معاني القرآن — الفاتحة 1:1 – آل عمران 3:200
المحتويات
- الفاتحة 1:1
- الفاتحة 1:2
- الفاتحة 1:4
- الفاتحة 1:5
- الفاتحة 1:6
- البقرة 2:1
- البقرة 2:2
- البقرة 2:3
- البقرة 2:4
- البقرة 2:5
- البقرة 2:6
- البقرة 2:7
- البقرة 2:8
- البقرة 2:9
- البقرة 2:10
- البقرة 2:11
- البقرة 2:12
- البقرة 2:13
- البقرة 2:14
- البقرة 2:15
- البقرة 2:16
- البقرة 2:17
- البقرة 2:189
- البقرة 2:190
- البقرة 2:191
- البقرة 2:194
- البقرة 2:195
- البقرة 2:196
- البقرة 2:197
- البقرة 2:198
- البقرة 2:199
- البقرة 2:200
- البقرة 2:202
- البقرة 2:203
- البقرة 2:204
- البقرة 2:205
- البقرة 2:206
- البقرة 2:207
- البقرة 2:208
- البقرة 2:209
- البقرة 2:210
- البقرة 2:211
- البقرة 2:212
- البقرة 2:213
- البقرة 2:214
- البقرة 2:215
- البقرة 2:216
- البقرة 2:217
- البقرة 2:219
- البقرة 2:220
- البقرة 2:221
- البقرة 2:222
- البقرة 2:223
- البقرة 2:224
- البقرة 2:225
- البقرة 2:226
- البقرة 2:228
- البقرة 2:229
- البقرة 2:230
- البقرة 2:231
- البقرة 2:232
- البقرة 2:233
- البقرة 2:234
- البقرة 2:235
- البقرة 2:236
- البقرة 2:237
- البقرة 2:238
- البقرة 2:239
- البقرة 2:240
- البقرة 2:242
- البقرة 2:243
- البقرة 2:244
- البقرة 2:245
- البقرة 2:246
- البقرة 2:248
- البقرة 2:249
- البقرة 2:251
- البقرة 2:253
- البقرة 2:254
- البقرة 2:255
- البقرة 2:256
- البقرة 2:257
- البقرة 2:258
- البقرة 2:259
- البقرة 2:260
- البقرة 2:261
- البقرة 2:264
- البقرة 2:265
- البقرة 2:266
- البقرة 2:267
- البقرة 2:268
- البقرة 2:269
- البقرة 2:270
- البقرة 2:271
- البقرة 2:272
- البقرة 2:273
- البقرة 2:274
- البقرة 2:275
- البقرة 2:278
- البقرة 2:279
- البقرة 2:280
- البقرة 2:282
- البقرة 2:283
- البقرة 2:284
- البقرة 2:285
- البقرة 2:286
- آل عمران 3:1
- آل عمران 3:2
- آل عمران 3:3
- آل عمران 3:4
- آل عمران 3:6
- آل عمران 3:7
- آل عمران 3:8
- آل عمران 3:9
- آل عمران 3:10
- آل عمران 3:11
- آل عمران 3:12
- آل عمران 3:13
- آل عمران 3:14
- آل عمران 3:15
- آل عمران 3:17
- آل عمران 3:18
- آل عمران 3:19
- آل عمران 3:20
- آل عمران 3:21
- آل عمران 3:23
- آل عمران 3:24
- آل عمران 3:25
- آل عمران 3:26
- آل عمران 3:27
- آل عمران 3:28
- آل عمران 3:31
- آل عمران 3:32
- آل عمران 3:33
- آل عمران 3:35
- آل عمران 3:36
- آل عمران 3:37
- آل عمران 3:39
- آل عمران 3:40
- آل عمران 3:41
- آل عمران 3:42
- آل عمران 3:43
- آل عمران 3:44
- آل عمران 3:45
- آل عمران 3:46
- آل عمران 3:48
- آل عمران 3:49
- آل عمران 3:51
- آل عمران 3:52
- آل عمران 3:53
- آل عمران 3:54
- آل عمران 3:55
- آل عمران 3:56
- آل عمران 3:58
- آل عمران 3:60
- آل عمران 3:61
- آل عمران 3:62
- آل عمران 3:63
- آل عمران 3:64
- آل عمران 3:65
- آل عمران 3:67
- آل عمران 3:68
- آل عمران 3:69
- آل عمران 3:70
- آل عمران 3:71
- آل عمران 3:72
- آل عمران 3:73
- آل عمران 3:75
- آل عمران 3:76
- آل عمران 3:77
- آل عمران 3:78
- آل عمران 3:79
- آل عمران 3:81
- آل عمران 3:83
- آل عمران 3:86
- آل عمران 3:87
- آل عمران 3:90
- آل عمران 3:91
- آل عمران 3:92
- آل عمران 3:93
- آل عمران 3:96
- آل عمران 3:97
- آل عمران 3:100
- آل عمران 3:101
- آل عمران 3:102
- آل عمران 3:103
- آل عمران 3:104
- آل عمران 3:106
- آل عمران 3:107
- آل عمران 3:110
- آل عمران 3:111
- آل عمران 3:112
- آل عمران 3:113
- آل عمران 3:114
- آل عمران 3:115
- آل عمران 3:117
- آل عمران 3:118
- آل عمران 3:119
- آل عمران 3:120
- آل عمران 3:121
- آل عمران 3:122
- آل عمران 3:123
- آل عمران 3:125
- آل عمران 3:126
- آل عمران 3:127
- آل عمران 3:128
- آل عمران 3:130
- آل عمران 3:133
- آل عمران 3:134
- آل عمران 3:135
- آل عمران 3:137
- آل عمران 3:138
- آل عمران 3:139
- آل عمران 3:140
- آل عمران 3:141
- آل عمران 3:142
- آل عمران 3:143
- آل عمران 3:144
- آل عمران 3:145
- آل عمران 3:146
- آل عمران 3:147
- آل عمران 3:148
- آل عمران 3:150
- آل عمران 3:151
- آل عمران 3:152
- آل عمران 3:153
- آل عمران 3:154
- آل عمران 3:155
- آل عمران 3:156
- آل عمران 3:159
- آل عمران 3:160
- آل عمران 3:161
- آل عمران 3:162
- آل عمران 3:163
- آل عمران 3:164
- آل عمران 3:165
- آل عمران 3:169
- آل عمران 3:170
- آل عمران 3:171
- آل عمران 3:172
- آل عمران 3:173
- آل عمران 3:174
- آل عمران 3:175
- آل عمران 3:178
- آل عمران 3:179
- آل عمران 3:180
- آل عمران 3:181
- آل عمران 3:184
- آل عمران 3:185
- آل عمران 3:186
- آل عمران 3:187
- آل عمران 3:188
- آل عمران 3:189
- آل عمران 3:190
- آل عمران 3:191
- آل عمران 3:192
- آل عمران 3:193
- آل عمران 3:194
- آل عمران 3:195
- آل عمران 3:196
- آل عمران 3:199
- آل عمران 3:200
الفاتحة 1:1
ممَّا قصدنا له قوله عزوجل: ﴿بِسْمِ ٱللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾
قال أكثر البصريين: المعنى: أولُ ما افتتح بـ "بسم اللهِ" وأوَّل كلامي "بِسمِ اللهِ".
قال سيبويه: معنى الباء: الإلصاق.
قال الفراء: موضع الباءِ نَصْبٌ، والمعنى: بدأتُ باسمِ اللهِ، وأبدأُ باسم الله.
وفي اشتقاق "اسم" قولان:
أحدهما: من السُّمُوِّ، وهو العُلُوِّ، والارتفاعُ، فقيل: اسمٌ لأَنَّ صاحبَه بمنـزِلة المرتفِعِ بهِ.
وقيل: وهو من وَسَمْتُ، فقيل: اسمٌ لأنَّه لصاحبه بمنـزلة السِّمَةِ، أي يُعْرفُ به.
والقول الثاني خطأ، لأنَّ السَّاقطَ منه لامُه، فصحَّ أنه من سَمَا يَسْمُو.
قال أحمد بن يحيى: يُقال: سِمٌ، وسَمٌ، ويُقال: إِسْمٌ بكسر الألف، ويُقال: بضمِّها.
فمن ضمَّ الألف أخذه من سموتُ أسمو.
ومن كسر أخذه من سَمَيْتُ أسمي.
قال الكسائي والفَرَّاءُ: معنى "بسمِ اللهِ" باسم الإِله، وتركوا الهمزة وادغموا اللاَّم الأولى في الثانية، فصارت لاماً مشددةَ، كما قال جلَّ وعز ﴿لَّٰكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي﴾ ومعناه: "لَكِنْ أَنَا هُوَ اللهُ رَبِّي" كذلك قرأها الحسن.
ولسيبويه في هذا قولان:
أحدهما: أن الأصل إلهٌ، ثم جيء بالألف واللام عوضاً من الهمزة، وكذلك الناسُ عنده الأصلُ فيه أناسٌ.
والقول الآخر: هو أيضاً قول أصحابه، أن الأصل لاَهٌ، ثم دخلت عليه الألفُ واللامُ، وأنشدوا:
لاَهِ ابنُ عَمِّكَ لاَ أَفْضَلْتَ فِي حَسَبٍ * عَنِّي وَلاَ أَنْتَ دَيَّانِي فَتَخْزُونِي
ويُسألُ عن التكرير في قوله عزوجل: ﴿الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾.
فرُوي عن ابن عباس أنه قال: ﴿الرَّحْمٰنُ الرَّحِيـمُ﴾ اسمان رقيقان، أحدهما ارقُّ من الآخر، فالرحمنُ الرَّقيقُ، والرَّحيمُ العاطفُ على خلقه بالرزق.
قال محمد بن كعب القُرَظي: "الرَّحمنُ" بخلقه "الرحيم" بعباده فيما ابتدأهم به، من كرامته، وحُجَّته.
وقال عطاء الخرساني: كان الرحمن، فلما اختزل الرحمنُ من أسمائه صار "الرحمن الرحيم".
وقال العَرْزَمِي: "الرحمن" بجميع الخلق "الرحيم" بالمؤمنين.
وقال أبو عبيدة: هما من الرحمة. كقولهم: ندمان ونديم.
وقال قطرب: يجوز أن يكون جمع بينهما للتوكيد. وهذا قولٌ حسنٌ، وفي التوكيد أعظم الفائدة، وهو كثير في كلام العرب، يستغني عن الاستشهاد.
والفائدة في ذلك ما قاله محمد بن يزيد: إنه تفضّلٌ بعد تفضِّلٍ، وإنعامٌ بعد إنعام، وتقويةٌ لمطامع الداعين، ووعدٌ لا يخيب آمله.
وقول العَرْزَمِيِّ أيضاً حسن، لأنَّ "فَعْلاَن" فيه معنى المبالغة، فكأنه - والله أعلمُ - الرحمنُ بجميع خلقه، ولهذا لم يقع إلاَّ للَّهِ تعالى، لأن معناه: الذي وسِعت رحمتُه كلَّ شيءٍ.
ولهذا قُدِّم قبل "الرحيم".
وصار "الرحيمُ" أولى من الراحم، لأن "الرحيم" ألزمُ في المدح، لأنه يدل على أن الرحمةَ لازمة له، غيرُ مفارقةٍ، والرَّاحمُ يقع لمن رحمَ مرَّةً واحدة.
وقال أحمد بن يحيى: "الرحيمُ" عربيٌّ، و"الرَّحْمَنُ" عبرانيٌّ، فلهذا جُمع بينهما.
وهذا القولُ مرغوبٌ عنه.
ورَوَى مطرٌ عن قتادة في قوله: ﴿بِسْمِ ٱللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾ قال: مَدَح نفسَهُ. وهذا قول حسن.
قال أبو العباس: النَّعْتُ قد يقع للمدح، كما تقول: قال جريرٌ الشَّاعر.
الفاتحة 1:2
قولُه تعالى: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ﴾ الفرقُ بين الحمد والشكر: أنَّ الحمدَ أعمُّ لأنه يقع على الثناء، وعلى التحميد، وعلى الشكرِ والجزاء.
والشكر مخصوصٌ بما يكون مكافأةً لمن أوْلاكَ معروفاً، فصار الحمدُ أثبتَ في الآية، لانه يزيد على الشكر.
ويُقال: الحمدُ خبرٌ، وسبيلُ الخبرِ أن يُفيد، فما الفائدة في هذا؟
والجوابُ عن هذا: أن سيبويه قال: إذا قال الرجل: الحمدُ للهِ بالرفع، ففيه من المعنى مثلُ ما في قوله: حِمْدتُ الله حَمْداً، إلاّ أن الذي يرفعُ الحمدَ، يُخْبِر أنَّ الحمد منه، ومن جميع الخلق لله تعالى، والذي ينصبُ الحمدَ، يخبر أن الحمد منه وحدَه لله تعالى.
قال ابن كيسان: وهذا كلام حسنٌ جداً، لأن قولك: الحمدُ للهِ مَخْرجُهُ في الاعراب، مَخْرج قولك: المالُ لزيدٍ، ومعناه: أنك أخبرتَ به وأنت تعتمد أن تكون حامداً، لا مُخبراً بشيءٍ، ففي إخبار المخبرِ بهذا، إقرار منه بأن الله تعالى مستوجبُهُ على خلقه، فهو أحمد من يَحمده، اذا أقَّر بأن الحمد له، فقد آل المعنى المرفوع الى مثل معنى المنصوب، وزاد عليها بأن جعل الحمد الذي يكون عن فعلِه، وفعل غيره لله تعالى.
وقال غير سيبويه: إنما يُتكلم بهذا تعرضاً لعفو الله تعالى ومغفرته وتعظيماً له وتمجيداً، فهو خلاف معنى الخبر، وفيه معنى السؤال.
وفي الحديث: "من شُغِلَ بذكري عن مَسْأَلَتي، أعطيتُه أفْضَل ما أُعطي السائلين".
وقيل: إن مَدْحه نفسه جلَّ وعز وثناءه عليه، ليُعلم ذلك عباده، فالمعنى على هذا: قولوا: الحمد لله.
وإنما عِيبَ مدحُ الآدمي نفسه لأنه ناقص، وإن قال: أنا جوادٌ فثمَّ بُخْلٌ، وإن قال: أنا شُجاع فَثَمَّ جُبنٌ، والله تعالى مُنَـزَّه من ذلك، فإن الآدمي إنما يمدح نفسه ليجتلب منفعة، ويدفع مضرَّة، والله تعالى غنيٌّ عن هذا.
* وقوله جل وعز: ﴿رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
قال أهلُ اللغة: الربُّ: المالكُ وأنشدوا:
وَهُوَ الرَبُّ والشَّهِيدُ عَلَى يَوْ * مِ الحِيَارَيْنِ وَالبَلاءُ بَلاَءُ
وأصل هذا أنه يُقال: رَبَّه، يَرُبُّه، رَبَّاً، وهو رَابٌّ، وربٌّ: إذا قام بصلاحه.
ويُقال على التكثير: رَبَّاه وربَّبَهُ، ورَبَّتَه.
وروى عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ قال: الجنُّ والانسُ.
وروى الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: الجنُّ عَالَم، والإنس عالم، وسِوَى ذلك، للأرض أربعُ زوايا في كل زاوية ألف وخمس مائة عَالَمٍ خلقهم الله لعبادته.
وقال أبو عبيدة: ﴿ربُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي المخلوقين.
وأنشد العجاج: "فخندفٌ هامةُ هذا العالم".
والقول الأول: أجلُّ هذه الأقوال، وأعرفها في اللغة لأن هذا الجمع إنما هو جمعُ ما يعقل خاصة.
و "عالمٌ" مشتقٌّ من العلامة.
وقال الخليل: العَلَمُ، والعَلامةُ، والمَعْلَمُ، ما دلَّ على الشيء، فالعالَم دالّ على أنَّ له خالقاً ومدبِّراً.
الفاتحة 1:4
قوله تعالى: ﴿مَلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ ويُقْرأ ﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾.
واختار ابو حاتم (مَالكِ)، قال: وهو أجمع من (مَلِكِ)، لأنك تقول: إن الله مالكُ النَّاسِ، ومالكُ الطير، ومالك الريح، ومالك كل شيء من الأشياء، ونوعٍ من الأنواع، ولا يقال: الله مَلِكُ الطَّيْرِ، ولا مَلِكُ الريح، ونحو ذلك وإنما يحسُنُ "مَلِكُ" النَّاس وحدهم.
وخالفه في ذلك جِلّةُ أهل اللُّغة، منهم "أبو عُبيد" وأبو العباس "محمدُ بن يزيد" واحتجوا بقوله تعالى: ﴿لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ﴾؟ والمُلْكُ: مصدرُ المَلِكِ، ومصدر المالِكِ "مِلْكٌ" بالكسرِ، وهذا احتجاج حسن.
وأيضاً فإنَّ حجَّة "أبي حاتم" لا تلزم، لأنه إنما لم يُستعمل مَلِكُ الطَّيْرِ، والرياحِ، لأنه ليس فيه معنى مدحٍ.
وحدَّثنا محمد بن جعفر بن محمد عن أبي داود بن الأنباري قال: حدثنا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا عمرو عن أسباط عند السُّدّيِّ - وهو إسماعيلُ بن عبدالرحمن بن أبي مالك - عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مُرَّة الهَمَداني عن ابن مسعود وعن أناسٍ من أصحاب رسول الله ﷺ قال: ﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ "يومُ الدِّينِ": هو يوم الحساب.
وقال مجاهد: ﴿الدِّينُ﴾ الجزاءُ، والمعنيان واحد، لأن يوم القيامة يوم الحساب، ويوم الجزاء.
والدين في غير هذه الطَّاعة، والدِّينُ العادةُ، كما قال:
* أَهَذَا دِينُهُ أَبَداً ودِينِي"؟ *
والمعاني متقاربة، لأنه إذا أطاع فقد دان.
والعادةُ تجري مَجْرى الدِّينِ، وفلانٌ في دينِ فلانٍ: أي في سلطانِهِ وطاعَتِهِ.
فإن قيل: لم خُصَّت القيامة بهذا؟
فالجواب: أن يوم القيامة يومٌ يضطر فيه الخلائقُ إلى أن يعرفوا أن الأمر كله لله تعالى.
وقيل: خصَّه لأن في الدنيا ملوكاً وجبَّارين، ويوم القيامة إنما يرجع الأمر كلُّه إلى الله تعالى.
الفاتحة 1:5
قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ولم يقل "نَعْبُدكَ" لأن هذا أوكدُ.
قال سيبويه: كأنهم إنما يُقدِّمون الذي بيانُه أهَمُّ إليهم، وهم ببيانهِ أعْنَى، وإن كانا جميعاً يَهُمَّانهم ويَعْنيانهم.
والعبادة في اللغة: الطَّاعة مع تذلُّل وخضوع، يُقال: طريقٌ معبَّدٌ: إذا كان قد ذُلِّل بالوَطْءِ، وبعيرٌ معبَّدٌ: إذا طُلي بالقطران، أي امتُهن كما يُمْتهن العبدُ، قال طرفة:
إلَى أَنْ تَحَامَتْنِي العَشِيرَةُ كُلُّهَا * وَأُفْرِدْتُ إفْرَادَ البَعِيرِ المعَبَّدِ
ويُقال: عَبِدَ من كَذَا، أي أَنِفَ منه، كما قال الشاعر:
* "وَأَعْبَدُ أَنْ تُهْجَى تَمِيمٌ بِدَارِمِ" *
* ثم قال تعالى: ﴿وإيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
فأعاد "إيَّاكَ" توكيداً، ولم يقل "ونستعين" كما يُقال: المالُ بين زيد وبين عمروٍ، فتعاد "بين" توكيداً، وقال: ﴿إيَّاكَ﴾ ولم يقل: إيَّاه، لأن المعنى: قل يا محمد "إيَّاكَ نَعْبُدُ".
على أن العرب ترجع من الغيبة إلى الخطاب، كما قال الأعشى:
عِنْدَهُ الحَزْمُ والتُّقَى وَأَسَى الصَرْ * عِ وَحَمْلٌ لمضْلِعِ الأَثْقَالِ
ثم قال: ورجع من الغَيْبَةِ إلى الخطاب:
ووفاءٌ اذَا أَجَرْتَ فَما غُرَّ * تْ حبالٌ وصَلْتَها بحبالِ
وقال تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾.
ثم قال: ﴿إنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾.
وعكس هذا أن العرب ترجع من الخِطَاب إلى الغيبة، كما قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾.
وفي الكلام حذفٌ والمعنى: وإياكَ نستعين على ذلك.
الفاتحة 1:6
قال تعالى: ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾.
وهم على الهُدى، أي ثبِّتنا، كما تقولُ للقائم: قُمْ حتَّى أعودَ إليكَ، أي اثبت قائماً.
ومعنى ﴿ٱهْدِنَا﴾: أَرْشِدْنَا، وأصلُ هَدَى أرشد، ومنه: ﴿وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾. ويكون هَدَى بمعنى: بَيَّن، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾، ويكون هدى بمعنى أَلْهَمَ، كما قال تعالى: ﴿ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ أي ألهمه مصلحته.
وقيل: إتيانُ الأنثى.
ويكون هدى بمعنى دعا، كما قال: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ اي نبيٌّ يدعوهم.
وأصلُ هذا كله: أرشد، والمعنى: أرشدنا إلى الصراط المستقيم.
حدثنا محمد بنُ جعفر الأَنْبَاريُّ، قال: حدَّثني هاشم بن القاسِمِ الحَرَّانِيُّ، قال: حدَّثنا أبو إسحاق النَّحْويُّ عن حمزة بن حبيبٍ عن حُمْرَان بن أَعْيَنَ، عن أبي منصور بن أخي الحارث، عن الحارثِ عن علي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الصِّرَاطُ المستقيمُ": كتابُ الله.
وروى مسْعَرٌ عن منصور عن أبي وائلٍ عن عبدالله في قوله تعالى: ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: كتابُ الله.
وروى عبدالله بن محمد بن عقيل عن جابر قال: هو الاسلام.
والصِّرَاطُ في اللغة: الطريقُ الواضحُ، وكتابُ الله بمنـزلةِ الطريق الواضح، وكذلك الإِسلام، وقال جرير:
أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عَلَى صِرَاطٍ * إذا اعْوَجَّ المَوَارِدُ، مُسْتَقِيمِ
أَمِيرَ المُؤمِنِينَ جَمَعْتَ دِيناً * وَحِلْماً فَاضِلاً لِذَوِي الحُلُومِ
البقرة 2:1
سورة البقرة، وهي مدنية، من ذلك:
قوله تعالى: ﴿الۤمۤ﴾.
اختلف أهلُ التفسير، وأهلُ اللُّغةِ في معنى ﴿الۤمۤ﴾ وما أشبهها. قال: فحدثنا عبدالله بن إبراهيم البَغداديُّ بالرَّمْلَة قال: حدثنا حفصُ بن عمر بن الصباح الرَّقِّي أبو عمروٍ، قال: حدثنا أبو نُعَيم، قال: حدثنا شريكٌ عن عطاءٍ، عن أبي الضُّحى، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿الۤمۤ﴾ قال: أَنَا اللهُ أعلمُ ﴿الۤمۤ﴾ أنا اللهُ، أَرَى ﴿الۤمۤصۤ﴾ أنا اللهُ، أَفْصِلُ.
وروى أبو اليقظان عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، مثلَهُ.
وشرحُ هذا القول إن الألف تؤدِّي عن معنى "أنا" واللاَّم تؤدِّي عن اسم الله جل وعز، والميم تؤدي عن معنى "أعلم".
ورأيت أبا إسحاق يميل إلى هذا القول، ويقول: أذهب إلى أنَّ كل حرف منها يؤدِّي عن معنى.
وحدثنا بكر بن سَهْلٍ قال: حدثنا أبو صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿الۤمۤصۤ﴾ و ﴿كۤهيعۤصۤ﴾ و ﴿طه﴾ و ﴿طسۤ﴾ و ﴿طسۤمۤ﴾ و ﴿يسۤ﴾ و ﴿صۤ﴾ و ﴿حـمۤ عۤسۤقۤ﴾ و ﴿قۤ﴾ و ﴿نۤ وَٱلْقَلَمِ﴾ وأشباه هذا، هو قَسَمٌ أقسمَ الله به وهنَّ من أسماءِ الله تعالى.
وروى ابن عُلية عن خالد الحَذَّاء، عن عكرمة قال: ﴿الۤمۤ﴾ قسم.
وحدثنا أحمد بن محمد بن نافع قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا عبدالرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة، في قول الله تعالى: ﴿الۤمۤ﴾، قال: اسمٌ من أسماء القرآن.
ورُوِيَ عن مجاهد قولان:
قال أبو عُبيد: حدثنا أبو مهدي عن سفيان عن خُصَيف او غيره - هكذا قال عن مجاهد - قال: في كلِّه، هي فواتِح السور.
والقولُ الآخر: حدثنا به محمد بن جعفر الأنباري قال: حدثني محمد بن بحر، قال: حدثنا موسى عن شبل عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهد قال: ﴿الۤمۤ﴾ اسمٌ من أسماء القرآن.
قال أبو العباس - وهو اختياره - رُوي عن بعض أهل السلف أنه قال: هي تنبيه.
وقال أبو عبيدة والأخفش: هي افتتاح كلام.
وقطربٌ يذهب الى انها جيء بها لأنهم كانوا ينفرون عند استماع القرآن، فلما سمعوا ﴿الۤمۤ﴾ و ﴿الۤمۤصۤ﴾ استنكروا هذا اللفظ، ولما انصتُوا له ﷺ أقبل عليهم بالقرآن المؤلف ليثبت في أسماعهم وآذانهم، ويقيمَ الحجَّةَ عليهم.
وقال الفراء: المعنى هذه الحروف يا محمد ذلك الكتاب.
وقال أبو إسحاق: ولو كان كما قال: لوجب أن يكون بعده أبداً ﴿ذَلِكَ الكِتَابُ﴾ أو ما أشبهه.
وهذه الأقوال يَقْرُب بعضها من بعض، لأنه يجوز أن تكون أسماء للسُّورة، وفيها معنى التَّنبيه.
فأمَّا القَسَم فلا يجوز، لعلَّةٍ أوجبتْ ذلك من العَرَبية.
وأُبينُ هذه الأقوال:
قولُ مجاهد الأول: إنها فواتح السور، وكذلك قول من قال: هي تنبيه، وقول من قال: هي افتتاح كلامٍ، ولم يَشْرحوا ذلك بأكثر من هذا، لانه ليس من مذهب الأوائل.
وإنما باقي الكلام عنهم مجملاً، ثم يتأوله اهل النَّظر، على ما يوجبه المعنى.
ومعنى افتتاح كلام وتنبيه: أنها بمنـزلة "ها" في التنبيه و "يا" في النداء، والله تعالى أعلم بما أراد.
وقد توقَّف بعض العلماء عن الكلام فيها وأشكالها، حتى قال الشعبي: لله تعالى في كل كتابٍ سِرٌّ، وسِرُّه في القرآن فواتحُ السُّور.
وقال أبو حاتم: لم نجدِ الحروف المقطَّعة في القرآن، إلاَّ في أوائل السور، ولا ندري ما أراد الله تعالى بها؟.
البقرة 2:2
قال جل وعز: ﴿ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾.
رَوَى خَالدٌ الحَذَّاءُ عن عِكْرِمَةَ قال: ﴿ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ﴾ هذا الكتابُ، وكذا قول أبي عُبيدة، وأنكره أبو العباس قال: لأن "ذَلِكَ" لِما بَعُدَ، و "ذَا" لِما قَرُبَ، فإِنْ دخلَ واحدٌ منهما على الآخر، انقلبَ المعنى، قال: ولكنَّ المعنى: هَذَا القرآنُ، ذلكَ الكتابُ الذي كنتم تستفتحون به على الَّذينَ كفروا.
وقال الكسائي: كأنَّ الإِشارة [إلى القرآنِ الذي في السَّماء] والقولَ من السَّماءِ، والكتابَ، والرسولَ في الأرض، فقال: ذلك الكتابُ يا محمَّدُ.
قال ابن كيسان: وهذا حَسَنٌ.
قال الفراء: يكون كقولك للرجل وهو يُحدِّثُك: ذلكَ واللَّهِ الحقُّ، فهو في اللفظ بمنـزلة الغائب، وليس بغائب.
والمعنى عنده: ذلكَ الكتابُ الذي سَمِعْتَ بهِ.
وقيل ﴿كِتَابٌ﴾ لِمَا جُمِعَ فيه، يقال: كتبتُ الشَّيْءَ أي جمعتُه، والكَتْبُ: الخَرْزُ، وكتبتُ البَغْلَةَ منه أيضاً، والكتيبةُ: الفِرْقَةُ المجتمعُ بعضُها إلى بعضٍ.
* ثم قال تعالى: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾. قال قتادة: لا شكَّ فيه. وكذا هو عند أهل اللغة.
قال أبو العباس: يقال: رابني الشَّيْءُ إذا تبيَّنْتُ فيه الريبةَ، وأرابني إذا لم أتَبيَّنْها منه.
وقال غيره: أرابَ في نفسه، ورابَ غيرَه، كما قال الشاعر:
وَقَدَ رَابَنِي قَوْلُهَـا يَا هَنَـا * هُ، وَيَحْكَ أَلْحَقْتَ شَرَّاً بِشَرٍّ
ومنه "دَعْ ما يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُك" ومنه ﴿رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ أي حوادث الدهر، وما يُسترابُ به.
وأخبر تعالى أنه ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ ثم قال بعدُ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾.
فالقول في هذا أنَّ المعنى: وإن كنتم في قولكم في ريبٍ، وعلى زعمكم وإنْ كنا قد أتيناكم بما لا ريب فيه، لأنهم قالوا كما قال الذين من قبلهم ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾.
* ثم قال تعالى: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾.
والهُدَى: البيانُ والبصيرةُ.
* ثم قال تعالى: ﴿لِلْمُتَّقِيِنَ﴾ أي الَّذين يتَّقون ما نُهُوا عنه.
والتقوى: أصلُها من التوقِّي، وهو التستُّر من أن يُصيبه ما يَهْلِك به.
البقرة 2:3
قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾.
أصلُ الإيمانِ التصديقُ، ومنه قوله تعالى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾.
يُقال: آمنتُ بكذا أي صَدَّقتُ به.
فإذا قلتَ مؤمنٌ، فمعناه مُصَدِّقٌ بالله تعالى لا غيرُ.
ويجوز أن يكون مأخوذاً من الأَمَانِ، أي يُؤَمِّنُ نفسه بتصديقه وعمله. واللَّهُ المُؤْمِنُ: أي يُؤمِّنُ مطيعَه من عذابه.
ورَوَى شَيْبانُ عن قتادةَ ﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾ أي آمنوا بالبعث، والحساب، والجنَّةِ، والنَّار، فصَدَّقوا بموعود الله تَعالى.
قال أبو رُزين في قوله تعالى ﴿وَمَا هُو عَلَى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ يعني القرآن.
قال ابن كَيْسَان: وقيل ﴿يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾ أي بالقَدَر.
والغيبُ في اللغة: ما اطمأنَّ من الأرض، ونزل عمَّا حوله يستتر فيه مَنْ دَخَله.
وقيل: كل شيءٍ مستترٍ غيبٌ، وكذلك المصدرُ.
* ثم قال تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاةَ﴾.
أي يُؤدُّون الصَّلاةَ المفروضةَ، تقول العربُ: قامتِ السُّوقُ وأَقَمْتُها، أي أَدَمْتُها ولم أُعَطِّلها، وفلانٌ يقومُ بعملهِ، منه.
ومعنى إقامةِ الصلاة: إدامتُها في أوقاتها وتركُ التفريطِ في أداء ما فيها من الرُّكوع والسُّجود.
وقيل: الصَّلاةُ مشتَّقَةٌ مِنَ الصَّلَوَيْنِ، وهما عرقانِ في الرَّدف يُنحَّيان في الصلاة.
وقيل: الصلاةُ: الدعاءُ فيها، وذلك معروفٌ، قال الأعشى.
تَقُولُ بِنْتِيِ وَقَدْ قَرَّبْتُ مُرْتَحَلاً * يَارَبِّ جَنِّبْ أَبي الأَوْصَابَ وَالوَجَعَا
عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي * نَوْماً فَإِنَّ لِجَنْبِ المَرءِ مُضْطَجَعَاً
والصَّلاةُ من اللَّهِ تعالى الرحمةُ، ومن الملائكةِ الدُّعَاءُ، ومن الناس تكون الدعاءَ، والصلاةَ المعروفة.
* ثم قال تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
أي يتصدَّقون ويُزكُّون، كما قال تعالى ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾.
قال الضحاك: كانت النفقة قرباناً يتقربونَ بها إلى الله تعالى، على قدر جِدَتِهِمْ، حتى نزلت فرائض الصدقات والنَّاسخات في براءة.
البقرة 2:4
قال تعالى: ﴿وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾.
أي لا يؤمنون ببعضٍ، ويكفرون ببعضٍ، كما فعله اليهود والنصارى.
* ثم قال تعالى: ﴿وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.
سُمِّيت آخرة لأنها بعد أُوْلَى، وقيل: لتأخرها من الناس، وجمعُها أواخر.
البقرة 2:5
قال تعالى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾.
روى إبراهيم بن سعيد عن محمد بن إسحاقَ، قال: على نورٍ من ربِّهم، واستقامةٍ على ما جاءهم من عند الله.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
قال ابن إسحاق: أي الذين أدركوا ما طلبوا، ونَجَوْا من شرِّ ما منه هَرَبُوا.
وأصلُ الفلاح في اللغة: البقاءُ، وقيل للمؤمنِ: "مُفلِحٌ" لبقائه في الجنة.
وقال عَبِيد:
أَفْلِحْ بِمَا شِئْتَ فَقَدْ يُدْرَكُ بالضَّعْفِ وقد يُخْدَعُ الأَرِيبُ أي ابقَ بما شئتَ من كَيْسٍ وحُمقٍ، ثم اتُّسِعَ في ذلك، حتى قيل لكل من نالَ شيئاً من الخير: مُفِلحٌ.
البقرة 2:6
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾.
هم الكفار الذين ثبتَ في علمِ الله تعالى أنهم كفارٌ، وهو لفظ عامٌّ يراد به الخاص، كما قال تعالى ﴿قُلْ يَٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ. لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾
* ثم قال جلَّ وعزَّ ﴿وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ. وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾.
وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾.
البقرة 2:7
قال تعالى: ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ﴾.
[أي طبع اللَّهُ على قلوبهم وعلى أسماعهم وغطَّى عليها] على جهة الجزاء بكفرهم وصدَّهم الناسَ عن دين الله.
[وهؤلاء الكفَّارُ هم الذين سبق] في علمه من أنهم لا يؤمنون، ويكون مثل قولهم: أهلكه المالُ، وذهبَ المالُ بعقله أي هلك فيه، وبسببه، فهو كقوله ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارَاً تَلَظَّى. لاَ يَصْلاَهَا إلاَّ الأَشْقَى﴾ فإن ذلك من الله عن فعلهم في أمره.
* ثم قال تعالى: ﴿وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾.
قال سيبويه: "غِشَاوَةٌ": أي غطاء.
البقرة 2:8
قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ﴾.
روى إسماعيل السدي عن ابن عباس قال: هم المنافقون.
قال أهل اللغة: النِّفاقُ مأخوذٌ من نافقاء اليَرْبُوعُ، وهو جُحْرٌ يخرج منه اليَرْبُوع إذا أُخِذ عليه الجُحْر الذي يدخل فيه.
فقيل "منافقٌ" لأنه يدخل بالإِسلام باللفظ، ويخرج منه بالعقد.
* ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾.
فنفى عنهم الإيمان لأنهم لا اعتقاد لهم ولا عمل.
البقرة 2:9
قال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ آمَنُوا﴾.
المخادعةُ في اللغة: إظهارُ خلاف الاعتقاد، وتسمَّى التقيَّةُ خِداعاً، وهو يكونُ من واحدٍ.
قال ابنُ كَيْسَان: لأن فيه معنى راوغْتُ، كأنه قابل شيئاً بشيءٍ.
* ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم﴾.
أي إنَّ عقوبة ذلك ترجع عليها.
وفرَّق أهلُ اللغة بين "خَادَعَ" و "خَدَعَ" فقالوا: خَادَعَ أي قَصَد الخَدْع، وإن لم يكن خَدَعٌ، وَخَدَعَ معناه: بلغ مراده.
والاختيارُ عندهم "يُخَادِعُونَ" في الأولى، لأنه غير واقعٍ، والاختيارُ في الثاني "يَخْدَعُونَ" لانه أخبر تعالى أنه واقع بهم، لِمَا يَطَّلع عليه من أخبارهم، فعادَ ما ستروه وأظهروا غيره وَبَالاً عليهم.
وقال محمد بن يزيد: يجوز في الثاني "وَمَا يُخادِعُونَ" أي بتلك المخادعة بعينها، إنما يخادعون أنفسهم بها، لأن وبالها يرجع عليهم.
* ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.
أي وما يشعرون بذلك.
[والمعنى: ما تَحِلُّ عاقبة الخدع إلاَّ بهم].
البقرة 2:10
قال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً﴾
[روى السُدِّي عن أبي مالك، وأبي صالح عن ابن عباس قال يقول: في قلوبهم شكٌّ].
[وقال غيره: المرضُ: النفاقُ والرياء، والمرضُ في الجسد، كما أن العمى في القلب، ويقال: مَرض فلانٌ: أصابته عِلَّةٌ في بدنه.
فإن قيل: بم أصابهم المرض؟ قيل: فُعل هذا بهم عقوبة، وقيل: بإنزال القرآن أصابهم المرض، كما قال تعالى ﴿وَإذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إيْمَاناً؟ فَأمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إيمَانَاً وَهُمْ يَسْتَبشِرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسَاً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾].
* ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
يُقال: آلمَ إذا أَوْجع، وهو مُؤْلِمٌ وأَلِيمٌ، والألمُ: الوَجَعُ، وجمعُ "أليم" آلاَمَ كأشراف، والأَلِيمُ: الشَّديدُ الوَجَعِ.
* ثم قال تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾.
قال أبو حاتم: أي بتكذيبهم الرُّسُلَ، وردِّهم على اللهِ، وتكذيبهم بآياته، قال: ومن خفَّفَ فالمعنى عنده: بكذبهم وقولهم آمنا ولم يؤمنوا، فذلك كذبٌ.
البقرة 2:11
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾.
فيه قولان:
أحدهما: أنهم قالوا: إنما نحن مصلحون فليس من عادتنا الإفسادُ.
والآخر: أنهم قالوا: هذا الذي تسمونه فساداً هو عندنا صلاحٌ.
البقرة 2:12
قوله تعالى: ﴿أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾.
معنى "أَلاَ" التَنْبيهُ، كما قال الشاعر:
أَلاَ إِنَّ هَذا الدَّهْرَ يَومٌ وَلَيْلَةٌ * وَلَيْسَ عَلَى شَيءٍ قَويمٍ بِمُسْتَمِرّ
* وقوله تعالى: ﴿وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾.
قال ابن كيسان: يُقال: ما (على من) لم يعلم أنه مفسدٌ من الذمِّ، إنما يُذمُّ اذا علم أنه مفسدٌ ثم أفسد على علمٍ!.
قال ففيه جوابان:
أحدهما: أنَّهم كانوا يعملون الفسادَ، ويُظهرون الصلاح، وهم لا يشعرون أن أمرهُمْ يَظْهُر عند النبي صلَّى الله عليه وسلم.
والوجهُ الثاني: أن يكون فسادُهم عندهم صلاحاً، وهم لا يشعرونَ أن ذلك فسادٌ، وقد عَصْوا اللَّهَ ورسولَه في تركهم تبيينَ الحقِّ واتِّباعَهُ.
البقرة 2:13
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ﴾.
قال ابن عباس: النَّاسُ ها هنَا أصحابُ محمَّدٍ ﷺ.
﴿قَالُوا أنُؤمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ [آية ١٣].
قال أبو إسحاق: أصلُ السَّفهِ في اللغة: رقَّةُ الحِلْمِ، يُقال: ثوبٌ سفيهٌ أي بالٍ ورقيقٌ.
* ثم قال تعالى: ﴿أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ﴾.
أي لا يعلمون ان وبالَ ذلك يرجع عليهم.
ويُقال: اذا وُصفوا بالسَّفهِ، فلمَ لا يكون ذلك عُذْراً لهم؟
فالجوابُ: إنه إنما لحقهم ذلك إذْ عابوا الحقَّ، فأَنْزلُوا أنفسَهُم تلكَ المنـزلةَ، كما قال تعالى ﴿إنْ هُمْ إلاَّ كَالأَنْعَامِ﴾ لصدِّهم وإعراضهم، إذْ بعده ﴿بَلْ هُمْ أضَلُّ سَبِيلاً﴾ لأن الأنعام قد يَصْرِفها راعيها كيفَ شاء، وهؤلاء لا يهتدون بالإنذار والعظة.
وأيضاً: فإذا سفَّهوا المؤمنين، فهم في تلك الحال مستحقون لهذا الاسم.
* وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾.
الجوابُ عنه كالجوابِ عن ﴿وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرونَ﴾.
البقرة 2:14
قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ﴾.
رَوَى أَسْباطٌ عن السُدِّيِ: أمَّا شياطينُهم فهم رُؤَساؤهم في الكفر.
ويُبيِّن: ما قال، قولُه جلَّ وعزَّ ﴿شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالجِنِّ﴾.
و "شَيْطَانٌ" مشتقٌ من الشَّطَنِ وهو الحَبْلُ.
أي هو ممدودٌ في الشَرِّ ومنه بئرٌ شَطُونٌ.
* ثم قال جل وعز: ﴿قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾.
فأخبر سبحانه بما يكتمون.
البقرة 2:15
قال جلَّ وعز: ﴿ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾.
فيه أجوبة:
أصحُّها أن معناه: يجازيهم على استهزائهم، فسمَّى جزاء الذنب بإسمه، لازدواج الكلام، وليعلم أنه عقاب عليه، وجزاءٌ به، كما قال جلَّ وعزَّ ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾.
وقيل: هو ما رُوىِ في الحديث أنَّ المؤمنين يُعْطَون نُوراً، فيُحَالُ بينهم وبينه.
وقيل: هو أنَّ اللَّهَ أظهر لهم من أحكامه، خلافَ ما لهم في الآخرة، كما أظهروا للمسلمين خلاف ما أسَرُّوا.
واستشهد صاحب هذا القول بأن بعده ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
وقيل: هو مِثلُ ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
وهذه الأقوالُ ترجع إلى الأول لأنها مجازاةٌ أيضاً.
ومن أحسن ما قيل فيه، ما بيَّنه أن معنى "يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ" يصيبهم، كما قال تعالى ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا ويُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾.
* ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
أي يمدُّهم في تجاوزهم متحيرين، قال تعالى: ﴿إنّا لَمَّا طَغَى المَاءُ حَمَلنَاكُمْ فِي الجَارِيةِ﴾.
وقال مجاهد: "يَعْمَهُونَ": يَتَردَّدُون.
والمعنى على قوله: يتَردَّدُون في ضلالتهم.
وَحَكَى أهلُ اللغةِ: عَمِهَ، يَعْمَهُ، عَمُوهاً، وَعَمَهَاً، وَعَمَهَانَاً فهو عَمِهٌ، وعَامِهٌ: إذا حَارَ.
البقرة 2:16
قال جلَّ وعزَّ: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ﴾.
قال مجاهد: آمنوا ثم كفروا.
ويُقال: كيف قال "اشْتَرَوْا" وإنما يُقال: اشتريتُ كذا بكذا، إذا دفعتَ شيئاً وأخذتَ غيره؟.
والجوابُ عن قول مجاهد، أنهم كفروا بعد الإِيمان، فصار الكفر لهم بدلاً من الإِيمان، وصاروا بمنـزلة من باع شيئاً بشيءٍ.
