Lafzullah

معاني القرآن — محمد 47:1 – الفتح 48:29

المؤلف / المصدر: أبو جعفر النحاس (ت 338هـ) · المصدر الرقمي: tafsir.app (nahaas-meanings)

المحتويات
  1. محمد 47:1
  2. محمد 47:2
  3. محمد 47:3
  4. محمد 47:4
  5. محمد 47:6
  6. محمد 47:8
  7. محمد 47:10
  8. محمد 47:11
  9. محمد 47:13
  10. محمد 47:14
  11. محمد 47:15
  12. محمد 47:16
  13. محمد 47:17
  14. محمد 47:18
  15. محمد 47:19
  16. محمد 47:20
  17. محمد 47:21
  18. محمد 47:22
  19. محمد 47:25
  20. محمد 47:26
  21. محمد 47:29
  22. محمد 47:30
  23. محمد 47:35
  24. محمد 47:37
  25. محمد 47:38
  26. الفتح 48:1
  27. الفتح 48:2
  28. الفتح 48:3
  29. الفتح 48:4
  30. الفتح 48:5
  31. الفتح 48:6
  32. الفتح 48:8
  33. الفتح 48:9
  34. الفتح 48:10
  35. الفتح 48:11
  36. الفتح 48:15
  37. الفتح 48:16
  38. الفتح 48:17
  39. الفتح 48:18
  40. الفتح 48:20
  41. الفتح 48:21
  42. الفتح 48:22
  43. الفتح 48:24
  44. الفتح 48:25
  45. الفتح 48:26
  46. الفتح 48:27
  47. الفتح 48:29

محمد 47:1

من ذلك قوله جل وعز: ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾. روى أبو يحيى عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله تعالى ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ قال: أهلُ مكَّة. ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾ قال: الأنصارُ. ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ قال: أمرهم. قال أبو جعفر: معنى ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾: أبطلها، كما قال تعالى ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ﴾ والمعنى: لم نُثِبْهم على ما عملوا لِكُفْرِهمْ. ومعنى ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: غطَّى عليها، ولم يؤاخذهم بما عملوا وقت كفرهم.

محمد 47:2

من ذلك قوله جل وعز: ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾. روى أبو يحيى عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله تعالى ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ قال: أهلُ مكَّة. ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾ قال: الأنصارُ. ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ قال: أمرهم. قال أبو جعفر: معنى ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾: أبطلها، كما قال تعالى ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ﴾ والمعنى: لم نُثِبْهم على ما عملوا لِكُفْرِهمْ. ومعنى ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: غطَّى عليها، ولم يؤاخذهم بما عملوا وقت كفرهم.

محمد 47:3

وقوله جل وعز : ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾. المعنى: كذلك يُبَيِّنُ اللهُ أمرَ الحسناتِ والسَّيِّئاتِ. ومعنى: ضربتُ له مَثَلاً: بيَّنتُ له ضرباً من الأمثال، أي نوعاً منها.

محمد 47:4

ثم قال جل وعز: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ﴾. أي فاقتلوهم، وذُكرت الرِّقابُ لأن القتل أكثرُ ما يقعُ بها. * ثم قال جل وعز: ﴿حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ﴾. قال سعيد بن جبير: لا ينبغي أن يقع أسرٌ، حتى يُثْخن بالقتل في العدوِّ، كما قال جل وعز ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾. * ثم قال جل وعز: ﴿فَإمَّا مَنًّا وإمَّا فَدَاءً حَتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾. قال ابو جعفر: في هذه الآية اختلاف. قال ابن جريج: كان عطاء يكره قتل الأسير صبراً، لقول الله جل وعز ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ وقال: امنُنْ، أو فَادِ، ولا تقتل. وقال قتادة: الآيةُ منسوخةٌ، نَسَخَهَا قوله تعالى ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾. وَرَوى شعبةُ عن الحَكَم قال: سألني مغيرةُ عن آيةٍ غامضةٍ منسوخة، وهي قوله تعالى ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾. وقال الضحاك: هي ناسخة، نَسَخَتْ قوله تعالى ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. قال أبو جعفر: البيِّنُ في الآية أنها ليست بمنسوخة ولا ناسخة، وإنما هذا إباحةٌ، وكذلك القتلُ، لأن النبيَّ ﷺ قد قَتَل، وفَادَى، وذكر القتلَ في آية أخرى، وهو ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ فاجتزأ بذلك. * وقوله جل وعز: ﴿حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾. قال قتادة: أي حتَّى يُسلِم أهلُ الشِّركِ، فسمَّاهم حِرْباً. قال سعيد بن جبير ومجاهدٌ في قوله تعالى ﴿حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾: حتى ينزلَ عيسى بن مريمَ فيكسرَ الصليبَ، ويَقْتُلَ الخنزيرَ، وتزولَ الأديانُ، إلاَّ دين الإِسلام، وتكون الملَّةُ واحدة. قال أبو جعفر: فهذا قولٌ في الآية، أي حتى يضع أهلُ الحرب أوزارهم، فيُسلموا أو يُسالموا. وقيل: يعني بالأوزار ههنا السِّلاحُ كما قال الشاعر: وَأَعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أَوْزَارَهَا * رِمَاحاً طِوَالاً، وخَيْلاً ذُكُوراً والمعنى على هذا: فشدُّوا الوَثَاقَ حتى تضع الحربُ أوزارها، فإما منّاً بعد وإمَّا فِدَاءً. * وقوله جل وعز: ﴿وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾. أي ليمحِّص المؤمنين، ويمحق الكافرين. * ثم قال جل وعز: ﴿وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾. ويُقرأ ﴿قَتَلُوا﴾ و ﴿قُتِّلُوا﴾ و ﴿قُتِلُوا﴾.

