعمة فوق اتفاق الأنصار في الخير، ولا محنة فوق اتفاق الأعوان في الشر.
الأعراف 7:88
قوله جلّ ذكره: { قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ }.
كما أن (أهل) الخير لا يميلون إلا إلى أشكالهم فأهل الشر لا ينصرون إلا من رأوا بأنه يساعدهم على ما هم عليه من أحوالهم، والأوحد في بابه مَنْ بايَنَ نهج أضرابه.
قوله جلّ ذكره: { وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ }.
نطقوا عن صحة عزائمهم حيث قالوا: { قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ } ، ثم أقروا بالشكر حيث قالوا: { بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا } ، ثم تبرأوا عن حولهم وقوتهم حيث قالوا: { وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا } يعني إِنْ يُلْبِسنا لِباسَ الخذلان نُرَدُّ إلى الصغر والهوان.
ثم اشتاقوا إلى جميل التوكل فقالوا: { عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا } أي به وَثِقْنَا، ومنه الخيرَ أَمَّلْنا.
ثم فوضوا أمورهم إلى الله فقالوا: { رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ } فتداركهم الحقُّ - سبحانه - عند ذلك بجميل العصْمة وحسن الكفاية.
الأعراف 7:89
قوله جلّ ذكره: { قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ }.
كما أن (أهل) الخير لا يميلون إلا إلى أشكالهم فأهل الشر لا ينصرون إلا من رأوا بأنه يساعدهم على ما هم عليه من أحوالهم، والأوحد في بابه مَنْ بايَنَ نهج أضرابه.
قوله جلّ ذكره: { وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ }.
نطقوا عن صحة عزائمهم حيث قالوا: { قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ } ، ثم أقروا بالشكر حيث قالوا: { بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا } ، ثم تبرأوا عن حولهم وقوتهم حيث قالوا: { وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا } يعني إِنْ يُلْبِسنا لِباسَ الخذلان نُرَدُّ إلى الصغر والهوان.
ثم اشتاقوا إلى جميل التوكل فقالوا: { عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا } أي به وَثِقْنَا، ومنه الخيرَ أَمَّلْنا.
ثم فوضوا أمورهم إلى الله فقالوا: { رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ } فتداركهم الحقُّ - سبحانه - عند ذلك بجميل العصْمة وحسن الكفاية.
الأعراف 7:90
قوله جلّ ذكره: { وَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ }.
تواصوا فيما بينهم بتكذيب نبيِّهم، وأشار بعضهم باستشعار وقوع الفتنة بمتابعته، وكانوا مخطئين في حكمهم، مبطلين في ظنهم، فعُلِمَ أنَّ كل نصيحة لا يجب قبولها، وكل إشارة لا يَحْسُنُ اتباعُها.
قوله تعالى: { ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } كانت لهم غلبتهم في وقتهم، ولكن لما اندرست أيامُهم سَقَطَ صِيتُهم، و (خمد) ذكرهم، وانقشع سحابُ مَنْ تَوَهَّم أنَّ منهم شيئاً.
قوله جلّ ذكره: { ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ ٱلْخَاسِرِينَ }.
الحقُّ غالِبٌ في كل أمر، والباطل زاهق بكل وصف، وإذا كانت العِزَّةُ نعتَ مَنْ هو أزليُّ الوجود، وكان الجلال حقَّ مَنْ هو المَلِك فأي أثر للكثرة مع القدرة؟ وأي خطر للعلل مع الأزل؟ ولقد أنشدوا في قريبٍ من هذا:استقبلني وسيفه مسلول وقال لي واحدنا معذول
الأعراف 7:91
قوله جلّ ذكره: { وَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ }.
تواصوا فيما بينهم بتكذيب نبيِّهم، وأشار بعضهم باستشعار وقوع الفتنة بمتابعته، وكانوا مخطئين في حكمهم، مبطلين في ظنهم، فعُلِمَ أنَّ كل نصيحة لا يجب قبولها، وكل إشارة لا يَحْسُنُ اتباعُها.
قوله تعالى: { ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } كانت لهم غلبتهم في وقتهم، ولكن لما اندرست أيامُهم سَقَطَ صِيتُهم، و (خمد) ذكرهم، وانقشع سحابُ مَنْ تَوَهَّم أنَّ منهم شيئاً.
قوله جلّ ذكره: { ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ ٱلْخَاسِرِينَ }.
الحقُّ غالِبٌ في كل أمر، والباطل زاهق بكل وصف، وإذا كانت العِزَّةُ نعتَ مَنْ هو أزليُّ الوجود، وكان الجلال حقَّ مَنْ هو المَلِك فأي أثر للكثرة مع القدرة؟ وأي خطر للعلل مع الأزل؟ ولقد أنشدوا في قريبٍ من هذا:استقبلني وسيفه مسلول وقال لي واحدنا معذول
الأعراف 7:92
قوله جلّ ذكره: { وَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ }.
تواصوا فيما بينهم بتكذيب نبيِّهم، وأشار بعضهم باستشعار وقوع الفتنة بمتابعته، وكانوا مخطئين في حكمهم، مبطلين في ظنهم، فعُلِمَ أنَّ كل نصيحة لا يجب قبولها، وكل إشارة لا يَحْسُنُ اتباعُها.
قوله تعالى: { ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } كانت لهم غلبتهم في وقتهم، ولكن لما اندرست أيامُهم سَقَطَ صِيتُهم، و (خمد) ذكرهم، وانقشع سحابُ مَنْ تَوَهَّم أنَّ منهم شيئاً.
قوله جلّ ذكره: { ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ ٱلْخَاسِرِينَ }.
الحقُّ غالِبٌ في كل أمر، والباطل زاهق بكل وصف، وإذا كانت العِزَّةُ نعتَ مَنْ هو أزليُّ الوجود، وكان الجلال حقَّ مَنْ هو المَلِك فأي أثر للكثرة مع القدرة؟ وأي خطر للعلل مع الأزل؟ ولقد أنشدوا في قريبٍ من هذا:استقبلني وسيفه مسلول وقال لي واحدنا معذول
الأعراف 7:93
بَيَّنَ أنه راعى حدَّ الأمر؛ فإذا خرج عن عهدة التكليف في التبليغ فما عليه من إقرارهم أو إنكارهم، من توحيدهم أو جحودهم؛ إِنْ أحسنوا فالميراثُ الجميلُ لهم، وإن أساءوا فالضررُ بالتألم عائدٌ عليهم، ومَالِكُ الأعيان أوْلى بها من الأغيار، فالخَلْقُ خَلْقُه والمُلْكُ مُلْكُه؛ إن شاءَ هداهم، وإن شاء أغواهم، فلا تأسُّفُ على نفيٍ وفقد، ولا أثر من كَوْنٍ ووجود.
الأعراف 7:94
حرَّكهم بالبلاء الأَهْوَنِ تحذيراً من البلاء الأصعب، فإذا تمادوا في غيهم، ولم ينتبهوا من غفلتهم مَدَّ عليهم ظلالَ الاستدراجِ، ووسّعَ عليهم أسبابَ التفرقة مكراً بهم في الحال، فإذا وَطَّنُوا - على مساعدة الدنيا - قلوبهم، وركنوا إلى ما سوَّلت لهم من امتدادها، أبرز لهم من مكامن التقدير ما نَغَّصَ عليهم طيبَ الحياة، واندق بغتةً عُنُقُ السرور، وشَرِقُوا بما كانوا ينهلون من كاسات المنى، فتبدّل ضياءُ نهارهم بِسُدفَةِ الوحشة، وتكدّر صافي مشربهم بيد النوائب، كما سبقت به القسمة.
الأعراف 7:95
حرَّكهم بالبلاء الأَهْوَنِ تحذيراً من البلاء الأصعب، فإذا تمادوا في غيهم، ولم ينتبهوا من غفلتهم مَدَّ عليهم ظلالَ الاستدراجِ، ووسّعَ عليهم أسبابَ التفرقة مكراً بهم في الحال، فإذا وَطَّنُوا - على مساعدة الدنيا - قلوبهم، وركنوا إلى ما سوَّلت لهم من امتدادها، أبرز لهم من مكامن التقدير ما نَغَّصَ عليهم طيبَ الحياة، واندق بغتةً عُنُقُ السرور، وشَرِقُوا بما كانوا ينهلون من كاسات المنى، فتبدّل ضياءُ نهارهم بِسُدفَةِ الوحشة، وتكدّر صافي مشربهم بيد النوائب، كما سبقت به القسمة.
الأعراف 7:96
لو آمنوا بالله، واتَّقُوا الشِّرْكَ لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض بأسبابِ العطاء - ولكنْ سَبَقَ بخلافه القضاء - وأبوابِ الرضاء، والرضاءُ أتمُّ من العطاء.
ويقال ليست العِبْرة بالنعمة إنما العبرة بالبركة في النعمة، ولذا لم يَقُلْ أضعفنا لهم النعمة ولكنه قال: باركنا لهم فيما خوَّلنا.
الأعراف 7:97
لو آمنوا بالله، واتَّقُوا الشِّرْكَ لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض بأسبابِ العطاء - ولكنْ سَبَقَ بخلافه القضاء - وأبوابِ الرضاء، والرضاءُ أتمُّ من العطاء.
ويقال ليست العِبْرة بالنعمة إنما العبرة بالبركة في النعمة، ولذا لم يَقُلْ أضعفنا لهم النعمة ولكنه قال: باركنا لهم فيما خوَّلنا.
الأعراف 7:98
أكثر ما ينزل البلاء ينزل فجأةً على غفلةٍ من أهله، ويقال مَنْ حَذِرَ البيات لم يجدْ روْحَ الرُّقاد.
ويقال رُبَّ ليلةٍ مُفْتَتَحةٍ بالفَرَحِ مختتمةٌ (بالترح). ويقال رُبّ يومٍ تطلع شمسه من أوج السعادة قامت ظهيرته على قيام الفتنة.
الأعراف 7:99
يقال مَنْ عرف علوّ قدره - سبحانه - خشي خفيّ مكره، ومَنْ أمِنَ خفيّ مكره نَسِيَ عظيم قَدْرِه.
الأعراف 7:100
أَوَ لا يعلم المغترون بطول سترنا أَنْ لو أردنا لعجَّلنا لهم الانتقام، أو بلغنا فيهم الاصطلام، ثم لا ينفعهم ندم، ولا يُشْكى عنهم ألم.
الأعراف 7:101
سلكوا طريقاً واحداً في التمرد، واجتمعوا في خطٍ واحد في الجحد والتَّبلُّد؛ فلا للإيمان جَنَحُوا، ولا عن العدوان رجعوا، وكذلك صفة من سَبَقَتْ بالشقاء قِسمتُه، وحقت بالعذاب عليه كَلِمتُه.
الأعراف 7:102
نجم في العذر طارِقُهم، وأَقَلَ من سماء الوفاء شارِقُهم، فَعَدِمَ أكثرُهم رعاية العهد، وحقت من الحق لهم قسمة الرد والصد.
ويقال: شكا مِنْ أكثرِهم إلى أقلِّهم، فالأكثرون مَنْ ردَّتهم القسمة، والأقلون مَنْ قَبِلَتْهم الوصلة.
الأعراف 7:103
لما انقرضت أيامُهم، وتَقَاصَر عن بساط الإجابة إقْدامُهم بعث موسى نبيَّه، وضمَّ إليه هارون صفيَّه، فقُوبِلا بالتكذيب والجحود، فسلك بهم مسلك إخوانهم في التعذيب والتبعيد.
الأعراف 7:104
الرجوعُ إلى دعاء فرعون إلى الله بعد سماع كلام الله بلا واسطة صعبٌ شديد، ولكنه لمَّا وَرَدَ الأمرُ قابله بحسن القبول، فلما ترك اختيار نفسه أيّده الحق - سبحانه - بنور التأييد حتى شَاهَدَ فرعونَ محواً في التقدير فقال: { حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ } فإِذا لم يصح له أن يقول على الخلق؛ فالخلق محوٌ فيما هو الوجود الأزلي فأيُّ سلطانٍ لآثار التفرقة في حقائق الجمع؟
قوله: { قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ }: من المعلوم أن مجرَّد الدعوى لا حجة فيه، ولكن إذا ظهر برهانٌ لم يبق غيرُ الانقياد لِمَا هو الحق، فَمَنْ استسلم (....)، ومَنْ جَحَدَ الحقائق بعد لوح البيان سقط سقوطاً لا ينتعش.
الأعراف 7:105
الرجوعُ إلى دعاء فرعون إلى الله بعد سماع كلام الله بلا واسطة صعبٌ شديد، ولكنه لمَّا وَرَدَ الأمرُ قابله بحسن القبول، فلما ترك اختيار نفسه أيّده الحق - سبحانه - بنور التأييد حتى شَاهَدَ فرعونَ محواً في التقدير فقال: { حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ } فإِذا لم يصح له أن يقول على الخلق؛ فالخلق محوٌ فيما هو الوجود الأزلي فأيُّ سلطانٍ لآثار التفرقة في حقائق الجمع؟
قوله: { قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ }: من المعلوم أن مجرَّد الدعوى لا حجة فيه، ولكن إذا ظهر برهانٌ لم يبق غيرُ الانقياد لِمَا هو الحق، فَمَنْ استسلم (....)، ومَنْ جَحَدَ الحقائق بعد لوح البيان سقط سقوطاً لا ينتعش.
