معاني القرآن — النساء 4:1 – الأنعام 6:165
المحتويات
- النساء 4:1
- النساء 4:2
- النساء 4:3
- النساء 4:4
- النساء 4:5
- النساء 4:6
- النساء 4:7
- النساء 4:8
- النساء 4:9
- النساء 4:10
- النساء 4:11
- النساء 4:12
- النساء 4:13
- النساء 4:14
- النساء 4:15
- النساء 4:17
- النساء 4:18
- النساء 4:19
- النساء 4:20
- النساء 4:21
- النساء 4:22
- النساء 4:23
- النساء 4:24
- النساء 4:25
- النساء 4:26
- النساء 4:27
- النساء 4:28
- النساء 4:29
- النساء 4:30
- النساء 4:31
- النساء 4:32
- النساء 4:33
- النساء 4:34
- النساء 4:35
- النساء 4:36
- النساء 4:37
- النساء 4:38
- النساء 4:40
- النساء 4:41
- النساء 4:42
- النساء 4:43
- النساء 4:44
- النساء 4:45
- النساء 4:46
- النساء 4:47
- النساء 4:48
- النساء 4:49
- النساء 4:50
- النساء 4:51
- النساء 4:52
- النساء 4:53
- النساء 4:54
- النساء 4:55
- النساء 4:56
- النساء 4:57
- النساء 4:58
- النساء 4:59
- النساء 4:60
- النساء 4:61
- النساء 4:62
- النساء 4:63
- النساء 4:64
- النساء 4:65
- النساء 4:69
- النساء 4:71
- النساء 4:72
- النساء 4:74
- النساء 4:75
- النساء 4:78
- النساء 4:79
- النساء 4:81
- النساء 4:82
- النساء 4:83
- النساء 4:84
- النساء 4:85
- النساء 4:86
- النساء 4:87
- النساء 4:88
- النساء 4:90
- النساء 4:91
- النساء 4:92
- النساء 4:93
- النساء 4:94
- النساء 4:95
- النساء 4:97
- النساء 4:98
- النساء 4:100
- النساء 4:101
- النساء 4:102
- النساء 4:103
- النساء 4:104
- النساء 4:105
- النساء 4:108
- النساء 4:109
- النساء 4:110
- النساء 4:111
- النساء 4:112
- النساء 4:113
- النساء 4:114
- النساء 4:115
- النساء 4:117
- النساء 4:118
- النساء 4:119
- النساء 4:121
- النساء 4:123
- النساء 4:124
- النساء 4:125
- النساء 4:127
- النساء 4:128
- النساء 4:129
- النساء 4:134
- النساء 4:135
- النساء 4:136
- النساء 4:137
- النساء 4:138
- النساء 4:139
- النساء 4:141
- النساء 4:142
- النساء 4:143
- النساء 4:144
- النساء 4:145
- النساء 4:147
- النساء 4:148
- النساء 4:150
- النساء 4:153
- النساء 4:154
- النساء 4:155
- النساء 4:157
- النساء 4:159
- النساء 4:160
- النساء 4:162
- النساء 4:163
- النساء 4:164
- النساء 4:166
- النساء 4:172
- النساء 4:174
- النساء 4:176
- المائدة 5:1
- المائدة 5:2
- المائدة 5:3
- المائدة 5:4
- المائدة 5:5
- المائدة 5:6
- المائدة 5:7
- المائدة 5:8
- المائدة 5:11
- المائدة 5:12
- المائدة 5:13
- المائدة 5:14
- المائدة 5:15
- المائدة 5:16
- المائدة 5:19
- المائدة 5:20
- المائدة 5:21
- المائدة 5:22
- المائدة 5:23
- المائدة 5:24
- المائدة 5:25
- المائدة 5:26
- المائدة 5:27
- المائدة 5:29
- المائدة 5:30
- المائدة 5:31
- المائدة 5:32
- المائدة 5:33
- المائدة 5:35
- المائدة 5:37
- المائدة 5:38
- المائدة 5:39
- المائدة 5:41
- المائدة 5:42
- المائدة 5:44
- المائدة 5:45
- المائدة 5:48
- المائدة 5:50
- المائدة 5:51
- المائدة 5:52
- المائدة 5:53
- المائدة 5:54
- المائدة 5:55
- المائدة 5:57
- المائدة 5:60
- المائدة 5:61
- المائدة 5:63
- المائدة 5:64
- المائدة 5:66
- المائدة 5:67
- المائدة 5:68
- المائدة 5:69
- المائدة 5:70
- المائدة 5:71
- المائدة 5:72
- المائدة 5:75
- المائدة 5:77
- المائدة 5:78
- المائدة 5:80
- المائدة 5:82
- المائدة 5:83
- المائدة 5:87
- المائدة 5:89
- المائدة 5:90
- المائدة 5:93
- المائدة 5:94
- المائدة 5:95
- المائدة 5:96
- المائدة 5:97
- المائدة 5:101
- المائدة 5:102
- المائدة 5:105
- المائدة 5:106
- المائدة 5:107
- المائدة 5:109
- المائدة 5:110
- المائدة 5:111
- المائدة 5:112
- المائدة 5:116
- المائدة 5:117
- المائدة 5:118
- المائدة 5:119
- المائدة 5:120
- الأنعام 6:1
- الأنعام 6:2
- الأنعام 6:3
- الأنعام 6:6
- الأنعام 6:7
- الأنعام 6:8
- الأنعام 6:9
- الأنعام 6:10
- الأنعام 6:12
- الأنعام 6:13
- الأنعام 6:14
- الأنعام 6:16
- الأنعام 6:19
- الأنعام 6:20
- الأنعام 6:23
- الأنعام 6:25
- الأنعام 6:26
- الأنعام 6:27
- الأنعام 6:28
- الأنعام 6:31
- الأنعام 6:33
- الأنعام 6:35
- الأنعام 6:36
- الأنعام 6:38
- الأنعام 6:40
- الأنعام 6:41
- الأنعام 6:42
- الأنعام 6:43
- الأنعام 6:44
- الأنعام 6:45
- الأنعام 6:46
- الأنعام 6:47
- الأنعام 6:48
- الأنعام 6:50
- الأنعام 6:51
- الأنعام 6:52
- الأنعام 6:53
- الأنعام 6:54
- الأنعام 6:55
- الأنعام 6:57
- الأنعام 6:59
- الأنعام 6:60
- الأنعام 6:61
- الأنعام 6:63
- الأنعام 6:65
- الأنعام 6:66
- الأنعام 6:67
- الأنعام 6:68
- الأنعام 6:69
- الأنعام 6:70
- الأنعام 6:71
- الأنعام 6:73
- الأنعام 6:74
- الأنعام 6:75
- الأنعام 6:76
- الأنعام 6:77
- الأنعام 6:79
- الأنعام 6:80
- الأنعام 6:81
- الأنعام 6:82
- الأنعام 6:84
- الأنعام 6:87
- الأنعام 6:89
- الأنعام 6:91
- الأنعام 6:92
- الأنعام 6:93
- الأنعام 6:94
- الأنعام 6:95
- الأنعام 6:96
- الأنعام 6:98
- الأنعام 6:99
- الأنعام 6:100
- الأنعام 6:101
- الأنعام 6:103
- الأنعام 6:104
- الأنعام 6:105
- الأنعام 6:107
- الأنعام 6:108
- الأنعام 6:109
- الأنعام 6:110
- الأنعام 6:111
- الأنعام 6:112
- الأنعام 6:113
- الأنعام 6:116
- الأنعام 6:118
- الأنعام 6:119
- الأنعام 6:120
- الأنعام 6:121
- الأنعام 6:122
- الأنعام 6:123
- الأنعام 6:124
- الأنعام 6:125
- الأنعام 6:126
- الأنعام 6:127
- الأنعام 6:128
- الأنعام 6:130
- الأنعام 6:133
- الأنعام 6:135
- الأنعام 6:136
- الأنعام 6:137
- الأنعام 6:138
- الأنعام 6:139
- الأنعام 6:140
- الأنعام 6:141
- الأنعام 6:142
- الأنعام 6:143
- الأنعام 6:144
- الأنعام 6:145
- الأنعام 6:146
- الأنعام 6:147
- الأنعام 6:148
- الأنعام 6:149
- الأنعام 6:150
- الأنعام 6:151
- الأنعام 6:153
- الأنعام 6:154
- الأنعام 6:156
- الأنعام 6:157
- الأنعام 6:158
- الأنعام 6:159
- الأنعام 6:160
- الأنعام 6:161
- الأنعام 6:162
- الأنعام 6:164
- الأنعام 6:165
النساء 4:1
من ذلك قوله عزَّ وجلَّ: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾.
قال مجاهد: خُلِقتْ حوَّاء من قُصَيْرَى آدم.
وفي الحديث: "خُلقت المرأة من ضلع عوجاء".
وقيل: ﴿منها﴾ من جنسها.
* ثم قال تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً﴾.
يقال: بَثَثْتُ الشىَّءَ وأَبْثَثْتهُ، إذا نَشَرْتُهُ. منه:
﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾.
وقولُه عز وجل: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾.
قال عكرمة: المعنى: واتَّقُوا الأرحامَ أن تَقْطَعوها.
وقال إبراهيم: هو من قولهم: [أسألك باللَّهِ] والرَّحِمِ.
قال أبو جعفر: وهذا على قراءةِ مَنْ قرأ بالخفض.
وقوله عز وجل ﴿وَآتُوْا اليَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيَّبِ﴾.
قال الضحاك: لا تُعطوهم زُيُوفَاً بِجِيَادٍ.
وقال غيره: لا تتبَّدلوا الحرامَ بالحلالِ.
النساء 4:2
ثم قال تعالى ﴿وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ﴾.
قيل: المعنى [مع أموالكم. والأجودُ أن تكون ﴿إِلَىٰ﴾ في موضعها ويكون المعنى] ولا تضمُّوا أموالهم إلى أموالكم.
ثم قال عز وجل ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾.
قال قتادة: الحُوبُ: الإِثْمُ.
ورُوِيَ أن أَبَا أيُّوبَ طَلَّقَ امرأته، أو عَزَم على أن يُطلِّقها، فقال النبي ﷺ: "إن طلاق أُمِّ أَيُّوبَ لَحُوْبٌ".
النساء 4:3
وقولُه عز وجل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ﴾.
يقال: أَقْسَطَ الرجلُ: إذا عدل، وقَسَطَ: إذا جار.
فكأنَّ "أَقْسَطَ" أزال القُسُوطَ.
فأما معنى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾.
أحدهما: أن ابن عباس قال فيما رُويَ عنه: قُصِر الرجلُ على أربعٍ من أجل اليتامى.
وَرُوِيَ عن جماعة من التابعين شرحُ هذا القول.
ورُوِيَ عن مجاهد والضحاك وقتادة، وهذا معنى قولهم:
إن المسلمين كانوا يسألون عن أمر اليتامى لمَّا شُدِّدَ في ذلك، فقال جَلَّ وعزَّ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ﴾.
أي فكما تخافون في أمر اليتاَمَى، فخافوا في أمر النساء إذا اجْتَمَعْنَ، أنْ تعجزوا عن العدل بينهن.
والقول الآخر: رواه الزهري عن عروة عن عائشة قال: سألتُ عائشة عن قول الله جل وعز: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ فقالت: يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حِجْر وليها، فيعجبُهُ مالُها وجمالُها، فيريد تزوُّجَها بغير أَنْ يُقْسِطَ في صداقها، فيُعْطيهَا مثلَ ما يُعْطيها غيره.
فَنُهُوا أَنْ ينكحوا اليتامى إذا خافوا، وأُبِيحَ لهم من النساء أربعٌ، قالت عائشة: [ثم] إن الناسَ اسْتَفْتَواْ رسول الله ﷺ بعد هذه الآية فأنزل الله عز وجل: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِيْ النِّسَاءِ قُلِ اللـهُ يُفْتِيْكُمْ فِيْهِنَّ﴾ الى قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوْهُنَّ﴾. قالت: والذي ذَكَر اللهُ أنه يُتْلى عليكم في الكتاب الآيةُ الأولى التي فيها ﴿فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ قالت: وقوله: ﴿وَتَرغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رغبةُ أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره، حين تكون قليلةَ المال والجَمَال، فَنُهُوْا أن ينكحوا مَنْ رغبوا في مالها وجمالها، من يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهنَّ.
وأهلُ النظر على [هذا] القول.
قال "أبو العباس" محمد بن يزيد: التقدير: وإن خفتم أَلاَّ تُقسطوا في نكاح اليتامى، ثم حُذِف هذا، وَدَلَّ عليه ﴿فَٱنكِحُواْ﴾.
وقد قال بالقول الأول جماعة من أهل اللغة، منهم "الفرَّاءُ" و "ابنُ قتيبة".
والقولُ الثاني أعلى إسناداً، وأجودُ عند أهل النظر.
وأما مَنْ قال معنى ﴿مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ تِسْعٌ، فلا يُلْتفتُ إلى قوله، ولا يصحُّ في اللغة، لان معنى (مثنى) عند أهل العربية: اثنتين، اثنتين، وليس اثنتين فقط.
وأيضاً فإن من كلام العرب الاختصار، ولا يجوز أن يكون معناه تسعاً، لأنه لو كان معناه تسعاً لم يكن اختصاراً أن يقال: انكحوا اثنتين، وثلاثاً، وأربعاً، لأن تسعاً أخصرُ من هذا.
وأيضاً فلو كان على هذا القول: لَمَا حَلَّ لأحد أن يتزوج إلا تسعاً أو واحدةً، فقد تبيَّن بطلان هذا.
وقوله عز وجل: ﴿ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ﴾.
﴿أَدْنَىٰ﴾ بمعنى أقربُ.
ورَوَى عمر بن محمد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي ﷺ، في قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ﴾ قال: "أن لا تَجُوْرُوْا".
وقال ابن عباس والحسن وأبو مالك ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك: معنى ﴿أَنْ لاَ تَعُولُواْ﴾ أَنْ لا تميلو.
وقال أبو العباس ـ في قولِ من قال: ﴿أَنْ لاَ تَعُولُواْ﴾ من العِيَالِ ـ: هذا باطلٌ وخطأٌ، لأنه قد أَحَلَّ مِمَّا ملكت اليمين، ما كان من العدد، وهنَّ مما يُعَالُ.
وأيضاً فإنه إنما ذكر النساءَ وما يَحِلُّ منهن، والعدلَ بينهنَّ والجَوْرَ، فليس لـ "أَنْ لاَ تَعُولُوا" من العيالِ ههنا معنىً، وهو على قول أهل التفسير: أن لا تميلوا ولا تجوروا. ومنه: عَالَتِ الفريضةُ، إذا زادت السِّهَامُ فَنَقصَ مَنْ لَهُ الفرض، ومنه: مُعَوّلَتي على فلانٍ، أي أنا أميل إليه وأتجاوز في ذلك، ومنه: "عالني الشيء" إذا تجاوز المقدارَ، ومنه: فلانٌ يُعَوِّل، والعويلُ: إنما هو المجاوزة.
وأيضاً فإنه إنما يُقال: أعال الرجُلُ يُعِيْلُ: إذا كَثُرَ عِيَالُهُ.
النساء 4:4
وقوله عز وجل: ﴿وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾.
قيل: يُعْنَى بِهِ الأزواجُ.
ويُرْوَى أن الوَليَّ كان يأخذُ الصَّدُقَةَ لنفسِهِ، فأمر اللهُ عزَّ وجلَّ أن يُدفع إلى النساء، هذا قول أبي صالح.
وقال أبو العباس: معنى ﴿نِحْلَةً﴾ أنه كان يجوز أنْ لا يُعْطَيْنَ من ذلك شيئاً، فَنَحَلَهُنَّ اللهُ عزَّ وَجَلَّ إيَّاهُ.
وقيل: معنى (نِحْلَةً) دِينَاً، من قولهم: فلانٌ يَنْتَحِلُ كذا، أي تَعَبُّدَاً من اللهِ جل وعز.
وقيل: فَرْضَاً، والمعنى واحدٌ، لأن الفرضَ مُتَعَبَّدٌ بِهِ.
وقيل: لا يكون (نِحْلَةً) إلاَّ ما طابتْ به النَّفْسُ، فأمَّا ما أُكْرِهَ عليه فلا يكون (نِحْلَةً).
وقوله عز وجل: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً﴾.
يعني: الصَّدَاق.
أي لا كَدَرَ فيه.
يُقالُ: أَمْرَأَنِي الشَّيْءُ: بالأَلِفِ، فإذا قلتَ: هَنَأَني ومَرَأَنِي ـ هذا مذهب [أكثر] أهل اللغة ـ قالوا لِلإِتْبَاعِ.
وأما أبو العباس فقال: لا يُقال في الخير إلا أَمْرَأَني، ليُفَرَّق بينه وبين الدعاء.
والمروءةُ من هذا، لأن صاحبها يَتَجَشَّمُ أموراً يَسْتمرىءُ عاقبَتَها.
النساء 4:5
وقولُه عز وجل: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾.
قال عبدُالله بنُ عُمَرَ، وجماعةٌ من التابعين: السُّفَهاءُ: النِّسَاءُ، والصِّبْيَانُ.
وإنما قالوا لأن السَّفَه في هؤلاء أكثر.
والسَّفَهُ: الجهلُ، وأصلُه: الخِفَّةُ، يقال: ثوبٌ سَفِيهٌ إذا كان خَفيفاً، وقيل للفاسق: سفيهٌ، لأنه لا قَدْرَ له عند المؤمنين، وهو خفيفٌ في أعينهم، هَيِّنٌ عليهم.
والمعنى: ولا تؤتوا السفهاء فوق ما يحتاجون إليه فَيُفْسِدُوْهُ.
والدليلُ على هذا قوله بَعْدُ: ﴿ وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ أي عَلِّمُوهُمْ أَمْرَ دِيِنِهمْ.
النساء 4:6
وقولُه عز وجل: ﴿وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾.
قال الحسن: أي اختبروهم.
* وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً﴾.
"آنستم" بمعنى: عَلِمْتُمْ وأَحْسَسْتُمْ، ومنه قول الشاعر:
آنَسَتْ نَبْأَةً وَأَفْزَعَها القَنَّا * صُ عَصْرَاً وَقَدْ دَنَا الإِمْسَاءُ
والرُّشْدُ: الطريقةُ المستقيمةُ.
قال مجاهد: العقلُ.
وقال سفيان: العقلُ، والحفظُ للمال.
قال أبو جعفر: وهذا من أحسن ما قيل فيه، لأنه أجمعَ أهلُ العلمِ على أنه إذا كان عاقلاً، مصلحاً، لم يكن ممن يستحقُّ الحَجْرَ عليه في ماله.
* ثم قال تعالى: ﴿فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ﴾.
أي مُبَادَرَةً أن يكبروا فيأخذوها منكم.
وقوله عز وجل: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾.
في هذه الآية أقوالٌ:
أجودُها أنَّ لِوَلِيِّ اليتيم ما للولي أنْ يأْخُذَ منه إن كان فقيراً بمقدار ما يقوم به.
وكذلك رُويَ عن عمر أنه قال: أنا في هذا المال بمنـزلة ولي اليتيم، يأخذ منه ما يصلحه إذا احتاج.
ورَوَى القاسم بن محمد أن أعرابياً سأل ابنَ عباسٍ ما يحلُّ لي من مال يتيمي؟ فَرَخَّصَ له أن يأخذ منه، إذا كان يخدُمُهُ ما لم يسرف.
وقال عَبِيدَةُ، والشعبُّي، وأبو العالية: ليس له أن يأخذ شيئاً إلاَّ قرضاً.
وحدَّثنا عمر بن إسماعيل بن أبي غيلان قال: حدثنا داود الضَّبِّيُ قال: حدثنا عبدالله بن المبارك عن عاصم عن أبي العالية: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ قال: قرضاً، ثم تلا هذه الآية: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ﴾.
وقال أبو يحيى عن مجاهد: ليس له أن يأخذ قرضاً ولا غير ذلك.
وقال بهذا القول من الفقهاء أبو يوسف، وذهب إلى [أنَّ] الآية منسوخةٌ، نَسَخَها قولُهُ: ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوْا لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ تِجَارَةً﴾ وليس بتجارة.
النساء 4:7
وقوله عز وجل: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ﴾.
يُرْوَي أنهم كانوا لا يورِّثون النساء، وقالوا: لا يَرِثُ إلا مَنْ طَاعَنَ بالرُّمحِ، وقاتل بالسيف، فأنزل اللهُ ﴿وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾.
النساء 4:8
وقوله عز وجل: ﴿وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينُ﴾.
في هذه الآية أقوالٌ:
أحدهما: أنها منسوخة.
قال سعيد بن المسيب: نَسَخَتْهَا المِيْرَاثُ وَالْوَصِيَّةُ.
والإِجماعُ من أكثر العلماء في هذا الوقت أنه لا يجب إعطاؤهم، وإنما هذا على جهة النُدْبَةِ إلى الخير.
أي إذا حضروا فأعطوهم كما كان الْمُتَوَفَّى يُؤْمَرُ بإعطاهم.
وقال عبيدة والشعبي والزهري والحسن: هي مُحْكَمَةٌ.
قال ابن أبي نجيح: يجب أن يُعطَوْا ما طابت به الأنفس.
قال أبو جعفر: وأن يكونَ ذلك شكراً على ما رزقهم اللهُ دونه.
* ثم قال تعالى: ﴿وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾.
قال سعيد بن جبير: يُقال لهم: خُذُوا بُوْرِكَ لَكُمْ.
النساء 4:9
وقوله عز وجل: ﴿وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ﴾.
قال سعيد بن جبير ومجاهد: في الرَّجُلِ يحضُرُ عند المريض فيقول له: قَدِّمْ خيراً أو تصدَّقْ على أقربائك، فَأُمِرُوا أَنْ يُشفقوا على وَرَثِة المريض، كما يشفقون على ورثتهم.
وقال مِقْسَمٌ: يقول له مَنْ حَضَرَهُ: اتَّقِ اللهَ، وأَمْسِكْ عليك مَالَكَ، فليس أحدٌ أحقِّ بمالِكَ من ولدك ـ ولو كانوا ذوي قرابةٍ من الذي أوصى ـ لأحبُّوا أن يُوْصِيَ لأولادهم.
وقولُ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ أشبهُ بمعنى الآية، والله أعلم.
لأن المعنى خافوا عليهم الفقر، فالخوف واقع على ذرِّيةِ المَوْتَى.
النساء 4:10
وقوله عز وجل ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً﴾.
اليتيمُ في اللغة: المنفردُ، فقيل لمن مات أبوه من بني آدم: يتيمٌ، وهو في البهائم الذي ماتت أمُّه.
* وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾.
هذا مجازٌ في اللفظ، وحقيقته في اللغة: أنه لمَّا كان ما يأكلون يُؤَدِّيهمْ إلى النار، كانوا بمنـزلة من يأكل النار، وإن كانوا يأكلون الطيبات.
النساء 4:11
وقولُه عز وجل: ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ﴾.
أي يَفْرِضُ علَيكم، كما قال: ﴿وَلاْ تَقْتُلُوْا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ، ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾.
* ثم قال تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ﴾.
خلافاً على أهل الجاهلية، لأنهم كانوا لا يُوَرِّثُون الإِناث.
وقولُه عز وجل: ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾.
ولم يُسَمِّ للاثنتين شيئاً، ففي هذا أقوال:
أ - منها أنه قيل: إن فوقاً ههنا زائدةٌ، وأن المعنى: فإنْ كُنَّ نساءً اثنتين، كما قال: ﴿فَاضْرِبُوْا فَوْقَ اْلأعْنَاقِ﴾
ب - وقيل: أُعطِيَ الاثنتان الثلثين، بدليلٍ لا بنصٍ.
لأن الله عَزَّ وجَلَّ جعل هذه الأشياء يدلُّ بعضُها على بعض، ليتفقَّه لها المسلمون.
والدليلُ: أنه جعل فَرْضَ الأخوات والأخوة للأم، إذا كُنَّ اثنتين أو أكثر واحداً، فقال عز وجل: ﴿وَإِنْ كَاْنَ رَجُلٌ يُوْرَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِيْ الثُلُثِ﴾.
جـ - ودليلٌ آخر: أنه جعل فَرْضَ الأُختِ كفرضِ البنت، فلذلك يجب أن يكون فرض البنتين كفرض الأختين.
قال اللهُ عزَّ وجل: ﴿يَسْتَفْتُوْنَكَ، قُل اللَّهُ يُفْتِيْكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ، إِنِ امْرُوٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ، وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾.
وقال أبو العباس "محمَّدُ بنُ يَزِيدَ": في الآية نَفْسِها دليلٌ على أن للبنتين الثلثين، لأنه قال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ﴾ وأقل العددِ ذَكَرٌ وأُنْثَى، فإذا كان للواحدة الثُّلُثُ، دَلَّ ذلك على أن لِلاْثْنَتَيْنِ الثلين، فهذه أقاويل اهل اللغة.
وقد قيل: ليس للبنات إلاَّ النِّصْفُ، والثلثان، فلما وَجَبَ أن لا يكون للابنتين، وَجَبَ أن يكون لهما الثلثان.
على أن ابن عباس قال: لهما النصف.
وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه أعطى البنتين الثلثين.
ورَوَى جابرُ بنُ عبدِاللهِ أن أمرأة "سَعد بن الربيع" أَتَتْ النبيَّ ﷺ، فقالت يا رسول الله: إنَّ زوجي قُتِلَ معك، وإنما يُتَزَوَّجُ النِّساءُ للمالِ، وقد خَلَّفَنِي وخَلَّفَ ابنتين وأخاً، وأخذ الأخُ المال، فَدَعَاهُ رسول الله ﷺ فقال: "ادْفَعْ اليها الثُّمُنَ، وإلى البنتين الثلثين، ولك ما بقي".
وقوله عز وجل: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ﴾.
أجمعتِ الفقهاءُ أن الإِخوة اثنان فصاعداً، إلا ابنَ عباس فإنه قال: لا يكون الإِخوةُ أقلَّ من ثلاثة.
والدليلُ على أن الاثنين يقال لهما إخوةٌ: قولُهُ: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً﴾ فلا اختلاف بين أهل العلم أنَّ هذا يكون للاثنين فصاعداً، والاثنان جماعةٌ لأنه واحدٌ جَمَعْتَهُ إلى آخر.
وقال: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ يعني طرفيه، والله أعلم.
وصلاة الاثنين جماعة.
وقوله عز وجل: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾.
رُوي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: إنكم تقرؤون ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ وإن رسول الله ﷺ قضى بالدَّيْنِ قبل الوصية.
قال أبو جعفر: كأنَّ هذا على التقديم والتأخير، وليست "أوْ" ههنا بمعنى الواو، وإنما هي للإِباحة.
والفرقُ بينهما وبين الواو أنه لو قال: "مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوْصِي بِهَا وَدَيْنٍ" جاز أن يَتَوهَّمَ السامعُ بأنَّ هذا إذا اجتمعا، فلما جاء بِأَوْ جاز أن يجتمعا، وأن يكون واحدٌ منهما.
وقوله عز وجل: ﴿آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً﴾.
قال ابن عباس: في الدنيا.
وقال غيره: إذا كان الابنُ أرفعَ درجةً من الأب سأل الله أن يلحقه به، وكذلك الأبُ إذا كان أرفع درجةً منه.
* ثم قال تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾.
أي عليمٌ بما فرض، حكيم به.
ومعنى ﴿كَاْنَ﴾ ههنا فيه أقوال:
أحدهما: أنَّ معناه: لم يزل، كأنَّ القومَ عاينوا حكمةً وعلماً، فأعلمهم اللهُ عزَّ وجل، أنه لم يزل كذلك.
وقيل: الإِخبارُ من اللهِ في الماضي، والمستقبلِ، واحدٌ لأنه عنده معلومٌ.
النساء 4:12
وقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو ٱمْرَأَةٌ﴾.
في الكلالة أقوال:
قال البصريُّون: الكلالةُ: الميِّتُ الذي لا وَلَدَ له، ولا والد.
واحتجُّوا بأنه رُوي عن أبي بكر باختلافٍ، وعن علي، وزيد ابنِ ثابتٍ، وابن مسعود، وابن عباس، وجابر بن زيد، أنهم قالوا: الكلالةُ منْ لا وَلَدَ له، ولا وَالِدَ.
وقال البصريون: هذا مثل قولك: "رجلٌ عقيمٌ" إذا لم يولد [له]، وهو مشتقٌ من الإِكليل، فكأنَّ الورثة قد أحاطوا به وليس له ولدٌ ولا والدٌ، فيجوزَ المالَ.
وقال أهل المدينة وأهل الكوفة: الكلاَلةُ: الورثةُ الذين لا والدَ فيهم ولا وَلَدَ.
ورُوي عن عمر قولان:
أحدهما: أن الكلالة مَنْ لا وَلَدَ له، ولا والد.
والآخرُ: أنها مَنْ لا وَلَد له.
قال أبو جعفر: رُوي عن عطاءٍ قولٌ شاذ، قال: الكلالةُ: المالُ.
وقال ابنُ زيدٍ: الكلالة الميِّتُ الذي لا والدَ له ولا وَلَدَ، والحيُّ كلهم كلالةٌ، هذا يرث بالكلالة، وهذا يورث بالكلالة.
وقال محمد بن جرير: الصواب أنَّ الكلالةَ الذين يرثون الميِّت، مَنْ عدا وَلَدَهُ ووَالدَهُ، لصحَّةِ خبرِ جابر ـ يعني ابن عبدالله ـ أنه قال: قلتُ يارسولَ اللهِ إنمَّا يرثني كلالةٌ، فكيف بالميراث؟ فنـزلت.
* ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ﴾.
وإنما يعني ههنا الإِخوةَ والأخواتِ للأم.
وكذلك رُوي عن سعد بن أبي وقاص أنه قرأ: ﴿وَلَهُ أَحٌ أُوْ أُخْتٌ "مِن أُمِّهِ" فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾.
وقرأ الحسن وأبو رَجَاءٍ: ﴿يُوْرِثُ كلالةً﴾.
وقال هارون القارىء: قرأ بعض أهل الكوفة: ﴿يُوَرِّثُ كلالةً﴾.
فَعَلَى هاتين القراءتين لا تكون الكلالةُ إلاَّ الورثة، أو المال.
وقولُه عزَّ وجل ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ﴾.
ورُوي عن الحسن أنه قرأ: ﴿غَيْرَ مُضَارِّ وَصِيَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾، مضافٌ. وقد زعم بعض أهل اللغة أن هذا لَحْنٌ، لأنَّ اسمَ الفاعلِ لا يُضاف الى المصدر.
والقراءةُ حسنةٌ على حذفٍ، والمعنى غيرَ مضارِّ ذِيِ وصيَّةٍ، أي غيرَ مُضَارٍّ بها ورثتَهُ في مِيرَاثهم.
النساء 4:13
وقوله عز وجل: ﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ﴾.
أي ما مَنَعَ أن يُجاوَزَ.. وحَدَدْتُ: مَنَعْتُ.
* ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾.
أي مَنْ يُطعْهُ فيما فَرَضَ وَحَدَّ.
النساء 4:14
ثم قال تعالى ﴿وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً﴾.
معنى "يتعدَّى" يتجاوز، أي يتجاوز ما حُدَّ له.
النساء 4:15
وقوله عز وجل: ﴿وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ﴾.
هذه الآية منسوخةٌ.
قال ابن عباس: كان الأمرُ كذا حتى نزلت الآيةُ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوْا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾.
فأمَّا معنى الآيةِ المنسوخةِ، فإن سُفْيَانَ، والسُّدِّيَّ قالا: "كان الثَّيِّبُ إذا زَنَا حُبِسَ حتَّى يموتَ، وكان البكرُ إذا زَنَا سُبَّ بالقَوْلِ".
إلاَّ أن الفائدة في الآية أنه كان لا يُقبل في الزِّنَا إلاَّ أربعةٌ.
وزعم مجاهد أن قوله: ﴿وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ أنها كانت خاصَّةً على النِّساءِ دون الرجال، والَّتي بعدها على الرجال خاصة، وهي ﴿وَالَّلذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوْهُمَا﴾ بالسَّبِّ، ثم نُسِخَتَا بالحدِّ المفروض، هذا معنى قوله.
قال أبو جعفر: وهذا الصحيح في اللغة الذي هو حقيقةٌ، فلا يُغَلَّبُ المذَكَّرُ على المؤنث إلا بدليلٍ.
فأما معنى ﴿أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ فإن عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ رَوَى أنَّ النبي ﷺ قال: "خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتغريبُ عامٍ، والثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ جَلْدُ مائةٍ والرجمُ".
قيل: هذا الحديثُ منسوخٌ، وهو أن الثَّيِّبُ لا جَلْدَ عليه وإنما عليه الرجمُ، ونَسَخَ هذا الحديثَ حديثُ الزهري عن عُبَيْدِالِله [بن عبدالله] عن أبي هريرة وزيد بن خالد "أنَّ رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن ابني كان عسِيْفاً لهذا، وإنه فسَقَ بامرأتِهِ، فافتديتُ منه، ثم خُبِّرْتُ أنَّ على ابني جَلْدَ مائةٍ وتغريبَ عامٍ، وعلى امرأته الرجم، فقضى رسول الله ﷺ أن يُرَدَّ عليه ما أُخذ منه، وأن يُجلدَ ابنهُ مِائَةً ويُغَرَّبَ عاماً، وتُرْجَمَ المرأةُ، ولم يأمرْ بجلدها".
ويقال: إن حديث عُبَادةَ كان في الابتداء، وإن التغريبَ لا يجبُ، إلا أن يراه السلطانُ، لأنه يجوز أن يكون التغريبُ منه ﷺ لشيء عَلِمَهُ من المجلود.
وقولُ [علي] بن أبي طالب رضي الله عنه إنَّ على الثيِّبَ الجلْدَ والرجمَ، هو قولُ أهلِ النظر، لأنه لم يتبين نَسْخُ الجَلْدِ مع الرجم، فالجَلْدُ ثابتٌ وعليه غيرُ دليلٍ.
النساء 4:17
وَقَوْلُهُ عزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ﴾.
قال قتادة: اجتمع أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ فَرَأَوْا أَنَّ كلَّ مَنْ عَصَى اللهَ عزَّ وجلَّ فهو جاهلٌ.
وقولُه عزَّ وجَلَّ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾.
رُوي عن الضحاك أنه قال: كلُّ ما كان دونَ الموتِ فهو قريب.
النساء 4:18
وقوله عز وجل: ﴿وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ﴾.
رُوي عن عبدالله بن عمر أنه قال: ما حضورُ الموتِ إلاَّ السّوْقُ، يعني أنه إذا عاين تبيَّنَ له الحقُّ، ولا تنفعُهُ التوبةٌ عند ذلك، كما قال جَلَّ وَعَزَّ عن فرعون: ﴿آمنتُ﴾.
النساء 4:19
وقولُه عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً﴾.
قال الزُّهْرِيُّ وأبو مِجْلَز: كان هذا في حَيٍّ من الأنصار، كان الرَّجُلُ إذا تُوفِّي وخَلَّفَ امْرأَةً، ألقى عليها وليُّهُ رداءً فلا تقدرُ أنْ تتزوج، هذا يعني كلامهما، وزاد غيرُهما: ويتزوجها بغير مَهْر، وربَّما ضارّها، ولا تقدر أن تتزوج حتى تفتدي منه، فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً﴾ الآية.
فيكون المعنى: لا يحلُّ لكم أن ترثوهنَّ من أزواجهن فتكونوا أزواجاً لهن.
ويجوز أن يكون المعنى: لا تتزوَّجُوهُنَّ لترثوهنَّ كَرْهاً فيكونُ الميراث وقع منهن، بالكراهة منهن للعقدِ الموجبِ للميراث.
ويُقرَأُ ﴿كُرْهَاً﴾.
والفرَّاءُ يذهب الى أن معنى ﴿كَرْهَاً﴾ أن تُكرَهَ عَلى الشيء، والكُرْهُ من قِبَلِهِ يذهَبُ إلى أنه بمعنى المشقة.
قال الكسائي: الكَرْهُ والكُرْهُ واحدٌ.
وهو عند البصريِّين كما قال الكسائي، وهما لغتان.
وقوله عز وجل: ﴿وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ُلِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ﴾.
قال مجاهد: هو مِثلُ الذي في البقرة.
يذهبُ إلى أن معناهُ ولا تحبسوهنَّ.
ويُروى أن الرجل كان يتزوج المرأة فلا تعجبه، فيحبسها ويضارها حتى تفتديَ منه.
ثم قال عز وجل: ﴿إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾.
قال الحسن والشَّعْبي: يعني الزنا.
قال الشَّعبي: فإن فَعَلَتْ ذلك صَلُحَ الخلْعُ وكان له أن يطالبها به.
وقال مِقْسَمٌ: هذا إذا عَصَتْكَ وآذتْك.
وقال عطاء الخراساني: كان الرجل إذا تزوج المرأة فَأَتَتْ بفاحشة كان له أن يأخذ منها كلما ساقه إليها. فَنُسِخَ ذلك بالحدود.
وقوله عز وجل: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾.
أي في المبيتِ، والنفقةِ، والكلامِ.
النساء 4:20
وقولُه جَلَّ وعَزَّ: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ﴾.
أي تطليقاً وتَزَوُّجَاً.
ثم قال: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً﴾ القنطارُ المالُ الكثير. وقد ذكرناه في سورة آل عمران.
وقوله عز وجل ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾؟ [آية ٢٠].
والبهتانُ في اللغةِ: الباطلُ الذي يُتَحَيَّرُ من بُطلانِهِ، ومنه بُهِتَ الرَّجُلُ إذا تَحَيَّرَ.
النساء 4:21
وقوله عز وجل: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ﴾؟ [آية ٢١].
قال ابن عباس: الإِفضاءُ الغِشْيَانُ.
وأصلُ الإِفضاء في اللَّغةِ: المخالطةُ، ويُقالُ للشيءِ المختلط: فَضَاً.
قال الشاعر:
فَقُلْتُ لَهَا يَاعَمَّتَا لَكِ نَاقَتِي * وتَمُرٌ فَضَاً في عَيْبَتِيْ وَزَبِيْبُ
ويُقال: القومُ فَوْضَى فضاً، أي مختلطون، لا أَمِيْرَ عليهم.
وقوله عز وجل: ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾.
قال ابنُ عباسٍ والحسنُ: هو قوله: ﴿فَأَمْسِكُوْهُنَّ بِمَعْرُوْفِ أَوْ سَرَّحُوْهُنَّ بِمَعْرُوِفٍ﴾.
وجَعَله بمنـزلةِ الميثاقِ المغَلَّظ، أي اليمين، مجازاً.
وقال مجاهد وعكرمة: اسْتَحْلَلْتُمُوْهُنَّ بأمانة الله، ومَلَكْتُمُوْهُنَّ بكلمة الله عَزَّ وَجَلَّ.
النساء 4:22
وقوله عزَّ وجل ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
يقال: كيف استثنى ﴿مَا قَدْ سَلَفَ﴾ مما لم يكن بَعْدُ؟
فالجواب: أن هذا استثناء ليس من الأول، والعربُ تقول: ما زاد إلاَّ مَا نقصَ.
و [سيبويه] يجعل "إلاَّ" بمعنى "لكنْ" المعنى لكنْ مَا قَدْ سَلَفَ فإنه مَغْفُوْرٌ، أَوْ فَدَعُوهُ.
ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً﴾.
يقال: لِمَ جيء بـ (كان) وهو بكل حالٍ فَاحِشَةٌ؟
ففي هذا جوابان:
قال أبو إسحاق: قال أبو العباس محمد بن يزيد:
"كان" ههنا زائدةٌ، والمعنى: إنه فَاحِشَةٌ، وأَنْشَدَ:
فَكَيْفَ إِذَا رَأَيْتَ دِيَارَ قَوْمٍ * وَجِيرَانٍ لَنَا كَانُوا كِرَاْمِ
قال أبو جعفر: قال أبو إسحاق: وهذا عندي خطأٌ، لأن "كان" لو كانت زائدة، وَجَبَ أن يكون "إنه كان فَاحِشَةٌ ومَقْتٌ".
والجوابُ: أن هذا كان مستقبحاً عندهم في الجاهلية، يُسَمُّوْنَهُ فاحشةً ومقتاً.
والمَقْتُ أَشَدُّ البُغْضِ، ويُسمُّون المولودَ منه المَقْتِيَّ، فَأَعْلَمَ اللهُ جلَّ وعزَّ أنَّ هذا الذي حَرَّمَهُ كان قبيحاً في الجاهلية مَمْقُوْتَاً.
النساء 4:23
وقوله جل وعز: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ﴾.
هذه المحرمات تُسَمَّى المُبْهَمَات، لأنها لا تَحِلُّ بِوَجْهٍ، ولا سبب، إلاَّ قولهُ: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ﴾ فإِنَّ أكثر الفقهاء يجعلهُ من الأولِ.
وقال بعضهم: إذا تزوجها ولم يدخل بها لم تحرم عليه أُمُّهَا.
وهذا القول على مذهب أهل اللغة بعيدٌ، لأن الشرط لمن يقعْ عليه، ولأن قولَه: ﴿مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ متعلقٌ بقوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ ٱللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾، ولا يجوز أن يكون قوله (اللاتي) من نَعْتِهِمَا جَمِيْعَاً، لأن الخَبَريْنِ مختلفان، ولكنه يجوز على معنى أَعْنِي.
وأنشد الخليلُ وسِيبَويْهِ:
إنَّ بِهَا أَكْتَلَ أَوْرِزَامَا * خُوَيْرِبَيْنِ يَنْقُفَانِ الْهَامَا
خُوَيْرِبَيْن بمعنى أعني.
والربيبةُ: بنتُ امرأةِ الرجل، وسُميت "رَبِيبةً" لأن زوجَ أمها يُرَبِّيْهَا، ويجوز أن تُسَمَّى ربيبةً، وإن لم يُرَبِّها، لأنها ممن يُرَبِّيها، كما يقال: أُضْحِيةٌ، من قبلِ أن يُضَحَّى بها، وكذلك حَلُوَبَةٌ أي يُحْلَبُ، قال الشاعر:
فيها اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً * سُودَاً كَخَافِيَةِ الغُرابِ الأسْحَمِ
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ﴾.
حَلِيْلَةُ الرَّجُلِ: امرأتُه، والرجلُ حَلِيلٌ، لأن كل واحد منهما يَحِلُّ على صاحبه.
وقيل: حَلِيْلَةٌ بمعنى مُحَلَّةٍ، من الحلالِ والحرام، قال الشاعر:
وَحَلِيلِ غَانِيَةٍ تَرَكْتُ مُجَدَّلاً * تَمْكُو فَرِيصَتُهُ كَشِدْقِ الأَعْلَمِ
فأما الفائدة في قوله: ﴿مِنْ أَصْلاَبِكُمْ﴾ فهي على إخراج الحليلاتِ بناتِ الأدعياء المُتَبَنَّيْنَ من هذا، غير أن (في حُجورِكُمْ) يَدْلُّ على التربية.
وقَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
فهذا استثناء ليس من الأول، والمعنى لكنْ ما قَدْ سَلَفَ فإنه مَغْفُوْرٌ.
النساء 4:24
وقَوْلُهُ جلَّ وعَزَّ: ﴿وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ﴾.
قال عليٌ وابنُ عباسٍ وأبو سعيدِ الخُدْريُّ: هن ذواتُ الأزواج لا تحِلُّ واحدةٌ مِنهُنَّ إلاَّ أَنْ تُسْبَى.
قال عبدالله بن عباس: نكاحُ ذواتِ الأزواجِ زِنَا إلا أنْ تُسْبَى، وقد كان لها زوجٌ فَتَحِلُّ بِمِلّكِ اليمين.
وقولٌ آخرُ: أنهنَّ الإِماءُ ذواتُ الأزواج، إذا استُؤنف عليهنَّ المِلْكُ، كان فاسخاً لنكاحهنَّ.
رُوي هذا عن ابن مسعودٍ، وأُبِّي بنِ كَعْبٍ، وجابرٍ، وأَنَسَ.
وقول ثالثٌ: قال أبو عبيدة: ﴿إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ﴾ الأربع.
وأحسنُها الأولُ، لحديث أبي سعيد الخدري: "أصبْنَا سَبْيَاً يوم أوطاس، ولهن أزواج، فكَرِهْنَا أن نقع عليهن، فسألنا رسول الله، فنـزلت هذه الآية، فَاسْتَحْلَلْنَاهُنَّ".
* وقوله جل وعز: ﴿كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.
أي فَرْضَ اللهِ عليكم.
وَقُرِىءَ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ عليكم﴾ أي فَرَضَ اللهُ تحريم هؤلاء:
ولم يَقُلْ: إنه لا يحرمُ عليكم سِوَاهُنَّ.
وقد صَحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تُنْكَحُ المرأةُ على عَمَّتِهَا، ولا على خالتها".
وصَحَّ عنه ﷺ أنه قال: "يَحْرُمُ من الرَّضاعةِ ما يَحْرُمُ من النَّسَبِ".
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ﴾.
﴿مُّحْصِنِينَ﴾ أي ناكحين.
﴿غَيْرَ مُسَافِحِيْنَ﴾.
قال مجاهد: أي غير زانين.
وأصلُه من سَفَحَ، إذا صَبَّ، كما قال الشاعر:
وَإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ إنْ سَفَحْتُهَا * فَهَل عِنْدَ رَسْمٍِ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ
فَسُمِّيَ الزنا "سِفَاحَاً" لأنه بمنـزلة الماءِ المصبوب.
* وقوله جل وعز: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهَنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾.
في معنى هذه الآية قولان:
أحدهما: أنها منسوخة.
ورُويَ عن سعيد بن المسيِّبِ ذلك.
ورَوَى عكرمةُ بن عمار عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: "إن الله جَلَّ وعَزَّ حَرَّمَ أو أَهْدَرَ المُتعةَ بالطَّلاقِ، والنِّكاحِ، والعِدَّةِ، والميراثِ".
وَرَوَى مالك عن الزهري أن عبدالله بن محمد بن علي بن أبي طالب ـ رحمة اللهِ عليهم ـ والحسنَ بنَ محمد بن علي، أخبراهُ أن أباهما أخبرهما أنه سَمِعَ عليَّ بنَ أبي طالبٍ رضي اللهُ عنه يقول لابنِ عباسٍ: "إنك رَجُلٌ تائِهٌ، إن رسول الله ﷺ نَهَى عن المتعة".
وقالت عائشة: حرَّمَ اللهُ المتعة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُم لِفُرُوْجِهِمْ حَافِظُوْنَ. إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾.
والدليل على أن "المُسْتَمْتَعَ بها" غيرُ زوجةٍ، أنها لو كانت زوجةً لَلَحِقَها الطَّلاقُ، وكان عليها عِدَّةُ الوفاةِ، ولَحِقَ وَلدُها بأبيه ولتوارثا.
