لطائف الإشارات — يوسف 12:1 – النحل 16:128
المحتويات
- يوسف 12:1
- يوسف 12:2
- يوسف 12:3
- يوسف 12:4
- يوسف 12:5
- يوسف 12:6
- يوسف 12:7
- يوسف 12:8
- يوسف 12:9
- يوسف 12:10
- يوسف 12:11
- يوسف 12:12
- يوسف 12:13
- يوسف 12:14
- يوسف 12:15
- يوسف 12:16
- يوسف 12:17
- يوسف 12:18
- يوسف 12:19
- يوسف 12:20
- يوسف 12:21
- يوسف 12:22
- يوسف 12:23
- يوسف 12:24
- يوسف 12:25
- يوسف 12:26
- يوسف 12:27
- يوسف 12:28
- يوسف 12:29
- يوسف 12:30
- يوسف 12:31
- يوسف 12:32
- يوسف 12:33
- يوسف 12:34
- يوسف 12:35
- يوسف 12:36
- يوسف 12:37
- يوسف 12:38
- يوسف 12:39
- يوسف 12:40
- يوسف 12:41
- يوسف 12:42
- يوسف 12:43
- يوسف 12:44
- يوسف 12:45
- يوسف 12:47
- يوسف 12:50
- يوسف 12:51
- يوسف 12:52
- يوسف 12:53
- يوسف 12:54
- يوسف 12:55
- يوسف 12:56
- يوسف 12:57
- يوسف 12:58
- يوسف 12:59
- يوسف 12:60
- يوسف 12:61
- يوسف 12:62
- يوسف 12:63
- يوسف 12:64
- يوسف 12:65
- يوسف 12:66
- يوسف 12:67
- يوسف 12:68
- يوسف 12:69
- يوسف 12:70
- يوسف 12:73
- يوسف 12:74
- يوسف 12:77
- يوسف 12:78
- يوسف 12:79
- يوسف 12:80
- يوسف 12:81
- يوسف 12:82
- يوسف 12:83
- يوسف 12:84
- يوسف 12:85
- يوسف 12:86
- يوسف 12:87
- يوسف 12:88
- يوسف 12:89
- يوسف 12:90
- يوسف 12:91
- يوسف 12:92
- يوسف 12:93
- يوسف 12:94
- يوسف 12:95
- يوسف 12:96
- يوسف 12:97
- يوسف 12:98
- يوسف 12:99
- يوسف 12:100
- يوسف 12:101
- يوسف 12:102
- يوسف 12:103
- يوسف 12:104
- يوسف 12:105
- يوسف 12:106
- يوسف 12:107
- يوسف 12:108
- يوسف 12:109
- يوسف 12:110
- يوسف 12:111
- الرعد 13:1
- الرعد 13:2
- الرعد 13:3
- الرعد 13:4
- الرعد 13:5
- الرعد 13:11
- الرعد 13:12
- الرعد 13:13
- الرعد 13:14
- الرعد 13:15
- الرعد 13:16
- الرعد 13:17
- الرعد 13:18
- الرعد 13:19
- الرعد 13:20
- الرعد 13:21
- الرعد 13:22
- الرعد 13:23
- الرعد 13:24
- الرعد 13:25
- الرعد 13:26
- الرعد 13:27
- الرعد 13:28
- الرعد 13:29
- الرعد 13:30
- الرعد 13:31
- الرعد 13:32
- الرعد 13:33
- الرعد 13:35
- الرعد 13:36
- الرعد 13:37
- الرعد 13:38
- الرعد 13:39
- الرعد 13:40
- الرعد 13:41
- الرعد 13:42
- الرعد 13:43
- إبراهيم 14:1
- إبراهيم 14:2
- إبراهيم 14:3
- إبراهيم 14:4
- إبراهيم 14:5
- إبراهيم 14:6
- إبراهيم 14:7
- إبراهيم 14:8
- إبراهيم 14:9
- إبراهيم 14:10
- إبراهيم 14:11
- إبراهيم 14:12
- إبراهيم 14:13
- إبراهيم 14:14
- إبراهيم 14:15
- إبراهيم 14:16
- إبراهيم 14:17
- إبراهيم 14:18
- إبراهيم 14:19
- إبراهيم 14:21
- إبراهيم 14:23
- إبراهيم 14:24
- إبراهيم 14:25
- إبراهيم 14:26
- إبراهيم 14:27
- إبراهيم 14:28
- إبراهيم 14:29
- إبراهيم 14:30
- إبراهيم 14:31
- إبراهيم 14:32
- إبراهيم 14:33
- إبراهيم 14:34
- إبراهيم 14:35
- إبراهيم 14:36
- إبراهيم 14:37
- إبراهيم 14:38
- إبراهيم 14:39
- إبراهيم 14:40
- إبراهيم 14:41
- إبراهيم 14:42
- إبراهيم 14:43
- إبراهيم 14:44
- إبراهيم 14:45
- إبراهيم 14:47
- إبراهيم 14:48
- إبراهيم 14:49
- إبراهيم 14:50
- إبراهيم 14:51
- إبراهيم 14:52
- الحجر 15:1
- الحجر 15:2
- الحجر 15:3
- الحجر 15:4
- الحجر 15:5
- الحجر 15:6
- الحجر 15:7
- الحجر 15:8
- الحجر 15:9
- الحجر 15:10
- الحجر 15:11
- الحجر 15:12
- الحجر 15:13
- الحجر 15:14
- الحجر 15:15
- الحجر 15:16
- الحجر 15:17
- الحجر 15:18
- الحجر 15:19
- الحجر 15:20
- الحجر 15:21
- الحجر 15:22
- الحجر 15:23
- الحجر 15:24
- الحجر 15:25
- الحجر 15:26
- الحجر 15:27
- الحجر 15:28
- الحجر 15:29
- الحجر 15:30
- الحجر 15:31
- الحجر 15:32
- الحجر 15:33
- الحجر 15:34
- الحجر 15:35
- الحجر 15:36
- الحجر 15:37
- الحجر 15:38
- الحجر 15:39
- الحجر 15:40
- الحجر 15:41
- الحجر 15:42
- الحجر 15:43
- الحجر 15:44
- الحجر 15:45
- الحجر 15:46
- الحجر 15:47
- الحجر 15:48
- الحجر 15:49
- الحجر 15:50
- الحجر 15:51
- الحجر 15:52
- الحجر 15:53
- الحجر 15:54
- الحجر 15:55
- الحجر 15:56
- الحجر 15:57
- الحجر 15:58
- الحجر 15:59
- الحجر 15:60
- الحجر 15:65
- الحجر 15:66
- الحجر 15:72
- الحجر 15:73
- الحجر 15:74
- الحجر 15:75
- الحجر 15:76
- الحجر 15:77
- الحجر 15:78
- الحجر 15:79
- الحجر 15:80
- الحجر 15:81
- الحجر 15:82
- الحجر 15:83
- الحجر 15:84
- الحجر 15:85
- الحجر 15:86
- الحجر 15:87
- الحجر 15:88
- الحجر 15:89
- الحجر 15:90
- الحجر 15:91
- الحجر 15:92
- الحجر 15:93
- الحجر 15:94
- الحجر 15:95
- الحجر 15:96
- الحجر 15:97
- الحجر 15:98
- الحجر 15:99
- النحل 16:1
- النحل 16:2
- النحل 16:3
- النحل 16:4
- النحل 16:5
- النحل 16:6
- النحل 16:7
- النحل 16:8
- النحل 16:9
- النحل 16:10
- النحل 16:11
- النحل 16:12
- النحل 16:13
- النحل 16:14
- النحل 16:15
- النحل 16:16
- النحل 16:17
- النحل 16:18
- النحل 16:19
- النحل 16:20
- النحل 16:21
- النحل 16:22
- النحل 16:23
- النحل 16:24
- النحل 16:25
- النحل 16:26
- النحل 16:27
- النحل 16:28
- النحل 16:29
- النحل 16:30
- النحل 16:31
- النحل 16:32
- النحل 16:33
- النحل 16:34
- النحل 16:35
- النحل 16:36
- النحل 16:37
- النحل 16:38
- النحل 16:39
- النحل 16:40
- النحل 16:41
- النحل 16:42
- النحل 16:43
- النحل 16:44
- النحل 16:45
- النحل 16:46
- النحل 16:47
- النحل 16:48
- النحل 16:49
- النحل 16:50
- النحل 16:51
- النحل 16:52
- النحل 16:53
- النحل 16:54
- النحل 16:55
- النحل 16:56
- النحل 16:57
- النحل 16:58
- النحل 16:59
- النحل 16:60
- النحل 16:61
- النحل 16:62
- النحل 16:63
- النحل 16:64
- النحل 16:65
- النحل 16:66
- النحل 16:67
- النحل 16:68
- النحل 16:69
- النحل 16:70
- النحل 16:71
- النحل 16:72
- النحل 16:73
- النحل 16:74
- النحل 16:75
- النحل 16:76
- النحل 16:77
- النحل 16:78
- النحل 16:79
- النحل 16:80
- النحل 16:81
- النحل 16:82
- النحل 16:83
- النحل 16:84
- النحل 16:85
- النحل 16:86
- النحل 16:87
- النحل 16:89
- النحل 16:90
- النحل 16:91
- النحل 16:92
- النحل 16:93
- النحل 16:94
- النحل 16:95
- النحل 16:96
- النحل 16:97
- النحل 16:98
- النحل 16:99
- النحل 16:100
- النحل 16:101
- النحل 16:102
- النحل 16:103
- النحل 16:104
- النحل 16:105
- النحل 16:106
- النحل 16:107
- النحل 16:108
- النحل 16:109
- النحل 16:110
- النحل 16:111
- النحل 16:112
- النحل 16:113
- النحل 16:114
- النحل 16:115
- النحل 16:116
- النحل 16:117
- النحل 16:118
- النحل 16:119
- النحل 16:120
- النحل 16:121
- النحل 16:122
- النحل 16:123
- النحل 16:124
- النحل 16:125
- النحل 16:126
- النحل 16:127
- النحل 16:128
يوسف 12:1
التخاطُب بالحروف المتفرقة غير المنظومة سُنَّةُ الأحباب في سَتْر المحابِّ؛ فالقرآنُ - وإنْ كان المقصودُ منه الإيضاحَ والبيانَ - ففيه تلويح وتصريح، ومُفَصَّلٌ ومُجْمَلٌ، قال قائلهم:أبكي إلى الشرق إنْ كانت منازِلُكم مما يلي الغربَ خوفَ القيل والقالِ
ويقال وقفت فهُومُ الخَلْق عن الوقوف على أسراره فيما خاطب به حبيبه - صلى الله عليه وسلم -، فهم تعبدوا به وآمنوا به على الجملة أفرد الحبيبَ بفهمه، فهو سِرُّ الحبيب عليه السلام بحيث لا يطلع عليه الرقيب، يقول قائلهم:بين المحيين سِرُّ ليس يُفْشيه قولٌ، ولا قلم للخْلق يحكيه
وفي إنزال هذه الحروف المقطعة إشارة: وهي أنَّ منْ كان بالعقل والصحو استنبط من اللفظ اليسير كثيراً من المعاني، ومن كان بالغيبة والمحو يسمع الكثير فلا يفهم منه اليسير؛ ذاك لكمال عقله وهذا لتمام وَصْلِه؛ فأنزل اللَّهُ هذه الحروف التي لا سبيلَ إلى الوقوف على معانيها، ليكون للأحباب فُرْجَةٌ حينما لا يقفون على معانيها بِعَدَم السبيل إليها فلا تتوجه عليهم مُطَالَبةٌ بالفهم، وكان ذلك لائقاً بأحوالهم إذا كانوا مستغرِقين في عين الجَمْع، ولذا قيل: استراح من العقل له.
وقوله تعالى: { تِلْكَ } يحتمل أن يكون إشارة إلى أن هذا خَبَرُ الوعد الذي وعدناك.
وقيل هذا تعريفنا: إليك بالتخصيص، وإفرادُنا لك بالتقريب - قد حقَّقْناه لكَ؛ فهذه الحروف بيانٌ للإنجاز ولتحقيق الموعود.
والإشارة من { ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ } ها هنا إلى حُكْمِه السابق له بأَنْ يُرَقِّيَه إلى الرتبة التي لا يبلغها غيرُه، وقد قال تعالى:{ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا } [القصص: 46] أي حين كلَّمنا موسى عليه السلام، وأخبرناه بعلوِّ قَدْرِك، ولم تكن حاضراً، وأخبرناه بأننا نُبَلِّغُك هذا المقامَ الذي أنت فيه الآن. وكذلك كلُّ مَنْ أوحينا إليه ذَكَرْنَا له قِصَتَكَ، وشَرَحْنَا له خِلقَتك، فالآنَ وقتُ تحقيق ما أخبرنا به، وفي معناه أنشدوا:سُقْياً لمعهدِكَ الذي لو لم يكن ما كان قلبي للصبابةِ معهدا
قال الله تعالى:{ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ } [الأنبياء: 105] يعني بعد التوراة{ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ } [الأنبياء: 105] يعني أمة محمد.
يوسف 12:2
في إنزال الكتاب عليه، وإرسالِ الرسول إليه - تحقيقٌ لأحكام المحبة، وتأكيدٌ لأسباب الوصلة؛ فإنَّ مَنْ عَدِمَ حقيقة الوصول استأنس بالرسول، وَمنْ بَقِيَ عن شهود الأحباب تَسَلّى بوجود الكتاب، قال قائلهم:وكتُبكَ حَوْلي لا تُفارقُ مضجعي ففيها شفاءٌ للذي أنا كاتِمُ
يوسف 12:3
قوله جلّ ذكره: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ }.
{ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ }: لخلوِّه عن الأمر والنهي الذي سماعه يوجب اشتغال القلب بما هو يعرِّض لوقوع التقصير.
{ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ }: ففيه ذكر الأحباب.
{ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ }: لأن فيه عفوَ يوسف عن جناياتِ إخوته.
{ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ }: لما فيه من ذِكْرِ تَرْكِ يوسف لامرأة العزيز وإعراضه عنها عندما راودته عن نفسه.
{ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ }: بالإضافة إلى ما سألوه أن يقص عليهم من أحوال الناس.
{ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ }: لأنه غير مخلوق.
ويقال لمَّا أخبره الله - سبحانه - أن هذه القصةَ أحسنُ القصص وجد رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه مزايا وزوائد لتخصيصه؛ فَعَلِمَ أن الله تعالى لم يُرَقِّ أحداً إلى مثل ما رقاه.
قوله جلّ ذكره: { وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ }.
أي الذاهبين عن فهم هذه القصة. أي ما كنتَ إلا من جملة الغافلين عنها قبل أن أوحينا إليك بها، إي إنك لم تَصِلْ إلى معرفتها بكدَّك وجهدك، ولا بطلبك وجِدِّك.. بل هذه مواهبُ لا مكاسب؛ فبعطائِنا وَجَدْتَها لا بعنائك، وبِتَفَضُّلِنَا لا بتعلُّمِكَ، وبِتَلَطُّفِنا لا بتكلٌّفِك، وبنا لا بك.
يوسف 12:4
لما ذكر يوسف - عليه السلام - رؤياه لأبيه عَلِمَ يعقوبُ - عليه السلام صِدْقَ تعبيرها، ولذلك كان دائم التذكُّر ليوسف مدةَ غيبته، وحين تطاولتْ كان يَذْكُرُه حتى قالوا:{ تَاللهِ تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ } [يوسف: 85] فقال:{ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [يوسف: 96] فهو كان على ثقةٍ من صِدْقِ رؤياه.
فإنْ قيل: فإذا كان الصبيُّ لا حُكْم لِفْعلِه فكيف يكون حكم لرؤياه؟ وما الفرق؟ فيقال: إن الفعل بِتَعَمُّدٍ يحصل فيكون مُعْرَّضاً لتقصير فاعله، أمَّا الرؤيا فلا تكون بتعمد منه فتنسب إلى نقصان.
ويقال إنَّ حقَّ السِّرِّ ولو كان على مَنْ هو قريب منك؛ فإن يوسف لما أظهر سِرَّ رؤياه على أبيه اتصل به البلاءُ.
يوسف 12:5
إذا جاء القضاءُ لا ينفع الوعظ والحذر؛ فإن النصيحة والحذر لا يزيدان على ما نصح يعقوب ليوسف عليهما السلام، ولكن لمَّا سبق التقديرُ في أمر يوسف - عليه السلام - حصل ما حصل.
ويقال إن يوسف خَالَفَ وصية أبيه في إظهارِ رؤياه إذ لو لم يُظْهِرْها لما كادوا له، فلا جَرَم بسبب مخالفته لأبيه - وإن كان صبياً صغيراً - لم يَعْرَ مِنَ البلايا.
ويقال لما رأى يوسف في منامه ما كان تأويلُه سجودَ الأخوة له رأى ما تعبيره: وسجود أبيه وخالته حيث قال تعالى: { وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ }؛ فدخل الإخوة الحَسَدَ أما الأب فلم يدخله إلا بنفسه لِفَرْطِ شفقة الأبوة.
ويقال صَدَقَ تعبيره في الإخوة فسجدوا له حيث قال:{ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً } [يوسف: 100] ولم يسجد الأبُ ولا خالته حيث قال:{ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ } [يوسف: 100] فإن يوسفَ صانَهما عن ذلك مراعاةً لحشمة الأبوة.
يوسف 12:6
قوله جلّ ذكره: { وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ }.
أي كما أمرك بهذه الرؤيا التي أَرَاكَها يجتبيك ويُحْسِنُ إليك بتحقيق هذه الرؤيا، وكما أكرمك بوعد النعمة أكرمك بتحقيقها.
ويقال الاجتباء ما ليس للمخلوق فيه أثر، فما يحصل للعبد من الخيرات - لا بتكلفه ولا بتعمده - فهو قضية الاجتباء.
ويقال من الاجتباء المذكور أَنْ عَصَمَه عن ارتكاب ما راودته امرأة العزيز عن نفسه.
ويقال من قضية الاجتباء إسباله الستر على فعل إخوته حيث قال:{ وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ } [يوسف: 100]، ولم يذكر خلاصَه من البئر ومن قضية الاجتباء توفيقه لسرعة العفو عن إخوته حيث قال:{ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ } [يوسف: 92].
قوله جلّ ذكره: { وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ }.
أي لتعرِفَ قَدْرَ كلِّ أحد، وتقفَ على مقدار كلِّ قائلٍ بما تسمع من حديثه.. لا مِنْ قوله بل لِحدَّةِ كياستك وفَرْطِ فراستك.
قوله جلّ ذكره: { وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }.
مِنْ إتمامِ النعمة توفيقُ الشكر على النعمة، ومن إتمام النعمة صَوْنُها عن السَّلبِ والتغيير، ومن إتمام النعمة التَّحرز منها حتى تَسْهُلَ عليكَ السماحةُ بها.
يوسف 12:7
يعني لكلِّ ذي مِحنة حتى يعلم كيف يصبر، ولكلِّ ذي نعمة حتى يعلم كيف يشكر.
ويقال في قصتهم كيفية العفو عن الزَلَّة، وكيفية الخَجْلَةِ لأهل الجفاءِ عند اللقاء.
ويقال في قصتهم دلالاتُ لطفِ الله سبحانه بأوليائه بالعصمة، وآياتٌ على أنَّ المحبة (....) من المحنة.
ويقال فيها آياتٌ على أَنَّ من صَدَقَ في رجائه يُخْتَصُّ - يوماً - ببلائه.
يوسف 12:8
عُرِّفُوا على ما سَـتَرُوه من الحَسَدِ، ولم يحتالوا في إخراج ذلك من قلوبهم بالوقيعة في أبيهم حتى قالوا: { إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ }.
ويقال لما اعترضوا بقلوبهم على أبيهم في تقديم يوسف في المحبة عاقبهم بأن أمهلهم حتى بسطوا في أبيهم لسانَ الوقيعة فوصفوه بلفظ الضلال، وإن كان المرادُ منه الذهابَ في حديث يوسف عليه السلام، ولمَّا حسدوا يوسف على تقديم أبيهم له لم يَرْضَ - سبحانه - حتى أَقَامَهم بين يدي يوسف عليه السلام، وخرُّوا له سُجَّداً ليْعلَموا أَنَّ الحسودَ لا يسود.
ويقال أطولُ الناسِ حُزْنا مَنْ لاَقى الناسَ عن مرارةٍ، وأراد تأخيرَ مَنْ قَدَّمه اللَّهُ أو تقديمَ مَنْ أَخَّرَه اللَّهُ؛ فإخوةُ يوسف - عليه السلام - أرادوا أن يجعلوه في أسفل الجُبِّ فرفعه الله فوقَ السرير!
يوسف 12:9
قوله جلّ ذكره: { ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ }.
أي يخْلُصْ لكم إقبالُ أبيكم عليكم، وقديماً قيل: مَنْ طَلَبَ الكُلَّ فَاتَه الكلُّ؛ فلمَّا أرادوا أن يكون إقبالُ يعقوب - عليه السلام - بالكليَّةِ - عليهم قال تعالى:{ فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ } [الأعراف: 93].
ويقال كان قَصْدُهم ألا يكونَ يوسفُ أمامَ عينه فقالوا: إمَّا القتلُ وإمَّا النَّفيُ، ولا بأسَ بما يكونُ بعد ألا يكونَ يوسف عليه السلام.
قوله جلّ ذكره: { وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ }.
عَجَّلوا بالحرام، وَعلَّقُوا التوبةَ بالتسويف والعزم، فلم يمحُ ما أَجَّلُوا من التوبة ما عجَّلوا من الحَوْبة.
ويقال لم تَطِبْ نفوسُهم بأن يذهبوا عن بابِ اللَّهِ بالكليَّة فدبَّروا لحُسْنِ الرجوع قبل ارتكاب ما دعته إليه نُفُوسُهم، وهذه صفة أهل العرفان بالله.
يوسف 12:10
إخوةُ يوسف - وإنْ قابلوه بالجفاء - مَنَعَتْهُم شفقةُ النَّسَبِ وحُرْمةُ القرابةِ من الإقدام على قتله؛ فقالوا لا تقتلوه وغَيِّبُوا شَخْصَه.
ويقال إنما حَمَلَهم على إلقائه مرادُهم أن يخلوَ لهم وجهُ أبيهم، فلمَّا أرادوا حصولَ مرادهم في تغييبه لم يبالغوا في تعذيبه.
ويقال لمَّا كان المعلومُ له - سبحانه - في أمر يوسف تبليغَه إياه تلك القربة ألقى اللهُ في قلبِ قائلهم حتى قال: { لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ }.
ثم إنه - وإن أبلاه في الحال - سَهَّلَ عليه ذلك في جَنْبِ ما رقَّاه إليه في المآل، قال قائلهم:كم مرةٍ حَفَّت بِكَ المكارِه خَارَ لَكَ اللَّهُ - وأنت كاره
يوسف 12:11
كلامُ الحسودِ لا يُسْمَع، ووعدُه لا يُقْبل - وإنْ كانا في مَعْرِضِ النُّصحِ؛ فإِنَّهُ يُطْعِمُ الشَهْدَ ويَسْقِي الصَّابَ.
ويقال العَجَبُ من قبول يعقوب - عليه السلام - ما أبدى بنوه له من حفظ يوسف عليه السلام وقد تفرَّسَ فيهم قلبه فقال ليوسف:{ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً } [يوسف: 5] ولكن إذا جاء القضاءُ فالبصيرةُ تصير مسدودةً.
ويقال من قِبَلِ على محبوبه حديثَ أعدائه لَقِيَ ما لَقِي يعقوبُ في يوسف - عليهما السلامُ - من بلائه.
يوسف 12:12
يقال أطمعوا يعقوبَ عليه السلام في تمكينهم من يوسف بما فيه راحةُ نَفْسٍ في اللعب، فطابَتْ نَفْسُ يعقوب لإذهابهم إياه من بين يديه - وإنْ كان يشُقُّ عليه فراقُه، ولكنَّ المحبَّ يؤثِرُ راحةَ محبوبه على محبةِ نَفْسِه.
ويقال ما رَكَنَ إلى قولهم: { وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } - أي مِنْ قِبَلهِمِ - حتى قالوا:{ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ } [يوسف: 17]؛ فَمَنْ أسَلم حبيبَه إلى أعدائه غُصَّ بتحسِّي بلائه.
يوسف 12:13
يَحْزُنني أن تذهبوا به لأني لا أصْبِر عن رؤيته، ولا أطيق على فُرقتِه... هذا إذا كان الحالُ سلامته... فكيف ومع هذا أخاف أن يأكله الذئب؟!
ويقال: لما خاف عليه من الذئب امتُحِنَ بحديث الذئب، ففي الخبر ما معناه: " إنما يُسََلِطُ على ابن آدم ما يخافه " وكان في حقه أن يقول أخافُ الله لا الذئب، وإنْ كانت مَحَالُّ الأنبياء عليهم السلام - محروسةً من الاعتراض عليها.
ويقال لمَّا جرى على لسان يعقوب - عليه السلام - من حديث الذئب صار كالتلقين لهم، ولو لم يسمعوه ما اهْتَدَوْا إلى الذئب.
يوسف 12:14
لَحقَ إخوة يوسف عليه السلام ما وصفوا به أنفسهم من الخسران حيث قالوا:
{ إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ }: لأنَّ مَنْ باع أخاً مثل يوسف بمثل ذلك الثمن حقيقٌ بأن يقال قد خسرت صفقتُه.
ويقال لمَّا عدُّوا القوة في أنفسهم حين قالوا: { وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } خُذِلُوا حتى فعلوا.
ويقال لمَّا رَكَنَ يعقوبُ - عليه السلام - إلى قولهم: { وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } لَقِيَ ما لَقِيَ.
يوسف 12:15
الجوابُ فيه مُقَدَّر؛ ومعناه فلما ذهبوا بيوسف وعزموا على أن يلقوه في البئر فعلوا ما عزموا عليه. أو فلمَّا ذهبوا به وألقوه في غيابة الجُبِّ أوحينا إليه؛ فتكون الواو صلة. والإشارة فيه أنه لمَّ حَلَّتْ به البلوى عجَّلنا له التعريفَ بما ذكرنا من البُشْرَى؛ ليكون محمولاً بالتعريف فيما هو محتمِّلٌ له من البلاء العنيف.
ويقال حين انقطعت على يوسف عليه السلام مراعاةٌ أبيه حَصَلَ له الوحيُ مَنْ قِبَل مولاه، وكذا سُنَّتُه تعالى أنه لا يفتح على نفوس أوليائه باباً من البلاءِ إلا فَتَحَ على قلوبهم أبوابَ الصفاء، وفنون لطائف الولاء.
يوسف 12:16
قوله جلّ ذكره: { وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ }.
تمكينُ الكذَّاب من البكاء سِمَةُ خذلان الله تعالى إياه، وفي الخبر: " إذا كَمُلَ نفاقُ المرء مَلَكَ عَيْنَه حتى يبكي ما شاء ".
ويقال: لا يَبْعُدُ أَنْ يقال إنهم وإنْ جَنَوْا على يوسف عليه السلام فقد ندموا على ما فعلوا، فَعَلاَهُمْ البكاءُ لنَدمهم - وإن لم يُظْهروا لأبيهم - وتَقَوَّلُوا على الذِّئْبِ.
قوله جلّ ذكره: { وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ }.
لم يُؤثِّرْ تزويرُ قَالَبِهم في إيجاب تصديق يعقوب - عليه السلام - لكذبهم بل أخبره قلبُه أَنَّ الأمرَ بخلاف ما يقولونه فقال:
{ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ }.
فَعَلم على الجملة وإنْ لم يعلمْ على التفضيل... وهكذا تقرع قلوبَ الصديقين عواقبُ الأمور على وجه الإجمال، إلى أنْ تَتَّضحَ لهم تفاصيلُها في المستأنف.
ويقال عوقبوا على ما فعلوه بأن أُغْفلوا عن تمزيق قميصه حتى عَلم يعقوب تَقَوُّلَهم فيما وصفوا.
يوسف 12:17
قوله جلّ ذكره: { وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ }.
تمكينُ الكذَّاب من البكاء سِمَةُ خذلان الله تعالى إياه، وفي الخبر: " إذا كَمُلَ نفاقُ المرء مَلَكَ عَيْنَه حتى يبكي ما شاء ".
ويقال: لا يَبْعُدُ أَنْ يقال إنهم وإنْ جَنَوْا على يوسف عليه السلام فقد ندموا على ما فعلوا، فَعَلاَهُمْ البكاءُ لنَدمهم - وإن لم يُظْهروا لأبيهم - وتَقَوَّلُوا على الذِّئْبِ.
قوله جلّ ذكره: { وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ }.
لم يُؤثِّرْ تزويرُ قَالَبِهم في إيجاب تصديق يعقوب - عليه السلام - لكذبهم بل أخبره قلبُه أَنَّ الأمرَ بخلاف ما يقولونه فقال:
{ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ }.
فَعَلم على الجملة وإنْ لم يعلمْ على التفضيل... وهكذا تقرع قلوبَ الصديقين عواقبُ الأمور على وجه الإجمال، إلى أنْ تَتَّضحَ لهم تفاصيلُها في المستأنف.
ويقال عوقبوا على ما فعلوه بأن أُغْفلوا عن تمزيق قميصه حتى عَلم يعقوب تَقَوُّلَهم فيما وصفوا.
يوسف 12:18
قوله جلّ ذكره: { وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ }.
تمكينُ الكذَّاب من البكاء سِمَةُ خذلان الله تعالى إياه، وفي الخبر: " إذا كَمُلَ نفاقُ المرء مَلَكَ عَيْنَه حتى يبكي ما شاء ".
ويقال: لا يَبْعُدُ أَنْ يقال إنهم وإنْ جَنَوْا على يوسف عليه السلام فقد ندموا على ما فعلوا، فَعَلاَهُمْ البكاءُ لنَدمهم - وإن لم يُظْهروا لأبيهم - وتَقَوَّلُوا على الذِّئْبِ.
قوله جلّ ذكره: { وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ }.
لم يُؤثِّرْ تزويرُ قَالَبِهم في إيجاب تصديق يعقوب - عليه السلام - لكذبهم بل أخبره قلبُه أَنَّ الأمرَ بخلاف ما يقولونه فقال:
{ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ }.
فَعَلم على الجملة وإنْ لم يعلمْ على التفضيل... وهكذا تقرع قلوبَ الصديقين عواقبُ الأمور على وجه الإجمال، إلى أنْ تَتَّضحَ لهم تفاصيلُها في المستأنف.
ويقال عوقبوا على ما فعلوه بأن أُغْفلوا عن تمزيق قميصه حتى عَلم يعقوب تَقَوُّلَهم فيما وصفوا.
يوسف 12:19
ليس كلُّ من طلب شيئاً يُعطى مرادَه فقط بل ربما يُعْطَى فوق مأموله؛ كالسيارة كانوا يقنعون بوجود الماء فوجدوا يوسفَ عليه السلام.
ويقال ليس كل مَنْ وَجَدَ شيئاً كان كما وجده السيارة؛ توهموا أنهم وجدوا عبداً مملوكاً وكان يوسف - في الحقيقة - حُرَّاً.
ويقال لمَّا أراد اللَّهُ تعالى خلاصَ يوسف - عليه السلام - من الجُبِّ أزعج خواطر السِّيارة في قصد السفر، وأعدمهم الماءَ حتى احتاجوا إلى الاستقاء لِيَصِلَ يوسف عليه السلام إلى الخلاص، ولهذا قيل: ألا رُبَّ تشويشٍ يقع في العَالَم، والمقصودُ منه سكونُ واحدٍ. كما قيل: رُبَّ ساعٍ له قاعد.
يوسف 12:20
لم يعرفوا خسرانهم في الحال ولكنهم وقفوا عليه في المآل.
ويقال قد يُبَاعُ مثل يوسف عليه السلام بثمن بخس، ولكن إذا وقعت الحاجةُ إليه فعند ذلك يعلم ما يلحق من الغَبْن.
ويقال: لم يحتشموا من يوسف - عليه السلام - يوم باعوه ثمنٍ بَخْسٍ، ولكن لمَّا قال لهم: أنا يوسف وقع عليهم الخجل، ولهذا قيل: كفى للمقصر الحياء يوم اللقاء.
ويقال لمَّا خَرُّوا له سُجَّداً علموا أنَّ ذلك جزاءُ مَنْ باع أخاه بثمنٍ بخسٍ.
ويقال لمَّا وصل الناسُ إلى رفق يوسف عاشوا في نعمته، واحتاجوا إلى أن يقفوا بين يديه في مقام الذُّلِّ قائلين{ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ } [يوسف: 88]، وفي معناه أنشدوا:ستسمع بي وتذكرني وتطلبني فلا تجدِ
ويقال ليس العَجَبُ ممن يبيع مثلَ يوسف - عليه السلام - بثمنٍ نَجْسٍ إنما العَجَبُ ممن (....) مثل يوسف - عليه السلام - بثمن بخس، لا سيَّما { وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ } الخرق لا غاية له، وكذا العجب لا نباته له.
ويقال ليس العجب ممن يبيع يوسف - عليه السلام - بثمنٍ بخسٍ، إنما العجب ممن يبيع وقته الذي أعزُّ من الكبريت الأحمر بعَرَضٍ حقيرٍ من أعراض الدنيا.
ويقال إنَّ السيارة لم يعرفوا قيمته فزهدوا في شرائه بدراهم، والذين وقفوا على جماله وشيءٍ من أحواله غالوا - بمصر - في ثمنه حتى اشتروه بزنته دراهم ودنانير مراتٍ كما في القصة، وفي معناه أنشدوا:إنْ كنتُ عندكَ يا مولاي مُطَّرَحاً فعند غيرِك محمولٌ على الحَدَقِ
يوسف 12:21
قوله جلّ ذكره: { وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً }.
لمَّا نودي على يوسف في مصر بالبيع لم يَرْضَ الحقُّ - سبحانه - حتى أصابتهم الضرورةُ ومَسَّتْهُمْ الفاقةُ حتى باعوا من يوسف - عليه السلام - جميعَ أملاكهم، ثم باعوا كلُّهم منه أنْفُسَهم - كما في القصة - وفي آخر أمرهم طلبوا الطعام، فصاروا بأجمعهم عبيدَه، ثم إنه عليه السلام لما مَلَكَهم مَنَّ عليهم فأعتقهم؛ فَلَئِنْ مَرَّ عليه بمصرَ يومٌ نودي فيه عليه بالبيع؛ فقد أصبح بمصر يوماً آخر وقد ملَكَ جميعَ أملاكهم، ومَلَكَ رقابَ جميعهم؛ فيومٌ بيومٍ، قال تعالى:{ فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً } [الشرح: 5] يومان شَتَّان بينهما!
ثم إنه أعتقهم جميعاً... وكذا الكريمُ إذا قدر غفر.
قوله جل ذكره: { وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ }.
أراد مَنْ حَسَدَه أَلا تكونَ له فضيلةٌ على إخوته وذويه، وأراد اللهُ أن يكونَ له مُلْكُ الأرضِ، وكان ما أراد اللهُ لا ما أراد أعداؤه.
قوله جلّ ذكره: { وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ }.
أرادوا أن يكونَ يوسفُ عليه السلام في الجُبِّ، وأراد اللَّهُ - سبحانه - أن يكون يوسف على سرير المُلْكِ؛ فكان ما أراد الله، والله غالبٌ على أمره.
وأرادوا أن يكون يوسفُ عبداً لمن ابتاعوه من السيارة، وأراد اللهُ أن يكونَ عزيزَ مصر - وكان ما أراد اللَّهُ.
ويقال العِبْرَةُ لا ترى من الحقِّ في الحال، وإنما الاعتبارُ بما يظهر في سِرِّ تقديره في المآل.
يوسف 12:22
من جملة الحُكمْ الذي آتاه اللَّهُ نفوذُ حُكْمِه على نَفْسِه حتى غَلَبَ شهوته، وامتنع عما رَاوَدَتْه تلك المرأةُ عن نَفْسِه؛ ومن لا حكم له على نفسه فلا حكْمَ له على غيره.
ويقال إنما قال: { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } أي حين استوى شبابُه واكتملت قُوْته، وكان وقت استيلاء الشهوة، وتوفر دواعي مطالبات البشرية آتاه الله الحِكْمَ الذي حبسه على الحقِّ وصَرَفَه عن الباطل، وعَلِمَ أنَّ ما يعقب اتباع اللذاتِ من هواجم النَّدم أشدُّ مقاساةً من كلفة الصبر في حال الامتناع عن دواعي الشهوة... فآثَرَ مَشَقَّةَ الامتناع على لَذَّةِ الاتباع. وذلك الذي أشار إليه الحقُّ - سبحانه - من جميل الجزاء الذي أعطاه هو إمدادُه بالتوفيق حتى استقام في التقوى والورع على سَوَاءِ الطريق، قالَ تعالى:{ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } [العنكبوت: 69] أي الذين جاهدوا بسلوك طريق المعاملة لنهدينهم سُبَلَ الصبرِ على الاستقامة حتى تتبين لهم حقائقُ المواصلة.
يوسف 12:23
لما غَلَّقَتْ عليه أبوابَ المسكنِ فَتَحَ الله عليه باب العصمة، فلم يُضِرْه ما أُغْلِقَ بعد إكرامه بما فُتِحَ.
وفي التفسير أنه حفظ حُرْمةَ الرجل الذي اشتراه، وهو العزيز.
وفي الحقيقة أشار بقوله: { إِنَّهُ رَبِّيۤ } إلى ربِّه الحقِّ تعالى: هو مولاي الحق تعالى، وهو الذي خلَّصني من الجُبِّ، وهو الذي جعل في قلب العزيز لي محلاً كبيراً فأكرم مثواي فلا ينبغي أَنْ أُقْدِمَ على عصيانه - سبحانه - وقد غمرني بجميل إحسانه.
ويقال إن يوسف عليه السلام قال لها: إن العزيز أمرني أَنْ أنفعَه. { عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ } فلا أَخُونُه في حُرْمَتِه بظهر الغيب.
ويقال لمَّا حفظ حُرْمة المخلوقِ بظهر الغيب أكرمه الحقُّ سبحانه بالإمداد بالعصمة في الحال ومَكَّنَه من مواصلتها في المآل على وجه الحَلاَل.
يوسف 12:24
ما ليس بفعل الإنسان مما يعتريه - بغير اختياره ولا بِكَسْبِه - كان مرفوعاً لأنه لا يدخل تحت التكليف، فلم يكن " الهمُّ " منه ولا منها زَلَّةً، وإنما الزّلَّةُ من المرأة كانت من حيث عَزَمَتْ على ما هَمَّتْ، فأمّا نفسُ الهمّ فليس مما يَكْسِبُه العبد.
ويقال اشتركا في الهمِّ وأُفْرِد - يوسف عليه السلام - بإشهاده البرهان.
وفي تعيين ذلك البرهان - ما الذي كان؟ - تكلُّفٌ غيرُ محمودٍ إذ لا سبيل إليه إلا بالخَبَرِ المقطوع به.
وفي الجملة كان البرهانُ تعريفاً من الحقِّ إياه بآية من آيات صُنْعِه، قال تعالى:{ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ } [فصلت: 53].
وقوله: { كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ } صَرَفَ عنه السُّوءَ حتى لم يوجَد منه العزمُ على ذلك الفعل - وإنْ كان منه همٌّ - إلا أن ذلك لم يكن جُرْماً كما ذكرنا.
والصَّرْفُ عن الطريق بعد حصول الهمِّ - كشفٌ، والسوءُ المصروفُ عنه هو العزمُ على الزنا والفحشاء أو نفْسُ الزنا، وقد صرفهما الله تعالى عنه.
قوله: { إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ }: لم تكن نجاتُه في خلاصه، ولكن في صرفِ السوء عنه واستخلاصه.
يوسف 12:25
قوله جلّ ذكره: { وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى ٱلْبَابِ }.
استبقا، هذا ليَهْرَبَ، وهذه للفعلة التي كانت تطلب.
ولم يضر يوسفَ - عليه السلام - أَنْ قَدَّتْ قميصه وهو لِبَاسُ دنياه بعد ما صحَّ عليه قميصُ تقواه.
ويقال لم تَقْصِدْ قَدَّ القميصِ وإنما تَعَلَّقَتْ به لتَحْبِسَه على نفسها، وكان قصدُها بقاءَ يوسف - عليه السلام - معها، ولكن صار فعلُها وَبالاً على نَفْسِها، فكان بلاؤها من حيث طَلَبَتْ راحتهَا وشفاءَها.
ويقال تولَّد انخراقُ القميصِ من قبضها عليه وكان في ذلك افتضاح أمرها؛ لأن قَبْضَها على قميصه كان مزجوراً عنه.. ليُعْلَمَ أنَّ الفاسِدَ شَجُّه فاسدٌ.
ويقال لشدة استيلاء الهوى عليها لم تعلم في الحالِ أنها تقدُّ قميصه من ورائه أو من قُدَّامِه.. كذلك صاحبُ البلاءِ في الهوى مسلوبُ التمييز.
ويقال لمّا لم تَصِلْ ولم تتمكن من مرادها من يوسف خَرَقَتْ قميصَه ليكونَ لها في إلقائها الذَّنْبَ على يوسف - عليه السلام - حُجَّةٌ، فَقَلَبَ اللَّهُ الأمرَ حتى صار ذلك عليها حجة، وليوسف دلالة صدق، قال تعالى:{ وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ } [فاطر: 43].
قوله تعالى: { وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى ٱلْبَابِ }: لمَّا فَتَحَا البابَ وجدا سيدها لدى الباب، والإشارة فيه إلى أن ربك بالمرصاد؛ إذا خَرَجَ العبدُ عن الذي هو عليه من التكليف في الحال وقع في ضِيق السؤال.
ويقال قال: { وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا } ولم يقل سيدهما لأن يوسف في الحقيقة كان حراً ولم يكن العزيزُ له سيداً.
قوله جلّ ذكره: { قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }.
شَغَلَتْهُ بإغرائها إياه بيوسف عن نَفْسِها بأن سَبَقَتْ إلى هذا الكلام.
ويقال لقنته حديث السجن أو العذاب الأليم لئلا يقصد قتلَه؛ ففي عين ما سَعَتْ به نظرت له وأَبْقتْ عليه.
ويقال قالت ما جزاء من فعل هذا إلا السجن فإن لم ترضَ بذلك، وستزيد؛ فالعذاب الأليم يعني الضّرب المُبَرِّح..كأنما ذكرت حديث العقوبة بالتدريج.
ويقال أوقعت السجن الذي يبقى مؤجَّلاً في مقابلة الضرب الأليم المعجل ليُعْلَم أَنّ السجنَ الطويل - وإنْ لم يكن فيه في الظاهر ألم - فهو في مقابلة الضرب الشديد الموجِع؛ لأنه - وإنْ اشتدّ فلا يقابله.
ويقال قالت: { مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا } فذِكْرُ الأهل ها هنا غايةُ تهييج الحميّة وتذكيرُ بالأَنَفَةِ.
يوسف 12:26
أفصح يوسف عليه السلام بِجُرْمِها إذ ليس للفاسق حُرْمَة يجب حِفْظُها، فلم يُبَالِ أَنْ هَتَك سترها فقال: { هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي } فلمَّا كان يوسفُ صادقاً في قوله؛ ولم يكن له شاهدٌ أنطق اللَّهُ الصبيَ الصغير الذي لم يبلغ أوانَ النطق. ولهذا قيل إذا كان العبد صادقاً في نفسه لم يبالِ اللَّهُ أن يُنْطِقَ الحجرَ لأجله.
قوله: { فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ.... } لما اتضح الأمرُ واستبان الحالُ وظهرت براءة ساحة يوسف عليه السلام قال العزيز: { إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ }: دلَّت الآية على أَنَّ الزنا كان مُحرَّماً في شرعهم.
يوسف 12:27
أفصح يوسف عليه السلام بِجُرْمِها إذ ليس للفاسق حُرْمَة يجب حِفْظُها، فلم يُبَالِ أَنْ هَتَك سترها فقال: { هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي } فلمَّا كان يوسفُ صادقاً في قوله؛ ولم يكن له شاهدٌ أنطق اللَّهُ الصبيَ الصغير الذي لم يبلغ أوانَ النطق. ولهذا قيل إذا كان العبد صادقاً في نفسه لم يبالِ اللَّهُ أن يُنْطِقَ الحجرَ لأجله.
قوله: { فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ.... } لما اتضح الأمرُ واستبان الحالُ وظهرت براءة ساحة يوسف عليه السلام قال العزيز: { إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ }: دلَّت الآية على أَنَّ الزنا كان مُحرَّماً في شرعهم.
يوسف 12:28
أفصح يوسف عليه السلام بِجُرْمِها إذ ليس للفاسق حُرْمَة يجب حِفْظُها، فلم يُبَالِ أَنْ هَتَك سترها فقال: { هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي } فلمَّا كان يوسفُ صادقاً في قوله؛ ولم يكن له شاهدٌ أنطق اللَّهُ الصبيَ الصغير الذي لم يبلغ أوانَ النطق. ولهذا قيل إذا كان العبد صادقاً في نفسه لم يبالِ اللَّهُ أن يُنْطِقَ الحجرَ لأجله.
قوله: { فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ.... } لما اتضح الأمرُ واستبان الحالُ وظهرت براءة ساحة يوسف عليه السلام قال العزيز: { إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ }: دلَّت الآية على أَنَّ الزنا كان مُحرَّماً في شرعهم.
يوسف 12:29
لم يُردْ أن يهتك ستر امرأته فقال ليوسف: أَعرِضْ عن هذا الحديث، ثم قال لها: { وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ }: دلَّ على أنه لم يكن في شرعهم على الزنا حدٌّ - وإن كان مُحَرَّماً - حيث عَدَّه ذنباً.
ويقال ليس كلُّ أحد أهلاً للبلاء؛ لأن البلاء من صفة أرباب الولاء، فأمَّا الأجانب فَيُتَجَاوَزُ عنهم ويُخْلَى سبيلُهم - لا لكرامةِ مَحَلِّهم - ولكن لحقارة قدرهم، فهذا يوسف عليه السلام كان بريءَ السَّاحةِ، وظهرت للكلِّ سلامةُ جانبه وابتُلِيَ بالسجن. وامرأة العزيز في سوء فِعْلها حيث قال: { إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ } ، وقال لها: { وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ }... ثم لم تنزل بها شظيةٌ من البلاء.
يوسف 12:30
إنَّ الهوى لا ينكتم، ولا تكون المحبة إلا وأبيح لها لسان عذول، فلما تحققت محبتها ليوسف بسطت النِّسوةُ فيها لسانَ الملامة.
ولما كانت أحسن منهن قيمةً - فقد كُنَّ من جملة خَدَمِها - كانت أسرعَ إلى الملامة.
يوسف 12:31
أرادتْ أن يغلب عليهن استحقاقُ الملامة، وتَنْفِيَ عن نفسها أن تكون لها أهلاً، ففعلت بهن ما عَمِلَتْ، فلمَّا رأينه تَغَيَّرْنَ وتحيَّرْنَ ونطقن بخلاف التمييز، فقلن: { مَا هَـٰذَا بَشَراً }: وقد كان بشراً، وقلن: { إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ }: ولم يكن مَلَكاً.
قوله: { فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ }: أثَّرَتْ رويتُهن له فيهن فَقَطَّعْنَ أيديَهن بدل الثمار، ولم يشعرن، وضعفن بذلك عندها فقالت: ألم أقل لكن؟ أنتن لم تتمالكن حتى قَطَّعْتنَّ أيديَكُنَّ! فكيف أصبر وهو في منزلي؟! وفي معناه أنشدوا:(أنت عند الخصام عدوي.. .......................)
ويقال إن امرأة العزيز كانت أَتَم في حديث يوسف - عليه السلام - من النسوة فَأَثَّرَتْ رؤيتُه فيهن ولم تُؤَثِّرْ فيها، والتَّغَيُّرُ صفة أهل الابتداء في الأمر، فإذا دام المعنى زال التغيُّر؛ قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - لمن رآه يبكي وهو قريب العهد في الإسلام: هكذا كُنَّا حتى قَسَتْ القلوبُ. أي وقَرَتْ وصَلُبَتْ. وكذا الحريق أول ما يطرح فيها الماء يُسْمَعُ له صوتٌ فإذا تَعَوَّدَ شُرْبَ الماء سَكَنَ فلا يُسْمعُ له صوت.
يوسف 12:32
أرادتْ أن يغلب عليهن استحقاقُ الملامة، وتَنْفِيَ عن نفسها أن تكون لها أهلاً، ففعلت بهن ما عَمِلَتْ، فلمَّا رأينه تَغَيَّرْنَ وتحيَّرْنَ ونطقن بخلاف التمييز، فقلن: { مَا هَـٰذَا بَشَراً }: وقد كان بشراً، وقلن: { إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ }: ولم يكن مَلَكاً.
قوله: { فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ }: أثَّرَتْ رويتُهن له فيهن فَقَطَّعْنَ أيديَهن بدل الثمار، ولم يشعرن، وضعفن بذلك عندها فقالت: ألم أقل لكن؟ أنتن لم تتمالكن حتى قَطَّعْتنَّ أيديَكُنَّ! فكيف أصبر وهو في منزلي؟! وفي معناه أنشدوا:(أنت عند الخصام عدوي.. .......................)
