معاني القرآن — الصافات 37:1 – الأحقاف 46:35
المحتويات
- الصافات 37:1
- الصافات 37:2
- الصافات 37:3
- الصافات 37:5
- الصافات 37:6
- الصافات 37:7
- الصافات 37:8
- الصافات 37:9
- الصافات 37:10
- الصافات 37:11
- الصافات 37:12
- الصافات 37:14
- الصافات 37:18
- الصافات 37:19
- الصافات 37:20
- الصافات 37:21
- الصافات 37:23
- الصافات 37:26
- الصافات 37:28
- الصافات 37:32
- الصافات 37:35
- الصافات 37:45
- الصافات 37:47
- الصافات 37:48
- الصافات 37:49
- الصافات 37:50
- الصافات 37:51
- الصافات 37:52
- الصافات 37:57
- الصافات 37:60
- الصافات 37:62
- الصافات 37:65
- الصافات 37:67
- الصافات 37:70
- الصافات 37:75
- الصافات 37:77
- الصافات 37:78
- الصافات 37:83
- الصافات 37:84
- الصافات 37:86
- الصافات 37:87
- الصافات 37:88
- الصافات 37:91
- الصافات 37:93
- الصافات 37:94
- الصافات 37:96
- الصافات 37:98
- الصافات 37:99
- الصافات 37:102
- الصافات 37:103
- الصافات 37:107
- الصافات 37:115
- الصافات 37:116
- الصافات 37:117
- الصافات 37:123
- الصافات 37:125
- الصافات 37:127
- الصافات 37:130
- الصافات 37:140
- الصافات 37:141
- الصافات 37:142
- الصافات 37:144
- الصافات 37:145
- الصافات 37:146
- الصافات 37:147
- الصافات 37:148
- الصافات 37:149
- الصافات 37:157
- الصافات 37:158
- الصافات 37:162
- الصافات 37:164
- الصافات 37:166
- الصافات 37:168
- الصافات 37:171
- الصافات 37:177
- الصافات 37:180
- الصافات 37:181
- الصافات 37:182
- ص 38:1
- ص 38:2
- ص 38:3
- ص 38:5
- ص 38:6
- ص 38:7
- ص 38:9
- ص 38:10
- ص 38:11
- ص 38:12
- ص 38:13
- ص 38:15
- ص 38:16
- ص 38:17
- ص 38:18
- ص 38:19
- ص 38:20
- ص 38:21
- ص 38:22
- ص 38:23
- ص 38:24
- ص 38:25
- ص 38:26
- ص 38:27
- ص 38:29
- ص 38:30
- ص 38:31
- ص 38:32
- ص 38:33
- ص 38:34
- ص 38:35
- ص 38:36
- ص 38:37
- ص 38:38
- ص 38:39
- ص 38:40
- ص 38:41
- ص 38:45
- ص 38:46
- ص 38:47
- ص 38:48
- ص 38:49
- ص 38:50
- ص 38:52
- ص 38:54
- ص 38:57
- ص 38:58
- ص 38:59
- ص 38:61
- ص 38:62
- ص 38:63
- ص 38:68
- ص 38:69
- ص 38:70
- ص 38:74
- ص 38:78
- ص 38:81
- ص 38:85
- ص 38:86
- ص 38:88
- الزمر 39:1
- الزمر 39:2
- الزمر 39:3
- الزمر 39:4
- الزمر 39:5
- الزمر 39:6
- الزمر 39:7
- الزمر 39:8
- الزمر 39:9
- الزمر 39:10
- الزمر 39:15
- الزمر 39:16
- الزمر 39:17
- الزمر 39:18
- الزمر 39:19
- الزمر 39:21
- الزمر 39:22
- الزمر 39:23
- الزمر 39:24
- الزمر 39:28
- الزمر 39:29
- الزمر 39:31
- الزمر 39:33
- الزمر 39:36
- الزمر 39:39
- الزمر 39:42
- الزمر 39:43
- الزمر 39:44
- الزمر 39:45
- الزمر 39:47
- الزمر 39:49
- الزمر 39:53
- الزمر 39:55
- الزمر 39:56
- الزمر 39:59
- الزمر 39:61
- الزمر 39:63
- الزمر 39:64
- الزمر 39:67
- الزمر 39:68
- الزمر 39:69
- الزمر 39:73
- الزمر 39:74
- الزمر 39:75
- غافر 40:1
- غافر 40:2
- غافر 40:3
- غافر 40:4
- غافر 40:5
- غافر 40:6
- غافر 40:7
- غافر 40:8
- غافر 40:9
- غافر 40:10
- غافر 40:11
- غافر 40:12
- غافر 40:15
- غافر 40:16
- غافر 40:18
- غافر 40:19
- غافر 40:21
- غافر 40:23
- غافر 40:24
- غافر 40:25
- غافر 40:26
- غافر 40:28
- غافر 40:29
- غافر 40:30
- غافر 40:32
- غافر 40:33
- غافر 40:34
- غافر 40:35
- غافر 40:36
- غافر 40:37
- غافر 40:40
- غافر 40:41
- غافر 40:43
- غافر 40:45
- غافر 40:46
- غافر 40:51
- غافر 40:56
- غافر 40:60
- غافر 40:71
- غافر 40:72
- غافر 40:75
- غافر 40:79
- غافر 40:83
- غافر 40:85
- فصلت 41:1
- فصلت 41:2
- فصلت 41:3
- فصلت 41:5
- فصلت 41:10
- فصلت 41:11
- فصلت 41:12
- فصلت 41:13
- فصلت 41:16
- فصلت 41:17
- فصلت 41:19
- فصلت 41:20
- فصلت 41:21
- فصلت 41:22
- فصلت 41:23
- فصلت 41:24
- فصلت 41:25
- فصلت 41:26
- فصلت 41:28
- فصلت 41:29
- فصلت 41:30
- فصلت 41:33
- فصلت 41:34
- فصلت 41:35
- فصلت 41:36
- فصلت 41:37
- فصلت 41:38
- فصلت 41:39
- فصلت 41:40
- فصلت 41:41
- فصلت 41:42
- فصلت 41:43
- فصلت 41:44
- فصلت 41:45
- فصلت 41:47
- فصلت 41:48
- فصلت 41:49
- فصلت 41:50
- فصلت 41:51
- فصلت 41:53
- فصلت 41:54
- الشورى 42:1
- الشورى 42:2
- الشورى 42:3
- الشورى 42:5
- الشورى 42:7
- الشورى 42:11
- الشورى 42:12
- الشورى 42:13
- الشورى 42:14
- الشورى 42:15
- الشورى 42:16
- الشورى 42:17
- الشورى 42:18
- الشورى 42:20
- الشورى 42:22
- الشورى 42:23
- الشورى 42:24
- الشورى 42:25
- الشورى 42:26
- الشورى 42:27
- الشورى 42:28
- الشورى 42:29
- الشورى 42:30
- الشورى 42:32
- الشورى 42:33
- الشورى 42:34
- الشورى 42:37
- الشورى 42:38
- الشورى 42:39
- الشورى 42:40
- الشورى 42:41
- الشورى 42:45
- الشورى 42:47
- الشورى 42:50
- الشورى 42:51
- الشورى 42:52
- الزخرف 43:1
- الزخرف 43:2
- الزخرف 43:3
- الزخرف 43:4
- الزخرف 43:5
- الزخرف 43:8
- الزخرف 43:12
- الزخرف 43:13
- الزخرف 43:14
- الزخرف 43:15
- الزخرف 43:18
- الزخرف 43:19
- الزخرف 43:20
- الزخرف 43:22
- الزخرف 43:23
- الزخرف 43:24
- الزخرف 43:26
- الزخرف 43:27
- الزخرف 43:28
- الزخرف 43:31
- الزخرف 43:32
- الزخرف 43:33
- الزخرف 43:34
- الزخرف 43:36
- الزخرف 43:37
- الزخرف 43:38
- الزخرف 43:39
- الزخرف 43:41
- الزخرف 43:42
- الزخرف 43:43
- الزخرف 43:44
- الزخرف 43:45
- الزخرف 43:49
- الزخرف 43:51
- الزخرف 43:52
- الزخرف 43:53
- الزخرف 43:54
- الزخرف 43:55
- الزخرف 43:56
- الزخرف 43:57
- الزخرف 43:58
- الزخرف 43:59
- الزخرف 43:60
- الزخرف 43:61
- الزخرف 43:63
- الزخرف 43:67
- الزخرف 43:70
- الزخرف 43:71
- الزخرف 43:75
- الزخرف 43:77
- الزخرف 43:79
- الزخرف 43:81
- الزخرف 43:84
- الزخرف 43:86
- الزخرف 43:88
- الزخرف 43:89
- الدخان 44:1
- الدخان 44:2
- الدخان 44:3
- الدخان 44:4
- الدخان 44:5
- الدخان 44:10
- الدخان 44:15
- الدخان 44:16
- الدخان 44:17
- الدخان 44:20
- الدخان 44:21
- الدخان 44:24
- الدخان 44:25
- الدخان 44:26
- الدخان 44:29
- الدخان 44:31
- الدخان 44:32
- الدخان 44:33
- الدخان 44:35
- الدخان 44:36
- الدخان 44:37
- الدخان 44:39
- الدخان 44:41
- الدخان 44:44
- الدخان 44:45
- الدخان 44:47
- الدخان 44:49
- الدخان 44:51
- الدخان 44:53
- الدخان 44:54
- الدخان 44:55
- الدخان 44:56
- الدخان 44:57
- الدخان 44:59
- الجاثية 45:3
- الجاثية 45:4
- الجاثية 45:5
- الجاثية 45:6
- الجاثية 45:7
- الجاثية 45:13
- الجاثية 45:14
- الجاثية 45:18
- الجاثية 45:20
- الجاثية 45:21
- الجاثية 45:23
- الجاثية 45:24
- الجاثية 45:28
- الجاثية 45:29
- الجاثية 45:31
- الجاثية 45:34
- الجاثية 45:37
- الأحقاف 46:3
- الأحقاف 46:4
- الأحقاف 46:8
- الأحقاف 46:9
- الأحقاف 46:10
- الأحقاف 46:11
- الأحقاف 46:12
- الأحقاف 46:13
- الأحقاف 46:15
- الأحقاف 46:17
- الأحقاف 46:20
- الأحقاف 46:21
- الأحقاف 46:22
- الأحقاف 46:24
- الأحقاف 46:26
- الأحقاف 46:29
- الأحقاف 46:35
الصافات 37:1
من ذلكَ قوله جلَّ وعزَّ ﴿وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا. فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً. فَٱلتَّالِيَاتِ ذِكْراً﴾ [آية ١ - ٣].
رَوَى مسروق عن عبدِالله بنِ مسعودٍ، وعكرمةُ عن ابن عباس قالا في قوله تعالى: ﴿وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا. فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً. فَٱلتَّالِيَاتِ ذِكْراً﴾ هذه كلُّها الملائكةُ.
قال أبو جعفر: ﴿الصَّافَّاتُ﴾ جمع صافَّةٍ، كأنه جماعةٌ
صافَّةٌ، أي مصطفَّةٌ تذكرُ اللهَ جلَّ وعزَّ، وتُسبِّحهُ.
و ﴿الزَّاجِرَاتِ﴾ جمعُ زاجرة، أي التي تزجرُ السحاب، على
ما مَضَى.
وقال قتادة: ﴿الزاجراتُ﴾: كلُّ ما زُجِر عنه، كأنه
يريد ذوات الزَّجر.
ويجوزُ أن تكون ﴿الزَّاجِرَاتُ﴾: كلُّ ما يزجُر عن معاصي
اللهِ جلَّ وعز، وأن تكون ﴿التَّالِيَاتُ﴾ كلُّ ما يتلو ذكر اللهِ جلَّ وعزَّ وكُتُبِه.
الصافات 37:2
من ذلكَ قوله جلَّ وعزَّ ﴿وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا. فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً. فَٱلتَّالِيَاتِ ذِكْراً﴾ [آية ١ - ٣].
رَوَى مسروق عن عبدِالله بنِ مسعودٍ، وعكرمةُ عن ابن عباس قالا في قوله تعالى: ﴿وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا. فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً. فَٱلتَّالِيَاتِ ذِكْراً﴾ هذه كلُّها الملائكةُ.
قال أبو جعفر: ﴿الصَّافَّاتُ﴾ جمع صافَّةٍ، كأنه جماعةٌ
صافَّةٌ، أي مصطفَّةٌ تذكرُ اللهَ جلَّ وعزَّ، وتُسبِّحهُ.
و ﴿الزَّاجِرَاتِ﴾ جمعُ زاجرة، أي التي تزجرُ السحاب، على
ما مَضَى.
وقال قتادة: ﴿الزاجراتُ﴾: كلُّ ما زُجِر عنه، كأنه
يريد ذوات الزَّجر.
ويجوزُ أن تكون ﴿الزَّاجِرَاتُ﴾: كلُّ ما يزجُر عن معاصي
اللهِ جلَّ وعز، وأن تكون ﴿التَّالِيَاتُ﴾ كلُّ ما يتلو ذكر اللهِ جلَّ وعزَّ وكُتُبِه.
الصافات 37:3
من ذلكَ قوله جلَّ وعزَّ ﴿وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا. فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً. فَٱلتَّالِيَاتِ ذِكْراً﴾ [آية ١ - ٣].
رَوَى مسروق عن عبدِالله بنِ مسعودٍ، وعكرمةُ عن ابن عباس قالا في قوله تعالى: ﴿وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا. فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً. فَٱلتَّالِيَاتِ ذِكْراً﴾ هذه كلُّها الملائكةُ.
قال أبو جعفر: ﴿الصَّافَّاتُ﴾ جمع صافَّةٍ، كأنه جماعةٌ
صافَّةٌ، أي مصطفَّةٌ تذكرُ اللهَ جلَّ وعزَّ، وتُسبِّحهُ.
و ﴿الزَّاجِرَاتِ﴾ جمعُ زاجرة، أي التي تزجرُ السحاب، على
ما مَضَى.
وقال قتادة: ﴿الزاجراتُ﴾: كلُّ ما زُجِر عنه، كأنه
يريد ذوات الزَّجر.
ويجوزُ أن تكون ﴿الزَّاجِرَاتُ﴾: كلُّ ما يزجُر عن معاصي
اللهِ جلَّ وعز، وأن تكون ﴿التَّالِيَاتُ﴾ كلُّ ما يتلو ذكر اللهِ جلَّ وعزَّ وكُتُبِه.
الصافات 37:5
ثم قال جلَّ وعز: ﴿رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ﴾.
رَوَى أبو ظبيان عن ابن عباس قال: للشَّمسِ كلَّ يومٍ
مشرقٌ، وكلَّ يوم مغرِبٌ، فتلكَ المشارقُ والمغاربُ.
وللصَّيْفِ مَشْرقٌ ومغربٌ، وللِّشتاءِ مَشْرقٌ ومَغْرِب، فذلك قوله
جلَّ وعز ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾.
الصافات 37:6
ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ﴾.
على البدلِ، و ﴿بِزِينَةٍ الكَوَاكِبَ﴾ قال أبو حاتم: أعني
الكواكبَ.
قال أبو جعفر: وأجودُ ممَّا قالَ أن يكون بمعنى: بأن زيَّنا
الكواكبَ فيها، ويجوزُ ﴿بِزِينَةٍ الكَوَاكِبُ﴾ بمعنى: بأن زيَّنتها الكواكبُ، أو بمعنى: هي الكواكبُ.
الصافات 37:7
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾.
أي وحفظناها حفظاً من كلّ شيطانٍ مارد.
الصافات 37:8
وقولُه جل وعز: ﴿لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ﴾.
يعني الملاكة.
قال أبو حاتم: أي لئلا يسمعوا، ثم حُذِف "أَنْ" فرُفِعَ
الفعلُ، كما قال الشاعر:
أَلاَ أيُّها اللاَّئِمي احْضُرُ الوَغَى * وأنْ أشْهَدْ اللَّذَّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي
الصافات 37:9
ثم قال جل وعز ﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً﴾.
قال مجاهد: ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ أي يُرْمون ﴿دُحُوراً﴾ أي مطرودين.
وقال قتادة: ﴿دُحُوراً﴾ أي رمياً في النَّارِ.
قال أبو جعفر: يُقال: دَحَره إذا طرده وبَاعَده، دُحُوراً، ودَحْراً.
ويُرْوَى عن أبي عبدالرحمن أنه قرأ ﴿دَحُوراً﴾ بفتح الدَّالِ، والمصادرُ على "فَعُوْلٍ" قليلةٌ.
وقال بعض النحويين: ليس بمصدرٍ، ولكنَّه بمعنى بما يَدْحَرهم، ولو كان على ما قال لكان "بِدَحُوْرٍ" أي بمباعد.
* ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ﴾.
قال مجاهد وقتادة: أي دائم.
الصافات 37:10
ثم قال جل وعز: ﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾.
يُقال: خَطِف الشيءَ إذا أخذه بسرعة ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾.
قال الحسنُ، ومجاهدٌ، وقتادةُ، وأبو مِجْلز: ﴿ثَاقِبٌ﴾ أي مضيءٌ.
قال أبو جعفر: وهذا مشهورٌ في اللغة، كما قال:
* "وَزَنْدُكَ أَثْقَبُ أَزْنَادِهَا" *
الصافات 37:11
وقوله جلَّ وعز: ﴿فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ﴾؟ [آية ١١].
قال مجاهد والضحاك: يعني السَّماواتِ والأرضَ، والبِحَارَ.
قال أبو جعفر: يجب أن يكون داخلاً في هذا، الملائكةُ، وغيرُها مع السمواتِ، والأرض، والبحارِ، لأن "مَنْ" لا يقعُ لما
لا يعقل مفرداً.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾.
قال مجاهد: أي لازم.
وقال قتادة: أي لازق.
والفرَّاءُ يذهب إلى أن الباء، بدلٌ من الميم، وحُكي أنه يُقال
"لاَتِبٌ" بمعناه، وقال النابغة:
فَلاَ تَحْسَبونَ الخَيْرَ لاَ شَرَّ بَعْدَهُ * وَلاَ تَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لاَزِبِ
الصافات 37:12
وقولُه جلَّ وعز: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾.
قال قتادة: بل عجبتَ من الكتابِ، والوحي، ويَسْخَرُونَ مِمَّا
جئتَ بهِ.
وقيل المعنى: بل عجبتَ من إنكارهم البعثَ.
وأنكر شريحٌ أن تُقرأ ﴿بَلْ عَجِبْتُ﴾ بضمِّ التَّاءِ، وقال: إنَّ
اللهَ لاَ يعجبُ، إنما يعجبُ من لا يَعْلَمُ.
قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله لا يلزمُ، وبضمِّ التَّاءِ قرأ
"عليُّ بن أبي طالبٍ" و "ابنُ مسعودٍ" و "ابنُ عباسٍ".
ومعنى التعجب في اللغة: أن يُنكرَ الشيءُ ويَقِلَّ، فَيُتَعجَّبُ
منه، فاللهُ جلَّ وعزَّ العالمُ بالأشياء، وبما يكون، ولكنْ لا يقع
التعجب إلاَّ بعد الكون.
فهو منه جلَّ وعلا، خلافُه من الآدميِّين، لأنه قد علمه قبلُ
وبعدُ، وهو يُشبه علم الشهادة، كما قال سبحانه ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ
الحِزْبَيْنِ﴾.
ويجوز أن يكون المعنى: قلْ بلْ عجبتُ.
الصافات 37:14
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾.
قال قتادة: أي يسخرون.
وقال مجاهد: أي يسخرون ويستهزئون.
وقيل: ﴿يَسْتسخِرُونَ﴾ يستدعون السِّخْرِيَّ من غيرهم، وهو قول مجاهد وقتادة.
ونظيرهُ من كلام العرب: "قَرَّ، واسْتَقَرَّ" و "عَجِبَ، واسْتَعْجَب" بمعنىً واحدٍ.
وقرأ أهل الكوفة ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفَرَةٌ﴾ أي نافرة.
الصافات 37:18
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ﴾.
المعنى: قل نعم تُبعثون ﴿وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ﴾ قال قتادة: أي صاغرون.
الصافات 37:19
ثم أخبر أن ذلكَ يكون زَجْرةً واحدة فقال جلَّ وعزَّ: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ﴾ أي قد حَيُوا ينْظرون.
الصافات 37:20
وقوله جل وعز: ﴿وَقَالُواْ يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ﴾.
قال قتادة: أي يومَ يَدِينُ اللهُ جلَّ وعزَّ العبادَ بأعمالهم.
الصافات 37:21
ثم قال جل وعزَّ ﴿هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
أي يُقال لهم: نعم هذا يومُ الفصلِ، أي يوم الفصلِ بين
المحسن والمسيء.
وقال أبو عُبيدة: ﴿يَوْمُ الفَصْلِ﴾ يومُ القضاءِ.
الصافات 37:23
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ. مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ﴾.
أي يُقال هذا.
قال عبدُاللهِ بنُ عبَّاسٍ، والنُّعمانُ بنُ بشير عن عمر:
﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ أي وأشباههم.
قال أبو جعفر: يُقال: زَوَّجْتُ الناقةَ بالنَّاقةِ أي قرنتهما، ومنه قيل للرجل: زوجٌ، وللمرأةِ زوجٌ.
ويُقال: هديتُه الطَّريق أي دللتُه عليه.
الصافات 37:26
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ. بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾.
رَوَى سعيدٌ عن قتادة ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ﴾؟ أي لا
يدفعُ بعضكم عن بعض ﴿بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ قال: أي مستسلمون في العذاب.
الصافات 37:28
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ. قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ﴾.
رَرَوَى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: هذا قولُ الكفار للشَّيَاطينِ.
ورَوَى سعيدٌ عن قتادة قال: هذا قولُ الإِنس للجنِّ، قالوا
لهم ﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي من طريق الجنة، تُثَبِّطوننا
عنها وتصدُّوننا.
وقيل: هذا قول التابعين للمتَّبعين.
قال أبو جعفر: وهذا يشبه قوله تعالى: ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾.
رَوَى عليُّ بنُ أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى
﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ قال: أشبِّهُ عليهم أمر دينهم.
قال أبو جعفر: وحقيقةُ معنى ﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ﴾ - واللهُ أعلمُ - إنكم كنتم تأتوننا من الجهة التي هي أقوى
الجهات، وهي جهةُ الدين فتشكِّكُونَنَا فيه.
وقد قيل هذا في قوله جلَّ وعزَّ ﴿وَالسَّمَواتُ مَطْوِيَّاتٌ
بِيَمِينِهِ﴾ وهو معروفٌ في كلامِ العربِ، واللهُ أعلم بما أراد، قال الشاعر:
* "تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ باليَمِينِ" *
فردُّوا عليهم بأنهم كانوا ضالين، فقالوا: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ. وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾.
قال السُّدِّيُ: أي من حجة.
الصافات 37:32
وقوله جلَّ وعز: ﴿بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ﴾ أي ضالين ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ﴾ أي كلنا في العذاب ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ [آية: ٣٢].
أي بالوسوسة والاستدعاء.
الصافات 37:35
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
أي عن توحيد الله جلَّ وعز.
الصافات 37:45
وقوله جلَّ وعز: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾.
قال قتادة: أي خمرٍ جارية ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ للشَّارِبِينَ﴾ قال الحسنُ: خمرُ الجنَّةِ أشدُّ بياضاً من اللَّبَن.
الصافات 37:47
ثم قال جل وعز: ﴿لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾.
رَوَى ابنُ نجيح عن مجاهد ﴿لاَ فَيهَا غَوْلٌ﴾ قال: لا
فيها وَجَعُ بَطْنٍ ﴿وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾: لا تَذْهَبُ عقولُهُمْ.
ورَوَى معمرٌ عن قتادة ﴿لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا
يُنْزَفُونَ﴾ قال: لا تُصدَّعُ رءوسُهُم، ولا تَذْهَبُ عُقولُهُمْ.
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿لاَ فِيهَا غَوْلٌ﴾
قال: يقول: ليس فيها صُداعٌ ﴿وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنْزَفَونَ﴾ قال: لا
تذهبُ عقولهم.
قال سعيد بنُ جبير: ﴿لاَ يُنْزَفُونَ﴾ لا تنزف عقولهم، قال: والغَوْلُ: الأذى المكروه.
قال أبو جعفر: وهذا أجمعُها وأولاَها، يُقال: غالتْهُ غَوْلٌ أي
ذهبت به ذاهبة، وقد غَالَه الشَّرابُ واغتاله، أي ذهب بعقله أو
آذاه، ومنه "اغتالَ فلانٌ فلاناً" ومنه "قَتَله قتلَ غِيلَةٍ" انقلبت
الواوُ ياءً لانكسار ما قبلها. وأصل "نُزِفَ" نُقِص، والمعنى: لا
يلحقهُم نُقْصَانٌ بسكرٍ ولا غيرهِ، فَنَفى اللهُ جلَّ وعزَّ عنهم السُّكْر، لما فيه من الباطل والسَّفه.
وجملتُه النُّقصانُ، ويُقْرأ ﴿وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنْزِفِونَ﴾ وفي معناه
قولان:
أ- أعرفُهما أنه يقال: أَنْزَف الرجلُ إذا نفِد شرابه والمعنى
أنزفَ شرابُه.
ب- والقول الآخر أنه حُكي أنه يُقال: أنزفَ الرجل إذَا
سَكِر، وأنشد أبو عُبيدةَ للأُبَيْرد:
لَعْمِري لَئِنْ أَنْزَفْتُمُ أَوْ صَحَوْتُمُ * لَبِئْسَ النَّدَامَى كُنْتُمُ آلَ أَبْجَرَا
فأمَّا نُزفَ الرجلُ: إذا ذهبَ عَقْلُه من السُّكْرِ، فمعروفٌ
مَسْموعٌ من العرب.
الصافات 37:48
وقولُه جلَّ وعز: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ عِينٌ﴾.
قال قتادة: قَصَرْن طَرْفَهنَّ على أَزْواجهن.
وَرَوَى أبو يحيى عن مجاهد قال: [قَصَرْنَ: أطرافَهنَّ على
أزواجهنَّ، فلا يَنْظُرْنَ إلى غيرهم].
ورَوَى ابن أبي نجيحٍ عن مجاهد قال: لا يَغَرْنَ على أزواجهنَّ.
قال أبو جعفر: والقولُ الأوَّلُ الأوَّلُ هو المعروف، وأصلُه من قصرتُه
أي حبستُه.
* وقوله تعالى: ﴿عِينٌ﴾ قال مجاهد: أي حِسانُ العيون.
وقال السدي: ﴿عِينٌ﴾ أي عِظامُ الأعين.
وحكى أهل اللغة أنه يُقال: رجلٌ أعينُ، وامرأة عَيْنَاءُ أي واسع العين.
الصافات 37:49
ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾.
قال قتادة: أي لم تمرُّ به الأيدي، يُشبِهْنَ بياضَه.
يعني قتادة: الذي داخل القِشر.
قال أبو جعفر: يُقال: كَنَنْتُ الشَّيءَ: أي صُنْتُهُ، والعربُ تُشبِّه المرأة ببيضةِ النَّعامةِ، كما قال الشاعر:
كَبِكْرِ المُقَانَاةِ البَيَاضِ بِصُفْرَةٍ * غَذَاهَا نَمِيرُ المَاءِ غَيْرَ مُحَلَّلِ
الصافات 37:50
ثم قال عز وجل: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾.
يعني أهلَ الجنة.
الصافات 37:51
﴿قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾.
قال عطاء الخراساني: هذان رجلان أخوان، تصدَّق أحدهما
بِمالِهِ فعيَّره أخوه، وقال له ما قصَّ اللهُ جلَّ وعزَّ.
وقد رُوي عن ابن عباس: هو الرجل المشرك له صاحبٌ مؤمن، قال له هذا.
قال مجاهد: ﴿قَرِينٌ﴾ أي شيطان.
الصافات 37:52
ثم قال جل وعز: ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ﴾.
المعنى: يقول أئنك لمن المصدِّقين بأنَّا مدينون؟ ثم كُسِرتْ
"إِنَّ" لمجىء اللاَّم.
قال مجاهد: ﴿مَدِينُونَ﴾ أي مُحاسبون.
﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ أي قال الذي في الجنة: هل أنتم
مُشرفون؟ ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ﴾ أي فأشرف فرأى قرينه ﴿فِي سَوَاء
الجَحِيمِ﴾ أي في وسطها.
قال الذي في الجنة ﴿تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أي تهلكني.
وفي قراءة عبد الله "لَتُغْوِينِ".
الصافات 37:57
ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ﴾.
قال قتادة: أي لمن المُحْضَرين في النار.
الصافات 37:60
ثم قال جلَّ وعز ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ. إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ؟ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
قال قتادة: هذا آخر كلامه، * ثم قال جلَّ وعز ﴿لِمِثْلِ
هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ﴾.
الصافات 37:62
وقولُه جلَّ وعز: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً..؟﴾.
أذلكَ خيرٌ نُزُلاً، ونَزْلاً: أي رزقاً، والنُّزُلُ أيضاً: الرَّيْعُ والفضل.
* ثم قال تعالى: ﴿أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ. إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ﴾.
قال مجاهد: قال أبو جهل: ما نعرف الزَّقُّومَ إلاَّ التَّمْر
بالزُّبْد، فنتَزقَّم.
وقال قتادة: فُتِنُوا بهذا، فقالوا: كيف يكون في النَّارِ شجرة، والنَّار تأكل الشجر؟ فقال اللهُ عز وجل ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في
أَصْلِ الجَحِيمِ﴾ أي غذاؤها من النَّار، ومنها خُلِقَتْ.
الصافات 37:65
ثم قال جل وعز: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ﴾.
﴿طَلْعُهَا﴾ أي ثَمرُها كأنَّه أولُ ما يَطْلَع منها، ثم قال:
﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ﴾.
قال أبو العباس: يُقالُ: لم تُرَ الشَّياطينُ، فكيفَ وقعَ
التشبيه بها؟
وهل يجوز أن يُقال: كأنَّ زيداً فلانٌ، وفلانٌ لا يُعْرَفُ؟
فالجوابُ: أن المقصود هو ما وقع عليه التَّعارفُ من المعاني، فإذا قيل: فلانٌ شيطانٌ، فقد عُلِم أن المعنى: فلانٌ قبيحٌ خبيثٌ، ومنه قولهم: تَشَيْطَنَ: إذا تخبَّثَ، كما قال الشاعر:
أَيَقْتُلُنِي وَالمَشْرَفيُّ مُضَاجِعِي * وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيَابِ أَغْوَالِ
ولم تُرَ الغولُ قطُّ، ولا أنيابُها، ولكنَّ العرب إذا قبَّحت المؤنَّث
شبَّهته بالغول، وإذا قبَّحت المذكَّر شبَّهته بالشيطان، فهذا جوابٌ
صحيح بيِّنٌ.
وقد قيل هو نَبْتٌ باليمن قبيحُ المنظر، شُبِّهتْ به، يقالُ له:
الأَسْتَنْ، والشَّيْطَانُ، وليس ذلك بمعروفٍ عند العرب.
قال أبو جعفر: وقيل الشياطينُ: ضروبٌ من الحِيَّاتِ قِباحٌ.
الصافات 37:67
وقوله جل وعز: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ﴾.
قال قتادة: أي مزاجاً.
قال أبو جعفر: يُقال: شُبْتُ الشَّيْءَ بالشَّيْءِ أي خَلَطْتُه بهِ.
فقيل: يُراد به ههنا شربُ الحميم.
الصافات 37:70
وقوله جلَّ وعز: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلِّينَ. فَهُمْ عَلَىٰ آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾.
معنى ﴿أَلْفَوْا﴾: وجدوا.
قال مجاهد: ﴿يُهْرَعُونَ﴾ كهيئة الهَرْولة، وقال قتادة: يُسْرِعون.
وقيل: كأنهم يُزْعَجون من الإِسراع.
الصافات 37:75
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ﴾.
قيل: بمسألتِهِ هلاكَ قومه، فقال ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى
الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارَاً﴾.
وقيل: المعنى دعا بأن نُنَجِّيَهُ من الغَرَق ﴿وَنجَّيناه وأَهْلَهُ مِنَ
الكَرْبِ العَظِيمَ﴾ أي من الغرق.
الصافات 37:77
ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ﴾.
رَوَى سعيد عن قتادة: النَّاسُ كلُّهم من ذُرِّية نوحٍ صلَّى الله
عليه وسلم.
الصافات 37:78
ثم قال جل وعز: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ﴾.
قال مجاهد وقتادة: أي ثناءً.
وقال محمد بنُ يزيدَ: المعنى: وتركنا عليه في الآخرين، يقال: ﴿سَلاَمٌ عَلَى نُوحٍ فِي العَالَمِينَ﴾ أي تركنا عليه هذه الكلمة باقية.
الصافات 37:83
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ﴾.
قال مجاهد: أي على منهاجه وسُنَّته.
وقال قتادة: على دينه.
قال أبو جعفر: المعنى: وإنَّ من شيعة نوحٍ.
قال الفراء: المعنى: وإن من شيعةِ محمد صلى الله عليه وسلم.
والأولُ أشبهُ، لأن ذكر نوحٍ قد تقدَّم.
الصافات 37:84
ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
قال قتادة: أي سليمٍ من الشِّرك.
وقال عروةُ بن الزبير: لم يَلْعنْ شيئاً قطٌّ، فقال الله جلَّ
وعزَّ ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
الصافات 37:86
وقوله جل وعز: ﴿أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ﴾.
قال قتادة: أي أكذباً؟.
الصافات 37:87
ثم قال جلَّ وعز: ﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
رَوَى سعيد عن قتادةَ قال: أي فما ظنكم برب العالمين، وقد
عبدتم غيره، إذا لقيتموه؟
الصافات 37:88
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ﴾ [ية ٨٨].
في معناه ثلاثةُ أقوالٍ:
قال الحسن: أي تفكَّر فيما يعملُ إذا كلَّفوه الخروج.
قال أبو جعفر: والمعنى على هذا القول: فنظَرَ فيما نَجَمَ له
من الرأيِ، أي فيما طَلَع له، يُقال: نَجَم القَرْنُ والنَّبْتُ إذا طَلَعَا.
أي فكَّر فعلم أنه لا بدَّ لكل حيٍّ من أن يسقم، فقال:
﴿إِنِّى سَقِيمٌ﴾.
قال الخليل: يُقال للرجل إذا فكَّر في الشيء كيف يدبِّرهُ:
نظر في النجوم.
وكذلك قال أبو العباس في معنى هذه الآية.
والقولُ الثاني: أن يكون المعنى: فنظر فيما نَجَم من
الأشياءِ، فعلم أنَّ لها خالِقاً ومدبِّراً، وأنها تتغيَّرُ، وعلمَ أنَّ ذلك
يلْحقُهُ فقالَ: إني سقيمٌ.
والقول الثالث: ما رواه سعيدٌ عن قتادة أن سعيد بن المسيَّب
قال: نظر إلى نجم، فقال: إني سقيمٌ، فكايد عن دينه.
قال أبو جعفر: والمعنى على هذا القول، فعمِلَ ما يعلمون من
النظر في النجوم، واستدلالهم بها.
قال سعيدُ بن جُبَيْر والضحَّاك: ﴿فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ﴾ أي
مطْعُونٌ، وكانوا يهربون من الطَّاعون قال اللهُ جلَّ وعزَّ ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ
مُدْبِرينَ﴾.
الصافات 37:91
وقوله جلَّ وعز: ﴿فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ﴾.
أي مالَ وعَدَل، ومنه الرَّواغُ، ثم قال ﴿أَلاَ تَأْكُلُونَ﴾؟ تعجباً.
أي فقرَّب إليها الطَّعام، فقال: ﴿أَلاَ تَأْكُلُونَ﴾؟ فلمَّا لم
يرها تأكلُ، قال: أَلاَ تنطقون؟.
وقال أبو مالك: جاء إلى آلهتهم، وكانوا قد جعلوا بين أيديها
طعاماً، فلمَّا لم تُكَلِّمْه قال ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَنْطِقُونَ﴾ فأخذ فأساً
فضرب به حافَّتَيْها، ثم علَّقه في عُنُقِ أكبرها.
الصافات 37:93
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ﴾.
قال أبو جعفر: يجوز أن يكون معنى ﴿باليَمِينِ﴾:
بالقوَّة، كما تقدَّم.
ويجوز أن يريد اليدَ.
وقيل: بيمينه حين قال ﴿وتَالله لأَكِيدَنَّ أصْنَامَكُمْ﴾.
الصافات 37:94
ثم قال جل وعز: ﴿فَأَقْبَلُوۤاْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾.
قال قتادة: أي يمشون.
قال أبو جعفر: يُقال: زَفَّ النَّعَامُ يَزِفُّ: إذا أسْرَع، وذلكَ في أول عَدْوهِ.
ويُقرأ ﴿يُزِفُّونَ﴾: بضم الياء، وأكثرُ أهلِ اللغةِ لا يعرفُهُ.
وقد يجوز أن يكون "أَزَفَّ" صَادَفَ الزَّفيفَ، فيكونُ هذا منه.
وحكَىَ الكسائي أنه قُرِىءَ ﴿يَزِفُونَ﴾ بتخفيف الفاء، وأكثرُ أهل اللغة لا يعرفه أيضاً.
وحَكَى بعضهم أنه قال: وَزَفَ، يَزِفُ: إذا أسرعَ.
الصافات 37:96
ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾.
قال أبو عبيد: أي وما تعملون منه الأصنامَ وتنحتونه، وهو
الخشبُ والحجارةُ وغيرهما.
قال قتادة: وما تعملون بأيديكم.
ويجوز أن يكون "ما" نفياً، أي وما تعملونه، ولكنَّ اللهَ خالقهُ.
ويجوز أن يكون بمعنى المصدر أي وعَمَلكم.
ويجوز أن يكون استفهاماً فيه معنى التوبيخ.
الصافات 37:98
وقوله جلَّ وعز: ﴿فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَسْفَلِينَ﴾.
﴿ٱلأَسْفَلِينَ﴾ الأَذلِّينَ حُجَّةً.
قال قتادة: ما ناظرهم بعد ذلك حتى أهلكهم.
الصافات 37:99
وقوله جل وعز: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.
هاجر إلى الأرض المقدَّسَة.
الصافات 37:102
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ..؟﴾.
قال مجاهد: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ﴾ أي العملَ، أي شبَّ.
وقال غيره: بلغ ثلاثَ عشْرَةَ سنةِ.
﴿قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ؟﴾.
