معاني القرآن وإعرابه — البقرة 2:228 – آل عمران 3:200
المحتويات
- البقرة 2:228
- البقرة 2:229
- البقرة 2:230
- البقرة 2:231
- البقرة 2:232
- البقرة 2:233
- البقرة 2:234
- البقرة 2:235
- البقرة 2:236
- البقرة 2:237
- البقرة 2:238
- البقرة 2:239
- البقرة 2:240
- البقرة 2:242
- البقرة 2:243
- البقرة 2:244
- البقرة 2:245
- البقرة 2:246
- البقرة 2:247
- البقرة 2:248
- البقرة 2:249
- البقرة 2:250
- البقرة 2:251
- البقرة 2:252
- البقرة 2:253
- البقرة 2:254
- البقرة 2:255
- البقرة 2:256
- البقرة 2:257
- البقرة 2:258
- البقرة 2:259
- البقرة 2:260
- البقرة 2:264
- البقرة 2:265
- البقرة 2:266
- البقرة 2:267
- البقرة 2:268
- البقرة 2:269
- البقرة 2:270
- البقرة 2:271
- البقرة 2:272
- البقرة 2:273
- البقرة 2:274
- البقرة 2:275
- البقرة 2:278
- البقرة 2:279
- البقرة 2:280
- البقرة 2:281
- البقرة 2:282
- البقرة 2:283
- البقرة 2:284
- البقرة 2:285
- البقرة 2:286
- آل عمران 3:1
- آل عمران 3:3
- آل عمران 3:5
- آل عمران 3:6
- آل عمران 3:7
- آل عمران 3:8
- آل عمران 3:9
- آل عمران 3:10
- آل عمران 3:11
- آل عمران 3:12
- آل عمران 3:13
- آل عمران 3:14
- آل عمران 3:15
- آل عمران 3:16
- آل عمران 3:18
- آل عمران 3:19
- آل عمران 3:20
- آل عمران 3:21
- آل عمران 3:23
- آل عمران 3:24
- آل عمران 3:25
- آل عمران 3:26
- آل عمران 3:27
- آل عمران 3:28
- آل عمران 3:31
- آل عمران 3:32
- آل عمران 3:33
- آل عمران 3:34
- آل عمران 3:35
- آل عمران 3:36
- آل عمران 3:37
- آل عمران 3:38
- آل عمران 3:39
- آل عمران 3:40
- آل عمران 3:41
- آل عمران 3:42
- آل عمران 3:43
- آل عمران 3:44
- آل عمران 3:45
- آل عمران 3:46
- آل عمران 3:47
- آل عمران 3:48
- آل عمران 3:50
- آل عمران 3:52
- آل عمران 3:54
- آل عمران 3:55
- آل عمران 3:56
- آل عمران 3:57
- آل عمران 3:58
- آل عمران 3:59
- آل عمران 3:60
- آل عمران 3:61
- آل عمران 3:62
- آل عمران 3:63
- آل عمران 3:64
- آل عمران 3:65
- آل عمران 3:68
- آل عمران 3:70
- آل عمران 3:71
- آل عمران 3:72
- آل عمران 3:73
- آل عمران 3:75
- آل عمران 3:77
- آل عمران 3:78
- آل عمران 3:79
- آل عمران 3:80
- آل عمران 3:81
- آل عمران 3:82
- آل عمران 3:83
- آل عمران 3:84
- آل عمران 3:85
- آل عمران 3:86
- آل عمران 3:87
- آل عمران 3:89
- آل عمران 3:90
- آل عمران 3:91
- آل عمران 3:92
- آل عمران 3:93
- آل عمران 3:94
- آل عمران 3:96
- آل عمران 3:97
- آل عمران 3:99
- آل عمران 3:100
- آل عمران 3:101
- آل عمران 3:102
- آل عمران 3:103
- آل عمران 3:104
- آل عمران 3:105
- آل عمران 3:106
- آل عمران 3:107
- آل عمران 3:108
- آل عمران 3:109
- آل عمران 3:110
- آل عمران 3:112
- آل عمران 3:113
- آل عمران 3:115
- آل عمران 3:116
- آل عمران 3:117
- آل عمران 3:118
- آل عمران 3:119
- آل عمران 3:120
- آل عمران 3:121
- آل عمران 3:122
- آل عمران 3:123
- آل عمران 3:125
- آل عمران 3:126
- آل عمران 3:127
- آل عمران 3:128
- آل عمران 3:130
- آل عمران 3:131
- آل عمران 3:133
- آل عمران 3:134
- آل عمران 3:135
- آل عمران 3:137
- آل عمران 3:139
- آل عمران 3:140
- آل عمران 3:141
- آل عمران 3:142
- آل عمران 3:143
- آل عمران 3:144
- آل عمران 3:145
- آل عمران 3:146
- آل عمران 3:147
- آل عمران 3:148
- آل عمران 3:150
- آل عمران 3:151
- آل عمران 3:152
- آل عمران 3:153
- آل عمران 3:154
- آل عمران 3:155
- آل عمران 3:156
- آل عمران 3:159
- آل عمران 3:161
- آل عمران 3:162
- آل عمران 3:163
- آل عمران 3:164
- آل عمران 3:165
- آل عمران 3:166
- آل عمران 3:169
- آل عمران 3:170
- آل عمران 3:171
- آل عمران 3:172
- آل عمران 3:173
- آل عمران 3:174
- آل عمران 3:175
- آل عمران 3:178
- آل عمران 3:179
- آل عمران 3:180
- آل عمران 3:181
- آل عمران 3:183
- آل عمران 3:184
- آل عمران 3:185
- آل عمران 3:186
- آل عمران 3:187
- آل عمران 3:188
- آل عمران 3:189
- آل عمران 3:191
- آل عمران 3:194
- آل عمران 3:195
- آل عمران 3:196
- آل عمران 3:198
- آل عمران 3:199
- آل عمران 3:200
البقرة 2:228
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾، يُقالُ: ”طَلَقَتِ المَرْأةُ طَلاقًا، فَهي طالِقٌ“، وقَدْ حَكَوْا: ”طَلُقَتْ“، وقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أنَّ تاءَ التَّأْنِيثِ حُذِفَتْ مِن ”طالِقَةٌ“، لِأنَّهُ لِلْمُؤَنَّثِ، لا حَظَّ لِلذَّكَرِ فِيهِ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ في الكَلامِ شَيْئًا كَثِيرًا يَشْتَرِكُ فِيهِ المُذَكَّرُ، والمُؤَنَّثُ، لا تَثْبُتُ فِيهِ الهاءُ في المُؤَنَّثِ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: ”بَعِيرٌ ضامِرٌ“، و”ناقَةٌ ضامِرٌ“، و”بَعِيرٌ ساعِلٌ“، و”ناقَةٌ (p-٣٠٢)ساعِلٌ“، وهَذا أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ وأصْحابُهُ أنَّ هَذا وقَعَ عَلى لَفْظِ التَّذْكِيرِ صِفَةً لِلْمُؤَنَّثِ، لِأنَّ المَعْنى: شَيْءٌ طالِقٌ، وحَقِيقَتُهُ عِنْدَهم أنَّهُ عَلى جِهَةِ النَّسَبِ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: ”اِمْرَأةٌ مِذْكارٌ“، و”رَجُلٌ مِذْكارٌ“، و”اِمْرَأةٌ مِئْناثٌ“، و”رَجُلٌ مِئْناثٌ“، وإنَّما مَعْناهُ: ذاتُ ذُكْرانٍ، وذاتُ إناثٍ، وكَذَلِكَ ”مُطْفِلٌ“، ذاتُ طِفْلٍ، وكَذَلِكَ ”طالِقٌ“، مَعْناهُ: ذاتُ طَلاقٍ، فَإذا أجْرَيْتَهُ عَلى الفِعْلِ قُلْتَ: ”طالِقَةٌ“، قالَ الأعْشى:
؎أيا جارَتا بَيْنِي فَإنَّكِ طالِقَةْ ∗∗∗ كَذاكِ أُمُورُ النّاسِ غادٍ وطارِقَةْ
وَأمّا ”ثَلاثَةَ قُرُوءٍ“، فَقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ وأهْلُ اللُّغَةِ في تَفْسِيرِها، وقَدْ ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ جُمْلَةَ قَوْلِ الفُقَهاءِ، وجُمْلَةَ قَوْلِ أهْلِ اللُّغَةِ، فَأمّا أهْلُ الكُوفَةِ فَيَقُولُونَ: اَلْإقْراءُ: اَلْحَيْضُ، وأمّا أهْلُ الحِجازِ ومالِكٌ فَيَقُولُونَ: اَلْإقْراءُ: اَلطُّهْرُ، وحُجَّةُ أهْلِ الكُوفَةِ في أنَّ الإقْراءَ، والقِراءَ، والقُرُوءَ: اَلْحَيْضُ، ما يُرْوى «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها اسْتَفْتَتْ لِفاطِمَةَ بِنْتِ أبِي حُبَيْشٍ، وكانَتْ (p-٣٠٣)مُسْتَحاضَةً، فَقالَ ﷺ ”تَنْتَظِرُ أيّامَ أقْرائِها، وتَغْتَسِلُ فِيما سِوى ذَلِكَ»“، فَهَذا يَعْنِي أنَّها تُحْبَسُ عَنِ الصَّلاةِ أيّامَ حَيْضِها، ثُمَّ تَغْتَسِلُ فِيما سِوى أيّامِ الحَيْضِ، وفي خَبَرٍ آخَرَ أنَّ فاطِمَةَ سَألَتْهُ، فَقالَ: ”إذا أتى قُرْؤُكِ فَلا تُصَلِّي، فَإذا مَرَّ فَتَطَهَّرِي، وصَلِّي ما بَيْنَ القُرْءِ إلى القُرْءِ“، فَهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، والَّذِي يُقَوِّيهِ مِن مَذْهَبِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ الأصْمَعِيَّ كانَ يَقُولُ: ”اَلْقُرْءُ: اَلْحَيْضُ“، ويُقالُ: ”أقَرَأتِ المَرْأةُ“، إذا حاضَتْ، وقالَ الكِسائِيُّ والقُرّاءُ جَمِيعًا: ”أقَرَأتِ المَرْأةُ“، إذا حاضَتْ، فَهي مُقْرِئٌ، وقالَ القُرّاءُ: ”أقَرَأتِ الحاجَّةُ“، إذا تَأخَّرَتْ، وأنْشَدُوا في ”اَلْقُرْءُ“ - اَلْحَيْضُ -، وهو بِالوَقْتِ أشْبَهُ:
لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الحائِضِ
فَهَذا هو مَذْهَبُ أهْلِ الكُوفَةِ في الإقْراءِ، وما احْتَجَّ بِهِ أهْلُ اللُّغَةِ مِمّا يُقَوِّي مَذْهَبَهُمْ، وقالَ الأخْفَشُ أيْضًا: ”أقَرَأتِ المَرْأةُ“، إذا حاضَتْ، و”ما قَرَأتْ حَيْضَةً“، ما ضَمَّتْ رَحِمَها عَلى حَيْضَةٍ.
(p-٣٠٤)وَقالَ أهْلُ الحِجازِ: اَلْأقْراءُ والقُرُوءُ واحِدٌ، واحِدُهُما ”قَرْءٌ“، مِثْلُ قَوْلِكَ: ”فَرْعٌ“، وهُما الأطْهارُ، واحْتَجُّوا في ذَلِكَ بِما يُرْوى عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: ”اَلْأقْراءُ“: اَلْأطْهارُ "، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ عَمْرٍو، ومالِكٍ، وفُقَهاءِ أهْلِ المَدِينَةِ، والَّذِي يُقَوِّي مَذْهَبَ أهْلِ المَدِينَةِ في أنَّ الأقْراءَ الأطْهارُ، قَوْلُ الأعْشى:
؎مُوَرِّثَةً مالًا وفي الأصْلِ رِفْعَةً ∗∗∗ لِما ضاعَ فِيها مِن قُرُوءِ نِسائِكا
فالَّذِي ضاعَ هُنا الأطْهارُ، لا الحَيْضُ، وفي هَذا مَذْهَبٌ آخَرُ، وهو أنَّ القُرْءَ: اَلطُّهْرُ، والقُرْءَ: اَلْحَيْضُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ”إنَّ القُرْءَ يَصْلُحُ لِلْحَيْضِ، والطُّهْرِ“، قالَ: وأظُنُّهُ مِن ”أقْرَأتِ النُّجُومُ“، إذا غابَتْ، وأخْبَرَنِي مَن أثِقُ بِهِ، يَدْفَعُهُ إلى يُونُسَ، أنَّ الإقْراءَ عِنْدَهُ يَصْلُحُ لِلْحَيْضِ، والطُّهْرِ، وذَكَرَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ أنَّ القُرْءَ: اَلْوَقْتُ، وهو يَصْلُحُ لِلْحَيْضِ، ويَصْلُحُ لِلطُّهْرِ، ويُقالُ: ”هَذا قارِئُ الرِّياحِ“، لِوَقْتِ هُبُوبِها، وأنْشَدَ أهْلُ اللُّغَةِ:
؎شَنِئَتِ العُقْرَ عُقْرَ بَنِي شُلَيْلٍ ∗∗∗ إذا هَبَّتْ لِقارِيها الرِّياحُ
(p-٣٠٥)أيْ: لِوَقْتِ هُبُوبِها، وشِدَّةِ بَرْدِها، ويُقالُ: ”ما قَرَأتِ النّاقَةُ سَلًا قَطُّ“، أيْ: لَمْ تَضُمَّ رَحِمُها عَلى ولَدٍ، وقالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:
؎تُرِيكَ إذا دَخَلْتَ عَلى خَلاءٍ ∗∗∗ وقَدْ أمِنَتْ عُيُونَ الكاشِحِينا
؎ذِراعَيْ عَيْطَلٍ أدْماءَ بِكْرٍ ∗∗∗ هَجِينِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينا
وَأكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ يَذْهَبُ إلى أنَّها لَمْ تَجْمَعْ ولَدًا قَطُّ في رَحِمِها، وذَكَرَ قُطْرُبٌ هَذا القَوْلَ أيْضًا، وزادَ في ”لَمْ تَقْرَأْ جَنِينا“، أيْ: لَمْ تَلْقَهُ مَجْمُوعًا، فَهَذا جَمِيعُ ما قالَ الفُقَهاءُ، وأهْلُ اللُّغَةِ في القُرْءِ، والَّذِي عِنْدِي أنَّ القُرْءَ، في اللُّغَةِ: اَلْجَمْعُ، وأنَّ قَوْلَهُمْ: ”قَرَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ“، مِن هَذا، وإنْ كانَ قَدْ أُلْزِمَ الماءَ، فَهو جَمَعْتُهُ، وقَوْلُكَ: ”قَرَأْتُ القُرْآنَ“، أيْ: لَفَظْتُ بِهِ مَجْمُوعًا، و”اَلْقِرْدُ يُقْرِئُ“، أيْ: يَجْمَعُ ما يَأْكُلُ في بَيْتِهِ، فَإنَّما ”اَلْقُرْءُ“: اِجْتِماعُ الدَّمِ في البَدَنِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ في الطُّهْرِ، وقَدْ يَكُونُ اجْتِماعُهُ في الرَّحِمِ، وكِلاهُما حَسَنٌ، ولَيْسَ بِخارِجٍ عَنْ مَذاهِبِ الفُقَهاءِ، بَلْ هو تَحْقِيقُ المَذْهَبَيْنِ، و”اَلْمَقْرَأةُ“: اَلْحَوْضُ الَّذِي يُقْرَأُ فِيهِ الماءُ، أيْ: يُجْمَعُ، و”اَلْمَقْرَأُ“: اَلْإناءُ الَّذِي يُقْرَأُ فِيهِ الضَّيْفُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ﴾، قِيلَ فِيهِ: لا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ أمْرَ الوَلَدِ، لِأنَّهُنَّ إنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَإنَّما يَقْصِدْنَ إلى إلْزامِهِ غَيْرَ أبِيهِ، وقَدْ قالَ قَوْمٌ: هو الحَيْضُ، وهو بِالوَلَدِ أشْبَهُ، لِأنَّ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ أدَلُّ عَلى الوَلَدِ، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٦]، (p-٣٠٦)وَقالَ: ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا﴾ [المؤمنون: ١٤]، فَوَصَفَ خَلْقَ الوَلَدِ.
وَمَعْنى: ﴿إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾، تَأْوِيلُهُ: إنْ كُنَّ يُصَدِّقْنَ بِاللَّهِ، وبِما أرْهَبَ بِهِ، وخَوَّفَ مِن عَذابِهِ لِأهْلِ الكَبائِرِ، فَلا يَكْتُمْنَ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ يَظْلِمُ: ”إنْ كُنْتَ مُؤْمِنًا فَلا تَظْلِمْ“، لا أنَّهُ يَقُولُ لَهُ هَذا مُطْلِقًا الظُّلْمَ لِغَيْرِ المُؤْمِنِ، ولَكِنَّ المَعْنى: إنْ كُنْتَ مُؤْمِنًا فَيَنْبَغِي أنْ يَحْجِزَكَ إيمانُكَ عَنْ ظُلْمِي.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾، ”بُعُولَةٌ“: جَمْعُ ”بَعْلٌ“، مِثْلُ: ”ذَكَرٌ“، و”ذُكُورَةٌ“، و”عَمٌّ“، و”عُمُومَةٌ“، أشْبَهُ بِـ”بَعْلٌ“، و”بُعُولَةٌ“، ويُقالُ في جَمْعِ ”ذَكَرٌ“: ”ذِكارَةٌ“، و”حَجَرٌ“: ”حِجارَةٌ“، وإنَّما هَذِهِ الهاءُ زِيادَةٌ مُؤَكِّدَةٌ مَعْنى تَأْنِيثِ الجَماعَةِ، ولَكِنَّكَ لا تُدْخِلُها إلّا في الأمْكِنَةِ الَّتِي رَواها أهْلُ اللُّغَةِ، لا تَقُولُ في ”كَعْبٌ“: ”كُعُوبَةٌ“، ولا في ”كَلْبٌ“: ”كِلابَةٌ“، لِأنَّ القِياسَ في هَذِهِ الأشْياءِ مَعْلُومٌ، وقَدْ شَرَحْنا كَثِيرًا مِمّا فِيهِ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الكِتابِ، ومَعْنى ”في ذَلِكَ“: أيْ: في الأجَلِ الَّذِي أُمِرْنَ أنْ يَتَرَبَّصْنَ فِيهِ، فَأزْواجُ قَبْلِ انْقِضاءِ القُرُوءِ الثَّلاثَةِ أحَقَّ بِرَدِّهِنَّ إنْ رَدُّوهُنَّ عَلى جِهَةِ الإصْلاحِ، ألا تَرى قَوْلَهُ: ﴿إنْ أرادُوا إصْلاحًا﴾ ؟ ومَعْنى قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ: لِلنِّساءِ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ، بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِن حَقِّ الرَّجُلِ عَلى المَرْأةِ، وهو مَعْنى ”بِالمَعْرُوفِ“ .
(p-٣٠٧)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾، مَعْناهُ: زِيادَةً فِيما لِلنِّساءِ عَلَيْهِنَّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]، والمَعْنى أنَّ المَرْأةَ تَنالُ مِنَ اللَّذَّةِ مِنَ الرَّجُلِ، كَما يَنالُ الرَّجُلُ، ولَهُ الفَضْلُ بِنَفَقَتِهِ وقِيامِهِ بِما يُصْلِحُها.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، مَعْناهُ: مَلِكٌ يَحْكُمُ بِما أرادَ، ويَمْتَحِنُ بِما أحَبَّ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، فَهو عَزِيزٌ، حَكِيمٌ فِيما شَرَعَ لَكم مِن ذَلِكَ.
البقرة 2:229
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾، ”اَلطَّلاقُ“، رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و”مَرَّتانِ“، اَلْخَبَرُ، والمَعْنى: اَلطَّلاقُ الَّذِي تَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ مَرَّتانِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾، اَلْمَعْنى: فالواجِبُ عَلَيْكم إمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ، أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ، ولَوْ كانَ في الكَلامِ ”فَإمْساكًا بِمَعْرُوفٍ“، كانَ جائِزًا، عَلى ”فَأمْسِكُوهُنَّ إمْساكًا بِمَعْرُوفٍ“، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، ومَعْنى ”بِمَعْرُوفٍ“: بِما يُعْرَفُ مِن إقامَةِ الحَقِّ في إمْساكِ المَرْأةِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾، أيْ: مِمّا أعْطَيْتُمُوهُنَّ مِن مَهْرٍ، وغَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾، قُرِئَتْ: ”يَخافا“، و”يُخافا“، بِالفَتْحِ، والضَّمِّ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: مَعْنى (p-٣٠٨)”إلّا أنْ يَخافا“: إلّا أنْ يُوقِنا، وحَقِيقَةُ قَوْلِهِ: ”إلّا أنْ يَخافا ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ“: أنْ يَكُونَ الأغْلَبُ عَلَيْهِما، وعِنْدَهُما، أنَّهُما عَلى ما ظَهَرَ مِنهُما مِن أسْبابِ التَّباعُدِ الخَوْفُ في ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، ومَعْنى ”حُدُودَ اللَّهِ“: ما حَدَّهُ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - مِمّا لا تَجُوزُ مُجاوَزَتُهُ إلى غَيْرِهِ، وأصْلُ ”اَلْحَدُّ“، في اللُّغَةِ: اَلْمَنعُ، يُقالُ: ”حَدَدْتُ الدّارَ“، و”حَدَدْتُ حُدُودَ الدّارِ“، أيْ: بَنَيْتُ الأمْكِنَةَ الَّتِي تَمْنَعُ غَيْرَها أنْ يَدْخُلَ فِيها، و”حَدَدْتُ الرَّجُلَ“: أقَمْتُ عَلَيْهِ الحَدَّ، و”اَلْحَدُّ“: هو الَّذِي بِهِ مَنعُ النّاسِ مِن أنْ يَدْخُلُوا فِيما يَجْلِبُ لَهُمُ الأذى، والعُقُوبَةَ، ويُقالُ: ”أحَدَّتِ المَرْأةُ عَلى زَوْجِها“، و”حَدَّتْ، فَهي حادٌّ، ومُحِدٌّ“، إذا امْتَنَعَتْ عَنِ الزِّينَةِ، و”أحْدَدْتُ إلَيْهِ النَّظَرَ“، إذا مَنَعْتُ نَظَرِي مِن غَيْرِهِ، وصَرَفْتُهُ كُلَّهُ إلَيْهِ، و”أحْدَدْتُ السِّكِّينَ إحْدادًا“، قالَ الشّاعِرُ:
؎إنَّ العِبادِيَّ أحَدَّ فَأْسَهُ ∗∗∗ فَعادَ حَدُّ فَأْسِهِ بِرَأْسِهِ
وَإنَّما قِيلَ لِلْحَدِيدِ: ”حَدِيدٌ“، لِأنَّهُ أمْنَعُ ما يُمْتَنَعُ بِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْحاجِبِ، والبَوّابِ، وصاحِبِ السِّجْنِ: ”اَلْحَدّادُ“، وإنَّما قِيلَ لَهُ: ”حَدّادٌ“، لِأنَّهُ يَمْنَعُ مَن يَدْخُلُ، ومَن يَخْرُجُ، وقَوْلُ الأعْشى:
؎فَقُمْنا ولَمّا يَصِحْ دِيكُنا ∗∗∗ إلى خَمْرَةٍ عِنْدَ حَدّادِها
أيْ: عِنْدَ رَبِّها الَّذِي مَنَعَ مِنها، إلّا بِما يُرِيدُ، ومَعْنى: ﴿فَلا تَعْتَدُوها﴾ ": أيْ: لا تُجاوِزُوها.
البقرة 2:230
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، أيْ: فَإنْ طَلَّقَها الثّالِثَةَ، لِأنَّ الثِّنْتَيْنِ قَدْ جَرى ذِكْرُهُما، أيْ: فَلا تَحِلُّ لَهُ حَتّى تَتَزَوَّجَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وفَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِصُعُوبَةِ تَزَوُّجِ المَرْأةِ عَلى الرَّجُلِ، (p-٣٠٩)فَحَرَّمَ عَلَيْهِ التَّزَوُّجَ بَعْدَ الثَّلاثِ، لِئَلّا يُعَجِّلُوا بِالطَّلاقِ، وأنْ يَتَثَبَّتُوا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، يَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا﴾، أيْ: فَإنْ طَلَّقَها الزَّوْجُ الثّانِي، فَلا جُناحَ عَلَيْها وعَلى الزَّوْجِ الأوَّلِ أنْ يَتَراجَعا، ومَوْضِعُ ”أنْ“: نَصْبٌ، المَعْنى: لا يَأْثَمانِ في أنْ يَتَراجَعا، فَلَمّا سَقَطَتْ ”في“، وُصِلَ مَعْنى الفِعْلِ، فَنُصِبَ، ويُجِيزُ الخَلِيلُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ ”أنْ“، خَفْضًا، عَلى إسْقاطِ ”في“، ومَعْنى إرادَتِها في الكَلامِ، وكَذَلِكَ قالَ الكِسائِيُّ، والَّذِي قالاهُ صَوابٌ، لِأنَّ ”أنْ“، يَقَعَ فِيها الحَذْفُ، ويَكُونُ جَعْلُها مَوْصُولَةً عِوَضًا مِمّا حُذِفَ، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: ”لا جُناحَ عَلَيْهِما الرُّجُوعُ“، لَمْ يَصْلُحْ؟ والحَذْفُ مَعَ ”أنْ“، سائِغٌ، فَلِهَذا أجازَ الخَلِيلُ، وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعَ جَرٍّ، عَلى إرادَةِ ”في“، ومَعْنى ﴿إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾، أيْ: إنْ كانَ الأغْلَبُ عَلَيْهِما أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها﴾، ويُقْرَأُ: ”نُبَيِّنُها“، بِالياءِ، والنُّونِ، جَمِيعًا، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، وأنَّ ما أتى بِهِ رَسُولُهُ صِدْقٌ.
البقرة 2:231
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾، أيْ: وقْتَ انْقِضاءِ عِدَّتِهِنَّ، ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، أيْ: اُتْرُكُوهُنَّ حَتّى يَنْقَضِيَ تَمامُ أجَلِهِنَّ، ويَكُنَّ أمَلَكَ بِأنْفُسِهِنَّ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا﴾، (p-٣١٠)أيْ: لا تُمْسِكُوهُنَّ وأنْتُمْ لا حاجَةَ بِكم إلَيْهِنَّ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ المَرْأةَ، ويَتْرُكُها حَتّى يَقْرُبَ انْقِضاءُ أجَلِها، ثُمَّ يُراجِعُها إضْرارًا بِها، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ هَذا الإضْرارِ بِهِنَّ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، أيْ: عَرَّضَها لِعَذابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، لِأنَّ إتْيانَ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ تَعَرُّضٌ لِعَذابِهِ، وأصْلُ ”اَلظُّلْمُ“: وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، أيْ: ما قَدْ بَيَّنَهُ لَكم مِن دَلالاتِهِ، وعَلاماتِهِ في أمْرِ الطَّلاقِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ في هَذا قَوْلانِ: قالَ بَعْضُهُمْ: كانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ، ويُعْتِقُ، ويَقُولُ: ”كُنْتُ لاعِبًا“، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ فَرائِضَهُ لا لَعِبَ فِيها، وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى ”وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا“: أيْ: لا تَتْرُكُوا العَمَلَ بِما حَدَّدَ اللَّهُ لَكُمْ، فَتَكُونُوا مُقَصِّرِينَ لاعِبِينَ، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لا يَقُومُ بِما يُكَلَّفُهُ، ويَتَوانى فِيهِ: ”إنَّما أنْتَ لاعِبٌ.“
البقرة 2:232
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنَّ﴾، هَذا مُخاطَبَةٌ لِلْأوْلِياءِ، وفي هَذا دَلِيلٌ أنَّ أمْرَ الأوْلِياءِ بَيِّنٌ، لِأنَّ المُطَلَّقَةَ الَّتِي تُراجَعُ إنَّما هي مالِكَةٌ بُضْعَها، إلّا أنَّ الوَلِيَّ لا بُدَّ مِنهُ، ومَعْنى ”تَعْضُلوهُنَّ“: تَمْنَعُوهُنَّ، وتَحْبِسُوهُنَّ مِن أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنَّ، والأصْلُ في هَذا - فِيما رُوِيَ - «أنَّ مَعْقِلَ بْنَ يَسارٍ طَلَّقَ أُخْتَهُ زَوْجُها، (p-٣١١)فَأبى مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ أنَّ يُزَوِّجَها إيّاهُ، ومَنَعَها بِحَقِّ الوَلايَةِ مِن ذَلِكَ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَلاها عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ مَعْقِلٌ: رَغِمَ أنْفِي لِأمْرِ اللَّهِ،» وأصْلُ ”اَلْعَضْلُ“، مِن قَوْلِهِمْ: ”عَضَلَتِ الدَّجاجَةُ، فَهي مُعْضَلٌ“، إذا احْتَبَسَ بَيْضُها، ونَشَبَ، فَلَمْ يَخْرُجْ، ويُقالُ: ”عَضَلَتِ النّاقَةُ أيْضًا، فَهي مُعْضَلٌ“، إذا احْتَبَسَ ما في بَطْنِها.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ مِنكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾، أيْ: بِأمْرِ اللَّهِ، الَّذِي تَلا عَلَيْكُمْ، ”يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ مِنكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ“، أيْ: مَن صَدَّقَ بِأمْرِ اللَّهِ، ووَعِيدِهِ، والبَعْثِ، وأطاعَ اللَّهَ في هَذِهِ الحُدُودِ، وقالَ: ”ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ“، وهو يُخاطِبُ جَمِيعًا، وقَدْ شَرَحْنا القَوْلَ فِيهِ فِيما تَقَدَّمَ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: إنَّهُ تُوُهِّمَ أنَّ ”ذا“، مَعَ المَعارِفِ كَلِمَةٌ واحِدَةٌ، ولا أدْرِي مَن غَيْرُ قائِلِ هَذا بِهَذا التَّوَهُّمِ، اللَّهُ خاطَبَ العَرَبَ بِما يَعْقِلُونَهُ، وخاطَبَهم بِأفْصَحِ اللُّغاتِ، ولَيْسَ في القُرْآنِ تَوَهُّمٌ، تَعالى اللَّهُ عَنْ هَذا، وإنَّما حَقِيقَةُ ”ذَلِكَ“، و”ذَلِكم“، مُخاطَبَةُ الجَمِيعِ، فالجَمِيعُ لَفْظُهُ لَفْظٌ واحِدٌ، فالمَعْنى: ”ذَلِكَ أيُّها القَبِيلُ يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ مِنكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - بَعْدَ هَذا -: ﴿ذَلِكم أزْكى لَكم وأطْهَرُ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ ”ذَلِكَ“، و”ذَلِكم“، مُخاطَبَةٌ لِلْجَماعَةِ، ومَعْنى ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: اَللَّهُ يَعْلَمُ ما لَكَمَ فِيهِ الصَّلاحُ في العاجِلِ، والآجِلِ، وأنْتُمْ غَيْرُ عالِمِينَ إلّا بِما أعْلَمَكم.
البقرة 2:233
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾، (p-٣١٢)اَللَّفْظُ لَفْظُ الخَبَرِ، والمَعْنى الأمْرُ، كَما تَقُولُ: ”حَسْبُكَ دِرْهَمٌ“، فَلَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ: ”اِكْتَفِ بِدِرْهَمِ“، وكَذَلِكَ مَعْنى الآيَةِ: ”لِتُرْضِعِ الوالِداتُ“، يُقالُ: ”أرْضَعَتِ المَرْأةُ، فَهي مُرْضِعَةٌ“، قَوْلُهُمْ: ”اِمْرَأةٌ مُرْضِعٌ“، بِغَيْرِ هاءٍ، مَعْناهُ: ”ذاتُ إرْضاعٍ“، فَإذا أرَدْتُمُ اسْمَ الفاعِلِ عَلى ”أرْضَعَتْ“، قُلْتَ: ”مُرْضِعَةٌ“، لا غَيْرُ، ويُقالُ: ”رُضِعَ المَوْلُودُ، يُرْضَعُ“، و”رَضَعَ، يَرْضَعُ“، والأُولى أكْثَرُ وأوْضَحُ، ويُقالُ: ”اَلرَّضاعَةُ“، و”اَلرِّضاعَةُ“، بِالفَتْحِ، والكَسْرِ، والفَتْحُ أكْثَرُ الكَلامِ، وأصَحُّهُ، وعَلَيْهِ القِراءَةُ ﴿لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾، ورَوى أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ أنَّ بَعْضَ بَنِي تَمِيمٍ تَقُولُ: ”اَلرِّضاعَةُ“، بِكَسْرِ الرّاءِ، ورَوى الكَسْرَ أيْضًا غَيْرُهُ، ويُقالُ: ”اَلرَّضاعُ“، و”اَلرِّضاعُ“، ويُقالُ: ”ما حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللُّؤْمُ والرَّضاعَةُ“، بِالفَتْحِ، لا غَيْرُ، هَهُنا، ويُقالُ: ”ما حَمَلَهُ عَلَيْهِ إلّا اللُّؤْمُ والرِّضْعُ“، مِثْلُ: ”اَلْحِلْفُ“، و”اَلرَّضْعُ“، يُقالانِ جَمِيعًا، ومَعْنى ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾، أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا، مِن يَوْمٍ يُولَدُ إلى يَوْمِ يُفْطَمُ، وإنَّما قِيلَ: ”كامِلَيْنِ“، لِأنَّ القائِلَ يَقُولُ: قَدْ مَضى لِذَلِكَ عامانِ، وسَنَتانِ، فَيُجِيزُ أنَّ السَّنَتَيْنِ قَدْ مَضَتا، ويَكُونُ أنْ تَبْقى مِنهُما بَقِيَّةٌ، إذا كانَ في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلى إرادَةِ المُتَكَلِّمِ، فَإذا قالَ: ”كامِلَيْنِ“، لَمْ يَجُزْ أنْ تَنْقُصا شَيْئًا، وتُقْرَأُ: ”لِمَن أرادَ أنْ تَتِمَّ الرَّضاعَةُ“، و”لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ“، وهَذا هو الحَقُّ في الرَّضاعَةِ، إلّا أنْ يَتَراضَيا - أعْنِي الوالِدَيْنِ - في الفِطامِ بِدُونِ الحَوْلَيْنِ، ويُشاوَرا في ذَلِكَ.
(p-٣١٣)وَمَعْنى: ﴿وَعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ﴾ أيْ: عَلى الزَّوْجِ رِزْقُ المَرْأةِ المُطَلَّقَةِ، إذا أرْضَعَتِ الوَلَدَ، وعَلَيْهِ الكِسْوَةُ، ومَعْنى ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾، أيْ: بِما يَعْرِفُونَ أنَّهُ العَدْلُ، عَلى قَدْرِ الإمْكانِ، ومَعْنى لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلّا وُسْعَها، أيْ: لا تُكَلَّفُ إلّا قَدْرَ إمْكانِها.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾، قُرِئَتْ عَلى ضَرْبَيْنِ: ”لا تُضارُّ والِدَةٌ“، بِرَفْعِ الرّاءِ، عَلى مَعْنى: ”لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ“، عَلى الخَبَرِ الَّذِي فِيهِ مَعْنى الأمْرِ، ومَن قَرَأ: ”لا تُضارَّ والِدَةٌ“، بِفَتْحِ الرّاءِ، فالمَوْضِعُ مَوْضِعُ جَزْمٍ عَلى النَّهْيِ، الأصْلُ: ”لا تُضارَرْ“، فَأُدْغِمَتِ الرّاءُ الأُولى في الثّانِيَةِ، وفُتِحَتِ الثّانِيَةُ، لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وهَذا الِاخْتِيارُ في التَّضْعِيفِ، إذا كانَ قَبْلَهُ فَتْحٌ، أوْ ألِفٌ، الِاخْتِيارُ: ”عَضَّ يا رَجُلُ“، و”ضارَّ زَيْدًا يا رَجُلُ“، ويَجُوزُ: ”لا تُضارِّ والِدَةٌ“، بِالكَسْرِ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، فَلا تَقْرَأنَّ بِها، وإنَّما جازَ الكَسْرُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، لِأنَّهُ الأصْلُ في تَحْرِيكِ أحَدِ السّاكِنَيْنِ، ومَعْنى ”لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها“: لا تَتْرُكْ إرْضاعَ ولَدِها غَيْظًا عَلى أبِيهِ، فَتَضُرَّ بِهِ، لِأنَّ الوالِدَةَ أشْفَقُ عَلى ولَدِها مِنَ الأجْنَبِيَّةِ، ﴿وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾، أيْ: لا يَأْخُذْهُ مِن أُمِّهِ لِلْإضْرارِ بِها، فَيَضُرَّ بِوَلَدِهِ، وعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ، أيْ: عَلَيْهِ تَرْكُ الإضْرارِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإنْ أرادا فِصالا عَنْ تَراضٍ مِنهُما وتَشاوُرٍ﴾، أيْ: فِطامًا، وتَراضَيا بِذَلِكَ، بَعْدَ أنْ تَشاوَرا، وعَلِما أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُدْخِلٍ عَلى الوَلَدِ ضَرَرًا.
(p-٣١٤)﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾، أيْ: فَلا إثْمَ عَلَيْهِما في الفِصالِ، عَلى ما وصَفْنا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ﴾، مَعْناهُ: تَسْتَرْضِعُوا لِأوْلادِكم غَيْرَ الوالِدَةِ، فَلا إثْمَ عَلَيْكُمْ، ﴿إذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالمَعْرُوفِ﴾، قِيلَ فِيهِ: إذا سَلَّمْتُمُ الأمْرَ إلى المُسْتَرْضَعَةِ، وقِيلَ: إذا أسْلَمْتُمْ ما أعْطاهُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ مِنَ التَّراضِي في ذَلِكَ.
البقرة 2:234
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾، هَذا لِلْمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، عَلَيْها أنْ تَنْتَظِرَ بَعْدَ وفاتِهِ إذا كانَتْ غَيْرَ ذاتِ حَمْلٍ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، لا تَتَزَوَّجُ فِيهِنَّ، ولا تَسْتَعْمِلُ الزِّينَةَ، وقالَ النَّحْوِيُّونَ - في خَبَرِ ”اَلَّذِينَ“ - غَيْرَ قَوْلٍ: قالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: اَلْمَعْنى: يَتَرَبَّصْنَ بَعْدَهُمْ، أوْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وقالَ غَيْرُهُ مِنَ البَصْرِيِّينَ: أزْواجُهم يَتَرَبَّصْنَ، وحُذِفَ ”أزْواجُهم“، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، وهَذا إطْباقُ البَصْرِيِّينَ، وهو صَوابٌ، وقالَ الكُوفِيُّونَ - وهَذا القَوْلُ قَوْلُ الفَرّاءِ، وهو مَذْهَبُهُ -: إنَّ الأسْماءَ إذا (p-٣١٥)كانَتْ مُضافَةً إلى شَيْءٍ، وكانَ الِاعْتِمادُ في الخَبَرِ الثّانِي، أُخْبِرَ عَنِ الثّانِي، وتُرِكَ الإخْبارُ عَنِ الأوَّلِ، وأغْنى الإخْبارُ عَنِ الثّانِي عَنِ الإخْبارِ عَنِ الأوَّلِ، قالُوا: فالمَعْنى: ”وَأزْواجُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ يَتَرَبَّصْنَ“، وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎لَعَلِّيَ إنْ مالَتْ بِيَ الرِّيحُ مَيْلَةً ∗∗∗ عَلى ابْنِ أبِي ذُبّانَ أنْ يَتَقَدَّما
اَلْمَعْنى: لَعَلَّ ابْنَ أبِي ذُبّانَ أنْ يَتَقَدَّمَ إلَيَّ، مالَتْ بِيَ الرِّيحُ مَيْلَةً عَلَيْهِ، وهَذا القَوْلُ غَيْرُ جائِزٍ، لا يَجُوزُ أنْ يَبْدَأ اسْمٌ ولا يُحَدَّثَ عَنْهُ، لِأنَّ الكَلامَ إنَّما وُضِعَ لِلْفائِدَةِ، فَما لا يُفِيدُ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وهو أيْضًا مِن قَوْلِهِمْ مُحالٌ، لِأنَّ الِاسْمَ إنَّما يَرْفَعُهُ اسْمٌ إذا ابْتُدِئَ مِثْلُهُ أوْ ذُكِرَ عائِدٌ عَلَيْهِ، فَهَذا عَلى قَوْلِهِمْ باطِلٌ، لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ اسْمٌ يَرْفَعُهُ، ولا ذُكِرَ عائِدٌ عَلَيْهِ، والَّذِي هو الحَقُّ في هَذِهِ المَسْألَةِ عِنْدِي أنَّ ذِكْرَ ”اَلَّذِينَ“، قَدْ جَرى ابْتِداءً، وذِكْرَ الأزْواجِ قَدْ جَرى مُتَّصِلًا بِصِلَةِ ”اَلَّذِينَ“، فَصارَ الضَّمِيرُ الَّذِي في ”يَتَرَبَّصْنَ“، يَعُودُ عَلى الأزْواجِ، مُضافاتٍ إلى ”اَلَّذِينَ“، كَأنَّكَ قُلْتَ: ”يَتَرَبَّصُ أزْواجُهم“، ومِثْلُ (p-٣١٦)هَذا مِنَ الكَلامِ قَوْلُكَ: ”اَلَّذِي يَمُوتُ ويُخَلِّفُ ابْنَتَيْنِ تَرِثانِ الثُّلُثَيْنِ“، اَلْمَعْنى: ”تَرِثُ ابْنَتاهُ الثُّلُثَيْنِ“، ومَعْنى قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَعَشْرًا﴾، يَدْخُلُ فِيها الأيّامُ، زَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّكَ إذا قُلْتَ: ”لِخَمْسٍ بَقِينَ“، فَقَدْ عَلِمَ المُخاطَبُ أنَّ الأيّامَ داخِلَةٌ مَعَ اللَّيالِي، وزَعَمَ غَيْرُهُ أنَّ لَفْظَ التَّأْنِيثِ مُغَلَّبٌ في هَذا البابِ، وحَكى الفَرّاءُ: ”صُمْنا عَشْرًا مِن شَهْرِ رَمَضانَ“، فالصَّوْمُ إنَّما يَكُونُ في الأيّامِ، ولَكِنَّ التَّأْنِيثَ مُغَلَّبٌ في اللَّيالِي، لِإجْماعِ أهْلِ اللُّغَةِ: ”سِرْنا خَمْسًا، بَيْنَ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ“، أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
؎فَطافَتْ ثَلاثًا بَيْنَ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ ∗∗∗ يَكُونُ النَّكِيرُ أنْ تَصِيحَ وتَجْأرا
قالَ سِيبَوَيْهِ: هَذا بابُ المُؤَنَّثِ الَّذِي اسْتُعْمِلَ لِلتَّأْنِيثِ والتَّذْكِيرِ، والتَّأْنِيثُ أصْلُهُ، قالَ: تَقُولُ: ”عِنْدِي ثَلاثُ بَطّاتٍ ذُكُورٌ، وثَلاثٌ مِنَ الإبِلِ ذُكُورٌ“، قالَ: لِأنَّكَ تَقُولُ: ”هَذِهِ إبِلٌ“، وكَذَلِكَ: ”ثَلاثٌ مِنَ الغَنَمِ ذُكُورٌ“، قالَ: فَإنْ قُلْتَ: ”عِنْدِي ثَلاثَةُ ذُكُورٍ مِنَ الإبِلِ“، لَمْ يَكُنْ إلّا التَّذْكِيرُ، لِأنَّكَ إنَّما ذَكَرْتَ ذُكُورًا، ثُمَّ جِئْتَ تَقُولُ: ”مِنَ الإبِلِ“، بَعْدَ أنْ مَضى الكَلامُ عَلى التَّذْكِيرِ، ولَيْسَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ خِلافٌ في الَّذِي ذَكَرْنا مِن بابِ تَأْنِيثِ هَذِهِ الأشْياءِ، فَإنْ قُلْتَ: ”عِنْدِي خَمْسَةٌ بَيْنَ رَجُلٍ وامْرَأةٍ“، غَلَّبْتَ التَّذْكِيرَ لا غَيْرُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾، (p-٣١٧)أيْ: غايَةَ هَذِهِ الأشْهُرِ والعَشَرِ، ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾، أيْ: لا جُناحَ عَلَيْكم في أنَّ تَتْرُكُوهُنَّ، إذا انْقَضَتْ هَذِهِ المُدَّةُ، أنْ يَتَزَوَّجْنَ، وأنْ يَتَزَيَّنَّ زِينَةً لا يُنْكَرُ مِثْلُها، وهَذا مَعْنى ”بِالمَعْرُوفِ“ .
البقرة 2:235
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ﴾، اَلْمَعْنى: إنَّهُ لا جُناحَ عَلى الرَّجُلِ أنْ يُعَرِّضَ لِلْمَرْأةِ الَّتِي هي في عِدَّةٍ بِالتَّزْوِيجِ، والتَّعْرِيضُ أنْ يَقُولَ: ”إنِّي فِيكِ لَراغِبٌ“، و”إنْ قَضى اللَّهُ أمْرًا كانَ“، وما أشْبَهَ هَذا مِنَ القَوْلِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَقْطَعَ أمْرَ التَّزْوِيجِ والمَرْأةُ لَمْ تَخْرُجْ مِن عِدَّتِها، ومَعْنى ”خِطْبَةٌ“، كَمَعْنى ”خَطْبٌ“، أمّا ”خُطْبَةٌ“، فَهو ما لَهُ أوَّلٌ وآخِرٌ، نَحْوَ الرِّسالَةِ، وحُكِيَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ: ”اَللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنّا هَذِهِ الضُّغْطَةَ“، فَـ”اَلضُّغْطَةُ“: ضَغْطٌ لَهُ أوَّلٌ وآخِرٌ مُتَّصِلٌ، ومَعْنى: ﴿أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكُمْ﴾، يُقالُ في كُلِّ شَيْءٍ تَسْتُرُهُ: ”أكْنَنْتُهُ“، و”كَنَنْتُهُ“، و”أكْنَنْتُهُ“، فِيما يَسْتُرُهُ أكْثَرُ، وما صُنْتَهُ تَقُولُ فِيهِ: ”كَنَنْتُهُ، فَهو مَكْنُونٌ“، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]، أيْ: مَصُونٌ، وكُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما قَرِيبَةٌ مِنَ الأُخْرى.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ”اَلسِّرُّ“: اَلْإفْصاحُ بِالنِّكاحِ، وأنْشَدَ:
؎وَيَحْرُمُ سِرُّ جارَتِهِمْ عَلَيْهِمْ ∗∗∗ ويَأْكُلُ جارُهم أنْفَ القِصاعِ
(p-٣١٨)وَقالَ غَيْرُهُ: كَأنَّ ”اَلسِّرُّ“، كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، كَما أنَّ ”اَلْغائِطُ“، كِنايَةٌ عَنِ المَوْضِعِ، وهَذا القَوْلُ عِنْدِي صَحِيحٌ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾، مَعْناهُ: لا تَعْزِمُوا عَلى عَقْدِ النِّكاحِ، وحُذِفَ ”عَلى“، اِسْتِخْفافًا، كَما تَقُولُ: ”ضَرَبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ“، مَعْناهُ: عَلى الظَّهْرِ والبَطْنِ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ الحَذْفَ في هَذِهِ الأشْياءِ لا يُقاسُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾، مَعَناهُ: حَتّى يَبْلُغَ فَرْضُ الكِتابِ أجَلَهُ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ ”اَلْكِتابُ“، نَفْسُهُ في مَعْنى ”اَلْفَرْضُ“، فَيَكُونَ المَعْنى: حَتّى يَبْلُغَ الفَرْضُ أجَلَهُ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، أيْ: فُرِضَ عَلَيْكُمْ، وإنَّما جازَ أنْ يَقَعَ ”كُتِبَ“، في مَعْنى ”فُرِضَ“، لِأنَّ ما يُكْتَبُ يَقَعُ في النُّفُوسِ أنَّهُ ثَبَتَ، ومَعْنى هَذا الفَرْضِ الَّذِي يَبْلُغُ أجَلَهُ: أيّامُ عِدَّةِ المُطَلَّقَةِ، والمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها.
البقرة 2:236
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، فَقَدْ أعْلَمَ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عَقْدَ التَّزْوِيجِ بِغَيْرِ مَهْرٍ جائِزٌ، وأنَّهُ لا إثْمَ عَلى مَن طَلَّقَ مَن تَزَوَّجَ بِها مِن غَيْرِ مَهْرٍ، كَما أنَّهُ لا إثْمَ عَلى مَن طَلَّقَ مَن تَزَوَّجَ بِمَهْرٍ، وأمَرَ بِأنَّ تُمَتَّعَ المُتَزَوَّجُ بِها بِغَيْرِ مَهْرٍ إذا طُلِّقَتْ ولَمْ يَدْخُلْ بِها، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾، و”قَدْرُهُ“، يُقْرَآنِ جَمِيعًا، فَقالُوا: إنَّ التَّمَتُّعَ يَكُونُ بِأشْياءَ، بِأنْ تُخْدَمَ المَرْأةُ، (p-٣١٩)وَبِأنْ تُكْسى، وبِأنْ تُعْطى ما تُنْفِقُهُ، أيَّ ذَلِكَ فَعَلَ يُمَتِّعُ، فَذَلِكَ جائِزٌ لَهُ، عَلى قَدْرِ إمْكانِهِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ﴾، أيْ: بِما تَعْرِفُونَ أنَّهُ القَصْدُ، وقَدْرَ الإمْكانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نُصِبَ ”مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ“، عَلى قَوْلِهِ: ”وَمَتِّعُوهُنَّ مَتاعًا“، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الخُرُوجِ مِن قَوْلِهِ: ”عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ مَتاعًا“، أيْ: ”مُمَتِّعًا مَتاعًا“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾، مَنصُوبٌ عَلى ”حَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَقًّا“، كَما يُقالُ: ”حَقَقْتُ عَلَيْهِ القَضاءَ“، و”أحْقَقْتُهُ“، أيْ: أوْجَبْتُهُ.
البقرة 2:237
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾، أيْ: فَعَلَيْكم نِصْفُ ما فَرَضْتُمْ، ويَجُوزُ النَّصْبُ: ”فَنِصْفَ ما فَرَضْتُمْ“، اَلْمَعْنى: ”فَأدُّوا نِصْفَ ما فَرَضْتُمْ“، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، فَإنْ لَمْ تَثْبُتْ بِها رِوايَةٌ فَلا تَقْرَأنَّ بِها.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إلا أنْ يَعْفُونَ أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾، اَلْمَعْنى: إلّا أنْ يَعْفُوَ النِّساءُ، أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ، وهو الزَّوْجُ، أوِ الوَلِيُّ، إذا كانَ أبًا، ومَعْنى عَفْوِ المَرْأةِ أنْ تَعْفُوَ عَنِ النِّصْفِ الواجِبِ لَها مِنَ المَهْرِ، فَتَتْرُكَهُ لِلزَّوْجِ، أوْ يَعْفُوَ الزَّوْجُ عَنِ النِّصْفِ، فَيُعْطِيَها الكُلَّ، ومَوْضِعُ ”يَعْفُونَ“: نَصْبٌ بِـ”أنْ“، إلّا أنَّ جَماعَةَ المُؤَنَّثِ في الفِعْلِ المُضارِعِ تَسْتَوِي في الرَّفْعِ، والنَّصْبِ، والجَزْمِ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ فِيما سَلَفَ مِنَ الكِتابِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾، ظاهِرُ هَذا الخِطابِ لِلرِّجالِ خاصَّةً، دُونَ النِّساءِ، وهو مُحْتَمِلٌ أنْ يَكُونَ (p-٣٢٠)لِلْفَرِيقَيْنِ، لِأنَّ الخِطابَ إذا وقَعَ عَلى مُذَكَّرِينَ ومُؤَنَّثِينَ غُلِّبَ التَّذْكِيرُ، لِأنَّ الأوَّلَ أمْكَنُ، والأجْوَدُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ اَلضَّمُّ، ويَجُوزُ: ”وَلا تَنْسَوْا اَلْفَضْلَ بَيْنَكم“، وقَدْ شَرَحْنا العِلَّةَ فِيهِ.
البقرة 2:238
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾، قالُوا: اَلصَّلاةُ الوُسْطى: اَلْعَصْرُ، وهو أكْثَرُ الرِّوايَةِ، وقِيلَ: إنَّها الغَداةُ، وقِيلَ: إنَّها الظُّهْرُ، واللَّهُ قَدْ أمَرَ بِالمُحافَظَةِ عَلى جَمِيعِ الصَّلَواتِ، إلّا أنَّ هَذِهِ الواوَ إذا جاءَتْ مُخَصِّصَةً، فَهي دالَّةٌ عَلى الفَضْلِ لِلَّذِي تُخَصِّصُهُ، كَما قالَ: - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، فَذُكِرا مَخْصُوصَيْنِ لِفَضْلِهِما عَلى المَلائِكَةِ، وقالَ يُونُسُ النَّحْوِيُّ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] إنَّما خَصَّ النَّخْلَ والرُّمّانَ، وقَدْ ذُكِرَتِ الفاكِهَةُ، لِفَضْلِها عَلى سائِرِها.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾، ”اَلْقانِتُ“: اَلْمُطِيعُ، و”اَلْقانِتُ“: اَلذّاكِرُ اللَّهَ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا﴾ [الزمر: ٩]، وقِيلَ: ”اَلْقانِتُ“: اَلْعابِدُ، وقالُوا في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]، أيْ: اَلْعابِدِينَ، والمَشْهُورُ في اللُّغَةِ، والِاسْتِعْمالِ أنَّ ”اَلْقُنُوتُ“: اَلدُّعاءُ في القِيامِ، وحَقِيقَةُ القانِتِ أنَّهُ القائِمُ بِأمْرِ اللَّهِ، فالدّاعِي إذا كانَ قائِمًا خُصَّ بِأنْ يُقالَ لَهُ: ”قانِتٌ“ .
(p-٣٢١)لِأنَّهُ ذاكِرٌ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - وهو قائِمٌ عَلى رِجْلَيْهِ، فَحَقِيقَةُ القُنُوتِ العِبادَةُ، والدُّعاءُ لِلَّهِ في حالِ القِيامِ، ويَجُوزُ أنْ يَقَعَ في سائِرِ الطّاعَةِ، لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ قِيامًا بِالرِّجْلَيْنِ، فَهو قِيامٌ بِالشَّيْءِ بِالنِّيَّةِ.
البقرة 2:239
وَمَعْنى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أوْ رُكْبانًا﴾، أيْ: فَصَلُّوا رُكْبانًا، أوْ رِجالًا، و”رِجالٌ“: جَمْعُ ”راجِلٌ“، و”رِجالٌ“، مِثْلُ ”صاحِبٌ“، و”صِحابٌ“، أيْ: إنْ لَمْ يُمْكِنْكم أنْ تَقُومُوا قانِتِينَ، أيْ: عابِدِينَ مُوَفِّينَ الصَّلاةَ حَقَّها، لِخَوْفٍ يَنالُكُمْ، فَصَلُّوا رِجالًا، أوْ رُكْبانًا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإذا أمِنتُمْ فاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾، أيْ: فَإذا أمِنتُمْ فَقُومُوا قانِتِينَ، مُؤَدِّينَ لِلْفَرْضِ.
البقرة 2:240
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَصِيَّةً لأزْواجِهِمْ﴾، و”وَصِيَّةٌ لِأزْواجِهِمْ“، يُقْرَآنِ جَمِيعًا، فَمَن نَصَبَ، أرادَ: ”فَلْيُوصُوا وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ“، ومَن رَفَعَ، فالمَعْنى: ”فَعَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ لِأزْواجِهِمْ“، ﴿مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ﴾، أيْ: مَتِّعُوهُنَّ مَتاعًا إلى الحَوْلِ، ولا تُخْرِجُوهُنَّ، وهَذا مَنسُوخٌ بِإجْماعٍ، نَسَخَهُ ما قَبْلَهُ، وقَدْ بَيَّناهُ، وقِيلَ: إنَّهُ نَسَخَتْهُ آيَةُ المَوارِيثِ، وكِلاهُما - أعْنِي ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، مِن تَرَبُّصِ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرًا، وما جَعَلَ لَهُنَّ مِنَ المَوارِيثِ - قَدْ نَسَخَهُ.
البقرة 2:242
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾، (p-٣٢٢)”آياتِهِ“: عَلاماتِهِ، ودَلالاتِهِ عَلى ما فَرَضَ عَلَيْكُمْ، أيْ: مِثْلَ هَذا البَيانِ يُبَيِّنُ لَكم ما هو فَرْضٌ عَلَيْكُمْ، وما فُرِضَ عَلَيْكُمْ، ومَعْنى ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾، مَعْنًى يَحْتاجُ إلى تَفْسِيرٍ يُبالَغُ فِيهِ، لِأنَّ أهْلَ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ أخْبَرُوا في هَذا بِما هو ظاهِرٌ، وحَقِيقَةُ هَذا أنَّ العاقِلَ هَهُنا هو الَّذِي يَعْمَلُ بِما افْتُرِضَ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ إنْ فَهِمَ الفَرْضَ ولَمْ يَعْمَلْ بِهِ، فَهو جاهِلٌ، لَيْسَ بِعاقِلٍ، وحَقِيقَةُ العَقْلِ هو اسْتِعْمالُ الأشْياءِ المُسْتَقِيمَةِ مَتى عُلِمَتْ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧] ؟ لَوْ كانَ هَؤُلاءِ جُهّالًا غَيْرَ مُمَيِّزِينَ البَتَّةَ لَسَقَطَ عَنْهُمُ التَّكْلِيفُ، لَأنَّ اللَّهَ لا يُكَلِّفُ مَن لا يُمَيِّزُ، ويُقالُ: جُهّالٌ، وإنْ كانُوا مُمَيِّزِينَ، لِأنَّهم آثَرُوا هَواهم عَلى ما عَلِمُوا أنَّهُ الحَقُّ.
البقرة 2:243
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ﴾، مَعْنى ”ألَمْ تَرَ؟“: ”ألَمْ تَعْلَمْ؟“، أيْ: ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلى خَبَرِ هَؤُلاءِ؟ وهَذِهِ الألِفُ ألِفُ التَّوْقِيفِ، و”تَرَ“، مَتْرُوكَةُ الهَمْزَةِ، وأصْلُهُ: ”ألَمْ تَرَءْ إلى الَّذِينَ“، والعَرَبُ مُجْمِعَةٌ عَلى تَرْكِ الهَمْزَةِ في هَذا، ونُصِبَ ”حَذَرَ المَوْتِ“، عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى: خَرَجُوا لِحَذَرِ المَوْتِ، فَلَمّا سَقَطَتِ اللّامُ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، وجازَ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ خُرُوجَهم يَدُلُّ عَلى حَذَرِ المَوْتِ حَذَرًا، وقِيلَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: إنَّهم كانُوا ثَمانِيَةَ أُلُوفٍ، أُمِرُوا في أيّامِ بَنِي إسْرائِيلَ (p-٣٢٣)إسْرائِيلَ أنْ يُجاهِدُوا العَدُوَّ، فاعْتَلُّوا بِأنَّ المَوْضِعَ الَّذِي نُدِبُوا إلَيْهِ ذُو طاعُونٍ، ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾، مَعْناهُ: فَأماتَهُمُ اللَّهُ، ويُقالُ: إنَّهم أُمِيتُوا ثَمانِيَةَ أيّامٍ، ثُمَّ أُحْيُوا، وفي ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ احْتِجاجٌ عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ، وعَلى أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ، والنَّصارى، أنَّهُ أنْبَأ أهْلَ الكِتابِ بِما لا يَدْفَعُونَ صِحَّتَهُ، وهو لَمْ يَقْرَأْ كِتابًا ﷺ، فالَّذِينَ تَلا عَلَيْهِمْ يَعْلَمُونَ أنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ كِتابًا، وأنَّهُ أُمِّيٌّ، فَلا يَعْلَمُ هَذِهِ الأقاصِيصَ إلّا بِوَحْيٍ، إذْ كانَتْ لَمْ تُعْلَمْ مِن كِتابٍ، فَعَلِمَ مُشْرِكُو العَرَبِ أنَّ كُلَّ مَن قَرَأ الكُتُبَ يُصَدِّقُهُ ﷺ في إخْبارِهِ أنَّها كانَتْ في كُتُبِهِمْ، ويَعْلَمُ العَرَبُ الَّذِينَ نَشَأ مَعَهم مِثْلَ ذَلِكَ، وأنَّهُ ما غابَ غَيْبَةً يُعَلَّمُ في مِثْلِها أقاصِيصَ الأُمَمِ وأخْبارَها عَلى حَقِيقَةٍ وصِحَّةٍ، وفي هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا مَعْنى الحَثِّ عَلى الجِهادِ، وأنَّ المَوْتَ لا يُدْفَعُ بِالهَرَبِ مِنهُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾، أيْ: تَفَضَّلَ عَلى هَؤُلاءِ بِأنْ أحْياهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ، فَأراهُمُ البَصِيرَةَ الَّتِي لا غايَةَ بَعْدَها.
البقرة 2:244
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: يَعْقِبُ هَذِهِ الآيَةَ -: ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أيْ: لا تَهْرُبُوا مِنَ المَوْتِ، كَما هَرَبَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ سَمِعْتُمْ خَبَرَهُمْ، فَلا يَنْفَعُكُمُ الهَرَبُ.