ومعنى ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ المَهْرُ.
والدليلُ على ذلك أنَّ بعده ﴿فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.
فهذا بإجماعٍ: المَهْرُ.
ورُوي عن أُبِّي بنِ كعبٍ وابنِ عباسٍ أنهما قَرَءَا: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلَى أَجَلٍ مُسَمَّى﴾.
والقولُ الآخرُ: أنَّ هذا ليس من المُتْعَةِ.
وقال الحسنُ ومجاهدٌ: هو من النكاح.
فالمعنى ﴿فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ من النكاح.
أي إن دَخَلتُمْ بها فَلَها المَهْرُ، ومَن لَمْ يَدْخُل كان عَلَيْهِ نصفُ المَهْرِ.
والدليلُ على أن هذا هو القول الصحيح قوله: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ﴾.
أي إن وهب لها النصفَ الآخَرَ [فلا جُنَاحَ] وإِنْ وَهَبَتْ له النصفَ فلا جُنَاحَ.
ثم قال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾.
أي هو عليمٌ بما فرض عليكم في النكاح.
النساء 4:25
وقوله عز وجل: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً﴾.
أي قُدْرَةً على المهر.
والطَّوْلُ في اللغةِ: الفَضْلُ، ومنه تَطَوَّلَ اللهُ علينا.
والطُّولُ في القامةِ فَضْلٌ، والطِّوَلُ: الحَبْلُ، ويقال أُكَلَّمُهُ طَوَالَ الدَّهر.
وفي قوله عز وجل: ﴿أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَاتِ﴾ قولان:
أحدهُما: أَنَّهُنَّ العَفَائفُ.
والآخر: أنهنَّ الحَرَائِرُ.
والأشبه أَنْ يَكُنَّ الحرائر [لقوله]: ﴿فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ﴾ يعني المملوكات.
والعربُ تقول للملوك فَتَىً، وللملوكةِ فتاة.
ثم قال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ﴾.
في معنى هذا قولان:
أحدهما: بنو آدم.
والقولُ الآخرُ: إنكم مؤمنون فأنتم إخوةٌ.
وإنما قيل لهم [هذا] فيما رُوي لأنهم في الجاهلية كانوا يُعَيّرُونَ بِالْهُجْنَةِ، ويُسَمُّون ابنَ الأَمَةَ هَجِيْنَاً، فقال عَزَّ وجَلَّ: ﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾.
وقوله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ﴾ أي مُتَزَوِّجَاتٍ ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾.
أي غير زانياتٍ ﴿وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾.
الخِدْنُ: الصديقُ، أي غَيْرَ زَانَيِاتٍ بوَاحِدٍ وَلاَ مَبْذُوْلاَتٍ.
* ثم قال جل وعز: ﴿فَإِذَآ أُحْصِنَّ﴾.
قال الشعبي: معناه فإذا أَسْلَمْنَ.
ورُوي عن عبدالله بن مسعود أنه قال: الإِحصان: الإِسلام.
ويُقرأ "فإذا أُحْصِنَّ".
قال ابن عباس: تُزوِّجن، إذا كانت غير متزوجة.
وقال الزهري: معناه فإذا تُزوِّجْنَ، قال الزهري: تُحدُّ الأَمَةُ إذا زنت وهي متزوجةٌ بالكتاب، وتُحدُّ إذا زنت ولم تتزوج بالسُنَّة.
والاختيارُ عند أهل النظر "فَإِذَا أُحْصِنَّ" بالضمِّ، لأنه قد تقدَّم ذكرُ إسلامهنَّ في قولِه عز وجل ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْمُؤْمِنَاتِ﴾.
فَدَلَّ ذلك على أن الإِحصان الثاني غير الإِسلام، فالاختيارُ على هذا ﴿أُحْصِنَّ﴾ بالضم، أي تُزُوِّجْنَ.
وقيل: ﴿أَحْصَنَّ﴾ تَزَوَّجْنَ، وَذَا أَولَى لأنه قال: ﴿مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ﴾، فَيَبْعُدُ أن يقول: فإذا أَسْلَمْنَ.
* ثم قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ﴾.
يعني نِصْفَ الحدِّ، ويعني بالمحصنات ههنا الأبكار الحراير لأَنَّ الثَّيِّبَ عليها الرَّجْمُ ولا يَتَبَعَّضُ.
قيل: وإنما قيل لِلبِكرِ مُحْصَنَةٌ، وإن لم تكن متزوجةً، لأنَّ الإِحصان يكون لها، كما يقال: أُضْحِيَةٌ قبل أن يُضَحَّى بها، وكما يقال للبقرة: مُثِيْرَةٌ قبل أن تُثِير.
وقيل: "المحصَنَاتُ" المتزوجاتُ، لأنَّ عليهنَّ الضربَ والرجْمَ في الحديث، والرجمُ لا يَتَبَعَّضُ، فصار عليهن نصفُ الضَّربِ.
* ثم قال جَلَّ وعَزَّ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾.
قال الشعبي: يعني الزنا.
والعَنَتُ في اللُّغةِ: المشَقَّةُ، يقال: أَكَمَةٌ عَنُوْتٌ، إذا كانت شاقَّةً.
* ثم قال جَلَّ وعَزَّ: ﴿وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
أي وأن تصبروا عن نكاحِ الإِماءِ خيرٌ لكم، وإنما شَدَّدَ في الإِماء، لأن وَلَدَ الرجُلِ منها يكون مملوكاً، وهي تُمْتَهَنُ في الخدمةِ، وهذا شَاقٌّ عَلَى الزوج.
النساء 4:26
وقوله عز وجل: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾.
أي طُرُقَ الأنبياء والصالحين قبلكم لتتبَّعوها.
النساء 4:27
وقولُه جل وعز: ﴿وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً﴾.
أي يُريدونَ أَنْ تَعْدِلُوا عن القَصْدِ وَالحَقِّ.
النساء 4:28
وقوله جلَّ وعز ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً﴾.
قال طاوُوس: خُلِقَ ضعيفاً في أمر النساء خاصة.
ورُويَ عن ابن عباسٍ أَنه قَرَأَ: ﴿وَخَلَقَ الإِنَسَانَ ضَعِيفَاً﴾ أي خَلَقَ اللهُ الإِنسانَ ضعيفاً.
النساء 4:29
وقولُه جَلَّ وعَزَّ: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ﴾.
أي لا يَحِلُّ لكم إلاَّ على ما تَقَدَّمَ، من هِبَةٍ، أو مَهْرٍ، أو صَدَقَةٍ، أو بَيْعٍ، أو شراءٍ، وما أشبه لك.
* وقوله جل وعز: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾.
قال عَطَاءٌ: أي لا يقتُلْ بعضُكُم بعضاً.
وذلك معروفٌ في اللغةِ، لأنَّ المُؤمِنَ مِنَ المُؤمِنِ بِمَنْزِلَةِ نَفْسِهِ.
وَقَرَأَ الحَسَنُ: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ﴾ على التكثير.
النساء 4:30
ثم قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً﴾.
العُدْوَانُ في اللغةِ: المُجَاوَزَةُ لِلْحَقِّ.
والظُّلْمُ: وَضْعُ الشيء في غيرِ مَوْضِعِهِ.
* ثم قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾.
أي سَهْلاً، يقال: يَسُرَ الشيءُ فهو يَسِيْرُ، إذا سَهُلَ.
النساء 4:31
وقولُه جَلَّ وعَزَّ: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الكبائرُ: الشِّرْكُ باللهِ، والسِّحْرُ، وقَذْفُ المُحْصَنَةِ، وأَكْلُ الرِّبا، وأَكْلُ مالِ اليتيمِ والفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وعُقُوْقُ الوَالِدَيْنِ.
وقال عبدُاللهِ بنُ مسعودٍ: الكبائرُ: الشركُ بالله، والقُنُوْطُ من رحمةِ اللهِ، واليأسُ منر رَوْحِ (الله)، وأمنُ مَكْرِ اللهِ.
وقال طاووس: قيل لأبن عباسٍ: الكبائرُ سَبْعٌ؟
قال: هي إلى السَّبْعِيْنَ أَقْرَبُ.
وحقيقةُ الكبيرةِ في اللغةِ: أنها مِاْ كَبُرَ وَعَظُمَ مما وَعَدَ اللهُ جلَّ وعَزَّ عليهِ النارَ، أَوْ أَمَرَ بعقوبةٍ فيه، فما كان على غير هذين جاز أن يكون كبيرةً وأن يكون صغيرةً.
* ثم قال تعالى: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَآتِكُم﴾.
قال أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يصيبه هَمٌّ، أو نَصَبٌ، إلاَّ كُفِّرَ عنه به".
* ثم قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً﴾.
قيل: يعني به الجنةَ، واللهُ أَعْلَمُ.
النساء 4:32
وقولُه جَلَّ وعَزَّ: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾.
رُويَ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالت: يا رسولَ اللهِ فَضَّلَ اللهُ الرجالَ على النساءِ بالغَزْوِ، وَفي الميراثِ، فأنزل اللهُ: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾.
وقيل: إنما نُهِيَ عن الْحَسَدِ.
والحَسَدُ عند أهل اللغة أَنْ يتمنَّى الإِنسانُ ما لغيرِهِ بأنْ يزولَ عنه، فإنْ تمنَّى ما لغيره، ولم يُرِدْ أن يزولَ عنه سُمِّيَ ذلك غِبْطَةً.
المعنى: ولا تَتَمَنَّوْا "تَلَفَ" مَاْ، ثم حُذِفَ.
وقال قتادة: كان "أهل" الجاهلية لا يُوَرِّثُونَ النساءَ، ولا الصبيان فلما وُرِّثُوا، وجُعِلَ للذكر مثلُ حظِّ الأنثيين، تمنَّى النساءُ أَنْ لَوْ جُعِلَ أنصباؤهن كأنصباء الرجال، وقال الرجال: إنا لَنَرْجُوْا أن نَفْضُلَ على النساء بِحسَنَاتِنَا في الآخرةِ، كما فُضِّلْنَا عليهن في الميراثِ، فَنَـزَلَتْ: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ، لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ﴾. أي المرأةُ تُجْزَى بِحَسَنَتِهَا عَشْرَ أمثالها، كما يُجْزَى الرجالُ.
وقال سعيد بن جبير: ﴿وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾
العبادة، ليس من أمرِ الدنيا.
وقيل: سلوه التوفيقَ للعمل لما يُرْضِيْهِ.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ أي بما يُصَلِحُ عِبَادَهُ.
النساء 4:33
وقولُه جَلَّ وعَزَّ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ﴾.
قال مجاهد: هم بنو العَمِّ.
وقال قتادة: هم الأقرباء، منهم الأبُ، والأخُ.
وقال الضحاك: يعني الأقرباءَ.
وهذا قولُ أكثر أهل اللغة.
وقولُه جَلَّ وعَزَّ: ﴿وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾.
هذه الآية منسوخة.
قال ابن عباس: كانوا في الجاهلية يجيء الرجل الى الرجل فيقول له: أََرِثُكَ وَتَرِثُنِيْ، فيكون ذلك بينهما حِلْفاً، فَنَسَخَ اللهُ ذلك بقوله: ﴿وَأُولُوا الأَرْحامِ، بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِيْ كِتَاْبِ اللَّهِ﴾.
وكذلك رُوي عن الحسنِ وعكرمةَ وقتادةَ أَنَّ الآية مَنْسُوخةٌ.
وقال سعيد بن المسيب: كان الرَّجُلُ يتبنَّى الرَّجُل فيتوارثان على ذلك [فنسخه] اللهُ جَلَّ وعَزَّ.
النساء 4:34
وقوله جَلَّ وعَزَّ: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ﴾.
قيل: لأن منهم الحُكَّامَ والأمراءَ وَمَنْ يَغْزُوْ.
* ثم قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
أي من المهور.
* ثم قال جل وعز: ﴿فَٱلصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾.
قال قتادة: أي مُطِيْعَاتٌ.
وقال غيره: أي قَيِّمَاتٌ لأزواجهنَّ بما يجبُ مِنْ حَقِّهِنَّ.
* ثم قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ﴾.
قال قتادة: أي لِغَيْبِ أزواجهن.
﴿بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ﴾ أي بما حَفِظَهُنَّ اللهُ به في مهورهن والإِنفاق عليهن.
وقرأ أبو جعفر المدني: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهَ﴾.
ومعناه بأَنْ حَفِظْنَ اللهَ في الطاعه، وتقديرُهُ بِحِفْظِ اللهِ.
وقولُه جَلَّ وعَزَّ: ﴿وَٱللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾.
قال أهل التفسير: النشوزُ: العداوةُ.
والنُّشُوزُ في اللغةِ: الارتفاعُ، ويُقال لِمَا ارتفع من الأرض: نَشْزٌ، وَنَشَزٌ.
وَالعَدَاوَةُ: هي ارتفاعٌ عما يجبُ، وزوالٌ عنه.
قال سفيان: معنى ﴿فَعِظُوْهُنَّ﴾ أي فعِظُوهُنَّ بالله.
﴿وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ﴾.
قال سفيان: مِنْ غَيْرِ تَرْكِ الْجِمَاعِ.
﴿وَٱضْرِبُوهُنَّ﴾.
قال عطاء: ضرْباً غير مبرِّح.
* ثم قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾.
قال ابن جريح: أي لا تطلبوا عليهنَّ طريقَ عَنَتٍ.
* ثم قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾.
أي هو مُتَعَالٍ عن أن يُكَلِّفَ إلا الحقّ ومقدار الطاقة.
النساء 4:35
وقولُه جل وعزَّ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾.
قال أبو عبيدة: معنى ﴿خِفْتُمْ﴾ أيقنتُمْ.
قال أبو جعفر: قال أبو إسحاق: هذا عندي خطأٌ، لأَِنَّاْ لَوْ أيقنَّا لم يحتج إلى الحَكَمَيْنِ، و "خِفْتُمْ" ههنا على بابها.
والشقاقُ: العداوةُ، وحقيقتُه أن كلَّ واحدٍ من المعَادِيَيْنِ في شِقٍّ خلاف شِقِّ صاحِبِهِ.
قال مجاهد: يعني الحَكَمَيْنِ.
قال أبو جعفر: وهذا قولٌ حَسَنٌ، لأنهما إذا اجتمعتْ كَلِمَتُهُما قُبِلَ منهما، على أنَّ في ذلك اختلافاً.
رُوي عن سعيد بن جبير أنه قال: للحَكَمَيْنِ أن يُطَلِّقَا على الرجل إذا اجتمعا على ذلك، وهذا قولُ مالكٍ.
وفيه قولٌ آخر: وهو أنهما لا يُطَلِّقَانِ عليه حتى يرضى بحكمهما.
وروى هذا القولَ أيوبُ وهشامٌ عن محمد بن سيرين عن عَبِيدَةَ عن علي رحمَهُ اللهُ أنه قال للحَكَمَيْنِ: "لكما أن تجمعا وأنْ تُفَرِّقَا فقال الزوجُ: أما التفرقةُ فلا، قال عليُّ: والله لَتَرْضَيَنْ بكتاب الله".
* ثم قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾.
أي هو عليمٌ بما فيه الصلاحُ، خبيرٌ بذلك.
النساء 4:36
وقوله جَلَّ وعَزَّ: ﴿وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً﴾.
أي لا تعبدوا معه غيره، فتبطلَ عبادَتُكم.
* ثم قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾.
أي وصَّاكم بهذا، والتقدير: وأَحْسِنُوا بالوالدين إحساناً.
وقولُه جَلَّ وعَزَّ: ﴿وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾.
هو الذي بينك وبينه قرابةٌ.
* ثم قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ﴾.
قال ابن عباس: هو الغريب، وكذلك هو في اللغة، ومنه فلانٌ أَجْنَبِيٌ، وكذلك الجَنَابَةُ: البُعْدُ.
وأنشد أهل اللغة:
فَلاَ تَحْرِمَنِّي نائِلاً عن جَنَابَةٍ * فإنِّي امْرُوٌ وَسْطَ القِبَابِ غَرِيْبُ
* ثم قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَٱلصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾.
رُوي عن علي وعبدالله بن مسعود وابن أبي ليلى أنهم قالوا: الصاحِبُ بالجَنْبِ: المرأةْ.
وقال مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك: الصاحبُ بالجَنْبِ: الرفيقُ في السَّفَرِ.
* ثم قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾.
قال قتادة ومجاهد والضحاك: هو الضيفُ.
والسَّبِيْلُ في اللغةِ: الطريقُ، فَنُسِبَ إليها لأنه إليها يَأوِي.
وقوله عز وجل ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾.
المختالُ في اللغةِ: ذو الخُيَلاَءِ.
فإن قيل: فكيف ذكرَ المختالَ ههنا، وكيف يُشْبِهُ هذا الكلامُ الأوَّلَ؟.
فالجوابُ أنَّ من الناس مَنْ تَكَبَّرَ على أقربائِهِ إذا كانوا فقراءَ، فَأَعْلَمَ اللهُ عزَّ وجلَّ أنه لا يُحِبُّ مَنْ كان كذا.
النساء 4:37
وقوله عزَّ وجل ﴿ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً﴾.
قال إبراهيم ومجاهد وقتادة: نزل هذا في اليهود.
وهو قولٌ حَسَنٌ عند أهل اللغةِ، لأن اليهود بَخِلُوْا أَنْ يُخْبِرُوا بصفة النبي ﷺ، وهي عندهم في التوراة، وكتموا ما آتاهم اللهُ من فضْلِهِ، أي ما أعطاهم.
والدليلُ على هذا قولُهُ: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً﴾.
النساء 4:38
ثم قال عز وجل: ﴿وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ﴾.
قال إبراهيم: يعني به اليهود أيضاً.
وقال غيره: يعني به المنافقين.
* ثم قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً﴾.
أي مَنْ يَقْبَل ما سَوَّلَ له الشيطانُ، فَسَاءَ عَمَلاً عَمَلُهُ.
النساء 4:40
وقوله جَلَّ وعَزَّ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾.
أي وَزْنَ ذَرَّةٍ. يُقال: هذا مثقال هذا، أي وَزْنَ هذا.
وَمِثْقَالٌ: مِفْعَالٌ، من الثُّقْلِ.
والذَّرَّةُ: النَّمْلَةُ الصغيرةُ.
ورَوَى عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن النَّبِيَّ ﷺ قال: "يخرجُ مِنَ النار مَنْ كان في قلبه مثقالُ ذرةٍ من إيمانٍ". ثم قال أبو سعيد: إِنْ شَكَكْتُمْ فَاقْرَؤُوا: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾.
* ثم قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾.
قال سعيد بن جبير: يعني الجنة.
ومعنى ﴿يُضَاعِفْهَا﴾ يجعلها أضعافاً.
وقرأ أبو رجاء العُطَارِدِي: ﴿يُضَعِّفْهَا﴾.
ومعنى ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ من قبله.
النساء 4:41
وقوله جَلَّ وعَزَّ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾.
في الكلام حذفٌ لعلْمِ السامعِ، والمعنى: فكيف تكون حالُهم إذا جئنا من كل أمة بشهيد؟ وفي الكلام معنى التوبيخ.
قال عبدالله بن مسعود: قال لي النبيُّ ﷺ: "اقْرَأْ عَلَيَّ" فقلتُ: آقرأُ عليك وعليك أنزل؟ فقال: "نَعَمْ" فقرأت عليه من أول النساء حتى بلغتُ الى قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَذْرِفَانِ.
وقال: (شَهِيْدَاً عَلَيْهِمْ مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيْبَ عَلَيْهِمْ).
النساء 4:42
وقولُه جَلَّ وعَزَّ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تَسَّوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ﴾.
وقرأ مجاهد وأبو عمرو: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ﴾.
فمن قرأ: ﴿تَسَّوَّى﴾ فمعناه على ما رُويَ عن قتادة: لو تَخَرَّقَتْ بهم الأرضُ فَسَاخُوْا فيها.
وقيل ـ وهو أَبْيَنُ ـ: إن المعنى أنهم تَمَنَّوْا أن يكونوا تراباً كالأرض، فَيَسْتَوُوْنَ هُمْ وَهِيَ، ويَدُلُّ على هذا ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً﴾.
وكذلك "تُسَوَّى" لو سوَّاهم اللهُ عز وجل، فصاروا تراباً مثلها.
والقراءةُ الأولى موافقةٌ لقولهم "كُنْتُ" ولم يقولوا: كُوِّنْتُ.
وَرُويَ عن الحسن في قوله: ﴿تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ﴾ قال: تَنْشَقُّ فَتُسَوَّى عليهم.
يذهبُ إلى أن معنى "بهم" عليهم، فتكون "الباء" بمعنى "على" كما تكون "في" بمعنى "عَلَى" في قوله عز وجل:
﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِيْ جُذُوْعِ النَّخْلِ﴾.
ثم قال عز وجل: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً﴾.
فَيُقَالُ: أليس قد قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِيْنَ﴾؟
ففي هذا أجوبةٌ.
منها: أن يكون داخلاً في التَّمَنِّي، فيكون المعنى: أنهم يَتَمَنَّوْنَ أَلاَّ يكتموا اللهَ حدثياً، فيكون مثل قولك: ليتني ألقى فلاناً وأُكَلّمُهُ.
وقال قتادة: هي مواطن في القيامة، يقع هذا في بعضها.
وقال بعض أهل اللغة: هم لا يقدرون على أن يكتموا، لأن اللهَ عالمٌ بما يُسِرُّونَ.
وقيل قولُهم: ﴿واللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ عندهم أنهم قد صدقوا في هذا، فيكون على هذا ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً﴾ مستأنفاً.
النساء 4:43
وقوله عز وجل ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾.
قال الضحاك: أي سُكَارَى من النَّوْمِ.
وقال عكرمة وقتادة: هذا مَنْسُوْخٌ.
وقال قتادة: نسخه تحريم الخمر.
يذهب إلى أن معنى سُكَارَى من الشراب.
والدليلُ على أن هذا القول هو الصحيحُ أن عمر بن الخطاب رحمهُ الله قال: أُقيمت الصلاةُ فنادَى مُنَادِي رسول الله ﷺ "لاَ يَقْرَبَنَّ الصَّلاةَ سَكْرَان".
ورُوي أن بعض من أصحاب رسول الله ﷺ صَلَّى بقومٍ فقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾، فَخَلَّطَ فيها فنـزلت: ﴿لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ﴾.
ثم نُسِخَ هذا بتحريم الخمر.
* ثم قال جل وعز ﴿وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُواْ﴾.
قال عبدالله بن عباس وأنس: إلا أن تَمُرَّ، ولا تجلس.
ورُويَ عن ابن عباس: هو المُسَافِرُ يَمُرُّ بالمسجد مُجْتَازَاً.
وروي عن عائشة رحمها اللهُ أنها حَاضَتْ وهي مُحْرِمَةٌ فقال لها النبي ﷺ: "اِفْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أَن لاَ تَطُوفِي بِالبَيْتِ".
* ثم قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن ٱلْغَآئِطِ﴾.
قال بعض الفقهاء: المعنى وجاء أَحَدٌ منكم من الغائط.
وهذا لا يجوز عند أهل النظر من النحويِّين، لأَِنَّ لِـ "أوْ" معناها، وَلِلْوَاوِ معناها، وهذا عندهم على الحذفِ.
والمعنى: وإنْ كنتم مَرْضَى مَرَضَاً لا تقدرون فيه على مَسِّ الماءِ، أو على سَفَرٍ ولم تجدوا مَاْءً، واحْتَجْتُمْ إلى الماء.
* ثم قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾.
قال ابن عباس: ﴿لاَمَسْتُمْ﴾ جَاْمَعْتُمْ.
ويُقْرَأُ: ﴿أَوْ لَمَسْتُمْ﴾.
قال محمد بن يزيد: مَنْ ذَهَبَ إلى أنه الجماعُ فَالأَحْسَنُ أَنْ يقولَ: (لَمَسْتُمْ) مثل: غَشِيْتُمْ، وهذا الفِعْلُ إنما نُسِبَ إلى الرَّجُلِ، ومَنْ ذَهَبَ إلى أنه دون الجماعِ فَالأَحْسَنُ أن يقول: (لاَ مَسْتُمْ).
* ثم قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً﴾.
معنى (تَيَمَّمُوْا) تَعَمَّدُوْا وَاقْصِدُوْا. يقال: تَيَمَّمْتُ كذا وتَأَمَّمْتُهُ: إذا قَصَدْتهُ.
والصَّعِيدُ في اللغة: وَجْهُ الأرضِ كان عليه ترابٌ أو لم يكن.
والدليلُ على هذا قولُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدَاً زَلَقَاً﴾.
وإنما سُمِّيَ صَعِيْدَاً لأنه نهايةُ ما يَصْعدُ إليه الأرضِ.
والطَّيِّبُ: النظيفُ.
* ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾.
لأنه قَدْ عَفَا جَلَّ وعَزَّ، وسَهَّلَ في التَّيَمُّمِ.
النساء 4:44
وقولُهُ جَلَّ وعَزَّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ﴾.
قال أهل التفسير: يعني به اليهود، لأن عندهم صفة النبي ﷺ.
ومعنى ﴿يَشْتَرُونَ ٱلضَّلاَلَةَ﴾ يَلزَمُونَها، وقد صاروا بمنـزلة المشتري لها، والعربُ تقول لكل مَنْ رَغِبَ في شيء: قد اشتراه.
ومعنى ﴿وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ﴾.
أي يريدون أن تضلوا طريقَ الحقِّ.
النساء 4:45
ثم قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾.
أي فهو يَكْفِيْكُمُوْهُمْ.
* ثم قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيراً﴾.
قال أبو إسحاق: إنما دخلت الباء في ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ﴾ لأن في الكلام معنى الأمرِ، والمعنى: اكتَفُوا باللهِ ولياً، واكتفوا بالله نصيراً.
النساء 4:46
ثم قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾.
يجوز أن يكون المعنى: أَلَمْ تَرَ إِلَى [الذين] أُتُوا نَصِيبَاً من الكتاب من الذين هادوا. وهو الأولى بالصواب، لأن الخبرَيْنِ والمعنيين من صفة نوعٍ واحد من الناس وهم اليهود، وبهذا جاء التفسيرُ.
ويجوز أن يكون المعنى وكفى بالله نصيراً من الذين هادوا.
ويجوز أن يكون المعنى على مذهب سِيَبَوْيهِ مِنَ الَّذِيْنَ هَاْدُوْا يُحَرِّفُوْنَ الكَلِمَ عنْ مَوَاضِعِهِ، ثم حُذِفَ.
وأَنْشَدَ النحويون:
لَوْ قُلْتَ مَا فِي قَوْمِهَا لَمْ تِيثَمِ * يَفْضُلُها في حَسَبٍ وَمبْسِمِ
قالوا: المعنى: لو قلتَ ما في قومها أَحَدٌ يَفْضُلُها. ثم حُذف.
ومعنى ﴿يُحَرِّفُوْنَ﴾ يَغْيِّرُوْنَ، ومنه: تَحَرَّفْتُ عن فُلاَنٍ أي عَدَلْتُ عنه. فمعنى ﴿يُحَرِّفُوْنَ﴾ يَعْدِلُوْنَ عن الحقِّ.
وقوله جَلَّ وعَزَّ: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾.
روي عن ابن عباس أنه قال: أي يقولون: اسْمَعْ لا سَمِعْتَ.
وقال الحسن: أي اسمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ منك، أي غير مقبول منك.
ولو كان كذا لكان "غير مسموع"!.
وقوله عز وجل ﴿وَرَاعِنَا﴾.
نُهِيَ المسلمون أن يقولوها، وأمروا أن يخاطبوا النبي ﷺ بالإِجلال والإِعظام.
وقرأ الحَسَنُ: ﴿وَرَاعِنَاً﴾، مُنَوَّنَاً، جَعَلَهُ من الرُّعُونَةِ.
وقد استقصينا شرحَهُ في سورة البقرة.
* ثم قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي ٱلدِّينِ﴾.
أي يَلْوُوْنَ أَلْسِنَتَهُمْ ويَعْدِلُون عن الحقِّ.
* ثم قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ﴾.
ومعنى ﴿انْظُرْنَا﴾ انتظرْنَا.
ومعنى ﴿سَمِعْنَا﴾ قَبِلْنَا.
﴿لَكَانَ خَيْرَاً لَهُمْ﴾ أي عند الله جَلَّ وَعَزَّ.
﴿وَأَقْوَمَ﴾ أي وأَصْوَبَ في الرأي، والاستقامةُ منه.
النساء 4:47
ثم قال جل وعز: ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إلاَّ قَلِيْلاً﴾.
ويجوز أن يكون المعنى: فلا يؤمنون إلا إيماناً قليلاً لا يستحقون اسم الإِيمان.
ويجوز أن يكون المعنى: فلا يؤمنون إلاَّ قليلا منهم.
وقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ﴾.
رُويَ عن أُبَيِّ بن كعب أنه قال: من قبل أن نُضِلَّكُمْ إضْلالاً لا تهتدون بعده.
يذهب إلى أنه تمثيلٌ، وأنه إن لم يؤمنوا فُعِلَ هذا بهم عقوبةً.
وقال مجاهد: في الضلالة.
وقال قتادة: معناهُ من قبل أن نجعل الوجوهَ أقفاءً.
ومعنى ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً﴾ عند أهل اللغة: نَذْهَبُ بالأُنُفِ، والشِّفَاهِ، والأَعْيُنِ، والحَوَاجِبِ ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ﴾ نجعلها أقفاءً.
فإن قيل: فَلِمَ [لم] يفعل بهم هذا؟
ففي هذا جوابان.
أحدهما: أنه إنما خوطب بهذا رؤساؤهم، وهم ممن آمن. روي هذا القول عن ابن عباس.
والقولُ الآخر: أنهم حُذِّرُوْا أن يُفعل [هذا] بهم في القيامة.
وقال محمد بن جرير: ولم يكن هذا، لأنه قد آمن منهم جماعة.
* ثم قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ ٱلسَّبْتِ﴾.
قال قتادة: أو نمسخهم قردةً وخنازير.
النساء 4:48
وقوله عز وجل: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾.
وقد قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوْبَ جَمِيْعَاً﴾ فهذا معروفٌ.
والمعنى أن يقال: أنا أغفرُ لك كُلَّ ذنبٍ، ولا يُسْتَثْنَى ما يُعْلَمُ أنك لا تَغْفِر.
وقد رُوي أن النبيَّ ﷺ تلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعَاً﴾ فقال له رجلٌ: يا رسول الله، والشرك؟ فنـزلت: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾.
قال بعض أهل اللغة: معناه إلا الكبائر.
وقيل: معناه بعد التوبة.
النساء 4:49
وقوله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ﴾.
أصل الزكاءِ: النماءُ في الصلاح.
قال قتادة: يعني اليهود، لأنهم زكُّوا أنفسهم، فقالوا: نحن أبناءُ الله وأحباؤه.
وكذلك قال الضحاك.
* ثم قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾.
قال ابن عباس: الفَتِيْلُ: ما فَتَلْتَهُ بِأصبَعَيْك.
وقال غيره: الفَتِيْلُ: ما في بطن النَّواة.
والنَّقِيْرُ النقرةُ التي فيها والتي تَنْبُتُ منها النخلةُ.
والقطميرُ: القشرة الملفوفة عليها من خارجٍ.
والمعنى: لا يُظلمُون مقْدَار هذا.
النساء 4:50
ثم قال جل وعز: ﴿انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ﴾.
معنى ﴿يَفْتَرُوْنَ﴾: يختلقون، ويكذبون.
النساء 4:51
وقولُهُ جَلَّ وعَزَّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّاغُوتِ﴾.
رُوِيَ عن عمر رحمه الله أنه قال: الْجِبْتُ: السِّحْرُ، والطَّاغُوْتُ: الشيطانُ.
وكذلك روي عن الشعبي.
وقال قتادة: الجبتُ: الشيطانُ، والطاغوتُ: الكاهنُ.
وروي عن ابن عباس: أن الجِبْتَ، والطَّاغُوتَ: رجلان من اليهود، وهما "كعبُ بن الأشرف" و "حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ".
والجِبْتُ والطَّاغُوتُ عند أهل اللغة كلُّ ما عُبِدَ من دون الله، أو أُطِيْعَ طاعةً فيها معصية، أو خُضِعَ له.
فهذه الأقوال متقاربة، لأنهم إذا أطاعوهما في معصية الله، والكفر بأنبيائه، كانوا بمنـزلة مَنْ عَبَدَهُمَا، كما قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابَاً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
حدثني من أثق به عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن مالك قال: الطاغوتُ: ما عُبِدَ من دون الله.
ومنه ﴿واجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ فقلتُ لمالكٍ: ما الجِبْتُ؟ فقال: سمعتُ من يقول: هو الشيطان.
ويدلُّ على هذا ما حَدَّثَنَاهُ أحمد بن محمد الأزدي قال: حدثنا ابن أبي داود قال حدثنا الحِمَّانِي: حدثنا مروان بن معاوية وابن المبارك عن عوفٍ عن حيان بن قَطَنَ عن قبيصة بن مخارقٍ قال: سمعْتُ النبي ﷺ يقول: "العِيَافَةُ، والطِيَرَةُ، والطَّرْقُ من الجِبْتِ".
* ثم قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً﴾.
قال قتادة: هم اليهود.
وقال غيره: يُبَيِّنُ بهذا أنهم عاندوا، لأنهم قالوا لمن عَبَد الأصنامَ ولم يُقِرَّ بكتابٍ: هؤلاءِ أهدى من [المؤمنين] الذين صَدَّقُوا بالكتب.
النساء 4:52
وقوله جل وعز: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ﴾.
اللعنةُ: الإِبعادُ، أي باعَدَهم من توفقيه ورحمته.
النساء 4:53
وقوله جل وعز: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ﴾.
قيل: إنهم كانوا أصحاب بساتينَ ومالٍ، وكانوا مع ذلك بُخَلاَءَ.
وقيل: إنهم لو ملكوا لبخلوا.
النساء 4:54
وقوله جل وعز: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ﴾.
قال الضحاك: قال اليهود: يزعم محمد أنه قد أُحِلَّ له من النساء [ما شاء] فأنزل الله عز وجل: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فالمعنى: بل يحسدون النبي ﷺ على ما أُحِلَّ له من النساء.
قال السدِّيُ: وقد كانت لداود صلَّى الله عليه وسلم مائةُ امرأةٍ، ولسليمان أكثرُ من ذلك.
وقال قتادة: أولئك اليهود حَسَدُوا هذا الحَيَّ من العرب حين بعث فيهم نبيٌ، فيكون الفضل ههنا النبوة.
وقد شُرِّف بالنبيِّ ﷺ العربُ، أي فكيف لا يحسدون إبراهيم ﷺ، وغيره من الأنبياء، وقد أُوتِيَ سليمانُ الملكَ؟
* ثم قال جل وعز: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً﴾.
قال مجاهد: يعني النبوة.
وقال همام بن الحارث: أُيِّدُوا بالملائكة والجنود.
النساء 4:55
ثم قال جل وعز: ﴿فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ﴾.
قال مجاهد: يعني بالقرآن.
وقيل: بالنبي ﷺ.
ويجوز أن يكون المعنى ﴿فمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ﴾ بهذا الخبر.
﴿وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً﴾ والسَّعِيُر: شِدَّةُ تَوَقُّدِ النارِ.
النساء 4:56
وقولُه جلَّ وعز: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً﴾ [آية ٥٦].
المعنى: نلقيهم فيها، يقال: أَصْلَيْتُهُ إِصْلاَءً، إذا ألقيتَهُ في النَّارِ إلقاءً، كأنَّك تريدُ الإِحراقَ.
وصليْتُ اللحمَ، إذ شويته، أصْلِيْهِ صَلْيَاً.
وصُلِيتُ بالأمر أَصْلَى، إذا قاسيت شدَّته.
وفي الحديث: أن يهوديَّةً أهدت إلى النبي ﷺ شاهً مَصْلِيَّةً، أي مشْوِيَّةً.
* ثم قال جل وعز: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾.
في هذا قولان:
أحدهما: أنَّ الألم إنما يقع على النفوس، والجلودُ وإنْ بُدِّلَتْ فالألم يقع على الإِنسان.
والقولُ الآخر: أَنْ يكون الجلد الأول أُعِيْدَ جديداً، كما تقول: صُغْتُ الخاتَمَ.
* ثم قال جل وعز: ﴿لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ﴾.
أي لِيَنَاْلَهُمْ ألمُ العذابِ.
* ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾.
أي هو حكيمٌ فيما عاقبَ به من العذاب.
النساء 4:57
وقولُه جلَّ وعز: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾.
أي ماءُ الأنهارِ.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾.
أي من الأدناسِ والحَيْضِ.
* ثم قال تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً﴾.
أي يُظِلُّ من الحَرِّ، والبَرْدِ، وليس كذا كل ظلٍ.
النساء 4:58
وقوله جل وعز ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا﴾.
قيل عن ابن عباس: هذا عامٌّ.
ورُوي عن شريح أنه قال لأَِحَدِ خصمين: أَعْطِهِ حقَّه، فإنَّ الله عَزَّ وجلَّ يقول: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا﴾.
ثم قال شُرَيْحٌ: ﴿وَإنْ كَانَ ذُوْ عُسْرَةٍ فَنظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ فإنما هذا في الرِّبا خاصةً.
وقيل: إنه نزلت ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا﴾ لما أُخِذَتْ مفاتِحُ البيت من "شيبة بن عثمان".
وقال ابن زيد: هم الولاة.
واسْتُحسِنَ هذا القولُ، أن يكون خطاباً لولاة أمور الناس، أُمروا بأداء الأمانة إلى مَنْ وُلُّوا أمْرَهُ فيهم، وحقُوقهم، وما ائنُمنوا عليه من أمورهم، وبالعدل منهم، فأُوصُوا بالرَّعَيَّةِ.
ثم أوصَى الرَّعيةَ بالطاعة فقال جل وعز بَعْدَهُ: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
إلاَّ أن ابن عباس قال: ﴿وَأُولُوا الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وأولوا الفقهِ والدِّين.
وقال مجاهد: أصحاب محمد.
وقال أبو هريرة: هم الأمراء.
وهذا من أحسنها، إلا أنه في ما وافق الحق، كما صَحَّ عن النبي ﷺ، فَمَنْ أَمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ طَاعَةَ.
النساء 4:59
وقولُه جل وعز: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
قال جابر بن عبدالله: أولوا [الأمر أولوا الفقه و] العلم.
وقال بهذا القول من التابعين الحَسَنُ، ومجاهدٌ، وعطاءٌ.
وقال أبو هريرة: يعني به أمراء السَّرَايَا.
وقال بهذا القول السُّدِّيُّ.
ويقوِّيه أن أبا هريرة روى عن النبي ﷺ أنه قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني".
وقال عكرمة: أولوا الأمر: أبو بكر، وعمر.
وهذه الأقوال كلها ترجع إلى شيءٍ واحد، لأن أمراء السَّرايا من العلماء، لأنه كان لا يُوَلَّى إِلاَّ مَنْ يَعْلَمُ.
وكذلك أبو بكر و [عُمَرَ مِنَ] العلماء.
* ثم قال جل وعز: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾.
اشتقاق المنازعة: أنَّ كل واحدٍ من الخصمين ينتزع الحُجَّةَ لِنَفْسِهِ.
وفي قوله جلَّ وعز: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ قولان:
أحدهما: قاله مجاهد وقتادة: فَرُدُّوْهُ إلى كتاب الله وسُنَّةِ رسوله [وكذلك قال عَمْروُ بنُ مَيْمُونٍ: فَرُدُّوْهُ إلى كتابِ اللهِ ورسوله] فإذا مات رسولُ الله ﷺ فَرُدُّوْهُ إلى سنته.
والقولُ الآخر: فقولوا: الله ورسوله أعلم.
وهذا تغليظ في الاختلاف لقوله: ﴿إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾.
قال قتادة: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ وأحسنُ عاقبةً.
وهذا أحسن في اللغةِ، ويكون من آل إلى كذا.
ويجوز أن يكون المعنى: وأحسنُ من تأويلكم.
النساء 4:60
وقوله جل وعزَّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ﴾.
قال الضحاك: نزل هذا في رجلين اختصما، أحدهما يهوديٌ والآخر منافق، فقال اليهودي: بيني وبينك محمد، وقال المنافق: بيني وبينك "كعبُ بن الأشرف".
النساء 4:61
وقولُه عز وجل: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً﴾.
أي يصدُّون عن حكمك.
النساء 4:62
وقولُه عز وجل: ﴿فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾.
المعنى ﴿فَكَيْفَ﴾ حالهم ﴿إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾.
يُروى أنَّ عُمَرَ قَتَلَ المنافقَ الذي قال لليهوديِّ: امضِ بنا إلى "كَعْبِ بنِ الأشْرَفِ" يقضِ بيننا، فجاء أصحابُه إلى النبي ﷺ يحلفون بالله إن أردنا بطلب الدَّم إلاَّ إحساناً، وموافقةً للحق.
وقيل: المعنى إذا نزلت بهم عقوبة لم تَرْدَعْهُمْ، وحلفوا كاذبين أنهم ما أرادوا باحتكامهم إليه إِلاَّ الإِحسانَ من بعضهم إلى بعضٍ، والصوابَ فيه.
النساء 4:63
ثم قال عز وجل ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾.
وهو عالم بكل شيء، والفائدةُ أنه قد عَلِمَ أنهم منافقون، فأُعلِمُوا ذلك.
* ثم قال جل وعز: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾.
أي قل لهم: مَنْ خالَفَ حكمَ النبي ﷺ، وكَفَر به، وجبَ عليه القتلُ.
النساء 4:64
وقوله جل وعز: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾.
(مِنْ) زائدة للتوكيد، ويدلُّ على معنى الجنس.
ومعنى ﴿إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إِلاَّ بأنه أَذِنَ اللهُ.
وقيل: يجوز أن يكون معناه إلاَّ بِعِلْمِ اللهِ.
النساء 4:65
وقوله عز وجل: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.
أي فيما اختلفوا فيه، ومنه تشاجر القوم.
وأصلُ هذا من الشَّجَرِ، لاختلاف أغصانه، ومنه شَجَرَهُ بالرُّمْحِ، أي جَعَلَهُ فيه بمنـزلة الغُصن في الشجرة، ومنه اشْتَجَرَ القومُ، قال زُهَيْرٌ:
مَتَى يَشْتَجِرْ قَوْمٌ يَقُلْ سَرَوَاتُهُمْ * هُمُ بَيْنَنَا فُهْمٌ رضَىً، وهُمُ عَدْلُ
وقولُه جل وعز: ﴿ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ﴾.
أي شكَّاً وضيقاً.
وأصلُ الحَرَجِ: الضيقُ.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾.
أي ويُسلِّموا لأمرك، وقولُه "تَسْلِيماً" مؤكِّدٌ.
النساء 4:69
وقولُه جل وعز ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم﴾.
يُروى أن قوماً من أصحاب النبي ﷺ قالوا يا رسول الله: أنتَ معنا في الدنيا، وتُرفع يوم القيامة لفضلك، فأنزل اللهُ عزَّ وجل ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً﴾.
فعرَّفهم أنَّ الأَعْلَيْنَ يَنْحدرون إلى ما هو أسفل منهم، فيجتمعون ليذكروا ما أنعم الله عليهم به.
النساء 4:71
وقوله جلَّ وعز ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً﴾.
قال قتادة: الثُّباتُ: الفِرَقُ.
وقال الضحاك: الثُّبَاتُ: العُصَبُ، والجميعُ: المجتمعون.
وقال أهل اللغة: الثُّباتُ: الجماعاتُ قي تفرقة.
والمعنى: انفروا جماعةً بعد جماعة، أو انفروا بأجمعكم.
وواحد الثبات: ثُبَةٌ، وهي مشتقة من قولهم: ثَّبيتُ الرجل إذا أثنيتَ عليه في حياته، لأنك كأنك جمعتَ محاسنه.
النساء 4:72
وقولُه جل وعز: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ﴾.
أي يُبطِّىء عن القتال، و "يُبطِّىُء" على التكثير، يُعنى به المنافقون.
﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ﴾ أي هزيمة.
﴿ولئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي غنيمة.
﴿لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَةٌ﴾ الله.
وقرأ الحسنُ: "لَيَقُولُنَّ" بضم اللام، وهو محمولٌ على المعنى، "مَنْ" لجماعة، فهذا معترض.
والمعنى هو: قد أنعم الله عليَّ إذْ لم أكن معهم شهيداً ﴿كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّة﴾ أي كأن لم يعاقدكم على الجهاد.
ويجوز أن يكون المعنى: يا ليتني كنتُ معهم فأفوز فوزاً عظيماً، كأن لم يكن بينكم وبينه مودة.
النساء 4:74
وقولُه جلَّ وعز: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ﴾.
معنى "يشرون": يبيعون، يُقال: شريتُ الشيءِ: إذا بعتَه، وإذا اشتريتَه.
* ثم قال جل وعز ﴿وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾.
وقرأ محمد بن اليماني: "فَيَقْتُلُ أو يَغْلِبُ".
النساء 4:75
وقولُه جلَّ وعز ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ﴾.
قال الزهري: المعنى في سبيل الله، وفي سبيل المستضعفين.
قال أبو جعفر: قال أبو العباس: يجوز أن يكون المعنى: وفي المستضعفين.
ويجوز أن يكون المعنى: وفي سبيل المستضعفين.
وقال الضحاك: هؤلاء قوم أسلموا، ولم يقدروا على الهجرة، وأقاموا بمكة، فعَذَرهم اللهُ جل وعز.
* ثم قال جل وعز ﴿ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾.
يعني مكة.
النساء 4:78
وقولُه جل وعز ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾.
[قال قتادة: البروجُ: القصورُ المحصَّنَةُ، ومعروف في اللغة أنَّ] البروج الحصونَ، والمشيَّدة تحتمل معنيين:
١ - أن تكون مطوَّلة.
٢ - والآخر تكون مشيَّدة بالشِّيد وهو الجِصُّ، وكذلك قال عكرمة.
وقال السدي: هي قصور بيضٌ في السماء الدنيا مبنيَّة.
وقيل: المشيَّدة: المطوَّلة، والمَشِيدةُ مخفَّفة: المعمولة بالشِّيد.
وقيل: المشيَّدة على التكثير، يقع للجمع.
وقولُه جل وعز: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ﴾.
الحسنُة ههنا: الخِصْبُ، والسَّيئةُ: الجَدْبُ.
النساء 4:79
وقولُه جل وعز: ﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾.
﴿مِنْ حَسَنَةٍ﴾ أي خصب، وقيل: هذا للنبي ﷺ لأن المخاطبة له بمنـزلة المخاطبة لجميع الناس.
