معاني القرآن وإعرابه — الإنسان 76:1 – الناس 114:4
المحتويات
- الإنسان 76:1
- الإنسان 76:2
- الإنسان 76:3
- الإنسان 76:4
- الإنسان 76:5
- الإنسان 76:6
- الإنسان 76:7
- الإنسان 76:8
- الإنسان 76:9
- الإنسان 76:13
- الإنسان 76:14
- الإنسان 76:15
- الإنسان 76:16
- الإنسان 76:17
- الإنسان 76:18
- الإنسان 76:19
- الإنسان 76:20
- الإنسان 76:21
- الإنسان 76:24
- الإنسان 76:25
- الإنسان 76:28
- الإنسان 76:30
- الإنسان 76:31
- المرسلات 77:1
- المرسلات 77:4
- المرسلات 77:6
- المرسلات 77:8
- المرسلات 77:9
- المرسلات 77:10
- المرسلات 77:11
- المرسلات 77:12
- المرسلات 77:15
- المرسلات 77:16
- المرسلات 77:18
- المرسلات 77:25
- المرسلات 77:26
- المرسلات 77:29
- المرسلات 77:33
- المرسلات 77:35
- المرسلات 77:36
- المرسلات 77:38
- المرسلات 77:43
- المرسلات 77:48
- المرسلات 77:50
- النبأ 78:1
- النبأ 78:4
- النبأ 78:6
- النبأ 78:8
- النبأ 78:9
- النبأ 78:10
- النبأ 78:12
- النبأ 78:13
- النبأ 78:14
- النبأ 78:15
- النبأ 78:16
- النبأ 78:18
- النبأ 78:21
- النبأ 78:22
- النبأ 78:23
- النبأ 78:24
- النبأ 78:25
- النبأ 78:26
- النبأ 78:27
- النبأ 78:28
- النبأ 78:29
- النبأ 78:34
- النبأ 78:36
- النبأ 78:37
- النبأ 78:38
- النبأ 78:39
- النبأ 78:40
- النازعات 79:1
- النازعات 79:2
- النازعات 79:3
- النازعات 79:4
- النازعات 79:5
- النازعات 79:6
- النازعات 79:7
- النازعات 79:9
- النازعات 79:12
- النازعات 79:16
- النازعات 79:20
- النازعات 79:25
- النازعات 79:27
- النازعات 79:29
- النازعات 79:30
- النازعات 79:32
- النازعات 79:33
- النازعات 79:34
- النازعات 79:37
- النازعات 79:42
- النازعات 79:45
- النازعات 79:46
- عبس 80:1
- عبس 80:2
- عبس 80:5
- عبس 80:6
- عبس 80:7
- عبس 80:10
- عبس 80:11
- عبس 80:12
- عبس 80:16
- عبس 80:17
- عبس 80:20
- عبس 80:21
- عبس 80:22
- عبس 80:24
- عبس 80:25
- عبس 80:26
- عبس 80:27
- عبس 80:30
- عبس 80:31
- عبس 80:32
- عبس 80:33
- التكوير 81:1
- التكوير 81:2
- التكوير 81:3
- التكوير 81:4
- التكوير 81:5
- التكوير 81:7
- التكوير 81:8
- التكوير 81:9
- التكوير 81:10
- التكوير 81:11
- التكوير 81:12
- التكوير 81:13
- التكوير 81:15
- التكوير 81:16
- التكوير 81:17
- التكوير 81:18
- التكوير 81:20
- التكوير 81:22
- التكوير 81:24
- التكوير 81:26
- التكوير 81:28
- الانفطار 82:1
- الانفطار 82:2
- الانفطار 82:3
- الانفطار 82:4
- الانفطار 82:5
- الانفطار 82:6
- الانفطار 82:7
- الانفطار 82:8
- الانفطار 82:9
- الانفطار 82:15
- الانفطار 82:17
- الانفطار 82:18
- الانفطار 82:19
- المطففين 83:1
- المطففين 83:3
- المطففين 83:4
- المطففين 83:5
- المطففين 83:6
- المطففين 83:7
- المطففين 83:8
- المطففين 83:13
- المطففين 83:14
- المطففين 83:15
- المطففين 83:16
- المطففين 83:17
- المطففين 83:23
- المطففين 83:25
- المطففين 83:27
- المطففين 83:29
- المطففين 83:30
- المطففين 83:31
- المطففين 83:33
- المطففين 83:34
- المطففين 83:36
- الانشقاق 84:1
- الانشقاق 84:2
- الانشقاق 84:3
- الانشقاق 84:4
- الانشقاق 84:6
- الانشقاق 84:8
- الانشقاق 84:9
- الانشقاق 84:11
- الانشقاق 84:13
- الانشقاق 84:14
- الانشقاق 84:15
- الانشقاق 84:16
- الانشقاق 84:17
- الانشقاق 84:18
- الانشقاق 84:19
- الانشقاق 84:23
- الانشقاق 84:24
- الانشقاق 84:25
- البروج 85:1
- البروج 85:2
- البروج 85:3
- البروج 85:4
- البروج 85:8
- البروج 85:13
- البروج 85:14
- البروج 85:15
- البروج 85:18
- البروج 85:20
- البروج 85:21
- البروج 85:22
- الطارق 86:1
- الطارق 86:3
- الطارق 86:4
- الطارق 86:6
- الطارق 86:7
- الطارق 86:8
- الطارق 86:11
- الطارق 86:12
- الطارق 86:13
- الطارق 86:14
- الطارق 86:15
- الطارق 86:16
- الطارق 86:17
- الأعلى 87:1
- الأعلى 87:2
- الأعلى 87:3
- الأعلى 87:4
- الأعلى 87:5
- الأعلى 87:6
- الأعلى 87:7
- الأعلى 87:11
- الأعلى 87:13
- الأعلى 87:14
- الأعلى 87:16
- الأعلى 87:18
- الغاشية 88:1
- الغاشية 88:2
- الغاشية 88:3
- الغاشية 88:4
- الغاشية 88:5
- الغاشية 88:6
- الغاشية 88:14
- الغاشية 88:15
- الغاشية 88:16
- الغاشية 88:17
- الغاشية 88:18
- الغاشية 88:19
- الغاشية 88:21
- الغاشية 88:22
- الغاشية 88:23
- الغاشية 88:25
- الفجر 89:1
- الفجر 89:2
- الفجر 89:3
- الفجر 89:4
- الفجر 89:5
- الفجر 89:6
- الفجر 89:7
- الفجر 89:9
- الفجر 89:10
- الفجر 89:14
- الفجر 89:15
- الفجر 89:17
- الفجر 89:18
- الفجر 89:20
- الفجر 89:21
- الفجر 89:22
- الفجر 89:23
- الفجر 89:24
- الفجر 89:26
- الفجر 89:27
- الفجر 89:28
- الفجر 89:29
- البلد 90:1
- البلد 90:2
- البلد 90:3
- البلد 90:4
- البلد 90:5
- البلد 90:6
- البلد 90:7
- البلد 90:8
- البلد 90:9
- البلد 90:10
- البلد 90:11
- البلد 90:13
- البلد 90:14
- البلد 90:15
- البلد 90:17
- البلد 90:19
- البلد 90:20
- الشمس 91:1
- الشمس 91:2
- الشمس 91:3
- الشمس 91:5
- الشمس 91:8
- الشمس 91:9
- الشمس 91:10
- الشمس 91:11
- الشمس 91:13
- الشمس 91:14
- الشمس 91:15
- الليل 92:1
- الليل 92:2
- الليل 92:3
- الليل 92:5
- الليل 92:6
- الليل 92:7
- الليل 92:8
- الليل 92:9
- الليل 92:10
- الليل 92:11
- الليل 92:12
- الليل 92:14
- الليل 92:15
- الليل 92:16
- الليل 92:17
- الليل 92:18
- الليل 92:19
- الليل 92:21
- الضحى 93:1
- الضحى 93:2
- الضحى 93:3
- الضحى 93:6
- الضحى 93:7
- الضحى 93:9
- الضحى 93:10
- الضحى 93:11
- الشرح 94:1
- الشرح 94:2
- الشرح 94:3
- الشرح 94:4
- الشرح 94:5
- الشرح 94:8
- التين 95:1
- التين 95:2
- التين 95:3
- التين 95:4
- التين 95:5
- التين 95:6
- العلق 96:1
- العلق 96:4
- العلق 96:6
- العلق 96:7
- العلق 96:15
- العلق 96:16
- العلق 96:17
- العلق 96:18
- العلق 96:19
- القدر 97:1
- القدر 97:3
- القدر 97:4
- القدر 97:5
- البينة 98:1
- البينة 98:2
- البينة 98:3
- البينة 98:4
- البينة 98:5
- البينة 98:6
- البينة 98:8
- الزلزلة 99:1
- الزلزلة 99:2
- الزلزلة 99:3
- الزلزلة 99:4
- الزلزلة 99:6
- الزلزلة 99:7
- العاديات 100:1
- العاديات 100:2
- العاديات 100:3
- العاديات 100:4
- العاديات 100:5
- العاديات 100:6
- العاديات 100:8
- العاديات 100:9
- العاديات 100:11
- القارعة 101:1
- القارعة 101:4
- القارعة 101:5
- القارعة 101:6
- القارعة 101:7
- القارعة 101:8
- القارعة 101:9
- القارعة 101:10
- التكاثر 102:1
- التكاثر 102:2
- التكاثر 102:3
- التكاثر 102:5
- التكاثر 102:8
- العصر 103:1
- العصر 103:2
- العصر 103:3
- الهمزة 104:1
- الهمزة 104:3
- الهمزة 104:4
- الهمزة 104:6
- الهمزة 104:7
- الهمزة 104:8
- الهمزة 104:9
- الفيل 105:1
- الفيل 105:5
- قريش 106:1
- قريش 106:2
- قريش 106:4
- الماعون 107:1
- الماعون 107:2
- الماعون 107:3
- الماعون 107:5
- الماعون 107:6
- الماعون 107:7
- الكوثر 108:1
- الكوثر 108:2
- الكوثر 108:3
- الكافرون 109:1
- الكافرون 109:2
- الكافرون 109:3
- الكافرون 109:4
- الكافرون 109:6
- النصر 110:1
- النصر 110:2
- المسد 111:1
- المسد 111:2
- المسد 111:3
- المسد 111:4
- المسد 111:5
- الإخلاص 112:1
- الإخلاص 112:2
- الإخلاص 112:4
- الفلق 113:1
- الفلق 113:3
- الفلق 113:4
- الناس 114:4
الإنسان 76:1
(p-٢٥٧)سُورَةُ اَلْإنْسانِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾، اَلْمَعْنى: ”ألَمْ يَأْتِ عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ وقَدْ كانَ شَيْئًا“، إلّا أنَّهُ كانَ تُرابًا وطِينًا، إلى أنْ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ؟ فَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ شَيْئًا مَذْكُورًا”، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يُعْنى بِهِ جَمِيعُ النّاسِ، ويَكُونَ المَعْنى أنَّهم كانُوا نُطَفًا، ثُمَّ عَلَقًا، ثُمَّ مُضَغًا، إلى أنْ صارُوا شَيْئًا مَّذْكُورًا، ومَعْنى ﴿هَلْ أتى﴾،“قَدْ أتى عَلى الإنْسانِ”، أيْ:“ألَمْ يَأْتِ عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ...؟".
الإنسان 76:2
وَقَوْلُهُ: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾، ”أمْشاجٍ“: أخْلاطٍ، مَنِيٍّ ودَمٍ، ثُمَّ يُنْقَلُ مِن حالٍ إلى حالٍ، وواحِدُ الأمْشاجِ ”مَشَجٌ“، ومَعْنى ”نَبْتَلِيهِ“: نَخْتَبِرُهُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، أيْ: ”جَعَلْناهُ كَذَلِكَ لِنَخْتَبِرَهُ“.
الإنسان 76:3
قَوْلُهُ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾، مَعْناهُ: هَدَيْناهُ الطَّرِيقَ، إمّا لِشِقْوَةٍ، وإمّا لِسَعادَةٍ.
الإنسان 76:4
(p-٢٥٨)وَقَوْلُهُ: ﴿سَلاسِلَ وأغْلالا وسَعِيرًا﴾، اَلْأجْوَدُ في العَرَبِيَّةِ ألّا يُصْرَفَ ”سَلاسِلَ“، ولَكِنْ لَمّا جُعِلَتْ رَأْسَ آيَةٍ صُرِفَتْ، لِيَكُونَ آخِرُ الآيِ عَلى لَفْظٍ واحِدٍ.
الإنسان 76:5
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾، ”اَلْأبْرارُ“، واحِدُهم ”بَرٌّ“، ﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾، يَجُوزُ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ طَعْمُ الطِّيبِ فِيها والكافُورِ، وجائِزٌ أنْ يُمْزَجَ بِالكافُورِ، فَلا يَكُونَ في ذَلِكَ ضَرَرٌ، لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لا يَمَسُّهم فِيما يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ ضَرَرٌ، ولا نَصَبٌ، و”اَلْكَأْسُ“، في اللُّغَةِ: اَلْإناءُ إذا كانَ فِيهِ الشَّرابُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ الشَّرابُ لَمْ يُسَمَّ كَأْسًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ وكانَ الكَأْسُ مَجْراها اليَمِينا
الإنسان 76:6
وَقَوْلُهُ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾، ”عَيْنًا“، جائِزٌ أنْ يَكُونَ مِن صِفَةِ الكَأْسِ، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ”مِن عَيْنٍ“، قَوْلُهُ: ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾، مَعْناهُ: ”تَجْرِي لَهم تِلْكَ العَيْنُ كَما يُحِبُّونَ“.
الإنسان 76:7
قَوْلُهُ: ﴿كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾، مَعْناهُ: يَبْلُغُ أقْصى المَبالِغِ فِيهِ.
الإنسان 76:8
قَوْلُهُ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا﴾، (p-٢٥٩)هَذِهِ الهاءُ تَعُودُ عَلى الطَّعامِ، المَعْنى: يُطْعِمُونَ الطَّعامَ أشَدَّ ما تَكُونُ حاجَتُهم إلَيْهِ لِلْمِسْكِينِ، ووَصَفَهُمُ اللَّهُ بِالأثَرَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ، ﴿وَيَتِيمًا وأسِيرًا﴾، ”اَلْأسِيرُ“، قِيلَ: كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِنَ الكُفّارِ، وقَدْ مُدِحَ مَن يُطْعِمُ الأسِيرَ، وهو كافِرٌ، فَكَيْفَ بِأُسارى المُسْلِمِينَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ في إطْعامِ أهْلِ الحُبُوسِ ثَوابًا جَزِيلًا، وأهْلُ الحُبُوسِ أُسَراءُ.
الإنسان 76:9
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾، اَلْمَعْنى: ”يَقُولُونَ إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ“، أيْ: لِطَلَبِ ثَوابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وجائِزٌ أنْ يَكُونُوا يُطْعِمُونَ، ولا يَنْطِقُونَ هَذا القَوْلَ، ولَكِنَّ مَعْناهم في إطْعامِهِمِ هَذا، فَتُرْجِمَ ما في قُلُوبِهِمْ، وكَذَلِكَ: ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٠]، ”اَلْعُبُوسُ“: اَلَّذِي يُعْبِسُ الوُجُوهَ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤]، و”قَمْطَرِيرًا“، يُقالُ: ”يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ“، و”يَوْمٌ قُماطِرٌ“، إذا كانَ شَدِيدًا غَلِيظًا، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ ”قَمْطَرِيرًا“، مَعْناهُ: تَعْبِسُ، فَيُجْمَعُ ما بَيْنَ العَيْنَيْنِ، وهَذا سائِغٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ: ”اِقْمَطَرَّتِ النّاقَةُ“، إذا رَفَعَتْ ذَنَبَها، وجَمَعَتْ قُطْرَيْها، ورَمَتْ بِأنْفِها.
الإنسان 76:13
وَقَوْلُهُ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾، واحِدَتُها ”أرِيكَةٌ“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَها مِنَ الحِجالِ فِيها الفَرْشُ، وفِيها الأسِرَّةُ، وفي اللُّغَةِ أنَّ كُلَّ مُتَّكَأِ عَلَيْهِ فَهو ”أرِيكَةٌ“، ونُصِبَ ﴿مُتَّكِئِينَ﴾، عَلى الحالِ، المَعْنى: ”وَجَزاهم جَنَّةً في حالِ اتِّكائِهِمْ فِيها“، وكَذَلِكَ: ﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلا﴾ [الإنسان: ١٤]، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”دانِيَةً“، نَعْتًا لِلْجَنَّةِ، المَعْنى: ”وَجَزاهم جَنَّةً دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها“.
الإنسان 76:14
﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلا﴾، (p-٢٦٠)هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣]، وقِيلَ: كُلَّما أرادُوا أنْ يَقْطَعُوا شَيْئًا مِنها ذُلِّلَ لَهُمْ، ودَنا مِنهُمْ، قُعُودًا كانُوا، أوْ مُضْطَجِعِينَ، أوْ قِيامًا.
الإنسان 76:15
﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرا﴾ ﴿قَوارِيرا﴾ [الإنسان: ١٦]، قُرِئَتْ غَيْرَ مَصْرُوفَةٍ، وهَذا الِاخْتِيارُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّ كُلَّ جَمْعٍ يَأْتِي بَعْدَ ألِفِهِ حَرْفانِ لا يَنْصَرِفُ، وقَدْ فَسَّرْنا ذَلِكَ فِيما سَلَفَ مِنَ الكِتابِ، ومَن قَرَأ: ”قَوارِيرًا“، فَصَرَفَ الأوَّلَ، فَلِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، وتَرَكَ صَرْفَ الثّانِي لِأنَّهُ لَيْسَ بِآخِرِ آيَةٍ، ومَن صَرَفَ الثّانِيَ أتْبَعَ اللَّفْظَ اللَّفْظَ، لِأنَّ العَرَبَ رُبَّما قَلَبَتْ إعْرابَ الشَّيْءِ لِيَتْبَعَ اللَّفْظُ اللَّفْظَ، فَيَقُولُونَ: ”هَذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ“، وإنَّما الخَرِبُ مِن نَعْتِ الجُحْرِ، فَكَيْفَ بِما يُتْرَكُ صَرْفُهُ، وجَمِيعُ ما يُتْرَكُ صَرْفُهُ يَجُوزُ صَرْفُهُ في الشِّعْرِ.
الإنسان 76:16
وَمَعْنى ﴿قَوارِيرا مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾، أصْلُ القَوارِيرِ الَّتِي في الدُّنْيا مِنَ الرَّمْلِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ فَضْلَ تِلْكَ القَوارِيرِ أنَّ أصْلَها مِن فِضَّةٍ، يُرى مِن خارِجِها ما في داخِلِها، ومَعْنى: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾، أيْ: جُعِلَتْ بِكَوْنٍ الإناءِ عَلى قَدْرِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ ويُرِيدُونَهُ، وقُرِئَتْ: ”قُدِّرُوها تَقْدِيرًا“، أيْ: جُعِلَتْ لَهم عَلى قَدْرِ إرادَتِهِمْ.
الإنسان 76:17
﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلا﴾، أيْ: يَجْمَعُ طَعْمَ الزَّنْجَبِيلِ، والعَرَبُ تَصِفُ الزَّنْجَبِيلَ، وهو مُسْتَطابٌ عِنْدَها جِدًّا، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّ القَرَنْفُلَ والزَّنْجَبِيلَ ∗∗∗ باتا بِفِيها وأرْيًا مَشُورا
فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ طَعْمُ الزَّنْجَبِيلِ فِيها، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مِزاجَها، ولا غائِلَةَ لَهُ، كَما قُلْنا في الكافُورِ.