وقيل: لَمّا أعطَوْا بألسنتهم الإِيمانَ، وأبَوْهُ بقلوبهم، فباعوا هذا الذي ظهر بألسنتهم، بالذي في قلوبهم، والذي في قلوبهم هو الحاصلُ لهم، فهو بمنـزلة العِوَضِ، أُخرج من أيديهم.
وقيل: لمَّا سمعوا التذكرة والهُدَى، ردُّوها واختاروا الضلالة، فكانوا بمنـزلة من دُفع اليه شيءٌ فاشترى به غيره.
قال ابنُ كَيْسَانَ: قيل: هو مثلُ قولهِ تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ فلمَّا كان خَلْقُهم للعبادة، صار ما خالفها مبدلاً عنها، بصدِّهم عمَّا خُلقوا له.
وأصلُ الضَّلالةِ: الحَيْرةُ، وسُمِّي النِّسيانُ ضلالةً لما فيه من الحَيْرة، كما قال جلَّ وعزَّ ﴿قَاَلَ فَعَلْتُهَا إذَاً وَأنَا مِنَ الضَّالِينَ﴾ أي النَّاسينَ.
ويُسمَّى الهَلاكُ ضَلالة، كما قال عز وجل ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرْضِ أئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾؟.
* ثم قال جل وعز: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.
فأُنزلوا منـزلة من اتَّجر، لأن الربح والخسران إنما يكونان في التجارة، والمعنى: فما ربحوا في تجارتهم، ومثلُه قولُ العربِ: خَسِرَ بَيْعُه، لأنه قد عُرِفَ المعنى.
* ثم قال جل وعز ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.
أي بفعلهم الذي فعلوه من إيثار الضلالة [على الهدى].
ويجوز: وما كانوا مهتدين في علم الله عز وجلَّ.
البقرة 2:17
قال جلَّ وعز: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً﴾.
قال ابن كيسان: استوقد بمعنى أَوْقَد، ويجوز أن يكون استوقدها من غيره، أي طَلَبها من غيره.
قال الأخفش - هو سعيد - ﴿الَّذِي﴾ في معنى جمع.
قال ابن كيسان: لو كان كذلك لأعاد عليه ضميرَ الجمعِ، كما قال الشَاعر:
وَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ * هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ
قال: ولكنه واحدٌ شُبِّه به جماعة، لأن القصد كان إلى الفعل، ولم يكن الى تشبيه العين بالعين، فصار مثل قوله تعالى ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ فالمعنى: إلا كبعثِ نفسٍ واحدة.
وكإيقاد الذي استوقد ناراً.
* ثم قال جل وعز: ﴿فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾.
ويجوز أن يكون "ما" بمعنى "الذي" وأن تكون زائدة، وأن تكون نكرة.
والمعنى: أضاءت له فأبصر الذي حوله.
البقرة 2:189
قوله جلَّ وعز ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ﴾.
سبب نـزول هذه الآية أن بعض المسلمينَ، سأل النبي ﷺ: لِمَ خُلِقتْ هذه الأهلة؟ فأنـزل اللهُ عزَّ وجل ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ﴾.
فجعلَها اللَّهُ عزَّ وجلَّ مواقيتَ لحجِّ المسلمين، وإفطارِهم، وصومهم، ومناسكِهم، ولعِدَّة نسائهم، ومحل دَيْنِهم، واللهُ أعلمُ بما يُصْلِح خلقهَ.
قال أبو إسحاق: هلالٌ مشتقٌ من استهلَّ الصبيُّ: إذا بكى، وأهلَّ القومُ بحجةٍ وعُمرةٍ: أي رفعوا أصواتهم بالتلبية، فقيل له: هلالٌ، لأنه حين يُرَى يُهِلُّ الناسُ بذكره.
وأُهِلَّ، واستهلَّ - ولا يُقال: أهلَّ، ويُقال: أَهْللَنا أي رأينا الهلالَ، وأهللنا شهر كذا وكذا - إذا دخلنا فيه.
وسُمِّي شهراً لشهرته وبيانه.
قال الأصمَعي: ولا يُسمَّى هِلاَل حتَّى يُحِجَّر، وتَحْجيرُه أن يَسْتديرَ بخطة دقيقة.
وقيل: لِلَيْلتينِ وثلاثٍ.
وقيل: حتى يغلب ضوءُه، وهذا في السابعة.
قال أبو إسحاق: والأجودُ عندي أن يُسمَّى هلالاً لليلَتْينِ، لأنه في الثالثة يتبيَّنُ ضوءُه.
* وقوله جل وعز: ﴿وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾.
رَوَى شُعْبةُ عن أبي إسحاقَ قال: سمعتُ البَرَاءَ بنَ عَازِبٍ يقولُ: نـزلت فينا هذه الآية، كانت الأنصار إذا حَجُّوا فجاءوا، لم يدخلوا البيوت من أبوابها، ولكنْ من ظهورها، فجاء رجلٌ من الأنصار فدخل من قِبَل بابه، فنـزلت هذه الآية ﴿وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا﴾ الآية.
البقرة 2:190
قوله عز وجل: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ﴾.
قيل: أي ولا تقاتلوا من عاهدتم وعاقدتم.
وقيل: لا تقاتلوا من لم يقاتلكم.
قال ابن زيد: ثم نُسخ ذلك فقال جلَّ وعزَّ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي وجدتموهم ﴿وَأخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أخَرَجُوكُمْ﴾ يعني مكة.
البقرة 2:191
قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ﴾.
قال مجاهد: ارتدادُ المؤمنِ أشدُّ عليه من أن يُقتل.
والفتنةُ في الأصلِ: الاختبارُ، فتأويلُ الكلام: الاختبارُ الخبيثُ الذي يؤدي إلى الكفر، أشدُّ من القتل، وفتَنَتْهُ فُلاَنةٌ: أي صارتْ له كالمختَبِرةِ، أي اخْتُبِر بجمالِها، وَفَتَنْتُ الذَّهبَ في النَّار: أي اختبرتُه لأعلمَ خالصٌ هو، أم مشوب؟.
وقيل لهذا السبب لكلِّ ما أحميتَه في النَّارِ: فتنتُه، لأنه بذلك كالمختبر.
وقيل في قوله عز وجل: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ هو من هذا أي يُشْوَوْن.
قال أبو العباس: والقول عندي - واللهُ أعلم - إنما هو يُحرقون بفتنتهم، أي يُعذَّبون بكفرهم، من فتُِنَ الكافرُ.
وقيل: يُخْتَبرون، فيقال: ﴿ما سَلَكَكُمْ في سَقَر﴾؟ وأفْتَنُه العذابُ أي جزاه بفتنته، كقولك كَرَبَ، وَأكْرَبتُهُ، والعلمُ للَّهِ تعالى.
يقال: فَتَنَ الرجلُ، وَفُِتنَ، وأَفْتَنْته، أي جعلتُ فيه فتنةً كقولك: دَهَشْتُه، وكَحَلْتُه، هذا قول الخليل، وأفتنتُهُ: جعلتهُ فاتناً، وهذا خَضِرٌ فَتِنٌ.
وقال الأخفش في قوله عز وجل: ﴿بِأيِّكُم المَفْتُون﴾ قال: يعني الفتنة، كقولك "خُذْ مَيْسُوره، وَدَعْ مَعْسُورَه".
وكان سيبويه يأبى أن يكون المصدر على مفعول، ويقول: المعتمدُ خُذْ ما يُسِّرَ لكَ مِنهُ.
وقوله عزَّ وجل: ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾.
قال قتادة: ثم نسخ ذلك بعد فقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾.
قال ابن عباس: أي شرك، قال: ﴿وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ﴾ وَيَخْلُص التوحيدُ للهِ.
ثم قال: ﴿فَإِنِ ٱنْتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ﴾.
قال قتادة: والظَّالمُ الذي أبَى أن يقول "لا إله إلا الله".
البقرة 2:194
قال عز وجل: ﴿ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾.
أي قتالُ الشهر الحرام بقتال الشهر الحرام.
قال مجاهد: صدَّتْ قريشٌ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم عن البيت الحرام في الشهر الحرام "ذي القعدة" فأَقصَّه الله منهم من قابل، فدخل البيتَ الحرام في الشهر الحرام، ذي القعدة وقضى عُمْرةً.
وقال غيره: قال عزَّ وجل: ﴿وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ فجمع، لأنه جلَّ ثناؤهُ أراد الشهر الحرام، والبلد الحرام، وحُرْمة الإحرام.
ثم قال عزَّ وجل: ﴿فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾.
قال مجاهد: أي من قَاتَلكُم فيه، فاعتدوا عليه فقاتلوه فيه، سُمِّي الثاني اعتداءً، لأنه جزاء الأول.
البقرة 2:195
قوله عز وجل: ﴿وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾.
أصحُّ ما قيل في هذا أن سعيد بن جبير روى عن ابن عباس "لا تُمْسِكُوا النَّفَقةَ في سبيلِ اللَّهِ فتهلِكُوا".
وحدثنا محمد بن جعفر الأنباري قال: حدثنا عبدالله بن يحيى قال: حدثنا عاصم قال: حدثنا قيس بن الربيع عن الأعمش عن شقيق قال قال حذيفة: التهلكةُ: تركُ النفقة.
وقال البراء والنُّعْمان بنُ بشير: هو الرجلُ يُذنب الذَّنبَ، فَيُلقي بيدهِ، ثم يقول: لا يُغْفَر لي.
وقال عبيدة: هو الرجلُ يعملُ الذنوبَ والكبائر ثم يقول: ليس لي توبةٌ، فيلقي بيديه الى التهلكة.
وقال أبو قلابة: هو الرجل يصيب الذنب فيقول: ليس لي توبة فينهمك في الذنوب.
قال أبو جعفر: والقولُ الأول أَوْلى، لأن أَبَا أيوب الأنصاري يروي قال: نزلت فينَا معاشرَ الأنصار، لمَّا أعزَّ اللهُ دينه، قلنا - سِرَّاً من رسول الله ﷺ - إن أموالَنَا قد ضاعتْ، فلو أقَمَنْا فيها وأصلَحْنا منها ما ضَاعَ، فأنـزلَ اللَّهُ في كتابه، يردُّ علينا ما همننا به:
﴿وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾
فكانت التهلكة في الإِقامة، التي أردنا أن نقيم في أموالنا ونصلحها، فأُمرنا بالغزو.
قال أبو جعفر: فدلَّ على وجود الجهاد على المسلمين.
وقيل أيضاً: معنى ﴿وَأَحْسِنُوا﴾: وأنفقوا.
قال أبو إسحاق: وأحسِنُوا في أداء الفرائض.
وقال عكرمة: أي أحسنوا الظنَّ باللهِ.
وقال ابن زيد: عُودُوا على من ليس في يده شيء.
والمعنى في قوله: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾.
على ما تقدَّم أي إن امتنعتُمْ من النفقةِ في سبيل الله، عَصَيْتُم اللَّهَ فهلكتم، ويجوز أن يكون المعنى: قوَّيتُمْ عدوَّكم، فهلكتم.
البقرة 2:196
قوله جل وعز: ﴿وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ﴾.
يُروى عن عمر أن إتمامهما تركُ الفسخ، لأن الفسخ كان جائزاً في أول الإسلام.
وقال عبدالله بن سلمة سألتُ علياً عن قوله تعالى ﴿وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ﴾ ما إتمامهما؟ قال: أن تُحرم بهما من دُويرة أهلك.
قال أبو جعفر: وذهب الى هذا جماعةٌ من الكوفيين، وقال: وَجُعِلَ الميقاتُ حتى لا يتجاوز، فأمَّا الأفضلُ فما قال عليٌّ.
ورَوَى علقمة عن عبدالله قال: لا يجاوز بهما البيت.
وقال مجاهد وإبراهيمُ: إتمامُهُمَا أن يُفْعَل ما أُمِرَ بهِ فِيهما.
وهذا كأنه إجماع، لأن عليه أن يأتي المشاعر، وما أُمِرَ به، وبذلك يتمُّ حجُّهُ.
فأما الإِحرام من بَلَده، فلو كان من الإِتمام لفعله رسول الله ﷺ.
وقد قال الحسن: أحرم عِمْرانُ بنُ الحصين من البلد الذي كان فيه، فأَنكر ذلك عُمَرُ عليه، وقال أيُحرِمُ رجلٌ من أصحاب رسول الله من داره؟.
وقيل: "إتمامهما" أن تكون النفقة حلالاً.
وقال سفيان: "إتمامهما" أن يُحرم لهما قاصداً، لا لتجارة.
وقرأ الشعبي: (والعُمْرةُ للَّهِ) بالرفع، وقال: العمرةُ تطُّوعٌ. والناسُ جميعاً يقرءونها بالنصب، وفي المعنى قولان:
قال ابن عمر، والحسن، وسعيد بن جبير، وطاووس، وعطاء، وابن سيرين: هي فريضة.
وقال جابر بن عبدالله، والشعبي: هي تطوع.
وليس يجب في قراءة من قرأَ بالنَّصبِ أنها فرض، لأنه ينبغي لمن دخل في عملٍ هو لله أن يُتِمَّه.
قيل: معنى الحج مأخوذ من قولهم: حججتُ كذا أي تعرفت كذا فالحاج يأتي مواضع يتعرَّفها.
قال الشاعر:
يَحُجُّ مَأمُومة في قَعْرِهَا لَجَفٌ * فَاسْتُ الطَّبِيبِ قَذَاهَا كَالمْغَارِيدِ
وقوله عز وجل: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ يعني مُنِعْتُم عن إتمامهما.
وفي الإِحصار قولان:
أحدهما: قاله ابن عمر، وهو مذهب أهل المدينة، قال: لا يكون إلاَّ من عدوّ.
قال أبو جعفر: والقول الآخر قاله ابن مسعود، وهو قول أهل الكوفة، أنه من العدُوِّ، ومن المرض، وأن من أصابَه من ذَيْنِكَ شيءٌ بَعثَ بهدي، فإذا نُحِرَ حلَّ.
ورَوَى سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله.
ورَوَى طاووس عن ابن عباس مثل الأول، قال: وتلا (فاذا أَمِنْتُم) قال فهل الأمن إلا من خوف؟.
فقد صار في الآية إشكال، لأنّ الإِحصار عند جميع أهل اللغة إنما هو المرضِ، الذي يَحْبِسُ عن الشيء.
فأما مِنَ العدوِّ، فلا يقال فيه إلاَّ: "حُصِرَ".
يقال: حُصِرَ، حَصْرَاً، وفي الأول: أُحْصِرَ، إحْصَاراً.
والقول في الآية على مذهب ابن عمر أنه يقال: "أُقْتَلْتُ الرَّجُلَ" أي: عرّضْتُه للقتل، و "أَقْبَره" جعل له قبراً، وأَحْصرتُه - على هذا - عرّضْتُه للحصر، كما يقال: أحبستُه أي عرَّضْتُه للحبس، وأُحْصر أي أصيب بما كان مسبباً للحصر، وهو فوت الحج.
وقد رُوِي عن عكرمة عن الحجاج بن عَمْرو الأنصاري قال:
سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من عَرِجَ أو كُسِر، فقد حلَّ، وعليه حَجَّةٌ أخرى".
قال: فحدَّثْتُ بذا ابنَ عبَّاسٍ، وأبا هريرة، فقالا: صَدَقَ.
وإنما رَوَى هذا عن عكرمةَ حجَّاجُ الصَّوَّافُ.
ورَوَى الجِلَّةُ خلاف هذا.
روى سفيان عن عَمْرو بن دينار عن ابن عباس وابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس "لا حَصْر إلاَّ من عَدُوٍّ".
ورَوَى أبو نجيح عن عكرمة أنّ المحصر يبعث بالهدي، فإذا بلغ الهديُ مَحِلَّه حلَّ، وعليه الحج من قابل.
* ثم قال تعالى: ﴿فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ﴾.
قال ابنُ عمر وابنُ الزبير وعائشةُ: من الإِبل والبقر خاصَّةً، شيءٌ دون شيءٍ.
وروى جعفر عن أبيه عن علي رضوان الله عنه: (فما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهدْي) شاةٌ.
وقال ابن عباس: يكون من الغنم، ويكون شِرْكاً في دم، وهو مذهب سعد.
* ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.
وقال مجاهد: يعني يوم النحر.
وقال خالد بن أبي عمران عن القاسم بن محمد: حتى يُنْحَر.
وقال أكثر الكوفيين: يُنْحر عنه الهديُ في أيِّ يومٍ شاءَ في الحرم.
وقال الكسائي في قوله: ﴿مَحِلَّهُ﴾: إنما كُسِرت الحاء لأنه من حَلَّ يَحِلُّ، حيث يَحِلُّ أمره، ولو أراد حيث يَحُلُّ لكان مَحَلَّه، وإنما هو على الحلال.
ثم قال وتعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾.
رَوَى مجاهد عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أنه لمَّا كان مع رسول الله ﷺ، فآذاه القملُ في رأسه، فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق رأسه، وقال: "صُمْ ثلاثة أيامٍ، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين مُدَّان، أو انْسُكْ بِشَاةٍ".
قال أبو جعفر: أيَّ ذلكَ فعلت أجزأ عنك.
وقال عطاء: هذا لمن كان به قملٌ، أو صُدَاعٌ، أو ما أشبههما.
وقال أبو جعفر: وفي الكلام حذفٌ، والمعنى: فحَلقَ، أو اكتحل، أو تَدَاوَى بشيءٍ فيه طيبٌ، فعليه فديةٌ.
* ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ﴾.
قال الربيع بن أنس: "إذا أمن من خوفه، وَبرَأ من مرضه" أي من خوف العدوِّ، والمرضِ.
وقال علقمة: إذا برأ من مرضه.
* ثم قال تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ﴾.
التمتُّعُ عند الفقهاء المَدَنيِّين والكُوفيِّين: أن يعتمر الذي ليس أهلُه "حاضري المسجد الحرام" في أشهر الحج، ويحلَّ من عمرته، ثم يَحُجَّ في تلك السَّنَة، ولم يرجع إلى أهله بين العمرة والحج، فقد تمتَّع من العُمرة إلى الحج، أي انتفع بما ينتفع به الحلالُ.
والمتعةُ، والمَتَاعُ في اللغة: الانتفاعُ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾.
وقال أهل المدينة: وكذلك إذا اعتمر قبل أشهر الحج، ثم دخلت عليه أشهر الحج ولم يَحِلَّ، فحلَّ في أشهر الحج، ثم حجَّ بعدُ فهو متمتِّعٌ.
وقال الكوفيون: إن كان طاف أكثر طواف العمرة، قبل دخول أشهر الحج، فليس بمتمتع، وإن كان قد بقي عليه الأكثر فهو متمتِّعٌ.
وقال طاووس: من اعتمر في السنة كلِّها، في المحرَّم فما سواه من الشهور، فأقام حتى يحجَّ فهو متمتِّع.
ورَوَى ابن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ﴾
يقول: من أحرم بالعمرةِ في أشهر الحجِّ.
ورَوَى عنه عطاء: العمرةُ لمن أُحْصِر، ولمن خُلِّيت سبيلُه، أصابتهما هذه الآية.
وروى عنه سعيد بن جبير: على من أُحصِر الحجُّ في العام القابل، فإن حجَّ فاعتمر في أشهر الحج، فإن عليه الفدية.
فهذه الأقوال عن ابن عباس متفقة، وأصحُّها ما رواه سَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، لأن اتِّساق الكلام على مخاطبة من أُحْصِر، وإن كان ممن لم يُحْصَر فتَمتَّع، فحكمه هذا الحكم.
فعلى هذا يصحُّ ما رواه عطاءٌ عنه، وكذلك ما رواه عليٌ بنُ أبي طلحة، غير أن نصَّ التأويل على المخاطبة لمن أحصر.
وقال عبدُالله بنُ الزُّبير: ليس التمتع الذي يصنعه الناس اليوم، يتمتَّعُ أحدهم بالعمرة قبل الحجِّ، ولكن الحاجُّ إذا فاته الحجُّ، أو ضلَّتْ راحلتُه، أو كُسِر حتى يفوته الحجُّ، فإنه يجعله عمرةً. وعليه الحج من قابل، وعليه ما استيسر من الهدي.
فتأويل ابن الزبير أنه لا يكون إلاَّ لمن فاته الحجُّ، لأنه تعالى قال: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ﴾ فوقع الخطابُ لمن فاته الحجُّ بالحصر، وخالفه في هذا الأئمة، منهم "عُمَرُ بنُ الخَطَّاب" و "عليُّ بنُ أبي طالب" و "سَعْدٌ" فقالوا: هذا للمُحْصَرِينَ وغيرِهم.
ويدلُّك على أن حكم غير المُحْصَرِ في هذا كحكم المُحْصَر، قولُه تعالى ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ فهذا للمحْصَر وغيرِه سواءٌ، وكذلك التمتُّعُ.
وقولُه جل وعز: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾.
قال عائشة وابنُ عمرَ: الصِّيامُ لمنْ تِمتَّع بالعُمرةِ إلى الحجِّ، ممَّنْ لم يجدْ هَدْياً، ما بينَ أن يُهِلَّ بالحجِّ إلى يوم عَرَفة، ومن لم يَصُمْ صَامَ أيَّامَ منَى.
وكان ابنُ عمر يستحبُّ أن يصومَ قبل يوم التروية يوماً، ويوم التروِيةِ، ويومَ عرفةَ.
وقال الشعبيُّ، وعطاءٌ، وطاووسٌ، وإبراهيم: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ﴾ قبل يوم التروية يوماً، ويوم التروية، ويوم عرفة.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَسْبَعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ﴾.
رَوَى شعبةُ عن محمد بن أبي النَوَّار عن حَيَّان السُّلَمي قال: سألتُ ابن عمر عن قوله تعالى ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ قال: إذا رجعتم إلى أهليكم.
ورَوَىَ سفيانُ عن منصور عن مجاهد قال: إن شاء صامها في الطريق، إنما هي رخصةٌ. وكذا قال عكرمة والحسن.
والتقدير عند بعض أهل اللغة: إذا رجعتم من الحج أي إذا رجعتم إلى ما كنتم عليه قبل الإِحرام من الحِلِّ.
وقال عطاء: إذا رجعتم الى أهليكم، وهذا كأنه إجماع.
ثم قال عز وجل: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.
وقد عُلم أنها عشرة، وأحسنُ ما قيل في هذا أنه لو لم يقل: ﴿تِلْكَ عَشَرَة كَامِلَة﴾ جاز أن يَتَوهَّم السامع أنه إنما عليه أن يصوم ثلاثةً في الحج، أو سبعةً إذا رجع، لأنه لم يقل: وسبعةً أخرى.
كما يقول: أنا آخذ منك في سفرك درهماً، وإذا قدمتَ اثنين، أي لا آخذُ إذا قدمتَ إِلاَّ اثنين.
وقال محمد بن يزيد: لو لم يقل: ﴿تِلَكَ عَشَرَةٌ﴾ جاز أن يتوهم السامع أن بعدها شيئاً آخر، فقوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ بمنـزلة قولك في العدد: فذلك كذا، وكذا.
وأما معنى ﴿كَامِلَةٌ﴾ فروى هُشَيْمٌ فيه عن عبَّادِ بن راشد، عن الحسن قال: ﴿كَامِلَةٌ﴾ من الهَدْيِ، أي قد كملت في المعنى الذي جعلت له، فلم يُجعل معها غيرُها، وهي كاملةُ الأجْرِ ككمال الهَدْيِ.
* ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾.
قال مجاهد: أهل الحرم.
وقال الحسن وابراهيم والأعرج ونافع: هم أهل مكة خاصة.
وقال عطاءٌ مكحول: هم أهل المواقيت ومن بَعْدَهم إلى مكة.
قال أبو جعفر: وقولُ الحسن ومن معه أولى، لأنَّ الحاضرَ للشيء هو الذي معه، وليس كذا أهلُ المواقيت، وأهل مِنًى، وكلامُ العربِ لأهل مكة أنْ يقولوا: هم أهلُ المسجد الحرام.
قال أبو جعفر: فتبَّين أن معنى ﴿حَاضِرِي المَسْجِدِ﴾ لأهل مكة، ومن يليهم، ممَّن بينه وبين مكة ما لا تُقصر فيه الصلاةُ، لأن الحاضرَ للشيءِ هو الشاهد له ولنفسه، وإنما يكون المسافرُ مسافراً، لشخوصِهِ إلى ما يُقْصر فيه، وإن لم يكن كذلك لم يستحقَّ اسْمَ غَائِبٍ.
البقرة 2:197
قوله تعالى: ﴿ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾.
حدثنا محمدُ بنُ جعفَر الأنباريُّ قال: حدَّثنا عبدالله بن يحيى، قال: أخبرنا حجَّاج بنُ محمد، قال ابن جريجٍ: قلتُ لنافع مولى ابن عمر: أَسَمِعْتَ ابن عمر سَمَّى أشهر الحج؟
قال: نعم كان سمَّى شوالاً، وذا القعدة، وذا الحجة.
وقال ابن عباس: شوالٌ، وذو القعدة، وعشرٌ من ذي الحجة.
وقال أبو جعفر: والقولان يرجعان الى شيءٍ واحد، لأن ابن عمر إنَّما سمَّى ذا الحجة لأن فيه الحج، وهو شهر حَجٍّ.
* ثم قال تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ﴾.
قال ابن مسعود وابن عمر: (فَرَضَ): لبَّى.
وعن ابن عباس: أحرم، وقيل: معنى أحرم أوجب على نفسه الإِحرام بالعزم وإن لم يُلَبِّ.
قال أبو جعفر: وحقيقتهُ في اللغة أنَّ (فَرَضَ): أوجبَ.
والمعنى: أوجب فيهن الحج بالتلبية [أو بالنية. واحتمل أن يكون معناه من أوجب على نفسه الحج بالتلبية] فيهن، فتكون التلبيةُ والحجُّ جميعاً فيهن.
واحتمل أن يكون المعنى: منْ أوجبَ على نفسه الحج فيهن بالتلبية في غيرهن.
إلا أن محمد بن جعفر الأنباري حدثنا قال: حدثنا عبدالله بن يحيى، قال: أخبرنا حجاج بن محمد قال ابن جريج: أخبرني عمر بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس قال: "لا ينبغي لأحد أن يُحرم بالحج إلاَّ في أشهر الحج، من أجل قول الله تعالى: ﴿ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ﴾ فلا ينبغي لأحد أن يلبي بالحج ثم يقيم بأرضٍ".
* ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ﴾.
روى سفيانُ بن حُصَيْف عن مقسم عن ابن عباس قال: الرفثُ: الجماع، والفسوقُ السِّبابُ. والجدال أن تماريَ صاحبك حتى تغضبه.
وكذا قال ابن عمر.
وروى طاووس عن ابن عباس وابن الزبير: الرَّفَثُ: التعريضُ، أي يقول: لو كنَّا حَلاَليْنِ لكان كذا وكذا.
وقال عطاء وقتادة: الرفثُ: الجماعُ، والفسوقُ: المعاصي، والجدالُ: أن يماريَ بعضهُم بعضاً حتى يُغضِبه.
وروى أبو يحيى عن مجاهد في الجدال كما قال عطاء.
ورَوَى [عنه] ابن أبي نجيح: لا جدال ولا شك فيه وهو مذهب أبي عمر بن العَلاَءِ.
وعلى ذلك قرأ برفع "رَفَثٌ وَفَسُوقٌ" وفَتْح "جِدَالَ".
وهذه الأقوال متقاربة، لأن التعريض بالنكاح من سببه، والرفثُ أصله: الإِفحاش ثم يكنى به عن الجماع، ويبين لك أنه يقع للجماع قوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَفَثُ إلى نِسَائِكُمْ﴾.
والفسوق في اللغة: الخروج عن الشيء.
فَسِبَابُ المسلم خروجٌ عن طاعة الله.
وقد رَوَى ابن مسعود عن النبي ﷺ: "سِبَابُ المسلمِ فِسْقٌ، وقتاله كفرٌ".
وقيل: قول عطاء وقتادة: الفُسوقُ: المعاصي، حسنٌ جداً.
على أنه قد رَوى عبدالله بن وهب، عن يونس بن يزيد، عن نافع ابن عمر قال: الفُسوق: إتيان معاصي الله في الحرم، أي من صيد وغيره.
فهذا قولٌ جامعٌ، لأن سِبَابَ المسلمِ داخلٌ في المعاصي، وكذلك الأشياء التي مُنع منها المحرم وحده، والتي مُنع منها المحرم والحلال.
ومعنى قول مجاهد: "لا شك فيه" أنه في ذي الحجة، أنَّ النَّسَأَةَ كانوا ربَّما جعلوا الحج في غير ذي الحجة، ويقف بعضُهُم بجمعٍ، وبعضهم بعرفة ويتمارون في الصواب من ذلك. وقال النبي ﷺ: "إنَّ الزمان قد استدار كهيئتِه يوم خلق الله السموات والأرض، وأن الحج في ذي الحجة".
وقال أبو زيد: قال أبو عمرو: أراد فلا يكوننَّ رفثٌ، ولا فسوقٌ في شيء يُخْرِجُ من الحج.
ثم ابتدأ النفي فقال: ﴿وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ﴾.
فأخبر أن الأول نهىٌ.
* ثم قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ﴾.
رَوَى سفيان عن عمروٍ عن عكرمةَ قال: "كان أناسٌ يقدمون مكة في الحج بغير زادٍ، فأُمروا بالزاد".
وقال مجاهد: كان أهلُ اليمنِ يقولون: لا تتزوَّدُوا فَتَتَوصَّلُون من الناس، فَأُمروا أن يتزودوا.
وقال قتادة نحواً منه.
* ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ﴾.
أي فمن التقوى، أنْ لا يتعرَّضَ الرجلُ لما يَحرُم عليهِ من المسألة.
* ثم قال تعالى: ﴿وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ﴾.
أي العقول، ولبُّ كل شيئاً خالصُهُ.
البقرة 2:198
قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾.
حدثنا محمد بن جعفر الأنباري قال: حدَّثنا الرماديُّ قال: أخبرنا عبدالرزاق قال: أخبرنا سفيان عن عمر بن دينار، قال: قال ابن عباس: كان ذُو المَجَاز، وعُكَاظُ، متجراً للنَّاس في الجاهلية، فلمَّا كان الإِسلام كرهوا ذلك، حتى نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ في مواسم الحجّ.
* ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ أي اندفعتم.
ويقال: فاض الإِناءُ، إذا امتلأ ينصبَّ من نواحيه.
ورجل فيَّاضٌ: أي يتدفق بالعطاء.
قال زهير:
وَأبْيضَ فَيَّاضٍ يَدَاهُ غَمامةٌ * عَلى مُعْتَفِيهِ ما تُغِبُّ نَوَافِلُهُ
وحديثٌ مستفيضٌ: أي متتابع.
ورَوَى أبو الطفيل عن ابن عباس قال: "انما سُمِّيَتْ عرفات لأن جبريل كان يقول لإِبراهيم عليهما السلام: هذا موضع كذا. فيقول: عرفتُ، وقد عرفتُ، فلذلك سُمِّيت عرفات".
وقال الحسن وسعيد بن جبير وعطاء ونُعَيمْ بن أبي هند: نحواً منه.
قال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: بعث الله جبريل إلى ابراهيم صلى الله عليهما حتى [إذا] أتى عرفات قال: قد عرفت. وكان قد أتاها من قبل ذلك، ولذلك سميت عرفة.
* ثم قال تعالى: ﴿فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ﴾.
قال ابن عباس وسعيد بن جبير: ما بين الجبلين مَشْعر.
قال قتادة: هي جمعٌ، قال: وإنما سميت جمعاً، لأنه يُجمع فيها بين صلاة "المغرب والعشاء".
قال أبو إسحاق: المعنى: واذكروه بتوحيده، والمعنى الثناء عليه ﴿وإِنْ كُنْتُم مِنْ قَبْلِه﴾ أي من قبل هدايته.
البقرة 2:199
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾.
قالت عائشة وابن عباس: "كانت العرب تقف بعرفات، فتتعظَّم قريش أن تقف معها، فتقف قريشٌ بالمزدلفة، فأمرهم الله أن يُفيضُوا من عَرفاتٍ مع النَّاسِ".
وقال الضحاك: الناس إبراهيم صلى الله عليه وسلَّم.
قال أبو جعفر: والأول أولى.
رَوَى ابن عيينه عن عَمْرو بن دينار، عن محمد بن جبير بنِ مطعم، عن أبيه قال: "خرجت في طلب بعيرٍ لي بعرفة، فرأيت رسول الله ﷺ قائماً بعرفة مع الناس، قبل أن يُبعث، فقلت: واللهِ إن هذا من الحُمْس، فما شأنُه واقفاً ها هنا"؟.
قال أبو جعفر: الحُمْسُ: الذين شددوا في دينهم، والحماسةُ الشدَّةُ [ويُقال "ثُمَّ"] في اللغة تدل على الثاني بعد الأول، وبينهما مهلة.. وقد قال الله تعالى بعد ﴿فَاذكُروُا الَّلهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ﴾
﴿ثُمَّ أَفِيْضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.
وإنما الإِفاضةُ من عرفات، قبل المجىءِ إلى المشعر الحرام؟.
وفي هذا جوابان:
أحدهما: أن (ثُمَّ) بمعنى الواو.
والجواب الثاني: وهو المختار أن (ثُمَّ) على بابها، والمعنى ثم أُمِرْتُم بالإِفاضة من عرفات من حيث أفاض الناس.
وفي هذا: معنى التوكيد لأنهم أُمِرُوا بالذكر عند المشعر الحرام، وأَفاضوا من عرفات ثم وكِّدت عليهم الإِفاضة من حيث أفاض الناس، لا من حيث كانت قريش تفيض.
وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ﴾، ويقال فلان كريم، ثم إنه يتفقدنا، وفلان يقاتل الناس ثم إنه رديء في نفسه، أي ثم أزيدك في خبره.
وفي الآية قول آخر حسن على قول الضحاك: ﴿النَّاسُ﴾ ابراهيم عليه السلام، فيكون المعنى من حيث أفاض ابراهيم الخليل وهو المشعر الحرام.
ويكون هذا مثل ﴿الذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ وذلك "نُعَيْمُ بنُ مَسْعُودٍ الأَشْجَعِي".
وقد رُوي: عنه أنه قال: (ثُمَّ أَفَيِضوا مِنْ حَيْثُ أفَاضَ النَّاسِي) يعني آدم، وهذه قراءة شاذة.
البقرة 2:200
قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ﴾.
قال مجاهد: إراقة الدماء.
* ثم قال تعالى: ﴿فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾.
رَوَى أبو مالك وأبو صالح عن ابن عباس: "كانت العرب إذا قضت مناسكها وأقاموا بمنى، فيقوم الرجل فيسأل الله فيقول: اللهم إن أبي كان عظيم الجَفْنَةِ، عظيم القُبَّة، كثير المال، فأعطني مثل ما اعطيتَهُ".
أي ليس يذكرُ الَّلهَ تعالى، إنما يذكُر أباه، ثم يَسْألُ أن يُعْطَى في الدنيا.
وقوله جلَّ وعز ﴿فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ﴾.
قال ابن عباس: (الخَلاَقُ) النصيبُ، والمؤمنون يقولون ﴿رّبَنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً﴾ قال: المالُ ﴿وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَة﴾ قال: الجنةُ.
وقال هشام عن الحسن: ﴿آتَِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنةً﴾ قال: العلم والعبادة، ﴿وَفِي الآخِرَةِ حَسَنة﴾ قال: الجنَّةُ.
وروى مَعْمرٌ عن قَتَادةَ قال: في الدنيا عافية، وفي الآخرة عافية.
قال أبو جعفر: وهذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد، إلى أن الحسنة والنعمةَ من الله.
* ثم قال تعالى: ﴿وَقِنَا﴾ أي اصرف عنَّا.
يقال منه: وقيتُه كذا: أَقِيهِ، وَقَايةً، وَوِقَاية، وَوَقَاءً. وقدْ يُقَالُ: وقَاكَ اللَّهُ وَقْياً.
البقرة 2:202
قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾.
أي قد علم ما للمحَاسَبِ وما عليه، قبل توقيفه على حسابه، وهو يحاسبه بغير تذكُّرٍ، ولا رَويَّة، وليس الآدميُّ كذلك.
البقرة 2:203
قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾.
أي بالتوحيد والتعظيم ﴿فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ أي مَحْصِيَّات.
أُمِرُوا بالتكبير أدبار الصلوات، وعند الرمي مع كل حصاة من حصى الجمار.
ورَوَى سفيانُ عن بُكَيْر بن عطاءٍ، عن عبدالرحمن الدَّيْلي قال: قال رسول الله ﷺ: "أيامُ مِنى ثلاثةُ أيام "أيام التَّشريقِ" فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه".
ورَوَى نافع عن ابن عمر: الأيام المعلوماتُ والمعدوداتُ جميعهن أربعةُ أيامٍ، فالأيامُ المعلوماتُ: يومُ النحر، ويومان بعده، والمعدوداتُ: ثلاثةُ أيام بعد يوم النحر ﴿وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
ورُوي عن عبدالله بن مسعود، وابن عمر، وابن عباس ﴿فَلاَ إِثْمَ عَلَيه﴾ مغفورٌ له.
وقال عطاءٌ، وابراهيمُ، ومجاهدٌ، وقتادة ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في تعجيله، ﴿وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في تأخيره.
* ثم قال تعالى: ﴿لِمَنِ ٱتَّقَىٰ﴾.
قال عبدالله بن عمر: أُبيحَ ذا لِتَعْجِيلِ من اتَّقى.
فالتقدير على هذا: الإِباحةُ لمن اتَّقَى.
وقال ابن مسعود: إنها مغفرة للذنوب لمن اتَّقى في حجه.
قال أبو جعفر: وهذا القول مثل قوله الأول، وأما قول إبراهيم: ﴿وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في تأخيره، فتأويلٌ بعيدٌ، لأن المتأخر قد بلغ الغاية، ولا يقال: لا حرج عليه.
وقد قيل: يجوز أن يقال: لا حرج عليه، لأن رُخَصَ الله يُحسن الأخذُ بها، فَأَعْلَمَ اللـهُ تبارك وتعالى أنه لا إثم عليه في تركه الأخذ بالرُّخَص.
ويدل على صحة قول ابن مسعود حديث شُعبَةَ عن منصور عن أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أُمُّهُ".
والمعني على هذا: من حج فاتَّقى في حجه ما يُنْقِصه فلا إثم عليه من الذنوب الخالية.
أي قد كفّر الحَجُّ عنه.
والتقدير: تكفير الإِثم لمن اتقى.
حدثنا محمد بن جعفر الأنباري قال: حدثنا حاجب بن سليمان قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان االثوري عن سميّ عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "الحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلاَّ الجنة".
قال أبو جعفر: وقول أبي العالية: (لا إِثْمَ عَلَيْهِ) ذهب إثمه كلُّه إن اتقى الله فيما بقي أي من عمره.
البقرة 2:204
قولُه تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾.
قال ابن عباس: علانيتهُ ﴿وَيُشِهدُ اللَّهَ﴾ في الخصومة أن ما يريد الحق، ولا يطلب الظلم ﴿وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ﴾ ظالم.
قال محمد بن كعب: هم المنافقون.
وقرأ ابن محيصن: (وَيُشْهَدُ الَّلهُ) بفتح الياء والهاء والرفع - ومعناه: ويَعلمُ اللـهُ.
* ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ﴾.
قال مجاهد: أي ظالمٌ لا يستقيمُ.
وقال قتادة: شديدُ جدلٍ بالباطل.
وَالأَلَدُّ في اللغةِ: الشديدُ الخصومة، مشتقٌّ من اللَّدِيدَيْنِ وهما صَفْحتا العُنُقِ.
أي في أي جانبٍ أخذ من الخُصومة غلب، كما قال الشاعر:
إنَّ تَحْتَ الأحْجَارِ حَزْمَاً وَجودَاً * وَخَصِيمَاً ألدَّ ذَا مِعْلاَقِ
ويروى "مِعْلاق" ويُقال: هو من لَديديْ الوادي، أي جانبيه.
فَصَاحبُ هذه الصفحة، يأخُذُ من جانب ويدع الإِستقامة، واللُّدُودُ في أحد الشقين.
وقال أبو إسحاق: الخِصامُ جمعُ خصْمٍ.
البقرة 2:205
قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ﴾.
أي إذا فارقك أسرع في فساد الحَرْثِ والنَّسل.
وروى أبو مالك عن ابن عباس "نزلت في الأخنس بن شرَيق، خرج من عند النبي ﷺ، فَمرَّ بزرعٍ لقومٍ من المسلمين وحُمُر، فأحرق الزرع، وعَقَر الحمر".
ورَوَى أبو إسحاق عن التميمي عن ابن عباس قال: الحَرْثُ حَرْثُ الناس، والنَسْلُ نَسْلُ كلِّ دابَّة.
قال قتادة: الحرثُ الزرعُ: والنَّسْلُ: نسلُ كل شيءٍ.
وحدثنا محمد بن شعيب قال: أخبرني أحمد بن سعيد قال: حدثنا وهب بن جرير قال: حدثنا أبي عن علي بن الحكم عن الضحاك: أمَّا قوله: ﴿وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ﴾ فالناس وكلَّ دابة، وأما الحرثُ فهي: الجِنَانُ، والأصلُ النابت.
قال أبو جعفر: وهذه الأقوال متقاربةُ المعاني، والمعنى: يُحَرِّقُ وَيُخَرِّبُ ويقتل.
البقرة 2:206
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ﴾.
حدثنا محمد بن جعفر الأنباري قال: حدثنا أحمد بن عبدالجبار قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن سعيد بن وهب قال: قال عبدالله "كفى بالرجل إثماً أن يقول له أخوه: اتَّقِ الله، فيقول: عليك نَفسكَ، أأنت تأمرني".
البقرة 2:207
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ﴾.
أي يبيع، ومعنى يبيع نفسه: يَبْذُلُها في الله.
قال سعيد بن المسيب: أقبل صهيب مهاجراً نحو النبي ﷺ فاتَّبعه نفر من قريش من المشركين، فنـزل عن راحلته، فانتثر ما في كنانته، وأخذ قوسه، ثم قال: يا معشر قريش: لقد علمتم أني من أرماكم رجلاً، وايمُ اللَّهِ لا تَصِلون إليَّ حتى أرمي بما في كِنَانَتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم، فقالوا: دُلَّنا على بيتك ومالك بمكة، ونُخلِّي عنك.
وعاهدوه ففعل، فلما قدم على النبي ﷺ قال: أبا يحيى ربح البيعُ [ربح البيع] فأنزل اللَّهُ: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ﴾.
وقال قتادة: هم المهاجرون والأنصار.
البقرة 2:208
قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً﴾.
قال مجاهد: يعني الإِسلام.
ورَوَى أبو مالك عن ابن عباس قال: يقول في الإِسلام جميعاً.
قال أبو جعفر: وأصل السِّلْمِ: الصُلُح والمسالمة، فيجوز أن يكون المعنى اثبتوا على الإِسلام، ويجوز أن يكون المعنى لمن آمن بلسانه.
وقد رُوي أن قوماً من اليهود أسلموا وأقاموا على تحريم السبت، فأمرهم الله أن يدخلوا في جميع شرائع الإِسلام.
* ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾.
قال الضحَّاك: هي الخطايا التي يأمر بها.
قال أبو إسحاق: أي لا تَقْفُوا آثاره، لأَنَّ ترككم شيئاً من شرائع الإِسلام اتباعٌ للشيطان.
البقرة 2:209
قال تعالى ﴿فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ﴾.
أي تنحيَّتم عن القَصْد.
﴿فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا تعجزونه ولا يُعجزه شيء ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما فطركم عليه وشَرَع لكم من دينه.
البقرة 2:210
قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾.
قال مجاهد: إن الله يأتي يوم القيامة في ظُلَلٍ من الغمام.
وقيل: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ﴾ بما وعدهم من الحسنات والعذاب.