والمعنى: ﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ﴾ أي من خصب ورخاء.
﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ﴾ أي من جذبٍ وشدَّة.
﴿فَمِن نَّفْسِكَ﴾ أي فبذنبك عقوبة، قاله قتادة.
ويُرْوَى أن اليهود قالوا لَمَّا قَدِمَ المسلمون إلى المدينة:
أصابنا الْجَدْبُ، وَقَلَّ الْخِصْبُ.
فأعلمَ اللهُ جلَّ وعزَّ أن ذلك بذنوبهم.
وروى عبدالوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ، وأنا كتبتها عليك﴾.
وقيل: القَوْلُ محذوفٌ، أي يقولون هذا.
النساء 4:81
وقوله جل وعز: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾.
والمعنى: ويقولون: أَمْرُنَاْ طاعَةٌ، ومنَّا طاعةٌ.
وفي الكلام حَذْفٌ، والمعنى: ويقولون إذا كانوا عندك طاعةٌ.
ودَلَّ على هذا قولُهُ تعالى ﴿فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ﴾.
معنى (بَيَّتَ) عند أهل اللغة: أَحْكَمَ الأَمْرَ بِلَيْلٍ، وَفَكَّرَ فِيْهِ.
أي أظهر المعصية في بيته، والعَرَبُ تقول: أَمْرٌ بُيِّتَ بِلَيْلٍ، إذا أُحْكِمَ. وإنما خُصَّ الليلُ بذلك لأنه وقتٌ يُتَفَرَّغُ فِيهِ.
قال الشاعر:
أَجْمَعُوْا أَمْرَهُمْ بِلَيْلٍ فَلَمَّا * أَصْبَحُوْا أَصْبَحَتْ لَهُمْ ضَوْضَاءُ
ومن هذا: بَيَّتَّ الصيَامَ.
وقال أبو رُزين: معنى (بَيَّتَ) أَلَّفَ.
وليس هذا بخارجٍ عن قول أهل اللغة، لأنه يجوز أن يكون التأليفُ بالليل.
وقيل: معنى (بَيَّتَ) بَدَّلَ.
ولا يصحُّ هذا.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾.
يَحْتَمِلُ معنيَيْنِ:
أحدهما: أنه يُنْزِلُهُ في كتابه ويُخْبِرُ بِهِ.
وفي ذلك أعظمُ الآيات للنبيِّ ﷺ، لأنه يُخبر بما يُسِرُّوْنَهُ.
ويحتمل أن يكون المعنى: والله يَعْلَمُ وَيُحْصِي ما يُبَيِّتُوْنَ.
* ثم قال جل وعز: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً﴾.
قال الضحاك: يُعنَى بهِ المنافقون.
والمعنى لا تُخْبِرْ بأسمائهم.
النساء 4:82
وقولُه جلَّ وعَزَّ: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ﴾.
معنى تَدَبَّرْتُ الشَّيْءَ فَكَّرْتُ في عاقبته، ويقال: أَدْبَرَ القَوْمُ، إذا تَوَلَّى أمرهُم إلى آخرِهِ. وفي الحديث: "لا تَدَابَرُوا" أي لا تَعَادَوْا، أي لا يولي أحدُكم صاحبَه دُبُرَهُ من العَدَاوَةِ.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً﴾.
أي لو كان ما يُخْبرُوْنَ به ـ مما يُسِرُّونَهُ ـ من عند غير الله لاَخْتَلَفَ.
ومَذَهَبُ قَتَادَةَ وابنِ زَيْدٍ أن المعنى: لو كان القرآن [من عند غير الله لوجدوا فيه تفاوتاً وتناقضاً] لأن كلام الناس يختلف ويتناقص.
النساء 4:83
وقوله عز وجل: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ﴾.
قال الضحاك: أَفْشَوْهُ وَسَعَوْا به، وهم المنافقون.
وقال غيره: هم ضَعَفَةُ المسلمين، كانوا إذا سَمِعوا المنافقين يُفْشُوْنَ أخبارَ النبيِّ ﷺ، تَوَهَّمُوا أنه ليس عليهم في ذلك شيءٌ، فَأَفْشَوْهُ، فَعَاتبهم اللهُ على ذلك، فقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ أي أُولِي الْعِلْمِ ﴿لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ أي يستخرجونه.
يقال: نَبَطْتُ البِئْرَ، إذا أَخْرَجْتَ منها النَّبَطَ، وهو ما يخرجُ منها، ومن هذا سُمِّيَ النَّبَطُ، لأنهم يُخْرِجُوْنَ ماءً في الأرض.
فالمعنى: لعلموا ما ينبغي أن يُفْشَى، وما ينبغي أن يُكْتَمَ.
* وقوله جل وعز: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾.
في هذه الآية ثلاثة أقوال:
أحدهما: أن المعنى: ولولا ما تفضَّل اللهُ به، مما بَيَّنَ وأَمَرَ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيْلاً.
والقولُ الآخر: أن المعنى أذاعوا به إلا قليلاً.
وهذا القولُ لِلْكِسَائِيِّ، وهو صحيح، عن ابن عباس.
والقول الآخر: قولُ قتادةَ، وابنِ جُريج، وهو الذي كان يختاره أبو إسحق، أنَّ المعنى: لَعَلِمَهُ الذين يستنبطونه منهم إلا قليلاً.
﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾.
قيل: هو استثناءٌ من ﴿لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾.
يُعنَى به قومٌ لم يكونوا هَمُّوا بما هَمَّ به الآخرون، من اتِّباع الشيطان، كما قال الضحاك: هم أصحاب النبي عليه السلام ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ إلاَّ طائفةً منهم.
وقيل: معنى ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ كُلّكُمْ.
قال أبو جعفر: وهذا غيرُ معروف في اللغة.
ومن أحسن هذه الأقوال، قولُ من قال: أذاعوا به إلا قليلا، لأنه يَبْعُدُ أن يكون المعنى يعلمونه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلاً، لأنه إذا بُيِّنَ اسْتَوَى الكلُّ في علمه، فَبَعُدَ استثناءُ بعض المستنبطين منه.
النساء 4:84
ثم قال جل وعز: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ﴾.
وهذا متصل بقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُوْنَ فِي سَبِيْلِ اللَّهِ﴾ فَأَمَرَهُ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ بالقتالِ، ولو كان وحده، لأنه قد وَعَدَهُ النصر.
* ثم قال جل وعز ﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾.
والبأْسُ: الشِّدَّةُ.
و ﴿عَسَى﴾ من اللهِ واجبةّ، لأنها لِلتَّرَجِّيْ، فإذا أَمَرَ أن يُتَرَجَّى شيءٌ كان.
النساء 4:85
وقوله جل وعز: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾.
قال الحسن: من شفع أُثِيْبَ وإن لم يُشَفَّعْ، لأنه قال جَلَّ وَعَزَّ: ﴿مَّن يَشْفَعْ﴾ ولم يقل: من يُشَفَّعْ.
وقال أبو موسى الأشعري رحمه الله: كُنَّا عند النبي ﷺ، فجاء سائل، فقال النبي ﷺ: "اشفَعُوا تُؤْجَروا، ويَقضِي اللهُ على لِسَان نبيِّهِ ما شاء".
* ثم قال جل وعز: ﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾.
رُوي عن أبي موسى أنه قال: الكِفْلُ: النصيبُ، أو قال: الحَظُّ، كذا في الحديث.
وقال قتادة: الكِفْلُ: الإِثمُ.
والمعروفُ عند أهل اللغة أن الكفلَ النصيبُ، ويقالُ: اكْتَفَلْتُ البعير، إذا جعلت على موضعٍ منه كِسَاءً أو غيرَهُ لِتَرْكَبَهُ.
وهذا مأخوذٌ من ذاك، لأنك إنما تجعله على نصيب مثله.
* وقوله جل وعز ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً﴾.
في معناه قولان:
رَوَى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿مَقِيتَاً﴾.
يقول: حفيظاً.
وبإسنادِهِ ﴿مقيتاً﴾ يقول: قديراً.
وحكى الكسائيُّ أنه قال: أقاتَ يقيتُ، إذا قَدَّرَ.
وقال الشاعر:
وَذِي ضِعْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ * وكُنْتُ عَلَى مَسَاءَتِهِ مُقِيتَاً
والقولُ أنَّ المقيتَ: الحفيظُ.
قال أبو إسحق: وهذا القول عندي أصحُّ من ذاك، لأنه مَأْخُوْذٌ من القُوْتِ، والقوتُ مقدارُ ما يحفظ الإِنسان.
وقال الشاعر:
أَلِيَ الفَضْلُ أمْ عليَّ إذا حُوْ * سِبْتُ إنِّي عَلَى الحِسَابِ مُقِيتُ
وفي الحديث: "كَفَى بالمرءِ إِثْماً أَنْ يُضَيِّعَ من يُقِيتُ".
أي يَحْفَظُ.
ويُروى "يَقُوْتُ".
النساء 4:86
وقوله جل وعز: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ﴾.
قيل: هذا في السَّلام، إذا قال: سَلاَمٌ عليكَ رُدَّ عَلَيْهِ: وعَلَيْكَ السلامُ ورحمةُ اللهِ. وإذا قال: السلام عليك [ورحمة الله].
قيل: وعليك السلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ.
قال الشيخ أبو بكر: وجدتُ في غير نُسْخَتِي وإذا قال: سلامٌ عليكُمْ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ رُدَّ عليه: وعليك.
يُروى هذا عن النبي ﷺ.
وروي عن الحسن أنه قال: السلامُ سُنَّةُ، وَرَدُّهُ فَرِيضَةٌ.
* ثم قال جل وعز: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾.
قال مجاهد: أي حفيظاً.
وَالْحَسِيْبُ عند [بعض] أهل اللغة البصْرِيِّيْنَ: الكافي.
يُقال: أَحْسَبَهُ، إذا كفاهُ، ومنه: ﴿عَطَاءً حِسَابَاً﴾.
ومنه: حَسْبُكَ.
وهذا عندي غَلَطٌ، لأنه لا يقال في هذا أَحْسَبَ على الشيء فهو حَسِيْبٌ عليه، إنما يقال بغير على.
والقولُ أنه من الحِسَابِ، يقال حَاسَبَ فلاناً على كذا، وهو مُحَاسِبُهُ عليه، وَحَسَيْبُهُ أي صَاحِبُ حِسَابِهِ.
النساء 4:87
وقوله جل وعز: ﴿ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾.
قيل: إنما سُمِّيَتْ الْقِيَامَةُ لأن الناسَ يقومون لِرَبِّ العالمين، أي يومُ القِيَامِ، ثم زِيْدِتِ الْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ.
وقيل: إنما ذلك لأن الناس يقومون من قبورهم، كما قال جل وعز: ﴿يَخْرُجُوْنَ مِنَ الأَجْدَاْثِ سِرَاْعَاً﴾ والأجداثُ: الْقُبُوْرُ.
النساء 4:88
وقولُه جلَّ وعز: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾.
أي فرقتيْن مختلفتين.
وقال زيد بن ثابت: تَخَلَّفَ قوم عن النبي ﷺ يومَ أُحُدٍ، فصار أصحابُ رسولِ الله ﷺ فرقتين، فقال بعضهُم: اقْتُلْهُمْ، وقال بعضهُم: اعْفُ عنهم، فأنزل اللهُ عز وجل: ﴿فَمَا لَكُم فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾.
قال مجاهد: هم قوم أسلمُوا ثم استأذنوا النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلم أن يخرجوا إلى مكة فيأخذوا بضائع لهم، فصار أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين: قومٌ يقولون: هم منافقون، وقومٌ يقولون: هم مؤمنون، حتى نتبيَّنَ أمرهم أنهم منافقون، فأنزل الله عز وجل: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ ﴾.
وَرُوِيَ عن عبدالله بن مسعود أنه قرأ: (رَكَسَهُمْ)، بغير ألف، يقال: أَرْكَسَهُمْ، ورَكَسَهم: إذا رَدَّهُمْ.
والمعنى: رَدَّهُمْ إلى حكم الكفار.
* ثم قال جل وعز: ﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ﴾؟ [آية ٨٨].
أي إنهم قد ضلُّوا.
﴿وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ أي طريقاً مستقيماً.
النساء 4:90
وقوله عز وجل: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾.
قال مجاهد: صاروا إلى "هلالِ بنِ عُوَيْمِرٍ" وكان بينه وبين النبي حِلفٌ.
وقال غيره: كان قومٌ يُوَادِعُوْنَ النبيَّ ﷺ ولا يُقَاتِلُوْنَهُ، فَأُمِرَ المسلمون أن لا يُقاتلوا من صار إليهم، وَاتَّصَلَ بهم، وَوَادَعَ كما وَادَعُوْا.
قال أبو عبيدة: معنى ﴿يَصِلُونَ﴾ يَنْتَسِبُوْنَ.
وهذا خطأُ لأن النبي ﷺ قَاتَلَ قُرَيْشَاً وهو أَنْسِبَاءُ المهاجرين الأولين.
* ثم قال جل وعز: ﴿أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾.
أي أو يَصِلُوْنَ إلى قوم جاؤوكم حصرت صدورهم.
قال الكسائي: معنى (حَصِرَتْ) ضاقت.
قال مجاهد: وهو "هِلاَلُ بنُ عُوَيْمِرٍ" الذي حَصِرَ أن يقاتل المسلمين أو يقاتل قومه فدَفَعَ عنهم.
قال أبو العباس محمد بن يزيد: المعنى على الدعاء، أي أحصر الله صدورَهُمْ.
وقال أبو إسحق: يجوز أن يكون خبراً بعد خبر، فالمعنى ﴿أَوْ جَآءُوكُمْ﴾، ثم خَبَّرَ بَعْدُ فقال: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾، كما قال جل وعز: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾.
وقيل: المعنى: أو جاؤوكم قد حصرت صدورهم، ثم حذف قد.
وقد قرأ الحسن: ﴿حَصِرَةً صُدُورُهُمْ﴾.
وروي عن أُبيِّ بنِ كعبِ أنه قرأ: ﴿إلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إلَى قَوْمٍ﴾ [بيْنَكُمْ وبينهم ميثاق وحصرتْ صدورهم] فالمعنى على هذه القراءة ﴿إلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وحَصِرتْ صُدُورهُمْ﴾.
أي قومٍ حَصِرَةٍ صدورُهم، أي ضيِّقةٍ.
وقولُه جل وعز: ﴿فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾.
أي كَفُّوا عن قتالكم.
﴿وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ﴾.
أي الانقياد.
﴿فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾.
قال قتادة: هذه الآية مَنْسُوْخَةٌ، نَسَخَهَا: ﴿فَاقْتُلُوْا الْمُشْرِكِيْنَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوْهُمْ﴾ في براءة.
النساء 4:91
وقولُه جل وعز: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا﴾.
قال مجاهد: هؤلاء قوم من أهل مكة، كانوا يأتون النبي ﷺ فَيُسْلِمُوْنَ، ثم يرجعون إلى الكفار فَيَرْتَكِسُوْنَ في الأوثان.
* ثم قال جل وعز: ﴿فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوۤاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾.
ومعنى ﴿ثَقِفْتُمُوْهُمْ﴾ و "وجدتموهم" واحِدٌ.
﴿وَأُوْلَـٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾.
أي حجةً بَيِّنَهً بأنهم غَدَرَةٌ، لا يُوفُونَ بِعَهْدٍ ولا هُدْنَةٍ.
النساء 4:92
وقوله جل وعز: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً﴾.
فهذا استثناءٌ ليس من الأول.
قال أبو إسحق: المعنى ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً ألبتَّةَ، ثم قال: ﴿إِلاَّ خَطَئاً﴾ [أي] لكنْ إنْ قَتَلَهُ خَطَأً.
ومَنْ قال: إن ﴿إلا﴾ بمعنى الواو فَقَوْلُهُ خَطَأٌ مِنْ جهتين:
إحداهما: أنه لا يُعرفُ أن تكون (إلا) بمعنى حَرْفٍ عاطفٍ.
والجهة الأخرى: أن الخطأ لا يحصرَ، لأنه ليس بشيء يُقْصَدُ، ولو كان يُقصَدُ لكان عمداً.
وذكر سيبويه أن (إلاَّ) تأتي بمعنى (لكنْ) كثير، وأنشد:
مَنْ كانَ أسَرعَ في تَفَرُّقِ فَالجٍ * فَلَبُونُهُ جَرِبتْ مَعَاً وأُغَدَّتِ
إِلاَّ كَنَـا شِـرَةَ الذَّي ضيَّعتُمُ * كالغُصْن في غُلَوَائِهِ المتَنَبّتِ
وكان سبب نزول هذه الآية فيما روى ابن أبي نجيح عن مجاهد أن "عيَّاش بن أبي ربيعة" أخا أبي جهلٍ لأمه، قتل رجلاً مؤمناً كان يُعذِّبه مع أبي جهل في اتباع النبي ﷺ، فحَسِب أنه كافر كما هو فقتله.
* وقوله جل وعز: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾.
وإنما غُلِّظَ في قتل الخطأ لِيُتَحَرَّرَ من القتل.
والمعنى إلاَّ أن يتصدقوا عليكم بالدِّيَةِ.
ورُويَ عن أُبيِّ بن كعب أنه قرأ: ﴿إِلاَّ أَنْ يَتَصَدَّقُوْا﴾.
وقرأ أبو عبدالرحمن السلميّ: ﴿إِلاَّ أَنْ تَصَّدَّقُوْا﴾.
والمعنى: إلا أن تتصدقوا، ثم أَدغم التاء في الصَّاد.
ويجوز على هذه القراءة: إلا أن تَصَدَّقُوا، بحذف إحدى التاءَيْنِ.
وقولُه جل وعز: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾.
معنى ﴿عَدُوٍّ﴾ كمعنى أعداءٍ.
ورَوَى عكرمة عن ابن عباس أن المعنى: وإن كان مؤمناً وقومه كفار، فلا تدفعوا إليهم الدية، وعليكم عتق رقبة.
فمعنى هذا إذا قُتِلَ مسلمٌ خَطَأً، وليس له قومٌ مسلمون، فلا دِيَةَ على قاتله، كان قتلهُ في دار المسلمين أو في دار الحرب.
ورَوَى عطاءُ بنُ السائب، عن أبي عياضٍ: قال: كان الرجلُ يَجِيْءُ يُسلِمُ، ثم يأتي قومه، وهم مشركون، فيقيم معهم، فَيَفِرُّوْنَ، فَيُقْتَلُ فيمن يُقتَل، فنـزلت: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾. قال: وليس له دِيَةٌ.
فمعنى هذا أن يُقتل في دار الحرب خاصَّةً.
وقال قومٌ: وإن قُتِل في دار الإِسلام فَحُكْمُهُ حُكْمُ المسلمين.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾.
قال الزهري: الميثاقُ: العَهْدُ.
فالمعنى: إن كان المقتول من قوم بينكم وبينهم عهدٌ، فادفعوا إليهم الدِّيَةَ، لِئَلاَّ تُوغِرُوا صُدُوْرَهُمْ.
* ثم قال جل وعز: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾.
أي فمن لم يجدِ الدِّيَةَ وعِتْقَ رَقَبَةٍ فعليه هذا.
﴿تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ﴾.
أي فَعَلَ هذا ليتوبوا توبةً.
النساء 4:93
وقولُه جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا﴾.
رَوَى شعبة عن منصور عن سعيد بن جبير قال: "أمرني ابن أَبْزَى أن [أسأل] ابن عباس عن هذه الآية ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ فَسَأَلْتُهُ فقال: مَا نَسَخَهَا شَيْءٌ".
ورُوي عن زيد بن ثابت: نزلت الشديدة بعد الهَيِّنَةِ لستةِ أَشْهُرٍ ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ بعد التى في الفرقان ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُوْنَ مَعَ اللَّهِ إلهَاً آخَرَ﴾ إلى قوله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ﴾.
وذهب قومٌ إلى أن على المُجَازَاةِ، إن جَازَاهُ بذلك، وأنَّ العَفْوَ مَرْجُوٌّ له مع التوبة.
وهذا لا يحتاج أنْ يقال فيه: إن جازاه، ولكنَّ القول فيه عند العلماء ـ أهلِ النَّظرِ ـ أنه محكمٌ، وأنه يجازيه إذا لم يَتُبْ، فإن تاب فقد بَيَّنَ أمرَهُ، لقوله عز وجل: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ فهذا لا يخرج عنه شيء.
النساء 4:94
وقولُه جل وعز: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ﴾.
وتُقْرَأُ: ﴿فَتَثَبَّتُوْا﴾.
قال أبو عبيد: وإحداهما قريبةٌ من الأخرى.
وقال غيره: قد يُتَثَبَّتُ ولا يُتَبَيَّنُ، فالاختيارُ "فَتَبَيَّنُوا".
ومعنى ﴿ضَرَبْتُمْ﴾ سَافَرْتُمْ.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً﴾.
وقرأ ابن عباس: ﴿لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ﴾.
فَمَنْ قَرَأَ: ﴿السَّلَمَ﴾ فَمَعْنَاهُ عِنْدَهُ الانقيادُ والاسْتِسْلامُ.
ومن قرأ: ﴿السَّلاَمَ﴾ فَتَحْتَمِلُ قِرَاءَتُهُ مَعْنَيَيْنِ:
أحدهما: أن يكون بمعنى السِّلْم.
والآخر: أن يكون من التسليم.
وروى عطاء وعكرمة عن ابن عباس "أن قوماً من أصحاب رسول الله ﷺ، مَرُّوا براعٍ، فقال: السلام عليكم، فقالوا: إنما تَعَوَّذَ، فقتلوه، وَأَتَوْا بغَنَمِه إلى النبي ﷺ، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾".
قال ابن عباس: يعني الْغَنِيمَةَ.
وروي عن أبي جعفر أنه قرأ: ﴿مُؤْمَناً﴾ بِفَتْحِ الميم الثانية، من أَمَنتُهُ إذا أَجَرْتَهُ، فهو مُؤْمَنٌ.
* وقوله جل وعز: ﴿كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾.
قال سعيد بن جبير: أي ﴿كَذٰلِكَ كُنْتُمْ﴾ تُخْفون إيمانكم ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي فُمَنَّ الله عليكم بالغَزْوِ، وَإظْهَارِ الدِّينِ.
واختار أبو عبيد "القاسِمُ بن سَلاَّم" ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ﴾.
وخالفه أهل النَّظَرِ فقالوا: (السَّلَمُ) ههنا أَشْبَهُ، لأنه بمعنى الانقيادِ والتَّسَلُّمِ، كما قال جل وعز: ﴿فألقوا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوْءٍ﴾.
النساء 4:95
وقوله تعالى: ﴿لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.
قال ابن عباس: لا يستوي القاعدون عن بَدْرٍ، والخارجون إليها.
* ثم قال جل وعز: ﴿غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ﴾.
الضَّرَرُ: الزمانة.
وتُقْرَأُ (غَيْرُ) رفعاً ونصباً.
قال أبو إسحاق: ويجوز الخفضُ.
فمن رَفَعَ المعنى (لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ).
أي لا يستوي القاعدون الذين هم غيرُ أُولي الضرر.
والمعنى: لا يستوي القاعدون الأصحَّاءُ.
ومن قرأ (غَيْرَ) نصباً فهو يحتمل معنيين:
أحدهما: الاستثناء، ويكون المعنى: إلاَّ أُولِي الضرر، فإنهم يستوون مع المجاهدين.
والمعنى الآخر: أن يكون (غير) في موضع الحال، أي لا يستوي القاعدون أصحاء.
والمعنى على النصب، لأنه روى زيد بن ثابت والبراء بن عازب أنه لمَّا نزل على النبي ﷺ: ﴿لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ قام ابنُ أُمِّ مكتومٍ فقال: يا رسول الله أنا ضرير، فنـزلت ﴿غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ﴾ فألحقَتْ بها، هذا معنى الحديث.
ومن قرأ بالخفضِ، فالمعنى عنده: من المؤمنين الذين هم غيرُ أُولي الضرر، أي من المؤمنين الأصحَّاءِ.
* وقوله جل وعز: ﴿وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾.
المجاهدين، وأُولي الضرر، وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى.
قال أهل التفسير: يعني بِالْحُسْنَى الْجَنَّة.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَاهِدِينَ عَلَى ٱلْقَاعِدِينَ﴾ الذين ليس لهم ضرر ﴿أَجْراً عَظِيْماً. دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾.
ورُوي عن ابن محَيْزِيزٍ أنه قال: "تلك سبعون درجة، ما بين الدرجتين حُضْر الفرس، الجوادِ المُضَمَّرِ سبعينَ سَنَة".
النساء 4:97
وقوله جل وعز: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ﴾.
وقرأ عيسى وهو ابن عُمَرَ ﴿إنِّ الَّذِينَ يَتَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾.
هذا على تذكير الجمْعِ.
ومن قرأ ﴿تَوَفَّاهُم﴾ فهو يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون فعْلاً ماضياً، ويكون على تذكير الجمْعِ أيضاً.
والآخر: أن يكون مستقبلاً، ويكون على تأنيث الجماعة.
والمعنى: تتوفاهم، ثم حذف إحدى التَّاءَيْنِ.
قال عكرمةُ والضَحَّاكُ: هؤلاء قوم أظهروا الإِسلام، ثم لم يهاجروا إلى بدر مع المشركين فقُتلوا، فأنزل الله جل وعز فيهم: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ [قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ﴾ أَكُنْتُمْ في أصحاب النبي ﷺ، أم كنتم مشركين؟ هذا سؤال توبيخ].
النساء 4:98
ثم قال جل وعز: ﴿إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ﴾.
قال مجاهد: هؤلاء قوم أسلموا وثبتوا على الإِسلام، ولم تكن لهم حِيلَةٌ في الهجرة، فعذرهم الله فقال: ﴿فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾.
وعَسَى تَرَجٍّ، وإذا أَمَرَ اللهُ جلَّ وعز أن يُتَرَجَّى شَيْءٌ فهو واجبٌ، كذلك الظنُّ به.
النساء 4:100
وقوله عز وجل: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾.
المُرَاغَمُ عند أهلِ اللغةِ والمُهَاجَرُ وَاحِدٌ، يُقال: رَاغَمْتُ فُلاَنَاً إذا هَجَرْتَهُ وعادَيْتَهُ، كأنك لا تُبَالِيهِ، وإنْ لَصِقَ أنفُه بالرَّغَامِ، وهو الترابُ.
وقيل: إنما سمي مهاجراً ومراغماً لأن الرَّجُلَ كان إذا أَسْلَمَ، عَادَى قَوْمَهُ وهَجَرَهُمْ، فَسُمِّيَ خُرُوجُهُ مُرَاغَمَاً، وسُمِّي مَصِيرُهُ إلى النبي ﷺ هِجْرةً.
ورَوَى معاويةُ بن صالح عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿مُرَاغَماً﴾ يقول: مُتَحَوَّلاً من أرض إلى أرض. قال: ﴿وَسَعَةً﴾ يقول: في الرزق.
وقال قتادة: من الضلالة إلى الهدى، أي سَعَةً مِنْ تضييق ما كان فيه، من أنه لا يقدر على إظهار دِينِهِ.
واللفظَةُ تحتملُ المعنيين، لأنه لا خصوص فيها.
* وقوله جل وعز: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ﴾.
قال سعيد بن جبير: نزلت في رجل يقال له "ضَمْرَةُ" من خُزَاعَةَ، كان مصاباً ببصره، فقال: أخرجوني، فلما صاروا به إلى التنعيم مَاتَ فنـزلت هذه الآية فيه.
النساء 4:101
وقولُه جل وعز: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ﴾.
قال يعلى بنُ أُمَيَّةَ: سألتُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقلتُ: إنما كان هذا وَقْتَ الخوف، وقد زال. فقال: عَجِبْتُ مما عَجِبْتَ منه، فسألتُ رسول الله ﷺ فقال: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ".
ومعنى ﴿ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ سافرتم، كما قال:
﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾.
وفي معنى قوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلاَةِ﴾ قولان:
أحدهما: أنه إِبَاحَةٌ، لاَ حَتْمٌ، كما قال: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾.
والقول الآخر: أن هذا فرض المسافر، كما رَوَتْ عَائِشَةُ "فُرِضَتِ الصَّلاَةُ رَكعَتَيْنَ، فَأُقِرَّتْ [فِي السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي] صَلاَةِ الْحَضَرِ". ويكونُ مثلَ قوله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَليْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، والطوافُ حَتْمٌ.
ورُويَ عن أُبيِّ بنِ كعبٍ أن قرأ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وليس فيه ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾.
فالمعنى على قِرَاءَتِهِ: كَرَاهَةَ أن يفتنكم الذين كفروا، ثم حَذَفَ، مِثْلَ (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ).
يُقَالُ: قَصَرَ الصلاة، وقَصَّرَهَا، وأَقْصَرَها.
* ثم قال جل وعز: ﴿إِنَّ ٱلْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً﴾.
عَدُوٌ ههنا بمعنى أَعْدَاءٍ.
النساء 4:102
وقولُه عز وجل: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ﴾.
رَوَى سفيان عن منصور عن مجاهد عن أبي عَيَّاشٍ الزُّرَقِي قال: "صلى رسول الله ﷺ بعسفان، والمشركون بينه وبين القتال، فيهم أو عليهم خالد بن الوليد، فقال المشركون: لقد كانوا في صلاةٍ، لو أصبنا منهم لكانت الغنيمة، فقال المشركون: إنها ستجيءُ صلاةٌ هي أَحَبُّ إليهم من آبائهم، وأبنائهم، قال: ونزل جبريل بالآياتِ فيما بين الظهرِ والعصرِ" وذكر الحديث.
وسنذكر حديث "صالح بن خَوَّاتٍ" الذي يذهب أهل المدينة إليه، وكرهنا الإِطالة في ذلك.
وحديث صالح فيه قضاء كل طائفة صلاتها، قبل انصرافها من القبلة، وليس كذا غيره.
والمعنى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ وَثَمَّ خَوْفٌ.
* ثم قال جل وعز: ﴿فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوۤاْ أَسْلِحَتَهُمْ﴾.
والمعنى: وَلْيَأْخُذِ الْبَاقُونَ أَسْلِحَتَهُمْ.
* ثم قال جل وعز: ﴿فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ﴾.
وأهل المدينة يذهبون في صلاة الخوف إلى حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خَوَّاتٍ الأنصاري أن سهل بن أبي حثمة حدَّثه أن صلاة الخوف أن يقوم الإِمامُ مستقبلَ القبلةِ، ومعه طائفة من أصحابه، وطائفةٌ مواجهةُ العدوِّ، فَيَرْكَعُ الإِمامُ رَكْعَةً ويسجد بالذين معه، ثم يقوم، فإذا استوى قائماً ثَبَتَ [وَأَتَمُّوا] لأنفسهم الركعةَ الثانية، ثم سَلَّمُوا وانصرفوا والإِمامُ قائمٌ، فيكونون وِجَاهَ العَدُوِّ، ثم يُقْبِلُ الآخرون الذين لم يُصَلُّوا فَيُكَبِّرُونَ مع الإِمام، فيركع بهم ركعةً، وَيَسْجُدُ ثم يُسَلِّمُ، فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الباقية ثم يُسَلِّمُونَ.
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾.
يجوز أن يكون هذا للجميع، لأنه وإن كان الذين في الصلاة لا يُحارِبُون، فإنهم إذا كان معهم السلاحُ، كان ذلك أَهْيَبَ للعَدُوِّ.
ويجوز أن يكون الذين أُمِرُوا بأَخْذِ السلاحِ الذين لَيْسُوا فِي الصلاةِ، لأن الْمُصَلِّي لا يُحَارِبُ.
النساء 4:103
وقولُه عز وجل: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلاَةَ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ﴾.
أي فاذكروه بالشكر، والتسبيح، وما يُقرِّبُ منه.
* ثم قال جل وعز: ﴿فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ﴾.
قال مجاهد: فإذا صرْتُمْ في الأهلِ والدورِ.
والمعروف في اللغة أنه يقال: اطمأنَّ: إذا سَكَنَ، فيكون المعنى: فإذا سَكَنَ عنكم الخوف، وصرتم إلى منازلكم ﴿فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ﴾.
قال مجاهد: أي فأتموها.
* ثم قال جل وعز: ﴿إِنَّ ٱلصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً﴾.
ورَوى ليثٌ عن مجاهدٍ أن الموقوتَ المفروض.
وروى ابنُ أبي نجيح عن مجاهد قال: (مَوْقُوتَاً) واجباً.
وقال زيد بن أسلم: (موقوتاً) مُنَجَّمَاً، أي تؤدونها في أنجمها.
والمعنى عند أهل اللغة: مفروض لوقْتٍ بِعَيْنِهِ. يقال: [وَقَّتَهُ فهو مَوْقُوْتٌ] وَوَقَّتَهُ فهو مُوَقَّتٌ. وهذا قول زيد بن أسلم بِعَيْنِهِ.
النساء 4:104
وقوله جل وعز: ﴿وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ﴾.
أي لا تضعُفُوا، يقال: وَهَنَ يَهِنُ وَهْنَاً وَوُهُونَاً.
* ثم قال جل وعز: ﴿إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ﴾.
قال الضحاك: أي تَشْكُونَ.
﴿وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ﴾.
قال الضحاك: أي في جراحاتكم، يعني من الأجر.
وقال غيرُهُ: ترجون من النصر والعافية ما لا يرجون.
وقيل: ﴿تَرْجُونَ﴾ تخافون.
النساء 4:105
وقوله عز وجل: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾.
قال مجاهد: كان رجل من الأنصار يقال له له "ابنُ أبَيْرِقَ" واسمه "طُعْمَةُ" سرق دِرْعَاً، فلما فُطِنَ به استودعها عند رجل من اليهود، وادَّعَى أن اليهودي أخذها، فجاء قومُهُ يسألون النبي ﷺ أن يَعْذُرَه، فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ﴾ إلَى قَولِهِ: ﴿وَلاَ تُجَادِل عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾.
والجدالُ في اللغة: أشدُّ الخصومة، ويقال: رجل أَجْدَلُ، إذا كان شديداً، ويُقال للصَّقْر: أَجْدَل، لأنه من أقوى الطير.
النساء 4:108
ثم قال جل وعز: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ﴾.
أي يُحْكِمُوْنَهُ ليلاً.
النساء 4:109
وقوله جل وعز: ﴿هَا أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾؟ [آية ١٠٩].
أي يوم تظهر الحقائق، وإنما يُحْكَمُ في الدنيا بما يظهر.
قال أبو جعفر: قال أبو إسحق: المعنى "ها أنتم الَّذِين".
يَذْهَبُ إلى أن "هؤلاء" بمعنى "الذين".
النساء 4:110
ثم قال جل وعز: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾.
أي استغفار غير عائد، لأنه إذا عزم على العودة فليس بتائب.
النساء 4:111
ثم قال جل وعز: ﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾.
أي عقابُهُ يرجعُ عليهِ.
النساء 4:112
﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيۤئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً﴾.
قال سعيد بن جبير: نزلت في ابن أُبيرقَ لَمَّا رمى اليهوديَّ بالدرعِ التي سرقها.
* ثم قال جل وعز: ﴿فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾.
البُهْتَانُ: الكذبُ الذي يُتَحَيَّرُ من عِظَمِهِ.
النساء 4:113
ثم قال جل وعز: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾.
أي بأنه أُوحِيَ إليك ما فَعَلَهُ ابنُ أُبَيْرق.
﴿لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ﴾.
أي يُخَطِّئُوكَ في الحُكْمِ.
﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾.
أي لأنك مَعْصُومٌ.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ﴾.
أي أنزل عليك الكتاب بالحكمة في أمر ابن أبيْرقَ.
النساء 4:114
وقوله جل وعز: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ﴾.
النَّجْوى: كلُّ كلامٍ ينفرد به جماعةٌ، سِرَّاً كان أو جَهْرَاً.
* ثم قال جل وعز: ﴿إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾.
يجوز أن يكون المعنى إلاَّ نجوى مَنْ أَمَرَ بصدقةٍ، ثم حُذِفَ.
ويجوز أن يكون استثناءً ليس من الأول، ويكون المعنى: لكنْ مَنْ أَمَرَ بصدقة في نجواه خيراً.
النساء 4:115
وقولُه جل وعز: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ﴾.
أي يُخَالِفُ، كأنه يصيرُ في شِقٍّ خِلاَفِ شِقِّةِ، أي في نَاحِيَةٍ.
قال سعيد بن جبير لمَّا أطْلَعَ اللهُ النبي على أَمْرِ "ابنِ أُبَيْرقَ" هَرَبَ إلى المشركين، فَارْتَدَ، فأنزل الله: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ﴾.
قال مجاهد: أي نَتْرُكُهُ وما يَعْبُدُ.
وكذلك هو في اللغة، يقال: وَلَّيْتُهُ مَا تولَّى: إذا تركتهُ في اختياره.
قال سعيد بن جبير: لمَّا صار إلى مكة، نَقَبَ بَيْتَاً بمكة، فَلَحِقَهُ المشركون فقتلوه، فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾.
النساء 4:117
وقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً﴾.
قال مجاهد: يعني الأوثان.
وعن أُبَيّ: مع كل صَنَمٍ جِنِّيَّةٌ.
وقال أهل اللغة: إنما سُمِّيَتْ إناثاً لأنهم سَمَّوهَا "اللاَّتَ، والْعُزَّى، ومَنَاةَ" وهذا عندهم إناثٌ.
وقال الحسن: أي ما يعبدون إلاَّ حجارةً وخشباً.
قال: وكان لكل حَيٍّ صَنَمٌ يعبدونه، فيقال: أنثى بني فلان، فأنزل الله هذا.
وهذا قَوْلٌ حَسَنٌ في اللغة، لأن هذه الأشياءَ يُخْبَرُ عنها بالتأنيث.
يقال: الحجارة يُعْجِبْنَهُ، ولا يقال: يُعْجِبُونَهُ.
ورُويَ عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أُنُثَاً﴾. وهذا جمعُ الجمعِ، كأنه جَمَعَ وَثَنَاً على وِثَانٍ، كما تقول: مِثَالٌ ومُثُلٌ، ثم أبْدِلَ من الواوِ هَمْزَةً لما انضمَّتْ، كما قال جل وعز: ﴿وَإِذَا الرَّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ من الوَقْتِ.
وقُرِىءَ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أُنُثَاً﴾، وهو جمعُ إناثٍ.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً لَّعَنَهُ ٱللَّهُ﴾.
فَالْمَرِيدُ: [الخارجُ] من الخيرِ، المتجرِّدُ منه، و "أَمْرَدُ" مِنْ هذا.
وقيل: المَرِيدُ: الممتدُّ في الشَّرِّ، من قولهم: بَيْتٌ مُمَرّدٌ، أي مُطَوَّلٌ.
ومعنى ﴿لَعَنَهُ﴾ باعَدَه من رحمته.
النساء 4:118
ثم قال جل وعز: ﴿وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾.
أي مُوَقَّتَاً، وهو من فَرَضْتُ، أي قطعتُ.
النساء 4:119
ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾.
أي وَلأُوهِمَنَّهُمْ أن لهم حظاً في المخالفة.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ ٱلأَنْعَامِ﴾.
يقال: بَتَّكَ، إذا قَطَعَ.
قال قتادة: يعني الْبَحِيرَة.
والْبَحِيرَةُ: الناقَةُ إذا أنتجت خمسة أبطنٍ، وكان آخرها ذكراً شَقُّوا آذَانَهَا، ولم ينتفعوا بها.
والتقديرُ في العربية: وَلآمُرَنَّهُمْ بِتَبْتِيكِ آذانِ الأنعام.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ﴾.
عن ابن عباسٍ: دِينَ اللهِ.
وعنه أيضاً: الخِصَاء.
وكذلك رُويِ عن أنس.
وقال سعيد بن جبير ومجاهد وإبراهيم والضحاك وقتادة: يعني دِينَ الله.
وزاد مجاهدٌ: يعني الفِطْرَةَ. أي أنهم وُلِدُوا على الإِسلام، وأَمَرَهُمُ الشيطانُ بتَغْيِيرِهِ.
وروي عن عكرمة قولان:
أحدهما: أنه الخِصَاءُ.
والآخر: أنه دِينُ اللهِ.
وهذه الأقوالُ ليست بمتناقضةٍ، لأنها ترجعُ إلى الأفعالِ.
فأما قوله: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، وقال ههنا: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ فإن التبديل هو بطلان عَينِ الشيءِ، فهو ههنا مخالفٌ للتغيير.
وقال محمد بن جرير: أولاها أنه دِينُ اللهِ. وإذا كان ذلك معناه دَخَلَ فيه فعل كل ما نهى اللهُ عنهُ، من خِصَاءٍ وَوَشْمٍ وغيرِ ذلك من المعاصي، لأن الشيطان يدعو إلى جميعِ المعاصي، أي فَلَيُغَيِّرُنَّ مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ دِينِهِ.
النساء 4:121
وقوله جل وعز: ﴿أُولئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً﴾.
المَحِيصُ في اللغة: الْمَعْدِلُ وَالْمَلْجَأُ.
يقال: حِصْتُ، وَجِضْتُ، وَعَدَلْتُ، بمعنى واحدٍ.
النساء 4:123
وقوله جل وعز: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾.
المعنى: ليس الثوابُ بأمانيكم.
وَدَلَّ على [أن هَذا هو] المعنى قولُه جل وعز: ﴿والذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾.
وقوله جلَّ وعز: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ﴾.
روي عن أبي هريرة أنه قال: "لمَّا نزلت ﴿مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ بَكيْنَا وحَزنَّا وقُلْنَا: يا رسول: ما أبقَتْ هذه الآيةُ من شيء. قال: أَمَا والذي نفسي بِيَدِهِ إنها لَكَمَا أُنْزِلَتْ، ولكنْ أَبْشِرُوا، وقَارِبُوا، وسَدِّدُوا، فإنه لا تُصيبُ أحداً منكم مصيبةٌ إلا كَفَّرَ الله عنه بها خطيئةً، حتى الشوكة يُشَاكُهَا أَحدُكُمْ في قَدَمِهِ".
ورَوَى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ﴾.
يقول: "من يُشْرك به ـ وهو السوء ـ إلا أن يتوبَ قبل مَوتِهِ فيتوبَ اللهُ عليه".
حَدَّثَنا عبدالسلام بن سهل السكري قال: حدثنا عُبيْدُالله، قال: حدثنا عبدالواحد بن زياد، قال: حدثنا عَاصِمٌ، عن الحَسَن ﴿مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال: ذلك لمن أراد اللهُ جل وعز [هَوَانَهُ] فأما مَنْ أراد كرامته فلا، قد ذكر الله قوماً وقال: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَملُوْا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ، وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾.
والحديث عن النبي ﷺ يدلُّ على أنه عامٌ.
رَوَى عنه أبو هريرة أنه قال ـ لمَّا نزلت هذه الآية "كلُّ مَا يُصابُ به العبدُ كفارة".
ولفظُ الآية عامٌ لكل من عَمِلَ سوءًا، من مؤمنٍ وكافرٍ. كان الذنب صغيراً أو كبيراً، وهذا موافقٌ لـ "نُكَفِّر" لأن معنى "نكفِّر" نغطِّي عليها في القيامة، فلا نفضحكم بها.
النساء 4:124
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾.
المعنى: لا يُظلمُون مقدار نقير، والنَّقِيرُ: النقطة التي تكون في النَّوَاةِ، يُقال: إن النخلةَ تنبتُ منها.
النساء 4:125
وقوله جل وعز: ﴿وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾.
الخليلُ في اللغةِ يكون بمعانٍ:
أحدها: الفقير، كأنه به الاختلال، كما قال زهير:
وَإِنْ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَومَ مَسأَلَةٍ * يَقُولُ لاَ غَائِبٌ مَالِي وَلاَ حَرِمُ
والخليلُ: المحبُّ.
وقيل في قول الله عز وجل: ﴿وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ أي محتاجاً فقيراً إليه.
والقولُ الآخر، هو الذي عليه أصحاب الحديث: أنه المحِبُّ المُنْقَطِعُ إلى الله، الذي ليس في انقطاعِهِ اختلالٌ.
والقولُ الثالث: أنه يقال: فلانٌ خَليلُ فلانٍ، أي هو يَخْتَصُّهُ.
ومنه الحديثُ: "لو كنتُ متخذاً خليلاً، لاتَّخذتُ أبا بكر خليلاً".
فَدَلَّ بهذا على أنه ﷺ لا يختصُّ أَحَدَاً بشيءٍ من العِلمِ دُون غَيْرِهِ.
النساء 4:127
وقولُه جل وعز: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ﴾.
و (مَا) في مَوْضعِ رَفْعٍ، والمعنى: قل اللهُ يُفتيكم فيهنَّ، والقرآن يفتيكم فيهن.
والذي يُفتيكم من القرآن في النساء قولُهُ عز وجل: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾.
* ثم قال جل وعز: ﴿فِي يَتَامَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾.
قالت عائشة رحمها الله: هذا في اليتيمة، تكونُ عند الرجل ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ رغبةَ أَحَدِكُمْ عن يَتيمَتِهِ التي تكون في حِجْرِهِ، حين تكون قليلة المال والجمال، فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوا مَنْ رغبوا في مالها وجمالها، من يتامى النِّساءِ إلاَّ بِالْقِسْطِ.
وفي بعض الروايات عنها: هذا في اليتيمة، لعلها تكون شريكته في المال، ولا يريد أن ينكحها، ولا يُحِبُّ أن تتزوجَ غيرَهُ، لئلا يأخذ مالها، قال الله جَلَّ اسْمُهُ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوْهُنَّ﴾.
قال سعيد بن جبير ومجاهد: ويَرغَبُ في نكاحها إذا كانت كثيرة المال.
ولأهلِ اللغة في هذا تقديران:
أحدهما: أن المعنى وترغبون [عن] أن تنكحوهن، ثم حُذِفَتْ عَنْ.
وحديث عائشة يُقَوِّي هذا القول.
والقولُ الآخر: وترغبون في أن تنكحوهن، ثم حُذِفَتْ "في".
وإذا تَدَبَّرْتَ قول "سعيدِ بِن جُبَير" تَبَيَّنْتَ أنه قد جاء بالمعنيَيْنِ.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَانِ﴾.
قال سعيد بن جبير: كانوا لا يُوَرِّثَونَ الصغير، فَنَـزَلَتْ: ﴿يُوْصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيينِ﴾.
فَعَلَى قول سعيد بن جُبَيرْ أفتاهم في المستضعفين قَوْلُهُ: ﴿يُوْصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ﴾.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَىٰ بِٱلْقِسْطِ﴾.
وَالْقِسْطُ العَدْلُ، وأفتاهم في اليتامى قولُهُ جل وعز: ﴿وَلاَ تَأكُلُوْا أَمَوْالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾.
النساء 4:128
وقوله جل وعز: ﴿وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً﴾.