الإنسان 76:18
(p-٢٦١)وَقَوْلُهُ: ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلا﴾، اَلْمَعْنى: ”يُسْقَوْنَ عَيْنًا، و“سَلْسَبِيلُ”: اِسْمُ العَيْنِ إلّا أنَّهُ صُرِفَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، و“سَلْسَبِيلُ"، في اللُّغَةِ صِفَةٌ لِما كانَ في غايَةِ السَّلاسَةِ، فَكَأنَّ العَيْنَ - واللَّهُ أعْلَمُ - سُمِّيَتْ بِصِفَتِها.
الإنسان 76:19
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾، أيْ: يَخْدِمُهم وُصَفاءُ مُخَلَّدُونَ، وتَأْوِيلُ ﴿مُخَلَّدُونَ﴾، أيْ: لا يَجُوزُ واحِدٌ مِنهم حَدَّ الوَصافَةِ أبَدًا، هو وصِيفٌ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لا يَشِيبُ: ”هُوَ مُخَلَّدٌ“، ويُقالُ: ”مُخَلَّدُونَ“: مُحَلَّوْنَ، عَلَيْهِمُ الحِلى، ويُقالُ لِجَماعَةِ الحِلى: ”اَلْخَلَدَةُ“.
وَقَوْلُهُ: ﴿حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾، أيْ: هم في حُسْنِ ألْوانِهِمْ وصَفائِها كاللُّؤْلُؤِ المَنثُورِ.
الإنسان 76:20
قَوْلُهُ: ﴿وَإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ ”مُلْكًا كَبِيرًا“: أنَّهم تُسَلِّمُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ، وجاءَ أيْضًا: تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ، و”ثَمَّ“، يُعْنى بِهِ الجَنَّةُ، والعامِلُ في ”ثَمَّ“، مَعْنى ”رَأيْتَ“، اَلْمَعْنى: ”وَإذا رَأيْتَ بِبَصَرِكَ ثَمَّ“، وقِيلَ: اَلْمَعْنى: ”وَإذا رَأيْتَ ما ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا“، وهَذا غَلَطٌ، لِأنَّ ”ما“، مَوْصُولَةٌ بِقَوْلِهِ: ”ثَمَّ“، عَلى هَذا التَّفْسِيرِ، ولا يَجُوزُ إسْقاطُ المَوْصُولِ وتَرْكُ الصِّلَةِ، ولَكِنْ ”رَأيْتَ“، يَتَعَدّى في المَعْنى إلى ”ثَمَّ“ .
الإنسان 76:21
وَقَوْلُهُ: ”عالِيهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ“، بِإسْكانِ الياءِ، وقُرِئَتْ: ﴿عالِيَهُمْ﴾، بِفَتْحِ الياءِ، وقُرِئَتْ: ”عَلَيْهِمْ“، بِغَيْرِ ألِفٍ، ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ تُوافِقُ المُصْحَفَ، وكُلُّها حَسَنٌ في العَرَبِيَّةِ، وقُرِئَ عَلى وجْهَيْنِ غَيْرِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، قُرِئَتْ: ”عالِيَتُهم ثِيابُ سُنْدُسٍ“، بِالرَّفْعِ، والتَّأْنِيثِ، و”عالِيَتَهُمْ“، بِالنَّصْبِ، وهَذانِ الوَجْهانِ جَيِّدانِ في العَرَبِيَّةِ، إلّا أنَهَما يُخالِفانِ (p-٢٦٢)المُصْحَفَ، ولا أرى القِراءَةَ بِهِما، وقُرّاءُ الأمْصارِ لَيْسَ يَقْرَؤُونَ بِهِما، فَأمّا تَفْسِيرُ إسْكانِ ”عالِيهِمْ“، بِإسْكانِ الياءِ، فَيَكُونُ رَفْعُهُ بِالِابْتِداءِ، ويَكُونُ خَبَرُهُ ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾، ومَن نَصَبَ فَقالَ: ﴿عالِيَهُمْ﴾، بِفَتْحِ الياءِ، فَقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إنَّهُ يَنْصِبُهُ عَلى الظَّرْفِ، كَما تَقُولُ: ”فَوْقَهم ثِيابٌ“، وهَذا لا نَعْرِفُهُ في الظُّرُوفِ، ولَوْ كانَ ظَرْفًا لَمْ يَجُزْ إسْكانُ الياءِ، ولَكِنَّ نَصْبَهُ عَلى الحالِ مِن شَيْئَيْنِ، أحَدُهُما مِنَ الهاءِ والمِيمِ، المَعْنى: ”يَطُوفُ عَلى الأبْرارِ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ عالِيًا الأبْرارَ ثِيابُ سُنْدُسٍ“، لِأنَّهُ قَدْ وصَفَ أحْوالَهم في الجَنَّةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ”يَطُوفُ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الحالِ هَؤُلاءِ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الوِلْدانِ، المَعْنى: ”إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا في حالِ عُلُوِّ الثِّيابِ إيّاهُمْ“، فالنَّصْبُ عَلى هَذا بَيِّنٌ، فَأمّا ”عَلَيْهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ“، فَرَفْعٌ، كَقَوْلِكَ: ”عَلَيْكَ مالٌ“، فَتَرْفَعُهُ بِالِابْتِداءِ، ويَكُونُ المَعْنى: ”وَثِيابُ سُنْدُسٍ عَلَيْهِمْ“، وتَفْسِيرُ نَصْبِ ”عالِيَتَهُمْ“، ورَفْعِها كَتَفْسِيرِ ”عالِيَهُمْ“، و”اَلسُّنْدُسُ“: اَلْحَرِيرُ، وقَدْ قُرِئَتْ: ”خُضْرٌ“، و”خُضْرٍ“، فَمَن قَرَأ: ”خُضْرٌ“، فَهو أحْسَنُ، لِأنَّهُ يَكُونُ نَعْتًا لِلثِّيابِ، فَلَفْظُ الثِّيابِ لَفْظُ الجَمِيعِ، و”خُضْرٌ“، لَفْظُها لَفْظُ الجَمْعِ، ومَن قَرَأ: ”خُضْرٍ“، فَهو مِن نَعْتِ السُّنْدُسِ، و”اَلسُّنْدُسُ“، في المَعْنى راجِعٌ إلى الثِّيابِ، وقُرِئَتْ: ”وَإسْتَبْرَقٌ“، وهو الدِّيباجُ الصَّفِيقُ الغَلِيظُ الخَشِنُ، وقُرِئَتْ بِالرَّفْعِ، والجَرِّ، فَمَن رَفَعَ فَهو عَطْفٌ عَلى ”ثِيابُ“، اَلْمَعْنى: ”عَلَيْهِمْ إسْتَبْرَقٌ“، ومَن جَرَّ عَطَفَ عَلى السُّنْدُسِ، ويَكُونُ المَعْنى: ”عَلَيْهِمْ ثِيابٌ مِن هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، ثِيابُ سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ“، وقُرِئَتْ: ”وَإسْتَبْرَقَ“، عَلى وجْهَيْنِ غَيْرِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، كِلاهُما ضَعِيفٌ في العَرَبِيَّةِ جِدًّا، قُرِئَتْ: ”وَإسْتَبْرَقَ وحُلُّوا“، بِنَصْبِ ”إسْتَبْرَقَ“، وهو في مَوْضِعِ الجَرِّ، ولَمْ يُصْرَفْ، قَرَأها ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وزَعَمُوا أنَّهُ لَمْ يَصْرِفْهُ لِأنَّ ”وَإسْتَبْرَقَ“، اِسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وأصْلُهُ بِالفارِسِيَّةِ: ”اِسْتَبْرَهُ“، فَلَمّا حُوِّلَ إلى العَرَبِيَّةِ لَمْ يُصْرَفْ، وهَذا غَلَطٌ، لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، ألا تَرى أنَّ الألِفَ واللّامَ يَدْخُلانِهِ؟ تَقُولُ: ”اَلسُّنْدُسُ والإسْتَبْرَقُ“، والوَجْهُ الثّانِي: ”واسْتَبْرَقَ وحُلُّوا“، بِطَرْحِ الألِفِ، جَعَلَ الألِفَ ألِفَ (p-٢٦٣)وَصْلٍ، وجَعَلَهُ مُسَمًّى بِالفِعْلِ مِنَ البَرِيقِ، وهَذا خَطَأٌ، لِأنَّ الإسْتَبْرَقَ مَعْرُوفٌ مَعْلُومٌ أنَّهُ اسْمٌ نُقِلَ مِنَ العَجَمِيَّةِ إلى العَرَبِيَّةِ، كَما سُمِّيَ الدِّيباجُ، وهو مَنقُولٌ مِنَ الفارِسِيَّةِ.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهم إذا شَرِبُوهُ ضَمُرَتْ بُطُونُهُمْ، ورَشَحَتْ جُلُودَهم عَرَقًا كَرائِحَةِ المِسْكِ، وقِيلَ إنَّهُ طَهُورٌ لَيْسَ بِرِجْسٍ كَخَمْرِ الدُّنْيا.
الإنسان 76:24
قَوْلُهُ: ﴿وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾، ”أوْ“، هَهُنا، أوْكَدُ مِنَ الواوِ، لِأنَّ الواوَ إذا قُلْتَ: ”لا تُطِعْ زَيْدًا وعَمْرًا“، فَأطاعَ أحَدَهُما كانَ غَيْرَ عاصٍ، لِأنَّهُ أمَرَهُ ألّا يُطِيعَ الِاثْنَيْنِ، فَإذا قالَ ﴿وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾، ”أوْ“، قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ لِأنْ يُعْصى، وكَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: ”لا تُخالِفِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ“، أوْ: ”اِتَّبِعِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ“، فَقَدَ قُلْتَ: ”هَذانِ أهْلٌ أنْ يُتَّبَعا“، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ، وقَدْ فَسَّرْنا مِثْلَ هَذا التَّفْسِيرِ في غَيْرِ هَذا الحَرْفِ في أوَّلِ سُورَةِ ”اَلْبَقَرَةِ“، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧]، إلى آخِرِ الآيَةِ، وبَعْدَ ذَلِكَ ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩]، وتَأْوِيلُهُ مِثْلُهُمْ، لِأنَّكَ إنْ جَعَلْتَ مَثَلَهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا، أوْ مَثَّلْتَهم بِالصَّيِّبِ، أوْ بِهِما جَمِيعًا، فَأنْتَ مُصِيبٌ.
الإنسان 76:25
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلا﴾، ”اَلْأصِيلُ“: اَلْعَشِيُّ، يُقالُ: ”قَدْ أصَلْنا“"، إذا دَخَلُوا في الأصِيلِ، وهو العَشِيُّ.
الإنسان 76:28
قَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾، ”أسْرَهُمْ“، خَلْقَهُمْ، جاءَ في التَّفْسِيرِ أيْضًا: مَفاصِلَهم.
الإنسان 76:30
(p-٢٦٤)وَقَوْلُهُ ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، أيْ: لَسْتُمْ تَشاؤُونَ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ.
الإنسان 76:31
﴿والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾، نُصِبَ ”الظّالِمِينَ“، لِأنَّ قَبْلَهُ مَنصُوبًا، المَعْنى: ”يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا“، ويَكُونُ ﴿أعَدَّ لَهُمْ﴾، تَفْسِيرًا لِهَذا المُضْمَرِ، وقُرِئَتْ: ”والظّالِمُونَ“، ولا أرى القِراءَةَ بِها، مِن وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: خِلافُ المُصْحَفِ، والآخَرُ إنْ كانَتْ تَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ عَلى أنْ يُرْفَعَ ”اَلظّالِمِينَ“، بِالِابْتِداءِ، والَّذِي بَعْدَ ”اَلظّالِمِينَ“، خَبَرُ الِابْتِداءِ، فَإنَّ الِاخْتِيارَ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ البَصْرِيِّينَ النَّصْبُ، يَقُولُ النَّحْوِيُّونَ: ”أعْطَيْتُ زَيْدًا وعَمْرًا أعَدَدْتُ لَهُ بُرًّا“، فَيَخْتارُونَ النَّصْبَ عَلى مَعْنى: ”وَبَرَرْتُ عَمْرًا“، و”أبَرُّ عَمْرًا أعْدَدْتُ لَهُ بُرًّا“، فَلا يَخْتارُونَ لِلْقُرْآنِ إلّا أجْوَدَ الوُجُوهِ، وهَذا مَعَ مُوافَقَةِ المُصْحَفِ.
المرسلات 77:1
(p-٢٦٥)سُورَةُ اَلْمُرْسَلاتِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قالَ أبُو إسْحاقَ: قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها الرِّياحُ أُرْسِلَتْ كَعُرْفِ الفَرَسِ، وكَذَلِكَ: ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ [المرسلات: ٢] ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ [المرسلات: ٣]، اَلرِّياحُ تَأْتِي بِالمَطَرِ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان: ٤٨]
المرسلات 77:4
وَقَوْلُهُ: ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾، يُعْنى بِهِ المَلائِكَةُ، جاءَتْ بِما يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ، والباطِلِ، وكَذَلِكَ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات: ٥]، يَعْنِي المَلائِكَةَ، وقِيلَ في تَفْسِيرِ ﴿والمُرْسَلاتِ﴾ [المرسلات: ١] إنَّها المَلائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالمَعْرُوفِ، وقِيلَ إنَّها لِعُرْفِ الفَرَسِ، وقِيلَ: ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ [المرسلات: ٢]، اَلْمَلائِكَةُ، تَعْصِفُ بِرُوحِ الكافِرِ، والباقِي إلى آخِرِ الآياتِ يُعْنى بِهِ المَلائِكَةُ أيْضًا، وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١]، يَعْنِي بِهِ الرُّسُلُ، ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ [المرسلات: ٢]، اَلرِّياحَ، ﴿والنّاشِراتِ نَشْرًا﴾ [المرسلات: ٣]، الرِّياحَ، ﴿فالفارِقاتِ فَرْقًا﴾ - عَلى هَذا التَّفْسِيرِ - الرُّسُلَ أيْضًا، وكَذَلِكَ ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات: ٥]، وهَذِهِ كُلُّها مَجْرُورَةٌ عَلى جِهَةِ القَسَمِ، وجَوابُ القَسَمِ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ [المرسلات: ٧] (p-٢٦٦)وَقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: اَلْمَعْنى: ”وَرَبِّ المُرْسَلاتِ، وهَذِهِ الأشْياءِ“، كَما قالَ: ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: ٢٣]، وقُرِئَتْ: ”عَرْفًا“، و”عُرْفًا“، والمَعْنى واحِدٌ في العُرْفِ، والعَرْفِ.
المرسلات 77:6
وَقَوْلُهُ: ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾، وقُرِئَتْ: ”عُذُرًا أوْ نُذُرًا“، فَمَعْناهُما المَصْدَرُ، و”اَلْعُذْرُ“، و”اَلْعُذارُ“، بِمَعْنًى واحِدٍ، ونُصِبَ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾، عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما مَفْعُولٌ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ”ذِكْرًا“، اَلْمَعْنى: ”فالمُلْقِياتِ عُذْرًا أوْ نُذْرًا“، ويَكُونُ نَصْبًا بِـ ”ذِكْرًا“، فالمَعْنى: ”فالمُلْقِياتِ أنْ ذَكَرَتْ عُذْرًا أوْ نُذْرًا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نُصِبَ ”عُذْرًا أوْ نُذْرًا“، عَلى المَفْعُولِ لَهُ، فَيَكُونَ المَعْنى: ”فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا لِلْإعْذارِ والإنْذارِ“.
المرسلات 77:8
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾، مَعْناهُ: ”أُذْهِبَتْ وغُطِّيَتْ“.
المرسلات 77:9
﴿وَإذا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾، مَعْناهُ: ”شُقَّتْ“، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]
المرسلات 77:10
﴿وَإذا الجِبالُ نُسِفَتْ﴾، ذَهَبَ بِها كُلِّها بِسُرْعَةٍ، يُقالُ: ”اِنْتَسَفْتُ الشَّيْءَ“، إذا أخَذْتُهُ كُلَّهُ بِسُرْعَةٍ.
المرسلات 77:11
﴿وَإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾، وقُرِئَتْ: ”وُقِّتَتْ“، بِالواوِ، والمَعْنى واحِدٌ، فَمَن قَرَأ: ﴿أُقِّتَتْ﴾، بِالهَمْزِ، فَإنَّهُ أبْدَلَ الهَمْزَةَ مِنَ الواوِ، لِانْضِمامِ الواوِ، فَكُلُّ واوٍ انْضَمَّتْ، وكانَتْ ضَمَّتُها لازِمَةً، جازَ أنْ تُبْدَلَ مِنها هَمْزَةٌ، ومَعْنى ”وُقِّتَتْ“: جُعِلَ لَها وقْتٌ وأجَلٌ.
المرسلات 77:12
قَوْلُهُ: ﴿لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾، (p-٢٦٧)ثُمَّ بَيَّنَ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣]، أيْ: أُجِّلَ القَضاءُ فِيما بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَمِ لِيَوْمِ الفَصْلِ.
المرسلات 77:15
قَوْلُهُ: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾، ”وَيْلٌ“، مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، و”لِّلْمُكَذِّبِينَ“، اَلْخَبَرُ، ويَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ: ”وَيْلًا يَوْمَئِذٍ“، ولا يُجِيزُهُ القُرّاءُ لِمُخالَفَةِ المُصْحَفِ.
المرسلات 77:16
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ [المرسلات: ١٧]، عَلى الِاسْتِئْنافِ، ويُقْرَأُ: ”ثُمَّ نُتْبِعْهُمْ“، بِالجَزْمِ، عُطِفَ عَلى ”نُهْلِكِ“، ويَكُونُ المَعْنى: ”ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ“، أيْ: أوَّلًا وآخِرًا، ومَن رَفَعَ فَعَلى مَعْنى: "ثُمَّ نُتْبِعُ الأوَّلَ الآخِرَ مِن كُلِّ مُجْرِمٍ.
المرسلات 77:18
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾، مَوْضِعُ الكافِ نَصْبٌ، المَعْنى: ”مِثْلَ ذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ“.
المرسلات 77:25
قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾، ”كِفاتًا“: ذاتَ جَمْعٍ، المَعْنى: ”تَضُمُّهم أحْياءً عَلى ظُهُورِها، وأمْواتًا في بَطْنِها“، و”أحْياءً“، مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿كِفاتًا﴾، يُقالُ: ”كَفَتُّ الشَّيْءَ أكْفِتُهُ“، إذا جَمَعْتُهُ وضَمَمْتُهُ، ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ [المرسلات: ٢٧]، أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ، يُقالُ: ”رَسا الشَّيْءُ، يَرْسُو“، إذا ثَبَتَ، ﴿شامِخاتٍ﴾ [المرسلات: ٢٧]، مُرْتَفِعاتٍ، ﴿وَأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ [المرسلات: ٢٧]، أيْ: عَذْبًا.
المرسلات 77:26
قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾، ”كِفاتًا“: ذاتَ جَمْعٍ، المَعْنى: ”تَضُمُّهم أحْياءً عَلى ظُهُورِها، وأمْواتًا في بَطْنِها“، و”أحْياءً“، مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿كِفاتًا﴾، يُقالُ: ”كَفَتُّ الشَّيْءَ أكْفِتُهُ“، إذا جَمَعْتُهُ وضَمَمْتُهُ، ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾ [المرسلات: ٢٧]، أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ، يُقالُ: ”رَسا الشَّيْءُ، يَرْسُو“، إذا ثَبَتَ، ﴿شامِخاتٍ﴾ [المرسلات: ٢٧]، مُرْتَفِعاتٍ، ﴿وَأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ [المرسلات: ٢٧]، أيْ: عَذْبًا.