أي إني أرى في المنام أني سأذبحك.
أي أُمِرتُ بهذا في المنام، وجُعل علامةً، إذا رأيتُ ذلكَ أن أذبحك.
ويُقرأ ﴿مَاذَا تُرِي﴾؟ من الصَّبْرِ.
قال أبو إسحق: لم يقل هذا أحدٌ غيرهُ.
وإنما قال العلماء المعنى: ماذا تُشيرُ؟
وقد رُوي في الذبيح أحاديث عن جماعةٍ من أصحاب رسول الله
ﷺ.
وقال بعضُ أهل العلم: الدليلُ على أنه إسماعيل، أن إسماعيل
كان بمكة، وكان الذَّبحُ بمنى.
وهذا لا يلزم، رُوي عن ابن عباس أنه قال: كان الذَّبحُ بالشَّامِ.
وقال عُبيدُ بنُ عُمَيْرٍ: كان بالشام، وإن كان مجاهد قد قال:
كان بمنى.
وقال بعضهم: في القرآن ما يدلُّ على أنه إسماعيلُ صلَّى الله
عليه وسلم، قال الله جل وعز ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ، وَمِنْ وَرَاءِ
إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ فدلَّ بهذا على أن إِسحاق سيعيش، حتى يُولد
له، فكيف يُؤْمرُ بذبحه؟
قال أبو جعفر: وهذا أيضاً لا يثبتُ حُجَّةً، لأنه يجوز أن
يُؤمر بذبحه، وقد علم أنه يولدُ له، لأنه يجوز أن يُحييه اللهُ جلَّ وعزَّ
بعد ذلك.
الصافات 37:103
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾.
قال مجاهد: أي سلَّمَا لأمرِ اللهِ جلَّ وعزَّ.
قال أبو جعفر: وفي حرف عبدالله بن مسعود ﴿فَلَمَّا
سَلَّمَا﴾.
يُقالُ: سلَّم، إذا أعطى بيده ورضي.
* ثم قال تعالى: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي صَرَعه، وهما جبينان، بينهما الجبهةُ.
وجواب "لمَّا" عند البصريِّينَ محذوفٌ، كأنه قال: سَعِدَ.
والواوُ عند الكوفييِّين زائدةٌ، كأنه قال: نَادَيناهُ.
الصافات 37:107
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾.
الذِّبْحُ: المذبوحُ، والذَّبْحُ المصدرُ.
رَوَى ورقاءُ عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كبيرٌ، مُتَقَبَّلٌ.
قال أبو جعفر: ﴿عظيمٌ﴾ في اللغة: يكونُ للكبير، والشريف.
وأهل التفسير على أنه ههنا للشريف، أي المتقبَّل.
الصافات 37:115
وقولُه جل وعزَّ: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ. وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ﴾.
رَوَى سعيدٌ عن قتادَةَ قال: من فرعونَ.
الصافات 37:116
ثم قال جل وعزَّ: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ﴾.
ولم يقل: ونصرناهما، لأن الإِثنين في الأصلِ جمعٌ.
ويجوز أن يكون، كما يُخبر عن الواحد بفعل الجماعة.
وقيل: المعنى: ونصرنا موسى، وهارون عليهما السلام، وقومَهما، على فرعون وقومه، وهذا هو الصوابُ، لأن قبله
﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾.
الصافات 37:117
ثم قال جلَّ وعز ﴿وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ﴾.
رَوَى سعيدٌ عن قتادة قال: التَّوْراةَ.
قال: ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ﴾: الإِسلامَ.
الصافات 37:123
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾.
قيل: إلْيَاسُ: هو إدريسُ.
وقيل: هو من ولد هارون، صلَّى الله عليهما وسلم، واللهُ
جلَّ وعزَّ أعلمُ.
الصافات 37:125
وقوله جلَّ وعز: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ﴾.
قال مجاهد: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً﴾ أي رباً.
وقال الضحاك: هو صنمٌ لهم يُسمَّى بَعْلاً.
قال ابن زيد: كانوا ببعلبكَّ.
وسُئل ابن عباس عن هذا فسكَتَ، فسمع رجلاً ينشُدُ
ضالَّةً، فقال له آخر: أنا بعلُها أي ربُّها، فقال ابن عباس للسائل:
هذا مِثْلُ قوله تعالى ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً﴾ أي ربَّاً.
وحكى ابنُ إسحاقَ أنَّ ﴿بَعْلاً﴾ امرأةٌ كانوا يعبدونها.
قال أبو جعفر: يُقال: هذا بعلُ الدَّار: أي ربُّهَا.
فالمعنى: أَتَدعون رَبَّاً اختلقتُموه، وتَذَرونَ أحسنَ الخَالِقين؟
وأصلُ هذا أنه يُقال لكل ما عَلاَ وارْتَفَع: بَعْلٌ، ومنه قيل:
بَعْلُ المرأةِ، ومنه قيل لِمَا شَرِبَ بماءِ السَّماءِ: بَعْلٌ.
الصافات 37:127
وقوله جلَّ وعز: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾.
قال قتادة: أي في العذاب.
الصافات 37:130
وقوله جلَّ وعز: ﴿سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾.
قال أبو جعفر: من قرأ ﴿سَلاَمٌ عَلَى إِلْيَاسِينَ﴾ ففي قراءته
قولان:
أحدهما: أن يكون ﴿إلْيَاسِينَ﴾ و "إِلْيَاسَ" واحدٌ، كما
يُقال: سِينَاءُ، وسِينِينَ.
والثاني: ويجوز أن يكون جَمَعه مع أهل دينه، كما يُقال: مَهَالبةٌ.
الصافات 37:140
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ. إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾.
أي هَرَبَ.
قال طاووس: لمَّا ركب السفينةَ ركدتْ، فقالوا: إن فيها
رجلاً مشئوماً، فقارعوه فوقعت القرعةُ عليه ثلاث مراتٍ، فرمَوْا به، فالتقمه الحوتُ.
الصافات 37:141
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾.
قال مجاهد: ﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ﴾ أي من المَسْهُومينَ.
قال أبو جعفر: أصلُ أدحضتُه: أزلقتُه.
وقال ابن عُيَيْنة: أي من المقمورين.
الصافات 37:142
ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾.
قال قتادة: أي مسيءٌ.
قال أبو جعفر: يُقال: أَلاَمَ الرجلُ: إذا جاء بما يُلامُ عليه.
الصافات 37:144
وقوله جل وعزَّ: ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ. لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.
رَوَى أبو رَزِين عن ابن عباس ﴿مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ﴾ قال: من المصلِّين.
قال مجاهد: أي في بطن الحوت.
الصافات 37:145
ثم قال جلَّ وعز: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾.
قال يعقوب بنُ إسحاق: قال الفراء: ﴿العَرَاءُ﴾:
المكانُ الخالي، ومنه قولُ اللهِ جلَّ وعزَّ ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾.
قال وقال أبو عُبيدة: العَرَاءُ: وجهُ الأرضِ، وأنشد لرجلٍ
من خزاعة:
رَفَّعْتُ رِجْلاً لا أَخَافُ عِثَارهَا * ونَبَذْتُ بالبَلَدِ العَرَاءِ ثِيَابِي
الصافات 37:146
ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ﴾.
رَوَى عَمْروُ بنُ ميمونٍ عن ابن مسعودٍ قال: هي القرعُ.
وقال مجاهد: هي كلُّ شجرة على وجه الأرض لا ساق لها.
قال أبو جعفر: هذا الذي قاله مجاهدٌ، هو الذي تعرفه
العربُ، يقعُ للقَرْع، والحَنْظَل، والبطِّيخ، والكل ما لم يكن على
ساقٍ، وكأن اشتقاقَه من قَطَنَ بالمكانِ: أي أقامَ به، وأنشدَ سيويه:
* "قَوَاطِناً مَكَّةَ مِنْ وُرْقِ الحَمِي" *
الصافات 37:147
ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾.
قال أبو جعفر: في معنى "أَوْ" أربعةُ أقوالٍ:
١- قال أبو عُبيدة والفرَّاءُ: هي بمعنى: بَلْ.
وهذا خطأٌ عند أكثرِ النحويين الحُذَّاقِ، ولو كان كما قَالاَ
لكان: وأرسلناه إلى أكثرَ من مائةِ ألفٍ، واستغنى عن "أَوْ".
٢- وقال القُتْبِيُّ: "أو" بمعنى الواو.
وهذا أيضاً خطأٌ، لأنَّ فيه بُطْلانَ المَعَانِي.
٣- وقيل: "أو" للإِباحة.
٤- وقال محمد بنُ يزيدَ: "أَوْ" على بابها، والمعنى:
أرسلناه إلى جماعةٍ لو رأيتموهم لقلتم: مائةُ ألفٍ، أو أكثرُ.
ورُوي عن ابن عباس: قال أُرْسِل إلى مائةِ ألفٍ
وثلاثينَ ألفاً.
قال أبو مالك: أقام في بطن الحوت أربعين يوماً.
قال ابن طاووس: أنبتَ الله عليه شجرةً من يقطينٍ وهي
"الدُّبَّاءُ" فكانت تُظِلُّهُ من الشمس، ويأكل منها، فلما سقطتْ
بكى عليها، فأوحى اللهُ جلَّ وعز إليه: أتحزنُ على شجرةٍ، ولا تحزنُ
على مائة ألفٍ أو يزيدون؟ تابوا فلم أُهْلِكهم.
قال سعيدُ بن جُبير: أرسل اللهُ جل وعزَّ على الشجرة
الأَرَضَةَ، فقطَّعَتْ أصولهَا، فحزِن عليها، وذكر الحديث.
قال مجاهد: كانت الرسالة قبل أن يلتقمه الحوتُ.
قال أبو جعفر: حدثنا إبراهيمُ بنُ محمَّدِ بن عَرَفةَ، قال:
حدثنا العباسُ بنُ محمد، قال: حدثنا أبو النعمان محمدُ بن الفضل، قال: حدثنا أبو هلالٍ، قال: حدثنا شهرُ بنُ حَوْشَبَ عن ابن
عباس، قال: إنما كانت رسالةُ يونسَ ﷺ بعد ما نَبَذَهُ الحوتُ، وتلا
هذه الآية ﴿وإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ حتى بلغ إلى قوله
﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قال: كانت الرسالة بعد ذلك.
الصافات 37:148
وقوله جلَّ وعز: ﴿فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ﴾.
رَوَى معْمَرٌ عن قَتادة قال: إلى الموتِ.
الصافات 37:149
وقوله جل وعز: ﴿فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ﴾.
أي فاسألهم سؤال توبيخ.
ورُوي عن جماعةٍ من القراء أنهم قرءوا ﴿اصّطَفَى البَنَاتِ
عَلَى البَنِينَ﴾ بوصل الألف، وأنكر أبو حاتم هذه القراءة.
قال أبو جعفر: وهي جائزةٌ، على أن يكون مردوداً على
القول، وعلى أنه قد يكون التوبيخ بغير ألف استفهام.
الصافات 37:157
وقوله جلَّ وعز ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ. فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
قال السُدِّي: ﴿سُلْطَانٌ﴾ أي حُجَّة ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ﴾
قال: بحُجَّتكم أن كتاباً جاءكم بهذا.
الصافات 37:158
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾.
قال الفراء: ﴿ٱلْجِنَّةِ﴾ ههنا: الملائكةُ، أي قالوا: الملائكةُ
بناتُ اللهِ.
ورَوَى ابنُ أبي نجيح عن مجاهد قال: قالوا: يعني كفَّارَ
قريش - الملائكةُ. بناتُ اللهِ، فقال أبو بكرٍ: فَمنْ أُمَّهاتُهنَّ؟
قالوا: مُخَدَّراتُ الجنِّ.
ورَوَى سعيدٌ عن قتادة قال: قالوا صَاهَرَ اللهُ جلَّ وعزَّ الجنَّ، فوَلدتِ الملائكة.
ورَوَى جوبيرٌ عن الضحاك في قوله تعالى ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾ قال: قالوا: إبليسُ أخو الرحمنِ جلَّ وعزَّ.
وقولُه جل وعزَّ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾.
أي ولقد علمتِ الجِنَّةُ، أن الذين قالوا هذا، لمحضرونَ
العذابَ، كذا قال السُّدِيُّ، وهو صحيحٌ، وكذا كلُّ ما في السورة
من محضرين.
وقال مجاهد: ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ الحِسَابَ، يعني الجِنَّ.
الصافات 37:162
وقوله جل وعز: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ. مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾.
أي ما أنتم به مضلِّين.
﴿إلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجَحِيمِ﴾.
قال ابن عباس: أي لا تُضِلُّون إلاَّ مَنْ سَبقَ في قَضَائي أنه يَضِلُّ.
قال الحسن وإبراهيم، ومحمد بن كعب، والضحاك: هذا
معنى قوله ﴿مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ أي لن تَفْتِنُوا إلاَّ من قَضَيْتُ
عليهِ بذلك.
الصافات 37:164
ثم قال جل وعز: ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾.
قال الشعبيُّ: جاء جبرئيل أو مَلَكٌ إلى النبي ﷺ فقال:
تقوم أدنى من ثُلُثَيِ الليل، ونصفَه، وثُلثَه؟ إن الملائكمة لتصلّي
وتسبِّحُ، ما في السماء مَلَك فارغٌ.
الصافات 37:166
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ. وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ﴾.
قال مجاهد وقتادة: هذا من قول الملائكة.
الصافات 37:168
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ. لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
رُوي عن الضحاك قال: هذا قول مشركي مكة، فلما
جاءهم ذكر الأولين، وعلمُ الآخرين، كفروا به فسوف يعلمون.
قال أبو إسحق: كان كفار قريش يقولون: لو جاءنا ذكرٌ كما
جاء غيرنا من الأولين، لأخلصنا العبادة للهِ عز وجل، فلما جاءهم
كفروا به، فسوف يعلمون مغَبَّةَ كفرهم، وما ينزل بهم من العذاب، والانتقام منهم، في الدنيا والآخرة.
الصافات 37:171
وقوله جل وعز: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ﴾.
أي سبق منا القولُ لرسلنا، إنهم لهم المنصورون، أي مضى
بهذا منا القضاءُ والحكم.
قال الفراء: أي سبقت لهم السعادة، وهي في قراءة عبدالله
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا عَلَى عِبَادِنَا المُرْسَلَينَ﴾.
وقيل: أراد بالكلمة قوله عز وجل ﴿كتبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا
وَرُسُلِي﴾.
الصافات 37:177
وقوله جل وعز: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ﴾.
أي نزل بهم العذاب، ومعنى ﴿بِسَاحَتِهِمْ﴾ أي بدارهم، والسَّاحةُ في اللغة: فناء الدار الواسع.
﴿فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ﴾ أي فبئس صباحُ الذين أنذروا
بالعذاب، وفيه إضمارٌ، أي فساء الصَّباحُ صُباحهم. وفي الحديث
"اللهُ أكبرُ، خربتْ خيبرُ، إنَّا إذا نزلنا بساحة قومٍ، فساء صباح
المنذرين".
الصافات 37:180
وقولُه جلَّ وعز: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ. وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ [آية ١٨٠ - ١٨٢].
نزَّه سبحانه نفسه عما أضاف إليه المشركون من الصاحبة والولد
﴿رَبِّ ٱلْعِزَّةِ﴾ على البدل، ويجوز النصبُ على المدح، والرفعُ بمعنى
هو ربُّ العزة.
وسئل رسول الله ﷺ عن معنى "سبحان الله، فقال: هو
تنزيه اللهِ عن كلِّ سوءٍ".
الصافات 37:181
وقولُه جلَّ وعز: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ. وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ [آية ١٨٠ - ١٨٢].
نزَّه سبحانه نفسه عما أضاف إليه المشركون من الصاحبة والولد
﴿رَبِّ ٱلْعِزَّةِ﴾ على البدل، ويجوز النصبُ على المدح، والرفعُ بمعنى
هو ربُّ العزة.
وسئل رسول الله ﷺ عن معنى "سبحان الله، فقال: هو
تنزيه اللهِ عن كلِّ سوءٍ".
الصافات 37:182
وقولُه جلَّ وعز: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ. وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ [آية ١٨٠ - ١٨٢].
نزَّه سبحانه نفسه عما أضاف إليه المشركون من الصاحبة والولد
﴿رَبِّ ٱلْعِزَّةِ﴾ على البدل، ويجوز النصبُ على المدح، والرفعُ بمعنى
هو ربُّ العزة.
وسئل رسول الله ﷺ عن معنى "سبحان الله، فقال: هو
تنزيه اللهِ عن كلِّ سوءٍ".
ص 38:1
من ذلك قولُه جلَّ وعز ﴿صۤ﴾.
بإسكان الدَّالِ، لأنَّها من حروف التهجِّي، وتُقرأ صَاد.
والأجودُ عند سيبويه فيها الإِسكانُ، ولا تُعْرَبُ، لأن حكمها الوقوفُ عليها، فهىَ مثلُ حروفِ الهجاءِ ﴿الۤم﴾ و ﴿المۤر﴾.
و ﴿صۤ﴾ إذا جعلتَهُ اسماً للسورة لم يَنْصرِف.
قال مجاهد: هو فاتحة السورة.
[وقال قتادة: هو اسم من أسماء الرحمن.
وقال محمد بن كعب: هو مفتاح أسماء الله تعالى "صمد" و "صادق الوعد"].
ورُوي أن الضحاك قال: ﴿صَادْ﴾: صدقَ اللهُ.
وقراءةُ الحسن: ﴿صَادِ﴾ بكسر الدَّالِ، معناها: صَادِ القرآن بعملِكَ.
يُقالُ: صَادَيْتُه أي قَابَلْتُه، وهذا مشهورٌ عند أهل اللغة.
ويجوز أن يكون كُسِرَ لآلتقاء السَّاكِنَيْنِ.
والفتح من ثلاثِ جهات:
أ- قيل منها أن يكون قَسَماً: اللهَ لأفعلنَّ.
ب- ومنها أن يكون بمعنى: اتلُ صَادَ والقرآن.
جـ- ومنها أن يكون فُتِحَ لالتقاء الساكِنَيْن.
والقراءةُ بكسر الدَّال والتنوين، لحنٌ عند أكثر النحويين، وإن كان ابنُ أبي إسحاق من كبراء لنحويَّينَ، إلاَّ أنَّ بعض النحويِّينَ قد أجازها، على أن تُخْفَضَ على القَسَم، أجاز ذلك سيبويه.
وقولُه جلَّ وعزَّ ﴿وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ﴾.
رَوَى سفيانُ عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، ومِسْعَرٌ عن أبي
حُصَينٍ، في قول الله جلَّ وعزَّ ﴿وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ﴾ أي ذي الشَّرفَ.
وهذا مِثْلُ قولهِ جلَّ وعز ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾.
وقيل: معنى ﴿ذِي ٱلذِّكْرِ﴾ فيهِ ذِكْرُ الأممِ، وغيرهم.
فأما جواب القسم فقيل: إنه في قوله ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ
تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ وهذا بعيدٌ جداً، لأنه قد اعترضتْ أقاصيصُ وأخبار.
وقيل: الجوابُ في قوله تعالى ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ
قَرْنٍ﴾.
والمعنى: لَكَمْ أهلكنا، وحُذفت اللاَّمُ كما قال تعالى ﴿قَدْ
أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهُّا﴾ وهو مذهبُ الفراء.
وقيل: الجواب ﴿إِنْ كُلٌّ إلاَّ كذَّبَ الرُّسُلَ﴾.
وقيل: الجوابُ محذوفٌ، أي ما الأمرُ كما يقول هؤلاء الكفَّارُ.
ودلَّ على هذا قولُه تعالى ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ
وَشِقَاقٍ﴾ وهو مذهب قتادة.
وهو أولى الأقوال، لأنَّ "بَلْ" قد حَلَّت محلَّ الجواب، فاستغنى بها عنه.
ص 38:2
ثم خبَّر اللهُ جلَّ وعزَّ بعنادهم وانحرافهم عن الحقِِّ فقال: ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾.
أي خلاف.
ص 38:3
ثم قال جل وعزَّ: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾.
و ﴿كمْ﴾ للتكثير في كلام العرب.
رَوَى أبو إسحاق، عن التميميِّ، عن ابن عباسٍ ﴿وَّلاَتَ
حِينَ مَنَاصٍ﴾: قال: ليس حين نَزْوٍ، ولا فرار.
وقال عكرمة: ليس حين انقلاب.
وقال قتادة: نادوا حين لا حينَ نداء.
قال أبو جعفر: هذه الأقوال متقاربةٌ، أي ليس حين نداءٍ مُنجي.
والمعنى: ليس حين فَوْتٍ، وأصلُه من نَاصَ يَنُوصُ: إذا
تأخَّر، وبَاصَ يَبُوصُ: تقدَّم كما قال الشاعر:
أَمِنْ ذِكْرِ لَيْلَى إِذْ نَأَتْكَ تَنُوصُ * فَتَقْصِرُ عنها تَارَةً وتَبُوصُ
ص 38:5
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾.
عُجَابٌ، وعَجِيبٌ، بمعنىً واحد، كما تقول: طويلٌ، وطُوَالٌ، وكذلك ﴿عُجَّابٌ﴾ قرأ به أبو عبدالرحمن.
ص 38:6
ثم قال جلَّ وعز ﴿وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ﴾.
رَوَى سفيانُ، عن إبراهيمَ بنِ مُهَاجر، عن مجاهد
﴿وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ﴾ قال: هو "عُقْبةُ بنُ أبي مُعَيْطٍ" ﴿أَنِ ٱمْشُواْ﴾ "أَنْ" تفسيرٌ.
ويجوز أن يكون معناه: بأن امشُوا، واصبِرُوا على آلهتكم، فخبَّر اللهُ جلَّ وعزَّ، بإقامتهم على الكفر.
ص 38:7
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ﴾.
رَوَى ابراهيم بن مهاجر عن مجاهد: وعليُّ بنُ أبي طلحة عن
ابن عباس، قالا: ﴿فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾ في النصرانية.
وقال محمد بن كعب: يعنون ملَّة عيسى صلَّى الله عليه وسلَّم.
ورَوَى ابنُ أبي نجيح عن مجاهد ﴿فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾ قال:
ملَّةُ قريش.
وقال قتادة: ﴿فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾ أي ملِّتنا التي نحنُ عليها.
ص 38:9
وقوله جلَّ وعز: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ﴾.
قال أبو جعفر: هذه الآية مشكلةٌ، لذكره هذا بعدما تقدَّم، وفيها قولان:
أحدهما: أنها متَّصلة بقوله ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ
مِنْهُمْ﴾ أي إنَّ اللهَ جلَّ وعزَّ له خزائنُ السَّموات والأرض وملكُهما، فيرسلُ من يشاءُ.
والقولُ الآخر: أنه لمَّا ذكر عِنادَهُمْ، وكفرَهم، وصبرَهَم
على آلهتهم، كان المعنى: أم عندهم خزائن رحمة ربِّك، فيحظروها
على مَنْ يُريدون؟ أم لهم مُلْكُ السَّمواتِ والأرض وما بينهما؟ فقرَّرهم بهذا.
ص 38:10
ثم قال جلَّ وعز: ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ﴾.
أي إن كانوا صادقين فليرتقوا في أبواب السَّموات.
قال مجاهد وقتادة: ﴿الأسبابُ﴾: أبوابُ السَّموات، وقال زهير:
* "وَلَوْ نَالَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّم" *
وقيل: ﴿الأسبابُ﴾: الجِبَالُ، أي فليرتقوا في السماء، حتى يأتوا بآية.
وحَكَى أهلُ اللغةِ أنهُ يقال للدَّيِّنِ الفَاضلِ: ارتقى أسباب
السموات، كما يُقال: قد بلغ السَّماءَ، على التمثيل.
ص 38:11
ثم قال جلَّ وعز: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ﴾.
أي هم جندٌ لهؤلاء الآلهة ﴿مَهْزُومٌ﴾ أي مقموعٌ ذليل، أي
قد انقطعت حجتهم، لأنهم لا يصلون إلى أن يقولوا: هذا لنا.
ويُقال: تَهَزَّمتِ القريةُ: إذا انكسرتْ، وهزمتُ الجيشَ:
كسرْتُهُ، ثم قال ﴿مِّن ٱلأَحَزَابِ﴾ قال مجاهد: أي من الأمم الخالية.
قال أبو جعفر: والمعنى أنهم حِزْبٌ من الأحزاب، الذين تحزَّبوا
على أنبيائهم.
ص 38:12
وقوله جلَّ وعز: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ، وَعَادٌ، وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾.
رَوَى سعيدٌ عن قتادةَ في قوله تعالى ﴿وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾ قال: كانت له أوتادٌ، وأَرْسانٌ، وملاعبُ، يُلعب بها بين يديه.
قال أبو جعفر: وقيل كان يَجْعل الإِنسانَ بين أربعة أوتادٍ، ثم يقتله.
وقال الضحاك: ﴿ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾ ذو البناء المحْكَمِ، كما
قال:
* "فِي ظِلِّ مُلْكٍ ثَابِتِ الأَوْتَادِ" *
ص 38:13
ثم قال جل وعز: ﴿وَثَمُودُ، وَقَوْمُ لُوطٍ، وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ، أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ﴾.
قال قتادة: كان أصحابُ الأيكةِ أصحابَ شَجَرٍ، أكثرهُ من الدَّوْمِ.
ص 38:15
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾.
قال قتادة: ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ أي من رجوعٍ.
وقال قتادة: أي ما لها من مثنويَّة.
وأبو عُبيدة يذهبُ إلى أن معنى ﴿مِن فَوَاقٍ﴾ بفتح الفاء:
من رَاحةٍ، و ﴿فُوَاقٍ﴾ بضم الفاء: من انتظار.
وقال غيرُه: هما لغتان بمعنىً.
وقال السدي: ما لهم بعدها إفاقةٌ، ولا رجوعٌ إلى الدنيا.
قال أبو جعفر: أصلُ هذا من قولهم "فُوَاق النَّاقةِ" وهو ما
بين الحلبتين.
المعنى: أنها لا تلبثهم حتى يموتوا، ولا يحتاج فيها إلى رجوع، وأفاق من مرضه، رجع إلى الصحَّةِ والراحة، وإلى هذا ذهب أبو
عبيدة في قوله: ما لها من راحة.
ص 38:16
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ﴾.
قال سعيد بنُ جبير: ﴿قِطَّنَا﴾ أي نصيبنا من الجنة.
وقال الحسن: أي عقوبتنا.
وقال مجاهد: أي عذابنا.
وقال قتادة: أي نصيبنا من العذاب.
وقال عطاء الخراساني: أي قضاءنا أي حسابنا.
قال أبو جعفر: أصلُ هذا من قولهم: قَطَطْتُ الشيءَ أي
قطَعْتُه، فالمعنى: عجِّلْ لنا نصيبنا أي ما قُطع لنا.
ويجوز أن يكون المعنى: عجِّلْ لنا ما يكفينا، من قولهم:
قَطْني من هذا أي يكفيني.
ويُروى أنهم قالوا هذا لمَّا أنزل اللهُ جلَّ وعز ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِي
كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ استهزاءً، وهذا كما قال:
* "... يُعْطِي القُطُوطَ ويَأْفِقُ". *
يعني الكتب بالجوائز.
ص 38:17
ويدلُّ على هذا قولُه تعالى ﴿ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾.
* ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾.
قال سعيدُ بنُ جبيرٍ ومجاهدٌ وقتادةُ: أي ذَا القُوَّة في طاعةِ اللهِ
جلَّ وعزَّ.
قال أبو جعفر: الأَيْدُ، والآدُ، في اللغة: القوَّةُ، وأيَّدهُ:
قوَّاه، فَاْنآدَ، كما قال:
* "لَمْ يَكُ يَنْآدُ فأَمْسَى انْآدَا" *
* ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ قال مجاهد: أي راجع عن الذنوب.
وقال قتادة: أي مطيع.
قال أبو جعفر: يُقال: آبَ، يؤوبُ، فهو آيبٌ: إذا
رَجَع، وأوَّابٌ: على التكثير.
ص 38:18
ثم قال جلَّ وعز: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ﴾.
إشراقُ الشمس: ضوءُها وصفاؤها.
ص 38:19
ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾.
يجوز أن يكون المعنى: كلٌّ للهِ جلَّ وعزَّ أوَّابٌ، يعني داودَ، والجبالَ، والطَّيرَ.
ويجوز أن يكون المعنى في ﴿كلٍّ﴾ للجبالِ، والطير، أي
تُرَجِّع مع داودَ التسبيح.
ص 38:20
ثم قال جل وعز: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ﴾.
قال مجاهد: لم يكن في الأرض سلطانٌ أعزُّ من سلطانِهِ.
قال السُدّي: كان يحرسه في كل ليلةٍ أربعةُ آلافٍ.
وقيل: ﴿شَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ بأنَّ الوحي كان يأتيه، وهذا عن
ابن عباس.
وقد رَوَى عكرمةُ عن ابن عباس: أن رجلين اختصما إلى
"دَاودَ" ففال المستعدِي: إن هذا اغتصبني بقراً، فجحَدَهُ الآخر، فأوحى اللهُ إلى "داود" أن يقتل الذي استعَدَى عليهِ، فأرسلَ داود
إلى الرجل إن الله قد أوحى إليَّ أن أقتلك، فقال الرجل: أتقتلني بغير
بيِّنةٍ؟ فقال: لا يُرَدُّ أمرُ اللهِ فيكَ، فلَّما عرف الرجلُ أنه قاتلهُ قال:
واللهِ ما أُخِذْتُ بهذا الذنبِ، ولكنّي كنتُ اغْتَلتُ والدَ هذا فقتَلْتُه، فأمر به "داودُ" فقُتِلَ، فاشتدَّت هيبةُ بني إسرائيل عند ذلك له، وهو قولُ اللهِ عز وجل ﴿وَشَدَدْنَا مُلكَهُ﴾.
* ثم قال جلَّ وعزَّ ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ﴾.
قال أبو العالية: أي المعرفة بكتاب اللهِ جلَّ وعزَّ.
وقال السُدِّي: النبوَّة.
وقال مجاهد: هو عدلُه.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ﴾.
قال الحسن: أي الفهمَ في القضاء.
وقال أبو عبد الرحمن وقتادة: أي وفَصْل القضاء.
وقال شُرَيْح والشعبيُّ وكعبٌ: الشهودُ والأيمانُ.
وكذلك روى الحَكَم عن مجاهد.
ورَوَى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ما قال أُنُفِذ.
وقال الشعبي: ﴿فصلُ الخِطَابِ﴾: أمَّا بعدُ.
قال أبو جعفر: الخطابُ في اللغةِ، والمخاطبةُ، واحدٌ.
فالمعنى على حقيقةِ اللغة: أنه يَفْصِلُ أي يقطع المخاطبة، بالحكم الذي آتاه اللهُ إيَّاه، ويقطع أيضاً فصلها في الشهودِ والأيمان.
وقيل ﴿وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ﴾: البيانُ الفاصلُ بين الحقِّ والباطل.
ص 38:21
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾.
تسوَّروا أي عَلَوْا، والمحرابُ كلُّ مكان مرتفع.
وقيل: محرابٌ للذي يُصَلَّى إليه على التمثيل، أي هو أرفعُ
موضعٍ في المسجد.
و "خَصْمٌ" يقعُ للواحد، والاثنين، والجمع بلفظٍ واحدٍ على
معنى "ذو خصْمٍ".
ولا اختلاف بين أهل التفسير أنه يُراد به ههنا مَلَكان.
ص 38:22
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾.
قيل: دخلا عليه ليلاً في غير وقت الخصومة، فلذلك قال:
﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾.
وقيل: فزع منهما، لدخولهما من غير الباب، الذي كان منه المدخل.
وقوله جلَّ وعزَ ﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾.
على جهة المسألة كما تقول: رجلٌ يقول لامرأته كَذَا ما يجب
عليه؟
* ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾.
﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ﴾ أي بالعدل ﴿وَلاَ تُشْطِطْ﴾ أي
ولا تَجُرْ، يُقال: أشطَّ يُشِطُّ إذا جار، وشطَّ يَشِطُّ إذا بَعُدَ.
وقد قُرىء ﴿وَلاَ تَشْطُطْ﴾ أي لا تبعد في الحكم، كما
قال الشاعر:
شَطَّتْ مَزَارُ العَاشِقِينَ فَأَصْبَحَتْ * عَسِرَاً عَلَيَّ طِلاَبُها ابْنَةَ مَخْرَمِ
﴿وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ ﴾ أي إلى قصدِ السَّبِيلِ.
وقال تعالى ﴿اهْدِنَا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ بغير "إلى"
والعربُ تحذف حرف الخفضِ مما يتعدَّى إلى مفعولين كما قال الشاعر:
ومنَّا الَّذِي اختيرَ الرجالَ سَمَاحَةً * وبِرَّاً إذَا هَبَّ الرِّياحُ الزَّعَازِعُ
وقيل: معنى ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾ أعلمنا الصراطَ، ومعنى
﴿اهدِنا إلى الصِّرَاطِ﴾ أرشدنا إلى الصراط.
ص 38:23
ثم قال عز وجل ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
قال وهبٌ: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي﴾ أي على ديني ﴿لَهُ تِسْعٌ
وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ والعربُ تَكْنِيِ عن المرأة: بالنَّعْجَةِ، والشَّاةِ، كما
قال الشاعر:
فَرَميْتُ غَفْلةَ عَيْنِهِ عنْ شَاتِهِ * فَأَصَبْتُ حَبَّةَ قَلْبِهَا وَطِحَالَهَا
وفي قراءة ابنِ مسعود: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي كانَ لَهُ تِسْعٌ
وتِسْعُونَ نَعْجَةً أُنْثَى﴾.
و "كان" ههنا مثل قوله ﴿وكان اللهُ غَفُورَاً رَحِيمَاً﴾
فأما قوله "أنثى" فقيل: هو على جهة التوكيد.
وقيل: لمَّا كان يُقال: هذه مائةُ نعجةٍ، وإن كان فيها من
الذكور شيءٌ يسير، جاز أن يُقال: أنثى، ليُعلم أنه لا ذكر فيها.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾.
قد جاءت أخبارٌ وقِصصٌ في أمر "داودَ" ﷺ و "أُوْريَا"
وأكثرُهَا لا يصحُّ، ولا يتَّصلُ إسناده، ولا ينبغي أن يُجترأَ على مثلها، إلاَّ بعد المعرفة بصحتها.
وأصحُّ ما رُوي في ذلك ما رواه مسروقٌ عن عبدالله بن
مسعود قال: "ما زادَ دَاوُدُ ﷺ على أن قال ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾ أي
انزْل لي عنها".
وَروَى المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "ما
زادَ داودُ أن قال ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾ أي تحوَّلْ لي عنها، وضُمَّها
إليَّ".
قال أبو جعفر: فهذا أجلُّ ما رُوي في هذا.
والمعنى عليه: أن داود عليه السلام سأل "أُوْريَّا" أن يُطلِّق له
امرأته، كما يسأل الرجلُ الرجلَ أن يبيعه جاريته، فنبَّههُ اللهُ جلَّ وعزَّ
على ذلك وعاتَبَه، لمَّا كان نبياً، وكان له تسع وتسعون، أنكر عليه
أن يتشاغل بالدنيا، وبالتزيُّد منها، فأما غيرُ هذا فلا ينبغي الاجتراءُ عليه.
ومعنى ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾ إنزلْ لي عنها، واجعلني كافِلَها.
قال الضحاك: ﴿وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾ أي قهرني.
وفي قراءة عبدالله ﴿وَعَازَّنِي﴾.
قال أبو جعفر: يُقال: عازّه اي غالبه، وعزه أي علبه.
قال الحسن: أي قَهَرهُ في المحاورة.
قال أبو جعفر: ومنه قولهم "من عزَّ بزَّ".
ومنه قول زهير:
* "فَعَزَّتْه يَدَاهُ وَكَاهِلُهُ" *
ص 38:24
ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ﴾.
المعنى: بسؤالِه نعجتَكَ كما قال تعالى ﴿لاَ يَسْأَمُ الإِنسَانُ مِنْ
دُعاءِ الخَيْرِ﴾.
ومعنى ﴿إِلَىٰ نِعَاجِهِ﴾ أي مضمومةً إلى نعاجه.
﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ﴾.
أي الشركاء، والخليط: الشريكُ.
* ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾.
أي أيقن.
وقرأ قتادة ﴿أَنَّمَا فَتَنَاهُ﴾ بتخفيف النون، يعني المَلَكَيْنِ، وقال: معناه: صَمَدَا له.
﴿فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً﴾ قال أبو الأحوص والحسنُ: خرَّ ساجداً.
وقال مجاهد: سجد أربعين يوماً، من قبل أن يسألَ ربَّه شيئاً.
قال سفيان: يُروى أنه أقام أربعين يوماً، لا يرفع رأسه، إلاَّ
لصلاةٍ، أو حاجةٍ، لا بدَّ منها.
قال قتادة: ﴿وَأَنَابَ﴾ أي تابَ.
ص 38:25
وقوله جلَّ وعز: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾.
قال الضحاك: ﴿لَزُلْفَىٰ﴾ أي منزلةً رفيعة.
قال أبو جعفر: الزُّلفى في اللغة: القُربةُ، ومنه قولُه تعالى
﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ ومنه قوله:
مَرَّ اللَّيالِي زُلَفَاً فَزُلَفَا * سَمَاوَةَ الهِلاَلِ حتَّى احْقَوقفا
أي ساعةً تقرب من أُخرى.
ثم قال ﴿وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾ قال الضحاك: أي وحُسنَ مرجعٍ.
ص 38:26
ثم قال جلَّ وعز ﴿يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ﴾.
يُقال: إنه من هذا جاز أن يُقال خلفاء.
* وقوله جل وعزَّ ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ﴾.
﴿بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ﴾ أي تركوا العمل له، وكانوا
ناسين له، هذا مذهب السدي.
وقال عكرمة: هذا من التقديم والتأخير، أي لهم يَوم الحسابِ
عذابٌ شديد ﴿بِمَا نَسُواْ﴾ أي بما تركوا أمرَ اللهِ عز وجل، والقضاءَ بالعدل.
ص 38:27
ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾.
أي لمَّا قالوا: إنه لا حسابَ، ولا جنةَ، ولا نار، قيل
لهم هذا.
فأخبرَ أنه يُعذِّبهم على ذلك.
ص 38:29
وقوله جلَّ وعز: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾.
على إضمار هذا.
* ثم قال تعالى: ﴿لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ﴾ أي ليفكروا في عواقب ما
يكون منه ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ أي العقول.
ص 38:30
وقوله جل وعز: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾.