[النشوزُ من الزوج: أَنْ يُسِيءَ عِشْرَتَهَا، ويَمْنَعَهَا نَفْسَهُ ونَفَقَتَهُ].
* ثم قال جل وعز: ﴿فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَصَّالَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً﴾.
وقرأ أكثر الكوفيين: ﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾.
وقرأ الجحدري وعثمان البتي: ﴿أَنْ يَصَّلِحَا﴾.
والمعنى: يَصْطَلِحَا ثم أدغم.
فأما تفسيرُ الآية فَرَوي سماك بن حرب عن خالد بن عَرْعَرَة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "هي المرأةُ تكون عند الرجل، وهي دميمةٌ أو عجوزٌ، تكره مُفَارَقَتَهُ، فيصطلحا على أن يجيئها كل ثلاثة أيام، أو أربعة".
وقالت عائشة: هو الرجل تكون عنده المرأة، لَعَلَّهُ لا يكون له منها ولدٌ [وَلاَ يُحِبُّهَا] فَيُرِيْدُ تخليتَها، فتصالحه فتقول: لا تُطَلِّقْنِي وأنتَ في حلٍّ من شأني.
وروى الزهري عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أن هذه الآية نزلت في "رافع بن خديج" طَلَّقَ امرأته تطليقةً وتَزوَّج شَابَّةً، فلما قاربتِ انقضاءَ العِدَّة، قالت له: أنا أصالحُكَ على بعضِ الأيَّام، فَراجَعَها، ثم لم تصبره، فطلَّقها أُخرى، ثم سَأَلَتْهُ ذلك، فَراجَعَها، فنـزلت هذه الآية.
وفي حديث هشام بنِ عُروَةَ، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ سَوْدَةَ وَهَبَتْ يومها لعائشةَ، وكانَ رسولُ الله ﷺ يقسم لعائشة يَوْمَهَا، ويَوْمَ سودة، ابتغت سودةُ بذلك رِضَي رسولِ الله ﷺ.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ﴾.
والمعنى: والصلحُ خير من الفُرقةِ، ثم حذف هذا لعلمِ السَّامِعِ.
وقيل في معنى "اللهُ أكْبَرُ": اللهُ أَكْبَرُ من كل شَيْءٍ.
* ثم قال جلَّ وعز ﴿وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ﴾.
قال عطاءٌ: يعني الشُّحَّ في الأيام والنفقة.
ومعنى هذا أن المرأة تشحُّ بالنفقةِ على ضرايرها وإيثارهنَّ.
وقال سعيد بن جبير: هذا في المرأة تَشُحُّ بالمالِ والنَّفْسِ.
النساء 4:129
وقوله جل وعز: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾.
قال عَبيدةُ: في الحُبِّ والجِمَاعِ.
* ثم قال جل وعز: ﴿فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ﴾.
قال عَبِيْدَةُ: يعني بالأنفسِ.
وقال مجاهد: لا تَتَعَمَّدُوا الإِساءة.
والمعنى اقْسِمُوا بينهنَّ بِالسَّوِيَّةِ.
ورُويَ عن عائشة رحمها الله أنها قالت: "كان رسولُ الله ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ بالعَدْلِ ثم يقول: اللهم هذا مَا أَمْلِكُ، فَلاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا تَمْلِكُهُ وَلاَ أَمْلِكُهُ".
* ثم قال جل وعز: ﴿فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ﴾.
قال الحسن: هي التي لَيْسَ [لَهَا] زوْجٌ وَلاَ هِيَ مطلَّقَةٌ.
وقال قتادة: كالمحبوسة وكالمسجونة.
النساء 4:134
وقولُه جل وعز ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ﴾.
رُوِيَ أن أكثر المشركين كانوا لا يؤمنون بالقيامة، وإنما يتقربون إلى الله، ليُوسِّعَ عليهم في الدنيا، ويدفع عنهم مكرُوهَهَا فأنزل الله: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ﴾.
النساء 4:135
وقوله جل وعز ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ﴾.
الْقِسْطُ والإِقْسَاطُ: العَدْلُ، يُقالُ: أَقْسَطَ يُقْسِطُ إِقْسَاطَاً، إذا عَدَلَ، وَقَسَطَ يَقْسِطُ، إذا جَارَ.
* ثم قال جلَّ وعزَّ ﴿شُهَدَآءِ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾.
المعنى: إن يكن المشهودُ له غنياً، فلا يمنعْكُم ذلك مِنْ أَنْ تشهدوا، وإن يكن المشهودُ عليه فقيراً، فلا يمنعْكُم ذلك من أن تشهدوا عليه.
فإن قيل: كيف يقوم بالشهادة على نَفْسِهِ؟ وهل يشهد على نَفْسِهِ.
قيل: يكونُ عليه حَقٌ لغيره فِيُقِرَّ له به، فلذلك قِيَامُهُ بالشهادة على نَفْسِهِ.
أَدَّبَ اللهُ عز وجل [بهذا] المؤمنين، كما قال ابن عباس رَحِمَهُ اللهُ: أُمِرُوْا أَنْ يقولُوا الحقَّ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ.
ثم قال عز وجل: ﴿فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُواْ﴾.
المعنى: فلا تَتَّبعوا الهوى لأن تعدلوا، وأَدُّوْا ما عندكم من الشهادة.
فهذا قولُ أكثرِ أهلِ اللُّغَةِ.
ويجوز أن يكون المعنى فلا تَتَّبِعُوا الهَوَى كَرَاهَةَ أَنْ تعدلوا، لأنه إذا خالف الحقَّ، فكأنه كَرِهَ العَدْلَ.
* ثم قال تعالى: ﴿وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ﴾.
رَوَى قَابوسُ بنُ أبي ظِبْيانٍ، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "هو في الخصمَيْن، يتقدَّمان إلى القاضي، فيكونُ لَيُّهُ لأَحَدِهِمَا، وإعراضُهْ عن الآخر"
وقال مجاهد: ﴿وَإِن تَلْوُواْ﴾ أي تُبَدِّلُوْا ﴿أَو تُعْرِضوُا﴾ تَترُكُوْا.
فمَذهَبُ ابنِ عباسٍ أنّ اللَّيَّ من الحاكِمَ، ومَذْهَبُ مجاهدٍ أنه من الشَّاهِدِ.
وكذلك قال الضحاك: هو أن يَلْوِيَ لِسَانَهُ عن الحقِّ في الشهادة، أو يُعْرضَ فيكتمها.
وأصلُ لَوَى في اللغة: مَطَلَ.
وأنشد سيبَوَيْهِ.
قَدْ كُنْتُ دَايَنْتُ بها حَسَّانَا * مَخَافَةَ الإِفلاَسِ والَّليَانَيا
وقُرِىءَ: ﴿وَإِنْ تَلُوْا أَوْ تُعْرِضُوْا﴾. وفيه قولان:
أحدهما للكسائي، قال: والمعنى من الولاية، وإن تلُوا شيئاً أو تدعوه.
وقال أبو إسحاق: من قرأ: (وَإِنْ تَلُوْا) فالمعنى على قراءته وإن تَلْوُوْا، ثم هَمَزَ الوَاوَ الأَولَى فصارت تَلْؤُوْا. كما قال: يقال: أَدْؤُرٌ في جمع دارٍ، ثم أَلْقَى حَرَكَةَ الهمزة على اللام، وحذف الهمزة فصارت تَلُوْا، كما يقال: آدُرٌ في جمع دار.
النساء 4:136
وقوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
في معنى هذا قولان:
أَحَدُهُمَا: اثبتوا على الإِيمان، كما يقال للقائم: قِفْ حَتَّى أجِيءَ.
أي اثْبُت قائماً.
والقَوْلُ الآخَر: أنه خطابٌ للمنافقين، فالمعنى على هذا: يا أيها الذين آمنوا في الظاهر، أخلصوا للهِ.
النساء 4:137
وقوله جل وعز: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ ــ [آية ١٣٧].
قال مجاهد: يُعْنَى بِهِ المنافقون.
قال: ومعنى ﴿ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً﴾.
مَاتُوا على ذلك.
وهذا القول ليس يبعد في اللغة، لأنهم إذا ماتوا على الكفر فقد هلكوا، فهم بمنـزلة مَنِ ازْدَادَ.
وقال أبو عالية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ﴾ اليهود والنصارى كفروا ﴿ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً﴾ بذنوبٍ عَمِلُوْهَا.
وقال قتادة: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ﴾ اليهود والنصارى، آمَنَتْ اليهود بالتوراة ثم كفرتْ يعني الإِنجيل، ثم آمنوا بِعُزَيْزٍ، ثم كفروا بِعِيسَى، ثم ازدادوا كفراً، بكفرهم بمحمدٍ ﷺ.
وآمنتْ النصارى بالإِنجيل ثم كفرتْ، وكُفْرُهُمْ بِهِ تركُهم إِيَّاهُ ثم ازدادوا كفراً بالقرآن وبمحمدٍ عليه السلام.
النساء 4:138
وقَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾.
[المعنى] اجعَل ما يقومُ لهم مقامَ البِشَارَةِ العَذَابَ.
وأنشد سيبويه:
وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍ * تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ
أي الذي يَقُومُ مَقَامَ التحيَّةِ ضَرْبٌ وَجِيْعٌ.
النساء 4:139
وقوله جل وعز: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ﴾؟ [آية ١٣٩].
أَيَبْتَغِي المنافقون عند الكافرين العِزَّة؟ أي الْمَنَعَةَ.
قال الأصمعي: يقال: أرض عَزَاز، بالفتح والكسر، إذا كانت صُلْبَةً شَدِيْدَةً. وقَوْلُهُم: يَعِزُّ عَلَيَّ، أي يَشْتَدُّ عَلَيَّ.
ومنه قوله تعالى ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أي قهرني لأنه أَعَزُّ مني.
ومنه قولهم: "مَنْ عَزَّ بَزَّ" أي مَنْ غَلَبَ اسْتَلَبَ.
ومنه قوله "فَعَزتهُ يَدَاهُ وكاهلُهُ".
النساء 4:141
وقوله جل وعز: ﴿قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾.
يقال: استحوذ [عليه] إذا استولى عليه.
فالمعنى: قال المنافقون للكافرين: ألم نَغْلِبْ عليكم بِمُوَالاَتِنَا إياكم، ونَمْنَعْكُم من المؤمنين، أي أخبرناكم بأخبارهم لتحذروا ما يكون منهم.
وقولُه جل وعز: ﴿وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾.
رُويَ عن علي رضي الله عنه أنه قال: ذلك في الآخرة.
وقال ابن عباس: ذاك يَوْمُ القيامة.
وقال السُّدِّيُّ: السبيلُ: الحُجَّةُ.
وقيل: إن المعنى إن الله ناصر المؤمنين بالحُجَّةِ والغَلَبَةِ، لِيُظْهِرَ دِينَهُمْ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ.
النساء 4:142
وقوله جل وعز: ﴿إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾.
قال أهل اللغة: سُمِّيَ الثاني خداعاً، لأنه مُجَازَاةٌ للأَوَّلِ فَسُمِّيَ خِدَاعَاً على الازدواج، كما قال جل وعز: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾.
وقال الحسن: إذا كان يوم القيامة أعطي المؤمنون والمنافقون نُورَاً، فإذا انتهوا إلى الصراط، طُفِيءَ نُورُ المنافقين، فَيُشْفِق المؤمنون فيقولون "رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا" فيمضي المؤمنون بنورهم، فينادونهم: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِس مِن نُورِكُم﴾ الآية.
قالَ الحَسَنُ: فَتِلْكَ خَدِيْعَةُ اللهَ إِيَّاهُمْ.
وهذا القول ليس بخارج من قول أهل اللغة، لأنه قد سَمَّاهُ خِداعَاً، لأنه مُجَازَاةٌ لَهُمْ.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾.
قال الحسن: إنما قَلَّ لأنه لغير الله.
ورُويَ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "ما قَلَّ عَملٌ مَعَ تُقىً، وكيفَ يَقِلُّ ما يُتَقَبَّلُ"؟!.
النساء 4:143
ثم قال جل وعز: ﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ﴾.
قال قتادة: ولا يكونون مُخْلِصِينَ بالإِيمان، ولا مُصَرِّحِينَ بالكفر.
ورَوَى عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "مَثَلُ المنافق كَمَثَلِ الشَّاهِ العَائِرَةِ بَينَ غَنَمَينِ، إذا جاءتْ إلى هذِهِ نَطَحَتْها، وَإِذَا جَاءَتْ إلَى هذِهِ نَطَحَتْهَا فَلاَ نَتْبَعُ هذِهِ وَلاَ هذِهِ".
وأصلُ التذبذبِ في اللغة التَحَرُّكُ والاضطرابُ، كما قال:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاكَ سُوْرَةً * تَرَى كُلَّ مَلْكِ دُوْنَهَا يَتَذَبْذَبُ
فالمعنى: إن المنافقين مُتَحَيِّرُونَ في دينهم، لا يَرْجعون إلى اعتقاد شَيءٍ عَلَى صحَّةٍ، ليسوا مع المؤمنين على بصيرة، ولا مع المشركين على جهالة، فَهُمْ حَيارَى بين ذلك.
والنفاق مأخوذ من النَّافِقاء، وهو أَحَدُ جحور الْيَرْبُوعِ، إذا أخِذَتْ عليه المواضعُ، خرجَ منه ولا يُفْطَنُ إليه.
وكذلك المنافق يُظهِر الإِسلام، ويَخرجُ منه سِرَّاً.
وفي الحديث: "للمنافق ثلاثُ علاماتٍ: إذا حدَّث كذب، وإذا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذا ائْتُمِنَ خَانَ".
النساء 4:144
وقوله جل وعز: ﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾؟.
قال قتادة: السلطانُ: الحُجَّةُ.
وكذلك هو عند أهل اللغة:
النساء 4:145
وقوله جل وعز: ﴿إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾.
قال عبدالله بن مسعود: "يُجْعَلُونَ في تَوَابِيتَ من حديدٍ تُغْلَق عليهم" وفي بعض الحديث: من نارٍ، ثم تُطبق عليهم.
والأدْرَاكُ في اللغةِ: المنازِلُ والطبقاتُ.
النساء 4:147
وقول جَلَّ وعَزَّ: ﴿مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً. لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ [آية١٤٧ - ١٤٨].
وقرأ زيدُ بنُ أسْلَمَ وابنُ أبي إِسحاق: ﴿إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ﴾.
وعلى هذه القراءة فيه ثلاثةُ أقوالٍ:
قال الضحَّاكُ: المعنى: ما يفعلُ اللهُ بعذابكم إلاَّ مَنْ ظَلَمَ.
وقيل: المعنى: لا يَجُهَرُ أَحَدٌ بالسُّوءِ، إلا مَنْ ظَلَمَ فإنه يَجْهَرُ بِهِ اعتداءً.
وقال أبو إسحاق الزَّجَّاجُ: يجوز أن يكون المعنى إلا مَنْ ظَلَمَ فقال سُوءً فإنه ينبغي أن تأخذوا على يَدَيهِ، ويكون استثناءً ليس من الأول.
وعلى الجَوَابَيْنِ الأَوَّلَيْنِ يكون استثناءً ليس من الأول أيضاً.
ومن قرأ: ﴿إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ﴾ ففيه أقوالٌ:
أحدها: رُويَ عن مجاهد أنه قال: "نزلتْ هذه الآية في رجل ضَافَ قوماً فلم يُحْسِنُوا إليه، فذكرهم بما فعلوا، فَعَابُوهُ بذلك، فنـزلتْ: ﴿لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾.
فالمعنى على هذا: لكِنْ مَنْ ظُلِمَ فَلَهُ أَنْ يذكر ما فُعِلَ بِهِ.
قال الحسن: "هذا في الرَّجُلِ يُظْلَمُ فلا ينبغي أَنْ يدعو على مَنْ ظَلَمَهُ، ولكنْ لِيَقُل: اللهم أَعِنِّي عليه، واستخرج لي حقِّي منه، ونحو ذلك".
وقال قطرب: ﴿إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ إنما يريدُ الْمُكْرَهَ، لأنه مظلوم، وذلك موضوعٌ عنه وإنْ كَفَرَ.
قال: ويجوز أن يكون المعنى ﴿إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ على البَدَلِ، كأنه لا يُحبُّ اللهُ إلا مَنْ ظُلِمَ، أي لا يحبُّ الظالم، وكأنه يقول: يُحِبُّ مَنْ ظُلِمَ. أي يَأْجُرُ مَنْ ظُلِمَ.
والتقديرُ على هذا القول: لا يُحِبُّ اللهُ ذَا الْجَهْرِ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ، عَلَى الْبَدَلِ.
النساء 4:148
وقول جَلَّ وعَزَّ: ﴿مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً. لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ [آية١٤٧ - ١٤٨].
وقرأ زيدُ بنُ أسْلَمَ وابنُ أبي إِسحاق: ﴿إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ﴾.
وعلى هذه القراءة فيه ثلاثةُ أقوالٍ:
قال الضحَّاكُ: المعنى: ما يفعلُ اللهُ بعذابكم إلاَّ مَنْ ظَلَمَ.
وقيل: المعنى: لا يَجُهَرُ أَحَدٌ بالسُّوءِ، إلا مَنْ ظَلَمَ فإنه يَجْهَرُ بِهِ اعتداءً.
وقال أبو إسحاق الزَّجَّاجُ: يجوز أن يكون المعنى إلا مَنْ ظَلَمَ فقال سُوءً فإنه ينبغي أن تأخذوا على يَدَيهِ، ويكون استثناءً ليس من الأول.
وعلى الجَوَابَيْنِ الأَوَّلَيْنِ يكون استثناءً ليس من الأول أيضاً.
ومن قرأ: ﴿إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ﴾ ففيه أقوالٌ:
أحدها: رُويَ عن مجاهد أنه قال: "نزلتْ هذه الآية في رجل ضَافَ قوماً فلم يُحْسِنُوا إليه، فذكرهم بما فعلوا، فَعَابُوهُ بذلك، فنـزلتْ: ﴿لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾.
فالمعنى على هذا: لكِنْ مَنْ ظُلِمَ فَلَهُ أَنْ يذكر ما فُعِلَ بِهِ.
قال الحسن: "هذا في الرَّجُلِ يُظْلَمُ فلا ينبغي أَنْ يدعو على مَنْ ظَلَمَهُ، ولكنْ لِيَقُل: اللهم أَعِنِّي عليه، واستخرج لي حقِّي منه، ونحو ذلك".
وقال قطرب: ﴿إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ إنما يريدُ الْمُكْرَهَ، لأنه مظلوم، وذلك موضوعٌ عنه وإنْ كَفَرَ.
قال: ويجوز أن يكون المعنى ﴿إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ على البَدَلِ، كأنه لا يُحبُّ اللهُ إلا مَنْ ظُلِمَ، أي لا يحبُّ الظالم، وكأنه يقول: يُحِبُّ مَنْ ظُلِمَ. أي يَأْجُرُ مَنْ ظُلِمَ.
والتقديرُ على هذا القول: لا يُحِبُّ اللهُ ذَا الْجَهْرِ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ، عَلَى الْبَدَلِ.
النساء 4:150
وقوله جل وعز: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾.
قال قتادة: هم اليهود والنصارى، آمنت اليهودُ بموسى والتوراة والإِنجيل، وكفرت بعيسى والإِنجيل، وآمنت النصارى بعيسى والإِنجيل، وكفرت بمحمد والقرآن.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً﴾.
قال قتادة: اتخذوا اليهودية والنصرانية وابتدعوهما، وتركوا دِينَ اللهِ الإِسلامَ، الذي لم يُرْسَلْ نبيٌ إلا به.
النساء 4:153
وقوله جل وعز: ﴿فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً﴾.
قال قتادة: أي عياناً.
وقال أبوعُبيدةَ: هو من صفةِ القول، والمعنى: فقالوا جَهْرَةً أَرِنَا اللهَ.
والقولُ عند أهل النظر قول قتادة.
والمعنى: فقالوا أَرِنَا اللهَ رُؤْيَةً منكشفةً، لأن مَنْ عَرَف اللهَ فقد رآه عِلْمَاً.
النساء 4:154
وقولُه جل وعز: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾.
الطُّوْرُ: الْجَبَلُ.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً﴾.
قال قتادة: كنا نُحَدَّثُ أنه بابٌ من أبواب بيت المقدس.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ﴾.
قال قتادة: نُهُوا عن صَيْدِ الحيتان في يوم السبت.
ويقال: عَدَا، يَعْدُو، عُدُوَّاً، وعُدْوَانَاً، وعَدَاءً وعَدْوَاً: إذا جاوز الحقَّ.
وَيُقْرَأُ: ﴿تَعَدُّوا﴾ بمعنى تعتدوا.
النساء 4:155
وقوله جل وعز: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ﴾.
(مَا) زايدة للتوكيد، يُؤَدِّي عن معنى قولك: حَقَّاً.
وفي معناه ثلاثة أقوال:
أَحَدها: أن قتادة قال: المعنى: فَبِنَقْضِهِم مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ فَعَلَى قولِ قتادة حُذِفَ هذا لِعِلْمِ السَّامِعِ.
وقال الكسائي: هو متعلقٌ بما قلبه. والمعنى فأخذتهم الصاعقة بظلمهم، ثم عَطَفَ على ذلك إلى قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ﴾.
فزعم أنه فَسَّرَ "ظُلْمهم" الذي أخذتهم الصاعقة من أجله بما بعده، من نقضهم ميثاقهم، وقتلهم الأنبياء، وسائر ما بيّن من أمورهم التي ظلموا فيها أَنفسهم.
وهذا خطأٌ وغلطٌ، لأن الذين أخذتهم الصاعقة كانوا على عهد موسى، والذين قتلوا الأنبياء، ورموا مَرْيمَ بالبهتان، كانوا بعد موسى عليه السلام بدهرٍ طويل، فليس الذين أخذتهم الصاعقة أخذتهم برميهم مريم بالبهتان.
وقولُ قتادة أوْلاَها بالصواب.
قال أبو جعفر: قال أبو إسحاق: المعنى فَبِمَا نَقْضِهِمْ [مِيْثَاقَهُمْ] حَرَّمْنَا علَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ، ونقضهمُ الميثاقَ أنه أُخِذَ عليهم أن يُبَيِّنُوا صفة النبي ﷺ فنقضوا ذلك وكتموها.
وقولُه جل وعز: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾.
قال قتادة: ﴿غُلْفٌ﴾ أي لا تفهم.
ومعنى ﴿بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا﴾ خَتَمَهَا مجازاةً على كُفرهم.
وهو تمثيلٌ يقال: طَبَعَ السَّيْفُ يَطْبَعُ طَبَعاً: إذا غَطَّاهُ الصَّدَأُ.
النساء 4:157
وقولُه جل وعز: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾.
قال مجاهد: قتلوا رجلاً توهموا أنه عيسى ﷺ، ورفع الله عيسى حَيَّا.
وقال قتادة: قال عيسى: أيكم يُقْذَفُ عليه شَبَهِي فَيُقْتَل ويدخل الجنة؟ فقال رجل منهم: أنا، فَقُتِلَ.
وقال غيره: يُعَذَّبون على أنهم قتلوا نبياً، لأن تلك نياتهم.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ﴾.
لأنَّ مقالتَهم فيه مختلفةٌ، وهم في شكٍّ منه.
* وقوله جل وعز: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾.
المعنى عند أهل اللغة: وما قتلوا العلمَ يقيناً.
كما يقول: قتلتُه علماً، وقتلته يقيناً: إذا علمتَهُ علماً تاماً.
قال أبو عُبَيْد: ولو كان المعنى: وما قتلوا عيسى يقيناً لقال: "وما قتلوهُ" فقط.
النساء 4:159
وقوله جل وعز: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
في معنى هذه الآية ثلاثة أقوالٍ:
أحدها: أنه رَوَى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لَيَنْـزِلَنَّ ابنُ مريم حَكَمَاً عَدْلاً، فَلَيَقْتُلَنَّ الدَّجَّالَ، وَلَيَقْتُلَنَّ الخِنْـزِيَر، وَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيْبَ، وتكون السجدةُ واحدةً لِلَّهِ رَبَّ العالمين".
ثم قال أبو هريرة: واقرؤوا إنْ شئتم: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، قال أبو هريرة:
قبل موت عيسى، يعيدها ثلاث مرات.
وقال قتادة: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قبل موت عيسى.
ب - وقال ابن عباس: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قبل موت الذي من أهل الكتاب.
وقال بهذا القول: الحَسَنُ، وعكرمةُ.
وهذا القول رواهُ عن ابن عباسٍ عكرمةُ.
ورَوَى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن معنى ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قبل موت عيسى ﷺ.
جـ - وقال غير هؤلاء: المعنى وإنْ مِنْ أَهْلِ الكتابِ أَحَدٌ إلاَّ ليؤمنن بمحمد ﷺ قبل موته.
وهذه الأقوال غير متناقضة، لأنه يتبَيَّنُ عند موته الحق، فيؤمن حين لا ينفعه الإِيمانُ.
قال محمد بن جرير: أولى هذه الأقوال بالصوابِ والصحةِ قولُ مَنْ قال: تأويلُ ذلك، إلاَّ ليؤمننَّ بعيسى قبل موت عيسى، وأن ذلك في خاصٍّ من أهل الكتاب، ومَعْنِيٌّ به أهل زمانٍ منهم، دون أهل كلِّ الأزمنة التي كانت بعد عيسى، وإنَّ ذلك عند نـزوله، ولم يَجرِ لمحمد في الآيات التي قبل ذلك ذِكْرٌ، فيجوز صرفُ الهاء التي في ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ إلى أنها مِنْ ذِكْرِهِ، وإنما ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ في سياق ذِكْرِ عيسى وأمه واليهود.
النساء 4:160
وقولُه جل وعز: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾.
يُبَيِّنُ هذا قوله عز وجل: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ إلى آخر الآية.
النساء 4:162
وقولُه جل وعز: ﴿لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾.
الراسخ: الثابت، و "منهم" يعني أهل الكتاب.
* ثم قال جلَّ وعز ﴿وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ﴾.
وفيه [معنى المدح. أي واذكروا المقيمين الصلاة].
النساء 4:163
وقوله جل عز: ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾.
هذا مُتَّصِلٌ بقوله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابَاً مِنَ السَّمَاء﴾.
فَأَعْلَمَ اللهُ أنَّ أمَرهُ كَأَمْرِ النَّبِيِّيْنَ الذين قَبْلَهُ، يُوْحَى إليه كما يُوْحَى إليهم.
وقولُه جل وعز: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً﴾.
ويُقْرَأُ: ﴿زُبُوْرَاً﴾، بضم الزاي.
قال الكسائي: من قرأ: ﴿زَبُوراً﴾ فهو عنده واحدٌ مثل التوارةِ والإِنجيل.
وقال غيره: [هُوَ فَعُولٌ] بمعْنَى مَفْعُولٍ، كما يقال: حَلُوبٌ، بمعْنَى مَحْلُوبٍ، يقالُ: زَبَرْتُهُ فهو مزبورٌ، أي كتبتُه، و "زَبُور" بمعنى مَزْبور.
ومن قرأ "زُبُوْراً" فهو عنده جمعُ زَبْرٍ.
النساء 4:164
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً﴾.
مؤكد، يدل على معنى الكلام المعروف، لأنك إذا قلتَ: كَلَّمْتُ فلاناً، جاز أن يكون أوصلتَ إليه كلامكَ، وإذا قلتَ: كلَّمتُه تكليماً، لم تكنْ إلاَّ من الكلام الذي يُعرف.
فأخبر اللـهُ بخِصِّيصَاءِ الأنبياء، ثم أخبر بما خصَّ به موسى ﷺ.
النساء 4:166
وقولُه جلَّ وعز ﴿لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾.
قال القُتَبِيُّ: و "لَكِنْ" لا تكون إلاَّ بعد نفي، قال: فهي محمولةٌ على المعنى، لأنهم لمَّا كذَّبوا فقد نَفَوْا، فقال جل وعز ﴿لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ﴾.
قال أبو جعفر: وهذا غَلَطٌ، لأن "لَكِنْ" عند النحويين إذا كانت بعدها جملةٌ، وقعتْ بعد النفيِ، والإِيجاب، وبعدها ههنا جملة، وإنما يقول النحويون: لا تكونُ إلاَّ بعد نفي، إذا كان بعدها مفردٌ.
وقوله ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أي أنزله وفيه عِلْمُهُ، كما تقول: جاء فلانٌ بالسيف أي وهو معه، وكما قال جلَّ وعز ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾.
النساء 4:172
وقوله جل وعزَّ ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾.
قال قتادة: "لن يستنكف": لن يحتشم.
والاستنكاف عند أهل اللغة: الأَنفةُ، وهو من نَكَفَ يَنْكِفُ إذا نحَّى الدمعة عن خدِّه بيده.
النساء 4:174
وقوله جلَّ وعز ﴿يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾.
قال مجاهد: حُجَّةَ.
وقال سفيان: يعني بالبرهان النبيَّ صلى اللـه عليه وسلم.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً﴾.
قال قتادة: هو القرآن.
وهو عند أهل اللغة "تمثيلٌ" لأن أصل النُّور، هو الذي يُبيِّنُ الأشياءَ، فمثَّلَ ما يُعلَمُ بالقلب بما يُرى عياناً.
النساء 4:176
رُوى عن عَلْقمة أنه قال: "كلُّ ما كان في القرآن ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ فنزل بالمدينة، وكلُّ ما كان في القرآن ﴿يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ فنزل بمكة".
المائدة 5:1
من ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ﴾.
قال مجاهد: العقودُ: العهودُ.
وذلك معروفٌ في اللغة، يُقال:عهدتُ إليه إذا أمرتُه بأمرٍ،وعقدتُ عليه، وعاقدتُه: إذا أمرتُه واستوثقتُ منه.
وقيل: يُراد بالعقود ها هنا الفرائض.
* ثم قال جل وعز: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾.
قال الحسن: الأنعامُ: الإِبلُ، والبقرُ، والغنمُ.
وروى عوف عن الحسن ﴿بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ﴾: الشاةُ: والبعير، والبقرةُ.
وروى زهير بن معاوية عن قابوس بن أبي ظبيان قال: "ذبحنا بقرةً، فأخذ الغلمان من بطنها ولداً ضخماً، قد أشعر، فشووه ثم أتوا به أبا ظبيان، فقال: حدثنا عبداللـه بن عباس أن هذا بهيمة الأنعام".
قال أبو جعفر: الأولُ أولى لأن بعده ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ وليس في الأجنة ما يُسْتَثنى.
وقيل لها "بهيمة الأنعام" لأنها أُبهمت عن التمييز.
* ثم قال جل وعز: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾.
واحد الحُرُم حرام، وحرامٌ بمعنى محرم، قيل له محرم وحرام لما حرم عليه النكاح وغيره.
يقال: أحرمَ إذا دخل في الحرم، كما يقال: أَشْتَى إذا دخل في الشتاء، وأَشْهَر: إذا دخل في الشهر.
المائدة 5:2
وقوله جل وعز ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ﴾.
قال أبو عبيدة: الشعائرُ: الهدايا، الواحدة شَعِيرة.
وقال غيره: شعيرة بمعنى مُشْعَرة.
وقال الأصمعي: أشعرتُها: أعلمتُها.
وروى الأسود بن يزيد عن عائشة قالت: إنما أُشعِرَتْ ليُعلم أنها بدنة.
وقال مجاهد: "شعائر اللـه" الصَّفا، والمروة، والحرم.
والمعنى على هذا القول: لا تُحلُّوا الصيد في الحرم، والتقديرُ: لا تُحلُّوا لأنفسكم شعائر اللـه.
ومن قال بأنها البُدْنُ، فالآية عنده منسوخة.
قال الشعبي: ليس في المائدة آية منسوخة ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ﴾ وكذلك قال قتادة.
وقال نسختها ﴿فَاقْتلُوا المُشْرِكينَ حَيْثُ وَجَدْتُموهُمْ﴾ وكانوا قبل قد مُنِعُوا من قتالهم في الشهر، إذا كانوا آمين البيت الحرام.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ﴾ وهو رجب.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَلاَ ٱلْهَدْيَ﴾ واحدُ الهَدْيِ هَدْيَةٌ.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ﴾.
قال الضحاك وعطاء: كانوا يأخذون من شجر الحرم، فلا يُقْرَبون إذا رُئِي عليهم.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ﴾ الأَمُّ: القصدُ، أي لا تستحلوا منع القاصدين البيتَ الحرامَ.
ويجوز أن يكون المعنى لا تحلوا قصد الآمِّينَ ثم حُذف.
* ثم قال جل وعز: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً﴾.
قال ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: يبتغون الأجر، والتجارة.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ﴾.
وهذا إباحةٌ بعد حظر، وليس بحتم.
* ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ﴾.
قال أبو عبيدة: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يكسبنكم، وأنشد:
وَلَقَدْ طَعَنْتُ أَبَا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً * جَرمَتْ فَزَارةُ بَعْدَهَا أَنْ يَغْضَبُوا
وقال الأخفش: ولا يُحَقِّنكم.
وقال الفراء: ولا يحملنكم.
وهذه المعاني متقاربة لأن من حمل رجلاً على إبغاض رجل فقد أَكسبه إبغاضه، فإذا كان الأمر كذلك، فالذي هو أحسنُ أن يقال ما قاله ابن عباس وقتادة، قالا: أي لا يحملنكم شنآنُ قومٍ على العدوان.
وقرأ الأعمش ﴿وَلاَ يُجْرِمَنَّكُمْ﴾ بضم الياء.
قال الكسائي: جَرَمَ يَجْرِمُ، وأجرم يُجْرِمُ، بمعنى واحد، الفتح في هذا أكثر، والضم في الجناية أكثر.
والشَّنَآنُ: الإِبغاضُ، ويُقرأ "شَنْئَانُ" بإسكان النون وليس بالحسن، لأن المصادر لا تكون على "فَعْلاَن".
وقرأ أبو عمرو (إِنْ صَدُّوكُمْ) بكسر الهمزة بمعنى الشرط.
وروي عن الأعمش أنه قرأ (إِنْ يصُدّوكُمْ).
وهو لحنٌ عند النحويين لأن "إن" إذا جَزَمتْ لم يتقدم جوابها، والمعنى على قراءة من فَتَح ﴿ولا يجرمنكم شَنَآنُ قَوْم﴾ لأن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا.
ومن كسر فالمعنى عنده إن فعلوا هذا.
والمعنى على الفتح لأنه يروى (أن النبي ﷺ لمَّا فتح مكة، قتل رجل من أصحابه رجلاً من أهل مكة، كان يقتل حلفاء النبي ﷺ، فنـزلت هذه الآية).
المائدة 5:3
وقوله جل وعز ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ﴾.
يقال: مَيْتَةٌ ومَيِّيَةٌ بمعنى واحد، هذا قول من يوثق به من أهلُ اللغة.
وقيل: الميِّتَةُ ما لم تمت بعد، والمْيتَة التي قد ماتت.
ورُوي أنهم كانوا يجعلون الدم في المباعر ثم يشوونها ويأكلونها، فحرَّم الله جلَّ وعز الدم المسفوح، وهو المصبوب.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ﴾.
أي ذبح لغير الله، وذَكَرَ عليه غير اسمه.
وأصلُ الإِهلال: الصوتُ، ومنه سُمِّي الإِهلالُ بالحج، وهو الصوتُ بالتلبية، وإيجابِ الحج، ومنه استهلالُ المولود، ومنه أهلَّ الهلالُ، لأن الناس إذا رأوه أومأوا إليه بأصواتهم.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَٱلْمُنْخَنِقَةُ﴾.
قال قتادة: هي التي تموت في خناقها.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَٱلْمَوْقُوذَةُ﴾.
قال الضحاك: كانوا يأخذون الشاه أو غيرها من البهائم فيضربونها عند آلهتهم حتى تموت ثم يأكلونها.
ويُقال: وَقَذَهُ، وأَقَذَهُ، فهو مَوْقَوْذ ومُوقَذ، إذا ضربه حتى يشفى على الهلاك، ومنه قيل: فلانٌ وقيذ.
* ثم قال جلَّ وعز ﴿وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ﴾.
قال الضحاك: المترديةُ: أن تتردى في ركيّةٍ أو من جبل، ويقال: تردى إذا سقط، ومنه ﴿وَمَا يُغْني عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾؟.
والنطيحةُ: المنطوحةُ.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ﴾.
أي ما افترسه فأكل بعضه.
وقرأ الحسن: السَّبْعُ، وهو مُسَكَّن استثقالاً للضمة.
* ثم قال جل وعز: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾.
والتذكية: أن تشخُبَ الأوداج دماً، ويضطرب اضطراب المذبوح.
وأصلُ التذكيةِ في اللغة: التمامُ، وقال زهير:
يُفضِّلُهُ إذَا اجتَهَدَا عَلَيهِ * تَمَامُ السِنِّ منهُ والذَّكَاءُ
ومنه لفلان ذكاء أي هو تام الفهم، وذكيتُ النار: أي أتممت إيقادها.
وذكَّيْتُ الذبيحة: أتممت ذبحها على ما يجب.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾.
وقرأ طلحةُ (عَلَى النُّصْبِ).
قال مجاهد: هي حجارة كانت حوالي مكة يذبحون عليها، وربما استبدلوا منها.
ويجوز أن يكون جمع نصاب.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ﴾.
قال قتادة: كان أحدهم إذا أراد أن يخرج، كتب على قدح يعني السهم "تأمرني بالخروج" وعلى الآخر "لا تأمرني بالخروج" وجعل بينهما سهماً منيحاً لم يكتب عليه شيئاً، فيُجِيلُها فإن خرج الذي عليه تأمرني بالخروج خرج، وإن خرج الذي عليه لا تأمرني بالخروج لم يخرج، وإن خرج المنيح رجع فأجالها.
وإنما قيل لهذا الفعل استقسامٌ، لأنهم كانوا يستقسمون به الرزق وما يريدون، كما يقال الاستسقاء في الاستدعاء للسقي.
ونظير هذا الذي حرمه الله قول المنجِّم: لا تخرج من أجل نجم كذا، أو اخرج من أجل نجم كذا.
وقال جل وعز: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾.
قال أبو جعفر: وذكر محمد بن جرير أن ابن وكيع حدثهم عن أبيه عن شريك عن أبي حصين عن سعيد بن جبير أن الأزلام حصى بيضٌ كانوا يضربون بها.
قال محمد بن جرير: قال لنا سفيان بن وكيع هي الشطرنج
* ثم قال جل وعز: ﴿ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ﴾.
والفسقُ: الخروج، أي الخروج من الحلال إلى الحرام.
* وقوله جل وعز: ﴿ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾.
قال ابن عباس: ﴿يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾.
المعنى: يئس الذين كفروا أن تعود الجاهلية.
وقال ورقاء: المعنى: ألآن يئس الذين كفروا من دينكم.
وهذا معروف عند أهل اللغة كما تقول: أنا اليوم قد كبرتُ عن هذا.
* وقوله جل وعز ﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.
رُوي أن أناساً من اليهود قالوا: لو نزلت هذه الآية علينا، لاتَّخذنا ذلك اليوم عيداً، فقال عمر رضي الله عنه: نزلت في يوم جمعة، يوم عرفة.
وفي معنى الآية قولان:
أحدهما: الآن أكملت لكم دينكم، بأن أهلكتُ عدوَّكم، وأظهرتُ دينكم على الدِّينِ كلِّه، كما تقول: قد تمَّ لنا ما نريد، إذا كفيتَ عَدوَّك.
ويجوز أن يكون المعنى: اليوم أكملت لكم دينكم فوق ما تحتاجون إليه من الحلال والحرام في أمر دينكم.
ورَوَى إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة أنه قال: في المائدة ثماني عشرة فريضة ليست في غيرها "تحريم الميتة، والدم، ولحم الخنـزير، وما أُهِلَّ لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذةُ، والمترديةُ، والنطيحةُ، وما أكل السبع، وما ذبح على النصب، والاستقسام بالأزلام، وتحليلُ طعام الذين أوتوا، والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب، والجوارح مكلبين، وتمام الطَّهور ﴿إذا قُمْتُم إِلى الصَّلاَةِ فَاْغسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ وقوله تعالى ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وقوله تعالى ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ، وَلا سَائِبَةٍ، وَلاَ وَصِيلَةٍ، وَلاَ حَامٍ﴾".
ويُروى أنها آخر سورة أنزلت.
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾.
المخمصةُ: ضُمُورُ البطنِ من الجوعِ.
* ثم قال جل وعز: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾.
قال قتادة: الإِثم: ها هنا أن تأكل منها فوق الشبع.
* ثم قال جل وعز: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
أي رَحِمَكم فأباح لكم هذه الأشياء عند الضرورة.
المائدة 5:4
وقوله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾.
وقرأ عبدالله بن مسعود والحسن وأبو رزين ﴿مُكْلِبِين﴾.
ومعنى مكَلِّبِينَ: أصحاب كلاب، يقال كَلَّبَ فهو مكَلِّب، وكَلاَّبٌ، ويقال: أَكْلَب فهو مَكْلِبٌ إذا كثرت عنده الكلاب، كما يقال: أمشى فهو ممش، إذا كثرت ماشيته.
وأنشد الأصمعيُّ:
وكلُّ فتى وإنْ أَمْشَى فَأَثْرَى * سَتَخْلِجُهُ عنِ الدُّنْيَا مَنُونُ
وروي عن أبي رافع أنه قال: لما أمرَ النبيُّ ﷺ بقتل الكلاب، سألوه ما يحلُّ من هذه الأمَّةِ التي أمرتَ بقتلها؟ فنـزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ﴾؟ وقرأ إلى آخر الآية.
والجوارحُ في اللغة: الكواسبُ، يقال ما لفلانة جارح أي كاسب.
وقال مجاهد في قول الله عز وجل: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾. قال: ما كسبتم.
وقال مجاهد في معنى ﴿ٱلْجَوَارِحِ﴾ إنها الكلابُ، والطيرُ.
وقال طاووس: يحلُّ صيد الطير، لقوله تعالى ﴿مُكَلِّبِينَ﴾.
وليس في الآية دليلٌ على تحريم صيد سوى الكلاب، لأن معنى "مكلِّبينَ" مُحَرِّشُونَ.
والإِجماعُ يقوِّي قولَ طاووسٍ على تحليل صيد الطير.
* وقوله جل وعز: ﴿فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾.
قال سعد بن أبي وقاص وسلمان وعبدالله بن عمر وأبو هريرة: "إذا أمسك عليك فكل، وإن أكل" وهذا قولُ أهل المدينة.
ورُوي عن عديِّ بن حاتم عن النبي ﷺ أنه قال: إن أمسَك عليك عليك ولم يأكلْ فكُلْ، وهذا قول أهل الكوفة.
المائدة 5:5
وقوله جل وعز ﴿وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾.
قال مجاهد وإبراهيم: يعني الذبائح.
* وقوله جل وعز ﴿وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾.
روي عن ابن عباس أنه قال: المحصناتُ: العفيفاتُ العاقلات.
وقال الشعبي: هو أن تحصِّن فرجها فلا تزني، وتغتسل من الجنابة.
والقراءة على قول الشعبي (والمُحْصِناتُ) بكسر الصاد، وبه قرأ الكسائي.
والمحصَنَةُ تكون العفيفة، والمتزوجة، والحرة، فالحرة ها هنا أولى، ولو أريد العفيفة لما جاز أن تُتَزوَّجَ امرأة حتى يوقف على عِفَّتها.
وقال مجاهد: المحصناتُ: الحرائر.
قال أبو عبيدة: نذهب إلى أنه لا يحل نكاح إماء أهل الكتاب لقوله جل وعز: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ المُؤْمِنَاتِ﴾.
وهذا القول الذي عليه جلَّهُ العلماء.
ويدل على أنهن الحرائر قوله جل ثناه ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُم طَوْلاً أَنْ يَنْكحَ المُحْصَناتِ المُؤمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ المُؤْمِنَاتِ﴾.
قال الحسن والزهري ويحيى بن سعيد وإبراهيم ومكحول وقتادة:
لا يحلُّ نكاح إماءُ أهلِ الكتاب لقوله تعالى ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ المُؤْمِنَاتِ﴾.
* وقوله جل وعز ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾.
قال مجاهد وعطاء: أي ومن يكفر بالله.
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُم إِلَى الصَّلاةِ﴾.
المعنى: إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وفي الكلام دليل على هذا.
ومثلُه ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾.
المعنى: وإذا أردت أن تقرأ.
المائدة 5:6
وفي قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ﴾.
أقوال:
أحدها: إذا توضَّأ من حدث ثم دخل عليه وقت الصلاة وهو على طهارة فليس عليه التوضؤ، وهذا الذي عليه أكثر الناس، وقد صحَّ أن النبي ﷺ صلَّى خمس صلواتٍ بوضوءٍ واحد.
وقال زيد بن أسلم: أي إذا قمتم من المضاجع.
والقول الثاني: إن الوضوء قد كان واجباً بهذه الآية على كل مريد للقيام إلى الصلاة، ثم نَسَخَ ذلكَ سُنَّةُ رسولِ الله ﷺ.
والقول الثالث: إن على كل قائم إلى الصلاة مكتوبة الوضوء، كما روى شعبة عن مسعود بن علي قال: كان علي رضي الله عنه يتوضأ لكل صلاة ويتلو ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾.
* ثم قال جل وعز: ﴿فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ﴾.
قال بعض أهل اللغة: المعنى مع المرافق، كما قال ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾.
أي مع الله.
وهذا القولُ خطأٌ، لأن اليد عند العرب من الأصابع إلى الكتف، وإنما فُرِضَ غسلُ بعضها، فلو كانت "إلى" بمعنى "مع" لوجب غسل اليد كلها، ولم يحتج إلى ذكر المرافق.
والمِرْفَقُ، ويُقال مَرْفِقٌ: ما بعد الأيدي مما يُرْتفَقُ عليه أي يُتكأ.
ومعنى "إلى" ههنا الغاية، هي على بابها، إلا أنَّ أبا العباس قال: إذا كان الثاني من الأول فما بعد "إلى" داخلٌ فيما قبله، نحو قوله تعالى: ﴿إِلَى ٱلْمَرَافِقِ﴾.
فالمرافقُ داخلةٌ في الغسل، وإذا كان ما بعدها ليس من الأول فليس بداخل فيه نحو ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّلْيلِ﴾.
وقال غيره: ما بعد "إلى" ليس بداخل فيما قبلها، إلا أن المرافق غُسلت إتِّباعاً.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ﴾.
والمعنى: فاغلسوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم على التقديم والتأخير.
ومن قرأ (وَأَرْجُلِكُم) ففي قراءته أقوال:
أحدها: إن المسح والغسل واحدٌ، قال ذلك أبو زيد.
ومنه قولهم: تمسَّحْتُ للصلاة، والتقدير وأَرْجلِكُم غَسْلاً.
