معاني القرآن وإعرابه — الفاتحة 1:1 – البقرة 2:226
المحتويات
- الفاتحة 1:1
- الفاتحة 1:2
- الفاتحة 1:4
- الفاتحة 1:5
- الفاتحة 1:6
- الفاتحة 1:7
- البقرة 2:1
- البقرة 2:2
- البقرة 2:3
- البقرة 2:4
- البقرة 2:5
- البقرة 2:6
- البقرة 2:7
- البقرة 2:8
- البقرة 2:9
- البقرة 2:10
- البقرة 2:11
- البقرة 2:13
- البقرة 2:14
- البقرة 2:15
- البقرة 2:16
- البقرة 2:17
- البقرة 2:18
- البقرة 2:19
- البقرة 2:20
- البقرة 2:21
- البقرة 2:22
- البقرة 2:23
- البقرة 2:24
- البقرة 2:25
- البقرة 2:26
- البقرة 2:27
- البقرة 2:28
- البقرة 2:29
- البقرة 2:30
- البقرة 2:31
- البقرة 2:34
- البقرة 2:35
- البقرة 2:36
- البقرة 2:37
- البقرة 2:38
- البقرة 2:40
- البقرة 2:41
- البقرة 2:42
- البقرة 2:44
- البقرة 2:45
- البقرة 2:46
- البقرة 2:47
- البقرة 2:48
- البقرة 2:49
- البقرة 2:50
- البقرة 2:51
- البقرة 2:53
- البقرة 2:54
- البقرة 2:55
- البقرة 2:56
- البقرة 2:57
- البقرة 2:58
- البقرة 2:59
- البقرة 2:60
- البقرة 2:61
- البقرة 2:62
- البقرة 2:63
- البقرة 2:64
- البقرة 2:65
- البقرة 2:66
- البقرة 2:67
- البقرة 2:68
- البقرة 2:69
- البقرة 2:70
- البقرة 2:71
- البقرة 2:72
- البقرة 2:74
- البقرة 2:75
- البقرة 2:76
- البقرة 2:78
- البقرة 2:79
- البقرة 2:80
- البقرة 2:81
- البقرة 2:83
- البقرة 2:84
- البقرة 2:85
- البقرة 2:87
- البقرة 2:88
- البقرة 2:89
- البقرة 2:90
- البقرة 2:91
- البقرة 2:93
- البقرة 2:94
- البقرة 2:95
- البقرة 2:96
- البقرة 2:97
- البقرة 2:98
- البقرة 2:99
- البقرة 2:100
- البقرة 2:101
- البقرة 2:102
- البقرة 2:103
- البقرة 2:104
- البقرة 2:105
- البقرة 2:106
- البقرة 2:107
- البقرة 2:109
- البقرة 2:111
- البقرة 2:112
- البقرة 2:113
- البقرة 2:114
- البقرة 2:115
- البقرة 2:116
- البقرة 2:117
- البقرة 2:118
- البقرة 2:119
- البقرة 2:120
- البقرة 2:121
- البقرة 2:122
- البقرة 2:123
- البقرة 2:124
- البقرة 2:125
- البقرة 2:126
- البقرة 2:127
- البقرة 2:128
- البقرة 2:130
- البقرة 2:131
- البقرة 2:132
- البقرة 2:133
- البقرة 2:134
- البقرة 2:135
- البقرة 2:136
- البقرة 2:137
- البقرة 2:138
- البقرة 2:139
- البقرة 2:140
- البقرة 2:141
- البقرة 2:142
- البقرة 2:143
- البقرة 2:144
- البقرة 2:145
- البقرة 2:146
- البقرة 2:148
- البقرة 2:150
- البقرة 2:151
- البقرة 2:153
- البقرة 2:154
- البقرة 2:155
- البقرة 2:157
- البقرة 2:158
- البقرة 2:159
- البقرة 2:160
- البقرة 2:161
- البقرة 2:163
- البقرة 2:165
- البقرة 2:166
- البقرة 2:167
- البقرة 2:168
- البقرة 2:170
- البقرة 2:171
- البقرة 2:173
- البقرة 2:174
- البقرة 2:175
- البقرة 2:176
- البقرة 2:177
- البقرة 2:178
- البقرة 2:179
- البقرة 2:180
- البقرة 2:181
- البقرة 2:182
- البقرة 2:183
- البقرة 2:184
- البقرة 2:185
- البقرة 2:186
- البقرة 2:187
- البقرة 2:188
- البقرة 2:189
- البقرة 2:190
- البقرة 2:191
- البقرة 2:193
- البقرة 2:194
- البقرة 2:195
- البقرة 2:196
- البقرة 2:197
- البقرة 2:198
- البقرة 2:199
- البقرة 2:200
- البقرة 2:201
- البقرة 2:202
- البقرة 2:203
- البقرة 2:204
- البقرة 2:205
- البقرة 2:207
- البقرة 2:208
- البقرة 2:209
- البقرة 2:210
- البقرة 2:211
- البقرة 2:212
- البقرة 2:213
- البقرة 2:214
- البقرة 2:215
- البقرة 2:216
- البقرة 2:217
- البقرة 2:218
- البقرة 2:219
- البقرة 2:220
- البقرة 2:221
- البقرة 2:222
- البقرة 2:223
- البقرة 2:224
- البقرة 2:225
- البقرة 2:226
الفاتحة 1:1
(p-٣٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قالَ أبُو إسْحاقَ، إبْراهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجّاجُ: هَذا كِتابٌ مُخْتَصَرٌ في إعْرابِ القُرْآنِ، ومَعانِيهِ، ونَسْألُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ في كُلِّ الأُمُورِ.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: اَلْجالِبُ لِلْباءِ مَعْنى الِابْتِداءِ، كَأنَّكَ قُلْتَ: ”بَدَأْتُ بِاسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“، إلّا أنَّهُ لَمْ يُحْتَجْ لِذِكْرِ ”بَدَأْتُ“، لِأنَّ الحالَ تُنْبِئُ أنَّكَ مُبْتَدِئٌ، وسَقَطَتِ الألِفُ مِن ”بِاسْمِ اللَّهِ“، في اللَّفْظِ، وكانَ الأصْلُ: ”بِاسْمِ اللَّهِ“، لِأنَّها ألِفُ وصْلٍ، دَخَلَتْ لِيُتَوَصَّلَ بِها إلى النُّطْقِ بِالسّاكِنِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّكَ إذا صَغَّرْتَ الِاسْمَ، قُلْتَ ”سُمَيٌّ“، والعَرَبُ تَقُولُ: ”هَذا اِسْمٌ“، و”هَذا اُسْمٌ“، و”هَذا سِمٌ“، قالَ الرّاجِزُ:
؎بِاسْمِ الَّذِي في كُلِّ سُورَةٍ سِمُهُ
(p-٤٠)و”سُمُهُ“، أيْضًا، رَوى ذَلِكَ أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ، وغَيْرُهُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، فَسَقَطَتِ الألِفُ لِما ذَكَرْنا، وكَذَلِكَ قَوْلُكَ: ”اِبْنٌ“، اَلْألِفُ فِيهِ ألِفُ وصْلٍ، تَقُولُ في تَصْغِيرِهِ: ”بُنَيٌّ“، ومَعْنى قَوْلِنا ”اِسْمٌ“ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن ”اَلسُّمُوُّ“، و”اَلسُّمُوُّ“: اَلرِّفْعَةُ، والأصْلُ فِيهِ ”سَمَوٌ“، بِالواوِ، عَلى وزْنِ ”جَمَلٌ“، وجَمْعُهُ ”أسْماءٌ“، مِثْلُ ”قِنْوٌ“، و”أقْناءٌ“، و”حَنْوٌ“، و”أحْناءٌ“، وإنَّما جُعِلَ الِاسْمُ تَنْوِيهًا بِاسْمِ اللَّهِ عَلى المَعْنى، لِأنَّ المَعْنى تَحْتَ الِاسْمِ.
وَمَن قالَ: إنَّ اسْمًا مَأْخُوذٌ مِن ”وَسَمْتُ“، فَهو غَلَطٌ، لِأنّا لا نَعْرِفُ شَيْئًا دَخَلَتْهُ ألِفُ الوَصْلِ وحُذِفَتْ فاؤُهُ، أعْنِي فاءَ الفِعْلِ، نَحْوَ قَوْلِكَ ”عِدَةٌ“، و”زِنَةٌ“، وأصْلُهُ ”وَعْدَةٌ“ و”وَزْنَةٌ“، فَلَوْ كانَ ”اِسْمٌ“، ”وَسْمَةٌ“، لَكانَ تَصْغِيرُهُ إذا حُذِفَتْ مِنهُ (p-٤١)ألِفُ الوَصْلِ ”وُسَيْمٌ“، كَما أنَّ تَصْغِيرَ ”عِدَّةٌ“، و”صِلَةٌ“: ”وُعَيْدَةٌ“، و”وُصَيْلَةٌ“، ولا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَرى ألِفَ الوَصْلِ فِيما حُذِفَتْ فاؤُهُ مِنَ الأسْماءِ، وسَقَطَتِ الألِفُ في الكِتابِ مِن ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“، ولَمْ تَسْقُطْ في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، لِأنَّهُ اجْتَمَعَ فِيها - مَعَ أنَّها تَسْقُطُ في اللَّفْظِ - كَثْرَةُ الِاسْتِعْمالِ.
وَزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ مَعْنى الباءِ الإلْصاقُ، تَقُولُ: ”كَتَبْتُ بِالقَلَمِ“، والمَعْنى أنَّ الكِتابَةَ مُلْصَقَةٌ بِالقَلَمِ، وهي مَكْسُورَةٌ أبَدًا، لِأنَّهُ - لا مَعْنى لَها إلّا الخَفْضُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لَفْظُها مَكْسُورًا، لِيَفْصِلَ بَيْنَ ما يَجُرُّ وهو اسْمٌ - نَحْوَ كافِ قَوْلِكَ: ”كَزَيْدٍ“ -، وما يَجُرُّ وهو حَرْفٌ - نَحْوَ ”بِزَيْدٍ“ -، لِأنَّ أصْلَ الحُرُوفِ الَّتِي يُتَكَلَّمُ بِها، وهي عَلى حَرْفٍ واحِدٍ، الفَتْحُ أبَدًا، إلّا أنْ تَجِيءَ عِلَّةٌ تُزِيلُهُ، لِأنَّ الحَرْفَ الواحِدَ لا حَظَّ لَهُ في الإعْرابِ، ولَكِنْ يَقَعُ مُبْتَدَأً في الكَلامِ، ولا يُبْتَدَأُ بِساكِنٍ، فاخْتِيرَ الفَتْحُ، لِأنَّهُ أخَفُّ الحَرَكاتِ، تَقُولُ: ”رَأيْتُ زَيْدًا وعَمْرًا“، فالواوُ مَفْتُوحَةٌ، وكَذَلِكَ ”فَعَمْرًا“، اَلْفاءُ مَفْتُوحَةٌ، وإنَّما كُسِرَتِ اللّامُ في قَوْلِكَ: ”لِزَيْدٍ“، لِيُفْصَلَ بَيْنَ لامِ القَسَمِ، ولامِ الإضافَةِ، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: ”إنَّ هَذا لِزَيْدٍ“، عُلِمَ أنَّهُ مِلْكُهُ، ولَوْ قُلْتَ: ”إنَّ هَذا لَزَيْدٌ“، عُلِمَ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ هو زَيْدٌ؟ فَلِذَلِكَ كُسِرَتِ اللّامُ في قَوْلِكَ ”لِزَيْدٍ“، ولَوْ قُلْتَ: ”إنَّ هَذا المالَ لَكَ“، و”إنَّ هَذا لَأنْتَ“، فَتَحْتَ اللّامَ، لِأنَّ اللَّبْسَ قَدْ زالَ.
(p-٤٢)والَّذِي قُلْناهُ في اللّامِ هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، ويُونُسَ، والخَلِيلِ، وأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، وجَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ المَوْثُوقِ بِعِلْمِهِمْ، وكَذَلِكَ تَقُولُ: ”أزَيْدٌ في الدّارِ؟“، فالألِفُ مَفْتُوحَةٌ، ولَيْسَ في الحُرُوفِ المُبْتَدَأةِ مِمّا هو عَلى حَرْفٍ حَرْفٌ مَكْسُورٌ، إلّا الباءُ، ولامُ الأمْرِ، وحْدَهُما، وإنَّما كُسِرَتا لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا، وكَذَلِكَ لامُ الإضافَةِ، والفَتْحُ أصْلُها، وأمّا لامُ ”كَيْ“، في قَوْلِكَ: ”جِئْتُ لِتَقُومَ يا هَذا“، فَهي لامُ الإضافَةِ الَّتِي في قَوْلِكَ: ”اَلْمالُ لِزَيْدٍ“، وإنَّما نُصِبَتْ ”تَقُومَ“، بِإضْمارِ ”أنْ“، أوْ ”كَيْ“، اَلَّتِي في مَعْنى ”أنْ“، فالمَعْنى: ”جِئْتُ لِقِيامِكَ“، وما قُلْناهُ في اشْتِقاقِ ”اِسْمٌ“، قَوْلٌ لا نَعْلَمُ أحَدًا فَسَّرَهُ قَبْلَنا.
(p-٤٣)وَأمّا قَوْلُكَ: ”لِيَضْرِبْ زَيْدٌ عَمْرًا“، فَإنَّما كُسِرَتِ اللّامُ لِيُفَرَّقَ بَيْنَها وبَيْنَ لامِ التَّوْكِيدِ، ولا يُبالى بِشَبَهِها بِلامِ الجَرِّ، لِأنَّ لامَ الجَرِّ لا تَقَعُ في الأفْعالِ، وتَقَعُ لامُ التَّوْكِيدِ في الأفْعالِ، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: ”لَتَضْرِبْ“، وأنْتَ تَأْمُرُ، لَأشْبَهَ لامَ التَّوْكِيدِ إذا قُلْتَ: ”إنَّكَ لَتَضْرِبُ“ ؟ فَهَذا جُمْلَةُ ما في الحُرُوفِ الَّتِي عَلى حَرْفٍ واحِدٍ، فَأمّا اسْمُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فالألِفُ فِيهِ ألِفُ وصْلٍ، وأكْرَهُ أنْ أذْكُرَ جَمِيعَ ما قالَ النَّحْوِيُّونَ في اسْمِ اللَّهِ، أعْنِي قَوْلَنا ”اللَّهِ“، تَنْزِيهًا لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، هَذِهِ الصِّفاتُ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، مَعْناهُ فِيما ذَكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ: ذُو الرَّحْمَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ ”اَلرَّحْمَنُ“، إلّا لِلَّهِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ لِأنَّ بِناءَ ”فَعْلانُ“، مِن أبْنِيَةِ ما يُبالَغُ في وصْفِهِ، ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: ”غَضْبانُ“، فَمَعْناهُ: اَلْمُمْتَلِئُ غَضَبًا؟ فَـ”رَحْمَنُ“: اَلَّذِي وسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِغَيْرِ اللَّهِ ”رَحْمَنُ“، وخُفِضَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ لِأنَّها ثَناءٌ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَكانَ إعْرابُها إعْرابَ اسْمِهِ، ولَوْ قُلْتَ - في غَيْرِ القُرْآنِ -: ”بِسْمِ اللَّهِ الكَرِيمَ“، و”اَلْكَرِيمُ“، و”اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبَّ العالَمِينَ“، و”رَبُّ العالَمِينَ“، جازَ ذَلِكَ، فَمَن نَصَبَ ”رَبَّ العالَمِينَ“، فَإنَّما يَنْصِبُ (p-٤٤)لِأنَّهُ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ، كَأنَّهُ لَمّا قالَ: ”اَلْحَمْدُ لِلَّهِ“، اسْتُدِلَّ بِهَذا اللَّفْظِ أنَّهُ ذاكِرٌ اللَّهَ، فَقَوْلُهُ: ”رَبَّ العالَمِينَ“، كَأنَّهُ قالَ: ”أذْكُرُ رَبَّ العالَمِينَ“، وإذا قالَ: ”رَبُّ العالَمِينَ“، فَهو عَلى قَوْلِكَ: ”هو رَبُّ العالَمِينَ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎وَكُلُّ قَوْمٍ أطاعُوا أمْرَ مُرْشِدِهِمْ ∗∗∗ إلّا نُمَيْرًا أطاعَتْ أمْرَ غاوِيها
؎اَلظّاعِنِينَ ولَمّا يُظْعِنُوا أحَدًا ∗∗∗ والقائِلِينَ لِمَن دارٌ نُخَلِّيها
فَيَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ ”اَلظّاعِنِينَ“، عَلى ضَرْبَيْنِ: عَلى أنَّهُ تابِعُ ”نُمَيْرًا“، وعَلى الذَّمِّ، كَأنَّهُ قالَ: ”أذْكُرُ الظّاعِنِينَ“، ولَكَ أنْ تَرْفَعَ، تُرِيدُ: ”هُمُ الظّاعِنُونَ“، وكَذَلِكَ لَكَ في ”اَلْقائِلِينَ“، اَلنَّصْبُ، والرَّفْعُ، ولَكَ أنْ تَرْفَعَهُما جَمِيعًا، ولَكَ أنْ تَنْصِبَهُما جَمِيعًا، ولَكَ أنْ تَرْفَعَ الأوَّلَ وتَنْصِبَ الثّانِيَ، ولَكَ أنْ تَنْصِبَ الأوَّلَ وتَرْفَعَ الثّانِيَ، لا خِلافَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ فِيما وصَفْنا.
الفاتحة 1:2
(p-٤٥)وَمِن سُورَةِ ”اَلْحَمْدِ“
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾، مَعْنى ”اَلْحَمْدُ“: اَلشُّكْرُ، والثَّناءُ عَلى اللَّهِ تَعالى، ﴿الحَمْدُ﴾، رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِلَّهِ﴾، إخْبارٌ عَنِ الحَمْدِ، والِاخْتِيارُ في الكَلامِ الرَّفْعُ، فَأمّا القُرْآنُ فَلا يُقْرَأُ فِيهِ ﴿الحَمْدُ﴾، إلّا بِالرَّفْعِ، لِأنَّ السُّنَّةَ تُتَّبَعُ في القُرْآنِ، ولا يُلْتَفَتُ فِيهِ إلى غَيْرِ الرِّوايَةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي قَدْ قَرَأ بِها القُرّاءُ المَشْهُورُونَ بِالضَّبْطِ والثِّقَةِ، والرَّفْعُ القِراءَةُ، ويَجُوزُ في الكَلامِ أنْ تَقُولَ: ”اَلْحَمْدَ“، تُرِيدُ: ”أحْمَدُ اللَّهَ الحَمْدَ“، فاسْتَغْنَيْتَ عَنْ ذِكْرِ ”أحْمَدُ“، لِأنَّ حالَ الحَمْدِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلَيْها الخَلْقُ، إلّا أنَّ الرَّفْعَ أحْسَنُ، وأبْلَغُ في الثَّناءِ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وقَدْ رُوِيَ عَنْ قَوْمٍ مِنَ العَرَبِ: ”اَلْحَمْدَ لِلَّهِ“، و”اَلْحَمْدِ لِلَّهِ“، وهَذِهِ لُغَةُ مَن لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ولا يُتَشاغَلُ بِالرِّوايَةِ عَنْهُ، وإنَّما تَشاغُلُنا نَحْنُ بِرِوايَةِ هَذا الحَرْفِ، لِنُحَذِّرَ النّاسَ مِن أنْ يَسْتَعْمِلُوهُ، (p-٤٦)أوْ يَظُنُّ جاهِلٌ أنَّهُ يَجُوزُ في كِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، أوْ في كَلامٍ، ولَمْ يَأْتِ لِهَذا نَظِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ، ولا وجْهَ لَهُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾، قَدْ فَسَّرْنا أنَّهُ لا يَجُوزُ في القُرْآنِ إلّا: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، وإنْ كانَ الرَّفْعُ والنَّصْبُ جائِزَيْنِ في الكَلامِ، ولا يُتَخَيَّرُ لِكِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - إلّا اللَّفْظُ الأفْضَلُ الأجْزَلُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿العالَمِينَ﴾، مَعْناهُ: كُلُّ ما خَلَقَ اللَّهُ، كَما قالَ: ”وَهو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ“، وهو جَمْعُ ”عالَمٌ“، تَقُولُ: ”هَؤُلاءِ عالَمُونَ“، و”رَأيْتُ عالَمِينَ“، ولا واحِدَ لِـ”عالَمٌ“، مِن لَفْظِهِ، لِأنَّ ”عالَمًا“، جَمْعٌ لِأشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ، وإنْ جُعِلَ ”عالَمٌ“، لِواحِدٍ مِنها، صارَ جَمْعًا لِأشْياءَ مُتَّفِقَةٍ، والنُّونُ فُتِحَتْ في ”اَلْعالَمِينَ“، لِأنَّها نُونُ الجَماعَةِ، وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّها فُتِحَتْ لِيُفَرَّقَ بَيْنَها وبَيْنَ نُونِ الِاثْنَيْنِ، تَقُولُ: ”هَذانِ عالَمانِ يا هَذا“، فَتَكْسِرُ نُونَ الِاثْنَيْنِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وهَذا يُشْرَحُ في مَوْضِعِهِ - إنْ شاءَ اللَّهُ -، وكَذَلِكَ نُونُ الجَماعَةِ فُتِحَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ولَمْ تُكْسَرْ لِثِقَلِ الكَسْرَةِ بَعْدَ الواوِ، والياءِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: ”سَوْفَ أفْعَلُ“، فَتَفْتَحُ الفاءَ مِن ”سَوْفَ“، لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ولَمْ تَكْسِرْ لِثِقَلِ الكَسْرَةِ بَعْدَ الواوِ؟ وكَذَلِكَ تَقُولُ: ”أيْنَ زَيْدٌ؟“، فَتَفْتَحُ النُّونَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ بَعْدَ الياءِ.
الفاتحة 1:4
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، اَلْقِراءَةُ الخَفْضُ، عَلى مُجْرى ”اَلْحَمْدُ لِلَّهِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ“، وإنْ نُصِبَ - في (p-٤٧)الكَلامِ - عَلى ما نُصِبَ عَلَيْهِ ”رَبَّ العالَمِينَ“، و”اَلرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“، جازَ في الكَلامِ، فَأمّا في القِراءَةِ فَلا أسْتَحْسِنُهُ فِيها، وقَدْ يَجُوزُ أنْ تَنْصِبَ ”رَبِّ العالَمِينَ“، و”مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ“، عَلى النِّداءِ، في الكَلامِ، كَما تَقُولُ: ”اَلْحَمْدُ لِلَّهِ يا رَبَّ العالَمِينَ، ويا مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ“، كَأنَّكَ بَعْدَ أنْ قُلْتَ: ”اَلْحَمْدُ لِلَّهِ“، قُلْتَ: ”لَكَ الحَمْدُ يا رَبَّ العالَمِينَ، ويا مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ“، وقُرِئَ: ”مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ“، و”مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ“، وإنَّما خُصَّ يَوْمُ الدِّينِ - واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ -، لِأنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي يَضْطَرُّ فِيهِ المَخْلُوقُونَ إلى أنْ يَعْرِفُوا أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، ألا تَراهُ يَقُولُ: ”لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ“، وقَوْلَهُ: ”يَوْمَ لا تَمْلِكَ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا“ ؟ فَهو اليَوْمُ الَّذِي لا يَمْلِكُ فِيهِ أحَدٌ لِنَفْسِهِ، ولا لِغَيْرِهِ نَفْعًا، ولا ضَرًّا.
وَمَن قَرَأ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، فَعَلى قَوْلِهِ: ”لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ“، وهو بِمَنزِلَةِ: ”مَنِ المالِكُ اليَوْمَ؟“، ومَن قَرَأ ”مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ“، فَعَلى مَعْنى ”ذُو المَمْلَكَةِ في يَوْمِ الدِّينِ“، وقِيلَ: إنَّها قِراءَةُ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾، ”اَلدِّينُ“، في اللُّغَةِ: اَلْجَزاءُ، يُقالُ: ”كَما تَدِينُ تُدانُ“، اَلْمَعْنى: كَما تَعْمَلُ تُعْطى، وتُجازى، قالَ الشّاعِرُ: (p-٤٨)
؎واعْلَمْ وأيْقِنْ أنَّ مُلْكَكَ زائِلٌ ∗∗∗ واعْلَمْ بِأنَّ كَما تَدِينُ تُدانُ
أيْ: تُجازى بِما تَعْمَلُ، و”اَلدِّينُ“، أيْضًا في اللُّغَةِ: اَلْعادَةُ، تَقُولُ العَرَبُ: ”ما زالَ ذَلِكَ دِينِي“، أيْ: عادَتِي، قالَ الشّاعِرُ:
؎تَقُولُ إذا دَرَأْتُ لَها وضِينِي ∗∗∗ أهَذا دِينُهُ أبَدًا ودِينِي
الفاتحة 1:5
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، مَعْنى العِبادَةِ في اللُّغَةِ: اَلطّاعَةُ مَعَ الخُضُوعِ، يُقالُ: ”هَذا طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ“، إذا كانَ مُذَلَّلًا بِكَثْرَةِ الوَطْءِ، و”بَعِيرٌ مُعَبَّدٌ“، إذا كانَ مَطْلِيًّا بِالقَطِرانِ، فَمَعْنى ”إيّاكَ نَعْبُدُ“: إيّاكَ نُطِيعُ الطّاعَةَ الَّتِي نَخْضَعُ مَعَها، ومَوْضِعُ ﴿إيّاكَ﴾ نَصْبٌ، بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْهِ، ومَوْضِعُ الكافِ في ﴿إيّاكَ﴾ خَفْضٌ بِإضافَةِ ”إيّا“، إلَيْها، و”إيّا“، اِسْمٌ لِلْمُضْمَرِ المَنصُوبِ، إلّا أنَّهُ يُضافُ إلى - سائِرِ المُضْمَراتِ، نَحْوَ: ”إيّاكَ ضَرَبْتُ“، و”إيّاهُ ضَرَبْتُ“، و”إيّايَ حَدَّثْتَ“، ولَوْ قُلْتَ: ”إيّا زَيْدٍ“، كانَ قَبِيحًا، لِأنَّهُ خُصَّ بِهِ المُضْمَرُ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ، رَواهُ الخَلِيلُ: ”إذا بَلَغَ الرَّجُلُ السِّتِّينَ فَإيّاهُ وإيّا الشَّوابَّ“ .
(p-٤٩)وَمَن قالَ: إنَّ ”إيّاكَ“، بِكَمالِهِ الِاسْمُ، قِيلَ لَهُ: لَمْ نَرَ اسْمًا لِلْمُضْمَرِ، ولا لِلْمُظْهَرِ يُضافُ، وإنَّما يَتَغَيَّرُ آخِرُهُ، ويَبْقى ما قَبْلَ آخِرِهِ عَلى لَفْظٍ واحِدٍ، والدَّلِيلُ عَلى إضافَتِهِ قَوْلُ العَرَبِ: ”إذا بَلَغَ الرَّجُلُ السِّتِّينَ فَإيّاهُ وإيّا الشَّوابَّ يا هَذا“، وإجْراؤُهُمُ الهاءَ في ”إيّاهُ“، مُجْراها في ”عَصاهُ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، اَلْأصْلُ في ”نَسْتَعِينُ“: ”نَسْتَعْوِنُ“، لِأنَّهُ إنَّما مَعْناهُ مِنَ المَعُونَةِ، والعَوْنِ، ولَكِنَّ الواوَ قُلِبَتْ ياءً لِثِقَلِ الكَسْرَةِ فِيها، ونُقِلَتْ كَسْرَتُها إلى العَيْنِ، وبَقِيَتِ الياءٌ ساكِنَةً، لِأنَّ هَذا مِنَ الإعْلالِ الَّذِي يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا، نَحْوَ ”أعانَ يُعِينَ“، و”أقامَ يُقِيمُ“، وهَذا يُشْرَحُ في مَكانِهِ شَرْحًا مُسْتَقْصًى - إنْ شاءَ اللَّهُ.
الفاتحة 1:6
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾، مَعْناهُ: اَلْمِنهاجَ الواضِحَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلى صِراطٍ ∗∗∗ إذا اعْوَجَّ المَناهِجُ مُسْتَقِيمُ
أيْ: عَلى طَرِيقٍ واضِحٍ، ومَعْنى ”اِهْدِنا“، وهم مُهْتَدُونَ: ثَبِّتْنا عَلى الهُدى، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ القائِمِ: ”قُمْ لِي حَتّى أعُودَ إلَيْكَ“، تَعْنِي: اُثْبُتَ لِي عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ.
الفاتحة 1:7
(p-٥٠)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾، صِفَةٌ لِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، ولَكَ في عَلَيْهِمْ ضَمُّ الهاءِ، وكَسْرُها، تَقُولُ: ”اَلَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ“، و”عَلَيْهم“، وعَلى هاتَيْنِ اللُّغَتَيْنِ مُعْظَمُ القُرّاءِ، ويَجُوزُ: ”عَلَيْهِمُو“، بِالواوِ، والأصْلُ في هَذِهِ الهاءِ - في قَوْلِكَ: ”ضَرَبْتُهُو يا فَتى“، و”مَرَرْتُ بِهُو يا فَتى“، أنْ يُتَكَلَّمَ بِها في الوَصْلِ بِواوٍ، فَإذا وقَفْتَ قُلْتَ: ”ضَرَبْتُهُ“، و”مَرَرْتُ بِهِ“، وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ الواوَ زِيدَتْ عَلى الهاءِ في المُذَكَّرِ، كَما زِيدَتِ الألِفُ في المُؤَنَّثِ في قَوْلِكَ: ”ضَرَبْتُها“، و”مَرَرْتُ بِها“، لِيَسْتَوِيَ المُذَكَّرُ، والمُؤَنَّثُ، في بابِ الزَيادَةِ، والقَوْلُ في هَذِهِ الواوِ عِنْدَ أصْحابِ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلِ، أنَّها إنَّما زِيدَتْ لِخَفاءِ الهاءِ، وذَلِكَ أنَّ الهاءَ تَخْرُجُ مِن أقْصى الحَلْقِ، والواوَ بَعْدَ الهاءِ، أخْرَجَتْها مِنَ الخَفاءِ إلى الإبانَةِ، فَلِهَذا زِيدَتْ، وتَسْقُطُ في الوَقْفِ، كَما تَسْقُطُ الضَّمَّةُ، والكَسْرَةُ، في قَوْلِكَ: ”أتانِي زَيْدٌ“، و”مَرَرْتُ بِزَيْدٍ“، إلّا أنَّها واوُ وصْلٍ، فَلا تَثْبُتُ، لِئَلّا يَلْتَبِسَ الوَصْلُ بِالأصْلِ، فَإذا قُلْتَ: ”مَرَرْتُ بِهُو يا فَتى“، فَإنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”مَرَرْتُ بِهِي“، فَقَلَبْتَ الواوَ ياءً، لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، أعْنِي الياءَ المُنْكَسِرَةَ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: بَيْنَ الكَسْرَةِ والواوِ الهاءُ، قِيلَ: اَلْهاءُ لَيْسَتْ بِحاجِزٍ حَصِينٍ، فَكَأنَّ الكَسْرَةَ تَلِي الواوَ، ولَوْ كانَتِ الهاءُ حاجِزًا حَصِينًا ما زِيدَتِ الواوُ عَلَيْها، وقَدْ قُرِئَ: ”فَخَسَفْنا بِهِي وبِدارِهِي الأرْضَ“، و”بِهُو وبِدارِهُو الأرْضَ“، مِن قِراءَةِ أهْلِ الحِجازِ، فَإنْ قُلْتَ: ”فُلانٌ عَلَيْهِ مالٌ“، فَلَكَ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: إنْ شِئْتَ كَسَرْتَ (p-٥١)الهاءَ، وإنْ شِئْتَ أثْبَتَّ الياءَ، وكَذَلِكَ في الضَّمِّ، إنْ شِئْتَ ضَمَمْتَ الهاءَ، وإنْ شِئْتَ أثْبَتَّ الواوَ، فَقُلْتَ: ”عَلَيْهِ“، و”عَلَيْهِي“، و”عَلَيْهُ“، و”عَلَيْهُو مالٌ“، وأمّا قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ”إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ“، وقَوْلُهُ: ”إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا“، فالقِراءَةُ بِالكَسْرِ بِغَيْرِ ياءٍ في ”عَلَيْهِ“، وهي أجْوَدُ هَذِهِ الأرْبَعَةِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ بِما يَجُوزُ إلّا أنْ تَثْبُتَ بِهِ رِوايَةٌ صَحِيحَةٌ، أوْ يَقْرَأ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ القُرّاءِ، فَمَن قالَ: ”عَلَيْهُ مالٌ“، بِالضَّمِّ، فالأصْلُ فِيهِ: ”عَلَيْهُو مالٌ“، ولَكِنْ حُذِفَ الواوُ لِسُكُونِها، وسُكُونِ الياءِ، واجْتِماعِ ثَلاثَةِ أحْرُفٍ مُتَجانِسَةٍ، وتُرِكَ الضَّمَّةُ لِتَدُلَّ عَلى الواوِ، ومَن قالَ: ”عَلَيْهُو“، فَإنَّما أثْبَتَ الواوَ عَلى الأصْلِ، ويَجْعَلُ الهاءَ حاجِزًا، وهَذا أضْعَفُ الوُجُوهِ، لِأنَّ الهاءَ لَيْسَتْ بِحاجِزٍ حَصِينٍ، ومَن قالَ: ”عَلَيْهِ مالٌ“، فَإنَّما قَدَّرَ ”عَلَيْهِي مالٌ“، فَقَلَبَ الواوَ ياءً لِلْياءِ الَّتِي قَبْلَها، ثُمَّ حَذَفَ الياءَ لِسُكُونِها، وسُكُونِ الياءِ الَّتِي قَبْلَها، كَما قُلِبَتِ الواوُ في قَوْلِهِ: ”مَرَرْتُ بِهِ يا فَتى“، ومَن قالَ: ”عَلَيْهِي مالٌ“، فالحُجَّةُ في إثْباتِ الياءِ كالحُجَّةِ في إثْباتِ الواوِ، ألا تَرى أنَّ ”عَلَيْهِي مالٌ“، أجْوَدُ مِن ”عَلَيْهُو مالٌ“ ؟ وأجْوَدُ اللُّغاتِ ما في القُرْآنِ، وهو قَوْلُهُ: ”عَلَيْهِ قائِمًا“، والَّذِي يَلِيهِ في الجَوْدَةِ: ”عَلَيْهُ مالٌ“، بِالضَّمِّ، ثُمَّ يَلِي هَذا ”عَلَيْهِي مالٌ“، ثُمَّ ”عَلَيْهُو مالٌ“، بِإثْباتِ الواوِ، وهي أرْدَأُ الأرْبَعَةِ، فَأمّا قَوْلُهُمْ: ”عَلَيْهم“، فَأصْلُ الهاءِ فِيما وصَفْنا أنْ تَكُونَ مَعَها ضَمَّةٌ، إلّا أنَّ الواوَ قَدْ سَقَطَتْ، وإنَّما تُكْسَرُ الهاءُ لِلْياءِ الَّتِي قَبْلَها، وإنَّما يَكُونُ ما قَبْلَ مِيمِ (p-٥٢)الإضْمارِ مَضْمُومًا، فَإنَّما أتَتْ هَذِهِ الضَّمَّةُ لِمِيمِ الإضْمارِ، وقُلِبَتْ كَسْرَةً لِلْياءِ، وإنَّما كَثُرَ ”عَلَيْهِمْ“، في القُرْآنِ، و”عَلَيْهم“، ولَمْ يَكْثُرْ ”عَلَيْهِمِي“، و”عَلَيْهُمُو“، لِأنَّ الضَّمَّةَ الَّتِي عَلى الهاءِ مِن ”عَلَيْهم“، لِلْمِيمِ، فَهي أقْوى في الثُّبُوتِ، ألا تَرى أنَّ هَذِهِ الضَّمَّةَ تَأْتِي عَلى المِيمِ في كُلِّ ما لِحِقَتْهُ المِيمُ، نَحْوَ ”عَلَيْكم“، و”بِكم“، و”مِنكم“ ؟ ولا يَجُوزُ في ”عَلَيْكم“، ”عَلَيْكِمْ“، بِكَسْرِ الكافِ، لِأنَّ الكافَ حاجِزٌ حَصِينٌ بَيْنَ الياءِ والمِيمِ، فَلا تُقْلَبُ كَسْرَةً، وقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ: ”عَلَيْكِمْ“، و”بِكِمْ“، بِكَسْرِ الكافِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى هَذِهِ الرِّوايَةِ، وأنْشَدُوا:
؎وَإنْ قالَ مَوْلاهم عَلى جُلِّ حادِثٍ ∗∗∗ مِنَ الدَّهْرِ رُدُّوا بَعْضَ أحْلامِكِمْ رَدُّوا
بِكَسْرِ الكافِ، وهَذِهِ لُغَةٌ شاذَّةٌ، والرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ: ”فَضْلَ أحْلامِكم“، وعَلى الشُّذُوذِ أنْشَدَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ، فَأمّا ”عَلَيْهِمُو“، فَأصْلُ الجَمْعِ أنْ يَكُونَ بِواوٍ، ولَكِنَّ المِيمَ اسْتُغْنِيَ بِها عَنِ الواوِ، والواوُ تَثْقُلُ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، حَتّى إنَّهُ لَيْسَ في أسْمائِهِمُ اسْمٌ آخِرُهُ واوٌ (p-٥٣)قَبْلَها حَرَكَةٌ، فَلِذَلِكَ حُذِفَتِ الواوُ، فَأمّا مَن قَرَأ: ”عَلَيْهُمُو ولا الضّالِّينَ“، فَقَلِيلٌ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ إلّا بِالكَثِيرِ، وإنْ كانَ قَدْ قَرَأ بِهِ قَوْمٌ، فَإنَّهُ أقَلُّ مِنَ الحَذْفِ بِكَثِيرٍ في لُغَةِ العَرَبِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، فَيُخْفَضُ ”غَيْرِ“، عَلى وجْهَيْنِ: عَلى البَدَلِ مِن ”اَلَّذِينَ“، كَأنَّهُ قالَ: ”صِراطَ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ“، ويَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، مِن صِفَةِ ”اَلَّذِينَ“، وإنْ كانَ ”غَيْرِ“، أصْلُهُ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ، تَقُولُ: ”مَرَرْتُ بِرَجُلٍ غَيْرِكَ“، فَغَيْرُكَ صِفَةٌ لِـ”رَجُلٍ“، كَأنَّكَ قُلْتَ: ”مَرَرْتُ بِرَجُلٍ آخَرَ“، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ”مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لَيْسَ بِكَ“، وإنَّما وقَعَ هَهُنا صِفَةً لِـ”اَلَّذِينَ“، لِأنَّ ”اَلَّذِينَ“، هَهُنا لَيْسَ بِمَقْصُودِ قَصْدِهِمْ، فَهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: ”إنِّي لَأمُرُّ بِالرَّجُلِ مِثْلِكَ فَأُكْرِمُهُ“، ويَجُوزُ نَصْبُ ”غَيْرِ“، عَلى ضَرْبَيْنِ: عَلى الحالِ، وعَلى الِاسْتِثْناءِ، فَكَأنَّكَ قُلْتَ: ”إلّا المَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ“، وحَقُّ ”غَيْرُ“، مِنَ الإعْرابِ في الِاسْتِثْناءِ النَّصْبُ، إذا كانَ ما بَعْدَ ”إلّا“ مَنصُوبًا، فَأمّا الحالُ فَكَأنَّكَ قُلْتَ فِيها: ”صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ لا مَغْضُوبًا عَلَيْهِمْ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا الضّالِّينَ﴾، (p-٥٤)فَإنَّما عَطَفَ بِـ”اَلضّالِّينَ“، عَلى ”اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ“، وِإنَّما جازَ أنْ يَقَعَ ”لا“، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا الضّالِّينَ﴾، لِأنَّ مَعْنى ”غَيْرِ“، مُتَضَمِّنٌ مَعْنى النَّفْيِ، يُجِيزُ النَّحْوِيُّونَ: ”أنْتَ زَيْدًا غَيْرُ ضارِبٍ“، لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: ”أنْتَ زَيْدًا لا تَضْرِبُ“، ولا يُجِيزُونَ: ”أنْتَ زَيْدًا مِثْلُ ضارِبٍ“، لِأنَّ زَيْدًا مِن صِلَةِ ”ضارِبٍ“، فَلا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، وقَوْلُ القائِلِينَ، بَعْدَ الفَراغِ مِن ”اَلْحَمْدِ“، ومِنَ الدُّعاءِ ”آمِينَ“، فِيهِ لُغَتانِ، تَقُولُ العَرَبُ: ”أمِينَ“، و”آمِينَ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎تَباعَدَ عَنِّي فُطْحُلٌ إذْ دَعَوْتُهُ ∗∗∗ أمِينَ فَزادَ اللَّهُ ما بَيْنَنا بُعْدا
وَقالَ الشّاعِرُ أيْضًا:
؎يا رَبِّ لا تَسْلُبَنِّي حُبَّها أبَدًا ∗∗∗ ويَرْحَمُ اللَّهُ عَبْدًا قالَ آمِينا
وَمَعْناهُ: اَللَّهُمَّ اسْتَجِبْ، وهُما مَوْضُوعانِ في مَوْضِعِ اسْمِ الِاسْتِجابَةِ، كَما أنَّ قَوْلَنا: ”صَهْ“، مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ ”سُكُوتًا“، وحَقُّهُما مِنَ الإعْرابِ الوَقْفُ، لِأنَّهُما بِمَنزِلَةِ الأصْواتِ، إذْ كانا غَيْرَ مُشْتَقَّيْنِ مِن فِعْلٍ، إلّا أنَّ النُّونَ فُتِحَتْ فِيهِما لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: ألا كُسِرَتِ النُّونُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ؟ قِيلَ: اَلْكَسْرَةُ تَثْقُلُ بَعْدَ الياءِ، ألا تَرى أنَّ ”أيْنَ“، و”كَيْفَ“، فُتِحَتا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ولَمْ تُكْسَرا لِثِقَلِ الكَسْرَةِ بَعْدَ الياءِ؟
البقرة 2:1
(p-٥٥)وَمِن سُورَةِ ”اَلْبَقَرَةِ“
﷽
قَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿الم﴾، زَعَمَ أبُو عُبَيْدَةَ، مُعَمَّرُ بْنُ المُثَنّى، أنَّها حُرُوفُ الهِجاءِ، افْتِتاحُ كَلامٍ، وكَذَلِكَ ”المر“، و”المص“، وزَعَمَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ أنَّها افْتِتاحُ كَلامٍ، ودَلِيلُ ذَلِكَ أنَّ الكَلامَ الَّذِي ذُكِرَ قَبْلَ السُّورَةِ قَدْ تَمَّ، وزَعَمَ قُطْرُبٌ أنَّ: ”الم“، و”المص“، و”المر“، و”كهيعص“، و”ق“، (p-٥٦)و”يس“، و”نون“، حُرُوفُ المُعْجَمِ، ذُكِرَتْ لِتَدُلَّ عَلى أنَّ هَذا القُرْآنَ مُؤَلَّفٌ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ، الَّتِي هي حُرُوفُ ”أ ب ت ث“، فَجاءَ بَعْضُها مُقَطَّعًا، وجاءَ تَمامُها مُؤَلَّفًا، لِيَدُلَّ القَوْمَ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ أنَّهُ بِحُرُوفِهِمُ الَّتِي يَعْقِلُونَها، لا رَيْبَ فِيهِ.
وَيُرْوى عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: لِلَّهِ في كُلِّ كِتابٍ سِرٌّ، وسِرُّهُ في القُرْآنِ حُرُوفُ الهِجاءِ المَذْكُورَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ، ويُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ في ”الم“، وما أشْبَهَها، فَوَجْهٌ مِنها أنَّهُ قالَ: أقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الحُرُوفِ أنَّ هَذا الكِتابَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ هو الكِتابُ الَّذِي عِنْدَهُ - عَزَّ وجَلَّ -، لا شَكَّ فِيهِ، والقَوْلُ الثّانِي عَنْهُ أنَّ ”الر“، و”حم“، و”نون“، اِسْمٌ لِلرَّحْمَنِ - عَزَّ وجَلَّ -، مُقَطَّعٌ في اللَّفْظِ، مَوْصُولٌ في المَعْنى، والثّالِثُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ”الم“، مَعْناهُ: ”أنا اللَّهُ أعْلَمُ“، و”الر“، مَعْناهُ: ”أنا اللَّهُ أرى“، (p-٥٧)و”المص“، مَعْناهُ: ”أنا اللَّهُ أعْلَمُ وأفْصِلُ“، و”المر“، مَعْناهُ: ”أنا اللَّهُ أعْلَمُ وأرى“، فَهَذا جَمِيعُ ما انْتَهى إلَيْنا مِن قَوْلِ أهْلِ اللُّغَةِ، والنَّحْوِيِّينَ، في مَعْنى ”الم“، وجَمِيعُ ما انْتَهى إلَيْنا مِن أهْلِ العِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ.
وَنَقُولُ في إعْرابِ ”الم“، و”الر“، و”كهيعص“، وما أشْبَهَ هَذِهِ الحُرُوفَ: هَذا بابُ التَّهَجِّي.
(p-٥٨)(p-٥٩)هَذا بابُ حُرُوفِ التَّهَجِّي
وَهِيَ: اَلْألِفُ، والباءُ، والتّاءُ، والثّاءُ، وسائِرُ ما في القُرْآنِ مِنها، فَإجْماعُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ مَبْنِيَّةٌ عَلى الوَقْفِ، لا تُعْرَبُ، ومَعْنى قَوْلِنا: ”مَبْنِيَّةٌ عَلى الوَقْفِ“: أنَّكَ تَقْدِرُ أنْ تَسْكُتَ عَلى كُلِّ حَرْفٍ مِنها، فالنُّطْقُ: ”ألِفْ لامْ مِيمْ ذَلِكَ...“، والدَّلِيلُ عَلى أنَّكَ تَقْدِرُ السَّكْتَ عَلَيْها جَمْعُكَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ في قَوْلِكَ: ”لامْ“، وفي قَوْلِكَ: ”مِيمْ“، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ حُرُوفَ الهِجاءِ مَبْنِيَّةٌ عَلى السَّكْتِ، كَما بُنِيَ العَدَدُ عَلى السَّكْتِ، أنَّكَ تَقُولُ فِيها بِالوَقْفِ، مَعَ الجَمْعِ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، كَما تَقُولُ إذا عَدَدْتَ: ”واحِدْ، اِثْنانْ، ثَلاثَهْ، أرْبَعَهْ...“، ولَوْلا أنَّكَ تَقْدِرُ السَّكْتَ لَقُلْتَ: ”ثَلاثَةٌ“، بِالتّاءِ، كَما تَقُولُ: ”ثَلاثًا يا هَذا“، فَتَصِيرُ الهاءُ تاءً مَعَ التَّنْوِينِ، واتِّصالِ الكَلامِ، وحَقُّها مِنَ الإعْرابِ أنْ تَكُونَ سَواكِنَ الأواخِرِ، زَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّكَ أرَدْتَ أنَّ المُعْجَمَ حُرُوفٌ يُحْكى بِها ما في الأسْماءِ المُؤَلَّفَةِ مِنَ الحُرُوفِ، فَجَرى (p-٦٠)مُجْرى ما يُحْكى بِهِ، نَحْوَ ”غاقْ“، و”غاقْ يا فَتى“، إنَّما حَكى صَوْتَ الغُرابِ، والدَّلِيلُ أيْضًا عَلى أنَّها مَوْقُوفَةٌ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أقْبَلْتُ مِن عِنْدِ زِيادٍ كالخَرِفْ ∗∗∗ تَخُطُّ رِجْلايَ بِخَطٍّ مُخْتَلِفْ
تُكَتِّبانِ في الطَّرِيقِ لامَ الِفْ
كَأنَّهُ قالَ: ”لامْ ألِفْ“، بِسُكُونِ ”لامْ“، ولَكِنَّهُ ألْقى حَرَكَةَ هَمْزَةِ ”ألِفْ“، عَلى المِيمِ، فَفَتَحَها، قالَ أبُو إسْحاقَ: وشَرْحُ هَذِهِ الحُرُوفِ وتَفْسِيرُها أنَّها لَيْسَتْ تُجْرى مُجْرى الأسْماءِ المُتَمَكِّنَةِ، والأفْعالِ المُضارِعَةِ الَّتِي يَجِبُ لَها الإعْرابُ، وإنَّما هي تَقْطِيعُ الِاسْمِ المُؤَلَّفِ الَّذِي لا يَجِبُ الإعْرابُ فِيهِ، إلّا مَعَ كَمالِهِ، فَقَوْلُكَ: ”جَعْفَرٌ“، لا يَجِبُ أنْ تُعْرَبَ مِنهُ الجِيمُ، ولا العَيْنُ، ولا الفاءُ، ولا الرّاءُ، دُونَ تَكْمِيلِ الِاسْمِ، فَإنَّما هي حِكاياتٌ وُضِعَتْ عَلى هَذِهِ الحُرُوفِ، فَإنْ أجْرَيْتَها مُجْرى الأسْماءِ، وحَدَّثْتَ عَنْها، قُلْتَ: ”هَذِهِ كافٌ حَسَنَةٌ“، وهَذا كافٌ حَسَنٌ ”، وكَذَلِكَ سائِرُ حُرُوفِ المُعْجَمِ، فَمَن قالَ:“ هَذِهِ كافٌ "، أنَّثَ لِمَعْنى الكَلِمَةِ، ومَن ذَكَّرَ فَلِمَعْنى الحَرْفِ، والإعْرابُ وقَعَ فِيها لِأنَّكَ تُخْرِجُها مِن بابِ الحِكايَةِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كافًا ومِيمَيْنِ وسِينًا طاسِما
(p-٦١)وَقالَ أيْضًا:
؎كَما بَيَّنَتْ كافٌ تَلُوحُ ومِيمُها
ذَكَّرَ ”طاسِما“، لِأنَّهُ جَعَلَهُ صِفَةً لِلسِّينِ، وجَعَلَ السِّينَ في مَعْنى الحَرْفِ، وقالَ: ”تَلُوحُ“، فَأنَّثَ الكافَ، ذَهَبَ بِها مَذْهَبَ الكَلِمَةِ، قالَ الشّاعِرُ - يَهْجُو النَّحْوِيِّينَ، وهو يَزِيدُ بْنُ الحَكَمِ -:
؎إذا اجْتَمَعُوا عَلى ألِفٍ وواوٍ ∗∗∗ وياءٍ لاحَ بَيْنَهُمُ جِدالُ
فَأمّا إعْرابُ ”أبِي جادٍ“، و”هَوَزٍ“، و”حُطِّي“، فَزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ هَذِهِ مَعْرُوفاتُ الِاشْتِقاقِ في كَلامِ العَرَبِ، وهي مَصْرُوفَةٌ، تَقُولُ: ”عَلِمْتُ أبا جادٍ“، و”اِنْتَفَعْتُ بِأبِي جادٍ“، وكَذَلِكَ ”هَوَزٌ“، تَقُولُ: ”نَفَعَنِي هَوَزٌ“، و”اِنْتَفَعْتُ بِهَوَزٍ“، وكَذَلِكَ ”حُطِّي“، وهُنَّ مَصْرُوفاتٌ مُنَوَّناتٌ، فَأمّا ”كَلَمْوَنُ“، و”سَعْفَصُ“، و”قُرَيْشِياتٌ“، فَأعْجَمِيّاتٌ، تَقُولُ: ”هَذِهِ كَلَمْوَنُ يا هَذا“، و”تَعَلَّمْتُ كَلَمْوَنَ“، و”اِنْتَفَعْتُ بِكَلَمْوَنَ“، وكَذَلِكَ ”سَعْفَصُ“، فَأمّا ”قُرَيْشِياتٌ“، فاسْمٌ لِلْجَمْعِ، مَصْرُوفَةٌ بِسَبَبِ الألِفِ والتّاءِ، تَقُولُ: ”هَذِهِ (p-٦٢)قُرَيْشِياتٌ يا هَذا“، وعَجِبْتُ مِن قُرَيْشِياتٍ يا هَذا " .
وَلِقُطْرُبٍ قَوْلٌ آخَرَ في ”الم“، زَعَمَ أنَّهُ يَجُوزُ، لَمّا لَغا القَوْمُ في القُرْآنِ فَلَمْ يَتَفَهَّمُوهُ، حِينَ قالُوا: ”لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ“، أُنْزِلَ ذِكْرُ هَذِهِ الحُرُوفِ، فَسَكَتُوا لَمّا سَمِعُوا الحُرُوفَ، طَمَعًا في الظَّفَرِ بِما يُحِبُّونَ، لِيَفْهَمُوا - بَعْدَ الحُرُوفِ - القُرْآنَ وما فِيهِ، فَتَكُونَ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ أثْبَتَ إذا جَحَدُوا بَعْدَ تَفَهُّمٍ، وتَعَلُّمٍ.
قالَ أبُو إسْحاقَ: والَّذِي أخْتارُهُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ الَّتِي قِيلَتْ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ”الم“، بَعْضُ ما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -، وهو أنَّ المَعْنى: ”الم“: ”أنا اللَّهُ أعْلَمُ“، وأنَّ كُلَّ حَرْفٍ مِنها لَهُ تَفْسِيرُهُ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّ العَرَبَ تَنْطِقُ بِالحَرْفِ الواحِدِ تَدُلُّ بِهِ عَلى الكَلِمَةِ الَّتِي هو مِنها، قالَ الشّاعِرُ:
؎قُلْنا لَها قِفِي قالَتْ قافْ ∗∗∗ لا تَحْسَبِي أنّا نَسِينا الإيجافْ
فَنُطِقَ بِقافٍ فَقَطْ، يُرِيدُ قالَتْ: ”أقِفُ“، وقالَ الشّاعِرُ أيْضًا:
؎نادَوْهُمُ أنْ ألْجِمُوا ألاتا ∗∗∗ قالُوا جَمِيعًا كُلُّهم ألا فا
(p-٦٣)تَفْسِيرُهُ: ”نادَوْهم أنْ ألْجِمُوا، ألا تَرْكَبُونَ؟ قالُوا جَمِيعًا: ألا فارْكَبُوا“، فَإنَّما نُطِقَ بِتاءٍ، وفاءٍ، كَما نُطِقَ الأوَّلُ بِقافِ، وأنْشَدَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ لِلْقَيِّمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مالِكٍ:
؎إنْ شِئْتَ أشْرَفْنا كِلانا فَدَعا ∗∗∗ اللَّهَ رَبًّا جُهْدَهُ فَأسْمَعا
؎بِالخَيْرِ خَيْراتٍ وإنْ شَرًّا فَآ ∗∗∗ ولا أُرِيدُ الشَّرَّ إلّا أنْ تَآ
وَأنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ:
؎بِالخَيْرِ خَيْراتٍ وإنْ شَرًّا فا ∗∗∗ ولا أُرِيدُ الشَّرَّ إلّا أنْ تا
يُرِيدُونَ: ”إنْ شَرًّا فَشَرٌّ، ولا أُرِيدُ الشَّرَّ إلّا أنْ تَشاءَ“، أنْشَدَ جَمِيعُ البَصْرِيِّينَ ذَلِكَ، فَهَذا الَّذِي أخْتارُهُ في هَذِهِ الحُرُوفِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَتِها.
فَأمّا ”ص“، فَقَرَأ الحَسَنُ: ”صادِ والقُرْآنِ“، فَكَسَرَ الدّالَ، فَقالَ أهْلُ (p-٦٤)اللُّغَةِ: مَعْناهُ ”صادِ القُرْآنَ بِعَمَلِكَ“، أيْ: تَعَمَّدْهُ، وسَقَطَتِ الياءُ لِلْأمْرِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونُ كُسِرَتِ الدّالُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، إذا نَوَيْتَ الوَصْلَ، وكَذَلِكَ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ: ”صادِ والقُرْآنِ“، وقَرَأ أيْضًا: ”قافِ والقُرْآنِ المَجِيدِ“، فالكَسْرُ في مَذْهَبِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ”صادَ والقُرْآنِ“، بِفَتْحِ الدّالِ، وكَذَلِكَ قَرَأ: ”نُونَ والقَلَمِ“، و”قافَ والقُرْآنِ“، بِالفَتْحِ أيْضًا، لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: إذا نادَيْتَ ”أسْحارَّ“ - و”اَلْأسْحارُّ“: اِسْمُ نَبْتٍ، مُشَدَّدُ الرّاءِ -، قُلْتَ في تَرْخِيمِهِ: ”يا أسْحارَ أقْبِلْ“، فَفَتَحْتَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، كَما اخْتَرْتَ الفَتْحَ في قَوْلِكَ: ”عَضَّ يا فَتى“، فَإتْباعُ الفَتْحَةِ الفَتْحَةَ كَإتْباعِ الألِفِ الفَتْحَةَ، ويَجُوزُ: ”يا أسْحارِ أقْبِلْ“، فَتَكْسِرُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”صادَ“ و”قافَ“، و”نُونَ“، أسْماءً لِلسُّورِ، مَنصُوبَةً، إلّا أنَّها لا تُصْرَفُ، كَما لا تُصْرَفُ جُمْلَةُ أسْماءِ المُؤَنَّثِ، والقَوْلُ الأوَّلُ - أعْنِي التِقاءَ السّاكِنَيْنِ، والفَتْحَ، والكَسْرَ مِن أجْلِ التِقائِها - أقْيَسُ، لِأنَّهُ يَزْعُمُ أنَّهُ يَنْصِبُ هَذِهِ الأشْياءَ، كَأنَّهُ قالَ: ”أذْكُرُ صادَ“، وكَذَلِكَ يُجِيزُ في ”حم“، (p-٦٥)و”طس“، اَلنَّصْبَ، و”ياسِينْ“ أيْضًا، عَلى أنَّها أسْماءٌ لِلسُّورِ، ولَوْ كانَ قُرِئَ بِها لَكانَ وجْهُهُ الفَتْحَ، لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَأمّا ”كهيعص“، فَلا تَبِينُ فِيها النُّونُ مَعَ الصّادِ في القِراءَةِ، وكَذَلِكَ ”حم عسق“، لا تَبِينُ فِيها النُّونُ مَعَ السِّينِ، قالَ الأخْفَشُ وغَيْرُهُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ: لَمْ تُبَيَّنِ النُّونُ لِقُرْبِ مَخْرَجِها مِنَ السِّينِ، والصّادِ، فَأمّا ”نُونْ والقَلَمِ“، فالقِراءَةُ فِيها تَبْيِينُ النُّونِ مَعَ الواوِ الَّتِي في ”والقَلَمِ“، وبِتَرْكِ التَّبْيِينِ، إنْ شِئْتَ بَيَّنْتَ، وإنْ شِئْتَ لَمْ تُبَيِّنْ، فَقُلْتَ ”نُونْ والقَلَمِ“، لِأنَّ النُّونَ بَعُدَتْ قَلِيلًا عَنِ الواوِ.
وَأمّا قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - ”الم اَللَّهُ“، فَفي فَتْحِ المِيمِ قَوْلانِ، أحَدُهُما لِجَماعَةٍ مِن النَّحْوِيِّينَ، وهو أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ مَبْنِيَّةٌ عَلى الوَقْفِ، فَيَجِبُ بَعْدَها قَطْعُ ألِفِ الوَصْلِ، فَيَكُونُ الأصْلُ: ”أ ل م اَللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو“، ثُمَّ طُرِحَتْ فَتْحَةُ الهَمْزَةِ عَلى المِيمِ، وسَقَطَتِ الهَمْزَةُ، كَما تَقُولُ: ”واحِدْ، اِثْنانِ“، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”واحِدِ اثْنانِ“، فَألْقَيْتَ كَسْرَةَ ”اِثْنَيْنِ“، عَلى الدّالِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ: لا يَسُوغُ في اللَّفْظِ أنْ يُنْطَقَ بِثَلاثَةِ أحْرُفٍ سَواكِنَ، فَلا بُدَّ مِن فَتْحَةِ المِيمِ في ”المَ اللَّهُ“، لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، يَعْنِي المِيمَ، واللّامَ، والَّتِي بَعْدَها، وهَذا القَوْلُ صَحِيحٌ، لا يُمْكِنُ في اللَّفْظِ غَيْرُهُ.
(p-٦٦)فَأمّا مَن زَعَمَ أنَّهُ إنَّما أُلْقِيَ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ فَيَجِبُ أنْ يَقْرَأ: ”المِ اللَّهُ“، وهَذا لا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِهِ إلّا ما ذُكِرَ عَنِ الرُّؤاسِيِّ، فَأمّا مَن رَواهُ عَنْ عاصِمٍ، فَلَيْسَ بِصَحِيحِ الرِّوايَةِ، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: لَوْ كانَتْ مُحَرَّكَةً لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ لَكانَتْ مَكْسُورَةً، وهَذا غَلَطٌ لَوْ فَعَلْنا في التِقاءِ السّاكِنَيْنِ إذا كانَ الأوَّلُ مِنهُما ياءً، لَوَجَبَ أنْ تَقُولَ: ”كَيْفِ زَيْدٍ؟“، و”أيْنِ زَيْدٍ؟“، وهَذا لا يَجُوزُ، وإنَّما وقَعَ الفَتْحُ لِثِقَلِ الكَسْرَةِ بَعْدَ الياءِ.
البقرة 2:2
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، زَعَمَ الأخْفَشُ، وأبُو عُبَيْدَةَ أنَّ مَعْناهُ: ”هَذا الكِتابُ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎أقُولُ لَهُ والرُّمْحُ يَأْطُرُ مَتْنُهُ ∗∗∗ تَأمَّلْ خُفافًا إنَّنِي أنا ذَلِكا
(p-٦٧)قالَ: اَلْمَعْنى: ”إنَّنِي أنا هَذا“، وقالَ غَيْرُهُما مِنَ النَّحْوِيِّينَ: إنَّ مَعْناهُ: ”اَلْقُرْآنُ ذَلِكَ الكِتابُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ عَلى لِسانِ مُوسى وعِيسى - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ“، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]، فالمَعْنى: ”هَذا ذَلِكَ الكِتابُ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ”الم ذَلِكَ الكِتابُ“، فَيُقالُ: ”ذَلِكَ“، لِلشَّيْءِ الَّذِي قَدْ جَرى ذِكْرُهُ، فَإنْ شِئْتَ قُلْتَ فِيهِ: ”هَذا“، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ فِيهِ: ”ذَلِكَ“، كَقَوْلِكَ: ”أنْفَقْتُ ثَلاثَةً وثَلاثَةً، فَذَلِكَ سِتَّةٌ“، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”هَذا سِتَّةٌ“، أوْ كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ - في قِصَّةِ فِرْعَوْنَ: ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ [النازعات: ٢٣] ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] ﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ [النازعات: ٢٥]، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٦]، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦]، وقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿المر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ والَّذِي أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ [الرعد: ١]، فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾، فَجائِزٌ أنَّ المَعْنى: ”تِلْكَ عَلاماتُ الكِتابِ“ - أيْ: اَلْقُرْآنِ -، مُتَكَلَّمٌ بِهِ بِحُرُوفِ العَرَبِ الَّتِي نَعْقِلُها، عَلى ما وصَفْنا في شَرْحِ حُرُوفِ الهِجاءِ، ومَوْضِعُ ”ذَلِكَ“: رَفْعٌ، لِأنَّهُ خَبَرُ ابْتِداءٍ، عَلى قَوْلِ مَن قالَ: ”هَذا القُرْآنُ ذَلِكَ (p-٦٨)الكِتابُ“، و”اَلْكِتابُ“، رَفْعٌ، يُسَمِّيهِ النَّحْوِيُّونَ عَطْفَ البَيانِ، نَحْوَ قَوْلِكَ: ”هَذا الرَّجُلُ أخُوكَ“، فالرَّجُلُ عَطْفُ البَيانِ، أيْ يُبَيِّنُ مَنِ الَّذِي أشَرْتَ إلَيْهِ، والِاسْمُ مِن ”ذَلِكَ“: ”ذا“، والكافُ زِيدَتْ لِلْمُخاطَبَةِ، ولا حَظَّ لَها في الإعْرابِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: لَوْ كانَ لَها حَظٌّ في الإعْرابِ لَقُلْتَ: ”ذاكَ نَفْسِهِ زَيْدٌ“، وهَذا خَطَأٌ، لا يَجُوزُ إلّا ”هَذاكَ نَفْسُهُ زَيْدٌ“، ولِذَلِكَ ”ذانِكَ“، يَشْهَدُ أنَّ الكافَ لا مَوْضِعَ لَها، لَوْ كانَ لَها مَوْضِعٌ لَكانَ جَرًّا بِالإضافَةِ، والنُّونُ لا تَدْخُلُ مَعَ الإضافَةِ، واللّامُ تُزادُ مَعَ ”ذَلِكَ“، لِلتَّوْكِيدِ، أعْنِي تَوْكِيدَ الِاسْمِ، لِأنَّها إذا زِيدَتْ أُسْقِطَتْ مَعَها ”ها“، تَقُولُ: ”ذَلِكَ الحَقُّ“، و”ذاكَ الحَقُّ“، و”ها ذاكَ الحَقُّ“، ويَقْبُحُ ”هَذَلِكَ الحَقُّ“، لِأنَّ اللّامَ قَدْ أكَّدَتْ مَعْنى الإشارَةِ، وكُسِرَتِ اللّامُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، أعْنِي الألِفَ مِن ”ذا“، واللّامَ الَّتِي بَعْدَها، وكانَ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ ساكِنَةً، ولَكِنَّها كُسِرَتْ لِما قُلْناهُ، وكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ ”ذَلِكَ“، رَفْعًا، فِيمَن جَعَلَ ”ذَلِكَ“، خَبَرًا عَنْ ”الم“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾، مَعْناهُ: لا شَكَّ فِيهِ، تَقُولُ: ”رابَنِي فُلانٌ“، إذا عَلِمْتَ الرِّيبَةَ فِيهِ، و”أرابَنِي“، إذا أوْهَمَنِي الرِّيبَةَ، قالَ الشّاعِرَ: (p-٦٩)
؎أخُوكَ الَّذِي إنْ رِبْتَهُ قالَ إنَّما ∗∗∗ أُرِبْتُ وإنْ عاتَبْتَهُ لانَ جانِبُهْ
وَمَوْضِعُ ”لا رَيْبَ“: نَصْبٌ، قالَ سِيبَوَيْهِ: ”لا“، تَعْمَلُ فِيما بَعْدَها فَتَنْصِبُهُ، ونَصْبُها لِما بَعْدَها كَنَصْبِ ”إنَّ“، لِما بَعْدَها، إلّا أنَّها تَنْصِبُهُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وزَعَمَ أنَّها مَعَ ما بَعْدَها بِمَنزِلَةِ شَيْءٍ واحِدٍ، كَأنَّها جَوابُ قَوْلِ القائِلِ: ”هَلْ مِن رَجُلٍ في الدّارِ؟“، فَـ”مِن“، غَيْرُ مُنْفَصِلَةٍ مِن ”رَجُلٍ“ .
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَما أنْكَرْتَ أنْ يَكُونَ جَوابَ ”هَلْ رَجُلَ في الدّارِ؟“، قِيلَ: مَعْنى ”لا رَجُلَ في الدّارِ“: عُمُومُ النَّفْيِ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الدّارِ رَجُلٌ ولا أكْثَرُ مِنهُ مِنَ الرِّجالِ، إذا قُلْتَ: ”لا رَجُلَ في الدّارِ“، فَكَذَلِكَ ”هَلْ مِن رَجُلٍ في الدّارِ؟“، اِسْتِفْهامٌ عَنِ الواحِدِ، وأكْثَرَ مِنهُ، فَإذا قُلْتَ: ”هَلْ رَجُلٌ في الدّارِ؟“، أوْ: ”لا رَجُلٌ في الدّارِ“، جازَ أنْ يَكُونَ في الدّارِ رَجُلانِ، لِأنَّكَ إنَّما أخْبَرْتَ أنَّهُ لَيْسَ فِيها واحِدٌ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيها أكْثَرُ، فَإذا قُلْتَ: ”لا رَجُلَ في الدّارِ“، فَهو نَفْيٌ عامٌّ، وكَذَلِكَ ”لا رَيْبَ فِيهِ“، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ﴾، أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، القِراءَةُ مِنها عَلى وجْهٍ واحِدٍ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُتَجاوَزَ إلى غَيْرِهِ، وهو ”فِيهِ هُدًى“، بِكَسْرِ الهاءِ، ويَجُوزُ في الكَلامِ، وفي القِراءَةِ لَوْ كانَ قُرِئَ بِهِ: ”فِيهُو هُدًى“، بِإثْباتِ الواوِ، و”فِيهِي هُدًى“، بِإثْباتِ الياءِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذِهِ الأوْجُهَ في إعْرابِ ”اَلْحَمْدِ“ .
(p-٧٠)فَأمّا قِراءَةُ ”فِيهْ هُدًى“، بِإدْغامِ الهاءِ في الهاءِ، فَهو ثَقِيلٌ في اللَّفْظِ، وهو جائِزٌ في القِياسِ، لِأنَّ الحَرْفَيْنِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، إلّا أنَّهُ يَثْقُلُ في اللَّفْظِ، لِأنَّ حُرُوفَ الحَلْقِ لَيْسَتْ بِأصْلٍ في الإدْغامِ، والحَرْفانِ مِن كَلِمَتَيْنِ، وحَكى الأخْفَشُ أنَّها قِراءَةٌ.
وَمَوْضِعُ ”هُدًى“: نَصْبٌ، ومَعْناهُ: بَيانٌ، ونَصْبُهُ مِن وجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الحالِ مِن قَوْلِكَ: ”اَلْقُرْآنُ ذَلِكَ الكِتابُ هُدًى“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتَصَبَ بِقَوْلِكَ: ”لا رَيْبَ فِيهِ“، في حالِ هِدايَتِهِ، فَيَكُونَ حالًا مِن قَوْلِكَ: ”لا شَكَّ فِيهِ هادِيًا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُهُ رَفْعًا مِن جِهاتٍ، إحْداها أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، كَأنَّهُ قالَ: ”هَذا ذَلِكَ الكِتابُ هُدًى“، أيْ: قَدْ جَمَعَ أنَّهُ الكِتابُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ، وأنَّهُ هُدًى، كَما تَقُولُ: ”هَذا حُلْوٌ حامِضٌ“، تُرِيدُ أنَّهُ قَدْ جَمَعَ الطَّعْمَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعُهُ عَلى إضْمارِ ”هو“، كَأنَّهُ لَمّا تَمَّ الكَلامُ فَقِيلَ: ”الم ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ“، قِيلَ: ”هو هُدًى“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعُهُ عَلى قَوْلِكَ: ”ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ“، كَأنَّكَ قُلْتَ: ”ذَلِكَ الكِتابُ حَقًّا“، لِأنَّ ”لا شَكَّ فِيهِ“، بِمَعْنى: حَقٌّ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ”فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ“ .
البقرة 2:3
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾، مَعْناهُ: يُصَدِّقُونَ، وكُلُّ مُؤْمِنٍ بِشَيْءٍ فَهو مُصَدِّقٌ بِهِ، فَإذا ذَكَرْتَ مُؤْمِنًا ولَمْ تَقُلْ: ”هو مُؤْمِنٌ بِكَذا وكَذا“، فَهو الَّذِي لا يَصْلُحُ إلّا في اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، ومَوْضِعُ ”اَلَّذِينَ“: جَرٌّ، تَبَعًا لِـ”اَلْمُتَّقِينَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُهُما رَفْعًا، عَلى المَدْحِ، كَأنَّهُ (p-٧١)لَمّا قِيلَ: ”هُدًى لِلْمُتَّقِينَ“، قِيلَ: ”مَن هُمْ؟“، فَقِيلَ: ”اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ ”اَلَّذِينَ“: نَصْبًا عَلى المَدْحِ أيْضًا، كَأنَّهُ قِيلَ: ”أذْكُرُ الَّذِينَ“، و”اَلَّذِينَ“، لا يَظْهَرُ فِيهِ الإعْرابُ، تَقُولُ - في النَّصْبِ، والرَّفْعِ، والجَرِّ -: ”أتانِي الَّذِينَ في الدّارِ“، و”رَأيْتُ الَّذِينَ في الدّارِ“، و”مَرَرْتُ بِالَّذِينَ في الدّارِ“، وكَذَلِكَ: ”اَلَّذِي في الدّارِ“، وإنَّما مُنِعَ الإعْرابَ لِأنَّ الإعْرابَ إنَّما يَكُونُ في آخِرِ الأسْماءِ، و”اَلَّذِي“، و”اَلَّذِينَ“، مُبْهَمانِ، لا تَتِمّانِ إلّا بِصِلاتِهِما، فَلِذَلِكَ مُنِعَتِ الإعْرابَ، وأصْلُ ”اَلَّذِي“: ”لَذٍ“، عَلى وزْنِ ”عَمٍ“، فاعْلَمْ، كَذَلِكَ قالَ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، والأخْفَشُ، وجَمِيعُ مَن يُوثَقُ بِعِلْمِهِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَما بالَكَ تَقُولُ: ”أتانِي اللَّذانِ في الدّارِ“، و”رَأيْتُ اللَّذَيْنِ في الدّارِ“، فَتُعْرِبُ كُلَّ ما لا يُعْرَبُ في تَثْنِيَتِهِ، نَحْوَ ”هَذانِ“، و”هَذَيْنِ“، وأنْتَ لا تُعْرِبُ ”هَذا“، ولا ”هَؤُلاءِ“ ؟ فالجَوابُ في ذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ ما لا يُعْرَبُ في الواحِدِ مُشَبَّهٌ بِالحَرْفِ الَّذِي جاءَ لِمَعْنًى، فَإذا ثَنَّيْتَهُ فَقَدْ بَطَلَ شَبَهُ الحَرْفِ الَّذِي جاءَ لِمَعْنًى، لِأنَّ حُرُوفَ المَعانِي لا تُثَنّى.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَلِمَ مَنَعْتَهُ الإعْرابَ في الجَمْعِ؟ قُلْتُ: لِأنَّ الجَمْعَ الَّذِي لَيْسَ عَلى حَدِّ التَّثْنِيَةِ كالواحِدِ، ألا تَرى أنَّكَ قُلْتَ في جَمِيعِ هَذا: ”هَؤُلاءِ يا فَتى“، فَجَعَلْتَهُ اسْمًا واحِدًا لِلْجَمْعِ؟ وكَذَلِكَ قَوْلُكَ ”اَلَّذِينَ“، إنَّما هو اسْمٌ لِلْجَمْعِ، كَما أنَّ قَوْلَكَ: ”سِنِينُ يا فَتى“، اِسْمٌ لِلْجَمْعِ، فَبَنَيْتَهُ كَما بَنَيْتَ الواحِدَ، ومَن جَمَعَ ”اَلَّذِينَ“، عَلى حَدِّ التَّثْنِيَةِ، قالَ: ”جاءَنِي الَّذُونَ في الدّارِ“، و”رَأيْتُ الَّذِينَ (p-٧٢)فِي الدّارِ“، وهَذا لا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ، لِأنَّ الجَمْعَ مُسْتَغْنًى فِيهِ عَنْ حَدِّ التَّثْنِيَةِ، والتَّثْنِيَةُ لَيْسَ لَها إلّا ضَرْبٌ واحِدٌ.
وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بِالغَيْبِ﴾ ما غابَ عَنْهم مِمّا أخْبَرَهم بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِن أمْرِ الغَيْبِ، والنُّشُورِ، والقِيامَةِ، وكُلُّ ما غابَ عَنْهم مِمّا أنْبَأهم بِهِ فَهو غَيْبٌ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾، مَعْناهُ: يُتِمُّونَ الصَّلاةَ، كَما قالَ: ﴿وَأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وضُمَّتِ الياءُ مِن ”يُؤْمِنُونَ“، و”يُقِيمُونَ“، لِأنَّ كُلَّ ما كانَ عَلى أرْبَعَةِ أحْرُفٍ - نَحْوَ ”أكْرَمَ“، و”أحْسَنَ“، و”أقامَ“، و”آمَنَ“ - فَمُسْتَقْبَلُهُ: ”يُكْرِمُ“، و”يُحْسِنَ“، و”يُؤْمِنُ“، و”يُقِيمُ“، وإنَّما ضُمَّتْ أوائِلُ المُسْتَقْبَلِ لِيُفَرَّقَ بَيْنَ ذَواتِ الثَّلاثَةِ - نَحْوَ ”ضَرَبَ“ -، وبَيْنَ ذَواتِ الأرْبَعَةِ - نَحْوَ ”دَحْرَجَ“، فَما كانَ عَلى ثَلاثَةٍ فَهُوَ: ”ضَرَبَ يَضْرِبُ“، أوْ ”تَضْرِبُ“، أوْ ”نَضْرِبُ“، فَفُصِلَ بِالضَّمَّةِ بَيْنَهُما.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَهَلّا فُصِلَ بِالكَسْرَةِ؟ قِيلَ: اَلْكَسْرَةُ قَدْ تَدْخُلُ في نَحْوِ: ”تِعْلَمُ“، و”تِبْيَضُّ“، ولِأنَّ الضَّمَّةَ مَعَ الياءِ مُسْتَعْمَلَةٌ، والكَسْرَةَ لا تُسْتَعْمَلُ مَعَ الياءِ، فَمَن قالَ: ”أنْتَ تَعْلَمُ“، لَمْ يَقُلْ: ”هو يِعْلَمُ“، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الفارِقُ بَيْنَهُما بِالضَّمَّةِ لا غَيْرُ، والأصْلُ في ”يُقِيمُ“: ”يُؤَقْيِمُ“، والأصْلُ في ”يُكْرِمُ“: ”يُؤَكْرِمُ“، ولَكِنَّ الهَمْزَةَ (p-٧٣)حُذِفَتْ لِأنَّ الضَّمَّ دَلِيلٌ عَلى ذَواتِ الأرْبَعَةِ، ولَوْ ثَبَثَ لَوَجَبَ أنْ تَقُولَ - إذا أنْبَأْتَ عَنْ نَفْسِكَ -: ”أنا“ أُؤَقْوِمُ ”، و“ أنا أُؤَكْرِمُ ”، فَكانَتْ تَجْتَمِعُ هَمْزَتانِ، فاسْتُثْقِلَتا، فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ الَّتِي هي فاءُ الفِعْلِ، وتَبِعَ سائِرُ الفِعْلِ بابَ الهَمْزَةِ، فَقُلْتَ:“ أنْتَ تُكْرِمُ ”، و“ نَحْنُ نُكْرِمُ ”، و“ هي تُكْرِمُ ”، كَما أنَّ بابَ“ يَعِدُ ”، حُذِفَتْ مِنهُ الواوُ، لِوُقُوعِها بَيْنَ ياءٍ وكَسْرَةٍ، الأصْلُ فِيهِ:“ يَوْعِدُ ”، ثُمَّ حُذِفَتْ في“ تَعِدُ ”، و“ نَعِدُ ”، و“ أعِدُ ”.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾، مَعْناهُ: يَصَّدَّقُونَ، قالَ - عَزَّ وجَلَّ -:“ وأنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكم ”، إلى قَوْلِهِ:“ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ " .
البقرة 2:4
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾، إنْ شِئْتَ خَفَّفْتَ الهَمْزَةَ في ”أُنْزِلَ“، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ”أُولَئِكَ“، وهَذِهِ لُغَةُ غَيْرِ أهْلِ الحِجازِ، فَأمّا أهْلُ الحِجازِ فَيُخَفِّفُونَ الهَمْزَةَ بَيْنَ الواوِ، والهَمْزَةِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّما فُعِلَ بِالهَمْزَةِ ذَلِكَ، دُونَ سائِرِ الحُرُوفِ، لِأنَّها بَعُدَ مَخْرَجُها، ولِأنَّها نَبْرَةٌ في الصَّدْرِ، وهي أبْعَدُ الحُرُوفِ مَخْرَجًا، وأمّا ”إلَيْكَ“، و”إلَيْهِمْ“، و”عَلَيْكَ“، و”عَلَيْهِمْ“، فالأصْلُ في هَذا: ”إلاكَ“، و”عَلاكَ“، و”إلاهم“، و”عَلاهم“، كَما تَقُولُ: ”إلى زَيْدٍ“، و”عَلى إخْوَتِكَ“، إلّا أنَّ الألِفَ غُيِّرَتْ مَعَ المُضْمَرِ، فَأُبْدِلَتْ ياءً لِيُفْصَلَ بَيْنَ الألِفِ الَّتِي في آخِرِ المُتَمَكِّنَةِ، وبَيْنَ الألِفِ الَّتِي في أواخِرِ غَيْرِ المُتَمَكِّنَةِ الَّتِي الإضافَةُ لازِمَةٌ لَها، ألا تَرى أنَّ ”إلى“، و”عَلى“، و”لَدى“، لا تَنْفَرِدُ مِنَ (p-٧٤)الإضافَةِ؟ ولِذَلِكَ قالَتِ العَرَبُ - في ”كِلا“، في حالِ النَّصْبِ، والجَرِّ -: ”رَأيْتُ كِلَيْهِما“، و”كِلَيْكُما“، و”مَرَرْتُ بِكِلَيْهِما“، و”كِلَيْكُما“، فَفَصَلَتْ بَيْنَ الإضافَةِ إلى المُظْهَرِ والمُضْمَرِ، لَمّا كانَ ”كِلا“، لا يَنْفَرِدُ، ولا يَكُونُ كَلامًا إلّا بِالإضافَةِ.