محمد 47:6

وقوله جل وعز: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾. في معناه ثلاثة أقوال: قال مجاهد: عرَّفهم بيوتها، ومساكِنَها، وقَسَمَهم منها، فلا يَغْلطُ أحدٌ منهم، فيدخل إلى موضعٍ غيره، ولا يحتاج أن يَسْتَدِلَّ. وقال سَلَمةُ بن كُهَيل: ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾: عرَّفهم طُرُقها، فهذا قولٌ. وقيل: ﴿عَرَّفَهَا﴾: طيَّبَها. وقيل: ﴿عَرَّفَهَا﴾: رفعها. قال أبو جعفر: القولُ الأول - وإن كان بعض أهل اللغة قد أنكره، وقال: لو كان كذا لقال: عرَّفهم بها - أحسنُ الأقوال وأصحُّها، ولا يَلزم هذا الردُّ. والمعنى: بيَّنها لهم فتبيَّنوها. والقول الثاني: ليس بممتنع، لأنه يُقال: طعامٌ معرَّفٌ أي مطيَّبٌ. والقولُ الثالث: مأخوذ من العُرْفِ، لارتفاعه. وقيل: أي عرَّف المكلَّفينَ من عباده بأنَّها لهم.

محمد 47:8

وقوله جل وعز: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾. أي ممن ينبغي أن يُقال لهم: أتعسَهمُ اللهُ، أي لا جَبَرهم، وهذا يُدعى به على العَاثِرِ. وقال ثعلب: التَّعْسُ: الشرُّ، قال: وقيل: هو البُعْدُ، وانتكس: قُلِبَ أمرُهُ وأُفْسِدَ. وقال البن السكِّيت: التَّعْسُ: أن يَخِرَّ على رأسه، قال والتَّعْسُ أيضاً: الهلاكُ.

محمد 47:10

وقوله جل وعز: ﴿دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾. قال مجاهد: وللكافرين التدميرُ وعيداً من اللهِ. وقال غيره: فقُتل منهم من قُتل بالسيف.

محمد 47:11

ثم قال جل وعز: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ﴾. قال قتادة: أي وليُّ الذين آمنوا. قال أبو جعفر: وفي قراءة عبدالله كذلك، وقال الشاعر: فَغَدَتْ كِلاَ الفَرْجَيْنِ تَحْسِبُ أَنَّهُ * مَوْلَى المَخَافَةِ خَلْفُهَا وَأَمَامُهَا أي وليُّ المخافة. وروى سِمَاكٌ عن عكرمةَ، عن ابن عباس ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ قال: لا مولى لهم غيرُه. قال قتادة: نزلت هذه الآيةُ يوم أُحُدٍ، والنبيُّ ﷺ في الشِّعب، وقد أُثخن في المسلمين بالقتل والجراح، فصاح المشركون: يومٌ بيوم بدر، لنا العُزَّى، ولا عُزَّى لكم، فأنزل الله جلَّ وعزَّ ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ إلى قوله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ﴾. فقال لهم النبيُّ ﷺ قولوا: "اللهُ مَوْلاَنَا، ولا مولى لكم، وقتلانا أحياءٌ يُرْزَقونَ في الجنَّةِ، وقتلاكم في النَّارِ". قال أبو جعفر: والمعنى: اللهُ وليُّ الَّذينَ آمنوا في الهدايةِ، والنُّصْرةِ. فلمَّا أخبر بولايته المؤمنين، وخذلانه الكافرين، أعلمَ بما أعدَّه للمؤمنين والكافرين، فقال: ﴿إنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ أي منزل لهم. ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾.