ودلَّ على هذا قوله ﴿إِلَى ٱلْكَعْبَينِ﴾ فحدَّدها كما قال في اليدين ﴿إِلَى ٱلْمَرَافِقِ﴾.
ودلَّ عليه حديث النبي ﷺ "ويل للأعقابِ من النار".
فلو كان المسح كافياً لجاز المسح على البعض.
وروي عن الشعبي أنه قال: (نزل جبريل عليه السلام بالمسح، والغَسْلُ) سُنَّةٌ.
والقول الثالث روي عن علي رضي الله عنه أنه أجاز المسح.
قال أبو جعفر: إلا أن عاصم بن كُلَيْب روى عن ابن عبدالرحمن قال: قرأ الحسن والحسين رحمة الله عليهما وعلى عليٍّ (وَأَرْجُلِكُمْ) فسمع عليٌّ ذلك، وكان يقضي بين الناس، فقال ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ هذا من المقدم والمؤخر من الكلام.
وروى أبو اسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه قال: اغسلوا الأقدام أي الكعبين، وكذا روي عن ابن مسعود، وابن عباس رحمهما الله أنهما قرأ ﴿وأرجَلَكُمْ﴾ بالنصب.
والكعبُ: العظمُ الناتِىُء في آخر الساق عند القدم، وكل مفصل عند العرب كعبٌ، إلاَّ أنه لم يحتج أن يقال: الكعبُ الذي من قصته كذا لأنه ظاهرٌ بين.
* وقوله جل وعز: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ﴾. كنايةٌ.
والغائطُ في الأصلِ: ما انخفضَ من الأرضِ.
ثم قال جل ذكره: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾.
في معناه قولان:
أحدهما: رواه عَبِيدة عن عبدالله بن مسعود أنه قال: "القُبْلُة من المسِّ، وكلُّ ما دونَ الجماع لمسٌ" وكذلك قال ابن عمر.
ومحمد ين يزيد يميل إلى هذا القول، قال: لأنه قد ذكر في أول هذه السورة ما يجب على من جَامَع في قوله ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ﴾.
وقال عبدالله بن عباس: اللَّمْسُ، والمَسُّ، والغَشَيانُ: الجماعُ، ولكنه جلَّ وعز كنَّى.
وقال مجاهد في قول الله عز وجل: ﴿وَإذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامَاً﴾.
قال: إذا ذَكَرُوا النِّكاحَ كَنَوْا عنه.
وقولُه عز وجل: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً﴾.
أي فاقصدوا.
والصعيدُ: وجه الأرضِ.
قال ابن عباس: أطيب الصعيد الحَرْثُ.
وقولُه جلَّ وعز: ﴿مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾.
قال مجاهد: أي من ضِيق.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾.
وقرأ سعيد بن المسيب ﴿لِيُطْهِرَكم﴾ والمعنى واحد، كما يقال: نَجَّاه وأَنْجَاه.
المائدة 5:7
وقولُه جلَّ وعز: ﴿وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ﴾.
مذهب ابن عباس أنه قال: الميثاق الذي وَاثَقَ به المؤمنين من أصحاب النبي ﷺ على: السمع والطاعة فيما أحبُّوا وكرهوا.
قال مجاهد: الميثاق الذي أخذه على بني آدم يعني قوله ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾.
المائدة 5:8
وقوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ﴾.
القسطُ: العدلُ.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾.
أي لا يحملنَّكم، وقد بيناه فيما تقدم.
وقرىء ﴿ولا يُجْرِمنَّكم﴾.
قال الكسائي: هما لغتان.
وقال أبو جعفر: قال أبو اسحاق: معنى ﴿لا يَجْرِمنَّكُمْ﴾ لا يدخلنكم في الجرم، كما تقول:
آثَمني أي أدخلني في الإِثم.
والشنآنُ: البغضُ.
المائدة 5:11
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾.
قال مجاهد: "هذا في اليهود جاءهم النبي ﷺ يستعينهم في دية، فهمُّوا بقتله، فوقاه اللهُ جلَّ وعز منهم".
ورُوي عن الحسن أنه قال: نزل هذا في رجل من أعداء النبي ﷺ في بعض غزواته فاستقبل القبلة ليصلي صلاة الخوف فجاء هذا ليقتله، فمنعه الله منه.
المائدة 5:12
وقوله جل وعز: ﴿وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾.
النقيبُ في اللغة: الأمينُ الذي يعرف مداخل القوم، كأنه يعرف ما ينقِّب عليه من أمرهم.
وروى سعيد عن قتادة قال: ﴿وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ من كل سبط رجلاً شاهداً على سبطه ﴿وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ﴾ إلى آخر القصة.
* وقوله جل وعز: ﴿وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾.
قال أبو عبيد ﴿عَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ عظَّمتموهم.
وقال يونس: أَثنيتم عليها.
وأحسنُ من هذين القولين قولُ ابن أبي نجيح عن مجاهد أن معنى ﴿عَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ نصرتموهم، والتعظيمُ داخل في النُّصْرة.
والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّروُهُ﴾.
وأصلُ التعزيز في اللغة: المنعُ، ومنه عزَّرتُ فلاناً أي أنزلت به ما يمتنع من أجله المعاودة كما تقول: نكَّلتُ به أي أنزلت به ما ينكِّلُ به عن العودة.
وروي عن سعد أنه قال: "لقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ مالنا إلاَّ الحُبْلة والسَّمُر، ثم أصبحت بنو أَسَد تعزِّرني على الإِسلام أي تؤدبني".
وهو يرجع إلى ما تقدم أي يمنعونني عما أنا عليه.
المائدة 5:13
وقولُه جل وعز: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾.
وتُقْرأُ "قَسِيَّةً".
والقاسية كما تقول: عَلِيَّةٌ، وعَالِيةٌ، وعَلِيٌّ، وعالٍ، بمعنىً واحدٍ.
والقولُ الآخر: معنى "قَسِيَّة" ليست بخالصة الإِيمان، أي فيها نفاقٌ.
قال أبو جعفر: وهذا قولٌ حسن لأنه يقال: درهمٌ قسِيٌ إذا كان مغشوشاً بنحاسٍ أو غيره.
قال أبو جعفر: وأولى ما فيه أن تكون "قسَّية" بمعنى قاسية، مثل زكيَّة وزاكية، إلاَّ أن فعيلة أبلغ من فاعلة، فالمعنى: جعلنا قلوبهم غليظةً، نابية عن الإِيمان، والتوفيق لطاعتي، لأن القوم لم يوصفوا بشيء من الإِيمان فتكون قلوبهم موصوفة، فإن إيمانها خالطه كفرٌ، كالدراهم القسية التي خالطها غشٌّ.
* ثم قال جل وعز ﴿يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾.
يجوز أن يكون معناه: يبدِّلون حروفه.
ويجوز أن يكون معناه: يتناولونه على غير معناه.
وقولُه جل وعز: ﴿وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾.
فيه قولان:
أحدهما: قاله قتادةُ: قال: على خيانة.
وهذا جائزٌ في اللغة، ويكون مثل قولهم: "قائلة" بمعنى قيلولة.
والقولُ الآخر: قاله ابن أبي نجيح عن مجاهد، وهو أن هذا يُراد به اليهود الذين همُّوا بقتل النبي ﷺ، فيكون التقدير على هذا القول: على فرقةٍ خائنةٍ، ثم أقام مقام الموصوف.
المائدة 5:14
وقوله جلَّ وعز: ﴿فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ﴾.
أي تركوا، ومنه (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيهُم) أي تركهم.
* ثم قال جل وعز ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾.
ومعنى "أَغْرَيْنَا" في اللغة: ألصقنا، ومنه قيل: الغِرَاءُ للَّذي يُغَرَّى به.
قال ابن أبي نجيح: يعني اليهود والنصارى.
وقال الربيع بن أنس: يعني به النصارى خاصة، أَغْريتُ بينهم العداوة والبغضاء، أي مجازاة على كفرهم، فافترقوا فِرقاً: منهم النسطورية، واليعقوبية، والملكية، وكل فرقة تُعَادي الأخرى.
المائدة 5:15
وقوله جل وعز: ﴿يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ﴾.
رُوي عن ابن عباس أنه قال: "زنى رجل من اليهود، فجاءوا يستفتون النبي ﷺ، ليدرؤا عنه الرجمَ، والرَّجْمُ عندهم في التوراة، فأُطلِع النبيُّ ﷺ على ذلك".
* ثم قال جل وعز: ﴿قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ﴾.
قيل "نورٌ" يعني به النبيَّ ﷺ.
وهو تمثيلٌ لأن النور هو الذي تتبيَّنُ به الأَشياءُ.
المائدة 5:16
ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ﴾.
السبلُ: الطُّرُق، والسلامُ: يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون السَّلامُ بمعنى السَّلامة، كما يُقال: اللَّذَاذُ واللَّذَاذةُ.
والمعنى الآخرُ: أنَّ السلام اسمٌ من أسماء الله جل وعز.
فالمعنى على هذا: يَهْدِيِ به اللهُ سُبُلهَ أي من اتَّبعها نجَّاه.
المائدة 5:19
وقولُه عز وجل: ﴿يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مَّنَ ٱلرُّسُلِ﴾.
قال قتادة: يعني محمداً ﷺ.
قال: وبلغنا أن الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، ست مائة عام.
والمعنى عند أهل اللغة: على انقطاع من الرسل، لأن الرسل كانوا متواترين بين موسى وعيسى صلى الله عليهما، ثم انقطع ذلك إلى أن بعث النبي ﷺ.
* ثم قال جل وعز: ﴿أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ﴾.
قال الكوفيون: المعنى أن لا تقولوا، ثم حُذفت "لا" كما قال جل وعز: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾.
ولا يجوز حذف "لا" عند البصريين، لأنها تدلُّ على النفي.
والمعنى عندهم: كَراهةَ أن تقولوا.
المائدة 5:20
وقولُه جل وعز: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً﴾.
رُوي عن ابن عباس أنه قال: يعني الخادمَ، والمنـزلَ.
قال قتادة لم يملك أحد قبلهم خادماً.
وقال الحَكَمُ بنُ عُتَيْبَةَ ومجاهد وعكرمة: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً﴾ المنـزل والخادم والزوجة.
وكذلك قال زيد بن أسلم، إلاَّ أنه قال: فيما يُعلم عن النبي ﷺ: "من كان له بيت، أو قال منـزل يأوي إليه، وزوجةٌ، وخادمٌ يخدمه، فهو مَلِكٌ".
قال جل وعز: ﴿وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ﴾.
قال مجاهد: يعني المنَّ، والسَّلْوى، وانفراق البحر، وانفجار الحجر، والتظليل بالغمام.
المائدة 5:21
ثم قال جل وعز: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
قال قتادة: يعني الشام.
والمقدَّسة في اللغة: المطهَّرة، ومنه سمي بيت المقدس.
أي الموضع الذي يُتَطهَّر فيه من الذنوب.
المائدة 5:22
ثم قال جل وعز: ﴿قَالُوا يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ﴾.
الجَّبارُ عند أهل اللغة: المتَعظِّمُ، الذي يمتنع من الذلِّ والقهر.
المائدة 5:23
وقولُه جلَّ وعز: ﴿قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾.
روي عن مجاهد أنه قال: الرجلان من الإِثني عشر نقيباً الذين بعثوا، وهما "يوشَعُ بنُ نُونٍ" و "كلابُ بن قاينَّا" ويُقال: يوقَنَّا.
وقال الضحاك: هما رجلان مؤمنان كانا في مدينة الجبارين.
والدليلُ على هذا أنهما قالا ﴿ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ، فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ وقد علمنا أنهم إذا دخلوا من ذلك الباب كان لهم الغلب.
وقرأ سعيد بن جبير: ﴿مِنَ الَّذِينَ يُخَافُونَ﴾ بضم الياء.
يذهب إلى أنهما كانا من الجبَّارينَ، وأَنْعَمَ الله عليهما بالإِسلام.
المائدة 5:24
ثم قال جل وعز: ﴿قَالُواْ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا﴾.
أي ليس نقبل مشورة، فأعلمَ اللهُ النبيَّ ﷺ أنَّ أهلَ الكتابِ لم يزالوا يَعْصُون الأنبياءَ، وأنَّ لهُ في ذلك أسوةً.
قال أبو عبيدة: معنى ﴿فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ﴾ أي اذهب فقاتل، ولْيعنك ربُّك.
المائدة 5:25
ثم قال جل وعز: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي﴾.
ويجوز أن يكون المعنى: وأخي لا يملكُ إلاَّ نفسه.
ويجوز أن يكون المعنى: وأملِكُ أخي، لأنه إذا كان يطيعه فهو مالك في الطاعة.
* ثم قال جل وعز: ﴿فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ﴾.
قال الضحاك: المعنى فاقضِ بيننا وبين القوم الفاسقين.
المائدة 5:26
وقوله جل وعز: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾.
أي هم ممنوعون من دخولها.
ويُروى أنه حرم عليهم دخولها أبداً.
فالتمامُ على هذا عند قوله ﴿عَلَيْهِمْ
* ثم قال تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ﴾.
وقد ذهب بعض أهل اللغة إلى أن المعنى ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَليْهِم أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾.
ثم ابتدأ فقال: ﴿يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ﴾.
* ثم قال جل وعز: ﴿فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ﴾.
يجوز أن يكون هذا خطاباً للنبي ﷺ، أي فلا تأس على قومٍ هذه صفتهم.
ويجوزُ أن يكون الخطابُ لموسى ﷺ.
يقال: أَسِيَ، يَأْسَى، أَسَىً: إذا حزِنَ، ويُقال: أَسَى الشيءُ يأسو، أَسْوَاً، إذا أصلحته، والمعنى: أنه أزال ما يقعُ الغمُّ من أجله.
ولك في فلانٍ إِسْوةٌ، وأُسْوةٌ، أي إذا رأيته مثَلَك نفض عنك الغمَّ.
المائدة 5:27
وقوله جل وعز: ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ﴾.
قال مجاهد: هما ابنا آدم لصلبه، "هابيلُ" و "قابيل"، وكان من علامة قربانهم إذا تُقُبِّل أن يسجد أحدهم، ثم تنـزل نارٌ من السماء فتأكل القُربان.
والقربانُ عند أهل اللغة: فُعْلاَنٌ مما يُتقرَّبُ به إلى الله جلَّ وعز.
وقال الحسن: هما من بني إسرائيل لأن القربان كان فيهم.
ثم قال عز وجل: ﴿قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾.
المعنى: قال الذي لم يُتقبَّلْ منه للذي تُقبِّل منه ﴿لأَقْتُلَنَّكَ﴾ ثم حُذف هذا لعلم السامع.
ويروى أن القتل كان ممنوعاً في ذلك الوقت، كما كان ممنوعاً حين كان النبي ﷺ بمكة، ووقت عيسى عليه السلام، فلذلك قال: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِط يَدِيَ إِلَيْكَ لأَِقْتُلَكَ، إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ العَالَمِين﴾.
المائدة 5:29
وقوله جل وعز: ﴿إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ﴾.
قال الكسائي: يقالُ: بَاءَ بالشيءِ، يبوُءُ به، بَوْءً، وبَوَاءً: إذا انصرف به.
قال البصريون: يقال بَاءَ بالشَّيْءِ، إذا أقرَّ بهِ، واحتمله، ولزمه.
ومنه تبوأ فلانٌ الدَّارَ، أي لزمها وأقام بها.
يقال: البَوَاءُ التَّكافُؤُ، والقتلُ بَوَاءٌ، وأنشد:
فإن تكنِ القَتْلَى بَوَاءً، فإنكُمْ * فَتَىً مَّا قتَلْتُم آلَ عَوْفِ بنِ عَامِرِ
قال "أبو العباس" محمد بن يزيد في قوله تعالى: ﴿إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ وهو مؤمن، لمَّا كان المؤمن يريد الثواب، ولا يبسط يده إليه بالقتل، كان بمنـزلة من يريدُ هذا.
وسُئل أبو الحسن بن كيسان: كيف يريد المؤمن أن يأْثَمَ أخُوه، وأن يدخل النار؟
فقال: إنما وقعت الإِرادة بعدما بسط يده بالقتل.
فالمعنى: لئن بسطتَ إلىَّ يدك لتقتلني، لأمتنعنَّ من ذلك مريداً الثواب.
فقيل له: فكيف قال "بإثمي وإثمك" وأيُ إثمٍ له إذا قُتِل؟ فقال: فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تبوء بإثم قتلي وإثم ذنبك، الذي من أجله لم يتقبل من أجله قربانك، ويروى هذا الوجه عن مجاهد.
والوجه الآخر: أن تبوء بإثم قتلي وإثم اعتدائك عليَّ، لأنه قد يأثم في الإِعتداء، وإنْ لم يقتل.
والوجه الثالث: أنه لو بسط يده إليه أثم، فرأى أنه إذا أمسك عن ذلك، فإنه يرجع على صاحبه، وصار مثل قولك: المالُ بينه وبين زيد أي المال بينهما.
فالمعنى: أن تبوء بإثمنا.
قال أبو جعفر: ومن أجلِّ ما روي فيه عن ابن مسعود وابن عباس أن المعنى: بإثم قتلي، وإثمك فيما تقدَّم من معاصيك.
فإن قيل أفليس القتل معصية وكيف يريده؟ قيل: لم يقل أن تبوء بقتلي، فإنما المعنى بإثم قتلي إن قتلتني، فإنما أراد الحق.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ﴾.
يجوز أن يكون هذا إخباراً من الله عن ابن آدم أنه قال هذا.
ويجوز أن يكون منقطعاً مما قبله.
المائدة 5:30
وقول جلَّ وعز ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾.
قال قتادة: أي زيَّنت.
وقال مجاهد: أي شجَّعته، يريد أنها ساعدته على ذلك.
وقال أبو العباس: طوَّعَتْ: فَعَّلَتْ من الطوع والطواعية وهي الإِجابة إلى الشيء.
* ثم قال جل وعز: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ﴾.
أي ممن خسر حسناتِه، والخسران: النُّقْصانُ.
المائدة 5:31
ثم قال جل وعز: ﴿فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾.
قال مجاهد: بعث الله جلَّ وعزَّ غرابين، فاقتتلا حتى قتل أحدهما صاحبه، ثم حفر فدفنه، وكان ابنُ آدم هذا أوَّلَ من قَتَل.
ويُروى "أنه لا يقتل مؤمن إلى يوم القيامة، إلاَّ كان عليه كفلٌ من ذنب مَنْ قَتَله".
المائدة 5:32
وقولُه جل وعز: ﴿مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً﴾.
وقرأ الحسن: ﴿أَوْ فَسَادَاً فَي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾.
والمعنى على قراءته: أو عَمِلَ فساداً.
وقال ابن عباس في قوله جل وعز: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً﴾ أَوْبقَ نفسَه، فصار بمنـزلة من قتل الناس جميعاً، أي في استحقاقه العذاب.
ويستحق المقتولُ النَّصْرَ، وطلبَ الثأرِ من القاتل، على المؤمنين جميعاً.
قال ابن عباس: إحياؤُها: ألاَّ يقتلَ نفساً حرَّمها الله عز وجل.
وقال قتادة: عظَّم اللهُ أمره، فألحقه من الإِثم هذا.
وقيل: هو تمثيلٌ، أي الناس جميعاً له خصماء.
ومعنى ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ﴾ وفسادُه: الحربُ، وإخافةُ السبيل.
وفي حديث حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: سمعت عثمان بن عفان رحمه الله يقول سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا يحلُّ دمُ امرىءٍ مسلمٍ إلاَّ بإحدى ثلاث: زنىً بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان، أو قتل نفس بغير نفس".
ومعنى ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ على قول قتادة: أنه يُعْطَى من الثواب على قدر ذلك.
وقيل: وجب شكره على الناس جميعاً، فكأنما منَّ عليهم جميعاً، يروى هذا عن مكحول.
وقولُ ابن عباس أولاها وأصحها.
المائدة 5:33
وقولُه جل وعلا: ﴿إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ﴾.
قال الحسن: السلطان مخيَّرٌ أي هذهِ الأشياءِ شاءَ فَعَل، وكذلك روى ابن أبي نجيح عن عطاء، وهو قول مجاهد وإبراهيم والضحاك، وهو حسن في اللغة لأن "أو" تقع للتَّخييرِ كثيراً.
وقال أبو مجلز: الآية على الترتيب، فمن حارب فَقَتَل وأخذ المال صُلِبَ، ومن قَتَل قُتِل، ومن أخذ المال ولم يَقْتُل، قُطِعتْ يَده ورجله من خلاف، ومن لم يقتل ولم يأخذ المال نُفِيَ.
ورَوَى هذا القولَ حجاَّجُ بن أرطاةَ عن عطيةَ عن ابن عباس مثلهَ، غير أنه قال في أوله، فمن حارب وقتل وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف، ثم صُلِب، وليس في قول أبي مجلز قبل الصلب ذكرُ شيء.
واحتجَّ أصحابُ هذا القول بحديثٍ رواه عثمانُ، وعائشةُ وابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يحلُّ دم امرىءٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث.." وذكَرَ الحديثَ، قالوا: فقد امتنع قتلُه إلاَّ أن يقتل، فوجب أن تكون الآية على المراتب.
وقال الزهري في قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ﴾ كلَّما علم أنه في موضع قُوتِلَ حتى يخرج منه.
وقال أهل الكوفة: النفيُ ها هنا الحبس.
وروي هذا عن ابن عباس بإسناد ضعيف.
وقال سعيد بن جبير وعمر بن عبدالعزيز: يُنْفى من بلدته إلى بلدةٍ أخرى غيرها.
وقوله جلَّ وعز: ﴿ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا، وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
يُقال: خَزِيَ يَخْزَى خِزْيَاً: إذا افتضح وتحيَّر، وخَزِي يخزَى خِزَايةً: إذا استحيا، كأنَّه تحيرَّ كراهة أن يفعل القبيح.
المائدة 5:35
وقوله جل وعز: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ﴾.
قال ابن عباس: يعني القربة، وكذلك قال الحسن.
ورَوَى موسى بن وردان عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ "الوسيلةُ: درجةٌ عند الله جل وعز، وليس فوقها درجة".
المائدة 5:37
وقولُه جلَّ وعز: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾.
قال يزيد الفقير: قيل لجابر بن عبدالله: أنتم يا أصحاب محمد تقولون: إن قوماً يخرجون من النار، واللهُ يقول ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾؟ فقال جابر: إنكم تجعلونَ العامَّ خاصاً، والخاصَّ عاماً، إنما هذا في الكفار خاصة، فقرأتُ الآية من أولها إلى آخرها، فإذا هي في الكفار خاصة.
المائدة 5:38
وقوله جل وعز ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا﴾.
قال سيبويه: المعنى: وفيما فُرِضَ عليكم السارقُ والسَّارقةُ.
* ثم قال جل وعز: ﴿جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ﴾.
يقال: نَكَّلْتُ بهِ، إذا فعلتَ به ما يجب أن ينْكُلَ به عن ذلك الفعل.
المائدة 5:39
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
المعنى: غفورٌ له، وجعل الله توبة الكافرين تدرأ عنهم الحدودَ، لأن ذلك أدعى إلى الإِسلام، وجعل توبةَ المسلمين عن السرقة والزنا، لا تَدرأ عنهم الحدود، لأن ذلك أعظم لأجورهم في الآخرة، وأمنع لمن همَّ أن يفعل مثل فعلهم.
وقال مجاهد والشعبي: قرأ عبدالله بن مسعود: ﴿والسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيمْانَهُمَا﴾.
المائدة 5:41
وقوله جل وعزَّ: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ﴾.
أي لا يحزنك مسارعتُهم إلى الكفر، لأن الله جلَّ وعز قد وعدكَ النصر.
* ثم قال جل وعز: ﴿مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾.
قال مجاهد يعني المنافقين.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾.
قال مجاهد: يعني اليهود.
فأما معنى ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ والإِنسانُ يسمع الخير والشر، ففيه قولان:
أحدهما: أن المعنى قابلون للكذب، وهذا معروف في اللغة أن يقال: لا تسمعْ من فلانٍ أي لا تقبلْ منه، ومنه "سمعَ اللَّهُ لمن حَمِده" معناه قَبِلَ، لأن الله جل وعز سامعٌ لكل شيء.
والقولُ الآخر: أنهم سمَّاعون من أجل الكذب، كما تقول: أنا أكرم فلاناً لك أي من أجلك.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾.
أي هم عيون لقومٍ آخرين لم يأتوك.
* ثم قال جل وعز: ﴿يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾.
أي من بعد أن وضَعَهُ الله مواضعه، فأحلَّ حلالَه، وحرَّم حرامه.
* ثم قال جلَّ وعز ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ﴾.
أي تقول اليهودُ: إن أُوتيتم هذا الحكم المحرَّف فخذوه، وإن لم تُؤتَوه فاحذروا أن تعملوا به.
ومعنى هذا أَنَّ رجلاً منهم زنى وهو مُحْصَنٌ، وقد كُتِبَ الرجم على من زنى وهو محصنٌ في التوراة، فقال بعضهم: أئتوا محمداً لعله يفتيكم بخلاف الرجم، فأتوا النبي ﷺ فأمر بالرجم، بعد أن أحضرت التوراة، ووُجِد فيها فرضُ الرجم، وكانوا قد أنكروا ذلك.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾.
قيل: معنى الفتنة ها هنا الاختبار.
وقيل: معناها العذاب.
* ثم قال جل وعز: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ﴾.
أي فضيحةٌ وذلٌّ، حين أُحضرتِ التَّوراةُ، فتبيَّن كذبُهم.
وقيل: خزيهم في الدنيا: أخذُ الجزية، والذلُّ.
المائدة 5:42
ثم قال جلَّ وعز: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾.
رَوَى زِرٌّ عن عبدالله بن مسعود أنه قال: السحتُ: الرِّشْوة.
وقال مسروق: سألت عبدالله عن الجَوْرِ في الحكم، قال ذلك الكفرُ، قلتُ: فما السُّحّتُ؟ قال أن يقضيَ الرجلُ لأخيه حاجة، فيهدي إليه هديةً فيقبلها.
والسُّحْتُ في كلامِ العربِ على ضُروب، يجمعها أنه ما يُسْحِتُ دينَ الإِنسان، يُقال: سَحَته وأَسْحتَه: إذا استأصله، ومنه:
وَعَضُّ زَمَانٍ يا ابنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَعْ * مِنَ المَالِ إِلاَّ مُسْحَتَاً أَوْ مُجَلَّف
وقولُه جل وعز: ﴿فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.
في هذا قولان:
أحدهما: روي عن ابن عباس أنه قال: هي منسوخة، نسخها ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وكذا قال مجاهد وعكرمة.
قال الشعبي: إن شاء حَكَم، وإن شاء لم يحكم، وكذلك قال إبراهيم.
وقال الحسن: ليس في المائدة شيءٌ منسوخ.
والإِختيارُ عند أهل النظر القول الأول، لأنه قول ابن عباس، ولا يخلو قولُه عز وجل ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُم بِما أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ من أن يكون ناسخاً لهذه الآية.
أو يكون معناه وأن احكم بينهم بما أنزل الله، إن حكمت، فقد صار مصيباً أن حَكَمَ بينهم بإجماع.
وفي الحديث عن النبي ﷺ ما يقوِّيه.
رُوِيَ عن عبدالله بن مُرَّةَ عن البراء بن عازب (أن يهودياً مُرَّ به على النبي ﷺ، وقد حُمِّمَ وجهُه، فسأل عن شأنه، فقيل: زنى وهو محصن..) وذكر الحديث، وقال في آخره: فقال النبي ﷺ "أنا أول من أحيا ما أماتوا من أمر الله، فأَمَرَ بهِ فرُجِم".
ويُبيِّنُ لك أن القول هذا، قولُه جل وعز: ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالقِسْطِ﴾.
وقولُه جل وعز: ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ﴾.
أي بالعدل.
المائدة 5:44
وقولُه جل وعز: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾.
أي فيها بيانُ أمرِ النبيِّ ﷺ، وما جاءوا يستفتون فيه.
* ثم قال جل وعز: ﴿يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾.
يجوز أن يكون المعنى: فيها هدىً ونورٌ للذين هادوا، يحكم بها النبيُّون.
ويجوز أن يكون المعنى: يحكم بها النبيُّون الذين أسلموا للذين هادوا وعليهم، ثم حُذف.
وقد قيل: إن "لهم" بمعنى "عليهم" وتأول حديث النبي ﷺ في أمر بريرة، حين قال "اشترطي لهم الولاء" أن معناه "عليهم" لأنه ﷺ لا يأمرها بشيء لا يجب، وقال الله جلَّ ذكره ﴿وَإنْ أَسَأْتُم فَلَها﴾.
و ﴿الَّذينَ أَسْلَمُوا﴾ ههنا نعتٌ فيه معنى المدح، مثل ﴿بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ﴾.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ﴾.
قال أبو رزين: الربَّانيوُّن: العلماءُ، الحكماء.
والرَّبَّانيُّ عند أهل اللغة: معناه ربُّ العلم أي صاحبُ العلم، وجيءَ بالألِف والنون للمبالغة.
ويقوِّي هذا أنه يُروى أنَّ ابن الحنفية ـ رحمةُ الله عليه ـ قال لمَّا مات ابن عباس: "ماتَ رَبَّانيُّ العلمِ".
وقال مجاهد: الربَّانيون فوق الأحبارِ، والأحبارُ: العلماءُ، لأنهم يُحَبِّرون لشيء، وهو صدورهم مُحَبَّر.
وقال ابن عباس: سُمِّيَ الحِبْرُ الذي يُكتب بهِ حِبْراً، لأنه يُحبَّر به أي يُحقَّق به.
وقال الثوري: سألت الفراء لم سمي الحَبْرُ حَبْراً؟ فقال: يقال للعالم حَبْرٌ، وحِبْرٌ، والمعنى: مدادُ حبرٍ، ثم حذف كما قال تعالى ﴿وَاسْألِ القَرْيَةَ﴾ فسألتُ الأصمعيَّ فقال: ليس هذا بشيءٍ، إنما سمي حَبْراً لتأثيره، يقال: على أسنانه حَبْرَةٌ أي صُفرةٌ، أو سواد.
* ثم قال جل وعز: ﴿بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ﴾.
أي استودعوا.
وقولُه جل وعز: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ﴾.
قال ابن عباس: هو به كافر، لا كفراً باللهِ، وملائكته، وكتبه.
وقال الشعبي: الأولى في المسلمين، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى.
وقال غيره: من ردَّ حكماً من أحكام الله فقد كفر.
قلتُ: وقد أجمعت الفقهاء على أنه من قال لا يجب الرجم على من زنى وهو محصنٌ أنه كافرٌ، لأنه ردَّ حكماً من أحكام الله جلَّ وعز.
ويُروى أن حُذيفة سئل عن هذه الآيات، أهي في بني إسرائيل؟ فقال: نعم، هي فيهم، ولتسلكنَّ سبيلَهم حَذْوَ النَّعْلِ بالنَّعلِ.
وقال الحسن: أخذ الله جلَّ وعز على الحُكَّام ثلاثة أشياء:
أن لا يتبَّعوا الهوى، وأن لا يَخَشَوُا النَّاسَ ويَخْشَوْه، وأن لا يشتروا بآياته ثمناً قليلاً.
وأحسنُ ما قيل في هذا ما رواه الأعمش عن عبدالله بن مُرَّة، عن البراء قال: هي في الكفار كلُّها يعني ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ﴾ ﴿فَأْولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون﴾ ﴿فَأْولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُون﴾.
[والتقدير على هذا القول: والذين لم يحكموا بما أنزل الله، فأولئك هم الكافرون].
المائدة 5:45
وقوله جل وعز: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾.
قال ابن عباس: فهو كفارةٌ للجارح، وكذلك قال عكرمة.
والمعنى: فمن تَصَدَّق بحقِّه.
وقال عبدالله بن عمروٍ: فهو كفارةٌ للمجروح أي يُكفَّر عنه من ذنوبه مثل ذلك، وكذلك قال ابن مسعود وجابر بن زيد رحمهما الله.
المائدة 5:48
وقوله جل وعز: ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾.
قال ابن عباس: أي مؤتمناً عليه.
وقال سعيد بن جبير: القرآن مؤتمن على ما قبله من الكتب.
وقال قتادة: أي شاهدٌ.
وقال أبو العباس: محمد بن يزيد: الأصل مؤَيمِنٌ عليه أي أمين، فأبدل من الهمزة هاءً، كما يقال: هرمَتُ الماء، وأرمتُ الماء.
وقال أبو عبيد: يقال: هَيْمنَ على الشيء، يهيمنُ، إذا كان له حافظاً.
وهذه الأقوال كلها متقاربة المعاني، لأنه إذا كان حافظاً للشيء، فهو مؤتمن عليه، وشاهد.
وقرأ مجاهد وابن محيصِن ﴿ومُهَيْمَنَاً عَلَيهِ﴾ بفتح الميم.
وقال مجاهد: أي محمد ﷺ مؤتمنٌ على القرآن.
وقولُه جل وعز: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾.
قال ابن عباس: سبيلاً، وسنَّةً.
وقال قتادة: الدين كلُّه واحد، والشرائع مختلفة.
وشِرْعةٌ، وشريعة عند أهل اللغة بمعنى واحد، وهو ما بَانَ وَوَضح.
ومنه: طريقٌ "للشارع"، أي ظاهر بيِّنٌ، ومنه "هما في الأمرِ شَرَعٌ" أي ظهورُهما فيه واحد.
والمنهاجُ في اللغة: الطريقُ البيِّنُ.
وقال أبو العباس "محمد بن يزيد": الشريعةُ: ابتداءُ الطريق، والمنهاجُ: الطريقُ المستمرُّ.
* وقوله جل وعز: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
قال ابن عباس: على دينٍ واحد.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم﴾.
أي ليختبركم.
المائدة 5:50
وقوله جل وعز: ﴿أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾.
رُوي عن الحسن، وقتادة، والأعرج، والأعمش أنهم قرءوا ﴿أَفَحَكَمُ الجَاهِليَّةِ يَبْغُونَ﴾؟
الحَكَمُ والحاكمُ في اللغة واحدٌ، وكأنهم يريدون الكاهن وما أشبهه، من حكام الجاهلية، وهذا في قراءة من قرأ "أَفَحَكَمُ" ومعنى ﴿يَبْغُونَ﴾ يطلبون.
وقال مجاهد: يراد بهذا اليهود، ويعني في أمر الزانيين حين جاءوا بهما إلى النبي ﷺ، يتوهمون أنه يحكم عليهما بخلاف الرجم.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.
أي من أيقن تَبيَّن أن حكمَ اللهِ جلَّ وعز هو الحقُّ.
المائدة 5:51
وقولُه جل وعز: ﴿يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ﴾.
هذا في المنافقين، لأنهم كانوا يمالئون المشركين ويخبرونهم بأسرار المؤمنين.
المائدة 5:52
وقوله جل وعز: ﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾.
أي نفاقٌ ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾.
المعنى: يسارعون في معاونتهم، ثم حُذفَ، كما قال جل وعز ﴿وَاسْأَلِ القَرَيَةَ﴾.
* ثم قال جل وعز: ﴿يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾.
في معناه قولان:
أحدهما: رُوي عن ابن عباس قال: يقولون نخشى ان لا يدوم الأمرُ لمحمد.
والقولُ الآخر: نخشى أن يصيبنا قحطٌ فلا يُفْضِلوا علينا.
والقولُ الأول أشبهُ بالمعنى، كأنه من دارت تدور، أي نخشى أن يدور أمرٌ.
ويدلُّ عليه قوله جل وعز: ﴿فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ لأن الفتحَ: النَّصرُ.
قال ابن عباس: فأتى الله بالفتح، فقُتِلتْ مقاتلةُ بني قريظة، وسُبيت ذراريهم، وأُجلي بنو النضير.
وقيل معنى ﴿أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ أي بأمرِ النبي عليه السلام أن يخبر بأسماء المنافقين، ﴿فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾.
المائدة 5:53
ثم قال جل وعز: ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَهُـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾.
أي أهؤلاء الذين اجتهدوا في الأَيْمانِ، أنهم لا يوالون المشركين؟
* ثم قال تعالى: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ وهذا مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُم﴾.
المائدة 5:54
وقوله جل وعز: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.
في معنى هذا قولان:
قال الحسن: هو والله أبو بكر رضي الله عنه وأصحابُه.
حدثنا أبو جعفر قال: نا الحسن بن عمر بن أبي الأحوص الكوفي، قال: نا أحمد بن يونس السري يعني ابن يحيى قال: قرأ الحسن هذه الآية: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ حتى قرأ الآية فقال الحسن: فولاَّها اللهُ واللهِ أبا بكر وأصحابه.
وَرَوَى شعبةُ عن سِمَاكِ بنِ حَرْبٍ، عن عياض الأشعري قال: لمَّا نزلت: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ أومأَ النبي ﷺ إلى أبي موسى الأشعري رحمه الله فقال: هم قوم هذا.
* ثم قال جل وعز: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾.
قال أبو جعفر: سمعت أبا إسحاق وسئل عن معنى هذا فقال: ليس يريد "أَذِلَّة" من الهوان، وإنما يريد أنَّ جانبهم ليِّنٌ للمؤمنين، وخشن على الكافرِين.
* ثم قال جل وعز: ﴿ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾.
أي ذلك اللينُ للمؤمنين، والتشديدُ على الكافرين، تفضلٌ من اللهِ جلَّ وعزَّ، مَنَحهم إياه.
المائدة 5:55
وقوله تبارك اسمه: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾.
قال أبو عبيد: أخبرنا هُشَيْمٌ ويزيد عن عبدالملك بن سليمان عن أبي جعفر محمد بن علي في قوله جل وعز: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ قال: يعني المؤمنين، فقلت له بلغنا أنها نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: علي من المؤمنين.
قال أبو عبيد: وهذا يبيِّنُ لك قول النبي ﷺ "مَنْ كنتُ مولاَهُ، فعليٌّ مولاه" فالمولى والوليُّ واحدٌ، والدليل على هذا قوله جل وعز ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلمَاتِ إلَى النوُّرِ﴾.
ثم قال في موضع آخر ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الكَافِرينَ لا مَولَى لَهُمْ﴾.
فمعنى حديث النبي ﷺ في ولاية الدِّينِ، وهي أجلُّ الولاياتِ.
وقال غير أبي عبيد: من كنت ناصره فعليٌّ ناصره.
المائدة 5:57
وقوله جل وعز: ﴿يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ﴾.
وقرأ الكسائي: (وَالكُفَّارِ أَوْلَيَاءَ).
والمعنى: من الذين أوتوا الكتابَ، ومن الكفَّارِ.
قال الكسائي: في حرف "أُبَيٍّ" رحمه الله: ومنَ الكفَّارِ.
ورُوي عن ابن عباس رحمه الله، أن قوماً من اليهود والمشركين، ضحكوا من المسلمين وقت سجودهم، فأنزل الله تعالى ﴿يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً﴾ إلى آخر الآيات.
المائدة 5:60
وقولُه جل وعز: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ﴾.
وفي هذا قولان:
روي عن ابن عباس أنه قال: قالت اليهود في أمة محمد ﷺ: هم أقلُّ الناسِ حظاً في الدنيا والآخرة، فأنزل الله جل وعز: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ﴾ الآية.
والقول الآخرُ: وهو المعروفُ الصحيح، أن المعنى: قل هل أنبئكم بشرٍّ من نُقومكم علينا ثواباً؟ لأن قبله ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾.
قال الكسائي: يقال نَقَمْتُ على الرجل أَنْقِمُ، نُقُومَاً، ونِقْمَةً.
وقد حُكي نَقِمْتُ أَنْقَمُ: إذا كرهتَ الشيءَ أشدَّ الكراهية.
* ثم قال جل وعز: ﴿مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ﴾.
قال مجاهد: يعني اليهودَ، مَسْخٌ منهم.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ﴾ وهذه قراءة أهل المدينة، وأبي عمروٍ والكسائي.
وقرأ أبو جعفر (وَعُبِدَ) مثل ضُرِبَ، ولا وجهَ لهذا.
ورُوي عن عبدالله بن مسعود أنه قرأ: ﴿وَعَبَدوُا الطَّاغُوتَ﴾.
ورُوي عن أبيّ بن كعب وعن أبي مسعود من طريق آخر أنهما قَرَءَا ﴿وَعَبَدَتِ الطَّاغُوتَ﴾.
وقرأ ابن عباس: ﴿وَعُبَّدُ الطَّاعوتِ﴾.
ورُويَ عن [عكرمةَ عن ابن عباس أنه يجوز "وعَابِد الطاغوت" ورُوي عن] الأعمش ويحيى بن وثَّاب ﴿وَعُبُدُ الطَّاغُوتِ﴾.
وقرأ أبو واقد الأعرابي: ﴿وعُبَّادُ الطَّاغُوتِ﴾.
وقرأ حمزة: ﴿وَعَبُدَ الطَّاغُوتِ﴾.
فمن قرأ: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ فالمعنى عنده: منْ لَعَنهُ الله، ومَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ.
وحمل الفعلَ على لفظ "مَنْ".
ومن قرأ: ﴿وَعَبَدوُا الطَّاغُوت﴾ فهو عنده بذلك المعنى، إلاَّ أنه حمله على معنى "مَنْ" كما قال جلَّ وعز: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾.
ومن قرأ: ﴿وَعَبَدَتِ الطَّاغُوتَ﴾ حمله على تأنيث الجماعة كما قال جل وعز: ﴿قَالَتِ الأَعْرابُ﴾.
ومن قرأ: ﴿وعُبَّدَ الطَّاغُوت﴾ فهو عنده جمع عابد كما يقال: شاهد وشُهَّد، وغائب وغُيَّب.
ومن قرأ: ﴿وَعَابِد﴾ فهو عنده واحد يؤدِّي عن جماعة
ومن قرأ: (وُعُبُد) فهو عنده جمع عباد أو عبيد كما يقال مثال ومثُلُ، ورغيف ورُغفُ.
وقال بعض النحويين: هو جمع عَبْدٍ كما يقال رَهْن ورُهُن وسَقْف وسُقُف.
ومن قرأ (وَعُبَّاد) فهو جمع عابد كما يقال عامل وعمال.
ومن قرأ: (وَعُبُدَ الطَّاغُوتِ) فأكثرُ أهل اللغة يذهب إلى أنه لحنٌ، وهي تجوز على حيلة، وذلك أن يجعل "عَبُداً" واحداً يدل على جماعة، كما يُقال: رَجُلٌ حَذُرٌ، وفَطُنٌ، ونَدُس، فيكون المعنى: وخادمِ الطاغوتِ، وعلى هذا تُتأول هذه القراءة.
يُقال: عَبَدَهُ، يَعبُدُه، إذَ ذلَّ له أشَدَّ الذلَّ، ومنه بعير معبَّد أي مذلَّل بالقطران، ومنه طريق معبَّد، ومنه يُقال: عَبِدْتُ أَعْبَدُ: إذا أنفتُ، كما قال:
* "وَأَعْبَدُ أَنْ تُهْجَى تمِيمٌ بِدَارِمِ" *
والمعنى: على هذا: وخادمِ الطاغوتِ.
وقد قيل: الفَرْدِ بمعنى الفَرْدِ، وينشد النابغة:
مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مُوشِيٍّ أكَارِعُهُ * طَاوِي المَصِيرِ، كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الفَرِدِ
ويُروى الفَرَدِ.
وقيل: الطاغوت ها هنا: يُعْني به الشيطانُ، وكذا روي عن بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِي أنه قرأ ﴿وَعَابِدِ الشَّيْطَانِ﴾.
وأجاز: بعض العلماء ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتِ﴾ بالخفض على معنى: عَبَدَةٍ مثل: كَاتِبٍ، وكَتَبَةٍ، والهاءُ تُحذفُ من مثل هذا في الإِضافة.
المائدة 5:61
وقولُه عز وجل: ﴿وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَقَدْ دَّخَلُواْ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ﴾.
أي لم ينتفعوا بشيءٍ مما سمعوا، فخرجوا بكفرهم.
المائدة 5:63
وقوله جَلَّ وعَزَّ ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ﴾.
وقرأ أبو الجراح: (لَوْلاَ ينهاهم الرِّبِّيُّونَ) [آية ٦٣].
قال مجاهد: (الربَّانيُّونَ والأَحْبَارُ): العلماءُ، والفقهاءُ، والربَّانِيونَ فوق الأحبار.
قال أبو جعفر: والرِّبُّيونَ: الجماعات، وهو مأخوذٌ من الرِّبَّة، والرِّبةُ: الجماعة فنسب إليها فقيل: رِبِّيٌّ، ثم جُمع فقيل: رِبِّيُون.
قال أبو جعفر: والمعنى: بئس الصنعُ ما يصنع هؤلاء الربَّانيوُّنَ والأحبارُ، في تركهم نهيَ هؤلاءِ.
قال الضحاك: ما في القرآن آيةٌ أخوف عندي منها، أننا لاَ نْنهى.
وفي هذه الآية حكمٌ في أمر العلماء في النهي عن المنكر.
المائدة 5:64
وقوله عز وجل: ﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾.
في هذه الآية ثلاثة أقوال:
أحسنها ما رُوي عن ابن عباس أنه قال: قالت اليهود إن الله عز وجل بخيل.
والمعنى عند أهل اللغة على التمثيل: أي قالوا هو ممسكٌ عنَّا لم يوسِّعْ علينا حين أجدبوا، كما قال تعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَة إلى عُنُقِكَ﴾ فهذا نظير ذاك، والله أعلم.
وقيل: اليد ها هنا النعمةُ.
وقيل: هذا القول غلظ لقوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ فنِعَمُ الله جل وعز أكثر من أن تُحصى، فكيف يكون بل نعمتاه مبسوطتان؟.
فقال من احتج لمن قال: إنهما نعمتان، بأن المعنى النعمة الظاهرة، والباطنة.
والقول الثالث: أن المعنى أنه لا يعذبنا، أي مغلولةٌ عن عذابنا.
وقوله عز وجل ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾.
أي جعل بأسهم بينهم، فهم متباغضون غير متفقين، فهم أبغض خلقِ الله إلى الناس.
وقال مجاهد: هم اليهود والنصارى.
والذي قال حسنٌ، ويكون راجعاً إلى ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصَارَى أَوْلِيَاء﴾.
* ثم قال جل وعز ﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ﴾.
هذا تمثيل: أي كلمَّا تجمعوا شتَّت اللهُ أمرهُم.
وقال قتادة: أذلَّهم الله جل وعز بمعاصيهم، فلقد بُعث النبي ﷺ وهم تحت أيدي المجوس.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً﴾.
أي يسعون في إبطال الإِسلام.
المائدة 5:66
وقولُه جل وعز ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ﴾.
أي لو أظهروا ما فيها من صفة النبي ﷺ.