ويقال إن امرأة العزيز كانت أَتَم في حديث يوسف - عليه السلام - من النسوة فَأَثَّرَتْ رؤيتُه فيهن ولم تُؤَثِّرْ فيها، والتَّغَيُّرُ صفة أهل الابتداء في الأمر، فإذا دام المعنى زال التغيُّر؛ قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - لمن رآه يبكي وهو قريب العهد في الإسلام: هكذا كُنَّا حتى قَسَتْ القلوبُ. أي وقَرَتْ وصَلُبَتْ. وكذا الحريق أول ما يطرح فيها الماء يُسْمَعُ له صوتٌ فإذا تَعَوَّدَ شُرْبَ الماء سَكَنَ فلا يُسْمعُ له صوت.
يوسف 12:33
الاختبار مقرونٌ بالاختيار؛ ولو تمنَّى العافية بدل ما كان يُدْعى إليه لعلَّه كان يُعَافَى، ولكنه لما قال: { ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ } طُولِبَ بِصِدْق ما قال.
ويقال إن يوسف عليه السلام نَطَقَ من عين التوحيد حيث قال: { وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ } فقد عَلمَ أن نجاته في أن يَصْرِفَ - سبحانه - البلاَءَ عنه لا بتكلُّفِه ولا بتَجنبِه.
ويقال لمَّا آثر يوسفُ - عليه السلام - لحوقَ المشقة في اللَّهِ على لذَّة نفسه آثره عَصْرُه حتى قيل له:{ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا } [يوسف: 91].
يوسف 12:34
لمَّا رجع إلى الله بصدق الاستغاثة تداركه الله سبحانه بوشيكِ الإغاثة... كذلك ما اغبرَّ لأحدٍ - في الله تعالى - قَدَمٌ إلاَّ روَّحه بِكَرَمِه وتولاَّه بِنِعَمِه - إنه هو { ٱلسَّمِيعُ } لأقوال السائلين، { ٱلْعَلِيمُ } بأحوالهم.
يوسف 12:35
لمَّا سَجَنَ يوسفَ - عليه السلام - مع ظهور براءة ساحته اتقاءً على امرأته أن يُهتَكَ سترُها حوَّل اللَّهُ مُلْكه إليه، ثم في آخر الأمر حَكَمَ اللَّهُ بأن صارت امرأتَه بعد مقاساتها الضُّر... وهذا جزاء مَنْ صَبَرَ.
ويقال لمَّا ظُلِمَ يوسفُ عليه السلام بما نُسِبَ إليه أنطق الله تلك المرأة حتى قالت في آخر أمرها بما كان فيه هتك سترها، فقالت:{ ٱلآنَ حَصْحصَ الحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُهُ عَن نَفْسِهِ } [يوسف: 51].
يوسف 12:36
لصحبة السجن أثرٌ يظهر ولو بعد حين؛ فإنَّ يوسف عليه السلام لمَّا قال لصاحبه اذكرني عند ربك فأنساه الشيطانُ ذكر ربِّه فبقي يوسف في السجن زماناً، ثم إن خلاصه كان على لسانه حيث قال: فأَرْسِلوا إلى يوسف وقيل له:{ يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا } الآية [يوسف: 46] فالصحبة تُعْطى بَرَكَاتِها وإن كانت تُبْطِي.
قوله: { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ }: الشهادة بالإحسان للمحسن ذريعةٌ، بها يَتَوسُّلُ إلى استجلاب إحسانه.
يوسف 12:37
قوله جلّ ذكره: { قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ }.
التَّثَبُّتُ في الجواب دون التسرع من أمارات أهل المكارم، كيوسف عليه السلام وعدهما أن يجيبهَما ولم يُسْرعْ الإجابةَ في الوقت.
ويقال لمَّا أَخَّرَ الإجابة عَلَّقَ قلوبَهما بالوعد؛ وإذا لم يكن نَقْدٌ فليكن وَعْدٌ.
ويقال لمَّا فاتحوه بسؤالهم قدَّم على الجواب ما اقترحه عليهما من كلمة التوحيد فقال: { ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ... } ثم قال:
{ وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ }.
ولما فرغَ من تفسير التوحيد، والدعاء إلى الحق سبحانه أجابهما فقال:
{ يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }.
هكذا كاد يوسف عليه السلام ألا يسكتَ حين أخذ في شرح التوحيد وذكر المعبود، وفي الخبر: " مَنْ أحبَّ شيئاً أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِه ".
يوسف 12:38
قوله جلّ ذكره: { قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ }.
التَّثَبُّتُ في الجواب دون التسرع من أمارات أهل المكارم، كيوسف عليه السلام وعدهما أن يجيبهَما ولم يُسْرعْ الإجابةَ في الوقت.
ويقال لمَّا أَخَّرَ الإجابة عَلَّقَ قلوبَهما بالوعد؛ وإذا لم يكن نَقْدٌ فليكن وَعْدٌ.
ويقال لمَّا فاتحوه بسؤالهم قدَّم على الجواب ما اقترحه عليهما من كلمة التوحيد فقال: { ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ... } ثم قال:
{ وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ }.
ولما فرغَ من تفسير التوحيد، والدعاء إلى الحق سبحانه أجابهما فقال:
{ يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }.
هكذا كاد يوسف عليه السلام ألا يسكتَ حين أخذ في شرح التوحيد وذكر المعبود، وفي الخبر: " مَنْ أحبَّ شيئاً أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِه ".
يوسف 12:39
قوله جلّ ذكره: { قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ }.
التَّثَبُّتُ في الجواب دون التسرع من أمارات أهل المكارم، كيوسف عليه السلام وعدهما أن يجيبهَما ولم يُسْرعْ الإجابةَ في الوقت.
ويقال لمَّا أَخَّرَ الإجابة عَلَّقَ قلوبَهما بالوعد؛ وإذا لم يكن نَقْدٌ فليكن وَعْدٌ.
ويقال لمَّا فاتحوه بسؤالهم قدَّم على الجواب ما اقترحه عليهما من كلمة التوحيد فقال: { ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ... } ثم قال:
{ وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ }.
ولما فرغَ من تفسير التوحيد، والدعاء إلى الحق سبحانه أجابهما فقال:
{ يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }.
هكذا كاد يوسف عليه السلام ألا يسكتَ حين أخذ في شرح التوحيد وذكر المعبود، وفي الخبر: " مَنْ أحبَّ شيئاً أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِه ".
يوسف 12:40
قوله جلّ ذكره: { قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ }.
التَّثَبُّتُ في الجواب دون التسرع من أمارات أهل المكارم، كيوسف عليه السلام وعدهما أن يجيبهَما ولم يُسْرعْ الإجابةَ في الوقت.
ويقال لمَّا أَخَّرَ الإجابة عَلَّقَ قلوبَهما بالوعد؛ وإذا لم يكن نَقْدٌ فليكن وَعْدٌ.
ويقال لمَّا فاتحوه بسؤالهم قدَّم على الجواب ما اقترحه عليهما من كلمة التوحيد فقال: { ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ... } ثم قال:
{ وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ }.
ولما فرغَ من تفسير التوحيد، والدعاء إلى الحق سبحانه أجابهما فقال:
{ يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }.
هكذا كاد يوسف عليه السلام ألا يسكتَ حين أخذ في شرح التوحيد وذكر المعبود، وفي الخبر: " مَنْ أحبَّ شيئاً أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِه ".
يوسف 12:41
اشتركا في السؤال واشتركا في الحكم وفي دخول السجن، ولكن تباينا في المآلِ؛ واحدٌ صُلبَ، وواحِدٌ قُرِّبَ ووُهِبَ... وكذا قضايا التوحيد واختيار الحق؛ فَمِنْ مرفوعٍ: فوق السِّماكِ مَطْلَعُه، ومن مدفونٍ: تحت التراب مضجعُه.
يوسف 12:42
يتبيَّن أنَّ تعبير الرؤيا - وإنْ كان حقاً - فهو بطريق غَلبَةِ الظَّنِّ دون القطع.
ثم إنه عاتب يوسفَ عليه السلام لأنه نَسِيَ في حديثه مَنْ يستعين به حين قال: { ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ }.
ويقال إنه طَلَبَ من بَشَرٍ عِوَضاً على ما عَلَّمَه، وفي بعض الكتب المنزلة: يا ابن آدم، عَلِّمْ مجانا كما عَلِّمْتَ مجاناً.
ولما استعان بالمخلوقِ طال مُكْثُه في السجن، كذلك يجازي الحقُّ - سبحانه - مَنْ يُعَلِّقُ قلبَه بمخلوق.
يوسف 12:43
كان ابتداءُ بلاءِ يوسف - عليه السلام - بسبب رؤيا رآها فَنَشَرَها وأظهرها، وكان سببُ نجاتِه أيضاً رؤيا رآها الملِكُ فأظهرها، ليُعْلَم أَنَّ اللَّهَ يفعل ما يريد؛ فكما جعل بَلاءَه في إظهار رؤيا جعل نجاته في إظهار رؤيا؛ لِيَعْلَمَ الكافةُ أن الأمر بيد الله يفعل ما يشاء.
يوسف 12:44
حال الرؤيا لا يختلف بالخطأ في التعبير؛ فإنَّ القومَ حكموا بأن رؤياه أضغاثُ أحلام فلم يُضِرْه ذلك، ولم يؤثِّرْ في صحة تأويلها.
قوله: { وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ }: مَنْ طلَبَ الشيءَ مِنْ غيرِ موضِعه لم يَنَلْ مطلوبه، ولم يَسْعَد بمقصوده.
يوسف 12:45
لمَّا كان المعلوم لله والمحكومُ أن يوسفَ عليه السلام يكون في ذلك الوقت هو مَنْ يُعَبِّر الرؤيا قَبَضَ القلوبَ حتى خَفِيَ عليها تعبيرُ تلك الرؤيا، ولم يحصل للمَلِكِ ثَلَجُ الصَّدْرِ إلا بتعبير يوسف، ليُعْلَم أنَّ اللَّهَ - سبحانه - إذا أراد أمراً سَهلَّ أسبابَه.
ويقال: إن الله تعالى أفْرَد يوسفَ عليه السلام من بين أشكاله بشيئين: بحُسْن الخِلْقة وبزيادة العلم؛ فكان جمالُه سببَ بلائه، وصار علمُه سببَ نجاته، لتُعْلَمَ مزيَّةُ العلمِ على غيره، لهذا قيل: العلم يُعْطِي وإن كان يُبْطِي.
ويقال إذا كان العلم بالرؤيا يوجِب الدنيا فالعلمُ بالمولى أَوْلَى أن يوجِبَ العقبى، قال تعالى:{ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً } [الإنسان: 20].
يوسف 12:47
لم يقدِّم الدعاءَ إلى الله تعالى على تعبير هذه الرؤيا كما فعل في المرة الأولى، لأن هذا السائل هو الذي دعاه في المرة الأولى. فإمَّا أنه قد قَبِلَ في المرة الثانية، وإمَّا أنه لم يقبل فَيَئِسَ منه فأهمله.
وصاحبُ الرؤيا الثانية كانت المَلِكَ وكان غائباً، والوعظ والدعاء لا يكونا إلا في المشاهدة دون المغايبة.
ويقال يحتمل أن يكون قد تفرَّس في الفَتَيان قبولَ التوحيد فإنَّ الشباب ألينُ قلباً، أمَّا في هذا الموضع فقد كان المَلِكُ أصلبَ قلباً وأفظَّ جانِباً؛ فلذلك لم يَدْعُه إلى التوحيد لِمَا تفرَّسَ فيه من الغِلظة.
يوسف 12:50
أراد عليه السلام ألا يلاحظه الملِكُ بعين الخيانة فيُسْقِطَه عيبُه من قلبه؛ فلا يؤثِّر فيه قوله، فلذلك توقَّفَ حتى يَظْهَرَ أمرُه للمَلِكِ وتنكشفَ براءةُ ساحته.
يوسف 12:51
قوله جلّ ذكره: { قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ }.
الحقائق لا تنكتِم أصلاً ولا بُدَّ من أن تَبينَ... ولو بعد حين.
نُسِبَ يوسفُ إلى ما كان منه بَريئاً، وأُنِّبَ على ذلك مدةً، وكان أمرهُ في ذلك خَفِيًّا. ثم إن الله تعالى دَفَعَ عنه التهمة ورفع عنه المَظَنّة، وأنطق عِذّالَه، وأظهر حالَه، عما فرق به سرباله؛ فَقُلْنَ: { حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ }.
قوله جلّ ذكره: { قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ }.
لمّا كانت امرأةُ العزيز غيرَ تامّةٍ في محبة يوسف تركَتْ ذنبَهَا عليه وقالت لزوجها: { مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ولم يكن ليوسف عليه السلام ذنب. ثمَّ لمّا تناهَتْ في محبته أقَرَّت بالذنبِ على نفسها فقالت: { ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ.... } فالتناهي في الحبِّ يوجب هتكَ الستر، وقلة المبالاة بظهور الأمر والسِّر، وقيل:لِيُقلْ مَنْ شاءَ ما شاء فإني لا أُبالي
يوسف 12:52
قوله جلّ ذكره: { ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ }.
إنما أراد اللَّهُ أن يُظْهِرَ براءةَ ساحةِ يوسف، لأنه علم أنهم يستحقون العقوبة على ما يبسطون فيه من لسان الملامة وذكر القبيح، ولم يُرِدْ يوسف أن يصيبَهم بسببه - من قِبلِ اللَّهِ - عذابٌ شَفَقَةً منه عليهم، وهذه صفةُ الأولياءِ: أن يكونوا خَصْمَ أَنْفسِهم، ولهذا قيل: الصوفي دمه هَدرٌ ومِلْكُه مُبَاحُ - ولذلك قال:
{ وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.
لمَّا تمدَّح بقوله: { ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } كأنه نودي في سِرِّه: ولا حين همَمْتَ؟ فقال:: { وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ }.
ويقال: قوله: { لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } بيانُ الشكر على ما عصمه الله، وقوله: { وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ } بيانُ العُذْرِ لما قصَّر في أمر الله، فاستوجب شكرُه زيادةَ الإحسان، واستحقَّ بعذره العفوَ.
والعفو بادٍ من قوله:
{ وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ }.
لما اتضحت للملِك طهارةُ فِعْلِه ونزاهةُ حالِه استحضره لاستصفائه لنفسه، فلمَّا كَلَّمَه وسَمِعَ بيانَه رَفَعَ مَحلَّه ومكانه، وضمنه بِرَّه وإحسانَه، فقال: { إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ }.
يوسف 12:53
قوله جلّ ذكره: { ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ }.
إنما أراد اللَّهُ أن يُظْهِرَ براءةَ ساحةِ يوسف، لأنه علم أنهم يستحقون العقوبة على ما يبسطون فيه من لسان الملامة وذكر القبيح، ولم يُرِدْ يوسف أن يصيبَهم بسببه - من قِبلِ اللَّهِ - عذابٌ شَفَقَةً منه عليهم، وهذه صفةُ الأولياءِ: أن يكونوا خَصْمَ أَنْفسِهم، ولهذا قيل: الصوفي دمه هَدرٌ ومِلْكُه مُبَاحُ - ولذلك قال:
{ وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.
لمَّا تمدَّح بقوله: { ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } كأنه نودي في سِرِّه: ولا حين همَمْتَ؟ فقال:: { وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ }.
ويقال: قوله: { لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } بيانُ الشكر على ما عصمه الله، وقوله: { وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ } بيانُ العُذْرِ لما قصَّر في أمر الله، فاستوجب شكرُه زيادةَ الإحسان، واستحقَّ بعذره العفوَ.
والعفو بادٍ من قوله:
{ وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ }.
لما اتضحت للملِك طهارةُ فِعْلِه ونزاهةُ حالِه استحضره لاستصفائه لنفسه، فلمَّا كَلَّمَه وسَمِعَ بيانَه رَفَعَ مَحلَّه ومكانه، وضمنه بِرَّه وإحسانَه، فقال: { إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ }.
يوسف 12:54
قوله جلّ ذكره: { ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ }.
إنما أراد اللَّهُ أن يُظْهِرَ براءةَ ساحةِ يوسف، لأنه علم أنهم يستحقون العقوبة على ما يبسطون فيه من لسان الملامة وذكر القبيح، ولم يُرِدْ يوسف أن يصيبَهم بسببه - من قِبلِ اللَّهِ - عذابٌ شَفَقَةً منه عليهم، وهذه صفةُ الأولياءِ: أن يكونوا خَصْمَ أَنْفسِهم، ولهذا قيل: الصوفي دمه هَدرٌ ومِلْكُه مُبَاحُ - ولذلك قال:
{ وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.
لمَّا تمدَّح بقوله: { ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } كأنه نودي في سِرِّه: ولا حين همَمْتَ؟ فقال:: { وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ }.
ويقال: قوله: { لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ } بيانُ الشكر على ما عصمه الله، وقوله: { وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ } بيانُ العُذْرِ لما قصَّر في أمر الله، فاستوجب شكرُه زيادةَ الإحسان، واستحقَّ بعذره العفوَ.
والعفو بادٍ من قوله:
{ وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ }.
لما اتضحت للملِك طهارةُ فِعْلِه ونزاهةُ حالِه استحضره لاستصفائه لنفسه، فلمَّا كَلَّمَه وسَمِعَ بيانَه رَفَعَ مَحلَّه ومكانه، وضمنه بِرَّه وإحسانَه، فقال: { إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ }.
يوسف 12:55
إنما سأل ذلك ليضعَ الحقَّ مَوْضِعَه، وليصلَ نصيبُ الفقراءِ إليهم، فَطَلَبَ حقَّ الله تعالى في ذلك، ولم يطلب نصيباً لنفسه.
ويقال لم يقل إني حَسَنٌ جميلٌ بل قال: { إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } أي كاتِبٌ حاسِبٌ، لِيُعْلَمَ أَنَّ الفضلَ في المعاني لا في الصورة.
يوسف 12:56
قوله جلّ ذكره: { وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ }.
لمَّا لم تكن له دواعي الشهوات من نَفْسِه مَكّنَه اللَّهُ من مُلْكِه - قال تعالى:{ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا } [الشورى: 23] - فقال: { وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } [يوسف: 56].
ثم أخبر عن حقيقة التوحيد، وبيَّن أنه إِنما يوفِّي عبادَه من ألطافه بفضله لا بفعلهم، وبرحمته لا بِخُدْمِتهم؛ فقال: { نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ }. ثم يرقى هممهم عما أولاهم من النَّعم فقال:
{ وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ }.
لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لا بُدّ من التقوى ومخالفة الهوى.
يوسف 12:57
قوله جلّ ذكره: { وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ }.
لمَّا لم تكن له دواعي الشهوات من نَفْسِه مَكّنَه اللَّهُ من مُلْكِه - قال تعالى:{ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا } [الشورى: 23] - فقال: { وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } [يوسف: 56].
ثم أخبر عن حقيقة التوحيد، وبيَّن أنه إِنما يوفِّي عبادَه من ألطافه بفضله لا بفعلهم، وبرحمته لا بِخُدْمِتهم؛ فقال: { نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ }. ثم يرقى هممهم عما أولاهم من النَّعم فقال:
{ وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ }.
لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لا بُدّ من التقوى ومخالفة الهوى.
يوسف 12:58
عَرَفَ يوسفُ - عليه السلام - إخوتَه وأنكروه، لأنهم اعتقدوا أنّه في رِقِّ العبودية لمّا باعوه، بينما يوسف - في ذلك الوقت - كان قاعداً بمكانِ المَلِكِ. فَمَنْ طلب الملِكَ في صفة العبيد متى يعرفه؟
وكذلك مَنْ يعتقد في صفات المعبودِ ما هو مِنْ صفات الخَلْق... متى يكون عارفاً؟ هيهات هيهات لما يحسبون!
ويقال لمَّا أَخْفَوْه صار خفاؤه حجَاباً بينهم وبين معرفتهم إياه، كذلك العاصي.. بخطاياه وزلاتِه تقع غَبَرَةٌ على وجه معرفته.
يوسف 12:59
قوله جلّ ذكره: { وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ }.
المحِبُّ غيورٌ؛ فلمَّا كان يعقوبُ عليه السلام قد تَسَلَّى عن يوسف برؤية ابنه بنيامين غار يوسف أن ينظر إليه يعقوب.
ويقال تَلَطَّفَ يوسف في استحضار بنيامين بالترغيب والترهيب، وأما الترغيب ففي مالِه الذي أوصله إليهم وهو يقول: { أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ } وفي إقباله عليهم وفي إكرامه لهم وهو يقول: { وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ }.
وأمّا الترهيب فبمنع المال وهو يقول:
{ فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ }.
أي فإن لم تؤامِنوني عليه فلا كيل لكم عندي، وأمنع الإكرام والإقبال عنكم.
يوسف 12:60
قوله جلّ ذكره: { وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ }.
المحِبُّ غيورٌ؛ فلمَّا كان يعقوبُ عليه السلام قد تَسَلَّى عن يوسف برؤية ابنه بنيامين غار يوسف أن ينظر إليه يعقوب.
ويقال تَلَطَّفَ يوسف في استحضار بنيامين بالترغيب والترهيب، وأما الترغيب ففي مالِه الذي أوصله إليهم وهو يقول: { أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ } وفي إقباله عليهم وفي إكرامه لهم وهو يقول: { وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ }.
وأمّا الترهيب فبمنع المال وهو يقول:
{ فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ }.
أي فإن لم تؤامِنوني عليه فلا كيل لكم عندي، وأمنع الإكرام والإقبال عنكم.
يوسف 12:61
لما عَلِمَ يوسفُ من حالهم أنهم باعوه بثمنٍ بَخْسٍ عَلِمَ أنهم يأتونه بأخيهم طمعاً في إيفاء الكيل، فلن يَصْعُبَ عليهم الإتيان به.
يوسف 12:62
جَعْلُ بضاعتهم في رحالهم - في باب الكَرَمَ - أتمُّ مِنْ أنْ لَوْ وَهَبَها لهم جَهْراً؛ لأنه يكون حينئذٍ فيه تقليد منه بالمواجَهَةِ، وفي تمليكها لهم بإشارةٍ تجَرُّدٌّ مِنْ تكلُّفِ تقليد منه بالمحاضرة.
ويقال عَلِمَ أنهم لا يَسْتحلُّون مالَ الغَيْر قَدَسَّ بضاعتَهم في رحالِهم، لكن إذا رأَوْها قالوا: هذا وقع في رحالنا منهم بِغَلَطٍ، فالواجبُ علينا ردُّها عليهم. وكانوا يرجعون بسبب ذلك شاءوا أم أَبَوْا.
يوسف 12:63
لم يمنع يوسفُ منهم الكيْلَ، وكيف مَنَعَ وقد قال: { أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ }؟
ولكنهم تجوزوا في ذلك تفخيماً للأمر حتى تسمح نَفْسُ يعقوب عليه السلام بإرسال بنيامين معهم.
ويقال أرادوا بقولهم: { مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ } وفي المستقبل إذا لم تَجْمِلْه إليه.
ويقال إنهم تَلَطَّفُوا في القول ليعقوبَ - عليه السلام - حيث قالوا: { أَخَانَا } إظهاراً لشفقتهم عليه، ثم أكَّدوا ذلك بقولهم: { وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }.
يوسف 12:64
قوله جلّ ذكره: { قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ }.
مَنْ عَرَفَ الخيانة لا يلاحظ الأمانة، ولذا لم تَسْكنْ نَفْسُ يعقوبَ بضمانهم لِمَا سَبَقَ إليه شأنهم.
قوله جلّ ذكره: { فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ }.
{ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً }: يحفظ بنيامين فلا يصيبه شيءٌ مِنْ قِبَلِهم.
ولم يقل يعقوب فاللّه خيرُ مَنْ يَرُدُّه إليَّ، ولو قال ذلك لعلَّه كان يرده إليه سريعاً.
يوسف 12:65
بيَن يوسفُ - عليه السلام - أنه حين عاملهم لم يَحْتَجْ إلى عِوَضً يأخذه منهم، فلمَّا باعهم وجَمَعَ لهم الكيلَ ما أخذ منهم ثمناً، والإشارة من هذا إلى قوله تعالى:{ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ } [الإسراء: 7].
وكلُّ مَنْ خطا للدِّين خطوةً كافأه اللَّهُ تعالى وجازاه، فَجَمَع له بين رَوْحِ الطاعةِ ولذَّةِ العيش من حيث الخدمة.
يوسف 12:66
إنَّ الحَذَرَ لا يُغْنى من القَدَر. وقد عَمِل يعقوب - عليه السلام - معهم في باب بنيامين ما أمكنه من الاحتياط، وأخذ الميثاق ولكن لم يُغْنِ عنه اجتهادُه، وحَصَلَ ما حكم به الله.
يوسف 12:67
يحتمل أن يكون أراد تفريقهم في لدخول لعلَّ واحداً منهم يقع بَصَرُه على يوسف، فإن لم يره أحدهم قد يراه الآخر.
ويقال ظنَّ يعقوب أنهم في أمر يوسف كانوا في شدة العناية بشأنِه، ولم يعلم أنهم كارهون لمكانه.
يوسف 12:68
إن لم يحصل مقصودُ يعقوب عليه السلام في المآل حصل مراده في الحال، وفي ذلك القَدْرِ لأرباب القلوب استقلال.
ويقال على الأصاغر حفظُ إشاراتِ الأكابر، والقولُ فيما يأمرون به هل فيه فائدةٌ أم لا - تَرْكٌ للأدب.
ويقال إذا كان مثل يعقوب عليه السلام يشير على أولاده ويتمنَّى به حصولَ مرادِه..
ثم لا يحصل مرادُه عُلِمَ أنه لا ينبغي أن يُعْتَقَدَ في الشيوخ أنَّ جميع ما يريدون يتَّفِقُ كونُه على ما أرادوا؛ لأَنَّ الذي لا يكونُ إلا ما يريده واجباً وما أراده فهو كائن.. هو اللَّهُ الواحدُ القهارُ.
يوسف 12:69
حديثُ المحبةِ وأَحكامها أقسام: اشْتَاقَ يعقوبُ إلى لقاء يوسف عليهما السلام فَبَقِيَ سنين كثيرة، واشتاقَ يوسف إلى بنيامين فَرُزِقَ رؤيته في أَوْجَزِ مدةٍ.
وهَكَذَا الأمر؛ فمنهم موقوفٌ به، ومنهم صاحب بلاء.
ويقال لئن سَخِنَت عين يعقوب عليه السلام بمفارقة بنيامين فلقد قَرَّتْ عيْنُ يوسفَ بلقائه. كذا الأمر: لا تَغْرُبُ الشمس على قوم إلا وتطلع على آخرين.
يوسف 12:70
احتمل بنيامينُ ما قيل فيه من السرقة بعدما التقى مع يوسف.
ويقال: ما نُسِبَ إليه من سوء الفعال هان عليه من جَنْبِ ما وجد من الوصال.
ويقال لئن نُسَبَ أخاه للسرقة تعرَّف إليه بقوله: { إِنِّيۤ أَنَاْ أَخُوكَ } - سِرَّاً، فكان مُتَحَمِّلاً لأعباء الملامة في ظاهره، محمولاً بوجدان الكرامة في سِرِّهِ، وفي معناه أنشدوا:أَجِدُ الملامةَ في هواكِ لذيذةً حُبّاً لذكرك فَلْيَلُمْني اللُّومُ
يوسف 12:73
يعني حُسْنُ سيرتنا في سير المعاملة يدلكم على حسن سريرتنا في الحالة. ويقال لو كُنَّا نسرق متاعكم لما رددناه عليكم ولَمَا وجدتموه في رحالنا بعد أَن غِبْنَا عنكم.
يوسف 12:74
تَجَاسَرَ إخوةُ يوسف بجريان جزاءِ السَّرِقةِ عليهم ثقةً بأنفسهم أنهم لم يُباشِروا الزَّلَّة، وكان بنيامينُ شريكَهم في براءة السَّاحةِ، فلما استُخْرِجَ الصَّاعُ مِنْ وعائه بَسَطَ الإخوةُ فيه لسانَ الملامةِ، وبقي بنيامين فلم يكن له جوابٌ كأنَّه أقَرَّ بالسرقة، ولم يكن ذلك صدقاً إذ أنه لم يَسْرِقْ، ولو قال: لم أَفْعَلْ لأفشى سِرَّ يوسف عليه السلام الذي احتال معهم ذلك لأجْلِه حتى يُبْقِيه معه، فَسَكَتَ لسان بينامين، وتحقَّق بالحالِ قَلْبُه.
ويقال لم يستصعب الملامة - وإنْ كان بريئاً - مما قُرِنَ به، ولا يَضُرُّ سوءُ المقالةِ بالمكاشفين بعد حَسْنِ الحالةِ مع الأحباب.
ويقال سيىء بما أَظْهَرَتْ عليه المقالة، ولكن حَصَلَ له بذلك صفاءُ الحالة.
يوسف 12:77
كان بنيامينُ بريئاً مما رُميَ به من السرقة، فأنطقهم الله تعالى حتى رَمَوْا يوسف عليه السلام بالسرقة، واحدٌ بواحد ليَعْلَم العالمون أَنَّ الجزاءَ واجبٌ.
ويقال كان القُرْحُ بالقَدح أوجعَ ما سَمِعَه يوسف منهم حيث قالوا:
{ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } فقد كان ذلك أشدَّ تأثيراً في قلبه من الجفاءِ الأول.
ويقال إذا حَنِقَ عليك المِلكُ فلا تأمَنْ غِبَّه - وإنْ طالت المدة - فإن يوسف عليه السلام حَنِق عليهم فلقوا في المستأنف منه ما ساءَهم مِنْ حَبْسِ أخيه، وما صاحبهَم من الخَجل من أبيهم.
يوسف 12:78
قوله جلّ ذكره: { قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ }.
لم تنفعهم كثرةُ التَّنَصُّل، وما راموا به من ذكر أبيهم ابتغاءَ التوسُّل، ولم ينفعهم ما قيل منهم حين عَرَضُوا عليه أن يأخذَ أحدَهم في البَدَل.. كذلك فكلٌّ مُطَالَبٌ بفعل نفسه:{ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } [الأنعام: 164]؛ فلا الأبُ يُؤْخَذُ بَدَلَ الولد، ولا القريب يُرضَى به عوضاً عن أحد؛ لذلك قال يوسف عليه السلام:
قوله جلّ ذكره: { قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّـآ إِذاً لَّظَالِمُونَ } توهموا أن الحديث معهم من حيث معاملة الأموال، فعَرَضُوا أنفسهم كي يؤخذ واحدٌ منهم بَدَلَ أخيهم، ولم يعلموا أن يوسف عليه السلام كادَهم في ذلك، وأنَّ مقصودَه من ذلك ما استكَنَّ في قلبه مِنْ حُبِّ لأخيه، وكلاَّ.. أَنْ يكونَ عن المحبوبِ بَدَلٌ أو لقوم مقامُ أحدٍ... وفي معناه أنشدوا:إذا أَوْصَلْتَنا الخُلْدَ كيما تُذِيقنا أَبَيْنا وقُلْنا: أنتَ أَوْلَى إلى القلب
وقيل:أُحِبُّ لَيْلَى وبُغِّضَتْ إليَّ نساءٌ ما لَهُنَّ ذُنُوبُ
يوسف 12:79
قوله جلّ ذكره: { قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ }.
لم تنفعهم كثرةُ التَّنَصُّل، وما راموا به من ذكر أبيهم ابتغاءَ التوسُّل، ولم ينفعهم ما قيل منهم حين عَرَضُوا عليه أن يأخذَ أحدَهم في البَدَل.. كذلك فكلٌّ مُطَالَبٌ بفعل نفسه:{ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } [الأنعام: 164]؛ فلا الأبُ يُؤْخَذُ بَدَلَ الولد، ولا القريب يُرضَى به عوضاً عن أحد؛ لذلك قال يوسف عليه السلام:
قوله جلّ ذكره: { قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّـآ إِذاً لَّظَالِمُونَ } توهموا أن الحديث معهم من حيث معاملة الأموال، فعَرَضُوا أنفسهم كي يؤخذ واحدٌ منهم بَدَلَ أخيهم، ولم يعلموا أن يوسف عليه السلام كادَهم في ذلك، وأنَّ مقصودَه من ذلك ما استكَنَّ في قلبه مِنْ حُبِّ لأخيه، وكلاَّ.. أَنْ يكونَ عن المحبوبِ بَدَلٌ أو لقوم مقامُ أحدٍ... وفي معناه أنشدوا:إذا أَوْصَلْتَنا الخُلْدَ كيما تُذِيقنا أَبَيْنا وقُلْنا: أنتَ أَوْلَى إلى القلب
وقيل:أُحِبُّ لَيْلَى وبُغِّضَتْ إليَّ نساءٌ ما لَهُنَّ ذُنُوبُ
يوسف 12:80
لما عَلِموا أن يوسف عليه السلام ليس يبرح عن أخيه خلا بعضُهم ببعضٍ فعملت فيهم الخجْلة، وعلموا أن يعقوب في هذه الكرَّةِ يتجدد له مثلما أسلفوه من تلك الفَعْلة، فلم يرجع، أكبرهم إلى أبيهم، وتناهى إلى يعقوبَ خَبَرُهم، فاتهمهم وما صدّقهم، واستخونهم وما استوثقهم.
يوسف 12:81
كان لهم في هذه الكَرَّةِ حجة على ما قالوه، ولكن لم يسكن قلبُ يعقوب عليه السلام إليها، فإنَّ تعيُّنَ الجُرْمِ في المرة الأولى أَوْجَبَ التُّهمةَ في الكرَّةِ الأخرى.
يوسف 12:82
ما ازدادوا إقامةَ حُجَّةٍ إلا ازداد يعقوبُ - عليه السلام - في قولهم شُبْهةً.
ويقال: في مُساءلة الأطلال أَخْذٌ لقلوب الأحباب، وسَلْوَةٌ لأسرارهم.. وهذا البابُ مما للشرح فيه مجال.
يوسف 12:83
قوله جلّ ذكره: { قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً }.
لجأ إلى قُرْبِ خلاصه من الضُرِّ بالصبر.
ويقال لما وعد من نفسه الصبر فلم يُمْسِ حتى قال: { يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ } ليُعْلَمَ أنَّ عَزْمَ الأحبابِ على الصبر منقوضٌ غيرُ محفوظ.
يوسف 12:84
تولَّى عن الجميع - وإن كانوا أولادَه - ليُعْلَمَ أَنَّ المحبةَ لا تُبْقي ولا نَذَرْ.
ويقال أراد إخوةُ يوسفَ أن يكونَ إقبال يعقوب عليهم بالكليَّة فأَعْرَضَ، وتولَّى عنهم، وفَاتَهُم ما كان لهم، ولهذا قيل: مَنْ طَلَبَ الكُلَّ فاته الكلُّ.
ويقال لم يَجِدْ يعقوبُ مُساعِداً لنفسِه على تأسفه على يوسف فتولَّى عن الجميع، وانفرد بإظهار، أسفه، وفي معناه أنشدوا:فريدٌ عن الخِلاَّنِ في كل بلدةٍ إذا عَظُمَ المطلوبُ قَلَّ المُساعِدُ
ويقال كان بكاءُ داود عليه السلام أكثرَ من بكاء يعقوب عليه السلام، فلم يذهب بَصَرُ داود وذهْب بَصَرَ يعقوب؛ لأن يعقوب عليه السلام بكى لأَجْلِ يوسف ولم يكن في قدْرةِ يوسف أن يحفظَ بصره من البكاء لأجله، وأمَّا داود فقد كان يبكي لله، وفي قدرة الله - سبحانه - ما يحفظ بَصَرَ الباكي لأَجْلِه.
سمعتُ الأستاذ أبا علي الدقاق - رحمه الله - يقول ذلك، وقال رحمه الله: إن يعقوبَ بكى لأجل مخلوقٍ فذهب بَصَرَهُ، وداود بكى لأَجْل الله فبقي بَصَرُه.
وسمعته - رحمه الله - يقول: لم يقل الله: " عَمِيَ يعقوب " ولكن قال: { وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ } ، لأنه لم يكن في الحقيقة عَمَىً، وإنما كان حجاباً عن رؤية غير يوسف.
ويقال كان ذهابُ بصرِ يعقوب حتى لا يحتاج إلى أن يرى غير يوسف، لأنه لا شيءَ أشدُّ على الأحبابِ من رؤية غير المحبوب في حال فراقه، وفي معناه أنشدوا:لما تَيَقَّنْتُ أني لَسْتُ أُبْصرِكم أغمضتُ عيني فلم أنظر إلى أحد
وسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله يقول: كان يعقوب عليه السلام يتسلَّى برؤية بنيامين في حال غيبة يوسف، فلما بقي عن رؤيته قال: { يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ } أي أنه لما مُنِعَ من النظر كان يتسلى بالأثر، فلمَّا بقي عن النظر قال: يا أسفا على يوسف.
يوسف 12:85
هددوه بأن يصير حرضاً - أي مريضاً مشفياً على الهلاك - وقد كان، وخوفُّوه مما لم يبالِ أن يصيبه حيث قالوا { أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَالِكِينَ }.
ويقال أطيب الأشياء في الهلاك ما كان في حكم الهوى - فكيف يُخَوَّف بالهلاكِ من كان أحبُّ الأشياءِ إليه الهلاَك؟.
يوسف 12:86
شكا إلى الله ولم يَشْكُ مِنَ اللَّهِ، ومَنْ شكا إلى الله وَصَلَ، ومن شكا من الله انفصل.
ويقال لمَّا شكا إلى الله وَجَدَ الخَلَفَ من الله.
ويقال كان يعقوبُ - عليه السلام - مُتَحَمِّلاً بنفسه وقلبه، ومستريحاً محمولاً بِسِرِّه وروحه؛ لأنه عَلِمَ من الله - سبحانه - صِدْقَ حالِه فقال: { وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وفي معناه أنشدوا:إذا ما تمنَّى الناسُ روْحاً وراحةً تمنَّيْتُ أن أشكو إليكَ فَتَسْمَعَا
يوسف 12:87
كان يعقوب عليه السلام يبعث بنيه في طلب يوسف، وكان الإخوة يخرجون بطلب المسيرة وفي اعتقادهم هلاكُ يوسف... وكلُّ إنسانٍ وهمُّه.
ويقال قوله: { فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ } أمرٌ بطلب يوسف بجميع حواسِّهم؛ بالبَصَرِ لعلَّهم تقع عليه أعينهم، وبالسَّمْع لعلَّهم يسمعون ذِكْرَه، وبالشمِّ لعلهم يجدون رِيحَه؛ وقد توهَّم يعقوبُ أنهم مثله في إرادةِ الوقوفِ على شأنه. ثم أحالهم على فضل الله حيث قال: { لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ }.
ويقال لم يكن ليعقوب أحدٌ من الأولاد بمكان يوسف، فَظَهَر من قِلَّةِ الصبر عليه ما ظهر، وآثَرَ غيْبَةَ الباقين من الأولاد في طلب يوسف على حضورهم عنده.. فشتَّان بين حاله معهم وبين حاله مع يوسف! واحدٌ لم يَرَهْ فابْيَضَّتْ عيناه من الحزن بفرقته، وآخرون أَمرَهُم - باختياره - بِغَيْبَتِهم عنه.
يوسف 12:88
لما دخلوا على يوسف خاطبوه بذكر الضُّرِّ، ومقاساة الجوع والفقر، ولم يذكروا حديث يوسف عليه السلام، وما لأجله وَجَّهَهُم أبوهم.
ويقال استلطفوه بقولهم: { مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ } ثم ذكروا بعد ذلك حديث قلة بضاعتهم.
ويقال لمَّا طالعوا فقرهم نطفوا بقدرهم فقالوا: وجئنا ببضاعة مزجاة - أي رديئة - ولما شاهدوا قدر يوسف سألوا على قدره فقالوا: { فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ }.
ويقال قالوا كلنا كيلاً يليق بفضلك لا بفقرنا، وبكرمك لا بعدمنا، ثم تركوا هذا اللسان وقالوا: { وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ }: نَزَلَوا أوْضَعَ مَنْزلٍ؛ كأنهم قالوا: إنْ لم نستوجِبْ معاملةَ البيع والشراء فقد استحققنا بَذْلَ العطاءِ، على وجه المكافأة والجزاء.
فإِنْ قيل كيف قالوا وتصدَّقْ علينا وكانوا أنبياء - والأنبياء لا تحل لهم الصدقة؟
فيقال لم يكونوا بعد أنبياء، أو لعلّه في شرعهم كانت الصدقةُ غيرَ مُحَرَّمةٍ على الأنبياء.
ويقال إنما أرادوا أنَّ مِنْ ورائنا مَنْ تَحِلُّ له الصدقة.
يوسف 12:89
افتضحوا بحضرة يوسف عليه السلام وقالوا: { فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ } فعرفهم فعلمهم ووقفهم عند أحدهم فقال: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه؟ يعني إنَّ مَنْ عَامَل يوسفَ وأخاه بمثل معاملتكم فلا ينبغي له أن يتجاسَرَ في الخطاب كتجاسركم.
ويقال إن يوسف عليه السلام قال لهم: أنهيتم كلامكم، وأكثرتم خطابكم، فما كان في حديثكم إلا ذكر ضرورتكم.. أفلا يخطر ببالكم حديث أخيكم يوسف؟! وذلك في باب العتابِ أعظم من كلِّ عقوبة.
ولمَّا أخجلهم حديث العتاب لم يَرْضَ يوسفُ حتى بسط عندهم فقال: { إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ }.
يوسف 12:90
في الابتداء حين جهلوه كانوا يقولون له في الخطاب: " يا أيها العزيز " فلمّا عرفوه قالوا: { أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ }؛ لأنه لمَّا ارتفعت الأجنبيةُ سقط التكلُّف في المخاطبة، وفي معناه أنشدوا:إذا صَفَتْ المودَّةُ بين قومٍ ودام ودادُهم قَبُحَ الثناءُ
ويقال إنَّ التفاصُلَ والتفارُقَ بين يوسف وإخوته سَبَقا التواصلَ بينه وبين يعقوب عليهما السلام؛ فالإخوةُ خَبَره عرفوه قبلَ أنْ عَرَفَه أبوه ليعلَم أن الحديث بلا شكٍ.
ويقال لم يتقدموا على أبيهم في استحقاق الخبر عن يوسف ومعرفته، بل إنهم - وإن عرفوه - فلم يلاحظوه بعين المحبة والخلة، وإنما كان غرضُهم حديثَ الميرة والطعام فقط، فقال: { أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي }: يعني إني لأَخٌ لِمِثْلِ هذا لمثلكم؛ ولذا قال: { أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي } ، ولم يقل وأنتم إخوتي، كأنَّه أشار إلى طرفٍ من العتاب، يعني ليس ما عاملتموني به فِعْلَ الإخوة.
ويقال هَوَّنَ عليهم حالَ بَدَاهَةِ الخجلة حيث قال { أَنَا يُوسُفُ } بقوله: { وَهَـٰذَا أَخِي } وكأنه شَغَلَهم بقوله: { وَهَـٰذَا أَخِي } كما قيل في قوله تعالى:{ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ } [طه: 17] إنه سبحانه شَغَلَ موسى عليه السلام باستماع:{ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ } [طه: 17] بمطالعة العصا في عين ما كوشِف به من قوله:{ إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ } [طه: 14].
ثم اعترف بوجدان الجزاء على الصبر في مقاساة الجهد والعناء فقال: { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَِصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ }.
وسمعتُ الأستاذ أبا علي الدقاق - رحمه الله - يقول لما قال يوسف: { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَِصْبِرْ } أحَالَ في استحقاق الأجر على ما عمل من الصبر... فأنطقهم الله حتى أجابوه بلسان التوحيد فقالوا: { تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا } يعني ليس بِصَبْرِك يا يوسفُ ولا بتقواك، وإنما هو بإيثار اللَّهِ إياك علينا؛ فبه تقدمت علينا بحمدك وتقواك. فقال يوسف - على جهة الانقياد للحقِّ -: { لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ } ، فأسقط عنهم اللوم، لأنه لمَّا لم يَرَ تقواه من نفسه حيث نبَّهوه عليه نَطَقَ عن التوحيد، وأخبر عن شهود التقدير.
يوسف 12:91
قوله جلّ ذكره: { قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ }
اعترفوا بالفضل ليوسف - عليه السلام - حيث قالوا: لقد آثرك الله علينا، وأكَّدوا إقرارَهم بالقَسَم بقوله: { تَٱللَّهِ } وذلك بعد ما جحدوا فَضْلَه بقولهم: { لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } ، وهكذا من جحد فلأنه ما شهد، ومن شهد فما جحد.
ويقال لمَّا اعترفوا بفضله وأقرُّوا بما اتصفوا به من جُرْمِهم بقولهم: { وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ } وجدوا التجاوزَ عنهم حين قال يوسف:
{ قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ }.
أسرع يوسفُ في التجاوز عنهم، وَوَعَد يعقوبُ لهم بالاستغفار بقوله: { سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ } لأنه كان أشدَّ حباً لهم فعاتبهم، وأما يوسف فلم يرهم أهلاً للعتاب فتجاوز عنهم على الوهلة، وفي معناه أنشدوا:تركُ العتابِ إذا استحق أخ مِنك العتابَ ذريعةُ الهَجْرِ
ويقال أصابهم - في الحال - مِنَ الخجلة مقام كلِّ عقوبة، ولهذا قيل:
كفى للمقصِّر الحياءُ يوم اللقاء.
يوسف 12:92
قوله جلّ ذكره: { قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ }
اعترفوا بالفضل ليوسف - عليه السلام - حيث قالوا: لقد آثرك الله علينا، وأكَّدوا إقرارَهم بالقَسَم بقوله: { تَٱللَّهِ } وذلك بعد ما جحدوا فَضْلَه بقولهم: { لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } ، وهكذا من جحد فلأنه ما شهد، ومن شهد فما جحد.
ويقال لمَّا اعترفوا بفضله وأقرُّوا بما اتصفوا به من جُرْمِهم بقولهم: { وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ } وجدوا التجاوزَ عنهم حين قال يوسف:
{ قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ }.
أسرع يوسفُ في التجاوز عنهم، وَوَعَد يعقوبُ لهم بالاستغفار بقوله: { سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ } لأنه كان أشدَّ حباً لهم فعاتبهم، وأما يوسف فلم يرهم أهلاً للعتاب فتجاوز عنهم على الوهلة، وفي معناه أنشدوا:تركُ العتابِ إذا استحق أخ مِنك العتابَ ذريعةُ الهَجْرِ
ويقال أصابهم - في الحال - مِنَ الخجلة مقام كلِّ عقوبة، ولهذا قيل:
كفى للمقصِّر الحياءُ يوم اللقاء.
يوسف 12:93
البلاءُ إذا هَجَمَ هَجَمَ مَرَّةً، وإذا زال بالتدريج؛ حلَّ البَلاءُ بيعقوب مرةً واحدةً حيث قالوا: { فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ } ولما زال البلاءُ.. فأولاً وَجَدَ ريحَ يوسفَ عليه السلام، ثم قميص يوسف، ثم يوم الوصول بين يدي يوسف، ثم رؤية يوسف.
ويقال لمَّا كان سببُ البلاءِ والعمى قميصَ يوسف أراد اللَّهُ أن يكونَ به سَبَبُ الخلاص من البلاء.
ويقال علم أن يعقوب عليه السلام - لِمَا يلحقه من فَرْطِ السرور - لا يطيقه عند أخذ القميص فقال: { فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي }.
ويقال القميص لا يصلح إلا للباس إلا قميص الأحباب فإنه لا يصلح إلا لوجدان ريح الأحباب.
ويقال كان العمى في العين فأمر بإلقاء القميص على الوجه ليجدَ الشفاءَ من العمى.
ويقال لمَّا كان البكاء بالعين التي في الوجه كان الشفاء في الإلقاء على العين. التي في الوجه، وفي معناه أنشدوا:وما بات مطوياً على أريحية عُقَيب النَّوى إلا فتىً ظلَّ مغرما
وقوله { وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ }: لما عَلِمَ حزنَ جميعَ الأهلِ عليه أراد أن يشترك في الفرح جميعُ من أصابهم الحزن.
ويقال عَلِمَ يوسفُ أن يعقوبَ لن يطيق على القيام بكفاية أمور يوسف فاستحضَرَه، إبقاءً على حالِه لا إخلالاً لِقَدْرِه وما وَجَبَ عليه من إجلاله.
يوسف 12:94
قوله جلّ ذكره: { وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ }.
ما دام البلاءُ مُقْبِلاً كان أمرُ يوسفَ وحديثُه - على يعقوب - مُشْكِلاً، فلما زالت المحنة بعثرت بكل وجهٍ حاله.
ويقال لم يكن يوسف بعيداً عن يعقوب حين ألقوه في الجُبِّ ولكن اشتبه عليه خَبَرُه وحالُه، فلما زال البلاءُ وَجَدَ ريحَه وبينهما مسافة ثمانين فرسخاً - من مصر إلى كنعان.
ويقال إنما انفرد يعقوبُ عليه السلام بوجدان ريح يوسف لانفرادِه بالأسف عند فقدان يوسف. وإنما يجد ريح يوسف مَنْ وَجَدَ على فراق يوسف؛ فلا يعرف ريحَ الأحبابِ إلا الأحبابُ، وأَمَّا على الأجانب فهذا حديثٌ مُشْكِل.. إذ أنَّى يكون للإنسان ريح!؟.
ويقال لفظ الريح ها هنا توسع، فيقال هبَّتْ رياحُ فلانٍ، ويقال إني لأَجِدُ ريح الفتنة.. وغير ذلك.
قوله جلّ ذكره: { لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ }.
تَفَرَّسَ فيهم أنهم يبسطون لسان الملامة فلم ينجع فيهم قولُه، فزادوا في الملامة فقالوا: -
{ قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ }.