البقرة 2:5
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾، مَوْضِعُ ”أُولَئِكَ“: رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ: ”عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ“، إلّا أنَّ أُولَئِكَ لا يُعْرَبُ، لِأنَّهُ اسْمٌ لِلْإشارَةِ، وكُسِرَتِ الهَمْزَةُ فِيهِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾، إلّا أنَّ ”هم“، دَخَلَتْ فَصْلًا، وإنْ شِئْتَ كانَتْ تَكْرِيرًا لِلِاسْمِ، كَما تَقُولُ: ”زَيْدٌ هو العالِمُ“، فَتَرْفَعُ ”زَيْدًا“، بِالِابْتِداءِ، وتَرْفَعُ ”هو“، اِبْتِداءً ثانِيًا، وتَرْفَعُ ”اَلْعالِمُ“، خَبَرًا لِـ”هو“، و”اَلْعالِمُ“، خَبَرًا لِـ”زَيْدٌ“، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ”وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ“، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ”هو“، فَصْلًا، وتَرْفَعُ ”زَيْدًا“ و”اَلْعالِمُ“، عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرِهِ، والفَصْلُ هو الَّذِي يُسَمِّيهِ الكُوفِيُّونَ ”عِمادًا“ .
وسِيبَوَيْهِ يَقُولُ: إنَّ الفَصْلَ لا يَصْلُحُ إلّا مَعَ الأفْعالِ الَّتِي لا تَتِمُّ، نَحْوَ: ”كانَ زَيْدٌ هو العالِمَ“، و”ظَنَنْتُ زَيْدًا هو العالِمَ“، وقالَ سِيبَوَيْهِ: دَخَلَ الفَصْلُ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرًا﴾ [المزمل: ٢٠]، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ﴾ [سبإ: ٦]، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢]، (p-٧٥)وَما أشْبَهَ هَذا، مِمّا ذَكَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ.
وَكَذَلِكَ لَكَ في الكَلامِ في الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وفي قَوْلِكَ: ”كانَ زَيْدٌ هو العالِمَ“، ذَكَرَ ”هو“، و”أنْتَ“، و”أنا“، و”نَحْنُ“، دَخَلَتْ إعْلامًا بِأنَّ الخَبَرَ مَضْمُونٌ، وأنَّ الكَلامَ لَمْ يَتِمَّ، ومَوْضِعُ دُخُولِها إذا كانَ الخَبَرُ مَعْرِفَةً، أوْ ما أشْبَهَ المَعْرِفَةَ، وأنَّ ”هو“، بِمَنزِلَةِ ”ما“، اَللَّغْوِ، في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، فَإنَّما دُخُولُها مُؤَكِّدَةً.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿المُفْلِحُونَ﴾، يُقالُ لِكُلِّ مَن أصابَ خَيْرًا: ”مُفْلِحٌ“، وقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]، وقالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩]، والفَلاحُ: اَلْبَقاءُ، قالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ: (p-٧٦)
؎نَحُلُّ بِلادًا كُلُّها حُلَّ قَبْلَنا ∗∗∗ ونَرْجُو الفَلاحَ بَعْدَ عادٍ وتُبَّعا
أيْ: نَرْجُو البَقاءَ، وقالَ عَبِيدٌ:
؎أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُدْ ∗∗∗ رَكُ بِالضَّعْفِ وقَدْ يُخْدَعُ الأرِيبُ
أيْ: أصِبْ خَيْرًا بِما شِئْتَ، و”اَلْفَلّاحُ“: اَلْأكّارُ، والفِلاحَةُ صِناعَتُهُ، وإنَّما قِيلَ لَهُ: ”اَلْفَلاحُ“، لِأنَّهُ يَشُقُّ الأرْضَ، ويُقالَ: ”فَلَحْتُ الحَدِيدَ“، إذا قَطَعْتَهُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎قَدْ عَلِمَتْ خَيْلُكَ أنِّي الصَّحْصَحُ ∗∗∗ إنَّ الحَدِيدَ بِالحَدِيدِ يُفْلَحُ
وَيُقالُ لِلْمُكارِي: ”اَلْفَلّاحُ“، وإنَّما قِيلَ لَهُ: ”فَلّاحٌ“، تَشْبِيهًا بِالأكّارِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَها رِطْلٌ تَكِيلُ الزَّيْتَ فِيهِ ∗∗∗ وفَلّاحٌ يَسُوقُ لَها حِمارا
البقرة 2:6
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾، (p-٧٧)”إنَّ“، تَنْصِبُ ”اَلَّذِينَ“، وهي تَنْصِبُ الأسْماءَ، وتَرْفَعُ الأخْبارَ، ومَعْناها في الكَلامِ التَّوْكِيدُ، وهي آلَةٌ مِن آلاتِ القَسَمِ، وإنَّما نَصَبَتْ ورَفَعَتْ لِأنَّها تُشَبَّهُ بِالفِعْلِ، وشَبَهُها بِهِ أنَّها لا تَلِي الأفْعالَ، ولا تَعْمَلُ فِيها، وإنَّما يُذْكَرُ بَعْدَها الِاسْمُ والخَبَرُ، كَما يُذْكَرُ بَعْدَ الفِعْلِ الفاعِلُ والمَفْعُولُ، إلّا أنَّهُ قُدِّمَ المَفْعُولُ بِهِ فِيها لِيَفْصِلَ بَيْنَ ما يُشَبَّهُ بِالفِعْلِ ولَفْظُهُ لَفْظُ الفِعْلِ، وبَيْنَ ما يُشَبَّهُ بِهِ ولَيْسَ لَفْظُهُ لَفْظَ الفِعْلِ، وخَبَرُها هَهُنا جُمْلَةُ الكَلامِ، أعْنِي: قَوْلَهُ: ”﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾“، وتُرْفَعُ ”﴿سَواءٌ﴾“، بِالِابْتِداءِ، وتَقُومُ ”﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾“، مَقامَ الخَبَرِ، كَأنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: ”سَواءٌ عَلَيْهِمُ الإنْذارُ وتَرْكُهُ“، و”سَواءٌ“، مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ ”مُسْتَوٍ“، لِأنَّكَ لا تُقِيمُ المَصادِرَ مَقامَ أسْماءِ الفاعِلِينَ إلّا وتَأْوِيلُها تَأْوِيلُ أسْمائِهِمْ، فَأمّا دُخُولُ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، ودُخُولُ ”أمْ“، اَلَّتِي لِلِاسْتِفْهامِ، والكَلامُ خَبَرٌ، فَإنَّما وقَعَ ذَلِكَ لِمَعْنى التَّسْوِيَةِ، والتَّسْوِيَةُ آلَتُها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، و”أمْ“، تَقُولُ: ”أزَيْدٌ في الدّارِ، أمْ عَمْرٌو“، فَإنَّما دَخَلَتِ الألِفُ، و”أمْ“، لِأنَّ عِلْمَكَ قَدِ اسْتَوى في زَيْدٍ وعَمْرٍو، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ أحَدَهُما في الدّارِ، لا مَحالَةَ، ولَكِنَّكَ أرَدْتَ أنْ يُبَيَّنَ لَكَ الَّذِي عَلِمْتَ، ويَخْلُصَ لَكَ عِلْمُهُ مِن غَيْرِهِ، فَلِهَذا تَقُولُ: ”قَدْ عَلِمْتُ أزْيَدٌ في الدّارِ أمْ عَمْرٌو“، وإنَّما تُرِيدُ أنْ تُسَوِّيَ عِنْدَ مَن تُخْبِرُهُ العِلْمَ الَّذِي قَدْ خَلَصَ عِنْدَكَ، وكَذَلِكَ ”سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم“، دَخَلَتِ الألِفُ، و”أمْ“، لِلتَّسْوِيَةِ، فَأمّا ”أأنْذَرْتَهم“، فَزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يُحَقِّقُ الهَمْزَةَ، ولا يَجْمَعُ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ، وإنْ كانَتا مِن كَلِمَتَيْنِ، فَأمّا أهْلُ الحِجازِ فَلا يُحَقِّقُونَ واحِدَةً مِنهُما، وأمّا بَعْضُ القُرّاءِ - ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وغَيْرُهُ - فَيَجْمَعُونَ في القِراءَةِ بَيْنَهُما، فَيَقْرَؤُونَ: ”أأنْذَرْتَهم“، وكَثِيرٌ مِنَ القُرّاءِ يُخَفِّفُ إحْداهُما، وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ (p-٧٨)الخَلِيلَ كانَ يَرى تَخْفِيفَ الثّانِيَةِ، فَيَقُولُ: ”آنْذَرْتَهم“، فَيَجْعَلُ الثّانِيَةَ بَيْنَ الهَمْزَةِ، والألِفِ، ولا يَجْعَلُها ألِفًا خالِصَةً، ومَن جَعَلَها ألِفًا خالِصَةً فَقَدْ أخْطَأ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، والأُخْرى أنَّهُ أبْدَلَ مِن هَمْزَةٍ مُتَحَرِّكَةٍ قَبْلَها حَرَكَةٌ، ألِفًا، والحَرَكَةُ الفَتْحُ، وإنَّما حَقُّ الهَمْزَةِ إذا حُرِّكَتْ، وانْفَتَحَ ما قَبْلَها، أنْ تُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ، أعْنِي بَيْنَ الهَمْزَةِ، وبَيْنَ الحَرْفِ الَّذِي مِنهُ حَرَكَتُها، فَتَقُولُ في ”سَألَ“: ”سالَ“، وفي ”رَؤُوفٌ“: ”رَوُوفٌ“، وفي ”بِئْسَ“: ”بِيسَ“، بَيْنَ بَيْنَ، وهَذا في الحُكْمِ واحِدٌ، وإنَّما تَحْكُمُهُ المُشافَهَةُ، وكانَ غَيْرُ الخَلِيلِ يُجِيزُ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾ [محمد: ١٨]، تَخْفِيفَ الأُولى، وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ جَماعَةً مِنَ العَرَبِ يَقْرَؤُونَ: ”فَقَدَ جا أشْراطُها“، يُحَقِّقُونَ الثّانِيَةَ، ويُخَفِّفُونَ الأُولى، وهَذا مَذْهَبُ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، وأمّا الخَلِيلُ فَيَقُولُ بِتَحْقِيقِ الأُولى، فَيَقُولُ: ”فَقَدْ جاءَ اشْراطُها“، قالَ الخَلِيلُ: وإنَّما اخْتَرْتُ تَخْفِيفَ الثّانِيَةِ لِإجْماعِ النّاسِ عَلى بَدَلِ الثّانِيَةِ في قَوْلِكَ: ”آدَمُ“، و”آخَرُ“، لِأنَّ الأصْلَ في ”آدَمُ“: ”أادَمُ“، وفي ”آخَرُ“: ”أاخَرُ“، وقَوْلُ الخَلِيلِ أقْيَسُ، وقَوْلُ أبِي عَمْرٍو جَيِّدٌ أيْضًا.
قالَ أبُو إسْحاقَ: اَلْهَمْزَةُ الَّتِي لِلِاسْتِفْهامِ ألِفٌ مُبْتَدَأةٌ، ولا يُمْكِنُ تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ المُبْتَدَأةِ، ولَكِنْ إنْ أُلْقِيَ هَمْزَةُ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ عَلى سُكُونِ المِيمِ مِن ”عَلَيْهِمْ“، فَقُلْتَ: ”عَلَيْهِمَ أنْذَرْتَهم“، جازَ، ولَكِنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهِ أحَدٌ، والهَمْزَتانِ في (p-٧٩)قَوْلِهِ: ”فَقَدْ جاءَ أشْراطُها“، هَمْزَتانِ في وسَطِ الكَلِمَةِ، ويُمْكِنُ تَخْفِيفُ الأُولى، فَأمّا مَن خَفَّفَ الهَمْزَةَ الأُولى في قَوْلِهِ: ”أأنْذَرْتَهم“، فَإنَّهُ طَرَحَها البَتَّةَ، وألْقى حَرَكَتَها عَلى المِيمِ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، والواجِبُ - عَلى لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ - أنْ يَكُونَ: ”عَلَيْهِمَ اَنْذَرْتَهم“، فَيَفْتَحُ المِيمَ، ويَجْعَلُ الهَمْزَةَ الثّانِيَةَ بَيْنَ بَيْنَ، وعَلى هَذا مَذْهَبُ جَمِيعِ أهْلِ الحِجازِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”لا يُؤْمِنُونَ“، خَبَرَ ”إنَّ“، كَأنَّهُ قِيلَ: ”إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يُؤْمِنُونَ، سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم“، هَؤُلاءِ قَوْمٌ أنْبَأ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - النَّبِيَّ ﷺ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥]، فَأمّا الهَمْزَتانِ إذا كانَتا مَكْسُورَتَيْنِ، نَحْوَ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]، وإذا كانَتا مَضْمُومَتَيْنِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿أوْلِياءُ أُولَئِكَ﴾ [الأحقاف: ٣٢]، فَإنَّ أبا عَمْرٍو يُخَفِّفُ الهَمْزَةَ الأُولى فِيهِما، فَيَقُولُ: ”عَلى البِغا إنْ أرَدْنَ“، و: ”أوْلِيا أُولَئِكَ“، فَيَجْعَلُ الهَمْزَةَ الأُولى مِن ”اَلْبِغاءِ“، بَيْنَ الهَمْزَةِ، والياءِ، ويَكْسِرُها، ويَجْعَلُ الهَمْزَةَ في قَوْلِكَ: ”أوْلِيا أُولَئِكَ“، الأُولى، بَيْنَ الواوِ، والهَمْزَةِ، ويَضُمُّها.
وَحَكى أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ أبا عَمْرٍو كانَ يَجْعَلُ مَكانَ الهَمْزَةِ الأُولى كَسْرَةً في ”اَلْبِغاءِ إنْ“، وضَمَّةً في ”أوْلِياءُ أُولَئِكَ“، أبُو عُبَيْدَةَ لا يَحْكِي إلّا ما سَمِعَ، لِأنَّهُ الثِّقَةُ المَأْمُونُ عِنْدَ العُلَماءِ، إلّا أنَّهُ لا يَضْبِطُ مِثْلَ هَذا المَوْضِعِ، لِأنَّ الَّذِي قالَهُ مُحالٌ، لِأنَّ الهَمْزَةَ إذا سَقَطَتْ، وأُبْدِلَتْ مِنها كَسْرَةٌ، وضَمَّةٌ - عَلى ما وصَفَ - (p-٨٠)بَقِيَتِ الحَرَكَتانِ في غَيْرِ حَرْفٍ، وهَذا مُحالٌ، لِأنَّ الحَرَكَةَ لا تَكُونُ في غَيْرِ مُحَرَّكٍ.
قالَ أبُو إسْحاقَ: والَّذِي حَكَيْناهُ آنِفًا رِوايَةُ سِيبَوَيْهِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وهو أضْبَطُ لِهَذا، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿السُّفَهاءُ ألا﴾ [البقرة: ١٣] .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥] ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ﴾ [الملك: ١٦]، فَإنَّ الهَمْزَتَيْنِ إذا اخْتَلَفَتا، حَكى أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ أبا عَمْرٍو كانَ يُبْدِلُ مِنَ الثّانِيَةِ فَتْحَةً، وهَذا خِلافُ ما حَكاهُ سِيبَوَيْهِ، والقَوْلُ فِيهِ أيْضًا مُحالٌ، لِأنَّ الفَتْحَةَ لا تَقُومُ بِذاتِها، إنَّما تَقُومُ عَلى حَرْفٍ، وجُمْلَةُ ما يَقُولُ النَّحْوِيُّونَ في المَسْألَةِ الأُولى، في مِثْلِ قَوْلِهِ: ”عَلى البِغاءِ إنْ“، أوْ: ”أوْلِياءُ أُولَئِكَ“، ثَلاثَةُ أقْوالٍ، عَلى لُغَةِ غَيْرِ أهْلِ الحِجازِ، فَأحَدُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ - وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلِ - أنْ يَجْعَلَ مَكانَ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ هَمْزَةً بَيْنَ بَيْنَ، فَإذا كانَ مَضْمُومًا جَعَلَ الهَمْزَةَ بَيْنَ الواوِ، والهَمْزَةِ، فَقالَ: ”أوْلِياءُ اُولَئِكَ“، وإذا كانَ مَكْسُورًا جَعَلَ الهَمْزَةَ بَيْنَ الياءِ، والهَمْزَةِ، فَقالَ: ”عَلى البِغاءِيِنْ“، وأمّا أبُو عَمْرٍو فَقَرَأ عَلى ما ذَكَرْناهُ، وأمّا ابْنُ أبِي إسْحاقَ - ومَذْهَبُهُ مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنَ القُرّاءِ - فَيَجْمَعُ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ، فَيَقْرَأُ: ”أوْلِياءُ أُولَئِكَ“، و: ”عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ“، بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وأمّا اخْتِلافُ الهَمْزَتَيْنِ، نَحْوَ ”اَلسُّفَهاءُ ألا“، فَأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى مَذْهَبِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، وأمّا أبُو عَمْرٍو فَيُحَقِّقُ الهَمْزَةَ الثّانِيَةَ في رِوايَةِ سِيبَوَيْهِ، ويُخَفِّفُ (p-٨١)الأُولى، فَيَجْعَلُها بَيْنَ الواوِ والهَمْزَةِ، فَيَقُولُ: ”اَلسُّفَهااُ ألا“، بَيْنَ بَيْنَ، ويَقُولُ: ”مَن في السَّمايِ أنْ“، فَيُحَقِّقُ الثّانِيَةَ، وأمّا سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ، فَيَقُولانِ: ”اَلسُّفَهاءُ ولا“، فَيَجْعَلانِ الهَمْزَةَ الثّانِيَةَ واوًا خالِصَةً، وفي قَوْلِهِ: ”مَن في السَّماءِ يَنْ“، ياءً خالِصَةً مَفْتُوحَةً، فَهَذا جَمِيعُ ما في هَذا البابِ.
وَقَدْ ذَكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ بَعْضَهم رَوى عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ كانَ إذا اجْتَمَعَتْ هَمْزَتانِ طُرِحَتْ إحْداهُما، وهَذا لَيْسَ بِثَبْتٍ، لِأنَّ القِياسَ لا يُوجِبُهُ، وأبُو عُبَيْدٍ لَمْ يُحَقِّقْ في رِوايَتِهِ، لِأنَّهُ قالَ: رَواهُ بَعْضُهُمْ، وبابُ رِوايَةِ القِراءَةِ عَنِ المُقْرِئِ يَجِبُ أنْ يَقِلَّ الِاخْتِلافُ فِيهِ، فَإنْ كانَ هَذا صَحِيحًا عَنْهُ، فَهو يُجَوِّزُهُ في نَحْوِ: ”سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم“، وفي مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، فَيَطْرَحُ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ، لِأنَّ ”أمْ“، تَدُلُّ عَلَيْها، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنْ كُنْتُ دارِيًا ∗∗∗ شُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ أمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنقَرِ
(p-٨٢)وَقالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ:
؎لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنْ كُنْتُ دارِيًا ∗∗∗ بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ
اَلْبَيْتُ الأوَّلُ أنْشَدَهُ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، والبَيْتُ الثّانِي صَحِيحٌ أيْضًا.
البقرة 2:7
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾، مَعْنى ”خَتَمَ“ - في اللُّغَةِ - و”طَبَعَ“، مَعْنًى واحِدٌ، وهُوَ: اَلتَّغْطِيَةُ عَلى الشَّيْءِ، والِاسْتِيثاقُ مِن ألّا يَدْخُلَهُ شَيْءٌ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤]، وقالَ - جَلَّ ذِكْرُهُ -: ﴿كَلا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [المطففين: ١٤]، مَعْناهُ: غَلَبَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ، وكَذَلِكَ طَبَعَ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ، وهم كانُوا يَسْمَعُونَ، ويُبْصِرُونَ، ويَعْقِلُونَ، ولَكِنَّهم لَمْ يَسْتَعْمِلُوا هَذِهِ الحَواسَّ اسْتِعْمالًا يَجْزِي عَنْهُمْ، فَصارُوا كَمَن لا يَسْمَعُ، ولا يُبْصِرُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎أصَمُّ عَمّا ساءَهُ سَمِيعُ
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ”وَعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ“، هي الغِطاءُ، فَأمّا قَوْلُهُ: ”وَعَلى سَمْعِهِمْ“، وهو يُرِيدُ: ”وَعَلى أسْماعِهِمْ“، فَفِيهِ (p-٨٣)ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، فَوَجْهٌ مِنها أنَّ السَّمْعَ في مَعْنى المَصْدَرِ، فَوُحِّدَ، كَما تَقُولُ: ”يُعْجِبُنِي حَدِيثُكم“، و”يُعْجِبُنِي ضَرْبُكم“، فَوُحِّدَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَمّا أضافَ السَّمْعَ إلَيْهِمْ دَلَّ عَلى مَعْنى ”أسْماعِهِمْ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها ∗∗∗ فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ
وَقالَ الشّاعِرُ أيْضًا:
؎لا تُنْكِرِي القَتْلَ وقَدْ سُبِينا ∗∗∗ في حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شَجِينا
مَعْناهُ: في حُلُوقِكُمْ، وقالَ:
؎كَأنَّهُ وجْهُ تُرْكِيَّيْنِ قَدْ غَضِبا ∗∗∗ مُسْتَهْدَفٍ لِطِعانٍ غَيْرِ تَذْيِيبِ
أمّا ”غِشاوَةٌ“، فَكُلُّ ما كانَ مُشْتَمِلًا عَلى الشَّيْءِ فَهو في كَلامِ العَرَبِ مَبْنِيٌّ عَلى ”فِعالَةٌ“، نَحْوَ: ”اَلْغِشاوَةُ“، و”اَلْعِمامَةُ“، و”اَلْقِلادَةُ“، و”اَلْعِصابَةُ“، وكَذَلِكَ أسْماءُ الصِّناعاتِ، لِأنَّ مَعْنى الصِّناعَةِ الِاشْتِمالُ عَلى كُلِّ ما فِيها، نَحْوَ: ”اَلْخِياطَةُ“، (p-٨٤)و”اَلْقِصارَةُ“، وكَذَلِكَ عَلى كُلِّ مَنِ اسْتَوْلى عَلى شَيْءٍ ما، اسْتَوْلى عَلَيْهِ الفِعالَةُ، نَحْوَ: ”اَلْحِلاقَةُ“، و”اَلْإمارَةُ“، والرَّفْعُ في ”غِشاوَةٌ“، هو البابُ، وعَلَيْهِ مَذْهَبُ القُرّاءِ، والنَّصْبُ جائِزٌ في النَّحْوِ، عَلى أنَّ المَعْنى: ”وَجَعَلَ عَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةً“، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - في مَوْضِعٍ آخَرَ -: ﴿وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣]، ومَثِيلُهُ مِنَ الشِّعْرِ مِمّا حُمِلَ عَلى مَعْناهُ قَوْلُهُ:
؎يا لَيْتَ بَعْلَكِ قَدْ غَدا ∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحا
مَعْناهُ: مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وحامِلًا رُمْحًا، ويُرْوى: ”غَشْوَةٌ“، والوَجْهُ ما ذَكَرْناهُ، وإنَّما ”غَشْوَةٌ“، رَدٌّ إلى الأصْلِ، لِأنَّ المَصادِرَ كُلَّها تُرَدُّ إلى ”فَعْلَةٌ“، والرَّفْعُ والنَّصْبُ في ”غَشْوَةٌ“، مِثْلُهُ في ”غِشاوَةٌ“ .
البقرة 2:8
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾، عَنى بِذَلِكَ المُنافِقِينَ، وإعْرابُ ”مِن“: اَلْوَقْفُ، إلّا أنَّها فُتِحَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، سُكُونِ النُّونِ مِن قَوْلِكَ: ”مِن“، وسُكُونِ النُّونِ الأُولى مِن ”اَلنّاسِ“، وكانَ الأصْلُ أنْ يُكْسَرَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ولَكِنَّها فُتِحَتْ لِثِقَلِ اجْتِماعِ كَسْرَتَيْنِ لَوْ كانَ ”مِنِ النّاسِ“، لَثَقُلَ ذَلِكَ، فَأمّا ”عَنِ النّاسِ“، فَلا يَجُوزُ فِيهِ إلّا الكَسْرُ، لِأنَّ أوَّلَ ”عَنْ“، مَفْتُوحٌ، و”مَن“، إعْرابُها الوَقْفُ، لِأنَّها لا تَكُونُ اسْمًا تامًّا في (p-٨٥)الخَبَرِ إلّا بِصِلَةٍ، فَلا يَكُونُ الإعْرابُ في بَعْضِ الِاسْمِ، فَأمّا الإدْغامُ في الياءِ في ”مَن يَقُولُ“، فَلا يَكُونُ غَيْرُهُ، تَقُولُ: ”مَن يُقَوَّمُ“، فَتُدْغِمُ بِغُنَةٍ، وبِغَيْرِ غُنَّةٍ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾، دَخَلَتِ الباءُ مُؤَكِّدَةً لِمَعْنى النَّفْيِ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: ”ما زَيْدٌ أخُوكَ“، فَلَمْ يَسْمَعِ السّامِعُ ”ما“، ظَنَّ أنَّكَ مُوجِبٌ، فَإذا قُلْتَ: ”ما زَيْدٌ بِأخِيكَ“، و”ما هم بِمُؤْمِنِينَ“، عَلِمَ السّامِعُ أنَّكَ تَنْفِي، وكَذَلِكَ جَمِيعُ ما في كِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ.
البقرة 2:9
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾، يَعْنِي بِهِ المُنافِقِينَ أيْضًا، ومَعْنى ”يُخادِعُونَ“: يُظْهِرُونَ غَيْرَ ما في نُفُوسِهِمْ، و”اَلتَّقِيَّةُ“، تُسَمّى أيْضًا ”خِداعًا“، فَكَأنَّهم لَمّا أظْهَرُوا الإسْلامَ، وأبْطَنُوا الكُفْرَ، صارَتْ تَقِيَّتُهم خِداعًا، وجاءَ بِفاعِلٍ لِغَيْرِ اثْنَيْنِ، لِأنَّ هَذا المِثالَ يَقَعُ كَثِيرًا في اللُّغَةِ لِلْواحِدِ، نَحْوَ: ”عاقَبْتُ اللِّصَّ“، و”طارَقْتُ النَّعْلَ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾، تَأْوِيلُهُ أنَّ الخِداعَ يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ، والعِقابِ، ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: وما يَعْلَمُونَ أنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ، يُقالُ: ”ما شَعُرْتُ بِهِ“، أيْ: ما عَلِمْتُ بِهِ، و”لَيْتَ شِعْرِي ما صَنَعْتَ“: مَعْناهُ: لَيْتَ عِلْمِي.
البقرة 2:10
(p-٨٦)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، مَعْناهُ: نِفاقٌ، وقَدْ يُقالُ: اَلسُّقْمُ والمَرَضُ في البَدَنِ، وفي الدِّينِ، جَمِيعًا، كَما يُقالُ: اَلصِّحَّةُ في البَدَنِ، والدِّينِ، جَمِيعًا، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ”مَرَضٌ“، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: شَكٌّ، ونِفاقٌ، والمَرَضُ في القَلْبِ يَصْلُحُ لِكُلِّ ما خَرَجَ بِهِ الإنْسانُ عَنِ الصِّحَّةِ في الدِّينِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، فِيهِ جَوابانِ، قالَ بَعْضُهُمْ: زادَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: فَزادَهُمُ اللَّهُ بِما أنْزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ القُرْآنِ، فَشَكُّوا فِيهِ، كَما شَكُّوا في الَّذِي قَبْلَهُ، قالَ: والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذا ما أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٤]، إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤] ﴿وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]، وهَذا قَوْلٌ بَيِّنٌ واضِحٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾، مَعْناهُ: مُوجِعٌ، يَصِلُ وجَعُهُ إلى قُلُوبِهِمُ، وتَأْوِيلُ ”ألِيمٌ“، في اللُّغَةِ: مُؤْلِمٌ، قالَ الشّاعِرُ - وهو عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يكَرِبَ الزُّبَيْدِيُّ -: (p-٨٧)
؎أمِن رَيْحانَةِ الدّاعِي السَّمِيعِ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ
مَعْنى ”اَلسَّمِيعُ“: اَلْمُسْمِعُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾، ويُقْرَأُ: ”يُكَذِّبُونَ“، فَمَن قَرَأ ”“ يَكْذِبُونَ ”، بِالتَّخْفِيفِ، فَإنَّ كَذِبَهم قَوْلُهُمْ: إنَّهم مُؤْمِنُونَ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، وأمّا“ يُكَذِّبُونَ "، بِالتَّثْقِيلِ، فَمَعْناهُ: بِتَكْذِيبِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ.
البقرة 2:11
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾، مَعْناهُ: لا تَصُدُّوا عَنْ دِينِ اللَّهِ، فَيَحْتَمِلُ ”إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ“، ضَرْبَيْنِ مِنَ الجَوابِ، أحَدُهُما أنَّهم يَظُنُّونَ أنَّهم مُصْلِحُونَ، والثّانِي أنْ يُرِيدُوا أنَّ هَذا الَّذِي يُسَمُّونَهُ إفْسادًا هو عِنْدَنا إصْلاحٌ، فَأمّا إعْرابُ ”قِيلَ“، فَآخِرُهُ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ، وكَذَلِكَ كُلُّ فِعْلٍ ماضٍ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ، والأصْلُ في ”قِيلَ“: ”قُوِلَ“، ولَكِنَّ الكَسْرَةَ نُقِلَتْ إلى القافِ، لِأنَّ العَيْنَ مِنَ الفِعْلِ في قَوْلِكَ: ”قالَ“، نُقِلَتْ مِن حَرَكَةٍ إلى سُكُونٍ، فَيَجِبُ أنْ تَلْزَمَ هَذا السُّكُونَ في سائِرِ تَصَرُّفِ الفِعْلِ، وبَعْضُهم يَرُومُ الضَّمَّةَ في ”قِيلَ“، وقَدْ يَجُوزُ في غَيْرِ القُرْآنِ: ”قَدْ قُولَ ذاكَ“، وأفْصَحُ اللُّغاتِ: ”قِيلَ“، و”غِيضَ“، ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٧٣]، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”قُِيلَ“، و”غُِيضَ“، و”سُِيقَ“، تَرُومُ في سائِرِ أوائِلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ الضَّمَّ في هَذا البابِ.
البقرة 2:13
(p-٨٨)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾، أصْلُ السَّفَهِ، في اللُّغَةِ: خِفَّةُ الحِلْمِ، وكَذَلِكَ يُقالُ: ”ثَوْبٌ سَفِيهٌ“، إذا كانَ رَقِيقًا بالِيًا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ﴾، مَعْنى ”ألا“: اِسْتِفْتاحٌ وتَنْبِيهٌ، وقَوْلُهُ: ”هُمُ السُّفَهاءُ“، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ ”إنَّ“، و”هم“، فَصْلٌ، وهو الَّذِي يُسَمِّيهِ الكُوفِيُّونَ ”اَلْعِمادَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”هم“، اِبْتِداءً، و”اَلسُّفَهاءُ“، خَبَرَ الِابْتِداءِ، و”هُمُ السُّفَهاءُ“، خَبَرَ ”إنَّ“ .
البقرة 2:14
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾، أنْبَأ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِما يُسِرُّهُ المُنافِقُونَ مِنَ الكُفْرِ، ومَعْنى ”شَياطِينِهِمْ“، في اللُّغَةِ: ”مَرَدَتِهِمْ، وعُتاتِهِمْ في الكُفْرِ“، ويُقالُ: ”خَلَوْتُ إلَيْهِ“، و”مَعَهُ“، ويُقالُ: ”خَلَوْتُ بِهِ“، وهو عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما: ”جَعَلْتُ خَلْوَتِي مَعَهُ“، كَما قالَ: ”خَلَوْتُ إلَيْهِ“، أيْ: جَعَلْتُ خَلْوَتِي مَعَهُ، وكَذَلِكَ يُقالُ: ”خَلَوْتُ إلَيْهِ“، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ ”خَلَوْتُ بِهِ“: ”سَخِرْتُ مِنهُ“ .
وَنَصْبُ ”مَعَكم“، كَنَصْبِ الظُّرُوفِ، تَقُولُ: ”إنّا مَعَكم“، و”إنّا خَلْفَكم“، مَعْناهُ: إنّا مُسْتَقِرُّونَ مَعَكُمْ، ومُسْتَقِرُّونَ خَلْفَكُمْ، والقِراءَةُ المُجْمَعُ عَلَيْها فَتْحُ العَيْنِ، وقَدْ يَجُوزُ في الِاضْطِرارِ إسْكانُ العَيْنِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقْرَأ بِها، ويَجُوزُ ”إنّا مَعْكم“، لِلشّاعِرِ، إذا اضْطُرَّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎قَرِيشِي مِنكُمُ وهَوايَ مَعْكم ∗∗∗ وإنْ كانَتْ زِيارَتُكم لِماما
(p-٨٩)وَفِي قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿خَلَوْا إلى﴾، وجْهانِ، إنْ شِئْتَ أسْكَنْتَ الواوَ، وخَفَّفْتَ الهَمْزَةَ وكَسَرْتَها، فَقُلْتَ: ”خَلَوْا اِلى“، وإنْ شِئْتَ ألْقَيْتَ الهَمْزَةَ، وكَسَرْتَ الواوَ، فَقُلْتَ: ”خَلَوِ لى“، وكَذَلِكَ يَقْرَأُ أهْلُ الحِجازِ، وهو جَيِّدٌ بالِغٌ، و”إنّا“، اَلْأصْلُ فِيهِ: ”إنَّنا“، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ [طه: ٤٦]، ولَكِنَّ النُّونَ حُذِفَتْ لِكَثْرَةِ النُّوناتِ، والمَحْذُوفُ النُّونُ الثّانِيَةُ مِن ”إنَّ“، لِأنَّ في ”إنَّ“، نُونَيْنِ، الأُولى ساكِنَةٌ، والثّانِيَةُ مُتَحَرِّكَةٌ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، ”نَحْنُ“، مَبْنِيَّةٌ عَلى الضَّمِّ، لِأنَّ ”نَحْنُ“ يَدُلُّ عَلى الجَماعَةِ، وجَماعَةُ المُضْمَرِينَ يَدُلُّ عَلَيْهِمْ - إذا ثَنَّيْتَ الواحِدَ مِن لَفْظِهِ - المِيمُ، والواوُ، نَحْوَ: ”فَعَلُوا“، و”أنْتُمْ“، فالواوُ مِن جِنْسِ الضَّمَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن حَرَكَةِ ”نَحْنُ“، فَحُرِّكَتْ بِالضَّمِّ، لِأنَّ الضَّمَّ مِنَ الواوِ، ألا تَرى أنَّ واوَ الجَماعَةِ إذا حُرِّكَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ضُمَّتْ، نَحْوَ ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ [البقرة: ١٦] ؟ وقَدْ حَرَّكَها بَعْضُهم إلى الكَسْرِ، فَقالَ: ”اِشْتَرَوِا الضَّلالَةَ“، لِأنَّ اجْتِماعَ السّاكِنَيْنِ يُوجِبُ كَسْرَ الأُولى، إذا كانا مِن كَلِمَتَيْنِ، والقِراءَةُ المُجْمَعُ عَلَيْها: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ [البقرة: ١٦]، بِالضَّمِّ، وقَدْ رُوِيَتْ: ”اِشْترَوا الضَّلالَةَ“، بِالفَتْحِ، وهو شاذٌّ جِدًّا، و”مُسْتَهْزِئُونَ“، اَلْقِراءَةُ الجَيِّدَةُ فِيهِ تَحْقِيقُ الهَمْزَةِ، فَإذا خَفَّفْتَ الهَمْزَةُ جَعَلْتَ الهَمْزَةَ بَيْنَ الواوِ، والهَمْزَةِ، فَقُلْتَ: ”مُسْتَهْزِوُونَ“، فَهَذا الِاخْتِيارُ بَعْدَ التَّحْقِيقِ، (p-٩٠)وَيَجُوزُ أنْ تُبْدِلَ مِنَ الهَمْزَةِ ياءً، فَتَقُولُ: ”مُسْتَهْزِيُونَ“، فَأمّا ”مُسْتَهْزُونَ“، فَضَعِيفٌ، لا وجْهَ لَهُ إلّا شاذًّا، عَلى لُغَةِ مَن أبْدَلَ الهَمْزَةَ ياءً، فَقالَ في ”اِسْتَهْزَأْتُ“: ”اِسْتَهْزَيْتُ“، فَيَجِبُ عَلى لُغَةِ ”اِسْتَهْزَيْتُ“، أنْ يُقالَ: ”مُسْتَهْزُونَ“ .
البقرة 2:15
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، فِيهِ أوْجُهٌ مِنَ الجَوابِ، فَمَعْنى اسْتِهْزاءِ اللَّهِ بِهِمْ أنْ أظْهَرَ لَهم مِن أحْكامِهِ في الدُّنْيا، خِلافَ ما لَهم في الآخِرَةِ، كَما أظْهَرُوا مِنَ الإسْلامِ خِلافَ ما أسَرُّوا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِهْزاؤُهُ بِهِمْ أخْذُهُ إيّاهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢]، ويَجُوزُ - واللَّهُ أعْلَمُ - وهو الوَجْهُ المُخْتارُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ - أنْ يَكُونَ مَعْنى ”يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ“: يُجازِيهِمْ عَلى هَزْئِهِمْ بِالعَذابِ، فَسَمّى جَزاءَ الذَّنْبِ بِاسْمِهِ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]، فالثّانِيَةُ لَيْسَتْ سَيِّئَةً في الحَقِيقَةِ، ولَكِنَّها سُمِّيَتْ ”سَيِّئَةً“، لِازْدِواجِ الكَلامِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، فالأوَّلُ ظُلْمٌ، والثّانِي لَيْسَ بِظُلْمٍ، ولَكِنَّهُ جِيءَ في اللُّغَةِ بِاسْمِ الذَّنْبِ لِيُعْلَمَ أنَّهُ عِقابٌ عَلَيْهِ، وجَزاءٌ بِهِ، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وَكَذَلِكَ يُجْرى هَذا المُجْرى قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، (p-٩١)﴿وَيَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠] وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، مَعْنى ”وَيَمُدُّهم“: يُمْهِلُهُمْ، وهو يَدُلُّ عَلى الجَوابِ الأوَّلِ، و”في طُغْيانِهِمْ“، مَعْناهُ: في غُلُوِّهِمْ، وكُفْرِهِمْ، ومَعْنى ”يَعْمَهُونَ“، في اللُّغَةِ: يَتَحَيَّرُونَ، يُقالُ: ”رَجُلٌ عَمِهٌ“، و”عامِهٌ“، أيْ: مُتَحَيِّرٌ، قالَ الرّاجِزُ:
وَمَهْمَهٌ أطْرافُهُ في مَهْمَهِ ... أعْمى الهُدى بِالجاهِلِينَ العُمَّهِ
البقرة 2:16
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾، ”أُولَئِكَ“، مَوْضِعُهُ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ”اَلَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ“، وقَدْ فَسَّرْنا واوَ ”اِشْتَرَوْا“، وكَسْرَتَها، فَأمّا مَن يُبْدِلُ مِنَ الضَّمَّةِ هَمْزَةً، فَيَقُولُ: ”اِشْتَرَؤُ الضَّلالَةَ“، فَغالِطٌ، لِأنَّ الواوَ المَضْمُومَةَ الَّتِي تُبْدَلُ مِنها هَمْزَةٌ إنَّما يُفْعَلُ بِها ذَلِكَ إذا لَزِمَتْ صِفَتُها، نَحْوَ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١]، إنَّما الأصْلُ: ”وُقِّتَتْ“، وكَذَلِكَ ”أدْؤُرٌ“، إنَّما أصْلُها: ”أدْوُرٌ“، وضَمَّةُ الواوِ في قَوْلِهِ: ”اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ“، (p-٩٢)إنَّما هي لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ومِثْلُهُ: ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦]، لا يَنْبَغِي أنْ تُهْمَزَ الواوُ فِيهِ.
وَمَعْنى الكَلامِ أنَّ كُلَّ مَن تَرَكَ شَيْئًا، وتَمَسَّكَ بِغَيْرِهِ، فالعَرَبُ تَقُولُ لِلَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ: ”قَدِ اشْتَراهُ“، ولَيْسَ ثَمَّ شِراءٌ، ولا بَيْعٌ، ولَكِنَّ رَغْبَتَهُ فِيهِ بِتَمَسُّكِهِ بِهِ، كَرَغْبَةِ المُشْتَرِي بِمالِهِ ما يَرْغَبُ فِيهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎أخَذْتُ بِالجُمَّةِ رَأْسًا أزْعَرا ∗∗∗ وبِالثَّنايا الواضِحاتِ الدَّرْدَرا
؎وَبِالطَّوِيلِ العُمْرِ عُمْرًا أقْصَرا ∗∗∗ كَما اشْتَرى الكافِرُ إذْ تَنَصَّرا
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾، مَعْناهُ: فَما رَبِحُوا في تِجارَتِهِمْ، لِأنَّ التِّجارَةَ لا تَرْبَحُ، وإنَّما يُرْبَحُ فِيها، ويُوضَعُ فِيها، والعَرَبُ تَقُولُ: ”قَدْ خَسِرَ بَيْعُكَ“، و”رَبِحَتْ تِجارَتُكَ“، يُرِيدُونَ بِذَلِكَ الِاخْتِصارَ، وسَعَةَ الكَلامِ، قالَ الشّاعِرُ: (p-٩٣)
؎وَكَيْفَ تُواصِلُ مَن أصْبَحَتْ ∗∗∗ خِلالَتُهُ كَأبِي مَرْحَبِ
يُرِيدُ: كَخِلالَةِ أبِي مَرْحَبِ، وقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبإ: ٣٣]، واللَّيْلُ والنَّهارُ لا يَمْكُرانِ، إنَّما مَعْناهُ: بَلْ مَكْرُهم في اللَّيْلِ، والنَّهارِ.
البقرة 2:17
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، هَذا المَثَلُ ضَرَبَهُ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - لِلْمُنافِقِينَ في تَجَمُّلِهِمْ بِظاهِرِ الإسْلامِ، وحَقْنِهِمْ دِماءَهم بِما أظْهَرُوا، فَمَثَلُ ما تَجَمَّلُوا بِهِ مِنَ الإسْلامِ، كَمَثَلِ النّارِ الَّتِي يَسْتَضِيءُ بِها المُسْتَوْقِدُ، وقَوْلُهُ: ”ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ“، مَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - إطْلاعُ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ عَلى كُفْرِهِمْ، فَقَدْ ذَهَبَ مِنهم نُورُ الإسْلامِ بِما أظْهَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِن كُفْرِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ“، في الآخِرَةِ، أيْ: عَذَّبَهُمْ، فَلا نُورَ لَهُمْ، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - قَدْ جَعَلَ لِلْمُؤْمِنِينَ نُورًا في الآخِرَةِ، وسَلَبَ الكافِرِينَ ذَلِكَ النُّورَ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣]
البقرة 2:18
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾، رُفِعَ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ”هَؤُلاءِ الَّذِينَ قِصَّتُهم هَذِهِ القِصَّةُ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ، فَهم لا يَرْجِعُونَ“، (p-٩٤)وَيَجُوزُ في الكَلامِ: ”صُمًّا، بُكْمًا، عُمْيًا“، عَلى: ”وَتَرَكَهم صُمًّا، بُكْمًا، عُمْيًا“، ولَكِنَّ المُصْحَفَ لا يُخالَفُ بِقِراءَةٍ لا تُرْوى، والرَّفْعُ أيْضًا أقْوى في المَعْنى، وأجْزَلُ في اللَّفْظِ، فَمَعْنى ”بُكْمٌ“: أنَّهُ بِمَنزِلَةِ مَن وُلِدَ أخْرَسَ، ويُقالُ: اَلْأبْكَمُ المَسْلُوبُ الفُؤادِ، و”صُمٌّ“، و”بُكْمٌ“، واحِدُهم أصَمُّ، وأبْكَمُ، ويَجُوزُ أنْ يَقَعَ جَمْعُ ”أصَمُّ“، ”صُمّانٌ“، وكَذَلِكَ ”أفْعَلُ“، كُلُّهُ، يَجُوزُ فِيهِ ”فُعْلانٌ“، نَحْوَ: ”أسْوَدُ“، و”سُودٌ“، و”سُودانٌ“، ومَعْنى ”سُودٌ“، و”سُودانٌ“، واحِدٌ، كَذَلِكَ ”صُمٌّ“، و”صُمّانٌ“، و”عُرْجٌ“، و”عُرْجانٌ“، و”بُكْمٌ“، و”بُكْمانٌ“ .
البقرة 2:19
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾، ”اَلصَّيِّبُ“، في اللُّغَةِ: اَلْمَطَرُ، وكُلُّ نازِلٍ مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ، فَقَدْ صابَ، يَصُوبُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّهم صابَتْ عَلَيْهِمْ سَحابَةٌ ∗∗∗ صَواعِقُها لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ
وَهَذا أيْضًا مَثَلٌ يَضْرِبُهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لِلْمُنافِقِينَ، كانَ المَعْنى: أوْ كَأصْحابِ صَيِّبٍ، فَجَعَلَ دِينَ الإسْلامِ لَهم مَثَلًا فِيما يَنالُهم مِنَ الشَّدائِدِ والخَوْفِ، وجَعَلَ ما يَسْتَضِيئُونَ بِهِ مِنَ البَرْقِ مَثَلًا لِما يَسْتَضِيئُونَ بِهِ مِنَ الإسْلامِ، وما يَنالُهم مِنَ الخَوْفِ في البَرْقِ بِمَنزِلَةِ ما يَخافُونَهُ مِنَ القَتْلِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٤]
البقرة 2:20
(p-٩٥)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾، ”يَخْطَفُ أبْصارَهم“، فِيهِ لُغَتانِ، يُقالُ: ”خَطِفَ يَخْطَفُ“، و”خَطَفَ يَخْطِفُ“، واللُّغَةُ العالِيَةُ الَّتِي عَلَيْها القِراءَةُ ”خَطِفَ يَخْطَفُ“، وهَذا الحَرْفُ يُرْوى عَنِ العَرَبِ، والقُرّاءِ، وفِيهِ لُغاتٌ تُرْوى، عَنِ الحَسَنِ: ”يَخَطِّفُ أبْصارَهم“، بِفَتْحِ الياءِ والخاءِ، وكَسْرِ الطّاءِ، ويُرْوى أيْضًا: ”يِخِطِّفُ“، بِكَسْرِ الياءِ والخاءِ والطّاءِ، ويُرْوى أيْضًا لُغَةٌ أُخْرى، لَيْسَتْ تَسُوغُ في اللَّفْظِ لِصُعُوبَتِها، وهي إسْكانُ الخاءِ والطّاءِ، وقَدْ رَوى سِيبَوَيْهِ مِثْلَ هَذا، رَدَّهُ عَلَيْهِ أصْحابُهُ، وزَعَمُوا أنَّهُ غَيْرُ سائِغٍ في اللَّفْظِ، وأنَّ الشِّعْرَ لا يَجْمَعُ في حَشْوِهِ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، قالَ:
؎وَمَسْحِهِ مَرُّ عُقابٍ كاسِرٍ ∗∗∗ .....................
يُبْدِلُ مِنَ الهاءِ حاءً، ويُدْغِمُ الحاءَ الأُولى في الثّانِيَةِ، والسِّينُ ساكِنَةٌ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، فَأمّا بَعْدَ ”يَخْطَفُ“، فالجَيِّدُ ”يَخَطِّفُ“، و”يِخِطِّفُ“، فَمَن قالَ: ”يَخَطِّفُ“، فالأصْلُ: ”يَخْتَطِفُ“، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ، وأُلْقِيَتْ عَلى الحاءِ فَتْحَةُ التّاءِ، ومَن قالَ: ”يِخِطِّفُ“، كَسَرَ الخاءَ لِسُكُونِها، وسُكُونِ الطّاءِ، وزَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ الكَسْرَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ هَهُنا خَطَأٌ، وأنَّهُ يَلْزَمُ مَن قالَ هَذا أنْ يَقُولَ (p-٩٦)فِي ”يَعَضُّ“: ”يَعِضُّ“، وفي ”يَمُدُّ“: ”يَمِدُّ“، وهَذا خَلْطٌ غَيْرُ لازِمٍ، لِأنَّهُ لَوْ كَسَرَها هَهُنا لالتَبَسَ ما أصْلُهُ ”يَفْعَلُ“، و”يَفْعُلُ“، بِما أصْلُهُ ”يَفْعِلُ“، و”يَخْطِفُ“، لَيْسَ أصْلُهُ غَيْرَ هَذا، ولا يَكُونُ مَرَّةً عَلى ”يَفْتَعِلُ“، ومَرَّةً عَلى ”يَفْتَعَلُ“، فَكُسِرَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ في مَوْضِعٍ غَيْرِ مُلْبِسٍ، وامْتَنَعَ في المُلْبِسِ مِنَ الكَسْرِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وأُلْزِمَ حَرَكَةَ الحَرْفِ الَّذِي أُدْغِمَهُ، لِتَدُلَّ الحَرَكَةُ عَلَيْهِ، ومَعْنى ”خَطَفْتُ الشَّيْءَ“، في اللُّغَةِ، و”اِخْتَطَفْتُهُ“: أخَذْتُهُ بِسُرْعَةٍ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ﴾، يُقالُ: ”ضاءَ الشَّيْءُ، يَضُوءُ“، و”أضاءَ، يُضِيءُ“، وهَذِهِ اللُّغَةُ الثّانِيَةُ هي المُخْتارَةُ، ويُقالُ: ”أظْلَمَ“، و”ظَلِمَ“، و”أظْلَمَ“، المُخْتارُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾، وقَدْ فَسَّرْنا تَوْحِيدَ السَّمْعِ، ويُقالُ: ”أذْهَبْتُهُ“، و”ذَهَبْتُ بِهِ“، ويُرْوى ”أذْهَبْتُ بِهِ“، وهو لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، فَأمّا ذِكْرُ ”أوْ“، في قَوْلِهِ: ”مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي...“، إلى: ”أوْ كَصَيِّبٍ“، فَـ”أوْ“، دَخَلَتْ هَهُنا لِغَيْرِ شَكٍّ، وهَذِهِ يُسَمِّيها الحُذّاقُ بِاللُّغَةِ ”واوَ الإباحَةِ“، فَتَقُولُ: ”جالِسِ القُرّاءَ، أوِ الفُقَهاءَ، أوْ أصْحابَ الحَدِيثِ، أوْ أصْحابَ النَّحْوِ“، فالمَعْنى أنَّ التَّمْثِيلَ مُباحٌ لَكم في المُنافِقِينَ، إنْ مَثَّلْتُمُوهم بِالَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا، فَذاكَ مَثَلُهُمْ، وإنْ مَثَّلْتُمُوهم بِأصْحابِ الصَّيِّبِ، فَهَذا مَثَلُهُمْ، أوْ مَثَّلْتُمُوهم (p-٩٧)بِهِما جَمِيعًا، فَهُما مَثَلاهُمْ، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: ”جالِسِ الحَسَنَ، أوِ ابْنَ سِيرِينَ“، فَكِلاهُما أهْلٌ أنْ يُجالَسَ، إنْ جالَسْتَ الحَسَنَ فَأنْتَ مُطِيعٌ، وإنْ جَمَعْتَهُما فَأنْتَ مُطِيعٌ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ المَوْتِ﴾ [البقرة: ١٩]، ويُرْوى أيْضًا: ”حِذارَ المَوْتِ“، والَّذِي عَلَيْهِ قُرّاؤُنا ”حَذَرَ المَوْتِ“، وإنَّما نُصِبَتْ ”حَذَرَ المَوْتِ“، لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى: يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِحَذَرِ المَوْتِ، ولَيْسَ نَصْبُهُ لِسُقُوطِ اللّامِ، وإنَّما نَصَبَهُ أنَّهُ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قالَ: ”يَحْذَرُونَ حَذَرًا“، لِأنَّ جَعْلَهم أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ يَدُلُّ عَلى حَذَرِهِمُ المَوْتَ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎وَأغْفِرُ عَوْراءَ الكَرِيمِ ادِّخارَهُ ∗∗∗ وأُعْرِضُ عَنْ شَتْمِ اللَّئِيمِ تَكَرُّما
والمَعْنى: لِادِّخارِهِ، وقَوْلُهُ: ”وَأغْفِرُ عَوْراءَ الكَرِيمِ“، مَعْناهُ: وأدَّخِرُ الكَرِيمَ.
البقرة 2:21
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾، مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ احْتَجَّ عَلى العَرَبِ بِأنَّهُ خالِقُهُمْ، وخالِقُ مَن قَبْلَهُمْ، لِأنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِذَلِكَ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، (p-٩٨)قِيلَ لَهُمْ: إنْ كُنْتُمْ مُقِرِّينَ بِأنَّهُ خالِقُكُمْ، فاعْبُدُوهُ، ولا تَعْبُدُوا الأصْنامَ، وقَوْلُهُ: ”لَعَلَّكم تَتَّقُونَ“، مَعْناهُ: تَتَّقُونَ الحُرُماتِ بَيْنَكُمْ، وتَكُفُّونَ عَمّا تَأْتُونَ مِمّا حَرَّمَهُ اللَّهُ، فَأمّا ”لَعَلَّ“، فَفِيها قَوْلانِ هَهُنا عَنْ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ، أحَدُهُما: مَعْناها: كَيْ تَتَّقُوا، والَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ في مِثْلِ هَذا أنَّهُ تَرَجٍّ لَهُمْ، كَما قالَ في قِصَّةِ فِرْعَوْنَ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤]، كَأنَّهُ قالَ: " اِذْهَبا أنْتُما عَلى رَجائِكُما، وطَمَعِكُما، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِن وراءِ ذَلِكَ، وعالِمٌ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُ فِرْعَوْنَ.
وَأمّا إعْرابُ ”يا أيُّها“، فَـ”أيُّ“، اِسْمٌ مُبْهَمٌ، مَبْنِيٌّ عَلى الضَّمِّ، لِأنَّهُ مُنادًى مُفْرَدٌ، و”اَلنّاسُ“، صِفَةٌ لِـ”أيُّ“، لازِمَةٌ، تَقُولُ: ”يا أيُّها الرَّجُلُ أقْبِلْ“، ولا يَجُوزُ: ”يا الرَّجُلُ“، لِأنَّ ”يا“، تَنْبِيهٌ بِمَنزِلَةِ التَّعْرِيفِ في ”اَلرَّجُلُ“، فَلا يُجْمَعُ بَيْنَ ”يا“، وبَيْنَ الألِفِ واللّامِ، فَتَصِلُ إلى الألِفِ واللّامِ بِـ”أيُّ“، و”ها“، لازِمَةٌ لِـ”أيُّ“، لِلتَّنْبِيهِ، وهي عِوَضٌ مِنَ الإضافَةِ في ”أيُّ“، لِأنَّ أصْلَ ”أيُّ“، أنْ تَكُونَ مُضافَةً في الِاسْتِفْهامِ، والخَبَرِ، وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ، عَنِ الخَلِيلِ، أنَّ المُنادى المُفْرَدَ مَبْنِيٌّ، وصِفَتُهُ مَرْفُوعَةٌ رَفْعًا صَحِيحًا، لِأنَّ النِّداءَ يَطَّرِدُ في كُلِّ اسْمٍ مُفْرَدٍ، فَلَمّا كانَتِ البِنْيَةُ مُطَّرِدَةً في المُفْرَدِ خاصَّةً، شُبِّهَ بِالمَرْفُوعِ، فَرُفِعَتْ صِفَتُهُ.
والمازِنِيُّ يُجِيزُ في ”يا أيُّها الرَّجُلُ“، اَلنَّصْبَ في ”اَلرَّجُلُ“، ولَمْ يَقُلْ بِهَذا القَوْلِ أحَدٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ غَيْرُهُ، وهو قِياسٌ، لِأنَّ مَوْضِعَ المُفْرَدِ المُنادى نَصْبٌ، فَحُمِلَتْ صِفَتُهُ عَلى مَوْضِعِهِ، وهَذا في غَيْرِ ”يا أيُّها الرَّجُلُ“، جائِزٌ عِنْدَ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ، نَحْوَ قَوْلِكَ: ”يا زَيْدُ الظَّرِيفُ“، و”اَلظَّرِيفَ“، والنَّحْوِيُّونَ لا يَقُولُونَ إلّا: ”يا أيُّها الرَّجُلُ“، ”يا أيُّها (p-٩٩)النّاسُ“، والعَرَبُ لُغَتُها في هَذا الرَّفْعُ، ولَمْ يَرِدْ عَنْها غَيْرُهُ، وإنَّما المُنادى في الحَقِيقَةِ ”اَلرَّجُلُ“، ولَكِنْ ”أيُّ“، صِلَةٌ إلَيْهِ، وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: إنَّ ”اَلرَّجُلُ“، أنْ يَكُونَ صِلَةً لِـ”أيُّ“، أقْيَسُ، ولَيْسَ أحَدٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ يُتابِعُهُ عَلى هَذا القَوْلِ.
البقرة 2:22
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا﴾، مَعْناهُ: وِطاءً، لَمْ يَجْعَلْها حَزْنَةً غَلِيظَةً، لا يُمْكِنُ الِاسْتِقْرارُ عَلَيْها.
وَقَوْلُهُ: ﴿والسَّماءَ بِناءً﴾، كُلُّ ما عَلا عَلى الأرْضِ فاسْمُهُ ”بِناءٌ“، ومَعْناهُ: إنَّهُ جَعَلَها سَقْفًا، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢]، ويَجُوزُ في قَوْلِهِ: ”جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ“، وجْهانِ: اَلْإدْغامُ، والإظْهارُ، تَقُولُ: ”جَعَلَ لَكم“، و”جَعَلْ لَكُمُ الأرْضَ“، فَمَن أدْغَمَ فَلِاجْتِماعِ حَرْفَيْنِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، وكَثْرَةِ الحَرَكاتِ، ومَن أظْهَرَ - وهو الوَجْهُ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ القُرّاءِ - فَلِأنَّهُما مُنْفَصِلانِ مِن كَلِمَتَيْنِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، هَذا احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ، لِإقْرارِهِمْ بِأنَّهُ اللَّهُ خالِقُهُمْ، فَقِيلَ لَهُمْ: لا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أمْثالًا، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَخْلُقُونَ، واللَّهُ الخالِقُ، وفي اللُّغَةِ: ”فُلانٌ نِدُّ فُلانٍ“، و”نَدِيدُ فُلانٍ“، قالَ جَرِيرٌ:
؎أتَيْمًا تَجْعَلُونَ إلَيَّ نِدًّا ∗∗∗ وما تَيْمٌ لِذِي حَسَبٍ نَدِيدُ
(p-١٠٠)فَهَذِهِ الآيَةُ، والَّتِي قَبْلَها، احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ في تَثْبِيتِ تَوْحِيدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -.
البقرة 2:23
ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ فِيما يَلِي هَذِهِ الآيَةَ بِتَثْبِيتِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَـزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾، ”في رَيْبٍ“، مَعْناهُ: في شَكٍّ، وقَوْلُهُ: ”فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ“، لِلْعُلَماءِ فِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: قالَ بَعْضُهُمْ: ”مِن مِثْلِهِ“: مِن مِثْلِ القُرْآنِ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ [هود: ١٣]، وقالَ بَعْضُهُمْ: ”مِن مِثْلِهِ“: مِن بَشَرٍ مِثْلِهِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، أيْ: اُدْعُوا مَنِ اسْتَدْعَيْتُمْ طاعَتَهُ، ورَجَوْتُمْ مَعُونَتَهُ في الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ.
البقرة 2:24
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النّارَ﴾، قِيلَ لَهم هَذا بَعْدَ أنْ ثَبَتَ عَلَيْهِمْ أمْرُ التَّوْحِيدِ، وأمْرُ النَّبِيِّ ﷺ، فَوُعِدُوا بِالعَذابِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدَ ثُبُوتِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وجُزِمَ ”لَمْ تَفْعَلُوا“، لِأنَّ ”لَمْ“، أحْدَثَتْ في الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ مَعْنى المُضِيِّ، فَجَزَمَتْهُ، وكُلُّ حَرْفٍ لَزِمَ الفِعْلَ، فَأحْدَثَ فِيهِ مَعْنًى، فَلَهُ فِيهِ مِنَ الإعْرابِ عَلى قِسْطِ مَعْناهُ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ الحَرْفُ ”أنْ“، وأخَواتِها، نَحْوَ: ”لَنْ تَفْعَلُوا“، و”يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا“، فَهو نُصِبَ لِأنَّ ”أنْ“، وما بَعْدَهُ، بِمَنزِلَةِ الِاسْمِ، فَقَدْ ضارَعَتْ ”أنْ“، اَلْخَفِيفَةُ، ”أنَّ“، اَلْمُشَدَّدَةَ، وما بَعْدَها، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: ”ظَنَنْتُ أنَّكَ قائِمٌ“، فَمَعْناهُ: ظَنَنْتُ قِيامَكَ، وإذا قُلْتَ: ”أرْجُو أنْ تَقُومَ“، فَمَعْناهُ: أرْجُو قِيامَكَ، فَمَعْنى ”أنْ“، وما عَمِلَتْ فِيهِ، كَمَعْنى ”أنَّ“، اَلْمُشَدَّدَةِ، وما (p-١٠١)عَمِلَتْ فِيهِ، فَلِذَلِكَ نَصَبَتْ ”أنْ“، وجَزَمَتْ ”لَمْ“، لِأنَّ ما بَعْدَها خَرَجَ مِن تَأْوِيلِ الِاسْمِ، وكَذَلِكَ هي وما بَعْدَها، يَخْرُجانِ مِن تَأْوِيلِ الِاسْمِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾، عُرِّفُوا عَذابَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِأشَدِّ الأشْياءِ الَّتِي يَعْرِفُونَها، لِأنَّهُ لا شَيْءَ في الدُّنْيا أبْلَغُ فِيما يُؤْلِمُ مِنَ النّارِ، فَقِيلَ لَهُمْ: إنَّ عَذابَ اللَّهِ مِن أشَدِّ الأجْناسِ الَّتِي يَعْرِفُونَها، إلّا أنَّهُ مِن هَذا الشَّدِيدِ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ، ويُقالُ: إنَّ الحِجارَةَ هُنا تَفْسِيرُها حِجارَةُ الكِبْرِيتِ، وقَوْلُهُ: ”وَقُودُها“، اَلْوَقُودُ هو الحَطَبُ، وكُلُّ ما أُوقِدَ بِهِ فَهو وقُودٌ، ويُقالُ: ”هَذا وُقُودُكَ“، ويُقالُ: ”قَدْ وقَدْتُ النّارَ وُقُودًا“، فالمَصْدَرُ مَضْمُومٌ، ويَجُوزُ فِيهِ الفَتْحُ، وقَدْ رُوِيَ: ”وَقَدْتُ النّارَ وقُودًا“، و”قَبِلْتُ الشَّيْءَ قَبُولًا“، فَقَدْ جاءَ في المَصْدَرِ ”فَعُولٌ“، والبابُ الضَّمُّ.
البقرة 2:25
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾، ذَكَرَ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وما أعَدَّ لَهُمْ، جَزاءً لِتَصْدِيقِهِمْ، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ لَهم جَزاءَ الكافِرِينَ، ومَوْضِعُ ”أنَّ“، نَصْبٌ، مَعْناهُ: بَشِّرْهم بِأنَّ لَهم جَنّاتٍ، فَلَمّا سَقَطَتِ الباءُ أفْضى الفِعْلُ إلى ”أنَّ“، فَنُصِبَتْ.
وَقَدْ قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إنَهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ مِثْلِ هَذا خَفْضًا، وإنْ سَقَطَتِ الباءُ مِن ”أنَّ“، و”جَنّاتٍ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ”أنَّ“، إلّا أنَّ التّاءَ تاءُ جَماعَةِ المُؤَنَّثِ، هي في الخَفْضِ والنَّصْبِ عَلى صُورَةٍ واحِدَةٍ، كَما أنَّ ياءَ الجَمْعِ في النَّصْبِ والخَفْضِ (p-١٠٢)عَلى صُورَةٍ واحِدَةٍ، تَقُولُ: ”رَأيْتُ الزَّيْدِينَ“، و”مَرَرْتُ بِالزَّيْدِينَ“، و”رَأيْتُ الهِنْداتِ“، و”رَغِبْتُ في الهِنْداتِ“، و”اَلْجَنَّةُ“، في لُغَةِ العَرَبِ: اَلْبُسْتانُ، و”اَلْجَنّاتُ“: اَلْبَساتِينُ، وهي الَّتِي وعَدَ اللَّهُ بِها المُتَّقِينَ، وفِيها ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ، وتَلَذُّ الأعْيُنُ.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ وأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: مَعْنى ”مُتَشابِهًا“: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الجَوْدَةِ، والحُسْنِ، وقالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ، وبَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: ”مُتَشابِهًا“: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الصُّورَةِ، ويَخْتَلِفُ في الطَّعْمِ، ودَلِيلُ المُفَسِّرِينَ قَوْلُهُ: ”هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ“، لِأنَّ صُورَتَهُ الصُّورَةُ الأُولى، ولَكِنَّ اخْتِلافَ الطُّعُومِ عَلى اتِّفاقِ الصُّورَةِ أبْلَغُ، وأعْرَفُ عِنْدَ الخَلْقِ، لَوْ رَأيْتَ تُفّاحًا فِيهِ طَعْمُ كُلِّ الفاكِهَةِ، لَكانَ غايَةً في العَجَبِ، والدَّلالَةِ عَلى الحِكْمَةِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾، أيْ أنَّهُنَّ لا يَحْتَجْنَ إلى ما يَحْتاجُ إلَيْهِ نِساءُ أهْلِ الدُّنْيا، مِنَ الأكْلِ، والشُّرْبِ، ولا يَحِضْنَ، ولا يَحْتَجْنَ إلى ما يُتَطَهَّرُ مِنهُ، وهُنَّ عَلى هَذا طاهِراتٌ طَهارَةَ الأخْلاقِ والعِفَّةِ، فَـ”مُطَهَّرَةٌ“، تَجْمَعُ الطَّهارَةَ كُلَّها، لِأنَّ ”مُطَهَّرَةٌ“، أبْلَغُ في الكَلامِ مِن ”طاهِرَةٌ“، ولِأنَّ ”مُطَهَّرَةٌ“، إنَّما يَكُونُ لِلْكَثِيرِ، وإعْرابُ ”أزْواجٌ“: اَلرَّفْعُ بِـ”وَلَهم“، وإنْ شِئْتَ بِالِابْتِداءِ، ويَجُوزُ في ”أزْواجٌ“، أنْ يَكُونَ واحِدَتُهُنَّ ”زَوْجًا“، و”زَوْجَةً“، قالَ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، وقالَ الشّاعِرُ: (p-١٠٣)
؎فَبَكى بَناتِي شَجْوَهُنَّ وزَوْجَتِي ∗∗∗ والطّامِعُونَ إلَيَّ ثُمَّ تَصَدَّعُوا
البقرة 2:26
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾، إنْ قالَ قائِلٌ: ما مَعْنى ذِكْرِ هَذا المَثَلِ بِعَقِبِ ما وعَدَ بِهِ أهْلَ الجَنَّةِ، وما أعَدَّ لِلْكافِرِينَ، قِيلَ: يَتَّصِلُ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ [البقرة: ٢٢]، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا﴾ [الحج: ٧٣]، وقالَ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١]، فَقالَ الكافِرُونَ: إنَّ إلَهَ مُحَمَّدٍ يَضْرِبُ الأمْثالَ بِالذُّبابِ، والعَنْكَبُوتِ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾، أيْ، لِهَؤُلاءِ الأنْدادِ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمُوهم مِن دُونِ اللَّهِ، لِأنَّ هَذا في الحَقِيقَةِ مَثَلُ هَؤُلاءِ الأنْدادِ.
فَأمّا إعْرابُ ”بَعُوضَةً“، فالنَّصْبُ مِن جِهَتَيْنِ في قَوْلِنا، وذَكَرَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ جِهَةً ثالِثَةً، فَأمّا أجْوَدُ هَذِهِ الجِهاتِ فَأنْ تَكُونَ ”ما“، زائِدَةً مُؤَكِّدَةً، كَأنَّهُ قالَ: ”إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ بَعُوضَةً مَثَلًا، ومَثَلًا بَعُوضَةً“، و”ما“، زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، اَلْمَعْنى: فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ (p-١٠٤)حَقًّا ”، فَـ“ ما ”، في التَّوْكِيدِ بِمَنزِلَةِ“ حَقٌّ ”، إلّا أنَّهُ لا إعْرابَ لَها، والخافِضُ والنّاصِبُ يَتَخَطّاها إلى ما بَعْدَها، فَمَعْناها التَّوْكِيدُ، ومِثْلُها في التَّوْكِيدِ“ لا ”، في قَوْلِهِ: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، مَعْناهُ: لِأنْ يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ“ ما ”، نَكِرَةً، فَيَكُونَ المَعْنى:“ إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ شَيْئًا مَثَلًا ”، وكَأنَّ“ بَعُوضَةً ”، في مَوْضِعِ وصْفِ شَيْءٍ، كَأنَّهُ قالَ:“ إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، بَعُوضَةً فَما فَوْقَها ”، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ما بَيْنَ بَعُوضَةٍ إلى ما فَوْقَها، والقَوْلانِ الأوَّلانِ قَوْلُ النَّحْوِيِّينَ القُدَماءِ، والِاخْتِيارُ عِنْدَ جَمْعِ البَصْرِيِّينَ أنْ يَكُونَ“ ما ”لَغْوًا، والرَّفْعُ في“ بَعُوضَةً ”، جائِزٌ في الإعْرابِ، ولا أحْفَظُ مَن قَرَأ بِهِ، ولا أعْلَمُ هَلْ قَرَأ بِهِ أحَدٌ، أمْ لا، فالرَّفْعُ عَلى إضْمارِ“ هو ”، كَأنَّهُ قالَ:“ مَثَلًا الَّذِي هو بَعُوضَةٌ ”، وهَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ضَعِيفٌ، وعَنْهُ مَندُوحَةٌ، ولَكِنَّ مَن قَرَأ:“ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنُ ”- وقَدْ قُرِئَ بِهِ -، جازَ أنْ يَقْرَأ:“ مَثَلًا ما بَعُوضَةٌ ”، ولَكِنَّهُ في“ اَلَّذِي أحْسَنُ ”، أقْوى، لِأنَّ“ اَلَّذِي ”، أطْوَلُ، ولَيْسَ لِـ“ اَلَّذِي ”، مَذْهَبٌ غَيْرُ الأسْماءِ، وقالُوا في مَعْنى قَوْلِهِ:“ فَما فَوْقَها ”، قالُوا في ذَلِكَ قَوْلَيْنِ، قالُوا:“ فَما فَوْقَها ”: أكْبَرَ مِنها، وقالُوا:“ فَما فَوْقَها ": في الصِّغَرِ، وبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ يَخْتارُونَ الأوَّلَ، لِأنَّ البَعُوضَةَ كَأنَّها نِهايَةٌ في الصِّغَرِ فِيما يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ، والقَوْلُ الثّانِي مُخْتارُ أيْضًا، لِأنَّ المَطْلُوبَ هُنا، والغَرَضَ الصِّغَرُ، وتَقْلِيلُ المَثَلِ بِالأنْدادِ.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، يَعْنِي صَدَّقُوا، ﴿فَيَعْلَمُونَ﴾، أنَّ هَذا المَثَلَ (p-١٠٥)حَقٌّ، ﴿وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلا﴾، أيْ: ما أرادَ بِالذُّبابِ، والعَنْكَبُوتِ مَثَلًا، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾، أيْ: يَدْعُو إلى التَّصْدِيقِ بِهِ الخَلْقَ جَمِيعًا، فَيُكَذِّبُ بِهِ الكُفّارُ، فَيُضَلُّونَ بِهِ.
﴿وَما يُضِلُّ بِهِ إلا الفاسِقِينَ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ المُضَلُّونَ بِهِ، ”وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا“، يُزادُ بِهِ المُؤْمِنُونَ هِدايَةً، لِأنَّ كُلَّما ازْدادُوا تَصْدِيقًا فَقَدِ ازْدادُوا هِدايَةً، والفاءُ دَخَلَتْ في جَوابِ ”أمّا“، في قَوْلِهِ: ”فَيَعْلَمُونَ“، لِأنَّ ”أمّا“، تَأْتِي بِمَعْنى الشَّرْطِ، والجَزاءِ، كَأنَّهُ إذا قالَ: ”أمّا زَيْدٌ فَقَدْ آمَنَ، وأمّا عَمْرٌو فَقَدْ كَفَرَ“، فالمَعْنى: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَقَدْ آمَنَ زَيْدٌ، ومَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَقَدْ كَفَرَ عَمْرٌو، وقَوْلُهُ: ”ماذا“، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ما“، و”ذا“، اِسْمًا واحِدًا، يَكُونُ مَوْضِعُهُما نَصْبًا، المَعْنى: أيُّ شَيْءٍ أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا؟ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ذا“، مَعَ ”ما“، بِمَنزِلَةِ ”اَلَّذِي“، فَيَكُونَ المَعْنى: ما الَّذِي أرادَهُ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا؟ أوْ: أيُّ شَيْءٍ الَّذِي أرادَهُ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا؟ ويَكُونَ ”ما“، هُنا، رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، و”ذا“، في مَعْنى ”اَلَّذِي“، وهو خَبَرُ الِابْتِداءِ، وإعْرابُ ”اَلْفاسِقِينَ“: نَصْبٌ، كَأنَّ المَعْنى: وما يَضِلُّ بِهِ أحَدٌ إلّا الفاسِقِينَ.
البقرة 2:27
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾، عَهْدُ اللَّهِ، هُنا - واللَّهُ أعْلَمُ -: ما أخَذَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّينَ، ومَنِ اتَّبَعَهُمْ، ألّا يَكْفُرُوا بِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، دَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا﴾ [آل عمران: ٨١]، (p-١٠٦)فَهَذا هو العَهْدُ المَأْخُوذُ عَلى كُلِّ مَنِ اتَّبَعَ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -، أنْ يُؤْمِنُوا بِالرَّسُولِ المُصَدِّقِ لِما مَعَهُمْ، و”إصْرِي“، مِثْلُ عَهْدِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَهْدُ اللَّهِ الَّذِي أخَذَهُ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ، حِينَ قالَ: ﴿وَأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ عَهْدَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - الِاسْتِدْلالُ عَلى تَوْحِيدِهِ، وإنَّ كُلَّ ذِي تَمْيِيزٍ يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ خالِقٌ، فَعَلَيْهِ الإيمانُ بِهِ، والقَوْلانِ الأوَّلانِ، في القُرْآنِ ما يُصَدِّقُ تَفْسِيرَهُما، فَأمّا إعْرابُ ”الَّذِينَ“، فالنَّصْبُ عَلى الصِّفَةِ لِـ”اَلْفاسِقِينَ“، ومَوْضِعُ قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُوصَلَ﴾ خَفْضٌ عَلى البَدَلِ مِنَ الهاءِ، والمَعْنى: ما أمَرَ اللَّهُ بِأنْ يُوصَلَ، ومَوْضِعُ ”أُولَئِكَ“: رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، و”اَلْخاسِرُونَ“، خَبَرُ الِابْتِداءِ، و”هم“، بِمَعْنى الفَصْلِ، وهو الَّذِي يُسَمِّيهِ الكُوفِيُّونَ ”اَلْعِمادَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”أُولَئِكَ“، رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، و”هم“، اِبْتِداءٌ ثانٍ، و”اَلْخاسِرُونَ“، خَبَرٌ لَهُمْ، و”هُمُ الخاسِرُونَ“، خَبَرٌ عَنْ ”أُولَئِكَ“ .
البقرة 2:28
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، فَكَوْنُهم أمْواتًا أوَّلًا، أنَّهم كانُوا نُطَفًا، ثُمَّ جُعِلُوا حَيَوانًا، ثُمَّ أُمِيتُوا، ثُمَّ أُحْيُوا، ثُمَّ يُرْجَعُونَ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بَعْدَ البَعْثِ، كَما قالَ: ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِ﴾ [القمر: ٨]، أيْ: مُسْرِعِينَ، وقَوْلِهِ، - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا﴾ [المعارج: ٤٣]، (p-١٠٧)والأجْداثُ: اَلْقُبُورُ.
وَتَأْوِيلُ ”كَيْفَ“، أنَّها اسْتِفْهامٌ في مَعْنى التَّعَجُّبِ، وهَذا التَّعَجُّبُ إنَّما هو لِلْخَلْقِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: اِعْجَبُوا مِن هَؤُلاءِ كَيْفَ يَكْفُرُونَ، وقَدْ ثَبَتَتْ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، ومَعْنى ”وَكُنْتُمْ“: وقَدْ كُنْتُمْ، وهَذِهِ الواوُ لِلْحالِ، وإضْمارُ ”قَدْ“، جائِزٌ إذا كانَ في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]، ﴿وَإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ [يوسف: ٢٧]
البقرة 2:29
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾، مَوْضِعُ ”ما“: مَفْعُولٌ بِهِ، وتَأْوِيلُهُ أنَّ جَمِيعَ ما في الأرْضِ مُنْعَمٌ بِهِ عَلَيْكُمْ، فَهو لَكُمْ، وفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّ ذَلِكم دَلِيلٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾، فِيهِ قَوْلانِ: قالَ بَعْضُهُمْ: ”اِسْتَوى إلى السَّماءِ“: عَمَدَ، وقَصَدَ إلى السَّماءِ، كَما تَقُولُ: ”قَدْ فَرَغَ الأمِيرُ مِن بَلَدِ كَذا وكَذا، ثُمَّ اسْتَوى إلى بَلَدِ كَذا“، مَعْناهُ: قَصَدَ بِالِاسْتِواءِ إلَيْهِ، وقَدْ قِيلَ أيْضًا: ”اِسْتَوى“: أيْ صَعِدَ أمْرُهُ إلى السَّماءِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، و”اَلسَّماءِ“، لَفْظُها لَفْظُ الواحِدِ، ومَعْناها مَعْنى الجَمْعِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”اَلسَّماءِ“، جَمْعًا، كَما أنَّ السَّمَواتِ جَمْعٌ، كَأنَّ واحِدَهُ ”سَماةٌ“، و”سَماوَةٌ“، و”سَماءٌ“، لِلْجَمِيعِ، وزَعَمَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ أنَّ ”اَلسَّماءُ“، جائِزٌ أنْ يَكُونَ واحِدًا يُرادُ بِهِ (p-١٠٨)الجَمْعُ، كَما تَقُولُ: ”كَثُرَ الدِّرْهَمُ والدِّينارُ في أيْدِي النّاسِ“، و”اَلسَّماءُ“، في اللُّغَةِ السَّقْفُ، ويُقالُ لِكُلِّ ما ارْتَفَعَ وعَلا: ”قَدْ سَما يَسْمُو“، وكُلُّ سَقْفٍ فَهو سَماءٌ يا فَتى، ومِن هَذا قِيلَ لِلسَّحابِ، لِأنَّها عالِيَةٌ.
البقرة 2:30
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ”إذْ“، هَهُنا زائِدَةٌ، وهَذا إقْدامٌ مِن أبِي عُبَيْدَةً، لِأنَّ القُرْآنَ لا يَنْبَغِي أنْ يُتَكَلَّمَ فِيهِ إلّا بِغايَةٍ تَجْرِي إلى الحَقِّ، و”إذْ“، مَعْناها الوَقْتُ، وهي اسْمٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَغْوًا؟ ومَعْناها الوَقْتُ، والحُجَّةُ في ”إذْ“، أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ خَلْقَ النّاسِ وغَيْرَهُمْ، فَكَأنَّهُ قالَ: ”اِبْتَدَأ خَلْقَكم إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً“، وفي ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ احْتِجاجٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ بِتَثْبِيتِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ خَبَرَ آدَمَ، وما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِن سُجُودِ المَلائِكَةِ لَهُ، مَعْلُومٌ عِنْدَهُمْ، ولَيْسَ هَذا مِن عِلْمِ العَرَبِ الَّذِي كانَتْ تَعْلَمُهُ، فَفي إخْبارِ النَّبِيِّ ﷺ دَلِيلٌ عَلى تَثْبِيتِ رِسالَتِهِ، إذْ أتاهم بِما لَيْسَ مِن عِلْمِ العَرَبِ، وإنَّما هو خَبَرٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا مَن قَرَأ الكِتابَ، أوْ أُوحِيَ إلَيْهِ بِهِ.