وَمَعْنى قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ - مَعَ ذِكْرِ القِتالِ -: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، (p-٣٢٤)أيْ: إنْ قُلْتُمْ كَما قالَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم بِعِلَّةِ الهَرَبِ مِنَ المَوْتِ، سَمِعَ قَوْلَكُمْ، وعَلِمَ ما تُرِيدُونَ.
البقرة 2:245
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، مَعْنى ”اَلْقَرْضُ“، في اللُّغَةِ: اَلْبَلاءُ السَّيِّئُ، والبَلاءُ الحَسَنُ، والعَرَبُ تَقُولُ: ”لَكَ عِنْدِي قَرْضٌ حَسَنٌ، وقَرْضٌ سَيِّئٌ“، وأصْلُهُ: ما يُعْطِيهِ الرَّجُلُ، أوْ يَعْمَلُهُ لِيُجازى عَلَيْهِ، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لا يَسْتَقْرِضُ مِن عَوَزٍ، ولَكِنَّهُ يَبْلُو الأخْبارَ، فالقَرْضُ كَما وصَفْنا، قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎لا تَخْلِطَنَّ خَبِيثاتٍ بِطَيِّبَةٍ ∗∗∗ واخْلَعْ ثِيابَكَ مِنها وانْجُ عُرْيانا
؎كُلُّ امْرِئٍ سَوْفَ يُجْزى قَرْضَهُ حَسَنًا ∗∗∗ أوْ سَيِّئًا أوْ مَدِينًا كالَّذِي دانا
وَقالَ الشّاعِرُ:
؎وَإذا جُوزِيتَ قَرْضًا فاجْزِهِ ∗∗∗ إنَّما يَجْزِي الفَتى لَيْسَ الجَمَلْ
فَمَعْنى القَرْضِ ما ذَكَرْناهُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ ما يُعْمَلُ ويُنْفَقُ يُرادُ بِهِ الجَزاءُ، فاللَّهُ يُضاعِفُهُ أضْعافًا كَثِيرَةً، والقِراءَةُ ”فَيُضاعِفَهُ“، وقَرَؤُوا: ”فَيُضاعِفُهُ“، بِالنَّصْبِ، والرَّفْعِ، فَمَن رَفَعَ عَطَفَ عَلى ”يُقْرِضُ“، ومَن عَطَفَ نَصَبَ عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، وقَدْ بَيَّنّا (p-٣٢٥)الجَوابَ بِالفاءِ، ولَوْ كانَ ”قَرْضًا“، هَهُنا، مَصْدَرًا، لَكانَ ”إقْراضًا“، ولَكِنَّ ”قَرْضًا“، هَهُنا، اسْمٌ لِكُلِّ ما يُلْتَمَسُ عَلَيْهِ الجَزاءُ، فَأمّا ”قَرَضْتُهُ، أقْرُضُهُ، قَرْضًا“، فَجاوَزْتُهُ، وأصْلُ ”اَلْقَرْضُ“، في اللُّغَةِ: اَلْقَطْعُ، و”اَلْقِراضُ“، مِن هَذا أُخِذَ، فَإنَّما ”أقْرَضْتُهُ“، قَطَعْتُ لَهُ قِطْعَةً يُجازى عَلَيْها.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾، قِيلَ في هَذا غَيْرُ قَوْلٍ، قالَ بَعْضُهُمْ: مَعْناهُ ”يُقَتِّرُ، ويُوَسِّعُ“، وقالَ بَعْضُهُمْ: ”يَسْلُبُ قَوْمًا ما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، ويُوَسِّعُ عَلى آخَرِينَ“، وقِيلَ: مَعْنى ”يَقْبِضُ“: أيْ: يَقْبِضُ الصَّدَقاتِ، ويُخْلِفُها، وإخْلافُها جائِزٌ أنْ يَكُونَ ما يُعْطِي مِنَ الثَّوابِ في الآخِرَةِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَعَ الثَّوابِ أنْ يُخْلِفَها في الدُّنْيا.
البقرة 2:246
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾، ”اَلْمَلَأُ“: أشْرافُ القَوْمِ، ووُجُوهُهُمْ، ويُرْوى «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ وقَدْ رَجَعُوا مِن بَدْرٍ يَقُولُ: ما قَتَلْنا إلّا عَجائِزَ صُلْعًا، فَقالَ ﷺ: ”أُولَئِكَ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ، لَوْ حَضَرْتَ فِعالَهم لاحْتَقَرْتَ فِعْلَكَ»“، و”اَلْمَلَأُ“، في اللُّغَةِ: اَلْخُلُقُ، يُقالُ: ”أحْسِنُوا مَلَأكم“، أيْ: أخْلاقَكُمْ، قالَ الشّاعِرُ:
؎تَنادَوْا يا آلَ بُهْثَةَ إذْ رَأوْنا ∗∗∗ فَقُلْنا أحْسِنِي مَلَأً جُهَيْنا
أيْ: خُلُقًا، ويُقالُ: ”أحْسِنِي مُمالَأةً“، أيْ: مُعاوَنَةً، ويُقالُ: ”رَجُلٌ مَلِيءٌ“ - ”مَهْمُوزٌ“ -، أيْ: بَيِّنُ المَلاءِ يا هَذا، وأصْلُ هَذا كُلِّهِ في اللُّغَةِ مِن شَيْءٍ واحِدٍ، فَـ”اَلْمَلَأُ“: اَلرُّؤَساءُ، إنَّما سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم مِلْءٌ بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنهُمْ، و”اَلْمَلَأُ“، اَلَّذِي (p-٣٢٦)فِي الخُلُقِ، إنَّما هو الخُلُقُ المَلِيءُ بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ، و”اَلْمَلا“: اَلْمُتَّسَعُ مِنَ الأرْضِ، غَيْرَ مَهْمُوزٍ، يُكْتَبُ بِالألِفِ، والياءِ، في قَوْلِ قَوْمٍ، وأمّا البَصْرِيُّونَ فَيَكْتُبُونَ بِالألِفِ، قالَ الشّاعِرَ - في المَلا، المَقْصُورِ، الَّذِي يَدُلُّ عَلى المُتَّسَعِ مِنَ الأرْضِ:
؎ألا غَنِّيانِي وارْفَعا الصَّوْتَ بِالمَلا ∗∗∗ فَإنَّ المَلا عِنْدِي يَزِيدُ المَدى بُعْدا
وَقَوْلَهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، اَلْجَزْمُ في ”نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ“، اَلْوَجْهُ عَلى الجَوابِ لِلْمَسْألَةِ الَّتِي في لَفْظِ الأمْرِ، أيْ: ”اِبْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ“، أيْ: ”إنْ تَبْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ“، ومَن قَرَأ: ”مَلِكًا يُقاتِلُ“، بِالياءِ، فَهو عَلى صِفَةِ المَلِكِ، ولَكِنَّ ”نُقاتِلْ“، هو الوَجْهُ الَّذِي عَلَيْهِ القُرّاءُ، والرَّفْعُ فِيهِ بَعِيدٌ، يَجُوزُ عَلى مَعْنى ”فَإنّا نُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ“، وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ لا يُجِيزُ الرَّفْعَ في ”نُقاتِلُ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألا تُقاتِلُوا﴾، أيْ: لَعَلَّكم أنْ تَجْبُنُوا عَنِ القِتالِ، وقَرَأ بَعْضُهُمْ: ”هَلْ عَسِيتُمْ - بِكَسْرِ السِّينِ - إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ“، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وأهْلُ اللُّغَةِ كُلُّهم يَقُولُونَ: ”عَسَيْتُ أنْ أفْعَلَ“، ويَخْتارُونَهُ، ومَوْضِعُ ”ألّا تُقاتِلُوا“: نَصْبٌ، أعْنِي مَوْضِعَ ”أنْ“، لِأنَّ ”أنْ“، وما عَمِلَتْ فِيهِ، كالمَصْدَرِ، إذا قُلْتَ: ”عَسَيْتُ أنْ أفْعَلَ ذاكَ“، فَكَأنَّكَ قُلْتَ: ”عَسَيْتُ فِعْلَ ذَلِكَ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالُوا وما لَنا ألا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، (p-٣٢٧)زَعَمَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ أنَّ ”أنْ“، هَهُنا، زائِدَةٌ، قالَ: اَلْمَعْنى: وما لَنا لا نُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وقالَ غَيْرُهُ: ”وَما لَنا في ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ“، وأُسْقِطَ ”في“، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إنَّما دَخَلَتْ ”أنْ“، لِأنَّ ”ما“، مَعْناهُ: ”ما يَمْنَعُنا؟“، فَلِذَلِكَ دَخَلَتْ ”أنْ“، لِأنَّ الكَلامَ: ما لَكَ تَفْعَلُ كَذا وكَذا، والقَوْلُ الصَّحِيحُ عِنْدِي أنَّ ”أنْ“، لا تُلْغى هَهُنا، وأنَّ المَعْنى: وأيُّ شَيْءٍ لَنا في ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ؟ ”، أيْ:“ أيُّ شَيْءٍ لَنا في تَرْكِ القِتالِ؟ ”، ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا﴾، ومَعْنى“ وأبْنائِنا ”: أيْ: سُبِيَتْ ذَرارِينا، ولَكِنَّ“ في ”، سَقَطَتْ مَعَ“ أنْ ”، لِأنَّ الفِعْلَ مُسْتَعْمَلٌ مَعَ“ أنْ ”، دالًّا عَلى وقْتٍ مَعْلُومٍ، فَيَجُوزُ مَعَ“ أنْ ”، حَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ، كَما تَقُولُ:“ هَرَبْتُ أنْ أقُولَ كَ كَذا وكَذا ”، تُرِيدُ:“ هَرَبْتُ أنْ أقُولَ لَكَ كَذا وكَذا " .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿تَوَلَّوْا إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾، ”قَلِيلًا“، مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ، فَأمّا مَن رَوى: ”تَوَلَّوْا إلّا قَلِيلٌ مِنهم“، فَلا أعْرِفُ هَذِهِ القِراءَةَ، ولا لَها عِنْدِي وجْهٌ، لِأنَّ المُصْحَفَ عَلى النَّصْبِ، والنَّحْوُ يُوجِبُها، لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ إذا كانَ أوَّلَ الكَلامِ إيجابًا، نَحْوَ قَوْلِكَ: ”جاءَنِي القَوْمُ إلّا زَيْدًا“، فَلَيْسَ في ”زَيْدٌ“، اَلْمُسْتَثْنى، إلّا النَّصْبُ، والمَعْنى: ”تَوَلَّوْا، أسْتَثْنِي قَلِيلًا مِنهم“، وإنَّما ذَكَرْتُ هَذِهِ لِأنَّ بَعْضَهم رَوى: ”فَشَرِبُوا مِنهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم“، وهَذا عِنْدِي ما لا وجْهَ لَهُ.
البقرة 2:247
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا﴾، (p-٣٢٨)أيْ: قَدْ أجابَكم إلى ما سَألْتُمْ، مِن بَعْثِ مَلِكٍ يُقاتِلُ، وتُقاتِلُونَ مَعَهُ، و”طالُوتُ“، و”جالُوتُ“، و”داوُدُ“، لا تَنْصَرِفُ، لِأنَّها أسْماءٌ أعْجَمِيَّةٌ، وهي مَعارِفُ، فاجْتَمَعَ فِيها شَيْئانِ، التَّعْرِيفُ والعُجْمَةُ، وأمّا ”جامُوسٌ“، فَلَوْ سَمَّيْتَ بِهِ رَجُلًا لانْصَرَفَ، وإنْ كانَ عَجَمِيًّا، لِأنَّهُ قَدْ تَمَكَّنَ في العَرَبِيَّةِ، لِأنَّكَ تُدْخِلُ عَلَيْهِ الألِفَ واللّامَ، فَتَقُولُ: ”اَلْجامُوسُ“، و”اَلرّاقُودُ“، فَعَلى هَذا قِياسٌ جَمِيعِ البابِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا﴾، أيْ: مِن أيِّ جِهَةٍ يَكُونُ ذَلِكَ؟ ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ﴾، أيْ: لَمْ يُؤْتَ ما تَتَمَلَّكُ بِهِ المُلُوكُ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّهُ ﴿اصْطَفاهُ﴾، ومَعْناهُ: اِخْتارَهُ، وهو ”اِفْتَعَلَ“، مِن ”اَلصَّفْوَةُ“، والأصْلُ: ”اِصْتَفاهُ“، فالتّاءُ إذا وقَعَتْ بَعْدَ الصّادِ، أُبْدِلَتْ طاءً، لِأنَّ التّاءَ مِن مَخْرَجِ الطّاءِ، والطّاءُ مُطَبِّقَةٌ، كَما أنَّ الصّادَ مُطَبِّقَةٌ، فَأبْدَلُوا الطّاءَ مِنَ التّاءِ، لِيَسْهُلَ النُّطْقُ بِما بَعْدَ الصّادِ، وكَذَلِكَ ”اِفْتَعَلَ“، مِن ”اَلضَّرْبُ“: ”اِضْطَرَبَ“، ومِن ”اَلظُّلْمُ“: ”اِظْطَلَمَ“، ويَجُوزُ في ”اِظْطَلَمَ“، وجْهانِ آخَرانِ، يَجُوزُ: ”اِطَّلَمَ“، بِطاءٍ مُشَدَّدَةٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، و”اِظَّلَمَ“، بِظاءٍ مُشَدَّدَةٍ، قالَ زُهَيْرٌ:
؎هُوَ الجَوادُ الَّذِي يُعْطِيكَ نائِلَهُ ∗∗∗ عَفْوًا ويَظْلِمُ أحْيانًا فَيَظْطَلِمُ
و”فَيَطَّلِمُ“، و”فَيَظَّلِمُ“، أعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّهُ اخْتارَهُ، وأنَّهُ قَدْ زِيدَ في العِلْمِ، والجِسْمِ، بَسْطَةً، وأعْلَمَهم أنَّ العِلْمَ هو الَّذِي بِهِ يَجِبُ أنْ يَقَعَ الِاخْتِيارُ، لَيْسَ أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - (p-٣٢٩)لا يُمَلِّكَ إلّا ذا مالٍ، وأعْلَمَ أنَّ الزِّيادَةَ في الجِسْمِ مِمّا يَهَبُ بِهِ العَدُوُّ، وأعْلَمَهم أنَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ، وهو - جَلَّ وعَزَّ - لا يَشاءُ إلّا ما هو الحِكْمَةُ والعَدْلُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾، أيْ: يُوَسِّعُ عَلى مَن يَشاءُ، ويَعْلَمُ أيْنَ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ السَّعَةُ.
البقرة 2:248
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾، أيْ: عَلامَةَ تَمْلِيكِ اللَّهِ إيّاهُ، ﴿أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ﴾، ومَوْضِعُ ”أنْ“: رَفْعٌ، المَعْنى: إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ إتْيانُ التّابُوتِ إيّاكم.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾، أيْ: فِيهِ ما تَسْكُنُونَ بِهِ إذا أتاكُمْ، وقِيلَ في التَّفْسِيرِ: إنَّ السَّكِينَةَ لَها رَأْسٌ كَرَأْسِ الهِرِّ، مِن زَبَرْجَدٍ، أوْ ياقُوتٍ، ولَها جَناحانِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾، قِيلَ في تَفْسِيرِهِ: ”اَلْبَقِيَّةُ“: رُضاضُ الألْواحِ، وأنَّ التَّوْراةَ فِيهِ، وكِتابٌ آخَرُ جَمَعَ التَّوْراةَ، وعَصا مُوسى، فَهَذا ما رُوِيَ مِمّا فِيهِ، والظّاهِرُ أنَّ ”فِيهِ بَقِيَّةٌ“، جائِزٌ أنْ يَكُونَ بَقِيَّةً مِن شَيْءٍ مِن عَلاماتِ الأنْبِياءِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ البَقِيَّةَ مِنَ العِلْمِ، وجائِزٌ أنْ يَتَضَمَّنَها جَمِيعًا، والفائِدَةُ - كانَتْ - في هَذا التّابُوتِ أنَّ الأنْبِياءَ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - كانَتْ تَسْتَفْتِحُ بِهِ في الحُرُوبِ، فَكانَ التّابُوتُ يَكُونُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَإذا سُمِعَ مِن جَوْفِهِ أنِينٌ، دُفَّ التّابُوتُ، أيْ: سارَ، والجَمِيعُ خَلْفَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ.
(p-٣٣٠)وَرُوِيَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ كانَ مِن خَشَبِ الشَّمْشارِ، وكانَ قَدْ غُلِبَ جالُوتُ وأصْحابُهُ عَلَيْهِ، فَنَزَلَهم بِسَبَبِهِ داءٌ، قِيلَ: هو النّاسُورُ الَّذِي يَكُونُ في العِنَبِ، فَعَلِمُوا أنَّ الآفَةَ بِسَبَبِهِ نَزَلَتْ، فَوَضَعُوهُ عَلى ثَوْرَيْنِ، فِيما يُقالُ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ﴾ إنَّها كانَتْ تَسُوقُ الثَّوْرَيْنِ، وجائِزٌ أنْ يُقالَ في اللُّغَةِ: ”تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ“، وإنَّما كانَتْ تَسُوقُ ما يَحْمِلُهُ، كَما تَقُولُ: ”حَمَلْتُ مَتاعِي إلى مَكَّةَ“، أيْ: كُنْتُ سَبَبًا لِحَمْلِهِ إلى مَكَّةَ، ومَعْنى ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ﴾، أيْ: في رُجُوعِ التّابُوتِ إلَيْكم عَلامَةُ أنَّ اللَّهَ مَلَّكَ طالُوتَ عَلَيْكُمْ، إذْ أنْبَأكم في قِصَّتِهِ بِغَيْبٍ، ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، أيْ: إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ.
البقرة 2:249
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾، مَعْناهُ: مُخْتَبِرُكُمْ، ومُمْتَحِنُكم بِنَهَرٍ، وهَذا لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَهُ إلّا نَبِيٌّ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قالَ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ﴿إلا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧]، ومَعْنى الِاخْتِبارِ بِهَذا النَّهَرِ كانَ لِيَعْلَمَ طالُوتُ مَن لَهُ نِيَّةُ القِتالِ مَعَهُ، ومَن لَيْسَتْ لَهُ نِيَّةٌ، فَقالَ: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾، أيْ: لَيْسَ مِن أصْحابِي، ولا مِمَّنْ تَبِعَنِي، ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ، ﴿وَمَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾، أيْ: لَمْ يَتَطَعَّمْ بِهِ، ﴿إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾، ”غُرْفَةً“، و”غَرْفَةً“، قُرِئَ بِهِما جَمِيعًا، فَمَن قالَ: ”غَرْفَةً“، (p-٣٣١)كانَ مَعْناهُ: غَرْفَةً واحِدَةً بِاليَدِ، ومَن قالَ: ”غُرْفَةً“، كانَ مَعْناهُ: مِقْدارَ مِلْءِ اليَدِ، ومَعْنى ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾، شَرِبُوا مِنهُ لِيَرْجِعُوا عَنِ الحَرْبِ، لِأنَّهُ قَدْ أعْلَمَهم ذَلِكَ، وذُكِرَ في التَّفْسِيرِ أنَّ القَلِيلَ الَّذِينَ لَمْ يَشْرَبُوا كانَ عِدَّتُهم ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، كَعَدَدِ أهْلِ بَدْرٍ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -، ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ﴾، أيْ: جاوَزَ النَّهْرَ، هو والَّذِينَ مَعَهُ، قِيلَ: لَمّا رَأوْا قِلَّتَهُمْ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾، أيْ: لا قُوَّةَ، يُقالُ: ”أطَقْتُ الشَّيْءَ، إطاقَةً، وطَوْقًا“، مِثْلَ ”أطَعْتُ، طاعَةً، وإطاعَةً، وطَوْعًا“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾، قِيلَ فِيهِ قَوْلانِ: قالَ بَعْضُهم - وهو مَذْهَبُ أهْلِ اللُّغَةِ -: قالَ الَّذِينَ يُوقِنُونُ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ، قالُوا: ولَوْ كانُوا شاكِّينَ لَكانُوا ضُلّالًا، كافِرِينَ، و”ظَنَنْتُ“، في اللُّغَةِ، بِمَعْنى ”أيْقَنْتُ“، مَوْجُودٌ، قالَ الشّاعِرُ - وهو دُرَيْدٌ:
؎فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ ∗∗∗ سَراتُهم في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ
أيْ: أيْقِنُوا، وقالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: مَعْنى ”يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ“، أيْ أنَّهم كانُوا يَتَوَهَّمُونَ أنَّهم في هَذِهِ المَوْقِعَةِ يُقْتَلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ، لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، وعِظَمِ عَدَدِ عَدُوِّهِمْ، وهم أصْحابُ جالُوتَ.
(p-٣٣٢)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ﴾، أيْ: كَمْ مِن فِرْقَةٍ! وإنَّما قِيلَ لِلْفِرْقَةِ: ”فِئَةٌ“، مِن قَوْلِهِمْ: ”فَأوْتُ رَأْسَهُ بِالعَصا“، و”فَأيْتُ“، إذا شَقَقْتُهُ، فَـ”اَلْفِئَةُ“: اَلْفِرْقَةُ، مِن هَذا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾، أيْ أنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ الصّابِرِينَ، إذا صَبَرُوا عَلى طاعَتِهِ، وما يُزْلِفُ عِنْدَهُ.
البقرة 2:250
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾، أيْ: اُصْبُبْ عَلَيْنا الصَّبْرَ صَبًّا، كَما تَقُولُ: ”أفْرَغْتُ الإناءَ“، إذا صَبَبْتَ ما فِيهِ.
البقرة 2:251
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ﴾، مَعْناهُ: كَسَرُوهُمْ، ورَدُّوهُمْ، وأصْلُ ”اَلْهَزْمُ“، في اللُّغَةِ: كَسْرُ الشَّيْءِ، وثَنْيُ بَعْضِهِ عَلى بَعْضٍ، يُقالُ: ”سِقاءٌ مَهْزُومٌ“، إذا كانَ بَعْضُهُ قَدْ ثُنِيَ عَلى بَعْضٍ، مَعَ جَفافٍ، و”قَصَبٌ مُتَهَزِّمٌ، ومَهْزُومٌ“، قَدْ كُسِرَ، وشُقِّقَ، والعَرَبُ تَقُولُ: ”هَزَمْتُ عَلى زَيْدٍ“، أيْ: عَطَفْتُ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎هَزَمْتُ عَلَيْكِ اليَوْمَ يا بِنْتَ مالِكٍ ∗∗∗ فَجُودِي عَلَيْنا بِالنَّوالِ وأنْعِمِي
وَيُقالُ: ”سَمِعْتُ هَزْمَةَ الرَّعْدِ“، قالَ الأصْمَعِيُّ: كَأنَّهُ صَوْتٌ فِيهِ تَشَقُّقٌ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ﴾، أيْ: آتى داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المُلْكَ، لِأنَّهُ مُلِّكَ بَعْدَ قَتْلِهِ جالُوتَ، وأُوتِيَ العِلْمَ، ومَعْنى ﴿وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾، قِيلَ: مِمّا عَلَّمَهُ عَمَلُ الدُّرُوعِ، ومَنطِقُ الطَّيْرِ.
(p-٣٣٣)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾، أيْ: لَوْلا ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ المُسْلِمِينَ مِن حَرْبِ الكافِرِينَ، لَفَسَدَتِ الأرْضُ، وقِيلَ أيْضًا: لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ الكافِرِينَ بِالمُسْلِمِينَ لَكَثُرَ الكُفْرُ، فَنَزَلَتْ بِالنّاسِ السَّخْطَةُ، واسْتُؤْصِلَ أهْلُ الأرْضِ، ويَجُوزُ: ”وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ“، ”وَلَوْلا دِفاعُ اللَّهِ“، ونُصِبَ ”بَعْضَهم“، بَدَلًا مِن ”اَلنّاسَ“، اَلْمَعْنى: ”وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ بَعْضَ النّاسِ بِبَعْضٍ“، و”دَفْعُ“، مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وقَدْ فَسَّرْنا هَذا فِيما مَضى.
البقرة 2:252
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾، أيْ: هَذِهِ الآياتُ الَّتِي أنْبَأْتَ بِها وأُنْبِئْتَ، آياتُ اللَّهِ، أيْ: عَلاماتُهُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ، وتَثْبِيتِ رِسالاتِ أنْبِيائِهِ، إذْ كانَ يَعْجِزُ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِها المُخْلَقُونَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾، أيْ: وأنْتَ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَصْتُ آياتِهِمْ، لِأنَّكَ قَدْ أُعْطِيتَ مِنَ الآياتِ مِثْلَ الَّذِي أُعْطُوا، وزِدْتَ عَلى ما أُعْطُوا، ونَحْنُ نُبَيِّنُ ذَلِكَ في الآيَةِ الَّتِي تَلِيها إنْ شاءَ اللَّهُ.
البقرة 2:253
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾، ”اَلرُّسُلُ“، صِفَةٌ لِـ”تِلْكَ“، كَقَوْلِكَ: ”أُولَئِكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ“، إلّا أنَّهُ قِيلَ: ”تِلْكَ“، لِلْجَماعَةِ، وخَبَرُ الِابْتِداءِ: ”فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ“، ومَعْنى: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ أيْ: مَن كَلَّمَهُ اللَّهُ.
(p-٣٣٤)والهاءُ حُذِفَتْ مِنَ الصِّلَةِ، لِطُولِ الِاسْمِ، وهو مُوسى ﷺ، أسْمَعَهُ اللَّهُ كَلامَهُ مِن غَيْرِ وحْيٍ أتاهُ بِهِ عَنِ اللَّهِ مَلَكٌ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾، أيْ: أعْطَيْناهُ، و”اَلْبَيِّناتُ“: اَلْحُجَجُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى إثْباتِ نُبُوَّتِهِ ﷺ، مِن إبْراءِ الأكْمَهِ، والأبْرَصِ، وإحْياءِ المَوْتى، والإنْباءِ بِما غابَ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ يُعْنى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، أُرْسِلَ إلى النّاسِ كافَّةً، ولَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي أُعْطِيَها الأنْبِياءُ إلّا والَّذِي أُعْطِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ أكْثَرُ مِنهٌ، لِأنَّهُ ﷺ كَلَّمَتْهُ الشَّجَرَةُ، وأطْعَمَ مِن كَفِّ التَّمْرِ خَلْقًا كَثِيرًا، وأمَرَّ يَدَهُ عَلى شاةِ أُمِّ مَعْبَدٍ فَدَرَّتْ، وحَلَبَتْ بَعْدَ جَفافٍ، ومِنها انْشِقاقُ القَمَرِ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى الآياتِ في الأرْضِ، ورَآها في السَّماءِ، والَّذِي جاءَ في آياتِ النَّبِيِّ كَثِيرٌ، فَأمّا انْشِقاقُ القَمَرِ وصِحَّتُهُ فَقَدْ رَوَيْنا فِيهِ أحادِيثَ: حَدَّثَنِي إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المِنهالِ قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «سَألَ أهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ ﷺ آيَةً، فَأراهُمُ انْشِقاقَ القَمَرِ فِرْقَتَيْنِ»، وحَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ، يَرْفَعُهُ إلى أنَسٍ أيْضًا، مِثْلَ ذَلِكَ، ونَحْنُ نَذْكُرُ جَمِيعَ ما رُوِيَ في هَذا البابِ في مَكانِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ، ولَكِنّا ذَكَرْنا هَهُنا جُمْلَةً مِنَ الآياتِ، لِنُبَيِّنَ بِها فَضْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِيما أتى بِهِ مِنَ الآياتِ، ومِن أعْظَمِ الآياتِ القُرْآنُ، الَّذِي أتى بِهِ العَرَبَ، وهم أعْلَمُ قَوْمٍ بِالكَلامِ، لَهُمُ الأشْعارُ، ولَهُمُ السَّجْعُ، والخَطابَةُ، وكُلُّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ في كَلامِها، فَقِيلَ لَهُمْ: اِئْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ، فَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ، وقِيلَ لَهُمْ: اِئْتُوا بِسُورَةٍ، ولَمْ يُشْتَرَطْ عَلَيْهِمْ فِيها (p-٣٣٥)أنْ تَكُونَ كَـ”اَلْبَقَرَةِ“، و”آلِ عِمْرانَ“، وإنَّما قِيلَ لَهُمْ: اِئْتُوا بِسُورَةٍ، فَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ، فَهَذا مَعْنى: ”وَرَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾، يَعْنِي: مِن بَعْدِ الرُّسُلِ، ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾، أيْ: مِن بَعْدِ ما وضَحَتْ لَهُمُ البَراهِينُ، فَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أمَرَ بِالقِتالِ بَعْدَ وُضُوحِ الحُجَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا، أيْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يَضْطَرُّهم أنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ غَيْرَ مُخْتَلِفِينَ، لَفَعَلَ ذَلِكَ، كَما قالَ: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ [الأنعام: ٣٥]
البقرة 2:254
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾، أيْ: أنْفِقُوا في الجِهادِ، ولْيُعِنْ بَعْضُكم بَعْضًا عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ﴾، يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، و”اَلْخُلَّةُ“: اَلصَّداقَةُ، ويَجُوزُ: ”لا بَيْعَ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ“، و”لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةَ ولا شَفاعَةَ“، عَلى الرَّفْعِ بِتَنْوِينٍ، والنَّصْبِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، ويَجُوزُ: ”لا بَيْعَ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةَ“، بِنَصْبِ الأوَّلِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وعَطْفِ الثّانِي عَلى مَوْضِعِ الأوَّلِ، لِأنَّ مَوْضِعَهُ نَصْبٌ، إلّا أنَّ التَّنْوِينَ حَذْفٌ لِعِلَّةٍ قَدْ ذَكَرْناها، ويَكُونُ دُخُولُ ”لا“، مَعَ حُرُوفِ العَطْفِ مُؤَكِّدًا، لِأنَّكَ إذا عَطَفْتَ عَلى مَوْضِعِ ما بَعْدَ ”لا“، عَطَفْتَهُ بِتَنْوِينٍ، تَقُولُ: ”لا رَجُلَ وغُلامًا لَكَ“، قالَ الشّاعِرُ: (p-٣٣٦)
؎فَلا أبَ وابْنًا مِثْلُ مَرْوانَ وابْنِهِ ∗∗∗ إذا هو بِالمَجْدِ ارْتَدى أوْ تَأزَّرا
وَمَعْنى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾، أيْ: هُمُ الَّذِينَ وضَعُوا الأمْرَ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، وهَذا أصْلُ ”اَلظُّلْمُ“، في اللُّغَةِ.
البقرة 2:255
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾، يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - أنَّهُ قالَ: ”أشْرَفُ آيَةٍ في القُرْآنِ آيَةُ الكُرْسِيِّ“، وإعْرابُ ”لا إلَهَ إلّا هو“: اَلنَّصْبُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ في ”إلَهَ“، اَلْمَعْنى: ”لا إلَهَ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ إلّا هو“، وهو مَحْمُولٌ عَلى مَوْضِعِ الِابْتِداءِ، المَعْنى: ”ما إلَهٌ لِلْخَلْقِ إلّا هو“، وإنْ قُلْتَ - في الكَلامِ -: ”لا إلَهٌ إلّا اللَّهُ“، جازَ، أمّا القُرْآنُ فَلا يُقْرَأُ فِيهِ إلّا بِما قَدْ قَرَأتِ القُرّاءُ بِهِ، وثَبَتَتْ بِهِ الرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ، ولَوْ قِيلَ - في الكَلامِ - ”لا رَجُلَ عِنْدَكَ إلّا زَيْدًا“، جازَ، و”لا إلَهَ إلّا اللَّهَ“، جازَ، ولَكِنَّ الأجْوَدَ ما في القُرْآنِ، وهو أجْوَدُ أيْضًا في الكَلامِ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥]، فَإذا نَصَبْتَ بَعْدَ ”إلّا“، فَإنَّما نَصَبْتَ عَلى الِاسْتِثْناءِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾، مَعْنى ”اَلْحَيُّ“: اَلدّائِمُ البَقاءِ، ومَعْنى ”اَلْقَيُّومُ“: اَلْقائِمُ بِتَدْبِيرِ سائِرِ أمْرِ خَلْقِهِ، ويَجُوزُ: ”اَلْقَيّامُ“، ومَعْناهُما واحِدٌ، فَهو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - قائِمٌ بِتَدْبِيرِ أمْرِ الخَلْقِ في إنْشائِهِمْ، ورِزْقِهِمْ، وعِلْمِهِ (p-٣٣٧)بِأمْكِنَتِهِمْ، وهو قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها﴾ [هود: ٦]، ومَعْنى ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾، أيْ: لا يَأْخُذُهُ نُعاسٌ، ﴿وَلا نَوْمٌ﴾، وتَأْوِيلُهُ أنَّهُ لا يَغْفُلُ عَنْ تَدْبِيرِ أمْرِ الخَلْقِ، ومَعْنى: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ﴾، أيْ: لا يُشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِما أمَرَ بِهِ مِن دُعاءِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ لِبَعْضٍ، ومِن تَعْظِيمِ المُسْلِمِينَ أمْرَ الأنْبِياءِ، والدُّعاءِ لَهُمْ، وما عَلِمْنا مِن شَفاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وإنَّما كانَ المُشْرِكُونَ يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ تَشْفَعُ لَهُمْ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣]، وذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، فَأنْبَأ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الشَّفاعَةَ لَيْسَتْ إلّا ما أعْلَمَ مِن شَفاعَةِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ لِبَعْضٍ في الدُّعاءِ، وشَفاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ، ومَعْنى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾، أيْ: يَعْلَمُ الغَيْبَ الَّذِي تَقَدَّمَهُمْ، والغَيْبَ الَّذِي يَأْتِي مِن بَعْدِهِمْ، ومَعْنى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إلا بِما شاءَ﴾، أيْ: لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، لا مِمّا تَقَدَّمَهُمْ، ولا مِمّا يَكُونُ مِن بَعْدِهِمْ، ومَعْنى: ﴿إلا بِما شاءَ﴾ إلّا بِما أنْبَأ بِهِ، لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلى تَثْبِيتِ نُبُوَّتِهِمْ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾، قِيلَ فِيهِ غَيْرُ قَوْلٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ”كُرْسِيُّهُ“: عِلْمُهُ، ويُرْوى عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ (p-٣٣٨)قالَ: ”ما السَّماواتُ والأرْضُ في الكُرْسِيِّ إلّا حَلْقَةٌ في فَلاةٍ“، وهَذا القَوْلُ بَيِّنٌ، لِأنَّ الَّذِي نَعْرِفُهُ مِنَ الكُرْسِيِّ في اللُّغَةِ: اَلشَّيْءُ الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ ويُجْلَسُ عَلَيْهِ، فَهَذا يَدُلُّ أنَّ الكُرْسِيَّ عَظِيمٌ، عَلَيْهِ السَّماواتُ والأرْضُونَ، و”اَلْكُرْسِيُّ“، في اللُّغَةِ، و”اَلْكُرّاسَةُ“: إنَّما هو الشَّيْءُ الَّذِي ثَبَتَ ولَزِمَ بَعْضُهُ بَعْضًا، و”اَلْكُرْسِيُّ“: ما تَلَبَّدَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ في آذانِ الغَنَمِ، ومَعاطِنِ الإبِلِ، وقالَ قَوْمٌ: ”كُرْسِيُّهُ“: قُدْرَتُهُ الَّتِي بِها يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ، قالُوا: وهَذا قَوْلُكَ: ”اِجْعَلْ لِهَذا الحائِطِ كُرْسِيًّا“، أيْ: اِجْعَلْ لَهُ ما يُعْمِدُهُ ويُمْسِكُهُ، وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، لِأنَّ عِلْمَهُ الَّذِي وسِعَ السَّماواتِ والأرْضَ لا يَخْرُجُ مِن هَذا، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الكُرْسِيِّ، إلّا أنَّ جُمْلَتَهُ أنَّهُ أمْرٌ عَظِيمٌ مِن أمْرِهِ - جَلَّ وعَزَّ.
وَمَعْنى: ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾، أيْ: لا يُثْقِلُهُ، فَجائِزٌ أنْ تَكُونَ الهاءُ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ لِلْكُرْسِيِّ، وإذا كانَتْ لِلْكُرْسِيِّ فَهو مِن أمْرِ اللَّهِ.
البقرة 2:256
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾، ”إكْراهَ“، نُصِبَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، ويَجُوزُ الرَّفْعُ: ”لا إكْراهٌ“، ولا يُقْرَأُ بِهِ، إلا أنْ تَثْبُتَ رِوايَةٌ صَحِيحَةٌ، وقالُوا في ”﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾“، ثَلاثَةَ أقْوالٍ: قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ هَذِهِ نَسَخَها أمْرُ الحَرْبِ في قَوْلِهِ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ أهْلِ الكِتابِ، في ألّا يُكْرَهُوا بَعْدَ أنْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ، فَأمّا مُشْرِكُو العَرَبِ، فَلا يُقْبَلُ مِنهم جِزْيَةٌ، ولَيْسَ في أمْرِهِمْ إلّا القَتْلُ، أوِ الإسْلامُ، وقِيلَ: مَعْنى ”لا إكْراهَ في الدِّينِ“، أيْ: لا تَقُولُوا فِيهِ لِمَن دَخَلَ بَعْدَ حَرْبٍ: إنَّهُ دَخَلَ مُكْرَهًا، لِأنَّهُ إذا رَضِيَ بَعْدَ الحَرْبِ وصَحَّ إسْلامُهُ فَلَيْسَ بِمُكْرَهٍ.
(p-٣٣٩)وَمَعْنى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ﴾، قِيلَ: ”اَلطّاغُوتُ“: مَرَدَةُ أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: إنَّ الطّاغُوتَ الشَّيْطانُ، وجُمْلَتُهُ أنَّ مَن يَكْفُرُ بِهِ، وصَدَّقَ بِاللَّهِ وما أمَرَ بِهِ، ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾، أيْ: فَقَدْ عَقَدَ لِنَفْسِهِ عَقْدًا وثِيقًا لا تَحِلُّهُ حُجَّةٌ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾، لا انْقِطاعَ لَها، يُقالُ: ”فَصَمْتُ الشَّيْءَ، أفْصُمُهُ، فَصْمًا“، أيْ: قَطَعْتُهُ، ومَعْنى ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: يَسْمَعُ ما يَعْقِدُ عَلى نَفْسِهِ الإنْسانُ مِن أمْرِ الإيمانِ، ويَعْلَمُ نِيَّتَهُ في ذَلِكَ.
البقرة 2:257
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، يُقالُ: ”قَدْ تَوَلَّيْتُ فُلانًا“، و”وَلَّيْتُ فُلانًا وِلايَةً“، و”اَلْوِلايَةُ“، بِالكَسْرِ: اِسْمٌ لِكُلِّ ما يُتَوَلّى، ومَعْنى ”وَلِيُّ“، عَلى ضُرُوبٍ، فاللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ في حِجاجِهِمْ وهِدايَتِهِمْ، وإقامَةِ البُرْهانِ لَهُمْ، لِأنَّهُ يَزِيدُهم بِإيمانِهِمْ هِدايَةً، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، ووَلِيُّهم أيْضًا في نَصْرِهِمْ، وإظْهارِ دِينِهِمْ عَلى دِينِ مُخالِفِيهِمْ، ووَلِيُّهم أيْضًا بِتَوَلِّي قَوْلِهِمْ، ومُجازاتِهِمْ بِحُسْنِ أعْمالِهِمْ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾، أيْ: يُخْرِجُهم مِن ظُلُماتِ الجَهالَةِ إلى نُورِ الهُدى، لِأنَّ أمْرَ الضَّلالَةِ مُظْلِمٌ، غَيْرُ بَيِّنٍ، وأمْرَ الهُدى واضِحٌ كَبَيانِ النُّورِ، وقَدْ قالَ قَوْمٌ: ”يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ“: يَحْكُمُ لَهم بِأنَّهم خارِجُونَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، وهَذا لَيْسَ قَوْلَ أهْلِ التَّفْسِيرِ، ولا قَوْلَ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ، إنَّما قالَهُ الأخْفَشُ وحْدَهُ.
(p-٣٤٠)والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ يَزِيدُهم هُدًى، ما ذَكَرْناهُ مِنَ الآيَةِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]
وَمَعْنى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾، أيْ: اَلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ أمْرَهم هُمُ الطّاغُوتُ، وقَدْ فَسَّرْنا ”اَلطّاغُوتُ“، و”اَلطّاغُوتُ“، هَهُنا، واحِدٌ في مَعْنى جَماعَةٍ، وهَذا جائِزٌ في اللُّغَةِ، إذا كانَ في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلى الجَماعَةِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها ∗∗∗ فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ
”جِلْدُها“، في مَعْنى ”جُلُودُها“ .
البقرة 2:258
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾، هَذِهِ كَلِمَةٌ يُوقَفُ بِها المُخاطَبُ عَلى أمْرٍ يَعْجَبُ مِنهُ، ولَفْظُها لَفْظُ اسْتِفْهامٍ، تَقُولُ في الكَلامِ: ”ألَمْ تَرَ إلى فُلانٍ صَنَعَ كَذا، وصَنَعَ كَذا؟“، وهَذا مِمّا أُعْلِمَهُ النَّبِيُّ ﷺ حُجَّةً عَلى أهْلِ الكِتابِ، ومُشْرِكِي العَرَبِ، لِأنَّهُ نَبَأٌ لا يَجُوزُ أنْ يَعْلَمَهُ إلّا مَن وقَفَ عَلَيْهِ بِقِراءَةِ كِتابٍ، أوْ تَعْلِيمِ مُعَلِّمٍ، أوْ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، فَقَدْ عَلِمَتِ العَرَبُ الَّذِينَ نَشَأ بَيْنَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ أُمِّيٌّ، وأنَّهُ لَمْ يُعَلَّمِ التَّوْراةَ، والإنْجِيلَ، وأخْبارَ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ، فَلَمْ يَبْقَ وجْهٌ تُعْلَمُ مِنهُ هَذِهِ الأحادِيثُ إلّا الوَحْيُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾، أيْ: آتى الكافِرَ المُلْكَ، وهَذا هو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ التَّفْسِيرِ، وعَلَيْهِ يَصِحُّ (p-٣٤١)المَعْنى، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الَّذِي آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقالُوا: اَللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لا يُمَلِّكُ الكُفّارَ، وإنَّما قالُوا هَذا لِذِكْرِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ”آتاهُ المُلْكَ“، واللَّهُ قالَ: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْـزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، فَتَأْوِيلُ إيتاءِ اللَّهِ الكافِرَ المُلْكَ ضَرْبٌ مِنَ امْتِحانِهِ الَّذِي يَمْتَحِنُ اللَّهُ بِهِ خَلْقَهُ، وهو أعْلَمُ بِوَجْهِ الحِكْمَةِ فِيهِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الكافِرَ هو الَّذِي كانَ مُلِّكَ أنَّهُ قالَ: ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾، وأنَّهُ دَعا بِرَجُلَيْنِ، فَقَتَلَ أحَدَهُما، وأطْلَقَ الآخَرَ، فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مَلِكًا، وإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - غَيْرَ مَلِكٍ لَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ أنْ يَقْتُلَ وإبْراهِيمُ المَلِكُ، وهو النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وأمّا مَعْنى احْتِجاجِهِ عَلى إبْراهِيمَ بِأنَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ، وتَرْكِ إبْراهِيمَ مُناقَضَتِهِ في الإحْياءِ، والإماتَةِ، فَمِن أبْلَغِ ما يَقْطَعُ بِهِ الخُصُومُ تَرْكُ الإطالَةِ والِاحْتِجاجُ بِالحُجَّةِ المُسْكِتَةِ، لِأنَّ إبْراهِيمَ لَمّا قالَ لَهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾، كانَ جَوابُهُ عَلى حَسَبِ ما أجابَ في المَسْألَةِ الأُولى أنْ يَقُولَ: فَأنا أفْعَلُ ذَلِكَ، فَتَبَيَّنَ عَجْزُهُ، وكانَ في هَذا إسْكاتُ الكافِرِ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾، وتَأْوِيلُهُ: اِنْقَطَعَ وسَكَتَ مُتَحَيِّرًا، يُقالُ: ”بُهِتَ الرَّجُلُ، يُبْهَتُ، بُهْتًا“، إذا انْقَطَعَ وتَحَيَّرَ، ويُقالُ بِهَذا المَعْنى: ”بَهِتَ الرَّجُلُ يَبْهَتُ“، ويُقالُ: ”بَهَتُّ الرَّجُلَ، أبْهَتُهُ، بُهْتانًا“، إذا قابَلْتُهُ بِكَذِبٍ.
البقرة 2:259
(p-٣٤٢)وَقَوْلُهُ ٍ- عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾، هَذا الكَلامُ مَعْطُوفٌ عَلى مَعْنى الكَلامِ الأوَّلِ، والمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”أرَأيْتَ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ؟“، و”اَلْقَرْيَةُ“، في اللُّغَةِ سُمِّيَتْ ”قَرْيَةً“، لِاجْتِماعِ النّاسِ فِيها، يُقالُ: ”قَرَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ“، إذا جَمَعْتُهُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾، مَعْنى ”خاوِيَةٌ“: خالِيَةٌ، و”عُرُوشِها“: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي الخِيامُ، وهي بُيُوتُ الأعْرابِ، وقالَ غَيْرُ أبِي عُبَيْدَةَ: مَعْنى ”وَهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها“: بَقِيَتْ حِيطانُها لا سُقُوفَ لَها، ويُقالُ: ”خَوَتِ الدّارُ والمَدِينَةُ، تَخْوِي، خَواءً“ - ”مَمْدُودٌ“ -، إذا خَلَتْ مِن أهْلِها، ويُقالُ فِيها: ”خَوِيَتْ“، والكَلامُ هو الأوَّلُ، ويُقالُ لِلْمَرْأةِ إذا خَلا جَوْفُها بَعْدَ الوِلادَةِ، ولِلرَّجُلِ إذا خَلا جَوْفُهُ مِنَ الطَّعامِ: ”قَدْ خَوِيَ، ويَخْوى، خَوًى“ - ”مَقْصُورٌ -، وقَدْ يُقالُ فِيهِ:“ خَوى يَخْوِي ”، والأوَّلُ في هَذا أجْوَدُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾، مَعْناهُ: مِن أيْنَ يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها؟! وقِيلَ في التَّفْسِيرِ: إنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ كافِرًا، ولا يُنْكَرُ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا أحَبَّ أنْ يَزْدادَ بَصِيرَةً في إيمانِهِ، فَيَقُولَ: لَيْتَ شِعْرِي، كَيْفَ تُبْعَثُ الأمْواتُ؟! كَما قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾، مَعْناهُ: ثُمَّ أحْياهُ، لِأنَّهُ لا يُبْعَثُ، ولا يُتَصَرَّفُ إلّا وهو حَيٌّ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾، (p-٣٤٣)يُقْرَأُ بِتَبْيِينِ الثّاءِ، وبِإدْغامِ الثّاءِ في التّاءِ، وإنَّما أُدْغِمَتْ لِقُرْبِ المَخْرَجَيْنِ، ومَعْنى: ﴿قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ أنَّهُ كانَ أُمِيتَ في صَدْرِ النَّهارِ، ثُمَّ بُعِثَ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ في آخِرِ النَّهارِ، فَظَنَّ أنَّ مِقْدارَ لُبْثِهِ ما بَيْنَ أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّهُ قَدْ لَبِثَ مِائَةَ عامٍ، وأراهُ عَلامَةَ ذَلِكَ، بِبِلى عِظامِ حِمارِهِ، وأراهُ طَعامَهُ وشَرابَهُ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ، وأراهُ كَيْفَ يُنْشِزُ العِظامَ، وكَيْفَ تُكْتَسى اللَّحْمَ، فَقالَ: ﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾، يَجُوزُ بِإثْباتِ الهاءِ، وبِإسْقاطِ الهاءِ في الكَلامِ، ومَعْناهُ: لَمْ تُغَيِّرْهُ السُّنُونُ، فَمَن قالَ في“ اَلسَّنَةُ ”:“ سانَهْتُ ”، فالهاءُ مِن أصْلِ الكَلِمَةِ، ومَن قالَ في“ اَلسَّنَةُ ”:“ سانَيْتُ ”، فالهاءُ زِيدَتْ لِبَيانِ الحَرَكَةِ، ووَجْهُ القِراءَةِ عَلى كُلِّ حالٍ إثْباتُها، والوُقُوفُ عَلَيْها بِغَيْرِ وصْلٍ، فَمَن جَعَلَهُ“ سانَيْتُ ”، ووَصَلَها إنْ شاءَ، أوْ وقَفَها عَلى مَن جَعَلَهُ مِن“ سانَهْتُ ”، فَأمّا مَن قالَ: إنَّهُ مِن“ تَغَيَّرَ ”، مِن“ أسِنَ الطَّعامُ، يَأْسَنُ ”، فَخَطَأٌ، وقَدْ قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ مِنَ التَّغْيِيرِ، مِن قَوْلِكَ:“ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ ”، وكانَ الأصْلُ عِنْدَهُ:“ لَمْ يَتَسَنَّنْ "، ولَكِنَّهُ أبْدَلَ مِنَ النُّونِ ياءً، كَما قالَ:
تَقَضّى البازِي إذا البازِي كَشَرْ
(p-٣٤٤)يُرِيدُ: ”تَقَضَّضَ“، وهَذا لَيْسَ مِن ذاكَ، لِأنَّ ”مَسْنُونٍ“، إنَّما هو مَصْبُوبٌ عَلى سُنَّةِ الطَّرِيقِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها﴾، يُقْرَأُ: ”نُنْشِزُها“، بِالزّايِ، و”نُنْشِرُها“، و”نَنْشُرُها“، بِالرّاءِ، فَمَن قَرَأ: ”نُنْشِزُها“، كانَ مَعْناهُ: نَجْعَلُها بَعْدَ بِلاها وهُجُودِها ناشِزَةً، يَنْشُزُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، أيْ: يَرْتَفِعُ، و”اَلنَّشَزُ“، في اللُّغَةِ: ما ارْتَفَعَ عَنِ الأرْضِ، ومَن قَرَأ: ”نُنْشِرُها“، و”نَنْشُرُها“، فَهو مِن ”أنْشَرَ اللَّهُ المَوْتى، ونَشَرَهم“، وقَدْ يُقالُ: ”نَشَرَهُمُ اللَّهُ“، أيْ: بَعَثَهُمْ، كَما قالَ: ﴿وَإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥]
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، مَعْناهُ: فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ كَيْفَ إحْياءُ المَوْتى، قالَ: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَإنْ كانَ كَما قِيلَ: إنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا، فَتَأْوِيلُ ذِكْرِهُ: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: لَيْسَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ قَبْلَما شاهَدَ، ولَكِنَّ تَأْوِيلَهُ: إنِّي قَدْ عَلِمْتُ ما كُنْتُ أعْلَمُهُ غَيْبًا، مُشاهَدَةً، ومَن قَرَأ: ”اِعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ“، فَتَأْوِيلُهُ إذا جَزَمَ أنَّهُ يُقْبِلُ عَلى نَفْسِهِ فَيَقُولُ: ”اِعْلَمْ أيُّها الإنْسانُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ“، والرَّفْعُ عَلى الإخْبارِ.
البقرة 2:260
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾، (p-٣٤٥)مَوْضِعُ ”إذْ“: نَصْبٌ، المَعْنى: اُذْكُرَ هَذِهِ القِصَّةَ، وقَوْلُهُ ”رَبِّ أرِنِي“، أصْلُهُ: ”أرْئِنِي“، ولَكِنَّ المُجْمَعَ عَلَيْهِ في كَلامِ العَرَبِ، والقِراءَةِ، طَرْحُ الهَمْزَةِ، ويَجُوزُ: ”أرْنِي“، وقَدْ فَسَّرْنا إلْقاءَ هَذِهِ الكَسْرَةِ فِيما سَلَفَ مِنَ الكِتابِ، ومَوْضِعُ ”كَيْفَ“: نَصْبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿تُحْيِ المَوْتى﴾، أيْ: بِأيِّ حالٍ تُحْيِي المَوْتى، وإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَكُنْ شاكًّا، ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ شاهَدَ إحْياءَ مَيِّتٍ، ولا يَعْلَمُ كَيْفَ تَجْتَمِعُ العِظامُ المُتَفَرِّقَةُ البالِيَةُ، المُسْتَحِيلَةُ، مِن أمْكِنَةٍ مُتَبايِنَةٍ، فَأحَبَّ عِلْمَ ذَلِكَ مُشاهَدَةً، ويُرْوى في التَّفْسِيرِ أنَّهُ كانَ مَرَّ بِجِيفَةٍ عَلى شاطِئِ البَحْرِ، والحِيتانُ تَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ، فَتَنْتِفُ مِن لَحْمِ الجِيفَةُ، والطَّيْرُ تَحُطُّ عَلَيْها، وتَنْسِرُ مِنها، ودَوابُّ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنها، فَفَكَّرَ كَيْفَ يَجْتَمِعُ ما تَفَرَّقَ مِن تِلْكَ الجِيفَةِ، فَحَلَّ في حِيتانِ البَحْرِ، وطَيْرِ السَّماءِ، ودَوابِّ الأرْضِ، ثُمَّ يَعُودُ ذَلِكَ حَيًّا، فَسَألَ اللَّهَ - تَبارَكَ وتَعالى - أنْ يُرِيَهُ كَيْفَ يُحْيِي المَوْتى، وأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَأْخُذَ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ، وهو قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ﴾، وتُقْرَأُ: ”فَصِرْهُنَّ إلَيْكَ“، بِالضَّمِّ، والكَسْرِ، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: مَعْنى ”صُرْهُنَّ“: أمِلْهُنَّ إلَيْكَ، واجْمَعْهُنَّ إلَيْكَ، قالَ ذَلِكَ أكْثَرُهُمْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: ”صُرْهُنَّ إلَيْكَ“: اقْطَعْهُنَّ، فَأمّا نَظِيرُ ”صُرْهُنَّ“: أمِلْهُنَّ واجْمَعْهُنَّ، فَقَوْلُ الشّاعِرِ: (p-٣٤٦)
؎وَجاءَتْ خِلْعَةٌ دَهْسٌ صَفايا ∗∗∗ يَصُورُ عُنُوقَها أحْوى زَنِيمُ
اَلْمَعْنى أنَّ هَذِهِ الغَنَمَ يَعْطِفُ عُنُوقَها هَذا الكَبْشُ الأحْوى، ومَن قالَ: ”صِرْتُ“: قَطَعْتُ، فالمَعْنى: ”فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ“، أيْ: قَطِّعْهُنَّ، ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾، اَلْمَعْنى: اِجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُنَّ جُزْءًا، فَفَعَلَ ذَلِكَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ثُمَّ دَعاهُنَّ فَنَظَرَ إلى الرِّيشِ يَسْعى بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ، وكَذَلِكَ العِظامُ، واللَّحْمُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، ”عَزِيزٌ“: أيْ: لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ما يُرِيدُ، ”حَكِيمٌ“، فِيما يُدَبِّرُ، لا يَفْعَلُ إلّا ما فِيهِ الحِكْمَةُ، فَشاهَدَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما كانَ يَعْلَمُهُ غَيْبًا، رَأْيَ عَيْنٍ، وعَلِمَ كَيْفَ يَفْعَلُ اللَّهُ ذَلِكَ، فَلَمّا قَصَّ اللَّهُ ما فِيهِ البُرْهانُ، والدَّلالَةُ عَلى أمْرِ تَوْحِيدِهِ، وما آتاهُ الرُّسُلَ مِنَ البَيِّناتِ، حَثَّ عَلى الجِهادِ، وأعْلَنَ أنَّ مَن عانَدَهُ بَعْدَ هَذِهِ البَراهِينِ فَقَدْ رَكِبَ مِنَ الضَّلالِ أمْرًا عَظِيمًا، وأنَّ مَن جاهَدَ مَن كَفَرَ بَعْدَ هَذا البُرْهانِ فَلَهُ في جِهادِهِ ونَفَقَتِهِ فِيهِ الثَّوابُ العَظِيمُ، وأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - وعَدَ في الجَنَّةِ عَشْرَ أمْثالِها مِنَ الجِهادِ، ووَعَدَ في الجِهادِ أنْ يُضاعِفَ الواحِدَ بِسَبْعِ مِائَةِ مَرَّةٍ، لِما في إقامَةِ الحَقِّ مِنَ التَّوْحِيدِ، وما في الكُفْرِ مِن عِظَمِ الفَسادِ، فَقالَ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]، (p-٣٤٧)أيْ: جَوادٌ لا يَنْقُصُهُ ما يَتَفَضَّلُ بِهِ مِنَ السَّعَةِ، عَلِيمٌ حَيْثُ يَضَعُهُ.
البقرة 2:264
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾، فَـ”اَلْمَنُّ“: أنْ تَمُنَّ بِما أعْطَيْتَ، وتَعْتَدَّ بِهِ، كَأنَّكَ إنَّما تَقْصِدُ بِهِ الِاعْتِدادَ والأذى، أنْ تُوَبِّخَ المُعْطى، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ المَنَّ والأذى يُبْطِلانِ الصَّدَقَةَ، كَما تَبْطُلُ نَفَقَةُ المُنافِقِ الَّذِي إنَّما يُعْطِي وهو لا يُرِيدُ بِذَلِكَ العَطاءِ ما عِنْدَ اللَّهِ، إنَّما يُعْطِي لِيُوهِمَ أنَّهُ مُؤْمِنٌ، وقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ﴾، و”اَلصَّفْوانُ“: اَلْحَجَرُ الأمْلَسُ، وكَذَلِكَ الصَّفا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ﴾، و”اَلْوابِلُ“: اَلْمَطَرُ العَظِيمُ القَطْرِ، فَإذا أصابَ هَذا المَطَرُ الحَجَرَ الَّذِي عَلَيْهِ تُرابٌ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنَ التُّرابِ شَيْءٌ، وكَذَلِكَ تَبْطُلُ نَفَقَةُ المُنافِقِ، ونَفَقَةُ المَنّانِ، والمُؤْذِي.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾، أيْ: لا يَجْعَلُهم بِكُفْرِهِمْ مُهْتَدِينَ، وقِيلَ: لا يَجْعَلُ جَزاءَهم عَلى الكُفْرِ أنْ يَهْدِيَهُمْ.
البقرة 2:265
ثُمَّ ضَرَبَ اللَّهُ لِمَن يُنْفِقُ يُرِيدُ ما عِنْدَ اللَّهِ، ولا يَمُنُّ ولا يُؤْذِي، مَثَلًا، فَقالَ: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾، أيْ: لِيَطْلُبَ مَرْضاةَ اللَّهِ، ”وَتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ“، أيْ: يُنْفِقُونَها مُقِرِّينَ أنَّها مِمّا يُثِيبُ اللَّهُ عَلَيْها.
(p-٣٤٨)﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾، بِفَتْحِ الرّاءِ، و”بِرُبْوَةٍ“، بِالضَّمِّ، و”بِرِبْوَةٍ“، بِالكَسْرِ، و”بِرِباوَةٍ“، وهَذا وجْهٌ رابِعٌ، و”اَلرَّبْوَةُ“: ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ، و”اَلْجَنَّةُ“: اَلْبُسْتانُ، وكُلُّ ما نَبَتَ وكَثُفَ وكَثُرَ، وسَتَرَ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَهو جَنَّةٌ، والمَوْضِعُ المُرْتَفِعُ، إذا كانَ لَهُ ما يَرْوِيهِ مِنَ الماءِ، فَهو أكْثَرُ رَيْعًا مِنَ المُسْتَفِلِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ نَفَقَةَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ تَزْكُو، كَما يَزْكُو نَبْتُ هَذِهِ الجَنَّةِ الَّتِي هي في مَكانٍ مُرْتَفِعٍ، ﴿أصابَها وابِلٌ﴾، وهو المَطَرُ العَظِيمُ القَطْرِ، ﴿فَآتَتْ أُكُلَها﴾، أيْ: ثَمَرَها، ويُقْرَأُ: ”أُكْلَها“، والمَعْنى واحِدٌ، ﴿ضِعْفَيْنِ﴾، أيْ: مِثْلَيْنِ، ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾، و”اَلطَّلُّ“: اَلْمَطَرُ الدّائِمُ، الصِّغارُ القَطْرِ، الَّذِي لا يَكادُ يَسِيلُ مِنهُ المَثاعِبُ، ومَعْنى: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، أيْ: عَلِيمٌ، وإذا عَلِمَهُ جازى عَلَيْهِ، والَّذِي ارْتَفَعَ عَلَيْهِ ”فَطَلٌّ“، أنَّهُ عَلى مَعْنى ”فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فالَّذِي يُصِيبُها طَلٌّ“ .
البقرة 2:266
وَقَوْلُهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾، هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهم لِلْآخِرَةِ، وأعْلَمَهم أنَّ حاجَتَهم إلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ كَحاجَةِ هَذا الكَبِيرِ الَّذِي لَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ، فَإنِ احْتَرَقَتْ جَنَّتُهُ وهو كَبِيرٌ، ولَهُ ذُرِّيَّةُ ضُعَفاءُ انْقَطَعَ بِهِ، وكَذَلِكَ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ عَمَلٌ يُوصِلُهُ إلى (p-٣٤٩)الجَنَّةِ، فَحَسْرَتُهُ في الآخِرَةِ - مَعَ عَظِيمِ الحَسْرَةِ فِيها - كَحَسْرَةِ هَذا الكَبِيرِ المُنْقَطِعِ بِهِ في الدُّنْيا.