الأعراف 7:106
الرجوعُ إلى دعاء فرعون إلى الله بعد سماع كلام الله بلا واسطة صعبٌ شديد، ولكنه لمَّا وَرَدَ الأمرُ قابله بحسن القبول، فلما ترك اختيار نفسه أيّده الحق - سبحانه - بنور التأييد حتى شَاهَدَ فرعونَ محواً في التقدير فقال: { حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ } فإِذا لم يصح له أن يقول على الخلق؛ فالخلق محوٌ فيما هو الوجود الأزلي فأيُّ سلطانٍ لآثار التفرقة في حقائق الجمع؟
قوله: { قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ }: من المعلوم أن مجرَّد الدعوى لا حجة فيه، ولكن إذا ظهر برهانٌ لم يبق غيرُ الانقياد لِمَا هو الحق، فَمَنْ استسلم (....)، ومَنْ جَحَدَ الحقائق بعد لوح البيان سقط سقوطاً لا ينتعش.
الأعراف 7:107
إنما أظهر له المعجزةَ مِنْ عَصَاه لطولِ مقارنته إياها، فالإنسانُ إلى ما أَلِفَه أَسْكَنُ بقلبه. فلمَّا رأى ما ظهر في العصا من الانقلاب أخذ موسى عليه السلام في الفرار لتحققه بأن ذلك من قهر الحقائق، وفي هذا إشارة إلى أنَّ السكونَ إلى شيءٍ غِرَّةٌ وغفلةٌ ايش ما كان، فإنَّ تقلب العبد في قَبْضِ القدرة، وهو في أَسْر التقلُّب، وليس للطمع في السكون مساغٌ بحال.
الأعراف 7:108
العصا - وإِنْ كانت معه من زمنٍ - فَيَدُه أخصُّ به لأنها عضو له، فكاشَفَه أولاً بِرَسْمٍ مِنْ رسْمِه ثم أشهده من ذاته في ذاته ما عَرَفَ أنه أوْلى به منه، فلما رأى انقلابَ وصفٍ في يده عَلمَ أنه ليس بشيء من أمره بيده.
الأعراف 7:109
إذا أراد اللهَ هوان عبدٍ لا يزيد الحقَّ حُجَّةً إلا ويزيد لذلك المُبْطِل فيه شبهةً؛ فكلَّما زاد موسى - عليه السلام - في إظهار المعجزات ازدادوا حيرةً في التأويلات.
الأعراف 7:110
إذا أراد اللهَ هوان عبدٍ لا يزيد الحقَّ حُجَّةً إلا ويزيد لذلك المُبْطِل فيه شبهةً؛ فكلَّما زاد موسى - عليه السلام - في إظهار المعجزات ازدادوا حيرةً في التأويلات.
الأعراف 7:111
تَوهَّمَ الناسُ أنهم بالتأخير، وتقديم التدبير، وبذل الجهد والتشمير يُغَيِّرون شيئاً من التقدير بالتقديم أو بالتأخير، ولم يعلموا أن القضاءَ غالِبٌ، وأنَّ الحكمَ سابقٌ، وعند حلول الحكم فلا سلطانَ للعلم والفهم، والتسرع والحِلْم.. كلا، بل هو الله الواحد القهار العلاَّم.
الأعراف 7:112
تَوهَّمَ الناسُ أنهم بالتأخير، وتقديم التدبير، وبذل الجهد والتشمير يُغَيِّرون شيئاً من التقدير بالتقديم أو بالتأخير، ولم يعلموا أن القضاءَ غالِبٌ، وأنَّ الحكمَ سابقٌ، وعند حلول الحكم فلا سلطانَ للعلم والفهم، والتسرع والحِلْم.. كلا، بل هو الله الواحد القهار العلاَّم.
الأعراف 7:113
ظنوا أنهم يَغلِبُون بما يسحرون، ولم يعلموا أن تأثير القدرة فيهم أغلب من تأثير سحرهم، وأنه لا يرد عنهم ما زَوَّرُوه في أنفسهم من فنون مكرهم فكادوا وكِيدَ لهم، فهو كما قيل:ورماني بأسهم صائباتٍ وتعمدته بسهم فظاشا
فَبَيْنَاهم في توهِّم أنَّ الغلبة لهم فُتِحَ عليهم - من مكامن القدرة - جيشٌ، فوجدوا أنفسهم - في فتح القدرة - مقهورين بسيف المشيئة.
الأعراف 7:114
ظنوا أنهم يَغلِبُون بما يسحرون، ولم يعلموا أن تأثير القدرة فيهم أغلب من تأثير سحرهم، وأنه لا يرد عنهم ما زَوَّرُوه في أنفسهم من فنون مكرهم فكادوا وكِيدَ لهم، فهو كما قيل:ورماني بأسهم صائباتٍ وتعمدته بسهم فظاشا
فَبَيْنَاهم في توهِّم أنَّ الغلبة لهم فُتِحَ عليهم - من مكامن القدرة - جيشٌ، فوجدوا أنفسهم - في فتح القدرة - مقهورين بسيف المشيئة.
الأعراف 7:115
ظنوا أنهم يَغلِبُون بما يسحرون، ولم يعلموا أن تأثير القدرة فيهم أغلب من تأثير سحرهم، وأنه لا يرد عنهم ما زَوَّرُوه في أنفسهم من فنون مكرهم فكادوا وكِيدَ لهم، فهو كما قيل:ورماني بأسهم صائباتٍ وتعمدته بسهم فظاشا
فَبَيْنَاهم في توهِّم أنَّ الغلبة لهم فُتِحَ عليهم - من مكامن القدرة - جيشٌ، فوجدوا أنفسهم - في فتح القدرة - مقهورين بسيف المشيئة.
الأعراف 7:116
ظنوا أنهم يَغلِبُون بما يسحرون، ولم يعلموا أن تأثير القدرة فيهم أغلب من تأثير سحرهم، وأنه لا يرد عنهم ما زَوَّرُوه في أنفسهم من فنون مكرهم فكادوا وكِيدَ لهم، فهو كما قيل:ورماني بأسهم صائباتٍ وتعمدته بسهم فظاشا
فَبَيْنَاهم في توهِّم أنَّ الغلبة لهم فُتِحَ عليهم - من مكامن القدرة - جيشٌ، فوجدوا أنفسهم - في فتح القدرة - مقهورين بسيف المشيئة.
الأعراف 7:117
مَوَّهُوا بسحرهم أنهم غَلَبُوا، فَأَدْخَل الله - سبحانه - على تمويهاتهم قهرَ الحق، وطاشت تلك الحِيَلُ، وخاب منهم الأمل، وجذب الحقُّ - سبحانه - أسرارهم على الوهلة فأصبحوا في صدر العداوة، وكانوا - في التحقيق - من أهل الود. فسبحان مَنْ يُبْرِز العدوَّ في نعت الولي؛ ثم يقلب الكتابَ ويُظْهِرُ الوليَّ في نعت العدو، ثم يأبى الحالُ إلا حصولَ المَقْضِيِّ.
الأعراف 7:118
مَوَّهُوا بسحرهم أنهم غَلَبُوا، فَأَدْخَل الله - سبحانه - على تمويهاتهم قهرَ الحق، وطاشت تلك الحِيَلُ، وخاب منهم الأمل، وجذب الحقُّ - سبحانه - أسرارهم على الوهلة فأصبحوا في صدر العداوة، وكانوا - في التحقيق - من أهل الود. فسبحان مَنْ يُبْرِز العدوَّ في نعت الولي؛ ثم يقلب الكتابَ ويُظْهِرُ الوليَّ في نعت العدو، ثم يأبى الحالُ إلا حصولَ المَقْضِيِّ.
الأعراف 7:119
مَوَّهُوا بسحرهم أنهم غَلَبُوا، فَأَدْخَل الله - سبحانه - على تمويهاتهم قهرَ الحق، وطاشت تلك الحِيَلُ، وخاب منهم الأمل، وجذب الحقُّ - سبحانه - أسرارهم على الوهلة فأصبحوا في صدر العداوة، وكانوا - في التحقيق - من أهل الود. فسبحان مَنْ يُبْرِز العدوَّ في نعت الولي؛ ثم يقلب الكتابَ ويُظْهِرُ الوليَّ في نعت العدو، ثم يأبى الحالُ إلا حصولَ المَقْضِيِّ.
الأعراف 7:120
مَوَّهُوا بسحرهم أنهم غَلَبُوا، فَأَدْخَل الله - سبحانه - على تمويهاتهم قهرَ الحق، وطاشت تلك الحِيَلُ، وخاب منهم الأمل، وجذب الحقُّ - سبحانه - أسرارهم على الوهلة فأصبحوا في صدر العداوة، وكانوا - في التحقيق - من أهل الود. فسبحان مَنْ يُبْرِز العدوَّ في نعت الولي؛ ثم يقلب الكتابَ ويُظْهِرُ الوليَّ في نعت العدو، ثم يأبى الحالُ إلا حصولَ المَقْضِيِّ.
الأعراف 7:121
مَوَّهُوا بسحرهم أنهم غَلَبُوا، فَأَدْخَل الله - سبحانه - على تمويهاتهم قهرَ الحق، وطاشت تلك الحِيَلُ، وخاب منهم الأمل، وجذب الحقُّ - سبحانه - أسرارهم على الوهلة فأصبحوا في صدر العداوة، وكانوا - في التحقيق - من أهل الود. فسبحان مَنْ يُبْرِز العدوَّ في نعت الولي؛ ثم يقلب الكتابَ ويُظْهِرُ الوليَّ في نعت العدو، ثم يأبى الحالُ إلا حصولَ المَقْضِيِّ.
الأعراف 7:122
مَوَّهُوا بسحرهم أنهم غَلَبُوا، فَأَدْخَل الله - سبحانه - على تمويهاتهم قهرَ الحق، وطاشت تلك الحِيَلُ، وخاب منهم الأمل، وجذب الحقُّ - سبحانه - أسرارهم على الوهلة فأصبحوا في صدر العداوة، وكانوا - في التحقيق - من أهل الود. فسبحان مَنْ يُبْرِز العدوَّ في نعت الولي؛ ثم يقلب الكتابَ ويُظْهِرُ الوليَّ في نعت العدو، ثم يأبى الحالُ إلا حصولَ المَقْضِيِّ.
الأعراف 7:123
خاطبَهم معتقداً أنهم هم الذين كانوا، وهم يعلمون أن تلك الأسرار قد خرجت عن رِقِّ الأشكال، وأن قلوبهم طهرت عن توهم التفرقة، وأن شمسَ العرفان طلعت في سماءِ أسرارهم، فأشهدوا الحقَّ بنظر صحيح، ولم يبقَ لتخويفات النفس فيهم سلطان، ولا لشيء من العلل بينهم مساغ.
الأعراف 7:124
خاطبَهم معتقداً أنهم هم الذين كانوا، وهم يعلمون أن تلك الأسرار قد خرجت عن رِقِّ الأشكال، وأن قلوبهم طهرت عن توهم التفرقة، وأن شمسَ العرفان طلعت في سماءِ أسرارهم، فأشهدوا الحقَّ بنظر صحيح، ولم يبقَ لتخويفات النفس فيهم سلطان، ولا لشيء من العلل بينهم مساغ.
الأعراف 7:125
لمَّا كان مصيرهم إلى الله سَهُلَ عليهم ما لقوا في مَسيرهم إلى الله.
الأعراف 7:126
لما عَمِلُوا لله، وأوذوا في الله، صدقوا القصد إلى الله، وطلبوا المعونة من قِبَلِ الله، كذا سُنّةُ مَنْ كان لله أن يكون كلُّه على الله.
الأعراف 7:127
لما استزادوا من فرعون في التمكين من موسى وقومه استنكف أن يقر بعجزه، ويعترف بقصور قدرته، فتوعد موسى وقومَه بما عكس الله عليه تدبيره، وغلب عليه تقديره.
الأعراف 7:128
أحالهم على الله فإن رجوعَه إليه، فقال لهم: إن رجوعي - عند تحيري في أموري - إلى ربي، فليكن رجوعُكم إليه، وتوكَّلُكم عليه، وتَعَرَّضوا لنفحات يُسْرِه، فإنه حَكَمَ لأهل الصبر بجميل العُقبى.
الأعراف 7:129
خفي عليهم شهودُ الحقيقة، وغُشِيَ على أبصارهم حتى قالوا توالت علينا البلايا؛ ففي حالك بلاء، وقَبْلكَ شقاء.. فما الفضل؟ فأجابهم موسى - عليه السلام - بما علق رجاءهم بكشف البلاء فقال: { عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ } فوقفهم على الانتظار. ومن شهد ببصر الأسراء شهد تصاريف الأقدار.
الأعراف 7:130
شدَّد عليهم وطأة القدرة بعدما ضاعف لديهم أسباب النعمة، فلا الوطأة أصلحتهم شِدَّتُها ولا النعمة نبهتهم كثرتها، لا بل إنْ مَسَّهم يُسْرٌ لاحظوه بعين الاستحقاق، وإن مَسَّهُم عُسْرٌ حملوه على التَّطَيُّرِ بموسى - عليه السلام - بمقتضى الاغترار.
الأعراف 7:131
قوله جلّ ذكره: { فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ }.