المرسلات 77:29
قَوْلُهُ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾، يُعْنى النّارُ، لِأنَّهم كَذَّبُوا بِالبَعْثِ، والنُّشُورِ، والنّارِ، ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠]، (p-٢٦٨)يُعْنى بِالظِّلِّ هَهُنا: دُخانُ جَهَنَّمَ، ثُمَّ أعْلَمَ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ لَيْسَ بِظَلِيلٍ، ولا يَدْفَعُ مِن لَهَبِ النّارِ شَيْئًا، فَقالَ: ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣١] ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢]، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ القَصْرُ مِن هَذِهِ القُصُورِ، وقِيلَ: ”اَلْقَصْرُ“: جَمْعُ ”قَصَرَةٌ“، وهو الغَلِيظُ مِنَ الشَّجَرِ، وقُرِئَتْ: ”كالقَصَرِ“، بِفَتْحِ الصّادِ، جَمْعُ ”قَصَرَةٌ“، أيْ: كَأنَّها أعْناقُ الإبِلِ.
المرسلات 77:33
وَقَوْلُهُ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾، يَقْرَأُ: ”جِمالَت“، و”جُمالاتٌ“، بِضَمِّ الجِيمِ وكَسْرِها، يُعْنى أنَّ الشَّرَرَ كالجِمالِ السُّودِ، يُقالُ لِلْإبِلِ الَّتِي هي سُودٌ، تَضْرِبُ إلى الصُّفْرَةِ: ”إبِلٌ صُفْرٌ“، فَمَن قَرَأ: ”جِمالَت“، بِالكَسْرِ، فَهو جَمْعُ ”جِمالٌ“، كَما تَقُولُ: ”بُيُوتٌ و“بُيُوتاتٌ”، وهو جَمْعُ الجَمْعِ، ومَن قَرَأ:“جُمالاتٌ”، بِالضَّمِّ، فَهو جَمْعُ“جُمالَةٌ”، وهو القَلْسُ مِن قُلُوسِ سُفُنِ البَحْرِ، ويُقالُ كالقَلْسِ مِن قُلُوسِ الجِسْرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ“جَمَلٌ”، و“جِمالٌ”، و“جُمالاتٌ”، كَما قِيلَ:“رِجالٌ”، جَمْعُ“رَجُلٌ”، وقُرِئَتْ:“ جِمالَت صُفْرٌ ”، عَلى جَمْعِ“جَمَلٌ”، و“جِمالَةٌ”، كَما قِيلَ:“حَجَرٌ”، و“حِجارَةٌ”، و“ذَكَرٌ”، و“ذِكارَةٌ”، وقُرِئَتْ:“جُمالَةٌ صُفْرٌ”، عَلى ما فَسَّرْنا في“جُمالاتٌ".
المرسلات 77:35
وَقَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾، يَوْمُ القِيامَةِ لَهُ مَواطِنُ ومَواقِيتُ، فَهَذا مِنَ المَواقِيتِ الَّتِي لا يَتَكَلَّمُونَ فِيها.
المرسلات 77:36
وَقَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾، يَوْمُ القِيامَةِ لَهُ مَواطِنُ ومَواقِيتُ، فَهَذا مِنَ المَواقِيتِ الَّتِي لا يَتَكَلَّمُونَ فِيها.
المرسلات 77:38
وَقَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾، أيْ: هَذا يَوْمٌ يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ، والنّارِ، وأهْلِ الحَقِّ، والباطِلِ.
المرسلات 77:43
وَقَوْلُهُ: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، (p-٢٦٩)هَهُنا إضْمارُ القَوْلِ، المَعْنى: ”إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ، يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ“.
المرسلات 77:48
قَوْلُهُ: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾، إذا أُمِرُوا بِالصَّلاةِ لَمْ يُصَلُّوا.
المرسلات 77:50
وَقَوْلُهُ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾، أيْ: فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ القُرْآنِ الَّذِي أتاهم فِيهِ البَيانُ، وأنَّهُ مُعْجِزَةٌ، وهو آيَةٌ قائِمَةٌ، دَلِيلَةٌ عَلى الإسْلامِ، مِمّا جاءَ بِهِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ؟! (p-٢٧٠)
النبأ 78:1
(p-٢٧١)سُورَةُ اَلنَّبَإ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾، أصْلُهُ: ”عَنْ ما يَتَساءَلُونَ؟!، فَأُدْغِمَتِ النُّونُ في المِيمِ، لِأنَّ المِيمَ تَشْرِكُ النُّونَ في الغُنَّةِ في الأنْفِ، وقَدْ فَسَّرْنا لِمَ حُذِفَتِ الألِفُ فِيما مَضى مِنَ الكِتابِ، والمَعْنى:“عَنْ أيِّ شَيْءٍ يَتَساءَلُونَ؟!”، فاللَّفْظُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى تَفْخِيمُ القِصَّةِ، كَما تَقُولُ:“أيُّ شَيْءٍ زَيْدٌ"، ثُمَّ بَيَّنَ فَقالَ: ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ [النبإ: ٢]، قِيلَ هو القُرْآنُ، وقِيلَ: عَنِ البَعْثِ، وقِيلَ: عَنْ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ [النبإ: ١٧]، يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يَتَساءَلُونَ عَنِ البَعْثِ.
النبأ 78:4
وَقَوْلُهُ: ﴿كَلا سَيَعْلَمُونَ﴾، وقُرِئَتْ: ”كَلّا سَتَعْلَمُونَ“، بِالتّاءِ، والَّذِي عَلَيْهِ القُرّاءُ: ”كَلّا سَيَعْلَمُونَ“، بِالياءِ، وهو أجْوَدُ، والتّاءُ تُرْوى عَنِ الحَسَنِ.
النبأ 78:6
وَقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾، وقُرِئَتْ: ”مَهْدًا“، وأكْثَرُ القُرّاءِ يَقْرَؤُونَها: ﴿مِهادًا﴾، والمَعْنى واحِدٌ، وتَأْوِيلُهُ: إنّا ذَلَّلْناها لَهم حَتّى سَكَنُوها، وسارُوا في مَناكِبِها.
النبأ 78:8
(p-٢٧٢)وَقَوْلُهُ: ﴿وَخَلَقْناكم أزْواجًا﴾، خَلَقَ الذَّكَرَ، والأُنْثى، وقِيلَ: أزْواجًا: أيْ: ألْوانًا.
النبأ 78:9
﴿وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾، و”اَلسُّباتُ“: أنْ يَنْقَطِعَ عَنِ الحَرَكَةِ، والرُّوحُ في بَدَنِهِ، أيْ: جَعَلْنا نَوْمَكم راحَةً لَكم.
النبأ 78:10
﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾، أيْ: تَسْكُنُونَ فِيهِ، وهو مُشْتَمِلٌ عَلَيْكم.
النبأ 78:12
﴿وَبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا﴾، أيْ: سَبْعَ سَماواتٍ.
النبأ 78:13
﴿وَجَعَلْنا سِراجًا وهّاجًا﴾، أيْ: جَعَلْنا فِيها الشَّمْسَ سِراجًا، وتَأْوِيلُ ﴿وَهّاجًا﴾ وقّادًا.
النبأ 78:14
﴿وَأنْـزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾، ”اَلْمُعْصِراتُ“: اَلسَّحائِبُ، لِأنَّها تَعْصِرُ الماءَ، وقِيلَ: ”اَلْمُعْصِراتُ“: كَما يُقالُ: ”قَدْ أُجِزَّ الزَّرْعُ، فَهو مُجَزٌّ“، إذا صارَ إلى أنْ يُمْطَرَ، فَقَدْ أعْصَرَ، ومَعْنى ”ثَجّاجٌ“: صَبّابٌ.
النبأ 78:15
﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا﴾، كُلُّ ما حُصِدَ فَهو حَبٌّ، وكُلُّ ما أكَلَتْهُ الماشِيَةُ مِنَ الكَلَإ فَهو نَباتٌ.
النبأ 78:16
﴿وَجَنّاتٍ ألْفافًا﴾، أيْ: وبَساتِينَ مُلْتَفَّةً، فَأعْلَمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ما خَلَقَ، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى البَعْثِ، فَقالَ: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ [النبإ: ١٧]
النبأ 78:18
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾، بَدَلٌ مِن ”يَوْمَ الفَصْلِ“، إنْ شِئْتَ كانَ مُفَسِّرًا لِـ ”يَوْمَ الفَصْلِ“، وقَدْ فَسَّرْنا ”اَلصُّورُ“، فِيما مَضى، ﴿فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾، أيْ: تَأْتِي كُلُّ أُمَّةٍ مَعَ إمامِهِمْ.
(p-٢٧٣)﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبإ: ١٩]، أيْ: تَشَقَّقَتْ كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١]، ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]
النبأ 78:21
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ ﴿لِلطّاغِينَ مَآبًا﴾، أيْ: يَرْصُدُ أهْلَ الكُفْرِ ومَن حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ، تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ، فَلا يُجاوِزُها مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، ومَعْنى ﴿مَآبًا﴾، إلَيْها يُرْجَعُونَ.
النبأ 78:22
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ ﴿لِلطّاغِينَ مَآبًا﴾، أيْ: يَرْصُدُ أهْلَ الكُفْرِ ومَن حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ، تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ، فَلا يُجاوِزُها مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، ومَعْنى ﴿مَآبًا﴾، إلَيْها يُرْجَعُونَ.
النبأ 78:23
وَقَوْلُهُ: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾، و”لَبِثِينَ“، يُقالُ: ”لَبِثَ الرَّجُلُ، فَهو لابِثٌ“، ويُقالُ: ”هُوَ لُبْثٌ بِمَكانِ كَذا“، أيْ: صارَ اللُّبْثُ شَأْنَهُ، و”اَلْأحْقابُ“، واحِدُها ”حُقْبٌ“، و”اَلْحُقْبُ“: ثَمانُونَ سَنَةً، كُلُّ سَنَةٍ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، وكُلُّ شَهْرٍ ثَلاثُونَ يَوْمًا، وكُلُّ يَوْمٍ مِقْدارُهُ ألْفُ سَنَةٍ مِن سِنِيِّ الدُّنْيا، والمَعْنى أنَّهم يَلْبَثُونَ أحْقابًا لا يَذُوقُونَ في الأحْقابِ بَرْدًا ولا شَرابًا، وهم خالِدُونَ في النّارِ أبَدًا، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ”خالِدِينَ فِيها أبَدًا“ .
النبأ 78:24
وَمَعْنى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا﴾، قِيلَ: نَوْمًا، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ: "لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدَ رِيحٍ، ولا ظِلٍّ، ولا نَوْمٍ.
النبأ 78:25
﴿إلا حَمِيمًا وغَسّاقًا﴾، أيْ: لا يَذُوقُونَ فِيها إلّا حَمِيمًا، وهو في غايَةِ الحَرارَةِ.
(p-٢٧٤)وَ”اَلْغَسّاقُ“: قِيلَ: ما يَغْسِقُ مِن جُلُودِهِمْ، أيْ: يَسِيلُ، وقِيلَ: ”اَلْغَسّاقُ“: اَلشَّدِيدُ البَرْدِ.
النبأ 78:26
﴿جَزاءً وِفاقًا﴾، أيْ: جُوزُوا وِفْقَ أعْمالِهِمْ.
النبأ 78:27
﴿إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا﴾، أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، ولا بِأنَّهم يُحاسَبُونَ، ويَرْجُونَ ثَوابَ حِسابٍ.
النبأ 78:28
﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾، هَذا أكْثَرُ القِراءَةِ، وقَدْ قُرِئَتْ: ”كِذابًا“، بِالتَّخْفِيفِ، و﴿كِذّابًا﴾، بِالتَّشْدِيدِ أكْثَرُ، وهو في مَصادِرِ ”فَعَّلْتُ“، أجْوَدُ مِن ”فِعالٌ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَقَدْ طالَ ما رَيَّثَتْنِي عَنْ صَحابَتِي ∗∗∗ وعَنْ حِوَجٍ قَضّاؤُها مِن شِفائِيا
مِن ”قَضَيْتُ قَضاءً“، ومِثَلُ ”كِذابًا“، بِالتَّخْفِيفِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَصَدَقْتُها وكَذَّبْتُها ∗∗∗ والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذابُهْ
النبأ 78:29
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ كِتابًا﴾، ”وَكُلَّ“، مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ”أحْصَيْناهُ كِتابًا“، اَلْمَعْنى: ”وَأحْصَيْنا كُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ“.
وَقَوْلُهُ: ﴿كِتابًا﴾، تَوْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ”أحْصَيْناهُ“، لِأنَّ مَعْنى ”أحْصَيْناهُ“: و”كَتَبْناهُ“، فِيما يَحْصُلُ ويَثْبُتُ، واحِدٌ، فالمَعْنى: ”كَتَبْناهُ كِتابًا“.
النبأ 78:34
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَكَأْسًا دِهاقًا﴾، أيْ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ”لا يَرْجُونَ ثَوابَ حِسابٍ“، فَهُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ.
(p-٢٧٥)قالَ أبُو إسْحاقَ: ”اَلْكَأْسُ كُلُّ إناءٍ فِيهِ شَرابٌ، فَهو كَأْسٌ، فَإذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَرابٌ، فَلَيْسَ بِكَأْسٍ، وكَذَلِكَ المائِدَةُ: ما كانَ عَلَيْها مِنَ الأخْوِنَةِ طَعامٌ فَهو مائِدَةٌ، ومَعْنى“دِهاقًا": مَلِيءٌ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أيْضًا أنَّها صافِيَةٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎يَلَذُّهُ بِكَأْسِهِ الدِّهاقُ
النبأ 78:36
وَقَوْلُهُ: ﴿جَزاءً مِن رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا﴾، مَنصُوبٌ بِمَعْنى ”إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا“، اَلْمَعْنى: ”جازاهم بِذَلِكَ جَزاءً“، وكَذَلِكَ ﴿عَطاءً حِسابًا﴾، لِأنَّ مَعْنى ”أعْطاهُمْ“، و”جَزاهُمْ“، واحِدٌ، و”حِسابًا“، مَعْناهُ: ما يَكْفِيهِمْ، أيْ: فِيهِ ما يَشْتَهُونَ، يُقالُ: ”أحْسَبَنِي كَذا وكَذا“، بِمَعْنى: كَفانِي.
النبأ 78:37
وَقَوْلُهُ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، قُرِئَتْ بِالجَرِّ، عَلى الصِّفَةِ مِن قَوْلِهِ: ”مِن رَبِّكَ رَبِّ“، وقُرِئَتْ: ”رَبُّ“، عَلى مَعْنى: ”هُوَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ“، وكَذَلِكَ قُرِئَتْ: ”اَلرَّحْمَنُ“، ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا﴾، بِالجَرِّ، والرَّفْعِ، وتَفْسِيرُها تَفْسِيرُ ”رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ“ .
النبأ 78:38
وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ ”اَلرُّوحُ“: خَلْقٌ، كالإنْسِ، ولَيْسَ هو إنْسًا، وقِيلَ: ”اَلرُّوحُ“: جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
النبأ 78:39
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا﴾، أيْ: مَرْجِعًا.
النبأ 78:40
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُ الكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ اقْتُصَّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، و”اَلْجَمّاءُ“: (p-٢٧٦)اَلَّتِي لا قَرْنَ لَها، ثُمَّ يَجْعَلُ اللَّهُ تَعالى الجَمِيعَ تُرابًا، وذَلِكَ التُّرابُ هو القَتَرَةُ الَّتِي تَرْهَقُ وُجُوهَ الكُفّارِ، وتَعْلُو وُجُوهَهُمْ، فَيَتَمَنّى الكافِرُ أنْ يَكُونَ تُرابًا، وقَدْ قِيلَ: إنَّ مَعْنى ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾، أيْ: لَيْتَنِي لَمْ أُبْعَثْ، كَما قالَ: ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥]
النازعات 79:1
(p-٢٧٧)سُورَةُ اَلنّازِعاتِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾، قِيلَ في التَّفْسِيرِ: يُعْنى بِهِ المَلائِكَةُ تَنْزِعُ رُوحَ الكافِرِ، وتَنْشَطُها، فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ أمْرُ خُرُوجِ نَفْسِهِ.
النازعات 79:2
(p-٢٧٧)سُورَةُ اَلنّازِعاتِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾، قِيلَ في التَّفْسِيرِ: يُعْنى بِهِ المَلائِكَةُ تَنْزِعُ رُوحَ الكافِرِ، وتَنْشَطُها، فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ أمْرُ خُرُوجِ نَفْسِهِ.
النازعات 79:3
وَقَوْلُهُ: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾، أرْواحُ المُؤْمِنِينَ تَخْرُجُ بِسُهُولَةٍ، وقِيلَ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات: ١]، القِسِيُّ، ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ [النازعات: ٢]، الأوْهاقُ، ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾، اَلسُّفُنُ، ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾، اَلْخَيْلُ.
النازعات 79:4
وَقَوْلُهُ: ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾، أرْواحُ المُؤْمِنِينَ تَخْرُجُ بِسُهُولَةٍ، وقِيلَ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات: ١]، القِسِيُّ، ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ [النازعات: ٢]، الأوْهاقُ، ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾، اَلسُّفُنُ، ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾، اَلْخَيْلُ.
النازعات 79:5
﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾
”فالمُدَبِّراتِ أمْرًا“ اَلْمَلائِكَةُ، جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ، وإسْرافِيلُ، ومَلَكُ المَوْتِ، فَجِبْرِيلُ بِالوَحْيِ، والتَّنْزِيلِ، ومِيكائِيلُ بِالقَطْرِ، والنَّباتِ، وإسْرافِيلُ لِلصُّورِ، ومَلَكُ المَوْتِ لِقَبْضِ الأرْواحِ، وقِيلَ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات: ١] اَلنُّجُومُ تَنْزِعُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، وكَذَلِكَ ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ [النازعات: ٣]، اَلنُّجُومُ تَسْبَحُ في الفَلَكِ، كَما قالَ: ﴿وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] (p-٢٧٨)وَكَذَلِكَ ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ [النازعات: ٤]، فَأمّا ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾، فالمَلائِكَةُ، وقِيلَ ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ [النازعات: ٤]، اَلْمَلائِكَةُ تَسْبِقُ الشَّياطِينَ بِالوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ، كُلُّ هَذا جاءَ في التَّفْسِيرِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ.
النازعات 79:6
وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٧]، ”تَرْجُفُ“: تَتَحَرَّكُ حَرَكَةً شَدِيدَةً، وقِيلَ: ”اَلرّاجِفَةُ“: اَلنَّفْخَةُ الأُولى الَّتِي تَمُوتُ مَعَها جَمِيعُ الخَلْقِ.
النازعات 79:7
وَقَوْلُهُ: ﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾، قِيلَ: اَلنَّفْخَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي تُبْعَثُ مَعَها الخَلْقُ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]، و”يَوْمَ“، مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى ”قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ“، ومَعْنى ”واجِفَةٌ“: شَدِيدَةُ الِاضْطِرابِ.