﴿فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ أي بخذلانه إياهم.
وهذا قول أبي إسحاق.
وقال الأخفش سعيد: ﴿أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ﴾ يعني أمرُه.
لأن الله تعالى لا يَزُولُ، كما تقول: خشينا أن تأتيَنَا بنو أميَّةَ، وإنما تعني حكمهم.
﴿وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ أي فُرِغ لهم ما كانوا يوعدون.
* ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ﴾.
وهي راجعة إليه في كل وقت.
قال قطرب: المعنى إن المسألة عن الأعمال، والثوابُ فيها والعقابُ يرجع إليه يوم القيامة، لأنهم اليوم غير مسؤولين عنها.
وقال غيره: وقد كانت في الدنيا أمور إلى قوم يجورون فيها فيأخذون ما ليس لهم، فيرجع ذلك كلَّه إلى الله، يحكم فيه بالحق.
وبعده: ﴿وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ أي فُصِلَ القضاء بالعدل بين الخلق.
البقرة 2:211
قال تعالى: ﴿سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾.
أي في تصحيح أمرِ النبي ﷺ.
وقال مجاهد: ما ذُكر منها من القرآن، وما لم يُذكر، قال: وهم يهود.
* ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ﴾.
قال مجاهد: أي يكفُرْ بها، وقيل لهم هذا لأنهم بدَّلوا ما في كتبهم.
البقرة 2:212
قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا﴾.
قال أبو إسحاق: أي زيَّنها لهم إبليس، لأن اللَّهَ قد زهَّد فيها، وأَعلَمَ أنَّها متاعُ الغُرُورِ.
وقيل: معناه إنَّ اللهَ خلق الأشياء المُعْجِبَةَ، فنظر إليها الذين كفروا بأكثرَ من مقدارها.
ثم قال عز وجل: ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾.
قال: أي في ذات اليد.
قال ابن جريج يسخرون منهم في طلب الآخرة.
قال قتادة: ﴿فَوْقَهُمْ﴾ أي في الجنة.
* ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
ليس يرزق المؤمن على قدر إيمانه، ولا يرزق الكافر على قدر كفره.
أي ليس يُحاسب في الرزق في الدنيا على قدر العمل.
وقال قطرب: المعنى - والله أعلم - أنه يُعطي [العباد من الشيء المقسوم] لا من عدد أكثر منه أخذه منه، كالمعطي من الأدميين الألف من الألفين.
قال: ووجهٌ آخر أن من أنفق شيئاً لا يُؤاخذ به، كان ذلك بغير حساب.
البقرة 2:213
قوله تعالى: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
قال مجاهد: آدمُ أُمةٌ واحدة.
ورَوَى سعيد بن جبير عن قتادة قال يقول: "كانوا على شريعةٍ من الحقِّ كلُّهُمْ".
ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم يعمل بطاعة الله على الهدى، وعلى شريعة الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله نوحاً.
قال أبو جعفر: (أُمَّة) من قولهم: أمَمْتُ كذا أي قَصَدْتُه.
فمعنى (أُمَّة) أنَّ مَقْصَدهم واحد، ويقال للمنفرد "أمَّة" أي مَقْصَده غير مَقْصَد الناس.
والأَمَّة القامةُ، كأنها مقصد سائر البدن، والإِمَّة - بالكسر- والنَّعْمَة، لأن الناس يقصدون قصدها، وقيل: إمام، لأن الناس يقصدون قصد ما يفعل.
* ثم قال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾.
أي يفصل الكتابُ بالحكم.
وقرأ الجحدري: (ليُحْكَم) بضم الياء وفتح الكاف.
وقال الفرزدق:
ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنْكَبُوتُ بنَسْجِهَا * وقَضَى عَلَيْكَ بِهِ الكِتَابُ المُنْزَلُ
* ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ﴾.
أي وما اختلف في الكتاب إلاَّ الذين أُعْطُوهُ.
قال أبو إسحاق: أي وما اختلف في حقيقة أمر النبي ﷺ إلاَّ الذين أُعطوا علم حقيقته عليه الصلاة والسلام.
﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ أي للبغي، أي لم يوقعوا الاختلاف إلاَّ للبغي.
* وقوله جل وعز ﴿فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾.
ورَوَى أبو مالك عن ابن عباس: اختلف الكفار فيه، فهدى اللهُ الذين آمنوا للحق من ذلك.
روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال:
"نحن الآخِرون الأوَّلون يوم القيامة، نحن أوَّلُ النَّاسِ دخولاً الجنة، بَيْد أَنَّهم أُوْتُوا الكتابَ مِنْ قَبْلِنا، وأُوتيناهُ من بعدِهمْ، فَهَدَانَا اللهُ لِمَا اختلفوا فيه من الحقِّ، فهذا اليومُ الذي اختلفوا فيه [فهدانا اللهُ له] فالنَّاس لنا فيه تَبَعٌ، فَغَدا لليهودِ، وبعد غدٍ للنَّصارى".
وفي بعض الحديث: "هَدَانا الله ليوم الجمعة".
وقال زيد بنُ أسلم: اختلفوا، فاتخذت، اليهودُ السبتَ، والنَّصارى الأحدَ، فهدى اللهُ أمَّةَ محمدٍ للجُمعة.
واختلفوا: في القِبْلة، واختلفوا في الصلاة، والصيام، فمنهم من يصوم عن بعض الطعام، ومنهم من يصوم بعض النهار.
واختلفوا في "إبراهيم" فهدى الله أمَّةَ محمدٍ للحقِّ من ذلك.
قال أبو زيد: واختلفوا في عيسى، فجعلته اليهود لِفِرية، وجعلته النصارى رّباً، فهدى الله المؤمنين.
وقال أبو إسحاق: ﴿بإذْنِهِ﴾ أي بعلمه.
البقرة 2:214
قال تعالى ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ﴾.
(أَمْ) ها هنا للخروج من حديث إلى حديث.
* ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم﴾.
حكى النَّضْرُ بن شُمَيلٍ أنَّ "مَثَل" يكون بمعنى "صفة".
ويجوز أن يكون المعنى: ولمَّا يُصبْكم مِثْل الذي أصاب الذين من قبلكم. و (خَلَوْا) أي مَضَوْا.
﴿مَسَّتْهُم البَأْسَاء والضرَّاء﴾ أي الفقرُ والمرضُ.
(وزلْزِلُوا) خوفوا وحركوا بما يؤذي.
قال أبو إسحاق: أصل الزلزلة من زلَّ الشيءُ عن مكانه، فإذا قلتَ: زَلْزَلْتهُ فمعناه: كرَّرتَ زَلْزَلتَه من مكانه.
* ثم قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ﴾؟ [آية ٢١٤].
أي بلغ الجهدُ بهم حتى استبطأوا النَّصر.
وقال الله تعالى ﴿أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾ أي هو ناصرُ أوليائِهِ لا مَحَالة.
البقرة 2:215
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾؟ [آية ٢١٥].
أي يَتَصدَّقون ويُعْطون.
﴿قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾.
قيل: كانوا سألوا على من ينبغي أن يُفْضِلوا؟.
فقيل: أولى من أُفْضِلَ عليه هؤلاء.
* ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.
أي يُحْصِيه، وإذا أحصاه جازى عليه.
البقرة 2:216
قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ﴾.
أكثرُ أهل التفسير على أن الجهاد فرض، وأن المعنى: فُرِض عليكم القتالُ، إلا أن بعضهم يكفي من بعض.
قال الله تعالى: ﴿وقاتِلُوا في سَبيلِ الله﴾.
قال أبو طلحة في قوله تعالى: ﴿انْفِروُا خِفَافَاً وَثِقَالاً﴾.
ما سمعت اللَّهُ عَذَرَ أحَداً.
إلاَّ أن سفيان الثَّوريَ قال: الجهادُ تطوعٌ، ومعنى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ﴾ على تَفْضِيله.
ثم قال: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾.
قال أبو إسحاق: التأويل وهو ذو كره لكم، وكرهتُ الشَّيءَ كُرْهاً، وكَرْهاً، وكَرَاهَةً، وكَرَاهِيَةً.
وقال الكسائي: كأنَّ الكُرْه من نفسك، والكَرْه - بالفتحِ - ما أُكْرِهْتَ عليه.
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
أي إن قُتِلَ كان شهيداً، وإن قَتَلَ أُثِيبَ وغَنِمَ، وهَدَمَ أمر الكفر، واستدعى بالقتال دخولَ من يقاتله في الإِسلام.
﴿وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً﴾ القعود عن القتال.
البقرة 2:217
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾.
رَوَى سعيد عن قتادةَ قال: فكانَ القتالُ فيه كبيراً - كما قال تعالى - ثم نُسخ في براءة: ﴿وَقَاتِلُوا المُشْرِكين كَافَّة كَمَا يُقَاتِلونَكُم كافَّةً﴾.
رَوَى أبو السَّيار عن جُنْدِب بن عبدالله أنَّ النبيَّ ﷺ بعث رهطاً، وبعث عليهم أبا عُبَيَدةَ بنَ الحَارِثِ - أو عبيدة بن الحارث - فلمَّا ذهب لينطلق بكى صَبَابَةً إلى رسول الله ﷺ، فبعث "عبداللَّهِ بنَ جَحْشٍ" وكتب له كتاباً، وأمره لا يقرأ الكتاب حتَّى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: لا تكرِهَنَّ أصحابَك على المسير، فلمَّا بلغ المكان قرأ الكتابَ فاسترجع، وقال: سمعاً وطاعةً للَّهِ ورسوله، قال: فرجع رجلانِ، ومضى بقيتهم، فلقُوا الحضرَميِّ فقتلوه، ولم يَدْرُوا أنَّ ذلك اليوم من رجب، فقال المشركون: قتلتُم في الشهر الحرام. فأنزل الله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ﴾ الآية.
وقيل: إن لم يكونوا أصابوا وِزْراً، فليس لهم أجرٌ، فأنزل الله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمنوا والَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ﴾ إلى آخر الآية.
قال مجاهد: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ أي عظيم.
وتم الكلام. ثم ابتدأ فقال: ﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ﴾ أي باللهِ ﴿وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ أي وصدٌ عن المسجد الحرام.
﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ يعني المسجد الحرام ﴿أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ من القتل في الشهر الحرام.
﴿وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ﴾.
قال الشعبي: أي الكفر، والمعنى: أفعالكم هذه كفرٌ. والكفرُ أكبرُ من القتلِ في الشهرِ الحرام.
* ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ﴾.
قال مجاهد: يعني كفار قريش.
* وقوله تعالى: ﴿أُوْلۤـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ﴾.
ومعنى ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ﴾ وقد مدحهم؟! أنَّهم لا يَدْرون ما يُخْتَمُ لهم به.
البقرة 2:219
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾.
رَوَى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ثم أنزل: ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأنْتُم سُكَارَى حَتَّى تَعْلَموا ما تَقُولونَ﴾ [فكانوا يَدَعونها] فإذا صلُّوا العشاء شربوها، فلا يُصبحون حتى يذهب عنهم السُّكْرُ، فإذا صلُّوا الغداة شربوها، فما يأتي الظهر حتى يذهب عنهم السُّكْرُ، ثم إن ناساً شربوها، فقاتل بعضهم بعضاً، وتكلَّموا بما لا يرضي اللَّهَ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿إنَّما الخمرُ والميسرُ، والأنْصَابُ، والأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَل الشَّيْطانِ، فَاجْتَنِبُوهُ﴾.
فحرَّم الله الخمر ونهى عنها، وأمر باجتنابها، كما أمر باجتناب الأوثان.
ورَوَى أبو توبة عن ابن عمر: أُنزلت ﴿إنَّما الخَمْرُ﴾ إلى قوله ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُنْتَهونْ﴾ فقال رسول الله ﷺ: حُرِّمَتْ.
وقال عمرو بن شرحبيل: فقال عمر: انتهينا، فإنها تُذهِبُ المالَ، والعقل.
وأهلُ التفسير يذهبون إلى أن المُحرِّمَ لها هذا.
وقال بعض الفقهاء: المُحرِّمُ لها آيتان:
إحداهما: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبّي الفَواحِشَ ما ظَهَر مِنْها وما بَطَنَ وَالإثْم﴾.
قال أبو إسحاق: الخمر هذه المجمعُ عليها، وقياس كل ما تحملِ عَمَلها أن يقال له خمر، وأن يكون بمنـزلتها في التحريم، لأن إجماع العلماء أن القمار كله حرام. وإنما ذكر الميسر من بينه، فجعل كله قياساً على الميسر، والميسر إنّما يكون قماراً في الجُزُر خاصة، وكذلك كل ما كان كالخمر فهو بمنـزلتها.
وتأويلُ الخمر في اللغة: أنه ما ستَر على العقل، يُقال لكل ما سَتَر الإنسانَ من شَجَرٍ وغيره: خَمر، وما ستَره من شجر خاصة الضَّرا مقصور.
ودخل في "خُمَارِ النَّاسِ" أي في الكثير الذي يُستتر فيه.
وخِمارُ المرأة قِنَاعُها، لأنه يغطّي [الرأسَ] والخمرةُ يُسْجَدُ عليها، لأنَّها تستر الوجه عن الأرضِ. وكلُّ مسكرٍ خمرٌ، لأنه يخالط العقل ويُغطِّيه، وفلانٌ مخمورٌ من كل مُسْكِرٍ.
قال سعيد بن جبير ومجاهد: الميسرُ القمارُ كلُّه.
فأمَّا الإِثم الذي في الخمر فالعداوة والبغضاءُ، وتَحُولُ بين الإِنسان وبين عقله الذي يُميِّزُ به، ويَعْرِفُ به ما يجب لخالقه.
والقِمَارُ يورث العداوة، لأن مال الإِنسان يصير إلى غيره بغيرِ جزاء يأخذه عليه.
والمنافع: لذةُ الخمر، والربحُ فيها، ومصيرُ الشيء إلى الإِنسان في القمار بغير كدٍّ.
وقال الضحَّاك: منافعهما قبل التحريم، وإثمُهما بعد التحريم.
* وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ؟ قُلِ ٱلْعَفْوَ﴾.
قال طاووس: اليسير من كل شيء.
وقال خالد بن أبي عمران: سألت القاسِمَ وسالماً فقالا: فضل المالِ: ما يُصَّدَّق به عن ظهر غنى.
وقال قتادة: هو الفضلُ.
وقال أبو جعفر: وهذه الأقوال ترجع إلى شيءٍ واحد، لأن العفو في اللُّغَة: ما سَهُلَ.
يقال: خُذْ ما عَفَا لك: أي ما سَهُلَ لك.
وفي الحديث عن النبي ﷺ: "أفضل الصدَّقةِ ما تُصُدِّق بهِ عن ظَهْرِ غِنَى".
فعلى هذا تأويل قول القاسم وسالم. وفي المعنى قول آخر.
قال مجاهد: هي الصدقة المفروضة، والظاهر يدلُّ على القول الأول.
* ثم قال تعالى: ﴿كَذٰلِكَ يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ﴾ [آية ٢١٩ - ٢٢٠].
وقال أبو جعفر: حدثنا أحمد بن محمد بن نافع قال: حدثنا سَلَمةُ بن شبيب قال: حدثنا عبدالرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ﴾.
قال: يقول: لعلكم تتفكرون في الدنيا والاخرة فتعرفون فضل الاخرة على الدنيا.
قال أبو جعفر: والتقدير على قول قتادة لعلكم تتفكرون في أمر الدنيا والآخرة.
وقيل: هو على التقديم والتأخير أي كذلك يبين الله لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون.
البقرة 2:220
قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾.
قال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لمَّا نزلت: ﴿إِنَّ الذَّينَ يَأْكُلونَ أَمْوَالَ اليَتَامى ظُلْماً﴾ الى آخرها، قالوا: هذه موجبة، فاعتَزَلوهُمْ وتَرَكُوا خِلْطَتهم، فشقَّ ذلك عليهم، فقالوا للنبي ﷺ: إن الغنمَ قد بقيت ليس لها رَاعٍ، والطعامَ ليس له من يَصْنَعه، فنـزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾ إلى آخرِها.
* وقوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ﴾.
أي يعلم من يخالطهم للخيانة، ومن لا يريد الخيانة.
* ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ﴾.
قال مجاهد: أي لو شاء لم يُطْلِق لكم مخالَطَتهم، في الأُدْمِ والمَرْعَى.
ورَوَى الحكم عن مقسم عن ابن عباس ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهَ لأَعْنَتَكُمْ﴾ قال: لو شاء لجعل ما أحببتم من أموال اليتامى مُوبِقَاً.
وقال أبو عبيدة: ﴿لأَعْنَتَكُمْ﴾ لأهلكَكُمْ.
قال أبو إسحاق: حقيقته لكلَّفكم ما يشتد عليكم فتعنتون.
قال: وأصلُ العَنتِ في اللغة: من قولهم "عَنِتَ البعير عَنَتَاً" إذا حدث في رجلِه كَسْرٌ بعد جَبْر، لا يمكنه معه تصريفها.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي يفعل بعزَّته ما يجب، لا يدفعه عنه أحد.
﴿حَكِيمٌ﴾ ذو حكمة فيما أمركم به، من أمر اليتامى وغيره.
البقرة 2:221
قولُه تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾.
أكثر أهل العلم على أن هذه الآية منسوخة، نسخها: ﴿اليَوْمَ أُحِّلَ لَكُمُ الطَّيِبَّاتُ﴾ إلى قوله ﴿وَالمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِيِنَ أُوتُوا الكِتَابِ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
هذا قول ابن عباس ومكحول، وهو مذهب الفقهاء "مالك وسفيان والأوزاعي".
ورَوَى سفيان عن حماد: سألت سعيد بن جبير عن نكاح اليهودية والنصرانية فقال: لا بأس به، قال: قلت: فإن الله يقول: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾ فقال: أهل الأوثان والمجوس.
ورَوَى معمر عن قتادة: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ﴾ قال: المشركات ممن ليس من أهل الكتاب، وقد تزوج حذيفة يهوديةً أو نصرانية.
فأما ﴿المُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبلِكُم﴾ فقيل: هنَّ العفائف، والإِماءُ.
* ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ﴾.
أي: لا تُزَوِّجُوهُم بمسلماتٍ ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ أي: وإن أعجبكم أمْرُهُ في الدنيا، فمصيرُهُ إلى النار.
﴿أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ﴾.
أي: يعملون بأعمال أهلها. فيكونُ نَسْلُكُمْ يترَّبى مَعَ مَنْ هذِهِ حالُهُ.
﴿وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾.
[أي يدعوكم إلى أعمال أهل الجنة].
﴿وَالمَغْفِرَة بِإذْنِهِ﴾.
قيل: أي بعلمه، أي ما دعاكم إليه وُصْلَةٌ إليهما.
وقيل: بما أمركم به ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ﴾ أي علاماته.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ليكونوا على رجاء التذكر.
البقرة 2:222
قال تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾.
قال قتادة: اي قَذَرٌ.
ورَوَى ثابتٌ عن أنسٍ (أنَّ اليهود كانوا إذا حاضت المرأة أخرجوها من البيت، فلم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجامعوها في بيتٍ، فسئل النبي ﷺ عن ذلك، فأنزل اللهُ عَزَّ وجلَّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى، فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ﴾ الآية، فقال رسول الله ﷺ: "جامعوهنَّ في البيوت، واصنعوا كل شيء إلاَّ النَّكاحَ".
فتبيَّن بهذا الحديث معنى ﴿فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ﴾ أنَّ معناهُ فاعتزلوهنَّ في الجماع فقط.
* ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾.
أي حتَّى ينقَطِع الدَّم عنهنَّ.
وقرأ أهلُ الكوفة: ﴿يَطَّهَّرْنَ﴾ أي: يغتسِلْنَ.
وكذا معنى ﴿يَتَطَهَّرْنَ﴾، قرأَ به ابنُ مسعودٍ، وأُبَيُّ.
وقد عاب قومٌ ﴿يَطْهُرْنَ﴾ - بالتخفيف - قالوا: لأنه لا يَحِلُّ المسِيسُ حتى يَغْتَسِلْنَ.
قال أبو جعفر: وهذا لا يلزم، فيجوز أَنْ يكون معناه كمعنى ﴿يطَّهَّرْنَ﴾، ويجوز أن يكون معناه حتى يحلَّ لهنَّ أن يتطَهَّرْنَّ، كما يقال للمطلقة إذا انقضت عدتها: قد حَلَّتْ للرجال، وقد بيَّن ذلك بقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾.
* ثم قال تعالى: ﴿فَأَتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾.
قال مجاهد: من حيث نُهُوا عنه في محيضهن.
وقال إبراهيم: في الفرج.
وقال ابن الحنفية: من قِبَلِ التزويج، من قِبَل الحلال.
وقال أبو رزين: من قِبَلِ الطُّهْرِ.
قال أبو العالية: ﴿ويُحِبُّ المُتَطَهَّرِيَن﴾ من الذنوب.
وقال عطاءُ: بالماءِ.
قال أبو جعفر: وقول عطاءٍ أولى، للحديث، أن النبي ﷺ قال - لأهل مسجد قباء -: "إنَّ الله قد أثنى عليكم في الطهور خيراً، أفلا تخبرونني؟ قالوا: يا رسول الله نَجِدُهُ مكتوباًَ علينا في التوراة: الاستنجاءُ بالماء".
وهذا لما نزل: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّروُا﴾.
البقرة 2:223
قوله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾.
أي موضعُ حرثٍ لكم، كما تقول: هذه الدار منفعة لك، أي مكانُ نفعٍ لك، فالمعنى: أنكم تحرُثُون منهُنَّ الولدَ.
* ثم قال تعالى: ﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾.
أصحُّ ما رُوِيَ في هذا أن مالكَ بن أنسٍ، وسُفْيانَ، وشُعْبةَ، رَوَوْا عن محمد بن المنكدر، عن جابر، أن اليهود قالوا: "منْ أتى امرأةً في فَرْجِها مِنْ دُبُرِها، خرج ولدُها أَحْوَلَ، فأنزل الله: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ، فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾.
وكذلك قال مجاهدٌ: "قائمةً، وقاعدةً، ومُقْبِلَة، ومُدْبِرَةً، في الفرج".
ورَوَى أبو إسحاق عن زايدة عن عُميرة: "سألتُ ابنَ عباسٍ عن العَزْلِ فقال: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ إنْ شِئْتَ فاعْزِلْ، وإن شِئْتَ فلا تِعْزِلْ".
قال أبو جعفر: وقال الضحاك: ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ متى شئتم.
ومعناه من أين شئتم، أي من أي الجهات شئتم.
قال أبو جعفر: وأصل الحرث ما يخرجُ ممَّا يُزْرعُ، والله تعالى يخلق من النُّطفةِ الولدَ.
* وقوله تعالى: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ فدلَّ على العِظَةِ في أن لا يُجاوِزوا هذا.
* ثم قال تعالى: ﴿وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ﴾.
أي الطَّاعةَ.
وقيل: في طلب الولد.
البقرة 2:224
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾.
قال سعيد بن جبير ومجاهد: وهذا لفظُ سعيدٍ ـ هو الرَّجُلُ يحلفُ أن لا يَبَرَّ، ولا يُصَلِّي، ولا يُصْلِحُ، فَيُقالُ له: بَرَّ فيقول: قد حلفتُ.
والتقدير في العربية: كراهَةَ أن تبرُّوا.
البقرة 2:225
قوله تعالى ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ﴾.
فيه أقوال:
قال أبو هريرة، وابنُ عباس، وهذا لفظ أبي هريرة: لَغْوُ اليمينِ: حلفُ الإِنسانِ على الشيء، يظنُّ أنه [كما] حلف عليه، فإذا هو غير ذلك.
وقال الحسن: بهذا القول، ومجاهدٌ، ومنصور، ومالك.
ورَوَى مالكٌ وشعبةُ، عن هشامِ بن عُروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت "لغوُ اليمين قولُ الإِنسان: لا واللهِ وبلى والله" وقال بهذا الشعبيُّ.
وقال سعيد بن جبير: هو الرجل يحلف في الأمر الحلال يحرِّمه.
وقال زيد بن أسلم قولاً رابعاً قال: وهو قول الرجل: أَعْمى اللهُ بَصَري إنْ لم أفعلْ كذا أخرجني اللهُ من مالي إنْ لم آتِك غداً، فلو آخَذَه بهذا لم يترك له شيئاً.
﴿وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.
قال: نحو قولِ الرجل: هو كافرٌ، هو مشركٌ، لا يؤاخذه حتى يكون ذلك من قِبَلِه.
قال أبو جعفر: وأَوْلى هذه الأقوال قولُ عائشة، لأن يحيى القطان قال: حدثنا هشام بن عروة قال أخبرني أبي عن عائشة، في قوله: ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ﴾ قالت: نزلت في قول الرجل: لا واللهِ، وبلى واللهِ.
فهذا إخبارُ منها عن علمها بحقيقة ما نزلت فيه هذه الآية.
واللغوُ: في اللغة ما يُلْغَى، فيقول الرجل عند الغضب والعجلة: لا والله، وبلى والله، مما لم يعقده عليه قلبه.
وقول أبي هريرة وابن عباس غيرُ خارجٍ من ذا أيضاً، لأن الحالف إذا حلف على الشيء، يظن أنه الذي حلف عليه فلم يقصِده إلى غير ما حلف عليه، فيحلفُ على ضدِّه، واليمينان لغوٌ، واللهُ أعلم.
فأما قول سعيد بن جبير فبعيد، لأن ترك ما حلف عليه من حلال يُحرِّمُه، إذا كَفَّر فليس مذنباً معفواً عنه، بل مثاباً [قابلاً] أمر الله.
وقول زيد: بن أسلم محالٌ، لأن قول الرجل: أعمى الله بصري دعاءٌ وليس بيمين.
وقيل: اللغو قد أُلغي إثمه.
* ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.
أي غفر لكم يمين اللغو، فلم يأمركم فيها بكفارة، ولا ألزمكم عقوبةً. ﴿حليمٌ﴾ في تركهِ المعاجلةَ بالعقوبة لمن حلف كاذباً، واللهُ أعلم.
* وقوله تعالى: ﴿وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.
قال ابن جريح: قلتُ لعطاءٍ: قلتُ لشيءٍ أعمدهُ: واللَّهِ لا أفعَلُهُ؛ ولم أعقِدْهُ؛ قال: وذلك أيضاً مما كسبت قلوبكم، وتلا: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخُِكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. قال عطاء: والتعقيدُ "والله الذي لا إله إلا هو".
ففسَّرَ عطاءٌ أن قوله "والله لا أفعل" مما اكتسبه القلبُ، وفيه الكفارة، وأن تعقيد اليمين "والله الذي لا اله الا هو".
ورَوَى ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ قال: بما عقَّدتُم عليه.
البقرة 2:226
قوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾.
قال أبو جعفر: والتقدير في العربيّة: للذين يُؤْلون من اعتزال نسائهم، أي أن يعتزلوا نساءَهم.
رَوَى عطاءٌ عن ابن عباس قال: "كان إيلاءُ أهل الجاهلية، السَّنَةَ والسنين، وأكثر من ذلك، فَوَقَّتَ الله لهم أربعةَ أشهر، فمن كان إيلاؤه منهم أقلَّ من أربعة أشهر، فليس بإيلاء".
وفي حديث ابن عباس أنهم كانوا يفعلون ذلك، إذا لم يريدوا المرأة، وكرهوا أن يتزوَّجها غيرُهم، آلوْا أي حلفوا أن لا يقربوها.
فجعل الله الأجل الذي يُعْلِمُ به ما عند الرجل في المرأة أربعة أشهر، وإذا تمَّت ولم يفِئ ـ أي لم يرجعْ إلى وَطْءِ امرأته ـ فقد طَلُقَتْ في قول ابن مسعود وابن عباس.
وقرأ أُبيُّ بنُ كعبٍ: ﴿فَإِنْ فَاءوا فِيهنَّ﴾.
وقال قومٌ: لا يكون مولياً حتى يحلف على أكثر من أربعة أشهر، فإذا تمَّتْ له أرْبَعَةٌ، ولم يجامعْ فيحنث في يمينه، أُخِذَ بالجماع أو الطلاق.
ورُوي هذا عن عمر وعلي وأبي الدرداء. رواه مالكٌ عن نافع عن ابن عمر.
وقال مسروق والشعبيُّ: الفيءُ: الجماعُ.
وقال أبو جعفر: والفيءُ في اللغة: الرجوعُ، فهو على هذا الرجوعُ إلى مجامعتها، والطلاقُ مأخوذٌ من قولهم: أطلقتُ الناقةَ فَطَلَقَتْ إذا أرسلتَها من عقالٍ أو قيْدٍ، وكأنَّ ذات الزوج موثقةٌ عند زوجها، فإذا فارقها أطلقها من وثاقٍ.
ويدلُّ على هذا: أُمْلِكَ فلانٌ، معناه: صُيِّر يملكُ المرأةَ، إلاَّ أن المسْتَعمَل: أُطْلِقَتِ النَّاقَةُ فَطَلُقَتْ، وطُلِّقَتِ المرأةُ فَطَلُقَتْ، وطَلَقَتْ.
البقرة 2:228
قوله تعالى: ﴿وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ﴾.
وقال عُمر وعلي ومعاذ وابن مسعود وأبو الدرداء وأبو موسى: ثلاثَ حِيَضٍ.
وقالت عائشة وزيد بن ثابت وابن عمر: وثلاثة أطهار.
ويُحتج للقول الأول عدَّة الأَمَةِ حيضتان، وإنما عليها نصف ما على الحُرَّة، وقد قال عمر: "لو قدرتُ أن أجعلها حيضةً ونصف ـ حيضةٍ ـ لفعلتُ".
والقُرْءُ عند أهل اللُّغةِ: الوقتُ، فهو يقمع لهما جميعاً.
قال الأصمعيُّ: ويُقال: أقرأتِ الريحُ، إذا هبَّت لوقتها.
وحدثني أحمد بن محمد بن سلمة، قال: حدثنا محمود بن حسان النحوي، قال: حدثنا عبدالملك بن هشام، عن أبي زيد النحوي، عن أبي عمرو بن العلاء قال: من العرب من يسمي الحيض قُرْءاً، ومنهم من يسمي الطُّهْرَ قُرْءاً، ومنهم من يجمعهما جميعاً فيسمي الحيض مع الطهر قُرْءاً.
* وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ﴾.
قال ابن عمر، وابن عباس: يعني الحَبَل، والحَيْضَ.
وقال قتادة: عُلِمَ أن منهن كواتم، يَكْتُمْنَ ويَذْهَبْنَ بالولد إلى غيره، فنهاهُنّ اللهُ عن ذلك.
* ثم قال تعالى: ﴿إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ﴾.
فليس هذا على أنه أبيح لمن لا يؤمن أن يكتم، وإنما هذا كقولك: إن كنت مؤمناً فاجتنب الإِثم، أي فينبغي أن [يحجزك] الإِيمان عنه لأنه ليس من فعل أهل الإِيمان.
* ثم قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾.
وقال [ابراهيم] وقتادة: في الأقراء الثلاثة، والتقديرُ في العربية: الأجلُ.
* ثم قال تعالى: ﴿إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً﴾.
أي إن أراد الأزواجُ بردِّهِنَّ الإِصلاح، لا الإضرار.
ورَوَى يزيد النحوي عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً﴾ وذلك أن الرجل كان إذا طلَّق امرأَتَهُ فهو أحقُّ برجعتها وإن طلقها ثلاثاً، فنسخ ذلك فقال: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾.
* وقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾.
رَوَى عكرمة عن ابن عباس، في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾، قال: إني لأُحِبُّ أن أتزيَّن للمرأة كما أُحِبُّ أن تتزيَّن لي.
وقال ابن زيد: يتَّقُون اللهَ فيهنَّ، كما عليهن أَنْ يَتَّقِيْنَ اللهَ فيهم.
* ثم قال تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾.
قال مجاهد: هو ما فضَّله الله به عليها من الجهاد، وفضلِ ميراثه على ميراثها، وكل ما فُضِّل به عليها.
وقال أبو مالك: له أن يطلقها، وليس لها من الأمر شيءٌ.
البقرة 2:229
قوله تعالى: ﴿ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾.
روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿الطلاق مرتان﴾ قال: إذا طلَّق الرجلُ امرأتُه تطليقتين، فَلْيَتَّقِ الله في التطليقة الثالثة، فإمَّا يُمْسِكها بمعروف، فيُحسِنَ صحابتها، وإمَّا يُسَرِّحَها بإحسان، فلا يظلمها من حقَّها شيئاً.
وقال عروة بن الزبير: كان الرجل يطلق امرأته ويرتجعها قبل أن تنقضي عدَّتُها، وكان ذلك له، ولو فعله ألفَ مرة، ففعل ذلك رجلٌ مراراً، فأنزل الله تعالى: ﴿ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ فاستقبل النَّاسُ الطَّلاقَ جديداًَ من يومِئِذٍ، من كان منهم طلَّق، أو لم يُطلِّق.
والتقديرُ في العربية: الطَّلاقُ الذي لا يملك مع أكثر منه الرجعة مرَّتان.
ويُروى أن رجلاً قال للنبي ﷺ: فأين الثالثة؟ فقال: التسريحُ بإحسان.
* ثم قال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
أي: فالواجب عليكم إمساك بما يُعرف أنه الحقُّ.
﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَانٍ﴾.
أي يُسهِّل أمرها بأن يطلِّقها الثالثة.
والسَّرْحُ في كلام العرب: السَّهْلُ.
* وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ﴾.
هذا في الخلع الذي بين الزوجين.
قال أبو عبيدة: الخَوْفُ ها هنا: بمعنى اليقينِ.
قال أبو إسحاق: حقيقته عندي أن يكون الغالب عليهما الخوف من المعاندة.
قال ابن جريح: كان طاووس يقول: يحلُّ الفداء، قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ﴾ ولم يكن يقول قولَ السفهاء: لا تحلُّ حتى تقول: لا أغتسلُ من جنابة، ولكنه كان يقول: ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ﴾ فيما افترض لكل واحد منهما على صاحبه، في العِشْرَة، والصُّحبةِ.
والمعنى على هذه القراءة: إلا أن يخاف الزوجُ والمرأةُ.
وقرأ الأعمشُ، وأبو جعفر، وابن وثابِ، والأعرجُ، وحمزة: ﴿إلاَّ أَنْ يُخَافاَ﴾، بضم الياء.
وفي قراءة عبدالله: ﴿إلاَّ أَنْ تَخَافُوا﴾ بالتاء.
وقيل: المعنى على هاتين القراءتين: إلاَّ أن يَخافُ السلطانُ، ويكون الخلع إلى السلطان.
وقد قال بهذا الحسن، قال شعبة: قلت لقتادة: عنْ مَنْ أخذ الحسنُ قولَه: لا يكون الخلع دون السلطان؟. فقال: أخذه عن زيادٍ، وكان والياً لعمرَ وعليٍّ رضي الله عنهما.
وقال أبو جعفر: وأكثرُ العلماء على أن ذلك إلى الزوجين.
* ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ﴾، وقد قال في موضعٍ آخر: ﴿فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئَاً، أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانَاً وإثْماً مُبِينَاً﴾.
ورَوَى معمر عن الزهري قال: لا يحلُّ لرجل أن تختلع امرأَتُهْ، إلاَّ أن يُؤتَى ذلك منها، فأما أن يكون يؤتى ذلك منه، يضارُّها حتى تختلع منه، فإن ذلك لا يصلح.
وقال أهل الكوفة: حَظَر عليه ما كان ساقَهُ إلى المرأة من الصّداق في قوله تعالى ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾ ثم أطلقه ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ﴾ فلا يحلُّ له أن يأخذ أكثر مما ساقه إليها.
وليس في الآية ما يدل على أنه لا يحل له أكثر مما أعطاها.
وقولُ: الزهري بيِّنُ، ويكون قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ﴾ يبيِّن قوله: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾.
أي: لا تأخذوا منهن شيئاً غَصْباً.
ومعنى: ﴿حُدُودِ اللهِ﴾ ما مَنَعَ منه، والحدُّ مانعٌ من الاجتراء على الفواحش، وأحدَّت المرأة امتنعت من الزينة، ورجل محدودٌ ممنوع من الخير، [والبوَّابُ حدَّادٌ] أي مانعٌ.
ومعنى: ﴿فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ فلا تتجاوزوها.
البقرة 2:230
قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾.
المعنى: فان طلقها الثالثة.
وأهل العلم على أن النكاح ها هنا الجماع، لأنه قال: ﴿زَوْجَاً غَيْرَهُ﴾ فقد تقدمت الزوجية، فصار النكاحُ الجماعَ.
إلاَّ سعيدَ بن جبير فإنه قال: النكاحُ ها هنا التزويجُ الصحيح، إذا لم يُرِدْ إحَلالها.
قال أبو جعفر: ويُقوِّي القول الأوَّل حديثُ النبيَّ ﷺ:
"لا تحلُّ له حَتَى تَذُوقَ العُسَيْلةَ".
وعن علي: حتى يَهُزَّها بِهِ.
* ثم قال تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ﴾.
روى منذر الثوري عن محمد بن علي، عن عليٍّ رضوان الله عليه.
قال: ما أَشْكَلَ عليَّ شيءٌ ما أشْكَلَتْ هذه الآيةُ في كتاب الله: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ﴾، فمازلتُ أدرسُ كتاب اللهِ حتى فهمتُ، فعرفتُ أن الرجل الآخر إِذَا طَلَّقها، رجعتْ إلى زوجها الأول، إن شاء.
* ثم قال تعالى: ﴿إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ﴾.
قال طاووس: "إنْ ظَنَّا" أنَّ كل واحد منهما يُحسنُ عِشْرَةَ صاحبه.
وقال مجاهد: إنْ عَلِمَا أن نكاحهما على غير دُلْسَةٍ.
* ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
أي يعلمون أن أمْرَ اللهِ حقٌ لا ينبغي أن يُتجاوز.
البقرة 2:231
قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾.
"أَجَلُهنَّ": وقتُ انقضاء العدة.
ومعنى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ على قرب البلوغ، كما تقول: إذا بلغتَ مكَّة، فاغتسِلْ قبل أن تدخلها.
* ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارَاً لِّتَعْتَدُواْ﴾.
رَوَى أبو الضحاك عن مسروق: ﴿وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ﴾.
قال: يُطَلِّقُها، حتى إذا كادت تنقضي عدتها، راجعها أيضاً ولا يريد إمساكها، ويحبسها، فذلك الذي يُضَارُّ، ويتخذُ آيات الله هزواً.
وقال مجاهد وقتادة نحوه.
* ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾.
أي عَرَّضَها لعذابِ الله.
* ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً﴾.
يُروَى عن الحسن: أن الرجل كان يُطلِّق، ثم يقول: إنما كنتُ لاعباً، فنـزل هذا.
ورَوَى أبو هريرة عن النبي ﷺ:
"ثلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: الطَّلاق، والعَتَاقُ، والرَّجْعةُ".
وقيل: من طلَّق امرأَتَهُ [فوق] ثلاثة [فقد] اتَّخذ آياتِ الله هزواً.
ورُوي عن عائشة أن الرجل كان يُطلِّق امرأَتَهُ ثم يقول: "والله لا أُوَرِّثُكِ ولا أَدَعُك، قالت: وكيف ذاك؟ قال: إذا كِدْتِ تقضين عِدَّتَك راجعتُكِ، فنـزلت: ﴿وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً﴾.
قال أبو جعفر: وهذا من أجود هذه الأقوال لمجيئها بالعلة التي أُنزلتْ من أجلها الآية. والأقوال كلها داخلةٌ في معنى الآية، لأنه يقال لمن سَخِرَ من آيات الله: اتَّخذها هُزُواً، ويقال ذلك لمن كفر بها، ويقال ذلك: لمن اطَّرَحَهَا ولم يأخذْ بها وعمل بغيرها، فَعَلَى هذا تدخُل هذه الأقوال في الآية.
وآيات اللَّهِ دلائلُه، وأمرُهُ، ونَهْيُهُ.
البقرة 2:232
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾.
رَوَى سِمَاكُ بن حرب عن ابن أخي مَعْقِل عن "مَعْقِل بن سِنَانٍ" أو يسارٍ، وقال لي الطحاويُّ: وهو "مِعْقِل بنُ سنان" أنَّ أُخْتَهُ كانت عند رجل فطلَّقَها، ثم أراد أَنْ يُراجعَها فَأَبَى عليه مَعْقِلٌ، فنـزلتْ هذه الآيةُ: ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾.
قال أبو جعفر: ومعنى ﴿لاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ في اللغة: لا تحبسوهن.
وحكى الخليل: دَجَاجَةٌ مُعَضِّلٌ: أي قد احْتُبِسَ بيضُها.
وقد قيل في معنى هذه الآية: أن النهي للأزواج، لأَنَّ المخاطَبَةَ لهم، مثلُ قوله: ﴿وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارَاً﴾.
وقد يجوز: أن يكون للأولياء، وخوطبوا بهذا لأنهم ممَّن يقع لهم هذا، وقد تقدَّم أيضاً نَهيُ الأزواج.
والأجودُ: أن يكون لهما جميعاً، ويكون الخطابُ عاماً، أي:
يا أيها الناسُ إذا طلقتم النساء فلا تَعْضُلوهنَّ.
قال أبو جعفر: وحقيقةُ ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فلا تُضَيِّقوا عليهن، بِمَنْعِكُمْ إياهنَّ ـ أيها الأولياء ـ في مراجعة أزواجهن.
تقول: عَضَل يَعْضُل، وعَضِل يَعْضَل، ومنه الدَّاءُ العُضَال الذي لا يطاق علاجُه، لضيقه عن العلاج.
ومعنى ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ﴾ أي: ما لكم فيه الصلاح.
البقرة 2:233
قوله تعالى: ﴿وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾.
لَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ، ومعناه معنى الأَمْرِ، لِمِا فيه من الإِلزامِ.
ورَوَى ابن أبي ذئبٍ عن يزيد بن عدالله بن قُسَيْطِ، عن بَعْجَةَ الجُهَنِيَّ قال: "تزوَّج رجلٌ امرأةً، فولَدَتْ لستَّةِ أشهرٍ، فأتى عثمانَ بنَ عفان، فذكر ذلك له، فأمر برجمها، فأتاه عليٌ رضي الله عنه وقالَ: إن اللَّهَ يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرَاً﴾ وقال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾.
وقال ابنُ عباس: فإذا ذهبت رضاعته، فإنما الحملُ في ستة أشهر.
والفائدةُ في ﴿كَامِلَيْنِ﴾ أنَّ المعنى كامِلَيْن للرضاعة.
كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ أي من الهَدْي، وقال تعالى: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ لأنه قد كان يجوز أن يأتيَ بعد هذا شيءٌّ آخرُ، أو تكون العَشَرةُ ساعاتٍ.
* ثم قال تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ﴾.
أي ذلك وقتٌ لتمام الرضاعة، وليس بعد تمامِ الرَّضَاعةِ رضاعٌ.
* ثم قال تعالى: ﴿وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ﴾ أي على الأب الذي وُلِدَ له ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ أي رزقُ الأمهاتِ ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ أي لا تقصيرَ في النفقة، والكسوة، ولا شَطَطَ.
* ثم قال تعالى: ﴿لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ على النهي.
وقرأ أَبَانُ عنِ عاصِم: ﴿لا تُضَارِرْ وَالِدَةٌ﴾ بكسرِ الراءِ الأُولى.
وقيل: المعنى لا تَدَعُ رَضَاعَ ولدها لِتُضِرَّبِهِ غيظاً على أبيه.
وقَرَأ أبو عمرو وابنُ كثيرٍ: ﴿لاَ تُضَارُّ وَالِدَةٌ﴾ بالرفع على الخبر الذي فيه معنى الإلزام.
ورَوَى يونس عن الحسن قال: يقول: "لا تُضَارَّ زوجَها، فتقول: لا أُرِضعه، ولا يُضارُّها فينـزعُهُ منها، وهي تقولُ: أنا أُرضعُهُ.