وَمَعْنى: ﴿فَأصابَها إعْصارٌ فِيهِ نارٌ﴾، ”اَلْإعْصارُ“: اَلرِّيحُ الَّتِي تَهُبُّ مِنَ الأرْضِ كالعَمُودِ إلى نَحْوِ السَّماءِ، وهي الَّتِي تُسَمِّيها النّاسُ ”اَلزَّوْبَعَةَ“، وهي رِيحٌ شَدِيدَةٌ، لا يُقالُ: إنَّها إعْصارٌ، حَتى تَهُبَّ بِشِدَّةٍ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إنْ كُنْتَ رِيحًا فَقَدْ لاقَيْتَ إعْصارا
وَمَعْنى: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ، أيْ: كَهَذا البَيانِ الَّذِي قَدْ تَبَيَّنَ - الصَّدَقَةِ، والجِهادِ، وقِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ، وجَمِيعِ ما سَلَفَ مِنَ الآياتِ -، أيْ: كَمِثْلِ بَيانِ هَذِهِ الأقاصِيصِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ، أيْ: اَلْعَلاماتِ، والدَّلالاتِ الَّتِي تَحْتاجُونَ إلَيْها في أمْرِ تَوْحِيدِهِ، وإثْباتِ رِسالاتِ رُسُلِهِ، وثَوابِهِ وعِقابِهِ، ﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾
البقرة 2:267
وَقَوْلُهُ - تَبارَكَ اسْمُهُ -: ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾، فالمَعْنى: أنْفِقُوا مِن جَيِّدِ ما كَسَبْتُمُوهُ مِن تِجارَةٍ، ومِن ورِقٍ، وعَيْنٍ، وكَذَلِكَ مِن جَيِّدِ الثِّمارِ، ومَعْنى ”أنْفِقُوا“: تَصَدَّقُوا، وكانَ قَوْمٌ أتَوْا في الصَّدَقَةِ بِرَدِيءِ الثِّمارِ، ويُرْوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ أمَرَ السُّعاةَ ألّا يُخَرَّصَ الجُعْرَوْرُ، ومِعى الفارَّةِ.
(p-٣٥٠)وَذَلِكَ أنَّها مِن رَدِيءِ النَّخْلِ، فَأمَرَ ألّا تُخَرَّصَ عَلَيْهِمْ، لِئَلّا يَعْتَلُّوا بِهِ في الصَّدَقَةِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾، أيْ: لا تَقْصِدُوا إلى رَدِيءِ المالِ، والثِّمارِ، فَتَتَصَدَّقُوا بِهِ، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّكم لا تَأْخُذُونَهُ إلّا بِالإغْماضِ فِيهِ.
وَمَعْنى: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾، يَقُولُ: أنْتُمْ لا تَأْخُذُونَهُ إلّا بِوَكْسٍ، فَكَيْفَ تُعْطُونَهُ في الصَّدَقَةِ؟! وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾، أيْ: لَمْ يَأْمُرْكم بِأنْ تَتَصَدَّقُوا مِن عَوَزٍ، ولَكِنَّهُ لِاخْتِبارِكُمْ، فَهو حَمِيدٌ عَلى ذَلِكَ، وعَلى جَمِيعِ نِعَمِهِ، يُقالُ: ”قَدْ غَنِيَ زَيْدٌ، يَغْنى، غِنًى“ - ”مَقْصُورٌ“ - إذا اسْتَغْنى، و”قَدْ غَنِيَ القَوْمُ“، إذا نَزَلُوا في مَكانٍ يَقِيهِمْ، والمَكانُ الَّذِي يَنْزِلُونَ فِيهِ ”مَغْنًى“، و”قَدْ غَنّى فُلانٌ غِناءً“، إذا بالَغَ في التَّطْرِيبِ في الإنْشادِ حَتّى يَسْتَغْنِيَ الشِّعْرُ أنْ يُزادَ في نَغْمَتِهِ، و”قَدْ غَنِيَتِ المَرْأةُ غُنْيانًا“، قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ:
؎أجَدَّ بِعُمْرَةٍ غُنْيانُها ∗∗∗ فَتَهْجُرُ أمْ شَأْنُنا شَأْنُها
”غُنْيانُها“: غِناها، و”اَلْغَوانِي“: اَلنِّساءُ، قِيلَ إنَّهُنَّ سُمِّينَ ”غَوانِيَ“، لِأنَّهُنَّ غَنِينَ بِجَمالِهِنَّ، وقِيلَ بِأزْواجِهِنَّ.
البقرة 2:268
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾، (p-٣٥١)يُقالُ: ”اَلْفَقْرُ“، و”اَلْفَقَرُ“، جَمِيعًا، والمَعْنى أنَّهُ يَحْمِلُكم عَلى أنْ تُؤَدُّوا في الصَّدَقَةِ رَدِيءَ المالِ، يُخَوِّفُكُمُ الفَقْرَ بِإعْطاءِ الجَيِّدِ، ومَعْنى ”يَعِدُكُمُ الفَقْرَ“: يَعِدُكم بِالفَقْرِ، ولَكِنَّ الباءَ حُذِفَتْ، وأفْضى الفِعْلُ فَنُصِبَ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ ∗∗∗ فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ
وَيُقالُ: ”وَعَدْتُهُ، أعِدُهُ، وعْدًا، وعِدَةً، ومَوْعِدًا، ومَوْعِدَةً، ومَوْعُودًا، ومَوْعُودَةً“، ومَعْنى: ﴿وَيَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾، أيْ: بِألّا تَتَصَدَّقُوا فَتَتَقاطَعُوا، ومَعْنى: ﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلا﴾، أيْ: يَعِدُكم أنْ يُجازِيَكم عَلى صَدَقَتِكم بِالمَغْفِرَةِ، ويَعِدُكم أنْ يُخْلِفَ عَلَيْكُمْ، ومَعْنى: ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾، ”واسِعٌ“، يُعْطِي مِن سَعَةٍ، و”عَلِيمٌ“، يَعْلَمُ حَيْثُ يَضَعُ ذَلِكَ، ويَعْلَمُ الغَيْبَ والشَّهادَةَ.
البقرة 2:269
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾، مَعْنى ”يُؤْتِي“: يُعْطِي، و”اَلْحِكْمَةُ“، فِيها قَوْلانِ: قالَ بَعْضُهُمْ: هي النُّبُوَّةُ، ويُرْوى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الحِكْمَةَ هِيَ، القُرْآنُ، وكَفى بِالقُرْآنِ حِكْمَةً، لِأنَّ الأُمَّةَ بِهِ صارَتْ عُلَماءَ بَعْدَ جَهْلٍ، وهو وصْلَةٌ إلى كُلِّ عِلْمٍ يُقَرِّبُ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وذَرِيعَةٌ إلى رَحْمَتِهِ، لِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، (p-٣٥٢)أيْ: أُعْطِيَ كُلَّ العِلْمِ، وما يُوصِلُ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ، و”يُؤْتَ“، جُزِمَ بِـ”مَن“، والجَوابُ: ”فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا“، ومَعْنى﴿وَما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: ما يُفَكِّرُ فِكْرًا يَذَّكَّرُ بِهِ ما قُصَّ مِن آياتِ القُرْآنِ، إلّا أُولُو الألْبابِ، أيْ: ذَوُو العُقُولِ، وواحِدُ ”اَلْألْبابُ“: ”لُبٌّ“، يُقالُ: ”قَدْ لَبِبْتَ يا رَجُلُ“، و”أنْتَ تَلَبُّ، لَبابَةً، ولُبًّا“، وقَرَأْتُ عَلى مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ يُونُسَ: ”لَبُبْتُ، لَبابَةً“، ولَيْسَ في المُضاعَفِ عَلى ”فَعُلْتُ“، غَيْرُ هَذا، ولَمْ يَرْوِهِ أحَدٌ إلّا يُونُسُ، وسَألْتُ غَيْرَ البَصْرِيِّينَ عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ.
البقرة 2:270
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾، أيْ: ما تَصَدَّقْتُمْ بِهِ مِن فَرْضٍ، لِأنَّهُ في ذِكْرِ صَدَقَةِ الزَّكاةِ، وهي الفَرْضُ، و”اَلنَّذْرُ“: اَلتَّطَوُّعُ، وكُلُّ ما نَوى الإنْسانُ أنْ يَتَطَوَّعَ بِهِ، فَهو نَذْرٌ.
﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾، أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ، فَهو يُجازِي عَلَيْهِ، كَما قالَ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، يُقالُ: ”نَذَرْتُ النَّذْرَ، أنْذِرُهُ، وأنْذُرُهُ“، والجَمِيعُ: ”اَلنُّذُورُ“، و”أنْذَرْتُ القَوْمَ“، إذا أعْلَمْتُهم وخَوَّفْتُهُمْ، إنْذارًا، ونَذِيرًا، ونَذَرًا ”، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٧]، وقالَ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦]،“ اَلنُّذُرُ ”، مِثْلُ“ اَلنُّكُرُ ”، و“ اَلنَّذِيرُ ”، مِثْلُ“ اَلنَّكِيرُ " .
البقرة 2:271
(p-٣٥٣)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾، مَعْنى ”إنْ تُبْدُوا“: تُظْهِرُوا، يُقالُ: ”بَدا الشَّيْءُ، يَبْدُو“، إذا ظَهَرَ، و”أبْدَيْتُهُ أنا، إبْداءً“، إذا أظْهَرْتُهُ، و”بَدا لِي بُداءً“، إذا تَغَيَّرَ رَأْيِي عَمّا كانَ عَلَيْهِ، و”تُبْدُوا“، جُزِمَ بِـ”إنْ“، وقَوْلُهُ: ”فَنِعِمّا هي“، اَلْجَوابُ، ورَوى أبُو عُبَيْدٍ أنَّ أبا جَعْفَرَ، وشَيْبَةَ، ونافِعًا، وعاصِمًا، وأبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ، قَرَؤُوا: ”فَنِعْمّا هي“، بِكَسْرِ النُّونِ، والعَيْنِ، وتَشْدِيدِ المِيمِ، ورُوِيَ أنَّ يَحْيى بْنَ وثّابٍ، والأشْمَسَ وحَمْزَةَ (p-٣٥٤)والكِسائِيَّ قَرَؤُوا: ”فَنَعِمّا هي“، بِفَتْحِ النُّونِ، وكَسْرِ العَيْنِ، وذَكَرَ أبُو عُبَيْدٍ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلُهُ لِابْنِ العاصِ: ”«نَعْمّا بِالمالِ الصّالِحِ لِلرَّجُلِ الصّالِحِ»“، فَذَكَرَ أبُو عُبَيْدٍ أنَّهُ يَخْتارُ هَذِهِ القِراءَةَ، مِن أجْلِ هَذِهِ الرِّوايَةِ، ولا أحْسَبُ أصْحابَ الحَدِيثِ ضَبَطُوا هَذا، ولا هَذِهِ القِراءَةَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ النَّحْوِيِّينَ جائِزَةً البَتَّةَ، لِأنَّ فِيها الجَمْعَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ مِن غَيْرِ حَرْفٍ مَدٍّ ولِينٍ، فَأمّا ما قَرَأْناهُ مِن حَرْفِ عاصِمٍ ورِوايَةِ أبِي عَمْرٍو ”فَنِعِمّا هي“، بِكَسْرِ النُّونِ والعَيْنِ، فَهَذا جَيِّدٌ بالِغٌ، لِأنَّ هَهُنا كَسْرُ العَيْنِ والنُّونِ، وكَذَلِكَ قِراءَةُ أهْلِ الكُوفَةِ ”نَعِمّا هي“، جَيِّدَةٌ، لِأنَّ الأصْلَ في ”نِعْمَ“: ”نَعِمَ“، و”نِعِمَ“ .
و”نِعْمَ“، فِيها ثَلاثُ لُغاتٍ، ولا يَجُوزُ مَعَ إدْغامِ المِيمِ ”نِعْمّا هي“، و”ما“، في تَأْوِيلِ ”اَلشَّيْءُ“، زَعَمَ البَصْرِيُّونَ أنَّ ”نِعِمّا هي“: نِعْمَ الشَّيْءُ هِيَ، وقَدْ فَسَّرْنا هَذا فِيما مَضى.
وَمَعْنى: ﴿وَإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾، هَذا كانَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكانَ الإخْفاءُ في إيتاءِ الزَّكاةِ أحْسَنَ، فَأمّا اليَوْمَ فالنّاسُ يُسِيئُونَ الظَّنَّ، فَإظْهارُ الزَّكاةِ أحْسَنُ، فَأمّا التَّطَوُّعُ فَإخْفاؤُهُ أحْسَنُ، لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى أنَّهُ يُرِيدُ اللَّهَ بِهِ وحْدَهُ، يُقالُ: ”أخْفَيْتُ الشَّيْءَ إخْفاءً“، إذا سَتَرْتُهُ، و”خَفِيَ خَفاءً“، إذا اسْتَتَرَ، و”خَفَيْتُهُ أخْفِيهِ خَفْيًا“، إذا أظْهَرْتُهُ، وأهْلُ المَدِينَةِ يُسَمُّونَ النَّبّاشَ: ”اَلْمُخْتَفِي“، قالَ الشّاعِرُ - في " خَفَيْتُهُ: أظْهَرْتُهُ -: (p-٣٥٥)
؎فَإنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نَخْفِهِ ∗∗∗ وإنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدِ
البقرة 2:272
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾، مَعْناهُ: إنَّما عَلَيْكَ الإبْلاغُ، كَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ - ﴿وَلا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩]، ومَعْنى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾، أيْ: يُوَفِّقُ مَن يَشاءُ لِلْهِدايَةِ، وقالَ قَوْمٌ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَهَداهُمْ، أيْ: لاضْطَرَّهم إلى أنْ يَهْتَدُوا، كَما قالَ: ﴿إنْ نَشَأْ نُنَـزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]، وكَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ [الأنعام: ٣٥]، وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ، هَذا فِيهِ: ”وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ“، فَلا مُهْتَدِيَ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، كَما قالَ: ﴿وَما تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ﴾ [هود: ٨٨]، ومَعْنى: ﴿وَما تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ﴾، هَذا خاصٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ، أعْلَمَهم أنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّهم يُرِيدُونَ بِنَفَقَتِهِمْ ما عِنْدَ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -، لِأنَّهُ إذا أعْلَمَهم ذَلِكَ فَقَدْ عَلِمُوا أنَّهم مُثابُونَ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكم وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكم ويُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، اَلرَّفْعُ في ”يُكَفِّرُ“، والجَزْمُ، جائِزانِ، ويُقْرَأُ: ”وَنُكَفِّرُ عَنْكم“، بِالنُّونِ، والياءِ، وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ يَخْتارُ الرَّفْعَ في ”وَيُكَفِّرُ“، قالَ: لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ قَدْ صارَ بِمَنزِلَتِهِ (p-٣٥٦)فِي غَيْرِ الجَزاءِ، وأجازَ الجَزْمَ عَلى مَوْضِعِ ”فَهو خَيْرٌ لَكم“، لِأنَّ المَعْنى: ”يَكُنْ خَيْرًا لَكم“، وذَكَرَ أنَّ بَعْضَهم قَرَأ: ”مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرْهم“، بِجَزْمِ الرّاءِ، والِاخْتِيارُ عِنْدَهُ الرَّفْعُ في قَوْلِهِ: ”وَيَذَرُهم“، وفِي: ”وَنُكَفِّرُ“، قالَ: فَأمّا النَّصْبُ فَضَعِيفٌ جِدًّا، لا يُجِيزُ: ”وَنُكَفِّرَ عَنْكم“، إلّا عَلى جِهَةِ الِاضْطِرارِ، وزَعَمَ أنَّهُ نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎سَأتْرُكُ مَنزِلِي لِبَنِي تَمِيمٍ ∗∗∗ وألْحَقَ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا
إلّا أنَّ النَّصْبَ أقْوى قَلِيلًا، لِأنَّهُ إنَّما يَجِبُ بِهِ الشَّيْءُ بِوُجُوبِ غَيْرِهِ، فَضارَعَ الِاسْتِفْهامَ، وما أشْبَهَهُ، هَذا قَوْلُ جَمِيعِ البَصْرِيِّينَ، وهو بَيِّنٌ واضِحٌ.
البقرة 2:273
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ”فُقَراءُ“: جَمْعُ ”فَقِيرٌ“، مِثْلَ ”ظَرِيفٌ“، و”ظُرَفاءُ“، وقالُوا في ”أُحْصِرُوا“، قَوْلَيْنِ: قالُوا أحْصَرَهم فَرْضُ الجِهادِ، فَمَنَعَهم مِنَ التَّصَرُّفِ، وقالُوا: أحْصَرَهم عَدُوُّهُمْ، لِأنَّهُ شَغَلَهم بِجِهادِهِ، ومَعْنى ”أُحْصِرُوا“: صارُوا إلى أنْ حَصَرُوا أنْفُسَهم لِلْجِهادِ، كَما تَقُولُ: ”رابَطَ في سَبِيلِ اللَّهِ“، ومَعْنى: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ﴾ (p-٣٥٧)أيْ: قَدْ ألْزَمُوا أنْفُسَهم أمْرَ الجِهادِ، فَمَنَعَهم ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفِ، ولَيْسَ لِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَتَصَرَّفُوا، وهَذا كَقَوْلِكَ: ”أمَرَنِي المَوْلى أنْ أُقِيمَ، فَما أقْدِرُ عَلى أنْ أبْرَحَ“، فالمَعْنى أنِّي قَدْ ألْزَمْتُ نَفْسِي طاعَتَهُ، لَيْسَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى الحَرَكَةِ، وهو صَحِيحٌ سَوِيٌّ، ويُقالُ: ”ضَرَبْتُ في الأرْضِ ضَرْبًا“، و”ضَرَبَ الفَحْلُ النّاقَةَ“، إذا حَمَلَ عَلَيْها ضِرابًا، و”اَلضَّرِيبُ“: اَلْجَلِيدُ الَّذِي يَسْقُطُ عَلى الأرْضِ، يُقالُ: ”ضَرَبَتِ الأرْضُ“، و”جُلِدَتِ الأرْضُ“، و”جَلِدَتِ الأرْضُ“، ورَوى الكِسائِيُّ: ”ضَرِبَتِ الأرْضُ“، و”جَلِدَتْ“، والأكْثَرُ ”ضَرَبَتْ“، و”جُلِدَتْ“ .
وَمَعْنى ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾، أيْ: يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ، ويَخالُهم أغْنِياءَ، مِنَ التَّعَفُّفِ عَنِ المَسْألَةِ، وإظْهارِ التَّجَمُّلِ.
وَمَعْنى: ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«مَن سَألَ ولَهُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا، فَقَدْ ألْحَفَ»“، ومَعْنى ”ألْحَفَ“: أيْ: اِشْتَمَلَ بِالمَسْألَةِ، وهو مُسْتَغْنٍ عَنْها، و”اَللِّحافُ“، مِن هَذا اشْتِقاقُهُ، لِأنَّهُ يَشْمَلُ الإنْسانَ في التَّغْطِيَةِ، والمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ مِنهم سُؤالٌ، فَيَكُونَ مِنهم إلْحافٌ، كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ ∗∗∗ إذا سافَهُ العَوْدُ الدَّيافِيَّ جَرْجَرا
اَلْمَعْنى: لَيْسَ بِهِ مَنارٌ فَيُهْتَدى بِها، وكَذَلِكَ لَيْسَ مِن هَؤُلاءِ سُؤالٌ فَيَقَعَ فِيهِ إلْحافٌ.
البقرة 2:274
(p-٣٥٨)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهُمْ﴾، ”اَلَّذِينَ“، رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وجازَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ما بَعْدَ الفاءِ، ولا يَجُوزُ في الكَلامِ: ”زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ“، لِأنَّ الفاءَ لا مَعْنى لَها، وإنَّما صَلُحَ في ”اَلَّذِينَ“، لِأنَّها تَأْتِي بِمَعْنى الشَّرْطِ، والجَزاءِ.
البقرة 2:275
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾، اَلْمَعْنى: اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ في الآخِرَةِ إلّا كَما يَقُومُ المَجْنُونُ مِن حالِ جُنُونِهِ، زَعَمَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ ذَلِكَ عَلَمٌ لَهم في المَوْقِفِ، يَعْرِفُهم بِهِ أهْلُ المَوْقِفِ، يُعْلَمُ بِهِ أنَّهم أكَلَةُ الرِّبا في الدُّنْيا، يُقالُ: ”بِفُلانٍ مَسٌّ“، و”هو ألْمَسُ“، و”أوْلَقُ“، إذا كانَ بِهِ جُنُونٌ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى﴾، جازَ تَذْكِيرُ ”جاءَهُ“، وقالَ تَعالى - في مَوْضِعٍ آخَرَ -: ﴿قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧]، لِأنَّ كُلَّ تَأْنِيثٍ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ فَتَذْكِيرُهُ جائِزٌ، ألا تَرى أنَّ الوَعْظَ والمَوْعِظَةَ مُعَبِّرانِ عَنْ مَعْنًى واحِدٍ؟
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾، أيْ: قَدْ صُفِحَ لَهُ عَمّا سَلَفَ، ”وَأمْرُهُ إلى اللَّهِ“، أيْ: اَللَّهُ ولِيُّهُ.
وَمَعْنى: ﴿وَمَن عادَ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾، أيْ: مَن عادَ إلى اسْتِحْلالِ الرِّبا فَهو كافِرٌ، لِأنَّ مَن أحَلَّ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَهو (p-٣٥٩)كافِرٌ، وهَؤُلاءِ قالُوا: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾، ومَنِ اعْتَقَدَ هَذا فَهو كافِرٌ.
البقرة 2:278
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ الطّائِفِ كانُوا صُولِحُوا عَلى أنْ وُضِعَ عَنْهُمُ ما كانَ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّبا، وجُعِلَ لَهم أنْ يَأْخُذُوا ما لَهم مِنَ الرِّبا، وكانَ لَهم عَلى قَوْمٍ مِن قُرَيْشٍ مالٌ، فَطالَبُوهم عِنْدَ المَحْلِ بِالمالِ والرِّبا، فَقالَتْ تِلْكَ الفِرْقَةُ: ما بالُنا مِن أشْقى النّاسِ، يُؤْخَذُ مِنّا الرِّبا الَّذِي قَدْ وُضِعَ عَنْ سائِرِ النّاسِ، فَأمَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِتَرْكِ هَذِهِ البَقِيَّةِ.
البقرة 2:279
وَأعْلَمَ أنَّ مَن كانَ مُؤْمِنًا قَبِلَ عَنِ اللَّهِ أمْرَهُ، ومَن أبى فَهو حَرْبٌ، أيْ: كافِرٌ، فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾، وقالَ بَعْضُهُمْ: ”فَآذِنُوا“، فَمَن قالَ: ”فَأْذَنُوا“، فالمَعْنى: ”أيْقِنُوا“، ومَن قالَ: ”فَآذِنُوا“، كانَ مَعْناهُ: فَأعْلِمُوا كُلَّ مَن لَمْ يَتْرُكِ الرِّبا أنَّهُ حَرْبٌ، يُقالُ: ”قَدْ آذَنْتُهُ بِكَذا وكَذا، أُوذِنُهُ، إيذانًا“، إذا أعْلَمْتُهُ، و”قَدْ أذِنَ لَهُ، يَأْذَنُ، إذْنًا“، إذا عَلِمَ بِهِ.
البقرة 2:280
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾، أيْ: ”وَإنْ وقَعَ ذُو عُسْرَةٍ“، ولَوْ قُرِئَتْ: ”وَإنْ كانَ ذا عُسْرَةٍ“، لَجازَ، أيْ: وإنْ كانَ المَدِينُ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ ذا عُسْرَةٍ، ولَكِنْ لا يُخالَفُ المُصْحَفُ، والرَّفْعُ عَلى أنَّ ”إنْ كانَ“، عَلى مَعْنى ”إنْ وقَعَ ذُو عُسْرَةٍ“، ورَفْعُ ”فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ“، عَلى ”فَعَلى الَّذِي تُعامِلُونَهُ نَظِرَةٌ“، أيْ: تَأْخِيرٌ، يُقالُ: ”بِعْتُهُ بَيْعًا بِنَظِرَةٍ“، ومَن قالَ: ”فَناظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ“، فَـ”فاعِلَةٌ“، مِن أسْماءِ المَصادِرِ، نَحْوَ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، (p-٣٦٠)وَنَحْوَ ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥]، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”إلى مَيْسُرَةٍ“، فَأمّا مَن قَرَأ: ”إلى مَيْسُرِهِ“، عَلى جِهَةِ الإضافَةِ إلى الهاءِ، فَمُخْطِئٌ، لِأنَّ ”مَيْسُرٌ“، ”مَفْعُلٌ“، ولَيْسَ في الكَلامِ ”مَفْعُلٌ“، وزَعَمَ البَصْرِيُّونَ أنَّهم لا يَعْرِفُونَ ”مَفْعُلًا“، إنَّما يَعْرِفُونَ ”مَفْعُلَةً“، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِتَأْخِيرِ رَأْسِ المالِ بَعْدَ إسْقاطِ الرِّبا، إذا كانَ المُطالَبُ مُعْسِرًا، وأعْلَمَهم أنَّ الصَّدَقَةَ بِرَأْسِ المالِ عَلَيْهِ أفْضَلُ، فَقالَ: ﴿وَأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
البقرة 2:281
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾، هَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ويُقالُ: إنَّها آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِن كِتابِ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -، كَذا جاءَ في التَّفْسِيرِ.
البقرة 2:282
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾، يُقالُ: ”دايَنْتُ الرَّجُلَ“، إذا عامَلْتُهُ بِدَيْنٍ، أخَذْتُ مِنهُ، وأعْطَيْتُهُ، و”تَدايَنّا“، عَلى ”دايَنْتُهُ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎دايَنْتُ لَيْلى والدُّيُونُ تُقَضّى ∗∗∗ فَمَطَّلَتْ بَعْضًا وأدَّتْ بَعْضًا
وَيُقالُ: ”دِنْتُ“، و”أدَّنْتُ“، أيْ: اِقْتَرَضْتُ، و”أدَنْتُ“، إذا أقْرَضْتُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎أدانَ وأنْبَأهُ الأوَّلُو ∗∗∗ نَ أنَّ المُدانَ مَلِيءٌ وفِيُّ
(p-٣٦١)فالمَعْنى: إذا كانَ لِبَعْضِكم عَلى بَعْضٍ دَيْنٌ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ، فَأمَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِكَتْبِ الدَّيْنِ، حِفْظًا مِنهُ لِلْأمْوالِ، وكَذَلِكَ الإشْهادُ فِيها، ولِلنّاسِ مِنَ الظُّلْمِ، لِأنَّ صاحِبَ الدَّيْنِ إذا كانَتْ عَلَيْهِ الشُّهُودُ والبَيِّنَةُ قَلَّ تَحْدِيثُهُ نَفْسَهُ بِالطَّمَعِ في إذْهابِهِا، فَأمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - بِالإشْهادِ، والكِتابِ، قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: هَذا أدَبٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، ولَيْسَ بِأمْرٍ حَتْمٍ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢]، فَلَيْسَ يَجِبُ كُلَّما يَحِلُّ مِنَ الإحْرامِ أنْ يَصْطادَ، وكَما قالَ: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وهَذا خِلافُ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ في كِتابِ الدَّيْنِ والإشْهادِ، لِأنَّ هَذَيْنِ جَمِيعًا إباحَةٌ بَعْدَ تَحْرِيمٍ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، وقالَ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، ثُمَّ أباحَ لَهم إذا زالَ الإحْرامُ الصَّيْدَ، وكَذَلِكَ قالَ: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، فَأباحَ لَهم بَعْدَ انْقِضاءِ الصَّلاةِ الِابْتِغاءَ مِن فَضْلِهِ، والِانْتِشارَ في الأرْضِ، لِما أرادُوا مِن بَيْعٍ وغَيْرِهِ، ولَيْسَتْ آيَةُ الدَّيْنِ كَذَلِكَ، ولَكِنَّ الَّذِي رَخَّصَ في تَرْكِ الإشْهادِ في قَوْلِ قَوْمٍ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، أيْ: يَكْتُبُ بِالحَقِّ، لا يَكْتُبُ لِصاحِبِ الدَّيْنِ فَضْلًا عَلى الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ، ولا يَنْقُصُهُ مِن حَقِّهِ، فَهَذا العَدْلُ.
(p-٣٦٢)وَمَعْنى: ﴿وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾، أيْ: لا يَأْبَ أنْ يَكْتُبَ كَما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الحَقِّ، وقِيلَ: كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ، أيْ: كَما فَضَّلَهُ اللَّهُ بِالكِتابِ، فَلا يَمْنَعَنَّ المَعْرُوفَ بِكِتابِهِ، و”أبى، يَأْبى“، في اللُّغَةِ مُنْفَرِدٌ، لَمْ يَأْتِ مِثْلُهُ إلّا ”قَلى، يَقْلى“، والَّذِي أتى ”أبى، يَأْبى“، لا غَيْرُ، ”فَعَلَ، يَفْعَلُ“، وهَذا غَيْرُ مَعْرُوفٍ، إلّا أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ العَيْنِ مِنَ الفِعْلِ، أوِ اللّامِ، حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الحَلْقِ، وقَدْ بَيَّناها، ولَكِنَّ القَوْلَ فِيهِ أنَّ الألِفَ في ”أبى“، أشْبَهَتِ الهَمْزَةَ، فَجاءَ ”يَفْعَلُ“، مَفْتُوحًا لِهَذِهِ العِلَّةِ، وهَذا القَوْلُ لِإسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ، ومِثْلُهُ ”قَلى، يَقْلى“ .
وَمَعْنى قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾، أيْ: لا يَنْقُصْ مِنهُ شَيْئًا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أوْ ضَعِيفًا أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ﴾، ”اَلسَّفِيهُ“: اَلْخَفِيفُ العَقْلِ، ومِن هَذا قِيلَ: ”تَسَفَّهَتِ الرِّيحُ الشَّيْءَ“، إذا حَرَّكَتْهُ، و”اِسْتَخَفَّتْهُ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎مَشَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ ∗∗∗ أعالِيَها مَرُّ الرِّياحِ النَّواسِمِ
(p-٣٦٣)فالصِّبْيانُ، والنِّساءُ اللّاتِي لا يُمَيِّزْنَ تَمْيِيزًا صَحِيحًا، سُفَهاءُ، والضَّعِيفُ في عَقْلِهِ سَفِيهٌ، والَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى الإمْلاءِ العَيِيُّ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الجَهُولُ سَفِيهًا كَهَؤُلاءِ، ومَعْنى: ﴿فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ﴾ أيْ: اَلَّذِي يَقُومُ بِأمْرِهِ، لِأنَّ اللَّهَ أمَرَ ألّا نُؤْتِيَ السُّفَهاءَ الأمْوالَ، وأمَرَ أنْ يُقامَ لَهم بِها، فَقالَ: ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]، فَوَلِيُّهُ الَّذِي يَقُومُ مَقامَهُ في مالِهِ لَوْ كانَ مُمَيِّزًا، وقالَ قَوْمٌ: ولِيُّ الدَّيْنِ، وهَذا بَعِيدٌ، كَيْفَ يُقْبَلُ قَوْلُ المُدَّعِي؟ وما حاجَتُنا إلى الكِتابِ والإشْهادِ والقَوْلُ قَوْلُهُ.
﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾، مَعْنى ”رِجالِكم“، مِن أهْلِ مِلَّتِكُمْ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾، أيْ: فالَّذِي يَشْهَدُ - إنْ لَمْ يَكُنْ رَجُلانِ - رَجُلٌ وامْرَأتانِ، ومَعْنى ”مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ“: أيْ: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مَذْهَبَهُ، ودَلَّ بِهَذا القَوْلِ أنَّ في الشُّهُودِ مَن يَنْبَغِي ألّا يُرْضى.
﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾، مَن كَسَرَ ”أنْ“، فالكَلامُ عَلى لَفْظِ الجَزاءِ ومَعْناهُ.
اَلْمَعْنى في ”إنْ تَضِلَّ“: ”إنْ تَنْسَ إحْداهُما تُذَكِّرْها الذّاكِرَةُ، فَتَذْكُرَ“، و”فَتُذَكِّرُ“، رُفِعَ مَعَ كَسْرِ ”إنْ“، (p-٣٦٤)لا غَيْرُ، ومَن قَرَأ: ”أنْ تَضِلَّ فَتُذَكِّرَ“، وهي قِراءَةُ أكْثَرِ النّاسِ، فَزَعَمَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ فِيها أنَّ الجَزاءَ فِيها مُقَدَّمٌ، أصْلُهُ التَّأْخِيرُ، وقالَ: اَلْمَعْنى: اِسْتَشْهِدُوا امْرَأتَيْنِ مَكانَ الرَّجُلِ، كَيْ تُذَكِّرَ الذّاكِرَةُ النّاسِيَةَ، إنْ نَسِيَتْ، فَلَمّا تَقَدَّمَ الجَزاءُ اتَّصَلَ بِأوَّلِ الكَلامِ، وفُتِحَتْ ”أنْ“، وصارَ جَوابُهُ مَرْدُودًا عَلَيْهِ، ومِثْلُهُ: ”إنِّي لَيُعْجِبُنِي أنْ يَسْألَ السّائِلُ فَيُعْطى“، قالَ: والمَعْنى: إنَّما يُعْجِبُهُ الإعْطاءُ إنْ سَألَ السّائِلُ، وزَعَمَ أنَّ هَذا قَوْلٌ بَيِّنٌ، ولَسْتُ أعْرِفُ لِمَ صارَ الجَزاءُ إذا تَقَدَّمَ - وهو في مَكانِهِ أوْ في غَيْرِ مَكانِهِ - وجَبَ أنْ يُفْتَحَ ”أنْ“، مَعَهُ، وذَكَرَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ، وجَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ المَوْثُوقِ بِعِلْمِهِمْ، أنَّ المَعْنى: اِسْتَشْهِدُوا امْرَأتَيْنِ لِأنْ تُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى، ومِن أجْلِ أنْ تُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى، قالَ سِيبَوَيْهِ: فَإنْ قالَ إنْسانٌ: فَلِمَ جازَ ”أنْ تَضِلَّ“، وإنَّما أُعِدَّ هَذا لِلْإذْكارِ؟ فالجَوابُ أنَّ الإذْكارَ لَمّا كانَ سَبَبُهُ الإضْلالُ، جازَ أنْ يُذْكَرَ ”أنْ تَضِلَّ“، لِأنَّ الإضْلالَ هو السَّبَبُ الَّذِي أوْجَبَ الإذْكارَ، قالَ: ومِثْلُهُ: ”أعْدَدْتُ هَذا الجِذْعَ أنْ يَمِيلَ الحائِطُ، فَأُدَعِّمَهَ“، وإنَّما أعْدَدْتُهُ لِلدَّعْمِ، لا لِلْمَيْلِ، ولَكِنَّ المَيْلَ ذُكِرَ لِأنَّهُ سَبَبُ الدَّعْمِ، كَما ذُكِرَ الإضْلالُ لِأنَّهُ سَبَبُ الإذْكارِ، فَهَذا هو البَيِّنُ إنْ شاءَ اللَّهُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾، (p-٣٦٥)يُرْوى عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: ”﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾“، لِابْتِداءِ الشَّهادَةِ، أيْ: ولا يَأْبَوْا إذا دُعُوا لِإقامَتِها، وهَذا الَّذِي قالَ الحَسَنُ هو الحَقُّ - واللَّهُ أعْلَمُ -، لِأنَّ الشُّهَداءَ إذا أبَوْا - وكانَ ذَلِكَ لَهم - أنْ يَشْهَدُوا، تَوِيَتْ حُقُوقُهُمْ، وبَطَلَتْ مُعامَلاتُهم فِيما يَحْتاجُونَ إلى التَّوَثُّقِ فِيهِ، وقالَ غَيْرُ الحَسَنِ: ”﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾“، وكانَتْ في أعْناقِهِمْ شَهادَةٌ، أنْ يُقِيمُوها، فَأمّا إذا لَمْ يَكُونُوا شُهَداءَ، فَهم مُخَيَّرُونَ في ابْتِداءِ الشَّهادَةِ، إنْ شاؤُوا شَهِدُوا، وإنْ شاؤُوا أبَوْا، ويَدُلُّ عَلى تَوْكِيدِ أنَّ الشّاهِدَ يَنْبَغِي لَهُ إذا ما دُعِيَ ابْتِداءً أنْ يُجِيبَ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا إلى أجَلِهِ﴾، أيْ: لا تَمَلُّوا أنْ تَكْتُبُوا ما أُشْهِدْتُمْ عَلَيْهِ، فَقَدْ أُمِرُوا بِهَذا، فَهَذا يُؤَكِّدُ أنَّ أمْرَ الشَّهادَةِ في الِابْتِداءِ واجِبٌ، وأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُمَلَّ، ويُقالَ: ”سَئِمْتُ، أسْأمُ، سَآمَةً، وسَأمًا“، قالَ الرّاجِزُ:
؎لَمّا رَأيْتُ أنَّهُ لا قامَةْ ∗∗∗ وأنَّنِي ساقٍ عَلى السَّآمَةْ
؎نَزَعْتُ نَزْعًا زَعْزَعَ الدِّعامَةْ
وَمَعْنى: ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً﴾، أكْثَرُ القُرّاءِ عَلى الرَّفْعِ: ”تِجارَةٌ حاضِرَةٌ“، عَلى مَعْنى: ”إلّا أنْ تَقَعَ تِجارَةٌ (p-٣٦٦)حاضِرَةٌ“، ومَن نَصَبَ ”تِجارَةً“، وهي قِراءَةُ عاصِمٍ، فالمَعْنى: إلّا أنْ تَكُونَ المُدايَنَةُ تِجارَةً حاضِرَةً، والرَّفْعُ أكْثَرُ، وهي قِراءَةُ النّاسِ، فَرَخَّصَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - في تَرْكِ كِتابَةِ ما يُدِيرُونَهُ بَيْنَهُمْ، لِكَثْرَةِ ما تَقَعُ المُعامَلَةُ فِيهِ، وأنَّهُ أكْثَرُ ما تَقَعُ المُتاجَرَةُ بِالشَّيْءِ القَلِيلِ، وإنْ وقَعَ فِيهِ الدَّيْنُ، ووَكَّدَ في الإشْهادِ في البَيْعِ، فَقالَ: ﴿وَأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾، وقَدْ بَيَّنّا ما الَّذِي رُخِّصَ في تَرْكِ الإشْهادِ، ومَعْنى: ﴿وَلا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ قالُوا فِيهِ قَوْلَيْنِ: قالَ بَعْضُهُمْ: ”لا يُضارَّ“: ”لا يُضارِرْ“، فَأُدْغِمَتِ الرّاءُ في الرّاءِ، وفُتِحَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ومَعْنى ”لا يُضارَّ“: لا يَكْتُبِ الكاتِبُ إلّا بِالحَقِّ، ولا يَشْهَدِ الشّاهِدُ إلّا بِالحَقِّ، وقالَ قَوْمٌ: ”وَلا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ“: لا يُدْعى الكاتِبُ وهو مَشْغُولٌ، لا يُمْكِنُهُ تَرْكُ شُغْلِهِ، إلّا بِضَرَرٍ يَدْخُلُ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ لا يُدْعى الشّاهِدُ ومَجِيئُهُ لِلشَّهادَةِ يَضُرُّ بِهِ، والأوَّلُ أبْيَنُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾، فالفاسِقُ أشْبَهُ بِغَيْرِ العَدْلِ، وبِمَن حَرَّفَ الكِتابَ مِنهُ، بِالَّذِي دَعا شاهِدًا لِيَشْهَدَ، ودَعا كاتِبًا لِيَكْتُبَ وهو مَشْغُولٌ، فَلَيْسَ يُسَمّى هَذا فاسِقًا، ولَكِنْ يُسَمّى مَن كَذَبَ في الشَّهادَةِ، ومَن حَرَّفَ الكِتابَ ”فاسِقًا“ .
البقرة 2:283
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، قَرَأ النّاسُ: ”فَرُهُنٌ مَقْبُوضَةٌ“، و”فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ“، فَأمّا ”رُهُنٌ“، فَهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو، وذَكَرَ فِيهِ غَيْرُ واحِدٍ أنَّها قُرِئَتْ: ”فَرُهُنٌ“، لِيَفْصِلَ بَيْنَ الرِّهانِ في الخَيْلِ، (p-٣٦٧)وَبَيْنَ جَمْعِ ”رَهْنٌ“، في غَيْرِها، و”رُهُنٌ“، و”رِهانٌ“، أكْثَرُ في اللُّغَةِ، قالَ الفَرّاءُ: ”رُهُنٌ“، جَمْعُ ”رِهانٌ“، وقالَ غَيْرُهُ: ”رُهُنٌ“، و”رَهْنٌ“، مِثْلُ ”سُقُفٌ“، و”سَقْفٌ“، و”فَعْلٌ“، و”فُعْلٌ“، قَلِيلٌ، إلّا أنَّهُ صَحِيحٌ، قَدْ جاءَ، فَأمّا في الصِّفَةِ فَكَثِيرٌ، يُقالُ: ”فَرَسٌ ورْدٌ“، و”خَيْلٌ وُرْدٌ“، ورَجُلٌ ”ثَطٌّ“، و”قَوْمٌ ثُطٌّ“، والقِراءَةُ عَلى ”رُهُنٌ“، أعْجَبُ إلَيَّ، لِأنَّها مُوافِقَةٌ لِلْمُصْحَفِ، وما وافَقَ المُصْحَفَ، وصَحَّ مَعْناهُ، وقَرَأتْ بِهِ القُرّاءُ، فَهو المُخْتارُ، و”رِهانٌ“، جَيِّدٌ بالِغٌ، يُقالُ: ”رَهَنْتُ الرَّهْنَ، وأرْهَنْتُهُ“، و”أرْهَنْتُ“، أقَلُّهُما، قالَ الشّاعِرُ - في ”أرْهَنْتُ“ -:
؎فَلَمّا خَشِيتُ أظافِيرَهم ∗∗∗ نَجَوْتُ وأرْهَنْتُهم مالِكًا
وَقالَ - في ”رَهَنْتُ“، أنْشَدَهُ غَيْرُ واحِدٍ -: (p-٣٦٨)
؎فَهَلْ مِن كاهِنٍ أوْ ذِي إلَهٍ ∗∗∗ إذا ما حانَ مِن رَبِّي قُفُولُ
؎يُراهِنُنِي فَيَرْهَنُنِي بَنِيهِ ∗∗∗ وأرْهَنُهُ بَنِيَّ بِما أقُولُ
؎لَما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يُعِيلُ
البقرة 2:284
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾، مَعْناهُ: هو خالِقُهُما.
﴿وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾، مَعْناهُ: إنْ تُظْهِرُوا العَمَلَ بِهِ، أوْ تُسِرُّوهُ، يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا مَنسُوخٌ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«تُجَوِّزَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَنْ نِسْيانِها، وما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها»“ .
البقرة 2:285
وَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - فَرْضَ الصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والطَّلاقَ، والحَيْضَ، والإيلاءَ، والجِهادَ، وأقاصِيصَ الأنْبِياءِ، والدَّيْنَ، والرِّبا، خَتَمَ السُّورَةَ بِذِكْرِ تَعْظِيمِهِ، وذِكْرِ تَصْدِيقِ نَبِيِّهِ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْـزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ﴾، أيْ: صَدَّقَ الرَّسُولُ بِجَمِيعِ هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي جَرى ذِكْرُها، وكَذَلِكَ المُؤْمِنُونَ، ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾، أيْ: صَدَّقَ بِاللَّهِ، ﴿وَمَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ﴾، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ”وَكِتابِهِ“، وقَرَأتْهُ جَماعَةٌ مِنَ القُرّاءِ، فَأمّا ”كُتُبٌ“، فَجَمْعُ ”كِتابٌ“، مِثْلُ: ”مِثالٌ“، و”مُثُلٌ“، و”حِمارٌ“، و”حُمُرٌ“، وقِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ في قِراءَتِهِ: ”وَكِتابِهِ“، فَقالَ: ”كِتابٌ“، أكْثَرُ مِن ”كُتُبٌ“، ذَهَبَ بِهِ إلى اسْمِ الجِنْسِ، (p-٣٦٩)كَما تَقُولُ: ”كَثُرَ الدِّرْهَمُ في أيْدِي النّاسِ“، ومَعْنى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾، أيْ: لا نَفْعَلُ كَما فَعَلَ أهْلُ الكِتابِ قَبْلَنا، الَّذِينَ آمَنُوا بِبَعْضِ الرُّسُلِ، وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، نَحْوَ كُفْرِ اليَهُودِ بِعِيسى، وكُفْرِ النَّصارى بِغَيْرِهِ، فَأخْبَرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ أنَّهم يَقُولُونَ: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾، أيْ: سَمِعْنا سَمْعَ قابِلِينَ، و”أطَعْنا“: قَبِلْنا ما سَمِعْنا، لِأنَّ مَن سَمِعَ فَلَمْ يَعْمَلْ، قِيلَ لَهُ: ”أصَمُّ“، كَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨]، لَيْسَ لِأنَّهم لا يَسْمَعُونَ، ولَكِنَّهم صارُوا في تَرْكِ القَبُولِ بِمَنزِلَةِ مَن لا يَسْمَعُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎أصَمُّ عَمّا ساءَهُ سَمِيعُ
وَمَعْنى: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ أيْ: اِغْفِرْ غُفْرانَكَ، و”فُعْلانٌ“، مِن أسْماءِ المَصادِرِ، نَحْوَ: ”اَلسُّلْوانُ“، و”اَلْكُفْرانُ“، ومَعْنى: ﴿وَإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ أيْ: نَحْنُ مُقِرُّونَ بِالبَعْثِ.
البقرة 2:286
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾، أيْ: إلّا قَدْرَ طاقَتِها، لا يُكَلِّفُها فَرْضًا مِن فُرُوضِهِ، مِن صَوْمٍ، أوْ صَلاةٍ، أوْ صَدَقَةٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، إلّا بِمِقْدارِ طاقَتِها، ومَعْنى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾، أيْ: لا يُؤاخِذُ أحَدًا بِذَنْبِ غَيْرِهِ، كَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [فاطر: ١٨] (p-٣٧٠)وَمَعْنى: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾، قِيلَ فِيهِ قَوْلانِ: قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ عَلى ما جاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”عُفِيَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَنْ نِسْيانِها، وما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها“، وقِيلَ: ”﴿إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾“، أيْ: إنْ تَرَكْنا، و”أوْ أخْطَأْنا“، أيْ: كَسَبْنا خَطِيئَةً، واللَّهُ أعْلَمُ، إلّا أنَّ هَذا الدُّعاءَ أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ، وجَعَلَهُ في كِتابِهِ لِيَكُونَ دُعاءَ مَن يَأْتِي بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ، والصَّحابَةِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - قالَ في كُلِّ فَصْلٍ مِن هَذا الدُّعاءِ: (فَعَلْتُ.. فَعَلْتُ)،» أيْ: اِسْتَجَبْتُ، فَهو مِنَ الدُّعاءِ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُحْفَظَ، وأنْ يُدْعى بِهِ كَثِيرًا.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾، كُلُّ عَقْدٍ مِن قَرابَةٍ، أوْ عَهْدٍ، فَهو إصْرٌ، العَرَبُ تَقُولُ: ”ما تَأْصِرُنِي عَلى فُلانٍ آصِرَةٌ“، أيْ: ما تَعْطِفُنِي عَلَيْهِ قَرابَةٌ، ولا مِنَّةٌ، قالَ الحُطَيْئَةُ:
؎عَطَفُوا عَلَيَّ بِغَيْرِ آ ∗∗∗ صِرَةٍ فَقَدْ عَظُمَ الأواصِرُ
أيْ: عَطَفُوا عَلَيَّ بِغَيْرِ عَهْدِ قَرابَةٍ، و”اَلْمَأْصَرُ“، مِن هَذا مَأْخُوذٌ، إنَّما هو عَقْدٌ لِيُحْبَسَ بِهِ، ويُقالُ لِلشَّيْءِ الَّذِي تُعْقَدُ بِهِ الأشْياءُ: ”اَلْإصارُ“، فالمَعْنى: لا تَحْمِلْ عَلَيْنا أمْرًا يَثْقُلُ كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا، نَحْوَ ما (p-٣٧١)أُمِرَ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ مِن قَتْلِ أنْفُسِهِمْ، أيْ: لا تَمْتَحِنّا بِما يَثْقُلُ أيْضًا، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣]، والمَعْنى: لا تَمْتَحِنّا بِمِحْنَةٍ تَثْقُلُ.
وَمَعْنى: ﴿وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ أيْ: ما يَثْقُلُ عَلَيْنا.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَهَلْ يَجُوزُ أنْ يُحَمِّلَ اللَّهُ أحَدًا ما لا يُطِيقُ؟ قِيلَ لَهُ: إنْ أرَدْتَ ما لَيْسَ في قُدْرَتِهِ البَتَّةَ فَهَذا مُحالٌ، وإنْ أرَدْتَ ما يَثْقُلُ ويَخِفُّ، فَلِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يَفْعَلَ مِن ذَلِكَ ما أحَبَّ، لِأنَّ الَّذِي كَلَّفَهُ بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَتْلِ أنْفُسِهِمْ يَثْقُلُ، وهَذا كَقَوْلِ القائِلِ: ”ما أُطِيقُ كَلامَ فُلانٍ“، فَلَيْسَ المَعْنى: لَيْسَ في قُدْرَتِي أنْ أُكَلِّمَهُ، ولَكِنْ مَعْناهُ في اللُّغَةِ أنَّهُ يَثْقُلُ عَلَيَّ.
وَمَعْنى: ﴿فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾، أيْ: اُنْصُرْنا عَلَيْهِمْ في إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وفي غَلَبِنا إيّاهم في حَرْبِهِمْ، وسائِرِ أمْرِهِمْ، حَتّى تُظْهِرَ دِينَنا عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، كَما وعَدْتَنا.
(p-٣٧٢)
آل عمران 3:1
(p-٣٧٣)سُورَةُ آلِ عِمْرانَ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ [آل عمران: ٢]، أجْمَعَتِ القُرّاءُ عَلى فَتْحِ المِيمِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ الرُّواسِيِّ ”المْ اَللَّهُ“، بِتَسْكِينِ المِيمِ، وقَدْ رَوى هَذِهِ القِراءَةَ بَعْضُهم عَنْ عاصِمٍ، والمَضْبُوطُ عَنْ عاصِمٍ في رِوايَةِ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ، وأبِي عَمْرٍو، فَتْحُ المِيمِ، وفَتْحُ المِيمِ إجْماعٌ، وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى ”الم“، واخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في عِلَّةِ فَتْحِ المِيمِ، فَقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ المِيمُ فُتِحَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ طُرِحَتْ عَلَيْها فَتْحَةُ الهَمْزَةِ، لِأنَّ نِيَّةَ حُرُوفِ الهِجاءِ الوَقْفُ، وهَذا أيْضًا قَوْلُ الكُوفِيِّينَ، وذَكَرَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ أنَّ المِيمَ لَوْ كُسِرَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَقِيلَ: ”المِ اللَّهُ“، لَجازَ، وهَذا غَلَطٌ مِن أبِي الحَسَنِ، لِأنَّ قَبْلَ المِيمِ ياءً مَكْسُورًا ما قَبْلَها، فَحَقُّها الفَتْحُ، لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وذَلِكَ لِثِقَلِ الكَسْرَةِ مَعَ الياءِ، فَأمّا ﴿القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢]، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، جَمِيعًا، أنَّهُما قَرَآ: ”اَلْقَيّامُ“، وقَدْ رُوِيْتْ: ”اَلْقَيِّمُ“، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ ما عَلَيْهِ المُصْحَفُ، وهُوَ: ”اَلْقَيُّومُ“، بِالواوِ، و”اَلْقَيِّمُ“، أيْضًا جَيِّدٌ بالِغٌ كَثِيرٌ في العَرَبِيَّةِ، ولَكِنَّ القِراءَةَ بِخِلافِ ما في المُصْحَفِ (p-٣٧٤)لا تَجُوزُ، لِأنَّ المُصْحَفَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، ولا يُعارَضُ الإجْماعُ بِرِوايَةٍ لا يُعْلَمُ كَيْفَ صِحَّتُها، ومَعْنى ”اَلْقَيُّومُ“: اَلْقائِمُ بِتَدْبِيرِ جَمِيعِ ما خَلَقَ، مِن إحْياءٍ، وإنْشاءٍ، ورِزْقٍ، ومَوْتٍ، وأصْلُ ”قَيُّومٌ“: ”قَيْوُومٌ“، إلّا أنَّ الياءَ إذا سَبَقَتِ الواوَ بِسُكُونٍ، قُلِبَتْ لَها الواوُ، وأُدْغِمَتِ الياءُ فِيها، وكَذَلِكَ ”اَلْقَيّامُ“، أصْلُهُ ”اَلْقَيْوامُ“، ومَعْنى ”الكِتابَ“: ما كُتِبَ، يُقالُ لِلْقُرْآنِ: ”كِتابٌ“، لِأنَّهُ يُكْتَبُ، ومَعْنى ”يُكْتَبُ“، في اللُّغَةِ: يُجْمَعُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ، و”اَلْكُتْبَةُ“، في اللُّغَةِ: اَلْخَرْزَةُ، وجَمْعُها ”كُتُبٌ“، و”اَلْكَتِيبَةُ“: اَلْقِطْعَةُ مِنَ الجَيْشِ العَظِيمَةُ، إنَّما سُمِّيَتْ لِاجْتِماعِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ.
وَمَعْنى ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ٣]، أيْ: لِلْكُتُبِ الَّتِي تَقَدَّمَتْهُ، والرُّسُلِ الَّتِي أتَتْ بِها.
آل عمران 3:3
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأنْـزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ٤]، أيْ: مِن قَبْلِ القُرْآنِ، وقَدِ اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في ”تَوْراةٌ“، فَقالَ الكُوفِيُّونَ: ”تَوْراةٌ“، يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ ”تَفْعَلَةٌ“، مِن ”وَرَيْتُ بِكَ زِنادِي“، فالأصْلُ عِنْدَهم ”تَوْرَيَةٌ“، إلّا أنَّ الياءَ قُلِبَتْ ألِفًا لِتَحَرُّكِها، وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، و”تَفْعَلَةٌ“، لا تَكادُ تُوجَدُ في الكَلامِ، إنَّما قالُوا في ”تُتْفَلَةٌ“: ”تَتْفَلَةٌ“، وقالَ بَعْضُهُمْ: يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ ”تَفْعِلَةٌ“، مِثْلَ ”تَوْصِيَةٌ“، ولَكِنْ قُلِبَتْ مِن ”تَفْعِلَةٌ“، (p-٣٧٥)إلى ”تَفْعَلَةٌ“، وكَأنَّهُ يُجِيزُ في ”تَوْصِيَةٌ“، ”تَوْصاةٌ“، وهَذا رَدِيءٌ، ولَمْ يَثْبُتْ في ”تَوْفِيَةٌ“، ”تَوْفاةٌ“، ولا في ”تَوْقِيَةٌ“، ”تَوْقاةٌ“، وقالَ البَصْرِيُّونَ: أصْلُها ”فَوْعَلَةٌ“، و”فَوْعَلَةٌ“، كَثِيرٌ في الكَلامِ، مِثْلَ: ”اَلْحَوْقَلَةُ“، و”دَوْخَلَةٌ“، وما أشْبَهَ ذَلِكَ، وكُلُّ ما قُلْتَ فِيهِ: ”فَوْعَلْتُ“، فَمَصْدَرُهُ ”فَوْعَلَةٌ“، فَأصْلُها عِنْدَهُمْ: ”وَوْرَيَةٌ“، ولَكِنَّ الواوَ الأُولى قُلِبَتْ تاءً، كَما في ”تَوْلَجٌ“، وإنَّما هو ”فَوْعَلٌ“، مِن ”وَلَجَتْ“، وكَما قُلِبَتْ في ”تُراثٌ“، الياءُ الأخِيرَةُ، قُلِبَتْ أيْضًا، لِتَحَرُّكِها، وانْفِتاحِ ما قَبْلَها بِإجْماعٍ.
و”إنْجِيلٌ“: ”إفْعِيلٌ“، مِن ”اَلنَّجْلُ“، وهو الأصْلُ، هَكَذا يَقُولُ جَمِيعُ أهْلِ اللُّغَةِ في ”إنْجِيلٌ“ .
وَمَعْنى: ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ٤] أيْ: مِن قَبْلِ القُرْآنِ، ومَعْنى ﴿وَأنْـزَلَ الفُرْقانَ﴾ [آل عمران: ٤]، أيْ: ما فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ورُوِيَ عَنْ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّ كُلَّ كِتابٍ لِلَّهِ ”فُرْقانٌ“، ومَعْنى: ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [آل عمران: ٤] أيْ: قَدْ ذَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، بِأثَرِ صَنْعَتِهِ فِيهِ، ومَعْنى ”ذُو انْتِقامٍ“: أيْ: ذُو أنْقامٍ مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ، لِأنَّ ذِكْرَ الكافِرِينَ هَهُنا جَرى.
آل عمران 3:5
وَمَعْنى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾: أيْ: هو ظاهِرٌ لَهُ، وهو - جَلَّ وعَزَّ - أنْشَأهُ.
آل عمران 3:6
وَمَعْنى ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾: (p-٣٧٦)أيْ: عَلى ما يَشاءُ مِن عَظْمٍ، وصِغَرِ لَوْنٍ، وضَعْفٍ وقُوَّةٍ، ولَهُ - جَلَّ وعَزَّ - في ذَلِكَ حِكْمَةٌ، كَما قالَ: ﴿لا إلَهَ إلا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
آل عمران 3:7
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: ”اَلْمُحْكَماتُ“: اَلْآياتُ في آخِرِ ”اَلْأنْعامِ“، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]، إلى آخِرِ هَذِهِ الآياتِ، والآياتُ المُتَشابِهاتُ: ”الم“، و”المر“، وما اشْتَبَهَ عَلى اليَهُودِ مِن هَذِهِ، ونَحْوِها ”، وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى“ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ ": أيْ: أُحْكِمَتْ في الإبانَةِ، فَإذا سَمِعَها السّامِعُ لَمْ يَحْتَجْ إلى تَأْوِيلِها، لِأنَّها ظاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ، نَحْوَ ما أنْبَأ اللَّهُ مِن أقاصِيصِ الأنْبِياءِ، مِمّا اعْتَرَفَ بِهِ أهْلُ الكِتابِ، وما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِن إنْشاءِ الخَلْقِ، مِن قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، فَهَذا اعْتَرَفَ القَوْمُ بِهِ، وأقَرُّوا بِأنَّ اللَّهَ هو خالِقُهُمْ، وما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِن خَلْقِهِ مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، وما خَلَقَ لَهم مِنَ الثِّمارِ، وسَخَّرَ لَهم مِنَ الفُلْكِ، والرِّياحِ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ، فَهَذا ما لَمْ يُنْكِرُوهُ، وأنْكَرُوا ما احْتاجُوا فِيهِ إلى النَّظَرِ والتَّدَبُّرِ، مِن أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يَبْعَثُهم بَعْدَ أنْ يَصِيرُوا تُرابًا، فَقالَ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٧] ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبإ: ٨]، ﴿وَكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٨]، (p-٣٧٧)فَهَذا الَّذِي هو المُتَشابِهُ عَلَيْهِمْ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ الوَجْهَ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلى أنَّ هَذا المُتَشابِهَ عَلَيْهِمْ كالظّاهِرِ، إنْ تَدَبَّرُوهُ، ونَظَرُوا فِيهِ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا﴾ [يس: ٨٠]، وقالَ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]، أيْ: إذا كُنْتُمْ قَدْ أقْرَرْتُمْ بِالإنْسانِ والِابْتِداءِ، فَما تُنْكِرُونَ مِنَ البَعْثِ والنُّشُورِ؟ وهَذا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، وهو بَيِّنٌ واضِحٌ، والقَوْلُ الأوَّلُ حَسَنٌ أيْضًا.
