معاني القرآن — الفاتحة 1:1 – آل عمران 3:195
المحتويات
- الفاتحة 1:1
- الفاتحة 1:2
- الفاتحة 1:3
- الفاتحة 1:4
- الفاتحة 1:5
- الفاتحة 1:6
- الفاتحة 1:7
- البقرة 2:1
- البقرة 2:2
- البقرة 2:3
- البقرة 2:6
- البقرة 2:7
- البقرة 2:8
- البقرة 2:9
- البقرة 2:10
- البقرة 2:11
- البقرة 2:13
- البقرة 2:14
- البقرة 2:15
- البقرة 2:16
- البقرة 2:17
- البقرة 2:18
- البقرة 2:20
- البقرة 2:22
- البقرة 2:24
- البقرة 2:25
- البقرة 2:26
- البقرة 2:27
- البقرة 2:28
- البقرة 2:29
- البقرة 2:30
- البقرة 2:31
- البقرة 2:34
- البقرة 2:35
- البقرة 2:36
- البقرة 2:37
- البقرة 2:38
- البقرة 2:40
- البقرة 2:45
- البقرة 2:46
- البقرة 2:48
- البقرة 2:49
- البقرة 2:50
- البقرة 2:51
- البقرة 2:55
- البقرة 2:57
- البقرة 2:58
- البقرة 2:59
- البقرة 2:60
- البقرة 2:61
- البقرة 2:63
- البقرة 2:65
- البقرة 2:66
- البقرة 2:67
- البقرة 2:68
- البقرة 2:69
- البقرة 2:70
- البقرة 2:71
- البقرة 2:72
- البقرة 2:74
- البقرة 2:78
- البقرة 2:79
- البقرة 2:83
- البقرة 2:84
- البقرة 2:85
- البقرة 2:88
- البقرة 2:89
- البقرة 2:90
- البقرة 2:91
- البقرة 2:96
- البقرة 2:97
- البقرة 2:98
- البقرة 2:100
- البقرة 2:102
- البقرة 2:103
- البقرة 2:105
- البقرة 2:106
- البقرة 2:108
- البقرة 2:111
- البقرة 2:114
- البقرة 2:115
- البقرة 2:117
- البقرة 2:119
- البقرة 2:121
- البقرة 2:124
- البقرة 2:125
- البقرة 2:126
- البقرة 2:127
- البقرة 2:128
- البقرة 2:130
- البقرة 2:132
- البقرة 2:133
- البقرة 2:134
- البقرة 2:135
- البقرة 2:138
- البقرة 2:139
- البقرة 2:140
- البقرة 2:142
- البقرة 2:145
- البقرة 2:147
- البقرة 2:148
- البقرة 2:150
- البقرة 2:151
- البقرة 2:154
- البقرة 2:158
- البقرة 2:161
- البقرة 2:165
- البقرة 2:173
- البقرة 2:175
- البقرة 2:176
- البقرة 2:177
- البقرة 2:178
- البقرة 2:180
- البقرة 2:183
- البقرة 2:184
- البقرة 2:185
- البقرة 2:186
- البقرة 2:188
- البقرة 2:189
- البقرة 2:192
- البقرة 2:193
- البقرة 2:194
- البقرة 2:195
- البقرة 2:196
- البقرة 2:198
- البقرة 2:203
- البقرة 2:204
- البقرة 2:207
- البقرة 2:208
- البقرة 2:210
- البقرة 2:213
- البقرة 2:216
- البقرة 2:217
- البقرة 2:219
- البقرة 2:222
- البقرة 2:225
- البقرة 2:226
- البقرة 2:228
- البقرة 2:232
- البقرة 2:233
- البقرة 2:235
- البقرة 2:237
- البقرة 2:239
- البقرة 2:240
- البقرة 2:241
- البقرة 2:245
- البقرة 2:246
- البقرة 2:248
- البقرة 2:251
- البقرة 2:253
- البقرة 2:255
- البقرة 2:256
- البقرة 2:257
- البقرة 2:258
- البقرة 2:259
- البقرة 2:260
- البقرة 2:264
- البقرة 2:265
- البقرة 2:266
- البقرة 2:268
- البقرة 2:270
- البقرة 2:274
- البقرة 2:279
- البقرة 2:280
- البقرة 2:282
- البقرة 2:283
- البقرة 2:285
- آل عمران 3:2
- آل عمران 3:3
- آل عمران 3:4
- آل عمران 3:7
- آل عمران 3:11
- آل عمران 3:12
- آل عمران 3:13
- آل عمران 3:14
- آل عمران 3:15
- آل عمران 3:17
- آل عمران 3:18
- آل عمران 3:19
- آل عمران 3:28
- آل عمران 3:30
- آل عمران 3:34
- آل عمران 3:37
- آل عمران 3:38
- آل عمران 3:39
- آل عمران 3:40
- آل عمران 3:41
- آل عمران 3:42
- آل عمران 3:44
- آل عمران 3:45
- آل عمران 3:47
- آل عمران 3:48
- آل عمران 3:50
- آل عمران 3:51
- آل عمران 3:52
- آل عمران 3:59
- آل عمران 3:60
- آل عمران 3:64
- آل عمران 3:72
- آل عمران 3:73
- آل عمران 3:75
- آل عمران 3:77
- آل عمران 3:78
- آل عمران 3:79
- آل عمران 3:80
- آل عمران 3:81
- آل عمران 3:91
- آل عمران 3:93
- آل عمران 3:95
- آل عمران 3:96
- آل عمران 3:97
- آل عمران 3:103
- آل عمران 3:104
- آل عمران 3:106
- آل عمران 3:109
- آل عمران 3:110
- آل عمران 3:111
- آل عمران 3:112
- آل عمران 3:113
- آل عمران 3:118
- آل عمران 3:120
- آل عمران 3:121
- آل عمران 3:125
- آل عمران 3:128
- آل عمران 3:140
- آل عمران 3:143
- آل عمران 3:144
- آل عمران 3:145
- آل عمران 3:146
- آل عمران 3:147
- آل عمران 3:153
- آل عمران 3:154
- آل عمران 3:156
- آل عمران 3:157
- آل عمران 3:158
- آل عمران 3:159
- آل عمران 3:161
- آل عمران 3:165
- آل عمران 3:166
- آل عمران 3:168
- آل عمران 3:173
- آل عمران 3:175
- آل عمران 3:180
- آل عمران 3:181
- آل عمران 3:187
- آل عمران 3:188
- آل عمران 3:195
الفاتحة 1:1
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾: "اسم" [في التسمية] صلة زائدة، زيدت ليخرج بذكرها من حكم القسم الى قصد التبرّك، لان اصل الكلام "بالله" وحذفت الألف من "بسم" من الخط تخفيفاً لكثرة الاستعمال واستغناء عنها بباء الالصاق في اللفظ والخط فلو كتبت "باسم الرحمن" او "باسم القادر" أو "باسم القاهر" لم تحذف الالف.
والألف في "اسم" ألف وصل، لانك تقول: "سُمْيّ" وحذفت لانها ليست من اللفظ.
(اب) اسمٌ، لانك تقول اذا صغّرته: "سُمَيّ"، فتذهب الاف. وقوله: ﴿وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ﴾، وقوله: ﴿وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ فهذا موصول لانك تقول: "مُرَيَّة" و "ثُنَيَّا عشر" . و [قوله]: ﴿فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ موصول: لانك تقول: "ثُنَيَّتا عشرةَ"، وقال: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾، وقال: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ﴾، لانك تقول في "اثنين": "ثُنَيِّيّن" وفي "آمرىء": "مُرَىّءِ" فتسقط الالف. وانما زيدت لسكون الحرف الذي بعدها لما ارادوا استئنافه فلم يصلوا الى الابتداء بساكن، فأحدثوا هذه الالف ليصلوا الى الكلام بها. فاذا اتصل [الكلام] بشيء قبله استغنى عن هذه الالف. وكذلك كل الف كانت في اول فعل او مصدر، وكان "يَفْعل" من ذلك الفعل ياؤه مفتوحة فتلك ألف وصل نحو قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ﴿ٱهْدِنَا﴾. لانك تقول: "يَهْدِي" فالياء مفتوحة. وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ﴾ و [قوله]: ﴿يٰهَامَانُ ٱبْنِ لِي صَرْحاً﴾، وقوله: ﴿عَذَابٌ ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾، وأشباه هذا في القرآن كثيرة. والعلة فيه كالعلّة في "اسم"، و "اثنين" وما أشبهه، لانه لما سكن الحرف الذي في اول الفعل جعلوا فيه هذه الالف ليصلوا الى الكلام به اذا استأنفوا.
وكل هذه الالفات (2ء) اللواتي في الفعل اذا استأنفتهنّ مكسورات، فاذا استأنفت قلت ﴿ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ﴾، ﴿ٱبْنِ لِي﴾، ﴿ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ﴾، الا ما كان منه ثالث حروفه مضموما فانك تضم أوله اذا استأنفت، تقول: ﴿ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾، وتقول﴿ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾. وانما ضمت هذه الالف اذا كان الحرف الثالث مضموماً لانهم لم يروا بين الحرفين إلا حرفاً ساكنا، فثقل عليهم ان يكونوا في كسر ثم يصيروا الى الضم. فارادوا أن يكونا جميعاً مضمومين اذا كان ذلك لا يغير المعنى.
وقالوا في بعض الكلام في "المُنْتِن": مِنْتِن". وانما هي من ""أنتن" فهو "مُنْتِن"، مثل "أكرم" فهو "مُكْرِم". فكسرو الميم لكسرة التاء. وقد ضم بعضهم التاء فقال "مُنْتُن" لضمة الميم. وقد قالوا في "النَقِد": "النِقِد" فكسروا النون لكسرة القاف. وهذا ليس من كلامهم الا فيما كان ثانيه احد الحروف الستة نحو "شعير". والحروف الستة: الخاء والحاء والعين والغين والهمزة والهاء
وما كان على "فُعِلَ" مما في أوله هذه الالف الزائدة فاستئنافه ايضاً مضموم نحو: ﴿ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ﴾ لان أول "فُعِلَ" ابداً مضموم، والثالث من حروفها ايضاً مضموم.
وما كان على "أَفعَلُ أنا" فهو مقطوع الالف وإن كان من الوصل، لأن "أَفْعَلُ" فيها ألف سوى ألف الوصل، وهي نظيرة الياء في "يَفْعَل". وفي كتاب الله عز وجل ﴿ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، و ﴿أَنَاْ آتِيكَ بِهِ﴾و ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾.
وما كان من نحو الالفات اللواتي ليس معهن اللام في أول اسم، وكانت لا تسقط في التصغير فهي مقطوعة تكون في الاستئناف على حالها في الاتصال نحو قوله: ﴿هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ﴾، وقوله ﴿يَٰأَبَانَآ﴾، وقوله، ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ﴾، و ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ﴾، لانها اذا صغرت ثبتت الالف فيها، تقول في تصغير "إحدى": "أُحَيْدى"، و "أحَد": "أُحَيْد"، و "أَبانا": "أُبَيُّنا" و كذلك "أُبَيّانِ" و "أُبَيُّونَ". وكذلك [الالف في قوله] ﴿مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ﴾و ﴿أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا﴾، لانك تقول في "الأنصار": "أُنَيْصار"، وفي "الأنباءِ": "أُبَيْناء" و "أُبَيْنُون".
وما كان من الالفات في أول فعل أو مصدر، وكان "يَفْعل" من ذلك الفعل ياؤه مضمومة، فتلك الالف مقطوعة. تكون في الاستئناف على حالها في الاتصال، نحو قوله ﴿بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، لأنك تقول: "يُنْزَل". فالياء مضمومة. و ﴿رَبَّنَآ آتِنَا﴾ تقطع لان الياء مضمومة، لأنك تقول: "يُؤْتِى". وقال ﴿وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾و ﴿وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ لأنك تقول: "يُؤتِي"، و "يُحْسِن" . وقوله: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾، و ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ فهذه موصولة لأنك تقول: "يَأتي"، فالياء مفتوحة. وانما الهمزة التي في قوله: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ﴾ همزة كانت من الاصل في موضع الفاء من الفعل، الا ترى انها ثابتة في "أتيت" وفي "أتى" لا تسقط. وسنفسر لك الهمز في موضعه إن شاء الله. وقوله: ﴿آتِنَا﴾ يكون من "آتى" و "آتاه الله"، كما تقول: "ذهب" و "أذهبه الله" ويكون على "أَعطنا". قال ﴿فَآتِهِمْ عَذَاباً﴾ على "فَعَل"و "أَفْعَلَهُ غيرُه".
وأما قوله: ﴿الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ ٱلْحَمْدُ﴾ فوصلت هذه الاسماء التي في أوائلها الالف واللام حتى ذهبت الالف في اللفظ. وذلك لان كل اسم في أوله ألف ولام زائدتان فالالف تذهب اذا اتصلت بكلام قبلها. واذا استأنفتها كانت مفتوحة ابداً لتفرق بينها وبين الالف التي تزاد مع غير اللام، ولان هذه الالف واللام هما جميعاً حرف واحد كـ"قد" و "بل". وانما تعرف زيادتهما بأن تروم الفا ولاما اخريين تدخلهما عليهما، فان لم تصل الى ذلك عرفت انهما زائدتان الاترى ان قولك "الحمدُ للّهِ" وقولك: "العالمين" وقولك "التي" و "الذي" "والله" لا تستطيع أن تدخل عليهن الفا ولاما أخريين؟ فهذا يدل على زيادتهما، فكلما اتصلتا بما قبلهما ذهبت الالف. الا أن توصل بالف الاستفهام فتترك مخففة، [و] لا يخفف فيها الهمزة الاناس من العرب قليل، وهو قوله ﴿ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ وقوله ﴿ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقوله ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾. وانما مدت في الاستفهام ليفرق بين الاستفهام والخبر. الا ترى انك لو قلت وأنت تستفهم: "الرجل قال كذا وكذا" فلم تمددها صارت مثل قولك "الرجل قال كذا وكذا" اذا اخبرت.
وليس سائر الفات الوصل هكذا. قال﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾، وقال ﴿أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ﴾. فهذه الالفات مفتوحة مقطوعة، لأنها ألف استفهام، وألف الوصل التي كانت في "اصطفى" [و "افترى"] قد ذهبت، حيث اتصلت الصاد [والفاء] بهذه الالف التي قبلها للاستفهام. وقال من قرأ هذه الآية ﴿كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ﴾ ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾ فقطع الف "أَتخذناهم" فانما جعلها ألف استفهام وأذهب ألف الوصل التي كانت بعدها، لانها اذا اتصلت بحرف قبلها ذهبت. وقد قرىء هذا الحرف موصولا، وذلك انهم حملوا قوله ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار﴾على قوله ﴿مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ﴾ ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار﴾.
وما كان من اسم في اوله الف ولام تقدر أن تدخل عليهما الفا ولاما أخريين، فالالف من ذلك مقطوعة تكون في الاستئناف على حالها في الاتصال، نحو قوله ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ لانك لو قلت "الإِله" فأدخلت عليها الفا ولاما جاز ذلك. وكذلك "أَلواح" و إلهام" و "إلقاء" مقطوع كله، لأنه يجوز ادخال الف ولام أخريين. فأما "إلى" فمقطوعة ولا يجوز ادخال الالف واللام عليها لأنها ليست باسم، وانما تدخل الالف واللام على الاسم. ويدلك على ان الالف واللام في "إلى" ليستا بزائدتين انك انما وجدت الالف واللام تزادان في الأسماء، ولا تزادان في غير الاسماء، مثل "إلى" و "أَلاَّ". ومع ذلك تكون الف "إلى" مكسورة والف اللام الزائدة لا تكون مكسورة.
وأما قوله ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ﴾ فرفعه على الابتداء. وذلك ان كل اسم ابتدأته لم توقع عليه فعلا من بعده فهو مرفوع، وخبره ان كان هو هو فهو ايضاً مرفوع، نحو قوله ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ﴾ وما أشبه ذلك. وهذه الجملة تأتي على جميع ما في القرآن من المبتدأ فافهمها. فانما رفع المبتدأ ابتداؤك اياه، والابتداء هو الذي رفع الخبر في قول بعضهم [و] كما كانت "أنَّ" تنصب الاسم وترفع الخبر فكذلك رفع الابتداء الاسم والخبر. وقال بعضهم: "رفع المبتدأ خبره" وكل حسن، والأول أقيس.
وبعض العرب يقول ﴿ٱلْحَمْدَ للَّهِ﴾ فينصب على المصدر، وذلك ان اصل الكلام عنده على قوله "حَمْداً لله" يجعله بدلا من اللفظ بالفعل، كأنه جعله مكان "أَحْمَدُ" ونصبه على "أَحْمَدُ" حتى كأنه قال: "أَحْمَدُ حَمْداً" ثم ادخل الالف واللام على هذه.
وقد قال بعض العرب ﴿ٱلْحَمْدِ للَّهِ﴾ فكسره، وذلك أنه جعله بمنزلة الاسماء التي ليست بمتمكنة، وذلك ان الاسماء التي ليست بمتمكنة تحرّك اواخرها حركة واحدة لا تزول علتها نحو "حَيْثُ" جعلها بعض العرب مضمومة على كل حال، وبعضهم يقول "حَوْثُ" و "حَيْثَ" ضم وفتح. ونحو "قَبْلُ" و "بَعْدُ" جعلتا مضمومتين على كل حال. وقال الله تبارك وتعالى ﴿لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ فهما مضموتان الا ان تضيفهما، فاذا اضفتهما صرفتهما. قال ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ و ﴿كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ و ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ وقال ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾ وذلك ان قوله ﴿أَن نَّبْرَأَهَآ﴾ اسم أضاف اليه ﴿قَبْل﴾ وقال ﴿مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ﴾. وذلك ان قوله ﴿أَن نَّزغَ﴾ اسم هو بمنزلة "النَزْغ"، لأن "أنْ" الخفيفة وما عملت فيه بمنزلة اسم، فأضاف اليها" بَعْد". وهذا في القرآن كثير.
ومن الاسماء التي ليست بمتمكنة قال الله عز وجل ﴿إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي﴾ و ﴿هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ مكسورة على كل حال. فشبهوا "الحمدَ" وهو اسم متمكن في هذه اللغة بهذه الاسماء التي ليست بمتمكنة، كما قالوا "يا زيدُ". وفي كتاب الله ﴿يٰهَامَانُ ٱبْنِ لِي صَرْحاً﴾ هو في موضع النصب، لان الدعاء كلّه في موضع نصب، ولكن شبه بالاسماء التي ليست بمتمكنة فترك على لفظ واحد، يقولون: "ذهب أَمسِ بما فيه" و "لَقِيتهُ أمسِ يا فتى"، فيكسرونه في كل موضع في بعض اللغات. وقد قال بعضهم: "لَقِيتهُ الأمسِّ الأحدث" فجرّ أيضاً وفيه الف ولام، وذلك لا يكاد يعرف.
وسمعنا من العرب من يقول: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتِ وَٱلْعُزَّىٰ﴾، ويقول: "هي اللاتِ قالت ذاك" فجعلها تاء في السكوت، و "هي اللاتِ فاعلم" جرّ في موضع الرفع والنصب. وقال بعضهم "من الآنَ إلى غد" فنصب لانه اسم غير متمكن. واما قوله: "اللاتِ فاعلم" فهذه مثل "أمسِ" وأجود، لان الالف واللام التي في "اللات" لا تسقطان وان كانتا زائدتين. واما ما سمعنا في "اللات والعزى" في السكت عليها فـ"اللاه" لانها هاء فصارت تاءً في الوصل وهي في تلك اللغة مثل "كان من الأمر كيتِ وكيتِ". وكذلك "ههياتِ" في لغة من كسر. الا انه يجوز في "هيهات" ان تكون جماعة فتكون التاء التي فيها تاء الجميع التي للتأنيث، ولا يجوز ذلك في "اللاتِ"، لان "اللات" و "كيت" لا يكون مثلهما جماعة، لان التاء لا تزاد في الجماعة الا مع الألف فان جعلت الألف والتاء زائدتين بقي الاسم على حرف واحد.
وزعموا ان من العرب من يقطع ألف الوصل. أخبرني من أثق به أنه سمع من يقول: "يا إِبني" فقطع. وقال قَيْس بن الخطيم [من الطويل وهو الشاهد الاول].
اذا جاوز الإِثنين سرٌّ فإنّه * بنشرٍ وتكثيرِ الوشاة قمين
وقال جميل: [من الطويل وهو الشاهد الثاني]:
ألا لا أرى إِثنين أكرمَ شيمةً * على حدثانِ الدهر مني ومن جُمْلِ
وقال الراجز: [وهو الشاهد الثالث].
يا نفسُ صبراً كلُّ حي لاق * وكلُّ إثنين إلى افتراق
وهذا لا يكاد يعرف.
وقوله: ﴿لِلَّهِ﴾ جر باللام كما انجر قوله:
﴿رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ ﴾ لانه من صفة قوله ﴿للَّهِ﴾. فان قيل: "وكيف يكون جرّا وقد قال: ﴿إِيّاك نَعْبُدُ [5]﴾.
وأما فتح نون ﴿ٱلْعَالَمِينَ﴾ فانها نون جماعة، وكذلك كل نون جماعة [زائدة] على حدّ التثنية فهي مفتوحة.وهي النون الزائدة التي لا تغيّر الاسم عما كان عليه: نحو نون "مسلمين" و "صالحين" و "مؤمنين" فهذه النون زائدة لأنك تقول: "مسلم" و "صالح" فتذهب النون ، وكذلك "مؤمن" قد ذهبت النون الآخرة، وهي المفتوحة، وكذلك "بنون". ألا ترى [انك] انما زدت على "مؤمن" واوا ونونا، وياء ونونا، وهو على حاله لم يتغير لفظه، كما لم يتغير في التثنية حين قلت "مؤمنان" و "مؤمنين". الاّ انك زدت ألفا ونونا، أو ياء ونونا للتثنية. وانما صارت هذه مفتوحة ليفرق بينهما وبين نون الاثنين. وذلك أن نون الاثنين مكسورة أبدا. قال: ﴿قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ﴾ وقال ﴿أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾ والنون مكسورة.
وجعلت الياء للنصب والجرّ نحو "العالمينَ" و "المتقينَ"، فنصبهما وجرهما سواء، كما جعلت نصب "الاثنينِ" وجرهما سواء، ولكن كسر ما قبل ياء الجميع وفتح ما قبل ياء الاثنين ليفرق ما بين الاثنين والجميع، وجعل الرفع بالواو ليكون علامة للرفع، وجعل رفع الاثنين بالالف.
وهذه النون تسقط في الاضافة كما تسقط نون الاثنين، نحو قولك: "بنوك" "ورأيت مسلميك" فليست هذه النون كنون "الشياطين" و "الدهاقين" و "المساكين". لان "الشياطين" و "الدهاقين" و "المساكين" نونها من الاصل ألا ترى انك تقول: [شيطان] و "شُييطين" و "دِهقان" "دُهَيْقين" و "مِسْكين" و "مُسَيْكين" فلا تسقط النون.
فأما "الذينَ" فنونها مفتوحة، لانك تقول: "الذي" فتسقط النون لانها زائدة، ولانك تقول في رفعها: "اللذون" لان هذا اسم ليس بمتمكن مثل "الذي". ألا ترى أن "الذي" على حال واحدة.
الا انّ ناسا من العرب يقولون: "هم اللذون يقولون كذا وكذا". جعلوا له في الجمع علامة للرفع، لان الجمع لا بد له من علامة، واو في الرفع، وياء في النصب والجرّ وهي ساكنة. فأذهبت الياء الساكنة التي كانت في "الذي" لانه لا يجتمع ساكنان، كذهاب ياء "الذي" اذا ادخلت الياء التي للنصب، ولانهما علامتان للاعراب. والياء في قول من قال "هم الذين" مثل حرف مفتوح او مكسور بني عليه الاسم وليس فيه اعراب. ولكن يدلك على انه المفتوح او المكسور في الرفع والنصب والجر الياء التي للنصب والجرّ لأنها علامة للاعراب.
وقد قال ناس من العرب "الشياطون" لانهم شبّهوا هذه الياء التي كانت في "شياطين" اذا كانت بعدها نون، وكانت في جميعٍ وقبلها كسرة، بياء الاعراب التي في الجمع. فلما صاروا الى الرفع ادخلوا الواو. وهذا يشبه "هذاجُحرُ ضبٍّ خَرِبٍ" فافهم.
الفاتحة 1:2
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾: "اسم" [في التسمية] صلة زائدة، زيدت ليخرج بذكرها من حكم القسم الى قصد التبرّك، لان اصل الكلام "بالله" وحذفت الألف من "بسم" من الخط تخفيفاً لكثرة الاستعمال واستغناء عنها بباء الالصاق في اللفظ والخط فلو كتبت "باسم الرحمن" او "باسم القادر" أو "باسم القاهر" لم تحذف الالف.
والألف في "اسم" ألف وصل، لانك تقول: "سُمْيّ" وحذفت لانها ليست من اللفظ.
(اب) اسمٌ، لانك تقول اذا صغّرته: "سُمَيّ"، فتذهب الاف. وقوله: ﴿وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ﴾، وقوله: ﴿وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ فهذا موصول لانك تقول: "مُرَيَّة" و "ثُنَيَّا عشر" . و [قوله]: ﴿فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ موصول: لانك تقول: "ثُنَيَّتا عشرةَ"، وقال: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾، وقال: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ﴾، لانك تقول في "اثنين": "ثُنَيِّيّن" وفي "آمرىء": "مُرَىّءِ" فتسقط الالف. وانما زيدت لسكون الحرف الذي بعدها لما ارادوا استئنافه فلم يصلوا الى الابتداء بساكن، فأحدثوا هذه الالف ليصلوا الى الكلام بها. فاذا اتصل [الكلام] بشيء قبله استغنى عن هذه الالف. وكذلك كل الف كانت في اول فعل او مصدر، وكان "يَفْعل" من ذلك الفعل ياؤه مفتوحة فتلك ألف وصل نحو قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ﴿ٱهْدِنَا﴾. لانك تقول: "يَهْدِي" فالياء مفتوحة. وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ﴾ و [قوله]: ﴿يٰهَامَانُ ٱبْنِ لِي صَرْحاً﴾، وقوله: ﴿عَذَابٌ ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾، وأشباه هذا في القرآن كثيرة. والعلة فيه كالعلّة في "اسم"، و "اثنين" وما أشبهه، لانه لما سكن الحرف الذي في اول الفعل جعلوا فيه هذه الالف ليصلوا الى الكلام به اذا استأنفوا.
وكل هذه الالفات (2ء) اللواتي في الفعل اذا استأنفتهنّ مكسورات، فاذا استأنفت قلت ﴿ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ﴾، ﴿ٱبْنِ لِي﴾، ﴿ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ﴾، الا ما كان منه ثالث حروفه مضموما فانك تضم أوله اذا استأنفت، تقول: ﴿ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾، وتقول﴿ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾. وانما ضمت هذه الالف اذا كان الحرف الثالث مضموماً لانهم لم يروا بين الحرفين إلا حرفاً ساكنا، فثقل عليهم ان يكونوا في كسر ثم يصيروا الى الضم. فارادوا أن يكونا جميعاً مضمومين اذا كان ذلك لا يغير المعنى.
وقالوا في بعض الكلام في "المُنْتِن": مِنْتِن". وانما هي من ""أنتن" فهو "مُنْتِن"، مثل "أكرم" فهو "مُكْرِم". فكسرو الميم لكسرة التاء. وقد ضم بعضهم التاء فقال "مُنْتُن" لضمة الميم. وقد قالوا في "النَقِد": "النِقِد" فكسروا النون لكسرة القاف. وهذا ليس من كلامهم الا فيما كان ثانيه احد الحروف الستة نحو "شعير". والحروف الستة: الخاء والحاء والعين والغين والهمزة والهاء
وما كان على "فُعِلَ" مما في أوله هذه الالف الزائدة فاستئنافه ايضاً مضموم نحو: ﴿ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ﴾ لان أول "فُعِلَ" ابداً مضموم، والثالث من حروفها ايضاً مضموم.
وما كان على "أَفعَلُ أنا" فهو مقطوع الالف وإن كان من الوصل، لأن "أَفْعَلُ" فيها ألف سوى ألف الوصل، وهي نظيرة الياء في "يَفْعَل". وفي كتاب الله عز وجل ﴿ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، و ﴿أَنَاْ آتِيكَ بِهِ﴾و ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾.
وما كان من نحو الالفات اللواتي ليس معهن اللام في أول اسم، وكانت لا تسقط في التصغير فهي مقطوعة تكون في الاستئناف على حالها في الاتصال نحو قوله: ﴿هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ﴾، وقوله ﴿يَٰأَبَانَآ﴾، وقوله، ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ﴾، و ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ﴾، لانها اذا صغرت ثبتت الالف فيها، تقول في تصغير "إحدى": "أُحَيْدى"، و "أحَد": "أُحَيْد"، و "أَبانا": "أُبَيُّنا" و كذلك "أُبَيّانِ" و "أُبَيُّونَ". وكذلك [الالف في قوله] ﴿مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ﴾و ﴿أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا﴾، لانك تقول في "الأنصار": "أُنَيْصار"، وفي "الأنباءِ": "أُبَيْناء" و "أُبَيْنُون".
وما كان من الالفات في أول فعل أو مصدر، وكان "يَفْعل" من ذلك الفعل ياؤه مضمومة، فتلك الالف مقطوعة. تكون في الاستئناف على حالها في الاتصال، نحو قوله ﴿بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، لأنك تقول: "يُنْزَل". فالياء مضمومة. و ﴿رَبَّنَآ آتِنَا﴾ تقطع لان الياء مضمومة، لأنك تقول: "يُؤْتِى". وقال ﴿وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾و ﴿وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ لأنك تقول: "يُؤتِي"، و "يُحْسِن" . وقوله: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾، و ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ فهذه موصولة لأنك تقول: "يَأتي"، فالياء مفتوحة. وانما الهمزة التي في قوله: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ﴾ همزة كانت من الاصل في موضع الفاء من الفعل، الا ترى انها ثابتة في "أتيت" وفي "أتى" لا تسقط. وسنفسر لك الهمز في موضعه إن شاء الله. وقوله: ﴿آتِنَا﴾ يكون من "آتى" و "آتاه الله"، كما تقول: "ذهب" و "أذهبه الله" ويكون على "أَعطنا". قال ﴿فَآتِهِمْ عَذَاباً﴾ على "فَعَل"و "أَفْعَلَهُ غيرُه".
وأما قوله: ﴿الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ ٱلْحَمْدُ﴾ فوصلت هذه الاسماء التي في أوائلها الالف واللام حتى ذهبت الالف في اللفظ. وذلك لان كل اسم في أوله ألف ولام زائدتان فالالف تذهب اذا اتصلت بكلام قبلها. واذا استأنفتها كانت مفتوحة ابداً لتفرق بينها وبين الالف التي تزاد مع غير اللام، ولان هذه الالف واللام هما جميعاً حرف واحد كـ"قد" و "بل". وانما تعرف زيادتهما بأن تروم الفا ولاما اخريين تدخلهما عليهما، فان لم تصل الى ذلك عرفت انهما زائدتان الاترى ان قولك "الحمدُ للّهِ" وقولك: "العالمين" وقولك "التي" و "الذي" "والله" لا تستطيع أن تدخل عليهن الفا ولاما أخريين؟ فهذا يدل على زيادتهما، فكلما اتصلتا بما قبلهما ذهبت الالف. الا أن توصل بالف الاستفهام فتترك مخففة، [و] لا يخفف فيها الهمزة الاناس من العرب قليل، وهو قوله ﴿ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ وقوله ﴿ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقوله ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾. وانما مدت في الاستفهام ليفرق بين الاستفهام والخبر. الا ترى انك لو قلت وأنت تستفهم: "الرجل قال كذا وكذا" فلم تمددها صارت مثل قولك "الرجل قال كذا وكذا" اذا اخبرت.
وليس سائر الفات الوصل هكذا. قال﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾، وقال ﴿أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ﴾. فهذه الالفات مفتوحة مقطوعة، لأنها ألف استفهام، وألف الوصل التي كانت في "اصطفى" [و "افترى"] قد ذهبت، حيث اتصلت الصاد [والفاء] بهذه الالف التي قبلها للاستفهام. وقال من قرأ هذه الآية ﴿كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ﴾ ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾ فقطع الف "أَتخذناهم" فانما جعلها ألف استفهام وأذهب ألف الوصل التي كانت بعدها، لانها اذا اتصلت بحرف قبلها ذهبت. وقد قرىء هذا الحرف موصولا، وذلك انهم حملوا قوله ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار﴾على قوله ﴿مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ﴾ ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار﴾.
وما كان من اسم في اوله الف ولام تقدر أن تدخل عليهما الفا ولاما أخريين، فالالف من ذلك مقطوعة تكون في الاستئناف على حالها في الاتصال، نحو قوله ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ لانك لو قلت "الإِله" فأدخلت عليها الفا ولاما جاز ذلك. وكذلك "أَلواح" و إلهام" و "إلقاء" مقطوع كله، لأنه يجوز ادخال الف ولام أخريين. فأما "إلى" فمقطوعة ولا يجوز ادخال الالف واللام عليها لأنها ليست باسم، وانما تدخل الالف واللام على الاسم. ويدلك على ان الالف واللام في "إلى" ليستا بزائدتين انك انما وجدت الالف واللام تزادان في الأسماء، ولا تزادان في غير الاسماء، مثل "إلى" و "أَلاَّ". ومع ذلك تكون الف "إلى" مكسورة والف اللام الزائدة لا تكون مكسورة.
وأما قوله ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ﴾ فرفعه على الابتداء. وذلك ان كل اسم ابتدأته لم توقع عليه فعلا من بعده فهو مرفوع، وخبره ان كان هو هو فهو ايضاً مرفوع، نحو قوله ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ﴾ وما أشبه ذلك. وهذه الجملة تأتي على جميع ما في القرآن من المبتدأ فافهمها. فانما رفع المبتدأ ابتداؤك اياه، والابتداء هو الذي رفع الخبر في قول بعضهم [و] كما كانت "أنَّ" تنصب الاسم وترفع الخبر فكذلك رفع الابتداء الاسم والخبر. وقال بعضهم: "رفع المبتدأ خبره" وكل حسن، والأول أقيس.
وبعض العرب يقول ﴿ٱلْحَمْدَ للَّهِ﴾ فينصب على المصدر، وذلك ان اصل الكلام عنده على قوله "حَمْداً لله" يجعله بدلا من اللفظ بالفعل، كأنه جعله مكان "أَحْمَدُ" ونصبه على "أَحْمَدُ" حتى كأنه قال: "أَحْمَدُ حَمْداً" ثم ادخل الالف واللام على هذه.
وقد قال بعض العرب ﴿ٱلْحَمْدِ للَّهِ﴾ فكسره، وذلك أنه جعله بمنزلة الاسماء التي ليست بمتمكنة، وذلك ان الاسماء التي ليست بمتمكنة تحرّك اواخرها حركة واحدة لا تزول علتها نحو "حَيْثُ" جعلها بعض العرب مضمومة على كل حال، وبعضهم يقول "حَوْثُ" و "حَيْثَ" ضم وفتح. ونحو "قَبْلُ" و "بَعْدُ" جعلتا مضمومتين على كل حال. وقال الله تبارك وتعالى ﴿لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ فهما مضموتان الا ان تضيفهما، فاذا اضفتهما صرفتهما. قال ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ و ﴿كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ و ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ وقال ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾ وذلك ان قوله ﴿أَن نَّبْرَأَهَآ﴾ اسم أضاف اليه ﴿قَبْل﴾ وقال ﴿مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ﴾. وذلك ان قوله ﴿أَن نَّزغَ﴾ اسم هو بمنزلة "النَزْغ"، لأن "أنْ" الخفيفة وما عملت فيه بمنزلة اسم، فأضاف اليها" بَعْد". وهذا في القرآن كثير.
ومن الاسماء التي ليست بمتمكنة قال الله عز وجل ﴿إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي﴾ و ﴿هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ مكسورة على كل حال. فشبهوا "الحمدَ" وهو اسم متمكن في هذه اللغة بهذه الاسماء التي ليست بمتمكنة، كما قالوا "يا زيدُ". وفي كتاب الله ﴿يٰهَامَانُ ٱبْنِ لِي صَرْحاً﴾ هو في موضع النصب، لان الدعاء كلّه في موضع نصب، ولكن شبه بالاسماء التي ليست بمتمكنة فترك على لفظ واحد، يقولون: "ذهب أَمسِ بما فيه" و "لَقِيتهُ أمسِ يا فتى"، فيكسرونه في كل موضع في بعض اللغات. وقد قال بعضهم: "لَقِيتهُ الأمسِّ الأحدث" فجرّ أيضاً وفيه الف ولام، وذلك لا يكاد يعرف.
وسمعنا من العرب من يقول: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتِ وَٱلْعُزَّىٰ﴾، ويقول: "هي اللاتِ قالت ذاك" فجعلها تاء في السكوت، و "هي اللاتِ فاعلم" جرّ في موضع الرفع والنصب. وقال بعضهم "من الآنَ إلى غد" فنصب لانه اسم غير متمكن. واما قوله: "اللاتِ فاعلم" فهذه مثل "أمسِ" وأجود، لان الالف واللام التي في "اللات" لا تسقطان وان كانتا زائدتين. واما ما سمعنا في "اللات والعزى" في السكت عليها فـ"اللاه" لانها هاء فصارت تاءً في الوصل وهي في تلك اللغة مثل "كان من الأمر كيتِ وكيتِ". وكذلك "ههياتِ" في لغة من كسر. الا انه يجوز في "هيهات" ان تكون جماعة فتكون التاء التي فيها تاء الجميع التي للتأنيث، ولا يجوز ذلك في "اللاتِ"، لان "اللات" و "كيت" لا يكون مثلهما جماعة، لان التاء لا تزاد في الجماعة الا مع الألف فان جعلت الألف والتاء زائدتين بقي الاسم على حرف واحد.
وزعموا ان من العرب من يقطع ألف الوصل. أخبرني من أثق به أنه سمع من يقول: "يا إِبني" فقطع. وقال قَيْس بن الخطيم [من الطويل وهو الشاهد الاول].
اذا جاوز الإِثنين سرٌّ فإنّه * بنشرٍ وتكثيرِ الوشاة قمين
وقال جميل: [من الطويل وهو الشاهد الثاني]:
ألا لا أرى إِثنين أكرمَ شيمةً * على حدثانِ الدهر مني ومن جُمْلِ
وقال الراجز: [وهو الشاهد الثالث].
يا نفسُ صبراً كلُّ حي لاق * وكلُّ إثنين إلى افتراق
وهذا لا يكاد يعرف.
وقوله: ﴿لِلَّهِ﴾ جر باللام كما انجر قوله:
﴿رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ ﴾ لانه من صفة قوله ﴿للَّهِ﴾. فان قيل: "وكيف يكون جرّا وقد قال: ﴿إِيّاك نَعْبُدُ [5]﴾.
وأما فتح نون ﴿ٱلْعَالَمِينَ﴾ فانها نون جماعة، وكذلك كل نون جماعة [زائدة] على حدّ التثنية فهي مفتوحة.وهي النون الزائدة التي لا تغيّر الاسم عما كان عليه: نحو نون "مسلمين" و "صالحين" و "مؤمنين" فهذه النون زائدة لأنك تقول: "مسلم" و "صالح" فتذهب النون ، وكذلك "مؤمن" قد ذهبت النون الآخرة، وهي المفتوحة، وكذلك "بنون". ألا ترى [انك] انما زدت على "مؤمن" واوا ونونا، وياء ونونا، وهو على حاله لم يتغير لفظه، كما لم يتغير في التثنية حين قلت "مؤمنان" و "مؤمنين". الاّ انك زدت ألفا ونونا، أو ياء ونونا للتثنية. وانما صارت هذه مفتوحة ليفرق بينهما وبين نون الاثنين. وذلك أن نون الاثنين مكسورة أبدا. قال: ﴿قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ﴾ وقال ﴿أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾ والنون مكسورة.
وجعلت الياء للنصب والجرّ نحو "العالمينَ" و "المتقينَ"، فنصبهما وجرهما سواء، كما جعلت نصب "الاثنينِ" وجرهما سواء، ولكن كسر ما قبل ياء الجميع وفتح ما قبل ياء الاثنين ليفرق ما بين الاثنين والجميع، وجعل الرفع بالواو ليكون علامة للرفع، وجعل رفع الاثنين بالالف.
وهذه النون تسقط في الاضافة كما تسقط نون الاثنين، نحو قولك: "بنوك" "ورأيت مسلميك" فليست هذه النون كنون "الشياطين" و "الدهاقين" و "المساكين". لان "الشياطين" و "الدهاقين" و "المساكين" نونها من الاصل ألا ترى انك تقول: [شيطان] و "شُييطين" و "دِهقان" "دُهَيْقين" و "مِسْكين" و "مُسَيْكين" فلا تسقط النون.
فأما "الذينَ" فنونها مفتوحة، لانك تقول: "الذي" فتسقط النون لانها زائدة، ولانك تقول في رفعها: "اللذون" لان هذا اسم ليس بمتمكن مثل "الذي". ألا ترى أن "الذي" على حال واحدة.
الا انّ ناسا من العرب يقولون: "هم اللذون يقولون كذا وكذا". جعلوا له في الجمع علامة للرفع، لان الجمع لا بد له من علامة، واو في الرفع، وياء في النصب والجرّ وهي ساكنة. فأذهبت الياء الساكنة التي كانت في "الذي" لانه لا يجتمع ساكنان، كذهاب ياء "الذي" اذا ادخلت الياء التي للنصب، ولانهما علامتان للاعراب. والياء في قول من قال "هم الذين" مثل حرف مفتوح او مكسور بني عليه الاسم وليس فيه اعراب. ولكن يدلك على انه المفتوح او المكسور في الرفع والنصب والجر الياء التي للنصب والجرّ لأنها علامة للاعراب.
وقد قال ناس من العرب "الشياطون" لانهم شبّهوا هذه الياء التي كانت في "شياطين" اذا كانت بعدها نون، وكانت في جميعٍ وقبلها كسرة، بياء الاعراب التي في الجمع. فلما صاروا الى الرفع ادخلوا الواو. وهذا يشبه "هذاجُحرُ ضبٍّ خَرِبٍ" فافهم.
الفاتحة 1:3
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾: "اسم" [في التسمية] صلة زائدة، زيدت ليخرج بذكرها من حكم القسم الى قصد التبرّك، لان اصل الكلام "بالله" وحذفت الألف من "بسم" من الخط تخفيفاً لكثرة الاستعمال واستغناء عنها بباء الالصاق في اللفظ والخط فلو كتبت "باسم الرحمن" او "باسم القادر" أو "باسم القاهر" لم تحذف الالف.
والألف في "اسم" ألف وصل، لانك تقول: "سُمْيّ" وحذفت لانها ليست من اللفظ.
(اب) اسمٌ، لانك تقول اذا صغّرته: "سُمَيّ"، فتذهب الاف. وقوله: ﴿وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ﴾، وقوله: ﴿وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ فهذا موصول لانك تقول: "مُرَيَّة" و "ثُنَيَّا عشر" . و [قوله]: ﴿فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ موصول: لانك تقول: "ثُنَيَّتا عشرةَ"، وقال: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾، وقال: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ﴾، لانك تقول في "اثنين": "ثُنَيِّيّن" وفي "آمرىء": "مُرَىّءِ" فتسقط الالف. وانما زيدت لسكون الحرف الذي بعدها لما ارادوا استئنافه فلم يصلوا الى الابتداء بساكن، فأحدثوا هذه الالف ليصلوا الى الكلام بها. فاذا اتصل [الكلام] بشيء قبله استغنى عن هذه الالف. وكذلك كل الف كانت في اول فعل او مصدر، وكان "يَفْعل" من ذلك الفعل ياؤه مفتوحة فتلك ألف وصل نحو قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ﴿ٱهْدِنَا﴾. لانك تقول: "يَهْدِي" فالياء مفتوحة. وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ﴾ و [قوله]: ﴿يٰهَامَانُ ٱبْنِ لِي صَرْحاً﴾، وقوله: ﴿عَذَابٌ ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾، وأشباه هذا في القرآن كثيرة. والعلة فيه كالعلّة في "اسم"، و "اثنين" وما أشبهه، لانه لما سكن الحرف الذي في اول الفعل جعلوا فيه هذه الالف ليصلوا الى الكلام به اذا استأنفوا.
وكل هذه الالفات (2ء) اللواتي في الفعل اذا استأنفتهنّ مكسورات، فاذا استأنفت قلت ﴿ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ﴾، ﴿ٱبْنِ لِي﴾، ﴿ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ﴾، الا ما كان منه ثالث حروفه مضموما فانك تضم أوله اذا استأنفت، تقول: ﴿ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾، وتقول﴿ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾. وانما ضمت هذه الالف اذا كان الحرف الثالث مضموماً لانهم لم يروا بين الحرفين إلا حرفاً ساكنا، فثقل عليهم ان يكونوا في كسر ثم يصيروا الى الضم. فارادوا أن يكونا جميعاً مضمومين اذا كان ذلك لا يغير المعنى.