قرنوا كلامهم بالشتم، ولم يحتشموا أباهم، ولم يُراعوا حقَّه في المخاطبة، فوصفوه بالضلال في المحبة.
ويقال إن يعقوب عليه السلام قد تعرَّف من الريح نسيمَ يوسف عليه السلام، وخبر يوسف كثير حتى جاء الإذن للرياح، وهذه سُنَّةُ الأحباب: مساءلة الديار ومخاطبة الأطلال وفي معناه أنشدوا:وإنِّي لأستهدي الرياح نسيمكم إذا هي أقبَلْت نحوكم بهُبُوب
واسألها حَمْلَ السلامِ إليكمُ فإنْ هي يوماً بلَغَتْ فأَجِيبُوا
يوسف 12:95
قوله جلّ ذكره: { وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ }.
ما دام البلاءُ مُقْبِلاً كان أمرُ يوسفَ وحديثُه - على يعقوب - مُشْكِلاً، فلما زالت المحنة بعثرت بكل وجهٍ حاله.
ويقال لم يكن يوسف بعيداً عن يعقوب حين ألقوه في الجُبِّ ولكن اشتبه عليه خَبَرُه وحالُه، فلما زال البلاءُ وَجَدَ ريحَه وبينهما مسافة ثمانين فرسخاً - من مصر إلى كنعان.
ويقال إنما انفرد يعقوبُ عليه السلام بوجدان ريح يوسف لانفرادِه بالأسف عند فقدان يوسف. وإنما يجد ريح يوسف مَنْ وَجَدَ على فراق يوسف؛ فلا يعرف ريحَ الأحبابِ إلا الأحبابُ، وأَمَّا على الأجانب فهذا حديثٌ مُشْكِل.. إذ أنَّى يكون للإنسان ريح!؟.
ويقال لفظ الريح ها هنا توسع، فيقال هبَّتْ رياحُ فلانٍ، ويقال إني لأَجِدُ ريح الفتنة.. وغير ذلك.
قوله جلّ ذكره: { لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ }.
تَفَرَّسَ فيهم أنهم يبسطون لسان الملامة فلم ينجع فيهم قولُه، فزادوا في الملامة فقالوا: -
{ قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ }.
قرنوا كلامهم بالشتم، ولم يحتشموا أباهم، ولم يُراعوا حقَّه في المخاطبة، فوصفوه بالضلال في المحبة.
ويقال إن يعقوب عليه السلام قد تعرَّف من الريح نسيمَ يوسف عليه السلام، وخبر يوسف كثير حتى جاء الإذن للرياح، وهذه سُنَّةُ الأحباب: مساءلة الديار ومخاطبة الأطلال وفي معناه أنشدوا:وإنِّي لأستهدي الرياح نسيمكم إذا هي أقبَلْت نحوكم بهُبُوب
واسألها حَمْلَ السلامِ إليكمُ فإنْ هي يوماً بلَغَتْ فأَجِيبُوا
يوسف 12:96
لو أُلقِيَ قميصُ يوسف على وجه مَنْ في الأرض مِنَ العميان لم يرتد بصرهم، وإنما رجع بصرُ يعقوب بقميص يوسف على الخصوص؛ فإنَّ بَصَرَ يعقوبَ ذهب لفراق يوسف، ولمّا جاءوا بقميصه أَنْطَقَ لسانَه، وأَوْضحَ برهانَه، فقال لهم: { أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } عن حياة يوسف، وفي معناه أنشدوا:وَجْهُك المأمولُ حُجَّتُنا يومَ يأتي النَّاسُ بالحجج
يوسف 12:97
كلُّ إنسانٍ وهمُّه؛ وَقَعَ يعقوبُ ويوسفُ عليهما السلام في السرور والاستبشار، وأَخَذَ إخوةُ يوسف في الاعتذار وطَلَبَ الاستغفار.
ويقال إخوة يوسف - وإنْ سَلَفَتْ منهم الجفوة - كلَّموا أباهم بلسان الانبساط لتقديم شفقةِ الأبوةِ على ما سَبَقَ منهم من الخطيئة.
ويقال يومٌ بيومٍ، اليوم الذي كان يعقوب محزوناً بغيبة يوسف فلا جَرَمَ اليوم كان يعقوب مسروراً بقميص يوسف، وكان الأخوة في الخَجلة مما عملوا بيوسف.
يوسف 12:98
وَعدَهُم الاستغفارَ لأنه لم يَفْرَغْ من استبشاره إلى الاستغفار.
ويقال لم يُجِبْهُم على الوهلة ليدلَّهم على ما قَدَّمُوا من سوء الفَعْلةِ، لأن يوسفَ كان غائباً وقتئذٍ، فوعدهم الاستغفارَ في المستأنف - إذا رضِي عنهم يوسف حيث كان الحقُّ أكثرُه له، لو كان كله ليعقوب لوهبهم على الفور.
يوسف 12:99
اشتركوا في الدخول ولكن تباينوا في الإيواء فانفرد الأَبَوَان به لِبُعْدِهما عن الجفاء، كذلك غداً، إذا وصلوا إلى الغفران يشتركون في وجود الجنان، ولكنهم يتباينون في بساط القربة فيختص به أهل الصفاء دون من اتصف اليوم بالاستواء.
يوسف 12:100
قوله جلّ ذكره: { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً وَقَالَ يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ }.
أوقف كُلاًّ بمحلِّة؛ فَرَفَعَ أبويه على السرير، وتَرَك الإخوةَ نازلين بأماكنهم.
قوله: { وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً }: كان ذلك سجودَ تحيةٍ، فكذلك كانت عادتهم. ودَخَلَ الأَبَوان في السجود - في حقِّ الظاهر- لأنَّ قوله { وَخَرُّواْ } إخبارٌ عن الجميع، ولأنه كان عن رؤياه قد قال:{ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ } [يوسف: 4] وقال ها هنا: { هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً }.
قوله جلّ ذكره: { أَحْسَنَ بَيۤ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ }.
شهد إحسانه فَشَكَرَه.. كذلك مَنْ شهد النعمة شَكَرَ، ومَنْ شهد المُنْعِمَ حمده.
وذَكَرَ حديثَ السجن - دون البئر- لطول مدة السجن وقلة مدة البئر.
وقيل لأن فيه تذكيراً بِجُرْمِ الإخوة وكانوا يخجلون. وقيل لأن { ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ } وقيل لأن كان في البئر مرفوقاً به والمبتدئ يُرفَقُ به وفي السجن فَقَدَ ذلك الرِّفق لقوة حاله؛ فالضعيف مرفوقٌ به والقويُّ مُشَدَّدٌ عليه في الحال، وفي معناه أنشدوا:وأسررتني حتى إذا ماسَبَبْتَني بقولٍ يحل العُصْم سهل الأباطح
تجافيتَ عنِّي حين لا لي حيلة وغادرت ما غادرت بين الجوانح
وفي قوله: { وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ ٱلْبَدْوِ } إشارة إلى أنه كما سُرَّ برؤية أبويه سُرَّ بإخوته - وإنْ كانوا أهل الجفاء، لأنَّ الأُخُوَّةَ سَبَقتْ الجفوة.
قوله: { مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ } أظهر لهم أمرهم بما يشبه العذر، فقال كان الذي جرى منهم من نزعات الشيطان، ثم لم يرض بهذا حتى قال { بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ } يعني إن وَجَدَ الشيطان سبيلاً إليهم، فقد وجد أيضاً إليَّ حيث قال: { بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ }.
ثم نطق عن عين التوحيد فقال: { إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ } فبلطفه عصمهم حتى لم يقتلوني.
يوسف 12:101
قوله جلّ ذكره: { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ }.
في حرف تبعيض؛ لأن المُلك - بالكمال - لله وحده.
ويقال المُلْكُ الذي أشار إليه قسمان: مُلْكُه في الظاهر من حيث الولاية، ومُلْكٌ على نفسه حتى لم يعمل ما همَّ به الزَّلَّة.
ويقال ليس كلُّ مُلْكِ المخلوقين الاستيلاَءَ على الخْلق، إنما المُلْْكُ- على الحقيقة - صفاءُ الخُلُق.
قوله: { وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ }: التأويل للخواص، وتفسير التنزيل للعوام.
قوله جلّ ذكره: { فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ }.
{ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } - هذا ثناء، وقوله: { تَوَفَّنِى } - هذا دعاء.
فَقَدَّمَ الثناء على الدعاء، كذلك صفة أهل الولاء.
ثم قال: { أَنتَ وَلِيِّي فِي ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ } هذا إقرارٌ بِقَطْع الأسرار عن الأغيار.
ويقال معناه: الذي يتولَّى في الدنيا والآخرة بعرفانه أنتَ، فليس لي غيرك في الدارين.
قوله: { تَوَفَّنِى مُسْلِماً }: قيل عَلِمَ أنه ليس بعد الكمال إلا الزوال فَسأَلَ الوفاة.
وقيل من أمارات الاشتياق تمنِّي الموت على بساط العوافي مثل يوسف عليه السلام أُلقِيَ في الجُبِّ فلم يقل توفني مسلماً، وأقيم فيمن يزيد فلم يقل توفني مسلماً، وحُبِسَ في السجن سنين فلم يقل توفني مسلماً، ثم لما تمَّ له المُلْكُ، واستقام الأمر، ولَقِيَ الإخوةَ سُجَّداً، وأَلْفَى أبويه معه على العرش قال:
{ تَوَفَّنِى مُسْلِماً } فعُلِمَ أنه كان يشتاق للقائه (سبحانه).
وسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق - رحمه الله يقول. قال يوسف ليعقوب: عَلِمْتَ أنَّا نلتقي فيما بعد الموت.. فلِمَ بَكيْتَ كلَّ هذا البكاء؟
فقال يعقوب، يا بُنَيّ إنَّ هناك طرُقاً، خِفْتُ أن أسلكَ طريقاً وأنت تسلك طريقاً، فقال يوسف عند ذلك: { تَوَفَّنِى مُسْلِماً }.
ويقال إن يوسف - عليه السلام - لما قال: توفني مسلماً، فلا يبعد من حال يعقوب أن لو قال: يا بني دَعْني أشتفي بلقائك من الذي مُنِيتُ به في طول فراقك، فلا تُسْمِعْني - بهذه السرعة - قولَكَ: توفَّنِي مسلماً.
يوسف 12:102
تبيّن للكافة أن مثل هذا البيان لهذه القصة على لسان رجلٍ أميٍّ لا يكون إلا بتعريف سماويّ.
ويقال كونُ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - أُميَّا في أول أحواله علامةُ شَرَفِه وعلوِّ قدْرِه في آخر أحواله، لأنَّ صِدْقَهُ في أن هذا من قِبَل اللَّهِ إنما عُرِفَ بكونه أميا، ثم أتى بمثل هذه القصة من غير مدارسة كتاب.
يوسف 12:103
أخبر عن سابق علمه بهم، وصادق حُكْمِه حكمته فيهم.
ويقال معناه: أَقَمْتُكَ شاهداً لإرادة إيمانهم، وشِدَّةِ الحِرْصِ على تحقُّقهِم بالدِّين، وإيقانهم. ثم إنِّي أعلم أنهم لا يؤمن أكثرُهم، وأخبرتك بذلك، وفُرِضَ عليكَ تصديقي بذلك، وفرضتُ عليك إرادتي كونَ ما عَلِمْتُ أنه لا يكون من إيمانهم.
يوسف 12:104
هذه سُنَّةُ الله - سبحانه - مع أنبيائه حيث أَمَرَهُم بألا يأخذوا على تبليغ الرسالة عِوَضَاً ولا أجراً، وكذلك أمره للعلماءِ - الذين هم وَرثَةُ الأنبياء عليهم السلام - بأَلاّ يأخذوا مِنَ الخْلقِ عِوَضاً على دعائهم إلى الله. فَمنْ أخذ منهم حَظا من الناس لم يُبَارَكْ للمستمِع فيما يسمع منه؛ فلا له أيضاً بركة فيما يأخذ منهم فتنقطع به.
يوسف 12:105
الآياتُ ظاهرة، والبراهين باهرة، وكلُّ جُزْءٍ من المخلوقات شاهِدٌ على أنَّه واحد، ولكن كما أَنَّ مَنْ أغْمَضَ عينه لم يستمتع بضوء نهاره فكذلك مَن قَصَّرَ في نَظَرِه واعتباره لم يحظَ بعرفانه واستبصاره.
يوسف 12:106
الشّرْكُ الجَليُّ أن يتَّخِذَ من دونه - سبحانه - معبوداً، والشِّرْكُ الخفِيُّ أن يتخذ بقلبه عند حوائجه من دونه - سبحانه - مقصوداً.
ويقال شِرْكُ العارفين أن يتخذوا من دونه مشهوداً، أو يطالعوا سواه موجوداً.
ويقال مِنَ الشِّركِ الخفيِّ الإحالةُ على الأشكال في تجنيس الأحوال، والإخلاد إلى الاختيار والاحتيال عند تزاحم الأشغال.
يوسف 12:107
أَفَأَمِنَ الذي اغتَرَّ بطول الإمهال ألا يُبْتلى بالاستئصال، أَفَأَمِنَ مَنْ اغترَّ بطول السلامة ألا يقوم البلاءُ عليه يومَ القيامة.
ويقال الغاشيةُ حجابٌ من القسوة يحصل في القلب، لا يزول بالتضرع ولا ينقشِع بالتخشع.
ويقال الغاشيةُ من العذاب أن تزولَ من القلب سرعةُ الانقلاب إلى الله تعالى، حتى إذا تمادى صاحب الغفلة استقبله في الطريق ما يوجب قنوطه من زواله، وفي معناه أنشدوا:قلتُ للنَّفْسِ إنْ أردتِ رجوعاً فارجعي قَبْلَ أَنْ يُسَدَّ الطريقُ
يوسف 12:108
" البصيرة ": اليقين الذي لا مِرْيَةَ فيه، والبيان الذي لا شكَّ فيه. البصيرةْ يكون صاحبُها مُلاَطَفاً بالتوفيق جَهْراً، ومكاشَفاً بالتحقيق سِرَّا.
ويقال البصيرة أن تطلع شموسُ العرفانِ؛ فتندرِجُ فيها أنوارُ نجومِ العقل.
قوله: { أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي } أي ذلك سبيلي، وسبيلُ مَنْ اقتدى بهديي فهو أيضاً على بصيرة.
يوسف 12:109
تعجبوا أن يبعثَ اللَّهُ إلى الخْلق بشراً رسولاً، فبيَّن أنه أجرى سُنَّتَه - فيمن تقدَّمَ من الأمم - ألا يكونَ الرسولُ إليهم بَشَراً، فإما أن جحدوا جوازَ بعثةِ الرسولِ أصلاً، أو أنهم استنكروا أن يبعث بشراً رسولاً.
ثم أَمَرهُم بالاستدلال والتفكر والاعتبار والنَّظَر فقال: { أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ... }.
يوسف 12:110
حتى إذا استيأس الرسلُ مِنْ إيمانِ قومهم، وتَيَقَّنُوا أنهم كذبوهم - والظن ها هنا بمعنى اليقين - فعند ذلك جاءهم نصرُنا؛ للرسل بالنجاةِ ولأقوامهم بالهلاك، ولا مَرَدَّ لبأسنا.
ويقال حكم الله بأنه لا يفتح للمريدين شيئاً من الأحوال إلا بعد يأسهم منها، قال تعالى:{ وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ } [الشورى: 28]، فكما أنّه يُنَزِّلُ المَطر بعد اليأسِ فكذلك يفتح الأحوالَ بعد اليأس منها والرضا بالإفلاس عنها.
يوسف 12:111
عِبْرةٌ منها للملوك في بَسْطِ العدل كما بسط يوسفُ عليه السلام، وتأمينهم أحوال الرعية كما فعل يوسف حين أَحسن إليهم، وأعتقهم حين مَلَكَهم.
وعبرة في قصصهم لأرباب التقوى؛ فإن يوسفَ لمَّا ترك هواه رقَّاه الله إلى ما رقَّاه.
وعبرةٌ لأهل الهوى فيما في اتباع الهوى من شدة البلاء، كامرأة العزيز لمَّا تبعت هواها لقيت الضرَّ والفقر.
وعبرةُ للمماليك في حضرة السادة، كيوسف لما حفظ حرمة زليخا مَلَكَ مُلْكَ العزيز، وصارت زليخا امرأته حلالاً.
وعبرةٌ في العفو عند المقدرة، كيوسف عليه السلام حين تجاوز عن إخوته.
وعبرةٌ في ثمرة الصبر، فيعقوب لما صبر على مقاساة حزنه ظفر يوماً بلقاء يوسف عليه السلام.
الرعد 13:1
قوله جلّ ذكره: { الۤمۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ }.
أقسم بما تدل عليه هذه الحروف من أسمائه إِنَّ هذه آيات الكتاب الذي أخبرتُ أَنِّي أُنَزِّلُ عليك.
فالألف تشير إلى اسم " الله " ، واللام تشير إلى اسم " اللطيف " ، والميم تشير إلى " المجيد " ، والراء تشير إلى اسم " الرحيم " قال بسم الله اللطيف المجيد الرحيم إن هذه آياتُ الكتاب الذي أخبرتُ إني أنزله على محمد - صلى الله عليه وسلم. ثم عَطَفَ عليه بالواو قوله تعالى: { وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ } هو حق وصدق، لأنه أنزله على نَبيِّه - صلى الله عليه وسلم.
قوله جلّ ذكره: { وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ }.
أي ولكن الأكثر من الناس من أصناف الكفار لا يؤمنون به، فَهُمْ الأكثرون عدداً، والأقلون قَدْراً وخَطَراً.
الرعد 13:2
قوله جلّ ذكره: { ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ }.
دَلَّ على صفاته وذاته بما أخبر به من آياته، ومن جملتها رفعُ السماواتِ وليس تحتها عمادٌ يَشُدُّها، ولا أوتادٌ تُمْسِكُها. وأخبر في غير هذه المواضع أنه زَيَّنَ السماءَ بكواكبها، وخصَّ الأرض بجوانبها ومناكبها.
و { ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ }: أي احتوى على مُلْكِه احتواءَ قُدْرَةٍ وتدبير. والعرشُ هو المُلْكُ حيث يقال: اندكَّ عرشُ فلان إذا زال مُلْكُه.
قوله جلّ ذكره: { وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى... }.
كلٌّ يجري في فَلَكٍ. ويدلُّ كل جزء من ذلك على أنه فِعلُ في مُلْكِه غير مشترك.
الرعد 13:3
بَسَطَ الأرْضَ ودحاها، والجبالَ أرساها، وفَجَّرَ عيونها، وأجرى أنهارها، وجَنَّسَ بِحارها، ونَوَّعَ من الحيوانات ما جعل البحرَ قرارها، وأنبت أشجارها، وصَنَّفَ أزهارَها وثمارَها، وكوَّر عليها ليلَها ونهارَها.. ذلك تقديرُ العزيز العليم.
الرعد 13:4
فَمِنْ سبخٍ ومن حَجَرٍ ومن رمل.. أنواع مختلفة، وأزواج متفقة. وزروع ونبات وأشجار أشتات، وأصل الكل واحد، فأجزاؤها متماثلة، وأبعاضها متشاكلة، ولكن جعل بعضها غدقاً، وبعضها قشراً، وبعضها غُصْناً، وبعضها جذعاً، وبعضها أزهاراً، وبعضها أوراقاً.. ثم الكلُّ واحد، وإن كان لكلِّ واحدٍ طبعٌ مخصوص وشكلٌ مخصوص، ولون مخصوص وقشر مخصوص مع أنها تُسْقَى بماءٍ واحدٍ؛ إذ يصل إلى كل جزء من الشجر من الماء مقدارُ ما يحتاج إليه، { وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ }.
الرعد 13:5
وإن تعجبْ - يا محمد - لقولهم فهذا موضعٌ يَتَعَجَّبُ منه الخَلْق، فالعَجَبُ لا يجوز في صفة الحقِّ، إذ إن التعجبَ الاستبعادُ والحقُّ لا يَسْتَبْعِدُ شيئاً، وإنما أثبت موضعَ التعجب للخَلْق، وحَسَنٌ ما قالوا: " إنما تعجب من حجب " لأنَّ مَنْ يَنَلْ عيونَ البصيرةِ لا يتعجَّبُ مِنْ شيء.
وقومٌ أطلقوا اللفظ بأن هذا من باب الموافقة أي إنك إن تعجب فهذا عجب موافقتك له.
وإطلاق هذا - وإن كان فيه إشارة إلى حالة لطيفة - لا يجوز، والأدبُ السكوتُ عن أمثال هذا. والقوم عبّروا عن ذلك فقالوا: أعجبُ العجبِ قول ما لا يجوز في وصفه العجب.. وإِنْ تعجَّب.
وقوله تعالى: { أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ }: استبعادُهم النشأةَ الثانيةَ - مع إقرارهم بالخَلْقِ الأولِ وهما في معنًى واحد - موضعُ التعجب، إذ هو صريح في المناقضة، وكان القومُ أَصحابَ تمييز وتحصيل، فقياسٌ مثل هذا يدعو إلى العجب. ولكن لولا أن الله - سبحانه - لَبَّسَ عليهم كما قال:{ فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } [يس: 9] - وإلا ما كان ينبغي أَنْ يخفي عليهم جواز هذا مع وضوحه.
الرعد 13:11
قوله جلّ ذكره: { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ }.
الكناية في: { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ } راجعةٌ إلى العبد، أي أن الله وَكَلَ بكلِّ واحدٍ منهم معقباتٍ وهم الملائكة الذين يعقب بعضهم بعضاً بالليل والنهار يحفظون هذا المكلَّف وذَاكَ من أمر الله، أي من البلاء الذي بقدرة الله. يحفظونهم بأمر الله من أمر الله، وذلك أن الله - سبحانه - وَكَلَ لكلِّ واحدٍ من الخَلقْ ملائكةً يدفعون عنهم البلاَءَ إذا ناموا وغفلوا، أو إذا انتبهوا وقاموا ومشوا... وفي جميع أحوالهم.
قوله جلّ ذكره: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ }.
إذا غيَّروا ما بهم إلى الطاعات غيَّر الله ما بهم منه من الإحسان والنعمة، وإذا كانوا في نعمة فغيَّروا ما بهم من الشكر لله تغيَّر عليهم ما مَنَّ به من الإنعام فيسلبهم ما وهبهم من ذلك، وإذا كانوا في شدة لا يغير ما بهم من البلاء حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أخذوا في التضرع، وأظهروا العجز غيَّر ما بهم من المحنة بالتبديل والتحويل.
ويقال إذا غيَّروا ما بألسنتهم من الذِّكْرِ غيَّر الله ما بقلوبهم من الحظوظ فأبدلهم به النسيانَ والغفلة، فإذا كان العبد في بسطةٍ وتقريب، وكشفٍ بالقلب وترقب.. فاللَّهُ لا يُغَيِّر ما بأنفسهم بترك أدبٍ، أو إخلال بحقٍ، أو إلمام بذنبٍ.
ويقال لا يَكُفُّ ما أتَاحه للعبد من النعمة الظاهرة أو الباطنة حتى يتركَ ويُغَيِّر ما هو به من الشكر والحمد. فإذا قابل النعمة بالكفران، وأبدل حضور القلب بالنسيان وما يُطيح به من العصيان.. أبدل اللَّهُ تعالى ما به من النعمة بالحرمان والخذلان، وسَلَبَه ما كان يعطيه من الإحسان.
ويقال إذا توالت المحنُ وأراد العبدُ زوالَها فلا يصل إليه النَّفْضُ منها إلاَّ بأَنْ يغير ما هو به؛ فيأخذ في السؤال بعد السكوت، وفي إظهار الجَزَع بعد السكون، فإذا أخذ في التضرع غيَّر ما به من الصبر.
قوله: { وَإِذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ }: يقال إذا أراد اللَّهِ بقومٍ بلاءً وفتنة فما تعلَّقَتْ به المشيئة لا محالة يجري.
ويقال إذا أراد الله بقوم سوءاً (...) أعينهم حتى يعملوا ويختاروا ما فيه بلاؤهم، فهم يمشون إلى هلاكهم بأقدامهم، ويسعون - في الحقيقة - في دَمِهِم كما قال قائلهم:إلى حَتْفِي مَشَى قدمي إذا قَدَمِي أراق دمي
الرعد 13:12
كما يريهم البرقَ - في الظاهر - فيكونون بين خوفٍ وطمعٍ؛ خوفٍ من إحباس المطر وطمع في مجيئه. أو خوفٍ للمسافر من ضرر مجيء المطر، وطمعٍ للمقيم في نفعه.. كذلك يُرِيهم البرقَ في أسرارهم بما يبدو فيها من اللوائح ثم اللوامع ثم كالبرق في الصفاء، وهذه أنوار المحاضرة ثم أنوار المكاشفة.
{ خَوْفاً }: من أن ينقطع ولا يبقى، { وَطَمَعاً }: في أن يدومَ فيه نقلُ صاحبِه من المحاضرة إلى المكاشفة، ثم من المكاشفة إلى المشاهدة، ثم إلى الوجود ثم دوام الوجود ثم إلى كمال الخمود.
ويقال: { يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ }: من حيث البرهان، ثم يزيد فيصير كأقمار البيان، ثم يصير إلى نهار العرفان. فإذا طلعت شموسُ التوحيدِ فلا خفاءَ بعدها ولا استتار ولا غروب لتلك الشموس،كما قيل:هي الشمسُ إلا أَنَّ للشمس غيبةً وهذا الذي نَعْنيه ليس يغيب
ويقال تبدو لهم أنوار الوصال فيخافون أن تجنَّ عليهم ليالي الفرقة، فَقَلَّمَا تخلو فرحةُ الوصال من أن تعقبها موجة الفراق، كما قيل:أي يومٍ سررتني بوصالٍ لم تَدَعْني ثلاثةً بصدود؟!
قوله جلّ ذكره: { وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ }.
إذا انتاب السحابةَ في السماء ظلامٌ في وقتٍ فإنه يعقبه بعد ذلك ضحكُ الرياض، فَمَا لَمْ تَبْكِ السماءُ لا يضحكُ الروضُ، كما قيل:ومأتمٌ فيه السماءُ تبكي والأرضُ من تحتها عَرُوسُ
كذلك تنشأ في القلب سحابة الطلب، فيحصل للقلب ترددُ الخاطر، ثم يلوح وجهُ الحقيقة، فتضحكُ الروح لفنونِ راحاتِ الأُنْس وصنوفِ ازهارِ القُرْب.
الرعد 13:13
قوله جلّ ذكره: { وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ }.
أي الملائكة أيضاً تسبح من خوفه تعالى.
قوله جلّ ذكره: { وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ }.
قد يكون في القلب حنين وأنين، وزفير وشهيق. والملائكة إذا حصل لهم على قلوب المريدين - خصوصاً - اطلاعٌ يبكون دَمَاً لأَجْلهم، لا سيّما إذا وقعت لواحدٍ منهم فترةٌ، والفترةُ في هذه الطريقة الصواعقُ التي يصيب بها من يشاء، وكما قيل:ما كان ما أَوْلَيْتَ مِن وَصْلنا إلا سراجاً لاح ثم انْطَفا
الرعد 13:14
قوله جلّ وذكره: { لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ }.
دواعي الحق تصير لائحةً في القلوب من حيث البرهان فمن استمع إليها بسمع الفهم، استجاب لبيان العلم. وفي مقابلتها دواعي الشيطان التي تهتف بالعبد بتزيين المعاصي، فمن أصغى إليها بسمع الغفلة استجاب لصوت الغَيّ، ومعها دواعي النّفْس وهي قائدةٌ للعبد بزمام الحظوظ، فمن رَكَنَ إليها ولاحَظَها وقع في هوانِ الحِجاب.
ودواعي الحقِّ تكون بلا واسطة مَلَكٍ، ولا بدلالة عقل، ولا بإشارة علم، فمن أسمعه الحقُّ ذلك استجاب لا محالَة لله بالله.
قوله جلّ ذكره: { وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ }.
هواجس النَّفسِ ودواعيها تدعو - في الطريقة - إلى الشّركِ، وذلك بشهود شيءٍ منكَ، وحسبان أمرٍ لَكَ، وتعريجٍ في أوطان الفرْق، والعَمَى عن حقائق الجَمْع.
الرعد 13:15
المؤمن يسجد لله طوعاً، وإذا نزل به ضر ألجأه إلى أَنْ يتواضع ويسجد، وذلك معنى سجوده كرهاً - وهذا قول أهل التفسير. والكافر يسجد طائعاً مختاراً، ولكن لمَّا كان سجودُه لطلبِ كَشْفِ الضُّرِّ قال تعالى: (إنه يسجد كرهاً) على مقتضى هذا كلُّ مَنْ يَسْجُدُ لابتغاءِ عِوَضٍ أو لكشفِ محنة.
ويقال السجودُ على قسمين: ساجدٌ بِنَفْسِه وساجدٌ بقلبه؛ فسجودُ النَّفْسِ معهود، وسجودُ القلب من حيث الوجود.. وفَرْقٌ بين من يكون بنفسه، وواجد بقلبه.
ويقال الكلُّ يسجدون لله؛ إِمَّا من حيث الأفعال بالاختيار، أو من حيث الأحوال بنعت الافتقار والاستبشار: سجودٌ من حيث الدلالة على الوحدانية؛ فكلُّ جزءٍ من عين أو أثر فَعَلَى الوحدانية شاهدٌ، وعلى هذا المعنى للَّهِ ساجدٌ. وسجود من حيث الشهادة على قدرة الصانع واستحقاقه لصفات الجلال.
الرعد 13:16
قوله جلّ ذكره: { قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً }.
سَلْهُمْ - يا محمد - مَنْ موجِدُ السماوات والأرض ومُقَدِّرُها، ومُخْتَرعُ ما يحدث فيها ومدبِّرها؟ فإِنْ أَسْكَتَهُمْ عن الجواب ما استكَنَّ في قلوبهم مِنَ الجهلِ فقُلْ الله منشيها ومجريها.
ثم قال: { أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ }: يعني الأصنام، وهي جمادات لا تملك لنفسها نَفْعَاً ولاَ ضَرَّاً، ويلتحق في المعنى بها كلُّ مَنْ هو موسومٌ برقم الحدوثِ، فَمَنْ علَّقَ قلبَه بالحدثان ساوَى - مِنْ وجهٍ - مَنْ عَبَدَ الأصنام، قال تعالى:{ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } [يوسف: 106].
قوله جلّ ذكره: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ وَٱلنُّورُ }.
الأعمى مَنْ على بصيرته غشاوة وحجبة، والبصيرُ مَنْ كَحَّلَ الحقُّ بصيرة سِرِّه بنور التوحيد.. لا يستويان!
ثم هل تستوي ظلماتُ الشِّرك وأنوارُ التوحيد؟ ومن جملة النور الخروجُ إلى ضياء شهود التقدير.
قوله جلّ ذكره: { أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ }.
أي لو كان له شريك لَوَجَبَ أن يكون له نِدٌّ مُضاهٍ, وفي جميع الأحكام له موازٍ, ولم يُجْدِ حينئذٍ التمييزُ بين فِعْلَيْهِما.
وكذلك لو كان له ندٌّ.. فإنَّ إثباتَهما شيئين اثنين يوجِب اشتراكَهما في استحقاق كل وصف، وأن يكون أحدهما كصاحبه أيضاً مستحقاً له، وهذا يؤدي إلى ألا يُعْرَفَ المَحَلُّ... وذلك محال.
قوله جلّ ذكره: { قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ }.
و { كُلِّ شَيْءٍ } تدخل فيه المخلوقات بصفاتها وأفعالها، والمخاطِبُ لا يدخل في الخطاب.
{ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ }: الذي لا خَلَفَ عنه ولا بَدَل، الواحد الذي في فضله منزه عن فضل كل أحد، فهو الكافي لكلِّ أحد، ويستعين به كل أحد.
و { ٱلْقَهَّارُ }: الذي لا يجري بخلاف حُكْمِه - في مُلْكِه - نَفَسٌ.
الرعد 13:17
هذه الآية تشتمل على أمثالٍ ضربها اللَّهُ لتشبيه القرآنِِ المُنَزَّلِ بالماءِ المُنَزَّلِ من السماء، وشبَّه القلوب بالأودية، وشبَّه وساوسَ الشيطان وهواجسَ النَّفْس بالزَّبِّدِ الذي يعلو الماء، وشبَّه الخُلُق بالجواهر الصافية من الخَبَثِ كالذهب والفضة والنحاس وغيرها. وشبَّه الباطلَ بِخَبَثِ هذه الجواهر. وكما أن الأودية مختلفة في صغرها وكبرها وأن بقدرها تحتمل الماء في القلة والكثرة - كذلك القلوبُ تختلف في الاحتمال على حسب الضعف والقوة. وكما أَن السيلَ إذا حَصَلَ في الوادي يُطَهِّرُ الوادي فكذلك القرآن إذا حصل حِفْظُه في القلوب نَفَى الوساوسَ والهوى في الوادي عنها، وكما أَنَّ الماءَ قد يصحبه ما يكدره، يخلص بعضه مما يشوبه - فكذلك الإيمان وفَهُمْ القرآن في قلوب المؤمنين حين تخلص من نَزَغَاتِ الشيطان ومن الخواطر الرَّدِيَّة، فالقلوب بين صافٍ وكَدِرٍ.
وكما أنَّ الجواهَر التي تتخذ منها الأواني إذا أذيبت خَلَصَتْ من الخَبَثِ كذلك الحق يتميز من الباطل، ويبقى الحقُّ ويضمحل الباطل.
ويقال إن الأنوار إذا تلألأت في القلوب نَفَت آثار الكلفة، ونور اليقين ينفي ظلمة الشك، والعلم ينفي تهمة الجهل، ونور المعرفة ينفي أثر النكرة، ونور المشاهدة ينفي آثار البشرية، وأنوار الجمع تنفي آثار التفرقة. وعند أنوار الحقائق تتلاشى آثار الحظوظ، وأنوارُ طلوعِ الشمس من حيث العرفان تنفي سَدَفَةَ الليل من حيث حسبان أثر الأغيار.
ثم الجواهر التي تتخذ منها الأواني مختلفة فَمِنْ إناءٍ يتخذ من الذهب وآخر من الرصاص، إلى غيره، كذلك القلوب تختلف، وفي الخبر: " إن لله تعالى أوانيَ وهي القلوب " ؛ فزاهد قاصدٌ ومحب واجِدٌ، وعابدٌ خائفٌ ومُوحِّدٌ عارفٌ، ومتعبِّدٌ متعفِّفٌ ومتهجِّدٌ متصوف، وأنشدوا:ألوانُها شتَّى الفنونِ وإنما تُسْقى بماءٍ واحدٍ من مَنْهَلِ
الرعد 13:18
{ ٱلْحُسْنَىٰ }: الوعد بقبول استجابتهم، وذلك مِنْ أََجَلِّ الأشياءِ عندهم؛ فلا شيء أعزُّ على المحبِّ مِنْ قبولِ محبوبه منه شيئاً.
أما الذين لم يستجيبوا له فلو أَنّ لهم جميع ما في الأرض وأنفقوه عَمْداً لا يُقْبَلُ منهم، ولهم سوءُ الحساب، وهو المناقشة في الحساب، ثم مأواهم جهنم ودوام العذاب.
الرعد 13:19
استفهام في معنى النفي، أي لا يستوي البصير والضرير، ولا المقبول بالمردود بالحجبة، ولا المُؤَمَّل بالتقريب بالمُعَرَّض للتعذيب، ولا الذي أقصيناه عن شهودنا بالذي هديناه بوجودنا. إنما يتَّعِظُ مَنْ عقله له تشريف، دونَ مَنْ عقله له سببُ إقصاءً وتعنيف.
الرعد 13:20
الوفاء بالعهد باستدامة العرفان، والوفاء بشرط الإحسان، والتوقيِّ من ارتكاب العصيان - بذلك أُبْرِمَ العقدُ يوم الميثاق والضمان.
وميثاقُ قومٍ ألا يعبدوا شيئاً سواه، وميثاق قومٍ ألا يسألوا سواه.
الرعد 13:21
الذين يَصِلون الإيمان به بالإيمان بالأنبياء والرسل.
ويقال الذين يصلون أنفاسَهم بعضاً ببعض؛ فلا يتخلَّلُها نَفَسٌ لغير الله، ولا بغير الله، ولا في شهود غير الله.
ويقال يَصِلُون سَيْرَهم بِسُرَاهم في إقامة العبودية، والتبرِّي من الحول والقوة.
وقوله: { وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ }: الخشية لجامٌ يُوقفُ المؤمنَ عن الرَّكْضِ في ميادين الهوى، وزِمامٌ يَجُرُّ إلى استدامة حكم التُّقَى.
وقوله: { وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ } هو أن يبدو من الله ما لم يكونوا يحتسبون.
الرعد 13:22
قوله جلّ ذكره: { وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ }.
الصبر يختلف باختلاف الأغراض التي لأَجْلِها يصبر الصابر، فالعُبَّاد يصبرون لخوف العقوبة، والزهاد يصبرون طمعاً في المثوبة، وأصحاب الإرادة هم الذين صبروا ابتغاء وجهِ ربهم؛ وشرطُ هذا النوع من الصبر رَفْضُ ما يمنع من الوصول، واستدامةُ التوقي منه، فيدخل فيه ترك الشهوات، والتجردُ عن جميع الشواغل والعلاقات، فيصبر عن العِلَّةِ والزَّلةِ، وعن كل شيءٍ يشغل عن الله.
ومما يجب عليه الصبر الوقوفُ على حكم تَعزُّزٍ الحق، فإنَّه - سبحانه - يتفضّلُ على الكافة من المجتهدين، ويتعزز - خصوصاً - على المريدين، فيمنحهم الصبر في أيام إرادتهم، فإذا صَدَقُوا في صبرهم جَادَ عليهم بتحقيق ما طلبوا.
قوله جلّ ذكره: { وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً }.
الأغنياء ينفقون أموالَهم. والعُبَّاد ينفقون نفوسَهم ويتحملون صنوف الاجتهاد، ويصبرون على أداء الفرائض والأوراد. والمريدون ينفقون قلوبهم فيسرعون إلى أداء الفرائض والأوراد ويصبرون إلى أن يبوحَ علم من الإقبال عليهم. وأمَّا المحبون فينفقون أرواحَهم.. وهي كما قيل:ألستَ لي خَلَفاً؟ كفى شَرَفَاً فما وراءَكَ لي قَصْدٌ ومطلوبُ
قوله جلّ ذكره: { وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ }.
يعاشرون الناس بِحُسْنِ الخُلُق؛ فيبدأون بالإنصاف ولا يطلبون الانتصاف، وإِنْ عَامَلَهم أحدٌ بالجفاء قابلوه بالوفاء، وإِنْ أذنب إليهم قومٌ اعتذروا عنهم، وإن مرضوا عادوهم.
الرعد 13:23
يتم النعمة عليهم بأن يجمع بينهم وبين مَن يُحبون صحبتهم مِنْ أقاربهم وأزواجهم، وقد ورد في الخبر: " المرءُ مع مَنْ أَحَب " فَمَنْ كان محبوبُه أمثالَه وأقاربَه حُشِرَ معهم، ومَنْ كان اليومَ بقلبه مع الله، فهو غداً مع الله، وفي الخبر: " أنا جليسُ مَنْ ذكرني " وهذا في العاجل، وأمَّا في الآجل، ففي الخبر: " الفقراء الصابرون جُلَسَاءُ الله يومَ القيامةِ ".
الرعد 13:24
يتم النعمة عليهم بأن يجمع بينهم وبين مَن يُحبون صحبتهم مِنْ أقاربهم وأزواجهم، وقد ورد في الخبر: " المرءُ مع مَنْ أَحَب " فَمَنْ كان محبوبُه أمثالَه وأقاربَه حُشِرَ معهم، ومَنْ كان اليومَ بقلبه مع الله، فهو غداً مع الله، وفي الخبر: " أنا جليسُ مَنْ ذكرني " وهذا في العاجل، وأمَّا في الآجل، ففي الخبر: " الفقراء الصابرون جُلَسَاءُ الله يومَ القيامةِ ".
الرعد 13:25
مَنْ كفر بعد إيمانه نَقَضَ عهدَ الإسلام في الظاهر، ومن رجع إلى أحكام العادة بعد سلوكه طريق الإرادة، فقد نقض عَهْدَه في السَّرَّاء...فهذا مُرْتَدٌّ جهراً، وهذا مرتَدٌّ سِرَّاً، والمرتد جهراً عقوبته قطعُ رأسِه، والمرتد سِرَّاً عقوبته قَطْعُ سِرِّه.
وقوله: { وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ } ، هو نقض قوله:{ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ } [الرعد: 21].
ويقال نقض العهد هو الاستعانة بالأغيار، وتَرْكُ الاكتفاء بالله الجبّار.
ويقال نَقْضُ العهد الرجوع إلى الاختيار والتدبير بعد شهودِ الأقدار، وملاحظة التقدير.
ويقال نقض العهد بِتَرْكِ نَفْسِه، ثم يعود إلى ما قال بتركه.
الرعد 13:26
قوله جلّ ذكره: { ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ }.
يبسط الرزق للأغنياء ويُطَالِبُهم بالشكر؛ ويُضَيِّقُ على الفقراء ويطالبهم بالصبر. وَعَدَ الزيادةَ للشاكرين، ووعد المَعِيَّة للصابرين. للأغنياء الأموال بمزيدها، وللفقراء التجرد في الدارين عن طريفها وتليدها.
قوله جلّ ذكره: { وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ }.
فَرِحَ الأغنياءُ بزكاء أموالهم، وفَرِحَ الفقراء بصفاء أحوالهم.
{ وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ } قليلٌ بالإضافة إلى ما وعدهم الله، فأموالُ الأغنياء - وإنْ كَثُرَت - قليلةٌ بالإضافة إلى ما وعَدَهم من وجود أفضاله، وأحوال الفقراء - وإنْ صَفَتْ - قليلة بالإضافة إلى ما وعدهم من شهود جماله وجلاله.
الرعد 13:27
{ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ }: وهم الذين لم يشهدوا ما أعطى نبينا - صلى الله عليه وسلم - من الشواهد والبرهان حتى (...) الزيادة.
{ يَهْدِي مَن يَشَآءُ } [النور: 46]: وهم الذين أبصروا بعيون أسرارهم ما خُصَّ به من الأنوار فسكنوا بنور استبصارهم.
الرعد 13:28
قومٌ اطمأنت قلوبُهم بذكرهم الله، وفي الذكر وَجَدُوا سَلْوَتَهم، وبالذكر وصلوا إلى صفوتهم. وقومٌ اطمأنت قلوبُهم بذكر الله فَذَكَرَهُمْ الله - سبحانه - بلطفه، وأَثْبَت الطمأنينةَ في قلوبهم على وجه التخصيص لهم.
ويقال إذا ذكروا أَنَّ الله ذَكَرَهم استروحت قلوبُهم، واستبشرت أرواحُهم، واستأنست أسرارُهم، قال تعالى: { أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ } لِمَا نالت بِذِكْرِهِ من الحياة، وإذا كان العبدُ لا يطمئن قلبُه بذكر الله، فذلك لِخَلَلٍ في قلبه، فليس قلبه بين القلوب الصحيحة.
الرعد 13:29
طابت أوقاتُهم وطابت نفوسُهم.
ويقال طوبى لمن قال له الحقُّ: طوبى.
طوبى لهم في الحال، وحُسْنُ المآب في المآل.
الرعد 13:30
لئن أرسلناك بالنبوة إليهم فلقد أرسلنا قبلك كثيراً من الرسل، ولئن أصابك منهم بلاءٌ فلقد أصاب مَنْ قَبْلَكَ كثيرٌ من البلاء، فاصْبِرْ كما صَبَرُوا تُؤْجَرْ كما أُجِرُوا.
قوله جلّ ذكره: { وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ }.
لئن كفروا بنا فآمِنْ أنت، وإذا آمنتَ فلا تبالِ بِمَنْ جَحَد، فإِنَّك أنت المقصودُ من البَرِيَّة، والمخصوصُ بالرسالة والمحبة.
لو كان يجوز في وصفنا أن يكون لنا غرضٌ في أفعالنا.
ولو كان الغرض في الخِلْقَة فأنت سيد البَشَر، وأنت المخصوص من بين البشرية بحسن الإقبال، فهذا مخلوق يقول في مخلوق:وكنتُ أَخَّرْتُ أوطاري لوقت فكان الوقت وقتك والسلام
وكنت أطالِبُ الدنيا بِحُبِّ فكنتَ الحُبَّ.. وانقطع الكلام
الرعد 13:31
قوله جلّ ذكره: { وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً }.
لو كان شيء من المخلوقات يظهر يغيرنا في الإيجاد لكان يحصل بهذا القرآن، ولكن المنشئ الله، والخير والشر جملةً من الله، والأمر كله لله. فإذا لم يكن شيء من الحدثان بالقرآن - والقرآن كلام الله العزيز - فلا تكون ذرة من النفي والإثبات لمخلوق.. فإن ذلك محال.
قوله جلّ ذكره: { أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً }.
معناه أفلم يعلم الذين آمنوا، ويقال أفلم ييأسوا من إيمانهم وقد علموا أنه من يهديه الحق فهو المهتدي؟
قوله جلّ ذكره: { وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ }.
يعني شؤمُ كُفْرِهم لا يزال واصلاً إليهم، ومقتصُّ فعلهم لاحِقٌ بهم أبداً.
الرعد 13:32
أنزل هذه الآية على جهة التسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما كان يلاقيه منهم. وكما أن هؤلاء في التكذيب جَرَوْا على نهجهم فنحن أَدَمْنَا سُنَّتَنَا في التعذيب معهم.
الرعد 13:33
قوله جلّ ذكره: { أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ }.
الجواب فيه مضمر؛ أي أفمن هو مُجْرِي ومنشئ الخَلْقِ والمُطَّلِعُ عليهم، لا يَخْفَى عليه منهم شيءٌ كَمَنْ ليس كذلك؟ لا يستويان غداً أبداً.
قوله جلّ ذكره: { وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ }.
قُل لهم أروني أي تأثير منهم، وأي نفع لكم فيهم، وأي ضرر لكم منهم؟ أتقولون ما يعلم الله بخلافه؟ وهذا معنى قوله: { بِمَا لاَ يَعْلَمُ }.
قوله جلّ ذكره: { بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ }.
أي قد تبين لكم أن ذلك من كيد الشيطان، وزين للذين كفروا مكرهم، وصاروا مصدودين عن الحق، مسدودة عليهم الطُّرُقُ، فإنَّ مَنْ أَضَلَّه حُكْمُه - سبحانه - لا يهديه أحدٌ قطعاً.
الرعد 13:35
المَثَلُ أي الصفة، فصفة الجنة التي وعد المتقون هي أنها جنة تجري من تحتها الأنهار، وأُكُلُها دائم وظلها دائم، أي أن اللذاتِ فيها متصلةٌ. وإنما لهم جنات معجلة ومؤجلة، فالمؤجَّلَةُ ما ذكره الله - سبحانه - في نص القرآن، والمعجلة جنة الوقت.. والدرجات - من حيث البسط - فيها متصلة، ونفحاتُ الأُنْسِ لأربابها لا مقطوعة ولا ممنوعة.
الرعد 13:36
قوله جلّ ذكره: { وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ }.
يريد بهم مؤمني أهل الكتاب الذين كانوا يفرحون بما ينزل من القرآن لصدق يقينهم.
قوله جلّ ذكره: { وَمِنَ ٱلأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ }.
أي الأحزاب الذين قالوا كان محمد يدعو إلى إله واحد، فالآن هو ذا يدعو إلى إلهين لمَّا نزل:{ قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ } [الإسراء: 110].
قوله جلّ ذكره: { قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلاۤ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ }.
قل يا محمد: { قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ }. والعبوديةُ المبادرة إلى ما أُمِرْتُ به، والمحاذرة مما زجُرْتُ عنه، ثم التبرِّي عن الحَوْل والمُنَّة، والاعتراف بالطوْل والمِنَّة.
وأصل العبودية القيام بالوظائف، ثم الاستقامة عند رَوْح اللطائف.
الرعد 13:37
أي حُكْماً ببيان العرب؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى أرسل الرسلَ في كلِّ وقتٍ كُلاً بلسان قومه ليهتدوا إليه.
ويقال مِنْ صفات العرب الشجاعة والسخاء ومراعاة الذِّمام, وهذه الأشياء مندوبٌ إليها في الشريعة.
{ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوآءَهُم }: أي ولئن وافقتهم، ولم تعتصم بالله، ووَقَعَتْ على قلبك حشمةٌ من غير الله - فَمَا لَكَ من واقٍ من الله.
الرعد 13:38
قوله جلّ ذكره: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ }.
أي أرسلنا رسلاً من قبلك إلى قومهم، فلم يكونوا إِلا من جنسك، وكما لكم أزواج وذرية كانت لهم أزواج وذرية، ولم يكن ذلك قادحاً في صحة رسالتهم، ولا تلك العلاقات كانت شاغلة لهم.
ويقال إن من اشتغل بالله فكثرة العيال وتراكم الأشغال لا تؤثر في حاله؛ ولا يضره ذلك.
قوله جلّ ذكره: { لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ }.
أي لكل شيء أجل مثبت في كتاب الله وهو المحفوظ، وله وقت قُسِمَ له، وأنه لا اطلاعَ لأحدٍ على علمه، ولا اعتراضَ لأحدٍ على حُكْمه.