فيه سبعة أقوال:
أ- قال ابن السيب: ﴿الأَوَّابُ﴾: الذي يُذنِبُ ثم
يتوبُ، ثم يُذنبُ ثم يتوب.
ب- وقال سعيد بن جبير: ﴿الأَوَّابُ﴾: المسبِّح.
ج- وقال قتادة: المطيعُ.
د- وقال عُبيدُ بنُ عُمَيْرٍ: الذي يذكر ذنبه في الخلاءِ، فيستغفرُ منه.
هـ- وقيل: الرَّاحمُ.
و- وقيل: التائب.
ز- وقال أهل اللغة: الرجَّاع الذي يرجعُ إلى التَّوبةِ.
ص 38:31
وقوله جل وعز: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾.
قال مجاهد: ﴿ٱلصَّافِنَاتُ﴾ من الخيل: التي ترفع إحدى
يديها، وتقف على ثلاث.
وقال الفراء: الصَّافِنُ: القائم.
وهذا المعروفُ في كلامِ العرب.
قال مجاهد: الجيادُ: السِّرَاعُ.
ص 38:32
وقولُه جلَّ وعز: ﴿فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي﴾.
قال الفراء: الخيرُ في كلام العرب، والخيلُ واحدٌ.
قال أبو جعفر: في الحديث الشريف (الخيلُ في نَواصيها الخيرُ
إلى يومِ القيامةِ).
فكأنها سميت خيراً لهذا.
وفي الحديث (لمَّا وفد زيد الخيلِ على النبيِّ ﷺ فقال له:
أنت زيدُ الخيرِ).
وهو "زيد بن مُهَلْهَل" الشاعر.
قال الفراء: المعنى: إني آثرتُ حبَّ الخير.
قال أبو جعفر: أحسنُ ما قيل في هذا أن المعنى: إني أحببتُ
حبَّ الخير حبَّاً، فأَلْهاني عن ذكرِ ربِّي.
قال قتادة: عن صلاة العصر.
* ثم قال جلَّ وعز ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾.
أحدهما: أن المعنى حتى توارث الشَّمسُ، وأنه قد عُرف
معنى الضمير، كما قال:
عَلَى مِثْلِها أَمْضِي إذَا قالَ صَاحِبِي * أَلاَ لَيْتَنِي أَفْديكَ مِنْهَا وأَفْتَدي
أي منها، يعني من الفَلاَة، ولم يَجْرِ لها ذكر.
قال أبو إسحق: لما قال: ﴿بالعَشِيّ﴾ كان المعنى بعد زوال
الشمس، فجيء بالضمير على هذا.
ورَوَى أبو اسحقَ عن الحارث، عن عليٍّ رضي الله عنه، قال "الصَّلاَةُ التي فرَّط فيها سليمان صلاةُ العصرِ".
وقيل: حتى توارتْ بالحجاب، يعني الخيل.
ورَوَى سعيد بن مسروق عن عكرمة قال: كانت الخيلُ التي
شُغل بها سليمانُ، عشرين ألف فرسٍ، فَقَطَّعها.
ص 38:33
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ﴾.
قال الحسن: في قوله تعالى ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ﴾ فَقَطَّع أَسْوُاقَها وأعْنَاقها، فأبْدَله اللهُ جلَّ وعزَّ مكانَها خيراً منها.
وقيل: معنى ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً﴾: أقبلَ يمسحُهَا بيده، من
غير قتلٍ، كما رَوَى ابنُ طلحة عن ابن عباس قال: يقول: جعل
يمسحُ أعرافَ الخيلِ، وعراقيبهَا، حُبَّاً لَهَا.
ومن قال: قَتَلَهَا، فذلك على أنه ذكاةٌ، أو أنه أُبيح ذلك، كما رُوي عن عبدالله بنِ عمر، أنه أعجبَهُ غلامٌ فأعتقه.
ص 38:34
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ﴾.
قد رُويتْ في ذلك أخبارٌ:
أ- منها أن شيطاناً غَلَبَ على ملكه أيَّاماً.
ب- ومنها أن الشَّياطينَ قتلتْ ابنَه، خوفاً من أن يملكهم
بعده، وألقَتْهُ على كرسيِّه، واللهُ أعلمُ بما كان من ذلك.
والكلامُ يوجب أنه أُزيل ملكه، فجلس آخرُ على كرسيِّه.
ص 38:35
وقوله جلَّ وعز: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ﴾.
أي أعطني فضيلةً ومنزلة كما قال إبراهيم ﴿رَبِّ أَرِني كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى﴾؟
ص 38:36
وقوله جل وعز: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ﴾.
قال قتادة: الرُّخاء: الليِّنةُ.
قال الحسن: الرُّخاءُ: ليست بعاصفةٍ، ولا هيِّنةٍ، بين ذلك.
ورَوَى عليُّ بنُ أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى
﴿رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ﴾: قال: مطيعةً حيث أراد.
حَكَى الأصمعيُّ: أصابَ الصَّواب، فأخطأ الجواب.
أي أراد الصَّوابَ، وحقيقتُه في اللغة أنه بمعنى قَصَد، من
قولهم: أَصبْتَ، أي قصدتَ فلم تُخْطِىء.
ص 38:37
ثم قال جل وعز: ﴿وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ﴾.
أي مَنْ يبني له المحاريب والتماثيل، ومن يغوص في البحر، فيخرِجُ الحِلْيةَ.
ص 38:38
وقوله جل وعز: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ﴾.
قال قتادة: أي في الأغلال.
قال أبو جعفر: يُقال: صَفَدْتُ الرجلَ إذا شَدَدتَه، وأصفدتُه: أعطيتُه.
ص 38:39
ثم قال جل وعزَّ: ﴿هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
قال الحسن والضحاك: ﴿هَـٰذَا عَطَآؤُنَا﴾: المُلْكُ، فأَعْطِ وامْنَعْ.
وقال قتادة: هؤلاء الشياطينُ، فاحبسْ من شئتَ، وسرِّحْ
من شئتَ.
وعن ابن عباس: كان له ثلاثُمائةِ امرأةٍ، وتسعُمائةِ سُرِّيةٍ، هذا عطاؤنا.
قال أبو جعفر: وأولاها الأوُل، لأن الأول مشتملٌ على كلِّ ما
أُعطي، وهو عقيب تلك الأشْياءِ.
ورَوَى سفيانُ عن أبيهِ، عن عكرمةَ، عن ابن عباس
﴿فَٱمْنُنْ﴾ أي أعطِ، ﴿أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: أي أمسِكْ
فليس عليك حساب.
ورَوَى ابنُ أبي نجيح، عن مجاهد ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: أي
بغير حَرَجٍ.
وقال الحسن: ليس أحدٌ ينعم عليه بنعمةٍ، إلاَّ وهو يُحاسب
عليها، إلاَّ سليمان، ثم قرأ ﴿هَـٰذَا عَطَآؤُنَا﴾ أي بغير نقتير.
ويجوز أن يكون بمعنى: لا يُحاسب عليه.
ص 38:40
ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ﴾.
قال قتادة: أي حسنُ مصيرٍ.
ص 38:41
ثم قال جل وعزَّ: ﴿وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ، إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ، أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾.
ويُروى عن الحسنِ، والجُحْدرِي، وأبي جعفر
﴿بِنَصَبٍ﴾ بفتح النون والصَّاد، وهما عند أكثر أهل اللغة بمعنى
واحد، كما يُقال: حُزْنٌ، وَحَزَنٍ، إلاَّ أن القتبيَّ حكى أنَّ أبا عُبيدة
قال: النُّصْبُ: الشَرُّ، والنَّصَبُ: الإِعياء.
قال أبو جعفر: يُقال: أَنْصَبه، يُنْصِبهُ: إذا عذَّبه
وآذاه، ومنه:
* "كِلِينِي لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةُ نَاصِبِ" *
قال أبو جعفر: وأحسنُ ما قيل في معنى ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ
الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ ما رواه يوسفُ بنُ مهران عن ابن عباس
قال:
"لمَّا أصابَ أيُّوبَ ﷺ البلاءُ، أخذ إبليسُ تابوتاً، وقعد على
الطريق يداوي النَّاسَ، فجاءته امرأة أيوب، فقالت: أتُداوي رجلاً، به عِلَّةُ كَذَا، وكَذَا؟ فقال: نعم بشرطٍ واحد، على أنِّي إذا شَفَيْتُه
قال لي: أنتَ شفيتَنِي، لا أريدُ منه أجراً غيرَ هذا.
فجاءت امرأةُ أيُّوبَ إلى أيُّوبَ فأخبرتْهُ، فقال لها: ذاكِ
الشيطانُ، واللهِ لئن بَرْأَتُ لأضربنَّكِ مائةً، فلما بَرَأ، أخذ شِمْرَاخاً
فيه مائة، فضَرَبَها به ضَرْبةً".
قال أبو جعفر: فمعنى النُّصْبِ على هذا، هو ما ألقاه إليه، أي يكون شيئاً وسوس به.
فأمَّا قولُ من قال: إنَّ "النُّصْبَ" ما أصابَه في بَدَنه، و "العَذَابُ" ما أصابَهُ في مالِهِ، فبعيدٌ.
قال مجاهدٌ عن ابن عباس: ضَرَبَها بالأَسَلِ.
قال قتادةُ: أخذ عُودَاً، فيه تسعةٌ وتسعون عوداً، وهو تمامُ
المائة، فَضَرَبها به.
قال مجاهدٌ: هذا له خاصٌّ.
وقال عطاءٌ: هذا لجميعِ النَّاسِ.
قال أبو جعفر: البيِّنُ من هذا أنه خاصٌّ، لأنه قال
﴿وَلاَ تَحْنَثْ﴾ فأسقطَ عنه الحِنْثَ، وقال اللهُ جلَّ وعزَّ
﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ومن جُلِدَ بشمراخٍ فيه مائةٌ، فإنما
جُلدَ جَلدةً واحدةً.
ص 38:45
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقَ، وَيَعْقُوبَ، أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ﴾.
رَوَى عليُّ بنُ أبي طَلْحَة، عن ابن عباس ﴿ أُوْلِي ٱلأَيْدِي﴾
قال: القوَّةُ، والعبادةُ ﴿وَٱلأَبْصَارِ﴾ قال: الفقهُ في دينِ اللهِ جل وعزَّ.
قال أبو جعفر: واحدُ "الأَيْدِي" يدٌ، واليدُ تقعُ للقُوَّةِ.
وفي قراءة عبدالله بن مسعود: ﴿أُوْلِي ٱلأَيْدِي﴾ بلا ياءٍ.
وهذا بيِّنٌ من قولهم: أيَّدَهُ إذا قَوَّاه.
ص 38:46
ثم قال جل وعز: ﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ﴾.
قال قتادة: أي يُذَكِّرون بالآخرة، وبطاعةِ اللهِ جلَّ وعزَّ.
قال أبو جعفر: وهذا قولٌ بيِّنٌ، أي إنهم يُزهِّدون في الدنيا، ويُرغِّبون في الآخرة، وكذا الأنبياءُ صلَّى الله عليهم وسلم.
وقال الضحاك: أي بخوفِ الآخرة.
قال أبو جعفر: والمعنى على هذا القول: أنهم يَذْكُرونَ
الآخرةَ، ويَرْغَبُون فيها، ويَزْهَدُونَ في الدنيا.
وهذا القولُ ظاهرُ معنى الكلمة.
وقد يكون من صفتهم أيضاً الترغيبُ في الآخرة.
وهذان التأويلان على قراءةِ من قرأ بالتنوين.
ومن أضاف قال معناه: أخلصناهم بأفضل ما في الآخرة.
هذا قول ابن زيد.
والمعنى على هذا القول: أنهم يُذكِّرون بالآخرة، ويُرغّبونَ فيها، ويُزهِّدون في الدنيا.
وفي القراءة بالإِضافة قولٌ آخر، وهو قول مجاهد، يكون
المعنى: إِنَّا أخلصناهمْ بأن ذَكَرنا الجنَّة لهم.
ص 38:47
ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ﴾.
أي هم مصطفَونَ من الذُّنوبِ، والأدناسِ.
ص 38:48
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ﴾.
قال الأشعري: قيل "ذو الكِفْلِ" لأنه كفل بعمل رجلٍ
صالح، كان يصلِّي في كل يوم مائةَ صلاةٍ، فأثنى اللهُ جلَّ وعزَّ عليه
بحسن كفالته، ولم يكن نبيَّاً.
وقيل: كَفَل لبعضِ الملوك بالجنة، وكتب له كتاباً بذلك.
والكِفْلُ في اللغة: النَّصيبُ، والحظُّ.
ص 38:49
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ، وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾.
﴿هَـٰذَا ذِكْرٌ﴾ أي شرفٌ، وذكر حَسَنٌ في الدنيا.
ثم قال ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي لهم مع الذِّكرِ
الحسنِ في الدنيا، حسنُ مرجعٍ في الآخرة.
ص 38:50
ثم بيَّن ذلك فقال ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ﴾.
أي أبوابها.
ص 38:52
وقوله جل وعز: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾.
رَوَى سعيد عن قتادة قال: قَصرْنَ طرفهنَّ على أزواجهنَّ، فلا يُردن غيرهم.
قال أبو جعفر: وأنشد أهلُ اللُّغةِ:
مِنَ القَاصِرَاتِ الطَّرْفِ لَوْدَبَّ مُحْوِلٌ * مِنَ الذَرِّفَوْقَ الأِتْبِ مِنهَا لأَثَّرا
الإِتْبُ: الجلدُ.
* ثم قال تعالى: ﴿أَتْرَابٌ﴾.
قال قتادة على سِنٍّ واحدةٍ.
قال مجاهد: أي أمثالٌ.
وَحَكَى السُّدّيُ: متواخياتٌ، لا يتعادَيْنَ، ولا يتغايَرْنَ.
ص 38:54
وقوله جلَّ وعز ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾.
أي انقطاع.
قال السدي: كلَّما أُخذ منه شيءٌ، عاد مثلُه.
ص 38:57
وقوله جل وعز: ﴿هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾.
يجوز أن يكون المعنى: هذا حميمٌ وغسَّاقٌ، فلْيذُوقوه.
ويجوز أن يكون المعنى: هذا فلْيذوقوه، منه حميم، ومنه
غسَّاقٌ، كما قال الشاعر:
لهَا مَتَاعٌ وأَعْوَانٌ غَدَوْنَ لَهَا * قِتْبٌ، وَغَرْبٌ إِذَا مَا أُفْرِغَ انْسَحَقَا
قال قتادة: كنا نُحَدَّثُ أن الغَسَّاق: ما يسيلُ من بين
الجلدِ، واللحم.
قال الفراء:- وهو مذهب الضحاك - قيل: الغسَّاقُ شيءٌ
باردٌ، يُحرق. كما يُحْرِقُ الحميمُ.
قال أبو جعفر: قولُ قتادة أولى، لأنه يُقال: غَسَقَتْ عينُهُ:
إذَا سالتْ.
وقال ابن زيد: الحميمُ: دموعُ أعينهم، يُجْمعُ في حياضِ
النَّارِ، يُسْقَوْنَه.
والغسَّاقُ: الصَّديدُ الذي يخرجُ من جلودهم.
والاختيار على ذلك ﴿غَسَّاقٌ﴾ حتَّى يكون مثل سَيَّال.
ص 38:58
ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾.
وقرأ مجاهد، وأبو عمروِ بن العلاء ﴿وَأُخَرُ مِنْ شَكْلِهِ﴾.
وأنكَر أبو عَمْروٍ ﴿آخرُ﴾ لقوله ﴿أَزْوَاجٌ﴾ أي لا يُخبر
عن واحدٍ بجماعة.
وأنكر عاصمٌ الجحدريُّ ﴿وَأُخَرُ﴾ قال: ولو كانت
﴿وأُخَرُ﴾ لكان من شكلها.
قال أبو جعفر: كِلاَ الرَّدَّيْن لا يلزمُ، لأنه إذا قرأ ﴿وأُخَرُ منْ
شَكْلِهِ﴾ جاز أن يكون المعنى: وأُخَرُ من شكل ما ذكرنا.
وأُخَرُ من شكل الحميم.
وأُخَرُ من شَكْلِ الغَسَّاق.
وأن يكون المعنى: وأُخَرُ من شكل الجميع.
ومن قرأ ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ﴾ فقراءتُه حسنةٌ، لأن المعنى
للفعل، وإذا كان المعنى للفعل، خُبِّر عن الواحد باثنين، وجماعة، كما تقول:
عذابُ فلانٍ ضربان، وعذابهُ ضُرُوبٌ شتَّى.
ويجوز أن يكون ﴿أَزْوَاجٌ﴾ لحميم، وغسَّاقٍ، وآخَر.
قال قتادة ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾: من نَحْوِه.
قال يعقوبُ: الشَّكْلُ: المِثْلُ، والشِّكْلُ: الدَلُّ.
قال عبدُاللهِ بن مسعود: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾: الزَّمهريرُ.
حدثنا محمد بن جعفر الأنباري، قال: حدثنا الحسنُ بن
محمد الزعفراني، قال: حدثنا إسماعيلُ بن عُلَيَّة، عن أبي رجاء، عن الحسن في قوله ﴿أَزْوَاجٌ﴾ قال: ألوانٌ من العذاب.
ص 38:59
ثم قال جل وعز: ﴿هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ﴾.
﴿هَـٰذَا فَوْجٌ﴾ أي جماعةٌ وفرقة ﴿مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾ أي شيءٌ
بعد شيءٍ ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ﴾.
[﴿لاَ مَرْحَباً﴾ بمعنى: لا أصبتَ رَحْبَاً أي سعةً، بمعنى
لا اتِّسعتْ منازلُهم في النار].
الفرَّاءُ يذهب إلى أنَّ الكلام معترض، وأن المعنى: قالوا لا
مرحباً بهم.
ص 38:61
وقولُه جلَّ وعز: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ﴾.
قال عبدالله بن مسعود: يعني الحيَّاتِ والأفاعي.
ص 38:62
ثم قال جل وعز: ﴿وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ. أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً﴾ [آية ٦٢، ٦٣].
ويُقرأ ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾؟ على الاستفهام.
وفي القراءة الأولى قولان:
أحدهما: وهو قول الفراء: أنها على التوبيخ والتعجُّبِ، قال:
والعربُ تأتي بالاستفهام في التوبيخ والتعجب، ولا تأتي به.
والقول الآخر: وهو قولُ أبي حاتم أن المعنى: وقالوا ما لنا لا
نرى رجالاً اتَّخَذْنَاهم سِخْرياً؟ يجعله نعتاً للرجال.
ومعنى "سُخْرِي" و "سِخْري" عند أكثرِ أهلِ اللغةِ واحدٌ، إلاَّ أبا عَمْروٍ، فإنه زعم أن ﴿سِخْرِيّاً﴾ يسخرون منهم، و ﴿سُخْرِيّاً﴾ يُسخِّرونهم ويستذلُّونهم.
ص 38:63
ثم قال جلَّ وعز: ﴿ أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار﴾.
رَوَى ليثٌ عن مجاهد ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لاَ نَرَى رِجَالاً﴾ قال:
قال أبو جهلٍ والوليدُ بنُ المغيرة ﴿مَا لَنَا لاَ نَرَى رِجَالاً﴾؟ قال:
قالوا: أين سلمانُ؟ أينَ خَبَّابٌ؟ أينَ بلالٌ؟ أين عمَّارٌ؟.
ورَوَى ابنُ أبي نجيح عن مجاهد قال ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً﴾
فأخطأنا، أمرهم في النَّارِ فزاغتْ أبصارُنَا عنهم؟.
قال أبو جعفر: وهذا قولٌ حسنٌ، لأنَّ "أَمْ" للتَّسويةَ، فصار المعنى على قوله: أأخطأنا، أم لم نُخطِىءْ.
وقيل: هي بمعنى "بَلْ".
والقراءةُ بوصلِ الألفِ، بيِّنةٌ حسنةٌ.
ص 38:68
وقوله جل وعزَّ: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾.
قال مجاهد: يعني القرآن.
ص 38:69
وقوله جل وعز: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾.
قال الحسن: يعني الملائكةَ، اختصموا - كما أخبر تعالى
عنهم بقوله - ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن
طِينٍ﴾.
أي حين خلق آدم عليه السلام بيده.
قال أبو جعفر: وفي الحديث "يختصمون في الكفَّارات: وهي
إسباغُ الوضوء في المكارهِ، وانتظارُ الصَّلاةِ بعدَ الصَّلاةِ".
قال أبو جعفر: المَلأُ في اللغة: الأشرافُ والأفاضلُ، كأنهم
مليئون بما يُسند إليهم.
وقد قيل: يجوز أن يكون يعني بالملأ الأعلى ههنا: الملائكةُ، ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ يعني قريشاً، لأن منهم من قال: الملائكةُ بناتُ
الله جلَّ وعز، فأعلم الله جلَّ وعزَّ النبيَّ ﷺ ذلك، وأعلمه أنهم
عبادهُ، وأنهم ﴿لاَ يسْتكبِرُون عن عبادَتِه ولا يَسْتَحسِرون﴾.
وقيل: يجوز أن يُراد بالملأ الأعلى ههنا: أشرافُ قريشٍ، إذ
يختصمون فيما بينهم، فيوحي اللهُ عز وجل إلى النبي ﷺ بذلك، واللهُ أعلمُ بما أرادَ.
وأولى ما قيل فيه، ما قاله ابن عباس والسُدّي وقتادة: أنَّ
الملأ الأعلى ههنا الملائكةُ، اختصموا في أمر آدَم عليه السلام حين
خُلق، فقالوا: لا تجعلْ في الأرض خليفة؟
ص 38:70
ثم قال جلَّ وعز: ﴿إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾.
يجوز أن يكون المعنى: إلاَّ إِنذارُ.
وأن يكون المعنى: إلاَّ بأنما أنا نذيرٌ مبين.
ص 38:74
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
قال الضحاك قال ابن عباس: كان إبليسُ من أشرافِ
الملائكة، وكان خازنَ الجِنَانِ، وكان أميناً على السَّماءِ الدنيا والأرضِ
ومن فيهما، فأعجبته نفسُه، ورأى أنَّ له فَضلاً على الملائكة، ولم
يعلم بذلك أحدٌ إلاَّ اللهُ جلَّ وعزَّ، فلما أمر الله جلَّ وعزَّ المَلائكة
بالسجود لآدم، امتنع وظهر تكبُّره.
ص 38:78
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾.
قال أبو جعفر: ومعنى ﴿إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾: إلى اليوم
الذي يُدان فيه الناسُ بأعمالهم.
قال أهل التفسير: ﴿رَجِيمٌ﴾ أي ملعونٌ، والمعنى: مرجومٌ باللعنة.
ص 38:81
وقوله جل وعزَّ: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ. إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ﴾.
ومعناه إلى يوم الوقت المعلوم، الذي لا يعلمُهُ إلاَّ اللهُ جلَّ وعز.
ص 38:85
وقوله جلَّ وعز: ﴿قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ. لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
ويُقرأ بنصبِ الأول.
وحَكى الفراء أنه يجوز الخفضُ في الأول.
قال أبو جعفر: رفعُه على ثلاثةِ معانٍ.
أ- رُوي عن ابن عباس: فأنا الحقُّ.
ب- وَرَوَى أَبَانُ بنُ تَغْلِبَ عن الحَكَم عن مجاهد قال:
فالحقُّ مني، وأقولُ الحقَّ.
ج- والقول الثالث: على مذهب سيبويه والفراء بمعنى:
فالحقُّ لأملأنَّ جهنم، بمعنى فالحقُّ أن أملأَ جهنَّمَ.
وكذا يقول سيبويه في قوله تعالى ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا
رَأَوْا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾.
والنصبُ بمعنى: فالحقَّ قلتُ، وأقولُ الحقَّ.
وقد قال أبو حاتم: المعنى: فالحقَّ لأملأنَّ، أي فحقاً لأملأنَّ.
وقال قولاً آخر وهو أن المعنى: فأقول الحقَّ، والحقَّ لأملأنَّ.
والأَوْلى في النصب القولُ الأولُ، وهو مذهبُ أبي عُبَيدة.
والخفضُ بمعنى القَسَم، حَذَفَ الواوَ، ويكونُ الحقُّ للهِ جلَّ وعزّ.
وقد أجاز سيبويه: اللهِ لأفعلنَّ، إلاَّ أنَّ هذا أحسنُ من ذاكَ، إلاَّ أن الفاء ههنا تكون بدلاً من الواو، كما تكون بدلاً من الواو في قوله:
فَمِثْلُكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ ومُرْضِعٍ * فأَلْهَيتُها عن ذِي تَمَائِمَ مُحْوِلِ
ص 38:86
وقوله جلَّ وعز: ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ﴾.
قال ابن زيد: أي لا أتخرَّصُ، وأتكلَّفُ ما لم يأمرني اللهُ جلَّ
وعزَّ به.
ص 38:88
قال وهبُ بنُ منبِّه: "من أحبَّ أن يَعْرِفَ قضاءَ اللهِ جلَّ وعزَّ في خلْقِه، فليقرأ سورة الغُرَفِ".
قال مجاهد عن ابن عباس: هي مكيةٌ إلاَّ ثلاثَ آياتٍ منها، فإنهنَّ نزلْنَ بالمدينةِ، في "وحشيٍّ" قاتلِ حمزة، صلواتُ اللهِ على حمزة. أسلم ودخل المدينة، فكان النبيُّ ﷺ لا يُطيق أن ينظر إليه، فتوهَّم أن الله جلَّ وعزَّ لم يقبلْ إيمانَهُ، فأنزل اللهُ جلَّ وعزَّ ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ﴾ إلى آخر الثلاث الآيات.
الزمر 39:1
من ذلكَ قولُه جلَّ وعز: ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾.
يجوز أن يكون المعنى: تنزيلُ الكتاب من عند الله.
وأن يكون المعنى: هذا تنزيلُ الكتاب.
الزمر 39:2
ثم قال جلَّ وعز:﴿إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ﴾.
أي بما حقَّ في الكتب من إنزاله عليك.
ويجوز أن يكون المعنى: ألزمك إيَّاهُ، بحقِّه عليك، وعلى خلقِهِ.
وقيل المعنى: يأمرُ بالعدلِ، والحقِّ.
* ثم قال تعالى: ﴿فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ﴾.
أي لا تعبدْ معهُ غيرَه.
وحكى الفراءُ ﴿لَهُ الدِّينُ﴾ برفع الدِّين.
وهو خطأٌ من ثلاثة جهات:
إحداها: أن بعده ﴿ألاَ لِلَّهِ الدينُ الخَالِصُ﴾ فهو يغني عن هذا.
وأيضاً: فلم يُقرأْ به.
وأيضاً: فإنه يجعل ﴿مُخْلِصاً﴾ التمامَ، والتَّمامُ عند رأسِ
الآيةِ أَوْلى.
الزمر 39:3
ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ﴾.
أي يُعْبَدُ وحدَه، لأنَّ من الناس من له دينٌ، ولا يُخلصِهُ للهِ
جلَّ وعزَّ.
ورَوَى معمرٌ عن قَتَادَة ﴿أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ﴾ قال:
"لا إله إلاَّ اللهُ".
* ثم قال جل وعز: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ﴾.
قال قتادة: أي منزلة.
وقال الضحاك: أي إلاَّ ليشفعوا لنا.
قال أبو جعفر: وفي قراءة ابن مسعود، وابنِ عباسٍ، ومجاهد
﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَالُوا مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرّبُونَا إلى
اللهِ زُلْفَى﴾.
وفي حرف أُبيٍّ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أوْليَاءَ
مَا نَعْبُدُكُمْ إلاَّ ليقرِّبُونَا إلَى اللهِ زُلْفَى﴾.
قال أبو جعفر: والحكايةُ في هذا بيِّنةٌ.
الزمر 39:4
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾.
واتصالُ هذا بالأول، يدلُّ على أن هؤلاء ممن اتَّخذ من دون اللهِ أولياء.
و ﴿لاَّصْطَفَىٰ﴾: اختار.
الزمر 39:5
وقوله جل وعز: ﴿يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱللَّيْلِ﴾.
قال قتادة: أي يلقي هذا على هذا، وهذا على هذا.
قال أبو جعفر: أصلُ التكوير في اللغة: اللَفُّ، والجمعُ، ومنه كَوْرُ العِمَامةِ، ومنه ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾.
الزمر 39:6
وقوله جل وعز: ﴿خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾.
﴿ثُمَّ﴾ ههنا تدلُّ على أن الإِخبار الثاني، بعد الأول.
وقال قتادة: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ حوَّاء، خلقها من
ضِلْعٍ من أضلاعه.
وقيل: يكون خلْقُه الزَّوجَ، مردوداً على واحدٍ، أي على نفسٍ
وحدها، ثم جَعَلَ منها زوجها.
أي أصناف.
قال مجاهد: من الإِبل اثنين، ومن البقر اثنين، ومن الضأن
اثنين، ومن المعز اثنين.
قال قتادة: هي مثلُ التي في الأنعام.
* ثم قال جل وعز: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ﴾.
قال مجاهد والضحاك: نطفةً، ثم علقة، ثم مضغةً، حتى
يتمَّ الخلقُ.
* ثم قال تعالى: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ﴾.
قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك: في ظلمة
الرحم، وفي ظلمة المشيمة، وفي ظلمة البطن.
وقيل: في الصُّلب، ثم في الرَّحمِ، ثم في البطنِ، وهذا
مذهبُ أبي عُبيدة، والأَوَّلُ أصحُّ.
الزمر 39:7
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ، وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ، وَإِن يَرْضَهُ لَكُمْ﴾.
أي يرضى الشكرَ لكم، ودلَّ ﴿تَشْكُرُواْ﴾ على الشكر.
الزمر 39:8
وقولُهُ جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ﴾.
رَوَى سعيدٌ عن قَتادةَ قال: مخلصاً.
قال أبو جعفر: يُقال: أنابَ: إذا رجَعَ، وتَابَ.
وقولُه جلَّ وعز: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾.
أي أعطاهُ وأباحه، وكان أبو عمروِ بنِ العلاءِ يُنْشِدُ:
هُنَالِكَ إنْ يُسْتَخْوَلُوا المَالَ - يُخْوِلُوا * وإن يُسْأَلُوا يُعْطُوا، وإن يَيْسِرُوا يُغْلُوا
ثم قال: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾.
أي نسي الذي كان يدعو الله جلَّ وعزَّ به، من قبلُ.
ويجوز أن يكون المعنى نسيَ اللهَ الذي كان يدعوه، كما
قال تعالى ﴿وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾.
وفي قوله تعالى ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً﴾ معنى التهديد.
وقولُه جل وعز: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾.
قال السدي: الأندادُ من الرجالِ، يطيعهم في المعاصي.
وقيل: عَبَدَ الأوثانَ.
وهذا أولى بالصواب، لأن ذلك في سياق عتاب الله عز وجل
إياهم، على عبادتها.
الزمر 39:9
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱللَّيْلِ سَاجِداً وَقَآئِماً﴾.
أي مُصَلٍّ، والقنوتُ: الطاعةُ.
قال الحسنُ وقتادة: ﴿آنَآءَ ٱللَّيْلِ﴾ ساعاتِه، أوَّلَه، وأوسَطه، وآخِرَهُ.
قال أبو جعفر: قال الأخفش: قراءةُ من قرأ ﴿أَمَّنْ هُوَ﴾؟ بالتخفيفِ، ضعيفةٌ في العربيةِ، لأن ألفَ الاستفهامِ لا
يُعتَمدُ على ما قبلها.
قال أبو جعفر: الذي قاله الأخفشُ حَسَنٌ، يدلُّ عليه أن
الذي في سورة النمل لم يُقرأ إلاَّ مُثَقَّلاً، ومعنى كلامه: أن الكلامَ
معتمدٌ على ما قبله، ليس له خبرٌ، وإنما دلَّ عليه ما قبله، لأنه قال
جلَّ وعز ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.
فحذَفَ الخبرَ لأن المعنى: أمَّنْ هو مطيعٌ كهذا؟.
أو أَمَّنْ هو مطيعٌ، أفضلُ أمْ هَذَا؟.
وهذا موضعُ ﴿أَمْ﴾ التي بمعنى "بَلْ" كما قال:
أَفَتِلْكَ أَمْ وَحْشِيَّةٌ مَسْبُوْعَةٌ * خَذَلَتْ وَهَادِيَةُ الصِّوَارِ قِوَامُهَا
وقوله:
أذلك أم جَأْبٌ يُطَارِدُ آتُناً * حَمَلْنَ فَأَدْنَى حَمْلِهِنَّ دُرُوْصُ
ومن قرأ بالتخفيف، فالخبرُ أيضاً عنده محذوفٌ، وهو شيءٌ
غامضٌ في العربية، لا يأنسُ به إلاَّ من دَربَ بها، كما قال:
فَأُقْسِمُ لَوْشَيْءٌ أتانَا رَسُوْلُهُ * سِوَاكَ، وَلَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعاً
أي لدفعناه، فعلى هذا يقعُ الحذفُ.
وقيل: هو نداءٌ أي يا من هو قائم آناءَ اللََّيل.
* وقوله جل وعز ﴿يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾.
قرأ سعيد بن جُبير ﴿يَحْذَرُ عَذَابَ الآخِرَةِ﴾ والمعنى واحدٌ.
أي كما لا يستوي العالم والجاهلُ، كذا لا يستوي المطيعُ والعاصي.
وقيل: ﴿ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ ما لهم في الطاعة، وما عليهم في المعصية.
ثم قال ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾ أي العقول.
ولبُّ كلِّ شيءٍ خالصُه.
الزمر 39:10
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾.
قيل: الحسنةُ: الجنَّةُ.
وقيل المعنى لهم حسنةٌ في الدنيا، أي ثناءٌ حسن، وطمأنينةٌ بِمَا لَهُمْ.
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾.
قال مجاهد: أي فَهَاجِرُوا، واعتزِلوا الأوثانَ.
الزمر 39:15
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ﴾.
على الوعيد، وهذا قبل الأمر بالقتال.
* ثم قال جلَّ وعزَّ ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾.
أي خسروا أنفسهم بالتخليد في النَّار، وأهليهم بأنهم لم
يدخلوا الجنة، فيكون لهم أهلُونَ.
ورَوى معمرٌ عن قتادة قال: ليس أحدٌ إلاَّ وقد أعدَّ اللهُ له أهلاً
في الجنة، إن أطاعه.
الزمر 39:16
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾.
أي ذلك الذي وُصفَ من العذاب.
الزمر 39:17
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا﴾.
رَوَى ابنُ أبي نجيح عن مجاهد قال: الطَّاغوتُ: الشَّياطينُ.
قال أبو جعفر: وقد بينَّا هذا في سورة البقرة.
الزمر 39:18
وقوله جل وعز: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾.
في معنى هذا قولان:
القول الأول: قال الضحاك: ﴿يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ﴾
القرآن، و ﴿أَحْسَنَهُ﴾ ما أمر الله جلَّ وعزَّ به الأنبياء، من طاعته فيتَّبعونه.
والقول الآخر: أنهم يستمعون القرآن وغيرَه، فيتَّبعونَ القرآنَ.
قال أبو جعفر: القولُ الأولُ حسنٌ، والمعنى: أنهم إذا سمعوا
بالعقوبة والعفو، عَفَوْا، ورأوا أنَّ العفْوَ أفضلُ، وإن كانت العقوبةُ لهم.
الزمر 39:19
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ﴾؟ [آية ١٩].
يُقال: كيف جيء باستفهامين، وقد أجمعَ أهلُ العربيةِ، أنه لا
يجوز استفهامانِ في اسمٍ وخبرةِ؟
ففي هذا جوابان:
أحدهما: أن العرب إذا طال الكلامُ، كرَّرتْ توكيداً، وكذلك
قال سيبويه في قول الله جلَّ وعز: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ، وَكُنْتُمْ
تُرَابَاً وَعِظَاماً، أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾؟
المعنى على هذا: أفمن حقَّ عليه كلمةُ العذاب، أفأنت
تنقذه؟
والكلامُ شرطٌ وجوابُه، وجىء بالاستفهام، ليدلَّ على التوقيف والتقرير.
قال الفراء: المعنى: أفأنتَ تُنقذ من حَقَّتْ عليهِ كلمةُ
العذاب؟
قال أبو جعفر: وهذا والأول واحدٌ.
والجواب الآخر: أنَّ في الكلام حذفاً.
والمعنى: أفمن حقَّ عليه كلمةُ العذابِ يتخلَّصُ، أو
ينجو؟.
ثم حذفَ الجوابَ، وكان ما بعده مستأنفاً.
والمعنى: أفمن سبقَ في علمِ اللهِ جلَّ وعزَّ، أنه يدخل النَّارَ، ينجو أو يتخلَّصُ؟
الزمر 39:21
وقولُه جلَّ وعز: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ﴾.
يُروى أنَّ كل ماءٍ في الأرض، فأصلُه من السَّماءِ.
وقد يجوزُ أن يكون إنزالُه إيَّاه، خَلْقَه له، وتكوينَه بأمره.
* وقوله تعالى: ﴿فَسَلَكَهُ﴾ أي فأدخله فجعله ﴿يَنَابِيعَ﴾ جمعُ
يَنْبُوعٍ "يَفْعُول" من نَبَعَ، يَنْبَعُ.
﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ﴾ أي أخضرَ، وأسودَ، وأصفَر، وأبيض.
﴿ثُمَّ يَهِـيجُ فَـتَرَاهُ مُصْفَـرّاً﴾ أي يَجِفُّ.
قال الأصمعيُّ: يُقال للنَّبْت إذا تمَّ جَفَافُه، قد هاجَ، يَهِيج، هَيْجاً.
﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً﴾ أي رُفاتاً.
* ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ﴾.
أي يفكِّرون، فيذكرون أنَّ هذا دالٌ على توحيد اللهِ جلَّ وعزَّ، وقدرته.
الزمر 39:22
وقوله جل وعزَّ: ﴿أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾.
في الكلام حذفٌ.
والمعنى: أفمن شرحَ اللهُ صدرَه فاهتدى، كمن طَبَعَ على
قلبه، فلم يهتدِ؟!
وفي الحديث قال أصحابُ رسول الله ﷺ: "أو ينشرحُ
القلبُ؟ قال: نعم، إذا أدخل اللهُ فيه النُّورَ، انشرحَ وانفسحَ، قالوا: فهلْ لذلكَ من علامةٍ؟ قال: نعم.
* التَّجافي عن دار الغرور.
* والإِنابةُ إلى دار الخلود.