﴿وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ يعني به القرآن، واللهُ أعلم.
* ثم قال جل وعز: ﴿لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾.
فهذا يدل على أنهم كانوا في جدب.
و ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾ على قول ابن عباس ومجاهد والسدي يعني: المطر، ﴿وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ يعني: النبات.
وقيل: يجوز أن يكون تمثيلاً: أي لوسّعنا عليهم كما يقال:
فلان في خير من قرنه إلى قدمه، أي قد شمله الخير.
والأولُ قول أهل التأويل.
المائدة 5:67
وقوله عز وجل ﴿يَـۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾.
في معناه قولان:
أحدهما: بلِّغْ كلَّ ما أُنزِل إليك، ويُقوّي هَذا أن مسروقاً روى عن عائشة أنها قالت: "مَنْ حدَّثَكَ أنَّ محمداً ﷺ كتمَ شيئاً من الوحي فقد كَذَبَ، واللهُ يقول: ﴿يَـۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾".
والقول الآخر: وعليه أكثر أهل اللغة إن المعنى: أَظْهِرْ ما أُنزل إليك من ربك، أي بلِّغْهُ ظاهراً.
ودلَّ على هذا قوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ أي يمنعك منهم أن ينالوك بسوء.
مشتق من عِصَامِ القِرْبة، وهو ما تُشدُّ به.
المائدة 5:68
وقوله جل وعز ﴿ولَيَزِيْدَنَّ كثيراً منهم ما أُنْزِل إليك طغياناً وكُفْراً﴾.
أي يكفرون به فيزدادون كفراً على كفرهم.
* ثم قال جل وعز ﴿فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
أي فلا تحزن عليهم.
المائدة 5:69
وقوله جل وعز: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ وَٱلنَّصَارَىٰ﴾.
في هذا قولان:
أحدهما: أنه يعني بالذين آمنوا ها هنا "المنافقون".
والتقديرُ: إن الذينَ آمنوا بألسنتهم، ودلَّ على هذا قولُه تعالى ﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُون في الكُفْرِ مِنَ الذينَ قالوا آمنَّا بأَفْواهِهم ولم تُؤْمِنْ قُلوبُهُم﴾.
ثم قال جل اسمه ﴿مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ﴾.
فالمعنى على هذا القول: من حقَّق الإِيمان بقلبه.
والقول الآخر: إن معنى ﴿مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ﴾ من ثبت على إيمانه كما قال تعالى ﴿يا أيُّها الذين آمَنُوا آمِنُوا باللَّهِ ورَسُولِه﴾.
المائدة 5:70
وقوله جل وعز ﴿كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ﴾.
قال: اليهودُ والنصارى يشتركون في التكذيب، واليهودُ تنفرد بالقتل خاصة.
وكانت الرسلُ منها من يأتي بالشرائِع، والكتبِ، والأحكام، نحو محمد ﷺ، وموسى، وعيسى، وهؤلاء معصومون.
ومنهم من يأتي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتمسك بالدين، نحو يحيى، وزكريا عليهما السلام.
المائدة 5:71
وقوله عز وجل ﴿وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ﴾.
قال الحسن: يعني بالفتنة: البلاء.
وقال غيره: معنى ﴿فَعَمُواْ وَصَمُّواْ﴾ تمثيلٌ: أي لم يعملوا بما سمعوا ولا [انتفعوا] بما رأوا، فهم بمنـزلة العُمْي الصُمِّ.
* ثم قال جل وعز ﴿ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾.
أي بَعَثَ محمداً ﷺ يخبرهم بأن الله عز وجل يتوب عليهم إن تركوا الكفر.
﴿ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ﴾ أي بعد وضوح الحجة.
المائدة 5:72
وقولُه عز وجل ﴿لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾.
قال ابراهيم النخعي: المسيحُ: الصِدِّيقُ.
قال أبو جعفر: ووجدنا للعلماء في تفسير معناه ستة أقوال سوى هذا:
رُوي عن ابن عباس: سُمِّي مسيحاً لأنه كان أمسحَ الرِّجْل، لا أخمص له.
ورَوَى غيره عنه: إنما سمي مسيحاً لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إِلاَّ برأ، ولا يضع يده على شيء إلا أعطي فيه مراده.
وقال ثعلب: لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها.
وقيل: لسياحته في الأرض.
وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن.
وقال أبو عبيد: أحسب أصله بالعبرانية مشيحا.
قال: وأما قولهم "المسيحُ الدَجَّالُ" فإنما سُمِّي مسيحاً لأنه ممسوح إحدى العينين، فهو مسيح بمعنى ممسوح، كما يقال: قتيلٌ بمعنى مقتول.
المائدة 5:75
وقوله جل وعز ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ﴾.
من الصِّدق، و "فِعِّيلٌ" في كلام العرب للتكثير، كما يُقال: سِكِّيت.
وقال جل وعز ﴿وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِه﴾.
ومن هذا قيل لأبي بكر رضي الله عنه: صِدِّيق.
ويُروى أنه إنما قيل له: صِدِّيق، لأنه لما أُخبر أن النبي ﷺ أُسْرِي به إلى بيت المقدس، فقال: إن كان قال فقد صَدَق.
وقولُه جل وعز ﴿كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ﴾.
في معناه قولان:
أحدهما: كناية عن إيتان الحاجة، كما يكنى عن الجماع بالغشيان وما أشبهه.
وقيل: كانا يتغذيان كما يتغذى سائر الناس، فكيف يكون إلهاً من لا يعيش إلا بأكل الطعام؟
* ثم قال جل وعز ذِكْره ﴿ٱنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلآيَاتِ ثُمَّ ٱنْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾.
أي: قد بيَّنَّا لهم العلامات، وأوضحنا الأمر، فمن أين يصرفون؟
يُقال: أَفَكَهُ، يَأْفِكُه: إذا صَرَفه.
المائدة 5:77
وقوله جل وعز ﴿قُلْ يَـۤأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ﴾.
الغلوُّ: التجاوزُ.
قال أبو عُبَيْد: كما فعلت الخوارجُ، أخرجهم الغلوُّ إلى أن كفَّروا [أهل] الذنوب.
قال: ويُبيِّنُ لك هذا قولُ النبي ﷺ فيهم: (يَمْرقُون من الدَّينِ كما يمرُقُ السَّهْمُ من الرَمِيَّةِ) والمروقُ هو الغُلوُّ بعينه، لأن السهم يتجاوز الرمية.
* ثم قال جل وعز ﴿وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ، وَأَضَلُّواْ كَثِيراً، وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾.
قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: يعني اليهود.
وقال غيره: لأنهم اتبعوا شهواتهم، وطلبوا دوام رياستهم، وآثروا ذلك على الحق.
والهوى في القرآن مذمومٌ، والعربُ لا تستعملهُ إلا في الشر، فأما في الخير فيستعملون الشهوة، والنية، والمحبة.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَأَضَلُّواْ كَثِيراً﴾.
قال ابن أبي نجيح: يعني المنافقين.
وقال غيره: ضلُّوا باتباعهم إياهم.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾.
أي قصده.
المائدة 5:78
وقولُه جل وعز: ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾.
قال أبو مالك: الذين لعنوا على لسان داود مُسِخُوا قِردَةً، والَّذينَ لُعنوا على لسان عيسى ﷺ مُسخوا خنازير.
وروي عن ابن عباس أنه قال: الذين لعنوا على لسان داود أصحاب السبتِ، والَّذينَ لعنوا على لسان عيسى الذين كفروا بعد نزول المائدة.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "أول ما وقع [النقص] في بني إسرائيل أن أحدهم كان يرى أخاه على المعصية فينهاه، ثم لا يمنعه ذلك من الغَدِ أن يكون أكيلَه، وشريبَه، فضربَ الله قلوبَ بعضهم ببعض، وأنزل فيهم القرآن: ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾".
ثم قال ﷺ "كلاَّ والذي نفسي بيده، حتى تأخذوا على يدي الظالم، فتأطروه على الحقِّ أطراً".
المائدة 5:80
وقوله جل وعز: ﴿تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾.
قال مجاهد: يعني المنافقين.
المائدة 5:82
وقولُه جل وعز: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ﴾.
قال سعيد بن جبير: هم سبعون رجلاً وجَّه بهم النجاشي، وكانوا أجلَّ مَنْ عندَه، فقهاً وسِنَّاً، فقرأ عليهم النبي ﷺ "يسن" فبكوا، وقالوا: ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين.
وأنزل الله فيهم أيضاً: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُون﴾ إلى قوله ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ إلى آخر الآية.
ورُوي عن ابن عباس أنه قال: هم قوم من الحبشة جاءوا إلى النبي ﷺ وكان معهم رهبان من رهبان الشام فآمنوا ولم يرجعوا.
المائدة 5:83
وقوله جل وعز: ﴿فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾.
روى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: يعني أمةَ محمد ﷺ، ويبين لك صحة هذا القول قوله جل وعز: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطَاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.
المائدة 5:87
وقوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾.
قال الضحاك: هؤلاء قوم من المسلمين قالوا: نقطع مَذَاكيرَنا، ونلْبَس المُسوحَ.
وقال قتادة: نزلت في جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون قالوا نَخْصي أنفسنا ونترهَّبُ.
وقال مجاهد: نزلت في عثمان بن مظعون وعبدالله بن عمرو بن العاص وغيرهما.
قالوا: نترهب ونلبس المسوح.
* وقوله جل وعز: ﴿وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾.
الإِعتداءُ في اللغةِ: تجاوزُ مَا لَه إلى ما ليس لَهُ.
قال الحسن: معناه: ألاَّ تأتوا ما نُهيتم عنه.
المائدة 5:89
وقوله جل وعز: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ﴾.
فيه قولان:
أحدهما: أنه قول الرجل، لا والله، وبلى والله، ورُوي هذا القول عن عائشة.
قال الشافعي: وذلك عند اللَّجاج، والغضب، والعَجَلة.
والقولُ الآخر: أن يحلف الرجل على الشيء هو عنده على ما حلف، ثم يكون على خلاف ذلك، يُروى هذا القول عن ابن عباس وأبي هريرة.
واللَّغْوُ في اللغة: المُطّرح، فقيل لما لا حقيقة له من الأَيمان: لَغْوٌ.
قال الكسائي: يُقال: لَغَا، يَلْغُو، لَغْواً، أو لَغِي، يَلْغَى، لغاً.
* وقوله جل وعز: ﴿وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ﴾.
قال الكسائي: معنى ﴿عَقَّدْتُمُ﴾ أوجبتم.
قال ابن جريح: قلت لعطاء: ما معنى ﴿عَقَّدْتُمُ﴾؟ قال: واللهِ الذي لا إليه إلا هو.
وقرأ أبو عمرو: ﴿عَقِّدْتُمْ﴾ قال معناه: وَكَّدتم.
ورَوَى نافع أن ابن عمر كان إذا حنث من غير أن يؤكد اليمين أطعم عشرة مساكين، لكل مسكينٍ مداً، فإذا وكَّدَ اليمين أعتق رقبة.
قيل لنافع: ما معنى وكَّد اليمينَ؟ قال: أن يحلفَ على الشيءِ مراراً.
* وقوله جل وعز: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾.
المعْنى: فكفارة إثمه أي الذي يُغطِّي على إثمه.
قال أبو جعفر: والهاء التي في ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ عائدة على (ما) التي في ﴿بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ﴾.
وهذا مذهب الحسن والشعبي، لأن المعنى عندهما: فكفارة ما عقَّدتم منها.
وقيل: الهاء عائدة على اللغو، والأول أولى.
* ثم قال جل وعز: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾.
قال عبدالله بن عمر: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ الخبزُ والتمر، والخبزُ والزيتُ.
وأفضلُ ما تطعمونهم: الخبزُ واللَّحمُ.
وقال الأسود: أوسط ما تطعمون أهليكم: الخبز والتمر.
قال أبو إسحاق: يحتمل هذا ثلاثة معان في اللغة:
يجوز أن يكون معنى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ من أعدل ما تطعمونهم.
قال عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطَاً﴾ أي عدلاً.
ويحتمل أن يكون في القيمة.
ويحتمل أن يكون في الشبع.
وقرأ سعيدُ بن جبير: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كَإِسْوَتِهِمْ﴾ أي كإسوة أهليكم.
ورُوي أن رجلاً قرأ على مجاهد: ﴿أَوْ كَإِسْوَتِهِم﴾ فقال له: لا تقرأْ إلاَّ ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾، وقال: أرى ذلك ثَوْباً.
وفي قراءة عبدالله بن أبي بن كعب: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ﴾.
* ثم قال جل وعز: ﴿ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾.
أي ذلك كفارة إثم أيمانكم إذا حلفتم وحنثتم، ثم حذف.
قال أبو جعفر: وكان "محمد بن جريرٍ" يختار في "أوْسَطِ" أن تكون بمعنى أعدل في القلة والكثرة قال: فأعدلُ أقواتِ الموسِع مُدَّانِ، وذلك أعلاه، وأعدلُ أقواتِ المقتر مُدٌّ، وذلك رُبْعُ صَاعٍ، و "ما" مصدر. فأمَّا الكسوةُ:
فقال الحسنُ والطاووسٌ وعطاءٌ: ثوبٌ، ثوب.
وقال سعيد بن المسيب: عَبَاءةٌ، وعِمَامة.
وقال مجاهد: كلُّ ما كسا فهو مجزىء.
وهذا أشبَهُ باللغة أن يكون كل ما وقع اسم كسوة، ممَّا يكون ثوباً فصاعداً، لأن ما دون الثوب لا خلاف في أنه لا يجوز.
المائدة 5:90
وقوله جل وعز: ﴿يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ﴾.
روى موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: الميسرُ: القمارُ.
وقال عبيدالله بن عمر: سئل القاسم بن محمد عن الشطرنج: أهي ميسر؟ وعن النرد أهو ميسر؟ فقال: كلُّ ما صَدَّ عن ذكرِ اللهِ، وعن الصلاة، فهو ميسرٌ.
قال أبو عبيد: تأوَّل قول الله عز وجل: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ﴾
وزعم الأصمعي أن الميسر كان في الجزور خاصة، كانوا يقتسمونها على ثمانية وعشرين سهماً.
وقال أبو عمرو الشيباني: كانوا يقتسمونها على عشرة أسهم، ثم يلقون القداح ويتقامرون على مقاديرهم، وهذا القول ليس بناقض لما تقدَّم، لأن الميسر إذا كان في الجزور خاصة فهو قمار.
ثم قيل ما كان مثله من القمار ميسر، كما أن الخمر لشيءٍ بعينه، ثم قيل لكل مسكر: خمرٌ، لأنه بمنـزلتها.
وقد ذكرنا في أول السورة "الأنصابَ، والأزلام".
والرِّجْسُ: النَّتَنُ.
* ثم قال جل وعز: ﴿فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
أي كونوا في جانب غير جانبه.
ويُروى أن عمر رضي الله عنه لم يزل يقول "اللهمَّ بيِّنْ لنا في الخمر" حتى نزلت ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾؟ فقال: قد انتهينا.
المائدة 5:93
وقوله جل وعز: ﴿لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾.
قال ابن عباس والبراء: لمَّا حُرِّمتُ الخمرُ، قال المسلمون: يا رسول الله. فكيف بإخواننا المؤمنين الذين ماتوا وهم يشربونها؟ فأنزل الله جل وعز: ﴿لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ﴾ إلى آخر الآية.
وروى الزهري عن عبدالله بن عامر بن ربيعة أن عمر لما أراد حَدّ "قُدامةَ بنِ مَظْعُون" قال قُدَامة: ما كان لكم أن تجلدوني؟ قال الله جل وعز: ﴿لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ﴾ الآية، فقال عمر: أخطأتَ التأويلَ، إنك إذا أيقنت اجتنبتَ ما حرَّم الله عليك، ثم أَمَر به فجُلِدَ.
قيل: هذا أحسن من الأول لأن فيها ﴿إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَآمَنُواْ﴾ و "إِذا" لا تكون للماضي، فالمعنى على هذا ـ والله أعلم ـ للمؤمنين قبلُ وبعدُ، على العموم.
وقد رُوي هذا أيضاً عن ابن عباس.
قال أبو جعفر: قيل ﴿إِذَا مَا ٱتَّقَواْ﴾ الشرك ﴿وَآمَنُواْ﴾ وصدقوا ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ﴾ ازدادوا إيماناً ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ الصغائر حذراً ﴿وَّأَحْسَنُواْ﴾ تَنَقَّلُوا.
وقال محمد بن جرير: الإِتقاء الأول هو الإِتقاء بتلقِّي أمرِ اللهِ بالقبول والتصديق، والدينونة به، والعمل.
والإِتِّقَاء الثاني: الإِتقاءُ بالثبات على التصديق.
والثالث: الإِتِّقَاءُ بالإِحسان والتقرب بالنوافل.
المائدة 5:94
وقوله جلَّ وعز: ﴿يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ﴾.
المعنى: ليختبرنَّ طاعتكم من معصيتكم.
* ثم قال جل وعز: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾.
قال مجاهد: الذي "تناله أيديكم" البيضُ والفِرَاخُ، والذي تناله الرماح ما كان كبيراً.
المائدة 5:95
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.
روى شريك عن سالم [عن سعيد بن جبير: ﴿يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾].
قال: قتلُه حرامٌ في هذه الآية.
قال بعض العلماء: أي إنه لمَّا حُرِّم قتلُ الصيد على المحرم، كان قتلُه إيَّاه غير تذكية.
* وقوله جل وعز: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً﴾.
أكثرُ الفقهاءِ على أنَّ عليه الجزاء، سواء كان معتمداً أو مخطئاً.
وذهبوا إلى قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً﴾ مردود إلى قوله جل وعز: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ﴾.
واحتجوا في ذلك أن النبي ﷺ "سئل عن الضَّبْعِ فقال: هي صيدٌ"، وجَعَل فيها إذا أصابها المحرم كبشاً، ولم يقل: عمداً ولا خطأ.
قال الزهري: هو في الخطأ سُنَّةٌ.
وقال بعض أهل العلم: إنما عليه الجزاء إذا قتله متعمداً، واحتجوا بظاهر الآية.
حدثنا عبدالله بن أحمد عبدالسلام محمد بن يحيى نا أبو الوليد نا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير في قوله جل وعز ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً﴾ قال: ليس عليه في الخطأ شيءٌ، إنما هو في العمد، يعني الصيد.
وقولُه جل وعز: ﴿فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ﴾.
قيل: النَّعَمُ في اللغة "الإِبلُ، والبقرُ، والغنم" وإن انفردت الإِبل قيل لها: نَعَمٌ. وإن انفردت "البقرُ والغنمُ" لم يُقل لها: نَعَمٌ.
وقرأ الأعمش: ﴿فَجَزَاؤُهْ مِثْلُ مَا﴾ والمعنى: فعليه جزاؤه، ثم أبدل "مِثْلاً" من جزائه.
* وقوله جل وعز: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾.
"أَوْ" هنا للتخيير.
وفي معناه أقوال:
وقيل: الحاكم مخيَّرٌ.
وقيل: أنه يُعْمَل بالأولِ فالأولِ.
والقولُ الأول أحسنُ، لأن قاتل الصيد هو المخاطب، ولأن المعروف أَنَّ "أو" للتخيير.
وقرأ طلحة والجحدري ﴿أَوْ عِدْلُ ذَلِكَ صِيَامَاً﴾ وأنكره جماعة من أهل اللغة: وقالوا: العِدْلُ: الحِمْلُ.
وقال الكسائي: العَدْلُ، والعِدْلُ لغتان بمعنى واحد.
وقال الفراء: عَدْل الشيء: مثلُه من غير جنسه، وعِدْلُه: مثلُه من جنسه.
وأنكر البصريون هذا التفريق وقالوا: العَدْل والعِدْل: المثلُ، كان من الجنس، أو من غير الجنس لا يختلف، كما أن المِثْل لا يختلفُ.
وفي الحديث "لا يقبلُ اللَّهُ منه صَرْفَاً وَلا عَدْلاً" فالصرفُ: التوبةُ، والعَدْلُ: الفِدْيةُ، رُوي عن النبي ﷺ.
قال أبو حاتم: ولا يُعرف قولُ من من قال إنهما "الفريضةُ، والنافلة" والذي أنكره أبو حاتم قاله المازريُّ.
* ثم قال جل وعز: ﴿لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾.
أي شدَّته، ومنه طعامٌ وبيلٌ، إذا كان ثقيلاً، ومنه قوله:
* "عَقِيلَةُ شَيْخٍ كَالَوبِيلِ يَلَنْدَدِ" *
* ثم قال جل وعز: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ﴾.
قال عطاء: عفا الله عما سلف في الجاهلية.
وقال شريح وسعيد بن جبير: يحكم عليه في أول مرة، فإذا عاد لم يحكم عليه، وقيل له: اذهب ينتقم الله منك، أي ذنبك أعظم من أن يُكَفَّر.
كما أن اليمين الفاجرة لا كفارة لها عند أكثر أهل العلم لعِظَم إثمها.
قلت: قول عطاء في هذا أشبه، والمعنى: ومن عاد بعد الذي سلف في الجاهلية، فينتقم الله منه بأشياء تصيبه من العقوبة، أو يكون مثل قوله ﴿لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾.
المائدة 5:96
وقوله جل وعز: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾.
روى عمر بن أبي سلمة [عن أبيه] عن أبي هريرة عن عمر قال:
"صيدُ البحرِ ما صِيدَ منه، وطعامُه ما قَذَفَ".
وكذلك روى سعيد بن جبير عن ابن عباس:
وقيل: طعامُه: ما زُرِعَ لأنه به ينبتُ.
وقال سعيد بن جبير: طعامُه: المليحُ منه، وصيدُه: ما كان طرَّياً.
البيِّنُ أن صيده أن تصيدوا، وطعامه أن تأكلوا الصيَّدَ.
قال مجاهد: ﴿لَّكُمْ﴾ لأهل القرى ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ لأهل الأمصار.
وقيل: السيَّارة: المسافرون، وهذا أولى.
المائدة 5:97
وقوله جل وعز ﴿جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ﴾.
فيه قولان:
أحدهما: هو أشبه بالمعنى، أنهم يقومون بها ويأمنون.
قال سعيد بن جبير: شدَّةً للدين.
والقول الآخر: أنهم يقومون بشرائعها.
فأما قوله جل وعز بعد هذا: ﴿ذٰلِكَ لِتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ ومُجانَسَةُ هذا الأول، فقال أبو العباس محمد بن يزيد: كانوا في الجاهلية يُعظِّمون البيتَ الحرام، والأشهرَ الحُرُمَ، حتى إنهم كانوا يسمُّون رجباً ـ وهو من الأشهر الحُرُم ـ الأصَمَّ، لأنه لا يُسمع فيه وقعُ السِّلاح، فعَلِمَ الله عز وجل ما يكون منهم من إغارة بعضهم على بعض، فألهمهم أن لا يقاتلوا في الأشهر الحُرُم، ولا عند البيت الحرام، ولا من كان معه القلائد، فالذي ألهمهم هذا، يعلم ما في السموات وما في الأرض.
وقال أبو اسحاق: وقد أخبر الله جلَّ وعز النبي ﷺ في هذه السورة بأشياء، مِمَّا يُسِرُّه المنافقون، واليهودُ، فقال جلَّ وعز:
﴿سمَّاعُون للكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾.
وما كان من أمر الزانيين، وقوله جل وعز عن ذلك ﴿لِتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ متعلقٌ بهذه الأشياء، أي الذي أخبركم بها، يعلم ما في السموات وما في الأرض.
والدليل على صحة هذا القول قوله تعالى ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ البَلاَغُ وَاللَّهُ يَعلمُ مَا تُبْدُون وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
المائدة 5:101
وقوله جل وعز ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ﴾.
معنى ﴿إِن تُبْدَ لَكُمْ﴾: إن تظهر.
قال شعبة: أَخبرني موسى بن أنس عن أنس بن مالك أن رجلاً قال للنبي ﷺ: يا رسول الله مَنْ أبي؟ فقال: أبوك فلانٌ، فأنزل الله جل وعز ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾.
روى ابراهيم الهجري عن أبي عياض عن أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله: أَفُرِضَ الحجُّ في كل سنةٍ؟ فقال: لو قلتُها لَوَجَبتْ، ولو وجَبَتْ فتركتموها لكفرتم.
وروى أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: لا يسألني إنسانٌ في مجلسي هذا عن شيءٍ إلا أنبأته به، فقال رجل يا رسول الله: مَنْ أبي؟ فأخبره، ونزلتْ ﴿لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾.
وأن لا يكلفهم طلب حقائق الأشياء من عنده جلَّ وعز.
وقيل: إنما يُنْهَى عن هذا لأن الله جلَّ وعز أحبَّ الستر على عباده، رحمة منه لهم، وأحبَّ أن لا يقترحوا المسائل.
وقال النبي صبى الله عليه وسلم: "اتركوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم لكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم".
وروى عبدالكريم عن سعيد بن جبير قال: نزلت ﴿لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ في الذين سألوا عن البَحِيْرة، والسائبة، والوصيلة.
ألا ترى أن بعده ﴿مَا جَعَلَ الله مِنْ بَحِيْرةٍ، ولا سَائِبَةٍ، وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ﴾
قلتُ: أحسنُ هذه الأقوال الثاني، وأن الله جل وعز أحبَّ الستر عل عباده، وردَّ أحكامهم إلى الظاهر، الذي يقدرون عليه.
المائدة 5:102
ودلَّ على أن هذا الصحيح قولُه جلَّ وعز ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ﴾
قال مقسم: فيما سألت الأمم أنبياءهم صلى الله عليهم وسلم من الآيات أي فأروهم إياها، ثم كفر قومهم بها بعد.
واختلَفَ أهل التفسير في "البَحَيرةِ، والسَّائبةِ، والوَصِيلةِ، والحَامِ".
قال أبو جعفر: ونذكر من قولهم ما وافقه قولُ أهل اللغة.
وهو معنى قول ابن عباس والضحاك: البحيرةُ: الناقةُ إذ نتجت خمسة أبطن فكان آخرها ذكراً، شَقُّوا أذنها وخلُّوها، لا تُمنع من مرعى، ولا يركبها أحد.
وفي رواية ابن عباس: وعمدوا إلى الخامس فنحروه، وكان لحمه للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى استَحْيَوها وتركوها ترعى مع أمها، بعد شقِّهم أذن الأم، وتركهم الانتفاع بها، وإن كانت ميتةً اشتركَ فيها الرجالُ والنساءُ.
وفي اشتقاقه قولان:
أحدهما: أن يُقال: بَحَرَهُ إذا شقَّه.
والقولُ الآخر: إنه من الاتساع في الشيء، مشبه بالبحر.
والسائبةُ: أن ينذر أحدهم إن بَرَأ من مرضه ليُسَيِبَنَّ ناقةً، أو ما أشبه ذلك، وإذا أعتق عبداً فقال: سائبةٌ، لم يكن عليه وَلاَءٌ.
وفي الحديث عن النبي ﷺ "رأيتُ عَمْروَ بنَ لُحَييٍّ يجرُّ قُصْبَه في النَّار، وهو أوَّلُ من سَيَّبَ السَّوائب".
والوصيلةُ في الغنم خاصة، إذا ولدت الشاة سبعة أبطن، فإن كان السابع ذكراً ذبحوه، كان لحمه للرجال دون النساء، وإذا ولدت أنثى لم يذبحوها، وقالوا وَصَلتْ أخاها.
وفي الرواية عن ابن عباس: قالوا وصلت أخاها، ولم يشرب من لبنها إلا الذكور خاصة، وإن كانت ميتة أكلها الرجال والنساء، وتلا ابن عباس ﴿وقالُوا ما في بُطُونِ هَذِه الأَنْعَام خَالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحرَّم على أَزْواجنا﴾ الآية.
والحامي: البعيرُ إذا ولد له من صلبه عشرة أولاد، قالوا: قد حمى ظهره، فلم يُركب، وخلِّي، وكان بمنـزلة البحيرةِ.
وفي الرواية عن ابن عباس: "إنه البعيرُ إذا رُكب أولاد أولاده، قالوا: قد حمى ظهره".
فأعلم الله أن هذا افتراءٌ منهم. فقال: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَروُا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ، وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُون﴾.
قال الشعبي: "الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ" الأتباعُ، والذين افتروا فعقلوا أنهم افتروا.
المائدة 5:105
وقولُه جل وعز: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾.
أي الزموا أنفسكم، فأصلحوها وخلَّصوها من العقاب.
* ثم قال جل وعز: ﴿لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ﴾.
ليس في هذا دليلٌ على الرخصة، في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله عز وجل قد أمر بذلك، وإنما المعنى: لا تؤاخذون بكفرِ مَنْ كَفَر، وقد بُيِّنَ هذا في الحديث.
قال قيس بن أبي حازم: سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه على المنبر يقول: إنكم تَأوَّلُون ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ﴾ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس إذا عُمِل فيهم بالمعاصي، ثم لم يُغيِّروا أوشك اللهُ جلَّ وعز أن يَعُمَّهم بعقابهِ".
وقال ابن مسعود في هذه الآية: "قولوها ما قُبِلَت منكم، فإذا رُدَّتْ عليكم، فعليكم أنفسكم"
وقال سعيد بن جبير: هي في أهل الكتاب.
وقال مجاهد: هي في اليهود والنصارى ومن كان مثلهم.
يذهبان إلى أن المعنى: لا يضُرّكم كفرُ أهلِ الكتاب إذا أدَّوْا الجزية.
وهذا تفسير حديث أبي بكر.
فأما حديث ابن مسعود فعلى أن تأويل الآية على وقتين: ففي أوقات من آخر الزمان يعمل بها، كما قال أبو أمية الشعباني: قلت لأبي ثعلبة الخُشَنِّي: كيف أصنع بهذه الآية: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ﴾؟
فقال: سألتُ عنها رسول الله ﷺ فقال "ائتمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتَ شُحَّاً مطاعاً، وهوىً متَّبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجابَ كل ذي رأي برأيه [ورأيت الأمرَ لا يَدَيْ لكَ به، أو لا يدَلكَ به] فعليك بنفسك، ودَعْ العوام".
المائدة 5:106
وقوله جل وعز: ﴿يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ﴾.
وقرأ الأعرج: (شَهَادَةٌ بَيْنَكُمْ).
وقرأ أبو عبدالرحمن: (شهادة بَيْنَكُمْ).
فمن قرأ (شَهَاَدَةُ بَيْنِكُمْ) و (شَهَادَةٌ بَيْنَكُمْ) فالمعنى عنده شهادة اثنين، ثم حذف شهادة وأقام اثنين مقامها في الإِعراب.
ويجوز أن يكون المعنى: ليكن أن يشهد اثنان.
ومن قرأ: (شَهَادَةٌ بَيْنَكُمْ) فهو عنده بغير حذف، والمعنى أن يشهد اثنان.
فأما قوله تعالى: ﴿ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾.
ففي هذا اختلاف كبير.
قال أبو موسى الأشعري وابن عباس: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ من أهل دينكم.
﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ مِنْ أهل الكتاب.
وقال بهذا القول من التابعين: عَبِيدَةُ، وسعيدُ بنُ المسيِّب، وسعيد بن جبير، وشريح، وابن سيرين، والشعبي.
وقال الحسن والزهري: (ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ) من أقربائكم، لأنهم أعلمُ بأموركم من غيرهم (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) من غير أقربائكم من المسلمين.
وقال من احتج لهذا القول: قد أجمع المسلمون على أن شهادة أهل الكتاب لا تجوز على المسلمين في غير الوصية، وإجماعهم يقضي على اختلافهم.
وقال جل وعز: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ فدلَّ هذا على أن أحداً منهم ممَّن لا يُرضَى، فالكافر يجب أن لا يُرضى به أيضاً، فإنه قال جل وعز: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ﴾ فكيف يُعظِّم الكافر الصلاة؟.
وقال ابراهيم النخعي: الآيةُ منسوخة، نسخها ﴿وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُم﴾.
وقال زيد بن أسلم: كان ذلك والأرض حرب، والناس يتوارثون بالوصية. وتوفي رجل وليس عنده أحد من أهل الإِسلام، فنـزلت هذه الآية ثم نسخت الوصية، وفرضت الفرائض.
ومعنى ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ﴾ من بعد صلاة العصر.
ومعنى ﴿لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً﴾ بما شهدنا عليه.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾.
معناه: وإن كان ذا قربى، كما قال سبحانه ﴿وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾
* ثم قال جل وعز: ﴿وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلآَثِمِينَ﴾.
وقرأ عبدالله بن مسلم (ولا نَكْتُمُ شهادَةً اللهَ)، وهو يحتمل معنيين:
أحدهما: أن المعنى: ولا نكتم اللهَ شهادةً.
والمعنى الآخر: ولا نكتم شهادةً واللهِ، ثم حذف الواو ونصب.
وقرأ الشعبي (ولا نَكتُمُ شَهَادَةِ اللهِ) هذا عند أكثر أهل العربية لحنٌ، وإن كان سيبويه قد أجاز القسم والخفض.
وقرأ أبو عبدالرحمن ﴿ولا نَكْتُمُ شَهَادَةً اللهِ﴾ على الاستفهام.
المائدة 5:107
وقوله جل وعز: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً﴾.
قال ابراهيم النخعي: المعنى: فإن اطُّلِعَ.
* ثم قال جل وعز: ﴿فَآخَرَانِ يِقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلأَوْلَيَانِ﴾ آية ١٠٧].
إن اطلع عليهما بخيانة، فأمر اثنان من أولياء الميت، فحلفا واستحقا.
وقال أبو اسحاق: وهذا موضعٌ مشكلٌ من الإِعراب والمعنى.
وقد قيل فيه أقوال منها:
أن المعنى: من الذين استحق فيهم الأوليان، فقامت (على) مقام (في) كما قامت (في) مقام (على) في قوله تعالى ﴿ولأُصَلِبنَّكُمْ في جُذَوعِ النَّخْل﴾.
وقيل المعنى: من الذين استحق منهم الأوليان، وقامت (على) مقام (من) كما قال تعالى ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوفُونَ﴾ أي من الناس.
قال: والقول المختار أنَّ المعنى عندي ليقم الأولى بالميت.
فالأوليانِ بدلٌ من الألف في (يَقُومَانِ) والمعنى: من الذين استَحَقَّ عليهم الإِيصاءُ.
[وأنكر ابن عباس هذه القراءة، وقرأ (منَ الذينَ] اسْتَحقَّ عليهم الأَوَّلَيْنِ)، وقال: أرأيت إن كان الأوليان صغيرين؟
المائدة 5:109
وقولُه جل وعز ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ﴾؟ [آية ١٠٩].
هذا السؤال على جهة التوبيخ لمن كذَّبهم.
وفي معنى الآية قولان:
أحدهما: أنهم لما سُئِلُوا فَزِعوا، فزال وهمهُم، فقالوا: لا علم لنا.
قال مجاهد: لما قيل لهم: ماذا أُجبتم؟ فَزِعوا، فقالوا: لا علم لنا، فلَّما ثابتْ عقولهم خَبَّروا بما علموا.
والقول الآخر: أن المعنى: لا علمَ لنا بما غاب عنا.
وقيل: يدل على صحة هذا القول ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ﴾.
وهذا مذهب ابن جُريح.
ورَوَى حجَّاجُ عن ابنِ جُريح في قوله عز وجل: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ﴾ قال: قيل لهم: ما علمتُم من الأمم بعدكم؟
قالوا: لا علم لنا.
قال أبو عُبيد: ويُشبه هذا حديث النبي ﷺ أنه قال: "يَرِدُ الحوضَ أقوامٌ فيختلجون، فأقولُ: أمَّتي، فيُقال: إنَّكَ لا تدري ما أحدثُوا بعدك".
المائدة 5:110
وقوله عز وجل ﴿إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ﴾.
نعمتُه على مريم: أنه جلَّ وعز اصطفاها وطهَّرها.
وقال جل وعز ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقَاً﴾.
* وقوله جل وعز ﴿إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ﴾.
أَيَّدتُكَ: قَوَّيتُكَ، ورُوحُ القُدُس: جبريلُ ﷺ.
قيل: قوَّاه به حين همَّوا بقتله، وقوَّاه به في الحُجَّةِ.
المائدة 5:111
وقوله جل وعز ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي﴾.
قيل: معنى "أوحيتُ" ههنا: ألهمتُ، كما قال تعالى ﴿وأَوْحَى ربُّكَ إلى النَّخْلِ﴾.
وقيل: معناه أمرتُ كما قال الشاعر:
* وَحَى لَهَا القَرَارَ فَاسْتَقَرَّتِ *
وقيل: معنى أوحيتُ ههنا: بيَّنْتُ، ودللتُ بالآياتِ والبراهين.
المائدة 5:112
وقوله جل وعز ﴿إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾؟ [آية ١١٢].
رَوَى شيبةُ بن نصَّاح المقري، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أنها قالت:
كان الحواريون أعرف بالله من أن يقولوا ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ ولكنْ قالوا: هل تستطيع رَبَّك؟
وقرأ عليُّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، ومعاذ وابن عباس ﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ ربَّكَ﴾ وكذلك قرأ سعيد بن جبير.
وقال سعيد: إنما هو هل تستطيع أن تسأل ربَّك، والتقدير عند أهل العربية، على هذه القراءة: هل تستطيع سؤال ربك؟ ثم حذف، كما قال ﴿وَاسْأَلِ القَرْيَةَ﴾.
و ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ حسنٌ بغير حذف، معروف في كلام العرب أن يقال: هل يستطيع أن يقوم؟ بمعنى هل يستطيع أن يفعل ذلك بمسألتي؟ وأنت تعرفُ أنه يستطيعهُ.
وفي سؤال الحواريين تنـزيل المائدة قولان:
أحدهما: أنهم سألوا ذلك ليتبيَّنوا، كما قال إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى﴾
والقول الآخر: أن يكون سؤالهم هذا، من قبل أن يعلموا أن عيسى يُبرىءُ الأكمة والأبرص.
فأما قول عيسى لهم: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ فيعني: أن لا تقترحوا الآيات، ولا تسألوا ما لم يسأل غيركم من الأمم.
قال أبو عُبيدة: "مائدةٌ" من الطعام، وهي فاعلة بمعنى مفعولة، كما قال جل وعز: ﴿فِي عِيْشَةٍ رَاضِيَة﴾
وقال أبو اسحق: "مائدة" عندي من مَادَ يَمِيدُ: إذا تحرك.
وقرأ عاصم الجحدري: ﴿تكونُ لَنَا عِيْدَاً لأُِولاَنَا وَأُخْرَانَا﴾.
وقرأ الأعمش: (تَكُنْ لَنَا عِيدَاً)
وقيل: إنها أنزلت، وقيل: إنها لم تنـزل، والصوابُ أن يُقال: إنها أنزلت، لقوله جل وعز ﴿قَاَل اللَّهُ إنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾
ورَوَى قتادة عن خلاس بن عمرو عن عمار بن ياسر، وبعضهم يرفعه قال: "أنزلت المائدة خبزاً ولحماً، وأُمروا أن لا يخزِنُوا، ولا يَدَّخِروا لغدٍ، فخانوا، وادَّخروا، ورفعوا، فمُسِخُوا خنازير".
حدثنا القاسم بن زكريا المطرز نا الحسين بن قرعة قال نا ابن حبيب عن سعيد بن قتادة عن خلاس بن عمرو عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ "أنزلت المائدة خبزاً، ولحماً، فأُمروا أن لا يدخروا، ولا يرفعوا، فادخروا ورفعوا، فمسخوا قردة وخنازير".
[ويروى أن هذه محنة أمر الله جل وعز امتحانهم بها].
قال عبدالله بن مسعود: أشدُّ الناس عذاباً أصحاب المائدة، وآل فرعون، والمنافقون.
وقال الحسن: لمَّا أُوعدوا بالعذاب إن هم عَصَوْا، قالوا: لا حاجة لنا بها، فلم تنـزل.
وقال مجاهد: لما قيل لهم: ﴿فَمَنْ يكْفُرْ بعدُ مِنْكُم فإني أُعَذِّبهُ عَذاباً لا أعذِّبه أَحَدَاً مِنَ العَالَمِينَ﴾ امتنعوا من نزولها فلم تنـزل.
وقيل: إن هذا العذاب في الآخرة.
المائدة 5:116
وقولُه جل وعز: ﴿وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾.
في معنى هذا قولان:
أحدهما: أن هذا يُقال له في الآخرة.
قال قتادة: يُقال له هذا يوم القيامة، قال أَلاَ ترى أنه قال: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقينَ صِدْقُهم﴾. لا يكون إلاَّ يوم القيامة.
وقال السدي: إنه قال هذا حين رفعه، لأنه قال: ﴿إنْ تُعَذِّبْهُم فإِنَّهُم عبادُكَ، وَإِنْ تغْفِرْ لَهُمْ فإنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
فإنما هذا على أنهم في الدنيا، أي ان تغفر لهم بعد التوبة.
واحتج لصاحب هذا القول بأنَّ (إذْ) في كلام العرب لِمَا مَضَى.
والقولُ الأول عليه أكثرُ أهل التفسير.
فأمَّا حُجَّةُ صاحب هذا القول الثاني، بأن (إذْ) لما مضى، فلا تجب، لأن إخبار اللهِ جلَّ وعز عما يكون بمنـزلة ما كان، فعلى هذا يصح أنه للمستقبل، وسنذكر قولهم في ﴿إِنْ تُعذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾.
وقولُه جل وعز ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾.
قال أبو اسحق: النفس عند أهل اللغة على معنيين:
أحدهما: أن يُراد بها بعض الشيءِ.
والآخرُ: أن يُراد بها الشيءُ كلُّه، نحو قولك: قَتَل فلانٌ نفسه.
فقوله عز وجل ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ معناه: تعلم حقيقتي وما عندي.
والدليلُ على هذا قوله ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ﴾
وقال غيرُه: المعنى: تعلم غيبي، ولا أعلم غيبك.
المائدة 5:117
وقولُه جل وعز: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾.
قال قتادة: الرقيبُ: الحافظُ، وكذلك هو عند أهل اللغة.
المائدة 5:118
وقولُه جل وعز: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
في هذا أقوال:
فمن أحسنها أنَّ هذا على التسليم لله جلَّ وعز، وقد علم أنه لا يغفر لكافر، ولا يُدرى أَكفروا بعدُ أم آمنوا؟.
ومن الدليل على صحة هذا القول أن سعيد بن جبير روى عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "يُحشر النَّاسُ يوم القيامة عُرَاةً، حُفَاةً عُزْلاً، وقرأ ﷺ ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ فيؤمر بأمتي ذات اليمين وذات الشمال، فأقول أصحابي، فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم بعدك، فأقولُ كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدَاً مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ وقرأ إلى قوله ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾".
وروى أبو ذر أن النبي ﷺ قام ليلة يردّد ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنِّهُمْ عِبَادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾.
وقيل: إنه معطوف على قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾
والمعنى على هذا القول: ما قلتُ في الدنيا إلاَّ هذا.
وقال أبو العباس محمد بن يزيد: لا يراد بهذا مغفرة الكفر، وإنما المعنى: ولأن تغفر لهم كذبهم عليّ، وحكايتهم عني ما لم أقل.
وقال أبو اسحق: قد علم عيسى ﷺ أن منهم من آمن، فالمعنى عندي ـ والله أعلمُ ـ إن تعذبهم على فِريتهم وكفرهم، فقد استحقُّوا ذلك، وإن تغفر لمن تاب منهم بعد الافتراء العظيم والكفر، وقد كان لك أن لا تقبل توبته بعد اجترائه عليك، فإنك أنت العزيز الحكيم.
وأمَّا قول من قال: إن عيسى ﷺ لم يعلم أن الكافر لا يغفر له، فقولٌ مجترءٌ على كتاب الله جل وعز، لأن الإِخبار من الله جل وعز لا ينسخ.
وقيل: كان عند عيسى ﷺ، أنهم أحدثوا معاصي وعملوا بعده بما لم يأمرهم به، إلاَّ أنهم على عمودِ دينه، فقال ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ما أحدثوا بعدي من المعاصي.
المائدة 5:119
وقوله جل وعز: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾.
سئل بعض أهل النظر عن معنى هذا فقيل له: لو صدق الكافرُ، وقال: أسأتُ لم ينفعه ذلك؟.
والجواب عن هذا: أن يوم القيامة يوم مجازاة وليس بيوم عمل فإنما المعنى هذا يوم ينفع الصادقين في الدنيا، وتركهم الافتراء عل الله جل اسمه، وعلى رسله.
وقيل: ينفعهم صدقهم في العمل، والله أعلم بما أراد.
المائدة 5:120
قال: أخبرنا أبو جعفر أحمد بن محمّد بن إسماعيل النَحَّاسُ، قال: حدثنا محمدُّ بنُ أحمدَ بن يحيى، حدّثنا "أبو حاتم" روح بن الفرج، مولى الحَضارِمة قال: حدَّثنا أحمد بن محمَّد "أبو بكر العُمَريّ" قال: حدّثنا ابن أبي فُدَيْك، قال: حدّثني عُمر بن طلحة بن علقمة بن وَقّاص، عن نافع أبي سُهَيْل بنِ مالك، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ـ ﷺ ـ نزلت سورة الأنعام معها مَوْكِبٌ من الملائكة سَدَّ ما بينَ الخافقين، لهم زَجَلٌ بالتَّسْبيح، والأرضُ لهم تَرْتَجُّ، ورسولُ الله يقول: "سبحانَ ربّي العظيم" ثلاثَ مَرّات.
الأنعام 6:1
قوله جل وعز: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ﴾.
قال قتادة: خلق الله السماءَ قبل الأرض، واللّيلَ قبل النّهار، والجَنَّةَ قبل النّار.
فأمّا قولُه ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ فمعناه: بَسَطها.
وقوله جلّ وعزّ: ﴿ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾.
قال مجاهد: أي يشركون.
قال الكسائي: يقال: عَدَلْتُ الشّيءَ بالشّيءِ عُدولاً: إذا ساويتَهُ به.
وهذا القولُ يرجع إلى قول مجاهد، لأنّهم إذا عبدوا مع الله غيره، فقد ساوَوه به وأشركوا.
الأنعام 6:2
وقوله جلّ وعزّ: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ﴾.
قال الحسنُ، ومجاهدٌ، وعكرمةُ، وخُصَيْفٌ، وقتادةُ، وهذا لفظُ الحسن ـ: قضى أجلَ الدُّنيا من يوم خلقك إلى أن تموت، ﴿وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ﴾ يعني الآخرة.
﴿ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ أي: تشُكُّون، وتعبدون معه غيره.
الأنعام 6:3
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ﴾.
قيل: المعنى: وهو إلهٌ في السموات، وفي الأرض.
والألفُ واللاَّم في أحد قولي سيبويه: مُبْدَلَةٌ من همزة، والأصلُ عنده: إلهٌ.