الكفورُ لا يرى فضل المنعم؛ فيلاحظ الإحسان بعين الاستحقاق، ثم إذا اتصل بشيء مما يكرهه تجنَّى وحمل الأمر على ما يتمنّى:وكذا المَلُولُ إذا أراد قطيعة ملَّ الوصال وقال كان وكانا
إن الكريم إذا حبَاكَ بودِّه سَتَر القبيح وأظهر الإحسانا
قوله جلّ ذكره: { أَلاۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ }.
المتفرد بالإيجاد هو الواحد ولكن بصائرهم مسدودة، وعقولهم عن شهود الحقيقة مصدودة، وأفهامهم عن إدراك المعاني مردودة.
الأعراف 7:132
جعلوا الإصرارَ على الاستكبار شعارَهم، وهتكوا بألسنتهم - في العتوِّ - أستارهم.
الأعراف 7:133
جَنَّسَ عليهم العقوباتِ لمَّا نوَّعُوا وجَنَّسوا فنونَ المخالفات، فلا إلى التكفير عادوا، ولا إلى التطهير تصدوا، وعوقبوا بِصَرْفِ قلوبهم عن شهود الحقائق وذلك أبلغُ مما اتصل بظواهرهم من فنون البلايا.... ونعوذُ بالله من السقوط عن عين الله.
الأعراف 7:134
لم يقولوا ادع لنا ربَّنا، بل { قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ } فهم ما ازدادوا بزيادة تلك المحن إلا بعداً وأجنبية.
الأعراف 7:135
أبرزوا العهد ثم نقضوه، وقدموا العهد ثم رفضوه، وكما قيل:إذا ارعوى عاد إلى جهله كذي الضنى عاد إلى نكسه
والشيخُ لا يترك أخلاقَه حتى يُوارى في ثرى رمسه
الأعراف 7:136
أبرزوا العهد ثم نقضوه، وقدموا العهد ثم رفضوه، وكما قيل:إذا ارعوى عاد إلى جهله كذي الضنى عاد إلى نكسه
والشيخُ لا يترك أخلاقَه حتى يُوارى في ثرى رمسه
الأعراف 7:137
مَنْ صبر على مقاساة الذُّلِّ في الله وضع الله على رأسه قلنسوة العرفان، فهو العزيز سبحانه، لا يُشْمِتُ بأوليائه أعداءهم، ولا يضيع من جميل عهده جزاءَهم.
الأعراف 7:138
لم تَخْلُصْ في قلوبهم حقائقُ التوحيد فتاقت نفوسهم إلى عبادة غير الله، حتى قالوا لنبيِّهم موسى - عليه السلام -: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. وكذا صفة من لم يتحرر قلبُه من إثبات الأشغال والأعلال، ومن المساكنة إلى الأشكال والأمثال.
ويقال مَنْ ابتغى بالصنم أن يكون معبودَه متى يُتَوَّهم في وصفِه أَنْ يُخلِصَ إلى اللهِ قصودَه؟
الأعراف 7:139
لم تَخْلُصْ في قلوبهم حقائقُ التوحيد فتاقت نفوسهم إلى عبادة غير الله، حتى قالوا لنبيِّهم موسى - عليه السلام -: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. وكذا صفة من لم يتحرر قلبُه من إثبات الأشغال والأعلال، ومن المساكنة إلى الأشكال والأمثال.
ويقال مَنْ ابتغى بالصنم أن يكون معبودَه متى يُتَوَّهم في وصفِه أَنْ يُخلِصَ إلى اللهِ قصودَه؟
الأعراف 7:140
ذكَّرهم انفرادَه - سبحانه - بإنشائهم وإبداعهم، وأنه هو الإله المتفرد بالإيجاد، ونَبَّهَهُم أيضاً على عظيم نعمته عليهم، وأنه ليس حقُّ إتمام النعمة عليهم مقابلتَهم إياها بالتولِّي لغيره والعبادة لِمَنْ سواه.
الأعراف 7:141
ما ازداد موسى - عليه السلام - في تعديد إنعام الله عليهم، وتنبيهم على عظيم آلائه إلا ازدادوا جحداً، وبُعداً بالقلوب - عن محل العرفان - على بُعْد، وهذه أمارة من بلاه - سبحانه - في السابق بالقطع والرد.
الأعراف 7:142
قوله جلّ ذكره: { وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً }.
عِدَةُ الأحباب عزيزة، فإذا حصلت المواعدة بين الأحباب، فهي عذبة حلوة كيفما كانت، وفي هذا المعنى أنشدوا:أمطلينا وسَوِّفي وعِدِينا ولا تَفِي
ويقال عَلَّلَ الحقُّ - سبحانه - موسى بالوعد الذي وعده بأن يُسْمِعَه مرةً أخرى كلامَه، وذلك أنه في المرة الأولى ابتلاه بالإسماع من غير وعد، فلا انتظار ولا توقع ولا أمل، فأخذ سماعُ الخطاب بمجامع قلب موسى - عليه السلام - فعلَّق قلبه بالميقات المعلوم ليكون تأميله تعليلاً له، ثم إن وعد الحقِّ لا يكون إلا صدقاً، فاطمأن قلبُ موسى - عليه السلام - للميعاد، ثم لمَّا مضت ثلاثون ليلة أتى كما سَلَفَ الوعد فزاد له عشراً في الموعد. والمطل في الإنجاز غير محبوب إلا في سُنَّةُ الأحباب، فإن المطل عندهم أشهى من الإنجاز، وفي قريب من هذا المعنى أنشدوا:أقيمي لعمرك لا تهجرينا ومَنِّينا المنى، ثم امطلينا
عِدينا موعداً ما شِئْتِ إنَّا نحبُّ وإنْ مطلت تواعدينا
فإِما تنجزي وعدَكِ أو فإنا نعيش نؤمل فيك حينا
قوله جلّ ذكره: { وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ }.
كان هارون - عليه السلام - حمولاً بحسن الخُلُق؛ لمَّا كان المرورُ إلى فرعونَ استصحب موسى - عليه السلام - هارونَ، فقال الله - سبحانه -:{ وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي } [طه: 32] بعد ما قال:{ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً } [القصص: 34]. ولمَّا كان المرور إلى سماع الخطاب أفرده عن نفسه، فقال: و { ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي } وهذا غاية لحَمْلِ من هارون ونهاية التصبر والرضاء، فلم يَقُلْ: لا أقيم في قومك. ولم يقل: هلاَّ تحملني مع نفسك كما استصحبتني حال المرور إلى فرعون؟ بل صبر ورضي بما لزم، وهذه من شديدات بلاء الأحباب، وفي قريب منه أنشدوا:قال لي من أحب والبين قد حلَّ وفاقاً لزفرتي وشهيقي
ما تُرى في الطريق تصنع بعدي قلت: أبكي عليك طول الطريق
ثم إن موسى لما رجع من سماع الخطاب، فرأى من قومه ما رأى من عبادة العِجْل أخذ برأس أخيه يجره إليه حتى استلطفه هارون - عليه السلام - في الخطاب، فقال:{ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي } [طه: 94].
ويقال لو قال هارون - عليه السلام: إن لم تعوضني عما فاتني من الصحبة فلا تعاتبني فيما لم أذنب فيه بحال ذرةً ولا حبَّةً.. لكان موضع هذه القالة.
ويقال الذنبُ كان من بني إسرائيل، والعتاب جرى مع هارون، وكذا الحديث والقصة، فما كلُّ مَنْ عصى وجنى استوجب العتابَ، فالعتابُ ممنوعُ عن الأجانب.
الأعراف 7:143
قوله جلّ ذكره: { وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً }.
جاء موسى مجيء المشتاقين مجيء المهيَّمين، جاء موسى بلا موسى، جاء موسى ولم يَبْقَ من موسى شيءٌ لموسى. آلافُ الرجال قطعوا مسافاتٍ طويلة فلم يذكرهم أحد، وهذا موسى خطا خطواتٍ فإلى القيامة يقرأ الصبيان: { وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ }.
ويقال لمَّا جاء موسى لميقات باسطِ الحقِّ - سبحانه - سقط بسماع الخطاب، فلم يتمالك حتى قال: { أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ } ، فإنَّ غَلَبَاتِ الوجد عليه استنطقته بطلب كمال الوصلة من الشهود، وكذا قالوا:وأبرحُ ما يكونُ الشوقُ يوماً إذا دَنَتْ الخيامُ من الخيام
ويقال صار موسى - عليه السلام - عند سماع الخطاب بعين السُّكْر فنطق ما نطق، والسكران لا يُؤخذ بقوله، ألا ترى أنه ليس في نص الكتاب معه عتاب بحرف؟
ويقال أخذته عِزَّةُ السَّمَاعِ فخرج لسانه عن طاعته جرياً على مقتضى ما صحبه مِنَ الأَرْيَحَيَّةِ وبَسْطِ الوصلة.
ويقال جمع موسى - عليه السلام - كلماتٍ كثيرةً يتكلم بها في تلك الحالة؛ فإن في القصص أنه كان يتحمل في أيام الوعد كلمات الحق، ويقول لمعارفه: ألكم حاجة إلى الله؟ ألكم كلام معه؟ فإني أريد أن أمضي إلى مناجاته.
ثم إنه لما جاء وسمع الخطاب لم يذكر - مما دبَّره في نفسه، وتحمله من قومه، وجمعه في قلبه - شيئاً لا حرفاً، بل نطق بما صار في الوقت غالباً على قلبه، فقال: { رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ } وفي معناه أنشدوا:فيا ليلَ كم من حاجةٍ لي مهمة إذا جئتُكم ليلى فلم أدرِ ماهِيَا
ويقال أشدُّ الخَلْقِ شوقاً إلى الحبيب أقربُهم من الحبيب؛ هذا موسى عليه السلام، وكان عريق الوصلة، واقفاً في محل المناجاة، محدقة به سجوفُ التولي، غالبة عليه بوادِهُ الوجود، ثم في عين ذلك كان يقول: { رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ } كأنه غائبٌ عن الحقيقة. ولكن ما ازداد القومُ شَرْباً إلا ازدادوا عطشاً، ولا ازدادوا تيماً إلا ازدادوا شوقاً، لأنه لا سبيل إلى الوصلة إلا بالكمال، والحقُّ - سبحانه - يصونُ أسرار أصفيائه عن مداخلة الملال.
ويقال نطق موسى عليه السلام بلسان الافتقار فقال { رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ } ولا أقلَّ من نظرة - والعبد قتيل هذه القصة - فقوبل بالردِّ، وقيل له: { لَن تَرَانِي } وكذا قهر الأحباب ولذا قال قائلهم:جَوْرُ الهوى أحسن من عَدْلِه وبخله أظرف من بذله
ويقال لمَّا صرَّح بسؤال الرؤية، وجهر صريحاً رُدَّ صريحاً فقيل له: { لَن تَرَانِي } ، ولما قال نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - بِسِرِّه في هذا الباب، وأشار إلى السماء منتظراً الرد والجواب من حيث الرمز نزل قوله تعالى:
{ قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا } [البقرة: 144] فردَّه إلى شهود الجهات والأطلال إشارة إلى أنه أعزُّ من أن يطمح إلى شهوده - اليوم - طَرْفٌ، بل الألحاظ مصروفة موقوفة - اليومَ - على الأغيار.
ويقال لما سَمَتْ همَّتُه إلى أسنى المطالب - وهي الرؤية - قوبل " بِلَنْ، ولمَّا رجِعَ إلى الخلْق وقال للخضر{ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً } [الكهف: 66]، قال الخضر:{ قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً } [الكهف: 67] فقابله بلن، فصار الردُّ موقوفاً على موسى - عليه السلام من الحق ومن الخلْق، ليكون موسى بلا موسى، ويكون موسى صافياً عن كل نصيب لموسى من موسى، وفي قريب منه أنشدوا:(......) نحنُ أهلُ منازلٍ أبداً غرابُ البيْن فينا ينعق
ويقال طلب موسى الرؤية وهو بوصف التفرقة فقال: { رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ } فأجيب بلن لأن عين الجمع أتم من عين الفَرْق. فزع موسى حتى خَرَّ صعقاً، والجبل صار دَكَّاً. ثم الروْح بعد وقوع الصعقة على القالب مكاشفته بما هو حقائق الأحدية، ويكون الحقُّ - بعد امتحاء معالم موسى - خيراً لموسى من بقاء موسى لموسى، فعلى الحقيقة: شهود الحقائق بالحقِّ أتمُ من بقاء الخلق بالخلق، كذا قال قائلهم:ولوجهها من وجهها قمرٌ ولعينها من عينها كحل
ويقال البلاء الذي ورد على موسى بقوله: { فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي } { فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً } أتمُّ وأعظم منه قولُه: { لَن تَرَانِي } لأن ذلك صريحٌ في الرد، وفي اليأس راحة. لكنَّه لما قال فسوف أطْمِعُه فيما مُنعِه فلما اشتد موقُفه جعل الجبل دكاً، وكان قادراً على إمساك الجَبَل، لكنه قهر الأحباب الذي به جَرَتْ سُنَّتُهم.
ويقال في قوله: { انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ } بلاءٌ شديد لموسى لأنه نُفِيَ عن رؤية مقصوده ومُنِيَ برؤية الجبل، ولو أذِنَ أَنْ يُغْمِضَ جفنَه فلا ينظر إلى شيء بعدما بقي عن مراده من رؤيته لكان الأمرُ أسهلَ عليه، ولكنه قال له: { لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ }.