فَأمّا ”أُخَرُ“، فَغَيْرُ مَصْرُوفَةٍ، زَعَمَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ، أنَّ ”أُخَرُ“، فارَقَتْ أخَواتِها، والأصْلَ الَّذِي عَلَيْهِ بِناءُ أخَواتِها، لِأنَّ ”أُخَرُ“، أصْلُها أنْ تَكُونَ صِفَةً بِالألِفِ واللّامِ، كَما تَقُولُ: ”اَلصُّغْرى“، و”اَلصُّغَرُ“، و”اَلْكُبْرى“، و”اَلْكُبَرُ“، فَلَمّا عَدَلَتْ عَنْ مُجْرى الألِفِ واللّامِ، وأصْلِ ”أفْعَلُ مِنكَ“، وهي مِمّا لا تَكُونُ إلّا صِفَةً، مُنِعَتِ الصَّرْفَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ﴾، ”اَلزَّيْغُ“: اَلْجَوْرُ، والمَيْلُ عَنِ القَصْدِ، ويُقالُ: ”زاغَ، يَزِيغُ“، إذا جارَ، ومَعْنى ﴿ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ﴾، أيْ: يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِطَلَبِ الفِتْنَةِ، ولِطَلَبِ التَّأْوِيلِ، والفِتْنَةُ في اللُّغَةِ عَلى ضُرُوبٍ: فالضَّرْبُ الَّذِي ابْتَغاهُ هَؤُلاءِ هو فَسادُ ذاتِ البَيْنِ، (p-٣٧٨)فِي الدِّينِ والحُرُوبِ، و”اَلْفِتْنَةُ“، في اللُّغَةِ: اَلِاسْتِهْتارُ بِالشَّيْءِ، والغُلُوُّ فِيهِ، يُقالُ: ”فُلانٌ مَفْتُونٌ في طَلَبِ الدُّنْيا“، أيْ: قَدْ غَلا في طَلَبِها، وتَجاوَزَ القُدْرَةَ، و”اَلْفِتْنَةُ“: اَلِاخْتِبارُ، كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٥٣]، أيْ: اِخْتَبَرْنا، ومَعْنى ابْتِغائِهِمْ تَأْوِيلَهُ أنَّهم طَلَبُوا تَأْوِيلَ بَعْثِهِمْ، وإحْيائِهِمْ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ ووَقْتَهُ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، أيْ: يَوْمَ يَرَوْنَ ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ البَعْثِ، والنُّشُورِ، والعَذابِ، يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ، أيْ: اَلَّذِينَ تَرَكُوهُ، وتَرَكُوا ما أنْبَأ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن بَعْثِهِمْ، ومُجازاتِهِمْ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣]، أيْ: قَدْ رَأيْنا ما أنْبَأتْنا بِهِ الرُّسُلُ، فالوَقْفُ التّامُّ قَوْلُهُ: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ﴾، أيْ: لا يَعْلَمُ أحَدٌ مَتى البَعْثُ غَيْرُ اللَّهِ، ومَعْنى: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ أيْ: اَلثّابِتُونَ، يُقالُ: ”رَسَخَ الشَّيْءُ، يَرْسَخُ، رُسُوخًا“، إذا ثَبَتَ، أيْ: يَقُولُونَ صَدَّقْنا بِأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُنا، ويُؤْمِنُونَ بِأنَّ البَعْثَ حَقٌّ، كَما أنَّ الإنْشاءَ حَقٌّ، ويَقُولُونَ: ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾، (p-٣٧٩)وَيَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ الَّذِي اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَتَدَبَّرُوهُ، قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ﴾، أيْ: ذَوُو العُقُولِ، أيْ: ما يَتَذَكَّرُ القُرْآنَ وما أتى بِهِ الرَّسُولُ ﷺ إلّا أُولُو الألْبابِ.
آل عمران 3:8
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾، أيْ: لا تُمِلْها عَنِ الهُدى، والقَصْدِ، أيْ: لا تُضِلَّنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا، وقِيلَ أيْضًا: ”﴿لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾“: لا تَتَعَبَّدْنا بِما يَكُونُ سَبَبًا لِزَيْغِ قُلُوبِنا، وكِلاهُما جَيِّدٌ.
آل عمران 3:9
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾، يَدُلُّ عَلى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، فَقَوْلُهُمْ: ”﴿إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾“، إقْرارٌ بِالبَعْثِ، ودَلِيلٌ أنَّهم خالَفُوا مَن يَتَّبِعُ المُتَشابِهَ، لِأنَّ الَّذِينَ ابْتَغَوُا المُتَشابِهَ هُمُ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ، ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾، لا شَكَّ فِيهِ، وقَدْ شُرِحَ بِاسْتِقْصاءٍ فِيما تَقَدَّمَ مِن كِتابِنا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾، جائِزٌ أنْ يَكُونَ حِكايَةً عَنِ المُوَحِّدِينَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنِ اللَّهِ، وجائِزٌ فَتْحُ ”أنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ“، فَيَكُونُ المَعْنى: جامِعُ النّاسِ لِأنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ، أيْ: قَدْ أعْلَمْتَنا ذَلِكَ، ونَحْنُ غَيْرُ شاكِّينَ فِيهِ.
آل عمران 3:10
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾، أيْ: اَلْكُفّارُ يُعَذَّبُونَ، وهم وقُودُ أنْفُسِهِمْ، كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم وعِظامُهم بِالِاتِّقادِ، بُدِّلُوا جُلُودًا غَيْرَها، فَعَذَّبَهم بِجُلُودِهِمْ، وعِظامِهِمْ.
آل عمران 3:11
(p-٣٨٠)وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أيْ: كَشَأْنِ آلِ فِرْعَوْنَ، وكَأمْرِ آلِ فِرْعَوْنَ، كَذا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ، والقَوْلُ عِنْدِي فِيهِ - واللَّهُ أعْلَمُ -: إنَّ ”دَأْبِ“ هَهُنا، أيْ: اجْتِهادُهم في كُفْرِهِمْ، وتَظاهُرِهِمْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، كَتَظاهُرِ آلِ فِرْعَوْنَ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ومَوْضِعُ الكافِ رَفْعٌ، وهو في مَوْضِعِ خَبَرِ الِابْتِداءِ، المَعْنى: دَأْبُهم مِثْلُ دَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، و”كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ“، يُقالُ: ”دَأبْتُ، أدْأبُ، دَأْبًا، ودُؤُوبًا“، إذا اجْتَهَدْتَ في الشَّيْءِ، ولا يَصْلُحُ أنْ تَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ”كَفَرُوا“، لِأنَّ ”كَفَرُوا“، في صِلَةِ ”اَلَّذِينَ“، لا يَصْلُحُ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا كَكُفْرِ آلِ فِرْعَوْنَ، لِأنَّ الكافَ خارِجَةٌ مِنَ الصِّلَةِ، ولا يَعْمَلُ فِيها ما في الصِّلَةِ.
آل عمران 3:12
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾، وتُقْرَأُ: ”سَيُغْلَبُونَ“، فَمَن قَرَأ بِالتّاءِ فَلِلْحِكايَةِ، والمُخاطَبَةِ، أيْ: قُلْ لَهم في خِطابِكَ: سَتُغْلَبُونَ، ومَن قالَ: ”سَيُغْلَبُونَ“، فالمَعْنى: بَلِّغْهم أنَّهم سَيُغْلَبُونَ، وهَذا فِيهِ أعْظَمُ آيَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ أنْبَأهم بِما لَمْ يَكُنْ، وأنْبَأهم بِغَيْبٍ، ثُمَّ بانَ تَصْدِيقُ ما أنْبَأ بِهِ، لِأنَّهُ ﷺ غَلَبَهم أجْمَعِينَ، كَما أنْبَأهُمْ، ومَعْنى ﴿وَبِئْسَ المِهادُ﴾ بِئْسَ المَثْوى، وبِئْسَ الفِراشُ.
آل عمران 3:13
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا﴾، ”آيَةٌ“: عَلامَةٌ مِن أعْلامِ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي تَدُلُّ عَلى تَصْدِيقِهِ، و”اَلْفِئَةُ“، في اللُّغَةِ: (p-٣٨١)اَلْفِرْقَةُ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: ”فَأوْتُ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ“، و”فَأيْتُهُ“، إذا فَلَقْتُهُ، ومَعْنى ”فِئَتَيْنِ“: فِرْقَتَيْنِ.
﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ﴾، اَلرَّفْعُ والخَفْضُ جائِزانِ جَمِيعًا، فَأمّا مَن رَفَعَ فالمَعْنى: إحْداهُما تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، والأُخْرى كافِرَةٌ، ومَن خَفَضَ جَعَلَ ”فِئَةٍ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٍ“، بَدَلًا مِن فِئَتَيْنِ، المَعْنى: قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَةٍ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وفي أُخْرى كافِرَةٍ، وأنْشَدُوا بَيْتَ كُثَيِّرٍ عَلى جِهَتَيْنِ:
؎وَكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ رِجْلٌ صَحِيحَةٌ ∗∗∗ ورِجْلٌ رَمى فِيها الزَّمانُ فَشُلَّتِ
وَأنْشَدُوا أيْضًا: "
؎رِجْلٍ صَحِيحَةٍ ∗∗∗ ورِجْلٍ رَمى فِيها الزَّمانُ
”، عَلى البَدَلِ مِن“ اَلرِّجْلَيْنِ ”، وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ في قَوْلِهِ: ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ﴾، ونَحْنُ نُبَيِّنُ ما قالُوهُ، إنْ شاءَ اللَّهُ، وما هو الوَجْهُ، واللَّهُ أعْلَمُ، زَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ مَعْنى“ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ ”: يَرَوْنَهم ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ، قالَ: لِأنَّكَ إذا قُلْتَ:“ عِنْدِي ألْفٌ وأحْتاجُ إلى مِثْلِها ”، فَأنْتَ تَحْتاجُ إلى ألْفَيْنِ، فَكَأنَّكَ قُلْتَ:“ أحْتاجُ إلى مِثْلَيْها ”، وإذا قُلْتَ:“ عِنْدِي ألْفٌ وأحْتاجُ إلى مِثْلَيْها ”، فَأنْتَ تَحْتاجُ إلى ثَلاثَةِ آلافٍ، وهَذا بابُ الغَلَطِ، فِيهِ غَلَطٌ بَيِّنٌ في جَمِيعِ المَقايِيسِ، وجَمِيعِ الأشْياءِ، لِأنّا إنَّما نَعْقِلُ مِثْلَ الشَّيْءِ ما هو مُساوٍ لَهُ، ونَعْقِلُ مِثْلَيْهِ ما يُساوِيهِ مَرَّتَيْنِ، فَإذا جَهِلْنا المِثْلَ فَقَدْ بَطَلَ التَّمَيُّزُ، وإنَّما قالَ هَذا لِأنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وأرْبَعَةَ (p-٣٨٢)عَشَرَ رَجُلًا، وكانَ المُشْرِكُونَ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ رَجُلًا، فالَّذِي قالَ يَبْطُلُ في اللَّفْظِ، ويَبْطُلُ في مَعْنى الدَّلالَةِ عَلى الآيَةِ الَّتِي تُعْجِزُ، لِأنَّهم إذا رَأوْهم عَلى هَيْئَتِهِمْ فَلَيْسَ هَذا آيَةً، فَإنْ زَعَمَ أنَّ الآيَةَ في هَذا غَلَبَةُ القَلِيلِ عَلى الكَثِيرِ، فَقَدْ أبْطَلَ أيْضًا، لِأنَّ القَلِيلَ يَغْلِبُ الكَثِيرَ، مَوْجُودٌ ذَلِكَ أبَدًا، فَهَذا الَّذِي قالَ يَبْطُلُ في اللُّغَةِ، وفي المَعْنى، وإنَّما الآيَةُ في هَذا أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ، وكانَ المُسْلِمُونَ ثَلاثَمِائَةٍ وأرْبَعَةَ عَشَرَ، فَأرى اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - المُشْرِكِينَ أنَّ المُسْلِمِينَ أقَلُّ مِن ثَلاثِمِائَةٍ، واللَّهُ قَدْ أعْلَمَ المُسْلِمِينَ أنَّ المِائَةَ تَغْلِبُ المِائَتَيْنِ، فَأراهُمُ المُشْرِكِينَ عَلى قَدْرِ ما أعْلَمَهم أنَّهم يَغْلِبُونَهُمْ، لِيُقَوِّيَ قُلُوبَهُمْ، وأرى المُشْرِكِينَ المُسْلِمِينَ أقَلَّ مِن عَدَدِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ ألْقى مَعَ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَجَعَلُوا يَرَوْنَ عَدَدًا قَلِيلًا، مَعَ رُعْبٍ شَدِيدٍ، حَتّى غُلِبُوا، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا﴾ [الأنفال: ٤٤]، فَهَذا هو الَّذِي فِيهِ آيَةٌ، أنْ يُرى الشَّيْءُ بِخِلافِ صُورَتِهِ - واللَّهُ أعْلَمُ -، ويَجُوزُ نَصْبُ“ فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ ”، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، ونَصْبُها مِن وجْهَيْنِ، أحَدُهُما الحالُ، المَعْنى: التَقَتا مُؤْمِنَةً وكافِرَةً، ويَجُوزُ نَصْبُها عَلى“ أعْنِي فِئَةً تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةً " .
آل عمران 3:14
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ﴾، (p-٣٨٣)قِيلَ في ”زُيِّنَ“، قَوْلانِ: قالَ بَعْضُهُمْ: اَللَّهُ زَيَّنَها مِحْنَةً، كَما قالَ: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ [الكهف: ٧]، وقالَ بَعْضُهُمْ: اَلشَّيْطانُ زَيَّنَها، لِأنَّ اللَّهَ قَدْ زَهَّدَ فِيها، وأعْلَمَ أنَّها مَتاعُ الغُرُورِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أجْوَدُ، لِأنَّ جَعْلَها زِينَةً مَحْبُوبَةً مَوْجُودٌ، واللَّهُ قَدْ زَهَّدَ فِيها بِأنْ أعْلَمَ وأرى زَوالَها، ومَعْنى ﴿والقَناطِيرِ﴾، عِنْدَ العَرَبِ: اَلشَّيْءُ الكَثِيرُ مِنَ المالِ، وهو جَمْعُ ”قِنْطارٌ“، فَأمّا أهْلُ التَّفْسِيرِ فَقالُوا أقْوالًا غَيْرَ خارِجَةٍ مِن مَذْهَبِ العَرَبِ، قالَ بَعْضُهُمْ: اَلْقِنْطارُ مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا، أوْ فِضَّةً، وقالَ بَعْضُهُمْ: اَلْقِنْطارُ ثَمانُونَ ألْفَ دِرْهَمٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: اَلْقِنْطارُ ألْفُ دِينارٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: ألْفُ رِطْلٍ ذَهَبًا، أوْ فِضَّةً، فَهَذِهِ جُمْلَةُ ما قالَ النّاسُ في ”اَلْقِنْطارُ“، والَّذِي يُخْرَجُ في اللُّغَةِ أنَّ القِنْطارَ مَأْخُوذٌ مِن عَقْدِ الشَّيْءِ، وإحْكامِهِ، والقَنْطَرَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن ذَلِكَ، فَكَأنَّ القِنْطارَ هو الجُمْلَةُ مِنَ المالِ، الَّتِي تَكُونُ عُقْدَةً وثِيقَةً مِنهُ، فَأمّا مَن قالَ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ: إنَّهُ شَيْءٌ مِنَ الذَّهَبِ مُوفٍ، فَأقْوى مِنهُ عِنْدِي ما ذُكِرَ مِن أنَّهُ مِنَ الذَّهَبِ، والفِضَّةِ، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - ذَكَرَ القَناطِيرَ فِيهِما، فَلا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ القِنْطارُ في إحْداهُما دُونَ الأُخْرى، ومَعْنى ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾، في اللُّغَةِ: اَلْخَيْلُ عَلَيْها السِّيماءُ، والسُّومَةُ، وهي (p-٣٨٤)العَلامَةُ، ويَجُوزُ - وهو حَسَنٌ - أنْ يَكُونَ ”اَلْمُسَوَّمَةِ“: اَلسّائِمَةِ، و”أُسِيمَتْ“: أُرْعِيَتْ، و”الأنْعامِ“، اَلْمَواشِي، واحِدُها ”نَعَمٌ“، أكْثَرُ اسْتِعْمالِها في الإبِلِ، ﴿والحَرْثِ﴾، اَلزَّرْعِ، وهَذا كُلُّهُ مُحَبَّبٌ إلى النّاسِ، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -، ثُمَّ زَهَّدَ اللَّهُ في جَمِيعِهِ، وتَأْوِيلُ التَّزْهِيدِ فِيهِ لَيْسَ الِامْتِناعَ مِن أنْ يَزْرَعَ النّاسُ، ولا مِن أنْ يَكْسِبُوا الشَّيْءَ مِن جِهَةٍ، وإنَّما وجْهُ التَّزْهِيدِ فِيهِ الحَثُّ عَلى الصَّدَقَةِ، وسُلُوكِ سُبُلِ البِرِّ الَّتِي أمَرَ بِها في تَرْكِ الِاسْتِكْثارِ مِنَ المالِ وغَيْرِهِ، فَهَذا وجْهُ التَّزْهِيدِ، فَقالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾، أيْ: ما يُتَمَتَّعُ بِهِ فِيها، ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾، و”اَلْمَآبُ“، في اللُّغَةِ: اَلْمَرْجِعُ، يُقالُ: ”آبَ الرَّجُلُ، يَؤُوبُ، أوْبًا، وإيابًا، ومَآبًا“ .
آل عمران 3:15
وَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ خَيْرًا مِن جَمِيعِ ما في الدُّنْيا ما أعَدَّهُ لِأوْلِيائِهِ، فَقالَ: ﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾، اَلرَّفْعُ في ”جَنّاتٌ“، اَلْقِراءَةُ، والخَفْضُ جائِزٌ، عَلى أنْ تَكُونَ ”جَنّاتٌ“، بَدَلًا مِن ”خَيْرٍ“، اَلْمَعْنى: ”أؤُنَبِّئُكم بِجَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ؟“، ويَكُونَ ”لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ“، مِن تَمامِ الكَلامِ الأوَّلِ، ومَعْنى ﴿وَأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أيْ: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الأدْناسِ، ومُطَهَّرَةٌ مِمّا يَحْتاجُ إلَيْهِ نِساءُ أهْلِ الدُّنْيا، مِنَ الحَيْضِ، وغَيْرِهِ.
﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ﴾، أكْثَرُ القِراءَةِ كَسْرُ الرّاءِ، ورَوى أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ عَنْ عاصِمٍ (p-٣٨٥)”وَرُضْوانٌ مِنَ اللَّهِ“، بِضَمِّ الرّاءِ في كُلِّ القُرْآنِ، ويُقالُ: ”رَضِيتُ الشَّيْءَ، أرْضاهُ، رِضًا، ومَرْضاةً، ورِضْوانًا، ورُضْوانًا“، ومَوْضِعُ
آل عمران 3:16
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾، خَفْضٌ، صِفَةٌ لِـ”اَلَّذِينَ اتَّقَوْا“، اَلْمَعْنى: لِلْمُتَّقِينَ القائِلِينَ: ﴿رَبَّنا إنَّنا آمَنّا﴾، وكَذَلِكَ ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٧]، ولَوْ كانَتْ رَفْعًا عَلى الِاسْتِئْنافِ لَجازَ ذَلِكَ، ولَكِنَّ القِراءَةَ لا تُجاوَزُ، ومَعْنى ”القانِتِينَ“: أيْ: اَلْقائِمِينَ بِعِبادَةِ اللَّهِ، وقَدْ فَسَّرْنا ”اَلْقُنُوتُ“، فِيما مَضى، ومَعْنى ”المُنفِقِينَ“: اَلْمُتَصَدِّقِينَ، وجَمِيعُ ما في سَبِيلِ اللَّهِ، ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، ”اَلسَّحَرُ“: اَلْوَقْتُ الَّذِي قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، العَرَبُ تَقُولُ: ”جِئْتُكَ بِأعْلى السَّحَرِ“، تُرِيدُ: في أوَّلِ السَّحَرِ، وهو أوَّلُ إدْبارِ اللَّيْلِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ الظّاهِرِ البَيِّنِ، فاللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - وصَفَ هَؤُلاءِ بِالتَّصْدِيقِ، والإنْفاقِ في سَبِيلِهِ، والقِيامِ بِعِبادَتِهِ، ثُمَّ وصَفَهُمُ بِأنَّهم - مَعَ ذَلِكَ، لِشِدَّةِ خَوْفِهِمْ، ووَجَلِهِمْ - يَسْتَغْفِرُونَ بِالأسْحارِ.
آل عمران 3:18
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنى ”شَهِدَ اللَّهُ“: قَضى اللَّهُ، وحَقِيقَتُهُ أنَّهُ ”عَلِمَ، وبَيَّنَ اللَّهُ“، لِأنَّ الشّاهِدَ هو العالِمُ الَّذِي يُبَيِّنُ ما عَلِمَهُ، فاللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - - قَدْ دَلَّ عَلى تَوْحِيدِهِ بِجَمِيعِ ما خَلَقَ، فَبَيَّنَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُنْشِئَ شَيْئًا واحِدًا مِمّا أنْشَأ، (p-٣٨٦)وَشَهِدَتِ المَلائِكَةُ لِما عَلِمَتْ مِن قُدْرَتِهِ، وشَهِدَ أُولُو العِلْمِ بِما ثَبَتَ عِنْدَهُمْ، وتَبَيَّنَ مِن خَلْقِهِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وأكْثَرُ القِراءَةِ: ﴿أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾، بِفَتْحِ الألِفِ في ”أنَّهُ“، وقَدْ رُوِيَتْ بِالكَسْرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ: ”أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ“، بِفَتْحِ الألِفِ، والأكْثَرُ فَتْحُ ”أنَّهُ“، وكَسْرُ ”إنَّ الدِّينَ“، ومَن قَرَأ: ”إنَّهُ“، بِالكَسْرِ، فالمَعْنى: شَهِدَ اللَّهُ إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وإنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو ”، والأجْوَدُ الفَتْحُ، كَما وصَفْنا في الأوَّلِ، لِأنَّ الكَلامَ، والتَّوْحِيدَ، والنِّداءَ بِالأذانِ:“ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ”، وأكْثَرُ ما وقَعَ“ أشْهَدُ ”، عَلى ذِكْرِ التَّوْحِيدِ، وجائِزٌ أنْ يُفْتَحَ“ أنَّ ”، اَلْأُولى، و“ أنَّ ”، اَلثّانِيَةُ، فَيَكُونَ فَتْحُ الثّانِيَةِ عَلى جِهَتَيْنِ، عَلى“ شَهِدَ اللَّهُ أنَّ لا إلَهَ إلّا هُوَ، وشَهِدَ أنَّ الدِّينَ عِنْدَهُ الإسْلامُ " .
آل عمران 3:19
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، لَكَ في ”جاءَهم“، اَلْفَتْحُ والتَّفْخِيمُ، ولَكَ الإمالَةُ نَحْوَ الكَسْرِ، فَأمّا الفَتْحُ فَلُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وهي اللُّغَةُ العُلْيا القُدْمى، وأمّا ”جِاءَهم“، بِالكَسْرِ، فَلُغَةُ تَمِيمٍ، وكَثِيرٍ مِنَ العَرَبِ، وهي جَيِّدَةٌ فَصِيحَةٌ أيْضًا، فالَّذِي يَمِيلُ إلى الكَسْرِ يَدُلُّ عَلى (p-٣٨٧)أنَّ الفِعْلَ مِن ذَواتِ الياءِ، والَّذِي يَفْتَحُ فَلِأنَّ الياءَ قَدِ انْقَلَبَتْ صُورَتُها إلى الألِفِ، وفي الألِفِ حَظُّها مِنَ الفَتْحِ، وكُلٌّ مُصِيبٌ.
وَنُصِبَ ”بَغْيًا“، بِقَوْلِهِ: ”اِخْتَلَفَ“، والمَعْنى: اِخْتَلَفُوا بَغْيًا، أيْ: لِلْبَغْيِ، لَمْ يَخْتَلِفُوا لِأنَّهم رَأوُا البَصِيرَةَ والبُرْهانَ، قالَ الأخْفَشُ: اَلْمَعْنى: ”وَما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بَغْيًا بَيْنَهم إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ“، والَّذِي هو الأجْوَدُ أنْ يَكُونَ ”بَغْيًا“، مَنصُوبًا بِما دَلَّ عَلَيْهِ ”وَما اخْتَلَفَ“، فَيَكُونَ المَعْنى: اِخْتَلَفُوا بَغْيًا بَيْنَهم.
﴿وَمَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾، أيْ: سَرِيعُ الحِسابِ لَهُ، والجَزْمُ هو الوَجْهُ في ”وَمَن يَكْفُرْ“، وهي القِراءَةُ، ولَوْ قُرِئَتْ بِالرَّفْعِ لَكانَ لَهُ وجْهٌ مِنَ القِياسِ، ولَكِنَّ الجَزْمَ أجْوَدُ وأفْصَحُ في المَعْنى، ومَعْنى ”سَرِيعُ الحِسابِ“: أيْ: سَرِيعُ المُجازاةِ لَهُ، كَما قالَ: ﴿وَما أمْرُ السّاعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧]، وقالُوا: جائِزٌ أنْ يَكُونَ ”سَرِيعُ الحِسابِ“: سَرِيعُ التَّعْرِيفِ لِلْعامِلِ عَمَلَهُ، لِأنَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - عالِمٌ بِجَمِيعِ ما عَمِلُوا، لا يَحْتاجُ إلى إثْباتِ شَيْءٍ، وتَذاكُرِ شَيْءٍ.
وَنُصِبَ ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، لِأنَّ الحالَ المُؤَكِّدَةَ تَقَعُ مَعَ الأسْماءِ (p-٣٨٨)فِي غَيْرِ الإشارَةِ، تَقُولُ: ”إنَّهُ زَيْدٌ مَعْرُوفًا“، و”هو الحَقُّ مُصَدِّقًا“، و”لا إلَهَ إلّا هو قائِمًا بِالقِسْطِ“، و”اَلْقِسْطُ“، في اللُّغَةِ: اَلْعَدْلُ، قالَ اللَّهُ: ﴿وَأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٩]، أيْ: بِالعَدْلِ، ويُقالُ: ”أقْسَطَ الرَّجُلُ“، إذا عَدَلَ، و”قَسَطَ“، إذا جارَ، والعادِلُ ”مُقْسِطٌ“، والجائِرُ ”قاسِطٌ“، قالَ اللَّهُ: ﴿وَأقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]، أيْ: اِعْدِلُوا، إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العادِلِينَ، وقالَ: ﴿وَأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] .
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَمِن أيْنَ جاءَ مِن لَفْظِ القِسْطِ ما مَعْناهُ الجَوْرُ، وأصْلُهُ العَدْلُ؟ فَإنَّما ذَلِكَ كَقَوْلِكَ: ”عَدَلَ الرَّجُلُ عَلى القَوْمِ، يَعْدِلُ، عَدْلًا، ومَعْدِلَةً، ومَعْدَلَةً“، إذا هو أنْصَفَهُمْ، و”عَدَلَ عَنِ الحَقِّ، عَدْلًا“، إذا جارَ، فَكَذَلِكَ جاءَ مِن لَفْظِ القِسْطِ ما مَعْناهُ الجَوْرُ، كَما جاءَ ما مَعْناهُ العَدْلُ.
آل عمران 3:20
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾، إنْ شِئْتَ أسْكَنْتَ الياءَ مِن ”وَجْهِي“، وإنْ شِئْتَ فَتَحْتَها، فَقُلْتَ: ”أسْلَمْتُ وجْهِي لِلَّهِ“، وقَدْ فَسَّرْنا أمْرَ هَذِهِ الياءِ فِيما سَلَفَ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أمَرَ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يَحْتَجَّ عَلى أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ بِأنَّهُ اتَّبَعَ أمْرَ اللَّهِ الَّذِي هم أجْمَعُونَ مُقِرُّونَ بِأنَّهُ خالِقُهُمْ، فَدَعاهم إلى ما أقَرُّوا بِهِ، وأراهُمُ الدَّلالاتِ، والآياتِ الَّتِي قَدْ شَرَحْنا ذِكْرَها، بِأنَّهُ رَسُولُهُ ﷺ، ومَعْنى ”أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ“، أيْ: قَصَدْتُ بِعِبادَتِي إلى اللَّهِ - جَلَّ ثَناؤُهُ - وأقْرَرْتُ أنَّهُ لا إلَهَ غَيْرُهُ، وكَذَلِكَ مَنِ اتَّبَعَنِي، ويَجُوزُ في اللُّغَةِ: ”أسْلَمْتُ وجْهِيَ“، أيْ: أسْلَمْتُ نَفَسِي، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، (p-٣٨٩)وَقالَ: ﴿وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، اَلْمَعْنى: ويَبْقى رَبُّكَ، والمَعْنى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ.
﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾، لَكَ حَذْفُ الياءِ، وإثْباتُها، والأحَبُّ إلَيَّ في هَذا اتِّباعُ المُصْحَفِ، لِأنَّ اتِّباعَهُ سُنَّةٌ، ومُخالَفَتَهُ بِدْعَةٌ، وما حُذِفَ مِن هَذِهِ الياءاتِ - نَحْوَ: ”وَمَنِ اتَّبَعَنِ“، ”لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ“، ونَحْوَ: ”فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ“، ”فَيَقُولُ: رَبِّي أهانَنِ“ - فَهو عَلى ضَرْبَيْنِ مَعَ النُّونِ، فَإذا كانَ رَأْسَ آيَةٍ، فَأهْلُ اللُّغَةِ يُسَمُّونَ أواخِرَ الآيِ ”اَلْفَواصِلَ“، فَيُجِيزُونَ حَذْفَ الياءاتِ، كَما يُجِيزُونَهُ في قَوافِي الشِّعْرِ، كَما قالَ الأعْشى:
؎وَمِن شانِئٍ كاسِفٍ وجْهُهُ ∗∗∗ إذا ما انْتَسَبْتُ لَهُ أنْكَرَنْ
؎وَهَلْ يَمْنَعَنِّي ارْتِيادِي البِلا ∗∗∗ دَ مِن حَذَرِ المَوْتِ أنْ يَأْتِيَنْ
اَلْمَعْنى: ”أنْ يَأْتِيَنِي“، و”أنْكَرَنِي“، فَإذا لَمْ يَكُنْ آخِرَ قافِيَةٍ، أوْ آخِرَ آيَةٍ، فالأكْثَرُ إثْباتُ الياءِ، وحَذْفُها جَيِّدٌ بالِغٌ أيْضًا، بِخاصَّةٍ مَعَ النُّوناتِ، إلّا أنَّ أصْلَ ”اِتَّبَعَنِي“: ”اِتَّبَعَيِ“، ولَكِنَّ النُّونَ زِيدَتْ لِتَسْلَمَ فَتْحَةُ العَيْنِ، فالكَسْرَةُ مَعَ النُّونِ تَنُوبُ عَنِ الياءِ، فَإذا لَمْ تَكُنِ النُّونُ - نَحْوَ ”غُلامِي“، و”صاحِبِي“ - فالأجْوَدُ إثْباتُها، وحَذْفُها مَعَ غَيْرِ النُّونِ أقَلُّ مِنهُ مَعَ النُّونِ، إلّا أنَّهُ جائِزٌ، نَقُولُ: ”هَذا غُلامِ قَدْ جاءَ“، والأجْوَدُ: ”هَذا غُلامِي قَدْ جاءَ“، و”غُلامِيَ قَدْ جاءَ“، بِفَتْحِ الياءِ، وإسْكانِها، وحَذْفُها جائِزٌ، لِأنَّ الكَسْرَةَ دالَّةٌ عَلَيْها.
(p-٣٩٠)وَقَوْلُهُ - تَبارَكَ اسْمُهُ -: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ﴾، ”اَلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ“: اَلْيَهُودُ والنَّصارى، والأُمِّيُّونَ: مُشْرِكُو العَرَبِ، لِأنَّهم إنَّما نُسِبُوا إلى ما عَلَيْهِ الأُمَّةُ في الخِلْقَةِ، لِأنَّ الإنْسانَ يُخْلَقُ غَيْرَ كاتِبٍ، فَهَذا مَعْنى ”اَلْأُمِّيِّينَ“، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: مَعْنى ”أأسْلَمْتُمُ الأمْرَ“، مَعْناهُ عِنْدَهُمْ: أسْلِمُوا، وحَقِيقَةُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ لَفْظُ اسْتِفْهامٍ مَعْناهُ التَّوْقِيفُ والتَّهْدِيدُ، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ بَعْدَ أنْ تَأْمُرَهُ وتُؤَكِّدَ عَلَيْهِ: ”أقَبِلْتَ، وإلّا فَأنْتَ أعْلَمُ“، فَأنْتَ إنَّما تَسْألُهُ مُتَوَعِّدًا في مَسْألَتِكَ، لَعَمْرِي هَذا دَلِيلٌ أنَّكَ تَأْمُرُهُ بِأنْ يَفْعَلَ، ومَعْنى ﴿وَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾، أيْ: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ، إنَّما عَلَيْكَ إقامَةُ البُرْهانِ لَهُمْ، فَإذا بَلَّغْتَ فَقَدْ أدَّيْتَ ما عَلَيْكَ.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾، أيْ: بَصِيرٌ بِما يَقْطَعُ عُذْرَهم فِيما دَلَّهم بِهِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وتَثْبِيتِ رُسُلِهِ.
آل عمران 3:21
وَقالَ - في أثَرِ هَذِهِ الآيَةِ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: أعْلامِ اللَّهِ، الَّتِي أتَيْتَهم بِها، ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، وقُرِئَتْ: ”وَيُقاتِلُونَ“، ومَعْنى ”وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ“، هَهُنا: قِيلَ فِيهِ قَوْلانِ: قِيلَ: رِضاهم بِقَتْلِ مَن سَلَفَ مِنهُمُ النَّبِيِّينَ، نَحْوَ قَتْلِ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهَذا يُحْتَمَلُ - واللَّهُ أعْلَمُ -، وقِيلَ: ”وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ“: لِأنَّهم قاتَلُوا النَّبِيَّ ﷺ، وهَمُّوا بِقَتْلِهِ، قالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، (p-٣٩١)فَهَذا مَعْنى: ”وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ“، واللَّهُ أعْلَمُ، وجازَ دُخُولُ الفاءِ في خَبَرِ ”إنَّ“، ولا يَجُوزُ ”إنَّ زَيْدًا فَقائِمٌ“، وجازَ هَهُنا - ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ - لِأنَّ ”اَلَّذِي“، يُوصَلُ فَتَكُونُ صِلَتُهُ بِمَنزِلَةِ الشَّرْطِ لِلْجَزاءِ، فَيُجابُ بِالفاءِ، ولا يَصْلُحُ ”لَيْتَ الَّذِي يَقُومُ فَيُكْرِمُكَ“، لِأنَّ " إنَّ، كَأنَّها لَمْ تُذْكَرْ في الكَلامِ، فَدُخُولُ الجَوابِ بِالفاءِ، عَلَيْها كَدُخُولِها عَلى الِابْتِداءِ، والتَّمَنِّي داخِلٌ فَزَيَّلَ مَعْنى الِابْتِداءِ والشَّرْطِ.
آل عمران 3:23
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾، مَعْناهُ: حَظًّا وافِرًا مِنهُ، و﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، أيْ: يُدْعُونَ إلى كِتابِ اللَّهِ الَّذِي هم بِهِ مُقِرُّونَ، وفِيهِ ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ، والإنْباءُ بِرِسالَتِهِ، ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾، أيْ: جَمْعٌ كَثِيرٌ، وإنَّما أعْرَضُوا، إلّا أنَّهُ لا حُجَّةَ لَهم إلّا الجَحْدُ بِشَيْءٍ قَدْ أقَرَّ بِهِ جَماعَةٌ مِن عُلَمائِهِمْ أنَّهُ في كِتابِهِمْ.
آل عمران 3:24
ثُمَّ أنْبَأ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِما حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ، وخَبَّرَ بِما غَرَّهُمْ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾، (p-٣٩٢)فَمَوْضِعُ ”ذَلِكَ“: رَفْعٌ، المَعْنى: ”شَأْنُهم ذَلِكَ، وأمْرُهم ذَلِكَ“، بِقَوْلِهِمْ، وبِظَنِّهِمْ أنَّهم لا يُعَذَّبُونَ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهم قالُوا: إنَّما نُعَذَّبُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، عَبَدَ آباؤُنا فِيها العِجْلَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - أنَّ ذَلِكَ فِرْيَةٌ مِنهُمْ، وأنَّهُ هو الَّذِي غَرَّهم.
آل عمران 3:25
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾، اَلْمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم في ذَلِكَ الوَقْتِ؟! وهَذا الحَرْفُ مُسْتَعْمَلٌ في الكَلامِ، تَقُولُ: ”أنا أُكْرِمُكَ وأنْتَ لَمْ تَزُرْنِي، فَكَيْفَ إذا زُرْتَنِي؟!“ .
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾، أيْ: لِحِسابِ يَوْمٍ لا شَكَّ فِيهِ.
آل عمران 3:26
وَقَوْلُهُ - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾، أمَرَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ بِتَقْدِيمِهِ، وذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ، ومَعْنى ”مالِكَ المُلْكِ“، أنَّ اللَّهَ يَمْلِكُ العِبادَ، ويَمْلِكُ ما مَلَكُوا، ومَعْنى: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْـزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: تُؤْتِي المُلْكَ - الَّذِي هو المالُ، والعَبِيدُ، والحَضْرَةُ - مَن تَشاءُ، وتَنْزِعُهُ مِمَّنْ تَشاءُ، وقِيلَ: ”تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ“، مِن جِهَةِ الغَلَبَةِ بِالدِّينِ، والطّاعَةِ، فَجَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - كُلَّ ما في مِلْكِهِ مِلْكَ غَيْرِ مُسْلِمٍ لِلْمُسْلِمِينَ (p-٣٩٣)مِلْكًا غَنِيمَةً، وجَعَلَهم أحَقَّ بِالأمْلاكِ كُلِّها، مِن كُلِّ أهْلٍ لِمَن خالَفُوا دِينَ الإسْلامِ، وقِيلَ في التَّفْسِيرِ: إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أمَرَ النَّبِيَّ ﷺ في هَذِهِ الآياتِ أنْ يَسْألَهُ نَقْلَ عِزِّ فارِسَ إلى العَرَبِ، وذُلِّ العَرَبِ إلى فارِسَ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ، فَأمّا إعْرابُ ”اَللَّهُمَّ“، فَضَمُّ الهاءِ، وفَتْحُ المِيمِ، لا اخْتِلافَ فى اللَّفْظِ بِهِ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ، فَأمّا العِلَّةُ فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيها النَّحْوِيُّونَ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنى الكَلامِ: ”يا اَللَّهُ أُمَّ بِخَيْرٍ“، وهَذا إقْدامٌ عَظِيمٌ، لِأنَّ كُلَّ ما كانَ مِن هَذا الهَمْزِ الَّذِي طُرِحَ فَأكْثَرُ الكَلامِ الإتْيانُ بِهِ، يُقالُ: ”وَيْلَ أُمِّهِ“، و”وَيْلُ امِّهِ“، والأكْثَرُ إثْباتُ الهَمْزِ، ولَوْ كانَ كَما يَقُولُ لِجازَ ”أُومِمْ“، و”اَللَّهُ أُمَّ“، وكانَ يَجِبُ أنْ تَلْزَمَهُ ياءُ النِّداءِ، لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: ”يا اَللَّهُ اغْفِرْ لَنا“، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ إلّا ”اَللَّهُمَّ“، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ ”يا اَللَّهُمَّ“، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الزمر: ٤٦]، فَهَذا القَوْلُ يَبْطُلُ مِن جِهاتٍ، أحَدُها أنَّ ”يا“، لَيْسَتْ في الكَلامِ، وأُخْرى أنَّ هَذا المَحْذُوفَ لَمْ يُتَكَلَّمْ بِهِ عَلى أصْلِهِ كَما نَتَكَلَّمُ بِمِثْلِهِ، وأنَّهُ لا يُقَدَّمُ أمامَ الدُّعاءِ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ، وزَعَمَ أنَّ الصِّفَةَ الَّتِي في الهاءِ ضَمَّةُ الهَمْزَةِ الَّتِي كانَتْ في ”أُمَّ“، وهَذا مُحالٌ أنْ يُتْرَكَ الضَّمُّ الَّذِي هو دَلِيلٌ عَلى النِّداءِ لِلْمُفْرَدِ، وأنْ يُجْعَلَ في ”اَللَّهُ“، ضَمَّةَ ”أُمَّ“، هَذا الحالُ في اسْمِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ.
(p-٣٩٤)وَزَعَمَ أنَّ قَوْلَنا: ”هَلُمَّ“، مِثْلُ ذَلِكَ، أنَّ أصْلَها: ”هَلْ أُمَّ“، وإنَّما هي ”لُمَّ“، والهاءُ لِلتَّنْبِيهِ، وقالَ المُحْتَجُّ بِهَذا القَوْلِ: إنَّ ”يا“، قَدْ يُقالُ مَعَ: ”اَللَّهُمَّ“، فَيُقالُ: ”يا اَللَّهُمَّ“، ولا يَرْوِي أحَدٌ عَنِ العَرَبِ هَذا غَيْرُهُ، زَعَمَ أنَّ بَعْضَهم أنْشَدَهُ:
؎وَما عَلَيْكِ أنْ تَقُولِي كُلَّما ∗∗∗ صَلَّيْتِ أوْ سَبَّحْتِ يا اَللَّهُمَّ ما
؎اُرْدُدْ عَلَيْنا شَيْخَنا مُسَلَّما
وَلَيْسَ يُعارَضُ الإجْماعُ، وما أتى بِهِ كِتابُ اللَّهِ تَعالى، ووُجِدَ في جَمِيعِ دِيوانِ العَرَبِ، بِقَوْلِ قائِلٍ: أنْشَدَنِي بَعْضُهُمْ، ولَيْسَ ذَلِكَ البَعْضُ بِمَعْرُوفٍ، ولا بِمُسَمًّى، وقالَ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، وجَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ المَوْثُوقِ بِعِلْمِهِمْ: إنَّ ”اَللَّهُمَّ“، بِمَعْنى ”يا اَللَّهُ“، وأنَّ المِيمَ المُشَدَّدَةَ عِوَضٌ مِن ”يا“، لِأنَّهم لَمْ يَجِدُوا ياءً مَعَ هَذِهِ المِيمِ في كَلِمَةٍ، ووَجَدُوا اسْمَ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ - مُسْتَعْمَلًا بِـ”يا“، إذا لَمْ يُذْكَرِ المِيمُ، فَعَلِمُوا أنَّ المِيمَ مِن آخِرِ الكَلِمَةِ بِمَنزِلَةِ ”يا“، في أوَّلِها، والضَّمَّةُ الَّتِي في أوَّلِها ضَمَّةُ الِاسْمِ المُنادى في المُفْرَدِ، والمِيمُ مَفْتُوحَةٌ لِسُكُونِها وسُكُونِ المِيمِ الَّتِي قَبْلَها، وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ هَذا الِاسْمَ لا يُوصَفُ، لِأنَّهُ قَدْ ضُمَّتْ إلَيْهِ المِيمُ، فَقالَ - في قَوْلِهِ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الزمر: ٤٦]، إنَّ ”فاطِرَ“، مَنصُوبٌ عَلى النِّداءِ، وكَذَلِكَ ”مالِكَ المُلْكِ“، ولَكِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ في كِتابِهِ، والقَوْلُ عِنْدِي أنَّ ”مالِكَ المُلْكِ“، صِفَةُ ”اَللَّهُ“، وأنَّ ”فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ“، كَذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّ الِاسْمَ، ومَعَهُ المِيمُ، بِمَنزِلَتِهِ ومَعَهُ ”يا“، فَلا تُمْنَعُ الصِّفَةُ مَعَ المِيمِ كَما تُمْنَعُ مَعَ ”يا“ .
(p-٣٩٥)فَهَذا جُمْلَةُ تَفْسِيرِ وإعْرابِ ”اَللَّهُمَّ“ .
وَمَعْنى ﴿وَتَنْـزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾، عَلى ما ذَكَرْنا في ”تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ“، ومَعْنى: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾، أيْ: بِيَدِكَ الخَيْرُ كُلُّهُ، خَيْرُ الدُّنْيا، وخَيْرُ الآخِرَةِ.
آل عمران 3:27
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾، اَلْمَعْنى: تُدْخِلُ أحَدَهُما في الآخَرِ، يُقالُ: ”وَلَجَ الشَّيْءُ - إذا دَخَلَ - يَلِجُ، وُلُوجًا، ووَلْجَةً“، و”اَلْوَلْجُ“، و”اَلْوَلْجَةُ“، شَيْءٌ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ فَناءٍ، فَمَعْنى: ”تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ“: أيْ: تَنْقُصُ مِنَ اللَّيْلِ فَتُدْخِلُ ذَلِكَ النُّقْصانَ زِيادَةً في النَّهارِ، وتَنْقُصُ مِنَ النَّهارِ فَتُدْخِلُ ذَلِكَ النُّقْصانَ زِيادَةً في اللَّيْلِ.
﴿وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾، أيْ: تُخْرِجُ الإنْسانَ مِنَ النُّطْفَةِ، والطّائِرَ مِنَ البَيْضَةِ، وتُخْرِجُ لِلنّاسِ الحَبَّ الَّذِي يَعِيشُونَ بِهِ مِنَ الأرْضِ المَيْتَةِ، ﴿وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾، أيْ: تُخْرِجُ النُّطْفَةَ مِنَ الإنْسانِ، والبَيْضَةَ مِنَ الطّائِرِ، ومَعْنى ﴿وَتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾، أيْ: بِغَيْرِ تَقْتِيرٍ، وهَذا مُسْتَعْمَلٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ لِلَّذِي يُنْفِقُ مُوَسِّعًا: ”فُلانٌ يُنْفِقُ بِغَيْرِ حِسابٍ“، أيْ: يُوَسِّعُ عَلى نَفْسِهِ، وكَأنَّهُ لا يَحْسَبُ ما أنْفَقَهُ إنْفاقًا.
آل عمران 3:28
وَذَكَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - بَعْدَ هَذا التَّقْدِيسِ والتَّعْظِيمِ أمْرَ المُنافِقِينَ، فَقالَ: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ﴾، اَلْقِراءَةُ بِالجَزْمِ، وكَسْرِ الذّالِ، لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ولَوْ رَفَعْتَ لَكانَ وجْهًا، (p-٣٩٦)فَقُلْتَ: ”لا يَتَّخِذُ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ“، اَلْمَعْنى أنَّهُ مَن كانَ مُؤْمِنًا فَلا يَنْبَغِي أنْ يَتَّخِذَ الكافِرَ ولِيًّا، لِأنَّ ولِيَّ الكافِرِ راضٍ بِكُفْرِهِ، فَهو كافِرٌ، قالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، وقالَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، ومَعْنى: ”مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ“: أيْ: لا يَجْعَلْ وِلايَةً لِمَن هو غَيْرُ مُؤْمِنٍ، أيْ: لا يَتَناوَلِ الوِلايَةَ مِن مَكانٍ دُونَ مَكانِ المُؤْمِنِينَ، وهَذا كَلامٌ جَرى عَلى المَثَلِ في المَكانِ، كَما تَقُولُ: ”زَيْدٌ دُونَكَ“، فَلَسْتَ تُرِيدُ أنَّهُ في مَوْضِعٍ مُسْتَقِلٍّ، وأنَّكَ في مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ، ولَكِنَّكَ جَعَلْتَ الشَّرَفَ بِمَنزِلَةِ الِارْتِفاعِ في المَكانِ، وجَعَلْتَ الخِسَّةَ كالِاسْتِقْبالِ في المَكانِ، فالمَعْنى أنَّ المَكانَ المُرْتَفِعَ في الوِلايَةِ مَكانُ المُؤْمِنِينَ، فَهَذا بَيانُ قَوْلِهِ: ”مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ“، ومَعْنى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾، أيْ: مَن يَتَوَلَّ غَيْرَ المُؤْمِنِينَ فاللَّهُ بَرِيءٌ مِنهُ.
﴿إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾، و”تَقِيَّةً“، قُرِئا جَمِيعًا، فَأباحَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - الكُفْرَ مَعَ القِصَّةِ، و”اَلتَّقِيَّةُ“: خَوْفُ القَتْلِ، إلّا أنَّ هَذِهِ الإباحَةَ لا تَكُونُ إلّا مَعَ سَلامَةِ النِّيَّةِ، وخَوْفِ القَتْلِ.
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾، (p-٣٩٧)مَعْنى: ”نَفْسَهُ“: ”إيّاهُ“، إلّا أنَّ النَّفْسَ يُسْتَغْنى بِها هُنا عَنْ ”إيّاهُ“، وهو الكَلامُ، وأمّا قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، فَمِمّا بِهِ خُوطِبَ العِبادُ عَلى قَدْرِ عِلْمِهِمْ، ومَعْناهُ: تَعْلَمُ ما عِنْدِي، وما في حَقِيقَتِي، ولا أعْلَمُ ما عِنْدَكَ، ولا ما في حَقِيقَتِكَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، أيْ: تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ أنْ تُؤْتِيَهُ، وكَذَلِكَ ﴿وَتَنْـزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، أنْ تَنْزِعَهُ مِنهُ، إلّا أنَّهُ حُذِفَ لِأنَّ في الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، ونُصِبَ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [آل عمران: ٣٠]، بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٣٠]، كَأنَّهُ قالَ: ”وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نُصِبَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾، يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ، والقَوْلُ الأوَّلُ أجْوَدُ.
آل عمران 3:31
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾، اَلْقِراءَةُ بِضَمِّ التّاءِ، ويَجُوزُ في اللُّغَةِ: ”تَحِبُّونَ“، ولَكِنَّ الأكْثَرَ ”تُحِبُّونَ“، لِأنَّ ”حَبَبْتُ“، قَلِيلَةٌ في اللُّغَةِ، وزَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّها لُغَةٌ قَدْ ماتَتْ فِيما يَحْسَبُ، ومَعْنى: ”تُحِبُّونَ اللَّهَ“، أيْ: تَقْصِدُونَ طاعَتَهُ، وتَرْضَوْنَ بِشَرائِعِهِ، والمَحَبَّةُ عَلى ضُرُوبٍ، فالمَحَبَّةُ مِن جِهَةِ المَلاذِّ في المَطْعَمِ، والمَشْرَبِ، والنِّساءِ، والمَحَبَّةُ مِنَ اللَّهِ لِخَلْقِهِ عَفْوُهُ عَنْهُمْ، وإنْعامُهُ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ، ومَغْفِرَتِهِ، وحُسْنِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، ومَحَبَّةُ الإنْسانِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ طاعَتُهُ لَهُما، ورِضاهُ بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، وأتى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
(p-٣٩٨)وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: ١٢]، اَلْقِراءَةُ بِإظْهارِ الرّاءِ مَعَ اللّامِ، وزَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ الرّاءَ تُدْغَمُ مَعَ اللّامِ، فَيَجُوزُ ”وَيَغْفِر لَّكم“، وهَذا خَطَأٌ فاحِشٌ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِهِ غَيْرَ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، وأحْسَبُ الَّذِينَ رَوَوْا عَنْ أبِي عَمْرٍو إدْغامَ الرّاءِ في اللّامِ غالِطِينَ، وهو خَطَأٌ في العَرَبِيَّةِ، لِأنَّ اللّامَ تُدْغَمُ في الرّاءِ، والنُّونُ تُدْغَمُ في الرّاءِ، نَحْوَ قَوْلِكَ: ”هَل رَّأيْتَ؟“، و”مَن رَّأيْتَ؟“، ولا تُدْغَمُ الرّاءَ في اللّامِ إذا قُلْتَ: ”مُرْ لِي بِشَيْءٍ“، لِأنَّ الرّاءَ حَرْفٌ مُكَرَّرٌ، فَلَوْ أُدْغِمَتْ في اللّامِ ذَهَبَ التَّكْرِيرُ، وهَذا إجْماعُ النَّحْوِيِّينَ المَوْثُوقِ بِعِلْمِهِمْ.
آل عمران 3:32
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾، أيْ: أظْهِرُوا مَحَبَّتَكم لِلَّهِ - إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَهُ - بِطاعَتِهِ، واتِّباعِ رَسُولِهِ، ومَعْنى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾، أيْ: فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّهُمْ، لِأنَّ مَن تَوَلّى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ تَوَلّى عَنِ اللَّهِ، ومَعْنى: ”لا يُحِبُّ الكافِرِينَ“: لا يَغْفِرُ لَهُمْ، ولا يُثْنِي عَلَيْهِمْ خَيْرًا.
آل عمران 3:33
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾، (p-٣٩٩)مَعْنى ”اِصْطَفاهم“، في اللُّغَةِ: اِخْتارَهُمْ، أيْ: جَعَلَهم صَفْوَةَ خَلْقِهِ، وهَذا تَمْثِيلٌ بِما يُرى، لِأنَّ العَرَبَ تُمَثِّلُ المَعْلُومَ بِالشَّيْءِ المَرْئِيِّ، وإذا سَمِعَ السّامِعُ ذَلِكَ المَعْلُومَ كانَ عِنْدَهُ بِمَنزِلَةِ ما يُشاهِدُهُ عِيانًا، فَنَحْنُ نُعَيِّنُ الشَّيْءَ الصّافِي أنَّهُ النَّقِيُّ مِنَ الكَدَرِ، فَكَذَلِكَ صَفْوَةُ اللَّهِ مِن خَلْقِهِ، وفِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ: ”صَفْوَةٌ“، و”صِفْوَةٌ“، و”صُفْوَةٌ“، وهم مَن لا دَنَسَ فِيهِمْ مِن جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ، في الدِّينِ، والخَيْرِيَّةِ، وقِيلَ في مَعْنى ”اِصْطَفاهم“، قَوْلانِ: قالَ قَوْمٌ: اِصْطَفى دِينَهُمْ، أيْ: اِخْتارَهُ عَلى سائِرِ الأدْيانِ، لِأنَّ دِينَ هَؤُلاءِ الجَماعَةِ الإسْلامُ، وقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقالَ قَوْمٌ: اِصْطَفى آدَمَ بِالرِّسالَةِ إلى المَلائِكَةِ، وإلى ولَدِهِ، واصْطَفى نُوحًا وإبْراهِيمَ وآلَهُ بِالرِّسالَةِ، ألا تَرى قَوْلَهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا آدَمُ أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣]، فَأمَرَهُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُنْبِئَ عَنْهُ مَلائِكَتَهُ، و”آلُ عِمْرانَ“، هم آلُ إبْراهِيمَ.
آل عمران 3:34
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾، اَلْمَعْنى: اِصْطَفى ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ، فَيَكُونُ نَصْبُ ”ذُرِّيَّةً“، عَلى البَدَلِ، وجائِزًا - أنْ يُنْصَبَ - عَلى الحالِ، المَعْنى: ”واصْطَفاهم في حالِ كَوْنِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ“، و”ذُرِّيَّةً“، قالَ النَّحْوِيُّونَ: هي ”فُعْلِيَّةٌ“، مِن ”اَلذَّرُّ“، لِأنَّ اللَّهَ (p-٤٠٠)أخْرَجَ الخَلْقَ مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَّرِّ، وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا بَلى، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: ”ذُرِّيَّةً“، أصْلُها ذُرُّورَةٌ ”، عَلى وزْنِ“ فُعُّولَةٌ ”، ولَكِنَّ التَّضْعِيفَ لَمّا كَثُرَ أُبْدِلَ مِنَ الرّاءِ الأخِيرَةِ، فَصارَتْ“ ذُرِّوْيَةٌ ”، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الواوُ في الياءِ، فَصارَتْ“ ذُرِّيَّةٌ "، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْيَسُ وأجْوَدُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ.
آل عمران 3:35
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: ”قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ“، و”إذْ“، لَغْوٌ، وكَذَلِكَ: ﴿وَإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ﴾ [آل عمران: ٤٢]، قالَ: مَعْناهُ: ”وَقالَتْ“، ولَمْ يَصْنَعْ أبُو عُبَيْدَةَ في هَذا شَيْئًا، قالَ جَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ: إنْ ”إذْ“، يَدُلُّ عَلى ما مَضى مِنَ الوَقْتِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الدَّلِيلُ عَلى ما مَضى مِنَ الوَقْتِ لَغْوًا، وهي اسْمٌ مَعَ ما بَعْدَها، وقالَ غَيْرُ أبِي عُبَيْدَةَ - مِنهم أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ، وأبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ -: اَلْمَعْنى: اُذْكُرُوا إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ، والمَعْنى عِنْدِي - واللَّهُ أعْلَمُ - غَيْرُ ما ذَهَبَتْ إلَيْهِ هَذِهِ الجَماعَةُ، وإنَّما العامِلُ في ”إذْ قالَتْ“، مَعْنى الِاصْطِفاءِ، المَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”واصْطَفى آلَ عِمْرانَ إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا، واصْطَفاهم إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ“، فَذِكْرُ ”اِصْطَفاكِ“، يَدُلُّ عَلى ما وصَفْنا، ومَعْنى ”نَذَرْتُ“، يَدُلُّ عَلى ما وصَفْنا.
(p-٤٠١)وَمَعْنى ﴿نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ أيْ: جَعَلْتُهُ خادِمًا يَخْدِمُ في مُتَعَبَّداتِنا، وكانَ ذَلِكَ جائِزًا لَهُمْ، وكانَ عَلى أوْلادِهِمْ فَرْضًا أنْ يُطِيعُوهم في نَذْرِهِمْ، فَكانَ الرَّجُلُ يَنْذُرُ في ولَدِهِ أنْ يَكُونَ خادِمًا في مُتَعَبَّدِهِ، ولِعُبّادِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ النَّذْرُ في النِّساءِ، إنَّما كانَ ذَلِكَ في الذُّكُورَةِ.
آل عمران 3:36
فَلَمّا ولَدَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ مَرْيَمَ قالَتْ: ﴿رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾، ولَيْسَتِ الأُنْثى مِمّا يَصْلُحُ لِلنَّذْرِ، فَجَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِنَ الآياتِ في مَرْيَمَ - لِما أرادَهُ اللَّهُ مِن أمْرِ عِيسى - أنْ جَعَلَها مُتَقَبَّلَةً في النَّذْرِ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، اَلْأصْلُ في العَرَبِيَّةِ: ”بِتَقَبُّلٍ حَسَنٍ“، ولَكِنَّ ”قَبُولٍ“، مَحْمُولٌ عَلى قَوْلِهِ: ”قَبِلَها قَبُولًا حَسَنًا“، يُقالُ: ”قَبِلْتُ الشَّيْءَ قَبُولًا حَسَنًا“، ويَجُوزُ ”قُبُولًا“، إذا رَضِيتُهُ، و”قَبِلَتِ الرِّيحُ قَبُولًا“، و”هي تَقْبُلُ“، و”قَبِلْتُ بِالرَّجُلِ أقْبَلُ قِبالَةً“، أيْ: كَفَلْتُ بِهِ، وقَدْ رُوِيَ ”قَبِلْتُ بِالرَّجُلِ“، في مَعْنى ”كَفَلْتُ بِهِ“، عَلى مِثالِ ”فَعِلْتُ“، ويُقالُ: سَقى فُلانٌ إبِلَهُ قَبَلًا، أيْ: صَبَّ الماءَ في الحَوْضِ، وهي تَشْرَبُ مِنهُ، فَأصابَها، وكُلُّ ما عايَنْتَ قُلْتَ فِيهِ: ”أتانِي قُبُلًا“، أيْ: مُعايَنَةً، وكُلُّ ما اسْتَقْبَلَكَ فَهو ”قَبْلٌ“، بِالفَتْحِ، وتَقُولُ: ”لا أُكَلِّمُكَ إلى عَشْرٍ مِن ذِي قِبَلٍ، وقَبَلٍ“، اَلْمَعْنى: قَبَلَ إلى عَشَرٍ مِمّا نُشاهِدُهُ مِن هَذِهِ الأيّامِ، ومَعْنى ”قَبِلٍ“، عَشْرٌ نَسْتَقْبِلُها، ويُقالُ: ”قَبِلَتِ العَيْنُ، تَقْبَلُ، قُبَلًا“، إذا أقْبَلَ النَّظَرُ عَلى الأنْفِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلا﴾ [الكهف: ٥٥]، وقِبَلًا، وقَبَلًا، كُلُّهُ جائِزٌ، فَمَن قَرَأ: ”قُبُلًا“، فَهو جَمْعُ ”قَبِيلٌ“، و”قُبُلٌ“، مِثْلُ ”رَغِيفَ“، (p-٤٠٢)و”رُغُفٌ“، اَلْمَعْنى: أوْ يَأْتِيَها العَذابُ ضُرُوبًا، ومَن قَرَأ: ”قِبَلًا“، بِالكَسْرِ، فالمَعْنى: أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مُعايَنَةً، ومَن قَرَأ: ”قَبَلًا“، بِالفَتْحِ، فالمَعْنى: أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مُقابِلًا، و”اَلْقَبْلَةُ“: جَمْعُ ”قَبْلٌ“، شَبِيهَةٌ بِـ”اَلْفَلْكَةُ“، أيْ: بِفَلْكَةِ المِغْزَلِ، تَكُونُ في القِلادَةِ.
وَمَعْنى: ﴿وَأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧] أيْ: جَعَلَ نُشُوءَها نُشُوءًا حَسَنًا، وجاءَ ”نَباتًا“، عَلى غَيْرِ لَفْظِ ”أنْبَتَ“، عَلى مَعْنى ”نَبَتَ نَباتًا حَسَنًا“ .