* ثم قال تعالى: ﴿وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ﴾.
رَوى مجاهد عن ابن عباس قال: "وعلى الوارث أن لا يُضارَّ".
وكذلك رُوي عن الشعبي والضحاك.
ورُوي عن عُمَر، والحسين بن صالح، وابنِ شبرمة:
﴿وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ﴾ أي الكسوةُ والرضاع.
ورُوي عن: الضحاك: الوارثُ: الصبيُّ، فإن لم يكن له مالٌ فعلى عَصَبَتِه، وإلاَّ أُجبرت المرأة على رضاعه.
[قال أبو جعفر]: وزعم محمد بن جرير الطبري أن أَوْلى الأقوال بالصواب قولُ قَبِيصَة بن ذؤيب ومن قال بقوله: إنه يُراد بالوارِث المولودُ، وأن يكون ﴿مِثْلُ ذٰلِكَ﴾ معنى مثلُ الذي كان على والده، من رزق والدته، وكسوتها بالمعروف، إن كانت من أهل الحاجة، وهي ذاتُ زمانة، ولا احتراف لها، ولا زوج، وإن كانت من أهل الغِنَى والصحة، فمثل الذي كان والده لها، من أجر الرضاعة، ولا يكون غير هذا إلا بحجةٍ واضحة، لأن الظاهر كذا.
قال أبو جعفر والقولُ الأولُ أَبْيَنُ، لأن الأب هو المذكور بالنفقة في المواضع، كما قال: ﴿وإنْ كُنَّ أُولاَتٍ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾، وكذا تجب عليه النفقة على وَلَدِه ما دام صغيراً، كما تجب عليه ما دام رضيعاً.
ثم قال أبو حنيفة وأصحابُه: ﴿وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ﴾ أي الرضاعُ، والكسوةُ، والرزقُ، إذا كان ذا رَحِم مُحَرَّمَةٍ.
وليس ذلك في القرآن.
* ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾.
قال مجاهدٌ وقتادةُ: أي فِطَامَاً دون الحَوْليْنِ.
قال أبو جعفر: وأصلُ الفصالِ في اللغة التفريقُ، والمعنى ﴿عن تراضٍ﴾ من الأبوين ومُشَاوَرَةٍ، ليكون ذلك عن غير إضرارٍ منهما بالولدِ.
ثم قال: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي فلا إثم.
* ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ﴾.
أي تَسْتَرْضِعُوهُمْ قَوْماً.
قال أبو إسحاق: أي لأولادكم غير الوالدة.
﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم﴾ أي سلمتم ما أعطيتم من ترك الإِضرار.
وقال مجاهدٌ: إذا سَلَّمْتُمْ حساب ما أُرْضِعَ بِهِ الصَّبِيُّ.
البقرة 2:234
قال تعالى ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً﴾.
رُويَ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قَرَأ:
﴿وَالَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾، بفتح الياء فيهما جميعاً، ومعناه يَتَوَفَّوْنَ أعمارهم، أي يستوفونها، واللهُ أعلم.
* ثم قال تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾.
العشر عدَدُ الليالي، إلاَّ أنه قد عُلم أن مع كل ليلةٍ يومَها.
قال محمد بن يزيد: المعنى وعَشْرُ مُدَدٍ، وتلك المدةُ يومٌ وليلةٌ.
وقيل: إنما جُعلت العدةُ للمُتوفَّى عنها زوجها أربعةَ أشهرٍ وعشراً، لأنه يتبيَّن حملُها إن كانت حاملاً.
قال الأصمعيُّ: ويقال: إنَّ وَلَد كلِ حاملٍ يرتكض في نصف حملها، فهيَ مُرْكَضٌ.
وقال غيرُهُ: أرْكَضَتْ فهي مُرْكِضَةٌ، وأنشد:
وَمُرْكِضَةٌ صَرِيحِيٌّ أَبُوهَا * تُهَانُ لَهُ الغُلاَمَةُ وَالغُلاَمُ
* ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾.
قال الضحاك: ﴿أَجَلهُنَّ﴾ انقضاءُ العدة.
ورَوَى ابنُ أبي نجيحٍ عن مجاهد ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ قال: النكاحُ الحلالُ الطيِّبُ.
البقرة 2:235
قوله تعالى ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ﴾.
رَوَى مجاهد عن ابن عباس قال: هو أن يقول: أُريدُ أن أتزوج، وكره أن يقول: "لا تسبقيني بنفسك" في العدَّة.
وقال القاسم بن محمد: هو أن يقول الرجل للمرأة، وهي في عدتها من وفاة زوجها: إنَّكِ عليَّ لكريمةٌ، وإني فيكِ لراغبٌ، وإن الله لسائقٌ إليك خيراً ورزقاً، ونحو هذا من القول.
وقالت سُكَيْنَةُ: بنتُ حَنْظَلةَ: - وكانت تحت ابنِ عمٍّ لها فتوفيَّ - فدخل عليَّ "أبو جعفر محمد بن علي" وأنا في عِدَّتي فَسَلَّم ثم قال: كيف أصبحت؟ فقلتُ: بخيرٍ، جَعَلَكَ اللهُ بخير، فقال: "أنا مَنْ قَدْ عَلِمْتِ قرابتَهُ من رسول الله ﷺ وقرابتهُ من عليٍّ، وحقِّي في الإِسلام، وشرفي في العرب".
قالت: فقلتُ له: غَفَرَ الله لك يا أبا جعفر، أنت رَجُلٌ يُؤخَذُ منك، ويُروى عنك، تخطبني في عدَّتي؟!.. قال: ما فعلتُ، إنما أخبرتُكِ بمنـزلتي من رسول الله ﷺ ثم قال: "دخلَ رسولُ الله ﷺ على أمِّ سَلَمَة بنت أبي أُميَّة بن المغيرة المخزومية، وتَأَيَّمَتْ من أبي سَلَمة بن عبدِ الأسدِ ـ وهو ابن عمِّها ـ فلم يزل [يذكر] منـزلتَهُ من الله، حتَّى أثَّر الحصيرُ في يده، من شِدَّةِ ما يعتمد عليه بيده، فما كانت تلك خِطْبَةٌ".
* ثم قال تعالى: ﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ فِيۤ أَنْفُسِكُمْ﴾.
قيل: مِنْ أَمْرِ النِّكاحِ.
* ثم قال تعالى: ﴿عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾.
قال الحسن: أي في الخِطْبَةِ.
وقال مجاهدٌ: أي في نَفْسِهِ.
* ثم قال تعالى: ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾.
قال سعيد بن جبير: السرُّ أن يُعاقِدَهَا على أَنْ لا تتزوَّجَ غيرَهُ.
وقال مجاهدٌ: هو أن يقول: لا تُفَوِّتيني بِنَفْسِكِ.
وقال أبو مجلزٍ وإبراهيمُ والحسنُ: هو الزِّنا.
وقال أبو عبيدة: هو الإِفصاحُ بالنكاح.
وقال محمدُ بنُ يزيدَ: قومٌ يجعلون السِّرَّ زِناً، وقومٌ يجعلونَهُ الغِشْيَانَ، وكلا القَوْلَيْن خطأٌ، إنما هو الغِشْيَانُ مِنْ غير وجهِهِ، قال الله تعالى ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ﴾ فليس هذا موضع الزنا.
قال أبو جعفر: الذي قال محمد بن يزيد مِنْ أَنَّ السرَّ الغشيان من غير وجهه، عند أهل اللغة كما قال، إلا أنَّ الأَشْبَهَ في الآية ما قال سعيدُ بن جبير أنَّ المعنى لا تُواعِدُوهُنَّ نكاحاً، فسمىَّ النكاحَ سِرّاً، لأن الغشيانَ يكونُ فيه، وزعم محمد بن جرير أن أَوْلَى الأقوال بالصواب أنَّ السِّرَّ الزِّنَا، ولا يصحُّ قولُ مَنْ قال: السِّرُّ أن يقول لها "لا تسبقيني بنفسك" لأنه قولُ علانيةٍ، فإنْ أراد أنه يقال سراً، قيل له: فهو إذاً مطلقُ علانيةٍ، وهذا لا يقوله أحدٌ، ولا يكون السرُّ النكاحَ الصحيحَ، لأنه لا يكون إلاَّ بوليٍّ وشاهدَيْن، وهذا علانيةٌ.
ومعنى ﴿سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ ستذكرون خِطْبَتَهُنَّ ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ يقول لها: قد ذكرتك في نفسي وقد صرْتِ زوجتي، فَيغُرَّها بذلك، حتى يصل إلى جماعها زِناً.
* ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾.
قال مجاهدٌ: هو التعريض.
وقال سعيد بن جبير: أنْ يقول لها: إني لأرجو أن نجتمع، وإنِّي إليك لمائلٌ.
ورَوَى عطاءٌ الخراسانيُّ عن ابن عباس ﴿وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ حتى تنقضَى العِدَّةُ.
والتقدير في اللغة: حتى يبلغَ فرضُ الكتابِ، ويجوزُ أن يكون الكتابُ بمعنى الفرضِ تمثيلاً.
* ثم قال تعالى: ﴿وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ﴾.
أي يعلم ما تحتالون به.
البقرة 2:236
قوله عز وجل: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾.
قال ابنُ عباسٍ: الجماعُ.
﴿أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ الفريضةُ ههنا: المَهْرُ.
قال أبو جعفر: وأصلُ الفرض الواجبُ، كما قال:
"كانت فريضَةُ ما تقولُ [قطيعتي]".
ومنه: فَرَضَ السلطانُ لفلان.
* ثم قال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ وهو الغنيُّ ﴿وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ وهو الفقيرُ.
قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ والضحاكُ: وهذا معنى قولهم في المُطَلَّقَةِ قبلَ الدخول بها، ولم يُفرضْ لها صداقٌ، لها المُتْعةُ واجبةٌ.
وقال شريحٌ: لا يُقْضَى عليه، لأنه قال: ﴿حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.
البقرة 2:237
قال تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾.
فقال قومٌ: لها المتعةُ مع ذلك، كما رُوِي عن عليِّ بن أبي طالبٍ - رضي الله عنه - والحسنِ وسعيدِ بن جُبيرٍ.
لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ.
وقال آخرون: لا مُتْعَةَ لها.
رُوِيَ ذلك عن عبدِالله بن عُمَرَ وسعيدِ بن المسيّب وعطاء والشعبيِّ.
* ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ أَن يَعْفُونَ﴾.
قال الزهريُّ والضحاكُ: [المرأةُ] إذا طلقتْ تَدَعُ النصف الذي جُعل لها.
* ثم قال تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ﴾.
حدثنا محمد بن إدريس بن أسود قال: حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدثنا عبيدالله بن عبدالمجيد قال: حدثنا جرير وهو ابن حازم قال: حدثنا عيسى بن عاصم عن شُريحٍ قال: سألني علي بن أبي طالب عن ﴿ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ﴾.
قال: قلتُ: هو الوَلِيُّ. قال: لا، بل الزَّوجُ.
وكذلك قال جبير بن مطعم، وسعيد بن جبير، ورواه قتادة عن سعيد بن المسيّب.
وقال ابن عباس: وعلقمة وإبراهيم: هو الوَليُّ، يَعْنُوْنَ الأَبَ خاصَّةً.
قال أبو جعفر: حديثُ عَليٍّ إنما رواه عن شريح "عيس بن عاصم" ورواه الجِلَّةُ عن شريح من قوله، منهم الشعبيُّ، وابن سيرين، والنخعيُّ.
وأصحُّ ما رُوِيَ فيه عن صحابي قولُ ابن عباسِ.
قُرِىءَ على عبدالله بن أحمد بن عبدالسلام عن أبي الأزهر أحمد بن الأزهر، قال: حدثنا رَوْحُ بن عبادة قال: حدثنا ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، قال: سمعتُ عكرمة يقول: قال ابن عباس: إن الله رَضِي العَفْو، وأَمَرَ بِهِ، فإنْ عَفَتْ فذلك، وإن عفا وليُّها "الذي بيده عقدةُ النكاحِ" وضَنَّتْ، جازَ، وإنْ أَبَتْ.
قال أبو جعفر: والذي يدلُّ عليه سياقُ الكلامِ، واللغةُ أنه الوليُّ، وهو الذي يجوز أنْ يعقدَ النكاح على المرأة بغير أمرها، كما قال: ﴿وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾، وإنَّما بِيَدِ الزَّوجِ أنْ يُطلِّق.
فإنْ قيل: "بيدهِ عقدةُ نكاحِ نفسه" فذا لا يُناسبُ الكلام الأول، وقد جرى ذِكْرُ الزوج في قوله: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيْضَةً﴾ فَلَوْ كان للزوج لَقِيْل: أو تعفوا، وهذا أشبه بسياق الكلام.
وإن كان يجوز تحويل المخاطبةِ إلى الإِخبار عن غائبٍ.
فأما اللُّغةُ فتوجب إذا أُعطي الصَّدَاقُ كاملاً أنْ لا يُقال له:
عافٍ، ولكنْ يُقال له: واهبٌ، لأن العفْو إنما هو تَرْكُ الشيء وإذهابُهُ. ومنه: عَفَتِ الديارُ، والعافيةُ دُرُوسُ البلاءِ وذهابُهُ، ومنه: عَفَا اللهُ عنك.
* ثم قال جَلَّ وعَزَّ: ﴿وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.
قيل: يُعْنَى به الأزواجُ، وقيل: يُعْنَى به الذي بيده عقدةُ النكاحِ، والنِّسَاءُ جميعاً.
هذا قولُ ابنِ عباسٍ، وهو حَسَنٌ، لأنه لم يقُلْ: (وأن تَعْفُونَ) فيكون للنساء، (وأن يَعْفُو) فيكون للذي بيده عقدةُ النكاحِ.
البقرة 2:238
قوله عز وجل: ﴿حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ﴾.
قال مسروقٌ: على وقتها.
﴿وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ﴾.
رَوَى جابر بن زيد، ومجاهدٌ، وأبو رجاءٍ عن ابن عباس قال: هي صلاة الصبح.
وكذا رَوَى [عنه] عكرمةُ، إلا أنه زاد عنه: يُصَلِّي بَيْنَ سواد الليل وبياض النهار.
وقيل: لأنها بين صلاتين من صلاة الليل، وصلاتين من صلاة النهار.
ورَوَى قتادةُ عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن زيد بن ثابت قال: هي الظهرُ.
وفيها قولٌ ثالثٌ هو أَوْلاَهَا:
حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرَ الأنباريُّ قال: حدَّثنا حاجب بن سليمان قال: حدثنا محمد بن مصعب، قال: حدثنا أبو جَزْءٍ عن قتادَةَ عن الحسَنِ عن سَمُرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ، في قول الله جَلَّ وعَزَّ: ﴿حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ﴾: هي صلاةُ العَصْرِ.
ورَوَى عبيدَةُ ويحيى بنُ الجزَّارِ وَزِرٌ عن عليِّ بن أبي طالبٍ رِضْوانُ الله عليه قال: قاتَلْنا الأحزابَ، فَشَغَلُونَا عن العَصْرِ، حتى كربت الشمسُ أن تغيبَ، فقال رسول الله ﷺ: "اللهمَّ امْلأْ قلوبَ الذين شغلونا عن الصلاة الوْسْطَى ناراً، وامْلأْ بيوتهم ناراً، وامْلأْ قبورهم ناراً".
قال زِرٌّ: قال عليٌّ: كُنَّا نَرَى أنها صلاةُ الفجر.
وقيل لها: الوُسْطى لأنها بين صلاتين من صلاة الليل، وصلاتين من صلاة النهار.
* ثم قال تعالى: ﴿وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ﴾.
قال ابنُ عباس والشعبيُّ (القنوتُ): الطَّاعَةُ.
وقال مجاهدٌ: القُنُوتُ السكوتُ.
قال أبو جعفر: وهذان القولان يرجعان إلى شيءٍ واحدٍ، لأن السكوتَ في الصلاة طاعةٌ.
وحدَّثنا محمدُ بنُ جعفرَ الأنباريُّ قال: حدثنا عبدالله بنُ يحيى، قال: حدثنا يحيى أخبرنا يَعْلَى هو ابنُ عُتبة قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالدٍ عن الحارث بن شُبَيْلٍ عن أبي عَمْرو الشيبانيّ عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلَّمُ في الصلاة، فيُكلمُ أحدُنا صاحبَهُ فيما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ حتى نزلت الآية: ﴿حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنَا بالسكوتِ.
وقيل: هو القنوت في الصبح، وهو طول القيام.
وروى الجعفي عن ابن وهْبٍ، عن عمرو بن الحارث، عن دَرَّاجٍ عن أبي الهَيْثَم عن أبي سعيد ـ يعني الخدري ـ عن النبي صلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال: "كلُّ حرفٍ في القرآنِ من القنوتِ، فهو الطاعة".
البقرة 2:239
قال تعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾.
رَوَى أبو مالك عن ابن عباس: أمَّا ﴿رِجَالاً﴾ فَعَلَى أَرْجُلِكُمْ إذا قاتلتم، يُصَلِّي الرجل بِرَأْسِهِ أينما توجَّهَ.
قال مجاهدٌ: وكيف قدَر.
البقرة 2:240
قوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾.
رَوَى حبيب بنُ الشهيد، عن أبي مُلَيْكةُ، عن ابن الزبير قال: قلت لعثمان: "الآيةُ التي في البقرة: ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ﴾ لِمَ أثْبَتَّها؟ وقدْ نَسَخَتْها الآيةُ الأُخرى؟ قال: يا ابن أخي لا أُغَيِّرُ شيئاً عَنْ مكانه".
ورَوَى حميد عن نافعٍ عن زينبَ بنتِ أُمِّ سلمةَ: كانت المرأةُ إذا تُوُفِّيَ زوجُها دخلتْ حفْشَاً، ولَبِسَتْ شَرَّ ثيابها، ولم تمسَّ طيباً، حتى تمرَّ سَنَةٌ، ثُمَّ تُعْطَى بَعْرةً فَتَرمي بها، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ﴾ يعني لنسائهم، وكان للمرأة أن تَسْكُنَ في بيت زوجها سنةً، وإن شاءتْ خَرَجَتْ فاعتدَّتْ في بيت أهلها، أو سكنتْ في وصيتها إلى الحول، ثم نُسِخَ بأربعةِ أشهرٍ وعَشْرٍ.
ورَوَى يزيد النحويُّ عن عكرمة عن ابن عباس، في قوله:
﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ﴾ فَنَسَخَ ذلك بآية الميراثِ، بما فرضَ الله من الرُّبُعِ والثمنِ، ونَسَخَ أَجَلَ الحَوْلِ بأنْ جَعَلَ أَجَلَها أربعةَ أشهرٍ وعَشْرَاً.
وفي حديث "الفُرَيْعَةِ" فقال النَّبِيُّ صلى اللهُ عليه وسلم:
"امكثي في منـزلك حتى يبلغ الكتابُ أَجَلَهَ".
البقرة 2:242
قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
أي لعلكم تجتنبون ما ليس بمستقيم، كأنَّ العاقل الذي يعقل نَفْسَهُ عما ليس بمستقيم.
البقرة 2:243
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ﴾.
قال ابن عباسٍ: كانوا أربعةَ آلافٍ، خرجوا فراراً من الطاعون، وقالوا: نأتي أَرْضاً بها مَوْتٌ، فأَمَاتَهُم الله، فمرَّ بهم نبيٌّ، ودعا اللهَ فأحياهم.
وقيل: إنهم ماتوا ثمانية أيامٍ.
وقال الحسن: أماتهم الله قبل آجالهم عقوبةً، ثم بعثهم إلى بقيَّةِ آجالهم.
وقال الضحاك: خرجوا فراراً من الجهاد، فأماتهم الله، ثم أحياهم، ثم أمرهم أن [يرجعوا] إلى الجهاد.
البقرة 2:244
قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
قال أبو جعفر: وفي رواية ابن جريج: ﴿وُهُمْ أُلُوفٌ﴾ أنهم أربعون ألفاً، وهذا أشْبَهُ، لأن أُلُوفاً للكثير، وآلاَفاً للقليل، وإن كان يجوز في كل واحدٍ منهما ما جاز في الآخر.
وأما قول ابن زيد: ﴿أُلُوْفٌ﴾ مؤتلفةٌ قلوبُهم، فليس بمعروفٍ.
والقياسُ في جَمْعٍ أَلْفٍ: أَأْلُفٌ؛ كأفلسٍ، إلا أنهم يُشَبِّهون فَعْلاً بِفَعَلٍ، فيما كان في أَوَّلِهِ أَلِفٌ أوْ وَاوٌ، نحو وَقْتٍ وأَوْقَاتٍ.
وكذلك [الياء]، نحو يومٍ وأيامٍ، وقد قيل: أَأْلُفٌ.
البقرة 2:245
قال جلَّ وعزَّ: ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾.
أصلُ القَرْضِ ما يُفعلُ ليُجازَى عليه، كما قال:
وَإذَا أُجْزِيتَ قَرْضَاً فَاجْزِهِ * إنما يَجزِي الفَتَى غَيْرُ الجَمَلْ
* ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾.
أي يُقتِّر، ويُوسِّعُ.
وقيل: يسلُبُ قوماً ما أنْعَمَ بِهِ عليهم، ويوسِّعُ على آخرين.
وقيل: يَقْبِضُ الصدقاتِ ويُخْلِفها بالثواب، أو في الدنيا.
البقرة 2:246
قوله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ﴾.
قال مجاهد: هم الذين قال الله فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ قِيْلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾.
قال الضحاك: وأما قوله: ﴿ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ فذلك حين رُفعت التوراةُ، واستُخرج الإِيمانُ، وسُلِّطَ على بني إسرائيلَ عدُوُّهُمْ، فبعث طالوت ملكاً، ﴿فَقَالُوا: أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا﴾؟ لأن المُلْكَ كان في سِبْطٍ بِعَيْنِه، لا يكون في غيره، ولم يكن طالوتُ منه، فلذلك وقع الإِنكارُ.
البقرة 2:248
قوله جلَّ وعزَّ: ﴿أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾.
حدثنا أحمد بن محمد بن نافعٍ قال: حدثنا عبدالرزاق قال: أخبرنا الثوريُّ عن سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ عن أبي الأَحْوصِ عن عَلِيٍّ قال: السكينةُ: لها وجهٌ كَوَجْهِ الإِنسان، وهي بَعْدُ رِيحٌ هَفَّافَةٌ.
ورَوَى خالدُ بنُ عَرْعَرةَ، عن عليّ قال: أرسل اللهَ السكينةَ إلى إبراهيم، وهي ريحٌ خَجُوجٌ لها رأسٌ.
ورَوَى الضحاك عن ابن عباس قال: السكينةُ دابَّةٌ قدْرُ الهِرِّ، لها عينان، لهما شُعاعٌ، فإذا التقى الجمعان أخرَجَتْ يَدَهَا، ونَظَرتْ إليهم، فينهزمُ الجيشُ من ذلك الرعب.
وقال الضحاك: السكينةُ: الرحمةُ، والبقيَّةُ: القتال.
ورُويَ عن ابن عباسٍ: السكينة طسْتٌ من ذهبٍ من الجنة، كانت تغسَلُ فيها قلوبُ الأنبياء.
ورَوَى إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالحٍ: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ﴾ قال: عَصا موسى، وثيابُ هارون، ولوحان من التوراة.
وقال أبو مالك: السكينة: طَسْتٌ من ذهب ألقى فيها موسى الألواح والتوراة وعصاهُ، والبقية: رُضَاضَةُ الألواحِ التي كتب فيها التوارة.
وقُرىء على عبدالله بن أحمد بن عبدالسلام عن أبي الأزهر عن رَوْحِ بن عبادة قال: حدثنا محمد بن عبدالملك عن أبيه قال: قال مجاهد: أما السكينةُ فما تعرفون من الآيات التي تَسْكُنون إليها، قال: والبقيَّةُ العلم والتوارة.
قال أبو جعفر: وهذا القولُ من أحسنها وأجمعها، لأن السكينة في اللغة فَعِيلَةٌ من السكون، أي آيةً يسكون إليها.
وبيَّن معنى ﴿تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾ أنه رُوِيَ أن جالوت وأصحابَهُ كان التابوت عندهم، فابتلاهُم الله بالناسور، فعلموا أنه من أجل التابوت، فحملوه على ثور، فساقَتْهُ الملائكة، فهذا مثل قولهم:
حملتُ متاعي إلى موضع كذا.
* ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.
أي إن في رَدِّ التابوت بعد أن أخذه عدوكم، لآيةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقَين.
البقرة 2:249
قولُه جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾.
معناه: مختبركم، والفائدةُ في ذلك، أن يُعْلَم من يُقاتل، ممن لا يقاتلِ.
قال عكرمة وقتادة: هو نَهْرٌ بين الأرْدُنِّ وفِلَسْطِيْنَ.
وقال قتادة: كان الكفار يشربون فلا [يَرْوَوْنَ] وكان المسلون يَغْتَرفون غرْفةً فَيُجزِئهم ذلك.
قال أبو جعفرٍ: الغُرْفَةُ في اللغةِ: ملْءُ الكفِّ أو المِغْرفةُ والغَرْفَةُ الفَعْلَةُ الواحِدَةُ.
ومعنى ﴿فَإِنَّهُ مِنِّيۤ﴾ فإنه من أصحابي.
وحكى سيبويه: أنتَ مني فرسخين.
* ثم قال تعالى: ﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾.
رَوَى أبو إسحاق عن البراء: "كنا نتحدث أن أصحاب النبي ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ كانوا ثلاثَ مائةٍ وبضعةَ عَشَرَ، على عدَّةِ أصحاب طالوتَ، مِمَّنْ جَازَ معه النهر يوم جالوت، وما جاز معه إلاَّ مؤمن".
﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ﴾ يعني النهر، ورَأَوْا كَثْرَة أصحاب جالوت وقِلَّتُُهم ﴿قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ ٱللَّهِ﴾ أي يوقنون.
وقيل: يتوهمون أنهم يُقْتَلُون في هذه الوَقْعَة لِقِلَّتِهِمْ.
والفِئَةُ: الفِرْقَةُ، من فَأَوْتُ رَأْسَهُ، وفَاأَيْتُهُ.
﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ أي كَسَرُوهم ورَدُّوهم، يُقالُ: سِقَاءٌ مُهَزَّمٌ، إذا كان مُنْثَنِيَاً جَافَّاً.
البقرة 2:251
قوله جلَّ وعَزَّ: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ﴾.
رَوَى ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قال: يقول: لولا دَفْعُ اللهِ بالمؤمنينَ الفجَّارَ، ودَفْعِهِ بِتَقِيَّة أخلاقِ الناسِ بعضَهم ببعضٍ لفسدت الأرضُ بهلاكِ أهلها.
قال أبو جعفر: وهذا الذي عليه أكثر أهل التفسير. أي: لولا أنَّ الله يدفع بمن يُصَلِّي عَن مَنْ لا يُصَلِّي، وبمن يَتَّقِي عن مَنْ لا يتَّقي، لأُهْلِكَ الناسُ بذنوبهم.
وقيل: "لولا أن اللَّهَ أمرَ بحربِ الكُفَّار، لَعَمَّ الكُفْرُ، فأهلك جميعَ الناس".
وذا راجعٌ إلى الأول.
وقيل: لولا أن الله أمر بحرب الكفار، لكان إفسادهم على المسلمين أكثر.
ويُقْرَأُ: ﴿وَلَوْلاْ دِفَاعْ اللَّهِ﴾.
حكى أبو حاتمٍ أن العرب تقول: أحسنَ اللهُ عنكَ الدِّفاعَ والْمُدَافَعَة. مِثْلُ: نَاوَلْتُكَ الشيءَ.
البقرة 2:253
قال تعالى: ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ﴾.
قال مجاهد: يقول: كلّمَ موسَى.
* ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾.
قال مجاهد: أرسل محمداً صلى الله عليه وسلَّم إلى الناس كافَّة.
* ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ﴾.
أي الحُجَجَ الواضحة.
﴿وَأَيَّدنَاهُ﴾ [أي قَوَّيْنَاهُ] ﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾.
قال الضحاك: جبريل ﷺ.
* ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ﴾.
فيه قولانِ:
أحدُهما: أنَّ المعنى لو شاء اللهُ ما أَمَرَنا بالقتالِ بعد وضوحِ الحُجَّةِ، وإظهار البراهين.
وقيل: لو شاء اللهُ أنْ يَضْطَرَّهُم إلى الإِيمان لفعل، كما قال: ﴿وَلَو شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهُدْى﴾.
البقرة 2:254
قوله جلَّ وعز: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ﴾.
قوله ﴿أَنْفِقُوا﴾ تصدَّقوا، والخُلَّةٌ: الصَّدَاقَةُ.
البقرة 2:255
قوله جلَّ وعزَّ: ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾.
أي لا إله للخلقِ إلاَّ هو.
﴿ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ﴾ أي القائمُ بخلقِه المُدَبِّرُ لهم.
ورُوي عن ابن عباس: ﴿ٱلْقَيُّومُ﴾ الذي لا يزولُ.
وقرأ عمر بن الخطاب رحمة الله عليه: ﴿القَيَّامُ﴾.
وقرأ علقمة: ﴿"الحَيَّ" القيِّمُ﴾.
قال ابن كيسان: القَيُّومُ "فَيْعُولٌ" من القيام، وليس بفَعُّوْلٍ، لأنه ليس في الكلام فَعُّوْلٌ من ذوات الواو.
ولو كان ذلك لَقِيْلَ: قَوُّوْمَّ.
والقَيَّامُ "فَيْعَالٌ" أصلُه القَيْوَامُ.
وأصل: القَيُّومِ القَيْوُوْمُ. وأصلُ القَيِّمِ في قول البصريين القَيْوِمُ.
وقال الكوفيون: الأصلَ القَوِيم.
قال ابن كيسان: ولو كان كذا في الأصلِ، لم يجز فيه التغيير، كما لا يجوز في "طويل" و "سويق".
وقولُه جل وعز: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾.
قال الحسن وقتادة: نَعْسةٌ.
وأنشد أهلُ اللغة:
وَسْنَانُ أَقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ * فِي عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بنائِمِ
والمعنى: لا يفضُل عن تدبير أمر الخلق.
* ثم قال تعالى: ﴿مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾.
لمَّا قالوا: الأصنام شفعاؤُنا عند الله.
فأعلم اللهُ أن المؤمنين إنما يُصَلُّون على الأنبياء، ويَدْعون للمؤمنين، كما أُمِروا وأُذِنَ لهم.
* ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي ما تَقدَّمهم من الغيب ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما يكون بعدهم.
﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾.
لا يعلمون من ذلك شيئاً إلا ما أراد أن يطلعهم عليه، أو يُبلِّغه أنبياؤُه تثبيتاً لنبوتهم.
* ثم قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ﴾.
وحكى يعقوب الحَضْرَميُّ: وُسْعُ كُرْسِيِّهِ السَّمَواتُ والأرضُ، ابتداءٌ وخبر.
ورَوَى سفيان وهُشَيْمٌ عن مُطَرَّفٍ عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جُبَيْرٍ عن ابن عباس في قوله:
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ﴾.
قال: علمه، ألا ترى إلى قوله ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾؟!
وقد اسْتُشْهِدَ لهذا القول ببيتٍ لا يُعْرف، وهو: "ولا يُكَرْسِىءُ عِلَمَ اللهِ مَخْلُوقُ".
أي لا يعلم علمَ اللهِ مخلوق، وهو أيضاً لَحْنٌ، لأن الكرسيَّ غيرُ مهموزٍ.
وقيل: ﴿كُرْسِيُّهُ﴾ قدرتُهُ التي يمسك بها السمواتِ والأرض، كما تقول: اجعل لهذا الحائط كُرسياً، أي ما يَعْمِدُهُ. وهذا قريب من قول ابن عباس.
وقال أبو هريرة: الكرسيُّ بين يدي العرش.
وفي الحديث: "ما السَّمواتُ والأرضُ في جَوْفِ الكرسِي إلا كَحَلَقَةٍ في أرض فلاة".
واللهُ جلَّ وعزَّ أعلمُ بما أراد، غير أن الكرسيَّ في اللغة الشيء الذي يُعتَمَدُ عليه، وقد ثبتَ ولزمَ بعضه بعضاً، ومنه الكُرَّاسَةُ والكِرْسُ: ما تلبَّدَ بعضه على بعض.
وقال الحسن: الكرسيُّ: هو العرشُ.
ومال محمد بن جرير إلى قول ابن عباس، وزعم أنه يَدُلُّ على صحته ظاهر القرآن، وذلك في قوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾.
وقال جَلَّ وعزَّ إخباراً: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وَعِلْمَاً﴾.
فأخبر أن علمه وسعَ كلَّ شيء، وكذا وسع كرسيُّه السمواتِ والأرض.
والضميرُ الذي في ﴿حِفْظُهُمَا﴾ للسَّمواتِ والأرض.
* ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾.
قال الحسن وقتادة: لا يَثْقُل عليه.
قال أبو إسحاق: فجائزٌ أن تكون الهاءُ للَّهِ جلَّ وعز، وجائِزٌ أن تكون للكرسيِّ، وإذا كانت للكرسيِّ، هو من أمرِ اللَّهِ.
البقرة 2:256
قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ﴾.
حدثنا أحمد بن محمد بن سلمة يعني الطحاوي قال: حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدثنا وهب بن جرير عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، في قوله: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ﴾، قال: كانت المرأة من الأنصارِ لا يكاد يعيشُ لها ولد، فتحلِفُ لئن عاشَ ولد لَتُهَوِّدَنَّهُ فلما أُجلِيَتْ "بنو النَّضِيرِ" إذا فيهم ناسٌ من أبناء الأنصار، فقالت الأنصار: يا رسول الله أبناؤنا، فأنزل الله: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ﴾.
قال سعيد بن جبير: فمن شاء لحق بهم، ومن شاء دخل الإِسلام.
قال أبو جعفر: أي وأقام.
وقال الشعبي: [هي] في أهل الكتاب خاصة، لا يُكْرهون إذا أدُّوا الجزية.
وقال سليمان بن موسى: نَسَخها ﴿جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ﴾ وتأوَّلها عمر على أنه لا يُكرهُ المملوكُ على الإِسلام.
وقيل: لا يُقال لمنْ أسلَمَ من أهل الحرب: أسلمْتَ مُكْرَهاً، لأنه إذا ثبتَ على الإِسلام، فليس بمكره.
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ﴾.
رُوي عن عمر بن الخطاب أنه قال: الطاغوتُ: الشيطانُ، والجِبْتُ: السِّحْرُ.
وقال الشعبي، وعكرمةُ، والضحَّاكُ: الطاغُوتُ: الشيطان.
وقال الحسن: الطاغوت: الشياطين.
وحدثنا سَعيدُ بنُ موسى بقرقيسيا قال: حدثنا محمد بن مالك عن يزيد عن محمد بن سلمة عن خصيف قال: الجِبْتُ: الكاهن، والطاغوت: الشيطان.
وقال الشعبيُّ وعكرمة والضحاك: الطاغوتُ: الشيطان.
وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلى الطَّاغُوتِ﴾: هو "كعبُ بنُ الأَشرَفِ".
قال أبو جعفر: وهذه الأقوال متقاربة، وأصل الطاغوت في اللغة مأخوذ من الطغيان، يؤدِّي عن معناه من غير اشتقاق، كما قيل: الَّلآلُ من اللؤلؤ.
قال سيبويه: وأما الطاغوت فهو اسمٌ واحدٌ مؤنثٌ، يقع على الجمعِ.
فعلى قول سيبويه إذا جُمِعَ فعلُه ذُهِبَ به إلى الشياطين، وإذا وُحِّدَ ذُهِبَ به إلى الشيطان.
قال أبو جعفر: ومن حَسَنِ ما قيل في الطاغوت: أنَّه مَنْ طَغَى على الله، وأصله "طَغَوُوتٌ" مثلُ جَبَرُوتِ. من طغى، إذا تجاوز حدَّهُ، ثم تقلبُ اللام فتُجعل عَيْناً وتُقلب العَيْنُ فتُجعلُ لاماً، كجَبَذَ، وجذَبَ، ثم تُقلبُ الواو ألفاً لتحرُّكها وتحرُّكِ ما قبلها، فتقول: طاغوت.
والمعنى: فمن يجحدْ رُبُوبِّية كلِّ معبودٍ من دونِ الله، ويُصَدِّق باللَّه.
وأصلُ الجِبْتِ في اللغة: الذي لا خيرَ فيه.
وقال قطرب: أصله الجبسُ، وهو الثقيلُ الذي لا خير فيه.
قال أبو عبيدة: الجبتُ والطاغوتُ كلُّ ما عُبِدَ من دون الله.
قال أبو جعفر: وهذا غير خارج مما قلنا، وخالف "محمد بن يزيد" سيبويه في قوله: هو اسمٌ واحدٌ، فقال: الصوابُ عندي أنه جماعةٌ.
ورَوَى ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ﴾ أي الإِيمان.
قال سعيد بن جبير: عن ابن عباس: ﴿بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ﴾ لا إله إلا الله.
* ثم قال تعالى: ﴿لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا﴾.
قال مجاهد: أي "لا يُغيِّر اللهُ ما بقومٍ حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم" أي لا يزيل عنهم اسم الإِيمان حتى يكفروا.
يُقال: فَصَمْتُ الشيءَ أي قطعتُهُ.
البقرة 2:257
قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾.
قال الضحاك: الظلماتُ: الكفرُ، والنورُ: الإِيمان، ومُثِّل الكفر بالظلماتِ، والإِيمانُ بالنورِ.
قُرىءَ على أحمدَ بنِ شُعيبٍ، عن محمد بن عبدالأعلى، قال: حدثنا المعتمر قال: سمعت منصوراً يحدث عن رجل عن عَبَدَة ابن أبي لبابة، في هذه الآية: ﴿ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾ إلى قوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، قال: هم أناسٌ كانوا آمنوا بعيسى، فلما جاء محمد كفروا به. قال: وكان ناسٌ قد كفروا بعيسى، فلما جاء محمد آمنوا به، فنـزلت هذه الآية فيهم.
قال أبو عبدالرحمن: رواه جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهد.
فإن قيل: ما معنى ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ﴾؟ ولم يكونوا في نورٍ قط؟.
فالجواب: أنه يقال: رأيت فلاناً خارج الدار، وإن لم يكن خرج منها، وأخرجتُهُ من الدار جعلتُهُ في خارجها، وكذا أخرجه من النور، جعله خارجاً منه، وإن لم يكن كان فيه.
وقيل: هذا تمثيلٌ لما صرفوا عنه، كانوا بمنـزلة من أُخرج منه كما يقال: لِمَ أخرجتني من مِلَّتِكَ.
وقيل: لما وُلدوا على الفطرة، وهي أخذ الميثاق، وما فُطروا عليه من معرفة الله جَلَّ وعزَّ، ثم كفروا، كانوا قد أُخرجوا من النور.
قال الأخفش: ﴿ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾ يحكم بأنهم كذلك، تقول: "قد أخرجكم الله من هذا الأمر". ولم تكونوا فيه قط.
قال أبو إسحاق: ليس هذا بشيء، إنما هو يزيدهم بإيمانهم هدىً، وهو وليُّهم في حجاجهم وهدايتهم، وفي نصرهم على عدوِّهم، ويتولَّى ثوابهم.
البقرة 2:258
قولُه جلَّ وعز: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾.
وهذه ألف التوقيف، وفي الكلامِ معنى التعجب، أي اعجبوا له.
قال ابن عباس ومجاهد: هو نُمْرُوْذُ بن كَنْعَان.
قال سفيان: فدعا برجلين، فقَتَل أحَدَهما، واستحيا الآخر.
قال سفيان: ﴿فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ﴾ فَسَكَتَ فلم يُجِبْهُ بشيء.
وقرىءَ: ﴿فَبَهَتَ الَّذِي كَفَرَ﴾.
أي: فَبَهَتَ إبراهيمُ الذي كفر.
البقرة 2:259
قوله جلَّ وعزَّ: ﴿أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾.
رَوَى علي بن الحكم عن الضحاك قال: يُقال: هو عُزَيْرٌ، والقريةُ بيتُ المقدسِ.
﴿فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ﴾ فكان أوَّلُ شيءٍ حَيِيَ منه رَأْسُهُ، فجعل ينظر إلى كلِّ ما يُخلق منه، وإلى حماره.
قال سعيد عن قتادة: وذُكِرَ لنا أنه عُزَيْرٌ أتى على بيت المقدس بعدما خَرَّبَهُ بَخْتَنَصرَّ قال: فقال: أَنَّى تُعْمرُ هذه بعد خَرَابها؟
* ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ﴾
ذكر لنا أنه مات ضُحىً، وبُعِثَ قبل غيبوبةِ الشمس بعد مائة عامٍ فقال: لبثتُ يوماً أو بعض يوم.
وقال كعبٌ: هو عُزَيْرٌ.
قال مجاهد: هو رجلٌ من بني إسرائيل.
قال عبدالله بن عبيد بن عمير: هو أَرْمِياً، وكان نبياً.
والخاويةُ: الخاليةُ.
قال الكسائي: يقال خَوَت خُوِيَّاً، وخَوَاءَ، وخَوَايَةً.
والعروشُ: السقوفُ، أي ساقطةٌ على سقوفها.
قال أبو عبيدة: ويقال: خَوَتْ عُرُوشُها: بُيُوتُها.
والعروشُ الخيامُ، وهي بيوت الأعراب.
قال الكسائي والفراء: الكاف في قوله: ﴿أوْ كَالَّذِي﴾ عطفٌ على معنى الكلام، أي هلْ رأيتَ كالذي حاجَّ إبراهيم، أو كالذي مَرَّ على قريةٍ.
وقيل: هي زائدة، كما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾.
* وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾.
قال عكرمة وقتادة: لم يتغيَّرْ.
وقال مجاهد: لم يُنْتِنْ.
قال بعض أهل اللغة: لم يَتَسَنَّ من قولهم: آسَنَ الماءُ إذا أَنْتَنَ.
وقال أبو عمروٍ الشيباني: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: لم يَتَغَيَّرْ، من قوله تعالى ﴿مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ ثم أبدل من إحدى النونين ياءً، كما قيل: تقصَّيْتُ وتظنَّيْتُ، وقصَّيْتُ أظفاري.
قال أبو جعفر: والقولان خطأ، لو كان من قولهم: أسِنَ الماءُ إذا أنتن، لكان يَتَأَسَّنُ.
قال أبو إسحاق: وليس من مَسْنُونٍ، لأن مَسْنُونَاً مصبوب على سُنَّةِ الأرض.
قال أبو جعفر: والصحيحُ أنه من السَّنَةِ، أي لم تُغَيِّرْهُ السِّنونَ.
* ثم قال تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾.
قال سفيانُ عن الأعمشِ قال: رَجَع إلى بنيهِ شيوخاً، وهو شابٌ.
قال الكسائي: لا يكون الكلام إلاَّ بإضمارِ فِعْلٍ.
والمعنى عنده: فَعَلْنَا هذا لنجعلك دليلاً للناس، وعَلَماً على قدرتنا، ومثلُه ﴿وَحِفْظَاً﴾.
* ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾.
أي نحييها ﴿ونُنْشِزُهَا﴾ بالزاي مُعجمةً أي نُرَكِّبُ بعضَ العظامِ على بعضٍ، ونرفعُ بعضَها إلى بعض.
والنَّشْزُ، والنَّشَزُ: ما ارتفع من الأرض.
ومَن قَرَأ: ﴿قَالَ: أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
فقال قتادة: في قراءَتِهِ أنه جعلَ ينظُرُ، كيف يُوصَلُ بعضُ عظامه إلى بعضٍ، لأن أول ما خُلِقَ منه رأسُهُ، وقيل: له: انْظُرْ، فقال عن ذلك هذا.
ورَوَى طاووس عن ابن عباس: ﴿قَال اعْلَمْ﴾ على الأمر، وإنما قيل له ذلك.