ثم أشدُّ من ذلك أنه أعطى الجبل التَّجليَ؛ فالجبل رآه وموسى لم يَرَه، ثم أَمَرَ موسى بالنظر إلى الجبل الذي قدم عليه في هذا السؤال، وهذا - واللهِ - لصعبٌ شديد!! ولكن موسى لم ينازع، ولم يقل أنا أريد النظر إليك فإذا لم أرَكَ لا أنظر إلى غيرك بل قال: لا أرفع بصري عما أمرتني بأن أنظر إليه، وفي معناه أنشدوا:أريدُ وصالَه ويريد هجري فأترك ما أريد لما يريد
ويقال بل الحق سبحانه أراد بقوله: { وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ } تداركَه قلبَ موسى - عليه السلام - حيث لم يترك على صريح الرد بل علله برفق كما قيل:فذريني أفني قليلاً قليلاً
ويقال لما رُدَّ موسى إلى حال الصحو وأفاق رجع إلى رأس الأمر فقال: { تُبْتُ إِلَيْكَ } يعني إن لم تكن الرؤية هي غاية المرتبة فلا أقل من التوبة، فَقَبِلَه - تعالى - لسمو همته إلى الرتبة العلية.
قوله جلّ ذكره: { تُبْتُ إِلَيْكَ }.
هذه إناخة بعقوة العبودية، وشرط الإنصاف ألا تبرحَ محلّ الخدمة وإِنْ حيل بينك وبين وجود القربة؛ لأن القربةَ حظُّ نفسك، والخدمةَ حقُّ ربك وهي تتم بألا تكون بحظ نفسك.
الأعراف 7:144
هذا الخطاب لِتَدَارُكِ قلب موسى - عليه السلام - بكل هذا الرِّفق، كأنه قال: يا موسى، إني منعتُكَ عن شيء واحد وهو الرؤية، ولكني خصصتُك بكثيرٍ من الفضائل؛ اصطفيتُك بالرسالة، وأكرمتُك بشرف الحالة، فاشكرْ هذه الجملة، واعرفْ هذه النعمة، وكنْ من الشاكرين، ولا تتعرضْ لمقام الشكوى، وفي معناه أنشدوا:إنْ أعرضوا فهم الذين تَعَطَّفُوا وإنْ جَنَوْا فاصبرْ لهم إن أخلفوا
وفي قوله سبحانه: { وَكُنْ مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ } إشارة لطيفة كأنه قال: لا تكن من الشاكين، أي إِنْ منعتُكَ عن سُؤْلِك، ولم أعْطِك مطلوبَك فلا تَشْكُنِى إذا انصرفتَ.
الأعراف 7:145
قوله جلّ ذكره: { وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ }.
وفي الأثر: أن موسى عليه السلام كان يسمع صريرَ القلم، وفي هذا نوع لطف لأنه إنْ منع منه النظر أو منعه من النظر فقد علله بالأثر.
قوله جلّ ذكره: { فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ }.
فيه إشارة إلى أن الأَخْذَ يُشير إلى غاية القرْبِ، والمراد ها هنا صفاءُ الحال، لأن قربَ المكانِ لا يَصِحُّ على الله سبحانه.
قوله جلّ ذكره: { وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا }.
فَرْقٌ بين ما أمر به موسى من الأخذ وبين ما أمره أن يأمر به قومه من الأخذ، أَخْذُ موسى عليه السلام من الحق على وجهٍ من تحقيق الزلفة وتأكيد الوصلة، وأَخْذُهُم أخذُ قبولٍ من حيث التزام الطاعة، وشتان ما هما!.
قوله: { بِأَحْسَنِهَا } بمعنى بِحُسْنِهَا، ويحتمل أن تكون الهمزة للمبالغة يعني: بأحسنها ألا تعرِّج على تأويل وارجع إلى الأَوْلى.
قوله جلّ ذكره: { سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ }.
يعني عليها غَبَرةٌ العقوبة، خاوية على عروشها، ساقطة على سقوفها، مُنْهَدٌّ بنيانُها، عليها قَتَرةُ العِقاب.
والإشارة من دار الفاسقين إلى النُّفوس المتابعة للشهوات، والقلوب التي هي معادن المنى وفاسد الخطرات، فإنَّ الفِسقَ يوجب خرابَ المحل الذي يجري فيه؛ فمن جرى على نفسه فِسْق خربت نفسه. وآية خراب النفوس انتفاءُ ما كان عليها وفيها من سكان الطاعات، فكما تتعطل المنازل عن قطانها إذا تداعت للخراب فكذلك إذا خربت النفوس بعمل المعاصي فتنتفي عنها لوازم الطاعات ومعتادها، فبعد ما كان العبد يتيسر عليه فعل الطاعات لو ارتكب شيئاً من المحظورات يشق عليه فعل العبادة، حتى لو خُيِّر بين ركعتي صلاة وبين مقاساة كثيرٍ من المشاق آثر تحمل المشاقِّ على الطاعة.. وعلى هذا النحو ظلمُ القلوب وفسادُها في إيجاب خراب محالها.
الأعراف 7:146
قوله جلّ ذكره: { سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا }.
سأَحْرُمُ المتكبرين بركاتِ الاتباع حتى لا يقابلوا الآياتِ التي يُكاشَفُون بها بالقبول، ولا يسمعوا ما يُخَاطَبُون به بسمع الإيمان.
والتكبُّر جحدُ الحق - على لسان العلم، فَمَنْ جَحَدَ حقائقَ الحقِّ فجحودُه تكبُّره واعتراضُه على التقدير مما يتحقق جحودُه في القلب.
ويقال التكبُّر توهمُ استحقاقِ الحقِّ لك.
ويقال من رأى لنفسه قيمةً في الدنيا والآخرة فهو متكبِّر.
ويقال مَنْ ظَنَّ أَنَّ شيئاً منه أو له أو إليه - من النفي والإثبات - إلا على وجه الاكتساب فهو متكبِّر.
قوله جلّ ذكره: { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }
تبيَّن بهذا أنه لا يكفي شهودُ الحقِّ حقاً وشهودُ الباطلِ باطلاً بل لا بُدَّ من شهود الحق من وجود التوفيق للحق، ومنع شهود الباطل من وجود العصمة من اتباع الباطل.
ويقال إِنَّ الجاحِدَ للحقِّ - مع تحققه به - أقبحُ حالةً من الجاهل به المُقصِّرِ في تعريفه.
الأعراف 7:147
قوله جلّ ذكره: { سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا }.
سأَحْرُمُ المتكبرين بركاتِ الاتباع حتى لا يقابلوا الآياتِ التي يُكاشَفُون بها بالقبول، ولا يسمعوا ما يُخَاطَبُون به بسمع الإيمان.
والتكبُّر جحدُ الحق - على لسان العلم، فَمَنْ جَحَدَ حقائقَ الحقِّ فجحودُه تكبُّره واعتراضُه على التقدير مما يتحقق جحودُه في القلب.
ويقال التكبُّر توهمُ استحقاقِ الحقِّ لك.
ويقال من رأى لنفسه قيمةً في الدنيا والآخرة فهو متكبِّر.
ويقال مَنْ ظَنَّ أَنَّ شيئاً منه أو له أو إليه - من النفي والإثبات - إلا على وجه الاكتساب فهو متكبِّر.
قوله جلّ ذكره: { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }
تبيَّن بهذا أنه لا يكفي شهودُ الحقِّ حقاً وشهودُ الباطلِ باطلاً بل لا بُدَّ من شهود الحق من وجود التوفيق للحق، ومنع شهود الباطل من وجود العصمة من اتباع الباطل.
ويقال إِنَّ الجاحِدَ للحقِّ - مع تحققه به - أقبحُ حالةً من الجاهل به المُقصِّرِ في تعريفه.
الأعراف 7:148
قوله جلّ ذكره: { وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ }.
لم يُطَهِّر قلوبَهم - في ابتداء أحوالهم - عن توهم الظنون، ولم يتحققوا بخصائص القِدَمِ وشروط الحدوث، فعثرت أقدام فكرهم في وهاد المغاليط لما سلكوا المسير.
ويقال إن أقواماً رضوا بالعِجْلِ أن يكونَ معبودَهم متى تشم أسرارُهم نسيمَ التوحيد؟ هيهات لا! لا ولا مَنْ لاحظ جبريلَ وميكائيلَ والعرشَ أو الثَّرى، أو الجِنَّ أو الورى. وإِنَّ مَنْ لَحِقَه ذلك أو وجد من قبيل ما يقبل نعوت الحدثان، أو صحَّ في التجويز أن ترتقي إليه صواعد التقدير وشرائط الكيفية فغيرُ صالحٍ لاستحقاق الإلهية.
ويقال شتَّان بين أمة وأمة! أمة خرج نبيهم عليه السلام من بينهم أربعين يوماً فعبدوا العِجْلَ، وأمة خرج نبيُّهم - عليه السلام - من بينهم وأَتَى نيف وأربعمائة سنة فمن ذكر بين أيديهم أن الشموس والأقمار أو شيئاً من الرسوم والإطلال تستحق الإلهية أحرقوه بهممهم.
ويقال لا فصلَ بين الجسم والجسد، فكما لا يصلح أن يكون المعبود جسماً لا يصلح أن يكون متصفاً بما في معناه، ولا أن يكون له صوت فإن حقيقة الأصوات مُصَاكَّةُ الأجرام الصلبة، والتوحيد الأزلي ينافي هذه الجملة.
ويقال أَجْهِلْ بقوم آمنوا بأن يكونَ مصنوعُهم معبودَهم! ولولا قهر الربوبية وأنه تعالى يفعل ما يشاء - فأَيُّ عقلٍ يُقِرُّ مثل هذا التلبيس؟!
قوله جلّ ذكره: { أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ }.
جعل من استحقاقه نعوت الإلهية صحة الخطاب وأن تكون منه الهداية، وهذا يدل على استحقاق الحق بالنعوت بأن متكلِّمٌ في حقائق آزاله، وأنه متفرِّد بهداية العبد لا هاديَ سواه. وفيه إشارة إلى مخاطبة الحق - سبحانه - وتكليمه مع العبد، وإنَّ الملوكَ إذا جلَّتْ رتبتهم استنكفوا أن يخاطبوا أحداً بلسانهم حتى قال قائلهم:وما عَجَبٌ تناسي ذِكْرِ عبدٍ على المولى إذا كَثُرَ العبيدُ
وبخلاف هذا أجرى الحقُّ - سنَّتَه مع عباده المؤمنين، أما الأعداء فيقول لهم:{ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ } [المؤمنون: 108] وأمَّا المؤمنون فقال صلى الله عليه وسلم: " ما منكم إلا يكلمه ربُّه ليس بينه وبينه ترجمان " ، وأنشدوا في معناه.وما تزدهينا الكبرياءُ عليهمُ إذا كلَّمونا أن نكلمهم مَرَدَّا
قال تعالى:{ قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً } [الكهف: 109].
الأعراف 7:149
حين تحققوا بقبح صنيعهم تجرَّعوا كاساتِ الأسف ندماً، واعترفوا بأنهم خَسِروا إنْ لم يتداركهم من الله جميلُ لطْفِه.
الأعراف 7:150
قوله جلّ ذكره: { وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيۤ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ }.
لو وجد موسى قومه بألف ألف وِفاقٍ لكان متنغِّصَ العيش لِمَا مني به من حرمان سماع الخطاب والرد إلى شهود الأغيار.. فكيف وقد وجد قومه قد ضلوا وعبدوا العجل؟ ولا يُدْرَى أيُّ المحن كانت أشدَّ على موسى:
أَفِقدانُ سماع الخطابِ؟ أو بقاؤه عن سؤال الرؤية؟ أو ما شاهد من افتنان بني إسرائيل، واستيلاء الشهوة على قلوبهم في عبادة العجل؟ سبحان الله! ما أَشدَّ بلاءه على أوليائه!
قوله جلّ ذكره: { وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ }.
إن موسى عليه السلام وإنْ كان سَمِعَ من اللهِ فتَنَ قومه فإنه لما شَاهَدَهُم أثَّرت فيه المشاهدةُ بما لم يؤثر فيه السماع، وإنْ عُلِمَ قطعاً أنه تأثر بالسماع إلا أن للمعاينة تأثيراً آخر.
ثم إن موسى لما أخذ برأس أخيه يجره إليه استلطفه هارونُ في الخطاب.
فقال:{ يَبْنَؤُمَّ } [طه: 94] فَذَكَرَ الأمَّ هنا للاسترفاق والاسترحام.
وكذلك قوله:{ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي } [طه: 94] يريد بهذا أنه قد توالت المحنُ علي فذرني وما أنا فيه، ولا تَزِدْ في بلائي، خلفتني فيهم فلم يستنصحوني. وتلك عليَّ شديدةٌ. ولقيتُ بَعْدَكَ منهم ما ساءني، ولقد علمت أنها كانت علي عظيمة كبيرة، وحين رجعتَ أخذتَ في عتابي وجر رأسي وقصدْتَ ضربي، وكنت أود منك تسليتي وتعزيتي. فرِفقاً بي ولا تُشْمِتْ بي الأعداء، ولا تضاعِفْ عليّ البلاء.