آل عمران 3:37
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾، في هَذا غَيْرُ وجْهٍ، يَجُوزُ: ”وَكَفَّلَها زَكَرِيّاءَ“، بِالمَدِّ، ”كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّاءُ“، و”كَفَلَها زَكَرِيّا“، بِالقَصْرِ، ”كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا“، بِالقَصْرِ، وفي ”زَكَرِيّا“، ثَلاثُ لُغاتٍ، هي المَشْهُورَةُ المَعْرُوفَةُ: ”زَكَرِيّاءُ“، بِالمَدِّ، و”زَكَرِيّا“، بِالقَصْرِ، غَيْرَ مُنَوَّنٍ في الجِهَتَيْنِ جَمِيعًا، و”زَكَرِيٌّ“، بِحَذْفِ الألِفِ مُعْرَبٌ مُنَوَّنٌ، فَأمّا تَرْكُ صَرْفِهِ فَلِأنَّ في آخِرِهِ ألِفَ التَّأْنِيثِ في المَدِّ، وألِفَ التَّأْنِيثِ في القَصْرِ، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إنَّهُ لَمْ يُصْرَفْ لِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ، وما كانَتْ فِيهِ ألِفُ التَّأْنِيثِ فَهو سَواءٌ في العَرَبِيَّةِ والعَجَمِيَّةِ، لِأنَّ ما كانَ أعْجَمِيًّا فَهو يَتَصَرَّفُ في النَّكِرَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ تُصْرَفَ الأسْماءُ الَّتِي فِيها ألِفُ التَّأْنِيثِ في مَعْرِفَةٍ ولا نَكِرَةٍ، لِأنَّ فِيها عَلامَةَ التَّأْنِيثِ، وأنَّها مَصُوغَةٌ مَعَ الِاسْمِ صِيغَةً واحِدَةً، فَقَدْ فارَقَتْ هاءَ التَّأْنِيثِ، فَلِذَلِكَ لَمْ تُصْرَفْ في النَّكِرَةِ، ويَجُوزُ ”كَفَّلَها زَكَرِيّاءَ“، بِنَصْبِ ”زَكَرِيّاءَ“، ويَجُوزُ في هَذا المَوْضِعِ ”زَكَرِيّا“، بِالقَصْرِ، فَمَن قَرَأ: كَفَلَها زَكَرِيّاءُ ”، رَفَعَهُ بِفِعْلِهِ، (p-٤٠٣)فالمَعْنى فِيما ذَكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ: ضَمِنَها، ومَعْناهُ في هَذا ضَمِنَ القِيامَ بِأمْرِها، ومَن قَرَأ:“ كَفَّلَها زَكَرِيّاءَ ”، بِالنَّصْبِ، فالمَعْنى:“ وكَفَّلَها اللَّهُ زَكَرِيّاءَ ”، وأمّا اللُّغَةُ الثّالِثَةُ فَلا تَجُوزُ في القُرْآنِ، لِأنَّها مُخالِفَةٌ المُصْحَفَ، وهي كَثِيرَةٌ في كَلامِ العَرَبِ.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ﴾، اَلْقَصْرُ والمَدُّ في“ زَكَرِيّا ”، والقِراءَةُ بِهِما كَثِيرَةٌ، كَما وصَفْنا، و“ اَلْمِحْرابُ ”: أشْرَفُ المَجالِسِ، والمُقَدَّمُ فِيها، وقَدْ قِيلَ: إنَّ مَساجِدَهم كانَتْ تُسَمّى“ اَلْمَحارِيبَ ”، و“ اَلْمِحْرابُ "، في اللُّغَةِ: اَلْمَوْضِعُ العالِي الشَّرِيفُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎رَبَّةُ مِحْرابٍ إذا جِئْتُها ∗∗∗ لَمْ ألْقَها أوْ أرْتَقِي سُلَّما
وَمِنهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ [ص: ٢١]، ونُصِبَ ”كُلَّما“، بِقَوْلِهِ: ”وَجَدَ“، أيْ: يَجِدُ عِنْدَها الرِّزْقَ في كُلِّ وقْتٍ يَدْخُلُ عَلَيْها المِحْرابَ، فَيَكُونُ ”ما“، مَعَ ”دَخَلَ“، بِمَنزِلَةِ الدُّخُولِ، أيْ: كُلَّ وقْتِ دُخُولٍ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا﴾، أيْ: مِن أيْنَ لَكِ هَذا؟ ﴿قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾، (p-٤٠٤)وَإنَّما سَألَ زَكَرِيّا عَنِ الرِّزْقِ، لِأنَّهُ خافَ أنْ يَأْتِيَها مِن غَيْرِ جِهَتِهِ، فَتَبَيَّنَ عِنْدَهُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وذَلِكَ مِن آياتِ مَرْيَمَ، قالَ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿وَجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١]، فَمِن آياتِها أنَّها أوَّلُ امْرَأةٍ قُبِلَتْ في نَذْرٍ في المُتَعَبَّدِ، ومِنها أنَّ اللَّهَ أنْشَأ فِيها عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن كَلِمَةٍ ألْقاها إلَيْها، ومِنها أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - غَذّاها بِرِزْقٍ مِن عِنْدِهِ لَمْ يُجْرِهِ عَلى يَدِ عَبْدٍ مِن عَبِيدِهِ، وقَدْ قِيلَ في التَّفْسِيرِ: إنَّها لَمْ تُلْقَمْ ثَدْيًا قَطُّ، ومَعْنى ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾، أيْ: بِغَيْرِ تَقْتِيرٍ، و”حِسابٍ“، إنْ شِئْتَ فَتَحْتَ الألِفَ، وألْزَمْتَها جِهَةَ الفَتْحِ، وإنْ شِئْتَ أمْلَتْها إلى الكَسْرِ، لِانْكِسارِ الحاءِ، وذَلِكَ كَثِيرٌ في لُغَةِ العَرَبِ.
آل عمران 3:38
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾، ”زَكَرِيّا“، بِالمَدِّ والقَصْرِ، عَلى ما وصَفْنا، المَعْنى: عِنْدَ ذَلِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ، أيْ: عِنْدَما صادَفَ مِنِ أمْرِ مَرْيَمَ، ثُمَّ سَألَ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَهُ ذَرِّيَّةً طَيِّبَةً، و﴿هُنالِكَ﴾، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، لِأنَّهُ ظَرْفٌ يَقَعُ مِنَ المَكانِ والأحْوالِ، أحْوالِ الزَّمانِ، والمَعْنى: في ذَلِكَ المَكانِ مِنَ الزَّمانِ، ومِنَ الحالِ، دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ، كَما تَقُولُ: ”مِن هُنا قُلْتُ كَذا وكَذا“، و”مِن هُنالِكَ قُلْتُ كَذا وكَذا“، أيْ: مِن ذَلِكَ الوَجْهِ وتِلْكَ الجِهَةِ، وهَذا في غَيْرِ المَكانِ عَلى المَثَلِ جَرى.، وكَسْرُ لامِ ”هُنالِكَ“، وقَعَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، لِأنَّ ”هُنالِكَ“، إشارَةٌ إلى مَكانٍ مُتَراخٍ، أوْ حالٍ مِن أحْوالِ الزَّمانِ نِسْبَتُها إلى المَكانِ، وقالَ: ”طَيِّبَةً“، لِلَّفْظِ ”ذُرِّيَّةً“، و”هُنالِكَ“، لا يَجِبُ أنْ يُعَرَّفَ في رَفْعٍ ولا جَرٍّ، لِأنَّهُ في الإشارَةِ إلى المَكانِ بِمَنزِلَةِ الإشارَةِ في ”هَذا“، و”هَذاكَ“، إلى سائِرِ الأشْياءِ، فَهو مُضارِعٌ لِلْحُرُوفِ الَّتِي جاءَتْ لِمَعْنًى.
آل عمران 3:39
(p-٤٠٥)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾، و”فَناداهُ المَلائِكَةُ“، اَلْوَجْهانِ جَمِيعًا جائِزانِ، لِأنَّ الجَماعَةَ يَلْحَقُها اسْمُ التَّأْنِيثِ، لِأنَّ مَعْناها مَعْنى جَماعَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُعَبَّرَ عَنْها بِلَفْظِ التَّذْكِيرِ، كَما يُقالُ: ”جَمْعُ المَلائِكَةِ“، ويَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ”نادَتْهُ المَلائِكَةُ“، وإنَّما ناداهُ جِبْرائِيلُ وحْدَهُ، لِأنَّ المَعْنى: أتاهُ النِّداءُ مِن هَذا الجِنْسِ، كَما نَقُولُ: ”رَكِبَ فُلانٌ في السُّفُنِ“، وإنَّما رَكِبَ سَفِينَةً واحِدَةً، تُرِيدُ بِذَلِكَ جَعَلَ رُكُوبَهُ في هَذا الجِنْسِ.
وَيَجُوزُ ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾، و”إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ“، بِفَتْحِ ”إنَّ“، وكَسْرِها، فَمَن فَتَحَ فالمَعْنى: نادَتْهُ بِأنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ، أيْ: نادَتْهُ بِالبِشارَةِ، ومَن كَسَرَ أرادَ: قالَتِ المَلائِكَةُ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ، و”إنَّ“، بَعْدَ القَوْلِ أبَدًا مَكْسُورَةٌ.
وَفِي ”يُبَشِّرُكَ“، ثَلاثُ لُغاتٍ: ”إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ“، بِفَتْحِ الباءِ، وتَشْدِيدِ الشِّينِ، وهي قِراءَةٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا، و”يَبْشُرُكَ“، بِإسْكانِ الباءِ، وضَمِّ الشِّينِ، وقَرَأ حُمَيْدٌ وحْدَهُ: ”يُبْشِرُكَ“، بِضَمِّ الياءِ، وإسْكانِ الباءِ، وكَسْرِ الشِّينِ، فَمَعْنى ”يُبَشِّرُكَ“، و”يَبْشُرُكَ“: اَلْبِشارَةُ، ومَعْنى ”يُبْشِرُكَ“: يَسُرُّكَ، ويُفْرِحُكَ، يُقالُ: ”بَشَّرْتُ الرَّجُلَ، أُبَشِّرُهُ، وأبْشُرُهُ“، إذا أفْرَحْتُهُ، ويُقالُ: ”بَشُرَ الرَّجُلُ يَبْشُرُ“، وأنْشَدَ الأخْفَشُ، والكِسائِيُّ، وجَماعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ:
؎وَإذا لَقِيتَ الباهِشِينَ إلى النَّدا ∗∗∗ غُبْرًا أكُفُّهُمُ بِقاعٍ مُمْحِلِ
؎(p-٤٠٦)فَأعِنْهم وابْشُرْ بِما بَشُرُوا بِهِ ∗∗∗ وإذا هُمُ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فانْزِلِ
فَهَذا عَلى ”بَشُرَ، يَبْشُرُ“، إذا فَرِحَ، وأصْلُ هَذا كُلِّهِ مِن أنَّ بَشَرَةَ الإنْسانِ تَنْبَسِطُ عِنْدَ السُّرُورِ، ومِن هَذا قَوْلُهُمْ: ”فُلانٌ يَلْقانِي بِبِشْرٍ“، أيْ: بِوَجْهٍ مُنْبَسِطٍ.
و”يَحْيى“، اِسْمٌ، سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى، تَوَلّى هو - - عَزَّ وجَلَّ - ذَلِكَ، ولَمْ يُسَمَّ أحَدٌ قَبْلَ ”يَحْيى“، بِـ”يَحْيى“، و”يَحْيى“، لا يَنْصَرِفُ عَرَبِيًّا كانَ أوْ أعْجَمِيًّا، لِأنَّهُ إنْ كانَ أعْجَمِيًّا فَقَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ العُجْمَةُ، والتَّعْرِيفُ، ولَوْ كانَ عَرَبِيًّا لَمْ يَنْصَرِفْ لِشَبَهِهِ بِالفِعْلِ، وأنَّهُ مَعْرِفَةٌ عَلَمٌ، ونُصِبَ ”مُصَدِّقًا“، عَلى الحالِ، ومَعْنى ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: يُصَدِّقُ بِأمْرِ عِيسى، لِأنَّ يَحْيى فُرِضَ عَلَيْهِ - وإنْ كانَ يَحْيى أسَنَّ مِن عِيسى - اتِّباعُ عِيسى، ومَعْنى ”سَيِّدًا وحَصُورًا“، ”اَلسَّيِّدُ“: اَلَّذِي يَفُوقُ في الخَيْرِ قَوْمَهُ، ومَعْنى ”حَصُورًا“، أيْ: لا يَأْتِي النِّساءَ، وإنَّما قِيلَ لِلَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ ”حَصُورٌ“، لِأنَّهُ حُبِسَ عَمّا يَكُونُ مِنَ الرِّجالِ، كَما يُقالُ في الَّذِي لا يَتَيَسَّرُ لَهُ الكَلامُ: ”قَدْ حُصِرَ في مَنطِقِهِ“، والحَصُورُ: اَلَّذِي لا يُنْفِقُ عَلى النَّدامى، وهو مِمَّنْ يُفْضِلُونَ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ: (p-٤٠٧)
؎وَشارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكَأْسِ نادَمَنِي ∗∗∗ لا بِالحَصُورِ ولا فِيها بِسَوّارِ
وَيُرْوى: ”وَلا فِيها بِسَآرِ“، أيْ: نادَمَنِي وهو كَرِيمٌ مُنْفِقٌ عَلى النَّدامى، واَلسَّوّارُ: اَلْمُعَرْبِدُ، يُساوِرُ نَدِيمَهُ، أيْ: يَثِبُ عَلَيْهِ، والسَّآرُ: اَلَّذِي يُفْضِلُ في إنائِهِ إذا شَرِبَ، والحَصُورُ: اَلَّذِي يَكْتُمُ السِّرَّ، أيْ: يَحْبِسُ السِّرَّ في نَفْسِهِ، قالَ جَرِيرٌ:
؎وَلَقَدْ تُسْقِطُنِي الوُشاةُ فَصادَفُوا ∗∗∗ حَصِرًا بِسِرِّكِ يا أُمَيْمُ ضَنِينا
والحَصِيرُ: هَذا المَرْمُولُ الَّذِي يُجْلَسُ عَلَيْهِ، إنَّما سُمِّيَ ”حَصِيرًا“، لِأنَّهُ دُوخِلَ بَعْضُهُ في بَعْضٍ في النَّسِيجِ، أيْ: حُبِسَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، ويُقالُ لِلسِّجْنِ: ”اَلْحَصِيرُ“، لِأنَّ النّاسَ يُحْصَرُونَ فِيهِ، ويُقالُ: ”حَصَرْتُ الرَّجُلَ“، إذا حَبَسْتَهُ، و”أحْصَرَهُ المَرَضُ“، إذا مَنَعَهُ مِنَ السَّيْرِ، والحَصِيرُ: اَلْمَلِكُ، وقَوْلُ اللَّهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]، أيْ: حَبْسًا، ويُقالُ: ”أصابَ فُلانًا حَصَرٌ“، إذا احْتَبَسَ عَلَيْهِ بَطْنُهُ، ويُقالُ في البَوْلِ: ”أصابَهُ أسْرٌ“، إذا احْتَبَسَ عَلَيْهِ بَوْلُهُ، ومَعْنى ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ اَلصّالِحُ: اَلَّذِي يُؤَدِّي إلى اللَّهِ ما عَلَيْهِ، ويُؤَدِّي إلى النّاسِ حُقُوقَهم.
.
آل عمران 3:40
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾، أيْ: كَيْفَ يَكُونُ لِي غُلامٌ؟ قالَ الكُمَيْتُ:
؎أنّى ومِن أيْنَ آبَكَ الطَّرَبْ ∗∗∗ مِن حَيْثُ لا صَبْوَةٌ ولا لَعِبْ
(p-٤٠٨)أيْ: كَيْفَ؟ ومِن أيْنَ آبَكَ الطَّرَبُ؟ ويُقالُ: ”غُلامٌ بَيِّنُ الغُلُومِيَّةِ، والغُلامِيَّةِ، والغُلُومَةِ“ .
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾، بِمَعْنى: قَدْ بَلَغْتُ الكِبَرَ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨]، وكُلُّ شَيْءٍ صادَفْتَهُ وبَلَغْتَهُ فَقَدْ صادَفَكَ وبَلَغَكَ.
وَمَعْنى ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ يَفْعَلُ اللَّهُ الَّذِي يَشاؤُهُ، وإنَّما سَألَ زَكَرِيّا لِأنَّهُ أحَبَّ أنْ يَعْلَمَ أيَأْتِيهِ الوَلَدُ وامْرَأتُهُ عاقِرٌ وهو مُسِنٌّ، أمْ يَجْعَلُهُ اللَّهُ عَلى هَيْئَةِ مَن يُولَدُ لَهُ ويَجْعَلُ امْرَأتَهُ كَذَلِكَ، أمْ يَأْتِيهِما الوَلَدُ وهُما عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي لا يَكُونُ مَعَها ولَدٌ، فَأعْلَمَهُما اللَّهُ أنَّ ذَلِكَ هَيِّنٌ عَلَيْهِ، كَما أنْشَأهُما ولَمْ يَكُونا شَيْئًا، وأنَّهُ يُعْطِيهِما الوَلَدَ وهُما في هَذِهِ السِّنِّ.
وَيُقالُ في ”عاقِرٌ“: ”قَدْ عَقُرَتِ المَرْأةُ“، و”عَقَرَتْ“، وهي ”عاقِرٌ“، وهَذا دَلِيلٌ أنَّ ”عاقِرًا“ وقَعَ عَلى جِهَةِ النَّسَبِ، لِأنَّ ”فَعُلَتْ“، أسْماءُ الفاعِلِينَ فِيهِ عَلى ”فَعِيلَةٌ“، نَحْوَ: ”ظَرُفَتْ، فَهي ظَرِيفَةٌ“، وإنَّما ”عاقِرٌ“، لَهُ ذاتُ عُقْرٍ، ويُقالُ: ”قَدْ عَقَرَ الرَّجُلُ، يَعْقِرُ عَقْرًا“: إذا انْقَطَعَ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن تَعَبٍ، وكَلالٍ، والعَقارُ: كُلُّ مالٍ لَهُ أصْلٌ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ النَّخْلَ خاصَّةً يُقالُ لَهُ ”عَقارٌ“، و”عُقْرُ دارِ قَوْمٍ“: أصْلُ مُقامِهِمُ الَّذِي عَلَيْهِ مُعَوَّلُهُمْ، وإذا انْتَقَلُوا عَنْهُ لِنُجْعَةٍ فَرُجُوعُهم إلَيْهِ، ويُرْوى عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: ”ما (p-٤٠٩)غُزِيَ قَوْمٌ في عُقْرِ دارِهِمْ إلّا ذُلُّوا“، أيْ: ما غُزُوا في المَكانِ الَّذِي هو أصْلٌ لِمُقامِهِمْ.
آل عمران 3:41
وَمَعْنى ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾، أيْ: عَلامَةً، أعْلَمُ بِها الوَقْتَ الَّذِي تَهَبُ لَهُ فِيهِ الغُلامَ، ﴿قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلا رَمْزًا﴾، أيْ: عَلامَةُ ذَلِكَ أنْ يُمْسِكَ لِسانُكَ عَنِ الكَلامِ، وأنْتَ صَحِيحٌ سَوِيٌّ، وقالَ - في مَوْضِعٍ آخَرَ -: ﴿آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]، أيْ: وأنْتَ سَوِيٌّ، ومَعْنى ”اَلرَّمْزُ“: تَحْرِيكُ الشَّفَتَيْنِ بِاللَّفْظِ، مِن غَيْرِ إبانَةٍ بِصَوْتٍ، إنَّما هو إشارَةٌ بِالشَّفَتَيْنِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ الرَّمْزَ هو إشارَةٌ بِالعَيْنَيْنِ، أوِ الحاجِبَيْنِ، والفَمِ، و”اَلرَّمْزُ“، في اللُّغَةِ: كُلُّ ما أشَرْتَ بِهِ إلى بَيانٍ بِلَفْظٍ، أيْ: بِأيِّ شَيْءٍ أشَرْتَ، أبِفَمٍ، أمْ بِيَدٍ، أمْ بِعَيْنَيْنِ، و”اَلرَّمْزُ“، و”اَلتَّرَمُّزُ“، في اللُّغَةِ: اَلْحَرَكَةُ والتَّحَرُّكُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾، قِيلَ: ”سَبِّحْ“: ”صَلِّ“، ويُقالُ: ”فَرَغْتُ مِن سَبْحَتِي“: مِن صَلاتِي، وإنَّما سُمِّيَتِ الصَّلاةُ ”تَسْبِيحًا“، لِأنَّ التَّسْبِيحَ تَعْظِيمُ اللَّهِ، وتَبْرِئَتُهُ مِنَ السُّوءِ، فالصَّلاةُ يُوَحَّدُ اللَّهُ فِيها، ويُحْمَدُ، ويُوصَفُ بِكُلِّ ما يُبَرِّئُهُ مِنَ السُّوءِ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الصَّلاةُ ”اَلسَّبْحَةَ“، و”اَلْإبْكارُ“، يُقالُ فِيهِ: ”أبْكَرَ الرَّجُلُ، يُبْكِرُ، إبْكارًا“، و”بَكَّرَ، يُبَكِّرُ، تَبْكِيرًا“، و”بَكَرَ يَبْكُرُ“، في كُلِّ شَيْءٍ يَتَقَدَّمُ فِيهِ، وقَوْلُ النّاسِ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الثِّمارِ: ”قَدْ هَرِفَ“: خَطَأٌ، إنَّما هي كَلِمَةُ تَبْطِئَةٍ، وإنَّما تَقُولُ العَرَبُ في مِثْلِ ذَلِكَ: ”قَدْ بَكَّرَ“، ويُسَمّى ما يَكُونُ مِنهُ ”اَلْباكُورَةَ“ .
آل عمران 3:42
(p-٤١٠)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ﴾، مَعْنى ”اِصْطَفاكِ“: اِخْتارَكِ، وقالُوا - في ”طَهَّرَكِ“ -: طَهَّرَكِ مِنَ الحَيْضِ والنِّفاسِ، ومَعْنى ”طَهَّرَكِ“ - واللَّهُ أعْلَمُ -: أيْ: جَعَلَكِ طاهِرَةً مِن سائِرِ الأدْناسِ، إلّا أنَّ الأوَّلَ قَدْ جاءَ في التَّفْسِيرِ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى ”اصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ“، أيْ: عَلى نِساءِ أهْلِ دَهْرِها، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ عَلى نِساءِ العالَمِينَ كُلِّهِمْ، أيْ: اِخْتارَكِ لِعِيسى عَلى نِساءِ العالَمِينَ كُلِّهِمْ، فَلَمْ يُجْعَلْ مِثْلُ عِيسى مِنَ امْرَأةٍ مِن نِساءِ العالَمِينَ.
آل عمران 3:43
وَمَعْنى ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ أيْ: اُعْبُدِيهِ بِالقَوْلِ، والعَمَلِ.
﴿واسْجُدِي وارْكَعِي﴾، مَعْنى الرُّكُوعِ قِيلَ: اَلسُّجُودُ، المَعْنى: اِرْكَعِي، واسْجُدِي، إلّا أنَّ الواوَ إذا ذُكِرَتْ فَمَعْناها الِاجْتِماعُ، ولَيْسَ فِيها دَلِيلٌ أنَّ أحَدَ الشَّيْئَيْنِ قَبْلَ الآخَرِ، لِأنَّها تُؤْذِنُ بِالِاجْتِماعِ، والعَمَلِ، والحالُ تَدُلُّ عَلى تَقَدُّمِ المُتَقَدِّمِ مِنَ الِاثْنَيْنِ.
آل عمران 3:44
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾، أيْ: اَلْأخْبارُ الَّتِي قَصَصْناها عَلَيْكَ في زَكَرِيّا، ويَحْيى، ومَرْيَمَ، وعِيسى، مِن أنْباءِ الغَيْبِ، أيْ: مِن أخْبارِ ما غابَ عَنْكَ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى تَثْبِيتِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، لِأنَّهُ أنْبَأ بِما لا يُعْلَمُ إلّا مِن كِتابٍ، أوْ وحْيٍ، وقَدْ أجْمَعُوا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ أُمِّيًّا، فَإنْباؤُهُ إيّاهم بِالأخْبارِ الَّتِي في كُتُبِهِمْ عَلى حَقِيقَتِها، مِن غَيْرِ قِراءَةِ الكُتُبِ، دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ نَبِيٌّ، وأنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ بِها، ومَعْنى ﴿إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾، أيْ: هَذا أيْضًا مِمّا لَمْ تَحْضُرْهُ، ومَعْنى الأقْلامِ، هَهُنا: القِداحُ، وهي قِداحٌ جَعَلُوا (p-٤١١)عَلَيْها عَلاماتٍ يَعْرِفُونَ بِها أيَّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ، عَلى جِهَةِ القُرْعَةِ، وإنَّما قِيلَ لِلسَّهْمِ: ”اَلْقَلَمُ“، لِأنَّهُ يُقْلَمُ، أيْ: يُبْرى، وكُلُّ ما قَطَعْتَ مِنهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَقَدَ قَلَمْتَهُ، مِن ذَلِكَ ”اَلْقَلَمُ“، اَلَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، إنَّما سُمِّيَ لِأنَّهُ قُلِمَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، ومِن هَذا ”قَلَّمْتُ أظافِرِي“ .
وَمَعْنى ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾، أيْ: لِيَنْظُرُوا: أيُّهم تَجِبُ لَهُ كَفالَةُ مَرْيَمَ، وهو الضَّمانُ لِلْقِيامِ بِأمْرِها، ومَعْنى ﴿لَدَيْهِمْ﴾ عِنْدَهُمْ، وبِحَضْرَتِهِمْ، ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، ”إذْ“، نُصِبَ بِقَوْلِهِ: ”وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ“، و”إذْ“، اَلثّانِيَةُ مُعَلَّقَةٌ بِـ”يَخْتَصِمُونَ“، أيْ: ”إذْ يَخْتَصِمُونَ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ“، فَـ”إذْ“، مَنصُوبَةٌ بِـ”يَخْتَصِمُونَ“، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُمُ اخْتَصَمُوا بِسَبَبِ مَرْيَمَ، وعِيسى، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ نَصْبُ ”إذْ“، عَلى ”وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ“، هَذا أيْضًا مِمّا لَمْ يُشاهِدْهُ.
آل عمران 3:45
﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾، سَمّى اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عِيسى ”اَلْمَسِيحَ“، وسَمّاهُ ”عِيسى“، وسُمِّيَ ابْتِداءَ أمْرِهِ ”كَلِمَةً مِنهُ“، فَهو ﷺ كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ ألْقاها إلى مَرْيَمَ، ثُمَّ كَوَّنَ تِلْكَ الكَلِمَةَ بَشَرًا.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿اسْمُهُ﴾، وإنَّما جَرى ذِكْرُ الكَلِمَةِ، لِأنَّ مَعْنى الكَلِمَةِ مَعْنى (p-٤١٢)الوَلَدِ، المَعْنى: ”إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِهَذا الوَلَدِ“، ﴿وَجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾، ”وَجِيهًا“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والوَجِيهُ: اَلَّذِي لَهُ المَنزِلَةُ الرَّفِيعَةُ عِنْدَ ذَوِي القَدْرِ والمَعْرِفَةِ، ويُقالُ: ”قَدْ وجُهَ الرَّجُلُ، يَوْجُهُ، وجاهَةً“، و”لِفُلانٍ جاهٌ عِنْدَ النّاسِ، ووَجاهَةٌ عِنْدَ النّاسِ“، أيْ: مَنزِلَةٌ رَفِيعَةٌ، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: ”وَجِيهًا“، مَنصُوبٌ عَلى القَطْعِ مِن ”عِيسى“، و”قَطْعٌ“، هَهُنا، كَلِمَةُ مُحالٍ، لِأنَّهُ إنَّما بُشِّرَ بِهِ في هَذِهِ الحالِ، أيْ: في حالِ فَضْلِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ قَطْعُها مِنهُ، ولَمْ يَقُلْ لِمَ نُصِبَ هَذا القَطْعُ، فَإنْ كانَ القَطْعُ إنَّما هو مَعْنًى، فَلَيْسَ ذَلِكَ المَعْنى مَوْجُودًا في هَذا اللَّفْظِ، وإنْ كانَ القَطْعُ هو العامِلَ، فَما بَيَّنَ ما هُوَ، وإنْ كانَ أرادَ أنَّ الألِفَ واللّامَ قُطِعا مِنهُ، فَهَذا مُحالٌ، لِأنَّ جَمِيعَ الأحْوالِ نَكِراتٌ، والألِفُ واللّامُ لِمَعْهُودٍ، فَكَيْفَ يُقْطَعُ مِنَ الشَّيْءِ ما لَمْ يَكُنْ فِيهِ قَطُّ.
آل عمران 3:46
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ﴾، مَعْطُوفٌ عَلى ”وَجِيهًا“، المَعْنى: يُبَشِّرُكِ بِهِ وجِيهًا، ومُكَلِّمًا النّاسَ في المَهْدِ، وجائِزٌ أنْ يَعْطِفَ ”يَفْعَلُ“، عَلى ”فاعِلٌ“، لِمُضارِعِهِ بِفِعْلِ فاعِلٍ، قالَ الشّاعِرُ:
؎باتَ يَعِيشُها بِغَضَبٍ باتِرْ ∗∗∗ يَقْصِدُ في أسْواقِها وجائِرْ
﴿وَكَهْلا﴾، أيْ: ويُكَلِّمُ النّاسَ كَهْلًا، أعْلَمَها اللَّهُ أنَّ عِيسى يَبْقى إلى حالِ الكُهُولَةِ، وقِيلَ إنَّ ”كَهْلًا“، أيْ: يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ لِقَتْلِ الدَّجالِ وهو كَهْلٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:47
وَمَعْنى ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾: (p-٤١٣)أيْ: يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ مِثْلَ ذَلِكَ.
آل عمران 3:48
﴿وَيُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾، أيْ: يُعَلِّمُهُ ذَلِكَ وحْيًا وإلْهامًا، ونُصِبَ ﴿وَرَسُولا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٩]، عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: ”وَيَجْعَلُهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ“، والِاخْتِيارُ عِنْدِي - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”وَيُكَلِّمُ النّاسَ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ“، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ قالَ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]، فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”وَيُكَلِّمُهم رَسُولًا بِأنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم“، ولَوْ قُرِئَتْ: ”إنِّي قَدْ جِئْتُكم“، بِالكَسْرِ، كانَ صَوابًا، المَعْنى: ”إنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ، أيْ: بِعَلامَةٍ تُثْبِتُ رِسالَتِي“ .
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ﴾ [آل عمران: ٤٩]، يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَفْضًا، ورَفْعًا، فالخَفْضُ عَلى البَدَلِ مِن ”آيَةٍ“، اَلْمَعْنى: ”جِئْتُكم بِأنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ: ”إنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ“، يُخْبِرُهم بِهَذِهِ الآيَةِ ما هِيَ، أيْ: ”أقُولُ لَكُمْ: إنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ“، يُقالُ: إنَّهُ صَنَعَ كَهَيْئَةِ الخُفّاشِ، ونَفَخَ فِيهِ فَصارَ طَيْرًا، وجازَ أنْ يَكُونَ ﴿فَأنْفُخُ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٤٩]، لِلَفْظِ الطِّينِ، وقالَ - في مَوْضِعٍ آخَرَ -: ﴿فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]، لِلَفْظِ الهَيْئَةِ.
﴿وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩]، (p-٤١٤)”اَلْأكْمَهُ“: اَلَّذِي يُولَدُ أعْمى، قالَ الرّاجِزُ:
؎هَرَّجْتُ فارْتَدَّ ارْتِدادَ الأكْمَهِ
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ﴾ [آل عمران: ٤٩]، أيْ: أُخْبِرُكم بِمَأْكُولِكُمْ، فَجائِزٌ أنْ تَكُونَ ”ما“، هَهُنا، في مَوْضِعِ ”اَلَّذِي“، والمَعْنى: ”أُنَبِّئُكم بِالَّذِي تَأْكُلُونَهُ وتَدَّخِرُونَهُ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ما“، وما وقَعَ بَعْدَها بِمَنزِلَةِ المَصْدَرِ، المَعْنى: ”أُنَبِّئُكم بِأكْلِكم وادِّخارِكم“، والأوَّلُ أجْوَدُ.
وَمَعْنى ﴿تَدَّخِرُونَ﴾ [آل عمران: ٤٩] جاءَ في التَّفْسِيرِ: ما تَأْكُلُونَ في غُدُوِّكُمْ، و”تَدَّخِرُونَ“، بِالدّالِ، والذّالِ، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إنَّما اخْتِيرَ ”تَدَّخِرُونَ“، لِأنَّ التّاءَ تُدْغَمُ في الذّالِ، نَحْوَ ”تَذَّكَّرُونَ“، فَكَرِهُوا ”تَذَّخِرُونَ“، لِأنَّهُ لا يُشْبِهُ ذَلِكَ، فَطَلَبُوا حَرْفًا بَيْنَ التّاءِ والذّالِ، فَكانَ ذَلِكَ الحَرْفُ الدّالَ، وهَذا يَحْتاجُ صاحِبُهُ إلى أنْ يَعْرِفَ الحُرُوفَ المَجْهُورَةَ والمَهْمُوسَةَ، وهي - فِيما زَعَمَ الخَلِيلُ - ضَرْبانِ، فالمَهْجُورَةُ حَرْفٌ أشْبَعَ الِاعْتِمادُ عَلَيْهِ في مَوْضِعِهِ، ومَنَعَ النَّفَسَ أنْ يَجْرِيَ مَعَهُ، والمَهْمُوسُ حَرْفٌ أضْعَفَ الِاعْتِمادُ عَلَيْهِ في مَوْضِعِهِ، وجَرى مَعَهُ النَّفَسُ، وإنَّما قِيلَ: ”تَدَّخِرُونَ“، وأصْلُهُ ”تَذَّخِرُونَ“: أيْ: ”يَفْتَعِلُونَ“، مِن ”اَلذُّخْرُ“، لِأنَّ الذّالَ حَرْفٌ مَجْهُورٌ، لا يُمْكِنُ النَّفَسَ أنْ يَجْرِيَ مَعَهُ، لِشِدَّةِ اعْتِمادِهِ في مَكانِهِ، والتّاءَ مَهْمُوسَةٌ، فَأُبْدِلَ مِن مَخْرَجِ التّاءِ حَرْفٌ مَجْهُورٌ، يُشْبِهُ الذّالَ في جَهْرِها، وهو الدّالُ، فَصارَ ”تَذْدَخِرُون“، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الذّالُ في الدّالِ، وهَذا أصْلُ الإدْغامِ، أنْ تُدْغِمَ الأوَّلَ في الثّانِي، و”تَذَّخِرُونَ“، جائِزٌ، فَأمّا ما قالَ في المَلْبَسِ فَلَيْسَ ”تَذَّخِرُونَ مَلْبَسًا“، بِشَيْءٍ.
آل عمران 3:50
(p-٤١٥)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾، نُصِبَ ”مُصَدِّقًا“، عَلى الحالِ، المَعْنى: ”وَجِئْتُكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ“، أيْ: لِلْكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ قَبْلِي، فَهو أمْرِي أنْ تَتَّبِعُونِي.
﴿وَلأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾، أيْ: لَمْ أُحِلَّ لَكم شَيْئًا بِغَيْرِ بُرْهانٍ، فَهو حَقٌّ عَلَيْكُمُ اتِّباعِي، لِأنِّي أُنَبِّئُكم بِبُرْهانٍ، وتَحْلِيلِ طَيِّباتٍ كانَتْ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ، ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾، أيْ: اِتَّبِعُونِي، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنى ﴿وَلأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾، قالَ: مَعْناهُ: كُلُّ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ، وهَذا مُسْتَحِيلٌ في اللُّغَةِ، وفي التَّفْسِيرِ، وما عَلَيْهِ العَمَلُ، فَأمّا اسْتِحالَتُهُ في اللُّغَةِ فَإنَّ ”اَلْبَعْضَ“، و”اَلْجُزْءَ“، لا يَكُونُ ”اَلْكُلَّ“، وأنْشَدَ في ذَلِكَ أبُو عُبَيْدَةَ بَيْتًا غَلَطَ في مَعْناهُ، وهو قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎تَرّاكُ مَنزِلَةٍ إذا لَمْ أرْضَها ∗∗∗ أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها
قالَ: اَلْمَعْنى: ”أوْ يَعْتَلِقْ كُلَّ النُّفُوسِ حِمامُها“، وهَذا كَلامٌ تَسْتَعْمِلُهُ النّاسُ، يَقُولُ القائِلُ: ”بَعْضُنا يَعْرِفُكَ“، يُرِيدُ: أنا أعْرِفُكَ، فَهَذا إنَّما هو تَبْعِيضٌ صَحِيحٌ، وإنَّما جاءَهم عِيسى بِتَحْلِيلِ ما كانَ حَرامًا عَلَيْهِمْ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، وهي نَحْوُ الشُّحُومِ، وما يَتْبَعُها في التَّحْرِيمِ، فَأمّا أنْ يَكُونَ أحَلَّ لَهُمُ القَتْلَ، والسَّرِقَةَ، والزِّنا، فَمُحالٌ.
(p-٤١٦)وَمَعْنى: ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥١] أيْ: هَذا طَرِيقُ الدِّينِ مُسْتَوِيًا.
آل عمران 3:52
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ﴾، مَعْنى ”أحَسَّ“، في اللُّغَةِ: عَلِمَ، ووَجَدَ، ويُقالُ: هَلْ أحَسْتَ؟ ”، في مَعْنى“ هَلْ أحْسَسْتَ؟ ”، ويُقالُ:“ حَسَيْتُ بِالشَّيْءِ "، إذا عَلِمْتُهُ، وعَرَفْتُهُ، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ:
؎سِوى أنَّ العِتاقَ مِنَ المَطايا ∗∗∗ حَسَيْنَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شُوسُ
وَيُقالُ: ”حَسَّهُمُ القائِدُ“، أيْ: قَتَلَهُمْ، ومَعْنى: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ: ”مَن أنْصارِي مَعَ اللَّهِ؟“، و”إلى“، هَهُنا، إنَّما قارَبَتْ ”مَعَ“، مَعْنًى، بِأنْ صارَ اللَّفْظُ لَوْ عُبِّرَ عَنْهُ بِـ”مَعَ“، أفادَ مِثْلَ هَذا المَعْنى، لا أنَّ ”إلى“، في مَعْنى ”مَعَ“، لَوْ قُلْتَ: ”ذَهَبَ زَيْدٌ إلى عَمْرٍو“، لَمْ يَجُزْ ”ذَهَبَ زَيْدٌ مَعَ عَمْرٍو“، لِأنَّ ”إلى“، غايَةٌ، و”مَعَ“، تَضُمُّ الشَّيْءَ إلى الشَّيْءِ، فالمَعْنى: ”يُضِيفُ نُصْرَتَهُ إيّايَ إلى نُصْرَةِ اللَّهِ“، وقَوْلُهم إنَّ ”إلى“، في مَعْنى ”مَعَ“، لَيْسَ بِشَيْءٍ، والحُرُوفُ قَدْ تَقارَبَتْ في الفائِدَةِ، فَيَظُنُّ الضَّعِيفُ العِلْمَ بِاللُّغَةِ أنَّ مَعْناهُما واحِدٌ، (p-٤١٧)مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، ولَوْ كانَتْ ”عَلى“، هَهُنا، لَأدَّتْ هَذِهِ الفائِدَةَ، لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: ”لَأُصَلِّبَنَّكم عَلى جُذُوعِ النَّخْلِ“، كانَ مُسْتَقِيمًا، وأصْلُ ”في“، إنَّما هو لِلْوِعاءِ، وأصْلُ ”عَلى“، لِما مَعَ الشَّيْءِ، كَقَوْلِكَ: ”اَلتَّمْرُ في الجِرابِ“، ولَوْ قُلْتَ: ”اَلتَّمْرُ عَلى الجِرابِ“، لَمْ يَصْلُحْ في هَذا المَعْنى، ولَكِنْ جازَ ”وَلَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ“، لِأنَّ الجِذْعَ يَشْتَمِلُ عَلى المَصْلُوبِ، لِأنَّهُ قَدْ أخَذَهُ مِن أقْطارِهِ، ولَوْ قُلْتَ: ”زَيْدٌ عَلى الجَبَلِ“، و”في الجَبَلِ“، يَصْلُحُ، لِأنَّ الجَبَلَ قَدِ اشْتَمَلَ عَلى زَيْدٍ، فَعَلى هَذا مَجازُ هَذِهِ الحُرُوفِ.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾، قالَ الحُذّاقُ بِاللُّغَةِ: ”اَلْحَوارِيُّونَ“: صَفْوَةُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - الَّذِينَ خَلَصُوا، وأخْلَصُوا في التَّصْدِيقِ بِهِمْ، ونُصْرَتِهِمْ، فَسَمّاهُمُ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - ”اَلْحَوارِيُّونَ“، وقَدْ قِيلَ: إنَّهم كانُوا قَصّارِينَ، فَسُمُّوا الحَوارِيِّينَ، لِتَبْيِيضِهِمُ الثِّيابَ، ثُمَّ صارَ هَذا الِاسْمُ يُسْتَعْمَلُ فِيمَن أشْبَهَهم مِنَ المُصَدِّقِينَ، تَشْبِيهًا بِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا مُلُوكًا، وقِيلَ: كانُوا صَيّادِينَ، والَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّهُمُ الصَّفْوَةُ، كَما أخْبَرْتُكَ، ويُرْوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«اَلزُّبَيْرُ ابْنُ عَمَّتِي، وحَوارِيِّي مِن أُمَّتِي»“، ويُقالُ لِنِساءِ الأنْصارِ ”حَوارِيّاتٌ“، لِأنَّهُنَّ تَباعَدْنَ عَنْ قَشَفِ الأعْرابِيّاتِ بِنَظافَتِهِنَّ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ لِأبِي جِلْدَةَ اليَشْكُرِيِّ: (p-٤١٨)
؎فَقُلْ لِلْحَوارِيّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنا ∗∗∗ ولا تَبْكِنا إلّا الكِلابُ النَّوابِحُ
وَقالَ أهْلُ اللُّغَةِ في المِحْوَرِ - وهو العُودُ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ البَكَرَةُ - قَوْلَيْنِ، قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّما قِيلَ لَهُ ”مِحْوَرٌ“، لِلدَّوَرانِ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ إلى المَكانِ الَّذِي زالَ مِنهُ، وقِيلَ: إنَّما قِيلَ لَهُ: ”مِحْوَرٌ“، لِأنَّهُ بِدَوَرانِهِ يَنْصَقِلُ حَتّى يَصِيرَ أبْيَضَ، ويُقالُ: ”دَقِيقٌ حُوّارى“، مِن هَذا، أيْ: قَدْ أُخِذَ لُبابُهُ، وكَذَلِكَ ”عَجِينٌ مُحَوَّرٌ“، لِلَّذِي يُمْسَحُ وجْهُهُ بِالماءِ حَتّى يَصْفُوَ، ويُقالُ: ”عَيْنٌ حَوْراءَ“، إذا اشْتَدَّ بَياضُها، وخَلَصَ، واشْتَدَّ سَوادُها، ولا يُقالُ: ”اِمْرَأةٌ حَوْراءُ“، إلّا أنْ تَكُونَ - مَعَ حَوَرِ عَيْنِها - بَيْضاءَ، وما رُوِيَ في الحَدِيثِ: ”نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الحَوَرِ بَعْدَ الكُوَرِ“، مَعْناهُ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الرُّجُوعِ، والخُرُوجِ عَنِ الجَماعَةِ بَعْدَ الكَوَرِ، أيْ: بَعْدَ أنْ كُنّا في الكَوَرِ، أيْ: في الجَماعَةِ، يُقالُ: ”كارَ الرَّجُلُ عِمامَتَهُ“، إذا لَفَّها عَلى رَأْسِهِ، و”حارَ عِمامَتَهُ“، إذا نَقَضَها، وقَدْ قِيلَ: ”بَعْدَ الكَوْنِ“، ومَعْناهُ: بَعْدَ أنْ كُنّا عَلى اسْتِقامَةٍ، إلّا أنَّ مَعَ الكَوْنِ مَحْذُوفًا في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، وأمّا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣]، أيْ: اُكْتُبْنا مَعَ الَّذِينَ شَهِدُوا لِلْأنْبِياءِ بِالتَّصْدِيقِ، وحَقِيقَةُ الشّاهِدِ أنَّهُ الَّذِي يُبَيِّنُ تَصْحِيحَ دَعْوى المُدَّعِي، فالمَعْنى: صَدَّقْنا بِاللَّهِ، واعْتَرَفْنا بِصِحَّةِ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، وثَبَتْنا، فاكْتُبْنا مَعَ مَن فَعَلَ فِعْلَنا.
آل عمران 3:54
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾، (p-٤١٩)”اَلْمَكْرُ“، مِنَ الخَلائِقِ: خِبٌّ، وخِداعٌ، والمَكْرُ مِنَ اللَّهِ: اَلْمُجازاةُ عَلى ذَلِكَ، فَسُمِّيَ بِاسْمِ ذَلِكَ لِأنَّهُ مُجازاةُ عَلَيْهِ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، فَجَعَلَ مُجازاتَهم عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِالعَذابِ لَفْظُهُ لَفْظَ الِاسْتِهْزاءِ، وكَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]، فالأُولى سَيِّئَةٌ، والمُجازاةُ عَلَيْها سُمِّيَتْ بِاسْمِها، ولَيْسَتْ في الحَقِيقَةِ سَيِّئَةً، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَكْرُ اللَّهِ اسْتِدْراجَهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، لِأنَّ اللَّهَ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ فارِسَ، فَغَلَبَتْهُمْ، وقَتَلَتْهُمْ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الم﴾ [الروم: ١] ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] ﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾ [الروم: ٣]، وقِيلَ في التَّفْسِيرِ أيْضًا: إنَّ مَكْرَ اللَّهِ بِهِمْ كانَ في أمْرِ عِيسى، أنَّهُ ﷺ كانَ في بَيْتٍ فِيهِ كُوَّةٌ، فَدَخَلَ رَجُلٌ لِيَقْتُلَهُ، ورُفِعَ عِيسى مِنَ البَيْتِ، وخَرَجَ الرَّجُلُ في شَبَهِهِ يُخْبِرُهم أنَّهُ لَيْسَ في البَيْتِ، فَقَتَلُوهُ، وجُمْلَةُ المَكْرِ مِنَ اللَّهِ: مُجازاتُهم عَلى ما فَعَلُوا.
آل عمران 3:55
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى﴾، ”عِيسى“: اِسْمٌ أعْجَمِيٌّ، عُدِلَ عَنْ لَفْظِ الأعْجَمِيَّةِ إلى هَذا البِناءِ، وهو غَيْرُ مَصْرُوفٍ في المَعْرِفَةِ، لِاجْتِماعِ العَجَمِيَّةِ، والتَّعْرِيفِ فِيهِ، ومِثالُ اشْتِقاقِهِ مِن كَلامِ العَرَبِ أنَّ ”عِيسى“، ”فِعْلى“، فالألِفُ يَصْلُحُ أنْ تَكُونَ لِلتَّأْنِيثِ، فَلا تَتَصَرَّفَ في مَعْرِفَةٍ ولا نَكِرَةٍ، ويَكُونَ اشْتِقاقُهُ مِن شَيْئَيْنِ، أحَدُهُما ”اَلْعَيَسُ“، وهو بَياضُ (p-٤٢٠)الإبِلِ، والآخَرُ مِن ”اَلْعَوْسُ“، و”اَلْعِياسَةُ“، إلّا أنَّهُ قُلِبَتِ الواوُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، فَأمّا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَمَعْدُولٌ مِن ”يَشُوعُ“، كَذا يَقُولُ أهْلُ السُّرْيانِيَّةِ.
وَقالَ النَّحْوِيُّونَ: في مَعْنى قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ ومُطَهِّرُكَ﴾، اَلتَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ، المَعْنى: ”إنِّي رافِعُكَ ومُطَهِّرُكَ ومُتَوَفِّيكَ“، وقالَ بَعْضُهُمْ: اَلْمَعْنى عَلى هَذا اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢]، فالمَعْنى - عَلى مَذْهَبِ هَؤُلاءِ - أنَّ الكَلامَ عَلى هَذا اللَّفْظِ.
وَمَعْنى ﴿وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، اَلْقِراءَةُ بِطَرْحِ التَّنْوِينِ، والتَّنْوِينُ جائِزٌ، ولَكِنْ لا تَقْرَأُ بِهِ إلّا أنْ تَكُونَ ثَبَتَتْ بِذَلِكَ رِوايَةٌ، ومَعْنى ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما أنَّهم فَوْقَهم في الحُجَّةِ، وإقامَةِ البُرْهانِ، والآخَرُ أنَّهم فَوْقَهم في اليَدِ، والبَسْطَةِ، والغَلَبَةِ، ويَكُونُ ”اَلَّذِينَ اتَّبَعُوكَ“: مُحَمَّدًا ﷺ، ومَنِ اتَّبَعَهُ، فَهم مَنصُورُونَ، عالُونَ.
آل عمران 3:56
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾، اَلْعَذابُ في الدُّنْيا: اَلْقَتْلُ، الَّذِي نالَهُمْ، ويَنالُهُمْ، وسَبْيُ الذَّرارِي، وأخْذُ الجِزْيَةِ، وعَذابُ الآخِرَةِ: ما أعَدَّهُ اللَّهُ لَهم مِنَ النّارِ.
(p-٤٢١)﴿وَما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾، أيْ: ما لَهم مَن يَمْنَعُهم في الدُّنْيا، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ أظْهَرَ الإسْلامَ عَلى دِينِهِمْ، وجَعَلَ الغَلَبَةَ لِأهْلِهِ، ولا أحَدَ يَنْصُرُهم في الآخِرَةِ مِن عَذابِ اللَّهِ.
آل عمران 3:57
وَمَعْنى ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾: أيْ: لا يَرْحَمُهُمْ، ويُعَذِّبُهُمْ، ولا يُثْنِي عَلَيْهِمْ خَيْرًا، هَذا مَعْنى البُغْضِ مِنَ اللَّهِ، ومَعْنى المَحَبَّةِ مِنهُ: اَلرَّحْمَةُ، والمَغْفِرَةُ، والثَّناءُ الجَمِيلُ.
آل عمران 3:58
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾، أيْ: اَلْقَصَصُ الَّذِي جَرى نَتْلُوهُ عَلَيْكَ، ﴿مِنَ الآياتِ﴾، أيْ: مِنَ العَلاماتِ البَيِّناتِ الدّالّاتِ عَلى تَثْبِيتِ رِسالَتِكَ، إذْ كانَتْ أخْبارًا لا يَعْلَمُها إلّا قارِئُ كِتابٍ، أوْ مُعَلَّمٌ، أوْ مَن أُوحِيَتْ إلَيْهِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ أُمِّيًّا، لا يَكْتُبُ، ولا يَقْرَأُ الكُتُبَ عَلى جَهْلِهِ النَّظَرَ فِيها، والفائِدَةَ مِنها، فَإنَّهُ ﷺ لَمْ يُعَلِّمْهُ أحَدٌ مِنَ النّاسِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا الوَحْيُ، والإخْبارُ بِهَذِهِ الأخْبارِ الَّتِي يَجْتَمِعُ أهْلُ الكِتابِ عَلى المُوافَقَةِ بِالإخْبارِ بِها، مِنَ الآياتِ المُعْجِزاتِ.
وَمَعْنى ﴿والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ أيْ: ذُو الحِكْمَةِ في تَأْلِيفِهِ، ونَظْمِهِ، وإبانَةِ الفَوائِدِ فِيهِ، ويَصْلُحُ أنْ تَكُونَ ”ذَلِكَ“، في مَعْنى ”اَلَّذِي“، ويَكُونَ ”نَتْلُوهُ“، صِلَةً، فَيَكُونَ المَعْنى: (p-٤٢٢)”اَلَّذِي نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ“، فَيَكُونَ ”ذَلِكَ“، اِبْتِداءً، والخَبَرُ: ”مِنَ الآياتِ“ .
آل عمران 3:59
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾، ”آدَمَ“، قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ يَنْصَرِفُ، وأنَّ اسْمَهُ مَأْخُوذٌ مِن ”أدِيمُ الأرْضِ“، وهو وجْهُها، ولِذا يُقالُ لِذِي اللَّوْنِ الَّذِي يُشْبِهُ لَوْنَ الأرْضِ ”آدَمُ“، و﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾، لَيْسَتْ بِمُتَّصِلَةٍ بِـ”آدَمَ“، إنَّما هو مُبَيِّنٌ قِصَّةَ آدَمَ، ولا يَجُوزُ في الكَلامِ أنْ تَقُولَ: ”مَرَرْتُ بِزَيْدٍ قامَ“، لِأنَّ زَيْدًا مَعْرِفَةٌ، لا يَتَّصِلُ بِهِ ”قامَ“، ولا يُوصَلُ بِهِ، ولا يَكُونُ حالًا، لِأنَّ الماضِيَ لا يَكُونُ حالًا أتَتْ فِيها، ولَكِنَّكَ تَقُولُ: ”مَثَلُكَ مَثَلُ زَيْدٍ“، تُرِيدُ أنَّكَ تُشْبِهُهُ في فِعْلِهِ، ثُمَّ تُخْبِرُ بِقِصَّةِ زَيْدٍ، فَتَقُولُ: ”فَعَلَ كَذا وكَذا“، وإنَّما قِيلَ: إنَّ مَثَلَهُ كَمَثَلِ آدَمَ لِأنَّ اللَّهَ أنْشَأ آدَمَ مِن غَيْرِ أبٍ، خَلَقَهُ مِن تُرابٍ، فَكَما خَلَقَ آدَمَ مِن غَيْرِ أبٍ كَذَلِكَ خَلَقَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ويُرْوى في التَّفْسِيرِ «أنَّ قَوْمًا مِن نَصارى نَجْرانَ صارُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالُوا لَهُ: إنَّكَ سَبَبْتَ صاحِبَنا، قالَ: ”وَمَن صاحِبُكُمْ؟“، قالُوا: عِيسى، قالَ: ”وَما قُلْتُ فِيهِ؟“، قالُوا: قُلْتَ: إنَّهُ عَبْدٌ، فَقالَ ﷺ: ”ما ذَلِكَ بِعارٍ عَلى أخِي، ولا نَقِيصَةٍ، هو عَبْدٌ، وأنا عَبْدٌ“، قالُوا: فَأرِنا مَثَلَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾، إلى آخِرِ الآيَةِ».
آل عمران 3:60
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾، مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ، المَعْنى: اَلَّذِي أنْبَأْناكَ بِهِ في قِصَّةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ، ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾، أيْ: مِنَ الشَّكّاكِينَ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ خِطابٌ (p-٤٢٣)لِلْخَلْقِ، لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُشَكِّكْ في قِصَّةِ عِيسى، ومَعْنى ”مِن رَبِّكَ“: أيْ: أتاكَ مِن عِنْدِ رَبِّكَ.
آل عمران 3:61
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ﴾، أيْ: في عِيسى، ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾، قِيلَ لَهُ هَذا بَعْدَ أنْ أُوحِيَتْ إلَيْهِ البَراهِينُ والحُجَجُ القاطِعَةُ في تَثْبِيتِ أمْرِ عِيسى أنَّهُ عَبْدٌ، فَأُمِرَ بِالمُباهَلَةِ، بَعْدَ إقامَةِ الحُجَّةِ، لِأنَّ الحُجَّةَ قَدْ بَلَغَتِ النِّهايَةَ في البَيانِ، فَأمَرَ اللَّهُ أنْ يَجْتَمِعَ هُوَ، والنِّساءُ، والأبْناءُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وأنْ يَدْعُوَهم إلى أنْ يَتَجَمَّعُوا هُمْ، وآباؤُهُمْ، ونِساؤُهُمْ، ثُمَّ يَبْتَهِلُونَ، ومَعْنى ”اَلِابْتِهالُ“: في اللُّغَةِ: اَلْمُبالَغَةُ في الدُّعاءِ، وأصْلُهُ الِالتِعانُ، ويُقالُ: ”بَهَلَهُ اللَّهُ“، أيْ: لَعَنَهُ اللَّهُ، ومَعْنى ”لَعَنَهُ اللَّهُ“: باعَدَهُ اللَّهُ مِن رَحْمَتِهِ، يُقالُ: ”ناقَةٌ باهِلٌ، وباهِلَةٌ“، إذا لَمْ يَكُنْ عَلَيْها صِرارٌ، و”قَدْ أبْهَلَ الرَّجُلُ ناقَتَهُ“، إذا تَرَكَها بِغَيْرِ صِرارٍ، و”رَجُلٌ باهِلٌ“، إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا، فَتَأْوِيلُ ”اَلْبَهْلُ“، في اللُّغَةِ: اَلْمُباعَدَةُ، والمُفارَقَةُ لِلشَّيْءِ، فَدَعاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المُباهَلَةِ لِأمْرَيْنِ، كِلاهُما فِيهِ بَيانُ أنَّ عُلَماءَهم قَدْ وقَفُوا عَلى أنَّ أمْرَ النَّبِيِّ ﷺ حَقٌّ، لِأنَّهم إذا أبَوْا أنْ يُلاعِنُوا دَلَّ إباؤُهم عَلى أنَّهم قَدْ عَلِمُوا أنَّهم إنْ باهَلُوهُ نَزَلَ بِهِمْ مَكْرُوهٌ، وأنَّهم إذا تَرَكُوا المُباهَلَةَ دَلَّ ذَلِكَ عَلى ضَعْفِهِمْ، ومَن لا عِلْمَ عِنْدَهُ أنَّ فِرارَهم مِنَ المُباهَلَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم كاذِبُونَ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ صادِقٌ، وقِيلَ: إنَّ بَعْضَهم قالَ لِبَعْضٍ: إنْ باهَلْتُمُوهُ اضْطَرَمَ الوادِي عَلَيْكم نارًا، ولَمْ يَبْقَ نَصْرانِيٌّ ولا نَصْرانِيَّةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويُرْوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لَوْ باهَلُونِي لاضْطَرَمَ الوادِي عَلَيْهِمْ نارًا، وما بَقِيَ نَصْرانِيٌّ ولا نَصْرانِيَّةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ»“ .
(p-٤٢٤)وَهَذا مَكانٌ يَنْبَغِي أنْ يُنْعَمَ النَّظَرُ فِيهِ، ويَعْلَمَ المُؤْمِنُونَ بَيانَ ما هو عَلَيْهِ، وما عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ مَن خالَفَهُمْ، لِأنَّهم لَمْ يَرْوِ أحَدٌ أنَّهم باهَلُوا النَّبِيَّ ﷺ، ولا أجابُوا إلى ذَلِكَ.
آل عمران 3:62
وَمَعْنى قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ﴾، أيْ: إنَّ هَذا الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِن هَذِهِ البَيِّناتِ والحُجَجِ الَّتِي آتَيْناكَ، لَهو القَصَصُ الحَقُّ، ويَصْلُحُ أنْ تَكُونَ ”هو“، هَهُنا، فَصْلًا، وهو الَّذِي يُسَمِّيهِ الكُوفِيُّونَ عِمادًا، ويَكُونَ القَصَصُ خَبَرَ ”إنَّ“، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ ”هو“، اِبْتِداءً، و”اَلْقَصَصُ“، خَبَرَهُ، وهُما جَمِيعًا خَبَرَ ”إنَّ“، ومَعْنى ﴿وَما مِن إلَهٍ إلا اللَّهُ﴾ ”مِن“، دَخَلَتْ تَوْكِيدًا، ودَلِيلًا عَلى نَفْيِ جَمِيعِ مَنِ ادَّعى المُشْرِكُونَ أنَّهم آلِهَةٌ، أيْ أنَّ عِيسى لَيْسَ بِإلَهٍ، لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّهُ إلَهٌ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ لا إلَهَ إلّا هُوَ، وأنَّ مَن آتاهُ اللَّهُ آياتٍ يَعْجِزُ عَنْها المَخْلُوقُونَ فَذَلِكَ غَيْرُ مُخْرِجٍ لَهُ مِنَ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، وتَسْمِيَتُهُ ”إلَهًا“، كُفْرٌ بِاللَّهِ، ومَعْنى ﴿العَزِيزُ﴾ هو الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، و﴿الحَكِيمُ﴾ ذُو الحِكْمَةِ، الَّذِي لا يَأْتِي إلّا ما هو حِكْمَةٌ.
آل عمران 3:63
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾، أيْ: فَإنْ أعْرَضُوا عَمّا أتَيْتَ بِهِ مِنَ البَيانِ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَن يُفْسِدُ مِن خَلْقِهِ، فَيُجازِيهِ عَلى إفْسادِهِ.