الرعد 13:39
المشيئة لا تتعلق بالحدوث، والمحو والإثبات متصلان بالحدوث.
فصفات ذات الحق - سبحانه - من كلامه وعلمه، وقوْلِه وحُكْمِه لا تدخل تحت المحو والإثبات، وإنما يكون المحو والإثبات من صفات فعله؛ المحوُ يرجع إلى العَدَم، والإثباتُ إلى الإحداثِ، فهو يمحو من قلوب الزُّهاد حُبَّ الدنيا ويُثْبِتُ بَدَلَه الزهدَ فيها، كما في خبر حارثَةَ: " عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي حَجَرُها وذهَبُها ".
ويمحو عن قلوب العارفين الحظوظَ، ويُثْبِتُ بدلها حقوقَه تعالى، ويمحو عن قلوب المُوحِّدين شهودَ غير الحق ويثبت بَدَلَه شهود الحق، ويمحو آثار البشرية ويثبت أنوار شهود الأحدية.
ويقال يمحو العارفين عن شواهدهم، ويثبتهم بشاهد الحق.
ويقال يمحو العبد عن أوصافه ويثبته بالحقِّ فيكون محواً عن الخْلق مثبتاً بالحق للحق.
ويقال يمحو العبد فلا يجري عليه حكم التدبير، ويكون محواً بحسب جريان أحكام التقدير، ويثبت سلطانَ التصديق والتقليب بإدخال ما لا يكون فيه اختيار عليه على ما يشاء.
ويقال يمحو عن قلوب الأجانب ذِكْرَ الحق, ويثبت بَدَلَه غلبات الغفلةِ وهواجِمَ النسيان.
ويقال يمحو عن قلوب أهل الفترة ما كان يلوح فيها من لوامع الإرادة، ويثبت بدلها الرجوعَ إلى ما خرجوا عنه من أحكام العادة.
ويقال يمحو أوضارَ الزَّلَّة عن نفوس العاصين، وآثار العصيان عن ديوان المذنبين (ويثبت) يدل ذلك لَوْعَةَ النَّدم، وإنكسار الحَسْرَةِ، والخمودَ عن متابعة الشهوة.
ويقال يمحو عن ذنوبهم السيئةَ، ويثبت بدلها الحسنة، قال تعالى:{ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ } [الفرقان: 70].
ويقال يمحو الله نضارةَ الشباب ويثبت ضعفَ المشيب.
ويقال يمحو عن قلوب الراغبين في مودة أهل الدنيا ما كان يحملهم على إيثار صحبتهم، ويثبت بدلاً منه الزهد في صحبتهم والاشتغال بعِشْرَتِهِم.
ويقال يمحو الله ما يشاء من أيام صَفَتْ من الغيب، وليالٍ كانت مُضاءةً بالزلفة والقربة ويثبت بدلاً منه ذلك أياماً في أشدُّ ظلاماً من الليالي الحنادس، وزمانا يجعل سَعَةَ الدنيا عليهم محابِس.
ويقال يمحو العارفين بكشف جلاله، ويثبتهم في وقت آخر بلطف جماله.
ويقال يمحوهم إذا تجلَّى لهم، ويثبتهم إذا تعزَّز عليهم.
ويقال يمحوهم إذا ردّهم إلى أسباب التفرقة لأنهم يبصرون بنعت الافتقار والانكسار، ويثبتهم إذا تجلَّى لقلوبهم فيبصرون بنعت الاستبشار، ويشهدون بحكم الافتخار.
قوله جلّ ذكره { وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ }.
قيل اللوح المحفوظ الذي أثبت فيه ما سبق به عِلْمُه وحُكْمُه مما لا تبديلَ ولا تغييرَ فيه.
ويقال إنه إشارة إلى علمه الشامل لكل معلوم.
الرعد 13:40
نفي عنه الاستعجال أمراً، و (....) في قلوبهم أنه يوشك أن يجعل الموعود جهراً.
الرعد 13:41
في التفاسير: بموت العَلماء، وفي كلام أهل المعرفة بموت الأولياء، الذين إذا أصاب الناسَ بلاءٌ ومحنةٌ فزعوا إليهم فيدعون الله ليكشف البلاَءَ عنهم.
ويقال هو ذهاب أهل المعرفة حتى إذا جاء مسترشِدٌ في طريق الله لم يجد مَنْ يهديه إلى الله.
ويقال: في كل زمان لسانٌ ينطق عن الحقِّ سبحانه, فإذا وَقَعَتْ فترةٌ سكنَ ذلك اللسانُ - وهذا هو النقصان في الأطراف الذي تشير إليه الآية, وأنشد بعضهم:طوى العصران ما نشراه مني وأبلى جدتي نشرٌ وطيُّ
أراني كلَّ يومٍ في انتقاصٍ ولا يبقى مع النقصان شيءُ
ويقال ينقصها مِنْ أطرافها أي بفتح المدائن وأطراف ديار الكفار، وانتشار الإسلام، قال تعالى:{ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ } [الفتح: 28].
ويقال ينقصها من أطرافها بخرابِ البلدان، قال تعالى:{ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } [القصص: 88] وقال:{ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } [الرحمن: 26] فموعودُ الحقِّ خرابُ العَالَمِ وفناءُ أهلِه، ووعدُه حقٌّ لأن كلامَه صِدْقٌ، واللَّهُ يحكم لا مُعَقِّبَ لِحُكمِه، ولا ناقِضَ لما أبرمه، ولا مُبْرِمَ لِمَا نَقَضَه، ولا قابل لِمَنْ رَدَّه، ولا رادَّ لِمَنْ قَبِلَه ولا مُعِزَّ لِمَنْ أهانه، ولا مُذِلَّ لمن أعَزَّه.
{ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } [الرعد:41]: لأن ما هو آتٍ فقريب.
ويقال { سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } [الرعد: 41] في الدنيا؛ لأَنَّ الأولياءَ إذا ألموا بشيءٍ، أو هَمُّوا لمزجورٍ عُوتِبُوا في الوقت، وطولِبوا بِحُسْنِ الرُّجعي.
الرعد 13:42
مكرُهم إظهارُ الموافقة مع إسرارهم الكُفْرَ، ومكرُ الله بهم تَوَهُّمُهُم أنهم مُحْسِنون في أعمالهم، وحسبانهم أنهم سَنأْمَنُ أحوالُهم، وظَنُّهم أنه لا يحيق بهم مكرُهم، وتخليتُه إياهم - مع مَكِرهم - مِنْ أَعْظَم مَكْرِه بهم.
الرعد 13:43
وَبالَ تكذيبهِم عائدُ إليهم، فإنَّ اللَّهَ شهيدٌ لَكَ بِصَدْقِك. { وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ } هو الله سبحانه وتعالى عنده عِلْمُ جميع المؤمنين. فالمعنى كفى بالله شهيداً فعنده علم الكتاب وكفى بالمؤمنين شهيداً؛ إذ المؤمنون يعلمون ذلك.
إبراهيم 14:1
أقسم بهذه الحروف: إنَّه لَكِتَابٌ أُنْزِل إليك لتُخرِجَ الناسَ به من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومِنْ ظُلماتِ الشَّكِّ إلى نور اليقين، ومن ظلمات التدبير إلى فضاء شهود التقدير، ومن ظلمات الابتداع إلى نور الاتباع، ومن ظلمات دَعَاوَى النَّفْسِ إلى نورِ معارفِ القلب، ومن ظلمات التفرقة إلى نور الجَمْعِ - بإذن ربهم - وبإرادته ومشيئته، وسابقِ حُكْمِه وقضائه إلى صراط رحمته، وهو نهج التوحيد وشواهد التفريد.
إبراهيم 14:2
عرَّف الخَلْقَ أَنَّ اللَّهَ هو الذي له ما في السماوات وما في الأَرض.
فَمَنْ عَرَف فله المآب الحميد، ومَنْ جَحَدَ فله العذاب الشديد؛ وذلك العذاب هو جَهْلُه بأنه - سبحانه - مَنْ هو.
إبراهيم 14:3
ثم ذكر ذميمَ أخلاقِهم، فقال: هُمُ الذين يُؤْثِرُونَ اليسيرَ مِنْ حُطَامِ الدنيا على الخطير من نِعَم الآخرة، وذلك من شدة جُحْدِهم، ويبغون للدِّين عِوَجاً بكثرة جَمْعِهم، أولئك لهم في الدنيا الفراق وهو أشد عقوبة، وفي الآخرة الاحتراق وهو أجلٌّ محنة ومصيبة.
إبراهيم 14:4
إنما كان كذلك ليكون آكَدَ في إلزام الحجة: وأَنَّى ينفع ذلك إذا لم يُوَفَّقُوا لِسُلُوكِ المحجَّةِ؟ فأهلُ الهدايةِ فازوا بالعنايةِ السابقة، وأصحابُ الغواية وقعوا في ذُلِّ العداوة: فلا اعتراضَ عليه فيما يصنع، ولا يُسأَلُ عما يفعل أو لم يفعل.
إبراهيم 14:5
أَخْرجْ قومَك بدعوتك من ظلمات شكهم إلى نور اليقين، ومنْ إشكالِ الجهل إلى رَوْحِ العِلْم. وذَكِّرْهُم بأيام الله؛ ما سلف لهم من وقت الميثاق، وما رفع عنهم من البلاء في سابق أحوالهم.
ويقال ذكِّرْهُم بأيام الله وهي ما سبق لأرواحهم من الصفوة وتعريف التوحيد قبل حلولها في الأشباح:سقياً لها ولطيبها ولحسنها وبهائها
أيـام لـم (......... )
ويقال ذكِّرْهم بأيام الله وهي التي كان العبدُ فيها في كتم العدم، والحق يتولَّى عباده قبل أن يكون لِلعَبادِ فِعْلٌ؛ فلا جُهْدَ للسابقين، ولا عناءَ ولا تَرْكَ للمقتصدين، ولا وقع من الظالم لنفسه ظلم.
إذ كان متعلق العلم متناول القدرة، والحكم على الإرادة.. ولم يكن للعبد اختيار في تلك الأيام.
قوله: { إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ }.
{ صَبَّارٍ }: راضٍ بحكمه واقف عند كون لذيذ العيش يَسُرُّه.
{ شَكُورٍ }: محجوبٌ بشهود النِّعم عن استغراقه في ظهور حقه...هذا واقفٌ مع صبره وهذا واقف مع شكره، وكلٌّ مُلْزَمٌ بحده وقَدْرِه: والله غالب على أمره، مقدَّسٌ في نَفْسِه مُتعزَّزٌ بجلال قُدْسِه.
إبراهيم 14:6
تَذَكُّرُ ما سَلَفَ من النِّعَم يوجِبُ تجديد ما سَبقَ من المحبة، وفي الخبر:
" جُبِلَتْ القلوبُ على حُبِّ مَنْ أحسن إليها " فالحقُّ أَمَرَ موسى عليه السلام بتذكير قومه ما سبق إليهم من فنون إنعامه، ولطائف إكرامه... وفي بعض الكتب المنزلة على الأنبياء - عليهم السلام -: " عبدي، أنا لَكَ مُحِبُّ فبحقي عليكَ كنُ لي محباً ".
إبراهيم 14:7
إن شكرتم لأزيدنكم من إنعامي وإِكرامي، وإن كفرتم بإحساني لأعذبنكم اليوم بامتحاني، وغداً بفراقي وهجراني.
لئن عرفتم وصالي لأزيدنكم من وجود نوالي إلى شهود جمالي وجلالي.
ويقال لئن شكرتم وجوده توفيق العبادة لأزيدنكم بتحقيق الإرادة.
ويقال لئن شكرتم شهود المَكَافِي لأزيدنكم بشهود أوصافي.
ويقال لئن شكرتم صنوف إنعامي لأزيدنكم بشهود إكْرَامِي ثم إلى شهود إِقْدَامي.
ويقال لئن شكرتم مختص نعمائي لأزيدنكم مُنْتَظرَ آلائي.
ويقال لئن شكرتم مخصوصَ نِعَمي لأزيدنكم مأمول كَرَمِي.
ويقال لئن شكرتم ما خَوَّلناكُم من عطائي لأزيدنكم ما وعدناكم من لقائي.
ويقال لئن شكرتم ما لَوَّحْتُ في سرائركم زِدْناكُم ما أَلْبسْنَا من العصمة لظواهركم.
ويقال لئن كفرتم نِعْمَتِي بأَنْ توهمتم استحقاقَها لَجَرَّعْنَاكم ما تَسْتَمِرُّون مذاقها.
إبراهيم 14:8
إن اجتمعتم أنتم ومن عَاضَدَكُم، وكل من غاب عنكم وحضركم، والذين يقتفون أثركم - على أن تكفروا بالله جميعاً، وأخذتم كل يوم شركاء قطيعاً - ما أوجهتم لِعزِّنا شَيْنا، كما لو شكرتم ما جعلتم بِمُلْكِنا زَيْنا. والحقُّ بنعوته ووصف جبروته عَلِيٌّ وعن العالَمِ بأَسْرِه غنيٌّ.
إبراهيم 14:9
استفهام في معنى التقرير. أخبره أنه لما جاءتهم الرسلُ قابلوهم بالكنود. وعاملوهم بالجحود وردوا أيديهم في أفواههم، وحَذَوْا سبيل أمثالهم في الكفر، وبنوا على الشك والريبة قواعدَهم، وأسسوا على الشِّرْكِ والغَيِّ مذاهبهم.
إبراهيم 14:10
قوله جلّ ذكره: { قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي ٱللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىۤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى }.
استفهام والمراد منه توبيخ ونفي. سبحانه لا يتحرك نَفَسٌ إلا بتصريفه.
وكيف يبصر جلالَ قَدْرِهِ إلا من كَحَّله بنور بِرِّه؟
ثم قال: { يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ }: ليس العجب ممن تكلف لسيده المشاق وتحمل ما لا يطاق، وأَلاَّ يهربَ من خدمةٍ أو يجنحَ إلى راحة.. إنما العَجَبُ من سيدٍ عزيزٍ كريمٍ يدعو عَبْدَه ليغفرَ له وقد أخطأ، ويعاملَه بالإحسان وقد جفا.
والذي لا يَكُفُّ عن العناد، ولا يؤثر رضاءَ سيده على راحة نفسه لا يُحْمَلُ هذا إلا على قِسمةٍ بالشقاء سابقة.. وإن أحكام الله بردِّه صادقة. ثم أخبر أنهم قالوا لِرُسُلُهِم:
قوله جلّ ذكره: { قَالُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ }.
نظروا إلى الرسل من ظواهرهم، ولم يعرفوا سرائرهم، ومالوا إلى تقليد أسلافهم، وأصروا على ما اعتادوه من شقاقهم وخلافهم.
إبراهيم 14:11
قالت لهم الرسلُ ما نحن إلا أمثالكم، والفرق بيننا أنه - سبحانه - مَنَّ علينا بتعريفه، واسْتخلَصنا بما أَفْرَدَنا به من تشريفه. والذي اقترحتم علينا من ظهور الآيات فليس لنا إلى الإتْيَانِ به سبيلٌ إلاَّ أن يُظْهِرَه الله علينا إذا شاء بما شاء - وهو عليه قدير.
إبراهيم 14:12
{ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ }: وقد رقَّانا من حدِّ التكليف بالبرهان إلى وجود روح البيان بكثرة ما أفاض علينا من جميل الإحسان، فكفانا من مهان الشان. { وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ }: وقد حقَّق لنا ما سبق به الضمان من وجود الإحسان، وكفاية ما أظلَّنا من الامتنان. { وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ } ولم نخرج إلى التقاضي على الله فيما وعدنا الله.
قوله: { وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ آذَيْتُمُونَا }: والصبر على البلاَءِ يهون إذا كان على رؤية المُبْلِي، وفي معناه أنشدوا:يستقدمون بلاياهم كأنهمُ لا ييأسون من الدنيا إذا قبلوا
إبراهيم 14:13
قوله جلّ ذكره: { وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ }.
لما عجز الأعداءُ عن معارضة الأنبياء عليهم السلام في الإتيان بمثل آياتهم أخذوا في الجفاء معهم بأنواع الإنذار، والتهديد بفنون البلاء من الإخراج عن الأوطان، والتشريد في البلدان, وبسط الله على قلوبهم بوعد نصره ولقائه ما أظلَّهم من الأمر، ومَكَّن لهم من مساكن أعدائهم بما قَوَّى قلوبهم على الصبرعلى مقاساة بلائهم فقال: { لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ } ، وقال:
{ وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ }.
{ وَخَافَ وَعِيدِ }: أي خاف مقامه في محل الحساب غداً فأناب إلى نفسه على وجه التخصيص.
ويقال خاف مقامي أي هاب إطلاعي عليه، فالأول تذكير المحاسبة في الآجل، والثاني تحقيق المراقبة في العاجل.
إبراهيم 14:14
قوله جلّ ذكره: { وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ }.
لما عجز الأعداءُ عن معارضة الأنبياء عليهم السلام في الإتيان بمثل آياتهم أخذوا في الجفاء معهم بأنواع الإنذار، والتهديد بفنون البلاء من الإخراج عن الأوطان، والتشريد في البلدان, وبسط الله على قلوبهم بوعد نصره ولقائه ما أظلَّهم من الأمر، ومَكَّن لهم من مساكن أعدائهم بما قَوَّى قلوبهم على الصبرعلى مقاساة بلائهم فقال: { لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ } ، وقال:
{ وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ }.
{ وَخَافَ وَعِيدِ }: أي خاف مقامه في محل الحساب غداً فأناب إلى نفسه على وجه التخصيص.
ويقال خاف مقامي أي هاب إطلاعي عليه، فالأول تذكير المحاسبة في الآجل، والثاني تحقيق المراقبة في العاجل.
إبراهيم 14:15
الاستفتاح طلب الفتح، والفتح القضاء، واستعجلوا حلول القضاء مثل قولهم:{ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } [الأنفال: 32] وغيره فلما نزل بهم البلاء، وتحقق لهم الأمر لم ينفعهم تضرعهم وبكاؤهم، ولم تُقْبَلْ منهم صدقتُهم وفداؤهم، وندموا حين لا ندامة، وجزعوا بعدما عَدِموا السلامة.
ويقال: { وَٱسْتَفْتَحُواْ }: بغير الرسل، ولما وجد الرسل إصرارَ قومهم سألوا النصرة عليهم من الله كقول نوح - عليه السلام:{ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً } [نوح: 26]، وقول موسى عليه السلام:{ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } [يوسف: 88] فأجابهم الله بإهلاكهم.
ويقال إذا اشتد البلاءُ وصَدَقَ الدعاءُ قَرُبَ النَّجاء.
إبراهيم 14:16
قوله جلّ ذكره: { مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ }.
لفظ " وراء " يقع على ما بين يديه وعلى ما خَلْف، والوراء ما توارى عليك أي استتر؛ يريد الكافر يأتيه العذاب فيما بين يديه من الزمان، وعلى ما خَلْفَه؛ أي لأجل ما سلف من الماضي من قبيح أفعاله، ويُسْقَى من النار ما يشربه جرعة بعد جرعة، فلصعوبته ومرارته لا يشربه مرةً واحدةً.
قوله جلّ ذكره: { وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ }.
يرى العذابَ - من شدته - في كل عضو، وفي كل وقت، وفي كل مكان. وليس ذلك الموت؛ لأنَّ أهلَ النار لا يموتون، ولكنه في الشدة كالموت. ثم { وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ }: وهو الخلود في النار، وهذا جزاء مَنْ اغترَّ بأيامٍ قلائل ساعدته المشيئةُ فيها، وانخدع فلم يشرع بما يليها.
إبراهيم 14:17
قوله جلّ ذكره: { مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ }.
لفظ " وراء " يقع على ما بين يديه وعلى ما خَلْف، والوراء ما توارى عليك أي استتر؛ يريد الكافر يأتيه العذاب فيما بين يديه من الزمان، وعلى ما خَلْفَه؛ أي لأجل ما سلف من الماضي من قبيح أفعاله، ويُسْقَى من النار ما يشربه جرعة بعد جرعة، فلصعوبته ومرارته لا يشربه مرةً واحدةً.
قوله جلّ ذكره: { وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ }.
يرى العذابَ - من شدته - في كل عضو، وفي كل وقت، وفي كل مكان. وليس ذلك الموت؛ لأنَّ أهلَ النار لا يموتون، ولكنه في الشدة كالموت. ثم { وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ }: وهو الخلود في النار، وهذا جزاء مَنْ اغترَّ بأيامٍ قلائل ساعدته المشيئةُ فيها، وانخدع فلم يشرع بما يليها.
إبراهيم 14:18
أي وفيما يُتْلَى عليكَ - يا محمد - مَثَلٌ لأعمال الكفار في تلاشيها، وكيف أنه لا يُقبَلُ شيءٌ منها كَرَمَادٍ في يومٍ عاصف، فإنه لا يَبْقَى منه شيء - كذلك أعمالُهم. ومَنْ كان كذلك فقد خاب في الدارين، وحلَّ عليه الويل.
إبراهيم 14:19
خَلَقَ السماواتِ والأرض بالحُكْم الحق، أي له ذلك بحقِّ ملكه، وخلقهما بقوله الحق؛ فجعل كلَّ جزءٍ منهما على وحدانيته دليلاً، ولِمَنْ أراد الوصول إلى ربِّه سبيلاً.
ثم قال: إِنْ يَشَأْ يذهبكم بالإفناء، ويأتِ بِخَلْقٍ جديدٍ في الإنشاء، وليس ذلك عليه بعزيز... وأنَّى ذلك وهو على كل شيء قدير؟!.
إبراهيم 14:21
قوله جلّ ذكره: { وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ... }.
لم يكونوا عن الحقِّ - سبحانه - متسترين حتى يظهروا له، ولكن معناه صارت معارفهم ضرورية فحصلوا في مواطن لم يكن لغير الله فيها حكم، فصاروا كأنهم ظهروا لله. فقال الضعفاء للذين استكبروا: { إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا } توهماً أن يرفعوا عنهم شيئاً من العناء، فأجابهم المتكبرون: إنَّا جميعاً في العذاب مشتركون، ولو أمكننا أَنْ ترفعَ عنكم من العذاب، وقدرنا على أن نهديَكُم إلى طريق النجاة لنجيناكم مما شكوتم، وأجبناكم إلى ما سألتم، ولكنكم لستم اليوم لنا بمصرخين، ولا نحن لكم بمغيثين، ولا لما تدعونا إليه بمستجيبين...
فلا تلومونا ولوموا أنفسكم، ولات حين ملام! إنما ينفع لومُ النَّفْس فيما تتعاطاه من الإساءة في زمان المُهْلَةِ وأوقات التكليف؛ فإنَّ أبوابَ التوبةِ مفتوحة، ولكن لمن لم ينزع روحَه.
إبراهيم 14:23
ذلك الذي مضى ذِكْرُ صفةُ الكفار والأعداء. وأمَّا المؤمنون والأولياء، فقال: { وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } والإيمان هو التصديق، { وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ } تحقيق التصديق. ويدخل في جملة الأعمال الصالحة ما قلَّ أو كَثُرَ من وجوه الخيرات حتى القَذَر تميطه عن الطريق.
و { تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ } - وكذلك قال تعالى:{ لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ } [الأنعام: 127]، فالوصفُ العام والتحيةُ لهم من الله السلامُ.
ويقال إن أحوالهم متفاوتة في الرتبة؛ فقومُ سَلِمُوا من الاحتراق ثم من الفراق ثم من العذاب ثم من الحجاب.
إبراهيم 14:24
هذا مثل ضربه الله للإيمان والمعرفة به سبحانه، فشبهه بشجرة طيبة، وأصل تلك الشجرة ثابت في الأرض وفروعها باسقة وثمراتها وافية. تؤتى أكلها كل وقت، وينتفع بها أهلُها كل حين.
وأصل تلك الشجرة المعرفة، والإيمان مُصَحَّحاً بالأدلة والبراهين. وفروعها الأعمال الصالحة التي هي الفرائض ومجانبة المعاصي.
والواجب صيانة الشجرة مما يَضُرُّ بها مثل كشف القِشْر وقَطْع العِرْق وإملاق الغصن وما جرى مجراه.
وأوراق تلك الشجرة القيام بآداب العبودية، وأزهارها الأخلاق الجميلة، وثمارها حلاوة الطاعة ولذة الخدمة.
وكما أن الثمار تختلف في الطّعم والطبع والرائحة والصورة.. كذلك ثمرات الطاعات ومعاني الأشياء التي يجدها العبدُ في قلبه تختلف من حلاوة الطاعة وهي صفة العابدين، والبسط الذي يجده العبدُ في وقته وهو صفة العارفين، وراحةٍ في الضمير وهو صفة المريدين، وأُنْسٍِ يناله في سِرِّه وهو صفة المحبين. وقلقٍ واهتياجٍ يجدهما ولا يعرف سببهما، ولا يجد سبيلاً إلا سكونه وهو صفة المشتاقين... إلى ما لا يفي بشرحه نطقٌ، ولا يستوفيه تكلُّفُ قَوْلٍ. وذكرٍ من لوائح ولوامع، وطوارق وشوارق، كما قيل:طوارق أنوار تلوح إذا بدت فتُظْهِرُ كتمانا وتُخْبِرُ عن جمع
ثم إن ثمراتِ الأشجار في السنة مرة، وثمرات هذه الشجرة في كل لحظة كذا كذا مرة. وكما قال الله تعالى في ثواب الجنة:{ لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ } [الواقعة: 33] كذا لطائف هذه الشجرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وقلوب أهل الحقائق عنها لا مصروفة، ولا محجوبة، وهي في كل وقت ونَفَسٍ تبدو لهم غيرَ محجوبة.
وثمرات الشجرة أشرف الثمار، وأنوارها ألطف وأظرف الأنوار، وإشارات أهل هذه القصة وألفاظهم في مراتبهم ومعانيهم كالرياحين والثَّوْر.
ويقال الكلمة الطيبة هي الشهادة بالإلهية، وللرسول - صلى الله عليه وسلم - بالنبوة، وإنما تكون طيبة إذا صدرت عن سرِّ مخلص.
والشجرة الطيبة المعرفة، وأصلها ثابت في أرضِ غير سبخةٍ، والأرض السبخة قلب الكافر والمنافق، فالإيمان لا ينبت في قلبيهما كما أن الشجرة في الأرض السبخة لا تنبت. ثم لا بدَّ للشجرة من الماء، وماء هذه الشجرة دوام العناية، وإنما تُورِقُ بالكفاية، وتَتَوَرَّدُ بالهداية.
ويقال ماءُ هذه الشجرة ماءُ الندمِ والحياءِ والتلهفِ والحسرةِ والأمانة والخشوع وإسبال الدموع.
ويقال ثمرات هذه الشجرة مختلفة بحسب اختلاف أحوالهم؛ فمنها التوكل والتفويض والتسليم، والمحبة والشوق والرضا، والأحوال الصافية الوافية، والأخلاق العالية الزكية.
ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة هي كلمة الكفر، وخبثُها ما صحبها من نجاسة الشِّرك، فَخُبْث الكلمة لصدورها عن قلبٍ هو مُسْتَقَرُّ الشِّرْكِ ومنبعه.
والشجرة الخبيثة هي الشِّرْكُ اجتُثَّ من فوق الأرض؛ لأن الكفر متناقض متضاد، ليس له أصل صحيح، ولا برهان موجب، ولا دليل كاشف، ولا علة مقتضية، وإنما شُبَهٌ وأباطيل وضلال، تقتضي وساوسَ وتسويلاتٍ ما لها من قرار، لأنها حاصلة من شُبَهٍ واهية وأصول فاسدة.
إبراهيم 14:25
هذا مثل ضربه الله للإيمان والمعرفة به سبحانه، فشبهه بشجرة طيبة، وأصل تلك الشجرة ثابت في الأرض وفروعها باسقة وثمراتها وافية. تؤتى أكلها كل وقت، وينتفع بها أهلُها كل حين.
وأصل تلك الشجرة المعرفة، والإيمان مُصَحَّحاً بالأدلة والبراهين. وفروعها الأعمال الصالحة التي هي الفرائض ومجانبة المعاصي.
والواجب صيانة الشجرة مما يَضُرُّ بها مثل كشف القِشْر وقَطْع العِرْق وإملاق الغصن وما جرى مجراه.
وأوراق تلك الشجرة القيام بآداب العبودية، وأزهارها الأخلاق الجميلة، وثمارها حلاوة الطاعة ولذة الخدمة.
وكما أن الثمار تختلف في الطّعم والطبع والرائحة والصورة.. كذلك ثمرات الطاعات ومعاني الأشياء التي يجدها العبدُ في قلبه تختلف من حلاوة الطاعة وهي صفة العابدين، والبسط الذي يجده العبدُ في وقته وهو صفة العارفين، وراحةٍ في الضمير وهو صفة المريدين، وأُنْسٍِ يناله في سِرِّه وهو صفة المحبين. وقلقٍ واهتياجٍ يجدهما ولا يعرف سببهما، ولا يجد سبيلاً إلا سكونه وهو صفة المشتاقين... إلى ما لا يفي بشرحه نطقٌ، ولا يستوفيه تكلُّفُ قَوْلٍ. وذكرٍ من لوائح ولوامع، وطوارق وشوارق، كما قيل:طوارق أنوار تلوح إذا بدت فتُظْهِرُ كتمانا وتُخْبِرُ عن جمع
ثم إن ثمراتِ الأشجار في السنة مرة، وثمرات هذه الشجرة في كل لحظة كذا كذا مرة. وكما قال الله تعالى في ثواب الجنة:{ لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ } [الواقعة: 33] كذا لطائف هذه الشجرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وقلوب أهل الحقائق عنها لا مصروفة، ولا محجوبة، وهي في كل وقت ونَفَسٍ تبدو لهم غيرَ محجوبة.
وثمرات الشجرة أشرف الثمار، وأنوارها ألطف وأظرف الأنوار، وإشارات أهل هذه القصة وألفاظهم في مراتبهم ومعانيهم كالرياحين والثَّوْر.
ويقال الكلمة الطيبة هي الشهادة بالإلهية، وللرسول - صلى الله عليه وسلم - بالنبوة، وإنما تكون طيبة إذا صدرت عن سرِّ مخلص.
والشجرة الطيبة المعرفة، وأصلها ثابت في أرضِ غير سبخةٍ، والأرض السبخة قلب الكافر والمنافق، فالإيمان لا ينبت في قلبيهما كما أن الشجرة في الأرض السبخة لا تنبت. ثم لا بدَّ للشجرة من الماء، وماء هذه الشجرة دوام العناية، وإنما تُورِقُ بالكفاية، وتَتَوَرَّدُ بالهداية.
ويقال ماءُ هذه الشجرة ماءُ الندمِ والحياءِ والتلهفِ والحسرةِ والأمانة والخشوع وإسبال الدموع.
ويقال ثمرات هذه الشجرة مختلفة بحسب اختلاف أحوالهم؛ فمنها التوكل والتفويض والتسليم، والمحبة والشوق والرضا، والأحوال الصافية الوافية، والأخلاق العالية الزكية.
ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة هي كلمة الكفر، وخبثُها ما صحبها من نجاسة الشِّرك، فَخُبْث الكلمة لصدورها عن قلبٍ هو مُسْتَقَرُّ الشِّرْكِ ومنبعه.
والشجرة الخبيثة هي الشِّرْكُ اجتُثَّ من فوق الأرض؛ لأن الكفر متناقض متضاد، ليس له أصل صحيح، ولا برهان موجب، ولا دليل كاشف، ولا علة مقتضية، وإنما شُبَهٌ وأباطيل وضلال، تقتضي وساوسَ وتسويلاتٍ ما لها من قرار، لأنها حاصلة من شُبَهٍ واهية وأصول فاسدة.
إبراهيم 14:26
هذا مثل ضربه الله للإيمان والمعرفة به سبحانه، فشبهه بشجرة طيبة، وأصل تلك الشجرة ثابت في الأرض وفروعها باسقة وثمراتها وافية. تؤتى أكلها كل وقت، وينتفع بها أهلُها كل حين.
وأصل تلك الشجرة المعرفة، والإيمان مُصَحَّحاً بالأدلة والبراهين. وفروعها الأعمال الصالحة التي هي الفرائض ومجانبة المعاصي.
والواجب صيانة الشجرة مما يَضُرُّ بها مثل كشف القِشْر وقَطْع العِرْق وإملاق الغصن وما جرى مجراه.
وأوراق تلك الشجرة القيام بآداب العبودية، وأزهارها الأخلاق الجميلة، وثمارها حلاوة الطاعة ولذة الخدمة.
وكما أن الثمار تختلف في الطّعم والطبع والرائحة والصورة.. كذلك ثمرات الطاعات ومعاني الأشياء التي يجدها العبدُ في قلبه تختلف من حلاوة الطاعة وهي صفة العابدين، والبسط الذي يجده العبدُ في وقته وهو صفة العارفين، وراحةٍ في الضمير وهو صفة المريدين، وأُنْسٍِ يناله في سِرِّه وهو صفة المحبين. وقلقٍ واهتياجٍ يجدهما ولا يعرف سببهما، ولا يجد سبيلاً إلا سكونه وهو صفة المشتاقين... إلى ما لا يفي بشرحه نطقٌ، ولا يستوفيه تكلُّفُ قَوْلٍ. وذكرٍ من لوائح ولوامع، وطوارق وشوارق، كما قيل:طوارق أنوار تلوح إذا بدت فتُظْهِرُ كتمانا وتُخْبِرُ عن جمع
ثم إن ثمراتِ الأشجار في السنة مرة، وثمرات هذه الشجرة في كل لحظة كذا كذا مرة. وكما قال الله تعالى في ثواب الجنة:{ لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ } [الواقعة: 33] كذا لطائف هذه الشجرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وقلوب أهل الحقائق عنها لا مصروفة، ولا محجوبة، وهي في كل وقت ونَفَسٍ تبدو لهم غيرَ محجوبة.
وثمرات الشجرة أشرف الثمار، وأنوارها ألطف وأظرف الأنوار، وإشارات أهل هذه القصة وألفاظهم في مراتبهم ومعانيهم كالرياحين والثَّوْر.
ويقال الكلمة الطيبة هي الشهادة بالإلهية، وللرسول - صلى الله عليه وسلم - بالنبوة، وإنما تكون طيبة إذا صدرت عن سرِّ مخلص.
والشجرة الطيبة المعرفة، وأصلها ثابت في أرضِ غير سبخةٍ، والأرض السبخة قلب الكافر والمنافق، فالإيمان لا ينبت في قلبيهما كما أن الشجرة في الأرض السبخة لا تنبت. ثم لا بدَّ للشجرة من الماء، وماء هذه الشجرة دوام العناية، وإنما تُورِقُ بالكفاية، وتَتَوَرَّدُ بالهداية.
ويقال ماءُ هذه الشجرة ماءُ الندمِ والحياءِ والتلهفِ والحسرةِ والأمانة والخشوع وإسبال الدموع.
ويقال ثمرات هذه الشجرة مختلفة بحسب اختلاف أحوالهم؛ فمنها التوكل والتفويض والتسليم، والمحبة والشوق والرضا، والأحوال الصافية الوافية، والأخلاق العالية الزكية.
ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة هي كلمة الكفر، وخبثُها ما صحبها من نجاسة الشِّرك، فَخُبْث الكلمة لصدورها عن قلبٍ هو مُسْتَقَرُّ الشِّرْكِ ومنبعه.
والشجرة الخبيثة هي الشِّرْكُ اجتُثَّ من فوق الأرض؛ لأن الكفر متناقض متضاد، ليس له أصل صحيح، ولا برهان موجب، ولا دليل كاشف، ولا علة مقتضية، وإنما شُبَهٌ وأباطيل وضلال، تقتضي وساوسَ وتسويلاتٍ ما لها من قرار، لأنها حاصلة من شُبَهٍ واهية وأصول فاسدة.
إبراهيم 14:27
بالقول الثابت وهو البقاء على الاستقامة، وترك العِوَج.
ويقال القول الثابت هو الشهادة الضرورية عن صفاء العقيدة وخلوص السريرة.
ويقال القول الثابت هو بنطق القلوب لا بذكر اللسان.
ويقال القول الثابت هو قول الله العزيز القديم الذي لا يجوز عليه الفناء والبطول فهو بالثبوت أَوْلَى من قول العبد؛ لأن قولَ العبد أَثَرٌ، والآثار لا يجوز عليها الثبوت والبقاء وإنما يكون باقياً حُكْماً ثباتُ العبد لقول الله؛ وهو حكمه بالإيمان وأخباره أنه مؤمن وتسميته بالإيمان. وقول الله لا يزول؛ ففي الدنيا يثبتُه حتى لا بِدْعَةَ تعتريه، وفي الآخرة يثبتُه برسله من الملائكة، وفي القيام يثبتُه عند السؤال والمحاسبة وفي الجنة يثبتُه لأنه لا يزول حمد العبد لله، ومعرفته به، وإذا تنوعت عليه الخواطر ورفع إليه - سبحانه - دعاءَه ثَبَّتَه حتى لا يحيد عن النهج المستقيم والدين القويم.
ويقال إذا دَعَتْه الوساوسُ إلى متابعةِ الشيطان، وصيَّرتْه الهواجسُ إلى موافقة النَّفْس فالحق يثبته على موافقة رضاه.
ويقال إذا دَعَتْه دواعي المحبة من كل جنس كمحبة الدنيا، أو محبة الأولاد والأقارب والأموال والأحباب أعانه الحقُّ على اختيار النجاة منها، فيترك الجميع، ولا يتَحسَّسُ إلا دواعيَ الحقِّ - سبحانه كما قيل:إذا ما دَعَتْنا حاجةٌ كي تردَّنا أبيْنا وقلنا: مطلبُ الحقِّ أَوَّلا
إبراهيم 14:28
وضعوا الكفران محل الشكر، فاستعملوا النعمة للكفر، بدلاً من استعمالها فيما كان ينبغي لها من الشكر. واستعمال النعمة في المعصية من هذه الجملة، فأعضاءُ العبد كلها نِعَمٌ من الله على العبد، فإذا استعمل العاصي بَدَنَه في الزَّلة بدلاً من أن يستعملها في الطاعة فقد بَدَلَّ النعمة كفراً، وكذلك إذا أودع الغفلَة قلبَه مكانَ المعرفة، والعلاقَة فيه مكان الانقطاع إليه، وعلَّقَ قلبه بالأغيار بَدَلَ الثقة به، ولَطَّخَ لسانَه بذكر المخلوقين ومَدْحِهِم بَدَلَ ذكرِ الله واشتغل بغير الله دون العناء في ذكره... كلُّ هذا تبديلُ نِعَمِ الله كفراً. وإذا كان العبدُ منقطعاً إلى الله، مكفياً من قِبَلِ الله... وَجَدَ في فراغه مع الله راحةً عن الخَلْق، ومن إقباله عليه - سبحانه - كفاية، فإذا رجع إلى أسباب التفرقة، ووقع في بحار الاشتغال ومعاملة الخلْق ومدحهم وذمهم فقد أحلَّ قومه دار البوار؛ على معنى إيقاعه قلبَه ونَفْسَه وجوارحَه في المذلة من الخَلْق، والمضرة في الحال، وشأنه كما قيل:ولم أَرَ قَبْلي مَنْ يُفَارِقُ جَنَّةً ويقرع بالتطفيل بابَ جهنمِ
إبراهيم 14:29
وهي الجحيم المُعجَّل... وعذابُها بها الفُرْقَة لا الحُرْقَة.
إبراهيم 14:30
رضوا بأن يكون معمولُهم معبودَهم، ومنحوتُهم مقصودَهم، فضلُّوا عن نَهْجِ الاستقامة، ونأوا عن مقر الكرامة وسيلقون غِبَّ ما صنعوا يوم القيامة كما قيل:قد تركناكَ والذي تريد فعسى أن تَمَلَّهُم فتعودا
قل تمتعوا أياماً قليلة فأيامُ السرور قِصارٌ، ومُتَعُ الغفلة سريعة الانقضاء.
إبراهيم 14:31
جعل الله راحةَ العبدِ - اليومَ - بكمالها في الصلاة؛ فإنَّها محلُّ المناجاة، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: " أَرِحْنا يا بلال بالصلاة " والصلاة استفتاح باب الرزق، قال تعالى:{ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً } [طه: 132].
وفي الصلاة يبث العبد أسرارَه مع الحق؛ فإذا كان لقاءُ الإخوان - كما قالوا - مَسْلاَةً لهم كيف بمناجاتك مع الله، ونشر قصتك بين يديه؟ كما قيل:قُلْ لي بألسنة التَنَفُّسِ كيف أنت وكيف حالك؟
{ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ }: أمرهم بإنفاق اللسان على ذكره، وإنفاق البَدَنِ على طاعته، والوقتَ على شكره، والقلبَ على عرفانه، والروح على حبه، والسِّرَّ على مشاهدته.. ولا يكلِّف الله نَفْسَاً إلا ما آتاها، وإنما يطالبك بأن تحضر إلى الباب، وتقف على البساط بالشاهد الذي آتاك.. يقول العبد المسكين: لو كان لي نَفْسٌ أطوع من هذه لأَتَيْتُ بها، ولو كان لي قلبٌ أشذُّ وفاءً من هذا لَجُدْتُ به، وكذلك بروحي وسِرِّي، وقيل:يفديك بالروح صَبٌّ لو أنَّ له أعز من روحه شيئاً فداك به
{ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ }: وفي هذا المعنى أنشدوا:قلتُ للنَّفس إنْ أردتِ رجوعاً فارجعي قبل أن يُسدَّ الطريق
إبراهيم 14:32
في الظاهر رفعَ السماءَ فأعلاها، والأرض من تحتها دحاها، وخلقَ فيها بحاراً، وأجرى أنهاراً، وأنبت أشجاراً، وأثبت لها أنوار وأزهاراً، وأمطر من السماء ماء مدراراً. وأخرج من الثمرات أصنافاً، ونوَّع لها أوصافاً، وأفرد لكلِّ منها طعماً مخصوصاً، ولإدراكه وقتاً معلوماً.
وأمَّا في الباطن فسماءُ القلوب زَيَّنَها بمصابيح العقول، وأطلع فيها شمس التوحيد، وقمر العرفان. ومَرج في القلوب بحري الخوف والرجاء، وجعل بينهما برزخاً لا يبغيان؛ فلا الخوف يقلب الرجاء ولا الرجاء يقلب الخوف، كما جاز في الخبر: " لو وزنا لاعتدلا " - هذا لعوام المؤمنين، فأمَّا للخواص فالقبض والبسط، ولخاص الخاص فالهيبة والأُنس والبقاء والفناء.
وسَخَّر لهم الفُلْكَ في هذه البحار ليعبروها بالسلامة، وهي فلك التوفيق والعصمة، وسفينة الأنوار والحفظ، وكذلك ليالي الطلب للمريدين، وليالي الطرب لأهل الأُنْس من المحبين، وليالي الحرب للتائبين، وكذلك نهار العارفين باستغنائهم عن سراج العلم عند متوع نهار اليقين.
إبراهيم 14:33
في الظاهر رفعَ السماءَ فأعلاها، والأرض من تحتها دحاها، وخلقَ فيها بحاراً، وأجرى أنهاراً، وأنبت أشجاراً، وأثبت لها أنوار وأزهاراً، وأمطر من السماء ماء مدراراً. وأخرج من الثمرات أصنافاً، ونوَّع لها أوصافاً، وأفرد لكلِّ منها طعماً مخصوصاً، ولإدراكه وقتاً معلوماً.
وأمَّا في الباطن فسماءُ القلوب زَيَّنَها بمصابيح العقول، وأطلع فيها شمس التوحيد، وقمر العرفان. ومَرج في القلوب بحري الخوف والرجاء، وجعل بينهما برزخاً لا يبغيان؛ فلا الخوف يقلب الرجاء ولا الرجاء يقلب الخوف، كما جاز في الخبر: " لو وزنا لاعتدلا " - هذا لعوام المؤمنين، فأمَّا للخواص فالقبض والبسط، ولخاص الخاص فالهيبة والأُنس والبقاء والفناء.
وسَخَّر لهم الفُلْكَ في هذه البحار ليعبروها بالسلامة، وهي فلك التوفيق والعصمة، وسفينة الأنوار والحفظ، وكذلك ليالي الطلب للمريدين، وليالي الطرب لأهل الأُنْس من المحبين، وليالي الحرب للتائبين، وكذلك نهار العارفين باستغنائهم عن سراج العلم عند متوع نهار اليقين.
إبراهيم 14:34
ما سَمَتْ إليهِ هِمَمُكُم، وتعلَّق به سؤالُكُم، وخَطَر تحقيقُ ذلك ببالِكم، أنلناكم فوق ما تُؤَمِّلُون، وأعطيناكم أكثر مما تَرْجُون، قال تعالى:{ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [غافر: 60].
وقرأ بعض القراء: { مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } [إبراهيم: 34] فَيُنَوِّنُ قوله: كلٍ، ويجعل ما سألتموه (ما) للنفي أي كل شيء مما لم تسألوه.
كذلك جاز أن يكون المعنى، قل يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني - وهذا لأرباب الطاعات، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني - وهذا لأصحاب الزلات. عَلِمَ قصور لسان العاصي وما يمنعه من الخجل وما يقبض على لسانه إذا تذكَّر ما عمله من الزلاَّت، فأعطاه غفرانه، وكفاه حشمةَ السؤال، والتفضل؛ فقال: غفرتُ لكم قبل أن تستغفروني.
ولكن متى يخطر على قلب العبد ما أهَّلَه الحق - سبحانه - من العرفان؟ وكيف يكون ذلك الحديث؟... قَبْلَ أَنْ كان له إمكانٌ، أو معرفة وإحسان، أو طاعة أو عصيان، أو عبادة وعرفان، أو كان له أعضاء وأركان، أو كان العبد شيخاً أو عيناً أو أثراً..لا بَلْ:أتاني هواها قبل أَنْ أَعْرِف الهوى فصادف قلباً خالياً فَتَمكَّنَا
قوله جلّ ذكره: { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ }.
كيف يكون شكركم كفاء نِعَمِه..؟ وشكرُكُم نَزْرٌ يسير، وإنعامُه وافر غزير.
وكيف تكون قطرة الشكر بجوار بحار الإنعام؟
إنَّ نِعَمَه عُلُومُكُم عن تفصيلها متقاصرةٌ، وفُهُومُكُم عن تحصيلها متأخِّرةٌ.
وإذا كان ما يدفع عن العبد من وجوه المحن وفنون البلايا من مقدوراته لا نهاية له... فكيف يأتي الحصر والإحصاء على ما لا يتناهى؟
وكما أن النَّفْعَ من نِعِمَه فالدفعُ أيضاً من نعمه.
ويقال إن التوفيق للشكر من جملة ما ينعم به الحقُّ على العبد فإذا أراد أن يشكره لم يمكنه إلا بتوفيقٍ آخر فلا يبقى من النعم إلا ما يشكر عليه.
إبراهيم 14:35
قوله جلّ ذكره: { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي }.
كما سأل أن يجعل مكةً بلداً آمناً طلب أن يجعل قلبَه محلاً آمناً؛ أي لا يكون فيه شيءٌ إلا بالله. { وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ }: والصنم ما يعبد من دونه، قال تعالى:{ أَفَرَءَيْتَ مِنَ اتَّخَذَ إلهَهُ هَوَاهُ } [الجاثية: 23] فصنمُ كل أحدٍ ما يشغله عن الله تعالى من مالٍ ووَلَدٍ وجاهٍ وطاعة وعبادة.
ويقال إنه لمَّا بنى البيتَ استعان بالله أن يجرِّدَه من ملاحظة نفسه وفعله.
ويقال إنه - صلى الله عليه وسلم - كان متردداً بين شهود فضل الله وشهود رفق فسه، فلما لقي من فضله وجوده قال قال من كمال بسطه:{ وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ } [الشعراء: 86]. ولما نظر من حيث فقر نفسه قال: { وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ }.
ويقال شاهد غيره فقال: { وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ } ، وشاهد فضله ورحمته ولطفه فقال:{ وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ } [الشعراء: 86].
قوله جلّ ذكره: { فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.
{ فَإِنَّهُ مِنِّي }: أي موافق لي ومن أهل مِلَّتِي، ومن عصاني خالفني وعصاك.
قوله: { فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }: طلبٌ للرحمة بالإشارة، أي فارحمهم.
وقال: { وَمَنْ عَصَانِي }... ولم يَقُلْ: مَنْ عصاك، وإنْ كان من عصاه فقد عصى الله، ولكن اللفظ إنما لطلب الرحمة فيما كان نصيب من ترك حقه، ولم ينتصر لنفسه بل قابلهم بالرحمة.
ويقال إن قولَ نبينا صلى الله عليه وسلم في هذا الباب أتمُّ في معنى العفو حيث قال: " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " ، وإبراهيم - عليه السلام - عَرَّضَ وقال: { فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.
ويقال لم يجزم السؤال لأنه بدعاء الأدب فقال: { وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.
إبراهيم 14:36
قوله جلّ ذكره: { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي }.
كما سأل أن يجعل مكةً بلداً آمناً طلب أن يجعل قلبَه محلاً آمناً؛ أي لا يكون فيه شيءٌ إلا بالله. { وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ }: والصنم ما يعبد من دونه، قال تعالى:{ أَفَرَءَيْتَ مِنَ اتَّخَذَ إلهَهُ هَوَاهُ } [الجاثية: 23] فصنمُ كل أحدٍ ما يشغله عن الله تعالى من مالٍ ووَلَدٍ وجاهٍ وطاعة وعبادة.
ويقال إنه لمَّا بنى البيتَ استعان بالله أن يجرِّدَه من ملاحظة نفسه وفعله.