وعند ذلك رقَّ له موسى - عليه السلام، ورجع إلى الابتهال إلى الله والسؤال بنشر الافتقار فقال: { رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ } وفي هذا إشارة إلى وجوب الاستغفار على العبد في عموم الأحوال، والتحقق بأنَّ له - سبحانه - تعذيبَ البريءِ؛ إذ الخلقُ كُلُّهم مِلْكُه، وتَصَرُّفُ المالكِ في مِلْكه نافذٌ.
ويقال: ارتكابُ الذَّنْبِ كان من بني إسرائيل، والاعتذارُ كان من موسى وهارون عليهما السلام، وكذا الشرط في باب خلوص العبودية.
الأعراف 7:151
قوله جلّ ذكره: { وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيۤ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ }.
لو وجد موسى قومه بألف ألف وِفاقٍ لكان متنغِّصَ العيش لِمَا مني به من حرمان سماع الخطاب والرد إلى شهود الأغيار.. فكيف وقد وجد قومه قد ضلوا وعبدوا العجل؟ ولا يُدْرَى أيُّ المحن كانت أشدَّ على موسى:
أَفِقدانُ سماع الخطابِ؟ أو بقاؤه عن سؤال الرؤية؟ أو ما شاهد من افتنان بني إسرائيل، واستيلاء الشهوة على قلوبهم في عبادة العجل؟ سبحان الله! ما أَشدَّ بلاءه على أوليائه!
قوله جلّ ذكره: { وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ }.
إن موسى عليه السلام وإنْ كان سَمِعَ من اللهِ فتَنَ قومه فإنه لما شَاهَدَهُم أثَّرت فيه المشاهدةُ بما لم يؤثر فيه السماع، وإنْ عُلِمَ قطعاً أنه تأثر بالسماع إلا أن للمعاينة تأثيراً آخر.
ثم إن موسى لما أخذ برأس أخيه يجره إليه استلطفه هارونُ في الخطاب.
فقال:{ يَبْنَؤُمَّ } [طه: 94] فَذَكَرَ الأمَّ هنا للاسترفاق والاسترحام.
وكذلك قوله:{ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي } [طه: 94] يريد بهذا أنه قد توالت المحنُ علي فذرني وما أنا فيه، ولا تَزِدْ في بلائي، خلفتني فيهم فلم يستنصحوني. وتلك عليَّ شديدةٌ. ولقيتُ بَعْدَكَ منهم ما ساءني، ولقد علمت أنها كانت علي عظيمة كبيرة، وحين رجعتَ أخذتَ في عتابي وجر رأسي وقصدْتَ ضربي، وكنت أود منك تسليتي وتعزيتي. فرِفقاً بي ولا تُشْمِتْ بي الأعداء، ولا تضاعِفْ عليّ البلاء.
وعند ذلك رقَّ له موسى - عليه السلام، ورجع إلى الابتهال إلى الله والسؤال بنشر الافتقار فقال: { رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ } وفي هذا إشارة إلى وجوب الاستغفار على العبد في عموم الأحوال، والتحقق بأنَّ له - سبحانه - تعذيبَ البريءِ؛ إذ الخلقُ كُلُّهم مِلْكُه، وتَصَرُّفُ المالكِ في مِلْكه نافذٌ.
ويقال: ارتكابُ الذَّنْبِ كان من بني إسرائيل، والاعتذارُ كان من موسى وهارون عليهما السلام، وكذا الشرط في باب خلوص العبودية.
الأعراف 7:152
يعني إن الذين اتخذوا العِجْلَ معبوداً سَيَنالهُم في مستقبل أحوالهم جزاءُ أعمالهم. والسين في قوله " سينالهم " للاستقبال، ومَنْ لا يضره عصيان العاصين لا يبالي بتأخير العقوبة عن الحال، وفَرْقٌ بين الإمهال والإهمال، والحق - سبحانه - يمهل ولكنه لا يهمل، ولا ينبغي لِمَنْ يذنب ثم لا يُؤَاخَذُ في الحال أَنْ يَغْترَّ بالإمهال.
الأعراف 7:153
وَصَفَهم بالتوبة بعد عمل السيئات ثم بالإيمان بعدها، ثم قال: { مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }. والإيمان الذي هو بعد التوبة يحتمل آمنوا بأنه يقبل التوبة، أو آمنوا بأن الحق سبحانه لم يُضِرْه عصيانٌ، أو آمِنوا بأنهم لا ينجون بتوبتهم من دون فضل الله، أو آمنوا أي عَدُّوا ما سبق منهم من نّقض العَهْدِ شِرْكاً.
ويقال استداموا للإيمان فكان موافاتهم على الإيمان.
أو آمنوا بأنهم لو عادوا إلى ترك العهد وتضييع الأمر سقطوا من عين الله، إذ ليس كل مرة تسلم الجرة.
الأعراف 7:154
تشير إلى حسن إمهاله - سبحانه - للعبد إذا تغيَّر عن حدِّ التمييز، وغَلَبَ عليه ما لا يطيق ردَّه من بواده الغيب.
وإذا كانت حالة الأنبياء - عليهم السلام - أنه يغلبهم ما يعطلهم عن الاختيار فكيف الظن بِمنْ دونهم.
الأعراف 7:155
شتان بين أمة وأمة؛ أمة يختارهم نبيُّهم - عليه السلام، وبين أمة اختارها الحقُّ - سبحانه، فقال:{ وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ } [الدخان: 32].
الذين اختارهم موسى قالوا:{ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ } [النساء: 153] والذين اختارهم الحق - سبحانه - قال الله تعالى فيهم:{ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } [القيامة: 22-23].
ويقال إن موسى - عليه السلام - جاهر الحقَّ - سبحانه - بنعت التحقيق وفارق الحشمة وقال صريحاً: { إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ } ثم وَكَلَ الحكمَ إليه فقال: { تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ } ثم عقَّبها ببيان التضرع فقال: { فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا } ، ولقد قدَّم الثناءَ على هذا الدعاء فقال: { أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا }.
الأعراف 7:156
قوله جلّ ذكره: { وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ }.
نَطَقَ بلسان التضرع والابتهال حيث صَفَّى إليه الحاجة، وأخلص له في السؤال فقال: { وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ } أي اهدنا إليك.
وفي هذه إشارة إلى تخصيص نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - في التبري من الحول والقوة والرجوع إلى الحقِّ لأن موسى - عليه السلام قال: { وَٱكْتُبْ لَنَا فِي.... } ونبيُّنا صلى الله عليه وسلم قال: " لا تكلني إلى نفسي طرفة عين " ولا أقلَّ من ذلك، وقال: " واكفلني كفالة الوليد " ثم زاد في ذلك حيث قال: " لا أحصي ثناء عليك ".
قوله جلّ ذكره: { إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ }.
أي مِلْنَا إلى دينك، وصِرْنَا لكَ بالكلية، في غير أَنْ نترك لأنفسنا بقية.
قوله جلّ ذكره: { قَالَ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ }.
وفي هذا لطيفة؛ حيث لم يقل: عذابي لا أُخْلِي منه أحَداً، بل علَّقَه على المشيئة. وفيه أيضاً إشارة؛ أنّ أفعاله - سبحانه - غيرُ مُعَلَّلَة بأكساب الخلق؛ لأنه لم يقل: عذابي أصيب به العصاة بل قال: { مَنْ أَشَآءُ }؛ وفي ذلك إشارة إلى جواز الغفران لمن أراد لأنه قال: { أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ } فإذا شاء ألا يصيب به أحداً كان له ذلك، وإلا لم يكن حينئذٍ مختاراً.
ثم لمَّا انتهى إلى الرحمة قال: { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ } لم يُعَلِّقها بالمشيئة؛ لأنها نفس المشيئة ولأنها قديمة، والإرادة لا تتعلق بالقديم. فلمَّا كان العذابُ من صفات الفعل علَّقه بالمشيئة، بعكس الرحمة لأنها من صفات الذات.
ويقال في قوله تعالى: { وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ } مجالٌ لآمالِ العُصَاة؛ لأنهم وإن لم يكونوا من جملة المطيعين والعبادين والعارفين فهم { شَيْءٍ }.
قوله جلّ ذكره: { فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ }.
أي سأوجبها لهم، فيجب الثواب للمؤمنين من الله ولا يجب لأحدٍ شيء على الله إذ لا يجب عليه شيءٍ لعزِّه في ذاته.
قوله ها هنا: { لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } أي يجتنبون أَنْ يروا الرحمة باستحقاقهم، فإذا اتقوا هذه الظنون، وتيقنوا أن أحكامه ليست معللةً بأكسابهم - استوجبوا الرحمة، ويحكم بها لهم.
{ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ } أي بما يكاشفهم به الأنظار مما يقفون عليه بوجوه الاستدلال، وبما يلاطفهم به في الأسرار مما يجدونه في أنفسهم من فنون الأحوال.
الأعراف 7:157
قوله جلّ ذكره: { ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ }.
أظهر شرفَ المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بقوله: { ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ } أي أنه لم يكن شيء من فضائله وكمال علمه وتهيؤه إلى تفصيل شرعه مِنْ قِبَلِ نَفْسِه، أو من تعلُّمه وتكلُّفه، أو من اجتهاده وتصرُّفه.. بل ظهر عليه كلُّ ما ظهر مِنْ قِبَله - سبحانه - فقد كان هو أميَّاً غير قارئٍ للكتب، ولا مُتَتَبِّعٍ للسِّيرَ.
ثم قال: { يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ }: والمعروف هو القيام بحق الله، والمنكر هو البقاء بوصف الحظوظ وأحكام الهوى، والتعريج في أوطان المُنَى، وما تصوِّره للعبد تزويراتُ الدعوى. والفاصلُ بين الجسمين، والمميِّزُ بين القسمين - الشريعةُ، فالحَسَنُ من أفعال العباد ما كان بنعت الإذن من مالك الأعيان فلَهُم ذلك، والقبيح ما كان موافقاً لِلنَّهْيِ والزجرِ فليس لهم فعل ذلك.
قوله جلّ ذكره: { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ }.
الإصرُ الثُّقلُ، ولا شيءَ أثقلُ من كَدِّ التدبير، فَمَنْ ترك كد التدبير إلى روْح شهود التقدير، فقد وُضِع عنه كلُّ إصر، وكُفِيَ كُلَّ وِزر وأمر.
والأغلالُ التي كانت عليهم هي ما ابتدعوه مِنْ قبَلِ أنفسهم باختيارهم في التزامِ طاعات اله ما لم يُفْتَرضْ عليهم، فَوُكِلُوا إلى حَوْلِهمُ ومُنَّتِهم فيها؛ فأهملوها، ونقضوا عهودهم.
ومَنْ لَقِيَ - بخصائص الرضا - ما تجري به المقادير، وشَهِدَ الحقَّ في أجناس الأحداث، فقد خُصَّ بكل نعمة وفضل.
قوله جلّ ذكره: { فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ }.
اعترف لهم بنصرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم كان الله حسيبه، ومَنْ كان استقلاله بالحق لم يقف انتعاشه على نصرة الخلق.
الأعراف 7:158
صَرِّحْ بما رقَّيْنَاكَ إليه من المقام، وأفصِحْ عما لقيناك به من الإكرام، قُلْ إني إلى جماعتكم مُرسلٌ، وعلى كافتكم مُفَضَّل، وديني - لِمَنْ نظر واعتبر، وفكَّر وسَبَرَ - مُفَصَّل. فإِلهي الذي لا شريكَ له ينازعه، ولا شبيهَ يُضَارِعه له حقُّ التصرف في مُلْكِه بما يريد من حكمه. ومن جملة ما حكم وقضى، ونفذ به التقدير وأَمْضى - إرسالي إليكم لتطيعوه فيما يأمركم، وتحذروا من ارتكاب ما يزجركم. وإِنَّ مما أَمَرَكُم به أنه قال لكم: آمِنوا بالنبي الأُمِّي، واتبعوه لتُفْلِحوا في الدنيا والعقبى، وتستوجبوا الزُّلفى والحسنى، وتتخلصوا من البلوى والهوى.
الأعراف 7:159
هم الذين سبقت لهما العناية، وصدقت فيهم الولاية فبقوا على الحق من غير تحريف ولا تحويل، وأدركتهم الرحمةُ السابقةُ، فلم تتطرق إليهم مفاجأة تغيير، ولا خفيُّ تبديل.
الأعراف 7:160
فَرَّقهم أصنافاً، وجعلهم في التحزب أخيافاً، ثم كفاهم ما أَهَمهُم، وأعطاهم ما لم يكن لهم بُدٌّ منه فيما نابَهم؛ فظللنا عليهم ما وقاهم أذى الحرِّ والبرد، وأنزلنا عليهم المَنَّ والسَّلوى مما نفى عنهم تعبَ الجوعِ والجهد والسعي والكد، وفجَّرنا لهم العيونَ عند النزول حتى كانوا يشاهدونهم عياناً، وألقينا بقلوبهم من البراهين ما أوجب لهم قوة اليقين، ولكن ليست العِبْرةُ بأفعال الخَلْقِ ولا بأعمالهم إنما المدارُ على مشيئة الحق، سبحانه وتعالى فيما يُمضِي عليهم من فنون أحوالهم.