* والإِعدادُ للموتِ قبلَ [لقاءِ] الموت".
* ثم قال جلَّ وعز ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ ٱللَّهِ، أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾.
قيل: معنى ﴿مِن﴾ و "عَنْ" ههنا واحدٌ.
قال أبو جعفر: وليس هذا بشيءٍ، فمعنى ﴿مِّن﴾ إذا تُليتْ
عليهم آياته قَسُوْا، كما قال تعالى ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلى رِجْسِهِمْ﴾.
وإذا قال "عَنْ" فمعناه: قستْ قلوبُهم، وجَفَتْ عن قبولِ
ذكرِ الله.
الزمر 39:23
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً﴾.
رَوَى الشعبيُّ عن عَوْنِ بنِ عبدِاللهِ قال: قالوا يا رسولَ اللهِ: حَدثْنا. فنزلت ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ﴾.
قال قتادة: ﴿مُّتَشَابِهاً﴾ أي لا يختلف.
قال أبو جعفر: والمعنى: أنه يُشبِهُ بعضُه بَعْضَاً في الحكمةِ والحقِّ، كما قال جلَّ وعزَّ ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً﴾.
* ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿مَّثَانِيَ﴾.
قال قتادة: ﴿مَثَانِي﴾: ثَنَّاه اللهُ عزَّ وجلّ.
قال أبو جعفر: والمعنى: ما تُثَنَّى فيه القصصُ، والثوابُ، والعقابُ.
وقيل: المثاني: كلُّ سورةٍ، فيها أقلُّ من مائة آية، أي تثنَّى
في الصلاة.
* ثم قال جل وعز ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
أي تقشعرُّ من الآياتِ التي يُذكر فيها العذابُ، ثم تلينُ إلى
الآياتِ التي تُذكرُ فيها الرَّحمةُ.
الزمر 39:24
وقوله جل وعزَّ: ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾.
في الكلام حذفٌ.
والمعنى: أفمن يتَّقي بوجهه سوء العذاب، كمن يدخل
الجنة؟
قال مجاهد: يخرُّ على وجهه في العذاب يوم القيامة.
قال أبو جعفر: ويُرْوى أنه يُلْقى في النَّارِ مغلولاً، فلا يقدرُ أن
يتَّقِي النَّارَ إلاَّ بوجْهِهِ.
الزمر 39:28
وقولُه جل وعزَّ: ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ، لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
قال مجاهد: أي غير ذي لَبْسٍ.
قال أبو جعفر: المعنى: أنه مستقيمٌ، لا يُخالف بعضُه
بعضاً، لأن الشَّيْءَ المعوَّجَ مختلفٌ.
وقد رُوي عن ابنِ عباسٍ: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾: غير مخلوق.
الزمر 39:29
وقوله جلَّ وعز: ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ﴾.
قال قتادة: هو الكافرُ، والشركاءُ: هم الشياطينُ.
قال: ﴿وَرَجُلاً سَلَماً﴾ هو المؤمنُ، يعملُ للهِ وحده.
قال مجاهد والضحاك: هذا مثلٌ للحقِّ والباطلِ، والشركاءُ:
هم الأوثانُ.
قال الفراء: ﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾: مختلفون.
قال أبو جعفر: من قرأ ﴿رَجُلاً سَالِماً﴾ أخرجه على
الفعل، ومن قرأ ﴿سَلَماً﴾ جعله مصدراً فمعناه: ذا سَلَمٍ.
الزمر 39:31
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾.
أي يُخاصم المظلومُ الظَّالمَ، والمؤمنُ الكافرَ.
قال ابن عمر: ما كنا ندري فيم نختصمُ، حتَّى وقعتِ الفتنةُ
فقلنا: هُوَ ذا.
وفي الحديث: أنَّ الزبير قال يا رسول الله: "أنختصمُ يوم
القيامة، بعدما كان بيننا؟ قال: نعم، حتى يُؤدَّى إلى كلِّ ذي حقٍّ
حقَّه، قال: إنَّ الأمرَ إذاً لشديدٌ".
الزمر 39:33
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾.
حدثنا بكرُ بنُ سهل قال: حدثنا أبو صالح عن معاويةَ بنِ
صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ﴾ يقول: جاء بـ "لا إلهَ إلاَّ الله" ﴿وَصَدَّق بِهِ﴾
يعني برسول الله ﷺ ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ يقول: اتقوا الشرك.
ورَوَى ابنُ عُيَيْنةَ، عن منصورٍ قال: قلتُ لمجاهد: يا أبا
الحَجَّاج، ما معنى قوله تعالى ﴿وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾؟ [آية ٣٣].
قال: الذي جاء بالقرآنِ، وصدَّقَ به.
قال أبو جعفر: وهذا يشبهُ القولَ الأوَّلَ، وهو قولُ أكثرِ أهلَ اللغة.
ويدلُّ على صحَّته، أن عبدالله بن مسعود قرأ ﴿والَّذينَ
جاءوا بالصِّدقِ وصَدَّقُوا به، أولئك هم المتَّقُونَ﴾.
فـ ﴿الَّذِي﴾ ههنا، و ﴿الَّذِينَ﴾ واحدٌ.
وقال الحسن: هو المؤمنُ، جاء بالصدق يوم القيامة، وصدَّق
به في الدنيا.
وبعضُ أهل اللغة يقول: حُذف من ﴿الَّذِينَ﴾ النُّونُ، لطولِ الاسم.
وبعضهم يقول: ﴿الَّذِي﴾ بمعنى: الَّذينَ.
وبعضهم يقول: ﴿الَّذِي﴾ واحدٌ يؤدِّي عن معنى الجماعة.
قال أبو جعفر: وهذا القولُ أصحُّها، يكون ﴿الَّذِي﴾ مِثلَ
"مَنْ" لأنه لا يُقصد قصْدُه، وحقيقتُه أن المعنى: والقبيلُ الذي جاء
بالصِّدقِ، وصدَّقَ به.
وقد قيل في الآية غيرُ هذا.
قال قتادة وأبو العالية: الذي جاء بالصِّدقِ النبيُّ ﷺ وأبو
بكر رضي الله عنه.
وقيل: النبيُّ ﷺ، وعليٌّ عليه السلام.
حدثنا عليُّ بن سعيد، قال: حدثنا الحسينُ بنُ نَصْرٍ، حدَّثني أبي، قال: حدثنا عمر بن سعيد، عن ليثٍ، عن مجاهد
﴿وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ﴾ محمد ﷺ ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ عليُّ بن أبي طالب عليه السلام.
ونظيرُ الَّذي جاء بالصِّدقِ، في أنه واحدٌ يؤدي عن جماعة، قوله.
وإنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ * هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يَا أُمَّ خَالِد
وحَذَفَ النونَ، وقولُه:
أَبَنِي كُلَيْبٍ إنَّ عَمَيَّ اللَّذَا * قَتَلا المُلُوكَ وفَكَّكا الأَغْلاَلاَ
الزمر 39:36
وقوله عزَّ وجل: ﴿أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾.
هذا يدلُّ على النَّصر، وأكثرُ الكوفيِّين يقرأ ﴿بكافٍ عِبَادَهُ﴾.
والتوحيدُ أحسنُ، لأنه يُروى أنه يُراد به النبيُّ ﷺ، ويدلُّ
عليه ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾.
رَوَى ابنُ أبي نجيح عن مجاهد قال: الأوثانُ.
قال قتادة: أخذها خالد بن الوليد فأساً، فجاء إلى
"العُزَّى" ليكسرها فقال له قيمُّها: إنَّ سَبَلهَا لا يُطاق، فخَفْ
منها، فجاء حتى كسر أنْفَها.
ويُروى أنهم قالوا للنبي ﷺ: لئن لم تنتهِ عن سبِّها، لنأمرنَّها فلتخبلنَّك.
قال مجاهد: نزلت هذه الآية حين قرأ النبيُّ ﷺ سورة النَّجمِ
عند باب الكعبة.
الزمر 39:39
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿قُلْ يٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُـمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
قال مجاهد: ﴿عَلَىٰ مَكَانَتِكُـمْ﴾ أي على ناحيتكم.
قال أبو جعفر: وهذا قولٌ صحيح.
والمعنى: على ناحيتكم التي اخترتموها، وتمكَّنتْ عندكم.
﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ المعنى: إني عاملٌ على ناحيتي، ثم حذف.
الزمر 39:42
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا﴾.
رَوَى جعفرُ بنُ أبي المغيرةِ، عن سعيد بنِ جُبيْرٍ قال: تُجْمَعُ
أرواحُ الأحياءِ، وأرواحُ الأموات، فتعارَفُ بينهما ما شاءَ اللهُ، فيمسكُ
التي قضى عليها الموتَ، ويرسلُ الأخرى إلى أجسادها.
قال الفراء: المعنى ﴿وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا﴾ عند
انقضاء أجلها، قال: وقد يكون "تَوَفَّاها" نوَّمها.
قال أبو جعفر: وقيل: المعنى: اللهُ يتوفى الأنفس حين
موتها، بإزالة أَنْفُسِها وتمييزِها، ثُمَّ أُضْمِر للثاني فعلٌ، لأنه مخالفٌ للأول.
فالمعنى: ويتوفَّى التي لم تمت في منامها، بإزالة تمييزها فقط، لأن النائم يتنَّفَسُ.
قال أبو جعفر: أحسنُ ما قيل في هذا أن المعنى ﴿يَتَوَفَّى﴾
و "يَسْتوفي" واحدٌ، إذا انقضى الشيء، كما يُقال: تَبَّينْتُ، واسَتَبنْتُ، وتيقَّنَ، واستيقنَ، فالميِّتُ والنائم في هذا واحدٌ، ويدلُّ عليه
قوله ﴿فَيُمْسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ، وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾.
الزمر 39:43
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ قُلْ أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ﴾.
قال قتادة: قالوا إنما عبدناها حتَّى تشفَعَ لنا.
* ثم قال جل وعز: ﴿أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ﴾.
قال سيبويه: هذا باب الواو، إذا دخلت عليها ألفُ
الاستفهام، وذلك قولُك: أفلانٌ عند فلان؟ فيقول: أهو ممَّنْ يكونُ
عند فلان؟
قال أبو العباس: هذا على الاسترشاد، أو على الإِنكار، وما جاء منه في القرآن فمعناه الإِنكار، والتقريرُ، ووقوعُ الشيء.
الزمر 39:44
ثم قال جل وعز: ﴿قُل لِلَّهِ ٱلشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾.
كما قال تعالى ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾.
الزمر 39:45
وقوله جل وعزَّ: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ﴾.
رَوَى مَعْمَرٌ عن قَتَادةَ قال: ﴿ٱشْمَأَزَّتْ﴾: استكبرتْ، وكَفَرتْ.
ورَوَى ابنُ أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قال: انقبضَتْ.
قال أبو جعفر: يُقال: اشمأَزَّ من كذا: إذا نَفَر منه.
ويُروى أنهم كانوا إذا سمعوا من يقول: "لا إله إلا الله
وحده" نفروا، وقالوا: لم تُذْكر آلهتُنَا.
الزمر 39:47
وقوله جل وعز: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾.
يُروى أنهم عملوا أعمالاً، توهَّمُوا أنها تنفعهم، فلم تنفعهم، لأنهم كانوا مشركين.
الزمر 39:49
وقوله جل وعز: ﴿فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا، ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا﴾.
قال مجاهد: ﴿خَوَّلْنَاهُ﴾: أعطيناه.
قال أبو جعفر: يُقال: خوَّلتُه كذا أي أعطيتُه إيَّاهُ، تفضلاً
من غير جزاء.
* وقوله جل وعز ﴿قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
قال مجاهد: ﴿إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ أي على شرفٍ.
وقال قتادة: أي على خيرٍ عندي.
قال أبو جعفر: المعنى: إن لي علماً بالكسب، إما بتجارةٍ، أو غيرها، فقد علمتُ أني أُوْتَى هذا.
ومن أحسن ما قيل فيه: أن المعنى: قد علمتُ إذا أوتيتُ
هذا في الدنيا، أنَّ لي عند اللهِ منزلةً، فردَّ الله جلَّ وعزَّ ذا عليه، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِهَ القُرُونِ﴾ الآية.
فعرَّف اللهُ جلَّ وعزَّ، أنه ليس يُعْطِي المالَ كلَّ من له منزلة.
* ثم قال جل وعز ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾.
أي بل العطِيَّةُ فتنةٌ، يُمتحنُ بها العبدُ، ليظهر منه أيشكر أم
يكفر؟
الزمر 39:53
وقوله جل وعزَّ: ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ﴾.
رَوَى مجاهدٌ عن ابنِ عباسٍ قال: نزلت في "وحشي" قاتل
حمزة، على حمزَة السَّلامُ، إلى تمام ثلاث آيات، وكان النبيُّ ﷺ لا
يُطيق أن ينظر إليه، فظنَّ أن اللهَ جلَّ وعزَّ لم يقبل منه إسلامه، فنزلت هذه الآيات الثلاث.
ورَوَى إبراهيم التيميُّ عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿قُلْ يَا
عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، إِنَّ
اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبِ جَمِيعاً لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
وقال: نزلت في قاتل حمزة وذويه، كذا قال.
قال أبو جعفر: وكذلك يُرْوَى أنه في مصحفِ ابنِ مسعود.
ومعنى ﴿لا تَقْنَطُواْ﴾: لا تيأسوا.
قال قتادة: ﴿وأنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أي أقبلوا واعملُوا له.
الزمر 39:55
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً﴾.
وكلُّه حسنٌ، ففي هذا أقوال:
أ- منها أنَّ اللهَ جلَّ وعزَّ، قد أباح الانتصارَ - بعد
الظُّلْمِ - والعَفْوَ، والعفوُ أحسنُ.
ب- ومنها أن اللهَ جلَّ وعزَّ، قد أخبر عن قومٍ أنهم أطاعوا، وعن قوم أنهم عَصَوْا، فأمر أن نتَّبعَ الطَّاعةَ.
ج- ومنها أنه الناسخ.
د- ومنها أن يكون المعنى: الحسنُ مِمَّا أُنزل إليكم.
و ﴿بَغْتَةً﴾ فُجآءةً.
الزمر 39:56
وقوله جل وعز ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ﴾.
المعنى: افعلوا هذا خوفَ أن تقول نفسٌ، وكراهة أن تقول
نفسٌ يا حسرتا.
والحسرةُ: الندامةُ، أي يلحق الإِنسانَ ما يصير معه حسيراً، أي معيباً، وحرفُ النداء يدلُّ على أنه شيءٌ لازمٌ، أي يا حسرةُ هذا
وقتُكِ، وهذا مذهب سيبويه.
قال مجاهد: ﴿فِي جَنبِ ٱللَّهِ﴾ أي في أمر الله.
قال أبو جعفر: المعنى: في جنب أمرِ اللهِ، على التمثيل.
أي على الطريق الذي يؤدي إلى الحقِّ، وهو الإِيمانُ.
الزمر 39:59
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
﴿بَلَىٰ﴾ في كلام العرب، إنما يقع بعد النفي، وليس في
الكلام نفيٌ، ولكنْ فيه معناه، لأن معنى ﴿لَوْ أنَّ اللهَ هَدَانِي﴾:
ما هداني اللهُ.
ورَوَى الرَّبيعُ بنُ أنسٍ، عن أمِّ سَلَمة، أن النبيَّ ﷺ قرأ
﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكِ آياتِي، فَكَذَّبْتِ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتِ، وَكُنْتِ مِنَ
الكَافِرِينَ﴾.
وقراءةُ الأعمش ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْهُ آيَاتِي﴾ وهذا يدلُّ على التذكير.
والرَّبيعُ بنُ أنسٍ لم يلحق "أمَّ سَلَمة" إلاَّ أن القراءة جائزةٌ، لأنَّ
النفس تقع للمذكَّرِ والمؤنث.
وقد أنكرَ هذه القراءةَ بعضهُم، وقال: يجبُ إذا كَسَرَ التَّاءَ أن
يقول: وكنتِ من الكوافر، أو من الكافرات.
قال أبو جعفر: وهذا لا يلزمُ، أَلاَ ترى أن قبلَهُ ﴿أَنْ تَقُولَ
نَفْسٌ﴾ ثم قال ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ﴾ ولم يقل: من
السَّواخر، ولا منَ السَّاخِرَاتِ.
والتقديرُ في العربية على كسر التاء: واستكبرتِ، وكنتِ من
الجميع الساخرين، أو من النَّاسِ السَّاخرينَ، أو من القومِ السَّاخرين، و "قومٌ" يقع للرجالِ والنساء، إذا اجتمعوا، وللرجال مفردين، كما
قال [الشاعر]:
وَمَا أَدْرِي وَسَوفَ إِخَالُ أَدْرِي * أَقَومٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ
الزمر 39:61
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ﴾.
أي بنجائهم من النَّارِ.
ويُقرأ ﴿بِمَفَازَاتِهِمْ﴾ والتوحيدُ أجوُد، لأن مفازة بمعنى الفوز.
الزمر 39:63
وقوله جلَّ وعز: ﴿لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَاتِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾.
رَوَى سعيدٌ عن قتادة قال ﴿مَقَالِيدُ﴾: أي مفاتيح.
قال أبو جعفر: ومعنى له مفاتح السمواتِ والأرض، هو خالقُ
ما فيهما، ومفتاح بابه بيده عز وجل، ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَاتِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾ أي من زَعَم أن غيره خلق شيئاً
من هذا، فقد خَسِر وكَفَر.
الزمر 39:64
ثم أخبر أنه إنما ينبغي أن يُعْبد وحدَه، فقال بعد البراهين:
﴿قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَ﴾.
أي أفغيرَ اللهِ أعبدُ في أمركم؟.
هذا قولُ سيبويه.
الزمر 39:67
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.
قال أبو جعفر: أبو عُبيدةَ يذهبُ إلى أن المعنى: وما عرفوا
اللهَ حقَّ معرفته.
وفي معناه قولٌ آخر، وهو أن يكون التقديرُ: وما قدروا نِعَمَ
اللهِ، ثم حُذِفَ، كما قال سبحانه ﴿وَاسْأَلِ القَرْيَةَ﴾.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾.
قال الضحاك: هذا كله في يمينه.
قال أبو جعفر: معنى ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾ أي يملكها، كما تقول: هذا في قبضتي.
قال محمد بن يزيد: معنى ﴿بِيَمِينِهِ﴾ بقوَّته، وأنشد:
إِذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ * تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ باليَمِينِ
أي بالقوة.
الزمر 39:68
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ﴾.
في معناه قولان:
أحدهما: أنه رُوي عن النبي ﷺ أنه سُئل عن الصُّورِ، فقال: هو قَرْنٌ يُنْفَخُ فيه.
ورَوَى مَعْمرٌ عن قتادَة في قوله ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ﴾ قال:
في صُوَرِ النَّاس أجمعين.
قال أبو جعفر: هذا ليس بمعروف، والمستعملُ في جمع صُورةٍ
صُوَرٌ، ولم يقرأ أحدٌ "وَنُفِخَ في الصُّوَرِ".
* ثم قال تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ﴾.
رَوَى سعيدٌ عن قَتادةَ ﴿فَصَعِقَ﴾: فمات.
ورَوَى عاصمٌ عن عيسى المدني قال: سمعتُ عليَّ بن
حسين، يسأل كعب الأحبار، عن قوله تعالى ﴿فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ﴾ فقال كعبٌ:
"جبرائيل" و "ميكائيل" و "اسرافيل" مَلَكُ الموت، وحَمَلَةُ
العرش، ثم يميتُهم اللهُ بعدُ.
ورَوَى محمدُ بنُ إسحقَ، عن يَزيدَ الرَّقَاشِي، عن أنس بن
مالك، عن النبي ﷺ في قوله تعالى ﴿فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ﴾ قال: "جبرائيل، وميكائيل، وحملةُ العرش، ومَلَكُ الموت، وإسرافيل".
وفي هذا الحديث: أن آخرهم موتاً جبرائيلُ ﷺ.
وقال سعيد بن جبير: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ﴾: هم
الشهداءُ، متقلِّدي السُّيوفِ عند العرش.
قال أبو جعفر: وهذا ليس بناقضٍ للأول.
وقد رَوَى أبو هريرة عن النبي ﷺ: (يُنْفخ في الصُّور، فأكون أول من قَامَ، فإذا موسى ﷺ، فلا أدري أقامَ قبلي، أم هو
ممن استثنى الله).
* وقوله جل وعز: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾.
رَوَى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "إنَّ بين النفختَيْنِ
أربعين".
قال الحسن: لا أدري، أهي أربعون سنة، أم أربعون شهراً، أم أربعون ليلةً، أم أربعون ساعة؟.
الزمر 39:69
وقوله جل وعز: ﴿وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾.
يُبيِّنُ هذا، الحديثُ المرفوعُ عن النبي ﷺ، من طُرقٍ كثيرةٍ
صحاح: (تنظرون إلى الله جلَّ وعزَّ، لا تَضَامون في رؤيته).
وهو يُروى على أربعة أوجه "لا تُضَامُونَ" و "لا تُضَارُونَ"
ولا "تُضَارُوُّنَ" و "لا تُضَامُوُّون".
فمعنى (تُضَامُونَ): لا يلحقكم ضيمٌ، كما يلحق في الدنيا
في النظر إلى الملوك.
و (لا تُضَارُونَ): لا يلحقكم ضيرٌ.
و (لا تُضَامُّون): لا ينضمّ بعضكم إلى بعض ليسأله أن يريه.
و (لا تُضَارُّون): لا يخالف بعضكم بعضاً، يُقال: ضاررتُه
مضارَّة وضِرَاراً: أي خالفتُه.
الزمر 39:73
وقوله جل وعز: ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً، حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾.
الكوفيون يدهبون إلى أن الواو زائدة.
وهذا خطأٌ عند البصريِّين، لأن الواو تفيدُ معنى العطف، ولا
يجوز أن تُزاد.
قال محمد بن يزيد: المعنى: حتى إذا جاءوها، وفُتحت
أبوابُها، سَعِدُوا.
* وقوله جل وعز: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾.
قال أبو إسحاق: المعنى: طبتم فادخلوها خالدين دخلوا، وحُذِف هذا لعلمِ السامع.
وقيل: معنى ﴿طِبْتُمْ﴾ طبتم في الدنيا.
ورُوي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال:
"يغتسلون من نهرٍ في الجنة ويشربون منه، فلا يبقى في أجوافهم خَبَثٌ
ولا غلٌّ إلاَّ خرج".
الزمر 39:74
وقوله جل وعز: ﴿وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ﴾.
قال قتادة: يعني أرضَ الجنة.
الزمر 39:75
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
فختم بالحمد، كما بدأ به.
غافر 40:1
من ذلك قوله جل وعز: ﴿حـمۤ. تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ [آية ١ و ٢].
رَوَى معمرٌ عن قتادة قال: ﴿حـمۤ﴾ اسمٌ من أسماء القرآن.
وقيل: معنى ﴿حـمۤ﴾: حُمَّ الأَمْرُ.
وفي رواية عكرمةَ عن ابنِ عباسٍ قال: ﴿الۤر﴾
و ﴿حـمۤ﴾ و ﴿نونْ﴾ حروف الرَّحمنِ جَلَّ وعزَّ، مقطَّعة.
وقرأ عيسى بن عمر ﴿حَامِيمَ تَنْزِيلَ﴾ والمعنى على قراءته:
أُتْلُ حاميمَ، ولم يصرفه لأنه جعله اسماً للسُّورةِ.
ويجوز أن يكون فُتِحَ لالتقاءِ السَّاكِنَيْنِ.
والمعنى: هذا تنزيل الكتابِ، من اللهِ العزيزِ العليمِ.
غافر 40:2
من ذلك قوله جل وعز: ﴿حـمۤ. تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ [آية ١ و ٢].
رَوَى معمرٌ عن قتادة قال: ﴿حـمۤ﴾ اسمٌ من أسماء القرآن.
وقيل: معنى ﴿حـمۤ﴾: حُمَّ الأَمْرُ.
وفي رواية عكرمةَ عن ابنِ عباسٍ قال: ﴿الۤر﴾
و ﴿حـمۤ﴾ و ﴿نونْ﴾ حروف الرَّحمنِ جَلَّ وعزَّ، مقطَّعة.
وقرأ عيسى بن عمر ﴿حَامِيمَ تَنْزِيلَ﴾ والمعنى على قراءته:
أُتْلُ حاميمَ، ولم يصرفه لأنه جعله اسماً للسُّورةِ.
ويجوز أن يكون فُتِحَ لالتقاءِ السَّاكِنَيْنِ.
والمعنى: هذا تنزيل الكتابِ، من اللهِ العزيزِ العليمِ.
غافر 40:3
ثم قال جل وعز: ﴿غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ﴾.
ويجوز أن يكون التَّوْبُ جمع توبة، كما قال:
* "فَيَخْبُو سَاعَةً وَيَهُبُّ سَاعَا" *.
ويجوز أن يكونَ التَّوْبُ: بمعنى: التوبة.
* ثم قال جل وعزَّ: ﴿شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِي ٱلطَّوْلِ﴾.
روى ابنُ أبي نجيح ﴿ذِي ٱلطَّوْلِ﴾ قال: ذي الغِنَى.
وروى سعيدٌ عن قَتَادة قال: ذي النِّعمةِ.
قال أبو جعفر: الطَّوْلُ في اللُّغةِ: الفضلُ، والاقتدارُ، يُقال: لفلانٍ على فُلاَنٍ طَوْلٌ، واللَّهمَّ طُلْ علينا برحمتك.
وروى علي بن أبي طَلْحَةَ عن ابنِ عباسٍ: ﴿ذِي ٱلطَّوْلِ﴾ قال: ذي السَّعَة والغِنَى.
غافر 40:4
وقوله جل وعز: ﴿مَا يُجَادِلُ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي ٱلْبِلاَدِ﴾.
قال قتادة: أي فلا يَغْرُرْك إقبالُهم وإدبارُهم، وتصرُّفهم في أسفارهم.
قال أبو جعفر: مثلُه قوله جلَّ وعز ﴿لا يَغُرَنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ
كَفَرُوا فِي البِلاَدِ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾.
والمعنى: لا يغرنَّك سلامتُهم، وأَنَاةُ اللهِ لهم، فإن عاقِبتَهم
مذمومةٌ، ومصيرَهُمْ إلى النَّارِ.
غافر 40:5
ثم بيَّن أن ذلك كان سبيلَ من قَبْلَهُم فقال: ﴿كَـذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَٱلأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾.
وهم: ثمود، وعادٌ، وقومُ لوط، ومن كان مثلهم.
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَهَمَّتْ كُـلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾.
روى معمرٌ عن قَتَادة قال: ليأخذوه فيقتلوه.
قال أبو جعفر: ويُبيِّن هذا قوله تعالى ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ أي
أهلكتُهم، ويُقالُ: للأسير: أَخِيذٌ.
غافر 40:6
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ﴾.
أي بقوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنَّاسِ
أَجْمَعِينَ﴾.
قال قتادة: حقَّ عليهم العذابُ بكفرهم.
غافر 40:7
ثم أخبر أنَّ الملائكة إنما يستغفرون للمؤمنين فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ، يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ، رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً، فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ، وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾.
روى معمر عن قتادة: ﴿فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ﴾ قال: تابوا من الشرك، واتَّبعوا طاعَتَك.
غافر 40:8
ثم قال جلَّ وعز: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾.
يُروى أن عمرَ بن الخطاب قال لكعب الأحبار: ما جَنَّاتُ
عَدْنٍ؟ قال: قصورٌ من ذَهَبٍ في الجنَّةِ، يدخلُها النَّبيُّون، والصِّدِّيقون، والشهداءُ، وأئمةُ العَدْلِ.
قال أبو جعفر: العَدْنُ في اللُّغة: الإِقامةُ، وقد عَدَنَ
بالمكان: أقام به.
غافر 40:9
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾.
﴿وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ﴾ قال قتادة: أي العذابَ ﴿وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ قال: العذاب.
غافر 40:10
وقوله جل وعز: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾.
في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، وقد بيَّنهُ أهلُ التفسير.
قال الحسن: يُعْطَون كتابَهُمْ، فإذا نظروا في سيئاتهم، مَقَتُوا
أنفسَهم، فيُنَادون: لَمَقْتُ اللهِ إيَّاكُم في الدنيا، إذْ تُدْعون إلى الإِيمان
فتكفرون، أكبرُ من مقتِكُم أنفسَكم اليومَ.
وقال مجاهد: إذا عاينوا أعمالهم السيِّئة، مَقَتُوا أنفسَهم، فنُودوا: لمَقْتُ اللهِ لكم إذْ تُدعون إلى الإِيمانِ، أكبرُ من مقتكم
أنفسكم، إذْ عاينتم النَّارَ.
غافر 40:11
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾.
روى أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود
قال: هي مثل قوله تعالى ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ
يُحْيِيكُمْ﴾.
قال أبو جعفر: المعنى على هذا في ﴿أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ خلقتنا
أمواتاً، أي نُطَفاً، ثم أحْيَيْتَنَا، ثمَّ أمتَّنَا، ثم أحْيَيْتَنَا للبعث.
وقيل: إحدى الحياتَيْنِ، وإحدى المَوْتَتَيْنِ: الإِحياءُ في
القبرِ، ثم الموتُ، وأنهم لم يعنوا حياتهم في الآخرة.
غافر 40:12
وقوله جل وعز: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ﴾.
أي كذَّبتم ﴿وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ﴾ أي تصدِّقوا.
غافر 40:15
وقوله جل وعز:﴿يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.
رَوى عكرمة عن ابن عباس قال: ﴿الرُّوحُ﴾: النبوَّةُ.
وروى ابنُ نجيح عن مجاهد قال: ﴿الرُّوحُ﴾: الوحيُ.
وروى معمرٌ عن قتادَة ﴿يلقي الرُّوحَ﴾ قال: الوحيُ، والرحمةُ.
قال أبو جعفر: يلقي الوحيَ على من يختصُّ من عباده، وسُمِّي الوحيُ روحاً، لأنَّ النَّاسَ يَحْيَوْنَ به، أي يهتدون، والمهتدي
حيٌّ، والضالُّ ميِّتٌ، على التمثيل، ومنه يُقال لمن لم يَفْقَه: إنما أنتَ
مَيِّتٌ، وقال الله تعالى ﴿فَإنَّكَ لاَ تُسْمِعُ المَوْتَى﴾.
غافر 40:16
ثم قال جل وعز: ﴿لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾.
أي لينذرَ الَّذي يُوحَى إليه.
ويجوز أن يكون المعنى: لينذر الله يومَ التَّلاقِ.
قال قتادة: أي يوم يتلاقى أهلُ السَّماءِ، وأهلُ الأرض، ويلتقي
الأولون والآخرون.
﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾ قال قتادة: أي لا يسترهم جبلٌ، ولا شيء.
أي يقال هذا.
روى أبو وائلٍ، عن عبداللهِ بنِ مسعودٍ قال: (يُحْشَرُ
النَّاسُ على أرضٍ بيضاءَ، مثل الفِضَّةِ، لم يُعصَ اللهُ جلَّ وعز عليها
قطُّ، فأوَّلُ ما يُقَال: ﴿لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾ ثم أوَّلُ ما يُنظر من الخصومات في الدِّمَاءِ، فيُحضر القاتلُ والمقتول، فيقولُ: سَلْ هذا لِمَ قَتَلَنِي؟ فإن قال: قتلتُه لتكون العِزَّةُ لفلانٍ، قيل للمقتولِ: اقتُلْه كما قَتَلَكَ، وكذلك إن قَتَل جماعةً، أُذِيقَ القتلَ، كما أذاقهم في الدنيا، قال ﴿لاَ ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللهَ سَرِيعُ
الحِسَاب﴾.
غافر 40:18
وقوله جل وعز: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾.
قال مجاهد وقتادة: أي القيامة.
قال الكسائي: يُقال: أَزِفَ الشيءُ يَأْزَفُ: أي [دَنَا، وَاقْتَرَبَ].
قال أبو جعفر: قيل للقيامةِ الآزفةُ: لقربها، وإن بَعُدت عن
النَّاسِ، ومنه يُقال: أَزِفَ رَحِيلُ فلانٍ.
* ثم قال جل وعز: ﴿إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾.
قال قتادة: شَخَصتْ من صدورهم فنَشِبَتْ في حُلوقهم، فلم
تخرجْ، ولم ترجعْ.
وقال غيره: تزحْزَحتْ قلوبُهم من الفَزَع، فلم تخرج
فيستريحوا، ولم تَرْجِع.
* ثم قال تعالى: ﴿كَاظِمِينَ﴾: أي مغتاظين، ولا شيءَ يُزِيلُ
غيظَهُمْ، يُقال: كَظَمَ البعيرُ بجِرَّته: إذا ردَّدها في حلقه، وكَظَمَ
غيظَه: إذا حَبَسَه.
* ثم قال جل وعز: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾.
أي ليس لهم شفيع مُطَاعٌ.
قال الحسن: استكْثِروا من الأصدقاءِ المؤمنينَ، فإن الرجلَ
منهم يَشْفعُ في قريبه، وصديقه، فإذا رأى الكفَّارُ ذلكَ قالوا ﴿فَمَا
لَنَا مِنْ شافِعِينَ. وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾.
غافر 40:19
ثم قال جل وعز: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ﴾.
قال ابن عباس: هو الرجلُ ينظر إلى المرأةِ، فإذا نظر إليه
أصحابُه غضَّ بَصَرَه، فإذا رأى منهم غفلةً تدسَّسَ، فإذا نَظَروا إليه
غضَّ بصرَه، وقد عَلِمَ اللهُ جلَّ وعزَّ منه أنَّ بِوُدِّهِ أن لو نظر إلى عورتها.
وقال جريرُ بنُ عبدِاللهِ: "سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن نظر
الفُجَاءَةِ، فأمرني أن أغضَّ بصري".
غافر 40:21
وقوله جل وعز: ﴿وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ﴾.
قال مجاهد: هو مشيُهم وتأثيرُهم في الأرض.
غافر 40:23
وقوله جل وعز: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾.
﴿بِآيَاتِنَا﴾ أي بالعلامات التي تدلُّ على رسالته، نحو
العصا، وما أشبَهَهَا.
﴿وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: وحجَّةٍ مبيِّنة.
غافر 40:24
ثم أعلمَ جلَّ وعزَّ أنهم رَدُّوا الآيَاتِ، التي يعجِزُ عنها المخلوقون، بأنْ
قالوا: سَاحرٌ كذَّاب ﴿فَقَالُواْ سَاحِرٌ كَـذَّابٌ﴾.
غافر 40:25
ثم قال جل وعز: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ وَٱسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ﴾.
روى مَعْمرٌ عن قتادة قال: هذا بعد القَتلِ الأَوَّل.
غافر 40:26
ومعنى: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ﴾.
قال أبو جعفر: أخافُ أن يكون أحدُ الأمرينِ: إمَّا أن
يُذهبَ دينكم البتَّة، وإمَّا أن يستميلَ فيفسد عليكم ويحاربكم.
ويُقرأُ ﴿وأَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسَاد﴾ أي أخاف
الأمرين جميعاً.
غافر 40:28
وقوله جل وعز: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾.
يجوز أن يكون المعنى: وقال رجلٌ مؤمنٌ، يكتمُ إيمانه من آلِ
فرعونَ، على التقديم والتأخير.
ويجوز أن يكون المعنى: وقال رجل مؤمنٌ من آلِ فرعون، يكتم
إيمانه ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ﴾؟ أي لأن يقول.
﴿وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ أي لا يضرُّكم منه شيء.
هذه آيةٌ مشكلةٌ، لأنَّ كلَّ ما وَعَدَ بهِ نبيٌّ كَانَ، فهذا
موضع "كلٍّ"؟.
ففيها أجوبة:
أ- منها أن "بعضاً" بمعنى "كلٍّ" وهذا مذهب أبي عُبيدة، وأنشد:
* "أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا" *
وهذا قول مرغوبٌ عنه، لأنَّ فيه بطلانَ البَيَانِ.
ب- قال أبو إسحاق: في هذا إلزامُ الحُجَّةُ للمناظِرِ، أن يُقال:
أرأيتَ إن أصابك بعضُ ما أَعِدُك، أليسَ فيهِ هلاكُكَ؟.
فالمعنى: إن لم يصبكم إلاَّ بعضُ ما وعدكم موسى، هلكتُمْ، قال: ومثلُه قولُ الشاعر:
قَدْ يُدْرِكُ المُتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ * وَقَدْ يَكُونُ مَع المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
أي أقلُّ أحوالِ المتأنِّي، أن يُدْرِكَ بعضَ حاجتِهِ.
ج- وقيل: ليس في قوله ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ نفيٌ للكل.
د- وقيل: الأنبياء صلى الله عليهم يدعون على قومهم، فيقولون:
اللهم اخسف بهم، اللهمَّ أهلكهم، في أنواعٍ من الدُّعاءِ، فيصيبُهم
بعضُ ذلك.
هـ- وفي الآية جوابٌ خامس: وهو أن موسى ﷺ وَعَدَهم بعذاب الدنيا معجَّلاً إن كفروا، وبعذاب الآخرة، وإنما يلحقُهم في الدنيا ما
وعدَهُم به فيها، وعذابُ الآخرة مؤخَّرٌ، فعلى هذا يصيبهم بعضُ الَّذي يعِدهُمْ.
* ثم قال جل وعز: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾.
أي كافرٌ.
وقال قتادة: أي أسرف على نفسه بالشِّركِ.
وقال السدي: وهو صاحبُ الدَّمِ.
غافر 40:29
وقوله جل وعز: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾.
رُوي عن معاذِ بنِ جَبَلٍ أنه قرأ ﴿سَبِيلَ الرَّشَّادِ﴾ بتشديد
الشِّينِ، وقال: سبيلُ اللهِ جلَّ وعزَّ.
قال أبو جعفر: وهذا عند أكثر أهل اللغة العربية لحنٌ، لأنه
إنما يُقَال: أَرْشَدَ يُرْشِدُ، ولا يكون "فَعَّالٌ" من "أَفْعَلَ" إنما يكون
من الثلاثي، وإن أردتَ التكثير من الرباعي، قلتَ: "مِفْعَالٌ".
قال أبو جعفر: يجوز أن يكون ﴿رَشَّادٌ﴾ بمعنى يُرْشِدُ، لا
على أنه مشتقٌّ منه، ولكن كما يُقال: لأالٌ من اللُّؤْلؤِ، فهو بمعناه، وليس جارياً عليه.