؎وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾، رُوِيَ أنَّ خَلْقًا يُقالُ لَهُمْ: ”اَلْجانُّ“، كانُوا في الأرْضِ فَأفْسَدُوا، وسَفَكُوا (p-١٠٩)الدِّماءَ، فَبَعَثَ اللَّهُ مَلائِكَتَهُ فَأجْلَتْهم مِنَ الأرْضِ، وقِيلَ: إنَّ هَؤُلاءِ المَلائِكَةَ صارُوا سُكّانَ الأرْضِ بَعْدَ الجانِّ، فَقالُوا: يا رَبُّ، أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها، ويَسْفِكُ الدِّماءَ، ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ، ونُقَدِّسُ لَكَ؟ وتَأْوِيلُ اسْتِخْبارِهِمْ هَذا عَلى جِهَةِ الِاسْتِعْلامِ وجِهَةِ الحِكْمَةِ، لا عَلى الإنْكارِ، فَكَأنَّهم قالُوا: ”يا اَللَّهُ، إنْ كانَ هَذا ظَنَّنا فَعَرِّفْنا وجْهَ الحَقِّ فِيهِ“، وقالَ قَوْمٌ: اَلْمَعْنى فِيهِ غَيْرُ هَذا، وهو أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أعْلَمَ المَلائِكَةَ أنَّهُ جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً، وأنَّ مِنَ الخَلِيقَةِ فِرْقَةً تَسْفِكُ الدِّماءَ، وهي فِرْقَةٌ مِن بَنِي آدَمَ، وأذِنَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لِلْمَلائِكَةِ أنْ يَسْألُوهُ عَنْ ذَلِكَ، وكانَ إعْلامُهُ إيّاهم هَذا زِيادَةً في التَّثْبِيتِ في نُفُوسِهِمْ أنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ، فَكَأنَّهم قالُوا: ”أتَخْلُقُ فِيها قَوْمًا يَسْفِكُونَ الدِّماءَ، ويَعْصُونَكَ؟ وإنَّما يَنْبَغِي إذا عَرَفُوا أنَّكَ خَلَقْتَهم أنْ يُسَبِّحُوا بِحَمْدِكَ، كَما نُسَبِّحُ، ويُقَدِّسُوا كَما نُقَدِّسُ“، ولَمْ يَقُولُوا هَذا إلّا وقَدْ أذِنَ لَهُمْ، ولا يَجُوزُ عَلى المَلائِكَةِ أنْ تَقُولَ شَيْئًا تَتَظَنّى فِيهِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهم بِأنَّهم يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، أيْ: أبْتَلِي مَن تَظُنُّونَ أنَّهُ يُطِيعُ، فَيَهْدِيهِ الِابْتِلاءُ، فالألِفُ هَهُنا إنَّما هي عَلى إيجابِ الجَعْلِ في هَذا القَوْلِ، كَما قالَ جَرِيرٌ: (p-١١٠)ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا ∗∗∗ وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ
وَمَعْنى ”يَسْفِكُ“: يَصُبُّ، يُقالُ: ”سَفَكَ الشَّيْءَ“، إذا صَبَّهُ، ومَعْنى ”نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ“: نُبَرِّئُكَ مِنَ السُّوءِ، وكُلُّ مَن عَمِلَ عَمَلًا قَصَدَ بِهِ اللَّهَ، فَقَدْ سَبَّحَ، يُقالُ: ”فَرَغْتُ مِن تَسْبِيحِي“، أيْ: مِن صَلاتِي، وقالَ سِيبَوَيْهِ، وغَيْرُهُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ: إنَّ مَعْنى ”سُبْحانَ اللَّهِ“: بَراءَةُ اللَّهِ مِنَ السُّوءِ، وتَنْزِيهُهُ مِنَ السُّوءِ، وقالَ الأعْشى:
؎أقُولُ لَمّا جاءَنِي فَخْرُهُ ∗∗∗ سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ
اَلْمَعْنى: اَلْبَراءَةُ مِنهُ، ومِن فَخْرِهِ.
وَمَعْنى ”نُقَدِّسُ لَكَ“: أيْ: نُطَهِّرُ أنْفُسَنا لَكَ، وكَذَلِكَ مَن أطاعَكَ نُقَدِّسُهُ، أيْ نُطَهِّرُهُ، ومِن هَذا: ”بَيْتُ المَقْدِسِ“، أيْ: اَلْبَيْتُ المُطَهَّرُ، أوِ المَكانُ الَّذِي يُتَطَهَّرُ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ.
البقرة 2:31
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ﴾، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: عَلَّمَ آدَمَ أسْماءَ الأجْناسِ، وعَرَضَ أصْحابَ الأسْماءِ مِنَ (p-١١١)النّاسِ وغَيْرِهِمْ، عَلى المَلائِكَةِ، فَلِذا قالَ: ”ثُمَّ عَرَضَهم“، لِأنَّ فِيهِمْ مَن يَعْقِلُ، وكُلُّ ما يَعْقِلُ يُقالُ لِجَماعَتِهِمْ: ”هم“، و”هم“، يُقالُ لِلنّاسِ، ويُقالُ لِلْمَلائِكَةِ، ويُقالُ لِلْجِنِّ، ويُقالُ لِلْجانِّ، ويُقالُ لِلشَّياطِينِ، فَكُلُّ مُمَيِّزٍ في الإضْمارِ ”هم“، هَذا مَذْهَبُ أهْلِ اللُّغَةِ، وقَدْ قالَ بَعْضُ أهْلِ النَّظَرِ: إنَّ الفائِدَةَ في الإتْيانِ بِالأسْماءِ أبْلَغُ مِنها هي الفائِدَةُ بِأسْماءِ مَعانِي كُلِّ صِنْفٍ مِن هَذِهِ، لِأنَّ الحُجَّةَ في هَذا أنَّ الخَيْلَ إذا عُرِضَتْ، فَقِيلَ: ”ما اسْمُ هَذِهِ؟“، قِيلَ: ”خَيْلٌ“، فَأيُّ اسْمٍ وُضِعَ عَلى هَذِهِ أنْبَأ عَنْها، وإنَّما الفائِدَةُ أنْ تُنْبِئَ بِاسْمِ كُلِّ مَعْنًى في كُلِّ جِنْسٍ، فَيُقالُ: ”هَذِهِ تَصْلُحُ لِكَذا“، فَهَذِهِ الفائِدَةُ البَيِّنَةُ الَّتِي يُتَّفَقُ فِيها أنْ تُسَمِّي الدّابَّةَ والبَعِيرَ بِأيِّ اسْمٍ شِئْتَ، والمَعْنى الَّذِي فِيها، وهو خاصُّها، مَعْنًى واحِدٌ، وإنِ اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ الأسْماءُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:34
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾، قَرَأتِ القُرّاءُ: ”لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا“، بِالكَسْرِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَدَنِيُّ وحْدَهُ: ”لِلْمَلائِكَةُ اسْجُدُوا“، بِالضَّمِّ، وأبُو جَعْفَرٍ مِن جِلَّةِ أهْلِ المَدِينَةِ، (p-١١٢)وَأهْلِ الثَّبْتِ في القِراءَةِ، إلّا أنَّهُ غَلِطَ في هَذا الحَرْفِ، لِأنَّ المَلائِكَةَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُرْفَعَ المَخْفُوضُ، ولَكِنَّهُ شَبَّهَ تاءَ التَّأْنِيثِ بِكَسْرِ ألِفِ الوَصْلِ، لِأنَّكَ إذا ابْتَدَأْتَ قُلْتَ: ”اُسْجُدُوا“، ولَيْسَ يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ القُرْآنُ بِتَوَهُّمِ غَيْرِ الصَّوابِ، و”إذْ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، عُطِفَ عَلى ”إذْ“، اَلَّتِي قَبْلَها، و”اَلْمَلائِكَةُ“: واحِدُهم ”مَلَكٌ“، والأصْلُ فِيهِ ”مَلْأكٌ“، أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
؎فَلَسْتَ لِإنْسِيٍّ ولَكِنْ لِمَلْأكٍ ∗∗∗ تَنَزَّلَ مِن جَوِّ السَّماءِ يَصُوبُ
وَمَعْناهُ: صاحِبِ رِسالَةٍ، ويُقالُ: ”مَأْلُكَةٌ“، ومَأْلَكَةٌ ”، و“ مَأْلُكٌ ”، جَمْعُ“ مَأْلُكَةٌ "، قالَ الشّاعِرُ:
؎أبْلِغِ النُّعْمانَ عَنِّي مَأْلُكًا ∗∗∗ أنَّهُ قَدْ طالَ حَبْسِي وانْتِظارْ
وَقَوْلُهُ: ”لِآدَمَ“، ”آدَمَ“، في مَوْضِعِ جَرٍّ، إلّا أنَّهُ لا يَنْصَرِفُ، لِأنَّهُ عَلى وزْنِ ”أفْعَلَ“، يَقُولُ أهْلُ اللُّغَةِ: إنَّ اشْتِقاقَهُ مِن ”أدِيمُ الأرْضِ“، لِأنَّهُ خُلِقَ مِن تُرابٍ، وكَذَلِكَ ”اَلْأُدْمَةُ“، إنَّما هي مُشَبَّهَةٌ بِلَوْنِ التُّرابِ، فَإذا قُلْتَ: ”مَرَرْتُ بِآدَمَ، وآدَمَ آخَرَ“، فَإنَّ النَّحْوِيِّينَ يَخْتَلِفُونَ في ”أفْعَلَ“، اَلَّذِي يُسَمّى بِهِ، وأصْلُهُ الصِّفَةُ، فَسِيبَوَيْهِ، (p-١١٣)والخَلِيلُ، ومَن قالَ بِقَوْلِهِما، يَقُولُونَ: إنَّهُ يَنْصَرِفُ في النَّكِرَةِ، لِأنَّكَ إذا نَكَّرْتَهُ رَدَدْتَهُ إلى حالٍ قَدْ كانَ فِيها يَنْصَرِفُ، وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: إذا سَمَّيْتَ بِهِ رَجُلًا فَقَدْ أخْرَجْتَهُ مِن بابِ الصِّفَةِ، فَيَجِبُ إذا نَكَّرْتَهُ أنْ تَصْرِفَهُ، فَتَقُولَ: ”مَرَرْتُ بِآدَمٍ، وآدَمٍ آخَرَ“ .
وَمَعْنى السُّجُودِ لِآدَمَ عِبادَةُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، لا عِبادَةُ آدَمَ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ -: إنَّما خَلَقَ ما يَعْقِلُ لِعِبادَتِهِ، فَإذا ابْتَدَأْتَ قُلْتَ: ”اُسْجُدُوا“، فَضَمَمْتَ الألِفَ، والألِفُ لا حَظَّ لَها في الحَرَكَةِ، أعْنِي هَذِهِ الهَمْزَةَ المُبْتَدَأ بِها، وإنَّما أُدْخِلَتْ لِلسّاكِنِ الَّذِي بَعْدَها، لِأنَّهُ لا يُبْتَدَأُ بِساكِنٍ، فَكانَ حَقُّها الكَسْرَ، لِأنَّ بَعْدَها ساكِنًا، وتَقْدِيرُها السُّكُونُ، فَيَجِبُ أنْ تُكْسَرَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ولَكِنَّها ضُمَّتْ لِاسْتِثْقالِ الضَّمَّةِ بَعْدَ الكَسْرِ، وكَذَلِكَ كُلُّ ما كانَ ثالِثُهُ مَضْمُومًا في الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠]، ونَحْوَ: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩]، لِأنَّهُ مِن ”نَظَرَ، يَنْظُرُ“، و”قَتَلَ، يَقْتُلُ“، وإنَّما كُرِهَتِ الضَّمَّةُ بَعْدَ الكَسْرَةِ، لِأنَّها لا تَقَعُ في كَلامِ العَرَبِ، لِثِقَلِها، بَعْدَها، فَلَيْسَ في الكَلامِ مِثْلُ ”فِعُلَ“، ولا مِثْلُ ”إفْعُلْ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ أبى﴾، قالَ قَوْمٌ: إنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، فاسْتُثْنِيَ مِنهم في السُّجُودِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: لَمْ يَكُنْ إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠]، فَقِيلَ لِهَؤُلاءِ: فَكَيْفَ جازَ أنْ يُسْتَثْنى مِنهُمْ؟ فَقالُوا: (p-١١٤)إنَّ المَلائِكَةَ، وإيّاهُ، أُمِرُوا بِالسُّجُودِ، قالُوا: ودَلِيلُنا عَلى أنَّهُ أُمِرَ مَعَهم قَوْلُهُ: ﴿إلا إبْلِيسَ أبى﴾، فَلَمْ يَأْبَ إلّا وهو مَأْمُورٌ، وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي نَخْتارُهُ، لِأنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -، والقَوْلُ الآخَرُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، ويَكُونُ كانَ مِنَ الجِنِّ، أيْ: كانَ ضالًّا، كَما أنَّ الجِنَّ كانُوا ضالِّينَ، فَجُعِلَ مِنهُمْ، كَما قالَ في قِصَّتِهِ: ﴿وَكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، فَتَأْوِيلُها أنَّهُ عَمِلَ عَمَلَهُمْ، فَصارَ بَعْضَهُمْ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧]، وفي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَثْبِيتِ الرِّسالَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، كَما في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها، والَّتِي تَلِيها، لِأنَّهُ إخْبارٌ بِما لَيْسَ مِن عِلْمِ العَرَبِ، ولا يَعْلَمُهُ إلّا أهْلُ الكِتابِ، أوْ نَبِيٌّ أُوحِيَ إلَيْهِ، و”إبْلِيسُ“، لَمْ يُصْرَفْ، لِأنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، اجْتَمَعَ فِيهِ العُجْمَةُ والمَعْرِفَةُ، فَمُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ.
البقرة 2:35
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾، ”اَلرَّغَدُ“: اَلْكَثِيرُ الَّذِي لا يُعَنِّيكَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾، أيْ: إنْ عَمِلْتُما بِأعْمالِ الظّالِمِينَ صِرْتُما مِنهُمْ، ومَعْنى ”لا تَقْرَبا“، هَهُنا: لا تَأْكُلا، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾، أيْ: لا تَقْرَباها في الأكْلِ، ”وَلا تَقْرَبا“، جُزِمَ بِالنَّهْيِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾، نُصِبَ، لِأنَّ جَوابَ النَّهْيِ بِالفاءِ نَصْبٌ، ونَصْبُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلِ، بِإضْمارِ ”أنْ“، والمَعْنى: لا يَكُنْ مِنكُما قُرْبٌ لِهَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَكَوْنٌ مِنَ الظّالِمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”فَتَكُونا“، جُزِمَ عَلى العَطْفِ عَلى قَوْلِهِ: ”وَلا تَقْرَبا، فَتَكُونا“ .
البقرة 2:36
(p-١١٥)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾، مَعْناهُ أنَّهُما أُزِلّا بِإغْواءِ الشَّيْطانِ إيّاهُما، فَصارَ كَأنَّهُ أزَلَّهُما، كَما تَقُولُ لِلَّذِي يَعْمَلُ ما يَكُونُ وصْلَةً إلى أنْ يُزِلَّكَ مِن حالٍ جَمِيلَةٍ إلى غَيْرِها: ”أنْتَ أزْلَلْتَنِي عَنْ هَذا“، أيْ: قَبُولِي مِنكَ أزَلَّنِي، فَصِرْتَ أنْتَ المُزِيلَ لِي، ومَعْنى ”اَلشَّيْطانُ“، في اللُّغَةِ: اَلْغالِي في الكُفْرِ، المُبْتَعِدُ فِيهِ مِنَ الجِنِّ، والإنْسِ، و”اَلشَّطَنُ“، في لُغَةِ العَرَبِ: اَلْحَبْلُ، و”اَلْأرْضُ الشَّطُونُ“: اَلْبَعِيدَةُ، وإنَّما الشَّيْطانُ ”فَيْعالٌ“، مِن هَذا، وقَدْ قُرِئَ: ”فَأزالَهُما الشَّيْطانُ“، مِن ”زُلْتُ“، و”أزالَنِي غَيْرِي“، و”أزَلَّهُما“، مِن ”زَلَلْتُ“، و”أزَلَّنِي غَيْرِي“، ولِ ”زَلَلْتُ“، هَهُنا وجْهانِ: يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ ”فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ“: أكْسَبَهُما الزَّلَّةَ، والخَطِيئَةَ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ ”فَأزَلَّهُما“: نَحّاهُما، وكِلا القِراءَتَيْنِ صَوابٌ حَسَنٌ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، جَمَعَ اللَّهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ قِصَّةَ هُبُوطِهِمْ، وإنَّما كانَ إبْلِيسُ أُهْبِطَ أوَّلًا، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: ٣٤]، وأُهْبِطَ آدَمُ، وحَوّاءُ، بَعْدُ، فَجَمَعَ الخَبَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهم قَدِ اجْتَمَعُوا في الهُبُوطِ، وإنْ كانَتْ أوْقاتُهم مُتَفَرِّقَةً فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ إبْلِيسُ عَدُوٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن ولَدِ آدَمَ، وعَداوَتُهُ لَهم كُفْرٌ، والمُؤْمِنُونَ أعْداءُ إبْلِيسَ، وعَداوَتُهم لَهُ إيمانٌ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾، أيْ: مُقامٌ، وثُبُوتٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إلى حِينٍ﴾، (p-١١٦)قالَ قَوْمٌ: مَعْنى الحِينِ هَهُنا: إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ قَوْمٌ: إلى فَناءِ الآجالِ، أيْ: كُلٌّ مُسْتَقِرٌّ إلى فَناءِ أجَلِهِ، و”اَلْحِينُ“، و”اَلزَّمانُ“، في اللُّغَةِ مَنزِلَةٌ واحِدَةٌ، وبَعْضُ النّاسِ يَجْعَلُ الحِينَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ سِتَّةَ أشْهُرٍ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها﴾ [إبراهيم: ٢٥]، وإنَّما كُلُّ حِينٍ هَهُنا جُعِلَ لِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، و”اَلْحِينُ“، يَصْلُحُ لِلْأوْقاتِ كُلِّها، إلّا أنَّهُ في الِاسْتِعْمالِ، في الكَثِيرِ مِنها أكْثَرُ، يُقالُ: ”ما رَأيْتُكَ مُنْذُ حِينٍ“، تُرِيدُ: مُنْذُ حِينٍ طَوِيلٍ، والأصْلُ عَلى ما أخْبَرَنا بِهِ.
البقرة 2:37
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾، اَلْكَلِماتُ - واللَّهُ أعْلَمُ - اعْتِرافُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحَوّاءُ بِالذَّنْبِ، لِأنَّهُما قالا: ”رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ“، اِعْتَرَفا بِذَنْبِهِما، وتابا، وفي هَذِهِ الآيَةِ مَوْعِظَةٌ لِوَلَدِهِما، وتَعْرِيفُهم كَيْفَ السَّبِيلُ إلى التَّنَصُّلِ مِنَ الذُّنُوبِ، وأنَّهُ لا يَنْفَعُ إلّا الِاعْتِرافُ، والتَّوْبَةُ، لِأنَّ تَرْكَ الِاعْتِرافِ بِما حَرَّمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - حَرامٌ، وكُفْرٌ بِاللَّهِ، فَلا بُدَّ مِنَ الِاعْتِرافِ مَعَ التَّوْبَةِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُفْهَمَ هَذا المَعْنى، فَإنَّهُ مِن أعْظَمِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ الفَوائِدِ.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”فَتَلَقّى آدَمَ مِن رَبِّهِ كَلِماتٌ“، والِاخْتِيارُ ما عَلَيْهِ الإجْماعُ، (p-١١٧)وَهُوَ في العَرَبِيَّةِ أقْوى، لِأنَّ آدَمَ تَعَلَّمَ هَذِهِ الكَلِماتِ، فَقِيلَ: ”تَلَقّى هَذِهِ الكَلِماتِ“، والعَرَبُ تَقُولُ: ”تَلَقَّيْتُ هَذا مِن فُلانٍ“، اَلْمَعْنى: فَهْمِي قِيلَهُ مِن لَفْظِهِ.
البقرة 2:38
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، اَلْفائِدَةُ في ذِكْرِ الآيَةِ أنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أعْلَمَهم أنَّهُ يَبْتَلِيهِمْ بِالطّاعَةِ، وأنَّهُ يُجازِيهِمْ بِالجَنَّةِ عَلَيْها، وبِالنّارِ عَلى تَرْكِها، وأنَّ هَذا الِابْتِلاءَ وقَعَ عِنْدَ الهُبُوطِ عَلى الأرْضِ، وإعْرابُ ”إمّا“، في هَذا المَوْضِعِ، إعْرابُ حُرُوفِ الشَّرْطِ، والجَزاءِ، إلّا أنَّ الجَزاءَ إذا جاءَ في الفِعْلِ مَعَهُ النُّونُ الثَّقِيلَةُ، أوِ الخَفِيفَةُ، لَزِمَتْها ”ما“، ومَعْنى لُزُومِها إيّاها مَعْنى التَّوْكِيدِ، وكَذَلِكَ مَعْنى دُخُولِ النُّونِ في الشَّرْطِ التَّوْكِيدُ، والأبْلَغُ فِيما يُؤْمَرُ العِبادُ بِهِ التَّوْكِيدُ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وفُتِحَ ما قَبْلَ النُّونِ في قَوْلِهِ: ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ﴾، لِسُكُونِ الياءِ، وسُكُونِ النُّونِ الأُولى، وجَوابُ الشَّرْطِ في الفاءِ مَعَ الشَّرْطِ الثّانِي، وجَوابِهِ، وهُوَ: ”فَمَن تَبِعَ هُدايَ“، (p-١١٨)وَجَوابُ ”فَمَن تَبِعَ هُدايَ“: قَوْلُهُ: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾، و”هُدايَ“، اَلْأكْثَرُ في القِراءَةِ، والرِّوايَةِ عَنِ العَرَبِ: ”هُدايَ فَلا خَوْفٌ“، فالياءُ في ”هُدايَ“، فُتِحَتْ لِأنَّها أتَتْ بَعْدَ ساكِنٍ، وأصْلُها الحَرَكَةُ الَّتِي هي الفَتْحُ، فالأصْلُ أنْ تَقُولَ: ”هَذا غُلامِيَ قَدْ جاءَ“، بِفَتْحِ الياءِ، لِأنَّها حَرْفٌ في مَوْضِعِ اسْمٍ مُضْمَرٍ، مُنِعَ الإعْرابَ، فَأُلْزِمَ الحَرَكَةَ، كَما أُلْزِمَتْ ”هو“، وحَذْفُ الحَرَكَةِ جائِزٌ، لِأنَّ الياءَ مِن حُرُوفِ المَدِّ، واللِّينِ، فَلَمّا سَكَنَ ما قَبْلَها لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن تَحْرِيكِها، فَجُعِلَ حَظُّها ما كانَ لَها في الأصْلِ مِنَ الحَرَكَةِ، وهو الفَتْحُ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُونَ: ”هُدَيَّ“، و”عَصَيَّ“، فَمَن قَرَأ بِهَذِهِ القِراءَةِ فَإنَّما قُلِبَتِ الألِفُ إلى الياءِ، لِلْياءِ الَّتِي بَعْدَها، إلّا أنَّ شَأْنَ ياءِ الإضافَةِ أنْ يُكْسَرَ ما قَبْلَها، فَجُعِلَ بَدَلَ كَسْرِ ما قَبْلَها - إذْ كانَتِ الألِفُ لا يُكْسَرُ ما قَبْلَها، ولا تُكْسَرُ هي - قَلْبُها ياءً، وطَيِّئٌ تَقُولُ في ”هُدًى“، و”عَصًا“، و”أفْعًى“، وما أشْبَهَ هَذا - في الوَقْفِ -: ”هُدَيْ“، و”عَصَيْ“، و”أفْعَيْ“، بِغَيْرِ إضافَةٍ، وأنْشَدَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ، وغَيْرُهُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ:
؎تَبَشَّرِي بِالرَّفْهِ والماءِ الرَّوِيْ ∗∗∗ وفَرَجٍ مِنكِ قَرِيبٍ قَدْ أتَيْ
وَبَعْضُ العَرَبِ يُجْرِي ما يُجْرِيهِ في الوَقْفِ - في الأصْلِ - مُجْراهُ في (p-١١٩)الوَقْفِ، ولَيْسَ هَذا الوَجْهَ الجَيِّدَ، وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ الَّذِينَ أبْدَلُوا مِنَ الألِفِ الياءَ، أبْدَلُوها في الوَقْفِ، لِيَكُونَ أبْيَنَ لَها، وحَكى أيْضًا أنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ في الوَقْفِ: ”حُبْلَوْ“، و”أفْعَوْ“، وإنَّما يَحْكِي أهْلُ اللُّغَةِ والعِلْمِ بِها كُلَّ ما فِيها، لِيَتَمَيَّزَ الجَيِّدُ المُسْتَقِيمُ المُطَّرِدُ، مِن غَيْرِهِ، ويُجْتَنَبَ غَيْرُ الجَيِّدِ، فالبابُ في هَذِهِ الأشْياءِ أنْ يُنْطَقَ بِها في الوَصْلِ والوَقْفِ بِألِفٍ، فَلَيْسَ إلَيْكَ أنْ تَقْلِبَ الشَّيْءَ لِعِلَّةٍ، ثُمَّ تَنْطِقَ بِهِ عَلى أصْلِهِ والعِلَّةُ لَمْ تَزُلْ، فالقِراءَةُ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ تُلْزَمَ هِيَ: ﴿هُدايَ فَلا خَوْفٌ﴾، إلّا أنْ تَثْبُتَ بِرِوايَةٍ صَحِيحَةٍ ”هُدَيَّ“، فَيُقْرَأ بِها، ووَجْهُهُ مِنَ القِياسِ ما وصَفْنا، فَأمّا قَوْلُهُ: ”هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ“، وقَوْلُهُ: ”إلَيَّ مَرْجِعُكم“، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقْرَأ: ”هَذا صِراطٌ عَلايَّ“، ولا: ”ثُمَّ إلايَّ مَرْجِعُكم“، لِأنَّ الوَصْلَ كانَ في هَذا: ”إلايَ“، و”عَلايَ“، ولَكِنَّ الألِفَ أُبْدِلَتْ مِنها مَعَ المُضْمَراتِ الياءُ، لِيُفْصَلَ بَيْنَ ما آخِرُهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يُعْرَبَ ويَتَمَكَّنَ، وما آخِرُهُ مِمّا لا يَجِبُ أنْ يُعْرَبَ، فَقُلِبَتْ هَذِهِ الألِفُ ياءً لِهَذِهِ العِلَّةِ.
البقرة 2:40
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، نُصِبَ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، لِأنَّهُ نِداءٌ مُضافٌ، وأصْلُ النِّداءِ النَّصْبُ، لِأنَّ مَعْناهُ مَعْنى ”نادَيْتُ“، و”دَعَوْتُ“، و”إسْرائِيلُ“، في مَوْضِعِ خَفْضٍ، إلّا أنَّهُ فُتِحَ آخِرُهُ لِأنَّهُ لا يَنْصَرِفُ، وفِيهِ شَيْئانِ يُوجِبانِ مَنعَ الصَّرْفِ، وهُما أنَّهُ أعْجَمِيٌّ، وهو مَعْرِفَةٌ، وإذا كانَ الِاسْمُ كَذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ، إذا جاوَزَ ثَلاثَةَ أحْرُفٍ، عِنْدَ (p-١٢٠)النَّحْوِيِّينَ، وفي قَوْلِهِ: ”نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم“، وجْهانِ، أجْوَدُهُما فَتْحُ الياءِ، لِأنَّ الَّذِي بَعْدَها ساكِنٌ، وهو لامُ المَعْرِفَةِ، فاسْتِعْمالُها كَثِيرٌ في الكَلامِ، فاخْتِيرَ فَتْحُ الياءِ مَعَها، لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ولِأنَّ الياءَ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَعْدَها ساكِنٌ كانَ فَتْحُها أقْوى في اللُّغَةِ، ويَجُوزُ أنْ تُحْذَفَ الياءُ في اللَّفْظِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَتُقْرَأ: ”نِعْمَتِ الَّتِي أنْعَمْتُ“، بِحَذْفِ الياءِ، والِاخْتِيارِ إثْباتُ الياءِ، وفَتْحُها، لِأنَّهُ أقْوى في العَرَبِيَّةِ، وأجْزَلُ في اللَّفْظِ، وأتَمُّ لِلثَّوابِ، لِأنَّ القارِئَ يُجازى عَلى كُلِّ ما يَقْرَؤُهُ مِن كِتابِ اللَّهِ، بِكُلِّ حَرْفٍ حَسَنَةً، فَإنَّ إثْباتَهُ أوْجَهُ في اللُّغَةِ، فَيَنْبَغِي إثْباتُهُ لِما وصَفْنا، فَأمّا قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هارُونَ أخِي﴾ [طه: ٣٠] ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ [طه: ٣١]، فَلَمْ يُكْثِرِ القُرّاءُ فَتْحَ هَذِهِ الياءِ، وقالَ أكْثَرُهم بِفَتْحِها مَعَ الألِفِ واللّامِ، ولَعَمْرِي إنَّ اللّامَ المُعَرِّفَةَ أكْثَرُ في الِاسْتِعْمالِ، ولَكِنِّي أقُولُ: اَلِاخْتِيارُ: ”أخِيَ اشْدُدْ“، بِفَتْحِ الياءِ، لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، كَما فَتَحُوا مَعَ اللّامِ، لِأنَّ اجْتِماعَ ساكِنَيْنِ مَعَ اللّامِ وغَيْرِها مَعْنًى واحِدٌ، وإنْ حُذِفَتْ فالحَذْفُ جائِزٌ حَسَنٌ، إلّا أنَّ الأحْسَنَ ما وصَفْنا، وأمّا مَعْنى الآيَةِ في التَّذْكِيرِ بِالنِّعْمَةِ، فَإنَّهم ذُكِّرُوا بِما أُنْعِمَ بِهِ عَلى آبائِهِمْ مِن قَبْلِهِمْ، وأُنْعِمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠]، فالَّذِينَ صادَفَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَكُونُوا أنْبِياءَ، وإنَّما ذُكِّرُوا بِما أُنْعِمَ بِهِ عَلى آبائِهِمْ، وعَلَيْهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وفي آبائِهِمْ، وهَذا المَعْنى مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، مَعْلُومٌ عِنْدَها، يُفاخِرُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ: ”هَزَمْناكم يَوْمَ ذِي قارٍ“، (p-١٢١)وَيَقُولُ: ”قَتَلْناكم يَوْمَ كَذا“، مَعْناهُ: قَتَلَ آباؤُنا آباءَكم.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، مَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: قَوْلُهُ: ﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، فَتَمامُ تَبْيِينِهِ أنْ يُخْبِرُوا بِما فِيهِ مِن ذِكْرِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَدْ بَيَّنّا ما يَدُلُّ عَلى ذِكْرِ العَهْدِ قَبْلَ هَذا، وفِيهِ كِفايَةٌ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾، نُصِبَ بِالأمْرِ، كَأنَّهُ في المَعْنى: ”اِرْهَبُونِي“، ويَكُونُ الثّانِي تَفْسِيرَ هَذا الفِعْلِ المُضْمَرِ، ولَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ لَجازَ: ”وَأنا فارْهَبُونِ“، ولَكِنَّ الِاخْتِيارَ في الكَلامِ، والقُرْآنِ، والشِّعْرِ: ”وَإيّايَ فارْهَبُونِ“، حُذِفَتِ الياءُ، وأصْلُهُ: ”فارْهَبُونِي“، لِأنَّها فاصِلَةٌ، ومَعْنى ”فاصِلَةٌ“: رَأْسُ آيَةٍ، لِيَكُونَ النَّظْمُ عَلى لَفْظٍ مُتَّسِقٍ، ويُسَمِّي أهْلُ اللُّغَةِ رُؤُوسَ الآيِ: ”اَلْفَواصِلَ“، وأواخِرَ الأبْياتِ: ”اَلْقَوافِيَ“، ويُقالُ: ”وَفَيْتُ لَهُ بِالعَهْدِ، فَأنا وافٍ بِهِ“، و”أوْفَيْتُ لَهُ بِالعَهْدِ، فَأنا مُوفٍ بِهِ“، والِاخْتِيارُ: ”أوْفَيْتُ“، وعَلَيْهِ نَزَلَ القُرْآنُ كُلُّهُ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (p-١٢٢)﴿وَأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، وقالَ: ﴿وَأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، وقالَ: ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ﴾ [الأعراف: ٨٥]، وكُلُّ ما في القُرْآنِ بِالألِفِ، وقالَ الشّاعِرُ - في ”أوْفَيْتُ“، و”وَفَيْتُ“، فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ في بَيْتٍ واحِدٍ -:
؎أمّا ابْنُ عَوْفٍ فَقَدْ أوْفى بِذِمَّتِهِ ∗∗∗ كَما وفى بِقِلاصِ النَّجْمِ حادِيها
البقرة 2:41
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَآمِنُوا بِما أنْـزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكم ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾، يَعْنِي القُرْآنَ، ويَكُونُ أيْضًا: ”وَلا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِكِتابِكُمْ، وبِالقُرْآنِ“، إنْ شِئْتَ عادَتِ الهاءُ عَلى قَوْلِهِ: ”لِما مَعَكم“، وإنَّما قِيلَ لَهُمْ: ”وَلا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ“، لِأنَّ الخِطابَ وقَعَ عَلى حُكَمائِهِمْ، فَإذا كَفَرُوا كَفَرَ مَعَهُمُ الأتْباعُ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُمْ: ”وَلا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ“ .
فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ تَكُونُ الهاءُ لِكِتابِهِمْ؟ قِيلَ لَهُ: (p-١٢٣)إنَّهم إذا كَتَمُوا ذِكْرَ النَّبِيِّ ﷺ في كِتابِهِمْ، فَقَدْ كَفَرُوا بِهِ، كَما أنَّهُ مَن كَتَمَ آيَةً مِنَ القُرْآنِ فَقَدْ كَفَرَ بِهِ، ومَعْنى: ”وَلا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ“: إذا كانَ بِالقُرْآنِ، لا مُؤْنَةَ فِيهِ، لِأنَّهم يُظْهِرُونَ أنَّهم كافِرُونَ بِالقُرْآنِ، ومَعْنى: ”أوَّلَ كافِرٍ“: أوَّلَ الكافِرِينَ، قالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ في هَذا قَوْلَيْنِ: قالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ: أوَّلَ مَن كَفَرَ بِهِ، وقالَ البَصْرِيُّونَ أيْضًا: مَعْناهُ: ولا تَكُونُوا أوَّلَ فَرِيقٍ كافِرٍ بِهِ، أيْ: بِالنَّبِيِّ ﷺ، وكِلا القَوْلَيْنِ صَوابٌ حَسَنٌ، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إنَّ هَذا إنَّما يَجُوزُ في ”فاعِلٌ“، و”مَفْعُولٌ“، تَقُولُ: ”اَلْجَيْشُ مُنْهَزِمٌ“، و”اَلْجَيْشُ مَهْزُومٌ“، ولا يَجُوزُ فِيما ذُكِرَ: ”اَلْجَيْشُ رَجُلٌ“، و”اَلْجَيْشُ فَرَسٌ“، وهَذا في ”فاعِلٌ“، و”مَفْعُولٌ“، أبْيَنُ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: ”اَلْجَيْشُ مُنْهَزِمٌ“، فَقَدْ عُلِمَ أنَّكَ تُرِيدُ: ”هَذا الجَيْشُ“، فَنَقَطْتَ في لَفْظِهِ بِفاعِلٍ، لِأنَّ المَعْنى الَّذِي وُضِعَ عَلَيْهِ ”اَلْجَيْشُ“، مَعْنًى يَدُلُّ عَلى جَمْعٍ، فَهو ”فاعِلٌ“، و”مَفْعُولٌ“، يَدُلُّ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ ”اَلْجَيْشُ“، وإذا قُلْتَ: ”اَلْجَيْشُ رَجُلٌ“، فَإنَّما يُكْرَهُ في هَذا أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّكَ تُقَلِّلُهُ، فَأمّا إذا عُرِفَ مَعْناهُ، فَهو سائِغٌ جَيِّدٌ، تَقُولُ: ”جَيْشُهم إنَّما هو فَرَسٌ ورَجُلٌ“، أيْ: لَيْسَ بِكَثِيرِ الأتْباعِ، فَيَدُلُّ المَعْنى عَلى أنَّكَ تُرِيدُ: ”اَلْجَيْشُ خَيْلٌ ورِجالٌ“، وهَذا في ”فاعِلٌ“، و”مَفْعُولٌ“، أبْيَنُ، كَما وصَفْنا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾، اَللُّغَةُ العُلْيا والقُدْمى: اَلْفَتْحُ في الكافِ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والإمالَةُ في الكافِ أيْضًا جَيِّدٌ بالِغٌ في اللُّغَةِ، لِأنَّ ”فاعِلًا“، إذا سَلِمَ مِن حُرُوفِ الإطْباقِ، (p-١٢٤)وَحُرُوفِ المُسْتَعْلِيَةِ، كانَتِ الإمالَةُ فِيهِ سائِغَةً، إلّا في لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ، والإمالَةُ لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، وغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ، ولِسانُ النّاسِ الَّذِينَ هم بِالعِراقِ جارٍ عَلى لَفْظِ الإمالَةِ، فالعَرَبُ تَقُولُ: ”هَذا عابِدٌ“، و”هو عابِدٌ“، فَيَكْسِرُونَ ما بَعْدَها إلّا أنْ تَدْخُلَ حُرُوفُ الإطْباقِ، وهِيَ: اَلطّاءُ، والظّاءُ، والصّادُ، والضّادُ، لا يَجُوزُ في قَوْلِكَ: ”فُلانٌ ظالِمٌ“: ”ظالِمٌ“ - ”مُمالٌ“ -، ولا في ”طالِبٌ“: ”طالِبٌ“ - ”مُمالٌ“ -، ولا في ”صابِرٌ“: ”صابِرٌ“ - ”مُمالٌ“ -، ولا في ”ضابِطٌ“: ”ضابِطٌ“ - ”مُمالٌ“ -، وكَذَلِكَ حُرُوفُ الِاسْتِعْلاءِ، وهِيَ: اَلْخاءُ، والغَيْنُ، والقافُ، لا يَجُوزُ في ”غافِلٌ“: ”غافِلٌ“ - ”مُمالٌ“ -، ولا في ”خادِمٌ“: ”خادِمٌ“ - ”مُمالٌ“ -، ولا في ”قاهِرٌ“: ”قاهِرٌ“ - ”مُمالٌ“ -، وبابُ الإمالَةِ يَطُولُ شَرْحُهُ، إلّا أنَّ هَذا في هَذا المَوْضِعِ هو المَقْصُودُ، وقَدْرُ الحاجَةِ.
البقرة 2:42
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾، يُقالُ: ”لَبَسْتُ عَلَيْهِمُ الأمْرَ، ألْبِسُهُ“، إذا عَمَّيْتُهُ عَلَيْهِمْ، و”لَبِسْتُ الثَّوْبَ، ألْبَسُهُ“، ومَعْنى الآيَةِ: لا تَلْبِسُوا الحَقَّ، والحَقُّ هَهُنا أمْرُ النَّبِيِّ ﷺ، وما أتى بِهِ مِن كِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وقَوْلُهُ: ”بِالباطِلِ“، أيْ: بِما يُحَرِّفُونَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أيْ: تَأْتُونَ لَبْسَكُمُ الحَقَّ، وكِتْمانَهُ عَلى عِلْمٍ مِنكُمْ، وبَصِيرَةٍ، وإعْرابُ ”وَلا تَلْبِسُوا“: اَلْجَزْمُ بِالنَّهْيِ، وعَلامَةُ الجَزْمِ سُقُوطُ النُّونِ، أصْلُهُ: ”تَلْبِسُونَ“ .
و”تَكْتُمُونَ“، يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَزْمًا عَلى مَعْنى: ”وَلا تَكْتُمُوا الحَقَّ“، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا، وعَلامَةُ النَّصْبِ أيْضًا سُقُوطُ النُّونِ، أمّا إذا نَصَبْتَ فَعَلى مَعْنى الجَوابِ بِالواوِ، ومَذْهَبُ الخَلِيلِ، وسِيبَوَيْهِ، والأخْفَشِ، وجَماعَةٍ مِنَ البَصْرِيِّينَ، أنَّ (p-١٢٥)جَمِيعَ ما انْتَصَبَ في هَذا البابِ فَبِإضْمارِ ”أنْ“، كَأنَّكَ قُلْتَ: ”لا يَكُنْ مِنكم إلْباسُ الحَقِّ وكِتْمانُهُ“، كَأنَّهُ قالَ: ”وَأنْ تَكْتُمُوهُ“، ودَلَّ ”تَلْبِسُوا“، عَلى لَبْسٍ، كَما تَقُولُ: ”مَن كَذَبَ كانَ شَرًّا“، ودَلَّ ما في صَدْرِ كَلامِكَ عَلى الكَذِبِ، فَحَذَفْتَهُ.
البقرة 2:44
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾، فالألِفُ ألِفُ اسْتِفْهامٍ، ومَعْناهُ: اَلتَّقْرِيرُ والتَّوْبِيخُ، هَهُنا، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: ”أنْتُمْ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ“، ومَعْنى هَذا الكَلامِ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهم كانُوا يَأْمُرُونَ أتْباعَهم بِالتَّمَسُّكِ بِكِتابِهِمْ، ويَتْرُكُونَ هُمُ التَّمَسُّكَ بِهِ، لِأنَّ جَحْدَهُمُ النَّبِيَّ ﷺ هو تَرْكُهُمُ التَّمَسُّكَ بِهِ، ويَجُوزُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهم كانُوا يَأْمُرُونَ بِبَذْلِ الصَّدَقَةِ، وكانُوا يَضِنُّونَ بِها، لِأنَّهم وُصِفُوا بِأنَّهم قَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وأكَلُوا الرِّبا، والسُّحْتَ، وكانُوا قَدْ نُهُوا عَنِ الرِّبا، فَمَنعُ الصَّدَقَةِ داخِلٌ في هَذا البابِ.
البقرة 2:45
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾، إنْ قالَ قائِلٌ: لِمَ قِيلَ لَهُمْ: ”اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ“ ؟ وما الفائِدَةُ فِيها؟ فَإنَّ هَذا الخِطابَ أصْلُهُ خِطابُ أهْلِ الكِتابِ، وكانَتْ لَهم رِئاسَةٌ عِنْدَ أتْباعِهِمْ، فَقِيلَ لَهُمْ: اِسْتَعِينُوا عَلى ما يُذْهِبُ عَنْكم شَهْوَةَ الرِّياسَةِ بِالصَّلاةِ، لِأنَّ الصَّلاةَ يُتْلى فِيها ما يُرَغِّبُ فِيما عِنْدَ اللَّهِ، ويُزَهِّدُ في جَمِيعِ أمْرِ الدُّنْيا، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾، اَلْمَعْنى: إنَّ الصَّلاةَ الَّتِي مَعَها الإيمانُ بِالنَّبِيِّ ﷺ، كَبِيرَةٌ، تَكْبُرُ عَلى الكُفّارِ، وتَعْظُمُ عَلَيْهِمْ مَعَ الإيمانِ بِالنَّبِيِّ ﷺ، والخاشِعُ المُتَواضِعُ المُطِيعُ المُخْبِتُ (p-١٢٦)المُتَواضِعَ لا يُبالِي بِرِياسَةٍ كانَتْ لَهُ مَعَ كُفْرٍ، إذا انْتَقَلَ إلى الإيمانِ.
البقرة 2:46
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾، ”اَلظَّنُّ“، هَهُنا في مَعْنى اليَقِينِ، والمَعْنى: ”اَلَّذِينَ يُوقِنُونَ بِذَلِكَ“، ولَوْ كانُوا شاكِّينَ كانُوا ضُلّالًا كافِرِينَ، و”اَلظَّنُّ“، بِمَعْنى اليَقِينِ مَوْجُودٌ في اللُّغَةِ، قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَةِ:
؎فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُقاتِلٍ ∗∗∗ سَراتُهم في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ
وَمَعْناهُ: أيْقِنُوا، وقَدْ قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ: إنَّ الظَّنَّ يَقَعُ في مَعْنى العِلْمِ الَّذِي لَمْ تُشاهِدْهُ، وإنْ كانَ قامَ في نَفْسِكَ حَقِيقَتُهُ، وهَذا مَذْهَبٌ، إلّا أنَّ أهْلَ اللُّغَةِ لَمْ يَذْكُرُوا هَذا، قالَ أبُو إسْحاقَ: وهَذا سَمِعْتُهُ مِن إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ القاضِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَواهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.
(p-١٢٧)وَقَوْلُهُ: ”أنَّهم“، هَهُنا، لا يَصْلُحُ في مَوْضِعِها ”إنَّهم“، بِالكَسْرِ، لِأنَّ الظَّنَّ واقِعٌ، فَلا بُدَّ مِن أنْ تَكُونَ تَلِيهِ ”أنَّ“، إلّا أنْ يَكُونَ في الخَبَرِ لامٌ، ويَصْلُحُ في ”أنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ“، اَلْفَتْحُ، والكَسْرُ، إلّا أنَّ الفَتْحَ هو الوَجْهُ الَّذِي عَلَيْهِ القِراءَةُ، فَإذا قُلْتَ: ”وَإنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ“، في الكَلامِ، حَمَلْتَ الكَلامَ عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ: ”وَهم إلَيْهِ راجِعُونَ“، ودَخَلَتْ ”أنَّ“، مُؤَكِّدَةً، ولَوْلا ذَلِكَ لَما جازَ إبْطالُكَ الظَّنَّ مَعَ اللّامِ إذا قُلْتَ: ”ظَنَنْتُ إنَّكَ لَعالِمٌ“، ومَعْنى ”مُلاقُو رَبِّهِمْ“: مُلاقُونَ رَبَّهُمْ، لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ هَهُنا نَكِرَةٌ، ولَكِنَّ النُّونَ تُحْذَفُ اسْتِخْفافًا، ولا يَجُوزُ في القُرْآنِ إثْباتُها، لِأنَّهُ خِلافُ المُصْحَفِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ شَيْءٌ في المُصْحَفِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَيُخالَفُ، لِأنَّ اتِّباعَ المُصْحَفِ أصْلُ اتِّباعِ السُّنَّةِ.
البقرة 2:47
وَقَوْلُهُ: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾، أذْكَرَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ في أسْلافِهِمْ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩]، والمُخاطَبُونَ بِالقُرْآنِ لَمْ يَرَوْا فِرْعَوْنَ، ولا آلَهُ، ولَكِنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ذَكَّرَهم أنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُنْعِمًا عَلَيْهِمْ، لِأنَّ إنْعامَهُ عَلى أسْلافِهِمْ إنْعامٌ عَلَيْهِمْ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّ العَرَبَ وسائِرَ النّاسِ يَقُولُونَ: ”أكْرَمْتُكَ (p-١٢٨)بِإكْرامِي أخاكَ“، وإنَّما الأثَرَةُ وصَلَتْ إلى أخِيهِ، والعَرَبُ خاصَّةً تَجْعَلُ ما كانَ لِآبائِها فَخْرًا لَها، وما كانَ فِيهِ ذَمٌّ يَعُدُّونَهُ عارًا عَلَيْها، وإنْ كانَ فِيما قَدُمَ مِن آبائِها، وأسْلافِها.
البقرة 2:48
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾، يَعْنِي بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وكانَتِ اليَهُودُ تَزْعُمُ أنَّ آباءَها الأنْبِياءَ تَشْفَعُ لَها عِنْدَ اللَّهِ، فَأيْأسَهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾، ”اَلْعَدْلُ“، هَهُنا: اَلْفِدْيَةُ، ومَعْنى: ”لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا“، أيْ: لا تَجْزِي فِيهِ، وقِيلَ: لا تَجْزِيهِ، وحَذْفُ ”فِيهِ“، هَهُنا، سائِغٌ، لِأنَّ ”في“، مَعَ الظَّرْفِ مَحْذُوفَةٌ، تَقُولُ: ”أتَيْتُكَ اليَوْمَ“، و”أتَيْتُكَ في اليَوْمِ“، فَإذا أضْمَرْتَ قُلْتَ: ”أتَيْتُكَ فِيهِ“، ويَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ”أتَيْتُكَهُ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎وَيَوْمًا شَهِدْناهُ سُلَيْمًا وعامِرًا ∗∗∗ قَلِيلًا سِوى الطَّعْنِ النِّهالِ نَوافِلُهْ
أرادَ: شَهِدْنا فِيهِ، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إنَّ المَحْذُوفَ هُنا الهاءُ، لِأنَّ الظُّرُوفَ عِنْدَهُ لا يَجُوزُ حَذْفُها، وهَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ.
والبَصْرِيُّونَ وجَماعَةٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ يَقُولُونَ: إنَّ المَحْذُوفَ ”فِيهِ“، وفَصَّلَ النَّحْوِيُّونَ في الظُّرُوفِ، وفي الأسْماءِ غَيْرِ الظُّرُوفِ، فَقالُوا: إنَّ الحَذْفَ مَعَ الظُّرُوفِ جائِزٌ، كَما كانَ في ظاهِرِهِ، فَكَذَلِكَ الحَذْفُ في مُضْمَرِهِ، لَوْ (p-١٢٩)قُلْتَ: ”اَلَّذِي سِرْتُ اليَوْمُ“، تُرِيدُ: ”اَلَّذِي سِرْتُ فِيهِ“، جائِزٌ، لِأنَّكَ تَقُولُ: ”سِرْتُ اليَوْمَ“، و”سِرْتُ فِيهِ“، ولَوْ قُلْتَ: ”اَلَّذِي تَكَلَّمْتُ فِيهِ زَيْدٌ“، لَمْ يَجُزْ: ”اَلَّذِي تَكَلَّمْتُ زَيْدٌ“، لِأنَّكَ تَقُولُ: ”تَكَلَّمْتُ اليَوْمَ“، و”تَكَلَّمْتُ فِيهِ“، ولا يَجُوزُ في قَوْلِكَ: ”تَكَلَّمْتُ في زَيْدٍ“، ”تَكَلَّمْتُ زَيْدًا“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ”تُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ“، مَرْفُوعٌ، لِأنَّهُ اسْمُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والِاسْمُ إذا لَمْ يُسَمَّ مَن فَعَلَ بِهِ رُفِعَ، لِأنَّ الفِعْلَ يَصِيرُ حَدِيثًا عَنْهُ، كَما يَصِيرُ حَدِيثًا عَنِ الفاعِلِ، وتَقُولُ: ”لا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ“، و”لا تُقْبَلُ“، لِأنَّ مَعْنى تَأْنِيثِ ما لا يُنْتِجُ غَيْرُ حَقِيقَةٍ، فَلَكَ في لَفْظِهِ في الفِعْلِ التَّذْكِيرُ، والتَّأْنِيثُ، تَقُولُ: ”قُبِلَ مِنكَ الشَّفاعَةُ“، و”قَدْ قُبِلَتْ مِنكَ الشَّفاعَةُ“، وكَذَلِكَ ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، لِأنَّ مَعْنى ”مَوْعِظَةٌ“، و”وَعْظٌ“، و”شَفاعَةٌ“، و”شَفْعٌ“، واحِدٌ، فَلِذَلِكَ جاءَ التَّذْكِيرُ، والتَّأْنِيثُ عَلى اللَّفْظِ، والمَعْنى، وأمّا ما يَعْقِلُ ويَكُونُ مِنهُ النَّسْلُ والوِلادَةُ، نَحْوَ: ”اِمْرَأةٌ“، و”رَجُلٌ“، و”ناقَةٌ“، و”جَمَلٌ“، فَيَصِحُّ في مُؤَنَّثِهِ لَفْظُ التَّذْكِيرِ، ولَوْ قُلْتَ: ”قامَ جارَتُكَ“، و”نُحِرَ ناقَتُكَ“، كانَ قَبِيحًا، وهو جائِزٌ - عَلى قُبْحِهِ -، لِأنَّ النّاقَةَ، والجارَةَ، تَدُلّانِ عَلى مَعْنى التَّأْنِيثِ، فاجْتُزِئَ بِلَفْظِهِما عَنْ تَأْنِيثِ الفِعْلِ، فَأمّا الأسْماءُ الَّتِي تَقَعُ لِلْمُذَكَّرِينَ، وأصْحابِ المُؤَنَّثِ، فَلا بُدَّ فِيها مِن عَلَمِ التَّأْنِيثِ، لِأنَّ الكَلامَ لِلْفائِدَةِ، والقَصْدَ بِهِ الإبانَةُ، فَلَوْ سُمِّيَتِ امْرَأةٌ بِـ”قاسِمٌ“، لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ: ”جاءَنِي قاسِمٌ“، فَلا يَعْلَمُ أمُذَكَّرًا عَنَيْتَ أمْ مُؤَنَّثًا، ولَيْسَ إلى حَذْفِ هَذِهِ التّاءِ - إذا كانَتْ فارِقَةً بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ - سَبِيلٌ، كَما أنَّهُ إذا جَرى ذِكْرُ رَجُلَيْنِ، لَمْ يَجُزْ أنْ تَقُولَ: ”قَدْ قامَ“، (p-١٣٠)وَلا يَجُوزُ إلّا أنْ تَقُولَ: ”قاما“، فَعَلامَةُ التَّأْنِيثِ فِيما فِيهِ اللَّبْسُ، كَعَلامَةِ التَّثْنِيَةِ هَهُنا.
البقرة 2:49
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾، مَوْضِعُ ”إذْ“: نَصْبٌ، كَأنَّهُ قالَ: ”واذْكُرُوا إذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ“، و”آلِ فِرْعَوْنَ“: أتْباعِهِ، ومَن كانَ عَلى دِينِهِ، وكَذَلِكَ ”آلُ الأنْبِياءِ“ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -: مَن كانَ عَلى دِينِهِمْ، وكَذَلِكَ قَوْلُنا: ”صَلّى اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِهِ“، مَعْنى ”آلِهِ“: مَنِ اتَّبَعَهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، وغَيْرِهِمْ، ومَعْنى خِطابِهِمْ هَهُنا: تَذْكِيرُهم بِالنِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ في أسْلافِهِمْ، كَما وصَفْنا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾، مَعْنى ”يَسُومُونَكم“، في اللُّغَةِ: يُولُونَكُمْ، ومَعْنى ”سُوءَ العَذابِ“: شَدِيدَ العَذابِ، وإنْ كانَ العَذابُ كُلُّهُ سُوءًا، فَإنَّما نُكِّرَ في هَذا المَوْضِعِ لِأنَّهُ أبْلَغُ ما يُعامَلُ بِهِ مَرْعِيٌّ، فَلِذَلِكَ قِيلَ: ”سُوءَ العَذابِ“، أيْ: ما يَبْلُغُ في الإساءَةِ ما لا غايَةَ بَعْدَهُ، وفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾، والقِراءَةُ المُجْمَعُ عَلَيْها: ”يُذَبِّحُونَ“، بِالتَّشْدِيدِ، ورِوايَةٌ شاذَّةٌ: ”يَذْبَحُونَ أبْناءَكم“، والقِراءَةُ المُجْمَعُ عَلَيْها أبْلَغُ، لِأنَّ ”يُذَبِّحُونَ“، لِلتَّكْثِيرِ، و”يَذْبَحُونَ“، يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ لِلْقَلِيلِ، ولِلْكَثِيرِ، فَمَعْنى التَّكْثِيرِ هَهُنا أبْلَغُ، و”أبْناءَكم“: جَمْعُ ”اِبْنٌ“، والأصْلُ كَأنَّهُ إنَّما جَمَعَ ”بَنَيٌ“، و”بَنَوٌ“، ويُقالُ: ”اِبْنٌ بَيِّنُ البُنُوَّةِ“، فَهي تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ ”فَعَلٌ“، و”فِعْلٌ“، كَأنَّهُ أصْلُهُ ”بَنايَةٌ“، والَّذِينَ قالُوا: ”بَنُونَ“، كَأنَّهم جَمَعُوا ”بَنَيًا“: ”بَنُونَ“، فَـ”أبْناءُ“، جَمْعُ ”فَعَلٌ“، و”فِعْلٌ“ .
و”بِنْتٌ“، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ ”فِعْلًا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”فَعَلٌ“، نُقِلَتْ إلى ”فِعْلٌ“، كَما نُقِلَتْ ”أُخْتٌ“، مِن ”فَعَلٌ“، إلى ”فُعْلٌ“، فَأمّا ”بَناتٌ“، فَهو لَيْسَ بِجَمْعِ ”بِنْتٌ“، عَلى لَفْظِها، إنَّما رُدَّتْ إلى أصْلِها، فَجُمِعَتْ ”بَناتٌ“، عَلى أنَّ الأصْلَ في ”بِنْتٌ“: ”فِعْلَةٌ“، كَأنَّها مِمّا حُذِفَتْ لامُهُ، (p-١٣١)والأخْفَشُ يَخْتارُ أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ مِن ”اِبْنٌ“: اَلْواوَ، قالَ: لِأنَّ أكْثَرَ ما تُحْذَفُ الواوُ بِثِقَلِها، والياءُ تُحْذَفُ أيْضًا لِلثِّقَلِ، قالَ أبُو إسْحاقَ: والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّ ”يَدًا“، قَدْ أجْمَعُوا عَلى أنَّ المَحْذُوفَ مِنهُ الياءُ، ولَهم دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى الإجْماعِ، يُقالَ: ”يَدَيْتُ إلَيْهِ يَدًا“، و”دَمٌ“، مَحْذُوفٌ مِنهُ الياءُ، يُقالُ: ”دَمٌ“، و”دَمَيانِ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَوْ أنّا عَلى حَجَرٍ ذُبِحْنا ∗∗∗ جَرى الدَّمَيانِ بِالخَبَرِ اليَقِينِ
و”اَلْبُنُوَّةُ“، لَيْسَتْ بِشاهِدٍ قاطِعٍ في الواوِ، لِأنَّهم يَقُولُونَ: ”اَلْفُتُوَّةُ“، و”اَلْفَتَيانِ“، في التَّثْنِيَةِ، قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ [يوسف: ٣٦]، فَـ”اِبْنٌ“، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ مِنهُ الواوَ، أوِ الياءَ، وهُما عِنْدِي مُتَساوِيانِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَفِي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾، (p-١٣٢)يَعْنِي: في النَّجاةِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، و”اَلْبَلاءُ“، هَهُنا: اَلنِّعْمَةُ، يُرْوى عَنِ الأحْنَفِ أنَّهُ قالَ: ”اَلْبَلاءُ، ثُمَّ الثَّناءُ“، أيْ: اَلْإنْعامُ، ثُمَّ الشُّكْرُ، قالَ زُهَيْرٌ:
؎جَزى اللَّهُ بِالإحْسانِ ما فَعَلا بِنا ∗∗∗ وأبْلاهُما خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يَبْلُو
وَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧]
البقرة 2:50
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾، مَوْضِعُ ”إذْ“: نَصْبٌ، كالَّتِي قَبْلَها، ومَعْنى ”فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ“، جاءَ تَفْسِيرُهُ في آيَةٍ أُخْرى، وهو قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]، أيْ: فانْفَرَقَ البَحْرُ، فَصارَ كالجِبالِ العِظامِ، وصارُوا في قَرارِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ [طه: ٧٧]، مَعْناهُ: طَرِيقًا ذا يَبَسٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾، فِيهِ قَوْلانِ، قالُوا: ”وَأنْتُمْ (p-١٣٣)تَرَوْنَهم يَغْرَقُونَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ“، أيْ: وأنْتُمْ مُشاهِدُونَ، تَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وإنْ شَغَلَهم عَنْ أنْ يَرَوْهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ شاغِلٌ، يُقالُ - مِن ذَلِكَ -: ”دُورُ آلِ فُلانٍ تَنْظُرُ إلى دُورِ بَنِي فُلانٍ“، أيْ: هي بِإزائِها، والدُّورُ يُعْلَمُ أنَّها لا تُبْصِرُ شَيْئًا.
البقرة 2:51
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾، ويُقْرَأُ: ”وَإذْ واعِدْنا مُوسى“، وكِلاهُما جائِزٌ حَسَنٌ، واخْتارَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ ”وَإذْ وعَدْنا“، بِغَيْرِ ألِفٍ، وقالُوا: إنَّما اخْتَرْنا هَذا لِأنَّ المُواعَدَةَ إنَّما تَكُونُ لِغَيْرِ الآدَمِيِّينَ، فاخْتارُوا ”وَعَدْنا“، وقالُوا: دَلِيلُنا قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وما أشْبَهَ هَذا، وهَذا الَّذِي ذَكَرُوهُ لَيْسَ مِثْلَ هَذا، و”واعَدْنا“، هُنا، جَيِّدٌ بالِغٌ، لِأنَّ الطّاعَةَ في القَبُولِ بِمَنزِلَةِ المُواعَدَةِ، فَهو مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وعْدٌ، ومِن مُوسى قَبُولٌ، واتِّباعٌ، فَجَرى مُجْرى المُواعَدَةِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾، ذَكَّرَهم بِكُفْرِ آبائِهِمْ مَعَ هَذِهِ الآياتِ العِظامِ، وأعْلَمَهم أنَّ كُفْرَهم بِالنَّبِيِّ ﷺ مَعَ وُضُوحِ أمْرِهِ، وما وقَفُوا عَلَيْهِ مِن خَبَرِهِ في كُتُبِهِمْ، كَكُفْرِ آبائِهِمْ، وكانَ في ذِكْرِ هَذِهِ الأقاصِيصِ دَلالَةٌ عَلى تَثْبِيتِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، لِأنَّ هَذِهِ الأقاصِيصَ لَيْسَتْ مِن عُلُومِ العَرَبِ، وإنَّما هي مِن عُلُومِ أهْلِ الكِتابِ، فَأنْبَأهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِما في كُتُبِهِمْ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ لَمْ يَقْرَؤُوا كُتُبَهُمْ، (p-١٣٤)فَعَلِمُوا أنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ هَذِهِ الأقاصِيصَ إلّا مِن جِهَةِ الوَحْيِ، فَفي هَذِهِ الآياتِ إذْكارُهم بِالنِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ في أسْلافِهِمْ، وتَثْبِيتُ أمْرِ الرِّسالَةِ، كَما وصَفْنا.
البقرة 2:53
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾، ”آتَيْنا“، بِمَعْنى: أعْطَيْنا، و”اَلْكِتابَ“، مَفْعُولٌ بِهِ، و”اَلْفُرْقانَ“، عُطِفَ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”اَلْفُرْقانَ“، اَلْكِتابَ بِعَيْنِهِ، إلّا أنَّهُ أُعِيدَ ذِكْرُهُ، وعَنى بِهِ أنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ، والباطِلِ، وقَدْ قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ - وهو قُطْرُبٌ -: اَلْمَعْنى: ”وَآتَيْنا مُحَمَّدًا الفُرْقانَ“، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَـزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]، يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ.
والقَوْلُ الأوَّلُ هو القَوْلُ، لِأنَّ الفُرْقانَ قَدْ ذُكِرَ لِمُوسى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾، ”لَعَلَّ“، إنَّما ذُكِرَتْ هُنا - واللَّهُ يَعْلَمُ أيَهْتَدُونَ، أمْ لا يَهْتَدُونَ - عَلى ما يَفْعَلُ العِبادُ، ويَتَخاطَبُونَ بِهِ، أيْ أنَّ هَذا يُرْجى بِهِ الهِدايَةُ، فَخُوطِبُوا عَلى رَجائِهِمْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤]، إنَّما المَعْنى: اِذْهَبا عَلى رَجائِكُما، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عالِمٌ بِما يَكُونُ، وهو مِن ورائِهِ.
البقرة 2:54
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ﴾، والقِراءَةُ: ”يا قَوْمِ“، بِكَسْرِ المِيمِ، وهو نِداءٌ مُضافٌ، والِاخْتِيارُ فِيهِ حَذْفُ الياءِ، لِأنَّ الياءَ حَرْفٌ واحِدٌ، والنِّداءُ بابُ حَذْفٍ، وهي في آخِرِ الِاسْمِ، كَما (p-١٣٥)أنَّ التَّنْوِينَ في آخِرِهِ، فَحُذِفَتِ الياءُ، وبَقِيَتِ الكَسْرَةُ تَدُلُّ عَلَيْها، ويَجُوزُ في الكَلامِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فَأمّا في القُرْآنِ فالكَسْرُ، وحَذْفُ الياءِ، لِأنَّهُ أجْوَدُ الأوْجُهِ، وهو إجْماعُ القُرّاءِ، فالَّذِي يَجُوزُ في الكَلامِ أنْ تَقُولَ: ”يا قَوْمِ إنَّكم“، كَما قُرِئَ في القُرْآنِ، ويَجُوزُ: ”يا قَوْمِي“، بِإثْباتِ الياءِ، وسُكُونِها، ويَجُوزُ: ”يا قَوْمِيَ“، بِتَحْرِيكِ الياءِ، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ في الإضافَةِ، ويَجُوزُ: ”يا قَوْمُ“، بِضَمِّ المِيمِ، عَلى مَعْنى: ”يا أيُّها القَوْمُ“، ومَعْنى قَوْلِهِ: ”ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ“: يُقالُ لِكُلِّ مَن فَعَلَ فِعْلًا يَعُودُ عَلَيْهِ بِمَكْرُوهٍ: ”إنَّما أسَأْتَ إلى نَفْسِكَ“، و”ظَلَمْتَ نَفْسَكَ“، وأصْلُ ”اَلظُّلْمُ“، في اللُّغَةِ، وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: ”وَمَن أشْبَهَ أباهُ فَما ظَلَمَ“، مَعْناهُ: لَمْ يَقَعْ لَهُ الشَّبَهُ غَيْرَ مَوْقِعِهِ، ويُقالُ: ”ظُلِمَ الرَّجُلُ سِقاءَهُ مِنَ اللَّبَنِ“، إذا شُرِبَ مِنهُ وسُقِيَ مِنهُ قَبْلَ إدْراكِهِ، و”أرْضٌ مَظْلُومَةٌ“، إذا حُفِرَ فِيها ولَمْ يَكُنْ حُفِرَ فِيها قَبْلُ، أوْ جاءَ المَطَرُ بِقُرْبِها وتَخَطّاها، قالَ النّابِغَةُ:
؎إلّا الأوارِيَّ لَأْيًا ما أُبَيِّنُها ∗∗∗ والنُّؤْيَ كالحَوْضِ بِالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ
وَمَعْنى قَوْلِهِ: ”بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ“: أيْ: اِتَّخَذْتُمُوهُ إلَهًا، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَتُوبُوا إلى بارِئِكُمْ﴾، أيْ: إلى خالِقِكُمْ، يُقالُ: ”بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ“، فَـ”اَلْبارِئُ“: اَلْخالِقُ، و”اَلْبَرِيَّةُ“، و”اَلْخَلْقُ“: اَلْمَخْلُوقُونَ، إلّا أنَّ ”اَلْبَرِيَّةُ“، وقَعَتْ في أكْثَرِ كَلامِهِمْ غَيْرَ مَهْمُوزَةٍ، (p-١٣٦)وَأصْلُها ﴿أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧]، وأكْثَرُ القُرّاءِ، والكَلَمِ: ”اَلْبَرِيَّةُ“، بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَدْ قَرَأ قَوْمٌ: ”اَلْبَرِيئَةِ“، بِالهَمْزِ، والِاخْتِيارُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قَرَأ ”إلى بارِئْكم“، بِإسْكانِ الهَمْزِ، وهَذا رَواهُ سِيبَوَيْهِ بِاخْتِلاسِ الكَسْرَةِ، وأحْسَبُ أنَّ الرِّوايَةَ الصَّحِيحَةَ ما رَوى سِيبَوَيْهِ، فَإنَّهُ أضْبَطُ لِما رُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والإعْرابُ أشْبَهُ بِالرِّوايَةِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، لِأنَّ حَذْفَ الكَسْرَةِ في مِثْلِ هَذا، وحَذْفَ الضَّمِّ، إنَّما يَأْتِي بِاضْطِرارٍ مِنَ الشِّعْرِ، أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ - وزَعَمَ أنَّهُ مِمّا يَجُوزُ في الشِّعْرِ خاصَّةً -:
؎إذا اعْوَجَجْنَ قُلْتُ صاحِبْ قَوِّمِ
بِإسْكانِ الباءِ، وأنْشَدَ أيْضًا:
؎فاليَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللَّهِ ولا واغِلِ
فالكَلامُ الصَّحِيحُ أنْ تَقُولُ: ”يا صاحِبُ أقْبِلْ“، أوْ: ”يا صاحِبِ أقْبِلْ“، ولا وجْهَ لِلْإسْكانِ، وكَذَلِكَ ”فاليَوْمَ أشْرَبُ يا هَذا“، ورَوى غَيْرُ سِيبَوَيْهِ هَذِهِ الأبْياتَ عَلى الِاسْتِقامَةِ، وما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في الكَلامِ، والشِّعْرِ، رَوَوْا هَذا البَيْتَ عَلى ضَرْبَيْنِ، رَوَوْا ”فاليَوْمَ فاشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ“، (p-١٣٧)وَرَوَوْا أيْضًا: ”فاليَوْمَ أُسْقى غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ“، ورَوَوْا أيْضًا: ”إذا اعْوَجَجْنَ قُلْتُ صاحِ قَوِّمِ“، ولَمْ يَكُنْ سِيبَوَيْهِ لِيَرْوِيَ - إنْ شاءَ اللَّهُ - إلّا ما سَمِعَ، إلّا أنَّ الَّذِي سَمِعَهُ هَؤُلاءِ هو الثّابِتُ في اللُّغَةِ، وقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ أنَّ القِياسَ غَيْرُ الَّذِي رَوى، ولا يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ إلّا: ”إلى بارِئِكم“، بِالكَسْرِ، وكَذَلِكَ ”عِنْدَ بارِئِكم“، ومَعْنى ”فاقْتُلُوا أنْفُسَكم“: اِمْتَحَنَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِأنْ جَعَلَ تَوْبَتَهم أنْ يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا، فَيُقالُ: إنَّهم صُفُّوا صَفَّيْنِ، يَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَمَن قُتِلَ كانَ شَهِيدًا، ومَن لَمْ يُقْتَلْ فَتائِبٌ مَغْفُورٌ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ، ويُقالُ: إنَّ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى ﷺ لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ عَبَدَ العِجْلَ، وإنَّهم هُمُ الَّذِينَ كانُوا يَقْتُلُونَ، والأوَّلُ أشْبَهُ بِالآيَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّها تَوْبَةُ عَبَدَةِ العِجْلِ، وإنَّما امْتَحَنَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِهَذِهِ المِحْنَةِ العَظِيمَةِ، لِكُفْرِهِمْ بَعْدَ الدَّلالاتِ، والآياتِ العِظامِ.
البقرة 2:55
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾، مَعْنى ”جَهْرَةً“: غَيْرَ مُسْتَتِرٍ عَنّا بِشَيْءٍ، يُقالُ: ”فُلانٌ يُجاهِرُ بِالمَعاصِي“، أيْ: لا يَسْتَتِرُ مِنَ النّاسِ مِنها بِشَيْءٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾، مَعْنى ”اَلصّاعِقَةُ“: ما يُصْعَقُونَ مِنهُ، أيْ: يَمُوتُونَ، فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ، فَماتُوا، الدَّلِيلُ عَلى أنَّهم ماتُوا
البقرة 2:56
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾، (p-١٣٨)وَفِي هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ البَعْثِ بَعْدَ مَوْتٍ وقَعَ في الدُّنْيا، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، ومِثْلَ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، وذَلِكَ احْتِجاجٌ عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ، الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مُوقِنِينَ بِالبَعْثِ، فَأتى النَّبِيُّ ﷺ بِالإخْبارِ عَمَّنْ بُعِثَ بَعْدَ المَوْتِ في الدُّنْيا، مِمّا تُوافِقُهُ عَلَيْهِ اليَهُودُ، والنَّصارى، وأرْبابُ الكُتُبِ، فاحْتَجَّ ﷺ بِحُجَّةِ اللَّهِ الَّتِي يُوافِقُهُ عَلَيْها جَمِيعُ مَن خالَفَهُ مِن أهْلِ الكُتُبِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾، أيْ: في أنْ بَعَثَكم بَعْدَ المَوْتِ، وأعْلَمَكم أنَّ قُدْرَتَهُ عَلَيْكم هَذِهِ القُدْرَةَ، وأنَّ الإقالَةَ بَعْدَ المَوْتِ، لا شَيْءَ بَعْدَها، وهي كالمُضْطَرَّةِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ.
البقرة 2:57
وَقَوْلُهُ: ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾، سَخَّرَ اللَّهُ لَهُمُ السَّحابَ يُظَلِّلُهم حِينَ خَرَجُوا إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، وجُمْلَةُ المَنِّ: ما يَمُنُّ اللَّهُ بِهِ مِمّا لا تَعَبَ فِيهِ، ولا نَصَبَ، وأهْلُ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ: إنَّ المَنَّ شَيْءٌ يَسْقُطُ عَلى الشَّجَرِ، حُلْوٌ، يُشْرَبُ، ويُقالُ: إنَّهُ ”اَلتَّرَنْجِينُ“، ويُرْوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«اَلْكَمْأةُ مِنَ المَنِّ، وماؤُها شِفاءٌ لِلْعَيْنِ»“، ومَعْنى ”اَلْمَنُّ“، عَلى ما وصَفْنا، في اللُّغَةِ: ما يَمُنُّ اللَّهُ بِهِ مِن غَيْرِ تَعَبٍ، ولا نَصَبٍ، و”اَلسَّلْوى“: طائِرٌ كالسِّمّانِيِّ، وذُكِرَ أنَّهُ كانَ يَأْتِيهِمْ مِن هَذَيْنِ ما فِيهِ كِفايَتُهم.
(p-١٣٩)وَقَوْلُهُ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾، قالُوا: إنَّ مَعْناهُ: مِن هَذِهِ الطَّيِّباتِ، وقالُوا أيْضًا: مِمّا هو حَلالٌ لَكم.
البقرة 2:58
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾، ”اَلرَّغَدُ“: اَلْواسِعُ، الَّذِي لا يُعَنِّي.
وَقَوْلُهُ: ﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾، أُمِرُوا بِأنْ يَدْخُلُوا ساجِدِينَ، ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، مَعْناهُ: ”وَقُولُوا: مَسْألَتُنا حِطَّةٌ“، أيْ: حَطُّ ذُنُوبِنا عَنّا، وكَذَلِكَ القِراءَةُ، ولَوْ قُرِئَ: ”حِطَّةً“، كانَ وجْهُها في العَرَبِيَّةِ كَأنَّهم قِيلَ لَهُمْ: ”قُولُوا احْطُطْ عَنّا ذُنُوبَنا حِطَّةً“، فَحَرَّفُوا هَذا القَوْلَ، وقالُوا لَفْظَةً غَيْرَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِها، وجُمْلَةُ ما قالُوا أنَّهُ أمْرٌ عَظِيمٌ، سَمّاهُمُ اللَّهُ بِهِ ”فاسِقِينَ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾، جُزِمَ، جَوابُ الأمْرِ، المَعْنى: ”إنْ تَقُولُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكم“، وقَرَأ بَعْضُهُمْ: ”نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم“، والقِراءَةُ الأُولى أكْثَرُ، فَمَن قالَ: ”خَطِيئاتِكم“، فَهو جَمْعُ ”خَطِيئَةٌ“، بِالألِفِ والتّاءِ، نَحْوَ: ”سَفِينَةٌ“، و”سَفِيناتٌ“، و”صَحِيفَةٌ“، و”صَحِيفاتٌ“، والقِراءَةُ - كَما وصَفْنا -: ”نَغْفِرْ لَكم خَطاياكم“، والأصْلُ في ”خَطايا“: ”خَطائِئُ“، فَتَجَمَّعَ هَمْزَتانِ، تُقْلَبُ الثّانِيَةُ ياءً، فَتَصِيرُ ”خَطائِيُ“، فَأُعِلَّ، مِثْلَ: ”حَظاعِيُ“، ثُمَّ يَجِبُ أنْ تُقْلَبَ الياءُ والكَسْرَةُ إلى الفَتْحَةِ والألِفِ، فَتَصِيرَ ”خَطاءا“، مِثْلَ: ”حَظاعا“، فَيَجِبَ أنْ تُبْدَلَ الهَمْزَةُ ياءً، لِوُقُوعِها بَيْنَ ألِفَيْنِ، لِأنَّ الهَمْزَةَ مُجانِسَةٌ لِلْألِفاتِ، فاجْتَمَعَتْ ثَلاثَةُ أحْرُفٍ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، ولِسِيبَوَيْهِ مَذْهَبٌ آخَرَ، أصْلُهُ لِلْخَلِيلِ، وهو أنَّهُ زَعَمَ أنَّ (p-١٤٠)”خَطايا“، أصْلُها: ”فَعائِلُ“، فَقُلِبَتْ إلى ”فَعالى“، فَكانَ الأصْلُ عِنْدَهُ ”خَطائى“، مِثْلَ: ”خَطائِعُ“، فاعْلَمْ، ثُمَّ قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ فَصارَتْ ”خَطائِيُ“، مِثْلَ: ”خَطاعِيُ“، ثُمَّ قُلِبَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى المَذْهَبِ الأوَّلِ، وهَذا المَذْهَبُ يَنْقُصُ في الإعْلالِ مَرْتَبَةً واحِدَةً، واللَّفْظُ يَؤُولُ في اللَّفْظَيْنِ ”خَطايا“ .
البقرة 2:59
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأنْـزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾، ”اَلرِّجْزُ“: ”اَلْعَذابُ“، وكَذَلِكَ ”اَلرِّجْسُ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَمْ رامَنا مِن ذِي عَدِيدٍ مُبْزى ∗∗∗ حَتّى وقَمْنا كَيْدَهُ بِالرِّجْزِ
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾، أيْ: تَبْدِيلُهم ما أُمِرُوا بِهِ مِن أنْ يَقُولُوا: ”حِطَّةٌ“، ويُقالُ: ”فَسَقَ، يَفْسُقُ“، و”يَفْسِقُ“، و”يَفْسُقُ“، عَلى اللُّغَتَيْنِ، وعَلَيْها القُرّاءُ، ومَعْنى الفِسْقِ: اَلْخُرُوجُ عَنِ القَصْدِ، والحَقِّ، وكُلُّ ما خَرَجَ عَنْ شَيْءٍ فَقَدْ فَسَقَ، إلّا أنَّهُ خُصَّ مَن خَرَجَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ بِأنْ قِيلَ: ”فاسِقٌ“، ولَمْ يُحْتَجْ إلى أنْ يُقالَ: ”فَسَقَ عَنْ كَذا“، كَما أنَّهُ يُقالُ لِكُلِّ مَن صَدَّقَ بِشَيْءٍ: ”هو مُؤْمِنٌ بِكَذا“، ويُقالُ لِلْمُصَدِّقِ بِأمْرِ اللَّهِ: ”مُؤْمِنٌ“، فَيَكْفِي، والعَرَبُ تَقُولُ: ”فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ“، إذا خَرَجَتْ عَنْ قِشْرَتِها.