قال هارون في قراءة عبدالله: ﴿قيل: اعْلَمْ﴾ على وَجْهِ الأمْرِ.
وقد يجوز أن يكون خاطب نَفْسَهُ بهذا.
البقرة 2:260
قولُه جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.
فيه قولان:
أحدُهما: أن المعنى ليطمئنَّ قلبي للمشاهدة، كأنَّ نفسَهُ طالبتْهُ برؤية ذلك، فإذا رآه اطمأنَّ، والإِنسان قد يعلمُ الشيءَ من جهةٍ، ثم يطلبُ أن يعلمه من غيرها.
وهذا القولُ مذهبُ الجِلَّةِ من العلماء، وهو مذهب ابن عباس، والحسن.
قال الحسن: ولا يكون الخَبَرُ عند ابنِ آدَمَ كالعَيَانِ.
والقول الآخر: أن المعنى ﴿وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ بأنَّي إذا سألتُكَ أجبتَني.
كما رَوَى سفيان عن قيس بن مسلمٍ عن سعيد بن جبير قال: ﴿أَوَلَمْ تُؤمِنْ﴾ بالخُلَّةِ، قال: توقن بالخلَّة.
ورَوَى أبو الهيثم عن سعيد بن جبير: ﴿وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: ليزداد.
* ثم قال تعالى: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ﴾.
حدثنا عبدالباقي بن أحمد بن محمد بن عبدالعزيز الأموي قال: حدثنا أبي قال: حدثنا يحيى بن عبدالله بن بُكَيْرٍ، حدثنا عبدالله بن لَهِيعةَ، عن عُبيدِالله بن هُبَيْرَةَ السّبِيني عن حَنَشٍ الصنعاني عن عبدالله بن عباس، في قول الله جلَّ وعَزَّ: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾، قال: هو الحَمَامُ، والطاووسُ والكُرْكِي، والدِّيْكُ.
ورَوَى الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال:
"أَخَذَ الديكَ، والطاووس، والغُرابَ، والحَمَامَة".
قال مجاهد: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ انْتِفْهُنَّ بريشهنَّ، ولُحُومِهنَّ.
قال أبو عُبيدة: صِرْتُ: قطعْتُ، وصُرْتُ: جَمَعْتَ.
وَحَكَى أبو عبيدة: صُرْتُ عُنُقَهُ: أَصُورُهَا، وصِرتهَا أصِيْرُهَا أَمَلْتُهَا، وقد صَوِرَ.
يُقْرَأُ بالضم والكسر، وأكثر القراء على الضم.
قال الكسائي: من ضمَّها جعلها من صُرْتُ الشيء أَمَلْتُهُ وضَمَمْتُهُ إليَّ، قال: وَصُرْ وَجْهَكَ إليّ أي أَقْبِلْ بِهِ.
والمعنى على هذه القراءة: فَضُمّهُنَّ إليك وقَطِّعْهُنَّ، ثم حُذِفَ "وقطِّعْهُنَّ" لأنه قد دَلَّ عليه ﴿ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءَاً﴾.
ومن قرأ: ﴿فَصِرْهُنَّ﴾ بالكسر ففيه قولان:
أحدهما: أنه بمعنى الأول.
والآخر: أن أبا مالكِ والضحاك قالا: فَقَطِّعْهُنَّ.
قال أبو حاتم: هو مِنْ صَار، إذا قَطَعَ. قال: ويكون حينَئِذٍ على التقديم والتأخير، كأنه قال: فَخُذْ أربعة من الطير إليك فَصِرْهُنَّ.
قال غيره: ومنه قيل للقطيع من بقر الوحش: صِوَارٌ وصُوَارٌ، أي انقطعَتْ فانفردتْ، ولذلك قيل لقطع المِسْكِ: أَصْوِرَةٌ، كما قال:
"إِذَا تَقُومُ يضُوغ المِسْكُ أَصْوِرَةً".
قال أبو جعفر: وأولى ما قيل في معنى "فَصِرْهُنَّ" وَصُرْهُنَّ: أنهما بمعنىً واحدٍ، بمعنى القطع، على التقديم والتأخير، أي: فَخُذْ إليك أربعةً من الطير فَصِرْهنَّ.
ولم يوجد التفريقُ صحيحاً عن أحدٍ من المتقدمين.
﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾.
قال ابن عباس: تَعَاليْنَ بإذن الله، فطارَ لحمُ ذَا إلى لحم ذا، ﴿سَعْيَاً﴾ أي عَدْوَاً على أرجلهن، ولا يقال للطائر إذا طار: سَعَى.
﴿وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي لا يمتنع عليه ما يريد.
﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يُدبِّرُ.
فلمَّا قَصَّ ما فيه البراهينُ حَثَّ على الجهاد، وأَعلَمَ أنَّ من جاهد بعد هذا البرهان، الذي لا يأتي به إلا نبيٌّ، فله في جهاده الثوابُ العظيمُ.
البقرة 2:261
قال تعالى: ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
أي جَوادٌ، لا ينقصه ما يتفضَّلُ به من السَّعَةِ ﴿عَلِيمٌ﴾ أين يَضَعهُ.
البقرة 2:264
قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ﴾.
أي لا تَمْتَنُّوا بما أَعْطَيتم، وتعتدُّوا به، وكأنكم تقصدون ذلك، والأذى أن يُوَبَّخَ المُعَطَى.
فأَعْلَمَ أنَّ هذين يُبطلان الصدقة، كما تَبطُلُ صدقةُ المنافق الذي يُعطِي رياءً، لِيوُهِمَ أنه مؤمن.
* ثم قال تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ﴾ أي فَمَثَلُ نفقتِهِ ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ وهو الحجر الأملس، والوَابِلُ: المطرُ العظيمُ القَطْرِ.
﴿فَتَرَكَهُ صَلْدَاً﴾.
قال قتادة: ليس عليه شيءٌ.
والمعنى: لم يقدروا على كسبهم وقت حاجتهم، ومُحِقَ فَأُذْهِبَ، كما أَذْهبَ المطرُ الترابَ على الصَّفا ولم يوافق في الصفا مثبتاً.
البقرة 2:265
قال: ﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
أي وينفقونها مُقِرِّيْنَ ثَابِتينَ، أنها مما يثيبُ الله عليه.
قال الحسن: إذا أراد أن ينفق تَثَبَّتَ، فإن كان الله أَمْضَى، وإلاَّ أَمْسَك.
وقال قتادة: ﴿تَثْبِيتَاً﴾ أي احْتِسَابَاً.
وقال مجاهد: يَتَثَبَّتُون أين يضعون أموالهم؟ أي زكواتهم.
وقال الشعبي: تصديقاً ويقيناً.
قال أبو جعفر: ولو كان كما قال مجاهد لكان و "تثبُّتاً" من تَثَبَّتُّ كَتَكَرَّمْتُ تَكَرُّمَاً.
وقولُ قتادةَ: "واحتساباً" لا يُعرفُ، إلاَّ أَنْ يُرَادَ به أنَّ أنفسهم تُثَبِّتُهُمْ مُحْتَسِبَةً، وهذا بَعيدٌ.
وقول الشعبي حَسَنٌ، أي تَثْبِيْتَاً من أنفسهم لهم على إنفاق ذلك في طاعة الله جَلَّ وَعَزَّ، يُقالُ: ثَبَّتُّ فلاناً في هذا الأمر، أي صَحَّحْتُ عَزْمَهُ وقَوَّيْتُ فيه رأيَه، أُثَبِّتُهُ تَثْبِيْتَاً، أي أَنْفُسُهُمْ موقنةٌ مصدِّقَةٌ بوعد الله، على تَثبُّتِهِمْ في ذلك.
* ثم قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾.
قال مجاهد: هي الأرضُ المرتفعةُ المستويةُ أضْعَفتْ في ثمرها.
قال قتادة: ﴿بِرَبْوَةٍ﴾، يقول: بِنَشَزٍ من الأرض، قال: وهذا مَثَلٌ ضربه الله لعمل المؤمن، يقول: ليس لخيرِهِ خُلْفٌ، كما أنه ليس لخير هذه الجنة خُلْفٌ على أيِّ حالٍ كان إِنْ "أَصَابَهَا وابِلٌ" وهو المطر الشديد، وإن أصابها "طَلٌّ".
وقال مجاهد: [هو] النَّدى.
وقيل: مطرٌ صغيرٌ في القَدْرِ يَدُوْمُ.
قال محمد بن يزيد: أي فالطَّلُّ يَكْفِيْهَا.
البقرة 2:266
قال جَلَّ وعزَّ: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَٱحْتَرَقَتْ﴾.
قال ابن أبي مليكة: عن عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ: سألهم عمرُ عن هذه الآية، وذَكَرَها، فقالوا: اللَّهُ أعلم، فغضب عمر وقال: قولوا نَعْلمُ أو لا نَعْلمُ، قال: فقال ابن عباس: "إن في نفسي منها شيئاً، فقال: قلْ ولا تحقِرْ نفسَك. قال: ضُرِبَ مَثَلاً للعمل، قال: أي العمل؟ قال: فقال عمر: هذا رَجُلٌ كان يعمل بطاعة الله، فبُعِثَ إليه الشيطانُ، فعمل بالمعاصي، فأحرقَ الأعمالَ.
ورُوِيَ عن ابن عباس بغير هذا الإِسناد: هذا مَثَلٌ ضَرَبه الله للمُرَائِيْنَ بالأعمال، يُبطلها اللهُ يومَ القيامة أحوجَ ما كانوا إليها، كمثل رجلٍ كانت له جَنَّةٌ، وَكَبِرَ، وله أطفالٌ، لا ينفعونه، فأصابَ الجنَّةَ إعصَارٌ، ريحٌ عاصفٌ فيها سَمُومٌ شديدةٌ، فاحترقت، ففقدها أَحْوَجَ ما كان إليها.
ورُويَ عن ابن عباس أنه قال: الإعصارُ: الريحُ الشديدةُ.
قال أبو جعفر: والإِعصارُ هي التي يُسَمِّيها الناسُ الزَّوْبَعَةَ.
البقرة 2:267
قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾.
أي تَصَدَّقُوا بِالْجَيِّدِ.
وحدَّثَنا أحمد بن محمد بن سلامة قال: حدثنا بكارٌ قال: حدَّثَنا مُؤَمّل، قال: حدَّثنا سفيان، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ، عن البراء، قال: "كانوا يجيئون في الصَّدَقاتِ بأرْدََإِ تمرِهم، وأردإِ طعامهم، فنـزلت: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾.
قال: لو كان لكم فأعطاكم لم تأخُذُوهُ، إلاَّ وأنتم تَرَوْنَ أنه قد نَقَصكم من حقِّكم.
قال أبو إسحاق في قوله تعالى ﴿وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أي لم يأمركمْ أنْ تَصَّدَّقوا من عَوَزٍ، ولكنه بَلاَ أخباركم، فهو حميدٌ على ذلك وعلى جميع نِعَمِه.
البقرة 2:268
قال تعالى: ﴿ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ﴾.
أي بالفقر، يُخوِّفُكُمْ حتى تُخرجوا الرَّدِىءَ في الزكاة ﴿وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ﴾ بأن لا تتصدقوا، فتعصوا، وتتقاطَعُوا.
﴿وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً﴾.
أي بأن يجازيَكم على صدقاتكم بالمغفرةِ، والخُلْفِ.
﴿وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
يُعْطِي من سَعَةٍ، ويعلم حيث يضع ذلك، ويعلم الغيبَ والشَّهادة.
البقرة 2:269
قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾.
رَوَى عليُّ بنُ أبي طلحةَ عن ابن عباس ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ قال: المعرفةُ بالقرآنِ، ناسِخِهِ، ومنْسُوخِهِ، ومُحْكمِهِ، ومُتَشَابِهِهِ، ومُقدَّمِهِ، ومُؤَخَّرِهِ، وحَلاَلِهِ، وحَرَامِهِ، وأَمَثْاَلِهِ.
قال مجاهد: العقلُ والعفَّةُ، والإِصابةُ في القَوْلِ.
وقال زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: الحكمةُ: العقلُ في دينِ الله.
وقال الضحاك: الحكمةُ: القرآن.
وقال قتادة: الفَهْمُ.
قلتُ: وهذه الأقوالُ متفقَةٌ، وأصل الحكمة ما يُمْتَنَعُ به من السَّفَهٍ، فقيل لِلْعِلْمِ حِكْمَةٌ لأنه به يُمْتَنَعُ، وبه يُعْلَمُ الامتناعُ من السَّفَهِ، وهو كلُّ فعلٍ قبيح، وكذا القرآنُ، والعَقْلُ، والفَهْمُ.
وقال إبراهيم النَّخعِي: الفهمُ في القرآن.
* ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾.
أي وما يُفَكِّرُ فكْرَاً، يَذَّكَّرُ بِهِ مَا قصَّ من الآيات، إلا ذَوُو العقولِ، ومَنْ فَهِمَ عن اللَّهِ عزَّ وجلَّ، أَمْرَهُ ونَهْيَهُ.
البقرة 2:270
قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ﴾.
قال أبو إسحاق: [أي]، في فرضٍ، لأنه ذكر صدقة الزكاة.
﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ﴾.
كل ما نوى الإِنسان أن يتطَّوع به فهو نَذْرٌ.
وقيل: المعنى ما أنفقتم من نفقةٍ من غير نذْرٍ، أَوْ نَذَرْتُمْ ثم عقدتم على أنفسكم إنفاقَهُ ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ أي لا يخفى عليه، فهو يُجازي بِهِ.
قال مجاهد: ﴿يَعْلَمُهُ﴾ أي يُحْصِيْه.
البقرة 2:271
قال تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ﴾.
أي تُظْهِرُوهَا.
وفي الحديث: "صَدَقَةُ السِّرَّ تُطْفِىءُ غَضَبَ الرَّبِّ".
وقيل: كان هذا في عهد رسول الله ﷺ فأمَّا اليَوْم فَالنَّاسُ يُسِيئُون الظَّنَّ.
قال الحسن: إظهار الزكاة أَحْسَنُ، وإخفاءُ التطوعِ أفضلُ، لأنه أَدَلُّ على أنه يُرادُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ وَحْدَهُ.
وقال الضحاك: كان هذا يعمل به ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بالَّليْلِ والنَّهارِ سِرَّاً وَعَلاَنِيَةً﴾ فلما نزلت "براءة" بفريضة الصَّدقةِ وتفصيلِهَا، انتهت الصدقةُ إليه.
البقرة 2:272
قوله جل وعز: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾.
رَوَى سعيد بن جبير عن ابن عباس: كانوا يكرهون أنْ يَتَصَدَّقُوا على أقربائهم من المشركين، فرُخِّصَ لهم في ذلك، فنـزلت: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ الى آخر الآي.
البقرة 2:273
قولُه عزَّ وجل: ﴿لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
قال مجاهدٌ: يعني مهاجري قريش الذين كانوا بالمدينة.
وقال غيره: معنى ﴿أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ مَنَعهُمْ فَرْضُ الجهادِ من التصرُّفِ.
وقيل: شَغَلَهُمْ عَدُوُّهُمْ بالقتال عن التصرُّفِ.
قال أبو جعفر: واللغةُ توجبُ أنَّ (أُحْصِرُوْا) من المرضِ، إلاَّ أنه يجوز أن يكون المعنى: صودفوا على هذه الحَالِ.
* ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ﴾.
قيل: قد أَلْزمُوا أَنْفُسَهم الجهادَ، كما يقال: لا أستطيع أن أعصيك، أي قد ألزمتُ نفسي طاعتَك.
* ثم قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ﴾.
ليس الجهلُ ها هنا ضِدَّ العَقْلِ، وإنما هو ضِدُّ الْخِبْرَةِ.
* ثم قال تعالى: ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيْمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً﴾.
يقالُ: أَلْحَفَ في المسْأَلَةِ، وأَخْفَى، وأَلَحَّ، بِمَعْنىً واحِدٍ
وفي الحديث عن النبي ﷺ: "مَنْ سَأَلَ وَلَهُ أَرْبَعُوْنَ دِرْهَمَاً فَقَدْ أَلْحَفَ".
قال أبو إسحاق: معناه فقد شَمِل بالمسألة، ومنه اشتق اللَّحاف، قال: ومعنى ﴿لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً﴾ لا يكون منهم سؤالٌ، فيكون إلحاف، كما قال الشاعر:
على لاَ حِبٍ لا يُهْتَدَى بَمَنَارِهِ * إذَا سَافَهُ العَوْدُ النَّبَاطِيُّ جَرْجَرا
أي ليس به مَنَارٌ فَيُهْتَدَى به.
البقرة 2:274
قولُه عز وجل: ﴿ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾.
حدثنا أحمدُ بن محمد بن نَافع، قال: حدَّثَنا سَلَمةُ قال: حدثنا عبدالرَزَّاق قال: أخبرنا عبدالوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً﴾، قال: "نزلتْ في عليِّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، كانت معه أربعة دراهم، فأنفق بالليل دِرْهَماً، وبالنهار درهماً، وسِرَّاً درهماً، وعلانيةً درهماً".
البقرة 2:275
قولُه عز وجل: ﴿ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ﴾.
المعنى ﴿ٱلَّذِيْنَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَا﴾ في الدنيا ﴿لاَ يَقُومُونَ﴾ في الآخرة ﴿إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ﴾.
قال قتادة: أي الجنون.
وقال غيره: هذا علامةٌ لهم يوم القيامة، يخرج الناس من قبورهم مسرعين، كما قال تعالى ﴿يَخْرُجوْنَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعَاً﴾. إلا أَكَلَةُ الرِّبا، فإنهم يقومُون ويسقُطُون، أَرْبَى اللهُ الربا في بطونهم يوم القيامة، حتى ثَقَّلَهُمْ، فهم ينهضون ويسقطون. ويريدون الإِسراعَ فلا يقدرون.
* ثم قال تعالى: ﴿فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ﴾.
قال سفيان: يعني: القرآن.
ومعنى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ مغفورٌ له.
* ثم قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ﴾.
قال أبو إسحاق: أي اللهُ جَلَّ وعَزَّ وَلِيُّهُ.
قال غيره: ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ﴾ في عصمته وتوفيقه، إنْ شاء عصمه عن أكله، وإن شاء خذله عن ذلك.
وقال بعضُ أهل التفسير: ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِِ﴾ في المستقبل.
وهذا قولٌ حسنٌ بيِّنٌ، أي وأمرُه إلى اللَّهِ في المستقبل، إن شاء ثبَّته على التحريم، وإن شاء أباحه.
* ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
قال سفيان: من عاد فعمل بالربا حتى يموت.
وقال غيره: من عاد فقال إنما البيعُ مثل الربا فقد كفر.
البقرة 2:278
قولُه جل وعز: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا﴾.
قال مجاهد: كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدَّيْنُ فيقول: لك كذا وكذا وتؤخِّر عني، فيؤخِّر عنه ويزيده.
البقرة 2:279
قوله جلَّ وعزَّ: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
أي فأَيْقِنوا، يُقال: أَذِنْتُ بالشيء، فأنا أذينٌ به، كما قال:
* "فَإِنِّي أَذِينٌ إنْ رَجَعْتُ مُمَلَّكَاً" *
ومعنى "فآذِنُوا": فأَعلِمُوا غيركم أنكم على حربهم.
* ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾.
ثم قال الضحَّاكُ: كانوا في الجاهلية يتبايعون بالرِّبا، فجاء الإِسلامُ وقد بقيَتْ لهم أموال، فأُمروا أن يأخذوا رءوس أموالهم، ولا يأخذوا الربا الذي كانوا أربَوْا به، وأُمروا أن يتصدقوا على من كان معسراًَ.
البقرة 2:280
قال جلَّ وعز: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾.
قال ابراهيم: نزلت في الربا.
قال الربيع بن خَيْثم: هي لكل مُعْسِرٍ يُنْظَرُ.
قال أبو جعفر: وهذا القولُ حسن، لأن القراءة بالرفع بمعنى: وإن وقعَ ذو عُسْرة من الناس أجمعين، إن كان فيمن تطالبون، أو تبايعون ذو عسرةٍ.
ولو كان في الربا خاصة، لكان النَّصْبُ الوجهَ، بمعنى وإن كان الذي عليه الربا ذا عُسْرة.
على أن المعتمر قد رَوَى عن حجَّاج الورَّاق: في مصحف عثمان "وَإِنْ كَانَ ذَا عُسْرَة" والمعنى: فعليكم النَّظرِة أي التأخير إلى أن يوسِرَ.
وَرُوِىَ عن عطاء أنه قرأ "فَنَاظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ" على جهة الأمر.
* ثم قال تعالى: ﴿وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
قال ابراهيم: أي برأسِ المال.
قال الضحاك: وأن تَصَدَّقوا من رأس المال، خيرٌ من النَّظرِة.
ورَوَى عليُّ بنُ الحَكَمِ عن الضَحَّاكِ قال: "زعم ابنُ عباس أنَّ آخر آيةٍ نزلت من القرآن ﴿وَاتَّقُوا يَوْمَاً تُرْجَعُونَ فِيهِ إلَى اللهِ﴾.
قُرِىء على أحمد بن شعيب عن محمد بنِ عقيل، عن عليِّ بنِ الحُسَيْن. قال: حدثني أبي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَاتَّقُوا يَوْمَاً تُرْجَعُونَ فِيهِ إلَى اللهِ﴾ الآية أنها آخر آيةٍ أنزلت على رسول الله صلى الله عليه السلام.
البقرة 2:282
قوله جلَّ وعزَّ: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ﴾.
في معناها أقوال:
١- منها أن هذا على الندب، وليس بحتم.
٢- ومنها أن أبا نضرة، روى عن أبي سعيد الخدري، أنه تلا هذه الآية ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ﴾ حتى بلغ ﴿فَإنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضَاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي ائْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ قال: نَسَختْ هذه الآية ما قبلَها.
٣- وقيل: إنَّ هذا واجبٌ في الأجلِ، والإِشهَادُ في العاجل، وإنما الرخصةُ في الرهن.
ويُقال: دَايْنتُ الرجلَ: إذا أقرضتُه واستقرضتُ منه، وكذلك تداينَ القومُ.
وأدنتُ الرجلَ: بعتهُ بدينٍ، ودِنْتُ، وادَّنْتُ أي أخذتُ بدين، وأنا دائنٌ، ومُدَّانٌ.
والمُدِينُ: المَلِكُ، إذا دانَ الناسُ له، أي سمعوا وأطاعوا.
ومما يُسأل عنه أن يُقال: ما وجهُ "بِدَيْنٍ" وقد دلَّ "تَدَايَنْتُمْ" على الدَّيْن، فهل تكون مداينةٌ بغير دين؟.
فالجوابُ أن العرب تقول: "تداينَّا" أي تجازينا "وتعاطينا" الأخذ والإعطاء، فجاء "بِدَيْنٍ" مبيناً للمعنى المقصود.
وقولُه جل وعز: ﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ﴾.
قال السدي: بالحقِّ، أي لا يكتب لصاحب الحق أكثر ممَّا له، ولا أقلَّ.
* ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ﴾.
قيل: كما علَّمة اللَُّهُ من الكتابة بالعدل.
وقيل: كما فضَّله اللهُ بعلم الكتابة.
* ثم قال تعالى: ﴿فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ﴾.
قال ابن وهب: أخبرني يونس أنه سأل ربيعة: ما صفة السفيه؟
فقال: الذي لا يُثمِّر مالَه في بيعه ولا ابتياعِهِ، ولا يمنع نفسه لذَّةً، يسقط في المال سقوط من لا يعدُّ المال شيئاً، الذي لا يُرَى له عقلٌ في مالٍ.
ورُوي عن ابن عباس أنه قال: السَّفيهُ: الجاهلُ بالإِملاءِ، والضعيفُ: الأخرقُ.
وقال أبو إسحاق: السَّفيهُ، الخفيفُ العقل، ومن هذا تَسَفَّهتِ الريحُ الشيءَ إذا حركته واستخفَّته، ومنه:
مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ * أَعَالِيَهَا مَرُّ الرَّياح النَّواسِمِ
وحكى غيرُه أن السَّفَه: كلُّ ما يقبح فعلُه أي هو فعلٌ ليس بمحكم، من قولهم: ثوبٌ سفيهٌ إذا كان متخلخلاً.
فأما الضعيف فهو ـ واللهُ أعلمُ ـ الذي فيه ضعفٌ، من خَرَسٍ، أو هَرَمٍ، أو جنون.
* ثم قال تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ﴾.
في معنى هذا قولان:
رَوَى سفيانُ عن يونس عن الحسن ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ﴾.
قال الضحاك: وليُّ السفيه الذي يجوز عليه أمره، فهو وليُّه أي يقوم بأمره ﴿بِالعَدْلِ﴾ هو الذي يُملي الحقَّ.
والقولُ الآخرُ عن ابن عباس أن المعنى: فَلْيُمْلِلْ وليُّ الذي هو عليه.
واحتجَّ بهذا القول من ذهب إلى نفي الحَجْر عن الأحرار، البالغين العقلاء، وهو مذهبُ محمد بن سيرين، وإبراهيم النَّخعي.
ثم قال عز وجل: ﴿وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾.
قيل: من أهل ملتكم.
* ثم قال تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ﴾.
أي ممَّن ترضون مذهبه.
قال إبراهيم: ممَّن لم تظهر له ريبةٌ.
* ثم قال تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ﴾.
أي أن تَنْسى إحداهما فتذكِّرها الأخرى.
ورُوي عن الجحدري ﴿أنْ تُضِلَّ﴾ أي تُنَسَّى، كما يقال: أُنسيتُ كذا.
فأما ما رُوي عن ابن عُيينة من أنه قال: تُصيَّر شهادتهما بمنـزلة شهادة الذكر، فلا يعرفه أهل اللغة، وهو أيضاً خطأ، لأنه لو كان إنما معناه: نجعلها بمنـزلة الذِّكر، لم يُحتجْ إلى "أَنْ تَضِلَّ" لأنها كانت تجعلها بمنـزلة الذَّكر، ضَلَّتْ أو لم تَضِلَّ.
ولا يجوز أن تصيِّرها بمنـزلة الذَّكر وقد نسيت شهادتها.
وأما فتح "أَنْ" فنذكره في الإِعراب إن شاء الله.
ثم قال عزَّ وجل: ﴿وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾
روى ابن نجيح عن مجاهد قال: إذا دُعي ليشهدَ وقد كان أُشْهِد.
وقال الحسن: وإذا ما دعوا ابتداءً للشهادة، ولا يأبوا إذا دُعوا لإِقامتها.
قال أبو جعفر: قيل: قولُ الحسن أشبهُ، لأنه لو كان ذلك لهم لتويت الحقوق، ولأن بعده ﴿وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ﴾ أي لا تملُّوا أن تكتبوا الحقَّ، كان كثيراً أو قليلاً، كما يُقال: لأعطينَّك حقَّك، صَغُرَ أو كَبُر.
وقال الأخفش: ﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾ فأضمر الشاهد، قال وقال: ﴿إلَى أَجَلِهِ﴾ أي إلى الأجل الذي تجوزُ فيه شهادته، والله أعلمُ.
هذا في كلام الأخفش نصاً.
قال أبو جعفر: واختار محمدُ بن جريرٍ قول مجاهد، أن المعنى ﴿وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾ أن ذلكَ، إذا كانت عندك شهادةٌ فدعيتَ، وهو قولُ سعيد بن جبير، وعطاء، وعكرمة، والشعبي، والنَّخعي.
قال محمد بن جرير: "لأن الله قد ألزمهم اسم الشهداء، وإنما يلزمهم اسم الشهداء إذا شهدوا على شيءٍ قبل ذلك، وغيرُ جائزٍ أن يُقال لهم "شهداء" ولم يشهدوا.
ولو كان ذلك لكان الناس كلهم شهداء، بمعنى أنهم يشهدون، فصار المعنى: إذا ما دُعوا ليؤدُّوا الشهادة، وأيضاً فدخول الألف واللاَّم يدل على أن المعنيَّ بالنَّهي شخصٌ معلوم".
* ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ﴾.
قال سفيان: معناه أعدلُ، ثم قال ﴿وَأقْومُ لِلشَّهَادَةِ﴾ أي أثبتُ، لأن الكتابَ يُذكِّر الشاهدَ ما شهد عليه.
* ثم قال تعالى: ﴿وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ﴾.
أي لا تَشُكُّوا.
ثم رخَّص في ترك الكتابة فيما يجري بين الناس كثيراً، فقال تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾.
* وقوله جل وعز ﴿وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾.
فيه أقوال:
١- منها أن المعنى ـ على قول عطاء ـ لا يمتنعا إذا دُعيا.
كما رَوَى ابن عُيَيْنَةَ، عن عَمْرِو بنِ دينارِ، عن عِكْرمة قال:
كان عمر يقرأ "وَلاَ يُضَارِرْ كَاتِبٌ ولا شَهِيدٌ".
وقال طاووس: لا يُضارِرُ كاتبٌ فيكتب ما لم يُمْلَلْ عليه.
وقال الحسن: ولا يُضاررُ الشهيد أن يزيد في شهادته.
٢- ورُوي عن ابن عباس ومجاهد ﴿وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾ قالا: نُهي أن يُجاء إلى الشاهد والكاتب، فيُدْعَيا إلى الكتابة والشهادة، وهما مشغولان، فيُضَارَّا، فيقال: قد أمَرَكما اللَّهُ ألاَّ تمتنعا، وهو مستغنٍ عنهما.
والتقدير على هذا القول "ولا يُضَارَرْ" وكذا قرأ ابنُ مسعود.
فنهى اللهُ جلَّ وعزَّ عن هذا، لأنه لو أطلقه لكان فيه شغلٌ عن أمر دِينهِما، ومعاشِهما.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾.
قال سفيان: ﴿فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ قال: معصيةٌ.
البقرة 2:283
قال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾.
وقرأ ابن عباس "كتاباً".
وقال: قد يوجد الكاتبُ ولا توجد الصحيفة.
وكذا قرأ أبو العالية، وعكرِمة، والضحَّاك، ومجاهد.
وقيل: إن كِتَاباً جمعُ كاتب، كما يُقال: قايمٌ، وقيام.
وقيل: هما بمنـزلة اثنين.
* ثم قال تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾.
قرىء "فَرُهُنٌ مَقْبُوضَةٌ" رُهُن جمعُ رهانٍ، ويجوز أن يكون جمعَ رَهْنٍ، مثلَ سَقْفٍ، وسُقُفٍ.
البقرة 2:284
قوله عز وجل ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ﴾.
فيها أقوال:
رُوي عن ابن مسعود، وأبي هريرةَ، وابن عباس أنها منسوخة بقوله تعالى ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسَاً إلاَّ وُسْعَهَا﴾.
إلاَّ أن عليَّ بن أبي طلحة روى عن ابن عباس أنه قال: لم تُنسخ، ولكنْ إذا جمع اللهُ الخلائق يقول: إني أخبركم بما أكننتم في أنفسكم، فأما المؤمنون فيخبرهم، ثُمَّ يغفرُ لهم.
وأمَّا أهلُ الشكِّ والرَّيب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب، فذلك قولُه عز وجل ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾.
وهو قوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ من الشكِّ والنفاق.
وحدثنا أحمد بنُ شعيب، قال: أخبرنا محمود بنُ غيلان، قال حدثنا وكيعٌ، قال حدثنا سفيانُ، عن آدمَ بن سليمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "لما نزلت هذه الآيةُ ﴿وَإنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله﴾ دخل قلوبَهم منها شيء لم يدخلها من قبلُ، فقال النبي ﷺ: قولوا: سمعنا وأطعنا، وسلَّمنا. فألقى اللهُ الإِيمان في قلوبهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ الآية وأنزل ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسَاً إِلاَّ وُسْعَهَا، لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أوْ أَخْطَأْنَا]﴾ قال: قد فعلتُ ﴿رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرَاً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: قد فعلتُ ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنا بِهِ، واعْفُ عَنَّا، واغْفِرْ لَنَا، وَارْحَمْنَا، أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرينَ﴾ قال: قد فعلتُ".
ورَوى إسماعيلُ بنُ أبي خالد عن الشعبي قال: "نسختها الآية التي بعدها ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسَاً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾.
ورَوَى مِقْسمٌ عن ابنِ عباس: نزلت في الشهادة، أي في إظهارها وكتمانها.
وقال مجاهد: هذا في الشكِّ واليقين.
ورَوَى حمَّاد بنُ سَلَمةَ عن علي بن زيد، عن أُمَيَّة انها سألت عائشة عن هذه الآية ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ﴾ وسألْتها عن هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءَاً يُجْزَ بِهِ﴾ فقالت عائشة: ما سألني عنهما أحدٌ منذُ سألتُ عنهما رسول الله ﷺ فقال: يا عائشة: هذه معاتبةُ اللهِ العبدَ بما يصيبه [من الحُمَّى، والنكبة، والشوكة، حتى البضاعة يضعها في كمه] فيفقدها، فيفزعُ لها، فيجدها في ضبنه، حتى إن المؤمن ليخرجُ من ذنوبه، كما يخرج التِّبُر الأحمرُ من الكير".
وقال الضحاك: "يُعلِمُهُ اللَّهُ يومَ القيامةِ بما كان يُسِرُّه، ليعلَمَ أنه لم يَخْفَ عليه".
وقيل: لا يكون في هذا نسخٌ لأنه خبرٌ، ولكنْ يُبَيِّنُهُ ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
فالمعنى ـ واللهُ أعلمُ ـ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه من الكبائر، والذي رواه عليُّ بنُ أبي طلحةَ عن ابن عبَّاسٍ حسنٌ، والله أعلم بما أراد.
فأمَّا ما رُوي عن ابن عباس من النسخ، فممَّا يجب أن يوقف على تأويله، إذْ كانتِ الأخبارُ لا يقع فيها ناسخ ولا منسوخ.
فإن صحَّ فتأويلُه أن الثاني مثلُ الأول، كما تقول: نسختُ هذا من هذا.
وقيل: فيه قولٌ آخرُ، يكون معناه: فأُزيلُ ما خالَطَ قلوبَهُمْ من ذلك وبُيِّن.
البقرة 2:285
قولُه جلَّ وعز: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾.
وقرأ ابن عباس ﴿وَكتَابِهِ﴾ وقال: كتابٌ أكثرُ من كُتُب، يذهب إلى أنه اسمٌ للجنس.
* وقوله جل وعز: ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾.
رُوِي عن ابن مسعود، وابن عباس، ويحيى بنِ يَعْمُر، أنهم قرءوا ﴿لاَ يُفَرِّقُ﴾ بمعنى: كلٌّ لا يُفَرِّق، أي لا يُفرِّق الرسولُ والمؤمنون، بينَ أحدٍ من رسله.
ومن قرأ بالنون فالمعنى عنده: قالوا: لا نُفرِّق بين أحدٍ من رسله، أي لا نؤمنُ ببعضٍ، ونكفُر ببعضٍ.
ويدلُّ على النون "رَبَّنَا".
* ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ [٢٨٥].
ومعنى "غُفْرَانَك" اغفرْ لنا غفراناً.
البقرة 2:286
قال ابن عباس: نزلت بالمدينة.
آل عمران 3:1
قوله عز وجل: ﴿الۤمۤ * ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ﴾ [آية ١-٢].
رُوي عن ابن عباس: ﴿ٱلْحَيُّ﴾ الذي لا يموت، و ﴿ٱلْقَيُّومُ﴾ الذي لا يزول.
قال مجاهد ﴿ٱلْقَيُّومُ﴾ القائم على كل شيءٍ، أي القائم على تدبير كل شيءٍ، من رِزْقٍ، وحياةٍ، وموتٍ.
وقد شرحناه بأكثر من هذا، ومعنى ﴿الۤمۤ﴾ في سورة البقرة.
حدثنا أحمد بن شعيْبٍ، قال أخبرني عمرانُ بن بكَّار، قال حدثنا إبراهيمُ بنُ العلاء، قال حدثنا شُعَيبُ بنُ إسحَاقَ قال حدثنا هارونُ عن محمد بن عَمْروِ بنِ علقمة عن يحيى بن عبدالرحمن عن أبيه عن عمر بن الخطاب أنه صلَّى صلاة العشاء، فاستفتح آل عمران فقرأ "الۤمۤ اللّّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحيُّ القَيُّومُ" فقرأ في ركعة بمائة آية، وفي الثانية بالمائة الباقية.
وسنذكر الأصل في الإِعراب إن شاء الله.
آل عمران 3:2
قوله عز وجل: ﴿الۤمۤ * ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ﴾ [آية ١-٢].
رُوي عن ابن عباس: ﴿ٱلْحَيُّ﴾ الذي لا يموت، و ﴿ٱلْقَيُّومُ﴾ الذي لا يزول.
قال مجاهد ﴿ٱلْقَيُّومُ﴾ القائم على كل شيءٍ، أي القائم على تدبير كل شيءٍ، من رِزْقٍ، وحياةٍ، وموتٍ.
وقد شرحناه بأكثر من هذا، ومعنى ﴿الۤمۤ﴾ في سورة البقرة.
حدثنا أحمد بن شعيْبٍ، قال أخبرني عمرانُ بن بكَّار، قال حدثنا إبراهيمُ بنُ العلاء، قال حدثنا شُعَيبُ بنُ إسحَاقَ قال حدثنا هارونُ عن محمد بن عَمْروِ بنِ علقمة عن يحيى بن عبدالرحمن عن أبيه عن عمر بن الخطاب أنه صلَّى صلاة العشاء، فاستفتح آل عمران فقرأ "الۤمۤ اللّّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحيُّ القَيُّومُ" فقرأ في ركعة بمائة آية، وفي الثانية بالمائة الباقية.
وسنذكر الأصل في الإِعراب إن شاء الله.
آل عمران 3:3
قال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ [آية ٣-٤].
أي من قبل القرآن.
والتوراة من وَرَى، ووَرَيْتُ، فقيل: تَوْرَاةٌ أي ضياءٌ ونورٌ.
قال البصريُّون: توراةٌ أصلُها "فَوْعَلة" مثل حَوْقَلَة، ومصدرُ فَوْعَلْتُ فَوْعَلَة، والأصلُ عندهم "وَوْرَيَةٌ" فقلبت الواوُ الأولى تاءُ، كما قلبت في تَوْلَج، وهو فَوْعَلٌ من وَلَجْتُ، وفي قولهم: تالله، وقلبت الياءُ الأخيرةُ ألفَاً، لتحركها وانفتاح ما قبلها.
وقال الكوفيون: (تَوْرَاةٌ) يصلح أن تكون تَفْعَلة وتَفْعِلَة، قُلبت الى تَفْعَلَة، ولا يجوز عند البصريِّين في تَوْقِية تَوْقَوَة، ولا يكاد يوجد في الكلام تَفْعَلة إلاَّ شاذاً.
و "إنْجِيل" من نَجَلْتُ الشيءَ أي: أخرجتُه، فإنجيل خَرَجََ به دَارِسٌ من الحقِّ، ومن قيل لواحد الرجل: نَجْلُه كما قال:
إلى مَعْشَرٍ لم يُورِثِ اللُّؤْمَ جَدُّهُمْ * أَصَاغَرِهُمْ وَكُلُّ فَحْلٍ لَهُ نَجْلُ
قال ابن كيسان: إنجيل إفعيل من النّجْل، ويقال: نَجَلَه أبوه أي: جاء به، ويقال: نجلتُ الكلأَ بالمنجل، وعينٌ نجلاءُ: واسعة، وكذا طعنةٌ نَجْلاَءُ، وجمع الإِنجيل أناجيل، وجمع التوارة توارٍ.
* ثم قال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ﴾ أي الفارق بين الحقِّ والباطل.
كما قال بعض المفسرين: "كلُّ كتابٍ للهِ فُرقانٌ".
﴿وَٱللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أي ذلَّ له كل شيءٍ، بأثر صنعته فيه.
﴿ذُو ٱنْتِقَامٍ﴾ أي ممَّن كفَرَ به.
آل عمران 3:4
قال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ [آية ٣-٤].
أي من قبل القرآن.
والتوراة من وَرَى، ووَرَيْتُ، فقيل: تَوْرَاةٌ أي ضياءٌ ونورٌ.
قال البصريُّون: توراةٌ أصلُها "فَوْعَلة" مثل حَوْقَلَة، ومصدرُ فَوْعَلْتُ فَوْعَلَة، والأصلُ عندهم "وَوْرَيَةٌ" فقلبت الواوُ الأولى تاءُ، كما قلبت في تَوْلَج، وهو فَوْعَلٌ من وَلَجْتُ، وفي قولهم: تالله، وقلبت الياءُ الأخيرةُ ألفَاً، لتحركها وانفتاح ما قبلها.
وقال الكوفيون: (تَوْرَاةٌ) يصلح أن تكون تَفْعَلة وتَفْعِلَة، قُلبت الى تَفْعَلَة، ولا يجوز عند البصريِّين في تَوْقِية تَوْقَوَة، ولا يكاد يوجد في الكلام تَفْعَلة إلاَّ شاذاً.
و "إنْجِيل" من نَجَلْتُ الشيءَ أي: أخرجتُه، فإنجيل خَرَجََ به دَارِسٌ من الحقِّ، ومن قيل لواحد الرجل: نَجْلُه كما قال:
إلى مَعْشَرٍ لم يُورِثِ اللُّؤْمَ جَدُّهُمْ * أَصَاغَرِهُمْ وَكُلُّ فَحْلٍ لَهُ نَجْلُ
قال ابن كيسان: إنجيل إفعيل من النّجْل، ويقال: نَجَلَه أبوه أي: جاء به، ويقال: نجلتُ الكلأَ بالمنجل، وعينٌ نجلاءُ: واسعة، وكذا طعنةٌ نَجْلاَءُ، وجمع الإِنجيل أناجيل، وجمع التوارة توارٍ.
* ثم قال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ﴾ أي الفارق بين الحقِّ والباطل.
كما قال بعض المفسرين: "كلُّ كتابٍ للهِ فُرقانٌ".
﴿وَٱللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أي ذلَّ له كل شيءٍ، بأثر صنعته فيه.
﴿ذُو ٱنْتِقَامٍ﴾ أي ممَّن كفَرَ به.
آل عمران 3:6
قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ﴾.
أي من حُسْنٍ وقبح، وتمامٍ ونقصان، وله في كل ذلك حِكمةٌ.
آل عمران 3:7
قوله جلَّ وعزَّ: ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾.
رُوِيِ عن ابن عبَّاس: المحكماتُ: الثلاثُ الآيات ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْل مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ إلى ثلاث آيات، والتي في بني إسرائيل ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إيَّاهُ﴾.
قال: والمتشابهُ: ما تشابَهَ عليهم نحو "الۤمۤ" و "الۤمۤر".
وقال يحيى بن يعمر: المحكماتُ: الفرائضُ، والأمرُ، والنهيُ، وهنَّ عِمادُ الدين، وعِمَادُ كل شيءٍ أمُّه.
وقال مجاهد وعكرمة: نحْوَاً من هذا، قالا: ما فيه من الحلال والحرام، وما سِوَى ذلك فهو متشابهٌ، يُصدِّقُ بعضُه بعضاً.
وقال قتادة نحوه، قال المحكم ما يُعملُ به.
وقال الضحاك: المحكماتُ: الناسخاتُ، والمتشابهاتُ: المنسوخات.
وقال ابن عباس: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ يعني ما نُسِخَ وما لم ينسخ.
قال ابنُ كَيْسَان: إحكامُها: بيانُها وإيضاحُها، وقد يكون إيجابُها وإلزامها، وقد يكون أنها لا تحتمل إلاَّ معاني ألفاظها، ولا يَضِلُّ أحدٌ في تأويلها.
ويجمع ذلك أنَّ كلَّ محكمٍ تامُّ الصَّنعة، وقد يكون الإِحكام ها هنا المنعُ من احتمال التأويلات، ومنه سُميت حَكَمَهُ الدابَّة لمنعها إيَّاها.