ويجوز أن يكون رَشَّادٌ من رَشَد، يَرْشُدُ أي صاحب رشاد، كما قال:
* "كِلينِي لِهَمٍّ يَا أُمَيْمَةُ نَاصِبِ" *
غافر 40:30
وقوله جل وعز: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ﴾.
قال قتادة: هم قومُ نوحٍ، وعادٍ، وثمود.
غافر 40:32
وقوله جل وعز: ﴿وَيٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ﴾.
وقرأ الضحاك: ﴿يَوْمَ التَّنَادِّ﴾ بتشديد الدال.
قال أهل العربية: هذا لحنٌ، لأنه من ندَّ، يَنِدُّ: إذا مَرَّ على
وجهه هارباً، كما قال الشاعر:
وَبَرْكٍ هُجُودٍ قَدْ أَثَارَتْ مَخَافَتِي * نَوَادِيَهَا أَسْعَى بِعَضْبٍ مُجَرَّدِ
قال: ولا معنى لهذا في القيامة.
قال أبو جعفر: هذا غلَطٌ، والقراءةُ به حسنةٌ، رَوَى صفوانُ
بن عَمْروٍ، عن عبدالله بن خالد، قال: (يظهر للنَّاسِ يومَ القيامَةِ
عُنُقٌ من نَارٍ، فيولُّون هاربين منها، حتى تُحيط بهم، فإذا أحاطت
بهم، قالوا: أين المفرُّ؟ ثم أخَذُوا في البكاء حتى تنفد الدموع، فيكون دماً، ثم تَشخصُ أبصارُ الكفار، فذلك قوله تعالى
﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾).
ويُروى: أنه إذا أُمِر بهم إلى النَّار، وَلَّوْا هاربين منها.
ولو لم يكن في الاحتجاج بالقراءة إلاَّ قوله تعالى ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ
مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ لكفَى.
فأما معنى التخفيف: فقال قتادة في قوله ﴿إنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ﴾.
قال: يوم يُنَادَى كلُّ قومٍ بأعمالهم، ويُنَادِي أهلُ الجنةِ أهلَ النَّارِ.
وقال عبدالله بن خالد: (إذا حُشر الناسُ يوم القيامة، نادى
بعضهم بعضاً، حتى يظهر لهم عُنُقٌ من النار، فيولُّون هاربين).
غافر 40:33
ثم قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾.
قال قتادة: أي من ناصر.
غافر 40:34
ثم قال جل وعز: ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾.
أي من قبل موسى ﴿بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾ أي بالآياتِ المعجزات.
﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُـمْ بِهِ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً﴾.
أي ظننتم أن الحجة لا تقام عليكم بعده ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾ أي مثل هذا الضلال، يضلُّ الله من هو
مسرفٌ مرتاب.
غافر 40:35
ثم قال جلَّ وعز: ﴿ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾.
على البدل مِنْ ﴿مَنْ﴾.
ومعنى ﴿كَبُرَ مَقْتاً﴾: كبُر الجِدالُ مقتاً.
وفي قراءة عبد الله بن مسعود ﴿عَلَى قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ
جَبَّارٍ﴾.
ومعنى هذه القراءة كمعنى الأولى، كما يُقال: أنا أكلِّمُ
فلاناً، يومَ كلِّ جمعة، وكلَّ يومٍ جمعةٍ.
فأما التنوينُ فإنه يُقال: قلبٌ متكبِّرٌ، أي صاحبُه متكبِّرٌ.
غافر 40:36
وقوله جل وعز: ﴿وَقَالَ فَرْعَوْنُ يٰهَامَانُ ٱبْنِ لِي صَرْحاً﴾.
أي قصراً، وكل بناءٍ عظيم صَرْحٌ.
﴿لَّعَـلِّيۤ أَبْلُغُ ٱلأَسْبَابَ﴾.
قال قتادة: أي الأبواب.
والسببُ في اللغة: ما يؤدِّي إلى الشيء، فالمعنى: لعلِّي أبلغُ ما
يؤدِّي إلى السَّمواتِ.
غافر 40:37
وقوله جل وعز: ﴿وَكَـذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ﴾.
ويُقرأ ﴿وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ وهو اختيار أبي عُبيدٍ.
ورُوي عن ابن أبي إسحاق ﴿وصَدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾.
قال أبو جعفر: وأحسنها ﴿وصَدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ كما قال
تعالى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾.
وقولُ أبي عُبيد في اختياره ليس بشيء، لأن من قَرَأهُ بالضمِّ، فالمعنى عنده - على ما ذكر أبو حاتم -: وصَدَّهُ الشَّيْطَانُ عن
السَّبِيلِ}، كما قال ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ المستقيمة.
ثم قال جلا وعزَّ: ﴿وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ﴾.
قال مجاهد وقتادة: أي في خَسَار.
قال أبو جعفر: من هذا قولُه جلَّ وعزَّ ﴿تَبَّتْ يَدَا أبِي لَهَبٍ﴾.
وقوله ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾.
غافر 40:40
وقوله جل وعز: ﴿مَنْ عَمِـلَ سَـيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا﴾.
قال قتادة: يعني شِركاً.
غافر 40:41
وقوله جل وعز: ﴿وَيٰقَوْمِ مَا لِيۤ أَدْعُوكُـمْ إِلَى ٱلنَّجَاةِ﴾.
قال مجاهد: إلى الإِيمان بالله عز وجل.
غافر 40:43
وقوله جل وعز: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَلاَ فِي ٱلآخِرَةِ﴾.
قال مجاهد: يعني الأوثان.
قال أبو جعفر: قال الخليل: معنى ﴿لاَ جَرَمَ﴾ حقاً، وقد
جرم الشيءُ: أي حقَّ وأنشدَ:
وَلَقَدْ طَعَنْتُ أَبَا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً * جَرَمَتْ فَزَارَةَ بَعْدَهَا أنْ يَغْضَبُوا
قال أبو جعفر: فأمَّا دخول "لا" على "جَرَمَ" فلتدلَّ على
أنه جواب لكلامٍ، وأنه ليس مستأنفاً.
فالمعنى: وجب بطلانُ ما تدعونني إليه، أي ليس له استجابةُ
دعوةٍ تنفعُ.
وقوله: ﴿وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ﴾.
قال عبدالله بن مسعود: هم السفَّاكون للدِّماءِ، وكذلك قال
عطاءٌ، ومجاهد.
غافر 40:45
وقوله جلَّ وعز: ﴿فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ﴾.
قال قتادة: كان رجلاً من القبط، فنجَّاه الله مع بني إسرائيل.
غافر 40:46
وقوله جل وعز: ﴿ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾.
يقال: كيف يعرضون عليها غدواً وعشياً وهم من أهلها؟.
فالجواب عن هذا ما قاله عبدالله بن مسعود، قال: أرواحٌ
آل فرعونَ في أجواف طيرٍ سود، تُعرضُ كلَّ يومٍ على النار مرتين، يقال: هذه داركم.
وروى شعبةُ عن يعلى بن عطاء قال: سمعتُ ميمون بنَ ميسرة
يقول: كان أبو هريرة إذا أصبح يُنادي: أصبحنا والحمدُ للهِ، وعُرِض
آلُ فرعون على النار، وإذا أمسى نادى: أمسينا والحمدُ للهِ، وعُرض
آل فرعون على النَّار، فلا يسمع أبا هريرةَ أحدٌ، إلاَّ تعوَّذَ باللهِ من النَّارِ.
وقال مجاهد: في قوله تعالى ﴿ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ قال: من أيام الدنيا.
قال الفراء: ليس في القيامة غدوٌّ ولا عشيٌّ، ولكنْ مقدارُ ذلك.
قال ابو جعفر: التفسير على خلاف ما قال الفراء، وذلك أن
التفسير، على أنَّ هذا العرض، إنما هو في أيَّام الدنيا.
والمعنى أيضاً: بيِّنٌ أنه على ذلك، لأنَّه قال جلَّ وعز ﴿ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ ثم دلَّ على أن هذا قبل يوم القيامة، بقوله ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ﴾ فدلَّ
على أنَّ الأوَّلَ، بمنزلة عذاب القبر.
غافر 40:51
وقوله جل وعز: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ﴾.
قال معمرٌ عن قتادة: الملائكةُ.
قال أبو جعفر: واحدهم شاهدٌ، كما يُقالُ: صاحبٌ، وأصْحَابٌ.
ويجوز أن يكون: جمع شهيد، كشريفٍ، وأشراف.
غافر 40:56
وقوله جل وعز: ﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّـا هُم بِبَالِغِيهِ﴾.
مثل قوله ﴿وَاسْأَلِ القرْيَةَ﴾ المعنى: ما هم ببالغي إرادتهم
فيه، لأن الكِبْرَ شيءٌ قَدْ أَتَوْه، فهذا لا يُشْكِل.
وقد قيل: الكِبْرُ هَهنا: العلوُّ على النبيِّ ﷺ، وذلك إرادتُهم
ولم يبلغوه، فأمَّا إرادتْهم في الأول: فالجدال في آيات الله جلَّ وعز، حتى يُبطلوها، ولم يبلغوا ذلك.
وقيل: إنما يُراد بذا "اليهودُ" تكبَّروا، وتوقَّفوا، وقالوا حتى
يخرج الدجَّالُ، ونكون معه، فأعلمَ اللهُ جلَّ وعزَّ أن هذه الفرقة من
اليهود، لا تلحق الدجَّال، واستشهد صاحبُ هذا القول بقوله
﴿فَاسْتَعِذْ باللهِ﴾.
غافر 40:60
وقوله جل وعز: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾.
رَوَى يُسَيْعٌ الكِنْدِيُّ عن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ
قال: الدعاءُ هو العبادةُ، وتلا رسول الله ﷺ ﴿وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾.
قال ابو عُبيدة: ﴿دَاخِرِينَ﴾: صاغرين.
غافر 40:71
وقوله جل وعز: ﴿إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلَ يُسْحَبُونَ﴾.
وقُرئ ﴿وَالسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ﴾.
وفي قراءة أبيٍّ ﴿بِالسَّلاَسِلِ يُسْحَبُونَ﴾.
وأجازَ الفراء: ﴿وَالسَّلاَسِلِ يُسْحَبُونَ﴾.
قال أبو جعفر: من قرأ ﴿والسَّلاَسلَ يَسْحَبُونَ﴾ فالمعنى
عنده: يسحبونَ السَّلاسلَ، وهي قراءة ابن عباس، قال: وذلك أشدُّ
عليهم، يُكلَّفون أن يَسْحَبُوهَا ولا يُطِيقونَ.
ومَنْ قَرَأَ ﴿والسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ فالتَّمامُ عنده
﴿والسَّلاَسِلُ﴾ ثم ابتدأ فقال ﴿يُسْحَبُونَ فِي الحَمِيمِ﴾.
قال الفرَّاء: والسَّلاسِلِ بالخفضِ، محمولٌ على المعنى، لأن
المعنى: أعناقُهم في الأغلالِ والسَّلاسلِ، كما حُمِلَ على المعنى قوله:
قَدْ سَالَمَ الحَيَّاتُ مِنْهُ القَدَمَا * الأُفْعُوَانَ والشُّجَاعَ الشَّجْعَمَا
غافر 40:72
ثم قال جل وعز: ﴿ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ﴾.
قال مجاهد: أي تُوقد بهم النار.
قال أبو جعفر: يُقال: سَجَرْتُ الشَّيءَ: أي ملاتُه، ومنه
﴿وَالبَحْرِ المَسْجُورِ﴾.
فالمعنى على هذا: تُملأُ بهمُ النَّارُ، وقال الشاعر يصفُ
وَعْلاً:
إذَا شَاءَ طَالَعَ مَسْجُورَةً * تَرَى حَوْلَهَا النَّبعَ والسَّاسَمَا
أي عيناً مملوءةً.
غافر 40:75
وقوله جل وعز: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ﴾.
بيَّن هَذَا بقوله سبحانه ﴿فَرِحُوا بمَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ﴾.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾.
قال مجاهد: أي تبطرون وتأشرون.
غافر 40:79
وقوله جل وعز: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَنْعَامَ لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.
أي الإِبل.
قال قتادة في قوله تعالى ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي
صُدُورِكُمْ﴾: الرحلةُ من بلدٍ إلى بلد.
وقال مجاهد: أيَّ حاجةٍ كانت.
غافر 40:83
وقوله جل وعز: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ﴾.
أي رضوا به.
قال مجاهد: قالوا: نحنُ أعلمُ منكم، لن نُبْعثَ، ولن نَحْيا
بعد المَوتِ.
قال مجاهد: ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
أي ما جاءت به الرسلُ الحقُّ.
غافر 40:85
وقوله جل وعز: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾.
قال قتادة: أي إنهم إذا رأوا العذاب آمنوا، فلم ينفعهم إيمانهم.
* ثم قال تعالى: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَافِرُونَ﴾.
وقد كانوا قبلَ ذَلكَ خاسرين، لأنه تبيَّن خسرانهم، بأن لحقهم
العذابُ، ولم يُقبل إيمانُهم.
فصلت 41:1
من ذلك قوله جل وعز: ﴿حـمۤ تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [آية ١ و ٢]
الخبرُ عند البصريِّين ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾.
وقال بعض الكوفيِّين: هَذَا كِتَابٌ.
﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾: أي أنزلت متفرقةً.
وقال الحسن: فصِّلَت بالوعيد.
وقال مجاهد: ﴿فُصِّلَتْ﴾: فُسِّرتْ.
وقال قتادة: بُيِّن حلالُها وحرامُها، والطاعةُ والمعصيةُ.
فصلت 41:2
من ذلك قوله جل وعز: ﴿حـمۤ تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [آية ١ و ٢]
الخبرُ عند البصريِّين ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾.
وقال بعض الكوفيِّين: هَذَا كِتَابٌ.
﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾: أي أنزلت متفرقةً.
وقال الحسن: فصِّلَت بالوعيد.
وقال مجاهد: ﴿فُصِّلَتْ﴾: فُسِّرتْ.
وقال قتادة: بُيِّن حلالُها وحرامُها، والطاعةُ والمعصيةُ.
فصلت 41:3
ثم قال جل وعز: ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ أي في حال الاجتماع.
﴿لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي لمن يعلم العربية.
﴿بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ نعتٌ للقرآن.
فصلت 41:5
وقوله جل وعز: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾.
أي في أغطيةٍ، أي ليست تَعِي ما تَقولُ.
والوَقْرُ: الصَّمَمُ.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾.
﴿حِجَابٌ﴾ أي حاجزٌ.
روى سفيان، عن أبي سعيدَ، عن عكرمة، عن ابن عباس، وابن أبي ذيب عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن عبدالله بن سَلاَم
قالا - وهذا معنى قولهما - ابتدأ الله جلَّ وعز بخلقِ الأرضين يوم
الأحد، فخلق سبع أرضينَ في يومِ الأحدِ، ويوم الاثنين.
ثم ﴿جَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا
أَقْوَاتَهَا﴾ أرسَى الجبالَ، وشقَّ الأنهارَ، وغرسَ الأشجارَ، وجعل
المنافع في يومين، يوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاءِ﴾ فخلقها سبعَ سمواتٍ في يوم
الخميس، ويوم الجمعة.
قال ابن عباس: ولذلك سميت "يوم الجمعة" لأنه اجتمع فيها الخلقُ.
قال عبدالله بن سلام: قضاهنَّ سبع سمواتٍ في آخر ساعةٍ
من يوم الجمعة، ثم خَلَق فيها آدم على عَجَل، وهي الساعةُ التي
تقومُ فيها القيامةُ.
قال أبو جعفر: معنى ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ على قولهما: شقَّ
أنهارها، وغرسَ أشجارَهَا.
وقيل: معنى ﴿بَارَكَ فِيهَا﴾: أكثرَ فيها من الأقواتِ.
وقيل: معناه كما يُقال: باركتُ عليه أي قلتُ بورك فيك.
فصلت 41:10
قال عكرمة: في قوله تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا﴾.
جعل اليماني باليمن، والسَّابريَّ بسابور.
قال أبو جعفر: فالمعنى على هذا: جعل فيها ما يُتَعَايَشُ به، ويُتَّجرُ فيه.
وقيل: ﴿أَقْوَاتَهَا﴾ ما يُتقوَّت ويُؤْكَلُ.
وقول ابن عباس، وابن سلام يحتمل المعنيين، واللهُ أعلم.
* ثم قال جل وعز: ﴿فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ﴾.
المعنى: في تتمة أربعة أيام.
﴿سَوَاءً﴾ أي استوت استواءً.
وقال الفراء: هو متعلق بقوله ﴿وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا﴾ سواءً.
وقرأ الحسن: ﴿سَوَاءٍ﴾ بالخفض، أي في أربعة أيامٍ، مستويةٍ، تامةٍ.
وبالإِسناد الأول عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿لِّلسَّآئِلِينَ﴾
قال: مَنْ سألك فقال لك: في كمْ خَلَقَ اللهُ السَّمواتِ والأرض؟ فقلْ
له: في هذا.
قال أبو جعفر: فالمعنى على هذا القول: جواباً للسَّائلينَ.
وفيه قول آخر: وهو أن المعنى: وقدَّرَ فيها أقواتها للسائلين أي
للمحتاجين، أي لمن سأل، لأن الناس يسألون أقواتهم، وهذا مذهب
ابن زيد، قال: قدَّر ذلك على قَدْرٍ مسائلهم، علم ذلك.
فصلت 41:11
وقوله عز وجل: ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ﴾.
دلَّ على أن خلق السَّماء بعد خلقِ الأرضِ، وقد قال في موضعٍ
آخر ﴿والأرضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾؟.
ففي هذا أجوبة:
رَوى هارونُ بنُ عَنْتَرَةَ، عن أبيه، عن ابن عباس قال:
خلق اللهُ الأرضَ أوَّلَ، ثم خَلَقَ السَّماء، ثم دَحَا الأرضَ والماءَ بعد
ذلك، قال: "دَحَا" أي بسط.
وقيل: المعنى: ثم أخبرُكم بهذا، كما قال جلَّ وعزَّ ﴿ثُمَّ كَانَ
مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهو في القرآن كثير.
وقيل: ﴿ثمَّ﴾ ههنا بمعنى الواو، وهذا لا يصحُّ ولا يجوز.
والجوابان حسنان جيِّدان.
* وقوله جل وعز: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾.
في هذا أجوبة:
أ- منها أن الله جل وعزَّ، جعل فيهما ما يُميزان، ويُجيبان عما قيل لهما.
ب- وقال محمد بن يزيد: هذا إخبارٌ عن الهيئة، أي صارتا في هيئة
من قال، أي هو كما قال: "امتَلأَ الحَوْضُ وَقَالَ قَطْنِي".
أي حسبي، أي صار في هيئة من يقول.
وقيل: أخبرنا اللهُ عز وجل بما نعرفُ، من سرعة الإجابة، وقد
علمنا أنه ليس شيء أسرعَ، من أن يُقَالَ للإِنسان: افْعَلْ، فيقولُ:
قد فعلتُ.
فأخبر اللهُ جلَّ وعزَّ، عن إجابة السموات والأرض، إلى أمره
جلَّ وعزَّ.
فأمَّا قوله تعالى ﴿طَآئِعِينَ﴾ ولم يقل: "طائعات" فقال فيه
الفراء معناه: أتينا بمن فينا طائِعِينَ.
قال أبو جعفر: الأحسن في هذا - وهو مذهبُ جلَّة
النحويِّين - أنه جلَّ وعزَّ، لمَّا أخبر عنها بأفعال ما يَعْقِلُ، جاء فيها
بما يكون لمن يعقل، كما في قوله تعالى ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي
سَاجِدِينَ﴾.
فأما الكسائي فأجاز في كل شيء، أن يُجمع بالواو والنون، والياء والنون، وهذا لا يُعرَّجُ عليه.
فصلت 41:12
وقوله جل وعز: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾.
﴿فَقَضَاهُنَّ﴾ أي أحكمهنَّ، كما قال الشاعر:
وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا * دَاوُدُ، أَوْ صَنَعُ السَّوَابِغ تُبَّعُ
* وقوله جل وعز: ﴿وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾.
رَوى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ما أمَرَ، وما أراده.
وروى سعيدٌ عن قتادة قال: خلقَ شمسَها، وقمرَها، ونجومَها، وأفلاكَها.
قال أبو جعفر: القولان متقاربان، وكأنَّ المعنى - والله
أعلم - وأوحى في كلِّ سماءٍ إلى الملائكة، بما أراد من أمْرِهَا.
* ثم قال جل وعزَّ: ﴿وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً﴾.
أي وحفظناها حفظاً من الشياطين بالكواكب.
والمعنى: أئنكم لتكفرون بمن هذه قدرتُه، وتجعلون له أمثالاً
ممَّا تنحتون بأيديكم؟
فصلت 41:13
ثم قال جل وعز: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾.
أي فإن أعرضوا عن التوحيد، وما جئتَ به ﴿فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ أي أنذرتكم أن ينزل بكم
عذابٌ، كما نَزَلَ بهم.
﴿إذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ يعني من جاء
قبلهم، كما قال تعالى ﴿مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.
ثم قال ﴿ومِنْ خَلْفِهِمْ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن المعنى: ومن بعد كونهم.
والقول الآخر: أن يكون الضمير يعودُ على الرُّسُل.
فصلت 41:16
وقوله جل وعز: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً﴾.
روى ابنُ أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قال: شديدة السَّموم.
وروى معمرٌ عن قتادة قال: باردة.
قال أبو جعفر: قولُ قتادة أبينُ، وكذا قال عطاء، لأن
﴿صَرْصَراً﴾ مأخوذ من صِرٍّ، والصِّرُّ في كلام العرب: البردُ، كما
قال الشاعر:
لَهَا غُدُرٌ كَقُرُونِ النِّسَا * ءِ رُكِّبْنَ فِي يَوْمِ رِيحٍ وَصِرّ
وليس القولان بمتناقضَيْنِ، لأنه يُروى أنها كانت ريحاً باردة، تُحرق كما تُحرق النار.
وقد قال أبو عبيدة: ﴿صَرْصَرٌ﴾ شديدةُ الصَّوتِ عاصف.
وقد رُوي عن مجاهد: شديدة الشؤم.
* ثم قال جل وعز: ﴿فِيۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ﴾.
قال مجاهد: أي مشائيم.
وقال قتادة: مشئوماتٍ، نَكِدات.
فصلت 41:17
وقوله جل وعز: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ﴾.
روى عليُّ بن أبي طَلْحَة عن ابن عباسٍ قال: بيَّنَّا لهم.
قال أبو جعفر: بيَّنَّا لهم الخيرَ، والشَّرَّ، قال سبحانه ﴿إنَّا
هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ. إمَّا شَاكِراً وإمَّا كَفُوراً﴾ وكما قال تعالى
﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾.
قال علي بن أبي طالب: الخيرُ، والشرُّ.
و﴿الهُونُ﴾: الهَوانُ.
فصلت 41:19
وقوله جل وعز: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
قال أبو الأحوص وأبو رُزينٍ، ومجاهدٌ، وقتادةُ: أي
يُحبس أوَّلُهم على آخرهم.
قال أبو الأحوص: فإذا تكاملت العِدَّةُ، بُدىء بالأكابر
فالأكابر جُرْماً.
قال أبو جعفر: يُقال: وَزَعَه، يَزِعُه، وَيَزَعُه: إذا كفَّه، ومنه "لَمَا يَزَعُ السُّلطانُ، أكثر مما يَزَعُ القرآن" ومنه "لاَ بُدَّ
للنَّاسِ من وَزَعَةٍ".
فصلت 41:20
وقوله جل وعز: ﴿حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
قال الفراء: الجِلْدُ ههنا - واللهُ أعلمُ - الذَّكَرُ، كُنِّي
عنه، كما قال تعالى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ﴾ والغائطُ: الصَّحْرَاءُ.
قال أبو جعفر: وقال غيرهُ: هو الجِلْدُ بعينِهِ.
وروى أبو الأحوص، عن عبدالله بن مسعود، قال: يجادل
المنافقُ عِند الميزان، ويَدْفع الحقَّ، ويدَّعِي الباطلَ، فيختَمُ على فيه، ثم
تُسْتَنْطَقُ جوارحُهُ، فتشهد عليه، ثم يُطْلَق عنه فيقول: بُعْداً لَكُنَّ
وسُحْقاً، إنما كُنتُ أجادلُ عنكنَّ.
فصلت 41:21
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
هذا تمامُ الكلام.
ثم قال: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى ﴿وَمَا كُنْتُمْ
تَسْتَتِرُونَ﴾ قال: تَتَّقُونَ.
قال أبو جعفر: المعنى: وما كنتم تستترون، من أن يشهدَ
عليكم سمعكُمْ.
قال عبدالله بن مسعودٍ: كنتُ مستتراً بأستار الكعبة، فجاء
ثقفيٌّ وقرشيَّان، كثيرٌ شحمُ بطونهم، قليلٌ فقهُ قلوبهم، فتحدثوا بينهم
بحديث، فقال أحدهم: أترى اللهُ يسمعُ ما نقولُ؟ فقال الآخرانِ:
يسمعنا إذا جهرنا، ولا يسمعنا إذا خافتنا، وقال الآخر: إن كان
يسمعنا إذا جهرنا، فهو يسمعنا إذا خافتنا.
فصلت 41:22
فأنزل الله جلَّ وعزَّ: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ﴾ [آية ٢٢ إلى ٢٤].
وروى بهزُ بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ
في قوله تعالى ﴿أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ﴾ قال: "تُدْعَونَ يوم القيامة، مُفَدَّمةً أفواهُكُمْ بفِدَام، فأوَّلُ مَا يُبينُ عن الإِنسان، فخذُه وكفُّهُ".
فصلت 41:23
وقوله جل وعز: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَاسِرِينَ﴾.
أي حين ظننتم أنه لا يسمعكم.
وفي الحديث عن النبي ﷺ قال الله "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي.." ومعنى ﴿أرداكم﴾: أهلكَكُمْ.
فصلت 41:24
وقوله جل وعز: ﴿فَإِن يَصْبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ﴾.
والنَّارُ مثوى لهم صبروا أو لم يصبروا؟ ففي هذا جوابان:
أحدهما أن المعنى: فإن يصبروا في الدنيا، على أعمال أهل
النار، كما قال سبحانه ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ فالنَّارُ مثوىً
لهم ﴿وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ﴾ في النَّارِ.
وقيل: ﴿وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ﴾ في الدنيا، وهم مقيمون على كفرهم.
والجوابُ الآخرُ: فإن يصبروا في النَّار أو يجزعوا، فالنَّارُ مثوىً
لهم، ويكون قوله ﴿وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ﴾ يدلُّ على الجَزَع، لأن
المُسْتَعْتِبَ جَزِعٌ.
فصلت 41:25
وقوله جل وعز: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.
قال مجاهد: يعني الشياطين.
قال أبو جعفر: معنى قيَّضْتُ له كذا: سبَّبْتُه له، من حيثُ
لا يحتسبُ.
* ثم قال جل وعز: ﴿فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾.
أي ما يعملونه من المعاصي ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: وما عزموا على
أن يعملوه.
فصلت 41:26
وقوله جل وعز: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ﴾.
وقرأ عيسى، وابن أبي إسحاقَ ﴿والْغُوا﴾ بضم الغين.
حكى الكسائي: لَغَا يَلْغُو، وعلى هذا ﴿وَالْغُوا فِيهِ﴾.
وحَكَى: لغا يَلْغَى، ولَغِيَ يَلْغَى، والمصدرُ على هذا مقصورٌ.
روى داودُ بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:
كان النبي ﷺ بمكة إذا قرأ رفع صوته، فتطردُ قريشٌ عنه النَّاسَ، ويقولون: ﴿لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ وإذا
خافتَ بقراءته لم يُسمع من يريد، فأنزل الله جلَّ وعزَّ ﴿وَلاَ تَجْهَرْ
بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا، وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾.
وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله ﴿وَٱلْغَوْاْ فِيهِ﴾
قال: بالمكَاءِ، والتصفيق، والتخليطِ على رسول الله ﷺ إذا قرأ، كانت قريش تفعله.
قال أبو جعفر: اللَّغوُ في اللغة: ما لا يُعْرَفُ له حقيقة، ولا
يحصل معناه، فمعنى ﴿وَٱلْغَوْاْ فِيهِ﴾: أي عارضوه باللَّغْوِ.
فصلت 41:28
وقوله جل وعز: ﴿ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ﴾.
المعنى: ذلك العذابُ الشديدُ، جزاءُ أعداءِ اللهِ، ثم بيَّن الجزاء
فقال: ﴿ٱلنَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ﴾.
والنَّارُ هي دارُ الخُلْدِ، والعربُ تفعل هذا على التوكيد كما
قال:
أَخُو رَغَائِبَ يُعْطِيهَا وَيُسْأَلُهَا * يَأْبَى الظُّلاَمَةَ مِنْهُ النَّوْفَلُ الزُّفَرُ
وهُوَ هُوَ، كما يُقال لك: في هذا المنزل دارٌ واسعةٌ، وهو الدَّارُ.
ولا يجوز عند الكوفيين، حتى يُخالفَ لفظُ الثاني لفظَ
الأول، لا تقول على قولهم: في هَذَا المنزِل منزلٌ حسنٌ، على أن الثاني
الأول، وهو عند البصريين كلُّه جيِّدٌ.
وفي قراءة عبدالله بن مسعود ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللهِ النَّارُ دَارُ الخُلْدِ﴾.
فصلت 41:29
وقوله جل وعز: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾.
قال حَبَّةُ العُرَنِيُّ، وعُقْبَةُ الفَزَارِيُّ سُئل عليُّ بن أبي طالب
عليه السلام عن قوله جلَّ وعز ﴿أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ﴾ فقال: هما إبليسُ الأبالسة، وابنُ آدَمَ الَّذي قَتَلَ أخاهُ، وكذلكَ رُوي عن ابن مسعودٍ، وابن عباس.
فصلت 41:30
وقوله جل وعز: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ﴾.
قال مجاهد وإبراهيمُ: قالوا "لا إله إلاَّ اللهُ" ثم استقاموا.
رُوِي عن أبي بكر الصِّدِّيق أنه قال لهم: ما معنى ﴿ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ﴾؟ فقالوا: لم يعصُوا الله، فقال: لقد صعَّبتُم الأمرَ، إنما
هو استقاموا، على ألاَّ يُشركوا باللهِ شيئاً.
وقال مجاهد وإبراهيم: ﴿ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ﴾: لم يُشركوا.
وقال الزهري: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ﴿ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ﴾ على طاعةِ اللهِ عزَّ وجل، ولم يَروغُوا رَوَغانَ الثَّعْلَبِ.
وروى معمرٌ عن قتادة ﴿ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ﴾ قال: على طاعةِ الله.
قال أبو جعفر في الحديث عن النبي ﷺ: "استقيموا ولَنْ
تُحْصُوا" أي استقيموا على أمر الله وطاعتِهِ.
* ثم قال جل وعز: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ﴾.
قال مجاهد: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ﴾ عند الموت، أن لا
تخافوا ولا تحزنوا.
رَوَى سفيانُ عن زيدِ بنِ أسلَمَ قال: لا تَخافوا ما أمامكم من
العذاب، ولا تحزنوا على ما خلفَكُمْ من عيالكم، وضيعتكم، فقد
خُلِفتُمْ فيها بخير.
وقي قراءة ابن مسعود: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلاَئِكَةُ لاَ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأبْشِرُوا بالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوْعَدُونَ﴾.
قال زيدُ بنُ أسلم: يُقال لهم هذا عند الموت.
فصلت 41:33
وقوله جل وعز: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾.
في معناه ثلاثة أقوال:
فمذهب الحسن: أنها عامةٌ لجميع المؤمنين.
وروى هشيمٌ عن عوف عن ابن سيرين في قوله تعالى ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ﴾ قال: ذلك النبيُّ ﷺ، أي دعا إلى توحيد الله.
وقال محمد بنُ نافعٍ قالت عائشة: نزلت في المؤذِّنين
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾.
وقال أبو الزَّاهرية: قالت عائشة: إني لأرجو أن يكون
المؤذنون هم الذين قال اللهُ فيهم ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾.
فصلت 41:34
وقوله جل وعز: ﴿وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ﴾.
﴿لا﴾ زائدة للتوكيد.
* ثم قال جل وعز: ﴿ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
قال عطاء ومجاهد: تقول إذا لقيتَهُ: سَلاَمٌ عليكم.
ويُروى عن ابن عباس في قوله ﴿ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
قال: هما الرجلانِ متقاولان، فيقولُ أحدُهُما لصاحبه: يا صاحبَ
كذا وكذا، فيقول له الآخر: إن كنتَ صادقاً عليَّ، فغفَرَ اللهُ لي، وإن كنت كاذباً، فغفرَ اللهُ لك.
وحدثنا بكرُ بن سهل، قال حدثنا أبو صالح، عن معاوية عن
علي بن أبي طلحة، عن ابن عباسٍ ﴿ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ قال:
"أمر اللهُ جلَّ وعزَّ المؤمنين بالصبرِ عند الغضبِ، والحلم والعفو
عند الإِساءةِ، فإذا فعلُوا ذلكَ، عصمهُم اللهُ من الشيطانِ، وخَضَعَ
لهم عدوُّهم كأنه ولي حميمٌ".
فصلت 41:35
ثم قال جل وعز: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾.
قال يقول: الَّذينَ أعدَّ اللهُ لهم الجنَّةَ.
رَوَى مَعْمَرٌ عن قتادة ﴿كأنه وَليٌّ حَمِيمٌ﴾ قال: قريب.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ﴾.
أي وما يُلَقَّى هذه الفعلة، إلا الذين يكظمون الغيظ، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي من الخير.
ورَوى مَعْمرٌ عن قتادة قال: الحظُّ العظيمُ: الجنَّةُ.
فصلت 41:36
ثم قال جل وعز: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ﴾.
أي إن عَرَضَ لك الشَّيْطانُ ليصدَّكَ عن الحِلْم، فاستعِذ باللهِ
منه، واحْلَمْ.
فصلت 41:37
وقوله جل وعز: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ ٱللَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾.
أي ومن علاماته، التي تدلُّ على قدرته، ووحدانيته ﴿ٱللَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾.
ويجوز أن يكون المعنى: واسجدوا لله الذي خلق الليلَ والنَّهارَ، والشمس والقمر.
ويجوز أن يكون المضمر يعود على الشمس والقمر، لأن
الاثنين جميعٌ.
ويجوز أن يكون يعود على معنى الآيات.
فصلت 41:38
ثم قال جل وعز: ﴿فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ﴾.
أي فإن استكبروا عن أن يوحِّدوا الله، ويتَّبعُوكَ ﴿فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ﴾ أي فالملائكةُ الَّذِينَ عند ربِّكَ ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ﴾ أي لا يَمَلُّونَ.
فصلت 41:39
ثم زادهم في الدلالة فقال جل وعز: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً﴾.
قال قتادة: أي غبراء، متهشمة.
* ثم قال جل وعز: ﴿فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾.
قال مجاهد: ﴿اهْتَزَّتْ﴾ أي بالنَّبَاتِ.
قال أبو جعفر: يُقال: اهتَزَّ الإِنسانُ أي تحرَّكَ، ومنه قوله:
تَرَاهُ كَنَصْلِ السَّيْفِ يَهْتَزُّ لِلْنَّدَى * إذَا لَمْ تَجِدْ عِندَ امْرِئِ السَّوْءِ مَطْمَعاً
ثم قال: ﴿وَرَبَتْ﴾ قال مجاهد: أي ارتفعت، لتنبتَ.
قال أبو جعفر: قرأ أبو جعفر "يَزيد بن القَعْقَاع" وخالد
﴿وَرَبَأَتْ﴾ معناه: عَظُمت، من الرَّبيئةِ.
فصلت 41:40
وقوله جل وعز: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ﴾.
قال مجاهد: المكاءُ وما ذُكر معه.
وقال قتادة: الإِلحادُ: التكذيبُ.
قال ابو جعفر: أصلُ الإِلحاد العدولُ عن الشيء، والميلُ عنه، ومنه اللَّحدُ لأنه جانب القبر.
فمعنى ألحد في آيات الله: مالَ عن الحقِّ فيها أي جعلها على
غير معناها.
* وقوله جل وعز: ﴿أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾.
﴿أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ﴾ أبو جهل بن هشام ﴿خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾ عمَّارُ بن ياسر.
ثم قال ﴿ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾: وقد بيَّّن جل وعزَّ ذلك.
قال مجاهد: هذا على الوعيد.
فصلت 41:41
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمْ﴾.
قال قتادة: أي بالقرآن.
قال أبو جعفر: وفي الخبر قولان:
أحدهما: أن المعنى: إنَّ الذين كفروا بالذِّكر لمَّا جاءهم، أولئك يُنادون من مكانٍ بعيد.
والقولُ الآخر: أن الخبر محذوفٌ، أي: هلكُوا.
وهذا القولُ الاختيارُ عند النحوييِّن جميعاً، فيما علمتُ.
وقوله ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾: أي قاهرٌ لا يقدِرُ أحدٌ أن
يأتي بِمِثْلِهِ.
فصلت 41:42
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ﴾.
في معناه أقوال:
أ- فمن أحسنها أن المعنى: لا يأتيه الشيطانُ من بين يديه، فينتقص منه، ولا من خلفه فيزيد فيه.
قال مجاهد: ﴿ٱلْبَاطِلُ﴾: الشَّيْطان.
وقال الحسن: حفظ اللهُ القرآنَ من الشيطان، فلا يقدر أن
يزيد فيه، ولا ينقص منه، قال الحسن ﴿إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكرَ وإنَّا
لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
وَرَوى مَعْمرٌ عن قَتَادَة في قوله تعالى ﴿لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ﴾ قال: لا يقدِرُ الشيطانُ أن يُبطِلَ منه
حقّاً، ولا يُحقَّ فيه باطلاً.
قال أبو جعفر: معنى "يُحقُّ فيه باطلاً" يزيد فيه باطلاً، فيصير حقاً، فهذا قولٌ.
ب- وقيل: معنى ﴿لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾: لا يُبطله
كتابٌ قبله، ولا يأتي بعده كتابٌ فيبطله، وهذا قولُ الفَرَّاءِ، أي لا
يوجد فيه باطلٌ من إحدى الجهتين.
ج- وقيل: معنى ﴿لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾: من قبل أن
يتمَّ نزولُه ﴿وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ﴾ من بعد تمام نزوله.
ويكون أيضاً ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ بعد نزوله كله ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ قبل تمامه.