ويقال إنه - صلى الله عليه وسلم - كان متردداً بين شهود فضل الله وشهود رفق فسه، فلما لقي من فضله وجوده قال قال من كمال بسطه:{ وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ } [الشعراء: 86]. ولما نظر من حيث فقر نفسه قال: { وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ }.
ويقال شاهد غيره فقال: { وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ } ، وشاهد فضله ورحمته ولطفه فقال:{ وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ } [الشعراء: 86].
قوله جلّ ذكره: { فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.
{ فَإِنَّهُ مِنِّي }: أي موافق لي ومن أهل مِلَّتِي، ومن عصاني خالفني وعصاك.
قوله: { فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }: طلبٌ للرحمة بالإشارة، أي فارحمهم.
وقال: { وَمَنْ عَصَانِي }... ولم يَقُلْ: مَنْ عصاك، وإنْ كان من عصاه فقد عصى الله، ولكن اللفظ إنما لطلب الرحمة فيما كان نصيب من ترك حقه، ولم ينتصر لنفسه بل قابلهم بالرحمة.
ويقال إن قولَ نبينا صلى الله عليه وسلم في هذا الباب أتمُّ في معنى العفو حيث قال: " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " ، وإبراهيم - عليه السلام - عَرَّضَ وقال: { فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.
ويقال لم يجزم السؤال لأنه بدعاء الأدب فقال: { وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.
إبراهيم 14:37
أخبر عن صدق توكله وصدق تفويضه بقوله: { إِنَّيۤ أَسْكَنتُ } وإنما رأى الرِّفقَ بهم في الجوارِ لا في المَبَارِّ قال: { عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ } ثم قال: { لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ }: أي أسكنتُهم لإقامة حقِّكَ لِطَلَبِ حظوظهم.
ويقال اكتفى أن يكونوا في ظلال عنايته عن أن يكونوا في ظلال نعمته.
ثم قال: { فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ } أي ليشتغلوا بعبادتك، وأقم قومي - ما بقوا - بكفايتك، { وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ }: فإنَّ مَنْ قام بحقِّ الله أقام اللَّهُ بحقّه قَوْمَه، واستجاب اللَّهُ دعاءَه فيهم، وصارت القلوبُ من كل بَر وبحرٍ كالمجبولة على محبة تلك النسبة، وأولئك المتصلين، وسكان ذلك البيت.
ويقال قوله: { بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ } [إبراهيم: 37]: أي أسكنتهُم بهذا الوادي حتى لا تتعلق بالأغيار قلوبُهم، ولا تشتغل بشَيءٍ أفكارهم وأسرارُهم، فهم مطروحون ببَابِكَ، مصونون بحضرتك، مرتبطون بحُكْمِك؛ إنْ رَاعيتَهُم كَفَيْتَهُم وكانوا أَعَزَّ خَلْقِ الله، وإنْ أقصيتَهم ونفيتهم كانوا أضعفَ وأذلَّ خَلْقِ الله.
إبراهيم 14:38
استأثرتَ بعلم الغيب فلا يعْزُبُ عن علمك معلومٌ، وحالي لا تخفى عليك، فهي كما عرفتَ، أنت تعلم سِرِّي وعَلَنِي... ومَنْ عرف هذه الجملة استراح من طوارق الأغيار، واستروح قلبُه عن تَرَجُّمِ الأفكار، والتَّقَسُّمِ في كون الحوادث من الأغيار.
إبراهيم 14:39
أسعده بمنحه الولد على الكبر، ويلتحق ذلك بوجهٍ من المعجزات،؛ فحمد عليه. ولمَّا كان هذا القول عقيب سؤاله ما قدَّم من ذكر نعمته - سبحانه - عليه، وأكرامه بأنواره، وهذا يكون بمعنى المَلقِ، ويكون استدعاءَ نعمةٍ بنعمة، فكأنه قال: كما أكرمتني بِهِبَة الوَلَدِ على الكِبَر؛ فأَكْرِمْني بهذه الأشياء التي سألتُها.
ويقال الإشارة في هذا أنه قال: كما مَنَنْتَ عليَّ فوهبتني على الكِبَر هذه الأولاد فأَجْنِبْنَا أن نعبد الأصنام لتكونَ النعمةُ كاملةً. وفي قوله: { إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ } [إبراهيم: 39].. إشارة إلى هذه الجملة.
إبراهيم 14:40
في قوله: { رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ... } إشارة إلى أن أفعال العباد مخلوقة، فمعناه اجعل صلاتي، والجَعْلُ والخَلْقُ بمعنى، فإذا جعله مقيمَ الصلاة فمعناه أن يجعل له صلاةً.
وقوله: { وَمِن ذُرِّيَتِي } أي اجعل منهم قوماً يُصَلُّون، لأنه أخبره في موضع آخر بقوله:{ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ } [البقرة: 124].
ثم قال: { رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ } وهذا قبل أن يعلم أنه لا يُؤْمِن.
ويقال إن إجابة الدعاءِ ابتداءُ فضلِ منه, ولا ينبغي للعبد أن يَتَّكِلَ على دُعاءِ أحد وإن كانْ عَلِيَّ الشأن، بل يجب أن يعلق العبد قلبه بالله؛ فلا دعاءَ أتمُّ منْ دعاءِ إبراهيم عليه السلام، ولا عنايةَ أتمُّ من عنايته بشأن أبيه، ثم لم ينفعه ولا شفع الله له.
ويقال لا ينبغي للعبد أن يترك دعاءه أو يقطعَ رجاءَه في ألا يستجيبَ الله دعاءَه، فإن إبراهيمَ الخليلَ عليه السلام دعا لأبويه فلم يُسْتَجَبْ له، ثم إنه لم يترك الدعاء، وسأل حينما لم يُجَبْ فيه. فلا غضاضةَ على العبد ولا تناله مَذَلَّةٌ إِنْ لم يُجِبْهُ مولاه في شيء؛ فإِنَّ الدعاءَ عبادةٌ لا بدَّ للعبد من فِعْلها، والإجابةُ من الحقِّ فضلٌ، وله أن يفعل وله ألا يفعل.
إبراهيم 14:41
في قوله: { رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ... } إشارة إلى أن أفعال العباد مخلوقة، فمعناه اجعل صلاتي، والجَعْلُ والخَلْقُ بمعنى، فإذا جعله مقيمَ الصلاة فمعناه أن يجعل له صلاةً.
وقوله: { وَمِن ذُرِّيَتِي } أي اجعل منهم قوماً يُصَلُّون، لأنه أخبره في موضع آخر بقوله:{ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ } [البقرة: 124].
ثم قال: { رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ } وهذا قبل أن يعلم أنه لا يُؤْمِن.
ويقال إن إجابة الدعاءِ ابتداءُ فضلِ منه, ولا ينبغي للعبد أن يَتَّكِلَ على دُعاءِ أحد وإن كانْ عَلِيَّ الشأن، بل يجب أن يعلق العبد قلبه بالله؛ فلا دعاءَ أتمُّ منْ دعاءِ إبراهيم عليه السلام، ولا عنايةَ أتمُّ من عنايته بشأن أبيه، ثم لم ينفعه ولا شفع الله له.
ويقال لا ينبغي للعبد أن يترك دعاءه أو يقطعَ رجاءَه في ألا يستجيبَ الله دعاءَه، فإن إبراهيمَ الخليلَ عليه السلام دعا لأبويه فلم يُسْتَجَبْ له، ثم إنه لم يترك الدعاء، وسأل حينما لم يُجَبْ فيه. فلا غضاضةَ على العبد ولا تناله مَذَلَّةٌ إِنْ لم يُجِبْهُ مولاه في شيء؛ فإِنَّ الدعاءَ عبادةٌ لا بدَّ للعبد من فِعْلها، والإجابةُ من الحقِّ فضلٌ، وله أن يفعل وله ألا يفعل.
إبراهيم 14:42
قوله جلّ ذكره: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ }.
هذا وعيدٌ للظالمين وتسلية للمظلومين؛ فالمظلوم إذا تحقَّق بأنه - سبحانه - عالِمٌ بما يلاقيه من البلاء هانت على قلبه مقاساته، وحق عليه تحمله.
والظلم على وجوه؛ ظلمٌ على النَّفْس بوضع الزَّلَّةِ مكان الطاعة، وظلم على القلب بتمكين الخواطر الردية منه، وظلم على الروح بجعلها لمحبة المخلوقين.
ويقال من جملة الظالمين الشيطانُ، فالعبدُ المؤمِنُ مظلومٌ من جهته، والحقُّ - سبحانه - ينتصف له منه غداً، وذلك إنْ لم يَتَّبِعْهُ اليومَ، وَدَفَعَه عن نفسه بالمجاهدة وترك وساوسه.
قوله جلّ ذكره: { إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي... }.
وهذا للعوام من المؤمنين، علَّق قلوبهم بالانتقام منهم في المستأنف، وأمَّا الخواص فإذ علموا أنه - سبحانه - عالِمٌ بهم وبحالهم فإنهم يعفون ويكتفون بذلك، وأَمَّا خواص الخواص فإذ علموا أنهم عبيده فإنهم لا يرضون بالعفو عن ظُلْمِهم حتى يستغفرَ لهم، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " ، وفي معناه أنشدوا:وما رضوا بالعفو عن ذي زلة حتى أنالوا كفَّه وازدادوا
وأمَّا أصحاب التوحيد فإذا عَلِمُوا أنه المنشئُ، وألا مخترعَ سواه فليس بينهم وبين أحدٍ محاسبة، ولا مَعَ أحدٍ مُعَاتَبَة، ولا منه مطالبة، لأنهم يَعُدُّون إثباتَ الغيرِ في الظن والحسبان شِرْكاً.
إبراهيم 14:43
قوله جلّ ذكره: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ }.
هذا وعيدٌ للظالمين وتسلية للمظلومين؛ فالمظلوم إذا تحقَّق بأنه - سبحانه - عالِمٌ بما يلاقيه من البلاء هانت على قلبه مقاساته، وحق عليه تحمله.
والظلم على وجوه؛ ظلمٌ على النَّفْس بوضع الزَّلَّةِ مكان الطاعة، وظلم على القلب بتمكين الخواطر الردية منه، وظلم على الروح بجعلها لمحبة المخلوقين.
ويقال من جملة الظالمين الشيطانُ، فالعبدُ المؤمِنُ مظلومٌ من جهته، والحقُّ - سبحانه - ينتصف له منه غداً، وذلك إنْ لم يَتَّبِعْهُ اليومَ، وَدَفَعَه عن نفسه بالمجاهدة وترك وساوسه.
قوله جلّ ذكره: { إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي... }.
وهذا للعوام من المؤمنين، علَّق قلوبهم بالانتقام منهم في المستأنف، وأمَّا الخواص فإذ علموا أنه - سبحانه - عالِمٌ بهم وبحالهم فإنهم يعفون ويكتفون بذلك، وأَمَّا خواص الخواص فإذ علموا أنهم عبيده فإنهم لا يرضون بالعفو عن ظُلْمِهم حتى يستغفرَ لهم، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " ، وفي معناه أنشدوا:وما رضوا بالعفو عن ذي زلة حتى أنالوا كفَّه وازدادوا
وأمَّا أصحاب التوحيد فإذا عَلِمُوا أنه المنشئُ، وألا مخترعَ سواه فليس بينهم وبين أحدٍ محاسبة، ولا مَعَ أحدٍ مُعَاتَبَة، ولا منه مطالبة، لأنهم يَعُدُّون إثباتَ الغيرِ في الظن والحسبان شِرْكاً.
إبراهيم 14:44
أفسدوا في أول أُمورهم، وقصَّروا في الواجب عليهم، ولم يكن للخَلَلِ في أحوالهم جبران، ولا لعذرهم قبول لتصحَّ الحجة عليهم، فافتضح المجرم منهم، وخاب الكافر، وحُقَّ الحكمُ عليهم.
إبراهيم 14:45
أحللنا بهم العقوبة، وأشهدناكم ذلك مما اعتبرتم، وجريتم على منهاجهم، وفعلتم مثلَ فِعْلِهم، وبإمهالنا لكم اغتررتم...فانْتَظِرَوا منَّا ما عاملناكم به جزاءً لكم على ما أسلفتم.
ويقال إن معاشرةَ أهل الهوى والفسق ومجاورتَهم مُشَارَكةٌ لهم في فِعْلِهم، فيستقبلُ فاعلُ ذلك استقبالَهم، ومَنْ سَلَكَهُم ينخرط في التردِّي نحو وَهْدَةِ هلاكهِ مِثْلَهم.
إبراهيم 14:47
أي لا تحسبنَّه يخلف رسله وعده؛ لأنه لا يخلف الوعد لصدقه في قوله، وله أن يعذبهم بما وعدهم لحقِّه في مُلْكِه، وهو { عَزِيزٌ } لا يصل إليه أحد، وإن كان ولياً. { ذُو ٱنْتِقَامٍ } لا يفوته أحد وإن كان (... ).
إبراهيم 14:48
لا يختلف عَيْنُها وإنما تختلف صورتها، وكذلك إذا انكدرت النجوم، وانشقت السماء يقال ما بدّل عينها وإنما بدَّل الأزمانَ والمكانَ على الناس باختلافهم أحوالهم في السرور والمحن؛ كَمَنْ صار من الرخاء إلى البلاء يقول: تغيَّر الزمانُ والوقتُ... وكذلك من صار من البلاء إلى الرخاء.
ويقال إن آدم لما قتل أحدُ ابنيه الآخرَ قال:تغيرت البلادُ ومَنْ عليها فوجهُ الأرضِ مُعْبَرٌّ قبيحُ
وفي هذه القصة من كان صاحب بسطٍ فَرُدَّ إلى حال القبض، ومن كان صاحب أُنسٍ فصار صاحب حجاب - يصحُّ أن يقال بدل له الأرض، قال بعضهم:ما الناس بالناس الذي عهدي بهم ولا البلاد بتلك التي كنت أعرفها
وكذلك العبد المريد إذا وقعت له وقفة أو فترة كانت الشمس له كاشفة، وكانت الأرض به راجفة، وكان النهار له ليلاً، وكان الليل له ويلا، وكما قيل:فما كانت الدنيا بسهل ولا الضحا بِطَلْقٍ ولا ماءُ الحياة ببارد
إبراهيم 14:49
الأصفاد الأغلال. الأصفاد تجمعهم، والسلاسل تقيدهم، والقطران سرابيلهم، والحميم شُرْبُهم، والنارُ محيطةٌ بهم.. وذلك جزاء مَنْ خَالَف إلهه.
إبراهيم 14:50
الأصفاد الأغلال. الأصفاد تجمعهم، والسلاسل تقيدهم، والقطران سرابيلهم، والحميم شُرْبُهم، والنارُ محيطةٌ بهم.. وذلك جزاء مَنْ خَالَف إلهه.
إبراهيم 14:51
الأصفاد الأغلال. الأصفاد تجمعهم، والسلاسل تقيدهم، والقطران سرابيلهم، والحميم شُرْبُهم، والنارُ محيطةٌ بهم.. وذلك جزاء مَنْ خَالَف إلهه.
إبراهيم 14:52
الحجج ظاهرة، والأمارات لائحة، والدواعي واضحة، والمهلة متسعة، والرسول عليه السلام مُبَلِّغ، والتمكين من القيام بحق التكليف مساعد. ولكنَّ القسمةَ سابقةٌ، والتوفيقَ عن القيام ممنوعٌ، والربُّ - سبحانه - فعَّالٌ لما يريد، فَمَنْ اعتبر نجا، ومن غفل تردَّى. ولله الأمر من قبل ومن بعد، والله أعلم.
الحجر 15:1
أسمعهم هذه الحروف مُقَطَّعَةً على خلاف ما كانوا يسمعون الحروف المنظومة في الخطاب، فأعرضوا عن كل شيءٍ وسمعوا لها. ونبههم القرآنُ إلى أن هذه التي يسمعونها آياتُ الكتاب، فقال لهم لما حضرت ألبابُهم، واستعدت لسماع ما يقول آذانُهم: { تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ }.
ووصف القرآن بأنه مبين؛ لأنه يُبَينُ للمؤمنين ما يسكن قلوبهم، وللمريدين ما يقوي رجاءَهم، وللمحسنين ما يهيج اشتياقهم، وللمشتاقين ما يثير لواعجَ أسرارهم، ويبيِّن للمصطفى - صلى الله عليه وسلم - تحقيقَ ما مَنَعَ غَيْرَه بعد سؤاله... ألم تر إلى ربك قال لموسى عليه السلام: " لن تراني " بعد سؤاله:{ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ } [الأعراف: 143].
الحجر 15:2
قوله جلّ ذكره: { رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ }.
إذا عرفوا حالهم وحال المسلمين يوم القيامة لعلموا كيف شقوا، وأي كأس رشفوا.
ويقال إذا صارت المعارفُ ضروريةً أحرقَتْ نفوسَ أقوامٍ العقوبةُ، وقطَّعَتْ قلوبَهم الحَسْرَةُ.
ويقال لو عرفوا حالَهم وحالَ المؤمنين لَعَلِمُوا أن العقوبةَ بإِهلاكهم حاصلةٌ لقوله تعالى بعدئذ:
قوله جلّ ذكره: { ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }.
قيمةُ كل امرئٍ على حسب هِمَّتِه؛ فإذا كانت الهمةُ مقصورةً على الأكل والتمتع بالصفة البهيمية لا يُحَاسَبُ، وعلى العقل لا يُطَالَبُ: فالتَّكليفُ يتبعه التشريف! وغداً سوف يعلمون.
الحجر 15:3
قوله جلّ ذكره: { رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ }.
إذا عرفوا حالهم وحال المسلمين يوم القيامة لعلموا كيف شقوا، وأي كأس رشفوا.
ويقال إذا صارت المعارفُ ضروريةً أحرقَتْ نفوسَ أقوامٍ العقوبةُ، وقطَّعَتْ قلوبَهم الحَسْرَةُ.
ويقال لو عرفوا حالَهم وحالَ المؤمنين لَعَلِمُوا أن العقوبةَ بإِهلاكهم حاصلةٌ لقوله تعالى بعدئذ:
قوله جلّ ذكره: { ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }.
قيمةُ كل امرئٍ على حسب هِمَّتِه؛ فإذا كانت الهمةُ مقصورةً على الأكل والتمتع بالصفة البهيمية لا يُحَاسَبُ، وعلى العقل لا يُطَالَبُ: فالتَّكليفُ يتبعه التشريف! وغداً سوف يعلمون.
الحجر 15:4
الآجال معلومة، والأحوال مقسومة؛ والمشيئة في الكائنات ماضية، ولا تخفى على الحق خافية.
الحجر 15:5
الآجال معلومة، والأحوال مقسومة؛ والمشيئة في الكائنات ماضية، ولا تخفى على الحق خافية.
الحجر 15:6
الجنون معنى يوجب إسناد ما ينكشف للعقلاء من التحصيل على صاحبه، فلمَّا كانوا بوصف التباس الحقائق عليهم فهم أَوْلَى بما وصوفه به، فهم كان في المَثَل: رَمَتْنِي بِدَائِها وانْسَلَّت.
الحجر 15:7
اقترحوا عليه الإتيان بالملائكة بعد ما أزيحت العلة عليهم بما أَيَّد به معجزاته، فيتوجب اللَّوْمُ عليهم لسوءِ أَدَبِهم. وأخبر الحقُّ - سبحانه - أنه أجرى عادته أنه إذا أظهر الملائكةَ لأبصارِ بني آدم فيكون ذلك عند استبصارهم؛ لأنه تصير المعرفة ضرورية. وفي المعلوم أنه لم يكن ذلك الوقتُ أَوَانَ هَلاَكِهم؛ لِعِلْمِه أنَّ في أصلابهم مَنْ يُؤْمِنُ بالله سبحانه في المستأنف.
الحجر 15:8
اقترحوا عليه الإتيان بالملائكة بعد ما أزيحت العلة عليهم بما أَيَّد به معجزاته، فيتوجب اللَّوْمُ عليهم لسوءِ أَدَبِهم. وأخبر الحقُّ - سبحانه - أنه أجرى عادته أنه إذا أظهر الملائكةَ لأبصارِ بني آدم فيكون ذلك عند استبصارهم؛ لأنه تصير المعرفة ضرورية. وفي المعلوم أنه لم يكن ذلك الوقتُ أَوَانَ هَلاَكِهم؛ لِعِلْمِه أنَّ في أصلابهم مَنْ يُؤْمِنُ بالله سبحانه في المستأنف.
الحجر 15:9
أنزل التوراة وقد وَكَلَ حفظها إلى بني إسرائيل بما استحفظوا من كتاب الله، فحرّفوا وبَدَّلوا، وأنزل الفرقان وأخبر أنه حافظة، وإنما يحفظه بقرائه؛ فقلوبُ القُرَّاءِ خزائنُ كتابهِ، وهو لا يضيع كتابه.
الحجر 15:10
أخبر أنه كانت عادتهم التكذيب، وأنه أدام سُنَّته معهم في التعذيب. ثم قال: { كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ }: وهم لا يؤمنون به لأنه أزاح قلوبهم عن شهود الحقيقة، وسَدَّ ـ بالحرمان ـ عليهم سلوكَ الطريقة، وبيَّن أنه لو أراهم الآياتِ عياناً ما ازدادوا إلا عتواً وطغياناً، وأن مَنْ سَبَقَ له الحُكْمُ بالشقاء فلا يزداد على ممر الأيام إلا ما سَبَقَ به القضاء.
الحجر 15:11
أخبر أنه كانت عادتهم التكذيب، وأنه أدام سُنَّته معهم في التعذيب. ثم قال: { كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ }: وهم لا يؤمنون به لأنه أزاح قلوبهم عن شهود الحقيقة، وسَدَّ ـ بالحرمان ـ عليهم سلوكَ الطريقة، وبيَّن أنه لو أراهم الآياتِ عياناً ما ازدادوا إلا عتواً وطغياناً، وأن مَنْ سَبَقَ له الحُكْمُ بالشقاء فلا يزداد على ممر الأيام إلا ما سَبَقَ به القضاء.
الحجر 15:12
أخبر أنه كانت عادتهم التكذيب، وأنه أدام سُنَّته معهم في التعذيب. ثم قال: { كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ }: وهم لا يؤمنون به لأنه أزاح قلوبهم عن شهود الحقيقة، وسَدَّ ـ بالحرمان ـ عليهم سلوكَ الطريقة، وبيَّن أنه لو أراهم الآياتِ عياناً ما ازدادوا إلا عتواً وطغياناً، وأن مَنْ سَبَقَ له الحُكْمُ بالشقاء فلا يزداد على ممر الأيام إلا ما سَبَقَ به القضاء.
الحجر 15:13
أخبر أنه كانت عادتهم التكذيب، وأنه أدام سُنَّته معهم في التعذيب. ثم قال: { كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ }: وهم لا يؤمنون به لأنه أزاح قلوبهم عن شهود الحقيقة، وسَدَّ ـ بالحرمان ـ عليهم سلوكَ الطريقة، وبيَّن أنه لو أراهم الآياتِ عياناً ما ازدادوا إلا عتواً وطغياناً، وأن مَنْ سَبَقَ له الحُكْمُ بالشقاء فلا يزداد على ممر الأيام إلا ما سَبَقَ به القضاء.
الحجر 15:14
مَنْ عليه التقدير كان بأمر التكليف مدعوا، وبأمر التكوين مقضياً. فمتى ينفع فيه النصح؟ ومتى يكون للوعظ فيه مساغ؟ كلا.. إن البصيرةَ له مسدودةٌ، و(...) الخذلان بِقَدَمِه مشدودة، فهو يحمل النصيحة له على الوقيعة، والحقيقة على الخديعة.
الحجر 15:15
مَنْ عليه التقدير كان بأمر التكليف مدعوا، وبأمر التكوين مقضياً. فمتى ينفع فيه النصح؟ ومتى يكون للوعظ فيه مساغ؟ كلا.. إن البصيرةَ له مسدودةٌ، و(...) الخذلان بِقَدَمِه مشدودة، فهو يحمل النصيحة له على الوقيعة، والحقيقة على الخديعة.
الحجر 15:16
بروجاً أي نجوماً هي لها زينة، ثم تلك النجوم للشياطين رجوم.
الحجر 15:17
إذا رام الشياطينُ أن يسترقوا السمعَ كانت النجومُ لها رجوماً.
كذلك للقلوب نجومٌ وهي المعارف وهي في الوقت ذاته رجوم على الشياطين؛ فلو دنا إبليسُ وجنودُه من قلب ولِّي من الأولياء أحرقَتْه بل محقَتْه نجومُ عقلِه وأقمارُ علمِه وشموسُ توحيدِه.
وكما أنَّ نجومَ السماءِ زينةٌ للناظرين إذا لاحظوها فقلوبُ العارفين إذا نظر إليها ملائكة السماءِ لهي زينة.
الحجر 15:18
إذا رام الشياطينُ أن يسترقوا السمعَ كانت النجومُ لها رجوماً.
كذلك للقلوب نجومٌ وهي المعارف وهي في الوقت ذاته رجوم على الشياطين؛ فلو دنا إبليسُ وجنودُه من قلب ولِّي من الأولياء أحرقَتْه بل محقَتْه نجومُ عقلِه وأقمارُ علمِه وشموسُ توحيدِه.
وكما أنَّ نجومَ السماءِ زينةٌ للناظرين إذا لاحظوها فقلوبُ العارفين إذا نظر إليها ملائكة السماءِ لهي زينة.
الحجر 15:19
قوله جلّ ذكره: { وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ }.
النفوس أرض عبادة العابدين، وقلوبُ العارفين أرض المعرفة وأرواح المشتاقين أرض المحبة، والخوف، والرجاء لها رواسٍ. وكذلك الرغبة والرهبة.
ويقال من الرواسي التي أثبتها في الأرض الأولياءُ فَبِهِمْ يثبت الناس إذا وَقَعَ بهم الفزعُ ومن الرواسي العلماءُ الذين بهم قِوَامُ الشريعة؛ فعلماءُ الأصول هم قِوامُ أصلِ الدِّين، والفقهاء بهم نظامُ الشرع، قال بعضهم:واحسرتا من فراق قوم هم المصابيحُ والأمنُ والمُزْنُ
قوله جلّ ذكره: { وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ }.
كما أنبت فنوناً من النبات ذَات أنوار أنبت في القلوب صنوفاً في الأنوار، منها نور اليقين ونور العرفان، ونور الحضور ونور الشهود،ونور التوحيد... إلى غير ذلك من الأنوار.
الحجر 15:20
سببُ عيشِ كلِّ مختلفٌ؛ فعْيْشُ المريدين من إقباله، وعيش العارفين التجمل بأفضاله.
الحجر 15:21
خزائنه في الحقيقة مقدوراته، وهو - سبحانه - قادر على كل ما هو مرسوم بالحدوث.
ويقال خزائنه في الأرض قلوبُ العارفين بالله، وفي الخزانة جواهر في كل صنف؛ فحقائقُ العقل جواهر وضعها في قلوب قوم، ولطائف العلم جواهر بدائع المعرفة، وأسرار العارفين مواضع سِرِّه، والنفوس خزائن توفيقه، والقلوب خزائن تحقيقه، واللسان خزانةُ ذِكْرِه.
ويقال من عرف أن خزائن الأشياء عند الله تقاصرت خُطَاه عن التردد على منازل الناس في طَلَبِ الإرفاق منهم، وسعى في الآفاق في طلب الأرازق منها، قاطعاً أَمَلَه عن الخَلْق، مُفرِداً قلبَه لله متجرِّداً عن التعلُّق بغير الله.
قوله { وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ }: عَرَفَ القِسْمَة منْ استراح عن كدِّ الطلب؛ فإِنَّ المعلومَ لا يتغير، والمقسوم لا يزيد ولا ينقص، وإذا لم يَجِبْ عليه شيءٌ لأحد فبقدرته على إجابة العبد إلى طلبته لا يتوجب عليه شيء.
ويقال أراح قلوب الفقراء مِنْ تَحمُّل المِنَّةِ من الأغنياء مما يعطونهم، وأراح الأغنياء من مطالبة الفقراء منهم شيئاً، فليس للفقير صَرْفُ القلب عن الله سبحانه إلى مخلوق واعتقادُ مِنَّةٍ لأحد، إذ المُلْكُ كله لله، والأمر بيد الله، ولا قادر على الإبداع إلا الله.
الحجر 15:22
قوله جلّ ذكره: { وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً }.
كما أن الرياحَ في الآفاق مُقَدِّمَاتُ المطر كذلك الآمال في القلوب، وما يقرب العبد مما يتوارد على قلبه من مبشرات الخواطر، ونسيم النجاة في الطلب يحصل، فيستروح القلب إليه قبل حصول المأمول من الكفاية واللطف.
قوله جلّ ذكره: { فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ }.
أسقاه إذا جعل له السُّقيا؛ كذلك يجعل الحق - سبحانه - لأوليائه ألطافاً معلومة في أوقات محدودة! كما قال في وصف أهل الجنة:{ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } [مريم: 62].
كذلك يجعل من شراب القلوب لِكُلِّ ورداً معلوماً، ثم قضايا ذلك تختلف: فمِنْ شراب يُسْكِر، ومن شراب يُحْضِر، ومن شراب يزيل الإحساس، كما قيل:فصحوك من لفظي هو الصحو كله وسُكْرُكَ من لحظي يبيح لك الشُّرْبا
ويقال إذا هبَّت رياح التوحيد على الأسرار كنست آثار البشرية، فلا للأغيار فيها أثر، ولا عن الخلائق لهم خبر.
ويقال إذا هبَّت رياح القرب على قلوب العارفين عَطَّرَتْها بنفخات الأنس، فيَسْقَوْن في نسيمها على الدوام، وفي معناه أنشدوا:وهبَّتْ شمال آخر الليل قَرَّةٌ ولا ثوبَ إلا بُرْدَةَ وردائيا
وما زال بُردِي لينا من ردائها إلى الحوْلِ حتى أصبح البُرْدُ باليا
ويقال إذا هبَّت رياح العناية على أحوال عبد عادت مَسَاوِيه مناقِبَه ومثالبُه محاسنه.
الحجر 15:23
نحيي قلوبهم بالمشاهدة، ونميت نفوسهم بالمجاهدة.
ويقال نحييهم بأن نفْنِيَهمْ بالمشاهدة، ونميتَهم بأَنْ نأخذَهم عن شواهدهم.
ويقال يحيي المريدين بذكره، ويميت الغافلين بهجره.
ويقال يحيي قوماً بموافقة الأمر في الطاعات، ويميت قوماً بمتابعة الشهوات.
ويقال يحيي قوماً بأن يلاطفهم بلطف جماله، ويميت قوماً بأن يحجبهم عن أفضاله.
الحجر 15:24
العارفون مستقدمون بِهَمَمَهم، والعابدون مستقدمون بقَدَمهم، والتائبون بندمهم وأقوام مستأخِرون بقدمهم وهم العُصاة، وآخرون مستأخرون بهمومهم وهم الراضون بخسائس الحالات.
ويقال المستقدمون الذين يسارعون في الخيرات، والمستأخرون المتكاسلون عن الخيرات.
ويقال المستقدمون الذين يستجيبون خواطرَ الحقِّ - من غير تَعريجٍ - إلى تفكر، والمستأخِرون الذين يرجعون إلى الرُّخصِ والتأويلات.
ويقال المستقدمون الذين يأتون على مراكب التوفيق، والمستأخرون الذين تثبطهم مشقة الخذلان.
الحجر 15:25
يبعث كلاً على الوصل الذي خرجوا من الدنيا عليه: فمن منفرد القلب بربه، ومن مُتَطَوِّحٍ في أودية التفرقة، ثم يحاسبهم على ما يستوجبونه.
الحجر 15:26
ذَكَّرَهم بِخِسَّتِهم لئلا يُعْجَبُوا بحالتهم.
ويقال القيمة في القُربةِ لا بالتُّربة؛ والنسب تربة ولكن النعتَ قربة.
{ وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ }: وإذا انطفأت النار صارت رماداً لا يجيء منها شيء، والطين إذا انكسر عاد به الماء إلى ما كان عليه، كذلك العدو لمَّا انطفأ ما كان يلوح عليه من سراج الطاعة لم ينجبر بعده، وأمَّا آدم - عليه السلام - فلمَّا اغْتَرَّ جَبَرَهُ ماءُ العناية، قال تعالى:{ ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ } [طه: 122].
الحجر 15:27
ذَكَّرَهم بِخِسَّتِهم لئلا يُعْجَبُوا بحالتهم.
ويقال القيمة في القُربةِ لا بالتُّربة؛ والنسب تربة ولكن النعتَ قربة.
{ وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ }: وإذا انطفأت النار صارت رماداً لا يجيء منها شيء، والطين إذا انكسر عاد به الماء إلى ما كان عليه، كذلك العدو لمَّا انطفأ ما كان يلوح عليه من سراج الطاعة لم ينجبر بعده، وأمَّا آدم - عليه السلام - فلمَّا اغْتَرَّ جَبَرَهُ ماءُ العناية، قال تعالى:{ ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ } [طه: 122].
الحجر 15:28
أظهرهم بهذا القول، وفي عين ما أظهرهم سَتَرهم.
ويقال ليست العِبْرَة بقوالبهم. إنما الاعتبار بالمعاني التي أودعها فيهم.
ويقال الملائكة لاحظوه بعين الخِلْقَة فاستصْغروا قَدْرَه وحاله، ولهذا عَجِبوا من أَمْرِ الله - سبحانه - لهم بالسجود له، فكشف لهم شظية مما اختَصَّه به فسجدوا له.
قوله: { إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ }: وكذا أمرُ مَنْ حُجِبَ عن أحواله ادَّعى الخَيْرَةَ وَبَقِيَ في ظُلمة الحَيْرةِ.
ويقال بَخِلَ بسجدةٍ واحدةٍ، وقال: أَسْتَنْكِفْ أَنْ أسجد لغير الله. ثم من شقاوته لا يبالي بكثرة معاصيهِ، فإنه لا يَعْصِي أحدٌ إلاَّ وهو سببُ وسواسه، وداعيه إلى الزَّلَّةِ.. وذلك هو عين الشَّقوة وقضية الخذلان.
الحجر 15:29
أظهرهم بهذا القول، وفي عين ما أظهرهم سَتَرهم.
ويقال ليست العِبْرَة بقوالبهم. إنما الاعتبار بالمعاني التي أودعها فيهم.
ويقال الملائكة لاحظوه بعين الخِلْقَة فاستصْغروا قَدْرَه وحاله، ولهذا عَجِبوا من أَمْرِ الله - سبحانه - لهم بالسجود له، فكشف لهم شظية مما اختَصَّه به فسجدوا له.
قوله: { إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ }: وكذا أمرُ مَنْ حُجِبَ عن أحواله ادَّعى الخَيْرَةَ وَبَقِيَ في ظُلمة الحَيْرةِ.
ويقال بَخِلَ بسجدةٍ واحدةٍ، وقال: أَسْتَنْكِفْ أَنْ أسجد لغير الله. ثم من شقاوته لا يبالي بكثرة معاصيهِ، فإنه لا يَعْصِي أحدٌ إلاَّ وهو سببُ وسواسه، وداعيه إلى الزَّلَّةِ.. وذلك هو عين الشَّقوة وقضية الخذلان.
الحجر 15:30
أظهرهم بهذا القول، وفي عين ما أظهرهم سَتَرهم.
ويقال ليست العِبْرَة بقوالبهم. إنما الاعتبار بالمعاني التي أودعها فيهم.
ويقال الملائكة لاحظوه بعين الخِلْقَة فاستصْغروا قَدْرَه وحاله، ولهذا عَجِبوا من أَمْرِ الله - سبحانه - لهم بالسجود له، فكشف لهم شظية مما اختَصَّه به فسجدوا له.
قوله: { إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ }: وكذا أمرُ مَنْ حُجِبَ عن أحواله ادَّعى الخَيْرَةَ وَبَقِيَ في ظُلمة الحَيْرةِ.
ويقال بَخِلَ بسجدةٍ واحدةٍ، وقال: أَسْتَنْكِفْ أَنْ أسجد لغير الله. ثم من شقاوته لا يبالي بكثرة معاصيهِ، فإنه لا يَعْصِي أحدٌ إلاَّ وهو سببُ وسواسه، وداعيه إلى الزَّلَّةِ.. وذلك هو عين الشَّقوة وقضية الخذلان.
الحجر 15:31
أظهرهم بهذا القول، وفي عين ما أظهرهم سَتَرهم.
ويقال ليست العِبْرَة بقوالبهم. إنما الاعتبار بالمعاني التي أودعها فيهم.
ويقال الملائكة لاحظوه بعين الخِلْقَة فاستصْغروا قَدْرَه وحاله، ولهذا عَجِبوا من أَمْرِ الله - سبحانه - لهم بالسجود له، فكشف لهم شظية مما اختَصَّه به فسجدوا له.
قوله: { إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ }: وكذا أمرُ مَنْ حُجِبَ عن أحواله ادَّعى الخَيْرَةَ وَبَقِيَ في ظُلمة الحَيْرةِ.
ويقال بَخِلَ بسجدةٍ واحدةٍ، وقال: أَسْتَنْكِفْ أَنْ أسجد لغير الله. ثم من شقاوته لا يبالي بكثرة معاصيهِ، فإنه لا يَعْصِي أحدٌ إلاَّ وهو سببُ وسواسه، وداعيه إلى الزَّلَّةِ.. وذلك هو عين الشَّقوة وقضية الخذلان.
الحجر 15:32
سأله ومعلومٌ له حالُه، ولو ساعدته المعرفةُ لقال: قُلْ لي مالك؟ وما مَنَعَكَ؟ وَمَنْ مَنَعَك حتى أقول أنت.. حيث أَشْقَيْتني، وبقهرِك أَغْوَيْتَني، ولو رَحِمْتَني، لَهَدَيْتَنِي وفي كنف عصمتك آويتني... ولكنَّ الحرمانَ أدركه حتى قال: { لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ }.
الحجر 15:33
سأله ومعلومٌ له حالُه، ولو ساعدته المعرفةُ لقال: قُلْ لي مالك؟ وما مَنَعَكَ؟ وَمَنْ مَنَعَك حتى أقول أنت.. حيث أَشْقَيْتني، وبقهرِك أَغْوَيْتَني، ولو رَحِمْتَني، لَهَدَيْتَنِي وفي كنف عصمتك آويتني... ولكنَّ الحرمانَ أدركه حتى قال: { لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ }.
الحجر 15:34
سأله ومعلومٌ له حالُه، ولو ساعدته المعرفةُ لقال: قُلْ لي مالك؟ وما مَنَعَكَ؟ وَمَنْ مَنَعَك حتى أقول أنت.. حيث أَشْقَيْتني، وبقهرِك أَغْوَيْتَني، ولو رَحِمْتَني، لَهَدَيْتَنِي وفي كنف عصمتك آويتني... ولكنَّ الحرمانَ أدركه حتى قال: { لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ }.
الحجر 15:35
سأله ومعلومٌ له حالُه، ولو ساعدته المعرفةُ لقال: قُلْ لي مالك؟ وما مَنَعَكَ؟ وَمَنْ مَنَعَك حتى أقول أنت.. حيث أَشْقَيْتني، وبقهرِك أَغْوَيْتَني، ولو رَحِمْتَني، لَهَدَيْتَنِي وفي كنف عصمتك آويتني... ولكنَّ الحرمانَ أدركه حتى قال: { لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ }.
الحجر 15:36
ولمَّا أبعده الحقُّ - سبحانه - عن معرفته، وأفرده باللعنة استنظره إلى يوم القيامة والبعث، فأجابه. وظَنَّ اللَّعينُ أنه حصل في الخير مقصوده، ولم يعلم أنه أراد بذلك تعذيبه عذاباً شديداً، فكأنه كان في الحقيقة مكراً - وإن كان في الحال في صورة إجابة السؤال بما يُشْبِهُ اللطفَ والبِرَّ.
وبعض أهل الرجاء يقول: إن الحق - سبحانه - حينما يهين عدوَّه لا يَرُدُّ دعاءَه في الإمهال ولا يمنعه من الاستنظار؛ فالمؤمن - إذ أَمْرُهُ الاستغفارُ السؤالُ بوصفِ الافتقارِ - أَوْلَى ألا يقنظَ مِنْ رحمتهِ، لأنَّ إنظارَ اللعين زيادةُ شقاء له تحقيق عطاء.
الحجر 15:37
ولمَّا أبعده الحقُّ - سبحانه - عن معرفته، وأفرده باللعنة استنظره إلى يوم القيامة والبعث، فأجابه. وظَنَّ اللَّعينُ أنه حصل في الخير مقصوده، ولم يعلم أنه أراد بذلك تعذيبه عذاباً شديداً، فكأنه كان في الحقيقة مكراً - وإن كان في الحال في صورة إجابة السؤال بما يُشْبِهُ اللطفَ والبِرَّ.
وبعض أهل الرجاء يقول: إن الحق - سبحانه - حينما يهين عدوَّه لا يَرُدُّ دعاءَه في الإمهال ولا يمنعه من الاستنظار؛ فالمؤمن - إذ أَمْرُهُ الاستغفارُ السؤالُ بوصفِ الافتقارِ - أَوْلَى ألا يقنظَ مِنْ رحمتهِ، لأنَّ إنظارَ اللعين زيادةُ شقاء له تحقيق عطاء.
الحجر 15:38
ولمَّا أبعده الحقُّ - سبحانه - عن معرفته، وأفرده باللعنة استنظره إلى يوم القيامة والبعث، فأجابه. وظَنَّ اللَّعينُ أنه حصل في الخير مقصوده، ولم يعلم أنه أراد بذلك تعذيبه عذاباً شديداً، فكأنه كان في الحقيقة مكراً - وإن كان في الحال في صورة إجابة السؤال بما يُشْبِهُ اللطفَ والبِرَّ.
وبعض أهل الرجاء يقول: إن الحق - سبحانه - حينما يهين عدوَّه لا يَرُدُّ دعاءَه في الإمهال ولا يمنعه من الاستنظار؛ فالمؤمن - إذ أَمْرُهُ الاستغفارُ السؤالُ بوصفِ الافتقارِ - أَوْلَى ألا يقنظَ مِنْ رحمتهِ، لأنَّ إنظارَ اللعين زيادةُ شقاء له تحقيق عطاء.
الحجر 15:39
الباء في: { بِمَآ أَغْوَيْتَنِي } باء القَسَم، ولم يكن إغواؤه إياه مما يجب أن يُقْسِم به لولا فَرْطُ جَهْلِه. ثم هو في المعنى صحيح، لأنَّ الإغواء مما يتفرَّدُ بالحق بالقدرة عليه، ولا يشاركه فيه أحد، ولكن اللَّعِينَ لا يعرف الله الحقيقة، إذ لو عَرَفَه لم يدعُ إلى الضلال، لأنه لو قدر على إضلالِ غيره لاستبقى على الهدايةِ نَفْسَه. وعند أهل التحقيق إنه يقول جميع ذلك حَدْساً وهو لم يَعْرِفْ الله - على الحقيقة - قَطُّ.
الحجر 15:40
الإخلاصُ هو تصفيةُ الأعمالُ عن الغَيْن وعن الآفات المانعة من صالح الأعمال. وقد عَلِمَ اللعينُ أنه لا سبيل له إليهم بالإغواء لمَّا تَحَقَقَ من عناية الحقِّ بشأنهم.
{ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ } تهديدٌ، كما تقول: افعل ما شِئْتَ.. وهذا طريقي.
الحجر 15:41
الإخلاصُ هو تصفيةُ الأعمالُ عن الغَيْن وعن الآفات المانعة من صالح الأعمال. وقد عَلِمَ اللعينُ أنه لا سبيل له إليهم بالإغواء لمَّا تَحَقَقَ من عناية الحقِّ بشأنهم.
{ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ } تهديدٌ، كما تقول: افعل ما شِئْتَ.. وهذا طريقي.
الحجر 15:42
السلطان الحجة، وهي لله على خَلْقه، وليس للعدوِّ حجة على مخلوق، إذ لا تَتَعدَّى مقدرتُه محلَّه، فلا تَسلَّطَ - في الحقيقة - لمخلوق بالتأثير فيه.
{ إِنَّ عِبَادِي }: إذا سمى الله واحداً عبداً فهو من جملة الخواص، فإذا أضافه إلى نفسه فهو خاص الخاص، وهم الذين محاهم عن شواهدهم، وحفظهم وصانهم عن أسباب التفرقة وجرَّدهم عن حَوْلهم وقُوَّتِهم، وكان النائبَ عنهم في جميع تصرفاتهم وحالاتهم، وحفظ عليهم آدابَ الشرع، وألبَسُهم صِدارَ الاختيار في أوان أداء التكليف، وأخذهم عنهم باستهلاكهم في شهوده، واستغراقهم في وجوده.. فأيُّ سبيلٍ للشيطان إليهم؟ وأي يدٍ للعدو عليهم؟
ومَنْ أشهدِ الحقُّ حقائقَ التوحيد، ورأى العالَمَ مُصَرَّفاً في قبضة التقدير، ولم يكن نهباً للأغيار.. فمتى يكون لِلَّعين عليه تسلط، وفي معناه قالوا:جحودي فيك تقديـسُ وعقلي فيك تهويـسُ
فـمـن آدم إلاَّكَ ومَـنْ في البيـت إبليـسُ
الحجر 15:43
اجتمعوا اليومَ في أصل الضلالة، ثم الكفر مِلَلٌ مختلفةٌ، ثم يجتمعون غداً في العقوبة وهم زُمَرٌ مختلفون، لكلِّ دَرَكَةٍ من دركات جهنم قوم مُخَصُّون.
الحجر 15:44
اجتمعوا اليومَ في أصل الضلالة، ثم الكفر مِلَلٌ مختلفةٌ، ثم يجتمعون غداً في العقوبة وهم زُمَرٌ مختلفون، لكلِّ دَرَكَةٍ من دركات جهنم قوم مُخَصُّون.
الحجر 15:45
المتقي مَنْ وقَّاه الله بفضله لا مَنْ اتَّقى بَتَكلُّفِه، بل إنه ما اتقى بتكلفه إلاَّ بعد أن وقَّاه الحقُّ - سبحانه - بفضله. هم اليومَ في جنات ولها دَرَجات بعضها أرفعُ من بعض، كما أنهم غداً في جنَّات ولها درجات بعضها فوق بعض.
اليوم لقومٍ درجةُ حلاوة الخدمة وتوفيق الطاعة، ولقوم درجة البسط والراحة، ولآخرين درجة الرجاء والرغبة، ولآخرين درجة الأنْسِ والقربة، قد علم كلُّ أناسٍ مشربَهم ولزم كلُّ قومٍ مذهبَهم.
الحجر 15:46
معناه يقال لهم: { ٱدْخُلُوهَا } ، وأَجْمَلَ ذلك ولم يقل مَنْ الذي يقول لهم. ويرى قومٌ أن المَلكَ يقول لهم: أدخلوها.
ويقال إذا وافَوْا الجنة وقد قطعوا المسافة البعيدةَ، وقاسوا الأمورَ الشديدة َ، فَمِنْ حقِّهم أن يدخلوا الجنة، خاصةً وقد علموا أَنَّ الجنةَ مُبَاحةٌ لهم، ولعلهم لا يفقهون حتى يقال لهم.
ويقال يحتمل أنهم لا يدخلونها بقول المَلَكِ حتى يقول الحقُّ: أدخلوها، كما قالوا:ولا أَلْبَسُ النُّعمى وغيرُك مُلْبِسٌ ولا أَقْبَلُ الدنيا وغيرك واهبُ
قوله: { بِسَلامٍ آمِنِينَ }: بمعنى السلامة، وهي الأمان، فيأمنون أنهم لا يخرجون منها.
ويقال كما لا يخرجون من الجنة لا يخرجون عما هم عليه من الحال؛ فالرؤية لهم وما هم فيه من الأحوال الوافية - مديدةٌ.
الحجر 15:47
قوله جلّ ذكره: { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ }.
أَمَرَ الخليلَ عليه السلام ببناء الكعبة وتطهيرها فقال:{ وَطَهِّرْ بَيْتِيَ } [الحج: 26]، وأَمَرَ جبريلَ عليه السلام حتى غَسَلَ قلبَ المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فَطَهَّرَهِ. وتولّى هو - سبحانه - بنفسه تطهيرَ قلوب العاصين، فقال: { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ } [الحجر: 47] وذلك رفقاً بهم، فقد يصنع الله بالضعيف ما يتعجَّبُ منه القوي، ولو وكل تطهير قلوبهم إلى الملائكة لاشتهرت عيوبُهم، فتولَّى ذلك بنفسه رفقاً بهم.
ويقال قال: { مَا فِي صُدُورِهِم } ولم يقل ما في قلوبهم لأن القلوب في قبضته يقلبها، وفي الخبر: " قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن " يريد بذلك قدرته، فاستعمل لفظ الإصبع لذلك توسعاً. وقيل بين إصبعين أي نعمتين.
قوله جلّ ذكره: { إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ }.
قابل بعضُهم بعضاً بالوجه، وحفظ كلُّ واحدٍ عن صاحبه سِرَّه وقلبَه، فالنفوس متقابلة ولكنَّ القلوبَ غيرُ متقابلة؛ إذ لا يشتغل بعضهم ببعض، قال تعالى:{ وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ } [الأنفال: 24].