البقرة 2:60
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ﴾، مَوْضِعُ ”إذْ“، نَصْبٌ، عَلى ما تَقَدَّمَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ”واذْكُرْ إذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ“، إلّا أنَّ ”إذْ“، لا يَظْهَرُ فِيها الإعْرابُ، لِأنَّها لا تَتِمُّ إلّا بِأنْ تُوصَلَ، وجَمِيعُ ما (p-١٤١)لا يَتِمُّ مِن هَذِهِ المُهِمَّةِ إلّا بِصِلَةٍ لا يُعْرَبُ، لِأنَّهُ بَعْضُ اسْمٍ، ولا يُعْرَبُ إلّا الِاسْمُ التّامُّ، ولَكِنْ ”إذْ“، كُسِرَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ومَعْنى ”اِسْتَسْقى“: اِسْتَدْعى أنْ يُسْقى قَوْمُهُ، وكَذَلِكَ ”اِسْتَنْصَرْتُ“: اِسْتَدْعَيْتُ النُّصْرَةَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾، أكْثَرُ القُرّاءِ: ”اِثْنَتا عَشْرَةَ“، بِإسْكانِ الشِّينِ، ولُغَةٌ أُخْرى: ”اِثْنَتا عَشِرَةَ عَيْنًا“، بِكَسْرِ الشِّينِ، وقَدْ قَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: ”عَشِرَةَ“، عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ، وكِلاهُما جَيِّدٌ بالِغٌ، و”عَيْنًا“، نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، وجَمِيعُ ما نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ في العَدَدِ عَلى مَعْنى دُخُولِ التَّنْوِينِ، وإنْ لَمْ يُذْكَرْ في ”عَشْرَةَ“، لِأنَّ التَّنْوِينَ حُذِفَ هَهُنا مَعَ الإعْرابِ، ومَعْنى قَوْلِ النّاسِ: ”عِنْدِي عِشْرُونَ دِرْهَمًا“: مَعْناهُ: عِنْدِي عِشْرُونَ مِنَ الدَّراهِمِ، فَحُذِفَ لَفْظُ الجَمْعِ، و”مِن“، هَذِهِ الَّتِي خَلَصَ بِها جِنْسٌ مِن جِنْسٍ، وعَبَّرَ الواحِدُ عَنْ مَعْنى الجَمْعِ، فَهَذا جُمْلَةُ ما انْتَصَبَ مِنَ العَدَدِ عَلى التَّمْيِيزِ، وفي التَّفْسِيرِ أنَّهم فَجَّرَ اللَّهُ لَهم مِن حَجَرٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ عَيْنًا، لِاثْنَيْ عَشَرَ فَرِيقًا، لِكُلِّ فَرِيقٍ عَيْنٌ يَشْرَبُونَ مِنها، تَتَفَجَّرُ إذا نَزَلُوا، فَإذا ارْتَحَلُوا غارَتِ العَيْنُ، وحَمَلُوا الحَجَرَ غَيْرَ مُتَفَجِّرٍ مِنهُ ماءٌ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾، كانَ يَتَفَجَّرُ لَهُمُ الماءُ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ مَوْضِعًا، لا يَخْتَلِفُ في كُلِّ مُنْزَلٍ، فَيَعْلَمُ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهم.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، (p-١٤٢)يُقالُ: ”عَثا، يَعْثى، عَثْوًا“، و”عُثُوًّا“، و”اَلْعَثْوُ“: أشَدُّ الفَسادِ.
البقرة 2:61
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾، ”يُخْرِجْ“، مَجْزُومٌ، وفِيهِ غَيْرُ قَوْلٍ: قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: اَلْمَعْنى: ”سَلْهُ، وقُلْ لَهُ: أخْرِجْ لَنا، يُخْرِجْ لَنا هو“، وقالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣]، قالُوا: اَلْمَعْنى: ”قُلْ لَهُمْ: قُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ، أنْ يَقُولُوا“، وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى ”يُخْرِجْ لَنا“، مَعْنى الدُّعاءِ، كَأنَّهُ قالَ: أخْرِجْ لَنا، وكَذَلِكَ ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١]، اَلْمَعْنى: ”قُلْ لِعِبادِي: أقِيمُوا“، ولَكِنَّهُ صارَ قَبْلَهُ ”اُدْعُ“، و”قُلْ“، فَجُعِلَ بِمَنزِلَةِ جَوابِ الأمْرِ، وكِلا القَوْلَيْنِ مَذْهَبٌ، ولَكِنَّهُ عَلى الجَوابِ أجْوَدُ، لِأنَّ ما في القُرْآنِ مِن لَفْظِ الأمْرِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ جازِمٌ، مَرْفُوعٌ، قالَ الله - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الصف: ١١]، ثُمَّ جاءَ بَعْدَ تَمامِ الآيَةِ: ”يَغْفِرْ لَكم“، اَلْمَعْنى: آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وجاهِدُوا، يَغْفِرْ لَكم.
(p-١٤٣)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مِن بَقْلِها وقِثّائِها وفُومِها﴾، في ”اَلْقِثّاءُ“، لُغَتانِ، يُقالُ: ”اَلقُثّاءُ“، و”اَلْقِثّاءُ يا هَذا“، وقَدْ قَرَأ بَعْضُهُمْ: ”قُثّائِها“، بِالضَّمِّ، والأجْوَدُ الأكْثَرُ: ”وَقِثّائِها“، بِالكَسْرِ، ”وَفُومِها“: ”اَلْفُومُ“: اَلْحِنْطَةُ، ويُقالُ: اَلْحُبُوبُ، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُ ”اَلْفُومُ“، هَهُنا: ”اَلثُّومُ“، وهَذا ما لا يُعْرَفُ، أنَّ الفُومَ: اَلثُّومُ، وهَهُنا ما يَقْطَعُ هَذا، مُحالٌ أنْ يَطْلُبَ القَوْمُ طَعامًا لا بُرَّ فِيهِ، والبُرُّ أصْلُ الغِذاءِ كُلِّهِ، ويُقالُ: ”فَوِّمُوا لَنا“، أيْ: ”اِخْبِزُوا لَنا“، ولا خِلافَ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ الفُومَ: اَلْحِنْطَةُ، وسائِرُ الحُبُوبِ الَّتِي تُخْبَزُ يَلْحَقُها اسْمُ الفُومِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾، يَعْنِي أنَّ المَنَّ والسَّلْوى أرْفَعُ مِنَ الَّذِي طَلَبْتُمْ، و”أدْنى“، اَلْقِراءَةُ فِيهِ بِغَيْرِ الهَمْزِ، وقَدْ قَرَأ بَعْضُهُمْ: ”أدْنَأُ بِالَّذِي هو خَيْرٌ“، وكِلاهُما لَهُ وجْهٌ في اللُّغَةِ، إلّا أنَّ تَرْكَ الهَمْزَةِ أوْلى بِالِاتِّباعِ، أمّا ”أدْنى“، غَيْرَ مَهْمُوزٍ، فَمَعْناهُ: اَلَّذِي هو أقْرَبُ، (p-١٤٤)وَأقَلُّ قِيمَةً، كَما تَقُولُ: ”هَذا ثَوْبٌ مُقارِبٌ“، فَأمّا الخَسِيسُ، فاللُّغَةُ فِيهِ أنَّهُ مَهْمُوزٌ، يُقالُ: ”دُنُوءٌ“، ”دَناءَةٌ“، و”هو دَنِيءٌ“، بِالهَمْزَةِ، ويُقالُ: ”هَذا أدْنَأُ مِنهُ“، بِالهَمْزَةِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾، اَلْأكْثَرُ في القِراءَةِ إثْباتُ الألِفِ، وقَدْ قَرَأ بَعْضُهُمْ: ”اِهْبِطُوا مِصْرَ فَإنَّ لَكم“، بِغَيْرِ ألِفٍ، فَمَن قَرَأ: ”مِصْرًا“، بِالألِفِ، فَلَهُ وجْهانِ: جائِزٌ أنْ يُرادَ بِها مِصْرًا مِنَ الأمْصارِ، لِأنَّهم كانُوا في تِيهٍ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أرادَ ”مِصْرَ“، بِعَيْنِها، فَجَعَلَ ”مِصْرًا“، اِسْمًا لِلْبَلَدِ، فَصُرِفَ لِأنَّهُ مُذَكَّرٌ، سُمِّيَ بِهِ مُذَكَّرٌ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”مِصْرَ“، بِغَيْرِ ألِفٍ عَلى أنَّهُ يُرِيدُ ”مِصْرًا“، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩]، وإنَّما لَمْ يُصْرَفْ لِأنَّهُ لِلْمَدِينَةِ، فَهو مُذَكَّرٌ سُمِّيَ بِهِ مُؤَنَّثٌ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ﴾، ”اَلذِّلَّةُ“: اَلصَّغارُ، و”اَلْمَسْكَنَةُ“: اَلْخُضُوعُ، واشْتِقاقُهُ مِن ”اَلسُّكُونُ“، إنَّما يُقالُ: ”مِسْكِينٌ“، لِلَّذِي أسْكَنَهُ الفَقْرُ، أيْ: قَلَّلَ حَرَكَتَهُ.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾، (p-١٤٥)يُقالُ: ”بُؤْتُ بِكَذا وكَذا“، أيْ: اِحْتَمَلْتُهُ.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾، مَعْنى ذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ -: اَلْغَضَبُ حَلَّ بِهِمْ بِكُفْرِهِمْ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾، اَلْقِراءَةُ المُجْمَعُ عَلَيْها في ”اَلنَّبِيِّينَ“، و”اَلْأنْبِياءُ“، و”اَلْبَرِيَّةُ“، طَرْحُ الهَمْزَةِ، وجَماعَةٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ يَهْمِزُونَ جَمِيعَ ما في القُرْآنِ مِن هَذا، فَيَقْرَؤُونَ: ”اَلنَّبِيئِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ“، و”اَلْأنْبِئاءُ“، واشْتِقاقُهُ مِن ”نَبَّأ، و“ أنْبَأ ”، أيْ: أخْبَرَ، والأجْوَدُ تَرْكُ الهَمْزَةِ، لِأنَّ الِاسْتِعْمالَ يُوجِبُ أنَّ ما كانَ مَهْمُوزًا مِن“ فَعِيلٌ ”، فَجَمْعُهُ“ فُعَلاءُ ”، مِثْلَ:“ ظَرِيفٌ ”، و“ ظُرَفاءُ ”، و“ نَبِيءٌ ”، و“ نُبَآءُ ”، فَإذا كانَ مِن ذَواتِ الياءِ، فَجَمْعُهُ“ أفْعِلاءُ ”، نَحْوَ:“ غَنِيٌّ ”، و“ أغْنِياءُ ”، و“ نَبِيٌّ ”، و“ أنْبِياءُ ”، وقَدْ جاءَ“ أفْعِلاءُ ”، في الصَّحِيحِ، وهو قَلِيلٌ، قالُوا:“ خَمِيسٌ ”، و“ أخْمِساءُ ”، و“ أخْمُسٌ ”، و“ نَصِيبٌ ”، وأنْصِباءُ“، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”نَبِيٌّ“، مِن ”أنْبَأْتُ“، مِمّا تُرِكَ هَمْزُهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن ”نَبَأ، يَنْبُؤُ“، إذا ارْتَفَعَ، فَيَكُونَ ”فَعِيلًا“، مِنَ الرِّفْعَةِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى والصّابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ [البقرة: ٦٢]، (p-١٤٦)لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ مِنهم إيمانٌ إلّا مَعَ إيمانِهِ بِالنَّبِيِّ ﷺ، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُـزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وهو الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ [محمد: ٢]، فَتَأْوِيلُهُ: مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وآمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَلَهم أجْرُهُمْ، وجازَ أنْ يُقالَ: ”فَلَهم“، لِأنَّ ”مَن“، لَفْظُها لَفْظُ الواحِدِ، وتَقَعُ عَلى الواحِدِ، والِاثْنَيْنِ، والجَمْعِ، والتَّأْنِيثِ، والتَّذْكِيرِ، فَيُحْمَلُ الكَلامُ عَلى لَفْظِها، فَيُوَحَّدُ ويُذَكَّرُ، ويُحْمَلُ عَلى مَعْناها فَيُثَنّى، ويُجْمَعُ، ويُؤَنَّثُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎تَعالَ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ
؎وَ ”هادُوا“، أصْلُهُ في اللُّغَةِ: تابُوا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، أيْ: تُبْنا إلَيْكَ، وواحِدُ ”اَلنَّصارى“، قِيلَ فِيهِ قَوْلانِ: قالُوا: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدُهم ”نَصْرانُ“، كَما تَرى، فَيَكُونَ ”نَصْرانُ“، و”نَصارى“، عَلى وزْنِ ”نَدْمانُ“، و”نَدامى“، قالَ الشّاعِرُ: (p-١٤٧)فَكِلْتاهُما خَرَّتْ وأسْجَدَ رَأْسَها ∗∗∗ كَما أسْجَدَتْ نَصْرانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ
فَ ”نَصْرانَةٌ“، تَأْنِيثُ ”نَصْرانُ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”اَلنَّصارى“، واحِدُهم ”نَصْرِيٌّ“، مِثْلَ: ”بَعِيرٌ مَهْرِيٌّ“، و”إبِلٌ مَهارى“، ومَعْنى ”اَلصّابِئِينَ“: اَلْخارِجِينَ مِن دِينٍ إلى دِينٍ، يُقالُ: ”صَبَأ فُلانٌ - إذا خَرَجَ مِن دِينِهِ - يَصْبَأُ يا هَذا“، ويُقالُ: ”صَبَأتِ النُّجُومُ“، إذا ظَهَرَتْ، و”صَبَأ نابُهُ“، إذا خَرَجَ.
البقرة 2:62
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾، اَلْقِراءَةُ الجَيِّدَةُ: اَلرَّفْعُ، وكَذَلِكَ إذا كُرِّرَتْ ”لا“، في الكَلامِ، قُلْتَ: ”لا رَجُلٌ عِنْدِي، ولا زَيْدٌ“، و﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْـزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧]، وإنْ قُرِئَ: ”وَلا خَوْفَ عَلَيْهِمْ“، فَهو جَيِّدٌ بالِغُ الجَوْدَةِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ.
البقرة 2:63
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾، اَلْمَعْنى: اُذْكُرُوا إذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ، و”اَلطُّورُ“، هَهُنا: اَلْجَبَلُ، ومَعْنى ”أخَذْنا مِيثاقَكم“: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما أخَذَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - حِينَ أخْرَجَ النّاسَ كالذَّرِّ، ودَلِيلُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وَإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١]، ثُمَّ قالَ - مِن بَعْدِ تَمامِ الآيَةِ -: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فَهَذِهِ الآيَةُ كالآيَةِ الَّتِي في ”اَلْبَقَرَةِ“، وهو أحْسَنُ المَذاهِبِ فِيها، وقَدْ قِيلَ: إنَّ أخْذَ المِيثاقِ هو ما أخَذَ اللَّهُ مِنَ المِيثاقِ عَلى الرُّسُلِ، ومَنِ اتَّبَعَهُمْ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١]، فالأخْذُ عَلى النَّبِيِّينَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ - المِيثاقَ يَدْخُلُ (p-١٤٨)فِيهِ مَنِ اتَّبَعَهُمْ، و”رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ“، أيْ: جِئْناكم بِآيَةٍ عَظِيمَةٍ، وهي أنَّ ”اَلطُّورَ“، وهو الجَبَلُ، رُفِعَ فَوْقَهُمْ، حَتّى أظَلَّهُمْ، وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ، فَأخْبَرَ اللَّهُ بِعِظَمِ الآيَةِ الَّتِي أُرُوها بَعْدَ أخْذِ المِيثاقِ، وأخْبَرَ بِالشَّيْءِ الَّذِي لَوْ عَذَّبَهم بَعْدَهُ لَكانَ عَدْلًا في ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ جَعَلَ لَهُمُ التَّوْبَةَ بَعْدَ ذَلِكَ.
البقرة 2:64
وَقالَ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾، أيْ: مِن بَعْدِ الآياتِ العِظامِ، ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾، أيْ: لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم بِالتَّوْبَةِ، بَعْدَ أنْ كَفَرْتُمْ، مَعَ عَظِيمِ هَذِهِ الآياتِ، ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]، مَوْضِعُ ”ما“: نَصْبٌ، و”ما آتَيْناكم“: اَلْكِتابَ، الَّذِي هو التَّوْراةُ، ومَعْنى خُذُوهُ بِقُوَّةٍ: أيْ خُذُوهُ بِجِدٍّ، واتْرُكُوا الرَّيْبَ والشَّكَّ، لِما بانَ لَكم مِن عَظِيمِ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣]، مَعْناهُ: اُدْرُسُوا ما فِيهِ، وجازَ في اللُّغَةِ أنْ تَقُولَ: ”خُذْ وخْذًا“، وأصْلُهُ: ”اُوْخُذْ“، وكَذَلِكَ ”كُلْ“، أصْلُهُ: ”اُوْكُلْ“، ولَكِنَّ ”خُذْ“، و”كُلْ“، اِجْتَمَعَ فِيهِما كَثْرَةُ الِاسْتِعْمالِ، والتِقاءُ هَمْزَتَيْنِ، وضَمَّةٌ، فَحُذِفَتْ فاءُ الفِعْلِ، وهي الهَمْزَةُ الَّتِي كانَتْ في ”أخَذَ“، و”أكَلَ“، فَحُذِفَتْ لِما وصَفْنا مِن كَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، واجْتِماعِ ما يَسْتَقِلُّونَ.
البقرة 2:65
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾، مَعْنى ”عَلِمْتُمْ“، هُنا: عَرَفْتُمْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، ومَعْناهُ: لا تَعْرِفُونَهُمُ، اللَّهُ يَعْرِفُهُمْ، ومَعْنى ”اِعْتَدَوْا“: ظَلَمُوا، وجاوَزُوا ما حُدَّ لَهُمْ، كانُوا أُمِرُوا ألّا يَصِيدُوا في السَّبْتِ، وكانَتِ الحِيتانُ تَجْتَمِعُ لِأمْنِها في (p-١٤٩)السَّبْتِ، فَحَبَسُوها في السَّبْتِ، وأخَذُوها في الأحَدِ، فَعَدَوْا في السَّبْتِ، لِأنَّ صَيْدَها مَنَعَها مِنَ التَّصَرُّفِ، فَجَعَلَ اللَّهُ جَزاءَهم في الدُّنْيا - بَعْدَما أراهم مِنَ الآياتِ العِظامِ - بِأنْ جَعْلَهم قِرَدَةً خاسِئِينَ، مَعْنى ”خاسِئِينَ“: مُبْعَدِينَ، يُقالُ: ”خَسَأْتُ الكَلْبَ، أخَسْؤُهُ خَسْئًا“، أيْ: باعَدْتُهُ، وطَرَدْتُهُ.
البقرة 2:66
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَجَعَلْناها نَكالا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها﴾، ”ها“، هَذِهِ تَعُودُ عَلى الأُمَّةِ الَّتِي مُسِخَتْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْفَعْلَةِ، ومَعْنى ”لِما بَيْنَ يَدَيْها“: يَحْتَمِلُ شَيْئَيْنِ مِنَ التَّفْسِيرِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ”لِما بَيْنَ يَدَيْها“: لِما أسْلَفَتْ مِن ذُنُوبِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ”لِما بَيْنَ يَدَيْها“: لِلْأُمَمِ الَّتِي تَراها، و”ما خَلْفَها“: ما يَكُونُ بَعْدَها، ومَعْنى قَوْلِكَ: ”نَكَّلْتُ بِهِ“، أيْ: جَعَلْتُ غَيْرَهُ يَنْكُلُ أنْ يَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ، فَيَنالَهُ مِثْلَ الَّذِي نالَهُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ "، أيْ: يَتَّعِظُ بِها أهْلُ التَّقْوى، فَيَلْزَمُونَ ما هم عَلَيْهِ.
البقرة 2:67
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾، اَلْمَعْنى: واذْكُرُوا إذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ، أُمِرُوا بِذَبْحِ بَقَرَةٍ، يُضْرَبُ بِبَعْضِها قَتِيلٌ، تَشاجَرُوا فِيمَن قَتَلَهُ، فَلَمْ يُعْلَمْ قاتِلُهُ، فَأمَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِضَرْبِ المَقْتُولِ بِعُضْوٍ مِن أعْضاءِ البَقَرَةِ، وزَعَمُوا في التَّفْسِيرِ أنَّهم أُمِرُوا أنْ يَضْرِبُوهُ بِالفَخْذِ اليُمْنى، أوِ الذَّنَبِ، وأحَبَّ اللَّهُ تَعالى أنْ يُرِيَهم كَيْفَ إحْياءُ المَوْتى، وفي هَذِهِ الآيَةِ احْتِجاجٌ عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ، لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ بِالبَعْثِ، فَأعْلَمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ هَذا الخَبَرَ الَّذِي لا يَجُوزُ أنْ يَعْلَمَهُ إلّا مَن قَرَأ الكُتُبَ، أوْ أُوحِيَ إلَيْهِ، وقَدْ عَلِمَ المُشْرِكُونَ (p-١٥٠)أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُمِّيٌّ، وأنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْلَمُونَ - وهم يُخالِفُونَهُ - أنَّ ما أخْبَرَ بِهِ مِن هَذِهِ الأقاصِيصِ حَقٌّ، ﴿قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾، فانْتَفى مُوسى مِنَ الهَزْءِ، لِأنَّ الهازِئَ جاهِلٌ لاعِبٌ، فَقالَ: ﴿أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ .
البقرة 2:68
فَلَمّا وضَحَ لَهم أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ قالُوا: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾، وإنَّما سَألُوا: ”ما هِيَ؟“، لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ بَقَرَةً يَحْيا بِضَرْبِ بَعْضِها مَيِّتٌ، ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾، اِرْتَفَعَ ”فارِضٌ“، بِإضْمارِ ”هي“، ومَعْنى ”لا فارِضٌ“: لا كَبِيرَةٌ، و”وَلا بِكْرٌ“: لا صَغِيرَةٌ، أيْ لَيْسَتْ بِكَبِيرَةٍ، ولا صَغِيرَةٍ، ﴿عَوانٌ﴾، ”اَلْعَوانُ“: دُونَ المُسِنَّةِ، وفَوْقَ الصَّغِيرَةِ، ويُقالُ مِنَ الفارِضِ: ”فَرَضَتْ، تَفْرِضُ، فُرُوضًا“، ومِنَ العَوانِ: ”قَدْ عَوَّنَتْ، تُعَوِّنُ“، ويُقالُ: ”حَرْبٌ عَوانٌ“، إذا لَمْ تَكُنْ أوَّلَ حَرْبٍ، وكانَتْ ثانِيَةً، قالَ زُهَيْرٌ:
؎إذا لَقِحَتْ حَرْبٌ عَوانٌ مُضِرَّةٌ ∗∗∗ ضَرُوسٌ تَهُزُّ النّاسَ أنْيابُها صُعْلُ
وَمَعْنى ”بَيْنَ ذَلِكَ“: بَيْنَ البِكْرِ، والفارِضِ، وبَيْنَ الصَّغِيرَةِ، والكَبِيرَةِ، وإنَّما جازَ ”بَيْنَ ذَلِكَ“، و”بَيْنَ“ لا يَكُونُ إلّا مَعَ اثْنَيْنِ، أوْ أكْثَرَ، لِأنَّ ”ذَلِكَ“، يَنُوبُ عَنِ الجُمَلِ، فَتَقُولُ: ”ظَنَنْتُ زَيْدًا قائِمًا“، فَيَقُولُ القائِلُ: ”ظَنَنْتُ ذَلِكَ“ .
البقرة 2:69
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها﴾، (p-١٥١)مَوْضِعُ ”ما“: رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، لِأنَّ تَأْوِيلَهُ الِاسْتِفْهامُ، كَقَوْلِكَ: ”اُدَعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا أيُّ شَيْءٍ لَوْنُها“، ومِثْلُهُ: ﴿فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا﴾ [الكهف: ١٩]، ولا يَجُوزُ في القِراءَةِ: ”اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها“، عَلى أنْ يُجْعَلَ ”ما“، لَغْوًا، ولا يُقْرَأُ القُرْآنَ إلّا كَما قَرَأتِ القُرّاءُ المُجْمَعُ عَلَيْهِمْ في الأخْذِ عَنْهم.
﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها﴾ ما بَعْدَ القَوْلِ مِن بابِ ”إنَّ“، مَكْسُورٌ أبَدًا، كَأنَّكَ تَذْكُرُ القَوْلَ في صَدْرِ كَلامِكَ، وإنَّما وقَعَتْ ”قُلْتُ“، في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُحْكى بِها ما كانَ كَلامًا يَقُومُ بِنَفْسِهِ، قَبْلَ دُخُولِها، فَيُؤَدِّيَ مَعَ ذِكْرِها ذَلِكَ اللَّفْظُ، تَقُولُ: ”قُلْتُ: زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ“، كَأنَّكَ قُلْتَ: ”زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ“، وكَذَلِكَ ”إنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ“، لا اخْتِلافَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ، إلّا أنَّ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ، وهم بَنُو سُلَيْمٍ، يَجْعَلُونَ بابَ ”قُلْتُ“، أجْمَعَ، كَبابِ ”ظَنَنْتُ“، فَيَقُولُونَ: ”قُلْتُ زَيْدًا مُنْطَلِقًا“، فَهَذِهِ لُغَةٌ لا يَجُوزُ أنْ يُوجَدَ شَيْءٌ مِنها في كِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، ولا يَجُوزُ: ”قالَ أنَّهُ يَقُولُ إنَّها“، لا يَجُوزُ إلّا الكَسْرُ.
وَأمّا قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها﴾، ”فاقِعٌ“، نَعْتٌ لِلْأصْفَرِ الشَّدِيدِ الصُّفْرَةِ، يُقالُ: ”أصْفَرُ فاقِعٌ“، و”أبْيَضُ ناصِعٌ“، و”أحْمَرُ قانٍ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎يَسْقِي بِها ذُو تُومَتَيْنِ كَأنَّما ∗∗∗ قَنَأتْ أنامِلُهُ مِنَ الفُرْصادِ
(p-١٥٢)أيْ: اِحْمَرَّتْ حُمْرَةً شَدِيدَةً، ويُقالُ: ”أحْمَرُ قاتِمٌ“، و”أبْيَضُ يَقَقٌ“، و”لَهِقٌ“، و”لِهاقٌ“، و”أسْوَدُ حالِكٌ“، و”حَلُوكٌ“، و”حَلْوَكِيٌّ“، و”دَجُوجِيٌّ“، فَهَذِهِ كُلُّها صِفاتُ مُبالَغَةٍ في الألْوانِ، وقَدْ قالُوا: إنَّ ”صَفْراءَ“، هَهُنا سَوْداءُ، ومَعْنى ﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾، أيْ: تُعْجِبُ النّاظِرِينَ.
البقرة 2:70
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾، اَلْقِراءَةُ في هَذا عَلى أوْجُهٍ، فَأجْوَدُها، والأكْثَرُ: ”تَشابَهَ عَلَيْنا“، عَلى فَتْحِ الهاءِ، والتَّخْفِيفِ، ويَجُوزُ: ”تَشّابَهُ عَلَيْنا“، و”يَشّابَهُ عَلَيْنا“، بِالتّاءِ، والياءِ، وقَدْ قُرِئَ: ”إنَّ الباقِرَ يَشّابَهُ عَلَيْنا“، والعَرَبُ تَقُولُ - في جَمْعِ ”اَلْبَقَرُ“، و”اَلْجِمالُ“ -: ”اَلْباقِرُ“، و”اَلْجامِلُ“، يَجْعَلُونَهُ اسْمًا لِلْجِنْسِ، قالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ:
؎وَجامِلٍ خَوَّعَ مِن نِيبِهِ ∗∗∗ زَجْرُ المُعَلّى أُصُلًا والسَّفِيحْ
وَيُرْوى: ”مِنِّي بِهِ“، وهو أكْثَرُ الرِّوايَةِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎ما لِي رَأيْتُكَ بَعْدَ عَهْدِكَ مُوحِشًا ∗∗∗ خَلَقًا كَحَوْضِ الباقِرِ المُتَهَدِّمِ
وَما كانَ مِثْلَ ”بَقَرَةٌ“، و”بَقَرٌ“، و”نَخْلَةٌ“، و”نَخْلٌ“، و”سَحابَةٌ“، و”سَحابٌ“، فَإنَّ العَرَبَ (p-١٥٥)تُذَكِّرُهُ، وتُؤَنِّثُهُ، فَتَقُولُ: ”هَذا بَقَرٌ“، و”هَذِهِ بَقَرٌ“، و”هَذا نَخْلٌ“، و”هَذِهِ نَخْلٌ“، فَمَن ذَكَّرَ فَلِأنَّ في لَفْظِ الجَمْعِ أنْ يُعَبِّرَ عَنْ جِنْسِهِ، فَيُقالُ: فَتَقُولُ: ”هَذا جَمْعٌ“، وفي لَفْظِهِ أنْ يُعَبِّرَ عَنِ الفِرْقَةِ، والقِطْعَةِ، فَتَقُولُ: ”هَذِهِ جَماعَةٌ“، و”هَذِهِ فِرْقَةٌ“، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ [النور: ٤٣]، فَذَكَّرَ، وواحِدَتُهُ ”سَحابَةٌ“، وقالَ: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ [ق: ١٠]، فَجَمَعَ عَلى مَعْنى ”جَماعَةً“، ولَفْظُها واحِدٌ، فَمَن قَرَأ: ”إنَّ البَقْرَ تَشّابَهَ عَلَيْنا“، فَمَعْناهُ: إنَّ جَماعَةَ البَقَرِ تَتَشابَهُ عَلَيْنا، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الشِّينِ، لِقُرْبِ مَخْرَجِ التّاءِ مِنَ الشِّينِ، ومَن قَرَأ: ”تَشّابَهُ عَلَيْنا“، أرادَ ”تَتَشابَهُ“، فَحَذَفَ التّاءَ الثّانِيَةَ، لِاجْتِماعِ تاءَيْنِ، كَما قُرِئَ: ”لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ، ومَن قَرَأ:“ يَشّابَهُ عَلَيْنا ”، بِالياءِ، أرادَ جِنْسَ البَقَرِ أيْضًا، والأصْلُ:“ يَتَشابَهُ عَلَيْنا "، فَأُدْغِمَ التّاءُ في الشِّينِ.
البقرة 2:71
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾، مَعْناهُ: لَيْسَتْ بِذَلُولٍ، ولا مُثِيرَةٍ، وقَوْلُهُ: ”وَلا تَسْقِي الحَرْثَ“، يُقالُ: ”سَقَيْتُهُ“، إذا ناوَلْتُهُ، فَشَرِبَ، و”أسْقَيْتُهُ“، جَعَلْتُ لَهُ سَقْيًا، فَيَصِحُّ هَهُنا: ”وَلا تُسْقِي“، بِالضَّمِّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾، أيْ: لَيْسَ فِيها لَوْنٌ يُفارِقُ لَوْنَها، و”اَلْوَشْيُ“، في اللُّغَةِ: خَلْطُ لَوْنٍ بِلَوْنٍ، وكَذَلِكَ في الكَلامِ، يُقالُ: ”وَشَّيْتُ الثَّوْبَ، أشِيهِ، شِيَةً، ووَشْيًا“، كَقَوْلِكَ: ”وَدَيْتُ فُلانًا، أدِيهِ، دِيَةً“، ونَصْبُ ”لا شِيَةَ فِيها“، عَلى النَّفْيِ، ولَوْ قُرِئَ: ”لا شِيَةٌ فِيها“، لَجازَ، ولَكِنَّ القِراءَةَ بِالنَّصْبِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ﴾، فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، حَكى بَعْضَها الأخْفَشَ: فَأجْوَدُها: ”قالُوا الآنَ“، بِإسْكانِ اللّامِ، وحَذْفِ الواوِ مِنَ اللَّفْظِ، وزَعَمَ الأخْفَشُ أنَّهُ يَجُوزُ قَطْعُ ألِفِ الوَصْلِ هَهُنا، فَيَقُولُ: ”قالُوا ألْآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ“، وهَذِهِ رِوايَةٌ، ولَيْسَ لَهُ وجْهٌ في القِياسِ، ولا هي عِنْدِي جائِزٌ، ولَكِنْ فِيها وجْهانِ غَيْرُ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، وهُما جَيِّدانِ في العَرَبِيَّةِ، يَجُوزُ: ”قالُوا لانَ“، عَلى إلْقاءِ الهَمْزَةِ، وفَتْحِ اللّامِ مِن ”اَلْآنَ“، وتَرْكِ (p-١٥٣)الواوِ مَحْذُوفَةً لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ولا يُعْتَدُّ بِفَتْحَةِ اللّامِ، ويَجُوزُ: ”قالُوا لانَ جِيتَ بِالحَقِّ“، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، فَلا يُقْرَأنَّ بِحَرْفٍ لَمْ يُقْرَأْ بِهِ، وإنْ كانَ ثابِتًا في العَرَبِيَّةِ، والَّذِينَ أظْهَرُوا الواوَ أظْهَرُوها لِحَرَكَةِ اللّامِ، لِأنَّهم كانُوا حَذَفُوها لِسُكُونِها، فَلَمّا تَحَرَّكَتْ رَدُّوها، والأجْوَدُ في العَرَبِيَّةِ حَذْفُها، لِأنَّهُ قُرِئَ بِهِ، تَقُولُ: ”اَلْأحْمَرُ“، ويُلْقُونَ الهَمْزَةَ، فَيَقُولُونَ: ”اَلَحْمَرُ“، فَيَفْتَحُونَ اللّامَ، ويُقِرُّونَ ألِفَ الوَصْلِ، لِأنَّ اللّامَ في نِيَّةِ السُّكُونِ، وبَعْضُهم يَقُولُ: ”لَحْمَرُ“، ولا يُقِرُّ ألِفَ الوَصْلِ، يُرِيدُ: ”اَلْأحْمَرُ“، فَأمّا نَصْبُ ”اَلْآنَ“، فَهي حَرَكَةٌ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: ”أنا الآنَ أُكْرِمُكَ“، و”مِنَ الآنَ فَعَلْتُ كَذا وكَذا“، وإنَّما كانَ في الأصْلِ مَبْنِيًّا، وحُرِّكَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وبُنِيَ ”اَلْآنَ“، وفِيهِ الألِفُ واللّامُ، لِأنَّ الألِفَ واللّامَ دَخَلَتا بِعَهْدٍ غَيْرِ مُتَقَدِّمٍ، إنَّما تَقُولُ: ”اَلْغُلامُ فَعَلَ كَذا“، إذا عَهِدْتَهُ أنْتَ ومُخاطَبُكَ، وهَذِهِ الألِفُ واللّامُ تَنُوبانِ عَنْ مَعْنى الإشارَةِ، المَعْنى: أنْتَ إلى هَذا الوَقْتِ تَفْعَلُ، فَلَمْ يُعْرَبْ ”اَلْآنَ“، كَما لا يُعْرَبُ ”هَذا“ .
البقرة 2:72
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها﴾، مَعْناهُ: فَتَدارَأْتُمْ فِيها، أيْ: تَدافَعْتُمْ، أيْ: ألْقى بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، يُقالُ: ”دَرَأْتُ فُلانًا“، إذا دافَعْتُهُ، و”دارَيْتُهُ“، إذا لايَنْتُهُ، و”دَرَّيْتُهُ“، إذا خَتَلْتُهُ، ولَكِنَّ التّاءَ أُدْغِمَتْ فى الدّالِ، لِأنَّها مِن مَخْرَجٍ واحِدٍ، فَلَمّا أُدْغِمَتْ سُكِّنَتْ، فاجْتُلِبَتْ لَها ألِفُ الوَصْلِ، فَتَقُولُ: ”اِدّارَأ القَوْمُ“، أيْ: تَدافَعَ القَوْمُ.
(p-١٥٤)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، اَلْأجْوَدُ في ”مُخْرِجٌ“: اَلتَّنْوِينُ، لِأنَّهُ إنَّما هو لِما يُسْتَقْبَلُ، أوْ لِلْحالِ، ويَجُوزُ حَذْفُ التَّنْوِينِ اسْتِخْفافًا، فَيُقْرَأُ: ”مُخْرِجُ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ“، فَإنْ كانَ قُرِئَ بِهِ، وإلّا فَلا يُخالَفُ القُرْآنُ، كَما شَرَحْنا.
البقرة 2:74
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾، تَأْوِيلُ ”قَسَتْ“، في اللُّغَةِ: غَلُظَتْ، ويَبِسَتْ، وصَلُبَتْ، فَتَأْوِيلُ القَسْوِ في القَلْبِ: ذَهابُ اللِّينِ، والرَّحْمَةِ، والخُضُوعِ، والخُشُوعِ مِنهُ.
وَمَعْنى ”مِن بَعْدِ ذَلِكَ“: أيْ: مِن بَعْدِ إحْياءِ المَيِّتِ لَكُمْ، بِعُضْوٍ مِن أعْضاءِ البَقَرَةِ، وهَذِهِ آيَةٌ عَظِيمَةٌ، كانَ يَجِبُ عَلى مَن يُشاهِدُها - فَشاهَدَ بِمُشاهَدَتِها مِن قُدْرَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ما يُزِيلُ كُلَّ شَكٍّ - أنْ يَلِينَ قَلْبُهُ، ويَخْضَعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ”مِن بَعْدِ ذَلِكَ“: مِن بَعْدِ إحْياءِ المَيِّتِ، والآياتِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ ذَلِكَ، نَحْوَ مَسْخِ القِرَدَةِ، والخَنازِيرِ، ونَحْوَ رَفْعِ الجَبَلِ فَوْقَهُمْ، ونَحْوَ انْبِجاسِ الماءِ مِن حَجَرٍ يَحْمِلُونَهُ مَعَهُمْ، وإنَّما جازَ ذَلِكَ وهَؤُلاءِ (p-١٥٦)الجَماعَةُ مُخاطَبُونَ، ولَمْ يَقُلْ ”ذَلِكم“، - ولَوْ قالَ: ”ذَلِكم“، كانَ جَيِّدًا - وإنَّما جازَ أنْ تَقُولَ لِلْجَماعَةِ: ”بَعْدَ ذَلِكَ“، و”بَعْدَ ذَلِكم“، لِأنَّ الجَماعَةَ تُؤَدِّي عَنْ لَفْظِها، ”اَلْجَمِيعُ“، و”اَلْفَرِيقُ“، فالخِطابُ في لَفْظٍ واحِدٍ، ومَعْنى ”جَماعَةٌ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَهِيَ كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾، وقَدْ رُوِيَ: ”أوْ أشَدَّ قَسْوَةً“، ومَعْنى تَشْبِيهِ القَسْوَةِ بِالحِجارَةِ قَدْ بَيَّناهُ، ودُخُولُ ”أوْ“، هَهُنا لِغَيْرِ مَعْنى الشَّكِّ، ولَكِنَّها ”أوْ“، اَلَّتِي تَأْتِي لِلْإباحَةِ، تَقُولُ: ”اَلَّذِينَ يَنْبَغِي أنْ يُؤْخَذَ عَنْهُمُ العِلْمُ، الحَسَنُ، أوِ ابْنُ سِيرِينَ“، فَلَسْتَ بِشاكٍّ، وإنَّما المَعْنى هَهُنا: هَذانِ أهْلٌ أنْ يُؤْخَذَ عَنْهُما العِلْمُ، فَإنْ أخَذْتَهُ عَنِ الحَسَنِ فَأنْتَ مُصِيبٌ، وإنْ أخَذْتَهُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ فَأنْتَ مُصِيبٌ، وإنْ أخَذْتَهُ عَنْهُما جَمِيعًا فَأنْتَ مُصِيبٌ، فالتَّأْوِيلُ: ”اِعْلَمُوا أنَّ قُلُوبَ هَؤُلاءِ إنْ شَبَّهْتُمْ قَسْوَتَها بِالحِجارَةِ فَأنْتُمْ مُصِيبُونَ، أوْ بِما هو أشَدُّ فَأنْتُمْ مُصِيبُونَ“، ولا يَصْلُحُ أنْ تَكُونَ ”أوْ“، هَهُنا، بِمَعْنى الواوِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ”مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا... أوْ كَصَيِّبٍ“، أيْ: ”إنْ مَثَّلْتَهم بِالمُسْتَوْقِدِ فَذَلِكَ مَثَلُهُمْ، وإنْ مَثَّلْتَهم بِالصَّيِّبِ فَهو لَهم مَثَلٌ“، وقَدْ شَرَحْناهُ في مَكانِهِ شَرْحًا شافِيًا كافِيًا - إنْ شاءَ اللَّهُ -، فَمَن قَرَأ: ”أشَدُّ قَسْوَةً“، رَفَعَ ”أشَدُّ“، بِإضْمارِ ”هي“، كَأنَّهُ قالَ: ”أوْ هي أشَدُّ قَسْوَةً“، ومَن نَصَبَ: ”أوْ أشَدَّ قَسْوَةً“، فَهو عَلى خَفْضٍ في الأصْلِ، بِمَعْنى الكافِ، ولَكِنَّ ”أشَدَّ“: ”أفْعَلَ“، لا يَنْصَرِفُ، لِأنَّهُ عَلى لَفْظِ الفِعْلِ، وهو نَعْتٌ، فَفُتِحَ، وهو في (p-١٥٧)مَوْضِعِ جَرٍّ، ويَجُوزُ في قَوْلِهِ تَعالى: ”فَهي كالحِجارَةِ“: ”فَهْيَ كالحِجارَةِ“، بِإسْكانِ الهاءِ، لِأنَّ الفاءَ مَعَ ”هي“، قَدْ جَعَلَتِ الكَلِمَةَ بِمَنزِلَةِ ”فَخِذٌ“، فَتُحْذَفُ الكَسْرَةُ اسْتِثْقالًا، وقَدْ رَوى بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ يَجُوزُ في ”هي“، اَلْإسْكانُ في الياءِ مِن ”هي“، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، وهي عِنْدِي لا يَجُوزُ إسْكانُها، ولا إسْكانُ الواوِ في ”هو“، لا يَجُوزُ ”هُوْ رَبُّكم“، وقَدْ رَوى الإسْكانَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ، وهو رَدِيءٌ، لِأنَّ كُلَّ مُضْمَرٍ فَحَرَكَتُهُ - إذا انْفَرَدَ - الفَتْحُ، نَحْوَ: ”أنا رَبُّكم“، فَكَما لا تُسَكَّنُ نُونُ ”أنا“، لا تُسَكَّنُ هَذِهِ الواوُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ﴾، بَيَّنَ - عَزَّ وجَلَّ - كَيْفَ كانَتْ قُلُوبُهُمْ، أنَّها أشَدُّ قَسْوَةً وأصْلَبُ مِنَ الحِجارَةِ، وأعْلَمَ أنَّ الحِجارَةَ تَتَفَجَّرُ مِنها الأنْهارُ، ومِنها ما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ، يَعْنِي العُيُونَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنَ الحِجارَةِ، ولا تَكُونُ أنْهارًا، ومِنها ما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، فَقالُوا: إنَّ الَّذِي يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ نَحْوُ الجَبَلِ الَّذِي تَجَلّى اللَّهُ لَهُ حِينَ كَلَّمَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقالَ قَوْمٌ: إنَّها أثَرُ الصَّنْعَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ، وهَذا خَطَأٌ، لِأنَّ لَيْسَ مِنها شَيْءٌ لَيْسَ أثَرُ الصَّنْعَةِ بَيِّنًا في جَمِيعِها، وإنَّما الهابِطُ مِنها مَجْعُولٌ فِيهِ التَّمْيِيزُ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَوْ أنْـزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]، وكَما قالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ﴾ [الحج: ١٨]، ثُمَّ قالَ: ﴿والنُّجُومُ والجِبالُ﴾ [الحج: ١٨]، فَأعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ (p-١٥٨)تَمْيِيزٌ أرادَ اللَّهُ مِنها، ولَوْ كانَ يُرادُ بِذَلِكَ الصَّنْعَةُ لَمْ يَقُلْ: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ [الحج: ١٨]، لِأنَّ أثَرَ الصَّنْعَةِ شامِلٌ لِلْمُؤْمِنِ وغَيْرِهِ.
البقرة 2:75
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾، هَذِهِ الألِفُ ألِفَ اسْتِخْبارٍ، وتُجْرى في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ مُجْرى الإنْكارِ، والنَّهْيِ، إذا لَمْ يَكُنْ مَعَها نَفْيٌ، كَأنَّهُ أيْأسَهم مِنَ الطَّمَعِ في إيمانِ هَذِهِ الفِرْقَةِ مِنَ اليَهُودِ، فَإذا كانَ في أوَّلِ الكَلامِ نَفْيٌ، فَإنْكارُ النَّفْيِ تَثْبِيتٌ، نَحْوَ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] ﴿قالُوا بَلى﴾ [الملك: ٩]، فَجَوابُ ”أفَتَطْمَعُونَ“: ”لا“، كَما وصَفْنا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ﴾، يُرْوى في التَّفْسِيرِ أنَّهم سَمِعُوا كَلامَ اللَّهِ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَحَرَّفُوهُ، فَقِيلَ في هَؤُلاءِ الَّذِينَ شاهَدَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: إنَّهم كَفَرُوا، وحَرَّفُوا، فَلَهم سابِقَةٌ في كُفْرِهِمْ.
البقرة 2:76
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾، اَلْمَعْنى: أتُخْبِرُونَهم بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذِكْرُهُ مَوْجُودٌ في كِتابِكُمْ، وصِفَتُهُ، لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ؟ أيْ لِتَكُونَ لَهُمُ الحُجَّةُ في إيمانِهِمْ بِالنَّبِيِّ ﷺ عَلَيْكُمْ، إذْ كُنْتُمْ مُقِرِّينَ بِهِ، تُخْبِرُونَ بِصِحَّةِ أمْرِهِ مِن كِتابِكُمْ، فَهَذا بَيَّنَ حُجَّتَهُ عَلَيْكم عِنْدَ اللَّهِ.
(p-١٥٩)﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾، أيْ: أفَلا تَعْقِلُونَ حُجَّةَ اللَّهِ عَلَيْكم في هَذا؟
البقرة 2:78
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمِنهم أُمِّيُّونَ﴾، مَعْنى ”اَلْأُمِّيُّ“، في اللُّغَةِ: اَلْمَنسُوبُ إلى ما عَلَيْهِ جِبِلَّةُ أُمَّتِهِ، أيْ: لا يَكْتُبُ، فَهو في أنَّهُ لا يَكْتُبُ، عَلى ما وُلِدَ عَلَيْهِ، وارْتَفَعَ ”أُمِّيُّونَ“، بِالِابْتِداءِ، و”مِنهم“، اَلْخَبَرُ، ومِن قَوْلِ الأخْفَشِ يَرْتَفِعُ ”أُمِّيُّونَ“، بِفِعْلِهِمْ، كانَ المَعْنى: ”واسْتَقَرَّ مِنهم أُمِّيُّونَ“ .
وَمَعْنى ”إلّا أمانِيَّ“: قالَ النّاسُ في مَعْناهُ قَوْلَيْنِ: قالُوا: مَعْناهُ: لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا تِلاوَةً، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]، أيْ: إذا تَلا ألْقى الشَّيْطانُ في تِلاوَتِهِ، وقَدْ قِيلَ: ”اَلْأمانِيُّ“: أكاذِيبُ العَرَبِ، تَقُولُ: ”أنْتَ إنَّما تَتَمَنّى هَذا القَوْلَ“، أيْ: تَخْتَلِقُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”أمانِيَّ“، مَنسُوبًا إلى القائِلِ إذا قالَ ما لا يَعْلَمُهُ، فَكَأنَّهُ إنَّما يَتَمَنّاهُ، وهَذا مُسْتَعْمَلٌ في كَلامِ النّاسِ، تَقُولُ - لِلَّذِي يَقُولُ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ، وهو يُحِبُّهُ -: ”هَذا مُنًى“، و”هَذِهِ أُمْنِيَّةٌ“، وفي لَفْظِ ”أمانِيَّ“، وجْهانِ: اَلْعَرَبُ تَقُولُ: ”هَذِهِ أمانٍ“، و”أمانِيُّ يا هَذا“، بِالتَّشْدِيدِ، والتَّخْفِيفِ، فَمَن قالَ: ”أمانِيَّ“، بِالتَّشْدِيدِ، فَهو مِثْلُ ”أُحْدُوثَةٌ“، و”أحادِيثُ“، و”قُرْقُورَةٌ“، و”قَراقِيرُ“، ومَن قالَ: ”أمانٍ“، بِالتَّخْفِيفِ، فَهو مِمّا اجْتَمَعَتْ فِيهِ الياءانِ أكْثَرُ، لِثِقَلِ الياءِ.
(p-١٦٠)والعَرَبُ تَقُولُ - في ”أثْفِيَةٌ“ -: ”أثافِيَّ“، و”أثافٍ“، والتَّخْفِيفُ أكْثَرُ، لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِمْ ”أثافٍ“، و”اَلْأثافِيُّ“: اَلْأحْجارُ الَّتِي تُجْعَلُ تَحْتَ القِدْرِ.
البقرة 2:79
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾، ”اَلْوَيْلُ“، في اللُّغَةِ: كَلِمَةٌ يَسْتَعْمِلُها كُلُّ واقِعٍ في هَلَكَةٍ، وأصْلُهُ في العَذابِ والهَلاكِ، وارْتَفَعَ ”وَيْلٌ“، بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ”لِلَّذِينَ“، ولَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ لَجازَ: ”فَوَيْلًا لِلَّذِينِ“، عَلى مَعْنى ”جَعَلَ اللَّهُ ويْلًا لِلَّذِينِ“، والرَّفْعُ عَلى مَعْنى ثُبُوتِ الوَيْلِ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ، ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ، لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، يُقالُ: إنَّ هَذا في صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ، كَتَبُوا صِفَتَهُ عَلى غَيْرِ ما كانَتْ عَلَيْهِ في التَّوْراةِ، ويُقالُ في التَّفْسِيرِ: إنَّهم كَتَبُوا صِفَتَهُ أنَّهُ آدَمُ، طَوِيلٌ، وكانَتْ صِفَتُهُ فِيها أنَّهُ آدَمُ رَبْعَةٌ، فَبَدَّلُوا، فَألْزَمَهُمُ اللَّهُ الوَيْلَ بِما كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ، ومِن كَسْبِهِمْ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّهم أخَذُوا عَلَيْهِ الأمْوالَ، وقَبِلُوا الهَدايا.
البقرة 2:80
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾، ”تَمَسَّنا“، نُصِبَ بِـ”لَنْ“، وقَدِ اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في عِلَّةِ النَّصْبِ بِـ”لَنْ“، فَرُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ قَوْلانِ، أحَدُهُما أنَّها نَصَبَتْ كَما نَصَبَتْ ”أنْ“، ولَيْسَ ما بَعْدَها بِصِلَةٍ لَها، لِأنَّ ”لَنْ يَفْعَلَ“، نَفْيُ ”سَيَفْعَلُ“، فَقَدَّمَ ما بَعْدَها عَلَيْها، نَحْوَ قَوْلِكَ: ”زَيْدًا لَنْ أضْرِبَ“، (p-١٦١)كَما تَقُولُ: ”زَيْدًا لَمْ أضْرِبْ“، وقَدْ رَوى سِيبَوَيْهِ عَنْ بَعْضِ أصْحابِ الخَلِيلِ، عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: اَلْأصْلُ في ”لَنْ“: ”لا أنْ“، ولَكِنَّ الحَذْفَ وقَعَ اسْتِخْفافًا، وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ هَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ ”زَيْدًا لَنْ أضْرِبَ“، وعَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ جَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ، وقَدْ حَكى هِشامٌ عَنِ الكِسائِيِّ في ”لَنْ“، مِثْلَ هَذا القَوْلِ الشّاذِّ عَنِ الخَلِيلِ، ولَمْ يَأْخُذْ بِهِ سِيبَوَيْهِ، ولا أصْحابُهُ، ومَعْنى ”أيّامًا مَعْدُودَةً“: قالُوا: إنَّما نُعَذَّبُ لِأنَّنا عَبَدْنا العِجْلَ أيّامًا، قِيلَ في عَدَدِها قَوْلانِ، قِيلَ: سَبْعَةُ أيّامٍ، وقِيلَ: أرْبَعُونَ يَوْمًا، وهَذِهِ الحِكايَةُ عَنِ اليَهُودِ، هُمُ الَّذِينَ قالُوا: ”﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾، بِقَطْعِ الألِفِ، هي تُقْرَأُ عَلى ضَرْبَيْنِ: ”أتَّخَذْتُمْ“، بِتَبْيِينِ الذّالِ، و”أتَّخَتُّمْ“، بَإدْغامِ الذّالِ في التّاءِ، والألِفُ قَطْعٌ، لِأنَّها ألِفُ اسْتِفْهامٍ، وتَقْرِيرٍ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾، اَلْمَعْنى: عَهِدَ اللَّهُ إلَيْكم في أنَّهُ لا يُعَذِّبُكم إلّا هَذا المِقْدارَ؟
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾، أيْ: إنْ حانَ لَكم عَهْدٌ فَلَنْ يُخْلِفَهُ اللَّهُ، أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ.
البقرة 2:81
(p-١٦٢)ثُمَّ قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾، رَدًّا لِقَوْلِهِمْ: ”لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾، فالحَقُّ في هَذِهِ الآيَةِ، والإجْماعُ، أنَّ هَذا لِلْيَهُودِ خاصَّةً، لِأنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - في ذِكْرِهِمْ، وقَدْ قِيلَ: ”مَن كَسَبَ سَيِّئَةً“: اَلشِّرْكَ بِاللَّهِ، و”أحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ“: اَلْكَبائِرُ، والَّذِي جَرى في هَذِهِ الأقاصِيصِ إنَّما هو إخْبارٌ عَنِ اليَهُودِ.
البقرة 2:83
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾، اَلْقِراءَةُ عَلى ضَرْبَيْنِ: ”تَعْبُدُونَ“، و”يَعْبُدُونَ“، بِالياءِ، والتّاءِ، وقَدْ رُوِيَ وجْهٌ ثالِثٌ لا يُؤْخَذُ بِهِ، لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِلْمُصْحَفِ، قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”لا تَعْبُدُوا“ .
وَرُفِعَ ”لا تَعْبُدُونَ“، بِالتّاءِ عَلى ضَرْبَيْنِ، عَلى أنْ يَكُونَ ”لا“، جَوابَ القَسَمِ، لِأنَّ أخْذَ المِيثاقِ بِمَنزِلَةِ القَسَمِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، فَجاءَ جَوابُ القَسَمِ بِاللّامِ، فَكَذَلِكَ هو بِالنَّفْيِ بِـ”لا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعُهُ عَلى إسْقاطِ ”أنْ“، عَلى مَعْنى ”ألّا تَعْبُدُوا“، فَلَمّا سَقَطَتْ ”أنْ“، رُفِعَتْ، وهَذا مَذْهَبُ الأخْفَشِ، وغَيْرِهِ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، فَأمّا القِراءَةُ بِالتّاءِ، فَعَلى مَعْنى الخِطابِ، والحِكايَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ”قُلْنا لَهُمْ: لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ“، وأمّا ”لا يَعْبُدُونَ“، بِالياءِ، فَإنَّهم غُيَّبٌ، وعَلامَةُ الغائِبِ الياءُ.
(p-١٦٣)وَمَعْنى أخْذِ المِيثاقِ والعَهْدِ قَدْ بَيَّناهُ قَبْلَ هَذا المَوْضِعِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾، نُصِبَ عَلى مَعْنى ”وَأحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا“، بَدَلٌ مِنَ اللَّفْظِ ”أحْسِنُوا“، و”ذِي القُرْبى واليَتامى“، جُمِعَ عَلى ”فَعالى“، كَما جُمِعَ ”أسِيرٌ“، عَلى ”أُسارى“، يُقالُ: ”يَتِمَ، يَيْتَمُ، يُتْمًا، ويَتْمًا“، إذا فَقَدَ أباهُ، هَذا لِلْإنْسانِ، فَأمّا غَيْرُهُ، فَيُتْمُهُ مِن قِبَلِ أُمِّهِ، أخْبَرَنِي بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الرِّياشِيِّ، عَنِ الأصْمَعِيِّ: إنَّ اليَتِيمَ في النّاسِ مِن قِبَلِ الأبِ، وفي غَيْرِ النّاسِ مِن قِبَلِ الأُمِّ، و”المَساكِينِ“، مَأْخُوذٌ مِن ”اَلسُّكُونُ“، واحِدُهم ”مِسْكِينٌ“، كَأنَّهُ قَدْ أسْكَنَهُ الفَقْرُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾، فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: ”حُسْنًا“، بِالتَّنْوِينِ، وإسْكانِ السِّينِ، و”حَسَنًا“، بِالتَّنْوِينِ، وفَتْحِ السِّينِ، ورَوى الأخْفَشُ: ”حُسْنى“، غَيْرَ مُنَوَّنٍ، فَأمّا الوَجْهانِ الأوَّلانِ، فَقَرَأهُما النّاسُ، وهُما جَيِّدانِ بالِغانِ في اللُّغَةِ، وأمّا (p-١٦٤)”حُسْنى“، فَكانَ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ بِهِ، لِأنَّهُ بابُ ”اَلْأفْعَلُ“، و”اَلْفُعْلى“، نَحْوَ: ”اَلْأحْسَنُ“، و”اَلْحُسْنى“، و”اَلْأفْضَلُ“، و”اَلْفُضْلى“، لا يُسْتَعْمَلُ إلّا بِالألِفِ واللّامِ، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ [الأنبياء: ١٠١]، وقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وفي قَوْلِهِ: ”حُسْنًا“، بِالتَّنْوِينِ، قَوْلانِ: اَلْمَعْنى: قُولُوا لِلنّاسِ قَوْلًا ذا حُسْنٍ، وزَعَمَ الأخْفَشُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”حُسْنًا“، في مَعْنى ”حَسَنًا“، فَأمّا ”حَسَنًا“، فَصِفَةٌ، المَعْنى: ”قَوْلًا حَسَنًا“، وتَفْسِيرُ: ﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾، مُخاطَبَةٌ لِعُلَماءِ اليَهُودِ، قِيلَ لَهُمْ: اُصْدُقُوا في صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ.
﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾، اِعْلَمُوا أنَّهُ قَدْ أخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ، وعَهِدَ عَلَيْهِمْ فِيهِ بِالصِّدْقِ في صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلا قَلِيلا مِنكُمْ﴾، يَعْنِي أوائِلَهُمُ الَّذِينَ أخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾، أيْ: وأنْتُمْ أيْضًا كَأوائِلِكم في الإعْراضِ عَمّا عُهِدَ إلَيْكم فِيهِ، ونُصِبَ ”إلّا قَلِيلًا“، عَلى الِاسْتِثْناءِ، والمَعْنى: ”أسْتَثْنِي قَلِيلًا مِنكم“ .
البقرة 2:84
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾، يُقالُ: ”سَفَكْتُ الدَّمَ، أسْفِكُهُ، سَفْكًا“، إذا صَبَبْتُهُ، ورُفِعَ ”لا تَسْفِكُونَ“، عَلى (p-١٦٥)القَسَمِ، وعَلى حَذْفِ ”أنْ“، كَما وصَفْنا في قَوْلِهِ: ”لا تَعْبُدُونَ“، ومِثْلُ حَذْفِ ”أنْ“، قَوْلُ طَرَفَةَ:
؎ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرَ الوَغى ∗∗∗ وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي
وَواحِدُ ”اَلدِّماءُ“: ”دَمٌ يا هَذا“، مُخَفَّفٌ، وأصْلُهُ ”دَمَيٌ“، في قَوْلِ أكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ، ودَلِيلُ مَن قالَ: إنَّ أصْلَهُ ”دَمَيٌ“، قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلَوْ أنّا عَلى حَجَرٍ ذُبِحْنا ∗∗∗ جَرى الدَّمَيانِ بِالخَبَرِ اليَقِينِ
وَقالَ قَوْمٌ: أصْلُهُ: ”دَمْيٌ“، إلّا أنَّهُ لَمّا حُذِفَ ورُدَّ إلَيْهِ ما حُذِفَ مِنهُ، حُرِّكَتِ المِيمُ، لِتَدُلَّ الحَرَكَةُ عَلى أنَّهُ اسْتُعْمِلَ مَحْذُوفًا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾، عُطِفَ عَلى ”لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أقْرَرْتُمْ﴾، أيْ: اِعْتَرَفْتُمْ بِأنَّ هَذا أُخِذَ عَلَيْكم في العَهْدِ، وأُخِذَ عَلى آبائِكُمْ، وأنْتُمْ أيُّها الباقُونَ المُخاطَبُونَ تَشْهَدُونَ أنَّ هَذا حَقٌّ.
البقرة 2:85
﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾، اَلْخِطابُ وقَعَ لِلْيَهُودِ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ، وبَنِي النَّضِيرِ، لِأنَّهم نَكَثُوا، فَقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا، وأخْرَجَ بَعْضُهم بَعْضًا مِن دِيارِهِمْ، وهَذا نَقْضُ عَهْدِهِمْ.
(p-١٦٦)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾، قُرِئَتْ بِالتَّخْفِيفِ، والتَّشْدِيدِ: ”تَظاهَرُونَ“، و”تَظّاهَرُونَ“، فَمَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ، فالأصْلُ فِيهِ: ”تَتَظاهَرُونَ“، فَأُدْغِمَ التّاءُ في الظّاءِ، لِقُرْبِ المَخْرَجَيْنِ، ومَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ فالأصْلُ فِيهِ أيْضًا: ”تَتَظاهَرُونَ“، فَحُذِفَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ، لِاجْتِماعِ تاءَيْنِ، وتَفْسِيرُ ”تَظاهَرُونَ“: تَتَعاوَنُونَ، يُقالُ: ”قَدْ ظاهَرَ فُلانٌ فُلانًا“، إذا عاوَنَهُ، مِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وَكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٥]، أيْ: مُعِينًا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾، ”اَلْعُدْوانُ“: اَلْإفْراطُ في الظُّلْمِ، ويُقالُ: ”عَدا فُلانٌ في ظُلْمِهِ، عَدْوًا، وعُدُوًّا، وعُدْوانًا، وعَداءً“، هَذا كُلُّهُ مَعْناهُ المُجاوَزَةُ في الظُّلْمِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ [النساء: ١٥٤]، إنَّما هو مِن هَذا، أيْ: لا تَظْلِمُوا فِيهِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهُمْ﴾، اَلْقِراءَةُ في هَذا عَلى وُجُوهٍ: ”أسْرى تَفْدُوهم“، و”أسْرى تُفادُوهم“، و”أُسارى تُفادُوهم“، ويَجُوزُ: ”أسارى“، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، وأصْلُ الجَمْعِ ”فُعالى“ .
أعْلَمَ اللَّهُ مُناقَضَتَهم في كِتابِهِ، وأنَّهُ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ قَتْلَهُمْ، وإخْراجَهم مِن دِيارِهِمْ، وأنَّهم يُفادُونَهم إذا أُسِرُوا، ويَقْتُلُونَهُمْ، ويُخْرِجُونَهم مِن دِيارِهِمْ، فَوَبَّخَهُمْ، فَقالَ: ﴿فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾، يَعْنِي ما نالَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وبَنِي النَّضِيرِ، لِأنَّ بَنِي النَّضِيرِ أُجْلُوا إلى الشّامِ، (p-١٦٧)وَبَنِي قُرَيْظَةَ أُبِيدُوا، حُكِمَ فِيهِمْ بِقَتْلِ المُقاتِلَةِ، وسَبْيِ الذَّرارِي، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا﴾ [المائدة: ٣٣]، ولِغَيْرِهِمْ مِن سائِرِ الكُفّارِ الخِزْيُ في الدُّنْيا القَتْلُ، وأخْذُ الجِزْيَةِ، مَعَ الذِّلَّةِ، والصَّغارِ، ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُكَفِّرٍ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، وأنَّهم صائِرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ، فَقالَ: ﴿ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا﴾ [المائدة: ٣٣] ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾، ومَعْنى ”ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم“: ”هَؤُلاءِ“، في مَعْنى: ”اَلَّذِينَ“، و”تَقْتُلُونَ“: صِلَةٌ لِـ”هَؤُلاءِ“، كَقَوْلِكَ: ”ثُمَّ أنْتُمُ الَّذِينَ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم“، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ١٧] وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ﴾، ”هو“: عَلى ضَرْبَيْنِ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ إضْمارَ الإخْراجِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، قالَ: ”وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ... وهو مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهم“، ثُمَّ بَيَّنَ - لِتَراخِي الكَلامِ - أنَّ ذَلِكَ الَّذِي حَرَّمَ: اَلْإخْراجُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ لِلْقِصَّةِ، والحَدِيثِ، والخَبَرِ، كَأنَّهُ قالَ: ”والخَبَرُ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهم“، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، أيْ: اَلْأمْرُ الَّذِي هو الحَقُّ تَوْحِيدُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ.
(p-١٦٨)﴿خِزْيٌ﴾، يُقالُ في الشَّرِّ، والسُّوءِ: ”خَزِيَ الرَّجُلُ خِزْيًا“، ويُقالُ في الحَياءِ: ”خَزِيَ، يَخْزى، خِزايَةً“، ومَعْنى ﴿يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ﴾، و”عَذابٌ عَظِيمٌ“، و”عَذابٌ ألِيمٌ“: أنَّ العَذابَ عَلى ضَرْبَيْنِ، عَلى قَدْرِ المَعاصِي، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤] ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ [الليل: ١٥] ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٦]، فَهَذِهِ النّارُ المَوْصُوفَةُ هَهُنا لا يَدْخُلُها إلّا الكُفّارُ.
البقرة 2:87
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾، يَعْنِي التَّوْراةَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾، أيْ: أرْسَلْنا رَسُولًا يَقْفُو رَسُولًا في دُعائِهِ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، والقِيامِ بِشَرائِعِ دِينِهِ، يُقالُ مِن ذَلِكَ: ”فُلانٌ يَقْفُو فُلانًا“، إذا أتْبَعَهُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾، مَعْنى ”آتَيْنا“: أعْطَيْنا، ومَعْنى ”اَلْبَيِّناتِ“: اَلْآياتِ الَّتِي يَعْجِزُ عَنْها المُخَلِّقُونَ، مِمّا أُعْطِيَهُ عِيسى ﷺ، مِن إحْيائِهِ المَوْتى، وإبْرائِهِ الأكْمَهَ، والأبْرَصَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾، مَعْنى ”أيَّدْنا“، في اللُّغَةِ: قَوَّيْنا، وشَدَدْنا، قالَ الشّاعِرُ:
؎مِن أنْ تَبَدَّلْتَ بِآدٍ آدا
يُرِيدُ: ”مِن أنْ تَبَدَّلْتَ بِأيْدٍ آدًا“، يُرِيدُ: بِقُوَّةٍ قُوَّةٍ، ”اَلْآدُ“، و”اَلْأيْدُ“: اَلْقُوَّةُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾، ”رُوحُ القُدُسِ“: ”جِبْرِيلُ“ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، و”اَلْقُدُسُ“: اَلطَّهارَةُ، وقَدْ بَيَّناهُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾، (p-١٦٩)نَصْبُ ”كُلَّما“، كَنَصْبِ سائِرِ الظُّرُوفِ، ومَعْنى ”اِسْتَكْبَرْتُمْ“: أنِفْتُمْ، وتَعَظَّمْتُمْ مِن أنْ تَكُونُوا أتْباعًا، لِأنَّهم كانَتْ لَهم رِياسَةٌ، وكانُوا مَتْبُوعِينَ، فَآثَرُوا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ.
البقرة 2:88
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾، تُقْرَأُ عَلى وجْهَيْنِ: ”غُلْفٌ“، و”غُلُفٌ“، وأجْوَدُ القِراءَتَيْنِ ”غُلْفٌ“، بِإسْكانِ اللّامِ، لِأنَّ لَهُ شاهِدًا مِنَ القُرْآنِ، ومَعْنى ”غُلْفٌ“: ذَواتُ غُلْفٍ، الواحِدُ مِنها: ”أغْلَفُ“، و”غُلْفٌ“، مِثْلُ ”أحْمَرُ“، و”حُمْرٌ“، فَكَأنَّهم قالُوا: ”قُلُوبُنا في أوْعِيَةٍ“، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥]، ومَن قَرَأ: ”غُلُفٌ“، فَهو جَمْعُ ”غِلافٌ“، و”غُلُفٌ“، مِثْلُ: ”مِثالٌ“، و”مُثُلٌ“، و”حِمارٌ“، و”حُمُرٌ“، فَيَكُونَ مَعْنى هَذا: ”إنَّ قُلُوبَنا أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ“، والأوَّلُ أشْبَهُ، ويَجُوزُ أنْ تُسَكَّنَ ”غُلُفٌ“، فَيُقالَ: ”غُلْفٌ“، كَما يُقالُ في جَمْعِ ”مِثالٌ“: ”مُثْلٌ“، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الأمْرَ عَلى خِلافِ ما قالُوا، فَقالَ: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾، مَعْنى ”لَعَنَهم“، في اللُّغَةِ: أبْعَدَهُمْ، فالتَّأْوِيلُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، كَما قالَ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، ثُمَّ أخْبَرَ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ ذَلِكَ مُجازاةٌ مِنهُ لَهم عَلى كُفْرِهِمْ، فَقالَ: ”بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ“، و”اَللَّعْنُ“، كَما وصَفْنا: اَلْإبْعادُ، قالَ الشَّمّاخُ:
؎وَماءٍ قَدْ ورَدْتُ لِوَصْلِ أرْوى ∗∗∗ عَلَيْهِ الطَّيْرُ كالوَرَقِ اللَّجِينِ
؎(p-١٧٠)ذَعَرْتُ بِهِ القَطا ونَفَيْتُ عَنْهُ ∗∗∗ مَقامَ الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللَّعِينِ
البقرة 2:89
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾، تُقْرَأُ: ”جاءَهم“، بِفَتْحِ الجِيمِ، والتَّفْخِيمِ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وهي اللُّغَةُ العُلْيا القُدْمى، والإمالَةُ إلى الكَسْرِ لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، وكَثِيرٍ مِنَ العَرَبِ، ووَجْهُها أنَّها الأصْلُ مِن ذَواتِ الياءِ، فَأُمِيلَتْ، لِتَدُلَّ عَلى ذَلِكَ، ومَعْنى كِتابِ اللَّهِ، هَهُنا: اَلْقُرْآنُ، واشْتِقاقُهُ مِن ”اَلْكَتْبُ“، وهي جَمْعُ ”كَتْبَةٌ“، وهي الخَرَزَةُ، وكُلُّ ما ضَمَمْتَ بَعْضَهُ إلى بَعْضٍ عَلى جِهَةِ التَّقارُبِ، والِاجْتِماعِ، فَقَدْ كَتَبْتَهُ، و”اَلْكَتِيبَةُ“: اَلْفِرْقَةُ الَّتِي تُحارِبُ، مِن هَذا اشْتِقاقُها، لِأنَّ بَعْضَها مُنْضَمٌّ إلى بَعْضٍ، وسُمِّيَ كَلامُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - الَّذِي أُنْزِلَ عَلى نَبِيِّهِ ”كِتابًا“، و”قُرْآنًا“، و”فُرْقانًا“، فَقَدْ فَسَّرْنا مَعْنى ”كِتابٌ“، ومَعْنى ”قُرْآنٌ“: مَعْنى الجَمْعِ، يُقالُ: ”ما قَرَأتْ هَذِهِ النّاقَةُ سَلًى قَطُّ“، أيْ: لَمْ يَضْطَمَّ رَحِمُها عَلى ولَدٍ قَطُّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎هِجانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينا
قالَ أكْثَرُ النّاسِ: لَمْ تَجْمَعْ جَنِينًا، أيْ: لَمْ تَضُمَّ رَحِمَها عَلى الجَنِينِ، وقالَ قُطْرُبُ - في ”قُرْآنٌ“ - قَوْلَيْنِ، أحَدُهُما هَذا، وهو المَعْرُوفُ الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ النّاسِ، والقَوْلُ الآخَرُ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنَ الصِّحَّةِ، وهو حَسَنٌ، قالَ: ”لَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا“: لَمْ تَلْقَهُ مَجْمُوعًا، وقالَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ”قَرَأتْ“: لَفَظَتْ بِهِ (p-١٧١)مَجْمُوعًا، كَما أنَّ ”لَفَظْتُ“، مِن ”اَللَّفْظُ“، اِشْتِقاقُهُ مِن ”لَفَظْتُ كَذا وكَذا“، إذا ألْقَيْتُهُ، فَكَأنَّ ”قَرَأْتُ القُرْآنَ“: لَفَظْتُ بِهِ مَجْمُوعًا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾، أيْ: يُصَدِّقُ بِالتَّوْراةِ، والإنْجِيلِ، ويُخْبِرُهم بِما في كُتُبِهِمْ، مِمّا لا يُعْلَمُ إلّا بِوَحْيٍ، أوْ قِراءَةِ كُتُبٍ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ أُمِّيًا لا يَكْتُبُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ضُمَّ ”قَبْلُ“، لِأنَّها غايَةٌ، كانَ يَدْخُلُها بِحَقِّ الإعْرابِ الكَسْرُ، والفَتْحُ، فَلَمّا عُدِلَتْ عَنْ بابِها بُنِيَتْ عَلى الضَّمِّ، فَبُنِيَتْ عَلى ما لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُها بِحَقِّ الإعْرابِ، وإنَّما عُدِلَتْ عَنْ بابِها لِأنَّ أصْلَها الإضافَةُ، فَجُعِلَتْ مُفْرَدَةً تُنْبِئُ عَنِ الإضافَةِ، المَعْنى: ”وَكانُوا مِن قَبْلِ هَذا“، ومَعْنى: ”يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا“، فِيهِ قَوْلانِ: قالَ بَعْضُهُمْ: كانُوا يُخْبِرُونَ بِصِحَّةِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ: ”وَكانُوا [مِن قَبْلُ] يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا“: يَسْتَنْصِرُونَ بِذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ، ”فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا“، أيْ: ما كانُوا يَسْتَنْصِرُونَ، وبِصِحَّتِهِ يُخْبِرُونَ، كَفَرُوا، وهم يُوقِنُونَ أنَّهم مُتَعَمِّدُونَ لِلشِّقاقِ، عَداوَةً لِلَّهِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾، قَدْ فَسَّرْنا اللَّعْنَةَ، وجَوابُ ”وَلَمّا جاءَهم كِتابٌ“، مَحْذُوفٌ، لِأنَّ مَعْناهُ مَعْرُوفٌ، دَلَّ عَلَيْهِ ”فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ“ .
البقرة 2:90
(p-١٧٢)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾، ”بِئْسَ“، إذا وقَعَتْ عَلى ”ما“، جُعِلَتْ مَعَها بِمَنزِلَةِ اسْمٍ مَنكُورٍ، وإنَّما ذَلِكَ في ”نِعْمَ، وبِئْسَ“، لِأنَّهُما لا يَعْمَلانِ في اسْمٍ عَلَمٍ، إنَّما يَعْمَلانِ في اسْمٍ مَنكُورٍ، دالٍّ عَلى جِنْسٍ، أوِ اسْمٍ فِيهِ ألِفٌ ولامٌ، يَدُلُّ عَلى جِنْسٍ، وإنَّما كانَتا كَذَلِكَ لِأنَّ ”نِعْمَ“، مُسْتَوْفِيَةٌ لِجَمِيعِ المَدْحِ، و”بِئْسَ“، مُسْتَوْفِيَةٌ لِجَمِيعِ الذَّمِّ، فَإذا قُلْتَ: ”نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ“، فَقَدِ اسْتَحَقَّ زَيْدٌ المَدْحَ الَّذِي يَكُونُ في سائِرِ جِنْسِهِ، قالَ أبُو إسْحاقَ: وفي ”نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ“، أرْبَعُ لُغاتٍ: ”نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ“، و”نَعِمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ“، و”نِعِمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ“، و”نَعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ“، وكَذَلِكَ إذا قُلْتَ: ”بِئْسَ الرَّجُلُ“، دَلَلْتَ عَلى أنَّهُ اسْتَوْفى الذَّمَّ الَّذِي يَكُونُ في سائِرِ جِنْسِهِ.
فَلَمْ يَجُزْ، إذْ كانَ يَسْتَوْفِي مَدْحَ الأجْناسِ، أنْ يَعْمَلَ في غَيْرِ لَفْظِ جِنْسٍ، فَإذا كانَ مَعَها اسْمُ جِنْسٍ بِغَيْرِ ألِفٍ ولامٍ، فَهو نَصْبٌ أبَدًا، وإذا كانَتْ فِيهِ الألِفُ واللّامُ فَهو رَفْعٌ أبَدًا، وذَلِكَ كَقَوْلِكَ: ”نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ“، ونِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ ”، فَلَمّا نُصِبَ رَجُلٌ فَعَلى التَّمْيِيزِ، وفي“ نِعْمَ ”، اِسْمٌ مُضْمَرٌ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ، و“ زَيْدٌ ”، مُبَيِّنٌ مَن هَذا المَمْدُوحُ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ:“ نِعْمَ الرَّجُلُ ”، لَمْ يُعْلَمْ مَن تَعْنِي، فَقَوْلُكَ:“ زَيْدٌ ”، تُرِيدُ بِهِ:“ هَذا المَمْدُوحُ هو زَيْدٌ ”، وقالَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ جَمِيعَ ما قُلْنا في نِعْمَ، وبِئْسَ، وقالا: إنْ شِئْتَ رَفَعْتَ“ زَيْدًا ”، لِأنَّهُ ابْتِداءٌ مُؤَخَّرٌ، كَأنَّكَ قُلْتَ - حِينَ قُلْتَ:“ نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ ”-:“ نِعْمَ زَيْدٌ نِعْمَ الرَّجُلُ ”، وكَذَلِكَ كانَتْ“ ما ”في“ نِعْمَ ”، بِغَيْرِ صِلَةٍ، لِأنَّ الصِّلَةَ تُوَضِّحُ، وتُخَصِّصُ، والقَصْدُ في“ نِعْمَ ”، أنْ يَلِيَها اسْمٌ مَنكُورٌ، أوْ جِنْسٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾“ بِئْسَ شَيْئًا اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم ”.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾، مَوْضِعُهُ رَفْعٌ، المَعْنى: ذَلِكَ الشَّيْءُ المَذْمُومُ أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ.
(p-١٧٣)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَنِعِمّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١]، كَأنَّهُ قالَ:“ فَنِعْمَ شَيْئًا هي ”، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ“ نِعْمَ ”، مَعَ“ ما ”، بِمَنزِلَةِ“ حَبَّ ”، مَعَ“ ذا ”، تَقُولُ:“ حَبَّذا زَيْدٌ ”، و“ حَبَّذا هي ”، و“ نِعِمّا هي ”، والقَوْلُ الأوَّلُ هو مَذْهَبُ النَّحْوِيِّينَ، ورَوى جَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ:“ بِئْسَما تَزْوِيجٌ ولا مَهْرٌ ”، والمَعْنى فِيهِ:“ بِئْسَ شَيْئًا تَزْوِيجٌ ولا مَهْرٌ.
”وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْـزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَـزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾، مَعْناهُ أنَّهم كَفَرُوا بَغْيًا وعَداوَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهم لَمْ يَشُكُّوا في نُبُوَّتِهِ ﷺ، وإنَّما حَسَدُوهُ عَلى ما أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ الفَضْلِ، المَعْنى: كَفَرُوا بَغْيًا، لِأنْ نَزَّلَ اللَّهُ الفَضْلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، ونُصِبَ“ بَغْيًا ”، مَصْدَرًا مَفْعُولًا لَهُ، كَما تَقُولُ:“ فَعَلْتُ ذَلِكَ حَذَرَ الشَّرِّ ”، أيْ:“ لِحَذَرِ الشَّرِّ ”، كَأنَّكَ قُلْتَ:“ حَذِرْتُ حَذَرًا "، ومِثْلُهُ مِنَ الشِّعْرِ قَوْلُ الشّاعِرِ - وهو حاتِمٌ الطّائِيُّ -:
؎وَأغْفِرُ عَوْراءَ الكَرِيمِ ادِّخارَهُ ∗∗∗ وأُعْرِضُ عَنْ شَتْمِ اللَّئِيمِ تَكَرُّما
اَلْمَعْنى: أغْفِرُ عَوْراءَ الكَرِيمِ لِادِّخارِهِ، وأُعْرِضُ عَنْ شَتْمِ اللَّئِيمِ لِلتَّكَرُّمِ، وكَأنَّهُ قالَ: ”أدَّخِرُ الكَرِيمَ ادِّخارًا، وأتَكَرَّمُ عَلى الكَرِيمِ تَكَرُّمًا“، لِأنَّ قَوْلَهُ: ”أغْفِرُ عَوْراءَ الكَرِيمِ“، مَعْناهُ: أدَّخِرُ الكَرِيمَ، وقَوْلَهُ: ”وَأُعْرِضُ عَنْ شَتْمِ اللَّئِيمِ تَكَرُّمًا“، مَعْناهُ ”أتَكَرَّمُ عَلى اللَّئِيمِ“، ومَوْضِعُ ”أنْ“، اَلثّانِيَةِ: نَصْبٌ، المَعْنى: ”أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ (p-١٧٤)لِأنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ“، أيْ: كَفَرُوا لِهَذِهِ العِلَّةِ، فَشَرْحُهُ كَهَذا الَّذِي شَرَحْناهُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾، مَعْنى ”باؤُوا“، في اللُّغَةِ: اِحْتَمَلُوا، يُقالُ: ”قَدْ بُؤْتُ بِهَذا الذَّنْبِ“، أيْ: تَحَمَّلْتُهُ، ومَعْنى ”بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ“: فِيهِ قَوْلانِ: قالَ بَعْضُهُمْ: بِغَضَبٍ مِن أجْلِ الكُفْرِ بِالنَّبِيِّ ﷺ، عَلى غَضَبٍ عَلى الكُفْرِ بِعِيسى ﷺ، يَعْنِي بِهِمُ اليَهُودَ، وقِيلَ: ”فَباؤُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ“، أيْ: بِإثْمٍ اسْتَحَقُّوا بِهِ النّارَ، عَلى إثْمٍ تَقَدَّمَ، أيْ: اِسْتَحَقُّوا بِهِ أيْضًا النّارَ.
البقرة 2:91
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا بِما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾، أيْ: بِالقُرْآنِ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، ﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْـزِلَ عَلَيْنا﴾، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ أنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ فِيما مَضى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ وهو الحَقُّ﴾، مَعْناهُ: ويَكْفُرُونَ بِما بَعْدَهُ، أيْ: بِما بَعْدَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، ﴿وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَدْ كَفَرُوا بِما مَعَهُمْ، إذْ كَفَرُوا بِما يُصَدِّقُ ما مَعَهم.
نُصِبَ ”مُصَدِّقًا“، عَلى الحالِ، وهَذِهِ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، زَعَمَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ، وجَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ المَوْثُوقِ بِعِلْمِهِمْ، أنَّ قَوْلَكَ: ”هو زَيْدٌ قائِمًا“، خَطَأٌ، لِأنَّ قَوْلَكَ: ”هو زَيْدٌ“، كِنايَةٌ عَنِ اسْمٍ مُتَقَدِّمٍ، فَلَيْسَ في الحالِ فائِدَةٌ، لِأنَّ الحالَ تُوجِبُ هَهُنا أنَّهُ إذا كانَ قائِمًا فَهو زَيْدٌ، فَإذا تُرِكَ القِيامُ، فَلَيْسَ بِزَيْدٍ، وهَذا خَطَأٌ، فَأمّا قَوْلُكَ: ”هو زَيْدٌ مَعْرُوفًا“، و”﴿هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [فاطر: ٣١]“، فَفي الحالِ فائِدَةٌ، كَأنَّكَ قُلْتَ: ”اِنْتَبِهْ لَهُ مَعْرُوفًا“، وكَأنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: ”هو زَيْدٌ حَقًّا“، فَـ”مَعْرُوفًا“، حالٌ، لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ زَيْدًا، لِأنَّهُ يُعْرَفُ بِزَيْدٍ، وكَذَلِكَ ”اَلْحَقُّ“، اَلْقُرْآنُ هو الحَقُّ، إذْ كانَ مُصَدِّقًا لِكُتُبِ الرُّسُلِ.
(p-١٧٥)أكْذَبَهُمُ اللَّهُ في قَوْلِهِمْ: ”نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا“، فَقالَ: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، أيْ: أيُّ كِتابٍ جُوِّزَ فِيهِ قَتْلُ نَبِيٍّ؟! وأيُّ دِينٍ، وإيمانٍ جُوِّزَ فِيهِ ذَلِكَ؟! فَإنْ قالَ قائِلٌ: ”فَلِمَ قِيلَ لَهُمْ: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾، وهَؤُلاءِ لَمْ يَقْتُلُوا نَبِيًّا قَطُّ؟“، قِيلَ لَهُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ في هَذا قَوْلَيْنِ، أحَدُهُما: إنَّ الخِطابَ لِمَن شُوهِدَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، ومَن غابَ، خِطابٌ واحِدٌ، فَإذا قَتَلَ أسْلافُهُمُ الأنْبِياءَ، وهم مُقِيمُونَ عَلى ذَلِكَ المَذْهَبِ، فَقَدْ شَرَكُوهم في قَتْلِهِمْ، وقِيلَ أيْضًا: لِمَ رَضِيتُمُ بِذَلِكَ الفِعْلِ؟ وهَذا القَوْلُ الثّانِي يَرْجِعُ إلى مَعْنى الأوَّلِ، وإنَّما جازَ أنْ يُذْكَرَ هُنا لَفْظُ الِاسْتِقْبالِ، والمَعْنى المُضِيُّ، لِقَوْلِهِ: ”مِن قَبْلُ“، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٣]، فَقَوْلُهُ: ”فَلِمَ تَقْتُلُونَ“، بِمَنزِلَةِ ”فَلِمَ قَتَلْتُمْ“، وقِيلَ في قَوْلِهِ: ”إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ“، قَوْلانِ، أحَدُهُما: ”ما كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ“، وقِيلَ: ”إنَّ إيمانَكم لَيْسَ بِإيمانٍ“، و”اَلْإيمانُ“، هَهُنا، واقِعٌ عَلى أصْلِ العَقْدِ، والدِّينِ، فَقِيلَ لَهُمْ: ”لَيْسَ إيمانٌ إيمانًا“، إذا كانَ يَدْعُو إلى قَتْلِ الأنْبِياءِ.
البقرة 2:93
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾، قَدْ بَيَّنّاهُ فِيما مَضى.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾، مَعْناهُ: ”سُقُوا حُبَّ العِجْلِ“، فَحُذِفَ ”حُبَّ“، وأُقِيمَ ”اَلْعِجْلَ“، مَقامَهُ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وَكَيْفَ تُواصِلُ مَن أصْبَحَتْ ∗∗∗ خِلالَتُهُ كَأبِي مَرْحَبِ
(p-١٧٦)أيْ: ”كَخِلالَةِ أبِي مَرْحَبِ“، وكَما قالَ:
؎وَشَرُّ المَنايا مَيِّتٌ بَيْنَ أهْلِهِ ∗∗∗ كَهَلْكِ الفَتى قَدْ أسْلَمَ الحَيَّ حاضِرُهْ
اَلْمَعْنى: ”وَشَرُّ المَنايا مَنِيَّةُ مَيِّتٍ...“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾، أيْ: فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ مُجازاةً لَهم عَلى الكُفْرِ، كَما قالَ: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] .
وَقَوْلُهُ: ﴿بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، قَدْ فَسَّرْناهُ، أيْ: ما كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَبِئْسَ الإيمانُ يَأْمُرُكم بِالكُفْرِ.
البقرة 2:94
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ﴾، قِيلَ لَهم هَذا لِأنَّهم قالُوا: ”﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١]“، وقالُوا: ”﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]“، فَقِيلَ لَهُمْ: إنْ كُنْتُمْ عِنْدَ أنْفُسِكم صادِقِينَ فِيما تَدَّعُونَ، فَتَمَنَّوُا المَوْتَ، فَإنَّ مَن كانَ لا يَشُكُّ في أنَّهُ صائِرٌ إلى الجَنَّةِ، فالجَنَّةُ عِنْدَهُ آثَرُ مِنَ الدُّنْيا، فَإنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَتَمَنَّوُا الأثَرَةَ، والفَضْلَ.
وَلِلنَّبِيِّ ﷺ ولِلْمُسْلِمِينَ في هَذِهِ الآيَةِ أعْظَمُ حُجَّةٍ، وأظْهَرُ آيَةٍ، وأدِلَّةٍ عَلى الإسْلامِ، وعَلى صِحَّةِ تَثْبِيتِ رِسالَةِ النَّبِيِّ ﷺ، لِأنَّهُ قالَ لَهُمْ: ”تَمَنَّوُا المَوْتَ“، وأعْلَمَهم أنَّهم لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا، فَلَمْ يَتَمَنَّهُ مِنهم واحِدٌ، لِأنَّهم لَوْ تَمَنَّوْهُ لَماتُوا مِن (p-١٧٧)ساعَتِهِمْ، فالدَّلِيلُ عَلى عِلْمِهِمْ بِأنَّ أمْرَ النَّبِيِّ ﷺ حَقٌّ أنَّهم كَفُّوا عَنِ التَّمَنِّي، ولَمْ يُقْدِمْ واحِدٌ مِنهم عَلَيْهِ، فَيَكُونَ إقْدامُهُ دَفْعًا لِقَوْلِهِ: ”﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥]“، أوْ يَعِيشَ بَعْدَ التَّمَنِّي، فَيَكُونَ قَدْ رَدَّ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أوْضَحَ الحَقَّ، وبَيَّنَهُ، وقَمَعَ الباطِلَ وأزْهَقَهُ.
البقرة 2:95
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾، يَعْنِي: ما قَدَّمَتْ مِن كُفْرِهِمْ بِالنَّبِيِّ ﷺ، لِأنَّهم كَفَرُوا وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ حَقٌّ، وأنَّهم إنْ تَمَنَّوْهُ ماتُوا، ودَلِيلُ ذَلِكَ إمْساكُهم عَنْ تَمَنِّيهِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾، اَللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ، وغَيْرِ الظّالِمِينَ، وإنَّما الفائِدَةُ هَهُنا أنَّهُ عَلِيمٌ بِمُجازاتِهِمْ، وهَذا جَرى في كَلامِ النّاسِ المُسْتَعْمَلِ بَيْنَهُمْ، إذا أقْبَلَ الرَّجُلُ عَلى رَجُلٍ قَدْ أتى إلَيْهِ مُنْكِرًا، قالَ: ”أنا أعْرِفُكَ“، و”أنا بَصِيرٌ بِكَ“، تَأْوِيلُهُ: أنا أعْلَمُ ما أُعامِلُكَ بِهِ، وأسْتَعْمِلُهُ مَعَكَ، فالمَعْنى: إنَّهُ عَلِيمٌ بِهِمْ، وبَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ، أيْ: يُجازِيهِمْ عَلَيْهِ بِالقَتْلِ في الدُّنْيا، أوْ بِالذِّلَّةِ، والمَسْكَنَةِ، وأداءِ الجِزْيَةِ، ونَصَبَ ”لَنْ“، كَما تَنْصِبُ ”أنْ“، وقَدْ شَرَحْنا نَصْبَها فِيما مَضى، وذَكَرْنا ما قالَهُ النَّحْوِيُّونَ فِيهِ، ونُصِبَ ”أبَدًا“، لِأنَّهُ ظَرْفٌ مِنَ الزَّمانِ، المَعْنى: لَنْ يَتَمَنَّوْهُ في طُولِ عُمْرِهِمْ إلى مَوْتِهِمْ، وكَذَلِكَ قَوْلُكَ: ”لا أُكَلِّمُكَ أبَدًا“، اَلْمَعْنى: ”لا أُكَلِّمُكَ ما عِشْتُ“، ومَعْنى ”بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ“: أيْ: ”بِما تُقَدِّمُهُ أيْدِيهِمْ“، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ: ”بِالَّذِي قَدَّمَتْهُ أيْدِيهِمْ“ .
البقرة 2:96
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾، يَعْنِي بِهِ عُلَماءَ اليَهُودِ هَؤُلاءِ، المَعْنى: إنَّكَ تَجِدُهم في حالِ دُعائِهِمْ إلى تَمَنِّي (p-١٧٨)المَوْتِ أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ، ومَعْنى ”لَتَجِدَنَّهم“: ”لَتَعْلَمَنَّهم“، ومَعْنى ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾، أيْ: ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، وهَذا نِهايَةٌ في التَّمْثِيلِ، والَّذِينَ أشْرَكُوا هُمُ المَجُوسُ، ومَن لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾، ذُكِرَتِ ال ”ألْفُ“، لِأنَّها نِهايَةُ ما كانَتِ المَجُوسُ تَدْعُو بِهِ لِمُلُوكِها، كانَ المَلِكُ يُحَيّا بِأنْ يُقالَ: ”عِشْ ألْفَ نَيْرُوزٍ، وألْفَ مِهْرَجانٍ“، يَقُولُ: فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ، وأنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ لَهُ الفَضْلُ، لا يَتَمَنَّوْنَ المَوْتَ، وهم أحْرَصُ مِمَّنْ لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ، وكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ، لِأنَّهم كُفّارٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وهو عِنْدَهم حَقٌّ، فَيَعْلَمُونَ أنَّهم صائِرُونَ إلى النّارِ، لا مَحالَةَ، فَهم أحْرَصُ لِهَذِهِ العِلَّةِ، ولِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم لَوْ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَماتُوا، لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَقٌّ، لَوْلا ذَلِكَ لَما أمْسَكُوا عَنِ التَّمَنِّي، لِأنَّ التَّمَنِّيَ مِن واحِدٍ مِنهم كانَ يُثْبِتُ قَوْلَهُمْ، وإنَّما بالَغْنا في شَرْحِ هَذِهِ الآياتِ لِأنَّها نِهايَةٌ في الِاحْتِجاجِ في تَثْبِيتِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ﴾، هَذا كِنايَةٌ عَنْ أحَدِهِمُ، الَّذِي جَرى ذِكْرُهُ، كَأنَّهُ قالَ: ”وَما أحَدُهم بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ تَعْمِيرُهُ“، ويَصْلُحُ أنْ تَكُونَ ”هو“، كِنايَةً عَمّا جَرى ذِكْرُهُ مِن طُولِ العُمُرِ، فَيَكُونَ: ”وَما تَعْمِيرُهُ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ“، ثُمَّ جَعَلَ ”أنْ يُعَمَّرَ“، مَبْنِيًّا عَنْ ”هو“، كَأنَّهُ قالَ: ”ذَلِكَ الَّذِي لَيْسَ بِمُزَحْزِحِهِ، أنْ يُعَمَّرَ“، (p-١٧٩)وَقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّ ”هو“، لِمَجْهُولٍ، وهَذا عِنْدَ قَوْمٍ لا يَصْلُحُ في ”ما“، إذا جاءَ في خَبَرِها الباءُ مَعَ الجُمْلَةِ، لا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ: ”ما هو قائِمًا زَيْدٌ“، يُرِيدُونَ: ”ما الأمْرُ قائِمًا زَيْدٌ“، و”لا كانَ هو قائِمًا زَيْدٌ“، يُرِيدُونَ: ”كانَ الأمْرُ قائِمًا زَيْدٌ“، وكَذَلِكَ لا يُجِيزُونَ ”ما هو بِقائِمٍ زَيْدٌ“، يُرِيدُونَ: ”ما الأمْرُ...“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾، شَرْحُهُ تَقَدَّمَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ، وتَقُولُ في ”يَوَدُّ“: ”وَدِدْتُ الرَّجُلَ، أوَدُّهُ، وُدًّا“، أوْ ”وِدادًا، ومَوَدَّةً، ووِدادَةً“، وحَكى الكِسائِيُّ: ”وَدَدْتُ الرَّجُلَ“، والَّذِي يَعْرِفُهُ جَمِيعُ النّاسِ: ”وَدِدْتُهُ“، ولَمْ يَحْكِ إلّا ما سَمِعَ، إلّا أنَّهُ سَمِعَ مِمَّنْ لا يَجِبُ أنْ يُؤْخَذَ بِلُغَتِهِ، لِأنَّ الإجْماعَ عَلى تَصْحِيحِ ”أوِدُّ“، و”أوَدُّ“، لا يَكُونُ ماضِيهِ ”وَدَدْتُ“، فالإجْماعُ يُبْطِلُ ”وَدَدْتُ“، أعْنِي الإجْماعَ في قَوْلِهِمْ: ”أوَدُّ“ .
البقرة 2:97
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾، ”جِبْرِيلُ“، في اسْمِهِ لُغاتٌ، قُرِئَ بِبَعْضِها، ومِنها ما لَمْ يُقْرَأْ بِهِ، فَأجْوَدُ اللُّغاتِ ”جَبْرَئِيلُ“، بِفَتْحِ الجِيمِ، والهَمْزِ، لِأنَّ الَّذِي يُرْوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في صاحِبِ الصُّورِ: ”جَبْرَئِيلُ، عَنْ يَمِينِهِ، ومِيكائِيلُ عَنْ يَسارِهِ“، هَذا الَّذِي ضَبَطَهُ أصْحابُ الحَدِيثِ، ويُقالُ: ”جِبْرِيلُ“، بِفَتْحِ الجِيمِ، وكَسْرِها، ويُقالُ أيْضًا: ”جِبْرَألُّ“، بِحَذْفِ الياءِ، وإثْباتِ الهَمْزَةِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ، ويُقالُ: ”جِبْرِينُ“، بِالنُّونِ، وهَذا (p-١٨٠)لا يَجُوزُ في القُرْآنِ، أعْنِي إثْباتَ النُّونِ، لِأنَّهُ خِلافُ المُصْحَفِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎شَهِدْنا فَما تَلْقى لَنا مِن كَتِيبَةٍ ∗∗∗ يَدَ الدَّهْرِ إلّا جَبْرَئِيلُ أمامَها
وَهَذا البَيْتُ عَلى لَفْظِ ما في الحَدِيثِ، وما عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ القُرّاءِ، وقَدْ جاءَ في الشِّعْرِ: ”جِبْرِيلُ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎وَجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللَّهِ فِينا ∗∗∗ ورُوحُ القُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفاءُ
وَإنَّما جَرى ذِكْرُ هَذا لِأنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: جِبْرِيلُ عَدُوُّنا، فَلَوْ أتاكَ مِيكائِيلُ لَقَبِلْنا مِنكَ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَـزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، يَعْنِي ما تَقَدَّمَ مِنَ الكُتُبِ، ﴿وَهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ونُصِبَ ”مُصَدِّقًا“، عَلى الحالِ.
البقرة 2:98
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾، ”مِيكائِيلُ“، فِيهِ لُغاتٌ: ”مِيكائِيلُ“، و”مِيكالُ“ - وقَدْ قُرِئَ بِهِما جَمِيعًا - و”مِيكَأْلُ“، بِهَمْزَةٍ بِغَيْرِ ياءٍ، وهَذِهِ أسْماءٌ أعْجَمِيَّةٌ، دُفِعَتْ إلى العَرَبِ، فَلَفَظَتْ بِها بِألْفاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، أعْنِي ”جِبْرِيلُ“، و”مِيكائِيلُ“ .
و”إسْرائِيلُ“، فِيهِ لُغاتٌ أيْضًا: ”إسْرايِيلُ“، و”إسْرالُ“، و”إسْرايِلُ“ .
و”إبْراهِيمُ“، و”إبْراهَمُ“، و”أبْرَهْمُ“، و”إبْراهامُ“، والقُرْآنُ إنَّما أتى بِـ”إبْراهِيمُ“، فَقَطْ، وعَلَيْهِ القِراءَةُ، وأكْثَرُ ما أرْوِيهِ مِنَ القِراءَةِ في كِتابِنا هَذا فَهو عَنْ أبِي عُبَيْدٍ، مِمّا رَواهُ (p-١٨١)إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أبِي عُبَيْدٍ.
البقرة 2:99
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَقَدْ أنْـزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾، يَعْنِي الآياتِ الَّتِي جَرى ذِكْرُها، مِمّا قَدْ بَيَّنّاهُ، و”اَلْآيَةُ“، في اللُّغَةِ: اَلْعَلامَةُ، و”بَيِّناتٍ“: واضِحاتٍ، و”قَدْ“، إنَّما تَدْخُلُ في الكَلامِ لِقَوْمٍ لا يَتَوَقَّعُونَ الخَبَرَ، واللّامُ في ”لَقَدْ“، لامُ قَسَمٍ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما يَكْفُرُ بِها إلا الفاسِقُونَ﴾، يَعْنِي الَّذِينَ قَدْ خَرَجُوا عَنِ القَصْدِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَ العَرَبِ: ”فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ“: خَرَجَتْ عَنْ قِشْرَتِها.
البقرة 2:100
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾، مَعْنى ”نَبَذَهُ“: رَفَضَهُ، ورَمى بِهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎نَظَرْتُ إلى عُنْوانِهِ فَنَبَذْتُهُ ∗∗∗ كَنَبْذِكَ نَعْلًا أخْلَقَتْ مِن نِعالِكا
وَنُصِبَ ”﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا﴾، عَلى الظَّرْفِ، وهَذِهِ الواوُ في“ ﴿أوَكُلَّما﴾ ”، تَدْخُلُ عَلَيْها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ مُسْتَأْنَفٌ، والألِفُ أُمُّ حُرُوفِ الِاسْتِفْهامِ، وهَذِهِ الواوُ تَدْخُلُ عَلى“ هَلْ ”، فَتَقُولُ:“ وهَلْ زَيْدٌ عاقِلٌ؟ ”، لِأنَّ مَعْنى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ (p-١٨٢)مَوْجُودٌ في“ هَلْ ”، فَكَأنَّ التَّقْدِيرَ:“ أوَهَلْ ”، إلّا أنَّ ألِفَ الِاسْتِفْهامِ و“ هَلْ ”، لا يَجْتَمِعانِ، لِإغْناءِ“ هَلْ "، عَنِ الألِفِ.
البقرة 2:101
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾، يَعْنِي بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، لِأنَّ الَّذِي جاءَ بِهِ مُصَدِّقٌ التَّوْراةَ، والإنْجِيلَ، و”لِما“، يَقَعُ بِها الشَّيْءُ، لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، ”مُصَدِّقٌ“، رَفْعٌ، صِفَةٌ لِـ”رَسُولٌ“، لِأنَّهُما نَكِرَتانِ، ولَوْ نُصِبَ كانَ جائِزًا، لِأنَّ ”رَسُولٌ“، قَدْ وُصِفَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾، فَلِذَلِكَ صارَ النَّصْبُ يَحْسُنُ، ومَوْضِعُ ”ما“، في ”مُصَدِّقٌ لِّما مَعَهم“: جَرٌّ بِلامِ الإضافَةِ، و”مَعَ“، صِلَةٌ لَها، والنّاصِبُ لِـ”مَعَ“، اَلِاسْتِقْرارُ، المَعْنى: ”لِما اسْتَقَرَّ مَعَهم“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾، ”﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾“، يَعْنِي بِهِ اليَهُودَ، والكِتابُ هُنا: اَلتَّوْراةُ و”﴿كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾“، فِيهِ قَوْلانِ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ القُرْآنَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ التَّوْراةَ، لِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالنَّبِيِّ قَدْ نَبَذُوا التَّوْراةَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾، أعْلَمَ أنَّهم عُلَماءُ بِكِتابِهِمْ، وأنَّهم رَفَضُوهُ عَلى عِلْمٍ بِهِ، وعَداوَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ، وأعْلَمَ أنَّهم نَبَذُوا كِتابَ اللَّهِ.
البقرة 2:102
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾، (p-١٨٣)ما كانَتْ تَتْلُوهُ، والَّذِي كانَتِ الشَّياطِينُ تَلَتْهُ في مُلْكِ سُلَيْمانَ كِتابٌ مِنَ السِّحْرِ، فَلِبُهْتِ اليَهُودِ وكَذِبِهِمُ ادَّعَوْا أنَّ هَذا السِّحْرَ أخَذُوهُ عَنْ سُلَيْمانَ، وأنَّهُ اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ، يَتَكَسَّبُونَ بِذَلِكَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهم رَفَضُوا كِتابَهُ، واتَّبَعُوا السِّحْرَ، ومَعْنى ”﴿عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾“: عَلى عَهْدِ مُلْكِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِمْ، فَبَرَّأ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - سُلَيْمانَ مِنَ السِّحْرِ، وأظْهَرَ مُحَمَّدًا ﷺ عَلى كَذِبِهِمْ، وقالَ: ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾، لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ الإتْيانَ مِن سُلَيْمانَ بِالسِّحْرِ كُفْرًا، فَبَرَّأهُ مِنهُ، وأعْلَمَ أنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا، فَقالَ: ﴿وَلَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾، فَمَن شَدَّدَ ”لَكِنَّ“، نَصَبَ ”اَلشَّياطِينَ“، ومَن خَفَّفَ، رَفَعَ، فَقالَ: ”وَلَكِنِ الشَّياطِينُ كَفَرُوا“، وقَدْ قُرِئَ بِهِما جَمِيعًا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وما أُنْـزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾، وقَدْ قُرِئَ: ”عَلى المَلِكَيْنِ“، و”اَلْمَلَكَيْنِ“، أثْبَتُ في الرِّوايَةِ والتَّفْسِيرِ جَمِيعًا، المَعْنى: يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ، ويُعَلِّمُونَ ما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ، فَمَوْضِعُ ”ما“: نَصْبٌ، نَسَقٌ عَلى ”اَلسِّحْرَ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ، واتَّبَعُوا ما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ“، فَتَكُونَ ”ما“، اَلثّانِيَةُ عَطْفًا عَلى الأُولى.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾، فِيهِ غَيْرُ قَوْلٍ، أحَدُها - وهو أثْبَتُها - أنَّ المَلَكَيْنِ كانا يُعَلِّمانِ النّاسَ السِّحْرَ، و”عَلَّمْتُ“، و”أعْلَمْتُ“، جَمِيعًا في اللُّغَةِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كانا يُعَلِّمانِ نَبَأ السِّحْرِ، ويَأْمُرانِ بِاجْتِنابِهِ، وفي ذَلِكَ حِكْمَةٌ، لِأنَّ سائِلًا لَوْ سَألَ: ما الزِّنا؟ وما (p-١٨٤)القَذْفُ؟ لَوَجَبَ أنْ يُوقَفَ، ويُعَلَّمَ أنَّهُ حَرامٌ، فَكَذَلِكَ مَجازُ إعْلامِ المَلَكَيْنِ النّاسَ، وأمْرُهُما بِاجْتِنابِهِ بَعْدَ الإعْلامِ، يَدُلُّ عَلى ما وصَفْنا، فَهَذا مُسْتَقِيمٌ بَيِّنٌ، ولا يَكُونُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ تَعَلُّمُ السِّحْرِ كُفْرًا، إنَّما يَكُونُ العَمَلُ بِهِ كُفْرًا، كَما أنَّ مَن عَرَفَ الزِّنا لَمْ يَأْثَمْ بِأنَّهُ عَرَفَهُ، وإنَّما يَأْثَمُ بِالعَمَلِ بِهِ.
وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - امْتَحَنَ بِالمَلَكَيْنِ النّاسَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وجَعَلَ المِحْنَةَ في الكُفْرِ، والإيمانِ، أنْ يَقْبَلَ القابِلُ تَعَلُّمَ السِّحْرِ، فَيَكُونَ بِتَعَلُّمِهِ كافِرًا، وبِتَرْكِ تَعَلُّمِهِ مُؤْمِنًا، لِأنَّ السِّحْرَ قَدْ كانَ كَثُرَ، وكانَ في كُلِّ أُمَّةٍ، والدَّلِيلِ عَلى ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ فَزِعَ في أمْرِ مُوسى ﷺ إلى السِّحْرِ، فَقالَ: ”﴿ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [يونس: ٧٩]“، وهَذا مُمْكِنٌ أنْ يَمْتَحِنَ اللَّهُ بِهِ، كَما امْتَحَنَ بِالنَّهْرِ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقَدْ قِيلَ: إنَّ السِّحْرَ ما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ، ولا أمَرا بِهِ، ولا أتى بِهِ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَقالَ قَوْمٌ: ”﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وما أُنْـزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾“، فَيَكُونُ ”ما“، جَحْدًا، ويَكُونُ ”هارُوتُ“، و”مارُوتُ“، مِن صِفَةِ الشَّياطِينِ، عَلى تَأْوِيلِ هَؤُلاءِ، كانَ التَّأْوِيلُ عِنْدَهم عَلى مَذْهَبِ هَؤُلاءِ: ”كانَ الشَّياطِينُ هارُوتَ ومارُوتَ“، ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِما - عَلى مَذْهَبِ هَؤُلاءِ -: ”﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾“، كَقَوْلِ الغاوِي والخَلِيعِ: ”أنا في ضَلالٍ، فَلا تَرِدْ ما أنا فِيهِ“، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، والوَجْهانِ الأوَّلانِ أشْبَهُ بِالتَّأْوِيلِ، وأشْبَهُ بِالحَقِّ، عِنْدَ كَثِيرٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، والقَوْلُ الثّالِثُ لَهُ وجْهٌ، إلّا أنَّ الحَدِيثَ، وما جاءَ في قِصَّةِ المَلَكَيْنِ، أشْبَهُ وأوْلى أنْ يُؤْخَذَ بِهِ، (p-١٨٥)وَإنَّما نَذْكُرُ مَعَ الإعْرابِ المَعْنى، والتَّفْسِيرَ، لِأنَّ كِتابَ اللَّهِ يَنْبَغِي أنْ يَتَبَيَّنَ، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢] ؟! فَحُضِضْنا عَلى التَّدَبُّرِ، والنَّظَرِ، ولَكِنْ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَتَكَلَّمَ إلّا عَلى مَذْهَبِ اللُّغَةِ، أوْ ما يُوافِقُ نَقَلَةَ أهْلِ العِلْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ النَّحْوِيِّينَ قَدْ تَرَكَ كَثِيرٌ مِنهُمُ الكَلامَ فِيها لِصُعُوبَتِها، وتَكَلَّمَ جَماعَةٌ مِنهُمْ، وإنَّما تَكَلَّمْنا عَلى مَذاهِبِهِمْ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: إنَّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ كَلامٌ لَيْسَ بِسِحْرٍ، إلّا أنَّهُ يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ، وزَوْجِهِ، فَهو مِن بابِ السِّحْرِ في التَّحْرِيمِ، وهَذا يَحْتاجُ مِنَ الشَّرْحِ إلى مِثْلِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ السِّحْرُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما﴾، لَيْسَ ”يَتَعَلَّمُونَ“، بِجَوابٍ لِقَوْلِهِ: ”فَلا تَكْفُرْ“، وقَدْ قالَ أصْحابُ النَّحْوِ - في هَذا - قَوْلَيْنِ: قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ قَوْلَهُ: ”يَتَعَلَّمُونَ“، عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ”يُعَلِّمُونَ“، وهَذا خَطَأٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ”مِنهُما“، دَلِيلٌ - هَهُنا - عَلى أنَّ التَّعَلُّمَ مِنَ المَلَكَيْنِ خاصَّةً، وقِيلَ: ”فَيَتَعَلَّمُونَ“، عُطِفَ عَلى ما يُوجِبُهُ مَعْنى الكَلامِ، المَعْنى: ”إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ“: ”فَلا تَتَعَلَّمْ، ولا تَعْمَلْ بِالسِّحْرِ، فَيَأْبَوْنَ، فَيَتَعَلَّمُونَ“، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، والأجْوَدُ في هَذا أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ”يُعْلِّمانِ“، ”فَيَتَعَلَّمُونَ“، واسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ ”يُعْلِّمانِ“، بِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ.
(p-١٨٦)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾، اَلْإذْنُ - هُنا - لا يَكُونُ الأمْرَ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، لِأنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ، ولَكِنَّ المَعْنى: ”إلّا بِعِلْمِ اللَّهِ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾، اَلْمَعْنى: إنَّهُ يَضُرُّهم في الآخِرَةِ، وإنْ تَعَجَّلُوا بِهِ في الدُّنْيا نَفْعًا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾، اَلْخَلاقُ: اَلنَّصِيبُ الوافِرُ مِنَ الخَيْرِ، ويَعْنِي بِذَلِكَ الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ السِّحْرَ، لِأنَّهم كانُوا مِن عُلَماءِ اليَهُودِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾، فِيهِ قَوْلانِ: قالُوا: ”﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾“، يَعْنِي بِهِ الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ السِّحْرَ، والَّذِينَ عَلِمُوا أنَّ العالِمَ بِهِ لا خَلاقَ لَهُ، هُمُ المُعَلَّمُونَ، قالَ أبُو إسْحاقَ: والأجْوَدُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ”﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾“، راجِعًا إلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَدْ عَلِمُوا أنَّهُ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ، أيْ: لِمَن عُلِّمَ السِّحْرَ، ولَكِنْ قِيلَ: ”لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ“، أيْ: لَوْ كانَ عِلْمُهم يَنْفَعُهم لَسُمُّوا عالِمِينَ، ولَكِنَّ عِلْمَهم نَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ، فَقِيلَ لَهُمْ: ”﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾“، أيْ: لَيْسَ يُوَفُّونَ العِلْمَ حَقَّهُ، لِأنَّ العالِمَ، إذا تَرَكَ العَمَلَ بِعِلْمِهِ، قِيلَ لَهُ: ”لَسْتَ بِعالِمٍ“، ودُخُولُ اللّامِ في ”لَقَدْ“، عَلى جِهَةِ القَسَمِ، والتَّوْكِيدِ، وقالَ النَّحْوِيُّونَ - في ”لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ“ - قَوْلَيْنِ: جَعَلَ بَعْضُهم ”مَن“، بِمَعْنى (p-١٨٧)الشَّرْطِ، وجَعَلَ الجَوابَ ”ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ“، وهَذا لَيْسَ بِمَوْضِعِ شَرْطٍ، ولا جَزاءٍ، ولَكِنَّ المَعْنى: ”وَلَقَدْ عَلِمُوا الَّذِي اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ“، كَما تَقُولُ: ”واللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتَ لَلَّذِي جاءَكَ ما لَهُ مِن عَقْلٍ“، فَأمّا دُخُولُ اللّامِ في الجَزاءِ، في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وفِيمَن جَعَلَ هَذا مَوْضِعَ شَرْطٍ، وجَزاءٍ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الروم: ٥٨]، ونَحْوُ: ﴿وَلَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٥]، فاللّامُ الثّانِيَةُ هي لامُ القَسَمِ في الحَقِيقَةِ، لِأنَّكَ إنَّما تَحْلِفُ عَلى فِعْلِكَ، لا عَلى فِعْلِ غَيْرِكَ، في قَوْلِكَ: ”واللَّهِ لَئِنْ جِئْتَنِي لَأُكْرِمَنَّكَ“، فَزَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ اللّامَ لَمّا دَخَلَتْ في أوَّلِ الكَلامِ أشْبَهَتِ القَسَمَ، فَأُجِيبَتْ بِجَوابِهِ، وهَذا خَطَأٌ، لِأنَّ جَوابَ القَسَمِ لَيْسَ يُشْبِهُ القَسَمَ، ولَكِنَّ اللّامَ الأُولى دَخَلَتْ إعْلامًا أنَّ الجُمْلَةَ بِكَمالِها مَعْقُودَةٌ لِلْقَسَمِ، لِأنَّ الجَزاءَ، وإنْ كانَ لِلْقَسَمِ عَلَيْهِ، فَقَدْ صارَ لِلشَّرْطِ فِيهِ حَظٌّ، فَلِذَلِكَ دَخَلَتِ اللّامُ.
البقرة 2:103
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾، ”مَثُوبَةٌ“، في مَوْضِعِ جَوابِ ”لَوْ“، لِأنَّها تُنْبِئُ عَنْ قَوْلِكَ: ”لَأُثِيبُوا“، ومَعْنى الكَلامِ أنَّ ثَوابَ اللَّهِ خَيْرٌ لَهم مِن كَسْبِهِمْ بِالكُفْرِ والسِّحْرِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْمَلُونَ بِعِلْمِهِمْ، ويَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ ما فِيهِ الفَضْلُ.
البقرة 2:104
(p-١٨٨)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا واسْمَعُوا﴾، وقَرَأ الحَسَنُ: ”لا تَقُولُوا راعِنًا“، بِالتَّنْوِينِ، والَّذِي عَلَيْهِ النّاسُ: ”راعِنا“، غَيْرَ مُنَوَّنٍ، وقَدْ قِيلَ في ”راعِنا“، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: قالَ بَعْضُهُمْ: ”راعِنا“: ”أرْعِنا سَمْعَكَ“، وقِيلَ: كانَ المُسْلِمُونَ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ”راعِنا“، وكانَتِ اليَهُودُ تَتَسابُّ بَيْنَها بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، وكانُوا يَسُبُّونَ النَّبِيَّ ﷺ في نُفُوسِهِمْ، فَلَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الكَلِمَةَ اغْتَنَمُوا أنْ يُظْهِرُوا سَبَّهُ بِلَفْظٍ يُسْمَعُ، ولا يَلْحَقُهم بِهِ في ظاهِرِهِ شَيْءٌ، فَأظْهَرَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ والمُسْلِمِينَ عَلى ذَلِكَ، ونَهى عَنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ، وقالَ قَوْمٌ: ”لا تَقُولُوا راعِنا“، مِنَ المُراعاةِ، والمُكافَأةِ، فَأُمِرُوا أنْ يُخاطِبُوا النَّبِيَّ ﷺ بِالتَّقْدِيرِ، والتَّوْقِيرِ، فَقِيلَ لَهُمْ: ”لا تَقُولُوا راعِنا“، أيْ: كافِنا في المَقالِ، كَما يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، ”وَقُولُوا أنْظِرْنا“، أيْ: أمْهِلْنا، واسْمَعُوا، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: اِسْتَمِعُوا، وقالَ قَوْمٌ إنَّ ”راعِنا“، كَلِمَةٌ تَجْرِي عَلى الهَزْءِ والسُّخْرِيَةِ، فَنُهِيَ المُسْلِمُونَ أنْ يَلْتَفِظُوا بِها بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وأمّا قِراءَةُ الحَسَنِ: ”راعِنًا“، فالمَعْنى فِيهِ: لا تَقُولُوا حُمْقًا، مِن ”اَلرُّعُونَةُ“ .
البقرة 2:105
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ﴾، اَلْمَعْنى: ولا مِنَ المُشْرِكِينَ، الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ.
اَلْيَهُودُ والمُشْرِكُونَ في هَذا الوَضْعِ عَبَدَةُ الأوْثانِ، ﴿أنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكُمْ﴾، ويُقْرَأُ: ”أنْ يُنْزَلَ عَلَيْكم“، بِالتَّخْفِيفِ والتَّثْقِيلِ جَمِيعًا، ويَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ: ”أنْ (p-١٨٩)يَنْزِلَ عَلَيْكم“، ولا يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ بِهَذا الوَجْهِ الثّالِثِ، إذْ كانَ لَمْ يَقْرَأْ بِهِ أحَدٌ مِنَ القُرّاءِ المُشْتَهَرِينَ، ومَوْضِعُ ”مِن خَيْرٍ“: رَفْعٌ، المَعْنى: ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا والمُشْرِكُونَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم خَيْرٌ مِن رَبِّكُمْ، ولَوْ كانَ هَذا في الكَلامِ لَجازَ، ولا المُشْرِكُونَ، ولَكِنَّ المُصْحَفَ لا يُخالَفُ، والأجْوَدُ ما ثَبَتَ في المُصْحَفِ أيْضًا، ودُخُولُ ”مِن“، هَهُنا، عَلى جِهَةِ التَّوْكِيدِ، والزِّيادَةِ، كَما في ”ما جاءَنِي مِن أحَدٍ“، و”ما جاءَنِي أحَدٌ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾، أيْ: يَخْتَصُّ بِنُبُوَّتِهِ مَن يَشاءُ مَن أخْبَرَ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ مُخْتارٌ.
البقرة 2:106
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾، في ”نُنْسِها“، غَيْرُ وجْهٍ قَدْ قُرِئَ بِهِ: ”أوْ نُنْسِها“، و”نَنْسَها“، و”نَنْسَأْها“، فَأمّا ”اَلنَّسْخُ“، في اللُّغَةِ، فَإبْطالُ شَيْءٍ، وإقامَةُ آخَرَ مَقامَهُ، العَرَبُ تَقُولُ: ”نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ“، والمَعْنى: أذْهَبَتِ الظِّلَّ، وحَلَّتْ مَحَلَّهُ، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ في مَعْنى ”أوْ نُنْسِها“، قَوْلَيْنِ، قالَ بَعْضُهُمْ: ”أوْ نُنْسِها“، مِن ”اَلنِّسْيانُ“، وقالُوا: دَلِيلُنا عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧]، فَقَدْ أعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ يَشاءُ أنْ يُنْسى، وهَذا القَوْلُ عِنْدِي لَيْسَ بِجائِزٍ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ أنْبَأ النَّبِيَّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦]، أنَّهُ لا يَشاءُ أنْ يَذْهَبَ بِالَّذِي أوْحى بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧]، قَوْلانِ يُبْطِلانِ هَذا القَوْلَ الَّذِي حَكَيْنا عَنْ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ، أحَدُهُما: ”فَلا تَنْسى“، أيْ: لَسْتَ تَتْرُكُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَتْرُكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إلّا ما شاءَ اللَّهُ“، مِمّا يَلْحَقُ بِالبَشَرِيَّةِ، ثُمَّ تَذْكُرُ بَعْدُ، (p-١٩٠)لَيْسَ أنَّهُ عَلى طَرِيقِ السَّلْبِ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا أُوتِيَهُ مِنَ الحِكْمَةِ، وقِيلَ في ”﴿أوْ نُنْسِها﴾“، قَوْلٌ آخَرَ، وهو خَطَأٌ أيْضًا، قالُوا: ”أوْ نَتْرُكْها“، وهَذا يُقالُ فِيهِ: ”نَسِيتُ“، إذا تَرَكْتُ، ولا يُقالُ: ”أُنْسِيتُ“، أيْ: تَرَكْتُ، وإنَّما مَعْنى ”﴿أوْ نُنْسِها﴾“: ”أوْ نَتْرُكْها“، أيْ: نَأْمُرْ بِتَرْكِها.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: ما مَعْنى تَرَكِها غَيْرُ النَّسْخِ؟ وما الفارِقُ بَيْنَ التَّرْكِ والنَّسْخِ؟ فالجَوابُ في ذَلِكَ أنَّ النَّسْخَ يَأْتِي في الكِتابِ في نَسْخِ الآيَةِ بِآيَةٍ، فَتُبْطِلُ الثّانِيَةُ العَمَلَ بِالأُولى، ومَعْنى التَّرْكِ أنْ تَأْتِيَ الآيَةُ بِضَرْبٍ مِنَ العَمَلِ، فَيُؤْمَرَ المُسْلِمُونَ بِتَرْكِ ذَلِكَ بِغَيْرِ آيَةٍ تَأْتِي ناسِخَةً لِلَّتِي قَبْلَها، نَحْوَ: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، ثُمَّ أُمِرَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ بِتَرْكِ المِحْنَةِ، فَهَذا مَعْنى التَّرْكِ، ومَعْنى النَّسْخِ قَدْ بَيَّنّاهُ، فَهَذا هو الحَقُّ، ومَن قَرَأ: ”أوْ نَنْسَأْها“، أرادَ: ”نُؤَخِّرْها“، و”اَلنَّسْءُ“، في اللُّغَةِ: اَلتَّأْخِيرُ، يُقالُ: ”نَسَأ اللَّهُ في أجَلِهِ“، و”أنْسَأ اللَّهُ أجَلَهُ“، أيْ: أخَّرَ أجَلَهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها﴾، اَلْمَعْنى بِخَيْرٍ مِنها لَكُمْ، ﴿أوْ مِثْلِها﴾، فَأمّا ما يُؤْتى فِيهِ بِخَيْرٍ مِنَ المَنسُوخِ فَتَمامُ الصِّيامِ، الَّذِي نَسَخَ الإباحَةَ في الإفْطارِ لِمَنِ اسْتَطاعَ الصِّيامَ، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فَهَذا هو خَيْرٌ لَنا، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ مِثْلِها﴾، أيْ: نَأْتِ بِآيَةٍ ثَوابُها كَثَوابِ الَّتِي قَبْلَها، والفائِدَةُ في (p-١٩١)ذَلِكَ أنْ يَكُونَ النّاسِخُ أسْهَلَ في المَأْخَذِ مِنَ المَنسُوخِ، والإيمانُ بِهِ أسْوَغَ، والنّاسُ إلَيْهِ أسْرَعَ، نَحْوَ القِبْلَةِ الَّتِي كانَتْ عَلى جِهَةٍ، ثُمَّ أمَرَ اللَّهِ النَّبِيَّ ﷺ بِجَعْلِ البَيْتِ قِبْلَةَ المُسْلِمِينَ، وعَدَلَ بِها عَنِ القَصْدِ لِبَيْتِ المَقْدِسِ، فَهَذا - وإنْ كانَ السُّجُودُ إلى سائِرِ النَّواحِي مُتَساوِيًا في العَمَلِ، والثَّوابِ، فالَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ الأصْلَحَ، والأدْعى لِلْعَرَبِ، وغَيْرِهِمْ، إلى الإسْلامِ.
البقرة 2:107
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، لَفْظُ ”ألَمْ“، هَهُنا، لَفْظُ اسْتِفْهامٍ، ومَعْناهُ التَّوْقِيفُ، وجَزْمُ ”ألَمْ“، هَهُنا، كَجَزْمِ ”لَمْ“، لِأنَّ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ لا يُغَيِّرُ العامِلَ عَنْ عَمَلِهِ، ومَعْنى ”اَلْمُلْكُ“، في اللُّغَةِ: تَمامُ القُدْرَةِ، واسْتِحْكامُها، فَما كانَ مِمّا يُقالُ فِيهِ: ”مَلِكٌ“، سُمِّيَ ”اَلْمُلْكَ“، وما نالَتْهُ القُدْرَةُ مِمّا يُقالُ فِيهِ: ”مالِكٌ“، فَهو ”مِلْكٌ“، تَقُولُ: ”مَلَكْتُ الشَّيْءَ، أمْلِكُهُ، مِلْكًا“، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، أيْ: في سُلْطانِهِ، وقُدْرَتِهِ، وأصْلُ هَذا مِن قَوْلِهِمْ: ”مَلَكْتُ العَجِينَ، أمْلُكُهُ“، إذا بالَغْتَ في عَجْنِهِ، ومِن هَذا قِيلَ في التَّزْوِيجِ: ”شَهِدْنا إمْلاكَ فُلانٍ“، أيْ: شَهِدْنا عَقْدَ أمْرِ نِكاحِهِ، وتَشْدِيدَهُ، ومَعْنى الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ يَمْلِكُ السَّماواتِ والأرْضَ ومَن فِيهِنَّ، فَهو أعْلَمُ بِوَجْهِ الصَّلاحِ فِيما يَتَعَبَّدُهم بِهِ مِن ناسِخٍ، ومَنسُوخٍ، ومَتْرُوكٍ، وغَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾، هَذا خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ، يُخْبَرُونَ فِيهِ أنَّ مَن خالَفَهم فَهو عَلَيْهِمْ، وأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - ناصِرُهُمْ، والفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ بِنَصْرِهِ إيّاهم يَغْلِبُونَ مَن سِواهم.
(p-١٩٢)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: ١٠٨]، أجْوَدُ القِراءَةِ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَةِ، ويَجُوزُ جَعْلُها بَيْنَ بَيْنَ، يَكُونُ بَيْنَ الهَمْزَةِ والياءِ فَيُلْفَظُ بِها: ”سُيِلَ“، وهَذا إنَّما تَحْكُمُهُ المُشافَهَةُ، لِأنَّ الكِتابَ فِيهِ غَيْرُ فاصِلٍ بَيْنَ المُتَحَقِّقِ والمُلَيَّنِ، وما جُعِلَ ياءً خالِصَةً، ويَجُوزُ: ”كَما سِيلَ مُوسى مِن قَبْلُ“، مِن قَوْلِكَ: ”سِلْتُ، أسالُ“، في مَعْنى ”سُئِلْتُ، أسْألُ“، وهي لُغَةٌ لِلْعَرَبِ حَجاها جَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ، ولَكِنَّ القِراءَةَ عَلى الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ شَرَحْناهُما قَبْلَ هَذا الوَجْهِ مِن تَحْقِيقِ الهَمْزَةِ، وتَلْيِينِها، ومَعْنى ”أمْ“، هَهُنا، وفي كُلِّ مَكانٍ لا تَقَعُ فِيهِ عَطْفًا عَلى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ - إلّا أنَّها لا تَكُونُ مُبْتَدَأةً - أنَّها تُؤْذِنُ بِمَعْنى ”بَلْ“، ومَعْنى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، المَعْنى: ”بَلْ أتُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ“، فَمَعْنى الآيَةِ أنَّهم نُهُوا أنْ يَسْألُوا النَّبِيَّ ﷺ ما لا خَيْرَ لَهم في السُّؤالِ عَنْهُ، وما يُكَفِّرُهُمْ، وإنَّما خُوطِبُوا بِهَذا بَعْدَ وُضُوحِ البَراهِينِ لَهُمْ، وإقامَتِها عَلى مُخالَفَتِهِمْ، وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ [البقرة: ٩٤]، وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِمّا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ، فَأُعْلِمَ المُسْلِمُونَ أنَّ السُّؤالَ بَعْدَ قِيامِ البَراهِينِ كُفْرٌ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] (p-١٩٣)وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨]، أيْ: مَن يَسْألْ عَمّا لا يَعْنِيهِ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ، فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ، أيْ: قَصْدَ السَّبِيلِ.
البقرة 2:109
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا﴾، يَعْنِي بِهِ عُلَماءَ اليَهُودِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾، مَوْصُولٌ بِوَدِّ الَّذِينَ كَفَرُوا، لا بِقَوْلِهِ: حَسَدًا، لِأنَّ حَسَدَ الإنْسانِ لا يَكُونُ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ، ولَكِنَّ المَعْنى: مَوَدَّتُهم بِكُفْرِكم مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، لا أنَّهم عِنْدَهُمُ الحَقُّ الكُفْرُ، ولا أنَّ كِتابَهم أمَرَهم بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ بِالنَّبِيِّ ﷺ، الدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾، هَذا في وقْتٍ لَمْ يَكُنِ المُسْلِمُونَ أُمِرُوا فِيهِ بِحَرْبِ المُشْرِكِينَ، وإنَّما كانُوا يَدْعُونَ بِالحُجَجِ البَيِّنَةِ، وغايَةِ الرِّفْقِ، حَتّى بَيَّنَ اللَّهُ أنَّهم إنَّما يُعانِدُونَ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ عِنْدَهُمْ، فَأُمِرَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالحَرْبِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، أيْ: قَدِيرٌ عَلى أنْ يَدْعُوَ إلى دِينِهِ بِما أحَبَّ، مِمّا هو عِنْدَهُ الأحْكَمُ والأبْلَغُ، ويُقالُ: ”أقْدَرَ عَلى الشَّيْءِ، قَدْرًا، وقَدَرًا، وقُدْرَةً، وقُدْرانًا، ومَقْدِرَةً، (p-١٩٤)وَمَقْدُرَةً، ومَقْدَرَةً“، هَذِهِ سَبْعَةُ أوْجُهٍ مَرْوِيَّةٌ كُلُّها، وأضْعَفُها: ”مَقْدِرَةٌ“، بِالكَسْرِ.
البقرة 2:111
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾، اَلْإخْبارُ في هَذا عَنْ أهْلِ الكِتابِ، وعَقَدَ النَّصارى مَعَهم في قَوْلِهِ: ”وَقالُوا“، لِأنَّ الفَرِيقَيْنِ يَقْرَآنِ التَّوْراةَ، ويَخْتَلِفانِ في تَثْبِيتِ رِسالَةِ مُوسى، وعِيسى، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ”وَقالُوا“، فَأُجْمِلُوا، فالمَعْنى أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: ”لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا“، والنَّصارى قالَتْ: ”لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصْرانِيًّا“، وجازَ أنْ يُلْفَظَ بِلَفْظِ جَمْعٍ، لِأنَّ مَعْنى ”مَن“، مَعْنى ”جَماعَةٌ“، فَحُمِلَ الخَبَرُ عَلى المَعْنى، والمَعْنى: ”إلّا الَّذِينَ كانُوا هُودًا، وكانُوا نَصارى“، وهو جَمْعُ ”هائِدٌ“، و”هَوْدٌ“، مِثْلُ ”حائِلٌ“، و”حَوْلٌ“، و”بازِلٌ“، و”بَزْلٌ“، وقَدْ فَسَّرْنا واحِدَ النَّصارى، وجَمْعَهُ، فِيما مَضى مِنَ الكِتابِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾، هَذا كَما يُقالُ لِلَّذِي يَدَّعِي ما لا يُبَرْهِنُ حَقِيقَتَهُ: ”إنَّما أنْتَ مُتَمَنٍّ“، و”أمانِيُّهم“، مُشَدَّدَةٌ، ويَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ: ”تِلْكَ أمانِيهِمْ“، ولَكِنَّ القِراءَةَ بِالتَّشْدِيدِ، لا غَيْرُ، لِلْإجْماعِ عَلَيْهِ، ولِأنَّهُ أجْوَدُ في العَرَبِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، أيْ: إنْ كُنْتُمْ عِنْدَ أنْفُسِكم صادِقِينَ، فَبَيِّنُوا ما الَّذِي دَلَّكم عَلى ثُبُوتِ الجَنَّةِ لَكم.
البقرة 2:112
(p-١٩٥)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَلَهُ أجْرُهُ﴾، أيْ: فَهَذا يَدْخُلُ الجَنَّةَ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَما بُرْهانُ مَن آمَنَ في قَوْلِكُمْ؟ قِيلَ: ما بَيَّناهُ مِنَ الِاحْتِجاجِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ومِن إظْهارِ البَراهِينِ بِإنْبائِهِمْ ما لا يُعْلَمُ إلّا مِن كِتابٍ، أوْ وحْيٍ، وبِما قِيلَ لَهم في تَمَنِّي المَوْتِ، وما أتى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى تَثْبِيتِ الرِّسالَةِ، فَهَذا بُرْهانُ مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ.
البقرة 2:113
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ وهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾، يَعْنِي بِهِ أنَّ الفَرِيقَيْنِ يَتْلُوانِ التَّوْراةَ، وقَدْ وقَعَ بَيْنَهم هَذا الِاخْتِلافُ، وكِتابُهم واحِدٌ، فَدَلَّ بِهَذا عَلى ضَلالَتِهِمْ، وحَذَّرَ بِهَذا وُقُوعَ الِاخْتِلافِ في القُرْآنِ، لِأنَّ اخْتِلافَ الفَرِيقَيْنِ أخْرَجَهُما إلى الكُفْرِ، فَتَفَهَّمُوا هَذا المَكانَ، فَإنَّ فِيهِ حُجَّةً عَظِيمَةً، وعِظَةً في القُرْآنِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾، يَعْنِي بِهِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِأصْحابِ كِتابٍ، نَحْوَ مُشْرِكِي العَرَبِ، والمَجُوسِ، المَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ أيْضًا قالُوا: ”لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ عَلى دِينِنا“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾، اَلْمَعْنى: يُرِيهِمْ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ عِيانًا، ويَدْخُلُ النّارَ عِيانًا، وهَذا هو حُكْمُ الفَصْلِ فِيما تَصِيرُ إلَيْهِ كُلُّ فِرْقَةٍ، فَأمّا الحُكْمُ بَيْنَهم في العَقِيدَةِ، فَقَدْ بَيَّنَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فِيما أظْهَرَ مِن حُجَجِ المُسْلِمِينَ، وفي عَجْزِ الخَلْقِ عَنْ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ القُرْآنِ.
البقرة 2:114
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾، مَوْضِعُ ”مَن“: رَفْعٌ، ولَفْظُها لَفْظُ اسْتِفْهامٍ، المَعْنى: ”وَأيُّ أحَدِ أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ (p-١٩٦)مَساجِدَ اللَّهِ، و“ أظْلَمُ ”، رُفِعَ بِخَبَرِ الِابْتِداءِ، ومَوْضِعُ“ أنْ ”: نَصْبٌ عَلى البَدَلِ مِن“ مَساجِدَ اللَّهِ ”، اَلْمَعْنى:“ ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ أنْ يُذْكَرَ في مَساجِدِ اللَّهِ اسْمُهُ ”، وقَدْ قِيلَ في شَرْحِ هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ قَوْلٍ، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ هَذا يُعْنى بِهِ الرُّومُ، لِأنَّهم كانُوا دَخَلُوا بَيْتَ المَقْدِسِ وخَرَّبُوهُ، وقِيلَ: يُعْنى بِهِ مُشْرِكُو مَكَّةَ، لِأنَّهم سَعَوْا في مَنعِ المُسْلِمِينَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ في المَسْجِدِ الحَرامِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ غَيْرَ هَذا، زُعِمَ أنَّهُ يُعْنى بِهِ جَمِيعُ الكُفّارِ، الَّذِينَ تَظاهَرُوا عَلى الإسْلامِ، ومَنَعُوا جُمْلَةَ المَساجِدِ، لِأنَّ مَن قاتَلَ المُسْلِمِينَ حَتّى مَنَعَهُمُ الصَّلاةَ فَقَدْ مَنَعَ جَمِيعَ المَساجِدِ، وكُلُّ مَوْضِعٍ مُتَعَبَّدٍ فِيهِ فَهو مَسْجِدٌ، ألا تَرى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ:“ «جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا» ”، فالمَعْنى عَلى هَذا المَذْهَبِ:“ ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ خالَفَ مِلَّةَ الإسْلامِ؟ " .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ﴾، أعْلَمَ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أمْرَ المُسْلِمِينَ يَظْهَرُ عَلى جَمِيعِ مَن خالَفَهُمْ، حَتّى لا يُمْكِنَ دُخُولُ مُخالِفٍ إلى مَساجِدِهِمْ إلّا خائِفًا، وهَذا كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]
وَقَوْلُهُ: ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾، يَرْتَفِعُ ”خِزْيٌ“، مِن وِجْهَتَيْنِ، إحْداهُما الِابْتِداءُ، والأُخْرى الفِعْلُ الَّذِي (p-١٩٧)يَنُوبُ عَنْهُ ”لَهم“، اَلْمَعْنى: وجَبَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا، وفي الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ، والخِزْيُ الَّذِي لَهم في الدُّنْيا أنْ يُقْتَلُوا، إنْ كانُوا حَرْبًا، ويُجْزَوْا إنْ كانُوا ذِمَّةً، وجُعِلَ لَهم عَظِيمُ العَذابِ لِأنَّهم أظْلَمُ مَن ظَلَمَ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ﴾
البقرة 2:115
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾، يَرْتَفِعانِ كَما وصَفْنا مِن جِهَتَيْنِ، ومَعْنى ”لِلَّهِ“: أيْ: هو خالِقُهُما.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾، ”تُوَلُّوا“، جُزِمَ بِـ”أيْنَما“، والجَوابُ: ”فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ“، وعَلامَةُ الجَزْمِ في ”تُوَلُّوا“: سُقُوطُ النُّونِ، و”ثَمَّ“، مَوْضِعُ نَصْبٍ، ولَكِنْ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ، لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ”ثَمًّا زَيْدٌ“، وإنَّما بُنِيَ عَلى الفَتْحِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، و”ثَمَّ“، في المَكانِ إشارَةٌ بِمَنزِلَةِ ”هُنا زَيْدٌ“، فَإذا أرَدْتَ المَكانَ القَرِيبَ قُلْتَ: ”هُنا زَيْدٌ“، وإذا أرَدْتَ المَكانَ المُتَراخِيَ عَنْكَ قُلْتَ: ”ثَمَّ زَيْدٌ“، و”هُناكَ زَيْدٌ“، فَإنَّما مُنِعَتْ ”ثَمَّ“، اَلْإعْرابَ لِإبْهامِها، ولا أعْلَمُ أحَدًا شَرَحَ هَذا الشَّرْحَ، لِأنَّ هَذا غَيْرُ مَوْجُودٍ في كُتُبِهِمْ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّهُ قِيلَ فِيها: إنَّهُ يَعْنِي بِهِ البَيْتَ الحَرامَ، فَقِيلَ: ”أيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ“، أيْ: فاقْصِدُوا وجْهَ اللَّهِ بِتَيَمُّمِكُمُ القِبْلَةَ، ودَلِيلُ مَن قالَ هَذا القَوْلَ قَوْلُهُ: ﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٤٩]، فَقَدْ قِيلَ: إنَّ قَوْمًا كانُوا في سَفَرٍ، فَأدْرَكَتْهم ظُلْمَةٌ، ومَطَرٌ، فَلَمْ يَعْرِفُوا القِبْلَةَ، فَقِيلَ: ”فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ“، (p-١٩٨)وَقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: إنَّما المَعْنى مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، فالمَعْنى عَلى قَوْلِهِ هَذا: إنَّ اللَّهَ مَعَكم أيْنَما تُوَلُّوا، كَأنَّهُ: ”أيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ اللَّهُ، وهو مَعَكم“، وإنَّما حَكَيْنا في هَذا ما قالَ النّاسُ: ولَيْسَ عِنْدَنا قَطْعٌ في هَذا، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أعْلَمُ بِحَقِيقَتِهِ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾، يَدُلُّ عَلى تَوْسِيعِهِ عَلى النّاسِ في شَيْءٍ رَخَّصَ لَهم بِهِ.
البقرة 2:116
﴿وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ﴾، ”وَقالُوا“، هو لِلنَّصارى، ومُشْرِكِي العَرَبِ، لِأنَّ النَّصارى قالَتْ: اَلْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَ مُشْرِكُو العَرَبِ: اَلْمَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾، ”اَلْقانِتُ“، في اللُّغَةِ: اَلْمُطِيعُ، وقالَ الفَرّاءُ: ”كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ“: هَذا خُصُوصٌ إنَّما يَعْنِي بِهِ أهْلَ الطّاعَةِ، والكَلامُ يَدُلُّ عَلى خِلافِ ما قالَ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ”ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ“، ”كُلٌّ“، إحاطَةٌ، وإنَّما تَأْوِيلُهُ: كُلُّ ما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ فِيهِ أثَرُ الصَّنْعَةِ - فَهو قانِتٌ لِلَّهِ - والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ مَخْلُوقٌ.
و”اَلْقانِتُ“، في اللُّغَةِ: اَلْقائِمُ، أيْضًا، ألا تَرى أنَّ القُنُوتَ إنَّما يُسَمّى بِهِ مَن دَعا قائِمًا في الصَّلاةِ ”قانِتًا“، فالمَعْنى: كُلٌّ لَهُ قانِتٌ، مُقِرٌّ بِأنَّهُ خالِقُهُ، لِأنَّ أكْثَرَ مَن يُخالِفُ لَيْسَ بِدَفْعِ أنَّهُ مَخْلُوقٌ، وما كانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَأثَرُ الصَّنْعَةِ بَيِّنٌ فِيهِ، فَهو قانِتٌ عَلى العُمُومِ، وإنَّما القانِتُ الدّاعِي.
البقرة 2:117
وَقَوْلُهُ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، (p-١٩٩)يَعْنِي: أنْشَأهُما عَلى غَيْرِ حِذاءٍ، ولا مِثالٍ، وكُلُّ مَن أنْشَأ ما لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ قِيلَ لَهُ: ”أبْدَعْتَ“، ولِهَذا قِيلَ لِكُلِّ مَن خالَفَ السُّنَّةَ والإجْماعَ: ”مُبْتَدِعٌ“، لِأنَّهُ يَأْتِي في دِينِ الإسْلامِ بِما لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ.
وَقَوْلُهُ: - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، رُفِعَ ”يَكُونُ“، مِن جِهَتَيْنِ: إنْ شِئْتَ عَلى العَطْفِ عَلى ”يَقُولُ“، وإنْ شِئْتَ الِاسْتِئْنافَ، المَعْنى: ”فَهو يَكُونُ“، ومَعْنى الآيَةِ قَدْ تَكَلَّمَ النّاسُ فِيها بِغَيْرِ قَوْلٍ، قالَ بَعْضُهُمْ: ”إنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ“: إنَّما يُرِيدُ، فَيَحْدُثُ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎اِمْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي ∗∗∗ مَهْلًا رُوَيْدًا قَدْ مَلَأْتَ بَطْنِي
والحَوْضُ لَمْ يَقُلْ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: ”إنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ“: يَقُولُ لَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ حاضِرًا: ”كُنْ“، لِأنَّ ما هو مَعْلُومٌ عِنْدَهُ بِمَنزِلَةِ الحاضِرِ، وقالَ قائِلٌ: ”إنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ“، لَهُ مَعْنى ”مِن أجْلِهِ“، فَكَأنَّهُ إنَّما يَقُولُ مِن أجْلِ إرادَتِهِ إيّاهُ: كُنْ، أيْ: ”اُحْدُثْ، فَيَحْدُثُ“، وقالَ قَوْمٌ: هَذا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لَأشْياءَ مَعْلُومَةٍ أحْدَثَ فِيها أشْياءَ فَكانَتْ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:118
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾، ”لَوْلا“، في مَعْنى ”هَلّا“، اَلْمَعْنى: هَلّا يُكَلِّمُنا اللَّهُ، أوْ تَأْتِينا آيَةٌ؟ فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ كُفْرَهم في التَّعَنُّتِ بِطَلَبِ الآياتِ عَلى اقْتِراحِهِمْ، كَقَوْلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ لِمُوسى: ”أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً“، وما أشْبَهَ هَذا، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ كُفْرَهم مُتَشابِهٌ، وأنَّ قُلُوبَهم قَدْ تَشابَهَتْ في الكُفْرِ.
(p-٢٠٠)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، اَلْمَعْنى فِيهِ أنَّ مَن أيْقَنَ، وطَلَبَ الحَقَّ، فَقَدْ أتَتْهُ الآياتُ البَيِّناتُ، نَحْوَ المُسْلِمِينَ، ومَن لَمْ يُشاقِّ مِن عُلَماءِ اليَهُودِ، لِأنَّهُ لَمّا أتاهم ﷺ بِالآياتِ الَّتِي يُعْجَزُ عَنْها، مِن إنْبائِهِمْ بِما لا يُعْلَمُ إلّا مِن وحْيٍ، ونَحْوِ انْشِقاقِ القَمَرِ، وآياتِهِ الَّتِي لا تُحْصى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والقُرْآنِ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ: ”فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ“، فَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ، فَفي هَذا بُرْهانٌ شافٍ.
البقرة 2:119
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾، نُصِبَ ”بَشِيرًا“، و”نَذِيرًا“، عَلى الحالِ، ومَعْنى ”بَشِيرًا“، أيْ: مُبَشِّرًا المُؤْمِنِينَ بِما لَهم مِنَ الثَّوابِ، ويُنْذِرُ المُخالِفِينَ بِما أُعِدَّ لَهم مِنَ العِقابِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾، وتُقْرَأُ ”وَلا تَسْألُ“، ورَفْعُ القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما أنْ يَكُونَ ”وَلا تُسْألُ“، اسْتِئْنافًا، كَأنَّهُ قِيلَ: ”وَلَسْتَ تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ“، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُ الرَّفْعُ عَلى الحالِ، فَيَكُونَ المَعْنى: ”أرْسَلْناكَ غَيْرَ سائِلٍ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ“، ويَجُوزُ أيْضًا: ”وَلا تَسْألْ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ“، وقَدْ قُرِئَ بِهِ، فَيَكُونُ جَزْمًا بِـ”لا“، وفِيهِ قَوْلانِ، عَلى ما تُوجِبُهُ اللُّغَةُ: أنْ يَكُونَ أمَرَهُ اللَّهُ بِتَرْكِ المَسْألَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ لَفْظًا، ويَكُونَ المَعْنى عَلى تَفْخِيمِ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ العِقابِ، كَما يَقُولُ لَكَ القائِلُ الَّذِي تَعْلَمُ أنْتَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَن تَسْألُ عَنْهُ في حالٍ جَمِيلَةٍ، أوْ حالٍ قَبِيحَةٍ، فَتَقُولُ: ”لا تَسْألْ عَنْ فُلانٍ“، أيْ: قَدْ صارَ إلى أكْثَرَ مِمّا تُرِيدُ، ويُقالُ: ”سَألْتُهُ، أسْألُهُ، مَسْألَةً، وسُؤالًا“، والمَصادِرُ عَلى ”فُعالٌ“، تَقِلُّ في غَيْرِ (p-٢٠١)الأصْواتِ، والأدْواءِ، فَأمّا في الأصْواتِ فَنَحْوَ: ”اَلدُّعاءُ“، و”اَلْبُكاءُ“، و”اَلصُّراخُ“، وأمّا في الأدْواءِ فَنَحْوَ: ”اَلزُّكامُ“، و”اَلسُّعالُ“، وما أشْبَهَ ذَلِكَ، وإنَّما جاءَ في السُّؤالِ لِأنَّ السُّؤالَ لا يَكُونُ إلّا بِصَوْتٍ.
البقرة 2:120
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى﴾، قَدْ شَرَحْنا مَعْنى ”اَلْيَهُودُ“، و”اَلنَّصارى“، و”تَرْضى“، يُقالُ في مَصْدَرِهِ ”رَضِيَ، يَرْضى، رِضًا، ومَرْضاةً، ورِضْوانًا، ورُضْوانًا“، ويُرْوى عَنْ عاصِمٍ في كُلِّ ما في القُرْآنِ مِن ”رِضْوانٌ“، اَلْوَجْهانِ جَمِيعًا، فَأمّا ما يَرْوِيهِ عَنْهُ أبُو عَمْرٍو فَـ”رِضْوانٌ“، بِالكَسْرِ، وما يَرْوِيهِ أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ فَـ”رُضْوانٌ“، والمَصادِرُ تَأْتِي عَلى ”فِعْلانٌ“، و”فُعْلانٌ“، فَأمّا ”فِعْلانٌ“، فَقَوْلُكَ: ”عَرَفْتُهُ عِرْفانًا“، و”حَسِبْتُهُ حُسْبانًا“، وأمّا ”فُعْلانٌ“، كَقَوْلِكَ: ”غُفْرانَكَ، لا كُفْرانَكَ.“ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾، ”تَتَّبِعَ“، نُصِبَ بِـ”حَتّى“، والخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، وجَمِيعُ مَن يُوثَقُ بِعِلْمِهِ، يَقُولُونَ: إنَّ النّاصِبَ لِلْفِعْلِ بَعْدَ ”حَتّى“: ”أنْ“، إلّا أنَّها لا تَظْهَرُ مَعَ ”حَتّى“، ودَلِيلُهم أنَّ ”حَتّى“، غَيْرُ ناصِبَةٍ، هو أنَّ ”حَتّى“، بِإجْماعٍ خافِضَةٌ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ [القدر: ٥]، فَخَفْضُ ”مَطْلَعِ“، بِـ”حَتّى“، ولا نَعْرِفُ في العَرَبِيَّةِ أنَّ ما يَعْمَلُ في اسْمٍ، يَعْمَلُ في فِعْلٍ، ولا ما يَكُونُ خافِضًا لِاسْمٍ يَكُونُ ناصِبًا لِفِعْلٍ، فَقَدْ بانَ أنَّ ”حَتّى“، لا تَكُونَ ناصِبَةً، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: ”جاءَ زَيْدٌ لِيَضْرِبَكَ“، فالمَعْنى: ”جاءَ زَيْدٌ لِأنْ يَضْرِبَكَ“، لِأنَّ اللّامَ خافِضَةٌ لِلِاسْمِ، ولا تَكُونُ ناصِبَةً لِلْفِعْلِ، وكَذَلِكَ ”ما كانَ زَيْدٌ لِيَضْرِبَكَ“، اَللّامُ خافِضَةٌ، والنّاصِبُ لِـ”يَضْرِبَكَ“: ”أنْ“، اَلْمُضْمَرَةُ، ولا يَجُوزُ إظْهارُها مَعَ هَذِهِ اللّامِ، وإنَّما لَمْ يَجُزْ لِأنَّها جَوابٌ لِما يَكُونُ مَعَ الفِعْلِ، وهو (p-٢٠٢)حَرْفٌ واحِدٌ، يَقُولُ القائِلُ: ”سَيَضْرِبُكَ“، و”سَوْفَ يَضْرِبُكَ“، فَجُعِلَ الجَوابُ في النَّفْيِ بِحَرْفٍ واحِدٍ، كَما كانَ في الإيجابِ بِشَيْءٍ واحِدٍ، ونُصِبَ ”مِلَّتَهم“، بِـ”تَتَّبِعَ“، ومَعْنى ”مِلَّتَهم“، في اللُّغَةِ: سُنَّتَهُمْ، وطَرِيقَتَهُمْ، ومِن هَذا ”اَلْمَلَّةُ“، أيْ: اَلْمَوْضِعُ الَّذِي يَخْتَبِزُ فِيهِ، لِأنَّها تُؤَثِّرُ في مَكانِها، كَما يُؤَثَّرُ في الطَّرِيقِ، وكَلامُ العَرَبِ إذا اتَّفَقَ لَفْظُهُ، فَأكْثَرَهُ مُشْتَقٌّ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، وآخِذٌ بَعْضُهُ بِرِقابِ بَعْضٍ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾، أيْ: اَلصِّراطُ الَّذِي دَعا إلَيْهِ، وهَدى إلَيْهِ، هو الطَّرِيقُ، أيْ: طَرِيقُ الحَقِّ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾، إنَّما جَمَعَ، ولَمْ يَقُلْ: ”هَواهم“، لِأنَّ جَمِيعَ الفِرَقِ، مِمَّنْ خالَفَ النَّبِيَّ ﷺ، لَمْ يَكُنْ لِيُرْضِيَهم مِنهُ إلّا اتِّباعُ هَواهُمْ، وجَمْعُ ”هَوًى“، عَلى: ”أهْواءُ“، كَما يُقالُ: ”جَمَلٌ“، و”أجْمالٌ“، و”قَتَبٌ“، و”أقْتابٌ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾، اَلْخَفْضُ في ”نَصِيرٍ“، اَلْقِراءَةُ المُجْمَعُ عَلَيْها، ولَوْ قُرِئَ: ”وَلا نَصِيرٌ“، بِالرَّفْعِ، كانَ جائِزًا، لِأنَّ مَعْنى ”مِن ولِيٍّ“: ”ما لَكَ مِنَ اللَّهِ ولِيٌّ ولا نَصِيرٌ“، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَسْألُونَ النَّبِيَّ ﷺ الهُدْنَةَ، ويُرُونَ أنَّهُ إنْ هادَنَهُمْ، وأمْهَلَهُمْ، أسْلَمُوا، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهم لَنْ يَرْضَوْا عَنْهُ حَتّى يَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ، فَنَهاهُ اللَّهُ، ووَعَظَهُ في الرُّكُونِ إلى شَيْءٍ مِمّا يَدْعُونَ إلَيْهِ.
البقرة 2:121
ثُمَّ أعْلَمَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - وسائِرَ النّاسِ أنَّ مَن كانَ مِنهم غَيْرَ مُتَعَنِّتٍ، ولا حاسِدٍ، ولا طالِبٍ (p-٢٠٣)لِرِياسَةٍ، تَلا التَّوْراةَ كَما أُنْزِلَتْ، فَذَكَرَ فِيها أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَقٌّ، فَآمَنَ بِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، يَعْنِي أنَّ الَّذِينَ تَلَوُا التَّوْراةَ عَلى حَقِيقَتِها، أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وفي هَذا دَلِيلٌ أنَّ غَيْرَهم جاحِدٌ لِما يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ، لِأنَّ هَؤُلاءِ كانُوا مِن عُلَماءِ اليَهُودِ، وكَذَلِكَ مَن آمَنَ مِن عُلَماءِ النَّصارى، مِمَّنْ تَلا كُتُبَهُمْ، و”اَلَّذِينَ“، يُرْفَعُ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُ الِابْتِداءِ ”يَتْلُونَهُ“، وإنْ شِئْتَ كانَ خَبَرُ الِابْتِداءِ ”يَتْلُونَهُ“، و”أُولَئِكَ“، جَمِيعًا، فَيَكُونَ لِلِابْتِداءِ خَبَرانِ، كَما تَقُولُ: ”هَذا حُلْوٌ حامِضٌ“ .
البقرة 2:122
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا﴾، ”يا بَنِي إسْرائِيلَ“، نُصِبَ لِأنَّهُ نِداءٌ مُضافٌ، وأصْلُ النِّداءِ النَّصْبُ، ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: ”يا بَنِي زَيْدٍ“، فَقالَ لَكَ قائِلٌ: ”ما صَنَعْتَ؟“، قُلْتَ: ”نادَيْتُ بَنِي زَيْدٍ“ ؟ فَمُحالٌ أنْ تُخْبِرَهُ بِغَيْرِ ما صَنَعْتَ، وقَدْ شَرَحْناهُ قَبْلَ هَذا شَرْحًا أبْلَغَ مِن هَذا، و”إسْرائِيلُ“، لا يَنْصَرِفُ، وقَدْ شَرَحْنا شَرْحَهُ في مَكانِهِ، وما فِيهِ مِنَ اللُّغاتِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾، مَوْضِعُ ”أنَّ“: نَصْبٌ، كَأنَّهُ قالَ: ”اُذْكُرُوا أنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ“، والدَّلِيلُ مِنَ القُرْآنِ عَلى أنَّهم فُضِّلُوا، قَوْلُ مُوسى ﷺ، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠]
البقرة 2:123
(p-٢٠٤)وَتَأْوِيلُ تَفْضِيلِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ ما أُوتُوا مِنَ المُلْكِ، وأنَّ فِيهِمْ أنْبِياءَ، وأنَّهم أُعْطُوا عِلْمَ التَّوْراةِ، وأنَّ أمْرَ عِيسى ومُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ - لَمْ يَكُونُوا يَحْتاجُونَ فِيهِ إلى آيَةٍ غَيْرِ ما سَبَقَ عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِهِ، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ما هم عارِفُونَ، ووَعَظَهُمْ، فَقالَ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ﴾، اَلْعَدْلُ: اَلْفِدْيَةُ، وقِيلَ لَهُمْ: ”وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ“، لِأنَّهم كانُوا يَعْتَمِدُونَ عَلى أنَّهم أبْناءُ أنْبِياءِ اللَّهِ، وأنَّهم يَشْفَعُونَ لَهُمْ، فَأيْأسَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِن ذَلِكَ، وأعْلَمَهم أنَّ مَن لَمْ يَتَّبِعْ مُحَمَّدًا ﷺ، فَلَيْسَ يُنْجِيهِ مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْءٌ، وهو كافِرٌ.
البقرة 2:124
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾، اَلْمَعْنى: اُذْكُرُوا إذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ، ومَعْنى ”فَأتَمَّهُنَّ“: وفّى بِما أُمِرَ بِهِ فِيهِنَّ، وقَدِ اخْتَلَفُوا في الكَلِماتِ، فَقالَ قَوْمٌ: تَفْسِيرُها أنَّهُ أمَرَهُ بِخَمْسِ خِلالٍ في الرَّأْسِ، وخَمْسِ خِلالٍ في البَدَنِ، فَأمّا اللّاتِي في الرَّأْسِ، فالفَرْقُ، وقَصُّ الشارِبِ، والسِّواكُ، والمَضْمَضَةُ، والِاسْتِنْشاقُ، وأمّا الَّتِي في البَدَنِ، فالخِتانُ، وحَلْقُ العانَةِ، والِاسْتِنْجاءُ، وتَقْلِيمُ الأظافِرِ، ونَتْفُ الإبِطِ، فَهَذا مَذْهَبُ قَوْمٍ، وعَلَيْهِ كَثِيرٌ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الَّذِي ابْتَلاهُ بِهِ ما أمَرَهُ بِهِ مِن ذَبْحِ ولَدِهِ، وما كانَ مِن طَرْحِهِ في النّارِ، وأمْرِ النُّجُومِ الَّتِي جَرى ذِكْرُها في القُرْآنِ، في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦]، وما جَرى بَعْدَ الكَواكِبِ مِن ذِكْرِ القَمَرِ، والشَّمْسِ، فَهَذا مَذْهَبُ قَوْمٍ.
(p-٢٠٥)وَجَمِيعُ هَذِهِ الخِلالِ قَدِ ابْتُلِيَ بِها إبْراهِيمُ، وقَدْ وفّى بِما أُمِرَ بِهِ، وأتى بِما يَأْتِي بِهِ المُؤْمِنُ، بَلِ البَرُّ المُصْطَفى المُخْتارُ، ومَعْنى ”اِبْتَلى“: اِخْتَبَرَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾، ”اَلْأمُّ“، في اللُّغَةِ: اَلْقَصْدُ، تَقُولُ: ”أمَمْتُ كَذا وكَذا“، إذا قَصَدْتَهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، أيْ: فاقْصِدُوا، و”اَلْإمامُ“: اَلَّذِي يُؤْتَمُّ بِهِ، فَيَفْعَلُ أهْلُهُ وأُمَّتُهُ كَما فَعَلَ، أيْ: يَقْصِدُونَ لِما يَقْصِدُ.
﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾، فَأعْلَمَ اللَّهُ إبْراهِيمَ أنَّ في ذُرِّيَّتِهِ الظّالِمَ، وقَدْ قُرِئَتْ: ”لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمُونَ“، والمَعْنى في الرَّفْعِ والنَّصْبِ واحِدٌ، لِأنَّ النَّيْلَ مُشْتَمِلٌ عَلى العَهْدِ، وعَلى الظّالِمِينَ، إلّا أنَّهُ مَنفِيٌّ عَنْهُمْ، والقِراءَةُ الجَيِّدَةُ هي عَلى نَصْبِ ”اَلظّالِمِينَ“، لِأنَّ المُصْحَفَ هَكَذا فِيهِ، وتِلْكَ القِراءَةُ جَيِّدَةٌ بالِغَةٌ، إلّا أنِّي لا أقْرَأُ بِها، ولا يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ بِها، لِأنَّها خِلافُ المُصْحَفِ، ولِأنَّ المَعْنى أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَأنَّهُ قالَ: ”واجْعَلِ الإمامَةَ تَنالُ ذُرِّيَّتِي، واجْعَلْ هَذا العَهْدَ يَنالُ ذُرِّيَّتِي“، قالَ اللَّهُ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ "، فَهو عَلى هَذا أقْوى أيْضًا.
البقرة 2:125
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾، ”مَثابَةً“: يَثُوبُونَ إلَيْهِ، و”اَلْمَثابُ“، و”اَلْمَثابَةُ“، واحِدٌ، وكَذَلِكَ ”اَلْمَقامُ“، و”اَلْمَقامَةُ“، قالَ الشّاعِرُ: (p-٢٠٦)
؎وَإنِّي لَقَوّامٌ مَقاوِمَ لَمْ يَكُنْ ∗∗∗ جَرِيرٌ ولا مَوْلى جَرِيرٍ يَقُومُها
وَواحِدُ ”اَلْمَقاوِمُ“: ”مَقامٌ“، وقالَ زُهَيْرٌ:
؎وَفِيهِمْ مَقاماتٌ حِسانٌ وُجُوهُها ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
وَواحِدُ ”اَلْمَقاماتُ“: ”مَقامَةٌ“، والأصْلُ في ”مَثابَةً“: ”مَثْوَبَةً“، ولَكِنَّ حَرَكَةَ الواوِ نُقِلَتْ إلى التّاءِ، وتَبِعَتِ الواوُ الحَرَكَةَ، فانْقَلَبَتْ ألِفًا، وهَذا إعْلالُ إتْباعٍ، تَبِعَ ”مَثابَةً“، بابَ ”ثابَ“، وأصْلُ ”ثابَ“: ”ثَوَبَ“، ولَكِنَّ الواوَ قُلِبَتْ ألِفًا لِتَحَرُّكِها، وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، لا اخْتِلافَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ، وهَذا البابُ فِيهِ صُعُوبَةٌ، إلّا أنَّ كِتابَنا هَذا يَتَضَمَّنُ شَرْحَ الإعْرابِ، والمَعانِي، فَلا بُدَّ مِنَ اسْتِقْصائِها عَلى حَسَبِ ما يُعْلَمُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ”وَأمْنًا“: قِيلَ: كانَ مَن جَنى جِنايَةً ثُمَّ دَخَلَ الحَرَمَ، لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الحَدُّ، ولَكِنْ لا يُبايَعُ، ولا يُكَلَّمُ، حَتّى يُضْطَرَّ إلى الخُرُوجِ مِنهُ، فَيُقامَ عَلَيْهِ الحَدُّ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾، قُرِئَتْ: ”واتَّخِذُوا“، بِالفَتْحِ، والكَسْرِ: ”واتَّخَذُوا“، ”واتَّخِذُوا“، رُوِيَ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وقَدْ وقَفا عَلى مَقامِ إبْراهِيمَ: ألَيْسَ هَذا مَقامَ خَلِيلِ رَبِّنا؟ - وقالَ بَعْضُهُمْ: مَقامَ أبِينا - أفَلا نَتَّخِذُهُ مُصَلًّى؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾،» فَكانَ الأمْرُ والقِراءَةُ ”واتَّخِذُوا“، (p-٢٠٧)بِالكَسْرِ، عَلى هَذا الخَبَرِ أبْيَنَ، ولَكِنْ لَيْسَ يَمْتَنِعُ ”واتَّخَذُوا“، لِأنَّ النّاسَ اتَّخَذُوا هَذا، فَقالَ: ”وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً... واتَّخَذُوا“، فَعَطَفَ بِجُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، مَعْنى طَهِّراهُ: اِمْنَعاهُ مِن تَعْلِيقِ الأصْنامِ عَلَيْهِ، والطّائِفُونَ هُمُ الَّذِينَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ، والعاكِفُونَ: اَلْمُقِيمُونَ بِهِ، ويُقالُ: ”قَدْ عَكَفَ، يَعْكُفُ، ويَعْكِفُ عَلى الشَّيْءِ عُكُوفًا“، أيْ: أقامَ عَلَيْهِ، ومِن هَذا قَوْلُ النّاسِ: ”فُلانٌ مُعْتَكِفٌ عَلى الحَرامِ“، أيْ: مُقِيمٌ عَلَيْهِ، و”اَلرُّكَّعِ السُّجُودِ“: سائِرُ مَن يُصَلِّي فِيهِ مِنَ المُسْلِمِينَ، و”بَيْتِيَ“، اَلْأجْوَدُ فِيهِ فَتْحُ الياءِ، وإنْ شِئْتَ سَكَّنْتَها، و”اَلرُّكَّعِ“، جَمْعُ ”راكِعٍ“، مِثْلُ: ”غازٍ“، و”غُزًى“، و”اَلسُّجُودِ“، جَمْعُ ”ساجِدٍ“، كَقَوْلِكَ: ”ساجِدٌ“، و”سُجُودٌ“، و”شاهِدٌ“، و”شُهُودٌ“ .
البقرة 2:126
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾، اَلْمَعْنى: ”واذْكُرُوا إذْ قالَ إبْراهِيمُ...“، و”آمِنًا“: ذا أمْنٍ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ مِنهُمْ﴾، ”مَن“، نَصْبٌ، بَدَلٌ مِن ”أهْلَهُ“، اَلْمَعْنى: اُرْزُقْ مَن آمَنَ مِن أهْلِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أعْلَمَهُ أنَّ في ذُرِّيَّتِهِ غَيْرَ مُؤْمِنٍ، لِقَوْلِهِ: - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ﴾، أكْثَرُ القِراءَةِ عَلى: ”فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ“، عَلى الإخْبارِ، وقَدْ (p-٢٠٨)قُرِئَ أيْضًا: ”فَأمْتِعْهُ... ثُمَّ اضْطَرَّهُ“، عَلى الدُّعاءِ، ولَفْظُ الدُّعاءِ كَلَفْظِ الأمْرِ، مَجْزُومٌ، إلّا أنَّهُ اسْتُعْظِمَ أنْ يُقالَ: ”أمْرٌ“، فَمَسْألَتُكَ مَن فَوْقَكَ نَحْوَ: ”أعْطِنِي“، و”اِغْفِرْ لِي“، دُعاءٌ، ومَسْألَةٌ، ومَسْألَتُكَ مَن دُونَكَ أمْرٌ، كَقَوْلِكَ لِغُلامِكَ: ”اِفْعَلْ كَذا وكَذا“، والرّاءُ مَفْتُوحَةٌ في قَوْلِهِ: ”ثُمَّ اضْطَرَّهُ“، لِسُكُونِها وسُكُونِ الرّاءِ الَّتِي قَبْلَها، الأصْلُ: ”ثُمَّ اضْطَرِرْهُ“، ويَجُوزُ: ”ثُمَّ اضْطَرْهُ“، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها.
البقرة 2:127
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾، ”اَلْقَواعِدُ“، واحِدَتُها ”قاعِدَةٌ“، وهي كَـ”اَلْأساسُ“، و”اَلْأُسُّ“، لِلْبُنْيانِ، إلّا أنَّ كُلَّ قاعِدَةٍ فَهي لِلَّتِي فَوْقَها،﴿وَإسْماعِيلُ﴾، عَطْفٌ عَلى ”إبْراهِيمُ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾، اَلْمَعْنى: يَقُولانِ: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا، ومِثْلُهُ في كِتابِ اللَّهِ: ﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣]، ومِثْلُهُ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٤]، أيْ: يَقُولُونَ: ”سَلامٌ عَلَيْكم“ .
البقرة 2:128
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾، تَفْسِيرُ ”اَلْمُسْلِمُ“، في اللُّغَةِ: اَلَّذِي قَدِ اسْتَسْلَمَ لِأمْرِ اللَّهِ كُلِّهِ، وخَضَعَ لَهُ، فالمُسْلِمُ المُحَقَّقُ هو الَّذِي أظْهَرَ القَبُولَ لِأمْرِ اللَّهِ كُلِّهِ، وأضْمَرَ مِثْلَ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ [الحجرات: ١٤]، اَلْمَعْنى: قُولُوا جَمِيعًا: ”خَضَعْنا وأظْهَرْنا الإسْلامَ“، وباطِنُهم غَيْرُ ظاهِرِهِمْ، لِأنَّ هَؤُلاءِ مُنافِقُونَ، فَأظْهَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - النَّبِيَّ عَلى أسْرارِهِمْ، فالمُسْلِمُ عَلى ضَرْبَيْنِ: مُظْهِرٌ القَبُولَ، ومُبْطِنٌ مِثْلَ ما يُظْهِرُ، فَهَذا يُقالُ لَهُ: ”مُؤْمِنٌ“، ومُسْلِمٌ إنَّما يُظْهِرُ غَيْرَ ما يُبْطِنُ، فَهَذا غَيْرُ مُؤْمِنٍ، لِأنَّ التَّصْدِيقَ والإيمانَ هو بِالإظْهارِ مَعَ (p-٢٠٩)القَبُولِ، ألا تَرى أنَّهم إنَّما قِيلَ لَهُمْ: ﴿وَلَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] ؟ أيْ: أظْهَرْتُمُ الإيمانَ خَشْيَةً.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأرِنا مَناسِكَنا﴾، مَعْناهُ: عَرِّفْنا مُتَعَبَّداتِنا، وكُلُّ مُتَعَبَّدٍ فَهو ”مَنسَكٌ“، و”مَنسِكٌ“، ومِن هَذا قِيلَ لِلْعابِدِ: ”ناسِكٌ“، وقِيلَ لِلذَّبِيحَةِ المُتَقَرَّبِ بِها إلى اللَّهِ تَعالى: ”اَلنَّسِيكَةُ“، كَأنَّ الأصْلَ في ”اَلنُّسُكُ“، إنَّما هو مِنَ الذَّبِيحَةِ لِلَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -، وتُقْرَأُ أيْضًا ”وَأرِنا“، عَلى ضَرْبَيْنِ: بِكَسْرِ الرّاءِ، وبِإسْكانِها، والأجْوَدُ الكَسْرُ، وإنَّما أسْكَنَ أبُو عَمْرٍو لِأنَّهُ جَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ ”فَخِذٌ“، و”عَضُدٌ“، وهَذا لَيْسَ بِمَنزِلَةِ ”فَخِذٌ“، ولا ”عَضُدٌ“، لِأنَّ الأصْلَ في هَذا: ”أرْئِنا“، فالكَسْرَةُ إنَّما هي كَسْرَةُ هَمْزَةٍ أُلْقِيَتْ، وطُرِحَتْ حَرَكَتُها عَلى الرّاءِ، فالكَسْرَةُ دَلِيلُ الهَمْزَةِ، فَحَذْفُها قَبِيحٌ، وهو جائِزٌ عَلى بُعْدِهِ، لِأنَّ الكَسْرَ، والضَّمَّ، إنَّما يُحْذَفُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِثْقالِ، فاللَّفْظُ بِكَسْرَةِ الهَمْزَةِ، والكَسْرَةِ الَّتِي في بِناءِ الكَلِمَةِ، واللَّفْظُ بِهِ واحِدٌ، ولَكِنَّ الِاخْتِيارَ ما وصَفْنا أوَّلًا.
البقرة 2:130
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، مَعْنى ”مَن“، اَلتَّقْرِيرُ والتَّوْبِيخُ، ولَفْظُها لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَوْضِعُها رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والمَعْنى: ما يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ، و”اَلْمِلَّةُ“، قَدْ بَيَّنّاها، وهِيَ: اَلسُّنَّةُ، والمَذْهَبُ، وقَدْ أكْثَرَ النَّحْوِيُّونَ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ سَفِهَ نَفْسَهُ، وكَذَلِكَ أهْلُ اللُّغَةِ، فَقالَ الأخْفَشُ: أهْلُ التَّأْوِيلِ يَزْعُمُونَ أنَّ المَعْنى: سَفِهَ نَفْسَهُ، وقالَ يُونُسُ النَّحْوِيُّ: أراها لُغَةً، وذَهَبَ يُونُسُ إلى أنَّ ”فَعِلَ“، لِلْمُبالَغَةِ، كَما أنَّ ”فَعُلَ“، لِلْمُبالَغَةِ، فَذَهَبَ في هَذا مَذْهَبَ التَّأْوِيلِ، ويَجُوزُ عَلى (p-٢١٠)هَذا القَوْلِ: ”سَفِهْتُ زَيْدًا“، بِمَعْنى: ”سَفَّهْتُ زَيْدًا“، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: أهْلَكَ نَفْسَهُ، وأوْبَقَ نَفْسَهُ، فَهَذا غَيْرُ خارِجٍ مِن مَذْهَبِ أهْلِ التَّأْوِيلِ، ومَذْهَبِ يُونُسَ، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إنَّ ”نَفْسَهُ“، مَنصُوبٌ عَلى التَّفْسِيرِ، وقالَ: اَلتَّفْسِيرُ في النَّكِراتِ أكْثَرُ، نَحْوَ: ”طابَ زَيْدٌ بِأمْرِهِ نَفْسًا، وقَرَّ بِهِ عَيْنًا“، وزَعَمَ أنَّ هَذِهِ المُفَسِّراتِ المَعارِفَ أصْلُ الفِعْلِ لَها، ثُمَّ نُقِلَ إلى الفاعِلِ، نَحْوَ: ”وَجِعَ زَيْدٌ رَأسَهُ“، وزَعَمَ أنَّ أصْلَ الفِعْلِ لِلرَّأْسِ، وما أشْبَهَهُ، وأنَّهُ لا يُجِيزُ تَقْدِيمَ شَيْءٍ مِن هَذِهِ المَنصُوباتِ، وجَعَلَ ”سَفِهَ نَفْسَهُ“، مِن هَذا البابِ، قالَ أبُو إسْحاقَ: وعِنْدِي أنَّ مَعْنى التَّمْيِيزِ لا يَحْتَمِلُ التَّعْرِيفَ، لِأنَّ التَّمْيِيزَ إنَّما هو واحِدٌ يَدُلُّ عَلى جِنْسٍ، أوْ خَلَّةٌ تَخْلُصُ مِن خِلالٍ، فَإذا عَرَّفَهُ صارَ مَقْصُودًا قَصْدُهُ، وهَذا لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِمَّنْ تَقَدَّمَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، وقالَ أبُو إسْحاقَ: إنَّ ”سَفِهَ نَفْسَهُ“، بِمَعْنى: ”سَفُهَ في نَفْسِهِ“، إلّا أنَّ ”في“، حُذِفَتْ، كَما حُذِفَتْ حُرُوفُ الجَرِّ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ”وَلا جُناحَ عَلَيْكم أن تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكم“، والمَعْنى: أنْ تَسْتَرْضِعُوا لِأوْلادِكُمْ، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ في غَيْرِ ظَرْفٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أيْ: ”عَلى عُقْدَةِ النِّكاحِ“، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎نُغالِي اللَّحْمَ لِلْأضْيافِ نَيْئًا ∗∗∗ ونَبْذُلُهُ إذا نَضِجَ القُدُورُ
اَلْمَعْنى: ”نُغالِي بِاللَّحْمِ“، ومِثْلُهُ قَوْلُ العَرَبِ: ”ضَرَبَ فُلانٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ“، (p-٢١١)والمَعْنى: ”عَلى الظَّهْرِ والبَطْنِ“، فَهَذا الَّذِي اسْتُعْمِلَ مِن حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ مَوْجُودٌ في كِتابِ اللَّهِ، وفي أشْعارِ العَرَبِ، وألْفاظِها المَنثُورَةِ، وهو عِنْدِي مَذْهَبٌ صالِحٌ، والقَوْلُ الجَيِّدُ عِنْدِي في هَذا أنَّ ”سَفِهَ“، في مَوْضِعِ ”جَهِلَ“، فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”إلّا مَن جَهِلَ نَفْسَهُ، أيْ: لَمْ يُفَكِّرْ في نَفْسِهِ، كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]، فَوَضَعَ“ جَهِلَ ”، وعَدّى كَما عَدّى، فَهَذا جَمِيعُ ما قالَ النّاسُ في هَذا، وما حَضَرَنا مِنَ القَوْلِ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا﴾، مَعْناهُ اخْتَرْناهُ، ولَفْظُهُ مُشْتَقٌّ مِن“ اَلصَّفْوَةُ "، ﴿وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾، فالصّالِحُ في الآخِرَةِ: اَلْفائِزُ.
البقرة 2:131
وَقَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ﴾، مَعْناهُ: ”اِصْطَفاهُ، إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ“، أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ، ﴿قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾
البقرة 2:132
وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ﴾، قَوْلُهُ: ”بِها“، هَذِهِ الهاءُ تَرْجِعُ عَلى المِلَّةِ، لِأنَّ إسْلامَهُ هو إظْهارُ طَرِيقَتِهِ وسُنَّتِهِ، ويَدُلُّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٠]، قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾، وإنَّما كُسِرَتْ ”إنَّ“، لِأنَّ مَعْنى ”وَصّى“، و”أوْصى“: قَوْلُ: اَلْمَعْنى: قالَ لَهُمْ: إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ، و”وَصّى“، أبْلَغُ مِن ”أوْصى“، لِأنَّ ”أوْصى“، جائِزٌ أنْ يَكُونَ قالَ لَهم مَرَّةً واحِدَةً، و”وَصّى“، لا يَكُونُ إلّا لِمَرّاتٍ كَثِيرَةٍ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، (p-٢١٢)إنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ يَنْهاهم عَنِ المَوْتِ، وهم إنَّما يُماتُونَ؟ فَإنَّما وقَعَ هَذا عَلى سَعَةِ الكَلامِ، وما تُكْثِرُ اسْتِعْمالَهُ العَرَبُ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: ”لا أرَيَنَّكَ هَهُنا“، فَلَفْظُ النَّهْيِ إنَّما هو لِلْمُتَكَلِّمِ، وهو في الحَقِيقَةِ لِلْمُكَلَّمِ، اَلْمَعْنى: ”لا تَكُونَنَّ هَهُنا، فَإنَّ مَن كانَ هَهُنا رَأيْتُهُ“، والمَعْنى في الآيَةِ: ”اِلْزَمُوا الإسْلامَ“، فَإذا أدْرَكَكُمُ المَوْتُ صادَفَكم مُسْلِمِينَ " .
البقرة 2:133
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ﴾، اَلْمَعْنى: بَلْ أكُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ، إذْ قالَ لِبَنِيهِ...؟ فَقَوْلُكُ: ”إذْ“، اَلثّانِيَةَ، مَوْضِعُها نَصْبٌ، كَمَوْضِعِ الأُولى، وهَذا بَدَلٌ مُؤَكَّدٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ﴾، اَلْقِراءَةُ عَلى الجَمْعِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: ”وَإلَهَ أبِيكَ“، كَأنَّهُ كَرِهَ أنْ يَجْعَلَ العَمَّ أباهُ، وجَعَلَ ”إبْراهِيمَ“، بَدَلًا مِن ”أبِيكَ“، مُبَيِّنًا عَنْهُ، وبِخَفْضِ ”إسْماعِيلَ“، و”إسْحاقَ“، كانَ المَعْنى: ”إلَهَكَ وإلَهَ أبِيكَ وإلَهَ إسْماعِيلَ“، كَما تَقُولُ: ”رَأيْتُ غُلامَ زَيْدٍ وعَمْرٍو“، أيْ: ”غُلامَهُما“، ومَن قالَ: ”وَإلَهَ آبائِكَ“، فَجَمَعَ، وهو المُجْتَمَعُ عَلَيْهِ، جَعَلَ ”إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ“، بَدَلًا، وكانَ مَوْضِعُهم خَفْضًا عَلى البَدَلِ المُبَيِّنِ عَنْ ”آبائِكَ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إلَهًا واحِدًا﴾، مَنصُوبٌ عَلى ضَرْبَيْنِ، إنْ شِئْتَ عَلى الحالِ، كَأنَّهم قالُوا: ”نَعْبُدُ إلَهَكَ في حالِ وحْدانِيَّتِهِ“، وإنْ شِئْتَ عَلى البَدَلِ، وتَكُونُ الفائِدَةُ مِن هَذا البَدَلِ ذِكْرَ التَّوْحِيدِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ”نَعْبُدُ إلَهًا واحِدًا“ .
البقرة 2:134
(p-٢١٣)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾، مَعْنى ”خَلَتْ“: مَضَتْ، كَما تَقُولُ: ”لِثَلاثٍ خَلَوْنَ مِنَ الشَّهْرِ“، أيْ: مَضَيْنَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، اَلْمَعْنى: ”إنَّما تُسْألُونَ عَنْ أعْمالِكم“ .
البقرة 2:135
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾، اَلْمَعْنى: ”قالَتِ اليَهُودُ: كُونُوا هُودًا، وقالَتِ النَّصارى: كُونُوا نَصارى“، وجُزِمَ ”تَهْتَدُوا“، عَلى الجَوابِ لِلْأمْرِ، وإنَّما مَعْنى الشَّرْطِ قائِمٌ في الكَلِمَةِ، المَعْنى: إنْ تَكُونُوا عَلى هَذِهِ المِلَّةِ تَهْتَدُوا، فَجَزْمُ ”تَهْتَدُوا“، عَلى الحَقِيقَةِ، جَوابَ الجَزاءِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾، تُنْصَبُ المِلَّةُ عَلى تَقْدِيرِ: بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، ويَجُوزُ أنْ تُنْصَبَ عَلى مَعْنى: بَلْ نَكُونُ أهْلَ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وتُحْذَفَ الأهْلُ، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ [يوسف: ٨٢]، لِأنَّ القَرْيَةَ لا تُسْألُ، ولا تُجِيبُ، ويَجُوزُ الرَّفْعُ: ”بَلْ مِلَّةُ إبْراهِيمَ حَنِيفًا“، والأجْوَدُ والأكْثَرُ: اَلنَّصْبُ، ومُجازٌ الرَّفْعُ عَلى مَعْنى: ”قُلْ: مِلَّتُنا ودِينُنا مِلَّةُ إبْراهِيمَ“، ونُصِبَ ”حَنِيفًا“، عَلى الحالِ، المَعْنى: بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ في حالِ حَنِيفَتِهِ، ومَعْنى ”اَلْحَنِيفَةُ“، في اللُّغَةِ: اَلْمَيْلُ، فالمَعْنى أنَّ إبْراهِيمَ حَنِيفٌ إلى دِينِ اللَّهِ، دِينِ الإسْلامِ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، فَلَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا بِهِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ شَرائِعُهُمْ، فالعَقْدُ تَوْحِيدُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والإيمانُ بِرُسُلِهِ، وإنِ اخْتَلَفَتِ الشَّرائِعُ، (p-٢١٤)إلّا أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تُتْرَكَ شَرِيعَةُ نَبِيٍّ، أوْ يُعْمَلَ بِشَرِيعَةِ نَبِيٍّ قَبْلَهُ تُخالِفُ شَرِيعَةَ نَبِيِّ الأُمَّةِ الَّتِي يَكُونُ فِيها، وإنَّما أُخِذَ ”اَلْحَنْفُ“، مِن قَوْلِهِمْ: ”اِمْرَأةٌ حَنْفاءُ“، و”رَجُلٌ أحْنَفُ“، وهو الَّذِي تَمِيلُ قَدَماهُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما بِأصابِعِها إلى أُخْتِها بِأصابِعِها، قالَتْ أُمُّ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، وكانَتْ تُرَقِّصُهُ، وخَرَجَ سَيِّدَ بَنِي تَمِيمٍ:
؎واللَّهِ لَوْلا حَنَفٌ في رِجْلِهِ ∗∗∗ ودِقَّةٌ في ساقِهِ مِن هُزْلِهِ
ما كانَ في فِتْيانِكم مِن مِثْلِهِ
البقرة 2:136
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾، اَلْمَعْنى: لا نَكْفُرُ بِبَعْضٍ ونُؤْمِنُ بِبَعْضٍ.
البقرة 2:137
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ .
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَهَلْ لِلْإيمانِ مِثْلٌ هو غَيْرُ الإيمانِ؟ قِيلَ لَهُ: اَلْمَعْنى واضِحٌ بَيِّنٌ، وتَأْوِيلُهُ: ”فَإنْ أتَوْا بِتَصْدِيقٍ مِثْلِ تَصْدِيقِكم وإيمانِكم بِالأنْبِياءِ، ووَحَّدُوا كَتَوْحِيدِكُمْ، فَقَدِ اهْتَدَوْا“، أيْ: فَقَدْ صارُوا مُسْلِمِينَ مِثْلَكُمْ، ﴿وَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾، أيْ: في مُشاقَّةٍ، وعَداوَةٍ، ومِن هَذا قَوْلُ النّاسِ: فُلانٌ قَدْ شَقَّ عَصا المُسْلِمِينَ، إنَّما هو قَدْ فارَقَ ما اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ إمامِهِمْ، وإنَّما صارَ في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ المُسْلِمِينَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾، هَذا ضَمانٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - في النَّصْرِ لِنَبِيِّهِ ﷺ، لِأنَّهُ إنَّما يَكْفِيهِ إيّاهم (p-٢١٥)بِإظْهارِ ما بَعَثَهُ بِهِ عَلى كُلِّ دِينٍ سِواهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]، فَهَذا تَأْوِيلُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ.
وَكَذا قَوْلُهُ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] .
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَإنَّ مِنَ الرُّسُلِ مَن قُتِلَ، فَإنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ اللَّهَ غالِبٌ هو ورُسُلُهُ بِالحُجَّةِ الواضِحَةِ، والآيَةِ البَيِّنَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ غَلَبَةَ الآخِرَةِ، لِأنَّ الأمْرَ هو عَلى ما يُسْتَقَرُّ عَلَيْهِ في العاقِبَةِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ رَسُولًا بِحَرْبٍ، فاتَّبَعَ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ في حَرْبِهِ إلّا غَلَبَ، فَعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ”لَمْ يُقْتَلْ رَسُولٌ قَطُّ مُحارِبًا“ .
البقرة 2:138
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”صِبْغَةً“، مَنصُوبَةً عَلى قَوْلِهِ: ”بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ“، أيْ: ”بَلْ نَتَّبِعُ صِبْغَةَ اللَّهِ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُها عَلى: ”بَلْ نَكُونُ أهْلَ صِبْغَةِ اللَّهِ“، كَما قُلْنا في ”مِلَّةَ إبْراهِيمَ“، ويَجُوزُ أنْ تُرْفَعَ الصِّبْغَةُ عَلى إضْمارِ ”هي“، كَأنَّهم قالُوا: ”هي صِبْغَةُ اللَّهِ“، أيْ: ”هي مِلَّةُ إبْراهِيمَ صِبْغَةُ اللَّهِ“، وقِيلَ: إنَّما ذُكِرَتِ الصِّبْغَةُ لِأنَّ قَوْمًا مِنَ النَّصارى كانُوا يَصْبُغُونَ أوْلادَهم في ماءٍ لَهُمْ، ويَقُولُونَ: ”هَذا تَطْهِيرٌ كَما أنَّ الخِتانَ تَطْهِيرٌ لَكم“، فَقِيلَ لَهُمْ: ”صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً“، أيْ: اَلتَّطْهِيرُ الَّذِي أمَرَ بِهِ مُبالِغٌ في النَّظافَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”صِبْغَةَ اللَّهِ“، أيْ: ”خِلْقَةَ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ - الخَلْقَ“، فَيَكُونَ المَعْنى أنَّ اللَّهَ ابْتَدَأ الخَلْقَ عَلى الإسْلامِ، ويَكُونَ دَلِيلُ هَذا القَوْلِ قَوْلَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وجاءَ في الحَدِيثِ أنَّهم (p-٢١٦)أخْرَجَهم كالذَّرِّ، ودَلِيلُ هَذا التَّأْوِيلِ أيْضًا قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنهُ الخَبَرُ: ”«كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ حَتّى يَكُونَ أبَواهُ هُما اللَّذانِ يُهَوِّدانِهِ، أوْ يُنَصِّرانِهِ»“، و”صَبَغْتُ الثَّوْبَ“، إنَّما هو غَيَّرْتُ لَوْنَهُ، وخِلْقَتَهُ.
البقرة 2:139
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ﴾، في ”أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ“، لُغاتٌ، فَأجْوَدُها: ”أتُحاجُّونَنا“، بِنُونَيْنِ، وإنْ شِئْتَ بِنُونٍ واحِدَةٍ: ”أتُحاجُّونّا“، عَلى إدْغامِ الأُولى في الثّانِيَةِ، وهَذا وجْهٌ جَيِّدٌ، ومِنهم مَن إذا أدْغَمَ أشارَ إلى الفَتْحِ، كَما قَرَؤُوا: ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١]، عَلى الإدْغامِ، والإشارَةِ إلى الضَّمِّ، وإنْ شِئْتَ حَذَفْتَ إحْدى النُّونَيْنِ، فَقُلْتَ: ”أتُحاجُّونا“، فَحَذْفٌ لِاجْتِماعِ النُّونَيْنِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎تَراهُ كالثِّغامِ يُعَلُّ مِسْكًا ∗∗∗ يَسُوءُ الغانِياتِ إذا فَلْيَنِي
يُرِيدُ: ”فَلَيْنَنِي“، ورَأيْتُ مَذْهَبَ المازِنِيِّ وغَيْرِهِ: رَدَّ هَذِهِ القِراءَةَ، وكَذَلِكَ رَدُّوا ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]، قالَ أبُو إسْحاقَ: والإقْدامُ عَلى رَدِّ هَذِهِ القِراءَةِ غَلَطٌ، لِأنَّ نافِعًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَرَأ بِها، وأخْبَرَنِي إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ نافِعًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - (p-٢١٧)لَمْ يَقْرَأْ بِحَرْفٍ إلّا وأقَلُّ ما قَرَأ بِهِ اثْنانِ مِن قُرّاءِ المَدِينَةِ، ولَهُ وجْهٌ في العَرَبِيَّةِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُرَدَّ، ولَكِنَّ الفَتْحَ في قَوْلِهِ: ”فَبِمَ تُبَشِّرُونَ“، أقْوى في العَرَبِيَّةِ.
وَمَعْنى قَوْلِهِ: ”﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ﴾“: أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أمَرَ المُسْلِمِينَ أنْ يَقُولُوا لِلْيَهُودِ الَّذِينَ ظاهَرُوا مَن لا يُوَحِّدُ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - مِنَ النَّصارى، وعَبَدَةِ الأوْثانِ، فَأمَرَ اللَّهُ أنْ يُحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِـ”إنَّكم تَزْعُمُونَ أنَّكم مُوَحِّدُونَ، ونَحْنُ نُوَحِّدُ، فَلِمَ ظاهَرْتُمْ مَن لا يُوَحِّدُ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ -، وهو رَبُّنا ورَبُّكُمْ، ولَنا أعْمالُنا، ولَكم أعْمالُكُمْ؟“، ثُمَّ أعْلَمُوهم أنَّهم مُخْلِصُونَ، وإخْلاصُهم إيمانُهم بِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - واحِدٌ، وتَصْدِيقُهم جَمِيعَ رُسُلِهِ، فَأعْلَمُوا أنَّهم مُخْلِصُونَ، دُونَ مَن خالَفَهم.
البقرة 2:140
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾، كَأنَّهم قالُوا لَهُمْ: بِأيِّ الحُجَّتَيْنِ تَتَعَلَّقُونَ في أمْرِنا؟ أبِالتَّوْحِيدِ؟ فَنَحْنُ مُوَحِّدُونَ، أمْ بِاتِّباعِ دِينِ الأنْبِياءِ؟ فَنَحْنُ مُتَّبِعُونَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾، تَأْوِيلُهُ أنَّ النَّبِيَّ الَّذِي أتانا بِالآياتِ المُعْجِزاتِ، وأتاكم بِها، أعْلَمَكُمْ، وأعْلَمَنا أنَّ الإسْلامَ دِينُ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ.
و”اَلْأسْباطُ“، هُمُ الَّذِينَ مِن ذُرِّيَّةِ الأنْبِياءِ، والأسْباطُ اثْنا عَشَرَ سِبْطًا، وهم ولَدُ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ومَعْنى ”اَلسِّبْطُ“، في اللُّغَةِ: الجَماعَةُ الَّذِينَ يَرْجِعُونَ إلى أبٍ واحِدٍ، و”اَلسِّبْطُ“، في اللُّغَةِ: اَلشَّجَرَةُ، فالسِّبْطُ: اَلَّذِينَ هم مِن شَجَرَةٍ واحِدَةٍ.
(p-٢١٨)وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾، يَعْنِي بِهِمْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم عُلَماءُ اليَهُودِ، لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا أنَّ رِسالَةَ النَّبِيِّ حَقٌّ، وإنَّما كَفَرُوا حَسَدًا، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -، وطَلَبًا لِدَوامِ رِياسَتِهِمْ، وكَسْبِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا يَتَكَسَّبُونَ بِإقامَتِهِمْ عَلى دِينِهِمْ، فَقِيلَ: ومَن أظَلَمُ مِمَن كَتَمَ أمْرَ النَّبِيِّ ﷺ؟! ولا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾، يَعْنِي: مِن كِتْمانِكم ما عَلِمْتُمُوهُ مِن صِحَّةِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ.
البقرة 2:141
وَقَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ﴾، اَلْمَعْنى: لَها ثَوابُ ما كَسَبَتْ، ولَكم ثَوابُ ما كَسَبْتُمْ.
البقرة 2:142
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ﴾، فِيهِ قَوْلانِ، قِيلَ: يَعْنِي بِهِ كُفّارَ أهْلِ مَكَّةَ، وقِيلَ: يَعْنِي بِهِ اليَهُودَ.
و”اَلسُّفَهاءُ“، واحِدُهم ”سَفِيهٌ“، مِثْلُ ”شَهِيدٌ“، و”شُهَداءُ“، و”عَلِيمٌ“، و”عُلَماءُ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾، مَعْنى ”ما ولّاهم“: ما عَدَلَهم عَنْها؟ يَعْنِي قِبْلَةَ بَيْتِ المَقْدِسِ، لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ أُمِرَ بِالصَّلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، لِأنَّ مَكَّةَ، وبَيْتَ اللَّهِ الحَرامَ كانَتِ العَرَبُ آلِفَةً لِحَجِّهِ، فَأحَبَّ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يَمْتَحِنَ القَوْمَ بِغَيْرِ ما ألِفُوهُ، لِيَظْهَرَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ﷺ، مِمَّنْ لا يَتَّبِعُهُ، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، فامْتَحَنَ اللَّهُ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، فِيما رُوِيَ لِهَذِهِ العِلَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، مَعْناهُ: حَيْثُ أمَرَ اللَّهُ أنْ يُصَلّى ويُتَعَبَّدَ، فَهو لَهُ، وعالِمٌ بِهِ، وهو فِيهِ كَما (p-٢١٩)قالَ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: ٣]، وكَما قالَ: ﴿وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وكَما قالَ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، مَعْناهُ: ”طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ“، كَما يُحِبُّ اللَّهُ.
البقرة 2:143
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾، مَعْنى ”اَلْأُمَّةُ“: اَلْجَماعَةُ، أيَّ جَماعَةٍ كانَتْ، إلّا أنَّ هَذِهِ الجَماعَةَ وُصِفَتْ بِأنَّها وسَطٌ، وفي ”أُمَّةً وسَطًا“، قَوْلانِ: قالَ بَعْضُهُمْ: ”وَسَطًا“: عَدْلًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: أخْيارًا، واللَّفْظانِ مُخْتَلِفانِ، والمَعْنى واحِدٌ، لِأنَّ العَدْلَ خَيِّرٌ، والخَيِّرُ عَدْلٌ، وقِيلَ في صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ: ”إنَّهُ مِن أوْسَطَ قَوْمِهِ جِنْسًا“، أيْ: مِن خِيارِها، والعَرَبُ تَصِفُ الفاضِلَ النَّسَبِ بِأنَّهُ: مِن أوْسَطِ قَوْمِهِ، وهَذا يَعْرِفُ حَقِيقَتَهُ أهْلُ اللُّغَةِ، لِأنَّ العَرَبَ تَسْتَعْمِلُ التَّمْثِيلَ كَثِيرًا، فَتُمَثِّلُ القَبِيلَةَ بِالوادِي، والقاعِ، وما أشْبَهَهُ، فَخَيْرُ الوادِي وسَطُهُ، فَيُقالُ: ”هَذا مِن وسَطِ قَوْمِهِ“، و”مِن وسَطِ الوادِي“، و”سَرَرِ الوادِي“، و”سِرارَةُ الوادِي“، و”سِرُّ الوادِي“، ومَعْناهُ كُلُّهُ: مِن خَيْرِ مَكانٍ فِيهِ، فَكَذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ مِن خَيْرِ مَكانٍ في نَسَبِ العَرَبِ، ”وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا“، أيْ: خِيارًا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾، ”تَكُونُوا“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، المَعْنى: ”جَعَلْناكم خِيارًا، لِأنْ تَكُونُوا شُهَداءَ“، فَنُصِبَ ”تَكُونُوا“، بِـ”أنْ“، و”شُهَداءَ“، نَصْبٌ، خَبَرُ ”تَكُونُوا“، إلّا أنَّ ”شُهَداءَ“، (p-٢٢٠)لا يُنَوَّنُ، لِأنَّهُ لا يَنْصَرِفُ، لِأنَّ فِيهِ ألِفَ التَّأْنِيثِ، وألِفُ التَّأْنِيثِ يُبْنى مَعَها الِاسْمُ، ولَمْ يُلْحَقْ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الِاسْمِ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَنْصَرِفْ ”شُهَداءَ“ .
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَلِمَ جُعِلَ الجَمْعُ بِألِفِ التَّأْنِيثِ؟ قِيلَ: كَما جُعِلَ التَّأْنِيثُ في نَحْوِ قَوْلِكَ: ”جَرِيبٌ“، و”أجْرِبَةٌ“، و”غُرابٌ“، و”أغْرِبَةٌ“، و”ضارِبٌ“، و”ضَرَبَةٌ“، و”كاتِبٌ“، و”كَتَبَةٌ“، وتَأْوِيلُ ”﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾“، فِيهِ قَوْلانِ: جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ أُمَمَ الأنْبِياءِ تَكْذِبُ في الآخِرَةِ، إذا سُئِلَتْ عَمَّنْ أُرْسِلَ إلَيْها، فَتَجْحَدُ أنْبِياءَها، هَذا فِيمَن جَحَدَ في الدُّنْيا مِنهُمْ، فَتَشْهَدُ هَذِهِ الأُمَّةُ بِصِدْقِ الأنْبِياءِ، وتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ، ويَشْهَدُ النَّبِيُّ ﷺ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِصِدْقِهِمْ، وإنَّما جازَتْ هَذِهِ الشَّهادَةُ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا لِيُعايِنُوا تِلْكَ الأُمَمَ، لِإخْبارِ النَّبِيِّ ﷺ، فَهَذا قَوْلٌ، وقالَ قَوْمٌ: ”﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾“، أيْ: مُحْتَجِّينَ عَلى سائِرِ مَن خالَفَكُمْ، ويَكُونَ الرَّسُولُ مُحْتَجًّا عَلَيْكُمْ، ومُبَيِّنًا لَكُمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ أشْبَهُ بِالتَّفْسِيرِ، وأشْبَهُ بِقَوْلِهِ: ”وَسَطًا“، لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَحْتَجُّ عَلى المُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمْ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾، يَعْنِي قِبْلَةَ بَيْتِ المَقْدِسِ، أيْ: ”وَإنْ كانَ اتِّباعُها لَكَبِيرَةً“، اَلْمَعْنى: إنَّهُ كَبِيرٌ عَلى غَيْرِ المُخْلِصِينَ، فَأمّا مَن أخْلَصَ فَلَيْسَتْ بِكَبِيرَةٍ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿إلا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾، أيْ: فَلَيْسَتْ بِكَبِيرَةٍ عَلَيْهِمْ، وهَذِهِ اللّامُ دَخَلَتْ عَلى ”إنْ“، لِأنَّ اللّامَ إذا لَمْ تَدْخُلُ مَعَ ”إنْ“، اَلْخَفِيفَةِ، كانَ الكَلامُ جَحْدًا، فَلَوْلا اللّامُ كانَ المَعْنى: ”ما كانَتْ كَبِيرَةً“، فَإذا جاءَتْ ”إنْ“، واللّامُ، فَمَعْناهُ التَّوْكِيدُ لِلْقِصَّةِ، واللّامُ تَدْخُلُ في (p-٢٢١)الخَبَرِ، ونَحْنُ نَشْرَحُ دُخُولَها عَلى الخَفِيفَةِ في مَوْضِعِها، إنْ شاءَ اللَّهُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾، هَذِهِ اللّامُ هي الَّتِي يُسَمِّيها النَّحْوِيُّونَ ”لامَ الجُحُودِ“، وهي تَنْصِبُ الفِعْلَ المُسْتَأْنَفَ، وقَدْ أحْكَمْنا شَرْحَها قَبْلَ هَذا المَوْضِعِ، ومَعْنى ”﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾“، أيْ: مَن كانَ صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ قَبْلَ أنْ تُحَوَّلَ القِبْلَةُ إلى البَيْتِ الحَرامِ بِمَكَّةَ، فَصَلاتُهُ غَيْرُ ضائِعَةٍ، وثَوابُهُ قائِمٌ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ قَوْمٌ قالُوا: فَما نَصْنَعُ بِصَلاتِنا الَّتِي كُنّا صَلَّيْناها إلى بَيْتِ المَقْدِسِ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾، أيْ: تَصْدِيقَكم بِأمْرِ تِلْكَ القِبْلَةِ، وقِيلَ أيْضًا: إنَّ جَماعَةً مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ تُوُفُّوا وهم يُصَلُّونَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، قَبْلَ نَقْلِ القِبْلَةِ إلى بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَلاتِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، إنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”لَرَؤُوفٌ“، وإنْ شِئْتَ: ”لَرَوُوفٌ رَحِيمٌ“، فَهَمَزْتَ، وخَفَّفْتَ، ومَعْنى الرَّأْفَةِ كَمَعْنى الرَّحْمَةِ.
البقرة 2:144
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾، اَلْمَعْنى: في النَّظَرِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ: ”تَقَلُّبَ عَيْنِكَ“، والمَعْنى واحِدٌ، لِأنَّ التَّقَلُّبَ إنَّما كانَ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِتَرْكِ الصَّلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَكانَ يَنْتَظِرُ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ إلى أيِّ قِبْلَةٍ يُصَلِّي، و”تَقَلُّبَ“، مَصْدَرُ ”تَقَلَّبَ، تَقَلُّبًا“، ويَجُوزُ في الكَلامِ: ”تِقْلابًا“، ولا يَجُوزُ في القُرْآنِ، لِأنَّهُ تَغْيِيرٌ لِلْمُصْحَفِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾، (p-٢٢٢)قَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ بِالمَدِينَةِ حِينَ أُمِرَ بِأنْ يَنْتَقِلَ عَنِ الصَّلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَأُمِرَ بِأنْ يُصَلِّيَ إلى بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ، وقِيلَ في قَوْلِهِ: ”تَرْضاها“، قَوْلانِ: قالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ تُحِبُّها، لا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ راضِيًا بِتِلْكَ القِبْلَةِ، لِأنَّ كُلَّ ما أمَرَ اللَّهُ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِهِ فَهي راضِيَةٌ بِهِ، وإنَّما أحَبَّها النَّبِيُّ ﷺ لِأنَّها كانَتْ - فِيما يُرْوى - قِبْلَةَ الأنْبِياءِ، وقِيلَ لِأنَّها كانَتْ عِنْدَهُ أدْعى لِقَوْمِهِ إلى الإيمانِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ: اَلْمَسْجِدِ الحَرامِ، فَأُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ - وهو بِالمَدِينَةِ - مَكَّةَ، والبَيْتَ الحَرامَ، وأُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ البَيْتَ حَيْثُ كانَ النّاسُ، ومَعْنى ”اَلشَّطْرُ“: اَلنَّحْوُ، و”شَطْرَ“، مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إنَّ العَسِيرَ بِها داءٌ يُخامِرُها ∗∗∗ فَشَطْرَها نَظَرُ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ
أيْ: فَنَحْوَها، ولا اخْتِلافَ بَيْنَ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ ”اَلشَّطْرُ“: اَلنَّحْوُ، وقَوْلُ النّاسِ: ”فُلانٌ شاطِرٌ“، مَعْناهُ: قَدْ أخَذَ في نَحْوٍ غَيْرِ الِاسْتِواءِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ: ”شاطِرٌ“، لِعُدُولِهِ عَنْ الِاسْتِواءِ، يُقالُ: ”قَدْ شَطَرَ الرَّجُلُ، يَشْطُرُ، شِطارَةً، وشَطارَةً“، ويُقالُ: ”هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُشاطِرُونا“، أيْ: دُورُهم تَتَّصِلُ بِدُورِنا، كَما تَقُولُ: ”هَؤُلاءِ يُناحُونَنا“، أيْ: ”نَحْنُ نَحْوُهُمْ، وهم نَحْوُنا“، فَلِذَلِكَ هم شاطَرُونا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، (p-٢٢٣)إنْ قالَ قائِلٌ: ما مَعْنى: ”﴿إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]“، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ عَلِمَ ما يَكُونُ قَبْلَ كَوْنِهِ؟ فالجَوابُ في ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ لا يَتَّبِعُهُ مِن قَبْلِ وُقُوعِهِ، وذَلِكَ العِلْمُ لا تَجِبُ بِهِ مُجازاةٌ في ثَوابٍ، ولا عِقابٍ، ولَكِنَّ المَعْنى: لِيَعْلَمَ ذَلِكَ مِنهم شَهادَةً، فَيَقَعَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ العِلْمِ اسْمُ ”مُطِيعِينَ“، واسْمُ ”عاصِينَ“، فَيَجِبَ ثَوابُهم عَلى قَدْرِ عَمَلِهِمْ، ويَكُونَ مَعْلُومُ ما في حالِ وُقُوعِ الفِعْلِ مِنهم عِلْمَ شَهادَةٍ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ [الرعد: ٩]، فَعِلْمُهُ بِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ عِلْمُ غَيْبٍ، وعِلْمُهُ بِهِ في حالِ وُقُوعِهِ شَهادَةٌ، وكُلُّ ما عَلِمَهُ اللَّهُ شَهادَةً فَقَدْ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُ غَيْبًا، لِأنَّهُ يَعْلَمُهُ قَبْلَ كَوْنِهِ، وهَذا يُبَيِّنُ كُلَّ ما في القُرْآنِ مِثْلَهُ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]
البقرة 2:145
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾، زَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ ”لَئِنْ“، أُجِيبَ بِجَوابِ ”لَوْ“، لِأنَّ الماضِيَ-٩ ولِيَها كَما ولِيَ ”لَوْ“، فَأُجِيبَ بِجَوابِ ”لَوْ“، ودَخَلَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها عَلى أُخْتِها، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ [الروم: ٥١]، فَجَرَتْ مُجْرى: ”وَلَوْ أرْسَلْنا رِيحًا“، وكَذَلِكَ قالَ الأخْفَشُ بِهَذا (p-٢٢٤)القَوْلِ، قالَ سِيبَوَيْهِ، وجَمِيعُ أصْحابِهِ: إنَّ مَعْنى ”لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ“: ”لَيَظَلُّنَّ“، ومَعْنى ”لَئِنْ“، غَيْرُ مَعْنى ”لَوْ“، في قَوْلِ الجَماعَةِ، وإنْ كانَ هَؤُلاءِ قالُوا: إنَّ الجَوابَ مُتَّفِقٌ، فَإنَّهم لا يَدْفَعُونَ أنَّ مَعْنى ”لَئِنْ“: ما يُسْتَقْبَلُ، ومَعْنى ”لَوْ“، ماضٍ، وحَقِيقَةُ مَعْنى ”لَوْ“، أنَّها يَمْتَنِعُ بِها الشَّيْءُ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ، تَقُولُ: ”لَوْ أتَيْتَنِي لَأكْرَمْتُكَ“، أيْ: ”لَمْ تَأْتِنِي، فَلَمْ أُكْرِمْكَ“، فَإنَّما امْتَنَعَ إكْرامِي لِامْتِناعِ إتْيانِكَ، ومَعْنى ”إنْ“، و”لَئِنْ“، أنَّهُ يَقَعُ الشَّيْءُ فِيهِما لِوُقُوعِ غَيْرِهِ في المُسْتَقْبَلِ، تَقُولُ: ”إنْ تَأْتِنِي أُكْرِمْكَ“، فالإكْرامُ يَقَعُ بِوُقُوعِ الإتْيانِ، فَهَذِهِ حَقِيقَةُ مَعْناهُما، فَأمّا التَّأْوِيلُ فَإنَّ أهْلَ الكِتابِ قَدْ عَلِمُوا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَقٌّ، وأنَّ صِفَتَهُ ونَبُّوتَهُ في كِتابِهِمْ، وهم يُحَقِّقُونَ العِلْمَ بِذَلِكَ، فَلا تُغْنِي الآياتُ عِنْدَ مَن يَجِدُ ما يَعْرِفُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾، لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ تَظاهَرُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ، واليَهُودُ لا تَتَّبِعُ قِبْلَةَ النَّصارى، ولا النَّصارى تَتَّبِعُ قِبْلَةَ اليَهُودِ، وهم مَعَ ذَلِكَ في التَّظاهُرِ عَلى النَّبِيِّ مُتَّفِقُونَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾، أيْ: إنَّكَ لَمِنهم إنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ، وهَذا الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ولِسائِرِ أُمَّتِهِ، لِأنَّ ما خُوطِبَ بِهِ مِن هَذا الجِنْسِ، فَقَدْ خُوطِبَ بِهِ الأُمَّةُ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١]، أوَّلُ الخِطابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ولَيْسَ مَعَهُ لَفْظُ الأُمَّةِ، وآخِرُهُ دَلِيلٌ أنَّ الخِطابَ عامٌّ.
(p-٢٢٥)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، يَعْنِي بِهِ عُلَماءَ اليَهُودِ.
و”اَلَّذِينَ“، رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُ ”اَلَّذِينَ“: ”يَعْرِفُونَهُ“، وفي ”يَعْرِفُونَهُ“، قَوْلانِ: قالَ بَعْضُهُمْ: يَعْرِفُونَ أنَّ أمْرَ القِبْلَةِ وتَحَوُّلَ النَّبِيِّ ﷺ مِن قِبَلِ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى البَيْتِ الحَرامِ حَقٌّ، كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ، وقِيلَ: مَعْنى ”يَعْرِفُونَهُ“: يَعْرِفُونَ النَّبِيَّ ﷺ، وصِحَّةَ أمْرِهِ.
البقرة 2:146
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾، أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ، أيْ: يَكْتُمُونَ صِفَتَهُ، ومَن لا يَعْلَمُ أمْرَ النَّبِيِّ ﷺ وما جاءَ بِهِ، وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٧]، أيْ: هَذا الحَقُّ مِن رَبِّكَ، ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]، أيْ: مِنَ الشّاكِّينَ، والخِطابُ أيْضًا عامٌّ، أيْ: فَلا تَكُونُوا مِنَ الشّاكِّينَ.
البقرة 2:148
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾، يُقالُ: ”هَذِهِ جِهَةٌ“، و”وَجْهَةٌ“، و”وِجْهَةٌ“، وكَذَلِكَ يُقالُ: ”ضَعَةٌ“، و”وَضْعَةٌ“، و”ضِعَةٌ“، وقِيلَ في قَوْلِهِ: ”هو مُوَلِّيها، قَوْلانِ: قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ - وهو أكْثَرُ القَوْلِ -:“ هو لِكُلٍّ ”: اَلْمَعْنى:“ هو مُوَلِّيها وجْهَهُ ”، أيْ: وكُلُّ أهْلِ وِجْهَةٍ هُمُ الَّذِينَ ولَّوْا وُجُوهَهم إلى تِلْكَ الجِهَةِ، وقَدْ قُرِئَ أيْضًا:“ هو مُوَلّاها "، وهو حَسَنٌ، وقالَ قَوْمٌ: أيْ: اَللَّهُ - عَلى ما يَزْعُمُونَ - يُوَلِّي أهْلَ كُلِّ مِلَّةٍ القِبْلَةَ الَّتِي يُرِيدُ، وكِلا القَوْلَيْنِ جائِزٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾، (p-٢٢٦)أيْ: فَبادِرُوا إلى القَبُولِ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، ووَلُّوا وُجُوهَكم حَيْثُ أمَرَكم أنْ تُوَلُّوا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾، أيْ: يُرْجِعُكم إلَيْهِ، ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فَتُوَفَّوْنَ ما عَمِلْتُمْ، و”أيْنَما“، تَجْزِمُ ما بَعْدَها، لِأنَّها إذا وُصِلَتْ بِـ”ما“، جَزَمَتْ ما بَعْدَها، وكانَ الكَلامُ شَرْطًا، وكانَ الجَوابُ جَزْمًا كالشَّرْطِ، وإنْ كانَتِ اسْتِفْهامًا - نَحْوَ: ”أيْنَ زَيْدٌ“ - فَإنْ أجَبْتَهُ أجَبْتَ بِالجَزْمِ، تَقُولُ: ”أيْنَ بَيْتُكَ أزُرْكَ“، اَلْمَعْنى: ”إنْ أعْرِفْ بَيْتَكَ أزُرْكَ“، وزَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠]، جَوابُهُ: ”يَغْفِرْ لَكم“، وهَذا خَطَأٌ، لِأنَّهُ لَيْسَتْ بِالدَّلالَةِ تَجِبُ المَغْفِرَةُ، إنَّما تَجِبُ المَغْفِرَةُ بِقَبُولِهِمْ ما يُؤَدِّي إلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ، ولَكِنْ ”يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم“، جَوابُ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ﴾ [الصف: ١١]، فَإنَّهُ أمْرٌ في لَفْظِ خَبَرٍ، المَعْنى: آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وجاهِدُوا، يَغْفِرْ لَكم.
البقرة 2:150
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾، أيْ: قَدْ عَرَّفَكُمُ اللَّهُ أمْرَ الِاحْتِجاجِ في القِبْلَةِ، مِمّا قَدْ بَيَّنّاهُ، لِئَلّا يَكُونُ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ في قَوْلِهِ: ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها، أيْ: ”هو مُوَلِّيها لِئَلّا يَكُونَ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾، قالَ بَعْضُهُمْ: ”لَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَلا تَخْشَوْهم“، والقَوْلُ عِنْدِي أنَّ المَعْنى في هَذا واضِحٌ، المَعْنى: لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ، إلّا مَن ظَلَمَ (p-٢٢٧)بِاحْتِجاجِهِ، فِيما قَدْ وضَحَ لَهُ، كَما تَقُولُ: ”ما لَكَ عَلَيَّ مِن حُجَّةٍ إلّا الظُّلْمَ“، أيْ: إلّا أنْ تَظْلِمَنِي، المَعْنى: ”ما لَكَ عَلَيَّ مِن حُجَّةٍ البَتَّةَ، ولَكِنَّكَ تَظْلِمُنِي“، و”ما لَكَ عَلَيَّ حُجَّةٌ إلّا ظُلْمِي“، وإنَّما سُمِّيَ ظُلْمُهُ هُنا حُجَّةً لِأنَّ المُحْتَجَّ بِهِ سَمّاهُ ”حُجَّةً“، وحُجَّتُهُ داحِضَةٌ عِنْدَ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦]، سُمِّيَتْ ”حُجَّةً“، إلّا أنَّها حُجَّةٌ مُبْطَلَةٌ، فَلَيْسَتْ بِحُجَّةٍ مُوجِبَةٍ حَقًّا، وهَذا بَيانٌ شافٍ، إنْ شاءَ اللَّهُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾، أيْ: ”عَرَّفْتُكم لِئَلّا يَكُونَ عَلَيْكم حُجَّةٌ، ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ، ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ“ .
البقرة 2:151
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولا مِنكُمْ﴾، ”كَما“، تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ جَوابًا لِما قَبْلَها، فَيَكُونَ: ”لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ، كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم“، والأجْوَدُ أنْ تَكُونَ ”كَما“، مُعَلَّقَةً بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، أيْ: فاذْكُرُونِي بِالشُّكْرِ والإخْلاصِ، كَما أرْسَلْنا فِيكم....
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَكَيْفَ يَكُونُ جَوابُ ”كَما أرْسَلْنا“: ”فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم“ ؟ فالجَوابُ هَهُنا إنَّما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابَيْنِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ”فاذْكُرُونِي“، أمْرٌ، وقَوْلَهُ: ”أذْكُرْكم“، جَزاءُ ”اُذْكُرُونِي“، والمَعْنى: إنْ تَذْكُرُونِي أذْكُرْكم.
(p-٢٢٨)وَمَعْنى الآيَةِ أنَّها خِطابٌ لِمُشْرِكِي العَرَبِ، فَخاطَبَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِما دَلَّهم عَلى إثْباتِ رِسالَةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: كَما أرْسَلْنا فِيكم مُحَمَّدًا ﷺ، وهو رَجُلٌ مِنكُمْ، أُمِّيٌّ، تَعْلَمُونَ أنَّهُ لَمْ يَتْلُ كِتابًا قَبْلَ رِسالَتِهِ، ولا بَعْدَها، إلّا بِما أُوحِيَ إلَيْهِ، وأنَّكم كُنْتُمْ أهْلَ جاهِلِيَّةٍ، لا تَعْلَمُونَ الحِكْمَةَ، ولا أخْبارَ الأنْبِياءِ، ولا آبائِهِمْ، ولا أقاصِيصَهُمْ، فَأرْسَلَ إلَيْكُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَأنْبَأكم بِأخْبارِ الأنْبِياءِ، وبِما كانَ مِن أخْبارِهِمْ مَعَ أُمَمِهِمْ، لا يَدْفَعُ ما أخْبَرَ بِهِ أهْلُ الكِتابِ، فَكَما أنْعَمْتُ عَلَيْكم بِإرْسالِهِ فاذْكُرُونِي، بِتَوْحِيدِي، وتَصْدِيقِهِ ﷺ، واشْكُرُوا لِي، أُذْكُرْكم بِرَحْمَتِي، ومَغْفِرَتِي، والثَّناءِ عَلَيْكم.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]، اَلْأكْثَرُ الَّذِي أتى بِهِ القُرّاءُ حَذْفُ الياءاتِ مَعَ النُّونِ.
البقرة 2:153
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾، ”يا أيُّها“، نِداءٌ مُفْرَدٌ مُبْهَمٌ، و”اَلَّذِينَ“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، صِفَةٌ لِـ”أيُّها“، هَذا مَذْهَبُ الخَلِيلِ، وسِيبَوَيْهِ، وأمّا مَذْهَبُ الأخْفَشِ، فَـ”اَلَّذِينَ“، صِلَةٌ لِـ”أيُّ“، ومَوْضِعُ ”اَلَّذِينَ“: رَفْعٌ بِإضْمارِ الذِّكْرِ العائِدِ عَلى ”أيُّ“، كَأنَّهُ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: ”يا مَنِ الَّذِينَ“، أيْ: ”يا مَن هُمُ الَّذِينَ“، و”ها“، لازِمَةٌ لِـ”أيُّ“، عِوَضٌ عَمّا حُذِفَ مِنها لِلْإضافَةِ، وزِيادَةٌ في التَّنْبِيهِ، و”أيُّ“، في غَيْرِ النِّداءِ، لا يَكُونُ فِيها ”ها“، ويُحْذَفُ مَعَها الذِّكْرُ العائِدُ عَلَيْها، تَقُولُ: ”اِضْرِبْ أيُّهم أفْضَلُ“، و”أيُّهم هو أفْضَلُ“، تُرِيدُ: ”اَلَّذِي هو أفْضَلُ“، وأجازَ (p-٢٢٩)المازِنِيُّ أنْ تَكُونَ صِفَةُ ”أيُّ“، نَصْبًا، فَأجازَ: ”يا أيُّها الرَّجُلَ أقْبِلْ“، وهَذِهِ الإجازَةُ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ في كَلامِ العَرَبِ، ولَمْ يُجِزْ أحَدٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ هَذا المَذْهَبَ قَبْلَهُ، ولا تابَعَهُ عَلَيْهِ أحَدٌ بَعْدَهُ، فَهَذا مَطْرُوحٌ مَرْذُولٌ، لِمُخالَفَتِهِ كَلامَ العَرَبِ، والقُرْآنَ، وسائِرَ الأخْبارِ، ومَعْنى ”﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾“: أيْ: بِالثَّباتِ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، وإنْ نالَكم فِيهِ مَكْرُوهٌ في العاجِلِ، فَإنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ، وتَأْوِيلُ أنَّ اللَّهَ مَعَهُمْ: أيْ: يُظْهِرُ دِينَهُ عَلى سائِرِ الأدْيانِ، لِأنَّ مَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ فَهو الغالِبُ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]، ومَعْنى ”اِسْتَعِينُوا بِالصَّلاةِ“: أيْ: إنَّكم إذا صَلَّيْتُمْ تَلَوْتُمْ في صَلاتِكم ما تَعْرِفُونَ بِهِ فَضْلَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، فَكانَ ذَلِكَ لَكم عَوْنًا.
البقرة 2:154
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ﴾، بِإضْمارِ مُكَنِّيهِمْ، أيْ: لا تَقُولُوا: هم أمْواتٌ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ أنْ يُسَمُّوا مَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ ”مَيْتًا“، وأمَرَهم بِأنْ يُسَمُّوهم ”شُهَداءَ“، فَقالَ: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، فَأعْلَمَنا أنَّ مَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ حَيٌّ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَما بالُنا نَرى جُثَّةً غَيْرَ مُتَصَرِّفَةٍ؟ فَإنَّ دَلِيلَ ذَلِكَ مِثْلُ ما يَراهُ الإنْسانُ في مَنامِهِ، وجُثَّتُهُ غَيْرُ مُتَصَرِّفَةٍ عَلى قَدْرِ ما يَرى، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ تَوَفّى نَفْسَهُ في نَوْمِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ [الزمر: ٤٢]، ويَنْتَبِهُ المُنْتَبِهُ مِن نَوْمِهِ فَيُدْرِكُهُ الِانْتِباهُ وهو في بَقِيَّةٍ مِن ذَلِكَ، فَهَذا دَلِيلُ أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ جائِزٌ أنْ (p-٢٣٠)تُفارِقَ أجْسامَهُمْ، وهم عِنْدَ اللَّهِ أحْياءٌ، فالأمْرُ فِيمَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ: لا يَجِبُ أنْ يُقالَ لَهُ: ”مَيْتٌ“، لَكِنْ يُقالُ لَهُ: ”شَهِيدٌ“، وهو عِنْدَ اللَّهِ حَيٌّ، وقَدْ قِيلَ فِيها قَوْلٌ غَيْرُ هَذا، وهَذا القَوْلُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ آنِفًا هو الَّذِي أخْتارُهُ، قالُوا: مَعْنى الأمْواتِ أيْ: لا تَقُولُوا: ”هم أمْواتٌ في دِينِهِمْ“، بَلْ قُولُوا: إنَّهم أحْياءٌ في دِينِهِمْ، وقالَ أصْحابُ هَذا القَوْلِ: دَلِيلُنا - واللَّهُ أعْلَمُ - قَوْلُهُ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ [الأنعام: ١٢٢]، فَجَعَلَ المُهْتَدِيَ حَيًّا، وأنَّهُ حِينَ كانَ عَلى الضَّلالَةِ كانَ مَيْتًا، والقَوْلُ الأوَّلُ أشْبَهُ بِالدِّينِ، وألْصَقُ بِالتَّفْسِيرِ.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، اِخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في فَتْحِ هَذِهِ الواوِ، فَقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّها مَفْتُوحَةٌ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقالَ غَيْرُهُ مِن أصْحابِهِ: إنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَتْحِ، وقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ في لامِ ”يَفْعَلُ“، لِأنَّها مَعَ ذَلِكَ قَدْ تُبْنى عَلى الفَتْحَةِ، فالَّذِينَ قالُوا مِن أصْحابِهِ: ”إنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَتْحِ“، غَيْرُ خارِجِينَ مِن قَوْلٍ لَهُ، وكِلا القَوْلَيْنِ جائِزٌ.
البقرة 2:155
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾، ولَمْ يَقُلْ: ”بِأشْياءَ“، فَإنَّما جاءَ عَلى الِاخْتِصارِ، والمَعْنى يَدُلُّ عَلى أنَّهُ: ”وَشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ وشَيْءٍ مِنَ الجُوعِ وشَيْءٍ مِن نَقْصِ الأمْوالِ والأنْفُسِ“، وإنَّما جَعَلَ اللَّهُ هَذا (p-٢٣١)الِابْتِلاءَ، لِأنَّهُ أدْعى لِمَن جاءَ بَعْدَ الصَّحابَةِ، ومَن كانَ في عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ، إلى اتِّباعِهِمْ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَصْبِرُ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ إلّا مَن قَدْ وضَحَ لَهُ الحَقُّ، وبانَ لَهُ البُرْهانُ، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - يُعْطِيهِمْ ما يَنالُهم مِنَ المَصائِبِ في العاجِلِ، والآجِلِ، وما هو أهَمُّ نَفْعًا لَهُمْ، فَجَمَعَ بِهَذا الدَّلالَةَ عَلى البَصِيرَةِ، وجَوَّزَ الثَّوابَ لِلصّابِرِينَ عَلى ذَلِكَ الِابْتِلاءِ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾، بِالصَّلاةِ عَلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ، والرَّحْمَةِ، وبِأنَّهُمُ المُهْتَدُونَ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٦]، أيْ: نَحْنُ وأمْوالُنا لِلَّهِ، ونَحْنُ عَبِيدُهُ، يَصْنَعُ بِنا ما شاءَ، وفي ذَلِكَ صَلاحٌ لَنا وخَيْرٌ، ﴿وَإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، أيْ: نَحْنُ مُصَدِّقُونَ بِأنّا نُبْعَثُ، ونُعْطى الثَّوابَ عَلى تَصْدِيقِنا، والصَّبْرِ عَلى ما ابْتَلانا بِهِ.
البقرة 2:157
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ﴾، والصَّلاةُ في اللُّغَةِ عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما الرُّكُوعُ والسُّجُودُ، والآخَرُ الرَّحْمَةُ والثَّناءُ والدُّعاءُ، فَصَلاةُ النّاسِ عَلى المَيِّتِ إنَّما مَعْناها الدُّعاءُ، والثَّناءُ عَلى اللَّهِ صَلاةٌ، والصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى أنْبِيائِهِ، وعِبادِهِ، مَعْناها الرَّحْمَةُ لَهُمْ، والثَّناءُ عَلَيْهِمْ، وصَلاتُنا الرُّكُوعُ والسُّجُودُ، كَما وصَفْنا، والدُّعاءُ صَلاةٌ، قالَ الأعْشى:
؎عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فاغْتَمِضِي ∗∗∗ نَوْمًا فَإنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجَعا
وَيُرْوى: ”مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتُ“، فَمَن قالَ: ”عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتُ“، فَمَعْناهُ (p-٢٣٢)أنَّهُ يَأْمُرُها بِأنْ تَدْعُوَ لَهُ مِثْلَ الَّذِي دَعا لَها، أيْ: تُعِيدَ الدُّعاءَ لَهُ، ومَن رَوى: ”عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ“، فَهو رَدُّ عَلَيْها، كَأنَّهُ قالَ: ”عَلَيْكِ مِثْلُ دُعائِكِ، أنْ يَنالَكِ مِنَ الخَيْرِ مِثْلُ الَّذِي أرَدْتِ لِي بِهَذِهِ، ودَعَوْتِ بِهِ لِي“، وقالَ الشّاعِرُ:
؎صَلّى عَلى يَحْيى وأشْياعِهِ ∗∗∗ رَبٌّ كَرِيمٌ وشَفِيعٌ مُطاعْ
اَلْمَعْنى: عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ مِنَ اللَّهِ، والثَّناءُ الجَمِيلُ، وأصْلُ هَذا كُلِّهِ عِنْدِي مِنَ اللُّزُومِ، يُقالُ: ”صَلّى“، و”أصْلى“، و”اِصْطَلى“، إذا لَزِمَ، ومِن هَذا ما يُصْلى في النّارِ، أيْ أنَّهُ يَلْزَمُ، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ في الصَّلاةِ: هي مِنَ الصَّلَوَيْنِ، وهُما مُكْتَنَفا ذَنَبِ النّاقَةِ، وأوَّلُ مَوْصِلِ الفَخْذِ مِنَ الإنْسانِ، وكَأنَّهُما في الحَقِيقَةِ مُكْتَنَفُ العُصْعُصِ، والأصْلُ عِنْدِي القَوْلُ الأوَّلُ، ألا تَرى أنَّ الِاسْمَ لِلصِّيامِ هو الإمْساكُ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ، وأصْلُ الصِّيامِ الثُّبُوتُ عَلى الإمْساكِ عَنِ الطَّعامِ؟ وكَذَلِكَ الصَّلاةُ إنَّما هي لُزُومُ ما فَرَضَ اللَّهُ، والصَّلاةُ مِن أعْظَمِ الفَرْضِ الَّذِي أمَرَ بِلُزُومِهِ، وأمّا المُصَلِّي الَّذِي يَأْتِي في أثَرِ السّابِقِ مِنَ الخَيْلِ فَهو مُسَمًّى مِنَ الصَّلَوَيْنِ، لا مَحالَةَ، وهُما مُكْتَنَفا ذَنَبِ الفَرَسِ، فَكَأنَّهُ يَأْتِي مَعَ ذَلِكَ المَكانِ، قالَ الشّاعِرُ في الصِّيامِ الَّذِي هو ثُبُوتٌ عَلى القِيامِ:
؎خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صائِمَةٍ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجِ وخَيْلٌ تَعْلِكُ اللُّجُما
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، (p-٢٣٣)الأكْثَرُونَ في قَوْلِهِ: ”إنّا لِلَّهِ“، تَفْخِيمُ الألِفِ ولُزُومُ الفَتْحِ، وقَدْ قِيلَ - وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ -: ”إنّا لِلَّهِ“، بِإمالَةِ الألِفِ إلى الكَسْرِ، وكانَ ذَلِكَ في هَذا الحَرْفِ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وزَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ النُّونَ كُسِرَتْ، ولَمْ يَفْهَمْ ما قالَهُ القَوْمُ، إنَّما الألِفُ مُمالَةٌ إلى الكَسْرَةِ، وزَعَمَ أنَّ هَذا مِثْلُ قَوْلِهِمْ: ”اَلْحَمْدِ لِلَّهِ“، فَهَذا صَوابٌ، أعْنِي قَوْلَهُمْ: ”إنّا لِلَّهِ“، بِالكَسْرِ.
وَقَوْلُهُمْ: ”اَلْحَمْدِ لِلَّهِ“، مِن أعْظَمِ الخَطَإ، فَكَيْفَ يَكُونُ ما هو صَوابٌ بِإجْماعٍ كالخَطَإ؟!
البقرة 2:158
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾، ”اَلصَّفا“، في اللُّغَةِ: اَلْحِجارَةُ الصُّلْبَةُ الصَّلْدَةُ، الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا، وهو جَمْعٌ، واحِدَتُهُ ”صَفاةٌ“، و”صَفًا“، مِثْلُ ”حَصاةٍ“، و”حَصًى“، و”اَلْمَرْوَةُ“، و”اَلْمَرْوُ“: اَلْحِجارَةُ اللَّيِّنَةُ، وهَذانِ المَوْضِعانِ مِن شَعائِرِ اللَّهِ، أيْ: مِن أعْلامِ مُتَعَبَّداتِهِ، وواحِدَةُ الشَّعائِرِ ”شَعِيرَةٌ“، والشَّعائِرُ كُلُّ ما كانَ مِن مَوْقِفٍ، أوْ مَسْعًى، وذَبْحٍ، وإنَّما قِيلَ: ”شَعائِرُ“، لِكُلِّ عَلَمٍ لِما تُعُبِّدَ بِهِ، لِأنَّ قَوْلَهُمْ: ”شَعَرْتُ بِهِ“: عَلِمْتُهُ، فَلِهَذا سُمِّيَتِ الأعْلامُ الَّتِي هي مُتَعَبَّداتٌ ”شَعائِرَ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾، وإنَّما كانَ المُسْلِمُونَ اجْتَنَبُوا الطَّوافَ بَيْنَهُما، لِأنَّ الأوْثانَ كانَتْ قَبْلَ الإسْلامِ مَنصُوبَةً بَيْنَهُما، فَقِيلَ: إنَّ نَصْبَ الأوْثانِ بَيْنَهُما قَبْلَ الإسْلامِ لا يُوجِبُ (p-٢٣٤)اجْتِنابَهُما، لِأنَّ البَيْتَ الحَرامَ، والمَشاعِرَ، طُهِّرَتْ بِالإسْلامِ مِنَ الأوْثانِ وغَيْرِها، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ هَذَيْنِ مِن شَعائِرِهِ، وأنَّهُ لا جُناحَ في الطَّوافِ بَيْنَهُما، وأنَّ مَن تَطَوَّعَ بِذَلِكَ فاللَّهُ شاكِرٌ عَلِيمٌ، والشُّكْرُ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - المُجازاةُ، والثَّناءُ الجَمِيلُ، والحَجُّ والعُمْرَةُ يَكُونانِ فَرْضًا وتَطَوُّعًا، والطَّوافُ بِالبَيْتِ مُجْراهُ مُجْرى الصَّلاةِ، إلّا أنَّهُ يَطُوفُ بِالبَيْتِ الحاجُّ والمُعْتَمِرُ، وغَيْرُ الحاجِّ والمُعْتَمِرِ، ومَعْنى قَوْلِهِمْ: ”حَجَحْتُ“، في اللُّغَةِ: قَصَدْتُ، وكُلُّ قاصِدٍ شَيْئًا فَقَدْ حَجَّهُ، وكَذَلِكَ كُلُّ قاصِدٍ شَيْئًا فَقَدِ اعْتَمَرَهُ، قالَ الشّاعِرَ:
؎يَحُجُّ مَأْمُومَةً في قَعْرِها لَجَفٌ ∗∗∗ فاسْتُ الطَّبِيبِ قَذاها كالمَغارِيدِ
وَقالَ الشّاعِرُ - في قَوْلِهِ: ”اِعْتَمَرَ“، أيْ: قَصَدَ -:
؎لَقَدْ سَما ابْنُ مُعَمَّرٍ حِينَ اعْتَمَرْ ∗∗∗ مَغْزًى بَعِيدًا مِن بَعِيدٍ وضَبَرْ
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾، أيْ: لا إثْمَ عَلَيْهِ، و”اَلْجُناحُ“: أُخِذَ مِن ”جَنَحَ“، إذا مالَ، وعَدَلَ عَنِ القَصْدِ، وأصْلُ ذَلِكَ مِن ”جَناحُ الطّائِرِ“، و﴿أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾، فِيهِ غَيْرُ وجْهٍ: يَجُوزُ: ”أنْ يَطَّوَّفَ“، و”أنْ يُطَوِّفَ“، و”أنْ يَطُوفَ بِهِما“، فَمَن قَرَأ: ”أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما“، أرادَ: ”أنْ يَتَطَوَّفَ“، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ، لِقُرْبِ المَخْرَجَيْنِ، ومَن قَرَأ: ”أنْ يُطَوِّفَ بِهِما“، فَهو مِن ”طَوَّفَ“، إذا أكْثَرَ التَّطْوافَ، وفي قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾، وجْهانِ: إنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا“، عَلى لَفْظِ المُضِيِّ، ومَعْناهُ الِاسْتِقْبالُ، لِأنَّ (p-٢٣٥)الكَلامَ شَرْطٌ وجَزاءٌ، فَلَفْظُ الماضِي فِيهِ يَؤُولُ إلى مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، ومَن قَرَأ: ”يَطَّوَّعْ“، فالأصْلُ: ”يَتَطَوَّعْ“، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ، ولَسْتَ تُدْغِمُ حَرْفًا مِن حَرْفٍ إلّا قَلَبْتَهُ إلى لَفْظِ المُدْغَمِ فِيهِ.
البقرة 2:159
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْـزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾، هَذا إخْبارٌ عَنْ عُلَماءِ اليَهُودِ الَّذِينَ كَتَمُوا ما عَلِمُوهُ مِن صِحَّةِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ﴾، يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ، ومَعْنى ”وَيَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ“، فِيهِ غَيْرُ قَوْلٍ، أمّا ما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: ”اَللّاعِنُونَ“: كُلُّ شَيْءٍ في الأرْضِ، إلّا الثَّقَلَيْنِ، ويُرْوى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: ”اَللّاعِنُونَ“: اَلِاثْنانِ إذا تَلاعَنا لَحِقَتِ اللَّعْنَةُ بِمُسْتَحَقِّها مِنهُما، فَإنْ لَمْ يَسْتَحِقَّها واحِدٌ مِنهُما رَجَعَتْ عَلى اليَهُودِ، وقِيلَ: ”اَللّاعِنُونَ“، هُمُ المُؤْمِنُونَ، فَكُلُّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ، مِنَ الإنْسِ، والجِنِّ، والمَلائِكَةِ، فَهُمُ اللّاعِنُونَ لِلْيَهُودِ، وجَمِيعِ الكَفَرَةِ، فَهَذا ما رُوِيَ في قَوْلِهِ: ”اَللّاعِنُونَ“، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أعْلَمُ.
البقرة 2:160
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا﴾، ”الَّذِينَ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ، والمَعْنى أنَّ مَن تابَ بَعْدَ هَذا، وتَبَيَّنَ مِنهم أنَّ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ حَقٌّ، قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: أنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ، ويَرْحَمُ، ويَغْفِرُ الذَّنْبَ الَّذِي لا غايَةَ بَعْدَهُ.
البقرة 2:161
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾، (p-٢٣٦)يَعْنِي: لَمْ يَتُوبُوا قَبْلَ مَوْتِهِمْ مِن كُفْرِهِمْ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ، واللَّعْنَةُ هي إبْعادُ اللَّهِ، وإبْعادُهُ عَذابُهُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾، اَلْمَعْنى: لَعْنَةُ المَلائِكَةِ، ولَعْنَةُ النّاسِ أجْمَعِينَ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ يَلْعَنُهُ النّاسُ أجْمَعُونَ؟ وأهْلُ دِينِهِ لا يَلْعَنُونَهُ؟ قِيلَ لَهُ: إنَّهم يَلْعَنُونَهُ في الآخِرَةِ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، وقَرَأ الحَسَنُ: ”أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةُ والنّاسُ أجْمَعِينَ“، وهو جَيِّدٌ في العَرَبِيَّةِ، إلّا أنِّي أكْرَهُهُ لِمُخالَفَتِهِ المُصْحَفَ، والقِراءَةُ إنَّما يَنْبَغِي أنْ يُلْزَمَ فِيها السُّنَّةُ، ولُزُومُ السُّنَّةِ فِيها أيْضًا أقْوى عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ، لِأنَّ الإجْماعَ في القِراءَةِ إنَّما يَقَعُ عَلى الشَّيْءِ الجَيِّدِ البالِغِ، ورَفْعُ ”اَلْمَلائِكَةِ“، في قِراءَةِ الحَسَنِ عَلى تَأْوِيلِ: ”أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ والمَلائِكَةُ“، فَعَطَفَ المَلائِكَةَ عَلى مَوْضِعِ إعْرابِ ”اَللَّهِ“، في التَّأْوِيلِ، ويَجُوزُ عَلى هَذا: ”عَجِبْتُ مِن ضَرْبِ زَيْدٍ وعَمْرٌو، ومِن قِيامِكَ وأخُوكَ“، اَلْمَعْنى: ”عَجِبْتُ مِن أنْ ضَرَبَ زَيْدٌ وعَمْرٌو، ومِن أنْ قُمْتَ أنْتَ وأخُوكَ“، ومَعْنى ”خالِدِينَ فِيها“، أيْ: في اللَّعْنَةِ، وخُلُودُهم فِيها خُلُودٌ في العَذابِ.
البقرة 2:163
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾، أخْبَرَ - عَزَّ وجَلَّ - بِوَحْدانِيَّتِهِ، ثُمَّ أخْبَرَ بِالِاحْتِجاجِ في الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ واحِدٌ، فَقالَ: (p-٢٣٧)﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وما أنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ والسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، فَهَذِهِ الآياتُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدٌ - عَزَّ وجَلَّ - فَأمّا الآيَةُ في أمْرِ السَّماءِ فَمِن أعْظَمِ الآيَةِ، لِأنَّها سَقْفٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ، والآيَةُ في الأرْضِ عَظِيمَةٌ فِيما يُرى مِن سَهْلِها، وجَبَلِها، وبِحارِها، وما فِيها مِن مَعادِنِ الذَّهَبِ، والفِضَّةِ، والرَّصاصِ، والحَدِيدِ، اللّاتِي لا يُمْكِنُ أحَدًا أنْ يُنْشِئَ مِثْلَها، وكَذَلِكَ في تَصْرِيفِ الرِّياحِ، وتَصْرِيفُها أنَّها تَأْتِي مِن كُلِّ أُفُقٍ، فَتَكُونُ شَمالًا مَرَّةً، وجَنُوبًا مَرَّةً، ودَبُورًا مَرَّةً، وصَبًا مَرَّةً، وتَأْتِي لَواقِحَ لِلسَّحابِ، فَهَذِهِ الأشْياءُ وجَمِيعُ ما بَثَّ اللَّهُ في الأرْضِ، دالَّةٌ عَلى أنَّهُ واحِدٌ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾، لا إلَهَ غَيْرُهُ، لِأنَّهُ لا يَأْتِي آتٍ بِمِثْلِ هَذِهِ الآياتِ إلّا واحِدًا.