د- وقيل: المعنى: لا يأتيه الباطلُ قبلَ أن ينزِلَ، لأن الأنبياء وقد
بشَّرت به، فلم يقدر الشَّيطانُ على أن يَدْحَضَ ذلكَ، ولا من خلفِهِ
بعد أن أُنْزِلَ.
هـ- وقيل: معنى ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ﴾ على التكثير، أي لا يأتيه الباطلُ البَتَّة.
فصلت 41:43
وقوله جل وعز: ﴿مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾.
قال أبو صالح: أي من الأذَى.
* وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ أي لمن آمن بك.
﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي لمن كذَّبك.
فصلت 41:44
وقوله جل وعز: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾.
أي بُيِّنَتْ.
قال ابو جعفر: أصلُ هذا أنَّ التفصيلَ لا يكون إلاَّ للعرب، وههم أصحابُ البيان.
* ثم قال جل وعز: ﴿ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾؟ [آية ٤٤].
قال سعيدُ بنُ جبير: أي أقرآنٌ أعجميٌّ، ونبيٌّ عربيٌّ؟
قال قتادة: أي لو جعلنا القرآن أعجمياً، لأنكروا ذلك، وقالوا: أعربٌ مخاطبونَ بالعَجَميَّةِ؟ فكان ذلك أشدَّ لتكذيبهم.
وقرأ ابن عباس، والحسنُ، وأبو الأسود: ﴿أَعْجَمِيٌّ﴾
بغير استفهام، والعين ساكنةٌ.
والمعنى على هذه القراءة: لولا فُصِّلتْ آياته، فكان منها
أعجميٌّ تفهمه العَجَمُ، وعربيٌّ تفهمه العربُ؟
ويكون ﴿أَعْجَمُيٌّ﴾ بدلاً من ﴿آيَاتِهِ﴾.
وحُكي أنه قُرِئ ﴿أَعَجَمِيٌّ﴾؟ على أن الأصلَ عَجَمِيٌّ، دخلت عليه ألف الاستفهام.
قال أبو جعفر: قال أبو إسحاق: الأعجميُّ: الذي لا
يُفصح، كان من العرب أو من العجم، والعجميُّ: الذي ليس من
العرب، كان فَصِيحاً، أو غير فصيحٍ.
قال ابو جعفر: والقراءةُ الأخرى بعيدةٌ، لأنَّهم قد أجمعوا على
قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً﴾!
* وقوله جل وعز: ﴿وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾.
﴿وَقْرٌ﴾: أي صممٌ على التمثيل، وهو عليهم عَمَىً.
قال قتادة: القرآنُ.
وقيل: الوقرُ عليهم عمىً.
وقرأ ابن عباس، ومعاوية، وعمرُو بن العاص ﴿وَهُوَ
عَلَيْهِمْ عَمِيَ﴾ على أنه فعل ماضٍ.
وحُكِي ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمٍ﴾.
* ثم قال جل وعز: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾.
حَكَى أهلُ اللغةِ أنه يُقالُ للذي يَفْهم: أنت تسمع من قريب
ويُقال للذي لا يَفْهمُ: أنتَ تُنَادَى من مكانٍ بعيد.
أي كأنه يُنَادَى، من موضع بعيد منه، فهو لا يسمع النِّداء، ولا يفهمُهُ.
ومذهب الضحاك: أنهم يُنادون يوم القيامة بأقبح أسمائهم، من مكانٍ بعيد، ليكون ذلك أشدَّ عليهم في الفضيحة والتوبيخ.
فصلت 41:45
ومعنى قوله جل وعز: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾.
أنهم قد أُخِّروا إلى مدَّةٍ يعلمها الله، وأنه لا يعاجلُهُمْ بالهلاَكِ.
فصلت 41:47
وقوله جلَّ وعز: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا﴾.
روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: حين تَطْلُع.
وقال غيره: هي الطَّلعة تخرج من قشرها.
قال أبو جعفر: القول الأول أعمُّ، أي وما تخرج من ثمرةٍ من
غلافِها، الذي كانت فيه، وذلك أوَّلُ ما تطلعُ، وغلافُ كل شيءٍ: كُمُّه.
* وقوله جل وعز: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي﴾.
أي على زعمكم.
﴿قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ﴾ هذا من قول الآلِهةِ، أي أعْلَمْنَاكَ.
يُقال: آذنتُه فَأَذِن، أي أعلمتُه فعَلِمَ، والأصلُ في هذا من
الأُذُنِ، أي أوقعتُه في أُذُنُهِ، ومنه:
* "آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ" *
ومنه قوله جل وعزَّ ﴿ومِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ
أُذُنٌ﴾ أي اعملوا ما شئتم، ثم اعتذِرُوا منه، فإنه يعذُرُكم، ويقبلُ
ما تُعْلِمونه بهِ. ومنه الأذان، إنما هو إعلامٌ بالصَّلاةِ.
* ثم قال تعالى: ﴿مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ أي ما منَّا من شهد أنَّ
لك شريكاً.
فصلت 41:48
ثم قال جل وعز: ﴿وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍٍ﴾.
﴿وَظَنُّواْ﴾ أي وأيقنوا.
فصلت 41:49
وقوله جل وعز: ﴿لاَّ يَسْأَمُ ٱلإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ ٱلْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾.
أي لا يَمَلُّ من أن يصيبَهُ الخَيْر.
وفي قراءة عبد الله ﴿مِنْ دُعَاءٍ بالخَيْرِ﴾.
﴿وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ﴾ أي إن مسَّه شيءٌ يسيرٌ من الشَّرِّ، يَئِسَ وقَنِطَ.
فصلت 41:50
وقوله جل وعز: ﴿لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِي وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً﴾.
قال مجاهد: أي بعملي، وأنا حقيقٌ بهذا.
وهذا يُراد به الكافر، ألا تَرَى أنَّ بعدَهُ ﴿وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً﴾؟.
* وقوله تعالى: ﴿وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ﴾ أي على قولك.
فصلت 41:51
وقوله جل وعز: ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾.
أي تباعَدَ، ولم يَدْعُنا.
وقرأ أبو جعفر "يزيد بن القعقاع" ﴿أَعْرَضَ وَنَاءَ
بِجَانِبهِ﴾ الألف قبل الهمزة.
فيجوز أن يكون معناه من "نَاءَ": إذا نهض.
ويجوز أن يكون على قلب الهمز بمعنى الأول.
* وقوله جل وعز: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ﴾.
أي كبير.
يقال: له دعاءٌ عريض وطويلٌ، بمعنىً واحد.
فصلت 41:53
وقوله جل وعز: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ﴾.
أي في آفاق الدنيا، وتقلُّب أحوالها ﴿وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ﴾ مثل ذلك.
قال مجاهد: ﴿فِي ٱلآفَاقِ﴾ فتحُ القُرى ﴿وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ﴾
فتح مكة.
* وقوله جل وعز: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
المعنى: أولم يكفهم بربِّك، أي أولم يكفهمْ ربُّكَ، بما دلَّهم به
على توحيد الله جل وعز، ممَّا فيه كفايةٌ لهم، لأنه على كلِّ شيءٍ
شهيدٌ؟
ويجوز أن يكون المعنى: أنه له على كل شيءٍ شاهد، بأنه
مُحْدِثٌ، وإذا شهده جَازَى عليه.
فصلت 41:54
ثم قال جل وعز: ﴿أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ﴾.
أي في شكٍّ.
وقرأ الحسن: ﴿فِي مُرْيَةٍ﴾.
﴿أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ﴾ أي قد أحاط بعلم الغيب، والشهادة جلَّ وعزَّ.
الشورى 42:1
من ذلك قوله جلَّ وعزَّ: ﴿حـمۤ عۤسۤقۤ﴾ [آية ١، ٢].
وفي قراءة ابن مسعود، وابن عبَّاس ﴿حم. سق﴾.
قال ابن عباس: وكان عليٌّ عليه السلام، يعرفُ الفتنَ بها.
وروى مَعْمَر عن قتادة في قوله تعالى ﴿حـمۤ عۤسۤقۤ﴾ قال:
اسمٌ من أسماء القرآن.
الشورى 42:2
من ذلك قوله جلَّ وعزَّ: ﴿حـمۤ عۤسۤقۤ﴾ [آية ١، ٢].
وفي قراءة ابن مسعود، وابن عبَّاس ﴿حم. سق﴾.
قال ابن عباس: وكان عليٌّ عليه السلام، يعرفُ الفتنَ بها.
وروى مَعْمَر عن قتادة في قوله تعالى ﴿حـمۤ عۤسۤقۤ﴾ قال:
اسمٌ من أسماء القرآن.
الشورى 42:3
وقوله جل وعز: ﴿كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
المعنى: يوحي إليك وإلى الذين من قبلك، كذلك الوحي
الذي تقدَّم، أو كحروف المعجم.
وقيل: إنه لم ينزل كتابٌ إلاَّ وفيه ﴿حم. عسق﴾.
فالمعنى على هذا: كذلك الذي أنْزل من هذه السورة.
وهذا مذهب الفراء.
قال: ويُقرأ ﴿كَذَلِكَ يُوحَى إلَيْكَ وَإلَى الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِكَ﴾.
قال أبو جعفر: يجوزُ على هذه القراءة، أن يكون هذا التمام، ثم ابتدأ فقال: ﴿ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ على أن العزيز الحكيم خبرٌ، أو صفةٌ، والخبرُ ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾.
وكذلك يكون على قراءة من قرأ ﴿نُوْحِي﴾ بالنون، ويجوز
على قراءة من قرأ ﴿يُوْحَى﴾ أن يكون المعنى: يوحي اللهُ، وأنشد
سيبويه:
لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارِعٌ لِخُصُومَةٍ * وَأَشْعَثُ مِمَّنْ طَوَّحَتْهُ الطَّوَائِحُ
فقال: لِيُبْكَ يزيدُ، ثم بيَّنَ من ينبغي أن يبكيَهُ، فالمعنى:
يبكيه ضَارِعٌ.
الشورى 42:5
وقوله جل وعز: ﴿تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَنْفَطِرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾.
أي يَنْشَقِقْنَ من أعلاهنَّ، عقوبةً.
وقال قتادة: لجلالةِ اللهِ، وعظمتِهِ.
قال أبو جعفر: وقيل: أي من فوق الأمم المخالفة.
ويُقرأ: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ أي من عظمة مَنْ فَوْقَهنَّ.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَٱلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ﴾.
وفي الأرض المؤمن، والكافر.
فروى مَعْمرٌ عن قَتادَة قال: ﴿يَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ﴾ من المؤمنين.
قال أبو جعفر: ويُبيِّن هذا قوله جلَّ وعلا ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ
لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقال في الكفار ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ، والمَلاَئِكَةِ، والنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.
الشورى 42:7
وقوله جل وعز: ﴿لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾.
روى أشْعَثُ عن الحسن قال: ﴿أُمَّ ٱلْقُرَىٰ﴾: مكَّةُ.
قال أبو جعفر: وإنما قيل لها "أُمُّ القُرَى" لأنها أوَّل ما عُظِّم
من خَلْقِ اللهِ عزَّ وجل. أو لأنها أول ما وُضع، كما قال جل وعز
﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾.
وفي الحديث: "إنَّ الأَرْضَ منها دُحِيَتْ".
قال أبو جعفر: والمعنى: لتنذر أهل أمِّ القرى، وتنذر من حَوْلَها.
﴿وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ﴾ أي يوم يُبْعثُ الناسُ جميعاً.
المعنى: وتنذرهم بيوم القيامة، ثم حُذف المفعول والباء، كما
قال تعالى ﴿لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ﴾.
الشورى 42:11
وقوله جل وعز: ﴿فَاطِرُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ أَزْواجاً﴾.
﴿جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾ أي إناثاً ﴿وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ﴾.
قال مجاهد: نَسْلاً من بعد نَسْل، من النَّاس، والأنعام.
قال قتادة: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾: يُعيِّشكم فيه.
قال أبو جعفر: المعنى أنَّه لمَّا قال ﴿جَعَلَ﴾ دلَّ على
الجَعْلِ، كما يُقال: من كذب كان شرّاً له.
أي يخلقكم ويُكَثِّركم في الجَعْلِ.
وقال الفراء: ﴿فِيهِ﴾: بمعنى به، والله أعلم.
وقال القتبيّ: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ في الزَّوج.
قال أبو جعفر: كأنَّ المعنى عنده: يخلقكم في بطونِ
الإِناث، ويكون ﴿فيه﴾ في الرَّحِم، وهذا خطأ؛ لأن الرَّحِم
مؤنثةٌ، ولم يَجْرِ لها ذِكْرٌ.
وقوله جلَّ وعز: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾.
الكاف زائدة للتوكيد، وأنشدَ سيبويه:
"وَصَالِيَاتٍ كَكَمَا يُؤْثَفْينِ".
الشورى 42:12
وقوله جل وعز: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾.
قال الحسن ومجاهد وقتادة: المقاليد: المفاتيح.
قال أبو جعفر: والذي يملك المفاتيح يملك الخزائن.
يقال للمفتاح: إقْلِيدٌ، وجمعُه على غير قياسٍ، كمحاسنَ، والواحدُ حُسْنٌ.
الشورى 42:13
وقوله جل وعز: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾.
قال أبو العالية: الذي وصَّى به نواحاً: الإِخلاص لله، وعبادتُه لا شريك له.
وقال مجاهد: وصَّى نوحاً، ووصَّاكَ، ووصَّى الأنبياء كلهم، ديناً واحداً.
وقال الحَكَمُ: جاء نوحٌ بالشريعة بتحريم الأمهاتِ، والبناتِ، والأخواتِ.
وقال قتادة: جاء نوحٌ بالشريعة، بتحليل الحلال، وتحريم الحرام.
قال أبو جعفر: قول أبي العالية: ومجاهد، بيِّنٌ، لأنَّ الإِسلامَ
والإِخلاصَ، دينُ جميع الأنبياء، والشَّرائِعُ مختلفةٌ.
قوله جل وعز: ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾.
قال أبو العالية: ﴿وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ﴾ أي لا تتعادوا، وكونوا إخواناً.
قال قتادة: فأخبرَ أن الهَلَكَة في التفرق، وأنَّ الأُلفة في الاجتماع.
* ثم قال جل وعز: ﴿كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾.
قال قتادة: أكْبَرُوا واشتدَّ عليهم شهادة "أن لا إلهَ إلا الله
وحده" وضاق بها إبليسُ وجنودُه، فأبى الله جلَّ وعزَّ إلاَّ أن يَنْصُرها
ويُفْلِجها، ويُظهرها على من ناوأها.
* ثم قال جل وعز: ﴿ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾.
قال أبو العالية: يُخَلِّصه من الشِّرك، ولا يكون الاجتباءُ إلاَّ من الشِّركِ.
وقال مجاهد: ﴿يَجْتَبِي﴾: يُخَلِّصُ.
الشورى 42:14
وقوله جل وعز: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾.
المعنى: وما تفرَّقوا إلاَّ من أجل البغي ﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ﴾ القرآنُ، والدَّلاَلاَتُ، على صِحَّةِ نُبوَّةِ محمدٍ عليه السلام.
* وقوله جل وعز: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ﴾.
قال مجاهد: أُخِّروا إلى يوم القيامة.
الشورى 42:15
وقوله جل وعز: ﴿فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ﴾.
مؤخَّرٌ يُنْوَى به التَّقْدِيمُ.
والمعنى: كبر على المشركين ما تدعوهم إليه، فلذلك فادْعُ
واستقمْ كما أُمرتَ.
﴿فَلِذَلِكَ﴾ أي فإلى ذلك، أي فإلى إقامةِ الدِّينِ، كما
قال:
* "أَوْحَى لَهَا القَرَارَ فَاسْتَقَرَّتِ" *
أي أوحى إليها.
الشورى 42:16
وقوله جل وعز: ﴿وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ﴾.
قال مجاهد: أي من بعد ما أسلم النَّاسُ.
قال: وهؤلاء قومٌ توهَّموا أنَّ الجاهليَّة تعودُ.
وقال قتادة: الَّذين حاجُوا في اللهِ من بعد ما استُجِيبَ له:
اليهودُ والنَّصارى، قالوا: نبيُّنا قبلَ نبيِّكم، ودينُنا قبلَ دينكم، ونحنُ
خيرٌ منكم.
الشورى 42:17
وقوله جل وعز: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ﴾.
قال قتادة: الميزانُ: العَدْلُ.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾.
﴿لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ﴾ أي البعثَ قريبٌ.
أو لعلَّ مجيءَ السَّاعَةِ قريبٌ.
الشورى 42:18
وقوله جل وعز: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ﴾.
أي يقولون متى تكون؟ على وجه التكذيب بها.
﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ أي خائفون، لأنهم قد أيقنوا بكونها.
﴿أَلاَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فَي ٱلسَّاعَةِ﴾ أي يجادلون فيها، ليشكِّكوا المؤمنين.
﴿لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾ لأنهم لو أفكروا، لعلموا أن الذي
أنشأهم، وخلقهم أوَّلَ مرَّةٍ، قادرٌ على أن يبعثهم.
الشورى 42:20
وقوله جل وعز: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾.
الحَرْثُ: العملُ، ومنه قول عبدالله بن عمر: "احرث
لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً" ومنه
سُمِّي الرجل حارثاً.
والمعنى: من كان يريد بعمله الآخرة ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾
أي: نوفِّقْهُ ونضاعف له الحسنات.
وقوله جلَّ وعز ﴿وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾.
في معناه ثلاثة أقوال:
أ- منها أن المعنى: نؤته منها ما نريد، كما قال سبحانه ﴿مَنْ كَانَ
يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾.
ب- ومنها أن يكون المعنى: ندفع عنه من آفات الدنيا.
والقول الثالث أن المعنى: من كان يفعل الخير، ليُثْنى عليه، تركناه وذلك، ولم يكن له في الآخرة نصيبٌ.
الشورى 42:22
وقوله جل وعز: ﴿تَرَى ٱلظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾.
أي من جزاء ما كسبوا وهو العذاب، وهو واقعٌ بهم.
الشورى 42:23
وقوله جل وعز: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾.
في معناها أربعة أقوال:
١- رَوَى قَزَعَة بن سُويْدٍ، عن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن
عباس، عن النبي ﷺ: قُلْ لا أسألكم على ما أتيتكم به أجراً، إلاَّ
أن تتودَّدوا للهِ، وتتقرَّبوا إليه بطاعته.
وروى منصور وعوف عن الحسن ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ قال: تتودَّدون إلى الله جل وعز، وتتقرَّبون
منه بطاعته، فهذا قولٌ.
٢- وقال الشعبي، ومجاهدٌ، وعكرمةُ، وقتادةُ: المعنى: قل لا
أسألكم عليه أجراً، إلاَّ أن تَودُّوني لقرابتي منكم، فتحفظوني ولا تكذِّبوني.
قال عكرمة: وكانت قريشٌ تَصِلُ أرحامَها، فلما بُعِثَ النبيُّ
ﷺ قَطَعَتْهُ، فقال: صِلُوني كما كنتم تفعلون.
قال أبو جعفر: والمعنى على هذا: قل لا أسألكم عليه أجراً، لكنْ أذكِّرُكمْ قرابتي، على أنه استثناء ليس من الأول، فهذان قولان.
٣- وقال الضحاك: هذه الآيةُ منسوخةٌ، نَسَخَهَا قوله جل وعز ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ فالَّذِي سُئِلوه، أن يَودُّوه
بقرابته، ثم ردَّه اللهُ إلى ما كان عليه الأنبياء، كما قال نوحٌ، وهودٌ
﴿قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْراً﴾. فهذه ثلاثة أقوال.
٤- وروى قيسٌ عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس
قال: لَمَّا نزلت ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ قالوا يا رسول الله: من هؤلاء الذين نَوَدُّهم؟
قال: عليٌّ، وفاطمةُ، وولدُها.
* وقوله جل وعز: ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً﴾.
الاقترافُ: الاكتسابُ، وهو مأخوذٌ من قولهم: رجلٌ قرَفَةٌ
إذا كان محتالاً.
الشورى 42:24
وقوله جل وعز: ﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾.
قال قتادة: أي إن شاء أنساك ما علَّمك.
وقيل: المعنى: إن يشأ يُزِلْ تمييزَكَ، فاشكُرْهُ إذْ لم يَفْعَلْ.
وقيل: معنى ﴿فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾: إن يشأِ
اللهُ يَرْبط على قلبك، بالصبر على أذاهم. وقولُهم: ﴿ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ تمَّ الكلام.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾.
أي يمحو اللهُ الشِّرْكَ ويُزِيلُه.
الشورى 42:25
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ﴾.
في الحديث أن عبدالله بن مسعود سُئل عن رجل زنى بامرأة، أيجوز له أن يتزوَّجها؟ فقال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾.
الشورى 42:26
وقوله جل وعز: ﴿وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾.
﴿الَّذِينَ﴾ في موضع نصبٍ، بمعنى: ويستجيب لِلَّذِينَ
آمنوا، كما قال سبحانه ﴿وَإِذَا كَالُوهُم﴾ أي كالوا لهم، يُقال:
استجبتُه بمعنى أجبتُهُ، وأنشد الأصمعي:
وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إلَى النَّدَى * فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ
ويجوز أن يكون في موضع رفع، ويكون ﴿وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ بمعنى يُجيب الذين آمنوا، كما قال عز وجل
﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾.
قال محمد بن يزيد: حقيقته: فليستدعوا الإِجابة، هكذا
حقيقةُ معنى "استفعل".
الشورى 42:27
وقوله جل وعز: ﴿وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ﴾.
روى سعيد عن قتادة قال: خيرُ الرِّزقِ ما لا يُطغي، ولا يُلْهي.
الشورى 42:28
وقوله جل وعز: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾.
قال مجاهد: ﴿مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ أي يئسوا.
قال أبو جعفر: يُقال: قَنَطَ، يَقْنِطُ، وقَنِطَ يَقْنَطُ: إذا اشتدَّ
يأسه من الشيء.
الشورى 42:29
وقوله جل وعز: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ﴾.
قال الفراء: أراد بثَّ في الأرضِ، دون السَّماءِ، كما قال
سبحانه ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ والمَرْجَانُ﴾ وإنما يخرجُ من المِلْحِ.
قال أبو جعفر: هذا غَلَطٌ.
روى ورقاءُ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ﴾ قال: النَّاسُ، والملائكةُ.
وهذا قولٌ حسنٌ، يُقال لكل حَيٍّ: دَابَّةٌ، من دَبَّ، فهو
دَابٌّ، والهاءُ للمبالغة، كما يقال: رَاويةٌ، وعَلاَّمَةٌ.
* ثم قال جل وعز ﴿وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ﴾ أي على إحيائهم
﴿إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ﴾.
الشورى 42:30
وقوله جل وعز: ﴿وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾.
يُقال: قد تكون المصيبةُ بغير هذا، ففيه أجوبةٌ:
أ- روى معمر عن قتادة عن الحسن في قوله تعالى ﴿وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ قال: الحدود.
فالمعنى في هذا: إنَّ الله جلَّ وعزَّ جعل الحدود، بما يُعْمَلُ
من المعاصي.
ب- وقيل: ﴿ما﴾ ههنا بمعنى "الذي" وهو حسنٌ.
والدليل على هذا، أنَّ أهل المدينة قرءوا ﴿بما﴾ بغير. فاءٍ.
فالمعنى على هذا: والَّذي كان أصابكم، بذنوبٍ عملتموها.
ج- وروى سفيان عن إسماعيل بن مسلمٍ عن الحسن قال قال
رسول الله ﷺ: (مَا مِنْ خَدْشِ عُودٍ، ولاَ عَثْرَةِ قَدَمٍ، وَلا
اخْتِلاَجِ عِرْقٍ، إلاَّ بذنبٍ، وما يعفو اللهُ عنه أكثرُ)، ثم
تلا ﴿وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾.
قال أبو جعفر: فالمعنى على هذا: وما أصابكم من
مصيبةٍ، مقصودٌ بها العقوبةُ، فبما كسبتْ أيديكم.
قال أبو جعفر: وفي الآية قول رابع، وهو: أن كل مصيبةٍ
تصيبُ، فإنما هي من أجل ذنب، إمَّا أن يكون الإِنسانُ
عَمِلَه، وإما أن يكون تنبيهاً له، لئلاَّ يَعْمله، وإمَّا أن
يكون امتحاناً له، ليعتبر والداه، فقد صارتْ كلُّ مصيبةٍ على
هذا من أجل الذنوب، وصارت القراءةُ بالفاء أحسنَ، لأنه
شرطٌ وجوابُه.
الشورى 42:32
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ﴾.
قال مجاهد: الجواري: السُّفُنُ، والأعلامُ: الجبالُ.
الشورى 42:33
ثم قال جل وعز: ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ﴾.
أي سواكن.
الشورى 42:34
وقوله جل وعز: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾.
قال مجاهد: ﴿يُوْبِقْهُنَّ﴾ يُهْلِكْهُنَّ.
قال أبو جعفر: يُقال: أَوْبَقَتْهُ ذنوبُهُ: أي أهلَكَتْهُ.
قال قتادة: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ يهلك من فيهن بذنوبهم.
قال أبو جعفر: تقديره مثل ﴿واسْأَلِ القَرْيَةَ﴾.
الشورى 42:37
وقوله جل وعز: ﴿وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ﴾.
رُوي عن ابن عباس: ﴿كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ﴾: الشِّركُ.
ويُقرأ ﴿كَبِيرَ الإِثْمِ﴾.
قال الحسن: الكبائرُ: كلُّ ما وَعَدَ اللهُ جلَّ وعزَّ عليه النَّارَ.
وقيل: الكبائرُ: كلُّ ما وَعَدَ اللهُ عليهِ النَّارَ، وأجمع
المسلمون على أنَّه من الكبائر. فقد أجمعوا على أنَّ الخمر من الكبائر.
حدثنا بكرُ بنُ سهلٍ، قال حدثنا أبو صالح، عن معاوية بن
صالح، عن عليِّ بنِ أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى
﴿وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ﴾: "الإِشراكُ، واليأسُ من رَوْحِ اللهِ، والأَمْنُ لِمَكْرِ اللهِ".
ومنها عقوق الوالدين، وقتلُ النفس التي حرَّم اللهُ، وقذفُ
المحصناتِ، وأكلُ مالِ اليتيم، والفِرارُ من الزَّحفِ، وأكلُ
الرِّبا، والسِّحْرُ، والزنى، واليمينُ الغموسُ الفاجرةُ، والغلولُ، ومنعُ الزكاة المفروضة، وشهادةُ الزُّور، وكتمانُ
الشهادة، وشربُ الخمر، وتركُ الصلاة متعمداً، أو شيءٍ
مما افترض اللهُ، ونقضُ العهدِ، وقطيعةُ الرَّحم.
الشورى 42:38
وقوله جل وعز: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾.
أي يتشاورون.
الشورى 42:39
وقوله جل وعز: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾.
روى منصور عن إبراهيم: كانوا يكرهون أن يُذِلُّوا
أنفسهم، فيجترئ عليهم الفُسَّاقُ.
الشورى 42:40
ثم قال جل وعز: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾.
قال ابن أبي نجيح: إذا قال: أخْزَاه اللهُ، قال له: أخْزَاهُ اللهُ.
قال أبو جعفر: الأُولَى سيِّئةٌ في اللفظِ والمعنى، والثانية
سَيِّئةٌ في اللفظ، وليست في المعنى سيِّئةً، ولا الذي عملها
مسيءٌ، وسُمِّيتْ سيِّئةً لازدواجِ الكلامِ، ليُعلَمَ أنها جزاءٌ
على الأُولى.
الشورى 42:41
وقوله جل وعزَّ: ﴿وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ﴾.
قال قتادة: هذا في القصاصِ، فأمَّا من ظَلَمك، فلا يحلُّ
لك أن تظلِمه.
قال الحسن: ﴿وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ هذا إذا لم
يكن ظلمُه لا يَصْلُح.
أي هذا فيما أباح الله الانتصارَ منه.
وقد روى يونس عن الحسن في قوله ﴿وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ قال: إذا لُعِنَ لَعَنَ، وإذا سُبَّ سَبَّ، ما لم
يكن حَدّاً، أو كلمةً لا تصلُح.
الشورى 42:45
وقوله جل وعز: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾.
أي ينظرون إلى النَّارِ.
قال مجاهد: ﴿خَفِيٍّ﴾ أي ذليل.
قال أبو جعفر: وقيل: ينظرون بقلوبهم، لأنهم يُحْشَرون عُمياً.
وقول جل وعز: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾.
قال قتادة: خسروا أهليهم الَّذِين في الجنة، أُعِدُّوا لهم لو أطاعوا.
وقيل: لمَّا كان المؤمنون، يُلْحقُ بهم أهلُوهم في الجنة، وكان
الكفَّار لا يجتمعون معهم في خيرٍ، كانوا قد خسروهم، قال الله تعالى
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَتُهُمْ بِإيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾.
الشورى 42:47
وقوله جل وعز: ﴿مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ﴾.
قال مجاهد: ﴿مِّن مَّلْجَأٍ﴾ من مَحْرزٍ، و ﴿مِّن نَّكِيرٍ﴾
من ناصر.
وقيل: ﴿مِّن مَّلْجَأٍ﴾ من مَخْلصٍ من عذاب الله.
﴿وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ﴾ أي لا تقدرون أن تنكروا الذنوب، التي توقفون عليها.
الشورى 42:50
وقوله جل وعز: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً﴾.
قال عبيدة، وأبو مالك، والحسن، ومجاهد، والضحاك
- والمقصود لفظُ عَبِيدة - أي: يهبُ لمن يشاء ذكوراً يولَدون له، ولا يُولَد له إناث، ويَهَبُ لمن يشاء إناثاً يولدون له، ولا يُوْلَد له ذكرٌ ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً﴾ يُولَد له ذكورٌ، ويُولَد له إناثٌ.
قال عَبيدة: ﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً﴾ لا يُولد له.
قال أبو جعفر: يقال لكل اثنين مقترنَيْن: زوجان، كلُّ واحدٍ
منهما زوجٌ.. من ذلك الرجلُ والمرأةُ، والخُفَّانِ، والنَّعلان، فمعنى ﴿يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً﴾: يقرنهم، أي يقرن لهم، كما قال
﴿وَالقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾.
ويُقال: زوَّجتُ إبلي صغيرَها وكبِيرَها، أي قرنتُ صغيرَهَا مع كبيرها.
ويُقال: رجلٌ عقيمٌ: لا يولدُ له، وامرأةٌ عقيم: لا تلدُ، وريحٌ
عقيم: لا تأتي بمطرٍ ولا خير.
الشورى 42:51
وقوله جل وعز: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ﴾.
في المعنى قولان:
أ- فالذي عليه أهلُ التفسير، ما قاله مجاهد، قال: ﴿إِلاَّ وَحْياً﴾
أن يَنْفُثَ في قلبه.
﴿أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ كما كَلَّمَ موسَى صلى الله عليه
وسلم ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ كما أرسلَ جبريلَ عليه السلام إلى النبي
ﷺ، وإلى أشباهه.
والقول الآخر: أن معنى ﴿إِلاَّ وَحْياً﴾ كما أُوحي إلى الأنبياء
صلى الله عليهم بإرسال جبريل صلى الله عليه ﴿أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾
كما كلَّم موسى ﷺ ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ إلى الناس عامةً.
ويُقرأ ﴿أَوْ يُرْسِلُ رَسُولاً فَيوحِي بِإذْنِه﴾ وهذا في موضع
الحال، أي الذي يقوم مقام الكلام ما ذُكر.
ويجوز أن يكون مقطوعاً من الأول.
الشورى 42:52
وقوله جل وعز: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾.
قال ابن عباس: النُّبُوَّةُ.
قال أبو جعفر: أي وكذلك أوحينا إليك، ما تحيا به النفوسُ، أي ما تهتدي به.
وقال قتادة والحَسَنُ: ﴿رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ أي رحمةً من عندنا.
* وقوله جل وعز: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.
أي بما أوحينا إليك.
وقال مُعَلَّى: سمعتُ حُوْشَباً يقرأ ﴿وَإنَّكَ لَتُهْدَى إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وفي قراءة أُبَيٍّ ﴿وَإنَّكَ لَتَدْعُو إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
قال أبو جعفر: وهذا لا يُقْرَأ به، لأنه مخالفٌ للسَّواد، وإنما
يُحْملُ ما كان مثلُه، على أنه من قائلهِ، على جهة التفسير، كما قال
سفيان في قوله جل وعزَّ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي لتدعو.
وروى مَعْمَرٌ عن قتادة في قوله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ قال: لكُلِّ قَوْمٍ هادٍ.
الزخرف 43:1
من ذلك قوله جل وعز: ﴿ حـمۤ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ [آية ١ و ٢].
أي أبان الهُدَى من الضَّلاَلةِ، والحقَّ مِن الباطلِ.
ويكون ﴿المبينُ﴾: البَيِّنُ.
الزخرف 43:2
من ذلك قوله جل وعز: ﴿ حـمۤ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾ [آية ١ و ٢].
أي أبان الهُدَى من الضَّلاَلةِ، والحقَّ مِن الباطلِ.
ويكون ﴿المبينُ﴾: البَيِّنُ.
الزخرف 43:3
ثم قال جل وعز: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
أي بيَّنَّاه.
الزخرف 43:4
وقوله جل وعز: ﴿وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾.
روى مَعْمَرٌ عن قَتادَة قال: ﴿فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ﴾ قال: في
أصل الكتاب، وجملته عندنا.
قال ابو جعفر: ونظير هذا على قول قتادة ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ مَجِيدٌ. فِى لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾.
وقيل: ﴿وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ﴾: يعني ما قُدِّرَ من الخير
والشرِّ ﴿ لَعَلِيٌّ﴾: لقاهر، لا يقدر أحدٌ أن يدفعه ﴿حَكِيمٌ﴾: مُحْكَمٌ.
الزخرف 43:5
وقوله جل وعز: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ﴾.
رَوى إسماعيلُ عن أبي صالح ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ﴾؟
قال: العذابُ.
وروى ابنُ أبي نجيح عن مجاهد قال: أتُكَذِّبُونَ بالقرآنِ، ولا
تُعَاقبونَ؟
قال أبو جعفر: المعنى على هذين القولين: أفنضرب عنكم
ذكر العذاب.
ومذهب قتادة أن المعنى: أفنهملكم، ولا نأمركم، ولا
ننهاكم؟
قال أبو جعفر: يقال: ضربت عنه، وأضربتُ أي تركته.
* ثم قال جلَّ وعزّ ﴿صَفْحاً﴾ أي إعراضاً.
يجوز أن يكون المعنى: أفنصفح عنكم صفحاً، كما يُقال:
هو يَدَعُه تركاً.
ويجوز أن يكون المعنى: أفنضرب عنكم الذكر صافِحين، كما
يُقال: جاء فلانٌ مَشْياً.
ومعنى صفحتُ عنه: أعرضت عنه أي ولَّيْتُه صفحةَ عُنُقي، قال الشاعر:
صَفُوحاً فَمَا تَلْقَاكَ إلاَّ بَخِيلَةً * فَمَنْ مَلَّ مِنْهَا ذَلِكَ الوَصْلَ مَلَّتِ
* ثم قال جل وعز: ﴿أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ﴾.
قال قتادة: أي مشركين.
قال أبو جعفر: المعنى لأن كنتم، إذا فتحتَ ﴿أَنْ﴾ وبذلك
قرأ الحسن، وأبو عمروٍ، وابن كثير.
وقرأ أهل المدينة، وأهلُ الكوفةِ بالكسر، وهو عند قوم من
أهل اللغة لحنٌ، منهم أبو حاتم، وإنما صار عندهم لحناً، لأنهم
إنما وُبِّخُوا على شيءٍ قد ثبت وكان، فهذا موضع "أَنْ" مفتوحة، كما
قال سبحانه ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى. أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾.
قال أبو جعفر: وهذا عند الخليل، وسيبويه، والكسائي، والقُرَّاء جيِّدٌ.
قال سيبويه: سألتُ الخليل عن قوله - يعني الفرزدق -:
أَتَغْضَبُ إنْ أُذْنَا قُتَيْبَةَ حُزَّتَا * جِهَاراً وَلَمْ تَغْضَبْ لَقَتْلِ ابنِ خَازِمٍ
فقال: هي "إنْ" مكسورة، لأنه قبيح أن يُفصل بين "أَنْ" والفعل.
قال أبو جعفر: وهذا شيءٌ قد مَضَى.
قال أبو إسحاق: وهذا يكون بمعنى الحال، إذا كان في
الكلام معنى التوبيخ والتقرير، أي أهذه حالك؟.
قال أبو جعفر: فَعَلى هذا قولُه ﴿أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ﴾.
الزخرف 43:8
وقوله جل وعز: ﴿فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
قال مجاهد: أي سنة الأولين.
قال قتادة: أي عقوبة الأولين.
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ أي طُرُقاً.
الزخرف 43:12
وقوله جل وعز: ﴿وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾.
أي الأصناف كلَّها.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾.
قال مجاهد: الأباعرُ، والخيلُ، والبغالُ، والحميرُ.
الزخرف 43:13
وقوله جل وعز: ﴿لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهَِ﴾.
أي على ظهور هذا الجنس.
﴿ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي تقولوا:
الحَمدُ للهِ.
كما روى أبو إسحاق، عن عليِّ بن ربيعةَ قال: رأيتُ عليَّ
بن أبي طالب صلوات الله عليه جعل رِجْلَهُ في الرِّكاب، فقال
﴿بِسْمِ اللهِ﴾ فلما استوى راكباً قال ﴿الحمدُ لله﴾ ثم قال
﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ اللَّهُمَّ لا إله إلا
أنتَ، قد عملتُ سوءً، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلاَّ أنت ثم
قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ فَعَلَ كفِعْلِي.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: من ركبَ ولم يقل:
﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ قال له الشيطانُ: تغنَّهْ، فإن لم يُحسن، قال له: تَمَنَّهْ.
قال قتادة: ﴿مُقْرِنِينَ﴾ أي في القوة.
قال أبو جعفر: حَكَى أهلُ اللُّغَةِ أنه يُقال: أقرنَ له: إذا
أطاقه، وأنشدوا:
رَكِبْتُمْ صَعْبَتِي أَشَرَاً وَحَيْناً * وَلَسْتُمْ لِلْصِّعَابِ بِمُقْرِنِينَا
وحقيقةُ: أقْرَنْتُ له: صرتُ له قِرْناً، يُقال: هو قِرْنُه في
القتال، وهو على قَرْنِهِ، أي مثله في السِّن.