قال: "وَمَتَشَابِهَاتٌ" يحتمل أن يُشْبه اللفظُ اللفظَ ويختلف المعنى، أو يشتبه المعنيان، ويختلف اللفظ، أو يشتبه الفعلُ منَ الأمر والنهي، فيكون هذا نحو الناسخ والمنسوخ.
وقيل: المتشابهاتُ ما كان نحو قوله تعالى (ثَلاَثَةَ قُرُوْء).
وأجمع هذه الأقوال أن المحكم ما كان قائماً بنفسه، لا يحتاج إلى استدلال، والمتشابه ما لم يقم بنفسه، واحتاج إلى استدلال.
وقال الله عز وجل: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾ وقد قال: ﴿كِتَابٌ أَحْكِمَتْ آياتُه﴾، وقال: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، وقد قال: ﴿كِتَاباً مُتَشَابِهاً﴾؟ فالجواب أن معنى ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ جُعلت كلُّها محكمه، ثم فُصِّلت، فكان بعضُها أمَّ الكتاب، وليس قولُه ﴿مِنْهَ آيَاتٌ مُحْكَماتٌ﴾ بمزيل الحكمةَ عن المتشابهات، وكذا ﴿كِتَاباً مُتَشابهَاً﴾ وليس قوله ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابَهاتٌ﴾ بمزيل عن المحكمات أن تكون متشابهات في باب الحكمة، بل جملته إذ كان محكماً لاحقة لجميع ما فُصِّل منه، (وكتاباً متشابهاً) أي متشابهاً في الحكمة، لا يختلف بعضُه مع بعض، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْد غَيْرِ اللهِ لَوَجَدوُا فِيهِ اخْتِلافَاً كَثِيراً﴾.
وقد بينَّا معنى ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾ بأقاويل العلماء فيه.
وهذا معنى قول ابن عباس أنَّها ما أوْجَب الله على عباده من أحكامه اللاَّزمة، التي لم يلحقها تغييرٌ ولا تبديلٌ.
وقد يكون المحكم ما كان خبراً، لأنه لا يلحقُه نسخٌ، والمتشابهُ: النَّاسخُ والمنسوخُ، لأنهم لا يعلمون منتهى ما يصيرون إليه منه. وفي ذلك حكمة، وبعضهُ يشبهُ بعضاً في الحكمة.
وقال تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ﴾ ولم يقل: أُمُّهات.
قال الأخفش: هذا حكاية.
قال الفراء: ﴿هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ﴾ لأن معناهنّ شيءٌ واحد.
قال ابن كيسان: وأحسب الأخفش أراد هذا، أي هنَّ الشيء الذي يُقال: هو أُمُّ الكتاب، أي كل واحدةٍ منهن يقال لها: أمُّ الكتاب، كما تقول: أصحابك عليَّ أسَدٌ ضَارٍ، أي كل واحد كأسدٍ ضارٍ، لأنهم جَرَوْا مجرى شيء واحد في الفعل.
ومنه ﴿وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ لأنَّ شأنهما واحدٌ، في أنها جاءت به من غير ذَكَرٍ، وأنَّه لا أَبَ له، فلم تكن الآية لها إلاَّ به، ولا له إلاَّ بها، ولم يُرِدْ أن يفصله منها فيقول: آيتين.
وكذلك ﴿هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ﴾ إنَّما جعلهنَّ شيئاً واحداً، في الحكمة والبيان، فذلك الشيء هو أمُّ الكتاب.
* ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾.
"روى أَيُّوبُ عن ابن أبي مُلَيْكَةَ عن عائشة عن النبي ﷺ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ قال: فإذا رأيتم الذين يجادِلون فيه، فهم أولئكَ فاحذروهم".
قال ابن عباس همُ الخوارج.
وقال أبو غالب: قال أبو أمامة الباهليُّ ـ ورأى رؤوساً من رؤوس الخوارج ـ فقرأ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ ثم قال: هو هؤلاء، فقلت: يا أبا أمامة أشيئاً سمعتَه من رسولِ اللهِ ﷺ أم شيئاً قلتَهُ من رأيك؟ فقال: إني إذاً لجريءٌ ـ يقولها ثلاثاً ـ بل سمعتُه من رسول الله ﷺ غير مرَّة، ولا مرَّتين، ولا ثلاث.
قال مجاهد: الزيغُ: الشكُّ، وابتغاء الفتنةِ: الشبهاتُ.
وقيل: إفسادُ ذاتِ البَيْنِ.
وقد ذكرنا تصرف الفتنة.
والتأويلُ: من قولهم: آل الأمْرُ إلى كذا، أي صار إليه، وأوّلته تأويلاً صيَّرتُه إليه.
قيل: الفرقُ بين التأويل والتفسير، أن التفسير نحو قول العلماء: الرّيبُ: الشك، والتأويلُ نحو قول ابن عباس: الجدُّ أبٌ، وتأمّلَ قولَ اللهِ (يَا بَنِي آدَمَ).
* ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾.
في هذه الآية اختلاف كبير.
منه: أن التَّمام عند قوله (إلاَّ اللَّهُ) وهذا قول الكسائي، والأخفش، والفراء، وأبي عُبَيْد، وأبي حاتم.
ويُحْتَجُّ في ذلك بما روى طاووس عن ابن عباس أنه قرأ "وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلهُ إلاَّ اللهُ، ويقول الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ آمَنَّا بِهِ".
وقال عمر بن عبدالعزيز: انتهى علمُ الراسخين في العلم إلى أن قالوا: آمنَّا به.
قال ابن كيسان: التأويلُ في كلام العرب: ما يؤول إليه معنى الكلام، فتأويله ما يرجع إليه معناه، وما يستقرُّ عليه الأمر في ذلك المشتبه، هل ينجح أم لا؟ فالكلام عندي منقطع على هذا.
والمعنى: والثابتون في العلم، المنتهون إلى ما يُحاط به منه، ممَّا أباح الله خَلْقَه بلوغَه، يقولون آمنَا به على التَّسليمِ، والتصديق به وإن لم ينتهوا إلى علم ما يؤول إليه أمره.
ودلَّ على هذا ﴿كُلٌ مِن عِنْد ربّنا﴾ أي المحكمُ والمتشابه، فلو كان كلُّه عندهم سواء، لكان كله مُحْكَماً، ولم يُنْسَب شيءٌ منه إلى المتشابه.
قال أبو جعفر: وهذا قول حسنٌ، ولكنَّه على قول من قال: المحكمُ الذي لا يُنْسخُ نحو "الأخبارِ" ودعاءِ العباد إلى التوحيد، والمتشابهُ ما يحتملُ النسخَ من الفرائض، لم يكن إلى العباد علمُ تأويله، وما يثبتُ عليه.
ومَنْ جَعَل "تَأْوِيلَهُ" بمعنى التفسير، لأنه ما يؤول إليه معنى الكلام، فالراسخون في العلم عنده يعلمون تأويله.
كما رَوَى ابن أبي نجيح عن مجاهد: الراسخون في العلم يعلمون تأويله يقولون آمنّا به.
قال مجاهد: قال ابن عباس: أنا ممَّنْ يعلمُ تأوِيلَهُ.
قال أبو جعفر: والقولُ الأولُ وإن كان حَسَناً، فهذا أَبْيَنُ منه، لأن واوَ العطف الأَوْلى بها أن تُدخِلَ الثانيَ، فيما دخل فيه الأولُ، حتى يقعَ دليلٌ بخلافِهِ.
وقد مدح اللهُ عزَّ وجل الرَّاسخين، بثباتهم في العلم، فدلَّ على أنهم يعلمون تأويله.
وقد قال جلَّ وعزَّ: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾؟
وفي الحديث عن النبي ﷺ أنَّه دعا لابن عباس فقال:
"اللهمَّ فَقِّهْهُ في الَّدينِ، وعَلِّمْهُ التأويلَ".
وقال أبو اسحاق: معنى "ابتغائِهم تأويله" أنهم طلبوا تأويل بعثهم، وإحيائهم، فأَعْلمَ اللهُ عز وجل أن تأويل ذلك، ووقته لا يعلمهُ إلاَّ الله.
قال: والدليلُ على ذلك قوله ﴿هَلْ يَنْظُرُون إلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأوْيلُهُ﴾ أي يوم يرون ما وُعِدوا به من البعث والنشور والعذاب ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ﴾ أي تركوه ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالحَقِّ﴾ أي قد رأينا تأويل ما أَنْبأَتْنَا بِهِ الرسُّلُ.
قال: والوقفُ التامُّ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ﴾ أي لا يعلم أحد متى البعث "غيرُ الله".
آل عمران 3:8
قوله جل وعزّ: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾.
أي لا تبتلينا بما نَزِيغُ به، أيْ يقولون هذا، ويجوز أن يكون المعنى: قل يا محمد.
ويقال: إزاغةُ القلبِ فسادٌ وميلٌ عن الدين، أَوَ كانوا يخافون ـ وقد هُدُوا ـ أن ينقلهم اللهُ إلى الفساد؟
فالجواب: أن يكونوا سألوا أذْ هداهم الله، أن لا يبتليهم بما يثقل عليهم من الأعمال، فيعجزوا عنه، نحو ﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
قال ابنُ كَيْسانَ: سألوا أن لا يَزِيغوا، فيُزِيغَ اللهُ قلوبَهم، نحو ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أي ثبتنا على هدايتك إذ هديتنا، وأن لا نزيغ فنستحق أن تُزيغ قلوبنا.
وقال وفيها جواب آخر: أنه جلَّ وعزّ الذي مَّن عليهم بالهداية، وعرَّفهم ذلك، فسألوه أن يدوموا على ما هم عليه، وأن يمدّهم منه بالمعونة، وأن لا يُلجئهم إلى أنفسهم، وقد ابتدأهم بفضله فتزيغ قلوبهم، وذلك مضاف إليه جل وعزّ لأنه إذا تركهم ولم يتولَّ هدايتهم ضلّوا، فكان سبب ذلك تخليتُه إياهم.
قال: وقولٌ جامع أن القلوب للَّهِ جل وعزَّ يصرّفها كيف يشاء.
وفي الحديث عن النبي ﷺ "يا مقلِّبَ القُلوبِ ثبِّتْ قلبي على دينكَ".
آل عمران 3:9
قوله عز وجل: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ﴾.
قال ابن كيسان: ﴿لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ أي دليله قائم في أنفس العباد، وإن جحدوا به، لإِقرارهم بالحياة الأولى: ولم يكونوا قبلها شيئاً، فإذا عرفوا الإِعادة فهي لهم لازمةٌ بأن يُقرُّوا بها، وأن لا يَشكُّوا فيها، لأنَّ إنشاءَ ما لم يكن، مبيِّنٌ بأن المنشء على الإِعادة قادرٌ.
ومن حَسَنِ ما قيل فيه: أن يومَ القيامةِ لا ريبَ فيه، لأنهم إذا شاهدوه، وعاينوا ما وُعدوا فيه، لم يجز أن يداخلهم ريبٌ فيه.
آل عمران 3:10
قال جلّ وعزّ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾.
وذلك أن قوماً قالوا "شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا".
* ثم قال تعالى: ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ﴾.
أي هم بمنـزلة الحطب في النار.
آل عمران 3:11
قال تعالى ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾.
قال الضحَّاكُ: كفعل آل فرعون.
قال أبو جعفر: وكذلك هو في اللغة، ويقال: دَأََب يَدْأَبُ: إذا اجتهد في فعله، فيجوز أن تكون الكافُ معلَّقةٌ بقوله: ﴿وَقُودُ النَّارِ﴾ أي عُذِّبوا تعذيباً كَمَا عُذِّب آلُ فرعون.
وتجوز أن تكون معلقة بقوله (لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ).
ويجوز أن تكون معلقة بقوله (فَأَخَذَهُم اللهُ بِذُنُوبِهِمْ).
قال ابن كيسان: ويحتمل ـ على بُعْدٍ ـ أن تكون معلقة (بكَذَّبُوا) ويكون في (كَذَّبُوا) ضمير الكافرين، لا ضمير آل فرعون.
قال أبو إسحاق: المعنى: اجتهادُهم في كفرهم، هو كاجتهاد آل فرعون، والكافُ في موضع رفع. أي دأُبهم مثل دأب آل فرعون.
آل عمران 3:12
قال جل وعز: ﴿قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾.
قال ابن كيسان: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ أي قل لهم هذا، وبالياء لأنهم في وقت الخطاب غيبٌ.
ويحتمل أن يكون الذي أَمَرَه أن يُبَلِّغهم غيرُ المغلوبين.
وقد قيل: إنه أُمِرَ أن يقول لليهود: سَيُغْلَبُ المشركون.
آل عمران 3:13
قال عزَّ وجل: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ﴾.
والمعنى: قد كان لكم علامةٌ من أعلامِ النبي ﷺ، لأنه أنباهم بما لم يَكن.
والفِئَةُ: الفِرْقةُ، من قولهم: فَأَوْتُ رأسه بالسيف، وفَأَيْتُه أي فلقتهُ.
قرأ أبو عبدالرحمن: ﴿تُرَوْنَهُمْ مِثلَيْهِمْ﴾ بضمِّ التاء.
وروى عليُّ بنُ أبي طلحةَ ﴿يُرَوْنَهُمْ﴾ بضمّ الياء.
ورَوَى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله جلَّ وعز ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا﴾.
وقال: محمدٌ ﷺ وأصحابُه، ومشركو بدر.
وأنكر أبو عمروٍ أن يُقْرَأ "تُرَوْنَهُمْ" بالتاء، قال: ولو كان كذلك لكان "مِثْلَيْكُم".
قال أبو جعفر: وذا لا يلزمُ، ولكنْ يجوز أن يكون مثلَيْ أصحابكم.
قال ابن كيسان: الهاءُ والميمُ في "تَروَنْهُمْ" عائدةٌ إلى ﴿وأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ والهاءُ والميمُ في "مِثْلَيْهِمْ" عائدة إلى ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وهذا من الإِضمار الذي يدلُّ عليه سياق الكلام، وهو قولُه ﴿والله يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فدلَّ على أن الكافرين كانوا مثليْ المسلمين في رأي العين، وكانوا ثلاثة أمثالهم في العدد.
قال: والرؤيةُ ها هنا لليهود.
قال: ومن قال "يَرَوْنَهُمْ" بالياء جعل الرؤية للمسلمين، يرون المشركين مثليهم، وكان المسلمون يوم بدر ثلثمائة وأربعةَ عشر، والمشركون تسعَ مائة وخمسين، فأُرِيَ المسلمون المشركين ضعفهم، وقد وعدهم أن الرجل منهم يغلب الرجلين من المشركين فكانت تلك آية، أن يروا الشيء على خلاف صورته، كما قال تعالى ﴿وَإذْ يُريكُمُوهُمْ إذِ الْتَقَيْتُم فِي أَعْيُنِكُمْ قَليَلاً، وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهمْ، لِيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾.
قال ابن اسحاق: ليؤلف بينهم على الحرب، للنِّقمة ممن أراد الانتقام منه، والإِنعام على من أراد إتمام النعمة عليه، من أهل وِلاَيته.
قال الفراء: يحتمل "مِثْلَيْهِمْ" ثلاثةَ أمثالهم.
قال أبو إسْحَاقَ: وهذا بابٌ الغلطُ فيه غَلَط "بَيِّنٌ" في جميع المقاييس، لأنَّا إنما نعقِلُ مثلَ الشيءِ مساوياً له، ونعقل مثلَيْهِ ما يُساويه مرَّتين.
وقال ابنُ كَيْسَانَ الأَزْديُّ: كيف يقع المثلان موقع ثلاثة أمثال؟ إِلاَّ أنّي أحسبه جعل ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾ راجعة إلى الكل، ثم جعل المثلين مضافاً إلى نصفهم، على معادلة الكافرين المؤمنين، أي يرون الكلَّ مثليهم، لو كانَ الفريقان معتدلين.
قال: والرَّاءون ها هنا: اليهودُ، وقد بيَّن الفراء قوله بأن قال: كما تقول: وعندك عَبْدٌ، أحتاجُ إلى مِثْلَيْه، فأنت محتاجٌ إلى ثلاثة.
وكذلك عنده إذا قلتَ: معيَ درهمٌ، وأحتاج إلى مثليه، فأنت تحتاج إلى ثلاثة، مثلَيْه والدرهم، لأنك لا تريد أن يذهب الدرهم.
والمعنى يدلُّ على خلاف ما قال، وكذلك اللغةُ.
فإنهم إذا رأوهم على هيأتهم، فليس في هذه آية، واللغةُ على خلاف هذا، لأنه قد عُرف بالتمييز معنى المِثْلِ.
والذي أوقع الفراء في هذا، أن المشركين كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين يوم بدر، فتوهمَّ أنه لا يجوز أن يكونوا يرونهم إلاَّ على عادتهم، فتأوَّل أنك إذا قلتَ: عندي درهمٌ، وأحتاج إلى مثله، والدرهمُ بحاله، فقد صرتَ تحتاج إلى درهمين، وهذا بينٌ، وليس المعنى عليه، وإنما أراهم الله إياهم على غير عِدَّتهم، لجهتين:
إحداهما: أنه رأى الصلاح في ذلك، لأن المؤمنين تَقْوى قلوبهم بذلك.
والأخرى: أنه آيةٌ للنبي ﷺ.
آل عمران 3:14
قوله جلَّ وعز: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ﴾.
قيل: لمَّا كانت مُعْجِبَةً، كانت كأنَّها قد زُيِّنَتْ.
وقيل: زيَّنها الشَيطانُ.
﴿وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ﴾ القنطار في كلام العرب: الشيءُ الكثيرُ، مأخوذٌ من عقدِ الشيء وإحكامه، والقنطرةُ من ذلك، و "مُقَنْطَرةٌ" أي مكمَّلة، كما تقول: آلافٌ مؤلفة.
* ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ﴾.
"الخَيْلِ المُسَوَّمَةِ" قال مجاهد: الحسنة.
وقال سعيد بنُ جُبَيرٍ: الراعية.
وقال أبو عُبيدة والكسائي: قد تكون المسوَّمة: المُعْلَمةُ.
قال أبو جعفر: قولُ مجاهد حَسَنٌ، من قولهم: رجلٌ وسيمٌ.
وقولُ سعيد بنِ جُبَيْر لا يمتنع، من قولهم: سامَتْ تَسُومُ، وأسَمْتُها وسوَّمْتُها أي رعيتها، وقد تكون راعية، حساناً، معلمةً، لتعرف من غيرها.
وقال أبو زيد: أصلُ ذلك أن تجعل عليها صوفة، أو علامة تخالف سائر جسدها، لتَبِينَ من غيرها في المرعى.
والأنعام: الإِبلُ، والبقرُ، والغنمُ، والحرثُ: الزرعُ.
* وقوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ﴾ أي المرجع.
آل عمران 3:15
قال عز وجل: ﴿لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾.
﴿وأزواجٌ مطهَّرةٌ﴾ أي من الأدناسِ والحيضِ.
آل عمران 3:17
قال تعالى ﴿ٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْمُنْفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ﴾.
قيل "الصَّابِرُونَ": الصائمون، ويُقال في شهر رمضان: شهرُ الصَّبرِ.
والصحيحُ: أن الصَّابِرَ هو الذي يصبرُ عن المعاصي.
و "والقانتونُّ لله": المُصَلُّون، و "المُنْفِقُونَ": المتَصَدِّقون.
آل عمران 3:18
قال عز وجل: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ﴾.
قال أبو عُبَيْدةَ: شَهِدَ: معناه قَضَى أي أعلمَ.
قال أبو جعفر: قال أبو اسحاق: وحقيقةُ هذا أن الشاهد هو الذي يعلمُ الشَّيءَ ويُبيِّنُه، فقد دلنَّا اللَّهُ عزَّ وجلَّ بما خَلَق وبَيَّن على وحدانيته.
وَقَرأ الكسائيُّ بفتح "أَنَّ" في قوله ﴿أَنَّهُ لاَ إِلهَ إلاَّ هُوَ﴾ وفي قوله سبحانه ﴿أَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسلامُ﴾.
قال أبو العباس: "محمد بن يزيد": التقديرُ على هذه القراءة: أنَّ الدين عند الله الإِسلامُ، بأنه لا إلهَ إلاَّ هو، ثم حذفت الباءُ، وأنشد سيبويه:
أَمَرْتُكَ الخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ * فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذَا مَالٍ وَذَا نَشَبِ
المعنى: أي أمرتُكَ بالخيرِ:
قال الكسائي: انصبْهما جميعاً، بمعنى شهد الله أنه كذا، وأَنَّ الدِّينَ عند الله الإِسلامُ. ويكون أيضاً بمعنى شهد الله أنه لا إله الا هو أن الدين عند الله الإِسلامُ.
قال ابن كيسان: "أنَّ" الثانية بدل من الأولى، لأن الإِسلام تفسير المعنى الذي هو التوحيد:
وقرأ ابن عباس فيما حكى الكسائي: (شَهِدَ اللَّهُ إِنَّهُ لا إلَه إلاَّ هُوَ).
وقرأ (أَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّه الإِسْلام) والتقدير على هذه القراءة: شهد الله أن الدين الإِسلام، ثم ابتدأ فقال: إنَّه لا إله إلا هو.
ورُوي عن محارب بن دثار، عن عمه أبي المهلب، أنه قرأ ـ وكان قارئاً ـ ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾.
* وقوله تعالى: ﴿قائماً بالقسطِ﴾ يعني بالعدل.
آل عمران 3:19
قال عزَّ وجلَّ ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ﴾.
الإِسلامُ في اللغة: الخضوعُ والانقيادُ، ومنه استسلمَ الرجلُ.
فمعنى أسلَمَ: خَضَع، وقَبِلَ ما جاء به محمدٌ ﷺ.
ورَوَى ابنُ عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "بُنِيَ الإِسلامُ على خمس: شهادةِ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وحجِّ البيت، وصومِ شهر رمضان".
وقوله عزو وجل: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾.
في الآية قولان:
أحدهما: أن المعنى إن الحساب قريب، كما قال تعالى: {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ البَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ".
والقولُ الآخر: إن محاسبته سريعة، لأنه عالمٌ بما عَمِلَ عبادُه، لا يحتاجُ أن يفكِّرَ في شيءٍ منه.
آل عمران 3:20
قولُه عز وجل: ﴿فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ﴾.
أمَرُه اللهُ أن يحتجَّ عليهم بأنه متَّبعٌ أمرَ من هم مقرُّونَ به، لأنهم مقرُّون بأن الله عز وجل خالقهم، فأُمروا أن يعبدوا من خلقهم وحده.
ومعنى ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾: أسلمتُ نفسي لله، كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي ويبقى ربُّك.
وقولُه عز وجل: ﴿وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَٱلأُمِّيِّينَ﴾.
الذين أوتوا الكتاب "اليهودُ" و "النصارى" والأميُّون: مشركو العرب، كأنهم نُسبوا إلى الأُمِّ،لأنهم بمنـزلة المولود في أنهم لا يكتبون.
وقيل: هم منسوبون إلى أم القرى وهي مكة.
وقولُه عز وجل: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ قيل معناه: أَسْلِمُوا، وحقيقتهُ أنه على التهديد، كما تقول للرجل: أَأَفْلَتَّ منِّي؟
* ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ﴾.
ونسخ هذا بالأمر بالقتال.
* ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ﴾ أي بصيرٌ بما يقطع عذرهم.
آل عمران 3:21
قوله عز وجل: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
قال مَعْقِلُ بنُ أَبي مِسْكين: "كانت الأَنبياء صلوات الله عليهم تجيء إلى بني إسرائيل بغير كتاب فيقتلونهم فيقوم قوم ممن اتَّبعهم، فيأمرون بالقسط ـ أي بالعدل ـ فيُقتلون.
فإن قال قائل: الذين وُعِظُوا بهذا لم يقتلوا نبياً؟
فالجوابُ عن هذا: أنهم رَضُوا فعل من قَتَل فكانوا بمنـزلته، وأيضاً فإنهم قاتلوا النبي ﷺ وأصحابَه وهمُّوا بقتلهم، كما قال الله عز وجل ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الذِّينَ كَفَروا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلوكَ﴾.
آل عمران 3:23
قال الله عز وجل ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ﴾.
أي حظاً وافراً ﴿يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾.
وقرأ أبو جعفر: "يزيدُ بنُ القَعْقَاعِ" ﴿لِيُحْكَمَ بَيْنَهُم﴾ والقراءةُ الأولى أحسنُ، كقوله ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالحَقِّ﴾.
آل عمران 3:24
قولُه عز وجل: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾.
رُوي أنهم قالوا: إنما نُعَذَّب أربعين يوماً، وهي الأيامُ التي عَبَد فيها آباؤنا العِجْل، فأخبرَ اللهُ عز وجل أنَّ هذا افتراءٌ منهم وكذبٌ، فقال تعالى: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي يَخْتلقون من الكذب، كأنهم يسوُّون ما لم يكن، من فَرَيْتُ الشِيءَ، قال زهير:
وَلأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ * وَبَعْضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لاَ يَفْرِيِ
آل عمران 3:25
قولُه عز وجل ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾.
في الكلام حذفٌ.
والمعنى: فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم "ليوم لا ريب فيه" أي لا شك فيه أنه كائن؟.
آل عمران 3:26
قولُه عز وجل ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ﴾.
قيل: الملكُ ها هنا النَّبوةُ.
وقيل: هو المالُ والعبيدُ.
وقيل: هو الغلبةُ.
وقال قتادة: بلغني أن النبي ﷺ سأل الله عز وجل أن يعطي أمته مُلك فارسَ، فأنزلَ اللَّهُ عزَّ وجل هذه الآية.
ومعنى ﴿تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ﴾ أي من تشاء أن تؤتيه ﴿وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ﴾ أي ممن تشاء أن تنـزعه منه، ثم حذف هذا، وأنشد سيبويه:
ألاَهَلْ لِهَذَا الدَّهْرِ مِنْ مُتَعَلَّلِ * عَلَى النَّاسِ، مَهْمَا شَاءَ بِالنَّاسِ يَفْعَلِ
قال أبو اسحاق المعنى: مهما شاء أن يفعل بالناس يفعل.
وقولُه عز وجل: ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ﴾.
يُقال: عزَّ إذا غَلَبَ، وذلَّ يذِلُّّ ذُلاً: إذا غُلِبَ وقُهِرَ، قال طَرَفَة:
بَطِيءٍ عَلَى الجُلَّى سَرِيعٍ إلى الخَنَا * ذَلِيلٍ بِأَجْمَاعِ الرِّجَالِ مُلَهَّدِ
آل عمران 3:27
قوله عز وجل ﴿تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ﴾.
قال عبدالله بن مسعود: هو قِصَرُه في الشتاء، والصيف، فالمعنى على هذا:
تُنقِصُ من الليل وتُدخِل النقصانَ في النَّهارِ، وتُنْقِصُ من النهار وتدخل النقصان في الليل.
يقال: وَلَجَ، يَلِجُ ولُوجاً، وَلَجِةً: إذا دخل، قال الراجز:
* "مُتَّخِذاً في ضَعَواتٍ تَوْلَجاً" *
وقولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ﴾.
قال سلمان: أي تخرجُ المؤمنَ من الكافرِ، والكافَر من المؤمنِ.
وقال عبدالله بن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك وهذا معنى قولهم: تُخِرجُ النطفةَ وهو ميتةٌ، من الرجل وهو حيٌّ، وتُخْرِج الرجل وهو حيٌّ، من النطفةِ وهي ميتةٌ.
* ثم قال تعالى: ﴿وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
أي بغير تضييق ولا تقتير، كما تقول: فلانٌ يعطي بغير حساب، كأنه لا يَحْسِب ما يُعطي.
آل عمران 3:28
قوله عز وجل: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي لا يتولوهم في الدنيا، لأن المنافقين أظهروا الإِيمان، وعاضدوا الكفار فقال الله عز وجل ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنكُم فَإنَّهُ مِنْهُم﴾.
وقال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾.
قال ابن عباس: هو أن يتكلم بلسانه، ولاَ يقتُل، ولا يأتي إثماً، ويكون قلبُه مطمئاً بالإِيمان.
وقرأ جابر بن زيد ومجاهد وحميد والضحاك (إلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تَقيَّة).
وقال الضحاك: التَّقيَةُ باللسان، والمعنى عند أكثر أهل اللغة واحد.
وروى عوف عن الحسن قال: التقيَّةُ جائزةٌ للمسلم إلى يوم القيامة، غير أنه لا يجعل في القتلِ تَقيَّة.
ومعنى ﴿فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ فليس من حزب الله.
وحكى سيبويه: هو منى فرسخين أي من أصحابي.
ومعنى ﴿مِنْ دُونِ المُؤْمِنينَ﴾ من مكان دون مكان المؤمنين، وهو مكان الكافرين.
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ... وَالله رَوؤفٌ بِالعِبَادِ﴾.
أي يحذِّركم إيَّاه.
آل عمران 3:31
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾.
المحبة في كلام العرب على ضروب: منها المحبة في الذَّاتِ، والمحبة من الله لعباده: المغفرةُ، والرحمةُ، والثناء عليهم، والمحبَّةُ من عباده له: القصدُ لطاعته، والرضا لشرائعه.
آل عمران 3:32
قوله تعال: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
المعنى: لا يحبُّهم، ثم أعاد الذِّكر، وكذلك "فإنَّ اللَّهَ" ولم يقل: فإنه. والعربُ إذا عظَّمتْ الشيءَ أعادتْ ذكرَهُ، وأنشدَ سيبويهِ:
لاَ أَرىَ المَوْتَ يَسبِقُ المَوْتَ شَيءٌ * نَغَّصَ المَوْتُ ذَا الغِنَى والفَقِيرَا
آل عمران 3:33
قوله عز وجل: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ﴾.
قال أهل التفسير: المعنى على عالم أهل زمانهم، ومعنى (اصْطَفَى) اختار وهذا تمثيلٌ لأن الشيء الصافي هو النقيُّ من الكَدَر، فصفوةُ الله عز وجل هم: الأنقياءُ من الدَّنَس، ذوو الخير والفضل.
آل عمران 3:35
قوله عز وجل: ﴿إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾.
رَوَى خُصَيفٌ عن مجاهدٍ وعكرمة، أنَّ المحرر: الخالص للَّه عز وجل، لا يشوبُهُ شيءٌ من أمر الدنيا.
وهذا معروفٌ في اللغةِ، أن يقال لكل ما خَلُصَ: حُرٌّ.
ومُحَرَّرٌ بمعناه، قال ذو الرُّمَّة:
وَالقُرْطُ فِي حُرَّةِ الذِّفْرَى مُعَلَّقَهُ * تَبَاعَدَ الحَبْلُ مِنْهُ فَهوَ يَضْطَرِبُ
آل عمران 3:36
قوله عز وجل: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ﴾.
قال ابن عباس: إنما قالت هذا لأنه لم يكن يُقْبل في النذر إلاَّ الذكور، فقبلَ اللَّهُ مريمَ.
* ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ﴾.
في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، والمعنى: قالت ربِّي إنِّي وضعتُها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، فقال الله عز وجل ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾.
وقرأ أبو رَجَاءٍ، وإبراهيمُ النَّخَعي، وعاصم ﴿وَالله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾
فعلى هذه القراءةِ، ليس في الكلامِ تقديمٌ ولا تأخيرٌ.
آل عمران 3:37
قولُه تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾.
قال قتادة: كانت مريمُ بنت عِمْرانَ ـ إمامِهِم وسيِّدهم ـ فقارعوا عليها سِهَامَهم، فخرج سهمُ "زكريا" فكفَّلها أي ضَمَّها إليه.
وفي الحديث "كَافِلُ اليتيمِ له كذا".
وقال الحسن: قَبِلَها وتَحَملها.
وقال أبو عبيدةَ: معنى "كَفِلَها" ضمَّها، أو ضَمِنَ القيامَ بها.
وقولُه تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً﴾.
المحرابُ في اللغةِ: المكانُ العالي، ويستعمل لأشرف المواضع، وإن لم يكن عالياً، إلاَّ أنه رُوي أن زكريا كان يصعد إليها بسلم.
ومعنى ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقَاً﴾ على قول مجاهد: وَجَدَ عندها فاكهةَ الشِّتَاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء.
وقولُه تعالى: ﴿قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا﴾؟
قال أبو عبيدة: المعنى من أين لكِ؟
وهذا القولُ فيه تساهلٌ لأن "أَيْنَ" سؤال عن المواضع و "أنَّى" سؤال عن المذاهبِ والجهاتِ، والمعنى: من أيِّ المذاهبِ ومن أي الجهات لك هذا؟ وقد فرَّق الكُمَيْتُ بينهما فقال:
"أَنَّى" وَمِنْ "أَيْنَ" آبَكَ الطَّرَبُ * مِنْ حَيْثُ لاَ صَبوَةٌ وَلاَ رِيَبُ
﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ من قِبَلَ الله.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي بغير تقتير.
آل عمران 3:39
قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾.
رُوي أن جبريل ﷺ هو الذي ناداه وحده.
وهذا لا يمتنع في اللغة، كما تقول: ركبَ فلانٌ السفن، وإنما ركب سفينة واحدة، أي ركبَ هذا الجنس.
* وقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾.
قال ابن عباس: صدَّقَ بعيسى.
وقال الضحاك: بشَّر بعيسى.
ومعنى "بَشَّرْتُهُ" أظهرتْ في بَشَرَتهِ السُّرورَ.
فإن قيل: فما معنى تسميةِ "عيسى" بالكلمة، ففي هذا أقوال:
أحدهما: أنه لمَّا قال له اللَّهُ عزَّ وجل "كُنْ" فكان سمَّاه بالكلمة، فالمعنى على هذا: ذو كلمةٍ اللهِ كما قال تعالى ﴿واسْأَلِ القَرْيَةَ﴾.
وقيل: سُمي بهذا كما يقال: عبدالله، وألقاها على اللفظ.
وقيل: لمَّا كانت الأنبياء قد بَشَّرتْ به، وأعلمت أنه يكون من غير فحلٍ، وبشَّر الله مريم به كما قال ﴿إنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّك لأَهَبَ لَكِ غُلامَاً زَكِيَّاً﴾ فلما ولدته على الصفة التي وُصِفَ بها قال الله عز وجل: هذه كلمتي، كما تخبر الرجل بالشيء، أو تَعِدُهُ به، فإذا كان، قلت: هذا موَلي، وهذا كلامي.
والعربُ تُسَمِّي الكلام الكثير، والكلمةَ والواحدة كلمةً، كما روي أن الحُوَيْدرة ذُكِر لحسَّان فقال: "لَعنَ اللهُ كلمتَه تلكَ" يعني قصيدته.
وقيل: سُمِّي كلمةً لأنَّ الناس يهتدون به، كما يهتدون بالكلمة.
* وقوله تعالى: ﴿وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾.
قال سعيد بن جُبَيْر والضحَّاكُ: السيِّدُ: الحليمُ.
وقيل: الرئيسُ.
وروى يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب أنه قرأ ﴿وَسَيِّداً وَحَصُورَاً﴾ فأخذ من الأرض شيئاً، ثم قال: الحصورُ: الذي لا يأتي النساء.
يقال: حُصِرَ إذا مُنِع، فـ "حَصُورٌ" بمعنى محصورٌ، كأنه مُنِعَ ممَّا يكونُ في الرِّجال.
و "فَعُولٌ" بمعنى "مَفْعُول" كثيرٌ في كلامِ العرب، من ذلك "حَلُوبٌ" بمعنى محلوبَةٌ، قال الشاعر:
فِيهَا اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً * سُوْدَاً كخَافِيةِ الغُرَابِ الأَسْحَمِ
ويقال: حَصَرْتُ الرجلَ: إذا حبسته، وأَحْصَرهُ المَرَضُ: إذا مَنَعَه من السَّير، والحصيرُ من هذا سُمِّي، لأن بعضَهَ حُبِسَ على بعض.
وقيل: هو الحابسُ نفسَه عن معاصي الله عز وجلَّ.
وقال ابن عباس: الذي لا يُنْزِلُ.
آل عمران 3:40
قولُه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾؟ [آية ٤٠].
يقال: كيف استنكر هذا وهو نبيٌّ، يعلم أن الله يفعل ما يريد؟
ففي هذا جوابان:
أحدهما: أنَّ المعنى: بأيِّ منـزلةٍ استوجبتُ هذا؟ على التواضع للَّهِ.
وكذلك قيل في قولِ مريم: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾؟
والجوابُ الآخر: أن زكريا أراد أن يَعْلَمَ هل يُرَدُّ شاباً؟ وهل تَردُّ امرأتُهُ؟ وهل يرزقهما الله ولداً من غير ردٍّ؟ أو من غيرها؟
فأعلمَهمُ اللَّهُ عز وجل أنه يرزقهما ولداً من غير ردٍّ، فقال عز وجل: ﴿كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾.
ويقال: عَقُرتِ المرأة: إذا لم تحمل، وعَقُرَ الرجلُ: إذا لم يولد له، والذَّكرُ والأنثى عاقرٌ.
آل عمران 3:41
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً﴾.
أي علامة.
﴿قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً﴾.
قال قتادة: إنما عوقب بهذا، لأنه طلب الآية بعد مشافهة الملائكة إيَّاه بالبشارة.
وقال مجاهد: الرَّمْزُ: تحرُّك الشَّفَتين.
وقال الضحاك: الرَّمزُ: تحريكُ اليدين والرَّأسِ.
والرَّمزُ في اللغة: الإِشارة كانت بيد، أو رأسٍ، أو حاجبٍ، أو فم، يقال: رَمَزَ أي أشار، ومنه سميت الفاجرة: رامزة، ورمَّازة، لأنها تومئُ ولا تُعْلِن.
* ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ﴾.
وقُرىء: "والأَبْكَارِ" وهو جمعُ بَكَرَ، ويُقال: بَكَر، وبَكَّر، وابتكر، وأبكر إذا جاء في أول الوقت، ومنه سُميت "الباكورة".
ويُقال: أبْكَر إذا خرج من بين مطلع الفجر، إلى وقت الضحى.
والعشيُّ: من حين نزول الشمس إلى أن تغيب، وهو معنى قول مجاهد.
آل عمران 3:42
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاكِ﴾.
أي اختارك ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ من الأدناس، وقيل: من الحَيْضِ ﴿وَٱصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
فيه قولان:
أحدهما: أنَّ المعنى على أهل زمانها.
والقول الآخر: على جميع النساء بعيسى.
فليس مولودٌ ولد من غير ذكر إلاَّ عيسى عليه السلام.
آل عمران 3:43
قوله تعالى: ﴿يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾.
قيل: القنوتُ ها هنا القيامُ، وروي أن النبي ﷺ سُئِلَ "ما أَفْضَلُ الصلاةِ؟ فقال: طولُ القنوتِ" أي طول القيام، وسمي الدعاء قنوتاً، لأنه يُدعى به في القيام.
وروى عَمرُو بنُ الحارث، عن درَّاج، عن أبي الهَيْثم، عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: قال: ﷺ "كلُّ حرفٍ ذكره الله في القرآن من القنوت، فهو الطاعة".
* ثم قال تعالى: ﴿وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ﴾.
فبدأ بالسجود قبل الركوع، وفي هذا جوابان:
أحدهما: أنَّ في شريعتهم السجودَ قبلَ الركوعِ.
والقول الآخر: أن الواو تدل على الإِجتماع، فإذا قلت: قام زيدٌ وعمْرٌ، جاز أن يكون عَمْروٌ قبل زيد، فعلى هذا يكون المعنى: واركعي واسجديِ، ولهذا أجاز النحويون قام وزيدٌ عمروٌ وأَنشدوا:
أَلاَ يَا نَخْلَةً مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ * عَلَيْكِ ـ ورحمةُ اللهِ ـ السَّلاَمُ
آل عمران 3:44
قوله تعالى: ﴿ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ﴾.
أي من أخبار ما غابَ عنك.
* ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ﴾.
﴿لَدَيْهِمْ﴾ معناه: عندهم، قيل: الأقلامُ: السِّهامُ يتقارعون بها، وسُمِّي السهم قلماً لأنهُ يقلم أي يُبرى.
* ثم قال تعالى: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾؟ أي لينظروا أَيُّهم تجبُ له كفالةُ مريم؟
وفي الكلام حذفٌ، أي إِذْ يختصمون فيها أيُّهم أحقُّ بها؟
آل عمران 3:45
قوله تعالى: ﴿وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾.
الوجيهُ: الذي له القدرُ، والمنـزلةُ الرفيعةُ، يُقال: لفلانٍ جَاهٌ، وجَاهَةٌ، وقد وَجُهَ، يَوْجَهُ، وَجَاهَةً.
آل عمران 3:46
قولُه تعالى ﴿وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾.
يُقال: اكتهل النَّبْتُ: إذا تمَّ، والكَهْلُ: ابنُ الأربعين، أو مَا قَارَبها.
وقال يزيد بنُ أبي حبيب: الكهلُ: منتهى الحُلُم.
والفائدةُ في قوله تعالى ﴿وَكَهْلاً﴾ أنه خبَّرها أنه يعيش إلى أن يصير كهلاً.
آل عمران 3:48
قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ﴾.
قيل: يعني إلهاماً.
آل عمران 3:49
قوله تعالى: ﴿وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وٱلأَبْرَصَ وَأُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾.
﴿الأكْمَهُ﴾: قال مجاهد: هو الذي يُبْصِرُ بالنَّهار، ولا يبصر بالليل، فهو يتكمَّهُ.
قال الكسائي: يُقالُ: كَمِهَ، يَكْمَهُ، كَمَهَاً.
وقال الضحاك: هو الأعمى.
قال أبو عبيدة: هو الذي يولد أعمى، وأنشد لرؤبة:
* "هَرَّجْتُ فَارْتَدَّ ارْتِدَادَ الأَكْمَهِ" *
قال أبو عبيدة: في قوله تعالى: ﴿وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾.
يجوز أن يكون بمعنى الكلِّ، وأنشد للبيد:
تَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إِذَا لَمْ أَرْضَهَا * أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفوُسِ حِمَامُهَا
وهذا القول غلطٌ عند أهل النظر من أهلِ اللغة، لأن البعض والجزء لا يكونان بمعنى الكل.
وقال أبو العباس: معنى "أو يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفوُسِ" أو يرتَبِطْ نَفْسِي، كما يقول: "بَعْضُنا يعرفُه" أي: أنا أعرفُه، ومعنى الآية على البعض، لأن عيسى ﷺ إنما أحلَّ لهم أشياء مما حرَّمها عليهم موسى، من أكل الشحوم وغيرها، ولم يُحلَّ لهم القتل، ولا السرقة ولا الفاحشة.
والدليلُ على هذا أنه رُوي عن قتادة أنه قال: "جاءهم عيسى بأَلْيَنَ ممَّا جاءَ به موسى صلى الله عليهما، لأن موسى جاءهم بتحريم الإِبل، وأشياء من الشحوم، فجاءهم عيسى بتحليل بعضها.
آل عمران 3:51
قوله تعالى: ﴿فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ أي هذا طريقٌ واضح.
آل عمران 3:52
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ﴾.
قال أبو عبيدة: ﴿أَحَسَّ﴾ بمعنى عَرَف ﴿قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾.
قال سفيان: أي مع الله، وقد قال هذا بعض أهل اللغة، وذهبوا إلى أن حروف الخفضِ يبدل بعضها من بعض، واحتجوا بقوله تعالى ﴿وَلأُصَلِّبَنّكُم فِي جذوع النَّخْلِ﴾ قالوا معنى "في" معنى "على".
وهذا القولُ عند أهل النَّظَرِ لا يَصِحُّ لأنَّ لكلِّ حرفٍ معنَاهُ، وإنما يتفق الحرفان لتقارب المعنى، فقولُه تعالى: ﴿وَلأُصَلِّبَنكُمْ فِي جُذُوع النَّخْلِ﴾.
كان الجِذعُ مشتملاً على مَنْ صُلِبَ، ولهذا دخلتْ "في" لأنه قد صار بمنـزلة الظرف.