آل عمران 3:64
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾، مَعْنى ”سَواءٍ“، مَعْنى ”عَدْلٍ“، ومَعْنى ”كَلِمَةٍ“: كَلامٍ فِيهِ شَرْحُ قِصَّةٍ، وإنْ طالَ، وكَذَلِكَ يَقُولُ العَرَبُ لِلْقَصِيدَةِ: ”كَلِمَةٌ“، يُرْوى أنَّ حَسّانَ بْنَ ثابِتٍ الأنْصارِيَّ كانَ إذا قِيلَ لَهُ: أنْشِدْ، قالَ لِلْقائِلِ: (p-٤٢٥)هَلْ أُنْشِدَتْ كَلِمَةُ الحُوَيْدِرَةُ؟ يَعْنِي قَصِيدَتَهُ الَّتِي أوَّلُها: بَكَرَتْ سُمَيَّةُ بُكْرَةً فَتَمَتَّعِي
وَيُقالُ لِلْعَدْلِ: ”سَواءٌ“، و”سَوًى“، و”سُوًى“، قالَ زُهَيْرُ بْنُ أبِي سُلْمى:
؎أرُونِي خُطَّةً لا ضَيْمَ فِيها ∗∗∗ يُسَوِّي بَيْنَنا فِيها السَّواءُ
؎فَإنْ تُرِكَ السَّواءُ فَلَيْسَ بَيْنِي ∗∗∗ وبَيْنَكُمُ بَنِي حِصْنٍ بِناءُ
يُرِيدُ بِالسَّواءِ العَدْلَ، كَذا يَقُولُ أهْلُ اللُّغَةِ، وهو الحَقُّ، وهو مِنَ اسْتِواءِ الشَّيْءِ، ولَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ لَجازَ: ”سَواءً بَيْنَنا وبَيْنَكم“، فَمَن قالَ: ”سَواءٍ“، جَعَلَهُ نَعْتًا لِلْكَلِمَةِ، يُرِيدُ ”ذاتِ سَواءٍ“، ومَن قالَ: ”سَواءً“، جَعَلَهُ مَصْدَرًا في مَعْنى ”اِسْتِواءً“، كَأنْ قالَ: ”اِسْتَوَتِ اسْتِواءً“، ومَوْضِعُ ﴿ألا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ﴾ مَوْضِعُ ”أنْ“: خَفْضٌ عَلى البَدَلِ مِن ”كَلِمَةٍ“، اَلْمَعْنى: ”تَعالَوْا إلى ألّا نَعْبُدُ إلّا اللَّهَ“، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ ”أنْ“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: ”ما الكَلِمَةُ؟“، فَأُجِيبُ فَقِيلَ: ”هي ألّا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ“، ولَوْ كانَ ”أنْ لا نَعْبُدُ إلّا اللَّهَ ولا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا“، لَجازَ، عَلى أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِلْقِصَّةِ في تَأْوِيلِ ”أيْ“، كَأنَّهم (p-٤٢٦)قالُوا: ”أيْ: لا نَعْبُدُ إلّا اللَّهَ“، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهم أنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦]، وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى ”أنْ“، هَهُنا: مَعْنى ”يَقُولُونَ: اِمْشُوا“، والمَعْنى واحِدٌ، لِأنَّ القَوْلَ هَهُنا تَفْسِيرٌ لِما قَصَدُوا لَهُ، وكَذَلِكَ ”أيْ“، يُفَسَّرُ بِها، ولَوْ كانَ ”أنْ لا نَعْبُدْ إلّا اللَّهَ“، بِالجَزْمِ، لَجازَ عَلى أنْ يَكُونَ ”أنْ“، كَما فَسَّرْنا في تَأْوِيلِ ”أيْ“، ويَكُونَ ”أنْ لا نَعْبُدْ“، عَلى جِهَةِ النَّهْيِ، والمَنهِيُّ هو النّاهِي في الحَقِيقَةِ، كَأنَّهم نَهَوْا أنْفُسَهُمْ، ومَعْنى ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾، أيْ: نَرْجِعَ إلى أنَّ مَعْبُودَنا اللَّهُ، وأنَّ عِيسى بَشَرٌ، كَما أنَّنا بَشَرٌ، فَلا نَتَّخِذَهُ رَبًّا، ومَعْنى ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾، أيْ: مُقِرُّونَ بِالتَّوْحِيدِ، مُسْتَسْلِمُونَ لِما أتَتْنا بِهِ الأنْبِياءُ مِن قِبَلِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ.
آل عمران 3:65
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْـزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ﴾، في هَذا يُبَيِّنُ حُجَّةً عَلى اليَهُودِ، والنَّصارى، جَمِيعًا، لِأنَّ اليَهُودَ تَدَّعِي أنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا، والنَّصارى تَدَّعِي أنَّهُ كانَ نَصْرانِيًّا، وتَدْفَعُ اليَهُودُ عَنْ دَعْواهُمْ، ولَيْسَ يَدْفَعُونَ اسْمَ صِفَتِهِ أنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، وأنَّهُ لَمْ يَكُنِ اسْمُهُ يَهُودِيًّا، ولا نَصْرانِيًّا، ولا مُشْرِكًا، والتَّوْراةُ، والإنْجِيلُ أُنْزِلا مِن بَعْدِهِ، ولَيْسَ فِيهِما اسْمُهُ بِواحِدٍ مِن أدْيانِ اليَهُودِ، والنَّصارى، والمُشْرِكِينَ، واسْمُ الإسْلامِ لَهُ في كُلِّ الكُتُبِ، فَدَفْعُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا أنْ يَكُونَ مُسَمًّى بِالأسْماءِ الَّتِي هي غَيْرُ الإسْلامِ، دَلِيلٌ بَيِّنٌ (p-٤٢٧)عَلى نَقْضِ قَوْلِهِمْ، وبُرْهانٌ بَيِّنٌ في تَبْرِئَةِ إبْراهِيمَ مِن سائِرِ الأدْيانِ إلّا دِينَ الإسْلامِ، ومَعْنى ﴿حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] مَعْنى ”اَلْحَنَفُ“، في اللُّغَةِ: إقْبالُ صُدُورِ القَدَمَيْنِ، كُلِّ واحِدَةٍ عَلى أُخْتِها، إقْبالًا يَكُونُ خِلْقَةً، لا رُجُوعَ فِيهِ أبَدًا، فَمَعْنى الحَنِيفِيَّةِ في الإسْلامِ: اَلْمَيْلُ إلَيْهِ، والإقامَةُ عَلى ذَلِكَ العَقْدِ.
آل عمران 3:68
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَّبِيُّ﴾، أيْ: فَهُمُ الَّذِينَ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَقُولُوا: إنّا عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، ولَهم وِلايَةٌ، ﴿واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾، أيْ: يَتَوَلّى نَصْرَهُمْ، لِأنَّ حِزْبَهم هُمُ الغالِبُونَ، ويَتَوَلّى مُجازاتِهِمْ بِالحُسْنى.
آل عمران 3:70
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾، أيْ: وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ أنَّها آياتُ اللَّهِ، لِأنَّكم كُنْتُمْ تُخْبِرُونَ بِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وأصْلُ ”لِمَ تَكْفُرُونَ؟“: ”لِما تَكْفُرُونَ؟“، والمَعْنى: لِأيِّ شَيْءٍ تَكْفُرُونَ؟ وكَذَلِكَ ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]، وكَذَلِكَ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١]، و﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]، فَإذا وقَفْتَ عَلى هَذِهِ الحُرُوفِ وقَفْتَ بِالهاءِ، فَقُلْتَ: ”لِمَهْ“، و”بِمَهْ“، لِأنَّ الألِفَ حُذِفَتْ في هَذِهِ الأسْماءِ الَّتِي لِلِاسْتِفْهامِ خاصَّةً، فَجُوِّزَ ذَلِكَ، ولا يَجُوزُ (p-٤٢٨)ذَلِكَ في المَوْصُولَةِ، لِأنَّ الألِفَ فِيهِنَّ لَيْسَتْ آخِرَ الأسْماءِ، إنَّما الألِفُ وسَطٌ، وحَذْفُها لِأنَّ حُرُوفَ الجَرِّ عِوَضٌ مِنها، فَحُذِفَتِ اسْتِخْفافًا، لِأنَّ الفَتْحَةَ دالَّةٌ عَلَيْها، ولا يَجُوزُ إسْكانُ هَذِهِ الحُرُوفِ، وزَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّ الأصْلَ كانَ في ”كَمْ“، ”كَمّا“، قالَ: وكُنْتُ أشْتَهِي أنْ تَكُونَ مَفْتُوحَةً لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ في قَوْلِهِمْ: ”كَمِ المالُ؟“، بِالكَسْرِ، وهَذا غَلَطٌ مِن أبِي الحَسَنِ، ولَوْ كانَ كَما يَقُولُ، لَكانَ ”كَمَ مالُكَ ؟“، كَما أنَّكَ تَقُولُ: ”لِمَ فَعَلْتَ؟“، ولَيْسَ هَذا القَوْلُ مِمّا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ.
آل عمران 3:71
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ﴾، أيْ: لِمَ تُغَطُّونَ الحَقَّ بِباطِلِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ، يُقالُ: ”لَبَسْتُ عَلَيْهِمُ الأمْرَ ألْبِسُهُ“، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]، ويُقالُ: ”لَبِسْتُ الثَّوْبَ ألْبَسُهُ“، وقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا﴾ [الكهف: ٣١]، ولَوْ قِيلَ: ”وَتَكْتُمُوا الحَقَّ“، لَجازَ، عَلى قَوْلِكَ: ”لِمَ تَجْمَعُونَ هَذا وذاكَ؟“، ولَكِنَّ الَّذِي في القُرْآنِ أجْوَدُ في الإعْرابِ.
آل عمران 3:72
(p-٤٢٩)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾، اَلطّائِفَةُ: اَلْجَماعَةُ، وهُمُ اليَهُودُ، ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْـزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ﴾، أيْ: أوَّلَهُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎مَن كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مالِكٍ ∗∗∗ فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنا بِوَجْهِ نَهارِ
؎يَجِدِ النِّساءَ قَوائِمًا يَنْدُبْنَهُ ∗∗∗ قَدْ جِئْنَ قَبْلَ تَبَلُّجِ الأسْحارِ
أيْ: في أوَّلِ النَّهارِ، وقَدْ قِيلَ في تَفْسِيرِ هَذا غَيْرَ قَوْلٍ، قالَ بَعْضُهُمْ: مَعْناهُ: آمِنُوا بِصَلاتِهِمْ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، واكْفُرُوا بِصَلاتِهِمْ إلى البَيْتِ، وقِيلَ: إنَّ عُلَماءَ اليَهُودِ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: قَدْ كُنّا نُخْبِرُ أصْحابَنا بِأشْياءَ قَدْ أتى بِها مُحَمَّدٌ ﷺ فَإنْ نَحْنُ كَفَرْنا بِها كُلِّها اتَّهَمَنا أصْحابُنا، ولَكِنْ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ، ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ، لِنُوهِمَهم أنَّنا نُصَدِّقُهُ فِيما يُصَدَّقُ فِيهِ، ونُرِيَهم أنّا نُكَذِّبُهُ فِيما لَيْسَ عِنْدَنا.
(p-٤٣٠)وَقِيلَ: إنَّهم أتَوُا النَّبِيَّ ﷺ في صَدْرِ النَّهارِ، فَقالُوا لَهُ: إنَّكَ الَّذِي خُبِّرْنا في التَّوْراةِ بِأنَّكَ مَبْعُوثٌ، ولَكِنْ أنْظِرْنا إلى العَشِيِّ لِنَنْظُرَ في أمْرِنا، فَلَمّا كانَ بِالعَشِيِّ أتَوُا الأنْصارَ فَقالُوا لَها: قَدْ كُنّا أعْلَمْناكم أنَّ مُحَمَّدًا هو النَّبِيُّ الَّذِي هو المَكْتُوبُ في التَّوْراةِ، إلّا أنَّنا نَظَرْنا في التَّوْراةِ فَإذا هو مِن ولَدِ هارُونَ، ومُحَمَّدٌ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، فَلَيْسَ هو النَّبِيَّ الَّذِي عِنْدَنا، وإنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ لَعَلَّ مَن آمَنَ بِهِ يَرْجِعُ، فَهَذا ما قِيلَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ.
آل عمران 3:73
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، قِيلَ: اَلْمَعْنى: لا تَجْعَلُوا تَصْدِيقَكُمُ النَّبِيَّ في شَيْءٍ مِمّا جاءَكم بِهِ إلّا لِلْيَهُودِ، فَإنَّكم إنْ قُلْتُمْ ذَلِكَ لِلْمُشْرِكِينَ كانَ عَوْنًا لَهم عَلى تَصْدِيقِهِ، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ وغَيْرُهم مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ: ولا تُؤْمِنُوا أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ، أيْ: لا تُصَدِّقُوا أنْ يُعْطى أحَدٌ مِن عِلْمِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ ما أُعْطِيتُمْ، أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ، ومَعْنى ﴿أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أيْ: لَيْسَ يَكُونُ لِأحَدٍ حُجَّةٌ عِنْدَ اللَّهِ في الإيمانِ بِهِ، لِعِلْمٍ مِن عِنْدِهِ، إلّا مَن كانَ مِثْلَكُمْ، وقَدْ قِيلَ في المَعْنى: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾، أيْ: اَلْهُدى هو هَذا الهُدى، لا يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ.
(p-٤٣١)قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: مَعْنى ”أنْ“، هَهُنا: مَعْنى ”لا“، وإنَّما المَعْنى ”ألّا يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ“، أيْ: ”لِئَلّا يُؤْتى“، فَحُذِفَ ”لا“، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْها، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، أيْ: لِئَلّا تَضِلُّوا، قالَ أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: ”لا“، لَيْسَتْ مِمّا يُحْذَفُ هَهُنا، ولَكِنَّ الإضافَةَ هَهُنا مَعْلُومَةٌ، فَحَذَفْتَ الأوَّلَ وأقَمْتَ الثّانِيَ مَقامَهُ، المَعْنى: ”يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم كَراهَةَ أنْ تَضِلُّوا“، وكَذَلِكَ هَهُنا قالَ: ”إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ كَراهَةَ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ“، أيْ: مَن خالَفَ دِينَ الإسْلامِ، لِأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ، فَهُدى اللَّهِ بَعِيدٌ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾، أيْ: نُبُوَّتَهُ وهُداهُ، يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ.
آل عمران 3:75
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾، اِتَّفَقَ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، عَلى إسْكانِ الهاءِ مِن ”يُؤَدِّهْ“، وكَذَلِكَ كُلُّ ما أشْبَهَ هَذا مِنَ القُرْآنِ، اتَّفَقُوا عَلى إسْكانِ الهاءِ فِيهِ، نَحْوَ: ”نُصْلِهْ جَهَنَّمَ“، و”نُؤْتِهْ مِنها“، وقَوْلِهِ: ”نُوَلِّهْ ما تَوَلّى“، إلّا حَرْفًا حُكِيَ عَنْ (p-٤٣٢)أبِي عَمْرٍو، وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ كَسَرَ في ”ألْقِهِ إلَيْهِمْ“، ولا فَصْلَ بَيْنَ هَذا الحَرْفِ وسائِرِ الحُرُوفِ الَّتِي جَزَمَها، أمّا الحِكايَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو فِيهِ وفي غَيْرِهِ فَغَلَطٌ، كانَ أبُو عَمْرٍو يَخْتَلِسُ الكَسْرَةَ، وهَذا كَما غُلِطَ عَلَيْهِ في ”بارِئِكم“، حَكى القُرّاءُ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَحْذِفَ الهَمْزَةَ في ”بارِئِكم“، وحَكى سِيبَوَيْهِ عَنْهُ - وهو في هَذا أضْبَطُ مِن غَيْرِهِ - أنَّهُ كانَ يَكْسِرُ كَسْرًا خَفِيًّا، وأمّا نافِعٌ وقُرّاءُ أهْلِ المَدِينَةِ فَأشْبَعُوا هَذِهِ الحُرُوفَ، فَكَسَرُوا، وأثْبَتُوا الياءاتِ، مِثْلَ: ”يُؤَدِّهِ إلَيْكَ“، وهَذا الإسْكانُ الَّذِي حَكى عَنْهُ هَؤُلاءِ غَلَطٌ بَيِّنٌ، لا يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ بِهِ، لِأنَّ الهاءَ لا يَنْبَغِي أنْ تُجْزَمَ، ولا تُسَكَّنَ في الوَصْلِ، إنَّما تُسَكَّنُ في الوَقْفِ.
وَفِي هَذِهِ الحُرُوفِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، يَجُوزُ إثْباتُ الياءِ، ويَجُوزُ حَذْفُها تَقُولُ: يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ”، بِالكَسْرِ، ويَجُوزُ:“ يُؤَدِّهُو إلَيْكَ ”، بِالضَّمِّ، بِإثْباتِ الواوِ بَعْدَ الهاءِ، ويَجُوزُ حَذْفُ الواوِ، وضَمُّ الهاءِ، فَأمّا الوَقْفُ فَلا وجْهَ لَهُ، لِأنَّ الهاءَ حَرْفٌ خَفِيٌّ بَيِّنٌ في الوَصْلِ بِالواوِ في التَّذْكِيرِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: دَخَلَتِ الواوُ في التَّذْكِيرِ كَما دَخَلَتِ الألِفُ في التَّأْنِيثِ، نَحْوَ،“ ضَرَبْتُهُو ”، و“ ضَرَبْتُها ”، قالَ أصْحابُهُ: اِخْتِيرَتِ الواوُ لِأنَّها مِن طَرَفِ الشَّفَتَيْنِ، والهاءَ مِنَ الحَلْقِ، فَأبانَتِ الواوُ (p-٤٣٣)الهاءَ، وإنَّما تُحْذَفُ الياءُ لِعِلَّةِ تَقَلُّبِ الواوِ إلَيْها، فَإذا حُذِفَتِ الياءُ بَقِيَتِ الكَسْرَةُ، فَأمّا في الوَقْفِ فَلا يَجُوزُ البَتَّةَ، وقَدْ أكْثَرَ النّاسُ في تَفْسِيرِ القِنْطارِ، وقَدْ حَكَيْنا ما قالَ النّاسُ فِيهِ، ولَمْ يَتَّفِقُوا عَلى تَحْدِيدٍ في مِقْدارِ وزْنِهِ، إلّا أنَّهم قَدِ اتَّفَقُوا في أنَّهُ الكَثِيرُ مِنَ المالِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾، أكْثَرُ القِراءَةِ:“ دُمْتَ ”، بِضَمِّ الدّالِ، وقَدْ قُرِئَتْ:“ دِمْتَ ”، فَأمّا“ دُمْتَ ”، فَمِن قَوْلِكَ:“ دُمْتُ، أدُومُ ”، إذا بَقِيتَ عَلى الشَّيْءِ، مِثْلَ:“ قُمْتُ، أقُومُ ”، وأمّا“ دِمْتَ ”، بِالكَسْرِ، فَعَلى قَوْلِهِمْ:“ دِمْتَ تَدامُ ”، مِثْلَ قَوْلِكَ:“ خِفْتَ، تَخافُ ”، ويُقالُ:“ قَدْ دِيمَ بِفُلانٍ، وأُدِيمَ بِهِ ”، بِمَعْنى“ دِيرَ بِهِ، وأُدِيرَ بِهِ ”، وهو الَّذِي بِهِ دُوامٌّ، كَقَوْلِهِمْ:“ بِهِ دُوامٌّ ”، كَقَوْلِهِمْ:“ بِهِ دُوارٌ ”، ويُقالُ:“ دامَ المالُ - إذا سَكَنَ - يَدُومُ، فَهو دائِمٌ ”، ومِنهُ نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يُبالَ في الماءِ الدّائِمِ، أيْ: اَلسّاكِنِ، ويُقالُ:“ قَدْ دَوَّمَ الطّائِرُ في الجَوِّ تَدْوِيمًا ”، وهو يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مِن وجْهَيْنِ، مِن دَوَرانِهِ في طَيَرانِهِ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مِن قِلَّةِ حَرَكَةِ جَناحِهِ، لِأنَّهُ يُرى كَأنَّهُ ساكِنُ الجَناحِ، ومَعْنى ﴿قائِمًا﴾ أيْ: إلّا بِدَوامِكَ قائِمًا عَلى اقْتِضاءِ دَيْنِكَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا﴾، أيْ: فِعْلُهم ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾، أيْ: لَيْسَ عَلَيْنا طَرِيقٌ في أخْذِ مالِهِمْ.
(p-٤٣٤)وَصَفَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: أكْلَهُمُ السُّحْتَ وخِيانَتَهُمْ، وقَدْ قِيلَ في التَّفْسِيرِ: إنَّهم عامَلُوا قَوْمًا مِنَ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا انْتَقَلُوا إلى الإسْلامِ قالُوا: لَيْسَ عَلَيْنا لَكم سَبِيلٌ، إنَّما عامَلْناكم وأنْتُمْ عَلى دِينِكم ذَلِكَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهم يَكْذِبُونَ، قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾، أيْ: وهم يَعْلَمُونَ أنَّهم يَكْذِبُونَ، فَرَدَّ اللَّهُ قَوْلَهُمْ، فَقالَ: ﴿بَلى﴾ [آل عمران: ٧٦]، وهو عِنْدِي - واللَّهُ أعْلَمُ - وقْفُ التَّمامِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦] أيْ: فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتَأْنَفَ جُمْلَةَ الكَلامِ بِقَوْلِهِ:“ بَلى ”، لِأنَّ قَوْلَهُمْ:“ لَيْسَ عَلَيْنا فِيما نَفْعَلُ جُناحٌ ”، كَقَوْلِهِمْ:“ نَحْنُ أهْلُ تَقْوى في فِعْلِنا هَذا "، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ أهْلَ الوَفاءِ بِالعَهْدِ والتُّقى يُحِبُّهُمُ اللَّهُ، وأنَّهُمُ المُتَّقُونَ، أيْ: اَلَّذِينَ يَتَّقُونَ الخِيانَةَ، والكُفْرَ بِالنَّبِيِّ ﷺ.
آل عمران 3:77
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ﴾، هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ ”إنَّ“، ومَعْنى الخَلاقِ: اَلنَّصِيبُ الوافِرُ مِنَ الخَيْرِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾، وجْهانِ، أحَدُهُما أنْ يَكُونَ إسْماعُ اللَّهِ أوْلِياءَهُ كَلامَهُ بِغَيْرِ سَفِيرٍ، خُصُوصِيَّةٌ يَخُصُّ اللَّهُ بِها أوْلِياءَهُ، كَما كَلَّمَ مُوسى، فَكانَ ذَلِكَ خُصُوصِيَّةً لَهُ دُونَ البَشَرِ أجْمَعِينَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ﴾، تَأْوِيلُهُ الغَضَبُ عَلَيْهِمْ، والإعْراضُ عَنْهُمْ، كَما تَقُولُ: ”فُلانٌ لا يَنْظُرُ إلى فُلانٍ، ولا يُكَلِّمُهُ“، وتَأْوِيلُهُ أنَّهُ غَضْبانُ عَلَيْهِ، وإنْ كَلَّمَهُ بِكَلامِ سُوءٍ لَمْ يَنْقُضْ ذَلِكَ، ومَعْنى ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ لا يَجْعَلُهم طاهِرِينَ، ولا يُثْنِي عَلَيْهِمْ خَيْرًا، ومَعْنى ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: مُوجِعٌ.
آل عمران 3:78
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ﴾، هَذِهِ اللّامُ في ”وَإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا“، تُؤَكِّدُ الكَلامَ زِيادَةً عَلى تَوْكِيدِ ”إنَّ“، لِأنَّ (p-٤٣٥)”إنَّ“، مَعْناها تَوْكِيدُ الكَلامِ، ولِذَلِكَ صارَ لِضَمٍّ يُوصَلُ بِها في الإيجابِ، تَقُولُ: ”واللَّهِ إنَّ زَيْدًا قائِمٌ“، وكَذَلِكَ تَصِلُ الضَّمَّ بِاللّامِ، فَتَقُولُ: ”واللَّهِ لَزَيْدٌ قائِمٌ“، ولا تَلِي هَذِهِ اللّامُ ”إنَّ“، لا يَجُوزُ: ”إنَّ لَزَيْدًا قائِمٌ“، بِإجْماعِ النَّحْوِيِّينَ كُلِّهِمْ، وأهْلِ اللُّغَةِ.
وَمَعْنى ﴿يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ﴾ أيْ: يُحَرِّفُونَ الكِتابَ، أيْ: يَعْدِلُونَ عَنِ القَصْدِ، ويَجُوزُ: ”يُلَوُّونَ“، بِضَمِّ الياءِ، والتَّشْدِيدِ، ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾، و”لِتَحْسِبُوهُ“، بِكَسْرِ السِّينِ، وفَتْحِها، يُقالُ: ”حَسِبَ، يَحْسَبُ، ويَحْسِبُ“، جَمِيعًا، ويُقالُ: ”لَوَيْتُ الشَّيْءَ - إذا عَدَلْتُهُ عَنِ القَصْدِ - لَيًّا“، و”لَوَيْتُ الغَرِيمَ لِيانًا“، إذا مَطَلْتُهُ بِدَيْنِهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎قَدْ كُنْتُ دايَنْتُ بِها حَسّانا ∗∗∗ مَخافَةَ الإفْلاسِ واللِّيّانا
آل عمران 3:79
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾، أيْ أنَّ اللَّهَ لا يَصْطَفِي لِنُبُوَّتِهِ الكَذَبَةَ، ولَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بَشَرٌ لَسَلَبَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: آياتِ النُّبُوَّةِ، وعَلاماتِها.
وَنُصِبَ ”ثُمَّ يَقُولَ“، عَلى الِاشْتِراكِ بَيْنَ ”أنْ يُؤْتِيَهُ“، وبَيْنَ ”يَقُولَ“، أيْ: لا يَجْتَمِعُ لِنَبِيٍّ إتْيانُ النُّبُوَّةِ والقَوْلُ لِلنّاسِ: كُونُوا عِبادًا لِي، ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾، و”اَلرَّبّانِيُّونَ“: أرْبابُ العِلْمِ، والبَيانِ، أيْ: كُونُوا أصْحابَ عِلْمٍ، وإنَّما زِيدَتِ الألِفُ والنُّونُ لِلْمُبالَغَةِ في النَّسَبِ، كَما قالُوا لِلْكَبِيرِ اللِّحْيَةِ: ”لِحْيانِيٌّ“، ولِذِي الجُمَّةِ الوافِرَةِ: ”جُمّانِيٌّ“، وقَدْ قُرِئَ: ﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ﴾، و”تَعَلَّمُونَ“، بِضَمِّ التّاءِ، وفَتْحِها، ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾، أيْ: بِعِلْمِكُمْ، ودَرْسِكُمْ، عَلِّمُوا النّاسَ، وبَيِّنُوا لَهُمْ، وجاءَ في (p-٤٣٦)التَّفْسِيرِ: ”كُونُوا رَبّانِيِّينَ“، أيْ: عُلَماءَ، فُقَهاءَ، لَيْسَ مَعْناهُ: ”كَما تُعَلِّمُونَ“، فَقَطْ، ولَكِنْ لِيَكُنْ هَدْيُكم ونِيَّتُكم في التَّعْلِيمِ هَدْيَ العُلَماءِ، والحُكَماءِ، لِأنَّ العالِمَ إنَّما يَنْبَغِي أنْ يُقالَ لَهُ: ”عالِمٌ“، إذا عَمِلَ بِعِلْمِهِ، وإلّا فَلَيْسَ بِعالِمٍ، قالَ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ثُمَّ قالَ: ﴿وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، أيْ: لَوْ كانُوا وفَّوُا العِلْمَ حَقَّهُ، وقَدْ فَسَّرْنا ما قِيلَ في هَذا في مَكانِهِ.
آل عمران 3:80
وَمَعْنى: ﴿وَلا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا﴾، أيْ: ولا يَأْمُرُكم أنْ تَعْبُدُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ، لِأنَّ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَهٌ، عَبَدُوهُ، واتَّخَذُوهُ رَبًّا، وقالَ قَوْمٌ مِنَ الكُفّارِ: إنَّ المَلائِكَةَ أرْبابُنا، ويُقالُ: إنَّهُمُ الصّابِئُونَ، ويَجُوزُ الرَّفْعُ فِي: ”وَلا يَأْمُرُكم“، أيْ: لا يَأْمُرُكُمُ اللَّهُ.
آل عمران 3:81
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾، مَوْضِعُ ”إذْ“: نَصْبٌ، المَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”واذْكُرْ في أقاصِيصِكَ إذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ، لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ...“، إلى قَوْلِهِ: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾، ”ما“، هَهُنا عَلى ضَرْبَيْنِ، يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ لِلشَّرْطِ، والجَزاءِ، وهو أجْوَدُ الوَجْهَيْنِ، لِأنَّ الشَّرْطَ يُوجِبُ أنَّ كُلَّ ما وقَعَ مِن أمْرِ الرُّسُلِ فَهَذِهِ طَرِيقَتُهُ، واللّامُ دَخَلَتْ في ”ما“، كَما تَدْخُلُ في ”إنْ“، اَلَّتِي لِلْجَزاءِ، إذا كانَ في جَوابِ القَسَمِ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (p-٤٣٧)﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦]، وقالَ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٨٨]، فاللّامُ في ”إنْ“، دَخَلَتْ مُؤَكِّدَةً، مُوَطِّدَةً لِلامِ القَسَمِ، ولامُ القَسَمِ هي الَّتِي لِلْيَمِينِ، لِأنَّ قَوْلَكَ: ”واللَّهِ لَئِنْ جِئْتَنِي لَأُكْرِمَنَّكَ“، إنَّما حَلِفُكَ عَلى فِعْلِكَ، إلّا أنَّ الشَّرْطَ مُعَلَّقٌ بِهِ، فَلِذَلِكَ دَخَلَتِ اللّامُ عَلى الشَّرْطِ، فَإذا كانَتْ ما في مَعْنى الجَزاءِ، فَمَوْضِعُها نَصْبٌ بِقَوْلِهِ: ”لَما آتَيْتُكم“، والجَزاءُ قَوْلُهُ: ”لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَعْنى ”اَلَّذِي“، ويَكُونَ مَوْضِعُها رَفْعًا، المَعْنى: أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَهُمْ، أيْ: اِسْتَحْلَفَهم لَلَّذِي آتَيْتُكُمْ، والمَعْنى: آتَيْتُكُمُوهُ لَتُومِنُنَّ بِهِ، فَتَكُونَ ”ما“، رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، ويَكُونَ خَبَرُ الِابْتِداءِ ”لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ“، وحُذِفَتِ الهاءُ مِن ”لَما آتَيْتُكم“، لِطُولِ الِاسْمِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ عَهِدَ إلى كُلِّ رَسُولٍ أنْ يُؤْمِنَ بِغَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ، فَصارَ العَهْدُ مُشْتَمِلًا عَلى الجَماعَةِ أنْ يُؤْمِنَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، وأنْ يَنْصُرَ بَعْضُهم بَعْضًا، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾، أيْ: فَتَبَيَّنُوا، لِأنَّ الشّاهِدَ هو الَّذِي يُصَحِّحُ دَعْوى المُدَّعِي، وشَهادَةُ اللَّهِ لِلنَّبِيِّينَ تَبْيِينُهُ أمْرَ نُبُوَّتِهِمْ بِالآياتِ المُعْجِزاتِ، ويَجُوزُ - وقَدْ قُرِئَ بِهِ -: ”لِما آتَيْتُكم“، فَتَكُونُ اللّامُ المَكْسُورَةُ مُعَلَّقَةً بِقَوْلِهِ: ”أخَذَ“، اَلْمَعْنى: أخَذَ المِيثاقَ لِإتْيانِكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ، وقَرَأ بَعْضُهُمْ: ”لَمّا آتَيْناكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ“، أيْ: لَمّا آتَيْناكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ أُخِذَ المِيثاقُ ”، ويَكُونُ الكَلامُ يُؤَوَّلُ إلى الجَزاءِ، كَما تَقُولُ:“ لَمّا جِئْتَنِي أكْرَمْتُكَ " .
آل عمران 3:82
(p-٤٣٨)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾، ”ذَلِكَ“، إشارَةٌ إلى أخْذِ المِيثاقِ بِالمَعْنى، ”فَمَن تَوَلّى“، أيْ: أعْرَضَ عَنِ الإيمانِ، بَعْدَ أخْذِ المِيثاقِ عَلى النَّبِيِّينَ، وأخْذُ المِيثاقِ عَلى النَّبِيِّينَ مُشْتَمِلٌ عَلى الأخْذِ عَلى أُمَمِهِمْ، أيْ: فَمَن تَوَلّى بَعْدَ أخْذِ المِيثاقِ، وظُهُورِ آياتِ النَّبِيِّ ﷺ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾، أيْ: اَلَّذِينَ خَرَجُوا عَنِ القَصْدِ، وعَنْ جُمْلَةِ الإيمانِ، ويَصْلُحُ أنْ تَكُونَ ”هم“، هَهُنا، اسْمًا مُبْتَدَأً، و”اَلْفاسِقُونَ“، خَبَرَهُ، و”هم“، مَعَ ”اَلْفاسِقُونَ“، خَبَرَ ”أُولَئِكَ“، وصَلُحَ أنْ يَكُونَ ”اَلْفاسِقُونَ“، مُرْتَفِعًا بِـ”أُولَئِكَ“، و”هم“، فَصْلٌ، وهو الَّذِي يُسَمِّيهِ الكُوفِيُّونَ ”اَلْعِمادَ“ .
آل عمران 3:83
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾، أيْ: أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَطْلُبُونَ؟ لِأنَّهُ قَدْ بَيَّنَ أنَّهُ دِينُ اللَّهِ، وأنَّهم كَفَرُوا، وعانَدُوا، وحَسَدُوا، بَغْيًا، كَما فَعَلَ إبْلِيسُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ كُلُّهم طَوْعًا، وأسْلَمَ بَعْضُ مَن في الأرْضِ طَوْعًا، وبَعْضٌ كَرْهًا، لَمّا كانَتِ السُّنَّةُ فِيمَن فُرِضَ قِتالُهُ مِنَ المُشْرِكِينَ أنْ يُقاتَلَ حَتّى يُسْلِمَ، سُمِّيَ ذَلِكَ ”كَرْهًا“، وإنْ كانَ يُسْلِمُ حِينَ يُسْلِمُ طائِعًا، إلّا أنَّ الوَصْلَةَ كانَتْ إلى ذَلِكَ بِكَرْهٍ، ونُصِبَ ”طَوْعًا“، مَصْدَرًا، وُضِعَ مَوْضِعَ الحالِ، كَأنَّهُ: أسْلَمُوا طائِعِينَ، ومُكْرَهِينَ، كَما تَقُولُ: ”جِئْتُكَ رَكْضًا، ومَشْيًا“، و”جِئْتُ راكِضًا، وماشِيًا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ - واللَّهُ أعْلَمُ - عَلى مَعْنى: ”﴿وَلَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾“، أيْ: خَضَعُوا مِن جِهَةِ ما فَطَرَهم عَلَيْهِ، ودَبَّرَهم بِهِ، (p-٤٣٩)لا يَمْتَنِعُ مُمْتَنِعٌ مِن جِبِلَّةٍ جُبِلَ عَلَيْها، ولا يَقْدِرُ عَلى تَغْيِيرِها، أحَبَّ تِلْكَ الجِبِلَّةَ أوْ كَرِهَها، ﴿وَإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾، يَدُلُّ عَلى تَصْدِيقِ هَذا القَوْلِ، لِأنَّ المَعْنى: إنَّهُ بَدَأكم عَلى إرادَتِهِ، شِئْتُمْ أوْ أبَيْتُمْ، وهو يَبْعَثُكم كَما بَدَأكُمْ، فالتَّأْوِيلُ: ”أتَبْغُونَ غَيْرَ الدِّينِ الَّذِي هَذِهِ صِفَتُهُ؟“ .
آل عمران 3:84
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - النَّبِيَّ ﷺ وأُمَّتَهُ أنْ يَقُولُوا: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ عَلَيْنا﴾، وأنْ يَقُولُوا ويَعْتَقِدُوا أنَّهم لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ جَمِيعِ الرُّسُلِ في الإيمانِ بِهِمْ، لا يَكْفُرُونَ بِبَعْضِهِمْ، كَما فَعَلَتِ اليَهُودُ، والنَّصارى.
آل عمران 3:85
وَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ لا يَقْبَلُ دِينًا غَيْرَ دِينِ الإسْلامِ، ولا عَمَلًا إلّا مِن أهْلِهِ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾، ”يَبْتَغِ“، جُزِمَ بِـ”مَن“، وقَوْلُهُ: ”فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ“، اَلْجَوابُ، ومَعْنى ”مِنَ الخاسِرِينَ“: أيْ: مِمَّنْ خَسِرَ عَمَلَهُ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١]
آل عمران 3:86
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾، يُقالُ: إنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ ارْتَدُّوا، ثُمَّ أرادُوا الرُّجُوعَ إلى الإسْلامِ، ونِيَّتُهُمُ الكُفْرُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ لا جِهَةَ لِهِدايَتِهِمْ، لِأنَّهم قَدِ اسْتَحَقُّوا أنْ يَضِلُّوا بِكُفْرِهِمْ، لِأنَّهم قَدْ كَفَرُوا بَعْدَ البَيِّناتِ الَّتِي هي دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ، لِأنَّهم كَفَرُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ أنْ كانُوا - قَبْلَ مَبْعَثِهِ - مُؤْمِنِينَ، وكانُوا يَشْهَدُونَ بِالنُّبُوَّةِ لَهُ، فَلَمّا بُعِثَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وجاءَهم بِالآياتِ المُعْجِزاتِ، وأنْبَأهم بِما في كُتُبِهِمْ، مِمّا لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِهِ، وهو أُمِّيٌّ، كَفَرُوا بِهِ، بَغْيًا، وحَسَدًا.
آل عمران 3:87
(p-٤٤٠)فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ جَزاءَهُمُ اللَّعْنَةُ، فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾، ومَعْنى لَعْنِ النّاسِ أجْمَعِينَ لَهُمْ: أنَّ بَعْضَهم يَوْمَ القِيامَةِ يَلْعَنُ بَعْضًا، ومَن خالَفَهم يَلْعَنُهُمْ، وتَأْوِيلُ لَعْنَةِ اللَّهِ لَهُمْ: تَبْعِيدُهُ إيّاهم مِن رَحْمَتِهِ، وثَنائِهِ عَلَيْهِمْ، بِكُفْرِهِمْ، ومَعْنى: ”خالِدِينَ فِيها أبَدًا“، أيْ: فِيما تُوجِبُهُ اللَّعْنَةُ، أيْ: في عَذابِ اللَّعْنَةِ، ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [آل عمران: ٨٨]، أيْ: لا يُؤَخَّرُونَ عَنِ الوَقْتِ.
آل عمران 3:89
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا﴾، أيْ: أظْهَرُوا أنَّهم كانُوا عَلى ضَلالٍ، وأصْلَحُوا ما كانُوا أفْسَدُوهُ، وغَرُّوا بِهِ مَنِ اتَّبَعَهم مِمَّنْ لا عِلْمَ عِنْدَهُ، ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ مِن سَعَةِ رَحْمَتِهِ، وتَفَضُّلِهِ، أنَّ يَغْفِرَ لِمَنِ اجْتَرَأ عَلَيْهِ هَذا الِاجْتِراءَ، لِأنَّ هَذا ما لا غايَةَ بَعْدَهُ، وهو أنَّهُ كَفَرَ بَعْدَ تَبَيُّنِ الحَقِّ.
آل عمران 3:90
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾، يُقالُ في التَّفْسِيرِ: إنَّ هَؤُلاءِ هُمُ النَّفَرُ الَّذِينَ ارْتَدُّوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ، ثُمَّ أظْهَرُوا (p-٤٤١)أنَّهم يُرِيدُونَ الرُّجُوعَ إلى الإسْلامِ، فَأظْهَرَ اللَّهُ أمْرَهُمْ، لِأنَّهم كانُوا يُظْهِرُونَ أنَّهم يَرْجِعُونَ إلى الإسْلامِ، وعِنْدَهُمُ الكُفْرُ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾، لِأنَّهم لَوْ حَقَّقُوا في التَّوْبَةِ لَكانُوا غَيْرَ مُعْتَدِينَ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ
آل عمران 3:91
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾، لِأنَّ الكافِرَ الَّذِي يَعْتَقِدُ الكُفْرَ، ويُظْهِرُ الإيمانَ عِنْدَ اللَّهِ كَمُظْهِرِ الكُفْرِ، لِأنَّ الإيمانَ هو التَّصْدِيقُ، والتَّصْدِيقَ لا يَكُونُ إلّا بِالنِّيَّةِ، ومَعْنى: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾، أيْ: لَوْ عَمِلَ مِنَ الخَيْرِ، وقَدَّمَ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا يَتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ، لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ مَعَ كُفْرِهِ، قالَ أبُو إسْحاقَ: وكَذَلِكَ لَوِ افْتَدى مِنَ العَذابِ بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ لا يُثِيبُهم عَلى أعْمالِهِمْ بِالخَيْرِ، ولا يَقْبَلُ مِنهُمُ الفِداءَ مِنَ العَذابِ، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إنَّ الواوَ مُسْقَطَةٌ، قالَ: اَلْمَعْنى: فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا لَوِ افْتَدى بِهِ، وهَذا غَلَطٌ، لَأنَّ الفائِدَةَ في الواوِ بَيِّنَةٌ، ولَيْسَتِ الواوُ مِمّا يُلْغى.
(p-٤٤٢)يُقالُ: ”مَلَأْتُ الشَّيْءَ أمْلَؤُهُ مَلْئًا“، اَلْمَصْدَرُ بِالفَتْحِ، لا غَيْرُ، قالَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ: ”اَلْمَلْءُ“، بِفَتْحِ المِيمِ: اَلْفِعْلُ، وتَقُولُ: ”هَذا مَلْءُ هَذا“، أيْ: مِقْدارُ ما يَمْلَؤُهُ، كَما يُقالُ: ”رَعَيْتُ رَعْيًا“، والمالُ في الرَّعْيِ، فَهَذا فَرْقٌ بَيِّنٌ، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: يُقالُ: ”مَلَأْتُ مَلْئًا، ومُلْئًا“، وهَذا غَلَطٌ بَيِّنٌ، لِأنَّ المَوْصُوفَ هَهُنا أنَّهُ لَوْ مَلَكَ مِقْدارَ ما يَمْلَأُ الأرْضَ، ما قُبِلَ مِنهُ، ولَيْسَ يُقالُ: ”إنَّ قَدْرَ أنْ يَفْعَلَ“، أيْ: أنْ يَمْلَأ الأرْضَ، إنَّما المُتَقَرَّبُ بِهِ الذَّهَبُ الَّذِي هو مِلْءُ الأرْضِ، لا ”أنْ يَمْلَأ“، يُقالُ: ”مَلَأْتُ الشَّيْءَ مَلْئًا“، و”قَدْ مُلِئَ فُلانٌ مَلَأً“، و”هو مَمْلُوءٌ“، إذا زُكِمَ، و”اَلْمَلَأُ“: أشْرافُ القَوْمِ، وتَقُولُ: ”أنْتَ أمْلَأُ بِهَذا“، أيْ: أثْرى، وأوْثَقُ، و”رَجُلٌ مَلِيءٌ بَيِّنُ المَلاءَةِ يا هَذا“، فَأمّا ما يَكْتُبُهُ الكُتّابُ: ”أنْتَ المَلِيُّ“، بِالياءِ، فَخَطَأٌ، وهم مُجْمِعُونَ عَلَيْهِ، هَذا غَلَطٌ، و”اَلْمُلاءَةُ“: اَلَّتِي تُلْبَسُ، مَمْدُودٌ، و”اَلْمُلاوَةُ مِنَ الدَّهْرِ“: اَلْقِطْعَةُ الطَّوِيلَةُ، ومِن هَذا قَوْلُهُمْ: ”أبْلِ جَدِيدًا، وتَمَلَّ حَبِيبًا“، أيْ: عِشْ مَعَ حَبِيبِكَ دَهْرًا طَوِيلًا.
و”ذَهَبًا“، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، قالَ سِيبَوَيْهِ، وجَمِيعُ البَصْرِيِّينَ: إنَّ الِاسْمَ المَخْفُوضَ قَدْ حالَ بَيْنَ الذَّهَبِ، وبَيْنَ المِلْءِ أنْ يَكُونَ جَرًّا، وحَقِيقَةُ تَفْسِيرِهِ أنَّ المَعْنى: ما يَمْلَؤُهُ مِنَ الذَّهَبِ، وكَذَلِكَ إذا قُلْتَ: ”عِنْدِي عِشْرُونَ دِرْهَمًا“، أيْ: ما يُعادِلُ هَذا المِقْدارَ مِنَ الدَّراهِمِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ - واللَّهُ أعْلَمُ - قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٠]، (p-٤٤٣)يَعْنِي اليَهُودَ، لِأنَّهم كانُوا تائِبِينَ في وقْتِ إيمانِهِمْ بِالنَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ تِلْكَ التَّوْبَةَ، وذَلِكَ الإيمانَ، لَيْسَ بِمَقْبُولٍ، لِأنَّهم كَفَرُوا بَعْدَهُ، وزادُوا كُفْرًا، فَإنَّ كُفْرَهم بِما كانَ يَنْزِلُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وقْتًا بَعْدَ وقْتِ، زِيادَةٌ في الكُفْرِ، وكَذَلِكَ الإقامَةُ عَلَيْهِ زِيادَةٌ فِيهِ.
آل عمران 3:92
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾، قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ كُلَّ ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ مِن عَمَلِ خَيْرٍ، فَهو إنْفاقٌ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ اشْتَرى جارِيَةً كانَ هَوِيَها، فَلَمّا مَلَكَها أعْتَقَها، ولَمْ يُصِبْ مِنها، فَقِيلَ لَهُ: أعْتَقْتَها بَعْدَ أنْ كُنْتَ هَوَيْتَها، ولَمْ تُصِبْ مِنها؟! فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا﴾، وفِعْلُ ابْنِ عُمَرَ هَذا يَنْبَغِي أنْ يَقْتَدِيَ بِهِ النّاسُ في ألّا يَضِنُّوا بِجَلِيلِ ما يَمْلِكُونَهُ في التَّقَرُّبِ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾، أيْ: فَإنَّ اللَّهَ يُجازِي عَلَيْهِ، لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، فَإذا عَمِلَهُ جُوزِيَ عَلَيْهِ، وتَأْوِيلُ ”ما“، تَأْوِيلُ الشَّرْطِ، والجَزاءِ، ومَوْضِعُها نَصْبٌ بِـ”تُنْفِقُوا“، اَلْمَعْنى: ”وَأيَّ شَيْءٍ تُنْفِقُوا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِهِ“، والفاءُ جَوابُ الجَزاءِ.
آل عمران 3:93
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾، مَوْضِعُ ”ما“: نَصْبٌ، المَعْنى: إلّا الطَّعامَ الَّذِي حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، ويُرْوى أنَّهُ وجَدَ وجَعًا، وقِيلَ في التَّفْسِيرِ: إنَّ ذَلِكَ الوَجَعَ كانَ عِرْقُ النِّساءِ، (p-٤٤٤)فَنَذَرَ إنْ أبْرَأهُ اللَّهُ أنْ يَتْرُكَ أحَبَّ الطَّعامِ والشَّرابِ إلَيْهِ، وكانَ أحَبُّ الطَّعامِ والشَّرابِ إلَيْهِ لُحُومَ الإبِلِ، وألْبانَها، فَحَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِمَعاصِيهِمْ، كَما قالَ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، وأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ الَّذِي حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ كانَ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ، وفِيهِ أعْظَمُ آيَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ، لِأنَّهُ أنْبَأهم بِأنَّهم يَدَّعُونَ أنَّ في كِتابِهِمْ ما لَيْسَ فِيهِ، ودَعاهم مَعَ ذَلِكَ إلى أنْ يَأْتُوا بِكِتابِهِمْ فَيَتْلُوهُ، لِيُبَيِّنَ لَهم كَذِبَهُمْ، فَأبَوْا، فَكانَ إباؤُهم دَلِيلًا عَلى عِلْمِهِمْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ صَدَقَ فِيما أنْبَأهم بِهِ، ولَوْ أتَوْا بِها لَمْ يَكُونُوا يَخْلُونَ مِن أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ يَزِيدُوا فِيها ما لَيْسَ فِيها في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَيَعْلَمَ بَعْضُهم أنَّهُ قَدْ زِيدَ، أوْ يُنْزِلَ اللَّهُ بِهِمْ عُقُوبَةً تُبَيِّنُ أمْرَهُمْ، أوْ أنْ يَأْتُوا بِها عَلى جُمْلَتِها، فَيُعْلَمَ بُطْلانُ دَعْواهم مِنها، فَقِصَّتُهم في هَذِهِ الآيَةِ كَقِصَّةِ النَّصارى في المُباهَلَةِ.
آل عمران 3:94
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾، أيْ: مِن بَعْدِ ما ذَكَرْنا مِن ظُهُورِ الحُجَّةِ في افْتِرائِهِ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾
آل عمران 3:96
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾، قِيلَ: إنَّهُ أوَّلُ مَسْجِدٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، وقِيلَ: إنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلْحَجِّ، ويُقالُ: إنَّهُ البَيْتُ المَعْمُورُ، وإنَّ المَلائِكَةَ كانَتْ تَحُجُّهُ مِن قَبْلِ آدَمَ، وإنَّهُ البَيْتُ العَتِيقُ، فَأمّا بِناؤُهُ فَلا شَكَّ أنَّ إبْراهِيمَ بَناهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ [البقرة: ١٢٧]، أيْ: ”يَقُولانِ: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا“ .
(p-٤٤٥)فَأمّا المَقْدِسُ فَسُلَيْمانُ بَناهُ، وخَبَرُ ”إنَّ“، هو ”لَلَّذِي بِبَكَّةَ“، وهَذِهِ لامُ التَّوْكِيدِ، وقِيلَ: إنَّ ”بَكَّةَ“، مَوْضِعُ البَيْتِ، وسائِرَ ما حَوْلَهُ مَكَّةُ، والإجْماعُ أنَّ ”بَكَّةَ“، و”مَكَّةَ“: اَلْمَوْضِعُ الَّذِي يَحُجُّ النّاسُ إلَيْهِ، وهي البَلْدَةُ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤]، وقالَ: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾، فَأمّا اشْتِقاقُهُ في اللُّغَةِ، فَيَصْلُحُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ اشْتُقَّ مِن ”اَلْبَكُّ“، وهُوَ: بَكُّ النّاسِ بَعْضُهم بَعْضًا في الطَّوافِ، أيْ: دَفْعُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتْ بِـ”بَكَّةَ“، لِأنَّها تَبُكُّ أعْناقَ الجَبابِرَةِ، ونُصِبَ ”مُبارَكًا“، عَلى الحالِ، المَعْنى: اَلَّذِي بِمَكَّةَ في حالِ بَرَكَتِهِ، ﴿وَهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”هُدًى لِلْعالَمِينَ“، في مَوْضِعِ ”رَفْعٍ“، اَلْمَعْنى: وهو هُدًى لِلْعالَمِينَ، فَأمّا ”مَكَّةُ“، بِالمِيمِ، فَتَصْلُحُ أنْ يَكُونَ اشْتِقاقُها كاشْتِقاقِ ”بَكَّةَ“، والمِيمُ تُبْدَلُ مِنَ الباءِ، يُقالُ: ”ضَرْبَةٌ لازِبٌ، ولازِمٌ“، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ الِاشْتِقاقُ مِن قَوْلِهِمْ: ”اِمْتَكَّ الفَصِيلُ ما في ضَرْعِ النّاقَةِ“، إذا مَصَّ مَصًّا شَدِيدًا، حَتّى لا يُبْقِيَ فِيهِ شَيْئًا، فَتَكُونَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ الِازْدِحامِ فِيها، والقَوْلُ الأوَّلُ - أعْنِي البَدَلَ - أحْسَنُ، ومَعْنى ”أوَّلَ“، في اللُّغَةِ، عَلى الحَقِيقَةِ: اِبْتِداءُ الشَّيْءِ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ المُبْتَدَأُ لَهُ آخِرٌ، وجائِزٌ ألّا يَكُونَ لَهُ آخِرٌ، فالواحِدُ أوَّلُ العَدَدِ، والعَدَدُ غَيْرُ مُتَناهٍ، ونَعِيمُ الجَنَّةِ أوَّلٌ، وهو غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، وقَوْلُكَ: ”هَذا أوَّلُ مالٍ كَسَبْتُهُ“، جائِزٌ ألّا يَكُونَ (p-٤٤٦)بَعْدَهُ كَسْبٌ، ولَكِنَّ إرادَتَكَ: ”هَذا ابْتِداءُ كَسْبِي“، ولَوْ قالَ قائِلٌ: ”أوَّلُ عَبْدٍ أمْلِكُهُ فَهو حُرٌّ“، فَمَلَكَ عَبْدًا، أعْتَقَ ذَلِكَ العَبْدَ، لِأنَّهُ قَدِ ابْتَدَأ المِلْكَ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”أوَّلَ بَيْتٍ“، هو البَيْتَ الَّذِي لَمْ يَكُنِ الحَجُّ إلى غَيْرِهِ.
آل عمران 3:97
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ﴾، قَدْ رُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: ”آيَةٌ بَيِّنَةٌ مَقامُ إبْراهِيمَ“، جَعَلَ مَقامَ إبْراهِيمَ هو الآيَةَ، والَّذِي عَلَيْهِ النّاسُ: ”فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ“، والمَعْنى: ”فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ، تِلْكَ الآياتُ مَقامُ إبْراهِيمَ“، ومِنَ الآياتِ أيْضًا: أمْنُ مَن دَخَلَهُ، لِأنَّ مَعْنى ﴿وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْنَ فِيهِ، فَأمّا رَفْعُ ”مَقامُ إبْراهِيمَ“، فَعَلى أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ ”هي مَقامُ إبْراهِيمَ“، قالَ النَّحْوِيُّونَ: اَلْمَعْنى: ”فِيهِ مَقامُ إبْراهِيمَ“، وهَذا كَما شَرَحْنا، ومَعْنى أمْنِ مَن دَخَلَهُ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَ اللَّهَ أنْ يُؤَمِّنَ سُكّانَ مَكَّةَ، فَقالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦]، فَجَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أمْنَ مَكَّةَ آيَةً لِإبْراهِيمَ، وكانَ النّاسُ يُتَخَطَّفُونَ حَوْلَ مَكَّةَ، قالَ اللَّهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]، فَكانَ الجَبّارُ إذا أرادَ مَكَّةَ قَصَمَهُ اللَّهُ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ [الفيل: ١]، وكانَتْ فارِسُ قَدْ سَبَتْ أهْلَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَأمّا أهْلُ مَكَّةَ فَلَمْ يَطْمَعْ فِيهِمْ جَبّارٌ، ويُقالُ: ”قَدْ أمِنَ الرَّجُلُ، يَأْمَنُ، أمْنًا، وأمانًا“، وقَدْ رُوِيَتْ: ”إمْنًا“، والأكْثَرُ الأفْصَحُ: ”أمْنٌ“، بِفَتْحِ الألِفِ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا﴾ [النور: ٥٥] (p-٤٤٧)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾، يُقْرَأُ بِفَتْحِ الحاءِ، وكَسْرِ الحاءِ، والأصْلُ الفَتْحُ، يُقالُ: ”حَجَجْتُ الشَّيْءَ أحُجُّهُ حَجًّا“، إذا قَصَدْتُهُ، و”اَلْحِجُّ“، اِسْمُ العَمَلِ، بِكَسْرِ الحاءِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾، مَوْضِعُ ”مَن“، خَفْضٌ، عَلى البَدَلِ مِن ”اَلنّاسِ“، اَلْمَعْنى: ”وَلِلَّهِ عَلى مَنِ اسْتَطاعَ مِنَ النّاسِ حِجُّ البَيْتِ أنْ يَحُجَّ“ .
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾، قِيلَ فِيهِ غَيْرُ قَوْلٍ: قالَ بَعْضُهُمْ: ”مَن كَفَرَ“: مَن قالَ: إنَّ الحَجَّ غَيْرُ مُفْتَرَضٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: مَن أمْكَنَهُ الحَجُّ فَأخَّرَهُ إلى أنْ يَمُوتَ، وهو قادِرٌ عَلَيْهِ، فَقَدْ كَفَرَ، وقِيلَ: إنَّها إنَّما قِيلَتْ لِلْيَهُودِ، لِأنَّهم قالُوا: إنَّ القَصْدَ إلى مَكَّةَ غَيْرُ واجِبٍ في حَجٍّ أوْ صَلاةٍ، فَأمّا الأوَّلُ فَمُجْمَعٌ عَلَيْهِ، لَيْسَ بَيْنَ الأُمَّةِ اخْتِلافٌ في أنَّ مَن قالَ: إنَّ الحَجَّ غَيْرُ واجِبٍ عَلى مَن قَدَرَ عَلَيْهِ، كافِرٌ.
آل عمران 3:99
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا﴾، أيْ: تَبْغُونَ لَها العِوَجَ، يُقالُ في الأمْرِ، والدِّينِ: ”عِوَجٌ“، وفي كُلِّ شَيْءٍ مائِلٍ: ”عِوَجٌ“، والعَرَبُ تَقُولُ: ”اِبْغِنِي كَذا وكَذا“، أيْ: اُطْلُبْهُ لِي، وتَقُولُ: ”أبْغِنِي كَذا وكَذا“، بِفَتْحِ الألِفِ، تُرِيدُ: أعِنِّي عَلى طَلَبِهِ، أيْ: اُطْلُبْهُ مَعِي، كَما تَقُولُ: ”أعْكِمْنِي“، و”أحْلِبْنِي“، أيْ: أعِنِّي عَلى العَكْمِ، والحَلْبِ، ومَعْنى ﴿وَأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ أيْ: وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ بِما قَدْ ثَبَتَ في نُفُوسِكم أنَّ أمْرَ النَّبِيِّ حَقٌّ، واللَّهُ غَيْرُ غافِلٍ عَنْ عَمَلِكم.
آل عمران 3:100
(p-٤٤٨)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾، يَعْنِي بِالفَرِيقِ الصِّنْفَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ: إنْ قَلَّدْتُمُوهُمْ، رَدُّوكم كافِرِينَ، أيْ: وإنْ كُنْتُمْ عَلى غَيْرِ دِينِهِمْ، وكُنْتُمْ في عَقْدِكم ذَلِكَ كافِرِينَ، فَكَذَلِكَ إنْ أطَعْتُمُوهُمْ، أوِ اتَّبَعْتُمُوهُمْ، فَأنْتُمْ كافِرُونَ.
آل عمران 3:101
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ﴾، أيْ: عَلى أيِّ حالٍ يَقَعُ مِنكُمُ الكُفْرُ وآياتُ اللَّهِ - الَّتِي أتى بِها النَّبِيُّ ﷺ دالَّةٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ ونُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ تُتْلى عَلَيْكُمْ، وفِيكم رَسُولُهُ يُبَيِّنُ لَكم هَذِهِ الآياتِ؟! وجائِزٌ أنْ يُقالَ: فِيكم رَسُولُهُ والنَّبِيُّ شاهِدٌ، وجائِزٌ أنْ يُقالَ لَنا الآنَ: ”فِيكم رَسُولُ اللَّهِ“، لِأنَّ آثارَهُ، وعَلاماتِهِ، والقُرْآنَ الَّذِي أتى بِهِ فِينا، وهو مِنَ الآياتِ العِظامِ.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَمَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾، أيْ: مَن يَمْتَنِعْ بِاللَّهِ، ويَسْتَمْسِكْ بِحَبْلِ اللَّهِ، فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ، و”يَعْتَصِمْ“، جُزِمَ بِـ”مَن“، والجَوابُ: ”فَقَدْ هُدِيَ“، ومَعْنى ”اِعْتَصَمْتُ بِكَذا وكَذا“، في اللُّغَةِ: اِسْتَمْسَكْتُ، وامْتَنَعْتُ بِهِ مِن غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤٣]، ومَعْنى ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ [هود: ٤٣] أيْ: يَمْنَعُنِي مِنَ الماءِ، أيْ: ”لا ذا عِصْمَةٍ“، و”لا ذا امْتِناعٍ مِنَ اللَّهِ“ .
آل عمران 3:102
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾، أيْ: اِتَّقُوهُ فِيما يَحِقُّ عَلَيْكم أنْ تَتَّقُوهُ فِيهِ، قالَ بَعْضُهُمْ: ”حَقَّ تُقاتِهِ“: أنْ يُطاعَ (p-٤٤٩)فَلا يُعْصى، وأنْ يُذْكَرَ فَلا يُنْسى، ومَعْنى ”يُذْكَرُ فَلا يُنْسى“: أنْ يُذْكَرَ عِنْدَ ما يَجِبُ مِن أمْرِهِ، فَلا يُتَجاوَزُ أمْرُهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ، نَسَخَها قَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] .
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦]، و”تُقاةٌ“: أصْلُها: ”وُقاةٌ“، وهي مِن ”وَقَيْتُ“، إلّا أنَّ الواوَ لَمْ تَأْتِ في هَذا المِثالِ عَلى أصْلِها، ولَمْ يُقَلْ في هَذا المِثالِ شَيْءٌ إلّا والتّاءُ فِيهِ مُبْدَلَةٌ مِنَ الواوِ، وكَذَلِكَ قالُوا: ”تُخْمَةٌ“، إنَّما هي مِن ”اَلْوَخامَةُ“، وكَذَلِكَ قالُوا في ”فُعالٌ“، نَحْوَ ”اَلتُّراثُ“، و”اَلتُّجاهُ“، و”تُجاهٌ“، في مَعْنى المُواجَهَةِ، وهَذا المِثالُ فِيهِ أوْجُهٌ: إذا بَنَيْتَ ”فُعْلَةٌ“، مِن ”وَقَيْتُ“، قُلْتَ: ”تُقاةٌ“، وهو الَّذِي يَخْتارُهُ النَّحْوِيُّونَ، ولَمْ يَأْتِ في اللُّغَةِ عَلى هَذا المِثالِ شَيْءٌ إلّا وقَدْ أُبْدِلَتِ التّاءُ مِن واوِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: ”وُقاةٌ“، و”أُقاةٌ“، لِأنَّ الواوَ إذا انْضَمَّتْ، وكانَتْ أوَّلًا، فَأنْتَ في البَدَلِ مِنها بِالخِيارِ، إنْ شِئْتَ أبْدَلْتَ مِنها هَمْزَةً، وإنْ شِئْتَ أقْرَرْتَها عَلى هَيْئَتِها، وإنْ شِئْتَ في هَذا المِثالِ خاصَّةً أبْدَلْتَ مِنها التّاءَ.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، لَفْظُ النَّهْيِ واقِعٌ عَلى المَوْتِ، والمَعْنى واقِعٌ عَلى الأمْرِ بِالإقامَةِ عَلى الإسْلامِ، المَعْنى: كُونُوا عَلى الإسْلامِ، فَإذا ورَدَ عَلَيْكُمُ المَوْتُ صادَفَكم عَلى ذَلِكَ، وإنَّما جازَ هَذا لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ لَبْسٌ، لِأنَّهُ يُعْلَمُ مِنهُ أنَّهم لا يُنْهَوْنَ عَمّا لا يَفْعَلُونَ، ومِثْلُهُ في الكَلامِ: ”لا أرَيَنَّكَ هَهُنا“، فالنَّهْيُ واقِعٌ في اللَّفْظِ عَلى المُخاطَبَةِ، والمَعْنى: ”لا تَكُونَنَّ هَهُنا، فَإنَّ مَن كانَ هَهُنا رَأيْتُهُ“، ولَكِنَّ الكَلامَ قُصِدَ بِهِ إلى الإيجازِ، والِاخْتِصارِ، إذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَقْصُ مَعْنًى.