الزخرف 43:14
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾.
أي إنَّا لمبعوثون.
الزخرف 43:15
ثم قال جل وعز: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ ٱلإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾.
قال قتادة: ﴿جُزْءً﴾: أي عِدْلاً.
قال أبو جعفر: والمعنى على قولهم أنهم عبدوا الملائكة، فجعلوا
للهِ جلَّ وعزَّ شِبْهاً ومِثْلاً.
وقال عطاء: ﴿جُزْءً﴾: أي نصيباً وشِرْكاً.
قال أبو جعفر: وهذا أبينُ كما يُقال: هذا جزءُ فلانٍ، وقيل
لهم هذا، لأنهم جعلوا الملائكة بناتِ اللهِ، هذا قول مجاهد.
ومعنى ﴿وَجَعَلُوا﴾: قالوا هذا ووصفوه.
الزخرف 43:18
وقوله جل وعز: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾.
قال ابن عباس: يعني النِّساءَ، جُعل زَيُّهُنَّ غيرُ زَيِّ الرجَال.
قال أبو جعفر: يجوز أن يكون المعنى: أوَمَنْ يُنَشَّأُ في الحِليةِ
يجعلون لله جلَّ وعزَّ نصيباً؟.
ويجوز أن يكون: في موضع رفع.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾.
قال قتادة: قلَّ ما تكلَّمتِ امرأةٌ ولها حُجَّةٌ، إلاَّ جعلتها عليها.
الزخرف 43:19
ثم قال جل وعز: ﴿وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً﴾.
﴿جَعَلُواْ﴾ هنا بمعنى: وصَفُوا، وهذا من وجوه "جَعَلَ"
التي ذكرها الخليل، وسيبويه، كما تقول: جعلتُ فلاناً أعلمَ النَّاسِ
أي وصفته بهذا.
الزخرف 43:20
وقوله جل وعز: ﴿وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾.
هذه آيةٌ مشكلةٌ، وقد تكلَّم فيها العلماءُ.
أ- فمن أحسن ما قالوا أنَّ قوله عز وجل ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ مردودٌ إلى قوله ﴿وَجَعَلُوا المَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ
إنَاثاً﴾.
فالمعنى: إن الله جلَّ وعز لم يَرُدَّ عليهم قولهم ﴿لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ وإنما المعنى: ما لهم بقولهم: الملائكةُ بناتُ اللهِ من علمٍ، وما بعده يدلُّ على أن المعنى على هذا، لأن بعده ﴿أَمْ
آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي أم أنزلنا عليهم كتاباً فيه هذا؟
ب- وفي الآية قول آخر، وهو أنَّ معنى ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ مَا لهم عذرٌ في هذا، لأنهم رأوا أن ذلك عذرٌ لهم، فردَّ اللهُ
ذلك عليهم، فالردُّ محمولٌ على المعنى، وقوله ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ
كِتَاباً﴾.
الزخرف 43:22
وقوله جل وعز: ﴿بَلْ قَالُوۤاْ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ﴾.
وقرأ مجاهد، وعمر بن عبد العزيز ﴿عَلَى إمَّةٍ﴾.
قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد.
قال أبو جعفر: المعروفُ في اللغة، أن "الإِمَّة" بالكسر:
الطريقة من الدين والمذهب، كما قال:
حَلَفْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً * وَهَلْ يَأْثَمَنْ ذُو إمَّةٍ وَهُوَ طَائِعُ
والأُمَّةُ: السُّنَّةُ والمِلَّةُ، وقد يكون لها غير هذا المعنى، وقد
تكون الإِمَّةُ بمعنى المُلْكِ، والتَّمام كما قال:
* ثُمَّ بَعْدَ الفَلاَحِ والمُلْكِ والإِمَّةِ وَارَتْهُمُوا هُنَاكَ القُبُورُ *
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ﴾ على مِلَّةٍ.
* وقوله جل وعز: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾.
يجوز أن يكون خبراً بعد خبر.
ويجوز أن يكون المعنى: مهتدون على آثارهم.
الزخرف 43:23
ثم أخبر جلَّ وعزَّ أن الأنبياء قبله قد قيل لهم مثل هذا فقال:
﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونََ﴾.
الزخرف 43:24
ثم قال جل وعز: ﴿قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ﴾.
المعنى: أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم، أقمتُمْ على
ما كان عليه آباؤكم؟
الزخرف 43:26
وقوله جل وعز: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾.
وفي قراءة ﴿إنَّنِي بَرِيءٌ﴾.
وَحَكَى الفراء أنَّ قوماً يكتبون الهمزة في كل موضعٍ ألِفاً.
فعلى هذا يُقرأ ﴿بَرِيءٌ﴾ وإن كان في السَّواد بالألف، ومن
قرأ ﴿بَرَاءٌ﴾ قال في الاثنين، والجميع، بَرَاءٌ أيضاً، بمعنى ذَوي بَرَاءٍ.
الزخرف 43:27
ثم قال جل وعز: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾.
قال قتادة: أي خلقني.
قال أبو جعفر: يجوز أن يكون استثناء من الأوَّلِ.
ويجوز أن يكون "إلاَّ" بمعنى "لَكِنْ".
الزخرف 43:28
ثم قال جل وعز: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
قال مجاهد: ﴿كَلِمَةً بَاقِيَةً﴾: لا إلهَ إلا الله.
وقال قتادة: التوحيدُ، والإِخلاصُ في عَقِبهِ.
وقال مجاهد: في وَلَدِهِ.
قال قتادة: لا يزالُ من وَلَدِ إبراهيم ﷺ، مَنْ يَعْبدُ الله جلَّ
وعزَّ، إلى يوم القيامة.
وقوله جلَّ وعز ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ إلى دينك ودينِ إبراهيم
صلى الله عليهما، إذ كانوا من وَلَده.
الزخرف 43:31
وقوله جل وعز: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾.
قال ابن عباس: القريتان: "مكَّةُ" و "الطائفُ".
قال قتادة: الرجلان: "أبو مسعود الثقفي" واسمه عُرْوةُ بن
مسعود، من أهل الطائف، و "الوليد بنُ المغيرة بن عبدالله
المخزومي" من أهل مكة.
قال مجاهد: الرجلان "عُتبةُ بن ربيعةَ" من أهل مكة، وأبو
مسعود الثقفي واسمه "عُمير بن عَمْروِ بنِ مسعود".
قال ابو جعفر: رُوي هذا عن جماعةٍ ثقاتٍ، منهم "ابن
جريج" و "ابن أبي نجيح".
وروى ذلك عن قتادة الثقات أيضاً، إلا أنَّ قول قتادة أشبَهُ
بالصَّواب، لأن مَعْمراً رَوى عنه أنه قال: قال الوليد بن المغيرة: لو
كان ما يقول محمَّدٌ حقّاً، أُنزِل عليَّ، أو على أبي مسعود الثقفي.
فخبَّر قتادة بسبب نزول الآية.
قال أبو العباس: التقدير في العربية: على رجلٍ من رَجُلَيْنِ
من القريتين.
قال أبو جعفر: حقيقةُ التقدير في العربية: على رجلٍ من
رجلَيْ القريتين، كما قال سبحانه ﴿وَاسْأَلِ القَرْيَةَ﴾.
الزخرف 43:32
ثم قال جل وعز: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾.
أي كما قسمنا بينهم الأرزاق، وفضَّلنا بعضهم على بعض، كذلك فضلنا بعضهم على بعض بالاصطفاء بالرسالة.
* ثم قال جل وعز: ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾.
أي ليكون بعضهم لبعض خَوَلاً، و "سُخْرِي"
و "سِخْرِي" واحدٌ.
ثم أخبر جل وعز أن ما عنده من الرحمة خيرٌ فقال
﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
وقرأ الحسنُ: ﴿تَجْمَعُونَ﴾ بالتَّاء.
الزخرف 43:33
وقوله جل وعز: ﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾.
في معنى الآية قولان:
قال الحسن وقتادة: لولا أن يكفر النَّاسُ جميعاً، لفعلنا هذا.
قال أبو جعفر: ومعنى هذا القول: لولا أن يميل الناس إلى
الدنيا فيكفروا، لأعطينا الكافر هذا، لهوانِ الدنيا على الله عز وجل.
والقول الآخرُ - قاله الكسائي - قال: المعنى: لولا إرادتنا
أن يكون في الكفار غنيٌّ وفقير، وفي المسلمين مثل ذلك، لأعطينا
الكفَّار من الدنيا هذا، لهَوانِهَا على الله جل وعز.
قال الفراء: يجوز أن يكون معنى ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ على بيوتهم.
قال أبو جعفر: روى سفيانُ عن إسماعيل عن الشَّعبيِّ
﴿سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ﴾ قال: جُزُوعاً، ﴿وَمَعَارِجَ﴾ قال: دَرَجاً
﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ قال: يَصْعَدون.
وقرأ جماعة: ﴿سَقْفاً مِنْ فِضَّةٍ﴾ وأنكر هذه القراءة بعضُ
أهلُ اللغة، وقال: لو كان كذا لقال "عليه".
قال أبو جعفر: وهذا لا يلزم، لأنه يجوز أن يكون"عليها" للدَّرج.
الزخرف 43:34
ثم قال جل وعز: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً﴾.
أي من فضة، ﴿وَسُرُراً﴾ أي من فضة ﴿وَزُخْرُفاً﴾.
روى شعبةُ عن الحَكَم عن مُجَاهد قال: "كنتُ لا أدري ما
معنى ﴿وزخرفاً﴾ حتى وجدته في قراءة عبدالله بن مسعود
﴿وَذَهَباً﴾".
قال أبو جعفر: في معناه قولان:
أحدهما: أن المعنى: وجعلنا لهم زخرفاً أي غِنىً.
والآخر: أنَّ المعنى: مِنْ فضةٍ، ومن زخرفٍ، ثم حذف
"مِنْ" ونصبَ.
الزخرف 43:36
وقوله جل وعز: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾.
روى سعيد عن قتادة قال: ﴿يَعْشُ﴾: يُعْرِضْ.
وقال أبو عبيدة: ﴿يَعْشُ﴾: تُظْلِمْ عينُه.
وروى عكرمة عن ابن عباس: يَعْمَى.
قال أبو جعفر: يجبُ على قولِ ابن عباس، أن تكون القراءة
﴿وَمَنْ يَعْشَ﴾ بفتح الشين.
وأما قول قتادة ﴿يَعْشُ﴾ يُعْرِضْ، وهو قول الفراء، فغيرُ
معروفٍ في اللغةِ، إنما يُقال: عَشَا يَعْشُو: إذا مشى ببصرٍ
ضعيف، قال الحطيئة:
مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلَى ضَوْءِ نَارِهِ * تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرُ مَوْقِدِ
ونظير هذا: عَرَج الرجلُ يَعْرُجُ، أي مشى مِشْيَةَ الأَعْرَجِ.
وَعَرَجَ يَعْرَجُ: صَارَ أعْرَجَ.
وأصحُّ ما في هذا قولُ أبي عُبيدة، قال الله جل وعزَّ
﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾.
وفي الحديث: أن سعيد بن المسيَّب ذهبت إحدى عينيه، وكان يَعْشُو بالأخرى، أي يُبصر بها بَصَراً ضعيفاً.
* وقوله جل وعز: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾.
قيل: جَزاءً على ما فعل.
وقال سعيد الجُرَيْرِيُّ في قوله تعالى ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً﴾
قال: بلغنا أنَّ الكافر إذا خرج من قبره، سَفَع شيطانٌ بيده، فلا
يزال معه، حتى يدخله الله عز وجل النَّارَ، فذلك قوله جل وعز
﴿قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ ويُوكِّل
بالمؤمن مَلَك فلا يزال معه، حتى يقضي الله بين الخلق، أو يصير إلى ما شاء الله.
الزخرف 43:37
وقوله جل وعز: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾.
أي وإن الشياطين ليصدُّون الكافر عن السبيل.
﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ أي ويحسب الكُفَّار أنهم مهتدون.
الزخرف 43:38
وقوله جل وعز: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ﴾.
قال قتادة: ﴿حَتَّىإذَا جَآءَانَا﴾ قال: الكافر وقرينه جميعاً.
قال ابو جعفر: ويُقْرأ ﴿حَتى إذا جاءنَا﴾ يُراد به الكافر
في الظاهر، والمعنى لهما جيمعاً، لأنه قد عُرف ذلك بما بعده، كما
قال:
وَعَيْنٌ لَهَا حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ * شُقَّتْ مَآقِيهِمَا مِنْ أُخَرْ
* وقوله تعالى: ﴿قَالَ يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ﴾.
في معناه قولان:
أحدهما: أنه يراد "مشرق الشتاء" و "مشرق الصيف".
والآخر: أنه يُراد المشرقُ والمغرب، فجاء على كلام العرب، لأنهم إذا اجتمع الشيئان في معنى، غُلِّب أحدُهُما، كما قال الشاعر:
أَخَذْنَا بِآفَاقِ السَّمَاءِ عَلَيْكُمُ * لَنَا قَمَرَاهَا وَالنُّجُومُ الطَّوَالِعُ
وأنشد أبو عُبيدة بيت جرير:
مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللهِ فِعْلَهُمُ * وَالطَّيِّبَانِ أَبُو بَكْرٍ وَلاَ عُمَرُ
وأنشد سيبويه:
* "قَدْنِيَ منْ نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدِي" *
يريد "عبدالله" و "مُصْعَباً" ابنيْ الزبير، وإنما "أبو
خُبيب" عبدُالله.
وفي الحديث أن أصحاب الجمل، قالوا لعلي بن أبي طالب
عليه السلام: أعْطِنَا سُنَّةَ العُمَرَيْنِ، يعنون: أبا بكر، وعمر.
الزخرف 43:39
وقوله جل وعز: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾.
المعنى: إن الله عز وجل حَرَمَ أهل النَّارِ، هذا المقدار من
الفرح، وهو التأسِّي، وهو أن ذا البلاء، إذا رأى من قد سَاوَاه في
المصيبة، سَكَّن ذلك من حزنه، كما قالت الخنساء:
فَلَوْلاَ كَثْرَةُ البَاكِينَ حَوْلِي * عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي
وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ * أعَزِّي النَّفْسَ مِنْهُ بِالتَّأَسِّي
الزخرف 43:41
وقوله جل وعز: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ﴾.
قال قتادة: ذهب رسول الله ﷺ وبقيت النِّقْمةُ، وليس نبيٌّ
إلاَّ قد رأى النِّقْمةَ في أمَّتِهِ، إلا محمداً ﷺ، ولكنه أُرِيَ ما ينزل بأمَّتِه من بعده، فما رُؤِيَ بعد ذلك ضاحكاً مُنبسطاً.
الزخرف 43:42
وقوله جل وعز: ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ﴾.
قيل: المعنى: الذي وعدناهم، ووعدناك عليهم من النَّصر.
وقيل: الذي وعدناهم يرجع إلى قوله تعالى ﴿والآخِرَةُ عِنْدَ
رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي الذي وعدنا المتقين، من النَّصْرِ، وقد نُصِروا.
الزخرف 43:43
وقوله جل وعز: ﴿فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِيۤ أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.
قال قتادة: أي بالقرآن ﴿إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾
قال: على الإِسلام.
﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ قال: القرآنُ.
وروى محمد بن يوسف عن سفيان ﴿وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ
وَلِقَوْمِكَ﴾ قال: شرفٌ لك ولقومك.
الزخرف 43:44
ثم قال جل وعز: ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾.
قال الفراء: أي وسوف تسألون عن الشكر عليه.
الزخرف 43:45
وقوله جل وعز: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾.
قال ابو جعفر: هذه آية مشكلةٌ، وفي معناها قولان:
روى أبو عَوَانَةَ، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال:
لقيَ الرُّسُلَ صلى الله عليهم ليلة أُسْرِيَ به.
فهذا قول، ومعناه: أنه سيُسرى بك، وتَلْقَى الرُّسُلَ فاسألهم.
والقول الآخر: وهو قول "محمد بن يزيد" وجماعةٍ من
العلماء، أن في هذا المعنى التوقيف والتقرير، والتوبيخ، والمعنى:
واسألْ أمَمَ من قد أرسلنا من قبلك من رسلنا كما قال تعالى
﴿وَاسْأَلِ القَرْيَةَ﴾ أي سلْ من عَبَد الملائكة، أو قال إن الله ثالث
ثلاثة، أو عَبَدَ غير اللهِ جلَّ وعزَّ، هل وَجَد هذا في شيءٍ من كتب
الأنبياء، مما أنزل اللهُ عليهم؟ فإنه لا يجد في كتاب نبيٍّ، أن الله أمر
أن يُعبد غيرُه، ففي هذا معنى التقرير، والتوبيخ، والتوقيف، على أنهم
قد كفروا، وفعلوا ما لم يأمر اللهُ به، ونظيرُه قوله تعالى ﴿قُلْ فَأْتُوا
بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
ويصحِّحُ هذا القول، أن عليَّ بن الحكم، روى عن الضَّحَّاكِ
قال: وهي في قراءة عبدالله ﴿وَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتَابَ مِنْ
قَبْلِكَ﴾ قال: يعني أهل الكتاب.
رَوى سفيانُ عن ابنِ أبي نجيح عن مجاهد قال في قراءة عبدالله ﴿واسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ رُسُلَنَا﴾ فهذه قراءة مفسِّرة.
وقال قتادة: أي سَلْ أهل الكتاب، أَأَمَر اللهُ إلاَّ بالتوحيد، والإِخلاص؟
وزعم ابن قتيبة أن التقدير: واسأل من أرسلنا إليه من قبلِك
رسلاً من رسلنا، فحذَفَ "إليه" لأن في الكلام دلالةً عليه، وحذف "رسلاً" لأن ﴿مِنْ رُسُلِنَا﴾ يدل عليه، وزعم أن الخطاب
للنبي ﷺ، والمراد المشركون.
الزخرف 43:49
وقوله جل وعز: ﴿وَقَالُواْ يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾.
يُقال: كيف قالوا له ﴿أَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ﴾ وقد قالوا ﴿إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ فيما يُستقبل؟
قيل: إنهم لمَّا قالوا له هذا - قبل أن يدعوه - عرفوه فنادوه به.
وقيل: كانوا يسمُّون العلماءَ سَحَرَة، فالمعنى: يا أيُّها العالم.
قال مجاهد: في قوله تعالى ﴿بِمَا عَهِدَ عِندَكَ﴾ مِنْ أنَّا إنْ
آمَنَّا، كَشَفَ عنا العَذَابَ.
قال أبو جعفر: ويدلُّ على صحَّة هذا الجواب، قوله تعالى
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ العَذَابَ إذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ أي ينقضونَ العهد.
وروى سعيد عن قتادة ﴿إذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ قال: يَغْدِرون.
الزخرف 43:51
وقوله جل وعز: ﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾؟ [آية ٥١].
قال الأخفش: في الكلام حذفٌ، والمعنى: أفلا تُبصرون؟ أم
تبصرون؟ كما قال:
فَيَا ظَبْيَةَ الوَعْسَاءِ بَيْنَ جُلاَجِلٍ * وَبَيْنَ النَّقَا هَلْ أَنْتِ أَمْ أُمُّ سَالِمِ
أي أنت أحسنُ أمْ أُمُّ سالِم؟
قال ابو زيد: العربُ تزيد، والمعنى: أنا خيرٌ.
وقيل المعنى: أبَلْ؟
قال أبو جعفر: وأحسنُ ما قيل في هذه الآية - قولُ الخليل
وسيبويه - أنَّ المعنى: أفلا تبصرون، أم أنتم بُصَرَاءُ؟ ويكون ﴿أَمْ
أَنَا خَيْرٌ﴾ بمعنى أم أنتم خيرٌ؟ لأنهم لو قالوا له: أنتَ خيرٌ، كانوا
عنده بصراء.
الزخرف 43:52
وقوله جل وعز: ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾.
والمهين: القليلُ من المهانة.
روى سعيدٌ عن قَتَادة: ﴿وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾ قال: عَيِيٌّ.
وقيل: إنما هذا للَّثْغَةِ الَّتي كانتْ به.
الزخرف 43:53
وقوله جل وعز: ﴿فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسَاوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾.
أي فهلاَّ أُلقي عليه أساورة من عند الله، تدلُّ على أنه
رسول؟!
و ﴿أَسَاوِرَةٌ﴾ جمع إسوارٍ، وفي قراءة أُبيّ وعبدالله ﴿لَوْلاَ
أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسَاوِيرُ﴾ وهو بمعنى الأول.
﴿أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ قال قتادة: أي متتابعين.
وقال مجاهد: أي يمشون معه معاً.
قال أبو جعفر: فاقترحوا هذا، بعدما جاءهم ما يدلُّ على نبوَّته.
الزخرف 43:54
ثم قال جل وعز: ﴿فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾.
أي استفزَّهم.
الزخرف 43:55
وقوله جل وعز: ﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
قال مجاهد وقتادة: أي أغضبونا.
الزخرف 43:56
وقوله جل وعز: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ﴾.
قال لاحقُ بن حُمَيد: أي جعلناهم سلفاً لمن عمل بعملهم، ومَثَلاً لمن لم يعمَل بعملهم.
وقال مجاهد: هم قوم فرعونَ، سلفٌ لكفار أمة محمد ﷺ، قال: ﴿وَمَثَلاً﴾ أي عبرة.
وقال قتادة: ﴿سَلَفاً﴾ إلى النار ﴿وَمَثَلاً﴾ أي عظة.
قُرِئَ على أبي قاسم، قريب "أحمد بن مَنيع" عن أبي كامل
الجحدري عن عبدالواحد، عن عاصم عن أبي مجلز ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ﴾ قال: سلفاً لمن عمل بمثل عملهم، ومثلاً لمن لم
يعمل بمثل عملهم.
قال أبو جعفر: هذه الأقوال متقاربة، وأصلُ السَّلَفِ في
اللغة: ما تقدَّم، ومنه تسلَّفْتُ من فلان، وأبينُها قولُ قتادة، أي
جعلناهم متقدِّمين في الهلاك، وعظةً لمن يأتي بعدهم.
ويُقرأ ﴿سُلُفاً﴾ جمعُ سَلِيف.
وقرأ حميد الأعرج فيما رُوي عنه ﴿سُلَفاً﴾ جمع سُلْفَةٍ أي
فرقةٍ متقدمة.
وأبينها وأكثرها فتحُ السِّين واللاَّم، كما يُقال: فلانٌ يحبُّ السَّلَف.
الزخرف 43:57
وقوله جل وعز: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾.
قال مجاهد: قالوا ما ذكر محمد "عيسى" صلى الله عليهما إلاَّ
لننزله منزلته من النَّصَارى.
وقال قتادة: لما أُنزل على النبي ﷺ ذكرُ عيسى غاظ ذلك
قُريشاً، وقالوا: لم ذكرتَ عيسى؟ وقالوا: ما ذكره إلاَّ لنستعمل فيه ما استعملت النَّصارى في عيسى، فأنزل الله جلَّ وعز ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلاَّ جَدَلاً﴾.
وقيل: نَزَل هذا في "ابن الزَّبعري" لمَّا أنزل الله تعالى
﴿إنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا
وَارِدُونَ﴾ قال: فالنصارى تعبد المسيح؟؟ قال جل وعزَّ ﴿مَا
ضَرَبُوهُ لَكَ إلاَّ جَدَلاً﴾ أي قد علموا أنه لا يُراد بهذا المسيحُ، وإنما يُراد بها الأصنام التي كانوا يعبدونها.
* وقوله جل وعز: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾.
روى سفيان، وشعبةُ عن عاصم، عن أبي رزين عن ابن
عباس ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ قال: يَضِجُّونَ.
ويُقرأ ﴿يَصُدُّونَ﴾ بضم الصَّاد قال النَّخعي: أي يُعرضون.
وقال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد.
وأنكر بعض أهل اللغة الضمَّ، وقال: لو كانت "يَصُدُّون"
لكانت "عنه" ولم تكن "منه".
وقال أبو جعفر: وهذا لا يلزم، لأن معنى يصُدُّون منه أي من أجله.
الزخرف 43:58
وقوله جل وعز: ﴿وَقَالُوۤاْ أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ؟﴾.
قال قتادة: ["أم هو" يعنون محمداً ﷺ] وفي قراءة "أُبَيِّ" ﴿وَقَالُوا أَأَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هَذَا﴾ يعنون محمداً ﷺ.
* ثم قال جل وعز: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً﴾.
المعنى على تفسير قتادة: إنهم قد علموا أنك لا تريد منهم، أن يُنْزِلوك منزلة المسيح.
وعلى القول الآخر: إنهم قد علموا أنه لا يُراد بقوله جل وعز
﴿إنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ المسيحُ عليه
السلام، وإنما يُراد به الأصنامُ، واللُّغةُ تدلُّ على هذا، لأن "ما" لما
لا يعقل، فقد عُلِمَ أن معنى ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ لا
يكون للمسيح.
وهذا أصحُّ ما قيل في قوله تعالى ﴿إنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ
دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾.
* ثم قال جل وعز: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾.
قال سفيان حدثني رجلٌ، أنها نزلت في ابن الزَّبَعْرَى.
الزخرف 43:59
ثم قال جل وعز: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾.
يكون المعنى على قول من قال: إن الآية نزلت في ابن
الزَّبَعْرَى: إن المسيحُ إلاَّ عبدٌ أنعمنا عليه، وجعلناه مثلاً لبني
إسرائيل، أي جعلناه عظةً لهم، أي ذا عظة أي يعظهم.
ويجوز أن يكون معنى ﴿مَثَلاً﴾: أنه بشرٌ مثلهم، فُضِّل عليهم.
ويجوز أن يكون المعنى على قول قتادة وعلى الآخر أيضاً: إنْ
محمدٌ إلاَّ عبدٌ أنعمنا عليه، وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل، والكلامُ في
"مَثَلٍ" كالكلام فيه.
الزخرف 43:60
ثم قال جل وعز: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾.
قال مجاهد: أي يعمرونها كما تعمرونها، بدلاً منكم.
وقال قتادة: أي ملائكة يخلف بعضهم بعضاً.
الزخرف 43:61
ثم قال جل وعز: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾.
روى سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس
﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾ قال: نزول عيسى.
وكذلك روى سِمَاكٌ عن عكرمة عن ابن عباس.
وكذلك قال مجاهد وأبو مالك.
وقد رُوي عن ابن عباس وأبي هريرة أنهما قَرَءَا ﴿وَإنَّهُ لَعَلَمٌ
لِلسَّاعَةِ﴾.
قال الخليل: العَلَمُ والعلامَةُ واحدٌ.
قال أبو جعفر: ومعنى ﴿لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾: يُعْلَم بنزول
عيسى ﷺ، أن السَّاعة قد قَرُبَتْ.
وصحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: (لينزلنَّ ابن مريم حَكَماً
عَدْلاً، فليكسرنَّ الصليبَ، وليقتلنَّ الخنزير..).
ويجوز أن يكون المعنى: وإن محمداً ﷺ لَعَلَمٌ لِلسَّاعة، لأنه
خاتم النبيِّين، قال الله جل وعز ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ
القَمَرُ﴾.
* ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾: أي فلا تشكُّوا.
الزخرف 43:63
وقوله جل وعز: ﴿وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾.
روى ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ قال: تبديلُ التَّوراة.
الزخرف 43:67
وقوله جل وعز: ﴿ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾.
قال مجاهد: أصحابُ المعاصي متعادُونَ يومَ القيامةِ.
وقال الحارث: سُئل عليُّ بنُ أبي طالب عن قوله جل وعزَّ
﴿ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ فقال: خليلان مؤمنان، وخليلان كافران، ماتَ أحدُ المؤمنينَ فبُشِّرَ بالجنَّةِ، فقال: اللهم لا
تُضِلَّ خليلي، حتى يُبَشَّر بما بُشِّرْتُ بهِ، وتَرْضَى عنه كما رَضِيتَ
عني، فلمَّا مات جُمع بينهما، فقال له: جَزَاك الله من خليلٍ، ومن
أخٍ وصاحبٍ خيراً، فنعم الخليلُ كنتَ.
والكافران يقول أحدهما لصاحبه: بئس الخليلُ، والصاحبُ
كنتَ، ثم قرأ ﴿ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾.
وقال مجاهد: قال ابن عباس: أحِبَّ لله، وأبْغِضْ لله، ووَالِ لله، وعاد لله، فإنه إنما يُنَالُ ما عندَ اللهِ بهذا، ولن يَنْفَعَ أحدٌ
كثرةُ صَوْمِهِ، وصلاتِهِ، وحجِّه، حتى يكون هكذا، وقد صار
النَّاسُ اليوم يُحبُّون ويبغضون للدنيا، ولن ينفع ذلكَ أهلَهُ، ثم قرأ
﴿ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾.
الزخرف 43:70
وقوله جل وعز: ﴿ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾.
قال يحيى بنُ أبي كثير سئل النبي ﷺ عن قوله تعالى ﴿أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ قال: "اللَّذةُ: والسَّمَاعُ بما شَاءَ اللهُ من ذكره".
قال قتادة: ﴿تُحْبَرُونَ﴾: تُنَعَّمُونَ.
الزخرف 43:71
ثم قال جل وعز: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾.
روى سعيد عن قتادة قال: الأكوابُ دون الأباريق، قال:
وَبَلَغَنِي أنها مدوَّرةٌ، وكذلك هي عند أهلِ اللُّغةِ، إلاَّ أنَّها لا آذَانَ
لها، ولا عُرَى.
الزخرف 43:75
وقوله جل وعز: ﴿لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾.
مأخوذٌ من الفَتْرَةِ، والفُتُورِ، والفتْرِ.
والمُبْلِسُ: المتحيِّرُ، الَّذي قد يَئِسَ من الخَيْرِ.
الزخرف 43:77
وقوله جل وعز: ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾.
قال مجاهد: ما كنا ندري ما معنى ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ﴾
حتى وجدنا في قراءة عبدالله ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِ﴾.
قال عبدالله بن عمرو بن العاص: يُنَادُونَ مالِكاً أربعينَ سنةً، فيجيبُهم بعدها ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ ثم يُنَادون ربَّ العزة ﴿رَبَّنَا
أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإنْ عُدْنَا فَإنَّا ظَالِمُونَ﴾ فيسكت عنهم مثل عُمُرٍ
الدنيا، ثم يقول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ قال: فليس بعدها
إلاَّ صياحٌ كصياح الحمير، أوَّلُه زفيرٌ، وآخرهُ شهيقٌ.
الزخرف 43:79
وقوله جل وعز: ﴿أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾.
قال مجاهد: أي أم أجمعوا على كيدٍ أو شرٍّ، فإنَّا نَكيدهم.
قال الفراء: أي أم أحكموا أمراً يُنجيهم من عذابنا على قولهم، فإنا نُعَذِّبهم.
قال أبو جعفر: يقال: أَبْرَمَ الأَمْرَ: إذا بالغ في إحكامه، وأبرم الفَاتِلُ: إذا أحكمَ الفَتْلَ، وهو الفَتْلُ الثاني، والأول سَحِيلٌ كما
قال:
* "مِنْ سَحِيلٍ وَمُبْرَمِ" *
ومنه: رجل بَرَمٌ: إذا كان لا يدخل في الميسر، أو كان ضيِّق
الخُلُق لا يجتمع مع النَّاسِ، كما قال الشاعر:
وَلاَ بَرَماً تُهْدَى النَّسَاءُ لِعِرْسِهِ * إذَا القَشْعُ مِنْ بَرُدِ الشِّتَاءِ تَقَعْقَعَا
و "بُرْمَة" من هذا، سُمِّيت به، للإِلحاح عليها بالإِيقاد.
الزخرف 43:81
وقوله جل وعز: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ﴾.
في معناه ثلاثة أقوال:
أ- قال مجاهد: أي قل إن كان للرحمن ولد - في قولكم - فأنا
أوَّلُ من عَبَده، ووحَّده، وكذَّبكُمْ.
ب- وقال الحسن: يقول: ما كان للرحمن ولد.
ج- وقيل: هو من عَبِدَ أي أَنِفَ كما قال:
* "وأَعْبَدُ أَنْ تُهْجَى تَمِيمٌ بَدَارِمِ" *
قال أبو جعفر: أحسنها قول مجاهد، لأنَّ "إنْ" يبعد أن
تكون ههنا بمعنى "ما" لأن ذلك لا يكاد يستعملُ إلاَّ وبعد "إنْ" إلاَّ.
وأيضاً فإن بعدها ألفاً، وأكثر ما يُقال، إذا أنِفَ الإِنسانُ
وغضِبَ، وأنكر الشيء: عَبِدَ فهو عَبِدٌ، كما يُقال: حَذِرَ، فهو حَذِرٌ.
وقول مجاهد بيِّنٌ أي إن كان للرحمن ولدٌ - على زعمكم
وقولكم - كما قال تعالى ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي﴾؟ فأنا أوَّلُ من
خالفكم ووحَّد الله جل وعز.
ومعنى ﴿ٱلْعَابِدِينَ﴾ كمعنى الموحِّدين، لأنه لا يقال عابدٌ، إلاَّ لموحِّدٍ.
الزخرف 43:84
وقوله جل وعز: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ﴾.
قال قتادة: أي يُعبد في السَّماء، وفي الأرض.
ورُويَ عن عمر، وأُبَيِّ، وابن مسعود ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي
السَّمَاءِ اللهُ وَفي الأرضِ اللهُ﴾.
الزخرف 43:86
وقوله جل وعز: ﴿وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ﴾.
قال قتادة: المسيحُ، وعُزيرٌ، قد عُبِدَا من دون اللهِ، ولهما شفاعة.
وقال مجاهد: لا يشفعُ المسيحُ، وعُزَيْرٌ، والملائكةُ، إلاَّ لمن
شهد بالحقِّ، قال: "لا إلَهَ إلاَّ الله".
قال أبو جعفر: قولُ قتادةَ أبينُ، وقولُ مجاهد على أنه استثناء
ليس من الأول.
الزخرف 43:88
وقوله جل وعز: ﴿وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾.
وسنبيِّنُ معنى ﴿وَقِيلِهِ يٰرَبِّ﴾ في الإِعراب إن شاء الله.
الزخرف 43:89
وقوله جل وعز: ﴿فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
قال قتادة: في قوله ﴿فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ قيل له هذا، ثم
نُسخ بالأمر بالقتال.
الدخان 44:1
قوله جل وعز: ﴿حمۤ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ [آية ١ - ٣].
قال مجاهد وقتادة: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾: ليلة القدر.
قال أبو جعفر: في معنى هذه الآية ثلاثة أقوال:
أ- فمن أصحِّها ما رواه حمَّادُ بنُ زيد، عن أيوبَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباس قال: "أُنزل القرآنُ في ليلة القدر، إلى السماء الدنيا
جملةً واحدة، ثم نَزَل به جبرائيل في عشرين سنة" وهذا إسنادٌ لا يُدْفع.
ب- وقيل المعنى: إنا أنزلناه قرآناً في تفضيل ليلة القَدْرِ.
وهو قوله تعالى ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ فهذان قولان.
ج- وقيل المعنى: إنَّا ابتدأنا إنزاله في ليلة القَدْر، كما تقول: أَنَا
أخرجُ إلى مكَّةَ غداً، أي أنا ابتدئُ الخروجَ.
الدخان 44:2
قوله جل وعز: ﴿حمۤ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ [آية ١ - ٣].
قال مجاهد وقتادة: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾: ليلة القدر.
قال أبو جعفر: في معنى هذه الآية ثلاثة أقوال:
أ- فمن أصحِّها ما رواه حمَّادُ بنُ زيد، عن أيوبَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباس قال: "أُنزل القرآنُ في ليلة القدر، إلى السماء الدنيا
جملةً واحدة، ثم نَزَل به جبرائيل في عشرين سنة" وهذا إسنادٌ لا يُدْفع.
ب- وقيل المعنى: إنا أنزلناه قرآناً في تفضيل ليلة القَدْرِ.
وهو قوله تعالى ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ فهذان قولان.
ج- وقيل المعنى: إنَّا ابتدأنا إنزاله في ليلة القَدْر، كما تقول: أَنَا
أخرجُ إلى مكَّةَ غداً، أي أنا ابتدئُ الخروجَ.
الدخان 44:3
قوله جل وعز: ﴿حمۤ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ [آية ١ - ٣].
قال مجاهد وقتادة: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾: ليلة القدر.
قال أبو جعفر: في معنى هذه الآية ثلاثة أقوال:
أ- فمن أصحِّها ما رواه حمَّادُ بنُ زيد، عن أيوبَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباس قال: "أُنزل القرآنُ في ليلة القدر، إلى السماء الدنيا
جملةً واحدة، ثم نَزَل به جبرائيل في عشرين سنة" وهذا إسنادٌ لا يُدْفع.
ب- وقيل المعنى: إنا أنزلناه قرآناً في تفضيل ليلة القَدْرِ.
وهو قوله تعالى ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ فهذان قولان.
ج- وقيل المعنى: إنَّا ابتدأنا إنزاله في ليلة القَدْر، كما تقول: أَنَا
أخرجُ إلى مكَّةَ غداً، أي أنا ابتدئُ الخروجَ.
الدخان 44:4
وقوله جل وعز: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [آية ٤ و ٥].
في معناه قولان متقاربان:
قال ابن عباس: يُحْكِمُ اللهُ جلَّ وعزَّ أمرَ الدنيا إلى قابل، في
ليلة القدر، ما كان من حياةٍ، أو موتٍ، أو رزقٍ.
وقال أبو عبدالرحمن السلمي، والحسن، ومجاهد، وقتادة: نحواً من هذا، إلاَّ أن مجاهداً قال: إلاَّ الشَّقَاء، والسَّعادة، فإنهما لا يتغيَّران.
قال ابو جعفر: فهذا قولٌ.
والمعنى عليه: أنه تُؤْمَر - ليلة القدر - الملائكة بما يكون من
القَطْرِ، والرِّزْق، والحياةِ، والموتِ، إلى قابل.
ومعنى "يُفْرَقُ" و "يُؤْمَر" واحدٌ، كأنه قال: يُؤْمرُ كلُّ
أمرٍ حكيم، أمراً من عندنا.
والقول الآخر: أنها ليلة النِّصف من شعبانَ، يُبرمُ فيها أمرُ
السَّنَةِ، ويُنسخُ الأحياءُ من الأمواتِ، ويُكْتب الحاجُّ، فلا يُزاد فيهم، ولا يُنْقصُ منهم أحدٌ.