وقالوا في بعض الكلام في "المُنْتِن": مِنْتِن". وانما هي من ""أنتن" فهو "مُنْتِن"، مثل "أكرم" فهو "مُكْرِم". فكسرو الميم لكسرة التاء. وقد ضم بعضهم التاء فقال "مُنْتُن" لضمة الميم. وقد قالوا في "النَقِد": "النِقِد" فكسروا النون لكسرة القاف. وهذا ليس من كلامهم الا فيما كان ثانيه احد الحروف الستة نحو "شعير". والحروف الستة: الخاء والحاء والعين والغين والهمزة والهاء
وما كان على "فُعِلَ" مما في أوله هذه الالف الزائدة فاستئنافه ايضاً مضموم نحو: ﴿ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ﴾ لان أول "فُعِلَ" ابداً مضموم، والثالث من حروفها ايضاً مضموم.
وما كان على "أَفعَلُ أنا" فهو مقطوع الالف وإن كان من الوصل، لأن "أَفْعَلُ" فيها ألف سوى ألف الوصل، وهي نظيرة الياء في "يَفْعَل". وفي كتاب الله عز وجل ﴿ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، و ﴿أَنَاْ آتِيكَ بِهِ﴾و ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾.
وما كان من نحو الالفات اللواتي ليس معهن اللام في أول اسم، وكانت لا تسقط في التصغير فهي مقطوعة تكون في الاستئناف على حالها في الاتصال نحو قوله: ﴿هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ﴾، وقوله ﴿يَٰأَبَانَآ﴾، وقوله، ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ﴾، و ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ﴾، لانها اذا صغرت ثبتت الالف فيها، تقول في تصغير "إحدى": "أُحَيْدى"، و "أحَد": "أُحَيْد"، و "أَبانا": "أُبَيُّنا" و كذلك "أُبَيّانِ" و "أُبَيُّونَ". وكذلك [الالف في قوله] ﴿مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ﴾و ﴿أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا﴾، لانك تقول في "الأنصار": "أُنَيْصار"، وفي "الأنباءِ": "أُبَيْناء" و "أُبَيْنُون".
وما كان من الالفات في أول فعل أو مصدر، وكان "يَفْعل" من ذلك الفعل ياؤه مضمومة، فتلك الالف مقطوعة. تكون في الاستئناف على حالها في الاتصال، نحو قوله ﴿بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، لأنك تقول: "يُنْزَل". فالياء مضمومة. و ﴿رَبَّنَآ آتِنَا﴾ تقطع لان الياء مضمومة، لأنك تقول: "يُؤْتِى". وقال ﴿وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾و ﴿وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ لأنك تقول: "يُؤتِي"، و "يُحْسِن" . وقوله: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾، و ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ فهذه موصولة لأنك تقول: "يَأتي"، فالياء مفتوحة. وانما الهمزة التي في قوله: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ﴾ همزة كانت من الاصل في موضع الفاء من الفعل، الا ترى انها ثابتة في "أتيت" وفي "أتى" لا تسقط. وسنفسر لك الهمز في موضعه إن شاء الله. وقوله: ﴿آتِنَا﴾ يكون من "آتى" و "آتاه الله"، كما تقول: "ذهب" و "أذهبه الله" ويكون على "أَعطنا". قال ﴿فَآتِهِمْ عَذَاباً﴾ على "فَعَل"و "أَفْعَلَهُ غيرُه".
وأما قوله: ﴿الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ ٱلْحَمْدُ﴾ فوصلت هذه الاسماء التي في أوائلها الالف واللام حتى ذهبت الالف في اللفظ. وذلك لان كل اسم في أوله ألف ولام زائدتان فالالف تذهب اذا اتصلت بكلام قبلها. واذا استأنفتها كانت مفتوحة ابداً لتفرق بينها وبين الالف التي تزاد مع غير اللام، ولان هذه الالف واللام هما جميعاً حرف واحد كـ"قد" و "بل". وانما تعرف زيادتهما بأن تروم الفا ولاما اخريين تدخلهما عليهما، فان لم تصل الى ذلك عرفت انهما زائدتان الاترى ان قولك "الحمدُ للّهِ" وقولك: "العالمين" وقولك "التي" و "الذي" "والله" لا تستطيع أن تدخل عليهن الفا ولاما أخريين؟ فهذا يدل على زيادتهما، فكلما اتصلتا بما قبلهما ذهبت الالف. الا أن توصل بالف الاستفهام فتترك مخففة، [و] لا يخفف فيها الهمزة الاناس من العرب قليل، وهو قوله ﴿ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ وقوله ﴿ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقوله ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾. وانما مدت في الاستفهام ليفرق بين الاستفهام والخبر. الا ترى انك لو قلت وأنت تستفهم: "الرجل قال كذا وكذا" فلم تمددها صارت مثل قولك "الرجل قال كذا وكذا" اذا اخبرت.
وليس سائر الفات الوصل هكذا. قال﴿أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ﴾، وقال ﴿أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ﴾. فهذه الالفات مفتوحة مقطوعة، لأنها ألف استفهام، وألف الوصل التي كانت في "اصطفى" [و "افترى"] قد ذهبت، حيث اتصلت الصاد [والفاء] بهذه الالف التي قبلها للاستفهام. وقال من قرأ هذه الآية ﴿كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ﴾ ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾ فقطع الف "أَتخذناهم" فانما جعلها ألف استفهام وأذهب ألف الوصل التي كانت بعدها، لانها اذا اتصلت بحرف قبلها ذهبت. وقد قرىء هذا الحرف موصولا، وذلك انهم حملوا قوله ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار﴾على قوله ﴿مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ﴾ ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار﴾.
وما كان من اسم في اوله الف ولام تقدر أن تدخل عليهما الفا ولاما أخريين، فالالف من ذلك مقطوعة تكون في الاستئناف على حالها في الاتصال، نحو قوله ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ لانك لو قلت "الإِله" فأدخلت عليها الفا ولاما جاز ذلك. وكذلك "أَلواح" و إلهام" و "إلقاء" مقطوع كله، لأنه يجوز ادخال الف ولام أخريين. فأما "إلى" فمقطوعة ولا يجوز ادخال الالف واللام عليها لأنها ليست باسم، وانما تدخل الالف واللام على الاسم. ويدلك على ان الالف واللام في "إلى" ليستا بزائدتين انك انما وجدت الالف واللام تزادان في الأسماء، ولا تزادان في غير الاسماء، مثل "إلى" و "أَلاَّ". ومع ذلك تكون الف "إلى" مكسورة والف اللام الزائدة لا تكون مكسورة.
وأما قوله ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ﴾ فرفعه على الابتداء. وذلك ان كل اسم ابتدأته لم توقع عليه فعلا من بعده فهو مرفوع، وخبره ان كان هو هو فهو ايضاً مرفوع، نحو قوله ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ﴾ وما أشبه ذلك. وهذه الجملة تأتي على جميع ما في القرآن من المبتدأ فافهمها. فانما رفع المبتدأ ابتداؤك اياه، والابتداء هو الذي رفع الخبر في قول بعضهم [و] كما كانت "أنَّ" تنصب الاسم وترفع الخبر فكذلك رفع الابتداء الاسم والخبر. وقال بعضهم: "رفع المبتدأ خبره" وكل حسن، والأول أقيس.
وبعض العرب يقول ﴿ٱلْحَمْدَ للَّهِ﴾ فينصب على المصدر، وذلك ان اصل الكلام عنده على قوله "حَمْداً لله" يجعله بدلا من اللفظ بالفعل، كأنه جعله مكان "أَحْمَدُ" ونصبه على "أَحْمَدُ" حتى كأنه قال: "أَحْمَدُ حَمْداً" ثم ادخل الالف واللام على هذه.
وقد قال بعض العرب ﴿ٱلْحَمْدِ للَّهِ﴾ فكسره، وذلك أنه جعله بمنزلة الاسماء التي ليست بمتمكنة، وذلك ان الاسماء التي ليست بمتمكنة تحرّك اواخرها حركة واحدة لا تزول علتها نحو "حَيْثُ" جعلها بعض العرب مضمومة على كل حال، وبعضهم يقول "حَوْثُ" و "حَيْثَ" ضم وفتح. ونحو "قَبْلُ" و "بَعْدُ" جعلتا مضمومتين على كل حال. وقال الله تبارك وتعالى ﴿لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ فهما مضموتان الا ان تضيفهما، فاذا اضفتهما صرفتهما. قال ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ و ﴿كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ و ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ وقال ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾ وذلك ان قوله ﴿أَن نَّبْرَأَهَآ﴾ اسم أضاف اليه ﴿قَبْل﴾ وقال ﴿مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ﴾. وذلك ان قوله ﴿أَن نَّزغَ﴾ اسم هو بمنزلة "النَزْغ"، لأن "أنْ" الخفيفة وما عملت فيه بمنزلة اسم، فأضاف اليها" بَعْد". وهذا في القرآن كثير.
ومن الاسماء التي ليست بمتمكنة قال الله عز وجل ﴿إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي﴾ و ﴿هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ مكسورة على كل حال. فشبهوا "الحمدَ" وهو اسم متمكن في هذه اللغة بهذه الاسماء التي ليست بمتمكنة، كما قالوا "يا زيدُ". وفي كتاب الله ﴿يٰهَامَانُ ٱبْنِ لِي صَرْحاً﴾ هو في موضع النصب، لان الدعاء كلّه في موضع نصب، ولكن شبه بالاسماء التي ليست بمتمكنة فترك على لفظ واحد، يقولون: "ذهب أَمسِ بما فيه" و "لَقِيتهُ أمسِ يا فتى"، فيكسرونه في كل موضع في بعض اللغات. وقد قال بعضهم: "لَقِيتهُ الأمسِّ الأحدث" فجرّ أيضاً وفيه الف ولام، وذلك لا يكاد يعرف.
وسمعنا من العرب من يقول: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتِ وَٱلْعُزَّىٰ﴾، ويقول: "هي اللاتِ قالت ذاك" فجعلها تاء في السكوت، و "هي اللاتِ فاعلم" جرّ في موضع الرفع والنصب. وقال بعضهم "من الآنَ إلى غد" فنصب لانه اسم غير متمكن. واما قوله: "اللاتِ فاعلم" فهذه مثل "أمسِ" وأجود، لان الالف واللام التي في "اللات" لا تسقطان وان كانتا زائدتين. واما ما سمعنا في "اللات والعزى" في السكت عليها فـ"اللاه" لانها هاء فصارت تاءً في الوصل وهي في تلك اللغة مثل "كان من الأمر كيتِ وكيتِ". وكذلك "ههياتِ" في لغة من كسر. الا انه يجوز في "هيهات" ان تكون جماعة فتكون التاء التي فيها تاء الجميع التي للتأنيث، ولا يجوز ذلك في "اللاتِ"، لان "اللات" و "كيت" لا يكون مثلهما جماعة، لان التاء لا تزاد في الجماعة الا مع الألف فان جعلت الألف والتاء زائدتين بقي الاسم على حرف واحد.
وزعموا ان من العرب من يقطع ألف الوصل. أخبرني من أثق به أنه سمع من يقول: "يا إِبني" فقطع. وقال قَيْس بن الخطيم [من الطويل وهو الشاهد الاول].
اذا جاوز الإِثنين سرٌّ فإنّه * بنشرٍ وتكثيرِ الوشاة قمين
وقال جميل: [من الطويل وهو الشاهد الثاني]:
ألا لا أرى إِثنين أكرمَ شيمةً * على حدثانِ الدهر مني ومن جُمْلِ
وقال الراجز: [وهو الشاهد الثالث].
يا نفسُ صبراً كلُّ حي لاق * وكلُّ إثنين إلى افتراق
وهذا لا يكاد يعرف.
وقوله: ﴿لِلَّهِ﴾ جر باللام كما انجر قوله:
﴿رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ ﴾ لانه من صفة قوله ﴿للَّهِ﴾. فان قيل: "وكيف يكون جرّا وقد قال: ﴿إِيّاك نَعْبُدُ [5]﴾.
وأما فتح نون ﴿ٱلْعَالَمِينَ﴾ فانها نون جماعة، وكذلك كل نون جماعة [زائدة] على حدّ التثنية فهي مفتوحة.وهي النون الزائدة التي لا تغيّر الاسم عما كان عليه: نحو نون "مسلمين" و "صالحين" و "مؤمنين" فهذه النون زائدة لأنك تقول: "مسلم" و "صالح" فتذهب النون ، وكذلك "مؤمن" قد ذهبت النون الآخرة، وهي المفتوحة، وكذلك "بنون". ألا ترى [انك] انما زدت على "مؤمن" واوا ونونا، وياء ونونا، وهو على حاله لم يتغير لفظه، كما لم يتغير في التثنية حين قلت "مؤمنان" و "مؤمنين". الاّ انك زدت ألفا ونونا، أو ياء ونونا للتثنية. وانما صارت هذه مفتوحة ليفرق بينهما وبين نون الاثنين. وذلك أن نون الاثنين مكسورة أبدا. قال: ﴿قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ﴾ وقال ﴿أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾ والنون مكسورة.
وجعلت الياء للنصب والجرّ نحو "العالمينَ" و "المتقينَ"، فنصبهما وجرهما سواء، كما جعلت نصب "الاثنينِ" وجرهما سواء، ولكن كسر ما قبل ياء الجميع وفتح ما قبل ياء الاثنين ليفرق ما بين الاثنين والجميع، وجعل الرفع بالواو ليكون علامة للرفع، وجعل رفع الاثنين بالالف.
وهذه النون تسقط في الاضافة كما تسقط نون الاثنين، نحو قولك: "بنوك" "ورأيت مسلميك" فليست هذه النون كنون "الشياطين" و "الدهاقين" و "المساكين". لان "الشياطين" و "الدهاقين" و "المساكين" نونها من الاصل ألا ترى انك تقول: [شيطان] و "شُييطين" و "دِهقان" "دُهَيْقين" و "مِسْكين" و "مُسَيْكين" فلا تسقط النون.
فأما "الذينَ" فنونها مفتوحة، لانك تقول: "الذي" فتسقط النون لانها زائدة، ولانك تقول في رفعها: "اللذون" لان هذا اسم ليس بمتمكن مثل "الذي". ألا ترى أن "الذي" على حال واحدة.
الا انّ ناسا من العرب يقولون: "هم اللذون يقولون كذا وكذا". جعلوا له في الجمع علامة للرفع، لان الجمع لا بد له من علامة، واو في الرفع، وياء في النصب والجرّ وهي ساكنة. فأذهبت الياء الساكنة التي كانت في "الذي" لانه لا يجتمع ساكنان، كذهاب ياء "الذي" اذا ادخلت الياء التي للنصب، ولانهما علامتان للاعراب. والياء في قول من قال "هم الذين" مثل حرف مفتوح او مكسور بني عليه الاسم وليس فيه اعراب. ولكن يدلك على انه المفتوح او المكسور في الرفع والنصب والجر الياء التي للنصب والجرّ لأنها علامة للاعراب.
وقد قال ناس من العرب "الشياطون" لانهم شبّهوا هذه الياء التي كانت في "شياطين" اذا كانت بعدها نون، وكانت في جميعٍ وقبلها كسرة، بياء الاعراب التي في الجمع. فلما صاروا الى الرفع ادخلوا الواو. وهذا يشبه "هذاجُحرُ ضبٍّ خَرِبٍ" فافهم.
الفاتحة 1:4
وأما قوله: ﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ فانه يجرّ لانه من صفة "اللَّهِ" عز وجل.
وقد قرأها قوم ﴿مالكَ﴾ نصب على الدعاء وذلك جائز، يجوز فيه النصب والجرّ، [وقرأها قوم ﴿مَلْك﴾] الا أن "المَلْك" اسم ليس بمشتق من فعل نحو قولك: "مَلْك ومُلوك" وأما "المالك" فهو الفاعل كما تقول: "مَلَك فهو مالِكٌ" مثل "قهر فهو قاهر".
الفاتحة 1:5
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فلأنه اذا قال "الحمدُ لِمالِكِ يومِ الدين" فانه ينبغي ان يقول "إيّاهُ نعبد" فانما هذا على الوحي. وذلك ان الله تبارك وتعالى خاطب النبي ﷺ فقال: "قل يا محمد": "الحمدُ لله" وقل: "الحمدُ لمالكِ يومِ الدين" وقل يا محمد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
وأما قوله ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ولم يقل "أنت نعبد" [ف] لان هذا موضع نصب. واذا لم يقدر في موضع النصب على الكاف أو الهاء وما أشبه ذلك من الاضمار الذي يكون للنصب جعل "أِيّاك" أو "إيَّاهُ" أو نحو ذلك مما يكون في موضع نصب. قال: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى﴾ لان هذا موضع نصب، تقول: "إني أَو زيداً منطلق". و ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾. هذا في موضع نصب. كقولك: "ذهب القوم الاّ زيدا". [و] انما صارت ﴿إِيَّاكَ﴾ [في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾]في موضع نصب من اجل ﴿نَعْبُدُ﴾ وكذلك:
﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أيضاً. واذا كان موضع رفع جعلت فيه "أنت" و "أنتما" و "أنتم"، و "هو" و "هي" واشباه ذلك.
الفاتحة 1:6
واما قوله ﴿ٱهْدِنَا ٱلصّرِاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴾ فيقول: "عَرِّفْنا". واهل الحجازِ يقولون: "هديتُه الطريقَ" أي: عَرَّفته، وكذلك "هديتُه البيتَ" في لغتهم. وغيرهم يُلّحق به "الى".
الفاتحة 1:7
﴿صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ نصب على البدل. و ﴿أَنْعَمْتَ﴾ مقطوع الالف لانك تقول "يُنعِم" فالياء مضمومة فافهم. وقوله:
﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم﴾ هؤلاء صفة ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لان "الصراطَ" مضاف اليهم، فهم جرّ للاضافة. وأجريت عليهم "غيرَ" صفة أو بدلا. و "غَيْرٌ" و "مِثْلٌ" قد تكونان من صفة المعرفة التي بالالف واللام، نحو قولك: " إني لأَمرّ بالرجلِ غيرِكَ وبالرجلِ مثلِكَ فما يشتمني"، و "غيرٌ" و "مثلٌ" انما تكونان صفة للنكرة، ولكنهما قد احتيج اليهما في هذا الموضع فأجريتا صفة لما فيه الالف واللام، والبدل في "غير" أجود من الصفة، لان "الذي" و "الذين" لا تفارقهما الالف واللام، وهما أشبه بالاسم المخصوص من "الرجل" وما أشبهه.
و "الصراط" فيه لغتان، السين والصاد، الاّ انا نختار الصاد لان كتابها على ذلك في جميع القرآن.
وقد قال العرب "هم فيها الجَمّاءَ الغفيرَ" فنصبوا، كأنهم لم يدخلوا الالف واللام، وان كانوا قد اضهروهما كما أجروا "مثلك" و "غيرَك" كمجرى ما فيه الالف واللام وان لم يكونا في اللفظ. وانما يكون هذا وصفا للمعرفة التي تجيء في معنى النكرة. الا ترى انك اذا قلت: "إنّي لأَمرُّ بالرجلِ مِثلك" انما تريد "برجلٍ مثلِك". لأنك لا تحدّ له رجلا بعينه ولا يجوز اذا حددت له ذلك، الا ان تجعله بدلا ولا يكون على الصفة. ألا ترى أنه لا يجوز "مررت بزيدٍ مثلِك" الا على البدل. ومثل ذلك: "إنّي لأَمُرُّ بالرجلِ من اهل البصرة" ولو قلت: "إنّي لأَمُرُ بزيدٍ من أهل البصرة" لم يجز الاّ ان تجعله في موضع حال. فكذلك ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم ﴾.
وقد قرأ قوم ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم﴾ جعلوه على الاستثناء الخارج من اول الكلام. ولذلك تفسير سنذكره ان شاء الله، وذلك انه اذا استثنى شيئا ليس من أول الكلام في لغة أهل الحجاز فانه ينصب [و] * يقول "ما فيها أحدٌ إلاّ حماراً"، وغيرهم يقول: "هذا بمنزلة ما هو من الاول" فيرفع. فذا يجرّ ﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ﴾ في لغته. وان شئت جعلت "غيرَ" نصبا على الحال لانها نكرة والاول معرفة، وانما جرّ لتشبيه "الذي بـ"الرجل". وليس هو على الصفة بحسن ولكن على البدل نحو ﴿بِٱلنَّاصِيَةِ﴾﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾.
ومن العرب من يقول:
"هِيّاك" بالهاء ويجعل الالف من "إيّاك" هاء فيقول "هِيّاك نعبد" كما تقول: "إيهِ" و "هِيهِ" وكما تقول: "هَرَقت" و "أَرَقْتُ".
وأهل الحجاز يؤنثون "الصراطَ" كما يؤنثون "الطريقَ" و "الزُقاقَ" و "السبيل" و "السوقَ" و "الكَلاّءَ". وبنو تميم يذكّرون هذا كله. وبنو أسد يؤنثون "الهُدى".
البقرة 2:1
أما قوله ﴿الۤمۤ﴾ فان هذه الحروف اسكنت لان الكلام ليس بمدرج، وانما يكون مدرجا لو عطف بحرف العطف وذلك ان العرب تقول في حروف المعجم كلها بالوقف اذا لم يدخلوا حروف العطف فيقولون: "ألفْ باءْ تاءْ ثاءْ" ويقولون: "ألفٌ وباءٌ وتاءٌ وثاءٌ". وكذلك العدد عندهم ما لم يدخلوا حروف العطف [فـ] يقولون: "واحدْ اثنانْ ثلاثَهْ". وبذلك على انه ليس بمدرج قطع ألف "اثنين" وهي من الوصل. فلو كان وصلها بالذي قبلها لذهبت ولكن هذا من العدد، والعدد والحروف كل واحد منها شيء مفصول على حياله.. ومثل ذلك ﴿الۤمۤصۤ﴾ و﴿الۤر﴾ و﴿الۤمۤر﴾ و ﴿كۤهيعۤصۤ﴾ و﴿طسۤمۤ﴾ و﴿يسۤ﴾ و﴿طه﴾ و﴿حـمۤ﴾ و﴿قۤ﴾ و﴿صۤ﴾. الا ان قوما قد نصبوا ﴿يسۤ﴾ و﴿طه﴾ و﴿حـمۤ﴾ وهو كثير في كلام العرب، وذلك انهم جعلوها اسماء كالاسماء الاعجمية "هابيل" و "قابيل" فاما ان يكونوا جعلوها في موضع نصب ولم يصرفوها كأنه قال: "اذكر حم وطس ويس". او جعلوها كالاسماء، التي [هي] غير متمكنة فحرّكوا آخرها حركة واحدة كفتح "أينَ"، وكقول بعض الناس ﴿ٱلْحَمْدِ للَّهِ﴾. وقرأ بعضهم ﴿صَ﴾ و﴿نَ﴾ و﴿قَ﴾ بالفتح وجعلوها أسماء ليست بمتمكنة فألزموها حركة واحدة وجعلوها أسماءَ للسورة*، فصارت أسماء مؤنثة. ومن العرب من لا يصرف المؤنث اذا كان وسطه ساكنا نحو "هِنْد" و "جُمْل" و "دَعد"**. قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الرابع].
وإني لأَهوى بيت هِنْدٍ وأهلها * على هنواتٍ قد ذكرن على هِنْدِ
وهو يجوز في هذه اللغة أوَ يكون سماها بالحرف، والحرف مذكر واذا سمي المؤنث بالمذكر لم ينصرف، [ف] جعل ﴿صۤ﴾ وما أشبهها اسما للسورة ولم يصرف، وجعله في موضع نصب.
وقال بعضهم "صادِ والقرآنِ" فجعلها من "صاديت" ثم أمركما تقول "رامِ" كأنه قال: "صادِ الحقَّ بعملك" اي: تعمده، ثم قال ﴿وَٱلْقُرْآنِ﴾ فأقسم، ثم قال ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾. فعلى هذا وقع القسم. وذلك أنهم زعموا أن "بل" هاهنا انما هي "إنّ" فلذلك صار القسم عليها.
وقد اختلف الناس في الحروف التي في فواتح السور، فقال بعضهم: "انما هي حروف يستفتح بها" فان قيل "هل يكون شيء من القرآن ليس له معنى"؟. فان معنى هذه أنه ابتدأ بها ليعلم أن السورة التي قبلها قد انقضت، وأنه قد أخذ في أخرى. فجعل هذا علامة لانقطاع ما بينهما، وذلك موجود في كلام العرب، ينشد الرجل منهم الشعر فيقول [من الرجز وهو الشاهد الخامس]:
* بلْ. وبلدةٍ ما الانسُ من أُهّالها *
أو يقول [من الرجز وهو الشاهد السادس]:
* بلْ. ما هاجَ أحزاناً وشجواً قد شجا *
فـ"بل" ليست من البيت ولا تعد في وزنه، ولكن يقطع بها كلام ويستأنف آخر. وقال قوم: "انها حروف اذا وصلت كانت هجاء لشيء يعرف معناه، وقد أوتى بعض الناس علم ذلك. وذلك ان بعضهم كان يقول: "ألر" و "حم" و "ن" هذا هو اسم "الرحمن" جل وعزَّ، وما بقي منها فنحو هذا.
وقالوا ان قوله ﴿كۤهيعۤصۤ﴾ كاف هاد عالم صادق فاظهر من كل اسم منها حرفا ليستدل به عليها. فهذا يدل على ان الوجه الاول لا يكون الا وله معنى. لانه يريد معنى الحروف. ولم ينصبوا من هذه الحروف شيئا غير ما ذكرت لك، لان ﴿الۤمۤ﴾ و ﴿طسۤمۤ﴾ و﴿كۤهيعۤصۤ﴾ ليست مثل شيء من الاسماء، وانما هي حروف مقطعة.
وقال ﴿الۤمۤ﴾ ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ فالميم مفتوحة لانها لقيها حرف ساكن فلم يكن من حركتها بد. فان قيل: "فهلا حركت بالجر"؟ فان هذا لا يلزم فيها [و] انما أرادوا الحركة، فاذا حركوها بأي حركة كانت فقد وصلوا الى الكلام بها، ولو كانت كسرت لجاز ولا أعلمها الا لغة.
وقال بعضهم: "فتحوا الحروف التي للهجاء اذا لقيها الساكن ليفصلوا بينها وبين غيرها. وقالوا: "مِنَ الرجل" ففتحوا لاجتماع الساكنين. ويقولون: "هلِ الرجل" و "بلِ الرجل" وليس بين هذين وبين "من الرجل" فرق، الا انهم قد فتحوا "مِنَ الرجل" لئلا تجتمع كسرتان، وكسروا ﴿إِذِ ٱلظَّالِمُونَ﴾. وقد اجتمعت كسرتان لان "مِنْ اكثر استعمالا في كلامهم من "إذْ"، فادخلوها الفتح ليخف عليهم. وان شئت قلت "ألم" حروف منفصل بعضها من بعض، لأنه ليس فيها حرف عطف، وهي ايضاً منفصلة مما بعدها، فالاصل فيه ان تقول ﴿الم ألله﴾ فتقطع ألف ﴿الله﴾ اذا كان ما قبله منفصلا منه كما قلت "واحد، إثنان" فقطعت. وكما قرأ القراء ﴿نۤ وَٱلْقَلَمِ﴾ فبينوا النون لانها منفصلة. ولو كانت غير منفصلة لم تبين الا ان يلقاها أحد الحروف الستة. الا ترى انك تقول " خذه من زيد" و "خذه من عمرو" فتبين النون في "عمرو" ولا تبين في "زيد". فلما كانت ميم ساكنة وبعدها حرف مقطوع مفتوح جاز أن تحرك الميم بفتحة الالف وتحذف الالف في لغة من قال "منَ ابوك" فلا تقطع. وقد جعل قوم (نون) بمنزلة المدرج فقالوا ﴿نونَ والقلمِ﴾ فاثبتوا النون ولم يبينوها. وقالوا ﴿يسۤ وَٱلْقُرْآنِ﴾ فلم يبينوا ايضاً. وليست * هذه النون ها هنا بمنزلة قول ﴿كۤهيعۤصۤ﴾ و﴿طسۤ تِلْكَ﴾ و﴿حـمۤ عۤسۤقۤ﴾ [فـ] هذه النونات لا تبين في القراءة في قراءة أحد، لان النون قريبة من الصاد، لأن الصاد والنون من مخرج طرف اللسان. وكذلك التاء والسين في ﴿طسۤ تِلْكَ﴾ وفي ﴿حـمۤ عۤسۤقۤ﴾، فلذلك لم تبين النون اذ قربن منها. وتبينت النون في ﴿يسۤ﴾ و﴿نون﴾ لبعد النون من الواو لان النون بطرف اللسان والواو بالشفتين.
البقرة 2:2
قال ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ وقال ﴿فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ فنصبهما بغير تنوين. وذلك ان كل اسم منكور نفيته بـ"لا" وجعلت "لا" الى جنب الاسم فهو مفتوح بغير تنوين، لان "لا" مشبهة بالفعل، كما شبهت "إنْ" و "ما" بالفعل. و (فيه) في موضع خبرها وخبرها رفع، وهو بمنزلة الفاعل، وصار المنصوب بمنزلة المفعول به، و (لا) بمنزلة الفعل. وانما حذفت التنوين منه لانك جعلته و "لا" اسما واحدا، وكل شيئين جُعِلاَ اسما لم يصرفا. والفتحة التي فيه لجميع الاسم، بني عليها وجعل غير متمكن. والاسم الذي بعد "لا" في موضع نصب عملت فيه "لا".
واما قوله ﴿لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ فالوجه فيه الرفع لان المعطوف عليه لا يكون الا رفعا ورفعته لتعطف الآخر عليه. وقد قرأها قوم نصبا وجعلوا الآخر [رفعا] على الابتداء.
وقوله ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ﴾ فالوجه النصب لان هذا نفي ولانه كله نكرة. وقد قال قوم ﴿فَلاَ رَفَثٌ وَلاَ فُسُوقٌ وَلاَ جِدَالٌ فِي ٱلْحَجِّ﴾ فرفعوه كله، وذلك انه قد يكون هذا المنصوب كله مرفوعاً في بعض كلام العرب. قال الشاعر: : [من البسيط وهو الشاهد السابع]:
وما صرمتُكِ حتى قلتِ معلنةً * لا ناقةٌ ليَ في هذا ولا جَمَل
وهذا جواب لقوله "هل فيه رفثٌ أو فسوقٌ" فقد رفع الاسماء بالابتداء وجعل لها خبراً، فلذلك يكون جوابه رفعاً. واذا قال "لا شيءَ" فانما هو جواب "هل من شىءٍ"، لان "هل مِن شيءٍ"* قد اعمل فيه "مِن" بالجر وأضمر الخبر والموضع مرفوع، مثل "بحسبِك أَنْ تشتمَني" [فـ] انما هو "حسبُك أَنْ تشتمني". فالموضع مرفوع والباء قد عملت.
وقد قال قوم ﴿فَلاَ رَفَثٌ وَلاَ فُسُوقٌ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ﴾ فرفعوا الاول على ما يجوز في هذا من الرفع، او على النهي، كانه قال "فلا يكونن فيه رفثٌ ولا فسوقٌ" كما تقول: "سمعُكَ اليّ" تقولها العرب فترفعها، وكما تقول للرجل **: "حسبُك" و "كفاك". وجعل الجدال [نصبا] على النفي. وقال الشاعر [من الكامل وهو الشاهد الثامن].
ذاكم وَجَدِّكُم الصَّغار بأسرِه * لا أُمَّ لي إنْ كان ذاكَ ولا أَبُ
فرفع أحدهما ونصب الآخر.
واما قوله ﴿لاَ فِيهَا غَوْلٌ﴾ فرفع لان "لا" [لا] تقوى أنْ تعمل إذا فصلت، وقد فصلتها بـ"فيها" فرفع على الابتداء ولم تعمل "لا".
وقوله ﴿فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [فـ"فيه"] و "عليه" و "إليه"، وأشباه ذلك في القرآن كثير. وذلك ان العرب اذا كان قبل هذه الهاء التي للمذكر ياء ساكنة، حذفوا الياء التي تجيء من بعد الهاء او الواو، لان الهاء حرف خفي وقع بين حرفين متشابهين فثقل ذلك. فمن كان من لغته إلحاق الواو اذا كان قبلها كسرة ولم يكن قبلها الياء، ترك الهاء مضمومة اذا كان قبلها الياء الساكنة ومن كان من لغته إلحاق الواو اذا كان قبلها كسرة ولم يكن قبلها الياء، ترك الهاء مضمومة اذا كان قبلها الياء الساكنة ومن كان من لغته إلحاق الياء ترك الهاء مكسورة اذا كان قبلها الياء الساكنة. وكذلك اذا كان قبل الهاء الف ساكنة او واو فانه يحذف الواو التي تكون بعد الهاء، ولكن الهاء لا تكون الا مضمومة نحو ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾ وقوله ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ وقوله ﴿فَأَنجَيْنَاهُ﴾ وأشباه هذا في القرآن كثير.
ومن العرب من يتم لان ذلك من الاصل فيقول ﴿فكذّبُوهو﴾ ﴿فأنجَيْناهو﴾ ﴿وألقى موسى عصاهو﴾و ﴿لا ريبَ فيهُو هُدىً للمتقين﴾ وهي قراءة أهل المدينة. وقد قال قوم ﴿إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ فألقوا الواو وشبهوا الساكن بالياء والواو والالف. وهذا ليس بجيّد في العربية، وأجوده ﴿منهو نذير﴾ تُلْحَقُ الواو وان كانت لا تكتب. وكل هذا اذا سكت عليه لم تزد على الهاء شيئا.
ولا تكسر هذه الهاء الا ان تكون قبلها ياء ساكنة، او حرف مكسور. وانما يكسر بنو تميم. فأما أهل الحجاز فانهم يضمون بعد الكسر وبعد الياء ايضا قال ﴿ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾. واهل الحجاز [يقولون] ﴿من بعدِهُو﴾ فيثبتون الواو في كل موضع.
ومن العرب من يحذف الواو والياء في هذا النحو ايضاً، وذلك قليل قبيح يقول: "مررت بِهِ قبلُ" و "بِهُ قبلُ" يكسرون ويضمون، ولا يلحقون واوا ولا ياء، ويقولون "رأيتُهُ قبلُ" فلا يلحقون واوا. وقد سمعنا بعض ذلك من العرب الفصحاء.
قد قرأ بعض القراء ﴿فِيهْ هُدَى﴾ فادغم الهاء الأولى * في هاء ﴿هُدى﴾ لانهما التقتا وهما مثلان.
وزعموا ان من العرب من يؤنث "الهُدى". ومنهم من يسكن هاء الاضمار للمذكر قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد التاسع]:
فَظِلْتُ لدى البيت العتيق أُخيلُه * ومِطواي مشتاقانِ لَهْ أرِقانِ
وهذه في لغة اسد السراة، زعموا، كثير.
البقرة 2:3
قوله ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ففيها لغتان، منهم من يقولها بالوقف اذا وصل، ومنهم من يلحق فيها الواو. وكذلك هو في كل موضع من القرآن والكلام إلاّ ان يكون ما قبلها مكسورا او ياء ساكنة، فان كانت ياء ساكنة او حرف مكسور نحو "عليْهِم" و "بِهِمْ" و "مِن بعدِهِمْ" فمن العرب من يقول: "عليهِمِي" فيلحق الياء ويكسر الميم والهاء، ومنهم من يقول: "عليْهُمُو" فيلحق الواو ويضم الميم والهاء، ومنهم من يقول: "عليهِم" و "عليهُم"، فيرفعون الهاء ويكسرونها، ويقفون الميم، ومنهم من يقول: "عليهِمُو" فيكسرون الهاء ويضمون الميم ويلحقون الواو، ومنهم من يقول: "عليهُمِي" فيضمون الهاء ويكسرون الميم ويلحقون الياء.
وكل هذا اذا وقفت عليه فآخره ساكن والذي قبله مكسور هو بمنزلة ما قبله ياء. وهذا في القرآن كثير.
ومنهم من يجعل ["كُمْ] في] "عليكم" و "بكم" اذا كانت قبلها ياء ساكنة او حرف مكسور بمنزلة "هُمْ" وذلك قبيح لا يكاد يعرف، وهي لغة لبكر بن وائل سمعناها من بعضهم يقولون "عليكِمي" و "بِكِمي" وأنشد الاخفش قال سمعته من بكر بن وائل: [من الطويل وهو الشاهد العاشر]:
وإنْ قالَ مولاهمْ على جُلِّ حاجةٍ * من الأمرِ رُدّوا فَضْلَ أحلامِكِم رَدُّوا
وكل هذا اذا لقيه حرف ساكن حركت الميم بالضم ان كان بعدها واو، فان كان بعدها واو حذفت الواو، وان كان ياء حذفت الياء وحركت الميم بالكسر.
وكذلك الهاء التي للواحد المذكر من نحو "مررت به اليوم" و "رأيته اليوم".
وزعموا ان بعض العرب يحرك الميم ولا يلحق ياء ولا واوا في الشعر وذا لا يكاد يعرف. وقال الشاعر: [من الرجز وهو الشاهد الحادي عشر]:
تاللهِ لولا شُعْبتي من الكرم * وشعبتي فيهِم من خالٍ وعَمّ
البقرة 2:6
فأما قوله ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ فانما دخله حرف الاستفهام وليس باستفهام لذكره السواء، لانه اذا قال في الاستفهام: "أَزيدْ عندك أم عَمْرو" وهو يسأل ايهما عندك فهما مستويان عليه، وليس واحد منهما أحق بالاستفهام من الآخر. فلما جاءت التسوية في قوله ﴿أَأَنذَرْتَهُمْ﴾ أشبه بذلك الاستفهام، اذ أشبهه في التسوية. ومثلها ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ولكن ﴿أَسْتَغْفَرْتَ﴾ ليست بممدودة، لان الالف التي فيها ألف وصل لانها من "اسْتَغْفَر" "يَستغِفرُ" فالياء مفتوحة من "يَفْعل" واما (أَأَنْذرتهم) ففيها الفان الف ﴿أَنْذَرت﴾ وهي مقطوعة لانه يقول "يُنْذِرُ" فالياء مضمومة ثم جعلت معها الف الاستفهام فلذلك مددت وخففت الآخرة منهما لانه لا يلتقي همزتان. وقال ﴿أَفلاَ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾. وقال بعضهم انه على قوله ﴿أَفلاَ تُبْصِرُونَ﴾ وجعل قوله ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ بدلا من ﴿تُبْصِرُونَ﴾. لان ذلك عنده بصرا منهم ان يكون عندهم هكذا وهذه "أم" التي تكون في معنى "أيهما". وقد قال قوم "انها يمانية" وذلك ان أهل اليمن يزيدون "أم" في جميع الكلام. واما ما سمعنا من اليمن فيجعلون "أم" مكان الالف واللام الزائدتين، يقولون "رأيت امْرَجُلَ" و "قام امرجل" يريدون "الرجل". ولا يشبه ان تكون ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ﴾ على لغة أهل اليمن. وقد زعم ابو زيد انه سمع اعرابياً فصيحا ينشدهم:
[من الرجز وهو الشاهد الثاني عشر]:
يا دَهرُ أَمْ كان مَشْيِي رَقَصا * بلْ قدْ تكونُ مشيتي تَرَقُّصا
فسأله فقال: "معناه ما كان مشيي رقصا فـ"أم" ها هنا زائدة. وهذا لا يعرف. وقال علقمة بن عبدة: [من الطويل وهو الشاهد الثالث عشر]:
وما القلب أَمْ ما ذكرُهُ رَبَعِيَّةً * يُخَطُّ لَها من ثَرْمَداءَ قَلِيبُ
يريد "ما ذكرُهُ ربيعةً " يجعله بدلا من "القلب"، وقال بعض الفقهاء: "ان معناه انه قال فرعون ﴿أَفلاَ تُبْصِرُونَ﴾ أم انتم بصراء". وقال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الرابع عشر]:
فَيا ظبيةَ الوعساءِ بين جُلاجِلٍ * وبينَ النَّقا أَأَنتِ أَمْ أُمُّ سالِمِ
يريد: "أَأَنت أَحسن أَمْ أمُّ سالِم" فأضمرَ "أَحْسَن". يريد: "أليسَ أَنا خيراً من هذا الذي هو مَهين". ولها موضع آخر تكون فيه منقطعة من الكلام كأنك تميل الى أوله قال ﴿لاَ رَيْبَ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ﴾. وهذا لم يكن قبله استفهام، وهذا قول العرب: "إنَّها لإِبل" ثم يقولون * "أَمْ شاءٌ" [وقولهم]** "لقد كان كذا وكذا أَمْ حَدَّثتُ نفسي"، ومثل قول الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد الخامس عشر]:
كَذَبَتْكَ عَينُكَ أَمْ رأيتَ بواسِطٍ * غَلَسَ الظَلامِ مِنَ الرَّبابِ خيالا
وليس قوله ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ﴾ لانه شك، ولكنه قال هذا ليقبّح صنيعهم كما تقول: "ألستَ الفاعلَ كذا وكذا" ليس تستفهم انما توبخّه. ثم قال ﴿بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾. ومثل هذا في القرآن كثير، قال ﴿فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ﴾ ثم قال ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ﴾ [و] ** ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ﴾ كل هذا على استفهام الاستئناف. وليس لـ"أَمْ" غير هذين الموضعين لانه اراد أن ينبه، ثم ذكر ما قالوا عليه يعني النبي ﷺ ليقبح ما قالوا عليه، نحو قولك للرجل "ألْخَيْرُ أَحَبُّ إلَيكَ أَمْ الشَرّ"؟ وأنت تعلم انه يقول "الخير" ولكن أردت أن تقبح عنده ما صنع. وأما قوله ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ فقد نهاه عن الآثم والكفور جميعا. وقد قال بعض الفقهاء: : "إنَّ" "أوْ" تكون بمنزلة الواو وقال [من المتقارب وهو الشاهد السادس عشر]:
يُهِينُونَ من حقَروا شَأيَهُ * وإنْ كانَ فيهِمْ يَفِي أو يَبَرّ
يقول: "يَفِي وَيَبرّ". وكذلك هي عندهم ها هنا وانما هي بمنزلة "كلُ اللحمَ أو التمرَ" اذا رخصت له في هذا النحو. فلو أكل كله أو واحدا منه لم يعص. فيقع النهي عن كل ذا في هذا المعنى فيكون ان ركب الكل او واحداً [قد] عصى. كما كان في الامر ان صنع واحداً أطاع. وقال ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ ومعناه "ويزِيدُونَ" ومخرجها في العربية انك تقول: "لا تجالسْ زيداً أو عمراً أَوْ خالِداً" فإنْ أَتى واحداً منهم أو كُلَّهُم كانَ عاصياً. كما أَنَكَ إذا قلت: "إِجْلِس الى فلان أو فلان أوْ فلان "فجلس الى واحد منهم أَوْ كلِهِّم كان مطيعا. فهذا مخرجه من العربية. وأرى الذين قالوا: "إنَّما" أو "بمنزلة الواو" انما قالوها لأنهم رأوها في معناها. واما ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ فانما يقول ﴿أَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ﴾ عِنْد الناس "، ثم قال ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ عند الناس" لأنّ الله تبارك وتعالى لا يكون منه شكّ. وقد قال قوم" إنَّما "أو" ها هنا بمنزلة "بل" وقد يقول الرجل "لأَذْهَبَنَّ إلى كَذا وكَذا" ثم يبدو له بعدُ فَيَقولَ "أَوْ أَقْعُد" فقال ها هنا ﴿أَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ﴾ عند الناس" ثم قال ﴿أَوْ يَزيدون﴾عند الناس" اي ان الناس لا يشكون أنهم قد زادوا. والوجه الآخر هكذا. أي "فكذا حال الناس فيهم "أي: ان الناس يشكون فيهم. وكذا حال "أم" المنقطعة ان شئت جعلتها على "بل" فهو مذهب حسن. وقال مُتَمِّم بن نويرة [من الوافر وهو الشاهد السابع عشر]:
فلو كانَ البكاءُ يردُّ شيئاً * بكَيْتُ على جُبَيْرٍ أو عِفاقٍ
على المَرْأَيْنِ إذْ هَلَكا جميعا * بشأنهما وحزنٍ واشتياق
وقال ابنُ أحمر [من الطويل وهو الشاهد الثامن عشر]:
فقلتُ البِثي شَهْرَيْنِ أَوْ نِصْفَ ثالثٍ * إلى ذاكَ ما قَد غَيَّبتَنِي غِيابِيا
واما قوله ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾﴿أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُون ﴾ فان هذه الواو واو عطف كأنهم قالوا: ﴿أإِنا لَمَبْعُوثُون﴾فقيل لَهُم: "نَعم وآباؤكم الأوَّلُون" فقالوا ﴿أَوَ آبَآؤُنَا﴾، وقوله ﴿أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ﴾ ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ وأشباه هذا في القرآن كثير. فالواو مثل الفاء في قوله ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ وقوله ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ﴾ وان شئت جعلت هذه الفاءات زائدة. وان شئت جعلتها جواباً لشيء كنحو ما يقولون "قد جاءني فلان" فيقول "أَفَلَمْ أقض حاجته" فجعل هذه الفاء معلقة بما قبلها.