فالمعنى على هذا: هو المعبودُ في السموات وفي الأرض.
ويجوز أن يكون المعنى: وهو الله المُنْفَرِدُ بالتَّأليه في السموات وفي الأرض، كما تقول: هو في حاجاتِ الناس، وفي الصلاة.
ويجوزُ أن يكون خبراً بعد خبر، ويكون المعنى: وهو اللهُ في السموات، وهو اللهُ في الأرض.
الأنعام 6:6
وقوله جلّ وعزّ: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾.
قيل: القَرْن: ستّون عاماً، وقيل: سبعون، فيكون التقدير على هذا: من أهل قَرْن.
وأصحُّ من هذا القول: القَرْنُ: كلُّ عالَمٍ في عصر لأنه مأخوذ من الاقتران، أي: عالَمٌ مقترِنٌ بعضُهم إلى بعض.
وفي الحديث عن النّبيّ ـ ﷺ ـ قال: "خيرُ النَّاسِ القَرْنُ الذي أنا فيه ـ يعني أصحابَه ـ ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم".
وأكثرُ أصحاب الحديث على أنّ القَرْن: مائةُ سنةٍ، واحتجّوا بأنّ النّبيّ قال لعبدالله بن بُسْر: "تعيش قَرْناً"، فعاش مائة سنة.
وقوله جلّ وعزّ: ﴿وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَاراً﴾.
أي تَدِرُّ عَلَيْهِمْ، ومِدْرَارٌ على التكثير، كما يقال امرأة مِذْكارٌ، إذا كَثُرَت ولادتُها للذُّكور، ومِئْناثٌ.
الأنعام 6:7
وقوله جلّ وعزّ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾.
أي: قد جعلوا في أنفسهم الكُفْر والعِناد، فإذا رَأَوْا آيةً قالوا: سحرٌ، كما أنهم سألوا انشقاق القمر، فلما انشقَّ قالوا: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ كذلك أيضاً: لو نَزَّل اللهُ عليهم كتاباً من السماء، لقالوا: إن هذا إلاَّ سحرٌ مُبينٌ.
الأنعام 6:8
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾.
قال ابن أبي نَجيح: عن مجاهد أي لقامت القيامة.
والمعنى عند أهل اللغة: لَحُتِم بهلاكهم، وهو يرجع إلى ذلك القول.
الأنعام 6:9
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً﴾.
قال قتادة: أي في صورة بني آدم.
ثمّ قال تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾.
قال الضَّحّاك: يعني أهلَ الكتاب، لأنهم غيرُّوا صفةَ النَّبيِّ ـ ﷺ ـ في كتابهم وعَصَوْا ما أُمِروا به.
قال الكسائي: يقال: لَبَسْتُ عليهم الأمرَ: أَلْبِسُهُ لَبْساً، إذا خلطته أي أَشْكَلْته.
الأنعام 6:10
وقوله جلّ وعزّ: ﴿فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾.
الحَيْقُ في اللغة: ما يعودُ على الإِنسان من مكروه فِعْلِهِ، ومنه: ﴿وَلاَ يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّءُ إلاَّ بِأَهْلِهِ﴾.
الأنعام 6:12
وقوله جلّ وعزّ: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ؟ قُل للَّهِ﴾.
هذا احتجاجٌ عليهم؛ لأنهم مُقِرُّون أنّ ما في السموات والأرض للهِ، فأمرَ اللهُ النَّبيَّ ـ ﷺ ـ أنْ يحتجَّ عليهم بأنَّ الذي خلقَ ما في السموات والأرضِ، قادرٌ على أن يُحْيِيهم بعد الموت.
* ثم قال جل وعز: ﴿كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ﴾.
لأنه أمهلهم إلى يوم القيامة.
ويجوز أن يكون هذا تمام الكلام.
ويجوز أنْ تكون (ما) هذه تبييناً؛ لأنّ قوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ معناه يُمهلكم، فهذا من رحمته جلّ وعزّ.
الأنعام 6:13
وقوله جلَّ وعلا: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾.
أي: ثبت، وهذا احتجاج عليهم أيضاً.
الأنعام 6:14
وقولُه جلّ وعزّ: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ﴾.
كما تقول: هو يَرزُق ولا يُرزَق، ويَعولُ ولا يُعَالُ.
ورُوِيَ عن الأعمش أنّه قرأ: وهو "يُطعِمُ ولا يَطْعَم" وهي قراءة حسنة. أي: ولا يَأكُل.
الأنعام 6:16
وقولُه جلَّ وعزّ: ﴿مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾.
المعنى: من يصرِفْ عنه العذابَ، ثمّ حذف لِعلْم السامع، وكذلك معنى "مَنْ يُصْرَفْ".
الأنعام 6:19
وقوله جلّ وعزّ: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾.
المعنى: ومَنْ بَلَغَهُ القرآنُ، ثمَّ حُذِفت الهاءُ لطول الاسم.
وقال مجاهد: ومَنْ أسلم مِن فَصِيحٍ وأَعْجَم.
ورُوِي عن النّبيّ ـ ﷺ ـ أنه قال: "بلِّغوا القرآنَ عن اللهِ جلّ وعزّ، ومَنْ بَلَغَتُهُ آيةٌ من كتاب الله، فقد بلَغه أمرُ الله".
وقيل: المعنى: ومَنْ بلَغ الحُلُمَ، كما يُقال: قد بلَغ فلانٌ.
الأنعام 6:20
وقولُه جلّ وعزّ: ﴿ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ﴾.
ويجوز أنْ يكون المَعْنى القرآنَ.
والحديث يدلّ أنّ المعنى: يعرفون النّبيّ ﷺ.
ورُوِيَ أنّ عمر قال لعبدالله بن سَلام: "أتعرف محمداً ـ ﷺ ـ كما تعرِف ابنَك؟ فقال: نعم وأكثرُ، بعث الله أَمينه في سمائه، إلى أمينه في أرضه، بنَعْتِهِ فعرفْتهُ، وابني لا أدري ما كان من أُمِّه".
الأنعام 6:23
وقولُه جلّ وعزّ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
قال أبو إسحاق: تأويل هذه الآية لطيفٌ جدّاً، أخبر اللهُ جلَّ وعزّ بقصص المشركين وافتتانهم بشركهم، ثم أخبر فتنتَهم لم تكن حين رَأَوْا الحقائق إلاَّ أن انْتَفَوْا مِنَ الشِّرك، ونظيرُ هذا في اللغة أن ترى إنساناً يُحِبّ غاوياً، فإذا وقع في هَلَكهٍ تبرَّأ منه، فيقول له: ما كانت محبتُكَ إيَّاه إلاَّ أن تبرَّأتَ منه.
فأمّا معنى قولهم: ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثَاً﴾ معطوفٌ على ما قبله، والمعنى: وودّوا أنْ لا يكتموا الله حديثاً. والدليلُ على صحّة هذا القول أنّه:
رُوِيَ عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ قال: اعتذروا وحلفوا، وكذلك قال ابن أبي نَجيح وقتادة.
وروي عن مجاهد أنّه قال: لما رَأَوْا الذنوب تُغفر إلاّ الشِّرك، والناس يخرجون من النَّارِ إلاّ المشركين، قالوا: ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
وقولُ بعض أهل اللغة: إنما قالوا هذا على أنهم صادقون عند أنفسهم، ولم يكونوا ليكذبوا وقد عاينوا مَا عَاينوا، وقُطْرُبٌ يذهب إلى هذا القول، وهو قولٌ مردود؛ لأنه قال: لم يكونوا ليكذبوا، وبعدها ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. ويُبَيِّنُ لك الغَلَط في هذا القولِ قولُه جلَّ وعزَّ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعَاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾ الآية.
قال مجاهد: كذَّبهم الله.
وقيل: معنى ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثَاً﴾: أنه ظاهر عنده.
الأنعام 6:25
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ، وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً﴾.
قيل: فُعِل بهم هذا مجازاةً على كفرهم، وليس المعنى أنّهم لا يسمعون ولا يفقهون، ولكنْ لَمّا كانوا لا ينتفعون بما يسمعون ولا ينقادون إلى الحقّ كانوا بمنـزلة من لا يسمع ولا يفهم.
ثمَّ خَبَّرَ بعنادهم فقال: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا﴾؛ لأنهم لَمّا رَأَوْا القمر منشقاً قالوا: سحرٌ، فأخبر الله عزّ وجلّ برَدّهم الآيات بغير حُجّة، وقال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ فَخَبَّرَ أنَّ هذا مقدارُ احتجاجهم.
الأنعام 6:26
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾.
أكثرُ أهل التفسير يذهب إلى أنّ المعنى للكفار أي: يَنْهونَ عن اتِّباعِ النَّبيِّ ﷺ، ويبعدون عنه.
قال مجاهد: يعني به قريشٌ.
وكذلك قال قتادة والضّحّاك: يعني به الكفّار.
وروى سفيان عن حبيب بن أبي ثابت قال: أخبرني مَنْ سَمِعَ ابن عبّاس يقول: نزلت في "أبي طالب" كان ينهي عن أذى النّبيّ ﷺ، ويتباعد عنه.
والقولُ الأول أشبهُ؛ لأنه متّصل بأخبار الكفار وقولهم.
وقوله جلّ وعزّ: ﴿وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ﴾.
أي: وَبال ذلك يرجع عليهم؛ لأن الله جلّ وعزّ يُبَدِّد جموعهم، [ويَنْصُرهُ عليهم].
* ثم قال جلّ وعزّ: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.
أي: وما يشعرون أنّ وَبالَ ذلك يرجع عليهم.
الأنعام 6:27
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ﴾.
في معناه ثلاثة أقوال:
١ - منها أن معنى ﴿وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ﴾ أُدخلوها، كما يُقال: وقفتُ على ما عند فلان، أي: عرفتُ حقيقته.
٢ - وقيل: معناه رَأَوْها.
٣ - وقيل: جازوا عليها وهي من تحتهم.
* ثم قال جلّ وعزّ: ﴿فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.
المعنى: ونحن لا نكذّبُ بآيات ربّنا، رُدِدْنا أو لم نُرَدّ.
قال سيبويه: ومثلُه: دعني ولا أعود، أي ولا أعود تركتني أو لم تتركني.
ومن قرأ: ﴿وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾. فمعناه عنده: يا ليتنا وقع لنا الرَّدُّ وأن لا نكذبَ.
قال أبو إسحاق: وفيه معنى: إنْ رُدِدْنا لم نكذّبْ.
وقرأ ابن عامر: ﴿يا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بالنصب.
وقرأ عبدالله بن مسعود: ﴿ولا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ المؤمنين﴾.
وقرأ أُبَيّ بن كعب: ﴿ولا نكذِّبُ بآيَاتِ رَبِّنَا أبَداً﴾.
الأنعام 6:28
وقال جلّ وعزّ: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾.
المعنى: بل ظهر للذين اتبعوا الغُواةَ، ما كان الغُواةُ يُخفون عنهم من أمر البعث والقيامة، لأنّ بعده: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.
وقال بعض أهل اللغة: ولو رُدُّوا لعادوا لما نُهوا عنه، فيه شيءٌ محذوفٌ، والمعنى: ولو رُدُّوا قبل أنْ يعاينوا العذاب، لأنهم لا يكفرون بعدما عاينوا.
وهذا القولُ مردودٌ؛ لأنّ الله جلّ ثناؤه أخبر عنهم أنهم يقولون هذا يوم القيامة، وقد خبّر جلّ وعزّ عن إبليس أنه كفر بعدما رأى، وعنهم أنهم كفروا عناداً وإيثاراً للرئاسة.
الأنعام 6:31
وقوله جلّ وعزّ: ﴿جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً﴾.
البغتة: الفجاءة.
يقال: بَغَتَهم الأمرُ يَبْغَتُهم بَغْتاً وبَغْتَةً.
* ثم قال جلّ وعزّ: ﴿قَالُواْ يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾.
الفائدةُ في نداء الحسرة وما كان مثلها ممَّا لا يُجيبُ أنّ العرب إذا أرادت تعظيم الشيءِ، والتنبيهَ عليه، نادته، ومنه قولهم: يَا عَجَبَاه.
قال سيبويه: إذا قلتَ: يا عَجَبَاه فمعناه أُحْضُرْ وتَعالَ يا عجبُ، فإنّ هذا أزمانك، فهذا أبلغ من قولك: تعجَّبتُ، ومنه قولُ الشاعر:
* فيا عَجَبَاً مِنْ رَحْلِها المُتَحَمِّلِ *
وقوله جلّ وعز: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ﴾.
واحد الأوزار: وِزْرٌ، والفعل منه وَزَرَ يَزِرُ، يراد به الإِثم، وهو تمثيلٌ، وأصله الوَزَرُ، وهو الجَبَل.
ومنه الحديث في النساء اللواتي خرجنَ في جنازة، فقال لهنّ: "ارْجعْنَ مَوْزوراتٍ غير مأجورات".
قال أبو عبيد: والعامة تقول: "مأزوراتٍ" كأنه لا وجه له عنده؛ لأنه من الوزر، ومنه قيل: وزيرٌ، كأنه يحمل الثقل عن صاحبه.
الأنعام 6:33
وقوله جلّ وعزّ: ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكْذِبُونَكَ﴾.
هكذا روي عن علي بن أبي طالب ـ رضوان الله عليه ـ أنه قرأ، وهو اختيار أبي عبيد، واحتّج بأنه رُوِيَ أنّ أبا جهل قال للنّبيّ ـ ﷺ ـ: إنّا لا نُكْذِبُكَ، ولكنَّا نكذِّبُ ما جئتَ به، فأنزل الله عزّ وجلّ ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ﴾.
وقد خُولفَ أبو عبيد في هذا، وروي "لا نُكَذِّبُكَ" فأنزل الله جلّ وعزّ ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ﴾، ويقويِّ هذا أنه رويَ أنّ رجلاً قرأ على ابن عبّاس ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يكْذِبُونَكَ﴾، فقال له ابن عبّاس: ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ﴾؛ لأنهم كانوا يسمّون النبي - ﷺ - الأمين.
ومعنى (يُكْذِبُونَكَ) عند أهل اللغة: يَنْسِبونَكَ إلى الكذب، ويروُوْن عليكَ ما قلتَ.
ومعنى (لا يُكَذِّبُونَكَ): لا يجدونك كاذباً، كما تقول: أَحْمَدْتُه، إذا وجدتُه محموداً.
ويجوز أن يكون معنى المخففة: لا يُبيِّنون عليك أنك كاذبٌ؛ لأنه يقال: أكذبتُه، إذا احتججتَ عليه وبيّنتَ أنه كاذب.
حدثنا محمد بن جعفر الأنباري حدثنا شعيب بن أيوب الواسطي عن معاوية بن هشام عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن ناجية بن كعب عن عليّ قال: قال أبو جهل للنبي ـ ﷺ ـ: إنّا لا نُكْذِبُكَ ولكن نُكَذّبُ ما جئت به، فأنزل اللهُ عزّ وجلّ ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ، وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.
والقول في هذا مذهب أبي عُبَيْد، واحتجاجه لازم، لأن عليًّا ـ رحمة الله عليه ـ هو الذي روى الحديث، وقد صحّ عنه أنّه قرأ بالتخفيف.
وحكى الكسائيّ عن العرب: أكذبتُ الرّجلَ، أخبرتُ أنه جاء بالكذب ورواه وكذَّبتُه: أخبرتُ أنه كاذب.
الأنعام 6:35
وقوله جلّ وعزّ: ﴿فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ﴾.
قال قتادة: النّفقُ: الشِّرْبُ في الأرضِ، والسُّلَّمُ: الدَّرجُ.
وكذلك هو في اللغة، ومنه النافقاء: أحدُ جُحَرِ اليربوع.
قال أبو إسحاق: والسُّلَّمُ: مشتَّقٌ من السَّلاَمة، كأنه يُسْلمِك إلى الموضع الذي تريد.
والمعنى: إن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سُلَّماً في السماء فتأتيهم بآية فافعلْ. ثم حُذف هذا لِعلْم السامع، أي ليس لكَ من الأمر شيءٌ.
* ثم قال جلّ وعزّ: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ﴾.
أي: لأراهم آيةً تضطرهم إلى الإِيمان، ولكنّه أراد جلَّ وعزّ أنْ يثيب من آمن منهم ومن أحسن.
ويجوز أن يكون المعنى لَطَبَعَهُمْ على الإِيمان.
الأنعام 6:36
ثم قال جل وعز: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾.
قال الحسن ومجاهد: يُراد به المؤمنون، والمعنى: الذين يسمعون سماع قبول.
* ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ﴾.
قال الحسن ومجاهد: يُراد به الكُفَّار.
وقال غيرهما: يُرادُ بهِ كلُّ ميِّتٍ.
الأنعام 6:38
وقولُه جلّ جلاله: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ، وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ، إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾.
وأكثرُ أهل التفسير يذهب إلى أن المعنى: أنهم يُخْلَقون كما يخْلقون، ويُبْعثون كما يُبْعثَون.
وكذلك قال أبو هريرة: يحشر اللهُ جلَّ وعزّ يوم القيامة، الطيرَ، والبهائم، فيبلغ من عدله أنْ يأخذ من القَرْناء للجّماء، ثمّ يقول: كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابَاً﴾.
وقال مجاهد في قوله جلَّ وعزَّ: ﴿إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ قال: أصنافٌ، لهنَّ أسماء تُعْرَف بها كما تُعْرَفون.
ومعنى ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ على التوكيد؛ لأنك قد تقول: طرت في حاجتي.
الأنعام 6:40
وقوله جلّ وعزّ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ ٱلسَّاعَةُ﴾.
والمعنى: أو أتتكم الساعة التي تُبعثون فيها.
* ثم قال جلّ وعزّ: ﴿أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
في هذا أعظم الاحتجاج عليهم؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام، فإذا وقعوا في شدّة دعوا الله.
الأنعام 6:41
وقال جل وعز: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ﴾.
هذا مجازٌ، والمعنى: فيكشف الضرّ الذي من أجله دعوتموه، وهو مِثْلُ: ﴿وَاسْألِ القَرْيَةَ﴾ في المجاز.
الأنعام 6:42
وقوله جلّ وعزّ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ﴾.
قيل: البأساءُ: الجوع والفقر، والضَرَّاءُ: نقص الأموالِ، والأنفسِ بالمرض، والثمرات.
* ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾.
أي ليكون العباد على رجاءٍ من التضرع.
الأنعام 6:43
ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ﴾.
أي: فهلاَّ.
وأعَلمَ اللهُ النَّبيَّ أنه قد أرسل قبله رسولاً إلى قوم، بلغ من قسوتهم أنْ أُخذوا بالبأساء والضراء فلم يتضرعوا.
الأنعام 6:44
وقوله جلّ وعزّ: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
قال مجاهد: من رخاء الدنيا ويُسْرها.
والتقديرُ عند أهل اللغة: فتحنا عليهم أبواب كُلِّ شيءٍ كان مغلقاً عنهم.
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ﴾.
قال أبو عبيدة: الملبسُ: الحزينُ النادم.
قال الفرّاء: المبلسُ: المنقطعُ الحُجَّة.
الأنعام 6:45
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾.
الدابر في اللغة: الآخِرُ، يُقالُ: دَبَرهم يدبرهم، إذا جاء آخِرهم.
وفي الحديث عن عبدالله بن مسعود، "من الناس من لا يأتي الصلاة إلاّ دَبَرِياً" أي في آخِر الوقت.
الأنعام 6:46
وقوله جلّ وعزّ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾.
المعنى: مَنْ إلهٌ غير الله يأتيكم بما أُخِذ منكم؟ والهاء كناية عن المصدر، فلذلك وُحِّدَتْ.
ويجوز أنْ يكون تعود على السمع مثل ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾.
* ثم قال تعالى: ﴿ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾.
قال قتادة: أي يصدفون عنها.
الأنعام 6:47
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً﴾.
قال مجاهد: البغتةُ: أنْ يأتيهم فُجَاءة آمنين، والجهرةُ: أن يأتيهم وهم ينظرون.
* ثم قال جلَّ وعزّ: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾.
أي هل يهلك إلا أنتم، لأنهم كفروا وعاندوا.
الأنعام 6:48
وقوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾.
أي لم نرسلهم ليأتوا بالآيات المقترحات، وإنّما يأتون من الآيات بما تظهر معه براهينهم، وإنما مذهبهُم التبشيرُ والإِنذار.
الأنعام 6:50
وقوله جلّ وعزّ: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ﴾.
هذا متّصل بقوله جلّ وعزّ: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي لا أقول لكم عندي خزائن الله، التي يرزق منها ويُعطي، ولا أعلم الغيب فأخبركم بما غاب عنكم إلاّ بوحي ﴿وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾؛ لأن المَلَك يشاهد من أمر الله جلّ وعلا ما لا يشاهدُ البشر.
وقوله جلّ وعزّ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ﴾.
قال مجاهد: يعني المسلمُ، والكافر.
الأنعام 6:51
وقوله جل وعز: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ﴾.
أي بالقرآن، وخصّ من يخاف الحشر؛ لأن الحجّة عليهم أوكدُ، فإنْ كان مسلماً أُنذِر ليترك المعاصي، وإن كان من أهلِ الكتاب أُنذِرَ ليتَّبعَ الحقَّ.
* ثم قال جلّ وعزّ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ﴾.
لأن اليهود والنصارى قالوا: نحن أبناء اللهِ وأحباؤه.
الأنعام 6:52
وقوله جلّ وعزّ: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾.
قال سعد: نزلت في ستة: أنا وعبدالله بن مسعود وأربعة، قال المشركون للنّبيّ ـ ﷺ ـ: إنّا نستحيي أنْ نكون تبعاً لهؤلاء، فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾.
وقال مجاهد: نزلت في بلال، وعبدالله بن مسعود.
وقال غيره: إنّما أراد المشركون بهذا أن يحتجُّوا على النَّبيِّ ـ ﷺ ـ؛ لأنّ أتباع الأنبياء الفقراء، فطلبوا أنْ يطردهم فيحتّجوا عليه، فعَصَمه اللهُ ممَّا أرادوا منه.
وقوله جلّ وعزّ: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾.
المعنى: ولا تطرد الذين يدعون ربهم فتكون من الظالمين، وما من حسابك من شيء فتطردهم، على التقديم والتأخير.
الأنعام 6:53
ثمّ قال جلّ وعزّ: ﴿وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾.
أي اختبرنا وابتلينا؛ لأنّ الفقراء صبروا على الجهد مع فقرهم، فكان ذلك أَوْكد على الأغنياء في الحُجَّة.
ثمّ قال جلّ وعزّ: ﴿لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ﴾.
أي: ليقول الأغنياء.
الأنعام 6:54
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ﴾.
السَّلامُ والسَّلامةُ بمعنى واحد، ومعنى "سلامٌ عليكم" سلَّمكم الله في دينكم وأنفسكم، والسلام اسمٌ من أسماء الله جلّ وعزّ، معناه ذو السلامة.
وقرأ الحسن وعاصم وعيسى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ بفتحهما جميعاً فالأولى بدلٌ من الرحمة، والثانية مؤكدة مكررة لطول الكلام.
هذا مذهب سيبويه.
وقرأ أبو عمرو، والكسائي، والأعمش، وابن كثير، وشبلٌ بكسرهما جميعاً.
والمعنى في الأولى: قال إنه، وكسر الثانية؛ لأنها مبتدأة بعد الفاء.
وقرأ أهل المدينة: بفتح الأولى؛ لأنها تبيينٌ للرحمة، وكسروا الثانية لما تقدمَّ.
الأنعام 6:55
وقوله جلّ وعزّ: ﴿وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ٱلآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾.
المعنى على هذه القراءة: ولتستبينَ يا محمد سبيلَ المجرمين.
فإنْ قيل: فقد كان ﷺ يستبينها؟
فالجوابُ عند الزّجّاج: أن الخطاب للنّبيّ ﷺ خطاب لأُمَّته، فالمعنى: ولتستبينوا سبيلَ المجرمين.
فإن قيل: فلِمَ لَمْ تُذْكَر سبيل المؤمنين؟.
ففي هذا جوابان:
أحدهما: أنه إذا استُبينَتْ سبيلُ المجرمين فقد استُبينَتْ سبيل المؤمنين.
والجوابُ الآخر: أنْ يكون مثل قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾؟.
فالمعنى: وتقيكم البرد ثم حذف، وكذلك هذا يكون المعنى، ولتستبين سبيل المؤمنين، ثم حذف.
الأنعام 6:57
وقوله جل وعز: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾.
أي ما تستعجلون من اقتراح الآيات، ويجوز أن يكون المعنى: ما تستعجلون به من العذاب.
* ثم قال جلّ وعزّ: ﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ﴾.
كذلك قرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو عبدالرحمن السُّلمي وسعيد بن المسيِّب.
واحتجّ بعض مَنْ قرأ هذه القراءة بأنّ بعده ﴿وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَاصِلِينَ﴾ والفصلُ لا يكون إلاّ في القضاء والحكمِ.
وقرأ ابن عبّاس، ومجاهد، والأعرج (يَقُصُّ الحَقَّ).
قال ابن عبّاس: كما قال جلَّ وعزَّ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ﴾.
واحتجّ بعضُ مَنْ قرأ هذه القراءة، بأنه في السَّوَاد بلا ياء.
قال: ولو كانت يقضي لكانت بالحقِّ.
وهذا الاحتجاج لا يلزم؛ لأن مثل هذه الياء تحذف كثيراً.
وأما قوله: لو كانت يقضي لكانت بالحق، فلا يلزم أيضاً، لأنَّ معنى يقضي يأتي ويصنع، فالمعنى: يأتي الحقَّ.
ويجوز أن يكون المعنى يقضي القضاءَ الحقَّ.
الأنعام 6:59
وقولُه جلَّ وعزّ ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ﴾.
[جمع مِفْتح مفاتح، وجمع مفتاح مفاتيح].
أي الوصلة إلى علم الغيب.
حدثنا محمد بن الحسن ـ يُعْرَف بابن بَدينا ـ قال: حدثنا أبو مصعب الزُّهري قال: حدثنا صالحٌ بن قدامة الجمحي، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، أنَّ رسول الله ـ ﷺ ـ قال: "مُفاتحُ الغيب خمسةٌ، لا يعلمها إلاَّ اللَّهُ: لا يعلم ما تغيضُ الأرحامُ إلاَّ اللهُ، ولا يعلم ما في غدٍ إلا اللهُ، ولا يعلم متى يأتي المطر إلاَّ اللهُ ولا تدري نفس ماذا تكسب غداً، وما تدري نفسٌ بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلاّ الله جلّ وعزّ".
* وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا﴾.
المعنى: أنه يعلمها سقطت أو لم تسقط، كما تقول ما يجيئك أحد إلاّ وأنا أعرفه، فليس أنك لا تعرفه إلاَّ في حال مجيئه.
و (مِنْ) للتوكيد، والدليل على أنها للتوكيد أن الحسن قرأ ﴿وَلاَ رَطْبٌ وَلاَ يَابِسٌ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أي إلاّ يعلمه علماً يقيناً.
ويجوز أن يكون المعنى: إلاّ قد كتبه قبل أن يخلقه.
واللهُ أعلم بما أراد.
فإن قيل: ما الفائدة على هذا الجواب في كتْبِهِ، وهو يعلمه؟
فالجواب عن هذا أنَّه لتعظيم الأمر، أي اعلموا أنّ هذا الذي ليس فيه ثوابٌ ولا عقابٌ مكتوبٌ، فكيف بما فيه ثواب وعقاب؟.
الأنعام 6:60
وقولُه جلَّ وعزّ: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ﴾.
أي يُنيمكم، فيتوفى الأَنْفُسَ التي تميِّزون بها، كما قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿اللَّهُ يَتَوفَّى الأَنْفُسَ حَيِنَ مَوْتِهَا، وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾.
* ثم قال جلّ وعز: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ﴾.
قال ابن أبي نَجيح: أي كسبتم.
ومعروف في اللغة أنه يقال: جرَح إذا كَسَب، ومنه ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِن الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾.
* ثم قال جلّ وعزَّ: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾.
قال ابن أبي نَجيح: أي في النهار.
* ثم قال جلّ وعزَّ: ﴿لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى﴾.
أي لتستوفوا أجلكم.
الأنعام 6:61
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾.
قال إبراهيم النَّخعيّ: يعني أعوان ملك الموت، يتوفون الأرواح، ويدفعونها إلى ملك الموت، أو يرفعونها. كذا في الحديث.
* ثم قال جلّ وعزّ: ﴿وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ﴾.
قال أبو عبيدة: لا يَتَوانَوْنَ.
وقال غيره: معنى فرَّطتُ: قدَّمتُ العَجْزَ.
الأنعام 6:63
وقوله جلّ وعزّ: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ﴾.
الظلماتُ ها هنا: الشدائدُ، والعربُ تقول: يومٌ مظلم إذا كان شديداً، فإذا عَظَّمتْ ذلك، قالت: يوم ذو كواكب وأنشد سيبويه:
بَنِي أَسَدٍ لَوْ تَعْلَمونَ بَلاَءَنَا * إذَا كَانَ ذُو كَواكِبَ أَشْنَعا
ثمّ قال جلّ وعزّ: ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾.
أي تُظْهِرون التضرع، وهو أشد الفقر إلى الشَّيء والحاجة إليه ﴿وَخُفْيَةً﴾ أي وتبطنون مثل ذلك.
فأمَر اللهُ النّبيَّ ـ ﷺ ـ أن يوبّخهم، إذْ كانوا يدعون الله تبارك وتعالى في الشدائد، ثمّ يدعون معه في غير الشدائد الأصنام، وهي لا تضرُّ ولا تنفع.
الأنعام 6:65
وقولُه جلّ وعزّ: ﴿قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾.
قال عامر بن عبدالله كان ابن عبّاس يقول: أمَّا العذاب ﴿مِّن فَوْقِكُمْ﴾ فأئمةُ السوء، وأمَّا العذاب ﴿مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فخذم السُّوء.
وقال الضّحّاك: ﴿مِّن فَوْقِكُمْ﴾ من كباركم ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ من سَفِلَتكُم.
قال أبو العبَّاس: ﴿مِّن فَوْقِكُمْ﴾ يعني الرّجم ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ يعني الخسف.
* ثم قال جلّ وعزّ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾.
الشِّيَعُ: الفِرَقُ.
والمعنى: شيعاً متفرقة، مختلفة لا متفقة، ولَبَسْتُ: خلطتُّ، ويُبَيِّنُهُ قولُه جلّ وعزّ: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾.
قال ابن أبي نَجيح عن مجاهد: يعني الفتن والاختلاف.
الأنعام 6:66
وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾.
هذا من قبل أن يُؤمر بالحرب، أي لست أحاربكم حتى تؤمنوا، أي لست بمنـزلة الموكَّل بكم حتى تؤمنوا.
الأنعام 6:67
ثم قال جلَّ وعزّ: ﴿لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
وهذا تهديد، إمَّا بعذاب يوم القيامة، وإمَّا بالأمر بالحرب.
الأنعام 6:68
وقولُه عزّ وجلّ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾.
روى شبل عن ابن نجيح عن مجاهد قال: هم الذين يستهزئون بكتاب الله، نهاه الله أن يجلس معهم إلاَّ أن يَنْسى، فإذا ذَكَر قام، قال تعالى: ﴿فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ﴾.
وروى ورقاء عن ابن نجيح عن مجاهد قال: هم الذين يقولون في القرآن غير الحقِّ.
الأنعام 6:69
ثم قال جلّ وعزّ: ﴿وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ﴾.
قال مجاهد: أي لو جلسوا، ولكنْ لا يجلسوا.
أي لأنّ الله قد نهاهم.
الأنعام 6:70
وقولُه عزّ وجلّ: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً، وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا﴾.
قال قتادة: هذا منسوخ، نَسَخَه قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوْهُمْ﴾.
* ثم قال جلّ وعز: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾.
قال مجاهد: تُسْلَمَ.
وقال الكسائي والأخفش: أي تُجْزَى.
وقال الفراء: أي تُرْتهن.
وهذه المعاني متقاربة، وقول مجاهد حسنٌ أي تُسْلَم بعملها، لا تقدر على التخلص؛ لأنه يُقال: استبسل فلان للموت، أي رأى ما لا يقدر على دفعه، ويُنْشَد:
وَإِبْسَالِي بَنِيَّ بِغَيْرِ جُرْمٍ * بَعَوْنَاهُ وَلاَ بِدَمٍ مُرَاقِ
[قال أبو جعفر: بَعَوْنَاه: أي جنينَاه].
وقوله جلّ وعزّ: ﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ﴾.
قال قتادة: العدلُ: الفِديةُ، وقد بَيَّنَّاه فيما تقدّم.
الأنعام 6:71
وقولُه جلَّ وعزّ: ﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا﴾.
قال مجاهد: يعني الأوثان.
* ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ﴾.
أي إلى الكفر.
قال أبو عبيدة: يقال لمن رُدَّ عن حاجته ولم يظفر بها: قد رُدَّ على عقبيه.
وقال أبو العباس محمد بن يزيد: معناه يُعَقَّبُ بالشَّرّ بعد الخير، وأصله من العاقبة والعُقبى، وهما ما كان تالياً للشيء راجياً أنّ يتبعه، ومنه ﴿وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ومنه عَقِبُ الرجل، ومنه العقوبةُ؛ لأنها تاليةٌ للذنب، وعنه تكون.
وقوله جلّ وعزّ: ﴿كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ فِي ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ﴾.
معنى استهوته: زيَّنت له هواه.
* ثم قال جلّ وعزّ: ﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا﴾.
الأنعام 6:73
وقولُه جلَّ وعزّ: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ﴾.
والمعنى: اتَّقوا يوم يقول كن فيكون. ويجوز أنْ يكون معطوفاً على قوله: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ﴾
فإنْ قيل: ما معنى وخلق يوم يقولُ كن فيكون؟
فالجواب: أنّ ما أخبر الله جلَّ وعزّ أنّه كائن، فهو بمنـزلة ما قد كان، ويجوز أنْ يكون المعنى وذكروا، وهذا أحسن الأجوبة، لأنّ بعده ﴿وإذْ قَاَلَ إِبْرَاهِيمُ﴾.
وقيل: المعنى ويوم يقول كن فيكون للصُّور.
وقيل: المعنى فيكون ما أراد من موت الخلائق وبعثهم.
والتمامُ على هذين الجوابين عند قوله ﴿فَيَكُونُ﴾.
وقيل: المعنى فيكون قوله أي فيكون يأمر به، ويكون التمام على هذا ﴿فَيَكُونُ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ﴾.
قال أبو عبيدة: الصُّور جمع صورة، وهذا القول ممّا رُدَّ عليه؛ لأن عبدالله بن مسعود قال: الصُّورُ: قَرْنٌ.
وفي الحديث عن النّبيّ ـ ﷺ ـ أنّه قال:
"لم يزل صاحب الصُّورِ مُلْتَقِمَهُ منذ خلقه الله، ينتظر متى يُؤمر بالنفخ فيه".
وقال عمرو بن عبيد: قرأ عياض: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّوَرِ﴾، وهذا يعني به الخلْقَ، والله أعلم.
الأنعام 6:74
وقوله جلّ وعزّ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً﴾؟ [آية ٧٤].
فقرأ الحسن: "آزَرُ" بالرفع.
وفي حرف أُبَيّ: يا آزرُ.
قال الحسن: هو اسم أبيه، وذهب الحسن إلى أنه نداءٌ.
وقال سليمان التَيْمِيُّ: معنى آزرُ: يا أَعْوَجُ.
وقيل: كان لأبيه اسمان: كان يقال له: تارح، وآزر.
وقيل: آزر اسم صنم، والمعنى على هذا القول: أَتَتَّخِذُ آزَرَ أي أَتَتَّخِذُ أصناماً؟!
الأنعام 6:75
وقوله جلّ وعزّ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾.
ملكُوت في اللغة: بمعنى مُلْك، إلاَّ أن فيه معنى المبالغة.
وروى سفيان: عن ابن أبي نَجيح عن مجاهد قال: يعني الآيات.
وروى ابن جُرَيْج عن القاسم عن إبراهيم النَّخعيّ قال: فُرِجت له السموات السبع، فنظر إليهن حتى انتهى الى العرش وفُرِجت له الأرضون، فنظر إليهنَّ.
الأنعام 6:76
وقوله جلّ وعزّ: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ﴾.
جنَّ عليه وأَجنَّة: إذا سَتَرَه بظلمته.
* ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿رَأَى كَوْكَباً﴾.
قال قتادة: كنّا نُحَدِّثُ أنّه الزُّهرة.
قال السُّدّيُّ: هو المشتري.
* ثم قال جلّ وعزّ: ﴿هَـٰذَا رَبِّي﴾.
في هذا أجوبةٌ:
قال قُطْرُب: يجوز أن يكون على الاستفهام.
وهذا خطأٌ؛ لأنَّ الاستفهام لا يكون إلا بحرف، أو يكون في الكلام (أم).
وقال بعض أهل النظر: إنما قال لهم هذا من قبل أنْ يوحى إليه. واستشهد صاحب هذا القول بقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضَّالِّينَ﴾.
قال أبو إسحاق: هذا الجواب عندي خطأٌ وغلطٌ ممن قاله.
وقد أخبر الله جلّ وعزّ عن إبراهيم أنه قال: ﴿وَاجْنُبني وَبَنيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾.
وقال جلَّ وعزَّ: ﴿بقلب سليم﴾ أي لم يشرك قط.
قال: والجواب عندي أنّه قال: هذا ربّي على قولكم؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر، ونظير هذا قول الله جلّ وعزّ ﴿أين شركائي﴾ وهو جلّ وعزّ لا شريك له، والمعنى: أين شركائي على قولكم؟
ويجوز أنْ يكون المعنى فلمَّا جنَّ عليه الليلُ رأى كوكباً: يقولون هذا ربّي، ثمّ حذف القول كما قال جلّ وعزّ: ﴿والمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ فحذف القول.
وقوله جلّ وعزّ: ﴿فَلَمَّآ أَفَلَ﴾.
قال قتادة: أي ذهب.
قال الكسائي: يُقال: أَفَلَ النجم أفولاً إذا غَابَ.
الأنعام 6:77
وقوله جلّ وعزّ: ﴿فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً﴾.
يقال: بَزَغ القمرُ: إذا ابتدأ في الطُّلوع.
الأنعام 6:79
وقوله جلّ وعزّ: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً﴾.
فَطَر: خلق، والحنيفُ: المائل إلى الإِسلام كلَّ الميل.
الأنعام 6:80
وقولُه جل ّوعزّ: ﴿وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ﴾.
المعنى: وحاجَّه قومه أي في توحيد الله.
وقولُه جلّ وعزّ: ﴿وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً﴾.
المعنى: إلاَّ أنْ يشاء ربّي أن يُلحقني شيئاً بذنبٍ عملته، وهذا استثناءٌ ليس من الأول.
الأنعام 6:81
وقولُه جلّ وعزّ: ﴿فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ﴾؟ [آية ٨١].
المعنى: المؤمنُ أحق بالأمن أم المشرك؟.
الأنعام 6:82
ثم قال جلَّ وعزّ: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾.
يجوز أنْ يكون هذا إخباراً عن إبراهيم ﷺ أنه قاله.
ويجوز أن يكون مستأنفاً من قول الله جلَّ وعزَّ.
وفي بعض الروايات عن مجاهد ما يدلُّ أنَّه إخبارٌ عن إبراهيم.
ورُوِيَ عن مجاهد أنّه قال في قول الله جلّ وعزّ ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ قال: هو قوله: ﴿فَأَيُّ الفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾.
قال أبو بكر وعليّ ـ رضي الله عنهما ـ وسلمان وحذيفة في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي بشركٍ.
ورَوَى علقمة عن عبدالله بن مسعود لمَّا نزلت ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ اشتدَّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: أَيُّنا لا يظلم؟! فقال رسول الله ـ ﷺ ـ: ليس كما تظنون، إنّما هو كما قال لقمان: ﴿إنّ الشّرك لظلم عظيم﴾.
الأنعام 6:84
وقوله جلّ وعزّ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾.
ويجوز أن يكون المعنى: وهدينا داودَ وسليمان، ويكون معطوفاً على (كل).
ويجوز أنْ يكون المعنى: ووهبنا له داودَ وسليمانَ.
الأنعام 6:87
وقوله جلّ وعزّ: ﴿وَٱجْتَبَيْنَاهُمْ﴾.
قال مجاهد: أخلصناهم.
وهو عند أهل اللغة بمعنى اخترناهم.
الأنعام 6:89
وقوله تعالى: ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ﴾.
قال مجاهد: يعني أهل مكَّة.
وقال قتادة: يعني قوم محمّد عليه السلام.
﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ﴾.
قال مجاهد: يعني أهل المدينة.
وقال قتادة: يعني النّبيّين الذين قصَّ اللهُ عزَّ وجلَّ.
وهذا القول أشبه بالمعنى؛ لأنه قال بعدُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.
وحدَّثني محمّد بن إدريس قال حدثنا إبراهيم حدثنا عثمان المؤذن عن عوف عن أبي رجاء في قول الله جلّ وعزّ: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمَاً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ قال: هم الملائكة.
الأنعام 6:91
وقوله جلّ وعزّ: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.
قال أبو عبيدة: أي ما عرفوا الله حقّ معرفته.
هذا قول حسنٌ؛ لأنّ معنى قدرتُ الشيءَ، وقدّرتُه: عرفتُ مقداره.
ويدل عليه قوله جلَّ وعلا: ﴿إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ أي لم يعرفوه حقَّ معرفته، إذْ أنكروا أنْ يُرسِل رسولاً.
وقال غيرُ أبي عبيدة: المعنى وما عظَّموا اللهَ حقّ عظمته. ومن هذا: لفلانٍ قَدْرٌ.
والمعنيان متقاربان.
ويُروى أنَّ هذا نزل في بعض اليهود، ممَّن كان يظهر العبادة، ويَتَنَعَّم في السِّرّ، فقيل له: إنَّ في الكتاب أنَّ الله لا يحبُّ الحَبْر السَّمينَ، فقال: ﴿مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾.
الأنعام 6:92
وقوله جلّ وعز:ّ ﴿وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.
المعنى: ولتنذر أهل أمِّ القرى.
قال قتادة: كنّا نتحدّث أنه مكّة؛ لأنّ الأرض منها دُحِيَتْ.
وقيل: إنّما سمِّيت أمَّ القرى، لأنَّها تُقصد من كلِّ قرية.
الأنعام 6:93
وقوله جلّ وعزّ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ﴾؟ [آية ٩٣].
قال قتادة: بلغنا أنّ هذا أنزل في مسيلمة.
قال أبو إسحاق: وهذا جواب لقولهم: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾.
ورُوِيَ عن ابن عبّاس: الذي افترى على الله كذباً "مُسَيْلِمَة"، والذي قال ﴿سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ﴾ "عبدالله ابن سعد بن أبي سَرْحٍ".
ورَوَى حفصُ بن عُمر، عن الحَكَمِ بن أَبَانَ عن عكرمة: أنّ هذه الآية نزلت في النَّضْرِ بن الحارث؛ لأنه عارَض القرآن، فقال: "والطاحنات طحناً، والعاجنات عجناً، فالخابزات خبزاً، فاللاَّقمات لقماً".
* ثم قال جلّ وعزّ: ﴿وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ﴾ أي شدائده ﴿وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ﴾.
أي باسطوا أيديهم بالعذاب.
الأنعام 6:94
وقولُه جلّ وعزّ: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾.
قال مجاهد: أي تواصلكم.
ومَنْ قرأ (بَيْنَكُمْ) فالمعنى: لقد تقطَّع الأمرُ بينَكم.
الأنعام 6:95
وقوله جلّ وعزّ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ﴾.
قال مجاهد: يعني الشَّق فيها.
وقال الضّحّاك: فالقُ: خالقُ.
الأنعام 6:96
وقوله جلَّ وعز: ﴿فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ﴾.
ويُقرأ (الأَصْبَاحَ) وقرأ به الحسن وعيسى، وهو جمع صُبْح، والإِصباح كما تقول الإِمْساءُ.
وقرأ النَّخعي ﴿فَلَقَ الإِصْبَاحَ﴾.
* ثم قال جلَّ وعزّ: ﴿وَجَاعِلُ ٱلْلَّيْلِ سَكَناً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً﴾.
والحسبانُ والحسابُ واحد، أي ذوَيْ حساب، يعني دَوَارَنهما.
وقال ابن عبّاس في قوله جلّ وعزّ: ﴿الشَّمْسُ وَالقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾: أي بحساب.
الأنعام 6:98
وقوله جلّ وعزّ: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾.
قال عطاء ومجاهد وقتادة والضَّحَّاك ـ وألفاظُهم متقاربةٌ ـ: فمستقِرٌ في الرحم، ومستودَعٌ في الصُّلبِ.
وقرأ جماعةٌ: بالفتح.
ورُوِيَ عن عبدالله بن مسعود أنه قال: المستقرُّ: الرّحمُ، والمستودعُ: الأرض ُالتي تموت بها.
والفتحُ على معنى: ولكم في الأرحام مُسْتَقَرٌّ، وفي الأصلاب مستودَعٌ.
والكسر بمعنى فمنكم مُسْتَقِرٌّ.
وقال سعيد بن جبير: قال ابن عبَّاس: هل تزوجت؟ فقلتُ: لا.
فقال: إنّ الله جلّ وعزّ يستخرج من ظهرك ما استودعه فيه.
وقرأ ابن عبّاس وسعيد بن جبير وغيرهما ﴿فَمُسْتَقِرٌ﴾ بالكسر، ﴿ومُسْتَوْدَعٌ﴾.
وقال إبراهيم النّخغيّ: المعنى فمستقِرٌ في الرَّحم، ومستودَع في الصُّلب.
وقال الحسن: فمستقرّ في القبر، ومستودَع في الدنيا، يوشك أنْ يلحق بصاحبه.
حدثني محمد بن إدريس قال: حدثنا إبراهيم بن مَرْزوق قال: حدثنا أبو داود عن هُشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس في قوله جلّ وعزّ: ﴿ فَمُسْتَقِرٌ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ قال: المستقِرٌ: ما كان في الرَّحِمِ، والمستودعُ: الصُّلْب.
ثمّ قال جلّ وعزّ: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾.
قال قتادة: فصَّلنا بمعنى بَيَّنّا.
الأنعام 6:99
وقوله جل وعز ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً﴾.
﴿خَضِراً﴾ بمعنى: أخضر.
وقولُه عز وجل: ﴿وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾.
قال قتادة: القنوانُ: العُذُوق، وكذلك هو عند أكثر أهل اللغة.
يقال: عِذْقٌ، وقِنْوٌ بمعنى واحد، فأمّا العِذقُ فالنخلةُ.
وقيل: القِنْوانُ. الجُمَّارُ.
وقال البراء بن عازب: دانيةٌ: قريبةٌ.