النازعات 79:9
﴿أبْصارُها خاشِعَةٌ﴾، ذَلِيلَةٌ، وجَوابُ ”والنّازِعاتِ“ - واللَّهُ أعْلَمُ - مَحْذُوفٌ، والمَعْنى كَأنَّهُ أقْسَمَ فَقالَ: ”وَهَذِهِ الأشْياءِ لَتُبْعَثُنَّ“، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَقُولُونَ أإنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ [النازعات: ١٠]، أيْ: ”إنّا نُرَدُّ في الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ إذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً؟“، أيْ: نُرَدُّ ونُبْعَثُ، ويُقالُ: ”رَجَعَ فُلانٌ في حافِرَتِهِ“، إذا رَجَعَ في الطَّرِيقِ الَّذِي جاءَ فِيهِ، وقُرِئَتْ: ”نَخِرَةً“، و”ناخِرَةً“، أكْثَرُ في القِراءَةِ، وأجْوَدُ، لِشَبَهِ آخِرِ الآيِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، ”اَلْحافِرَةِ“، (p-٢٧٩)وَ”ناخِرَةً“، و”خاسِرَةٌ“، و”نَخِرَةً“، جَيِّدَةٌ أيْضًا، يُقالُ: ”نَخِرَ العَظْمُ، يَنْخَرُ، فَهو نَخِرٌ“، مِثْلَ ”عَفِنَ الشَّيْءُ، يَعْفَنُ، فَهو عَفِنٌ“، و”ناخِرَةٌ“، عَلى مَعْنى: عِظامًا فارِغَةً يَصِيرُ فِيها مِن هُبُوبِ الرِّيحِ كالنَّخِيرِ، ويَجُوزُ ”ناخِرَةً“، كَما تَقُولُ: ”بَلِيَ الشَّيْءُ، وبَلِيَتِ العِظامُ، فَهي بالِيَةٌ“.
النازعات 79:12
﴿قالُوا تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾، أيْ: هَذِهِ الكَرَّةُ كَرَّةُ خُسْرانٍ، والمَعْنى: ”أهْلُها خاسِرُونَ“، ثُمَّ أعْلَمَ - عَزَّ وجَلَّ - سُهُولَةَ البَعْثِ عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ [النازعات: ١٣] ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤]، و”اَلسّاهِرَةُ“: وجْهُ الأرْضِ.
النازعات 79:16
وَقَوْلُهُ: ﴿بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾، أيْ: اَلْمُبارَكِ، وقُرِئَتْ: ”طُوى اذْهَبْ“، غَيْرَ مَصْرُوفَةٍ، و”طُوًى“، مُنَوَّنَةً، وقُرِئَتْ: ”طِوًى“، بِكَسْرِ الطّاءِ، و”طُوًى“، اِسْمُ الوادِي الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، فَمَن صَرَفَهُ فَهو بِمَنزِلَةِ ”نُغَرٌ“، و”صُرَدٌ“، إذا سَمَّيْتَ بِهِ مُذَكَّرًا، ومَن لَمْ يَصْرِفْهُ فَهو عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما أنْ يَكُونَ اسْمَ البُقْعَةِ الَّتِي هي مُشْتَمِلَةٌ عَلى الوادِي، كَما قالَ: ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص: ٣٠]، وقِيلَ: إنَّهُ مُنِعَ الصَّرْفَ، لِأنَّهُ مَعْدُولٌ، نَحْوَ: ”عُمَرُ“، فَكَأنَّ ”طُوى“، عُدِلَ عَنْ ”طاوٍ“، كَما أنَّ ”عُمَرُ“، عُدِلَ عَنْ ”عامِرٌ“، ومَن قالَ: ”طِوًى“، بِالكَسْرِ، فَعَلى مَعْنى: ”اَلْمُقَدَّسُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ“، كَما قالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ:
؎أعاذِلَ إنَّ اللَّوْمَ في غَيْرِ كُنْهِهِ ∗∗∗ عَلَيَّ طِوًى مِن غَيِّكِ المُتَرَدِّدِ
أيْ: إنَّ اللَّوْمَ المَكْرُورَ عَلَيَّ.
النازعات 79:20
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى﴾، (p-٢٨٠)يُعْنى أنَّهُ اليَدُ الَّتِي أخْرَجَها تَتَلَأْلَأُ مِن غَيْرِ سُوءٍ.
النازعات 79:25
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾، ”نَكالَ“، مَنصُوبٌ، مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، لِأنَّ مَعْنى ”أخَذَهُ اللَّهُ“: نَكَّلَ بِهِ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى، أيْ: أغْرَقَهُ في الدُّنْيا، ويُعَذِّبُهُ في الآخِرَةِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ ﴿نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ نَكالَ قَوْلِهِ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، وقَوْلِهِ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤]، فَنَكَّلَ اللَّهُ بِهِ نَكالَ هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ.
النازعات 79:27
قَوْلُهُ: ﴿أمِ السَّماءُ بَناها﴾، قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: ”بَناها“، مِن صِلَةِ ”اَلسَّماءُ“، اَلْمَعْنى: ”أمِ الَّتِي بَناها“، وقالَ قَوْمٌ: ”اَلسَّماءُ“، لَيْسَ مِمّا يُوصَلُ، ولَكِنَّ المَعْنى: ”أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ أشَدُّ خَلْقًا؟!“، ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ خَلَقَها، فَقالَ: ﴿بَناها﴾ ﴿رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ [النازعات: ٢٨] ﴿وَأغْطَشَ لَيْلَها﴾ [النازعات: ٢٩]، أيْ: أظْلَمَ لَيْلَها.
النازعات 79:29
﴿وَأخْرَجَ ضُحاها﴾: أظْهَرَ نُورَها بِالشَّمْسِ.
النازعات 79:30
وَقَوْلُهُ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾، اَلْقِراءَةُ عَلى نَصْبِ ”والأرْضَ“، عَلى مَعْنى: ”وَدَحا الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ“، وفَسَّرَ هَذا المُضْمَرَ فَقالَ ﴿دَحاها﴾، كَما تَقُولُ: ”ضَرَبْتُ زَيْدًا وعَمْرًا أكْرَمْتُهُ“، وقَدْ قُرِئَتْ: ”والأرْضُ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها“، عَلى الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ، والنَّصْبُ أجْوَدُ، لِأنَّكَ تَعْطِفُ بِفِعْلٍ عَلى فِعْلٍ أحْسَنُ، فَيَكُونُ عَلى مَعْنى بَناها، وفَعَلَ، وفَعَلَ، ودَحا الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ.
النازعات 79:32
قَوْلُهُ: ﴿والجِبالَ أرْساها﴾، (p-٢٨١)تَفْسِيرُ نَصْبِ الجِبالِ، كَتَفْسِيرِ نَصْبِ الأرْضِ، وكَذَلِكَ يَجُوزُ الرَّفْعُ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ في ”اَلْجِبالَ“، عَلى تَفْسِيرِ ”والأرْضُ“، ومَعْنى ﴿أرْساها﴾ أثْبَتَها.
النازعات 79:33
وَقَوْلُهُ: ﴿مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ﴾، نُصِبَ ”مَتاعًا لَّكم“، بِمَعْنى قَوْلِهِ: ”أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها لِلْإمْتاعِ لَكُمْ“، لِأنَّ مَعْنى ”أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها“: ”أمْتَعَ بِذَلِكَ“.
النازعات 79:34
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾، إذا جاءَتِ الصَّيْحَةُ الَّتِي تَطُمُّ كُلَّ شَيْءٍ، الصَّيْحَةُ الَّتِي يَقَعُ مَعَها البَعْثُ والحِسابُ والعِقابُ والعَذابُ والرَّحْمَةُ.
النازعات 79:37
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأمّا مَن طَغى﴾ ﴿وَآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [النازعات: ٣٨] ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٣٩]، هَذا جَوابُ ”فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى، فَإنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ“، ومَعْنى ”هِيَ المَأْوى“: أيْ: هي المَأْوى لَهُ، وقالَ قَوْمٌ: اَلْألِفُ واللّامُ بَدَلٌ مِنَ الهاءِ، المَعْنى: ”فَهِيَ مَأْواهُ“، لِأنَّ الألِفَ واللّامَ بَدَلٌ مِنَ الهاءِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِلْإنْسانِ: ”غُضَّ الطَّرْفَ يا هَذا“، فَلابَسَ الألِفَ واللّامَ بَدَلًا مِنَ الكافِ، وإنْ كانَ المَعْنى: ”غُضَّ طَرْفَكَ“، لِأنَّ المُخاطَبَ يَعْلَمُ أنَّكَ لا تَأْمُرُهُ بِغَضِّ طَرْفِ غَيْرِهِ"، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ ∗∗∗ فَلا كَعْبًا بَلَغْتَ ولا كِلابا
وَكَذَلِكَ مَعْنى ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤١]، عَلى ذَلِكَ التَّفْسِيرِ.
النازعات 79:42
وَقَوْلُهُ: ﴿أيّانَ مُرْساها﴾، مَعْناهُ: ”مَتى وُقُوعُها وقِيامُها؟“، ومَعْنى ﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ [النازعات: ٤٤]، أيْ: مُنْتَهى عِلْمِها.
النازعات 79:45
(p-٢٨٢)وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾، وقُرِئَتْ: ”مُنْذِرٌ“، بِالتَّنْوِينِ، عَلى مَعْنى: ”إنَّما أنْتَ في حالِ إنْذارِ مَن يَخْشاها، وتُنْذِرُ أيْضًا فِيما يُسْتَقْبَلُ مَن يَخْشاها“، و”مُفْعِلٌ“، و”فاعِلٌ“، إذا كانَ واحِدٌ مِنهُما - ومِمّا كانَ في مَعْناهُما - لِما يُسْتَقْبَلُ، ولِلْحالِ، نَوَّنْتَهُ، لِأنَّهُ يَكُونُ بَدَلًا مِنَ الفِعْلِ، والفِعْلُ لا يَكُونُ إلّا نَكِرَةً، وقَدْ يَجُوزُ حَذْفُ التَّنْوِينِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والمَعْنى مَعْنى ثُبُوتِهِ، يَعْنِي ثُبُوتَ التَّنْوِينِ، فَإذا كانَ لِما مَضى، فَهو غَيْرُ مُنَوَّنٍ البَتَّةَ، تَقُولُ: ”أنْتَ مُنْذِرٌ زَيْدًا“، أيْ: ”أنْتَ أنْذَرْتَ زَيْدًا“.
النازعات 79:46
وَقَوْلُهُ: ﴿إلا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾، هَذِهِ الألِفُ والهاءُ عائِدَةٌ عَلى ﴿عَشِيَّةً﴾، اَلْمَعْنى: ”إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها“: ”أوْ ضُحى العَشِيَّةِ“، فَأضَفْتَ الضُّحى إلى العَشِيَّةِ، والغَداةُ والعَشِيُّ والضَّحْوَةُ والضُّحى، لِلْيَوْمِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ، فَإذا قُلْتَ: ”أتَيْتُكَ صَباحًا ومَساءَهُ“، أوْ ”مَساءً وصَباحَهُ“، فالمَعْنى: ”أتَيْتُكَ صَباحًا ومَساءً يَلِي الصَّباحَ“، و”أتَيْتُكَ مَساءً وصَباحًا يَلِي المَساءَ“.
عبس 80:1
(p-٢٨٣)سُورَةُ عَبَسَ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾، ”أنْ“، في مَوْضِعِ نَصْبِ، مَفْعُولٌ لَهُ، اَلْمَعْنى: ”لِأنْ جاءَهُ الأعْمى“، وهَذِهِ الآياتُ وما بَعْدَها، إلى قَوْلِهِ ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ [عبس: ١٠]، نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، كانَ صارَ إلى النَّبِيِّ ﷺ والنَّبِيُّ يَدْعُو بَعْضُ أشْرافِ قُرَيْشٍ إلى الإسْلامِ، رَجاءَ أنْ يُسْلِمَ بِإسْلامِهِ غَيْرُهُ، فَتَشاغَلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِدُعائِهِ عَنِ الإقْبالِ عَلى عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أمِّ مَكْتُومٍ، فَأمَرَهُ اللَّهُ ألّا يَتَشاغَلَ عَنِ الإقْبالِ عَلى أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ بِغَيْرِهِ، فَقالَ: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [عبس: ٤]، ويُقْرَأُ: ”فَتَنْفَعُهُ الذِّكْرى“، فَمَن نَصَبَ فَعَلى جَوابِ ”لَعَلَّ“، ومَن رَفَعَ فَعَلى العَطْفِ عَلى ”يَزَّكّى“ .
عبس 80:2
(p-٢٨٣)سُورَةُ عَبَسَ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾، ”أنْ“، في مَوْضِعِ نَصْبِ، مَفْعُولٌ لَهُ، اَلْمَعْنى: ”لِأنْ جاءَهُ الأعْمى“، وهَذِهِ الآياتُ وما بَعْدَها، إلى قَوْلِهِ ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ [عبس: ١٠]، نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، كانَ صارَ إلى النَّبِيِّ ﷺ والنَّبِيُّ يَدْعُو بَعْضُ أشْرافِ قُرَيْشٍ إلى الإسْلامِ، رَجاءَ أنْ يُسْلِمَ بِإسْلامِهِ غَيْرُهُ، فَتَشاغَلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِدُعائِهِ عَنِ الإقْبالِ عَلى عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أمِّ مَكْتُومٍ، فَأمَرَهُ اللَّهُ ألّا يَتَشاغَلَ عَنِ الإقْبالِ عَلى أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ بِغَيْرِهِ، فَقالَ: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ [عبس: ٤]، ويُقْرَأُ: ”فَتَنْفَعُهُ الذِّكْرى“، فَمَن نَصَبَ فَعَلى جَوابِ ”لَعَلَّ“، ومَن رَفَعَ فَعَلى العَطْفِ عَلى ”يَزَّكّى“ .
عبس 80:5
وَقَوْلُهُ: ﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾، أيْ: أنْتَ تُقْبِلُ عَلَيْهِ، ويُقْرَأُ: ”تَصَّدّى“، فَمَن قَرَأ: ﴿تَصَدّى﴾، بِتَخْفِيفِ الصّادِ، فالأصْلُ: ”تَتَصَدّى“، ولَكِنْ حُذِفَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ لِاجْتِماعِ تاءَيْنِ، ومَن قَرَأ: تَصَّدّى، (p-٢٨٤)بِإدْغامِ التّاءِ، فالمَعْنى أيْضًا: ”تَتَصَدّى“، إلّا أنَّ التّاءَ أُدْغِمَتْ في الصّادِ، لِقُرْبِ المَخْرَجَيْنَ، مَخْرَجِ التّاءِ مِنَ الصّادِ.
عبس 80:6
وَقَوْلُهُ: ﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾، أيْ: أنْتَ تُقْبِلُ عَلَيْهِ، ويُقْرَأُ: ”تَصَّدّى“، فَمَن قَرَأ: ﴿تَصَدّى﴾، بِتَخْفِيفِ الصّادِ، فالأصْلُ: ”تَتَصَدّى“، ولَكِنْ حُذِفَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ لِاجْتِماعِ تاءَيْنِ، ومَن قَرَأ: تَصَّدّى، (p-٢٨٤)بِإدْغامِ التّاءِ، فالمَعْنى أيْضًا: ”تَتَصَدّى“، إلّا أنَّ التّاءَ أُدْغِمَتْ في الصّادِ، لِقُرْبِ المَخْرَجَيْنَ، مَخْرَجِ التّاءِ مِنَ الصّادِ.
عبس 80:7
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما عَلَيْكَ ألا يَزَّكّى﴾، أيْ: أيُّ شَيْءٍ عَلَيْكَ ألّا يُسْلِمَ مَن تَدْعُوهُ إلى الإسْلامِ؟!
عبس 80:10
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾، مَعْناهُ: ”تَتَشاغَلُ“، يُقالُ: ”لَهَيْتُ عَنِ الشَّيْءِ، ألْهى عَنْهُ“، إذا تَشاغَلْتُ عَنْهُ.
عبس 80:11
وَقَوْلُهُ: ﴿كَلا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾، يُعْنى بِهِ هَذِهِ المَوْعِظَةُ الَّتِي وعَظَ اللَّهُ بِها النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
عبس 80:12
﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾، ذُكِّرَ، لِأنَّ ”اَلْمَوْعِظَةُ“، و”اَلْوَعْظُ“، واحِدٌ، والمَعْنى راجِعٌ إلى حَمَلَةِ القُرْآنِ، المَعْنى: ”فَمَن شاءَ أنْ يَذْكُرَهُ ذَكَرَهُ“، ثُمَّ أخْبَرَ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ الكِتابَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ عِنْدَهُ، فَقالَ: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس: ١٣] ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١٤] ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥]، و”اَلسَّفَرَةُ“: اَلْكَتَبَةُ، يَعْنِي بِهِ المَلائِكَةَ، واحِدُهم ”سافِرٌ“، و”سَفَرَةٌ“، مِثْلَ: ”كاتِبٌ“، و”كَتَبَةٌ“، و”كافِرٌ“، و”كَفَرَةٌ“، وإنَّما قِيلَ لِلْكُتّابِ: ”سَفَرَةٌ“، ولِلْكاتِبِ: ”سافِرٌ“، لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهُ يُبَيِّنُ الشَّيْءَ ويُوَضِّحُهُ، يُقالُ: ”أسْفَرَ الصُّبْحُ“، إذا أضاءَ، و”سَفَرَتِ المَرْأةُ“، إذا كَشَفَتِ النِّقابَ عَنْ وجْهِها، ومِنهُ: ”سَفَرْتُ بَيْنَ القَوْمِ“، أيْ: كَشَفْتُ قَلْبَ هَذا، وقَلْبَ هَذا، لِأُصْلِحَ بَيْنَهم.
عبس 80:16
وَقَوْلُهُ: ﴿بَرَرَةٍ﴾، جَمْعُ ”بارٌّ“.
عبس 80:17
وَقَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾، يَكُونُ عَلى جِهَةِ لَفْظِ التَّعَجُّبِ، ويَكُونُ التَّعَجُّبُ مِمّا يُؤْمَرُ بِهِ الآدَمِيُّونَ.
(p-٢٨٥)وَيَكُونُ المَعْنى كَقَوْلِهِ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]، أيْ: اِعْجَبُوا أنْتُمْ مِن كُفْرِ الإنْسانِ، ويَجُوزُ عَلى مَعْنى التَّوْبِيخِ، ولَفْظُهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، أيْ: ”أيُّ شَيْءٍ أكْفَرَهُ؟!“، ثُمَّ بَيَّنَ مِن أمْرِهِ ما كانَ يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ مَعَهُ أنَّ اللَّهَ خالِقُهُ، وأنَّهُ واحِدٌ، فَقالَ: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨]، عَلى لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناهُ التَّقْرِيرُ، ثُمَّ بَيَّنَ فَقالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩]، اَلْمَعْنى: ”فَقَدَّرَهُ عَلى الِاسْتِواءِ“، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلا﴾ [الكهف: ٣٧]
عبس 80:20
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾، أيْ: هَداهُ السَّبِيلَ، إمّا شاكِرًا، وإمّا كَفُورًا.
عبس 80:21
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾، مَعْنى ”أقْبَرَهُ“: جَعَلَ لَهُ قَبْرًا يُوارى فِيهِ، يُقالُ: ”أقْبَرْتُ فُلانًا“، جَعَلْتُ لَهُ قَبْرًا، و”قَبَرْتُ فُلانًا“، دَفَنْتُهُ، فَأنا قابِرُهُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَوْ أسْنَدَتْ مَيْتًا إلى نَحْرِها ∗∗∗ عاشَ ولَمْ يُنْقَلْ إلى قابِرِ
عبس 80:22
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾، مَعْناهُ: بَعَثَهُ، يُقالُ: ”أنْشَرَ اللَّهُ المَوْتى، فَنُشِرُوا“، فالواحِدُ ”ناشِرٌ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎حَتّى يَقُولَ النّاسُ مِمّا رَأوْا ∗∗∗ يا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ النّاشِرِ
عبس 80:24
(p-٢٨٦)وَقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾، أيْ: فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ طَعامَهُ وطَعامَ جَمِيعِ الحَيَوانِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَبًا لِحَياتِهِمْ.