محمد 47:13

ثم قال جل وعز: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ﴾. قال قتادة: يعني أهل مكة، قال: فلا ناصر لهم.

محمد 47:14

ثم قال جل وعز: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾. قال قتادة: هو محمد ﷺ. ﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ﴾ قال: هم مشركو العرب. ثم قال ﴿وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ على معنى "مَنْ".

محمد 47:15

ثم قال جل وعز: ﴿مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾. ولم يأت بالمماثل. في معناه ثلاثة أقوال: أ- منها أن مَثَلاً بمعنى: "صفة" قال ذلك النَّضْرُ بنُ شُميل، والفرَّاء. ورُوي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قرأ ﴿أَمْثَالُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾. قال أبو جعفر: فهذا قولٌ، ويكون على هذا "مَثَلٌ" على معنى "مِثْلٍ" ويكون فيه خلاف معناه، كما أن في "عِدْلٍ" خلاف معنى "عَدْل". ب- وقيل المعنى: مَثَلُ الجنة التي وُعد المتقون، فيما تعرفون في الدنيا، جَنَّةٌ فيها أَنْهَارٌ. ج- والقول الثالث: أن المعنى على التوبيخ والتقرير، أي مثل الجنة التي وُعِد المتقون، كمن هو خالد في النار؟ أي مثل المطيع عندكم كمثل العاصي؟ وروى معمر عن قتادة ﴿مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ قال: غير منتنٍ. قال قتادة: الآسِنُ: المتغَيِّرُ، الآجِنُ. قال أبو جعفر: قولُ قتادة أصحُّ، لأنه يُقال: أَسَنَ الماءُ يَأْسَنُ ويَأْسُنُ فهو آسِنٌ وأَسِنٌ: إذا أنتن فلم يقدر أحد على شربه، وأَجِنَ يَأْجَنُ وَهو آجنٌ: إذا تغيَّر، وإن كان شُرِبَ على كُرْهٍ. * وقوله جل وعز: ﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾. يُقال: شرابٌ لذيذٌ، ولَذٌّ. ﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ أي ليس كعسل الدنيا، الذي فيه الشَّمعُ وغيرُهُ. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ أي ولهم مغفرةٌ من ربهم. * ثم قال تعالى: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ﴾؟ قال أبو جعفر: قد تقدَّم القول فيها. وفيها قولٌ آخر، وهو أن المعنى: أمَّنْ يُخَلَّد في الجنَّةِ، وفي هذا النعيم المذكورِ، كمن هو خالدٌ في النار؟ ثم حُذِفَ هذا، لعلم السَّامع، كما قال تعالى ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً﴾. وإن كان قد قيل إن المعنى: يا من هو قانتٌ.

محمد 47:16

وقوله جل وعز: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾. قال قتادة: هم المنافقون. * ثم قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً﴾. أي إذا سمعوا النبيَّ ﷺ يخطب، ثم خرجوا، قالوا للمسلمين استهزاءً ﴿مَاذَا قَالَ آنِفاً﴾؟ أي لم نلتفت إلى ما قال. والمعنى: ماذا قال السَّاعةَ، أي في أقرب الأوقات إلينا؟ من قولهم: استأنفتُ الشيءَ، وروضةٌ أُنُفٌ: لم تُرْعَ.

محمد 47:17

وقوله جل وعز: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ﴾. المعنى: زادهُمُ اللهُ هدى، فيكون الضمير يعود على قوله ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. ويجوز أن يكون المعنى: وزادهم قولُ النبيِّ هُدىً. ويجوز أن يكون المعنى: وزادهم استهزاءُ المنافقينَ هُدىً. * ثم قال تعالى: ﴿وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ﴾: أي ألهمهم. ويجوز أن يكون المعنى: ثواب تقواهم.