والمعنى: ومنها قنوان بعيدة كما قال تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾.
وقوله جلَّ وعزّ: ﴿وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾. [آية ٩٩].
[أي مشتبهاً في المنظر، وغير متشابه في الطعم].
* ثم قال جلّ وعزّ: ﴿ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾.
أي ونضجه.
يُقال: يَنْعٌ وَيُنْعٌ، وأَيْنَعَ ويَنَع: إذا نضج وأدرك.
وقال الحَّجاجُ في خطبته: "أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها".
الأنعام 6:100
وقوله جلّ وعزّ: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ﴾.
قيل: معناه إنهم أطاعوهم كطاعة الله.
وقيل: معناه نسبوا إليهم الأفاعيل التي لا تكون إلاَّ لله جلَّ وعزّ، أي فكيف يكون الشريك لله المحدَث الذي لم يكن ثم كان؟
* وقوله جل وعز: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾.
يجوز أنْ يكون المعنى: وخَلقَ الشُّركاءَ، ويجوز أنْ يكون المعنى: وخلَقَ الذين جعلوا.
وقرأ يحيى بن يَعْمَر: (وخَلْقَهُم) بإسكان اللام، قال: ومعناه: وجعلوا خَلْقَهم للهِ شركاء.
وسُئل الحسنُ عن معنى (وَخَرَّقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ) بالتشديد، فقال: إنما هو ﴿وَخَرَقُواْ﴾ بالتخفيف، كلمة عربية، كان الرجل إذا كذب في النادي قيل: خَرَقها وربّ الكعبة.
وقال أهل اللغة: معنى "خَرَقوا" اختلَفُوا وافتعلوا، "خَرَّقوا" على التكثير.
الأنعام 6:101
وقولُه جلَّ وعزّ: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ﴾.
أي من أين يكون له ولد، والولد لا يكون له إلاَّ من صاحبة؟
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي فليس شيءٌ مثلُه، فكيف يكون له ولد؟
الأنعام 6:103
وقولُه جلَّ وعزّ: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ﴾.
قيل: معناه في الدُّنيا.
وقال الزَّجَّاجُ: أي لا يُبْلَغُ كُنْهُ حقيقتِهِ، كما تقول: أدركتُ كذا وكذا؛ لأنه قد صحَّ عن النَّبيِّ ـ ﷺ ـ الأحاديثُ في الرُّؤية يوم القيامة.
الأنعام 6:104
وقوله جلَّ وعز: ﴿قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾.
المعنى: فلنفسهِ نَفْعُ ذلكَ.
﴿وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾ أي فعليها ضررُ ذلك.
الأنعام 6:105
وقوله جلَّ وعزّ: ﴿وَكَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾.
هذه قراءةُ أهل المدينة، وأهل الكوفة، وابن الزُّبير، ومعناها: تلَوْتَ، وقَرأْتَ.
وقرأ عليُّ بن أبي طالب ﴿دَارَسْتَ﴾ وهو الصحيح من قراءة ابن عبّاس وسعيد بن جبير، ومجاهد وعكِرمة، وأبي عمرو، وأهل مكة.
قال ابن عبّاس: معنى دارَسْتَ: تالَيْتَ.
قال سعيد بن جبير: أي دارَسْتَ أهل الكتاب.
وقرأ قتادة ﴿دُرِسَتْ﴾ أي قُرِئَتْ.
وقرأ الحسن ﴿دَرَسَتْ﴾ أي امَّحَتْ وقَدُمَتْ.
وروى سفيان بن عُيَيْنَه عن عمرو بن عبيد عن الحسن أنه قرأ ﴿دَارَسَتْ﴾.
وكان أبو حاتم يذهب إلى أنّ هذه القراءة لا تجوز، قال: لأن الآيات لا تُدارس.
وقال غيره: القراءة بهذا تجوز، وليس المعنى على ما ذهب إليه أبو حاتم، ولكن معناه: دارَسَتْ أُمَّتُكَ أي دارَسَتْكَ أُمَّتُكَ، فإنْ كان لم يتقدَّم لها ذكر، فإنه يكون مثل قوله تعالى ﴿حتَّى تَوَارَتْ بِالحِجَابِ﴾.
وحكى الأخفش: (وَلِيَقُولُوا دَرُسَتْ)، وهو بمعنى دَرَسَتْ، إلاّ أنه أبلغ.
وحكى أبو العبَّاس أنه يُقْرَأ (وَلْيَقُولُوا دَرَسْتَ) بإسكان اللام على الأمر، وفيه معنى التهديد، أي فليقولوا ما شاءوا، فإنَّ الحقَّ بيِّنٌ كما قال جلَّ وعزَّ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيَلاً، وَلْيَبْكُوا كَثِيراً﴾.
فأمَّا من كَسَر اللاَّمَ فإنّها عنده لامُ "كَيْ".
قال أبو إسحاق: وأهلُ اللغة يسمونها لامَ الصيرورة، أي صار إلى هذا، كما قال جلّ وعزّ: ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾، وكما تقول: كتَب فلان هذا الكتاب لِحَتْفِهِ، أي فصار أمرهُ إلى ذلك.
وهذه القراءات كلّها يرجع اشتقاقها إلى شيء واحد إلى التَّلْيين والتَّذْليل.
ودَرَسْتُ: قَرَأْتُ وذَلَّلْتُ، ودَرَسَتِ الدارُ: ذلَّتْ وامَّحَقتْ، ودَرَسَ الحنطة: أي دَاسها.
الأنعام 6:107
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ﴾.
قيل: معناه لو شاء الله لاستأصلهم، واللهُ أعلم بما أراد.
ثمَّ قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾.
وهذا قبل أنْ يُؤمر بالقتال.
الأنعام 6:108
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
قال قتادة: كان المسلمون يسبُّون الأصنام، فيسبُّ المشركون اللهَ عَدْواً بغير علم.
ورُوِيَ أنّ في قراءة أهل مكة (عَدُوّاً بِغَيْرِ عِلْمٍ)، والقراءةُ جسنةٌ ومعنى "عَدُوَّاً" بمعنى أعداء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوَّاً مُبِينَاً﴾.
وتُقرأ (عُدُوَّاً)، يُقال إذا تجاوز في الظلم: عَدَا يَعْدُو، عَدْواً، وعُدُوَّاً، وعُدْواناً، وعَدَاءً.
* ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾.
قيل: معناه مجازاة على كفرهم.
وقيل: أعمالهم يعني الأعمال التي يجب أن يعملوا بها وهي الإِيمان والطاعة، والله أعلم بحقيقة ذلك.
الأنعام 6:109
وقوله جلّ وعزّ: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾.
أي اجتهدوا في الحلف ﴿لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾.
يعنون آيةً ممَّا يقترحون.
وقوله جلّ وعز: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾.
قال مجاهد: معنا: وما يدريكم؟ قال: ثم ابتدأ فقال: ﴿إِنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾.
وقرأ أهل المدينة: ﴿أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ﴾.
قال الكسائي: (لا) ها هنا زائدة، والمعنى وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون.
وشبَّهه بقوله جلَّ وعزّ: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾؟
وهذا عند البصريين غلط؛ لأنَّ (لا) لا تكون زائدةً في موضع تكون فيه نافية.
قال الخليل: المعنى لعلَّها، وشبَّهه بقول العرب: إيتِ السُّوقَ أَنّك تشتري لنا شيئاً، بمعنى لعلَّك.
ورُوِيَ أنها في قراءة أُبيِّ ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ لَعَلَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾؟!
وأنشد أهل اللغة في (أَنَّ) بمعنى (لعلَّ):
أَريني جَواداً مَاتَ هُزْلاً لأَنَّنِي * أَرَى ما تَرَيْنَ أو بَخَيِلاً مُخَلَّدَا
وقيل: في الكلام حذفٌ، والمعنى: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون؟ ثم حُذِفَ هذا لعلم السامع.
ويُرْوَى أنّ المشركين قالوا: ادعُ اللهَ أنْ يُنـزِّل علينا الآية التي قال فيها: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ ونحن ـ والله ـ نُؤْمِنُ. فقال المسلمون: يا رسول الله ادعُ اللهَ أنْ يُنْـزِلها!. فأنزل الله عزَّ وجلّ ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾.
الأنعام 6:110
ثم قال جلَّ وعزّ ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾.
و "أفئدةٌ" جمعُ فؤاد.
الأنعام 6:111
وقوله جلّ وعزّ: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾.
ويروى أنهم سألوا هذه الأشياء فنـزَل هذا.
قال مجاهد: ﴿قُبُلاً﴾ أفواجاً أي قبيلاً قبيلاً.
يذهب إلى أنه جمع قبيل، وهو الفِرْقة.
وقيل: هو جمع قبيلٍ، و "وقبيلٌ" بمعنى كفيل، أي لو كفَل لهم الملائكة وغيرهم بصحَّة هذا لم يؤمنوا، كما قال تعالى: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالمَلائِكَةِ قَبِيَلاً﴾.
ويجوز أن يكون معنى ﴿قُبُلاً﴾ كمعنى مقابلة، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾.
ومَنْ قرأَ (قِبَلاً) فمعناه عنده مُعايَنَةً.
الأنعام 6:112
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً﴾.
أي كما جعلنا لك ولأُمَّتك أعداءً، وعدوٌّ بمعنى أعداء.
ثمّ قال جلَّ وعزَّ: ﴿شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ﴾.
وقرأ الأعمش ﴿شَيَاطِينَ الجِنِّ وَالإِنْسِ﴾ والمعنى واحد.
ثمّ قال تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً﴾.
قال مجاهد: أي يُزَيِّنون لهم ذاك، أي يُزَيِّنون لهم العمل القبيح.
وكذلك الزخرف في اللغة هو التزيين، ومنه قيل للذهب: زخرف.
ثمّ قال جلّ وعزّ: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾.
أي لو شاء لمنعهم من وسوستهم الإِنسَ، ولكنَّه يبتلي بما شاء، ليُجْزِلَ الثواب.
الأنعام 6:113
وقوله جلّ وعزّ: ﴿وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ﴾.
يقال: صَغَى يَصْغَى، وصَغَا يَصْغُو، وأَصْغَى يُصْغِي إذا مال، كما قال الشاعر:
تُصْغِي إِذَا شَدَّهَا بِالرَّحْل جَانِحَةً * حَتَّى إذَا ما اسْتَوَى فِي غَرْزِهَا تَثِبُ
* ثم قال جل وعز: ﴿وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾.
أي: وليكتسبوا، ويقال: قرفتُ الجلدَ إذا قلعته.
ويُقرأ (وَلْيَقْتَرفُوا) وفيه معنى التهديد.
قال قتادة: صِدْقاً فيما وَعَدَ، وعدلاً فيما حكم.
الأنعام 6:116
وقوله جلَّ وعز: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ﴾.
أَعْلَم جلَّ وعزّ أنهم ليسوا على بصائر ولا يقين، وأنهم لا يتبعون الحقَّ:
ويُقْرأ ﴿إِنَ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يُضِلُّ عَنْ سَبِيِلهِ﴾
وهذا على حذف المفعول، وفَتْحُ الياء أحسنُ؛ لأنَّ بعده: ﴿وَهُو أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾.
الأنعام 6:118
وقوله جلّ وعزّ: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ﴾.
أي ممَّا أُخْلِصَ للهِ، وتحريمُ الميتةِ داخلٌ في هذا.
الأنعام 6:119
ثم قال جلّ وعزّ: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ﴾.
وروى عكرمة عن ابن عبّاس أنَّ المشركين قالوا للمسلمين: لِمَ تأكلون ما قَتَلْتُم، ولا تأكلون ما قَتَل اللهُ لكم؟ فأنزل اللهُ جلَّ وعزّ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾.
وقوله جلّ وعزّ: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾.
قال قتادة: فصَّل: بيَّن.
وقرأ عطية العوفيُّ (وَقَدْ فَصَلَ لَكُمْ) خفية.
ومعناه: أَبَان، وظَهَر، كما قُرِىء (آلر. كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فَصَلَتْ) أي استبانت.
الأنعام 6:120
وقوله جلّ وعزّ: ﴿وَذَرُواْ ظَاهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾.
قال قتادة: أي علانيته، وسِرَّه.
وقال غيره: ظاهرُ الإِثم: "الزِّنَا"، وباطنهُ: "اتِّخاذُ الأَخْدانِ".
والأشبهُ باللغة قولُ قتادة.
ثمّ قال جلّ وعزّ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ﴾.
أي يكسبون ويعملون، ويقال: قرفتُ الجلدَ، أي قلعتهُ.
قال أبو جعفر: اختلف أهل العلم في معنى ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فكان مذهب ابنِ عبَّاس أنَّ هذا جوابٌ للمشركين حين سألوا النَّبيَّ ـ ﷺ ـ وتخاصموا، فقالوا: كيف لا نأكل ممَّا قَتَل ربُّك، ونأكل ممَّا قَتَلْنا؟ فأنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.
ورواه عنه سعيد بن جُبَيْرٍ وعكرمة، فالمعنى على هذا: ولا تأكلوا من الميتة.
وقال الشَّعبيُّ ومحمد بن سيرين، لا يؤكل من الذبائح التي لم يُسَمَّ الله جلَّ وعزّ عليها كان ذلك عمداً أو نسياناً.
وقال سعيد بن جبير وعطاء: إذا ترك التسمية عمداً لم يؤكل، وإذا نسي أُكِلَ، وهذا حسنٌ؛ لأنه لا يُسمَّى فاسقاً إذا كان ناسياً.
الأنعام 6:121
ومعنى ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ﴾.
ممَّا لم يُخلص للهِ.
﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ أي خروجٌ من الطاعة، ويقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها.
* ثم قال جلَّ وعزّ: ﴿وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾.
أي يوسوسون إليهم.
وقد ذكرت معنى ليجادلوكم.
* ثم قال جلّ وعزّ: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾.
وقال أهل النظر: في هذا دليلٌ على أنّه مَنْ أحلَّ ما حرَّم اللهُ، أو حرَّم ما أحلَّ اللهُ فقد أشرك.
وقيل له: مشرك: لأنه اتَّبع غير الله، فأشرك به غيرَهُ جلَّ وعزّ.
الأنعام 6:122
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾.
قال مجاهد: المعنى أَوَ مَنْ كان ضالاًّ فهديناه: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ﴾ أي هُدًى ﴿كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾؟
قال مجاهد: أي في الضلالة.
قال السُدّيّ: هذا نزل في "عمر بن الخطاب" ـ رحمة الله عليه ـ وأبي جهل.
والذي يوجب المعنى أن يكون عاماً إلاّ أنْ تصحَّ فيه رواية.
الأنعام 6:123
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا﴾.
قال مجاهد: أي عظماءهم.
وقال غيره: وخُصَّ العظماءُ والرؤساء؛ لأنهم أقدر على الفساد.
* ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
أي إنَّ وَبَالَ ذلك يرجع عليهم.
الأنعام 6:124
وقوله جلّ وعزّ: ﴿سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ﴾.
وإن كانوا أعزاء في الدنيا، فستلحقهم الذِّلَّةُ يومَ القيامةِ.
وفي الآية ثلاثةُ أقوال:
أحدهما: أنَّ المعنى: سيصيب الذين أجرموا عند الله صغارٌ، على التقديم والتأخير.
والقول الثاني: أن المعنى: سيصيب الذين أجرموا صغار ثابت عند الله.
وهذا أحسن الأقوال؛ لأنّ (عند) في موضعها.
والقول الثالث: ذكره الفراء أنه يجوز أنْ يكون المعنى: سيصيب الذين أجرموا صغارٌ من عند الله.
وهذا خطأ عند البصريين؛ لأنّ (مِنْ) لا تُحذف في مثل هذا.
الأنعام 6:125
وقولُه جلَّ وعزّ: ﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ﴾.
رُوِيَ أنّ عبدالله بن مسعود قال: يا رسول الله هل ينشرح الصدر؟! فقال: نعم، يدخل القلبَ نورٌ، فقال وهل لذلك من علامة؟ فقال ﷺ: "التجافي عن دار الغرور، والإِنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل الموت".
* ثم قال جلَّ وعزّ: ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾.
أي شديدَ الضِّيقِ.
وقرأ عُمَرُ وابنُ عباسِ (ضَيْقاً حَرَجَاً).
ورُوِيَ أنّ عمر أحضر أعرابياً من كنانةَ من بني مدلج، فقال له: ما الحَرَجة؟ فقال: شجرةٌ لا تصل إليها وَحْشِيَّةٌ ولا راعيةٌ.. فقال: كذلك قلبُ الكافر، لا يصل إليه شيءٌ من الإِيمان والخير.
ثمّ قال جلّ وعزّ: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ﴾.
وقرأ ابن محيص وابن كثير وشِبل: ﴿كَأَنَّما يَصْعَدُ فِي السَّمَاءِ﴾.
وقرأ ابن عبدالرحمن المقرىء وإبراهيم النَّخعيّ: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّاعَدُ﴾.
ورُوِيَ عن عبدالله بن مسعود أنّه كان يقرأ: ﴿كَأَنَّمَا يَتَصَعَّدُ﴾.
ومعنى هذه القراءة وقراءة من قرأ يصَّعَّد ويصَّاعد واحدٌ.
والمعنى فيها أنّ الكافر من ضيق صدره، كأنه يريد أنْ يصْعَد إلى السماء، وهو لا يقدر على ذلك، كأنه يستدعي ذلك.
ومَنْ قرأ "يَصْعَدُ" فمعناه أنَّه من ضيق صدره كأنّه في حال صعود قد كُلِّفَه.
وقال أبو عبيد: من هذا قول عمر: "ما تصعَّدَتني خُطْبَةٌ، ما تصعَّدتني خطبة النكاح".
وقد أُنكر هذا على أبي عبيد، وقيل: إنَّما هذا من الصَّعُود، وهي العقبة الشّاقَّة، قال الله جلّ وعزّ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾
ثمّ قال جلّ وعزّ: ﴿كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾.
قال مجاهد: الرِّجسُ: ما لا خير فيه.
وكذلك الرِّجْسُ عند أهل اللغة هو الَّنتْنُ. فمعنى الآية ـ والله أعلم ـ ويجعل اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة على الذين لا يؤمنون.
الأنعام 6:126
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾.
أي بيَّنَّا.
الأنعام 6:127
ثم قال جلَّ وعزّ: ﴿لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ﴾.
ويجوز أنْ يكون المعنى: دار السلامة، أي التي يُسْلَم فيها من الآفات.
ويجوز أن يكون المعنى دار الله جلَّ وعزّ، وهو السلام.
الأنعام 6:128
وقولُه جلَّ وعزّ: ﴿وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ﴾.
المعنى فيما يُقال لهم: يا معشر الجن قد استكثرتم من الإِنس، أي كثُر من أغويتم.
* ثم قال جلَّ وعزّ: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلإِنْسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾.
ففي هذا قولان:
أحدهما: إنَّ الجنّ أغوت الإِنس، وقبلتِ الإِنسُ منهم.
والقول الآخر: أنَّ الرجل كان إذا سافر في الجاهلية فخاف، قال: أعوذ بصاحب هذا الوادي من شرِّ ما أحذر، فهذا استمتاع الإِنس بالجنِّ.
واستمتاع الجنِّ بالإِنس أنهم يعترفون أنّ الجن يقدرون أن يدفعوا عنهم ما يجدون.
والقولُ الأول أحسنُ، ويدلُّ عليه ﴿يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ﴾.
وقوله جلّ وعزّ: ﴿قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾.
المثوى: المقام.
* ثم قال جلَّ وعزّ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾.
في هذا قولان:
أحدهما: أنّه استثناء ليس من الأول، والمعنى على هذا إلا ما شاء الله من الزيادة في عذابهم.
وسيبويه يُمَثِّل هدا بمعنى (لكن).
والفرّاء يُمَثِّلُه بمعنى (سِوى) كما تقول: لأُسْكِننَّك هذه الدار حولاً، إلاَّ ما شئت، أي سِوى ما شئت من الزيادة، ومثلُه ﴿خَالِدِينَ فِيهِ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ أي سِوى ما شاء ربّك من الزيادة.
قال أبو جعفر: وقال أبو إسحاق: معنى الاستثناء عندي ها هنا ـ والله أعلم ـ إنَّما هو من يوم القيامة، أي إلاَّ ما شاء ربُّك من مقدار محشرهم ومحاسبتهم.
ويدلُّ على هذا الجواب: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾؛ لأن هذا يُراد به يوم القيامة، ويجوز أنْ يكون معنى ما شاء الله عزّ وجلّ أن يعذبهم من أصناف العذاب.
الأنعام 6:130
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾.
والرسل من الإِنس؟ ففي هذا جوابان:
أحدهما أنه رُوِيَ عن ابن عبّاس أنه قال: رسلُ الجنِّ الذين لقُوا قومَهم فبلَّغوهم.
يعني ابنُ عبَّاس الذين قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنَاً عَجَبَاً﴾. وهم بمنـزلة الرسل إلى قومهم لأنهم قد بلَّغوهم.
وكذلك قال مجاهد: الرُّسُل في الإِنس، والنِّذَارةُ في الجنِّ.
والقول الآخر: أنه لمَّا كانت الإِنس والجنّ، ممَّن يخاطب ويعقل قيل: ألم يأتِكم رُسُلٌ منكم، وإنْ كانت الرسل من الإِنس خاصّةً.
الأنعام 6:133
وقوله جلّ وعزّ: ﴿كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾.
الإِنشاءُ: ابتداءُ الخلقِ.
الأنعام 6:135
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ﴾.
فيه قولان:
أحدهما: أنَّ المعنى على تمكُّنكم.
والقول الآخر: أنه كما تقول: اثْبُتْ مكانك، أي اثْبُتْ على ما أنت عليه.
فإنْ قيل: كيف يجوز أنْ يؤمروا بالثبات على ما هم عليه وهم كفارٌ.
فالجواب: أنّ هذا تهدّدٌ، كما قال جلّ وعزّ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كثيراً﴾.
ودلَّ عليه قوله ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ ٱلدَّارِ﴾.
والمعنى على هذا: اثبتوا على ما أنتم عليه إنْ رضيتم بالنار.
الأنعام 6:136
وقوله جلّ وعزّ: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً﴾.
في الكلام حذفٌ، والمعنى: وجعلوا لأصنامهم نصيباً ودلّ عليه ﴿فَقَالُواْ هَـٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا﴾.
قال مجاهد: كانوا يجعلون لله جزءً ولشركائهم جزءً، فإذا ذهب ما لشركائهم عوّضوا منه ممَّا لله، وإذا ذهب ما لله لم يعوضوا منه شيئاً.
قال: الأنعامُ: البحيرةُ، والسائبة.
وقال قتادة: كانوا يجعلون لله نصيباً ولشركائهم نصيباً، فإذا هلك بَعيرٌ ممَّا لشركائهم، أخذوا ممَّا لله فجعلوه لشركائهم، وإذا هلك بعيرٌ مما لله، جلّ وعزّ تركوه، وقالوا: الله مستغنٍ عن هذا، وإذا أصابتهم سَنَةٌ، أخذوا ما لله جلّ وعزّ فنحروه وأكلوه.
وقال الله عزّ وجلّ: ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
فذَمَّ اللهُ ذلك من فعلهم.
ويقال: ذرَأ، يَذْرَأُ، ذَرْءً: أي خَلَق.
الأنعام 6:137
وقوله جلّ وعزّ: ﴿وَكَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾.
يعني: الموءودة.
قال مجاهد: زيَّن لهم الشياطين قتلَ البنات، وخوَّفوهم العَيْلةَ.
قال غير مجاهد: "شركاؤُهُمْ" ههنا: الذين يخدمون الأصنام.
الأنعام 6:138
وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾.
قال قتادة: الحِجْرُ: الحرام.
وقيل: هذه أشياء كانوا يجعلونها لأصنامهم، لا يأكُل منها إلاَّ من يشاؤهم خدمُ الأصنام.
والحرثُ: هو الذي يجعلونه لنفقة أوثانهم، ويُحرِّمونها على النَّاس إلاَّ خَدَمها.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾.
قال قتادة: يعني السائبة والوصيلة.
وقوله جلَّ وعز ﴿وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا﴾.
أي يذبحونها لآلهتهم، ولا يذكرون عليها اسمَ الله، فأعلَمَ اللهُ جلَّ وعزّ أنَّه لم يأمرهم بهذا، ولا جاءهم بن نبيٌّ، فقال تعالى: ﴿ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾.
وقيل: معنى ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾.
هو الحامي الذي ذكره الله جلَّ وعزّ في قوله: ﴿وَلاَ وَصِيَلةٍ وَلاَ حَامٍ﴾.
وقيل معنى ﴿وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا﴾ السائبة؛ لأنها لا تُرْكَب، فيذكر اسم الله عليها.
وقيل: يذبحونها لأصنامهم فلا يذكرون اسم الله عليها.
والمحرَّمةُ ظهورُها "السائبةُ، والحامي، والبحيرة" وأصحُّها ما بدأنا به.
الأنعام 6:139
وقوله جلَّ وعزَّ ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا﴾.
قال مجاهد: يعني البحيرة والسائبة.
قال غيره: كانوا إذا جعلوا لأصنامهم شيئاً ممَّا في بطون الأنعام، فولدت مولوداً حيًّا ذكراً، كان للذُّكران دون الإناث، وإذا ولدت ميّتاً ذكراً اشترك فيه الذُّكْرانُ والإِناثُ، فلذلك قوله تعالى: ﴿وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ﴾.
وقال قطرب: إذا أتأمت عشراً، فما ولدت بعد ذلك فهو للذكور، إلاَّ أنْ يموت، فيشترك فيه أكله الذكرُ والأنثى.
وقرأ الأعمش: (وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصٌ لِذُكُورِنَا).
قال الكسائي: معنى خالصٌ، وخالصةٌ واحدٌ، إلاَّ أنَّ الهاءَ للمبالغة، كما يقال: رجلٌ داهيةٌ، وعلاَّمةٌ.
وقال الفرَّاء: الخاءُ لتأنيثِ الأنعام، لأنَّ ما في بطون الأنعام مثلها.
وقُرِىء ﴿خَالِصُهُ لِذُكُورِنَا﴾.
والمعنى على هذه القراءة: ما خلص منه حيًّا لذكورنا.
﴿وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا﴾ أي الإِناث.
قال مجاهد: معنى ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ أي سيجزيهم كذبهم.
والتقديرُ عند النحويين: سيجزيهم جزاءَ وصفهم الذي هو كذب.
الأنعام 6:140
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوۤاْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
يعني: قتلَهم البناتِ جهلاً.
* ثم قال جلّ وعزّ: ﴿وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾.
قال أبو رزين: ولم يكونوا مهتدين قبلَ ذلك.
الأنعام 6:141
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾.
أنشَأَ: خَلَق وابتدع. والجنَّاتُ: البساتينُ.
وقيل: المعروشاتُ الكروم.
﴿وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ﴾ أي ثمَرهُ؛ لأنه مما يؤكل.
﴿وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾.
قيل: مشتبهٌ في المنظر، ومختلفٌ في المطعم، فيه حلوٌ، وحامضٌ.
وقيل: يشبه بعضه بعضاً في الطعم، ومنه ما لا يشبه بعضه بعضاً في الطعم.
* ثم قال جلّ وعزّ: ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ، وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾.
في هذه الآية ثلاثة أقوال:
فمذهب ابن عمر، وأبي الدرداء، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، ومجاهد، وعطاء: أنَّ عليه أَنْ يصَّدَّق منه سوى الزكاة المفروضة.
والقول الثاني: أنَّ الآية منسوخة.
قال إبراهيم النَّخعيُّ: نسخها العُشْرُ، ونِصْفُ العُشْرِ.
وروى عن الحسن قولان:
رَوَى سفيان، عن يونس، عن الحسن، قال: نسختها الزكاة المفروضة.
والقولُ الآخر ـ وهو القول الثالث في الآية ـ رواه شعبة عن أبي الرَّجاء قال: سألتُ الحسن عن قوله جلّ وعزّ: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ فقال: الزكاةُ المفروضةُ.
وكذلك قال ابن عبّاس، وأنس بن مالك، وابن الحنفية، وجابر بن زيدٍ، وسعيد ابن المُسَيّب وطاووس وقتادة والضحَّاك.
ورواه ابن وهب عن مالك قال: هي الصدقة المفروضة.
والقول الأول أولاها؛ لأنه يبعد أنْ يعني به الزكاة المفروة؛ لأنّ الأنعام مكِّيَّة،ٌ والزكاةُ إنَّما فُرِضت بعد مقدم النَّبيّ ﷺ إلى المدينة.
ويقوِّي القولَ الأول حديثُ النَّبيّ ـ ﷺ ـ أنَّه نهى عن جذاذ الليل.
قال سفيان: كي يحضر المساكين.
قال سعيد بن المُسَيّب: ومعنى ﴿وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ﴾ ولا تمتنعوا من الصدقة فتهلكوا.
وقال غيره: معنى ﴿وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ﴾ لا تدفعوا كلَّ ما لِكم إلى الغرباء، وتتركوا عيالكم، كما رُوِيَ "إبدأ بمن تعول".
السَّرَفُ في اللغة: المجاوزةُ إلى ما لا يحلُّ، وهو اسم ذمٍّ، أي لا تُنفقوا في الوجوه المحرَّمة، حتى لا يجد السائل شيئاً.
وقيل: معنى ﴿وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ﴾ لا تُنفقوا أموالكم فيما لا يحلُّ؛ لأنَّه قد أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾.
الأنعام 6:142
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً﴾.
ورَوَى أبو الأحوص عن عبدالله بن مسعود أنه قال: "الحَمُولةُ" ما أطاق الحمل من الإِبل، والفَرْشُ: ما لم يُطقِ الحملَ، وكان صغيراً.
قال أبو جعفر: وهذا المعروف عند أكثر أهل اللغة.
وقال الضَّحَّاكُ: الحَمْولةُ: من الإِبل، والبقر، والفرشُ: الغنمُ.
واستُشْهِدَ لصاحب هذا القول بقوله ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ قال: فثمانية بدلٌ من قوله ﴿حَمُولَةً وَفَرْشاً﴾.
قال الحسن: الحمولةُ: الإِبلُ، والفَرْشُ: الغنمُ.
* ثم قال جلّ وعزّ: ﴿كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ﴾.
وهو أمرٌ على الإِباحة.
* ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾.
يعني: طرقه، أي طريقه الذي يُحَسِّنُهُ لكم.
وقيل: تَخطِّيهِ الحلالَ إلى الحرام.
وقيل: يعني آثاره.
الأنعام 6:143
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾.
كلُّ فردٍ يحتاج إلى آخر عند العرب: زَوْجٌ.
* ثم قال تعالى: ﴿مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ﴾.
وهو جمع ضائن، كما يقال: راكب ورَكْبٌ.
* ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ﴾.
وهذا احتجاج عليهم، أي إنْ كان حرَّم الذُّكور، فكلُّ ذكرٍ حرامٌ، وإنْ كان حرَّمَ الإِنَاثَ، فكلُّ أنثى حرام، واحتجَّ عليهم بهذا لأنهم أحلّوا ما وُلِدَ حيًّا ـ ذكراً ـ للذكور، وحرَّموه على الإِناث إنْ كان أنثى.
قال قتادة: أمَرَه اللهُ جلَّ وعزّ أن يقول لهم: ﴿قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ﴾ إنْ كان ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين حراماً، فكلّ مولود منها حرام، وكلُّها مولود، فكلُّها إذاً حرامٌ، وإن كان التحريمُ من جهةِ الذكور من الضأن والمعز فكلُّ ذكرٍ حرامٌ عليكم، وإن كان من جهة الإِناث فكلُّ أنثى حرام عليكم، وكانوا يحرِّمونَ الوَصيلةَ وأخاها على الرجال والنساء.
* ثم قال جلّ وعزّ: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
أي ليس عندكم علم لأنهم لا يؤمنون بكتاب.
الأنعام 6:144
ثم قال جلّ وعزّ: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّاكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا﴾.
أي لستم تؤمنون بكتاب، فهل شهدتم الله عزَّ وجلَّ حرَّم هذا؟.
ثم بيَّن ظلمهم فقال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾؟ [آية ١٤٤].
الأنعام 6:145
ثم بيّن أنه لا يُحرِّمَ الله شيئاً إلا بوحي فقال: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾.
رُوِيَ عن عائشة ـ رحمة الله عليها ـ (عَلَى طَاعِمٍ طَعِمَهُ).
وعن أبي جعفر محمد بن عليّ ﴿طَاعِمٍ يَطَّعِمُهُ﴾.
* ثم قال جل وعز ﴿إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً﴾.
قال قتادة: المسفوحُ: المصبوبُ، فحرَّم ما كان مصبوباً خاصَّة، فأما ما كان مختلطاً باللحم فهو حلالٌ.
* ثم قال جلّ وعزّ: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ، أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ﴾.
أي ذُبح لغير الله، وذُكر عليه غيرُ اسم اللهِ، وسمَّاه "فِسْقاً" لأنه خارجٌ عن الدين.
والمعنى: أو دماً مسفوحاً، أو لحَم خنـزير، أو فسقاً أُهلَّ لغير الله به، فإنه رجسٌ.
والموقوذةُ، والمتردّيةُ، والنطيحةُ، داخلةٌ في هذه الآية عند قوم، لأنها أصنافُ الميتة.
فأما ما لم يدخل في هذه الآية عند قوم ففيه قولان:
أحدهما: أنّه رُوِي عن عائشة وابن عبَّاس أنّ الآية جامعةٌ لجميع ما حُرِّم من الحيوان خاصَّةً، وأنه ليس في الحيوان محرَّمٌ إلاَّ ما ذُكِرَ فيها.
والقول الآخر: أنّ هذه الآية محكمةٌ جامعة للحيوان وغيره.
وثَمَّ أشياء قد حرَّمها الله سوى هذه، وقد صحَّ عن النَّبيِّ ـ ﷺ ـ أنه (نهى عن لحوم الحمر الأهلية، وعن كلِّ ذي نَابٍ من السِّباع، وذي مِخْلبٍ من الطَّير).
فقيل: هذا قولٌ قوي في اللغة؛ لأنَّ "ما" مبهمةٌ، فقوله جلَّ وعزَّ: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ يجب أن يكون عامَّاً، للحيوان وغيره، والله أعلم بما أراد.
* ثم قال جلّ وعزّ: ﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾.
أحسنُ ما قيل في الباغي: الذي يأكلُ مضطراً لا متلذذاً.
والعادي: الذي يجاوز ما يقيمُ رمقه.
الأنعام 6:146
وقوله جل وعزَّ: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾.
قال مجاهد وقتادة والضّحّاك: ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الإِبلُ والنَّعام.
قال قتادة: وهو من الطير ما لم يكن مشقوق الظفر، نحو البطِّ وما أشَبَهَهُ، وهو عند أهل اللُّغةِ من الطير ما كان ذا مِخْلب، ودخل في ذا يصطاد بظفره من الطير، وجميع أنواع السباع، والكلاب، والسَّنَانِير.
* ثم قال جلّ وعزّ: ﴿وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾.
قال قتادة: هي شحوم الثروب خاصَّةً.
ومذهب ابن جريج: أنه كلُّ شحمٍ لم يكن مختلطاً بعظم، ولا على عظم.
وهذا أَوْلَى لعموم الآية، وللحديث المسند: "قاتَلَ اللهُ اليهودَ، حُرِّمت عليهم الشحومُ، فجَمَلُوها فباعوها، وأكلُوا أثمانها".
﴿إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ أي إلاَّ شحوم الجَنْب، وما عَلِق بالظهر، فإنها لم تُحرَّم عليهم.
﴿أَوِ ٱلْحَوَايَآ﴾.
قال مجاهد وقتادة: الحوايا: المباعر.
قال أبو عبيدة: هي عندي ما تَحَوَّى من البطن أي استدار.
قال الكسائي: واحدها حاوية وحوَّية.
وحكى سيبويه: حاوياء، قيل: المعنى حرَّمنا عليهم شحومهما، ثم استثنى فقال: ﴿إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ ثم عطف على الاستثناء فقال: ﴿أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ أي إلاَّ هذه الأشياء فإنها حلال.
وقيل: المعنى: حرمنا عليهم شحومهما، أو الحوايا، أو ما اختلط بعظم، إلاَّ ما حملت ظهورهما، فيكون ما بعد (إلاَّ) استثناءً على هذا القول، داخلاً في التحريم، ويكون مثلَ قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمَاً أَوْ كَفُورَاً﴾ و (أو) ها هنا بخلاف معنى الواو، أي لا تطع هذا الضرب.
وقال الكسائي: ﴿إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ (ما) في موضع نصب على الاستثناءِ، والحوايا في موضع رفع، بمعنى: وما حملتِ الحَوَايا، فعطف الحوايا على الظهور.
* ثم قال جلّ وعزّ: ﴿أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾.
قال: فعطَفَه على المستثنى، وهذا أحد قولي الفرَّاء، وهذا أصح هذه الأقوال. والله أعلم.
* ثم قال جلّ وعزّ: ﴿ذٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.
قال قتادة: حُرِّمت عليهم هذهِ الأشياءُ، عقوبةً لهم على بغيهم.
الأنعام 6:147
وقوله جلّ وعزّ: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾.
قال مجاهد: يعني اليهود.
الأنعام 6:148
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا، وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾.
قال مجاهد: يعني كفار قريش، أي شاء اللهُ ما حرَّمنا البحيرةَ، ولا السائبة.
وقال غيره: فأنكر الله جلَّ وعزَّ عليهم هذا القول، وقال: ﴿كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم﴾ لأنه ليس لهم أنْ يحتجوا بأنَّه من كان على معصية قد شاء الله أنْ تكون فهو له عذر؛ لأنه لو كان هكذا، لكان لمن خالفهم في دينهم عذر، لأنَّ اللهَ لو شاء أنْ يهديه هداه.
الأنعام 6:149
ثم قال جلّ وعزّ: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ﴾.
أي بإرساله الرسل، وإظهاره البيِّنات.
الأنعام 6:150
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا﴾.
والأصل عند الخليل: (هَا) ضُمَّت إليها (لُمَّ)، ثم حُذِفت الألفُ لكثرة الاستعمال.
وقال غيره: الأصلُ (هَلْ) زيدت عليها (لُمَّ).
وقيل: هي على لفظها على معنى (هاتِ).
وأهلُ الحجاز يقولون للواحد والاثنين والجماعة: هلمَّ، وأهلُ نجدٍ يأتون بالعلامة كما تكون في سائر الأفعال.
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾.
أي يجعلون له عِدْلاً فيعبدون غيره جلَّ وعزّ.
الأنعام 6:151
وقوله عزَّ وجلّ: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً﴾.
قيل: الذي تلاه عليهم: ﴿قُلْ لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمِ يَطْعَمُهُ﴾ إلى آخر الآية.
ويكون معنى ﴿أَنْ تَقوُلُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [كذا هذا] أن تقولوا.
وبعضُ النحويين يقول المعنى: لئلاَّ تقولوا.
ولا يجوز عند البصريين حذف (لا).
وقيل: المعنى: وصَّاكم أن لا تشركوا.
وقيل: المعنى قل تعالوا أتل ما حرّم ربكم عليكم أنه بيَّن ما حرَّم فقال ألاَّ تشركوا به شيئاً.
* ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾.
أي وأحسنوا بالوالدين إحساناً.
قال ابن عبّاس: الآيات المحكمات ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخر ثلاث آيات.
وقولُه جلّ وعزّ: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إِمْلاَقٍ﴾.
قال قتادة: الإِملاقُ: الفاقةُ.
وقال الضَّحَّاك: "كان أحدهم إذا وُلِدت له ابنةٌ، دفنها حيَّة مخافة الفقر".
وقولُه جلَّ وعزّ: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾.
قال قتادة: يعني سرَّها وعلانيتها. قال: وكانوا يُسِرّون الزِّنا بالحرَّة، ويُظهرونه بالأَمَةِ.
قال مجاهد: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ التجارةُ فيه.
ولا تشتر منه شيئاً، ولا تستقرض.
الأنعام 6:153
وقوله جلَّ وعزّ: ﴿وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً﴾.
وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوب: ﴿وَأَنْ هَذَا صِرَاطِيَ مُسْتَقِيمَاً﴾ بتخفيف (أنَّ). وتُقرأ (إِنَّ) بكسر الهمزة.
فمَنْ قرأ (وَأَنَّ هَذَا) فهو عنده بمعنى: واتلُ عليهم أنَّ هذا.
ويجوز أن يكون المعنى: ووصَّاكم بأنَّ هذا.
ومَنْ قرأ بتخفيف (أَنْ) فيجوز أنْ يكون معناه على هذا، ويجوز أنْ تكون (أنْ) زائدة للتوكيد كما قال جلَّ وعزّ: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ البَشِيرُ﴾.
ومَنْ قرأ: (وإنَّ هذا) قطعه ممّا قبله.
وروي عن عبدالله بن مسعود ـ رحمه الله ـ أنّه خطَّ خطًّا في الأرض فقال: هكذا الصراط المستقيم، والسُبُل حواليه مع كل سبيلٍ شيطانٌ.
قال مجاهد: السُبُل: البدَعُ والشُّبُهات.
الأنعام 6:154
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ﴾.
قال مجاهد: المعنى: على المؤمن المحسن.
وقال الحسن: كان فيهم محسنٌ، وغير محسن، وأُنزَل الكتابُ تماماً على الذي أحسن.
والدليل على صحة هذا القول أنّ ابن مسعود قرأ: ﴿تَمَامَاً عَلَى الَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾.
وقيل: المعنى ﴿تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ﴾ موسى، من طاعة الله، واتِّباعِ أمره.
وقرأ ابن يعمر وابن أبي إسحاق ﴿عَلَى الَّذِي أَحْسَنُ﴾.
والمعنى: على الذي هو أحسنُ الأشياء.
فأما معنى (ثُمَّ) وهي تدلّ على أنّ الثاني بعد الأول.
وقصةُ موسى ﷺ وإيتائه الكتاب قبل هذا؟
فإن القول أنه إخبار من الله جلّ وعزّ: والمعنى: قل تعالوا أَتْلُ ما حرَّم ربّكم عليكم، ثم اتْلُ ما آتينا موسى.
الأنعام 6:156
وقوله جلّ وعزّ: ﴿أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا﴾.
أحسنُ ما قيل في هذا: كراهةَ أنْ تقولوا.
قال أبو جعفر: قد بيَّنا ما قيل فيه.
قال قتادة: يعني بالطائِفَتَيْنِ: اليهودَ، والنصارى.
وقال: يعني بالدراسة: التلاوة.
الأنعام 6:157
ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ﴾.
﴿أَهْدَىٰ مِنْهُمْ﴾ أفهم منهم، لأنهم يحفظون أشعارهم وأخبارهم، وهم أميُّون.
وقوله عز وجل: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾.
قال قتادة في قوله: ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾: أي أعرض.
الأنعام 6:158
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾.
قال قتادة: أي بالموتِ.
﴿أَوْ يَأْتَ رَبُّكَ﴾ قال قتادة: يعني يوم القيامة.
وقال غيره: المعنى: إهلاكُ ربِّكَ إياهم.
* ثم قال جل وعز: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ، يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَانِهَا خَيْراً﴾.
رَوَى وكيع عن ابن أبي ليلى عن عطيَّة عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في قول الله عز وجل ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ قال: طلوُع الشمسِ من مغربها.
﴿لم تكن آمنت من قبلُ أو كسبت في إيمانها خيراً﴾.
وروى ابن جُريج عن ابن أبي مُلَيْكَةَ عن عبدالله بن عَمْروٍ قال: "الآية التي لا ينفع نفساً إيمانها عندها: إذا طلعت الشمس من مغربها مع القمر في وقت واحد".
الأنعام 6:159
وقوله عز وجل: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾.
الشِّيَع: الفِرَقُ، ومعنى شايعتُ في اللغة: تابعتُ.
ومعنى ﴿وَكَانُواْ شِيَعاً﴾: وكانوا فِرَقاً، كل فرقةٍ يتبع بعضها بعضاً، إلاَّ أن الشِّيَعَ كلَّها متفقةٌ.
* ثم قال جل وعز: ﴿لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ﴾.
قيل: هذا قبل الأمر بالقتال.
وروى أبو غالب عن أبي أمامة عن النبي ﷺ في قوله تعالى ﴿فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ قال: هم الخوارج.
وقيل: إن الآية تدلُّ على أنَّ من ابتدع من خارجيٍّ وغيره، فليس النبي ﷺ منهم في شيء، لأنهم إذا ابتدعوا تخاصموا وتفرَّقوا، وكانوا شيعاً.
الأنعام 6:160
وقولُه جلَّ وعز: ﴿مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا، وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا﴾.
رَوَى الأعمش عن أبي صالح قال: "الحسنةُ: لا إله إلا اللَّهُ، والسيِّئةُ: الشرك".
والمعنى: إن ما كان عنده هو النهاية في المجازاة، أعطى عشرة أمثاله.
الأنعام 6:161
وقوله جل وعز: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.
الصِّراطُ: الطَّريقُ، والمعنى: عرَّفني الدين الذي هو الحقُّ.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾.
والقَيِّمُ: المستقيمُ، ومن قرأ "قِيمَاً" فهو مصدرٌ مثل الصِّغَرِ، والكِبَر.
الأنعام 6:162
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
النُّسُكُ: جمع النسيكة وهي الذبيحةُ، وأصلُ هذا من التقرب لله جلَّ وعزَّ، ومنه [قيل: رجل] ناسكٌ.
وإنما قيل هذا، لأنهم كانوا يذبحون لغير الله جلَّ وعزَّ.
الأنعام 6:164
وقوله جلَّ وعز: ﴿قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً، وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾؟ [آية ١٦٤].
معنى "أبغي": أريدُ وأطلبُ.
الأنعام 6:165
وقولُه جل وعز: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ﴾.
يعني أمة محمد ﷺ.
وقيل: لأنهم آخرُ الأمم، فقد خَلَفوا من كان قبلهم.
وقيل: لأنَّ بعضهم يخلف بعضاً، حتى تقوم الساعة عليهم، والحديثُ يُقوِّي هذا القول.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ﴾.
أي فضَّل بعضكم على بعضٍ في الرزق.
﴿لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ﴾ أي ليختبركم فيما أعطاكم، فينظر كيف شكركم، وقد علم ما يكون علمَ غَيْبٍ، وإنما تقع المجازاة على الشهادة.
* ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ، وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
فعقابه جلَّ وعز، وإن كان أكثرُه يوم القيامة، فإن كل آتٍ قريب.
ورُوي عن ابن عباس أنه قال: نزلت سورة الانعام بمكة جملةً واحدة، إلاَّ ثلاث آيات منها، فإنهنَّ أُنزِلنَ بالمدينة، وهو قوله جلَّ وعزَّ ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئِاً﴾ إلى آخر الآيات.