البقرة 2:7
أما قوله ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ فان الختم ليس يقع على الابصار. انما قال ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ﴾ ثم قال ﴿وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ مستأنفا. وقوله ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ﴾ لأن ذلك كان لعصيانهم الله فجاز ذلك اللفظ، كما تقول: "أَهَلَكتْهُ فُلانَةُ" إذا أُعْجِب بها. وهي لا تفعل به شيئا لانه هلك في اتباعها. او يكون "خَتَم" حكم بها انها مختوم عليها.
البقرة 2:8
ثم قال ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ﴾
فجعل اللفظ واحدا، ثم قال ﴿وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ فجعل اللفظ. جميعا، وذلك ان ﴿مَنْ﴾ اللفظ بها لفظ واحد، ويكون جميعا في المعنى، ويكون اثنين. فان لفظت بفعله على معناه فهو صحيح. وان جعلت فعله على لفظه واحدا فهو صحيح [و] مما جاء من ذلك قوله ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وقال ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ وقال ﴿وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ﴾ وقال ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ فقال ﴿يَقْنُتْ﴾ فجعله على اللفظ، لان اللفظ في ﴿مَن﴾ مذكر وجعل ﴿تَعْمَلْ﴾ و ﴿نُؤْتِهَآ﴾ على المعنى. وقد قال بعضهم ﴿ويَعْمَلْ﴾ فجعله على اللفظ لان لفظ ﴿مَنْ﴾ مذكر. وقد قال بعضهم ﴿وَمَنْ تَقْنُتْ﴾ فجعله على المعنى لانه يعني امرأة. وهي حجة على من قال: "لا يكون اللفظ في مَن على المعنى الا ان تكون ﴿مَنْ﴾ في معنى ﴿الذي﴾، فاما [في] المجازاة والاستفهام فلا يكون اللفظ في ﴿مَنْ﴾ على المعنى.
وقولهم* هذا خطأ لان هذا الموضع الذي فيه ﴿وَمَنْ تَقْنُتْ﴾ مجازاة. وقد قالت العرب "ما جاءَتْ حاجَتُكَ" فأَنَّثُوا "جاءتْ" لانها لـ"ما"، وانما انثوا لان معنى "ما" هو الحاجة. وقد قالت العرب او بعضُهُم "من كانت أمّكَ" فنصب وقال الشاعر [من الطويل وهو الشاهد التاسع عشر]:
تَعَشّ فإِنْ عاهدَتنِي لا تخونُني * نَكُنْ مثلَ مَنْ يا ذئبُ يَصطَحِبانِ
ويروى ﴿تَعالَ فإن﴾. وقد جعل ﴿مَنْ﴾ بمنزلة رجل. قال الشاعر [من الرمل وهو الشاهد العشرون]:
رُبَّ مَنْ انضجتُ غيظاً صَدْرَهُ * قد تَمَنَّى لِيَ شَرّاً لم يُطَعْ
فلولا انها نكرة بمنزلة "رجل" لم تقع عليها "ربّ".
وكذلك (ما) نكرة الا انها بمنزلة "شيء". ويقال: ان قوله: ﴿هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ على هذا. جعل (ما) بمنزلة "شيء" ولم يجعلها بمنزلة "الذي" فقال: "ذا شَيْءٌ لَدَيَّ عَتيد". وقال الشاعر [من الخفيف وهو الشاهد الحادي والعشرون]:
رُبَّ ما تَكْرَهُ النفوسُ من الأمْرِ * له فَرْجَةٌ كَحَل العِقالِ
فلولا انها نكرة بمنزلة "مَنْ" لم تقع عليها "رُبَّ". وقد يكون ﴿هذا مالَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ على وجه آخر، أخبر عنهما خبرا واحدا كما تقول: "هذا أحمرُ أخضرُ". وذلك ان قوما من العرب يقولون: "هذا عبدُ اللَّهِ مقبلٌ". وفي قراءة ابن مسعود ﴿وهذا بَعلي شَيْخٌ﴾ كأنه أخبر عنهما خبرا واحدا او يكون كأنه رفعه على التفسير كأنه اذا قال ﴿هذا ما لَدَيَّ﴾، قيل: "ما هو"؟ أو علم انه يراد ذلك منه فقال ﴿عَتِيد﴾ اي ما عندي عتيد. وكذلك ﴿وهذا بَعْلِي شيخٌ﴾*. وقال الراجز [وهو الشاهد الثاني والعشرون]:
مَنْ يَكُ ذابَتٍّ فهذا بَتّى * مُقَيِّظٌ مُصَيِّف مُشَتِّى
وقال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ فـ"ما" ها هنا اسم ليست له صلة لانك ان جعلت ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ صلة لـ(ما) صار كقولك: "إنّ اللهَ نِعْمَ الشيء" أو "نعم شيئا" فهذا ليس بكلام. ولكن تجعل (ما) اسما وحدها كما تقول: "غَسَلتُه غَسْلاً نِعِمّا" تريد به: "نِعْمَ غَسْلاً". فان قيلَ: "كيفَ تكونُ (ما) اسما وحدها وهي لا يتكلم بها وحدها" قلتُ: "هي بمنزلة "يا أيُّها الرجل" لان "ايا" ها هنا اسم ولا يتكلم به وحده حتى يوصف فصار (ما) مثل الموصوف ها هنا. لانك اذا قلت "غَسَلتُه غَسْلاً نِعِمّا" فانما تريد المبالغة والجودة، فاسنغني بهذا حتى تكلم به وحده. ومثل "ما أَحْسَنَ زيدا" (ما) ها هنا وحدها اسم وقوله "اني مما ان اصنع كذا وكذا" (ما) ها هنا وحدها اسم كأنه قال: "إنّي مِن الأمر" أو "منْ أَمْري صنيعي كذا وكذا" ومما جاء على المعنى قوله "كَمَثلِ الذي استوقدَ ناراً أَضاءَتْ ما حولَهُ ذهبَ الله بنورِهِم} لان "الذي" يكون للجميع، كما قال ﴿وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾.
البقرة 2:9
أما قوله ﴿يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولا تكون المفاعلة الا من شيئين فانه إنمّا يقول: ﴿يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ﴾ عند أنفسهم يمنونها ان لا يعاقبوا وقد علموا خلاف ذلك في انفسهم" ذلك لحجة الله الواقعة على خلقه بمعرفته.
﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم﴾ وقال بعضهم ﴿يُخادِعُونَ﴾ يقول "يَخْدَعون انفسهم بالمخادعة لها "وبها نقرأ.
وقد تكون المفاعلة من واحد في أشياء كثيرة تقول: "باعَدْتُه مُباعَدَةً" و "جاوزتُه مجاوزَةً" في أشياء كثيرة. وقد قال ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ فذا على الجواب. يقول الرجل لمن كان يخدعه اذا ظفر به "أَنَا الذي خدعتُكَ" ولم تكن منه خديعة ولكن قال ذلك اذ صار الامر اليه. وكذلك ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ﴾ و ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ على الجواب. والله لا يكون منه المكر والهزء. والمعنى ان المكر حاق بهم والهزء صار بهم.
البقرة 2:10
أما قوله ﴿فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً﴾ فمن فخم نصب الزاي فقال ﴿زَادَهم﴾ ومن امال كسر الزاي فقال ﴿زادهم﴾ لانها من "زِدت" اولها مكسور. فناس من العرب يميلون ما كان من هذا النحو وهم بعض اهل الحجاز ويقولون ايضاً ﴿وَلِمَنْ خِافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾و ﴿فَٱنكِحُواْ مَا طِابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ [و] ﴿وَقَدْ خِابَ﴾ ولايقولون ﴿قِال﴾ ولا (زِار) لانه يقول (قُلْتُ) و (زُرْتُ) فأوله مضموم. فانما يفعلون هذا في ما كان اوله من "فعلتُ" مكسوراً إلاَّ أنَّهم ينحون الكسرة كما ينحون الياء في قوله ﴿وَسَقِاهُمْ رَبُّهُمْ﴾. و ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾. ويقرأ جميع ذلك بالتفخيم. وما كان من نحو هذا من بنات الواو وكان ثالثاً نحو ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا﴾ ونحو ﴿وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾.
فان كثيراً من العرب يفخمه ولا يميله لانها ليست بياء فتميل اليها لانها من "طَحَوْتُ" و "تَلَوْتُ". فاذا كانت رابعة فصاعداً أمالوا وكانت الامالة هي الوجه، لانها حينئذ قد انقلبت الى الياء. الا ترى انك تقول "غَزَوْتُ" و "أَغْزَيْتُ" ومثل ذلك ﴿وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾. و ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾و ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾ أمالَها لأنَّها رابعة، و "تَجَلّى" فَعلْتُ منها بالواو لأنها من "جَلَوْت" و "زكا" من "زَكَوْتُ يزكو" و ﴿وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ من "الغشاوة".
وقد يميل ما كان منه بالواو نحو (تَلاِها) و (طَحِاها) ناسٌ كثير، لأنَّ الواو تنقلب الى الياء كثيرا مثل قولهم في (حُور) (حِير) وفي "مَشُوب" "مَشِيب" وقالوا "أَرْضٌ مَسْنِيّة" اذا كان يسنوها المطر. فأمالوها الى الياء لانها تنقلب اليها.
وأمالوا كل ما كان نحو "فَعْلى" و "فُعْلى" نحو "بُشْرى" و "مَرْضى" و "سَكْرى"، لان هذا لَوْثُنِّيَ كان بالياء فمالوا اليها.
واما قوله ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ فـ(يُكَذِّبُونَ): يجحدون وهو الكفر. وقال بعضهم: (يَكْذِّبُونَ) خفيفة وبها نقرأ. يعني "يكذِبونَ على الله وعلى الرسل". جعل "ما" والفعل اسما للمصدر كما جعل "أنْ" والفعل اسما للمصدر في قوله "أُحبُّ أَنْ تأتِيني"، واما المعنى فانما هو "بكذِبهِم" و "تَكْذيبِهِم". وأدخل "كان" ليخبر انه كان فيما مضى، كما تقول: "ما أحسنَ ما كانَ عبدُ الله" فأنت تَعَجَّبُ من" عبد الله لا من "كونه". وانما وقع التعجبُ في اللفظ على كونه. وقال ﴿فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ وليس هذا في معنى "فاصدع بالذي تؤمر به". لو كان هذا المعنى لم يكن كلاما حتى تجيء بـ"به" ولكن "إصدع بالأمر" جعل "ما تؤمر" اسما واحداً. وقال ﴿ولاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ﴾ يقول "بالإِتيان" يجعل "ما" و "أَتَوْا" اسما للمصدر. وإنْ شئتَ قلت: "أَتَوْا" ها هنا "جاءُوا" كأنه يقول: "بما جاءوا" يريد "جاءوه" كما تقول "يفرحون بما صنعوا" أي "بما صنعوه" ومثل هذا في القرآن كثير. وتقديره "بكونِهم يكذبون" فـ"يكذبون" مفعول لـ"كان" كما تقول: "سرني زيد بِكونه يعقل" اي: بكونه عاقلا.
البقرة 2:11
أما قوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ فمنهم من يضم أوله لانه في معنى "فُعِلَ" فيريد ان يترك أوله مضموما ليدل على معناه، ومنهم من يكسره لان الياء الساكنة لا تكون بعد حرف مضموم والكسر القياس. ومنهم من يقول في الكلام: "قد قُولَه له" و "قد بُوع المتاع" اذا اراد "قَدْ بِيع" و "قِيل". جعلها واوا حين ضم ما قبلها، لان الياء الساكنة لا تكون بعد حرف مضموم. ومنهم من يروم الضم في "قُيل" مثل رومهم الكسر في "رِدَّ" لغةٌ لبعض العرب ان يقولوا "رِدَّ" فيكسرون الراء ويجعلون عليها حركة الدال التي في موضع العين. وبعضهم لا يكسر الراء ولكنه يشمها الكسر كما يروم في "قيل" الضم. وقال الفرزدق: [من الطويل وهو الشاهد الثالث والعشرون]:
وما حِلَّ من جهل حُبا حُلَمائِنا * ولا قائل المعروفِ فينا يُعَنَّفُ
سمعناه ممن ينشده من العرب هكذا.
البقرة 2:13
أما قوله ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ أَلا إنهَّمْ هُمُ السُّفهآءُ﴾ فقد قرأهما قوم مهموزتين جميعا، وقالوا ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ﴾ [و] ﴿وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ وقالوا (أإِذا) ﴿أَإِنّا﴾ كل هذا يهمزون فيه همزتين، وكل هذا ليس من كلام العرب الا شاذا. ولكن اذا اجتمعت همزتان شتى ليس بينهما شيء فان احداهما. تخفف في جميع كلام العرب الا في هذه اللغة الشاذة القليلة وذلك انه اذا اجتمعت همزتان في كلمة واحدة أبدلوا الآخرة منهما أبدا فجعلوها ان كان ما قبلها مفتوحاً الفا ساكنة نحو "آدم" و "آخر" و "آمن" وإن كان ما قبلها مضموما جعلت واوا نحو "أُوْزُزْ" اذا أمرته ان يَؤُز وان كان ما قبلها مكسورا جعلت ياء نحو "إِيْتِ" وكذلك إنْ كانت الآخرة متحركة بأي حركة كانت والأُولى مضمومة او مكسورة فالآخرة تتبع الأولى نحو "أن أفعل" من "أَأَب" [ف] تقول "أُووب". ونحو "جاءَ في الرفع والنصب والجر. فاما المفتوحة فلا تتبعها الآخرة اذا كانت متحركة لأنها لو تبعتها جعلت همزة مثلها. ولكن تكون على موضعها، فان كانت مكسورة جعلت ياء، وان كانت مضمومة جعلت واوا، وان كانت مفتوحة جعلت ايضاً واوا لان الفتحة تشبه الالف. وأنت إذا احتجت الى حركتها جعلتها واوا ما لم يكن لها اصل في الياء معروف فهذه الفتحة ليس لها اصل في الياء فجعلت الغالب عليها الواو نحو "آدم" و "أوادم". فلذلك جعلت الهمزتان اذا التقتا وكانتا من كلمتين شتى مخففة احداهما، ولم يبلغ من استثقالهما ان تجعلا مثل المجتمعتين في كلمة واحدة. ولان اللتين في كلمة واحدة لا تفارق احداهما صاحبتها، وهاتان تتغيران عن حالهما وتصير كل واحدة منها على حيالها أثقل منهما في كلمتين لأَنَّ ما في الكلمتين كلُّ واحدة على حيالها فتخفيف الآخرة أقيس، كما أبدلوا الآخرة حين اجتمعتا في كلمة واحدة، وقد تخفف الاولى. فمن خفف الآخرة في قوله ﴿كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ ألا﴾ قال ﴿السفهاءُ ولا﴾ فجعل الالف في (ألا) واوا. ومن خفف الأولى جعل الالف التي في (السفهاء) كالواو وهمز الف (ألاّ). واما ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ فإنَّ الأولى لا تخفف لأنها اول الكلام. والهمزة اذا كانت اول الكلام لم تخفف لأن المخففة ضعفت حتى صارت كالساكن فلا يبتدأ بها. وقد قال بعض العرب (آإذا) و (آأنذرتهم) و "آأنا قلت لك كذا وكذا" فجعل ألف الاستفهام اذا ضمت الى همزة يفصل بينها وبينها بألف لئلا تجتمع الهمزتان. كل ذا قد قيل وكل ذا قد قرأه الناس. واذا كانت الهمزة ساكنة فهي في لغة هؤلاء الذين يخففون ان كان ما قبلها مكسورا ياء نحو ﴿أنبِيهم بأسمايهم﴾ ونحو (نَبِّينا)*. وإن كان مضموما جعلوها واوا نحو "جونَه"، وان كان ما قبلها مفتوحا جعلوه الفا نحو "راس" و "فاس". وان كانت همزة متحركة بعد حرف ساكن حرّكوا الساكن بحركة ما بعده واذهبوا الهمزة يقولون [في] "في الارض": (فِلَرْض) [وفي] ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ﴾: (مِنِلاهٍ) يحركون الساكن بالحركة التي كانت في الهمزة اي حركة كانت ويحذفون الهمزة.
واذا اجتمعت همزتان من كلمتين شتى والاولى* مكسورة والآخرة مكسورة فاردت ان تخفف الآخرة جعلتها بين الياء الساكنة وبين الهمزة، لان الياء الساكنة تكون بعد المكسورة نحو "هؤلاء يماء الله"، تجعل الآخرة بين بين والاولى محققة. وان كانت الآخرة مفتوحة نحو "هؤلاء أخواتك"، أو مضمومة نحو "هؤلاء أُمَّهاتُك" لم تجعل بين بين، وجعلت ياء خالصة لانكسار ما قبلها لانك انما تجعل المفتوح بين الالف الساكنة وبين الهمزة، والمضموم بين الواو الساكنة وبين الهمزة اذا اردت بين بين، وهذا لا يثبت بعد المكسور. وان كان الاول مهموزا او غير مهموز فهو سواء اذا اردت تخفيف الاخرة ومن ذلك قولهم "مِئين" و "مَئير" في قول من خفف. وان كان الحرف مفتوحاً بعده همزة مفتوحة او مكسورة او مضمومة جعلت بين بين، لان المفتوح تكون بعده الالف الساكنة والياء الساكنة، نحو "البَيْع" والواو الساكنة نحو "القَوْل" وهذا مثل ﴿يَتَفَيَّؤُا ظِلاَلُهُ﴾ و ﴿وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ﴾ و ﴿آاذا﴾ و ﴿آانا﴾ اذا خففت الآخرة في كل هذا جعلتها بين بين. والذي نختار تخفيف الآخرة اذا اجتمعت همزتان، الا انا نحققهما في التعليم كلتيهما نريد بذلك الاستقصاء وتخفيف الآخرة قراءة اهل المدينة، وتحقيقهما جميعا قراءة أهل الكوفة وبعض أهل البصرة. ومن زعم ان الهمزة لا تتبع الكسرة اذا خففت وهي متحركة، وانما تجعل في موضعها دخل عليه ان يقول "هذا قارِوٌ" و "هؤلاء قارِوُونَ" و (يستهزِوون)، وليس هذا كلام من خفف من العرب انما يقولون ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ و ﴿قارِئون﴾.
واذا كان ما قبل الهمزة مضموما وهي جعلتها بين بين. وان كانت مكسورة او مفتوحة لم تكن بين بين وما قبلها مضموم، لان المفتوحة بين الالف الساكنة والهمزة والمكسورة بين الياء الساكنة والهمزة. وهذا لا يكون بعد المضموم، ولكن تجعلها واوا بعد المضموم اذا كانت مكسورة او مفتوحة فتجعلها واوا خالصة لانهما يتبعان ما قبلهما نحو "مررت بأكمُوٍ" و "رأيت أكمُواً" و "هذا غلامُوَبيكَ" تجعلها واوا اذا اردت التخفيف الا ان تكون المكسورة مفصولة فتكون على موضعها لانها قد بعدت.
والواو قد تقلب الى الياء مع هذا وذلك نحو "هذا غلاميخوانك" و (وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ يلا).
واذا كانتا في معنى "فُعِلَ" والهمزة في موضع العين جعلت بين بين لان الياء الساكنة تكون بعد الضمة ففي "قُيْلَ" يقولون "قِيلَ"، ومثل ذلك "سُيِل" و "رُيِس" فيجعلها * بين بين اذا خففت، ويترك ما قبلها مضموما. وأما "رُوِس" فليست "فُعِلَ" وانما هي "فُعْلَ" فصارت واوا لانها بعد ضمة معها في كلمة واحدة.
البقرة 2:14
قوله ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا﴾ فأذهب الواو لانه كان حرفا "ساكنا لقي اللام وهي ساكنة فذهبت لسكونه ولم تحتج الى حركته لان فيما بقي دليلا على الجمع. وكذلك كل واو ما قبلها مضموما من هذا النحو. فاذا كان ما قبلها مفتوحا لم يكن بد من حركة الواو لانك لو القيتها لم تستدل على المعنى نحو ﴿ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ﴾ وحركت الواو بالضم لانك لو قلت "اشتر الضلالة" فألقيت الواو لم تعرف انه جمع، وانما حركتها بالضم لان الحرف الذي ذهب من الكلمة مضموم، فصار يقوم مقامه. وقد قرأ قوم وهي لغة لبعض العرب ﴿ٱشْتَرَوِاْ ٱلضَّلاَلَةَ﴾ لما وجدوا حرفاً ساكنا قد لقي ساكنا كسروا كما يكسرون في غير هذا الموضع، وهي لغة شاذة.
وأما قوله ﴿ وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ﴾ فانك تقول "خلوت الى فلان في حاجة" كما تقول: "خلوت بفلان" إلاَّ أنَ "خلوت بفلان" له معنيان احدهما هذا والآخر سخِرْتُ به. وتكون "إلى" في موضع "مَعَ" نحو ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ كما كانت "من" في معنى (علىَ) في قوله ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ﴾* اي: على القوم، وكما كانت الباء في معنى "على" في قوله "مَرَرتُ بِهِ" و "مَرَرْتُ عليه". وفي كتاب الله عز وجل ﴿مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ﴾ يقول "على دينار". وكما كانت "في" في معنى "على" نحو ﴿فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ﴾ يقول "على جُذوعِ النَخْل". وزعم يونس ان العرب تقول: "نزلت في أبيك" تريد "عليه" وتقول: "ظفِرتُ عليه" اي "بِهِ" و "رضيتُ عليه" أي: "عَنْه" قال الشاعر [من الوافر وهو الشاهد الرابع والعشرون]:
اذا رضِيتْ عَلَيَّ بنو قُشَيْر * لَعَمْرُ اللّهِ أعجبَنَي رِضاها
البقرة 2:15
أما قوله ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ فهو في معنى "ويَمُدُّ لَهُم" كما قالت العرب: "الغلام يلعب الكِعاب" تريد: "يلعب ** بالكِعاب" وذلك أَنهم يقولون "قد مَدَدْتُ له" و "أَمْدَدْتُه" في غير هذا المعنى وهو قوله جل ثناؤه ﴿وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ﴾ وقال ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾. وقال بعضهم (مِدادا) و (مَدّا) من "أَمْدَدْناهُم" وتقول "مَدّ النهرُ فهو مادّ" و "أَمَدّ الجُرُح فهو مُمِدّ". وقال يونس: "ما كان من الشَرّ فهو "مدَدْت" وما كان من الخير فهو "أَمْدَدْت". [فـ] تقول كما فسرت له فاذا اردت أنك تركته قلت: "مَدَدْتُ له" واذا أردت أنك اعطيته قلت: "أَمْدَدْتُه".
البقرة 2:16
قوله ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ﴾ فهذا على قول العرب: "خاب سعيُك" وانما هو الذي خاب، وانما يريد "فما رَبحوا في تجارتهم" ومثله ﴿بَلْ مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ [و] ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ﴾ انما هو "ولكنّ البرَّ برُّ من آمنَ بالله" وقال الشاعر: [من المتقارب وهو الشاهد الخامس والعشرون]:
* وكيفَ تُواصِلُ من أصْبَحَتْ خَلاَلتُه كأبي مَرْحَبِ *
وقال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد السادس والعشرون]:
وَشَرُّ المنايا مَيِّتٌ وَسْطَ أَهْلِهِ * كهُلْكِ الفتاةِ أسلَمَ الحَيّ حاضره
انما يريد "وشر المنايا منية ميّت وسط اهله، ومثله: "اكثرُ شربي الماءُ" و "أكثر أكلي الخبرُ" وليس أكلك بالخبز ولا شربك بالماء. ولكن تريد اكثر اكلي اكل الخبز وأكثر شربي شرب الماء. قال ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ يريد: "أهل القرية"، (والعِيرَ) أي: "واسأل اصحابَ العِير" . وقال ﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ﴾ فانما هو - والله اعلم - "مثَلُكُم ومثلُ الذين كَفَروا كمثلِ الناعِقِ والمنعوقِ بهِ". فحذف هذا الكلام،ودل ما بقي على معناه. ومثل هذا في القرآن كثير. وقد قال بعضهم ﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ﴾ يقول "مثلُهم في دعائِهم الآلهةَ كمثلِ الذي ينعِق بالغَنَم" لان - الهتهم لا تسمعُ ولا تعقل، كما لا تسمع الغنم ولا تعقل.
البقرة 2:17
قوله ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ فهو في معنى "أَوْقَد"، مثل قوله "فلم يستجبه" أي "فلم يُجِبْهُ" وقال الشاعر:
[من الطويل وهو الشاهد السابع والعشرون]:
وداعٍ دعا يا من يُجيبُ الى النَدى * فلم يَستَجِبْهُ عندَ ذاك مُجيبُ
أي: "فلم يُجِبْهُ".
وقال ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ﴾ فجعل (الذي) جميعا فقال (وتَرَكَهم)* لان "الذي" في معنى الجميع، كما يكون "الانسان" في معنى "الناس".
وقال ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ فرفع على قوله: "هُمْ صمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ" رفعه على الابتداء ولو كان على اول الكلام كان النصب فيه حسنا.
وأما ﴿حَوْلَهُ﴾ فانتصب على الظرف، وذلك ان الظرف منصوب. والظرف هو ما يكون فيه الشيء، كما قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد الثامن والعشرون]:
هذا النهارُ بدا لَها من هَمِّها * ما بالُها بالليلِ زالَ زوالَها
نصب "النهارَ" على الظرف وان شاء رفعه وأضمر فيه. وأما "زوالَها" فانه كأنه قال: "أزالَ اللَّهُ الليلَ زوالَها".
البقرة 2:18
قوله ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ فهو في معنى "أَوْقَد"، مثل قوله "فلم يستجبه" أي "فلم يُجِبْهُ" وقال الشاعر:
[من الطويل وهو الشاهد السابع والعشرون]:
وداعٍ دعا يا من يُجيبُ الى النَدى * فلم يَستَجِبْهُ عندَ ذاك مُجيبُ
أي: "فلم يُجِبْهُ".
وقال ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ﴾ فجعل (الذي) جميعا فقال (وتَرَكَهم)* لان "الذي" في معنى الجميع، كما يكون "الانسان" في معنى "الناس".
وقال ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ فرفع على قوله: "هُمْ صمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ" رفعه على الابتداء ولو كان على اول الكلام كان النصب فيه حسنا.
وأما ﴿حَوْلَهُ﴾ فانتصب على الظرف، وذلك ان الظرف منصوب. والظرف هو ما يكون فيه الشيء، كما قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد الثامن والعشرون]:
هذا النهارُ بدا لَها من هَمِّها * ما بالُها بالليلِ زالَ زوالَها
نصب "النهارَ" على الظرف وان شاء رفعه وأضمر فيه. وأما "زوالَها" فانه كأنه قال: "أزالَ اللَّهُ الليلَ زوالَها".
البقرة 2:20
أما ﴿يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ فمنهم من قرأ (يَخْطِفُ) من "خَطَفَ" وهي قليلة رديئة لا تكاد تعرف. وقد رواها يونس (يَخِطِّفُ) بكسر الخاء لاجتماع الساكنين. ومنهم من قرأ (يَخْطَفُ) على "خَطِفَ يخطَفُ" وهي الجيدة، وهما لغتان. وقال بعضهم (يَخِطِّفُ) وهو قول يونس من "يَخْتَطِفُ" فأدغم التاء في الطاء لان مخرجها قريب من مخرج الطاء. وقال بعضهم (يَخَطِّفُ) فحول الفتحة على الذي كان قبلها، والذي كسر كسر لاجتماع الساكنين فقال ﴿يَخِطِّفُ﴾ ومنهم من قال ﴿يِخِطِّفُ﴾ كسر الخاء لاجتماع الساكنين ثم كسر الياء اتبع الكسرة الكسرة وهي قبلها كما اتبعها في كلام العرب كثيرا، يتبعون الكسرة في هذا الباب الكسرة يقولون "قِتِلوا" و "فِتِحوا" يريدون: ["اقتِلوا"و ]* اِفْتحَوا". قال ابو النجم [من الرجز وهو الشاهد التاسع والعشرون]:
* تَدافُعَ الشِيبِ ولم تِقِتِّل *
وسمعناه من العرب مكسورا كله، فهذا مثل "يِخِطِف" اذا كسرت ياؤها [لكسرة خائها] وهي بعدها فأتبع** الاخر الاول.
وقوله ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ فمنهم من يدغم ويسكن الباء الاولى لانهما حرفان مثلان. ومنهم من يحرك فيقول ﴿لَذَهَبْ بِسَمْعِهِمْ﴾ وجعل "السَمْع" في لفظ واحد وهو جماعة لان "السَمْعَ" قد يكون جماعة و "قد] يكون واحداً و [مثله] قوله ﴿ خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ﴾ ومثله قوله ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ وقوله ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً﴾ ومثله ﴿وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ﴾.
البقرة 2:22
قوله ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً﴾ فقطع الالف لانه اسم تثبت الالف فيه في التصغير [فـ] اذا صغرت قلت: "أُنَيْداداً"*. وواحد "الأنْدادِ": نِدٌّ. و "النِدُّ": المِثْل.
البقرة 2:24
قوله ﴿ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ﴾ فـ"الوَقُودُ"**: الحطب. و "الوُقودُ": الاتقادُ وهو الفعل. يقرأ ﴿الوَقود﴾ و ﴿الوُقود﴾ ويكون ان يعني بها الحطب، ويكون ان يعني بها الفعل. ومثل ذلك "الوَضُوءُ" وهو: الماء، و "الوُضُوءُ" وهو الفعل، وزعموا أنهما لغتان في معنى واحد.
البقرة 2:25
قوله ﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾ فجرّ "جناتٍ" وقد وقعت عليها "أَنَّ" لأنَّ كلَّ جماعة في آخرها تاء زائدة تذهب في الواحد وفي تصغيره فنصبها جرّ، الا ترى انك تقول: "جَنّه" فتذهب التاء. وقال ﴿خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ﴾ و "السماوات" جرّ، و "الأرضَ" نصب لان التاء زائدة. الا ترى انك تقول: "سماء"، و ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا﴾ لان هذه ليست تاء إنَّما هي هاء صارت تاءً بالاتصال، وانما تكون تلك في السكوت الا ترى انك تقول: "رأيتُ سادَه" فلا يكون فيها تاء. ومن قرأ ﴿أَطَعْنا سَادَاتِنا﴾ جرّ لانك اذا قلت: "ساده" ذهبت التاء. وتكون في السكت فيها تاء، تقول: "رأيت ساداتٍ"، وانما جرّوا هذا في النصب ليجعل جرّه ونصبه واحداً، كما جعل تذكيره في الجر والنصب واحدا، تقول: "مسلمين و "صالحين" نصبه وجره بالياء. وقوله ﴿بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ و ﴿لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ﴾ فان التاء من اصل الكلمة تقول "صوت" و "صويت" فلا تذهب التاء، و "بيت" [و "بُوَيْت"]* فلا تذهب التاء. وتقول: "رأيت بُوَيْتاتِ العربِ" فتجرّ، لان التاء الآخرة زائدة لانك تقول: "بيوت" فتسقط التاء الآخرة. وتقول: "رأيت ذواتِ مال" لان التاء زائدة، وذلك لانك لو سكت على الواحدة لقلت: "ذاه" ولكنها وصلت بالمال فصارت تاء لا يتكلم بها الا مع المضاف اليه.
وقوله ﴿هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ لانه في معنى "جيئوا به" وليس في معنى "أُعْطَوْهُ". فاما قوله: ﴿مُتَشَابِهاً﴾ فليس انه أشبه بعضه بعضا ولكنه متشابه في الفضل. أي كل واحد له من الفضل في نحوه مثل الذي للآخر في نحوه.
البقرة 2:26
قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَنْ﴾ فـ"يستحي" لغة أهل الحجاز بياءين وبنو تميم يقولون "يَسْتَحى" بياء واحدة، والاولى هي الاصل لان ما كان من موضع لامه معتلا لم يعلّوا عينه. الا ترى انهم قالوا: "حَيِيْتُ" و "جَوِيْتُ" فلم تُقَلَّ العين. ويقولون: "قُلْتُ" و "بِعْتُ" فيعُلُّونَ العين لما لم تعتلّ اللام، وانما حذفوا لكثرة استعمالهم هذه الكلمة كما قالوا "لَمْ يَكُ" و "لَمْ يَكُنْ" و "لا أَدْرِ" و "لا أَدْرِي".
وقال ﴿مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً﴾ لان "ما" زائدة في الكلام وانما هو إنَّ الله لا يستَحي أن يضرِبَ بعوضَةً مَثَلاً". وناس من بني تميم يقولون ﴿مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً﴾ يجعلون (ما) بمنزلة "الذي" ويضمرون "هو" كأنهم قالوا: "لا يستحي أن يضرب مثلاً الذي هو بعوضةٌ" يقول: "لا يستحي أن يضرب الذي هو بعوضَةٌ مثلاً.
وقوله ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ قال بعضهم: "أَعظمَ منها" وقال بعضهم: كما تقول: "فلان صَغِير" فيقول: "وفوقَ ذلك" يريد: "وأصغَرُ * من ذلك".
وقوله ﴿مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً﴾ فيكون "ذا" بمنزلة "الذي". ويكون "ماذا" اسما واحدا ان شئت بمنزلة "ما" كما قال ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً﴾ فلو كانت "ذا" بمنزلة "الذي" لقالوا "خيرٌ" ولكان الرفع وجه الكلام. وقد يجوز فيه النصب لانه لو قال "ما الذي قلت"؟ فقلت "خيراً" أي: "قلت خيراً" لجاز. ولو قلت: "ما قلت": "فقلت: "خيرٌ" أي: "الذي قلت خيرٌ" لجاز، غير انه ليس على اللفظ الاول كما يقول بعض العرب اذا قيل له: "كيف أصبحت"؟ قال: "صالحٌ" أي: "أنا صالحٌ". ويدلك على أن "ماذا" اسم واحد قول الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الثلاثون]:
دَعِي ماذا علمتُ سأَتَّقيهِ * ولكنْ بالمغيَّبِ نَبِّئِيني
فلو كانت "ذا" ها هنا بمعنى (الذي) لم يكن كلاما.
البقرة 2:27
أما قوله ﴿عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ فـ"أَنْ يُوصل" بدل من الهاء في "به" كقولك "مررت بالقومِ بعضِهم".
وأما "ميثاقه" فصار مكان "التَوثُّق" كما قال ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾ والاصل "إِنباتاً" وكما قال" العَطاء" في مكان "الإِعطاء".
البقرة 2:28
قوله ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ فانما يقول كنتم ترابا ونُطَفا فذلك ميّت. وهو سائغ في كلام العرب، تقول للثوب: "قَدْ كان هذا قُطْنا" و "كان هذا الرُّطَبُ بُسْرا"*. ومثل ذلك قولك للرجل: "اعمل هذا الثوب" وانما معك غزل.
البقرة 2:29
هذا باب من المجاز
أما قوله ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ وهو انما ذكر سماء واحدة، فهذا لأن ذكر "السماء" قد دل عليهن كلّهنّ. وقد زعم بعض المفسرين ان "السماء" جميع مثل "اللبن". فما كان لفظه لفظ الواحد ومعناه معنى الجماعة جازان يجمع فقال ﴿سَوّاهُنَّ﴾ فزعم بعضهم ان قوله ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ جمع مذكر كـ"اللّبن". ولم نسمع هذا من العرب والتفسير الأول جيد.
وقال يونس: ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ ذكر كما يذكر بعض المؤنث كما قال الشاعر: [من المتقارب وهو الشاهد الحادي والثلاثون]:
فلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَها * ولا أرضُ** أبقلَ إبقالَها
وقوله: [من المتقارب وهو الشاهد الثاني والثلاثون]:
فإمّا تَرَيْ لِمَّتى بُدِّلَتْ * فإنَّ الحوادِثَ أَوْدَى بِها
وقد تكون "السماء" يريد به الجماعة كما تقول: "هَلَكَ الشاةُ والبعيرُ" يعني كل بعير وكل شاة. وكما قال ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: من الأرضين.
وأما قوله ﴿اسْتَوى إلى السمآء﴾ فان ذلك لم يكن من الله تبارك وتعالى لتحول، ولكنه يعني فعله كما تقول: "كان الخَلِيفَة في أهْلِ العراق يوليهم ثم تحوّل إلى أَهلِ الشام" انما تريد تحول فعله.
البقرة 2:30
أما قولُ الملائِكَة ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ فلم يكن ذلك انكارا منهم على ربهم، انما سألوا ليعلموا، وأخبروا عن أنفسهم أنهم يُسَبِّحون ويُقَدِّسون. أو قالوا ذلك لانهم كرهوا أَنْ يُعْصى الله، لان الجن قد كانت أمرت قبل ذلك فعصت.
وأما قَوْلُه ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ وقال ﴿وَٱلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ وقال ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ﴾ فذلك لان الذكر كله تسبيح وصلاة. تقول: "قَضَيْتُ سُبْحتي من الذكِر والصَلاة" فقال "سَبِّح بالحَمْد". أي: "لتَكُنْ سُبْحَتُكَ بالحَمْدِ لله". وقوله ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ جاء على وجه الاقرار كما قال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الثالث والثلاثون]:
أَلَسْتُمْ خيرَ مَن رَكِبَ المطايا * وأنْدى العالَمِينَ بطونَ راحِ
أي: أنتم كذلك.
البقرة 2:31
قوله ﴿ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ فيريد عرض عليهم أصحاب الاسماء ويدلك على ذلك قوله ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ﴾ فلم يكن ذلك لان الملائكة ادّعوا شيئا، انما أخبر عن جهلهم بعلم الغيب وعلمه بذلك وفعله فقال ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ كما يقول الرجل للرجل: "أَنْبِئْني بهذا إنْ كنتَ تَعْلَم" وهو يعلم انه لا يعلم يريد انه جاهل. فأعظموه عند ذلك فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ﴾ بالغيب على ذلك. ونحن نعلم أنه لا علم لنا بالغيب" إخباراً عن أنفسهم بنحو ما خبر الله عنهم. وقوله ﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ﴾ فنصب "سبحانَكَ" لانه أراد "نسبِّحكَ" جعله بدلا من اللفظ بالفعل كأنه قال: "نُسَبِّحُكَ بسُبْحانِكَ" ولكن "سُبْحان" مصدر لا ينصرفُ. و "سُبْحان" في التفسير: براءة وتنزيه قال الشاعر: [من السريع وهو الشاهد الرابع والثلاثون]:
أقولُ لَمّا جاءني فَخْرُه * سُبحانَ من عَلْقَمةَ الفاخِرِ
يقول: براءة منه.
البقرة 2:34
هذا باب الاستثناء
قوله ﴿فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ﴾ فانتصب لانك شغلت الفعل بهم عنه فأخرجته من الفعل من بينهم. كما تقول: "جاءَ القومُ إلاّ زيداً" لأنَّك لما جعلت لهم الفعل وشغلته بهم وجاء بعدهم غيرهم شبهته بالمفعول به بعد الفاعل وقد شغلت به الفعل.
وقوله ﴿أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ﴾ ففتحت ﴿استكبرَ﴾ لأن كل "فَعَلَ" أو "فُعِلَ" فهو يفتح نحو: ﴿قَالَ رَجُلاَنِ﴾ ونحو ﴿ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ ونحو ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ونحو ﴿وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾ لانّ هذا كله "فَعَلَ" و "فُعِلَ".
البقرة 2:35
باب الدعاء
قوله ﴿يَا آدَمُ ٱسْكُنْ﴾ و﴿يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ﴾ و ﴿يٰفِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ﴾ فكل هذا انما ارتفع لانه اسم مفرد، والاسم المفرد مضموم في الدعاء وهو في موضع نصب، ولكنه جعل كالاسماء التي ليست بمتمكنة. فاذا كان مضافا انتصب لانه الاصل. وانما يريد "أعني فلانا" و "أدعو" وذلك مثل قوله ﴿يَٰأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا﴾ و ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ انما يريد: "يا ربِّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا" وقوله "رَبَّنا تَقبِّلْ مِنّا".
هذا باب الفاء
قوله ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ﴾ فهذا الذي يسميه النحويون "جواب الفاء". وهو ما كان جوابا للامر والنهي والاستفهام والتمني والنفي والجحود. ونصب ذلك كله على ضمير "أنْ"، وكذلك الواو. وان لم يكن معناها مثل معنى الفاء. وانما نصب هذا لان الفاء والواو من حروف العطف فنوى المتكلم ان يكون ما مضى من كلامه اسما حتى كأنه قال "لا يكُنْ منكما قربُ الشجرة" ثم أراد أن يعطف الفعل على الاسم فأضمر مع الفعل "أَنْ" لأنَّ "أَنْ" مع الفعل تكون اسما فيعطف اسما على اسم. وهذا تفسير جميع ما انتصب من الواو والفاء. ومثل ذلك قوله ﴿لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾ هذا جواب النهي و ﴿لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ﴾ جواب النفي. والتفسير ما ذكرت لك.
وقد يجوز اذا حسن ان تجري الآخر على الاول ان تجعله مثله نحو قوله ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ أي: "وَدُّوا لَوْ يُدْهِنُونَ". ونحو قوله ﴿وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ﴾ جعل الاول فعلا ولم يَنْوِ به الاسم فعطف الفعل على الفعل وهو التمني كأنه قال "وَدُّوا لو تَغْفَلونَ وَلَوْ يَمِيلُونَ" وقال ﴿لاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ أي "لا يؤذَن لَهُمْ ولا يَعْتَذِرُونَ". وما كان بعد هذا جواب المجازاة بالفاء والواو فان شئت ايضاً نصبته على ضمير "أن" اذا نويت بالاول ان تجعله اسما كما قال ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ﴾ ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ [بِمَا كَسَبُوا]* وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾ ﴿وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ﴾ فنصب، ولو جزمه على العطف كان جائزا، ولو رفعه على الابتداء جاز ايضاً. وقال ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ فتجزم ﴿فَيَغفِر﴾ اذا أردت العطف، وتنصب اذا أضمرت "إنْ" ونويت أن يكون الاول اسما، وترفع على الابتداء وكل ذلك من كلام العرب. وقال ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ ثم قال ﴿وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ﴾ فرفع ﴿وَيَتُوبُ﴾ لأنَه كلام مستأنف ليس على معنى الاول. ولا يريد "قاتلوهم: "يتبْ الله عليهم" ولو كان هذا لجاز فيه الجزم لما ذكرت. وقال الشاعر [من الوافر وهو الشاهد الخامس والثلاثون]:
فإِنْ يهلِكْ أبو قابوس يهلِكْ * ربيعُ الناسِ والشَهْرُ الحرامُ
ونُمْسِكَ بعدَه بذِنابِ عيشٍ * أجبِّ الظهرِ ليس له سنامُ
فنصب "ونمسكَ" على ضمير "أَنْ" ونرى أَنْ يجعل الأول اسما ويكون فيه الجزْم ايضاً على العطفِ والرفعُ على الابتداء. قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد السادس والثلاثون]:
ومَنْ يَغتربْ عن قومِهِ لا يَزَلْ يرى * مصارعَ مظلومٍ مجرّا ومَسْحُبا
ومَنْ يغتربْ عن قومِهِ لا يَجِدْ لهُ * على مَنْ لهُ رَهْطٌ حواليهِ مغْضبا
وتُدْفنُ منه المحسَنات وان يُسِىءْ * يَكُنْ ما أساءَ النار في رأسِ كَبْكَبا
فـ"تُدفنُ" يجوز فيه الوجوه كلها. قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد السابع والثلاثون]:
فإن يَرْجعِ النعمان نَفْرَحْ ونَبْتَهِجْ * ويأتِ مَعَدّاً مُلْكُها وربيعُها
وإِنْ يَهْلِكِ النعمانُ تُعْرَ مَطِيَّةٌ * وتُخْبَأُ في جوفِ العياب قُطُوعها
وقال تبارك وتعالى ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ﴾ فهذا لا يكون الا رفعا لانه الجواب الذي لا يستغنى عنه. والفاء اذا كانت جواب المجازاة كان ما بعدها أبدا مبتدأ وتلك فاء الابتداء لا فاء العطف. الا ترى أنك تقول "ان تأتِني فأمُركَ عندي على ما تحبُّ". فلو كانت هذه فاء العطف لم يجز السكوت حتى تجيء لما بعد "إنْ" بجواب. ومثلها ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾ وقال بعضهم ﴿فَأُمَتِّعُهُ ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ فـ﴿أَضْطَرُّهُ﴾ اذا وصل الالفَ جعله أَمْرا. وهذا الوجه اذا أراد به الامر يجوز فيه الضم والفتح. غير ان الالف ألف وصل وانما قطعتها "ثُمَّ" في الوجه الآخر، لانه كل ما يكون معناه "أَفْعَلُ" فانه مقطوع، من الوصل كان أو من القطع. قال ﴿أَنَاْ آتِيكَ بِهِ﴾ وهو من "أتى" "يأتي" وقال ﴿أَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ فترك الالف التي بعد ألف الاستفهام لانها الف "أفعل" وقال الله تبارك* وتعالى فيما يحكى عن الكفار ﴿لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾ فقوله ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ جواب للاستفهام، لأنَّ ﴿لَوْلاۤ﴾ ها هنا بمنزلة "هلا" وعطف ﴿وَأَكُن﴾ على موضع ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ لأنَّ جواب الاستفهام اذا لم يكن فيه فاء جزم. وقد قرأ بعضهم ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُونَ﴾ عطفها على ما بعد الفاء وذلك خلاف الكتاب. وقد قرىء ﴿مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ جزم. فجزم ﴿يَذَرْهُم﴾ على انه عطف على موضع الفاء لان موضعها يجزم اذا كانت جواب المجازاة، ومن رفعها على أَنْ يعطفها على ما بعد الفاء فهو أجود وهي قراءة. وقال ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم﴾ جزم ورفع على ما فسرت. وقد يجوز في هذا وفي الحرف الذي قبله النصب لأنه قد جاء بعد جواب المجازاة مثل ﴿وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِنَا﴾ [و] ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ﴾ فانتصب الآخر لأنَ الأوّلَ نوى ان يكون بمنزلة الاسم وفي الثاني الواو. وان شئت جزمت على العطف كأنك قلت "ولمّا يعلمِ الصابرين". فان قال قائل: "ولما يَعْلمِ الله الصابرين" ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ﴾ فهو لم يعلمهم؟ قلت بل قد علِم، ولكنّ هذا فيما يذكر أهل التأويل ليبين للناس، كأنه قال "ليَعْلَمَه الناسُ" كما قال ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً﴾ وهو قد علم ولكن ليبين ذلك. وقد قرأ أقوام أشباه هذا في القرآن ﴿لِيُعْلَم أَيُّ الحزبين﴾ ولا أراهم قرأوه إلاَّ لجهلهم بالوجه الآخر.