محمد 47:18

وقوله جل وعز: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا﴾. أي فهل ينتظرون إلاَّ أن تأتيهم الساعة فَجْأةً؟ ﴿فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا﴾. قال الفراء: أي علامتها، الواحد شرطٌ. * ثم قال جل وعز: ﴿فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾؟ [آية ١٨]. قال قتادة: أي فأنَّى لهم أن يتذكَّروا؟ قال أبو جعفر: فالمعنى على هذا: فمن أين لهم منفعةُ الذِّكرى، إذا جاءت الساعةُ، وانقطعت التوبة؟

محمد 47:19

ثم قال جل وعز: ﴿فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ﴾. والمخاطبة للنبيِّ ﷺ مخاطبةٌ لأمَّته. أي اثبتُوا على هذا.

محمد 47:20

وقوله جل وعز: ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ﴾. قال قتادة: كل سورة فيها ذكر القتالِ فهي محكمة. قال أبو جعفر: وهذه آية مشكلةٌ، وفي قراءة عبدالله ﴿وَإذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْدِثَةٌ﴾. والمعنى واحد، أي لم يقع عليها النسخ، وذُكر فيها القتال. وإنما كان المسلمون يقولون هذا، لأنهم كانوا يأنسون بنزول الوحي. ﴿رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾ أي ريبٌ وشكٌّ ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ أي نظر مغتاظين مغمومين، كما قال تعالى ﴿وَإنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ وإنما كانوا يكرهون ذكر القتال، لأنهم إذا تأخروا عنه تَبَيَّن نفاقُهم، فخافوا القتل. * ثم قال تعالى: ﴿فَأَوْلَىٰ لَهُمْ﴾ على التهديد. وحقيقته: وَلِيَهم المكروهُ، أي أولى لهم المكروهُ، والعربُ تقول لكل من قارب الهلكة ثم أفلت: "أَوْلَى لَكَ" أي كِدْتَ تهلِكُ. كما رُوِي أن أعرابياً كان يوالي رمي الصيد، فيفلت منه، فيقول: أَوْلَى لك، ثم رمى صيداً فقاربه، ثم أفلتَ منه، فقال: فَلَوْ كَانَ "أَوْلَى" يُطْعِمُ القَوْمَ صِدْتُهُمْ * وَلَكِنَّ "أَوْلَى" تَتْرُكُ النَّاسَ جُوَّعاً

محمد 47:21

ثم قال تعالى: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾. قال قتادة: أي طاعةُ الله، وقولٌ بالمعروف في حقائق الأمور. أي سمعٌ وطاعة خيرٌ لهم. وقال الخليل وسيبويه: أي طاعة وقولٌ معروفٌ أَمْثَلُ. وفي المعنى قول آخرُ: وهو أنه حَكَى ما كانوا يقولون، قبل نزولِ القتال، وقبل الفرضِ. فالمعنى على هذا: يقولون: منَّا طاعةٌ وقولٌ معروف. ويدل على صحة هذا القول ﴿فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ﴾. قال مجاهد: أي جدَّ الأمرُ. قال ابو جعفر: فالتقدير على هذا: فإذا جدَّ الأمرُ بفرض القتال، كرهوا ذلك، ثم حُذف. * ثم قال جل وعز: ﴿فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾. قال قتادة: فلو صدقوا الله في الإِيمان، والجهاد.

محمد 47:22

وقوله جل وعز: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ﴾. قال بكرُ بن عبدالله المزنيُّ: هؤلاء الحَرُوريَّةُ. قال محمد بن كعب: أي فهل عسيتم إن توليتم الأمور، أن يقتل بعضكم بعضاً، كقتلِ قريش بني هاشم، وكقتل بني هاشم قريشاً. وفي المعنى قولٌ آخر: وهو فهل تريدون، إن توليتم عن النبي ﷺ، وكفرتم بما جاءكم به، على أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه، من الكفر، فتفسدوا في الأرض بالكفر، وتقطِّعوا أرحامكم، بأن تئدوا بناتكم؟ وقرأ علي بن ابي طالب عليه السلام ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي وُلِّي عليكم.

محمد 47:25

وقوله جل وعز: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ﴾. قال قتادة: هؤلاء أهل الكتاب، عندهم صفة محمد ﷺ، فأنكروها وكفروا، من بعد ما تبيَّن لهم الهُدَى. وقال الضحاك: هم أهلُ النِّفاقِ. ﴿ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ قال قتادة: أي زيَّن لهم. * ثم قال تعالى: ﴿وَأَمْلَىٰ لَهُمْ﴾. المعنى: وأملى اللهُ لهم، أي مدَّ الله لهم في آجالهم، مَلاَوةً من الدهر، كما قال تعالى ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. وقرأ مجاهد: ﴿الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وأُمْلِي لَهُمْ﴾. وهذه قراءةٌ حسنةٌ، والمعنى: وأنَا أُمْلِي لهم. وَحَكَى الفراء أنه قُرِئ ﴿وَأُمْلِيَ لَهُمْ﴾ وهي قراءة شيبةَ، وأبي عمرو.