وقال غيره: ﴿يُفْرَقُ﴾: يُقْضَى، ويُفَصَّل في تلك الليلة، إلى مثلها من السنة الأخرى.
و ﴿حَكِيمٌ﴾ بمعنى محكم.
وقيل: إن معنى ﴿يُفْرَقُ﴾: يُفْصَلُ، أي يُفْصَلُ بين
المؤمنِ، والكافرِ، والمنافقِ، فيقال للملائكة هذا، ويعرفونه.
الدخان 44:5
وقوله جل وعز: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [آية ٤ و ٥].
في معناه قولان متقاربان:
قال ابن عباس: يُحْكِمُ اللهُ جلَّ وعزَّ أمرَ الدنيا إلى قابل، في
ليلة القدر، ما كان من حياةٍ، أو موتٍ، أو رزقٍ.
وقال أبو عبدالرحمن السلمي، والحسن، ومجاهد، وقتادة: نحواً من هذا، إلاَّ أن مجاهداً قال: إلاَّ الشَّقَاء، والسَّعادة، فإنهما لا يتغيَّران.
قال ابو جعفر: فهذا قولٌ.
والمعنى عليه: أنه تُؤْمَر - ليلة القدر - الملائكة بما يكون من
القَطْرِ، والرِّزْق، والحياةِ، والموتِ، إلى قابل.
ومعنى "يُفْرَقُ" و "يُؤْمَر" واحدٌ، كأنه قال: يُؤْمرُ كلُّ
أمرٍ حكيم، أمراً من عندنا.
والقول الآخر: أنها ليلة النِّصف من شعبانَ، يُبرمُ فيها أمرُ
السَّنَةِ، ويُنسخُ الأحياءُ من الأمواتِ، ويُكْتب الحاجُّ، فلا يُزاد فيهم، ولا يُنْقصُ منهم أحدٌ.
وقال غيره: ﴿يُفْرَقُ﴾: يُقْضَى، ويُفَصَّل في تلك الليلة، إلى مثلها من السنة الأخرى.
و ﴿حَكِيمٌ﴾ بمعنى محكم.
وقيل: إن معنى ﴿يُفْرَقُ﴾: يُفْصَلُ، أي يُفْصَلُ بين
المؤمنِ، والكافرِ، والمنافقِ، فيقال للملائكة هذا، ويعرفونه.
الدخان 44:10
وقوله جل وعز: ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾.
رَوى إسرائيلُ عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليِّ بن
أبي طالب عليه السلام، قال: "آيةُ الدخان لم تمضِ بعدُ
وستكونُ، يأتي دخانٌ يصيب المؤمنين الزُّكامَ، ويَنْقَدُّ الكافرُ".
وروى الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: "جلس
رجلٌ فقال: إنَّ الدخان لم يكنْ، وإنما يكون يوم القيامة، يأخذ
المؤمنين منه مثلُ الزُّكام، ويشتدُّ على الكافرين والمنافقين، فدخلنا على
عبدالله بن مسعود وهو مُتَّكِئٌ، فحكينا له ما قال، فقامَ فجلس
مغضَبَاً وقال: إذا سئل أحدكم عمَّا لا يعلم فليقل: لا علمَ لي به، فإن الله جلَّ وعزَّ يقول لنبيِّه ﴿قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ، ومَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ وسأخبركم عن الدخان.. إن قريشاً استعصتْ
على رسول الله ﷺ وكفرتْ، فدعا الله جل وعزَّ عليها أن يُجَوِّعَها، فأصابَها جوعٌ شديد، حتى كان الرجلُ يَرَى بينَ السَّماءِ والأرضِ
دُخاناً، من الجوع والحرِّ، فقالت قريش ﴿ربَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابُ
إنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ فكشفه الله عنهم فعادوا، ثم بطش بهم البطشةَ الكبرى
يومَ بدرٍ، ولو كان الدخانُ يوم القيامةِ، ما كُشِفَ عنهم".
الدخان 44:15
وقوله جل وعز: ﴿إِنَّا كَاشِفُو ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾.
يجوز أن يكون المعنى: إنكم عائدون في المعاصي.
ويجوز أن يكون بمعنى: مَيِّتين.
الدخان 44:16
وقوله جل وعز: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾.
قال أُبيِّ بن كعب، وابن مسعود في ﴿ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ﴾: إنها يوم بدر.
وروى عوف، وقتادة، عن الحسن ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ قال: يوم القيامة.
الدخان 44:17
وقوله جل وعز: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾.
روى سعيد عن قتادة قال: ابتليناهم.
قال ﴿وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾: يعني موسى ﷺ.
قال ﴿وأَنْ لاَ تَعْلُوا عَلَيَّ﴾: أن لا تَعْتُوا.
قال: وقوله ﴿إنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي بعذرٍ مُبين.
الدخان 44:20
ثم قال جل وعز: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ﴾.
قال قتادة: بالحجارة.
قال الفراء: الرَّجْم ههنا: القتلُ.
وروى إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ﴾ قال: أن يقولوا: ساحرٌ، أو
كاهنٌ، أو شاعرٌ.
الدخان 44:21
ثم قال جل وعز: ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ﴾.
أي دعوني كَفَافاً، لا لي، ولا عَلَيَّ.
الدخان 44:24
وقوله جل وعز: ﴿وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ﴾.
روى عكرمة عن ابن عباس قال ﴿رَهْواً﴾: طريقاً.
وروى عليُّ بن الحكم عن الضحاك قال: سهلاً.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً﴾:
أي ساكناً، لا تأمرْهُ أن يرجع إلى ما كان عليه، حتى يحصَلُ فيه آخرُهُمْ.
ورُوِي عن مجاهد أنه قال: ﴿رَهْواً﴾: أي يابساً.
قال أبو جعفر: هذه الأقوال متقاربة، ويُقال للساكن:
رَهْوٌ، كما قال الشاعر:
والخَيْلُ تَمْرغ رَهْواً فِي أَعِنَّتِهَا * كَالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشُّؤْبُوبِ ذِي البَرَدِ
ويُقال: جاء القوم رَهْواً على نَظْمٍ واحدٍ.
الدخان 44:25
وقوله جل وعز: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [آية ٢٥ و ٢٦].
قال الفراء: يُقال: المنازلُ الحسنةُ، ويقالُ: المنابرُ.
الدخان 44:26
وقوله جل وعز: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [آية ٢٥ و ٢٦].
قال الفراء: يُقال: المنازلُ الحسنةُ، ويقالُ: المنابرُ.
الدخان 44:29
ثم قال جل وعز: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾.
رَوى المسيَّبُ بنُ رافع عن علي عليه السلام أنه قال: "يبكي
على المؤمن، البابُ الذي يَصْعَد منه عملُه، ومُصَلاَّهُ من الأرض".
وَرَوى سعيد بن جبير عن ابن عباسٍ قال: "للمؤمنِ بابٌ
يصعد منه عَملُه، ويَنزِل منه رزقُه، فإذا ماتَ بكى عليه، وبكى عليه
الموضعُ الذي كان يُصَلِّي عليه، ولم يكن في آل فرعونَ خيرٌ، ولا كان
لهم عملٌ صالحٌ يصعد، قال الله تعالى ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ﴾".
وقيل: المعنى: فما بكى عليهم أهلُ السماءِ، وأهلُ الأرضِ، كما قال تعالى ﴿وَاسْأَلِ القَرْيَةَ﴾.
قال ابو جعفر: العربُ إذا عَظَّمتْ هَلاَكَ إنسانٍ قالتْ:
بكتْ عليهِ السَّماءُ، وأظلمت له الشَّمسُ، على التمثيل كما قال:
وَالشَّمْسُ طَالِعَةً لَيْسَتْ بِكَاسِفَةٍ * تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومَ اللَّيلِ وَالقَمَرَا
* ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾: أي مؤخَّرِينَ.
الدخان 44:31
وقوله جل وعز: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾.
قال قتادة: كان يُذَبِّح ابناءَهُمْ، ويَسْتَحِيِي نساءَهُمْ.
الدخان 44:32
ثم قال جل وعز: ﴿وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ﴾.
قال قتادة: على عَالَمِي أهلِ زمانِهم.
الدخان 44:33
ثم قال جل وعز: ﴿وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ﴾.
قال قتادة: أنجاهم من عدوِّهم، وأقطعهم البحرَ، وأنزلَ
عليهم المنَّ، والسَّلْوى.
قال أبو جعفر: فالبلاءُ ههنا النعمةُ على هذا القول، كما قال
الشاعر:
* "فَأَبْلاَهُمَا خَيْرَ البَلاَءِ الَّذِي يَبْلُو" *
وقد يكون البلاء ههنا: العذابُ ضدُّ النعمة أي لحقهم البلاءُ لمَّا
كفروا بآيات الله.
الدخان 44:35
ثم قال جل وعز: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾.
"إن هؤلاء" يعني قريشاً "إن هي" بمعنى ما هي، والمُنْشَرون: المبعوثون، أنشرَ اللهُ الموتى فنشروا، كما قال الشاعر:
يَا آلَ بَكْرٍ أَنْشِرُوا لِي كُلَيْباً * يَا آلَ بَكْرٍ أَيْنَ أَيْنَ الفِرَارُ؟
الدخان 44:36
ثم قال جل وعز: ﴿فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
الفرَّاء يذهب إلى أن قوله ﴿فَأْتُواْ﴾ مخاطبةٌ للنبي ﷺ وحده
على ما تستعمله العرب في مخاطبة الجليل.
الدخان 44:37
ثم قال جل وعز: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾.
قالت عائشةُ: كان تُبَّعٌ رجلاً صالحاً، فذمَّ الله قومَه، ولم يذممْهُ.
وقال سعيد بنُ جبير: سأل ابنُ عباس كَعْباً: كيف ذكر اللهُ
جل وعز قومَ تُبَّعٍ، ولم يذكر تُبَّعاً؟ فقال: كان تُبَّعٌ مَلِكاً من الملوكِ، وكان قومُه كُهَّاناً، وكان معهم قومٌ من أهل الكتاب، فكان قومُه
يكذبون على أهل الكتاب عنده، فقال لهم جميعاً: قرِّبوا قرباناً، فقرَّبوا
فَتُقبِّل قربانُ أهلِ الكتاب، ولم يُتقبَّلْ قربانُ قومهِ، فأسلم، فلذلك ذكر
اللهُ قومَهُ، ولم يذكره.
الدخان 44:39
وقوله جل وعز: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾ أي إلاَّ لإِقامةِ الحقِّ.
الدخان 44:41
وقوله جل وعز: ﴿يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾.
المَوْلَى: الوَليُّ، والنَّاصِرُ، كما قال الشاعر:
فَغَدَتْ كِلاَ الفَرْجَيْنِ تَحْسِبُ أنَّهُ * مَوْلَى المَخَافَةِ، خَلْفُهَا وَأَمَامُهَا
وفي الحديث عن النبي ﷺ: "مَنْ كنتُ مَوْلاَهُ، فَعَلِيٌّ
مَوْلاَهُ".
في معناه ثلاثة أقوالٍ:
أحدها: أن يكون المعنى: من كنتُ أتولاَّهُ فعليٌّ يتولاَّه.
والقول الثاني: من كان يتولاَّني تولاَّه.
والقول الثالث: أنه يُروى أن أسامةَ بن زيدٍ قال لعليٍّ عليه
السلام: لستَ مولايَ إنما مولايَ رسولُ اللهِ ﷺ فقال عليه السلام: "من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه".
الدخان 44:44
وقوله جل وعز: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾.
قال شعبة: سمعتُ سليمنَ عن مجاهد قال: كان ابن عباس
جالساً وفي يده مِحْجَنٌ، والناسُ يطوفون بالبيت، فقال رسول الله
ﷺ: "يا أيُّها النَّاسُ اتَّقُوا اللهَ ولا تَمُوتُنَّ إلا وأنتم مسلمون، فلو أنَّ قطرةً من الزقُّوم قَطَرتْ على أهلِ الدنيا، لأَمَرَّتْ عليهم عَيْشَهم، فكيف بمن طعامُهُ الزقُّومُ؟".
قال أبو الدرداء: ﴿طَعَامُ ٱلأَثِيمِ﴾: طعامُ الفاجر.
الدخان 44:45
ثم قال جل وعز: ﴿كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ﴾.
روى سعيد بن جبير، وأبو ظبيانَ عن ابن عباسٍ قال:
المُهْلُ: دُرْدِيُّ الزيتِ.
ثم قال ﴿تَغْلِي فِي البُطُونِ﴾ يعني الشجرة.
ومن قال ﴿يَغْلِي﴾: جعله للطَّعام، والزَّقُّومِ.
وقال الفراء وأبو حاتم: من قال ﴿يَغْلِي﴾ جاز أن يجعله للمُهْلِ.
قال أبو جعفر: وهذا غَلَطٌ، لأن المُهْلَ ليس هو الذي يغلي
في البطون، وإنما شُبِّهَ به ما يَغْلِي.
والحميم: الماءُ الحارُّ، كما قال:
* "فِيهَا كِبَاءٌ مُعَدٌّ وَحَمِيمٌ" *
الكِبَاءُ: البخورُ، يُقال: كبَّبتُ العودَ أي بَخَّرْتُه، والكِبَا
مقصورٌ: الكُنَاسَةُ.
الدخان 44:47
ثم قال جل وعز: ﴿خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾.
أي يقول للملائكة: خذُوه فاعْتِلوه.
قال مجاهد: أي فادفعُوهُ.
قال أبو جعفر: يُقال: عَتَلَهُ، يَعْتُلُهُ، ويَعْتِلُهُ: إذا جَرَّه
بعنفٍ، وشِدَّة.
قال قتادة: ﴿إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ﴾ إلى وسطِ الجحيم.
الدخان 44:49
وقوله جل وعز: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾.
وقرأ الحسن بنُ عليٍّ عليهما السَّلام ﴿ذُقْ أنَّكَ﴾ بفتح
الهمزة، وهي قراءة الكسائي، والمعنى عليها: ذُقْ لأنك كنتَ تقولُ
هذا، والمعنى: على قولك.
قال قتادة: أنزل اللهُ عز وجل في "أبي جهلٍ" الآية ﴿أَوْلَى
لَكَ فَأَوْلَى. ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ فقال: أيوعدني محمدٌ، وما بين
جبلَيْها أعزُّ مني ولا أكرم؟ فأنزل الله ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ﴾ وأنزل فيه ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ واسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.
الدخان 44:51
وقوله جل وعز: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾.
قال الكسائي: المقامُ: المكانُ، والمُقَامُ: الإِقامة، كما
قال:
* "عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَا" *
ومعنى ﴿أَمِينٍ﴾ أي من العلل والأحزان.
قال قتادة: "أمين" من الشيطان والأنصاب، والأحزان.
الدخان 44:53
وقوله جل وعز: ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾.
قال عكرمة: الاستبرقُ: غليظُ الدِّيباج.
قال أبو إسحاق: الاستبرقُ مأخوذٌ من البرِيقِ، وهو الذي
يُجعل على الكعبة، والسندسُ الرقيقُ منه.
الدخان 44:54
ثم قال جل وعز: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾.
قال مجاهد: أي أنكحناهم.
قال قتادة: وفي قراءة عبدالله ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِعِيسٍ
عِينٍ﴾ ومعناه: البِيضُ، يُقال: جَملٌ أَعْيَسُ، إذا كان أبيضَ
يَضْرِبُ إلى الشُّقْرَةِ.
الدخان 44:55
ثم قال جل وعز: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾.
قال قتادة: آمنين من الموتِ، والوَصَبِ، والشيطانِ.
وقال غيره: آمنين من انقطاع ذلك، ومن غائلةِ أَذَاهُ، ومكروههِ، وليس كفاكهة الدنيا التي لها غائلةٌ، وتَنْفَدُ.
الدخان 44:56
ثم قال جل وعز: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ﴾.
المعنى: لا يذوقون فيها الموتَ البَتَّةَ، ثم قال ﴿إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ﴾ استثناءٌ ليس من الأوَّلِ، وأنشد سيبويه:
مَنْ كَانَ أَسْرَعَ فِي تَفَرُّقِ فَالجٍ * فَلَبُونُهُ جَرِبَتْ مَعاً وَأَغَدَّتِ
ثم استثنى ما ليس من الأول فقال:
إلاَّ كَنَاشِرَةَ التي ضَيَّعْتُمُ * كَالغُصْنِ فِي غُلَوَائِهِ المُتَنَبِّتِ
الدخان 44:57
وقوله جل وعز: ﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
قال الفراء: أي فعل ذلك تفضلاً.
الدخان 44:59
وقوله جل وعز: ﴿فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ﴾.
أي منتظرون.
الجاثية 45:3
من ذلك قوله جل وعز: ﴿إِنَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾.
والمعنى: إنَّ في خلق السمواتِ والأرضِ.
الجاثية 45:4
ودلَّ عليه قوله ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ﴾.
وكلُّ ما فيه الرُّوحُ، فهو دابَّةٌ.
الجاثية 45:5
وقوله جل وعز: ﴿وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
قال قتادة: إن شاء جعلها رحمةً، وإن شاء جعلها عذاباً.
الجاثية 45:6
وقوله جل وعز: ﴿تَلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي بعد قرآن اللهِ، كما قال تعالى ﴿وَاسْأَلِ القَرْيَةَ﴾.
الجاثية 45:7
وقوله جل وعز: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾.
الأَفَّاكُ: الكذَّابُ.
الجاثية 45:13
وقوله جل وعز:﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ﴾.
روى إسرائيل عن سِمَاكٍ عن عكرمة عن ابن عباس قال: منه
النُّورُ، ومنه الشمسُ، ومنه القمر.
ويُقرأ ﴿جَمِيعاً مِنَّةً﴾ بمعنى مَنَّ به مِنَّةً.
ويُقرأ ﴿مِنَّةٌ﴾ بمعنى: ذلك مِنَّةٌ.
ويجوز﴿مَنُّةُ﴾ على أنه مصدر، كما قال تعالى ﴿صُنْعَ
اللهِ﴾.
الجاثية 45:14
وقوله جل وعز: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾.
قال مجاهد: أي لا يبالون نِعَمَ اللهِ، أي لا يعلمون أنه أنعم
بها عليهم، كما قال تعالى ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ﴾.
قال أبو جعفر: يجوز أن يكون المعنى: لا يرجون البعث، أي لا يؤمنون به.
وقال قتادة: هذه الآية منسوخةٌ بقوله تعالى ﴿فَاقْتُلُوا
المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.
الجاثية 45:18
وقوله جل وعز: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
روى سعيد عن قتادة قال: الشريعةُ: الفرائضُ، والحدُودُ، والأمرُ، والنهيُ.
قال أبو جعفر: الشَّريعةُ في اللغة: المذهبُ، والمِلَّةُ، ومنه
شَرَعَ فلانٌ في كذا، ومنه [الشَّارعُ لأنه طريق إلى المقصد، فالشريعة
ما شرع اللهُ لعباده من الدِّينِ، والجمع: الشرائع] أي المذاهب.
الجاثية 45:20
وقوله جل وعز: ﴿هَـٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.
أي هذا القرآن.
الجاثية 45:21
وقوله جل وعز: ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
﴿ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ﴾ أي: كسبوا السيئات، ومنه
﴿ويَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ ومنه الجوارح أي الكواسب.
* وقوله تعالى: ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾.
قال مجاهد: المؤمن يموتُ مؤمناً، ويُبْعثُ مؤمناً، والكافرُ يموتُ
كافراً، ويُبْعَث كافراً.
ويُقرأ: ﴿سَوَاءٌ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾.
وقرأ الأعمش: ﴿سَوَاءٍ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾.
قال أبو جعفر: القراءة الأولى أحسنُ من جهة المعنى على قول
مجاهد، وهي أيضاً أجودُ عند النحويين من جهة الإِعراب.
وقراءة الأعمش على البدل، وعند الفراء بمعنى الظَّرفِ.
الجاثية 45:23
وقوله جل وعز: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾.
قال سعيد بن جبير: كان أحدهم يعبدُ الحَجَر، فإذا رأى
أحسنَ منه، قال: هذا أحسنُ من هذا، فعَبَدَه.
وقال الحسن وقتادة في قوله ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾ قال: المنافقُ إذا هَوِيَ شيئاً رَكِبَهُ.
ثم قال: ﴿وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾.
رُوي عن ابن عباس أنه قال: ﴿عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ قد عَلِمَه عنده.
وقيل: ﴿عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ أنه لا ينفعه، ولا يضرُّه.
الجاثية 45:24
وقوله جل وعز: ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ﴾.
يُقال: هم لا يُقِرُّون بالبعث، فما معنى ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾؟
ففيه ثلاثة أجوبة:
١- منها أن المعنى: يموتُ بعضُنَا، ويحيا بعضٌ.
٢- ومنها أن الكلام تقديماً وتأخيراً وأن المعنى: نحيا، ونموتُ.
٣- والجواب الثالث: أن معنى ﴿نَمُوتُ﴾ نُخْلَقُ مَوَاتاً، ثم نحيا
في الدنيا.
* وقوله جل وعز: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ﴾:
قال مجاهد: أي الزَّمَانُ أي مرُّ السنينَ، والأيَّامِ.
وفي الحديث عن النبي ﷺ (لا تسبُّوا الدَّهرَ، فإنَّ اللهَ هو
الدَّهْرُ).
في معناه ثلاثة أقوال:
١- منها أن المعنى: لا تسبُّوا خَلْقاً من خلق اللهِ، فيما لا ذنب له
فيه "فإن الله هو الدَّهرُ" أي خالقُ الدَّهرِ، كما قال تعالى
﴿وَاسْأَلِ القَرْيَةَ﴾.
٢- وقيل: لما كانوا يقولون فعلَ اللهُ بالزمان، فإنه قد فعل بنا كذا، وكان اللهُ جلَّ وعزَّ هو القاضي بتلك الأشياء، قال لهم: لا تسبُّوا فاعل
الأشياء، فإن الدهر ليس يفعلها.
٣- وقد رُوي (فإنَّ اللهَ هو الدَّهْرَ) والمعنى عليه: لا تسبُّوا
الدَّهرَ، فإن الله مقيمٌ الدَّهْرَ، أي مقيمٌ أبداً لا يزالُ.
وقد رُوي عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ قال: قولهم لا نُبْعَث.
الجاثية 45:28
وقوله جل وعز: ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾.
في معناه قولان:
رَوى ورقاءُ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وابنُ عيينةَ عن
ابن جُريج، عن مجاهد في قوله تعالى ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾
قال: مُسْتَوْفِرِينَ عَلى الرُّكبِ.
قال مجاهد - في رواية ابن أبي نجيح - الأُمةُ ههنا: الواحدُ.
قال سفيان بن أبي عُيينة: ولا يكون المستوفز إلاَّ على ركبتيه، وأطراف أصابعه.
قال الضحاك: ﴿جَاثِيَةً﴾: عند الحساب.
فهذا قولٌ.
وقال الفراء في قوله تعالى ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ قال:
أهلُ كلِّ دينٍ، وجاثية: مجتمعة.
قال ابو جعفر: قد يُقال لما اجتمع من التراب: جُثْوَةٌ، فأحسِبُ الفراء أخذه من هذا، قال الشاعر:
تَرَى جُثْوتَيْنِ مِنْ تُرَابٍ عَلَيْهِمَا * صَفَائِحُ صُمٌّ مِنْ صَفِيدٍ مُنَضَّدِ
والقول الأول أعرفُ، وأشهرُ.
* وقوله جل وعز: ﴿كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا﴾.
في معناه قولان:
أحدهما: أن كتابها ما فُرض عليها، من حلال وحرام.
والقول الآخر: أن كتابَها ما كتبت الملائكةُ عليها.
وهذا أوْلى، لأنَّ بعده ما يدلُّ عليه.
الجاثية 45:29
وقوله جل وعز: ﴿هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿يَنطِقُ﴾ أي يُبَيِّنُ.
أي تنظرون فتذكرون ما عملتم.
* ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
في معناه قولان:
أحدهما: أن المعنى ما تكتبُهُ الملائكةُ، وتنسخُه من أعمال بني آدم.
والقول الآخر: رواه سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، عن ابن عباس قال:
فَرَغَ اللهُ جَلَّ وعزَّ مما هو كَائِنٌ، فتنسخُ الملائكةُ ما يُعمل يوماً بيومٍ، من اللوح المحفوظ، فيقابَلُ به ما يعمله الإِنسان، لا يزيد عن ذلكَ، ولا يَنْقص.
قال: فقيل لابن عباسٍ: ما توهَّمنا إلاَّ إنهم يكتبونه بعدما يُعْمَل. فقال: أنتم قومٌ عربٌ، واللهُ جلَّ وعزَّ يقول ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ﴾ ولا يكون الاستنساخُ إلاَّ منْ نسخةٍ.
الجاثية 45:31
وقوله جل وعز: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ﴾.
في الكلام حذفٌ، والمعنى: فيقال لهم: ألم تكنْ آياتي تُتْلى
عليكم؟
الجاثية 45:34
وقوله جل وعز: ﴿وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا﴾.
روى معمر عن قتادة قال: فاليوم نتركُكُم، كما تركتم لقاء
يومكم هذا.
قال أبو جعفر: المعنى على هذا: فاليوم نترككم في النَّار، كما
تركتم العملَ ليومكم هذا.
الجاثية 45:37
وقوله جل وعز: ﴿وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾.
الكبرياء: العَظمة.
الأحقاف 46:3
من ذلك قوله جل وعز: ﴿مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾.
أي إلاَّ لإِقامة الحق.
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ﴾.
أي أعرضوا بعدما تبيَّن لهم الحقُّ من خلق الله عز وجل.
الأحقاف 46:4
ثم احتج عليهم فيما يعبدون فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾.
﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ؟﴾.
أي في خلق السموات.
﴿ٱئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ﴾ أي بكتاب فيه برهان على ما قلتم.
﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾.
قال مجاهد: أحد يأثر علماً.
وقال الحسن: شيء يُثار أو يُستخرج.
وقال أبو عبيدة: ﴿أَثَارَةٍ﴾: بقيَّة.
قال أبو جعفر: وهذه الأقوال متقاربةٌ، لأن البقيَّة هوَ شيءٌ
يؤثر، ومعروف في اللغة أن يُقال: سَمِنَتِ النَّاقةُ على أَثَارةٍ أي على
بقيَّةٍ من سِمَنٍ.
ويُقرأ ﴿أَوْ أَثَرَةٍ﴾.
روى أبو سَلَمَة عن ابن عباس ﴿أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾ قال: الخطُّ.
حدثنا محمد بن أحمد - يُعرفُ بالجُرَيْجِي - حدثنا بُنْدَار، أنبأنا يحيى بن سعيد عن سفيان الثوري، عن صفوانَ بنِ سُليمٍ، عن
أم سَلَمةَ، عن ابن عباس عن النبي ﷺ في قوله تعالى ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾ قال: الخطُّ.
وروى سعيدٌ عن قَتَادة ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾ قال: خاصة
من علمٍ.
قال أبو جعفر: يُقال لفلانٍ عندي أَثَرَةٌ، أو أُثْرَةٌ: أي شيءٌ
أخصُّه به، ومنه آثَرْتُ فُلاَناً على فُلاَنٍ.
ويجوز أن يكون ﴿أَثَرَةٌ﴾ خبراً عن بعض الأنبياء صلى الله
عليهم، من أَثَرْتُ الحَدِيثَ، وذا قولُ أبي عُبَيْدَةَ.
الأحقاف 46:8
وقوله جل وعز: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾.
قال مجاهد: أي تقولونه.
الأحقاف 46:9
وقوله جل وعز: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ﴾.
قال مجاهد في قوله تعالى ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ﴾: أي أوَّلَ مَنْ أُرْسِلَ.
* وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ﴾ وقد قال في
موضعٍ آخر ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾.
فالجواب في هذا: أنه ليس من ذاك، وإنما المعنى - واللهُ
أعلم - وما أدري ما يُفعل بي ولا بكم، من جَدْبٍ أو غيره.
ويُبَيِّن هذا أنه يُرْوَى أن النبيَّ ﷺ رأى رؤيا سَرَّتْ
أصحابَهُ، فاستبطأوا تأويلَها، فأنزلَ اللهُ جلَّ وعزَّ ﴿وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ﴾.
الأحقاف 46:10
وقوله جل وعز: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ﴾.
قيل: في الكلام حذفٌ لعلم السَّامع به.
والمعنى: أرأيتم إن كان من عند الله، وشهد شاهدٌ من بني
إسرائيل، ممَّنْ تثقون به، وتقفون على صدقه وعلمه، على ما شهد
النبي ﷺ، وكفرتم به، أليس قد غرَّرتم، وأتيتم أمراً قبيحاً، واجترأتم
عليه؟!
فأما الشاهد من بني إسرائيل فقيل: غنه "عبدُالله بنُ سَلاَم".
رَوَى مَالِكٌ عن أبي النَّضْرِ، عن عامر بن سعد بن أبي
وقاص عن أبيه قال: "ما سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول لأحدٍ يمشي على وجه الأرض: إنه من أهل الجنة، إلا لعبدالله بن سَلاَم، وفيه نَزَلَتْ ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ﴾".
وقال الحسنُ، ومجاهدٌ، والضحَّاكُ ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾: عبدُالله بن سَلاَم.
قال أبو جعفر: وفي الآية قولان آخران:
أ- قال مسروق: ليس هو "عبدالله بن سَلاَم" لأن السورة
مَكيَّةٌ، والمعنى لموسى ﷺ والتوراةِ، وأهلِ الكتاب، أنزلَ اللهُ جلَّ وعزَّ
التوراة على موسى، فآمن بها أهلُ الكتاب ﴿وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ مخاطبةٌ
لقريش، قال ﴿وَسَبَقُونَا إلَيْهِ﴾ يعني أهل الكتاب.
ب- رَوَى ابنُ عَوْنٍ، عن الشعبيِّ، في قوله تعالى ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ﴾ قال: هو رجلٌ من أهل
الكتاب، وليس بعبدالله بن سلام، لأن السورة مكيَّةٌ، وإنما أسلم
عبدالله بن سلام، قبل وفاة النبي ﷺ بعامين.
قال أبو جعفر: هذا الاعتراضُ لا يلزم، وسُئل "محمدُ بن
سيرين" عن هذا بعينه فقال: كانت الآية تنزل فيقال لهم: أَلْحِقُوهَا
في سورة كذا، وكذا.
قال أبو جعفر: فهذا جوابٌ عن ذاك.
ويجوز أن تكون الآية نزلت بمكة، ويكون المعنى: أرأيتم إن
كان من عند الله، وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله أتؤمنون؟
وقال الحسن: نزل هذا بمكة فآمن عبدالله بن سَلاَم بالمدينة.
الأحقاف 46:11
ثم قال جل وعز: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ﴾.
قال مسروق: هم أهل الكتاب.
وقال الحسن: أَسْلَمُ، وغِفَارٌ، فقالت قريش: لو كان خيراً
ما سبقونا إليه.
الأحقاف 46:12
وقوله جل وعز: ﴿وَهَـٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ﴾.
فيه جوابان:
أحدهما: أن المعنى: مصدِّقٌ له أي لكتاب موسى ﷺ، ثم
حُذِفَ، لأن قبله ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً﴾.
و ﴿عَرَبِيّاً﴾ حال، و ﴿لِّسَاناً﴾ توطئه للحال أي توكيدٌ، كما يُقَالُ: جاءني زيدٌ رجلاً صالحاً، ويُقوِّي هذا أنه في قراءة عبدالله
﴿وَهَذا كتابٌ مصدِّقٌ [لما بين يديه] لِسَاناً عَرَبيّاً﴾.
والجواب الآخر: أن يكون ﴿لِّسَاناًً﴾ مفعولاً، يُراد به
النبيُّ ﷺ، ويكون المعنى: ذا لسانٍ عربي.
ثم قال ﴿لِتُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ﴾.
يجوز أن يكون المعنى: وهو بُشرى.
وأن يكون المعنى: وتُبَشِّر المحسنين بُشْرَى.
الأحقاف 46:13
وقوله جل وعز: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
قد بينا معنى ﴿ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ﴾ فيما تقدَّم.
الأحقاف 46:15
وقوله جل وعز: ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً﴾.
﴿إِحْسَاناً﴾: أي يحسن إليهما إحساناً.
* ثم قال تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً﴾.
ويُقرأ ﴿كَرْهاً﴾ بفتح الكاف وهو عند بعض العربية لحنٌ، لأنه يُفَرِّقُ بينهما.
قال الحسن ومجاهد وقتادة: الكُرْهُ: المشقَّةُ.
والفرَّاء وجماعةٌ من أهل العربية: يذهبون إلى أن الكَرْهَ بفتح
الكاف: القهرُ، والغَصْبُ، فعلى هذا القول يكون لحناً.
وقال الكسائي: الكَرْهُ، والكُرْهُ، بمعنىً واحدٍ، وكذلك هو
عند البصريينَ جميعاً، لا أعلمُ بينهم اختلافاً، لأن الكَرْهَ: المصْدَرُ، والكُرْهُ: اسم بمعناه.
* وقوله جل وعز: ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةًً﴾.
قال مجاهد: سألتُ ابنَ عباس عن قوله تعالى ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ فقال: بضعاً وثلاثين سنة.
قال مجاهد: ثلاثاً وثلاثين.
قال أبو جعفر: وقيل: الأَشُدُّ: ثماني عشرةَ سنةً.
والأول أشبهُ، لاتِّساق الكلام، ألا تَرَى أن بعده ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾؟
وأيضاً فإن البالغ ثلاثاً وثلاثين سنة أولى بهذا الاسم لأنه أكمل.
* وقوله جل وعز: ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ﴾.
رَوى أحمد بن عبدالله بن يونس، عن أبي بكر بن عياش في
قوله تعالى ﴿أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ﴾ قال: هو أبو بكر الصدِّيق، فلم يكفر له أبٌ، ولا
أُمٌّ، قال: و ﴿أَوْزِعْنِيۤ﴾: أَلْهِمْنِي.
الأحقاف 46:17
وقوله جل وعز: ﴿وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيۤ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِي﴾.
قال الفراء: ﴿أُفٍّ لَّكُمَآ﴾: أي قَذَراً لَكما ﴿أَتَعِدَانِنِيۤ أَنْ أُخْرَجَ﴾.
روى سعيدٌ عن قتادة قال: "هذا عبدُ سَوْءٍ، نَعَتَهُ اللهُ جلَّ
وعزَّ، قَال لِوَالِدَيْهُ: أَتَعِدَانِني أَنْ أُبْعَثَ".
الأحقاف 46:20
وقوله جل وعز: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا﴾.
وقرأ يزيد بن القعقاع ﴿أَأَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ
الدُّنْيَا﴾؟ بالاستفهام.
قال أبو جعفر: العرب تقرر، وتوبخ بالاستفهام وغير الاستفهام.
ويُروى أن عمر رضي الله عنه رأى جابر بن عبدالله ومعه
إنسانٌ يحمل شيئاً، فقال: ما هذا؟ فقال: لحمٌ اشتريتُه بدرهم، فقال: أكلَّما قام أحدكم اشترى لحماً بدرهم، واللهِ لو شئتُ أن أكون
أطيَبَكم طعاماً، وألينكمْ ثوباً، لفَعلْتُ، ولكنّ الله يقول: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا﴾؟ فأنا أترك طيِّباتي.
* وقوله جل وعز: ﴿فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ﴾.
قال مجاهد: الهُونُ: الهَوَانُ.
الأحقاف 46:21
وقوله جل وعز: ﴿وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾.
قال قتادة: كانت عادٌ أحياء من اليمن، منازلهم عند الرمال والدَّكَّاواتِ.
قال أبو جعفر: الحِقْفُ عند أهل اللُّغة: الرَّملُ المنحني، وجمعُه: حِقْفَةٌ، وأَحْقَافٌ، وفي الحديث أن النبيَّ ﷺ مرَّ بِظَبْيٍ حَاقِفٍ، أي منحنٍ متثنٍّ.
الأحقاف 46:22
وقوله جل وعز: ﴿قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾.
معنى ﴿لِتَأْفِكَنَا﴾ لتصرفنا.
الأحقاف 46:24
وقوله جل وعز: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾.
أي فلما رأوا الذي أُوْعِدوا، كسَحَابٍ عارضٍ، قد اعترض، فيه عذابٌ، ولم يعلموا أن فيه عذاباً، قالوا: هذا عارضٌ ممطِرُنا.
رَوى طاووسٌ عن ابن عباس قال "كان لعادٍ وادٍ، إذا جاء
المطر أو الغيمُ من ناحيته كان غيثاً، فأرسل الله عليهم العذاب من
ناحيته، فلمَّا وعدهم هودٌ ﷺ بالعذاب، ورأوا العارضَ، قالوا: ﴿هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ قال لهم هود عليه السلام ﴿بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فقالوا: كذبتَ، كذبتَ"
فقال الله جل وعزَّ ﴿فَأَصْبَحُوا لاَ يُرَى إلاَّ مَسَاكِنُهُمْ﴾.
الأحقاف 46:26
وقوله جل وعز: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً﴾.
قال قتادة: أنبأنا اللهُ أنه قد مكَّنهم في شيء، لم يمكنَّا فيه.
قال أبو جعفر: فـ "إنْ" على هذا القول بمعنى "ما".
وقد قيل: إنها زائدةٌ، والأول أولى، لأنه لا يُعرف زيادتُها إلاَّ
في النفي، وفي الإِيجاب "أَنْ" بالفتح.
الأحقاف 46:29
وقوله جل وعز: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ﴾.
قال زِرُّ بن حُبَيْشٍ: كانوا تسعةَ نَفَرٍ.
الأحقاف 46:35
وقوله جل وعز: ﴿فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ﴾.
قال قتادة: هم أربعة "نوحٌ، وإبراهيمُ، وموسى، وعيسى"
صلى الله عليهم.
وقال مجاهد وعطاء الخراساني: أولو العزم من الرسل خمسةٌ:
نوحٌ، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمَّدٌ صلى الله عليهم.
* وقوله جل وعز: ﴿بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾.
أي ذلك بلاغ.
وقَرَأ عيسى بن عمر ﴿بَلاَغاً﴾ وقرأ أبو مجلز ﴿بَلِّغْ﴾
على الأمر.
* ثم قال جل وعز: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ؟﴾
[آية ٣٥].
أي فهل يُهْلك مع رحمة الله، وتفضُّله، إلاَّ القومُ
الفاسقون؟