الأعراف 7:161
يخبر عما ألزمهم من مراعاة الحدود، وما حصل منهم من نقض العهود. وعما ألزمهم من التكليف، ولقَّاهم به من صنوف التعريف، وإكرامه من شاءَ منهم بالتوفيق والتصديق، وإذلاله من شاء منهم بالخذلان وحرمان التحقيق، ثم ما عاقبهم به من فنون البلاء فما لقوا تعريفاً، وأذاقهم من سوء الجزاء، حُكْماً - من الله - حتما، وقضاء جزماً.
الأعراف 7:162
جاء في التفسير أنهم زادوا حرفاً في الكلمة التي قيلت لهم فقالوا: حنطة بدل " حِطَّة " فلقوا من البلاء ما لقوا تعريفاً أن الزيادةَ في الدِّين، والابتداعَ في الشرع عظيمُ الخَطَرَ، ومجاوزةُ حدِّ الأمر شديدُ الضرر.
ويقال إذا كان تغييرُ كلمةٍ هي عبارة عن التوبة يوجب كل ذلك العذاب - فما الظنُّ بتغيير ما هو خبرٌ عن صفات المعبود؟
ويقال إنَّ القولَ أَنْقَصُ من العمل بكلِّ وجهٍ - فإذا كان التغيير في القول يُوجِبُ كلَّ هذا.. فكيف بالتبديل والتغيير في الفعل؟.
الأعراف 7:163
كان دينهم الأخذ بالتأويل، وذلك رَوَغَانٌ - في التحقيق، وإن الحقائق تأبى إلا الصدق، وإنَّ التعريج في أوطان الحظوظ والجنوحَ إلى محتملات الرُّخَص فسْخٌ لأكيد مواثيق الحقيقة، ومن شاب شوِّبَ له، ومن صَفَّى صفي له.
الأعراف 7:164
الحقائق - وإن كانت لازمة - فليست للعبد عند لوازم الشرع عاذِرةً بل الوجوبُ يُفْترَضُ شرعاً، وإن كان التقدير غالباً بكل وجه.
الأعراف 7:165
إذا تمادى العبد في تَهتُّكِه، ولم يُبالِ بطول الإمهال والسَّتْر لم تُهْمِلْ يدُ التقرير عن استئصال العين، ومحو الأثر، وسرعة الحساب، وتعجيل العذاب الأدنى قبل هجوم الأكبر. ثم البرءُ في فضاء السلامة، وتحت ظِلِّ الحفظ، ودوام روْح التخصيص وبَرْدِ عيش التقريب.
الأعراف 7:166
إذا انتهت مدةُ الإمهال فليس بعده إلا حقيقة الاستئصال، وإذا سقط العبدُ من عين الله لم ينتعشْ بعده أبداً، فمن أسقطه حكمُ الملوك فلا قبول له بعد الردِّ، وفي معناه أنشدوا:إذا انصرفَتْ نفسي عن الشيء لم تكَدْ إليه بوجهٍ آخرَ الدهرِ تُقْبَلُ
الأعراف 7:167
إذا الحقُّ - سبحانه - أمضى سُنَتَه بالإنذار وتقديم التعريف بما يستحقه كلُّ أحد على ما يحصل منه من الآثار إبداءً للعذر - وإنْ جلت رتبته عن كل عذر - فإِنْ يَنْجَعْ فيهم القولُ وإلا دَمَّرَ عليهم بالعذاب.
الأعراف 7:168
أجراهم على ما علم أنهم يكونون عليه من صلاح وسداد، ومَعَاصٍ وفساد. ثم ابتلاهم بفنون الأفعال من محنٍ أزاحها، ومن مِنَنٍ أتاحها، وطالبهم بالشكر على ما أسدى، والصبرِ على ما أبلى، ليظهر للملائكة والخلائق أجمعين جواهرَهم في الخلاف والوفاق، والإخلاص والنفاق؛ فأمَّا الحسناتُ فهي ما يُشْهِدهم المُجْرِي، ولا يُلْهِيهم عن المُبْدي، وأمَّا السيئاتُ فالتردد بين الإنجاز والتأخير، والإباحة والتقصير.
ويقال الحسنة أن يُنْسِيَكَ نفسك، والسيئة أَنْ يُشْهِدَكَ نفسك.
ويقال الحسنات بتيسير وقتٍ عن الغفلات خالٍ، وتسهيل يومٍ عن الآفات بائن. والسيئاتُ التي ابتلاهم بها خذلانٌ حاصل وحرمانٌ متواصل.
الأعراف 7:169
قوله جلّ ذكره: { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ٱلْكِتَٰبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا }.
استوجبوا الذم بقوله - سبحانه: { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ } لأنهم آثروا العَرَض الأدنى، وركنوا إلى عاجل الدنيا، وجعلوا نصيبهم من الآخرة المنى فقالوا: { سَيُغْفَرُ لَنَا }.
ويقال من أمارات الاستدراج ارتكابُ الزلة، والاغترارُ بزمان المُهْلة، وحَمْلُ تأخيرِ العقوبة على استحقاق الوصلة.
قوله جلّ ذكره: { وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ }.
أخبر عن إصرارهم على الاغترار بالمنى، وإيثار متابعة الهوى.
قوله جلّ ذكره: { أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ }.
استفهام في معنى التقرير، أي أُمِروا ألا يَصِفُوا الحقَّ إلا بنعت الجلال، واستحقاق صفات الكمال، وألا يتحاكموا عليه بما لم يأتِ منه خبر، ولم يشهد بصحته برهانٌ ولا نظر.
قوله جلّ ذكره: { وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }.
يعني تحققوا بمضمون الكتاب ثم جحدوا بعد لوح البيان وظهور البرهان. يعني التعرضُ لنفحات فضله - سبحانه - خيرٌ لمن أَمَّلَ جودَه من مقاساة التعب ممن بَذَلَ - في تحصيل هواه - مجهودَه.
الأعراف 7:170
قوله جلّ ذكره: { وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَابِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ }.
يمسكون بالكتاب إيماناً، وأقاموا الصلاة إحساناً، فبالإيمان وجدوا الأَمَان، وبالإحسان وجدوا الرضوان؛ فالأَمانُ مُعَجَّل والرضوان مؤجل. ويقال { يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَابِ } سبب النجاة، وإقامة الصلاة تحقق المناجاة. فالنجاة في المآل والمناجاة في الحال.
ويقال أفرد الصلاة ها هنا بالذكر عن جملة الطاعات ليُعْلمَ أنها أفضل العبادات بعد معرفة الذات والصفات.
قوله جلّ ذكره: { إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ }.
مَنْ أَمَّلَ سببَ إنعامنا لم تَخْسِرْ له صفقة، ولم تخْفِق له في الرجاء رفقة، ويقال من نقل (...) إلى بابه قَدَمَه لم يَعْدم في الآجل نِعمَهَ، ومَنْ رَفَعَ إلى ساحاتِ جوده هِمَمَه نالَ في الحالِ كرمه.
ويقال مَنْ تَوَصَّلَ إليه بجوده نال في الدارين شَرَفَه. ومن اكتفى بجوده كان اللهُ عنه خَلَفَه.
الأعراف 7:171
ليس من يأتي طوعاً كمن يأتي جَبْراً، فإن الذي يأتي قهراً لا يعرف للحق - سبحانه - قدراً، وفي معناه أنشدوا:إذا كان لا يرضيك إلا شفاعة فلا خير في ود يكون لشافعِ
وأنشدوا:إذا أنا عاتبتُ الملولَ فإنَّما أَخُطُّ بأقلامي على الماء أَحْرُفَا
وَهَبْهُ ارْعَوَى بعد العتـاب ألم يكن تودده طبعاً، فصار تكلُّفا؟
ويقال قصارى من أتى خيراً أن ينكص على عقبيه طوعاً، كذلك لمَّا قابلوا الكتاب بالإجبار ما لبثوا حتى قابلوه بالتحريف.
الأعراف 7:172
أخبر بهذه الآية عن سابق عهده، وصادق وعده، وتأكيد عناج ودِّه، بتعريف عبده، وفي معناه أنشدوا:سُقياً لليْلَى والليـالي التـي كُنَّا بَلَيْلَى نلتقي فيها
أفديكِ بل أيامُ دهري كلها يفدين أياماً عَرَفْتُكِ فيها
ويقال فأجابهم بتحقيق العرفان قبل أن يقع لمخلوق عليهم بَصَرٌ، أو ظهر في قلوبهم لمصنوع أَثَرٌ، أو كان لهم من حميمٍ أو قريب أو صديق أو شفيق خبر، وفي معناه أنشدوا:أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى وصَادَفَ قلبي فارغاً فتمكنَّا
ويقال جمعهم في الخطاب ولكنه فَرَّقهم في الحال. وطائفةٌ خاطبهم بوصف القربة فعرَّفهم في نفس ما خاطبهم، وفِرْقةٌ أبقاهم في أوطان الغيبة فأقصاهم عن نعت العرفان وحجبهم.
ويقال أقوام لاطَفَهم في عين ما كاشَفَهم فأقروا بنعت التوحيد، وآخرون أبعدهم في نفس ما أشهدهم فأقروا عن رأس الجحود.
ويقال وَسَمَ بالجهل قوماً فألزمهم بالإشهاد بيان الحجة فأكرمهم بالتوحيد، وآخرين أشهدهم واضِحَ الحجة (...).
ويقال تجلَّى لقوم فتولَّى تعريفهم فقالوا: " بلى " عن حاصل يقين، وتَعَزَّزَ عن آخرين فأثبتهم في أوطان الجحد فقالوا: " بلى " عن ظنٍ وتخمين.
ويقال جمع المؤمنين في الأسماء ولكن غاير بينهم في الرتب؛ فَجَذَبَ قلوبَ قومٍ إلى الإقرار بما أطمعها فيه من المبَارِّ، وأنطق آخرين بصدق الإقرار بما أشهدهم من العيان وكاشفهم به من الأسرار.
ويقال فرقةٌ ردَّهم إلى الهيبة فهاموا، وفِرْقَةٌ لاطفَهم بالقربة فاستقاموا.
ويقال عرَّف الأولياء أنه مَنْ هو فتحققوا بتخليصهم، ولَبَّسَ على الأعداء فتوقفوا لحيرة عقولهم.
ويقال أسمعهم وفي نفس أحضرهم، ثم أخذهم عنهم فيما أحضرهم، وقام عنهم فأنطقهم بحكم التعريف، وحفظ عليهم - بحسن التولي - أحكامَ التكليف وكان - سبحانه - لهم مُكَلِّفاً، وعلى ما أراده مُصَرِّفاً، وبما استخلصهم له مُعَرِّفاً، وبما رقاهم إليه مُشَرّقاً.
ويقال كاشف قوماً - في حال الخطاب - بجماله فطوحهم في هيمان حبه، فاستمكنت محابُّهم في كوامن أسرارهم؛ فإِذا سمعوا - اليومَ - سماعاً تجددت تلك الأحوال، فالانزعاجُ الذي يَظْهَرُ فيهم لِتَذَكُّرِ ما سَلَفَ لهم من العهد المتقدم.
ويقال أسمع قوماً بشاهد الربوبية فأصحاهم عن عين الاستشهاد فأجابوا عن عين التحقيق، وأَسمع آخرين بشاهد الربوبية فمحاهم عن التحصيل فأجابوا بوصف الجحود.
ويقال أظهر آثارَ العناية بدءاً حين اختصَّ بالأنوار التي رشت عليهم قوماً، فَمَنْ حَرَمَه تلك الأنوار لم يجعله أهلاً للوصلة، ومَنْ أصابَته تلك الأنوارُ أَفْصَحَ بما خُصَّ به من غير مقاساة كَلَفَة.
الأعراف 7:173
أخبر بهذه الآية عن سابق عهده، وصادق وعده، وتأكيد عناج ودِّه، بتعريف عبده، وفي معناه أنشدوا:سُقياً لليْلَى والليـالي التـي كُنَّا بَلَيْلَى نلتقي فيها
أفديكِ بل أيامُ دهري كلها يفدين أياماً عَرَفْتُكِ فيها
ويقال فأجابهم بتحقيق العرفان قبل أن يقع لمخلوق عليهم بَصَرٌ، أو ظهر في قلوبهم لمصنوع أَثَرٌ، أو كان لهم من حميمٍ أو قريب أو صديق أو شفيق خبر، وفي معناه أنشدوا:أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى وصَادَفَ قلبي فارغاً فتمكنَّا
ويقال جمعهم في الخطاب ولكنه فَرَّقهم في الحال. وطائفةٌ خاطبهم بوصف القربة فعرَّفهم في نفس ما خاطبهم، وفِرْقةٌ أبقاهم في أوطان الغيبة فأقصاهم عن نعت العرفان وحجبهم.
ويقال أقوام لاطَفَهم في عين ما كاشَفَهم فأقروا بنعت التوحيد، وآخرون أبعدهم في نفس ما أشهدهم فأقروا عن رأس الجحود.
ويقال وَسَمَ بالجهل قوماً فألزمهم بالإشهاد بيان الحجة فأكرمهم بالتوحيد، وآخرين أشهدهم واضِحَ الحجة (...).
ويقال تجلَّى لقوم فتولَّى تعريفهم فقالوا: " بلى " عن حاصل يقين، وتَعَزَّزَ عن آخرين فأثبتهم في أوطان الجحد فقالوا: " بلى " عن ظنٍ وتخمين.
ويقال جمع المؤمنين في الأسماء ولكن غاير بينهم في الرتب؛ فَجَذَبَ قلوبَ قومٍ إلى الإقرار بما أطمعها فيه من المبَارِّ، وأنطق آخرين بصدق الإقرار بما أشهدهم من العيان وكاشفهم به من الأسرار.