محمد 47:26

ثم قال جل وعز: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ ٱلأَمْرِ﴾. [اي في التضافر على عداوة محمد ﷺ]. وقال سفيان: يعني الفرائض. قال قتادة: هم المنافقون.

محمد 47:29

وقوله جل وعز: ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾. أي عداوتهم.. أي يظهروا عداوتهم لأهل الإِسلام.

محمد 47:30

ثم قال جل وعز: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ﴾. أي لعرَّفناكهم، يُقال: قد أريتُك كذا أي عَرَّفتكَهُ. ﴿فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ﴾ أي بعلامتهم. * ثم قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ﴾. أي فحواه، ومعناه، كما قال الشاعر: مَنْطِقٌ صَائِبٌ وَتَلْحَنُ أَحْيَاناً * وَخَيْرُ الحَدِيثِ مَا كَانَ لَحْناً أي ما لم يُصَرَّح بهِ، وما عُرِفَ بالمعنى، ونحوِ الكلامِ. وقولهم: لحنَ فلانٌ في هذا: إنَّما معناه: أخَذَ في ناحيةٍ غير الصَّواب.

محمد 47:35

وقوله جل وعز: ﴿وَٱللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾. قال مجاهد: لن يُنْقِصَكم. قال أبو جعفر: من هذا حديثُ النبي ﷺ "من فاتَتْهُ صلاةُ العصرِ، فكأنَّما وُتِرَ أهلَهُ".

محمد 47:37

وقوله جل وعز: ﴿إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾. ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ أي يُجْهدكم، ومنه حَفِيَتِ الدَّابةُ. ﴿وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ قيل: أي عداوتكم. وقال الضحاك: غِشَّ قلوبكم، إذا سُئِلْتُم أموالَكُمْ.

محمد 47:38

مدنيةٌ في رواية مجاهد عن ابن عباس. وروى الزُّهريُّ عن عُرْوَةَ بنِ الزُّبيرِ، عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرمةَ، ومروانَ قالا: " نزلت سورةُ الفتح بين مكة والمدينة، كلُّها في شأن الحديبية".

الفتح 48:1

من ذلك قوله جل وعز: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾. روى قتادةُ عن أنس قال: نزلت ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ بعد رجوع النبيِّ ﷺ من الحديبية، فقال رسول الله ﷺ: لقد نزلت عليَّ آيةٌ أحبُّ إليَّ من جميع الدنيا ثم تَلاَها، فقال رجلٌ من المسلمين: هنيئاً مريئاً، هذا لكَ يا رسولَ اللهِ، فماذا لنا؟ فأنزل الله جلَّ وعزَّ ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ إلى آخر الآية. قال مجاهد في قوله تعالى ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ قال: قضينا لك قضاءً بيِّناً. قال سفيان: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ أي ما كان في الجاهلية، ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾ قال: ما كان في الإِسلام، ممَّا لم تعمله بعد. قال ابو جعفر: في قوله جلَّ وعز ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ ثلاثة أقوال متقاربة: أ- منها ما تقدم أنه فتح الحديبية، والحديبيةُ بئرٌ سُمِّي المكان باسمها. قال أبو جعفر: ولا أعرف أحداً من أهل اللغة يُشدِّدُ الياءَ منها، وكان في فتحها أعظمُ الآياتِ، لأنَّ النبي ﷺ فيما رُوِيَ وَرَدَ على هذه البئر، وقد نُزف ماؤها، فتمضمض ﷺ وَتَفَل فيها، فأقبل الماءُ، حتى شرب كلُّ من كان معه، ولم يكن بينهم إلاَّ تَرَامٍ، حتى كان الفتح، هذا قولٌ. ب- وقيل المعنى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ باجتناب الكبائر ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ﴾ الصغائر. ج-وقيل: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ بالهداية إلى الإِسلام. فهذه الأقوال متقاربة، وقول مجاهدٍ يجمعها، لأنَّ فتح الحديبية قضاءٌ من قضاء الله، وهدايةٌ من هدايته، يهدي بها من شاء، وكذلك اجتنابُ الكبائر. وقد روي عن ابن عباس، ما يقوِّيه، قال: ما كنتُ أدري ما معنى ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾ حتى قالت لي ابنة مشرح: فَتَحَ اللهُ بيني وبينك. * وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالحَقِّ﴾.