آل عمران 3:103
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾، (p-٤٥٠)”جَمِيعًا“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: كُونُوا مُجْتَمِعِينَ عَلى الِاعْتِصامِ بِهِ.
وَتَفْسِيرُ ”واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ“: أيْ: اِسْتَمْسِكُوا بِعَهْدِ اللَّهِ، والحَبْلُ في لُغَةِ العَرَبِ: اَلْعَهْدُ، قالَ الأعْشى:
؎وَإذا أجُوزُ بِها حِبالَ قَبِيلَةٍ ∗∗∗ أخَذَتْ مِنَ الأُخْرى إلَيْكَ حِبالَها
وَمَعْنى ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ أيْ: تَناصَرُوا عَلى دِينِ اللَّهِ، وأصْلُ ”تَفَرَّقُوا“: ”تَتَفَرَّقُوا“، إلّا أنَّ التّاءَ حُذِفَتْ لِاجْتِماعِ حَرْفَيْنِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ في كَلِمَةٍ، والمَحْذُوفَةُ الثّانِيَةُ، لِأنَّ الأُولى دالَّةٌ عَلى الِاسْتِقْبالِ، فَلا يَجُوزُ حَذْفُ الحَرْفِ الَّذِي يَدُلُّ عَلى الِاسْتِقْبالِ، وهو مَجْزُومٌ بِالنَّهْيِ، الأصْلُ: ”وَلا تَتَفَرَّقُونَ“، فَحُذِفَتِ النُّونُ لِتَدُلَّ عَلى الجَزْمِ.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾، ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ بِعَظِيمِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ في الإسْلامِ، لِأنَّهم كانُوا في جاهِلِيَّتِهِمْ يَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَسْتَبِيحُ كُلُّ غالِبٍ مِنهم مَن غَلَبَهُ، فَحَظَرَ عَلَيْهِمُ الإسْلامُ الأنْفُسَ، والأمْوالَ، إلّا بِحَقِّها، فَعَرَّفَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ما لَهم مِنَ الحَظِّ في العاجِلِ في الدُّخُولِ في الإسْلامِ.
(p-٤٥١)وَقِيلَ: نَزَلَتْ في الأوْسِ والخَزْرَجِ، لِأنَّهم كانَتْ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ حُرُوبٌ دائِمَةٌ قَدْ أتَتْ عَلَيْها السُّنُونُ الكَثِيرَةُ، فَأزالَ الإسْلامُ تِلْكَ الحُرُوبَ، وصارُوا إخْوانًا في الإسْلامِ، مُتَوادِّينَ عَلى ذَلِكَ، وأصْلُ ”اَلْأخُ“، في اللُّغَةِ، أنَّ الأخَ مَقْصِدُهُ مَقْصِدُ أخِيهِ، وكَذَلِكَ هو في الصَّداقَةِ، أنْ تَكُونَ إرادَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأخَوَيْنِ مُوافِقَةً لِما يُرِيدُ صاحِبُهُ، والعَرَبُ تَقُولُ: ”فُلانٌ يَتَوَخّى مَسارَّ فُلانٍ“، أيْ: يَقْصِدُ ما يَسُرُّهُ.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ﴾، أيْ: كُنْتُمْ قَدْ أشْرَفْتُمْ عَلى النّارِ، و”شَفا الشَّيْءِ“: حَرْفُهُ، مَقْصُورٌ، يُكْتَبُ بِالألِفِ، وتَثْنِيَتُهُ: ”شَفَوانِ“، وقالَ: ﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾، ولَمْ يَقُلْ: ”مِنهُ“، لِأنَّ المَقْصُودَ في الخَبَرِ النّارُ، أيْ: فَأنْقَذَكم مِنها بِالنَّبِيِّ ﷺ.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ﴾، اَلْكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، المَعْنى: مِثْلَ البَيانِ الَّذِي يُتْلى عَلَيْكم يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ، ومَعْنى ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾، أيْ: لِتَكُونُوا عَلى رَجاءِ هِدايَتِهِ.
آل عمران 3:104
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿وَلْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾، اَللّامُ مُسَكَّنَةٌ، وأصْلُها الكَسْرُ، الأصْلُ: ”وَلِتَكُنْ مِنكم“، ولَكِنَّ الكَسْرَةَ حُذِفَتْ لِأنَّ الواوَ صارَتْ مَعَ الكَلِمَةِ كَحَرْفٍ واحِدٍ، وأُلْزِمَتِ الحَذْفَ، وإنْ قُرِئَتْ: (p-٤٥٢)”وَلِتَكُنْ“، بِالكَسْرِ، فَجَيِّدٌ عَلى الأصْلِ، ولَكِنَّ التَّخْفِيفَ أجْوَدُ، وأكْثَرُ في كَلامِ العَرَبِ، ومَعْنى ”وَلْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ“ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ولْتَكُونُوا كُلُّكم أُمَّةً تَدْعُونَ إلى الخَيْرِ، وتَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ، ولَكِنَّ ”مِن“، تَدْخُلُ هَهُنا لِتَخُصَّ المُخاطَبِينَ مِن سائِرِ الأجْناسِ، وهي مُؤَكِّدَةٌ أنَّ الأمْرَ لِلْمُخاطَبِينَ، ومِثْلُ هَذا مِن كِتابِ اللَّهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]، لَيْسَ يَأْمُرُهم بِاجْتِنابِ بَعْضِ الأوْثانِ، ولَكِنَّ المَعْنى: اِجْتَنِبُوا الأوْثانَ، فَإنَّها رِجْسٌ، ومِثْلُهُ مِنَ الشِّعْرِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أخُو رَغائِبَ يُعْطِيها ويَسْألُها ∗∗∗ يَأْبى الظُّلامَةَ مِنهُ النَّوْفَلُ الزَّفَرُ
أيْ: هو النَّوْفَلُ الزَّفَرُ، لِأنَّهُ قَدْ وصَفَهُ بِإعْطاءِ الرَّغائِبِ، و”اَلنَّوْفَلُ“: اَلْكَثِيرُ الإعْطاءِ لِلنَّوافِلِ، و”اَلزَّفَرُ“: اَلَّذِي يَحْمِلُ الأثْقالَ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهم أُمِرُوا كُلُّهم بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ قَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أُمِرَتْ مِنهم فِرْقَةٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ﴾، ذَكَرَ الدُّعاةَ إلى الإيمانِ، والدُّعاةُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا عُلَماءَ بِما يَدْعُونَ إلَيْهِ، (p-٤٥٣)وَلَيْسَ الخَلْقُ كُلُّهم عُلَماءَ، والعِلْمُ يَنُوبُ فِيهِ بَعْضُ النّاسِ عَنْ بَعْضٍ، وكَذَلِكَ الجِهادُ.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾، أيْ: والَّذِينَ ذَكَرْناهُمُ المُفْلِحُونَ، و”اَلْمُفْلِحُ“: اَلْفائِزُ بِما يَغْتَبِطُ بِهِ، و”هم“، جائِزٌ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً، و”اَلْمُفْلِحُونَ“، خَبَرَ ”أُولَئِكَ“، و”هم“، فَصْلٌ، وهو الَّذِي يُسَمِّيهِ الكُوفِيُّونَ العِمادَ.
آل عمران 3:105
وَقَوْلُهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾، أيْ: لا تَكُونُوا كَأهْلِ الكِتابِ، يَعْنِي بِهِ اليَهُودَ، والنَّصارى، وكِتابُهم جَمِيعًا التَّوْراةُ، وهم مُخْتَلِفُونَ، كُلُّ فِرْقَةٍ مِنهم - وإنِ اتَّفَقَتْ في بابِ النَّصْرانِيَّةِ، أوِ اليَهُودِيَّةِ - مُخْتَلِفَةٌ أيْضًا، كالنَّصارى الَّذِينَ هم نَسْطُورِيَّةٌ، ويَعْقُوبِيَّةٌ، ومَلْكانِيَّةٌ، فَأمَرَ اللَّهُ بِالِاجْتِماعِ عَلى كِتابِهِ، وأعْلَمَ أنَّ التَّفَرُّقَ فِيهِ يُخْرِجُ أهْلَهُ إلى مِثْلِ ما خَرَجَ إلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ في كُفْرِهِمْ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ لَهم عَذابًا عَظِيمًا، فَقالَ: ﴿وَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .
آل عمران 3:106
ثُمَّ أخْبَرَ بِوَقْتِ ذَلِكَ العَذابِ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾، أيْ: يَثْبُتُ لَهُمُ العَذابُ ذَلِكَ اليَوْمَ، وابْيِضاضُها إشْراقُها، وإسْفارُها، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩]، أسْفَرَتْ، واسْتَبْشَرَتْ لِما تَصِيرُ إلَيْهِ مِن ثَوابِ اللَّهِ، ورَحْمَتِهِ، وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، اسْوِدادُها لِما تَصِيرُ إلَيْهِ مِنَ العَذابِ، قالَ اللَّهُ: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] (p-٤٥٤)والكَلامُ: ”تَسْوَدُّ“، و”تَبْيَضُّ“، بِفَتْحِ التّاءِ، الأصْلُ: ”تَسْوَدِدُ“، و”تَبْيَضِضُ“، إلّا أنَّ الحَرْفَيْنِ إذا اجْتَمَعا، وتَحَرَّكا، أُدْغِمَ الأوَّلُ في الثّانِي، وكَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ تَكْسِرُ هَذِهِ التّاءَ مِن ”تِسْوَدُّ“، و”تِبْيَضُّ“، والقِراءَةُ بِالفَتْحِ، والكَسْرُ قَلِيلٌ، إلّا أنَّ كَثِيرًا مِنَ العَرَبِ يَكْسِرُ هَذِهِ التّاءَ، لِيُبَيِّنَ أنَّها مِن قَوْلِكَ: ”أبْيَضُ“، و”أسْوَدُ“، فَكَأنَّ الكَسْرَةَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كَذَلِكَ في الماضِي، وقَرَأ بَعْضُهُمْ: ”تَسْوادُّ“، و”تَبْياضُّ“، وهو جَيِّدٌ في العَرَبِيَّةِ، إلّا أنَّ المُصْحَفَ لَيْسَتْ فِيهِ ألِفٌ، فَأنا أكْرَهُها لِخِلافِهِ، عَلى أنَّهُ قَدْ تُحْذَفُ ألِفاتٌ في القُرْآنِ، نَحْوَ ألِفِ ”إبْراهِيمُ“، و”إسْماعِيلُ“، ونَحْوَ ألِفِ ”اَلرَّحْمَنُ“، ولَكِنَّ الإجْماعَ عَلى إثْباتِ هَذِهِ الألِفاتِ المَحْذُوفَةِ في الكِتابِ في اللَّفْظِ، و”تَبْيَضُّ“، و”تَسْوَدُّ“، إجْماعٌ بِغَيْرِ ألِفٍ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ بِإثْباتِ الألِفِ.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾، تَدُلُّ عَلى أنَّ القِراءَةَ: ”تَسْوَدُّ“، ومَن قَرَأ بِالألِفِ: ”تَسْوادُّ“، و”تَبْياضُّ“، وجَبَ أنْ يَقْرَأ: ”فَأمّا الَّذِينَ اسْوادَّتْ وُجُوهُهم“، وجَوابُ ”أمّا“، مَحْذُوفٌ مَعَ القَوْلِ، المَعْنى: فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾، وحُذِفَ القَوْلُ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، وهَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٤]، اَلْمَعْنى: يَقُولُونَ: (p-٤٥٥)سَلامٌ عَلَيْكُمْ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ [البقرة: ١٢٧]، اَلْمَعْنى: يَقُولانِ: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا، هَذِهِ الألِفُ لَفْظُها لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناها التَّقْرِيرُ، والتَّوْبِيخُ، وإنَّما قِيلَ لَهُمْ: ﴿أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾، لِأنَّهم كَفَرُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ، وقَدْ كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وهَذا خِطابٌ لِأهْلِ الكِتابِ.
آل عمران 3:107
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾، أيْ: في الثَّوابِ - الَّذِي أصارَهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ بِرَحْمَةٍ - خالِدُونَ، أعْلَمَ أنَّهُ إنَّما يُدْخَلُ الجَنَّةُ بِرَحْمَتِهِ، وإنِ اجْتَهَدَ المُجْتَهِدُ في طاعَةِ اللَّهِ، لِأنَّ نِعَمَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - دُونَ الجَنَّةِ لا يُكافِئُها اجْتِهادُ الآدَمِيِّينَ، وقالَ: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، وهو يُرِيدُ ثَوابَ رَحْمَةِ اللَّهِ، كَما قالَ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، اَلْمَعْنى: أهْلَ القَرْيَةِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: ”بَنُو فُلانٍ يَطَؤُهُمُ الطَّرِيقُ“، اَلْمَعْنى: يَطَؤُهم مارَّةُ الطَّرِيقِ، وذِكْرُ ”فِيها“، ثانِيَةً عَلى جِهَةِ التَّوْكِيدِ.
آل عمران 3:108
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾، أيْ: تِلْكَ الَّتِي قَدْ جَرى ذِكْرُها حُجَجُ اللَّهِ، وعَلاماتُهُ، نَتْلُوها عَلَيْكَ، أيْ: نُعَرِّفُكَ إيّاها، ﴿وَما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾، أيْ: مَن أعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ يُعَذِّبُهُ فَبِاسْتِحْقاقٍ يُعَذِّبُهُ.
آل عمران 3:109
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾، ولَوْ كانَتْ ”وَإلَيْهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ“، لَكانَ حَسَنًا، ولَكِنَّ إعادَةَ اسْمِ اللَّهِ أفْخَمُ، وأوْكَدُ، والعَرَبُ إذا جَرى ذِكْرُ شَيْءٍ مُفَخَّمٍ أعادُوا لَفْظَهُ مُظْهَرًا غَيْرَ مُضْمَرٍ، أنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ قَوْلَ الشّاعِرِ: (p-٤٥٦)لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ ... نَغَّصَ المَوْتُ ذا الغِنى والفَقِيرا
فَأعادُوا ذِكْرَ المَوْتِ لِفَخامَةٍ في نُفُوسِهِمْ.
آل عمران 3:110
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾، يَعْنِي بِهِ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقِيلَ في مَعْنى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ كُنْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقِيلَ: كُنْتُمْ مُنْذُ آمَنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنى ”كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ“: هَذا الخِطابُ أصْلُهُ أنَّهُ خُوطِبَ بِهِ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ، وهو يَعُمُّ سائِرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، والشَّرِيطَةُ في الخَيْرِيَّةِ ما هو في الكَلامِ، وهو قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، أيْ: تُوَحِّدُونَ اللَّهَ بِالإيمانِ بِرَسُولِهِ، لِأنَّ مَن كَفَرَ بِالنَّبِيِّ ﷺ لَمْ يُوَحِّدِ اللَّهَ، وذَلِكَ أنَّهُ يَزْعُمُ أنَّ الآياتِ المُعْجِزاتِ الَّتِي أتى بِها النَّبِيُّ ﷺ مِن ذاتِ نَفْسِهِ، فَجَعَلَ غَيْرَ اللَّهِ يَفْعَلُ فِعْلَ اللَّهِ، وآياتُ الأنْبِياءِ لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -، ويَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، تُقِرُّونَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ نَبِيُّ اللَّهِ، قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾، فَأهْلُ الكِتابِ كَفَرُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ، فَصارُوا كُفّارًا بِاللَّهِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ بَعْضَهُمْ، وهو القَلِيلُ مِنهُمْ، آمَنَ بِاللَّهِ، فَقالَ: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾، و”اَلْفاسِقُ“: اَلَّذِي خَرَجَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ.
(p-٤٥٧)وَوَعَدَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ في أهْلِ الكِتابِ أنَّهم مَنصُورُونَ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ لا يَنالُهم مِن أهْلِ الكِتابِ اصْطِلامٌ، ولا غَلَبَةٌ، فَقالَ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى﴾ [آل عمران: ١١١]، أيْ: يُؤْذُونَكم بِالبُهْتِ، والتَّحْرِيفِ، فَأمّا العاقِبَةُ فَتَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهم لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر: ١٢]، يَعْنِي بِهِ أهْلَ الكِتابِ، وأعْلَمَهم في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم إنْ قاتَلُوهم ولَّوْهُمُ الأدْبارَ، وسُلِبُوا النَّصْرَ وكَذَلِكَ كانَ أمْرُ اليَهُودِ.
آل عمران 3:112
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾، و”اَلْحَبْلُ“: اَلْعَهْدُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهم بَعْدَ عِزٍّ كانُوا فِيهِ، يَبْلُغُونَ في الذِّلَّةِ ما لا يَبْلُغُهُ أهْلُ مَكَّةَ، وكانُوا ذَوِي مَنعَةٍ، ويَسارٍ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهم يُذَلُّونَ أبَدًا، إلّا أنْ يُعَزُّوا بِالذِّمَّةِ الَّتِي يُعْطَوْنَها في الإسْلامِ، وما بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، إنَّهم أذِلّاءُ إلّا أنَّهم يَعْتَصِمُونَ بِالعَهْدِ إذا أُعْطَوْهُ.
وَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهم جُعِلَتْ عُقُوبَتُهم هَذِهِ العُقُوبَةَ الغَلِيظَةَ في الدُّنْيا، والآخِرَةِ، لِتَغْلِيظِ ما رَكِبُوهُ، فَقالَ - جَلَّ وعَلا: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، مَوْضِعُ ”ذَلِكَ“: رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، المَعْنى: ”أمْرُهم ذَلِكَ“، و”حَقُّهم ذَلِكَ بِكُفْرِهِمْ، وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ“، وأعادَ ذِكْرَ ”ذَلِكَ“، ثانِيَةً، فَقالَ: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾، (p-٤٥٨)اَلِاعْتِداءُ: اَلْمُجاوَزَةُ في كُلِّ شَيْءٍ، مُجاوَزَةُ القَدْرِ، المَعْنى: حَقُّها بِكُفْرِهِمْ.
آل عمران 3:113
فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهم غَيْرُ مُتَساوِينَ، فَقالَ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾، وهَذا وقْفُ التَّمامِ، أيْ: لَيْسَ الَّذِينَ ذَكَرْنا مِن أهْلِ الكِتابِ سَواءً، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ”لَيْسُوا سَواءً“، جَمْعُ ”لَيْسَ“، وهو مُتَقَدِّمٌ، كَما قالَ القائِلُ: ”أكَلُونِي البَراغِيثُ“، وكَما قالَ: ﴿عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ [المائدة: ٧١]، وهَذا لَيْسَ كَما قالَ، لِأنَّ ذِكْرَ أهْلِ الكِتابِ قَدْ جَرى، فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّهم غَيْرُ مُتَساوِينَ، فَقالَ: ”لَيْسُوا سَواءً“، ثُمَّ أنْبَأ بِافْتِراقِهِمْ، فَقالَ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: مَعْنى ”قائِمَةٌ“: مُسْتَقِيمَةٌ، ولَمْ يُبَيِّنُوا حَقِيقَةَ هَذا، وذَكَرَ الأخْفَشُ المَعْنى - ”أُمَّةٌ قائِمَةٌ“ - أيْ: ذَوُو أُمَّةٍ قائِمَةٍ، و”اَلْأُمَّةُ“: اَلطَّرِيقَةُ، مِن ”أمَمْتُ الشَّيْءَ“، إذا قَصَدْتُهُ، فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ، أيْ: ذَوُو طَرِيقَةٍ قائِمَةٍ، قالَ النّابِغَةُ الذُّبْيانِيُّ:
؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ∗∗∗ وهَلْ يَأْثَمَن ذُو أُمَّةٍ وهْوَ طائِعُ؟!
أيْ: هَلْ يَأْثَمَن ذُو طَرِيقَةٍ مِن طَرائِقِ الدِّينِ وهو طائِعُ؟! فَإنَّما المَعْنى أنَّهُ لا يَسْتَوِي الَّذِينَ قَتَلُوا الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، والَّذِينَ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم ذَوُو طَرِيقَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ.
(p-٤٥٩)وَمَعْنى ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾، ساعاتِ اللَّيْلِ، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: واحِدُ ”آناءُ اللَّيْلِ“: ”إنْيٌ“، و”آناءُ“، مِثْلُ، ”نِحْيٌ“، و”أنْحاءُ“، وأنْشَدَ أهْلُ اللُّغَةِ في ذَلِكَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎حُلْوٌ ومُرٌّ كَطَعْمِ القِدْحِ مِرَّتُهُ ∗∗∗ بِكُلِّ إنْيٍ حَذاهُ اللَّيْلُ يَنْتَعِلُ
قالُوا: واحِدُها ”إنًى“، مِثْلَ ”مِعًى“، و”أمْعاءُ“، وحَكى الأخْفَشُ: ”إنْوٌ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَهم يَسْجُدُونَ﴾، مَعْناهُ: وهم يُصَلُّونَ، لِأنَّ التِّلاوَةَ لَيْسَتْ في السُّجُودِ، وإنَّما ذُكِرَتِ الصَّلاةُ بِالسُّجُودِ، لِأنَّ السُّجُودَ نِهايَةُ ما فِيها مِنَ التَّواضُعِ، والخُشُوعِ، والتَّضَرُّعِ، ومَعْنى ”يَتْلُونَ“، في اللُّغَةِ: يُتْبِعُونَ بَعْضَ الشَّيْءِ بَعْضًا، و”قَدِ اسْتَتْلاكَ الشَّيْءُ“، إذا جَعَلَكَ تَتْبَعُهُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎قَدْ جَعَلَتْ دَلْوِي تَسْتَلِينِي ∗∗∗ ولا أُحِبُّ تَبْعَ القَرِينِ
إنْ لَمْ يُرِدْ سَماحَتِي ولِينِي
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: اَلْمَعْنى: مِنهم أُمَّةٌ قائِمَةٌ، وأُمَّةٌ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأنْشَدَ في ذَلِكَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎عَصانِي إلَيْها القَلْبُ إنِّي لِأمْرِهِ ∗∗∗ سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها
وَلَمْ يَقُلْ: ”أمْ هو في غَيٍّ“، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، قالَ: والعَرَبُ تُضْمِرُ هَذا إذا عَرَفَتْ مِثْلَ هَذا - عَرَفَتِ المَعْنى -، (p-٤٦٠)وَهَذا الَّذِي قالَ خَطَأٌ فاحِشٌ في مِثْلِ هَذا المَكانِ، لِأنَّ ذِكْرَ أهْلِ الكِتابِ قَدْ جَرى في هَذِهِ القِصَّةِ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ، ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ مِنهُمُ المُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ هم أُمَّةٌ قائِمَةٌ، فَما الحاجَةُ إلى أنْ يُقالَ: ”غَيْرُ قائِمَةٍ“، وإنَّما المَبْدُوءُ بِهِ هَهُنا ما كانَ مِن فِعْلِ أكْثَرِهِمْ مِنَ الكُفْرِ، والمُشاقَّةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَ مَن كانَ مُبايِنًا هَؤُلاءِ، وذُكِرَ في التَّفْسِيرِ أنَّ هَذا يُعْنى بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وأصْحابُهُ، ومَعْنى ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١١٤]، هَهُنا: أيْ: يَأْمُرُونَ بِاتِّباعِ النَّبِيِّ ﷺ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٤]، عَنِ الإقامَةِ عَلى مُشاقَّتِهِ ﷺ.
آل عمران 3:115
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾، قُرِئَتْ بِالياءِ، والتّاءِ، وكِلاهُما صَوابٌ، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، فالخِطابُ لِسائِرِ الخَلْقِ، ومَن قالَ: ”فَلَنْ تُكْفَرُوهُ“، فَهو لِهَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ، وسائِرُ الخَلْقِ داخِلٌ مَعَهم في ذَلِكَ، ومَوْضِعُ ”يَفْعَلُوا“: جَزْمٌ بِالشَّرْطِ، وهو ”ما“، والجَوابُ ”فَلَنْ يُكْفَرُوهُ“ .
آل عمران 3:116
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، أيْ: لا تَمْنَعُهم أوْلادُهم مِمّا هو نازِلٌ بِهِمْ، لِأنَّهم مالُوا إلى الأمْوالِ في مُعانَدَتِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ، لِأنَّ الرِّياسَةَ إنَّما قامَتْ لَهم - أعْنِي رُؤَساءَ اليَهُودِ - بِمُعانَدَتِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ، (p-٤٦١)والدَّلِيلُ عَلى أنَّهم كَسَبُوا بِذَلِكَ قَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] .
آل عمران 3:117
ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ مَثَلَ ما يُنْفِقُونَهُ في تَظاهُرِهِمْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ في الضَّرَرِ لَهُمْ، ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾، و”اَلصِّرُّ“: اَلْبَرْدُ الشَّدِيدُ، ﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ﴾، أيْ: زَرْعَ قَوْمٍ ﴿ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾، فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ بِإذْهابِ زَرْعِهِمْ، ﴿فَأهْلَكَتْهُ﴾، فَأعْلَمَ أنَّ ضَرَرَ نَفَقَتِهِمْ عَلَيْهِمْ كَضَرَرِ هَذِهِ الرِّيحِ في هَذا الزَّرْعِ، وقِيلَ: إنَّهُ يُعْنى بِهِ أهْلُ مَكَّةَ، حِينَ تَعاوَنُوا، وأنْفَقُوا الأمْوالَ عَلى التَّظاهُرِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، وقالَ بَعْضُهُمْ: ”مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ“، أيْ: مَثَلُ أعْمالِهِمْ في شِرْكِهِمْ، كَمَثَلِ هَذِهِ الرِّيحِ، وجُعِلَ فِيها ”صِرٌّ“، أيْ: صَوْتٌ، وهَذا يُخَرَّجُ في اللُّغَةِ، وإنَّما جَعَلَ فِيها صَوْتًا لِأنَّهُ جَعَلَ فِيها نارًا، كَأنَّها نارٌ أحْرَقَتِ الزَّرْعَ، فَـ”اَلصِّرُّ“، عَلى هَذا القَوْلِ: صَوْتُ لَهِيبِ النّارِ، وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، وجُمْلَتُهُ أنَّ ما أُنْفِقَ في التَّظاهُرِ عَلى عَداوَةِ الدِّينِ مُضِرٌّ مُهْلِكٌ أهْلَهُ في العاجِلِ، والآجِلِ.
آل عمران 3:118
قَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالا﴾، ”اَلْبِطانَةُ“: اَلدُّخَلاءُ الَّذِينَ يُسْتَبْطَنُونَ ويُتَبَسَّطُ إلَيْهِمْ، يُقالُ: ”فُلانٌ بِطانَةٌ لِفُلانٍ“، أيْ: مُداخِلٌ لَهُ ومُؤانِسٌ ”، فالمَعْنى أنَّ المُؤْمِنِينَ أُمِرُوا ألّا يُداخِلُوا المُنافِقِينَ، ولا اليَهُودَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا لا يُبْقُونَ غايَةً في التَّلْبِيسِ عَلى (p-٤٦٢)المُؤْمِنِينَ، فَأُمِرُوا بِألّا يُداخِلُوهُمْ، لِئَلّا يُفْسِدُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ، وأخْبَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم لا يَأْلُونَهم خَبالًا، أيْ: لا يُبْقُونَ غايَةً في إلْقائِهِمْ فِيما يَضُرُّهُمْ، وأصْلُ“ اَلْخَبالُ "، في اللُّغَةِ: ذَهابُ الشَّيْءِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎أبَنِي سُلَيْمى لَسْتُمُ لِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا مَخْبُولَةَ العَضُدِ
أيْ: قَدْ ذَهَبَتْ عَضُدُها، ﴿وَدُّوا ما عَنِتُّمْ﴾، أيْ: ودُّوا عَنَتَكُمْ، ومَعْنى ”اَلْعَنَتُ“: إدْخالُ المَشَقَّةِ عَلى الإنْسانِ، يُقالُ: ”فُلانٌ مُتَعَنِّتٌ فُلانًا“، أيْ: يَقْصِدُ إدْخالَ المَشَقَّةِ والأذى عَلَيْهِ، ويُقالُ: ”قَدْ عَنِتَ العَظْمُ، يَعْنَتُ، عَنَتًا“، إذا أصابَهُ شَيْءٌ بَعْدَ الجَبْرِ، وأصْلُ هَذا كُلِّهِ مِن قَوْلِهِمْ: ”أكَمَةٌ عُنُوتٌ“، إذا كانَتْ طَوِيلَةً، شاقَّةَ المَسْلَكِ، فَتَأْوِيلُ ”أعْنَتُّ فُلانًا“: حَمَلْتُهُ عَلى المَشَقَّةِ.
آل عمران 3:119
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾، خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أُعْلِمُوا فِيهِ أنَّ مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ لا يُحِبُّونَهُمْ، وأنَّهم هم يَصْحَبُونَ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ بِالبِرِّ والنَّصِيحَةِ الَّتِي يَفْعَلُها المُحِبُّ، وأنَّ المُنافِقِينَ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - المُؤْمِنِينَ ما يُسِرُّهُ المُنافِقُونَ، وهَذا مِن آياتِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: اَلْعَرَبُ إذا جاءَتْ إلى اسْمٍ مُكَنًّى قَدْ وُصِفَ بِـ”هَذا“، جَعَلَتْهُ بَيْنَ ”ها“، و”ذا“، فَيَقُولُ القائِلُ: ”أيْنَ أنْتَ؟“، فَيَقُولُ المُجِيبُ: ”هَأنَذا“، (p-٤٦٣)قالَ: وذَلِكَ إذا أرادُوا جِهَةَ التَّقْرِيبِ، قالَ: فَإنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ لِيَفْصِلُوا بَيْنَ التَّقْرِيبِ، وغَيْرِهِ، ومَعْنى التَّقْرِيبِ عِنْدَهُ أنَّكَ لا تَقْصِدُ الخَبَرَ عَنْ هَذا الِاسْمِ، فَتَقُولُ: ”هَذا زَيْدٌ“، والقَوْلُ في ”هَذا“، عِنْدَنا أنَّ الِاسْتِعْمالَ في المُضْمَرِ أكْثَرُ فَقَطْ، أعْنِي أنْ يُفْصَلُ بَيْنَ ”ها“، و”ذا“، لِأنَّ التَّنْبِيهَ أنْ يَلِيَ المُضْمَرَ أبْيَنُ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: ”ها زَيْدٌ ذا“، و”هَذا زَيْدٌ“، جازَ، لا اخْتِلافَ بَيْنَ النّاسِ في ذَلِكَ، وهَذا عِنْدَنا عَلى ضَرْبَيْنِ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ - أوَّلًا - في مَعْنى ”اَلَّذِينَ“، كَأنَّهُ قِيلَ: ”هَأنْتُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”تُحِبُّونَهم“، مَنصُوبَةً عَلى الحالِ، و”أنْتُمْ“، اِبْتِداءً، و”أُولاءِ“، اَلْخَبَرَ، المَعْنى: اُنْظُرُوا إلى أنْفُسِكُمْ، مُحِبِّينَ لَهُمْ، نُهُوا في حالِ مَحَبَّتِهِمْ إيّاهُمْ، ولَمْ يَشْرَحُوا لِمَ كُسِرَتْ ”أُولاءِ“، و”أُولاءِ“، أصْلُها السُّكُونُ، لِأنَّها لِلْإشارَةِ، ولَكِنَّ الهَمْزَةَ كُسِرَتْ لِسُكُونِها، وسُكُونِ الألِفِ، و”وَتُؤْمِنُونَ“، عُطِفَ عَلى ”تُحِبُّونَ“، ومَعْنى ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ أيْ: تُصَدِّقُونَ بِكُتُبِ اللَّهِ كُلِّها، ﴿وَإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا﴾، أيْ: نافَقُوكُمْ، ﴿وَإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾، فَأنْبَأ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِنِفاقِهِمْ هَهُنا كَما أنْبَأ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: (p-٤٦٤)﴿وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٧٦]، ويُقالُ: ”عَضَضْتُ، أعَضُّ“، ويُقالُ: ”رَجُلٌ عِضٌّ“، إذا كانَ مُلازِمَ خَصْمٍ، أيْ: يُصِرُّ عَلى المُخاصَمَةِ، والفِعْلُ مِنهُ ”عَضَضْتُ“، و”اَلْعُضُّ“: عَلَفُ الأمْصارِ الَّذِي تَعْلِفُهُ الإبِلَ، نَحْوَ: ”اَلنَّوى“، و”اَلْقَتُّ“، و”اَلْكُسْبُ“، وإنَّما قِيلَ لَهُ: ”عُضٌّ“، لِأنَّهُ أكْثَرُ لَبْثًا في المالِ، وأبْقى شَحْمًا، و”اَلْأنامِلُ“، واحِدُها أُنْمُلَةٌ، وهي أطْرافُ الأصابِعِ، ولَمْ يَأْتِ عَلى هَذا المِثالِ بِغَيْرِ هاءٍ، ما يَعْنِي غَيْرَ الواحِدِ، إلّا قَوْلَهُمْ: ”قَدْ بَلَغَ أشُدَّهُ“، أمّا الجَمْعُ فَكَثِيرٌ فِيهِ، أوْ نَحْوَ ”أكْعَبُ“، و”أفْلَسُ“، و”أيْمَنُ“، و”أشْمَلُ“ .
آل عمران 3:120
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾، أيْ: إنْ تَظْفَرُوا، وتُخْصِبُوا، ساءَهم ذَلِكَ، ﴿وَإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾، أيْ: إنْ نالَكم ضِدُّ ذَلِكَ فَرِحُوا، ﴿وَإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾، ضَمِنَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - لِلْمُؤْمِنِينَ النَّصْرَ إنْ صَبَرُوا، وأعْلَمَهم أنَّ عُدْوانَهُمْ، وكَيْدَهم غَيْرُ ضارٍّ لَهُمْ، و”لا يَضُرُّكم“، اَلْأجْوَدُ فِيهِ الضَّمُّ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، الأصْلُ: ”لا يَضْرُرْكم“، ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنَ القُرّاءِ والعَرَبِ يُدْغِمُ في مَوْضِعِ الجَزْمِ، وأهْلُ الحِجازِ يُظْهِرُونَ التَّضْعِيفَ، وهَذِهِ الآيَةُ جاءَتْ فِيها اللُّغَتانِ جَمِيعًا، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَمْسَسْكُمْ﴾، عَلى لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾، (p-٤٦٥)عَلى لُغَةِ غَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ، وكِلا الوَجْهَيْنِ حَسَنٌ، ويَجُوزُ: ”لا يَضُرَّكم“، و”لا يَضُرِّكم“، فَمَن فَتَحَ فَلِأنَّ الفَتْحَ خَفِيفٌ مُسْتَعْمَلٌ فى التِقاءِ السّاكِنَيْنِ في التَّضْعِيفِ، ومَن كَسَرَ فَعَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا فِيما سَلَفَ مِنَ الكِتابِ، وقُرِئَتْ: ”لا يَضِرْكم“، مِن ”اَلضَّيْرُ“، و”اَلضَّيْرُ“، و”اَلضُّرُّ“، جَمِيعًا، بِمَعْنًى واحِدٍ، وكَذَلِكَ ”اَلضُّرُّ“، وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ: ﴿قالُوا لا ضَيْرَ إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٥٠]، وجاءَ: ﴿وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، وقَدْ ذَكَرَ الفَرّاءُ أنَّ الكِسائِيَّ سَمِعَ بَعْضَ أهْلِ العالِيَةِ يَقُولُ: ”ما تَضُورُّنِي، فَلَوْ قُرِئَتْ عَلى هَذا:“ لا يَضُرْكم "، جازَ، وهَذا غَيْرُ جائِزٍ، ولا يُقْرَأُ حَرْفٌ مِن كِتابِ اللَّهِ مُخالِفٌ فِيهِ الإجْماعَ عَلى قَوْلِ رَجُلٍ مِن أهْلِ العالِيَةِ.
آل عمران 3:121
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾، رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى في مَنامِهِ كَأنَّ عَلَيْهِ دِرْعًا حَصِينَةً، فَأوَّلَها المَدِينَةَ، فَأمَرَ ﷺ المُسْلِمِينَ - حِينَ أقْبَلَ إلَيْهِمُ المُشْرِكُونَ، بِالإقامَةِ بِها إلى أنْ يُوافِيَهُمُ المُشْرِكُونَ، فَتَكُونَ الحَرْبُ بِها»، فَذَلِكَ تَبْوِيئُهُ المَقاعِدَ لِلْقِتالِ، قالَ بَعْضُهُمْ: مَعْناهُ: ”مَواطِنَ لِلْقِتالِ“، والمَعْنى واحِدٌ، والعامِلُ في ”إذْ“، مَعْنى ”اُذْكُرْ“، اَلْمَعْنى: ”اُذْكُرْ إذْ غَدَوْتَ“ .
آل عمران 3:122
والعامِلُ في ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا﴾، تُبَوِّئُ، المَعْنى: كانَتِ التَّبْوِئَةُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ومَعْنى ”تَفْشَلا“: تَجْبُنا، وتَخُورا، ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾، أيْ: هَمَّتْ بِذَلِكَ واللَّهُ ناصِرُهُما.
آل عمران 3:123
(p-٤٦٦)وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾، مَعْنى ”أذِلَّةٌ“: عَدَدُكم قَلِيلٌ، وكانَ المُسْلِمُونَ في تِلْكَ الحَرْبِ ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ، وكانُوا في يَوْمِ ”أُحُدٍ“، سَبْعَمِائَةٍ، والكُفّارُ في يَوْمِ ”أُحُدٍ“، ثَلاثَةُ آلافٍ، وكانُوا في يَوْمِ ”حُنَيْنٍ“، اِثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّهم حِينَما أُلْزِمُوا الطّاعَةَ أنَّهُ يَنْصُرُهُمْ، وهم قَلِيلٌ، وعَدُوُّهم أضْعافُهُمْ، وفي يَوْمِ ”أُحُدٍ“، نَزَلَ بِهِمْ ما نَزَلَ لِمُخالَفَةِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، في أنْ جاوَزُوا ما أُمِرُوا بِهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهم عُقُوبَةً، لِئَلّا يَجْبُنُوا، وجاءَ في بَعْضِ الخَبَرِ: ”اَلْفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ كُفْرٌ“، ومَعْناهُ عِنْدِي - واللَّهُ أعْلَمُ -: مِن فِعْلِ الكُفّارِ، لا أنَّهُ يُخْرِجُ الإنْسانَ مِنَ الإيمانِ إلى الكُفْرِ، وقَدْ عَفا اللَّهُ فِيهِ، فَقالَ: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾ [الأنفال: ١٦]، و”أذِلَّةٌ“، جَمْعُ ”ذَلِيلٌ“، والأصْلُ في ”فَعِيلٌ“، إذا كانَ صِفَةً، أنْ يُجْمَعَ عَلى ”فُعَلاءُ“، نَحْوَ: ”ظَرِيفٌ“، و”ظُرَفاءُ“، و”شَرِيكٌ“، و”شُرَكاءُ“، ولَكِنَّ ”فُعَلاءُ“، اُجْتُنِبَ في التَّضْعِيفِ، لَوْ قِيلَ: ”جُلَلاءُ“، و”قُلَلاءُ“، في ”جَلِيلٌ“، و”قَلِيلٌ“، لاجْتَمَعَ حَرْفانِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، فَعَدَلَ بِهِ إلى ”أفْعِلَةٌ“، مِن جَمْعِ الأسْماءِ في ”فَعِيلٌ“، نَحْوَ: ”جَرِيبٌ“، و”أجْرِبَةٌ“، و”قَفِيزٌ“، و”أقْفِزَةٌ.“
آل عمران 3:125
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَيَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا﴾، (p-٤٦٧)أيْ: مِن وجْهِهِمْ، و”هَذا“، نَعْتٌ لِـ”فَوْرِهِمْ“، و”يُمْدِدْكم“، جَوابُ الجَزاءِ، يُقالُ: ”أمْدَدْتُ الجَيْشَ بِعُدَدٍ“، و”أمَدَّ الجُرْحُ - إذا صارَتْ فِيهِ المِدَّةُ - يُمِدُّ، فَهو مُمِدٌّ“، و”مَدَّ النَّهْرُ“، و”مَدَّهُ نَهْرٌ آخَرُ“ .
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾، قُرِئَتْ: ”مُسَوِّمِينَ“، و”مُسَوَّمِينَ“، ومَعْنى ”مُسَوِّمِينَ“، أُخِذَ مِن ”اَلسُّومَةُ“، وهي العَلامَةُ، كانُوا يُعَلَّمُونَ بِصُوفَةٍ، أوْ بِعِمامَةٍ، أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ، و”مُسَوَّمِينَ“: مُعَلَّمِينَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”مُسَوِّمِينَ“: قَدْ سَوَّمُوا خَيْلَهُمْ، وجَعَلُوها سائِمَةً.
آل عمران 3:126
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى لَكُمْ﴾، وما جَعَلَ ذِكْرَ المَدَدِ إلّا بُشْرى لَكُمْ، ولِتُمَكَّنُوا في حَرْبِكم.
آل عمران 3:127
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أيْ: لِيَنْقُلَ قِطْعَةً مِنهُمْ، ﴿أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾، أيْ: يَهْزِمَهُمْ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: ”كَبَتَهُ اللَّهُ لِوَجْهِهِ“، أيْ: صَرَعَهُ اللَّهُ لِوَجْهِهِ، والخائِبُ الَّذِي لَمْ يَنَلْ ما أمَّلَ.
آل عمران 3:128
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾، أُنْزِلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ ﷺ لِأنَّهُ «فِي يَوْمِ ”أُحُدٍ“، شُجَّ، وكُسِرَتْ رُباعِيَّتُهُ، فَقالَ - وهو يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وجْهِهِ -: ”كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذا بِنَبِيِّهِمْ وهو يَدْعُوهم إلى رَبِّهِمْ؟!“»، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ فَلاحَهم لَيْسَ إلَيْهِ، وأنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ، (p-٤٦٨)إلّا أنْ يُبَلِّغَ الرِّسالَةَ، ويُجاهِدَ حَتّى يَظْهَرَ الدِّينُ، وأنَّ ثَوابَهُ عَلى اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ - في ذَلِكَ، ونُصِبَ ”أوْ يَتُوبَ“، عَلى ضَرْبَيْنِ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ”لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يَكْبِتَهم أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهم“، والوَجْهُ الثّانِي عَلى النَّصْبِ بِـ”أوْ“، إذْ كانَتْ في مَعْنى ”إلّا أنْ“، فالمَعْنى: ”لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ، أيْ: لَيْسَ يُؤْمِنُونَ إلّا أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أوْ حَتّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ“ .
آل عمران 3:130
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾، ”اَلرِّبا“، قَلِيلُهُ وكَثِيرُهُ قَدْ حُرِّمَ في قَوْلِهِ - جَلَّ وعَزَّ - ﴿وَأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وإنَّما كانَ هَذا لِأنَّ قَوْمًا مِن أهْلِ الطّائِفِ كانُوا يُرْبُونَ، فَإذا بَلَغَ الأجَلُ زادُوا فِيهِ، وضاعَفُوا الرِّبا، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: لا تُضاعِفُوا أمْوالَكم بِالرِّبا، ومَعْنى ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ: لِتَكُونُوا عَلى رَجاءِ الفَلاحِ، و”اَلْمُفْلِحُ“، هو الَّذِي أدْرَكَ ما أمَّلَ مِنَ الخَيْرِ، واشْتِقاقُهُ مِن ”فَلَحَ الحَدِيدَ“، إذا شَقَّهُ، فَإنَّما هو مُبالَغَةٌ في إدْراكِ ما يُوصَلُ.
آل عمران 3:131
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾، أيْ: اِتَّقُوا أنْ تُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ، فَإنَّ مَن أحَلَّ شَيْئًا مِمّا حَرَّمَ اللَّهُ فَهو كافِرٌ بِإجْماعٍ.
آل عمران 3:133
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أيْ: لِمَنِ اتَّقى المَحارِمَ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ بَيْنَ مِصْراعَيْ بابِ (p-٤٦٩)الجَنَّةِ مَسِيرَةَ أرْبَعِينَ عامًا، ولَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهِ يَوْمٌ يَزْدَحِمُ عَلَيْهِ النّاسُ، كَما تَزْدَحِمُ الإبِلُ ورَدَتْ خِمْصًا ظِماءً.
آل عمران 3:134
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾، أيْ: أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ جَرى ذِكْرُهُمْ، ولِلَّذِينَ يَكْظِمُونَ الغَيْظَ، ويُرْوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”ما مِن جَرْعَةٍ يَتَجَرَّعُها الإنْسانُ أعْظَمَ أجْرًا مِن جَرْعَةِ غَيْظٍ في اللَّهِ“، يُقالُ: ”كَظَمْتُ الغَيْظَ، أكْظِمُهُ، كَظْمًا“، إذا أمْسَكْتُ عَلى ما في نَفْسِي مِنهُ، ويُقالُ: ”كَظَمَ البَعِيرُ عَلى جَرَّتِهِ“، إذا رَدَّها في حَلْقِهِ، و”كَظَمَ البَعِيرُ والنّاقَةُ كُظُومًا“، إذا لَمْ يَجْتَرَّ، قالَ الرّاعِي:
؎فَأفَضْنَ بَعْدَ كُظُومِهِنَّ بِجَرَّةٍ ∗∗∗ مِن ذِي الأباطِحِ أذْرَعَيْنِ حَقِيلا
و”اَلْكِظامَةُ“: سَيْرٌ يُشَدُّ بِهِ الوَتَرُ عَلى سِيَةِ القَوْسِ العَرَبِيَّةِ، و”اَلْكَظِيمَةُ“، و”اَلْكَظائِمُ“: حَفائِرُ تُحْفَرُ مِن بِئْرٍ إلى بِئْرٍ لِيَجْرِيَ الماءُ مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ، و”كاظِمَةٌ“، مَوْضِعٌ بِالبادِيَةِ.
آل عمران 3:135
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ﴾، اَلرَّفْعُ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، والمَعْنى: وأيُّ أحَدٍ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ؟ ما يَغْفِرُها إلّا اللَّهُ، ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾، اَلْإصْرارُ: اَلْإقامَةُ عَلى الشَّيْءِ.
آل عمران 3:137
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾، (p-٤٧٠)مَعْنى ”قَدْ خَلَتْ“: قَدْ مَضَتْ، ومَعْنى ”سُنَنٌ“: أهْلُ سُنَنٍ، أيْ: أهْلُ طَرائِقَ، و”اَلسُّنَّةُ“: اَلطَّرِيقَةُ، وقَوْلُ النّاسِ: ”فُلانٌ عَلى السُّنَّةِ“، مَعْناهُ: عَلى الطَّرِيقَةِ، ولَمْ يَحْتاجُوا أنْ يَقُولُوا: ”عَلى السُّنَّةِ المُسْتَقِيمَةِ“، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ، وهَذا كَقَوْلِنا: ”مُؤْمِنٌ“، مَعْناهُ: مُصَدِّقٌ، وفي الكَلامِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مُؤْمِنٌ بِأُمُورِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - الَّتِي أمَرَ بِالإيمانِ بِها، والمَعْنى: إنَّكم إذا سِرْتُمْ في أسْفارِكم عَرَفْتُمْ أخْبارَ قَوْمٍ أُهْلِكُوا بِتَكْذِيبِهِمْ.
آل عمران 3:139
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، أيْ: لا تَضْعُفُوا، يُقالُ: ”وَهَنَ، يَهِنُ“، إذا ضَعُفَ، فَضَمِنَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - النَّصْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾
آل عمران 3:140
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ﴾، و”قُرْحٌ“، جَمِيعًا يُقْرَآنِ، وهُما عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ بِمَعْنًى واحِدٍ، ومَعْناهُ: اَلْجِراحُ وألَمُها، يُقالُ: ”قَدْ قَرِحَ، يَقْرَحُ، قَرْحًا“، و”أصابَهُ قَرْحٌ“، قالَ بَعْضُهُمْ: كَأنَّ ”اَلْقُرْحُ“، اَلْجُرْحُ، وكَأنَّ ”اَلْقَرْحُ“، اَلْألَمُ، ﴿وَتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾، أيْ: نَجْعَلُ الدَّوْلَةَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ، إذا عَصَوْا فِيما يُؤْمَرُونَ بِهِ، مِن مُحارَبَةِ الكُفّارِ، فَأمّا إذا أطاعُوا فَهم مَنصُورُونَ أبَدًا، كَما قالَ اللَّهُ - - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]، ومَعْنى ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ أيْ: لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يُقِيمُ عَلى الإيمانِ بَعْدَ أنْ تَنالَهُ الغَلَبَةُ، أيْ: يَجْعَلُ لَهُمُ الدَّوْلَةَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ لِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ.
(p-٤٧١)وَتَأْوِيلُ ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ عَلِمَهم قَبْلَ ذَلِكَ، مَعْناهُ: ”يَعْلَمَ ذَلِكَ واقِعًا مِنهم“، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١]، أيْ: لِيَقَعَ ما عَلِمْناهُ غَيْبًا مُشاهَدَةً لِلنّاسِ، ويَقَعَ مِنكُمْ، وإنَّما تَقَعُ المُجازاةُ عَلى ما عَلِمَهُ اللَّهُ مِنَ الخَلْقِ وُقُوعًا، لا عَلى ما لَمْ يَقَعْ، وما لَمْ يَعْمَلُوهُ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقالَ: ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]
آل عمران 3:141
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾، اَلْمَعْنى: جَعَلَ اللَّهُ الأيّامَ مُداوَلَةً بَيْنَ النّاسِ، لِيُمَحِّصَ المُؤْمِنِينَ بِما يَقَعُ عَلَيْهِمْ مِن قَتْلٍ في حَرْبِهِمْ، أوْ ألَمٍ، أوْ ذَهابِ مالٍ، ويَمْحَقَ الكافِرِينَ، لِيَسْتَأْصِلَهُمْ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ يَمْحَقُهُمْ: يُحْبِطُ أعْمالَهُمْ، وتَأْوِيلُ ”اَلْمَحْصُ“، في اللُّغَةِ: اَلتَّنْقِيَةُ والتَّخْلِيصُ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يُقالُ: ”مَحَصَ الحَبْلُ مَحْصًا“، إذا ذَهَبَ مِنهُ الوَبَرُ، حَتّى يَمْلَصَ، و”حَبْلٌ مَحِصٌ“، أوْ ”مَلِصٌ“، بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ: وتَأْوِيلُ قَوْلِ النّاسِ: ”مَحِّصْ عَنّا ذُنُوبَنا“، أيْ: أُذْهِبْ عَنّا ما تَعَلَّقَ بِنا مِنَ الذُّنُوبِ، وأخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ أنْ حُنَيْفَ الحَناتِمِ ورَدَ ماءً يُقالُ لَهُ: ”طُوَيْلِعٌ“، فَقالَ: ”واللَّهِ إنَّكَ لَمَحِصُ الرِّشاءِ، بَعِيدُ المُسْتَقى، مُظِلٌّ عَلى الأعْداءِ، ولَوْ سَألْتَنِي أعْناقَ الإبِلِ لَأعْطَيْتُكَ“، أيْ: لَوْ تَقَطَّعَتْ أعْناقُ الإبِلِ إلَيْكَ لَقَصَدْتُكَ، ومَعْنى ”مَحِصُ الرِّشاءِ“: أيْ: هو طِينٌ حُرٌّ، فالرِّشاءُ تَتَمَلَّصُ مِنَ اليَدِ، فَمَعْنى ”يُمَحِّصُ (p-٤٧٢)الَّذِينَ آمَنُوا“: يُخَلِّصُهم مِنَ الذُّنُوبِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أيْضًا، وغَيْرُهُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: ”مَحَصَ الظَّبْيُ، يَمْحَصُ“، إذا عَدا عَدْوًا شَدِيدًا، وقالَ هو وحْدَهُ: تَأْوِيلُهُ أنَّهُ لا يَخْلِطُ حِدَّتَهُ في العَدْوِ ونْيًا، ولا فُتُورًا، وقالَ غَيْرُهُ: ”مَحَصَ الظَّبْيُ، يَمْحَصُ، ومَحِصَ“، بِمَعْنًى واحِدٍ، إذا عَدا عَدْوًا يَكادُ أنْ يَنْفَدَ فِيهِ مِن شِدَّتِهِ، ويُقالُ: ”وَيُسْتَحَبُّ مِنَ الفَرَسِ أنْ تُمَحَّصَ قَوائِمُهُ“، أيْ: تُخَلَّصَ مِنَ الرَّهَلِ، قالَ أبُو إسْحاقَ: وقَرَأْتُ عَلَيْهِ أيْضًا عَنِ الخَلِيلِ: ”اَلْمَحْصُ“: اَلتَّخْلِيصُ، يُقالُ: ”مَحَصْتُ الشَّيْءَ، أمْحَصُهُ، مَحْصًا“، إذا خَلَّصْتُهُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: ”وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا“، أيْ: ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ ذُنُوبَ الَّذِينَ آمَنُوا، ولَمْ يُخْبِرُوا بِحَقِيقَةِ المَحْصِ ما هو.
آل عمران 3:142
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾، وقَرَأها الحَسَنُ: ”وَيَعْلَمِ الصّابِرِينَ“، بِالكَسْرِ، عَلى العَطْفِ، ومَن قَرَأ: ”وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ“، فَعَلى النَّصْبِ بِالواوِ، المَعْنى: ولَمّا يَقَعِ العِلْمُ بِالجِهادِ، والعِلْمُ بِصَبْرِ الصّابِرِينَ، ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ ذَلِكَ واقِعًا مِنهُمْ، لِأنَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - يَعْلَمُهُ غَيْبًا، وإنَّما يُجازِيهِمْ عَلى عَمَلِهِمْ، وتَأْوِيلُ ”لَمّا“، أنَّها جَوابٌ لِقَوْلِ القائِلِ: ”قَدْ فَعَلَ فُلانٌ“، فَجَوابُهُ: ”لَمّا يَفْعَلْ“، وإذا قالَ: ”فَعَلَ“، فَجَوابُهُ: ”لَمْ يَفْعَلْ“، وإذا قالَ: ”لَقَدْ“، فَجَوابُهُ: ”ما (p-٤٧٣)يَفْعَلُ“، كَأنَّهُ قالَ: ”واللَّهِ هو يَفْعَلُ“، يُرِيدُ ما يُسْتَقْبَلُ، فَجَوابُهُ: ”لَنْ يَفْعَلَ، ولا يَفْعَلُ“، هَذا مَذْهَبُ النَّحْوِيِّينَ.
آل عمران 3:143
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ﴾، أيْ: كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ القِتالَ، هو سَبَبُ المَوْتِ، والمَعْنى: ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ سَبَبَ المَوْتِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَتَمَنَّوْنَ أنْ يُطْلَقَ لَهُمُ القِتالُ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧] .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾، قِيلَ فِيهِ غَيْرُ قَوْلٍ، قالَ الأخْفَشُ: مَعْناهُ التَّوْكِيدُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: ”وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ“، والمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ بُصَراءُ، كَما تَقُولُ: ”قَدْ رَأيْتُ كَذا وكَذا“، ولَيْسَ في عَيْنَيْكَ عَمَهٌ، أيْ: قَدْ رَأيْتَهُ رُؤْيَةً حَقِيقِيَّةً، وهو راجِعٌ إلى مَعْنى التَّوْكِيدِ.
آل عمران 3:144
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، أيْ: قَدْ مَضَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ، المَعْنى: إنَّهُ يَمُوتُ كَما ماتَتِ الرُّسُلُ قَبْلَهُ، ﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾، أيْ: اِرْتَدَدْتُمْ عَنْ دِينِكُمْ، ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ مَن كانَ في يَوْمِ ”أُحُدٍ“، اِرْتَدَّ، (p-٤٧٤)وَبَعْضَهم مَضى مَسافَةَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ الرُّسُلَ لَيْسَتْ باقِيَةً في أُمَمِها أبَدًا، وأنَّهُ يَجِبُ التَّمَسُّكُ بِما أتَتْ بِهِ، وإنْ فُقِدَ الرَّسُولُ بِمَوْتٍ، أوْ قَتْلٍ، وألِفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى حَرْفِ الشَّرْطِ، ومَعْناها الدُّخُولُ عَلى الجَزاءِ، المَعْنى: أتَنْقَلِبُونَ عَلى أعْقابِكم إنْ ماتَ مُحَمَّدٌ، أوْ قُتِلَ؟ لِأنَّ الشَّرْطَ والجَزاءَ مُعَلَّقٌ أحَدُهُما بِالآخَرِ، فَدَخَلَتْ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى الشَّرْطِ، وأنْبَأتْ عَنْ مَعْنى الدُّخُولِ عَلى الجَزاءِ، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: ”هَلْ زَيْدٌ قائِمٌ؟“، فَإنَّما تَسْتَفْهِمُ عَنْ قِيامِهِ، لا مَن هُوَ، وكَذَلِكَ قَوْلُكَ: ”ما زَيْدٌ قائِمًا“، إنَّما نَفَيْتَ القِيامَ، ولَمْ تَنْفِ زَيْدًا، لَكِنَّكَ أدْخَلْتَ ”ما“، عَلى ”زَيْدٌ“، لِتَعْلَمَ مَنِ الَّذِي نُفِيَ عَنْهُ القِيامُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]
آل عمران 3:145
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾، اَلْمَعْنى: ما كانَتْ نَفْسٌ لِتَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كِتابًا مُؤَجَّلا﴾، عَلى التَّوْكِيدِ، المَعْنى: كَتَبَ اللَّهُ ذَلِكَ كِتابًا مُؤَجَّلًا، أيْ: كِتابًا ذا أجَلٍ، و”اَلْأجَلُ“، هو الوَقْتُ المَعْلُومُ، ومِثْلُ هَذا التَّوْكِيدِ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مَفْرُوضٌ عَلَيْهِمْ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، تَوْكِيدًا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]، لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨]، (p-٤٧٥)دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ خَلْقُ اللَّهِ وصُنْعُهُ، فَقالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨]، وهَذا في القُرْآنِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وهَذا مُجْراهُ عِنْدَ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها﴾، أيْ: مَن كانَ إنَّما يَقْصِدُ بِعَمَلِهِ الدُّنْيا أُعْطِي مِنها، وكُلُّ نِعْمَةٍ فِيها العَبْدُ فَهي تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ، إعْطاءٌ مِنهُ، ومَن كانَ قَصْدُهُ بِعَمَلِهِ الآخِرَةَ آتاهُ اللَّهُ مِنها، ولَيْسَ في هَذا دَلِيلٌ أنَّهُ يَحْرِمُهُ خَيْرَ الدُّنْيا، لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ ”وَمَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ لَمْ نُؤْتِهِ إلّا مِنها“، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ.
آل عمران 3:146
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾، تَفْسِيرُها: كَمْ مِن نَبِيٍّ، وفِيها لُغَتانِ جَيِّدَتانِ بالِغَتانِ، يُقْرَأُ بِهِما جَمِيعًا، يُقْرَأُ: ”وَكَأيِّنْ“، بِتَشْدِيدٍ، و”وَكائِنٍ“، عَلى وزْنٍ ”فاعِلٍ“، وأكْثَرُ ما جاءَ الشِّعْرُ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ، قالَ جَرِيرٌ:
؎وَكائِنٍ بِالأباطِحِ مِن صَدِيقٍ ∗∗∗ يَرانِي لَوْ أُصِبْتُ هو المُصابا
وَقالَ الشّاعِرُ أيْضًا: (p-٤٧٦)
؎وَكائِنٍ رَدَدْنا عَنْكُمُ مِن مُدَجَّجٍ ∗∗∗ يَجِيءُ أمامَ الألْفِ يُرْدى مُقَنَّعا
وَمَثَلُ التَّشْدِيدِ قَوْلُهُ:
؎كَأيِّنْ في المَعاشِرِ مِن أُناسٍ ∗∗∗ أخُوهم فَوْقَهم وهُمُ كِرامُ
أعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ كَثِيرًا مِنَ الأنْبِياءِ قاتَلَ مَعَهُ جَماعَةٌ، فَلَمْ يَهِنُوا، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾
﴿فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا﴾، مَعْنى ”فَما وهَنُوا“: فَما فَتَرُوا، ”وَما ضَعُفُوا“: وما جَبُنُوا عَنْ قِتالِ عَدُوِّهِمْ، ومَعْنى: ”ما اسْتَكانُوا“: ما خَضَعُوا لِعَدُوِّهِمْ، وتُقْرَأُ - وهو الأكْثَرُ -: ”رِبِّيُّونَ“، بِكَسْرِ الرّاءِ، وبَعْضُهم يَقْرَأُ: ”رُبِّيُّونَ“، بِضَمِّ الرّاءِ، وقِيلَ في تَفْسِيرِ ”رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ“، أنَّهُمُ الجَماعاتُ الكَثِيرَةُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: اَلرِّبْوَةُ: عَشْرَةُ آلافٍ، وقِيلَ: اَلرِّبِّيُّونَ: اَلْعُلَماءُ الأتْقِياءُ، الصُّبُرُ عَلى ما يُصِيبُهم في اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وكِلا القَوْلَيْنِ حَسَنٌ جَمِيلٌ، وتُقْرَأُ: ”قُتِلَ مَعَهُ“، و”قاتَلَ مَعَهُ“، فَمَن قَرَأ ”قاتَلَ“، اَلْمَعْنى: إنَّهم قاتَلُوا وما وهَنُوا في قِتالِهِمْ، ومَن قَرَأ ”قُتِلَ“، فالأجْوَدُ أنْ يَكُونَ ”قُتِلَ“، لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، المَعْنى: ”وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قُتِلَ، ومَعَهُ رِبِّيُّونَ، فَما وهَنُوا بَعْدَ قَتْلِهِ“، لِأنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وهَنُوا كانُوا تَوَهَّمُوا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قُتِلَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الرَّبّانِيِّينَ بَعْدَ قَتْلِ نَبِيِّهِمْ ما وهَنُوا، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”قُتِلَ“، لِلرَّبّانِيِّينَ، ويَكُونَ ”فَما وهَنُوا“، أيْ: ما وهَنَ مَن بَقِيَ مِنهم.