ويقال فرقةٌ ردَّهم إلى الهيبة فهاموا، وفِرْقَةٌ لاطفَهم بالقربة فاستقاموا.
ويقال عرَّف الأولياء أنه مَنْ هو فتحققوا بتخليصهم، ولَبَّسَ على الأعداء فتوقفوا لحيرة عقولهم.
ويقال أسمعهم وفي نفس أحضرهم، ثم أخذهم عنهم فيما أحضرهم، وقام عنهم فأنطقهم بحكم التعريف، وحفظ عليهم - بحسن التولي - أحكامَ التكليف وكان - سبحانه - لهم مُكَلِّفاً، وعلى ما أراده مُصَرِّفاً، وبما استخلصهم له مُعَرِّفاً، وبما رقاهم إليه مُشَرّقاً.
ويقال كاشف قوماً - في حال الخطاب - بجماله فطوحهم في هيمان حبه، فاستمكنت محابُّهم في كوامن أسرارهم؛ فإِذا سمعوا - اليومَ - سماعاً تجددت تلك الأحوال، فالانزعاجُ الذي يَظْهَرُ فيهم لِتَذَكُّرِ ما سَلَفَ لهم من العهد المتقدم.
ويقال أسمع قوماً بشاهد الربوبية فأصحاهم عن عين الاستشهاد فأجابوا عن عين التحقيق، وأَسمع آخرين بشاهد الربوبية فمحاهم عن التحصيل فأجابوا بوصف الجحود.
ويقال أظهر آثارَ العناية بدءاً حين اختصَّ بالأنوار التي رشت عليهم قوماً، فَمَنْ حَرَمَه تلك الأنوار لم يجعله أهلاً للوصلة، ومَنْ أصابَته تلك الأنوارُ أَفْصَحَ بما خُصَّ به من غير مقاساة كَلَفَة.
الأعراف 7:174
إذا سُدَّت عيونُ البصائر فما ينفع وضوح الحُجَّة.
الأعراف 7:175
الحقُّ - سبحانه - يظهر الأعداء في دار الخُلَّة ثم يردُّهم إلى سابق القسمة، ويُبْرِزُ الأولياء بنعتِ الخلاف والزَّلَّة، ثم يغلب عليهم مقسومات الوصلة.
ويقال أقامه في محل القربة، ثم أبرز له من مكامن المكر ما أعدَّ له من سابق التقدير؛ فأصبح والكلُّ دونه رتبة، وأمسى والكلب فوقه - مع خساسته.. وفي معناه أنشدوا:فبينا بخيرٍ والدُّنى مطمئنة وأصبح يوماً - والزمان تَقَلَّبَا
ويقال ليست العِبْرَةُ بما يلوح في الحال، إنما العبرة بما يؤول إليه في المآل.
الأعراف 7:176
قوله جلّ ذكره: { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا }.
لو ساعدته المشيئة بالسعادة الأزلية لم تَلْحَقْه الشقاوةُ الأبدية، ولكن من قصمته السوابق لم تنعشه اللواحق.
قوله جلّ ذكره: { وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ }.
إذا كانت مساكنةُ آدم للجَنَّةِ وَطمعُه في الخلود فيها أوجبا خروجَه عنها، فالركونُ إلى الدنيا - متى يوجِب البقاءَ فيها؟.
قوله جلّ ذكره: { وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ }.
موافقة الهوى تُنْزِلُ صاحبَها من سماءِ العِزِّ إلى تراب الذُّل، وتلقيه في وهدة الهوان؛ ومن لم يُصَدِّقِ عِلْماً فعن قريبٍ يقاسيه وجوداً.
قوله جلّ ذكره: { فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ }.
من أخلاق الكلب التعرُّضُ لِمَنْ لم يُخِفْه على جهة الابتداء، ثم الرضاء عنه بلقمة.. كذلك الذي ارتدَّ عن طريق الإرادة يصير ضيق الصدر، سيئ الخُلُق، يبدأ بالجفاء كُلَّ بريءٍ، ثم يهدأ طياشة بِنَيْل كُلِّ عَرَضٍ خسيس.
قوله جلّ ذكره: { إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }.
المحجوب عن الحقيقة عنده الإساءةُ والإحسانُ (سيان)، فهو في الحالين: إمَّا صاحب ضَجَر أو صاحب بَطَر، لا يحمل المحنة إلا زوال الدولة، ولا يقابل النعمة إلا بالنهمة، فهو في الحالين محجوبٌ عن الحقيقة.
ويقال الكلب نجاسته أصلية، وخساسته كلية، كذلك المردوده في الصفة؛ له نقصان القيمة وحرمان القسمة.
الأعراف 7:177
أي صفته أدنى من نعت من بُلِيَ بالإعراضِ الأزليِّ، وأيُّ نعتٍ أعلى من وصف مَنْ أُكْرِمَ بالقبول الأبديّ؟ وأيُّ حيلةٍ تنفع مع مَنْ يخلق الحيلة؟ وكيف تَصِحُّ الوسيلةُ إلا لمن منه الوسيلة؟.
الأعراف 7:178
ليست الهدايةُ من حيث السعايةُ، إنما الهداية من حيث البداية، وليست الهداية بفكر العبد ونَظَرِه، إنما الهداية بفضل الحق وجميل ذكره.
الأعراف 7:179
قوله جلّ ذكره: { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ }.
مَنْ خَلَقه لجهنم - متى يستوجب الجنَّاتِ؟
ومَنْ أَهَّلَه للسخطة - أنَّى يستحق الرضوان؟
ولولا انسداد البصائر وإلا فأيُّ إشكالٍ بقي بعد هذا الإيضاح؟
ويقال هم - اليومَ - في جحيم الجحود، مُقَرَّنين في أصفاد الخذلان، مُلْبَسِين ثياب الحرمان، طعامُهم ضريع الوحشة، وشرابهم حميم الفرقة، وغداً هُمْ في جحيم الحرقة كما فَصَّلَ في الكتاب شرعَ تلك الحالة.
قوله جلّ ذكره: { لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ }.
أي لا يفقهون معاني الخطاب كما يفهم المُحَدَّثون، وليس لهم تمييز بين خواطر الحق وبين هواجس النفس ووساوس الشيطان، ولهم أعينٌ لا يُبْصِرون بها شواهدَ التوحيد وعلاماتِ اليقين؛ فلا ينظرون إلا من حيث الغفلة، ولا يسمعون إلا دواعي الفتنة، ولا ينخرطون إلا مع من سلك ركوب الشهوة.
{ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ }: لأنَّ الأَنْعَامَ قد رُفِعَ عنها التكليفُ، وإن لم يكن لها وِفاقُ الشرع فليس منها أيضاً خلاف الأمر.
والأنعامُ لا يَهُمُّها إلا الاعتلاف، وما تدعو الحيلة من مباشرة الجنس، فكذلك مَنْ أُقيم بشواهد نفسه وكان من المربوطين بأحكام النَّفْس، وفي معناه أنشدوا:نهارك يا مغرورُ سَهْوٌ وغفلةٌ وليلك نومٌ والرَّدى لك لازِمٌ
وسعيك فيها سوف تكره غِبَّه كذلك في الدنيا تعيش البهائمُ
الأعراف 7:180
سبحان مَنْ تعرَّف إلى أوليائه بنعوته وأسمائه فعرَّفهم أنه مَنْ هو، وبأي وصفٍ هو، وما الواجب في وصفه، وما الجائز في نعته، وما الممتنع في حقِّه وحكمه؛ فتجلى لقلوبهم بما يكاشفهم به من أسمائه وصفاته، فإن العقولَ محجوبةٌ عن الهجوم بذواتها بِمَا يَصِحُّ إطلاقُه في وصفه، وإنْ كانت واقفةً على الواجب والجائز والممتنع في ذاته، فللعقل العرفان بالجملة، وبالشرع الإطلاق والبيان في الإخبار، والقول فيما وَرَدَ به التوفيق يُطْلَقِ، وما سَكَتَ عنه التوفيق يُمْنَع. ويقال مَنْ كان الغالب عليه وصفٌ من صفاته ذَكَره بما يقتضي هذا الوصف؛ فمن كان مكاشَفاً بعَطائه، مربوطَ القلبِ بأفضاله فالغالبُ على قالته الثناء عليه بأنه الوهاب والبار والمُعْطِي وما جرى مجراه. ومن كان مجذوباً عن شهود الإنعام، مكاشفاً بنعت الرحمة فالذي يغلب على ذكره وصفه بأنه الرحمن والرحيم والكريم وما في معناه. ومَنْ سَمتْ هِمَّتُه عن شهود وجوده، واستهلك في حقائق وجوده فالغالب على لسانه الحق. ولذلك فأكثر أقوال العلماء في الإخبار عنه: " البارئ " لأنهم في الترقي في شهود الفعل إلى شهود الفاعل. وأمَّا أهل المعرفة فالغالب على لسانها " الحق " لأنهم مُخْتَطفُون عن شهود الآثار، متحققون بحقائق الوجود.
وقال إنَّ الله - سبحانه - وقف الخلْق بأسمائه فهم يذكرونها قالةً، وتعزَّزَ بذاته، والعقول - وإنْ صَفَتْ لا تهجم على حقائق الإشراف، إذ الإدراك لا يجوز على الحق؛ فالعقول عند بواده الحقائق متقنعة بنقاب الحيرة عند التعرض للإحاطة، والمعارف تائهة عند قصد الإشراف على حقيقة الذات، والأبصار حسيرةٌ عند طلب الإدراك في أحوال الرؤية، والحق سبحانه عزيز، وباستحقاق نعوت التعالي مُتَفَرِّد.
قوله: { وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }: الإلحاد هو الميل عن القصد، وذلك على وجهين بالزيادة والنقصان؛ فأهل التمثيل زادوا فألحدوا، وأهل التعطيل نقصوا فألحدوا.
الأعراف 7:181
أجرى الحقُّ - سبحانه - سُنَّتَه بألا يُخْلِيَ البسيطةَ من أهل لها هم الغياث وبهم دوام الحق في الظهور، وفي معناه قالوا:إذا لم يكن قطبٌ فمن ذا يديرها؟
فهدايتهم بالحق أنهم يدعون إلى الحق، ويدلون على الحق، ويتحركون بالحق، ويسكنون للحق بالحق، وهم قائمون بالحق؛ يصرفهم الحق بالحق أولئك هم غياث الخَلْق؛ بهم يُسْقَوْنَ إذا قحطوا، ويُمْطَرون إذا أجدبوا، ويُجَابُون إذا دَعَوْا.
الأعراف 7:182
الاستدراج أن يلقى في أوهامهم أنهم من أهل الوصلة، وفي الحقيقة: السابقُ لهم من القسمة حقائقُ الفُرقة.
ويقال الاستدراجُ انتشار الصيت بالخير في الخلْق، والانطواء على الشر - في السر - مع الحق.
ويقال الاستدراج ألا يزداد في المستقبل صحبةً إلا ازداد في الاستحقاق نقصان رتبة.
ويقال الاستدراج الرجوع من توهم صفاء الحال إلى ركوب قبيح الأعمال، ولو كان صادقاً في حاله لكان معصوماً في أعماله.
ويقال الاستدراج دعاوى عريضة صدرت عن معانٍ مريضة.
ويقال الاستدراج إفاضة البرِّ مع (...) الشكر.
الأعراف 7:183
الاستدراج أن يلقى في أوهامهم أنهم من أهل الوصلة، وفي الحقيقة: السابقُ لهم من القسمة حقائقُ الفُرقة.
ويقال الاستدراجُ انتشار الصيت بالخير في الخلْق، والانطواء على الشر - في السر - مع الحق.
ويقال الاستدراج ألا يزداد في المستقبل صحبةً إلا ازداد في الاستحقاق نقصان رتبة.
ويقال الاستدراج الرجوع من توهم صفاء الحال إلى ركوب قبيح الأعمال، ولو كان صادقاً في حاله لكان معصوماً في أعماله.
ويقال الاستدراج دعاوى عريضة صدرت عن معانٍ مريضة.
ويقال الاستدراج إفاضة البرِّ مع (...) الشكر.
الأعراف 7:184
أو لم يتأملوا بأنوار البصائر ليشهدوا أخلاق آثار التقريب بجملة أحواله - عليه السلام - ليعلموا أن ذلك الشاهد ليس بشاهد متخرص.
ويقال إن برود الواسطة - صلوات الله عليه وعلى آله - كانت بنسيم القربة معطرة، ولكن لا يُدْرَكُ ذلك النَّشْرُ إلا بِشَمِّ العرفان، فمَنْ فَقَدَ ذلك - فأي خبر له عن حقيقة حاله - صلوات الله عليه.
الأعراف 7:185
قوله جلّ ذكره: { أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ }.
أطلع الله - سبحانه - أقمار الآيات، وأماط عن ضيائها سحاب الشبهات؛ فَمَنْ استضاء بها ترَّقى إلى شهود القدرة.
ويقال ألاح الله تعالى - لقلوب الناظرين بعيون الفكر - حقائق التحصيل؛ فَمَنْ لم يُعَرِّج في أوطان التقصير أَنْزَلَتْه مراكبُ السِّرِّ بساحات التحقق.
قوله جلّ ذكره: { وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ }.