عبس 80:25
﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾، ويُقْرَأُ: ”إنّا صَبَبْنا“، فَمَن قَرَأ: ”إنّا“، فَعَلى الِابْتِداءِ والِاسْتِئْنافِ، ومَن قَرَأ: ”أنّا“، فَعَلى البَدَلِ مِنَ الطَّعامِ، ويَكُونُ ”إنّا“، في مَوْضِعِ جَرٍّ، المَعْنى: ”فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا“.
عبس 80:26
﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾، أيْ: بِالنَّباتِ.
عبس 80:27
﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾، و”اَلْحَبُّ“: كُلُّ ما حُصِدَ، كالحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، وكُلِّ ما يُتَغَذّى بِهِ مِن ذِي حَبٍّ، و”اَلْقَضْبُ“: اَلرُّطَبَةُ.
عبس 80:30
﴿وَحَدائِقَ غُلْبًا﴾، ”حَدائِقَ“، واحِدَتُها: ”حَدِيقَةٌ“، وهي البَساتِينُ، والشَّجَرُ المُلْتَفُّ، قَوْلُهُ ﴿غُلْبًا﴾، مَعْناهُ: مُتَكاثِفَةٌ، عِظامٌ.
عبس 80:31
﴿وَفاكِهَةً وأبًّا﴾، ”اَلْأبُّ“: جَمِيعُ الكَلَإ الَّذِي تَعْتَلِفُهُ الماشِيَةُ، وذَكَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِن آياتِهِ ما يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ في إنْشاءِ ما يَغْذُو جَمِيعَ الحَيَوانِ.
عبس 80:32
وَقَوْلُهُ: ﴿مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ﴾، مَنصُوبٌ، مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: ”فَأنْبَتْنا فِيها الأشْياءَ الَّتِي ذُكِرَتْ“، لِأنَّ إنْباتَهُ هَذِهِ الأشْياءَ قَدْ أمْتَعَ بِها الخَلْقَ مِنَ النّاسِ وجَمِيعِ الحَيَوانِ.
عبس 80:33
وَقَوْلُهُ، ﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾، (p-٢٨٧)الَّتِي تَكُونُ عَلَيْها القِيامَةُ، تَصِخُّ الأسْماعَ، أيْ: تُصِمُّها، فَلا يُسْمَعُ إلّا ما يُدْعى فِيهِ لِإحْيائِها، ثُمَّ فَسَّرَ في أيِّ وقْتٍ تَجِيءُ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤]، إلى قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، بِالغَيْنِ مُعْجَمَةً، وقَدْ قُرِئَتْ: ”شَأْنٌ يُعْنِيهِ“، أيْ: شَأْنٌ لا يُهِمُّهُ مَعَهُ غَيْرُهُ، وكَذَلِكَ ”يُغْنِيهِ“، لا يَقْدِرَ مَعَ الِاهْتِمامِ بِهِ عَلى الِاهْتِمامِ بِغَيْرِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أحْوالَ المُؤْمِنِينَ، والكافِرِينَ، فَوَصَفَ أحْوالَ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩]، ”مُسْفِرَةٌ“: مُضِيئَةٌ، قَدْ عَلِمَتْ ما لَها مِنَ الفَوْزِ والنَّعِيمِ، ووَصْفَ الكُفّارَ وأهْلَ النّارِ فَقالَ: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١]، أيْ: غَبَرَةٌ يَعْلُوها سَوادٌ كالدُّخانِ، ثُمَّ بَيَّنَ مَن أهْلُ هَذِهِ الحالِ، فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٢] (p-٢٨٨)
التكوير 81:1
(p-٢٨٩)سُورَةُ اَلتَّكْوِيرِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، مَعْنى ﴿كُوِّرَتْ﴾ جُمِعَ ضَوْؤُها ولُفَّتْ، كَما تَلَفُّ العِمامَةَ، يُقالُ: ”كُرْتُ العِمامَةَ عَلى رَأْسِي، أكُورُها“، و”كَوَّرْتُها أُكَوِّرُها“، إذا لَفَفْتُها.
التكوير 81:2
﴿وَإذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾، ”اِنْكَدَرَتْ“: تَهافَتَتْ، وتَناثَرَتْ.
التكوير 81:3
﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾، صارَتْ سَرابًا.
التكوير 81:4
﴿وَإذا العِشارُ عُطِّلَتْ﴾، ”اَلْعِشارُ“: اَلنُّوقُ الحَوامِلُ الَّتِي في بُطُونِها أوْلادُها، والواحِدَةُ ”عُشَراءُ“، وإنَّما قِيلَ لَها: ”عِشارٌ“، لِأنَّها إذا أتَتْ عَلَيْها عَشَرَةُ أشْهُرٍ وهي تَضَعُ إذا وضَعَتْ لِتَمامٍ في سَنَةٍ، فَهي عُشَراءُ، أحْسَنُ ما يَكُونُ في الحَمْلِ، فَلَيْسَ يُعَطِّلُها أهْلُها إلّا في حالِ القِيامَةِ، وخُوطِبَتِ العَرَبُ بِأمْرِ العِشارِ لِأنَّ مالَها وعَيْشَها أكْثَرُهُ مِنَ الإبِلِ.
التكوير 81:5
﴿وَإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾، قِيلَ: ”تُحْشَرُ الوُحُوشُ كُلُّها، حَتّى الذُّبابُ، يُحْشَرُ لِلْقِصاصِ“.
(p-٢٩٠)﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]، بِالتَّثْقِيلِ، ويُقْرَأُ: ”سُجِرَتْ“، بِالتَّخْفِيفِ، ومَعْنى ”سُجِّرَتْ“: قِيلَ: إنَّهُ في مَعْنى ”فُجِّرَتْ“، وقِيلَ: ”سُجِّرَتْ“: مُلِئَتْ، ومِنهُ: ”اَلْبَحْرُ المَسْجُورُ“: اَلْمَمْلُوءُ، وقِيلَ: مَعْنى ”سُجِّرَتْ“: جُعِلَتْ مِياهُها نِيرانًا بِها يُعَذَّبُ أهْلُ النّارِ.
التكوير 81:7
﴿وَإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾، قُرِنَتْ كُلُّ شِيعَةٍ بِمَن شايَعَتْ، وقِيلَ: قُرِنَتْ بِأعْمالِها، وقِيلَ: قُرِنَتِ الأجْسامُ بِالأرْواحِ.
التكوير 81:8
﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾، ويُقْرَأُ: ”وَإذا المَوْؤُودَةُ سَألَتْ بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ“، و”اَلْمَوْؤُودَةُ“: اَلَّتِي كانَتِ العَرَبُ تَئِدُها، كانُوا إذا وُلِدَ لِأحَدِهِمْ بِنْتٌ دَفَنَها حَيَّةً، فَمَعْنى سُؤالِها: ”بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ؟!“، تَبْكِيتُ قاتِلِها في القِيامَةِ، لِأنَّ جَوابَها: ”قُتِلْتُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ“، ومِثْلُ هَذا التَّبْكِيتِ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦]، فَإنَّما سُؤالُهُ وجَوابُهُ تَبْكِيتٌ لِمَنِ ادَّعى هَذا عَلَيْهِ، يُقالُ: ”وَأدْتُ، أئِدُ، وأْدًا“، إذا دَفَنْتُ المَوْلُودَ حَيًّا، والفاعِلُ ”وائِدٌ“، والفاعِلَةُ ”وائِدَةٌ“، والفاعِلاتُ ”وائِداتٌ“، قالَ الفَرَزْدَقُ:
؎وَمِنّا الَّذِي مَنَعَ الوائِدا ∗∗∗ تِ فَأحْيا الوَئِيدَ ولَمْ يُوأدِ
وَكَذَلِكَ مَن قَرَأ: ”سَألَتْ بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ“، سُؤالُها تَبْكِيتٌ لِقاتِلِها.
التكوير 81:9
﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾، ويُقْرَأُ: ”وَإذا المَوْؤُودَةُ سَألَتْ بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ“، و”اَلْمَوْؤُودَةُ“: اَلَّتِي كانَتِ العَرَبُ تَئِدُها، كانُوا إذا وُلِدَ لِأحَدِهِمْ بِنْتٌ دَفَنَها حَيَّةً، فَمَعْنى سُؤالِها: ”بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ؟!“، تَبْكِيتُ قاتِلِها في القِيامَةِ، لِأنَّ جَوابَها: ”قُتِلْتُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ“، ومِثْلُ هَذا التَّبْكِيتِ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦]، فَإنَّما سُؤالُهُ وجَوابُهُ تَبْكِيتٌ لِمَنِ ادَّعى هَذا عَلَيْهِ، يُقالُ: ”وَأدْتُ، أئِدُ، وأْدًا“، إذا دَفَنْتُ المَوْلُودَ حَيًّا، والفاعِلُ ”وائِدٌ“، والفاعِلَةُ ”وائِدَةٌ“، والفاعِلاتُ ”وائِداتٌ“، قالَ الفَرَزْدَقُ:
؎وَمِنّا الَّذِي مَنَعَ الوائِدا ∗∗∗ تِ فَأحْيا الوَئِيدَ ولَمْ يُوأدِ
وَكَذَلِكَ مَن قَرَأ: ”سَألَتْ بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ“، سُؤالُها تَبْكِيتٌ لِقاتِلِها.
التكوير 81:10
﴿وَإذا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾، (p-٢٩١)وَ”نَشَرَتْ“، نُشِرَتِ الصُّحُفُ وأُعْطِيَ كُلُّ إنْسانٍ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، أوْ بِشِمالِهِ، عَلى قَدْرِ عَمَلِهِ.
التكوير 81:11
﴿وَإذا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾، وقُرِئَتْ: ”قُشِطَتْ“، بِالقافِ، ومَعْناهُما: ”قُلِعَتْ“، كَما يُقْلَعُ السَّقْفُ، يُقالُ: ”كَشَطْتُ السَّقْفَ“، و”قَشَطْتُ السَّقْفَ“، بِمَعْنًى واحِدٍ، والقافُ والكافُ تُبْدَلُ إحْداهُما مِنَ الأُخْرى كَثِيرًا، ومِثْلُ ذَلِكَ ”لَبَكْتُ الشَّيْءَ“، و”لَبَقْتُهُ“، إذا خَلَطْتُهُ.
التكوير 81:12
﴿وَإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾، و”سُعِرَتْ“، بِالتَّشْدِيدِ، والتَّخْفِيفِ، ومَعْناهُ: ”أُوقِدَتْ“، وكَذَلِكَ ﴿سُعِّرَتْ﴾، إلّا أنَّ ﴿سُعِّرَتْ﴾ ”أُوقِدَتْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ“.
التكوير 81:13
﴿وَإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾، أيْ: قُرِّبَتْ مِنَ المُتَّقِينَ، وجَوابُ هَذِهِ الأشْياءِ قَوْلُهُ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤]، أيْ: إذا كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي هي في يَوْمِ القِيامَةِ، عَلِمَتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ كُلُّ نَفْسٍ ما أحْضَرَتْ، أيْ: مِن عَمَلٍ، فَأُثِيبَتْ عَلى قَدْرِ عَمَلِها.
التكوير 81:15
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾، ”اَلْخُنَّسُ“: جَمْعُ ”خانِسٌ“، و”اَلْجَوارِي“: جَمْعُ ”جارِيَةٌ“، مِن ”جَرى، يَجْرِي“، و”اَلْخُنَّسُ“: جَمْعُ ”خانِسٌ“، و”خانِسَةٌ“، وكَذَلِكَ ”اَلْكُنَّسُ“: جَمْعُ ”كانِسٌ“، و”كانِسَةٌ“، والمَعْنى: ”فَأُقْسِمُ“، و”لا“، مُؤَكِّدَةٌ، و”اَلْخُنَّسُ“، هَهُنا، أكْثَرُ التَّفْسِيرِ: يُعْنى بِها النُّجُومُ، لِأنَّها تَخْنِسُ، أيْ: تَغِيبُ، لِأنَّ مَعْنى ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨]، ومَعَنى ”اَلْخُنَّسُ“، و”اَلْكُنَّسُ“، في (p-٢٩٢)النُّجُومِ، أنَّها تَطْلُعُ جارِيَةً، وكَذَلِكَ تَخْنِسُ، أيْ: تَغِيبُ، وكَذَلِكَ تَكْنُسُ، تَدْخُلُ في كِناسِها، أيْ: تَغِيبُ في المَواضِعِ الَّتِي تَغِيبُ فِيها، وقِيلَ: ”اَلْخُنَّسُ“، هَهُنا، يَعْنِي بَقَرَ الوَحْشِ، وظِباءَ الوَحْشِ، ومَعْنى ”خُنَّسٌ“: جَمْعُ ”خانِسٌ“، والظِّباءُ خُنَّسٌ، والبَقَرُ خُنَّسٌ، و”اَلْخَنْسُ“: قِصَرُ الأنْفِ، وتَأخُّرُهُ عَنِ الفَمِ، وإذا كانَ لِلْبَقَرِ أوْ كانَ لِلظِّباءِ، فَمَعْنى ”اَلْكُنَّسُ“: أيْ: اَلَّتِي تَكْنُسُ، أيْ: تَدْخُلُ الكِناسَ، وهو الغُصْنُ مِن أغْصانِ الشَّجَرِ.
التكوير 81:16
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾، ”اَلْخُنَّسُ“: جَمْعُ ”خانِسٌ“، و”اَلْجَوارِي“: جَمْعُ ”جارِيَةٌ“، مِن ”جَرى، يَجْرِي“، و”اَلْخُنَّسُ“: جَمْعُ ”خانِسٌ“، و”خانِسَةٌ“، وكَذَلِكَ ”اَلْكُنَّسُ“: جَمْعُ ”كانِسٌ“، و”كانِسَةٌ“، والمَعْنى: ”فَأُقْسِمُ“، و”لا“، مُؤَكِّدَةٌ، و”اَلْخُنَّسُ“، هَهُنا، أكْثَرُ التَّفْسِيرِ: يُعْنى بِها النُّجُومُ، لِأنَّها تَخْنِسُ، أيْ: تَغِيبُ، لِأنَّ مَعْنى ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨]، ومَعَنى ”اَلْخُنَّسُ“، و”اَلْكُنَّسُ“، في (p-٢٩٢)النُّجُومِ، أنَّها تَطْلُعُ جارِيَةً، وكَذَلِكَ تَخْنِسُ، أيْ: تَغِيبُ، وكَذَلِكَ تَكْنُسُ، تَدْخُلُ في كِناسِها، أيْ: تَغِيبُ في المَواضِعِ الَّتِي تَغِيبُ فِيها، وقِيلَ: ”اَلْخُنَّسُ“، هَهُنا، يَعْنِي بَقَرَ الوَحْشِ، وظِباءَ الوَحْشِ، ومَعْنى ”خُنَّسٌ“: جَمْعُ ”خانِسٌ“، والظِّباءُ خُنَّسٌ، والبَقَرُ خُنَّسٌ، و”اَلْخَنْسُ“: قِصَرُ الأنْفِ، وتَأخُّرُهُ عَنِ الفَمِ، وإذا كانَ لِلْبَقَرِ أوْ كانَ لِلظِّباءِ، فَمَعْنى ”اَلْكُنَّسُ“: أيْ: اَلَّتِي تَكْنُسُ، أيْ: تَدْخُلُ الكِناسَ، وهو الغُصْنُ مِن أغْصانِ الشَّجَرِ.
التكوير 81:17
﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾، يُقالُ: ”عَسْعَسَ اللَّيْلُ“، إذا أقْبَلَ، و”عَسْعَسَ“، إذا أدْبَرَ، والمَعْنَيانِ يَرْجِعانِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو ابْتِداءُ الظَّلامِ في أوَّلِهِ، وإدْبارُهُ في آخِرِهِ.
التكوير 81:18
﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾، إذا امْتَدَّ حَتى يَصِيرَ نَهارًا بَيِّنًا، وجَوابُ القَسَمِ في هَذِهِ الأشْياءِ - أعْنِي ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥]، وما بَعْدَهُ - قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩]، يُعْنى أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
التكوير 81:20
﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾، قِيلَ: إنَّهُ مِن قُوَّةِ جِبْرِيلَ ﷺ أنَّهُ قَلَبَ مَدِينَةَ قَوْمِ لُوطٍ بِقَوادِمِ جَناحِهِ، وهي قُرًى أرْبَعٌ.
التكوير 81:22
﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾، هَذا أيْضًا جَوابُ القَسَمِ، المَعْنى: ”فَأُقْسِمُ بِهَذِهِ الأشْياءِ إنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وأُقْسِمُ بِهَذِهِ الأشْياءِ ما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ“، يَعْنِي بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، (p-٢٩٣)لِأنَّهم قالُوا: ﴿يا أيُّها الَّذِي نُـزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]، فَقالَ: ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١] ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢]، وقالَ في هَذا المَوْضِعِ: ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾
﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣]، قَدْ فَسَّرْنا ذَلِكَ في سُورَةِ ”اَلنَّجْمِ“.
التكوير 81:24
﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾، ويُقْرَأُ: ”بِظَنِينٍ“، فَمَن قَرَأ: ”بِظَنِينٍ“، فَمَعْناهُ: ما هو عَلى الغَيْبِ بِمُتَّهَمٍ، وهو الثِّقَةُ فِيما أدّاهُ عَنِ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -، يُقالُ: ”ظَنَنْتُ زَيْدًا“، في مَعْنى: ”اِتَّهَمْتُ زَيْدًا“، ومَن قَرَأ ﴿بِضَنِينٍ﴾، فَمَعْناهُ: ”ما هو عَلى الغَيْبِ بِبَخِيلٍ“، أيْ: هو ﷺ يُؤَدِّي عَنِ اللَّهِ ويُعَلِّمُ كِتابَ اللَّهِ.
التكوير 81:26
﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾، مَعْناهُ: ”فَأيَّ طَرِيقٍ تَسْلُكُونَ أبْيَنَ مِن هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي بَيَّنْتُ لَكُمْ؟!“.
التكوير 81:28
﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾، أيْ: اَلِاسْتِقامَةُ واضِحَةٌ لَكُمْ، فَمَن شاءَ أخَذَ في طَرِيقِ الحَقِّ، والقَصْدِ، وهو الإيمانُ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ورَسُولِهِ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ المَشِيئَةَ في التَّوْفِيقِ إلَيْهِ، وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وتَوْفِيقِهِ، فَقالَ: ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]، ودَلِيلُ ذَلِكَ أيْضًا: ﴿وَما تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [هود: ٨٨]، (p-٢٩٤)فَهَذا إعْلامٌ أنَّ الإنْسانَ لا يَعْمَلُ خَيْرًا إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، ولا شَرًّا إلّا بِخِذْلانٍ مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ الخَيْرَ، والشَّرَّ بِقَضائِهِ، وقَدَرِهِ، يُضِلُّ مَن يَشاءُ، ويَهْدِي مَن يَشاءُ، كَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣]
الانفطار 82:1
(p-٢٩٥)سُورَةُ اَلِانْفِطارِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾، أيْ: ”اِنْشَقَّتْ“، تَتَشَقَّقُ السَّماءُ يَوْمَ القِيامَةِ بِالغَمامِ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ.