ومما جاء بالواو* ﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ﴾ إنْ شئتَ جعلت ﴿وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ﴾ نصباً اذ نويت ان تجعل الاول اسما فتضمر مع ﴿تَكْتُمُوا﴾ "أَنْ" حتى تكون اسما. وان شئت عطفتها فجعلتها جزما على الفعل الذي قبلها. قال ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ﴾ فعطف القول على الفعل المجزوم فجزمه. وزعموا انه في قراءة ابن مسعود ﴿وَأَقُولُ لَّكُمآ﴾ على ضمير "أَن" ونوى أَنْ يجعل الأوَّلَ اسما، وقال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الثامن والثلاثون]:
لقد كان في حَوْلٍ ثَواءٍ ثويته * تَقَضِّي لُباناتٍ وَيَسْأمَ سائِمُ
- ثواءٌ وثواءً او ثواءٍ رفع ونصب وخفض - فنصب على ضمير "أَنْ" لأن التقضي اسم، ومن قال "فَتُقْضى" رفع: "ويسأمُ" لأنه قد عطف على فعل وهذا واجبٌ، وقال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد التاسع والثلاثون]:
فإِنْ لم أصدِّقْ ظَنَّكُمْ بتَيقُّنٍ * فَلا سَقَتِ الأوْصالَ مِنّي الرّواعِدُ
ويَعلمَ أكفائي من الناسِ أَنَّني * أَنَا الفارسُ الحامي الذمارِ المذاودُ
وقال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الأربعون]:
فإن يقدِرْ عليكَ أبو قُبَيْسٍ * نَمُطَّ بِكَ المَنِيَّة في هَوانِ
وَتُخْضَبَ لِحيَةٌ غَدَرَتْ وخانتْ * بِأَحْمَرَ من نَجِيعِ الجَوْفِ آنِ
فنصب هذا كله لأنه نوى أن يكون الأوّل اسما فأضمر بعد الواو "أنْ" حتى يكون اسما مثل الأول فتعطفه عليه. وأما قوله ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ ﴾ و ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ فهذا على جواب التمني، لأنَّ معناه "لَيْتَ لَنّا كَرَّةً". وقال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الحادي والأربعون]:
فلستُ بمدركٍ ما فاتَ مني * بـ"لهفَ" ولا بـ"ليتَ" ولا "لواني"
فأنزل "لوَاني" بمنزلة "ليْتَ" لان الرجل اذا قال: "لَو أنّي كنتُ فعلتُ كذا وكذا "فانما تريد "ودِدتُ لو كنتُ فَعلْتُ". وإنَّما جازَ ضمير "أَنْ" في غير الواجب لأن غير الواجب يجيء ما بعده على خلاف ما قبله ناقضا له.
فلما حدث فيه خلاف لأوله جاز هذا الضمير. والواجب يكون آخره على أوله نحو قول الله عز وجل ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ فالمعنى: "إسمعوا أنزلَ اللّهُ من السماءِ ماءً" فهذا خبر واجب و ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تنبيه. وقد تنصب الواجب في الشعر. قال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الثاني والأربعون]:
سأترُكُ منزلي لِبني تَميمٍ * وأَلْحَقُ بالحجاز فأستريحا
وهذا لا يكاد يعرف. وهو في الشعر جائز. وقال طرفة [من الطويل وهو الشاهد الثالث والأربعون]:
لها هَضْبَةٌ لا يَدْخُلُ الذُلُّ وَسْطَها * ويأوى اليها المستجيرُ فيُعْصَما
واعلم ان اظهار ضمير "أن" في كل موضع أضمر فيه من الفاء لا يجوز الا ترى انك اذا قلت: "لا تأتِه فيضرِبَك" لم يجز أن تقول: "لا تأْتِه فأنْ يضرِبَكَ" وانما نصبته على "أنْ" فلا يسحن اظهاره كما لا يجوز في قولك "عسى أنْ تفعلَ": "عسى الفعل" ولا في قولك: "ما كان ليفعل": "ما كان لان يفعل" ولا إظهار الاسم الذي في قولك "نعم رجلاً" فرب ضمير لا يظهر لأن الكلام إنما وضع على أن يضمر فاذا ظهر كان ذلك على غير ما وضع في اللفظ فيدخله اللبس.
البقرة 2:36
أما قوله ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ فانما يعني "الزَلَلَ" تقول: "زَلَّ فلانُ" و "أَزْلَلْتُه" و: "زالَ فلانُ" و "أَزالَهُ فُلانُ" والتضعيف القراءة الجيدة وبها نقرأ. وقال بعضهم:
﴿فأزالَهُما﴾ أخذها من "زَالَ، يزولُ". تقول: "زالَ الرجلُ" و "أزالَهُ فلان".
وقال ﴿ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ فانما قال ﴿ٱهْبِطُواْ﴾ والله اعلم لأنّ إبليسَ كان ثالثهم فلذلك جمع.
البقرة 2:37
قوله ﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ فجعل آدم المتلقى. وقد قرأ بعضهم ﴿آدمَ﴾ نصبا ورفع الكلمات جعلهن المتلّقِيات.
البقرة 2:38
قال ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ﴾ وذلك أن "إمّا" في موضع المجازاة وهي "إما" لا تكون "أَمَا" وهي "إنْ" زيدت معها "ما" وصار الفعل الذي بعدها بالنونِ الخفيفةِ أو الثقيلة وقد يكون بغير نون. وإنَّما حسنت فيه النون لما دخلته "ما" لأنَّ "ما" نفي وهو ما ليس بواجب وهي من الحروف التي تنفي الواجب فحسنت فيه النون نحو قولهم "بِعينٍ مّا أَرَيَنَّك" حين أدخلت فيها "ما" حسنت النون. ومثل "إمّا" ها هنا قوله ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً﴾ وقوله ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ﴾ فالجواب في قوله ﴿فَلاَ تَجْعَلْنِي﴾. وأشباه هذا في القرآن والكلام كثير. واما "إمّا" في غير هذا الموضع الذي يكون للمجازاة فلا تستغني حتى ترد "إمّا" مرتَيْن نحو قوله ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ ونحو قوله ﴿حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ﴾ وانما نصب لأنّ "إمّا" هي بمنزلة "أوْ" ولا تعمل شيئاً كأنه قال "هَدَيْناهُ السبيلَ شاكراً أوْ كَفُورا" فنصبه على الحال و "حتى رَأَوْا ما يُوعَدُون العذابَ أَوْ الساعة" فنصبه على البدل.
وقد يجوز الرفع بعد "إمّا" في كل شيء يجوز فيه الابتداء [و]* لو قلت: "مررت برجل إمّا قاعدٍ وإمّا قائمٍ" جاز. وهذا الذي في القرآن جائز ايضاً، ويكون رفعا الا انه لم يقرأ.
وأما التي تستغني عن التثنية فتلك تكون مفتوحة الالف أبدا نحو قولك "أَمّا عبد الله فمنطلق" وقوله ﴿فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ [9] وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾ و ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾. فكلُّ ما لم يحتج فيه الى تثنيةِ "أَمّا" فألفها مفتوحة الا تلك التي في المجازاة.
و "أَمّا" ايضاً لا تعمل شيئا الا ترى انك تقول ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾ فتنصبه بـ"تنهر" ولم تغيّر "أمّا" شيئا منه.
باب الاضافة.
اما قوله ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فانفتحت هذه الياء على كل حال لان الحرف الذي قبلها ساكن. وهي الالف التي في "هُدَى". فلما احتجت الى حركة الياء حركتها بالفتحة لانها لا تحرك الا بالفتح. ومثل ذلك قوله ﴿عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ ولغة للعرب يقولون "عصَيَّ يا فَتى" و ﴿ هُدَيَّ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ لما كان قبلها حرف ساكن وكان الفا، قلبته الى الياء حتى تدغمه في الحرف الذي بعده فيجرونها مجرى واحدا وهو أخف عليهم. واما قوله ﴿هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ و ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [و] ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾. فانما حركت بالاضافة لسكون ما قبلها وجعل الحرف الذي قبلها ياء ولم يقل "عَلايَ" ولا "لَدايَ" كما تقول "على زيد" و "لدى زيد" ليفرقوا بينه وبين الاسماء، لان هذه ليست بأسماء. و "عَصايَ" و "هُدايَ" و "قَفايَ" اسماء. وكذلك ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾ و ﴿يٰبُشْرَايٰ هَـٰذَا غُلاَمٌ﴾ لأنَّ آخر "بُشْرى" ساكن.
وقال بعضهم ﴿يا بُشْراي هذا غلام﴾ لا يريد الاضافة، كما تقول "يا بشارة".
فاذا لم يكن الحرف ساكنا كنت في الياء بالخيار، ان شئت أسكنتها وان شئت فتحتها نحو ﴿إِنِّيْۤ أَنَا ٱللَّهُ﴾ و ﴿إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ﴾، و ﴿وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيْ مُؤْمِناً﴾ و ﴿بَيْتِيَ﴾[و] ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيْۤ إِلاَّ فِرَاراً﴾ و ﴿دُعَآئِيۤ إِلاَّ﴾. وكذلك اذا لقيتها الف ولام زائدتان فان شئت حذفت الياء لاجتماع الساكنين وان شئت فتحتها كيلا يجتمع حرفان ساكنان. الا ان احسن ذلك الفتح نحو قول الله تبارك وتعالى ﴿جَآءَنِيَ ٱلْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي﴾ و ﴿نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي﴾ وأشباهِ ذا. وبه نقرأ. وإنْ لقيته ايضاً ألف وصل بغير لام فأنت فيه أيضاً بالخيار إلاّ أَنَ أحسنه في هذا الحذف وبها نقرأ ﴿إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ و ﴿ هَارُونَ أَخِي ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾.
فاذا كان شيء من هذا الدعاء حذفت منه الياء نحو ﴿يٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾ و ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ﴾ و ﴿رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾.
ومن العرب من يحذف هذه الياءات في الدعاء وغيره من كل شيء. وذلك قبيح قليل الا ما في رؤوس الآيْ، فانه يحذف الوقف. كما تحذف العرب في أشعارها من القوافي نحو قوله : [من الطويل وهو الشاهد الرابع والاربعون]:
[أَبا مُنْذِرٍ أفنيتَ فاستبقِ بعضَنا] * حنانيكَ بعضُ الشرِّ أَهونُ من بَعْضِ
وقوله: [من الوافر وهو الشاهد الخامس والأربعون]:
[ألا هُبِّي بِصَحْنِكِ فاصبَحينا] * وَلا تُبْقِي خُمورَ الأنْدَرينَ
اذا وقفوا فاذا وصلوا قالوا: "من بعض" و "الأنْدرينا" وذلك في رؤوس الاي كثير نحو قوله ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ [و] ﴿وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ﴾. فاذا وصلوا أثبتوا الياء. وقد حذف قوم الياء في السكوت والوصل وجعلوه على تلك اللغة القليلة وهي قراءة العامة وبها نقرأ لان الكتاب عليها.
وقد سكت قوم بالياء ووصلوا بالياء، وذلك على خلاف الكتاب، لان الكتاب ليست فيه ياء وهي اللغة الجيدة. وقد سمعنا عربيا فصيحا ينشد: [من الطويل وهو الشاهد السادس والاربعون]:
فما وَجَدَ النَّهْدِيُ وَجْداً وَجَدْتُهُ * ولا وَجَدَ العُذْرِيُّ قبلِ جَمِيلُ
يريد "قبلِي" فحذف الياء. وقد أعمل بعضهم "قَبْل" اعمال ما ليس فيه ياء فقال: "قبلُ جميل" وهو يريد "قبلي". كما قال بعضُ العرب "يا ربُّ اغفِر لي" فرفع وهو يريد "يا ربّي".
واما قوله ﴿وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ﴾ و ﴿أَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ﴾ فتثبت فيه الالف لانهما رأس آية، لان قوما من العرب يجعلون أواخر القوافي اذا سكتوا عليها على مثل حالها اذا وصلوها وهم اهل الحجاز. وجميع العرب اذا ترنموا في القوافي أثبتوا في أواخرها الياء والواو والالف.
وأما قوله ﴿يٰأَبَتِ إِنِّيۤ أَخَافُ﴾ فأنث هذا الاسم بالهاء كقولك "رجُلٌ رَبْعَةٌ" و "غُلامٌ يَفَعَةٌ". او يكون ادخلها لما نقص من الاسم عوضا. وقد فتح قوم كأنهم أرادوا "يا أبتا" فحذفوا الالف كما يحذفون الياء، كما قال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الحادي والاربعون]:
[ولست بمدرك ما فات مني] * "لهفَ" ولا بـ"ليتَ" ولا لَوَآني"
يريد: "لَهْفاه". ومما يدلك على ان هذا الاسم أنث بالهاء قول الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد السابع والاربعون]:
تقولُ ابنتي لما رأتنِيَ شاحِباً * كأنَّكَ فينا يا أَبات غريبُ
فرد الالف وزاد عليها الهاء كما أنثَ في قوله "يا أمتاه" فهذه ثلاثة أحرف. ومن العرب من يقول: "يا أمَّ لا تفعلي" رخّم كما قال: "يا صاحِ". ومنهم من يقول "يا أميّ" و"يا أبي" على لغة الذين قالوا: "يا غلامِي. ومنهم من يقول "يا أبِ" و"يا أمِّ" وهي الجيدة في القياس.
البقرة 2:40
أما قوله ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فمن العرب من يهمِزُ ومنهم من لا يهمز. ومنه من يقول ﴿إسرَائِل﴾ يحذف الياء التي بعد الهمزة ويفتح الهمزة ويكسرها.
باب المجازاة.
فاما قوله ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ فانما جزم الآخر لانه جواب الامر، وجواب الامر مجزوم مثل جواب ما بعد حروف المجازاة، كأنه تفسير "إنْ تَفْعلوا" أُوفِ بَعَهْدِكُم وقال في موضع آخر ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ وقال ﴿فَذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ فلم يجعله جوابا، ولكنه كأنهم كانوا يلعبون فقال "ذَرْهُم في حال لعبهم" وقال ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ ٱلأَمَلُ﴾ وليس من أجل الترك يكون ذلك، ولكن قد علم الله انه يكون وجرى على الاعراب كأنه قال: "إنْ تركتهم أَلْهاهُم الامل" وهم كذلك تركهم او لم يتركهم. كما ان بعض الكلام يعرف لفظه والمعنى على خلاف ذلك، وكما ان بعضهم يقول: "كَذَبَ عليكُمُ الحجّ".
فـ"الحجُّ" مرفوع وانما يريدون ان يأمروا بالحج. قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد الثامن والاربعون]:
كَذَبَ العتيقُ وماءُ شنٍّ باردٍ * إن كنتِ سائِلتي غَبوقاً فاذْهَبي
وقال: [من الوافر وهو الشاهد التاسع والاربعون]:
وذُبْيانِية توصي بينها * أَلا كَذَبَ القراطِفُ والقُروفُ
قال ابو عبد الله: "القَراطِفُ"، واحدها "قَرْطَفٌ": وهو كل ما له خَمَلٌ من الثياب. و "القُروفُ"، واحدها "قَرْفٌ": وهو وعاءٌ من جلود الابل كانوا يَغَلون اللحم ويحملونه فيه في أسفارهم". ويقولون "هذا جُحرُ ضبٍّ خَرِبٍ" والخرب هو الجُحْرُ. ويقولون، [أحدهم]: "هذا حبُّ رُمّاني". فيضيف الرُمّان اليه وانما له الحبّ وهذا في الكلام كثير.
وقوله ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾ و﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ فأجراه على اللفظ حتى صار جوابا للامر. وقد زعم قوم ان هذا انما هو على "فَلْيَغْفِروا" و"قُلْ لَعِبادي فَليَقولوا" وهذا لا يضمر كله يعني الفاء واللام. ولو جاز هذا [لَـ] جاز قول الرجل: "يَقُمْ زَيْدٌ"، وهو يريد "لَيَقُمْ زَيْدٌ". وهذا الكلمة أيضاً أمثل لانك لم تضمر فيها الفاء مع اللام.
وقد زعموا ان اللام قد جاءت مضمرة، قال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الخمسون]:
مُحَمَّدُ تَفْد نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ * إذا ما خِفْتَ من شَيْءٍ تَبالا
يريد: "لِتَفْدِ"، وهذا قبيح. وقال: "تَقِ اللّهَ امرُؤٌ فعل كذا وكذا" ومعناه: "ليَتَّق اللّهَ". فاللفظ يجيء كثيرا مخالفاً للمعنى. وهذا يدل عليه. قال الشاعر في ضمير اللام: [من الطويل وهو الشاهد الحادي والخمسون]:
على مثلِ أصحاب البعوضَةِ فَاخمِشي * لكِ الويلُ حُرَّ الوَجْهِ أو يَبْكِ من بكى
يريد "ليبكِ مَنْ بكى" فحذف وسمعت من العرب من ينشد هذا البيت بغير لام: [من الطويل وهو الشاهد الثاني والخمسون]:
فَيَبْكِ على المِنْجابِ أضيافُ قَفْرةٍ * سَرَوْا وأُسارى لم تُفَكَّ قيودُها
يريد: "فَلْيَبْكِ" فحذف اللام.
باب تفسير أنا وأنت وهو
باب تفسير أنا وأنت وهو.
وأما قوله ﴿وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ﴾ [و] ﴿وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ﴾ فقال ﴿وَإيّايَ﴾ وقد شغلت الفعل بالاسم المضمر الذي بعده الفعل. لان كل ما كان من الأمر والنهي في هذا النحو فهو منصوب نحو قولك: "زيداً فَاضْرِبْ أَخاهُ". لان الامر والنهي مما يضمران كثيراً ويحسن فيهما الاضمار، والرفع ايضاً جائز على ان لا يضمر. قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الثالث والخمسون]:
وقائِلَةٍ خولانَ فانكَحْ فتاتَهُمْ * وأُكْرومَةُ الحَيَّيْنِ خِلّوُكما هِيا
وأما قوله ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا﴾ [و] ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا﴾ فزعموا - والله أعلم - ان هذا على الوحي، كأنه يقول "ومِمّا أَقُصُّ عليكمُ الزانيةُ والزاني، والسارقة والسارقُ". ثم جاء بالفعل من بعد ما اوجب الرفع على الاول على الابتداء وهذا على المجاز كأنه قال "أمرُ السارقِ والسارِقة وشأنُهما مما نَقُصَّ عليكم" ومثله قوله ﴿مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ ثم قال ﴿فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ﴾ كأنه قال: "وَمِمّا أقُصُّ عليكُمْ مَثَلُ الجنة" ثم أقبل يذكر ما فيها بعد أن اوجب الرفع في الاول على الابتداء. وقد قرأها قوم نصبا اذ كان الفعل يقع على ما هو من سبب الاول، وهو في الامر والنهي. وكذلك ما وقع عليه حرف الاستفهام نحو قوله ﴿أَبَشَرَاً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُه﴾. وانما فُعِلَ هذا في حروف الاستفهام لانه اذا كان بعده اسم وفعل كان أحسن ان يبتدأ بالفعل قبل الاسم، فان بدأت بالاسم أضمرت له فعلا حتى تحسن الكلام به واظهار ذلك الفعل قبيح.
وما كان من هذا في غير الامر والنهي والاستفهام والنفي فوجه الكلام فيه الرفع، وقد نصبه ناس من العرب كثير. وهذا الحرف قد قرىء نصباً ورفعا ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾.
وأما قوله ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ فهو يجوز فيه الرفع وهي اللغة الكثيرة غير ان الجماعة اجتمعوا على النصب، وربما اجتمعوا على الشيء كذلك مما يجوز والاصل غيره. لان قولك: "إنّا عَبدُ اللّهِ ضَرَبْناهُ". مثل قولك: "عبدُ اللّهِ ضَرَبْناهُ" لان معناهما في الابتداء سواء. قال الشاعر [من المتقارب وهو الشاهد الرابع والخمسون]:
فأَمّا تَمِيمٌ تَميمُ بنُ مُرٍّ * فأَلْفاهُمُ القومُ رَوْبى نِياما
وقال [من الطويل وهو الشاهد الخامس والخمسون]:
إذا ابنُ أبي مُوسى بلالٌ بلغتِهِ * فقامَ بفأسٍ بينَ وَصْلَيكِ جازِرُ
ويكون فيهما النصب. فمن نصب ﴿وأَما ثَمُودَ﴾ نصب على هذا.
وأما قوله ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ﴾ وقوله ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا﴾ ثم قال ﴿وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ وقال ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ [1] عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ [2] خَلَقَ ٱلإِنسَانَ [3] عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ﴾ ثم قال ﴿وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ﴾ وقال ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً﴾ فهذا انما ينصب وقد سقط الفعل على الاسم بعده لان الاسم الذي قبله قد عمل فيه فأضمرت فعلا فأعملته فيه حتى يكون العمل من وجه واحد. وكان ذلك أحسن قال [الشاعر]: [من الوافر وهو الشاهد السادس والخمسون].
نغالي اللحمَ للأضيافِ نَيْئاً * ونُرْخِصُه إذا نَضِجَ القُدورَ
يريد "نُغالي باللحم" فان قلت ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ﴾ ليس بنصب في اللفظ فهو في موضع نصب قد عمل فيه فعل كما قلت: "مررت بزيدٍ وعَمْراً ضربتُه، كأنك قلت: "مررت زيداً" وقد يقول هذا بعض الناس. قال الشاعر: [من المنسرح وهو الشاهد السابع والخمسون]:
أَصبحتُ لا أَحْمِلُ السلاحَ ولا * آمِلْكُ رأسَ البعيِرِ إنْ نَفَرا
والذيبَ أخشاهُ إنْ مَرَرْتُ بهِ * وَحدِي وأَخشى الرياحَ والمَطَرا
وكلُّ هذا يجوز فيه الرفع على الابتداء والنصب أجود وأكثر.
وأما قوله ﴿يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ فانما هو على قوله "يَغْشى طائفةً منكم وطائفةٌ في هذهِ الحال". [و] هذه واو ابتداء لا واو عطف، كما تقول: "ضربتُ عبْدَ اللّهِ وزيدٌ قائم". وقد قرئت نصبا لأنها مثل ما ذكرنا، وذلك لانه قد يسقط الفعل على شيء من سببها وقبلها منصوب بفعل فعطفتها عليه وأضمرت لها فعلها فنصبتها به. وما ذكرنا في هذا الباب من قوله ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [وقوله] ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ﴾ ليس في قوله ﴿فَٱقْطَعُوۤاْ﴾ و﴿فَٱجْلِدُواْ﴾ خبر مبتدأ لان خبر المبتدأ هكذا لا يكون بالفاء. [فـ] لو قلت "عبدُ اللّهِ فَيَنْطَلِقُ" لم يحسن. وانما الخبر هو المضمر الذي فسرت لك من قوله "ومما نقص عليكم" وهو مثل قوله: [من الطويل وهو الشاهد الثالث والخمسون]:
وقائلةٍ خولانُ فانكحْ فتاتَهُم * [وأكرومةُ الحَيَّيْنِ خلوٌ كَما هِيا]
كأنه قال: "هؤلاءِ خَولانُ" كما تقول: "الهلالُ فانظرْ اليهِ" كأنك قلت: "هذا الهلالُ فانظُر إليه" فأضمر الاسم.
فأما قوله ﴿وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ فقد يجوز ان يكون هذا خبر المبتدأ، لان "الذي" اذا كان صلته فعل جاز ان يكون خبره بالفاء نحو قول الله عز وجل ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ﴾ ثم قال﴿فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾.
البقرة 2:45
باب الواو.
أما قوله ﴿وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ فلأنه حمل الكلام على "الصلاةِ". وهذا كلام منه ما يحمل على الاول ومنه ما يحمل على الاخر. وقال ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ فهذا يجوز على الاول والآخر، وأقيس هذا اذا ما كان بالواو ان يحمل عليهما جميعاً. تقول: "زيد وعمرو ذاهبان". وليس هذا مثل "أو" لان "أو" انما يخبر فيه عن أحد الشيئين. وأنت في "أو" بالخيار ان شئت جعلت الكلام على الاول وان شئت على الآخر، وأن تحمله على الآخر أقيس لانك ان تجعل الخبر على الاسم الذي يليه [الخبر] فهو أمثل من أن تجاوزه الى اسم بعيد منه. قال ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا﴾ فحمله على الاول، وقال في موضع آخر ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ وقال ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيۤئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً﴾ فحمله على الآخر. قال الشاعر: [من البسيط وهو الشاهد الثامن والخمسون]:
أمّا الوَسامَةُ أو حُسْنُ النِساءِ فَقَدْ * أُوتيتِ مِنْهُ لو انَّ العقلَ محتَنِكُ
وقال ابنُ أحمر: [من الطويل وهو الشاهد التاسع والخمسون]:
رماني بداءٍ كنتُ منهُ ووالدي * بريئاً ومن أَجْلِ الطَوِيِّ رماني
وقال الآخر: [من المنسرح وهو الشاهد الستون]:
نحنُ بِما عندَنا وأنتَ بما * عندَكَ راضٍ والرأيُ مُخْتَلِفُ
وهذا مثل قول البرجمي: [من الطويل وهو الشاهد الحادي والستون]:
مَنْ يكُ أمْسى بالمدينةِ دارُهُ * فإنّي وَقَيّاراً بِها لَغَرِيبُ
وأما قوله ﴿بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ﴾
فانتصب ﴿ٱلْعِجْلَ﴾ لانه مفعول به، تقول: "عجبت من ضربِكَ زيداً". وقوله ﴿بَارِئِكُمْ﴾ مهموز لانه من "برأ اللّهُ الخلقَ" "يَبْرأُ" "بَرْءاً". وقد قرأ بعضهم هذه الهمزة بالتخفيف فجعلها بين الهمزة وبين الياء. وقد زعم قوم انها تجزم ولا أرى ذلك الا غلطا منهم، سمعوا التخفيف فظنوا انه مجزوم والتخفيف لا يفهم الا بمشافهة* ولا يعرف في الكتاب. ولا يجوز الاسكان، الا ان يكون اسكن وجعلها نحو "عَلْمَ" و"قَدْ ضُرْبَ" و"قَدْ سَمْعَ" ونحو ذلك.
سمعت من العرب من يقول: ﴿جَآءَتْ رُسُلْنا﴾ جزم اللام وذلك لكثرة الحركة قال الشاعر: [من السريع وهو الشاهد الثاني والسبعون]:
وأنتِ لو باكرتِ مَشْمولَةً * صهباءَ مثلَ الفَرَسِ الأشْقَرِ
رُحْتِ وفي رجلَيكِ ما فيهما * وقد بَداهَنْكِ من المِئزِرِ
وقال امرؤ القيس [من السريع وهو الشاهد الثالث والسبعون]:
فاليومَ أشربْ غيرَ مُستحقبٍ * إِثماً من اللّهِ ولا واغِلِ
وقال آخر: [من الرجز وهو الشاهد الرابع والسبعون]:
* إنَّ بَنِي ثَمَرَةْ فُؤادي *
وقال آخر: [من الرجز وهو الشاهد الخامس والسبعون]:
يا عَلْقَمة يا عَلْقَمة يا علقمة * خيرَ تميمٍ كلِّها وأَكرمَهْ
وقال: [من الرجز وهو الشاهد السادس والسبعون]:
إذا اعوججْنَ صاحبْ قَوِّمِ * بالدَّوِّ أمثالَ السفينِ العُوَّمِ
ويكون "رُسُلْنا" على الادغام، يدغم اللام في النون ويجعل فيها غنة. والاسكان في ﴿بارئْكُم﴾ على البدل لغة الذين قالوا: "أَخْطَيْت" وهذا لا يعرف.
البقرة 2:46
باب اسم الفاعل.
قال ﴿ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ﴾ فأضاف قوله ﴿مُّلاَقُو رَبِّهِمْ﴾ ولم يقع الفعل. وانما يضاف اذا كان قد وقع الفعل تقول: "هم ضاربوا ابيك" اذا كانوا قد ضربوه. واذا كانوا في حال الضرب او لم يضربوا قلت: "هم ضاربون أخاك" الا ان العرب قد تستثقل النون فتحذفها في معنى اثباتها وهو نحو ﴿مُّلاَقُو رَبِّهِمْ﴾ مثل ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ ولم تذق بعد. وقد قال بعضهم: ﴿ذائقةٌ الموتَ﴾ على ما فسرت لك. وقال الله جل ثناؤه ﴿إِنَّا مُرْسِلُو ٱلنَّاقَةِ﴾ وهذا قبل الارسال ولكن حذفت النون استثقالا. وقال ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ فأثبت التنوين لانه كان في الحال. وقال ﴿إِنَّا كَاشِفُو ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً﴾ على ذلك ايضاً. وزعموا ان هذا البيت ينشد هكذا: [من البسيط وهو الشاهد الثاني والستون]:
هل أنتَ باعثُ دينارٍ لحاجَتِنا * او عبد ربٍّ أخا عمرو بنِ مِخْراقِ
فأضاف ولم يقع الفعل ونصب الثاني على المعنى لان الاول فيه نية التنوين، كقول الله جل وعزّ ﴿وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً﴾ ولو جررت "الشمس" و"القمر" و"عبد رب اخا عمرو" على ما جررت عليه الاول جاز وكان جيدا. وقال ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ﴾ فالنصب وجه الكلام لأنَّك لا تجرى الظاهر على المضمر، والكاف في موضع جرّ لذهاب النون. وذلك لان هذا اذا سقط على اسم مضمر ذهب منه التنوين والنون ان كان في الحال وان لم يفعل، تقول: "هو ضاربُك الساعةَ أو غداً" و"هم ضاربوك". واذا أدخلت الالف واللام قلت: "هو الضارب زيداً" ولا يكون ان تجرّ زيداً لأن التنوين كأنه باق في "الضارب" اذا كان فيه الالف واللام، لأن الالف واللام تعاقبان التنوين. وتقول: "هما الضاربانِ زيداً" و"هما الضاربا زيدٍ" لأن الألف واللام لا تعاقبان التنوين في الاثنين والجمع. فاذا أخرجت النون من الاثنين والجمع من اسماء الفاعلين أضفت وان كان فيه الالف واللام، لأن النون تعاقب الاضافة وطرح النون ها هنا كطرح النون في قولك: "هما ضاربا زيد" ولم يفعلا، لأن الأصل في قولك: "الضاربان" اثبات النون لأن معناه واعماله مثل معنى "الذي فعل" واعماله. قال الشاعر: "من المنسرح وهو الشاهد الثالث والستون]:
الحافظو عورةِ العشيرِ لا * يأتيُهمُ من ورائِنا نطف
وفي كتاب الله ﴿وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلاَةِ﴾ وقد نصب بعضهم فقال ﴿وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلاةَ﴾ و"الحافظو* عورةَ" استثقالاً للاضافة كما حذفت نون "اللَذينِ" و "الذينَ". قال الشاعر: [ من الكامل وهو الشاهد الرابع والستون]:
أَبَنِي كُلَيْبٍ إنَّ عَمَّيَّ اللَذا * قَتَلا المُلوكَ وَفَكَّكا الأغْلالا
وقال: ﴿من الطويل وهو الشاهد الخامس والستون]:
فإنّ الذي حانَتْ بفَلْجٍ دماؤُهم * همُ القومُ كلُّ القومِ يا أُمَّ خالد
فالقى النون. وزعموا أن عيسى بنَ عمر كان يجيز: [من المتقارب وهو الشاهد السادس والستون]
فألفيتُهُ غيرَ مُستَعْتِبٍ * ولا ذاكِرَ اللّهَ الاّ قليلا
كأنه انما طرح التنوين لغير معاقبة اضافة وهو قبيح الا في كل ما كان معناه "اللذين" و "الذين" فحينئذ يطرح منه ما طرح من ذلك. ولو جاز هذا البيت لقلت: "هم ضاربو زيدا" وهذا لا يحسن. وزعموا أن بعض العرب قال ﴿وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ﴾ وهو أبو السَمّال وكان فصيحا. وقد قرىء هذا الحرف ﴿إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمِ﴾ وهو في البيت أمثل لانه اسقط التنوين لاجتماع الساكنين. واذا ألحَقْتَ النونَ نصبت لان الاضافة قد ذهبت، قال ﴿وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ﴾ [و] وقال ﴿وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً﴾ قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد السابع والستون]
النازلونَ بكلِّ معتَرَكِ * والطيبونُ معاقدَ الأُزْرِ
البقرة 2:48
باب اضافة الزمان الى الفعل.
قال ﴿وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً﴾ فنون اليوم لانه جعل "فيه" مضمرا، وجعله من صفة اليوم كأنه قال "يوماً لا تَجْزِى نفسٌ عن نفسٍ فيه شيئاً". وانما جاز إضمار "فيه" كما جاز اضافته الى الفعل تقول: "هذا يومُ يفعل زيد". وليس من الاسماء شيء يضاف الى الفعل غير اسماء الزمان، وذلك جاز اضمار "فيه". وقال قوم: "إنَّما أضمر الهاء اراد "لا تَجْزِيهِ" وجعل هذه الهاء اسما لليوم مفعولا، كما تقول: "رأيتُ رجلاً يحبُّ زيدٌ" تريد: "يحبُّه زيد". وهو في الكلام يكون مضافا، تقول: "اذكر يومَ لا ينفعُكَ شيء" أي: "يومَ لا منفعة" وذلك أن اسماء الحين قد تضاف الى لفعل قال ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾ أي "يومُ لا نطقَ"، وقد يجوز فيه "هذا يومُ لا ينطِقون" اذا أضمرت "فيهِ" وجعلته من صفة "يوم" لأنّ يوما نكرة وقد جعلت الفعل لشيء من سببه وقدمت الفعل. فالفعل يكون كله من صفة النكرة كأنك أجريته على اليوم صفة له اذا كان ساقطا على سببه، وقد قال بعضهم ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾ وكذلك ﴿هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ﴾ وكل ما أشبه هذا فهو مثله. ولا يضاف الى الفعل شيء الا الحين، الا انهم قد قالوا [من الوافر وهو الشاهد الثامن والستون]:
بآيةِ تقدِمون الخيلَ زُورا * كأنَّ على سنابِكِها مُداما
[وقالوا] [من الوافر وهو الشاهد التاسع والستون]:
أَلا من مُبْلِغٌ عَنّي تَميماً * بآيةِ ما تُحِبّونَ الطَّعاما
فأضاف "آية" الى الفعل. وقالوا: "إذهبْ بذي تَسْلَم" و"بذي تَسْلَمان" فقوله: "ذي" مضاف الى "تسلم" كأنه قال: "اذهبْ بِذِي سلامَتِكَ" وليس يضاف الى الفعل غير هذا. ولو قلت في الكلام: "واتقوا يومَ لا تَجزى نفسٌ فيهِ" فلم تنون اليوم جاز، كأنك أضفت وأنت لا تريد ان تجيء بـ"فيهِ" ثم بدالك بعد فجئت به، كما تقول: "اليومَ آتيكَ فيه" فنصبت "اليوم" لانك جئت بـ"فيه" بعد ما أوجبت النصب وقال قوم: "لا يجوز اضمار "فيه". الا ترى انك لا تقول: "هذا رجلٌ قصدتُ" وأنت تريد "إليه" ولا "رأيتُ رجلاً أرغَبُ" وأنت تريد "فيهِ" والفرقُ بينَهما أن اسماء الزمان يكون فيها ما لا يكون في غيرها، وان شئت حملتها* على المفعول في السَعَةَ كأنك قلت: "واتقوا يوما لا تجزيه نفسٌ" ثم القيت الهاء كما تقول: "رأيتُ رجلاً أُحِبُّ" وأنت تريد "أحبه".
باب من التأنيث والتذكير.
اما قوله ﴿تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً﴾ فهو مثل قولك: "لا تَجْزِي عنك شاة" و"يجزى عنك درهم" و "جَزى عنك درهمٌ" و"وجَزَتْ عنك شاةٌ". فهذه لغة أهل الحجاز لا يهمزون. وبنو تميم يقولون في هذا المعنى: "أَجْزَأَتْ عنهُ وتُجزِىءُ عنه شاة" وقوله "شيئا" كأنه قال: "لا تُجْزِىءُ الشاةُ مُجْزى ولا تُغْنِي غَناءٌ". وقوله ﴿عَن نَّفْسٍ﴾ يقول: "مِنْها" أي: لا تكون مكانها.
وأما قوله ﴿وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ فانما ذكر الاسم المؤنث لان كل مؤنث فرقت بينه وبين فعله حسن أن تذكر فعله، إلاّ أَنَّ ذلك يقبح في الانس وما أشبههم مما يعقل. لأنَّ الذي يعقل أشد استحقاقا للفعل. وذلك ان هذا انما يؤنث ويذكر ليفصل بين معنيين. والموات كـ"الارض" و "الجدار" ليس بينهما معنى كنحو ما بين الرجل والمرأة. فكل ما لا يعقل يشبه بالموات، وما يعقل يشبه بالمرأة والرجل نحو قوله ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ لما أطاعوا صاروا كمن يعقل، قال ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ فذكر الفعل حين فرّق بينه وبين الاسم، وقال ﴿لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ﴾ وتقرأ ﴿تُؤْخَذُ﴾. وقد يقال أيضاً ذاك في الانس، زعموا أنهم يقولون "حَضَر القاضيَ امرأةٌ". فأما فعل الجميع فقد يذكّر ويؤنث لأن تأنيث الجميع ليس بتأنيث الفصل الا ترى أنك تؤنث جماعة المذكرّ فتقول: "هِيَ الرّجالُ" و"هِيَ القومُ"، وتسمي رجلا بـ"بعال" فتصرفه لان هذا تأنيثٌ مثلُ التذكير، وليس بفصل. ولو سميته بـ"عَناقِ" لم تصرفه، لان هذا تأنيث لا يكون للذكر، وهو فصل مابين المذكر والمؤنث تقول: "ذهب الرجل" و"ذهبت المرأة" فتفصل بينهما. وتقول: "ذهب النساء" و"ذهبت النساء" و"ذهب الرجال" و"ذهبت الرجال". وفي كتاب الله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ و ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾. قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد السبعون]:
فما تركتْ قومي لقومِكَ حَيَّةً * تَقَلَّبُ في بَحْرٍ ولا بَلَدٍ قَفْرِ
وقال ﴿جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ﴾ [و] ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ﴾. [و] قال الشاعر اشد من ذا وقد أخر الفعل، قال: [من المتقارب وهو الشاهد الثاني والثلاثون]:
فإمَّا تَرَيْ لِمَّتِى بُدِّلَّتْ * فإنَّ الحوادِثَ أَوْداى بها
اراد "أودتْ بها" مثل فعل المرأة الواحدة يجوز ان يذكر [فـ] ذكر هذا. وهذا التذكير في الموات اقبح وهو في الانس أحسن، وذلك ان كل جماعة من غير الانس فهي مؤنثة تقول: "هي الحمير" ولا تقول "هم". الا انهم قد قالوا: "أولئك الحمير"، وذلك أن "أولئك" قد تكون للمؤنث والمذكر تقول: "رأيت اولئك النساء". قال الشاعر:[من الكامل وهو الشاهد الحادي والسبعون]:
ذُمّى المنازِلُ بعدَ منزِلةِ اللِّوى * والعيشَ بعدَ أولئكِ الأيَّامِ
البقرة 2:49
أما قوله ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ و﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ﴾ وامكنة كثيرة، فانما هي على ما قبلها، انما يقول: "إذكرُوا نعمتي" و"اذكُروا إذ نَجَّيْناكُم" و"اذكروا إذْ فَرَقْنا بكُم البَحْرَ" و"اذكرُوا إذْ قُلتُم يا مُوسى لَنْ نَصْبِر" وقال بعضهم "فرّقنا".
باب أَهْل وآل.
وقوله ﴿مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ﴾ وقد قال ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ فانما حدث عما كانوا يلقون منهم. و ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ في موضع رفع وان شئت جعلته في موضع نصب على الحال كأنه يقول "واذ نَجَّيْناكُم من آلِ فرعَون سائِمين لكم" والرفع على الابتداء.
واما "آلُ" فانها تحسن اذا أضيفت الى اسم خاص نحو: "أتيتُ آل زيد" و"أهل زيد"]*، و"أهل مكةَ" و"آلَ مكةَ" و"أهلَ المدينةِ" و"آلَ المدينةِ". ولو قلت: "أتيتُ آل الرجلِ" و"آل المرأةِ" لم يحسن، ولكن: "أتيتَ آلَ اللّهِ" وهُم زعموا أهلُ مكة. وليس "آلُ" بالكثير في اسماء الارضين وقد سمعنا من يقول ذلك، وانما هي همزة أبدلت مكان الهاء مثل "هَيْهاتَ" و "أَيْهَاتَ".
البقرة 2:50
﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ﴾ يقول فرقنا بين الماءين حين مررتم فيه.
البقرة 2:51
قال ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ اي: واعدناه انقضاءَ اربعين ليلة، أي: رأسَ الأربعين، كما قال ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ وهذا مثل قولهم "اليومَ أربعونَ يوماً منذُ خرجَ" و"اليومَ يومانِ" أي: "اليومَ تمامُ الأربعين" و"تمامُ يَوْمَيْن".
البقرة 2:55
باب الفعل.
أما قوله ﴿حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً﴾ فيقول: "جِهاراً" أي: "عِيانا يكشف ما بيننا وبينه" كما تقول: "جَهِرَتْ الرَكِيَّةُ" اذ كان ماؤها قد غطاه الطين فنفّي ذلك حتى يظهرَ الماء [و] يصفو.
البقرة 2:57
أما قوله ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ﴾ فـ"الغَمامُ" واحدتُه "غَمامةٌ" مثل "السَّحابِ" واحدتُه "سَحابة". وأما "السَّلْوَى" فهو طائر لم يسمع له بواحد، وهو شبيه أن يكون واحده "سَلْوى" مثل جماعته، كما قالوا: "دِفْلَى" للواحد والجماعة، و"سُلامَى" للواحد والجماعة. وقد قالوا "سُلامَيات". وقالوا "حُبَارَى" للواحد، وقالوا للجماعة: "حُبارَيَات"، وقال بعضُهم للجماعة "حُبَارى". قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد السابع والسبعون]:
وأَشلاءُ لَحْمٍ من حُبارَى يصيدُها * إذا نَحْنُ شِئْنا صاحبٌ مُتَأَلَّفُ
وقالوا: "شُكَاعَى" للواحد والجماعة، وقال بعضهم للواحد: "شُكاعاة".