الناس في مغاليط آمالهم ناسون لوشيك آجالهم، فكم من ناسجٍ لأكفانه! وكم من بانٍ لأعدائه! وكم من زارعٍ لم يحصد زرعه!
هيهات! الكبش يعتلف والقَصَّابُ مسْتَعِدٌّ له!.
ويقال سرعة الأَجَل تُنَغِّص لذة الأمل.
الأعراف 7:186
مَنْ حُرمَة أنوار التحقيق فهو في ضباب الجهل، فهو يَزِلُّ يميناً ويسقط شمالاً.
الأعراف 7:187
السائلُ عن الساعةِ رجلان؛ مُنْكِرٌ يتعجَّبُ لفَرْطِ جهله، وعارِفٌ مشتاقٌ يستعجل لِفَرْطِ شوقه، والمتحقق بوجوده ساكِنٌ في حاله؛ فسيان عنده قيام القيامة ودوام السلامة.
ويقال الحق - سبحانه - استأثر بعلم الساعة؛ فلم يُطلِعْ على وقتها نَبيَّا ولا صفيَّا، فالإيمان بها غيبيٌّ، ويقين أهل التوحيد صادق عن شوائب الرِّيب. ثم مُعَجَّل قيامتهم يُوجِبُ الإيمانَ بمؤجَّلها.
الأعراف 7:188
أَمَره بتصريح الإقرار بالتبري عن حوله ومُنتَّهِ، وأن قيامه وأمرَه ونظامَه بطوْل ربِّه ومتِّه؛ ولذلك تتجنَّسُ عليَّ الأحوال، وتختلف الأطوار؛ فَمِنْ عُسْرٍ يَمَسُّني، ومِنْ يسرٍ يخصني، ولو كان الأمر بمرادي، ولم يكن بِيدِ غيري قيادي لتشابهت أحوالي في اليسر، ولتشاكلت أوقاتي في البعد من العسر.
الأعراف 7:189
قوله جلّ ذكره: { هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا }.
أخرج النَّسَمة من نَفْسٍ واحدة وأخلاقهم مختلفة، وهممهم متباينة، كما أن الشخص من نطفة واحدة وأعضاؤه وأجزاءه مختلفة. فَمَنْ قَدِرَ على تنويع النطفة المتشاكلة أجزاؤها فهو القادر على تنويع أخلاق الخَلْق الذين أخرجه من نَفْس واحدة.
قوله جلّ ذكره: { لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَماَّ تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ }.
ردَّ المِثْل إلى المِثْل، وربط الشَّكلَ بالشكل، ليَعْلَمَ العالمون أن سكون الخلْق مع الحقِّ لا إلى الحق، وكذلك أنسل الخلْق من الخلق لا من الحق، فالحقُّ تعالى قدوس؛ منه كل حظ للخلق خلْقاً، منزه عن رجوع شيءٍ إلى حقيقته حقاً.
الأعراف 7:190
شرُّ الناس من يبتهل إلى الله عند هجوم البلاء بخلوص الدعاء، وشدة التضرع والبكاء، فإذا أزيلت شكاتِه، ودُفِعت - بِمِنتَّهِ - آفاتُه ضيَّعَ الوفاء، ونَسِيَ البلاء، وقابل الرِّفْدَ بنقْضِ العهد وأبدل العقد برفض الود، أولئك الذين أبعدهم الله في سابق الحكم، وخرطهم في سِلْك أهل الرد.
الأعراف 7:191
قوله جلّ ذكره: { أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ }.
كما لا يجوز أن يكون الربُّ مخلوقاً لا يجوز أن يكون غير الرب خالقاً، فَمَنْ وَصَفَ الحقَّ بخصائص وصف الخلْق فقد أَلْحَدَ، ومَنْ نَعَتَ الخلقَ بما هو من خصائص حق الحق فقد جحَدَ.
قوله جلّ ذكره: { وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلآ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ }.
مَنْ حَكَمَ بأنه ليس في مقدور الحق شيء لو فعله اسم الجاهل طوعاً إلا فعله فقد وصف بأنه لا يقدر على نصره فَمُضَاهٍ الذي يعيد الجماد ونعوذ بالله من الضلالة عن الرشاد.
الأعراف 7:192
قوله جلّ ذكره: { أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ }.
كما لا يجوز أن يكون الربُّ مخلوقاً لا يجوز أن يكون غير الرب خالقاً، فَمَنْ وَصَفَ الحقَّ بخصائص وصف الخلْق فقد أَلْحَدَ، ومَنْ نَعَتَ الخلقَ بما هو من خصائص حق الحق فقد جحَدَ.
قوله جلّ ذكره: { وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلآ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ }.
مَنْ حَكَمَ بأنه ليس في مقدور الحق شيء لو فعله اسم الجاهل طوعاً إلا فعله فقد وصف بأنه لا يقدر على نصره فَمُضَاهٍ الذي يعيد الجماد ونعوذ بالله من الضلالة عن الرشاد.
الأعراف 7:193
المعبودُ هو القادر على هداية داعيه، وعِلْمُ العبد بقدرة معبوده يوجِبُ تَبَرِّيه عن حوْله وقوته، وإفراد الحق - سبحانه - بالقدرة على قضاء حاجته، وإزالة ضرورته فتتقاصر عن قصْدِ الخلْق خطاه، وتنقطع آماله عن غير مولاه.
الأعراف 7:194
إذا قُرِنَتْ الضرورةُ بالضرورة تضاعف البلاء، وترادف العناء؛ فالمخلوق إذا استعان بمخلوقٍ مثلِه ازداد بُعْدُ مرادِه عن النُّجح. وكيف تشكو لمن هو ذو شكاية؟! هيهات! إن ذلك خطأ من الظن، وباطل من الحسبان.
الأعراف 7:195
قوله جلّ ذكره: { أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا }.
بيَّن بهذه الآيات أن الأصنام التي عبدوها دونَهم فيما اعتقدوا فيه صفة المدح، ثم لم يعبد بعضهم بعضاً، فكيف استجازوا عبادةَ ما فاقهم في النقص؟.
قوله جلّ ذكره: { قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ }.
صدق التوكل على الله يوجب ترك المبالاة بغير الله، كيف لا... والمتفرِّدُ بالقدرة - على النفع والضرر، والخير والشر - اللهُ؟.
الأعراف 7:196
مَنْ قام بحقِّ الله تولَّى أمورَه على وجه الكفاية، فلا يخرجه إلى مثاله، ولا يَدَعُ شيئاً من أحواله إلاَّ أجراه على ما يريده بِحُسْنِ أفضاله، فإن لم يفعل ما يريده جعل العبدَ راضياً بما يفعل، ورَوْحُ الرضا على الأسرار أتَمُّ من راحة العطاء على القلوب.
الأعراف 7:197
مَنْ قام بحقِّ الله تولَّى أمورَه على وجه الكفاية، فلا يخرجه إلى مثاله، ولا يَدَعُ شيئاً من أحواله إلاَّ أجراه على ما يريده بِحُسْنِ أفضاله، فإن لم يفعل ما يريده جعل العبدَ راضياً بما يفعل، ورَوْحُ الرضا على الأسرار أتَمُّ من راحة العطاء على القلوب.
الأعراف 7:198
شاهدوه بأبصارهم لكنهم حُجِبوا عن رؤيته ببصائر أسرارهم وقلوبهم فَلَمْ يُعْتَدَّ برؤيتهم.
ويقال رؤية الأكابر ليست بشهود أشخاصهم، لكن بما يحصل للقلوب من مكاشفات الغيب، وذلك على مقادير الاحترام وحصول الإيمان.
الأعراف 7:199
من خصائص سُنَّةِ الله في الكرم أنه أمر نبيَّه - صلوات الله عليه وعلى آله - بالأخذ به، إذ الخبر وَرَدَ بأنَّ المؤمن أخذ من الله خُلُقاً حسناً. وكلما كان الجُرْمُ أكبرَ كان العفو عنه أجرَّ وأكمل، وعلى قَدْرِ عِظَمِ رتبة العبد في الكرم يتوقف العفو عن الأصاغر والخدم، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الجراحات التي أصابته في حرب أحد: " اللهم اغفِرْ لقومي فإنهم لا يعلمون ".
قوله { وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ }: أفضل العرف أن يكون أكمل العطاء لأكثر أهل الجفاء، وبذلك عامل الرسول - صلى الله عليه وعلى آله - الناسَ.
قوله: { وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ }: الإعراض عن الأغيار بالإقبال عن من لم يَزْل ولا يزال، وفي ذلك النجاة من الحجاب، والتحقق بما يتقاصر عن شرحه الخطاب.
الأعراف 7:200
إنْ سَنَح في باطنك من الوساوس أَثَرٌ فاستعِذْ بالله يدركك بحسن التوفيق، وإنْ هَجَسَ في صدرك من الحظوظ خاطر فاستعِذْ بالله يدركك بإزالة كل نصيب، وإنْ لَحِقَتْكَ في بذل الجهد فَترَةٌ فاستعذْ بالله يدركك بإِدامة آلائه، وإنْ اعْتَرتْكَ في الترقي إلى محل الوصول وقفةٌ فاستعِذْ بالله يدركك بإدامة التحقيق، وإنْ تقاصر عنك شيء من خصائص القرب - صيانةً عن شهود المحل - فاستعِذْ بالله يُثْبِتْك له بدلاً مِنْ لَكَ بِكْ.
الأعراف 7:201
إنما يمس المتقين طيفُ الشيطانِ في ساعات غفلتهم عن ذكر الله، ولو أنهم استداموا ذكر الله بقلوبهم لما مسَّهم طائف الشيطان، فإن الشيطانَ لا يَقرَبُ قلباً في حال شهوده الله؛ لأنه ينخنس عند ذلك. ولكن لكل صارمٍ نبوة، ولكلِّ عالمٍ هفوة، ولكل عابدٍ شدة، ولكل قاصدٍ فترة، ولكل سائر وقفة، ولكل عارفٍ حجبة، قال صلى الله عليه وسلم: " إنه ليُغَان على قلبي... " أخبر أنه يعتريه ما يعتري غيرَه، وقال صلى الله عليه و سلم: " الحِدَّةُ تعتري خيار أمتي " ، فأخبر أنَّ الأمة - وإنْ جَلَّتُ رُتْبَتَهُم لا يتخلصون عن حِدَّةٍ تعتريهم في بعض أحوالهم فَتُخْرِجُهم عن دوام الحِلْم.
الأعراف 7:202
إخوانُ الشيطانِ أربابُ دوام الغيبة؛ فهم في كمال الغفلة تدوم بهم الحجبة؛ فمنهم بالزَّلَّة مَنْ لم يُلِمْ، أَو أَلَّم ولكن لَم يُصِرّ فهم خِياره، ومنهم مَنْ غَفَلَ واغترَّ، وعلى دوام العيبة أَصَرَّ - فهم المحجوبون قطعاً، والمُبْعَدُون - عن محلِّ القربِ - صدَّا وردَّا.
الأعراف 7:203
مَنْ شَاهَدَ الحقَّ من حيث الخلْق سقط في مهواة المغاليط، فهو في متاهات الشَّكِّ يجوب منازلَ الرِّيب، ولا يزداد إلا عمًى على عمًى. ومَنْ طالَعَ الخَلْق بعين تصريف القدرة إياهم تحقق بأنهم لا يظهرون إلا في معرض اختيار الحق لهم، فهو ينظر بنور البصيرة، ويستديم شهود التصريف بوصف السكينة.
الأعراف 7:204
اسْتَمِعُوا بسمعِ الإيمان والتصديق، وأنْصِتوا (بصون) الخواطر عن معارضات الاعتراض، ومطالبات الاستكشاف. ومن باشرَ التحقيقُ سِرَّه لازم التصديق قلبَه.
والإنصات - في الظاهر - من آداب أهل الباب، والإنصات - بالسرائر - من آداب أهل البِساط، قال الله تعالى في نعت تواصي الجنِّ بعضهم لبعض عند شهود الرسول صلى الله عليه وسلم{ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ } [الأحقاف: 29]؛ فإذا كان الحضور إلى الواسطة عليه السلام يوجب هذه الهيبة فلزومُ الهيبة وحفظُ الأدب عند حضور القلب بشهود الربِّ أولى وأَحَق، قال تعالى:{ وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً } [طه: 108].
الأعراف 7:205
التضرعُ إذا كوشِفَ العبدُ بوصف الجمال في أوان البسط، والخيفة إذا كوشف بنعت الجلال في أحوال الهيبة، وهذا للأكابر.
فأمَّا مَنْ دونَهم فَتَنوُّعُ أحوالهم من حيث الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة. ومن فوق الجميع فأصحاب البقاء والفناءِ، والصحو والمحو ووراءهم أرباب الحقائق مُثْبَتُون في أوطان التمكين، فلا تَلَوُّنَ لهم ولا تجنُّسَ لقيامهِم بالحق، وامتحائهم عن شواهدهم.
الأعراف 7:206
أثبت لهم عندية الكرامة، وحفظ عليهم أحكام العبودية لئلا ينفك حال جمعهم عن نعت فرقهم، وهذه سُنَّة الله تعالى مع خواص عباده؛ يلقاهم بخصائص عين الجمع ويحفظ عليهم حقائق عين الفَرْق لئلا يُخِلُّو بآداب العبودية في أوان وجود الحقيقة.