البقرة 2:165
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾، فَأعْلَمَ أنَّ بَعْدَ هَذا البَيانِ والبُرْهانِ، تُتَّخَذُ مِن دُونِهِ الأنْدادُ، وهي الأمْثالُ، فَأبانَ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ نِدًّا، يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَنْفَعُ، ولا يَضُرُّ، ولا يَأْتِي بِشَيْءٍ مِمّا ذَكَرْنا، وعَنى بِهَذا مُشْرِكِي العَرَبِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾، أيْ: يُسَوُّونَ بَيْنَ هَذِهِ الأوْثانِ وبَيْنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - في المَحَبَّةِ، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ، يُحِبُّونَهم كَحُبِّكم أنْتُمْ لِلَّهِ، وهَذا قَوْلٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ، ودَلِيلُ نَقْضِهِ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، والمَعْنى أنَّ المُخْلِصِينَ الَّذِينَ لا يُشْرِكُونَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ هُمُ المُحِبُّونَ حَقًّا.
(p-٢٣٨)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ﴾، في هَذا غَيْرُ وجْهٍ، يَجُوزُ: ”أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ... وأنَّ اللَّهَ“، ويَجُوزُ: ”أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ... وإنَّ اللَّهَ“ .
”وَلَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا“، وتُفْتَحُ ”أنَّ“، مَعَ ”تَرى“، وتُكْسَرُ، وكُلُّ ذَلِكَ قَدْ قُرِئَ بِهِ، قَرَأ الحَسَنُ: ”وَلَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ إنَّ القُوَّةَ... وإنَّ اللَّهَ“، ونَحْنُ نُفَسِّرُ ما يَجِبُ أنْ يُجْرى عَلَيْهِ هَذا، إنْ شاءَ اللَّهُ، مَن قَرَأ: ”أنَّ القُوَّةَ“، فَمَوْضِعُ ”أنَّ“: نَصْبٌ، بِقَوْلِهِ: ”وَلَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا... أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا“، وكَذَلِكَ نَصْبُ ”أنَّ“، اَلثّانِيَةِ، والمَعْنى: ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا شِدَّةَ عَذابِ اللَّهِ وقُوَّتَهُ، لَعَلِمُوا مَضَرَّةَ اتِّخاذِهِمُ الأنْدادَ، وقَدْ جَرى ذِكْرُ الأنْدادِ في قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ في ”أنَّ“، اَلْجَوابَ، عَلى ما جاءَ في التَّفْسِيرِ، يُرْوى في تَفْسِيرِ هَذا أنَّهُ لَوْ رَأى الَّذِينَ كانُوا يُشْرِكُونَ في الدُّنْيا عَذابَ الآخِرَةِ لَعَلِمُوا حِينَ يَرَوْنَهُ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، فَفَتْحُ ”أنَّ“، أجْوَدُ، وأكْثَرُ في القِراءَةِ، ومَوْضِعُها نَصْبٌ في هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ، عَلى ما وصَفْنا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”إنَّ“، مَكْسُورَةً مُسْتَأْنِفَةً، فَيَكُونُ جَوابُ ”وَلَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ“: ”لَرَأوْا أمْرًا عَظِيمًا، لا تَبْلُغُ صِفَتُهُ“، لِأنَّ جَوابَ ”لَوْ“، إنَّما يُتْرَكُ لِعَظِيمِ المَوْصُوفِ، نَحْوَ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى﴾ [الرعد: ٣١]، اَلْمَعْنى: لَكانَ هَذا القُرْآنُ أبْلَغَ مِن كُلِّ ما وُصِفَ، وتَكُونُ ”أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا“، عَلى الِاسْتِئْنافِ، يُخْبِرُ بِقَوْلِهِ: ”أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا“، ويَكُونُ الجَوابُ المَتْرُوكُ غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِـ”أنَّ“، ومَن قَرَأ: ”وَلَوْ تَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا“، فَإنَّ التّاءَ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، يُرادُ بِهِ النّاسُ، (p-٢٣٩)كَما قالَ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٧]، فَهو بِمَنزِلَةِ: ”ألَمْ تَعْلَمُوا؟“، وكَذَلِكَ ”وَلَوْ تَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا“، بِمَنزِلَةِ: ”وَلَوْ تَرَوْنَ“، وتَكُونُ ”أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا“، مُسْتَأْنَفَةً، كَما وصَفْنا، ويَكُونُ الجَوابُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”لَرَأيْتُمْ أمْرًا عَظِيمًا، كَما يَقُولُ:“ لَوْ رَأيْتَ فُلانًا والسِّياطُ تَأْخُذُهُ ”، فَيُسْتَغْنى عَنِ الجَوابِ، لِأنَّ المَعْنى مَعْلُومٌ، ويَجُوزُ فَتْحُ“ أنَّ ”، مَعَ“ تَرى ”، فَيَكُونُ:“ لَرَأيْتُمْ أيُّها المُخاطَبُونَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ”، أوْ:“ لَرَأيْتُمْ أنَّ الأنْدادَ لَمْ تَنْفَعْ، وإنَّما بَلَغَتِ الغايَةَ في الضَّرَرِ، لِأنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ”، و“ جَمِيعًا "، مَنصُوبَةٌ عَلى الحالِ، المَعْنى أنَّ القُوَّةَ ثابِتَةٌ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - في حالِ اجْتِماعِها.
البقرة 2:166
وَقَوْلُهُ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾، يَعْنِي بِهِ السّادَةَ والأشْرافَ، ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾، وهُمُ الأتْباعُ والسَّفَلَةُ، ﴿وَرَأوُا العَذابَ﴾، يُعْنى بِهِ التّابِعُونَ، والمَتْبُوعُونَ، ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾، أيْ: اِنْقَطَعَ وصْلُهُمُ الَّذِي كانَ جَمَعَهُمْ، كَما قالَ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم وضَلَّ عَنْكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤]، فَبَيْنَهُمْ: وصْلُهُمْ، والَّذِي تَقَطَّعَ بَيْنَهم في الآخِرَةِ كانَ وصَلَ بَيْنَهم في الدُّنْيا، وإنَّما ضُمَّتِ الألِفُ في قَوْلِهِ: ”اُتُّبِعُوا“، لِضَمَّةِ التّاءِ، والتّاءُ ضُمَّتْ عَلامَةَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ مَضْمُومُ الأوَّلِ، والتّاءُ المَضْمُومَةُ في ”اُتُّبِعُوا“، ثالِثَةٌ، قِيلَ: إنَّما يُضَمُّ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ الأوَّلُ مِن (p-٢٤٠)مُتَحَرِّكاتِ الفِعْلِ، فَإذا كانَ في الأوَّلِ ساكِنٌ اجْتُلِبَتْ لَهُ ألِفُ الوَصْلِ، وضُمَّ ما كانَ مُتَحَرِّكًا، فَكانَ المُتَحَرِّكُ مِن ”اُتُّبِعُوا“، اَلتّاءَ الثّانِيَةَ، فَضُمَّتْ دَلِيلًا عَلى تَرْكِ الفاعِلِ، وأيْضًا فَإنَّ في ”اُتُّبِعُوا“، ألِفَ وصْلٍ، دَخَلَتْ مِن أجْلِ سُكُونِ فاءِ الفِعْلِ، لِأنَّ مِثالَهُ مِنَ الفِعْلِ ”اُفْتُعِلُوا“، فالألِفُ ألِفُ وصْلٍ، ولا يُبْنى عَلَيْهِ ضَمَّةُ الأوَّلِ في فِعْلٍ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والفاءُ ساكِنَةٌ، والسّاكِنُ لا يُبْنى عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا الثّالِثُ، وهو التّاءُ، فَضُمَّتْ عَلَمًا لِلْفِعْلِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، فَكانَ الثّالِثُ لِهَذِهِ العِلَّةِ هو الأوَّلَ.
البقرة 2:167
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ﴾، أيْ: عَوْدَةً إلى الدُّنْيا، فَنَتَبَرَّأ مِنهُمْ، مَوْضِعُ ”أنَّ“: رَفْعٌ، المَعْنى: لَوْ وقَعَ لَنا كُرُورٌ لَتَبَرَّأْنا مِنهُمْ، كَما تَبَرَّؤُوا مِنّا، يُقالُ: ”تَبَرَّأْتُ مِنهم تَبَرُّؤًا“، و”بَرِئْتُ مِنهُ بَراءَةً“، و”بَرِئْتُ مِنَ المَرَضِ“، و”بَرَأْتُ“، أيْضًا، لُغَتانِ، ”أبْرَأُ، بَرْءًا“، و”بَرَيْتُ القَلَمَ، وغَيْرَهُ، وأبْرِيهِ“، غَيْرَ مَهْمُوزٍ، و”بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ بَرْءًا“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾، أيْ: كَتَبَرِّي بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ ما عَمِلَهُ الكافِرُ غَيْرُ نافِعِهِ مَعَ كُفْرِهِ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١]، وقالَ: ”حَبِطَتْ أعْمالُهم“، ومَعْنى ”أضَلَّ أعْمالَهم“: لَمْ يُجازِهِمْ عَلى ما عَمِلُوا مِن خَيْرٍ، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن عَمِلَ عَمَلًا لَمْ يَعُدْ عَلَيْهِ فِيهِ نَفْعٌ: ”لَقَدْ ضَلَّ سَعْيُكَ“ .
البقرة 2:168
(p-٢٤١)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾، هَذا عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما الإباحَةُ لِأكْلِ جَمِيعِ الأشْياءِ، إلّا ما قَدْ حَظَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِنَ المَيْتَةِ، وما ذَكَرَ مَعَها، فَيَكُونُ ”طَيِّبًا“، نَعْتًا لِلْحَلالِ، ويَكُونُ ”طَيِّبًا“، نَعْتًا لِما يُسْتَطابُ، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ ”طَيِّبًا“: مِن حَيْثُ يَطِيبُ لَكُمْ، أيْ: لا تَأْكُلُوا وتُنْفِقُوا مِمّا يَحْرُمُ عَلَيْكُمْ، كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾، أكْثَرُ القِراءَةِ: ”خُطُواتِ“، بِضَمِّ الخاءِ، والطّاءِ، وإنْ شِئْتَ أسْكَنْتَ الطّاءَ: ”خُطْواتِ“، لِثِقَلِ الضَّمَّةِ، وإنْ شِئْتَ: ”خُطَواتِ“، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ، ولَكِنَّها جائِزَةٌ في العَرَبِيَّةِ قَوِيَّةٌ، وأنْشَدَ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، وجَمِيعُ البَصْرِيِّينَ النَّحْوِيِّينَ:
؎وَلَمّا رَأوْنا بادِيًا رُكَباتُنا ∗∗∗ عَلى مَوْطِنٍ لا نَخْلِطُ الجِدَّ بِالهَزْلِ
وَمَعْنى ”خُطُواتِ الشَّيْطانِ“: طُرُقَهُ، أيْ: لا تَسْلُكُوا الطَّرِيقَ الَّذِي يَدْعُوكم إلَيْهِ الشَّيْطانُ.
البقرة 2:170
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْـزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾، مَعْنى ”ألْفَيْنا“: صادَفْنا، فَعَنَّفَهُمُ اللَّهُ، وعابَ عَلَيْهِمْ تَقْلِيدَهم آباءَهُمْ، فَقالَ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾، (p-٢٤٢)اَلْمَعْنى: أيَتَّبِعُونَ آباءَهم وإنْ كانُوا جُهّالًا؟! وهَذِهِ الواوُ مَفْتُوحَةٌ لِأنَّها واوُ عَطْفٍ، دَخَلَتْ عَلَيْها ألِفُ التَّوْبِيخِ، وهي ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، فَبَقِيَتِ الواوُ مَفْتُوحَةً عَلى ما يَجِبُ لَها.
البقرة 2:171
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً﴾، وضَرَبَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَهم هَذا المَثَلَ، وشَبَّهَهم بِالغَنَمِ المَنعُوقِ بِها بِما لا يَسْمَعُ مِنهُ إلّا الصَّوْتَ، فالمَعْنى: مَثَلُكَ يا مُحَمَّدُ، ومَثَلُهم كَمَثَلِ النّاعِقِ والمَنعُوقِ بِهِ، بِما لا يَسْمَعُ، لِأنَّ سَمْعَهم ما كانَ يَنْفَعُهُمْ، فَكانُوا في شِرْكِهِمْ، وعَدَمِ قَبُولِ ما يَسْمَعُونَ، بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَسْمَعْ، والعَرَبُ تَقُولُ لِمَن يَسْمَعُ ولا يَعْمَلُ بِما يَسْمَعُ: ”أصَمُّ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎أصَمُّ عَمّا ساءَهُ سَمِيعُ
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾، وصَفَهم بِالبَكَمِ، وهو الخَرَسُ، وبِالعَمى، لِأنَّهم في تَرْكِهِمْ ما يُبْصِرُونَ مِنَ الهِدايَةِ بِمَنزِلَةِ العُمْيِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في أوَّلِ السُّورَةِ شَرْحًا كافِيًا، إنْ شاءَ اللَّهُ.
البقرة 2:173
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾، اَلنَّصْبُ في ”اَلْمَيْتَةَ“، وما عُطِفَ عَلَيْها، هو القِراءَةُ، ونَصْبُهُ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ (p-٢٤٣)بِهِ، دَخَلَتْ ”ما“، تَمْنَعُ ”إنَّ“، مِنَ العَمَلِ، ويَلِيها الفِعْلُ، وقَدْ شَرَحْنا دُخُولَ ”ما“، مَعَ ”إنَّ“، ويَجُوزُ: ”إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ“، والَّذِي أخْتارُهُ أنْ يَكُونَ ”ما“، تَمْنَعُ ”إنَّ“، مِنَ العَمَلِ، ويَكُونَ المَعْنى: ”ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلّا المَيْتَةَ، والدَّمَ، ولَحْمَ الخِنْزِيرِ“، لِأنَّ ”إنَّما“، تَأْتِي إثْباتًا لِما يُذْكَرُ بَعْدَها لِما سِواهُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎أنا الذّائِدُ الحامِي الذِّمارَ وإنَّما ∗∗∗ يُدافِعُ عَنْ أحْسابِهِمْ أنا أوْ مِثْلِي
اَلْمَعْنى: ما يُدافِعُ عَنْ أحْسابِهِمْ إلّا أنا، أوْ مِثْلِي، فالِاخْتِيارُ ما عَلَيْهِ جَماعَةُ القُرّاءِ لِاتِّباعِ السُّنَّةِ، وصِحَّتِهِ في المَعْنى.
وَمَعْنى ﴿وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾، أيْ: ما رُفِعَ فِيهِ الصَّوْتُ بِتَسْمِيَةِ غَيْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وهَذا مَوْجُودٌ في اللُّغَةِ، ومِنهُ الإهْلالُ بِالحَجِّ، إنَّما هو رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، و”اَلْمَيْتَةَ“، أصْلُها: ”اَلْمَيِّتَةَ“، فَحُذِفَتِ الياءُ الثّانِيَةُ اسْتِخْفافًا لِثِقَلِ الياءَيْنِ، والكَسْرَةِ، والأجْوَدُ في القِراءَةِ: ”اَلْمَيْتَةَ“، بِالتَّخْفِيفِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، أصْلُهُ: ”أوَمَن كانَ مَيِّتًا“، بِالتَّشْدِيدِ، وتَفْسِيرُ الحَذْفِ والتَّخْفِيفِ فِيهِ كَتَفْسِيرِهِ في ”اَلْمَيْتَةَ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾، في تَفْسِيرِها ومَعْناها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: قالَ بَعْضُهُمْ: ”فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ“، أيْ: فَمَنِ اضْطُرَّ جائِعًا غَيْرَ باغٍ، غَيْرَ آكِلِها تَلَذُّذًا، ولا عادٍ، ولا مُجاوِزٍ ما يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ الجُوعَ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ.
(p-٢٤٤)وَقالُوا: ”غَيْرَ باغٍ“: غَيْرَ مُجاوِزٍ قَدْرَ حاجَتِهِ، وغَيْرَ مُقَصِّرٍ عَمّا يُقِيمُ بِهِ حَياتَهُ، وقالُوا أيْضًا: مَعْنى ”غَيْرَ باغٍ“: عَلى إمامٍ، وغَيْرَ مُتَعَدٍّ عَلى أُمَّتِهِ، ومَعْنى ”اَلْبَغْيُ“، في اللُّغَةِ: قَصْدُ الفَسادِ، يُقالُ: ”بَغى الجُرْحُ، يَبْغِي، بَغْيًا“، إذا تَرامى إلى فَسادٍ، هَذا إجْماعُ أهْلِ اللُّغَةِ، تَقُولُ: ويُقالُ: ”بَغى الرَّجُلُ حاجَتَهُ، يَبْغِيها، بِغاءً“، والعَرَبُ تَقُولُ: ”خَرَجَ في بِغاءِ إبِلِهِ“، قالَ الشّاعِرُ:
لا يَمْنَعَنَّكَ مِن بِغاءِ الخَيْرِ تَعْقادُ التَّمائِمْ
إنَّ الأشائِمَ كالأيامِنِ والأيامِنَ كالأشائِمْ
وَيُقالُ: ”بَغَتِ المَرْأةُ، تَبْغِي، بِغاءً“، إذا فَجَرَتْ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]، أيْ: عَلى الفُجُورِ، ويُقالُ: ”اِبْتَغى لِفُلانٍ أنْ يَفْعَلَ كَذا“، أيْ: صَلُحَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ كَذا، وكَأنَّهُ قالَ: ”طَلَبَ فِعْلَ كَذا فانْطَلَبَ لَهُ“، أيْ: طاوَعَهُ، ولَكِنِ اجْتُزِئَ بِقَوْلِهِمْ: ”اِبْتَغى“، و”اَلْبَغايا“، في اللُّغَةِ، شَيْئانِ، ”اَلْبَغايا“: اَلْفَواجِرُ، و”اَلْبَغايا“: اَلْإماءُ، قالَ الأعْشى:
؎والبَغايا يَرْكُضْنَ أكْسِيَةَ الأ ∗∗∗ ضْرِيجِ والشَّرْعَبِيَّ ذا الأذْيالِ
وَنُصِبَ ”غَيْرَ باغٍ“، عَلى الحالِ.
البقرة 2:174
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾، يَعْنِي عُلَماءَ اليَهُودِ، الَّذِينَ كَتَمُوا أمْرَ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾، أيْ: كَتَمُوهُ لِأنَّهم أخَذُوا عَلى كِتْمانِهِ الرِّشا.
(p-٢٤٥)﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النّارَ﴾، اَلْمَعْنى أنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَهُ يُعَذَّبُونَ بِهِ، فَكَأنَّهم إنَّما أكَلُوا النّارَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، أيْ: يُصَيِّرُهم أكْلُهُ في الآخِرَةِ إلى مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ، و”اَلَّذِينَ“، نُصِبَ بِـ”إنَّ“، وخَبَرُ ”إنَّ“، جُمْلَةُ الكَلامِ، وهي ”أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلّا النّارَ“، و”أُولَئِكَ“، رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُ ”أُولَئِكَ“: ”ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلّا النّارَ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، فِيهِ غَيْرُ قَوْلٍ: قالَ بَعْضُهُمْ: مَعْناهُ: يَغْضَبُ عَلَيْهِمْ، كَما تَقُولُ: ”فُلانٌ لا يُكَلِّمُ فُلانًا“، تُرِيدُ: هو غَضْبانُ عَلَيْهِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنى ”لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ“: لا يُرْسِلُ إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ بِالتَّحِيَّةِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ: ”لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ“: لا يُسْمِعُهُمُ اللَّهُ كَلامَهُ، ويَكُونَ الأبْرارُ وأهْلُ المَنزِلَةِ الَّذِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - يَسْمَعُونَ كَلامَهُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾، أيْ: لا يُثْنِي عَلَيْهِمْ، ومَن لا يُثْنِي اللَّهُ عَلَيْهِ فَهو مُعَذَّبٌ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾، مَعْنى ”ألِيمٌ“: مُؤْلِمٌ، ومَعْنى ”مُؤْلِمٌ“: مُبالِغٌ في الوَجَعِ.
البقرة 2:175
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾، فِيهِ غَيْرُ وجْهٍ: قالَ بَعْضُهُمْ: أيُّ شَيْءٍ أصْبَرَهم عَلى النّارِ؟! وقالَ بَعْضُهُمْ: فَما أصْبَرَهم عَلى عَمَلٍ يُؤَدِّي إلى النّارِ! لِأنَّ هَؤُلاءِ كانُوا عُلَماءَ بِأنَّ مَن عانَدَ النَّبِيَّ ﷺ صارَ إلى النّارِ، كَما تَقُولُ: ”ما أصْبَرَ فُلانًا عَلى الجِنْسِ!“، أيْ: ما أبْقاهُ مِنهُ!
البقرة 2:176
(p-٢٤٦)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ نَـزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾، اَلْمَعْنى: ”اَلْأمْرُ ذَلِكَ“، أوْ: ”ذَلِكَ الأمْرُ“، فَـ”ذَلِكَ“، مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، أوْ بِخَبَرِ الِابْتِداءِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾، بِتَباعُدِ بَعْضِهِمْ في مُشاقَّةِ بَعْضٍ، لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى هُمُ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ، ومُشاقَّتُهم بَعِيدَةٌ.
البقرة 2:177
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾، اَلْمَعْنى: ”لَيْسَ البِرُّ كُلُّهُ في الصَّلاةِ، ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ... وأقامَ الصَّلاةَ...“، إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقِيلَ: إنَّ هَذا خُصُوصٌ في الأنْبِياءِ وحْدَهُمْ، لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي وُصِفَتْ لا يُؤَدِّيها بِكُلِّيَّتِها عَلى حَقِّ الواجِبِ إلّا الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ لِسائِرِ النّاسِ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ أمَرَ الخَلْقَ بِجَمِيعِ ما في هَذِهِ الآيَةِ، ولَكَ في ”اَلْبِرَّ“، وجْهانِ: لَكَ أنْ تَقْرَأ: ”لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا“، و”لَيْسَ البِرُّ أنْ تُوَلُّوا“، فَمَن نَصَبَ، جَعَلَ ”أنْ“، مَعَ صِلَتِها الِاسْمَ، فَيَكُونَ المَعْنى: ”لَيْسَ تَوْلِيَتُكم وُجُوهَكُمُ البِرَّ كُلَّهُ“، ومَن رَفَعَ ”اَلْبِرَّ“، فالمَعْنى: ”لَيْسَ البِرُّ كُلُّهُ تَوْلِيَتَكُمْ، فَيَكُونَ“ اَلْبِرُّ ”، اِسْمَ“ لَيْسَ ”، وتَكُونَ“ أنْ تُوَلُّوا "، اَلْخَبَرَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾، إذا شَدَّدْتَ ”لَكِنَّ“، نَصَبْتَ ”اَلْبِرَّ“، وإذا خَفَّفْتَ، رَفَعْتَ ”اَلْبِرَّ“، فَقُلْتَ: ”وَلَكِنِ البِرُّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ“، وكَسَرْتَ النُّونَ، مِنَ التَّخْفِيفِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والمَعْنى: ”وَلَكِنَّ ذا البِرِّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ“، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ: ”وَلَكِنَّ البِرَّ بِرُّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ“، كَما قالَ الشّاعِرُ: (p-٢٤٧)
؎وَكَيْفَ تُواصِلُ مَن أصْبَحَتْ ∗∗∗ خِلالَتُهُ كَأبِي مَرْحَبِ
اَلْمَعْنى: ”كَخِلالَةِ أبِي مَرْحَبِ“، ومِثْلُهُ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ [يوسف: ٨٢]، اَلْمَعْنى: ”واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا﴾، في رَفْعِها قَوْلانِ، الأجْوَدُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى المَدْحِ، لِأنَّ النَّعْتَ إذا طالَ وكَثُرَ، رُفِعَ بَعْضُهُ، ونُصِبَ عَلى المَدْحِ، المَعْنى: ”هُمُ المُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ”مَن“، اَلْمَعْنى: ”وَلَكِنَّ البِرَّ وذَوِي البِرِّ المُؤْمِنُونَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والصّابِرِينَ﴾، في نَصْبِها وجْهانِ، أجْوَدُهُما المَدْحُ، كَما وصَفْنا في النَّعْتِ إذا طالَ، المَعْنى: ”أعْنِي الصّابِرِينَ“، قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”ذَوِي القُرْبى“، كَأنَّهُ قالَ: ”وَآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى... والصّابِرِينَ“، وهَذا لا يَصْلُحُ، إلّا أنْ يَكُونَ ”والمُوفُونَ“، رُفِعَ عَلى المَدْحِ لِلْمُضْمَرِينَ، لِأنَّ ”ما“، في الصِّلَةِ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ بَعْدَ المَعْطُوفِ عَلى المَوْصُولِ.
وَمَعْنى ”وَحِينَ البَأْسِ“: أيْ: شِدَّةِ الحَرْبِ، يُقالُ: ”قَدْ بَأسَ الرَّجُلُ يَبْأسُ، (p-٢٤٨)بَأْسًا، وباسًا، وبُؤْسًا يا هَذا“، إذا افْتَقَرَ، و”قَدْ بَؤُسَ الرَّجُلَ، يَبْؤُسُ، فَهو بَئِيسٌ“، إذا اشْتَدَّتْ شَجاعَتُهُ.
البقرة 2:178
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾، مَعْنى ”كُتِبَ عَلَيْكم“: ”فُرِضَ عَلَيْكم“، وقَوْلُهُ: ”اَلْحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى“، يُقالُ: إنَّهُ كانَ لِقَوْمٍ مِنَ العَرَبِ طَوْلٌ عَلى آخَرِينَ، فَكانُوا يَتَزَوَّجُونَ فِيهِمْ بِغَيْرِ مُهُورٍ، ويَطْلُبُونَ بِالدَّمِ أكْثَرَ مِن مِقْدارِهِ، فَيَقْتُلُونَ بِالعَبْدِ مِن عَبِيدِهِمُ الحُرَّ مِنَ الَّذِينَ لَهم عَلَيْهِمْ طَوْلٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾، أيْ: مَن تُرِكَ لَهُ القَتْلُ، ورَضِيَ مِنهُ بِالدِّيَةِ، وهو قاتِلٌ مُتَعَمِّدٌ لِلْقَتْلِ، عُفِيَ لَهُ بِأنْ تَرَكَ لَهُ دَمَهُ، ورَضِيَ مِنهُ بِالدِّيَةِ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾، وذُكِرَ أنَّ مَن كانَ قَبْلَنا لَمْ يُفْرَضْ عَلَيْهِمْ إلّا النَّفْسُ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، أيْ: في التَّوْراةِ، فَتَفَضَّلَ اللَّهُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ بِالتَّخْفِيفِ والدِّيَةِ، إذا رَضِيَ بِها ولِيُّ الدَّمِ، ومَعْنى ”فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ“، عَلى ضَرْبَيْنِ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ ”فَعَلى صاحِبِ الدَّمِ اتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ - أيْ: اَلْمُطالَبَةُ بِالدِّيَةِ -، وعَلى القاتِلِ أداءٌ بِإحْسانٍ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الِاتِّباعُ بِالمَعْرُوفِ، والأداءُ بِإحْسانٍ جَمِيعًا عَلى القاتِلِ - واللَّهُ أعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾، أيْ: بَعْدَ أخْذِ الدِّيَةِ، ومَعْنى ”اِعْتَدى“: ظَلَمَ، فَوَثَبَ، فَقَتَلَ قاتِلَ صاحِبِهِ، بَعْدَ أخْذِ الدِّيَةِ، ”فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ“، أيْ: مُوجِعٌ.
(p-٢٤٩)وَرُفِعَ ”فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ“، عَلى مَعْنى: ”فَعَلَيْهِ اتِّباعٌ“، ولَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ لَجازَ: ”فاتِّباعًا بِالمَعْرُوفِ وأداءً...“، عَلى مَعْنى: ”فَلْيَتَّبِعِ اتِّباعًا... ويُؤَدِّ أداءً...“، ولَكِنَّ الرَّفْعَ أجْوَدُ في العَرَبِيَّةِ، وهو عَلى ما في المُصْحَفِ، وإجْماعِ القُرّاءِ، فَلا سَبِيلَ إلى غَيْرِهِ.
البقرة 2:179
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾، ”حَياةٌ“، رُفِعَ عَلى ضَرْبَيْنِ: عَلى الِابْتِداءِ، وعَلى ”لَكم“، كَأنَّهُ قالَ: ”وَثَبَتَ لَكم في القِصاصِ حَياةٌ“، ﴿يا أُولِي الألْبابِ﴾، أيْ: ”يا ذَوِي العُقُولِ“، ومَعْنى الحَياةِ في القِصاصِ أنَّ الرَّجُلَ إذا عَلِمَ أنَّهُ يُقْتَلُ إنْ قَتَلَ، أمْسَكَ عَنِ القَتْلِ، فَفي إمْساكِهِ عَنِ القَتْلِ حَياةُ الَّذِي هَمَّ هو بِقَتْلِهِ، وحَياةٌ لَهُ، لِأنَّهُ مِن أجْلِ القِصاصِ أمْسَكَ عَنِ القَتْلِ، فَسَلِمَ أنْ يُقْتَلَ.
البقرة 2:180
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾، اَلْمَعْنى: ”وَكُتِبَ عَلَيْكم“، إلّا أنَّ الكَلامَ إذا طالَ، اسْتُغْنِيَ عَنِ العَطْفِ بِالواوِ، وعُلِمَ أنَّ مَعْناهُ مَعْنى الواوِ، ولِأنَّ القِصَّةَ الأُولى قَدِ اسْتَتَمَّتْ، وانْقَضى مَعْنى الفَرْضِ فِيها، فَعُلِمَ أنَّ المَعْنى: ”فُرِضَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ، وفُرِضَ عَلَيْكُمُ الوَصِيَّةُ“، ومَعْنى ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾، هَذا الفَرْضُ بِإجْماعٍ نَسَخَتْهُ آياتُ المَوارِيثِ في سُورَةِ ”اَلنِّساءِ“، وهَذا مُجْمَعٌ (p-٢٥٠)عَلَيْهِ، ولَكِنْ لا بُدَّ مِن تَفْسِيرِهِ، لِيُعْلَمَ كَيْفَ كانَ وجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - لا يُتَعَبَّدُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا بِما فِيهِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ، فَمَعْنى ”كُتِبَ عَلَيْكم“: ”فُرِضَ عَلَيْكُمْ، إنْ تَرَكَ أحَدُكم مالًا، الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ“، فَرَفْعُ ”اَلْوَصِيَّةُ“، عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، كَأنَّهُ قالَ: ”كُتِبَ عَلَيْكُمُ الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ“، أيْ: ”فُرِضَ عَلَيْكم“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعُ الوَصِيَّةِ عَلى الِابْتِداءِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”لِلْوالِدَيْنِ“، اَلْخَبَرَ، ويَكُونَ عَلى مَذْهَبِ الحِكايَةِ، لِأنَّ مَعْنى ”كُتِبَ عَلَيْكم“: ”قِيلَ لَكُمْ: اَلْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ“، وإنَّما أُمِرُوا بِالوَصِيَّةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِأنَّهم كانُوا رُبَّما جاوَزُوا بِدَفْعِ المالِ إلى البُعَداءِ، طَلَبًا لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ، ومَعْنى ﴿حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾، لَيْسَ هو أنَّهُ كُتِبَ عَلَيْهِ أنْ يُوصِيَ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ، لِأنَّهُ إذا عايَنَ المَوْتَ يَكُونُ في شُغُلٍ عَنِ الوَصِيَّةِ وغَيْرِها، ولَكِنَّ المَعْنى: ”كُتِبَ عَلَيْكم أنْ تُوصُوا وأنْتُمْ قادِرُونَ عَلى الوَصِيَّةِ، فَيَقُولَ الرَّجُلُ: إذا حَضَرَنِي المَوْتُ - أيْ: إذا أنا مِتُّ -: فَلِفُلانٍ كَذا“، عَلى قَدْرِ ما أُمِرَ بِهِ، والَّذِي أُمِرَ بِهِ أنْ يَجْتَهِدَ في العَدْلِ في وقْتِ الإمْهالِ، فَيُوصِيَ بِالمَعْرُوفِ، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لِوالِدَيْهِ، ولِأقْرَبِيهِ، ومَعْنى ”بِالمَعْرُوفِ“: بِالشَّيْءِ الَّذِي يَعْلَمُ ذُو التَّمْيِيزِ أنَّهُ لا جَنَفَ فِيهِ، ولا جَوْرَ، وقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّ المَنسُوخَ مِن هَذا ما نَسَخَتْهُ المَوارِيثُ، وأمْرُ الوَصِيَّةِ في الثُّلُثِ باقٍ، وهَذا القَوْلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ إجْماعَ المُسْلِمِينَ أنَّ ثُلُثَ الرَّجُلِ لَهُ، إنْ شاءَ أنْ يُوصِيَ بِشَيْءٍ فَلَهُ، وإنْ تَرَكَ فَجائِزٌ، فالآيَةُ في (p-٢٥١)قَوْلِهِ: ”كُتِبَ عَلَيْكم... اَلْوَصِيَّةُ“، مَنسُوخَةٌ بِإجْماعٍ، وكَما وصَفْنا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾، نُصِبَ عَلى: ”حَقَّ ذَلِكَ عَلَيْكم حَقًّا“، ولَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ فَرُفِعَ، كانَ جائِزًا، عَلى مَعْنى: ”ذَلِكَ حَقٌّ عَلى المُتَّقِينَ“ .
البقرة 2:181
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ﴾، يَعْنِي: فَمَن بَدَّلَ أمْرَ الوَصِيَّةِ بَعْدَ سَماعِهِ إيّاها، فَإنَّما إثْمُهُ عَلى مُبَدِّلِهِ، لَيْسَ عَلى المُوصِي - إذا احْتاطَ، أوِ اجْتَهَدَ فِيمَن يُوصِي إلَيْهِ - إثْمٌ، ولا عَلى المُوصى لَهُ إثْمٌ، وإنَّما الإثْمُ عَلى المُوصِي إنْ بَدَّلَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، أيْ: قَدْ سَمِعَ ما قالَهُ المُوصِي، وعَلِمَ ما يَفْعَلُهُ المُوصى إلَيْهِ، لِأنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ.
البقرة 2:182
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا﴾، أيْ: مَيْلًا، أوْ إثْمًا، أوْ قَصْدًا لِإثْمٍ، ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾، أيْ: عَمِلَ بِالإصْلاحِ بَيْنَ المُوصى لَهُمْ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، أيْ: لِأنَّهُ إنَّما يَقْصِدُ إلى إصْلاحٍ، بَعْدَ أنْ يَكُونَ المُوصِي قَدْ جَعَلَ الوَصِيَّةَ بِغَيْرِ المَعْرُوفِ، مُخالِفًا لِأمْرِ اللَّهِ، فَإذا رَدَّها المُوصى إلَيْهِ إلى المَعْرُوفِ، فَقَدْ رَدَّها إلى ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ.
البقرة 2:183
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾، اَلْمَعْنى فُرِضَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ فَرْضًا، كالَّذِي فُرِضَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ، وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ كانَ فُرِضَ عَلى النَّصارى صَوْمُ رَمَضانَ فَنَقَلُوهُ عَنْ وقْتِهِ، وزادُوا فِيهِ، ولا أدْرِي كَيْفَ وجْهُ هَذا الحَدِيثِ، ولا ثِقَةَ ناقِلِيهِ، ولَكِنَّ الجُمْلَةَ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ أعْلَمَنا أنَّهُ فَرَضَ عَلى مَن كانَ قَبْلَنا الصِّيامَ، وأنَّهُ فُرِضَ عَلَيْنا كَما فَرَضَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا.
(p-٢٥٢)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾، اَلْمَعْنى أنَّ الصِّيامَ وصْلَةٌ إلى التُّقى، لِأنَّهُ مِنَ البَرِّ الَّذِي يَكُفُّ الإنْسانَ عَنْ كَثِيرٍ مِمّا تَتَطَلَّعُ إلَيْهِ النَّفْسُ مِنَ المَعاصِي، فَلِذَلِكَ قِيلَ: ”لَعَلَّكم تَتَّقُونَ“، و”لَعَلَّ“، هَهُنا، عَلى تَرَجِّي العِبادِ، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِن وراءِ العِلْمِ أتَتَّقُونَ أمْ لا، ولَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ يَنْبَغِي لَكم بِالصَّوْمِ أنْ يَقْوى رَجاؤُكم في التَّقْوى.
البقرة 2:184
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾، نُصِبَ ”أيّامًا“، عَلى ضَرْبَيْنِ، أجْوَدُهُما أنْ تَكُونَ عَلى الظَّرْفِ، كَأنَّهُ: ”كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ في هَذِهِ الأيّامِ“، والعامِلُ فِيهِ ”اَلصِّيامُ“، كَأنَّ المَعْنى: ”كُتِبَ عَلَيْكم أنْ تَصُومُوا أيّامًا مَعْدُوداتٍ“، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إنَّهُ مَنصُوبُ مَفْعُولِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، نَحْوَ: ”أُعْطِيَ زَيْدٌ المالَ“، ولَيْسَ هَذا بِشَيْءٍ، لِأنَّ الأيّامَ هَهُنا مُعَلَّقَةٌ بِالصَّوْمِ، و”زَيْدٌ“، و”اَلْمالَ“، مَفْعُولانِ لِـ”أُعْطِيَ“، فَلَكَ أنْ تُقِيمَ أيَّهُما شِئْتَ مَقامَ الفاعِلِ، ولَيْسَ في هَذا إلّا نَصْبُ الأيّامِ بِالصِّيامِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾، أيْ: فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ، أوْ: فالَّذِي يَنُوبُ عَنْ صَوْمِهِ في وقْتِ الصَّوْمِ عِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ، و”أُخَرَ“، في مَوْضِعِ جَرٍّ، إلّا أنَّها لا تَنْصَرِفُ، فَفُتِحَ فِيها المَجْرُورُ، ومَعْنى ﴿وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، أيْ: يُطِيقُونَ الصَّوْمَ، ﴿فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾، أيْ: إنْ أفْطَرَ، وتَرَكَ الصَّوْمَ، كانَ فَدِيَةُ تَرْكِهِ طَعامَ مِسْكِينٍ، وقَدْ قُرِئَ: ”طَعامُ مَساكِينَ“، (p-٢٥٣)فَمَعْنى ”طَعامُ مَساكِينَ“: فِدْيَةُ أيّامٍ يُفْطِرُ فِيها، وهَذا بِإجْماعٍ وبِنَصِّ القُرْآنِ مَنسُوخٌ، نَسَخَتْهُ الآيَةُ الَّتِي تَلِي هَذِهِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، رَفَعَ ”خَيْرٌ“، خَبَرُ الِابْتِداءِ، المَعْنى: ”صَوْمُكم خَيْرٌ لَكم“، هَذا كانَ خَيْرًا لَهم مَعَ جَوازِ الفِدْيَةِ، فَأمّا ما بَعْدَ النَّسْخِ فَلَيْسَ بِجائِزٍ أنْ يُقالَ: ”اَلصَّوْمُ خَيْرٌ مِنَ الفِدْيَةِ، والإفْطارِ في هَذا الوَقْتِ“، لِأنَّهُ ما لا يَجُوزُ البَتَّةَ فَلا يَقَعُ تَفْضِيلٌ عَلَيْهِ، فَيُوهِمُ فِيهِ أنَّهُ جائِزٌ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ الصَّوْمَ الَّذِي كانَ فُرِضَ في أوَّلِ الإسْلامِ، صَوْمُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في كُلِّ شَهْرٍ، ويَوْمِ عاشُوراءَ، ولَكِنَّ شَهْرَ رَمَضانَ نَسَخَ الفَرْضَ في ذَلِكَ الصَّوْمِ كُلِّهِ.
البقرة 2:185
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾، اَلْقِراءَةُ بِالرَّفْعِ، ويَجُوزُ النَّصْبُ، وهي قِراءَةٌ لَيْسَتْ بِالكَثِيرَةِ، ورَفْعُهُ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ، أحَدُها الِاسْتِئْنافُ، المَعْنى: ”اَلصِّيامُ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْكم - أوِ الأيّامُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكم - شَهْرُ رَمَضانَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعُهُ عَلى البَدَلِ مِن ”اَلصِّيامُ“، فَيَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، المَعْنى: ”كُتِبَ عَلَيْكم شَهْرُ رَمَضانَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعُهُ عَلى الِابْتِداءِ، ويَكُونَ الخَبَرُ ”اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ“، والوَجْهانِ اللَّذانِ شَرَحْناهُما ”اَلَّذِي“، فِيهِما رَفْعٌ عَلى صِفَةِ الشَّهْرِ، ويَكُونُ الأمْرُ بِالفَرْضِ فِيهِ، ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، ومَعْنى ”مَن شَهِدَ“: مَن كانَ شاهِدًا، غَيْرَ مُسافِرٍ، فَلْيَصُمْ، ومَن كانَ مُسافِرًا أوْ مَرِيضًا، فَقَدْ جُعِلَ لَهُ أنْ (p-٢٥٤)يَصُومَ عِدَّةَ أيّامِ المَرَضِ، وأيّامِ السَّفَرِ، مِن أيّامٍ أُخَرَ، ومَن نَصَبَ ”شَهْرَ رَمَضانَ“، نَصَبَهُ عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، والوَجْهُ الثّانِي عَلى الأمْرِ، كَأنَّهُ قالَ: ”عَلَيْكم شَهْرَ رَمَضانَ“، عَلى الإغْراءِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾، أيْ: أنْ يُيَسِّرَ عَلَيْكم بِوَضْعِهِ عَنْكُمُ الصَّوْمَ في السَّفَرِ، والمَرَضِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾، قُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ: ”وَلِتُكَمِّلُوا“، بِالتَّخْفِيفِ مِن ”كَمَّلَ، يُكَمِّلُ“، و”أكْمَلَ، يُكْمِلُ“، ومَعْنى اللّامِ والعَطْفِ هَهُنا مَعْنًى لَطِيفٌ، هَذا الكَلامُ مَعْطُوفٌ، مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، المَعْنى: فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لِيُسَهِّلَ عَلَيْكُمْ، ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بادَتْ وغَيَّرَ آيَهُنَّ مَعَ البِلى ∗∗∗ إلّا رَواكِدَ جَمْرُهُنَّ هَباءُ
؎وَمُشَجَّجٌ أمّا سَواءُ قَذالِهِ ∗∗∗ فَبَدا وغَيَّرَ سارَهُ المَعْزاءُ
فَعَطَفَ ”مُشَجَّجٌ“، عَلى مَعْنى ”بِها رَواكِدُ، ومُشَجَّجٌ“، لِأنَّهُ إذْ قالَ: ”بادَتْ إلّا رَواكِدَ“، عُلِمَ أنَّ المَعْنى: ”بَقِيَتْ رَواكِدُ ومُشَجَّجٌ“ .
البقرة 2:186
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾، اَلْمَعْنى: إذا قالَ قائِلٌ: ”أيْنَ اللَّهُ؟“، فاللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - قَرِيبٌ، لا يَخْلُو مِنهُ مَكانٌ، كَما قالَ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، وكَما قالَ: ﴿وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] (p-٢٥٥)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾، إنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”إذا دَعانِي“، بِياءٍ، وإنْ شِئْتَ بِغَيْرِ ياءٍ، إلّا أنَّ المُصْحَفَ يُتَّبَعُ، فَيُوقَفُ عَلى الحَرْفِ كَما هو فِيهِ، ومَعْنى الدُّعاءِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: فَضَرْبٌ مِنها تَوْحِيدُهُ، والثَّناءُ عَلَيْهِ، كَقَوْلِكَ: ”يا اَللَّهُ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ“، وقَوْلِكَ: ”رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ“، فَقَدْ دَعَوْتَهُ بِقَوْلِكَ ”رَبَّنا“، ثُمَّ أتَيْتَ بِالثَّناءِ، والتَّوْحِيدِ، ومِثْلُهُ: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، أيْ: يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ تَوْحِيدِي، والثَّناءِ عَلَيَّ، فَهَذا ضَرْبٌ مِنَ الدُّعاءِ، وضَرْبٌ ثانٍ هو مَسْألَةُ اللَّهِ العَفْوَ، والرَّحْمَةَ، وما يُقَرِّبُ مِنهُ، كَقَوْلِكَ: ”اَللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا“، وضَرْبٌ ثالِثٌ هو مَسْألَتُهُ مِنَ الدُّنْيا، كَقَوْلِكَ: ”اَللَّهُمَّ ارْزُقْنِي مالًا، ووَلَدًا“، وما أشْبَهَ ذَلِكَ، وإنَّما سُمِّيَ هَذا أجْمَعُ ”دُعاءً“، لِأنَّ الإنْسانَ يُصَدِّرُ في هَذِهِ الأشْياءِ بِقَوْلِهِ: ”يا اَللَّهُ“، و”يا رَبُّ“، و”يا حَيُّ“، فَكَذَلِكَ سُمِّيَ ”دُعاءً“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾، أيْ: فَلْيُجِيبُونِي، قالَ الشّاعِرُ:
؎وَداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النِّدا ∗∗∗ فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ
أيْ: فَلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ.
البقرة 2:187
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾، ”اَلرَّفَثُ“: كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِكُلِّ ما يُرِيدُ الرَّجُلَ مِنَ المَرْأةِ، والمَعْنى هَهُنا: كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، أيْ: أُحِلُّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الجِماعُ، لِأنَّهُ كانَ في أوَّلِ فَرْضِ (p-٢٥٦)الصِّيامِ الجِماعُ مُحَرَّمًا في لَيْلَةِ الصِّيامِ، والأكْلُ والشُّرْبُ بَعْدَ العِشاءِ الآخِرَةِ، والنَّوْمُ، فَأحَلَّ اللَّهُ الجِماعَ، والأكْلَ والشَّرابَ إلى وقْتِ طُلُوعِ الفَجْرِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾، قَدْ قِيلَ فِيهِ غَيْرُ قَوْلٍ، قِيلَ: اَلْمَعْنى: فَتُعانِقُوهُنَّ، ويُعانِقْنَكُمْ، وقِيلَ: كُلُّ فَرِيقٍ مِنكم يَسْكُنُ إلى صاحِبِهِ، ويُلابِسُهُ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ [الأعراف: ١٨٩]، والعَرَبُ تُسَمِّي المَرْأةَ ”لِباسًا“، و”إزارًا“، قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا ما الضَّجِيعُ ثَنى عِطْفَهُ ∗∗∗ تَثَنَّتْ فَكانَتْ عَلَيْهِ لِباسا
وَقالَ أيْضًا:
؎ألا أبْلِغْ أبا حَفْصٍ رَسُولًا ∗∗∗ فِدًى لَكَ مِن أخِي ثِقَةٍ إزارِي
قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ”فِدًى لَكَ امْرَأتِي“ .
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، قالُوا: مَعْناهُ: اَلْوَلَدُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ - وهو الصَّحِيحُ عِنْدِي - واللَّهُ أعْلَمُ - ”وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكم“: اِتَّبِعُوا القُرْآنَ فِيما أُبِيحَ لَكم فِيهِ، وأُمِرْتُمْ بِهِ، فَهو المُبْتَغى.
(p-٢٥٧)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾، هُما فَجْرانِ، أحَدُهُما يَبْدُو أسْوَدَ مُعْتَرِضًا، وهو الخَيْطُ الأسْوَدُ، والأبْيَضُ يَطْلُعُ ساطِعًا، يَمْلَأُ الأُفُقَ، وحَقِيقَتُهُ: ”حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ اللَّيْلُ مِنَ النَّهارِ“، وجَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - حُدُودَ الصِّيامِ طُلُوعَ الفَجْرِ الواضِحِ، إلّا أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - بَيَّنَ في فَرْضِهِ ما يَسْتَوِي في عِلْمِهِ أكْثَرُ النّاسِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾، مَعْنى المُباشَرَةِ هُنا: اَلْجِماعُ، وكانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ وهو مُعْتَكِفٌ، فَيُجامِعُ، ثُمَّ يَعُودُ إلى المَسْجِدِ، والِاعْتِكافُ أنْ يَحْبِسَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ في مَسْجِدِ جَماعَةٍ يَتَعَبَّدُ فِيهِ، فَعَلَيْهِ إذا فَعَلَ ذَلِكَ ألّا يُجامِعَ، وألّا يَتَصَرَّفَ إلّا فِيما لا بُدَّ لَهُ مِنهُ مِن حاجَتِهِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها﴾، مَعْنى ”اَلْحُدُودُ“: ما مَنَعَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِن مُخالَفَتِها، ومَعْنى ”اَلْحَدّادُ“، في اللُّغَةِ: اَلْحاجِبُ، وكُلُّ مَن مَنَعَ شَيْئًا فَهو ”حَدّادٌ“، وقَوْلُهُمْ: ”أحَدَّتِ المَرْأةُ عَلى زَوْجِها“: مَعْناهُ: قَطَعَتِ الزِّينَةَ، وامْتَنَعَتْ مِنها، و”اَلْحَدِيدُ“، إنَّما سُمِّيَ ”حَدِيدًا“، لِأنَّهُ يُمْتَنَعُ بِهِ مِنَ الأعْداءِ، و”حَدُّ الدّارِ“، هو ما يَمْنَعُ غَيْرَها أنْ تَدْخُلَ فِيها.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنّاسِ﴾، أيْ: مِثْلَ البَيانِ الَّذِي ذُكِرَ، المَعْنى: ما أمَرَهم بِهِ يُبَيِّنُ لَهم.
البقرة 2:188
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾، ”تَأْكُلُوا“، جُزِمَ بِـ”لا“، لِأنَّ ”لا“، اَلَّتِي يُنْهى بِها تَلْزَمُ الأفْعالَ، دُونَ الأسْماءِ، (p-٢٥٨)وَتَأْثِيرُها فِيها بِالجَزْمِ، لِأنَّ الرَّفْعَ يَدْخُلُها، بِوُقُوعِها مَوْضِعَ الأسْماءِ، والنَّصْبُ يَدْخُلُها لِمُضارَعَةِ النّاصِبِ فِيها النّاصِبَ لِلْأسْماءِ، ولَيْسَ فِيها بَعْدَ هَذَيْنِ الحَيِّزَيْنِ إلّا الجَزْمُ، ومَعْنى ”بِالباطِلِ“: أيْ: بِالظُّلْمِ.
﴿وَتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ﴾، أيْ: تَعْمَلُونَ عَلى ما يُوجِبُهُ ظاهِرُ الحُكْمِ، وتَتْرُكُونَ ما قَدْ عَلِمْتُمْ أنَّهُ الحَقُّ، ومَعْنى ”تُدْلُوا“، في اللُّغَةِ: إنَّما أصْلُهُ مِن ”أدْلَيْتُ الدَّلْوَ“، إذا أرْسَلْتُها لِلْمَلْءِ، و”دَلَوْتُها“، إذا أخْرَجْتُها، ومَعْنى ”أدْلى لِي فُلانٌ بِحُجَّتِهِ“: أرْسَلَها، وأتى بِها عَلى صِحَّةٍ، فَمَعْنى ”وَتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ“: أيْ: تَعْمَلُونَ عَلى ما يُوجِبُهُ الإدْلاءُ بِالحُجَّةِ، وتَخُونُونَ في الأمانَةِ.
﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِن أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أيْ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ الحُجَّةَ عَلَيْكم في الباطِنِ، وإنْ ظَهَرَ خِلافُها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ ”وَتُدْلُوا“: جَزْمًا، ونَصْبًا، فَأمّا الجَزْمُ فَعَلى النَّهْيِ، مَعْطُوفٌ عَلى ”وَلا تَأْكُلُوا“، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ نَصْبًا، عَلى ما تَنْصِبُ الواوُ، وهو الَّذِي يُسَمِّيهِ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ ”اَلصَّرْفَ“، ونَصْبُهُ بِإضْمارِ ”أنْ“، اَلْمَعْنى: لا تَجْمَعُوا بَيْنَ الأكْلِ بِالباطِلِ، والإدْلاءِ إلى الحُكّامِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا قَبْلَ هَذا المَكانِ.
البقرة 2:189
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾، كانَ النَّبِيُّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الهِلالِ في بَدْئِهِ دَقِيقًا، وعَنْ عِظَمِهِ بَعْدُ، وعَنْ رُجُوعِهِ دَقِيقًا، كالعُرْجُونِ القَدِيمِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ (p-٢٥٩)النّاسُ أوْقاتَهم في حَجِّهِمْ، وعِدَدِ نِسائِهِمْ، وجَمِيعِ ما يُرِيدُونَ عِلْمَهُ مُشاهَرَةً، لِأنَّ هَذا أسْهَلُ عَلى النّاسِ مِن حِفْظِ عَدَدِ الأيّامِ، ويَسْتَوِي فِيهِ الحاسِبُ وغَيْرُ الحاسِبِ، ومَعْنى ”اَلْهِلالُ“، واشْتِقاقُهُ: مِن قَوْلِهِمْ: ”اِسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ“، إذا بَكى حِينَ يُولَدُ، أوْ صاحَ، وكَأنَّ قَوْلَهُمْ: ”أهَلَّ القَوْمُ بِالحَجِّ والعُمْرَةِ“، أيْ: رَفَعُوا أصْواتَهم بِالتَّلْبِيَةِ، وإنَّما قِيلَ لَهُ: ”هِلالٌ“، لِأنَّهُ حِينَ يُرى يُهِلُّ النّاسُ بِذِكْرِهِ، ويُقالُ: ”أُهِلَّ الهِلالُ، واسْتَهَلَّ“، ولا يُقالُ: ”أهَلَّ“، ويُقالُ: ”أهَلَلْنا“، أيْ: رَأْيِنا الهِلالَ، و”أهْلَلْنا شَهْرَ كَذا وكَذا“، إذا دَخَلْنا فِيهِ، وأخْبَرَنِي مَن أثِقُ بِهِ مِن رُواةِ البَصْرِيِّينَ، والكُوفِيِّينَ جَمِيعًا، بِما أذْكُرُهُ في أسْماءِ الهِلالِ وصِفاتِ اللَّيالِي، الَّتِي في كُلِّ شَهْرٍ: فَأوَّلُ ذَلِكَ إنَّما سُمِّيَ الشَّهْرُ ”شَهْرًا“، لِشُهْرَتِهِ وبَيانِهِ، وسُمِّيَ ”هِلالًا“، لِما وصَفْنا مِن رَفْعِ الصَّوْتِ بِالإخْبارِ عَنْهُ، وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في تَسْمِيَتِهِ هِلالًا، وكَمْ لَيْلَةً يُسَمّى، ومَتى يُسَمّى قَمَرًا، فَقالَ بَعْضُهُمْ: يُسَمّى ”هِلالًا“، لِلَيْلَتَيْنِ مِنَ الشَّهْرِ، ثُمَّ لا يُسَمّى ”هِلالًا“، إلى أنْ يَعُودَ في الشَّهْرِ التّالِي، وقالَ بَعْضُهُمْ: يُسَمّى ”هِلالًا“، ثَلاثَ لَيالٍ، ثُمَّ يُسَمّى ”قَمَرًا“، وقالَ بَعْضُهُمْ: يُسَمّى ”هِلالًا“، إلى أنْ يُحَجَّرَ، وتَحْجِيرُهُ أنْ يَسْتَدِيرَ بِخُطَّةٍ دَقِيقَةٍ، وهو قَوْلُ الأصْمَعِيِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: يُسَمّى ”هِلالًا“، إلى أنْ (p-٢٦٠)يُبْهِرَ ضَوْؤُهُ سَوادَ اللَّيْلِ، فَإذا غَلَبَ ضَوْؤُهُ سَوادَ اللَّيْلِ قِيلَ لَهُ: ”قَمَرٌ“، وهَذا لا يَكُونُ إلّا في اللَّيْلَةِ السّابِعَةِ، والَّذِي عِنْدِي، وما عَلَيْهِ الأكْثَرُ، أنَّهُ يُسَمّى ”هِلالًا“، ابْنَ لَيْلَتَيْنِ، فَإنَّهُ في الثّالِثَةِ يَبِينُ ضَوْؤُهُ، واسْمُ القَمَرِ ”اَلزِّبْرِقانُ“، واسْمُ دارَتِهِ ”اَلْهالَةُ“، واسْمُ ضَوْئِهِ ”اَلْفَخْتُ“، وقَدْ قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: لا أدْرِي ”اَلْفَخْتَ“، اِسْمُ ضَوْئِهِ، أمْ ظُلْمَتِهِ، واسْمُ ظُلْمَتِهِ عَلى الحَقِيقَةِ، واسْمُ ظِلِّهِ، ”اَلسَّمَرُ“، ولِهَذا قِيلَ لِلْمُتَحَدِّثِينَ لَيْلًا: ”سُمّارٌ“، ويُقالُ: ”ضاءَ القَمَرُ“، و”أضاءَ“، ويُقالُ: ”طَلَعَ القَمَرُ“، ولا يُقالُ: ”أضاءَتِ القَمَرُ“، أوْ ”ضاءَتْ“، قالَ أبُو إسْحاقَ: وحَدَّثَنِي مَن أثِقُ بِهِ عَنِ الرِّياشِيِّ، عَنْ أبِي زَيْدٍ، وأخْبَرَنِي أيْضًا مَن أثِقُ بِهِ، عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ، بِما أذْكُرُهُ في هَذا الفَصْلِ: قالَ أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ، يُقالُ لِلْقَمَرِ ابْنَ لَيْلَةٍ: ”عَتَمَةٌ سُخَيْلَةٌ حَلَّ أهْلُها بِرُمَيْلَةٍ“، وابْنَ لَيْلَتَيْنِ: ”حَدِيثُ أمَتَيْنِ، كَذِبٌ ومَيْنٌ“، ورَواهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ”بِكَذِبٍ ومَيْنٍ“، وابْنَ ثَلاثٍ: ”حَدِيثُ فَتَياتٍ غَيْرِ جَدِّ مُؤْتَلِفاتٍ“، وقِيلَ: ”اِبْنُ ثَلاثٍ: قَلِيلُ اللِّباثِ، وابْنُ أرْبَعٍ: عَتَمَةٌ، رُبَعٌ، لا جائِعٌ ولا مُرْضِعٌ“، وعَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: عَتَمَةُ أُمِّ الرُّبْعِ، وابْنُ خَمْسٍ: حَدِيثٌ وأُنْسٌ، (p-٢٦١)وَقالَ أبُو زَيْدٍ: عَشا خَلِفاتٍ قُعْسٍ، وابْنُ سِتٍّ: سِرْوَيِتْ، وابْنُ سَبْعٍ دُلْجَةُ الضَّبْعِ، وابْنُ ثَمانٍ قَمَرُ أضْحَيانِ، وابْنُ تِسْعٍ: عَنْ أبِي زَيْدٍ: اِنْقَطَعَ الشِّسْعُ، وعَنْ غَيْرِهِ: يُلْتَقَطُ فِيهِ الجَزْعُ، وابْنُ عَشْرٍ: ثُلْثُ الشَّهْرِ، وعَنْ أبِي زَيْدٍ وغَيْرِهِ: مُحْنَقُ الفَجْرِ، ولَمْ تَقُلِ العَرَبُ بَعْدَ العَشْرِ في صِفَتِهِ لَيْلَةً لَيْلَةً، كَما قالَتْ في هَذِهِ العَشْرِ، ولَكِنَّهم جَزَّؤُوا صِفَتَهُ أجْزاءً عَشَرَةً، فَجَعَلُوا لِكُلِّ ثَلاثِ لَيالٍ صِفَةً، فَقالُوا: ثَلاثٌ غُرَرٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: غُرٌّ، وثَلاثٌ شُهْبٌ، وثَلاثٌ بُهْرٌ، وبَهْرٌ، وثَلاثٌ عُشْرٌ، وثَلاثٌ بِيضٌ، وثَلاثٌ دُرْعٌ، ودُرُعٌ، ومَعْنى ”اَلدُّرْعُ“: سَوادُ مُقَدَّمِ (p-٢٦٢)الشّاةِ، وبَياضُ مُؤَخَّرِها، وإنَّما قِيلَ لَها: دُرْعٌ، ودُرُعٌ، لِأنَّ القَمَرَ يَغِيبُ في أوَّلِها، فَيَكُونُ أوَّلَ اللَّيْلِ أدْرَعَ، لِأنَّ أوَّلَهُ أسْوَدُ وما بَعْدَهُ مُضِيءٌ، وثَلاثٌ خُنْسٌ، لِأنَّ القَمَرَ يَنْخَنِسُ فِيها، أيْ: يَتَأخَّرُ، وثَلاثٌ دُهْمٌ، وإنَّما قِيلَ لَها: دُهْمٌ، لِأنَّها تُظْلِمُ حَتّى تَدْهامَّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: ثَلاثٌ حَنادِسُ، وثَلاثٌ فُحْمٌ، لِأنَّ القَمَرَ يَتَفَحَّمُ فِيها، أيْ: يَطْلُعُ في آخِرِ اللَّيْلِ، وثَلاثٌ دَأْدِيٌّ، وهي أواخِرُ الشَّهْرِ، وإنَّما أُخِذَتْ مِن ”اَلدَّأْداءِ“، وهو ضَرْبٌ مِنَ السَّيْرِ، تُسْرِعُ فِيهِ الإبِلُ نَقْلَ أرْجُلِها إلى مَوْضِعِ أيْدِيها، فالدَّأْدَأةُ آخِرُ نَقْلِ القَوائِمِ، فَكَذَلِكَ الدَّأْدِيُّ في آخِرِ الشَّهْرِ، وجَمْعُ ”هِلالٌ“: أهِلَّةٌ ”، لِأدْنى العَدَدِ وأكْثَرِهِ، لِأنَّ“ فِعالًا ”، يُجْمَعُ في أقَلِّ العَدَدِ عَلى“ أفْعِلَةٌ ”، مِثْلَ:“ مِثالٌ ”، و“ أمْثِلَةٌ ”، و“ حِمارٌ ”، و“ أحْمِرَةٌ ”، وإذا جاوَزَ“ أفْعِلَةٌ ”، جُمِعَ عَلى“ فُعُلٌ ”، مِثْلَ:“ حُمُرٌ ”، و“ مُثُلٌ ”، فَكَرِهُوا في التَّضْعِيفِ“ فُعُلٌ ”، نَحْوَ:“ هُلُلٌ ”، و“ خُلُلٌ ”، فَقالُوا:“ أهِلَّةٌ ”، و“ أخِلَّةٌ ”، فاقْتَصَرُوا عَلى جَمْعِ أدْنى العَدَدِ، كَما اقْتَصَرُوا في ذَواتِ الواوِ والياءِ عَلى ذَلِكَ، نَحْوَ:“ كِساءٌ ”، و“ أكْسِيَةٌ ”، و“ رِداءٌ ”، و“ أرْدِيَةٌ ”.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى﴾، قِيلَ: إنَّهُ كانَ قَوْمٌ مِن قُرَيْشٍ، وجَماعَةٌ مَعَهم مِنَ العَرَبِ، إذا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنهم في حاجَةٍ فَلَمْ يَقْضِها، ولَمْ تَتَيَسَّرْ لَهُ، رَجَعَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِن بابِ بَيْتِهِ سَنَةً، يَفْعَلُ ذَلِكَ تَطَيُّرًا، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ بِرٍّ، أيْ: اَلْإقامَةُ عَلى الوَفاءِ بِهَذِهِ السُّنَّةِ لَيْسَ بِبِرٍّ، وقالَ الأكْثَرُ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ: إنَّهُمُ الحُمْسُ، وهم قَوْمٌ مِن قُرَيْشٍ، وبَنُو عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وثَقِيفٌ، وخُزاعَةُ، كانُوا إذا أحْرَمُوا لا يَأْقِطُونَ الأقِطَ، ولا يَنْتِفُونَ الوَبَرَ، ولا يَسْلُونَ السَّمْنَ، وإذا خَرَجَ أحَدُهم مِنَ الإحْرامِ (p-٢٦٣)لَمْ يَدْخُلْ مِن بابِ بَيْتِهِ، وإنَّما سُمُّوا“ اَلْحُمْسَ ”، لِأنَّهم تَحَمَّسُوا في دِينِهِمْ، أيْ: تَشَدَّدُوا، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ:“ اَلْحَماسَةُ ”: اَلشِّدَّةُ في الغَضَبِ، والشِّدَّةُ في القِتالِ، و“ اَلْحَماسَةُ "، عَلى الحَقِيقَةِ الشِّدَّةُ في كُلِّ شَيْءٍ، وقالَ العَجّاجُ:
وَكَمْ قَطَعْنا مِن قِفافٍ حُمْسِ
أيْ: شِدادٍ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ تَشَدُّدَهم في هَذا الإحْرامِ لَيْسَ بِبِرٍّ، وأعْلَمَهم أنَّ البِرَّ التُّقى، فَقالَ: ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى﴾، اَلْمَعْنى: ولَكِنَّ البِرَّ بِرُّ مَنِ اتَّقى مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، فَقالَ: ﴿وَأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها﴾، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِتَرْكِ سُنَّةِ الجاهِلِيَّةِ في هَذِهِ الحَماسَةِ.
البقرة 2:190
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾، قالُوا في تَفْسِيرِهِ: قاتِلُوا أهْلَ مَكَّةَ، وقالَ قَوْمٌ: هَذا أوَّلَ فَرْضِ الجِهادِ، ثُمَّ نَسَخَهُ: ﴿وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾، أيْ: لا تَظْلِمُوا، والِاعْتِداءُ: مُجاوَزَةُ الحَقِّ، وقِيلَ في تَفْسِيرِهِ قَوْلانِ: قِيلَ: ”وَلا تَعْتَدُوا“: لا تُقاتِلُوا غَيْرَ مَن أُمِرْتُمْ بِقِتالِهِ، ولا تَقْتُلُوا غَيْرَهُمْ، وقِيلَ: ”وَلا تَعْتَدُوا“: أيْ: لا تُجاوِزُوا إلى قَتْلِ النِّساءِ، والأطْفالِ.
البقرة 2:191
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾، أيْ: حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ، يُقالُ: ”ثَقِفْتُهُ، أثْقَفُهُ، ثَقْفًا، وثَقافَةً“، ويُقالُ: ”رَجُلٌ ثَقِفٌ، لَقِفٌ“، ومَعْنى الآيَةِ: لا تَمْتَنِعُوا مِن قَتْلِهِمْ في الحَرَمِ وغَيْرِهِ.
(p-٢٦٤)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾، أيْ: فَكُفْرُهم في هَذِهِ الأمْكِنَةِ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾، كانُوا قَدْ نُهُوا عَنِ ابْتِدائِهِمْ بِقَتْلٍ، أوْ قِتالٍ، حَتّى يَبْتَدِئَ ٩٨]المُشْرِكُونَ بِذَلِكَ، وتُقْرَأُ: ”وَلا تَقْتُلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يَقْتُلُوكم فِيهِ“، أيْ: لا تَبْدَؤُوهم بِقَتْلٍ حَتّى يَبْدَؤُوكم بِهِ، وجائِزٌ: ”وَلا تَقْتُلُوهم“، وإنْ وقَعَ القَتْلُ بِبَعْضٍ، دُونَ بَعْضٍ، لِأنَّ اللُّغَةَ يَجُوزُ فِيها: ”قَتَلْتُ القَوْمَ“، وإنَّما قُتِلَ بَعْضُهُمْ، إذا كانَ في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلى إرادَةِ المُتَكَلِّمِ.
البقرة 2:193
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، هَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يُقاتَلَ كُلُّ كافِرٍ، لِأنَّ المَعْنى هَهُنا في الفِتْنَةِ، والكُفْرِ.
البقرة 2:194
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾، ”اَلشَّهْرُ“، رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ”بِالشَّهْرِ الحَرامِ“، ومَعْناهُ: قِتالُ الشَّهْرِ الحَرامِ، ويُرْوى أنَّ المُشْرِكِينَ سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ، هَلْ فِيهِ قِتالٌ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ القَتْلَ فِيهِ كَبِيرٌ، أيْ: عَظِيمٌ في الإثْمِ، وإنَّما سَألُوا لِيَغُرُّوا المُسْلِمِينَ، فَإنْ عَلِمُوا أنَّهم لَمْ يُؤْمَرُوا بِقَتْلِهِمْ قاتَلُوهُمْ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ القِتالَ فِيهِ مُحَرَّمٌ إلّا أنْ يَبْتَدِئَ المُشْرِكُونَ بِالقِتالِ فِيهِ، فَيُقاتِلَهُمُ المُسْلِمُونَ، فالمَعْنى في قَوْلِهِ: ”اَلشَّهْرُ الحَرامُ“: أيْ: قِتالُ الشَّهْرِ الحَرامِ، أيْ: في الشَّهْرِ الحَرامِ، بِالشَّهْرِ الحَرامِ، وأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ هَذِهِ الحُرُماتِ قِصاصٌ، أيْ: لا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ إلّا قِصاصًا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾، (p-٢٦٥)أيْ: مَن ظَلَمَ فَقاتَلَ، فَقَدِ اعْتَدى، فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ، وسُمِّيَ الثّانِي ”اِعْتِداءً“، لِأنَّهُ مُجازاةُ اعْتِداءٍ، فَسُمِّيَ بِمِثْلِ اسْمِهِ، لِأنَّ صُورَةَ الفِعْلَيْنِ واحِدَةٌ، وإنْ كانَ أحَدُهُما طاعَةً والآخَرُ مَعْصِيَةً، والعَرَبُ تَقُولُ: ”ظَلَمَنِي فُلانٌ فَظَلَمْتُهُ“، أيْ: جازَيْتُهُ بِظُلْمِهِ، و”جَهِلَ عَلَيَّ فَجَهِلْتُ عَلَيْهِ“، أيْ: جازَيْتُهُ بِجَهْلِهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا ∗∗∗ فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا
أيْ: فَنُكافِئَ عَلى الجَهْلِ بِأكْثَرَ مِن مِقْدارِهِ، وقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، وقالَ: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنهم سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]، جَعَلَ اسْمَ مُجازاتِهِمْ ”مَكْرًا“، كَما مَكَرُوا، وجَعَلَ اسْمَ مُجازاتِهِمْ عَلى سُخْرِيَتِهِمْ ”سِخْرِيًّا“، فَكَذَلِكَ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾
البقرة 2:195
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أيْ: في الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وكُلُّ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الخَيْرِ فَهو مِن سَبِيلِ اللَّهِ، أيْ: مِنَ الطَّرِيقِ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، لِأنَّ ”اَلسَّبِيلُ“، في اللُّغَةِ: اَلطَّرِيقُ، وإنَّما اسْتُعْمِلَ في الجِهادِ أكْثَرَ، لِأنَّهُ السَّبِيلُ الَّذِي يُقاتَلُ فِيهِ عَلى عَقْدِ الدِّينِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾، أصْلُ ”بِأيْدِيكم“: ”بِأيْدِيِكم“، بِكَسْرِ الياءِ، ولَكِنَّ الكَسْرَةَ لا تَثْبُتُ في الياءِ، إذا كانَ ما قَبْلَها مَكْسُورًا، لِثِقَلِ الكَسْرَةِ في الياءِ.
(p-٢٦٦)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إلى التَّهْلُكَةِ﴾، مَعْناهُ: إلى الهَلاكِ، يُقالُ: ”هَلَكَ الرَّجُلُ، يَهْلَكُ، هَلاكًا، وهُلْكًا، وتَهْلُكَةً، وتَهْلِكَةً“، و”تَهْلُكَةٌ“: اِسْمٌ، ومَعْناهُ: إنْ لَمْ تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ هَلَكْتُمْ، أيْ: عَصَيْتُمُ اللَّهَ فَهَلَكْتُمْ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ: هَلَكْتُمْ بِتَقْوِيَةِ عَدُوِّكم عَلَيْكُمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾، أيْ: أنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، فَمَن أنْفَقَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَمُحْسِنٌ.
البقرة 2:196
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، يَجُوزُ في ”اَلْعُمْرَةَ“، اَلنَّصْبُ، والرَّفْعُ، والمَعْنى في النَّصْبِ: أتِمُّوهُما، والمَعْنى في الرَّفْعِ: وأتِمُّوا الحَجَّ، والعُمْرَةُ لِلَّهِ، أيْ: هي مِمّا تَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، ولَيْسَ بِفَرْضٍ، وقِيلَ أيْضًا - في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ﴾، غَيْرُ قَوْلٍ: يُرْوى عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِما - أنَّهُما قالا: إتْمامُهُما أنْ تُحْرِمَ مِن دُوَيْرَةِ أهْلِكَ، ويُرْوى عَنْ غَيْرِهِما أنَّهُ قالَ: إتْمامُهُما أنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ حَلالًا، ويَنْتَهِيَ عَمّا نَهى اللَّهُ عَنْهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الحَجَّ والعُمْرَةَ لَهُما مَواقِفُ ومَشاعِرُ، كالطَّوافِ، والمَوْقِفِ بِعَرَفَةَ، وغَيْرِ ذَلِكَ، فَإتْمامُهُما تَأْدِيَةُ كُلِّ ما فِيهِما، وهَذا بَيِّنٌ، ومَعْنى ”اِعْتَمَرَ“، في اللُّغَةِ، قِيلَ فِيهِ قَوْلانِ: قالَ بَعْضُهُمْ: ”اِعْتَمَرَ“: قَصَدَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَقَدْ سَما ابْنُ مُعَمَّرٍ حِينَ اعْتَمَرْ ∗∗∗ مَغْزًى بَعِيدًا مِن بَعِيدٍ وضَبَرْ
(p-٢٦٧)اَلْمَعْنى: حِينَ قَصَدَ مَغْزًى بَعِيدًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنى ”اِعْتَمَرَ“: زارَ، مِن ”اَلزِّيارَةُ“، ومَعْنى ”اَلْعُمْرَةُ“، في العَمَلِ: اَلطَّوافُ بِالبَيْتِ، والسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفا، والمَرْوَةِ، فَقَطْ، والعُمْرَةُ لِلْإنْسانِ في كُلِّ السِّنَةِ، والحَجُّ وقْتُهُ وقْتٌ واحِدٌ مِنَ السَّنَةِ، ومَعْنى ”اِعْتَمَرَ“، عِنْدِي، في قَصْدِ البَيْتِ، أنَّهُ إنَّما خُصَّ بِهَذا - أعْنِي بِذِكْرِ ”اِعْتَمَرَ“ - لِأنَّهُ قَصْدُ العَمَلِ في وضْعٍ عامِرٍ، لِهَذا قِيلَ: مُعْتَمِرٌ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾، اَلرِّوايَةُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ يُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَمْنَعُهُ الخَوْفُ، أوِ المَرَضُ، مِنَ التَّصَرُّفِ: ”قَدْ أُحْصِرَ“، فَهو مُحْصَرٌ، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي حُبِسَ: ”قَدْ حُصِرَ“، فَهو مَحْصُورٌ، وقالَ الفَرّاءُ: لَوْ قِيلَ لِلَّذِي حُبِسَ ”أُحْصِرَ“، لَجازَ، كَأنَّهُ يَجْعَلُ حابِسَهُ بِمَنزِلَةِ المَرَضِ، والخَوْفِ، الَّذِي مَنَعَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ، والحَقُّ في هَذا ما عَلَيْهِ أهْلُ اللُّغَةِ مِن أنَّهُ يُقالُ لِلَّذِي يَمْنَعُهُ الخَوْفُ، والمَرَضُ: ”أُحْصِرَ“، ولِلْمَحْبُوسِ: ”حُصِرَ“، وإنَّما كانَ ذَلِكَ هو الحَقَّ لِأنَّ الرَّجُلَ إذا امْتَنَعَ مِنَ التَّصَرُّفِ فَقَدْ حَبَسَ نَفْسَهُ، فَكَأنَّ المَرَضَ أحْبَسَهُ، أيْ: جَعَلَهُ يَحْبِسُ نَفْسَهُ، وقَوْلُهُ: ”حَصَرْتُ فُلانًا“، إنَّما هو حَبَسْتُهُ، لا أنَّهُ حَبَسَ نَفْسَهُ، ولا يَجُوزُ فِيهِ ”أُحْصِرَ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾، مَوْضِعُ ”ما“: رَفْعٌ، المَعْنى: فَواجِبٌ عَلَيْهِ ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ، وقَدْ قِيلَ في ”اَلْهَدْيُ“: ”اَلْهَدِيُّ“، و”اَلْهَدِيُّ“: جَمْعُ ”هَدِيَّةٌ“، و”هَدْيٌ“، كَقَوْلِهِمْ في حَذْيَةِ السَّرْجِ: ”حَذِيَّةٌ“، و”حَذْيٌ“، وقالَ بَعْضُهُمْ: ”ما اسْتَيْسَرَ“: ما تَيَسَّرَ، مِنَ الإبِلِ، والبَقَرِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَعِيرٌ، أوْ بَقَرَةٌ، أوْ شاةٌ، وهَذا هو الأجْوَدُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، (p-٢٦٨)قالُوا في ”مَحِلَّهُ“: مَن كانَ حاجًّا مَحِلُّهُ يَوْمُ النَّحْرِ، ولِمَن كانَ مُعْتَمِرًا يَوْمُ يَدْخُلُ مَكَّةَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾، أيْ: فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ، ولَوْ نُصِبَ جازَ في اللُّغَةِ، عَلى إضْمارِ فَلْيُعْطِ فِدْيَةً، أوْ فَلْيَأْتِ بِفِدْيَةٍ، وإنَّما عَلَيْهِ الفِدْيَةُ إذا حَلَقَ رَأسَهُ، وحَلَّ مِن إحْرامِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أوْ نُسُكٍ﴾، أيْ: أوْ نَسِيكَةٍ يَذْبَحُها، والنَّسِيكَةُ: اَلذَّبِيحَةُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإذا أمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾، أيْ: فَعَلَيْهِ ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ، ومَوْضِعُ ”ما“، رَفْعٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا، عَلى إضْمارِ فَلْيُهْدِ ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ﴾، مَعْناهُ: فَعَلَيْهِ صِيامُ، والنَّصْبُ، جائِزٌ، عَلى: ”فَلْيَصُمْ هَذا الصِّيامَ“، ولَكِنَّ القِراءَةَ لا تَجُوزُ بِما لَمْ يُقْرَأْ بِهِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾، قِيلَ فِيها غَيْرُ قَوْلٍ: قالَ بَعْضُهُمْ: ”كامِلَةٌ“، أيْ: تُكْمِلُ الثَّوابَ، وقالَ بَعْضُهم ”كامِلَةٌ“، في البَدَلِ مِنَ الهَدْيِ، والَّذِي في هَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ لَمّا قِيلَ: ”فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ“، جازَ أنْ يَتَوَهَّمَ المُتَوَهِّمُ أنَّ الفَرْضَ ثَلاثَةُ أيّامٍ في الحَجِّ، أوْ سَبْعَةٌ في الرُّجُوعِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ العَشْرَةَ مُفْتَرَضَةٌ كُلُّها، فالمَعْنى: (p-٢٦٩)اَلْمَفْرُوضُ عَلَيْكم صَوْمُ عَشْرَةٍ كامِلَةٍ، عَلى ما ذُكِرَ مِن تَفَرُّقِها في الحَجِّ، والرُّجُوعِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، أيْ: هَذا الفَرْضُ عَلى مَن لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِهِ بِمَكَّةَ، و”حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ“، أصْلُهُ ”حاضِرِينَ المَسْجِدَ الحَرامَ“، فَسَقَطَتِ النُّونُ لِلْإضافَةِ، وسَقَطَتِ الياءُ في الوَصْلِ لِسُكُونِها، وسُكُونِ اللّامِ في ”اَلْمَسْجِدِ“، وأمّا الوَقْفُ فَتَقُولُ فِيهِ - مَتى اضْطُرِرْتَ إلى أنْ تَقِفَ: ”حاضِرِي“ .