البقرة 2:58
قوله ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ اي: "قولوا": "لتكن منك حِطَّة لذُنُوبِنا" كما تقول للرجل: "سَمْعُكَ إلَيَّ". كأنهم قيل لهم: "قُولُوا: "يا رب لتَكُن مِنْكَ حِطَّة لِذُنوبِنا". وقد قرئت نصبا على انه بدل من اللفظ بالفعل. وكلُ ما كان بدلا من اللفظ بالفعل فهو نصب بذلك الفعل، كأنه قال: "أحْطُطْ عَنَّا حِطَّةً" فصارت بدلا من "حُطَّ" وهو شبيه بقولهم: "سَمْعٌ وطاعةٌ"، فمنهم من يقول: "سَمْعاً وطاعةَ" اذا جعله بدل: "أَسْمَعُ سمعا وأَطيعُ طاعَةً". واذا رفع فكأنه قال: أمْرِي سَمْعٌ وطاعَةٌ". قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الثامن والسبعون]:
اناخوا بأَيدي عُصْبَةٍ وسُيوفُهم * على أُمَّهاتِ الهامِ ضَرْباً شَآمِيا
وقال الآخَر: [من الوافر وهو الشاهد التاسع والسبعون]:
تَرَكْنا الخيلَ وَهْيَ عليهِ نَوْحاً * مُقَلَّدَةً أعِنَّتَها صُفُونا
وقال بعضهم: "وَهْيَ عَلَيْهِ نَوْحٌ" جعلها في التشبيه هي النوح لكثرة ما كان ذلك منها كما تقول: "إنَّما أنتَ شَرٌّ" و"إنَّما هُوَ حِمارٌ" في الشبه، او تجعل الرفع كأنه قال: "وهْيَ عَلَيْهِ صاحِبَةُ نَوْحٍ"، فألقى الصاحبة وأقام النوح مُقامَها. ومثل ذلك قول الخنساء. [من البسيط وهو الشاهد الثمانون]:
تَرْتَعُ ما رَتَعَتْ حتَّى إذا ذَكَرَتْ * فَإنَّما هِيَ إقْبالٌ وإدْبارُ
ومثله ﴿قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ﴾ كأنهم قالوا: "مَوعَظتُنا إِياهُمْ مَعْذِرَةٌ" وقد نصب على: "نَعْتَذِرُ مَعْذِرَةً" وقال ﴿فَأَوْلَىٰ لَهُمْ﴾ ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ على قوله ﴿إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ ﴿فَأَوْلَىٰ لَهُمْ﴾ ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ جعل الطاعة مبتدأ فقال ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ خير من هذا، او جعل الطاعة مبتدأ فقال "طاعةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوف خيرٌ من هذا". وزَعم يونس انه قيل لهم "قُولوا حِطَةٌ" أي: تكلموا بهذا الكلام. كأنه فُرِضَ عليهم أَنْ يقولوا هذه الكلمة مرفوعة.
البقرة 2:59
قال ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ وقال ﴿وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ﴾ وقال بعضهم ﴿والرِجْزَ﴾*. وذكروا أن "الرُجْزَ": صنم كانوا يعبدونه فأما "الرِجْزَ" فهو: "الرِجْسُ. [والرِجْسُ: النَجَس] وقال ﴿إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ و"النَجَسُ": القَذَر.
البقرة 2:60
قال ﴿فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ يكسر الشين بنو تميم، وأما أهل الحجاز فيسكنون ﴿ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً﴾.
وقوله ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. من "عَثِيَ"* "يَعْثَى" وقال بعضهم: "يَعْثُو" من "عَثَوْتُ" فـ"أَنَا أَعْثُو" مثل: "غَزَوْتُ" فـ"أنَا أَغْزُو".
البقرة 2:61
باب زيادة "مِنُ".
أما قوله ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا﴾ فدخلت فيه (مِنْ) كنحو ما تقول في الكلام: "أهلْ البَصْرة يأكلون من البُرِّ والشَعير" وتقول: "ذهبتُ فَأصَبْتُ من الطَّعام" تريد "شَيْئا" ولم تذكر الشيء. وكذلك ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ﴾ شيئا، ولم يذكر الشيء وان شئت جعلته على قولك: "ما رأيت مِنْ أَحَدٍ" تريد: "ما رأيتُ أحَداً" و"هلْ جاءك مِنْ رَجْلٍ" تريد هل جاءك رَجُلٌ. فان قلت: "انما يكون هذا في النفي والاستفهام" فقد جاء في غير ذلك، قال ﴿وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ﴾ فهذا ليس باستفهام ولا نفي. وتقول: "زيدْ مِنْ أَفْضَلِها" تريد: هو أفضلها، وتقول العرب: "قد كانَ مِنْ حَدِيثٍ فَخَلِّ عَنّي حتّى أذهب" يريدون: قَدْ كانَ حَديثٌ. ونظيره قولهم: "هَلْ لَكَ في كذا وكَذا" ولا يقولون: "حاجَةُ، و: لا عَلَيْكَ" يريدون: لا بَأَسَ عَلَيْكَ*.
وأما قوله ﴿ٱهْبِطُواْ مِصْراً﴾ وقال ﴿ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ﴾ فزعم بعض الناس انه يعني فيهما جميعا "مِصْر" بعينها، ولكن ما كان من اسم مؤنث على هذا النحو "هِنْد" و"جُمْل" فمن العرب من يصرفه ومنهم من لا يصرفه. وقال بعضهم: "أما التي في "يوسف" فيعني بها "مِصْرَ" بعينها، والتي في "البقرة" يعني بها مِصْراً من الأمصار.
وأما قوله ﴿وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ يقول: "رَجَعُوا بِهِ" اي صار عليهم، وتقول "باء بِذَنْبِهِ يَبُوءُ بَوْءاً". وقال ﴿إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ مثله.
باب من تفسير الهمز.
أما قوله ﴿وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ﴾ [و] ﴿وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَآءَ﴾ كل ذلك جماعة العرب تقوله.
ومنهم من يقول ﴿النُّبَاءَ﴾ أولئك الذين يهمزون "النَبِىء" فيجعلونه مثل "عَريف" و"عُرَفاء". والذين لم يهمزوه جعلوه مثل بنات الياء فصار مثل "وَصِيّ" و"أَوْصِياء" ويقولون ايضاً: "هُمْ وَصِيُّونَ". وذلك ان العرب تحوّل الشيء من الهمزة حتى يصير كبنات الياء، يجتمعون على ترك همزة نحو "المِنْسأَةِ" ولا يكاد أحد يهمزها الا في القرآن فان اكثرهم قرأها بالهمز وبها نقرأ، وهي من "نَسَأْتُ". وجاء ما كان من "رَأَيْتُ" على"يَفْعَلُ" أو"تَفْعَلُ" أو"نَفْعَلُ" أو"أَفْعَلُ" غير مهموز، وذلك ان الحرف الذي كان قبل الهمزة ساكن، فحذفت الهمزة وحرك الحرف الذي قبلها بحركتها كما تقول: "مَنَ ابوك". قال ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ وقال ﴿لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ﴾ وقال ﴿إِنَّيۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ﴾ وقال ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾. واما قوله ﴿أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ﴾ و﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىٰ ٱلْهُدَىٰ﴾ وما كان من "أَرَأَيْتَ" في هذا المعنى ففيه لغتان، منهم من يهمز ومنهم من يقول "أَريْتَ". وانما يفعل هذا في "أَرَأَيْتَ" هذه التي وضعت للاستفهام لكثرتها. فأما "أَرأَيْتَ زَيْداً" اذا أردت "أَبْصَرْتَ زَيَداً" فلا يتكلم بها إلاّ مهموزة أو مخففة. ولا يكاد يقال "أَرَيْتَ" لأَنَّ تلك كثرت في الكلام فحذفت كما حذفت في "[أَمَانَّه] ظريف" يريدون: "أَما إِنَّه ظَريفٌ" [ف] يحذفون ويقولون أيضاً "لَهِنَّكَ لَظَريفٌ" يريدون: " [لـ] إنَّكَ لَظَريفٌ". ولكن الهمزة حذفت كما حذفوا في قولهم: [من البسيط وهو الشاهد الحادي والثمانون]:
لاهِ ابنُ عَمِّكَ لا أَفْضَلْتَ في حَسَبٍ * عَنّي وَلا أَنَتَ دَيّاني فَتَخْزُوني
وقال الشاعر "من الكامل وهو الشاهد الثاني والثمانون]:
أَرأيْتَ إنْ أَهْلَكْتُ مالِيَ كُلَّهُ * وَتَرَكْتُ مَا لَكَ فيمَ أَنْتَ تَلُومُ
[فَهَمَز] وقال الآخر: [من المتقارب وهو الشاهد الثالث والثمانون]:
ارَيْتَ امْرَءاً كنتُ لَمْ أَبْلُهُ * أَتَانِيْ وَقالَ اتَّخِذْنِي خَلِيلا
فلم يهمز. وقال [من الكامل وهو الشاهد الرابع والثمانون]:
يا خاتمَ النُّبَاءِ إِنَّكَ مُرْسَلٌ * بِالحَقِّ كُلُّ هُدَى السَّبيلِ هُداكا
واما قوله ﴿بِمَا عَصَوْا﴾ [فـ] جعله اسما هنا كالعصيان يريد: بعصيانهم، فجعل "ما" و"عَصَوْا" اسما.
البقرة 2:63
قوله ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ فهذا على الكلام الاول. يقول: "اذُكروا اذ أَخَذْنا ميثاقَكُم وَرَفَعَنا فَوقَكُم الطورَ خُذُوا" يقول: "فَقلنا لَكُم": "خُذُوا". كما تقول: "أَوْحَيتُ إليْهِ: قُمْ" كأنه يقول: "أَوْحَيْتُ إلَيْهِ فقلتُ له: "قُمْ "وكان في قولك : "أَوْحَيْتُ إلَيْهِ" دليل على أَنَّكَ قد قلت له.
البقرة 2:65
أما قوله ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ﴾ يقول: "ولَقَد عَرَفْتُمْ" كما تقول: "لقد علِمت زَيْداً وَلَمْ أَكُنْ أَعلَمُه". وقال ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ يقول: "يَعْرِفُهُم". وقال ﴿لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ أي: لا تَعْرِفُهم نَحْنُ نَعْرِفهُم. واذا أردت العلم الآخر قلت: "قَدْ عَلِمْتُ زَيْداً ظريفاً" لانك تحدث عن ظرفه. فلو قلت: "قدْ عَلِمْتُ زَيْداً" لم يكن كلاما.
وأما قوله ﴿كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ فلانك تقول: "خَسَأْتُهُ" "فَخَسِىءَ" "يَخْسَأُ خَسْأً شديدا" فـ"هُوَ خَاسِىءٌ" و"هُمْ خاسِئُون".
البقرة 2:66
أما قوله ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً﴾ فتكون على القردة، وتكون على العقوبة التي نزلت بهم فلذلك أُنّثَت.
البقرة 2:67
أما قوله ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً﴾ فمن العرب والقراء من يثقله، ومنهم من يخففه وزعم عيسى بن عمر أنّ كلَ اسمٍ على ثلاثة أحرف أَوَّلُهُ مَضْموم فمن العرب من من يثقله ومنهم من يخففه نحو: "اليُسُر" [و "اليُسْر"]، و"العُسُر" [ و"العُسْر"]، و"الرُحُم" [و "الرُحْم"]. وقال بعضهم ﴿عُذْراً﴾ خفيفة ﴿أونُذُراً﴾ مثقلة، وهي كثيرة وبها نقرأ. وهذه اللغة التي ذكرها عيسى بن عمر تحرك أيضاً ثانية بالضم.
البقرة 2:68
أما قوله ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ﴾ فارتفع ولم يصر نصبا كما ينتصب النفي لان هذه صفة في المعنى للبقرة. والنفي المنصوب لا يكون صفة من صفتها، انما هو اسم متبدأ وخبره مضمر، وهذا مثل قولك: "عبدُ اللّهُ لا قائمٌ ولا قاعدٌ" أدخلت "لا" للمعنى وتركت الاعراب على حاله لو لم يكن فيه "لا".
البقرة 2:69
أماقوله ﴿بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِـعٌ﴾ فـ"الفاقِعُ": الشديد الصفرة. ويقال: "أَبْيضُ يَقَقٌ": أي: شديدُ البياض، و "لِهاقٌ" و"لَهَقٌ" و"لَهاقٌ"، و"أَخَضَرُ ناضِرٌ" و"أَحْمَرُ قانِىءٌ" و"ناصِعٌ" و"فاقِمٌ". ويقال: "قَدْ قَنَأَتْ لِحْيَتُهُ" فَـ"هي "تَقْنَأُ قُنُوءا" أي: احمّرت. قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد الخامس والثمانون]:
............. * كَما قَنَأَتْ أَنامِلُ صاحِبِ الكَرْمِ
و "قاطِفُ الكَرْمِ". وقال آخر: [من الكامل وهو الشاهد السادس والثمانون]:
مِنْ خَمِرّ ذي نَطَفٍ أَغَنَّ كَأنَّما * قَنَأَتْ أَنامِلُهُ مِن الفِرْصادِ
البقرة 2:70
أما قوله ﴿إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [فـ] جعل "البَقَر" مذكرا مثل "التَمْر" و"البُسْر" كما تقول: "إنَّ زيداً تَكَلَم يا فَتَى" وان شئت قلت (يَشّابهُ) وهي قراءة مجاهد. ذكّر "البقر" يريد ﴿يَتَشابَهُ﴾ ثم أدغم التاء في الشين. ومن أَنَّث البقَر" قال ﴿تَشّابَهُ﴾ فادغم، وان شاء حذف التاء الاخرة ورفع كما تقول "إنَّ هذِهِ تَكَلَّمُ يا فَتِى" لانها في "تَتَشابَهُ" احداهما تاء "تَفْعَلُ" والاخرى التي في "تَشابَهَتْ" فهو في التأنيث معناه "تَفْعَلُ". وفي التذكير معناه "فَعَلَ" و "فَعَلَ" أبدا مفتوح كما ذكرت لك والتاء محذوفة اذا أردت التأنيث لانك تريد "تَشابَهَتْ" فـ" هي "تَتشابهُ" وكذلك كل [ما كان] من نحو "البَقَرِ" ليس بين الواحد والجماعة [فيه] الا الهاء، فمن العرب من يذكره ومنهم من يؤنثه، ومنهم من يقول: "هي البُرُّ والشعير" وقال: ﴿وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ فأنث على تلك اللغة وقال "باسقات" فجمع لان المعنى جماعة. وقال الله جل ثناؤه ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ فذكر في لغة من يذكر وقال ﴿وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ﴾ فجمع على المعنى لان المعنى معنى سحابات. وقال ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ وقال ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ على المعنى واللفظ.
وقد قال بعضهم: ﴿إنَّ الباقِرُ﴾ مثل "الجامِل" يعني "البَقَرَ" و"الجِمالَ" قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد السابع والثمانون]:
مالِي رأيتُكَ بعد أَهْلِكَ مُوحِشا * خَلِقاً كَحَوْضِ الباقِرِ المُتَهَدِّمِ
وقال: [من الطويل وهو الشاهد الثامن والثمانون]
[فَإِنْ تَكُ ذا شاءٍ كَثِيرٍ فإنَّهُمْ] * ذَوُو جامِلٍ لا يَهْدَأُ اللَّيْلَ سامِرُهُ
وأما قوله ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ﴾ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ "مسلمة" على "إنَّها بَقَرَةٌ مُسَلَّمةٌ".
البقرة 2:71
﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾ يقول: "لا وَشْيَ فيها" من "وَشَيْتُ شِيَةً" كما تقول: "وَدَيْتُه دِيَةً" و"وَعَدْتُهُ عِدَةً".
واذا استأنفت (ألآن) قطعت الألفين جميعا لأن الألِفَ الاولى مثل ألف "الرَّجل" وتلْك تُقطع إذا استُؤنفت، والأُخرى همزة ثابتة تقول "ألآن" فتقطع ألف الوصل، ومنهم من يذهبها ويثبت الواو التي في (قَالُوا) لأنَّه إنَّما كان يذهبها لسكون اللام، واللام قد تحرّكت لأنَّه قد حوّل عليها حركة الهمزة.
البقرة 2:72
أما قوله ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ فانما هي "فَتَدارَأْتُم" ولكن التاء تدغم احياناً كذا في الدال لان مخرجها من مخرجها. فلما أدغمت فيها حوّلت فجعلت دالا مثلها، وسكنّت فجعلوا الفاً قبلها حتى يصلوا الى الكلام بها كما قالوا: "اضرْب" فألحقوا الالف حين سكنت الضاد. الا ترى انك اذا استأنفت قلت "ادّارأتم" ومثلها ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ و ﴿تَذَّكَّرُونَ﴾ [و] ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ﴾ ومثله في القرآن كثير. وانما هو "يَتدَبَّرون" فأدغمت التاء في الدال لأن التاء قريبة المخرج من الدال، مخرج الدال بطرف اللسان وأطراف الثنيتين ومخرج التاء بطرف اللسان وأصول الثنيتين. فكل ما قرب مخرجه فافعل به هذا ولا تقل في "يَتَنَزَّلون": "يَنّزَّلون" لان النون ليست من حروف الثنايا كالتاء.
البقرة 2:74
قال ﴿فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ وليس قوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ﴾ كقولك: "هُوَ زيدٌ أو عمرو" إنّما هذه ﴿أَوْ﴾ التي في معنى الواو، نحو قولك: "نَحْنُ نأكُل البُرَّ أَوْ الشَعير أو الأُرُزَّ، كلَّ هذا نَأْكُلُ" فـ﴿أَشَدُّ﴾ ترفع على خبر المبتدأ. وانما هو "وهي أشدُّ قَسْوَةً" وقال بعضهم ﴿فَهْيَ كالحِجارَةِ﴾ فأسكن الهاء وبعضهم يكسرها. وذلك ان لغة العرب في "هيَ" و"هَو" ولام الأمر اذا كان قبلهن واو أو فاء أسكنوا أوائلهن. ومنهم من يدعها. قال ﴿وَهُوَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [و] قال ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾. [و] قال ﴿وَلْيتوبوا﴾ وقف وكسر. وقال ﴿فَلْيَعْبُدُواْ﴾. وقف وكسر.
باب إِنَّ وأَنَّ.
قال ﴿وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ﴾ فهذه اللاّم لام التوكيد وهي منصوبة تقع على الاسم الذي تقع عليه "إنَّ" اذا كان بينها وبين "إِنَّ" حشو نحو هذا. [و] هو مثل: "إنَّ في الدارِ لَزَيْداً". وتقع أيضاً في خبر "إنَّ" وتصرف "إِنَّ" الى الابتداء، تقول: "أَشْهَدُ إنَّهُ لَظَريفٌ "قال الله عزَّ وجلِ ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ وقال ﴿أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي ٱلْقُبُورِ [9] وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾ وهذا لو لم تكن فيه اللام كان "أَنَّ رَبَّهُمْ" لان "أنَّ" الثقيلة اذا كانت هي وما عملت فيه بمنزلة "ذاكَ" أوْ بمنزلة اسم فهي أبدا "أَنَّ" مفتوحة. وإنْ لم يحسن مكانها وما عملت فيه اسم فهي "إنَّ" على الابتداء. ألا ترى إلى قوله ﴿ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ﴾ يقول: "اذْكُرُوا هذا" وقال ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ﴾ لانه يحسن في مكانه "لولا ذاكَ" وكل ما حسن فيه "ذاك" أنْ تجعله مكان "أنَّ" وما عملت فيه فهو "أَنَّ". واذا قلت ﴿يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ لم يحسن أَنْ تقول: "يَعْلَم لَذالِكَ". فان قلت: "اِطْرح اللام أَيضاً وقل "يُعْلَمُ ذَاكَ" فاللام ليست مما عملت فيه "إِنّ". واما قوله ﴿إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ﴾ فلم تنكسر هذه من اجل اللام [و] لو لم تكن فيها لكانت "إنَّ" أيْضاً لأَنَّهُ لا يحسن أَنْ تقول "ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إلاّ ذَاكَ" و"ذاكَ" هو القصة. قال الشاعر: [من المنسرح وهو الشاهد التاسع والثمانون]:
ما أَعْطيانِي وَلا سَألْتُهُما * إلاّ وإني لَحاجِزِي كَرَمي
فلو أُلْقِيَتْ من هذه اللامَ ايضاً لكانت "أَن". وقال ﴿ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ كأنه قال: "ذاكَ الأمْر" وهذا قوله ﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ تقع في مكانه "هذا". وقال ﴿ذٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ﴾ كأنه على جواب من قال: "ما الأَمْرُ"؟ أو نحو ذلك فيقول للذين يسألون: "ذلكم ..." كأنه قال: "ذلِكُمْ الأمرُ وأَنَّ اللّهَ موهنُ كيدِ الكافرين" فحسن أن يقول: "ذلكم" و"هذا". وتضمر الخبر او تجعله خبر مضمر. وقال ﴿إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ﴾ ﴿وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ﴾ لانه يجوز ان تقول: "إنَّ لَكَ ذاكَ" و"هذا" وهذه الثلاثة الأحرفُ يجوز فيها كسر "إِنَّ" على الابتداء. ﴿فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ . . أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ فيجوز أن تقول: "فنادته الملائكة بِذاكَ" وان شئت رفعته على الحكاية كأنه يقول: "فنادَتْهُ الملائكةُ فَقالَتْ: "إِنَّ اللّهُ يُبَشِّرُكَ" لأنَّ كُلَّ شيء بعدَ القولِ حكاية، تقول: "قُلْتُ: "عبدُ اللّهِ مُنْطَلِقٌ" وقلت: "إنَّ عبدَ اللّهِ زيداً مُنْطَلِقٌ" إلاَّ في لُغَةِ من أعمل القول من العرب كعمل الظن فذاك ينبغي [له] أنْ يفتح "أَنَّ". وقال ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ فيزعمون أنَّ هذا "ولأنَّ هذهِ أمَّتَكُم أُمَّةٌ واحدةٌ وَأَنَا رَبُّكُّمْ فَاتَّقُونِ" يقول: "فَاتَّقُون لأَنَّ هذِهِ أُمَّتَكُمْ" وهذا يحسن فيه كذاك، فان قلت: "كيف تلحق اللام ولم تكن في الكلام". فان طرح اللام واشباهها من حروف الجرّ من "أَنَّ" حسن ألا تراه يقول "أَشْهد أَنَّك صادِقٌ" وإنَّما هو "أشهد على ذلك". وقال ﴿وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً﴾ يقول: "فلا تدعوا مع الله أحدا لأَنَّ المساجدَ لله"، وفي هذا الاعراب ضعف، لانه عمل فيه ما بعده، أضافه اليه بحرف الجر. ولو قلت "أنّكَ صالِحٌ بَلَغَنِي" لم يجز، وان جاز في ذلك. لأنَّ حرف الجر لما تقدم ضميره قوي. وقد قرىء مكسورا. قال بعضهم: "إنَّما هذا على ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ﴾ و"أُوحِيَ إليََّ أَنَّ المَساجِدَ لِلّهِ" و"أُوْحِي إليَّ أَنهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللّهِ". وقد قرىء ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا﴾ ففتح كل "أَنْ" يجوز فيه على الوحي.
وقال بعضهم ﴿وَإِنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ فكسروها من قول الجن. فلما صار بعد القول صار حكاية وكذاك ما بعده مما هو من كلام الجن.
وأما "إنَّما" فاذا حسن مكانها "أَنَّ" فتحتها، واذا لم تحسن كَسَرْتَها. قال ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾ فالاخرة يحسن مكانها "أَنَّ" فتقول: "يُوحى إليَّ أَنَّ إلهَكُم إلهٌ واحد" قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد التسعون]:
أرانِي - وَلا كُفْرانَ لِلّهِ - إنَّما * أُواخِي من الأقْوامِ كُلَّ بَخِيلِ
لأنَّهُ لا يَحْسُنُ ها هُنا "أَنَّ" [فـ] لو قلت: "أَراني أنما أواخي من الأقْوام" لم يحسن. وقال: [من الخفيف وهو الشاهد الحادي والتسعون]:
أَبْلِغ الحارثَ بنَ ظالِمِ المُو * عِدِ والناذِرَ النُّذُورَ عَلَيّا
أَنَّما تَقْتُلُ النِّيامَ، وَلا تَقْـ * ـتُلُ يَقْظانَ ذا سِلاحٍ كَمِيّا
فحسن أن تقول: "أَنَّكَ تَقْتُلُ النِّيام". وأَمَّا قوله عز وجل ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾ فالآخرةُ بَدَلٌ من الأُولى.
وَأمّا "إنْ" الخفيفة فتكون في معنى "ما" كقول الله عز وجل ﴿إِنِ ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ أيْ: ما الكافرون. وقال ﴿إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ﴾ أيْ: ما كان للرحمن ولد ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾ مِنْ هذهِ الامةِ للرَّحْمن، بِنَفْيِ الوَلَدِ عَنْهُ.
أَي: أَنا أَوَّلُ العابِدِينَ بأَنَّهُ ليْسَ للرحمن وَلَد. وقال بعضُهُمُ ﴿فَأَنا أَوَّلُ العَبِدِين﴾ يقول: "أَنا أَوَّلُ مَنْ يَغْضَبُ من ادّعائِكُمْ لِلّهِ وَلدا".
ويقول: "عَبِدَ" "يَعْبَدُ" "عَبَدا" أي: غَضِبَ. وقال ﴿وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ فهي مكسورة ابدا اذا كانت في معنى "ما" وكذلك ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ فـ"إنْ" بمنزلة "ما"، و"ما" التي قبلها بمنزلة "الذي". ويكون للمجازاة نحو قوله ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ ﴾. وتزاد "إنْ" مَع "ما"، يقولون: "ما إنْ كانَ كَذا وَكَذا" أي: "ما كانَ كَذَا وَكَذا"، و: "ما إنْ هذا زَيْدٌ". ولكنها تغير "ما" "فلا يُنْصَبُ بِهَا الخبر. وقال الشاعر: من الوافر وهو الشاهد الثاني والتسعون]:
وما إنْ طِبْنا جُبْنٌ وَلَكِنْ * مَنايانا وَطُعْمَةُ آخَرِينا
وتكون خفيفة في معنى الثقيلة وهي مكسورة ولا تكون إلاَّ وفي خبرها اللام، يقولون: "إنْ زَيْدٌ لَمنطلِقٌ" ولا يقولونه بغير لام مخافة ان تلتبس بالتي معناها "ما". وقد زعموا ان بعضهم يقول: "إنْ زيداً لمَنطَلِقٌ" يعملها على المعنى وهي مثل ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ يقرأ بالنصب والرفع و "ما" زيادة للتوكيد، واللام زيادة للتوكيد وهي التي في قوله ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾ ولكنها انما وقعت على الفعل حين خففت كما تقع "لكنْ" على الفعل إذا خففت. ألا ترى أنك تقول: "لكن قد قال ذاك زيد". ولم يُعَرُّوها من اللام في قوله ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾ وعلى هذه اللغة فيما نرى - والله أعلم - ﴿إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ وقد شددها قوم فقالوا ﴿إنّ هذانِ﴾ وهذا لا يكاد يعرف إلا أنهم يزعمون أن بلحارث بن كعب يجعلون الياء في أشباه هذا ألفا فيقولون: "رأيت أخواك" و"رأيت الرجلان" وأوضعته علاه" و"ذهبت إلاهُ" فزعموا أنه على هذه اللغة بالتثقيل تقرأ. وزعم أبو زيد أنه سمع أعرابياً فصيحا من بلحارث يقول: "ضَرَبْتُ يَداهُ" و"وضعته علاه" يريد: يدَيْه وَعَلَيهِ. وقال بعضهم ﴿إنَّ هذَيْنِ لَساحِران﴾ وذلك خلاف الكتاب. قال الشاعر: [من الرجز وهو الشاهد الثالث والتسعون]:
طاروا عليهن فَشُلٌ عَلاها * واشْدُدُ بمثْنى حَقبٍ حَقْواها
ناجَيَةً وناجِياً أَباها.
وأَمَّا "أَنْ" الخفيفة فتكون زائدةً مع "فَلمَّا" و"لَمّا" قال ﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ﴾ وانما هي "فَلَمَّا جاء البَشِير" وقال ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا﴾ يقول "ولَمّا جَاءَتْ" وتزاد أيضاً مع "لَوْ" يقولون: "أَنْ لَوْ جِئْتني كانَ خيراً لك" يقول "لَوْ جِئْتَني". وتكون في معنى "أَي" قال ﴿وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ﴾ يقول "أيْ امشوا". وتكون خفيفة في معنى الثقيلة في مثل قوله ﴿أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ﴾ و﴿أَنَّ لَعْنَةَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ﴾ على قولك "أَنْهُ لَعْنَةُ اللّهِ". و "أَنْهُ الحَمْدُ لِلّهِ". وهذه بمنزلة قوله* ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾ [و] ﴿وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ولكن هذه اذا خففت وهي الى جنب الفعل لم يحسن الا ان معها "لا" حتى تكون عوضا من ذهاب التثقيل والاضمار. ولا تعوض "لا" في قوله ﴿أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ﴾ لانها لا تكون، وهي خفيفة، عاملة في الاسم. وعوّضتها "لا" اذا كانت مع الفعل لانهم أرادوا ان يبيّنوا أنها لا تعمل في هذا المكان وأنها ثقيلة في المعنى. وتكون "أنْ" الخفيفة تعمل في الفعل وتكون هي والفعل اسما للمصدر، نحو قوله ﴿عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ انما هي "عَلى تسويةِ بِنَانِهِ".
البقرة 2:78
باب من الاستثناء.
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ منصوبة لانه مستثنى ليس من أول الكلام، وهذا الذي يجيء في معنى "لكن" خارجا من أول الكلام انما يريد "لكنْ أمانيَّ" و"لكِنَّهُم يَتَمَنَّونَ". وانما فسرناه بـ"لكن" لنبين خروجه من الاول. الا ترى أنك اذا ذكرت "لكن" وجدت الكلام منقطعاً من أوله، ومثل ذلك في القرآن كثير [منه قوله عز وجل] ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾ ﴿إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ﴾ وقال ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ﴾ وقال ﴿فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ يقول: "فَهَلاّ كانَ منهُمْ مَنْ يَنْهى" ثم قال: "ولكنْ قَليلاً مِنْهُمْ مَنْ يَنْهى" ثم قال "ولكنْ* قَليلٌ مِنْهُمْ قَدْ نَهَوْا" فلما جاء مستثنى خارجاً من الاول انتصب. ومثله ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ يقول "فُهَلاّ" كانت ثم قال: "ولكنّ* قومَ يونسَ" فـ"إلا" تجيء في معنى "لكنّ"*. واذا عرفت انها في معنى "لكنّ" فينبغي أن تعرف خروجها من أوله. وقد يكون ﴿إِلاَّ قَوْمُ يُونُسَ﴾ رفعا، تجعل "إلاّ" وما بعده في موضع صفة بمنزلة "غير" كأنه قال: "فهلا كانَتْ قريةٌ آمنتْ غيرُ قريةِ قومِ يونس" ومثلها ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ فقوله ﴿إِلاَّ ٱللَّهُ﴾ صفة [و] لولا ذلك لانتصب لأنه مستثنى مقدم يجوز القاؤه من الكلام. وكل مستثنى مقدم يجوز القاؤه من الكلام نصب، وهذا قد يجوز القاؤه [فـ] لو قلت "لو كانَ فِيهِما آلِهَةٌ لَفَسدَتا" جاز، فقد يجوز فيه النصب ويكون مثل قوله "ما مَرَّ بي أحَدٌ إلاَّ زيداً مثلُكَ". قال الشاعر فيما هو صفة: [من الطويل وهو الشاهد الرابع والتسعون]:
أُنِيخَتْ فألقتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ * قَليلٌ بها الأَصْواتُ إلاَّ بُغامُها
وقال: [من الوافر وهو الشاهد الخامس والستعون]:
وَكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أَخُوه * لَعَمْرُ إِبيكَ إلا الفَرْقَدانِ
ومثل المنصوب الذي في معنى "لكنْ" قول الله عز وجل ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ﴾ ﴿إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا﴾ وهو في الشعر كثير وفي الكلام. قال الفرزدق: [من الطويل وهو الشاهد السادس والتسعون]:
وما سَجَنُوني غيرَ أَني ابْنُ غالِبِ * وأَني من الأَثرَينَ غَيْرَ الزَعانِفِ
يقول: "ولكنَّني"، وهو مثل قولهم: "ما فيها أحدٌ إلا حماراً" لما كان ليس من أول الكلام جعل على معنى "لكنَّ" ومثله: [من الخفيف وهو الشاهد السابع والتسعون]:
ليسَ بَيْنِي وبينَ قيسٍ عِتابَ * غيرَ طَعْنِ الكُلا وَضَرْبِ الرِقابِ
وقوله: [من الطويل وهو الشاهد الثامن والتسعون]:
حَلَفْتُ يميناً غَير ذِي مَثْنَوِيَّةٍ * وَلا عِلْمَ إلاَّ حُسْنَ ظَنٍّ بِغَايِبِ
وبصاحب.
باب الجمع.
وأمّا تَثْقِيلُ ﴿ٱلأَمَانِيُّ﴾ فلأن واحدها "أُمْنِيَّة" مُثْقَّل. وكلُّ ما كان واحده مثقلا مثل: "بُخْتِيَّة" و"بَخاتِيّ" فهو مُثَقَّل. وقد قرأ بعضهم ﴿إلاّ أَمانِي﴾ فخفف وذلك جائز لان الجمع على غير واحده وينقص منه ويزاد فيه. فأما "الأَثافِي" فكُلُّهُم يخفّفها وواحدها "أُثِفيَّة" مثقّلة وانما خففوها لانهم يستعملونها في الكلام والشعر كثيرا، وتثقيلها في القياس جائز. ومثل تخفيف "الأمانِي" قولهم: "مِفْتاح" و"مَفاتِح" وفي "مِعْطاء" "مَعاطٍ" قال الأخفش: "قد سمعت بلعنبر تقول: "صحارِيَ" و"مَعاطِيّ" فتثقل.
وقوله ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ اي: فَماَّ هُمْ إلاّ يَظُنُّونَ".
البقرة 2:79
﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ ﴾ يرفع "الويلُ" لانه اسم مبتدأ جعل ما بعده خبره. وكذلك "الوَيْحُ و"الوَيْلُ" و"الوَيْسُ" إذا كانت بعدهنّ هذه اللام ترفعهن. واما "التَعْسُ" و"البُعْدُ" وما أشبههما فهو نصب أبدا، وذلك أَنّ كل ما كان من هذا النحو تحسن أضافته بغير لام فهو رفع باللام ونصب بغير لام نحو ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ و"وَيْلٌ لِزَيْدٍ" ولو ألقيت اللام قلت: "ويلَ زيدٍ" و"ويحَ زيدٍ" و"ويسَ زيدٍ"، فقد حسنت إضافته بغير لام فلذلك رفعته باللام مثل ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾. وأما قوله ﴿أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ﴾ و﴿أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ﴾ و﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ﴾ فَهذا لا تَحسن إضافتَهُ بغير لام. ولو قلت: "تَعْسَهُم" أو "بُعْدَهُم" لم يحسن. وانتصاب هذا كله بالفعل، كأنك قلت: "أَتْعَسَهُم اللّهُ تَعْساً" "وأَبْعَدَهُم اللّهُ بُعدا". واذا قلت "ويْلَ زيدٍ" فكأنك قلت "ألْزَمَهُ اللّهُ الوَيْلَ". وأما رفعك اياه باللام فانما كان لانك جعلت ذلك واقعا واجبا لهم في الاستحقاق. ورفعه على الابتداء، وما بعده مبني عليه، وقد ينصبه قوم على ضمير الفعل وهو قياس حسن، فيقولون: "وَيْلاً لزيد" و"وَيْحاً لِزيد". قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد التاسع والتسعون]:
كَسَا اللُؤْمُ تَيْماً خُضْرَةً في جُلُودها * فَوَيْلاً لِتَيْمٍ من سرابيلها الخُضْرِ
قال الاخفش: "حدثني عيسى بن عمر أنه سمع الاعراب ينشدونه هكذا بالنصب، ومنهم من يرفع ما ينصب في هذا الباب. قال أبو زُبَيدَ: [من الطويل وهو الشاهد المئة]:
أَغارَ وأَقْوى ذات يومٍ وخَيْبَةٌ * لأوَّلِ مَنْ يَلْقى غيٌ مُيَسَّرُ
باب اللام.
وقوله ﴿لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ فهذه اللام إذا كانت في معنى "كَيْ" كان ما بعدها نصبا على ضمير "أَنْ"، وكذلك المنتصب بـ"كيْ" هو أيضاً على ضمير "أَنْ" كأنه يقول: "الاشتراءِ"، فـ"يَشتَرُوا" لا يكون اسما الا بـ"أنْ"، فـ"أَنْ" مضمرة وهي الناصبة وهي في موضع جر باللام. وكذلك ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً﴾ "أَنْ" مضمرة وقد جرتها "كيْ" وقالوا: "كَيْمَهْ" فـ"مَهْ" اسم لانه "ما" التي في الاستفهام وأضافَ "كَيْ" اليها. وقد تكون "كَيْ" بمنزلة "أَنْ" هي الناصبة وذلك قوله ﴿لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ﴾ فاوقع عليها اللام. ولو لم تكن "كَيْ" وما بعدها اسما لم تقع عليها اللام وكذلك ما انتصب بعد "حتّى" إنَّما انْتَصَبَ بضمرِ "أَنْ" قال ﴿حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ﴾ و﴿حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ إنَّما هو "حتَّى أَنْ يَأْتِيَ " و"حَتّى أَنْ تَتَّبعَ"، وكذلك جميع ما في القرآن من "حتّى". وكذلك ﴿وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ﴾ اي: "حتّى أَنْ يقولَ" لأنّ "حتّى" في معنى "إلىّ"، تقول "أَقَمْنا حتّى الليلِ" أيْ: "إلى اللَّيْلِ". فإن قيل: إظهارُ "أَنْ" ها هنا قبيح قلتُ: "قد تُضمر أشياءُ يقبحُ إظهارها إذا كانوا يستغنون عنها". ألا ترى أَنَّ قولك: "إنْ زيداً ضربْتَهُ" منتصب بفعل مضمر لو اظهرته لم يحسن. وقد قرئت هذه الآية ﴿وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ﴾يريد: "حتّى الرَّسُولُ قائلٌ"، جعل ما بعد "حتّى" مبتدأَ. وقد يكون ذلك نحو قولك: "سِرْتُ حتّى أدْخُلُها" إذا أردت: "سرت فإذا أَنَا داخِلٌ فيها" و"سِرْتُ أمسِ حتّى أَدْخُلُها اليومَ" أيْ: حتّى "أَنَا اليومَ أَدْخُلْها فَلا أُمْنَعْ". واذا كان غاية للسير نصبته. وكذلك ما لم يجب مما يقع عليه "حتّى" نحو ﴿لاۤ أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُباً﴾. واما ﴿وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ﴾ فنصب بـ"لَنْ" كما نصب بـ"أنْ" وقال بعضهم: إنما هي "أَنْ" جُعِلَتْ "لا" كأنه يريد "لا أَنْ يُخْلِفَ اللّهُ وَعْدَهُ" فلما كثرت في الكلام حذفت، وهذا قول، وكذلك جميعُ "لَنْ" في القرآن. وينبغي لمَنْ قال ذلك القول أن يرفع "أزيدٌ لَنْ تَضْرِبُ" لأنَّه في معنى "أزيدُ لا ضَرْبَ لَه". وكذلك ما نصب بـ"إذَنْ" تقول: "إذَنْ آتيَكَ" تنصب بها كما تنصب بـ"أَنْ" وبـ"لَنْ" فاذا كان قبلها الفاء أوْ الواو رفعت نحو قول الله عز وجل ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ وقال ﴿فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً﴾ وقد يكون هذا نصبا أيضاً عنده على اعمال "إذَنْ". وزعموا أنَّهُ في بعض القراءة منصوب وإنَّما رفع لأنَّ معتمد الفعل صار على الفاء والواو ولم يحمل على "إذَنْ"، فكأنه قال: "فَلا يُؤتُونَ الناسَ إذاً نَقِيرا" [و] "ولا تُمَتَّعُونَ إذَنْ" وقوله ﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أنْ لا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ﴾ [و] ﴿وَحَسِبُوۤاْ أنْ لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ و ﴿أنْ لا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾ فارتفع الفعل بعد "أنْ لا" لأنَّ ["أنْ"] هذه مثقّلة في المعنى، ولكنها خففت وجعل الاسم فيها مضمرا، والدليل على ذلك أنّ الاسم يحسن فيها والتثقيل. ألا ترى أنَّكَ تقول "أَفَلا يَرَوْنَ أنَّه لا يرجعُ إليهِمْ"، وتقول: "أَنَّهُمْ لا يَقْدِرونَ على شَيْء" [و] "أَنَّهُ لا تَكونُ فتنة". وقال ﴿آيَتكَ أنْ لا تُكَلِّمَ الناسَ﴾ نصب لأن هذا ليس في معنى المثقّل، انما هو ﴿آيَتُكَ أنْ لا تُكَلِّمَ﴾ كما تقول: ﴿آيتُكَ أَنْ تُكَلِّمَ﴾ وأدخلت ﴿لا﴾ للمعنى الذي أريد من النفي. ولو رفعت هذا جاز على معنى آيتك أنك لا تكلم، ولو نصب الآخر جاز على أن تجعلها "أنْ" الخفيفة التي تعمل في الأفعال. ومثل ذلك ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ وقال ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ وقال ﴿إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ﴾ وتقول: "عَلِمْت أَنْ لا تُكَرِّمُني" و"حسِبْتُ أَنْ لا تُكْرِمُنِي". فهذا مثل ما ذكرت لك. فانما صار "عَلِمْتُ" و"اسْتَيْقَنْتُ" ما بعده رفع لأنه واجب. فلما كان واجبا لم يحسن أن يكون بعده "أنْ" التي تعمل في الأفعال، لأن تلك إنما تكون في غير الواجب، الا ترى أنك تقول "أُريدُ أَنْ تَأْتِيَني" فلا يكون هذا الا لأمر لم يقع، وارتفع ما بعد الظن وما أشبهه لأنه مشاكل للعلم لأنه يعلم بعض الشيء اذا كان يظنه. وأما "خَشِيتُ أنْ لا تُكْرِمَني" فهذا لم يقع. ففي مثل هذا تعمل ان الخفيفة ولو رفعته على أمر قد استقر عندك وعرفته كأنك جريته فكان لا يكرمك فقلت: "خَشِيتُ أنْ لا تُكْرِمُني" أي: خشيتُ أَنَّكَ لا تُكْرِمُني جاز.
وزعم يونس أن ناسا من العرب يفتحون اللام التي في مكان "كَيْ" وانشدوا هذا البيت فزعم انه سمعه مفتوحا: [من الوافر وهو الشاهد الحادي بعد المئة]:
يُؤامِرُني رَبيعَةُ كُلَّ يَومٍ * لأُهْلِكَهُ وأَقْتِنيَ الدَّجاجا
وزعم خلف أنها لغة لبني العنبر وانه سمع رجلا ينشد هذا البيت منهم مفتوحا: [من الطويل وهو الشاهد الثاني بعد المئة]:
فقُلْتُ لكَلْبِيَّيْ قُضاعَةَ إنَّما * تَخَبَّرْ تُماني أهْلَ فَلْجٍ لأَمْنَعا
يريد "مِنْ أهلِ فَلْجٍ". وقد سمعت أنا ذلك من العرب، وذلك أن اصل اللام الفتح وانما كسرت في الاضافة ليفرق بينها وبين لام الابتداء. وزعم أبو عبيدة انه سمع لام "لعلَّ" مفتوحة في لغةِ من يجرّبها ما بعدها في قول الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الثالث بعد المئة]:
لِعَلَّ اللّهِ يُمْكِنُنِي عَلَيْها * جِهاراً من زُهَيْرٍ أَوْ أَسِيدِ
يريد "لِعَلَّ عبدِ اللّهِ" فهذه اللام مكسورة لأنها لام اضافة. وقد زعم انه قد سمعها مفتوحة فهي مثل لام "كَيْ". وقد سمعنا من العرب من يرفع بعد "كيما" وأنشد: [من الطويل وهو الشاهد الرابع بعد المئة]:
إذا أَنْتَ لم تَنْفَعْ فَضُرَّ فإنَّما * يُرَجّى الفَتَى كيما يَضُرُّ وَيَنْفَعُ
فهذا جعل "ما" اسما وجعل "يَضَرُّ" و"يَنْفَعُ" من صلته جعله اسما للفعل وأوقع "كَيْ" عليه وجعل "كَيْ" بمنزلة اللام. وقوله ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ وقوله ﴿أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فيشبه ان تكون الفاء زائدة كزيادة "ما" ويكون الذي بعد الفاء بدلا من "أن" التي قبلها. وأجوده أن تكسر "إن" وأَن تجعل الفاء جواب المجازاة. وزعموا أنه يقولون "أَخُوكَ فوُجِد" "بل أخوك فَجُهِدَ" يريدون "أخوك وُجِدَ" و"بل أخوك جُهِدَ" فيزيدون الفاء. وقد فسر الحسن ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ على حذف الواو. وقال: "معناها: قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها"، فالواو في هذا زائدة. قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد الخامس بعد المئة]:
فإذا وَذَلِكَ يا كُبَيْشَةُ لَمْ يَكُنْ * إلاَّ كَلَمَّةِ حالِمٍ بِخَيالِ
وقال: "من الكامل وهو الشاهد السادس بعد المئة]:
فإذا وذلكَ ليسَ إلاّ حينُه * واذا مَضَى شَيْءٌ كأَنْ لَمْ يُفْعَلِ
كأنه زاد الواو وجعل خبره مضمرا، ونحو هذا مما خبره مضمر كثير.