الانفطار 82:2
﴿وَإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾، أيْ: تَساقَطَتْ، وتَهافَتَتْ.
الانفطار 82:3
﴿وَإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾، فُجِّرَ العَذْبُ إلى المالِحِ.
الانفطار 82:4
﴿وَإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾، يَعْنِي بُحْثِرَتْ، أيْ: قُلِّبَ تُرابُها، وبُعِثَ المَوْتى الَّذِينَ فِيها.
الانفطار 82:5
﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾، ما قَدَّمَتْ مِن عَمَلٍ أُمِرَتْ بِهِ، وما أخَّرَتْ مِنهُ، فَلَمْ تَعْمَلْهُ، وقِيلَ: ”وَأخَّرَتْ“: سَنَّتْ مِن سُنَّةٍ عُمِلَ بِها بَعْدَها.
الانفطار 82:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾، أيْ: ما خَدَعَكَ وسَوَّلَ لَكَ حَتّى أضَعْتَ ما وجَبَ عَلَيْكَ؟!
الانفطار 82:7
وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾، أيْ: خَلَقَكَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وتُقْرَأُ: ”فَعَدَّلَكَ“، بِالتَّخْفِيفِ، والتَّشْدِيدِ، جَمِيعًا.
الانفطار 82:8
وَقَوْلُهُ: ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ما“، صِلَةً مُؤَكِّدَةً، ويَكُونَ المَعْنى: ”فِي أيِّ صُورَةٍ شاءَ رَكَّبَكَ، إمّا طَوِيلًا، وإمّا قَصِيرًا، إمّا مُسْتَحْسَنًا، وإمّا غَيْرَ ذَلِكَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (p-٢٩٦)”ما“، في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، فَيَكُونَ المَعْنى: ”فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ أنْ يُرَكِّبَكَ فِيها رَكَّبَكَ“.
الانفطار 82:9
وَقَوْلُهُ: ﴿كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾، أيْ: بَلْ تُكَذِّبُونَ بِأنَّكم تُبْعَثُونَ، وتُدانُونَ، أيْ: تُجازَوْنَ بِأعْمالِكُمْ، ثُمَّ أعْلَمَهم - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ أعْمالَهم مَحْفُوظَةٌ، فَقالَ: ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٢]، فَيَكْتُبُونَهُ عَلَيْهِمْ.
الانفطار 82:15
وَقَوْلُهُ: ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾، يَوْمَ الجَزاءِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ.
الانفطار 82:17
وَقَوْلُهُ ﴿وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾، فَكَرَّرَ ذِكْرَ اليَوْمِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ.
الانفطار 82:18
وَقَوْلُهُ ﴿وَما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾، فَكَرَّرَ ذِكْرَ اليَوْمِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ.
الانفطار 82:19
وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾، وقُرِئَتْ: ”يَوْمُ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ“، فَمَن قَرَأ بِالرَّفْعِ فَعَلى أنَّ اليَوْمَ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ”يَوْمُ الدِّينِ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا بِإضْمارِ ”هُوَ“، فَيَكُونَ المَعْنى: ”هُوَ يَوْمُ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ، لِإضافَتِهِ إلى قَوْلِهِ: ”لا تَمْلِكُ“، لِأنَّ ما أُضِيفَ إلى غَيْرِ المُتَمَكِّنِ، قَدْ يُبْنى عَلى الفَتْحِ، وإنْ كانَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أوْ جَرٍّ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎لَمْ يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنها غَيْرَ أنْ نَطَقَتْ ∗∗∗ حَمامَةٌ في غُصُونٍ ذاتِ أوْقالِ
فَأضافَ ”غَيْرَ“، إلى ”أنْ نَطَقَتْ“، فَبِناهُ عَلى الفَتْحِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى مَعْنى هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ، يَكُونُ ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾
المطففين 83:1
(p-٢٩٧)سُورَةُ اَلْمُطَفِّفِينَ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، ”وَيْلٌ“، رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، ولَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ لَجازَ ”وَيْلًا لِلْمُطَفِّفِينَ“، عَلى مَعْنى: ”جَعَلَ اللَّهُ لَهم ويْلًا“، والرَّفْعُ أجْوَدُ في القِراءَةِ، لِأنَّ المَعْنى: ”قَدْ ثَبَتَ لَهم هَذا“، و”اَلْوَيْلُ“: كَلِمَةٌ تُقالُ لِكُلِّ مَن هو في عَذابٍ وهَلَكَةٍ، و”اَلْمُطَفِّفُونَ“: اَلَّذِينَ يَنْقُصُونَ المِكْيالَ والمِيزانَ، وإنَّما قِيلَ لِلْفاعِلِ مِن هَذا: ”مُطَفِّفٌ“، لِأنَّهُ لا يَكادُ يَسْرِقُ في المِكْيالِ والمِيزانِ إلّا الشَّيْءَ الحَقِيرَ الطَّفِيفَ، وإنَّما أُخِذَ مِن ”طَفُّ الشَّيْءِ“، وهو جانِبُهُ، وقَدْ فَسَّرَ أمْرَهُ في السُّورَةِ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢]، اَلْمَعْنى: ”إذا اكْتالُوا مِنَ النّاسِ اسْتَوْفَوْا عَلَيْهِمُ الكَيْلَ، وكَذَلِكَ إذا اتَّزَنُوا اسْتَوْفَوُا الوَزْنَ“، ولَمْ يَذْكُرْ ”إذا اتَّزَنُوا“، لِأنَّ الكَيْلَ، والوَزْنَ، بِهِما الشِّراءُ والبَيْعُ فِيما يُكالُ ويُوزَنُ.
المطففين 83:3
﴿وَإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾، أيْ: ”إذا كالُوا لَهم أوْ وزَنُوا لَهم يُخْسِرُونَ“، أيْ: يَنْقُصُونَ في الكَيْلِ والوَزْنِ، ويَجُوزُ في اللُّغَةِ ”يَخْسِرُونَ“، يُقالُ: ”أخْسَرْتُ المِيزانَ، وخَسَرْتُهُ“، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ في هَذا المَوْضِعِ: ”يَخْسِرُونَ“، ومَن تَأوَّلَ مَعْنى ”كالُوهُمْ“: كالُوا لَهُمْ، لَمْ يُجِزْ أنْ يَقِفَ عَلى ”كالُوا“، حَتّى يَصِلَها بِـ ”هُمْ“، فَيَقُولُ: ﴿كالُوهُمْ﴾، (p-٢٩٨)وَمِنَ النّاسِ مَن يَجْعَلُ ”هُمْ“، تَوْكِيدًا لِما في ”كالُوا“، فَيَجُوزُ أنْ تَقِفَ، فَتَقُولَ: ”وَإذا كالُوا“، والِاخْتِيارُ أنْ تَكُونَ ”هُمْ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، بِمَعْنى ”كالُوا لَهُمْ“، ولَوْ كانَتْ عَلى مَعْنى ”كالُوا“، ثُمَّ جاءَتْ ”هُمْ“، تَوْكِيدًا، لَكانَ في المُصْحَفِ ألِفٌ مُثْبَتَةٌ قَبْلَ ”هُمْ“.
المطففين 83:4
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، يُعْنى يَوْمُ القِيامَةِ، أيْ: إنَّهم لَوْ ظَنُّوا أنَّهم يُبْعَثُونَ ما نَقَصُوا في الكَيْلِ والوَزْنِ.
المطففين 83:5
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، يُعْنى يَوْمُ القِيامَةِ، أيْ: إنَّهم لَوْ ظَنُّوا أنَّهم يُبْعَثُونَ ما نَقَصُوا في الكَيْلِ والوَزْنِ.
المطففين 83:6
وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾، ”يَوْمَ“، مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿مَبْعُوثُونَ﴾ [المطففين: ٤]، اَلْمَعْنى: ”ألا يَظُنُّونَ أنَّهم يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ؟!“، ولَوْ قُرِئَتْ: ”يَوْمِ يَقُومُ النّاسُ“، بِكَسْرِ ”يَوْمِ“، لَكانَ جَيِّدًا، عَلى مَعْنى: ”لِيَوْمِ يَقُومُ النّاسُ“، ولَوْ قُرِئَتْ بِالرَّفْعِ لَكانَ جَيِّدًا: ”يَوْمُ يَقُومُ النّاسُ“، عَلى مَعْنى: ”ذَلِكَ يَوْمُ يَقُومُ النّاسُ“، ولا يَجُوزُ القِراءَةُ إلّا بِما قَرَأ بِهِ القُرّاءُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ﴾، بِالنَّصْبِ، لِأنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تُخالَفَ بِما يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ.
المطففين 83:7
وَقَوْلُهُ: ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾، ”كَلّا“، رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ، المَعْنى: ”لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما هم عَلَيْهِ، فَلْيَرْتَدِعُوا عَنْ ذَلِكَ“، وقَوْلُهُ: ”في سِجِّينٍ“، زَعَمَ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ ”سِجِّينٌ“: ”فِعِّيلٌ“، مِن ”اَلسِّجْنُ“، اَلْمَعْنى: ”كِتابُهم في حَبْسٍ“، جَعَلَ ذَلِكَ دَلالَةً عَلى خَساسَةِ مَنزِلَتِهِمْ، وقِيلَ: ”في سِجِّينٍ“: في حِسابٍ، و”فِي سِجِّينٍ“: في حَجَرٍ مِنَ الأرْضِ السّابِعَةِ.
المطففين 83:8
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾، أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ مِمّا كُنْتَ تَعْلَمُهُ أنْتَ ولا قَوْمُكَ، ثُمَّ فَسَّرَ، فَقالَ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩]، أيْ: مَكْتُوبٌ.
المطففين 83:13
(p-٢٩٩)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، ”أساطِيرُ“: أباطِيلُ، واحِدُها ”أُسْطُورَةٌ“، مِثْلَ ”أُحْدُوثَةٌ“، و”أحادِيثُ“.
المطففين 83:14
وَقَوْلُهُ: ﴿كَلا﴾، تَفْسِيرُها تَفْسِيرُ الَّتِي قَبْلَها، ”بَل رّانَ عَلى قُلُوبِهِمْ“، بِإدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ، وتَفْخِيمِ الألِفِ، وقَدْ قُرِئَتْ: ”بَلْ رِانَ“، بِإمالَةِ الألِفِ والرّاءِ إلى الكَسْرِ، وقُرِئَتْ: ”بَلْ رانَ“، بِإظْهارِ اللّامِ، والإدْغامِ، والإدْغامُ أجْوَدُ لِقُرْبِ اللّامِ مِنَ الرّاءِ، ولِغَلَبَةِ الرّاءِ عَلى اللّامِ، وإظْهارُ اللّامِ جائِزٌ، إلّا أنَّ اللّامَ مِن كَلِمَةٍ، والرّاءَ مِن كَلِمَةٍ أُخْرى، و”رانَ“، بِمَعْنى غَطّى عَلى قُلُوبِهِمْ، يُقالُ: ”رانَ عَلى قَلْبِهِ الذَّنْبُ، يَرِينُ، رَيْنًا“، إذا غَشّى عَلى قَلْبِهِ، ويُقالُ: ”غانَ عَلى قَلْبِهِ، يَغِينُ، غَيْنًا“، و”اَلْغَيْنُ“، كالغَيْمِ الرَّقِيقِ، و”اَلرَّيْنُ“، كالصَّدَإ، يُغَشِّي عَلى القَلْبِ.
المطففين 83:15
وَقَوْلُهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ يُرى في الآخِرَةِ، لَوْلا ذَلِكَ لَما كانَ في هَذِهِ الآيَةِ فائِدَةٌ، ولا خَسِسَتْ مَنزِلَةُ الكُفّارِ بِأنَّهم يُحْجَبُونَ عَنِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وقالَ تَعالى في المُؤْمِنِينَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢]، ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ المُؤْمِنِينَ يَنْظُرُونَ إلى اللَّهِ، وأنَّ الكُفّارَ يُحْجَبُونَ عَنْهُ.
المطففين 83:16
﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾، ثُمَّ بَعْدَ حَجْبَتِهِمْ عَنِ اللَّهِ يَدْخُلُونَ النّارَ، ولا يَخْرُجُونَ عَنْها، خالِدِينَ فِيها.
المطففين 83:17
﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾، أيْ: كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ، والجَنَّةِ، والنّارِ، ثُمَّ أعْلَمَ - عَزَّ وجَلَّ - أيْنَ مَحَلُّ كِتابِ الأبْرارِ، وما لَهم مِنَ النَّعِيمِ، فَرَفَعَ كِتابَهم عَلى قَدْرِ مَرْتَبَتِهِمْ، كَما سَفَلَ وخَسِسَ كِتابُ الفُجّارِ، فَقالَ: ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨]، أيْ: أعْلى الأمْكِنَةِ.
(p-٣٠٠)﴿وَما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٩]، وإعْرابُ هَذا الِاسْمِ كَإعْرابِ الجَمْعِ، لِأنَّهُ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ، كَما تَقُولُ: ”هَذِهِ قِنِّسْرُونَ“، و”رَأيْتُ قِنِّسْرِينَ“، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: هَذا جَمْعٌ لِما لا يُحَدُّ واحِدُهُ، نَحْوَ: ”ثَلاثُونَ، وأرْبَعُونَ“، فَـ ”ثَلاثُونَ“، كانَ لَفْظُهُ لَفْظَ جُمَعِ ”ثَلاثٌ“، وكَذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ شَرِبَتْ إلّا دُهَيْدِهِينا ∗∗∗ قُلَيِّصاتٍ وأُبَيْكِرِينا
يَعْنِي أنَّ الإبِلَ قَدْ شَرِبَتِ إلّا جَمْعَ الدَّهْداهِ، و”اَلدَّهْداهُ“: حاشِيَةُ الإبِلِ، كانَ قُلَيْصاتٍ وأُبَيْكَرِينَ، و”دُهَيْدَهِينَ“، جَمْعٌ، لَيْسَ واحِدُهُ مَحْدُودًا مَعْلُومَ العَدَدِ، والقَوْلُ الأوَّلُ قَوْلُ أكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ، وأبْيَنُها.
المطففين 83:23
وَقَوْلُهُ: ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾، ”اَلْأرائِكُ“: واحِدُها: ”أرِيكَةٌ“، وهي الأسِرَّةُ في الحِجالِ.
المطففين 83:25
وَقَوْلُهُ: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾، ”اَلرَّحِيقُ“: اَلشَّرابُ الَّذِي لا غِشَّ فِيهِ، قالَ حَسّانُ:
؎يَسْقُونَ مَن ورَدَ البَرِيصَ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ بَرَدى يُصَفَّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
وَمَعْنى ﴿مَخْتُومٍ﴾ في انْقِطاعِهِ خاصَّةً، ثُمَّ بَيَّنَ، فَقالَ: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦]، وقُرِئَتْ: ”خاتَمُهُ مِسْكٌ“، بِفَتْحِ التّاءِ، وقُرِئَتْ: ”خاتِمُهُ مِسْكٌ“، والمَعْنى أنَّهم إذا (p-٣٠١)شَرِبُوا هَذا الرَّحِيقَ، فَنِيَ ما في الكَأْسِ، وانْقَطَعَ الشُّرْبُ، انْخَتَمَ ذَلِكَ بِطَعْمِ المِسْكِ ورائِحَتِهِ.
المطففين 83:27
﴿وَمِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ ﴿عَيْنًا﴾ [المطففين: ٢٨]، تَأْتِيهِمْ مِن عُلُوٍّ عَيْنًا تَسَنَّمُ عَلَيْهِمْ مِنَ الغُرَفِ، فَـ ”عَيْنًا“، في هَذا القَوْلِ مَنصُوبَةٌ، مَفْعُولَةٌ، كَما قالَ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] ﴿يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٥]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”عَيْنًا“، مَنصُوبَةً بِقَوْلِهِ: ”يُسْقَوْنَ عَيْنًا“، أيْ: مِن عَيْنٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”عَيْنًا“، مَنصُوبًا عَلى الحالِ، ويَكُونَ ﴿تَسْنِيمٍ﴾، مَعْرِفَةً، و”عَيْنًا“، نَكِرَةً.
المطففين 83:29
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وَإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾، هَؤُلاءِ جَماعَةٌ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ، كانَ يَمُرُّ بِهِمْ مَن قَدُمَ إسْلامُهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وغَيْرُهُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فَيُعَيِّرُونَهم بِالإسْلامِ، عَلى وجْهِ السُّخْرِيَةِ مِنهم.
المطففين 83:30
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وَإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾، هَؤُلاءِ جَماعَةٌ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ، كانَ يَمُرُّ بِهِمْ مَن قَدُمَ إسْلامُهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وغَيْرُهُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فَيُعَيِّرُونَهم بِالإسْلامِ، عَلى وجْهِ السُّخْرِيَةِ مِنهم.
المطففين 83:31
﴿وَإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾،، مُعْجَبِينَ بِما هم فِيهِ، يَتَفَكَّهُونَ بِذِكْرِهِمْ.
المطففين 83:33
﴿وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾، أيْ: ما أُرْسِلَ هَؤُلاءِ القَوْمُ عَلى أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم.
المطففين 83:34
﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾، يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ.
المطففين 83:36
﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾، أيْ: هَلْ جُوزُوا بِسُخْرِيَتِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، ويُقْرَأُ: ”هَثُّوِّبَ“، بِإدْغامِ اللّامِ في الثّاءِ.
(p-٣٠٢)
الانشقاق 84:1
(p-٣٠٣)سُورَةُ اَلِانْشِقاقِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾، تَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ بِالغَمامِ، وجَوابُ ”إذا“، يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦]، اَلْمَعْنى: ”إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ لَقِيَ الإنْسانُ عَمَلَهُ“.
الانشقاق 84:2
وَمَعْنى: ﴿وَأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾، أيْ: سَمِعَتْ، يُقالُ: ”أذِنْتُ لِلشَّيْءِ، آذَنُ“، إذا سَمِعْتُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ ∗∗∗ وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءِ عِنْدَهم أذِنُوا
أيْ: سَمِعُوا، ومَعْنى ﴿وَحُقَّتْ﴾، أيْ: حُقَّ لَها أنْ تَفْعَلَ.
الانشقاق 84:3
﴿وَإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾، أُزِيلَتْ عَنْ هَيْئَتِها وبُدِّلَتْ.
الانشقاق 84:4
﴿وَألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾، ألْقَتْ ما فِيها مِنَ المَوْتى، والكُنُوزِ.
الانشقاق 84:6
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ: إنَّكَ عامِلٌ لِرَبِّكَ عَمَلًا فَمُلاقِيهِ، وجاءَ أيْضًا: ساعٍ إلى (p-٣٠٤)رَبِّكَ سَعْيًا فَمُلاقِيهِ، و”اَلْكَدْحُ“، في اللُّغَةِ: اَلسَّعْيُ والدُّؤُوبُ في العَمَلِ في بابِ الدُّنْيا وبابِ الآخِرَةِ، قالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ:
؎وَما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما ∗∗∗ أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ
أيْ: وتارَةً أسْعى في طَلَبِ العَيْشِ، وأدْأبُ، وقِيلَ: ”فَمُلاقِيهِ“، فَمُلاقٍ رَبَّكَ، وقِيلَ: فَمُلاقٍ عَمَلَكَ.
الانشقاق 84:8
وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾، رَوَيْنا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ ذَلِكَ العَرْضُ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وأنَّهُ مَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ، ورَوَيْنا أيْضًا أنَّهُ مَن نُوقِشَ الحِسابَ هَلَكَ.