ومعنى ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾؟ من يَضُمُّ نصرته إيَّايَ، إلى نُصرةِ الله عز وجل؟!.
* ثم قال تعالى: ﴿قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ﴾.
رَوَى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه إنما سُمُّوا "حواريِّين" لبياضِ ثيابهم، وكانوا صيَّادين.
وقال ابن أرطاة إنما كانوا غسَّالين ـ يُحَوِّرون الثياب أي يغسِلونها.
وقال أهل اللغة: الحواريُّون: صفوةُ الأنبياء وهم المخلصون.
ورَوَى جابر بن عبدالله عن النبي ﷺ أنه قال "الزبيرُ ابن عمتي وحواريّ من أمتي" أي صفوتي، ومنه قيل: عين حورَاءُ إذا اشتد بياضها وسوادها، وامرأة حوراء إذا خَلُص بياضُها مع حور العين، ومنه قيل لنساء الأنصار: حَوَاريَّات لنظافتهنَّ، وقال أبو جِلْدَةَ اليَشْكُري:
فقُلْ لِلْحَوَارِيَّاتِ يَبْكِينَ غَيْرنَا * ولا تَبْكِنَا إِلاَّ الكِلابُ النَّوَابِحُ
ومنه الحواري.
آل عمران 3:53
قوله تعالى ﴿فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾.
أي مع الشاهدين لرسولك بالتصديق.
ورَوَى إسرائيل، عن سِمَاكِ بنِ عكرمة، عن ابن عباس ﴿فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾.
قال: محمد ﷺ وأمته، شهدوا له أنه قد بلَّغ، وشهدوا للرسل أنهم قد بلَّغوا.
آل عمران 3:54
قوله عز وجل: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ﴾.
هذا راجعٌ إلى قوله تعالى ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الكُفْرَ﴾.
والمكرُ من الخلائق خِبٌّ، ومن الله مجازاةٌ، كما قال تعالى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُهَا﴾.
آل عمران 3:55
قوله عز وجل: ﴿إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾.
في الآية قولان:
أحدهما: أن المعنى: إنِّي رافعك إلَّيِ، ومطهِّركَ من الذين كفروا، ومتوفِّيك.
وهذا جائز في الواو، لأنه قد عُرِفَ المعنى، وأنه لم يَمُتْ بعدُ.
والقول الآخر: أن يكون معنى "مُتَوفِّيكَ": قابضك من غير موت، مثل توفيت مالي من فلان أي قبضته كما قال جل وعز: ﴿اللَّـهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا، وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِها﴾.
وقال الربيعُ بنُ أنسٍ: يعني وفاة المنام، رفعه الله عز وجل في منامه.
وقال مَطَرُ الورَّاقُ: ﴿مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ واحدة ولم يمت بعد.
ورَوَى ابن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿متوفيك﴾ أي مميتك.
ثم قال وهب: توفَّاه الله ثلاث ساعات من النهار.
و "محمد بن جرير" يميلُ إلى قول من قال إني قابضك من الأرض بغير موت، ورافعك إليَّ لما صحَّ عن النبي ﷺ "ليهبطنَّ عيسى بن مريم إلى الأرض".
* ثم قال تعالى: ﴿وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾.
قال قتادة: يعني المسلمين، لأنهم اتَّبعوه، فلا يزالون ظاهرين إلى يوم القيامة.
وقال غيره: الذين اتبعوه محمد ﷺ والمسلمون، لأن دينَهم التوحيدُ، كما كان التوحيدُ دين عيسى ﷺ.
ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال "أنا أولى الناس بابن مريم".
ورَوَى يونسُ بن مَيْسَرَة بنِ حَلْبَسٍ عن معاويةَ عن النبي ﷺ أنه قال: "لن تبرحَ طائفةٌ من أمَّتي، يقاتلون على الحق، حتى يأتي أمرُ اللَّهِ وهم على ذلكَ" ونَزَع بهذه الآية ﴿يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ﴾ يا محمد ﴿فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾.
* ثم قال تعالى: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
أي فأفصلُ بينكم، وتقع المجازاة عليه، لأنه قد بُيِّن لهم في الدنيا.
آل عمران 3:56
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ﴾.
عذابُهم في الدنيا: القتلُ، والأسرُ، وأخذُ الجزية.
وفي الآخرة: النَّارُ وما لهم من ناصرينِ، لأن المسلمين عالون عليهم ظاهرون.
آل عمران 3:58
قولُه تعالى: ﴿ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ﴾.
أي من العَلاَمَاتِ، التي لا تُعرف إلاَّ بوحي، أو بقراءة كتاب، ومعنى "الحكيم" ذو الحكمة.
آل عمران 3:60
قوله تعالى: ﴿ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ﴾.
الممترون: الشاكُّون.
فإن قيل: كيف خوطب النبي ﷺ بهذا؟.
فعلى هذا جوابانِ:
أحدهما: أنَّ المعنى: يا محمد قلْ للشاكِّ: هَذَا الحقُّ من ربكَ فلا تكن من الممترين.
والقولُ الآخر: أنَّ الخطاب للنبي ﷺ خطابٌ لجميع الناس فالمعنى على هذا: فلا تكونوا من الممترين، ويقويِّ هذا قولُه عز وجل: ﴿يَاأَيُّها النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُم النِّسَاءَ﴾.
آل عمران 3:61
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ﴾.
قيل: يعني بالأنفس ها هنا أهل دينهم، كما قال تعالى ﴿فَسَلِّموا عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾.
وقال تعالى: ﴿فَاْقتُلوا أَنْفُسَكُم﴾ وأصلُ الابتهال في اللغةِ الإِجتهادُ، ومنه قول البيد:
فِي كُهُولٍ سَادَةٍ مِنْ قَوْمِهِ * نَظَرَ الدَّهْرُ إِلَيْهِمْ فَابْتَهَلْ
أي اجتَهَدَ في هلاكهم، فمعنى الآية: ثم نجتهد في الدعاء باللعنة.
ورُوي أن قوماً من النصارى من أهل نجران أَتَوْا النبي ﷺ فدعاهم إلى الإِسلام، فقالوا: قد كنا مسلمين مثلك، فقال: كذبتم، يمنعكم من الإِسلام ثلاث: قولُكُم اتخد ولداً، وأكلكُم لحمَ الخِنـزير، وسجُودُكم للصليب، فقالوا: مَنْ أبو عيسى؟ فأنزل الله عز وجل ﴿إنَّ مَثَلَ عِيَسى عِنْدَ اللهِ كَمَثِلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ إلى قوله ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ﴾ فدعاهم رسول الله ﷺ إلى الالتعان، فقال بعضهم لبعض: إن فعلتم اضطرمَ الوادي عليكم ناراً.
فقالوا: أما تعرض علينا سوى هذا؟ فقال: الإِسلام أو الجزية أو الحرب، فأقرَّوا بالجزية.
وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: "لو خرجوا للابتهال لرجعوا لا يرون أهلاً ولا ولداً".
آل عمران 3:62
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ﴾.
أي إن هذا الذي أوحينا إليك لهو القصص الحق ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ﴾.
"مِنْ" زائدة للتوكيد، والمعنى: وما إلهٌ إلا اللَّهُ العزيزُ الحكيم، ومعنى "العزيز" الذي لا يُغْلَب، و "الحكيم" ذو الحكمة.
آل عمران 3:63
قال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِٱلْمُفْسِدِينَ﴾.
أي عليم بمن يفسد عباده، وإذا علم ذلك جازى عليه.
آل عمران 3:64
قوله تعالى: ﴿قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾.
معنى "كَلِمَةٍ" قصةٌ فيها شرحٌ، ثمَّ بيَّنَ الكلمة بقوله ﴿أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾
السَّواءُ: النَّصفَةُ، قال زهير:
أَرُونِي خُطَّة لاَ ضَيْمَ فَيهَا * يُسَوِّى بَيْنَنَا فِيهَا السَّواءُ
آل عمران 3:65
قوله تعالى: ﴿يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ﴾.
لأن اليهود قالوا: كان إبراهيمُ منَّا، وقالتِ النَّصارى كان منَّا، فأعلم اللَّهُ أنَّ اليهودية والنصرانية كانتا بعد إبراهيم عليه السلام، وأنَّ دينَ إبراهيمَ الإِسلامُ، لأنَّ الإِسلامَ هو التوحيدُ، فهو دينُ جميعِ الأنبياءِ.
آل عمران 3:67
قال تعالى: ﴿وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾.
والحَنَفُ في اللغةِ: إقبالُ صَدْرِ القَدمَ على الأخرى، إذا كان ذلك خِلْقَةً.
فمعنى الحنيف المائل إلى الإِسلام على حقيقته.
آل عمران 3:68
قولُه عز وجل: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.
والمعنى: والنبيُّ والذينَ آمنوا أولى بإبراهيم، ويعني بالنبي محمد ﷺ.
ومعنى ﴿وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ناصرهم.
آل عمران 3:69
قال تعالى: ﴿وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾.
وكُلّهم كَذَا، وإنَّما "مِنْ" ها هنا لبيان الجنس، وقد قيل: إن "طائفة" بعضُهم.
آل عمران 3:70
قوله تعالى: ﴿يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾.
أي وأنتم تشهدون بأنها حقٌ، لأنكم كنتم تُبشِّرون بالنبي ﷺ قبل أن يُبْعَث.
آل عمران 3:71
قال تعالى: ﴿يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ﴾.
أي لم تُغَطَّون؟.
آل عمران 3:72
قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
الطائفةُ: الفُرقةُ، ووجهُ النَّهَارِ: أَوَّلُه، قال الشاعر:
وَتُضيءُ فِي وَجْهِ النَّهَارِ مُنِيرَةً * كُجُمَانَةِ البَحْرِيَّ سُلَّ نِظَامُهَا
قال قتادة: قال بعض اليهود: أظهروا لمحمد الرِّضا بما جاء به أوَّلَ النهار، ثم أنكِرُوا ذاكَ في آخره، فإنه أجدر أن يُتوهَّم أنكم إنما فعلتم ذلك لشيء ظهرت لكم تنكرونه، وأجدر أن يرجع أصحابه.
آل عمران 3:73
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ - قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ - أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ، أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾.
قال محمد بن يزيد: في الكلام تقديمٌ وتأخير، والمعنى: ولا تؤمنوا إلاَّ لمن تبع دينكم أن يُؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم، أو يحاجوكم عند ربكم، قل إن الهدى هدى الله.
وقيل المعنى: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أُوتيتم، إلاَّ من تبع دينكم، واللاَّمُ زائدة.
والمعنى: ولا تُصدِّقوا أن يؤتى أحدٌ من علمِ رسالةِ النبيِّ مثلَ ما أوتيتم.
وقيل المعنى: قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أي إن الهدى هدى الله وهو بعيد من الكفار.
وقرأ ابن عباس ومجاهد وعيسى: ﴿أَأَنْ يُؤتَى أَحدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُم﴾ والمعنى ألأن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم.
وقرأ الأعمش: ﴿إِنْ يُؤتَى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُم﴾ ومعنى: "إِنْ" معنى "ما" كما قال تعالى ﴿إنِ الكافِرُونَ إلاَّ فِي غُرُورٍ﴾.
وقد زعم بعض النحويين أن هذا لحنٌ، لأن قوله تعالى ﴿يُحَاجُّوكُم﴾ بغير نون، وكان يجب أن يكون "يحاجونكم" ولا عامل لها، وهذا القول ليس بشيء، لأن "أو" تضمر بعدها "أنْ" إذا كانت في معنى حتَّى، و "إلاَّ أنْ" كما قال الشاعر:
فَقُلْتُ لَهُ لا تَبْكِ عَيْنُكَ إِنَّمَا * نُحَاولُ مُلْكَاً أَوْ نَمُوتَ فَنُعْذَرَا
وقيل: إنَّ معنى ﴿أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ﴾ لا تصدِّقوا أَنَّ النبوَّة تكون إلاَّ مِنكم، واستَشْهد صاحب هذا القول، بأن مجاهداً قال في قوله عز وجل بعد هذا ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أنه يعني النبوة.
آل عمران 3:75
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾.
اختلف: في معنى القنطار، فروي عن ابن عباس والحسن أنهما قالا: القنطارُ: ألفُ مِثْقالٍ.
وقال أبو صالح وقتادة: القنطار مائةُ رطل.
وروى ابن أبي نجيح وليث عن مجاهد قال: القنطارُ سبعون ألف دينار.
وروى طلحةُ ابن عَمْروٍ، عن عطاء بن أبي رباح المكي قال: القنطار سبعة آلاف دينار.
واللهُ أعلم بما أراده.
ومعنى "المقنطرة" في اللغة: المكمَّلةُ، كما تقولُ ألفٌ مؤلَّفةٌ.
* وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً﴾.
أي مواظباً غير مقصِّر، كما تقول: فلانٌ قائمٌ بعمله.
قال سيبويه: دَامَ بمعنى ثَبَتَ.
قال أبو جعفر: وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه "نهى عن البولِ في الماء الدائم" أي الساكنِ الثابت.
﴿ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾.
قيل: إن اليهود، كانوا إذا بايعوا المسلمين، يقولون: ليس علينا في ظلمهم حرجٌ، لأنهم مخالفون لنا، ويعنون بالأميين العرب.
نُسبوا إلى ما عليه الأُمَّةُ من قبل أن يتعلموا الكتابة.
وقيل: نسبوا إلى الأُمِّ، ومنه "النَبيُّ الأمُّي" وقيل هو منسوب إلى أم القرى وهي مكة.
آل عمران 3:76
قوله تعالى: ﴿بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
بلى ردٌّ لقولهم ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأمِّييِّنَ سَبِيلٌ﴾.
آل عمران 3:77
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ﴾.
الخلاقُ: النَّصيبُ.
وروى عبدالله بن مسعود والأشعث بن قيس عن النبي ﷺ أنه قال ﷺ "من حَلَفَ على يمينٍ فاجرةٍ، ليقتطعَ بهَا مالَ امرىءٍ مسلم، لقيَ اللَّهَ وهو عليه غضبان" ثم تلا رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ﴾ إلى آخر الآية.
وفي قوله ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ﴾ قولان:
أحدهما: أنه رُوِي أن اللَّه يُسْمِعُ أولياءَه كَلاَمَهُ.
والقولُ الآخر: أنه يغضب عليهم، كما تقول: فلانٌ لا يُكلِّمُ فلاناً.
ومعنى ﴿وَلاَ يُزَكِّيهِمْ﴾ ولا يثنِي عليهم ولا يُطهِّرهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي مؤلم.
يقال: أألَمَ إذا أوجع، فهو مؤلِمٌ، و "أَلِيمٌ" على التكثير.
آل عمران 3:78
قولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ﴾.
قال الشعبي: يلْوُونَ: يُحرِّفُون.
وقال أهل اللغة: لويتُ الشيء إذا عَدَلْتَه عن قَصْدِه، وحملتَه على غير تأويله.
آل عمران 3:79
قوله جلَّ وعز: ﴿وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ﴾.
قال سعيد بن جبير والضحاك: الربانيُّ: الفقيهُ العالم.
وقال أبو رزين: هو العالم الحليم.
والألفُ والنونُ يأتي بهما العرب للمبالغة، نحو قولهم:
جُمَّانيٌّ للعظيم الجُمَّة، وكذلك سَكْران أي ممتلىٌ سُكْراً.
فمعنى الربَّاني: العالمُ بدين الربِّ، الذي يعمل بعلمه، لأنه إذا لم يعمل بعلمه فليس بعالم.
ورُوي عن ابن الحنفية أنه قال لمَّا مات ابن عباس: "مات رَبَّانِيُّ هذهِ الأمة".
ومعنى ﴿وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ﴾ ولكن يقول: كونوا ربانيين، ثم حُذِفَ لعلم السامع.
وقال ابن زيد: الربانيُّون: الولاةُ، والأحبارُ: العلماءُ.
وقال مجاهد: الربانيون فوق الأحبار.
قال أبو جعفر: وهذا القول حسنٌ، لأن الأحبار هم العلماء، والربَّانِيُّ الذي يجمع إلى العلم البصر للسياسة، مأخوذٌ من قولِ العرب: ربَّ أمرَ النَّاس يَرُبُّه: إذا أصْلَحه وقامَ به، فهو رابٌّ، وربَّانِيُّ على التكثير.
* ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً﴾.
ومن قَرَأ ﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ﴾ بالنصب، فمعناه عنده: ولا يأمرُكم البشرُ، لأنه معطوفٌ على ما قبله.
ومن قَرَأ ﴿وَلاَ يَأْمُرُكُمْ﴾ بالرفع، فمعناه عنده: ولا يأمُركم اللهُ، كذا قال سيبويه.
آل عمران 3:81
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾.
قال طاووس: أخذَ اللَّهُ ميثاق الأَوَّلِ من الأنبياء، أن يؤمن بما جاءَ الآخِرُ.
* ثم قال جل وعز: ﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾.
قال: فهذه الآية لأهل الكتاب، أخذ الله ميثاقهم بأن يؤمنوا بمحمد ﷺ ويصدقوه.
وقرأ ابن مسعود: ﴿وَإذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الذَّيِنَ أُوتُوا الكِتَابَ﴾.
وقال ابن عباس: إنما أخذ ميثاق النبيِّينَ على قومهم.
وقال الكسائي: يجوز أن تكون وإذ أخذ الله ميثاق النبيين بمعنى وإذ أخذ
الله ميثاق الذين مع النبيين.
وقال البصريون: إذا أخذ الله ميثاق النبيِّينَ، فقد أخذ ميثاق الذين معهم، لأنهم قد اتَّبعوهم وصدَّقوهم.
و "مَا" بمعنى الذي، ويجوز أن تكون للشرط ويُقْرأ "لِمَا" بكسر اللام، فتكون "مَا" أيضاً يمعنى الذي وتكون متعلقة بأخذ.
وقرأ سعيد بن جبير: "لَمَّا" بالتشديد.
* وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي﴾.
قال مجاهد: أي عهدي، والإِصْرُ في اللغة: الثِّقلُ، فسُمِّي العهدُ إِصْرَاً، لأنه منعٌ وتشديدٌ.
* ثم قال تعالى: ﴿فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾.
أي فبيِّنوا، لأنَّ الشاهد هو الذي يُبيِّن حقيقةَ الشيءِ.
آل عمران 3:83
قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ تَبْغُونَ﴾.
أي تطلبون، فالمعنى قل لهم يا محمد: أفغير دينِ الله تبغونَ؟ ومن قرأ ﴿يَبْغونَ﴾ بالياء، فالكلامُ عنده مُتَناسقٌ، لأنَّ قبله ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمْ الفَاسِقُونَ﴾.
فالمعنى: أفغير دينِ اللَّه يبغي هؤلاء؟.
* وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً﴾.
معنى ﴿وَلَهُ أسْلَم﴾: خَضَع، ثم قال ﴿طَوْعَاً وَكَرْهَا﴾.
قيل: لمَّا كانت السُنَّة فيمن خالف أن يُقاتل، سُمِّي إسلامُه كَرْهاً، وإن كان طوعاً، لأنَّ سبَبَه القتالُ.
آل عمران 3:86
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾؟ [آية ٨٦].
رَوَى دَاودُ بنُ أبي هِنْدٍ، عن عِكرَمة، عن ابنِ عباسِ أن رجلاً من الأنصار ارتدَّ.
قال مجاهد: هو "الحارثُ بنُ سُويدِ بنِ الصَّامِت الأنصاري" فلحق أهل الشرك ثم ندم، فأرسل إلى قومه أن سلوا رسول الله ﷺ، هل لي من توبة؟ فأنزل اللَّهُ عز وجل ﴿كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾؟ إلى قوله ﴿إلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحوا فَإنَّ الله غَفُورٌ رَحيم﴾.
قال ابن عباس: فأسلم.
وقال الحسن: نزلت في اليهود، لأنهم كانوا يُبشِّرون بالنبي ﷺ ويَسْتَفتحون على الَّذين كفروا، فلما بُعِثَ عانَدوا وكفروا.
آل عمران 3:87
قال الله عز وجل: ﴿أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.
فإن قيل: فهل يلعنهم أهل دينهم؟ ففي هذا أجوبة:
أحدهما: أن بعضهم يلعنُ بعضاً يوم القيامة.
وجواب آخر: وهو أنه يعني بالنَّاسِ المسلمين.
وقيل: ـ وهو أحسنُها ـ إنَّ النَّاسَ جميعاً يلعنونهم، لأنهم يقولون: لَعَنَ اللَّهُ الظالمين، كما قال تعالى: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمين﴾.
* ثم قال تعالى: ﴿خَالِدينَ فِيهَا﴾ أي في اللَّعنة، والمعنى: في عذاب اللعنة.
آل عمران 3:90
قوله عز وجل: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾.
قال أبو العالية: هؤلاء قوم أظهروا التوبة ولم يُحقِّقوا.
وقال غيره: نزلت في قوم ارتَدُّوا ولحقوا المشركين، ثم قالوا: سنرجع ونُسلُمُ.
فالمعنى: أنهم أظهروا التوبة أيضاً وأضمروا خلاف ذلك، والدليلُ على ذلك قولُه عز وجل: ﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ﴾ ولو حقَّقوا التوبة لما قيل لهم "ضالُّون".
ويجوز في اللغة أن يكون المعنى: لن تقبل توبتهم، فيما تابوا منه من الذنوب، وهم مقيمون على الكفرِ، هذا يُروى عن أبي العَالية.
ويجوز أن يكون المعنى: لن تقبل توبتهم إذا تابوا إلى كفرٍ آخر، وإنما تُقبل توبتهُم إذا تابوا إلى الإِسلام.
آل عمران 3:91
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾.
روى أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال:
"يُجاء بالكافر يوم القيامة، فيقال له: أرأيتَ لو كان لكَ ملءُ الأرضِ ذهباً، أكنتَ مفتدياً به؟
فيقول: نعم، فيقال له: كذبتَ، قد سُئلتَ أقلَّ من هذا، ثم تلا رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً﴾ إلى آخر الآية".
وقال بعض أهل اللغة: الواو مقحمة، والمعنى: فلن يقبل من أحدهم ملءُ الأرض ذهباً لو افتدى بِهِ.
وقال أهل النظر من النَّحويين: لا يجوز أن تكون الواوُ مقحمةً، لأنها تدل على معنى.
ومعنى الآية: فلن يقبل أحدهم ملءُ الأرض ذهباً تبرعاً ولو افتدى به.
والمِلْءُ: مقدارُ ما يملأ الشيءَ، والمَلأُ بالفتح: المصدَرُ.
آل عمران 3:92
قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
قال ابنُ مسعودٍ، وعَمْرُو بنُ ميمونٍ: البرُّ: الجنَّة، يكون التقدير على ذا: لن تنالوا ثوابَ البِرِّ.
وقال غيرهما: البِرُّ: العملُ الصالح، وفي الحديث "عليكُمْ بالصِّدقِ، فإنه يدعو إلى البِرِّ، والبِرُّ يدعو إلى الجنة، وإياكم والكذب فإنه يدعو إلى الفجورِ، والفجور يدعو إلى النار".
ورَوَى أنس بن مالك أنه لمَّا نزلت هذه الآية، قال أبو طلحة: "أنا أتصدَّقُ بأرضي، فأمره النبيُّ ﷺ أن يتصدق بها على أقربائه، فقسمها بين أُبيٍّ وحَسَّانَ".
وروي أن عمر كتب إلى أبي موسى الأشعري أن يشتري له جارية ـ حين فتحت مدائن كسرى ـ فاشتراها ووجَّهَ بها إليه، فلما رآها أُعْجِبَ بها، ثم أَعَتقَها، وقرأ: ﴿لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
وقال مجاهد: وهو مثلُ قوله تعالى ﴿وَيُطْعمُونَ الطَّعَامَ عَلى حُبِّهِ﴾.
ومعنى ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا﴾ حتَّى تتصدَّقوا.
* ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.
أي وإِذا عَلِمَه جَازَى عليه.
آل عمران 3:93
قولُه عز وجل: ﴿كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ﴾.
قال ابن عباس: كان اشتكى عِرْقَ النَّسَا، كذا رُوِيَ عنه، فكان له زَقَاءُ ـ يعني صياح ـ فآلى لئن بَرَأَ من ذلك لا أَكَل عِرْقاً.
وقال مجاهد: الذي حرَّم على نفسه الأنعامَ.
قال عطاء: حرَّم لحوم الإِبل وألبانها.
وهذا كله صحيحٌ مما كان حرَّمه، واليهودُ تحرِّمه إلى هذا الوقت، كما كان عليه أوائلها، وفيه حديث مسندٌ.
وقال الضحاك: قال اليهود للنبي ﷺ: حُرِّم علينا هذا في التوارة، فأكذبهم الله، وأخبر أن إسرائيل حرَّمة على نفسه من قبل أن تنـزل التوارة ودعاهم إلى إحضارها فقال ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
آل عمران 3:96
قوله عز وجل: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً﴾.
قال أبو ذرَّ: "سألتُ النبيَّ ﷺ: أيُّ مسجدٍ وضع في الأرض أول؟ فقال: المسجدُ الحرام، قلتُ: ثم أيٌّ؟ قال: ثم بيت المقدس، قلت: كَمْ كان بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثم حيثما أدركتك الصلاةُ فصلِّ فإنه مسجد".
ورَوَى إسرائيل عن سِمَاك بنِ حرب، عن خالد بن عَرْعَرة، قال: "سأل رجلٌ علياً عن أول بيتٍ وُضِع للنَّاس للذي ببكة، أهو أوَّلُ بيتٍ في الأرض؟ قال لا، ولكنه أول بيتٍ وُضِعت فيه البركةُ، والهُدَى، ومقامُ إبراهيم، ﴿ومَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنَاً﴾ وإنَّ اللهَ أوحى إلى إبراهيم صلواتُ اللهِ عليه، أَنِ ابْنِ لي بيتاً ـ وضاق به ذرعاً ـ فأرسل اللهُ السكينة وهي ريحٌ خجوج لها رأس فنَظَّرَتْ موضعَ البيتِ.
قال أبو الحسن: قال أبو بكر: الخَجُوج التي تَخُجُّ في هبوبها أي تلتوي. يقال: خَجَّتْ تَخُجُّ، ولو ضوعفت لقيل: خَجْخَجَتْ، والخَجْخَجَةُ توصف بها السرعةُ.
وقال عطية: "بكَّةُ" موضع البيت، و "مكةُ" ما حَوَالَيْه.
وقال عكرمة: "بكَّةُ" ماوَلِيَ البيتَ، و "مكَّةُ" ما وراءَ ذلك.
والذي عليه أكثر أهل اللغة أنَّ "بكة" و "مكة" واحد، وأنه يجوز أن تكون الميم مبدلةً من الباء، يُقال: لازِبٌ ولازمٌ، وسَبَدَ شعرهَ وسَمَدَه: إذا استأصله.
وقال سعيد بن جبير: سميت بكة لأن الناس يتباكُّون فيها أي يتزاحمون فيها.
وقال غيره: سُمِّيت "بكة" لأنها تَبُكُّ الجبابرة، والميمُ على هذا بدل من الباء.
ويجوز أن يكون من قولهم: امتَكَّ الفصِيلُ الناقةَ: إذا اشتدَّ مصُّه إيَّاها، والأولُ أحسن.
آل عمران 3:97
قوله عز وجل: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾.
وقرأ ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وأهل مكة: ﴿فِيهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ﴾.
وفسَّر ذلك مجاهد فقال ﴿مَقَامُ إبْرَاهِيمَ﴾ الحَرَمُ كلُّه، فذهب إلى أن من آياته "الصَّفَا" و "المروةُ" و "الركنُ" و "المقام".
ومَنْ قرأ ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ فقراءتهُ أبينُ لأنَّ الصفا والمروةَ من الآيات، ومنها أن الطائر لا يعلو البيت صحيحاً.
ومنها أن الجارح يتبع الصَّيْد، فإذا دخل الحرم تركه، ومنها إن الغيث إذا كان ناحية الركن اليماني كان الخصب باليمن، وإذا كان ناحية الشامي كان الخصب بالشام، وإذا عمَّ البيتَ كان الخصبُ في جميع البلدان.
ومنها إن الجِمَارَ على ما يُزاد عليها تُرى على قدرٍ واحد.
والمَقَامُ من قولهم: قُمْتُ مُقَامَاً، فأمَّا قولُ زهير:
وَفِيهِمْ مَقَامَاتٌ حِسَانٌ وُجُوهُهَا * وَأَنْدِيَةٌ يَنْتَابُها القَوْلُ وَالفِعْلُ
فمعناه: فيهم أهلُ مَقَامَاتٍ.
وقولُه عز وجل: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾.
قال قتادة: ذلك من آياتِ الحرم أيضاً.
وذا قولٌ حَسَنٌ لأن الناس كانوا يُتَخطَّفون من حَوَالَيْه، ولا يصلُ إليه جبَّارٌ، وقد وُصلَ إلى بيت المقدس وخُرِّبَ ولم يُوصل إلى الحرم، قال اللهُ عز وجل: ﴿أَلَمْ تَر كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الفِيل﴾.
ورَوَى الثوري عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس قال: من أصاب حدَّاً في الحرم أقيم عليه، وإن أصابَ خارج الحرم، ثمَّ دخلَ الحَرَمَ، لم يُكلَّم، ولم يُجَالَس، ولم يُبَايع، حتى يخرج من الحرم، فيقامُ الحدُّ عليه.
وقال أكثرُ الكوفيين: ذلك في كل حدٍّ يأتي على النَّفس.
وقال قومٌ: الأَمانُ ههنا للصَّيدِ.
وأولاَهَا القولُ الأولُ، ويكون على العموم، ولو كان للصَّيد لكان "وَمَا دَخَلَهُ" ولم يكن ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ﴾.
قال قتادةُ: وإنَّما هو ومن دخله في الجاهلية كان آمناً.
* وقوله تعالى: ﴿وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾.
وقال ابن الزبير: من وَجَد قُوَّةً وما يتحمل به.
وقال سعيد بن جبير: الزَّادُ، والراحِلةُ.
وروى حماد بن سلمة عن حميد وقتادة عن الحسن أن رجلاً قال: يا رسول الله ما السبيل إليه؟ قال: الزادُ والرَّاحلة.
السبيلُ أصله: الوصولُ، ومنه قيل للطريق سبيل، فالمعنى عند أهل اللغة: من استطاع إلى البيت وصولاً، كما قال إخباراً ﴿يَقُولُونَ هَلْ إلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيل﴾؟
* ثم قال تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
أكثرُ أهل التفسير على أن المعنى: مَنْ قالَ إنَّ الحجَّ ليس بواجبٍ فقد كَفَر.
ورَوَى وكيعٌ عن فِطْرٍ عن نُفَيعٍ أبي داود، أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن هذه الآية ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ﴾ فقال رسول الله ﷺ: "من حجَّ لا يرجو ثوابه، وجلس لا يخاف عقابه، فقد كفر به".
وقال الشعبي: السبيلُ ما يسره اللَّهُ عز وجل.
وهذا من حَسَن ما قيل فيه، أي على قدر الطاقة، والسبيلُ في كلام العرب: الطريقُ، فمن كان واجداً طريقاً إلى الحج بغير مانعٍ، من زمانةٍ، أو عجزٍ، أو عدوٍّ، أو تعذُّرِ ماءٍ في طريقه، فعليه الحج، ومن مُنِعَ بشيءٍ من هذه المعاني، فلم يَجِدْ طريقاً، لأن الاستطاعة القدرة على الشيء. فمن عجز بسبب فهو غير مطيق عليه، ولا مستطيع إليه السبيل.
وأَوْلَى الأقْوال في معنى ﴿وَمَنْ كَفَر﴾ ومن جحد فرض الله، لأنه عقيب فرض الحج.
آل عمران 3:100
قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾.
قال قتادة: حذَّركمُوهم اللهُ لأنهم غَيَّروا كتابهم.
وفي الحديث "لا تُصدِّقوا أهل الكتاب فيما لا تعرفون، ولا تُكذِّبوهم، فإنهم لن يهدوكم وقد أضلُّوا أنْفُسَهمْ".
آل عمران 3:101
قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾.
قال الأخفش "سَعِيدُ بنُ مَسْعَدَة": معنى "كيف" على أيِّ حال؟
وقال غيره: معنى ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ أي يُبيِّنُ لكم.
ويجوز أن تكون هذه المخاطبة، يدخل فيها من لم ير النبي ﷺ لأنَّ آثاره وسنَّته بمنـزلة مشاهدته.
* ثم قال جلَّ وعز ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.
معنى "يَعْتَصِمْ": يمتنعْ.
آل عمران 3:102
قوله جلَّ وعز ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾.
قال عبدالله بن مسعود: "حَقَّ تُقَاتِهِ": "أن يُشكر فلا يُكفر، وأن يُطَاعَ فلا يُعْصَى، وأن يُذْكَر فلا يُنْسَى".
ورُوي هذا عن النبي ﷺ.
وقال قتادة: نَسَخ هذه الآية قولُه تعالى ﴿فَاتَّقُوا الله مَا استْطَعْتُمْ﴾.
قال أبو جعفر: لا يجوز أن يقع في هذا ناسخٌ ولا منسوخٌ، لأن الله تعالى لا يُكلِّف النَّاس إلاَّ ما يستطيعون.
وقولُه ﴿فَاتَّقُوا الله مَا استْطَعْتُمْ﴾ مبيِّنٌ لقوله ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، وهو ما فسَّره ابن مسعود، أن يَذكرَ اللَّهَ عندما يَجب عليه فلا ينساه.
وقوله عز وجل: ﴿وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾.
المعنى: كونوا على الإِسلام حتى يأتيكم الموتُ وأنتم مسلمون، لأنه قد عُلِم أنه لا ينهاهم عمَّا لا يملكون.
وحَكَى سيبويه: لا أَرَيَنَّك ها هنا، فهو لم يَنْهَ نفسه، وإنما المعنى: لا تكن ها هنا فإنه من يكن ها هنا أَرَهُ.
آل عمران 3:103
قولُه جلَّ وعز: ﴿وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾.
قال عبدالله بن مسعود: حبلُ اللهِ: القرآنُ.
وقال ابن عباسٍ: الحبلُ: العهدُ.
وقال الأعشى:
وَإذَا تُجوّزَهَا حِبَالُ قَبِيلَةٍ * أَخَذَتْ مِنَ الأُخْرَى إِليْكَ حِبَالُها
وأصلُ الحبل في اللغة: السَّبَبُ، ومنه سُمِّي حبلُ البئر، لأنه السبب الذي يُوصَل به إلى مَا بهَا.
ومنه قيل: "فلانٌ يَحطُبَ في حَبْلٍ فلانٍ" أي يميلُ إليه وإلى أسبابه، وأصلُ هذا الحاطبَ يقطع أغصان الشجر، فيجعلُها في حبلِهِ، فإذا قطع غيرُه وجعل في حبله، قيل: هو يحطُب في حبله.
ومنه قولهم: "حبلُكِ على غَارِبِكِ" أي قد خليتك من سَبْي وأمري ونهي.
وأصلُ هذا أن الإِبل إِذا أُهملت للرَّعْي أُلقيت حبالُها على غواربها، لئلا تتعلق بشوكٍ أو غيره، فيشغلها عن الرعي.
ومعنى ﴿وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾: ولا تتفرَّقوا، ثم حُذفت إحدى التَّاءَيْن، وقيل لهم هذا، لأنَّ اليهود والنصارى تَفرَّقوا، وكفَّر بعضهم بعضاً.
ثم قال عز وجل: ﴿وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾.
قال عكرمة: هذا في الأنصار، كانت بينهم شرورٌ فألَّف الله بينهم بالإِسلام.
وقيل: هو عامٌ لقريش لأن بعضهم كان يُغِيرُ على بعض، فلما دخلوا في الإِسلام حُرِّمت عليهم الدِّماءُ، فأصبحوا إخواناً أي يقصد بعضهم مقصد بعضٍ.
* ثم قال تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا﴾.
وهذا تمثيلٌ، و "الشَّفَا" الحرفُ، ومنه أشقى فلانٌ على كذا:
إذا أشْرَفَ عليه.
آل عمران 3:104
قوله عز وجل ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ﴾.
قال أبو عُبيدة: الأمَّةُ: الجماعةُ، و "مِنْ" ها هنا ليست "للتبعيض" وإنما هي "لبيانِ الجنْسِ" كما قال تعالى ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾.
لم يأمرهم باجتناب بعض الأوثان، وإنما المعنى فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثانُ.
آل عمران 3:106
قولُه عزَّ وجل ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾.
ابيضاضُها: إشراقُها، كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفرَةٌ﴾.
* ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ؟ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.
في الكلام محذوفٌ، والمعنى: فأمَّا الَّذينَ اسودَّتْ وجوهُهم، فيقالُ لهم: أكفرتم بعد إيمانكم.
وأجمع أهُل العربية على أنه لابدَّ من الفاء في جواب "أَمَّا" لأن المعنى في قولك "أمَّا زيدٌ فمنطلقٌ": مهما يكن من شيءٍ فزيدٌ منطلق.
قال مجاهد: في قوله تعالى ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ بعد أخذ الميثاق.
ويدلُّ على هذا قوله جلَّ وعلا ﴿وَإذْ أَخَذَ رَبَّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ الآية.
وقيل: هم اليهودُ، بَشَّروا بالنبي ﷺ ثم كفروا به من بعد مبعثه، فقيل لهم: أكفرتم بعد إيمانكم؟
وقيل: هو عامٌّ، أي أكفرتم بعد أن كنتم صغاراً، تجري عليكم أحكام المؤمنين؟.
آل عمران 3:107
قوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
معنى ﴿فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: ففي ثوابِ رحمة الله.
آل عمران 3:110
قوله جلَّ وعز: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾.
رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "نَحْنُ نُكَمِّلُ سبعينَ أمَّةً، آخِرُهَا وأكرمُها على الله".
وقال أبو هريرة: "نحن خيرُ الناس للنَّاسِ، نسوقُهم بالسَّلاسل إلى الإِسلام".
وقال ابن عباس: نزلت فيمن هاجر مع النبي ﷺ من مكة الى المدينة.
وقيل: معنى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾: كنتم في اللوح المحفوظ.
وقيل: كنتم منذُ آمنتم.
ورَوَى بنُ أبي نجيح عن مجاهد ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: على هذا الشرط، على أن تأمروا بالمعروفِ وتنهوا عن المنكر، ثم بيَّنه.
وقال عطية: شهدتم للنبيين ـ صلى الله عليهم أجمعين ـ بالبلاغ، الذين كفر بهم قومهم.
ثم بَيَّن الخيريَّة التي هي فيهم فقال: ﴿تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾.
ثم بَيَّن أنَّ الإِيمانَ باللَّهِ لا يُقبل، إلاَّ بالإِيمان بالنبي ﷺ وما جاء به، فقال عزَّ وجلَّ ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾.
والفاسقُ: الخارجُ عن الحقِّ.
آل عمران 3:111
قولُه عز وجل: ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدْبَارَ﴾.
أخبر تعالى أن اليهود لن يضرُّوا المسلمين إلاَّ بتحريفٍ أو بَهْتٍ، فأما الغلبة فلا تكون لهم.
آل عمران 3:112
أخبر تعالى أنهم أذلاء فقال ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾.
قال ابن عباس: الحبلُ: العهدُ.
قال أبو جعفر: هذا استثناءٌ ليس من الأول، والمعنى: ضُربت عليهم الذلةُ أينما ثُقفوا، إلا أنهم يعتصمون بحبلٍ من الله، وحبل من الناس، يعني الذمة التي لهم.
* ثم قال تعالى: ﴿وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾.
أي رجعوا، وقيل: احتملوا.
وحقيقته في اللغة أنه لزمهم ذلك، وتبوَّأ فلانٌ الدَّار، من هذا، أي لزمها.
ثم خبَّر تعالى لمَ فعل بهم ذلك؟ فقال ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾.
والاعتداءُ: التجاوزُ.
آل عمران 3:113
خبَّر عزَّ وجل أنهم ليسوا مستوين، وأن منهم من قد آمن فقال سبحانه: ﴿لَيْسَوا سَوَاءً﴾.
أي ليس يستوي منهم من آمن، ومن كفر!؟
ثم قال عز وجل ﴿مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ﴾.
﴿قائمة﴾ قال مجاهد: أي عادلة.
﴿يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ﴾ قال الحسنُ والضَحَّاكُ: ساعاته.
والواحد إنْيٌ، ويُقَال: إِنْوٌ، ويُقال: إِنَىً.
آل عمران 3:114
قولُه وعز جل ﴿وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ﴾.
الأمرُ بالمعروف ههنا: الأمرُ باتِّباع النبي ﷺ.
﴿وَيَنْهَونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ أي ينهون عن مخالفته صلى اللهُ عليه وسلم.
آل عمران 3:115
قال جلَّ وعز ﴿وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ﴾.
من قرأ "وَمَا يَفْعَلوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ" فهو عنده لهؤلاء المذكورين، ويكون من فَعَلَ الخَيْرَ بمنـزلِتهمْ.
ومن قرأ "وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ تُكْفَرُوهُ" بالتاء فهو عامٌّ.
آل عمران 3:117
قولُه عزَّ وجل: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾.
قال ابن عباس: الصِرُّ: البَرْدُ.
ومعنى صِرٍّ في اللغة: أن الصِرَّ شدة البرد، وفي الحديث (أنه نَهَى عن الجرادِ الَّذِي قتَلَهُ الصّرُّ).
ومعنى الآية: أنه شبَّه ما ينفقونه على قتال النبي ﷺ وأصحابه في بطلانه بريح ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ أي زَرْع قومٍ عاقَبَهم اللهُ بذلك، فهلَكَ زَرْعُهم، فكذلك أعمالُ هؤلاء، لا يرجعون منها إلى شيء.
آل عمران 3:118
قوله عز وجل ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾.
البطانةُ: خاصَّةُ الرجل الذين يطلعهم على الباطن من أمرِهِ.
والمعنى: لا تَتَّخِذوا بطانة من دونِ أهلِ دينكم.
ونظيرُ هذا ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
وكذلك ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي على أهل دينكم، ومن يقوم مقامكم.
ومعنى قوله تعالى ﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ أي لا يُقَصِّرون في السُّوء.
وأصلُ الخَبَالِ في اللُّغة: من الخَبْلِ، والخَبْلُ: ذهابُ الشيء وإفسادهُ.
وقولُه تعالى ﴿وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ﴾.
أي ما شقَّ عليكم واشتدَّ.
وأصل هذا أنه يُقَال: عَنِت العظمُ يَعْنَتُ عَنَتَاً: إذا انكسرَ بعد جَبْرٍ.
ومن هذا قوله تعالى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العَنَتَ مِنْكُمْ﴾ أي المشقَّة.
آل عمران 3:119
قولُه عز وجل ﴿هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَابِ كُلِّهِ﴾.
أي تُحِبُّونَ المنافقينَ ولا يُحِبُّونكم.
والدليلُ على أنه يعني المنافقين قولُه عز وجل ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ﴾.
قال عبدالله بن مسعود: يعضُّون أطرافَ الأناملِ من الغيظ.
آل عمران 3:120
قوله عز وجل ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا﴾.
أي إن غنمتم أو ظفرتم سَاءَهم ذلك، وإن أصابكم ضدُّ ذلك فَرِحوا به.
ثم خبَّر أنهم إن صبروا على ذلك لم يضرَّهم شيئاً فقال ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.
آل عمران 3:121
قولُه عز وجل ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾.
﴿تُبَوِّىءُ﴾ تُلزِمُ، وَبَاءَ بكذا إذا لَزِمه.
ورُوي أن النبي ﷺ رأى أنه في درع حصينة، فأوَّل ذلك المدينة، فأمر أصحابه أن يُقيموا بها إلى أن يُوافيَ المشركون فيقاتلوهم.
آل عمران 3:122
قولُه عز وجل ﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾.