البقرة 2:83
قوله ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ﴾.
وقوله ﴿وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ فجعله أَمْراً كأنّه يقول: "وإحساناً بالوالدينِ" أي: "أَحْسِنُوا إحْسانا".
وقال ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ فهو على أحد وجهين إمّا أَنْ يكون يراد بـ"الحُسْنِ" "الحَسَنَ" كما تقول: "البُخْل" و"البَخلَ"، وإمّا أنْ يكونَ جعل "الحُسْنَ" هو "الحَسَنَ" في التشبيه كما تقول: "إنَّما أَنْتَ أَكلٌ وشُرْبٌ". قال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الثامن بعد المئة]:
وَخَيْلٍ قدْ دَلَفْتٌ لَها بِخَيْلٍ * تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعٌ
"دَلَفْتُ": "قَصَدْتُ" فجعل التحية ضربا. وهذه الكلمة في الكلام ليست بكثيرة وقد جاءت في القرآن.وقد قرأها بعضهم ﴿حَسَنا﴾ يريد "قولوا لهم حَسَناً" وقال بعضهم ﴿قولوا للناسِ حُسْنى﴾ يؤنثها ولم ينّونها، وهذا لا يكاد يكون لا "الحُسْنى" لا يتكلم بها الا بالالف واللام، كما لا يتلكم بتذكيرها الا بالالف واللام [فـ] لو قلت: "جاءَني أَحْسَنُ وأَطْوَلُ" لم يَحْسُن حتّى تقول: "جاءَني الأَحْسَنُ والأَطْوَلُ" فكذلك هذا يقول: "جاءَتْنِي الحُسْنى والطُولى". إلاّ أَنهم قد جعلوا أِشياء من هذا أسماء نحو "دُنْيا" و "أُوْلَى". قال الراجز: [وهو الشاهد التاسع بعد المئة]:
* في سَعْيِ دُنْيا طالَ ما قَدْ مَدَّتِ *ِ
ويقولون: "هي خَيْرَةُ النِساءِ" ["هنّ خَيْراتُ النِّساء"] لا يكادون يفردونه وافراده جائز. وفي كتاب الله عز وجل ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ وذلك انه لم يرد "أَفْعَلَ" وانما اراد تأنيث الخير لأنه لما وصف فقال: "فلانٌ خَيْرٌ" أشبه الصفات فأدخل الهاء للمؤنث.
وأما قوله ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ ثم قال ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ ثم قال ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ﴾ فلأنه خاطبهم من بعدما حدث عنهم وذا في الكلام والشعر كثير. قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد العاشر بعد المئة]:
أسيئي بِنا أوّ أَحْسِنِي لا مَلُومَةٌ * لَدَيْنا وَلا مَقْليةٌ إِنْ تَقَلَّبِ
وانما يريدون "تَقَلَّيْتِ". وقال الآخر: [من الكامل وهوالشاهد الحادي عشر بعد المئة]:
شَطَّتْ مُزارَ العاشِقينَ فأصبحَتْ * عَسِراً عَلَيَّ طِلابُكِ ابْنَةٌ مَخْرَمِ
إنَّما أراد "فأصبحت ابنَةُ مخرَمٍ عسراً على طلابُها". وجاز ان يجعل الكلام كأنه خاطبها لانه حين قال: "شَطَّتْ مَزارَ العاشِقين" كأنه قال: "شَطَطْتِ مزار العاشِقين" لأنه إيّاها يريدُ بهذا الكلام. ومثله مما يخرج من أوله قوله: [من الرجز وهو الشاهد الثاني عشر بعد المئة]:
* إنَّ تَميماً خُلِقَتْ مَلْمُوما *
فأراد القبيلة بقوله: "خُلِقَتْ" ثم قال "مَلْمُوما" على الحي أو الرجل، ولذلك قال:
* مثلَ الصَّفا لا تَشْتَكِي الكُلُوما *
ثم قال:
* قَوماً تَرَى واحدَهُم صِهْمِيما *
فجاء بالجماعة لانه اراد القبيلة او الحي ثم قال:
* لا راحِمَ الناسِ ولا مُرْحُوما *
وقال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الثالث عشر بعد المئة]:
أقولُ لَهُ والرمحُ يأطِرُمَتْنَهُ * تأَمَّل خُفافاً إِنَّنِي أَنَاذلِكا
و "تَبَيَّنْ خْفافاً"، يريد: "أَنَا هُوَ". وفي كتاب الله عز وجل ﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ فأخبر بلفظ الغائب وقد كان في المخاطبة لان ذلك يدل على المعنى. وقال الأسْودَ: [من البسيط وهو الشاهد الرابع عشر بعد المئة]:
وَجَفْنَةٍ كإِزاءِ الحَوْضُ مُتْرَعَةٍ * ترى جَوانِبَها بِالشَّحْمِ مَفْتُونا
فيكون على انه حمله على المعنى أَي: ترى كلَّ جانبٍ منها، او جعل صفة الجميع واحدا كنحو ما جاء في الكلام. وقوله "مأطِرُ مَتْنَه" يثنى متنه. وكذلك ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ ثم قال ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لان الذي أخبر عنه هو الذي خاطب. قال رؤبة: [من الرجز وهو الشاهد الخامس عشر بعد المئة]:
الحَمْدُ لِلّهِ الاَعَزِّ الأَجْلَلِ * أَنْتَ مَلِيكُ الناسِ ربّاً فَاقْبَلِ
وقال زهير: [من الوافر وهو الشاهد السادس عشر بعد المئة]:
فإنّي لَوْ أُلاقِيكَ أجْتَهَدْنَا * وكانَ لِكُلِّ مُنْكَرَةٍ كِفاء
فأُبْرِىءَ مُوضَحاتِ الرأسِ مِنْهُ * وَقَدْ يَشْفِى من الجَرَبِ الهِناءُ
وقال الله تبارك وتعالى ﴿ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ فَذَكَّر بعد التأنيث كأنه أراد: هذا الامر الذي كنتم به تستعجلون. ومثله ﴿فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ﴾ فيكون هذا على: الذي أرى ربّي أي: هذا الشيء ربي. وهذا يشبه قول المفسرين ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ﴾ قال: إنَّما دخلت "إلى" لأن معنى "الرَفَث" و"الأفْضاء" واحد، فكأنه قال: "الافضاءُ إلى نِسائِكُمْ"، وانما يقال: "رَفْثَ بامرَأَتِه" ولا يقال: "إلى امرأته" وذا عندي كنحو ما يجوز من "الباء" في مكان "إلى" في [قوله تعالى: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ﴾ وانما هو "أحسن اليّ" فلم "إلى" ووضع "الباء" مكانها] وفي مكان "على" في قوله ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمَّاً بِغَمٍّ﴾ انما هو "غمّاً على غَمٍّ" [وقوله] ﴿وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ أي: "على قِنطارٍ" كما تقول: "مررتُ بِهِ" و"مررت عَلَيْهِ" كما قال الشاعر: - وأخبرني من أثق به أنه سمعه من العرب -: [من الوافر وهو الشاهد الرابع والعشرون]:
إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ * لَعَمْرُ اللّهِ أَعْجَبَنِي رِضاها
يريد: "عنى". وذا يشبه ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ﴾ لانك تقول: "خَلَوْتُ إلَيْهِ وصنعنا كذا وكذا" و"خَلَوْتُ به". وان شئت جعلتها في معنى قوله ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ أي: "معَ اللّهِ"، وكما قال ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ﴾ أي: "على القَوْمِ"
البقرة 2:84
[وقوله]* ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ﴾ فرفع هذا لانه كُلَّ ما كان من الفعل على "يَفْعَلُ هو" و"تَفْعَل أنت" و"أَفْعلٌ أَنا" و"نَفْعَلُ نَحن" " فهو أبداً مرفوع لا تعمل فيه الا الحروف التي ذكرت لك من حروف النصب او حروف الجزم والامر والنهي والمجازاة. وليس شيء من ذلك ها هنا وانما رفع لموقعه في موضع الأسماء. ومعنى هذا الكلام حكاية، كأنه قال: "اِسْتَحْلَفْناهُم لا يَعْبُدون" أي: قُلْنا لَهُم: "واللّهِ لا تُعْبَدوْنَ"، وذلك أنها تقرأ ﴿يَعْبُدون﴾ و﴿تَعْبُدون﴾. قال ﴿وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ ﴿لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ﴾ فإن شئت جعلت "لا يَسَّمَّعُون" مبتدأ وإنْ شئت قلت: هو في معنى "أنْ لا لا يَسَّمَّعُوا" فلما حذفت "أنْ" اِرتفع، كما تقول: "أَتَيْتُكَ تُعْطِيني وتُحْسِنُ إِلَيَّ وتَنْظُرُ في حاجتي" ومثله "مُرْهُ يُعطِيني" إنْ شئت جعلته على "فَهْوَ يُعطِيني" وإنْ شئت على "أَنْ يُعطِيني". فلما أَلْقَيْتَ "أَنْ" ارتفع. قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد السابع بعد المئة]:
ألا أَيُّهذا الزاجِرِي احضر الوغي * وأَنْ أَتْبَعَ اللَّذَّاتِ هَلْ انت مُخْلِدِي
فـ"أَحْضُرَ" في معنى" أَنْ أُحْضُرَ".
البقرة 2:85
قال ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ فجعلها من "تَتَظاهَرُونَ" وأدغم التاء في الظاء وبها نقرأ. وقد قرئت ﴿تَظاهَرون﴾ مخففة بحذف التاء الآخرِة لأَنَّها زائدة لغير معنى. وقال ﴿وَإِن يَأتُوكُمْ أَسْرىٰ﴾ وقرئت ﴿أُسَارَى﴾. وذلك لأن "أَسير" "فَعِيل" وهو يشبه "مَرِيضاً" لأنَّ به عيبا كما بالمريض، وهذا "فَعِيل" مثله. وقد قالوا في جماعة "المريض": "مَرْضى" وقالوا ﴿أُسارَى﴾ فجعلوها مثل "سكارَى" و"كُسالىَ"، لأنَّ جمع "فَعْلان" الذي به علة قد يشارك جمع "فَعِيل" وجمع "فَعِل" نحو: "حَبِطٌ" و"حَبْطى" و"حُباطَى" و"حَبِجٌ" و"حَبْجى" و"حُباجى". وقد قالوا ﴿أَسارى﴾ كما قالوا ﴿سَكَارَىٰ﴾.
وقال بعضهم ﴿تَفْدُوهم﴾ من "تَفْدِى" وبعضهم ﴿تُفادُوهم﴾ من "فادَى" يُفادِي" وبها نقرأ وكل ذلك صواب.
وقال ﴿فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ﴾، وقال ﴿مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ و﴿وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ﴾رفع، لأن كل ما لا تحسن فيه الباء من خبر "ما" فهو رفع، لأن "ما" لا تشبه في ذلك الموضع بالفعل، وانما تشبه بالفعل في الموضع الذي تحسن فيه الباء، لأنها حينئذ تكون في معنى "ليس" لا يشركها معها شيء. وذلك قول الله عز وجل ﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً﴾.، وتميم ترفعه، لانه ليس من لغتهم أن يشبهوا "ما" بالفعل.
وقال ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ﴾ وفي موضع آخر ﴿هَا أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ﴾ كبعض ما ذكرنا وهو كثير في كلام العرب. وردّد* التنبيه توكيدا. وتقول: "ها** أَنَا هذا" و"ها**" أَنْتَ هذا فتجعل "هدا" للذي يخاطب، وتقول: "هذا أنت". وقد جاء أشد من ذا. قال الله عز وجل ﴿مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ﴾ والعصبة هي تنوء بالمفاتيح. قال [وهو الشاهد السابع عشر بعد المئة من مجزوء الوافر]:
تَنُوءُ بِها فَتُثْقِلُها * عَجِيزَتُها......
يريد: "تَنوء بعجزيتها، اي: لا تقوم الا جهدا بعد جهد" قال الشاعر [من البسيط وهو الشاهد الثامن عشر بعد المئة]:
مِثْلُ القَنافِذِ هَدَّاجُونَ قَدْ بَلَغَت * نَجْرانَ أَوْ بَلَغَتْ سَوآتِهِم هَجَرُ
وهو يريد أن السؤات بلغت هَجَراً، و "هَجَرُ" رفعٌ لأنَّ القصيدةَ مرفوعة ومثلُ ذا قول الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد التاسع عشر بعد المئة]:
وَتَلْحَقُ خَيْلٌ لا هَوادَةَ بَينَها * وتَشْقى الرِّماحُ بالضَياطِرةُ الحُمْرِ
والضياطرةُ هم يشقونَ بالرماح. و"الضياطرةُ" هم العِظام وواحد هم "ضَيْطار" مثل "بَيْطار" ومثل قول الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد العشرون بعد المئة]:
لَقَدْ خِفْتُ حَتَّى ما تزَيدُ مَخافَتِي * عَلى وعِلٍ بِذِي الفَقارَةِ عاقِلِ
يريد: حتى ما تزيد مخافةُ وَعِلٍ على مخافتي.
البقرة 2:88
قال ﴿فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ وتفسيره: فقليلاً يؤمنون" و"ما" زائدة كما قال ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ يقول: "فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ" وقال ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ أي: لَحَقٌّ مثلَ أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ وزيادة "ما" في القرآن والكلام نحو ذا كثير. قال [من المنسرح وهو الشاهد الحادي والعشرون بعد المئة]:
لَوْ بَأَبانَيْنِ* جاءَ يَخْطِبُها * خُضِّبَ ما أَنْفُ خاطِبٍ بِدَمِ
أي: خُضِّبَ بِدَمٍ أنفُ خاطِبٍ.
البقرة 2:89
قال ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ فان قيل فأين جواب ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ﴾ قلت: "جوابه في القرآن كثير، [و] استغني عنه في هذا الموضع اذ عرف معناه. كذلك جميع الكلام إذا طال تجيء فيه أشياء ليس لها أجوبة في ذلك الموضع ويكون المعنى مستغنى به ** نحو قول الله عز وجل ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً﴾ فيذكرون [ان] تفسيره: "لَوْ سُيِّرَتْ الجِبالُ بقرآنٍ غيرِ هذا لَكَانَ هذا القرآنُ سَتُسَيَّر بِهِ الجِبالُ" فاستُغْنِيَ عن اللَّفْظِ بالجَوابِ إذْ عُرِفَ المَعْنى. وقال ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ ولم يجيء لـ"تحسَبَنَّ" الاول بجواب وتُرِكَ للاستغناءِ بما في القرآن من الأجوبة. وقال ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ معناه "لا يَحَسَبُنَّهُ خَيْراً لَهُمْ" وحذف ذلك الكلام وكان فيما بقي دليل على المعنى. ومثله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ثم قال ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ﴾ من قبل أن يجيء بقوله "فَعَلُوا كَذا وَكَذا" لان ذلك في القرآن كثير، استغني به. وكان في قوله ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ دليل على أَنَّهُمْ أعرَضُوا فاستغني بهذا وكذلك جميع ما جاز فيه نحو هذا. وقال ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً﴾ وقال ﴿لِيُتَبَرِّواْ﴾ على معنى: "خَلَّيْناهُمْ وإيّاكُمْ لَمْ نَمْنَعْكُمْ مِنْهُم بِذُنُوبِكُم". وقال ﴿لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ ولم يذكر أنه خلاهم واياهم على وجه الترك في حال الابتلاء بما أَسْلفوا ثم لم يمنعهم من أعدائهم أن يسلطوا عليهم بظلمهم. وقال ﴿وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ﴾ فليس لهذا جواب. وقال ﴿وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ﴾ فجواب هذا انما هو في المعنى، وهذا كثير. وسنفسر كل ما مررنا به إن شاء الله. وزعموا ان هذا البيت ليس له جواب: [من الطويل وهو الشاهد الثاني والعشرون بعد المئة]:
وَدَوِّيَّةٍ قَفْرٍ تَمَشّى نَعامُها * كَمَشْيِ النَّصارى في خِفافِ الأَرَنْدَجِ
يريد: "ورُبَّ دَوِّيَّةٍ" ثم لم يأت له بجواب. وقال: [من البسيط وهو الشاهد الثالث والعشرون بعد المئة]:
حتَى إذا أسْلَكُوهُ في قُتائِدَةٍ * شَلاًّ كَما تَطْرُدُ الجَمالَةُ الشرُدُا
فهذا ليس له جواب الا في المعنى. وزعم بعضُهم أنَّ هذا البيت: [من الكامل وهو الشاهد الخامس بعد المئة]:
فإذا وذلِكَ يا كُبَيْشَةُ لَمْ يكنْ * إلاّ كَلَمَّةِ حالِمٍ بِخِيالِ
قالوا: الواو فيه ليست بزائدة ولكن الخبر مضمر.
البقرة 2:90
قال ﴿بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ ٱللَّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فـ﴿ما﴾ وحدها اسم، و﴿أَن يَكْفُرُواْ﴾ تفسير له نحو: "نِعْمَ رَجُلاً زَيْدٌ" و ﴿أَنْ يُنَزِّل﴾بَدَلٌ من ﴿بِمَآ أنَزَلَ ٱللَّهُ﴾.
البقرة 2:91
قال ﴿وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ﴾ فنصب ﴿مُصَدِّقاً﴾ لأنه خبر معرفة. و﴿تَقْتُلُونَ﴾ في معنى "قَتَلْتُم". كما قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد الرابع والعشرون بعد المئة]:
وَلَقَدْ أمرُّ على اللَّئِيمِ يَسُبُّني * فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلتُ لا يَعْنِيني
يريد: "لقد مَرَرْتُ" بقوله "أَمُرُّ".
البقرة 2:96
قوله ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ﴾ فهو نحو "ما زَيْدٌ بِمُزَحْزِحِهِ أنْ يُعَمَّرَ" و"ما زَيْدٌ بِضارِّهِ أَنْ يقُومَ" [فـ"أنْ يُعَمَّرَ"] في موضع رفع وقد حسنت الباء كما تقول: "ما عبدُ الله بملازِمِهِ زَيْدٌ".
البقرة 2:97
قوله ﴿مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ﴾ ومن العرب من يقول ﴿لِجِبرئِيلَ﴾ فيهمزون ولا يهمزون، وكذلك ﴿إسرائيل﴾ منهم من يهمز ومنهم من لا يهمز، ويقولون ﴿مِيكائِيل﴾ فيهمزون ولا يهمزون ويقولون ﴿مِيكال﴾ كما قالوا ﴿جِبْرِيل﴾. وقال بعضهم ﴿جبرعَل﴾ ولا أعلم [وجهه] الا أني قد سَمِعت ﴿إِسرائِل﴾ وقال بعضهم ﴿إسْرِييلِ﴾ فأمال الراء. قال أبو الحسن: "في" "جبريل" "ست لغات: جَبْراييل وجَبْرَئيل وجَبْرئِلْ
جَبْراعيل جَبْرَعِيل جَبرعل
وجَبْريل وجِبريلَ
فَعليل فِعليل
وجَبْرائِل.
جبراعل.
البقرة 2:98
قال ﴿مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ فأظهر الاسم وقد ذكره في أوَّل الكلام. قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد الخامس والعشرون بعد المئة]:
ليتَ الغُرابَ غَداةَ يَنْعَبُ دَائِباً * كانَ الغُرابُ مُقَطَّعَ الأوْداجِ
البقرة 2:100
قال ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً﴾ فهذه واو تجعل مع حرف الاستفهام وهي مثل الفاء التي في قوله ﴿أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمْ﴾ فهذا في القرآن والكلام كثير، وهما زائدتان في هذا الوجه. وهي مثل الفاء التي في قولك: "أَفَا الله لَتَصْنَعَنَّ كَذَا وكَذا" وقولك للرجل: "أَفَلا تَقُوم". وان شئت جعلت الفاء والواو ها هنا حرف عطف.
البقرة 2:102
قوله ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ معطوفان على ﴿ٱلْمَلَكَيْنِ﴾، او بدل منهما، ولكنهما أعجميان فلا ينصرفان وموضعهما جر. و﴿ بابلَ﴾ لم ينصرف لتأنيثه، وذلك أن اسم كل مؤنث على حرفين أو ثلاثة أحرف أوسطها ساكن فهو ينصرف، وما كان سوى ذلك من المؤنث فهو لا ينصرف ما دام اسما للمؤنث.
وقال ﴿حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ فليس قوله ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ جوابا لقوله ﴿فَلاَ تَكْفُرْ﴾، إنما هو مبتدأ ثم عطف عليه فقال ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ﴾. وقال ﴿يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما زوج، فالمرأة زوج والرجل زوج. قال ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وقال ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ﴾. وقد يقال أيضاً "هُما زَوْجٌ" للاثنين كما تقول: "هُما سَواءٌ" و: "هُما سِيّانِ". [والزَوْج أيضاً: النَمَطُ يُطْرَحُ على الهَوْدَجَ]. قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد السادس والعشرون بعد المئة]:
مِنْ كُلِّ مَحْفُوفٍ يظُلُّ غِصيَّةُ * زَوْجٌ عَلَيهِ كِلَّةٌ وَقِرامُها
وقد قالوا: "الزَوْجَة". قال الشاعر: [من البسيط وهو الشاهد السابع والعشرون بعد المئة]:
زَوْجَةُ أَشْمَطَ مَرْهُوبٍ بَوادِرُهُ * قَدْ صارَ في رَأْسِهِ التَخْويصُ والنزَعُ
وقال ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ﴾ فهذه لامُ الابتداء تدخل بعد العلم وما أشبهه ويبتدأ بعدها، تقول: "لَقَدْ علمت لَزَيدٌ خيرٌ منك" قال ﴿لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ ﴾ وقال ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا﴾.
وقال* ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ﴾ ثم قال ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ يعني بالاولين الشياطين لأنهم قد علموا ﴿ولَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ يعني الانس. وكان في قوله ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ دليل على "أُثِيبُوا" فاستغني به عن الجواب .
البقرة 2:103
قال ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ وٱتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌ﴾ فليس لقوله ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ وٱتَّقَوْا﴾ جواب في اللفظ ولكنه في المعنى يريد لَأُثِيبُوا" فقوله ﴿لَمَثَوبَةٌ﴾ يدل على "لَأُثِيبُوا" فاستُغْنِيَ به عن الجواب. وقوله ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ هذه اللام للابتداء كما فسرت لك.
البقرة 2:105
قال ﴿مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ أي: "ولا مِنَ المُشْرِكِين" لا يَوَدُّونَ ﴿أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾.
البقرة 2:106
قال ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ وقال بعضهم ﴿نَنْسَأْها﴾ أي نُؤَخِّرْها، وهو مثل ﴿إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ﴾لأنَّهُ تأخير. [و] "النَسِيئَةُ" و"النَسِيءُ" أصْلُهُ واحدٌ من "أنسأت"* إلاّ أَنَّكَ تقول: "أَنْسَأتُ الشَيْءَ" أي: أَخَّرْتُه ومصدره: النَسِيءُ. و: "أَنْسَأْتُكَ الدَيْنَ" أي: جعلتك تؤخِّره. كأنه قال: "أَنْسَأْتُكَ" فـ"نَسَأْتُ" و "النَسِيء" أنَّهم كانوا يدخلون الشهر في الشهر. وقال بعضهم ﴿أَوْ نَنْسَها﴾ كل ذلك صواب. وجزمه بالمجازاة. والنسيءُ في الشهر: التأخير.
البقرة 2:108
قال ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ﴾ ومن خفف قال ﴿سُيِل﴾ فان قيل: كيف جعلتها بين بين وهي تكون بين الياء الساكنة وبين الهمزة. والياء الساكنة لا تكون بعد ضمة، والسين مضمومة؟" قلت: "أَمَّا في "فُعِلَ" فقد تكون الياء الساكنة بعد الضمة لانهم قد قالوا "قُيْل" و"بُيْعَ" وقد تكون الياء في بعض "فُعِلَ" واوا خالصة لانضمام ما قبلها وهي معه في حرف واحد كما تقول: "لم تَوْطُؤ الدابَّةُ" وكما تقول: "قَدْ رُؤِس فلان".
البقرة 2:111
قال ﴿لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ﴾ فزعموا أن "الهُود": جماعة "الهائِد"*. و"الهائد"*: التائِب الراجع الى الحق. وقال في مكان آخر ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً﴾ أي: كونوا راجعين الى الحق، [ويقال] "هائِد" و"هُوَّد" مثل "ناقِه" [و "نُقَّه"، و] "عائِدْ" و"عُوَّد"، و"حائِل" و"حُوَّل"، و"بازِل" و"بُزَّل". وجعل ﴿مَن كَانَ﴾ واحدا لأنَّ لفظ ﴿مَنْ﴾ واحدٌ وجمع في قوله ﴿هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ﴾. وفي هذا الوجه تقول: "مَنْ كانَ صاحبك".
البقرة 2:114
قال ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ﴾ انما هو "مِنْ أنْ يُذْكَرُ فيها اسمه" ولكن حروف الجرّ تحذف مع "أَنْ" كثيراً ويعمل ما قبلها فيها حتى تكون في موضع نصب، أو تكون ﴿أَن يُذْكَرَ﴾ بدلا من "المَساجِد" يريدون: "مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ أَنْ يُذْكَر.
وقال ﴿وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآ﴾ فهذا على "مَنَعَ" و"سَعَى"* ثم قال ﴿أُوْلَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ﴾ فجعله جميعاً لأنَّ ﴿مَنْ﴾ تكونُ في معنى الجماعة.
البقرة 2:115
قال ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ لأنَّ ﴿أَيْنَما﴾ من حروف الجزم من المجازاة والجواب في الفاء.
البقرة 2:117
قال ﴿وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فرفعه على العطف كأنه انما يريد أن يقول: "إنَّما يَقُولُ كُنْ فَيكونُ" وقد يكون ايضاً رفعه على الابتداء. وقال ﴿إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فان جعلت ﴿يَكُون﴾ ها هنا معطوفةً. نصبت لأنَّ ﴿أَنْ نَقُولَ﴾ نصب بـ"أَنْ" كأنه يريدُ: ﴿أَنْ نَقُولَ﴾ ﴿فيكونَ﴾. فان قال: "كيف والفاء ليست في هذا المعنى؟ فان الفاء والواو قد تعطفان على ما قبلهما وما بعدهما، وان لم يكن في معناه نحو "ما أنتَ وزيداً"، وانما يريد "لم تضرب زيداً" وترفعه على "ما أنت وما زيد" وليس ذلك معناه. ومثل قولك: "إيّاكَ والأَسَدَ". والرفع في قوله ﴿فيَكُونُ﴾ على الابتداء نحو قوله ﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ﴾ وقال ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً﴾. وقد يكون النصب في قوله ﴿ويَتَّخَذَها﴾ وفي ﴿نُقِرَّ في الأرْحامِ﴾ أيضاً على أوَّلِ الكلام. قال الشاعر فرفع على الابتداء: [من الوافر وهو الشاهد الثامن والعشرون بعد المئة]:
يُعالِجُ عاقِراً أَعْيَتْ عَلَيْهِ * لِيَلْقِحَها فَيَنْتِجُها حُوارا
وقال الشاعر أيضاً: [من الطويل وهو الشاهد التاسع والعشرون بعد المئة]:
وما هُوَ إلاّ أَنَّ أَراها فُجاءَةً * فَأَبْهَتُ حَتَّى ما أَكَادُ أُجِيبُ
والنصب في قوله ﴿فأَبْهَتُ﴾ على العطف والرفع على الابتداء.
البقرة 2:119
قال ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ﴾ وقد قرئت ﴿ولا تَسْأَلُ﴾ وكلّ هذا رفعٌ لأنه ليس بنهيٍ وإنَّما هو حال كأنه قال "ارْسَلناكَ بشيراً ونذيراً وغيرَ سائِلٍ أو غيرَ مَسؤْول" وقد قرئتا جزما جميعا على النهي.
البقرة 2:121
قال ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾ كما يقولون: "هذا حَقٌّ عالمٍ" وهو مثل "هذَّا عالِمٌ كُلُّ عالِمٍ".
البقرة 2:124
قال ﴿وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ أي: اختبره. و﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ هو المبتلي فلذلك انتصب.
وقال ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ﴾ لأنَّ العَهْدَ هو الذي لا يَنالُهُم، وقال بعضهم ﴿لا ينالُ عهدي الظالِمُون﴾ والكتاب بالياء. وانما قالوا ﴿الظالمونَ﴾ لانهم جعَلوهُم الذينَ لا ينالون.
البقرة 2:125
قال ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ على ﴿ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ﴾ وأُلْحِقَتْ الهاءُ في "المَثابة" لما كُثُر مَنْ يَثُوب اليه كما تقول: "نَسَّابَة" و"سيّارَة" لِمَنْ يكثُر ذلك منه.
وقال ﴿وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ يُريدُ ﴿واتَّخَذُوا﴾ كَأَنَّهُ يقولُ "واذْكُروا نِعْمَتي وإذْ اتَّخَذُوا مُصَلى من مَقامِ إبراهيمَ" و﴿اتخّذُوا﴾ بالكسر وبها نقرأ لأنَّها تدلّ على الغَرْض.
وقال ﴿وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ فـ﴿ٱلسُّجُودِ﴾ جماعة "السَّاجد" كما تقول: "قَوْمٌ قُعُودٌ" و"جُلوسٌ".
البقرة 2:126
قال ﴿وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ فـ﴿مَنْ آمَنَ﴾ بدل على التبيان كما تقول: "أَخَذْتُ المالَ نِصْفَهُ" و"رأيتُ القومَ ناساً مِنْهُم". ومثل ذلك ﴿يَسْئَلُونَكِ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ يريد: عنْ قِتالٍ فيه. وجعله بدلا. ومثله ﴿وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ ومثله ﴿قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ شبيه هذا ايضاً إلاّ أنه قدر فيه حرف الجرّ.
وقال ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾ على الامر ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ فجزم ﴿فَأَمْتِعْهُ﴾ على الأمر وجعل الفاء جواب المجازاة. وقال بعضهم ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ وبها نقرأ رفع على الخبر وجواب المجازاة الفاء.
البقرة 2:127
قال ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ﴾ أي كانَ إسْماعِيلُ الذي قال: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ﴾.
البقرة 2:128
قال ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ وقال بعضهم ﴿وأَرْنا﴾ أسكنْ الراء كما تقول "قَدْ عَلْمَ ذلك" وبالكسر نقرأ. وواحد "المناسِك": "مَنْسِك" مثل "مَسْجِد" ويقال ايضا: "مَنْسَك".
البقرة 2:130
قال ﴿إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ فزعم أَهل التأويل انه في معنى: "سَفَّهَ نفسَه" وقال يونس: "أُراها لُغَة". ويجوز في هذا القول: "سِفِهْتُ زَيْداً"، وهو يشبه "غِبَنَ رأيَه" و"خَسِرَ نَفْسَه" الا ان هذا كثير، ولهذا معنى ليس لذاك. تقول: "غِبَنَ فيَ رأيِهِ" و"خَسِرَ في أَهْلِهِ" و"خَسِرَ في بيعِه". وقد جاء لهذا نظير، قال: "ضُرِبَ عبدُ اللّهِ الظهرَ والبَطْنَ" ومعناه: على الظهر والبطن" كما قالوا: "دَخَلْتُ البيتَ" وإنما هو "دَخَلْتُ في البيتِ". وقوله: "تَوَجَّهَ مَكَّةَ والكُوفَةَ" وانما هو: إلى مَكَّة والكُوفَةِ. ومما يشبه هذا قول الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد السادس والخمسون]:
نُغالِي اللَّحْمَ لِلأَضْيافِ نِيْئاً * وَنَبْذُلُهُ إذا نَضِجَ القُدورُ
يريد: نُغالى باللحم. ومثل هذا ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ﴾ يقول: "لأوْلادِكمُ" [و] ﴿وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ﴾ أي: عَلَى عُقْدَةِ النِكاحِ. وأحسن [من] ذلك أن تقول: "إنَّ سَفِهَ نَفْسَهُ" جرت مجرى "سَفُهَ" إذْ كان الفعل غير متعد، وانما عداه الى "نَفْسِه" و"رَأيِهِ" وأشباهُ ذا مِمّا هو في المعنى نحو "سَفِهَ" اذا لم يتعد. واما "غَبِنَ" و"خَسِرَ" فقد يتعدى* الى غيره تقول: "غَبِنَ خَمْسين" و"خَسِرَ خَمْسِين".
البقرة 2:132
قال ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ﴾ فهو - والله اعلم - "وقَالَ يعقوبُ يا بَنِيَّ" لانه حين قال ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ﴾ قد أخبر انه قال لهم شيئا فأجرى الاخير على معنى الاول وان شئت قلت ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ معطوف كأنك قلت: "ووصَّى بها ابراهيمُ بنيه ويعقوبُ" ثم فسر ما قال يعقوبُ، قال: "يا بني".
البقرة 2:133
قال ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ﴾ استفهام مستأنف.
وقال ﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾ فأبْدَلَ "إذْ" الاخرة من الاولى.
وقال ﴿إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ على البدل وهو في موضع جر إلا أَنها أعجمية فلا تنصرف.
وقوله ﴿إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾ على الحال.
البقرة 2:134
قال ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ يقول: "قَدْ مَضَتْ" ثم استأنف فقال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾.
البقرة 2:135
قال ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ بالنصب.
البقرة 2:138
قال ﴿صِبْغَةَ ٱللَّهِ﴾ بالنصب. لانهم حين قالوا* لهم ﴿كُونُواْ هُوداً﴾ كأنه قيل لهم: "اتَّخِذُوا هِذِهِ المِلَّةَ" فقالوا: "لا ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: نَتَّبِعُ مِلَّةَ إبْراهيم، ثم أبدل "الصِّبْغَةَ" من "المِلَّة" فقال ﴿صِبْغَةَ ٱللَّهِ﴾ بالنصب. او يكون أراد: "كونوا أصحابَ مِلَّةٍ" ثم حذف "أَصْحاب" كما قال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ﴾ يريد: "بِرَّ مَنْ آمَن باللّهِ". والصِّبْغَةُ: هي الدين.
البقرة 2:139
قال ﴿أَتُحَآجُّونّا﴾ مثقلة لأنهما حرفان مثلان فأدغم أحدهما في الآخر، واحتمل الساكن قبلهما اذ كان من حروف اللين، وحروف اللين الياء والواو والالف اذا كن سواكن.
وقال بعضهم ﴿أتُحاجُّوننا﴾ فلم يدغم ولكن أخفى فجعل حركة الاولى خفيفة وهي متحركة في الوزن، وهي في لغة الذين يقولون: "هذِهِ مِئَةُ دِّرْهَمٍ" يشمون شيئاً من الرفع ولا يبينون وذلك الاخفاء. وقد قرىء هذا الحرف على ذلك ﴿مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ﴾ بين الادغام والاظهار. ومثل ذلك ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ﴾ وأشباه هذا كثير وادغامه أحسن حتى يسكن الاول.
البقرة 2:140
قال ﴿أَمْ يَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ قال بعضهم ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ على ﴿قُلْ أَتُحاجّونَنا﴾ و﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾. ومن قال ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ جعله استفهاما مستأنفا كما تقول: "إنَّها لإِبِلٌ" ثم تقول: "أَمْ شاءٌ".
البقرة 2:142
قال ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ يعني "القِبْلَةَ" ولذلك أنث.
البقرة 2:145
قال ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ﴾ لأنْ معنى قوله ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ﴾. ولو أَتَيْتَ. الا ترى أنك تقول: "لَئِنْ جِئْتَنِي ما ضَرَبْتُكَ" على معنى "لَوْ" كما قال ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ﴾ يقول: "وَلَو أَرْسَلْنا رِيحاً" لان معنى "لَئِنْ" مثل معنى "لَوْ" لأنّ "لَوْ" لم تقع وكذلك "لَئِنْ" كذا يفسره المفسرون. وهو في الاعراب على أَنَّ آخرَهُ معتمد لليمين كأنه قال "والله ما تَبِعُوا" أي: ما هم بمتَّبِعين.
البقرة 2:147
قال ﴿ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ على ضمير الاسم ولكن استُغْنِيَ عنه لما ذكره كأنه قال. "هُوَ الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ".
البقرة 2:148
قال ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ على: "ولِكل أمَّةٍ وُجْهَةٌ" وقد قال قوم ﴿وَلِكُلِّ وُجْهَةٍ﴾ فلم ينونوا "كلّ". وهذا لا يكون لانك لا تقول: "لِكُلِّ رَجُلٍ هُو ضارِبُه". ولكن تقول: لِكُلِّ رَجُلٍ ضارِبٌ" فلو كان "هُوَ مُوَلٍّ" كان كلاما. فأما "مُولِّيها" على وجه ما قرأ فليس بجائز.
البقرة 2:150
وقال ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ فهذا معنى "لكنّ". وزعم يونس انه سمع اعرابياً فصيحا يقول: "ما أشْتَكِي شَيْئاً إلاَّ خَيْراً" وذلك أنه قيل له: "كَيْفَ تَجِدُكَ". وتكون "إلاّ" بمنزلة الواو نحو قول الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد الثلاثون بعد المئة]:
وأَرى لَها دَاراً بأَغْدِرَةِ السـ * ـيِدانِ لم يَدْرُسْ لَها رَسْمُ
إلاّ رَماداً هامِداً دَفَعَتْ * عَنْهُ الرياحَ خَوالِدٌ سُحْمُ
أراد: أرى لَها داراً ورماداً. وقال بعضُ أهْلِ العِلم ان الذين ظلموا ها هنا هم ناس من العرب كانوا يهوداً أو نصارى، فكانوا يحتجون على النبي صلى الله عليه، فاما سائر العرب فلم يكن لهم حجة وكانت حجة من يحتج منكسرة. الا انك تقول لمن تنكسر حجته "ان لك علي الحجة ولكنها منكسرة وانك تحتج بلا حجة وحجتك ضعيفة".
وقال ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ يقول: "لأنْ لا يَكُونَ للناسِ عَلَيْكُمْ حُجة ولأُتِمَّ نِعْمَتي عَلَيكُم" عطف على الكلام الاول.
البقرة 2:151
قوله ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ﴾ ﴿فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ﴾ اي كما فعلت هذا فاذكروني.
البقرة 2:154
قال ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ على: وَلا تَقُولُوا هُمْ أمواتٌ. وقال ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً﴾ نصب على "تَحْسَبُ"، ثم قال ﴿بِلْ أَحْياءٌ﴾ أي: بلْ هُمْ أحياءٌ. ولا يكون أنَ تجعله على الفعل؛ لأَنهُ لو قال: "بلْ احْسبُوهم أحياءَ" كان قد أمرهم بالشك.
البقرة 2:158
قال ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ "إطَّوَّفَ" "يَطَّوّفُ"؛ وهي من "تَطَوَّفَ". فأدغم التاء في الطاء، فلما سكنت جعل قبلها الفا حتى يقدر على الابتداء بها. وانما قال ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ لان ذلك كان مكروها في الجاهلية في الجاهلية فأخبر أنه ليس بمكروه عنده.
البقرة 2:161
قال ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ لانه اضاف اللعنة ثم قال ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ نصب على الحال.
البقرة 2:165
قال ﴿وَلَوْ تَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ إِنَّ ٱلْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً﴾ فـ"إنَّ" مكسورة على الابتداء اذْ قال ﴿وَلَوْ تَرى﴾.وقال بعضهم ﴿ولو يَرى الذين ظلموا اذْ يَرَوْنَ العذاب أن القوةَ لِلّهِ جَميعاً﴾ يقول: "وَلَوْ يَرَوْنَ أَنَّ القُوَّةَ لِلّه" أي: "لَوْ يَعْلَمون" لانهم لم يكونوا علموا قدر ما يعاينون من العذاب، وقد كان النبي ﷺ. فاذا قال ﴿وَلَوْ تَرى﴾ فانما يخاطب النبي صلى الله عله وسلم ولو كسر "إنّ" اذْا قال ﴿وَلَوْ يَرى الذينَ ظَلَمُوا﴾ على الابتداء جاز لو يرى أو يعلم. وقد تكون في معنى لا يحتاج معها الى شيء تقول للرجل: "أما وَاللّهِ لَوْ تَعْلَم" و"لَوْ يَعْلَم" قال الشاعر: [من الخفيف وهو الشاهد الحادي والثلاثون بعد المئة]:
إنْ يَكُنْ طِبَّكِ الدَّلالُ فَلَوْفِي * سالِفِ الدَّهْرِ والسنينَ الخَوالِي
فهذا ليس له جواب إلاّ في المعنى. وقال: [من الخفيف وهو الشاهد الثاني والثلاثون بعد المئة]:
فَبِحَظٍّ مِمَا تَعيشُ ولا تَذْ * هَبْ بِكَ التُّرهاتُ في الأَهْوالِ
فأضمر "فعيشي". وقال بعضهم ﴿وَلَوْ تَرى﴾ وفتح ﴿أَنَّ﴾ على ﴿تَرى﴾ وليس ذلك لان النبيّ ﷺ لم يعلم، ولكن أراد [أن] يُعْلِمَ ذلكَ الناسَ كما قال ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ﴾ ليخبر الناس عن جهلهم وكما قال ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾.
البقرة 2:173
قال ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ﴾ وانما هي "المَيِّتَةُ" خففت وكذلك قوله ﴿بَلْدَةً مَيْتاً﴾ يريد به "ميّتا" ولكن يخففون الياء كما يقولون في "هيّن" و"ليّن": هَيْن" و "لَيْن" خفيفة. قال الشاعر: [من الخفيف وهو الشاهد الثالث والثلاثون بعد المئة]:
لَيْسَ مَنْ ماتَ فاستراحَ بِمَيْتٍ * إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحْياءِ
فثقل وخفف في معنى واحد. فاما "الميتة" فهي الموت.
البقرة 2:175
قال ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ﴾ فزعم بعضهم أنه تعجب منهم كما قال ﴿قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ﴾ تعجبا من كفره. وقال بعضهم ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ﴾ أي: ما أَصْبَرَهُم، و: ما الذي أَصْبَرهم.
البقرة 2:176
قال ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ﴾ فالخبر مضمر كأنه يقول: "ذلك معلوم لهم بأن الله نزل الكتاب" لأنه قد أخبرنا في الكتاب أن ذلك قد قيل لهم فالكتاب حق.
البقرة 2:177
قال ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ﴾ ثم قال ﴿وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾ ﴿وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ﴾ فهو على أول الكلام "ولكنَّ البرَّ برُّ مَنْ آمَنَ باللّهِ وأقامَ الصلاةَ وآتى الزكاةَ" ثم قال ﴿وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ﴾ فـ"﴿المُوفُونَ﴾ رفع على "ولكنَّ الموفين"* يريد "بِرَّ الموفين" فَلَما لم يذكر "البرَّ" أقام ﴿الموفونَ﴾ مقام البرّ كما قال ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ فنصبها على ﴿اسأل﴾ وهو يريد "أهلَ القرية"، ثم نصب ﴿ٱلصَّابِرِينَ﴾ على فعل مضمر كما قال ﴿لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ ثم قال ﴿وَٱلْمُقِيمِينَ﴾ فنصب على فعل مضمر ثم قال ﴿وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ﴾ فيكون رفعا على الابتداء أو بعطفه على "الراسخين". قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد السابع والستون]:
لا يَبْعُدَنْ قَوْمِي الذينَ هُمُ * سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجَزْرِ
النَازِلينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ * والطَّيِّبُونَ معاقدَ الأُزْر
ومنهم من يقول "النازلون" و"الطيبين". ومنهم من يرفعهما جميعا وينصبهما جميعا كما فسرت لك. ويكون ﴿ٱلصَّابِرِينَ﴾ معطوفا على ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ} ﴿وَآتَى ٱلصَّابِرِينَ﴾.
وقال ﴿فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ﴾ فبناه على "فَعْلاء" وليس له "أَفْعَلُ" لانه اسم، كما قد جاء "أَفْعَل" في الاسماء ليس معه "فَعْلاء" نحو "أَحْمَدُ". وقد قالوا "أَفْعَلُ" في الصفة ولم يجىء له "فَعْلاءُ"، قالوا: "أَنْتَ مِنْ ذاكَ أَوْجلُ" و"أَوْجَرُ" ولم يقولوا: "وَجْلاءُ" ولا "وَجْراءُ" وهما من الخوف. و [منه] "رجلٌ أَوْجَلُ" و"أَوْجَرُ".
البقرة 2:178
قال ﴿فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ أي: "فعليه اتباعٌ بالمعروف أوْ أدَاءٌ إلَيْهِ بإحْسان" على الذي يُطْلَبُ.
البقرة 2:180
قال ﴿إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ﴾ فـ﴿ٱلْوَصِيَّةُ﴾ على الاستئناف، كأنه - والله أعلم - ﴿إِن تَرَكَ خَيْراً﴾ فَالوصية ﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً﴾.
البقرة 2:183
قال ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾.
البقرة 2:184
ثم قال ﴿أَيَّاماً﴾ أيْ: كُتِبَ الصِّيامُ أياماً. لأَنَّك شَغَلْتَ الفعل بالصيامِ حتى صار هو يقوم مقام الفاعل، وصارت الأيَّامُ كأنك قد ذَكَرْتَ مَنْ فَعَلَ بِها.
وقال ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ يقول "فعَلَيْهِ عِدَّةٌ" رفع، وإنْ شِئْتَ نَصَبْتَ "العِدَّةَ" على "فَلْيَصُمْ عِدَّةً" إلاَّ أَنَّهُ لَمْ يُقرأ.
وقال ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ وقد قرئت ﴿فِدْيةُ طَعامِ مِسكين﴾ وهذا ليس بالجيد، انما الطعام تفسير للفدية، وليست الفدية بمضافة الى الطعام. وقوله ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ يعني الصيام. وقال بعضهم ﴿يُطَوَّقُونَه﴾ أي يتكلّفون الصيام. ومن قال ﴿مَساكِين﴾ فهو يعني جماعة الشهر لان لكل يوم مسكينا. ومن قال ﴿مِسْكين﴾ فانما أخبر ما يلزمه في ترك اليوم الواحد.
وقال ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ لان "أن" الخفيفة وما عملت فيه بمنزلة الاسم كأنه قال: "والصيامُ خَيْرٌ لكم".
البقرة 2:185
﴿وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ﴾ وهو معطوف على ما قبله كأنه قال "وَيَريدُ لِتُكْمِلُوا العِدَّة" ﴿وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ﴾. وأما قوله ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ فانما معناه يريد هذا ليبين لكم. قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الرابع والثلاثون بعد المئة]:
أُرِيدُ لأَنْسى ذِكْرَها فَكَأنما * تَمَثَّلُ لِي لَيْلى بِكُلِّ سَبيلِ
فمعناه: أريد هذا الشيء لأنسى ذكرها "أَوْ يَكُونُ أَضْمَر" "أَنْ" بعد اللام وأوصَلَ الفعلَ إلَيْها بحرف الجر. قال ﴿فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾ فعدّى الفعل بحرف الجر، والمعنى: عَرَّفَهم الاختلافَ حتى تركوه".
ثم قال ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ على تفسير الايام، كأنه حين قال ﴿أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾ فسرها فقال: "هِيَ شَهْرُ رَمَضَانَ". وقد نصب بعضهم ﴿شَهْرَ رَمَضانَ﴾ [وذلك]* جائز على الامر، كأنه قال: "شَهْرَ رَمضانَ فصُوموا"، أو جعله ظرفا على ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ﴾ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ اي: "في شَهْرِ رَمضانَ" و"رَمَضَان" في موضع جر لأن الشهر أضيف اليه ولكنه لا ينصرف.
وقال ﴿ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدىً لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ﴾ فموضع ﴿هُدىً﴾ و ﴿بَيِّناتٌ﴾ نصب لانه قد شغل الفعل بـ﴿ٱلْقُرْآنُ﴾ وهو كقولك: "وجد عبد الله ظريفا".
وأما قوله ﴿وَٱلْفُرْقَانِ﴾ فجرّ على "وبيناتٍ من الفرقان".
البقرة 2:186
قوله ﴿يَرْشُدُونَ﴾ لأنها من: "رَشَدَ" "يَرْشُد" ولغة للعرب "رَشِدَ" "يَرْشَد" وقد قرئت ﴿يُرْشَدُون﴾.
البقرة 2:188
قال ﴿وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ٱلْحُكَّامِ﴾ جزم على العطف ونصب اذا جعله جوابا بالواو.
البقرة 2:189
قال ﴿هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ﴾ فجر ﴿الحَجّ﴾ لأنه عطفه على "الناس" فانجر باللام.
وقال ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ﴾ يريد "بِرّ مَنْ اتقَّى".
البقرة 2:192
أما قوله ﴿فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ يريد: فإنَّ اللّهَ لهم.
البقرة 2:193
قوله ﴿فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ﴾ لانه يجوز ان يقول ﴿إِنِ ٱنتَهَوْاْ﴾ وهو قد علم انهم لا ينتهون الا بعضهم فكأنه قال: "إن انتهى بعضهم فلا عدوان إلا على الظالمين منهم" فأضمر. كما قال ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ﴾ أي: فَعَليه ما استيسر كما تقول "زيدا أكرمت" وأنت تريد "أكرمته" وكما تقول "إلى مَنْ تَقْصُد أقصد" تريد "إليه".
البقرة 2:194
أما قوله ﴿فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ﴾ فان الله لم يأمر بالعدوان، وانما يقول: "إِيتوا إليهم الذي كانَ يُسمى بالاعتداء" أي: افعلوا بهم كما فعلوا بكم، كما تقول: "إنْ تَعاطَيْتَ مني ظُلْما تعاطَيْتُهُ مِنْكَ" والثاني ليس بظالم. قال عَمْرُو بن شَأس: [من الطويل وهو الشاهد السادس والثلاثون بعد المئة]:
جَزَيْنا ذَوِي العُدْوانِ بالأَمْسِ مِثْلَهُ * قَصاصاً سَواءً حَذْوَكَ النَّعْلَ بالنَّعْلِ
البقرة 2:195
قال ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾ يقول: "إلَى الهَلَكَةِ". والباء زائدة نحو زيادتها في قوله ﴿تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ﴾ وانما هي: تنبت الدهن. قال الشاعر: من الطويل وهو الشاهد الخامس والثلاثون بعد المئة]:
كَثِيراً بما يَتْرُكْنَ في كُلِّ حُفْرَةٍ * زفيرَ القواضِي نَحْبَها وَسُعالَهَا
يقول: "كثيراً يَتْرُكْنَ" وجعل الباء و"ما" زائدتين.
البقرة 2:196
أما قوله ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ فلأنك تقول: "أحصَرَني بَوْلي" و"أحصرني مَرضِي" أي: جعلني أحْصُرُ نفسي. وتقول: "حَصَرْتُ الرجل" أي: حبسته، فهو "مَحْصور". وزعم يونس عن ابي عمرو انه يقول: "حَصَرْتُهُ [إذا منعته]* عن كُلِّ وَجْهٍ" وإذا منعته من التقدم خاصة فقد "احْصَرْتُهُ"، ويقول بعض العرب في المرض وما اشبهه من الاعياء والكلال: "أَحْصَرْتُهُ".
وقال ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ﴾ أي: فعليه فدية.
وقال ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ فانما قال ﴿عَشْرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ وقد ذكر سبعة وثلاثة ليخبر انها مجزية، [و] وليس ليخبر عن عدتها، ألا ترى أن قوله ﴿كَامِلَةٌ﴾ إنما هي "وافية".
وقد ذكروا أَنَّهُ في حرف ابْنِ مَسْعودٍ ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ أُنْثى وذلك أن الكلام يؤكد بما يستغنى به عنه كما قال ﴿فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾. وقد يستغنى بأحدهما، ولكن تكرير الكلام كأنه أوجب. الا ترى أنك تقول: "رأيت أَخَويكَ كِلَيْهِما" ولو قلت: "رأيت أخويك" أستغنيت فتجيء بـ"كليهما" توكيدا. وقال بعضهم في قول ابن مسعود "أُنْثى" انه انما اراد "مُؤَنَّثَةَ" يصفها بذلك لان ذلك قد يستحب من النساء.
وقال ﴿ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ واذا وقفت قلت: "حاضري" لان الياء انما ذهبت في الوصل لسكون اللام من "المسجد"، وكذلك ﴿غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ﴾ وقوله ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ﴾ و﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ وأشباه هذا مما ليس هو حرف اعراب. وحرف الاعراب الذي يقع عليه الرفع والنصب والجر ونحو "هو" و"هي"، فاذا وقفت عليه فانت فيه بالخيار ان شئت الحقت الهاء وان شئت لم تلحق. وقد قالت العرب في نون الجميع ونون الاثنين في الوقف بالهاء فقالوا: "هُما رَجُلانِه" و"مُسْلِمُونَهُ" و"قد قُمْتُهْ" اذا أرادوا: "قَدْ قُمْتُ" وكذلك ما لم يكن حرف اعراب الا ان بعضه أحسن من بعض، وهو في المفتوح اكثر. فاما "مَرَرْتُ بأَحْمَرَ" و"يَعْمَرَ" فلا يكون الوقف في هذا بالهاء لان هذا قد ينصرف عن هذا الوجه. وكذلك ما لم يكن حرف اعراب ثم كان يتغير عن حاله فانه لا تلحق فيه الهاء اذا سُكِتَ عليه. واما قوله ﴿إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ فاذا وقفت قلت "تَبُوءْ" لأَنها "أَنْ تَفْعَلَ" فاذا وقفت على "تَفْعَل" لم تحرّك. قال ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا﴾ اذا وقفت عليه لانه "أَنْ تَفَعَّلا" وأنت تعني فعل الاثنين فهكذا الوقف عليه قال ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ فاذا وقفت قلت: "مبوّأْ" ولا تقول "مبوّءا" لانه مضاف، فاذا وقفت عليه لم يكن ألف. ولو أثبت فيه الالف لقلت في وقف ﴿غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ﴾: "محلين" ولكنه مثل "رأيتُ غُلامي زيد" فاذا وقفت قلت: "غلامي". وقال ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ﴾ فاذا وقفت قلت: "تراءَى" ولم تقل: "تراءيا" لانك قد رفعت الجمعين بذا الفعل، ولو قلت: "تراءيا" كنت قد جئت باسم مرفوع بذا الفعل وهو الالف ويكون قولك "الجَمْعانِ" ليس بكلام الا على وجه آخر.
البقرة 2:198
قال ﴿فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ﴾ فصرف "عَرفاتٍ" لانها تلك الجماعة التي كانت تتصرف، وانما صرفت لأن الكسرة والضمة في التاء صارت بمنزلة الياء والواو في "مِسلمين" و"مُسلمون" لانه تذكيره، وصارت التنوين في نحو "عَرَفاتٍ" و"مُسْلِماتٍ" بمنزلة النون. فلما سمي به ترك على حاله كما يترك "مسلمون" اذا سمي به على حاله حكاية. ومن العرب من لا يصرف [ذا] اذا سمي به ويشبه التاء بهاء التأنيث [في] نحو "حَمْدَةَ" وذلك قبيح ضعيف. قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد السابع والثلاثون بعد المئة]:
تَنَوَّرْتُها من أَذْرِعاتٍ وأَهلُها * بيثربَ أَدْنى دارِهَا نظرٌ عالِ
ومنهم من لا ينوّن "اذْرِعات"* ولا "عانات" وهو مكان.
البقرة 2:203
قال ﴿وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ﴾ كأنه حين ذكر هذه الرخصة قد أخبر عن أمر فقال ﴿لِمَنِٱتَّقَىٰ﴾: أَي: ذلك لمن اتقى.
البقرة 2:204
قال ﴿وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ علىٰ ما فِى قَلْبِهِ﴾ اذا كان هو يشهد وقال بعضهم: ﴿وَيَشْهَدُ اللّهُ﴾ أي إن الله هو الذي يشهد.
وقال ﴿وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ﴾ من "لَدِدْتُ" "تَلَدُّ" و"هو أَلَدُّ" و"هُمْ قَوْمٌ لُدٌّ" و"امْرَأَةٌ لَدّاءُ" و"نسوةٌ لُدُّ".
البقرة 2:207
قال ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ﴾ يقول: "يَبيعُها" كما تقول: "شَرَيْتُ هذا المتاعَ" أي: بِعْتُهُ و "شَرَيْتُهُ"": اشْتَرَيتهُ أيضاً، يجوز في المعنيين جميعا، كما تقول: "إنَّ الجِلَّ لأَفْضَلُ المَتاعِ"، و"إنَّ "الجِلَّ لأَرْدَؤُهُ"، وعلى ذلك يجوز مع كثير مثله. وكذلك "الجَلَلُ" يكون العظيمَ ويكون الصغيرَ. وكذلك "السَّدَفُ" يكون الظُلْمةَ والضَوْءَ. وقال الشاعر:
[من الرمل وهو الشاهد الثامن والثلاثون بعد المئة]:
وأَرى أَربْدَ قد فارَقَني * ومن الآرْزاءِ رُزْء ذُو جَلَل
أي: عظيم. وقال الآخر: [من الطويل وهو الشاهد التاسع والثلاثون بعد المئة]:
ألا إنَّما أَبْكي لِيَوْمٍ لقِيتُه * بِجُرْثُمِ صادٍ كلُّ ما بَعْدَهُ جَلَلَ
أي: صغير.
وأما قوله ﴿ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ﴾ فان انتصابه على الفعل وهو على "يَشْرِي" كأنه قال "لابتِغاءِ مَرْضاةِ الله" فلما نزع اللام عمل الفعل. ومثله ﴿حَذَرَ ٱلْمَوْتِ﴾ وأشباه هذا كثير. قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الاربعون بعد المئة]:
واغْفِرُ عَوْراءَ الكرِيم ادّخارَه * وَأُعْرِضُ عَنْ شَتِم اللئيمِ تَكَرُّما
لما حذف اللامَ عمل فيه الفعل.
البقرة 2:208
قال ﴿ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً﴾ و"السِّلْمُ": الإِسْلامُ. وقوله ﴿وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ﴾ ذلك: الصُلْح. وقد قال بعضهم في "الصلح": "السِّلم. وقال ﴿وَيُلْقُوۤاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ﴾ وهو الاستسلام. وقال ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾ أي: قالوا "بَراءَةً مِنْكُم" لأنّ "السَّلام" في بعض الكلام هو: البراءة. تقول: "إنّما فلانٌ سَلامٌ بِسلام" أي: لا يُخالِطُ إِحداً. قال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الحادي والاربعون بعد المئة]:
سَلامَكَ رَبَّنا في كلِّ فَجْرٍ * بَريئا ما تَغَنَّثُكَ* الذُّمومُ
يعني تَأَوَّبكَ، يقول: "براءَتَكَ". وقال ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ﴾ وهذا فيما يزعم المفسرون: قالوا خيراً. كأنه - والله اعلم - سمع منهم التوحيد فقد قالوا خيرا، فلما عرف انهم موحدون قال: "سلامٌ عَلَيْكُم" فسلمَ عليهم. فهذا الوجه رفع على الابتداء. وقال بعضهم: "ما كان من كلام الملائكة فهو نصب وما كان من الانسان فهو رفع في السلام". وهذا ضعيف ليس بحجة. وقال ﴿فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ﴾ فهذا يجوز على معنى: "سلامٌ عَلَيْكُم" في التسليم. او يكون على البراءة الا انه جعله خبر المبتدأ كأنه قال "أمِري سَلامٌ". اي: أمري براءة منكم، وأضمر الاسم كما يضمر الخبر. وقال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الرابع عشر]:
فَيا ظَبْيَةَ الوَعْساءِ بَيْنَ جَلاجِلٍ * وَبَينَ النَّقا آأَنْتِ أَمْ أُمُ سالِمِ
على: "أَ أَنْتِ هِي أَمْ أم سالِمِ" أيْ: أَشْكَلْتِ عليَّ بِشَبَهِ أمِّ سالِمِ بِكِ. وكل هذا قد اضمر الخبر فيه. ومثل ذلك ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ﴾فلما قال ﴿أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ﴾ كان فيه دليلٌ* على معنى ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ﴾ "ومن أنفق من بعد الفتح" أي لا يستوي هؤلاء وهؤلاء.
وقال ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾ لان كل اسم على "فُعْلَة" خفيف اذا جمع حرك ثانية بالضم نحو" ظُلُمات" و"غُرُفات" لان مخرج الحرفين بلفظ واحد اذا قرب أحدهما من صاحبه [كان]** أيسر عليهم. وقد فتحه بعضهم فقال: "الرُكَبات" و"الغُرفاَت" و"الظُلُمات"، واسكن بعضهم ما كان من الواو كما يسكن ما كان من الياء نحو "كُلْيات" أسكن اللام لئلا تحوّل الياء واوا فاسكنها في "خُطْوات" لان الواو اخت الياء. وما كان على "فَعْلة" نحو: "سَلْوَة" و"شَهْوَة" حرّك ثانية في الجمع بالفتح نحو "سَلَوات" و"شَهَوات" فاذا كان أوله مكسورا كسر ثانيه نحو "كِسْره" و"كِسِرات"، و"سِدْرة"، و"سِدِرات". وقد فتح بعضهم ثاني هذا كما فتح ثاني المضموم واستثقل الضمتين والكسرتين. وما كان من نحو هذا ثانيه واو أو ياء أو التقى فيه حرفان من جنس واحد لم يحرّك، نحو: "دُوْمَة" و"دُومات"، و"وعُوذَة" و"عوذات" وهي: المعاذة، و"بَيْضَة" و"بَيْضات" ، و"مَيْتةَ" و"مَيْتات". لان هذا لو حرّك لتغير وصار الفا فكان يغير بناء الاسم فاستثقلوا ذلك. وقالوا: "عِضَةٌ" و"عِضات" فلم يحركوا لان هذا موضع تتحرك فيه لام الفعل فلا يضعف ولولا انه حرك لضعف وأكثر [ما] في "الظُلُمات" و"الكِسِرات" وما أشبههما ان يحرك الثاني على الاول. وقد دعاهم ذلك إلى أَن قالوا "أذْكُر" فضموا الالف لضمة الكاف وبينها حرف فذلك أخلق. وقد قال بعضهم: "أَنَا أُنْبُوك" و"أَنا أُجُوك" فضم الباء والجيم لضمة الهمزة ليجعلها على لفظ واحد، فهذا اشد من ذاك. وقال: "هذا هُو مُنْحَدُرٌ من الجَبَل" يريد "مُنْحَدَرٌ" فضم الدال لضمة الراء، كما ضم الباء والجيم في "أُنْبُوكَ" و "أُجُوكَ".
البقرة 2:210
قال ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾ على "وفي الملائكة". وقال بعضهم ﴿وَٱلْمَلاۤئِكَةِ﴾ أي: وتأتيهم الملائكةُ. والرفع هو الوجه وبه نقرأ. لانه قد قال ذلك في غير مكان قال ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ﴾ وقال ﴿إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ و"المَلَكُ" في هذا الموضع جماعة كما تقول: "أَهْلَكَ الناسَ الدينارُ والدرهَمُ" و"هَلَكَ البَعِيرُ والشَّاءُ" تريد*: جماعة الابل والشاء. وقوله ﴿إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ﴾ يعني أمرهُ، لأَنّ اللّهَ تبارك وتعالى لا يزُولُ كما تقول: "قَدْ خَشِينا أنْ تَأْتِينَا بنُو أُمَيَّة". وانما تعني حكمهم.
البقرة 2:213
قال ﴿وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ يقول: "وما اختَلَفَ فيه إلاَّ الذينَ أُوتُوهُ بَغْياً بَيْنَهُمْ مِنْ بعدِ ما جاءَتْهُمْ البَيِّناتُ".
البقرة 2:216
قال ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ وقال بعضهم ﴿حَمَلَتْهُ أُمه كَرْها﴾ وقال بعضهم: ﴿كُرْها﴾ وهما لغتان مثل "الغُسْل" و"الغَسْل"، و"الضُعْف" و"الضَّعْف" الا أنه قد قال بعضهم انه اذا كان في موضع المصدر كان "كُرْهاً" كما تقول: "لا تقوم الا كَرْهاً" وتقول: "لا تقوم الا على كُرْهٍ" وهما سواء مثل "الرُّهْبِ" و"الرَّهْبِ" وقال بعضهم: "الرَّهَب" كما قالوا: "البُخْل" و"البَخْل" و"البَخَل". وانما قال ﴿كُرْهٌ لَكُم﴾ أي: ذُو كُرْهٍ وحذف "ذو" كما قال ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾.
البقرة 2:217
قال: ﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
وقال: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ على "وَصدٌّ عن المَسْجِدِ الحرامِ".
ثم قال: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ﴾ على الابتداء.
وقال: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهْوَ كَافِرٌ فَأُوْلۤـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ فضعَّف لأن أهل الحجاز اذا اكنت لام الفعل ساكنة ضعفوا وهي ها هنا ساكنة أسكنها بالجزاء. وقال: ﴿وَمَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ﴾ فلم يضاعف في لغة من لا يضاعف لأن من لا يضاعف* كثير.
البقرة 2:219
قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ﴾ اذا جعلت ﴿ماذا﴾ بمنزلة (ما). وان جعلت ﴿ماذا﴾ بمنزلة "الذي" قلت: ﴿قُلْ ٱلْعَفْوُ﴾ والأُولى منصوبة وهذا مرفوعة كأنه قال: ﴿ما الذي يُنْفِقُون﴾ فقال: "الذي يُنْفِقونَ العفُو". واذا نصبت فكأنه قال: "ما يُنْفِقُونَ" فقال: "يُنْفِقُونَ العَفْوَ" لأن ﴿ما﴾ اذا لم تجعل بمنزلة "الذي" فـ"العَفْو" منصوب بـ"يُنْفِقُون". وان جعلت بمنزلة "الذي" فهو مرفوع بخبر الابتداء كما قال ﴿مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ جعل ﴿مَّاذَآ﴾ بمنزلة "الذي" وقال ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً﴾ جعل ﴿ماذا﴾ بمنزلة "ما". وقد يكون اذا جعلها بمنزلة "ما" وحدها الرفع على المعنى. لانه لو قيل له: "ما صَنَعْتَ"؟ فقال: "خيرٌ"، أي: الذي صنعت خيرٌ، لم يكن به بأس. ولو نصبت اذا جعلت "ذا" بمنزلة "الذي" كان ايضاً جيدا لانه لو قيل لك: "ما الذي صنعت" فقلت: "خيراً" أي: صنعتُ خيراً. كان صوابا. قال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الثلاثون]:
دَعِي ماذا عَلِمْتُ سَأَتَّقِيهِ * ولكِنْ بِالمُغَيَّبِ نَبئِّيني
جعل "ما" و"ذا" بمنزلة "ما" وحدها، ولا يجوز ان يكون "ذا" بمنزلة "الذي" في هذا البيت لانك لو قلت: "دعي ما الذي علمت" لم يكن كلاما. وقال أهل التأويل في قوله ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ لأن الكفار جَحَدوا أَنْ يكونَ ربهم أنزل شيئا فقالوا لهم: "ما تقولونَ أنتُم أساطيرُ الأوَّلينَ" أي: "الذي تقولونَ أَنْتُم أَساطيرُ الاولينَ" ليس على "أَنَزَلَ ربُّنا أساطيرَ الأولين". وهذا المعنى فيما نرى والله أعلم - كما قال ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي: فهم اخوانكم.
البقرة 2:222
قال ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ﴾ وهو: الحَيْضُ. وإِنما أكثر الكلام في المصدر إِذا بني هكذا أَنْ يَرادَ به "المَفْعَل" نحو قولك: "ما في بُرِّكَ مَكَالٌ" أي: كَيْلٌ. وقد قيلت الأخرى أي: قيل "مَكِيلٌ" وهو مثل "مَحِيضٍ" من الفعل اذا كان مصدرا للتي في القرآن وهي اقل. قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد الثاني والاربعون بعد المئة]:
بُنِيَتْ مَرافِقُهُنَّ فَوْقَ مَزِلَّةٍ * لا يَسْتَطِيعُ بِها القُرادُ مقيلا
يريد: "قَيْلُولَةً". وتقول: "جِئْتُ مَجيئاً حَسَناً". فبنوه على "مَفْعِل" وهو مصدره.
وقال ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾ لانك تقول: "طَهَرَتْ المرأةُ" فَـ"هِيَ تَطْهُرُ". وقال بعضهم "طَهُرَت". وقالوا: "طَلَقَتْ" "تَطْلُق" "و "طَلُقَت" "تَطْلُقُ" ايضا. ويقال للنفساء اذا اصابها النفاس: "نُفِسَت" فاذا أصابها الطَلْقُ [قيل]:
طُلِقَتْ".
البقرة 2:225
قال ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ﴾ نقول: "لَغَوْتُ في اليمين" فَـ"أَنا أَلغْو" "لَغْواً" ومن قال: "هو يَمْحا" قال: "هَو يَلْغا" "لَغْواً" و"مَحْواً". وقد سمعنا ذلك من العرب. وتقول: "لَغِيتُ باسمِ فلانٍ" فـ"أَنَا ألْغى به" "لَغَى" أي: أَذْكُرُهُ.
البقرة 2:226
قال ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ﴾ تقول: "آلى* مِن امرأَتِهِ" "يُؤْلي" "إيْلاءً" و"ظاهَرَ مِنْها" "ظِهاراً" كما تقول: "قاتَلَ" "قِتالاً". ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ جعل ذلك لهم أجلا ﴿فَإِنْ فَآءُوا﴾ يعني: "فان رَجِعُوا" لأنك تقول: "فِئْتُ إلى الحَقِّ".
البقرة 2:228
قال ﴿ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ﴾ ممدودة مهموزة وواحدها "القَرْءُ" خفيفة مهموزة مثل: "القَرْع" وتقول: "قَدْ أَقْرَأَتِ المَرأَةُ" "إِقْراءً" بالهمز، إذا صارت صاحبة حيض. وتقول: "ما قَرَأَتْ حَيْضَةً قَطْ" مثل: "ما قَرَأَتْ قُرآناً". و: "قَدْ قَرَأَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضتَيْنِ" بالهمز، و"ما قَرَأَتْ جَنِينا قطُّ" مثلها. أي: ما حَمَلَتْ. و"القَرْءُ": انْقْطَاعُ الحَيْض. وقال بعضهم: "ما بَيْنَ الحَيْضَتَيْن قال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الثالث والاربعون بعد المئة]:
ذِراعَيْ بَكْرَةٍ أَدْماء بَكْرٍ * هِجانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرأ جَنينا
وأما قول الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الرابع والاربعون بعد المئة]:
فَتُوضِحَ فالمِقراةَ لَمْ يَعْفُ رَسْمُها * لِما نَسَجَتْها مِنْ جَنُوبٍ وَشَمْأَلِ
فان "المِقرْاة": المَسِيل وليس بمهموز.
البقرة 2:232
قال ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ ينهى أزواجهن أن يَمْنَعُوهن من الازواج.
وقال ﴿ذٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾ و ﴿ذٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ لانه خاطب رجالا، وقال في موضع آخر "ذلِكُنَّ الذي لُمْتُنَّني فيه" لانه خاطب نساء، ولو ترك "ذلك" ولم يلحق فيها أسماء الذين خاطب كان جائزا. وقال ﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ ولم يقل ﴿ذَلِكُنَّ﴾ وقال ﴿فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾. وقال في المجادلة ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ وليس بأبعد من قوله ﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ فخاطب ثم حدّث عن غائب لان الغائب هو الشاهد في ذا المكان. وقال ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً﴾.
البقرة 2:233
قال ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ﴾ لانه يقول: "بيني وَبَيْنَكَ رَضاعَةٌ" و"رَضاعٌ" وتقول: "اللُّؤمُ والرَّضاعَةُ" وهي في كل شيء مفتوحة. وبعض بني تميم يكسرها اذا كانت في الارتضاع يقول "الرِّضاعة".
وقال ﴿لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ﴾ رفع على الخبر يقول: "هكذا في الحكم أنه لا تضارُّ والدةٌ بولدها" يقول: "يَنْبَغي" فلما حذف "يَنْبَغي" وصار "تُضارُّ" في موضعه صار على لفظه. ومثله: ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً﴾ فخبر ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ بَعْدَ مَوْتِهِم" ولم يذكر "بَعْدَ مَوْتِهِمْ" كما يحذف بعض الكلام يقول: "يَنْبَغي لَهُنَّ أَنْ يَتَرَبَّصْنَ" فَلَما حذف "يَنْبغي" وقع "يَتَرَبَّصْنَ" موقعه*. قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الخامس والاربعون بعد المئة]:
على الحَكَمِ المَأْتِيِّ يَوْماً إذا قضى * قَضِيَّتَهُ أنْ لا يَجُورَ وَيَقْصِدُ
فَرَفَعَ "وَيَقْصِدُ" على قوله: "وَيَنْبَغي". ومن جعل ﴿لاَ تُضَآرّ﴾ على النهي قال ﴿لاَ تُضَآرَّ﴾ على النصب وهذا في لغة من لم يضعف فاما من ضعف فانه يقول ﴿لا تضارَرْ﴾ اذا أراد النهي لان لام الفعل ساكنة اذا قلت "لا تُفاعَلْ"** وأنت تَنهي. الا ان "تضارَ" ها هنا غير مضعفة لان ليس في الكتاب الا راء واحدة.
البقرة 2:235
قال ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ﴾ فـ"الخِطْبَةِ" الذِكر، و "الخُطْبَةَ": التَشَهُّد.
وقال ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ لانه لما قال ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ كأنه قال: "تذكرون ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلاَّ أَن تَقُولُواْ﴾ استثناء خارج على "ولكنْ".
البقرة 2:237
قال ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ أي: فعليكم نصفُ ما فرضتم ﴿إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ وإنْ شئتَ نَصَبْتَ ﴿نصفَ ما فَرضْتُمْ﴾ على الامر.
وقال ﴿وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ وقال بعضهم ﴿ولا تَناسَوْا﴾، وكلٌّ صَوابٌ. وقال بعضهم ﴿وَلا تَنْسَوِا الفَضْلَ﴾ فكسر الواو لاجتماع الساكنين كما قال ﴿ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ﴾.
البقرة 2:239
قال ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ يقول: "صَلُّوا رِجالاً أَوْ صَلُّوا رُكْبانا".
البقرة 2:240
قال ﴿وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ﴾ كأنه [قال]: "لأزْواجِهِمْ وَصِيَّةٌ ﴿مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ﴾ ونَصَبَ ﴿مَتاعاً﴾ لانه حين قال ﴿لأزْواجِهِمْ﴾﴿وَصِيَّةً﴾ فكأنه قد قال: "فَمَتِّعُوهُنَّ" ﴿مَتاعاً﴾ فعلى هذا انتصب قوله ﴿مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ﴾ يقول "لا إخْراجاً" أي: "متاعاً لا إخْراجاً" أي: لا تُخْرِجُوهُن إخْراجاً. وزعموا أنها في حرف ابن مسعود ﴿كُتِبَ عَلَيكُم وَصِيَّةٌ لأزْواجِكم﴾.
البقرة 2:241
قال ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً﴾ أي: أُحِقُّ ذلِكَ حَقّاً.
وقال بعضهم ﴿وَصِيَّةٌ لأَزْوَاجِهِمْ﴾ (240) فنصب على الامر [ورفع] أي: عَلَيْكُمْ وصيةٌ بذلك" [و] "أَوْصُوا لَهُنَّ وَصِيَّةً".
البقرة 2:245
قال ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ وقال بعضهم ﴿فَيُضَعِّفُه لَهُ﴾. وتقرأ نصبا أيضاً اذا نويت بالاول الاسم لانه لا يكون أن تعطف الفعل على الاسم، فأضمر في قوله ﴿فيُضاعِفَهَ﴾ "أنْ" حتى تكّون اسما فتُجْرِيه على الأَوّل إذا نوى به الاسم. والرفع لغة بني تميم لانهم لا يَنْوون بالاول الاسم فيعطفون فعلا على فعل. وليس قوله ﴿يُقْرِضُ ٱللَّهَ﴾ لحاجة بالله ولكن هذا كقول العرب: "لكَ عِنْدي قرضُ صِدْقٍ" و"قَرْضُ سَوءٍ" لأمر تأتي فيه مسرَّتُه أو مساءته. قال الشاعر: [من البسيط وهو الشاهد السادس والاربعون بعد المئة]:
لا تَخْلِطَنَّ خَبيثاتٍ بِطَيِّبَةٍ * واخْلَعْ ثيابك مِنْها وانجُ عُرْيانا
كُلُّ امرِىءٍ سوفَ يُجْزى قرضَهُ حَسَناً * أوْ سَيِّئاً أَوْ مَدِينا مثلَ ما دانا
فـ"القَرْض": ما سلف من صالح او من سيء.
البقرة 2:246
قال ﴿وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ فـ﴿أنْ﴾ ها هنا زائدة كما زيدت بعد "فلما" و"لَما" و"لَوْ" فهي تزاد في هذا المعنى كثيرا. ومعناه "وَمالنَا لا نُقَاتِلُ" فأعملَ "أَنْ" وهي زائدة كما قال: "ما أَتاني منْ أحَدٍ" فأعمل "مِنْ" وهي زائدة قال الفرزدق: [من البسيط وهو الشاهد السابع والاربعون بعد المئة]:
لَوْ لَمْ تَكُن غَطَفانٌ لا ذُنُوب لَها * إليَّ لامَتْ ذَوو أَحْسابِها عُمَرَا
المعنى: لَوْ لَمْ تَكُنْ غَطَفانٌ لَها ذُنُوب. و"لا" زائدة وأعملها.
البقرة 2:248
قال ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾. و"السَّكِينَةُ" هي: الوَقارُ. وأَما الحديدُ فهو: "السِّكِّينُ، مشدد الكاف. وقال بعضهم: "هي السِّكِّينُ" مثلها في التشديد إلا أَنَّها مؤنثة فأنث. والتأنيث ليس بالمعروف وبنو قُشير يقولون: "سِخِّين" للسكين. وقال ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً﴾.
البقرة 2:251
قال ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ فنصبت ﴿ٱلنَّاسَ﴾ على ايقاعك الفعل بهم ثم أبدلت منهم ﴿بَعْضَهُمْ﴾ للتفسير.
البقرة 2:253
قال ﴿مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ﴾ اي كلمه الله [فلفظ الجلالة]* في ذا الموضع رفعٌ.
وقال ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ أي رفع الله بعضهم درجات.
البقرة 2:255
قال ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ تقول "وسِنُ" يوسَنُ" "سِنَّة" و"وَسَناً"**
وقال ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ لانه من "آدُه" "يَؤُودُهُ" "أَوْداً" وتفسيره: لا يُثْقِلُهُ.
البقرة 2:256
قال ﴿قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ﴾ وان شئت ﴿الرَّشَدُ من الغَيِّ﴾ مضمومة ومفتوحة.
البقرة 2:257
[قال] ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ﴾ جماعة في المعنى وهو في اللفظ واحد وقد جمع فقالوا "الطَواغيتُ".
وأما قوله: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾ فيقول: "يَحْكُم بأنَّهم كذاك" كما تقول: "قَدْ أَخْرَجُك الله من ذا الأمر" ولم تكن فيه قط. وتقول: "أَخْرَجَنِي فُلانُ من الكِتْبَةِ" ولم تكن فيها قط. أي: لَمْ يجعَلْني من أهلها ولا فيها.
البقرة 2:258
قال ﴿فَبَهَتَ ٱلَّذِي كَفَرَ﴾ أي: بَهَتَهُ ابراهيمُ و﴿بُهِتَ﴾ أجود وأكثر.
البقرة 2:259
قال ﴿أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ﴾ الكاف زائدة والمعنى - والله اعلم - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ﴾ ﴿أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ﴾ والكاف زائدة. وفي كتاب الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ يقول: "لَيْسَ كَهُو" لأنَّ الله ليس له مِثْل.
وقال ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ فتثبت الهاء للسكوت واذا وصلت حذفتها مثل ﴿إخْشَهْ﴾. وأثبتها بعضهم في الوصل فقال ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ وَٱنْظُرْ﴾ فجعل الهاء من الاصل وذلك في المعنى: لم تمرر عليه السنون "فـ" السَّنَةُ" منهم من يجعلها من الواو فيقول: "سُنَيَّةٌ" ومنهم من يجعلها من الهاء فيقول: "سُنَيْهَةٌ" يجعل الذي ذهب منها هاء كأنه أبدلها من الواو كما قالوا: "أَسْنَتُوا": إذا أصابتهم السنون. أبدل التاء من الهاء ويقولون: "بِعْتُه مُساناةً" و"مُسانَهَةً". ويكون: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ أن تكون هذه الهاء للسكوت. ويُحْمَلُ قول الذين وصلوا بالهاء على الوقف الخفي وبالهاء نقرأ في الوصل.
وقال ﴿وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ من "نَشَرْتُ" التي هي "ضدُّ "طَوَيْتُ" وقال بعضهم ﴿نُنْشِزُها﴾ لانه قد تجتمع "فَعَلْتُ" و"أَفْعَلْتُ" كثيراً في معنى واحد تقول: "صَدَدْتُ" و"أَصْدَدْتُ" وقد قال ﴿ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ﴾ وقال بعضهم ﴿نُنْشِرُها﴾ أي: نَرْفعها. تقول: "نَشَزَ هذا" و"أَنْشَزْتُهُ".
وقال ﴿أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ إذا عَنَى نفسه. وقال بعضهم ﴿قال اعْلَمْ﴾ جزم على الامر كما يقول: "اعْلَمْ أَنَّه قَدْ كان كذا وكذا" كأنه يقول ذاك لغيره وانما ينبه نفسه والجزم أجود في المعنى إلا أنه أقل في القراءة والرفع قراءة العامة وبه نقرأ.
البقرة 2:260
اما قوله ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ﴾ فلم يكن ذلك شكا منه ولم يُرِد. به رؤية القلب وانما أراد به رؤية العين.
وقوله الله عز وجل له ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾ يقول: "أَلَسْتَ قَدْ صدقت" أَيْ: أنت كذاك. قال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الثالث والثلاثون]:
أَلَسْتُمْ خيرَ مَنْ رَكِبَ المطَايا * وَأَنْدى العالمِينَ بُطُونَ راحِ
وقوله ﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي: قلبي ينازعني الى النظر فاذا نظرت اطمأن قلبي.
قال ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ أي: قَطِّعْهُنَّ وتقول منها: "صارَ" "يَصُورُ". وقال بعضهم ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ فجعلها من "صارَ" "يَصِيرُ" وقال ﴿إِلَيْكَ﴾ لانه يريد: "خُذْ أربعةً إليكَ فَصرهُنَّ".
البقرة 2:264
قال ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ والواحدة "صَفْوانةٌ". ومنهم من يجعل "الصَّفْوان" واحدا فيجعله: الحجر. ومن جعله جميعا جعله: الحِجارَةَ مثل: "التَمْرَةِ" و"التَمْر". وقد قالوا "الكَذَّانِ": الكَذَّانَةُ" وهو شبه الحجر من الطين.
البقرة 2:265
قال ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ وقال بعضهم ﴿بِرَبْوة﴾ و﴿بِرِبْوة﴾ و﴿بِرِباوة﴾ و﴿بِرَباوة﴾ كلٌّ من لغات العرب وهو كله من الرابية وفعله: "رَبا" "يَرْبو".
قال ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ وقال ﴿مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ﴾ و"الأُكْلُ": هو: ما يؤكل. و"الأَكْلُ" هو الفعل الذي يكون منك. تقول: "أَكَلْتُ أَكْلاً" و"أَكَلْت أَكْلَةً واحدةً" واذا عَنَيْتَ الطعام قلت: "أُكْلَةً واحدةً". قال: [من الطويل وهو الشاهد الثامن والاربعون بعد المئة]:
ما أَكْلَةٌ أَكَلْتُها بِغنيمَةٍ * ولا جَوْعَةٌ أنْ جَعْتُها بِغَرامِ
ففتح الألف لأنه يعني الفعل. ويدلك عليه "وَلا جَوْعَةٌ" وان شئت ضممت "الأكْلَةَ" وعنيت به الطعام.
و[قال ﴿فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ﴾]*
وتقول في "الوابِل" وهو: المطرُ الشَديد: "وَبَلَتْ السماء وَ"أَوْبَلَتْ" مثل "مَطَرَتْ" و"أَمْطَرَتْ"، و"طَلَّتْ" و"أَطَلَّتْ" من "الطَلّ"، و"غاثَتْ" و"أَغاثَتْ" من "الغَيْث". وتقول: "وُبِلَتْ الأرض" فهي "مَوْبُولَةٌ" مثل "وُثِئَتْ رِجْلُهُ" [و]* لا يكون "وَبَلَتْ" وقوله ﴿أَخْذاً وَبِيلا﴾ من ذا يعني: شديدا.
البقرة 2:266
قال ﴿لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ﴾ وقال في موضع آخر ﴿ذُرِّيَّةً ضِعافاً﴾ وكلٌّ سواء لانك تقول: "ظَريفٌ" و"ظِرافٌ" و"ظُرَفاءُ" وهكذا جمع "فَعِيل".
البقرة 2:268
قال ﴿ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ﴾ وقال بعضهم ﴿الفُقْر﴾ مثل: "الضَعْف" و"الضُعْف" وجعل "يَعِدُ" متعدياً الى مفعولين.
البقرة 2:270
قال ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ تحمل الكلام على الآخر كما قال ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيۤئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً﴾. وان شئت جعلت تذكير هذا على "الكَسْب" في المعنى كما قال ﴿إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ يقول: "فالإِيْتاءُ خَيْرٌ لَكُمْ والإِخْفاء".
وقوله ﴿وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ ٱلْكِتَابِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ فهذا على ﴿ما﴾. وقوله ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ﴾ تقول: "نَذَرَ" "يَنْذُرُ على نفْسِهِ" "نَذْراً" و"نَذَرْتُ مالي" فـ"أَنَا أَنْذَرُهُ" "نَذْراً" أخبرنا بذلك يونس عن العرب وفي كتاب الله عز و جل ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾. قال الشاعر: [من مجزوء الكامل وهو الشاهد التاسع والأربعون بعد المئة]:
هُمْ يَنْذُرُونَ دَمي وَأَنْذُرُ أَنْ * لَقِيتُ بأَنْ أَشُدَّا
وقال عنترة*: [من الكامل وهو الشاهد الخمسون بعد المئة]:
الشاتِمِيْ عِرْضِي وَلَمْ أَشْتِمُهما * وَالنَّاذِرَيْنِ إذا لَمْ الْقَهُما دَمِي
البقرة 2:274
وقال ﴿ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فجعل الخبر بالفاء اذ كان الاسم "الذي" وصلته فعل لانه في معنى "مَنْ". و"مَنْ" يكون جوابها بالفاء في المجازاة لان معناها "من ينفق ماله فله كذا". وقال ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾ وقال ﴿وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ وهذا في القرآن والكلام كثير ومثله "الذي يأتينا فله درهم".
البقرة 2:279
قال ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ﴾ تقول "قَدْ أَذِنْتُ ** مِنْكَ بِحَرْبٍ" و"هو يَأْذَنُ".
وقال ﴿لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾. وقال بعضهم ﴿لا تُظْلَمُونَ ولا تَظْلِمون﴾ كله سواء في المعنى.
البقرة 2:280
قال ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ يقول: "وانْ كانَ مِمَّن تُقاضُونَ ذو عسرة فعليكم ان تنظروا الى الميسرة" وقال بعضهم ﴿فَنَظْرَة﴾ وان شئت لم تجعل لـ"كان" خبرا مضمرا وجعلت "كانَ" بمنزلة: "وَقَعَ" وقال بعضهم ﴿مَيْسُرِهِ﴾ وليست بجائزة لانه ليس في الكلام "مَفْعُلٌ". ولو قرؤها ﴿مُوسَرِهِ﴾ جاز لانه من "أيْسَرَ" مثل: "أدْخَلَ" فـ"هُو مُدْخَل". وقال بعضهم ﴿فَناظِرْهُ الى مَيْسَرَةٍ﴾ و﴿مَيْسَرَةٍ﴾ فجعلها "فاعِلْ" مِنْ "نَاظَرَ" وجزمها للامر.
وقال ﴿وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ يقول: "الصَدَقَةُ خَيْرٌ لَكُمْ". جعل ﴿أَنْ تَصَدَّقُواْ﴾ اسما مبتدأ وجعل ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ خبر المبتدأ.
البقرة 2:282
قال ﴿وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ أيْ: إنْ لَمْ يَكُنْ الشَهِيدانِ رَجُلَيْنِ. ﴿َفَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ﴾ فالذي يُسْتَشْهَدُ رَجُلٌ وامرأتان.
وقال ﴿وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ﴾ لانها من "سَئِمْتُ" "تَسْأَمُ" "سَآمةً" و"سَأْمَةً" و"سَآماً" و"سَأْماً".
[وقال] ﴿وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ﴾ جزم لانه نهي واذا وقفت قلت "يَأْبَ" فتقف بغير ياء.
وقال ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةٌ حَاضِرَةٌ﴾ أي تَقَعُ تِجَارَةٌ حاضِرةٌ. وقد يكون فيها النصب على ضمير الاسم "إلاّ أنْ تَكُونَ تلكَ تِجارةً.
وقال ﴿وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾ على النهي والرفع على الخبر. وهو مثل ﴿لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ إلاّ إنَهُ لَمْ يُقْرأ ﴿لا تُضارُّ﴾ رفعا.