الانشقاق 84:9
وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾، رَوَيْنا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ ذَلِكَ العَرْضُ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وأنَّهُ مَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ، ورَوَيْنا أيْضًا أنَّهُ مَن نُوقِشَ الحِسابَ هَلَكَ.
الانشقاق 84:11
وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾، أيْ: يَقُولُ: يا ويْلاهُ، يا ثُبُوراهُ، وهَذا يَقَوْلُهُ مَن وقَعَ في هَلَكَةٍ، أيْ: مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ - عَلى أنَّهُ مِنَ المُعَذَّبِينَ - قَوْلُهُ: ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٢]، وقُرِئَتْ: ”وَيُصَلّى سَعِيرًا“، أيْ: يَكْثُرُ عَذابُهُ.
الانشقاق 84:13
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾، يَعْنِي في الدُّنْيا.
فَأمّا ﴿وَيَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ٩]، فَمِن صِفَةِ المُؤْمِنِ، ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ في الجِنانِ الَّتِي أعَدَّهُنَّ اللَّهُ لِأوْلِيائِهِ.
الانشقاق 84:14
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾، (p-٣٠٥)هَذِهِ صِفَةُ الكافِرِ، ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ بِأنْ لَنْ يُبْعَثَ، ومَعْنى ”يَحُورُ“، في اللُّغَةِ، أنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ.
الانشقاق 84:15
﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾، قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ، عالِمًا بِأنَّ مَرْجِعَهُ إلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ.
الانشقاق 84:16
قَوْلُهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾، مَعْناهُ: ”فَأُقْسِمُ“، وقَدْ فَسَّرْنا ذَلِكَ، و”اَلشَّفَقُ“: اَلْحُمْرَةُ الَّتِي تُرى في الأُفُقِ في المَغْرِبِ، بَعْدَ سُقُوطِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: ”اَلشَّفَقُ“: اَلنَّهارُ.
الانشقاق 84:17
﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾، مَعْنى ”وَسَقَ“، جُمِعَ وضُمَّ، قالَ الشّاعِرُ:
؎مُسْتَوْسِقاتٍ لَوْ يَجِدْنَ سائِقا
الانشقاق 84:18
﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾، اِجْتَمَعَ واسْتَوى لَيْلَةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ، وأرْبَعَ عَشَرَةَ.
الانشقاق 84:19
﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، أيْ: حالًا بَعْدَ حالٍ، حَتّى يَصِيرَ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، مِن إحْياءٍ وإقامَةٍ وبَعْثٍ، وقُرِئَتْ: ”لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ“، أيْ: لَتَرْكَبَنَّ يا مُحَمَّدُ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ مِن أطْباقِ السَّماءِ.
الانشقاق 84:23
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾، (p-٣٠٦)أيْ: بِما يَحْمِلُونَ في قُلُوبِهِمْ، يُقالُ: ”أوْعَيْتُ المَتاعَ في الوِعاءِ“، و”وَعَيْتُ العِلْمَ“.
الانشقاق 84:24
وَقَوْلُهُ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾، اَلْمَعْنى: ”اِجْعَلْ بَدَلَ البِشارَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ والرَّحْمَةِ والرِّضْوانِ، لِلْكُفّارِ العَذابَ الألِيمَ“.
الانشقاق 84:25
﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، لا يُمَنُّ عَلَيْهِمْ، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ”غَيْرُ مَمْنُونٍ“: غَيْرُ مَقْطُوعٍ، يُقالُ: مَنَيْتُ الحَبْلَ”، إذا قَطَعْتُهُ“.
البروج 85:1
(p-٣٠٧)سُورَةُ اَلْبُرُوجِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾، جَوابُ القَسَمِ: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢]، وقِيلَ: ﴿ذاتِ البُرُوجِ﴾ ذاتِ الكَواكِبِ، وقِيلَ: ذاتِ القُصُورِ، لِقُصُورٍ في السَّماءِ.
البروج 85:2
﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾، يَوْمِ القِيامَةِ.
البروج 85:3
﴿وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾، ”شاهِدٌ“: يَوْمُ الجُمُعَةِ، ”وَمَشْهُودٌ“: يَوْمُ عَرَفَةَ، وقِيلَ: ”وَشاهِدٌ“: يُعْنى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، ”وَمَشْهُودٌ“: يَوْمُ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]
البروج 85:4
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾، ”اَلْأُخْدُودُ“: شَقٌّ في الأرْضِ، ويَجْمَعُ ”أخادِيدُ“، وقِيلَ: أصْحابُ الأُخْدُودِ: قَوْمٌ كانُوا يَعْبُدُونَ صَنَمًا، وكانَ مَعَهم قَوْمٌ يَكْتُمُونَ إيمانَهُمْ، يَعْبُدُونَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - ويُوَحِّدُونَهُ، فَعَلِمُوا بِهِمْ، فَخَدُّوا لَهم أُخْدُودًا، ومَلَؤُوهُ نارًا، وقَذَفُوا بِهِمْ في تِلْكَ النّارِ، فاقْتَحَمُوها ولَمْ يَرْتَدُّوا عَنْ دِينِهِمْ، ثُبُوتًا عَلى الإسْلامِ، ويَقِينًا أنَّهم يَصِيرُونَ إلى الجَنَّةِ، فَجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ آخِرَ مَن أُلْقِيَ مِنهُمُ امْرَأةٌ مَعَها صَبِيٌّ رَضِيعٌ، فَلَمّا رَأتِ النّارَ صَدَّتْ بَوَجْهِها، وأعْرَضَتْ، فَقالَ لَها الصَّبِيُّ: يا أُمَّتاهُ قِفِي، (p-٣٠٨)وَلا تُنافِقِي، وقِيلَ: إنَّهُ قالَ لَها: ما هي إلّا غُمَيْضَةٌ، فَصَبَرَتْ، فَأُلْقِيَتْ في النّارِ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا ذَكَرَ أصْحابَ الأُخْدُودِ تَعَوَّذَ مِن جَهْدِ البَلاءِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - قِصَّةَ قَوْمٍ بَلَغَتْ بَصِيرَتُهم وحَقِيقَةُ إيمانِهِمْ إلى أنْ صَبَرُوا عَلى أنْ يُحْرَقُوا بِالنّارِ في اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ.
البروج 85:8
﴿وَما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾، أيْ: ما أنْكَرُوا عَلَيْهِمْ ذَنْبًا إلّا إيمانَهُمْ، ثُمَّ أعْلَمَ - عَزَّ وجَلَّ - ما أُعِدَّ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ أحْرَقُوا المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [البروج: ١٠]، أيْ: أحْرَقُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، يُقالُ: ”فَتَنْتُ الشَّيْءَ“، أحْرَقْتُهُ، و”اَلْفَتِينُ“: حِجارَةٌ سُودٌ، كَأنَّها مُحْرَقَةٌ، ﴿فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠]، فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ - فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ بِكُفْرِهِمْ، ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ بِما أحْرَقُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.
البروج 85:13
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾، أيْ: يُبْدِئُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ بَعْدَ بِلاهُ.
البروج 85:14
﴿وَهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾، أيْ: اَلْمُحِبُّ أوْلِياءَهُ.
البروج 85:15
﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾، ويُقْرَأُ: ”اَلْمَجِيدِ“، ومَعْنى ”اَلْمَجِيدُ“: اَلْكَرِيمُ، فَمَن جَرَّ ”اَلْمَجِيدِ“، فَمِن صِفَةِ العَرْشِ، ومَن رَفَعَ فَمِن صِفَةِ ”ذُو“.
البروج 85:18
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾، (p-٣٠٩)”فِرْعَوْنَ وثَمُودَ“، في مَوْضِعِ جَرٍّ، بَدَلًا مِن ”اَلْجُنُودِ“، اَلْمَعْنى: ”هَلْ أتاكَ حَدِيثُ فِرْعَوْنَ وثَمُودَ“.
البروج 85:20
وَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾، أيْ: لا يُعْجِزُهُ مِنهم أحَدٌ، قُدْرَتُهُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِمْ.
البروج 85:21
﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾، ويُقْرَأُ: ”قُرْآنُ مَجِيدٍ“، والقِراءَةُ: ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾، مِن نَعْتِ ”قُرْآنٌ“، ومَن قَرَأ: ”قُرْآنُ“، فالمَعْنى: ”هُوَ قُرْآنُ رَبٍّ مَجِيدٍ“.
البروج 85:22
وَقَوْلُهُ: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾، ”اَلْقُرْآنُ“، في اللَّوْحِ، وهو أُمُّ الكِتابِ عِنْدَ اللَّهِ، وقُرِئَتْ: ”مَحْفُوظٌ“، مِن نَعْتِ ﴿قُرْآنٌ﴾ [البروج: ٢١]، اَلْمَعْنى: ”بَلْ هو قُرْآنٌ مَّجِيدٌ مَحْفُوظٌ في لَوْحٍ“.
(p-٣١٠)
الطارق 86:1
(p-٣١١)سُورَةُ اَلطّارِقِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ: ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾، جَوابُ القَسَمِ: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]، و”اَلطّارِقُ“: اَلنَّجْمُ، و”اَلنَّجْمُ“، يُعْنى بِهِ النُّجُومُ، وإنَّما قِيلَ لِلنَّجْمِ: ”طارِقٌ“، لِأنَّهُ طُلُوعُهُ بِاللَّيْلِ، وكُلُّ ما أتى لَيْلًا فَهو طارِقٌ، لِأنَّ اللَّيْلَ يُسْكَنُ فِيهِ، ومِن هَذا قِيلَ: ”أطْرَقَ فُلانٌ“، إذا أمْسَكَ عَنِ الكَلامِ، وسَكَنَ.
الطارق 86:3
وَ ﴿الثّاقِبُ﴾: اَلْمُضِيءُ، يُقالُ: ”ثَقَبَ، يَثْقُبُ، ثُقُوبًا“، إذا أضاءَ، ويُقالُ لِلْمُوقِدِ: ”أثْقِبْ نارَكَ“، أيْ: أضِئْها.
الطارق 86:4
وَقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾، مَعْناهُ: ”لَعَلَيْها حافِظٌ“، و”ما“، لَغْوٌ، وقُرِئَتْ: ”لَمّا عَلَيْها حافِطٌ“، بِالتَّشْدِيدِ، والمَعْنى مَعْنى ”إلّا“، اِسْتُعْمِلَتْ ”لَمّا“، في مَوْضِعِ ”إلّا“، في مَوْضِعَيْنِ، أحَدُهُما هَذا، والآخَرُ في بابِ القَسَمِ، يُقالُ: ”سَألْتُكَ لَمّا فَعَلْتَ“، بِمَعْنى: ”إلّا فَعَلْتَ“.
الطارق 86:6
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾، مَعْناهُ: مِن فَوْقَ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وأصْحابِهِ أنَّ مَعْناهُ النَّسَبُ إلى الِانْدِفاقِ، المَعْنى: ”مِن ماءِ ذِي انْدِفاقٍ“.
الطارق 86:7
وَقَوْلُهُ: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾، (p-٣١٢)”اَلتَّرائِبُ“: جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها أرْبَعُ أضْلاعٍ مِن يُمْنَةِ الصَّدْرِ، وأرْبَعُ أضْلاعٍ مِن يُسْرَةِ الصَّدْرِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ التَّرائِبَ اليَدانِ، والرَّجُلانِ، والعَيْنانِ، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ أجْمَعُونَ: ”اَلتَّرائِبُ“: مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ الصَّدْرِ، وأنْشَدُوا لِامْرِئِ القَيْسِ:
؎مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ∗∗∗ تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
الطارق 86:8
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ: عَلى رَجْعِ الماءِ إلى الإحْلِيلِ لَقادِرٌ، وجاءَ أيْضًا: عَلى رَجْعِهِ إلى الصُّلْبِ، وجاءَ أيْضًا: عَلى رَجْعِهِ عَلى بَعْثِ الإنْسانِ، وهَذا يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩]، أيْ: إنَّهُ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
الطارق 86:11
وَقَوْلُهُ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾، ”ذاتِ الرَّجْعِ“: ذاتِ المَطَرِ، لِأنَّهُ يَجِيءُ ويَرْجِعُ ويَتَكَرَّرُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ”اَلرَّجْعُ“: اَلْماءُ، وأنْشَدَ بَيْتَ المُنْخَلِّ الهُذَلِيِّ:
؎أبْيَضُ كالرَّجْعِ رَسُوبٌ إذا ∗∗∗ ما ثاخَ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي
قالَ: يَصِفُ السَّيْفَ، يَقُولُ: هو أبْيَضُ كالماءِ.
(p-٣١٣)﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾، أيْ: تَصَدَّعُ بِالنَّباتِ.
الطارق 86:12
وَقَوْلُهُ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾، ”ذاتِ الرَّجْعِ“: ذاتِ المَطَرِ، لِأنَّهُ يَجِيءُ ويَرْجِعُ ويَتَكَرَّرُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ”اَلرَّجْعُ“: اَلْماءُ، وأنْشَدَ بَيْتَ المُنْخَلِّ الهُذَلِيِّ:
؎أبْيَضُ كالرَّجْعِ رَسُوبٌ إذا ∗∗∗ ما ثاخَ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي
قالَ: يَصِفُ السَّيْفَ، يَقُولُ: هو أبْيَضُ كالماءِ.
(p-٣١٣)﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾، أيْ: تَصَدَّعُ بِالنَّباتِ.
الطارق 86:13
﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾، جَوابُ القَسَمِ، يُعْنى بِهِ القُرْآنُ، يَفْصِلُ بَيْنَ الحَقِّ، والباطِلِ.
الطارق 86:14
﴿وَما هو بِالهَزْلِ﴾، ما هو بِالَّلعِبِ.
الطارق 86:15
﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾، يَعْنِي بِهِ الكُفّارَ، أنَّهم يَخْتالُونَ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ويُظْهِرُونَ ما هم خِلافُهُ.
الطارق 86:16
﴿وَأكِيدُ كَيْدًا﴾، كَيْدُ اللَّهِ لَهُمُ اسْتِدْراجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ.
الطارق 86:17
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾، أيْ: أمْهِلْهم قَلِيلًا.
(p-٣١٤)
الأعلى 87:1
(p-٣١٥)سُورَةُ اَلْأعْلى
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾، أيْ: نَزِّهْ رَبَّكَ عَنِ السُّوءِ، وقُلْ: ”سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى“.
الأعلى 87:2
﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾، خَلَقَ الإنْسانَ مُسْتَوِيًا، أشْهَدَهُ عَلى نَفْسِهِ بِأنَّهُ رَبُّهُ، وخَلَقَهُ عَلى الفِطْرَةِ.
الأعلى 87:3
وَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾، هَداهُ السَّبِيلَ، إمّا شاكِرًا، وإمّا كَفُورًا، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: فَهَدى وأضَلَّ، ولَكِنْ حُذِفَتْ ”وَأضَلَّ“، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ”يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ“ .
الأعلى 87:4
﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾، ”أحْوى“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، حالٌ مِن ”اَلْمَرْعى“، اَلْمَعْنى: ”اَلَّذِي أخْرَجَ المَرْعى أحْوى“، أيْ: أخْرَجَهُ أخْضَرَ، يَضْرِبُ إلى الحُوَّةِ، و”اَلْحُوَّةُ“: اَلسَّوادُ، ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾، جَفَّفَهُ حَتّى صَيَّرَهُ هَشِيمًا جافًّا، كالغُثاءِ الَّذِي تَراهُ فَوْقَ ماءِ السَّيْلِ.
الأعلى 87:5
﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾، ”أحْوى“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، حالٌ مِن ”اَلْمَرْعى“، اَلْمَعْنى: ”اَلَّذِي أخْرَجَ المَرْعى أحْوى“، أيْ: أخْرَجَهُ أخْضَرَ، يَضْرِبُ إلى الحُوَّةِ، و”اَلْحُوَّةُ“: اَلسَّوادُ، ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾، جَفَّفَهُ حَتّى صَيَّرَهُ هَشِيمًا جافًّا، كالغُثاءِ الَّذِي تَراهُ فَوْقَ ماءِ السَّيْلِ.
الأعلى 87:6
قَوْلُهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧]، أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ سَيَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ آيَةً يَتَبَيَّنُ لَهُ بِها الفَضْلِيَّةُ بِأنَّ (p-٣١٦)جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ وهو أُمِّيٌّ لا يَكْتُبُ كِتابًا ولا يَقْرَؤُهُ، ويُقْرِئُ أصْحابَهُ ولا يَنْسى شَيْئًا مِن ذَلِكَ، ولا يُكَرَّرُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنّا نَحْنُ نَـزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]
الأعلى 87:7
فَأمّا ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾، فَقِيلَ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُذَكِّرُهُ بَعْدُ، وقِيلَ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُؤَخِّرَهُ مِنَ القُرْآنِ.
الأعلى 87:11
﴿وَيَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾، اَلْمَعْنى: ”يَتَجَنَّبُ الذِّكْرى الأشْقى“.
الأعلى 87:13
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾، لا يَمُوتُ مَوْتًا يَسْتَرِيحُ بِهِ مِنَ العَذابِ، ولا يَحْيا حَياةً يَجِدُ مَعَها رَوْحَ الحَياةِ.
الأعلى 87:14
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾، أيْ: قَدْ صادَفَ البَقاءَ الدّائِمَ، والفَوْزَ بِالنَّعِيمِ، ومَعْنى ﴿تَزَكّى﴾، تَكَثَّرَ بِتَقْوى اللَّهِ، ومَعْنى ”اَلزّاكِي“: اَلنّامِي، الكَثِيرُ.
الأعلى 87:16
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾، وقُرِئَتْ: ”بَلْ يُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا“، بِالياءِ، والأجْوَدُ التّاءُ، لِأنَّها رُوِيَتْ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ”بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا“.
الأعلى 87:18
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾، يَعْنِي: مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤]، إلى هَذا المَوْضِعِ، وقِيلَ: بَلِ السُّورَةُ كُلُّها.
الغاشية 88:1
(p-٣١٧)سُورَةُ اَلْغاشِيَةِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾، قِيلَ: إنَّ الغاشِيَةَ: القِيامَةُ، لِأنَّها تَغْشى الخَلْقَ، وقِيلَ: اَلْغاشِيَةُ: اَلنّارُ، لِأنَّها تَغْشى وُجُوهَ الكُفّارِ.
الغاشية 88:2
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ”خاشِعَةٌ“، خَبَرُ ”وُجُوهٌ“، ومَعْنى ”خاشِعَةٌ“: ذَلِيلَةٌ.
الغاشية 88:3
وَمَعْنى ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾: قِيلَ: إنَّها عامِلَةٌ ناصِبَةٌ في الدُّنْيا لِغَيْرِ ما يُقَرِّبُ إلى اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: إنَّهُمُ الرُّهْبانُ ومَن أشْبَهَهُمْ، وقِيلَ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾، في النّارِ، فَوَصَفَ مُقاساتَها العَذابَ.
وَقَوْلُهُ - في صِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ -: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١]، وقُرِئَتْ: ”لا يَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً“، وقُرِئَتْ: ”لا تُسْمَعُ فِيها لاغِيَةٌ“، أيْ: لا تُسْمَعُ فِيها آثِمَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”لا تَسْمَعُ فِيها كَلِمَةً تُلْغى“، أيْ: تُسْقَطُ، لا يَتَكَلَّمُ أهْلُ الجَنَّةِ إلّا بِالحِكْمَةِ، وحَمْدِ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن نَعِيمِهِ الدّائِمِ.
الغاشية 88:4
﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾، ويُقْرَأُ: ”تُصْلى“.