الحجر 15:48
أي لا يلحقهم تعبٌ؛ لا بنفوسهم ولا بقلوبهم. وإذا أرادوا أمراً لا يحتاجون إلى أن ينتقلوا من مكانٍ إلى مكان، ولا تحار أبصارهم، ولا يلحقهم دَهَشٌ، ولا يتغير عليهم حالٌ عما هم عليه من الأمر، ولا تشكل عليه صفة من صفات الحق.
{ وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ } أي لا يلحقهم ذلُّ الإخراج بل هم بدوام الوصال.
الحجر 15:49
لمَّا ذَكَرَ حديثَ المتقين وما لهم من علوِّ المنزلة انكسرت قلوب العاصين، فَتَدارَك اللَّهُ قلوبهم، وقال لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - أخبر عبادي العاصين أني غفور رحيم، وأني إنْ كنتُ الشكورَ الكريمَ بالمطيعين فأنا الغفورُ الرحيمُ بالعاصين.
ويقال مَنْ سَمِعَ قوله: { أَنِّي أَنَا } بسمع التحقيق لا يبقى فيه مساغٌ لسماع المغفرة والرحمة؛ لأنه يكون عندئذ مُخْتَطَفاً عن شاهده، مُسْتَهَلكاً في أنيته.
الحجر 15:50
العذابُ الأليم هنا هو الفراق، ولا عذابَ فوق الفراق في الصعوبة والألم.
الحجر 15:51
قوله جلّ ذكره: { وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً }.
أَلا عرِّفهم كيف كانت فتوة الخليل في الضيافة، وقيامه بحقِّ الضيفان، وكان الخليلُ عليه السلام يقوم بنفسه بخدمة الضيفان، فلمَّا سلموا من جانبهم وردَّ عليهم وانْفَضُّوا عن تناولِ طعامِه:
قوله جلّ ذكره: { قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ }.
وَجلون أي خائفون، فإنَّ الإمساكَ عن تناول طعام الكرام موضعٌ للريبة. ولمَّا عَلِمَ أنهم ملائكة خاف أن يكونوا نزلوا لتعذيب قومه إذ كانوا مجرمين. ولكن سكن رَوْعُه عندما قالوا له:
قوله جلّ ذكره: { قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ }.
فليس لك موضِعٌ للوَجَلِ لكن موضِعٌ للفَرَجِ؛ فإنا جئناك مُبَشِّرين، وإن كُنَّا لغيرِكَ مُعَذِّبين.
نحن { نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ }: أي يعيش حتى يعلم، لأن الطفل ليس من أهل العلم، وكانت بشارتُهم بالوَلَدِ وببقاءِ الولد هي العجب فقال:
{ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ }.
قال أبشرتموني وقد مسَّني الكِبَرُ؟ وإنَّ الكبير قد فاته الوقت الذي يفرح فيه من الدنيا بشيء. بماذا تبشروني وقد طَعَنْتُ في السنِّ، وعن قريب أرتحل إلى الآخرة؟ قالوا: بشرناك بالحق فلا تكن من جملة من يقنط من رحمة الله، ولا يقنط من رحمة ربه إلا من كان ضالاً.
قال: كيف أخطأ ظنكم فيّ فتوهمتم أني أقنط من رحمة ربي؟
فلما فرغ قلبه من هذا الحديث، وعرف أنه لن يُصيبَه ضررٌ منهم سألهم عن حالهم:
قوله جلّ ذكره: { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ }.
قال ما شأنكم؟ وإلى أين قصدكم؟
قالوا: أُرْسِلْنا لعذاب قوم لوط، ولننجيَ أهله إلا امرأته لمشاركتها معهم في الفساد، وكانت تدل على أضيافه، فاستوجبت العقوبة.
فلمَّا وافى المرسلون من آل لوطٍ أنكرهم لأنه لم يجدهم على صورة البشر، وتفرَّس فيهم على الجملة أنهم جاءوا لأمرٍ عظيم، قالوا: بل جئناكَ بما كان قومُك يَشُكُّونَ فيه مِنْ تعذيبنا إياهم، وآتيناك بالحق، أي بالحكم الحق.
الحجر 15:52
قوله جلّ ذكره: { وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً }.
أَلا عرِّفهم كيف كانت فتوة الخليل في الضيافة، وقيامه بحقِّ الضيفان، وكان الخليلُ عليه السلام يقوم بنفسه بخدمة الضيفان، فلمَّا سلموا من جانبهم وردَّ عليهم وانْفَضُّوا عن تناولِ طعامِه:
قوله جلّ ذكره: { قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ }.
وَجلون أي خائفون، فإنَّ الإمساكَ عن تناول طعام الكرام موضعٌ للريبة. ولمَّا عَلِمَ أنهم ملائكة خاف أن يكونوا نزلوا لتعذيب قومه إذ كانوا مجرمين. ولكن سكن رَوْعُه عندما قالوا له:
قوله جلّ ذكره: { قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ }.
فليس لك موضِعٌ للوَجَلِ لكن موضِعٌ للفَرَجِ؛ فإنا جئناك مُبَشِّرين، وإن كُنَّا لغيرِكَ مُعَذِّبين.
نحن { نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ }: أي يعيش حتى يعلم، لأن الطفل ليس من أهل العلم، وكانت بشارتُهم بالوَلَدِ وببقاءِ الولد هي العجب فقال:
{ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ }.
قال أبشرتموني وقد مسَّني الكِبَرُ؟ وإنَّ الكبير قد فاته الوقت الذي يفرح فيه من الدنيا بشيء. بماذا تبشروني وقد طَعَنْتُ في السنِّ، وعن قريب أرتحل إلى الآخرة؟ قالوا: بشرناك بالحق فلا تكن من جملة من يقنط من رحمة الله، ولا يقنط من رحمة ربه إلا من كان ضالاً.
قال: كيف أخطأ ظنكم فيّ فتوهمتم أني أقنط من رحمة ربي؟
فلما فرغ قلبه من هذا الحديث، وعرف أنه لن يُصيبَه ضررٌ منهم سألهم عن حالهم:
قوله جلّ ذكره: { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ }.
قال ما شأنكم؟ وإلى أين قصدكم؟
قالوا: أُرْسِلْنا لعذاب قوم لوط، ولننجيَ أهله إلا امرأته لمشاركتها معهم في الفساد، وكانت تدل على أضيافه، فاستوجبت العقوبة.
فلمَّا وافى المرسلون من آل لوطٍ أنكرهم لأنه لم يجدهم على صورة البشر، وتفرَّس فيهم على الجملة أنهم جاءوا لأمرٍ عظيم، قالوا: بل جئناكَ بما كان قومُك يَشُكُّونَ فيه مِنْ تعذيبنا إياهم، وآتيناك بالحق، أي بالحكم الحق.
الحجر 15:53
قوله جلّ ذكره: { وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً }.
أَلا عرِّفهم كيف كانت فتوة الخليل في الضيافة، وقيامه بحقِّ الضيفان، وكان الخليلُ عليه السلام يقوم بنفسه بخدمة الضيفان، فلمَّا سلموا من جانبهم وردَّ عليهم وانْفَضُّوا عن تناولِ طعامِه:
قوله جلّ ذكره: { قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ }.
وَجلون أي خائفون، فإنَّ الإمساكَ عن تناول طعام الكرام موضعٌ للريبة. ولمَّا عَلِمَ أنهم ملائكة خاف أن يكونوا نزلوا لتعذيب قومه إذ كانوا مجرمين. ولكن سكن رَوْعُه عندما قالوا له:
قوله جلّ ذكره: { قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ }.
فليس لك موضِعٌ للوَجَلِ لكن موضِعٌ للفَرَجِ؛ فإنا جئناك مُبَشِّرين، وإن كُنَّا لغيرِكَ مُعَذِّبين.
نحن { نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ }: أي يعيش حتى يعلم، لأن الطفل ليس من أهل العلم، وكانت بشارتُهم بالوَلَدِ وببقاءِ الولد هي العجب فقال:
{ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ }.
قال أبشرتموني وقد مسَّني الكِبَرُ؟ وإنَّ الكبير قد فاته الوقت الذي يفرح فيه من الدنيا بشيء. بماذا تبشروني وقد طَعَنْتُ في السنِّ، وعن قريب أرتحل إلى الآخرة؟ قالوا: بشرناك بالحق فلا تكن من جملة من يقنط من رحمة الله، ولا يقنط من رحمة ربه إلا من كان ضالاً.
قال: كيف أخطأ ظنكم فيّ فتوهمتم أني أقنط من رحمة ربي؟
فلما فرغ قلبه من هذا الحديث، وعرف أنه لن يُصيبَه ضررٌ منهم سألهم عن حالهم:
قوله جلّ ذكره: { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ }.
قال ما شأنكم؟ وإلى أين قصدكم؟
قالوا: أُرْسِلْنا لعذاب قوم لوط، ولننجيَ أهله إلا امرأته لمشاركتها معهم في الفساد، وكانت تدل على أضيافه، فاستوجبت العقوبة.
فلمَّا وافى المرسلون من آل لوطٍ أنكرهم لأنه لم يجدهم على صورة البشر، وتفرَّس فيهم على الجملة أنهم جاءوا لأمرٍ عظيم، قالوا: بل جئناكَ بما كان قومُك يَشُكُّونَ فيه مِنْ تعذيبنا إياهم، وآتيناك بالحق، أي بالحكم الحق.
الحجر 15:54
قوله جلّ ذكره: { وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً }.
أَلا عرِّفهم كيف كانت فتوة الخليل في الضيافة، وقيامه بحقِّ الضيفان، وكان الخليلُ عليه السلام يقوم بنفسه بخدمة الضيفان، فلمَّا سلموا من جانبهم وردَّ عليهم وانْفَضُّوا عن تناولِ طعامِه:
قوله جلّ ذكره: { قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ }.
وَجلون أي خائفون، فإنَّ الإمساكَ عن تناول طعام الكرام موضعٌ للريبة. ولمَّا عَلِمَ أنهم ملائكة خاف أن يكونوا نزلوا لتعذيب قومه إذ كانوا مجرمين. ولكن سكن رَوْعُه عندما قالوا له:
قوله جلّ ذكره: { قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ }.
فليس لك موضِعٌ للوَجَلِ لكن موضِعٌ للفَرَجِ؛ فإنا جئناك مُبَشِّرين، وإن كُنَّا لغيرِكَ مُعَذِّبين.
نحن { نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ }: أي يعيش حتى يعلم، لأن الطفل ليس من أهل العلم، وكانت بشارتُهم بالوَلَدِ وببقاءِ الولد هي العجب فقال:
{ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ }.
قال أبشرتموني وقد مسَّني الكِبَرُ؟ وإنَّ الكبير قد فاته الوقت الذي يفرح فيه من الدنيا بشيء. بماذا تبشروني وقد طَعَنْتُ في السنِّ، وعن قريب أرتحل إلى الآخرة؟ قالوا: بشرناك بالحق فلا تكن من جملة من يقنط من رحمة الله، ولا يقنط من رحمة ربه إلا من كان ضالاً.
قال: كيف أخطأ ظنكم فيّ فتوهمتم أني أقنط من رحمة ربي؟
فلما فرغ قلبه من هذا الحديث، وعرف أنه لن يُصيبَه ضررٌ منهم سألهم عن حالهم:
قوله جلّ ذكره: { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ }.
قال ما شأنكم؟ وإلى أين قصدكم؟
قالوا: أُرْسِلْنا لعذاب قوم لوط، ولننجيَ أهله إلا امرأته لمشاركتها معهم في الفساد، وكانت تدل على أضيافه، فاستوجبت العقوبة.
فلمَّا وافى المرسلون من آل لوطٍ أنكرهم لأنه لم يجدهم على صورة البشر، وتفرَّس فيهم على الجملة أنهم جاءوا لأمرٍ عظيم، قالوا: بل جئناكَ بما كان قومُك يَشُكُّونَ فيه مِنْ تعذيبنا إياهم، وآتيناك بالحق، أي بالحكم الحق.
الحجر 15:55
قوله جلّ ذكره: { وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً }.
أَلا عرِّفهم كيف كانت فتوة الخليل في الضيافة، وقيامه بحقِّ الضيفان، وكان الخليلُ عليه السلام يقوم بنفسه بخدمة الضيفان، فلمَّا سلموا من جانبهم وردَّ عليهم وانْفَضُّوا عن تناولِ طعامِه:
قوله جلّ ذكره: { قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ }.
وَجلون أي خائفون، فإنَّ الإمساكَ عن تناول طعام الكرام موضعٌ للريبة. ولمَّا عَلِمَ أنهم ملائكة خاف أن يكونوا نزلوا لتعذيب قومه إذ كانوا مجرمين. ولكن سكن رَوْعُه عندما قالوا له:
قوله جلّ ذكره: { قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ }.
فليس لك موضِعٌ للوَجَلِ لكن موضِعٌ للفَرَجِ؛ فإنا جئناك مُبَشِّرين، وإن كُنَّا لغيرِكَ مُعَذِّبين.
نحن { نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ }: أي يعيش حتى يعلم، لأن الطفل ليس من أهل العلم، وكانت بشارتُهم بالوَلَدِ وببقاءِ الولد هي العجب فقال:
{ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ }.
قال أبشرتموني وقد مسَّني الكِبَرُ؟ وإنَّ الكبير قد فاته الوقت الذي يفرح فيه من الدنيا بشيء. بماذا تبشروني وقد طَعَنْتُ في السنِّ، وعن قريب أرتحل إلى الآخرة؟ قالوا: بشرناك بالحق فلا تكن من جملة من يقنط من رحمة الله، ولا يقنط من رحمة ربه إلا من كان ضالاً.
قال: كيف أخطأ ظنكم فيّ فتوهمتم أني أقنط من رحمة ربي؟
فلما فرغ قلبه من هذا الحديث، وعرف أنه لن يُصيبَه ضررٌ منهم سألهم عن حالهم:
قوله جلّ ذكره: { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ }.
قال ما شأنكم؟ وإلى أين قصدكم؟
قالوا: أُرْسِلْنا لعذاب قوم لوط، ولننجيَ أهله إلا امرأته لمشاركتها معهم في الفساد، وكانت تدل على أضيافه، فاستوجبت العقوبة.
فلمَّا وافى المرسلون من آل لوطٍ أنكرهم لأنه لم يجدهم على صورة البشر، وتفرَّس فيهم على الجملة أنهم جاءوا لأمرٍ عظيم، قالوا: بل جئناكَ بما كان قومُك يَشُكُّونَ فيه مِنْ تعذيبنا إياهم، وآتيناك بالحق، أي بالحكم الحق.
الحجر 15:56
قوله جلّ ذكره: { وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً }.
أَلا عرِّفهم كيف كانت فتوة الخليل في الضيافة، وقيامه بحقِّ الضيفان، وكان الخليلُ عليه السلام يقوم بنفسه بخدمة الضيفان، فلمَّا سلموا من جانبهم وردَّ عليهم وانْفَضُّوا عن تناولِ طعامِه:
قوله جلّ ذكره: { قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ }.
وَجلون أي خائفون، فإنَّ الإمساكَ عن تناول طعام الكرام موضعٌ للريبة. ولمَّا عَلِمَ أنهم ملائكة خاف أن يكونوا نزلوا لتعذيب قومه إذ كانوا مجرمين. ولكن سكن رَوْعُه عندما قالوا له:
قوله جلّ ذكره: { قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ }.
فليس لك موضِعٌ للوَجَلِ لكن موضِعٌ للفَرَجِ؛ فإنا جئناك مُبَشِّرين، وإن كُنَّا لغيرِكَ مُعَذِّبين.
نحن { نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ }: أي يعيش حتى يعلم، لأن الطفل ليس من أهل العلم، وكانت بشارتُهم بالوَلَدِ وببقاءِ الولد هي العجب فقال:
{ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ }.
قال أبشرتموني وقد مسَّني الكِبَرُ؟ وإنَّ الكبير قد فاته الوقت الذي يفرح فيه من الدنيا بشيء. بماذا تبشروني وقد طَعَنْتُ في السنِّ، وعن قريب أرتحل إلى الآخرة؟ قالوا: بشرناك بالحق فلا تكن من جملة من يقنط من رحمة الله، ولا يقنط من رحمة ربه إلا من كان ضالاً.
قال: كيف أخطأ ظنكم فيّ فتوهمتم أني أقنط من رحمة ربي؟
فلما فرغ قلبه من هذا الحديث، وعرف أنه لن يُصيبَه ضررٌ منهم سألهم عن حالهم:
قوله جلّ ذكره: { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ }.
قال ما شأنكم؟ وإلى أين قصدكم؟
قالوا: أُرْسِلْنا لعذاب قوم لوط، ولننجيَ أهله إلا امرأته لمشاركتها معهم في الفساد، وكانت تدل على أضيافه، فاستوجبت العقوبة.
فلمَّا وافى المرسلون من آل لوطٍ أنكرهم لأنه لم يجدهم على صورة البشر، وتفرَّس فيهم على الجملة أنهم جاءوا لأمرٍ عظيم، قالوا: بل جئناكَ بما كان قومُك يَشُكُّونَ فيه مِنْ تعذيبنا إياهم، وآتيناك بالحق، أي بالحكم الحق.
الحجر 15:57
قوله جلّ ذكره: { وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً }.
أَلا عرِّفهم كيف كانت فتوة الخليل في الضيافة، وقيامه بحقِّ الضيفان، وكان الخليلُ عليه السلام يقوم بنفسه بخدمة الضيفان، فلمَّا سلموا من جانبهم وردَّ عليهم وانْفَضُّوا عن تناولِ طعامِه:
قوله جلّ ذكره: { قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ }.
وَجلون أي خائفون، فإنَّ الإمساكَ عن تناول طعام الكرام موضعٌ للريبة. ولمَّا عَلِمَ أنهم ملائكة خاف أن يكونوا نزلوا لتعذيب قومه إذ كانوا مجرمين. ولكن سكن رَوْعُه عندما قالوا له:
قوله جلّ ذكره: { قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ }.
فليس لك موضِعٌ للوَجَلِ لكن موضِعٌ للفَرَجِ؛ فإنا جئناك مُبَشِّرين، وإن كُنَّا لغيرِكَ مُعَذِّبين.
نحن { نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ }: أي يعيش حتى يعلم، لأن الطفل ليس من أهل العلم، وكانت بشارتُهم بالوَلَدِ وببقاءِ الولد هي العجب فقال:
{ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ }.
قال أبشرتموني وقد مسَّني الكِبَرُ؟ وإنَّ الكبير قد فاته الوقت الذي يفرح فيه من الدنيا بشيء. بماذا تبشروني وقد طَعَنْتُ في السنِّ، وعن قريب أرتحل إلى الآخرة؟ قالوا: بشرناك بالحق فلا تكن من جملة من يقنط من رحمة الله، ولا يقنط من رحمة ربه إلا من كان ضالاً.
قال: كيف أخطأ ظنكم فيّ فتوهمتم أني أقنط من رحمة ربي؟
فلما فرغ قلبه من هذا الحديث، وعرف أنه لن يُصيبَه ضررٌ منهم سألهم عن حالهم:
قوله جلّ ذكره: { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ }.
قال ما شأنكم؟ وإلى أين قصدكم؟
قالوا: أُرْسِلْنا لعذاب قوم لوط، ولننجيَ أهله إلا امرأته لمشاركتها معهم في الفساد، وكانت تدل على أضيافه، فاستوجبت العقوبة.
فلمَّا وافى المرسلون من آل لوطٍ أنكرهم لأنه لم يجدهم على صورة البشر، وتفرَّس فيهم على الجملة أنهم جاءوا لأمرٍ عظيم، قالوا: بل جئناكَ بما كان قومُك يَشُكُّونَ فيه مِنْ تعذيبنا إياهم، وآتيناك بالحق، أي بالحكم الحق.
الحجر 15:58
قوله جلّ ذكره: { وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً }.
أَلا عرِّفهم كيف كانت فتوة الخليل في الضيافة، وقيامه بحقِّ الضيفان، وكان الخليلُ عليه السلام يقوم بنفسه بخدمة الضيفان، فلمَّا سلموا من جانبهم وردَّ عليهم وانْفَضُّوا عن تناولِ طعامِه:
قوله جلّ ذكره: { قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ }.
وَجلون أي خائفون، فإنَّ الإمساكَ عن تناول طعام الكرام موضعٌ للريبة. ولمَّا عَلِمَ أنهم ملائكة خاف أن يكونوا نزلوا لتعذيب قومه إذ كانوا مجرمين. ولكن سكن رَوْعُه عندما قالوا له:
قوله جلّ ذكره: { قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ }.
فليس لك موضِعٌ للوَجَلِ لكن موضِعٌ للفَرَجِ؛ فإنا جئناك مُبَشِّرين، وإن كُنَّا لغيرِكَ مُعَذِّبين.
نحن { نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ }: أي يعيش حتى يعلم، لأن الطفل ليس من أهل العلم، وكانت بشارتُهم بالوَلَدِ وببقاءِ الولد هي العجب فقال:
{ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ }.
قال أبشرتموني وقد مسَّني الكِبَرُ؟ وإنَّ الكبير قد فاته الوقت الذي يفرح فيه من الدنيا بشيء. بماذا تبشروني وقد طَعَنْتُ في السنِّ، وعن قريب أرتحل إلى الآخرة؟ قالوا: بشرناك بالحق فلا تكن من جملة من يقنط من رحمة الله، ولا يقنط من رحمة ربه إلا من كان ضالاً.
قال: كيف أخطأ ظنكم فيّ فتوهمتم أني أقنط من رحمة ربي؟
فلما فرغ قلبه من هذا الحديث، وعرف أنه لن يُصيبَه ضررٌ منهم سألهم عن حالهم:
قوله جلّ ذكره: { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ }.
قال ما شأنكم؟ وإلى أين قصدكم؟
قالوا: أُرْسِلْنا لعذاب قوم لوط، ولننجيَ أهله إلا امرأته لمشاركتها معهم في الفساد، وكانت تدل على أضيافه، فاستوجبت العقوبة.
فلمَّا وافى المرسلون من آل لوطٍ أنكرهم لأنه لم يجدهم على صورة البشر، وتفرَّس فيهم على الجملة أنهم جاءوا لأمرٍ عظيم، قالوا: بل جئناكَ بما كان قومُك يَشُكُّونَ فيه مِنْ تعذيبنا إياهم، وآتيناك بالحق، أي بالحكم الحق.
الحجر 15:59
قوله جلّ ذكره: { وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً }.
أَلا عرِّفهم كيف كانت فتوة الخليل في الضيافة، وقيامه بحقِّ الضيفان، وكان الخليلُ عليه السلام يقوم بنفسه بخدمة الضيفان، فلمَّا سلموا من جانبهم وردَّ عليهم وانْفَضُّوا عن تناولِ طعامِه:
قوله جلّ ذكره: { قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ }.
وَجلون أي خائفون، فإنَّ الإمساكَ عن تناول طعام الكرام موضعٌ للريبة. ولمَّا عَلِمَ أنهم ملائكة خاف أن يكونوا نزلوا لتعذيب قومه إذ كانوا مجرمين. ولكن سكن رَوْعُه عندما قالوا له:
قوله جلّ ذكره: { قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ }.
فليس لك موضِعٌ للوَجَلِ لكن موضِعٌ للفَرَجِ؛ فإنا جئناك مُبَشِّرين، وإن كُنَّا لغيرِكَ مُعَذِّبين.
نحن { نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ }: أي يعيش حتى يعلم، لأن الطفل ليس من أهل العلم، وكانت بشارتُهم بالوَلَدِ وببقاءِ الولد هي العجب فقال:
{ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ }.
قال أبشرتموني وقد مسَّني الكِبَرُ؟ وإنَّ الكبير قد فاته الوقت الذي يفرح فيه من الدنيا بشيء. بماذا تبشروني وقد طَعَنْتُ في السنِّ، وعن قريب أرتحل إلى الآخرة؟ قالوا: بشرناك بالحق فلا تكن من جملة من يقنط من رحمة الله، ولا يقنط من رحمة ربه إلا من كان ضالاً.
قال: كيف أخطأ ظنكم فيّ فتوهمتم أني أقنط من رحمة ربي؟
فلما فرغ قلبه من هذا الحديث، وعرف أنه لن يُصيبَه ضررٌ منهم سألهم عن حالهم:
قوله جلّ ذكره: { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ }.
قال ما شأنكم؟ وإلى أين قصدكم؟
قالوا: أُرْسِلْنا لعذاب قوم لوط، ولننجيَ أهله إلا امرأته لمشاركتها معهم في الفساد، وكانت تدل على أضيافه، فاستوجبت العقوبة.
فلمَّا وافى المرسلون من آل لوطٍ أنكرهم لأنه لم يجدهم على صورة البشر، وتفرَّس فيهم على الجملة أنهم جاءوا لأمرٍ عظيم، قالوا: بل جئناكَ بما كان قومُك يَشُكُّونَ فيه مِنْ تعذيبنا إياهم، وآتيناك بالحق، أي بالحكم الحق.
الحجر 15:60
قوله جلّ ذكره: { وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً }.
أَلا عرِّفهم كيف كانت فتوة الخليل في الضيافة، وقيامه بحقِّ الضيفان، وكان الخليلُ عليه السلام يقوم بنفسه بخدمة الضيفان، فلمَّا سلموا من جانبهم وردَّ عليهم وانْفَضُّوا عن تناولِ طعامِه:
قوله جلّ ذكره: { قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ }.
وَجلون أي خائفون، فإنَّ الإمساكَ عن تناول طعام الكرام موضعٌ للريبة. ولمَّا عَلِمَ أنهم ملائكة خاف أن يكونوا نزلوا لتعذيب قومه إذ كانوا مجرمين. ولكن سكن رَوْعُه عندما قالوا له:
قوله جلّ ذكره: { قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ }.
فليس لك موضِعٌ للوَجَلِ لكن موضِعٌ للفَرَجِ؛ فإنا جئناك مُبَشِّرين، وإن كُنَّا لغيرِكَ مُعَذِّبين.
نحن { نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ }: أي يعيش حتى يعلم، لأن الطفل ليس من أهل العلم، وكانت بشارتُهم بالوَلَدِ وببقاءِ الولد هي العجب فقال:
{ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ }.
قال أبشرتموني وقد مسَّني الكِبَرُ؟ وإنَّ الكبير قد فاته الوقت الذي يفرح فيه من الدنيا بشيء. بماذا تبشروني وقد طَعَنْتُ في السنِّ، وعن قريب أرتحل إلى الآخرة؟ قالوا: بشرناك بالحق فلا تكن من جملة من يقنط من رحمة الله، ولا يقنط من رحمة ربه إلا من كان ضالاً.
قال: كيف أخطأ ظنكم فيّ فتوهمتم أني أقنط من رحمة ربي؟
فلما فرغ قلبه من هذا الحديث، وعرف أنه لن يُصيبَه ضررٌ منهم سألهم عن حالهم:
قوله جلّ ذكره: { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ }.
قال ما شأنكم؟ وإلى أين قصدكم؟
قالوا: أُرْسِلْنا لعذاب قوم لوط، ولننجيَ أهله إلا امرأته لمشاركتها معهم في الفساد، وكانت تدل على أضيافه، فاستوجبت العقوبة.
فلمَّا وافى المرسلون من آل لوطٍ أنكرهم لأنه لم يجدهم على صورة البشر، وتفرَّس فيهم على الجملة أنهم جاءوا لأمرٍ عظيم، قالوا: بل جئناكَ بما كان قومُك يَشُكُّونَ فيه مِنْ تعذيبنا إياهم، وآتيناك بالحق، أي بالحكم الحق.
الحجر 15:65
قوله جلّ ذكره: { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيلِ وَٱتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ }.
فأَسْرِ بأهلك بعدما يمضي شيءٌ من الليل، وامش خلفهم، وقدِّمهم عليك، واتبع أدبارهم، ولا يلتفت منكم أحد لئلا يَرَوْا ما ينزل بقومهم من العذاب، وإنا ننقذك وأهلَكَ إلا امرأَتَك، فإنا نعذبها لمشاركتها مع قومك في العصيان. { وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ } فلكم السلام ولقومكم العقوبة.
{ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ } أي عَلَّمْناه وعَرَّفْناه: { أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ }؛ أي أنهم مُهْلَكون ومُسْتَأْصَلُون بالعقوبة.
ثم لما نزل الملائكةُ بلوط عليه السلام قال لقومه إن هؤلاء أضيافي، فلا تتعرضوا لهم فتفضحوني، واتقوا اللَّهَ، وذروا مخالفة أمره ولا تخْجِلوني. فقال قومه: ألم نَنْهَكَ عن أن تحمي أحداً، وأمرناك ألا تمنعَ مِنَّا أحداً؟ فقال: هؤلاء بناتي يعني نساء أمتي. وقال قومٌ: أراد بناتِه من صلبه، عَرَضَهن عليهم لئلا يُلِمُّوا بتلك الغلطة الفحشاء، فلم تنجع فيهم نصيحة، ولم يُقْلِعوا عن خبيثِ قَصْدِهم.
فأخبره الملائكة ألا يخافَ عليهم، وسكنوا من رَوْعه حين أخبروه بحقيقة أمرهم، وأنهم إنما أرسلوا للعقوبة.
الحجر 15:66
قوله جلّ ذكره: { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيلِ وَٱتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ }.
فأَسْرِ بأهلك بعدما يمضي شيءٌ من الليل، وامش خلفهم، وقدِّمهم عليك، واتبع أدبارهم، ولا يلتفت منكم أحد لئلا يَرَوْا ما ينزل بقومهم من العذاب، وإنا ننقذك وأهلَكَ إلا امرأَتَك، فإنا نعذبها لمشاركتها مع قومك في العصيان. { وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ } فلكم السلام ولقومكم العقوبة.
{ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ } أي عَلَّمْناه وعَرَّفْناه: { أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ }؛ أي أنهم مُهْلَكون ومُسْتَأْصَلُون بالعقوبة.
ثم لما نزل الملائكةُ بلوط عليه السلام قال لقومه إن هؤلاء أضيافي، فلا تتعرضوا لهم فتفضحوني، واتقوا اللَّهَ، وذروا مخالفة أمره ولا تخْجِلوني. فقال قومه: ألم نَنْهَكَ عن أن تحمي أحداً، وأمرناك ألا تمنعَ مِنَّا أحداً؟ فقال: هؤلاء بناتي يعني نساء أمتي. وقال قومٌ: أراد بناتِه من صلبه، عَرَضَهن عليهم لئلا يُلِمُّوا بتلك الغلطة الفحشاء، فلم تنجع فيهم نصيحة، ولم يُقْلِعوا عن خبيثِ قَصْدِهم.
فأخبره الملائكة ألا يخافَ عليهم، وسكنوا من رَوْعه حين أخبروه بحقيقة أمرهم، وأنهم إنما أرسلوا للعقوبة.
الحجر 15:72
أقسم بحياته تخصيصاً له في شرفه، وتفضيلاً له على سائر البرية، فقال وحياتك - يا محمد - إنهم لفي ضلالتهم وسكرة غفلتهم يتردُّون، وإنهم عن شِرْكهم لا يُقْلِعون.
ويقال أقسم بحياته لأنه لم يكن في وقته حياة أشرف من حياته - إنهم في خُمَارِ سُكْرِهم، وغفلةِ ضلالتهم لا يترقبون عقوبةً، ولا يخافون سوءاً.
الحجر 15:73
باتوا في حبور وسرور، وأصبحوا في محنة وثبور، وخرَّت عليهم سقوفُهم، وجعلنا مُدَتَهم ومنازِلهم عاليَها سافِلَها، وأمطرنا عليهم من العقوبة ما لم يُبْقِ عيناً ولا أَثَراً، إنَّ في ذلك لَعِبْرة لمن اعتبر، ودلالةً ظاهرة لمن استبصر، { وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ } لِمَنْ شاءَ أن يَعْتَبِرْ.
قوله جلّ ذكره: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ }.
جاء في التفسير " المتفرسين " ، والفراسةُ خاطرٌ يحصل من غير أن يعارضه ما يخالفه عند ظهورِ برهانٍ عليه، فيخرج من القلب عين ما يقع لصاحب الفراسة. مشتق من فريسة الأسد إذ لفريسته يقهر. والحق - سبحانه - يُطْلِعُ أولياءه على ما خفي على غيرهم. وصاحب الفراسة لا يكون بشرط التفرس في جميع الأشياء وفي جميع الأوقات؛ بل يجوز أن تُسَدَّ عليه عيونُ الفراسة في بعض الأوقات كالأنبياء عليهم السلام؛ فَنِبِيُّنا - صلى الله عليه وسلم - كان يقول لعائشة - رضي الله عنها - في زمان الإفك: " إنْ كُنْتِ فعلتِ فتوبى إلى الله " وكإبراهيم ولوط - عليهما السلام - لم يعرفا الرسل.
الحجر 15:74
باتوا في حبور وسرور، وأصبحوا في محنة وثبور، وخرَّت عليهم سقوفُهم، وجعلنا مُدَتَهم ومنازِلهم عاليَها سافِلَها، وأمطرنا عليهم من العقوبة ما لم يُبْقِ عيناً ولا أَثَراً، إنَّ في ذلك لَعِبْرة لمن اعتبر، ودلالةً ظاهرة لمن استبصر، { وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ } لِمَنْ شاءَ أن يَعْتَبِرْ.
قوله جلّ ذكره: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ }.
جاء في التفسير " المتفرسين " ، والفراسةُ خاطرٌ يحصل من غير أن يعارضه ما يخالفه عند ظهورِ برهانٍ عليه، فيخرج من القلب عين ما يقع لصاحب الفراسة. مشتق من فريسة الأسد إذ لفريسته يقهر. والحق - سبحانه - يُطْلِعُ أولياءه على ما خفي على غيرهم. وصاحب الفراسة لا يكون بشرط التفرس في جميع الأشياء وفي جميع الأوقات؛ بل يجوز أن تُسَدَّ عليه عيونُ الفراسة في بعض الأوقات كالأنبياء عليهم السلام؛ فَنِبِيُّنا - صلى الله عليه وسلم - كان يقول لعائشة - رضي الله عنها - في زمان الإفك: " إنْ كُنْتِ فعلتِ فتوبى إلى الله " وكإبراهيم ولوط - عليهما السلام - لم يعرفا الرسل.
الحجر 15:75
باتوا في حبور وسرور، وأصبحوا في محنة وثبور، وخرَّت عليهم سقوفُهم، وجعلنا مُدَتَهم ومنازِلهم عاليَها سافِلَها، وأمطرنا عليهم من العقوبة ما لم يُبْقِ عيناً ولا أَثَراً، إنَّ في ذلك لَعِبْرة لمن اعتبر، ودلالةً ظاهرة لمن استبصر، { وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ } لِمَنْ شاءَ أن يَعْتَبِرْ.
قوله جلّ ذكره: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ }.
جاء في التفسير " المتفرسين " ، والفراسةُ خاطرٌ يحصل من غير أن يعارضه ما يخالفه عند ظهورِ برهانٍ عليه، فيخرج من القلب عين ما يقع لصاحب الفراسة. مشتق من فريسة الأسد إذ لفريسته يقهر. والحق - سبحانه - يُطْلِعُ أولياءه على ما خفي على غيرهم. وصاحب الفراسة لا يكون بشرط التفرس في جميع الأشياء وفي جميع الأوقات؛ بل يجوز أن تُسَدَّ عليه عيونُ الفراسة في بعض الأوقات كالأنبياء عليهم السلام؛ فَنِبِيُّنا - صلى الله عليه وسلم - كان يقول لعائشة - رضي الله عنها - في زمان الإفك: " إنْ كُنْتِ فعلتِ فتوبى إلى الله " وكإبراهيم ولوط - عليهما السلام - لم يعرفا الرسل.
الحجر 15:76
باتوا في حبور وسرور، وأصبحوا في محنة وثبور، وخرَّت عليهم سقوفُهم، وجعلنا مُدَتَهم ومنازِلهم عاليَها سافِلَها، وأمطرنا عليهم من العقوبة ما لم يُبْقِ عيناً ولا أَثَراً، إنَّ في ذلك لَعِبْرة لمن اعتبر، ودلالةً ظاهرة لمن استبصر، { وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ } لِمَنْ شاءَ أن يَعْتَبِرْ.
قوله جلّ ذكره: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ }.
جاء في التفسير " المتفرسين " ، والفراسةُ خاطرٌ يحصل من غير أن يعارضه ما يخالفه عند ظهورِ برهانٍ عليه، فيخرج من القلب عين ما يقع لصاحب الفراسة. مشتق من فريسة الأسد إذ لفريسته يقهر. والحق - سبحانه - يُطْلِعُ أولياءه على ما خفي على غيرهم. وصاحب الفراسة لا يكون بشرط التفرس في جميع الأشياء وفي جميع الأوقات؛ بل يجوز أن تُسَدَّ عليه عيونُ الفراسة في بعض الأوقات كالأنبياء عليهم السلام؛ فَنِبِيُّنا - صلى الله عليه وسلم - كان يقول لعائشة - رضي الله عنها - في زمان الإفك: " إنْ كُنْتِ فعلتِ فتوبى إلى الله " وكإبراهيم ولوط - عليهما السلام - لم يعرفا الرسل.
الحجر 15:77
باتوا في حبور وسرور، وأصبحوا في محنة وثبور، وخرَّت عليهم سقوفُهم، وجعلنا مُدَتَهم ومنازِلهم عاليَها سافِلَها، وأمطرنا عليهم من العقوبة ما لم يُبْقِ عيناً ولا أَثَراً، إنَّ في ذلك لَعِبْرة لمن اعتبر، ودلالةً ظاهرة لمن استبصر، { وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ } لِمَنْ شاءَ أن يَعْتَبِرْ.
قوله جلّ ذكره: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ }.
جاء في التفسير " المتفرسين " ، والفراسةُ خاطرٌ يحصل من غير أن يعارضه ما يخالفه عند ظهورِ برهانٍ عليه، فيخرج من القلب عين ما يقع لصاحب الفراسة. مشتق من فريسة الأسد إذ لفريسته يقهر. والحق - سبحانه - يُطْلِعُ أولياءه على ما خفي على غيرهم. وصاحب الفراسة لا يكون بشرط التفرس في جميع الأشياء وفي جميع الأوقات؛ بل يجوز أن تُسَدَّ عليه عيونُ الفراسة في بعض الأوقات كالأنبياء عليهم السلام؛ فَنِبِيُّنا - صلى الله عليه وسلم - كان يقول لعائشة - رضي الله عنها - في زمان الإفك: " إنْ كُنْتِ فعلتِ فتوبى إلى الله " وكإبراهيم ولوط - عليهما السلام - لم يعرفا الرسل.
الحجر 15:78
أصحاب الأيكة هم قوم شعيب، وكان شعيب - عليه السلام - مبعوثاً لهم فَكَذَّبوه، فانتقمنا منهم.
قوله: { وَإِنَّهُمَا } يعني مدين والأيكة... { لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ }: أي بطريق واضح مَنْ قصده (...).
وكذلك أخبر أن أصحاب الحجر - وهم ثمود - كذبوا المرسلين إليهم، وأنهم أعرضوا عن الآيات التي هي المعجزات كناقةِ صالح وغيرها، وأنهم كانوا أخلدوا إلى الأرضين وكانوا مُغْتَرِّين بطول إمهال الله إياهم من تأخير العقوبة عنهم، وكانوا يتخذون من الجبال بيوتاً، ويظنون أنهم على أنفسهم آمِنُون من الموت والعذاب.
ثم أخبر أنهم أَخَذَتْهم الصيحةُ على بغتةِ، ولم تُغْنِ عنهم حيلتُهم لمَّا حَلَّ حَيْنُهم.
الحجر 15:79
أصحاب الأيكة هم قوم شعيب، وكان شعيب - عليه السلام - مبعوثاً لهم فَكَذَّبوه، فانتقمنا منهم.
قوله: { وَإِنَّهُمَا } يعني مدين والأيكة... { لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ }: أي بطريق واضح مَنْ قصده (...).
وكذلك أخبر أن أصحاب الحجر - وهم ثمود - كذبوا المرسلين إليهم، وأنهم أعرضوا عن الآيات التي هي المعجزات كناقةِ صالح وغيرها، وأنهم كانوا أخلدوا إلى الأرضين وكانوا مُغْتَرِّين بطول إمهال الله إياهم من تأخير العقوبة عنهم، وكانوا يتخذون من الجبال بيوتاً، ويظنون أنهم على أنفسهم آمِنُون من الموت والعذاب.
ثم أخبر أنهم أَخَذَتْهم الصيحةُ على بغتةِ، ولم تُغْنِ عنهم حيلتُهم لمَّا حَلَّ حَيْنُهم.
الحجر 15:80
أصحاب الأيكة هم قوم شعيب، وكان شعيب - عليه السلام - مبعوثاً لهم فَكَذَّبوه، فانتقمنا منهم.
قوله: { وَإِنَّهُمَا } يعني مدين والأيكة... { لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ }: أي بطريق واضح مَنْ قصده (...).
وكذلك أخبر أن أصحاب الحجر - وهم ثمود - كذبوا المرسلين إليهم، وأنهم أعرضوا عن الآيات التي هي المعجزات كناقةِ صالح وغيرها، وأنهم كانوا أخلدوا إلى الأرضين وكانوا مُغْتَرِّين بطول إمهال الله إياهم من تأخير العقوبة عنهم، وكانوا يتخذون من الجبال بيوتاً، ويظنون أنهم على أنفسهم آمِنُون من الموت والعذاب.
ثم أخبر أنهم أَخَذَتْهم الصيحةُ على بغتةِ، ولم تُغْنِ عنهم حيلتُهم لمَّا حَلَّ حَيْنُهم.
الحجر 15:81
أصحاب الأيكة هم قوم شعيب، وكان شعيب - عليه السلام - مبعوثاً لهم فَكَذَّبوه، فانتقمنا منهم.
قوله: { وَإِنَّهُمَا } يعني مدين والأيكة... { لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ }: أي بطريق واضح مَنْ قصده (...).
وكذلك أخبر أن أصحاب الحجر - وهم ثمود - كذبوا المرسلين إليهم، وأنهم أعرضوا عن الآيات التي هي المعجزات كناقةِ صالح وغيرها، وأنهم كانوا أخلدوا إلى الأرضين وكانوا مُغْتَرِّين بطول إمهال الله إياهم من تأخير العقوبة عنهم، وكانوا يتخذون من الجبال بيوتاً، ويظنون أنهم على أنفسهم آمِنُون من الموت والعذاب.
ثم أخبر أنهم أَخَذَتْهم الصيحةُ على بغتةِ، ولم تُغْنِ عنهم حيلتُهم لمَّا حَلَّ حَيْنُهم.
الحجر 15:82
أصحاب الأيكة هم قوم شعيب، وكان شعيب - عليه السلام - مبعوثاً لهم فَكَذَّبوه، فانتقمنا منهم.
قوله: { وَإِنَّهُمَا } يعني مدين والأيكة... { لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ }: أي بطريق واضح مَنْ قصده (...).
وكذلك أخبر أن أصحاب الحجر - وهم ثمود - كذبوا المرسلين إليهم، وأنهم أعرضوا عن الآيات التي هي المعجزات كناقةِ صالح وغيرها، وأنهم كانوا أخلدوا إلى الأرضين وكانوا مُغْتَرِّين بطول إمهال الله إياهم من تأخير العقوبة عنهم، وكانوا يتخذون من الجبال بيوتاً، ويظنون أنهم على أنفسهم آمِنُون من الموت والعذاب.
ثم أخبر أنهم أَخَذَتْهم الصيحةُ على بغتةِ، ولم تُغْنِ عنهم حيلتُهم لمَّا حَلَّ حَيْنُهم.
الحجر 15:83
أصحاب الأيكة هم قوم شعيب، وكان شعيب - عليه السلام - مبعوثاً لهم فَكَذَّبوه، فانتقمنا منهم.
قوله: { وَإِنَّهُمَا } يعني مدين والأيكة... { لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ }: أي بطريق واضح مَنْ قصده (...).
وكذلك أخبر أن أصحاب الحجر - وهم ثمود - كذبوا المرسلين إليهم، وأنهم أعرضوا عن الآيات التي هي المعجزات كناقةِ صالح وغيرها، وأنهم كانوا أخلدوا إلى الأرضين وكانوا مُغْتَرِّين بطول إمهال الله إياهم من تأخير العقوبة عنهم، وكانوا يتخذون من الجبال بيوتاً، ويظنون أنهم على أنفسهم آمِنُون من الموت والعذاب.
ثم أخبر أنهم أَخَذَتْهم الصيحةُ على بغتةِ، ولم تُغْنِ عنهم حيلتُهم لمَّا حَلَّ حَيْنُهم.
الحجر 15:84
أصحاب الأيكة هم قوم شعيب، وكان شعيب - عليه السلام - مبعوثاً لهم فَكَذَّبوه، فانتقمنا منهم.
قوله: { وَإِنَّهُمَا } يعني مدين والأيكة... { لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ }: أي بطريق واضح مَنْ قصده (...).
وكذلك أخبر أن أصحاب الحجر - وهم ثمود - كذبوا المرسلين إليهم، وأنهم أعرضوا عن الآيات التي هي المعجزات كناقةِ صالح وغيرها، وأنهم كانوا أخلدوا إلى الأرضين وكانوا مُغْتَرِّين بطول إمهال الله إياهم من تأخير العقوبة عنهم، وكانوا يتخذون من الجبال بيوتاً، ويظنون أنهم على أنفسهم آمِنُون من الموت والعذاب.
ثم أخبر أنهم أَخَذَتْهم الصيحةُ على بغتةِ، ولم تُغْنِ عنهم حيلتُهم لمَّا حَلَّ حَيْنُهم.
الحجر 15:85
قوله جلّ ذكره: { وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ }.
دلَّت الآيةُ على أنَّ أكسابَ العباد مخلوقةٌ لله لأنها بين السماوات والأرض.
قوله جلّ ذكره: { إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ }.
{ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ }: أي وأنا مُحقٌّ فيه ويقال { بِٱلْحَقِّ }: بالأمرِ العظيم الكائن إنْ الساعة لآتيةٌ يعني القيامَةَ.
قوله جلّ ذكره: { فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ }.
يقال الصفح الجميل الذي تذكر الزَّلَّةُ فيه.
ويقال الصفح الجميل سحبُ ذيل الكَرَمِ على ما كان مِنْ غير عَقْدِ الزَّلَّة، بلا ذِكْرٍ لما سَلَفَ من الذنب، كما قيل:تعالوا نصطلح ويكون مِنَّا
(..............)
ويقال الصفح الجميل الاعتذار عن الجُرْم بلا عدِّ الذنوب من المجرم، والإقرار بأن، الذنب كان منك لا من العاصي، قال قائلهم:(وتُذْنِبون فنسي ونعتذر)
الحجر 15:86
{ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ } إذ لا يصح الفعل بوصف الانتظام والاتساق من غير عالِم.
الحجر 15:87
أكثَرُ المفسرين على أنها سورة الفاتحة، وسميت مثاني لأنها نزلت مرتين: مرة بمكة ومرة بالمدينة، ولأنها شيء في كل صلاةِ يتكرر، من " التثنية " وهي التكرير، أو لأن بعضها يضاف إلى الحق وبعضها يضاف إلى الخلق.. ومعنى هذا مذكور في كتب التفاسير.
الحجر 15:88
قوله جلّ ذكره: { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ }.
لم يُسَلِّمْ له إشباع النظر إلى زَهْرَة الدنيا وزينتِها.
ويقال غار على عينيه - صلى الله عليه وسلم - أن يستعملَها في النظر إلى المخلوقات.
ويقال أَدَّبَه اللَّهُ - سبحانه - بهذا التأديب حتى لا يُعِيرَ طَرْفَه من حيث الاستئناس به.
ويقال أمره بحفظ الوفاء لأنه لمَّا لم يكن اليومَ سبيلٌ لأحد إلى رؤيته، فلا تمدن عينيك إلى ملاحظة شيء من جملة ما خوَّلْناهم، كما قال بعضهم:لمَّا تَيَقَّنْتُ أني لسْتُ أبصركم أغمضتُ عيني فلم أنظر إلى أحد
ويقال شَتَّانَ بينه وبين موسى - عليه السلام! قال له:{ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ } [الأعراف: 143]، ونبينا - صلى الله عليه وسلم - مَنَعَه من النظر إلى المخلوقات بوصفٍ هو تمام النظر فقال:{ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } [طه: 131].
ويقال إذا لم يسلم له إشباع النظر بظاهره إلى الدنيا فكيف يسلم له السكون بقلبه إلى غير الله؟!
ويقال لما أُمِرَ بِغَضِّ بَصَرِه عما يتمتُّع به الكفارُ في الدنيا تَأَدَّبَ - عليه السلام - فلم ينظرْ ليلةَ المعراج إلى شيءٍ مما رأى في الآخرة، فأثنى عليه الحقُّ بقوله:{ مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ } [النجم: 17] وكان يقول لكل شيءٍ رآه " التحيات لله " أي المُلْكُ لله.
قوله جلّ ذكره: { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ }.
أدّبه حتى لا يتغير بصفة أحد، وهذه حال التمكين.
قوله جلّ ذكره: { وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ }.
أي أَلِنْ لهم جانبَكَ. وكان عليه السلام إذا استعانت به الوليدة في الشافعة إلى مواليها يمضي معها...إلى غير ذلك من حسن خُلُق - صلوات الله عليه - وكان في الخبر إنه كان يخدم بيته وكان في (مهنة) أهله. وتولَّى خدمة الوفد، وكان يقول؛ " سيدُ القومِ خادمُهم ".
الحجر 15:89
لمَّا لم يكن بنفسه وكان قائماً بحقه - سبحانه وتعالى - سَلّمَ له أن يقول: إني وأنا. وفي الخبر: أن جابراً دَقَّ عليه الباب، فقال: مَنْ؟ قال: أنا... فقال النبي عليه السلام: " أنا أنا "... كأنه كرهها.
ويقال: قُلْ لا حدَّ لاستهلاكك فينا، سلَّمنا أن تقول: إني أنا، لما كنتَ بنا ولنا.
الحجر 15:90
قوله جلّ ذكره: { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ }.
أي قل إني أنا لكم مُنْذِرٌ بعذابٍ كالعذاب الذي عذَّبْنا به المقتسمين؛ وهم الذين تقاسموا بالله لنبيِّه في قصة صالح عليه السلام. وقيل هم من أهل الكتاب الذين اقتسموا كتاب الله؛ فآمنوا ببعضِه وكفروا ببعضِه.
ويقال إني لكم نذير أخوفكم عقوبة المقتسمين الذين اقتسموا الجبال والطرق بمكة في الموسم، وصدوا الناس. وكان الواحد منهم يقول لِمَنْ مَرَّ به: لا تُؤْمِنْ بمحمدٍ فإنه ساحر، ويقول الآخر: إنه كاهن ويقول ثالث: إنه مجنون، فهم بأقسامهم: { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ }.
ففرقوا القول فيه، فقال بعضهم إنه شعر، وقال بعضهم إنه سحر، وقال بعضهم إنه كهانة... إلى غير ذلك.
الحجر 15:91
قوله جلّ ذكره: { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ }.
أي قل إني أنا لكم مُنْذِرٌ بعذابٍ كالعذاب الذي عذَّبْنا به المقتسمين؛ وهم الذين تقاسموا بالله لنبيِّه في قصة صالح عليه السلام. وقيل هم من أهل الكتاب الذين اقتسموا كتاب الله؛ فآمنوا ببعضِه وكفروا ببعضِه.
ويقال إني لكم نذير أخوفكم عقوبة المقتسمين الذين اقتسموا الجبال والطرق بمكة في الموسم، وصدوا الناس. وكان الواحد منهم يقول لِمَنْ مَرَّ به: لا تُؤْمِنْ بمحمدٍ فإنه ساحر، ويقول الآخر: إنه كاهن ويقول ثالث: إنه مجنون، فهم بأقسامهم: { ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ }.
ففرقوا القول فيه، فقال بعضهم إنه شعر، وقال بعضهم إنه سحر، وقال بعضهم إنه كهانة... إلى غير ذلك.
الحجر 15:92
العوام يسألهم عن تصحيح أعمالهم، والخواص يسألهم عن تصحيح أحوالهم.
ويقال يسأل قوماً عن حركات ظواهرهم، ويسأل آخرين عن خطرات سرائرهم. ويسأل الصديقين عن تصحيح المعاني بفعالهم، ويسأل المدَّعين عن تصحيح الدعاوى تعنيفاً لهم.
ويقال سماع هذه الآية يوجب لقوم أْنساً وسروراً حيث علموا أنه يكلِّمهم ونُسْمِعُهُم خطابَه لاشتياقِهم إليه، ولا عَجَبَ في ذلك فالمخلوق يقول في مخلوق:في الخَفِراتِ البيضِ وَدَّ جليسُها إذا ما انتهت أُحْدُوثَةٌ لَوْ تُعِيدُهَا
فلا أسعدَ مِنْ بَشَرٍ يعرف أَنَّ مولاه غداً سيكلمه.
الحجر 15:93
العوام يسألهم عن تصحيح أعمالهم، والخواص يسألهم عن تصحيح أحوالهم.
ويقال يسأل قوماً عن حركات ظواهرهم، ويسأل آخرين عن خطرات سرائرهم. ويسأل الصديقين عن تصحيح المعاني بفعالهم، ويسأل المدَّعين عن تصحيح الدعاوى تعنيفاً لهم.
ويقال سماع هذه الآية يوجب لقوم أْنساً وسروراً حيث علموا أنه يكلِّمهم ونُسْمِعُهُم خطابَه لاشتياقِهم إليه، ولا عَجَبَ في ذلك فالمخلوق يقول في مخلوق:في الخَفِراتِ البيضِ وَدَّ جليسُها إذا ما انتهت أُحْدُوثَةٌ لَوْ تُعِيدُهَا
فلا أسعدَ مِنْ بَشَرٍ يعرف أَنَّ مولاه غداً سيكلمه.
الحجر 15:94
كُنْ بنا وقُلْ بنا، وإِذَا كنتَ بِنا ولَنَا فلا تجعلْ حِساباً لغيرنا، وصرِّحْ بما خاطبناك به، وأَفْصِحْ عَمَّا نحن خصصناكَ به، وأَعْلِنْ محبتنا لك:فسبِّحْ باسم مَنْ تَهْوى ودَعْنا من الكُنى فلا خيرَ في اللَّذاتِ مِنْ بعدها سَتْرُ
الحجر 15:95
الذين دَفَعْنَا عنكَ عاديةَ شَرِّهم، ودَرَأْنا عنكَ سوءَ مكرهم، ونصرناك بموجب عنايتنا بشأنك.. فلا عليكَ فيما يقولون أو يفعلون، فما العقبى إلا لَك بالنصر والظفر.
الحجر 15:96
الذين دَفَعْنَا عنكَ عاديةَ شَرِّهم، ودَرَأْنا عنكَ سوءَ مكرهم، ونصرناك بموجب عنايتنا بشأنك.. فلا عليكَ فيما يقولون أو يفعلون، فما العقبى إلا لَك بالنصر والظفر.
الحجر 15:97
وقال: { يَضِيقُ صَدْرُكَ } ولم يقل يضيق قلبك؛ لأنه كان في محل الشهود، ولا راحة للمؤمن دون لقاء الله، ولا تكون مع اللقاء وحشة.
ويقال هَوَّنَ عليه ضيق الصدر بقوله: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ } ويقال إن ضاق صدرُك بسماع ما يقولون فيك من ذمِّكَ فارتفع بلسانك في رياض تسبيحنا، والثناءِ علينا، فيكون ذلك سبباً لزوال ضيق صدرك؛ وسلوة لك بما تتذكر من جلال قدرنا وتقديسنا، واستحقاق عِزِّنا.
الحجر 15:98
وقال: { يَضِيقُ صَدْرُكَ } ولم يقل يضيق قلبك؛ لأنه كان في محل الشهود، ولا راحة للمؤمن دون لقاء الله، ولا تكون مع اللقاء وحشة.
ويقال هَوَّنَ عليه ضيق الصدر بقوله: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ } ويقال إن ضاق صدرُك بسماع ما يقولون فيك من ذمِّكَ فارتفع بلسانك في رياض تسبيحنا، والثناءِ علينا، فيكون ذلك سبباً لزوال ضيق صدرك؛ وسلوة لك بما تتذكر من جلال قدرنا وتقديسنا، واستحقاق عِزِّنا.
الحجر 15:99
قف على بساط العبودية معتنقاً للخدمة، إلى أَنْ تَجلس على بِساط القربة، وتطالَبَ بآداب الوصلة.
ويقال التزِمْ شرائطَ العبودية إلى أنْ تَرْقَى بل تُكْفَى بصفات الحرية.
ويقال في { وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ }: إن أشرف خصالك قيامك بحقِّ العبودية.
النحل 16:1
صيغة أتى للماضي، والمراد منه الاستقبال لأنه بشأن ما كانوا يستعجلونه من أمر الساعة، والمعنى " سيأتي " أمر القيامة، والكائناتُ كلُّها والحادثات بأَسْرِها من جملة أمره؛ أي حصل أمرُ تكوينه وهو أمر من أموره لأنه حاصلٌ بتقديره وتيسيره، وقَضَائه وتدبيره؛ فما يحصل من خير وشرِّ، ونفع وضرِّ، وحلو ومُرِّ. فذلك من جملة أمره تعالى.
{ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } وأصحاب التوحيد لا يستعجلون شيئاً باختيارهم لأنهم قد سقطت عنهم الإرادات والمطالبات، وهم خامدون تحت جريان تصريف الأقدار؛ فليس لهم إيثار ولا اختيار فلا يستعجلون أمراً، وإذا أَمَّلوا شيئاً، أو أُخْبِروا بحصول شيءٍ فلا استعجال لهم، بل شأنهم التأنِّي والثباتُ والسكونُ، وإذا بَدَا من التقدير حُكمٌ فلا استعجالَ لهم لما يَرِدُ عليهم، بل يتقبلون مفاجأةَ التقدير بوجهٍ ضاحك، ويستقبلون ما يبدو من الغيب من الردِّ والقبول، والمنع والفتوح بوصف الرضاء، ويحمدون الحق - سبحانه وتعالى - على ذلك.
{ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ }: تعالى عما يشركون بربهم، والكفار لم ييسر لهم حتى أَنَّه لا سكَنَ لقلوبهم من حديثه.
النحل 16:2
ينزل الملائكة على الأنبياء - عليهم السلام - بالوحي والرسالة، وبالتعريف والإلهام على أسرار أرباب التوحيد وهم المُحَدَّثًُون. وإنزالُ الملائكةِ على قلوبهم غيرُ مردودٍ لكنهم لا يُؤْمَرُون أن يتكلموا بذلك، ولا يكملون رسالةً إلى الخَلْق.
ويُراد بالروح الوحي والقرآن، وفي الجملة الروح ما هو سبب الحياة؛ إمَّا حياة القلب أو حياة الدنيا.
النحل 16:3
خَلَقَها بالحق، ويَحكُم فيها بالحق، فهو مُحِقٌّ في خَلْقِها لأنَّ له ذلك ويدخل في ذلك أمرُه بتكليف الخَلْق، وما يَعْقُبُ ذلك التكليفَ من الحَشْرِ والنَّشْرِ، والثواب والعقاب.
و { تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ }: تقديساً وتشريفاً له عن أن يكون له شريك أو معه مليك.
النحل 16:4
تَعرًّفَ إلى العقلاء بكمال قدرته حيث أخبر أنه قدر على تصوير الإنسان على ما فيه من التركيب العجيب، والتأليف اللطيف؛ من نطفةٍ متماثلة الأجزاء، متشاكلة في وقت الإنشاء، مختلفة الأعضاء وقت الإظهار والإبداء، والخروج من الخفاء. ثم رَكَّبَ فيه من تمييز وعقل، ويَسَّرَ له النقطَ والفعل، والتدبير في الأمور والاستيلاء على الحيوانات على وجه التسخير.
النحل 16:5
ذكَّرهم بما تفَّضل عليهم، وأخبرهم بما للحيوانات من النِّعم، وما لهم فيها من وجوه الانتفاع في جميع الأحوال، كالحْمِل وكالسفر عليها وقطع المسافات، والتوصُّل على ظهورها إلى مآربهم، وما لِنَسْلِها ولدرِّها من المنافع.
النحل 16:6
الغنيُّ له جمال بماله، والفقير له استقلال بحاله.. وشتَّان ما هما! فالأغنياء يتجملون بأنعامهم حين يريحون وحين يسرحون، والفقراء يستقبلون بمولاهم حين يصبحون وحين يمسون. أولئك تحمل أثقالَهم جِمالُهم، وهؤلاء يحمل الحقُّ عن قلوبِهم أثقالَهم.
{ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ }: قومٌ أحوالهم مقاساة الشدائد؛ يَصِلُون سيرهم بسُراهم، وقومٌ في حمل مولاهم؛ بعيدون عن كّدِّ التدبير، مستريحون بشهود التقدير، راضون باختيار الحقّ في العسير واليسير.
النحل 16:7
الغنيُّ له جمال بماله، والفقير له استقلال بحاله.. وشتَّان ما هما! فالأغنياء يتجملون بأنعامهم حين يريحون وحين يسرحون، والفقراء يستقبلون بمولاهم حين يصبحون وحين يمسون. أولئك تحمل أثقالَهم جِمالُهم، وهؤلاء يحمل الحقُّ عن قلوبِهم أثقالَهم.
{ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ }: قومٌ أحوالهم مقاساة الشدائد؛ يَصِلُون سيرهم بسُراهم، وقومٌ في حمل مولاهم؛ بعيدون عن كّدِّ التدبير، مستريحون بشهود التقدير، راضون باختيار الحقّ في العسير واليسير.
النحل 16:8
فالنفوس في حَمْلها كالدواب، والقلوب معتقة عن التعنِّي في الأسباب. { وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }: كما أن أهل الجنة من المؤمنين يجدون في الآخرة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بَشَرٍ فكذلك أرباب الحقائق يجدون - اليومَ - ما لم يخطر قطُّ على بال، ولا قرأوا في كتاب، ولا تلقنوه من أستاذ، ولا إِحاطة بما أخبر الحق أنه لا يعلم تفصيله سواه.. وكيف يعلم من أخبر الحقُّ - سبحانه - أنه لا يعلم؟.
النحل 16:9
قومٌ هداهم السبيل، وعرَّفَهم الدليل، فصرفَ عن قلوبهم خواطر الشكِّ، وَعصَمَهم عن الجُحْدِ والشِّرْك، وأَطْلَعَ في قلوبهم شمسَ العرفان، وأفردهم بنور البيان. وآخرون أضلّهم وأغواهم، وعن شهود الحُجَجِ أعماهم، وفي سابقُ حكْمِه من غير سببٍ أَذَلَّهم وقمعهم، ولو شاء لعرَّفهم وهداهم.
النحل 16:10
أنزل المطر وجعل به سُقيا النبات، وأجرى العادة بأن يديمَ به الحياة، وينبت به الأشجار، ويخرج الثمار، ويجري الأنهار.
ثم قال: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } ثم قال بعده بآيات: { لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } ، ثم قال بعده: { لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } ، وعلى هذا الترتيب تحصل المعرفة؛ فأولاً التفكر ثم العلم ثم التذكر، أولاً يضع النظر موضعه فإذا لم يكن في نظره خَلَلٌ وجب له العلم لا محالة، ولا فرق بين العلم والعقل في الحقيقة، ثم بعده استدامة النظر وهو التذكر.
ويقال إنما قال: { لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }: على الجمع لأنه يحصل له كثير من العلوم حتى يصير عارفاً، وكل جزء من العلم تحصل له آية ودليل، فللعالِم حتى يكون عارفاً بربِّه آياتٌ ودلائل، لأن دليل هذه المسألة خلاف دليل تلك المسألة، فبدليل واحد يعلم وَجْهَ النظر، وبأدلة كثيرة يصير عارفاً بربه.
النحل 16:11
أنزل المطر وجعل به سُقيا النبات، وأجرى العادة بأن يديمَ به الحياة، وينبت به الأشجار، ويخرج الثمار، ويجري الأنهار.
ثم قال: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } ثم قال بعده بآيات: { لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } ، ثم قال بعده: { لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } ، وعلى هذا الترتيب تحصل المعرفة؛ فأولاً التفكر ثم العلم ثم التذكر، أولاً يضع النظر موضعه فإذا لم يكن في نظره خَلَلٌ وجب له العلم لا محالة، ولا فرق بين العلم والعقل في الحقيقة، ثم بعده استدامة النظر وهو التذكر.
ويقال إنما قال: { لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }: على الجمع لأنه يحصل له كثير من العلوم حتى يصير عارفاً، وكل جزء من العلم تحصل له آية ودليل، فللعالِم حتى يكون عارفاً بربِّه آياتٌ ودلائل، لأن دليل هذه المسألة خلاف دليل تلك المسألة، فبدليل واحد يعلم وَجْهَ النظر، وبأدلة كثيرة يصير عارفاً بربه.
النحل 16:12
قوله جلّ ذكره: { وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلْنَّهَارَ }.
الليل والنهار ظرفا الفعل، والناس في الأفعال مختلفون: فموفَّقٌ ومخذول؛ قالموفَّق يجري وقته في طاعة ربه، والمخذول يجري وقته في متابعة هواه.
العابد، يكون في فَرْضِ يقيمه أو نَفْلٍ يديمه، والعارف في ذكره وتحصيل أوراده بما يعود على قلبه فيؤنسه، وأما أرباب التوحيد فهم مُخْتَطَفُون عن الأحيان والأوقات بغلبة ما يَرِدُ عليهم من الأحوال كما قيل:لستُ أدري أطال لَيْلِي أم لا كيف يدري بذاك مَنْ يَتَقَلَّى؟
لو تَفَرَّغْتُ لاستطالة لَيْلِي ورعيت النجومَ كنت مُخِلاَّ
قوله جلّ ذكره: { وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }.
هذا في الظاهر، وفي الباطن نجوم العلم وأقمار المعرفة وشموس التوحيد.
النحل 16:13
أقوامٌ خَلَقَ لهم في الأرض الرياضَ والغياض، والدور والقصور، والمساكن والمواطن، وفنون النِّعم وصنوف القِسَم.. وآخرون لا يقع لهم طير على وكر، ولا لهم في الأرض شِبْر؛ لا ديار تملكهم، ولا علاقة تُمْسِكُهُم - أولئك ساداتُ الناس وضياء الحق.
النحل 16:14
سخر البحر في الظاهر، وسهَّل ركوبه في الفُلْك، ويَسَّر الانتفاع بما يستخرج منه من الحُلِيِّ كاللؤلؤ والدُّرِّ، وما يقْتَاتُ به من السمك وحيوان البحر.
ومن وجوه المعاني خلق صنوفاً من البحر، فقومٌ غَرْقَى في بحار الشغل وآخرون في بحار الحزن، وآخرون في بحار اللهو. فالسلامةُ من بحر الشغل في ركوب سفينة التوكل، والنجاة من بحر الحزن في ركوب سفينة الرضا، والسلامة من بحر اللهو في ركوب سفينة الذكر، وأنشد بعضهم.
النحل 16:15
الرواسي في الظاهر الجبال، وفي الإشارة الأولياء الذين هم غياث الخَلْق، بهم يرحمهم، وبهم يغيثهم.. ومنهم أبدال ومنهم أوتاد ومنهم القطب. وفي الخبر: " الشيخ في قومه كالنبي في أمته " وقال تعالى:{ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } [الأنفال: 33]، كما قال تعالى:{ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ } ، [الفتح: 25] وأنشد بعضهم:واحسرتا من فراق قوم هم المصابيح والأمن والمزن
النحل 16:16
الكواكبُ نجومَ السماء ومنها رجومٌ للشياطين، والأولياء نجومٌ في الأرضِ. وكذلك العلماء وهم أئمة في التوحيد وهم رجومٌ للكُفَّار والملحدين.
ويقال فرْقٌ بين نجوم يهْتَدَى بها في فِجَاج الدنيا، ونجومٍ يُهْتَدَى بهم إلى الله تعالى.
النحل 16:17
تدل هذه الآية على نفي التشبيه بينه - سبحانه - وبين خَلْقِه. وصفاتُ القِدَم لله مُسْتَحَقَّة، وما هو من خصائصِ الحدثان وسِماتِ الخْلق يتقدَّس الحقُّ - سبحانه - عن جميع ذلك. ولا تُشَبّه ذاتُ القديم بذواتِ المخلوقين، ولا صفاتُه بصفاتِهم، ولا حُكمُه بحُكمِهم، وأصلُ كلِّ ضلالةٍ التشبيهُ، ومِنْ قُبْحِ ذلك وفسادِه أنَّ كلَّ أحدٍ يتبرَّأُ منه ويستنكِفُ من انتحاله.
النحل 16:18
الموجوداتُ لا تحصوها لِتقاصُرِ علومِكم عنها، وما هو من نِعمَ الدفع فلا نهاية له. وهو غفور رحيم حيث يتجاوز عنكم إذا عجزتم عن شكره، ويرضى بمعرفتكم (....) لكم عن شكره.
النحل 16:19
ما تُسِرُّون من الإخلاص وملاحظة الأشخاص.. فلا يخفى عليه حسبان، وما تعلنون من الوفاق والشقاق، والإحسان والعصيان. والآيةُ توجِبُ تخويف أَربابِ الزَّلاَّت، وتشريفَ أصحابِ الطاعات.
النحل 16:20
أخبر أن الأصنامَ لا يَصِحُّ منها الخْلقُ لكونها مخلوقةً، ودلَّت الآيةُ على أنَّ من وُجِدَتْ له سِمَةُ الخْلق لا يصِحُّ منه الخْلق، والَخْلقُ هو الإيجاد؛ ففي الآية دليلٌ على خْلقِ الأعمال.
النحل 16:21
لأنَّ مَنْ لَحِقَهُ وصفُ التكوين لا يصِحُّ منه الإيجاد. وفي التحقيق كُلُّ مَنْ عَلقَ قلبَه بشيءٍ، وتَوَهَّم منه خيراً أو شراً فقد أشرك بالله بظنِّه، وإنما التوحيدُ تجريدُ القلبِ عن حسبان شظيّةٍ من النفي والإثبات من جميع المخلوقين والمخلوقات.
النحل 16:22
لا قَسِيمَ لِذَاتِه جوازاً أو وجوباً، ولا شبيهَ له ولا شريك.. ومَنْ لم يتحققْ بهذه الجملة قطعاً، وبشهادة البراهين له تفصيلاً فهو في دَرَكَاتِ الشِّرك واقعٌ، وعن حقائق التوحيد بمعزل، قال تعالى في صفة الكفار: { قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } أي في أَسْرِ الشِّرْكِ وغطاء الكفر، ثم ليس فيه اتصاف لطلب العرفان؛ لأنَّ العلةَ - لِمَنْ أراد المعرفة - مُتاحة، وأدلة الخْلق لائحة.
النحل 16:23
قوله جلّ ذكره: { لاَ جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ }.
فيفضحهم ويبيِّنُ نفاقَهم، ويُعْلِنُ للمؤمنين كفرهم وشِقاقهم.
قوله جلّ ذكره: { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ }.
دليل الخطاب أنه يحب المتواضعين المتخاشعين، ويكفيهم فضلاً بشارة الحق لهم بمحبته لهم.
النحل 16:24
لَحِقَهم شؤمُ تكذيبهم، فأَصرُّوا على إعراضهم عن النظر، وقَسَتْ قلوبُهم ولم تجنح إلى الإقرار بالحق، فَلَبِّسُوا على من يسائلهم، وقالوا: هذا الذي جاء به محمد من أكاذيب العجم. فَضلُّوا وأَضَلوا.
النحل 16:25
لما سَعَوْا في الدنيا لغير الله لم تَصْفُ أعمالُهم، وفي الآخرة حَمَلُوا معهم أوزارهم.. أولئك الذين خَسِروا في الدنيا والآخرة.
النحل 16:26
قوله جلّ ذكره: { قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ }.
اتصفوا بالمكر فحاق بهم مَكْرُهم، ووقعوا فيما حفروه لغيرهم، واغتروا بطول الإمهال، فأخذهم العذابُ من مأْمَنِهم، واشتغلوا بِلهوهِم فَنَغَّصَ عليهم أطيب عَيْشهم:
قوله جلّ ذكره: { فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ }.
الذي وصف نفسه به في كتابه من الإتيان فمنعاه العقوبة، وذلك على عادة العرب في التوسع في الخطاب.
وهو سبحانه يكشف الليلَ ببَدْره ثم يأخذ الماكر بما يليق بمَكْره، وفي معناه قالوا:وأَمِنْتُه فأَتَاحَ لي من مأْمَني مكْراً، كذا مَنْ يَأْمَنُ الأياما
النحل 16:27
في الدنيا عاجلُ بلائهم، وبين أيديهم آجِلُه. وحَسْرةُ المُفِلس تتضاعف إذا ما حُوسِبَ، وشاهَدَ حاصِلَه.
{ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ... }: يُسْمِِعُ الكافرين قولَ المؤمنين، ويبيِّن للكافة صِدْقَهم. ويقع الندمُ على جاهلهم. وأما اليومَ فعليهم بالصبر والتحمُّل، وعن قريب ينكشف الغطاء، وأنشد بعضهم:خليليَّ لو دارت على رأسِيَ الرَّحى من الذُّلِّ لم أَجْزَعْ ولم أَتَكلَّمِ
وأطرقتُ حتى قيل لا أعرفُ الجفا ولكنني أفصحتُ يومَ التكلُّمِ
النحل 16:28
{ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ }: بارتكاب المعاصي وهم الكفار.
{ فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ }: انقادوا واستسلموا لحكم الله.
{ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ }: جحدوا وأنكروا ما عملوا من المخالفات.
{ بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }: هكذا قالت لهم الملائكة، ثم يقولون لهم: { فَٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ... }: وكذلك الذين تقسو نفوسُهم بإعراضهم عن الطاعات إذا نزَلَتْ بهم الوفاةُ يأخذون في الجزع وفي التضرع، ثم لا تطيبُ نفوسهم بأن يُقِرُّوا بتفاصيل أعمالهم عند الناس، فيما يتعلق بإرضاء خصومهم لما أَخَلُّوا من معاملاتهم، ثم الله يؤاخذهم بالكبير والصغير، والنقير والقطمير، ثم يبقون أبداً في وبال ما أحقبوه، لأن شؤم ذلك يلحقَهم في أُخراهم.
النحل 16:29
{ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ }: بارتكاب المعاصي وهم الكفار.
{ فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ }: انقادوا واستسلموا لحكم الله.
{ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ }: جحدوا وأنكروا ما عملوا من المخالفات.
{ بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }: هكذا قالت لهم الملائكة، ثم يقولون لهم: { فَٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ... }: وكذلك الذين تقسو نفوسُهم بإعراضهم عن الطاعات إذا نزَلَتْ بهم الوفاةُ يأخذون في الجزع وفي التضرع، ثم لا تطيبُ نفوسهم بأن يُقِرُّوا بتفاصيل أعمالهم عند الناس، فيما يتعلق بإرضاء خصومهم لما أَخَلُّوا من معاملاتهم، ثم الله يؤاخذهم بالكبير والصغير، والنقير والقطمير، ثم يبقون أبداً في وبال ما أحقبوه، لأن شؤم ذلك يلحقَهم في أُخراهم.
النحل 16:30
أما المسلمون فإذا وردوا عليهم، وسألوهم عن أحوال محمد - صلى الله عليه وسلم - وعما أَنزل اللَّهُ عليه، قالوا: دينه حقٌّ، واللَّهُ أَنزل عليه الحقَّ.. والذين أحسنوا في الدنيا يجِدُون الخير في الآخرة.
ويقال في هذه الدنيا حسنة، وهي ما لهم من حلاوة الطاعة بصفاء الوقت ويصحُّ أن تكونَ تلك الحسنةُ زيادةَ التوفيق لهم في الأعمال، وزيادةَ التوفيقِ لهم في الأحوال.
ويصح أن يقال تلك الحسنة أَنْ يُوَفِّقَهم بالاستقامة على ما هم عليه من الإحسان.
ويصح أن يقال تلك الحسنة أن يُبَلِّغهم منازلَ الأكابر والسادة.
قال تعالى:{ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ } [السجدة: 24].
ويصح أن تكون تلك الحسنة ما يتعدَّى منهم إلى غيرهم من بركات إرشادهم للمريدين، وما يجري على من اتبعهم مما أخذوه وتعلموه منهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لأن يهتدي بهداك رجل خير لك من حمر النعم ".
ثم قال: { وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ } ، لأن ما فيها يبقى، وليس فيها خطر الزوال. ولأن في الدنيا مشاهدة وفي الآخرة معاينة.
النحل 16:31
كما أن الإرادات والهِمَمَ تختلف في الدنيا فكذلك في الآخرة، وفي الخبر: " مَنْ كان بحالةٍ لَقِيَ الله بها " فَمِنْ مريدٍ يكتفي من الجنة بورودها، ومن مريدٍ لا يكتفي من الجنة دون شهود ربِّ الجنة.
ويقال إذا شاءوا أن يعودوا إلى ما فاتهم من قصورهم، وما وجدوا في ذلك من صحبة اللَّعينِ في سائر أحوالهم وأمورهم يسلم لهم ذلك، ومن شاء أن تدومَ رؤيتُه، ويتأبَّدَ سماعُ خطابه فلهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد، وهو ما لم يخطر ببال أحد.
النحل 16:32
يقبض أرواحَهم طيبةً. أويقال: { طَيِّبِينَ } حال.
والأسباب التي تطيب بها قلوبُهم وأرواحهُم مختلفة، فمنهم مَنْ طاب وقتُه لأنه قد غُفِرَتْ ذنوبُه، وسُتِرتْ عيوبه، ومنهم مَنْ طاب قلبُه لأنه سَلَّمَ عليه محبوبُه، ومنهم من طاب قلبه لأنه لم يَفُتْه مطلوبه.
ومنهم من طاب وقته لأنه يعود إلى ثوابه، ويصل إلى حُسْنِ مآبه.
ومنهم من يطيب قلبه لأنه أَمِنَ من زوال حالِه، وحظي بسلامة مآله، ومنهم من يطيب قلبُه لأنه وصل إلى أفضاله، وآخر لأنه وصل إلى لطف جماله، وثالث لأنه خُصَّ بكشف جلاله - قد عَلِمَ كلُّ أناسٍ مَشْرَبَهم.
ويقال: { تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ } طيبةً نفوسهم أي طاهرةً من التدنُّس بالمخالفات، وطاهرةً قلوبهُم عن العلاقات، وأسرارهم عن الالتفات إلى شيء من المخلوقات.
قوله تعالى: { سَلامٌ عَلَيْكُمُ } إِحْظَوْا بالجنة، منهم مَنْ يخاطبه بذلك المَلَكَ، ومنهم مَنْ يُكَاشِفه بذلك المَلِكُ.
النحل 16:33
القوم ينتظرون مجيءَ المَلَكِ لأنهم لم يعرفوه ولم يعتقدوا كونَه. ولكن لمَّا كانوا يستعجلون معتقدين أن الرسلَ غيرُ صادقين، ولمَّا سلكوا مسلكَ أضرابهم من المتقدمين - عوملوا بمثل ما لَقِي أسلافُهم، وما كان ذلك من الله ظلماً، لأنه يتصرف في مُلْكه من غير حُكْم حاكمٍ عليه.
النحل 16:34
القوم ينتظرون مجيءَ المَلَكِ لأنهم لم يعرفوه ولم يعتقدوا كونَه. ولكن لمَّا كانوا يستعجلون معتقدين أن الرسلَ غيرُ صادقين، ولمَّا سلكوا مسلكَ أضرابهم من المتقدمين - عوملوا بمثل ما لَقِي أسلافُهم، وما كان ذلك من الله ظلماً، لأنه يتصرف في مُلْكه من غير حُكْم حاكمٍ عليه.
النحل 16:35
خَبثَتْ قصودُهم فيما قالوا على وجه التكذيب والاستهزاء، وغَلَبَتْ على نطقهم ظلمات جهلهم وجحدهم، وانكشف عدمُ صِدْقِهم في أحوالهم.
وقولهم: { لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ... } يشبه قولهم:{ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ } [يس: 47]. ولا خلاف أن الله لو شاء أن يطعمهم لكان ذلك.
النحل 16:36
لم يُخْلِ زماناً من الشرع توضيحاً لحجته، ولكن فرَّقهم في سابِق حُكْمِه؛ ففريقاً هداهم، وفريقاً حَجَبَهم وأعماهم.
النحل 16:37
ألزمهم الوقوفَ على حدِّ العبودية في إرادة هدايتهم ومعرفتهم حقائق الربوبية فقال: إنك وإنْ كنتَ بأمرنا لك حريصاً على هدايتهم؛ فإن من قَسَمْتُ له الضلالَ لا يجري عليه غيرُ ما قَسمْتُ له.
ويقال لمن ألبستُه صدارَ الضلال لا تنزعه وسيلةٌ ولا شفاعة.
النحل 16:38
قوله جلّ ذكره: { وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }.
القَسَمُ يؤكِّد الخبرَ، ولكنَّ يمينَ الكاذب توجِب ضَعْفَ قوله؛ لأنه كلما زاد في جحد الله ازداد القلبُ نفرةً من قوله:
قوله جلّ ذكره: { لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ }.
إذا بيَّن الله صِدْقَ ما ورد به الشرع في الآخرة بكشف الغيب زاد افتضاحُ أهل التكذيب فيكون في ذلك زيادةٌ لهم في التعذيب..
النحل 16:39
قوله جلّ ذكره: { وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }.
القَسَمُ يؤكِّد الخبرَ، ولكنَّ يمينَ الكاذب توجِب ضَعْفَ قوله؛ لأنه كلما زاد في جحد الله ازداد القلبُ نفرةً من قوله:
قوله جلّ ذكره: { لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ }.
إذا بيَّن الله صِدْقَ ما ورد به الشرع في الآخرة بكشف الغيب زاد افتضاحُ أهل التكذيب فيكون في ذلك زيادةٌ لهم في التعذيب..
النحل 16:40
فيكون بالسمع عِلْمُ تَعَلُّقِ قَوْلِه بما يفعله، وحَمَله قومٌ على أن معناه أنه لا يتعسَّرُ عليه فعلُ شيءٍ أراده، فالآية على القولين جميعاً.
والذي لا يحتاج في فعله إلى مادة يخلق منها لا يفتقر إلى مدةٍ يقع الفعل فيها.
وتدل الآيةُ على أنَّ قولَه ليس بمخلوق؛ إذ لو كان مخلوقاً لكان مقولاً له: كن، وذلك القول يجب أن يكون مقولاً له بقولٍ آخر... وهذا يؤدي إلى أن يتسلسل ما يحصل إلى ما لا نهاية له.
النحل 16:41
مَنْ هَاجَرَ عن أوطان السوء - في الله - أبدل له اللَّهُ في جوار أوليائه ما يكون له في جوارهم معونَةٌ على الزيادة في صفاء وقته، ومَنْ هَجَرَ أوطانَ الغفلة مَكَّنَهُ الله مِنْ مشاهدِ الوصلة. ومَنْ فَارقَ مجالسة المخلوقين، وانقطع بقلبه إليه - سبحانه - باستدامة ذكره - فكما في الخبر: " أنا جليس من ذكرني " وبدايةُ هؤلاء القوم نهايةُ أهل الجنة؛ ففي الخبر " الفقراء الصابرون جلساءُ الله يوم القيامة " ويقال القلبُ مظلومٌ من جهة النَّفْس لما تدعوه إليه من شهواتها، فإذا هجرها أورث اللَّهُ القلبَ أوطانَ النَّفْس حتى تنقادَ لما يطالِبُ به القلبُ من الطاعة؛ فبعد ما تكون أوطان الزَّلَّةِ بدواعي الشهوة تصير أوطانَ الطاعة لسهولة أدائها.
النحل 16:42
الصبرُ الوقوفُ بحسب جريان القضاء، والتوكل التوقي بالله بحُسْن الرجاء.
ويقال صبروا في الحال، وتوكلوا على الله في تحقيق الآمال.
ويقال الصبر تحسِّي كاساتِ المقدور، والتوكل الثقة في الله في استدفاع المحذور.
ويقال الصبرُ تجرُّعُ ما يُسْقَى، والتوكل الثقة بما يرجو.
ويقال إنما يقوَوْن على الصبر بما حققوا من التوكل.
النحل 16:43
تعجبوا أن يكون من البَشَرِ رُسلاً، فأخبر أنَّ الرسلَ كلّهم كانوا من البشر، وأَنَّ فيمن سبق مَنْ أَقَرَّ بذلك. { أَهْلَ ٱلذِّكْرِ } هم العلماء؛ والعلماء مختلفون: فالعلماءُ بالأحكام إليهم الرجوعُ في الاستفتاء من قِبَل العوام فَمَنْ أُشْكِل عليه شيءٌ من أحكام الأمر والنهي يرجع إلى الفقهاء في أحكام الله، ومن اشتبه عليه شيءٌ من علم السلوك في طريق الله يرجع إلى العارفين بالله، فالفقيه يوقِّع عن الله، والعارف ينطق - في آداب الطلب وأحكام الإرادة وشرائط صحتها - عن الله، فهو كما قيل: أليس حقاً نطقت بين الورى فاشتهرت، كاشفها يعلم ما منَّ عليها فجرت، فهي عناء به عينيه قد طهرت.
النحل 16:44
أي إن البيانَ إليك، فأنت الواسطة بيننا وبينهم، وأنت الأمين على وحينا.
النحل 16:45
العبدُ في جميع أحواله عُرْضَةٌ لِسِهام التقدير، فينبغي أن يستشعر الخَوفَ في كلِّ نَفَسٍ من الإصابة بها، وألاَّ يأمنَ مَكْرَ الله في أي وقت، وأكثر الأسنة تعمل في الموطأةِ نفوسُهم وقلوبُهم على ما عَوَّدهم الحقُّ من عوائد المِنَّة، ولكن كما قيل:يا راقدَ الليل مسروراً بأَوَّلِه إن الحوادثَ قد يَطْرُقْنَ أسحارا
النحل 16:46
العبدُ في جميع أحواله عُرْضَةٌ لِسِهام التقدير، فينبغي أن يستشعر الخَوفَ في كلِّ نَفَسٍ من الإصابة بها، وألاَّ يأمنَ مَكْرَ الله في أي وقت، وأكثر الأسنة تعمل في الموطأةِ نفوسُهم وقلوبُهم على ما عَوَّدهم الحقُّ من عوائد المِنَّة، ولكن كما قيل:يا راقدَ الليل مسروراً بأَوَّلِه إن الحوادثَ قد يَطْرُقْنَ أسحارا
النحل 16:47
العبدُ في جميع أحواله عُرْضَةٌ لِسِهام التقدير، فينبغي أن يستشعر الخَوفَ في كلِّ نَفَسٍ من الإصابة بها، وألاَّ يأمنَ مَكْرَ الله في أي وقت، وأكثر الأسنة تعمل في الموطأةِ نفوسُهم وقلوبُهم على ما عَوَّدهم الحقُّ من عوائد المِنَّة، ولكن كما قيل:يا راقدَ الليل مسروراً بأَوَّلِه إن الحوادثَ قد يَطْرُقْنَ أسحارا
النحل 16:48
كل مخلوقٍ من عين أو أثر، مِنْ حَجَر أو مَدَرٍ أو غَبَرٍ فلله - من حيث البرهان - ساجد، ومن حيث البيان على الوحدانية شاهد.
النحل 16:49
ذلك سجود شهادة لا سجود عبادة، فإذا امتَنَعَتْ عن إقامة الشهادة لقوم قالةٌ، فقد شهد كل جزء منهم من حيث البرهان والدلالة.
النحل 16:50
يخافون الله أن يُنزلَ عليهم عذاباً من فوق رؤوسهم.
{ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } لا يعصونه ولا يحيدون عن طاعته.
ويقال خيرُ شيء للعبد في الدنيا والآخرة الخوفُ؛ إذ يمنعه من الزَّلة ويحمله على الطاعة.
النحل 16:51
قوله جلّ ذكره: { وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ }.
الحاجة إلى إثبات صانعٍ واحد داعية، وما زاد على الواحد (فالا....) فيه متساوية.
ويقال إثبات الواحد ضرورة، وقُدْرَةُ الاثنين محصورة.
قوله جلّ ذكره { وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ }.
له الدين خالصاً وله الدين دائماً، وله الدينُ ثابتاً، فالطاعة له واجبة، فلا تتقوا غيره، وأطيعوا شَرْعَه بخلاف هواكم، واعبدوه وَحْدَه، واستجيبوا له في المَسَرَّةِ والمَضَرَّة.
النحل 16:52
قوله جلّ ذكره: { وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ }.
الحاجة إلى إثبات صانعٍ واحد داعية، وما زاد على الواحد (فالا....) فيه متساوية.
ويقال إثبات الواحد ضرورة، وقُدْرَةُ الاثنين محصورة.
قوله جلّ ذكره { وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ }.
له الدين خالصاً وله الدين دائماً، وله الدينُ ثابتاً، فالطاعة له واجبة، فلا تتقوا غيره، وأطيعوا شَرْعَه بخلاف هواكم، واعبدوه وَحْدَه، واستجيبوا له في المَسَرَّةِ والمَضَرَّة.
النحل 16:53
قوله جلّ ذكره: { وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ }.
النْعمة ما يُقَرِّبُ العبدَ من الحق، فأمَّا ما لا يوجِب النسيانَ والطغيان، والغفلةَ والعصيانَ فأَوْلَى أن يكون محبة.
ويقال ما للعبد فيه نفع، أو يحصل به للشر منع فهو على أصح القولين نعمة؛ سواء كان دينياً أو دنيوياً، فالعبد مأمورٌ بالشكر على كل حال. وأكثر الناس يشكرون على نعم الإحسان،{ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ } [سبأ: 13] على كل حال.
وفائدةُ الآيةِ قَطْعُ الأسرارِ عن الأغيار في حالتي اليُسْر والعُسْر، والثقة بأن الخير والشر، والنفع والضر كلاهما من الله تعالى.
قوله جلّ ذكره: { ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ }.
إذ ليس لكم سواه؛ فإذا أَظَلَّتْ العبدَ هواجمُ الاضطرار التجأَ إلى الله في استدفاع ما مَسَّه من البلاء ثم إذا مَنَّ الحقُّ عليه، وجاد عليه بكشف بلائه صار كَأَنْ لم يمسه سوءٌ أو أصابه همٌّ كما قيل:كأنَّ الفتى لم يَعْرَ يوماً إذا اكتسى ولم يَكُ صعلوكاً إذا ما تَمَوَّلاَ
النحل 16:54
الخطاب عام، وقوله: { مِّنكُم }: لأنَّ القومَ منهم.
النحل 16:55
في هذا تهديد أي أنهم سوف يندمون حين لا تنفع لهم ندامةٌ، ويعتذرون حين لا يُقْبَلُ لهم عُذْرٌ.. ومَنْ زَرَعَ شراً فلن يَحْصُدَ إلا جزاءَ عَمَلهِ.
النحل 16:56
أي يجعلون لما لا يعلمون ـ وهي أصنامهم التي ليس لها استحقاق العلم ـ نصيباً من أرزاقهم؛ فيقولون هذا لهم وهذا لشركائنا.
{ تَٱللَّهِ } أقسم إنهم سيلْقَوْن عقوبةَ فِعْلِهم.
النحل 16:57
قوله جلّ ذكره: { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ }.
من فَرْطِ جهلهم وصفوا المعبودَ بالولد، ثم زاد اللَّهُ في خذلانهم حتى قالوا: الملائكة بنات الله. وكانوا يكرهون البنات، فرضوا لله بما لم يرضوا لأنفسهم. ويلتحق بهؤلاء في استحقاق الذمِّ كلُّ مَنْ آثر حَظَّ نَفْسِه على حقِّ مولاه، فإِذا فعل مَالُه فيه نصيبٌ وغرضٌ كان مذمومَ الوصف، ملوماً على ما اختاره من الفعل.
ثم إنه عابهم على قبيح ما كانوا يفعلونه ويتصفون به من كراهةِ أَنْ تُولَد لهم الإناثُ فقال:
{ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ }.
استولت عليهم رؤية الَخْلق، وملكتهم الحيرة، فَلحَقُّوا على البنات مما يلحقهم عند تزويجهن وتمكين البَعْلِ فيهن... وهذه نتائج الإقامة في أوطان التفرقة، والغيبة عن شهود الحقيقة.
ثم قال: { أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ } أي يحبس المولودَ إذا كان أنثى على مَذَلَّة، { أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ } ليموت؟ وتلك الجفوةُ في أحوالهم جَعَلَتْ - من قساوة قلوبهم في أحوالهم - العقُوبةَ أشدَّ مما كانت بتعجيلها لهم. وجَعَلَهُم فرطُ غيظهم، وفَقْدُ رضائهم، وشدة حنقهم على من لا ذنبَ له من أولادهم - من أهل النار في دَرَكَاتِ جهنم، وتكدَّر عليهم الوقتُ، واستولت الوحشةُ... ونعوذ بالله من المَثَلِ السوء!
قوله جلّ ذكره: { لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }.
مَثَلُ السوءِ للكفار الذين جحدوا توحيدَه فلهم صفة السوء.
ولله صفات الجلال ونعوت العِزِّ، ومَنْ عَرَفَه بنعت الإلهية تَمَّتْ سعادتُه في الدارين، وتعجلت راحته، وتنَّزه سِرُّه على الدوام في رياضِ عرفانه، وطَرِبَتْ روحُه أبداً في هيجان وَجْدِه.
أمَّا الذين وُسِمُوا بالشِّركِ ففي عقوبة مُعَجَّلة وهموم مُحَصِّلة. { وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ... } أي لو عاملهم بما استحقوا عاجلاً لَحَلَّ الاستئصالُ بهم، ولكنَّ الحُكْمَ سَبَقَ بإمهالهم، وسَيَلْقَوْن غِبَّ أعمالِهم في مآلهم.
النحل 16:58
قوله جلّ ذكره: { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ }.
من فَرْطِ جهلهم وصفوا المعبودَ بالولد، ثم زاد اللَّهُ في خذلانهم حتى قالوا: الملائكة بنات الله. وكانوا يكرهون البنات، فرضوا لله بما لم يرضوا لأنفسهم. ويلتحق بهؤلاء في استحقاق الذمِّ كلُّ مَنْ آثر حَظَّ نَفْسِه على حقِّ مولاه، فإِذا فعل مَالُه فيه نصيبٌ وغرضٌ كان مذمومَ الوصف، ملوماً على ما اختاره من الفعل.
ثم إنه عابهم على قبيح ما كانوا يفعلونه ويتصفون به من كراهةِ أَنْ تُولَد لهم الإناثُ فقال:
{ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ }.
استولت عليهم رؤية الَخْلق، وملكتهم الحيرة، فَلحَقُّوا على البنات مما يلحقهم عند تزويجهن وتمكين البَعْلِ فيهن... وهذه نتائج الإقامة في أوطان التفرقة، والغيبة عن شهود الحقيقة.
ثم قال: { أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ } أي يحبس المولودَ إذا كان أنثى على مَذَلَّة، { أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ } ليموت؟ وتلك الجفوةُ في أحوالهم جَعَلَتْ - من قساوة قلوبهم في أحوالهم - العقُوبةَ أشدَّ مما كانت بتعجيلها لهم. وجَعَلَهُم فرطُ غيظهم، وفَقْدُ رضائهم، وشدة حنقهم على من لا ذنبَ له من أولادهم - من أهل النار في دَرَكَاتِ جهنم، وتكدَّر عليهم الوقتُ، واستولت الوحشةُ... ونعوذ بالله من المَثَلِ السوء!
قوله جلّ ذكره: { لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }.
مَثَلُ السوءِ للكفار الذين جحدوا توحيدَه فلهم صفة السوء.
ولله صفات الجلال ونعوت العِزِّ، ومَنْ عَرَفَه بنعت الإلهية تَمَّتْ سعادتُه في الدارين، وتعجلت راحته، وتنَّزه سِرُّه على الدوام في رياضِ عرفانه، وطَرِبَتْ روحُه أبداً في هيجان وَجْدِه.
أمَّا الذين وُسِمُوا بالشِّركِ ففي عقوبة مُعَجَّلة وهموم مُحَصِّلة. { وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ... } أي لو عاملهم بما استحقوا عاجلاً لَحَلَّ الاستئصالُ بهم، ولكنَّ الحُكْمَ سَبَقَ بإمهالهم، وسَيَلْقَوْن غِبَّ أعمالِهم في مآلهم.
النحل 16:59
قوله جلّ ذكره: { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ }.
من فَرْطِ جهلهم وصفوا المعبودَ بالولد، ثم زاد اللَّهُ في خذلانهم حتى قالوا: الملائكة بنات الله. وكانوا يكرهون البنات، فرضوا لله بما لم يرضوا لأنفسهم. ويلتحق بهؤلاء في استحقاق الذمِّ كلُّ مَنْ آثر حَظَّ نَفْسِه على حقِّ مولاه، فإِذا فعل مَالُه فيه نصيبٌ وغرضٌ كان مذمومَ الوصف، ملوماً على ما اختاره من الفعل.
ثم إنه عابهم على قبيح ما كانوا يفعلونه ويتصفون به من كراهةِ أَنْ تُولَد لهم الإناثُ فقال:
{ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ }.
استولت عليهم رؤية الَخْلق، وملكتهم الحيرة، فَلحَقُّوا على البنات مما يلحقهم عند تزويجهن وتمكين البَعْلِ فيهن... وهذه نتائج الإقامة في أوطان التفرقة، والغيبة عن شهود الحقيقة.
ثم قال: { أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ } أي يحبس المولودَ إذا كان أنثى على مَذَلَّة، { أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ } ليموت؟ وتلك الجفوةُ في أحوالهم جَعَلَتْ - من قساوة قلوبهم في أحوالهم - العقُوبةَ أشدَّ مما كانت بتعجيلها لهم. وجَعَلَهُم فرطُ غيظهم، وفَقْدُ رضائهم، وشدة حنقهم على من لا ذنبَ له من أولادهم - من أهل النار في دَرَكَاتِ جهنم، وتكدَّر عليهم الوقتُ، واستولت الوحشةُ... ونعوذ بالله من المَثَلِ السوء!
قوله جلّ ذكره: { لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }.
مَثَلُ السوءِ للكفار الذين جحدوا توحيدَه فلهم صفة السوء.
ولله صفات الجلال ونعوت العِزِّ، ومَنْ عَرَفَه بنعت الإلهية تَمَّتْ سعادتُه في الدارين، وتعجلت راحته، وتنَّزه سِرُّه على الدوام في رياضِ عرفانه، وطَرِبَتْ روحُه أبداً في هيجان وَجْدِه.
أمَّا الذين وُسِمُوا بالشِّركِ ففي عقوبة مُعَجَّلة وهموم مُحَصِّلة. { وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ... } أي لو عاملهم بما استحقوا عاجلاً لَحَلَّ الاستئصالُ بهم، ولكنَّ الحُكْمَ سَبَقَ بإمهالهم، وسَيَلْقَوْن غِبَّ أعمالِهم في مآلهم.
النحل 16:60
قوله جلّ ذكره: { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ }.
من فَرْطِ جهلهم وصفوا المعبودَ بالولد، ثم زاد اللَّهُ في خذلانهم حتى قالوا: الملائكة بنات الله. وكانوا يكرهون البنات، فرضوا لله بما لم يرضوا لأنفسهم. ويلتحق بهؤلاء في استحقاق الذمِّ كلُّ مَنْ آثر حَظَّ نَفْسِه على حقِّ مولاه، فإِذا فعل مَالُه فيه نصيبٌ وغرضٌ كان مذمومَ الوصف، ملوماً على ما اختاره من الفعل.
ثم إنه عابهم على قبيح ما كانوا يفعلونه ويتصفون به من كراهةِ أَنْ تُولَد لهم الإناثُ فقال:
{ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ }.
استولت عليهم رؤية الَخْلق، وملكتهم الحيرة، فَلحَقُّوا على البنات مما يلحقهم عند تزويجهن وتمكين البَعْلِ فيهن... وهذه نتائج الإقامة في أوطان التفرقة، والغيبة عن شهود الحقيقة.
ثم قال: { أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ } أي يحبس المولودَ إذا كان أنثى على مَذَلَّة، { أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ } ليموت؟ وتلك الجفوةُ في أحوالهم جَعَلَتْ - من قساوة قلوبهم في أحوالهم - العقُوبةَ أشدَّ مما كانت بتعجيلها لهم. وجَعَلَهُم فرطُ غيظهم، وفَقْدُ رضائهم، وشدة حنقهم على من لا ذنبَ له من أولادهم - من أهل النار في دَرَكَاتِ جهنم، وتكدَّر عليهم الوقتُ، واستولت الوحشةُ... ونعوذ بالله من المَثَلِ السوء!
قوله جلّ ذكره: { لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }.
مَثَلُ السوءِ للكفار الذين جحدوا توحيدَه فلهم صفة السوء.
ولله صفات الجلال ونعوت العِزِّ، ومَنْ عَرَفَه بنعت الإلهية تَمَّتْ سعادتُه في الدارين، وتعجلت راحته، وتنَّزه سِرُّه على الدوام في رياضِ عرفانه، وطَرِبَتْ روحُه أبداً في هيجان وَجْدِه.
أمَّا الذين وُسِمُوا بالشِّركِ ففي عقوبة مُعَجَّلة وهموم مُحَصِّلة. { وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ... } أي لو عاملهم بما استحقوا عاجلاً لَحَلَّ الاستئصالُ بهم، ولكنَّ الحُكْمَ سَبَقَ بإمهالهم، وسَيَلْقَوْن غِبَّ أعمالِهم في مآلهم.
النحل 16:61
قوله جلّ ذكره: { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ }.
من فَرْطِ جهلهم وصفوا المعبودَ بالولد، ثم زاد اللَّهُ في خذلانهم حتى قالوا: الملائكة بنات الله. وكانوا يكرهون البنات، فرضوا لله بما لم يرضوا لأنفسهم. ويلتحق بهؤلاء في استحقاق الذمِّ كلُّ مَنْ آثر حَظَّ نَفْسِه على حقِّ مولاه، فإِذا فعل مَالُه فيه نصيبٌ وغرضٌ كان مذمومَ الوصف، ملوماً على ما اختاره من الفعل.
ثم إنه عابهم على قبيح ما كانوا يفعلونه ويتصفون به من كراهةِ أَنْ تُولَد لهم الإناثُ فقال:
{ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ }.
استولت عليهم رؤية الَخْلق، وملكتهم الحيرة، فَلحَقُّوا على البنات مما يلحقهم عند تزويجهن وتمكين البَعْلِ فيهن... وهذه نتائج الإقامة في أوطان التفرقة، والغيبة عن شهود الحقيقة.
ثم قال: { أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ } أي يحبس المولودَ إذا كان أنثى على مَذَلَّة، { أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ } ليموت؟ وتلك الجفوةُ في أحوالهم جَعَلَتْ - من قساوة قلوبهم في أحوالهم - العقُوبةَ أشدَّ مما كانت بتعجيلها لهم. وجَعَلَهُم فرطُ غيظهم، وفَقْدُ رضائهم، وشدة حنقهم على من لا ذنبَ له من أولادهم - من أهل النار في دَرَكَاتِ جهنم، وتكدَّر عليهم الوقتُ، واستولت الوحشةُ... ونعوذ بالله من المَثَلِ السوء!
قوله جلّ ذكره: { لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }.
مَثَلُ السوءِ للكفار الذين جحدوا توحيدَه فلهم صفة السوء.
ولله صفات الجلال ونعوت العِزِّ، ومَنْ عَرَفَه بنعت الإلهية تَمَّتْ سعادتُه في الدارين، وتعجلت راحته، وتنَّزه سِرُّه على الدوام في رياضِ عرفانه، وطَرِبَتْ روحُه أبداً في هيجان وَجْدِه.
أمَّا الذين وُسِمُوا بالشِّركِ ففي عقوبة مُعَجَّلة وهموم مُحَصِّلة. { وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ... } أي لو عاملهم بما استحقوا عاجلاً لَحَلَّ الاستئصالُ بهم، ولكنَّ الحُكْمَ سَبَقَ بإمهالهم، وسَيَلْقَوْن غِبَّ أعمالِهم في مآلهم.
النحل 16:62
انخدعوا لمَّا لانَ لهم العيشُ، فظنوا أنهم ينجون، وبما يُؤَمِّلونه يحيطون؛ فَحسُنَتْ في أعينهم مقابحُ صفاتهم، ويومَ يُكْشَفُ الغطاءُ عنهم يعضون بنواجذ الحسرة على أنامل الخيبة، فلا تسْمَعُ منهم دعوة، ولا تتعلق بأحدهم رحمة.
النحل 16:63
أنزل هذه الآية على جهة التسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أنه أخبر أن مَنْ تَقدَّمَه من الأمم كانوا في سلوك الضلالة، والانخراط في سِلْكِ الجهالة كما كان من قومه، ولكن اللَّهَ - سبحانه - لم يعجز عنهم. وكما سَوَّلَ الشيطانُ لأُمَّتِه، وكان ولياً لهم، فهو وليُّ هؤلاء. وأمَّا المؤمنون فالله وليُّهم، والكافرون لا مَوْلى لهم.
النحل 16:64
أنت الواسطة بيننا وبين أوليائنا، ولك البرهان الأعلى والنور الأوفى؛ تُبَلِّغُ عنَّا وتؤدِّي مِنَّا، فأنت رحمةٌ أرسلناك لأوليائنا... فَمَنْ تَبِعَكَ اهتدى، ومَنْ عصاك ففي هلاكه سعى.
النحل 16:65
أحياء بماء التوفيق قلوبَ العابدين فَجَنَحَتْ إلى جانب الوفاق، وأحيا بماء التحقيق أرواح العارفين فاستروحت على بساط الوصال، وأحيا بماء التجريد أسرار الموحدين فتحررت من رِقِّ الآثار، وانفردت بحقائق الاتصال.
النحل 16:66
سَخَّرَها لكم، وهيأها للانتفاع بلحمها وشحمها، وجِلْدِها وشَعْرِها ودَرِّها، وأصلها ونَسْلِها. ثم عجيبٌ ما أظهر من قدرته من إخراج اللبن - مع صفائه وطعمه ونَفْعِه - من بين الروث والدم، وذلك تقدير العزيز العليم. والذي يقدر على حفظ اللبن بين الروث والدم يقدر على حفظ المعرفة بين وحشة الزَّلَّةِ من وجوهها المختلفة.
النحل 16:67
مَنَّ على العباد بما خَلَقَ لهم من فنون الانتفاع بثمرات النخيل كالتمر والرطب واليابس.. وغير ذلك.
والرزق الحسن ما كان حلالاً. ويقال هو ما أتاك من حيث لا تحتسب، ويقال هو الذي لا مِنَّة لمخلوقٍ فيه ولا تَبِعَةَ عليه.
ويقال هو ما لا يعصي الله مكتسبُه في حال اكتسابه.
ويقال هو ما لا يَنْسَى الله فيه مُكْتَسِبُه.
النحل 16:68
أوحى إلى النحل: أراد به وحي إلهام.. ولما حَفِظَ الأمر وأكل حلالاً، طَابَ مأكلُه وجعل ما يخرج منه شفاءً للناس.
ثم إن الله - سبحانه - عَرَّفَ الخَلْقَ أَنَّ التفصيل ليس من جهة القياس والاستحقاق؛ إذ أن النحلَ ليس له خصوصية في القامة أو الصورة أو الزينة، ومع ذلك جعل منه العَسَلَ الذي هو شفاء للناس.
والإنسان مع كمال صورته، وتمام عقله وفطنته، وما اختص به الأنبياء عليهم السلام والأولياء من الخصائص جعل فيهم من الوحشة ما لا يخفى... فأيُّ فضيلةٍ للنحل؟ وأيُّ ذنبٍ لإنسان؟ ليس ذلك إلا اختياره - سبحانه.
ويقال إن الله - سبحانه - أجرى سُنَّتَه أَنْ يُخْفِيَ كلَّ شيء عزيز في شيءٍ حقير؛ فجعل الإبْرَيَسْمَ في الدود وهو أضعف الحيوانات وجعل العسل في النحل وهو أضعف الطيور، وجعل الدُّرَّ في الصدف وهو أوحش حيوان من حيوانات البحر، وكذلك أودع الذهب والفضة والفيروزج في الحجر... كذلك أودع المعرفة به والمحبة له في قلوب المؤمنين وفيهم من يعصي وفيهم من يخطئ.
النحل 16:69
أوحى إلى النحل: أراد به وحي إلهام.. ولما حَفِظَ الأمر وأكل حلالاً، طَابَ مأكلُه وجعل ما يخرج منه شفاءً للناس.
ثم إن الله - سبحانه - عَرَّفَ الخَلْقَ أَنَّ التفصيل ليس من جهة القياس والاستحقاق؛ إذ أن النحلَ ليس له خصوصية في القامة أو الصورة أو الزينة، ومع ذلك جعل منه العَسَلَ الذي هو شفاء للناس.
والإنسان مع كمال صورته، وتمام عقله وفطنته، وما اختص به الأنبياء عليهم السلام والأولياء من الخصائص جعل فيهم من الوحشة ما لا يخفى... فأيُّ فضيلةٍ للنحل؟ وأيُّ ذنبٍ لإنسان؟ ليس ذلك إلا اختياره - سبحانه.
ويقال إن الله - سبحانه - أجرى سُنَّتَه أَنْ يُخْفِيَ كلَّ شيء عزيز في شيءٍ حقير؛ فجعل الإبْرَيَسْمَ في الدود وهو أضعف الحيوانات وجعل العسل في النحل وهو أضعف الطيور، وجعل الدُّرَّ في الصدف وهو أوحش حيوان من حيوانات البحر، وكذلك أودع الذهب والفضة والفيروزج في الحجر... كذلك أودع المعرفة به والمحبة له في قلوب المؤمنين وفيهم من يعصي وفيهم من يخطئ.
النحل 16:70
خَلَق الإنسانَ في أحسن تركيب، وأملح ترتيب، في الأعضاء الظاهرة والأجزاء الباطنة، والنور والضياء، والفهم الذكاء، ورَزَقَه من العقل والتفكر، والعلم والتبصر، وفنون المناقب التي خُصَّ بها من الرأي والتدبير، ثم في آخر عمره يجعله إلى أرذل العمر مردوداً، ويرى في كل يوم أَلَماً جديداً.
ويقال: { وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ }: وهو أن يرد إلى الخذلان بعد االتوفيق؛ فهو يكون في أول أحوال عمره مطيعاً ثم يصير في آخر عمره عاصياً.
ويقال أرذل العمر أن يرغب في عنفوان شبابه في الإرادة، ويسلك طريق الله مدةً، ثم تقع له فترةٌ فيفسخ عقد إرادته، ويرجع إلى طلب الدنيا. وعند القوم هذه رِدَّةٌ في هذا الطريق.
ويقال أرذلُ العمر رغبةُ الشيخ في طلبٍ.
ويقال أرذلُ العمر حُبُّ المرءِ للرياسة.
ويقال أرذلُ العمر اجتماع المظالم على الرجل وألا يُرْضِيَ خصومَه.
النحل 16:71
أرزاق المخلوقات مختلفة؛ فَمِنْ مضَيَّقٍ عليه رزقُه، ومَنْ مُوَسَّع عليه رزقه، ومِنْ أرزاق هي أرزاق النفوس، وأرزاقٍ للقلوب وأرزاق للأرواح، وأرزاق للأسرار؛ فأرزاقُ النفوسِ لقوم بتوفيق الطاعات، ولآخرين بخذلان المعاصي. وأرزاق القلوب لقومٍ حضورُ القلب باستدامة الفكر، ولآخرين باستيلاء الغفلة ودوام القسوة. وأرزاق الأرواح لقوم صفاء المحبة، ولآخرين اشتغال أرواحهم بالعلاقة بينهم وبين أشكالهم، فيكون بلاؤهم في محبتهم لأمثالهم. وأرزاق الأسرار لا تكون إلا بمشاهدة الحقِّ، فأمَّا من لم يكن من هذه الجملة فليس من أصحاب الأسرار.
النحل 16:72
قوله جلّ ذكره: { وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً }.
شَغَلَ الخَلْقَ لأنَّ الجنس أَوْلَى بالجنس. ولمَّا أراد الحقُّ - سبحانه - بقاء الجنس هَيَّأَ سبب التناسب والتناسل لاستيفاء مثل الأصل، ثم مَنَّ على البعض بخلْق البنين، وابتلى قوماً بالبنات - كلُّ بتقديره على ما يشاء.
قوله جلّ ذكره: { وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ }.
والرزق الطيب لعبدٍ ما تستطيبه نَفْسُه، ولآخر ما يستطيبه سِرُّه.
فمنهم من يستطيب مأكولاً ومشروباً، ومنهم من يستطيب خلوةً وصفوة... إلى غير ذلك من الأرزاق.
{ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ } ، وهو حسبان حصول شيءٍ من الأغيار، وتعلُّق القلبِ بهم استكفاءً منهم أو استدفاعاً لمحذور أو استجلاباً لمحبوب.
{ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ } والنعمة التي كفروا بها هي الثقةُ بالله، وانتظارُ الفَرَجِ منه، وحسنُ التوكلِ عليه.
النحل 16:73
ومَنْ يَتَعَلَّقُ بشخص أو بسببٍ مُضَاهٍ لعُبَّاد الأصنام من حيث إنه يضيِّعُ وقتَه فيما لا يُعِينُه، فالرزقُ، من الله - في التحقيق - مُقَدَّرٌ.
النحل 16:74
كيف تُضْرَبُ ألأمثالُ لمن لا يساويه أحدٌ في الذات والصفات وأحكام الأفعال؟
ومَنْ نَظَرَ إلى الحقِّ من حيث الخَلْق وقع في ظلمات التشبيه، وبقي عن معرفة المعبود.
النحل 16:75
شبَّهَ الكافرَ بالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء ولا مِلْكَ له في الشرع، والمؤمنَ المخلصَ بمَنْ رَزَقَه الخيراتِ ووفقه إلى الطاعات ثم وعده الثوابَ وحُسْنَ المآبِ على ما أنفقه.
ثم نفى عنهما المساواة إذ ليس مَنْ كان بنفْسِه، ملاحظاً لأبناء جِنْسِه، متمادياً في حسبان مغاليطه كمَنْ كان مُدْرِكاً بربِّه مصْطَلماً عن شاهده، غائباً عن غيره، والمُجرِي عليه ربُّه ولا حَوْلَ له إلا به.
النحل 16:76
هذا المَثلُ أيضاً للمؤمن والكفار؛ فالكافر كالجاهل الأبكم الذي لا يجيء منه شيءٌ، ولا يحصل منه نفع، والمؤمن على الصراط المستقيم يتبرأ عن حَوْلِه وقُوَّتِه، ولا يعْترف إلا بطوْلِه - سبحانه - ومِنَّتِه.
النحل 16:77
استأثر الحقُّ - سبحانه - بعلم الغيبيات، وسَتَرهَا على الخلْق؛ فيخرِجُ قوماً في الضلالة ثم ينقلهم إلى صفة الولاية، ويقيم قوماً برقم العداوة ثم يردهم إلى وصف الولاية.. فالعواقبُ مستورة، والخواتيم مبهمة، والخَلْقُ في غفلة عما يُرَادُ بهم.
النحل 16:78
خلَقهُم مِنْ غير أَنْ شاورهم، وأثبتهم - على الوصف الذي أراده - دون أن خَيَّرهم، ولم يعلموا بماذا سبق حُكْمُهم..أبا لسعادة خلقهم أم على الشقاوة من العدَم أخرجهم من بطون أمهاتهم؟ فلا صلاحَ أَنْفُسِهِمْ عَلِمُوا، ولا صفةَ ربِّهم عَرفوا. ثمَّ بحُكْم الإلهام هداهم حتى قَبَّلَ الصبيُّ ثدي أمه وإن لم يكن قد تقدمه تعريف أو تخويف أو تكليف أو تعنيف.
{ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ }: لتسمعوا خطابه، { وَٱلأَبْصَارَ } لتُبصِروا أفعالَه، { وَٱلأَفْئِدَةَ } لِتَعْرِفُوا حقَّه، ثم لتَشكروا عظيم إنعامه عليكم بهذه الحواس.
النحل 16:79
الطائر إذا حَلّقَ في الهواء يبقى كالواقف ولا يسقط، وقد قامت الدلالة على أن الحقَّ - سبحانه - متفرِّدٌ بالإيجاد، ولا يَخْرُجُ حادثٌ عن قدرته، وفي ذلك دلالة على كمال قدرته سبحانه.
النحل 16:80
للنفوس وطن، وللقلوب وطن. والناس على قسمين مستوطنٌ ومسافر: فكما أن الناس بنفوسهم مختلفون فكذلك بقلوبهم؛ فالمريد أو الطالب مسافِرٌ بقلبه لأنه يَتَلَوَّنُ، ويرتقي من درجة إلى درجة، والعارف مقيمٌ ومستوطِنٌ لأنه واصل متمكن. والطريق منازلُ ومراحلُ، ولا تقطع تلك المنازل بالنفوس وإنما تقطع بالقلوب، والمريد سالِكُ والعارف واصِلٌ.
النحل 16:81
في الظاهر جعل لكم من الأشجار والسقوف ونحوها ظلالاً... كذلك جعل في ظل عنايته لأوليائه مثوًى وقراراً.
وكما سَتَرَ ظواهركم بسرابيل تقيكم الحرَّ وسرابيل تقيكم بأس عدوكم - كذلك ألبس سرائركم لباساً يلفكم به في السراء والضراء، ولباسَ العصمة يحميكم من مخالفته، وأظلكم بظلال التوفيق مما يحملكم على ملازمة عبادته، وكساكم بحُلَلِ الوصل مما يؤهلكم لقربته وصحبته.
قوله: { كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ... } ، إتمام النعمة بأن تكون عاقبتُهم مختومة بالخير، ويكفيهم أمورَ الدين والدنيا، ويصونهم عن اتباع الهوى، ويُسَدِّدُهم حتى يؤثروا ما يوجِبُ من الله الرضاء.
النحل 16:82
إذا بَلَّغْتَ الرسالة فما جعلنا إليك حكم الهداية والضلالة.
النحل 16:83
يَسْتَوْفِقُونَ إلى الطاعةِ، فإذا فعلوا أُعجِبُوا بها.
ويقال يستغيثون، فإذا أجابهم قَصَّروا في شُكْرِه.
ويقال إذا وَقَعَتْ لهم محنةٌ استجاروا بربهم، فإذا أزال عنهم تلك المحن نسوا ما كانوا فيه من الشدة، وعادوا إلى قبيح ما أسلفوه من أعمالهم التي أوجبت لهم تلك الحالة.
ويقال يعرفون في حال توبتهم قُبْحَ ما كانوا فيه حال زلتهم، فإذا نقضوا توبتهم صاروا كأنهم لم يعرفوا تلك الحالة.
النحل 16:84
إذا كان يومُ الحشر سأل الرسلُ عن أحوال أُمَمِهم، فمن نَطَقَ بحجةٍ أُكْرِمَ، ومَنْ لم يُدْلِ بحجةٍ لا تُراعى له حُرْمةٌ.
النحل 16:85
أي يُشَدَّد عليهم الأمرُ ولا يُسَهَّل.
النحل 16:86
تمنوا أن يَنْقِمُوا من إخوانهم الذين عاشروهم، وحملوهم على الزَّلَّة، فيتبرأون من شركائهم، ويلعن بعضهم بعضاً، وتضيق صدورهم من بعض.
النحل 16:87
واستسلموا لأمر الله وحُكْمه، ويؤمئذ لا تضرُّع منهم يُرَى، ولا مِحْنةَ - يصرخون من ويلها - عنهم تُكْشَف.
النحل 16:89
تأتي - يومَ القيامة - كلُّ أمة مع رسولها، فلا أُمةَ كهذه الأمةِ فضلاً، ولا رسولَ كرسولنا صلى الله عليه وسلم - رتبةً وقَدْرَاً.
{ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ } أي القرآن تبياناً لكل شيء، فيه للمؤمنين شفاء، وهو لهم ضياء، وعلى الكافرين بلاء، وهو لهم سبب محنة وشقاء.
النحل 16:90
العدل ما هو صواب وحسن، وهو نقيض الجور والظلم.
أمر اللَّهُ الإنسانَ بالعدل فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين ربه، وفيما بينه وبين الخَلْق؛ فالعدلُ الذي بينه وبين نفسه مَنْعُها عما فيه هلاكُها، قال تعالى:{ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ } [النازعات: 40]، وكمالُ عدلِه مع نفسه كيُّ عُروقِ طمعِه.
والعدلُ الذي بينه وبين ربِّه إيثارُ حقِّه تعالى على حظِّ نفسه، وتقديمُ رضا مولاه على ما سواه، والتجرد عن جميع المزاجر، وملازمة جميع الأوامر.
أو العدل الذي بينه وبين الخَلْق يكون ببذل النصيحة وترك الخيانة فيما قل أو كثر، والإنصاف بكل وجه وألا تَشِيَ إلى أحد بالقول أو بالفعل، ولا بِالهَمِّ أو العزم.
وإذا كان نصيبُ العوام بَذْلَ الإنصافَ وكَفَّ الأذى فإِنَّ صفةَ الخواص تَرْكُ الانتصاف، وإسداءُ الإِنْعَام، وتَرْك الانتقام، والصبرُ، على تَحَمُّلِ، ما يُصيبُكَ من البلوى.
وأما الإحسان فيكون بمعنى العلم - والعلمُ مأمورٌ به - أي العلم بحدوثِ نَفْسه، وإثباتِ مُحْدِثه بصفات جلاله، ثم العلم بالأمور الدينية على حسب مراتبها. وأما الإحسانُ في الفعل فالحَسَنُ منه ما أمر الله به، وأَذِنَ لنا فيه، وحَكَمَ بمدح فاعله.
ويقال الإحسان أن تقوم بكل حقِّ وَجَبَ عليك حتى لو كان لطيرٍ في مِلكِك، فلا تقصر في شأنه.
ويقال أن تَقْضِيَ ما عليك من الحقوق وألا تقتضِيَ لك حقاً من أحد.
ويقال الإحسان أن تتركَ كل ما لَكَ عند أحد، فأما غير ذلك فلا يكون إحساناً.
وجاء في الخبر: " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه " وهذه حال المشاهدة التي أشار إليها القوم.
قوله: { وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ } إعطاء ذي القرابة، وهو صلةُ الرَّحِمِ، مع مُقاساةِ ما منهم من الجَوْرِ والجفاءِ والحَسَدِ.
{ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ }: وذلك كلُّ قبيح مزجورٍ عنه في الشريعة.
النحل 16:91
يُفْرَضُ على كافةِ المسلمين الوفاءُ بعهد الله في قبول الإسلام والإيمان، فتجبُ عليهم استدامةُ الإيمان. ثم لكلِّ قوم منهم عهدٌ مخصوص عاهدوا الله عليه، فهم مُطَالَبُون بالوفاء به؛ فالزاهدُ عَهْده ألا يرجعَ إلى الدنيا، فإذا رجع إلى ما تركه منها فقد نَقضَ عهده ولم يفِ به. والعابد عاهده في تَرِكِ الهوى. والمريدُ عَاهَدَه في ترك العادة، وآثره بكل وجه. والعارف عهده التجرد له، وإنكار ما سواه. والمحب عهده تركُ نَفْسِهِ معه بكل وجه والموحِّد عهده الامتحاء عنه، وإفراده إياه بجميع الوجوه والعبد مَنْهِيٌّ عن تقصير عهده، مأمورٌ بالوفاء به.
النحل 16:92
قوله جلّ ذكره: { وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ }.
مَنْ نَقَضَ عهده أفسد بآخِرِ أمرِه أَوَّلَه، وهَدَمَ بِفِعْلِهِ ما أَسَّسَه، وقَلَعَ بيده ما غَرَسَه، وكان كمن نقضت غَزْلَها من بعد قوة أنكاثاً أي من بعد ما أبرمت فَتْلَه.
وإنَّ السالكَ إذا وقعت له فترة، والمريدََ إذا حصلت له في الطريق وقفةٌ، والعارف إذا حصلت له حجَبَةٌ، والمحبِّ إذا استقبلته فرقةٌ - فهذه مِحَنٌ عظيمةٌ ومصائِبُ فجيعةٌ، فكما قيل:فَلأَبْكِيَنَّ على الهلالِ تأسُّفاً خوفَ الكسوفِ عليه قبل تمامه
فما هو إلا أَنْ تُكْشَفُ شَمْسُهُم، وينطفِىءَ - في الليلة الظلماءِ - سِراجُهم، ويتشتَّتَ من السماء نجومِهم، ويصيبَ أزهارَ أنْسِهم وربيعَ وَصْلِهم إعصارٌ فيه بلاءٌ شديدٌ، وعذابٌ أليم، فإنَّ الحقَّ - سبحانه إذا أراد بقوم بلاءً فكما يقوله:{ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [الأنعام: 10] فإِنَّ آثارَ سُخْطِ الملوكِ مُوجِعةُ، وقصةَ إعراضِ السلطانِ مُوحِشَةٌ وكما قيل:والصبر يَحْسُنُ في المواطن كلها إلا عليكَ - فإنَّه مذمومٌ
هنالك تنسكب العَبَرَاتُ، وتُشَق الجيوب، وتُلْطَم الخدود، وتُعطَّلُ العِشار، وتخَرَّبُ المنازلُ، وتسودُّ الأبواب، وينوح النائح:وأتى الرسول فأخـ ـبر أنهم رحلوا قريبا
رجعوا إلى أوطانهم فجرى لهم دمعي صبيبا
وتركن ناراً في الضلوع وزرعن في رأسي مشيبا
قوله جلّ ذكره: { إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }.
بلاءُ كلِّ واحدٍ على ما يليق بحاله؛ فمن كان بلاؤه بحديث النَّفْسِ أو ببقائه عن هواه، وبحرمانه لكرائمه في عُقْباه فاسمُ البلاءِ في صفته مَجَازٌ، وإنما هذا بلاء العوام. ولكنَّ بلاَءَ الكِرامِ غيرُ هذا فهو كما قيل:مَنْ لم يَبِتَ - والحبُّ مِلْءُ فؤادِه لم يَدْرِ كيف تَفَتُّتُ الأكبادِ
النحل 16:93
ليست واقعةُ القوم بخسرانٍ يُصيبهم في أموالهم، أو من جهة تقصيرهم في أعمالهم ولِمَا صنيَّعوه من أحوالهم.. فهذه - لعمري - وجوهٌ وأسبابٌ، ولكنَّ سِرَّ القصةِ كما قيل:أنَا صَبٌّ لِمَنْ هَوَيْتُ ولكن ما احتيالي بسوء رأي الموالي؟
قوله: { وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً }: لو شاء الله سَعَادَتَهمُ لَرَحِمَهُم، وعن المعاصي عَصَمَهُم، وبدوامِ الذكر - بَدَلَ الغفلة - ألهمهم.. ولكن سَبَقَتْ القسمةُ في ذلك، وما أحسن ما قالوا:شكا إليك ما وَجَدْ مَنْ خانه فيك الجَلَدْ
حيرانُ.. لو شِئْتَ اهتدى ظمآنُ.. لو شِئْتَ وَرَدْ
النحل 16:94
أَبعَدَكُم عَدَمُ صِدْقِكم في إِيمانِكم عن تحقُّقكم ببرهانكم، لأنكم وقفتم على حَدِّ التردد دون القطع والتعيين، فأفضى بكم تردُّدُكم إلى أوطانِ شِرْكِكُم، إذ الشكُّ في الله والشِّركُ به قرينان في الحُكْم.
النحل 16:95
لا تختاروا على القيام بحقِّ اللَّهِ والوفاءِ بعهده عِوَضاً يسيراً مما تنتفعون به من حُطام دنياكم من حلالكم وحرامكم، فإنَّ ما أعدَّ اللَّهُ لكم في جناته - بشرط وفائكم لإيمانكم - يوفي ويربو على ما تتعجلون به من حظوظكم.
النحل 16:96
الذي عندكم عَرَضٌ حادث فانٍ، والذي عند الله من ثوابكم في مآلِكُم نِعَمٌ مجموعةٌ، لا مقطعوعةٌ ولا ممنوعة.
ويقال ما عندكم أو ما منكم أو مالكم أفعالٌ معلولة وأحوالٌ مدخولة، وما عند الله فثوابٌ مقيمٌ ونعيمٌ عظيمٌ.
ويقال ما منكم من معارفكم ومحابكم آثارٌ متعاقبةٌ، وأصناف متناوبة، أعيانُها غيرُ باقية وإن كانت أحكامُها غير باطلة والذي يتصف الحقُّ به من رحمته بكم ومحبته لكم وثباته عليكم فصفاتُ أزلية ونعوتٌ سرمدية.
ويقال ما عندكم من اشتياقكم إلى لقائنا فَمُعرَّضُ للزوال، وقابلٌ للانقضاء، وما وَصَفْنَا به أَنْفُسَا من الإقبال لا يتناهي وأفضال لا تفْنى، كما قيل:ألا طال شوقُ الأبرار الى لقائي وإني للقائهم لأَشَدُّ شوقا
قوله: { وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوۤاْ... }: جزاءُ الصبر الفوزُ بالطِّلْبَةِ، والظَّفَرُ بالبُغية. ومآلهم في الطلبات يختلف: فَمَنْ صَبَرَ على مقاساة مشقةٍ في الله. فعِوَضُه وثوابُه عظيمٌ من قِبَل الله، قال تعالى:{ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [الزمر: 10].
ومَنْ صبر عن اتباع شهوةٍ لأَِجْل الله، وعن ارتكاب هفوةٍ مخافةً لله فجزاؤه كما قال تعالى:{ أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً } [الفرقان: 75].
ومَنْ صبر تحت جريان حُكْمِ الله، متحققاً بأنه بِمَرْآةٍ من الله فقد قال تعالى:{ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ } [البقرة: 153].
النحل 16:97
الصالح ما يصلح للقبول، والذي يصلح للقبول ما كان على الوجه الذي أمر الله به. وقوله: { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً }: في الحال، { فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً }: في المآل؛ فصفَاءُ الحالِ يستوجِبُ وفاءَ المآلِ، والعملُ الصالحُ لا يكون من غير إيمان، ولذا قال: { وَهُوَ مُؤْمِنٌ }.
ويقال { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } أي مصدِّقٌ بأن إيمانه من فضل الله لا بعمله الصالح. ويقال { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } أي مصدِّقٌ بأن عمله بتوفيق الله وإنشائه وإبدائه. قوله: { فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً }: الفاء للتعقيب، { وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ... } الواو للعطف ففي الأولى مُعَجَّل، وفي الثانية مؤجَّل، ثم ما تلك الحياة الطيبة فإنه لا يُعْرَف بالنطق، وإنما يعرف ذلك بالذوق؛ فقوم قالوا إنه حلاوة الطاعة، وقوم قالوا إنه القناعة، وقوم قالوا إنه الرضا، وقوم قالوا إنه النجوى، وقوم قالوا إنه نسيم القرب... والكل صحيحٌ ولكلِّ واحدٍ أهل.
ويقال الحياة الطيبة ما يكون مع المحبوب، وفي معناه قالوا:
نحن في أكمل السرور ولكنْ ليس إلا بكم يَتِمُّ السرورُ
عَيْبُ ما نحن فيه يا أهلَ ودِّي أنكم غُيِّبٌ ونحن حُضُورُ
ويقال الحياة الطيبة للأَولياء ألا تكون لهم حاجةٌ ولا سؤالٌ ولا أَرَبٌ ولا مُطَالَبَةٌ وفرقٌ بين من له إرادة فتُرْفَع وبين من لا إرادةَ له فلا يريد شيئاً، الأولون قائمون بشرط العبودية، والآخرون مُعْتَقُون بشرط الحرية.
النحل 16:98
شيطانُ كُلِّ واحدٍ ما يشغله عن ربه، فمن تَسَلَّطَتْ عليه نَفْسُه حتى شَغَلَتْه عن ربه ولو بشهود طاعةٍ أو استحلاءِ عبادة أو ملاحظةِ حال - فذلك شيطانُه. والواجبُ عليه أن يستعيذَ بالله من شرِّ نَفْسِه، وشرِّ كل ذي شر.
النحل 16:99
أنَّى يكون للشيطانِ سلطانُ على العبد والحقُّ - سبحانه - متفرِّدٌ بالإبداع، متوحِّدٌ بالاختراع؟
النحل 16:100
إنما سلطانُه على الذين هم في غطاء غفلتهم، وستر ظنونهم ومشتبهاتهم. فأمَّا أصحاب التوحيد فإنهم يرون الحادثاتِ بالله ظهورُها، ومن اللَّهِ ابتداؤها، وإلى الله مآلها وانتهاؤها.
النحل 16:101
ما ازدادوا في طول مدتهم إلا شكاً على شكٍ، وجحدوا على جحدٍ، وجرَوْا على منهاجهم في التكذيب، فلم يُصَدِّقوه صلى الله عليه وسلم، وما زادوا في ولايته إلا شكاً ومُرْية:وكذا الملولُ إذا أَرَادَ قطيعةً مَلَّ الوصال وقال كان وكانا
قوله: { قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ }: ردٌّ على فرط جهلهم بربهم، وبُعْدِ رتبتهم عن التحصيل، فلمَّا كانوا متفرقين في شهود المَلِكِ رُدُّوا في حين التعريف إليهم بِذِكْرِ المَلَكِ.
النحل 16:102
ما ازدادوا في طول مدتهم إلا شكاً على شكٍ، وجحدوا على جحدٍ، وجرَوْا على منهاجهم في التكذيب، فلم يُصَدِّقوه صلى الله عليه وسلم، وما زادوا في ولايته إلا شكاً ومُرْية:وكذا الملولُ إذا أَرَادَ قطيعةً مَلَّ الوصال وقال كان وكانا
قوله: { قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ }: ردٌّ على فرط جهلهم بربهم، وبُعْدِ رتبتهم عن التحصيل، فلمَّا كانوا متفرقين في شهود المَلِكِ رُدُّوا في حين التعريف إليهم بِذِكْرِ المَلَكِ.
النحل 16:103
لم يستوحش الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - من تكذيبهم، وخفاءِ حاله وقَدْرِه عليهم.. وأيُّ ضررِ يلحق مَنْ كانت مع السلطان مُجَالَسَتُه إذا خَفِيَتَ على الأَخَسِّ مِنَ الرعيةِ حالتُه؟
ثم إنه أقام الحجةَ في الردِّ عليهم حيث قال: { لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ }: فَمِن فَرْطِ جهلهم توهموا أنَّ القرآنَ - الذي عجز كافةُ الخَلْق عن معارضته في فصاحته بلاغته - مقولٌ وحاصلٌ باتصاله بِمَنْ هو أعجمي النطق.
النحل 16:104
إنَّ منْ سَبَقَتْ بالشقاوة قسمتُه لم تتعلق من الحق - سبحانه - به رحمتُه، ومَنْ لم يَهْدِه اللَّهُ في عاجله إلى معرفتِه لا يهديه اللَّهُ في آجِلِه إلى جنته.
النحل 16:105
هذا من لطائف المعاريض؛ إذ لمَّا وصفوه - عليه السلام - بالافتراء أنار الحقُّ - سبحانه - في الجواب، فقال: لستَ أَنت المفترِي إنما المفترِي مَنْ كذَّبَ معبودَه وجَهِلَ توحيدَه.
النحل 16:106
إذا عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَ عبده بقلبه، وإخلاصَه في عَقْدِه، ولحقته ضرورة في حاله خَفَّفَ عنه حُكْمَه، ودَفَع عنه عناءَه فلا يَلْفِظُ بكلمة الكفر إلا مُكْرَهاً - وهو مُوَحِّدٌ، وهو مستحقٌ العُذْرَ فيما بينه وبين الله تعالى... وكذلك الذين عقدوا بقلوبهم، وتجردوا لسلوكِ طريق الله ثم عَرَضَتْ لهم أسبابٌ، واتفقت لهم أعذارٌ، كأن يكون لهم ببعض الأسباب اشتغالٌ أو إلى شيءٍ من العلوم رجوعٌ... لم يكن ذلك قادحاً في صحة إرادتهم، ولا يُعَدُّ ذلك فسخاً لعهودهم، ولا ينفي بذلك عنهم سِمَةَ القَصْدِ إلى الله تعالى.
أَمَّا { مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً }: فرجع باختياره، ووضع قَدَماً - كان قد رَفَعَه في طريق الله - بِحُكْمِ هواه فقد نَقَضَ عهْدَ إرادته، وفَسَخَ عقده، وهو مستوجب (...) إلى (....) تتداركه الرحمة.
النحل 16:107
السالك إذا آثر الحظوظ على الحقوق بَقِيَ عن الله، ولم يبارِكْ له فيم آثره على حقِّ الله، ولقد قالوا:قد تركناكَ والذي تريد فعسى أَنْ تَمَلهم فتعود
النحل 16:108
قوله جل ذكره: { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ }.
إذا تمادى في غفلته، ولم يتدارك حالَه بملازمةِ حَسْرَتِه، ازداد قسوةً على قسوة، ولم يستمتع بما هو فيه من قوة، وكما قال جل ذكره:
{ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلْخَاسِرونَ }.
هم في الآخرة محجوبون، وبِذُلِّ البعد موسومون.
النحل 16:109
قوله جل ذكره: { أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ }.
إذا تمادى في غفلته، ولم يتدارك حالَه بملازمةِ حَسْرَتِه، ازداد قسوةً على قسوة، ولم يستمتع بما هو فيه من قوة، وكما قال جل ذكره:
{ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلْخَاسِرونَ }.
هم في الآخرة محجوبون، وبِذُلِّ البعد موسومون.
النحل 16:110
ومَنْ صَبَرَ حين عزم الأمر، ولم يجنح إلى جانب الرُّخَصِ، وأخذ في الأمور بالأشَقِّ أكرم اللَّهُ حَقِّه، وقرَّب مكانَه، ولَقَّاه في كل حالةِ بالزيادة، وربحت صفقتُه حين خسِرَ أشكالُه، وتَقَدَّم على الجملة وإِنْ قَلَّ احتيالُه.
النحل 16:111
غداً كلٌّ مشغولٌ بنفسه، ليس له فراغ إلى غيره. وعزيزٌ عبدٌ لا يشتغل بنفسه، قال صلى الله عليه وسلم: " من كان بحالٍ لقي الله بها " إنما يكون الفارغ غداً من كان اليوم فارغاً، ويجادل عن نفسه من كان له اليوم اهتمامٌ بنفسه. والمؤمن لا نَفْسَ له؛ قال تعالى:{ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ } [التوبة: 111] اشتراها الحقُّ منهم، وأودعها عندهم، فليس لهم فيها حق، وإنما يراعون فيها أمرَ الحق.
النحل 16:112
فراغ القلبِ من الأشغال نعمة عظيمة، فإذا كفر عبدٌ بهذه النعمة بأَن فتح على نَفْسِه بابَ الهوى، وانجرف في فساد الشهوة، شَوَّشَ الله عليه قلبه، وسَلَبَه ما كان يَجِدُه من صفاء وقته؛ لأنَّ طوارقَ النفسِ تُوجِبْ غروبَ شوارقِ القلب، وفي الخبر: " إذا أقبل الليلُ من ها هنا أدبر النهارُ من ها هنا " وكذلك القلبُ إذا انقطع عنه معهودُ ما كان الحقُّ أتاحه له أصابه عطَشٌ شديد ولهبٌ عظيم.
النحل 16:113
كما جاءهم الرسولُ جهراً فإنه تتأدَّى إليهم منْ قِبَل خواطرهم إشاراتٌ تترى، فمَنْ لم يستجِبْ لتلك الإشارات بالوفاق والإعتاق أخذه العذابُ من حيث لا يشعر.
النحل 16:114
الحلالُ الطيبُ ما يتناوله العبدُ على شريطة الإذن بشاهد الذكر على قضية الأدب في ترك الشبهة، وحقيقةُ الشكر على النعمةِ الغيبةُ عن شهودِ النعمة بالاستغراق في شهود المنعِم.
النحل 16:115
يُبَاحُ تناولُ المحرماتِ عند هجوم الضرورات حسب بيان الشرع، ولا يُرَخَّصُ في ذلك إلا على أوصاف مخصوصة، وبِقَدْرِ ما يَسُدُّ الرَّمق، كذلك عند استهلاكِ العبدِ بغلبات الحقيقة لا بدّ من رجوعه إلى حال الصحو بقدر ما يؤدى الفرض الواجب عليه، ثم لا يُمكَّن من التعريج في أَوْطان التفرقة والتمييز بعد مضي أوقات الصحو من أجل أداء الشرع، كما قيل:فإنْ تَكُ منه غيبة بعد غيبةٍ فإنَّ إليه بالوجود إيابي
النحل 16:116
الصدق في كل شيء أَوْلَى من الكذب، وكثيرٌ من أقوالهم في الاعتراض عَيِّناتُ من الكذب.
والصِّدِّيق لا يكذب صريحاً، ولا يتداول أقوال كاذب مهين. وصاحبُ الكذبِ تظهر عليه المذَلَّةُ لما هو فيه من الزّلَّةِ، وله في الآخرة عذاب أليم.
النحل 16:117
الصدق في كل شيء أَوْلَى من الكذب، وكثيرٌ من أقوالهم في الاعتراض عَيِّناتُ من الكذب.
والصِّدِّيق لا يكذب صريحاً، ولا يتداول أقوال كاذب مهين. وصاحبُ الكذبِ تظهر عليه المذَلَّةُ لما هو فيه من الزّلَّةِ، وله في الآخرة عذاب أليم.
النحل 16:118
بيَّن أنه أوضح لِمَنْ تَقَدَّمَ الحلالَ والحرامَ، فمنهم مَنْ أتى بما أُمِرَ به ومنهم مَنْ خالف.. وكلٌّ عُومِل بما استوجبه؛ فمن أطاع قلبُه قرَّبَه، ومَنْ عَصَى رَدَّه وحَجَبَه.
النحل 16:119
إذا نَدِمُوا على قبيح ما قَدَّمُوا، وأَسِفُوا على كثيرٍ مما أسلفوا وفيه أسرقوا، ومَحَا صِدْقُ عَبْرَتِهم آثارَ عَثْرَتِهم - نظَرَ اللَّهُ إليهم بالرحمة، فتابَ عليهم إذا أصلحوا، ونجَّاهم إذا تضرَّعوا.
النحل 16:120
قيل آمن بالله وحدَه فقام مقام الأمة، وفي التفسير: كان معلِّماً - للخير- لأمةٍ.
ويقال اجتمع فيه من الخصال المحمودة ما يكون في أمةٍ متفرقاً.
ويقال لمَّا قال إبراهيمُ لكلِّ ما رآه:{ هَـٰذَا رَبِّي } [الأنعام: 77] ولم ينظر إلى المخلوقات من حيث هي بل كان مُسْتَهْلَكاً في شهودِ الحقِّ، ورأى الكوْنَ كُلَّه بالله، وما ذكر حين ذكر غيرَ الله.. كذلك كان جزاء الحق فقال: أنت الذي تقوم مقام الكلِّ، ففي القيامِ بحق الله منك على الدوام غُنْيةٌ عن الجميع.
و " الحنيف ": المستقيم في الدِّين، أو المائل إلى الحق بالكلية.
النحل 16:121
الشاكرُ في الحقيقة - مَنْ يرى عَجْزَه عن شكره، ويرى شُكْرَهُ من الله عزَّ وجل، لِتَحَقُّقِه أنه هو الذي خَلَقَه، وهو الذي وَفَقَّه لشكره، وهو الذي رزقه الشكرَ، وهو الذي اجتباه حتى كان بالكلية له - سبحانه.
{ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } أي تحقَّق بأنه عَبْدُه، وأنه رقَّاه إلى محلِّ الأكابر.
النحل 16:122
الحسنةُ التي آتاه اللَّهُ هي دوامُ ما آتاه حتى لم تنقطِعْ عنه.
ويقال هي الخلة. ويقال هي النبوة والرسالة.
ويقال آتيناه في الدنيا حسنةً حتى كان لنا بالكلية، ولم تكن فيه لغير بقية.
النحل 16:123
{ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ } أي الكون بالحق، والامتحاء عن شاهد نفسه؛ فكان نبينا - صلى الله عليه وسلم - في اتباعه إبراهيم مؤْتَمِرَاً بأمر الله. وكانت ملةُ إبراهيم - عليه السلام - الخُلُقَ والسخاءَ والإيثارَ والوفاءَ، فاتبعه الرسول صلى الله عليه وسلم وزاد عليه، فقد زاد على الكافة شأنه، وبانت مَزِيَّتُه.
النحل 16:124
قومٌ حرَّموا العملَ فيه وقومٌ حللوه معصيةً منهم، وقيل جعل الجمعةَ لهم فقالوا: لا نريد إلا يومَ السبت.. فهذا اختلافهم فيه.
والإشارة من ذلك أنهم حادوا عن موجب الأمر، ومالوا إلى جانب هواهم. ثم إنهم لم يراعوها حق رعايتها فصار سبب عصيانهم.
النحل 16:125
الدعاءُ إلى سبيل الله بحثِّ الناسِ على طاعةِ الله، وزجرهم عن مخالفة أمر الله. والدعاءُ بالحكمة ألا يخالفَ بالفعل ما يأمر به الناس بالنطق.
والموعظة الحسنة ما يكون صادراً عن علمٍ وصوابٍ، ولا يكون فيها تعنيف.
{ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }: بالحجة الأقوى، والطريقة الأوضح. قال تعالى:{ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ } [هود: 88]: فَشَرْطُ الأمرِ بالمعروف استعمالُ ما تأمر به، والانتهاء عما تنهي عنه.
النحل 16:126
إذا جرى عليكم ظُلُمٌ من غيرَكم وأردتم الانتقامَ.. فلا تتجاوزُوا حَدَّ الإذنِ بما هو في حكم الشرع.
{ وَلَئِن صَبَرْتُمْ }: فتركتم الانتصافَ لأِجْلِ مولاكم فهو خيرُ لكم إِنْ فَعَلْتُمْ ذلك. والأسبابُ التي قد يترك لأجلها المرءُ الانتصافَ مختلفة؛ فمنهم من يترك ذلك طمعاً في الثواب غداً فإنه أوفر وأكثر، ومنهم من يترك ذلك طمعاً في أن يتكفَّل اللَّهُ بخصومه، ومنهم من يترك ذلك لأنه مُكْتَفٍ بعلم الله تعالى بما يجري عليه، ومنهم من يترك ذلك لِكَرَم نَفسِه، وتَحرُّرِه عن الأخطار ولاستحبابه العفوَ عند الظَّفَرِ، ومنهم مَنْ لا يرى لنفسه حقاً، ولا يعتقد أَنَّ لأحدٍ هذا الحق فهو على عقد إرادته بِتَرْكِ نَفْسِه؛ فمِلْكُه مُبَاحٌ ودَمَهُ هَدَر. ومنهم من ينظرإلى خصمه - أي المتسلط عليه - على أنَّ فِعْلَه جزاءٌ على ما عمله هو من مخالفة أمر الله، قال تعالى:{ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } [الشورى: 30] فاشتغاله باستغفاره عن جُرْمِه يمنعه عن انتصافه من خصمه.
النحل 16:127
" واصبر " تكليف، " وما صبرك إلا بالله ": تعريف. " واصبر " تحققٌ بالعبودية، " وما صبرك إلا بالله " إخبارٌ عن الربوبية.
" ولا تحزن عليهم.. " أي طالِعْ التقدير، فما لا نجعلُ له خطراً عندنا لا ينبغي أن يوجِبَ أثراً فيك، فمَنْ أَسْقَطْنا قَدْرَه فاستَصْغِر أَمْرَه. وإذا عرفتَ انفرادَنا بالإيجادِ فلا يضيق قلبُك بشدّة عداوتهم، فإِنَّا ضَمَنَّا كِفايتَك، وألا نُشْمِتَهم بك، وألا نجعلَ لهم سبيلاً إليك.
النحل 16:128
إن الله معهم بالنصرة، ويحيطهم بالإحسان والبسطة.
" الذين اتقوا " رؤيَةَ النصْرةِ مِنْ غيره، والذين هم أصحاب التبري من الحَوْلِ والقوة.
والمحسن الذي يعبد الله كأنه يراه، وهذه حال المشاهدة.