الفتح 48:2

ثم قال جل وعز: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ [آية ٢ و ٣]. أي نصراً ذا عزٍّ، لا ذُلَّ معه.

الفتح 48:3

ثم قال جل وعز: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ [آية ٢ و ٣]. أي نصراً ذا عزٍّ، لا ذُلَّ معه.

الفتح 48:4

ثم قال جل وعز: ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾. ﴿السَّكِينَةُ﴾: أي السكونُ والطمأنينةُ. * وقوله جل وعز: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾. أي كلُّ ما فيها يدلُّ على أنَّ له خالقاً، وأنه واحدٌ.

الفتح 48:5

ثم قال جل وعز: ﴿لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾. أي فَتَحَ لك بالإِسلام والهداية بهذا. ويدلُّ عليه أيضاً قوله سبحانه ﴿وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ﴾. لأنهم ظنُّوا أنَّ النبيَّ ﷺ لا يرجع ﴿عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ﴾ أي الهلاك. ويُقرأُ: السُّوْءُ، والفرقُ بينهما أن "السَّوْءَ" الشيءُ بعينه، والسُّوْءُ: الفعلُ.

الفتح 48:6

ثم قال جل وعز: ﴿لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾. أي فَتَحَ لك بالإِسلام والهداية بهذا. ويدلُّ عليه أيضاً قوله سبحانه ﴿وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ﴾. لأنهم ظنُّوا أنَّ النبيَّ ﷺ لا يرجع ﴿عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ﴾ أي الهلاك. ويُقرأُ: السُّوْءُ، والفرقُ بينهما أن "السَّوْءَ" الشيءُ بعينه، والسُّوْءُ: الفعلُ.

الفتح 48:8

وقوله جل وعز: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾. قال قتادة: أي شاهداً على أمتك ﴿وَمُبَشِّراً﴾ المحسن منهم ﴿وَنَذِيراً﴾ المسيءَ. قال ابو جعفر: هذا قولٌ حسنٌ، وهذه حالٌ مقدَّرة. حكى سيبويه: مررتُ برجلٍ معه صقرٌ، صائداً به غداً. فالمعنى: إنَّا أرسلناك مقدِّرينَ لشهادتك يوم القيامة، وعلى هذا تقول: رأيت عَمْرواً قائماً غَداً.

الفتح 48:9

وقوله جل وعز: ﴿لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾. روى شعبةُ عن أبي بشرٍ عن عكرمة في قوله تعالى ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ قال: وتقاتلوا معه بالسيف. قال قتادة: وتنصروه. وقرأ جويبر: أي وتفخِّموه. وقرأ عاصم الجَحْدَرِيُّ ﴿وتَعْزُرُوهُ﴾. وأصله في اللغة من التبجيل، والتَّطْهِيرِ، ومنه "التعزيرُ" الذي هو دون الحدِّ. وقرأ محمد اليماني ﴿وَتُعَزِّزُوهُ﴾ بزاءين معجمتين، يقال: عزَّزَه: أي جعله عزيزاً وقوَّاه، ومنه قوله تعلى ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾. ويجوز أن يكون ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ للهِ جلَّ وعزَّ وحدَهُ، ويجوز أن يكون للنبي ﷺ. فأمَّا قوله تعالى: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾. فلا يجوز أن تكون إلا لله جل وعز. لأنه ليس يخلو من أن يكون معناه كما قال جويبر: وتُصَلُّوا له. أو يكون معناه: وتُعظِّموه وتُنَزِّهوه.

الفتح 48:10

وقوله جل وعز: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ﴾. أي عقدكَ عليهم البيعة، عقدٌ للهِ جلَّ وعزَّ. * ثم قال جل وعز: ﴿يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾. أي يدُ اللهِ في الثَّواب. وقيل: في الوفاء. وقيل: في المِنَّةِ عليهم بالهداية. ﴿فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ في الطاعة. ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾ يُقال: نكثَ إذا نقض ما اعتقده.

الفتح 48:11

وقوله جل وعز: ﴿سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا﴾. قال مجاهد: هم أعرابُ المدينة، وجُهينة ومُزَيْنةُ. * ثم قال تعالى: ﴿شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ أي ليس لنا من يحفظ أموالنا، ويقومُ بأهالينا.