آل عمران 3:147
(p-٤٧٧)وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَما كانَ قَوْلَهم إلا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾، تُقْرَأُ: ”قَوْلَهم“، بِالنَّصْبِ، ويَكُونُ الِاسْمُ ”إلّا أنْ قالُوا“، فَيَكُونُ المَعْنى: ”ما كانَ قَوْلَهم إلّا اسْتِغْفارُهم“، أيْ: قَوْلُهُمْ: ”اِغْفِرْ لَنا“، ومَن قَرَأها بِالرَّفْعِ، جَعَلَ خَبَرَ ”كانَ“، ما بَعْدَ ”إلّا“، والأكْثَرُ في الكَلامِ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ هو ما بَعْدَ ”إلّا“، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا﴾ [النمل: ٥٦]، ﴿ما كانَ حُجَّتَهم إلا أنْ قالُوا﴾ [الجاثية: ٢٥]، ومَعْنى: ﴿وَثَبِّتْ أقْدامَنا﴾، أيْ: ثَبِّتْنا عَلى دِينِكَ، وإذا ثَبَّتَهم عَلى دِينِهِمْ ثَبَتُوا في حَرْبِهِمْ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ [النحل: ٩٤]، اَلْمَعْنى: ”تَزِلَّ عَنِ الدِّينِ“ .
آل عمران 3:148
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾، أيْ: ظَفَّرَهُمْ، وغَنَّمَهُمْ، ﴿وَحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾، اَلْمَغْفِرَةَ، وما أعَدَّ لَهم مِنَ النَّعِيمِ الدّائِمِ.
آل عمران 3:150
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾، أيْ: هو ولِيُّكُمْ، وإذا كانَ ولِيَّهم فَهو ناصِرُهُمْ، ﴿ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]
آل عمران 3:151
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾، يُرْوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ»“، وقالَ: ”«يُرْعَبُ مِنِّي عَدُوِّي مِن مَسِيرَةِ شَهْرٍ»“، وقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - في سُورَةِ الحَشْرِ -: ﴿وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر: ٢] (p-٤٧٨)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾، أيْ: أشْرَكُوا بِهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ حُجَّةً، و”اَلسُّلْطانُ“، في اللُّغَةِ: اَلْحُجَّةُ، ومِثْلُهُ: ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩]، أيْ: ذَهَبَتْ عَنِّي حُجِّيَّتُهُ.
آل عمران 3:152
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾، مَعْناهُ: تَسْتَأْصِلُونَهم قَتْلًا، يُقالُ: ”حَسَّهُمُ القائِدُ، يَحُسُّهم حَسًّا“، إذا قَتَلَهُمْ، ويُقالُ: ”هَلْ حَسَسْتَ كَذا وكَذا؟“، أيْ: هَلْ رَأيْتَهُ أوْ عَلِمْتَهُ؟ ”، ويُقالُ:“ ما حَسَسْتَ فُلانًا؟ ”، و“ هَلْ حَسَسْتَ لَهُ؟ ”، والكَسْرُ أكْثَرُ، أيْ: ما رَفُقْتَ عَلَيْهِ، ولا رَحِمْتَهُ؟ ويُقالُ:“ جِيءَ بِهِ مِن حِسِّكَ وبَسِّكَ ”، أيْ: مِن حَيْثُ ما كانَ، ولَمْ يَكُنْ، كَذَلِكَ لَفْظُ الأصْمَعِيِّ، وتَأْوِيلُهُ: جِيءَ بِهِ مِن حَيْثُ تُدْرِكُهُ حاسَّةٌ مِن حَواسِّكَ، أوْ يُدْرِكُهُ تَصَرُّفٌ مِن تَصَرُّفِكَ، ومَعْنى“ بِإذْنِهِ ": بِعِلْمِهِ.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾، أيْ: جَبُنْتُمْ عَنْ عَدُوِّكُمْ، ﴿وَتَنازَعْتُمْ﴾، اِخْتَلَفْتُمْ، ﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾، لِأنَّهم أُعْطُوا النَّصْرَ فَخالَفُوا فِيما قِيلَ لَهم في حَرْبِهِمْ، فَعُوقِبُوا بِأنْ دِيلَ مِنهم.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا﴾، أيْ: مِنكم مَن قَصْدُهُ الغَنِيمَةُ في حَرْبِهِ، ﴿وَمِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾، أيْ: يَقْصِدُ بِحَرْبِهِ إلى ما عِنْدَ اللَّهِ.
آل عمران 3:153
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَلَقَدْ عَفا عَنْكم واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] ﴿إذْ تُصْعِدُونَ﴾، و”تَصْعَدُونَ“، جَمِيعًا، قَدْ قُرِئَ بِهِما، فَمَن قالَ: ”تُصْعِدُونَ“، فَهو لِكُلِّ مَنِ (p-٤٧٩)ابْتَدَأ مَسِيرًا مِن مَكانٍ، فَقَدْ ”أصْعَدَ“، والصُّعُودُ إنَّما يَكُونُ مِن أسْفَلَ إلى فَوْقَ، ومَن قَرَأ: ”تَصْعَدُونَ“، فالمَعْنى: إذْ تَصْعَدُونَ في الجَبَلِ، ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾، أيْ: أثابَكم بِأنْ غَمَمْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ أنْ نالَكم غَمٌّ، بِما عُوقِبْتُمْ بِهِ لِلْمُخالَفَةِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: ”غَمًّا بِغَمٍّ“: إشْرافَ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ما نالَهم.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ﴾، مِن غَنِيمَةٍ، ﴿وَلا ما أصابَكُمْ﴾، أيْ: لِيَكُونَ غَمُّكم بِأنْ خالَفْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَطْ.
آل عمران 3:154
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿ثُمَّ أنْـزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا﴾، أيْ: أعْقَبَكم بِما نالَكم مِنَ الرُّعْبِ أنْ أمَّنَكم أمْنًا تَنامُونَ مَعَهُ، لِأنَّ الشَّدِيدَ الخَوْفِ لا يَكادُ يَنامُ.
و﴿أمَنَةً﴾، اِسْمٌ، تَقُولُ: ”أمِنَ الرَّجُلُ أمْنًا، وأمَنَةً“، إذا لَمْ يَنَلْهُ خَوْفٌ، و﴿نُعاسًا﴾، مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِ مِن ”أمَنَةً“، ويُقْرَأُ: ”يَغْشى“، و”تَغْشى طائِفَةً مِنكم“، فَمَن قَرَأ: ”يَغْشى“، بِالياءِ، جَعَلَهُ لِلنُّعاسِ، ومَن قَرَأ: ”تَغْشى“، بِالتّاءِ، جَعَلَهُ لِلْأمَنَةِ، والأمَنَةُ تُؤَدِّي مَعْنى النُّعاسِ، وإنْ قُرِئَ: ”يُغْشى“، جازَ، وهَذِهِ الطّائِفَةُ هُمُ المُؤْمِنُونَ، ﴿وَطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾، وهُمُ المُنافِقُونَ.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ﴾، أيْ: يَظُنُّ المُنافِقُونَ أنَّ أمْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُضْمَحِلٌّ، ﴿ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾، أيْ: هم عَلى جاهِلِيَّتِهِمْ في ظَنِّهِمْ هَذا، والقِراءَةُ: ”وَطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهم“، قالَ سِيبَوَيْهِ: اَلْمَعْنى: إذْ طائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم ”، وهَذِهِ واوُ (p-٤٨٠)الحالِ، ولَوْ قُرِئَتْ:“ وطائِفَةً قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهم ”، عَلى إضْمارِ فِعْلِ“ أهَمَّ ”، اَلَّذِي ظَهَرَ تَفْسِيرُهُ، كانَ جائِزًا، المَعْنى:“ وأهَمَّتْ طائِفَةً أنْفُسُهم ”، وجائِزٌ أنْ يَرْتَفِعَ عَلى أنْ يَكُونَ الخَبَرُ“ يَظُنُّونَ ”، ويَكُونَ“ قَدْ أهَمَّتْهم ”، نَعْتَ“ طائِفَةٌ ”، اَلْمَعْنى:“ وطائِفَةٌ تُهِمُّهم أنْفُسُهم يَظُنُّونَ "، أيْ: طائِفَةٌ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكُمْ﴾، تُقْرَأُ: ”بِيُوتِكم“، بِضَمِّ الباءِ، وكَسْرِها، ورَوى أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الباءِ، قالَ أبُو إسْحاقَ: وقَرَأْناها بِإقْراءِ أبِي عَمْرٍو عَنْ عاصِمٍ ”بُيُوتِكم“، بِضَمِّ الباءِ، والضَّمُّ الأكْثَرُ الأجْوَدُ، والَّذِينَ كَسَرُوا ”بِيُوتٌ“، كَسَرُوها لِمَجِيءِ الياءِ بَعْدَ الباءِ، و”فِعُولٌ“، لَيْسَ بِأصْلٍ في الكَلامِ، ولا مِن أمْثِلَةِ الجَمْعِ، فالِاخْتِيارُ ”بُيُوتٌ“، مِثْلَ: ”قَلْبٌ“، و”قُلُوبٌ“، و”فَلْسٌ“، و”فُلُوسٌ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ﴾، مَعْنى ”بَرَزُوا“: صارُوا إلى بِرازٍ، وهو المَكانُ المُنْكَشِفُ، أيْ: لَأوْصَلَتْهُمُ الأسْبابُ - الَّتِي عَنْها يَكُونُ القَتْلُ - إلى مَضاجِعِهِمْ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكُمْ﴾، أيْ: يَخْتَبِرَهُ بِأعْمالِكُمْ، لِأنَّهُ عَلِمَهُ غَيْبًا، فَيَعْلَمَهُ شَهادَةً، لِأنَّ المُجازاةَ تَقَعُ عَلى ما عُلِمَ مُشاهَدَةً، أعْنِي: عَلى ما وقَعَ مِن عامِلِيهِ، لا عَلى ما هو مَعْلُومٌ مِنهم.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، فَمَن نَصَبَ، فَعَلى تَوْكِيدِ ”اَلْأمْرَ“، ومَن ”رَفَعَ فَعَلى الِابْتِداءِ، و“ لِلَّهِ ”، اَلْخَبَرُ، ومَعْنى“ اَلْأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ": أيْ: اَلنَّصْرَ، وما يُلْقِي مِنَ الرُّعْبِ في القُلُوبِ، لِلَّهِ، أيْ: كُلُّ ذَلِكَ لِلَّهِ.
آل عمران 3:155
(p-٤٨١)وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾، هَذا خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً، ﴿إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾، أيْ: لَمْ يَتَوَلَّوْا في قِتالِهِمْ عَلى جِهَةِ المُعانَدَةِ، ولا عَلى الفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ، رَغْبَةً في الدُّنْيا خاصَّةً، وإنَّما أذْكَرَهُمُ الشَّيْطانُ خَطايا كانَتْ لَهُمْ، فَكَرِهُوا لِقاءَ اللَّهِ، إلّا عَلى حالٍ يَرْضَوْنَها، فَلِذَلِكَ عَفا عَنْهُمْ، وإلّا فَأمْرُ الفِرارِ والتَّوَلِّي في الجِهادِ إذا كانَتِ العِدَّةُ أقَلَّ مِنَ المِثْلَيْنِ، أوْ كانَتِ العِدَّةُ مِثْلَيْنِ، فالفِرارُ أمْرٌ عَظِيمٌ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾ [الأنفال: ١٦]، وهَذا يَدُلُّ أنَّ أمْرَ الوَعِيدِ لِأهْلِ الصَّلاةِ أمْرٌ ثابِتٌ، وأنَّ التَّوَلِّيَ في الزَّحْفِ مِن أعْظَمِ الكَبائِرِ.
آل عمران 3:156
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أوْ كانُوا غُزًّى﴾، اَلْقِراءَةُ، وما ثَبَتَ في المُصْحَفِ، عَلى القَصْرِ، و”فُعَّلٌ“: جَمْعُ ”فاعِلٌ“، نَحْوَ (p-٤٨٢)”ضارِبٌ“، و”ضُرَّبٌ“، و”شاهِدٌ“، و”شُهَّدٌ“، ويَقَعُ عَلى ”فُعّالٌ“، نَحْوَ: ”حارِبٌ“، و”حُرّابٌ“، و”ضارِبٌ“، و”ضُرّابٌ“، و”غُزّاءُ“، يَجُوزُ، إلّا أنَّهُ لا يَكُونُ في القِراءَةِ، لِأنَّهُ مَمْدُودٌ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾، أيْ: لِيَجْعَلَ ظَنَّهم أنَّهم لَوْ لَمْ يَحْضُرُوا، وإذا لَمْ يَحْضُرُوا الحَرْبَ، انْدَفَعَ عَنْهم ما كُتِبَ عَلَيْهِمْ، فَحَسْرَتُهم فِيما يَنالُهم أشَدُّ، ﴿واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾، أيْ: لَيْسَ الإنْسانُ يَمْنَعُهُ تَحَرُّزُهُ مِن إتْيانِ أجَلِهِ عَلى ما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ.
آل عمران 3:159
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، ”ما“، بِإجْماعِ النَّحْوِيِّينَ هَهُنا: صِلَةٌ، لا تَمْنَعُ الباءَ مِن عَمَلِها فِيما عَمِلَتِ، المَعْنى: فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، إلّا أنَّ ”ما“، قَدْ أحْدَثَتْ بِدُخُولِها تَوْكِيدَ المَعْنى، ولَوْ قُرِئَتْ ”فَبِما رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ“، جازَ، المَعْنى: فَبِما هو رَحْمَةٌ، كَما أجازُوا: ”مَثَلًا ما بَعُوضَةٌ“، ولا تَقْرَأنَّ بِها، فَإنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يَقْرَأ قارِئٌ بِما لَمْ يَقْرَأْ بِهِ الصَّحابَةُ، أوِ التّابِعُونَ، أوْ مَن كانَ مِن قُرّاءِ الأمْصارِ المَشْهُورِينَ في القِراءَةِ، والمَعْنى أنَّ لِينَكَ لَهم مِمّا يُوجِبُ دُخُولَهم في الدِّينِ، لِأنَّكَ تَأْتِيهِمْ بِالحُجَجِ، والبَراهِينِ، مَعَ لِينٍ وخُلُقٍ عَظِيمٍ، ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾، (p-٤٨٣)”اَلْفَظُّ“: اَلْغَلِيظُ الجانِبِ، السَّيِّئُ الخُلُقِ، يُقالُ: ”فَظَظْتَ، تَفِظُّ، فَظاظَةً، وفَظَظًا“، إلّا أنَّ ”فَظاظَةً“، أكْثَرُ، لِثِقَلِ التَّضْعِيفِ، وما كانَ مِنَ الأسْماءِ عَلى ”فَعَلٌ“، في المُضاعَفِ، فَغَيْرُ مُدْغَمٍ، نَحْوَ: ”اَلْمَدَدُ“، و”اَلشَّرَرُ“، وما كانَ عَلى ”فَعْلٌ“، فَمُدْغَمٌ عَلى كُلِّ حالٍ، نَحْوَ: ”رَجُلٌ صَبٌّ“، وأصْلُهُ ”صَبَبٌ“، وكَذَلِكَ ”فَظٌّ“، وأصْلُهُ ”فَظَظٌ“، ومِثْلُهُ مِن غَيْرِ المُضاعَفِ: ”قَدْ فَرَقْتَ، تَفْرَقُ، فَرَقًا“، و”أنْتَ فَرِقٌ“، وإذا اضْطُرَّ شاعِرٌ رَدَّ ”فَعْلًا“، إلى أصْلِهِ في المُضاعَفِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎مَهْلًا أعاذِلُ قَدْ جَرَّبْتَ مِن خُلُقِي ∗∗∗ أنِّي أجُودُ لِأقْوامٍ وقَدْ ضَنِنُوا
و”اَلْفَظُّ“: ماءُ الكِرْشِ، والفَرْثُ، وسُمِّيَ فَظًّا لِغِلَظِ مَشْرَبِهِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَشاوِرْهم في الأمْرِ﴾، أيْ: شاوِرْهم فِيما لَمْ يَكُنْ عِنْدَكَ فِيهِ وحْيٌ، فَأمّا ما فِيهِ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ - ووَحْيٌ، فاشْتِراكُ الآراءِ فِيهِ ساقِطٌ، وإنَّما أرادَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِذَلِكَ السُّنَّةَ في المُشاوَرَةِ، وأنْ يُكْرِمَ أصْحابَهُ بِمُشاوَرَتِهِ إيّاهُمْ، ثُمَّ أمَرَ - بَعْدَ الإجْماعِ عَلى الرَّأْيِ ﷺ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - قالَ: ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾، أيْ: لا تَظُنَّ أنَّكَ تَنالُ مَنالًا تُحِبُّهُ إلّا بِاللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ.
آل عمران 3:161
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾، و”أنْ يُغَلَّ“، قُرِئَتا جَمِيعًا، فَمَن قَرَأ: ”أنْ يَغُلَّ“، فالمَعْنى: ”وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَخُونَ أُمَّتَهُ“، وتَفْسِيرُ ذَلِكَ أنَّ (p-٤٨٤)النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ الغَنائِمَ في غَزاةٍ، فَجاءَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقالُوا: ألا تَقْسِمُ بَيْنَنا غَنائِمَنا؟ فَقالَ ﷺ: ”لَوْ أنَّ لَكم عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما مَنَعْتُكم دِرْهَمًا، أتَرَوْنَنِي أغُلُّكم مَغْنَمَكُمْ؟!“، ويُرْوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”ألا لا أعْرِفَنَّ رَجُلًا يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ ومَعَهُ شاةٌ قَدْ غَلَّها، لَها ثُغاءٌ، ألا لا أعْرِفَنَّ رَجُلًا يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ ومَعَهُ بَعِيرٌ قَدْ غَلَّهُ، لَهُ رُغاءٌ، ألا لا أعْرِفَنَّ رَجُلًا يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ ومَعَهُ فَرَسٌ قَدْ غَلَّهُ، لَهُ حَمْحَمَةٌ“، ومَن قَرَأ: ”أنْ يُغَلَّ“، فَهو جائِزٌ عَلى ضَرْبَيْنِ، أيْ: ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّهُ أصْحابُهُ، أيْ: يَخُونُوهُ، وجاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”لا يَحْبِسْ أحَدُكم خَيْطًا، ولا مَخِيطًا“، وأجازَ أهْلُ اللُّغَةِ ”أنْ يُغَلَّ“، أنْ يُخَوَّنَ، ويُقالَ: ”أغْلَلْتُ الجِلْدَ“، إذا سَلَخْتُهُ، فَأبْقَيْتُ فِيهِ شَيْئًا مِنَ الشَّحْمِ، و”قَدْ غَلَّ الرَّجُلُ، يَغُلُّ“، إذا خانَ، لِأنَّهُ أخَذَ شَيْئًا في خَفاءٍ، فَكُلُّ ما كانَ مِن هَذا البابِ فَهو راجِعٌ إلى هَذا، مِن ذَلِكَ ”اَلْغالُ“، وهو الوادِي الَّذِي يُنْبِتُ الشَّجَرَ، وجَمْعُهُ ”غُلّانٌ“، ومِن ذَلِكَ ”اَلْغِلُّ“، وهو الحِقْدُ، وتَقُولُ: ”قَدْ أغَلَّتِ الضَّيْعَةُ“، فَهي مُغِلَّةٌ، إذا أتَتْ بِشَيْءٍ، وأصْلُها باقٍ، قالَ زُهَيْرٌ:
؎فَتُغْلِلْ لَكم ما لا تُغِلُّ لِأهْلِها ∗∗∗ قُرًى بِالعِراقِ مِن قَفِيزٍ ودِرْهَمِ
و”اَلْغِلالَةُ“: اَلثَّوْبُ الَّذِي يُلْبَسُ تَحْتَ الثِّيابِ، والَّذِي يُلْبَسُ تَحْتَ الدِّرْعِ - دِرْعِ الحَدِيدِ - ”غِلالَةٌ“، و”تَغَلَّلْتُ بِالغالِيَةِ“، و”تَغَلَّيْتُ“، إنَّما هو جَعْلُها في (p-٤٨٥)أُصُولِ الشَّعْرِ، و”اَلْغُلُّ“: اَلْماءُ الَّذِي يَجْرِي في أُصُولِ الشَّجَرِ، ومَعْنى ﴿وَقالُوا لإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى﴾ [آل عمران: ١٥٦]، مَعْنى ”إذا“، هَهُنا، يَنُوبُ عَمّا مَضى مِنَ الزَّمانِ، وما يُسْتَقْبَلُ، جَمِيعًا، والأصْلُ في ”إذْ“، اَلدَّلالَةُ عَلى ما مَضى، تَقُولُ: ”أتَيْتُكَ إذْ قُمْتَ“، و”آتِيكَ إذا جِئْتَنِي“، ولَمْ يَقُلْ هَهُنا: ”إذْ ضَرَبُوا في الأرْضِ“، لِأنَّهُ يُرِيدُ شَأْنَهم هَذا أبَدًا، ومِثْلُ ذَلِكَ في الكَلامِ: ”فُلانٌ إذا حَدَّثَ صَدَقَ، وإذا ضُرِبَ صَبَرَ“، فَـ”إذا“، لِما يُسْتَقْبَلُ، إلّا أنَّهُ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِهَذا المُسْتَقْبَلِ إلّا بِما خُبِرَ مِنهُ فِيما مَضى.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، يُقالُ: ”شاوَرْتُ الرَّجُلَ، مُشاوَرَةً، وشَوارًا“، وما يَكُونُ مِن ذَلِكَ فاسْمُهُ ”اَلْمَشُورَةُ“، وبَعْضُهم يَقُولُ: ”اَلشُّورَةُ“، يُقالُ: ”فُلانٌ حَسَنُ الصُّورَةِ والشُّورَةِ“، أيْ: حَسَنُ الهَيْئَةِ واللِّباسِ، و”إنَّهُ لَشَيِّرٌ صَيِّرٌ“، و”حَسَنُ الشّارَةِ، و“ اَلشُّوارُ ”: مَتاعَ البَيْتِ، ومَعْنى“ شاوَرْتُ فُلانًا ”، أظْهَرْتُ في الرَّأْيِ ما عِنْدِي، وما عِنْدَهُ، و“ شُرْتُ الدّابَّةَ أشُورُها ”، إذا امْتَحَنْتُها، فَعَرَفْتُ هَيْئَتَها في سَيْرِها، ويُقالُ:“ شُرْتُ العَسَلَ ”، و“ أشَرْتُ العَسَلَ ”، إذا أخَذْتُهُ مِن مَواضِعِ النَّحْلِ، و“ عَسَلٌ مَشُورٌ "، قالَ الأعْشى:
؎كَأنَّ القَرَنْفُلَ والزَّنْجَبِي ∗∗∗ لَ باتا بِفِيها وأرْيًا مَشُورا
و”اَلْأرْيُ“: اَلْعَسَلُ، ويُقالُ: ”عَسَلٌ مُشارٌ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎وَغِناءٍ يَأْذَنُ الشَّيْخُ لَهُ ∗∗∗ وحَدِيثٍ مِثْلُ ماذِيٍّ مُشارِ
آل عمران 3:162
(p-٤٨٦)قَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾، يُقْرَأُ ”رِضْوانَ“، بِكَسْرِ الرّاءِ، و”رُضْوانَ“، بِضَمِّ الرّاءِ، وقَدْ رُوِيَتا جَمِيعًا عَنْ عاصِمٍ، ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾، يُرْوى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ أمَرَ المُسْلِمِينَ في ”أُحُدٍ“، بِاتِّباعِهِ، اتَّبَعَهُ المُؤْمِنُونَ، وتَخَلَّفَ عَنْهُ جَماعَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ مَنِ اتَّبَعَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَدِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ، ومَن تَخَلَّفَ عَنْهُ فَقَدْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ، ومَعْنى ”باءَ بِذَنْبِهِ“: اِحْتَمَلَهُ، وصارَ المُذْنِبُ مَأْوى الذَّنْبِ، ولِذَلِكَ ”بَوَّأْتُ فُلانًا مَنزِلًا“، أيْ: جَعَلْتُهُ ذا مَنزِلٍ.
آل عمران 3:163
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾، أيْ: اَلْمُؤْمِنُونَ ذَوُو دَرَجَةٍ رَفِيعَةٍ، والكافِرُونَ ذَوُو دَرَجَةٍ عِنْدَ اللَّهِ وضِيعَةٍ، ومَعْنى ”هم دَرَجاتٌ“: هم ذَوُو دَرَجاتٍ، لِأنَّ الإنْسانَ غَيْرُ الدَّرَجَةِ، كَما تَقُولُ: ”اَلنّاسُ طَبَقاتٌ“، أيْ: ذَوُو طَبَقاتٍ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
؎أنُصْبٌ لِلْمَنِيَّةِ تَعْتَرِيهِمْ ∗∗∗ رِجالٌ أمْ هُمُ دَرَجُ السُّيُولِ
(p-٤٨٧)أيْ: هم ذَوُو دَرَجٍ، ويَجُوزُ ”أمْ هُمُ دَرَجَ السُّيُولِ“، عَلى الظَّرْفِ.
آل عمران 3:164
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِن أنْفُسِهِمْ﴾، بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولًا، وهو رَجُلٌ مِنَ الأُمِّيِّينَ، لا يَتْلُو كِتابًا، ولا يَخُطُّهُ بِيَمِينِهِ، وبَعَثَهُ بَيْنَ قَوْمٍ يَخْبُرُونَهُ ويَعْرِفُونَهُ بِالصِّدْقِ والأمانَةِ، وأنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ كِتابًا، ولا لُقِّنَهُ، فَتَلا عَلَيْهِمْ أقاصِيصَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، والأنْبِياءِ الماضِيَةِ، لا يَدْفَعُ أخْبارَهُ كِتابٌ مِن كُتُبِ مُخالِفِيهِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ مَنَّ عَلى المُؤْمِنِينَ بِإرْسالِهِ مَن قَدْ عُرِفَ أمْرُهُ، فَكانَ تَناوُلُ الحُجَّةِ والبُرْهانِ، وقَبُولُ الأخْبارِ والأقاصِيصِ سَهْلًا مِن قِبَلِهِ، وفي ذَلِكَ أعْظَمُ المِنَّةِ، وقَدْ جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ يُرادُ رَسُولٌ مِنَ العَرَبِ، ولَوْ كانَ القَصْدُ في ذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ أمْرَهُ إنَّما كانَتْ فِيهِ المِنَّةُ أنَّهُ مِنَ العَرَبِ، لَكانَ العَجَمُ لا حُجَّةَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، ولَكِنَّ الأمْرَ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ المِنَّةَ فِيهِ أنَّهُ قَدْ خُبِرَ أمْرُهُ، وشَأْنُهُ، وعُلِمَ صِدْقُهُ، وأتى بِالبَراهِينِ بَعْدَ أنْ قَدْ عَلِمُوا أنَّهُ كانَ واحِدًا مِنهم.
آل عمران 3:165
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾، هَذِهِ الواوُ واوُ النَّسَقِ، دَخَلَتْ عَلَيْها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، فَبَقِيَتْ مَفْتُوحَةً عَلى هَيْئَتِها قَبْلَ دُخُولِها، ومِثْلُ ذَلِكَ في الكَلامِ قَوْلُ القائِلِ: ”تَكَلَّمَ فُلانٌ بِكَذا وكَذا“، فَيَقُولُ قائِلٌ - مُجِيبًا لَهُ -: ”أوَهُوَ مِمَّنْ يَقُولُ ذَلِكَ؟!“، وقِيلَ في التَّفْسِيرِ: إنَّ هَذِهِ المُصِيبَةَ عَنى بِها ما نَزَلَ بِهِمْ يَوْمَ ”أُحُدٍ“، (p-٤٨٨)و”أصَبْتُمْ مِثْلَيْها“، أصَبْتُمْ في يَوْمِ ”أُحُدٍ“، مِثْلَها، وأصَبْتُمْ يَوْمَ ”بَدْرٍ“، مِثْلَها، فَأصَبْتُمْ مِثْلَيْ ما أصابَكُمْ، ﴿قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾، أيْ: مِن أيْنَ أصابَنا هَذا؟ ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾، أيْ: أصابَكم بِمَعْصِيَتِكُمُ النَّبِيَّ ﷺ، وما مِن قَوْمٍ أطاعُوا نَبِيَّهم في حَرْبِهِمْ إلّا نُصِرُوا، لِأنَّهم إذا أطاعُوا فَهم حِزْبُ اللَّهِ، وحِزْبُ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ.
آل عمران 3:166
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾، أيْ: ما أصابَكم كانَ بِعِلْمِ اللَّهِ، ﴿وَلِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ [آل عمران: ١٦٧]، أيْ: لِيَظْهَرَ إيمانُ المُؤْمِنِينَ، بِثُبُوتِهِمْ عَلى ما نالَهُمْ، ويَظْهَرَ نِفاقُ المُنافِقِينَ، بِفَشَلِهِمْ، وقِلَّةِ الصَّبْرِ عَلى ما يَنْزِلُ بِهِمْ في ذاتِ اللَّهِ.
آل عمران 3:169
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، اَلْقِراءَةُ بِالرَّفْعِ: ”بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ“، ولَوْ قُرِئَتْ: ”بَلْ أحْياءً عِنْدَ رَبِّهِمْ“، لَجازَ، المَعْنى: ”اِحْسَبْهم أحْياءً“، وقِيلَ في هَذا غَيْرُ قَوْلٍ، قالَ بَعْضُهُمْ: ”لا تَحْسَبْهم أمْواتًا في دِينِهِمْ، بَلْ هم أحْياءٌ في دِينِهِمْ“، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وقالَ بَعْضُهُمْ: " لا تَحْسَبْهم كَما يَقُولُ الكُفّارُ: إنَّهم لا يُبْعَثُونَ، بَلْ يُبْعَثُونَ، ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠]، وقِيلَ: إنَّ أرْواحَهم تَسْرَحُ في الجَنَّةِ، وتَلَذُّ بِنَعِيمِها، فَهم أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، قالَ بَعْضُهُمْ: أرْواحُهم في حَواصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَسْرَحُ في الجَنَّةِ، ثُمَّ تَصِيرُ إلى قَنادِيلَ تَحْتَ العَرْشِ.
آل عمران 3:170
(p-٤٨٩)وَقَوْلُهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾، أيْ: لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ في الفَضْلِ، إلّا أنَّ لَهم فَضْلًا عَظِيمًا بِتَصْدِيقِهِمْ، وإيمانِهِمْ، ﴿ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾، فَمَوْضِعُ ”أنْ“، خَفْضٌ، المَعْنى: يَسْتَبْشِرُونَ بِأنْ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ.
آل عمران 3:171
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾، ”أنَّ“، في مَوْضِعِ خَفْضٍ، المَعْنى: ”وَيَسْتَبْشِرُونَ بِأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ“، ويَجُوزُ: ”وَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ“، عَلى مَعْنى: واللَّهُ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ هي في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: ”واللَّهُ لا يُضِيعُ“، فَهَذا يُقَوِّي ”وَإنَّ“، بِالكَسْرِ.
آل عمران 3:172
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ﴾، أيْ: مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ الجُرْحُ، ومَن قَرَأ: ”اَلْقُرْحُ“، فَمَعْناهُ: ألَمُ الجُرْحِ، ”اَلَّذِينَ“، جائِزٌ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ، عَلى النَّعْتِ لِلْمُؤْمِنِينَ، والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، ويَكُونَ خَبَرُ الِابْتِداءِ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾
آل عمران 3:173
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾، يُقالُ في التَّفْسِيرِ: إنَّ قائِلَ هَذا: نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ، بَعَثَهُ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ يُثَبِّطُونَ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ عَنْ لُقِيِّهِمْ، وكانَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ في يَوْمِ ”أُحُدٍ“، مَوْعِدٌ لِلِقاءٍ بِـ”بَدْرٍ الصُّغْرى“، فَلَمْ يَلْتَفِتِ المُسْلِمُونَ (p-٤٩٠)إلى تَخْوِيفِ نُعَيْمٍ، وعَزَمُوا عَلى لِقاءِ القَوْمِ، وأجابُوهُ بِأنْ قالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾، وتَأْوِيلُ ”حَسَبْنا اللَّهُ“: أيْ: اَلَّذِي يَكْفِينا أمْرَهُمُ اللَّهُ.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فَزادَهم إيمانًا﴾، أيْ: زادَهم ذَلِكَ التَّخْوِيفُ ثُبُوتًا في دِينِهِمْ، وإقامَةً عَلى نُصْرَةِ نَبِيِّهِمْ، وصارُوا إلى ”بَدْرٍ الصُّغْرى“، وألْقى اللَّهُ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ الرُّعْبَ، فَلَمْ يُغْفِلُوهم.
آل عمران 3:174
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾، اَلْمَعْنى: فَلَمْ يَخافُوا ما خافُوا، وصارُوا إلى المَوْعِدِ الَّذِي وُعِدُوا فِيهِ، فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ، أيْ: اِنْقَلَبُوا مُؤْمِنِينَ، قَدْ هَرَبَ مِنهم عَدُوُّهُمْ، وقِيلَ في التَّفْسِيرِ: إنَّهم أقامُوا ثَلاثًا، واشْتَرَوْا أُدْمًا، وزَبِيبًا، رَبِحُوا فِيهِ، وكُلُّ ذَلِكَ جائِزٌ، إلّا أنَّ انْقِلابَهم بِالنِّعْمَةِ، هي نِعْمَةُ الإيمانِ، والنَّصْرِ عَلى عَدُوِّهِمْ.
آل عمران 3:175
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾، أيْ: ذَلِكَ التَّخْوِيفُ الَّذِي كانَ، فِعْلُ الشَّيْطانِ، أيْ: هو قَوْلُهُ لِلْمُخَوِّفِينَ، يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ، قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: مَعْناهُ: يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ، أيْ: مِن أوْلِيائِهِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، أيْ: كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ، فَقَدْ أعْلَمْتُكم أنِّي أنْصُرُكم عَلَيْهِمْ، فَقَدْ سَقَطَ عَنْكُمُ الخَوْفُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: ”يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ“، أيْ: إنَّما يَخافُ المُنافِقُونَ، ومَن لا حَقِيقَةَ لِإيمانِهِ، فَلا تَخافُوهُمْ، أيْ: لا تَخافُوا المُشْرِكِينَ.
آل عمران 3:178
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ﴾، (p-٤٩١)قُرِئَتْ: ”وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ“، وقَدْ قُرِئَتْ: ”وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنَّما نُمْلِي“، مَعْنى ”نُمْلِي لَهم“، نُؤَخِّرُهُمْ، وهَؤُلاءِ قَوْمٌ أعْلَمَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، وأنَّ بَقاءَهم يَزِيدُهم كُفْرًا وإثْمًا، وأمّا الإعْرابُ، فَقالَ أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: إنَّ مَن قَرَأ بِالياءِ ”يَحْسَبَنَّ“، فَتَحَ ”أنَّ“، وكانَتْ تَنُوبُ عَنْ الِاسْمِ والخَبَرِ، تَقُولُ: ”حَسِبْتُ أنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ“، ويَصِحُّ الكَسْرُ مَعَ الياءِ بِقُبْحٍ: ”وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنَّما نُمْلِي لَهم“، بِكَسْرِ ”إنَّ“، وهو جائِزٌ عَلى قُبْحِهِ، لِأنَّ الحُسْبانَ لَيْسَ بِفِعْلٍ حَقِيقِيٍّ، فَهو يَبْطُلُ عَمَلُهُ مَعَ ”إنَّ“، كَما يَبْطُلُ مَعَ اللّامِ، تَقُولُ: ”حَسِبْتُ لَعَبْدُ اللَّهِ مُنْطَلِقٌ“، وكَذَلِكَ قَدْ يَجُوزُ عَلى بُعْدٍ: ”حَسِبْتُ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ مُنْطَلِقٌ“، ومَن قَرَأ: ”وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا“، لَمْ يَجُزْ لَهُ - عِنْدَ البَصْرِيِّينَ - إلّا كَسْرُ ”إنَّ“، اَلْمَعْنى: ”لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، إمْلاؤُنا خَيْرٌ لَهم“، ودَخَلَتْ ”إنَّ“، مُؤَكِّدَةً، إذا فَتَحْتَ ”أنَّ“، صارَ المَعْنى: ”وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إمْلاءَنا...“، قالَ أبُو إسْحاقَ: وهو عِنْدِي في هَذا المَوْضِعِ يَجُوزُ عَلى البَدَلِ مِن ”اَلَّذِينَ“، اَلْمَعْنى: ”لا تَحْسَبَنَّ إمْلاءَنا لِلَّذِينَ كَفَرُوا خَيْرًا لَهم“، وقَدْ قَرَأ بِها خَلْقٌ كَثِيرٌ، ومِثْلُ هَذِهِ القِراءَةِ مِنَ الشِّعْرِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَما كانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكَ واحِدٍ ∗∗∗ ولَكِنَّهُ بُنْيانُ قَوْمٍ تَهَدَّما
(p-٤٩٢)جَعَلَ هُلْكَهُ بَدَلًا مِن قَيْسٍ، المَعْنى: فَما كانَ هُلْكُ قَيْسٍ هُلْكَ واحِدٍ.
آل عمران 3:179
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، يُرْوى في التَّفْسِيرِ أنَّ الكُفّارَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ تُخْبِرُنا بِأنَّ الإنْسانَ في النّارِ، حَتّى إذا صارَ مِن أهْلِ مِلَّتِكَ، قُلْتَ إنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ حُكْمَ مَن كَفَرَ أنْ يُقالَ لَهُ: إنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، ومَن آمَنَ فَهو - ما آمَنَ وأقامَ عَلى إيمانِهِ وأدّى ما افْتُرِضَ عَلَيْهِ - مِن أهْلِ الجَنَّةِ، وأعْلَمَ أنَّ المُؤْمِنِينَ، وهُمُ الطَّيِّبُ، مُمَيَّزُونَ مِنَ الخَبِيثِ، أيْ: مُخَلَّصُونَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾، أيْ: ما كانَ اللَّهُ لِيُعْلِمَكم مَن يَصِيرُ مِنكم مُؤْمِنًا بَعْدَ كُفْرِهِ، لِأنَّ الغَيْبَ إنَّما يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرُّسُلُ، لِإقامَةِ البُرْهانِ، لِأنَّهم رُسُلٌ، وأنَّ ما أتَوْا بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقَدْ قِيلَ في التَّفْسِيرِ: ما بالُنا نَحْنُ لا نَكُونُ أنْبِياءَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ ذَلِكَ إلَيْهِ، وأنَّهُ يَخْتارُ لِرِسالاتِهِ مَن يَشاءُ.
آل عمران 3:180
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهُمْ﴾، هَذا يَعْنِي بِهِ عُلَماءَ اليَهُودِ الَّذِينَ بَخِلُوا بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن عِلْمِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، ومُشاقَّتِهِ، وعَداوَتِهِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُمُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِالمالِ، فَيَمْنَعُونَ الزَّكاةَ، قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: اَلْمَعْنى: ”لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ البُخْلَ هو خَيْرًا لَهم“، ودَلَّ ”يَبْخَلُونَ“، عَلى البُخْلِ، و”هو“، هَهُنا، فَصْلٌ، وهو الَّذِي يُسَمِّيهِ الكُوفِيُّونَ ”العِمادَ“، وقَدْ فَسَّرْناهُ، إلّا أنّا أغْفَلْنا فِيهِ شَيْئًا نَذْكُرُهُ هَهُنا، (p-٤٩٣)زَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ ”هو“، و”هُما“، و”هم“، و”أنا“، و”أنْتَ“، و”نَحْنُ“، و”هي“، وسائِرَ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما تَكُونُ فُصُولًا مَعَ الأفْعالِ الَّتِي تَحْتاجُ إلى اسْمٍ، وخَبَرٍ، ولَمْ يَذْكُرْ سِيبَوَيْهِ الفَصْلَ مَعَ المُبْتَدَإ والخَبَرِ، ولَوْ تَأوَّلَ مُتَأوِّلٌ أنَّ ذِكْرَهُ الفَصْلَ هَهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جائِزٌ في المُبْتَدَإ، أوِ الخَبَرِ، كانَ ذَلِكَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ، قالَ أبُو إسْحاقَ: والَّذِي أرى أنا في هَذِهِ: ”وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ“، بِالياءِ، ويَكُونُ الِاسْمُ مَحْذُوفًا، وقَدْ يَجُوزُ ”وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ“، عَلى مَعْنى: ”وَلا تَحْسَبَنَّ بُخْلَ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ“، ولَكِنَّ حَذْفَ البُخْلِ مِن هَهُنا فِيهِ قُبْحٌ، إلّا أنَّ حَذْفَهُ مِن قَوْلِكَ: ”وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ“، قَدْ دَلَّ ”يَبْخَلُونَ“، فِيهِ عَلى البُخْلِ، كَما تَقُولُ: ”مَن كَذَبَ كانَ شَرًّا لَهُ“، والقِراءَةُ بِالتّاءِ عِنْدِي لا تُمْنَعُ، فَيَكُونُ مِثْلَ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، أيْ: أهْلَ القَرْيَةِ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ مَعْنى هَذا: " لا تَحْسَبَنَّ بُخْلَ الباخِلِينَ خَيْرًا لَهم.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، أيْ: اَللَّهُ يُغْنِي أهْلَهُما، فَيُغْنَيانِ بِما فِيهِما، لَيْسَ لِأحَدٍ فِيهِما مِلْكٌ، فَخُوطِبَ القَوْمُ بِما يَعْقِلُونَ، لِأنَّهم يَجْعَلُونَ ما رَجَعَ إلى الإنْسانِ مِيراثًا إذا كانَ مِلْكًا لَهُ.
آل عمران 3:181
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾، هَؤُلاءِ رُؤَساءُ أهْلِ الكِتابِ، لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]، (p-٤٩٤)قالُوا: نَرى أنَّ إلَهَ مُحَمَّدٍ يَسْتَقْرِضُ مِنّا، فَنَحْنُ إذَنْ أغْنِياءُ، وهو فَقِيرٌ، وقالُوا هَذا تَلْبِيسًا عَلى ضَعَفَتِهِمْ، وهم يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - لا يَسْتَقْرِضُ مِن عَوَزٍ، ولَكِنَّهُ يَبْلُو الأخْيارَ، فَهم يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ سَمّى الإعْطاءَ، والصَّدَقَةَ، قَرْضًا، يُؤَكِّدُ بِهِ أنَّ أضْعافَهُ تَرْجِعُ إلى أهْلِهِ، وهو - عَزَّ وجَلَّ - يَقْبِضُ ويَبْسُطُ، أيْ: يُوَسِّعُ ويُقَتِّرُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ قَدْ سَمِعَ مَقالَتَهُمْ، وأعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ مُثْبَتٌ عَلَيْهِمْ، وأنَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ، فَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، وأنَّهُ خَبِيرٌ بِعَمَلِهِمْ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾، ومَعْنى ”عَذابَ الحَرِيقِ“: أيْ: ”عَذابٌ مُحْرِقٌ بِالنّارِ“، لِأنَّ العَذابَ يَكُونُ بِغَيْرِ النّارِ، فَأعْلَمَ أنَّ مُجازاةَ هَؤُلاءِ هَذا العَذابُ، وقَوْلُهُ: ”ذُوقُوا“، هَذِهِ كَلِمَةٌ تُقالُ لِلشَّيْءِ يُيْئِسُ مِنَ العَفْوِ، يُقالُ: ”ذُقْ ما أنْتَ فِيهِ“، أيْ: لَسْتَ بِمُتَخَلِّصٍ مِنهُ.
آل عمران 3:183
وَقَوْلُهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ -: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾، هَذا مِن نَعْتِ العَبِيدِ الَّذِينَ قالُوا: ﴿حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾، أيْ: عَهِدَ إلَيْنا ألّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى تَكُونَ آيَتُهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ أسْلافَهم قَدْ أتَتْهُمُ الرُّسُلُ بِالبَيِّناتِ، وبِالَّذِي طَلَبُوا، فَقَتَلُوهُمْ، فَقالَ: ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾، (p-٤٩٥)وَهم لَمْ يَكُونُوا تَوَلَّوُا القَتْلَ، ولَكِنْ رَضُوا بِقَتْلِ أُولَئِكَ الأنْبِياءِ، فَشَرَكُوهم في القَتْلِ.
آل عمران 3:184
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والزُّبُرِ والكِتابِ المُنِيرِ﴾، ”اَلزُّبُرُ“: جَمْعُ ”زَبُورٌ“، و”اَلزَّبُورُ“: كُلُّ كِتابٍ ذِي حِكْمَةٍ، ويُقالُ: ”زَبَرْتُ“، إذا كَتَبْتُ، و”زَبَرْتُ“، إذا قَرَأْتُ.
آل عمران 3:185
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾، ولا يَجُوزُ ”أُجُورُكم“، عَلى رَفْعِ الأُجُورِ، وجَعْلِ ”ما“، في مَعْنى ”اَلَّذِي“، لِأنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَصِيرُ مِن صِلَةِ ”تُوَفَّوْنَ“، و”تُوَفَّوْنَ“، مِن صِلَةِ ”ما“، فَلا يَأْتِي ”ما“، في الصِّلَةِ بَعْدَ ”أُجُورَكم“، و”أُجُورَكم“، خَبَرٌ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ﴾، أيْ: نُحِّيَ، وأُزِيلَ، فَقَدْ فازَ، يُقالُ لِكُلِّ مَن نَجا مِن هَلَكَةٍ، وكُلِّ مَن لَقِيَ ما يُغْبَطُ بِهِ: ”قَدْ فازَ“، وتَأْوِيلُهُ: تَباعَدَ مِنَ المَكْرُوهِ، ولَقِيَ ما يُحِبُّ، ومَعْنى قَوْلِ النّاسِ: ”مَفازَةٌ“، إنَّما هي مِن ”مَهْلَكَةٌ“، ولَكِنَّهم تَفاءَلُوا بِأنْ سَمَّوُا المَهْلَكَةَ ”مَفازَةً“، و”اَلْمَفازَةُ“: اَلْمَنجاةُ، كَما تَفاءَلُوا بِأنْ سَمَّوُا اللَّدِيغَ ”اَلسَّلِيمَ“، وكَما سَمَّوُا الأعْمى بِـ”اَلْبَصِيرِ“ .
آل عمران 3:186
وَقَوْلُهُ ٍ- عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾، مَعْناهُ: لَتُخْتَبَرُنَّ، أيْ: تَقَعُ عَلَيْكُمُ المِحَنُ، فَيُعْلَمُ المُؤْمِنُ مِن غَيْرِهِ، وهَذِهِ (p-٤٩٦)النُّونُ دَخَلَتْ مُؤَكِّدَةً مَعَ لامِ القَسَمِ، وضُمَّتِ الواوُ لِسُكُونِها، وسُكُونِ النُّونِ، ويُقالُ لِلْواحِدِ مِنَ المُذَكَّرِينَ: ”لَتُبْلَيَنَّ يا رَجُلُ“، ولِلِاثْنَيْنِ: ”لَتُبْلَيانِّ يا رَجُلانِ“، ولِجَماعَةِ الرِّجالِ: ”لَتُبْلَوُنَّ“، وتُفْتَحُ الياءُ مِن ”لَتُبْلَيَنَّ“، في قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، لِسُكُونِها وسُكُونِ النُّونِ، وفي قَوْلِ غَيْرِهِ تُبْنى عَلى الفَتْحِ، لِضَمِّ النُّونِ إلَيْها، كَما يُبْنى ما قَبْلَ هاءِ التَّأْنِيثِ، ويُقالُ لِلْمَرْأةِ: ”تُبْلَيِنَّ يا امْرَأةُ“، ولِلْمَرْأتَيْنِ: لَتُبْلَيانِّ يا امْرَأتانِ ”، ولِجَماعَةِ النِّساءِ:“ لَتُبْلَيْنانِّ يا نِسْوَةُ ”، زِيدَتِ الألِفُ لِاجْتِماعِ النُّوناتِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾، رُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَمِعَ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ، فَلَطَمَهُ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَشَكا اليَهُودِيُّ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَسَألَهُ النَّبِيُّ:“ ما أرادَ بِلَطْمِكَ؟ ”، فَقالَ أبُو بَكْرٍ:“ سَمِعْتُ مِنهُ كَلِمَةً ما مَلَكْتُ نَفْسِي مَعَها أنْ لَطَمْتُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾، و”أذًى“، مَقْصُورٌ، يُكْتَبُ بِالياءِ، يُقالُ: ”قَدْ أذِيَ فُلانٌ، يَأْذى، أذًى“، إذا سَمِعَ ما يَسُوؤُهُ.
آل عمران 3:187
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ﴾، و”لَيُبَيِّنُنَّهُ“، بِالياءِ، والتّاءِ، فَمَن قالَ: ”لَيُبَيِّنُنَّهُ“، بِالياءِ، فَلِأنَّهم غَيْبٌ، ومَن قالَ بِالتّاءِ، حَكى المُخاطَبَةَ الَّتِي كانَتْ في وقْتِ أخْذِ المِيثاقِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ أخَذَ مِنهُمُ المِيثاقَ لَيُبَيِّنُنَّ أمْرَ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾، (p-٤٩٧)مَعْنى ”نَبَذُوهُ“: رَمَوْا بِهِ، يُقالُ لِلَّذِي يَطْرَحُ الشَّيْءَ ولا يَعْبَأُ بِهِ: ”قَدْ جَعَلْتَ هَذا الشَّيْءَ بِظَهْرٍ“، و”قَدْ رَمَيْتَهُ بِظَهْرٍ“، قالَ الفَرَزْدَقُ:
؎تَمِيمُ بْنَ قَيْسٍ لا تَكُونَنَّ حاجَتِي ∗∗∗ بِظَهْرٍ فَلا يَعْيا عَلَيَّ جَوابُها
أيْ: لا تَتْرُكَنَّها لا يُعْبَأُ بِها، وأنْبَأ اللَّهُ عَمّا حَمَلَ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا رُؤَساءَ عَلى كِتْمانِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: ﴿واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾، أيْ: قَبِلُوا عَلى ذَلِكَ الرِّشا، وقامَتْ لَهم رِياسَةٌ اكْتَسَبُوا بِها، فَذَلِكَ حَمَلَهم عَلى الكُفْرِ بِما يُخْفُونَهُ.
آل عمران 3:188
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾، هَؤُلاءِ قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ دَخَلُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ وخَرَجُوا مِن عِنْدِهِ، فَذَكَرُوا لِمَن كانَ رَآهم في ذَلِكَ الوَقْتِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أتاهم بِأشْياءَ قَدْ عَرَفُوها، فَحَمِدَهم مَن شاهَدَهم مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى ذَلِكَ، وأبْطَنُوا خِلافَ ما أظْهَرُوا، وأقامُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى الكُفْرِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - النَّبِيَّ ﷺ أمْرَهُمْ، وأعْلَمَهُ أنَّهم لَيْسُوا بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ، أيْ: لَيْسُوا بِبُعْدٍ مِنَ العَذابِ.
(p-٤٩٨)وَوَقَعَتْ ”فَلا تَحْسَبَنَّهم“، مُكَرَّرَةً لِطُولِ القِصَّةِ، والعَرَبُ تُعِيدُ إذا طالَتِ القِصَّةُ في ”حَسِبْتُ“، وما أشْبَهَها، إعْلامًا أنَّ الَّذِي جَرى مُتَّصِلٌ بِالأوَّلِ، وتَوْكِيدًا لِلْأوَّلِ، فَتَقُولُ: ”لا تَظُنَّنَّ زَيْدًا إذا جاءَكَ وكَلَّمَكَ بِكَذا وكَذا، فَلا تَظُنَّنَّهُ صادِقًا“، تُعِيدُ ”فَلا تَظُنَّنَّ“ تَوْكِيدًا، ولَوْ قُلْتَ: ”لا تَظُنَّ زَيْدًا إذا جاءَكَ وحَدَّثَكَ بِكَذا وكَذا صادِقًا“، جازَ، ولَكِنَّ التَّكْرِيرَ أوْكَدُ وأوْضَحُ لِلْقِصَّةِ.
آل عمران 3:189
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، أيْ: هو خالِقُهُما، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ”خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ“، و”خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ“، وأعْلَمَ أنَّ في خَلْقِهِما واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ آياتٍ لِأُولِي الألْبابِ، أيْ: ذَوِي العُقُولِ، و”اَلْآياتُ“: اَلْعَلاماتُ، أيْ: مِنَ العَلاماتِ فِيهِما دَلِيلٌ عَلى أنَّ خالِقَهُما واحِدٌ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
آل عمران 3:191
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾، هَذا مِن نَعْتِ ”أُولِي الألْبابِ“، أيْ: فَهَؤُلاءِ يَسْتَدِلُّونَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّهم يَذْكُرُونَ اللَّهَ في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ، ﴿قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾، مَعْناهُ: ومُضْطَجِعِينَ، وصَلُحَ في اللُّغَةِ أنْ يُعْطَفَ بِـ”عَلى“، عَلى ”قِيامًا وقُعُودًا“، لِأنَّ مَعْناهُ يُنْبِئُ عَنْ حالٍ مِن أحْوالِ تَصَرُّفِ الإنْسانِ، تَقُولُ: ”أنا أسِيرُ (p-٤٩٩)إلى زَيْدٍ ماشِيًا وعَلى الخَيْلِ“، اَلْمَعْنى: ”ماشِيًا وراكِبًا“، فَهَؤُلاءِ المُسْتَدِلُّونَ عَلى حَقِيقَةِ تَوْحِيدِ اللَّهِ يَذْكُرُونَ اللَّهَ في سائِرِ هَذِهِ الأحْوالِ، وقَدْ قالَ بَعْضُهُمْ: ”يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ“، أيْ: يُصَلُّونَ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأحْوالِ، عَلى قَدْرِ إمْكانِهِمْ في صِحَّتِهِمْ، وسُقْمِهِمْ، وحَقِيقَتُهُ عِنْدِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهم مُوَحِّدُونَ اللَّهَ في كُلِّ حالٍ، ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، فَيَكُونُ ذَلِكَ أزْيَدَ في بَصِيرَتِهِمْ، لِأنَّ فِكْرَتَهم تُرِيهِمْ عَظِيمَ شَأْنِهِما، فَيَكُونُ تَعْظِيمُهم لِلَّهِ عَلى حَسَبِ ما يَقِفُونَ عَلَيْهِ مِن آثارِ رَحْمَتِهِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا﴾، مَعْناهُ: ”يَقُولُونَ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا“، أيْ: خَلَقْتَهُ دَلِيلًا عَلَيْكَ، وعَلى صِدْقِ ما أتَتْ بِهِ أنْبِياؤُكَ، لِأنَّ الأنْبِياءَ تَأْتِي بِما يَعْجِزُ عَنْهُ المَخْلُوقُونَ، فَهو كالسَّماواتِ والأرْضِ في الدَّلِيلِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، ﴿سُبْحانَكَ﴾، مَعْناهُ: بَراءَةً لَكَ مِنَ السُّوءِ، وتَنْزِيهًا لَكَ مِن أنْ تَكُونَ خَلَقْتَهُما باطِلًا، ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾، أيْ: فَقَدْ صَدَّقْنا رُسُلَكَ وأنَّ لَكَ جَنَّةً، ونارًا، فَقِنا عَذابَ النّارِ.
آل عمران 3:194
﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾، مَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: عَلى ألْسُنِ رُسُلِكَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾، (p-٥٠٠)أيْ: قَدْ صَدَّقْنا بِيَوْمِ القِيامَةِ، فَلا تُخْزِنا، و”اَلْمُخْزى“، في اللُّغَةِ: اَلْمُذَلُّ، المَحْقُورُ بِأمْرٍ قَدْ لَزِمَهُ بِحُجَّةٍ، وكَذَلِكَ ”أخْزَيْتَهُ“، أيْ: ألْزَمْتَهُ حُجَّةً أذْلَلْتَهُ مَعَها.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾، أيْ: قَدْ وعَدْتَ مَن آمَنَ بِكِ، ووَحَّدَكَ الجَنَّةَ.
آل عمران 3:195
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾، اَلْمَعْنى: فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم بِأنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، وإنْ قُرِئَتْ: ”إنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم“، جائِزٌ، بِكَسْرِ ”إنَّ“، ويَكُونُ المَعْنى: ”قالَ لَهم رَبُّهُمْ: إنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثَوابًا﴾، مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، لِأنَّ مَعْنى ﴿وَلأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾، لَأُثِيبَنَّهُمْ، ومِثْلُهُ ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، لِأنَّ قَوْلَهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، مَعْناهُ: ”كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكم هَذا“، فَـ”كِتابَ اللَّهِ“، مُؤَكِّدٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]، قَدْ عُلِمَ أنَّ ذَلِكَ صُنْعُ اللَّهِ.
آل عمران 3:196
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾، خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وخِطابٌ لِلْخَلْقِ، في هَذا المَوْضِعِ، المَعْنى: ”لا يَغُرَّنَّكم أيُّها المُؤْمِنُونَ“، ويُرْوى أنَّ قَوْمًا مِنَ الكُفّارِ كانُوا يَتَّجِرُونَ ويَرْبَحُونَ في أسْفارٍ كانُوا يُسافِرُونَها، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُغْبَطُوا بِهِ، لِأنَّ (p-٥٠١)مَصِيرَهم بِكُفْرِهِمْ إلى النّارِ، ولا خَيْرَ بِخَيْرٍ بَعْدَهُ النّارُ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٩٧]، أيْ: ذَلِكَ الكَسْبُ والرِّبْحُ الَّذِي يَرْبَحُونَهُ مَتاعٌ قَلِيلٌ.
آل عمران 3:198
وَأعْلَمَ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ مَن أرادَ اللَّهَ واتَّقاهُ، فَلَهُ الجَنَّةُ، فَقالَ: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُـزُلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾، نُزُلًا، مُؤَكِّدٌ أيْضًا، لِأنَّ خُلُودَهم فِيها إنْزالُهم فِيها، وواحِدُ ”اَلْأبْرارُ“: ”بارٌّ“، و”أبْرارٌ“، مِثْلُ ”صاحِبٌ“، و”أصْحابٌ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”بَرٌّ“، و”أبْرارٌ“، عَلى ”فَعْلٌ“، و”أفْعالٌ“، تَقُولُ: ”بَرَرْتُ والِدِي، فَأنا بَرٌّ“، وأصْلُهُ ”بَرَرَ“، لَكِنَّ الرّاءَ أُدْغِمَتْ لِلتَّضْعِيفِ.
آل عمران 3:199
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿خاشِعِينَ لِلَّهِ﴾، أيْ: مِن عِنْدِ أهْلِ الكِتابِ مَن يُؤْمِنُ خاشِعًا لِلَّهِ، ﴿لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾، وإنَّما ذَكَرَ هَؤُلاءِ لِأنَّ ذِكْرَ الَّذِينَ كَفَرُوا جَرى قَبْلَ ذِكْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمران: ١٨٧]، أخْبَرَ - جَلَّ وعَزَّ - بِما حَمَلَ اليَهُودَ عَلى الكُفْرِ، وأخْبَرَ بِحالِ مَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ، وأنَّهم صَدَقُوا في حالِ خُشُوعٍ ورَغْبَةٍ عَنْ أنْ يَشْتَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا.
آل عمران 3:200
قَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾، أيْ: عَلى دِينِكُمْ، ﴿وَصابِرُوا﴾، أيْ: عَدُوَّكُمْ، ﴿وَرابِطُوا﴾، أقِيمُوا عَلى جِهادِ (p-٥٠٢)عَدُوِّكم بِالحَرْبِ، والحُجَّةِ، ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾، في كُلِّ ما أمَرَكم بِهِ، ونَهاكم عَنْهُ، ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾، و”لَعَلَّ“، تَرَجٍّ، وهو تَرَجٍّ لَهُمْ، أيْ: لِيَكُونُوا عَلى رَجاءِ فَلاحٍ، وإنَّما قِيلَ لَهُمْ: ”لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ“، أيْ: لَعَلَّكم تَسْلَمُونَ مِن أعْمالٍ تُبْطِلُ أعْمالَكم هَذِهِ، فَأمّا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - فَقَدْ أفْلَحُوا، قالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]، إلى آخِرِ وصْفِ المُؤْمِنِينَ، فَهَؤُلاءِ قَدْ أفْلَحُوا لا مَحالَةَ، وإنَّما يَكُونُ التَّرَجِّي مَعَ عَمَلٍ يُتَوَهَّمُ أنَّهُ بَعْضٌ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ.