لطائف الإشارات — الأنفال 8:1 – هود 11:123
المحتويات
- الأنفال 8:1
- الأنفال 8:2
- الأنفال 8:3
- الأنفال 8:4
- الأنفال 8:5
- الأنفال 8:6
- الأنفال 8:7
- الأنفال 8:8
- الأنفال 8:9
- الأنفال 8:10
- الأنفال 8:11
- الأنفال 8:12
- الأنفال 8:13
- الأنفال 8:14
- الأنفال 8:15
- الأنفال 8:16
- الأنفال 8:17
- الأنفال 8:18
- الأنفال 8:19
- الأنفال 8:20
- الأنفال 8:21
- الأنفال 8:22
- الأنفال 8:23
- الأنفال 8:24
- الأنفال 8:25
- الأنفال 8:26
- الأنفال 8:27
- الأنفال 8:28
- الأنفال 8:29
- الأنفال 8:30
- الأنفال 8:31
- الأنفال 8:32
- الأنفال 8:33
- الأنفال 8:34
- الأنفال 8:35
- الأنفال 8:36
- الأنفال 8:37
- الأنفال 8:38
- الأنفال 8:39
- الأنفال 8:40
- الأنفال 8:41
- الأنفال 8:42
- الأنفال 8:43
- الأنفال 8:44
- الأنفال 8:45
- الأنفال 8:46
- الأنفال 8:47
- الأنفال 8:48
- الأنفال 8:49
- الأنفال 8:50
- الأنفال 8:51
- الأنفال 8:52
- الأنفال 8:53
- الأنفال 8:54
- الأنفال 8:55
- الأنفال 8:56
- الأنفال 8:57
- الأنفال 8:58
- الأنفال 8:59
- الأنفال 8:60
- الأنفال 8:61
- الأنفال 8:62
- الأنفال 8:63
- الأنفال 8:64
- الأنفال 8:65
- الأنفال 8:66
- الأنفال 8:67
- الأنفال 8:68
- الأنفال 8:69
- الأنفال 8:70
- الأنفال 8:71
- الأنفال 8:72
- الأنفال 8:73
- الأنفال 8:74
- الأنفال 8:75
- التوبة 9:1
- التوبة 9:2
- التوبة 9:3
- التوبة 9:4
- التوبة 9:5
- التوبة 9:6
- التوبة 9:7
- التوبة 9:8
- التوبة 9:9
- التوبة 9:10
- التوبة 9:11
- التوبة 9:12
- التوبة 9:13
- التوبة 9:14
- التوبة 9:15
- التوبة 9:16
- التوبة 9:17
- التوبة 9:18
- التوبة 9:19
- التوبة 9:20
- التوبة 9:21
- التوبة 9:22
- التوبة 9:23
- التوبة 9:24
- التوبة 9:25
- التوبة 9:26
- التوبة 9:27
- التوبة 9:28
- التوبة 9:29
- التوبة 9:30
- التوبة 9:31
- التوبة 9:32
- التوبة 9:33
- التوبة 9:34
- التوبة 9:35
- التوبة 9:36
- التوبة 9:37
- التوبة 9:38
- التوبة 9:39
- التوبة 9:40
- التوبة 9:41
- التوبة 9:42
- التوبة 9:43
- التوبة 9:44
- التوبة 9:45
- التوبة 9:46
- التوبة 9:47
- التوبة 9:48
- التوبة 9:49
- التوبة 9:50
- التوبة 9:51
- التوبة 9:52
- التوبة 9:53
- التوبة 9:54
- التوبة 9:55
- التوبة 9:56
- التوبة 9:57
- التوبة 9:58
- التوبة 9:59
- التوبة 9:60
- التوبة 9:61
- التوبة 9:62
- التوبة 9:63
- التوبة 9:64
- التوبة 9:65
- التوبة 9:66
- التوبة 9:67
- التوبة 9:68
- التوبة 9:69
- التوبة 9:70
- التوبة 9:71
- التوبة 9:72
- التوبة 9:73
- التوبة 9:74
- التوبة 9:75
- التوبة 9:76
- التوبة 9:77
- التوبة 9:78
- التوبة 9:79
- التوبة 9:80
- التوبة 9:81
- التوبة 9:82
- التوبة 9:83
- التوبة 9:84
- التوبة 9:85
- التوبة 9:86
- التوبة 9:87
- التوبة 9:88
- التوبة 9:89
- التوبة 9:90
- التوبة 9:91
- التوبة 9:92
- التوبة 9:93
- التوبة 9:94
- التوبة 9:95
- التوبة 9:96
- التوبة 9:97
- التوبة 9:98
- التوبة 9:99
- التوبة 9:100
- التوبة 9:101
- التوبة 9:102
- التوبة 9:103
- التوبة 9:104
- التوبة 9:105
- التوبة 9:106
- التوبة 9:107
- التوبة 9:108
- التوبة 9:109
- التوبة 9:110
- التوبة 9:111
- التوبة 9:112
- التوبة 9:113
- التوبة 9:114
- التوبة 9:115
- التوبة 9:116
- التوبة 9:117
- التوبة 9:118
- التوبة 9:119
- التوبة 9:120
- التوبة 9:121
- التوبة 9:122
- التوبة 9:123
- التوبة 9:124
- التوبة 9:126
- التوبة 9:127
- التوبة 9:128
- التوبة 9:129
- يونس 10:1
- يونس 10:2
- يونس 10:3
- يونس 10:4
- يونس 10:5
- يونس 10:6
- يونس 10:7
- يونس 10:8
- يونس 10:9
- يونس 10:10
- يونس 10:11
- يونس 10:12
- يونس 10:13
- يونس 10:14
- يونس 10:15
- يونس 10:16
- يونس 10:17
- يونس 10:18
- يونس 10:19
- يونس 10:20
- يونس 10:21
- يونس 10:22
- يونس 10:23
- يونس 10:24
- يونس 10:25
- يونس 10:26
- يونس 10:27
- يونس 10:28
- يونس 10:29
- يونس 10:30
- يونس 10:31
- يونس 10:32
- يونس 10:33
- يونس 10:34
- يونس 10:35
- يونس 10:36
- يونس 10:37
- يونس 10:38
- يونس 10:39
- يونس 10:40
- يونس 10:41
- يونس 10:42
- يونس 10:43
- يونس 10:44
- يونس 10:45
- يونس 10:46
- يونس 10:47
- يونس 10:48
- يونس 10:49
- يونس 10:50
- يونس 10:51
- يونس 10:52
- يونس 10:53
- يونس 10:54
- يونس 10:55
- يونس 10:56
- يونس 10:57
- يونس 10:58
- يونس 10:59
- يونس 10:60
- يونس 10:61
- يونس 10:62
- يونس 10:63
- يونس 10:64
- يونس 10:65
- يونس 10:66
- يونس 10:67
- يونس 10:68
- يونس 10:69
- يونس 10:70
- يونس 10:71
- يونس 10:72
- يونس 10:73
- يونس 10:74
- يونس 10:75
- يونس 10:76
- يونس 10:78
- يونس 10:79
- يونس 10:80
- يونس 10:81
- يونس 10:82
- يونس 10:83
- يونس 10:84
- يونس 10:85
- يونس 10:86
- يونس 10:87
- يونس 10:88
- يونس 10:89
- يونس 10:90
- يونس 10:91
- يونس 10:92
- يونس 10:93
- يونس 10:94
- يونس 10:95
- يونس 10:96
- يونس 10:97
- يونس 10:98
- يونس 10:99
- يونس 10:100
- يونس 10:101
- يونس 10:102
- يونس 10:103
- يونس 10:104
- يونس 10:105
- يونس 10:106
- يونس 10:107
- يونس 10:108
- يونس 10:109
- هود 11:1
- هود 11:2
- هود 11:3
- هود 11:4
- هود 11:5
- هود 11:6
- هود 11:7
- هود 11:8
- هود 11:9
- هود 11:10
- هود 11:11
- هود 11:12
- هود 11:13
- هود 11:14
- هود 11:15
- هود 11:16
- هود 11:17
- هود 11:18
- هود 11:19
- هود 11:20
- هود 11:22
- هود 11:23
- هود 11:24
- هود 11:25
- هود 11:26
- هود 11:27
- هود 11:28
- هود 11:29
- هود 11:30
- هود 11:31
- هود 11:32
- هود 11:33
- هود 11:34
- هود 11:35
- هود 11:36
- هود 11:37
- هود 11:38
- هود 11:39
- هود 11:40
- هود 11:41
- هود 11:42
- هود 11:43
- هود 11:44
- هود 11:45
- هود 11:46
- هود 11:47
- هود 11:48
- هود 11:49
- هود 11:50
- هود 11:51
- هود 11:52
- هود 11:53
- هود 11:54
- هود 11:55
- هود 11:56
- هود 11:57
- هود 11:58
- هود 11:59
- هود 11:60
- هود 11:61
- هود 11:62
- هود 11:63
- هود 11:64
- هود 11:65
- هود 11:66
- هود 11:67
- هود 11:68
- هود 11:69
- هود 11:70
- هود 11:71
- هود 11:72
- هود 11:73
- هود 11:74
- هود 11:75
- هود 11:76
- هود 11:77
- هود 11:78
- هود 11:79
- هود 11:80
- هود 11:81
- هود 11:82
- هود 11:83
- هود 11:84
- هود 11:85
- هود 11:86
- هود 11:87
- هود 11:88
- هود 11:89
- هود 11:90
- هود 11:91
- هود 11:92
- هود 11:93
- هود 11:94
- هود 11:95
- هود 11:96
- هود 11:97
- هود 11:98
- هود 11:99
- هود 11:100
- هود 11:101
- هود 11:102
- هود 11:103
- هود 11:104
- هود 11:105
- هود 11:106
- هود 11:107
- هود 11:108
- هود 11:109
- هود 11:110
- هود 11:111
- هود 11:112
- هود 11:113
- هود 11:114
- هود 11:115
- هود 11:116
- هود 11:117
- هود 11:118
- هود 11:119
- هود 11:120
- هود 11:121
- هود 11:122
- هود 11:123
الأنفال 8:1
قوله جلّ ذكره: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ }.
الأنفال ها هنا ما آل إلى المسلمين من أموال المشركين، وكان سؤالهم عن حكمها، فقال الله تعالى: قُلْ لهم إنها للهِ مِلْكاً، ولرسوله - عليه السلام - الحُكْمُ فيها بما يقضى به أمراً وشرعاً.
قوله جلّ ذكره: { فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ }.
أي أجيبوا لأمر الله، ولا تطيعوا دَوَاعِيَ مناكم والحكمَ بمقتضى أحوالكم، وابتغوا إيثارَ رضاء الحقِّ على مراد النَّفْس، وأصلحوا ذات بَيْنِكم، وذلك بالانسلاخ عن شُحِّ النَّفْس، وإيثار حقِّ الغير على مَالَكُم من النصيب والحظِّ، وتنقية القلوب عن خفايا الحَسَد والحقد.
قوله جلّ ذكره: { وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ }.
أي في الإجابة إلى ما يأتيكم من الإرشاد.
قوله جلّ ذكره: { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }.
أي سبيلُ المؤمنِ ألا يخالِفَ هذه الجملة.
الأنفال 8:2
الوَجَل شِدَّة الخوف، ومعناه ها هنا أَن يُخْرِجَهم الوَجَلُ عن أوطان الغفلة، ويزعجهم عن مساكن الغيبة. فإِذا انفصلوا عن أوْدية التفرقة وفاؤوا إلى مَشَاهِدِ الذكر نالوا السكون إلى الله - عز وجل؛ فيزيدُهم ما يُتْلَى عليهم من آياته تصديقاً على تصديق، وتحقيقاً على تحقيق. فإذا طالعوا جلال قَدْرِهِ، وأيقنوا قصورَهم عن إدراكه، توكلوا عليه في إمدادهم بالرعاية في نهايتهم، كما استخلصهم بالعناية في بدايتهم.
ويقال سُنَّة الحقِّ - سبحانه مع أهل العرفان أن يُرَدِّدَهم بين كَشْفِ جلالٍ ولُطْف جمال، فإذا كاشفهم بجلاله وَجِلَتْ قلوبُهم، وإذا لاطفهم بجماله سَكَنَتْ قلوبهم، قال الله تعالى:{ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ } [الرعد: 28]. ويقال وجلت قلوبهم بخوف فراقه، ثم تطمئن وتسكن أسرارهم بروْح وصاله. وذكر الفراق يُفْنيهم وذكر الوصال يُصْحيهم ويُحْييهم.
ويقال الطالبون في نَوْحِ رهبتهم، والواصلون في روْح قربتهم، والموحِّدون في محو غيبتهم؛ استولت عليهم الحقائق فلا لهم تطلع لوقتٍ مستأنف فيستفزهم خوف أو يجرفهم طمع، ولا لهم إحساس فَتَمْلِكُهم لذة؛ إذ لمَّا اصْطُلِمُوا ببوادهِ ما مَلَكَهُمْ فَهُمْ عنهم مَحْوٌ، والغالبُ عليهم سواهم.
الأنفال 8:3
لا يرضَوْن في أعمالهم بإخلال، ولا يتصفون بجمْعِ مال من غير حلال، ولا يُعَرِّجون في أوطان التقصير بحال، أولئك الذين صفتهم ألا يكون للشريعة عليهم نكير، ولا لهم عن أحكام الحقيقة مقيل.
{ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً } أي حققوا حقاً وصدقوا صدقاً. ويقال حق لهم ذلك حقاً. قوله: { لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ } على حسب ما أَهَّلَهُمْ له من الرُّتَبِ؛ فَبِسَابقِ قِسْمَتِه لهم استوجبوها، ثم بصادقِ خِدْمَتِهِم - حين وفَّقَهم لها - بلغوها.
ولهم مغفرةٌ في المآل، والسَّتْرُ في الحال لأكابرهم، فالمغفرة الستر، والحق سبحانه يستر مثالِبَ العاصين ولا يفضحهم لئلا يحجبوا عن مأمول أفضالهم، ويستر مناقِبَ العارفين عليهم لئلا يُعْجَبُوا بأعمالهم وأحوالهم، و فَرْقٌ بين سَتْرٍ وَسَتْرٍ، وشَتَّان ما هما!
وأَمَّا الرزق الكريم فيحتمل أنه الذي يعطيه من حيث لا يُحْتَسَبُ، ويحتمل أنه الذي لا يَنْقُصُ بإجرامهم، ويحتمل أنه ما لا يشغلهم بوجوده عن شهود الرزاق، ويحتمل أنه رزق الأسرار بما يكون استقلالها به من المكاشفات.
الأنفال 8:4
لا يرضَوْن في أعمالهم بإخلال، ولا يتصفون بجمْعِ مال من غير حلال، ولا يُعَرِّجون في أوطان التقصير بحال، أولئك الذين صفتهم ألا يكون للشريعة عليهم نكير، ولا لهم عن أحكام الحقيقة مقيل.
{ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً } أي حققوا حقاً وصدقوا صدقاً. ويقال حق لهم ذلك حقاً. قوله: { لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ } على حسب ما أَهَّلَهُمْ له من الرُّتَبِ؛ فَبِسَابقِ قِسْمَتِه لهم استوجبوها، ثم بصادقِ خِدْمَتِهِم - حين وفَّقَهم لها - بلغوها.
ولهم مغفرةٌ في المآل، والسَّتْرُ في الحال لأكابرهم، فالمغفرة الستر، والحق سبحانه يستر مثالِبَ العاصين ولا يفضحهم لئلا يحجبوا عن مأمول أفضالهم، ويستر مناقِبَ العارفين عليهم لئلا يُعْجَبُوا بأعمالهم وأحوالهم، و فَرْقٌ بين سَتْرٍ وَسَتْرٍ، وشَتَّان ما هما!
وأَمَّا الرزق الكريم فيحتمل أنه الذي يعطيه من حيث لا يُحْتَسَبُ، ويحتمل أنه الذي لا يَنْقُصُ بإجرامهم، ويحتمل أنه ما لا يشغلهم بوجوده عن شهود الرزاق، ويحتمل أنه رزق الأسرار بما يكون استقلالها به من المكاشفات.
الأنفال 8:5
بَيَّنَ - سبحانه - أن الجِدالَ منهم عادةٌ وسَجِيَّة، ففي كل شيء لهم جدال واختيار؛ فكرهُوا خروجَه إلى بَدْرٍ، كما جادلوا في حديث الغنيمة، قال تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ } وما يكون من خصال العبد غير متكرر ويكون على وجه الندرة كان أقربَ إلى الصفح عنه والتجاوز، فأمَّا إذا صار ذلك عادةً فهو أصعب.
ويقال ما لم تباشر خلاصةُ الإيمان القلبَ يوجد كمالُ التسليم وترك الاختيار، وما دام يتحرك من العبد عِرْقٌ في الاختيار فهو بعيدٌ عن راحة الإيمان.
ولقد أجرى الله سُنَّتِه مع أنبيائه ألا يفتح لهم كمالَ النُّعْمى إلا بعد مفارقة مألوفات الأوطان، والتجرد عن مساكنة ما فيه حظ ونصيب مِنْ كل معهود.
ويقال إن في هجرة الأنبياء - عليهم السلام - عن أوطانهم أماناً لهم من عادية الأعادي، وإحياءً لقلوب قوم تقاصرت أقْدَامُهم عن المسير إليهم.
وكذلك هجرة الأولياء من خواصه؛ فيها لهم خلاصٌ من البلايا، واستخلاصٌ للكثيرين من البلايا.
الأنفال 8:6
جحودُ الحقِّ بعد وضوح برهانه عَلَمٌ لاستكبار صاحبه، وهو - في الحال - في وحشة غَيِّه، مُعَاقَبٌ بالصِّد وتَنعُّص العَيْشِ، يَملُّ حياتَه ويتمنى وفاتَه؛ { كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ }.
الأنفال 8:7
التعريجُ في أوطان الكسل، ومساكنة مألوفات الراحة من خصائص أحكام النَّفْس، فهي بطبعها تؤثِر في كل حالٍ نصيبَها، وتتعجل لذَّةَ حظِّها. ولا يصل أحدٌ إلى جلائل النِّعم إلا بتجرُّع كاسات الشدائد، والانسلاخ عن معهودات النصيب. { وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ } أي إذا أراد اللهُ - سبحانه - تخصيصَ عبدٍ بولايته قضى على طوارقِ نفسه بالأُفُول، وحكم لبعض شهواته بالذبول، وإلى طوالع الحقائق بإشراقها، ولجامع الموانع باستحقاقها.
الأنفال 8:8
ليحق الحقَّ بالتوفيق فيما يحصل ببذل المجهود، والتحقيق لما يظهر من عين الجود.
ويقال لِيُحِقَّ الحقّ بنشر أعلام الوصل، ويُبْطِلَ الباطلَ بقهر أقسام الهزل.
الأنفال 8:9
الاستغاثة على حسب شهود الفاقة وعدم المنة والطاقة. والتحقق بانفراد الحق بالقدرة على إزالة الشكاة تيسيرٌ للمسؤول وتحقيق للمأمول. فإذا صدقت الاستغاثة بتَعَجُّل الإجابة حَصُلَتْ الآمالُ وقُضِيَتْ الحاجة.. بذلك جَرَتْ سُنَّتُه الكريمة.
ويقال بَشَرَّهم بالإمداد بالمَلَك، ثم رقَّاهم عن هذه الحالة بإشهادهم أن الإنجاز من المَلِكِ، ولم يَذرْهم في المساكنة إلى الإمداد بالمَلَك فقال: { وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } ثم قال: { إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ } فالنجاة من البلاء حاصلة، وفنون الإنجاز والإمداد بالطاقة متواصلة، والدعوات مسموعة، والإجابة غير ممنوعة، وزوائد الإحسان مُتَاحة، ولكن الله عزيز.
الطالبُ واجدٌ ولكن بعطائه، والراغب واصل ولكن إلى مبارِّه. والسبيلُ سهلٌ ولكن إلى وجدان لطفه، فأمّا الحقُّ فهو عزيز وراء كل وصل وفصل، وقُرْبٍ وبُعْد، وما وَصَلَ أحدٌ إلا إلى نصيبه، وما بقي أحدٌ إلا عن حظه، وفي معناه أنشدوا:وقُلْنَ لنا نحن الأهِلَّةُ إنما نضيءُ لمن يسري بليلٍ ولا نُقْرِي
فلا بَذْلَ إلا ما تزوَّدَ ناظرٌ ولا وصلَ إلا بالجمال الذي يسري
الأنفال 8:10
الاستغاثة على حسب شهود الفاقة وعدم المنة والطاقة. والتحقق بانفراد الحق بالقدرة على إزالة الشكاة تيسيرٌ للمسؤول وتحقيق للمأمول. فإذا صدقت الاستغاثة بتَعَجُّل الإجابة حَصُلَتْ الآمالُ وقُضِيَتْ الحاجة.. بذلك جَرَتْ سُنَّتُه الكريمة.
ويقال بَشَرَّهم بالإمداد بالمَلَك، ثم رقَّاهم عن هذه الحالة بإشهادهم أن الإنجاز من المَلِكِ، ولم يَذرْهم في المساكنة إلى الإمداد بالمَلَك فقال: { وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } ثم قال: { إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ } فالنجاة من البلاء حاصلة، وفنون الإنجاز والإمداد بالطاقة متواصلة، والدعوات مسموعة، والإجابة غير ممنوعة، وزوائد الإحسان مُتَاحة، ولكن الله عزيز.
الطالبُ واجدٌ ولكن بعطائه، والراغب واصل ولكن إلى مبارِّه. والسبيلُ سهلٌ ولكن إلى وجدان لطفه، فأمّا الحقُّ فهو عزيز وراء كل وصل وفصل، وقُرْبٍ وبُعْد، وما وَصَلَ أحدٌ إلا إلى نصيبه، وما بقي أحدٌ إلا عن حظه، وفي معناه أنشدوا:وقُلْنَ لنا نحن الأهِلَّةُ إنما نضيءُ لمن يسري بليلٍ ولا نُقْرِي
فلا بَذْلَ إلا ما تزوَّدَ ناظرٌ ولا وصلَ إلا بالجمال الذي يسري
الأنفال 8:11
قوله جلّ ذكره: { إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ }.
غَشيَهم النُّعاسُ تلك الليلة فأزال عن ظواهرهم ونفوسهم كَدَّ الأغيار والكلال، وأنزل على قلوبهم رَوْحَ الأمن، وأمطرت السماءُ فاغتسلوا بعدما لزمتهم الطهارة الكبرى بسب الاحتلام، واشتدت الأرض بالمطر فلم ترسب الأقدام في رَملِها، وانتفى عن قلوبهم ما كانت الشياطين توسوس به إليهم أنه سيصيبهم العناءُ بسلوك رَمْلِها وبالانتفاء عن الغُسْل، فلمَّا (...) الإحساسِ، واستمكن منهم النُّعاس، وتداركتهم الكفاية والنصرة استيقنوا بأن الإعانة من قِبَل الله لا بسكونهم وحركتهم، وأشهدهم صرف التأييد وإتمام الكفاية.
وكما طَهَّرَ ظواهرهم بماء المساء طهَّر سرائرهم بماء التحقيق عن شهود كلِّ غير وكلِّ عِلَّة، وصان أسرارهم عن الإصغاء إلى الوساوس، وربط على قلوبهم بشهودهم جريان التقدير على حسب ما يجري الحقُّ من فنون التصريف.
قوله جلّ ذكره: { وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ }.
أقدامَ الظاهر في مَشَاهِدِ القتال، وأقدامَ السرائر على نهج الاستقامة بشهود مجاري التقدير.
الأنفال 8:12
قوله جلّ ذكره: { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ }.
عَرَّفَنَا أنَّ الملائكة محتاجون إلى تعريف الحق إياهم قضايا التوحيد. وتثبيتُ الملائكة للمؤمنين: قيل كانوا يَظْهَرُون للمسلمين في صور الرجال يخاطبونهم بالإخبار عن قلة عدد المشركين واستيلاء المسلمين عليهم، وهم لا يعرفون أنهم ملائكة.
وقيل تثبيتهم إياهم بأن كانوا يلقون في قلوبهم ذلك مِنْ جهة الخواطر، ثم إن الله يخلق لهم فيها ذلك، فكما يُوَصِّلُ الحق سبحانه - وساوسَ الشيطان إلى القلوب يوصل خواطرَ المَلَكِ، وأَيَّدَهم بإلقاء الخوف والرعب في قلوب الكفار.
قوله جلّ ذكره: { فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ }.
وذلك بأمر الله وتعريفه من جهة الوحي والكتاب، ويكون معناه إباحة ضربهم ونيلهم على أي وجه كان كيفما أصابوا أسافلهم وأعاليهم. ويحتمل فاضربوا فوق الأعناق ضرباً يوجِبُ قَتْلَهم؛ لأنه لا حياةَ بعد ضَرْبِ العُنُقِ. ولفظُ فوق يكون صلة.
{ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } أي ضرباً يعجزهم عن الضرب ومقاتلة المسلمين؛ لأنه لا مقاتلة تحصل بعد فوات الأطراف.
{ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } بين أنهم في مغاليط حسبانهم وأكاذيب ظنونهم والمُنْشِئُ - بكلِّ وجهٍ - اللهُ؛ لانفراده بقدرة الإيجاد.
قوله جلّ ذكره: { وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ }.
يُمْهِلُ المجرمَ أياماً ثم لا يهمله، بل يُذِيقه بأْسَ فِعله، ويزيل عنه شُبْهةَ ظنِّه.
قوله جلّ ذكره: { ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ }.
ذلك العذاب فذوقوه - أيها المشركون - مُعَجَّلاً، واعلموا أن للكافرين عذاباً مُؤجَّلاً، فللعاصين عقوبتان مُحَصَّلٌ بنقد ومؤخَّرٌ بوعد.
الأنفال 8:13
قوله جلّ ذكره: { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ }.
عَرَّفَنَا أنَّ الملائكة محتاجون إلى تعريف الحق إياهم قضايا التوحيد. وتثبيتُ الملائكة للمؤمنين: قيل كانوا يَظْهَرُون للمسلمين في صور الرجال يخاطبونهم بالإخبار عن قلة عدد المشركين واستيلاء المسلمين عليهم، وهم لا يعرفون أنهم ملائكة.
وقيل تثبيتهم إياهم بأن كانوا يلقون في قلوبهم ذلك مِنْ جهة الخواطر، ثم إن الله يخلق لهم فيها ذلك، فكما يُوَصِّلُ الحق سبحانه - وساوسَ الشيطان إلى القلوب يوصل خواطرَ المَلَكِ، وأَيَّدَهم بإلقاء الخوف والرعب في قلوب الكفار.
قوله جلّ ذكره: { فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ }.
وذلك بأمر الله وتعريفه من جهة الوحي والكتاب، ويكون معناه إباحة ضربهم ونيلهم على أي وجه كان كيفما أصابوا أسافلهم وأعاليهم. ويحتمل فاضربوا فوق الأعناق ضرباً يوجِبُ قَتْلَهم؛ لأنه لا حياةَ بعد ضَرْبِ العُنُقِ. ولفظُ فوق يكون صلة.
{ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } أي ضرباً يعجزهم عن الضرب ومقاتلة المسلمين؛ لأنه لا مقاتلة تحصل بعد فوات الأطراف.
{ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } بين أنهم في مغاليط حسبانهم وأكاذيب ظنونهم والمُنْشِئُ - بكلِّ وجهٍ - اللهُ؛ لانفراده بقدرة الإيجاد.
قوله جلّ ذكره: { وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ }.
يُمْهِلُ المجرمَ أياماً ثم لا يهمله، بل يُذِيقه بأْسَ فِعله، ويزيل عنه شُبْهةَ ظنِّه.
قوله جلّ ذكره: { ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ }.
ذلك العذاب فذوقوه - أيها المشركون - مُعَجَّلاً، واعلموا أن للكافرين عذاباً مُؤجَّلاً، فللعاصين عقوبتان مُحَصَّلٌ بنقد ومؤخَّرٌ بوعد.
الأنفال 8:14
قوله جلّ ذكره: { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ }.
عَرَّفَنَا أنَّ الملائكة محتاجون إلى تعريف الحق إياهم قضايا التوحيد. وتثبيتُ الملائكة للمؤمنين: قيل كانوا يَظْهَرُون للمسلمين في صور الرجال يخاطبونهم بالإخبار عن قلة عدد المشركين واستيلاء المسلمين عليهم، وهم لا يعرفون أنهم ملائكة.
وقيل تثبيتهم إياهم بأن كانوا يلقون في قلوبهم ذلك مِنْ جهة الخواطر، ثم إن الله يخلق لهم فيها ذلك، فكما يُوَصِّلُ الحق سبحانه - وساوسَ الشيطان إلى القلوب يوصل خواطرَ المَلَكِ، وأَيَّدَهم بإلقاء الخوف والرعب في قلوب الكفار.
قوله جلّ ذكره: { فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ }.
وذلك بأمر الله وتعريفه من جهة الوحي والكتاب، ويكون معناه إباحة ضربهم ونيلهم على أي وجه كان كيفما أصابوا أسافلهم وأعاليهم. ويحتمل فاضربوا فوق الأعناق ضرباً يوجِبُ قَتْلَهم؛ لأنه لا حياةَ بعد ضَرْبِ العُنُقِ. ولفظُ فوق يكون صلة.
{ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } أي ضرباً يعجزهم عن الضرب ومقاتلة المسلمين؛ لأنه لا مقاتلة تحصل بعد فوات الأطراف.
{ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } بين أنهم في مغاليط حسبانهم وأكاذيب ظنونهم والمُنْشِئُ - بكلِّ وجهٍ - اللهُ؛ لانفراده بقدرة الإيجاد.
قوله جلّ ذكره: { وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ }.
يُمْهِلُ المجرمَ أياماً ثم لا يهمله، بل يُذِيقه بأْسَ فِعله، ويزيل عنه شُبْهةَ ظنِّه.
قوله جلّ ذكره: { ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ }.
ذلك العذاب فذوقوه - أيها المشركون - مُعَجَّلاً، واعلموا أن للكافرين عذاباً مُؤجَّلاً، فللعاصين عقوبتان مُحَصَّلٌ بنقد ومؤخَّرٌ بوعد.
الأنفال 8:15
يقول إذا لقيتم الكفار في المعركة زحفاً مجتمعين فأثبتوا لقتالهم، ولا تنهزموا فالشجاعة ثبات القلوب، وكما قيل الشجاعة صبر على الطاعة وفي الجهاد مع العدو، فالواجب الثبات عند الصولة - هذا في الظاهر، وفي الباطن جهاد مع الشيطان، والواجب فيه الوقوف عن دواعيه إلى الزَّلة؛ فَمَنْ وقف على حدِّ الإمساك عن إجابته، بلا إنجازٍ لما يدعوه بوساوسه فَقَدْ وفَّى الجهاد حقَّه.
وكذلك في مجاهدة النَّفس، فإذا وقف العبدُ عن إجابة النَّفْس فيما تدعوه بهواجسها، ولم يُطِعْ شهوتَه فيها تحمله النفسُ عليه من البلاء إلى ابتغاء حظِّه فقد وفَّى الجهادَ حقَّه.
والإشارة في قوله: { إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ } بإيثار بعض الرُّخص ليتقوَّى على ما هو أشد؛ كأكْله مثلاً ما يُقِيم صُلْبَه ليقوى على السَّهر، وكترفقه بنفسه بإيثار بعض الراحة من إزالة عطش، أو نفي مقاساة جوع أو بَرْدٍ أو غيره لئلا يبقى عن مراعاة قلبه، ولاستدامة اتصال قلبه به، فإنْ تَرَكَ بعضَ أورادِ الظاهر لئلا يبقى به عن الاستقامة في أحكام واردات السرائر أَخَذَ في حقِّ الجهاد بحزم.
والإشارة في قوله: { أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ } إلى اعتضاد المريد بصحبة أقرانه فيما يساعدونه في المجاهدة، ويُبْقِي شهودُ ما هم فيه من المكابدة من إقامته على مجاهدته. ثم باستمداده من همم الشيوخ؛ فإن المريدَ ربيب هُمَّةِ شيخه، فالأقوياء من الأغنياء ينفقون على خَدَمِهم من نعمهم، والأصفياء من الأولياء ينفقون على مريديهم من هِمَمِهم، يجبرون كَسْرَهم، ويتوبون منهم، ويساعدونهم بحسن إرشادهم. ومَنْ أهمل مريداً وهو يعرف صِدْقه، أو خالَفَ شيخاً وهو يعرف فضلَه وحَقَّه فقد باءَ من الله بسخطٍ، واللهُ تعالى حسيبُه في مكافأته على ما حصل من قبيح وصفه.
الأنفال 8:16
يقول إذا لقيتم الكفار في المعركة زحفاً مجتمعين فأثبتوا لقتالهم، ولا تنهزموا فالشجاعة ثبات القلوب، وكما قيل الشجاعة صبر على الطاعة وفي الجهاد مع العدو، فالواجب الثبات عند الصولة - هذا في الظاهر، وفي الباطن جهاد مع الشيطان، والواجب فيه الوقوف عن دواعيه إلى الزَّلة؛ فَمَنْ وقف على حدِّ الإمساك عن إجابته، بلا إنجازٍ لما يدعوه بوساوسه فَقَدْ وفَّى الجهاد حقَّه.
وكذلك في مجاهدة النَّفس، فإذا وقف العبدُ عن إجابة النَّفْس فيما تدعوه بهواجسها، ولم يُطِعْ شهوتَه فيها تحمله النفسُ عليه من البلاء إلى ابتغاء حظِّه فقد وفَّى الجهادَ حقَّه.
والإشارة في قوله: { إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ } بإيثار بعض الرُّخص ليتقوَّى على ما هو أشد؛ كأكْله مثلاً ما يُقِيم صُلْبَه ليقوى على السَّهر، وكترفقه بنفسه بإيثار بعض الراحة من إزالة عطش، أو نفي مقاساة جوع أو بَرْدٍ أو غيره لئلا يبقى عن مراعاة قلبه، ولاستدامة اتصال قلبه به، فإنْ تَرَكَ بعضَ أورادِ الظاهر لئلا يبقى به عن الاستقامة في أحكام واردات السرائر أَخَذَ في حقِّ الجهاد بحزم.
والإشارة في قوله: { أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ } إلى اعتضاد المريد بصحبة أقرانه فيما يساعدونه في المجاهدة، ويُبْقِي شهودُ ما هم فيه من المكابدة من إقامته على مجاهدته. ثم باستمداده من همم الشيوخ؛ فإن المريدَ ربيب هُمَّةِ شيخه، فالأقوياء من الأغنياء ينفقون على خَدَمِهم من نعمهم، والأصفياء من الأولياء ينفقون على مريديهم من هِمَمِهم، يجبرون كَسْرَهم، ويتوبون منهم، ويساعدونهم بحسن إرشادهم. ومَنْ أهمل مريداً وهو يعرف صِدْقه، أو خالَفَ شيخاً وهو يعرف فضلَه وحَقَّه فقد باءَ من الله بسخطٍ، واللهُ تعالى حسيبُه في مكافأته على ما حصل من قبيح وصفه.
الأنفال 8:17
قوله جلّ ذكره: { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ }.
الذي نَفَى عنهم من القتل، هو إماتة الروح وإثبات الموت، وهو من خصائص قدرته - سبحانه، والذي يُوصَفُ به الخلق من القتل هو ما يفعلونه في أنفسهم، ويحصل ذهاب الروح عقيبه.
وفائدة الآية قطع دعاواهم في قول كل واحد على جهة التفاخر قتلتُ فلاناً، فقال: { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ } أي لم تكن أفعالكم مما انفردتم بإيجادها بل المنشئ والمبدئ هو الله عزَّ وجل. وصَانَهم بهذه الآية وصان نَبِيَّه - عليه السلام - عن ملاحظة أفعالهم وأحوالهم.
قوله جلّ ذكره: { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ }.
أي ما رَمَيْتَ بنفسك ولكنك رميْت بنا، فكان منه (صلوات الله عليه) قبضُ التراب وإرساله من يده ولكن من حيث الكسب، وكَسْبَهُ مُوجَدٌ من الله بقدرته، وكان التبليغ والإصابة مِن قِبَل الله خَلْقاً وإبداعاً، وليس الذي أثبت ما نفي ولا نفي ما أثبت إلا هو، والفعلُ فِعْلُ واحدٍ ولكن التغاير في جهة الفعل لا في عينه.
فقوله: { إِذْ رَمَيْتَ } فَرْقٌ، وقوله: { وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } جمع. والفرق صفة العبودية، والجمع نعت الربوبية، وكلُّ فرقٍ لم يكن مُضَمَّناً بجمعٍ وكلُّ جمع لم يكن - في صفة العبد - مُؤَيَّداً بفرق فصاحبُه غير سديد الوتيرة.
وإن الحقَّ - سبحانه - يَكِلُ الأغيار إلى ظنونهم، فيتيهون في أودية الحسبان ويتوهمون أنهم منفردون بإجراءٍ ما منهم، وذلك منه مكرٌ بهم.
قال الله تعالى:{ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً } [الكهف: 104] وأما أرباب التوحيد فَيُشْهِدهم مطالِعَ التقدير، ويعرِّفهم جريان الحُكمْ، ويُريهم أَنْفُسَهم في أَسْرِ التصريف، وقهر الحكمْ. وأمَّا الخواص من الأولياء وأصحاب العرفان فيُجرِي عليهم ما يُجْرِي و (ما) لهم إحساس بذلك، مأخوذون يثبتهم بشواهد النظر والتقدير، ويتولَّى حفظهم عن مخالفة الشرع.
قوله جلّ ذكره: { وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً }.
البلاء الاختبار، فيختبرهم مرة بالنعم ليظهر شكرهم أو كفرانهم، ويختبرهم أخرى بالمحن ليظهر صبرهم، أو ذِكْرَهم أو نسيانهم.
" البلاء الحسن ": توفيق الشكر في المِنْحة، وتحقيق الصبر في المحبة، وكل ما يفعله الحقُّ فهو حَسَنٌ من الحقِّ لأنَّ له أَنْ يفعلَه. وهذه حقيقة الحَسَن: وهو ما للفاعل أن يفعله.
ويقال حَسُنَ البلاءُ لأنه منه و (...) البلاء لأنه فيه.
ويقال البلاء الحسن أن تَشْهَدَ المُبْلِي في عين البلاء.
ويقال البلاء الحسن ما لا دعوى لصاحبه إنْ كان نعمة، ولا شكوى إن كان محنة.
ويقال البلاء الحسن ما ليس فيه ضجر إنْ كان عُسْراً، ولا بطر إن كان يسراً.
ويقال بلاءُ كلِّ أحدٍ على حسبِ حاله ومقامه؛ فأصفاهم ولاءً، قال عليه السلام: " أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل ".
قوله جلّ ذكره: { إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }.
تنفيسٌ لقوم وتهديدٌ لقوم؛ أصحابُ الرِّفق يقول لهم إن الله " سميعٌ " لأنينكم؛ فَيُرَوِّح عليهم بهذا، وَقْتَهم، ويحمل عنهم ولاءهم، وأنشدوا:إذا ما تمنَّى الناسُ روْحاً وراحةً تمنيتُ أَنْ أشكو إليك فتسمعا
وقالوا:قُلْ لي بألسنةَ التَّنفُّس كيف أنت وكيف حالك؟
وأمَّا الأكابر فلا يُؤْذَنُ لهم في التَّنَفُّس، وتكون المطالبةُ متوجِّهةً عليهم بالصبر، والوقوف تحت جريان التقدير من غير إظهارٍ ولا شكوى، فيقول: لو ترشح منك ما كُلِّفْتَ بِشُرْبِه تَوَجَّهَتْ عليك الملامةُ، فإِن لم يكن منك بيانٌ فإِنِّي لقالتك، عليمٌ بحالتك.
ويقال في قوله " عليم " تسلية لأرباب البلاء؛ لأنَّ من عَلِم أنَّ مقصودَه يعلم حالَه سَهُل عليه ما يقاسيه فيه، قال - سبحانه - لنبيَّه صلى الله عليه وسلم:{ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } [الحجر: 97].
الأنفال 8:18
موهن كدهم: بتقوية قلوب المؤمنين بنور اليقين، والثبات على انتظار الفضل من قِبَلِ الله، وموهن كيدهم: بأن يأخذَ الكافرين من حيث لا يشعرون، ويظفر جندُ المسلمين عليهم.
الأنفال 8:19
قوله جلّ ذكره: { إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ }.
قال المشركون - يوم بدر - اللهم انصرْ أََحَبَّ الفِئتين إليك، فاستجابَ دعاءَهم ونصر أحبَّ الفئتين إليه.. وهم المسلمون، فسألوا بألسنتهم هلاكَ أنفسِهم، وذلك لانجرارهم في مغاليط ما يُعَلِّقون من ظنونهم، فهم توهَّموا استحقاق القربة، وكانوا في عين الفرقة وحُكْمِ الشِّقْوَةِ، موسومين باستيجاب اللعنة بدعائهم، والوقوع في شقائهم؛ فاختيارهم مُنُوا ببَوارِهم.
ويقال ظنوا أنهم من أهل الرحمة فَزَلُّوا، فلما كُشِفَ السترُ خابوا وذَلُّوا، فعند ذلك علموا أنهم زاغوا في ظنهم وضلوا.
قوله جلّ ذكره: { وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ }.
فيغفر لكم ما قد سَلَفَ من خلاف محمد صلى الله عليه وسلم.
{ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } ليس المراد منه المبالغة؛ لأنه يقال هذا خير لك من هذا إذا كان الثاني ليس في شر، وترك موافقتهم للرسول صلى الله عليه وسلم - بكل وجهٍ - هو شرٌّ لهم، ولكنه أراد به في الأحوال الدنيوية، وعلى موجب ظنِّهم.
قوله جلّ ذكره: { وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ }.
يعني إنْ عُدْتُم إلى الجميل من السيرة عُدْنا عليكم بجميل المِنَّة، وإنْ عاودتم الإقدام على الشَّرِّ أَعَدْنا عليكم ما أذقناكم من الضُّرِّ.
قوله جلّ ذكره: { وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.
مَنْ غَلَبَتْهُ قدْرُة الأحد لم تغْنِ عنه كثرة العدد.
الأنفال 8:20
قوله جلّ ذكره: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ }.
الناس في طاعة الله على أقسام: فمطيعٌ لخوفِ عقوبتِه، ومطيعٌ طمعاً في مثوبته، وآخر تحققاً بعبوديته، وآخر تشرفاً بربوبيته.
وكم بين مطيعٍ ومطيعٍ! وأنشدوا:أحبك يا شمسَ النهـارِ وبَدْرَه وإنْ لامني فيك السُّها والفراقد
وذاك لأنَّ الفضلَ عندك زاخِرٌ وذاك لأنَّ العَيْشَ عندك بارِدُ
قال تعالى: { أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } ولم يقل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، وفي ذلك نوع تخصيص، وحزب تفضيل يَلْطُفُ عن العبارة ويَبْعُد عن الإشارة.
قوله جلّ ذكره: { وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ }.
أي تسمعون دعاءه إياكم، وتسمعون ما أُنزِلَ عليه من دعائي إياكم.
الأنفال 8:21
لا تكونوا ممن يشهد جهراً، ويجحد سِرًّا.
ويقال لا تُقِرُّوا بلسانكم، وتصِرُّوا على كفرانكم.
ويقال مَنْ نطق بتلبيسِه تشهد الخِبرة بتكذيبه.
الأنفال 8:22
دواعي الحق بحسن البيان ناطقة، وألسنة البرهان فيما ورد به التكليف صادقة، وخواطر الغيب بكشف ظُلَمِ الريْبِ مُفْصِحة، وزواجر التحقيق عن متابعة التمويه للقلوب ملازمة. فَمنْ صُمَّ عن إدراك ما خوطب به سرُّه، وعمِيَ عن شهود ما كوشف به قلبه، وخَرِسَ - عن إجابة ما أُرْشِدَ إليه من حجة - فَهْمُه وعقله فَدُونَ رُتْبةِ البهائم قدْرُه، وفوق كل (...) من حكم الله ذُلُّه وصغره.
الأنفال 8:23
مَنْ أَقْصتْه سوابقُ القسمة لم تُدْنِه لواحقُ الخدمة، ومنْ عَلِمه اللهُ بنعت الشِّقوة حَرَمَه ما يوجبُ عَفْوَه.
ويقال لو كانوا في متناولات الرحمة لألبسهم صدارَ العصمة، ولكن سبَق بالحرمان حكمُهم، فختم بالضلالةِ أمرُهم.
الأنفال 8:24
قوله جلّ ذكره: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم }.
أجاب واستجاب بمعنى مثل أوقد واستوقد، وقيل للاستجابة مزية وخصوصية بأنها تكون طوعاً لا كرهاً، وفَرْقٌ بين من يجيب لخوفٍ أو طمع وبين من يستجيب لا بِعِوَضٍ ولا على ملاحظة غَرَضٍ. وحقُّ الاستجابة أن تجيب بالكلية من غير أَنْ تَذَرَ من المستطاع بقية.
والمستجيبُ لربه محوٌ عن كلِّه باستيلاء الحقيقة، والمستجيب للرسول - صلى الله عليه وسلم وعلى آله - قائم بشريعته من غير إخلال بشيء من أحكامها. وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالاستجابة له - سبحانه، وبالاستجابة للرسول؛ فالعبدُ المستجيبُ - على الحقيقة - من قام بالله سرَّاً، واتصف بالشرع جهراً فيُفْرِده الحقُّ - سبحانه - بحقائق الجمع و (...) في مشاهدة الفرق، فلا يكون للحدثان في مشرب حقائقه تكدير، ولا لمطالبات الشرع على أحواله نكير.
قوله جلّ ذكره: { لِمَا يُحْيِيكُمْ }.
إذْ لمَّا أفناهم عنهم أحياهم به.
ويقال العابدون أحياهم بطاعته بعد ما أفناهم عن مخالفته، وأما العالِمون فأحياهم بدلائل ربوبيته، بعد ما أفناهم عن الجهلِ وظُلْمته. وأمَّا المؤمنون فأحياهم بنور موافقته بعد ما أفناهم بسيوف مجاهدتهم. وأمَّا الموَحِّدونَ فأحياهم بنور توحيده بعد ما أفناهم عن الإحساس بكل غير، والملاحظة لكل حدثان.
قوله جلّ ذكره: { وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }.
يصون القلب عن تقليب أربابها فيُقلِّبها كما يشاء هو، من بيان هداية وضلال، وغَيبةٍ ووصالٍ، وحُجْبةٍ وقُرْبة، ويقينٍ ومرية، وأُنْسٍ ووحشة.
ويقال صان قلوب العُبَّادِ عن الجنوح إلى الكسل، فجدُّوا في معاملاتهم، وصان قلوب المريدين عن التعريج في أوطان الفشل فصدقوا في منازلاتهم، وصان قلوب العارفين - على حدِّ الاستقامة - عن الميْل فتحققوا بدوام مواصلاتهم.
ويقال حال بينهم وبين قلوبهم لئلا يكون لهم رجوعٌ إلا إلى الله، فإذا سنح لهم أمر فليس لهم إلا الأغيار سبيل، ولا على قلوبهم تعويل. وكم بين من يرجع عند سوانحه إلى قلبه وبين من لا يهتدي إلى شيء إلا إلى ربِّه! كما قيل:لا يهتدي قلبي إلى غيركم لأنه سُدَّ عليه الطريق
ويقال العلماء هم الذين وجدوا قلوبهم، قال تعالى:{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْب } [ق: 37] والعارفون هم الذين فقدوا قلوبهم.
الأنفال 8:25
احذروا أن ترتكبوا زلَّةً توجب لكم عقوبة لا تخص مرتكبها، بل يعمُّ شؤمُها من تعاطاها ومن لم يتعاطها.
وغير المجرم لا يُؤْخَذ بِجُرْم من أذنب، ولكن قد ينفرِد أحدٌ بجرم فيحمل أقوامٌ من المختصين بفاعل هذا الجُرْم، كأن يتعصبوا له إذا أُخِذَ بحكم ذلك الجرم فبعد أن لم يكونوا ظالمين يصيرون ظالمين بمعاونتهم وتعصبهم لهذا الظالم؛ فتكون فتنة لا تختص بمن كان ظالماً في الحال بل إنها تصيب أيضاً ظالماً في المستقبل بسبب تعصبه لهذا الظالم ومطابقته معه، ورضاه به، و هذا معنى التفسير من حيث الظاهر. فأمَّا من جهة الإشارة: فإن العبدَ إذا باشر زَلّةً بنفسه عادت إلى القلب منها الفتنة وهي العقوبة المعجلة، وتصيب النَّفْس منها العقوبة المؤجلة، والقلبُ إذا حصلت منه فتنة الزلة - عندما بهم بما لا يجوز - تَعدَّتْ فتنته إلى السِّر وهي الحُجْبَةُ.
والمُقَدَّمُ في شأنه إذا فعل ما لا يجوز انقطعت البركاتُ التي كانت تتعدى منه إلى مُتَّبِعِيه وتلامذتِه، وكان لهم نصيبهم من الفتنة وهم لم يعملوا ذنباً. ويقال إن الأكابر إذا سكتوا عن التنكير على الأصاغر عند تَرْكِهِم الأذكار أصابتهم فتنةُ ما فعلوه؛ فلقد قيل إنَّ السفيه إذا لم يُنْهَ مأمورُ. فعلى هذا تصيب فتنةُ الزَّلةِ مرتكبَها ومَنْ تَرَكَ النَّهي عن المنكر - مثل مَنْ ترك الأمر بالمعروف - يؤخذ بِجُرْمه.
ويقال إنَّ الزاهد إذا انحط إلى رخص الشرع في أخذ الزيادة من الدنيا مما فوق الكفاية - وإن كان من وجهٍ حلال - تؤدي فتنته إلى من يخرج به من المبتدئين، فبجملة ما أبدى من الرغبة في الدنيا، وتَرْكِ التقلل يؤدي إلى الانهماك في أودية الغفلة والأشغال الدنيوية.
والعابد إذا جَنَحَ عن الأَشَقِّ وتَرَكَ الأوْلى تعدَّى ذلك إلى من كان ينشط في المجاهدة؛ فيستوطنون الكسل، ثم يحملهم الفراغ وترك المجاهدة على متابعة الشهوات فيصيرون كما قيل:إن الشبابَ والفراغ والجدة مَفْسَدةٌ للمرء أي مفسدة
وهكذا يكون نصيبهم من الفتنة.
والعارف إذا رجع إلى ما فيه حَظٌّ له، نَظَرَ إليه المريدُ، فتتداخله فترة فيما هو به من صدق المنازلة، ويكون ذلك نصيبه من فتنة العارف.
وفي الجملة إذا غفل المَلِكُ، وتَشَاغَل عن سياسة رعيته تَعَطَّلَ الجندُ والرعية، وعَظُمَ فيهم الخَلَلُ والبَليَّة، وفي معناه أنشدوا:رُعَاتُك ضيَّعوا - بالجهل منهم - غُنَيْماتٍ فَاسَتْها ذِئابُ
{ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } بتعجيله ذلك، ومن شدة عقوبته أنه إذا أخذ عبداً ليُعَاقِبَه لا يُمَكِّنه من تلافي موجب تلك العقوبة.
الأنفال 8:26
قوله جلّ ذكره: { وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ }.
يُذَكرهم ما كانوا فيه من القِلَّة والذِّلة وصنوف (...) ثم ما نَقَلَهم إليه من الإِمْكان والبَسْطَة، ووجوه الأمان والحيطة، وقَرَّبهم إلى إقامة الشكر على جزيل تلك القِسَم، وإدامة الحمد على جميل تلك النِّعم، فمهَّد لهم في ظل أبوابه مقيلاً، ولم يجعل للعدوِّ إليهم - بيُمْنِ رعايته - سبيلاً.
قوله جلّ ذكره: { وَرَزَقَكُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }.
رَزَقَ الأشباحَ والظواهرَ من طيبات الغذاء، ورزق الأرواح والسرائر من صنوف الضياء. وحقيقة الشكر على هذه النعم الغيبة عنها بالاستغراق في شهود المُنْعم.
الأنفال 8:27
الخيانة الاستبطان بخلاف ما يُؤَمَّل منك بحق التعويل، فخيانةُ اللهِ بتضييع ما ائتمنك عليه، وذلك بمخالفة النُّصح في دينه، وخيانة الرسولِ بالاتصاف بمخالفة ما تبدي من مشايعته.
والخيانة في الأمانات بترك الإنصاف، والاتصاف بغير الصدق.
وخيانة كل أحد على حسب ما وضع عنده من الأمانة، فمن اؤتمِنَ في مالٍ فتصرَّفَ فيه بغير إذن صاحبه - خيانة، ومن اؤتمن على الحُرَم فملاحظته إياهن - خيانة. فعلى هذا: الخيانةُ في الأعمال الدعوى فيها بأنها من قِبَلَك دون التحقيق بأنَّ مُنْشِئها اللهُ.
والخيانة في الأحوال ملاحظتُك لها دون غيبتك عن شهودها باستغراقك في شهود الحق، إن لم يكن استهلاكك في وجود الحق. وإذا أَخْلَلْتَ بِسُنَّةٍ من السُّنَنِ أو أدبِ من آداب الشَّرع فتلك خيانة الرسول صلى الله عليه وسلم.
والخيانة في الأمانات - بينك وبين الخلْق - تكون بإيثار نصيب نفسك على نصيب المسلمين، بإرادة القلب فضلاً عن المعاملة بالفعل.
الأنفال 8:28
أموالكم وأولادكم سبب فتنتكم لأن المرءَ - لأجل جمع ماله ولأجل أولاده - يرتكب ما هو خلاف الأمر، فيورثه فتنة العقوبة.
ويقال الفتنةُ الاختبارُ؛ فيختبرك بالأموال.. هل تؤثرها على حقِّ الله؟
وبالأولاد.. هل تتركُ لأجلهم ما فيه رضاء الله؟
فإنْ آثرتم حقَّه على حقِّكم ظهرت به فضيلتُكم، وإنْ اتصفتم بضدِّه عوملتم بما يوجِبه العكس من محبوبكم.
ويقال المالُ فتنةٌ إذا كان عن اللهِ يشغلكم، والأولادُ فتنةٌ إذا لأَجْلِهم قَصَّرْتُم في حقِّ الله أو فَرَّطتُم.
ويقال المال - ما للكفافِ والعفافِ - نِعْمَةٌ، وما للتقاصِر والتفاخرِ فتنةٌ، وفي الجملة ما يشغلكَ عن اللهِ فهو فتنة.
الأنفال 8:29
الفرقان ما به يفرق بين الحق والباطل مِنْ عِلْمٍ وافر وإلهام قاهر، فالعلماء فرقانُهم مجلوبُ برهانِهم، والعارفون فرقانهم موهوب عرفانهم؛ فأولئك مع مجهود أنفسهم، وهؤلاء بمقتضى جُودِ ربِّهم.
والعرفانُ تعريفٌ من الله، والتكفيرُ تخفيفٌ من الله، والغفرانُ تشريفٌ للعبد من الله.
الأنفال 8:30
ذكره عظيم مِنَّتِه عليه حيث خَلَّصَه من أعدائه حين خرج من مكة مهاجراً إلى المدينة، وهمَّوا بقتله، وحاولوا أن يمكروا به في السِّر، فأعلمه الله ذلك.
والمكرُ إظهارُ الإحسانِ مع قَصْدِ الإساءةِ في السِّر، والمكرُ من الله الجزاءُ على المكر، ويكون المكرُ بهم أَنْ يُلْقِيَ في قلوبهم أنه مُحْسِنٌ إليهم ثم - في التحقيق - يُعذِّبهم، وإذا شَغَلَ قوماً بالدنيا صَرَفَ همومَهم إليها حتى يَنْسَوْا أمر الآخرة، وذلك مكرٌ بهم، إذ يُوظِّنُون نفوسهم عليها، فيتيح لهم من مأمنهِم سوءاً، ويأخذهم بغتةً.
ومن جملة مكره اغترارُ قومٍ بما يرزقهم من الصيت الجميل بين الناس، وإجراءِ كثير من الطعات عليهم، فأسرارهم تكون بالأغيار منوطةً، وهم عن الله غافلون، وعند الناس أنهم مُكْرَمُون، وفي معناه قيل:وقد حسدوني في قرب داري منكم وكم من قريب الدار وهو بعيد
الأنفال 8:31
فَرْطُ جهلهم، وشؤم جحدهم سَتَرَ على عقولهم قُبْحَ دعاويهم في القدرة على معارضة القرآن فافتضحوا عند الامتحان بعدم البرهان، والعجز عما وصفوا به أَنفسهم من الفصاحة والبيان، وقديماً قيل:مَنْ تحلَّى بغير ما هو فيه فَضَحَ الامتحان ما يدَّعيه
ويقال لمَّا لاحظوا القرآن بعين الاستصغار حُرِموا بركات الفهم فعدُّوه من جملة أساطير الأولين، وكذلك منْ لا يراعي على حرمة الأولياء، يعَاقَبُ بأَنْ تُسْتَرَ عليه أحوالُهم، فيظنهم مثله في استحقاق مثالبه، فيطلق فيهم لسان الوقيعة، وهو بذلك أَحَقُّ، كما قيل: " رَمَتْنِي بدائِها وانْسَلَّتْ ".
الأنفال 8:32
دَلَّ سؤالهم العذابَ على تصميم عقدهم على تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، واستيقنوا عند أنفسهم بأنه لا يُسْتَجَابُ فيهم ما يدعونه على أنفسهم.
وفي هذا أظهر دليل على أن سكون النفس إلى الشيء ليس بعلم؛ لأنه كما يوجد مع العلم يوجد مع الجهل.
الأنفال 8:33
قوله جلّ ذكره: { وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ }.
ما كان الله معذبهم وأنت فيهم، وما كان الله ليعذِّبَ أسلافَهم وأنت في أصلابهم، وليس يعذبهم اليوم وأنت فيما بينهم إجلالاً لقَدْرِك، وإكراماً لمحلِّك، وإذا خرجتَ من بينهم فلا يعذبهم وفيهم خدمك الذين يستغفرون، فالآية تدل على تشريف قَدْر الرسول - صلى الله عليه وسلم.
ويقال للجوَارِ حُرْمةٌ، فَجَارُ الكرام في ظل إنعامهم؛ فالكفار إن لم يَنْعَموا بقرب الرسول - صلى الله عليه وسلم - منهم فقد اندفع العذاب - بمجاورته - عنهم:وأحبُها وأحبُّ منزلَها الذي نَزَلَتْ به وأُحِبُّ أهلَ المنزِل
ويقال إذا كان كون الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الكفار يمنع العذاب عنهم فكون المعرفة في القلوب أوْلى بدفع العذاب عنها.
ويقال إن العذاب - وإنْ تأَخَّر عنهم مدة مقامهم في الدنيا ما دام هو عليه السلام فيهم - فلا محالة يصيبهم العذابُ في الآخرة، إذ الاعتبار بالعواقب لا بالأوقات والطوارق.
قوله جلّ ذكره: { وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }.
علم أنه - عليه السلام - لا يتَأَبَّد مُكْثُه في أمته إذا قال له:{ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ } [الأنبياء: 34]، فقال إني لا أضيع أمَّتَه وإن قضى فيهم مُدَّتَه، فما دامت ألسنتُهم بالاستغفار مُتَطَلِّعةً فصنوف العذاب عنهم مرتفعة.
الأنفال 8:34
قوله جلّ ذكره: { وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ }.
نَفَى العذابَ عنهم في آية، وأَثْبَتَه في آية، فالمنفيُّ في الدنيا والمثْبَتُ في الآخرة.
ثم بيَّنَ إيصالَ العذاب إليهم في الآخرة بقوله تعالى: { وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } دليل الخطاب أن إعانة المسلمين على ما فيه قيام بحق الدين يوجب استحقاق القربة والثواب.
وفي الآية دليلٌ على أنه لا يعذِّب أولياءه بقوله: { وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ } فإذا عذَّبَ مَنْ يكونوا أولياءَه دلَّ على أنه يعذِّب من كان من جملة أوليائه. والمؤمنون كلُّهم أولياءُ الله لأنه قال:{ ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } [البقرة: 257]. والمؤمِنَ - وإنْ عذِّب بمقدار جُرْمِه زماناً فإنه لا يُخَلَّد في دار العقوبة، فما يُقاسون بالإضافة إلى تأبيد الخَلاصِ جَلَلٌ، وقيل:إذا سَلِمَ العهدُ الذي كان بيننا فوُدِّي وإنْ شطَّ المزار سليمُ
قوله جلّ ذكره: { إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ }.
وليس أولياؤه إلا المتقون، وهم الذين اتقوا الشِّرك.
الأنفال 8:35
قوله جلّ ذكره: { وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً }.
تجردت أعمالهم بظواهرهم عن خلوص عقائدهم، فلم يوجِدْ - سبحانه وتعالى - لها احتساباً؛ فزكاءُ القالة لا يكون إلا مع صفاء الحالة، وعناء الظاهر لا يُقْبَلُ إلا مع ضياء السرائر.
قوله جلّ ذكره: { فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ }.
كان العذابُ مُعَجَّلا وهو حسبانهم أنهم على شيء، قال الله تعالى.
{ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً } [الكهف: 104]، ومؤجَّلاً وهو كما قال الله تعالى:{ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَقُّ } [الرعد: 34].
الأنفال 8:36
يرومون بإنفاقهم صنوفَ أموالهم صلاحاً ونظاماً لأحوالهم، ثم لا يَحْظَوْن إلا بخسران، ولا يحصلون إلا على نقصان. خَسِروا وهم لا يشعرون، وخابوا وسوف يعلمون:سوف ترى إذا انجلى الغبارُ أَفَرَسٌ تحتك أم حِمارُ؟
قوله: { وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ } إنَّهم وإن أَلْهَتْهُم أموالُهم فإلى الهوان والذِّلة مآلُهم، لم تُغْنِ عنهم أموالهُم، ولم تنفعهم أعمالُهم، بل خُتِمَتْ بالشقاوة أحوالُهم.
الأنفال 8:37
الخبيث ما لا يصلح لله، والطيب ما يصلح لله.
الخبيث ما حكم الشرعُ بقبحه وفساده، والطيب ما شهد العلم بحسنه وصلاحه.
ويقال الخبيث الكافرُ، والطيِّبُ المؤمِنُ.
الخبيثُ ما شَغَل صاحبَه عن الله، والطيِّبُ ما أوصل صاحبه إلى الله.
الخبيثُ ما يأخذه المرءُ وينفقه لحظِّ نفسه، والطيب ما ينفقه بأمر ربه.
الخبيث عملُ الكافرِ يُصَوَّر له ويُعَذَّب بإِلقائه عليه، والطيِّبُ عملُ المؤمن يُصَورُ له في صورةٍ جميلة فيحمل المؤمن عليه.
الأنفال 8:38
إنْ كبحوا لجام التمرد، وأقلعوا عن الركض في ميدان العناد والتَّجَبُّر أَزَلْنا عنهم صَغَارَ الهوان، وأَوْجَبْنا لهم رَوْحَ الأمان.
ويقال إن حلُّوا نطاق العناد أطلقنا عنهم عقال البعاد.
ويقال إن أبصروا قُبْحَ فِعالهم جُدْنا عليهم بإصلاح أحوالهم.
ويقال إنْ جنحوا للاعتذار ألقينا عليهم حالة الاغتفار.
ويقال إن عادوا إلى التَّنّصُّل أبحنا لهم حُسْنَ التَّفَضُّل:أناسٌ أعرضوا عنّا بلا جُرْمٍ ولا معنى
أساءوا ظَنَّهـم فينـا فهلاَّ أحسنوا الظنَّا
فإن كانوا لنا - كُنَّا، وإنْ عادوا لنا عُدْنا
وإن كانوا قد اسْتَغْنَوْا فإنَّا عنهمُ أغنى
الأنفال 8:39
أمرهم بمقاتلة الكفار والإبلاغ فيها حتى تُسْتأصل شأفتُهم بحيث يأَمَن المسلمون مَضَرَّتَهم، ويكُفَونُ بالكلية فتنتهم.. وحَيَّةُ الوادي لا تُؤْمَنُ ما دامت تبقى فيها حركة؛ كذلك العدو إذا قُهِر فحقُّه أن تُقْتلعَ جميعُ عروقه، وتُنَقَّى رِبَاعُ الإسلام من كل شكيرة تنبت من الشرك.
الأنفال 8:40
فإن أَبَوْا عُتُوَّا، وعن الإيمان إلا نُبُوَّأ، فَلاَ على قلوبكم ظِلُّ مخافةٍ منهم؛ فإن اللهَ - سبحانه - وليُّ نصرتكم، ومتولِّي كفايتكم؛ إنْ لم تكونوا بحيث نِعْمَ العبيد فهو نِعْم المولى لكم ونِعْمَ الناصر لكم.
ويقال نِعمَ المولى لكم يوم قسمة العرفان، ونِعْم الناصرُ لكم يوم نعمة الغفران ويقال نِعْم المولى لك حين لم تكن، ونِعْمَ الناصر لك حين كنتَ.
ويقال نعم المولى بالتعريف قَبْلَ التكليف، ونِعْم الناصر لكم بالتخفيف والتضعيف؛ يُخَفِّفُ عنكم السيئات ويضاعف الحسنات:وهواكِ أولُّ ما عَرَفْتُ مِنَ الهوى والقلبُ لا ينسى الحبيبَ الأَوَّلا
الأنفال 8:41
الغنيمةُ ما أخذه المؤمنون من أموال الكفار إذا ظَفِروا عند المجاهدة والقتال معهم. فإذا لم يكن قتال - أو ما في معناه - فهو فَيْءٌ.
والجهاد قسمان: جهاد الظاهر مع الكفار، وجهاد الباطن مع النَّفْس والشيطان وهو الجهاد الأكبر - كما في الخبر.
وكما أن في الجهاد الأصغر غنيمةً عند الظَّفَرِ، ففي الجهاد الأكبر غنيمة، وهو يملك العبدُ نَفْسَه التي كانت في يد العدو: الهوى والشيطان. فبعد ما كانت ظواهرُه مقَرًّا للأعمال الذميمة، وباطنُه مستقراً للأحوال الدَّنِيَّة يصير محلُّ الهوى مَسْكَنَ الرِّضا، ومَقَرُّ الشهواتِ والمُنَى مُسَلَّماً لِمَا يَرِدُ عليه من مطالبات المولى، وتصير النَّفْسُ مُسْتَلَبةً مِنْ أَسْرِ الشهوات، والقلبُ مُخْتَطَفاً من وصف الغفلات، والرُّوحُ مُنْتَزَعَةٌ من أيدي العلاقات، والسِّرُّ مصُونًا عن الملاحظات. وتصبح غاغةُ النَّفْسِ مُنْهَزِمةً، ورياسةُ الحقوقِ بالاستجابة لله خافِقةً.
وكما أن من جملة الغنيمة سَهْماً لله وللرسول، وهو الخُمْسُ فمما هو غنيمة - على لسان الإشارة - سهمٌ خالِصٌ لله؛ وهو ما لا يكون للعبد فيه نصيب، لا من كرائم العُقْبى، ولا من ثمرات التقريب، ولا من خصائص الإقبال، فيكون العبدُ عند ذلك مُحَرَّراً عن رِقِّ كل نصيب، خالصاً لله بالله، يمحو ما سوى الله، كما قيل:مَنْ لم يكن بِك فانياً عن حظِّه وعن الهوى والإنْس والأحبابِ
فكأنه - بين المراتب - واقِفٌ لمنَالِ حظٍّ أو لِحُسْنِ ثوابِ
الأنفال 8:42
قوله جلّ ذكره: { إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَادِ وَلَـٰكِن لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً }.
يخبر - سبحانه - أنَّ ما جرى يَومَ بدرٍ من القتال، وما حَصَلَ من فنون الأحوال كان بحكم التقدير، لا بما يحصل من الخَلْق من التدبير، أو بحكم تقتضيه رَوِيَّةُ التفكير. بل لو كان ذلك على اختيار وتَوَاعُد، كنتم عن تلك الجملة على استكراه وتَبَاعدُ، فجرى على ما جرى ليقضِيَ الله أمراً كان مقضيًّا، وحصل من الأمور ما سَبَقَ به التقدير.
قوله جلّ ذكره: { لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ }.
أي ليُضِلَّ منْ زاغ عن الحقِّ بعد لزومه الحجبة، ويهتديَ مَنْ أقام على الحقِّ بعد وضوح الحُجَّة.
ويقال الحقُّ أوْضَحَ السبيلَ ونَصَبَ الدليلَ، ولكن سَدَّ بصائرَ قومٍ عن شهود الرشد، وَفَتح بصائرَ آخرين لإدراك طرق الحق.
الهالك من وقع في أودية التفرقة، والحيُّ مَنْ حَيِيَ بنور التعريف.
ويقال الهالك من كان بحظِّه مربوطاً، والحيُّ من كان من أسْرِ كلِّ نصيبٍ مُسْتَلَباً مجذوباً.
الأنفال 8:43
قيل أراه إياهم في نومه صلى الله عليه وسلم - بوصف القِلَّة، وأخبر أصحابه بذلك فازدادوا جسارة عليهم.
وقيل أراه في منامه أي في محل نومه أي في عينيه، فمعناه قلَّلَهم في عينيه؛ لأنهم لو استكثروهم لفشلوا في قتالهم، ولانكسرت بذلك قلوبُ المسلمين.
وفي الجملة أراد اللهُ جريانَ ما حصل بينهم من القتال يومَ بدر، وإنَّ اللهَ إذا أراد أمراً هَيَّأ أسبابَه؛ فقلَّلَ الكفارَ في أعين المسلمين فزادوا جسارةً، وقلَّلَ المسلمين في أعين الكفار فازدادوا - عند نشاطهم إلى القتال - صغراً في حكم الله وخسارةً.
{ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } [آل عمران: 154]: وكيف لا؟ ومنه تصدُرُ المقاديرُ، وإليه تُرْجَع الأمور.
ويقال إذا أراد الله نصرة عبدٍ فلو كَادَ له جميعُ البشر، وأراده الكافةُ بكل ضَرَرٍ، لا ينفع مَنْ شاءَ مَضَرَّتَه كَدٌّ، ويحصل بينه وبين متاح لطفه به سَدٌّ.
وإذا أراد بعبدٍ سوءاً فليس له رَدٌّ، ولا ينفعه كَدٌّ، ولا ينعشه بعد ما سقط في حكمه جَهْدٌ.
الأنفال 8:44
قيل أراه إياهم في نومه صلى الله عليه وسلم - بوصف القِلَّة، وأخبر أصحابه بذلك فازدادوا جسارة عليهم.
وقيل أراه في منامه أي في محل نومه أي في عينيه، فمعناه قلَّلَهم في عينيه؛ لأنهم لو استكثروهم لفشلوا في قتالهم، ولانكسرت بذلك قلوبُ المسلمين.
وفي الجملة أراد اللهُ جريانَ ما حصل بينهم من القتال يومَ بدر، وإنَّ اللهَ إذا أراد أمراً هَيَّأ أسبابَه؛ فقلَّلَ الكفارَ في أعين المسلمين فزادوا جسارةً، وقلَّلَ المسلمين في أعين الكفار فازدادوا - عند نشاطهم إلى القتال - صغراً في حكم الله وخسارةً.
{ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } [آل عمران: 154]: وكيف لا؟ ومنه تصدُرُ المقاديرُ، وإليه تُرْجَع الأمور.
ويقال إذا أراد الله نصرة عبدٍ فلو كَادَ له جميعُ البشر، وأراده الكافةُ بكل ضَرَرٍ، لا ينفع مَنْ شاءَ مَضَرَّتَه كَدٌّ، ويحصل بينه وبين متاح لطفه به سَدٌّ.
وإذا أراد بعبدٍ سوءاً فليس له رَدٌّ، ولا ينفعه كَدٌّ، ولا ينعشه بعد ما سقط في حكمه جَهْدٌ.
الأنفال 8:45
أراد إذا لقيتم فئةً من المشركين فأثبتوا. والثباتُ إنما يكون بقوة القلب وشدة اليقين، ولا يكون ذلك إلا لنفاذ البصيرة، والتحقق بالله، وشهود الحادثات كلها مِنْهُ، فعند ذلك يستسلم الله، ويرضى بحكمه، ويتوقع منه حُسْنَ الإعانة، ولهذا أحالَهم على الذكر فقال: { وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً }.
ويقال إنَّ جميعَ الخيراتِ في ثبات القلب، وبه تَبِينُ أقدارُ الرجالِ، فإذا وَرَدَ على الإنسان خاطرٌ يزعجه أو هاجِسٌ في نفسه يهيجه... فَمَنْ كان صاحبَ بصيرةٍ تَوَقفَ ريثما تَتَبَيَّنُ له حقيقةُ الوارد، فيثبُتُ لكونه رابطَ الجأش، ساكنَ القلب، صافيَ اللُّب.. وهذا نعت الأكابر.
الأنفال 8:46
الموافقة بين المسلمين أصلُ الدِّين. وأولُ الفساد ورأسُ الزَّلَلِ الاختلافُ. وكما تجب الموافقة في الدين والعقيدة تجب الموافقة في الرأي والعزيمة.
قال تعالى في صفة الكفَّار:{ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ } [الحشر: 14]، وإنما تتحد عزائم المسلم لأنهم كلَّهم يجمعهم التبرِّي مِنْ حوْلِهم وقُوَّتِّهم، ويتمحضون في رجوعهم إلى الله، وشهودهم التقدير، فيتحدون في هذه الحالة الواحدة.
وأمَّا الذين تَوهَّمُوا الحادثاتِ من أنفسهم فَضَلُّوا في ساحات حسبانهم، وأجْرَوْا الأمور على ما يسنح لرأيهم، فكلٌّ يبني على ما يقع له ويختار، فإذا تنازعوا تَشَعَبَّتْ بهم الآراءُ، وافترقت بهم الطرقُ، فيضعفون، وتختلف طُرُقُهم. وكما تجب في الدين طاعةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تجب طاعة أولي الأمر، ولهذا يجب في كل وقت نَصْبُ إمام للمسلمين، ثم لا تجوز مخالفته، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أطيعوه ولو كان عبداً مجده " وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث سرِيَّةً أمَّر عليهم أميراً وقال: " عليكم بالسواد الأعظم ".
وإجماعُ المسلمين حُجَةٌ، وصلاة الجماعة سُنَّةٌ مؤكَّدة، والاتِّباعُ محمودٌ والابتداع ضلالة.
قوله { وَٱصْبِرُوۤاْ } الصبر حَبْسُ النَّفْس على الشيء، والمأمور به من الصبر ما يكون على خلاف هواك.
{ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ } يتولى بالكافية إذا حصل منهم الثباتُ وحَسُنَ التفويضُ.
الأنفال 8:47
يريد أنَّ أهل مكة لما خرجوا من مكة عام بدر لنصرة العير مَلَكَتْهُم العِزَّةُ، واستمكن منهم البَطَرُ، وداخَلَهم رياءُ الناس، فارتكبوا في شِبَاكِ غَلَطِهم، وحصلوا على ما لم يحتسبوه. وأمَّا المؤمنون فَنَصَرَهم نَصْراً عزيزاً، وأزال عن نبيِّه - عليه السلام - ما أظَلَّه من الخوف وبِصِدْقِ تبريه عن حوله ومُنَّتِه - حين قال: " لا تكلني إلى نفسي " - كفاه بحسن التولِّي فقال { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ }.
الأنفال 8:48
الشيطان إذا زيَّن للإنسان بوساوسه أمراً، والنَّفْسُ إذا سوَّلت له شيئاً عَمِيَتْ بصائرُ أرباب الغفلة عن شهود صواب الرُّشد، فيبقى الغافل في قِياد وساوسه، ثم تلحقه هواجمُ التقدير من كوامن المكر من حيث لا يرتقب، فلا الشيطان يفي بما يَعِدُه، ولا النفس شيئاً مما تتمنَّاه تجده، وكما قال القائل:أحسنتَ ظنَّك بالأيام إذ حَسُنَتْ ولم تَخَفْ سوءَ ما يأتي به القَدَرُ
وسالمتْكَ الليالي فاغتَررْتَ بها وعند صفوِ الليالي يَحْدُثُ الكَدرُ
الأنفال 8:49
إن أصحابَ الغفلة وأرباب الغِرَّة إذا هبَّتَ رياحْ صَوْلَتهِم في زمان غفلتهم يلاحظون أهلَ الحقيقة بعينِ الاستحقار، ويَحْكمُون عليهم بضعف الحال، وينسبونهم إلى الضلال، ويعدونهم من جملة الجهَّال، وذلك في زمان الفترة ومدة مُهْلةِ أهل الغيبة.
والذين لهم قوة اليقين ونور البصيرة ساكنون تحت جريان الحكم، يَرَوْن الغائبات عن الحواس بعيون البصيرة من وراء ستر رقيق؛ فلا الطوارقُ تهزمهم، ولا هواجم الوقت تستفزهم، وعن قريب يلوح عَلَمُ اليُسْرِ، وتنجلي سحائبُ العُسْر، ويمحق اللهُ كيد الكائدين.
الأنفال 8:50
يُسَلِّيهم عندما يُقاسُون من اختبارات التقدير بما يُذَكِّرهم زوالَ المحنة، ووَشْكَ رَوْح اليسر، وسرعةَ حصول النصر، وحلولَ النِّقَم بمرتكبي الظلم. والمؤمنُ كثيرُ الظَّفَرِ؛ فإذا شاهد بأرباب الجرائم حلولَ الانتقام رَقَّ قلبُه لهم، فلا ينخرط في سِلْكِ الشماتة؛ إذ يخلو قلبه من شهوة الانتقام، بل يجب أن يكون كل أحد بحُسْنِ الصفة، وكما قيل:قومٌ إذا ظَفِروا بنا جادوا بعتق رقابنا
الأنفال 8:51
يُعرِّفهم أنَّ ما أصابهم مِنْ شِدَّةِ الوَطْأَةِ جَزَاءٌ لهم على ما أسلفوه من قبيح الزَّلةَ، كما قيل:سَـنَنْتَ فينـا سـننـا قذف البلايا عُقْبَه
يصير على أهوالها مَنْ بَرَّ يوم ربَّه
{ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ لِّلْعَبِيدِ } أي كيفما يعاملهم في السَّراء والضرَّاء فذلك منه حَسَن وعَدْلٌ، إذ المُلْكُ مُلْكُه، والخلْقُ خَلْقُه، والحكمْ حُكْمُه.
الأنفال 8:52
لمَّا سلكوا مسلكَ أَهلِ فرعون في الضلال، سَلَكْنا بهم مسلكهم فيما أذقناهم من العذاب وسوء الحال، وسُنَّةُ الله ألا تغيير في الإنعام، وعادته ألا تبديلَ في الانتقام، ومَنْ لم يَعْتَبِرْ بما يشهد اعْتَبَرَ بما يصنعه به.
الأنفال 8:53
إذا أَنْعَمَ الحقُّ - سبحانه - على قوم نِعمةً وأراد إمهالهم أكرمهم بتوفيق الشكر، فإذا شكروا نعمته فبقدر الشكر دامت فيهم.
وإذا أراد - سبحانه - إزالةَ نعمةٍ عن عبدٍ أَذَلَّه بخذلان الكفر، فإذا حَالَ عن طريق الشكر عرَّض النِّعمة للزوال. فما دام العبدُ يشكر النعمة مقيماً كان الحقُّ في إنعامه عليه مُديماً، فإذا قابل النعمة بالكفر انتثر سِلْكُ نظامه، فبقدر ما يزيد في إصراره يزول الأمر عن قراره.
الأنفال 8:54
تنوَّعَتْ من آل فرعون الذنوب فَنَوَّعَ لهم العقوبة، وكذلك هؤلاء: عُوقِبوا بأنواعٍ من العقوبة لَمَّا ارتكبوا أنواعاً من الزَّلة.
وفائدةُ تكرارِ ذِكْرِهم تأكيدٌ في التعريف أنه لا يهمل المُكَلَّفَ أصلاً، وإنْ أهمله حيناً ودهراً.
الأنفال 8:55
{ عِندَ ٱللَّهِ }: في سابق علمه وصادق حكمه؛ فإذا كانوا في عِلْمهِ شَرَّ الخلائق فكيف يسعدون باختلاف السعايات وصنوف الطوارق؟
هيهات أن تتبدل الحقائق!.
وإذا قال: { فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } - وكلامه صِدقٌ وقولُه حقٌّ - فلم يبقَ للرجاء فيهم مساغ، ولا ينجع فيهم نُصْحٌ وإبلاغ.
الأنفال 8:56
أي الذين صار نقضُ العهد لهم سجيةً؛ فلم يَذَروا من استفراغ الوسع في جهلهم بقية.
وإن من الكبائر التي لا غفران لها من هذه الطريق أن ينقض العبدُ عهداً، أو يترك عقداً التزمه بقلبه مع الله. أولئك الذين سقطوا عن (....) الله، فرفع عنهم ظلَّ العناية والعصمة.
الأنفال 8:57
يريد إنْ صَادَفْتَ واحداً من هؤلاء الذين دأبُهم نقضُ العهد فاجعلهم عِبْرَةً لمن يأتي بعدهم لئلا يسلكوا طريقَهم فيستوجبوا عُقُوبَتَهُم.
كذلك مَنْ فَسَخَ عقده مع الله بقلبه برجوعه إلى رُخَصِ التأويلات، وتزوله إلى السكون مع العادات يجعله الله نكالاً لمن بعده، بحرمانه ما كان خوَّلَه، وتنغيصه عليه ما من حظوظه أَمَّلَه، فيفوته حق الله، ولا يكون له امتناع عما آثره على حق الله:تبدَّلت وتبدَّلنا واحسرتا لمن ابتغى عِوضاً لليلى فلم يجد
الأنفال 8:58
يريد إذا تحقَّقْتَ بخيانة قوم منهم فَصَرِّح بأنه لا عهدَ بينك وبينهم، فإذا حصلت الخيانةُ زال سَمَتُ الأمانة، وخيانةُ كلِّ أحدٍ على ما يليق بحاله، ومَنْ ضَنَّ بميسورٍ له فقد خانَ في عهده، وزاغ عن جده، وعقوبته مُعَجَّلة، فهو لا يحبُّه الله، وتكون عقوبته بإذلاله وإهانته.
الأنفال 8:59
كيف يعارِضُ الحقَّ أو ينازعه مَنْ في قَبْضَتِه تَقَلُّبُه، وبقدرته تَصرُّفه، وبتصريفه إياه عَدَمه وثبوتُه.
الأنفال 8:60
قوله جلّ ذكره: { وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ }.
أعدوا لقتالِ الأعداءِ ما يبلغ وسعكم ذلك من قوة، وأَتَمُّهَا قوةٌ القلبِ باللهِ، والناسُ فيها مختلفون: فواحِدٌ يَقْوَى قلبُه بموعود نَصْرِه، وآخرُ يَقْوى قَلْبُه بأنَّ الحقَّ عالِمٌ بحاله، وآخر يقوى قلبه لتحققه بأن يشهد من ربه، قال تعالى:{ وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } [الطور: 48]، وآخر يقوى قلبُه بإيثار رضاء الله تعالى على مراد نفسه، وآخر يقوى قلبه برضاه بما يفعله مولاه به.
ويقال أقوى محبة للعبد في مجاهدة العبد وتبرِّيه عن حاله وقوَّتِه.
قوله جلّ ذكره: { تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ }.
الإشارة فيه أنه لا يجاهد على رجاء غنيمة ينالها، أو لاشتفاء صدره من قضية حقد، بل قصده أن تكون كلمةُ الله هي العليا.
الأنفال 8:61
بعث الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالرحمة والشفقة على الخلْق، وبمسالمة الكفار رَجَاء أن يُؤمِنوا في المُسْتَأنف فإِنْ أَبَوْا فليس يخرج أَحدٌ عن قبضة العِزَّة.
ويقال العبوديةُ الوقوفُ حيثما وقفت؛ إنْ أُمِرْتَ بالقتال فلا تُقَصِّرْ، وإنْ أُمِرْتَ بالمواعَدةِ فمرحباً بالمُسَالَمةِ، { وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } في الحالين فإنه يختار لك ما فيه الخيرة، فيوفِّقُك لِمَا فيه الأَوْلى، ويختار لك ما فيه من قِسمي الأمر - في الحربِ وفي الصُّلحِ - ما هو الأعلى.
الأنفال 8:62
أي إنْ لَبَّسُوا عليك، وراموا خِداعَك بطلب الصُّلح منك - وهم يستبطنون لك بخلاف ما يظهرونه - فإنَّ اللهَ كافِيكَ، فلا تَشْغلْ قلبَك بغفلتك عن شرِّ ما يكيدونك؛ فإني أعْلَمُ ما لا تعلم، وأقْدِر على ما لا تقدر.
هو الذي بنصره أفْردَكَ، وبلطفِه أيَّدَكَ، وعن كل سوءٍ ونصيبٍ طَهَّرَك، وعن رقِّ الأشياء جَرَّدَكَ، وفي جميع الأحوال كان لك.
هو الذي أيَّدك بمن آمن بك من المؤمنين، وهو الذي ألَّف بين قلوبهم المختلفة فجَمَعَها على الدَّينِ، وإيثارِ رضاء الحق. ولو كان ذلك بِحَيلِ الخلْق ما انتَظمَتْ هذه الجملة، ولو أبلغتَ بكلِّ ميسورٍ من الأفعال، وبذلتَ كُلَّ مُستطاعٍ من المال - لَمَا وَصَلَتْ إليه.
الأنفال 8:63
أي إنْ لَبَّسُوا عليك، وراموا خِداعَك بطلب الصُّلح منك - وهم يستبطنون لك بخلاف ما يظهرونه - فإنَّ اللهَ كافِيكَ، فلا تَشْغلْ قلبَك بغفلتك عن شرِّ ما يكيدونك؛ فإني أعْلَمُ ما لا تعلم، وأقْدِر على ما لا تقدر.
هو الذي بنصره أفْردَكَ، وبلطفِه أيَّدَكَ، وعن كل سوءٍ ونصيبٍ طَهَّرَك، وعن رقِّ الأشياء جَرَّدَكَ، وفي جميع الأحوال كان لك.
هو الذي أيَّدك بمن آمن بك من المؤمنين، وهو الذي ألَّف بين قلوبهم المختلفة فجَمَعَها على الدَّينِ، وإيثارِ رضاء الحق. ولو كان ذلك بِحَيلِ الخلْق ما انتَظمَتْ هذه الجملة، ولو أبلغتَ بكلِّ ميسورٍ من الأفعال، وبذلتَ كُلَّ مُستطاعٍ من المال - لَمَا وَصَلَتْ إليه.
الأنفال 8:64
أحسنُ التأويلات في هذه الآية أن تكون " مَنْ " في محل النَّصب؛ أي ومَنْ اتبعك من المؤمنين يَكفيهم الله.
ومن التأويلات في العربية أن تكون " مَنْ " في محل الرفع أي حسبُك مَنْ اتبعك من المؤمنين.
وقد عُلِمَ أن استقلال الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان بالله لا بمن سوى الله، وكلُّ مَنْ هو سوى الله فمحتاجٌ إلى نصرة الله، كما أن رسول الله محتاج إلى نصرة الله.
الأنفال 8:65
قوله جلّ ذكره: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ }.
المؤمن لا يزداد بنفسه ضعفاً إلاَّ ازداد بقلبه قوةً، لأن الاستقلال بقوة النَّفس نتيجةُ الغفلة، وقوةُ القلب بالله - سبحانه - على الحقيقة.
قوله جلّ ذكره: { إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ }.
هذا لهم، فأمَّا النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو بتوحيده كان مُؤمِّلاً بأَنْ يَثْبُتَ لجميع الكفار لكمال قوَّته بالله تعالى، قال عليه السلام: " بِكَ أصول " ، وفي تحريضه للمؤمنين على القتال كانت لهم قوة، وبأمر الله كانت لهم قوة؛ فقوة الصحابة كانت بالنبي - عليه الصلاة والسلام، وتحريضه إياهم وقوتهم بذلك كانت بالله وبأمره إياه... وشتَّان ما هما!
قوله: { ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً }: والضَّعْفُ الذي علم فيهم كان ضَعْفَ الأشباح فخفَّفَ عنهم، أما القلوبُ فلم يتداخلها الضعف فحُمِلَ من ممارسة القتال بالعذر المذكور في الكتاب.
والعوام يحملون المشاقَّ بنفوسهم وجسومهم، والخواص بقلوبهم وهممهم، وقالوا: " والقلبُ يحْمِلُ مَا لاَ يَحْمِلُ البَدَنُ " وقال آخر:وإنْ تَرَوْني أُعاديها فلا عَجَبٌ على النفوسِ جناياتٌ من الهِمَم
الأنفال 8:66
قوله جلّ ذكره: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ }.
المؤمن لا يزداد بنفسه ضعفاً إلاَّ ازداد بقلبه قوةً، لأن الاستقلال بقوة النَّفس نتيجةُ الغفلة، وقوةُ القلب بالله - سبحانه - على الحقيقة.
قوله جلّ ذكره: { إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ }.
هذا لهم، فأمَّا النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو بتوحيده كان مُؤمِّلاً بأَنْ يَثْبُتَ لجميع الكفار لكمال قوَّته بالله تعالى، قال عليه السلام: " بِكَ أصول " ، وفي تحريضه للمؤمنين على القتال كانت لهم قوة، وبأمر الله كانت لهم قوة؛ فقوة الصحابة كانت بالنبي - عليه الصلاة والسلام، وتحريضه إياهم وقوتهم بذلك كانت بالله وبأمره إياه... وشتَّان ما هما!
قوله: { ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً }: والضَّعْفُ الذي علم فيهم كان ضَعْفَ الأشباح فخفَّفَ عنهم، أما القلوبُ فلم يتداخلها الضعف فحُمِلَ من ممارسة القتال بالعذر المذكور في الكتاب.
والعوام يحملون المشاقَّ بنفوسهم وجسومهم، والخواص بقلوبهم وهممهم، وقالوا: " والقلبُ يحْمِلُ مَا لاَ يَحْمِلُ البَدَنُ " وقال آخر:وإنْ تَرَوْني أُعاديها فلا عَجَبٌ على النفوسِ جناياتٌ من الهِمَم
الأنفال 8:67
أي لا ينبغي لنبي من الأنبياء - عليهم السلام - أن يأخذ أسارى من أعدائه ثم يرضى بأن يأخذ منهم الفِداء، بل الواجب عليه أن يُثْخِنَ في الأرض أي يبالغ في قتل أعدائه - إذ يُقال أثخنه المرضُ إذا اشتدَّ عليه. وقد أَخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدرٍ منهم الفِداء، وكان ذلك جائزاً لوجوب القول بعصمته، ولكن لو قاتلتم كان أوْلى. وأراد " بعَرَضِ الدنيا " أخذ الفداء، والله جعل الفداء، والله جعل رضاه في أن يقاتلوهم، وحرمة الشرع خلاف رحمة الطبع؛ فشرطُ العبودية أن يؤثر العبدُ الله، وإذا كان الأمر بالغِلظة فكما قال تعالى:{ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ } [النور: 2].
{ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ }: بالانتقام من أعدائه " حكيمُ ": في جميع ما يصنع من التمليك والإملاك، والتيسير والتدبير.
الأنفال 8:68
لولا أن حكم في آزاله بإحلال الغنيمة لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته لَمَسَّكُم - لأَجْلِ ما أخذتُم من الفداء منهم يومَ بدر - عذابٌ عظيم، ولكن الله أباح لكم الغنيمة فأَزال عنكم العقوبة.
الأنفال 8:69
الحلال ما كان مأذوناً فيه، والحلالُ الطيِّبُ أنْ تعلم أن ذلك مِنْ قَبلِ الله فضلاً، وليس لَكَ مِنْ قَبْلِكَ استحقاقاً.
ويقال الحلال الصافي ما لم يَنْسَ صاحبُه فيه معبوده.
ويقال هو الذي لا يكون صاحبُه عن شهود ربِّه - عند أخذه - غافلاً.
الأنفال 8:70
الذي يعْطَوْنه خيرٌ مما أُخِذَ منهم. ويحتمل أن يكون ما في الآخرة من حسن الثواب، ويحتمل أن يكون ما في الدنيا من جميل العِوَض. ويقال هو ما يوصلهم إليه من توفيق الطاعات، وحلاوة الإيمان، وهو خيرٌ مما أُخِذَ منهم.
ويقال ما أعطاهم من الرضاء بما هم فيه من الفقر، بعدما كانوا أغنياءَ في حال الشِّرْك.
الأنفال 8:71
يريد إنْ عادوا إلى قتالك بعدما مَنَنْتَ عليهم بالإطلاق وخانوا عَهْدَكَ، فالخيانة لهم دأب وطريقة، ثم إنَّا نُمَكِّنُكَ منهم ثانياً كما أمْكَنَّاكَ من أسْرهم أولاً، وقيل:إنْ عَادَتْ العَقْربُ عُدنا لها وكانت النَّعْلُ لها حاضرة
الأنفال 8:72
ذَكَرَ صفةَ المهاجرين مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصفتهم أنهم آمنوا ثم هاجروا مع الرسول صلوات الله عليه وسلامه، ثم { وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ } هؤلاء هم المهاجرون.
أما الذين آووا فهم الأنصار؛ آووا الرسول - عليه السلام - والمؤمنين.
فهذان الفريقان بعضهم أولياء بعض في النصرة والدين.
وأما الذين آمنوا ولكن لم يهاجروا فليست لهم هذه الموالاة إلى أن يهاجروا، وإنْ استعانوا بكم فعليكم نصرهم.
{ إِلاَّ عَلَىٰ قَوْمٍ } وهم المُعاهِدون معكم.
وكمالُ الهجرةِ مفارقَةُ الأخلاق الذميمة، وهجران النَّفْس في تَرْكِ إجابتها إلى ما تدعو إليه من شهواتها. ومن ذلك هجران إخوان السوء، والتباعد عن الأوطان التي باشر العبدُ فيها الزَّلة، ثم الهجرة من أوطان الحظوظ إلى أوطان رضاء الحق.
وأما قوله { وَٱلَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ } فهم الذين يؤثرون إخوانَهم على أَنْفُسِهم ولو كان بهم خصاصة، عَوَامُّ هؤلاء في الأمور الدنيوية، وخواصُّهم في الكرائم في الآخرة، وخاصُّ الخاصِّ في كل ما يصحُّ به الإثبات من سنِّي الأحوال إلى ما لا يدرك الوهم.
الأنفال 8:73
قَطَعَ العصمةَ بينهم وبين المؤمنين، فالمؤمنِ للأجانبِ مُجَانِبٌ، وللأقارب مقارِبٌ. والكفَّارُ بعضهم لبعضهم، كما قيل: " طيرُ السماءِ على أُلاَّفِها تقعُ ".
الأنفال 8:74
قَطَعَ العصمةَ بينهم وبين المؤمنين، فالمؤمنِ للأجانبِ مُجَانِبٌ، وللأقارب مقارِبٌ. والكفَّارُ بعضهم لبعضهم، كما قيل: " طيرُ السماءِ على أُلاَّفِها تقعُ ".
الأنفال 8:75
يريد مَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهم في الحال، ومَنْ سيلحق بهم في الاستقبال وآتى الأحوال فالألْفَةُ تجمعهم، والولاية تشملهم، فلهم من الله في العقبى جزيلُ الثواب، والنجاةُ من العذابِ. ولهم في الدنيا الولايةُ والتناصُر، والمودة والتقارب، والله أعلم.
التوبة 9:1
الفراقُ شديدٌ، وأشدُّه ألا يَعْقُبَه وصال، وفراقُ المشركين كذلك لأنه قال:{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ } [النساء: 48].
ويقال مَنْ مُنِيَ بفراق أحبائه فبئست صحبته. وقد كان بين الرسول عليه السلام وبين أولئك المشركين عهد، ولا شكَّ أنهم كانوا قد وطَّنوا نفوسَهم عليه، فنزل الخبرُ من الغيب بغتةً، وأتاهم الإعلامُ بالفرقةِ فجأةً، فقال:{ بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } [التوبة: 1]، أي هذه براءة من الله ورسوله، كما قيل:فَبِتَّ بخيرٍ - والدُّنَى مطمئنةٌ وأصبحتَ يوماً والزمانُ تَقَلَّبَا
وما أشدَّ الفُرقةَ - لا سيَّما إذا كانت بغتةً على غير تَرَقُّبٍ - قال تعالى:{ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ } [مريم: 39] وأنشدوا:وكان سراجُ الوصلِ أزهر بيننا فهبَّتْ به ريحٌ من البَيْن فانطفا
التوبة 9:2
إِنْ قَطَعَ عنهم الوصلةَ فقد ضَرَبَ لهم مدةً على وجه المُهْلَةِ، فَأَمَّنْهُم في الحالِ ليتأهبوا لِتَحَمُّلِ مقاساةِ البراءةِ فيما يستقبلونه في المآلِ.
والإشارةُ فيه: أنهم إِنْ أقلعوا في هذه المهلة عن الغَيِّ والضلال وجدوا في المآل ما فقدوا من الوصال، وإِنْ أَبَوْا إلا التمادي في تَرْكِ الخدمة والحرمة انقطع ما بينه وبينهم من العصمة.
ثم قال: { وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِي ٱلْكَافِرِينَ } والإشارة فيه: إنْ أصررتم على قبيح آثاركم سعَيْتُم إلى هلاككم بِقَدَمِكُم. وندمتم في عاجلكم على سعيكم، وحَصُلْتُم في آجِلِكم على خسرانكم؛ وما خَسِرْتُم إلا في صفقتكم، وما ضَرَّ جُرْمُكم سواكم وأنشدوا:تبَدَّلَتْ وتبدَّلْنا واحسرتا مَنْ ابتغى عِوَضاً لليلى فلم يَجِدِ
التوبة 9:3
قوله جلّ ذكره: { وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ }.
أي لِيَكُنْ إعلامٌ من الله ورسوله للناس بنقض عهدهم، وإِعلانٌ عنهم بأنهم ما انقطعوا عن مألوفهم من الإهمال ومعهودهم، وقد برح الخفاء من اليوم بأنهم ليس لهم ولاءٌ، ولم يكن منهم بما عقدوا وفاءٌ، فَلْيَعْلَمْ الكافةُ أنهم أعداءٌ، وأنشدوا:أشاعوا لنا في الحيِّ أشنعَ قصةٍ وكانوا لنا سِلْماً فصاروا لنا حربا
قوله جلّ ذكره: { أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ }.
مَنْ رأى من الأغيار - شظيةً من الآثار، ولم يَرَ حصولَهَا بتصريفِ الأقدار فقد أشرك - في التحقيق - واستوجب هذه البراءة.
ومَنْ لاَحَظَ الخلْق تَصَنُّعاً، أو طالَعَ نَفْسَه إعجاباً فقد جعل ما للهِ لغير الله، وظنَّ ما لله لغير الله، فهو على خطرٍ من الشِّرْكِ بالله.
قوله جلّ ذكره: { فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }.
إنْ عادوا إلى البابِ لم يقطعْ رجاءهم، ومدَّ إلى حدِّ وضوحِ العُذْرِ إِرجاءَهم. وبيَّن أنهم إِنْ أَصَرُّوا على عُتُوِّهم فإلى ما لا يُطِيقون من العذاب مِنْقَلبهُم، وفي النار مثواهم.
التوبة 9:4
منْ وَفَّى الحقَّ في عقدِه فَزِدْه على حفظِ عهدهِ؛ إذ لا يستوي مَنْ وفَّاه ومنْ جفاه.
التوبة 9:5
قوله جلّ ذكره: { فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ }.
يريد إذا انسلخ الحُرُمُ فاقتلوا مَنْ لا عهدَ له من المشركين، فإنَّهم - وإن لم يكن لهم عهد وكانوا حُرُماً - جعل لهم الأمانَ في مدة هذه المُهلَة، (....) فكرتم يأمر بترك قتال مَنْ أَبَى كيف يرضى بقطع وصال مَنْ أَتَى؟!
قوله جلّ ذكره: { فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ }.
أَمَرَهم بمعالجة جميع أنواع القتال مع الأعداء.
وأَعْدَى عدوِّك نَفْسُكَ التي بين جَنْبَيْك؛ فسبيلُ العبدِ في مباشرة الجهاد الأكبر مع النَّفْس بالتضييق عليها بالمبالغة في جميع أنواع الرياضات، واستفراغ الوسع في القيام بصدق المعاملات. ومِنْ تلك الجملة ألا ينزلَ بساحات الرُّخَصِ والتأويلات، ويأخذَ بالأشقِّ في جميع الحالات.
قوله جلّ ذكره: { فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.
حقيقة التوبة الرجوعُ بالكلية من غير أن تتركَ بقية. فإِذا أَسْلَم الكافرُ بعد شِرْكه، ولم يُقَصِّرْ في واجبٍ عليه من قِسْمَىْ فِعله وتَرْكِه، حَصَلَ الإذنُ في تَخْلِيَةِ سبيله وفكِّه:إن وَجَدْنَا لِمَا ادَّعَيْتَ شهوداً لم تَجدْ عندنا لحقٍّ حدودا
وكذلك النَّفْسُ إذا انخنست، وآثارُ البشرية إذا انْدَرَسَتْ، فلا حَرَجَ - في التحقيق - في المعاملات في أوان مراعاة الخطرات مع الله عند حصول المكاشفات. والجلوسُ مع الله أَوْلَى من القيام بباب الله تعالى، قال تعالى فيما ورد به الخبر: " أنا جليس مَنْ ذكرني ".
التوبة 9:6
إِذا استجار المُشْرِكُ - اليوم - فلا يُردُّ حتى يسمَع كلام الله، فإِذا استجار المؤمنُ طول عمره من الفراق - متى يُمْنَعُ من سماع كلام الله؟ ومتى يكون في زمرة مَنْ يقال لهم:{ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ } [المؤمنون: 108].
وإذ قال - اليوم - عن أعدائه: { فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ } فإِن لم يؤمن بعد سماع كلامه نُهِيَ عن تعرضه حيث قال: { ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ } - أترى أنه لا يُؤَمِّنُ أولياءَه - غداً - مِنْ فراقه، وقد عاشوا اليومَ على إيمانه ووفائه؟! كلا.. إنه يمتحنهم بذلك، قال تعالى:{ لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ } [الأنبياء: 103].
ثم قال: { ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ } فإذا كان هذا بِرَّه بِمَنْ لا يَعْلَم فكيف بِرُّه بِمَنْ يعلم؟ومتى نُضَيِّعُ مَنْ يَنِيخُ بِبَابِنَا والمُعْرِضون لهم نعيمٌ وافِرُ؟!
التوبة 9:7
كيف يكون المُفْلِسُ من عرفانه كالمخلص في إيمانه؟
وكيف يكون المحجوبُ عن شهوده كالمستهلَكِ في وجوده؟
كيف يكون مَنْ يقول " أنا " كمن يقول " أنت "؟ وأنشدوا:وأحبابُنا شتَّان: وافٍ وناقِصٌ ولا يستوي قطٌّ مُحِبٌّ وباغِضُ
قوله: { فَمَا ٱسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ } ، إنْ تَمَسْكُوا بحبل وفائنا أحللناهم ولاءنا، وإِنْ زاغوا عن عهدنا أبليناهم بصدِّنا، ثم لم يَرْبَحُوا في بُعْدِنا.
{ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ }: المُتَّقي الذي يستحق محبةَ مَنْ يُتَّقَى؛ وذلك حين يتقي محبَّةَ نَفْسِه، وذلك بِتَرْكِ حظِّه والقيام بِحقِّ ربِّه.
التوبة 9:8
وَصَفَهم بلؤم الطبع فقال: كيف يكونون محافظين على عهودهم مع ما أضمروه لكم من سوء الرضا؟ فلو ظَفِرُوا بكم واستولوا عليكم لم يُراعوا لكم حُرْمةً، ولم يحفظوا لكم قرابةً أو ذِمِّةً.
وفي هذا إشارة إلى أنَّ الكريمَ إذا ظَفِرَ غَفَرَ، وإذا قدر ما غَدَرَ، فيما أَسرَّ وَجَهَرَ.
قوله: { يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ } أي لا عَجَبَ مِنْ طَبْعِهِمْ؛ فإنهم في حقِّنا كذلك يفعلون: يُظْهِرُون لباسَ الإِيمان ويُضْمِرُون الكفر. وإنهم لذلك يعيشون معكم في زِيِّ الوفاق، ويستبطنون عين الشِّقاق وسوءَ النِّفاق.
التوبة 9:9
مَنْ رَضِيَ مِنَ الله بغير الله أرخص في صفقته ثم إنه خسر في تجارته؛ فَلاَ لَهُ - وهو عن الله - أثر استمتاع، ولا له - في دونه سبحانه - اقتناع؛ بَقِيَ عن الله، ولم يستمتع عن الله. وهذا هو الخسران المبين.
التوبة 9:10
كيف يراعي حقَّ المؤمنين مَنْ لا يراعي حقَّ الله في الله؟ أخلاقُهم تَشَابهت في تَرْكِ الحُرْمة.
التوبة 9:11
معناه: وإن قبلناهم وصَلُحُوا لولائنا فَلُحْمَةُ النّسَبِ في الدِّين بينكم وبينهم وشيجة، وإلا فليكن الأجانبُ مِنا على جانبٍ منكم.
التوبة 9:12
إذا جنحوا إلى الغَدْرِ، ونكثوا ما قدَّموه من ضمان الوفاء بالعهد، وبسطوا ألسنتَهم فيكم باللوم فاقصدوا مَنْ رحى الفتنةِ عليه تدور، وغُصْنُ الشَّرِّ مِنْ أَصْلِه يَتَشَعَّبُ، وهم سادةُ الكفار وقادتهم.
وحقُّ القتالِ إعدادُ القوةِ جهراً، والتبرِّي عن الحول والقوة سِرَّاً.
التوبة 9:13
حَرَّضَهم على القتال - على ملاحظة أمرِ الله بذلك - لا على مقتضى الانطواء على الحقد لأحد، فإِنَّ مَنْ غَضِبَ لنَفْسِه فمذمومُ الوصف، ومَنْ غَضِبَ لله فإنَّ نصرَ اللهِ قريبٌ.
وقال: { أَتَخْشَوْنَهُمْ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ }: فالخشية من الله بشير الوَصْلة، والخشية من غير الله نذير الفُرقة. وحقيقة الخشية نَفْضُ السِّرِّ عن ارتكاب الزَّجر ومخالفة الأمر.
التوبة 9:14
هوَّن عليهم كلفةَ المخاطرة بالمهجة بما وَعَدَهُم مِن الظّفَرِ والنصرة، فإنَّ شهودَ خِزْيِ العدوِّ مما يُهَوِّنُ عليهم مقاساة السوء. والظَّفَرُ بالأَرَب يُذْهِبُ تَعَبَ الطَّلَب.
وشفاءُ صدور المؤمنين على حسب مراتبهم في المقام والدرجات؛ فمنهم مَنْ شفاءُ صدره في قَهْرِ عدوِّه، ومنهم مَنْ شفاءُ صدره في نَيْلِ مَرْجُوِّه. ومنهم مَنْ شفاء صدره في الظَّفَر بمطلوبه، ومنهم مَنْ شفاءُ صدرِه في لقاء محبوبه. ومنهم من شفاء صدره في درك مقصوده، ومنهم من شفاء صدره في البقاء بمعبوده.
وكذلك ذهابُ غيظِ قلوبهم تختلف أسبابه، وتتنوَّعُ أبوابُه، وفيما ذَكَرْنَا تلويحٌ لِمَا تركنا.
{ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ } حتى يكون استقلاله بمحوِّل الأحوال.
التوبة 9:15
هوَّن عليهم كلفةَ المخاطرة بالمهجة بما وَعَدَهُم مِن الظّفَرِ والنصرة، فإنَّ شهودَ خِزْيِ العدوِّ مما يُهَوِّنُ عليهم مقاساة السوء. والظَّفَرُ بالأَرَب يُذْهِبُ تَعَبَ الطَّلَب.
وشفاءُ صدور المؤمنين على حسب مراتبهم في المقام والدرجات؛ فمنهم مَنْ شفاءُ صدره في قَهْرِ عدوِّه، ومنهم مَنْ شفاءُ صدره في نَيْلِ مَرْجُوِّه. ومنهم مَنْ شفاء صدره في الظَّفَر بمطلوبه، ومنهم مَنْ شفاءُ صدرِه في لقاء محبوبه. ومنهم من شفاء صدره في درك مقصوده، ومنهم من شفاء صدره في البقاء بمعبوده.
وكذلك ذهابُ غيظِ قلوبهم تختلف أسبابه، وتتنوَّعُ أبوابُه، وفيما ذَكَرْنَا تلويحٌ لِمَا تركنا.
{ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ } حتى يكون استقلاله بمحوِّل الأحوال.
التوبة 9:16
مَنْ ظَنَّ أنه يُقْنَعُ منه بالدعوى - دون التحقق بالمعنى - فهو على غَلَطٍ في حسبانه. والذي طالبهم به من حيث الأمر صِدْقُ المجاهدةِ في الله، وتَرْكُ الركونِ إلى غير الله، والتباعدُ عن مُساكَنَةِ أعداءِ الله.. ثِقةً بالله، واكتفاءً بالله، وتبرِّياً من غير الله.
وهذا الذي أمرهم به ألا يتخذوا من دون المؤمنين وليجةً فالمعنى فيه: ألا يُفْشُوا في الكفارِ أسرارَ المؤمنين.
وأولُ مَنْ يهجره المسلمُ - لئلا تَطَّلِعَ على الأسرار - نَفْسُه التي هي أعدى عدوِّه، وفي هذا المعنى قال قائلهم:كتابي إليكم بعد موتي بليلةٍ ولم أدرِ أَنِّي بعد مَوْتِيَ أكتب
ويقال: إن أبا يزيد - فيما أُخْبِرَ عنه - أنه قال للحقِّ في بعض أوقات مكاشفاته: كيف أطلبك؟ فقال له: فَارِقْ نَفْسَكَ.
ويقال إن ذلك لا يتمُّ، بل لا تحصل منه شظيَّة إلا بكَيِّ عُرُوقِ الأطماعِ والمطالباتِ لِمَا في الدنيا ولِمَا في العُقبى ولِمَا في رؤية الحال والمقام - ولو بِذَرَّةٍ. والحريةُ عزيزةٌ... قال قائلهم:أتمنى على الزمانِ مُحَالاً أَنْ ترى مُقْلَتَايَ طَلْعَةَ حُرِّ
التوبة 9:17
عمارةُ المساجد بإقامة العبادة فيها، والعبادةُ لا تُقْبَلُ إلا بالإخلاص، والمشرِكُ فاقِدُ الإخلاص، وشهادتُهم على أنفسهم بالكفر دعواهم حصول بعض الحدثان بتأثير الأسباب، فمن أثبت في عقده جوازَ ذَرَّة في العالم من غير تقديره - سبحانه - شارَكَ أربابَ الشِّرْكِ في المعنى الذي لزمَتْهم به هذه السِّمة.
التوبة 9:18
لا تكون عمارةُ المساجد إلا بتخريب أوطان البشرية، فالعابد يُعَمِّرها بتخريب أوطان شهوته، والزاهدُ يعمرها بتخريب أوطان مُنْيته، والعارف يعمرها بتخريب أوطان علاقته، والموَحِّدُ يعمرها بتخريب أوطان ملاحظته ومُسَاكنتِه. وكلُّ واحدٍ منهم واقفٌ في صفته؛ فلصاحب كلِّ موقفٍ منهم وصفٌ مخصوص.
وكذلك رَتْبتهُم في الإيمان مختلفة؛ فإيمانٌ من حيث البرهان، وإيمان من حيث البيان، وإيمان من حيث العيان، وشتان ما هم! قال قائلهم:لا تعْرِضَنَّ بِذِكْرِنا في ذِكْرِهِم ليس الصحيح - إذا مشى - كالمُقْعَدِ
التوبة 9:19
ليس مَن قام بمعاملة ظاهره كمن استقام في مواصلة سرائره، ولا مَنْ اقتبس من سراج علومه كمن استبصر بشموس معارفه، ولا من نُصِبَ بالباب من حيث الخدمة كمن مُكِّنَ من البِسَاط من حيث القربة وليس نعْتُ مَنْ تَكلَّفُ نِفَاقاً كوصفِ مَنْ تَحقَّقَ وِفَاقاً، بينهما بَوْن بعيدٌ!
التوبة 9:20
{ آمَنُواْ } أي شاهدوا بأنوار بصائرهم حتى لم يبقَ في سماءِ يقينهم سحابُ رَيْبٍ، ولا في هواءِ معارفهم ضبابُ شك.
{ وَهَاجَرُواْ }: فلم يُعَرِّجُوا في أوطان التفرقة؛ فَتَمَحَّضَتْ حركاتُهم وسكناتهم بالله لله.
{ وَجَاهَدُواْ }: لا على ملاحظة غَرَضٍ أو مطالعة عِوَضٍ؛ فلم يَدَّخِرُوا لأنفسِهم - مِنْ ميسورهم - شيئاً إلا آثروا الحقَّ عليه؛ فَظَفِروا بالنعمة؛ في قيامهم بالحقِّ بعد فنائهم عن الخَلْق.
التوبة 9:21
البشارة من الله تعالى على قسمين: بشارة بواسطة المَلَكِ، عند التوفي:
{ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ } [فصلت: 30].
وبشارة بلا واسطة بقول المَلَك، إذ يُبَشِّرهم ربُّهم برحمةٍ منه، وذلك عند الحساب. يبشرهم بلا واسطة بِحُسْنِ التولِّي؛ فعاجِلُ بشارتهم بنعمة الله، وآجِل بشارتهم برحمة الله، وشتان ما هما!
ويقال البشارة بالنعمة والجنة لأصحاب الإحسان، والبشارة بالرحمة لأرباب العصيان، فأصحاب الإحسان صَلُحَ أمرهم للشهرة فأَظْهَرَ أَمَرَهُم للمَلَكِ حتى بَشَّروهم جَهْراً، وأهلُ العصيان صلح حالهم لِلسَتْرِ فتولَّى بشارتهم - من غير واسطة سِرَّاً.
ويقال إِنْ كانت للمطيع بِشارةٌ بالاختصاص فإنَّ للعاصي بشارة بالخلاص. وإن كان للمطيع بشارة بالدرجات فإن للعاصي بشارة بالنجاة.
ويقال إنَّ القلوبَ مجبولةٌ على محبة من يُبَشِّر بالخير؛ فأراد الحقُّ - سبحانه - أن تكون محبةُ العبد له - سبحانه - على الخصوص؛ فتولَّى بشارته بعزيز خطابه من غير واسطة، فقال: { يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ } [التوبة: 21] وفي معناه أنشدوا:لولا تَمتُّعُ مُقْلتي بلقائه لَوَهَبْتُها بُشْرَى بقرب إيابه
ويقال بَشَّرَ العاصِيَ بِالرحمة، والمطيعَ بالرضوان، ثم الكافةَ بالجنة؛ فَقَدَّمَ العاصِيَ في الذكر، وقدَّم المطيع بالبرِّ، فالذَّكر قوْلُه وهو قديم والبِرُّ طَوْلُه وهو عميم. وقولُه الذي لم يَزَلْ أعَزُّ مِنْ طوْله الذي حصَلَ. قدَّم العصاة على المطيعين لأنَّ ضَعْفَ الضعيف أَوْلى بالرِّفق من القوي.
ويقال قدَّم أمر العاصي بالرحمة حتى إذا كان يومُ العَرْضِ وحضورِ الجمعِ لا يفتضح العاصي.
ويقال: { يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ } يُعَرِّفُهم أنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من تلك الدرجات بسعيهم وطاعتهم، ولكن برحمته - سبحانه - وصلوا إلى نعمته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما منكم من أحدٍ يُنَجِّيه عمله. قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إِلا أن يتغمدني الله برحمته ".
قوله: { لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ }: قومٌ نعيمُهم عطاءُ ربِّهم على وصف التمام، وقومٌ نعيمُهم لقاءُ ربهم على نعت الدوام؛ فالعابدون لهم تمام عطائه، والعارفون لهم داوم لقائه.
ثم قال: { خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً } والكناية في قوله " فيها " كما ترجع إلى الجنة تصلح أن ترجع إلى الحالة، سيما وقد ذكر الأجر بعدها؛ فكما لا يَقْطَعُ عطاءَه عنهم في الجنة لا يمنع عنهم لقاءَه متى شاءوا في الجنة، قال تعالى:{ لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ } [الواقعة: 33] أي لا مقطوعةٌ عنهم نعمتُه، ولا ممنوعةٌ منهم رؤيتُه.
التوبة 9:22
البشارة من الله تعالى على قسمين: بشارة بواسطة المَلَكِ، عند التوفي:
{ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ } [فصلت: 30].
وبشارة بلا واسطة بقول المَلَك، إذ يُبَشِّرهم ربُّهم برحمةٍ منه، وذلك عند الحساب. يبشرهم بلا واسطة بِحُسْنِ التولِّي؛ فعاجِلُ بشارتهم بنعمة الله، وآجِل بشارتهم برحمة الله، وشتان ما هما!
ويقال البشارة بالنعمة والجنة لأصحاب الإحسان، والبشارة بالرحمة لأرباب العصيان، فأصحاب الإحسان صَلُحَ أمرهم للشهرة فأَظْهَرَ أَمَرَهُم للمَلَكِ حتى بَشَّروهم جَهْراً، وأهلُ العصيان صلح حالهم لِلسَتْرِ فتولَّى بشارتهم - من غير واسطة سِرَّاً.
ويقال إِنْ كانت للمطيع بِشارةٌ بالاختصاص فإنَّ للعاصي بشارة بالخلاص. وإن كان للمطيع بشارة بالدرجات فإن للعاصي بشارة بالنجاة.
ويقال إنَّ القلوبَ مجبولةٌ على محبة من يُبَشِّر بالخير؛ فأراد الحقُّ - سبحانه - أن تكون محبةُ العبد له - سبحانه - على الخصوص؛ فتولَّى بشارته بعزيز خطابه من غير واسطة، فقال: { يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ } [التوبة: 21] وفي معناه أنشدوا:لولا تَمتُّعُ مُقْلتي بلقائه لَوَهَبْتُها بُشْرَى بقرب إيابه
ويقال بَشَّرَ العاصِيَ بِالرحمة، والمطيعَ بالرضوان، ثم الكافةَ بالجنة؛ فَقَدَّمَ العاصِيَ في الذكر، وقدَّم المطيع بالبرِّ، فالذَّكر قوْلُه وهو قديم والبِرُّ طَوْلُه وهو عميم. وقولُه الذي لم يَزَلْ أعَزُّ مِنْ طوْله الذي حصَلَ. قدَّم العصاة على المطيعين لأنَّ ضَعْفَ الضعيف أَوْلى بالرِّفق من القوي.
ويقال قدَّم أمر العاصي بالرحمة حتى إذا كان يومُ العَرْضِ وحضورِ الجمعِ لا يفتضح العاصي.
ويقال: { يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ } يُعَرِّفُهم أنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من تلك الدرجات بسعيهم وطاعتهم، ولكن برحمته - سبحانه - وصلوا إلى نعمته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما منكم من أحدٍ يُنَجِّيه عمله. قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إِلا أن يتغمدني الله برحمته ".
قوله: { لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ }: قومٌ نعيمُهم عطاءُ ربِّهم على وصف التمام، وقومٌ نعيمُهم لقاءُ ربهم على نعت الدوام؛ فالعابدون لهم تمام عطائه، والعارفون لهم داوم لقائه.
ثم قال: { خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً } والكناية في قوله " فيها " كما ترجع إلى الجنة تصلح أن ترجع إلى الحالة، سيما وقد ذكر الأجر بعدها؛ فكما لا يَقْطَعُ عطاءَه عنهم في الجنة لا يمنع عنهم لقاءَه متى شاءوا في الجنة، قال تعالى:{ لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ } [الواقعة: 33] أي لا مقطوعةٌ عنهم نعمتُه، ولا ممنوعةٌ منهم رؤيتُه.
التوبة 9:23
مَنْ لم يَصْلُحْ بطاعته لربه لا تَسْتَخْلِصْه لصحبة نَفْسِك.
ويقال من آثر على الله شيئاً يُبَارِكْ له فيه؛ فيَبْقى بذلك عن الله، ثم لا يُبْقِي ذلك معه، فإنْ استبقاه بجهده - كيف يستبقي حياته إذا أَذِنَ الله في ذهاب أَجَلِه؟ وفي معناه أنشدوا:مَنْ لم تَزُلْ نعمتُه قَبْلَهُ زَالَ مع النعمة بالموتِ
التوبة 9:24
ليس هذا تخييراً لهم، ولا إذْناً لهم، ولا إذْناً في إيثارِ الحظوظِ على الحقوقِ، ولكنه غاية التحذير والزَّجر عن إيثار شيءٍ من الحظوظ على الدِّين، ومرورُ الأيام حَكَمٌ عَدْلٌ يَكْشِفُ في العاقبة عن أسرار التقدير، قال قائلهم:سوف ترى إذا انجلى الغبارُ أَفَرَسٌ تحتك أم حمار؟
ويقال علامةُ الصدقِ في التوحيد قطعُ العلاقات، ومفارقهُ العادات، وهجران المعهودات والاكتفاءُ بالله في دوام الحالات.
ويقال مَنْ كَسَدَت سوقُ دِينِه كَسَدَتْ أسواقُ حظوظه، وما لم تَخْلُ منك مَنَازِلُ الحظوظ لا تعْمُرُ بك مَشَاهِدُ الحقوق.
التوبة 9:25
قوله جلّ ذكره: { لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ }.
النصرة من الله تعالى في شهود القدرة، والمنصورُ مَنْ عَصَمه الله عزَّ وجلَّ عن التوهُّم والحسبان، ولم يَكِله إلى تدبيره في الأمور، وأثبته الحقُّ - سبحانه - في مقام الافتقار متبرياً عن الحَوْل والمُنَّة، مُتَحَقِّقاً بشهود تصاريف القدرة، يَأْخُذُ الحقُّ - سبحانه - بيدِه فيخرجه عن مهواة تدبيره. ويوقفه على وصف التصبُّر لقضاء تقديره.
قوله جلّ ذكره: { وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ }.
يعني نَصَرَكم يومَ حُنَيْن حين تَفَرَّقَ أكثرُ الأصحاب، وافترت أنياب الكَرَّةِ عن نِقاب القَهْر فاضطربت القلوبُ، وخانت القوى أصحابَها، ولم تُغْنِ عنكم كَثْرتُكم، فاستخلص اللهُ أسرارَكم - عند صدق الرجوع إليه - بِحُسْنِ السكينةِ النازلة عليكم، فَقَلَبَ اللهُ الأمرَ على الأعداء، وخَفَقَتْ راياتُ النصرة، ووقعت الدائرةُ على الكفار، وارتدَّتْ الهزيمةُ عليهم فرجعوا صاغرين.
التوبة 9:26
السكينةُ ثَلَجُ القلب عند جريان حُكْم الربِّ بنعت الطمأنينة، وخمودُ آثار البشرية بالكلية، والرضاءُ بالبادي من الغيب من غير معارضةِ اختيارٍ.
ويقال السكينة القرار على بساط الشهود بشواهد الصحو، والتأدب بإقامة صفات العبودية من غير لحوق مشقة، وبلا تحرُّكِ عِرْقٍ لمعارضةِ حُكْم. والسكينة المنزلةُ على { ٱلْمُؤْمِنِينَ } خمودُهم تحت جريان ما وَرَدَ من الغَيْبِ من غير كراهةِ بنوازع البشرية، واختطافُ الحقِّ إياهم عنهم حتى لم تستفزهم رهبةٌ من مخلوق؛ فَسَكَنَتْ عنهم كلُّ إرادةٍ واختيار.
{ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } من وفور اليقين وزوائد الاستبصار.
{ وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بالتطوح في متاهات التفرقة، والسقوط في وهدة ضيق التدبير، ومِحنَةِ الغَفْلَةِ، والغَيْبَةِ عن شهود التقدير.
التوبة 9:27
ردهم من الجهل إلى حقائق العلم، ثم نَقَلَهم من تلك المنازل إلى مشاهد اليقين، ثم رقَّاهم عن تلك الجملة بما لقَّاهم به من عين الجمع.
التوبة 9:28
قوله جلّ ذكره: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا }.
فقدوا طهارة الأسرار بماءِ التوحيد؛ فبقوا في قذورات الظنون والأوهام، فَمُنِعُوا قُربانَ المساجدِ التي هي مشاهدُ القرب. وأمَّا المؤمنون فطهَّرَهم عن التدنُّس بشهود الأغيار، فطالعوا الحقَّ فَرْداً فيما يُبَيِّنهُ مِنَ الأمرِ ويُمضِيه من الحُكْم.
قوله جلّ ذكره: { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }.
تَوَقُّعُ الأرزاقِ من الأسبابِ من قضايا انغلاق باب التوحيد، فَمَنْ لم يفْرِدْ معبودَه بالقسمة بَقِيَ في فقرٍ مُسَرْمَدٍ.
ويقال مَنْ أنَاخَ بعُقْوةِ كَرَم مولاه، واستمطر سحَابَ جودِه أغناه عن كل سبب، وكفاه كلَّ تَعَبٍ، وقضى له كلَّ سُؤْلٍ وأرَب، وأعطاه من غير طلب.
التوبة 9:29
مَنْ استوجب الهوانَ لا ينْجِيكَ مِنْ شَرِّه غير ما يستحقه من الإذلال على صغره، ومَنْ دَاهَن عدوَّه فبالحريِّ أنْ يلقى سوءَه.
وَمِنْ أشدِّ الناس لَكَ عداوة، وأبعدهِم عن الإيمان - نَفْسُكَ المجبولةُ على الشرِّ فلا تُقْلِعُ إلاَّ بذبحها بِمُدْيَةِ المجاهدات. وهي لا تؤمِن بالتقدير، ولا يزول شَكها قط، وكذلك تَخَلدُ إلى التدبير، ولا تسكن إلا بوجود المعلوم، ولا تقبل منك إلا كاذِبَ المواعيد، ولذلك قالوا:وأَكْذِبْ النَّفْسَ إذا حَدَّثْتَها فإِنَّ صِدْقَ القول يذري بالأمل
التوبة 9:30
قوله جلّ ذكره: { وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ }.
لو كان هذا في تخاطب المخلوقين لكان عينَ الشكوى؛ والشكوى إلى الأحباب تشير إلى تحقق الوصلة.
شكا إليهم ما حصل من قبيح أعمالهم، وكم بين مَنْ تشكو منه وبين مَنْ تشكو إليه!!
قوله جلّ ذكره: { يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ }.
الكفار قبلهم جحدوا الربوبية، وهؤلاء أقروا بالله، ثم لما أثبتوا له الوَلَدَ نقضوا ما أقروا به من التوحيد، فصاروا كالكفار قَبْلَهم.
ويحتمل أن تكون مضاهاةُ قولهم في وصف المعبود بأنَّ عيسى ابنه وعزيراً ابنه كقولِ الكفار قَبْلَهم إنَّ الملائكة بناتُ الله.
ويقال لمَّا وصفوا المعبود بما يتعالى عن قولهم لم ينفَعُهم صِدْقُهم في الإقرار بربوبيته مما أضافوا إليه من سوء القالة. وكلُّ مَنْ أطلق في وصفه ما يتقدَّسُ - سبحانه - عنه فهو للأعداء مُشَاكِلٌ في استحقاق الندم والتوبيخ.
التوبة 9:31
كما لا تجوز مجاوزة الحد في وَضْع القدْرِ لا تجوز مجاوزة الحد في رَفْع القَدْر، وفي الخبر: " أُمِرْنا أَنْ نُنْزِلَ الناسَ منازِلَهم ".
فَمَنْ رأى من المخلوقين شظيةً من الإبداع أنْزَلَهم منزلةَ الأرباب، وذلك - في التحقيق - شِرْك، وما أخلص في التوحيد مَنْ لم يَرَ جميعَ الحادثات بصفاتها (....) من الله.
{ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً }: فمن رفع في عقده مخلوقاً فوق قدره فقد أشرك بربِّه.
التوبة 9:32
من رام أن يستر شعاع الشمس بدخان يوجهه من نيرانه، أو عالج أنْ يمنع حكم السماء بحيلته، وتدبيره، أو يُسْقِطَ نجوم الفَلَكِ بسهام قوسِه - أظهرَ رُعونَته ثم لم يَحْظَ بمراده. كذلك مَنْ توهَّم أن سُنَّةَ التوحيد يعلوها وَهَجُ الشُّبَه فقد خاب في ظنِّه، وافتضح في وهمه.
التوبة 9:33
أزاحَ العِلَل بما ألاح من الحُجَج، وأزال الشُّبَهَ بما أفصح من النهج؛ فشموسُ الحقِّ طالِعةٌ، وأدلة الشرع لامعة، كما قالوا:هي الشمسُ إلا للشمس غيبةً وهذا الذي نعنيه ليس يَغيب
التوبة 9:34
قوله جلّ ذكره: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ }.
العالِمُ إذا ارتفق بأموال الناس عِوَضاً عما يُعلِّمُهم زالَتْ بركاتُ عِلْمِه، ولم يَطِبْ في طريق الزهد مَطْعَمُه.
والعارِفُ إذا انتفع بخدمة المريد، أو ارتفق بشيءٍ من أحواله وأعماله زالت آثارُ هِمَّتِه، ولم تُجْدِ في حكْمِ التوحيد حالتُه.
قوله جلّ ذكره: { وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }.
لهم في الآجل عقوبةٌ. والذين لا يؤثِرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة فلهم في العاجل حجبة. وقليلٌ مِنْ عبادهِ مَنْ سَلِمَ من الحجاب في مُحتَضَرِه والعقاب في مُنْتَظرِه.
التوبة 9:35
لمَّا طلبوا الجاهَ عند الخلْقِ بمالِهم، وَبَخُلوا بإخراج حقِّ الله عنه شَانَ وجوهَهم. ولمَّا أسندوا ظهورَهم إلى أموالهم. قال تعالى: { فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ }.
ويقال: لمَّا (عبسوا) في وجوه العفاة وعقدوا حواجِبَهم وُضِعَتْ الكيَّةُ على تلك الجباه المقبوضة عند رؤية الفقراء، ولمَّا طَوَوْا كَشْحَهُم دون الفقراء - إذا جالسوهم - وَضَعَ المِكوَاةَ على جُنُوبِهم.
التوبة 9:36
قوله جلّ ذكره: { إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ }.
لمَّا عَلِم أنهم لا يُداوِمُون على مُلازَمَةِ القُرْبِ أَفْرَدَ بعضَ الشهور بالتفضيل، ليخُصُّوها باستكثار الطاعة فيها. فأمَّا الخواصُ مِنْ عبادِه فجميعُ الشهورِ لهم شعبانُ ورمضانُ، وكذلك جميع الأيام لهم جمعة، وجميع البقاع لهم مسجد... وفي معناه أنشد بعضهم:يا ربُّ إنَّ جهادي غيرُ مُنْقَطِعٍ وكُلُّ أرضٍ لي ثَغْرُ طرسوس
قوله جلّ ذكره: { فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ }.
قال للعوام: لا تَظْلِموا في بعض الشهور أَنْفُسَكُم، يعني بارتكاب الزَّلَّة. وأَمَّا الخواص فمأمورون ألا يَظْلِمُوا في جميع الشهور قلوبَهم باحتقاب الغفلة.
ويقال: الظلم على النَّفْس أن يجعلَ العبدُ زمامَه بيد شهواته، فَتُورِدُه مَواطِنَ الهلاك.
ويقال: الظلم على النَّفْس بخدمة المخلوقين بَدَل طاعة الحقِّ.
ويقال: مَنْ ظَلَم على قلبه بالمضاجعات امْتُحِنَ بِعَدمِ الصفوة في مرور الأوقات.
{ وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً }: ولا سِلاحَ أمضى على العدوِّ مِن تَبَرِّيكَ عن حَوْلِكَ وقُوّتِك.
التوبة 9:37
الدِّينُ ملاحظةُ الأمر ومجانَبَةُ الوِزر وتركُ التقدم بين يدي الله سبحانه - في جميع أحكام الشرع، فالآجالُ في الطاعاتِ مضروبة، والتوفيقُ في عرفانه متَّبع، والصلاح في الأمور بالإقامة على نعت العبودية؛ فالشهرُ ما سمَّاه الله شهراً، والعامُ والحوْلُ ما أعْلَمَ الخَلْقَ أنه قَدْرُ ما بَيَّنه شرعاً.
التوبة 9:38
عاتَبهم على تَركِ البدار عند توجيه الأمر، وانتهاز فُرْصَةِ الرُّخصَة.
وأَمَرَهم بالجد في العزم، والقَصْدِ في الفعل؛ فالجنوحُ إلى التكاسل، والاسترواحُ إلى التثاقل أماراتُ ضعفِ الإيمان إذ الإيمان غريمٌ مُلازِمٌ لا يرضى من العبد بغير ممارسة الأشْقِّ، وملابسة الأحَقِّ.
قوله: { أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا }: وهل يَجْمُل بالعابِد أَنْ يختارَ دنياه على عقْباه؟
وهل يحسُن بالعارف أَنْ يُؤْثِرَ هواه على رضا مولاه؟ وأنشدوا:أيجملُ بالأحبابِ ما قد فعلوا مضَوْا وانصرفوا يا ليتهم قَفَلُوا
إنَّ غيبةَ يوم للزاهد عن الباب تَعْدِل شهوراً، وغيبةُ لحظةٍ للعارف عن البِساط تعدل دهوراً، وأنشدوا:الإلْفُ لا يصْبِرُ عن إِلْفِه أَكْثَرَ من طَرْفَةِ عَيْنِ
وقد صبَرْنا عَنكُمُ ساعةً ما هكذا فِعْلُ مُحِبيْنِ
التوبة 9:39
العذابُ الأليمُ إذا أعرض العَبْدُ عن الطاعةِ ألا يبعث وراءه من جنود التوفيق ما يردُّه إلى الباب.
العذابُ الأليمُ أنْ يَسْلُبَه حلاوةَ النَّجوى إذا آب.
العذابُ الأليمُ الصدودُ يومَ الورود، وقيل:واعدوني بالوصال - والوصالُ عَذْبٌ - ورَمَوني بالصُّدودِ والصدُّ صعبُ
العذابُ الأليمُ الوعيدُ بالفِراق، فأمَّا نَفْسُ الفِراق فهو تمامُ التَّلَفِ، وأنشدوا:وزَعَمْتَ أَنَّ البَيْنَ مِنْكَ غداً هَدِّدْ بذلك مَنْ يعيش غدا
قوله: { وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ } يصرف ما كان مِنْ إقباله عليه إلى غيره من أشكاله، وليس كلُّ مَنْ حَفَرَ بئراً يشربُ مِنْ معِينها، وأنشدوا:تَسْقِي رَيَاحِينَ الحِفَاظِ مدامعي وَسِوَايَ في رَوْضِ التواصُل يَرْتَع
التوبة 9:40
قوله جلّ ذكره: { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا }.
مِنْ عزيزِ تلك النصرة أنه لم يستأنِسْ بثانية الذي كان معه بل رد الصِّدِّيقَ إلى الله، ونهاه عن مساكنته إياه، فقالَ: " ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما؟ ".
قال تعالى: { إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا }.
ويقال من تلك النصرة إبقاؤه إياه في كشوفاته في تلك الحالة، ولولا نصرتُه لتلاشى تحت سطواتِ كَشْفِه.
ويقال كان - عليه السلام - أمانَ أهل الأرض على الحقيقة، قال تعالى:
{ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } [الأنفال: 33]، وجعله - في الظاهر - في أمان العنكبوت حين نَسَجَ خَيْطَه على باب الغار فَخَلَّصَه من كيدهم.
ويقال لو دخل هذا الغار لا تشقَّ نسيج العنكبوت... فيا عجباً كيف سَتَرَ قصةَ حبيبه - صلوات الله عليه وعلى آله وسلم؟!.
ويقال صحيحٌ ما قالوا: للبقاع دول، فما خَطَرَ ببالِ أحدٍ أنَّ تلك الغار تصير مأوى ذلك السيِّد - صلى الله عليه وسلم! ولكنه يختص بقسمته ما يشاء{ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ } [البقرة: 105].
ويقال ليست الغِيران كلها مأوى الحيَّاتِ، فمنها ما هو مأوى الأحباب. ويقال علقت قلوب قوم بالعرش فطلبوا الحق منه، وهو تعالى يقول:
{ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا } فهو سبحانه - وإن تقدَّس عن كل مكان - ولكن في هذا الخطاب حياة لأسرار أرباب المواجيد، وأنشدوا:يا طالبَ الله في العرشِ الرفيعِ به لا تطلب العرشَ إن المجد في الغار
وفي الآية دليل على تحقيق صحبة الصدِّيق - رضي الله عنه - حيث سمَّاه الله سبحانه صاحبَه، وعَدَّه ثانِيه، في الإيمان ثانية، وفي الغار ثانيه ثم في القبر ضجيعه، وفي الجنة يكون رفيقه.
قوله جلّ ذكره: { فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ }.
الكناية في الهاء من " عليه " تعود إلى الرسول عليه السلام، ويحتمل أن تكون عائدةً إلى الصديق رضي الله عنه، فإن حُمِلَتْ على الصديق تكون خصوصية له من بين المؤمنين على الانفراد، فقد قال عز وجلّ لجميع المؤمنين:{ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } [الفتح: 4].
وقال للصدِّيق - على التخصيص - فأنزل الله سكينته عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله يتجلّى للناس عامة ويتجلَّى لأبي بكر خاصة ".
وإنما كان حزنُ الصديقِ ذلك اليوم لأجل الرسول - صلى الله عليه وسلم إشفاقاً عليه.. لا لأجل نَفْسِه. ثم إنه - عليه السلام - نفى حزنه وسلاّه بأن قال: { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا } ، وحُزْنٌ لا يذهب لِمَعِيَّة الحقِّ لا يكون إلاَّ " لحقِّ الحق ".
قوله جلّ ذكره: { وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }.
يريد به النبي صلى الله عليه وسلم. وتلك الجنودُ وفودُ زوائد اليقين على أسراره بتجلِّي الكشوفات.
{ وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ } بإظهار حُجج دينه، وتمهيد سُبُل حقِّه ويقينه؛ فراياتُ الحقِّ إلى الأبدِ عالية، وتمويهات الباطل واهية، وحِزْبُ الحقِّ منصورون، ووفد الباطل مقهورون.
ويقال لما خلا الصديق بالرسول عليه السلام في الغار، وأشرقت على سِرِّه أنوار صحبة الرسول عليه السلام، ووقع عليه شعاعُ أنواره، واشتاق إلى الله تعالى لفَقْدِ قراره - أزال عنه لواعِجه بما أخبره مِنْ قُرْبه - سبحانه - فاستبدل بالقلق سكوناً، وبالشوق أُنساً، وأنزل عليه من السكينة ما كاشفه به من شهود الهيبة.
ويقال كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثاني اثنين في الظاهر بشبه ولكن كان مُسْتَهْلَكَ الشاهد في الواحِد بِسِرِّه.
التوبة 9:41
أمرهم بالقيام بحقه، والبدار إلى أداء أمره في جميع أحوالهم.
" خفافاً " يعني في حال حضور قلوبكم، فلا يمسُّكم نَصَبُ المجاهدات.
" وثقالا " إذا رُدِدْتُم إليك في مقاساة تعب المكابدات. فإنَّ البيعةَ أُخِذَتْ عليكم في (...) و (...).
ويقال " خفافا " إذا تحررتم من رِقِّ المطالبات والاختيار، " وثقالا " إذا كان على قلوبكم ثقل الحاجات، وأنتم تؤمِّلُون قضاءَ الحقِّ مآرِبَكم.
التوبة 9:42
يريد به المتخلفين عنه في غزوة " تبوك " ، بيَّنَ سبحانه أنه لو كانت المسافةُ قريبةً، والأمرُ هيِّناً لَمَا تخلَّفوا عنك؛ لأنَّ مَنْ كان غيرَ متحقِّقٍ في قَصْدِه كان غيرَ بالغ في جهده، يعيش على حَرْفٍ، ويتصرَّف بحرف، فإِنْ أصابه خيرٌ اطمأنَّ به وإنْ أصابَتْه فتنةٌ انقلبَ على وجهه. وقال تعالى:{ فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } [محمد: 21].
فإذا رأيتَ المريدَ يتبعُ الرُّخَصَ ويَجْنَحُ إلى الكسل، ويتعلَّلُ بالتأويلاتِ.. فاعلَمْ أنه مُنْصَرِفٌ عن الطريق، متخلِّفٌ عن السلوك، وأنشدوا:وكذا المَلُولُ إذا أراد قطيعةً مَلَّ الوصال وقال: كان وكانا
ومَنْ جَدَّ في الطلب لم يُعَرِّج في أوطان الفشل، ويواصل السير والسُّرى، ولا يحتشم من مقاساة الكدِّ والعناء، وأنشدوا:ثـم قطعـتُ الليـلَ فـي مهمـهٍ لا أسداً أخشى ولا ذئبا
يغلبني شوقي فأطوي السُّرى ولم يَزَلْ ذو الشوقِ مغلوبا
قوله: { وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ } [التوبة: 42]: يمين المتعلِّلِ والمُتَأَوِّلِ يمينٌ فاجرةٌ تشهد بكذبها عيون الفراسة، وتنفر منها القلوب، فلا تجد من القلوب محلاً.
التوبة 9:43
لم يكن منه صلى الله عليه وسلم خرْقُ حَدٍّ أو تعاطي محظورٍ، وإنما نذر منه ترك ما هو الأَوْلى. قَدَّم الله ذِكْرَ العفو على الخطاب الذي هو في صورة العتاب بقوله: { لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ }.
أو مِنْ جواز الزَّلة على الأنبياء - عليهم السلام - إذ لم يكن ذلك في تبليغ أمر أو تمهيد شرع بقول قائله: أنشدوا بالعفو قبل أن وقف للعذر وكذا سُنَّة الأحباب مع الأحباب، قال قائلهم:ما حطَّك الواشون عن رتبة عندي ولا ضَرَّك مُغْتَابُ
كأنهم أَثْنَوْا - ولم يعلموا - عليكَ عندي بالذي عابوا
ويقال حسناتُ الأعداء - وإن كان حسنات - فكالمردودة، وسيئات الأحباب - وإن كانت سيئات - فكالمغفورة:مَنْ ذا يؤاخِذُ مَنْ يحبُّ بِذَنْبِه وله شفيعٌ في الفؤاد مُشَفِّع
التوبة 9:44
المخلصُ في عقده غيرُ مُؤثِرٍ شيئاً على أمره، ولا يدَّخر مستطاعاً في استفراغ وُسْعِه، وبَذْلِ جُهْدِه، ومقاساة كَدِّه، واستعمال جِدِّه.
التوبة 9:45
مَنْ رام عن عهدة الإلزام خروجاً انتهز للتأخير والتخلُّف فرصةً لِعَدمِ إيمانه وتصديقه، ولاستمكان الريبة في قلبه وسِرِّه. أولئك الذين يتقلبون في ريبهم، ويترددون في شكِّهم.
التوبة 9:46
قوله جلّ ذكره: { وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً }.
أي لو صدقوا في الطاعة لاستجابوا ببذل الوسع والطاقة، ولكن سَقِمَتْ إرادتُهم، فحصلت دون الخروج بَلادَتُهم، وكذلك قيل:لو صحَّ منكَ الهوى أُرْشِدْتَ للحِيَلِ
قوله جلّ ذكره: { وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ }.
ألْزَمَهم الخروجَ من حيث التكليف، ولكن ثبَّتهم في بيوتهم بالخذلان؛ فبالإلزام.
التوبة 9:47
أخبر عن سابق علمه بهم، وذكر ما علم أنه لا يكون أَنْ لو كان كيف يكون، فقال: ولو ساعدوكم في الخروج لكان ما يلحقكم من سوء سيرتهم في الفتنة بينكم، والنميمة فيكم، والسعي فيما يسوؤكم أكثر مما نالكم بتخلُّفِهم من نقصان عددكم. ومَنْ ضررُه أكثرُ من نفعِه فَعَدَمَهُ خيرٌ مِنْ وجودِه، ومَنْ لا يحصل منه شيء غيرُ شرورهِ فتخَلُّفُه أَنْفَعُ مِنْ حضوره.
التوبة 9:48
إنَّهم وإِنْ أظهروا وِفاقَكم فقد استبطنوا نِفاقكم؛ أعلنوا أنهم يؤازرونكم ولكن راموا بكيْدِهم تشويشَ أموركم، حتى كَشَفَ اللهُ عوراتِهم، وفَضَحَهم، حتى تَحَذَّرْتم منهم بما تحققتم من أسرارهم.
التوبة 9:49
أبرزوا قبيحَ فِعالِهم في مَعْرِض التخرج، وراموا أَنْ يُلَبِّسُوا على الرسول - صلى الله وسلم وعلى آله - وعلى المسلمين خبث سيرتهم وسريرتهم، فَبَيَّنَ الله أَنَّ الذين (...) بزعمهم سقطوا فيه بفعلهم، وكذلك المتجلِّدُ بما يهواه متطوح في وادي بلواه، وسَيَلْقَى في الآخرة من الهَوَان ما يَغْنِي عن الحاجة إلى البرهان.
التوبة 9:50
هكذا صفة الحسود، يتصاعد أنينُ قلبه عند شهود الحسنى، ولا يَسُرُّ قلبَه غيرُ حلولِ البلوى، ولا دواءَ لجروح الحسود؛ فإنه لا يرضى بغير زوال النعمة ولذا قالوا:كلُّ العداوةِ قد تُرْجَى إماتَتُها إلا عداوةَ مَنْ عاداك من حَسَدِ
وإنَ اللهَ تعالى عَجَّلَ عقوبةَ الحاسد، وذلك: حزنُ قلبِه بسلامة محسوده؛ فالنعمة للمحسود نقد والوحشة للحاسد نقد.
التوبة 9:51
المؤمن لا تلحقُه شماتةُ عدوِّه لأنه ليس يرى إلا مُرادَ وليِّه، فهو يتحقق أنَّ ما ينالُه مرادُ مولاه فيسقطُ عن قلبِه ما يهواه، ويستقبله بروح رضاه فَيَعْذُبُ عنده ما كان يَصْعُبُ مِنْ بلواه، وفي معناه أنشدوا:إنْ كان سَرَّكُمُ ما قال حاسدُنا فما لِجُرْحٍ - إذا أَرْضَاكُم - أَلمُ
ويقال شَهودُ جريانِ التقدير يخفف على العبد تَعَبَ كلِّ عسير.
قوله { هُوَ مَوْلاَنَا }: تعريفٌ للعبد أن له - سبحانه - أن يفعل ما يريد، لأنه تصرفُ مالكِ الأعيانِ في مُلْكِه، فهو يُبْدِي ويُجْرِي ما يريد بحقِّ حُكْمِه.
ثم قال: { وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ }: وأولُ التوكلِ الثقةُ بوعده، ثم الرضا باختياره، ثم نسيانُ أمورِك بما يغْلِبُ على قلبك من أذكاره.
ويقال التوكل سكونُ السِّرِّ عند حلول الأمر ونهاية التفويض، وفيها يتساوى الحلوُ والمرُّ، والنعمةُ والمحنةُ.
التوبة 9:52
بَيَّنَ اللهُ في هذه الآية الفَرْقَ بين المؤمنين وبين الكفار، فقال قُلْ للذين ينتظرون: أيها الكفار إن كان من شأن المؤمنين وقوعُ الدائرة عليهم في القتال، أَو أنَّ القَتْلَ ينالهُم فأيُّ واحدٍ من الأمْرَيْن ينالهم فهو لهم من الله نعمة؛ لأنَّا إنْ ظَفِرْنا بكم فَنَصْرٌ وغنيمة، وعِزٌّ للدِّين ورفعة، وإنْ قُتلْنَا فشهادةٌ ورحمة، ورضوانٌ من الله وزُلْفَى. وإنْ كان الذي يصيبنا في الدنيا هزيمة ونكبةٌ، فذلك مُوجِبٌ للأجْرِ والمثوبة، فإذاً لن يستقبِلَنا إلا ما هو حُسْنَى ونعمة.
وأمَّا أنتم، فإنْ ظَفِرْنَا بكم فتعجيلُ لذُلِّكم ومحنة، وإن قُتِلتُم فعقوبةٌ من اللهِ وسخطة، وإن كانت اليد لكم في الحال فخذلانٌ من اللهِ، وسببُ عذابٍ وزيادةُ نقمة.
ويقال: { هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ } أمَّا قيامُ بحقّ الله في الحال فنكون بوصف الرضاء وهو - في التحقيق - الجنَّةُ الكبرى، وإمَّا وصولٌ إلى الله تعالى في المآل بوصف الشهادة، ووجدان الزلفى في العقبى وهو الكرامة العظمى.
التوبة 9:53
المردودُ لا يقبلُ منه توصُّل، ولا يُغَيَّر حُكمُ شقاوته بتكثير التكلُّف والتعمل.
ويقال تقُرُّبُ العدوِّ يوجِبُ زيادةَ المقت له، وتحبُّبُ الحبيب يقتضي زيادةَ العطف عليه، قال تعالى:{ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ } [الفرقان: 70].
التوبة 9:54
فقدوا الإخلاص في أموالهم فعدموا الاختصاص في أحوالهم، وحُرِموا الخلاصَ في عاجلهم وفي مآلهم.
قوله: { وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ }: مَنْ أَطَاعَ من حيث العادة - مِنْ غَيْرِ أن تحملَه عليها لوعةُ الإرادة - لم يَجِدْ لطاعته راحةً وزيادة.
ويقال مَنْ لاَحظَ الخَلْقَ في الجهر من أعماله، ورَكَنَ إلى الكسلِ في السِّرِّ من أحواله فقد وُسِمَ بالخذلان، وخُتِمَ بالحرمان، وهذه هي أمارة الفرقة والقطيعة، قال تعالى:{ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ } [آل عمران: 54].
التوبة 9:55
بَيَّنَ أن ما حسبوه نعمة واعْتَدُّوه من الله مِنَّةٌ فهو - في التحقيق - مِحْنَةٌ، وسببُ شقاءٍ وفُرْقة، وإنما دَسَّ التقديرُ لهم سُمومَ الصَّابِ، فيما استلذوه من الشرابِ؛{ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ } [المؤمنون: 55-56].
التوبة 9:56
التَّقَرُّبُ بالأَيْمانِ الفاجِرةِ لا يوجِبُ للقلوب إلا بُعْداً عن القُبول.
ويقال إنَّ إظهارَ التلبيس لا (...) الأسرارَ بَرَدِّ السكون، ولا يَشْفِي البصائر بِرَدِّ الثقة واليقين.. فما لا يكون فلا يكون بحيلةٍ أبداً، وما هو كائنٌ سيكون.
التوبة 9:57
إن المماذِق في الخُلَّة ينسلُّ عن سِلْكِها بأضعف خلَّة، وإنْ وَجَدَ مهرباً آوَى إليه، ويأمل أن ينال فرصةً ما يتعللُ بها عند ذلك.
التوبة 9:58
أولئك أصحاب الأطماع؛ يتملقون في الظاهر ما دامت الأرفاقُ واصلةً إليهم، فإنْ انقطَعَتْ انقلبوا كأن لم يكن بينكم وبينهم مودة.
ويقال مَنْ كان رضاؤه بوجدان سبب، وسُخْطُه في عدم ما يوصِّله إلى نصيبه فهو ليس من أهل الولاء، إنما هو قائم بحظِّه، غيرُ صالحٍ للصحبة، وأمَّا المتحقِّقُ فكما قيل:فَسِرْتُ إليكَ في طلبِ المعالي وسَارَ سِوَايَ في طلب المعاشِ
التوبة 9:59
لو وقفوا مع الله بِسِرِّ الرضا لأَتَتْهُم فنونُ العطاء وتحقيقات المنى، ولحفظوا مع الله - عند الوجدان - مالهم من الأدب، من غير معاناة تَعبٍ، ولا مُقاساة نَصَبٍ.. ولكنهم عَرَّجُوا في أوطانِ الطمعِ فوقعوا في الذُّلِّ والحَرب.
التوبة 9:60
قوله جلّ ذكره: { إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي ٱلرِّقَابِ }.
تكلَّم الفقهاءُ في صفةِ الفقيرِ، والفرقِ بينه وبين المسكين لما احتاجوا إليه في قسمة الزكاة المفروضة.. فأبو حنيفة رحمة الله عليه - يقول: المسكينُ الذي لا شيء له. والفقيرُ الذي له بُلْغَةٌ من العيش.
ويقول الشافعي رحمة الله عليه: الفقير الذي لا شيء له، والمسكين الذي له بُلْغَةٌ من العيش - أي بالعكس.
وأهل المعرفة اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال بالأول، ومنهم من قال بالقول الثاني، واختلافهم ليس كاختلاف الفقهاء؛ وذلك لأن كلَّ واحدٍ منهم أشار إلى ما هو حاله ووقته ووجوده وشربه ومقامه. فَمِنْ أهل المعرفة مَنْ رأى أَنَّ أَخْذَ الزكاةِ المفروضة أَوْلى، قالوا إلى الله تعالى جعل ذلك مِلْكا للفقير، فهو أَحَلُّ له مما يُتَطَوَّعُ به عليه.
ومنهم من قال: الزكاة المفروضة مستحقة لأقوام، ورأوا الإيثار على الإخوان أوْلى من أن يزاحموا أرباب السهمان - مع احتياجهم أخذ الزكاة - وقالوا: نحن آثرنا الفَقْرَ اختياراً.. فَلِمَ نأخذ الزكاة المفروضة؟
ثم على مقتضى أصولهم في الجملة - لا في أخذ الزكاة - للفقر مراتب:
أوَّلُها الحاجةُ ثم الفقرُ ثم المسكنةُ؛ فذو الحاجة مَنْ يرضى بدنياه وتسدُّ الدنيا فقرَه، والفقير مَنْ يكتفي بعقباه وتجبُرُ الجنة فقرُه. والمسكين مَنْ لا يرضى بغير مولاه؛ لا إلى الدنيا يلتفت، ولا بالآخرة يشتغل، ولا بغير مولاه يكتفي؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم أحيني مسكيناً وأمتني سكيناً، واحشرني في زمرة المساكين " وقال صلى الله عليه وسلم " أعوذ بك من الفقر " لأن عليه بقية؛ فهو ببقيته محجوبٌ عن ربِّه.
ويحسن أن يقال إن الفقر الذي استعاذ منه ألا يكون له منه شيء، والمسكنة المطلوبة أن تكون له بُلْغَةٌ ليتفرَّغَ بوجود تلك البلغة إلى العبادة؛ لأنه إذا لم تكن له بلغة شَغَلَه فَقْرُه عن أداء حقِّه، ولذلك استعاذ منه.
وقوم سَمَتْ هِمَمهُم عن هذا الاعتبار - وهذا أَوْلى بأصولهم - فالفقير الصادق عندهم مَنْ لا سماءَ تُظِله ولا أرضَ تُقِلُّه ولا معلومَ يشغله، فهو عبدٌ بالله لله، يردُّه إلى التمييز في أوان العبودية، وفي غير هذا الوقت فهو مُصطَلَم عن شواهده، واقِفٌ بربِّه، مُنْشَقٌّ عن جملته.
ويقال الفَقِيرُ من كُسِرَتْ فقاره - هذا في العربية.
والفقير - عندهم - مَنْ سَقَطَ اختياره، وتعطلت عنه دياره، واندرست - لاستيلاء مَنْ اصْطَلمَه - آثارُه، فكأنه لم تبقَ منه إلا أخبارُه، وأنشدوا:أَمَّا الرسومُ فَخَبَّرتْ أنهم رحلوا قريباً
ويقال المسكين هو الذي أسكنه حالُه بباب مقصوده، لا يبرح عن سُدَّتِه، فهو مُعْتَكِفٌ بقلبه، ولا يغفل لحظةً عن ربِّه.
وأمَّا { وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا } فعلى لسان العلم: مَنْ يتولى جمع الزكاة على شرائطها المعلومة. وعلى لسان الإشارة: أَوْلَى الناس بالتصاون عن أخذ الزكاة مَنْ صَدَقَ في أعماله لله، فإنهم لا يرجون على أعمالهم عِوَضاً، ولا يتطلبون في مقابلة أحوالهم عَرَضا، وأنشدوا:وما أنا بالباغي على الحب رِشْوَةٌ قبيحٌ هوىً يُرجَى عليه ثواب
وأمّا المؤلَّفة قلوبهم - على لسان العلم - فمَنْ يُسْتَمَالُ قلبه بنوع إرفاقٍ معه، ليتوفَّر في الدين نشاطُه؛ فلهم من الزكاة سهمٌ استعطافاً لهم، وبيان ذلك مشهورٌ في مسائل الفقه.
وحاشا أن يكون في القوم مَنْ يكون حضورُه بسبب طَمَع أو لنَيْل ثوابٍ أو لرؤية مقام أو لاطلاع حال.. فذلك في صفة العوام، فأما الخواص فكما قالوا:من لم يكن بك فانياً عن حظه وعن الهوى والإنْسِ والأحباب
أو تيمته صبابة جمعت له ما كان مفترقاً من الأسباب
فلأنَّ بين المراتب واقفٌ لِمَنَالِ حظٍّ أو الحُسْنِ مآبِ
قوله جلّ ذكره: { وَفِي ٱلرِّقَابِ }.
وهم على لسان العلم: المكاتَبُون، وشرحه في مسائل الفقه معلوم.
وهؤلاء لا يتحررون ولهم تعريج على سبب، أو لهم في الدنيا والعقبى أرب، فهم لا يستفزُّهم طلب، فَمَنْ كان به بقية من هذه الجملة فهو عبدٌ لم يتحرر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله: " المكاتَبُ عَبْدٌ ما بقي عليه درهم " وأنشد بعضهم:أتمنى على الزمان مُحَالاً أَنْ ترى مقلتاي طَلْعَةَ حُرِّ
قوله جلّ ذكره: { وَٱلْغَارِمِينَ }.
وهم على لسان العلم: مَنْ عليهم دَيْنٌ في غير معصية.
وهؤلاء القوم لا يقضى عنهم ما لزمهم امتلاك الحق، ولهذا قيل المعرفة غريم لا يُقْضَى دَيْنُه.
قوله جلّ ذكره: { وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ }.
وعلى لسان العلم: مَنْ سلك سبيلَ الله وَجبَ له في الزكاة سهمٌ على ما جاء بيانُه في مسائل الفقه.
وفي هذه الطريقة: مَنْ سلك سبيلَ الله تتوجَّبُ عليه المطالبات؛ فيبذل أولاً مالَه ثم جاهَه ثم نَفْسه ثم روحَه.. وهذه أول قَدَمٍ في الطريق.
قوله جلّ ذكره: { وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ }.
وهو على لسان العلم: مَنْ وقع في الغُربة، وفارَقَ وطَنه على أوصاف مخصوصة.
وعند القوم: إذا تَغَرَّبَ العَبدُ عن مألوفات أوطانه فهو في قِرَى الحقِّ؛ فالجوعُ طعامُه، والخلوةُ مجلسُه، والمحبةُ شرابُه، والأُنْسُ شهوده، والحقُّ - تعالى - مشهودُه. قال تعالى:{ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً } [الإنسان: 21]: لقوم وَعْدٌ في الجنة، ولآخرين نَقْدٌ في الوقت؛ اليوم شرابُ المحابِّ وغداً شراب الثواب، وفي معناه أنشدوا:وَمُقعدِ قومٍ قد مشى من شرابنا وأعمى سقيناه ثلاثاً فأَبْصَرَا
وأخرسَ لم ينطِقْ ثلاثين حِجَّةً أَدِرْنا عليه الكأسَ يوماً فأخبرا
التوبة 9:61
قوله جلّ ذكره: { وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ }.
عين العداوة بالمساوئ مُوَكَّلَة، وعين الرضا عن المعايب كليلة.
بسطوا اللائمة في رسول الله صلى الله عليه وسلم فعابوه بما هو أمارة كرمه، ودلالة فضله، فقالوا: إنه بحسن خُلُقِه يسمع ما يقال له، فقال عليه السلام: " المؤمِن غِرٌّ كريم والمنافق خَبٌّ لئيم ".
قوله جلّ ذكره: { قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }.
وقيل: مَنْ العاقلُ؟ قالوا: الفَطِنُ المُتَغافِل. وفي معناه أنشدوا:وإذا الكريمُ أتيْتَه بخديعةٍ ولقِيتَه فيما ترومُ يُسارعُ
فاعلمُ بأنَّكَ لم تُخادِعْ جاهلاً إنَّ الكريم - بفضله - يتخادع
التوبة 9:62
أخبر أنَّ من تزيَّن للخَلْق، وتقرَّب إليهم وأَدامَ رضاهم، واتَّبَعَ في ذلك هواهم، فإن اللهَ سبحانه يُسْقِط به عن الخَلْق جاهَهُم، ويُشِينُهم فيما توهَمُّوا أنه يزينهم، والذي لا يَضِيعُ ما كان الله، فأمَّا ما كان لغير الله فَوَبَالٌ لِمَنْ أصابه، ومُحالٌ ما طَلَبَه.
ويقال إنَّ الخَلْق لا يصدقونك وإنْ حَلَفْت لهم، والحقُّ يَقْبَلُكَ وإِنْ تخَلَّفْتَ عنه؛ فالاشتغالُ بالخلْقِ محنةٌ أنت غيرُ مأجورٍ عليها، والإقبالُ على الحقِّ نعمةٌ أنت مشكورٌ عليها. والمغبونُ مَنْ تَرَكَ ما يُشْكَرُ عليه ويُؤثِر ما لا يؤجرُ عليه.
التوبة 9:63
مَنْ كَفرَ بالله وأشرك في توحيده بإثباتِ موهوم استحق ما هو حقٌّ لله: تعَجَّلُ عقوبته في الحال بالفُرقة، وفي المآلِ بالخلود في الحرقة.
فليس كلُّ مَنْ مُنِي بمصيبة يعلم ما ناله من المحنة، وأنشدوا:غَداً يَتَفَرَّقُ أهلُ الهوى ويكْثُر باكٍ ومُسْتَرْجِع
التوبة 9:64
ظَنُّوا أَنَّ الحقَّ - سبحانه - لا يفضحهم، فَدَلَّسُوا عليكم، وأنكروا ما انطوت عليه سرائرهم، فأرخى الله - سبحانه - عنانَ إمهالهم، ثم هتك الستر عن نفاقهم؛ فَفَضَحَهم عند أهل التحقيق، فتقنعوا بِخِمار الخجل، وكشف لأهل التحقيق مكامنَ الاعتبار. ونعوذ بالله من عقوبة أهل الاغترار!{ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ } [آل عمران: 54].
التوبة 9:65
مَنْ استَهانَ بالدِّين، ولم يَحْتَشِمْ مِنْ تَرْكِ حُرْمةِ الإسلام جعله الله في الحال نكالاً، وسامَه في الآخرة صِغَراً وإذلالاً، والحقُّ - سبحانه - لا يرضى دون أن يذيق العُتَاةَ بَأْسَه، ويَسْقِيَ كُلاّ - على ما يستوجبه - كأسَه.
التوبة 9:66
جَرَّدَ العفوَ والعذابَ من عِلَّة الجُرْمِ، وسببَ الفِعْل مِنْ حُجّةِ العبد؛ حيث أَحالَ الأمر على المشيئة.. إذ لو كان الموجِبُ لعفوِه أو تعذيبِه صفةَ العبد لَسَوَّى بينهم عند تساويهم في الوصف، فَلَمَّا اشتركوا في الكفر بعد الإيمان، وعفا عن بعضهم وعذَّب بعضَهم دَلَّ على أنه يفعل ما يشاء، ويختصُّ من يشاء بما يشاء.
التوبة 9:67
قوله جلّ ذكره: { ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ }.
المؤمِنُ بالمؤمِن يَتَقَوَّى، والمنافقُ بالمنافق يتعاضد، وطيور السماء على أُلاَّفِها تَقَعُ. فالمنافِقُ لصاحبه أسٌّ به قوامه، وأصلٌ به قيامه؛ يُعِينُه على فساده، ويُعَمِّي عليه طريقَ رشادِه.
والمؤمِنُ ينصر المؤمنَ ويُبَصِّره عيوبَه، ويُبغضُ لديه ويُقَبِّحُ - في عينيه - ذنوبَه، وهو على السدادِ يُنْجِدُه، وعن الفسادِ يُبْعِده.
قوله جلّ ذكره: { وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ }.
عن طلب الحوائج من الله تعالى.
قوله جلّ ذكره: { نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ }.
جازاهم على نسيانهم، فسمَّى جزاءَ النسيانِ نسياناً. تركوا طاعتَه، وآثروا مُخالَفَته، فَتَرَكَهُم وما اختاره لأنفسهم، قال تعالى:{ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ } [البقرة: 17].
التوبة 9:68
وَعَدَهم النارَ في الآخرة، ولهم العذابُ المقيمُ في الحاضرة، فمؤجَّلُ عذابِهم الحُرقَةُ، ومُعَجَّلُه الفُرْقةُ.
التوبة 9:69
يقال: سلكتم طريقَ مَنْ قَبْلَكم من الكفار وأهل النفاق وقد كافأناهم. ويقال الذين تقدموكم زادوا عليكم فكافأناهم كما نكافئ أهل الشقاق والنفاق؛ في كثرة المدَّةِ وقوةِ العُدَّةِ، والاستمتاع في الدنيا، والاغترار بالانخراط في سِلْك الهوى.. ولكن لم تَدُمْ في الراحة مُدَّتُهم، ولم تُغْنِ عنهم يومَ الشِدَّةِ عُدَّتُهم، وعما قريبٍ يَلْحَقُ بِكُم ما لَحِقَ بالذين هم قبلكم.
التوبة 9:70
ألم يَنْتَهِ إليهم خبرُ القرون الماضية، ونبأُ الأمم الخالية كيف دَمَّرْنا عليهم جَمْعَهُم، وكيف بَدَّدْنَا شمْلَهم؟ قَضَيْنَا فيهم بالعدْل، وحَكَمْنَا باستئصالِ الكُلِّ، فلم يَبْقَ منهم نافخُ نار، ولم يحصلوا إلاَّ على عارٍ وشنار.
التوبة 9:71
يُعين بعضُهم بعضاً على الطاعات، ويتواصَوْن بينهم بترك المحظورات؛ فَتَحَابُّهم في الله، وقيامُهم بحقِّ الله، وصحبتُهم لله، وعداوتُهم لأجْلِ الله؛ تركوا حظوظَهم لحقِّ الله؛ وآثروا على هواهم رِضاءَ الله. أولئك الذين عَصَمَهم اللهُ في الحالِ، وسيرحمهم في المآل.
التوبة 9:72
وَعَدَهُم جميعاً الجنةَ، ومساكنَ طيبة، ولا يطيب المَسْكَنُ إلا برؤيةِ المحبوبِ، وكلُّ مُحِبٍ يطيب مَسْكَنُه برؤية محبوبه، ولكنهم مختلفون في الهمم؛ فَمِنْ مربوطٍ بحظِّ مردودٍ إلى الخَلْق، ومِنْ مجذوب بحقِّ موصول بالحق، وفي الجملة كما يقال:أجيرانَنَا ما أوحشَ الدارَ بَعْدَكُم إذا غِبْتُمُ عنها ونحن حضورُ!
ويقال قومٌ يطيب مسكنُهم بوجودِ عَطَائِه، وقومٌ يطيب مسكنُهم بشهود لقائه، وأنشدوا:وإنِّي لأَهْوى الدارَ لا يستقرُّ لي بها الودُّ إلا أَنَّها من دِيارِكا
ثم قال: { وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ }: وأمارةُ أهلِ الرضوانِ وجدانُ طَعْمِه؛ فهم في روْح الأُنْسِ، وروْح الأنْسِ لا يتقاصر عن راحة دار القُدْس بل هو أتمُّ وأعظم.
التوبة 9:73
دعا نَبِيُّنا - صلى الله عليه وسلم - كافةَ الخَلْقِ إلى حُسْن الخُلُق.
قال لموسى عليه السلام:{ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً } [طه: 44].
وقال لنبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -:{ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ } [التحريم: 9] ويقال إنما هذا بعد إظهار الحجج، وبعد أن أزاح عُذْرَهُم بأيام المهلة؛ ففي الأول أَمَرَه بالرِّفق حيث قال:{ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ } [سبأ: 46]، فلما أصروا واستكبروا أَمَرَه بالغِلظة عليهم. والمجاهدة أولها اللسان لشرح البرهان، وإيضاح الحجج والبيان، ثم إنْ حَصَلَ من العدوِّ جُحْدٌ بعد إزاحة العذر، فبالوعيد والزجر، ثم إنْ لم ينجعْ الكلامُ ولم ينفع الملامُ فالقتالُ والحربُ وبَذْلُ الوسعِ في الجهاد.
التوبة 9:74
قوله جلّ ذكره: { يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ }.
تَسَتَّروا بأَيْمانِهم فَهتَكَ اللهُ أستارهم وكشف أسرارهم.
قوله: { وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ }: وهي طَعْنُهُم في نُبوَّةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكلُّ مَنْ وَصَفَ المعبودَ بصفاتِ الخَلْق أو أضاف إلى الخلْق ما هو من خصائص نعت الحقِّ فقد قال كلمة الكفر.
قوله جلّ ذكره: { وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ }.
أي أظهروا من شعار الكفر ما دَلَّ على جُحْدِهم بقلوبهم بعد ما كانوا يُظْهِرون الموافقة والاستسلامَ، وهمُّوا بما لم ينالوا من قتلٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وما سوَّلت أنفسهم أنه يُخْرِج الأَعَزُّ منها الأذلَّ، وغير ذلك.
يقال تمنوا زوالَ دولةِ الإسلام فأبى اللهُ إلا إعلاء أمْرِها.
ثم قال: { وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ }: أي ما عابوه إلا بما هو أَجَلّ خصاله، فلم يحصلوا من ذلك إلا على ظهور شأنهم للكافة بما لا عذر لهم فيه.
قوله جلّ ذكره: { فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ }.
وأقوى أركان التوبة حلُّ عقْدة الإصرار عن القلب، ثم القيام بجميع حقِّ الأمر على وجه الاستقصاء.
التوبة 9:75
قوله جلّ ذكره: { وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ }.
منهم مَنْ أَكَّدَ العَقْدَ مع الله، ثم نَقَضَه، فَلَحِقَه شُؤْمُ ذلك؛ فَبقِي خالداً في نِفاقِه.
ويقال تطلَّبَ إحسانَ ربِّه، وتقرَّبَ إليه بإبرام عهده فلمَّا حقَّق اللهُ مسؤولَه واستجاب مأموله، فَسخَ ما أبرمه، وانسلخ عما التزمه، واستولى عليه البُخْلُ، فَضَنَّ بإخراج حقه، فَلَحِقَه شؤمُ نِفاقِه، بأنَ بَقِيَ إلى الأبد في أَسْرِه.
وحدُّ البخل - على لسان العلم - مَنْعُ الواجب. وبُخْلِ كلِّ أحدٍ على ما يليق بحاله، وكلُّ مَنْ آثر شيئاً من دون رضاء ربِّه فقد اتصف ببخله، فَمَنْ يَبْخَلْ بماله تَزلْ عنه البركةُ حتى يؤول إلى وارثٍ أو يزول بحارث. ومَنْ يبخلْ بنَفْسِه ويتقاعس عن طاعته تفارقه الصحةُ حتى لا يستمتع بحيائه. والذي يبخل بروحِه عنه يُعاقَبُ بالخذلان حتى تكون حياتُه سبباً لشقائه.
التوبة 9:76
قوله جلّ ذكره: { وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ }.
منهم مَنْ أَكَّدَ العَقْدَ مع الله، ثم نَقَضَه، فَلَحِقَه شُؤْمُ ذلك؛ فَبقِي خالداً في نِفاقِه.
ويقال تطلَّبَ إحسانَ ربِّه، وتقرَّبَ إليه بإبرام عهده فلمَّا حقَّق اللهُ مسؤولَه واستجاب مأموله، فَسخَ ما أبرمه، وانسلخ عما التزمه، واستولى عليه البُخْلُ، فَضَنَّ بإخراج حقه، فَلَحِقَه شؤمُ نِفاقِه، بأنَ بَقِيَ إلى الأبد في أَسْرِه.
وحدُّ البخل - على لسان العلم - مَنْعُ الواجب. وبُخْلِ كلِّ أحدٍ على ما يليق بحاله، وكلُّ مَنْ آثر شيئاً من دون رضاء ربِّه فقد اتصف ببخله، فَمَنْ يَبْخَلْ بماله تَزلْ عنه البركةُ حتى يؤول إلى وارثٍ أو يزول بحارث. ومَنْ يبخلْ بنَفْسِه ويتقاعس عن طاعته تفارقه الصحةُ حتى لا يستمتع بحيائه. والذي يبخل بروحِه عنه يُعاقَبُ بالخذلان حتى تكون حياتُه سبباً لشقائه.
التوبة 9:77
أعقبهم ببخلهم نفاقاً في قلوبهم، ويصحُّ أعقبهم الله نفاقاً في قلوبهم، وفي الجملة: مَنْ نَقَضَ عهده في نفسه رفض الودَّ من أصله، وكلُّ من أظهر في الجملة خيراً واستبطن شراً فقد نافق بقسطه. والمنافق في الصف الأخير في دنياه، وفي الدَرْكِ الأسفل من النار في عقباه.
التوبة 9:78
خوَّفَهم بعلمه كما خوَّفهم بفعله في أكثر من موضعٍ من كتابه.
و { سِرَّهُمْ } ما لا يطلع عليه غير الله.
و { وَنَجْوَاهُمْ } ما يتسارون بعضهم مع بعض. ويحتمل أن يكونَ ما لنفوسهم عليه إشرافٌ من خواطرهم.
التوبة 9:79
عابوا الذين قَصُرَتْ أيديهم عن الإكثار في الصَدَقة وجادوا بما وصَلَتْ إليه أيديهم، فَشَكَرَ اللهُ سَعْيَ من أخلص في صدقته بعدما عَلمَ صِدْقَه فيها. وقليلُ أهلِ الإخلاص أفضلُ مِنْ كثيرِ أهلِ النفاقِ.
ولمَّا أوجدوا المسلمين بسخريتهم وَصَفَ اللهُ - سبحانه وتعالى - نفْسَه بما يستحيل في وصفه - على التحقيق - هو السخرية بأحدِ.. تطيباً لقلوبِ أوليائه، فقد تقدَّس عن ذلك لعِزَّة ربوبيته.
التوبة 9:80
خَتَمَ القضايا بأنَّه لا يغفر لأهل الشِرْكِ والنفاق، فلا تنفعهم الوسائل، ولا ينتعش منهم الساقط.
ويقال: مَنْ غَلَبَتْه شِقْوتُنا لم ينفعه تضرعه ودعوته.
ويقال: صريعُ القدرة لا يُنْعِشُه الجُهد والحيلة.
التوبة 9:81
استحوذ عليهم سرورُهم بتخلفهم، ولم يعلموا أن ثبورَهم في تأخرهم وما آثروه من راحة نفوسهم على أداء حق الله، والخروج في صحبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم، فنزع الله الراحةَ بما عاقَبَهم، وسَيَصْلَوْنَ سعيراً في الآخرة بما قدَّموه من نفاقهم، وسوف يتحسَّرُون ولات حينَ تحسُّر.
التوبة 9:82
قوله جل ذكره { فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }.
بَدَّل الله مَسَرَّتهم بِحَسْرةِ، وفَرْحَتَهم بتَرْحَةٍ، وراحتهم بِعَبْرَةٍ، حتى يكثر بكاؤهم في العُقبى كما كثر ضحكُهم في الدنيا، وذلك جزاءُ مَنْ كَفَرَ بِرَبِّه.
قوله جلّ ذكره: { فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخَالِفِينَ }.
يقول: بعدما ظهرت خيانَتُهم، وتقرر كذبهم ونفاقهم، لا تَنْخَدِعْ بتملقهم، ولا تَثِقْ بقولهم، ولا تُمَكِّنْهم مِنْ صُحبتك فيما يُظْهِرونه مِنْ وفاقك. فإذا وَهَنَ سِلْكُ العهدِ فلا يَحْتَملُ بَعْدَهُ الشَّدَّ، وإذا اتسع الخَرْقُ لا ينفع بَعْدَهُ الرَّقْعُ.
التوبة 9:83
قوله جل ذكره { فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }.
بَدَّل الله مَسَرَّتهم بِحَسْرةِ، وفَرْحَتَهم بتَرْحَةٍ، وراحتهم بِعَبْرَةٍ، حتى يكثر بكاؤهم في العُقبى كما كثر ضحكُهم في الدنيا، وذلك جزاءُ مَنْ كَفَرَ بِرَبِّه.
قوله جلّ ذكره: { فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخَالِفِينَ }.
يقول: بعدما ظهرت خيانَتُهم، وتقرر كذبهم ونفاقهم، لا تَنْخَدِعْ بتملقهم، ولا تَثِقْ بقولهم، ولا تُمَكِّنْهم مِنْ صُحبتك فيما يُظْهِرونه مِنْ وفاقك. فإذا وَهَنَ سِلْكُ العهدِ فلا يَحْتَملُ بَعْدَهُ الشَّدَّ، وإذا اتسع الخَرْقُ لا ينفع بَعْدَهُ الرَّقْعُ.
التوبة 9:84
ليس بعد التَّبَرِّي التولي، ولا بعدَ الفراق والوفاق، ولا بعد الحجبة قربة. مضى لهم من الزمان ما كان لأملهم فيه فسحة، أو لرجائهم مساغ، أو لظنِّهم تحقيق، ولكن سَبَقَ لهم القضاءُ بالشقاوة، ونعوذ بالله مِنْ سوءِ الخاتمة.
التوبة 9:85
يقول لا تحسبنَّ تمكينَ أهل النِّفاق مِنْ تنفيذ مرادهم، وتكثيرَ أموالهم إسداءَ معروف مِنَّا إليهم، أو إسباغَ إنعامٍ مِنْ لَدُنَّا عليهم، إنما ذلك مَكْرُ بهم، واستدراجٌ لهم، وإمهالٌ لا إهمال. وسيلقون غِبه عن قريب.
التوبة 9:86
إذا تَوَجَّه عليهم الأمرُ بالجهاد، واشتدَّ عليهم حكمُ الإلزام، تعلَّلوا إلى السَّعَةِ، وركنوا إلى اختيار الدَّعةَ واحتالوا في موجِبَاتِ التَّخَلُّفِ، أولئك الذين خَصَّهم بخذلانه، وصَرَفَ قلوبهم عن ابتغاء رضوانه.
التوبة 9:87
بَعُدُوا عن بِساط العِبادة فاستطابوا الدّعة، ورضوا بالتعريج في منازل الفرقة، ولو أنهم رجعوا إلى الله تعالى بِصِدقِ النَّدم لَقَابَلهُم بالفضل والكرم، ولكنْ القضاءَ غالِبٌ، والتكلفَ ساقطٌ.
التوبة 9:88
ليس مَنْ أَقْبَلَ كمَنْ أعرض وصُدَّ، ولا مَنْ قُبِلَ أَمْرُه كَمَنْ رُدَّ، ولا من وحَّدَ كمن جَحَد، ولا من عَبَدَ كَمن عَنَدَ، ولا مَنْ أَتَى كمن أَبَى... فلا جَرَمَ رَبِحَتْ تِجَارَتُهم، وجَلتْ رُتْبَتُهم.
التوبة 9:89
تشير الآية إلى أن راحاتِهم موعودة، وإِنْ كانت الأتعابُ في الحال موجودةً مشهودة.
ويقال صادِقُ يقينهم بالثوابِ يُهوِّن عليهم مقاساةَ ما يلقونه - في الوقت - من الأتعاب.
التوبة 9:90
وهم أصحاب الأعذار - في قول أهل التفسير - طلبوا الإذنَ في التأخرِ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك فسقط عنهم اللَّوْمُ.
أما الذين تأخروا بغير عُذْرٍ فقد توجَّه عليهم اللوم، وهو لهم في المستقبل الوعيد.
التوبة 9:91
قيمةُ الفقرِ تظهر عند سقوط الأمر، ولو لم يكن في القلة خيرٌ إلا هذا لكفي لها بهذا فضيلة؛ بقوا في أوطانهم ولم يتوجَّه عليهم بالجهادِ أمرٌ، ولا بمفارقة المنزل امتحان. واكتفى منهم بنصيحة القلب، واعتقادِ أَنْ لو قدروا لخرجوا.
وأصحابُ الأموال امتُحِنوا - اليومَ - بِجَمْعِهَا ثم بِحِفْظِهَا، ثم مَلَكَتْهُم محنتُها حتى شقَّتْ عليهم الغيبةُ عنها، ثم توجَّه اللومُ عليهم في تَرْكِ إِنفاقها، ثم ما يعقبه - غداً من الحسابِ والعذاب يربو على الجميع.
وإِنَّما رفع الحَرَجَ عن أولئك بشرطٍ وهو قوله: { إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ } فإذا لم يوجد هذا الشرطُ فالحرجُ غيرُ مرتفع عنهم.
قوله: { مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ }: المُحْسِنُ الذي لا تكون للشرع منه مطالبة لا في حقِّ الله ولا في حقِّ الخَلْق.
ويقال هو الذي يعلم أَنَّ الحادثاتِ كلَّها من الله تعالى.
ويقال هو الذي يقوم بحقوقِ ما نِيط به أَمْرُه؛ فلو كان طيرٌ في حكمه وقَصَّرَ في عَلَفِه - لم يكن محسناً.
التوبة 9:92
منَعَهم الفقرُ عن الحَرَاك فالتمسوا من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يحملهم معه ويهيئ أسبابَهم، ولم يكن في الحال للرسول عليه السلام سَعَةٌ ليوافقَ سُؤْلَهم، وفي حالة ضيق صدره - صلى الله عليه وسلم - حَلَفَ إنه لا يَحْمِلُهم، ثم رآهم صلى الله عليه وسلم يتأهبون للخروج، وقالوا في ذلك، فقال عليه السلام: " إنما يحملكم الله ".
فلمَّا رَدَّهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الإجابة في أن يحملهم رجعوا عنه بوصف الخيبة كما قال تعالى: { تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ } كما قال قائلهم:قال لي مَنْ أُحِبُّ والبيْن قد حَلَّ ودمعي مرافِقٌ لشهيقي
ما تُرى في الطريق تصنع بعدي؟ قلتُ: أبكي عليك طول الطريق
قوله: { حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ } شقَّ عليهم أنْ يكونَ على قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسببهم شُغْلٌ فَتَمَنَّوْا أن لو أُزِيجَ هذا الشغلُ، لا ميلاً إلى الدنيا ولكن لئلا تعودَ إِلى قلبه - عليه السلام - مِنْ قِبَلِهم كراهةً، ولهذا قيل:مَنْ عَفَّ خَفَّ على الصديقِ لِقاؤه وأخو الحوائجِ مُمْجِجُ مَمْلولُ
ثم إنَّ الحقَّ - سبحانه - لمَّا عَلِمَ ذلك منهم، وتمحضت قلوبُهم للتعلُّق بالله، وخَلَتْ عقائدُهم عن مُساكنةِ مخلوقِ تَدَارَكَ اللهُ أحوالَهم؛ فأمر اللهُ رسوله عليه السلام أَنْ يَحْمِلَهم.. بذلك جَرَتْ سُنَّتُه، فقال:{ وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ } [الشورى: 28].
التوبة 9:93
قوله جلّ ذكره: { إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ }.
يريد السبيل بالعقوبة والملامة على الذين يتأخرون عنك في الخروج إلى الجهادِ ولهم الأُهبة والمُكْنَة، وتساعدهم على الخروج الاستطاعةُ والقدرةُ؛ فإِذا استأذنوك للخروج وأظهروا لم يَصْدقُوا، فهم مُسْتَوجِبُونَ للنكير عليهم، لأنَّ مَنْ صَدَقَ في الولاء لا يحتشم من مقاساةِ العناء، والذي هو في الولاءِ مما ذِقٌ وللصِّدقِ مفَارِقٌ يتعلَّلُ بما لا أصل له، لأنه حُرِمَ الخلوصَ فيما هو أَهْلٌ له، وكذا قيل:إنَّ الملولَ إذا أراد قطيعةً مَلَّ الوصَالَ وقال كان وكانا
قوله جلّ ذكره: { رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ }.
قيل في التفسير: مع النساء في البيوت.
والإسلام يثني على الشجاعة، وفي الخبر: " إنْ الله تعالى يحب الشجاعة، ولو على قتل حية " ، وفي معناه أنشدوا:كُتِبَ القتلُ والقتالُ علينا وعلى المُحْصَنَاتِ جرُّ الذّيُولِ
ومَنْ استوطن مركبَ الكسلِ، واكتسى لِباسَ الفَشَلِ، ورَكَنَ إلى مخاريق الحِيَل - حُرِمَ استحقاقَ القُربة. ومَنْ أراد اللهُ - تعالى - هَوَانَه، وأذاقه خِذْلانَه، فليس له عن حكم الله مناصٌ.
التوبة 9:94
أراد إذا تَقَوَّلُوا بما هم فيه كاذبون، وضللوا عما كانوا في تخلفهم به يتَّصِفون - فأَخْبِرُوهم أنَّا عَرَّفَنَا اللهُ كَذبَكم فيما تقولون، واتضحت لَنَا فضائحُكم، وتَمَيَّزَ - بما أظهره الله لنا - سَيِّئُكُم وصالِحُكم، فإِنَّ اللهَ تعالى لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِنْ أحوالكم، وسَتَلْقَوْنَ غِبَّ أعمالكم في آجلكم.
التوبة 9:95
يريد أنهم في حَلفِهِم باللهِ لكم أن يدفع السوءَ مِنْ قِبَلِكم، وليس قصْدهم بذلك خلوصاً في اعتذارهم، ولا ندامةً على ما احتقبوه من أوزارهم، إنما ذلك لتُعْرِضُوا عنهم... فأَعْرِضوا عنهم؛ فإِنَّ ذلك ليس بمُنْجِيهم مما سيلقونه غداً من عقوبة الله لهم، فإِنَّ اللهَ يُمْهِلُ العاصيَ حتى يتَوهَّمَ أنه قد تَجَاوَزَ عنه، وما ذلك إلا مَكْرٌ عُومِل به، فإذا أذاقه ما يستوجِبُه عَلِمَ أن الأمرَ بخلاف ما ظنّه، وما ينفع ظاهرٌ مغبوطٌ، والحال - في الحقيقة - يأسٌ من الرحمة وقنوطٌ، وفي معناه قالوا:وقد حسدوني في قُرْبِ داري مِنْهُمُ وكم مِن قريبِ الدارِ وهو بعيدُ!
التوبة 9:96
من كان مسخوطَ الحقِّ لا ينفعه أن يكون مرضيَّ الخَلْقِ، وليست العِبْرَةُ بقولِ غيرِ اللهِ إِنَّما المدارُ على ما سَبَقَ من السعادة في حُكْمِ الله.
التوبة 9:97
جُبِلَتْ قلوبُهم على القسوةِ فلم تَقْرَعْها هواجِمُ الصفوة، وكانوا عن أشكالهم في الخِلْقَةِ مستأخرين بما (....) من سوء الخُلُق؛ فَهُمْ مِنَ استبانةِ الحقائق أبعد، ومن استيجاب الهوان أقرب.
التوبة 9:98
خَبُثَت عقائدُهم فانتظروا للمسلمين ما تعلقت به مناهم من حلول المِحن بهم، فأبى اللهُ إلا أن يَحيقَ بهم مكرُهم، ولهذا قيل في المثل: إذا حَفَرْتَ لأخيك فَوَسِّعْ فربما يكون ذلك مقيلَك!
ويقال مَنْ نَظَر إلى ورائه يُوَفَّقْ في كثيرٍ من تدبيره ورأيه.
التوبة 9:99
تَنَوَّعُوا؛ فمنهم مَنْ غَشَّ ولم يربح، ومنهم مَنْ نَصَحَ فلم يَخْسِرْ، فأمَّا الذين مذقوا فهم في مهواةِ هوانِهم، وأما الذين صَدَقُوا ففي رَوْح إحسانهم.
التوبة 9:100
السابقون مختلفون؛ فَمِنْ سابقٍ بِصِدقِ قَدَمِه، ومِنْ سابقٍ بصدقِ هِمَمِه. ويقال السابقُ مَنْ ساعَدَتْه القسمةُ بالتوفيق، وأسعَدَتْه القضية بالتحقيق، فسبقت له من الله رحمتُه.
ويقال سبقهم بعنايته ثم سبقوا بطاعتهم له.
ويقال جَمَعَ الرِّضَاءُ صَفَّيْهِم: السابقَ منهم واللاحقَ بهم؛ قال تعالى: { وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ } { رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ }.
ويقال ليس اللاحق كالسابق، فالسابقُ في روحِ الطلبِ، واللاحِقُ في مقاساتِ التعبِ، ومُعاناة النَّصَبِ، وأنشدوا:السِّبَاق السِّبَاق قولاً وفعلاً حَذِّروا النَّفسَ حَسْرَةَ المسبوقِ
ويقال رِضَاهُم عن اللهِ قضيةُ رضاء الله عنهم؛ فلولا أنه رَضِيَ عنهم في آزالِه... فمتى وصلوا إلى رضاهم عنه؟!
التوبة 9:101
تشاكل المخلِصُ والمنافِقُ في الصورة فلم يَتَمَيَّزا بالمباني، وإن تنافَيا في الحقائق والمعاني وتقاصر عِلْمُهم عن العرفان فَهَتَك الله لنبيِّه أستارَهم.. فَعَرَفَهم، وهم بإشرافه عليهم جاهلون، وعلى الإقامة في أوطان نفاقهم مصروفون، فلم ينفعهم طولُ إمهاله لهم.
{ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ }: الأولى في الدنيا بالفضيحة فيما ينالهم من المحن والفتن والأمراض، ولا يحصل لهم عليها في الآخرة عِوَضٌ ولا أَجْرٌ ولا مَسَرَّةٌ، والثانية عذابُ القبر.
وقيل المرة الأولى بِقَبْضِ أرواحهم، والثانية عذاب القبر ثم يوم القيامة يُمْتحنون بالعذاب الأكبر.
ويقال المرة الأولى ظنُّهم أنهم على شيء، والمرة الثانية بخيبة آمالهم وظهور ما لم يحتسبوه لهم.
التوبة 9:102
إنْ اتصفوا بعيوبهم فلقد اعترفوا بذنوبهم. والإقرارُ توكيدُ الحقوق فيما بين الخَلْق في مشاهد الحكم، ولكن الإقرار بحق الله - سبحانه - يوجِبُ إسقاط الجُرْم في مقتضى سُنَّةِ. كَرَم الحقِّ - سبحانه، وفي معناه أنشدوا:قيل لي: قد أَسَاءَ فيكَ فلانٌ وسكوتُ الفتى على الضيم عارُ
قلتُ: قد جاءني فأَحْسَنَ عُذرا دِيَةُ الذَّنبِ عندنا الاعتذار
{ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً }: ففي قوله: { وَآخَرَ سَيِّئاً } بعد قوله: { صَالِحاً } دليلٌ على أن الزَّلَّةَ لا تحبِطُ ثوابَ الطاعةِ؛ إذ لو أحبطته لم يكن العملُ صالحاً.
وكذلك قوله: { عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ }: وعسى تفيد أنه لا يجب على الله شيء فقد يتوب وقد لا يتوب. ولأنَّ قوله صِدْقٌ.. فإذا أخبر أَنَّه يجِيبُ فإنه يفعل، فيجب منه لا يجب عليه.
ويقال قوله: { خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً }: يحتمل معناه أنهم يتوبون؛ فالتوبة عملٌ صالح. وقوله: { وَآخَرَ سَيِّئاً }: يحتمل أنه نَقْضُهم التوبة، فتكون الإشارة في قوله: { عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } أنهم إن نقضوا توبتهم وعادوا إلى ما تركوه من زَلَّتهم فواجبٌ مِنَّا أن نتوب عليهم، ولئن بطلت - بنَقْضِهم - توبتُهم.. لَمَا اخْتَلَّتْ - بفضلنا - توبتُنا عليهم.
التوبة 9:103
تطهرهم مِنْ طَلَبِ الأَعواض عليها، وتزكيهم عن ملاحظتهم إياها.
تطهرهم بها عن شُحِّ نفوسهم، وتزكيهم بها بألا يتكاثروا بأموالهم؛ فَيَرَوْا عظيم مِنَّةِ الله عليهم بوجدان التجرُّد منها.
{ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَٰوتَك سَكَنٌ لَّهُمْ }: إنْ تُعاشِرْهم بِهِمَّتِكَ معهم أثْمنُ لهم من استقلالهم بأموالهم.
التوبة 9:104
تمدَّحَ - سبحانه - بقبول توبة العاصين إذ بها يُظْهِرُ كَرَمَه، كما تمدَّح بجلال عِزِّه ونَبَّههم على أَنْ يَعرِفوا به جَلاله وقِدَمَه.
وكما تَوحَّدَ باستحقاق كبريائه وعظمته تَفَرَّدَ بقبول توبة العبد عن جُرْمِه وزَلَّتِه. فكما لا شبيهَ له في جماله وجلاله لا شريكَ له في أفضاله وإقباله؛ يأخذ الصدقاتِ - قَلَّتْ أو كَثُرَتْ، فَقَدْرُ الصَّدَقَةِ وخَطرُها بِأَخْذِه لها لا بكثرتها وقِلَّتها؛ قَلَّتْ في الصورة صَدَقَتَهُم ولكِنْ لمَّا أَخَذَها وقَبِلها جَلَّتْ بقبوله لها، كما قيل:يكون أُجاجاً - دونكم، فإِذا انتهى إليكم تَلَقى طيبَكم فيطيبُ
التوبة 9:105
خوَّفَهم برؤيته - سبحانه - لأعمالهم، فلمَّا عَلِمَ أَنَّ فيهم مَنْ تتقاصر حالتُه عن الاحتشام لاطِّلاع الحقِّ قال: { وَرَسُولُهُ } ، ثم قال لِمَنْ نَزَلَتْ رتبتُه: { وَٱلْمُؤْمِنُونَ }. وقد خَسِرَ مَنْ لا يمنعه الحياءُ، ولا يردعه الاحتشامُ، وسَقَطَ من عينِ اللهِ مَنْ هَتَكَ جلبابَ الحياءِ، كما قيل:إذا قَلَّ ماءُ الوَجْهِ قَلَّ حياؤه ولا خيرَ في وجهٍ إذا قَلَّ ماؤه
ومَنْ لم يَمْنَعْه الحياءُ عن تعاطي المكروهاتِ في العاجل سيلقى غِبَّ ذلك، وخسرانُه عن قريبٍ في الآجل.
التوبة 9:106
لم يُصَرِّحْ بقبول توبتهم، ولم يَسِمْهُم باليأسِ من غفرانه، فوقفوا على قَدَم الخَجلِ، متميلين بين الرهبة والرغبة، متردِّدِين بين الخوف والرجاءَ. أخبر اللهُ - سبحانه - أنَّه إنْ عَذَّبَهم فلا اعتراضَ يتوجّه عليه، وإنْ رَحِمَهم فلا سبيلَ لأحدٍ إليه، قال بعضهم:ويشبعني من الآمال وعدٌ ومن علمي بتقصيري وعيد
التوبة 9:107
مَنْ لم يكن مخلصاً في ولائه لم يأنس القلبُ بكدِّه وعنائه، فَتَوَدُّدُه في الظاهر ينادي عليه بالتوائه، وبقوله بالتكلُّفِ شهادةُ صِدْقٍ على عَدَمِ صَفَائه:مَنْ لم يكنْ للوصال أهلاً فكلُّ إحسانِه ذنوبُ
التوبة 9:108
المقام في أماكن العصيان، والتعريج في أوطان أهل الجحود والطغيان - من علامات الممالأة مع أربابها، وسُكَّانِها وقُطَّانِها.
والتباعدُ عن مَسَاكِنِهم، وهجرانُ مَنْ جَنَحَ إلى مَسالِكهم عَلَمٌ لِمَنْ أشرب قلبه مخالفتهم، وباشرت سِرَّه عداوتُهم.
{ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ }: يتطهرون عن المعاصي وهذه سِمَة العابدين، ويتطهرون عن الشهوات والأماني وتلك صفة الزاهدين، ويتطهرون عن محبة المخلوقين، ثم عن شهود أنفسهم بما يتصفون وتلك صفة العارفين.
قوله: { وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ }: أسرارَهم عن المساكنةِ إلى كل مخلوق، أو ملاحظةِ كل مُحْدَثٍ مسبوق.
التوبة 9:109
المريدُ يجب أن يؤسِّسَ بنيانَه على يقينٍ صادقٍ فيما يعتقده، ثم على خلوص في العزيمة ألا ينصرِفَ قبل الوصولِ عن الطريق الذي يسلكه، ثم على انسلاخه عن جميع مُناه وشهواتِه، ومآرِبه ومطالبِه، ثم يبني أَمْرَه على دوام ذِكْرِه بحيث لا يعترِضُه نِسيان، ثم على ملازمة حق المسلمين وتقديم مصالحهم... بالإيثار على نفسه. والذي ضَيَّع الأصولَ في ابتدائه حُرِمَ الوصول في انتهائه، والذي يَحْكِمُ الأساسَ في بنائِه سَقَطَ السَّقْفُ على جدرانه.
التوبة 9:110
عروقُ النِّفاقِ لا تُقْتَلَعُ من عَرَصَاتِ اليقين إلا بِمِنْجَل التَّحَقُّقِ بصحيح البرهان؛ فَمَنْ أُيِّدَ لإدامة المسير، وَوفِّقَ لتأمل البرهان وَصَلَ إِلى ثَلَجِ الصدور ورَوْحِ العرفان.
ومَنْ أقام على مُعْتَادِ التقليد لم يسترِحْ قلبُه من كَدِّ التردُّدِ، وظلمةِ التجويز، وَجَوَلاَنِ الخواطر المشكلة في القلب.
التوبة 9:111
لمّا كان من المؤمنين تسليمُ أَنفسهم وأموالهم لحُكْمِ الله، وكان من الله الجزاءُ والثوابُ؛ أي هناك عِوَضٌ ومُعَوض، فَلِمَا بَين ذلك وبين التجارة من مشابهة أطلق لفظَ الاشتراءِ، وقد قال تعالى:{ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ... } [الصف: 10]، وقال:{ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ } [البقرة: 16].
وفي الحقيقة لا يصحُّ في وصف الحق - سبحانه - الاشتراء لأنه مَالِكُ سِوَاه، وهو مالِكُ الأعيانِ كلِّها. كما أَنَّ مَنْ لم يستَحْدِثْ مِلْكاً لا يُقَال إنه - في الحقيقة - باع.
وللمقال في هذه الآية مجال... فيقال: البائعُ لا يستحقُّ الثمنَ إذا امتنع عن تسليم المبيع، فكذلك لا يستحق العبدُ الجزاءَ الموعودَ إلا بعد تسليمِ النَّفسِ والمالِ على موجب أوامر الشرع، فَمَنْ قَعَدَ أو فَرَّطَ فغيرُ مستحقٍ للجزاء.
ويقال لا يجوز في الشرع أن يبيع الشخصُ ويشتري شيئاً واحداً فيكونَ بائعاً ومشترياً إلا إذا كان أباً وجَدَّاً! ولكن ذلك هنا بلفظ الشفقة؛ فالحقُّ بإذنه كانت رَحْمَتُه بالعبد أتمَّ، ونظرُه له أبلغَ، وكان للمؤمِن فيه من الغبطة، ما لا يخفى، فصحَّ ذلك وإن كان حُكمه لا يقاس على حكم غيره.
ويقال إنما قال: { ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ } ولم يقل " قلوبهم " لأنَّ النَّفْسَ محلُّ الآفات فجعل الجنة في مقابلتها، وجعل ثَمَنَ القلبِ أَجَلَّ من الجنة، وهو ما يخصُّ به أولياءه في الجنة مِنْ عزيزِ رؤيته.
ويقال النَّفْسُ محلُّ العيب، والكريم يرغب في شراء ما يزهد فيه غيره.
ويقال مَنْ اشترى شيئاً لينتفع به اشترى خيرَ ما يجده، ومن اشترى شيئاً لِيَنْتَفِعَ به غيرهُ يشتري ما رُدَّ على صاحبه لِيَنْفَعَه بثمنه.
وفي بعض الكتب المنزلة على بعض الأنبياء - عليهم السلام -: يا بني آدم، ما خلقتُكم لأربحَ عليكم ولكن خَلَقْتُكم لتربحوا عليَّ.
ويقال اشترى منهم نفوسَهم فرهبوا على قلوبهم شكراً له حيث اشترى نفوسَهم، وأمَّا القلبُ فاستأثره قهراً، والقهر في سُنَّةِ الأحبابِ أعزُّ من الفضل، وفي معناه أنشدوا:بُنِيَ الحبُّ على القَهْرِ فلو عَدَلَ المحبوبُ يوماً لَسَمُج
ليس يُسْتَحْسَنُ في حكم الهوى عاشِقٌ يَطْلُبُ تأليفَ الحُجَج
وكان الشيخ أبو علي الدقاق رحمه الله يقول: " لم يقل اشترى قلوبَهم لأن القلوبَ وَقْفٌ على محبته، والوقفُ لا يُشترى ".
ويقال الطيرُ في الهواء، والسَّمَكُ في الماءِ لا يصحُّ شراؤهما لأنه غير ممكن تسليمهما، كذلك القلبُ.. صاحبُه لا يمكنه تسليمه، قال تعالى:{ وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ } [الأنفال: 24].
وفي التوراة: " الجنَّةُ جنتي والمالُ مالي فاشتروا جنتي بمالي فإنْ ربحتم فلكم وإِنْ خَسِرْتُمْ فعليَّ ".
ويقال عَلِمَ سوءَ خُلقِك فاشتراك قبل أَنْ أوجدك، وغَالِي بثمنك لئلا يكونَ لَكَ حقُّ الاعتراض عند بلوغك.
ويقال ليس للمؤمن أن يتعصَّبَ لنفسه بحالٍ لأنها ليست له، والذي اشتراها أَوْلى بها من صاحبها الذي هو أجنبيٌّ عنها.
ويقال أخبر أنه اشتراها لئلا يَدَّعِيَ العبدُ فيها؛ فلا يساكنها ولا يلاحظها ولا يُعْجَبُ بها.
قوله: { فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ } سيّان عندهم أن يَقْتُلُوا أو يُقْتَلُوا، قال قائلهم:وإنَّ دَمَاً أجريتَه لك شاكرٌ وإِنَّ فؤاداً خِرْتَه لكَ حامدُ
ويقال قال: { فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ } ولم يقل بثمن مبيعكم لأنه لم يكن مِنَّا بَيْعٌ، وإنما أخبر عن نفسه بقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } فجعل بَيْعَه بَيْعَنا، وهذا مثلما قال في صفة نبيه - صلى الله عليه وسلم -{ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } [الأنفال: 17] وهذا عين الجَمْع الذي أشار إليه القوم.
التوبة 9:112
قوله جلّ ذكره: { ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ }.
مَدَحَهُم بعد ما أوقع عليهم سِمَةَ الاشتراء بقوله: { ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ... } ومَنْ رَضِيَ بما اشتراه فإنَّ له حقَّ الردِّ إذا لم يَعْلَمْ العيبَ وقتَ الشِّراء، فأَمَّا إذا كان عالماً به فليس له حقُّ الردِّ؛ قال تعالى:{ وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ } [الدخان: 32].
ويقال مَنْ اشترى شيئاً فَوَجَدَ به عيْباً ردَّه على مَنْ منه اشتراه ولكنه - سبحانه - اشترى نفوسَنا منه، فإذا أراد الردَّ فلا يردُّ إلا على نَفْسِه؛ قال تعالى:{ ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ } [الأنعام: 62] وكما أنَّ الردَّ إليه فلو ردَّنا كان الردُّ عليه.
قوله تعالى: { ٱلتَّائِبُونَ } أي الراجعون إلى الله، فَمِنْ راجعٍ يرجع عن زلَّتِه إلى طاعته، ومِنْ راجع، يرجع عن متابعة هواه إلى موافقة رضاه، ومِنْ راجعٍ يرجع عن شهود نفسه إلى شهود لطفه، ومِنْ راجعٍ يرجع عن الإحساس بنفسه وأبناء جِنْسِه إلى الاستغراق في حقائق حقِّه.
ويقال تَائِبٌ يرجع عن أفعاله إلى تبديل أحواله؛ فيجد غداً فنونَ أفضاله، وصنوفَ لطفه ونواله، وتائبٌ يرجع عن كل غيرٍ وضدٍ إلى ربِّه بربِّه لربِّه بِمَحْوِ كلِّ أَرَبٍ، وعَدَمِ الإحسان بكلِّ طلب.
وتائب يرجع لحظِّ نَفْسِه من جزيل ثوابه أو حَذَراً - على نفسه - من أليم عذابه، وتائب يرجع لأمره برجوعه وإيابه، وتائب يرجع طلباً لفرح نفسه حين ينجو مِنْ أوضاره، ويخلص من شؤم أوزاره، وتائب يرجع لَمَّا سمع أنه قال: إنَّ اللهَ أَفْرَحُ بتوبةِ عَبْدِه من الأعرابي الذي وَجَدَ ضَالَّتَه - كما في الخبر، " وشتَّان ما هما "! وأنشدوا:أيا قادماً من سَفْرَة الهَجْر مَرْحَبَا أُنَادِيكَ لا أنساكَ ما هبَّتْ الصَّبَا
وأمَّا قوله { ٱلْعَابِدُونَ }: فهم الخاضعون بكلِّ وجه، الذين لا تَسْتَرِقُّهم كرائمُ الدنيا، ولا تستعبدهم عظائمُ العُقْبَى. ولا يكون العبدُ عبداً لله - على الحقيقة - إلا بعد تجرُّدِه عن كل شيءٍ حادثٍ. وكلُّ أحدٍ فهو له عَبْدٌ من حيث الخِلْقة؛ قال تعالى:{ إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً } [مريم: 93]. ولكنَّ صاحبَ العبودية خاصٌّ.
قوله جلّ ذكره: { ٱلْحَامِدُونَ }.
هم الشاكرون له على وجود أفضاله، المُثْنُونَ عليه عند شهود جلاله وجماله.
ويقال: الحامدون بلا اعتراضٍ على ما يحصل بقدرته، وبلا انقباضٍ عما يجب من طاعته.
ويقال الحامدون له على منعه وبلائه كما يحمدونه على نفعه وعطائه.
ويقال الحامدون إذا اشتكى مَنْ لا فُتُوَّة له المادحون إذا بكى مَنْ لا مروءةَ له.
ويقال الشاكرون له إنْ أدناهم، الحامدون له إن أقصاهم.
قوله جلّ ذكره: { ٱلسَّائِحُونَ }.
الصائمون ولكن عن شهود غير الله، الممتنعون عن خدمة غير الله، المكتفون من الله بالله.
ويقال السائحون الذين يسيحون في الأرض على جهة الاعتبار طلباً للاستبصار، ويسيحون بقلوبهم في مشارق الأرض ومغاربها بالتفكُّر في جوانبها ومناكبها، والاستدلال بتغيُّرها على مُنْشِئِها، والتحقق بحكمةِ خالِقها بما يَرَوْنَ من الآيات فيها، ويسيحون بأسرارهم في الملكوتِ فيجدون رَوْحَ الوصال، ويعيشون بنسيم الأنْسِ بالتحقق بشهود الحق.
قوله جلّ ذكره: { ٱلرَّاكِعُونَ }.
الخاضعون لله في جميع الأحوال بخمودهم تحت سلطان التجلِّي، وفي الخبر. " إن الله ما تجلَّى لشيءٍ إلا خَشَع له ".
وكما يكون - في الظاهر - راكعاً يكون في الباطن خاشعاً، ففي الظاهر بإحسان الحقِّ إليه يُحْسنِ تولِّيه، وفي الباطن كالعيان للعيان للحقِّ بأنوار تجلِّيه.
قوله جلّ ذكره: { ٱلسَّاجِدونَ }.
في الظاهر بنفوسهم على بِساط العبودية، وفي الباطن بقلوبهم عند شهود الربوبية. والسجود على أقسام: سجود عند صحة القصود فيسجد بنعت التذلل على بساط الافتقار، ولا يرفع رأسه عن السجود إلا عند تباشير الوصال. وسجودٌ عند الشهود إذا تجلَّى الحقُّ لقلبه سَجَدَ بقلبه، فلم ينظر بعده إلى غيره، وسجودٌ في حال الوجود وذلك بخموده عن كليته، وفنائه عن الإحساس بجميع أوصافه وجملته.
قوله جلّ ذكره: { ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.
هم الذين يَدْعُون الخَلْقَ إلى الله، ويُحَذرونهم عن غير الله. يتواصَوْن بالإقبال على الله وتَرْكِ الاشتغال بغير الله. يأمرون أنفسَهم بالتزام الطاعات بِحَمْلِهم إياها على سَنَن الاستقامة، ويَنْهَوْن أنفسَهم عن اتِّباع المنى والشهوات بِتَرْكِ التعريج في أوطان الغفلة، وما تعودوه من المساكنة والاستنامة.
والحافظون لحدود الله، هم الواقفون حيث وقفهم الله، الذين لا يتحركون إلا إذا حَرَّكَهم ولا يَسْكنُون إلا إذا سكنهم، ويحفظون مع الله أنْفَاسَهُمْ.
التوبة 9:113
أصلُ الدين التَبَرِّي من الأعداء، والتولِّي للأولياء، والوليُّ لا قريبَ له ولا حميم، ولا نسيبَ له ولا صَديق؛ إنْ وَالَى فبأمر، وإنْ عادى فَلِزَجْر.
التوبة 9:114
لما أمَرَ المسلمين بالتبرِّي عن المشركين والإعراض عنهم والانقباض عن الاستغفار لهم بَيَّنَ أنَّ هذا سبيلُ الأولياء، وطريقُ الأنبياء عليهم السلام، وأَنَّ إبراهيمَ - عليه السلام - وإنْ استغفر لأبيه فإِنما كان مِنْ قَبْل تَحَقُّقِهِ بأنه لا يُؤْمِنُ، فلمَّا عَلِمَ أنه عدوٌّ لله أَظْهَرَ البراءةَ منه.
التوبة 9:115
إنَّ الله لا يحكم بضلالكم وذهابكم عن طريق الحقِّ باستغفاركم للمشركين إلا بعد ما تبيَّن لكم أنكم مُنْهِيُّون عنه، فإذا علمتم أنكم نُهِيتُمْ عن استغفارَكم لهم فإنْ أَقْدَمْتُمْ على ذلك فحينئذ ضللتم عن الحقِّ بفعلكم بعد ما نُهيتم عنه... هذا بيان التفسير للآية، والإشارة فيها أنه لا سَلْبَ لعطائه إلا بِتَرْكِ أدب منكم.
ويقال مَنْ أَحَلَّه بِسَاطَ الوصلة ما مُنِيَ بعده بعذاب الفرقة، إلا لِمَنْ سَلَفَ منه تَرْكُ حُرْمة.
التوبة 9:116
الحقُّ لا يَتَجمَّلُ بوجود مملوكاته، ولا يلحق نَقْصٌ بِعَدَم مخلوقاته، فَقَبْلَ أَنْ أوجد شيئاً من الحادثات كان مَلِكاً - والمَلِكُ أكثر مبالغةً من المالك - ومُلْكُه قدرتُه على الإبداع؛ والمعدوم مقدوره ومملوكه، فإذا أَوْجَدَه فهو في حال حدوثه مقدوره ومملوكه، فإذا أعدمه خرج عن الوجود ولم يخرج عن كونه مقدوراً له.
{ يُحْيِـي وَيُمِيتُ } يحيي مَن يشاء بعرفانه وتوحيده، ويميت من يشاء بكفرانه وجحوده.
ويقال يُحيي قلوبَ العارفين بأنوار المواصلات، ويُميتُ نفوسَ العابدين بآثار المنازلات.
ويقال يُحيي مَنْ أقبل عليه بِتَفَضُّله، ويميت من أعرض بِتَكَبُّرِه.
التوبة 9:117
قَبِلَ توبتهم، وتاب على نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - في إذنه للمنافقين في التخلف عنه في غزوة تبوك، وأَمَّا على المهاجرين والأنصار الذين قد خرجوا معه حين هَمُّوا بالانصراف لِمَا أَصَابهم من العُسْرة من الجوع والعطش والإعياء في غزوة تبوك، كما قال: { مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ }: وتوبته عليهم أنه تدارَكَ قلوبَهم حتى لم تزغ، وكذا سُنَّةَ الحقِّ - سبحانه - مع أوليائه إذا أشرفوا على العَطَبِ، وقاربوا من التّلفِ، واستمكن اليأسُ في قلوبهم من النصر، ووَطَّنوا أنفسهم على أنْ يذوقوا البأسَ - يُمْطِرُ عليهم سحائبَ الجود، فيعود عودُ الحياةِ بعد يَبْسِه طريَّاً، ويُرَدُّ وَرْدُ الأُنْس عقب ذبوله غضاً جَنِيَّاً، وتصير أحوالهم كما قال بعضهم:كُنَّا كَمَنْ أُلْبِسَ أكفانَه وقُرِّب النَّعْشُ من اللَّحد
ِ فجال ماءُ الرُّوحِ في وَحْشَةٍ وردَّه الوصل إلى الورْدِ
تبارك الله سبحانه ما (...) هو بالسرمد
التوبة 9:118
لمَّا صَدَقَ منهم اللجاء تداركهم بالشِّفاء وأسقط عنهم البلاء، وكذلك الحقُّ يكَوِّرُ نهار اليُسْرِ على ليالي العُسْر، ويُطلِعُ شموسَ المحنة على نحوس الفتنة، ويُدِير فلكَ السعادة فيمحق تأثير طوارق النكاية؛ سُنَّةٌ منه - تعالى - لا يُبَدِّلها، وعادةٌ منه في الكَرَمِ يُجْرِيها ولا يحوِّلها.
التوبة 9:119
يا أيها الذين آمنوا برُسُلِ الله، يا أيها الذين آمنوا من أهل الكتاب... كونوا مع الصادقين المسلمين، يا أيها الذين آمَنُوا في الحال كونوا في آخر أحوالكم مع الصادقين؛ أي استديموا الإيمان. استديموا في الدنيا الصدقَ تكونوا غداً مع الصادقين في الجنة.
ويقال الصادقون هم السابقون الأولون وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضيَّ الله عنهم وغيرهم.
ويقال الصدق نهاية الأحوال، وهو استواءُ السِّرِّ والعلانية، وذلك عزيز. وفي الزَّبور: " كذب مَنْ ادَّعَى محبتي وإذا جَنَّة الليلُ نام عنِّي ".
والصدقُ - كما يكون في الأقوال يكون في الأحوال، وهو أَتَمُّ أقسامِهِ.
التوبة 9:120
لا يجوز لهم أن يؤثِروا على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - شيئاً من نَفْسٍ وروح، ومالٍ ووَلَدٍ وأهلٍ، وليسوا يخسرون على الله وأنَّى ذلك..؟ وإنهم لا يرفعون لأجْلِه خطوةً إلاَّ قابَلَهم بأَلفِ خطوة، ولا ينقلون إليه قَدَماً إلا لقَّاهم لطفاً وكرماً، ولا يُقاسُون فيه عَطَشاً إلا سقاهم من شراب محابِّه كاسا، ولا يتحملون لأجله مشقةً إلا لقَّاهم لطفاً وإيناساً، ولا ينالون من الأعداء أَذَىً إلا شَكَرَ اللهُ سَعْيَهم بما يوجب لهم سعادة الدارين!.
التوبة 9:121
لا يجوز لهم أن يؤثِروا على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - شيئاً من نَفْسٍ وروح، ومالٍ ووَلَدٍ وأهلٍ، وليسوا يخسرون على الله وأنَّى ذلك..؟ وإنهم لا يرفعون لأجْلِه خطوةً إلاَّ قابَلَهم بأَلفِ خطوة، ولا ينقلون إليه قَدَماً إلا لقَّاهم لطفاً وكرماً، ولا يُقاسُون فيه عَطَشاً إلا سقاهم من شراب محابِّه كاسا، ولا يتحملون لأجله مشقةً إلا لقَّاهم لطفاً وإيناساً، ولا ينالون من الأعداء أَذَىً إلا شَكَرَ اللهُ سَعْيَهم بما يوجب لهم سعادة الدارين!.
التوبة 9:122
لو اشتغل الكُلُّ بالتَّفَقُّه في الدِّين لَتَعَطَّل عليهم المعاش، ولبقي الكافة عن درك ذلك المطلوب، فجعل ذلك فرضاً على الكفاية.
ويقال جعل المسلمين على مراتب: فعوامُّهم كالرعية للمَلِك، وكَتَبَةُ الحديثِ كخُزَّان المَلِك، وأهلُ القرآن كحُفَّاظ الدفاتر ونفائس الأموال، والفقهاء بمنزلة الوكلاء للمَلِك إذ الفقيه (...) عن الله، وعلماءُ الأصول كالقُوَّادِ وأمراء الجيوش، والأولياءُ كأَركان الباب، وأربابُ القلوبِ وأصحابُ الصفاء كخواص المَلِكِ وجُلَسائه.
فيشتغل قومٌ بحفظ أركان الشرع وآخرون بإمضاء الأحكام، وآخرون بالردِّ على المخالفين، وآخرون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقوم مُفْرَدُون بحضور القلب وهم أصحاب الشهود، وليس لهم شُغْلٌ، يراعون مع الله أنفاسَهم وهم أصحاب الفراغ، لا يستفزُّهم طَلَبٌ ولا يهزُّهم أَرَبٌ، فَهُمْ بالله لله، وهم محو عما سوى الله.
وأمَّا الذين يتفقهون في الدِّين فهم الداعون إلى الله، وإنما يُفْهمُ الخلْقَ عن الله مَنْ كان يَفْهَمْ عن الله.
التوبة 9:123
أقربُ الأعداء إلى المسلم من الكفار، الذي يجب عليه منازعته هو أعدى عدوِّه أي نَفْسُه. فيجب أن يبدأ بمقاتلة نَفْسِه ثم بمجاهدة الكفار، قال عليه السلام: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ".
قوله: { وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً } من حابى عدوه قهره، وكذلك المريد الذي ينزل عن مطالباتِ الحقيقة إلى ما يتطلبه من التأويلات فيفسخ عَهْدَه، وينقض عَقْدَه، وذلك كالرِّدَّةِ لأهل الظاهر.
التوبة 9:124
جَعَلَ الله - سبحانه - إنزالَ القرآن لقومٍ شِفَاءً. ولقوم شَقَاءً؛ فإِذا أُنْزِلَتْ سورةٌ جديدةٌ زاد شكُّهم وتحيُّرهم، فاستعلم بعضُهم حالَ بعضٍ، ثم لم يزدادوا إلا تحسُّراً؛ قال تعالى:{ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } [فصلت: 44] وأمَّا المؤمنون فزادتْهم السورةُ إيماناً فارتقوا مِنْ حدِّ تأمل البرهان إلى روْح البيان، ثم مِنْ روْح البيان إلى العيان، فالتجويز والتردد و (....) والتحيُّر مُنْتَفًى بأجمعه عن قلوبهم، وشموسُ العرفانِ طالِعةٌ على أسرارهم، وأنوار التحقيق مالكة أسرارهم، فلا لَهُم تعبُ الطلب، ولا لهم حاجة إلى التدبير، ولا عليهم سلطان الفكر. وأَشِعةُ شموس العرفان مستغرقة لأنوار نجوم العلم، يقول قائلهم:ولما استبانَ الصبحُ أدرك ضوءُه بإِسْفارِه أنوارَ ضوءِ الكواكب
التوبة 9:126
لم يُخْلِ الحقُّ - سبحانه - أربابَ التكليف من دلائل التعرِيف، التعريفُ لهم في كل وقت بنوع من البيان، والتكليفُ في كل أوان بضرب من الامتحان؛ فما لم يزد لهم في إيضاح البرهان لم يتجدد لهم من الله إلا زيادة الخذلان والحجبة عن البيان.
وأمَّا أصحاب الحقائق فما للأغيار في كل عام مرة أو مرتين فلهم في كل نَفَسٍ مرة، لا يخليهم الحقُّ - سبحانه - من زواجِرَ توجِبُ بصائر، وخواطر تتضمن تكليفاتٍ وَأوَامِرَ قال قائلهم:كأنَّ رقيباً منك حَلَّ بمهجتي إذا رُمْتُ تسهيلاً عليَّ تَصَعَّبَا
التوبة 9:127
تَقَنَّعوا بِخمارِ التلبيس ظانِّين أنهم يبقون في سِرٍّ بتكلفهم، والحقُّ أَبى إلا أن فَضَحَهم، وكما وَسَمَهم برقم النَّكَرَة أَطْلَعَ أسرارَ الموحِّدِين على أحوالهم فعرفوهم على ما هم عليه من أوصافهم.
التوبة 9:128
جاءكم رسولٌ يشاكِلُكم في البشرية، فَلَمَا أفردناه به من الخصوصية ألبسناه لباسَ الرحمة عليكم، وأقمناه بشواهد العطف والشفقة على جملتكم، قد وَكَلَ هِمَمَه بشأنكم، وأكبرُ هَمِّه إيمانُكم.
التوبة 9:129
أَمَره أَنْ يَدْعُوَ الخَلْقَ إلى التوحيد، ثم قال: فإنْ أعرضوا عن الإجابة فكُنْ بنا بنعت التجريد.
ويقال قال له: يأيها النبي حسبُك الله، ثم أمره بأن يقول حسبي الله... وهذا عين الجمع، وقوله { فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ } فَرْق... بل هو جمع الجمع أي: قُلْ، ولكنك بنا تقول، ونحن المتولي عنك وأنت مُسْتَهْلَكٌ في عين التوحيد؛ فأنت بنا، ومَحْوٌ عن غيرنا.
يونس 10:1
الألف مفتاح اسم " الله " ، واللام مفتاح اسم " اللطيف " والراء مفتاح اسم " الرحيم " ، أقسم بهذه الأسماء إن هذا الكتابَ هو الموعودُ لكم يوم الميثاق، والإشارة فيه أنا حققْنَا لكم الميعاد، وأَطْلنا لكم عِنان الوداد... وانقضى زمانُ الميعاد، فالعَصَاةُ مُلْقَاة، والأيامُ بالسرور مُتَلْقَاة، فبادِروا إلى شُرْبِ كاساتِ المحابِّ، واستقيموا على نَهْجِ الأحباب.
يونس 10:2
قوله جلّ ذكره: { أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ }.
تعجبوا من ثلاثة أشياء: من جواز البعث بعد الموت، ومن إرسال الرسل إلى الخَلْق، ثم من تخصيص محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة مِنْ بين الخلق، ولو عرفوا كمال مُلْكِه لم يُنْكِروا جواز البعث، ولو علموا كمال ملكه لم يجحدوا إرسالَ الرُّسل إلى الخلْق، ولو عرفوا أنَّ له أنْ يفعلَ ما يريد لم يتعجبوا من تخصيص محمد - صلى الله عليه وسلم بالنبوة مِنْ بين الخَلْق، ولكنْ سُدَّتْ بصائرُهم فتاهوا في أودية الحيرة، وعَثَرُوا - من الضلالة - في كل وَهْدَةٍ. وكان الأستاذ أبو علي الدَّقاق - رحمه الله - يقول: جَوَّزُوا أن يكون المنحوتُ من الخشب والمعمولُ من الصخر إلهاً معبوداً، وتعجبوا أن يكون مثلُ محمد - صلى الله عليه وسلم - في جلالةِ قَدْرِه رسولاً...!!هذا هو الضلال البعيد.
قوله جلّ ذكره: { وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ }.
وهو ما قدَّموه لأنفسهم من طاعاتٍ أخلصوا فيها، وفنونِ عباداتٍ صَدَقُوا في القيام بقضائها.
ويقال هو ما قَّدم الحقُّ لهم يومَ القيامة، مع مقتضى العناية بشأنهم، وما حَكَمَ لهم من فنونِ إحسانه بهم، وصنوفِ ما أفردهم به من امتنانهم.
ويقال: { قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ }: هو ما رفعوه من أقدامهم في بدايتهم في زمان إرادتهم، فإنّ لأَقْدام المريدين المرفوعِة لأَجْلِ اللَّه حُرْمَةً عند الله، ولأيامِهم الخاليةِ في حالِ تردُّدِهم، وليالَيهم الماضية في طلبه وهم في حُرْقَةِ تحيّرهم... مقاديرَ عند الله. وقيل:مَنْ يَنْسَ داراً قد تخونها رَيْبُ الزمان فإني لست أنساكا
وقيل:تلك العهودُ تشدُّها لتَحُلَّها عندي كما هي عقدها لم يُحْللِ
يونس 10:3
لا يحتاج فِعْله إلى مُدّةٍ، وكيف ذلك ومن جملة أفعاله الزمان والمدة؟ فَخَلَقَ السماوات والأرضَ في ستة أيام، وتلك الأيام أيضاً من جملة ما خَلَق الله سبحانه وتعالى.
{ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } أي تَوَحَّدَ بجلال الكبرياء بوصف الملكوت. وملوكنا إذا أرادوا التجلّي والظهورَ للحَشَم والرعية برزوا لهم على سرير مُلْكِهم في ألوان مشاهدهم. فأخبر الحقُّ - سبحانَه - بما يَقْرُب من فَهْم الخلْقِ ما ألقى إليهم من هذه الجملة: استوى على العرش، ومعناه اتصافه بعز الصمدية وجلال الأحدية، وانفراده بنعت الجبروت وعلاء الربوبية، تقدَّس الجبَّارُ عن الأقطار، والمعبودُ عن الحدود.
{ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ }: أي الحادثاتُ صادرةٌ عن تقديره، وحاصلةٌ بتدبيره، فلا شريكَ يعضده، وما قضى فلا أحد يردُّه. { مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ }: هو الذي يُنْطِقُ مَنْ يخاطبه، وهو الذي يخلق ما يشاء على من يشاء إذا التمس يُطالِبهُ.
{ ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ }: تعريف وقوله: { فَٱعْبُدُوهُ }: تكليف؛ فحصولُ التعريف بتحقيقه، والوصولُ إلى ما وَرَدَ به التكليف بتوفيقه.
يونس 10:4
الرجوع يقتضي ابتداء الأرواح قبل حصولها في الأشباح، فإن لها في مواطن التسبيح والتقديس إقامة، والغائب إذا رجع إلى وطنه من سفره فلقدومه أثر عند مُحبِّيه وذويه، كما قيل:أيا قداماً من سَفْرةِ الهجر مرحباً أناديك لا أنساك ما هبَّت الصَّبا
ويقال المطيع إذا رجع إلى الله فله الزُّلفى، والثواب والحسنى، والعاصي إذا رجع إلى ربِّه فَبَنَعْتِ الإفلاس وخسران الطريق؛ فيتلقى لِباس الغفران، وحُلَةَ الصفح والأمان، فرحمةُ مولاه خيرٌ له من نُسْكِه وتقواه.
قوله: { وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً }: موعودُ المطيع الفرادِيسُ العُلَى، وموعودُ العاصي الرحمة والرِّضى. والجنَّةُ لُطْفُ الحقِّ والرَّحمةُ وصفُ الحق؛ فاللُّطفُ فِعْلٌ لم يكن ثم حصل، والنَّعْتُ لم يزل.
قوله: { إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ }: مَنْ كان له في جميع عمره نَفَسٌ على وصفِ ما ابتدأَ الحقُّ سبحانه به ففي الإشارة: تكون لذلك إعادة، وأنشدوا:كلُّ نَهْرٍ فيه ماءٌ قد جَرَى فإِليه الماءُ يوماً سيعودُ
يونس 10:5
أنوار العقول نجومٌ وهي للشياطين رجوم، وللعلوم أقمار وهي أنوار واستبصار، وللمعارف شموس ولها على أسرار العارفين طلوع، كما قيل:إنَّ شمسَ النهار تغْرُبُ بالليل وشمسُ القلوب ليست تَغِيبُ
وكما أَنَ في السماء كوكبين شمساً وقمراً؛ الشمسُ أبداً بضيائها، والقمرُ في الزيادة والنقصان؛ يُسْتَرُ بمحاقه ثم يكمل حتى يصير بدراً بنعت إشراقه، ثم يأخذ في النقص إلا أَنْ لا يبقى شيءٌ منه لتمام امتحاقه، ثم يعود جديداً، وكل ليلة يجد مزيداً، فإذا صار بدراً تماماً، لم يَجِدْ أكثر من ليلةٍ لكَمَالِه مقاماً، ثم يأخذ في النقصان إلى أن يَخْفَى شَخْصُه ويتِمَّ نَقْصُه.
كذلك مِنَ النَّاسِ مَنْ هو مُتَرَدِّدٌ بين قَبْضِه وبَسْطِه، وصَحْوِه ومَحْوِه، وذهابه وإيابه؛ لا فَنَاءَ فيستريح، ولا بقاءَ له دوامٌ صحيحٌ، وقيل:كلَّما قُلْتُ قد دنا حَلُّ قيدي كَبَّلوني فأوثقوا المِسْمَارا
يونس 10:6
اخْتُصَّ النهارُ بضيائه، وانفرد الليلُ بظلماته، من غير استيجاب لذلك، ومن غير استحقاق عقاب لهذا، وفي هذا دليلٌ على أَنَّ الردَّ والقبولَ، والمَنْعَ والوصولَ، ليست معلولةً بسبب، ولا حاصلةً بأمرِ مُكْتَسبٍ؛ كلاَّ... إنها إرادةٌ ومَشِيئَةٌ، وحُكْمٌ وقضية.
النهارُ وقتُ حضورِ أهلِ الغفلة في أوطان كَسْبِهم، ووقتُ أربابِ القربة والوصلة لانفرادهم بشهود ربِّهم، قال قائلهم:هو الشمس، إلا أنَّ للشمس غَيبةً وهذا الذي نعنيه ليس يغيبُ
والليلُ لأحدِ شخصين: أمَّا للمُحِبِّ فَوقْتُ النَّجوى، وأَمّا للعاصي فَبَثُّ الشكوى.
يونس 10:7
أنكروا جوازَ الروّية فَلَمْ يرجوها، والمؤمِنون آمنوا بِجَوَازِ الرؤية فأَمَّلُوها.
ويقال: لا يرجون لقاءَه لأنهم لم يشتاقوا إليه، ولم يشتاقوا إليه لأنهم لم يُحبُّوه لأنهم لم يعرفوه، ولم يعرفوه لأنهم لم يطلبوه ولن يطلبوه لأنه أراد ألاَّ يطلبوه، قال تعالى:{ وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ } [النجم: 42].
ويقال لو أراد أن يطلبوه لطلبوه، ولو طلبوا لعرفوا، ولو عرفوا لأحبُّوا، ولو أحبُّوا لاشتاقوا، ولو اشتاقوا لرجوا، ولو رجعوا لأمَّلوا لقاءَه، قال تعالى:{ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا } [السجدة: 31].
قوله تعالى: { وَرَضُواْ بِٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا }: أصحابُ الدنيا رضوا بالحياة الدنيا فَحُرِمُوا الجنةَ، والزُّهَّادُ والعُبَّاد رَكَنُوا إلى الجنة ورضوا بها فبقوا عن الوصلة، وقد عَلِمَ كلُّ أناسٍ مشْرَبهم، ولكلُّ أحدٍ مقامٌ.
ويقال إذا كانوا لا يرجون لقاءَه فمأواهم العذابُ والفرقة، فدليلُ الخطاب أن الذي يرجو لقاءَه رآه، ومآلُه ومنتهاه الوصلةُ واللقاء والزُّلْفة.
يونس 10:8
أنكروا جوازَ الروّية فَلَمْ يرجوها، والمؤمِنون آمنوا بِجَوَازِ الرؤية فأَمَّلُوها.
ويقال: لا يرجون لقاءَه لأنهم لم يشتاقوا إليه، ولم يشتاقوا إليه لأنهم لم يُحبُّوه لأنهم لم يعرفوه، ولم يعرفوه لأنهم لم يطلبوه ولن يطلبوه لأنه أراد ألاَّ يطلبوه، قال تعالى:{ وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ } [النجم: 42].
ويقال لو أراد أن يطلبوه لطلبوه، ولو طلبوا لعرفوا، ولو عرفوا لأحبُّوا، ولو أحبُّوا لاشتاقوا، ولو اشتاقوا لرجوا، ولو رجعوا لأمَّلوا لقاءَه، قال تعالى:{ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا } [السجدة: 31].
قوله تعالى: { وَرَضُواْ بِٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا }: أصحابُ الدنيا رضوا بالحياة الدنيا فَحُرِمُوا الجنةَ، والزُّهَّادُ والعُبَّاد رَكَنُوا إلى الجنة ورضوا بها فبقوا عن الوصلة، وقد عَلِمَ كلُّ أناسٍ مشْرَبهم، ولكلُّ أحدٍ مقامٌ.
ويقال إذا كانوا لا يرجون لقاءَه فمأواهم العذابُ والفرقة، فدليلُ الخطاب أن الذي يرجو لقاءَه رآه، ومآلُه ومنتهاه الوصلةُ واللقاء والزُّلْفة.
يونس 10:9
كما هداهم اليومَ إلى معرفته من غير ذريعة يهديهم غداً إلى جنته ومثوبته من غير نصيرٍ من المخلوقين ولا وسيلة.
ويقال أَمَّا المطيعون فنورهم يسعى بين أيديهم وهم على مراكب طاعاتهم، والملائكةُ تتلقَّاهم والحقُّ، قال تعالى:{ يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً } [مريم: 85] نحشرهم، والعاصون يَبْقَوْن منفردين متفرقين، لا يقف لهم العابدون، ويتطوحون في مطاحات القيامة.
والحقُّ- سبحانه- يقول لهم: عِبَادي، إنَّ أصحابَ الجنة - اليومَ - في شُغلٍ عنكم، إنهم في الثواب لا يتفرَّغون إليكم، وأصحابُ النار من شدة العذابِ لا يرقبون لكم معاشِِرَ المساكين.
كيف أنتم إنْ كان أشكالكم وأصحابكم سبقوكم؟ وواحدٌ متهم لا يهديكم فأنا أهديكم. لأني إنْ عاملتكم بما تستوجبون... فأين الكرمُ بحقنا إذا كنا في الجفاء مِثلهم وهجرناكم كما هجروكم؟
يونس 10:10
قالتُهم الثناءُ على الله، وذلك في حال لقائهم. وتحيتهم في تلك الحالة من الله: " سلام عليكم " { وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ }: والحمد ها هنا بمعنى المدح والثناء، فيثنون عليه ويحمدونه بحمدِ أبديٍّ سرمديِّ، والحقُّ - سبحانه - يُحَييِّهم بسلامٍ أزليٍّ وكلام أبدي، وهو عزيزٌ صمديٌّ ومجيدٌ أحديٌّ.
يونس 10:11
أي لو أَجبناهم إذا دعوا على أنفسهم عند غيظهم وضَجَرِهم لعَجلَّنا إهلاَكهم، ولكن تَحَمَّلْنَا ألا نُجِيبَهم، وبرحمتنا عليهم لا نسمع منهم دعاءَهم، وربما يشكو العبدُ بأنّ الربَّ لا يجيب دُعاءه، ولو عَلِمَ أنه تَرَكَ إجابَتَهُ لُطْفاً منه وأَنَّ في ذلك بلاءً لو أجابه، كما قيل:أُنَاسً أعرضوا عنَّا بلا جُرْمٍ ولا مـعـنـى
أساءوا ظنَّهم فينـا فهلاَّ أحسنوا الظنَّـا
يونس 10:12
إذا امتُحِنَ العبدُ وأصابه الضُّرُّ أزعجته الحالُ إلى أَنْ يرومَ التخلُّصَ مما ناله، فيعلمَ أنَّ غيْر الله لا يُنْجِيه، فتحمله الضرورةَ على صِدْق الالتجاءِ إلى الله، فإذا كَشَفَ اللَّهُ عنه ما يدعو لأَجْلِهِ شَغَلَتْه راحةُ الخلاصِ عن تلك الحالة، وزَايَلَه ذلك الالتياع، وصار كأنه لم يكن في بلاءِ قط:كأنَّ الفتى لم يَعْرَ يوماً إذا اكتسى ولم يكُ صُعلوكاً إذا ما تَموَّلاَّ
ويقال بلاءٌ يُلْجِئُك إلى الانتصاب بين يَدَيْ معبودِك أجدى لك من عطاءٍ ينْسِيك ويكفيك عنه.
يونس 10:13
أخبر الحقُّ سبحانه بإهلاك الظالمين، كما في الخبر: " لو كان الظلم بيتاً في الجنَّة لسلّط اللَّهُ عليه الخراب " والظلمُ وَضْعُ الشيء في غير موضعه، فإذا وَضَعَ العبدُ قَصْدَه - عند حوائجه - في المخلوقين، وتعلَّق قلبُه بهم في الاستعانة، وطََلَبِ المأمول فقد وَضَعَ الشيءَ في غير موضعه، وهو ظلم؛ فعقوبة هذا الظلم خرابُ القلب، وهو انسداد طريق رجوع ذلك القلب إلى الله؛ لأنه لو رجع إلى الله لأعانه وكفاه، ولكنه يُصِرُّ على تعليق قلبه بالمخلوق فيبقى عن الله، ولا ترتفع حاجتُه من غيره، وكان من فقره وحاجته في مَضَرَّةٍ. فإنْ صار إلى مضرة المذلة والحاجة إلى اللئيم فتلك محنةٌ عظيمةٌ.
وعلى هذا القياس إذا أحبَّ مخلوقاً فقد وَضَعَ محبته في غير موضعها، وهذا ظلم، وعقوبَتُه خراب روحه لِعَدَم صفاءِ ودِّه ومحبته لله، وذهاب ما كان يجده من الأنُس بالله، إذا بقي عن الله يُذيقه الحَقُّ طعمَ المخلوقين، فلا له مع الخْلقِ سَلْوة، ولا من الحقِّ إلا الجفوة، وعدم الصفوة.
يونس 10:14
عرَّفناكم بِسِرِّ مَنْ قَبْلَكُم، وما أصابهم بسب ذنوبهم، فإذا اعتبرتم بهم نَجْوتُم، ومن لم يعتبرْ بما سمعه اعتبر به من تبعه.
ويقال أحللنا بهم من العقوبة ما يعتريكم، ومَنْ لم يعتبرُ بِمَنْ سَبَقَه اعتبرْ به مَنْ لَحِقَه.
يونس 10:15
إذا اقترحوا عليك بأَنْ تأتيهَم بما لم نأمركَ به، أو تُرِيَهُم ما لم نُظْهِرْ عليك من الآياتِ.. فأَخْبِرْهم أنَّكَ غير مُسْتَقَلٍ بِك، ولا موكولٍ إليكَ؛ فنحن القائمُ عليكَ، المصَّرفُ لكَ، وأنتَ المتَّبعُ لما نُجريه عليك غيرَ مُبْتَدِعٍ لِما يَحصُل منك.
يونس 10:16
قد عِشْتُ فيكم زماناً، وعرفتم أحوالي فيما تطلبون مني عليه برهاناً، فما ألفيتموني (...) بل وجدتموني في السداد مستقيماً، وللرشاد مستديماً، فلولا أَنَّ الله تعالى أرسلني، ولِمَا حَمَّلني مِنْ تكليفه أَهَّلَني لمَا كنتُ بهذا الشرع آتِياً ولا لهذا الكتاب تالياً.
{ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } مالكم تعترضون؟ ولا لأنفسكم تنظرون؟
يونس 10:17
الْكَذِبُ في الشرع قبيحٌ، وإذا كان على الله فهو أقبح.
ومِنَ المْفتَرين على الله: الذين يُظْهِرون من الأحوال ما ليسوا فيه صادقين، وجزاؤهُم أَنْ يُحْرَمُوا ذلك أبداً، فلا يَصلِون إلى شيء.
يونس 10:18
ذَمَّهُم على عبادة ما ليس منه ضَرٌّ ولا نَفَعٌ.
فدليلُ الخطاب يقتضي أَنْ يكونَ المعبودُ منه الضَّرُّ والنفع، ومِنْ فَرْطِ غباوتهم أنهم انتظروا في المآلِ الشفاعةَ ممن لا يوجَدُ منه الضَّرُّ والنَّفْعُ في الحال. ثم أخبر أنهم يخبرون عما ليس على الوجه الذي قالوا معلوماً، ولو كان كما قالوا لَعلِموا أنه سبحانه لا يَعْزُبُ عن علمه معلومٌ.
ومعنى قوله: { لاَ يَعْلَمُ }: خلافه. ومَنْ تَعَلَّقَ قلبُه بالمخلوقين في استدفاع المضَارِّ واستجلاب المسَارِّ فكالسالِك سبيلَ مَنْ عَبَدَ الأصنام؛ إذ المنْشِئُ والموجِدُ للشئِ مِنَ العَدم هو الله - سبحانه.
يونس 10:19
وذلك مِنْ زمان آدم عليه السلام إلى أن تحاربوا، والحق - سبحانه - سَبَق قضاؤه بتأخير حسابهم إلى الآخرة، ولذلك لا يُجِيبُهم إلى ما يستعجلونه من قيام القيامة.
وإنما اختلفوا لأنَّ الله خَصَّ قوماً بعنايته وقبوله، وآخرين بإهانته وإبعاده، ولولا ذلك لَمَا كانت بينهم هذه المخالفة.
يونس 10:20
أخبر أنه - عليه السلام - في سَتْرِ الغَيْبَة وخفاء الأمر عليه في الجملة لتقاصُرِ علمه عما سيحدث، فهو في ذلك بمنزلتهم، إلا في مواطن التخصيص بأنوار التعريف، فكما أنهم في الانتظار لما يحدث في المستأنف فهو أيضاً في انتظار ما يوجِدُ - سبحانه - من المقادير. والفَرْقُ بينه - عليه السلام - وبينهم أنه يشهد ما يحصل به -سبحانه - ومنه، وهم مُتَطَوُحون في أودية الجهالة؛ يُحيلُون الأمرَ مرةً على الدَّهْرِ، ومرةً على النجم، ومرةٌ على الطبع.. وكلُّ ذلك حَيْرَةٌ وعَمى.
يونس 10:21
يعني إذا أصابهم ضُرُّ ومحنة فرحمناهم وكَشْفنا عنهم، أحالوا الأمر على غيرنا، وتوهموه ما هو سوانا مثل قولهم: " مُطِرْنَا بنوء كذا " ، ومثل قولهم إن هذه سعادة نجَمْ أو مساعدةُ دولة أو تأثيرُ فَلَكٍ أو خيراتُ دهر.
فهذا كان مكرُهم أما مكر الله - سبحانه - بهم فهو جزاؤهم على مكرهم. والإشارة في هذا أنه ربما يكون للمريد أو للطالب حجبة أو فترة...فإذا جاء الحقُّ بكشفٍ أو تجلِّ أو إقبال فَمِنْ حقِّهم ألا يلاحظوها فضلاً عن أن يساكنوها، لأنهم إذا لم يرتقوا عن ملاحظة أحوالهم إلى الغيبة بشهود الحقِّ مَكَرَ الله بهم بأَنْ شتَّتهم في تلك الأحوال من غير تَرَقٍّ عنها أو وجود زيادة عليها، وهذا مَكْرُهُ بخَوَاصِّهم.
يونس 10:22
يريد أنهم يُصْبحون في النّعم يجرُّون أذيالَهُم، ثم يُمْسُون يبكون لَيَالِيَهُم. وقد يَبِيتُون والبهجةُ مَلكَتْهُم ثم يصبحون وخفايا التقدير أهلكتْهُم، وأنشدوا:أقمتَ زماناً والعيونُ قريرةٌ وأصبحتَ يوماً والجفونُ سوافِكُ
فإذا رجعوا إلى الله بإخلاص الدعاء يجود عليهم بكَشْفِ البلاء.
فلمَّا أنجاهم بالإجابة لدعائهم إذا هم إلى غيره يرجِعون، وعلى مناهجهم - في تمردهم يسلكون.
يونس 10:23
{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } معناه: تُمَتِّعكم أياماً قلائلَ، ثم تَلْقَوْن غِبَّ ذلك وتبدأون تقاسون عذاباً طويلاً.
يونس 10:24
شَبّهَ الحياةَ الدنيا بالماء المُنَزَّلِ من السماء يَنْبُتُ به النباتُ وتَخْضَرُّ الأرضُ وتَظْهَرُ الثمار، ويوطِّن أربابُها عليها نفوسَهم فتصيبهم جائحةٌ سماوية بغتةً، وتصير كأن لم تكن.
كذلك الإنسانُ بعد كمال سِنِّه وتمام قُوَّتِه واستجماع الخصال المحمودة فيه تخْتَرمُه المَنِيَّة، وكذلك أموره المنتظمةُ تبطل وتختلُّ لوفاته، كما قيل:فَقَدْنَاه لمَّا تمَّ واختمَّ بالعُلَى كذاك كسوفُ البدرِ عند تمامه
ومن وجوه تشبيه الأحوال الدنيوية بالماء المُنَزَّلِ من السماء أن المطرَ لا ينزل بالحيلة، كذلك الدنيا لا تساعدها إلا القسمة.
ثم إن المطر إن كان لا يجيء إلا بالتقدير فقد يُسْتَسْقَى... كذلك الرزق - وإنْ كان بالقسمة - فقد يُلْتَمَسُ من الله ويُسْتَعْطى.
ومنها أن الماء في موضعه سببُ حياة الناس، وفي غير موضعه سببُ خرابِ الموضع، كذلك المال لمستحقه سببُ سلامته، وانتفاع المتصلين به، وعند مَنْ لا يستحقه سبب طغيانِه، وسببُ بلاءِ مَنْ هو متصل به، كما قيل: نِعَمُ الله لا تُعاب ولكنه ربما استعجم على إنسان، وكما قيل:يا دولةً ليس فيها من المعالي شظيَّةْ زولى فما أنتِ إلا على الكرام بَلِيَّةْ
ومنها أن الماء إذا كان بمقدارٍ كان سببَ الصلاح، وإذا جاوز الحدَّ كان سببَ الخراب.. كذلك المال إذا كان بقَدْرِ الكفاية والكفاف فصاحبه مُنَعَّمٌ، وإذا زاد وجاوز الحدَّ أوجب الكُفران والطغيان.
ومنها أن الماءَ ما دام جارياً كان طيباً، فإذا طال مكثه تغيَّر.. كذلك المال إذا أنفقه صاحبُه كان محموداً، فإذا ادَّخَره وأمسكه كان معلولاً مذموماً.
ومنها أن الماءَ إذا كان طاهراً كان حلالاً يصلح للشرب ويصلح للطهور ولإزالة الأذى، وإذا كان غيرَ طاهرٍ فالبعكس.. كذلك المال إذا كان حلالاً، وبعكسه لو كان حراماً.
ويقال كما أن الربيعَ تتورد أشجارُه، وتظهر أنوارُه، وتخضرُّ رِباعُه، وتتزين بالنبات وِهَادُه وتِلاعه لا يُؤْمَن أَنْ تصيبه آفة من غير ارتقاب، وينقلب الحال بما لم يكن في الحساب. كذلك مِنَ الناسِ مَنْ تكون له أحوالٌ صافية، وأعمالٌ بشرط الخلوص زاكية؛ غصونُ أُنسِه مُتَدَلِّية، ورياضُ قربِه مونقةٌ...ثم تصيبه عَيْنٌ فيذبل عودُ وِصاله، وتنسدُّ أبوابُ عوائد إقباله، كما قيل:عينٌ أصابَتْكَ إنّ العينَ صائبةٌ والعينُ تُسْرعُ أحياناً إلى الحَسَدِ
يونس 10:25
دعاهم إلى دار السلام، وفي الحقيقة دعاهم إلى ما يوجب لهم الوصول إلى دار السلام؛ وهو اعتناق أوامره والانتهاء عن زواجره. والدعاء من حيث التكليف، وتخصيص الهداية لأهلها من حيث التشريف.
ويقال الدعاء تكليف والهداية تعريف؛ فالتكليف على العموم والتعريف على الخصوص.
ويقال التكليف بحقِّ سلطانه، والتعريف بِحُكْمِ إحسانه.
ويقال الدعاء قوْلُه والهداية طَوْلُه؛ دَخَلَ الكلُّ تحت قوله، وانفرد الأولياءُ بتخصيص طَوْلِه. دار السلام دار الله لأن السلام اسم مِنْ أسمائه.
ويكون السلام بمعنى السلامة فهي دار السلامة أي أهلها سالمون فيها؛ سالمون من الحُرقَة وسالمون من الفُرقة؛ سَلِموا من الحرقة فحصلوا على لذة عطائه، وسَلِموا من الفُرْقَة فوصلوا إلى عزيز لقائه.
ويقال لا يصل إلى دار السلام إلا من سَلِمَتْ نَفْسُه عن السجود للِصَنَم، وَسلِمَ قلبُه عن الشِّرْكِ والظُلم.
ويقال تلك الدار درجات؛ والذي سَلِمَ قلبُه عن محبة الأغيار درجتُه أعلى من درجة مَنْ سَلِمَتْ نَفْسُه من الذنوب والأوضار.
ويقال قوم سلمت صدورُهم من الغِلّ والحسد والحقد؛ وسَلِمَ الخْلقُ منهم، فليس بينهم وبين أحدٍ محاسبة، وليس لهم على أحد شيء؛ " فالمسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده، والمحسنُ من سَلِمَ الخْلقُ بأجمعهم من قلبه ".
{ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }: طريق المسلمين، فهذا للعوام بشرط علم اليقين، ثم طريق المؤمنين وهو طريق الخواص بشرط عين اليقين، ثم طريق المحسنين وهو طريق خاص الخاص بشرط حق اليقين؛ فهؤلاء بنور العقل أصحاب البرهان، وهؤلاء بكشف العلم أصحاب البيان، وهؤلاء بضياء المعرفة بالوصف كالعيان، وهم الذين قال صلى الله عليه وسلم فيهم: " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ".
يونس 10:26
قوله جلّ ذكره: { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ }
{ أَحْسَنُواْ }: أي عَمِلُوا وأحسنوا إذ كانت أفعالُهم على مقتضى الإذن.
ويقال: " أحسنوا ": لم يُقَصِّروا في الواجبات، ولم يُخِلُّوا بالمندوبات.
ويقال: " أحسنوا ": أي لم يَبْقَ عليهم حقٌّ إلا قاموا به؛ إن كان حقَّ الحقِّ فَمِنْ غير تقصير، وإن كان من حقِّ الخَلْق فأداءٌ من غير تأخير.
ويقال: " أحسنوا ": في المآل كما أحسنوا في الحال؛ فاستداموا بما فيه واستقاموا، والحسنى التي لهم هي الجنة وما فيها من صنوف النِّعم.
ويقال:الحسنى في الدنيا توفيق بدوام، وتحقيق بتمام، وفي الآخرة غفران مُعَجَّل، وعيان على التأبيد مُحَّصل.
قوله: { وَزِيَادَةٌ }: فعلى موجِب الخبر وإجماعِ السلف النظرُ إلى الله، ويحتمل أن تكون " الحسنى ": الرُّؤية، " والزيادة ": دوامُها، ويحتمل أن تكون " الحسنى ": اللقاء، " والزيادةُ ": البقاء في حال اللقاء.
ويقال الحسنى عنهم لا مقطوعة ولا ممنوعة، والزيادة لهم لا عنهم محجوبة ولا مسلوبة.
قوله جلّ ذكره: { وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }.
لا يقع عليهم غبارُ الحجاب، وبعكسه حديث الكفار حيث قال:{ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ } [عبس:40].
" والذلة " التي لا تصيبهم أي لا يُرَدُّوا مِنْ غير شهودٍ إلى رؤية غيره، فهم فيها خالدون في فنون أفضالهم، وفي جميع أحوالهم.
يونس 10:27
والذين كسبوا السيئاتِ وعملوا الزَّلاتِ لهم جزاء سيئة مثلها، والباء في " بمثلها ": صلة أي للواحد واحد.
{ وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ }: هو تأبيد العقوبة.
{ مَّا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ } أي ما لهم من عذابه من عاصم، سِيمُوا ذُلَّ الحجاب، ومُنُوا بتأبيد العذاب، وأصابهم هوان البعاد، وآثارُ الحجاب على وجوههم لائحة فإنَّ الأَسِرَّةَ تدلُّ على السريرة.
يونس 10:28
يجمع بين الكفار والأصنام التي عبدوها من دون الله، فتقول الأصنام: ما أمرناكم بعبادتنا. فيدعون على الشياطين التي أطاعوها، وعلى الأصنام التي أمرتهم أن يعبدوها، وتقول الأصنام: كفى بالله شهيداً، على أنَّا لم نأمركم بذلك؛ إذ كُنَّا جماداً. وذلك لأنَّ اللَّهِ يُحْيِيها يوم القيامة ويُنْطِقها.
وفي الجملة.. يتبرَّأُ بعضُهم مِنْ بعض، ويذوقُ كلُّ وبالَ فِعْلِه.
وفائدةُ هذا التعريف أنه ما ليس لله فهو وبالٌ عليهم؛ فاشتغالُهم - اليوم - بذلك مُحَالٌ، ولهم في المآلِ - مِنْ ذلك - وبالُ.
يونس 10:29
يجمع بين الكفار والأصنام التي عبدوها من دون الله، فتقول الأصنام: ما أمرناكم بعبادتنا. فيدعون على الشياطين التي أطاعوها، وعلى الأصنام التي أمرتهم أن يعبدوها، وتقول الأصنام: كفى بالله شهيداً، على أنَّا لم نأمركم بذلك؛ إذ كُنَّا جماداً. وذلك لأنَّ اللَّهِ يُحْيِيها يوم القيامة ويُنْطِقها.
وفي الجملة.. يتبرَّأُ بعضُهم مِنْ بعض، ويذوقُ كلُّ وبالَ فِعْلِه.
وفائدةُ هذا التعريف أنه ما ليس لله فهو وبالٌ عليهم؛ فاشتغالُهم - اليوم - بذلك مُحَالٌ، ولهم في المآلِ - مِنْ ذلك - وبالُ.
يونس 10:30
إنما يقفون على خسرانهم إذا ذاقوا طَعْمَ هوانِهم؛ فإذا رُدُّوا إلى الله لم يجدوا إلا البعدَ عن الله، والطرْدَ من قِبَلِ الله، وذلك جزاءُ مَنْ آثَرَ على اللَّهِ غيرَ الله.
يونس 10:31
كما تَوَحَّد الحقُّ - سبحانه - بكونه خالقاً تَفَرَّدَ بكونه رازقاً، وكما لا خالِقَ سواه فلا رازقَ سواه.
ثم الرزق على أقسام: فللأشباح رزق: وهو لقوم توفيق الطاعات، ولآخرين خذلان الزَّلات. وللأرواح رزق: وهو لقومٍ حقائق الوصلة، ولآخرين - في الدنيا - الغفلة وفي الآخرة العذاب والمهلة.
{ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ }: فيكمل بعض الأبصار بالتوحيد، وبعضها يعميها عن التحقيق.
{ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ }: يخرج المؤمنَ من الكافر، والكافرَ من المؤمن.
{ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ }: ولكنْ ظَنَّا...لا عن بصيرة، ونَطْقاً..لا عن تصديق سريرة.
يونس 10:32
ما يكون من موضوعات الحق، ومتعلقاتِ الإرادة، ومتناولاتِ المشيئة، ومُجنَّساتِ التقدير، ومُصَرِّفاتِ القدرة - فهي أشباحٌ خاوية، وأحكامُ التقديرِ عليها جارية.
يونس 10:33
سَبَق لهم الحُكْمُ، وصَدَقَ فيهم القولُ؛ فلا لِحُكْمِه تحويل ولا لقوله تبديل، فإنَّ العلَلَ لا تُغَيِّر الأزل.
يونس 10:34
كَشف قبيحَ ما انطوت عليه عقائدُهم من عبادتهم ما لا يصحُّ منه الخْلقُ والإعادة، وأثبت أن المعبودَ مَنْ مِنْه الخَلْقُ والإعادة.
قومٌ جعلوا له في الإيجاد شركاءَ بدعوى القَدَرِ، وقوم منعوا جواز قدرته على الإعادة. وكل هذا جنوحٌ إلى الْكفْرِ وذهابٌ عن الدِّين.
يونس 10:35
الحقُّ اسمٌ من أسمائه سبحانه، ومعناه أنه موجود، وأنه ذو الحق، وأنه مُحِقُ الحقِّ.
والحقُّ من أوصاف الخَلْق ما حَسُنَ فعله وصحُّ اعتقاده وجاز النطق به.
و { ٱللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ }: أي إلى الحق هدايته. وهداه له وهداه إليه بمعنىً؛ فَمَنْ هداه الحقُّ للحقِّ وَقَفَه على الحقِّ، وعزيزٌ منْ هداه الحقُّ إلى الحقِّ للحقِّ، فماله نصيبٌ وماله حَظٌ.
يونس 10:36
الظَّنُّ يُنافي اليقين، فإنه ترجيح أحد طَرَفَيْ الحكم على الآخر من غير قَطْعٍ.
وأربابُ الحقائق على بصيرة وقطع؛ فالظنُّ في أوصاف الحقِّ معلولٌ، والقطع - في أوصاف النَّفُس - لكل أحدٍ معلول. والعَبْدُ يجب أن يكون في الحال خالياً عن الظن إذّ لا يَعْرفُ أحدٌ غيْبَ نَفْسِه في مآلِه.
وفي صفة الحقِّ يجب أن يكونَ العبدُ على قطعٍ وبصيرة؛ فالظنُّ في الله معلول، والظن فيما مِنَ الله غير محمود. ولا يجوز بوجهٍ من الوجوه أن يكون أهلُ المعرفةِ به سبحانه - فيما يعود إلى صفته - على الظن، كيف وقد قال الله تعالى فيما أمر نبيِّه - عليه السلام - أَنْ يقول:{ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي } [يوسف: 108]؟ وكما قلنا:طَلَعَ الصباحُ فلات حين سراج وأتى اليقين فلات حين حجاج
حصل الذي كُنَّا نؤمِّل نَيْلَه من عَقْد ألويةٍ وحلِّ رتاج
والبعد قَوْضَ بالدِّنو خيامه والوصلُ وَكَّدَ سَجْلَه بِعاج
قَدْ حَانَ عَهْدٌ للسرور فحيهلا لهواجم الأحزان بالإزعاج
يونس 10:37
انسدَّتْ بصائرهم فلا يزدادون بكثرة سماع القرآن إلا عمى على عمى، كما أن أهل الحقيقة ما ازدادوا إلا هُدىً على هدى، فسبحان مَنْ جعل سماعَ خطابه لقومٍ سببَ تحَيُّرهم، ولآخرين موجِبَ تَبصُّرِهم.
يونس 10:38
كلَّتْ القرائح، وخَمَدَتْ نيرانُ الفصاحة، واعترف كلُّ خطيب مصقْعٍ بالعجز عن معارضة هذا الكتاب، فلم يتعرَّض لمعارضته إلا مَنْ افتضخ في قالته.
يونس 10:39
قابلوا الحقَّ بالتكذيب لِتَقاصُر علومهم عن التحقيق، فالتحقيقُ من شرط التصديق، وإنما يؤمِن بالغيب مَنْ لوَّح - سبحانه - لقلبه حقائق البرهان، وصَرَفَ عنه دواعي الرِّيَب.
يونس 10:40
فأمَّا الذين آمنوا فهم الذين كَحَلَ الحقُّ أبصارَ قلوبهم بنور اليقين، والذين لم يؤمنوا فهم الذين وَسَمَ قلوبَهم بالعمي فزلُّوا - بالضلالة - عن الهُدَى.. تلك سُنَّةُ الله في الطائفتين، ولن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تحويلاً.
يونس 10:41
بَرِحَ الخفاءُ، واستبانت الحقائق، وامتاز الطريقان، فلا المحسنُ بِجُرْمِ المسيءِِ مُعَاقَبٌ، ولا المسيءُ بِجُرْمِ المحسن مُعاتَب، كُلٌّ على حِدَةٍ بما يعمله وعلى ما يفعله مُحَاسَب.
يونس 10:42
من استمع بتكلفه ازداد في تَخَلُّفِه بزيادة تصرفه، ومَنْ استمع الحقَّ بتَفَضُّلِه - سبحانه - استغنى في إدراكه عن تَعَمُّلِه. والحقُّ - سبحانه - يُسْمِعُ أولياءَه ما يناجيهم به في أسرارهم، فإذا سمعوا دعاء الواسطة قابلوه بالقبول لِمَا سَبَقَ لهم من استماعِ الحقِّ. ومَنْ عَدِمَ استماعِ الحقِّ إياه من حيث التفهيم لم يَزِدْه سماعُ الخَلْقِ إلا جحداً على جحد، ولم يحْظَ به إلا بُعْداً على بُعْد.
يونس 10:43
مَنْ سُدَّتْ بصيرتُه بالغفلة والغيبة لم يَزدْه إدراكُ البَصَرِ إلا حجبةً على حجية، ومَنْ لم ينظر إلى الله بالله، ولم يسمع من الله بالله، فقصاراه العمى والصمم،{ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ } [الحج:46] وقال عليه السلام فيما أخبر عن الله: " فبي يسمع وبي يبصر "
وأنشد قائلهم:تأمَّلْ بعين الحقِّ إنْ كنتَ ناظراً إلى منظرٍ منه إليه يعود
يونس 10:44
نَفَى عن نَفْسِه ما يستحيل تقديره في نعته، وكيف يوصَفُ بالظلم وكلُّ ما يُتَوهَّمُ أَنْ لو فَعَلَه كان له ذلك؟ إذ الحقُّ حقُّه والمُلْكُ مُلْكُه. وَمَنْ لا يَصِحُّ تقديرُ قبيحٍ منه - أَنَّى يوصف بالظلم جوازاً أو وجوباً؟!
يونس 10:45
الأيامُ والشهور، والأعوام والدهور بعد مُضيها في حُكْمِ اللحظة لمن تفكَّرَ فيها، ومتى يكون لها أثر بعد تقضيها؟ والآتي من الوقت قريب، وكَأنَّ قَدْرَ الماضي من الدهر لم يُعْهَدْ.
يونس 10:46
معناه أن خبره صدق، ووعده ووعيده حق، وبعد النَّشْرِ حَشْرٌ، وفي ذلك الوقت مُطَالَبَةٌ وحسابٌ، ثم على الأعمال ثواب وعقاب، وما أسرع ما يكون المعلومُ مُشَاهَداً موجوداً!
يونس 10:47
لم يُخْلِ زماناً مِنْ شَرِعٍ، ولم يُخْلِ شرعاً مِنْ حُكْم، ولم يُخْلِ حُكْماً مما يُعْقُبُه من ثواب وعقاب.
يونس 10:48
الاستعجال بهجوم الموعود من أمارات أصحاب التكذيب، فأمَّا أهل التحقيق فليس لهم لواردٍ يرَدُ عليهم اشتغالٌ قبل وجوده، أو استعجالٌ على حين كَوْنِه، ولا إذا وَرَدَ استقالٌ لما تضمنه حُكْمُه؛ فهم مطروحون في أسْرِ الحُكْم، لا يتحرك منهم - باختيارهم - عِرْقٌ.
يونس 10:49
الملوكُ متى يكون له مِلْك؟!
وإذا كان سيِّدُ البرايا - عليه الصلاة والسلام - لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً.. فَمَنْ نَزَلَتْ رُتْبَتُه، وتقاصرَتْ حالتُه متى يملك ذرةً أو تكون باختياره وإيثاره شمةٌ؟
طاح الذي لم يكن - في التحقيق، وتفرَّدَ الجبارُ بنعت الملكوت.
يونس 10:50
مَنْ عَرَفَ كمالَ القُدرة لم يأمَنْ فجأةَ الأخذِ بالشدة، ومن خاف البيات لم يستلذ السُّبات.
ويقال مَنْ توسَّدَ الغفلةَ أيقظْته فجاءةُ العقوبة، ومَنْ استوطن مركب الزَّلَّة عَثَرَ في وَهْدَةِ المحنة.
يونس 10:51
بعد انتهاك سِتْرِ الغيب لا يُقْبَلُ تضرعُ المعاذير.
ويقال لا حُجَّة بعد إزاحة العلة، ولا عذْرَ بعد وضوح الحجة.
يونس 10:52
لا تُكَلَفُ نَفْسٌ إلا تجرع ما منه سَقَتْ، ولا يحصد زارعٌ غَلَّةً ما منه زرع، وفي معناه قالوا:سَنَنْتِ فينا سَنَناً قَذَفَ البلايا عقبه
يصبر على أهوالها مَنْ برَّ يوماً رَبَّه
يونس 10:53
صرِّحْ بالإخبار عند استخبارهم، وأَعْلِمْ بما يزيل الشُّبْهَةَ عمَّا التَبس على جُهَّالِهم، وأَكِّدْ إخبارَكَ بما تذكره مِنَ القَسَم واليمين، مضافاً ذلك إلى ما تُسْلِفُه من التَّبيين. على أنه لا ينفَعهم نُصْحُك، ولا يُؤثّر فيهم وعظُكَ.. كيف لا؟ وقد جُرِّعوا شرابَ الحُجبة، وَوِسُمُوا بَكِيَّ الفُرقة؛ فلا بصيرة لهم ولا (...) ولا فهمَ ولا حصافة.
يونس 10:54
لا يُقْبَلُ منهم عَدْلٌ ولا سَرَفٌ، ولا يحصل فيما سَبَقَ لهم من الوعيد خَلَفَ. ولا ندامة تنفعهم وإنْ صَدَقوها، ولا كرامة تنالهم وإنْ طلبوهَا، ولا ظُلْمَ يجري عليهم ولا حيف، كلا...بل هو اللَّهُ العَدْلُ في قضائه، الفَرْدُ في علائه بنعت كبريائه.
يونس 10:55
الحادثات بأسْرِها لله مِلْكاً، وبه ظهوراً، ومنه ابتداءً، وإليه انتهاء؛ فقولُه حقٌّ، ووعدهُ صِدْقُ، وأمره حَتْمٌ وقضاؤه باتٌ. وهو العَلِيُّ، وعلى ما يشاء قويٌّ.
يونس 10:56
يحيي القلوبَ بأنوار المشاهدة، ويميت النفوسَ بأنواع المجاهدة فنفوسُ العابدين تَلَفُها فنون المجاهدات، وقلوب العارفين شَرفُها عيون المشاهدات.
ويقال يحيي مَنْ أقبل عليه، ويميتَ مَنْ أعرض عنه.
ويقال يحيي قلوب قوم بجميل الرجاء، ويميت قلوبَ قوم بِوَسْم القنوط.
يونس 10:57
الموعظة للكافة...ولكنها لا تنجع في أقوامٍ، وتنفع في آخرين؛ فَمَنْ أصغى إليها بَسْمعِ سِرِّه اتضح نورُ التحقيق في قلبه، ومَنْ استمع إليها بنعت غَيْبَتِه ما اتصف إلا بدوام حجبته.
ويقال الموعظة لأربابِ الغيبة لِيَؤوبُوا، والشِّفاء لأصحاب الحضور ليطيبوا.
ويقال " الموعظة ": للعوام، " والشفاء ": للخواص، " والهُدى " لخاص الخاص، " الرحمة " لجميعهم، وبرحمته وصَلوا إلى ذلك.
ويقال شفاءُ كلِّ أحدٍ على حَسَبِ دائه، فشفاءُ المذنبين بوجود الرحمة، وشفاء المطيعين بوجود النعمة، وشفاء العارفين بوجود القربة، وشفاء الواجدين بشهود الحقيقة.
ويقال شفاء العاصين بوجود النجاة، وشفاء المطيعين بوجود الدرجات، وشفاءُ العارفين بالقرب والمناجاة.
يونس 10:58
" الفضل ": الإحسانُ الذي ليس بواجبٍ على فاعله " والرحمة " إرادة النعمة وقيل هي النعمة.
والإحسان على أقسام كذلك النعمة، ونِعَمُ اللَّهِ أكثر من أَنْ تحْصَى.
ويقال الفضل ما أتاح لهم من الخيرات، والرحمة ما أزاحَ عنهم من الآفات.
ويقال فضل الله ما أكرمهم من إجراء الطاعات، ورحمته ما عَصَمَهم به من ارتكاب الزَّلات. ويقال فضل الله دوام التوفيق ورحمته تمام التحقيق.
ويقال فضل الله ما يُخصُّ به أهل الطاعات من صنوف إحسانه، ورحمته يخصُّ به أهلَ الزلاَّت من وجوه غفرانه.
ويقال فضل الله الرؤية، ورحمته إبقاؤهم في حالة الرؤية.
ويقال فضل الله المعرفة في البداية، ورحمته المغفرةُ في النهاية.
ويقال فضل الله أَنْ أَقَامَكَ بشهود الطلب، ورحمته أن أشهدك حقَّه بحكم البيان إلى أنْ تراه غداً بكشف العيان.
قوله جلّ ذكره: { فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } أي بما أهَّلَهم له، لا بما يتكلَّفون من حَرَكاتهم وسَكَنَاتهم، أو يَصِلُونَ إليه بنوعٍ من تكلفهم وتعملهم. { هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }: أي ما تُتْحَفُونَ به من الأحوال الزاكية خيرٌ مِمَّا تجمعون من الأموال الوافية.
ويقال الذي لَكَ منه - في سابق القسمة - خيرٌ مما تتكلَّفُه من صنوف الطاعة والخدمة.
يونس 10:59
يعَنِّفُهم ويُقَرِّعهُم على ما ابتدعوه من التحليل والتحريم، ويُظْهِر كذبهم فيما تقوَّلُوه من نسبتهم ذلك إلى إذن وشرع.
يونس 10:60
هذا على جهة التهويل والتعظيم لما أسلفوه من الكذب.
ثم قال: { إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ } في إمهال مَنْ أجْرَم، والعصْمِة لَمِنْ لم يُجْرِمْ.
يونس 10:61
خوَّفَهم بما عرفَّهم من اطلاعه عليهم في جميع أحوالهم، ورؤية ما سيفعلونه من فنون أعمالهم. والعلْمَ بأنه يراهم يوجِبُ استحياءَهم منه، وهذه حال المراقبة، والعبد إذا عَلمَ أن مولاه يراه استحي منه، وتَركَ متابعة هواه، ولا يحُوِّم حَوْلَ ما نهاه، وفي معناه أنشدوا:كأنَّ رقيباً منك حَالُّ بمهجتي إذا رُمتُ تسهيلاً عليَّ تَصعَّبَا
وأنشدوا:أُعاتِبُ عَنْكَ النَّفُسَ في كلِّ خَصْلَةٍ تعاتبني فيها وأنت مقيم
{ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ }: وكيف يخفى ذلك عليه، أو يتقاصر علمه عنه، وهو منشئُه وموجِدُه؟ وبعض أحكامه الجائزة مخصصة، وإنما قال: { إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }: ردَّهم إلى كتابته ذلك عليهم - لعدم اكتفائهم في الامتناع عمَّا نُهُوا عنه - برؤيته وعلمه.
يونس 10:62
قوله جلّ ذكره: { أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ }.
الوليُّ على وزن فعيل مبالغة من الفاعل، وهو مَنْ تَوَالَت طاعاته، من غير أن يتخللها عصيان.
ويجوز أن يكون فعيل بمعنى مفعول كجريح وقتيل بمعنى مجروح ومقتول؛ فيكون الوليُّ مَنْ يتوالى عليه إحسانُ الله وأفضاله، ويكون بمعنى كونه محفوظاً في عامة أحواله من المحن.
وأشدُّ المحن ارتكابُ المعاصي فيعصمه الحقُّ - سبحانه - على دوام أوقاته من الزلاَّت.
وكما أن النبيَّ لا يكون إلا معصوماً فالوليُّ لا يكون إلا محفوظاً.
والفَرْقُ بين المحفوظ والمعصوم أن المعصوم لا يُلِمُّ بِذَنْبٍ ألْبَتَّةَ، والمحفوظُ قد تحصُل منه هَنَات، وقد يكون له - في الندرة - زَلاَّتٌ، ولكن لا يكون له إصرار:{ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ } [النساء:17].
قوله جلّ ذكره: { أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }.
حسنٌ ما قيل إنه { لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ }: في الدنيا، { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }: في العاقبة. ولكن الأوْلى أَنْ يقال إن الخواص منهم لا خوفٌ عليهم في الحال - لأنَّ حقيقةَ الخوفِ توقُّع محذورٍ في المستقبل، أو ترقُّب محبوب يزول في المستأنف.. وهم بِحُكْمِ الوقت؛ ليس لهم تطلّعُ إلى المستقبل. والحزن هو أن تنالهم حُزُونة في الحال، وهم في رَوْحِ الرضا بكلِّ ما يجري فلا تكون لهم حزونة الوقت. فالوليُّ لا خوفٌ عليه في الوقت، ولا له حزن بحال، فهو بحكم الوقت.
ولا يكون وليَّاً إلا إذا كان موفَّقاً لجميع ما يلزمه من الطاعات، معصوماً بكل وجه عن جميع الزلات. وكلُّ خصْلَةٍ حميدة يمكن أن يُعْتَبَرَ بها فيقال هي صفة الأولياء. ويقال الوليُّ مَنْ فيه هذه الخصلة.
ويقال الوليُّ من يُقَصِّر في حقِّ الحق، ولا يؤخِّر القيام بحق الخَلق؛ يطيع لا لخوف عقاب، ولا على ملاحظةِ حسن مآب، أو تطلع لعاجلِ اقتراب، ويقضي لكلِّ أحدٍ حقاً يراه واجباً، ولا يقتضي من أحدٍ حقاً له، ولا ينتقم، ولا ينتصف ولا يشمت ولا يحقد، ولا يقلد أحداً مِنّةً، ولا يرى لنفسه ولا لما يعمله قَدْرَاً ولا قيمة.
يونس 10:63
هذه صفة الأولياء؛ آمنوا في الحال، واتقوا الشّرْكَ في المآل. ويقال { آمَنُواْ } أي قاموا بقلوبهم من حيث المعارف. { وَكَانُواْ يَتَّقُونَ }: استقاموا بنفوسهم بأداء الوظائف.
ويقال " آمنوا " بتلقي التعريف. " واتقوا ": بالتقوى عن المحرمات بالتكليف.
يونس 10:64
القيام بالأمر يدل على الصحة؛ فإذا قاموا بما أُمِروا به، واستقاموا بِتَرْكِ ما زُجروا عنه بَشَّرَتْهُم الشريعة بالخروج عن عهدة الإلزام، وبشَّرتهم الحقيقة باستيجاب الإكرام، بما كوشِفوا به من الإعلام... وهذه هي البشرى في عاجلهم. وأما البُشرى في آجلِهم: فالحقُّ - سبحانه - يتولَّى ذلك التعريف، قال تعالى:{ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ } [التوبة:21].
ويقال البشارة العُظْمَى ما يجدون في قلوبهم مِنْ ظَفَرِهم بنفوسهم بسقوط مآربهم، وأيُّ مُلْكٍ أتمُّ من سقوط المآرب، والرضا بالكائن؟ هذه هي النعمة العظمى، ووجدانُ هذه الحالة هو البشرى الكبرى.
ويقال الفرق بين هذه البشارة التي لهم وبين البشارة التي للخلْق أنَّ للخلْق عِدَةٌ بالجميل، والذي له نَقْدٌ ومحصول.
يونس 10:65
العبدُ ما دام متفرقاً يضيقُ صدرُه ويستوحش قلبُه بما يسمع ويشهد من الأغيار والكفارِ ما تَتَقدَّسُ عنه صفةُ الحقّ، فإِنْ صار عارفاً زالَتْ عنه تلك الصفة لتحققه بأنَّ الحقَّ سبحانه وراء كلّ طاعةٍ وزَلَّةٍ، فلا له - سبحانه - من هذا استيحاش، ولا بذلك استئناس.
ثم يتحقق العارفُ بأنَّ المُجَرِيَ لطاعةِ أربابِ الوفاق- اللَّهُ، والمُنشِئُ لأحوال أهل الشِّقاقِ - اللَّهُ. لا يبالي الحقُّ بما يجري ولا يبالي العبدُ بشهود ما يجري، كما قيل:بنو حقٍّ قضوا بالحقِّ صِرْفا فَنَعْتُ الخَلْقِ فيهم مستعار
يونس 10:66
لله مَنْ في السماوات ومَنْ في الأرض مِلْكاً، ويبدي عليهم ما يريد، حكما جَزْماً؛ فلا لقبوله عِلَّة، ولا موجِبَ لردِّه زَلَّة، كلا... إنها أحكامٌ سابقة، لم تُوجِبْها أجرامٌ لاحقة، ولا طاعاتً وعباداتٌ صادقة.
يونس 10:67
الليلُ لأهل الغفلة بُعْدٌ وغيبة، ولأهل الندم توبة وأوبة، وللمحبين زُلفَةٌ وقربة؛ فالليل بصورته غير مُؤْنِسٍ، لكنه وقت القربة لأهل الوصلة كما قيل:وكم لظلام الليل عندي من يَدٍ تُخَبِّر أن المانوية تكذب
يونس 10:68
قوله جلّ ذكره: { قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰت وَمَا فِي ٱلأَرْضِ إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَآ أَتقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }.
الوَلَدُ بعض الوالد، والصمدية تَجِلُّ عن البغضية، فَنَزَّهَ الله نَفْسَه عن ذلك بقوله { سُبْحَانَهُ }.
ثم إنه لم يعجِّلْ لهم العقوبة - مع قبيح قالتهم ومع قدرته على ذلك - تنبيهاً على طريق الحكمة لعبادة.
ولا تجوز في وصفه الولادة لِتَوَحُّده، فلا قسيمَ له، ولا يجوز في نعته التبني أيضاً لِتَفَرُّدِه وأنه لا شبيهَ له.
قوله: { هُوَ ٱلْغَنِيُّ }: الغِنَى نَفْيُ الحاجة، وشهوةُ المباشرةِ حاجة، ويتعالى عنها سبحانه.
قوله جل ّ ذكره: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ }.
ليس لهم بما هم فيه استمتاع، إنما هو أيامٌ قليلة ثم تتبعها آلامٌ طويلة، فلا قَدَمٌ لهم بعد ذلك تُرْفَع، ولا نَدَمٌ ينفع.
يونس 10:69
قوله جلّ ذكره: { قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰت وَمَا فِي ٱلأَرْضِ إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَآ أَتقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }.
الوَلَدُ بعض الوالد، والصمدية تَجِلُّ عن البغضية، فَنَزَّهَ الله نَفْسَه عن ذلك بقوله { سُبْحَانَهُ }.
ثم إنه لم يعجِّلْ لهم العقوبة - مع قبيح قالتهم ومع قدرته على ذلك - تنبيهاً على طريق الحكمة لعبادة.
ولا تجوز في وصفه الولادة لِتَوَحُّده، فلا قسيمَ له، ولا يجوز في نعته التبني أيضاً لِتَفَرُّدِه وأنه لا شبيهَ له.
قوله: { هُوَ ٱلْغَنِيُّ }: الغِنَى نَفْيُ الحاجة، وشهوةُ المباشرةِ حاجة، ويتعالى عنها سبحانه.
قوله جل ّ ذكره: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ }.
ليس لهم بما هم فيه استمتاع، إنما هو أيامٌ قليلة ثم تتبعها آلامٌ طويلة، فلا قَدَمٌ لهم بعد ذلك تُرْفَع، ولا نَدَمٌ ينفع.
يونس 10:70
قوله جلّ ذكره: { قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰت وَمَا فِي ٱلأَرْضِ إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بِهَـٰذَآ أَتقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }.
الوَلَدُ بعض الوالد، والصمدية تَجِلُّ عن البغضية، فَنَزَّهَ الله نَفْسَه عن ذلك بقوله { سُبْحَانَهُ }.
ثم إنه لم يعجِّلْ لهم العقوبة - مع قبيح قالتهم ومع قدرته على ذلك - تنبيهاً على طريق الحكمة لعبادة.
ولا تجوز في وصفه الولادة لِتَوَحُّده، فلا قسيمَ له، ولا يجوز في نعته التبني أيضاً لِتَفَرُّدِه وأنه لا شبيهَ له.
قوله: { هُوَ ٱلْغَنِيُّ }: الغِنَى نَفْيُ الحاجة، وشهوةُ المباشرةِ حاجة، ويتعالى عنها سبحانه.
قوله جل ّ ذكره: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ }.
ليس لهم بما هم فيه استمتاع، إنما هو أيامٌ قليلة ثم تتبعها آلامٌ طويلة، فلا قَدَمٌ لهم بعد ذلك تُرْفَع، ولا نَدَمٌ ينفع.
يونس 10:71
أنزل الله هذه الآية على وجه التسلية لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - لِمَا كان يمسُّه من مقاساة الشِّدَّة من قومه، فإنَّ أيامَ نوحٍ - وأنْ طالَت - فما لَبِثَتْ كثيراً إلا وقد زالت، كما قيل:وأحْسَن شيءٍ في النوائب أنها إذا هي نابت لم تكن خلدا
ثم بيَّنَ أنه كان يتوكل على ربِّه مهما فعلوا. ولم يحتشم عبدٌ - ما وَثِقَ بربِّه - منْ كلِّ ما نَزَلَ به. ثم إن نوحاً - عليه السلام - قال: " إني توكلت على الله " وهذا عين التفرقة، وقال لنبيِّه صلى الله عليه وسلم:{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ } [الأنفال: 64] وهذا عين الجمع فبانت المزية وظهرت الخصوصية.
يونس 10:72
إذا كان عملِه لله لم يَطْلُبْ الأجْرَ عليه من غير الله، وهكذا سنَّته في جميع أولياء الله.
يونس 10:73
أغرق قومَه بأمواج القَطْرة، وفي الحقيقة أغرقهم بأمواج الأحكام والقدرة، وحفظ نوحاً - عليه السلام - وقومه في السفينة، وفي الحقيقة نَجَّاهم في سفينة السلامة. وكان نوحٌ في سابق حكمه من المحروسين، وكان قومُه في قديم قضائه من جملة المُغْرِقين، فَجرَتْ الأحوال على ما جرَتْ به القسمةُ في الأزل.
يونس 10:74
قصَّ عليه - صلوات الله عليه وسلامه - أنباءَ الأولين، وشرح له جميع أحوال الغابرين، ثم فضَّلَه على كافتهم أجمعين، فكانوا نجوماً وهو البدر، وكانوا أنهاراً وهو البحر، ثم به انتظم عِقْدُهم، وبنورِه أَشْرَقَ نهارُهم، وبظهوره خُتِم عددُهم، كما قيل:يومٌ وحَسْبُ الدهرِ من أَجْلِه حيَّا غدٌ والتفت الأمسُ
يونس 10:75
قصَّ عليه - صلوات الله عليه وسلامه - أنباءَ الأولين، وشرح له جميع أحوال الغابرين، ثم فضَّلَه على كافتهم أجمعين، فكانوا نجوماً وهو البدر، وكانوا أنهاراً وهو البحر، ثم به انتظم عِقْدُهم، وبنورِه أَشْرَقَ نهارُهم، وبظهوره خُتِم عددُهم، كما قيل:يومٌ وحَسْبُ الدهرِ من أَجْلِه حيَّا غدٌ والتفت الأمسُ
يونس 10:76
ما زَادَهم الحقُّ سبحانه بياناً إلا ازدادوا طغياناً، وذلك أنه تعالى أجرى سُنَتَّه في المردودين عن معرفته أنه لا يزيد في الحجج هدًى إلا ويزيد في قلوبهم عَمَىً، ثم خفى عليهم قصود النبيين صلوات الله عليهم أجمعين.
{ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } [الشعراء: 35]: نظروا من حيث كانوا لم يعرفوا طعماً غير ما ذاقوا، وكذا صفةُ مَنْ أَقصتْه السوابقُ، وردَّته المشيئة.
يونس 10:78
ركنوا إلى تقليد آبائهم فيما عليه كانوا، واستحبُّوا استدامة ما عليه كانوا... فلحقهم شؤمُ العقيدةِ وسوءُ الطريقة حتى توهموا أن الأنبياءَ عليهم السلام إنما دَعَوْهم إلى الله لتكونَ لهم الكبرياءُ على عباد الله، ولم يعلموا أنهم إنما دَعَوْهم إلى الله بأمر الله.
يونس 10:79
لما استعان في استدفاع ما استقبله بغير الله لم يلبث إلا يسيراً حتى تَبَرَّأَ منهم وتَوَعدَّهم بقوله: لأفعلنَّ ولأصنعنَّ، وكذلك قصارى كل حجة وولاية إذا كانت في غير الله فإنها تؤول إلى العداوة والبغضة، قال تعالى:{ ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } [الزخرف: 67].
يونس 10:80
أمَرَهُم أمراً يُظْهِرُ به بُطْلاَنَهم ليُدخل الحقَّ على ما أتوا به من التموية، فلذلك قال موسى عليه السلام: " إن الله سيبطله "؛ فلمَّا التقمت عصا موسى - جميع ما جاءوا به من حِبَالِهم وعِصِيَّهِم - حين قَلَبَها اللَّهُ حيَّةً.. عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ أبطل تلك الأعيان وأفناها.
يونس 10:81
أمَرَهُم أمراً يُظْهِرُ به بُطْلاَنَهم ليُدخل الحقَّ على ما أتوا به من التموية، فلذلك قال موسى عليه السلام: " إن الله سيبطله "؛ فلمَّا التقمت عصا موسى - جميع ما جاءوا به من حِبَالِهم وعِصِيَّهِم - حين قَلَبَها اللَّهُ حيَّةً.. عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ أبطل تلك الأعيان وأفناها.
يونس 10:82
من جملة ما أَحقَّه أن السَّحَرَةَ كان عندهم أنهم يَنْصُرون فرعون ويجيبونه فكانوا يُقْسِمون بِعِزَّته حيث قالوا " بِعِزَّةِ فرعونَ إنا لنحن الغالبون " وقال الحقُّ - سبحانه: بعزتي إنكم لمغلوبون، فكان على ما قال تعالى: دون ما قالوه، وفي معناه قالوا:كم رَمَتْني بِأَسْهُم صائباتٍ وتَعَمَّدْتُها بِسَهْمٍ فطاشا
يونس 10:83
أهل الحقيقة في كل وقتٍ قليلٌ عَدَدُهم، كبيرٌ عند الله خَطَرُهم.
يونس 10:84
بيَّن أن الإيمان ليس من حيث الأقوال.. بل لا بد فيه من صدق الأحوال قصداً.
وحقيقةُ التوكل تَوَسُّلٌ تقديمُه مُتَّصِلٌ، ثم يعلم أنه بفضله - سبحانه - تَحْصُلُ نجاتُه، لا بما يأتي به من التكلُّف - هذه هي حقيقة التوكل.
يونس 10:85
تبرأنا مما مِنَّا مِنَ الحوْل والمُنَّة، وتحققنا بما منك من الطوْل والمِنَّة.
فلا تجعلنا عرضةً لسهام أحكامك في عقوبتك بانتقامك، وارحمنا بلطفك وإكرامك، ونجِّنا مِمَّنْ غَضِبْتَ عليهم فَأَذْللْتَهم، وبِكَيِّ فراقك وسَمْتَهُم.
يونس 10:86
تبرأنا مما مِنَّا مِنَ الحوْل والمُنَّة، وتحققنا بما منك من الطوْل والمِنَّة.
فلا تجعلنا عرضةً لسهام أحكامك في عقوبتك بانتقامك، وارحمنا بلطفك وإكرامك، ونجِّنا مِمَّنْ غَضِبْتَ عليهم فَأَذْللْتَهم، وبِكَيِّ فراقك وسَمْتَهُم.
يونس 10:87
مَهِّدْ إليهم لعبادتنا مَحَالَّ وهي نفوسهم، ولمعارفنا منازلَ وهي قلوبهم، ولمحبتنا مواضعَ وهي أرواحهم، ولمشاهدتنا معاهِدَ وهي أسرارهم؛ فنفوس العابدين بيوت الخدمة، وقلوب العارفين أوطان الحشمة، وأرواح المهيمين مشاهد المحبة، وأسار الموحدين منازل الهيبة.
يونس 10:88
لما يَئِس من إجابتهم حين دعاهم إلى الله دعا عليهم بإنزال السُّخْطَة وإذاقة الفرقة. ومن المعلوم أنّ الأنبياء - عليهم السلام - مِنْ حقهم العصمة، فإذا دعا موسى عليهم بمثل هذه الجملة لم يكن ذلك إلا بإذن من قِبَل الله تعالى في الحقيقة.
يونس 10:89
الاستقامةُ في الدعاء تَرْكُ الاستعجال في حصول المقصود، ولا يَسْقُطُ الاستعجالُ من القلب إلا بوجدان السكينة فيه، ولا تكون تلك السكينة إلا بِحُسْن الرضاء بجميع ما يبدو من الغيب.
ويقال ينبغي للعبد أن يستقلَّ بالله ما أمكنه فعند هذا يقلُّ دعاؤه. ثم إذا دعاه بإشارة من الغيب - في جوازه - فالواجب ألا يستعجل، وأن يكون ساكِنَ الجأشِ.
ويقال من شرط الدعاء صِدْقُ الافتقار في الابتداء، ثم حُسْنُ الانتظار في الانتهاء، وكمال هذا الرضا بجريان الأقدار بما يبدو من المسار والمضار.
ويقال الاستقامة في الدعاء سقوط التقاضي على الغيب, والخمود عن الاستعجال بحُسْنِ الثقة, وجميل الظَّن.
ويقال في الآية تنبيهٌ على أنَّ للأمورِ آجالاً معلومة، فإذا جاء الوقت فلا تأخير للمقسوم في الوقت المعلوم.
يونس 10:90
حَمَلَتْ العِزَّةُ فِرعونَ على تَقَحُّمِ البحر على إثرهم، فلمَّا تحقَّقَ الهلاكُ حَمَلَتْه ضرورةُ الحيلةِ على الاستعاذة، فلم ينفَعه ذلك لفوات وقت الاختيار.
ويقال لما شهد صَوْلَةَ التقدير أفاق من سُكْرِ الغلطة، لكن: " بعد شهود البَاسْ لا ينفع التخاشعُ والابتئاسْ ".
يونس 10:91
أَبْعَدَ طولِ الإمهال، والاصرار على ذميم الأفعال، والرَّكْضِ في ميدان الاغترار، وانقضاء وقت الاعتذار؟! هيهات! لقد استوجَبْتَ أن تُرَدَّ في وجهك، فلا لِعُذْرِك قَبُولٌ، ولا لَكَ إلى ما ترومه وصولٌ.
يونس 10:92
لَنُشْهِرَنَّ تعذيبَكَ، ونُظْهِرَنَّ - لَمِنْ استبصر - تأديبَك، لِتكونَ لِمَنْ خَلْفَكَ عِبْرة، وتزدادَ حين أَفَقْتَ أَسَفاً وحسرةً.
يونس 10:93
أذْلَلْنَا لهم الأيامَ، وأكثرنا لديهم الإنعامَ، وأكرمنا لهم المقامَ، وأتَحْنَا لهم فنونَ الحسناتِ، وأدَمْنَا لهم جميع الخيراتِ... فلمَّا قابلوا النعمة بالكفران، وأصَرُّوا على البَغْيِ والعدوان أذقناهم سوءَ العذاب، وسَدَدْنا عليهم أبوابَ ما فتحنا لهم من التكريم والإيجاب، وذلك جزاءُ مَنْ حَادَ عن طريق الوِفاق، وجَنَحَ إلى جانب الشِّقاق.
يونس 10:94
ما شكَّ - صلى الله عليه وسلم - فيما عليه أُنْزِل، ولا عن أحدٍ منهم ساءَل، وإنما هذا الخطابُ على جهة التهويل، والمقصود منه تنبيهُ القوم على ملازمة نهج السبيل.
ويقال صفة أهل الخصوص ملاحظة أنفسهم وأحوالِهم بعين الاستصغار.
ويقال فإنْ تَنَزَّلْتَ منزلةَ أهلِ الأدب في تَرْكِ الملاحظات فَسَلْ عَمَّن أرسلنَا قَبْلَكَ فهل بَلَّغْنَا أحداً منزلتك؟ وهل خَصَصْنَا أحداً بمثل تخصيصكَ؟
يونس 10:95
ما كان منهياً عنه، وكان قبيحاً فبالشرع كان قبيحاً، فلا بدّ من ورود الأمر به حتى تكون منه طاعة وعبادة. وإنما لم يَجُزْ في صفته - صلى الله عليه وسلم - التكذيبُ بآياتِ الله؛ لأنه نُهِيَ عنه لا لكونه قبيحاً بالعقل حتى يقال كيف نُهِيَ عنه وكان ذلك بعيداً منه؟
يونس 10:96
فالأعداء حقَّتْ عليهم كلمةٌ بالعقاب، والأولياء حقت عليهم كلمةٌ بالثوابِ؛ فالكلمة أزليَّة، والأحكام سابقة، والأفعال في المستأنف على ممر الأوقات على موجب القضية لاحقة، فالذين نصيبهم من القسمة الشِقْوةُ لا يؤمِنون وإن شاهدوا كل دلالة، وعاينوا كل معجزة.
يونس 10:97
فالأعداء حقَّتْ عليهم كلمةٌ بالعقاب، والأولياء حقت عليهم كلمةٌ بالثوابِ؛ فالكلمة أزليَّة، والأحكام سابقة، والأفعال في المستأنف على ممر الأوقات على موجب القضية لاحقة، فالذين نصيبهم من القسمة الشِقْوةُ لا يؤمِنون وإن شاهدوا كل دلالة، وعاينوا كل معجزة.
يونس 10:98
قومُ يونس تداركتْهم الرحمةُ أزليةُ فيما أجرى عليهم من توفيقِ التضرع، فَكَشَفَ عنهم العذابَ، وصَرَفَ عنهم ما أظلَّ عليهم من العقوبة بعد ما عاينوا من تلك الأبواب؛ فبرحمته وصلوا إلى تضرعهم، لا بتضرعهم وصلوا إلى رحمته.
يونس 10:99
كيف يعتصي عليه سبحانه مرادٌ - والذي يبقي شيءٌ عن مراده ساهٍ أو مغلوبٌ؟ والذي يستحق جلالَ العِزَّةِ لا يفوته مطلوب.
يونس 10:100
لا يمكن حَمْل الإذن في هذه الآية إلا على معنى المشيئة؛ لأنه للكافة بالإيمان، والذي هو مأمورٌ بالشيء لا يقال إنه غير مأذون فيه. ولا يجوز حملُ هذه الآية على معنى أنه لا يُؤْمِنُ أحدٌ إلا إذا ألجأه الحقُّ إلى الإيمان واضطره - لأنَّ موجِبَ ذلك ألا يكون أحدٌ في العَالَم مؤمناً بالاختيار، وذلك خطأ، فدلَّ على أنه أراد به إلا أنْ يشاءَ اللَّهُ أنْ يُؤمِنَ هو طوَعاً. ولا يجوز بمقتضى هذا أنه يريد من أحدٍ أن يؤمِن طوعاً ثم لا يؤمِن؛ لأنه يُبْطِلُ فائدةَ الآية، فَصَحَّ قولُ أهل السُّنَّة بأنَّ ما شاءَ اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن.
يونس 10:101
الأدلة - وإنْ كانت ظاهرة - فما تغْنِي إذا كانت البصائرُ مسدودةً، كما أن الشموسَ - وإن كانت طالعة - فما تُغْنِي إذا كانت الأبصار عن الإدراك بالعمى مردودة، كما قيل:وما انتفاعُ أخي الدنيا بمقلته إذا استوَتْ عنده الأنوارُ والظُلَمُ؟
يونس 10:102
تَمَنِّي الطافِ أنوارِ الحقيقةِ تَعَنِّ في تسويل، واستنادٌ إلى غير تحصيل، وتمادٍ في تضليل.
يونس 10:103
حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض فقوله تعالى: { عَلَيْنَا } ها هنا معناها " منَّا " فلا شيء يجب على الله لكونه إلهاً مَلِكاً، فيجب الشيءُ من الله -لصدقه - ولا يجب عليه - لِعِزَّتِه.
وكما لا يجوز أن يَدْخُلَ نبيٌّ من الأنبياء - عليهم السلام - في النار لا يجوز أن يُخلَّدَ واحدٌ من المؤمنين في النار لأنه أخبر أنه يُنَجِّي الرسلَ والمؤمنين جميعاً.
يونس 10:104
إن كنتم في غطاء الرَّيْبِ فأنا في ضياءِ مِنَ الغيبِ، إِنْ كنتم في ظلمة الجهل فأنا في شموس الوَصْلِ، إن كنتم في سدفة الضَّلالة فأنا في خلعة الرسالة وعلى أنوار الدلالة.
ويقال قد تميزنا على مفرق الطريق: فأنتم وقعتم في وهدة العِوَجِ، وأنَا ثابِتٌ على سَوَاء النَّهَجِ.
يونس 10:105
أي أَخْلِصْ قلبَك للدّين، وجَرِّدْ قلبَكَ عن إثبات كلِّ ما لَحِقَه قهرُ التكوين، وكنْ مائلاً عن الزيغ والبِدع، داخِلاً في جُمْلَةٍ مَنْ أخلص في الحقيقة.
يونس 10:106
لا تعبدْ ما لا تنفعكَ عِبَادتُه ولا تَضُرُّك عبادتُه، وتلك صفة كل ما يعبد من دون الله. واستعانة الخْلق بالخَلْق تمحيقٌ للوقتِ بلا طائلٍ؛ فَمَنْ لا يَمْلكُ لِنَفْسِه ضَرَّاً ولا نَفْعَاً كيف يستعين به مَنْ هو في مثل حاله؟ وإذا انضاف الضعيفُ إلى الضعيف ازدادَ الضعفُ.
يونس 10:107
كما تفرَّد بإبداع الضُرِّ واختراعه فلا شريكَ يُعْضِّدُه.. كذلك توحَّدَ بكشف الضُرِّ وصَرْفِه فَلا نصيرَ يُنْجِدُه.
ويقال هوَّنَ على المؤمِن الضُرَّ بقوله: { وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ } حيث أضافه إلى نفسه، والحنظلُ يُسْتَلذُّ مِنْ كفِّ مَنْ تحبه.
وفَرَّقَ بين الضُرِّ والخير بإضافة الضرِّ إليه فقال: { وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ } ولم يقل: وإنْ يُرِدْكَ بضرٍ- وإنْ كان ذلك الضرُّ صادراً عن إرادته- وفي ذلك من حيث اللفظ دِقّة.
ويقال: عَذُبَ الضرّ حيث كان نفعه؛ فلمَّا أوجب مقاساة الضُّرِّ من الحرَبَ أبدل مكانَه السرورَ والطَّرَب.
يونس 10:108
مَنْ استبصر رَبحَ رُشْدَ نفسِه، ومَنْ ضلَّ فقد زاغ عن قَصْدِه؛ فهذا بلاءٌ اكتسب، وذلك ضياء وشِفاء اجتلب.
يونس 10:109
قِفْ عند جريان أحكامنا، وانسلِخْ عن مرادِك بالكلية، ليُجْرِيَ عليك ما يريد، والله أعلم بالصواب.
هود 11:1
الألف إشارة إلى انفراده بالربوبية.
واللام إشارة إلى لُطْفِه بأهل التوحيد.
والراء إشارة إلى رحمته بكافة البَرِيَّةِ.
وهي في معنى القَسَم: أي أقسم بانفرادي بالربوبية ولطفي بمن عَرَفَني بالأحدية، ورحمتي على كافة البرية - إنَّ هذا الكتابَ أُحْكِمَتْ آياتُه.
ومعنى { أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ } أي حُفِظَتْ عن التبديل والتغيير، ثم فُصِّلتْ ببيان نعوتِ الحقِّ فيما يتصف به من جلال الصمدية، وتعبَّد به الخْلقُ من أحكام العبودية، ثم ما لاح لقلوب الموحِّدين والمحبين من لطائف القربة، في عاجِلهم البُشْرى بما وَعَدَهم به من عزيز لقائه في آجِلهم، وخصائصهم التي امتازوا بها عَمَّنْ سواهَم.
هود 11:2
أي فصلَتْ آياتُه بألا تعبدوا إلا الله.
ويقال معناه في هذا الكتاب ألا تعبدوا إلا الله، إني لكم منه " نذيرٌ " مبينٌ بالفرقة، " وبشيرٌ " بدوام الوصلة، (فالفرقة بل في عاجله واحداً).
هود 11:3
قوله جلّ ذكره: { وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ }.
استغفروا ربَّكم أولاً ثم توبوا إليه بعده.
والاستغفار طلب المغفرة، يعني قبل أن تتوبوا اطلبوا منه المغفرة بحسن النَّظرة، وحَمْل الرجاء والثقة بأنه لا يُخَلِّد العاصِيَ في النار، فلا محالةَ يُخْرِجُه منها... فابْتَدِئوا باستغفاركمْ، ثم توبوا بِتَرْكِ أوزاركم، والتَنَقِّي عن إصراركم.
ويقال استغفروا في الحال مما سلف، ثم إنْ ألْمَمْتُم بزِلَّةٍ أخرى فتوبوا.
ويقال استغفروا في الحال ثم لا تعودوا إلى ارتكاب الزلة فاستديموا التوبة - إلى مآلِكم - مما أسلفتم من قبيح أعمالكم.
ويقال: { ٱسْتَغْفِرُواْ }: الاستغفار هو التوبة، والتنقي من جميع الذنوب، ثم " توبوا " منْ تَوَهُّم أنكم تُجابُون بتوبتكم، بل اعلموا أنه يُجِيبكم بِكَرَمِه لا بأعمالكم.
ويقال " الاستغفار ": طَلبُ حظوظكم مِنْ عَفوِنا.. فإذا فعلْتُم هذا فتوبوا عن طلب كل حظ ونصيب، وارجعوا إلينا، واكتفوا بنا، راضين بما تحوزونه من التجاوز عنكم أو غير ذلك مما يخرجكم به.
قوله جلّ ذكره: { إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى }.
أي نُعَيِِّشكم عيشاً طيباً حسناً مباركاً.
ويقال هو إعطاء الكفاية مع زوال الحرص.
ويقال هو القناعة بالموجود.
ويقال هو ألا يخرجَه إلى مخلوق، ولا يجعل لأحد عليه مِنَّةً لا سيما للئيم.
ويقال هو أن يوفقه لاصطناع المعروف إلى المستحقين.
ويقال هو أن تُقْضَى على يديه حوائج الناس.
ويقال هو ألا يُلِمَّ في حال شبابه بِزَلَّةٍ، وألا يتصفَ بأنه عن الله في غفلة.
ويقال هو أن يكون راضياً بما يجري عليه من نَوْعَي العسر واليسر.
قوله جلّ ذكره: { وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ }.
مَنْ زادتْ حسناتُه على سيئاتِه أعطاه جزاءَ ما فَضَلَ له من الطاعات، ومن زادت سيئاته على حسناته كافأه بما يستوجبه من زيادة السيئات... هذا بيان التفسير.
ويقال مَنْ فَضَّلَه بحسن توفيقه أوصله إلى ما يستوجبه من لطفه ويزيده..
ويقال هو أن يستر عليه فضلَه حتى لا يلاحظ حالَه ومقامه، بل ينظر إلى نفسه، وما منه ومَا لَه... بِعَيْن الاستحقار والاستصغار.
ويقال هو أن يرقيه عن التعريج في أوطان البشرية إلى طاعات شهود الأحدية، ويُنقيِّه عن (.....) البشرية، والتكدر بما يبدو من مفاجآت التقدير.
ويقال هو ألا يُوحِشَه شيء بما يجري في الوقت.
ويقال هو أن يُحَقِّقَ له ما تسمو إليه هِمَّتُه، ويُبَلِّغَه فوق ما يستوجبه محلَّه.
هود 11:4
تنقطع الدعاوى عند الرجوع إلى الله، وتنتفي الظنونُ، ويحصل اليأسُ مِنْ غير الله بكل وجه، ويبقى العبدُ بنعتِ الاضطرار، والحقُّ يُجْرِي عليه ما سَبَقَتْ به القسمة من أنواع الأقدار.
هود 11:5
أي يسترون ما تنطوي عليه عقائدهم، ويُضْمِرون للرسول - عليه السلام- وللمؤمنين خِلافَ ما يُظْهِرون، والحقُّ - سبحانه - مُطَّلِعٌ على قلوبهم، ويعلم خفايا صدورِهم، فتلبيسُهم لا يُغْنِي عنهم من الله شيئاً، وكان الله - سبحانه - يُطْلِعُ رسولَه - عليه السلام - على ما أخْفَوْه إمَّا بتعريفِ الوحي، أو بإشهادٍ لِقُوَّةِ نورٍ، وكذلك المؤمنون كانوا مخصوصين بالفراسة، فكل مؤمن له بِقَدْرِ حاله من الله هداية، قال صلى الله عليه وسلم: " اتقوا فراسةَ المؤمن فإن المؤمن ينظر بنور الله " ولقد قال قائلهم:أَبِعَيْنِي أَرَاكَ أَمْ بفؤادي؟ كلُّ ما في الفؤاد للعين بادِ
هود 11:6
قوله جلّ ذكره: { وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا }.
أراح القلوبَ من حيرة التقسيم، والأفكارَ من نَصَبِ التفكير في باب الرزق حيث قال: { إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا } فَسكَنَتْ القلوبُ لمَّا تَحَقَّقَتْ أنَّ الرزقَ على الله.
ويقال إذا كان الرزق على الله فصاحبُ الحانوتِ في غَلَطٍ من حسبانه. ثم إن اللَّهَ سبحانه بيَّنَ أَنَّ الرزقَ الذي " عليه " ما حالُه فقال:{ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ } [الذاريات: 22]، وما كان في السماءِ لا يوجد في السوق، ولا في التَّطواف في الغرب والشرق.
ويقال الأرزاق مختلفة فَرِزْقُ كل حيوانٍ على ما يليق بصفته.
ويقال للنفوسِ رزقٌ هو غذاءٌ طريقُه الخْلقُ، وللقلوب رزق وهو ضياءٌ مُوجِدُهُ الحق.
ويقال لم يقل ما يشتهيه أو مقدار ما يكفيه بل هو موكولٌ إلى مشيئته؛ فَمِنْ مُوَسَّعٍ عليه ومِنْ مُقَتَّرٍ.
قوله جلّ ذكره: { وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }.
قيل أراد به أصلابَ الآباءِ وأرحامَ الأمهات، أو الدنيا والآخرة. ويقال مُسْتَقرُّ المريدِ ببابِ شيخِه كمستقرِّ الصبي بباب والديه، ويقال مستقر العابدين المساجد، ومستقر العارفين المَشَاهد، فالمساجِدُ مستقرُّ نفوسِ العابدين، والمشاهِدُ مُسْتَقَرُّ قلوب العارفين.
ويقال مستقرُّ المحب رأسُ سِكَّةِ محبوبِه لعلَّه يشهده عند عبوره.
ويقال المساجِدُ للعابدين مستقرُّ القَدَم، والمشاهِدُ للعارفين مستقرُّ الهِمَم، والفقراء مستقرهم سُدَّةُ الكَرَم.
ويقال الكلُّ له مثوىً ومستقر، أما الموحِّد فإنه مأوى له ولا مستقر ولا مثوى ولا منزل.
ويقال النفوس مستودَعُ التوفيق من الله، والقلوبُ مستودعُ التحقيق من قِبَلِ الله.
ويقال القلوبُ مستودعُ المعرفة؛ فالمعرفة وديعة فيها، والأرواح مستودع المحبة فالمحابُ ودائع فيها. والأسرار مستودع المشاهدات فالمشاهدات ودائع فيها.
هود 11:7
قوله جلّ ذكره: { وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱ ;لْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً }.
وأَحْسَنُ الأعمالِ موافقةُ الأمرِ، ولم يَقُلْ أكثر عملاً.
ويقال أحسن الأعمال ما كان صاحبُه أشدَّ إخلاصاً فيه.
ويقال أحسنهم عملاً أبعدُهم عن ملاحظة أعماله.
ويقال أحسن الأعمال ما ينظر إليه صاحبه بعين الاستصغار.
ويقال أحسن الأعمال ما لا يطلبُ صاحبُه عليه عِوَضَاً.
ويقال أحسن الأعمال ما غابَ عنه صاحبه لاستغراقه في شهود المعبود.
قوله: { لِيَبْلُوَكُمْ } الابتلاءُ مِنْ قِبَلِه تعريفُ الملائكة حالَ من يبتليه في الشكر عند اليُسْر والصبر عند العُسر.
قوله جلّ ذكره: { وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ }.
استبعدوا النَّشْرَ لِتَقاصُرِ علومهم عن التحقُّق بكمال قدرة الحق، ولو عرفوا ذلك لأيقنوا أن البعث ليس بمعتاصٍ في الإيجاد ولا بمستحيلٍ في التقدير.
هود 11:8
يقول: إنْ أَمْهَلْنَا، وأخَّرْنا عليهم العذابَ لا يَرْعَوُون، بل يستعجلون العقوبة. ولئن عَجَّلْنا لهم العقوبةَ لا يتوبون ولا يستغفرون... استولى عليهم الجهلُ في الحاليْن، وعَمِيَتْ بصائرُهم عن شهودِ التقدير والإيمان بالغيب في النوعين. ويوم يأتيهم العذابُ فلا مناصَ ولا منجاةَ ولا مراحَ لهم منه.
هود 11:9
تَكَدُّرُ ما صفا من النِّعم، وتَغيُّرُ ما أُتيح من الإحسان والمِنَن حالٌ معهودةٌ وخُطَّة عامة، فلا أحدَ إلا وله منها خِطَّه فَمْنْ لم يرجع بالتأسُّفِ قلبه، ولم يتضاعفْ في كل نَفَسٍ تَلَهفُّهُ وكَرْبُه ففي ديوان النسيان، وأثبت اسمه في جملة أهل الهجران. ومن استمسك بعروة التضرع، واعتكف بعقوة التذلل، احتسى كاساتِ الحسرة عُلَلاً بعد نهل طاعته للحق بنعت الرحمة، وجَدَّدَ له ما اندرس من أحوال القربة، وأطْلَعَ عليه شمسَ الإقبال بعد الأفول والغيبة، كما قيل:تَقَشَعَ غَيمُ الهجرِ عن قمر الحبِّ وأشرق نورُ الصبح في ظلمة الغيب
وليس للأحوال الدنيوية خَطَرٌ في التحقيق، ولا يُعدُّ زوالها وتكدُرها من جملة المحن عند أرباب التحصيل، لكنَّ المحنة الكبرى والرزيةَ العظمى ذبولُ غصنِ الوصال؛ وتكدرُ مشرب القرب، وأفولُ شوارق الأُنْسِ، ورَمَدُ بصائر أرباب الشهود... فعند ذلك تقوم قيامتُهم، وهناك تُسْكَبُ العَبَراتُ. ويقال إذا نَعَقَ في ساحاتِ هؤلاء غرابُ البيْن ارتفع إلى السماء نُوَاحُ أسرارهم بالويل، ومن جملة ما يبثون نحيبهم ما قلتُ:قولاً لَمِنْ سَلَبَ الفؤادَ فراقُه ولقد عَهِدنا أن يُبَاحَ عِتَاقُه
بَعُدَ الفراقِ... فبالذي هو بيننا هَلاَّ رحمتم مَنْ دنا إزهاقُه؟
عهدي بمن جحد الهوى أزمان كُـ ـنَّا بالصبابةِ - لا يَضيق نِطاقُه
والآن مُذْ بَخِلَ الزمانُ بوصلنا ضاق البسيطة حين دام فراقُه
هل تُرتَجى من وصل عِزِّك رجعةٌ تحنو على قمرٍ يدوم محاقُه؟
إن كان ذاك كما تروم فأخْبِروا أنَّى له أن يعودَ شروقَه؟
هود 11:10
إذا كشفنا الضُرَّ عنهم رحمةً مِنَّا عادوا إلى تهتكهم بدلاً من أن يتقربوا إلينا، وأساءوا بخلع عذارهم بدل أن يقوموا بشكرنا، وكلما أتَحْنَا لهم من إمهالنا أَمِنوا لمكرنا ولم يخافوا أنْ نأخذَهم فجأة بقهرنا.
هود 11:11
الإنسان في الآية السابقة اسم جنس.
وإلا للاستثناء منه، وقيل بمعنى " لكن " ، يريد إذا أذقناهم نعمة بعد الشدة بطروا، إلا المؤمنين فإنهم بخلاف ذلك، أي لكنَّ الذين آمنوا بخلاف ذلك، فإنهم لصبرهم على ما به أُمِروا، وعما عنه زُجِروا، ولمعانقتهم للطاعات ومفارقتهم الزَّلات...فلهم مغفرة وأجر، مغفرة لعصيانهم، وأجرٌ على إحسانهم. والفريقان لا يستويان، قال قائلهم:أَحْبَابُنا شَتَّان وافٍ وناقِصٌ ولا يستوي قطٌُّ مُحبٌّ وباغض
هود 11:12
قوله جلّ ذكره: { فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ }.
اقترحوا عليه أن يأتي بكتاب ليس فيه سَبُّ آلهتهم، وبيَّن الله - سبحانه - له ألا يتركَ تبليغ ما أُنزِل عليه لأجْلِ كراهتهم، ولا يُبَدِّلَ ما يُوحَى إليه.
قوله جلّ ذكره: { وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ }.
وهذا على وجه الاستبعاد؛ أي لا يكون منك تركُ ما أُوحِيَ إليك، ولا يضيق صَدرُك بما يبدو من الغيب... ومَنْ شرح الله بالتوحيد صدرَه، ونوَّر بشهود التقدير سِرَّه -متى يلحقه ضيقُ صدْرٍ أو استكراهُ أَمْرٍ؟ ثم قال: { إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ }: أي أنت بِالإرسال منصوبٌ، وأحكامُ التقدير عليكَ مُجْرَاةٌ.
هود 11:13
في الآية بيانٌ أنَّ المكلَّفَ مُزَاحُ العِلَّةِ لِمَا أُقِيمَ له من البرهانِ وأُهِّلَ له من التحقيق. وأَنَّ الإيمانَ بالواسطة - صلى الله عليه وسلم وآله - واجِبٌ لِما خُصَّ به من المعجزات التي أوضحها الكتابُ المُنَزَّلُ والقرآنُ المُفَصَّلُ الذي عجز الكفار عن معارضته.
هود 11:14
يعني فإن لم يستجيبوا لكم يعني إلى الإتيان بمثله - وهم أهل بلاغة - فتحققوا أنه من قِبَلِ الله، وليس على سنة التحقيق (....) إنما العمى في بصائر من ضلُّوا عن الحقِّ، وتاهوا في سدفة الحيرة.
هود 11:15
مَنْ قَنَع منهم بدنيا الدناءةُ صِفَتُها وَسَّعْنَا عليه في الاستمتاع بأيام فيها، ولكن عَقِبَ اكتمالِها سيرى زوالَها، ويذوق بعد عسلِها حَنْظَلَها.
هود 11:16
أولئك الذين خَابَتْ آمالُهُم، وظهرت لهم - بخلاف ما احتسبوا - ألامُهم، حَبِطَتْ أعمالُهم- وحاق بهم سوء حالهم.
هود 11:17
فيه إضمار ومعناه أفمن كان على بينة كمن ليس على بينة...لا يستويان.
والبيِّنَةُ لأقوامٍ برهانُ العِلْمِ، ولآخرين بيانُ الأمر بالقطع والجزم؛ يُشْهِدهم الحقُّ ما لا يطلع عليه غيرهم، كما قلت:ليلى من وجهك شمس الضحا (......................)
فالناس في الظلمة من ليلهم ونحن من وجهك في الضوء والشاهد
فالذي يتولاه فهو مشاهِدٌ، وفي الخبر " أولياءُ الله الذين إذا أرادوا ذكر الله......... "
قال تعالى:{ وَلَوْ نَشَآء لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ } [محمد: 30].
هود 11:18
قوله جلّ ذكره: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً }.
مَنْ ادَّعى على الله حالاً لم يكن متحققاً بها فقد افترى على الله كذباً، واستوجب المقت، وعقوبته ألاَّ يُرْزَق بركةً في أحواله، ثم إنه يكشف للشهداء عيوبَه، فيفضحه بين الخْلق، والشهداءُ قلوبُ الأولياء، ومَنْ شهدت القلوبُ عليه بالردِّ فهو غيرُ مقبولٍ عند الحقِّ.
هود 11:19
قوله جلّ ذكره: { ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ... } الآية.
هذا من جملة صفات المفترين على الله الكذب، ومِنْ صدِّهم عن السبيل أن يُظهِروا من أنفسهم أحوالاً تُخِلُّ بأحكام الشريعة، ولا يَرَوْن ذلك كبيرةً في الطريقة، ويُوهمون المُسْتَضْعفين من أهل الاعتراض عليهم أنَّ لهم في ذلك رخصة، فَيضِلُّون ويُضِلُّون. ومن جملة صدِّهم عن السبيل تغريرهم بالناس، وإيقاعهم في الغَلَطِ، ويرتفقون بشيءٍ مما في أيديهم من حطام الدنيا، ولا يَسْتَحُون منْ أَخْذِ شيءٍ لا يستوجبونه بأي وجه حقِّ، ويُدَاهِنُون في دين الله.
هود 11:20
قوله جلّ ذكره: { أُولَـٰئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ... } الآية.
مَنْ هذه صفتهم لا يربحون في تجارتهم، ولا يلحقون غايةً طلبوها؛ فيبقون عن الحق، ولا يبارك لهم فيما اعتاضوا من صحبة الخْلق. خَسِرتْ صفْقتُهُمْ، وبَارَتْ بضاعتُهم، لَقُوا الهوان، وذاقوا اليأس والحرمان.
هود 11:22
لا محالةَ أنهم في الآخرة أشدُّ خسراناً، وأوفر - من الخيرات - نقصاناً.
هود 11:23
قوله جلّ ذكره: { إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوۤاْ }.
الإخباتُ التخشع لله بالقلب بدوام الانكسار، ومن علامته الذبول تحت جريان المقادير بدوام الاستغاثة بالسر.
هود 11:24
قوله جلّ ذكره: { مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ... } الآية.
مثلُ الكافر في كفره كالأعمى والأصم، ومَثَلُ المؤمن في إيمانه كالسميع والبصير - هذا بيان التفسير.
والإشارة فيه أن الأعمى مَنْ عَمِيَ عن الإبصار بِسرِّه، والأصمُّ الذي طَرِش بسَمْع قلبه؛ فلا باستدلاله شَهِدَ سر تقديره في أفعاله، ولا بنور فراسةٍ توهم ما وقف عليه من مكاشفات الغيب لقلبه، ولا بسَمْع القبولِ استجابَ لدواعي الشريعة، ولا بِحُكْم الإنصاف انْقَادَ لما يتوجَّب عليه من مطالبات الوقت مما يلوح لِسرِّه من تلويحات الحقيقة.
وأما البصير فهو الذي يشهد من الحق أفعاله بعلم اليقين، ويشهد صفاته بعين اليقين، ويشهد ذاته بحق اليقين، والغائبات له حضور، والمستورات له كشف. فالذي يسمع فَصِفَتُه ألا يسمعَ هواجسَ النَّفْس ولا وساوس الشيطان؛ فيسمع من دواعي العلم شرعاً، ثم من خواطر التعريف قدراً، ثم يكاشف بخطاب من الحق سِرَّا.
فهؤلاء لا يستويان، ولا في طريق يلتقيان:راحَتْ مُشَرِّقةً ورُحْتُ مُغَرباً فمتى التقاءُ مُشَرِّقٍ ومُغَرِّبٍ؟!
هود 11:25
كان نوحٌ عليه السلام أطولَ الأنبياء عُمْراً وأشدَّهم بلاءً، وسمي نوحاً لكثرة نَوْحِه على نَفْسِه.. وسببُ ذلك أنه مرَّ بكلبٍ فقال: ما أقبحه! فأوحى الله إليه أَنْ اخلقْ أنت أَحْسَنَ من هذا. فأخذ يبكي وينوح على نفسه كلَّ ذلك النَّوْح. فكيف بحالِ مَنْ لم يذكر يوماً مما مضى من عمره في مدة تكليفه - ولم يحصل منه لله كثير من ولاية!؟
هود 11:26
كان نوحٌ عليه السلام أطولَ الأنبياء عُمْراً وأشدَّهم بلاءً، وسمي نوحاً لكثرة نَوْحِه على نَفْسِه.. وسببُ ذلك أنه مرَّ بكلبٍ فقال: ما أقبحه! فأوحى الله إليه أَنْ اخلقْ أنت أَحْسَنَ من هذا. فأخذ يبكي وينوح على نفسه كلَّ ذلك النَّوْح. فكيف بحالِ مَنْ لم يذكر يوماً مما مضى من عمره في مدة تكليفه - ولم يحصل منه لله كثير من ولاية!؟
هود 11:27
أنكروا صحة كوْنهِ نبيَّا لمشاكلته إياهم في الصورة، ولم يعلموا أن المباينة بالسريرة لا بالصورة.
ثم قال: { وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ }: نظروا إلى أتباعه نَظْرَةَ استصغارٍ، ونَسَبُوهم إلى قِلَّةِ التحصيل... وما استصغر أحدٌ أحداً من حيث رؤية الفضل عليه إِلا سَلَّطَ اللَّهُ عليه، وأذاقه ذُلَّ صَغَارِه، فبالمعاني يحصل الامتيازُ لا بالمباني:ترى الرجلَ النحيف فتزدريه وفي أثوابه أسد هصور
فإن أَكُ في شِراركم قليلاً فإني في خِياركم كثير
هود 11:28
الصُّبحُ لا خَلَلَ في ضيائه لِكَوْن الناظرين عمياناً، والسيفُ لا خَلَلَ في مُضَائِه لِكَوْنِ الضاربين صبياناً... وكيف لِبَشَرٍ من قدرةٍ على هداية مَنْ أَضَلَّه اللَّهُ - ولو كان نبيَّا؟
هيهات لا ينفع مع الجاهل نُصْحٌ، ولا ينجح في المُصِرِّ وعظٌ!
هود 11:29
سُنَّة الأنبياء - عليهم السلام - ألا يطلبوا على رسالتهم أجراً، وأَلاَّ يُؤَمِّلُوا لأنفسهم عند الخْلق قَدْراً، عَمَلُهُم لله لا يطلبون شيئاً من غير الله. فَمَنْ سَلكَ من العلماء سبيلَهم حُشِرَ في زمرتهم، ومَنْ أَخَذَ على صلاحِه مِنْ أحدٍ عِوَضَاً، أو اكتسب بسداده جاهاً لم يَرَ من الله إلا هواناً وصَغَاراً.
هود 11:30
مجالسةُ الفقراءِ اليومَ - وهم جَُلساءُ الحقِّ غداً - أجدى من مجالسة قومٍ من الأغنياء هم من أهل الردِّ.
ومَنْ طَرَدَ مَنْ قَرَّبَه الله وأدناه استوجب الخِزْيَ في دنياه، والصَّغَارَ في عقباه.
هود 11:31
قوله جلّ ذكره: { وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ }.
لا أتخطَّى خَطِّي عما أبلغ مما حملتُ من رسالتي، ولا أتعدَّى ما كُلِّفْتُ به، ولا أزيد عما أُمِرْتُ، ولن أخرجَ عن الذي أنبأوني، بل أنتصب بشاهدي فيما أقاموني.
قوله جلّ ذكره: { وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْراً ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيۤ أَنْفُسِهِمْ إِنِّيۤ إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ }.
إن أولياء الله سبحانه في أثوابهم ولا يراهم إلا من قارَبَهُم في معناهم. اللَّهُ أعلمُ بأحوالهم, وفي الجملة: طيرُ السماءِ على أُلاَّفها تقع.
هود 11:32
أوضح لهم من البراهين مالوا أنعموا النظر فيه لتمَّ لهم اليقين، ولكنهم أصروا على الجحود، ولم يقنعوا من الموعود بغير المشهود.
هود 11:33
أقَرَّ بالعبودية، وتَبرَّأ عن الحول والقوة، وأحال الأمرَ على المشيئة. ولقد أنصف مَنْ لم يُجَاوِزْ حَدَّه في الدعوى. والأنبياء عليهم السلام - وإن كانوا أصحاب التحدي للناس بمعجزاتهم فهم معترفون بأنهم موقوفون عند حدودهم.
هود 11:34
مَنْ لم يُساعده تعريفُ الحقِّ - بما له بحكم العناية - لم ينفعه نُصْحُ الخَلْقِ في النهاية.
ويقال مَنْ لم يُوَصِّلْه الحقُّ للوصال في آزاله لم ينفعه نُصْحُ الخَلْقِ في حاله.
ويقال مَنْ سَبَقَ الحُكْمُ له بالضلالة أَنَّى ينفعه النصحُ وبَسْطُ الدلالة؟
ويقال من لم تساعدْه قسمةُ السوابق لم ينفعه نُصْحُ الخلائق.
قوله: { إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ }: من المحال اجتماع الهداية والغواية؛ فإذا أراد اللَّهُ بقوم الغواية لم يصح أن يقال إنهم من أهل الهداية.
ثم بيَّن المعنى في ذلك بأن قال: { هُوَ رَبُّكُمْ } لِيَعْلَم العالِمون أَنَّ الربَّ تعالى له أن يفعل بعباده ما شاء بحكم الربوبية.
هود 11:35
ومهما وصفتموني فإني أُجِيبُ اللّهَ.. وكُلٌّ مُطَالَبٌ بفعله دون فِعْلِ صاحبِه.
هود 11:36
عرَّفه الحقُّ أنَّه غنيٌّ عن إيمانهم، فكَشَفَ له أحكامَهم، وأَنَّ مَنْ لم يؤمن منهم قد سبق الحكمُ بشقائهم، فعند ذلك دعا عليهم نوحٌ - عليه السلام - بالإهلاك.
ويقال لم يدعُ عليهم ما دام للمطمع في إيمانهم مساغٌ، فلما حََصَل العكسُ نطق بالتماس هلاكهم.
هود 11:37
أي قُمْ - بشرط العبودية - بصنع السفينة بأمرنا، وتحقق بشهودنا، وأنَّك بمرأىً منا. ومَنْ عَلِمَ اطلاَعه عليه لم يلاحِظْ نَفْسَه ولا غيرَه، لا سيما وقد تحقق بأنَّ المُجْرِي هو سبحانه.
وقال له: راعِ حَدَّ الأدَبِ، فما لم يكن لك إذْنٌ منا في الشفاعة لأحدٍ فلا تُخاطِبْنا فيهم.
ويقال سبق لهم الحكمُ بالغَرَقِ - وأمواج بحر التقدير تتلاطم - فكلٌّ في بحار القدرة مُغْرَقُون إلا من أهَّلَه الحقُّ بِحُكْمِه فَحَمَلَه في سفينة العناية.
ويقال كان قومُ نوحٍ من الغَرْقَى في بحار القَطْرِة، ومِنْ قبلُ كانوا غرقى في بحار القدرة.
هود 11:38
لما تَحقَّقَ بما أمر اللَّهُ به لم يأْبَه عند إمضاءِ ما كُلِّفَ به بما سَمِعَ من القيل، ونظر إلى الموعود بطَرْفِ التصديق فكان كالمُشاهِد له قبلَ الوجود.
هود 11:39
لا طاعةَ لمخلوقٍ في مقاساة تقديره - سبحانه - إلا من تحمل عنه بفضله ما يحمله بحُكْمه.
هود 11:40
قوله جلّ ذكره: { حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ }.
طال انتظارُهم لِمَا كان يَتَوَعَّدُهم به نوحٌ عليه السلام على وجه الاستبعاد، ولم يَزِدْهُم تطاولُ الأيامِ إلا كفراً؛ وصَمَّمُوا على عقد تكذيبهم.
ثم لمَّا أتاهم الموعودُ إياهم بغتةً، وظهر من الوضع الذي لم يُحِبُّوه فآرَ الماءُ من التنور المسجور، وجادت السماءُ بالمطر المعبور.
{ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ }: استبقاءً للتناسل.
ويقال: قد يؤْتَى الحَذِرُ من مَأْمَنِه؛ فإن إبليسَ جاء إلى نوح - عليه السلام -.
وقال: احْمِلني في السفينة فأَبَى نوحٌ عليه السلام، فقال له إبليس: أَمَا عَلِمْتَ أَني من المُنْظَرين إلى يوم معلومٍ، ولا مكانَ لي اليومَ إلا في سفينتك؟
فأوحى الله إلى نوح أن يَحْمِلَه معه.
ويقال لم يكن لابن نوحٍ معه مكان، وأُمِرَ بِحَمْل إبليس وهو أصعب الأعداء! وفي هذا إشارة إلى أن أسرار التقدير لا تجري على قياس الخَلْق؛ كأنه قيل له: يا نوح... ابنك لا تحمله، وعدوك فَأَدْخُلْه، فالله سبحانه فعَّالٌ لما يريد.
قوله جلّ ذكره: { إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ }.
{ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ } بالشقاوة. وفيه تعريف بأن حُكْمَ الأَزَل لا يُرَدُّ، والحقُّ - سبحانه - لا يُنَازَعُ، والجبَّارُ لا يُخَاصَمُ، وأن مَنْ أقصاه ربُّه لم يُدْنِه تنبيهٌ ولا بِرٌّ ولا وَعْظ.
{ وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ } ولكن بَارَكَ الحقُّ - سبحانه - في الذين نجَّاهم من نَسْلِه، ولم يدخل خَللٌ في الكونِ بعد هلاكِ مَنْ أَهْلَك مِنْ قومه.
هود 11:41
عَرَفَ أَنَّ نجاتَه من القَطْرةِ لمَّا تقَاطرَتْ ليست بالحِيَلِ - وإنْ تَنوّعَتْ وكَثُرَتْ، فباسم اللّهِ سلامتُه، وبتوكلِه على الله نجاتُه وراحتُه، وبتفضله - سبحانه - صلاحُه وعافيته.
هود 11:42
وكان في معزل بظاهره، وكان في سرِّ تقديره أيضاً بمعزلٍ عما سبق لنوح وقومه من سابق فضله. فحينما نطق بِلسانِ الشفقةِ وقال: { يٰبُنَيَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ } - لم يقل له: ولا تكن من الكافرين؛ لأن حالته كانت مُلْتَبِسةً على نوح إذ كان ابنُه ينافقه - فقيل له: يا نوح إنه مع الكافرين لأنه في سابق حُكْمِنا من الكافرين.
هود 11:43
أَخْطأَ مِنْ وجهين: رأى الهلاكَ من الماءِ وكان مِنَ اللَّهِ، ورأى النجاةَ والعِصمةَ من الجبل وهما من الله، فقال له نوح: لا عاصِمَ اليومَ من أمرِ الله. قيل أراد لا معصومَ اليوم من الله. وقيل لا أحدَ يَعْصِم أحداً من أمر الله، لكنْ مَنْ رَحِمَه ربُّه فهو معصومٌ من ذلك، وله عاصمٌ وهو الله.
ولقد كان نوح - عليه السلام - مع ابنه في هذه المخاطبات فجاءت أمواجُ الماءِ وحالَـَتْ بينهما وصار من المُغْرَقِين، فلا وعظُه ونُصْحُه نفعاه، ولا قولُه وتذكيره نَجَّيَاه وخَلصَّاه.
ويقال احتمل أن لو قيل له يا نوح عَرَّفْنَا العَالَم بدعائك ولا عليكَ إِنْ عَرَفَ.
هود 11:44
فلما غَرِقَ ابنُ نوح سَكَنَ الموجُ ونضَبَ الماءُ وأقلعت السماء، وكأنه كان المقصودُ من الطوفانِ أَنْ يغرِقَ ابنُ نوحٍ - عليه السلام - وقيل:عَجِبْتُ لِسَعْيِ الدهرُ بيني وبينها فلما انقضى ما بيننا سَكَنَ الدهرُ
هود 11:45
خَاطَبَ الحقَّ - سبحانه - في باب ابنْهِ، واستعطفَ في السؤال فقال:
و { إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي }: فقال له: إنَّه ليست مِنْ أهل الوصلة قِسْمَتُه - وإنْ كان من أَهْلِكَ نَسَباً ولُحْمَةً، وإنَّ خطابَك في بابه عملٌ غيرُ صالح، أو إنه أيضاً عَمِلَ غيرَ صالح.
{ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ }: أي سَتَرْتُ غيبي في حال أوليائي وأعدائي، فلا يُعلَمُ سِرُّ تقديري.
قوله: { إِنِّيۤ أَعِظُكَ }: وذلك لحُرْمِة شيخوخته وكِبَرِه، ولأنه لم يَسْتَجِبْ له في وَلَدِه، فتَدارَكَ بِحُسْنِ الخطابِ قَلْبَه.
وقيل إن ابنَ نوح بَنَي من الزجاجِ بيتاً وقتَ اشتغال أبيه باتخاذ السفينة، فلما ركب نوحٌ السفينةَ دَخَلَ ابنُه في البيتِ الذي اتخذه من الزجاج، ثم إن الله تعالى سلَّطَ عليه البوْلَ حتى امتلأ بيْتُ الزجاج من بَوْلِه؛ فَغَرِق الكلُّ في ماء البحر،وغرق ابنُ نوحٍ في بَوْلِه! ليُعلَمَ أنه لا مفرَّ مِنَ القَدَر.
هود 11:46
خَاطَبَ الحقَّ - سبحانه - في باب ابنْهِ، واستعطفَ في السؤال فقال:
و { إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي }: فقال له: إنَّه ليست مِنْ أهل الوصلة قِسْمَتُه - وإنْ كان من أَهْلِكَ نَسَباً ولُحْمَةً، وإنَّ خطابَك في بابه عملٌ غيرُ صالح، أو إنه أيضاً عَمِلَ غيرَ صالح.
{ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ }: أي سَتَرْتُ غيبي في حال أوليائي وأعدائي، فلا يُعلَمُ سِرُّ تقديري.
قوله: { إِنِّيۤ أَعِظُكَ }: وذلك لحُرْمِة شيخوخته وكِبَرِه، ولأنه لم يَسْتَجِبْ له في وَلَدِه، فتَدارَكَ بِحُسْنِ الخطابِ قَلْبَه.
وقيل إن ابنَ نوح بَنَي من الزجاجِ بيتاً وقتَ اشتغال أبيه باتخاذ السفينة، فلما ركب نوحٌ السفينةَ دَخَلَ ابنُه في البيتِ الذي اتخذه من الزجاج، ثم إن الله تعالى سلَّطَ عليه البوْلَ حتى امتلأ بيْتُ الزجاج من بَوْلِه؛ فَغَرِق الكلُّ في ماء البحر،وغرق ابنُ نوحٍ في بَوْلِه! ليُعلَمَ أنه لا مفرَّ مِنَ القَدَر.
هود 11:47
نَسِيَ نوحٌ - عليه السلام - حديثَ ابنه في حديث نفسه، فاستعاذ بفضله واستجار بلطفِه، فوجد السلامةَ من ربِّه في قوله جل ذكره: { قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا }.
هود 11:48
طَهَّرَ وجهَ الأرضِ من أعدائه، وحفظ نوحاً عليه السلام من بلائه، هو ومن معه من أصدقائه وأقربائه.
والأممُ التي أخبر أنه سَيُمَتِّعُهم ثم يَمَسُّهم العذابُ هم الذين ليسوا من أهل السعادة.
هود 11:49
أعلمناكَ بهذه الجملة، وأنبأناك بهذه القصص لما خصصناك من غير أن تتعلَمه من شخص، أو من قراءةِ كتاب؛ فإِنْ قابَلَكَ قومك بالتكذيب فاصبِرْ، فَعَنْ قريبٍ تنقلب هذه الأمور.
هود 11:50
كَلَّفَ الأنبياء - عليهم السلام - بالذهاب إلى الخَلْق لا سيما وقد عاينوا - بالحق - مَنْ تَقَدَّمَهُم من فترة الملأ، ولكنهم تَحَمَّلُوا ذلك حين أَمَرهُم الحقُّ بالتوجُّهِ إليهم فَرَضُوا، وأظهروا الدلالةَ، وأَدَّوْا الرسالةَ، ولكن ما زاد الناسُ إلا نفرةً على نفرة.
هود 11:51
لم يأتِ نبيٌّ من الأنبياء - عليهم السلام - إلاَّ وأَخْبَرَ أنه ليس له أنْ يطلبَ في الجملة أجْرَاً من اللّهِ لا من غير الله.
هود 11:52
استغفروا ربكم ثم توبوا إليه بعد الاستغفار، مِنْ توهمكم أن نجاتَكم باستغفاركم. بل تَحقَّقُوا بأنكم لا تجدون نجاتَكم إلا بفضلِ ربِّكم؛ فَبِفَضْلِه وبتوفيقه توصَّلْتُم إلى استغفاركم لا باستغفاركم،وصلتم إلى نجاتكم، وبرحمته أهَّلَكُم إلى استغفاركم، وإلاَّ لَمَا وصلتم إلى توبتكم ولا إلى استغفاركم.
والاستغفار قَرْع باب الرزق، فإذا رجع العبد إلى الله بحسن تضرعه، فتح عليه أبوابَ رحمته، وَيَّسرَ له أسبابَ نعمته.
ويقال يُنَزِّل على ظواهركم أمطارَ النِّعمة،وعلى ضمائرِكم وسرائرِكم يُنَزِّل أنواعَ المِنَّة، ويزيدكم قوة على قوة؛ قوة تحصلون بها توسعة أنواع الرِزْقِ، وقوةً تحصلون بها تحسين أصناف الخُلُقِ.
هود 11:53
قوله جلّ ذكره: { قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ }.
ما زادهم هودُ عليه السلام بَسُطا في الآية وإيضاحاً في المعجزة إلا زادهم اللَّهِ تعالى عَمىً على عَمىً، ولم يرزقْهم بصيرةً ولا هديً، ولم يزيدوا في خطابِهم إلا بما دَلُّواعلى فَرْطِ جهالتهم، وشدة ضلالتهم بعد إطنابهم وانتهابهم، وقالوا:
{ إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ قَالَ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ }.
وكيف ظَنُّوا أنَّ آلهتَهم تَمسُّ أعداءَهم بسوءٍ وهي لا تضرُّ أعداءها ولا تنفع أولياءَها؟ فهؤلاء الغوايةُ عليهم مُسْتَوْلية. ثم إن هوداً عليه السلام أفْصَحَ عن فضل ربِّه عليه؛ وصَرَّحَ بإخلاصه وحُسْنِ يقينه فقال: { أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } ثم قال:
{ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ }.
فلم يَحْتَحْ معهم إلى تضرع واستخذاء، ولا راوَدُهم في سْلم واستمهال، ولم يَتَّصْفْ في ذلك بركونٍ إلى حَوْله ومُنَّته، ولم يستند إلى جِدِّه وقوَّته بل قال:
{ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }.
أخبر أنه بموعودِ الله له بنُصْرتِه واثق، وأنه في خلوص طاعته لربِّه وفي صفاء معرفته (غيرُ مُفَارِقِ).
هود 11:54
قوله جلّ ذكره: { قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ }.
ما زادهم هودُ عليه السلام بَسُطا في الآية وإيضاحاً في المعجزة إلا زادهم اللَّهِ تعالى عَمىً على عَمىً، ولم يرزقْهم بصيرةً ولا هديً، ولم يزيدوا في خطابِهم إلا بما دَلُّواعلى فَرْطِ جهالتهم، وشدة ضلالتهم بعد إطنابهم وانتهابهم، وقالوا:
{ إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ قَالَ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ }.
وكيف ظَنُّوا أنَّ آلهتَهم تَمسُّ أعداءَهم بسوءٍ وهي لا تضرُّ أعداءها ولا تنفع أولياءَها؟ فهؤلاء الغوايةُ عليهم مُسْتَوْلية. ثم إن هوداً عليه السلام أفْصَحَ عن فضل ربِّه عليه؛ وصَرَّحَ بإخلاصه وحُسْنِ يقينه فقال: { أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } ثم قال:
{ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ }.
فلم يَحْتَحْ معهم إلى تضرع واستخذاء، ولا راوَدُهم في سْلم واستمهال، ولم يَتَّصْفْ في ذلك بركونٍ إلى حَوْله ومُنَّته، ولم يستند إلى جِدِّه وقوَّته بل قال:
{ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }.
أخبر أنه بموعودِ الله له بنُصْرتِه واثق، وأنه في خلوص طاعته لربِّه وفي صفاء معرفته (غيرُ مُفَارِقِ).
هود 11:55
قوله جلّ ذكره: { قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ }.
ما زادهم هودُ عليه السلام بَسُطا في الآية وإيضاحاً في المعجزة إلا زادهم اللَّهِ تعالى عَمىً على عَمىً، ولم يرزقْهم بصيرةً ولا هديً، ولم يزيدوا في خطابِهم إلا بما دَلُّواعلى فَرْطِ جهالتهم، وشدة ضلالتهم بعد إطنابهم وانتهابهم، وقالوا:
{ إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ قَالَ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ }.
وكيف ظَنُّوا أنَّ آلهتَهم تَمسُّ أعداءَهم بسوءٍ وهي لا تضرُّ أعداءها ولا تنفع أولياءَها؟ فهؤلاء الغوايةُ عليهم مُسْتَوْلية. ثم إن هوداً عليه السلام أفْصَحَ عن فضل ربِّه عليه؛ وصَرَّحَ بإخلاصه وحُسْنِ يقينه فقال: { أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } ثم قال:
{ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ }.
فلم يَحْتَحْ معهم إلى تضرع واستخذاء، ولا راوَدُهم في سْلم واستمهال، ولم يَتَّصْفْ في ذلك بركونٍ إلى حَوْله ومُنَّته، ولم يستند إلى جِدِّه وقوَّته بل قال:
{ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }.
أخبر أنه بموعودِ الله له بنُصْرتِه واثق، وأنه في خلوص طاعته لربِّه وفي صفاء معرفته (غيرُ مُفَارِقِ).
هود 11:56
قوله جلّ ذكره: { قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ }.
ما زادهم هودُ عليه السلام بَسُطا في الآية وإيضاحاً في المعجزة إلا زادهم اللَّهِ تعالى عَمىً على عَمىً، ولم يرزقْهم بصيرةً ولا هديً، ولم يزيدوا في خطابِهم إلا بما دَلُّواعلى فَرْطِ جهالتهم، وشدة ضلالتهم بعد إطنابهم وانتهابهم، وقالوا:
{ إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ قَالَ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ }.
وكيف ظَنُّوا أنَّ آلهتَهم تَمسُّ أعداءَهم بسوءٍ وهي لا تضرُّ أعداءها ولا تنفع أولياءَها؟ فهؤلاء الغوايةُ عليهم مُسْتَوْلية. ثم إن هوداً عليه السلام أفْصَحَ عن فضل ربِّه عليه؛ وصَرَّحَ بإخلاصه وحُسْنِ يقينه فقال: { أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } ثم قال:
{ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ }.
فلم يَحْتَحْ معهم إلى تضرع واستخذاء، ولا راوَدُهم في سْلم واستمهال، ولم يَتَّصْفْ في ذلك بركونٍ إلى حَوْله ومُنَّته، ولم يستند إلى جِدِّه وقوَّته بل قال:
{ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }.
أخبر أنه بموعودِ الله له بنُصْرتِه واثق، وأنه في خلوص طاعته لربِّه وفي صفاء معرفته (غيرُ مُفَارِقِ).
هود 11:57
أوحينا إليه أنْ قُلْ لهم: إنْ تَوَلَّوْا ولم تُؤمنوا بي فقد بَلَّغْتُ ما حُمِّلت من رسالتي، وإني واثقٌ بأَنَّ الله إذا أهلككم يأتِ بأقوام آخرين سواكم أطْوعَ له منكم، وإنْ أفناكم ما اختلَّ مُلْكُه؛ إذْ الحقُّ - سبحانه - بوجود الأغيار لا يلحقه زيْنٌ - وإنْ وَحَّدُوا، وبفقدهم لا يَمُّسه شَيْنٌ - وإنْ جحدوا وألحدوا.
هود 11:58
ولما جاء أمْرنا بإهلاكِهم نَجَّينَا هوداً والذين آمنوا برحمتنا، ولم يَقُلْ باستحقاقه النجاةَ بوسيلةِ نُبُوته، أو لجسامة طاعته ورسالته بل قال: { بِرَحْمَةٍ مِّنَّا } ، ليَعْلَمَ الكافةُ أنَّ الأنبياء - عليهم السلام - ومَنْ دونَهم عتيقُ رحمته، وغريقُ مِنَّتِه، لا لاستحقاقِ أحدٍ ولا لواجب على الله في شيء.
هود 11:59
في إنزالِ قصصهم تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم وآله - فيما كان يقاسي من العناء، وللمؤمنين فيما بذلوا من حسن البلاء، والعِدَةُ بتبديل - ما كانوا يلقَوْنه من الشِدَّة - بالرجاء.
هود 11:60
أخبر أنهم خسروا الدنيا والآخرة، أمَّا في هذه الدنيا فبالاستئصال بأليم الشدة وما تَبِعَه من اللَّعنة، ثم ما يلقونه في الآخرة من تأبيد العقوبة. وبقاؤهم عن رحمة الله أصعبُ من صنوف كل تلك المحنة، كما قيل:تَبَدَّلَتْ وتبدلنا واحسرتا لِمَنْ ابتغى عوضاً لِسَلْمى فَلَمْ يَجِد
هود 11:61
عُقَيْبَ ما مضى من قصة عادٍ ذَكَرَ ثمود، وثمودهم قوم لصالح، وقد انخرطوا في الغيِّ في سِلْكِ مَنْ سَبَقَهم، فَلَحِقَتُ العقوبةُ بجميعهم. ثم أخبر أنهم قابلوا نَبِيَّهم - عليه السلام - بالتكذيب، ولم يقفوا على ما نبَّههُم عليه من التوبة والتصديق وأصَرُّوا على الإقرار أنهم في شأنه لفي شكٍ مريب.
ثم بيَّن أنَّ صالحاً لم يُعِرِّجْ - في التبليغ - على تقصير.
وبَعْدَ تَمَرُّدِهم وامتناعهم عن الإنابةِ، وإصرارهم على تَرْكِ الإجابة حقَّ عليهم ما توعدهم به من عذاب غير مكذوب،ونجَّى نبيَّهم - عليه السلام -، ونجَّى مَنْ اتَّبَعَه من كل عقوبة...سُنَّةٌ منه - سبحانه - في إِنجاءِ أوليائه أمضاها، وعادةٌ في تلطفه ورحمته بالمستحقين أجراها.
هود 11:62
عُقَيْبَ ما مضى من قصة عادٍ ذَكَرَ ثمود، وثمودهم قوم لصالح، وقد انخرطوا في الغيِّ في سِلْكِ مَنْ سَبَقَهم، فَلَحِقَتُ العقوبةُ بجميعهم. ثم أخبر أنهم قابلوا نَبِيَّهم - عليه السلام - بالتكذيب، ولم يقفوا على ما نبَّههُم عليه من التوبة والتصديق وأصَرُّوا على الإقرار أنهم في شأنه لفي شكٍ مريب.
ثم بيَّن أنَّ صالحاً لم يُعِرِّجْ - في التبليغ - على تقصير.
وبَعْدَ تَمَرُّدِهم وامتناعهم عن الإنابةِ، وإصرارهم على تَرْكِ الإجابة حقَّ عليهم ما توعدهم به من عذاب غير مكذوب،ونجَّى نبيَّهم - عليه السلام -، ونجَّى مَنْ اتَّبَعَه من كل عقوبة...سُنَّةٌ منه - سبحانه - في إِنجاءِ أوليائه أمضاها، وعادةٌ في تلطفه ورحمته بالمستحقين أجراها.
هود 11:63
عُقَيْبَ ما مضى من قصة عادٍ ذَكَرَ ثمود، وثمودهم قوم لصالح، وقد انخرطوا في الغيِّ في سِلْكِ مَنْ سَبَقَهم، فَلَحِقَتُ العقوبةُ بجميعهم. ثم أخبر أنهم قابلوا نَبِيَّهم - عليه السلام - بالتكذيب، ولم يقفوا على ما نبَّههُم عليه من التوبة والتصديق وأصَرُّوا على الإقرار أنهم في شأنه لفي شكٍ مريب.
ثم بيَّن أنَّ صالحاً لم يُعِرِّجْ - في التبليغ - على تقصير.
وبَعْدَ تَمَرُّدِهم وامتناعهم عن الإنابةِ، وإصرارهم على تَرْكِ الإجابة حقَّ عليهم ما توعدهم به من عذاب غير مكذوب،ونجَّى نبيَّهم - عليه السلام -، ونجَّى مَنْ اتَّبَعَه من كل عقوبة...سُنَّةٌ منه - سبحانه - في إِنجاءِ أوليائه أمضاها، وعادةٌ في تلطفه ورحمته بالمستحقين أجراها.
هود 11:64
عُقَيْبَ ما مضى من قصة عادٍ ذَكَرَ ثمود، وثمودهم قوم لصالح، وقد انخرطوا في الغيِّ في سِلْكِ مَنْ سَبَقَهم، فَلَحِقَتُ العقوبةُ بجميعهم. ثم أخبر أنهم قابلوا نَبِيَّهم - عليه السلام - بالتكذيب، ولم يقفوا على ما نبَّههُم عليه من التوبة والتصديق وأصَرُّوا على الإقرار أنهم في شأنه لفي شكٍ مريب.
ثم بيَّن أنَّ صالحاً لم يُعِرِّجْ - في التبليغ - على تقصير.
وبَعْدَ تَمَرُّدِهم وامتناعهم عن الإنابةِ، وإصرارهم على تَرْكِ الإجابة حقَّ عليهم ما توعدهم به من عذاب غير مكذوب،ونجَّى نبيَّهم - عليه السلام -، ونجَّى مَنْ اتَّبَعَه من كل عقوبة...سُنَّةٌ منه - سبحانه - في إِنجاءِ أوليائه أمضاها، وعادةٌ في تلطفه ورحمته بالمستحقين أجراها.
هود 11:65
عُقَيْبَ ما مضى من قصة عادٍ ذَكَرَ ثمود، وثمودهم قوم لصالح، وقد انخرطوا في الغيِّ في سِلْكِ مَنْ سَبَقَهم، فَلَحِقَتُ العقوبةُ بجميعهم. ثم أخبر أنهم قابلوا نَبِيَّهم - عليه السلام - بالتكذيب، ولم يقفوا على ما نبَّههُم عليه من التوبة والتصديق وأصَرُّوا على الإقرار أنهم في شأنه لفي شكٍ مريب.
ثم بيَّن أنَّ صالحاً لم يُعِرِّجْ - في التبليغ - على تقصير.
وبَعْدَ تَمَرُّدِهم وامتناعهم عن الإنابةِ، وإصرارهم على تَرْكِ الإجابة حقَّ عليهم ما توعدهم به من عذاب غير مكذوب،ونجَّى نبيَّهم - عليه السلام -، ونجَّى مَنْ اتَّبَعَه من كل عقوبة...سُنَّةٌ منه - سبحانه - في إِنجاءِ أوليائه أمضاها، وعادةٌ في تلطفه ورحمته بالمستحقين أجراها.
هود 11:66
عُقَيْبَ ما مضى من قصة عادٍ ذَكَرَ ثمود، وثمودهم قوم لصالح، وقد انخرطوا في الغيِّ في سِلْكِ مَنْ سَبَقَهم، فَلَحِقَتُ العقوبةُ بجميعهم. ثم أخبر أنهم قابلوا نَبِيَّهم - عليه السلام - بالتكذيب، ولم يقفوا على ما نبَّههُم عليه من التوبة والتصديق وأصَرُّوا على الإقرار أنهم في شأنه لفي شكٍ مريب.
ثم بيَّن أنَّ صالحاً لم يُعِرِّجْ - في التبليغ - على تقصير.
وبَعْدَ تَمَرُّدِهم وامتناعهم عن الإنابةِ، وإصرارهم على تَرْكِ الإجابة حقَّ عليهم ما توعدهم به من عذاب غير مكذوب،ونجَّى نبيَّهم - عليه السلام -، ونجَّى مَنْ اتَّبَعَه من كل عقوبة...سُنَّةٌ منه - سبحانه - في إِنجاءِ أوليائه أمضاها، وعادةٌ في تلطفه ورحمته بالمستحقين أجراها.
هود 11:67
عُقَيْبَ ما مضى من قصة عادٍ ذَكَرَ ثمود، وثمودهم قوم لصالح، وقد انخرطوا في الغيِّ في سِلْكِ مَنْ سَبَقَهم، فَلَحِقَتُ العقوبةُ بجميعهم. ثم أخبر أنهم قابلوا نَبِيَّهم - عليه السلام - بالتكذيب، ولم يقفوا على ما نبَّههُم عليه من التوبة والتصديق وأصَرُّوا على الإقرار أنهم في شأنه لفي شكٍ مريب.
ثم بيَّن أنَّ صالحاً لم يُعِرِّجْ - في التبليغ - على تقصير.
وبَعْدَ تَمَرُّدِهم وامتناعهم عن الإنابةِ، وإصرارهم على تَرْكِ الإجابة حقَّ عليهم ما توعدهم به من عذاب غير مكذوب،ونجَّى نبيَّهم - عليه السلام -، ونجَّى مَنْ اتَّبَعَه من كل عقوبة...سُنَّةٌ منه - سبحانه - في إِنجاءِ أوليائه أمضاها، وعادةٌ في تلطفه ورحمته بالمستحقين أجراها.
هود 11:68
عُقَيْبَ ما مضى من قصة عادٍ ذَكَرَ ثمود، وثمودهم قوم لصالح، وقد انخرطوا في الغيِّ في سِلْكِ مَنْ سَبَقَهم، فَلَحِقَتُ العقوبةُ بجميعهم. ثم أخبر أنهم قابلوا نَبِيَّهم - عليه السلام - بالتكذيب، ولم يقفوا على ما نبَّههُم عليه من التوبة والتصديق وأصَرُّوا على الإقرار أنهم في شأنه لفي شكٍ مريب.
ثم بيَّن أنَّ صالحاً لم يُعِرِّجْ - في التبليغ - على تقصير.
وبَعْدَ تَمَرُّدِهم وامتناعهم عن الإنابةِ، وإصرارهم على تَرْكِ الإجابة حقَّ عليهم ما توعدهم به من عذاب غير مكذوب،ونجَّى نبيَّهم - عليه السلام -، ونجَّى مَنْ اتَّبَعَه من كل عقوبة...سُنَّةٌ منه - سبحانه - في إِنجاءِ أوليائه أمضاها، وعادةٌ في تلطفه ورحمته بالمستحقين أجراها.
هود 11:69
أخبر أن الملائكة أتوا إبراهيمَ - عليه السلام - بالبشارة. وأخبر أن إبراهيمَ - عليه السلام - أنْكَرَهُم، ولم يَعْرِفْ أنهم ملائكةٌ. فيُحتمل أنَّه - سبحانه - أراد أن تكونَ تلك البشارة فجأةً من غير تنبيهٍ لتكونَ أتَمَّ وأبلغَ في إيجاد السرور، ولا سيما وقد كانت بعد خوف لأنه قال: { وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً }.
ويقال إن إبراهيم - عليه السلام - كان صاحبَ النبوة والخُلَّة والرسالة فلا بُدَّ أن تكون فراستُه أعلى من فراسة كلِّ أحدٍ، ولكنه في هذه الحالة لم يَعْرِفْ الملائكةَ ليُعْلَمَ أنَّ الحقَّ - سبحانه وتعالى - إذا أراد إمضاءِ حُكْمِ يَسُدُّ على مَنْ أرادَ عيونَ الفراسة، وإنْ كان صاحبُ الفراسة هو خليل الله، كما سَدَّ الفراسة، على نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - في قصة الإفْكِ إلى الوقت الذي نزل فيه الوحيُ، وكذلك التبس على لوطٍ - عليه السلام - إلى أن تبيَّن له الأمر.
وتكلموا في هذه " البشرى " ما كانت؛ فقيل كانت البشارة بإسحاق؟ أنَّه سيولد له ولد ومن نَسْله وسُلالته؛ قال تعالى: { وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ }.
ويقال بسلامة قومه - حيث كانوا مُرْسَلين بإهلاك قوم لوط - عليه السلام.
ويقال بشارة بالخُلَّة وتمام الوصلة.
ويقال إن الخُلَّة والمحبة بناؤهما كتمان السِّرِّ؛ فَيَعْلَمَ أنهم أُرْسِلُوا بشارةٍ ما ولم يكن للغير اطلاع، قال قائلهم:بين المحبين قولٌ لست أفهمه
ويقال إن تلك البشارة هي قولهم: " سلاماً " وأن ذلك كان من الله، وأيُّ بشارة أتمُّ من سلام الحبيب؟ وأيُّ صباح يكون مُفْتَتَاً بسلام الحبيب فصَبَاحٌ مباركٌ، وكذلك المبيتُ بسلام الحبيب فهو مباركٌ.
قوله: { فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } [هود: 69]: لمَّا توهمهم أضيافاً قام بحقِّ الضيافة، فقدَّم خَيْرَ ما عنده مما شكره الحقُّ عليه حيث قال في موضع آخر:{ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ } [الذاريات: 26]. والمحبةُ توجِبُ استكثارَ القليلِ من الحبيبِ واستقلالَ ما مِنْك للحبيب، وفي هذا إشارة إلى أنه إذا نَزَلَ الضيفُ فالواجبُ المبادرةُ إلى تقديم السُّفرة مِمَّا حضر في الوقت.
قوله: { فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ } [هود: 70] تمامُ إحسانِ الضيف أن تتناولَ يَدُه ما يُقَدَّم إليه من الطعام، والامتناعُ عن أكل ما يُقَدَّم إليه معدودٌ في جملة الجفاء في مذهب أهل الظَّرْف. والأكل في الدعوة واجبٌ على أحد الوجهين.
{ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً }: أي خاف أنه وقع له خَلَلٌ في حاله حيث امتنع الضِّيفانُ عن أكل طعامه؛ فأوجس الخيفةَ لهم لا منهم.
وقيل إن الملائكة في ذلك الوقت ما كانوا ينزلون جهراً إلا لعقوبة؛ فلمَّا امتنعوا عن الأكل، وعَلِمَ أنهم ملائكةٌ خَافَ أنْ يكونوا قد أُرْسِلُوا لعقوبة قومه.
هود 11:70
أخبر أن الملائكة أتوا إبراهيمَ - عليه السلام - بالبشارة. وأخبر أن إبراهيمَ - عليه السلام - أنْكَرَهُم، ولم يَعْرِفْ أنهم ملائكةٌ. فيُحتمل أنَّه - سبحانه - أراد أن تكونَ تلك البشارة فجأةً من غير تنبيهٍ لتكونَ أتَمَّ وأبلغَ في إيجاد السرور، ولا سيما وقد كانت بعد خوف لأنه قال: { وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً }.
ويقال إن إبراهيم - عليه السلام - كان صاحبَ النبوة والخُلَّة والرسالة فلا بُدَّ أن تكون فراستُه أعلى من فراسة كلِّ أحدٍ، ولكنه في هذه الحالة لم يَعْرِفْ الملائكةَ ليُعْلَمَ أنَّ الحقَّ - سبحانه وتعالى - إذا أراد إمضاءِ حُكْمِ يَسُدُّ على مَنْ أرادَ عيونَ الفراسة، وإنْ كان صاحبُ الفراسة هو خليل الله، كما سَدَّ الفراسة، على نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - في قصة الإفْكِ إلى الوقت الذي نزل فيه الوحيُ، وكذلك التبس على لوطٍ - عليه السلام - إلى أن تبيَّن له الأمر.
وتكلموا في هذه " البشرى " ما كانت؛ فقيل كانت البشارة بإسحاق؟ أنَّه سيولد له ولد ومن نَسْله وسُلالته؛ قال تعالى: { وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ }.
ويقال بسلامة قومه - حيث كانوا مُرْسَلين بإهلاك قوم لوط - عليه السلام.
ويقال بشارة بالخُلَّة وتمام الوصلة.
ويقال إن الخُلَّة والمحبة بناؤهما كتمان السِّرِّ؛ فَيَعْلَمَ أنهم أُرْسِلُوا بشارةٍ ما ولم يكن للغير اطلاع، قال قائلهم:بين المحبين قولٌ لست أفهمه
ويقال إن تلك البشارة هي قولهم: " سلاماً " وأن ذلك كان من الله، وأيُّ بشارة أتمُّ من سلام الحبيب؟ وأيُّ صباح يكون مُفْتَتَاً بسلام الحبيب فصَبَاحٌ مباركٌ، وكذلك المبيتُ بسلام الحبيب فهو مباركٌ.
قوله: { فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } [هود: 69]: لمَّا توهمهم أضيافاً قام بحقِّ الضيافة، فقدَّم خَيْرَ ما عنده مما شكره الحقُّ عليه حيث قال في موضع آخر:{ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ } [الذاريات: 26]. والمحبةُ توجِبُ استكثارَ القليلِ من الحبيبِ واستقلالَ ما مِنْك للحبيب، وفي هذا إشارة إلى أنه إذا نَزَلَ الضيفُ فالواجبُ المبادرةُ إلى تقديم السُّفرة مِمَّا حضر في الوقت.
قوله: { فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ } [هود: 70] تمامُ إحسانِ الضيف أن تتناولَ يَدُه ما يُقَدَّم إليه من الطعام، والامتناعُ عن أكل ما يُقَدَّم إليه معدودٌ في جملة الجفاء في مذهب أهل الظَّرْف. والأكل في الدعوة واجبٌ على أحد الوجهين.
{ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً }: أي خاف أنه وقع له خَلَلٌ في حاله حيث امتنع الضِّيفانُ عن أكل طعامه؛ فأوجس الخيفةَ لهم لا منهم.
وقيل إن الملائكة في ذلك الوقت ما كانوا ينزلون جهراً إلا لعقوبة؛ فلمَّا امتنعوا عن الأكل، وعَلِمَ أنهم ملائكةٌ خَافَ أنْ يكونوا قد أُرْسِلُوا لعقوبة قومه.
هود 11:71
كانت امرأتُه قائمةً بخدمة الأضياف، فضحكت تعَجُّّباً مِنْ أَنْ يكونَ لمثلها في هذه السِّنِّ ولدٌ.
وقيل كان سرورُها السلامة. ويحتمل أنها ضحكت تعَجُّباً من امتناع الضيِّفان عن الأكل. أو تَعَجبَتْ من كوْن الملائكة في صورة البشر لَمَّا عَلِمَتْ أنهم ملائكة ويحتمل أنها ضحكت لاستبشارها بالوَلَد وقد بُشِّرَتْ باستحقاقه ومن ورائه يعقوب، ثم أفصَحَتْ عما ينطوي عليه قلبُها من التعجب فقالت: { ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ }!
فأحال الملائكة خَلْقَ الوَلَدِ على التقدير: { قَالُوۤاْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ }؟ فزال موضِعُ التعجب، وقالوا: { رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ } فبقي الدعاء في شريعتنا بآخر الآية حيث يقول الداعي: كما صَلَّيْتَ وباركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
والبركة الزيادة؛ فقد اتصل النَّسْلُ من الخليل، وبنو إسرائيل منهم - وهم خَلْقٌ كثير، والعرب من أولاد إسماعيل - وهم الجَمُّ الغفير.
هود 11:72
كانت امرأتُه قائمةً بخدمة الأضياف، فضحكت تعَجُّّباً مِنْ أَنْ يكونَ لمثلها في هذه السِّنِّ ولدٌ.
وقيل كان سرورُها السلامة. ويحتمل أنها ضحكت تعَجُّباً من امتناع الضيِّفان عن الأكل. أو تَعَجبَتْ من كوْن الملائكة في صورة البشر لَمَّا عَلِمَتْ أنهم ملائكة ويحتمل أنها ضحكت لاستبشارها بالوَلَد وقد بُشِّرَتْ باستحقاقه ومن ورائه يعقوب، ثم أفصَحَتْ عما ينطوي عليه قلبُها من التعجب فقالت: { ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ }!
فأحال الملائكة خَلْقَ الوَلَدِ على التقدير: { قَالُوۤاْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ }؟ فزال موضِعُ التعجب، وقالوا: { رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ } فبقي الدعاء في شريعتنا بآخر الآية حيث يقول الداعي: كما صَلَّيْتَ وباركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
والبركة الزيادة؛ فقد اتصل النَّسْلُ من الخليل، وبنو إسرائيل منهم - وهم خَلْقٌ كثير، والعرب من أولاد إسماعيل - وهم الجَمُّ الغفير.
هود 11:73
كانت امرأتُه قائمةً بخدمة الأضياف، فضحكت تعَجُّّباً مِنْ أَنْ يكونَ لمثلها في هذه السِّنِّ ولدٌ.
وقيل كان سرورُها السلامة. ويحتمل أنها ضحكت تعَجُّباً من امتناع الضيِّفان عن الأكل. أو تَعَجبَتْ من كوْن الملائكة في صورة البشر لَمَّا عَلِمَتْ أنهم ملائكة ويحتمل أنها ضحكت لاستبشارها بالوَلَد وقد بُشِّرَتْ باستحقاقه ومن ورائه يعقوب، ثم أفصَحَتْ عما ينطوي عليه قلبُها من التعجب فقالت: { ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ }!
فأحال الملائكة خَلْقَ الوَلَدِ على التقدير: { قَالُوۤاْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ }؟ فزال موضِعُ التعجب، وقالوا: { رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ } فبقي الدعاء في شريعتنا بآخر الآية حيث يقول الداعي: كما صَلَّيْتَ وباركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
والبركة الزيادة؛ فقد اتصل النَّسْلُ من الخليل، وبنو إسرائيل منهم - وهم خَلْقٌ كثير، والعرب من أولاد إسماعيل - وهم الجَمُّ الغفير.
هود 11:74
لما كانت مراجعته مع الله في أمر قوم لوطٍ بحقِّ الله لا لحظِّ نَفْسِه سَلِمَ له الجِدال، وهذا يدلُّ على علوِّ شأنه حيث تجاوزَ عنه ذلك.
هود 11:75
قوله جلّ ذكره: { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ }.
والإشارة فيه أنه كان يقَابِل ما وَرَدَ على ماله ونفْسِه وولده بالاحتمال، ولمَّا كان حقُّ الحقِّ في حديثِ قوم لوط أخَذَ في الجِدالِ إلى أن أبَانَ له سلامةَ لوط - عليه السلام - وقال الله سبحانه:-
قوله جلّ ذكره: { يَٰإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ }
يا إبراهيم أعْرِضْ عن هذا فإنَّ الحُكْمَ بعذابِهم قد نَزَل، ووقتُ الانتقامِ منهم قد حصل.
هود 11:76
قوله جلّ ذكره: { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ }.
والإشارة فيه أنه كان يقَابِل ما وَرَدَ على ماله ونفْسِه وولده بالاحتمال، ولمَّا كان حقُّ الحقِّ في حديثِ قوم لوط أخَذَ في الجِدالِ إلى أن أبَانَ له سلامةَ لوط - عليه السلام - وقال الله سبحانه:-
قوله جلّ ذكره: { يَٰإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ }
يا إبراهيم أعْرِضْ عن هذا فإنَّ الحُكْمَ بعذابِهم قد نَزَل، ووقتُ الانتقامِ منهم قد حصل.
هود 11:77
أي أنه حزن بسبب خوفه عليهم أن يَجْريَ عليهم من قومه ما لا يجوز في دِين الله؛ فذلك الحزنُ كان لحقِّ الله لا لنصيبٍ له أو حظَّ لنفسه، ولذلك حُمِدَ عليه لأنَّ مقاساةَ الحزنِ لحقِّ الله محمودةٌ.
هود 11:78
قوله { هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ }: قيل إنه أراد به نساء أمته، فنبيُّ كلِّ أمةٍ مثل الوالد لأولاده في الشفقة والنصيحة.
ويقال إنه أراد بناتِه منْ صُلْبِه.
" أليس منكم رجل رشيد " يرتدي جلبابَ الحشمة، ويؤثِر حقَّ الله على ما هو مقتضى البشرية، ويرعى حق الضيافة، ويترك معصية الله؟.
هود 11:79
أصرُّوا على عصيانهم، وزهدوا في المأذون لهم شرعاً، وانجرُّوا إلى ما قادهم إليه الهوى طبعاً، وهذه صفة البهائم؛ لا يَرْدَعُها عقلٌ، قال تعالى:{ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ } [الأعراف:179].
هود 11:80
لو أن لي قوةً فأمنعكم عن ارتكابِ المعصية؛ فإنَّ أهمَّ الأشياء على الأولياء ألا يَجْرِيَ من العصاةِ ما ليس الله فيه لا رضاء.
ويقال: لو كان لي قدرةٌ لإيصال الرحمةِ إليكم - مع ارتكابكم المعاصي - لَرَحِمْتُكم وتجاوزتُ عنكم.
ويقال لو أنَّ لي قوةً لهَدَيْتُكم إلى الدِّين، ولَعَصَمْتُكم عن ارتكاب المخالفات.
هود 11:81
لمَّا ضَاقَ به الأمرُ كَشَف اللَّهُ عنه الضُرَّ فَعَرَّفَ إليه الملائكةُ وقالوا: لا عليكَ فإِنهم لا يصلون إليكَ بسوءٍ، وإنَّا رُسُلُ ربك جئنا لإهلاكهم، فاخرُجْ أنت وقومُك من بينهم، واعلمْ أنَّ مَنْ شَارَكَهم في عملهم بنوعٍ فَلَهُ مِنْ العذابِ حِصَّة. ومن جملتهم امرأتك التي كانت تدل القوم على المَلَكِ لفعلة الفاحشة، وإن العقوبة لاحقةٌ بها، مُدْرِكَة لها.
والإشارة منه أن الجسارةَ على الزَّلّةِ وخيمةُ العاقبةِ - ولو بعد حين، ولا ينفع المرءَ اتصالُه بالأنبياء والأولياءِ إذا كان في الحكم والقضاء من جملة الأشقياء.
قوله جلّ ذكره: { إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ }.
ما هو كائِنٌ فقريبٌ، والبعيدُ ما لا يكون. وإنَّ مَنْ أقْدَمَ على محظورٍ ثم حُوسِبَ عليه - ولو بعد دهورٍ خالية وأعوام غير محصورة ماضية - تصور له الحال كأنه وقتُ مُبَاشَرَتِه لتلك الزَّلة.
هود 11:82
سُنَّةُ الله في عباده قلبُ الأحوال عليهم، والانقلابُ مِنْ سِمَاتِ الحدوث، أمّا الذي لا يزول ولا يحول فهو الذي لم يزل ولا يزال بنعوته الصمدية.
وإنَّ مَنْ عاش في السرور دهراً ثم تبدل يُسْرُه عُسْراً فَكَمَنْ لم يَرَ قطُّ خيراً، والذي قاسَى طولَ عمره ثم أُعطِي يُسْراً فكمن لم يَرَ عُسْراً.
قال تعالى:{ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [الأنعام: 110].
هود 11:83
ذكر سبحانه ما نالهم من العقوبة على عصيانهم، ثم أخبر أنَّ تلك العقوبةَ لاحقةٌ بمن سَلَكَ سبيلَهم تحذيراً لمن لم يعتبر بهم إذا عرف طريقَهم، كما قيل:ومَنْ يَرَني ولم يعتبر بَعْدِي فإنَّ لكلِّ معصيةٍ عقابا
هود 11:84
أخبر سبحانه عن قصتهم، وما أصابهم من العذاب الأليم، وما نالهم من البلاء العظيم.
وفي الظاهر لهم كانت أجرامُهم كاليسيرة، ولعدم الفهم يعدون أمثالها صغيرة، ولا يقولون إنها كبيرة، وإن ذلك تطفيف في المكيال.
وليس قَدْرُ الأَجرام لأعيانها، ولكن لمخالفة الجبارِ عَظُمَ شأنُها، قال تعالى:{ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ } [النور: 15].
هود 11:85
أخبر سبحانه عن قصتهم، وما أصابهم من العذاب الأليم، وما نالهم من البلاء العظيم.
وفي الظاهر لهم كانت أجرامُهم كاليسيرة، ولعدم الفهم يعدون أمثالها صغيرة، ولا يقولون إنها كبيرة، وإن ذلك تطفيف في المكيال.
وليس قَدْرُ الأَجرام لأعيانها، ولكن لمخالفة الجبارِ عَظُمَ شأنُها، قال تعالى:{ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ } [النور: 15].
هود 11:86
يعني القليل من الحلالِ أجدى من الكثير المُعْقِبِ للوَبالِ لم يقابلوا نصيحَته لهم إلا بالعِناد والتمادي فيما هو دائمٌ من الجحد والكنود.
هود 11:87
استوطؤوا مركب الجهل، واستحلبوا مشْربَ التقليد، وأعْفُوا قلوبَهم من استعمال الفكرِ، واستبصارِ طريقِ الرُّشدِ.
هود 11:88
قوله جلّ ذكره: { قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً }.
البَيِّنَةُ نورٌ تَسْتَبْصٍرُ به ما خَفِيَ عليك تحت غطاء الغفلة.
والرزق الحسن ما به دوام الاستقلال، وما ذلك إلا مقتضى عنايته الأزلية، وحُسْنُ توليه لشأنك - في جميع ما فيه صلاحك - من إتمام النعمة ودوام العصمة.
وقيل الرزق الحسنُ ما تعنَّي صاحبُه لِطَلبِه، ولم يصبْه نَصَبٌ بسببه.
وقيل الرزق الحَسَنُ ما يستوفيه بشهود الرزق ويحفظه عند التنعم بوجود الرَّزَّاق.
ويقال الرزق الحسن ما لا يُنْسِي الرزَّاق، ويحمل صاحبَه على التوسعة والإنفاق.
قوله جلّ ذكره: { وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ }.
يمكن للواعظ أو الناصح أنْ يساهِل المأمورَ في كل ما يأمره به، ولكن يجب ألا يجيز له ما ينهاه عنه؛ فإنَّ الإتيانَ بجميع الطاعات غيرُ مُمْكن، ولكنَّ التجرُّد عن جميع المحرَّمات واجبٌ.
ويقال مَنْ لم يكنْ له حُكْمٌ على نفسه في المنع عن الهوى لم يكن له حُكْمٌ على غيره فيما يرشده إليه من الهدى.
قوله جلّ ذكره: { إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلاَحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ }.
مَدَارُ الأمر إلى الأغراض المقضية حُسْنُ القصد بالإصلاح، فيَقْرِنُ اللَّهُ به حسن التيسير، ومَنْ انطوى على قصدٍ بالسوء وَكَلَ الحقُّ بشأنه التعويق.
قوله جلّ ذكره: { وَمَا تَوْفِيقِيۤ إِلاَّ بِٱللَّهِ }.
حقيقةُ التوفيق ما ينفق به الشيء، وفي الشريعة التوفيق ما تنفق به الطاعة، وهو قدرة الطاعة، ثم كل ما تقرب العبد به من الطاعة من توفير الدواعي وفنون المَنْهيات يُعدُّ من جملة التوفيق - على التوسُّع.
والتوفيق بالله ومن اللهِ، وهو - سبحانه - بإعطائه متفضِّلٌ.
قوله جلّ ذكره: { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ }.
التوكل تفويض الأمر إلى الله، وأمارته تركُ التدبير بشهود التقدير، والثقة بالموعود عند عدم الموجود. ويتبين ذلك بانتفاء الاضطراب عند عدم الأسباب.
ويقال التوكلُ السكون، والثقةُ بالمضمون.
ويقال التوكل سكون القلب بمضمون الرَّبّ.
هود 11:89
تورثكم مُخالَفَتُكم إياي فيما أدعوكم إليه من طاعةِ اللَّهِ أَنْ يلحقكم من أليم العقوبة ما أصاب مَنْ تقدَّمكم من الذين سِرْتُم على منهاجهم، وما عهدُكم ببعيد بمن تحققتم كيف حَلَّتْ بهم العقوبة، وكيف أنهم ما زادتْهم كثرةُ النصيحةِ إلاَّ غُلُوَّا في ضلالتهم، وعُتُوَّا في جهالتهم، وكما قيل:وكمْ صُغْتُ في آثاركم من نصيحةٍ وقد يستفيد البغضةَ المُتَنَصِّحُ
هود 11:90
الاستغفار هو التوبة.
ومعنى قوله { ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ } أي توبوا ثم لا تُنْقِصُوا توبتَكم؛ فهو أمرٌ باستدامة التوبة؛ فإذا لم يتصل وفاءُ المآلِ بصفاءِ الحال لم يحصل قَبُولٌ، وكأن لم يكن لِمَا سَلَفَ حصولٌ.
{ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ }: يرحم العصاةَ ويودُّهم.
ويقال يرحمهم ولذلك يودونه؛ فالودود يكون بمعنى المودود كَحلُوب بمعنى محلوب. والرحمةُ تكون للعاصي لأنَّ المطيعَ بوصف استحقاقه للثواب على طاعاته، ثم ليس كلُّ من يُحِبُّ السلطانَ في محلّ الأكابر، فالأصاغِرُ من الجُنْدِ قد يحبون المَلِكَ، وأنشدوا:ألا رُبَّ مَنْ يدنو ويزعم أنه يودُّك، والنّائي أودُّ وأقربُ
هود 11:91
قوله جلّ ذكره: { قَالُواْ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ }.
لاحظوا شعيباً بعين الاستصغار فَحُرِمُوا فَهْمَ معاني الخطاب، وأقَرُّوا على أنفسِهم بالجهل، وأحالوا إعفاءَهم إياه من الأذى على حشمتهم من رهطه وعشيرته، فعاتبَهُم عليه:
قوله جلّ ذكره: { قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ }.
أترون مِنْ حقّ رهطي ما لا تَرَوْنَ من حقّ ربي؛ وإنَّ ربي يُكافئكم على أعمالكم بما تستوجبون في جميع أحوالكم.
هود 11:92
قوله جلّ ذكره: { قَالُواْ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ }.
لاحظوا شعيباً بعين الاستصغار فَحُرِمُوا فَهْمَ معاني الخطاب، وأقَرُّوا على أنفسِهم بالجهل، وأحالوا إعفاءَهم إياه من الأذى على حشمتهم من رهطه وعشيرته، فعاتبَهُم عليه:
قوله جلّ ذكره: { قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ }.
أترون مِنْ حقّ رهطي ما لا تَرَوْنَ من حقّ ربي؛ وإنَّ ربي يُكافئكم على أعمالكم بما تستوجبون في جميع أحوالكم.
هود 11:93
أرخى لهم ستر الإمهال فلمَّأ أصَرُّوا على تماديهم في الغواية حلَّت بهم العقوبة، وصاروا وكأن لم يكن بينهم نافخ نارٍ، ولا في دِيارٍ الظالمين ديَّار، قال تعالى:{ فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ } [الحشر: 2].
هود 11:94
أرخى لهم ستر الإمهال فلمَّأ أصَرُّوا على تماديهم في الغواية حلَّت بهم العقوبة، وصاروا وكأن لم يكن بينهم نافخ نارٍ، ولا في دِيارٍ الظالمين ديَّار، قال تعالى:{ فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ } [الحشر: 2].
هود 11:95
أرخى لهم ستر الإمهال فلمَّأ أصَرُّوا على تماديهم في الغواية حلَّت بهم العقوبة، وصاروا وكأن لم يكن بينهم نافخ نارٍ، ولا في دِيارٍ الظالمين ديَّار، قال تعالى:{ فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ } [الحشر: 2].
هود 11:96
قوله جلّ ذكره: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ }.
كَرَّر قصة موسى عليه السلام تفخيماً لشأنه، وتعظيماً لأمره، وتنبيهاً على علوِّ قدره عند الله وعلى مكانة الآيات التي أرسله بها، ومعجزاته الباهرة، وبراهينه القاهرة.
ويقال أصعبُ عدوِّ قَهَرَهُ أولا نَفْسُه، وقد دَله - سبحانه - على ذلك لمَّا قال: إلهي! كيف أطلبك؟
فقال: عند المنكسرةِ قلوبُهم من أجلي.
فَنَبَّهَه إلى استصغارِه لنفسه، وانكساره لله بقلبه، فزادت صولتُه لما صار معصوماً عن شهود فضل لنفسه؛ والسلطانُ الذي خصَّه به استولى على قلوبِ مَن رآه، كما قال:{ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي } [طه: 39] فما رآه أحدٌ إلا أحَبَّه، ثم إنه لم يأخذه في الله ضعفٌ، مثلما لَطَمَ وجهَ فرعون - وهو رضيع - كما في القصة، ولَطَمَ وجهَ مَلَكِ الموت لمّا طالبه بقبض روحه.. كما في الخبر، " وأخذ برأس أخيه يجرُّه إليه لمّا رجع من سماع الخطاب عند المعاتبة، وأقدم بالجسارة على سؤال الرؤية، وقتل القبطيَّ لما استعان به مَنْ وافقه في العقيدة، وقال الله{ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ } [الأعراف: 155] لمَّا أخبره الحق بما عمله قومه من عبادة العجل بحكم الضلالة... ففي جميع هذا تَجَاوَزَ اللّهُ عنه لمَا أعطاه من السلطان والقوة.
قوله جلّ ذكره: { فَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ }.
رضوا بمتابعة فرعون، فاستحقوا ما استحقه. لم يشعروا بخطئِهم، وكانوا يحسبون أنهم يُحْسَنون صُنْعاً. وإذا ما أوردهم النارَ فهو إمامُهم، وسيعلمون ما أصابهم من الخسران حين لا ينفع تضرعُهم وبكاؤُهم ولا ينقطع عذابُهم وعناؤهم، وتغلب خسارتهم وشقاؤهم - وذلك جزاءُ مَنْ كَفَرَ بمعبوده، وأسرف في مجاوزة حدوده.
هود 11:97
قوله جلّ ذكره: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ }.
كَرَّر قصة موسى عليه السلام تفخيماً لشأنه، وتعظيماً لأمره، وتنبيهاً على علوِّ قدره عند الله وعلى مكانة الآيات التي أرسله بها، ومعجزاته الباهرة، وبراهينه القاهرة.
ويقال أصعبُ عدوِّ قَهَرَهُ أولا نَفْسُه، وقد دَله - سبحانه - على ذلك لمَّا قال: إلهي! كيف أطلبك؟
فقال: عند المنكسرةِ قلوبُهم من أجلي.
فَنَبَّهَه إلى استصغارِه لنفسه، وانكساره لله بقلبه، فزادت صولتُه لما صار معصوماً عن شهود فضل لنفسه؛ والسلطانُ الذي خصَّه به استولى على قلوبِ مَن رآه، كما قال:{ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي } [طه: 39] فما رآه أحدٌ إلا أحَبَّه، ثم إنه لم يأخذه في الله ضعفٌ، مثلما لَطَمَ وجهَ فرعون - وهو رضيع - كما في القصة، ولَطَمَ وجهَ مَلَكِ الموت لمّا طالبه بقبض روحه.. كما في الخبر، " وأخذ برأس أخيه يجرُّه إليه لمّا رجع من سماع الخطاب عند المعاتبة، وأقدم بالجسارة على سؤال الرؤية، وقتل القبطيَّ لما استعان به مَنْ وافقه في العقيدة، وقال الله{ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ } [الأعراف: 155] لمَّا أخبره الحق بما عمله قومه من عبادة العجل بحكم الضلالة... ففي جميع هذا تَجَاوَزَ اللّهُ عنه لمَا أعطاه من السلطان والقوة.
قوله جلّ ذكره: { فَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ }.
رضوا بمتابعة فرعون، فاستحقوا ما استحقه. لم يشعروا بخطئِهم، وكانوا يحسبون أنهم يُحْسَنون صُنْعاً. وإذا ما أوردهم النارَ فهو إمامُهم، وسيعلمون ما أصابهم من الخسران حين لا ينفع تضرعُهم وبكاؤُهم ولا ينقطع عذابُهم وعناؤهم، وتغلب خسارتهم وشقاؤهم - وذلك جزاءُ مَنْ كَفَرَ بمعبوده، وأسرف في مجاوزة حدوده.
هود 11:98
قوله جلّ ذكره: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ }.
كَرَّر قصة موسى عليه السلام تفخيماً لشأنه، وتعظيماً لأمره، وتنبيهاً على علوِّ قدره عند الله وعلى مكانة الآيات التي أرسله بها، ومعجزاته الباهرة، وبراهينه القاهرة.
ويقال أصعبُ عدوِّ قَهَرَهُ أولا نَفْسُه، وقد دَله - سبحانه - على ذلك لمَّا قال: إلهي! كيف أطلبك؟
فقال: عند المنكسرةِ قلوبُهم من أجلي.
فَنَبَّهَه إلى استصغارِه لنفسه، وانكساره لله بقلبه، فزادت صولتُه لما صار معصوماً عن شهود فضل لنفسه؛ والسلطانُ الذي خصَّه به استولى على قلوبِ مَن رآه، كما قال:{ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي } [طه: 39] فما رآه أحدٌ إلا أحَبَّه، ثم إنه لم يأخذه في الله ضعفٌ، مثلما لَطَمَ وجهَ فرعون - وهو رضيع - كما في القصة، ولَطَمَ وجهَ مَلَكِ الموت لمّا طالبه بقبض روحه.. كما في الخبر، " وأخذ برأس أخيه يجرُّه إليه لمّا رجع من سماع الخطاب عند المعاتبة، وأقدم بالجسارة على سؤال الرؤية، وقتل القبطيَّ لما استعان به مَنْ وافقه في العقيدة، وقال الله{ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ } [الأعراف: 155] لمَّا أخبره الحق بما عمله قومه من عبادة العجل بحكم الضلالة... ففي جميع هذا تَجَاوَزَ اللّهُ عنه لمَا أعطاه من السلطان والقوة.
قوله جلّ ذكره: { فَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ }.
رضوا بمتابعة فرعون، فاستحقوا ما استحقه. لم يشعروا بخطئِهم، وكانوا يحسبون أنهم يُحْسَنون صُنْعاً. وإذا ما أوردهم النارَ فهو إمامُهم، وسيعلمون ما أصابهم من الخسران حين لا ينفع تضرعُهم وبكاؤُهم ولا ينقطع عذابُهم وعناؤهم، وتغلب خسارتهم وشقاؤهم - وذلك جزاءُ مَنْ كَفَرَ بمعبوده، وأسرف في مجاوزة حدوده.
هود 11:99
بَعُدُوا في عاجلهم من الإيمان، وفي آجلهم من الغفران والجنان والذي لهم في الحال من الفُرقة أعظمُ - في التحقيق - من الذي لهم في المآلِ من الحُرقَة، وهذه صفةُ مَنْ امتحنه اللَّهُ باللعنة.
هود 11:100
لمن يكن في جملة مَنْ قصَّ عليه مِنَ الأنبياء ـ عليهم السلام ـ مَنْ أكثر منه تبجيلا، ولا فيمن ذكره من الأمم أعظم من أمته تفضيلاً، فكما تَقَدَّم على الأنبياء ـ عليهم السلام تقدَّمَتْ أمتُه على الأمم، قال تعالى:{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } [آل عمران: 110].
هود 11:101
لا يجوز الظلمُ في وصفه؛ فَتَصرُّفُه في مُلْكه بحقِّ إلهيته - مطلقٌ؛ يحكم بحسب إرادته ومشيئته، ولا يتوجه حقٌّ عليه، فكيف يجوز الظلمُ في وصفه؟
ويقال هذا الخطاب لو كان من مخلوقٍ مع مخلوق لأشبه العذر، ولكن في صفته لا يجوز العذر إذ الخلقُ خلقُه، والمُلْكُ مُلْكُه، والحُكْمُ حُكْمُه.
هود 11:102
إنَّ الحقَّ - سبحانه - يمهل ولكن لا يهمل، ويحكم ولكن لا يعجّل، وهو لا يُسأل عمَّا يفعل.
وقيل إذا أخذ النفوسَ بالتوفيق فلا سبيل للخذلان إليها، وإذا أخذ القلوبَ بالتحقيق فلا طريق للحرمان عليها. قال تعالى:{ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ } [البروج: 12].
هود 11:103
مشهودٌ يشهدِه مَنْ حُشِرَ من جميع الخلائق في ذلك اليوم.
ويقال الأيام ثلاثة: يومٌ مفقود وهو أمسِ ليس بيدك منه شيء، ويومٌ مقصود وهو غدٌ لا تدري أتدركه أم لا، ويومٌ مشهودٌ وهو اليوم الذي أنت فيه؛ فالمفقودُ لا يرجع، والمقصود ربما لا تبلغ، والمشهود وقتك وهو مُعَرَّضٌ للزوال... فاستغله فيما ينفع.
هود 11:104
الأَجَلُ لا يَتَقَدَّم ولا يتأخر لكل (...)، والآجالُ على ما عَلِمها الحقُّ - سبحانه - وأرادها جاريةٌ؛ فلا طلبٌ يُقَدِّمُ أو يؤخر وقتاً إذا جاء أجلُه، وكذلك للوصول وقت، فلا طلب مع رجاء الوصول، ولا طلب مع خوف الزوال، ولقد قيل:عيبُ السلامةِ أنَّ صاحبَها متوقِّعٌ لقواصمِ الظَّهرِ
وفضيلةُ البلوى ترقبُ أهلِها عَقِبَ البلاء - مَسَرَّةَ الدهر
هود 11:105
الشقيُّ من قُسِم له الحرمانُ في حاله، والسعيد مَنْ رُزِق الإيمان في مآله.
ويقال الشقاء على قسمين: قومٌ شقاؤهم غير مؤيد، وقومٌ شقاؤهم على التأييد وكذلك القول في السعادة. الشقيُّ مَنْ هو في أَسْرِ التدبير ونسيان جريان التقدير، والسعيد مَنْ رَجِعَ من ظلماتِ التدبير، وحصل على وصف شهود التقدير.
ويقال الشقيُّ من كان في رق العبودية ظانَّا أَنَّ منه طاعاته، السعيد مَنْ تحرر عن رقِّ البشرية وعَلِمَ أن الحادثاتِ كلها لله سبحانه.
وأمَّا الأشقياء - على التأبيد - فهم أهل الخلود في مقتضى الوعيد، والسعداء - على التأبيد - من قال الله تعالى في صفتهم:{ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } [ق: 35].
هود 11:106
قوله جلّ ذكره: { فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ }.
{ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ } أن يزيد على مُدَّةِ السماوات والأرضِ.
{ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ } أن ينقلهم إلى نوعٍ آخر من العذاب غير الزفير والشهيق.
{ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ } ألا تلحقهم تلك العقوبة قبل أَنْ يُدْخِلَهم النار؛ فلا استثناء لبعض أوقاتهِم من العقوبة لا قَبْلَ إدخالهم فيها ولا بعده.
{ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ } من إخراج أهل التوحيد من النار فيكون شقاؤهم غير مؤبَّد.
قوله جلّ ذكره: { إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ }.
فيه إشارة إلى أن الذي يحصل لهم يحصل بمشيئته لا باستحقاق عمل.
هود 11:107
قوله جلّ ذكره: { فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ }.
{ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ } أن يزيد على مُدَّةِ السماوات والأرضِ.
{ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ } أن ينقلهم إلى نوعٍ آخر من العذاب غير الزفير والشهيق.
{ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ } ألا تلحقهم تلك العقوبة قبل أَنْ يُدْخِلَهم النار؛ فلا استثناء لبعض أوقاتهِم من العقوبة لا قَبْلَ إدخالهم فيها ولا بعده.
{ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ } من إخراج أهل التوحيد من النار فيكون شقاؤهم غير مؤبَّد.
قوله جلّ ذكره: { إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ }.
فيه إشارة إلى أن الذي يحصل لهم يحصل بمشيئته لا باستحقاق عمل.
هود 11:108
لهم اليوم جناب القُربة، ولهم غداً جناب المثوبة. والكفار اليوم في عقوبة الفرقة، وغداً في عقوبة الحرقة.
{ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } فلا استثناء لبعض أوقات أهل الجنة من أول أمرهم قبل دخولهم الجنة أو بعده. أو يحتمل أنه يزيد على مدة السماوات والأرض.
وفي قوله { عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ } - أي عطاءً غير مقطوع - دليلٌ على أن تلك النعم غير مقطوعة ولا ممنوعة.
هود 11:109
لا يريد أنَّه عليه السلام في شَكٍ، ولكنه أراد به تحقيق كونهم مُضَاهين لآبائهم، كما تقول: لا شكَّ أنَّ هذا نهارٌ.
ويقال الخطابُ له والمرادُ به لأُمَّتِه.
{ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ }: تجازيهم على الخبر بخير وعلى الشر بضُر.
هود 11:110
اختلفوا في الكتاب الذي أوتي، وهو التوراة.
واختلفوا في كونه رسولاً، فمِنْ مُصَدِّقٍ ومِنْ مْكذِّب.
ثم أخبر أنه - سبحانه - حَكَمَ بتأخير العقوبة، ولولا حكمته لعجَّل لهم العقوبة.
وفائدةُ الآية من هذا التعريفِ التخفيفِ على المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فيما كان يلقاه من قومه من التكذيب، ففي سماع قصة الأشكال - وبعضُهم من بعض - سلوة، ولقد قيل:أجارتَنا إنَّا غريبان ها هنا وكلُّ غريبٍ للغريب نسيب
هود 11:111
أعاد ذكر الجزاء على الأعمال بالثواب والعقاب، وكرَّر ذلك في القرآن في كثير من المواضع إبلاغاً في التحذير، وتنبيهاً على طريق الاعتبار بحسن التفكير.
ثم إن الجزاءَ على الأعمال معجَّلٌ ومؤجَّل، وكلُّ مَنْ أعرض عن الغفلة وجَنَحَ إلى وصف التيقظ وَجَدَ في معاملاته - عاجلاً - الربحَ لا الخُسران، وآجلاً الزيادةَ لا النقصان، وما يجده المرءُ في نفسه أتمُّ مما يدركه بعلمه بشواهد برهانه.
هود 11:112
يحتمل أن تكون السين في الاستقامة سين الطلب؛ أي سَلْ من الله الإقامة لَكَ على الحقّ.
ويحتمل أن تكون الإقامة في الأمر بمعنى أقام عليه.
وحقيقة الاستقامة على الطاعة المداومة على القيام بحقِّها من غير إخلالٍ بها، فلا يكون في سلوك نهج الوِفاقِ انحرافٌ عنه.
ويقال المستقيمُ مَنْ لا ينصرف عن طريقه، يواصل سيره بمسراه، وورعه بتقواه ويتابع في ترك هواه.
ويقال استقامة النفوس في نفي الزَّلَّة، واستقامة القلوب في نفي الغفلة، واستقامة الأرواح بنفي العلاقة، واستقامة الأسرار بنفي الملاحظة.
استقامة العابدين ألا يدخروا نفوسَهم عن العبادة وألا يُخِلُّوا بأدائها، ويقضون عسيرَها ويسيرَها. واستقامة الزاهدين ألا يرجوا من دنياهم قليلها ولا كثيرها. واستقامة التائبين ألا يُلِمُّوا بعقوة زلة فَيَدَعْونَ صغيرَها وكبيرَها... وعلى هذا النحو استقامة كلِّ أحدٍ. قوله { وَمَن تَابَ مَعَكَ }: أي فَلْيَستَقِمْ أيضاً مَنْ معك.
هود 11:113
لا تعملوا أعمالَهم، ولا ترضوا بأعمالِهم، ولا تمدحوهم على أعمالهم، ولا تتركوا الأمرَ بالمعروف لهم، ولا تأخذوا شيئاً من حرام أموالهم، ولا تساكنوهم بقلوبكم، ولا تخالطوهم، ولا تعاشروهم... كل هذا يحتمله الأمرُ، ويدخل تحت الخطاب.
هود 11:114
أي اسْتَغْرِقْ جميعَ الأوقاتِ بالعبادات، فإنَّ إخلالَكِ لحظةً من الزمان بِفَرَضٍ تؤديه، أو نَفْلِ تأتيه حَسْرَةٌ عظيمةٌ وخُسرَانٌ مبينٌ.
قوله { إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ } الحسنات ما يجود بها الحق، والسيئات ما يذنبها العبد، فإذا دخلت حسناتُه على قبائح العبد مَحَتْها وأَبْطَلَتْها.
ويقال حسناتُ القُربة تَذْهَبُ بسيئات الزَّلَّة.
ويقال حسناتُ الندم تَذْهَبُ بسيئات الجُرْم.
ويقال (انسكاب) العَبْرَةَ تُذْهِبَ سيئاتِ العَثْرَة.
ويقال حسنات العرفان تُذْهِبُ سيئات العصيان.
ويقال حسنات الاستغفار تُذْهِبُ سئيات الإصرار.
ويقال حسناتُ العناية تذهب سيئات الجناية.
ويقال حسنات العفو عن الإخوان تذْهِبُ الحقدَ عليهم.
ويقال حسنات الكَرَمَ تُذْهِبُ سيئاتٍ الخَدَم.
ويقال حسنُ الظنِّ يُذْهِبُ سوأتهم بكم.
ويقال حسنات الفضل من الله تُذْهِبُ سيئاتِ حسبان الطاعة من أنفسكم.
ويقال حسناتُ الصدق تَذْهَبُ بسيئاتِ الإعجاب.
ويقال حسناتُ الإخلاص تَذْهَبُ بسيئات الرياء.
هود 11:115
الصبر تجرُّع كاساتِ التقدير من غر تعبيس.
ويقال الصبرُ حُسْنُ الإقبال على معانقة الأمر ومفارقة الزجر.
{ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } المحسنُ: العاملُ الذي يعلم أَنَّ الأجرَ على الصبر والطاعة بفضله - سبحانه - لا باستحقاق عملٍ.
هود 11:116
معناه لم يكن فيكم مِنْ هؤلاء الذين كانوا ينهون عن القبائح إلا قليل.
وقيل معناه لم يكن فيمن قبلكم من الأمم مَنْ يَنْهى عن الفساد، ويحفظ الدِّين، ويطيعون أنبياءَهم - إلا قليل.
هود 11:117
اي لم يُهلِكْ اللَّهُ أحداً كان مصلحاً وإنما هلك مَنْ كان ظالماً.
ويقال معناه: لو أهلك الله أهلَ القرى وهم مصلحون لم يكن ذلك ظلماً من الله؛ لأن المُلكَ مُلكُه، والخلْقَ عبيدُه.
ويقال: " المصلح " مَنْ قام بحقِّ ربِّه دون طلب حظِّه.
ويقال: " المصلح " من آثر نجاته على هلاكه.
ويقال مصلحٌ تُصْلِحُ نَفْسَه طاعتُه، ومصلحٌ تصْلِحٌ قلبَه معرفةُ سَيِّدِه. ومصلح تُصْلِحُ سِرَّه مشاهدةُ سيِّدِه.
هود 11:118
قوله جلّ ذكره: { وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ }.
لو شاء لَجَعلهم أربابَ الوفاق ثم لا يوجبون لمُلْكِه زَيْناً، ولو شاء لجعلهم أرباب الخلافِ ثم لا يوجِبُون لمُلْكِه شَيْنا.
ثم قال: { وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } لأنه كذلك أراد بهم.
{ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ } [هود: 119] في سباق حكمه فعصمهم عن الخلاف في حاصل أمورهم، وأقامهم به، ونصبهم له، وأثبتهم في الوفاق والمحبة والتوحيد.
قوله جلّ ذكره: { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ }.
أي لا تبديل لقوله، ولا تحويلَ لحُكْمه.
هود 11:119
قوله جلّ ذكره: { وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ }.
لو شاء لَجَعلهم أربابَ الوفاق ثم لا يوجبون لمُلْكِه زَيْناً، ولو شاء لجعلهم أرباب الخلافِ ثم لا يوجِبُون لمُلْكِه شَيْنا.
ثم قال: { وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } لأنه كذلك أراد بهم.
{ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ } [هود: 119] في سباق حكمه فعصمهم عن الخلاف في حاصل أمورهم، وأقامهم به، ونصبهم له، وأثبتهم في الوفاق والمحبة والتوحيد.
قوله جلّ ذكره: { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ }.
أي لا تبديل لقوله، ولا تحويلَ لحُكْمه.
هود 11:120
قوله جلّ ذكره: { وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ }.
سكَّنَ قلبه بما قصَّ عليه من أنباء المرسلين، وعرَّفه أنه لم يُرَقِّ أحداً إلى المحلِّ الذي رقّاه إليه، ولم يُنْعِمْ على أحد بمثل ما أنعم عليه.
ويقال قَصَّ عليه قِصَصَ الجميع، ولم يذكر قصَـته لأحد تعريفاً له وتخصيصاً. ويقال لم يكن ثباتُ قلبه بما قصَّ عليه ولكن لاستقلال قلبه بِمَنْ كان يقص عليه، وفَرْقٌ بين من يعقل بما يسمع وبين مَنْ يَستقل بِمَنْ منه يسمع، وأنشدوا:وَحَدَّثَتَنِي يا سَعْدُ عنها فَزِدْتَنِي حَنِيناً فَزِدْنِي مِنْ حديثِكَ يا سعدُ
هود 11:121
إن الذين يجحدون التوحيد، ويؤثِرون على الحقِّ غيرَ الحق، ولم يُصَدِّقوا الوعيد، يوشِكُ أَنْ يَنْصَبّ عليهم الانتقامُ فيغرقون في بحار العقوبة، ويسقطون في وهاد الهوان، فلا لويلهم انتهاءٌ، ولا لِذُلِّهم انقضاءٌ.
هود 11:122
إن الذين يجحدون التوحيد، ويؤثِرون على الحقِّ غيرَ الحق، ولم يُصَدِّقوا الوعيد، يوشِكُ أَنْ يَنْصَبّ عليهم الانتقامُ فيغرقون في بحار العقوبة، ويسقطون في وهاد الهوان، فلا لويلهم انتهاءٌ، ولا لِذُلِّهم انقضاءٌ.
هود 11:123
عمَّى عن قلوبهم العواقبَ، وأخفى دونهم السوابق، وألزمهم القيامَ بما كَلَّفهم في الحال، فقال: { فَٱعْبُدْهُ } فإنْ تقسَّمَ القلبُ وتَرَجَّمَ الظَنُّ وخيف سوءُ العاقبة.. فتوكَّلْ عليه أي اسْتَدْفِعْ البلاَءَ عنك بِحُسْنِ الظَّنِّ، وجميل الأمل، ودوام الرجاء.
{ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }: أحاط بكل شيءٍ عِلْماً، وأمضى في كل أمرٍ حُكْماً.