الفتح 48:15

وقوله جل وعز: ﴿سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ [آية ١٥}. قال مجاهد: دعاهم النبيُّ ﷺ إلى الخروج إلى مكَّة، فأبوا، وقالوا: كيف نخرج معه إلى قومٍ جاءوا إليه فقتلوا أصحابه؟ فلمَّا خرج النبي ﷺ وأخذ قوماً على غفلة، ووجَّه بهم، قالوا ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾. * ثم قال جل وعز: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ﴾. وهو على قول ابن زيد، قوله جلَّ وعزَّ ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوّاً﴾.

الفتح 48:16

وقوله جل وعز: ﴿قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾. روى سفيانُ عن شعبة عن جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير، قال سفيان - أراه عن ابن عباس - ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ قال: هوازنُ. وقال عطاء: هم فارس. وقال الحسن: فارسُ والرُّومُ. ومن أصح ما قيل فيه: أنهم "بنو حنيفة" الذين قوتلوا في الرِّدَّة، وكان هذا ممَّا يدلُّ على صحَّةِ خلافةِ أبي بكر رضي الله عنه من القرآن. ويدلُّك على ذلك قوله تعالى ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ فليس هذا ممن تؤخذ منهم الجزية. * وقوله جل وعز: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾. أي كما توليتم مع النبي ﷺ.

الفتح 48:17

قال عثمان بنُ المُغيرةِ: سألتُ الحسن عن قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ ﴾. فقال: هذا في الجهاد.

الفتح 48:18

وقوله جل وعز: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ﴾. قال جويبر: بايعوا على أن لا يَفِرُّوا. وقال قتادة: كانوا ألفاً وأربعمائة، وكانت الشجرة سمرة. * وقوله جل وعز: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾. ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الإِخلاص. ﴿فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ قال قتادة: الصبرُ، والوقار. ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ قال ابنُ أبي لَيْلَى: خيبر.

الفتح 48:20

وقوله جل وعز: ﴿وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ ٱلنَّاسِ عَنْكُمْ﴾. قوله ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ﴾ قال مجاهد: يعني خيبر. * ثم قال تعالى: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ ٱلنَّاسِ عَنْكُمْ﴾: لأنهم خلَّفوا عيالاتهم فَزِعِينَ عليهم، فمنع الله منهم، وكفَّ أيدي النَّاسِ عنهم.

الفتح 48:21

وقوله جل وعز: ﴿وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾. روى شعبة عن سِمَاكٍ الحنفي قال: سمعتُ ابن عباس يقول في قوله تعالى ﴿وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا﴾: هي الفتوحُ التي فُتحت لكم. وقال ابن أبي ليلى: هي فارس والروم. وقال مجاهد: هو ما يكون بعدُ إلى يوم القيامة. وقال قتادة: هو فتح مكة.

الفتح 48:22

ثم قال جل وعز: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كفَرُواْ لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾. قال قتادة: كفار قريش. قال أبو جعفر: ولو قاتلكم من لم يقاتلكم منهم لانهزموا، لأن في سنة الله نصرَ أوليائه. قال قتادة: يعني في قوله عز وجل ﴿ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ ولا يجدون لهم ولياً ولا نصيراً من الله جلَّ وعزَّ.

الفتح 48:24

وقوله جل وعز: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾. كفَّ أيديَ المشركينَ عمَّن خلَّفه المؤمنون، حين خرجوا إلى الحديبية. قال قتادة في قوله تعالى ﴿كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾ "تَطَلَّعَ رجل من أصحاب النبي ﷺ يقال له: "زُنَيْم" فرماه المشركون بسهمٍ، فقتلوه، فبعث النبي ﷺ خيلاً، فأخذوا اثنيْ عَشَر فارساً، فأتوا بهم النبي ﷺ، فقال لهم: ألكم عهدٌ أو ذِمَّةٌ؟ قالوا: لا، فأطلقهم" فأنزل الله تعالى ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾. قال قتادة: يعني الحديبية.

الفتح 48:25

وقوله جل وعز: ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾. قال قتادة: ﴿وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً﴾: محبوساً. * وقوله جل وعز: ﴿أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ﴾. ﴿أَن تَطَئُوهُمْ﴾ أي تقتلوهم ﴿فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ﴾ أي عيبٌ. يقول المشركون: قتلُوا أهلَ دينهم، ولو فعلتم لأدخلهم اللهُ في رحمته. * وقوله جل وعز: ﴿لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾. قال مجاهد: ﴿لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بالسِّباء، والقتل.

الفتح 48:26

وقوله جل وعز: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ﴾. قال علي بن أبي طالب وابن عمر، وأبو هريرة: ﴿كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ﴾: لا إله إلا الله. * ثم قال تعالى: ﴿وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾. أي أن الله اختارهم لدينه.

الفتح 48:27

وقوله جل وعز: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ﴾. قال مجاهد: رأى النبي ﷺ كأنه قد دخل مكة هو وأصحابه محلِّقين. وقال قتادة: هي رؤيا رآها النبيُّ ﷺ بالحديبية، كأنهم دخلوا مكة محلِّقينَ رءوسهم ومُقَصِّرينَ، فاستَبْطَأوا الرؤيا، ثم دخلوا بعد ذلك. فأمَّا قوله تعالى ﴿إِن شَآءَ ٱللَّهُ﴾ ففيه أقوال: أ- منها إنَّ المعنى: إن شئتُ دخلتم آمنين. ب- وقيل: هو حكايةٌ لما قيل للنبي ﷺ. ج- وقيل: خُوطب العبادُ على ما يجب أن يقولوه، كما قال تعالى ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾. د- وقيل: الاستثناء لمن مات منهم، أو قُتِلَ. * وقوله جل وعز: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾. قال مجاهد: رجعوا من الحديبية، ثم فتح الله عليهم خيبر.

الفتح 48:29

وقوله جل وعز: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ﴾. قال سعيد بن جبير: ذلكَ أثرُ الطَّهُور، وثَرَى الأرضِ. وقال عكرمة: هو أثرُ التراب. قال ابنُ وهب: أخبرني مالكٌ في قوله تعالى ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ قال: هو ما يتعلَّق بالجهةِ من تراب الأرض، فهذا قولٌ. وقال مجاهد: إنما هو الخشوعُ والتواضع، وليس للمنافق هذا. وقال الحسن: بياضٌ يكون في الوجه يوم القيامة. وقال عطية: موضع الجبهة يوم القيامة أشدُّ بياضاً من سائر الوجه. وقال الضحاك: هذا يوم القيامة، تبدو صلاتُهُمْ على وجوههم. وقال شِمْرُ بنُ عطية: هو تهيُّجُ الوجه وصفرتُه من سهر الليل. وقال قتادة: نُعِتوا بالصلاة، أي يُعرفون بالصلاة. * ثم قال جل وعز: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾. روى عليُّ بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿مَثَلُهُمْ﴾ يعني نعتُهم ﴿فى التوراة والإِنجيل﴾ أي مكتوب فيهما. وقال قتادة: فيما تقدَّم مَثَلُهم في التوراة، ولهم مَثَلٌ آخر في الإِنجيل وهو ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾. قال الضحاك: هما مَثَلان، فالأول في التوراة، والثاني في الإِنجيل. وقال مجاهد: هما مَثَلٌ واحدٌ، والتَّمامُ على قول مجاهد ﴿فِي ٱلإِنجِيلِ﴾. * ثم قال جل وعز: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ﴾. ﴿كَزَرْعٍ﴾ أي هم كَزَرْعٍ. ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ روى حُميد عن أنس قال: نَباتَهُ، فُرُوخَه. قال ابو عبيدة: يقال: أشطأَ الزَّرْعُ: إذا خرجت فِرَاخُهُ. قال الفراء: الحَبَّةُ تُخْرِجُ العَشْرَ، والسَّبْعَ، والثَّماني، من السنبل. * ثم قال تعالى: ﴿فَآزَرَهُ﴾. قال مجاهد: أي شدَّده، وأعانه. وقال الضحاك: هم أصحاب النبي ﷺ، كانوا قليلاً فكثروا، وضعفاءَ فَقَوُوا. * ثم قال جل وعز: ﴿فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ﴾. جمع ساقٍ ﴿يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ﴾ تمثيلٌ ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ﴾ قال قتادة: أي ليغيظ محمدٌ ﷺ وأصحابُه الكفَّارَ. * ثم قال جل وعز: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾. يجوز أن تكون "مِنْ" ههنا لبيان الجنس، كما قال تعالى ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾. ويجوز أن تكون للتبعيض أي وعدَ اللهُ الذين ثبتوا على الإِيمان منهم، مغفرةً وأجراً عظيماً.