وقوله ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ﴾ فقوله ﴿بِدَيْنٍ﴾ تأكيد نحو قوله ﴿فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ لأنَّكَ تَقُول "تَدايَنَّا" فيدل على قولك "بِدَيْنٍ" قال الشاعر: [من الرجز وهو الشاهد الحادي والخمسون بعد المئة]:
دَايَنْتُ أَرْوَى والدُّيونُ تُقْضَى * [فَمَطَلَتْ بَعْضاً وَأَدَّتْ بَعْضَا]
تقوله: "دَايَنْتُها ودايَنَتْنِي فقد تَدايَنَّا" كما تقول: "قابَلْتُها وقَابَلَتْنِي فقد تَقَابَلْنا".
وقال ﴿أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ﴾ فأضمر "الشاهد". وقال ﴿إِلَىٰ أَجَلِهِ﴾ الى الاجل الذي تجوز فيه شهادته والله أعلم.
البقرة 2:283
قال ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ تقول: "رَهْنٌ"، و"رِهانٌ" مثل: "حَبْلٌ" و"حِبالٌ". وقال أبو عمرو: "فَرُهُنٌ" وهي قبيحةٌ لأنَّ "فَعْلاً" لا يجمع على "فُعُل" إلا قليلاً شاذاً، زعم أنهم يقولون: "سَقْفٌ" و"سُقُفٌ" وقرأوا هذه الآية ﴿سَقْفاً مِنْ فِضَّةٍ﴾ وقالوا: "قَلْبٌ" و"قُلُبٌ" و"قَلْبٌ" من "قَلْبِ النَّخْلَةٍ" و"لَحْد" و"لُحُد" لـ"لَحْدِ القَبْرِ" وهذا شاذٌ لا يكاد يعرف. وقد جَمَعُوا "فَعْلاً" على "فُعْلٍ" فقالوا: "ثَطٌّ" و"ثُطٌّ"، و"جَوْنٌ" و"جُونٌ"، و"وَرْدٌ" و"وُرْدٌ". وقد يكون "رُهُنٌ" جماعةً لـ"الرِّهانِ" كأنَّه جمع الجَماعة و"رِهانٌ" أَمْثَلُ* من هذا الاضطرار. وقد قالوا: "سَهْمٌ خَشْنٌ" في "سِهامٍ خُشْنٍ". خفيفة. وقال أبو عمرو: "قالت العرب: "رُهُنٌ" ليفصلوا بينه وبين رِهانِ الخيل قال الاخفش: "كلُّ جماعةٍ على "فُعْل" فإنَّه يقال فيها "فُعُل".
وقال﴿فلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ وهي من "أَدّى" "يُؤدِّي" فلذلك هَمَزَ و"اؤْتُمِنَ" همزها لانها من "الأَمانَةِ" [و] موضع الفاء منها همزة، إلاّ أَنَكَ إذا استأنفت ثَبَتَتْ الفُ الوَصَلْ فيها فلم تَهْمِز موضع الفاء لئلا تجتمع همزتان.
البقرة 2:285
قال ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ جعله بدلا من اللفظ بالفعل كأنه قال: اِغْفِر لنا غُفْرانَكَ رَبَّنا" [و] مثله "سُبْحانَكَ" إنما هو "تسبيحَك" أي "نسبحك تسبيحَك" وهو البراءة والتنزيه.
آل عمران 3:2
أما قوله ﴿ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ﴾ فان ﴿ٱلْقَيُّومُ﴾: "الفَيْعُول" ولكن الياء الساكنة إذا كانت قبل واو متحركة قلبت الواو ياء. وأصله "القَيْوُومُ" و(الدَّيَّانُ): "الفَيْعَال" و"الدَّيَّارُ": "الفَيْعال" وهي من "دَارَ" يَدُورُ" وأصله "الدَيْوارُ" ولكن الواو قلبت ياء.
آل عمران 3:3
أما ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ فنصب على الحال.
آل عمران 3:4
قال ﴿هُدىً لِّلنَّاسِ﴾ فـ﴿هُدَىً﴾ في موضع نصب على الحال ولكن ﴿هُدَىً﴾ مقصور فهو متروك على حال واحد.
آل عمران 3:7
قال ﴿هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ﴾ ولم يقل: "أُمَهاتُ" كما تقول للرجل: "مالِي نَصيرٌ" فيقول: "نَحْنُ نَصِيرُكَ" وهو يشبه "دَعْنِي من تمْرَتان". قال: [من الرجز وهو الشاهد الثاني والخمسون بعد المئة]:
تَعَرَّضْتِ لي بِمَكانٍ حِلِّ * تَعَرُّضَ المُهْرَةِ في الطِوَلِّ
* تَعْرُّضاً لَمْ تَأْلُ عَنْ قَتْلا لِي *
فجعله على الحكاية لأنه كان منصوباً قبل ذلك كما ترى، كما تقول: "نُودِيَ" "الصلاةَ الصلاة" "أي: تحكى قوله: "الصلاةَ الصلاةَ" وقال بعضهم: إنَّما هِيَ "أَنْ قَتْلاًلِي" ولكنه جعله عينا لأَنَّ مِنْ لُغته في "أَنْ" "عَنْ". والنصب على الأَمر كأنك قلت: ضَرْباً لزَيْدٍ".
وقال ﴿كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ لأن "كُلّ" قد يضمر فيها كما قال ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ﴾ يريد: كُلُّنا فِيها. ولا تكون "كلّ" مضمرا فيها وهي صفة انما تكون مضمرا فيها اذا جعلتها اسما [فـ] لو كان "إِنَّا كُلاَّ فِيها" على الصفة لم يَجُزْ لأن الاضمار فيها ضعيف لا يتمكن في كل مكان.
وقال ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ يقول: "كَدَأْبِهِم في الشَرِّ" من "دَأَبَ" "يَدْأَبُ" "دَأَباً".
وقال ﴿قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ﴾ أي: إنَّكُمْ سَتُغْلَبُون. كما تقول: "قُلْ لِزيد": "سَوْفَ تَذْهَبُ" أي: إنَّكَ سَوْفَ تَذْهَبُ. وقال بعضهم ﴿سَيُغْلَبُون﴾ أي: قل لهم الذي أقول. والذي أقُول لهم "سيُغْلَبُونَ". وقال ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ﴾ فهذا لا يكون الا بالياء في القرآن لأنه قال ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ﴾ ولو كان بالتاء قال ﴿يُغْفَرْ لَكُم﴾ وهو في الكلام جائز بالتاء. وتجعلها "لَكُمْ" كما فسرت لك.
وقال ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ﴾ على الابتداء رفع كأنه قال "إحداهُما فئةٌ تقاتل في سبيلِ اللّهِ" وقُرِئَت جرا على أول الكلام على البدل وذلك جائز. قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الثالث والخمسون بعد المئة]:
وَكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ رِجْلٌ صَحِيحَةٌ * وَرِجْلٌ بِها رَيْبٌ مِنَ الحَدَثان
فرفع. ومنهم من يجرّ على البدل ومنهم من يرفع على احداهما كذا واحداهما كذا. وقال: [من الطويل وهو الشاهد الرابع والخمسون بعد المئة].
[و] إنَّ لها جارَيْنِ لَنْ يَغْدرا بها * ربيبُ النَبِيِّ وابنُ خَيْرِ الخَلائِفِ
رفع، والنصب على البدل. وقال تعالى ﴿هَـٰذَا [ذِكْرٌ] وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ وان شئت جعلت "جنات" على البدل ايضاً. وان شئت رفعت على خبر "إنَّ"، أو على "هُنَّ جناتُ" فيبتدأ به. وهذا لا يكون على "إحداهما كذا" لأن ذلك المعنى ليس فيه هذا ولم يقرأ أحد بالرفع. وقال تعالى ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ﴾ فنصب على البدل وقد يكون فيه الرفع على "هُم الجِنّ". وقال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ﴾ على البدل ورفع على "هُمْ شَيَاطِينُ" كأنه اذا رفع قيل له، أوْ عُلِمَ أَنه يقال له "ماهُمْ"؟ أوْ "مَنْ هُمْ" فقال: "هُمْ كَذا وكَذا". واذا نصب فكأنه قيل له أو علم أنه يقال له "جَعَلَ ماذا" أو جَعَلُوا ماذا" أو يكون فعلاً واقعاً بالشياطين [و] ﴿عَدُوّاً﴾ حالا ومثله ﴿لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ﴾ ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾ كأنه قيل أو علم ذلك فقال "بناصية" وقد يكون فيه الرفع على قوله: "ما هي" فيقول ﴿نَاصِيَةٌ﴾ والنصب على الحال. قال الشاعر: [من البسيط وهو الشاهد الخامس والخمسون بعد المئة]:
إنّا وَجَدْنا بَنِي جُلاَّنَ كُلَّهُمُ * كَسَاعِدِ الضَّبِّ لا طُولٌ وَلا عِظَمُ
على البدل أي كـ"لا طول ولا عظم" ومثل الابتداء ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ﴾.
وقوله ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ كأنه قيل لهم: "ماذا لهُمْ"؟ و"ماذاكَ"؟ فقيل: "هُوَ كَذا وَكَذَا". وأمَّا ﴿بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ﴾ فانما هو على "أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ حَسَباً" و"بِخَيْرٍ مِنْ ذلكَ حسبا". وقوله ﴿مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ﴾ موضع جرّ على البدل من قوله ﴿بِشَرٍّ﴾ ورفع على "هُوَ مَنْ لَعَنهُ اللّهُ".
آل عمران 3:11
قال ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ يقول: "كَدَأْبِهِم في الشَرِّ" من "دَأَبَ" "يَدْأَبُ" "دَأَباً".
آل عمران 3:12
قال ﴿قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ﴾ أي: إنَّكُمْ سَتُغْلَبُون. كما تقول: "قُلْ لِزيد": "سَوْفَ تَذْهَبُ" أي: إنَّكَ سَوْفَ تَذْهَبُ. وقال بعضهم ﴿سَيُغْلَبُون﴾ أي: قل لهم الذي أقول. والذي أقُول لهم "سيُغْلَبُونَ". وقال ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ﴾ فهذا لا يكون الا بالياء في القرآن لأنه قال ﴿يُغَفَرْ لَهُمْ﴾ ولو كان بالتاء قال ﴿يُغْفَرْ لَكُم﴾ وهو في الكلام جائز بالتاء. وتجعلها "لَكُمْ" كما فسرت لك.
آل عمران 3:13
وقال ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ﴾ على الابتداء رفع كأنه قال "إحداهُما فئةٌ تقاتل في سبيلِ اللّهِ" وقُرِئَت جرا على أول الكلام على البدل وذلك جائز. قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الثالث والخمسون بعد المئة]:
وَكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ رِجْلٌ صَحِيحَةٌ * وَرِجْلٌ بِها رَيْبٌ مِنَ الحَدَثان
فرفع. ومنهم من يجرّ على البدل ومنهم من يرفع على احداهما كذا واحداهما كذا. وقال: [من الطويل وهو الشاهد الرابع والخمسون بعد المئة].
[و] إنَّ لها جارَيْنِ لَنْ يَغْدرا بها * ربيبُ النَبِيِّ وابنُ خَيْرِ الخَلائِفِ
رفع، والنصب على البدل. وقال تعالى ﴿هَـٰذَا [ذِكْرٌ] وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ وان شئت جعلت "جنات" على البدل ايضاً. وان شئت رفعت على خبر "إنَّ"، أو على "هُنَّ جناتُ" فيبتدأ به. وهذا لا يكون على "إحداهما كذا" لأن ذلك المعنى ليس فيه هذا ولم يقرأ أحد بالرفع. وقال تعالى ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ﴾ فنصب على البدل وقد يكون فيه الرفع على "هُمْ الجِنّ". وقال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ﴾ على البدل ورفع على "هُمْ شَيَاطِينُ" كأنه اذا رفع قيل له، أوْ عُلِمَ أَنه يقال له "ماهُمْ"؟ أوْ "مَنْ هُمْ" فقال: "هُمْ كَذا وكَذا". واذا نصب فكأنه قيل له أو علم أنه يقال له "جَعَلَ ماذا" أو جَعَلُوا ماذا" أو يكون فعلاً واقعاً بالشياطين [و] ﴿عَدُوّاً﴾ حالا ومثله ﴿لَنَسْفَعاً بِٱلنَّاصِيَةِ﴾ ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾ كأنه قيل أو علم ذلك فقال "بناصية" وقد يكون فيه الرفع على قوله: "ما هي" فيقول ﴿نَاصِيَةٍ﴾ والنصب على الحال. قال الشاعر: [من البسيط وهو الشاهد الخامس والخمسون بعد المئة]:
إنّا وَجَدْنا بَنِي جُلاَّنَ كُلَّهُمُ * كَسَاعِدِ الضَّبِّ لا طُولٌ وَلا عِظَمُ
على البدل أي كـ"لا طول ولا عظم" ومثل الابتداء ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ﴾.
آل عمران 3:14
قالَ تَعالَىُ ﴿وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ﴾ مهموز منها موضع الفاء لأنه من "آبَ" "يَؤوُبُ" وهي معتلة العين مثل "قُلْتَ" تَقُولُ" "والمَفْعَلُ" "مَقال". تقول: "آبَ" "يَؤوبُ" "إياباً" قال الله تعالى ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ وهو الرجوع. قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد السادس والخمسون بعد المئة]:
فَأَلْقَتْ عَصاها وَاسْتَقَرَّ بِها النَّوى * كَما قَرَّ عَيْناً بالإِيابِ المُسافِرُ
وأمَّا "الأوّابُ" فهو الراجع إلى الحق وهو من: "آبَ" "يَؤوبُ" [أيْضاً]. وأمّا قوله تعالى ﴿يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ فهو كما يذكرون التسبيح أوْ هو - واللّهُ أَعْلَمُ - مثلُ الأَوَّلِ يقول: "ارْجَعِي إلى الحَقِّ" و"الأوّابُ" الراجعُ إلى الحَقِّ".
آل عمران 3:15
قوله ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ كأنه قيل لهم: "ماذا لهُمْ"؟ و "ماذاكَ"؟ فقيل: "هُوَ كَذا وَكَذَا". وأمَّا ﴿بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ﴾ فانما هو على "أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ حَسَباً" و"بِخَيْرٍ مِنْ ذلكَ حسبا". وقوله ﴿مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ﴾ موضع جرّ على البدل من قوله ﴿بِشَرٍّ﴾ ورفع على "هُوَ مَنْ لَعَنهُ اللّهُ".
آل عمران 3:17
قال تعالى ﴿ ٱلصَّابِرِينَ﴾ الى قوله ﴿بِٱلأَسْحَارِ﴾ موضع جر على ﴿لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا﴾ فجر بهذه الام الزائدة.
آل عمران 3:18
قال ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ﴾ إنما هُوَ "شَهِدُوا أَنَّهُ لا إلهَ إلاّ هُوَ قائِماً بالقِسْطِ" نصب ﴿قَائِماً﴾ على الحال.
آل عمران 3:19
قال ﴿إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياَ بَيْنَهُمْ﴾ يقول ﴿وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ﴾ ﴿بَغْياَ بَيْنَهُمْ﴾﴿إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ﴾.
آل عمران 3:28
وقال ﴿لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ﴾ بكسر ﴿يَتَّخِذِ﴾ لأنه لقيته لام ساكنة وهي نهي فكسرته.
وقال تعالى ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تَقِيَّةً﴾ وقال بعضهم ﴿تُقَاةً﴾ وكلٌّ عربي و﴿تُقَاةٌ﴾ أجْوَدُ، مثل: "إِتَّكَأَ" "تُكَأَةً" و"إتَّخم" "تُخَمَةً" و"إتَّحَفَ" "تُحْفَةً".
آل عمران 3:30
قال الله تعالى ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً﴾ لأَنَّ "البَيْنَ" ها هنا ظرف وليس باسم. ولو كان اسماً لارتفع "الأمَدُ". فاذا جئت بشيء هو ظرف للآخر وأوقعت عليه حروف النصب فانصب نحو قولك: "إنَّ عِنْدَنا زَيْداً" لان "عِنْدَنا" ليس باسم ولو قلت: "إنَّ الذِي عِنْدَنا" قلت: "زَيْدٌ" لأن "الذي عندَنا" اسم. قال ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدَ سَاحِرٍ﴾ فجعل "إنَّ" و"ما" حرفاً واحداً واعمل "صَنَعُوا" كما تقول: "إنَّما ضَرَبُوا زَيْداً". ومن جعل "ما" بمنزلة "الذي" يرفع الكيد*.
آل عمران 3:34
قال تعالى ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ﴾ فنصبه على الحال: ويكون على البدل على قوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ آدَمَ﴾ [وقال تعالى]** ﴿إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ فقوله ﴿مُحَرَّراً﴾ على الحال.
آل عمران 3:37
قال تعالى ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ وقال بعضهم ﴿وَكَفَلَها زكرياءُ﴾ و﴿كَفِلَها﴾ ايضاً ﴿زَكَريّا﴾ وبه نقرأُ وهما لُغَتَانِ. وقال بعضهم ﴿وَكَفِلَها زَكَرياء﴾ بكسر الفاء. ومن قال: "كَفَلَ" قال "يَكْفُلُ" ومن قال "كَفِلَ" [قال] "يَكْفَلُ". وأما "كَفُلَ" فلم اسمعها وقد ذكرت.
وقال تعالى ﴿يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فهذا مثل كلام العرب "يأكُلُ بِغَيْرِ حسابٍ" أي: لا يَتَعصَّبُ عَلَيْه ولا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ. و﴿سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ و﴿أَسْرَعُ ٱلْحَاسِبِينَ﴾ يقول: "ليس في حسابه فكر ولا روية ولا تذّكر".
آل عمران 3:38
قال الله تعالى ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ لأن النون [في "لَدُنْ"] ساكنة مثل نون "مَنْ" وهي تترك على حال جزمها في الاضافة لانها ليست من الأسماء التي تقع عليها الحركة، ولذلك قال ﴿مِنْ لَدُنّا﴾، وقال تعالى ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ فتركت ساكنة.
وقال تعالى ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾ مثل "كثيرُ الدُّعاء" لأنه يجوز فيه الألف واللام تقول: "أنتَ السَّمِيعُ الدُّعاءِ" ومعناه "إِنَّكَ مَسْمُوعُ الدُّعاءِ" أي: "إِنَّكَ تَسْمَعُ ما يُدْعَى بِهِ".
آل عمران 3:39
قال تعالى ﴿فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ [وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ*] أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ لأَنَّهُ كأنه قال ﴿نَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾ فقالت: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ وما بعد القول حكاية . وقال بعضهم ﴿أَنَّ اللّهَ﴾ يقول: "فنادته الملائكة بذلك".
وقال تعالى ﴿بِيَحْيَـىٰ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً﴾ وقوله ﴿وَسَيِّداً وَحَصُوراً﴾ معطوف على "مُصَدِّقاً" على الحال.
آل عمران 3:40
قال تعالى ﴿وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ﴾ كما تقول "وَقَدْ بَلَغَنِي الجَهْدُ" أي: أَنَا في الجَهْدِ والكِبَر.
آل عمران 3:41
قال ﴿ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً﴾ يريد: "أَنْ لا تُكَلِّمَ الناسَ إلاَّ رَمْزاً" وجعله استثناء خارجاً من أول الكلام. والرمز: الايماء.
آل عمران 3:42
قال ﴿وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يٰمَرْيَمُ﴾ فـ"إذْ" ها هنا ليس له خبر في اللفظ.
آل عمران 3:44
قال الله تعالى ﴿إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ لأنَّ كل ما كان من طلب العلم فقد يقع بعده الاستفهام. تقول: "أَزَيْدٌ في الدّارِ"؟ و: "لَتَعْلَمَنَّ أَزَيْدٌ فِي الدّار". وقال ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ﴾ أي: لننظر. وقال تعالى ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ وأَمَّا قوله ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً﴾ فلم يرتفع على مثل ما ارتفع عليه الأول لأن قوله ﴿لَنَنزِعَنَّ﴾ ليس بطلب علم. ولكن لما فتحت "مَنْ" و"الذي" في غير موضع "أي" صارت غير متمكنة اذ فارقت اخواتها تركت على لفظ واحد وهو الضم وليس باعراب. وجعل ﴿أَشَدّ﴾ من صلتها وقد نصبها قوم وهو قياس. وقالوا: "إذا تُكُلِّمَ بها فإنَّه لا يكونُ فيها إلاَّ الأعمال". وقد قرىء ﴿تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنُ﴾ فرفعوا وجعلوه من صلة "الذي" وفتحه على الفعل أحسن. وزعموا ان بعض العرب قال: "ما أَنَا بالّذِي قائلٌ لكَ شَيْئاً" فهذا الوجه لا يكون للاثنين الا "ما نَحْنُ بالَّلذَيْنِ قائِلانِ لَكَ شَيْئاً".
آل عمران 3:45
قوله ﴿إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ و﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً﴾ وأَشْباهُ هذا في "إذْ" و"الحِين" وفي "يَوْم" كثير. وانما حسن ذلك للمعنى، لأن القرآن انما انزل على الأمر والذي كأنه قال لهم: "أذْكُروا كذا وكذا" وهذا في القرآن في غير موضع و"اتَّقُوا يومَ كذا" أو"حينَ كذا".
وقال تعالى ﴿ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً﴾ نصبه على الحال ﴿وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ عطف على ﴿وَجِيهاً﴾ وكذلك ﴿وَكَهْلاً﴾ معطوف على ﴿وَجِيهاً﴾ لأن ذلك منصوب. وأما قوله تعالى ﴿بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ﴾ فانه جعل "الكلمة" هي "عيسى" لأنه في المعنى كذلك كما قال ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا﴾ ثم قال ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ وكما قالوا: "ذو الثُدَيَّة" لأن يَدَهُ كانت مثل الثدي. كانت قصيرة قريبة من ثديه فجعلها كأن اسمها "ثُدَيَّة" ولولا ذلك لم تدخل الهاء في التصغير.
آل عمران 3:47
أما قوله ﴿كَذَلِكِ ٱللَّهُ﴾ فكسر الكاف لأنها مخاطبة امرأة واذا كانت الكاف للرجل فتحت. قال للمؤنث ﴿وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ﴾.
آل عمران 3:48
قوله ﴿وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ﴾ موضع نصب على ﴿وَجِيهاً﴾. و﴿رَسُولاً﴾ معطوف على ﴿وَجِيهاً﴾.
آل عمران 3:50
قال تعالى ﴿وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾ على قوله ﴿وَجِئْتُكُمْ﴾ ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيّ﴾ ﴿رَسُولاً﴾ لأَنَّهُ قالَ ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾.
آل عمران 3:51
قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ فـ﴿إنَّ﴾ على الابتداء. وقال بعضُهم ﴿أَنَّ﴾ فنصب على "وَجِئْتُكُم بأَنَّ اللّهَ رَبِّي ورَبُّكُم" هذا معناه.
آل عمران 3:52
قال تعالى ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ﴾ لأنَّ هذا من "أَحَسَّ" "يُحِسُّ" "إحْساساً" وليس من قوله ﴿تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [اذ] ذلك من "حَسَّ" "يَحُسُّ" "حَسَّاً" وهو في غير معناه لأن معنى "حَسَسْتُ" قتلت. و"أَحْسَسْتُ" هو: ظَنَنْتُ.
آل عمران 3:59
[وقال تعالى] ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ رفع على الابتداء ومعناه: "كُنْ" "فكانَ" كأَنَّهُ قال: "فاذا هُوَ كائِنٌ".
آل عمران 3:60
قال ﴿ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ يقول: "هو الحقُّ منْ ربِّكَ".
آل عمران 3:64
قال سبحانه وتعالى ﴿يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ فجر ﴿سَوَآءٍ﴾ لأنها من صفة الكلمة وهو "العَدْل". أراد "مُسْتَوِيَةٍ" ولو اراد "استواءً" لكانَ النَصْب.
وإنْ شاءَ ان يجعله على الأستواء ويجرّ جاز، ويجعله من صفة الكلمة مثل "الخَلْق"، لأن "الخَلْق" قد يكون صفة ويكون اسما، قال الله تعالى ﴿ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ﴾ لأن "السَّواء" للآخر وهو اسم ليس بصفة فيُجْرى على الأول، وذلك اذا اراد به الاستواء فان أراد "مُسْتوِياً"* جاز أن يجري على الأول، فالرفع في ذا المعنى جيد لأنها صفة لا تغير عن حالها ولا تثنى ولا تجمع على لفظها ولا تؤنث، فأشبهت الاسماء. وقال تعالى ﴿أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ فـ"السواءُ" للمَحْيا والمَمَاتِ، فهذا المبتدأ. وإنْ شِئْتَ أَجْرَيْتَهُ على الأول وجعلته صفة مقدمة من سبب الأول فجرى عليه، فذا اذا جعلته في معنى مستو فالرفع وجه الكلام كما فسرته لك من قوله ﴿أَلاَّ نَعْبُدَ** إِلاَّ ٱللَّهَ﴾ فهو بدل كأنه قال "تَعَالَوْا إلى أنْ لا نَعْبُدَ إلاّ اللّهُ".
آل عمران 3:72
قال تعالى ﴿آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ﴾ جعله ظرفا.
آل عمران 3:73
قال تعالى ﴿أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ﴾ يقول "لا تُؤْمِنُوا أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُم وأَنْ يُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ" أي: وَلا تُؤْمِنُوا أَنْ يُحَاجُّوكُمْ.
آل عمران 3:75
قال تعالى ﴿إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً﴾. لأَنَّها مِنْ "دُمْتُ" "تَدُومُ". ولغة لِلْعَرَبِ "دِمْتَ" وهي قراءة مثل "مِتَّ" "تَمُوتُ" جعله على "فَعِلَ" "يَفْعُلُ" فهذا قليل.
وقال تعالى ﴿بِدِينَارٍ﴾ أي: على دينار كما تقول: "مررتُ بِهِ" و"عليه".
آل عمران 3:77
قال عز وجل ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ فهذا مثل قولك للرجل "ما تَنْظُرُ إِلَيَّ" اذا كان لا ينيلك شيئاً.
آل عمران 3:78
قال تعالى ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ ﴾ بفتح الياء. وقال ﴿يُلَوّوُنَ﴾ بضم الياء واحسبها ﴿يَلْووُنَ﴾ لأَنَّه قال ﴿لَيّاً بألسنتهم﴾ فلو كان من ﴿يُلَووُّنَ﴾ لكانت "تَلْوِيَةً بألسنتهم".
آل عمران 3:79
قال تَعالى ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾ نصبٌ على ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ﴾ ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾ لأَنَّ "ثُمَّ" من حُروف العطف.
آل عمران 3:80
﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ﴾ أيضاً معطوفٌ بالنَّصب على ﴿أَنْ﴾ وإنْ شئت رفعت؛ تقول ﴿وَلاَ يَأْمُرُكُمْ﴾ لا تعطفه على الأوَّل تريد: هُوَ لا يَأْمُرُكُمْ.
آل عمران 3:81
قال الله تعالى ﴿لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ فاللام التي مع "ما" في أول الكلام هي لام الابتداء نحو "لزَيدٌ أَفضَلُ مِنكَ"، لأن ﴿مَآ آتَيْتُكُمُ﴾ اسم والذي بعده صلة. واللام التي في ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ لام القسم كأنه قال "واللّهِ لَتُؤمِنُنَّ بِهِ" فوكد في أول الكلام وفي آخره، كما تقول: "أَمَا واللّهِ أَنْ لَوْ اجِئْتَني لَكان كذا وكذا"، وقد يستغنى عنها. ووكّد في ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ باللام في آخر الكلام وقد يستغنى عنها. جعل خبر ﴿مَآ آتَيْتُكُمْ مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ مثل "ما لِعَبْدِ الله؟ واللّهِ لَتْأتِيَنَّه". وان شئت جعلت خبر (ما) ﴿مِنْ كِتابٍ﴾ تريد ﴿لَما آتَيْتُكُمْ كتابٌ وحِكْمَةٌ﴾ وتكون "مِنْ" زائدة.
آل عمران 3:91
قال تعالى ﴿مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً﴾ مهموزة من "مَلأْتُ" وانتصب (ذَهَبا) كما تقول: "لِي مثلُكَ رَجُلاً" أي: لي مثلك من الرجال، وذلك لأنك شغلت الاضافة بالاسم الذي دون "الذهب" وهو "الأرض" ثم جاء "الذهب" وهو غيرها فانتصب كما ينتصب المفعول اذا جاء من بعد الفاعل، وهكذا تفسير الحال، لأنك اذا قلت: "جاء عبدُ الله راكباً" فقد شغلت الفعل* بـ"عبد الله" وليس "راكب" من صفته لأن هذا نكرة وهذا معرفة. وإنما جئت به لتجعله اسما للحال التي جاء فيها. فهكذا تفسيره، وتفسير "هذا أحسنُ منكَ وَجْهاً"، لأن "الوجه" غير الكاف التي وقعت عليها "مِنْ" و"أحسنُ" في اللفظ انما هو الذي تفضله فـ"الوجهُ" غير ذينك في اللفظ فلما جاء بعدهما وهو غيرهما انتصب انتصاب (**) المفعول به بعد الفاعل.
آل عمران 3:93
قال تعالى ﴿كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيل﴾ لأنه يقال: "هذا حَلالٌ" و: "هذا حِلٌّ"، و"هذا حَرام" و"هذا حِرْمٌ" ويقال* ﴿وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ﴾ [ويقال] ﴿وحِرْمٌ على قرية﴾ وتقول: "حِرْمٌ عَليّكُم ذاك" ولو قال ﴿وحُرْمٌ على قريةٍ﴾ كان جائزا [ولو قال] ﴿وحَرْمٌ على قريةٍ﴾ كان جائزاً أيضاً.
آل عمران 3:95
قال الله ﴿فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ نصب على الحال.
آل عمران 3:96
قال تعالى ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ فهذا خبر "إنَّ".
ثم قال ﴿مُبارَكاً﴾ لأنه قد استغنى عن الخبر*، وصار ﴿مُبارَكاً﴾ نصبا على الحال. ﴿وَهُدىً لِّلْعَالَمِينَ﴾ في موضع نصب عطف عليه. والحال في القرآن كثير ولا يكون إلا في موضع استغناء.
آل عمران 3:97
قال تعالى ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ فرفع ﴿مَّقَامُ إِبْراهِيمَ﴾ لأنه يقول: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ منها ﴿مَّقَامُ إِبْراهِيمَ﴾ على الإِضمار.
آل عمران 3:103
قال الله تعالى ﴿وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً﴾ على التفسير بقطع الكلام عند قوله ﴿ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ثم فسر آية التأليف بين قلوبهم وأخبر بالذي كانوا فيه قبل التأليف كما تقول "أسمك الحائِطَ أَنْ يَميل".
﴿وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ﴾ فـ"الشَّفا" متصور مثل "القَفا" وتثنيته بالواو تقول: "شَفَوانِ" لأنه لا يكون فيه الامالة*، فلما لم تجيء فيه الإِمالة عرفت أَنَّهُ من الواو.
آل عمران 3:104
قال تعالى ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ﴾ و"أُمَّةٌ" في اللفظ واحد وفي المعنى جمع فلذلك قال ﴿يَدْعُونَ﴾ [وفي] ﴿وَلْتَكُنْ﴾ جزم السلام بعضهم ايضاً.
آل عمران 3:106
أما قوله ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ على "فيُقالُ لَهُمْ أَكَفَرْتُم". مثل قوله ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ وهذا في القرآن كثير.
آل عمران 3:109
قال عز وجل ﴿وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ﴾ فثنى الاسم واظهره، وهذا مثل "أمَّا زَيْدٌ فقد ذَهَبَ زَيْدٌ". قال الشاعر: [من الخفيف وهو الشاهد السابع والخمسون بعد المئة]:
لا أرَى المَوْتَ يَسْبِقُ الموتَ شَيءٌ * نَغَّصَ المَوْتُ ذا الغِنى والفَقِيرا
فأَظْهَرَ في موضع الاضمار.
آل عمران 3:110
قال تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ يُريدُ "أَهْلَ أُمَّةٍ" لأنَّ الأُمَّةَ الطريقة. والأمَّة أَيْضاً لُغة. قال النابغة: [من الطويل وهو الشاهد التاسع والخمسون بعد المئة]:
حَلفْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً * وَهَلْ يَأْثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وَهُوَ طائِعُ
آل عمران 3:111
قال ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى﴾ استثناء يخرج من أول الكلام. وهو كما روى يونس عن بعض العرب انه قال: "ما أَشْتَكِي شيئاً إلاَّ خَيْراً". ومثلُه ﴿لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾.
آل عمران 3:112
[قال] ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ﴾ فهذا مثل ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذَى﴾ استثناء خارج من أول الكلام في معنى "لكنّ" وليس بأشد من قوله ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً﴾.
آل عمران 3:113
قال ﴿لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ لأنه قد ذكرهم ثم فسره فقال: ﴿مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ﴾ ولم يقل "وَأُمَّةٌ على خلافِ هذهِ الأُمَّةِ" لأنه قد ذكر كل هذا قبل. وقال تعالى ﴿مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ فهذا قد دل على أمة خلاف هذه.
قال تعالى ﴿آنَآءَ ٱللَّيْلِ﴾ وواحد "الآناءِ" مقصور "إنَى" فاعلم وقال بعضهم: "إِنْي" كما ترى و"إنْوٌ" وهو ساعاتُ اللَيْل. قال الشاعر: [من البسيط وهو الشاهد الثامن والخمسون بعد المئة]:
السَّالِكُ الثَّغْرَ مَخْشِيّاً مَوارِدُهُ * فِي كُلِّ إنيٍ قَضاهُ اللَّيلُ يَنْتَعِلُ
قال: وَسِمْعُته "يَخْتَعِلُ"*.
آل عمران 3:118
قال تعالى ﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ لأنها من "ألَوْتُ" و"ما آلُو" "أَلْواً".
وقال تعالى ﴿وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ﴾ يقول ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً﴾ ﴿وَدُّواْ﴾ أي: أحَبُّوا ﴿مَا عَنِتُّمْ﴾ جعله من صفة "البِطانةَ"، جعل ﴿مَا عَنِتُّمْ﴾ في موضع "العَنَتِ".
آل عمران 3:120
قال ﴿لاَ يَضِرْكُمْ كَيْدُهُمْ﴾ لأنه من "ضار" "يَضِير" و"ضِرْتُه" خفيفة "فَأَنَا أَضِيرُه"، قال بعضهم ﴿لا يضُرُّكُمْ﴾ جعله من "ضَرَّ" "يَضُرُّ" وحرّك للسكون الذي قبله لأن الحرف الثقيل بمنزلة حرفين الأول منهما ساكن. وقال بعضهم ﴿لا يَضُرْكم﴾ جعلها من "ضار" "يضُور" وهي لغة.
آل عمران 3:121
قال تعالى ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لأنها من "بَوَّأت" و"إذْ" ها هنا إنَّما خَبَرُها في المعنى كما فسرت لك.
آل عمران 3:125
قال ﴿بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسِوِّمِينَ﴾ لأنهم سَوَّمُوا الخيل. وقال بعضُهم ﴿مُسَوَّمينَ﴾ مُعَلِمينَ لأَنَّهُمْ هْم سُوِّمُوا وبها نقرأ.
آل عمران 3:128
﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ على ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً﴾ عطفه على اللام.
آل عمران 3:140
قال تعالى ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ قال بعضهم ﴿قُرْحٌ﴾ مثل "الضَعْف" و"الضُعْف" وتقول منه "قَرِحَ" "يَقْرَح" "قَرْحا" و"هو قَرِح". وبعض العرب يقول "قَرِيح" مثل "مَذِل" و "مَذِيل".
آل عمران 3:143
قال تعالى ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ توكيداً كما تقول: "قَدْ رأيتُه واللّهِ بِعّيْني" و"رَأَيْتُهُ عِيانا".
آل عمران 3:144
قال تعالى ولم يقل ﴿أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ﴾ فيقطع الألف لأنه جواب المجازاة الذي وقعت عليه ﴿إِنْ] وحرف الاستفهام قد وفع على {إِنْ﴾ فلا يحتاج خبره إلى الاستفهام لأن خبرها مثل خبر الابتداء. الا ترى انك تقول: "أأَزَيْدٌ حَسَنٌ" ولا تقول: "أَزَيْدٌ أَحَسَنٌ" وقال الله تعالى ﴿أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ﴾ ولم يقل "أهُمُ اْلْخالِدُنَ" لأنه جواب المجازاة.
آل عمران 3:145
قال الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً﴾ فقوله سبحانه ﴿كِتَاباً مُّؤَجَّلاً﴾ توكيد، ونصبه على "كَتَبَ اللّهُ ذلكَ كِتاباً مُؤَجَّلاً". وكذلك كل شيء في القرآن من قوله ﴿حَقّا﴾ انما هو "أُحِقُّ ذلِكَ حَقّاً". وكذلك ﴿وَعْدَ ٱللَّهِ﴾ و﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ و﴿صُنْعَٱللَّهِ﴾ و﴿كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ انما هو من "صَنَعَ اللّهُ ذلكَ صُنْعاً" فهذا تفسير كل شيء في القرآن من نحو هذا وهو كثير.
آل عمران 3:146
قال تعالى ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ﴾ يجعل النبيّ هو الذي قُتِلَ وهو أحسنُ الوَجهين لأَنَّه قد قال ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ وقال بعضهم ﴿قَاتَلَ مَعَهُ﴾ وهي أكثر وبها نقرأ. لأَنَّهم كانوا يجعلون ﴿قُتِلَ﴾ على ﴿رِبِّيُّون﴾. ونقول: "فكيف نقول "فكيف نقول ﴿فَمَا وَهَنُواْ﴾ وقد قلنا انهم قد قتلوا فانه كما ذكرت لك أن القتل على النبي صلى الله عليه. وقوله ﴿رِبِّيُّونَ﴾ يعني: الذين يعبدون الرب تعالى وواحدها "رِبِّيّ".
آل عمران 3:147
قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ وقال ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ﴾ و [قال] ﴿مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ فـ﴿أَنْ قَالُواْ﴾ هو الاسم الذي يرفع بـ﴿وَكَانَ﴾ لأن ﴿أَنْ﴾ الخفيفة وما عملت فيه بمنزلة اسم تقول: "أعْجَبَنِي أَنْ قالوا" وإنْ شئت رفعت أول هذا كله وجعلت الآخر في موضع نصب على خبر كان. قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الستون بعد المئة]:
لَقَدْ عَلِمَ الأَقْوامُ ما كانَ دَاءَها * بِثَهْلانَ إلاَّ الخِزْيُ مِمَّنْ يَقُودُها
وان شئت "ما كانَ داؤُها الا الخِزْيَ".
آل عمران 3:153
قال تعالى ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ﴾ لأنك تقول: "أَصْعَد" أي: مَضَى وَسارَ و"أَصْعَدَ الوُادي" أي: انْحدر فيه. وأما "صَعِدَ" فانه: ارتفى.
وقال ﴿فَأَثَابَكُمْ غُمّاً بِغَمٍّ﴾ أي: عَلى غَمٍّ. كما قال ﴿فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ﴾ ومعناه على جذوع النخل وكما قال: "ضَرَبَني فِي السيفِ" يريد "بِالسيف" وتقول: نزلت في أبيك" أي: على أَبيك.
آل عمران 3:154
قال تعالى ﴿إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلُّهُ للَّهِ﴾ اذا جعلت "كُلاًّ" اسما كقولك: "إنَّ الأَمْرَ بَعْضُهُ لِزَيْدٍ" وان جعلته صفة نصبت. وان شئت نصبت على البدل، لأنك لو قلت "إنَّ الأَمْرَ بَعْضَهُ لِزَيْدٍ" لجاز على البدل، والصفة لا تكون في "بَعْض". قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد الحادي والستون بعد المئة]:
إنَّ السُّيُوفَ غُدُوُّها وَرَواحُها * تَركا فَزارَةَ مثلَ قَرْنِ الأَعْضَبِ
فابتدأ "الغُدُوّ" و"الرواحَ" وجعل الفعل لهما. وقد نصب بعضهم "غُدُوَّها" وَرَواحَا" وقال: "تركتْ هَوازِنَ" فجعل "التركَ" لـ"السيوف" وجعل "الغدوَّ" و"الرواح" تابعا لها كالصفة حتى صار بمنزلة "كلّهَا". وتقول ﴿إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ﴾ على التوكيد اجود وبه نقرأ.
وقال تعالى ﴿لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ﴾ وقد قال بعضهم ﴿القِتالُ﴾ و"القَتْلُ" [أصوب] فيما نرى، وقال بَعْضُهُم ﴿إلى قِتالِهِم﴾ و﴿القَتْلُ﴾ أصوبهما إن شاء الله لأنه قال ﴿إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ﴾.
وقال ﴿وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾: أيْ: كَيْ يَبْتَلِيَ اللّهُ.
آل عمران 3:156
قال تعالى ﴿أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ﴾ وواحد "الغُزَّى" "غاز" مثل "شاهِد" و"شُهَّد".
آل عمران 3:157
قال تعالى ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ﴾ الآية. فان قيل كيف يكون ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ جواب ذلك الأول؟ فكأنه حين قال ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ﴾ تذكر لهم مغفرة ورحمة اذ كان ذلك في السبيل فقال ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ يقول: "لَتِلْكَ المغفرة ﴿خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ﴾".
آل عمران 3:158
قال ﴿وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ﴾ وان شئت قلت ﴿قُتِّلْتُمْ﴾.
آل عمران 3:159
قال تعالى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ يقول: "فَبِرَحْمَةٍ" و ﴿ما﴾ زائدة.
آل عمران 3:161
قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ وقال بعضهم ﴿يُغَلُّ﴾ وكلٌّ صواب والله أعلم لأنَّ المعنى "أَنْ يَخُون" أوْ "يُخانَ".
آل عمران 3:165
قال ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ﴾ فهذه الألف ألف الاستفهام دخلت على واو العطف، فكأنه قال: "صَنَعْتُم كَذا وكذا وَلمَّا أصابتكم" ثم ادخل على الواو ألف الاستفهام.
آل عمران 3:166
قال تعالى ﴿وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ فجعل الخبر بالفاء لأَنَّ ﴿ما﴾ بمنزلة "الذي" وهو في معنى "مَنْ"، و"مَنْ" تكون في المجازاة ويكون جوابها بالفاء.
قال ﴿فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ فجعل الخبر بالفاء لأنّ ﴿مَآ أَصَابَكُمْ﴾: الذي أصابكم. وقال ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لأنَّ معناه: "فَهُوَ بإِذن اللّهِ" "وَهُوَ لِيَعْلَم".
آل عمران 3:168
قال ﴿ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ أي: قُلْ لَهُمْ ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ وأضمر "لَهُمْ".
آل عمران 3:173
قال تعالى ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ يقول: "فَزادَهُمْ قَوْلُهُم إيمانا".
آل عمران 3:175
قال ﴿إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ يقول: "يُرْهِبُ النَّاسَ أولِياءَهُ" أي: بِأَوّلِيائِهِ".
آل عمران 3:180
قال ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ﴾ فأراد "وَلا تَحْسَبَنَّ البُخْلَ هُوَ خَيْراً لَهُمْ" فالقى الاسم الذي أوقع عليه الحسبان وهو "البُخْل"، لأنّه قد ذكر الحسبان وذكر ما آتاهم الله من فضله فأضمرهما اذا ذكرهما. وقد جاء من الحذف ما هو أشد من ذا، قال الله تعالى ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ ولم يقل "وَمَنْ أَنْفَقَ مِنْ بَعْد" لأنه لما قال ﴿أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ﴾ كان فيه دليل على أنه قد عناهم.
آل عمران 3:181
قال تعالى ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وقد مضى لذلك دهر، فانما يعني: سنكتب ما قالوا على من رضي به من بعدهم أيام يرضاه".
آل عمران 3:187
قال ﴿لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ يَكْتُمُونَهُ﴾ يقول: "استحلفهم لَيُبَيِّنُنَّه ولا يَكْتُمُونَهُ" وقال ﴿لَتُبيِّنَنَّهُ وَلا تَكْتُمونَهُ﴾ أي: قُلْ لَهُم: "وَاللّهِ لَتُبَيِّنُنَّهُ ولا تَكْتُمُونَه".
آل عمران 3:188
أما قوله ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ فإِنَّ: الآخِرَةَ بَدَلٌ من الأولى والفاء زائدة. ولا تعجبني قراءة من قرأ الأولى بالياء [اذ] ليس لذلك مذهب في العربية لأنه اذا قال ﴿لاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ﴾ فإنَّه لَمْ يوقِعْه على شيء.
آل عمران 3:195
قال ﴿أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ﴾ أيْ: فَاستجاب: بِأَنّي لا أُضيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُم. أدخل فيه ﴿مِنْ﴾ زائدة كا تقول "قَدْ كانَ مِنْ حَدِيثٍ" و﴿مِنْ﴾ ها هنا لغو لأَنَّ حرف النفي قد دخل في قوله ﴿لا أُضِيعُ﴾.