البقرة 2:197
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾، قالَ أكْثَرُ النّاسِ: إنَّ أشْهُرَ الحَجِّ: شَوّالٌ، وذُو القِعْدَةِ، وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ، ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ﴾، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ كانَتِ الشُّهُورُ الَّتِي هي أشْهُرُ الحَجِّ شَوّالًا، وذا القِعْدَةِ، لَما جازَ لِلَّذِي مَنزِلُهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَكَّةَ مَسافَةٌ أكْثَرُ مِن هَذِهِ الأشْهُرِ أنْ يَفْرِضَ عَلى نَفْسِهِ الحَجَّ، وهَذا حَقِيقَتُهُ عِنْدِي أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أنْ يَبْتَدِئَ بِعَمَلٍ مِن أعْمالِ الحَجِّ قَبْلَ هَذا الوَقْتِ، نَحْوَ الإحْرامِ، لِأنَّهُ إذا ابْتَدَأ قَبْلَ هَذا الوَقْتِ أضَرَّ بِنَفْسِهِ، فَأمْرُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يَكُونَ أقْصى الأوْقاتِ الَّتِي يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ ألّا يَتَقَدَّمَها في عَقْدِ فَرْضِ الحَجِّ عَلى نَفْسِهِ، شَوّالًا، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: مَعْنى الحَجِّ إنَّما هو في السَّنَةِ في وقْتٍ بِعَيْنِهِ، وإنَّما هو في الأيّامِ الَّتِي يَأْخُذُ الإنْسانُ فِيها في عَمَلِ الحَجِّ، لِأنَّ العُمْرَةَ لَهُ في طُولِ السَّنَةِ، فَيَنْبَغِي لَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ ألّا يَرْفُثَ، ولا يَفْسُقَ، وتَأْوِيلُ ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ﴾ لا جِماعَ، ولا كَلِمَةٌ مِن أسْبابِ الجِماعِ، قالَ الرّاجِزُ:
عَنِ اللَّغا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ
(p-٢٧٠)و”اَلرَّفَثُ“: كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِما يُرِيدُهُ الرَّجُلُ مِن أهْلِهِ، وأمّا ”وَلا فُسُوقَ“، فَإذا نُهِيَ عَنِ الجِماعِ كُلَّهِ، فالفُسُوقُ داخِلٌ فِيهِ، ولَكِنَّ المَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”وَلا فُسُوقَ“: أيْ: لا يَخْرُجْ عَنْ شَيْءٍ مِن أمْرِ الحَجِّ، وقالُوا - في قَوْلِهِ: ﴿وَلا جِدالَ في الحَجِّ﴾ - قَوْلَيْنِ: قالُوا: ”وَلا جِدالَ في الحَجِّ“: لا شَكَّ في الحَجِّ، وقالُوا: لا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أنْ يُجادِلَ أخاهُ فَيُخْرِجَهُ الجِدالُ إلى ما لا يَنْبَغِي، تَعْظِيمًا لِأمْرِ الحَجِّ، وكُلٌّ صَوابٌ، ويَجُوزُ: ”فَلا رَفَثٌ ولا فُسُوقٌ ولا جِدالٌ في الحَجِّ“، وبَعْضُهم يَقْرَأُ - وهو أبُو عَمْرٍو -: ”فَلا رَفَثٌ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ“، وكُلٌّ صَوابٌ، وقَدْ شَرَحْنا أنَّ ”لا“، تَنْصِبُ النَّكِراتِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وبَيَّنّا حَقِيقَةَ نَصْبِها، وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ، أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَرْفَعَ النَّكِراتِ بِتَنْوِينٍ، وأنَّ قَوْلَ العَجّاجِ:
؎تاللَّهِ لَوْلا أنْ يَحُشَّنَّ الطُّبَّخُ ∗∗∗ بِيَ الجَحِيمَ حِينَ لا مُسْتَصْرِخُ
يَجِبُ أنْ يَكُونَ رَفَعَ ”مُسْتَصْرِخُ“، بِـ”لا“، وأنَّ قَوْلَهُ:
؎مَن صَدَّ عَنْ نِيرانِها ∗∗∗ فَأنا ابْنُ قَيْسٍ لا بَراحُ
(p-٢٧١)وَحَقِيقَةُ ما ارْتَفَعَ بَعْدَها عِنْدَ بَعْضِ أصْحابِهِ عَلى الِابْتِداءِ، لِأنَّهُ إذا لَمْ تَنْصِبْ فَإنَّما يُجْرى ما بَعْدَها كَما يُجْرى ما بَعْدَ ”هَلْ“، أيْ لا تَعْمَلُ فِيهِ شَيْئًا، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”فَلا رَفَثٌ“، عَلى ما قالَ سِيبَوَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى الِابْتِداءِ، كَما وصَفْنا، ويَكُونَ ”في الحَجِّ“، هو خَبَرًا لِهَذِهِ المَرْفُوعاتِ، ويَجُوزُ إذا نَصَبَتْ ما قَبْلَ المَرْفُوعِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وأتَيْتَ بِما بَعْدَهُ مَرْفُوعًا، أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى المَوْضِعِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعُهُ عَلى ما وصَفْنا، فَأمّا العَطْفُ عَلى المَوْضِعِ، إذا قُلْتَ: ”لا رَجُلَ وغُلامٌ في الدّارِ“، فَكَأنَّكَ قُلْتَ: ”ما رَجُلٌ ولا غُلامٌ في الدّارِ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾، يُرْوى أنَّ قَوْمًا كانُوا يَخْرُجُونَ في حَجِّهِمْ يَتَأكَّلُونَ النّاسَ، يَخْرُجُونَ بِغَيْرِ زادٍ، فَأُمِرُوا بِأنْ يَتَزَوَّدُوا، وأُعْلِمُوا مَعَ ذَلِكَ أنَّ خَيْرَ ما تُزُوِّدَ بِهِ تَقْوى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واتَّقُونِ يا أُولِي الألْبابِ﴾، ”اَلْألْبابُ“: واحِدُها ”لُبٌّ“، وهي العُقُولُ، ”أُولِي“، نُصِبَ لِأنَّهُ نِداءٌ مُضافٌ.
البقرة 2:198
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾، قِيلَ: إنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهُ لَيْسَ لِحَمّالٍ، ولا أجِيرٍ، ولا تاجِرٍ، حَجٌّ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ ذَلِكَ مُباحٌ، وأنَّهُ لا جُناحَ فِيهِ، أيْ: لا إثْمَ فِيهِ، و”جُناحٌ“، اِسْمُ ”لَيْسَ“، والخَبَرُ ”عَلَيْكم“، ومَوْضِعُ ”أنْ“، نَصْبٌ، عَلى تَقْدِيرِ: ”لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ في أنْ تَبْتَغُوا“، فَلَمّا أُسْقِطَتْ ”في“، عَمِلَ فِيها مَعْنى ”جُناحٌ“، اَلْمَعْنى: ”لَسْتُمْ تَأْثَمُونَ أنْ تَبْتَغُوا...“، أيْ: ”في أنْ تَبْتَغُوا...“ .
(p-٢٧٢)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾، قَدْ دَلَّ بِهَذا اللَّفْظِ أنَّ الوُقُوفَ بِها واجِبٌ، لِأنَّ الإفاضَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ وُقُوفٍ، ومَعْنى ”أفَضْتُمْ“: دَفَعْتُمْ بِكَثْرَةٍ، ويُقالُ: ”أفاضَ القَوْمُ في الحَدِيثِ“، إذا انْدَفَعُوا فِيهِ، وأكْثَرُوا التَّصَرُّفَ، و”أفاضَ الرَّجُلُ إناءَهُ“، إذا صَبَّهُ، و”أفاضَ البَعِيرُ بِجَرَّتِهِ“، إذا رَمى بِها مُتَفَرِّقَةً كَثِيرَةً، قالَ الرّاعِي:
؎وَأفَضْنَ بَعْدَ كُظُومِهِنَّ بِجَرَّةٍ ∗∗∗ مِن ذِي الأباطِحِ إذْ رَعَيْنَ حَقِيلا
و”أفاضَ الرَّجُلُ بِالقِداحِ“، إذا ضَرَبَ بِها، لِأنَّها تَقَعُ مُنْبَعِثَةً، مُتَفَرِّقَةً، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:
؎وَكَأنَّهُنَّ رِبابَةٌ وكَأنَّهُ ∗∗∗ يَسِرٌ يَفِيضُ عَلى القِداحِ ويَصْدَعُ
؎وَكُلُّ ما في اللُّغَةِ مِن بابِ الإفاضَةِ فَلَيْسَ يَكُونُ إلّا مِن تَفْرِقَةٍ أوْ كَثْرَةٍ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مِن عَرَفاتٍ﴾، اَلْقِراءَةُ والوَجْهُ: اَلْكَسْرُ، والتَّنْوِينُ، و”عَرَفاتٍ“: اِسْمٌ لِمَكانٍ واحِدٍ، ولَفْظُهُ لَفْظُ الجَمْعِ، والوَجْهُ فِيهِ الصَّرْفُ، عِنْدَ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ، لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ ”اَلزَّيْدِينَ“، يَسْتَوِي نَصْبُهُ وجَرُّهُ، ولَيْسَ بِمَنزِلَةِ هاءِ التَّأْنِيثِ، وقَدْ يَجُوزُ مَنعُهُ مِنَ الصَّرْفِ إذا كانَ اسْمًا لِواحِدٍ، إلّا أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا مَكْسُورًا، وإنْ أسْقَطْتَ التَّنْوِينَ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: (p-٢٧٣)تَنَوَّرْتُها مِن أذْرِعاتٍ وأهْلُها ∗∗∗ بِيَثْرِبَ أدْنى دارِها نَظَرٌ عالِ
فَهَذا أكْثَرُ الرِّوايَةِ، وقَدْ أُنْشِدَ بِالكَسْرِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وأمّا الفَتْحُ فَخَطَأٌ، لِأنَّ نَصْبَ الجَمْعِ وفَتْحَهُ: كَسْرٌ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾، هو مُزْدَلِفَةُ، وهي جَمْعٌ، يُسَمّى بِهِما جَمِيعًا المَشْعَرُ المُتَعَبَّدُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾، مَوْضِعُ الكافِ نَصْبٌ، والمَعْنى: واذْكُرُوهُ ذِكْرًا مِثْلَ هِدايَتِهِ إيّاكُمْ، أيْ: يَكُونُ جَزاءً لِهِدايَتِهِ إيّاكُمْ، واذْكُرُوهُ بِتَوْحِيدِهِ، والثَّناءِ عَلَيْهِ، والشُّكْرِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ﴾، مَعْنى ”مِن قَبْلِهِ“: أيْ: مِن قَبْلِ هِدايَتِهِ، ومَعْنى ”كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ“: هَذا مِنَ التَّوْكِيدِ لِلْأمْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ إلّا ضالِّينَ.
البقرة 2:199
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾، قِيلَ: كانَتِ الحُمْسُ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِها - وقَدْ بَيَّنّا الحُمْسَ فِيما تَقَدَّمَ - لا تُفِيضُ مَعَ النّاسِ في عَرَفَةَ، تَتَمَسَّكُ بِسُنَّتِها في الجاهِلِيَّةِ، وتَفْعَلُ ذَلِكَ افْتِخارًا عَلى النّاسِ، وتَعالِيًا عَلَيْهِمْ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يُساوُوا النّاسَ في الفَرْضِ، وأنْ يَقِفُوا مَواقِفَهُمْ، وأنْ يُفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضُوا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أيْ: سَلُوهُ أنْ يَغْفِرَ لَكم مِن مُخالَفَتِكُمُ النّاسَ في الإفاضَةِ والمَوْقِفِ.
البقرة 2:200
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾، (p-٢٧٤)أيْ: مُتَعَبَّداتِكُمُ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِها في الحَجِّ، ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾، وكانَتِ العَرَبُ إذا قَضَتْ مَناسِكَها وقَفَتْ بَيْنَ المَسْجِدِ بِمِنًى، وبَيْنَ الجَبَلِ، فَتُعَدِّدُ فَضائِلَ آبائِها، وتَذْكُرُ مَحاسِنَ أيّامِها، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ الذِّكْرَ لَهُ، وأنْ يَزِيدُوا عَلى ذَلِكَ الذِّكْرِ، فَيَذْكُرُوا اللَّهَ بِتَوْحِيدِهِ، وتَعْدِيدِ نِعَمِهِ، لِأنَّهُ إنْ كانَتْ لِآبائِهِمْ نِعَمٌ فَهي مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وهو المَشْكُورُ عَلَيْها.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾، ”أشَدَّ“، في مَوْضِعِ خَفْضٍ، ولَكِنَّهُ لا يَنْصَرِفُ، لِأنَّهُ عَلى مِثالِ ”أفْعَلُ“، وهو صِفَتُهُ، وِإنْ شِئْتَ كانَ نَصْبًا، عَلى: ”واذْكُرُوهُ أشَدَّ ذِكْرًا“، و”ذِكْرًا“، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾، ”آتِنا“، وقْفٌ، لِأنَّهُ دُعاءٌ، ومَعْناهُ: ”أعْطِنا في الدُّنْيا“، وهَؤُلاءِ مُشْرِكُو العَرَبِ كانُوا يَسْألُونَ التَّوْسِعَةَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، ولا يَسْألُونَ حَظًّا مِنَ الآخِرَةِ، لِأنَّهم كانُوا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِالآخِرَةِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾، يَعْنِي هَؤُلاءِ، و”اَلْخَلاقُ“: اَلنَّصِيبُ الوافِرُ مِنَ الخَيْرِ.
البقرة 2:201
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾، هَؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ، يَسْألُونَ الحَظَّ في الدُّنْيا، والآخِرَةِ، والأصْلُ في ”قِنا“: ”أوْقِينا“، ولَكِنَّ الواوَ سَقَطَتْ، كَما سَقَطَتْ مِن ”يَقِي“، لِأنَّ الأصْلَ ”يَوْقِي“، فَسَقَطَتِ الواوُ، (p-٢٧٥)لِوُقُوعِها بَيْنَ ياءٍ وكَسْرَةٍ، وسَقَطَتْ ألِفُ الوَصْلِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْها، لِأنَّها اجْتُلِبَتْ لِسُكُونِ الواوِ، فَإذا أُسْقِطَتِ الواوُ فَلا حاجَةَ بِالمُتَكَلِّمِ إلَيْها، وسَقَطَتِ الياءُ لِلْوَقْفِ، ولِلْجَزْمِ، في قَوْلِ الكُوفِيِّينَ، والمَعْنى: ”اِجْعَلْنا مُوقَيْنَ مِن عَذابِ النّارِ“ .
البقرة 2:202
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾، أيْ: دُعاؤُهم مُسْتَجابٌ، لِأنَّ كَسْبَهم هَهُنا، الَّذِي ذُكِرَ، هو الدُّعاءُ، وقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ الإجابَةَ لِدُعاءِ مَن دَعاهُ إذا كانَ مُؤْمِنًا، لِأنَّهُ قَدْ أعْلَمَنا أنَّهُ يُضِلُّ أعْمالَ الكافِرِينَ، ويُحْبِطُها، ودُعاؤُهم مِن أعْمالِهِمْ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾، اَلْمَعْنى أنَّهُ قَدْ عَلِمَ ما لِلْمُحاسَبِ، وما عَلَيْهِ، قَبْلَ تَوْقِيفِهِ عَلى حِسابِهِ، فالفائِدَةُ في الحِسابِ عِلْمُ حَقِيقَتِهِ، وقَدْ قِيلَ في بَعْضِ التَّفْسِيرِ: إنَّ حِسابَ العَبْدِ أسْرَعُ مِن لَمْحِ البَصَرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
البقرة 2:203
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾، قالُوا: هي أيّامُ التَّشْرِيقِ، ”مَعْدُوداتٍ“، يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في اللُّغَةِ لِلشَّيْءِ القَلِيلِ، وكُلُّ عَدَدٍ - قَلَّ أوْ كَثُرَ - فَهو مَعْدُودٌ، ولَكِنَّ ”مَعْدُوداتٍ“، أدَلُّ عَلى القِلَّةِ، لِأنَّ كُلَّ قَلِيلٍ يُجْمَعُ بِالألِفِ والتّاءِ، نَحْوَ: ”دُرَيْهِماتٌ“، و”جَماعاتٌ“، وقَدْ يَجُوزُ - وهو حَسَنٌ كَثِيرٌ - أنْ تَقَعَ الألِفُ والتّاءُ لِلْكَثِيرِ، وقَدْ ذُكِرَ أنَّهُ عِيبَ عَلى القائِلِ:
؎لَنا الجَفَناتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بِالضُّحى ∗∗∗ وأسْيافُنا يَقْطُرْنَ مِن نَجْدَةٍ دَما
فَقِيلَ لَهُ: لِمَ قَلَّلْتَ الجَفَناتِ، ولَمْ تَقُلْ: ”اَلْجِفانُ“ ؟ وهَذا الخَبَرُ، عِنْدِي، مَصْنُوعٌ، لِأنَّ الألِفَ والتّاءَ قَدْ تَأْتِي لِلْكَثْرَةِ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (p-٢٧٦)﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وقالَ: ”في جَنّاتٍ“، وقالَ: ﴿فِي الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ [سبإ: ٣٧]، فالمُسْلِمُونَ لَيْسُوا في جَنّاتٍ قَلِيلَةٍ، ولَكِنْ إذا خُصَّ القَلِيلُ في الجَمْعِ بِالألِفِ والتّاءِ، فالألِفُ والتّاءُ أدَلُّ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ يَلِي التَّثْنِيَةَ، تَقُولُ: ”حَمّامٌ“، و”حَمّامانِ“، و”حَمّاماتٌ“، فَتُؤَدّى بِتاءِ الواحِدِ، فَهَذا أدَلُّ عَلى القَلِيلِ، وجائِزٌ حَسَنٌ أنْ يُرادَ بِهِ الكَثِيرُ، ويَدُلُّ المَعْنى المُشاهَدُ عَلى الإرادَةِ، كَما أنَّ قَوْلَكَ: ”جَمْعٌ“، يَدُلُّ عَلى القَلِيلِ، والكَثِيرِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ﴾، أيْ: مَن نَفَرَ في يَوْمَيْنِ، ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى﴾، قِيلَ: لِمَنِ اتَّقى قَتْلَ الصَّيْدِ، وقالُوا: لِمَنِ اتَّقى التَّفْرِيطَ في كُلِّ حُدُودِ الحَجِّ، فَمُوَسَّعٌ عَلَيْهِ في التَّعَجُّلِ في نَفْرِهِ.
البقرة 2:204
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾، مَوْضِعُ ”مَن“: رَفْعٌ، عَلى ضَرْبَيْنِ: عَلى الِابْتِداءِ، وبِالعامِلِ في ”مِن“، وقَدْ شَرَحْنا هَذا البابَ، ويُرْوى أنَّ رَجُلًا مِن ثَقِيفٍ كانَ يُعْجِبُ النَّبِيَّ ﷺ كَلامُهُ، ويُظْهِرُ لَهُ مِنَ الجَمِيلِ خِلافَ ما في نَفْسِهِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾، (p-٢٧٧)وَإنْ قُلْتَ: ”وَيَشْهَدُ اللَّهُ عَلى ما في قَلْبِهِ“، فَهو جائِزٌ، إنْ كانَ قَدْ قُرِئَ بِهِ، والمَعْنى فِيهِ أنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِما يُسِرَّهُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - النَّبِيَّ ﷺ حَقِيقَةَ أمْرِ هَذا المُنافِقِ، وقالَ: ﴿وَهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾، ومَعْنى ”خَصْمٌ ألَدُّ“، في اللُّغَةِ: اَلشَّدِيدُ الخُصُومَةِ، والجَدَلِ، واشْتِقاقُهُ مِن ”لُدَيْدَيِ العُنُقِ“، وهُما صَفْحَتا العُنُقِ، وتَأْوِيلُهُ أنَّ خَصْمَهُ في أيِّ وجْهٍ أخَذَ - مِن يَمِينٍ، أوْ شِمالٍ - مِن أبْوابِ الخُصُومَةِ، غَلَبَهُ في ذَلِكَ، يُقالُ: ”رَجُلٌ ألَدُّ“، و”اِمْرَأةٌ لَدّاءُ“، و”قَوْمٌ لُدٌّ“، و”قَدْ لَدَدْتُ فُلانًا، ألَدُّهُ“، إذا جادَلْتُهُ فَغَلَبْتُهُ، و”خِصامٌ“، جَمْعُ ”خَصْمٍ“، لِأنَّ ”فَعْلًا“، يُجْمَعُ إذا كانَ صِفَةً عَلى ”فِعالٌ“، نَحْوَ: ”صَعْبٌ“، و”صِعابٌ“، و”خَدْلٌ“، و”خِدالٌ“، وكَذَلِكَ إنْ جَعَلْتَ ”خَصْمًا“، صِفَةً، فَهو يُجْمَعُ عَلى أقَلِّ العَدَدِ، وأكْثَرِهِ، عَلى ”فُعُولٌ“، و”فِعالٌ“، جَمِيعًا، يُقالُ: ”خَصْمٌ“، و”خِصامٌ“، و”خُصُومٌ“، وإنْ كانَ اسْمًا فَـ”فِعالٌ“، فِيهِ أكْثَرُ العَدَدِ، نَحْوَ: ”فَرْخٌ“، و”أفْراخٌ“، لِأقَلِّ العَدَدِ، و”فِراخٌ“، و”فُرُوخٌ“، لِما جاوَزَ العَشَرَةَ.
البقرة 2:205
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾، نُصِبَ ”لِيُفْسِدَ“، عَلى إضْمارِ ”أنْ“، اَلْمَعْنى: لِأنْ يُفْسِدُ فِيها، وعُطِفَ ”وَيُهْلِكَ“، عَلى ”يُفْسِدَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُهْلِكُ الحَرْثَ والنَّسْلَ“، عَلى الِاسْتِئْنافِ، أيْ: ”وَهو يُهْلِكُ الحَرْثَ والنَّسْلَ“، أيْ: يَعْتَقِدُ ذَلِكَ، وقالُوا - في الحَرْثِ والنَّسْلِ -: إنَّ الحَرْثَ النِّساءُ، والنَّسْلَ الأوْلادُ، وهَذا غَيْرُ مُنْكَرٍ، (p-٢٧٨)لِأنَّ المَرْأةَ تُسَمّى ”حَرْثًا“، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وأصْلُ هَذا إنَّما هو في الزَّرْعِ، وكُلُّ ما ”حُرِثَ“، فَيُشَبَّهُ ما مِنهُ الوَلَدُ بِذَلِكَ، وقالُوا - في الحَرْثِ -: هو ما تَعْرِفُهُ مِنَ الزَّرْعِ، لِأنَّهُ إذا أفْسَدَ في الأرْضِ أبْطَلَ - بِإفْسادِهِ، وإلْقائِهِ الفِتْنَةَ - أمْرَ الزِّراعَةِ.
البقرة 2:207
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ”يَشْرِي نَفْسَهُ“: يَبِيعُ نَفْسَهُ، ومَعْنى بَيْعِهِ نَفْسَهُ بَذْلُها في الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَ الشّاعِرُ - في ”شَرَيْتُ“، بِمَعْنى ”بِعْتُ“ -:
؎وَشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي ∗∗∗ مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَةْ
وَقالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: هَذا رَجُلٌ كانَ يُقالُ لَهُ ”صُهَيْبُ بْنُ سِنانٍ“، أرادَهُ المُشْرِكُونَ مَعَ نَفَرٍ مَعَهُ عَلى تَرْكِ الإسْلامِ، وقَتَلُوا بَعْضَ النَّفَرِ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ، فَقالَ لَهم صُهَيْبٌ: ”أنا شَيْخٌ كَبِيرٌ، إنْ كُنْتُ عَلَيْكم لَمْ أضُرَّكُمْ، وإنْ كُنْتُ مَعَكم لَمْ أنْفَعْكُمْ، فَخَلُّونِي وما أنا عَلَيْهِ، وخُذُوا مالِي“، فَقَبِلُوا مِنهُ مالَهُ، وأتى المَدِينَةَ، فَلَقِيَهُ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَقالَ لَهُ: ”رَبِحَ البَيْعُ يا صُهَيْبُ“، فَرَدَّ عَلَيْهِ: ”وَأنْتَ فَرَبِحَ بَيْعُكَ يا أبا بَكْرٍ“، وتَلا الآيَةَ عَلَيْهِ.
(p-٢٧٩)وَنُصِبَ ”اِبْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ“، عَلى مَعْنى المَفْعُولِ لَهُ، المَعْنى: يَشْرِيها لِابْتِغاءِ مَرْضاةِ اللَّهِ.
البقرة 2:208
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾، ”كافَّةً“، بِمَعْنى الجَمْعِ والإحاطَةِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ”اُدْخُلُوا جَمِيعًا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ”اُدْخُلُوا في السِّلْمِ كُلِّهِ“، أيْ: في جَمِيعِ شَرائِعِهِ، ويُقالُ: ”اَلسِّلْمُ“، و”اَلسَّلْمُ“، جَمِيعًا، ويُعْنى بِهِ الإسْلامُ، والصُّلْحُ، وفِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ: يُقالُ: ”اَلسِّلْمُ“، و”اَلسَّلَمُ“، و”اَلسَّلْمُ“، وقَدْ قُرِئَ بِهِ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ [النساء: ٩٤]، ومَعْنى ”كافَّةً“، في اشْتِقاقِ اللُّغَةِ: ما يَكُفُّ الشَّيْءَ مِن آخِرِهِ، مِن ذَلِكَ ”كُفَّةُ القَمِيصِ“، يُقالُ لِحاشِيَةِ القَمِيصِ: ”كُفَّةٌ“، وكُلُّ مُسْتَطِيلٍ فَحَرْفُهُ ”كُفَّةٌ“، ويُقالُ في كُلِّ مُسْتَدِيرٍ: ”كِفَّةٌ“، وذَلِكَ نَحْوَ: ”كِفَّةُ المِيزانِ“، ويُقالُ: إنَّما سُمِّيَتْ ”كُفَّةُ الثَّوْبِ“، لِأنَّها تَمْنَعُهُ أنْ يَنْتَشِرَ، وأصْلُ ”اَلْكَفُّ“: اَلْمَنعُ، ومِن هَذا قِيلَ لِطَرْفِ اليَدِ ”كَفٌّ“، لِأنَّها يُكَفُّ بِها عَنْ سائِرِ البَدَنِ، وهي الرّاحَةُ، مَعَ الأصابِعِ، ومِن هَذا قِيلَ: ”رَجُلٌ مَكْفُوفٌ“، أيْ: قَدْ كُفَّ بَصَرُهُ مِن أنْ يَنْظُرَ، فَمَعْنى الآيَةِ: اُبْلُغُوا في الإسْلامِ إلى حَيْثُ تَنْتَهِي شَرائِعُهُ، فَكُفُّوا مِن أنْ تَعْدُوا شَرائِعَهُ، أوْ: اُدْخُلُوا كُلُّكم حَتّى يُكَفَّ عَنْ عَدَدٍ وأحَدٍ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ، وقِيلَ في مَعْنى الآيَةِ أنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ أسْلَمُوا، فَأقامُوا عَلى تَحْرِيمِ السَّبْتَ، وتَحْرِيمِ أكْلِ لُحُومِ الإبِلِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يَدْخُلُوا في جَمِيعِ شَرائِعِ الإسْلامِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ أمَرَهم - وهم مُؤْمِنُونَ - أنْ يَدْخُلُوا في الإيمانِ، أيْ: بِأنْ يُقِيمُوا عَلى الإيمانِ، ويَكُونُوا فِيما يَسْتَقْبِلُونَ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَـزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْـزَلَ مِن قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦]، وكِلا القَوْلَيْنِ (p-٢٨٠)جائِزٌ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ -، قَدْ أمَرَ بِالإقامَةِ عَلى الإسْلامِ، فَقالَ: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾، أيْ: لا تَقْتَفُوا آثارَهُ، لِأنَّ تَرْكَكم شَيْئًا مِن شَرائِعِ الإسْلامِ اتِّباعٌ لِلشَّيْطانِ، ”خُطُواتٌ“: جَمْعُ ”خُطْوَةٌ“، وفِيها ثَلاثُ لُغاتٍ: ”خُطُواتٌ“، و”خُطَواتٌ“، و”خُطْواتٌ“، وقَدْ بَيَّنّا العِلَّةَ في هَذا الجَمْعِ فِيما سَلَفَ مِنَ الكِتابِ.
البقرة 2:209
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾، يُقالُ: ”زَلَّ، يَزِلُّ، زَلًّا، وزَلَلًا“، جَمِيعًا، و”مَزَلَّةً“، و”زَلَّ في الطِّينِ زَلِيلًا“، ومَعْنى ”زَلَلْتُمْ“: تَنَحَّيْتُمْ عَنِ القَصْدِ، والشَّرائِعِ، ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، ومَعْنى ”عَزِيزٌ“: لا يُعْجِزُونَهُ، ولا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، ومَعْنى ”حَكِيمٌ“، أيْ: حَكِيمٌ فِيما فَطَرَكم عَلَيْهِ، وفِيما شَرَعَ لَكم مِن دِينِهِ.
البقرة 2:210
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: مَعْناهُ: يَأْتِيهِمُ اللَّهُ بِما وعَدَهم مِنَ العَذابِ، والحِسابِ، كَما قالَ: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢]، أيْ: أتاهم بِخِذْلانِهِ إيّاهُمْ، و”ظُلَلٌ“، جَمْعُ ”ظُلَّةٌ“، و”اَلْمَلائِكَةُ“، تُقْرَأُ عَلى وجْهَيْنِ: بِالضَّمِّ، والكَسْرِ، فَمَن قَرَأ: ”اَلْمَلائِكَةُ“، بِالرَّفْعِ، (p-٢٨١)فالمَعْنى: ”هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ والمَلائِكَةُ؟“، والرَّفْعُ هو الوَجْهُ المُخْتارُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ في القِراءَةِ، ومَن قَرَأ: ”والمَلائِكَةِ“، فالمَعْنى: ”هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ وظُلَلٍ مِنَ المَلائِكَةِ؟“، ومَعْنى ”وَقُضِيَ الأمْرُ“، أيْ: فُرِغَ لَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ، ومَعْنى ﴿وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾، و”تَرْجِعُ الأُمُورُ“ - يُقْرَآنِ جَمِيعًا -: ”تُرَدُّ“ .
فَإنْ قالَ قائِلٌ: ”ألَيْسَتِ الأُمُورُ - الآنَ وفي كُلِّ وقْتٍ - راجِعَةً إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ؟“، فالمَعْنى في هَذا: اَلْإعْلامُ في أمْرِ الحِسابِ والثَّوابِ والعِقابِ، أيْ: إلَيْهِ تَصِيرُونَ، فَيُعَذِّبُ مَن يَشاءُ، ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ.
البقرة 2:211
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾، اَلْخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمَعْنى لَهُ ولِسائِرِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِهِمُ، المَعْنى أنَّهم أُعْطُوا آياتٍ بَيِّناتٍ، قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وقَدْ عَلِمُوا صِحَّةَ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وجَحَدُوا، وهم عالِمُونَ بِحَقِيقَتِهِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ﴾، يَعْنِي بِهِ في هَذا المَوْضِعِ: حُجَجَ اللَّهِ الدّالَّةَ عَلى أمْرِ نَبِيِّهِ ﷺ، ﴿فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾، أيْ: شَدِيدُ التَّعْذِيبِ.
البقرة 2:212
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا﴾، رُفِعَ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، و”زُيِّنَ“، جازَ فِيهِ لَفْظُ التَّذْكِيرِ، ولَوْ كانَتْ: ”زُيِّنَتْ“، لَكانَ صَوابًا، و”زَيَّنَ“، صَوابٌ حَسَنٌ، لِأنَّ تَأْنِيثَ الحَياةِ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، لِأنَّ مَعْنى الحَياةِ ومَعْنى العَيْشِ واحِدٌ، وقَدْ فُصِلَ أيْضًا بَيْنَ الفِعْلِ، وبَيْنَ الِاسْمِ المُؤَنَّثِ.
(p-٢٨٢)وَقِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا﴾، قَوْلانِ: قالَ بَعْضُهُمْ: زَيَّنَها لَهم إبْلِيسُ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ زَهَّدَ فِيها، وأعْلَمَ أنَّها مَتاعُ الغُرُورِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - خَلَقَ فِيها الأشْياءَ المُعْجِبَةَ، فَنَظَرَ إلَيْها الَّذِينَ كَفَرُوا بِأكْثَرَ مِن مِقْدارِها، ودَلِيلُ قَوْلِ هَؤُلاءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤]، وكُلٌّ جائِزٌ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، كانَ قَوْمٌ مِنَ المُشْرِكِينَ يَسْخَرُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ، لِأنَّ حالَهم في ذاتِ اليَدِ كانَتْ قَلِيلَةً، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِأنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ المُسْلِمِينَ في عِلِّيِّينَ، والفُجّارَ في الجَحِيمِ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩]، ومَعْنى: ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾، أيْ: لَيْسَ يَرْزُقُ المُؤْمِنَ عَلى قَدْرِ إيمانِهِ، ولا يَرْزُقُ الكافِرَ عَلى قَدْرِ كُفْرِهِ، فَهَذا مَعْنى ”بِغَيْرِ حِسابٍ“، أيْ: لَيْسَ يُحاسِبُهُ بِالرِّزْقِ في الدُّنْيا عَلى قَدْرِ العَمَلِ، ولَكِنَّ الرِّزْقَ في الآخِرَةِ عَلى قَدْرِ العَمَلِ، وما يَتَفَضَّلُ اللَّهُ بِهِ - جَلَّ وعَزَّ.
البقرة 2:213
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾، أيْ: عَلى دِينٍ واحِدٍ، و”اَلْأُمَّةُ“، في اللُّغَةِ: أشْياءُ، فَمِنها: ”اَلْأُمَّةُ“: اَلدِّينُ، وهو هَذا، و”اَلْأُمَّةُ“: اَلْقامَةُ، يُقالُ: ”فُلانٌ حَسَنُ الأُمَّةِ“، أيْ: حَسَنُ القامَةِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وَأنَّ مُعاوِيَةَ الأكْرَمِينَ حِسانُ الوُجُوهِ طِوالُ الأُمَمْ
(p-٢٨٣)أيْ: طِوالُ القاماتِ، و”اَلْأُمَّةُ“: اَلْقَرْنُ مِنَ النّاسِ، يَقُولُونَ: ”قَدْ مَضَتْ أُمَمٌ“، أيْ: قُرُونٌ، و”اَلْأُمَّةُ“: اَلرَّجُلُ الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠]، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنى ”كانَ أُمَّةً“: كانَ إمامًا، و”اَلْأُمَّةُ“: في اللُّغَةِ: اَلنِّعْمَةُ والخَيْرُ، قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: ”ثُمَّ بَعْدَ الفَلاحِ والرُّشْدِ والأُمَّةِ، وارَتْهم هُناكَ القُبُورُ“، أيْ: بَعْدَ النِّعْمَةِ والخَيْرِ، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الشَّيْبانِيُّ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِلشَّيْخِ - إذا كانَ باقِيَ القُوَّةِ -: ”فُلانٌ بِأُمَّةٍ“، ومَعْناهُ: راجِعٌ إلى الخَيْرِ، والنِّعْمَةِ، لِأنَّ بَقاءَ قُوَّتِهِ مِن أعْظَمِ النِّعْمَةِ، وأصْلُ هَذا كُلِّهِ مِنَ القَصْدِ، يُقالُ: ”أمَمْتُ الشَّيْءَ“، إذا قَصَدْتُهُ، فَمَعْنى ”اَلْأُمَّةُ“، في الدِّينِ، أنَّ مَقْصِدَهم مَقْصِدٌ واحِدٌ، ومَعْنى ”اَلْأُمَّةُ“، في الرَّجُلِ المُنْفَرِدِ الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ، أنَّ قَصْدَهُ مُنْفَرِدٌ مِن قَصْدِ سائِرِ النّاسِ، ويُرْوى أنَّ زَيْدَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ نُفَيْلٍ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ أُمَّةً وحْدَهُ، وإنَّما (p-٢٨٤)ذَلِكَ لِأنَّهُ أسْلَمَ في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ، فَماتَ مُوَحِّدًا، فَهَذا أُمَّةٌ في وقْتِهِ، لِانْفِرادِهِ، وبَيْتُ النّابِغَةِ:
؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ وهَلْ يَأْثَمَن ذُو أُمَّةٍ وهْوَ طائِعُ
وَيُرْوى ”ذُو أمَّةٍ“، و”ذُو إمَّةٍ“، ويَحْتَمِلُ ضَرْبَيْنِ مِنَ التَّفْسِيرِ: ”ذُو أُمَّةٍ“: ذُو دِينٍ، و”ذُو أُمَّةٍ“: ذُو نِعْمَةٍ أُسْدِيَتْ إلَيْهِ، ومَعْنى ”اَلْأُمَّةُ“ - اَلْقامَةُ -: سائِرُ مَقْصِدِ الجَسَدِ، فَلَيْسَ يَخْرُجُ شَيْءٌ مِن هَذا البابِ عَنْ مَعْنى ”أمَمْتُ“، أيْ: قَصَدْتُ، ويُقالُ: ”إمامُنا هَذا حَسَنُ الأمَّةِ“، أيْ: يَقُومُ بِإمامَتِهِ بِنا في صَلاتِهِ، ويُحْسِنُ ذَلِكَ، وقالُوا في مَعْنى الآيَةِ غَيْرَ قَوْلٍ: قالُوا: كانَ النّاسُ فِيما بَيْنَ آدَمَ، ونُوحٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ - كُفّارًا، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ يُبَشِّرُونَ مَن أطاعَ بِالجَنَّةِ، ويُنْذِرُونَ مَن عَصى بِالنّارِ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى ”كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً“: كانَ كُلُّ مَن بُعِثَ إلَيْهِ الأنْبِياءُ كُفّارًا.
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾، ونُصِبَ ”مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ“، عَلى الحالِ، فالمَعْنى أنَّ أُمَمَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمُ الأنْبِياءُ كانُوا كُفّارًا، كَما كانَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، أيْ: لِيَفْصِلَ بَيْنَهم بِالحِكْمَةِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما اخْتَلَفَ فِيهِ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾، أيْ: ما اخْتَلَفَ في أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ إلّا الَّذِينَ أُعْطُوا عِلْمَ حَقِيقَتِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، نُصِبَ ”بَغْيًا“، عَلى مَعْنى مَفْعُولٍ لَهُ، المَعْنى: لَمْ يُوقِعُوا الِاخْتِلافَ إلّا (p-٢٨٥)لِلْبَغْيِ، لِأنَّهم عالِمُونَ حَقِيقَةَ أمْرِهِ في كُتُبِهِمْ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ﴾، أيْ: لِلْحَقِّ الَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ أهْلُ الزَّيْغِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بِإذْنِهِ﴾، أيْ: بِعِلْمِهِ، أيْ: مِنَ الحَقِّ الَّذِي أمَرَ بِهِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، أيْ: إلى طَرِيقِ الدِّينِ الواضِحِ، ومَعْنى ”يَهْدِي مَن يَشاءُ“: يَدُلُّهُ عَلى طَرِيقِ الهُدى، إذا طَلَبَهُ غَيْرَ مُتَعَنِّتٍ، ولا باغٍ.
البقرة 2:214
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾، مَعْناهُ: بَلْ أحَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾، مَعْنى ”مَثَلُ الَّذِينَ“: أيْ: صِفَةُ الَّذِينَ، أيْ: ولَمّا يُصِبْكم مِثْلُ الَّذِي أصابَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ، و”خَلَوْا“: مَضَوْا، ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ﴾، اَلْبَأْساءُ والضَّرّاءُ: اَلْقَتْلُ، والفَقْرُ، ﴿وَزُلْزِلُوا﴾، مَعْنى ”زُلْزِلُوا“: خُوِّفُوا، وحُرِّكُوا بِما يُؤْذِي، وأصْلُ الزَّلْزَلَةِ في اللُّغَةِ: مِن ”زَلَّ الشَّيْءَ عَنْ مَكانِهِ، فَإذا قُلْتَ:“ زَلْزَلْتُهُ ”، فَتَأْوِيلُهُ: كَرَّرْتُ زَلْزَلَتَهُ مِن مَكانِهِ، وكُلُّ ما فِيهِ تَرْجِعٌ كَرَّرَتْ فِيهِ فاءَ التَّفْعِيلِ، تَقُولُ:“ أقَلَّ فُلانٌ الشَّيْءَ ”، إذا رَفَعَهُ مِن مَكانِهِ، فَإذا كَرَّرَ رَفْعَهُ ورَدَّهُ، قِيلَ:“ قَلْقَلَهُ ”، وكَذا“ صَلَّ ”، و“ صَلْصَلَ ”، و“ صَرَّ ”، و“ صَرْصَرَ ”، فَعَلى هَذا قِياسُ هَذا البابِ، فالمَعْنى أنَّهُ يُكَرِّرُ عَلَيْهِمُ التَّحْرِيكَ بِالخَوْفِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾، (p-٢٨٦)قُرِئَتْ:“ حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ ”، بِالنَّصْبِ، و“ يَقُولُ ”، بِالرَّفْعِ، وإذا نَصَبْتَ بِـ“ حَتّى ”، فَقُلْتَ:“ سِرْتُ حَتّى أدْخُلَها ”، فَزَعَمَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ، وجَمِيعُ أهْلِ النَّحْوِ المَوْثُوقِ بِعِلْمِهِمْ، أنَّ هَذا يَنْتَصِبُ عَلى وجْهَيْنِ، فَأحَدُ الوَجْهَيْنِ أنْ يَكُونَ الدُّخُولُ غايَةَ السَّيْرِ، والسَّيْرُ والدُّخُولُ قَدْ نُصِبا جَمِيعًا، فالمَعْنى:“ سِرْتُ إلى دُخُولِها ”، وقَدْ مَضى الدُّخُولُ، فَعَلى هَذا نُصِبَتِ الآيَةُ، المَعْنى:“ وزُلْزِلُوا إلى أنْ يَقُولَ الرَّسُولُ ”، وكَأنَّهُ:“ حَتّى قَوْلِ الرَّسُولِ ”، ووَجْهُها الآخَرُ في النَّصْبِ - أعْنِي“ سِرْتُ حَتّى أدْخُلَها ”- أنْ يَكُونَ السَّيْرُ قَدْ وقَعَ، والدُّخُولُ لَمْ يَقَعْ، ويَكُونَ المَعْنى“ سِرْتُ كَيْ أدْخُلَها ”، ولَيْسَ هَذا وجْهَ نَصْبِ الآيَةِ، ورَفْعُ ما بَعْدَ“ حَتّى ”، عَلى وجْهَيْنِ، فَأحَدُ الوَجْهَيْنِ هو وجْهُ الرَّفْعِ في الآيَةِ، والمَعْنى:“ سِرْتُ حَتّى أدْخُلُها ”، وقَدْ مَضى السَّيْرُ والدُّخُولُ، كَأنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ:“ سِرْتُ فَأدْخُلُها ”، بِمَنزِلَةِ:“ سِرْتُ فَدَخَلْتُها ”، وصارَتْ“ حَتّى ”، هَهُنا، مِمّا لا يَعْمَلُ في الفِعْلِ شَيْئًا، لِأنَّها تَلِي الجُمَلَ، تَقُولُ:“ سِرْتُ حَتّى أنِّي داخِلٌ "، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَيا عَجَبًا حَتّى كُلَيْبٌ تَسُبُّنِي ∗∗∗ كَأنَّ أباها نَهْشَلٌ أوْ مُجاشِعُ
فَعَمَلُها في الجُمَلِ في مَعْناها، لا في لَفْظِها، والتَّأْوِيلُ: ”سِرْتُ حَتّى دُخُولِها“، وعَلى هَذا وجْهُ الآيَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ السَّيْرُ قَدْ مَضى، والدُّخُولُ واقِعٌ الآنَ، وقَدِ انْقَطَعَ السَّيْرُ، تَقُولُ: ”سِرْتُ حَتّى أدْخُلُها الآنَ“، ما أمْنَعُ، فَهَذِهِ جُمْلَةُ بابِ ”حَتّى“ .
وَمَعْنى الآيَةِ أنَّ الجُهْدَ قَدْ بَلَغَ بِالأُمَمِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ حَتّى اسْتَبْطَؤُوا النَّصْرَ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، (p-٢٨٧)فَأعْلَمَ أوْلِياءَهُ أنَّهُ ناصِرُهُمْ، لا مَحالَةَ، وأنَّ ذَلِكَ قَرِيبٌ مِنهُمْ، كَما قالَ: ﴿فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]
البقرة 2:215
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾، قِيلَ: إنَّهم كانُوا سَألُوا: عَلى مَن يَنْبَغِي أنْ يُفْضِلُوا، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ أوَّلَ مَن تُفُضِّلَ عَلَيْهِ الوالِدانِ، والأقْرَبُونَ، فَقالَ: ﴿قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ﴾، أيْ: مِن مالٍ، ﴿فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾، أيْ: يُحْصِيهِ، وإذا أحْصاهُ جازى عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، أيْ: يَرى المُجازاةَ عَلَيْهِ، لِأنَّ رُؤْيَةَ فِعْلِهِ الماضِي لا فائِدَةَ فِيهِ، ولا يُرى، لِأنَّهُ قَدْ مَضى، ومَعْنى ”ماذا“، في اللُّغَةِ: عَلى ضَرْبَيْنِ، فَأحَدُهُما أنْ يَكُونَ ”ذا“، في مَعْنى ”اَلَّذِي“، ويَكُونَ ”يُنفِقُونَ“، مِن صِلَتِهِ، المَعْنى: يَسْألُونَكَ: أيُّ شَيْءٍ الَّذِي يُنْفِقُونَ؟ كَأنَّهُ أيُّ شَيْءٍ وجْهُ الَّذِي يُنْفِقُونَ؟ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ ما المُنْفَقُ، ولَكِنَّهم أرادُوا عِلْمَ اللَّهِ وجْهَهُ، ومِثْلُ جَعْلِهِمْ ”ذا“، في مَعْنى ”اَلَّذِي“، قَوْلُ الشّاعِرِ: (p-٢٨٨)
؎عَدَسْ ما لِعَبّادٍ عَلَيْكِ إمارَةٌ ∗∗∗ أمِنتِ وهَذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ
والمَعْنى: والَّذِي تَحْمِلِينَهُ طَلِيقٌ، فَيَكُونُ ”ما“، رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، ويَكُونُ ”ذا“، خَبَرَها، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”ما“، مَعَ ”ذا“، بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ، ويَكُونَ المَوْضِعُ نَصْبًا بِـ”يُنْفِقُونَ“، اَلْمَعْنى: يَسْألُونَكَ: أيَّ شَيْءٍ يُنْفِقُونَ؟ وهَذا إجْماعُ النَّحْوِيِّينَ، وكَذَلِكَ الوَجْهُ الأوَّلُ إجْماعٌ أيْضًا، ومِثْلُ جَعْلِهِمْ ”ماذا“، بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ، قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎دَعِي ماذا عَلِمْتُ سَأتَّقِيهِ ∗∗∗ ولَكِنْ بِالمَغِيبِ فَنَبِّئِينِي
كَأنَّهُ بِمَنزِلَةِ: دَعِي الَّذِي عَلِمْتُ، وجُزِمَ ”وَما تَفْعَلُوا“، بِالشَّرْطِ، واسْمُ الشَّرْطِ ”ما“، والجَوابُ ”فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ“، ومَوْضِعُ ”ما“: نَصْبٌ بِقَوْلِهِ: ”تَفْعَلُوا“ .
البقرة 2:216
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾، مَعْنى ”كُتِبَ عَلَيْكم“: فُرِضَ عَلَيْكُمْ، و”اَلْكُرْهُ“، يُقالُ فِيهِ: ”كَرِهْتُ الشَّيْءَ كُرْهًا، وكَرْهًا، وكَراهَةً، وكَراهِيَةً“، وكُلُّ ما في كِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن ”اَلْكُرْهُ“، فالفَتْحُ جائِزٌ فِيهِ، تَقُولُ: ”اَلْكُرْهُ“، و”اَلْكَرْهُ“، إلّا أنَّ هَذا الحَرْفَ الَّذِي في هَذَهِ الآيَةِ ذَكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ النّاسَ مُجْمِعُونَ عَلى ضَمِّهِ، كَذَلِكَ قِراءَةُ أهْلِ الحِجازِ، وأهْلِ الكُوفَةِ، جَمِيعًا، ”وَهو كُرْهٌ لَكم“، فَضَمُّوا هَذا الحَرْفَ.
(p-٢٨٩)ارْتَفَعَ ”كُرْهٌ“، لِأنَّهُ خَبَرُ الِابْتِداءِ، وتَأْوِيلُهُ: ذُو كُرْهٍ، ومَعْنى كَراهَتِهِمُ القِتالَ أنَّهم إنَّما كَرِهُوهُ عَلى جِنْسِ غِلَظِهِ عَلَيْهِمْ، ومَشَقَّتِهِ، لا أنَّ المُؤْمِنِينَ يَكْرَهُونَ فَرْضَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - لا يَفْعَلُ إلّا ما فِيهِ الحِكْمَةُ والصَّلاحُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾، ”﴿وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾“، يَعْنِي بِهِ هَهُنا القِتالَ، فَمَعْنى الخَيْرِ فِيهِ أنَّ مَن قُتِلَ فَهو شَهِيدٌ، وهَذا غايَةُ الخَيْرِ، وهو إنْ قَتَلَ مُثابٌ أيْضًا، وهادِمٌ أمْرَ الكُفْرِ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَغْنَمُ، وجائِزٌ أنْ يَسْتَدْعِيَ دُخُولَ مَن يُقاتِلُهُ في الإسْلامِ، لِأنَّ أمْرَ قِتالِ أهْلِ الإسْلامِ كُلَّهُ كانَ مِنَ الدَّلالاتِ الَّتِي تُثْبِتُ أمْرَ النُّبُوَّةِ، والإسْلامِ، لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ أنَّهُ يَنْصُرُ دِينَهُ، ثُمَّ أبانَ النَّصْرَ بِأنَّ العَدَدَ القَلِيلَ يَغْلِبُ العَدَدَ الكَثِيرَ، فَهَذا ما في القِتالِ مِنَ الخَيْرِ الَّذِي كانُوا كَرِهُوهُ، ومَعْنى: ﴿وَعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكُمْ﴾، أيْ: عَسى أنْ تُحِبُّوا القُعُودَ عَنِ القِتالِ، فَتُحْرَمُوا ما وصَفَهُ مِنَ الخَيْرِ الَّذِي في القِتالِ.
البقرة 2:217
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾، ”قِتالٍ“، مَخْفُوضٌ عَلى البَدَلِ مِن ”اَلشَّهْرِ الحَرامِ“، اَلْمَعْنى: يَسْألُونَكَ عَنْ قِتالٍ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وقَدْ فَسَّرْنا ما في هَذِهِ الآيَةِ فِيما مَضى مِنَ الكِتابِ، ورُفِعَ ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾، ”قِتالٌ“، مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، و”كَبِيرٌ“، خَبَرُهُ.
(p-٢٩٠)وَرُفِعَ ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ﴾، عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُ هَذِهِ الأشْياءِ: ﴿أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، والمَعْنى: وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وكُفْرٌ بِهِ، وإخْراجُ أهْلِ المَسْجِدِ الحَرامِ مِنهُ، أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ، أيْ: أعْظَمُ إثْمًا.
﴿والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾، أيْ: والكُفْرُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ، المَعْنى: وهَذِهِ الأشْياءُ كُفْرٌ، والكُفْرُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ﴾، ”يَرْتَدِدْ“، جُزِمَ بِالشَّرْطِ، والتَّضْعِيفُ يَظْهَرُ مَعَ الجَزْمِ، لِسُكُونِ الحَرْفِ الثّانِي، وهو أكْثَرُ في اللُّغَةِ، وقُرِئَ: ”يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ“، بِالإدْغامِ، والفَتْحِ، وهي قِراءَةُ النّاسِ، إلّا أهْلَ المَدِينَةِ، فَإنَّ في مُصْحَفِهِمْ: ”مَن يَرْتَدِدْ“، وكِلاهُما صَوابٌ، والَّذِي في سُورَةِ ”اَلْبَقَرَةِ“، لا يَجُوزُ فِيهِ إلّا ”مَن يَرْتَدِدْ“، لِإطْباقِ أهْلِ الأمْصارِ عَلى إظْهارِ التَّضْعِيفِ، وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِهِمْ، والقِراءَةُ سُنَّةٌ لا تُخالَفُ، إذا كانَ في كُلِّ المُصْحَفِ الحَرْفُ عَلى صُورَةٍ، لَمْ تَجُزِ القِراءَةُ بِغَيْرِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ”مَن يَرْتَدِّ مِنكم“، فَتَكْسِرَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، إلّا أنَّ الفَتْحَ أجْوَدُ لِانْفِتاحِ التّاءِ، وإطْباقِ القُرّاءِ عَلَيْهِ.
البقرة 2:218
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾، ”اَلَّذِينَ“، نُصِبَ بِـ”إنَّ“، و”أُولَئِكَ“، رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و”يَرْجُونَ“، خَبَرُ ”أُولَئِكَ“، و”أُولَئِكَ يَرْجُونَ“، خَبَرُ ”إنَّ اَلَّذِينَ“، وإنَّما قِيلَ في المُؤْمِنِينَ المُجاهِدِينَ هَهُنا أنَّهم إنَّما يَرْجُونَ (p-٢٩١)رَحْمَةَ اللَّهِ، لِأنَّهم عِنْدَ أنْفُسِهِمْ غَيْرُ بالِغِينَ ما يَجِبُ لِلَّهِ عَلَيْهِمْ، ولا يَعْلَمُونَ ما يَخْتِمُونَ بِهِ أمْرَهُمْ، وجُمْلَةُ ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنِ المُؤْمِنِينَ العامِلِينَ الصّالِحاتِ، أنَّهم يُجازَوْنَ بِالجَنَّةِ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧] ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ [البينة: ٨]
البقرة 2:219
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾، ”اَلْخَمْرِ“: اَلْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، وقِياسُ كُلِّ ما عَمِلَ عَمَلَها أنْ يُقالَ لَهُ: خَمْرٌ، وأنْ يَكُونَ في التَّحْرِيمِ بِمَنزِلَتِها، وتَأْوِيلُ ”اَلْخَمْرِ“، في اللُّغَةِ: أنَّهُ كُلُّ ما سَتَرَ العَقْلَ، يُقالُ لِكُلِّ ما سَتَرَ الإنْسانَ مِن شَجَرٍ وغَيْرِهِ: ”خَمْرٌ“، وما سَتَرَهُ مِن شَجَرٍ خاصَّةً: ”ضَرى“ - ”مَقْصُورٌ“ -، ويُقالُ: ”دَخَلَ فُلانٌ في خِمارٍ“، أيْ: في الكَثِيرِ الَّذِي يَسْتَتِرُ فِيهِ، و”خِمارُ المَرْأةِ“: قِناعُها، وإنَّما قِيلَ لَهُ: ”خِمارٌ“، لِأنَّهُ يُغَطِّي، و”اَلْخُمْرَةُ“: اَلَّتِي يُسْجَدُ عَلَيْها، إنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَسْتُرُ الوَجْهَ عَنِ الأرْضِ، وقِيلَ لِلْعَجِينِ: ”قَدِ اخْتَمَرَ“، لِأنَّ فِطْرَتَهُ قَدْ غَطّاها الخَمْرُ، أعْنِي الِاخْتِمارَ، يُقالُ: ”قَدِ اخْتَمَرَ العَجِينُ، وخَمَّرْتُهُ، وفَطَرْتُهُ وأفْطَرْتُهُ“، فَهَذا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وكُلَّ مُسْكِرٍ مُخالِطٌ العَقْلَ ومُغَطٍّ عَلَيْهِ، ولَيْسَ يَقُولُ أحَدٌ لِلشّارِبِ إلّا: ”مَخْمُورٌ“، مِن كُلِّ سُكْرٍ، و”بِهِ خُمارٌ“، فَهَذا بَيِّنٌ واضِحٌ، وقَدْ لُبِّسَ عَلى أبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ هَذا المُسْكِرَ الَّذِي سَمَّوْهُ بِغَيْرِ الخَمْرِ حَلالٌ، فَظَنَّ أنَّ ذَلِكَ كَما قِيلَ لَهُ، ثُمَّ قادَهُ طَبْعُهُ إلى أنْ حَكَمَ بِأنَّهُما واحِدٌ، فَقالَ:
؎دَعِ الخَمْرَ يَشْرَبْها الغُواةُ فَإنَّنِي ∗∗∗ رَأيْتُ أخاها مُجْزِيًا لِمَكانِها
؎(p-٢٩٢)فَإنْ لا يَكُنْها أوْ تَكُنْهُ فَإنَّهُ ∗∗∗ أخُوها غَذَتْهُ أُمُّها بِلَبانِها
وَقالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ - وقُرِئَتْ: ”كَثِيرٌ“ -، قالَ قَوْمٌ: زَهَّدَ فِيها في هَذا المَوْضِعِ، وبَيَّنَ تَحْرِيمَها في سُورَةِ ”اَلْمائِدَةِ“، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، ومَعْنى ”﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]“: اَلتَّحْضِيضُ عَلى الِانْتِهاءِ، والتَّهْدِيدُ عَلى تَرْكِ الِانْتِهاءِ، وقالَ قَوْمٌ: لا، بَلْ تَحْرُمُ بِما بَيَّنَ هَهُنا، مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ في مَوْضِعٍ آخَرَ، لِأنَّهُ قالَ: ﴿إثْمٌ كَبِيرٌ﴾، وقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ الإثْمَ نَصًّا، فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [الأعراف: ٣٣]، وإنَّما بَيَّنّا تَحْرِيمَ الخَمْرِ، وإنْ كانَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، لِيُعْلَمَ أنَّ نَصَّ ذَلِكَ في الكِتابِ، فَأمّا الإثْمُ الكَبِيرُ الَّذِي في الخَمْرِ، فَبَيِّنٌ، لِأنَّها تُوقِعُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ، وتَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وعَقْلِهِ الَّذِي يُمَيِّزُ بِهِ، ويَعْرِفُ ما يَجِبُ لِخالِقِهِ، والقِمارُ يُورِثُ العَداوَةَ، والبَغْضاءَ، فَإنَّ مالَ الإنْسانِ يَصِيرُ إلى غَيْرِهِ بِغَيْرِ جَزاءٍ يُؤْخَذُ عَلَيْهِ، وأمّا المَنافِعُ لِلنّاسِ فِيهِ فاللَّذَّةُ في الخَمْرِ، والرِّبْحُ في المَتْجَرِ فِيها، وكَذَلِكَ المَنفَعَةُ في (p-٢٩٣)القِمارِ، يَصِيرُ الشَّيْءُ إلى الإنْسانِ بِغَيْرِ كَدٍّ، ولا تَعَبٍ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ الإثْمَ فِيهِما إثْمٌ أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾، اَلنَّصْبُ والرَّفْعُ في ”اَلْعَفْوَ“، جَمِيعًا، مَن جَعَلَ ”ماذا“، اِسْمًا واحِدًا، رَدَّ ”اَلْعَفْوَ“، عَلَيْهِ، ومَن جَعَلَ ”ما“، اِسْمًا، و”ذا“، خَبَرَها، وهي في مَعْنى ”اَلَّذِي“، رَدَّ ”اَلْعَفْوُ“، عَلَيْهِ، فَرَفَعَ، كَأنَّهُ قالَ: ”ما الَّذِي يُنْفِقُونَ؟“، فَقالَ: ”اَلْعَفْوُ“، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ ”اَلْعَفْوَ“، وإنْ كانَ ”ما“، وحْدَها اسْمًا، فَتُحْمَلُ ”اَلْعَفْوَ“، عَلى ”يُنْفِقُونَ“، كَأنَّهُ قِيلَ: ”أنْفِقُوا العَفْوَ“، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ تُرْفَعَ وإنْ جُعِلَتْ ”ماذا“، بِمَنزِلَةِ شَيْءٍ واحِدٍ، عَلى: ”قُلْ هو العَفْوُ“، و”اَلْعَفْوُ“، في اللُّغَةِ: اَلْفَضْلُ والكَثْرَةُ، يُقالُ: ”عَفا القَوْمُ“، إذا كَثُرُوا، فَأُمِرُوا أنْ يُنْفِقُوا الفَضْلَ، إلى أنْ فُرِضَتِ الزَّكاةُ، فَكانَ أهْلُ المَكاسِبِ يَأْخُذُ أحَدُهم مِن كَسْبِهِ ما يَكْفِيهِ، ويَتَصَدَّقُ بِباقِيهِ، ويَأْخُذُ أهْلُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ما يَكْفِيهِمْ في عامِهِمْ، ويُنْفِقُونَ باقِيهِ، هَذا قَدْ رُوِيَ في التَّفْسِيرِ، والَّذِي عَلَيْهِ الإجْماعُ أنَّ الزَّكاةَ في سائِرِ الأشْياءِ قَدْ بُيِّنَتْ ما يَجِبُ فِيها.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾، أيْ: مِثْلَ هَذا البَيانِ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ، لِأنَّ خِطابَ النَّبِيِّ ﷺ مُشْتَمِلٌ عَلى خِطابِ أُمَّتِهِ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١]، ومِثْلُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ، يَحْكِي مُخاطَبَةَ الإجْماعِ بِـ”ذَلِكَ“، و”ذَلِكم“، أكْثَرُ في (p-٢٩٤)اللُّغَةِ، وقَدْ أُتِيَ في القُرْآنِ في غَيْرِ ”ذَلِكَ“، لِلْجَماعَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠]، والأصْلُ ”ذَلِكُنَّ“، إلّا أنَّ الجَماعَةَ في مَعْنى القَبِيلِ.
البقرة 2:220
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩] ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”تَتَفَكَّرُونَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ“، مِن صِلَةِ ”تَتَفَكَّرُونَ“، اَلْمَعْنى: لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ في أمْرِ الدُّنْيا، وأمْرِ الآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”في الدُّنْيا والآخِرَةِ“، مِن صِلَةِ ”كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ“، أيْ: يُبَيِّنُ لَكُمُ الآياتِ في أمْرِ الدُّنْيا، وأمْرِ الآخِرَةِ، لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾، هَذا مِمّا نُحْكِمُ تَفْسِيرَهُ في سُورَةِ ”اَلنِّساءِ“، إنْ شاءَ اللَّهُ، إلّا أنَّ جُمْلَتَهُ أنَّهم كانُوا يَظْلِمُونَ اليَتامى، فَيَتَزَوَّجُونَ العُشْرَ، ويَأْكُلُونَ أمْوالَهم مَعَ أمْوالِهِمْ، فَشُدِّدَ عَلَيْهِمْ في أمْرِ اليَتامى تَشْدِيدًا خافُوا مَعَهُ التَّزْوِيجَ بِنِساءِ اليَتامى، ومُخالَطَتِهِمْ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّ الإصْلاحَ لَهم هو خَيْرُ الأشْياءِ، وأنَّ مُخالَطَتَهم في التَّزْوِيجِ وغَيْرِهِ جائِزَةٌ مَعَ تَحَرِّي الإصْلاحِ، فَقالَ: ﴿وَإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾، أيْ: فَهم إخْوانُكُمْ، فالرَّفْعُ عَلى هَذا، والنَّصْبُ جائِزٌ، ”وَإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانَكم“، أيْ: فَإخْوانَكم تُخالِطُونَ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، فَلا تَقْرَأنَّ بِها إلّا أنْ تَثْبُتَ رِوايَةٌ صَحِيحَةٌ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: لَأهْلَكَكُمْ، وحَقِيقَتُهُ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَكَلَّفَكم ما يَشْتَدُّ (p-٢٩٥)عَلَيْكم فَتُعْنَتُونَ، وأصْلُ ”اَلْعَنَتُ“، في اللُّغَةِ: مِن قَوْلِهِمْ: ”عَنِتَ البَعِيرُ، يَعْنِتُ“، إذا حَدَثَ في رِجْلِهِ كَسْرٌ بَعْدَ جَبْرٍ لا يُمْكِنُهُ مَعَهُ تَصْرِيفُها، ويُقالُ: ”أكَمَةٌ عَنُوتٌ“، إذا كانَ لا يُمْكِنُ أنْ يُجازِيَها إلّا بِمَشَقَّةٍ عَنِيفَةٍ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، أيْ: يَفْعَلُ بِعِزَّتِهِ ما يُحِبُّ، لا يَدْفَعُهُ عَنْهُ دافِعٌ، ”حَكِيمٌ“: أيْ: ذُو حِكْمَةٍ فِيما أمَرَكم بِهِ مِن أمْرِ اليَتامى، وغَيْرِهِ.
البقرة 2:221
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾، مَعْنى ”لا تَنْكِحُوا“: لا تَتَزَوَّجُوا المُشْرِكاتِ، ولَوْ قُرِئَتْ: ”وَلا تُنْكِحُوا المُشْرِكاتِ“، كانَ وجْهًا، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، والمَعْنى في هَذا: ولا تَتَزَوَّجُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ، ومَعْنى ”اَلْمُشْرِكاتِ“، هَهُنا: لِكُلِّ مَن كَفَرَ بِالنَّبِيِّ ﷺ، واللُّغَةُ تُطْلَقُ عَلى كُلِّ كافِرٍ، إنَّما يُقالُ لَهُ: ”مُشْرِكٌ“، وكانَ التَّحْرِيمُ قَدْ نَزَلَ في سائِرِ الكُفّارِ، في تَزْوِيجِ نِسائِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ أحَلَّ تَزْوِيجَ نِساءِ أهْلِ الكِتابِ مِن بَيْنِهِمْ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكم وطَعامُكم حِلٌّ لَهم والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] .
فَإنْ قالَ قائِلٌ: مِن أيْنَ يُقالُ لِمَن كَفَرَ بِالنَّبِيِّ ﷺ مُشْرِكٌ، وإنْ قالَ إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - واحِدٌ؟ فالجَوابُ في ذَلِكَ أنَّهُ إذا كَفَرَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ زَعَمَ أنَّ ما أتى بِهِ مِنَ القُرْآنِ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ - جَلَّ ثَناؤُهُ -، والقُرْآنُ إنَّما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، لِأنَّهُ يُعْجِزُ المَخْلُوقِينَ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، فَقَدْ زَعَمَ أنَّهُ قَدْ أتى غَيْرُ اللَّهِ بِما لا يَأْتِي بِهِ إلّا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -، فَقَدْ أشْرَكَ بِهِ غَيْرَهُ.
(p-٢٩٦)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا﴾، أيْ: لا تُزَوِّجُوهم مُسْلِمَةً.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ ولَوْ أعْجَبَكُمْ﴾، مَعْناهُ: وإنْ أعْجَبَكُمْ، إلّا أنَّ ”لَوْ“، تَأْتِي فَتَنُوبُ عَنْ ”إنْ“، في الفِعْلِ الماضِي، ومَعْنى الكَلامِ أنَّ الكافِرَ شَرٌّ مِنَ المُؤْمِنِ لَكُمْ، وإنْ أعْجَبَكُمْ، أيْ: أعْجَبَكم أمْرُهُ في بابِ الدُّنْيا، لِأنَّ الكافِرَ والكافِرَةَ يَدْعُوانِ إلى النّارِ، أيْ: يَعْمَلانِ بِأعْمالِ أهْلِ النّارِ، فَكَأنَّ نَسْلَكم يَتَرَبّى مَعَ مَن هَذِهِ حالُهُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ بِإذْنِهِ﴾، أيْ: يَدْعُوكم إلى مُخالَطَةِ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ ذَلِكَ أوْصَلُ لَكم إلى الجَنَّةِ، ومَعْنى ”بِإذْنِهِ“: أيْ: بِعِلْمِهِ الَّذِي أعْلَمَ أنَّهُ وصْلَةٌ لَكم إلَيْها، ﴿وَيُبَيِّنُ آياتِهِ﴾، أيْ: عَلاماتِهِ، يُقالُ: ”آيَةٌ“، و”آيٌ“، و”آياتٌ“، أكْثَرُ، وعَلَيْها أتى القُرْآنُ الكَرِيمُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾، مَعْنى ”لَعَلَّ“، هَهُنا: اَلتَّرَجِّي لَهُمْ، أيْ: لِيَكُونُوا هم راجِينَ، واللَّهُ أعْلَمُ أيَتَذَكَّرُونَ أمْ لا، ولَكِنَّهم خُوطِبُوا عَلى قَدْرِ لَفْظِهِمْ، واسْتِعْمالِهِمْ.
البقرة 2:222
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هو أذًى﴾، يُقالُ: ”حاضَتِ المَرْأةُ، تَحِيضُ، حَيْضًا، ومَحاضًا، ومَحِيضًا“، وعِنْدَ النَّحْوِيِّينَ أنَّ المَصْدَرَ في هَذا البابِ: ”اَلْمَفْعِلُ“، و”اَلْمَفْعَلُ“، جَيِّدٌ، بالِغٌ فِيهِ، يُقالُ: ”ما في بُرِّكَ مَكالٌ“، أيْ: كَيْلٌ، ويَجُوزُ: ”ما فِيهِ مَكِيلٌ“ .
(p-٢٩٧)قالَ الشّاعِرُ، وهو الرّاعِي:
؎بُنِيَتْ مَرافِقُهُنَّ فَوْقَ مَزَلَّةٍ ∗∗∗ لا يَسْتَطِيعُ بِها القُرادُ مَقِيلا
أيْ: قَيْلُولَةً، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَفْعَلُ في أمْرِ الحائِضِ ما كانَتْ تَفْعَلُ المَجُوسُ، فَكانُوا يَجْتَنِبُونَ تَكْلِيفَها عَمَلَ أيِّ شَيْءٍ، وتُجْتَنَبُ في الجِماعِ، وسائِرِ ما تُكَلَّفُهُ النِّساءُ، يُرِيدُونَ أنَّها نَجَسٌ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ الَّذِي يَنْبَغِي أنَّ يُجْتَنَبَ مِنها بُضْعٌ فَقَطْ، وأنَّها لا تُنَجِّسُ شَيْئًا، وأعْلَمَ أنَّ المَحِيضَ أذًى، أيْ: مُسْتَقْذَرٌ، ونَهى أنْ تُقْرَبَ المَرْأةُ حَتّى تَتَطَهَّرَ مِن حَيْضِها بِالماءِ، بَعْدَ أنْ تَطْهُرَ مِنَ الدَّمِ، أيْ: تُنَقّى مِنهُ، فَقالَ: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾، اَلْمَعْنى: يَتَطَهَّرْنَ، أيْ: يَغْتَسِلْنَ بِالماءِ، بَعْدَ انْقِطاعِ الدَّمِ، وقُرِئَتْ: ”حَتّى يَطَّهَّرْنَ“، ولَكِنْ ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾، يَدُلُّ عَلى ”وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ“، وكِلاهُما - ”يَطْهُرْنَ“، و”يَطَّهَّرْنَ“، وقُرِئَ بِهِما - جَيِّدانِ، ويُقالُ: ”طَهَرَتْ“، و”طَهُرَتْ“، جَمِيعًا، و”طَهُرَتْ“، أكْثَرُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، أيْ: مِنَ الجِهاتِ الَّتِي يَحِلُّ فِيها أنْ تُقْرَبَ المَرْأةُ، ولا تَقْرَبُوهُنَّ مِن حَيْثُ لا يَجِبُ، أعْنِي: ولا تَقْرَبُوهُنَّ صاحِباتٍ، ولا عَشِيقاتٍ، وقَدْ قِيلَ في التَّفْسِيرِ: ”﴿مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾“: في الفُرُوجِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقْرَبْنَ في الدُّبُرِ، والَّذِي يُرْوى عَنْ مالِكٍ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنَّ إجْماعَ المُسْلِمِينَ أنَّ الوَطْءَ حَيْثُ يُبْتَغى (p-٢٩٨)النًسْلُ، وأنَّ أمْرَ الدُّبُرِ فاحِشَةٌ، وقَدْ جاءَ الحَدِيثُ «أنَّ مَحاشَّ النِّساءِ حَرامٌ»، ويُكَنّى بِهِ عَنِ الدُّبُرِ.
البقرة 2:223
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾، زَعَمَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّهُ كِنايَةٌ، والقَوْلُ عِنْدِي فِيهِ أنَّ مَعْناهُ أنَّ نِساءَكم حَرْثٌ لَكُمْ، مِنهُنَّ تَحْرُثُونَ الوَلَدَ، واللَّذَّةَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾، أيْ: كَيْفَ شِئْتُمْ، أيْ: اِئْتُوا مَوْضِعَ حَرْثِكم كَيْفَ شِئْتُمْ، وإنَّما قِيلَ لَهُمْ: ”كَيْفَ شِئْتُمْ“، لِأنَّ اليَهُودَ كانَتْ تَقُولُ: إذا جامَعَ الرَّجُلُ المَرْأةَ مِن خَلْفٍ خَرَجَ الوَلَدُ أحْوَلَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ الجِماعَ إذا كانَ في الفَرْجِ حَلالٌ عَلى كُلِّ جِهَةٍ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكم واتَّقُوا اللَّهَ﴾، أيْ: اِتَّقُوا اللَّهَ فِيما حَدَّ لَكم مِنَ الجِماعِ، وأمْرِ الحَيْضِ، ”وَقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم“، أيْ: قَدِّمُوا طاعَتَهُ واتِّباعَ أمْرِهِ، فَمَنِ اتَّبَعَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ فَقَدْ قَدَّمَ لِنَفْسِهِ خَيْرًا.
البقرة 2:224
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكم أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا﴾، مَوْضِعُ ”أنْ“: نَصْبٌ بِمَعْنى ”عُرْضَةً“، اَلْمَعْنى: لا تُعَرِّضُوا بِاليَمِينِ بِاللَّهِ في أنْ تَبَرُّوا، فَلَمّا سَقَطَتْ ”في“، أفْضى لِمَعْنى الِاعْتِراضِ، فَنُصِبَ ”أنْ“، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ: إنَّ مَوْضِعَها جائِزٌ أنْ يَكُونَ خَفْضًا، وإنَّ سَقَطَتْ ”في“، لِأنَّ ”أنْ“، اَلْحَذْفُ مَعَها مُسْتَعْمَلٌ، تَقُولُ: ”جِئْتُ لِأنْ تَضْرِبَ زَيْدًا“، و”جِئْتُ أنْ تَضْرِبَ زَيْدًا“، فَحُذِفَتِ اللّامُ مَعَ ”أنْ“، ولَوْ قُلْتَ: ”جِئْتُ ضَرْبِ زَيْدٍ“، (p-٢٩٩)تُرِيدُ: ”لِضَرْبِ زَيْدٍ“، لَمْ يَجُزْ كَما جازَ مَعَ ”أنْ“، لِأنَّ ”أنْ“، إذا وُصِلَتْ دَلَّ ما بَعْدَها عَلى الِاسْتِقْبالِ، والمَعْنى: كَما تَقُولُ: ”جِئْتُكَ أنْ ضَرَبْتَ زَيْدًا“، و”جِئْتُكَ أنْ تَضْرِبَ زَيْدًا“، فَلِذَلِكَ جازَ حَذْفُ اللّامِ، وإذا قُلْتَ: ”جِئْتُكَ ضَرْبَ زَيْدٍ“، لَمْ يَدُلَّ الضَّرْبُ عَلى مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، والنَّصْبُ في ”أنْ“، في هَذا المَوْضِعِ، هو الِاخْتِيارُ عِنْدَ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم كانُوا يَعْتَلُّونَ في البِرِّ بِأنَّهم حَلَفُوا، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ الإثْمَ إنَّما هو في الإقامَةِ عَلى تَرْكِ البِرِّ والتَّقْوى، وأنَّ اليَمِينَ إذا كُفِّرَتْ فالذَّنْبُ فِيها مَغْفُور، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكم واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، فَقِيلَ في مَعْنى ”اَللَّغْوِ“، غَيْرُ قَوْلٍ، قالَ بَعْضُهُمْ: مَعْناهُ: ”لا واللَّهِ“، و”بَلى واللَّهِ“، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى ”اَللَّغْوِ“: ”اَلْإثْمِ“، فالمَعْنى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِالإثْمِ في الحَلِفِ إذا كَفَّرْتُمْ، وإنَّما قِيلَ لَهُ: ”لَغْوٌ“، لِأنَّ الإثْمَ يَسْقُطُ فِيهِ إذا وقَعَتِ الكَفّارَةُ.
البقرة 2:225
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، أيْ: بِعَزْمِكم عَلى ألّا تَبَرُّوا، وألّا تَتَّقُوا، وأنْ تَعْتَلُّوا في ذَلِكَ بِأنَّكم قَدْ حَلَفْتُمْ، ويُقالُ: ”لَغَوْتُ، ألْغُو، لَغْوًا“، و”لَغَوْتُ ألْغى، لَغْوًا“، مِثْلَ: ”مَحَوْتُ، أمْحُو، مَحْوًا“، و”أمْحى“، ويُقالُ: ”لَغَيْتُ في الكَلامِ، ألْغى، لَغًى“، إذا أتَيْتُ بِلَغْوٍ، وكُلُّ ما لا خَيْرَ فِيهِ مِمّا يُؤْثَمُ فِيهِ، أوْ يَكُونُ غَيْرَ مُحْتاجٍ إلَيْهِ في الكَلامِ، فَهو لَغْوٌ، ولَغًى "، قالَ العَجّاجُ:
عَنِ اللَّغا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ
وَجُمْلَةُ الحَلِفِ أنَّهُ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ، فَوَجْهانِ مِنها الفُقَهاءُ يُجْمِعُونَ أنَّ (p-٣٠٠)الكَفّارَةَ فِيهِما واجِبَةٌ، وهو قَوْلُكَ: ”واللَّهِ لا أفْعَلُ“، أوْ ”واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ“، فَفي هاتَيْنِ الكَفّارَةُ، إذا آثَرَ أنْ يُخالِفَ ما حَلَفَ عَلَيْهِ، إذا رَأى غَيْرَهُ خَيْرًا مِنهُ، فَهَذا فِيهِ الكَفّارَةُ لا مَحالَةَ، ووَجْهانِ أكْثَرُ الفُقَهاءِ لا يَرَوْنَ فِيهِما الكَفّارَةَ، وهُما قَوْلُكَ: ”واللَّهِ ما قَدْ فَعَلْتُ“، وقَدْ فَعَلَ، أوْ ”واللَّهِ لَقَدْ فَعَلْتُ“، ولَمْ يَفْعَلْ، فَهَذا هو كَذِبٌ أكَّدَهُ بِيَمِينٍ، فَيَنْبَغِي أنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ مِنهُ، فَهَذا جُمْلَةُ ما في اليَمِينِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ ”أنْ“، رَفْعًا، فَيَكُونَ المَعْنى: ”وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكم أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا أوْلى“، أيْ: اَلْبِرُّ والتُّقى أوْلى، ويَكُونَ ”أوْلى“، مَحْذُوفًا، كَما جاءَ حَذْفُ أشْياءَ في القُرْآنِ، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْها، يُشْبِهُ هَذا مِنهُ: ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢١]، أيْ: طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أمْثَلُ، والنَّصْبُ في ”أنْ“، والجَرُّ، مَذْهَبُ النَّحْوِيِّينَ، ولا أعْلَمُ أحَدًا مِنهم ذَكَرَ هَذا المَذْهَبَ، ونَحْنُ نَخْتارُ ما قالُوهُ، لِأنَّهُ جَيِّدٌ، ولِأنَّ الِاتِّباعَ أحَبُّ، وإنْ كانَ غَيْرُهُ جائِزًا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، مَعْناهُ في هَذا المَوْضِعِ: يَسْمَعُ أيْمانَكُمْ، ويَعْلَمُ ما تَقْصِدُونَ بِها.
البقرة 2:226
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾، مَعْنى ”يُؤْلُونَ“: يَحْلِفُونَ، ومَعْناهُ في هَذا المَوْضِعِ أنَّ الرَّجُلَ كانَ لا يُرِيدُ (p-٣٠١)المَرْأةَ، فَيَحْلِفُ ألّا يَقْرَبَها أبَدًا، ولا يُحِبَّ أنْ يُزَوِّجَها غَيْرَهُ، فَكانَ يَتْرُكُها، لا أيِّمًا، ولا ذاتَ زَوْجٍ، كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ في الجاهِلِيَّةِ، والإسْلامِ، فَجَعَلَ اللَّهُ الأجَلَ الَّذِي يُعْلَمُ بِهِ ما عِنْدَ الرَّجُلِ في المَرْأةِ آخِرَ مَداهُ نِهايَةُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَإذا تَمَّتْ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ، ثُمَّ لَمْ يَفِئِ الرَّجُلُ إلى امْرَأتِهِ، أيْ: لَمْ يَرْجِعْ إلَيْها، فَإنَّ امْرَأتَهُ بَعْدَ الأرْبَعَةِ - في قَوْلِ بَعْضِهِمْ - قَدْ بانَتْ مِنهُ، ذَكَرَ الطَّلاقَ بِلِسانِهِ أمْ لَمْ يَذْكُرْهُ، وقالَ قَوْمٌ: يُؤْخَذُ بَعْدَ الأرْبَعَةِ بِأنْ يُطَلِّقَ أوْ يَفِيءَ، ويُقالُ: ”آلَيْتُ، أُولِي، إيلاءً، وألِيَّةً، وأُلُوَّةً، وإلِوَّةً، وإيَلًا“، والكَسْرُ أقَلُّ اللُّغاتِ، ومَعْنى التَّرَبُّصِ في اللُّغَةِ: اَلِانْتِظارُ، وقالَ الَّذِينَ احْتَجُّوا بِأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَذْكُرَ الطَّلاقَ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، وقالُوا: ”سَمِيعٌ“، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اسْتِماعُ الطَّلاقِ في هَذا المَوْضِعِ، وهَذا في اللُّغَةِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ إنَّما ذُكِرَ ”سَمِيعٌ“، هَهُنا مِن أجْلِ حَلِفِهِ، أيْ: اَللَّهُ قَدْ سَمِعَ حَلِفَهُ، وعَلِمَ ما أرادَهُ، وكِلا الوَجْهَيْنِ في اللُّغَةِ مُحْتَمَلٌ.