قال جابر بن عبدالله: نحنُ هم "بني سَلَمة" و "بني حَارِثَة" من الأوس، وما يسرُّنا أنها لم تكن [نزلت] لقوله تعالى ﴿وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾.
والفَشَلُ في اللُّغةِ: الجبنُ، والوليُّ: الناصرُ.
"بنو سَلَمة" من الخزرج، و "بنو حارثة" من الأوس.
آل عمران 3:123
قولُه عز وجل: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾.
قيل: يعني بأذلة: أنهم كانوا قليلي العدد.
وقال البراء بن عازب: "كنا نتحدث أن عِدَّةَ أصحاب بدر، كعِدَّةِ أصحاب طالوتَ، وهم ثلاثمائة وبضعةَ عشر".
من قرأ "بِثَلاَثَةْ آلافٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ مُنْزلِينَ".
آل عمران 3:125
قوله عز وجل: ﴿بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا﴾.
قال الضحاك وعكرمة: من وَجْهِهم هذا.
* وقوله تعالى: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾.
لا نعلم اختلافاً أن معنى "مُسَوِّمِينَ" من السُّومة، إلاَّ عن الأخفش فإنه قال: "مُسَوِّمِينَ": مُرْسَلين.
قال أبو زيد: السُّومةُ أن يُعْلِمَ الفارسُ نفْسَه في الحرب ليُظهِر شجاعته.
قال عُروة بن الزبير: كانت الملائكةُ يوم بدر على خَيْلٍ بُلْقٍ، وعليها عمائم صفر.
وقال أبو إسحاق: كانت سيماهم عمائم بيضاً.
وقال الحسن: علَّموا على أذناب خيلهم ونواصيها بصوفٍ أبيضَ.
وقال عكرمة: عليهم سيماءُ القتال.
وقال مجاهد: الصُّوفُ في أذناب الخيل.
وقُرئ ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ واحتج صاحبُ هذه القراءة بأنه روُي أن النبي ﷺ قال لهم يوم بَدْرٍ: "سَوِّموا فَإنِّي رأيتُ الملائكة قَدْ سَوِّمتْ".
أي قد سوَّمتْ خيلَها، أو أَنْفُسَها.
آل عمران 3:126
قولُه عز وجل: ﴿وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ﴾.
يعني المَدَد، أو الوعدَ.
آل عمران 3:127
قوله عز وجل: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ﴾.
قال قتادة: "يَكْبِتَهُمْ" يُحْزِنَهم.
ورُوي أن النبي ﷺ "جاء إلى أبي طلحة، فرأى ابنه مكبُوتاً، فقال: ما شأنه؟ فقيل: مات نُغَيْرُه".
فالمكبوتُ ها هنا: المحزونُ.
وقال أبو عبيدة: يُقال كَبَتَهُ لوجهِهِ: أي صَرَعه لوجهه.
ومعروف في اللغة أن يُقال: كَبَتَه إذا أذلَّه وأقمأه.
قال بعض أهل اللغة: كَبَتَه بمعنى كَبَدَه، ثم أُبدلت من الدَّالِ تاء، لأن مخرجهما من موضع واحد.
والخائبُ في اللغة: الذي لم ينل ما أمَّل، وهو ضدُّ المفلح.
آل عمران 3:128
قوله عز وجل ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
رَوَى الزُّهريُّ عن سالم عن أبيه قال: "رأيتُ رسول الله ﷺ في الركعة الثانية من الفجر، يدعو على قومٍ من المنافقين فأنزل الله عز وجل ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الى آخر الآية.
وقال أنس بنُ مالك: "كُسِرتْ رَبَاعيةُ النبي ﷺ يوم أحد، فأخذ الدَّمَ بيده وجعل يقول: كيف يُفلح قومٌ فعلوا هذا بنبيهم؟ فأنزل الله عز وجل ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
وقيل: استأذن في أن يدعو باستئصالهم، فنـزل هذا، لأنه عُلِمَ أن منهم من سَيُسْلِمُ، وأكَّدَ ذلك الآية بعدها.
فمن قال أنه معطوفٌ بـ "أَوْ" على قوله تعالى ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفَاً﴾ فالمعنى عنده: ليقتل طائفةً منهم، أو يُخْزِيَهُم بالهزيمة، أو يتوب عليهم، أو يُعذبهم.
وقد تكون "أوْ" ها هنا بمعنى "حتَّى" و "إلاَّ أَنْ" والأوَّلُ أولى، لأنه لا أمر إلى أحدٍ من الخلق، قال امرؤ القيس:
فَقُلْتُ لَهُ لاَ تَبْكِ عَيْنُكَ إنَّمَا * نُحَاوِلُ مُلْكَاً أَوْ نَمُوتَ فَنُعْذَرَا
آل عمران 3:130
قوله عز وجل: ﴿يَآ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً﴾.
قال مجاهد: كانوا يبيعون البيع الى أجلٍ، فاذا حلَّ الأجلُ زادوا في الثمن على أن يُؤخَّروا، فأنزل الله عز وجل ﴿لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً﴾.
* ثم قال تعالى: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
أي لتكونوا على رجاء من الفلاح.
وقال سيبويه في قوله تعالى ﴿إذْهَبَا إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى. فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّنَاً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾: إذهبا على رجائكما وطمعكما ومبلغكما، والعلمُ من وراء ذلك، وليس لهما أكثر من ذلك.
والفلاحُ في اللغة: أن يظفر الإِنسان بما يؤمِّلُ.
آل عمران 3:133
قوله عز وجل: ﴿وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
رُويَ عن أنس بن مالك أنه قال: يعني "التكبيرة الأولى".
* ثم قال تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُها السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾.
في هذا قولان:
أحدهما: أنه العَرْضُ بعينِهِ.
ورَوَى طارقُ بن شهاب أن اليهود قالت لعمر بن الخطاب تقولون: جنَّةٌ عرضُها السَّمواتُ والأرضُ، فأين تكونُ النار؟ فقال لهم عمر: أرأيتم إذا جاءَ النَّهارُ، فأين يكونُ اللَّيلُ، وإذا جاء الليلُ فأينَ يكونُ النَّهارُ؟
فقالوا: لقد نَزَعْتَ بما في التوارة.
والقول الآخر: أن العرض ههنا: السَّعَةُ، وذلك معروفٌ في اللغة.
وفي الحديث "أن النبي ﷺ قال للمنهزمين يوم أحد: لقد ذهبتم فيها عريضة" يعني واسعة، وأنشد أهل اللغة:
كَأَنَ بِلاَدَ اللهِ وَهْيَ عَرِيضَةٌ * عَلَى الخَائِفِ المَطْلُوبِ كِفَّهُ حَابِلِ
آل عمران 3:134
قوله عز وجل ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.
الكظمُ في اللغة: أن يَحْبس الغَيْظَ.
ويُقال: كظم البعيرُ على جِرَّته: إذا ردَّها في حَلْقِهِ.
ويُقال للممتلىء حُزْناً وغمَّاً: كظيمٌ، ومكظومٌ، كما قال تعالى ﴿إذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾.
آل عمران 3:135
قوله عزَّ وجل: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾.
رُوِي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: كنتُ إذا سمعتُ من رسول ﷺ حديثاً نفعني اللَّهُ منه بما شاء أن ينفعني، فإذا حدثني رجلٌ من أصحابه استحلفتُه، فإذا حلف لي صدَّقته، وحدثني أبو بكر رضي الله عنه ـ وصَدَقَ أبو بكر ـ
قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من رجلٍ يذنب ذنباً وينامُ ثم يقوم، فيتطهَّرُ فيحسنُ الطهور، ثم يستغفرُ اللَّهَ، إلاَّ غَفَر له، ثم تلا الآية ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
وقال مجاهد: معنى ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: ولم يمضوا.
والإِصرارُ في اللغة: اعتقادُ الشيء، ومنه قيل: صُرَّةٌ، ومنه قيل للبرد: "صِرٌّ" كأنه البردُ الذي يَصِلُ إلى القلب، ومن قيل للذي لم يُحجَّ: صَرُورة، وصارورة، كأنه يحبس ما يجب أن يُنفِقه.
وقال مَعْبَدُ بنُ صُبَيْحَة: "صَلَّيتُ خلفَ عثمانَ، وعليٌّ إلى جَنْبِي، فأقبل علينا فقال: صَلَّيتُ على غيرِ وضوءٍ ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ثم ذهب فتوضأ وصلَّى".
ورُوي عن أبي بكر عن النبي ﷺ قال: "مَا أصَرَّ منِ اسْتَغَفَر اللَّهَ ولو عادَ في اليومِ سبعين مَرَّة".
وقال عبدُاللَّهِ بن عُبَيْدِ بنِ عُمَير ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي وهم يعلمون أنهم إن تابوا تاب الله عليهم.
آل عمران 3:137
قوله عز وجل: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال أبو عبيدة: السُّنَنُ: الأعلامُ، والمعنى على هذا: إنكم إذا سافرتم رأيتم آثار قومٍ هَلَكوا، فلعلكم تتَّعظون!؟.
آل عمران 3:138
قولُه عز وجل: ﴿هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾.
قال الشعبي: هذا بَيَانٌ من العَمَى، وهدىً من الضلالِ، وموعظةٌ من الجهل.
آل عمران 3:139
قوله عز وجل: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾.
قال أبو عبيدة: معناه: لا تضعفوا.
قال أبو جعفر: من الوهن.
آل عمران 3:140
قوله عز وجل: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾.
يُقرأ "قُرْحٌ" ويُقرأ "قَرْحٌ" وبفتحِ القاف والراء.
فالقَرْحُ مصدر قَرَح يَقْرَحُ.
قال الكسائي: القَرْحُ والقُرْحُ واحد.
وقال الفراء: كأنَّ القَرْحَ الجراحاتُ، وكأن القُرْحَ الألمُ.
ثم قال عز وجل: ﴿وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾.
أي تكون مرَّة للمؤمنين ليُعزَّهم اللَّهُ عز وجل، وتكون مرَّةً للكافرين إذا عَصَى المؤمنون، فأمَّا إذَا لم يعصُوا فإن حزبَ اللَّهِ هم الغالبون.
ثم قال عز وجل ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ﴾.
أي ليعلم الله صبر المؤمنين، إذا كانت الغلبةُ عليهم، وكيف صبرهم؟
وقد كان سبحانه علم هذا غيباً، إلا أنَّ علم الغيب لا تقع عليه المجازاة.
فالمعنى: ليعلَمَهُ واقِعاً عِلْمَ الشهادة.
وقال الضحاك: قال المسلمون الذين لم يحضروا بدراً: ليتنا لقينا العُدَّو حتى نبلي فيهم ونقاتلهم [فلقي المسلمون يوم أحدٍ، فاتخذ الله منهم شهداء، وهم الذين ذكرهم الله عز وجل] فقال ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ﴾.
و "الظَّالِمُونَ" هنا: الكافرون أي لم يتخذوا هذه المحبة لهم.
آل عمران 3:141
قوله عز وجل ﴿وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
وقال مجاهد: "يُمَحِّصَ" يَبْتلي.
قال أبو جعفر: قال أبو إسحاق: قرأت على أبي العباس "محمد بن يزيد" عن الخليل أن التمحيصَ: التخليصُ، يُقال: مَحَصَه، يَمْحَصُه، مَحْصَاً: إذا خَلَّصه.
فالمعنى على هذا: ليبتلي المؤمنين ليثيبهم، ويُخلِّصهم من ذنوبهم، ويستأصل الكافرين.
آل عمران 3:142
قوله عز وجل ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ﴾.
"لمَّا" بمعنى "لَمْ" إلاَّ أن "لمَّا" عند سيبويه جوابٌ لمن قال قد فَعَل، و "لَمْ" جوابٌ لمن قال فَعَلَ.
ومعنى الآية: ولمَّا يعلمِ اللهُ ذلك واقعاً منهم، لأنه قد علمه غيباً.
وقيل: المعنى لم يكن جهاد فيعلمه اللَّهُ.
آل عمران 3:143
قوله عزَّ وجل: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾.
قال ابن أبي نجَيح عن مجاهد: "كان قومٌ من المسلمين قالوا بعد بَدْرٍ، ليتَ أنه يكون قتالٌ حتى نُبلِيَ ونقاتل. فلمَّا كان يومُ أحدٍ انهزم بعضُهم فعاتبهم الله على ذلك فقال: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾.
والتقديرُ في العربية: ولقد كنتم تمنَّوْنَ سبَبَ الموت، ثم حُذِفَ، وسببُ الموتِ القتالُ.
* ثم قال تعالى: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾.
وقال بعض أهل اللغة: وأنتم تَنظرون محمداً.
وقال سعيد الأخفش ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ توكيدٌ.
قال أبو جعفر: وحقيقةُ هذا القول: فقد رأيتموه حقيقةً، وأنتم بصراءُ متيقنون.
آل عمران 3:144
قوله عز وجل ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ﴾.
معنى "خَلَتْ": مضت.
* ثم قال تعالى: ﴿أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾.
قال قتادة: أَفَإنْ مات نبيكم، أو قُتِل، رجعتم كفاراً؟
وهذا القول حسنٌ في اللغة، وشبَّهه بمن رجع يمشي إلى خلفه بعد أن كان يمشي إلى أمامه.
﴿وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ﴾
أي على أن هداهم وأنعمَ عليهم.
ويُقال: "انْقَلَبَ عَلَى عَقِبَيْهِ" إذا رجع عمَّا كان عليه.
وأصلُ هذا من العاقبة، والعُقْبَى، وهما ما يتلو الشيء ويجب أن يتبعه، وقال تعالى ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ومنه عَقِبُ الرِّجْلِ، ومنه يُقال: جئتُ في عُقْبِ الشهر: إذا جئتَ بعد ما مَضَى، وجئتُ في عَقِبِه، وعَقْبِهِ: إذا جئتَ وقد بقيتْ منه بقيَّةٌ، ومنه قوله تعالى ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾.
آل عمران 3:145
قوله عز وجل ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾.
المعنى: ومن يُردْ ثواب الآخرة بالعمل الصالح.
وهذا كلامٌ مفهومٌ معروفٌ معناه، كما يُقال: فلانٌ يريدٌ الجنة، إذا كان يعمل عَمَلَ أهلِها، ولا يُقَال ذلكَ للفاسقِ.
آل عمران 3:146
قولُه عز وجل ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾.
ويُقرأ "قَاتَلَ" فمن قرأ "قُتِلَ مَعَهُ" ففيه عنده قولان:
أحدهما: رُوي عن عكرمة وهو أن المعنى: وكأَيِّنْ من نبيٍّ قُتِل، على أنه قد تمَّ الكلام، ثم قال ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ بمعنى: ومعه رِبِّيُّونَ كثير.
وهذا قول حسنٌ على مذهب النحويين، لأنهم أجازوا "رأيتُ زيداً السماء تُمطر عليه" بمعنى والسماءُ تمطُر عليه.
والقولُ الآخرُ أن يكون المعنى: قُتِل معه بعضُ الربيِّين، وهذا معروفٌ في اللغة أن يُقال: جاءني بنو فلان وإنما جاءك بعضُهم، فيكون المعنى على هذا: قُتِل معه بعضُ الرِّبِّيين.
* وقوله تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ﴾.
أي فما ضعف من بقي منهم، كما قرئ ﴿وَلاَ تَقْتُلُوهُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ، فَإنْ قَتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ بمعنى فإن قتلوا بعضَكم.
والقولُ الأول على أن يكون التَّمامُ عند قوله: "قُتِلَ" وهو أحسنُ، والحديثُ يدلُّ عليه.
قال الزهري: صاح الشيطان يوم أُحدٍ قُتِل محمَّدٌ، فانهزم جماعةٌ من المسلمين.
قال كعب بن مالك: "كنتُ أوَّلَ من عَرَف رسول الله ﷺ رأيتُ عينيه من تحت المِغْفَر، فناديتُ بأعلى صوتي: هذا رسولُ الله ﷺ، فأوَمأَ إليَّ أنِ اسْكتْ، فأنزل الله عز وجل ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾.
وقال عبدالله بن مسعود: الرِّبّيون: الألوف الكثيرة.
وقال مجاهد وعكرمة والضحَّاك: الرِّبّيون: الجماعات.
وقال ابن زيد: الرِّبّيون: الأتباع.
ومعروف أن الرِّبَّة الجماعة، فهم مَنْسوبون إلى الرِّبَّة، ويقال للخِرْقة التي يُجمع فيها القِداحُ: رِبَّةٌ ورُبَّةٌ، والرِّباب: قبائلُ تجمَّعت.
وقال أَبان بن تغلب: الرِّبِّيُّ: عشرة آلاف.
وقال الحسن ـ رحمة الله عليه ـ: هم العلماء الصُّبْرُ كأنّه أُخِذ من النِّسْبة إلى الرَّبّ تبارك وتعالى.
* ثم قال تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
أي فما ضعفوا.
والوَهْنُ في اللغة: أشدّ الضّعف.
﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ أي وما ذَلُوا، فعاتبَ الله عزّ وجلَّ المسلمين بهذا؛ لأنهم كانوا يتمنَّوْنَ القِتالَ.
وقرأ مجاهد فيما رُويَ عنه: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلُ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ وهي قراءةٌ حسنةٌ، والمعنى: ولقد كنتم تمنَّوْنَ الموت أنْ تلقوه من قبلُ أي من قبل أن تلقوه.
آل عمران 3:147
قوله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا﴾.
قال مجاهد: يعني الخَطايا الكبار.
* ثم قال تعالى: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾.
أي ثَبِّتْنَا على دينك، وإذا ثَبَّتهم على دينه ثبتوا في الحرب، كما قال: ﴿فَتَزِلّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها﴾.
آل عمران 3:148
قال تعالى ﴿فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ﴾.
قال قتادة: أُعطوا النّصرَ في الدُّنيا، والنعيمَ في الآخرة.
آل عمران 3:150
قال عزَّ وجلَّ: ﴿بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّاصِرِينَ﴾.
المولى: النَّاصرُ، فإذا كان ناصرَهُم لم يُغلبوا.
آل عمران 3:151
قوله عز وجل: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾.
قال النبي ـ ﷺ ـ: "نُصِرتُ بالرُّعْب".
والسُّلطان: الحجّة، ومنه ﴿هلَك عَنّي سُلْطَانِيهْ﴾ أيْ حُجَّتِيَهْ.
آل عمران 3:152
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾.
قال قتادة: ﴿تَحُسُّونَهُم﴾ تقتلونهم.
* ثم قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ﴾.
أي: من هزيمة القوم، و ﴿فَشلْتُمْ﴾ جَبُنْتُم.
قال عبدالله بن مسعود: أمر النَّبيُّ ـ ﷺ ـ الرُّماةَ أنْ يَثْبُتوا مكانهم، فكانت للنبي ـ ﷺ ـ في أول شيءٍ، فقال بعضهم: نلحق الغنائم، وقال بعضهم: نثبُتُ، فعاقبهم الله بأن قُتِلَ بعضهم.
قال: وما عَلِمنا أنّ أحداً منّا يريدُ الدُّنيا حتَّى نزلت ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾.
قال: معنى ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ ليختبركم، وقيل معناه: ليبتليكم بالبَلاء.
آل عمران 3:153
قوله عزّ وجلّ: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ﴾.
ويُقْرأ: "تَصْعَدون" بفتح التاء، فمَن ضمَّها فهو عنده من أَصْعَد، إذا ابتدأَ السَّيْرَ، ومَن فتحها فهو عنده من صَعِدَ الجبلَ وما أشبهه.
ومعنى ﴿تَلْوُونَ﴾: تُعرِّجون.
ثم قال عز وجل: ﴿وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَاكُمْ﴾.
قال أبو عُبيدة: معناه: في آخِركم.
وقوله عزّ وجلّ: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ﴾.
في هذا قولان:
أحدهما: أنّ مجاهداً قال: الغَمُّ الأوّل القتلُ والجراحُ، والغمُّ الثاني أنه صاح صائحٌ: قُتِلَ محمَّدٌ، فأنساهم الغمُّ الآخرُ الغمَّ الأوّلَ.
والقول الآخر: أنّهم غَمّوا النّبيَّ ـ ﷺ ـ في مخالفتهم إيَّاه؛ لأنّه أمرهم أنْ يثبتُوا فخالفوا أمره، فأثابهم اللهُ بذلك الغمّ غَمَّهُم بالنبّي ـ ﷺ.
ومعنى ﴿فَأثَابَهم﴾ أي فأنزل بهم ما يقوم مقام الثواب، كما قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: الذي يقوم لهم مقام البشارة عذابٌ أليم، وأنشد سيبويه:
تُرَادُ عَلَى دِمْنِ الحِيَاضِ فإنْ تَعَفْ * فَإنَّ المُنَدَّى رِحْلَةٌ فَرَكُوْبُ
أي الذي يقوم مقام التندية: الرِّحْلةُ والركوبُ.
* وقوله تعالى: ﴿لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَابَكُمْ﴾.
والمعنى ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ أنهم طلبوا الغنيمة [﴿وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ﴾ في أنفسكم من القتل والجراحات].
آل عمران 3:154
قوله عز وجل ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً﴾.
الأمَنَةُ، والأَمْنُ واحدٌ، وهو اسمٌ للمصدر.
وروي عن أبي طلحة أنه قال: "نظرتُ يومَ أُحدٍ فلم أرَ إلاَّ ناعساً تحت تُرْسِهِ".
* ثم قال تعالى: ﴿يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ، وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾.
﴿يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ﴾ يعني بهذه الطائفة المؤمنين ﴿وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يعني بهذه الطائفة المنافقين.
وقولُه تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَاهِلِيَّةِ﴾.
أي يظنون أن أمر النبي ﷺ قد اضمحلَّ.
* ثم قال تعالى: ﴿ظَنَّ ٱلْجَاهِلِيَّةِ﴾ أي هم في ظنهم بمنـزلة الجاهلية.
﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ؟ قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ﴾.
أي ينصر من يشاء، ويخذل من يشاء.
وقوله عز وجل ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ﴾.
أي لصاروا إلى بَرَازٍ من الأرض.
آل عمران 3:155
قوله عز وجل ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ﴾.
معنى "ٱسْتَزَلَّهُمُ" استَدْعَى أن يزلّوا، كما يقال: استعجلته، أي: استدعيت أن يعجَلَ، ومعنى ﴿ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ أنه رويَ أن الشيطان ذكَّرهم خطاياهم، فكرهوا القتل قبل التوبة ولم يكرهوا القتل معاندةً ولا نفاقاً، فعفا الله عنهم.
آل عمران 3:156
قوله عز وجل ﴿وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ﴾.
روى عيسى عن ابن أبي نجيج عن مجاهد قال: هذا قول المنافق عبدالله بن أبيّ.
آل عمران 3:159
قوله عز وجل ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾.
الفَظُّ في اللغة: الغليظُ الجانب، السيِّءُ الخُلُقِ، يقال: فَظِظْتَ تِفظُّ فظاظةً، ومعنى ﴿لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ لتفرقوا، هذا قول أبي عُبيدة.
وكأنه التفرق من غير جهة واحدة، ويقال: فلان يفضُّ الغِطَاءَ، أي يفرِّقه وفضضتُ الكتابَ، من هذا.
وقوله عز وجل ﴿فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ﴾.
المشاورة في اللغة: أن تظهر ما عندك، وما عند صاحبك من الرأي، والشُّوَارُ: متاعُ البيت المرئيّ. وفي معنى الآية قولان:
أحدهما: أن الله أمر النبي ﷺ أن يشاورهم فيما لم يأت فيه وحي، لأنه قد يكون عند بعضهم فيما يُشاوَرُ فيه علم وقد يعرف الناس من أمور الدنيا ما لا يعرفه الأنبياء، فإذا كان وحيٌ لم يشاورهم.
والقول الآخر: أن الله عز وجل أمره بهذا ليستميل به قلوبَهم، وليكون ذلك سُنَّةً لمن بعده.
حدثني أحمد بن عاصم، قال: حدثنا عبدالله بن سعيد بن أبي مريم: حدثنا أبي قال: حدثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عَمْرِو بنِ دينارٍ، عن ابن عباس ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ﴾.
وقال الحسن: أمر بذلك ﷺ لِتستنَّ به أمَّتهُ.
آل عمران 3:160
قولُه عز وجل ﴿إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ..؟﴾.
الخذلانُ في اللغة: الترك، ومنه يقال: تخاذَلَ القوم، إذا انماز بعضهم من بعض، ويُقال: ظبيةٌ خَاذِلةٌ، إذا انفردت عن القطيع، قال زهير:
بِجِيدِ مُغْزِلَةٍِ أَدْمَاءَ خَاذِلَةٍ * من الظِّبَاءِ تُراعِي شَادِنَاً خَرَقَا
آل عمران 3:161
قوله عز وجل ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾.
وتقرأ (يُغَلَّ)، ومعنى ﴿يَغُلَّ﴾ يَخون، وروى أبو صخرٍ، عن محمد بن كعب في معنى ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ قال: يقول: ما كان لنبيٍّ أن يكتم شيئاً من كتاب اللهِ عز وجل.
و "يُغَلُّ" يحتمل معنَيين:
أحدهما: أن يُلْفَى غَالاً، أي خائناً كما تقول: أحمدتُ الرجلَ: إذا أصبتَه محموداً، وأحْمَقتهُ: إذا أصبتَه أحمقَ.
قالوا: ويقوِّي هذا القولَ، أنه روي عن الضحّاك أنه قال "يُغَلَّ" يبادر الغنائم لئلا تؤخذ.
والمعنى الآخر، أن يكون (يُغَلَّ) بمعنى يُغَلَّ منه، أي يُخَانَ منه.
وروى عن قتادة أن معنى (يُغَل) يُخانُ.
وقد قيل: فيه قولٌ ثالث، لا يصحُّ، وهو أن معنى (يُغَلَّ) يُخوَّنُ، ولو كان كذلك لكان يُغلَّل.
ثم قال عز وجل ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾.
وَرُوي: عن النبي ﷺ أنه قال: "لا أعْرِفنّ أحَدَكم يأتي يوم القيامة، ومعه شاةٌ لها ثُغَاءٌ، فيقول: يا محمد، فأقول: لا أملِكُ لك من اللَّهِ شيئاً".
والغُلولُ في اللغة: أن يأخذ من المغنم شيئاً، يستره عن أصحابه، ومنه يُقال للماءِ الذي يجري بين الشجر: غَلَلٌ، كما قال الشاعر:
لَعِبَ السُّيُولُ بِهِ فَأَصَبحَ مَاؤُهُ * غَلَلاً يُقَطَّعُ فِي أُصُولِ الخِرْوَعِ
ومنه الغِلالَة، ومنه يقال: تَغَلغَل فلان في الأمر، والأصل: تغلَّلَ.
ومنه: في صدره عليَّ غِلٌّ: أي حِقدٌ، ومنه: غَلَّلتُ لحيتي وغلَّيتُها.
آل عمران 3:162
قولُه عز وجل ﴿أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾.
قال الضحاك ﴿أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ﴾ من لم يَغُلّ ﴿كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ كَمْن غَلَّ؟
ومعنى "بَاءَ": احتَمَل.
آل عمران 3:163
قال عز وجل ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ ٱللَّهِ، وٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾.
قال مجاهد: المعنى: لهم درجاتٌ عند الله، والتقدير في العربية: هم ذوُوْ دَرَجَاتٍ، ثم حذف، والمعنى: بعضهم أرفع درجةً من بعض.
وقيل: "هُمْ" لمن اتَّبع رضوان اللَّهِ، ولمن باء بسخطه، أي: لكل واحدٍ منهم جزاء عمله بِقَدَرٍ.
آل عمران 3:164
قوله عز وجل: ﴿لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
أي: ممن يعرفونه بالصدق والأمانة، وجاءهم بالبراهين، ولم يعرفوا منه كذباً قطُّ.
آل عمران 3:165
قولُه عزَّ وجل ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا﴾.
قال الضحاك: قُتِل من المسلمين يوم أحد سبعون رجلاً، وقُتل من المشركين يوم بدر سبعون، وأُسر سبعون، فذلك قوله تعالى ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا﴾ يوم بدر، ويوم أحد.
ومعنى ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ بذنبكم، وبما كسبت أيديكم، لأن الرّماة خالفوا النبي ﷺ ولم يثبتوا كما أمرهم.
ومعنى (أَوِ ادْفعُوا) أي كَثِّرُوا وإن لم تقاتلوا، ومعنى ﴿فَادْرَءُوا﴾: فادفعوا.
آل عمران 3:169
قوله عز وجل ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.
رُوِيَ أن أرواح "الشُّهداء" تَسْرح في الجنّةِ حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديلَ معلَّقةٍ عند العرش.
آل عمران 3:170
قولُه عز وجل: ﴿فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
المعنى: لم يلحقوا بهم في الفضل، وإنْ كان لهم فضل.
آل عمران 3:171
قوله عز وجل ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.
والمعنى: ويستبشرون بأن الله لا يضيع أجر المؤمنين.
ويُقرأ ﴿وَإنَّ اللَّهَ﴾ بكسر الألف ﴿لا يُضِيعُ أَجْرَ المُؤْمِنيِنَ﴾ على أنه مقطوع من الأول.
والمعنى: وهو سبحانه لا يضيع أجر المؤمنين، ثم جيء بإنّ توكيداً.
آل عمران 3:172
قولُه عز وجل ﴿ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ﴾.
رَوَى عَكرمة عن ابن عباس "أن المشركين يوم أحد، لمَّا انصرفوا فبلغوا إلى الرَّوحاء، حرَّض بعضُهم بعضاً على الرجوع لمقاتلة المسلمين، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ، فندب أصحابه للخروج، فانتدبوا حتى وافوا يعني "حمراء الأسد" وهي على ثمانية أميال من المدينة، فأنزل الله عز وجل ﴿ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ﴾.
آل عمران 3:173
قوله عز وجل: ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ﴾.
قيل: إنه يعني بالناس "نُعيم بن مسعود" وجَّهه أبو سفيان يُثَبِّطُ أصحاب النبي ﷺ، ومجازُه في اللغة أن يُراد به نُعيم وأصحابُهُ.
وقال ابن اسحاق ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ﴾ هم نفر من عبد القيس.
قالوا: إن أبا سفيان ومن معه راجعون إليكم.
* ثم قال تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ أي: فزادهم التخويفُ إيماناً وقالوا ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ أي كافينا الله، يقال: أحَسَبَهُ: إذا كفاه.
آل عمران 3:174
قوله عز وجل ﴿فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ﴾.
قال عكرمة عن ابن عباس: لمَّا وافوا بدراً وكان أبو سفيان قد قال لهم: موعدكم بدراً موضع قتلتم أصحابنا، فوافى النبيُّ ﷺ وأصحابه بدراً، واشترى المسلمون بها أشياء ربحوا فيها.
فالمعنى على هذا ﴿فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ من انصراف عدوّهم، وفضلٍ في تجارتهم.
آل عمران 3:175
قولُه عزَّ وجل ﴿إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾.
يقال: كيف يخوّف من تولاّه؟. فرُوِيَ عن ابراهيمَ النَّخَعي: يُخوِّفكم أولياءَهُ، قيل: هذا حسَنٌ في العربية، كما تقول: فلانٌ يعطي الدنانير، أي يُعطي النَّاسَ الدنانير، والتقدير على هذا: يخوف المؤمنين بأوليائه، ثم حذفت الباءُ وأحد المفعولين، ونظيرُه قوله عز وجل ﴿لِيُنْذِرَ بَأَساً شديداً﴾ المعنى: لينذركم ببأسٍ شديد، وأنشد سيبويه فيما حذفت منه الباء:
أَمَرْتُكَ الخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ * فَقَدْ تَركْتُكَ ذَا مَالٍ وَذَا نَشَبِ
وأولياه ها هنا الشياطين، وقد قيل: إن معنى ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ يخوّف المنافقين الفقر حتى لا يُنفقوا لأنهم أشدّ خوفاً.
آل عمران 3:178
قولُه عز وجل ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً﴾.
في معناه قولان:
أحدهما: ما رواه الأسود عن عبدالله بن مسعود أنه قال: الموتُ خيرٌ للمؤمنِ والكافر، ثم تلا ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرَارِ﴾ و ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً﴾.
والقول الآخر أن هذه الآية مخصوصة أريد بها قوم بأعيانهم لا يسلمون كما قال جل وعز ﴿وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾.
آل عمران 3:179
قوله عز وجل: ﴿مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ﴾.
قال قتادة: حتى يميز الكافر من المؤمن.
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: حتى يميز المؤمن من المنافق، وكان هذا يوم أحد، بَيَّن فيه المؤمن من المنافق، حتى قُتِل من المسلمين من قُتِلَ.
* ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ﴾.
أي: ليس يخبركم من يُسلم، ومَنْ يموت على الكفر.
﴿وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ﴾ قال مجاهد: أي يُخْلِصهُمْ لنفسِهِ.
آل عمران 3:180
قوله عز وجل ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾.
في الآية قولان:
أحدهما: أنه يرادُ به اليهودُ، لأنهم بخلوا أن يُخبِروا بصفة النبيّ ﷺ، فهي على هذا للتمثيل أي سيطُوَّقونَ الإِثمَ.
والقولُ الآخر: وهو الذي عليه أهل الحديث، أنه رَوَى أبو وائل عن عبدالله ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "ما من رجل له مالٌ ثم بخل بالحقِّ في ماله، إلاَّ طُوِّق يومَ القيامةِ شُجَاعاً أقرعَ، ثم تلا مصدَاقَ ذلك ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ إلى قوله ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾.
ثم قال عز وجل ﴿وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
العرب تسمي كل ما صار إلى الإنسان، ممَّا قد كان في يد غيره: ميراثاً، فخوطبوا على ما يعرفون، لأن الله يُغْنِي الخلقَ وهو خيرُ الوارثين.
آل عمران 3:181
قوله عز وجل ﴿لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾.
قال الحسن: لمَّا نزلتْ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضَاً حَسَناً فَيَضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافَاً كثِيَرَةً﴾.
قالت اليهود: أَوَ هو فقيرٌ يستقْرِضُ؟ يُموِّهون بذلك على ضعفائهم، فأنزل الله عز وجل ﴿لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾.
المعنى: إنه على قول محمد فقيرٌ، لأنه اقترض منّا. فكفروا بهذا القول لأنهم أرادوا تكذيب النبي ﷺ به، وتشكيكاً للمؤمنين في الإِسلام.
* ثم قال تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي سنُحصيه، ويجوز سَيَكْتُب ما قالوا، أي: سَيكتبُ اللهُ ما قالوا.
* ثم قال تعالى: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: عذاب النار، لأن من العذاب ما لا يحرِقُ.
آل عمران 3:184
قوله عز وجل ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُوا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ﴾.
الزُّبر: جمع زبور، وهو الكتاب، يُقال: زَبَرْتُ إذا كتبت.
آل عمران 3:185
قال تعالى ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾.
وهذا تمثيلٌ، والمعنى: كل نفسٍ ميِّتةٌ، وأنشد أهل اللغة:
مَنْ لَمْ يَمُتْ عَبْطةً يَمُتْ هَرماً * لِلْمَوْتِ كأسٌ فَالْمَرْءُ ذَائِقُها
* ثم قال جل وعز ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾.
﴿زُحْزِحَ﴾: نُحِّيَ، و ﴿فَازَ﴾: إذا نجا واغتبط بما هو فيه، فأما قولهم: مفازة، فإنما هو على التفاؤل، كما يُقال للأعمى: بصيرٌ، وقد قيل: إن مفازةً من قولهم: فوَّز الرجل: إذا مات، وهذا القول ليس بشيء، لأن قولهم: فوّز الرجل، إنما هو على التفاؤل أيضاً.
آل عمران 3:186
قوله عز وجل ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِيۤ أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾.
قيل معناه: لتُخْتَبرُنَّ، وقيل معناه: لَتُصابُنَّ.
والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد.
* ثم قال تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً﴾ رُوي أن أبا بكر ـ رحمةُ اللَّهِ عليه ـ سمع رجلاً من اليهود يقول: أو هو فقيرٌ يستقرض؟ فَلطَمه، فشكاهُ اليهوديُّ إلى النبي ﷺ فأنزل اللهُ عز وجل ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى﴾.
وأذىً: مصور أذِيَ يَأْذَى، إذا تأوَّى.
آل عمران 3:187
قوله عز وجل ﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾.
قال سعيد بن جبير: يعني النبي ﷺ. والمعنى على هذا: لتُبَيّنُنّ أمر النبي ﷺ ولا تكتمونه.
وقال قتادة: "هذا ميثاقٌ أخذه اللهُ عزَّ وجل على أهلِ العلم، فمن عَلِمَ شيئاً فَلْيعلِّمْهُ، وإياكم وكتمانَ العلم".
* ثم قال تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾.
﴿فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ أي تركوه، ثم بَّين لمَ فعلوا ذلك فقال ﴿وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ أي أخذوا الرُّشَا، وكَرِهُوا أنْ يتَّبعوا الرسول ﷺ فتبطل رياستهم.
آل عمران 3:188
قوله عز وجل ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾.
رُوي عن مروان أنه وجَّه إلى ابن عباس يقول: أكلُّ من فرح بما أتى، وأحبَّ أن يُحمد بما لم يفعل يُعَذَّبُ؟.
فقال ابن عباس: هذا في اليهود، لأن النبي ﷺ سألهم عن شيء، فلم يُخبروه به وأخبروه بغيره [وأحبوا أن] يحمدوا بذلك، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم النبي ﷺ، فأنزل اللَّهُ عز وجل ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ الآية.
ورَوَى سعيد بن جبير أنه قرأ "لاَ تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا" قال: اليهودُ، فرحوا بما أوتي آلُ إبراهيم من الكتابِ والحكمِ، والنبوة.
ثم قال سعيدُ بنُ جُبَير ﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ هو قولُهم: نحنُ على دين إبراهيم.
ثم قال عز وجل ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾.
أي بمنجاةٍ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي مؤلم.
آل عمران 3:189
قال عز وجل ﴿وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أي هو خالقهما، وخالقُ ما فيهما.
وهذا تكذيبٌ للذين قالوا: إن الله فقيرٌ ونحن أغنياء.
آل عمران 3:190
قال عز وجل ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ﴾.
أي لعلامات دالةً عليه، والألبابُ: العقولُ.
آل عمران 3:191
قوله عز وجل ﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾.
في معنى الآية قولان:
أحدهما: رُوي عن عبدالله بن مسعود أنه قال: "من لم يستطع أن يصلي قائماً صلَّى قاعداً، وإلاَّ مضطجعاً".
والقولُ الآخر: أنهم الذين يوحِّدون الله عز وجل على كل حال، ويذكرونه. والقولُ الأولُ ليس بصحيح الإِسناد.
وأيضاً فإن الله تعالى إنما وصف أولي الألباب بالذِّكر له، على كل الأحوال التي يكون النَّاس عليها.
ويُبيِّنُ لكَ هذا حديثُ ابن عباس، حين باتَ عند النبي ﷺ قال: "فاستَوى على فِرَاشِهِ قاعداً، ثم رفع رأسهُ إلى السَّماءِ ثم قال: "سُبْحَانَ الملكِ القُدُّوسِ" ثلاثَ مرات ـ وقرأ ﴿إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ﴾ حتى ختم السورة".
ثم قال عز وجل ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾.
أي ليكون ذلك أزيد في بصيرتهم.
ثم قال عز وجل: ﴿رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً﴾.
أي يقولون ربنا ما خلقتَ هذا باطلاً، فحذف يقولون.
ثم قال عز وجل ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
رُويَ عن طلحة بنِ عُبَيْداللَّهِ أنه قال: (سألت النبي ﷺ عن "سبحان" فقال: تنـزيهُ اللَّهِ عن السُّوءِ).
وأصل التنـزيه في اللغةِ: البُعد، أي تنـزيهُ اللهِ عز وجلَّ عن الأندادِ والأولاد.
آل عمران 3:192
قوله عز وجل ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾.
حدثنا عبدالله بن أحمد بن عبدالسلام، قال: حدثنا أبو الأزهر إملاءً قال: حدثنا مؤمل بن إسماعيل، قال حدثنا أبو هلالٍ عن قتادة عن أنسٍ في قولِهِ عزَّ وجل ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ قال: من خُلِّدَ في النار فقد أخزيته.
قال أبو الأزهر: وحدثنا روح قال حدثنا حماد بن زيد عن جويبر عن الضحاك أنه تلا حديث الشفاعة فقال له رجل ﴿إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ قال: ذلك لهم خزيٌ.
فمن أُدخل النَّارَ فقد أُخزي، وإن أُخرج منها، لأن الخزي إنما هو هتكُ سترُ المُخْزَى وفضيحتُه، يُقال: خَزِي يَخْزَى: إذا ذلَّ، وأخزيتُه: إذا أذللتَه إذلالاً يتبيَّن عليه.
آل عمران 3:193
قولُه عزَّ وجل ﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ﴾.
قال محمد بن كعب: هو القرآنُ، وليس كلهم سمعَ النبي ﷺ.
آل عمران 3:194
قوله عز وجل ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾.
لأنه وعد من وحَّده وآمنَ الجنَّة.
آل عمران 3:195
قولُه عز وجل: ﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ﴾.
ويُقرأ "إِنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ" على معنى فقال: إنِّي، والفتح بمعنى بأني لا أضيع عمل عاملٍ منكم من ذكرٍ أو أنثى.
ورُوي أن أمَّ سلمة قالت يا رسولَ الله: "ما سمعتُ اللَّهَ ذكر النِّساء في الهجرة".
فأنزل الله عز وجل ﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾.
وقولُه عز وجل ﴿ثَوَاباً مِّن عِندِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ﴾.
أي جزاءً، وأصلهُ من ثاب يثوب إذا رجع، والتثويبُ في النداء ترجيعُ الصوت.
آل عمران 3:196
قوله عز وجل ﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾.
أي لا يغرَّنك تصرُّفهم وسلامتُهم، فإن آخر مصيرهم إلى النار، فمن كان آخر مصيره إلى النَّار لم يُغْبَط.
آل عمران 3:199
قوله عز وجل ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ﴾.
"رُوي أن النبي ﷺ صلَّى على النجاشيِّ، وترحَّم عليه، فقال قومٌ من المنافقين: صلى عليه وليس من أهل دينه." فأنزل الله عز وجل ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ للَّهِ﴾ أي متواضعين، ومنه قول الشاعر:
* "وَإذَا افْتَقَرْتَ فَلا تَكُنْ مُتَخَشِّعَاً وَتَجَّملِ" *
ثم قال عز وجل ﴿لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾.
لأنه قد خبَّر أن منهم من ثَبتَ على دينه، لأخذ الرُّشَا، ولئلا تبطل رياستُه.
آل عمران 3:200
قوله عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ، وَصَابِرُواْ، وَرَابِطُواْ﴾.
أي اصبروا على دينكم ﴿وَصَابِرُوا﴾ قال قتادة: أي صابروا المشركين.
﴿ورابطوا﴾ قال قتادة: أي جاهدوا.
وأصلُ الرباط والمرابطة عند أهل اللغة، أن العدوَّ يربطون خيولَهم، ويربط المسلمون خيولهم تحرزاً، ثم كثر استعمالهم لها حتى قيل لكل من أقام بالثَّغْرِ: مرابطٌ.
حدثنا عبدُاللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ عبدِالسَّلامِ قال: حدثنا الدارميُّ، قال: حدثنا يحيى بن أبي بُكير، قال: حدثنا جسر عن الحسن ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا﴾ قال: على المصائب ﴿وصابروا﴾
قال: على الصلوتَ الخمس ﴿ورابطوا﴾ أعداء الله في سبيل الله.
ثم قال عز وجل ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي لم تُؤمروا بالجهاد فقط، فاتقوا اللَّهَ عز وجل فيما أمركم به، ونهاكم عنه.
ثم قال عز وجل ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
أي لتكونوا على رجاءٍ من الفلاح.
وأصلُ الفلاح: البقاءُ والخلودُ، وقد بينَّاه فيما تقدَّم.