الغاشية 88:5
وَقَوْلُهُ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾، أيْ: مُتَناهِيَةٍ في شِدَّةِ الحَرِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]
الغاشية 88:6
﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾، يَعْنِي لِأهْلِ النّارِ، و”اَلضَّرِيعُ“: اَلشِّبْرِقُ، وهو جِنْسٌ مِنَ الشَّوْكِ، إذا كانَ رَطْبًا فَهو ”شِبْرِقٌ“، فَإذا يَبِسَ فَهو ”اَلضَّرِيعُ“، قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ: إنَّ الضَّرِيعَ لَتَسْمَنُ عَلَيْهِ إبِلُنا، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧]، ومَعْنى ﴿هَلْ أتاكَ﴾ [الغاشية: ١]، أيْ: ”هَذا ألَمْ يَكُنْ مِن عِلْمِكَ، ولا مِن عِلْمِ قَوْمِكَ؟“، وكَذَلِكَ (p-٣١٨)الأقاصِيصُ الَّتِي أخْبَرَ بِها النَّبِيَّ ﷺ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا﴾ [هود: ٤٩]
الغاشية 88:14
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾، ”اَلْأكْوابُ“: آنِيَةٌ شَبِيهَةٌ بِالأبارِيقِ، لا عُرى لَها.
الغاشية 88:15
﴿وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾، واحِدَتُها ”نُمْرُقَةٌ“.
الغاشية 88:16
﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾، ”اَلزَّرابِيُّ“: اَلْبُسُطُ، واحِدَتُها ”زَرْبِيَّةٌ“.
الغاشية 88:17
وَقَوْلُهُ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾، نَبَّهَهُمُ اللَّهُ عَلى عَظِيمٍ مِن خَلْقِهِ، قَدْ ذَلَّلَهُ لِلصَّغِيرِ يَقُودُهُ، ويُنْتِجُهُ، ويُنْهِضُهُ، ويَحْمِلُ عَلَيْهِ الثَّقِيلَ مِنَ الحِمْلِ، وهو بارِكٌ فَيَنْهَضُ بِثَقِيلِ حِمْلِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في شَيْءٍ مِنَ الحَوامِلِ غَيْرِهِ، فَأراهم عَظِيمًا مِن خَلْقِهِ لِيَدُلَّهم بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِهِ.
الغاشية 88:18
﴿وَإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾، يَعْنِي بِغَيْرِ عَمَدٍ.
الغاشية 88:19
﴿وَإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾، نُصِبَتْ مِرْساةً مُثَبَّتَةً لا تَزُولُ.
(p-٣١٩)﴿وَإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠]، أيْ: دُحِيَتْ، وبُسِطَتْ.
الغاشية 88:21
﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾، هَذا قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالحَرْبِ.
الغاشية 88:22
﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾، أيْ: بِمُسَلَّطٍ.
الغاشية 88:23
﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ [الغاشية: ٢٤]، أيْ: عَذابَ جَهَنَّمَ.
الغاشية 88:25
﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾، وقُرِئَتْ: ”إيّابَهُمْ“، بِالتَّخْفِيفِ، والتَّثْقِيلِ، ومَعْنى ”إيابَهُمْ“: رُجُوعَهُمْ، ومَعْنى ”إيّابَهُمْ“، عَلى مَصْدَرِ ”أيَّبَ، إيّابًا“، عَلى مَعْنى ”فَيْعَلَ“، ”فِيْعالًا“، مِن ”آبَ، يَؤُوبُ“، والأصْلُ: ”إيْوابًا“، فَأُدْغِمَتِ الياءُ في الواوِ، وانْقَلَبَتِ الواوُ إلى الياءِ، لِأنَّها سُبِقَتْ بِسُكُونٍ.
(p-٣٢٠)
الفجر 89:1
(p-٣٢١)سُورَةُ اَلْفَجْرِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والفَجْرِ﴾، ”اَلْفَجْرُ“: اِنْفِجارُ الصُّبْحِ مِنَ اللَّيْلِ، وجَوابُ القَسَمِ ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤]
الفجر 89:2
﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾، لَيالِي عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ.
الفجر 89:3
﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ قُرِئَتْ: ”والوَتْرِ“ بِفَتْحِ الواوِ، والوَتْرُ يَوْمَ النَّحْرِ، والوَتْرُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وقِيلَ: اَلشَّفْعُ والوَتْرُ: اَلْأعْدادُ، والأعْدادُ كُلُّها شَفْعٌ ووَتْرٌ، وقِيلَ: ”اَلْوَتْرُ“: اَللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -، الواحِدُ، و”اَلشَّفْعُ“: جَمِيعُ الخَلْقِ، خُلِقُوا أزْواجًا.
الفجر 89:4
﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾، إذا مَضى، ”سَرى، يَسْرِي،، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣]، و﴿يَسْرِ﴾، حُذِفَتِ الياءُ لِأنَّها رَأْسُ آيَةٍ، وقَدْ قُرِئَتْ:“واللَّيْلِ إذا يَسْرِي"، بِإثْباتِ الياءِ، واتِّباعُ المُصْحَفِ وحَذْفُ الياءِ أحَبُّ إلَيَّ، لِأنَّ القِراءَةَ بِذَلِكَ أكْثَرُ، ورُؤُوسُ الآيِ فَواصِلُ تُحْذَفُ مَعَها الياءاتُ، وتَدُلُّ عَلَيْهِ الكَسْراتُ.
الفجر 89:5
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾، أيْ: لِذِي عَقْلٍ، ولُبٍّ، ومَعْنى القَسَمِ تَوْكِيدُ ما يُذْكَرُ، وتَصْحِيحُهُ بِأنْ يُقْسِمَ عَلَيْهِ.
الفجر 89:6
(p-٣٢٢)وَقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾، قِيلَ: هُما عادانِ، عادٌ الأُولى، وهي إرَمُ، وعادٌ الأخِيرَةُ، وقِيلَ: إرَمُ أبُو عادٍ، وهو عادُ بْنُ إرَمَ، وقِيلَ: إرَمُ اسْمٌ لِبَلْدَتِهِمُ الَّتِي كانُوا فِيها، وإرَمُ لَمْ تَنْصَرِفْ لِأنَّها جُعِلَتِ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ، فَلِذَلِكَ فُتِحَتْ، وهي في مَوْضِعِ جَرٍّ.
الفجر 89:7
وَقَوْلُهُ: ﴿ذاتِ العِمادِ﴾، أيْ: ذاتِ الطُّولِ، يُقالُ: ”رَجُلٌ مُعَمَّدٌ“، إذا كانَ طَوِيلًا، وقِيلَ: ﴿ذاتِ العِمادِ﴾ ذاتِ البِناءِ الطَّوِيلِ الرَّفِيعِ.
الفجر 89:9
وَقَوْلُهُ: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ﴾، ”جابُوا“: قَطَعُوا، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩]
الفجر 89:10
﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾، ”فِرْعَوْنَ“، لَمْ يَنْصَرِفْ، لِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ، وقِيلَ ﴿ذِي الأوْتادِ﴾، لِأنَّهُ كانَ لَهُ أرْبَعُ أساطِينَ، إذا عاقَبَ الإنْسانَ رَبَطَ مِنهُ كُلَّ قائِمَةٍ إلى أُسْطُوانَةٍ مِن تِلْكَ الأساطِينِ، ومَعْناهُ: "ألَمْ تَرَ كَيْفَ أهْلَكَ رَبُّكَ هَذِهِ الأُمَمَ الَّتِي كَذَّبَتْ رُسُلَها؟! وكَيْفَ جَعَلَ عُقُوبَتَها أنْ جَعَلَ سَوْطَهُ الَّذِي ضَرَبَهم بِهِ العَذابَ؟! فَقالَ: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ١٣]
الفجر 89:14
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾، أيْ: يَرْصُدُ مَن كَفَرَ بِهِ، وعَبَدَ غَيْرَهُ بِالعَذابِ.
الفجر 89:15
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ﴾، والمَعْنى: ”إذا ما اخْتَبَرَهُ رَبُّهُ وأوْسَعَ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ“.
(p-٣٢٣)﴿وَأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ [الفجر: ١٦]، أيْ: جَعَلَ رِزْقَهُ مُقْدَرًا، ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ [الفجر: ١٦] ﴿كَلا﴾ [الفجر: ١٧]، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَظُنُّ الإنْسانُ، وهَذا يُعْنى بِهِ الكافِرُ الَّذِي لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ، وإنَّما الكَرامَةُ عِنْدَهُ والهَوانُ بِكَثْرَةِ الحَظِّ في الدُّنْيا، وصِفَةُ المُؤْمِنِ أنَّ الإكْرامَ عِنْدَهُ تَوْفِيقُ اللَّهِ إيّاهُ، أيْ: ما يُؤَدِّيهِ إلى حَظِّ الآخِرَةِ.
الفجر 89:17
﴿كَلا بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ ﴿وَلا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾، ويُقْرَأُ: ”وَلا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ“، وكانُوا يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى إسْرافًا وبِدارًا، فَقالَ: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩]، أيْ: تُراثَ اليَتامى، ”لَمًّا“، يُلِمُّونَ بِجَمِيعِهِ.
الفجر 89:18
﴿كَلا بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ ﴿وَلا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾، ويُقْرَأُ: ”وَلا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ“، وكانُوا يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى إسْرافًا وبِدارًا، فَقالَ: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩]، أيْ: تُراثَ اليَتامى، ”لَمًّا“، يُلِمُّونَ بِجَمِيعِهِ.
الفجر 89:20
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾، أيْ: كَثِيرًا، و”اَلتُّراثُ“، أصْلُهُ: ”اَلْوُراثُ“، مِن ”وَرِثْتُ“، ولَكِنَّ التّاءَ تُبْدَلُ مِنَ الواوِ، إذا كانَتِ الواوُ مَضْمُومَةً، نَحْوَ ”تُراثٌ“، وأصْلُهُ: ”وُراثٌ“، ونَحْوَ: ”تُجاهٌ“، وأصْلُهُ: ”وُجاهٌ“، مِن ”واجَهْتُ“.
الفجر 89:21
وَقَوْلُهُ: ﴿كَلا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾، إذا زُلْزِلَتْ فَدَكَّ بَعْضُها بَعْضًا.
الفجر 89:22
﴿وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، والمَعْنى: ”والمَلائِكَةُ“، كَما قالَ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]
الفجر 89:23
(p-٣٢٤)وَقَوْلُهُ: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾، كَما قالَ: ﴿وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ [الشعراء: ٩١]، وقِيلَ في التَّفْسِيرِ: جِيءَ بِجَهَنَّمَ تُقادُ بِألْفِ زِمامٍ، كُلُّ زِمامٍ في أيْدِي سَبْعِينَ ألْفَ مَلَكٍ.
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ﴾، يَوْمَئِذٍ يُظْهِرُ الإنْسانُ التَّوْبَةَ، ﴿وَأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾، أيْ: ومِن أيْنَ لَهُ الذِّكْرى؟ أيْ: اَلتَّوْبَةُ.
الفجر 89:24
﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾، أيْ: لِدارِ الآخِرَةِ الَّتِي لا مَوْتَ فِيها.
الفجر 89:26
”فَيَوْمَئِذٍ لّا يُعَذَّبُ عَذابَهُ أحَدٌ“، اَلْمَعْنى: ”لا يُعَذَّبُ عَذابَ هَذا الكافِرِ، وعَذابَ هَذا الصِّنْفِ مِنَ الكُفّارِ، أحَدٌ، ﴿وَلا يُوثِقُ وثاقَهُ أحَدٌ﴾، ومَن قَرَأ: ﴿لا يُعَذِّبُ﴾ [الفجر: ٢٥]، وهو أكْثَرُ القِراءَةِ، فالمَعْنى:“لا يَتَوَلّى يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ اللَّهِ أحَدٌ، المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ وحْدَهُ - جَلَّ وعَزَّ -، وقِيلَ: ”لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ“، أيْ: عَذابَ اللَّهِ أحَدٌ، فَعَلى هَذا لا يُعَذِّبُ أحَدٌ في الدُّنْيا عَذابَ اللَّهِ في الآخِرَةِ.
الفجر 89:27
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾، ”أيُّ“، تُؤَنَّثُ إذا دَعَوْتَ بِها مُؤَنَّثًا، وتُذَكَّرُ، تَقُولُ: ”يا أيَّتُها المَرْأةُ“، وإنْ شِئْتَ: ”يا أيُّها المَرْأةُ“، فَمَن ذَكَّرَهُ فَلِأنَّ ”أيُّ“، مُبْهَمَةٌ، ومَن أنَّثَ فَلِأنَّها مَعَ إبْهامِها قَدْ لَزِمَها الإعْرابُ والإضافَةُ، وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ بَعْضَ العَرَبِ تَقُولُ: ”كُلْتُهُنَّ“، في ”كُلُّهُنَّ“، و”اَلْمُطْمَئِنَّةُ“: اَلَّتِي اطْمَأنَّتْ بِالإيمانِ، وأخْبَتَتْ إلى رَبِّها.
الفجر 89:28
﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾، (p-٣٢٥)أصْلُ ﴿مَرْضِيَّةً﴾، ”مَرْضُوَّةً“، أيْ: راضِيَةً بِما آتاها، قَدْ رَضِيَتْ وزُكِّيَتْ.
الفجر 89:29
﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾، في جُمْلَةِ عِبادِي المُصْطَفَيْنَ، وقُرِئَتْ: ”فادْخُلِي في عَبْدِي“، ﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٣٠]، فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ - واللَّهُ أعْلَمُ -: "اُدْخُلِي إلى صاحِبِكِ الَّذِي خَرَجْتِ مِنهُ فادْخُلِي فِيهِ، والأكْثَرُ في القِراءَةِ والتَّفْسِيرِ: ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ ﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٣٠] (p-٣٢٦)
البلد 90:1
(p-٣٢٧)سُورَةُ اَلْبَلَدِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾، يُعْنى بِالبَلَدِ هَهُنا: مَكَّةُ، والمَعْنى: ”أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ“، و”لا“، أُدْخِلَتْ تَوْكِيدًا، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، وقُرِئَتْ: ”لَأُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ“، تَكُونُ اللّامُ لامَ القَسَمِ، والتَّوْكِيدِ، وهَذِهِ القِراءَةُ قَلِيلَةٌ، وهي في العَرَبِيَّةِ بَعِيدَةٌ، لِأنَّ لامَ القَسَمِ لا تَدْخُلُ عَلى الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ، إلّا مَعَهُ النُّونُ، تَقُولُ: ”لَأضْرِبَنَّ زَيْدًا“، ولا يَجُوزُ: ”لَأضْرِبُ“، تُرِيدُ الحالَ، وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ أنَّ هَذِهِ اللّامَ تَدْخُلُ مَعَ ”إنَّ“، فاسْتُغْنِيَ بِها في بابِ ”إنَّ“، تَقُولُ: ”إنِّي لَأُحِبُّكَ“.
البلد 90:2
وَمَعْنى: ﴿وَأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾، أُحِلَّتْ مَكَّةُ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ساعَةً مِنَ النَّهارِ، ولَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلَهُ، ولا لِأحَدٍ بَعْدَهُ، ومَعْنى ”أُحِلَّتْ لَهُ“: أُحِلَّ لَهُ صَيْدُها، وأنْ يُخْتَلِيَ خِلالَها، وأنْ يُعَضِّدَ شَجَرَها، يُقالُ: ”رَجُلٌ حِلٌّ“، و”حَلالٌ“، و”مُحَلٌّ“، وكَذَلِكَ ”رَجُلٌ حَرامٌ“، و”حِرْمٌ“، و”مُحْرِمٌ“.
البلد 90:3
وَقَوْلُهُ: ﴿وَوالِدٍ وما ولَدَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ مَعْناهُ ”آدَمُ“، ووَلَدُهُ، وجاءَ مَعْناهُ أيْضًا: كُلُّ والِدٍ وكُلُّ مَوْلُودٍ.
البلد 90:4
(p-٣٢٨)وَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾، هَذا جَوابُ القَسَمِ، المَعْنى: ”أُقْسِمُ بِهَذِهِ الأشْياءِ لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ“، أيْ: يُكابِدُ أمْرَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: ﴿فِي كَبَدٍ﴾، أيْ: خُلِقَ مُنْتَصِبًا، يَمْشِي عَلى رِجْلَيْهِ، وسائِرُ الأشْياءِ، والحَيَوانِ غَيْرُ مُنْتَصِبَةٍ، وقِيلَ ﴿فِي كَبَدٍ﴾، خُلِقَ الإنْسانِ في بَطْنِ أُمِّهِ ورَأْسُهُ قِبَلَ رَأْسِها، فَإذا أرادَتِ الوِلادَةَ انْقَلَبَ الرَّأْسُ إلى أسْفَلَ.
البلد 90:5
وَقَوْلُهُ ﴿أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾، هَذا جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ رَجُلٌ كانَ شَدِيدًا جِدًّا، وكانَ يُبْسَطُ لَهُ الأدِيمُ العِكاظِيُّ فَيَقُومُ عَلَيْهِ فَيُهَدُّ، فَلا يَخْرُجُ مِن تَحْتِ رِجْلَيْهِ إلّا قِطَعًا مِن شِدَّتِهِ، وكانَ يُقالُ لَهُ ”كَلَدَةُ“، فَقِيلَ: ”أيَحْسَبُ لِشِدَّتِهِ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ وأنَّهُ لا يُبْعَثُ؟!“، وقِيلَ: ”أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لِأنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ“.
البلد 90:6
﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾، وقُرِئَتْ: ”أهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا“، ويُقْرَأُ: ”لُبَّدًا“، ومَعْنى ”لُبَدًا“: كَثِيرٌ، بَعْضُهُ قَدْ لُبِّدَ بِبَعْضٍ، و”فُعَلٌ“، لِلْكَثْرَةِ، يُقالُ: ”رَجُلٌ حُطَمٌ“، إذا كانَ كَثِيرَ الحَطْمِ، ومَن قَرَأ: ”لُبَّدًا“، فَهو جَمْعُ ”لابِدٌ“.
البلد 90:7
﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾، أيْ: أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يُحْصَ عَلَيْهِ ما أنْفَقَ، وفي الكَلامِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ ادَّعى أنَّهُ أنْفَقَ كَثِيرًا لَمْ يَنْفَعْهُ.
البلد 90:8
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿وَلِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، أيْ: ألَمْ نَفْعَلْ بِهِ ما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يَبْعَثَهُ وأنْ يُحْصِيَ عَلَيْهِ ما يَعْمَلُهُ؟!
البلد 90:9
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿وَلِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، أيْ: ألَمْ نَفْعَلْ بِهِ ما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يَبْعَثَهُ وأنْ يُحْصِيَ عَلَيْهِ ما يَعْمَلُهُ؟!
البلد 90:10
﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾، (p-٣٢٩)اَلطَّرِيقَيْنِ الواضِحَيْنِ، ”اَلنَّجْدُ“: اَلْمُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ، فالمَعْنى: ”ألَمْ نُعَرِّفْهُ طَرِيقَ الخَيْرِ، وطَرِيقَ الشَّرِّ، بَيِّنَيْنِ كَبَيانِ الطَّرِيقَيْنِ العالِيَيْنِ؟!“.
البلد 90:11
وَقَوْلُهُ ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾، اَلْمَعْنى: ”فَلَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ“.
كَما قالَ: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١]، ولَمْ يَذْكُرْ ”لا“، إلّا مَرَّةً واحِدَةً، وقَلَّما يَتَكَلَّمُ العَرَبُ في مِثْلِ هَذا المَكانِ إلّا بِـ ”لا“، مَرَّتَيْنِ، أوْ أكْثَرَ، لا تَكادُ تَقُولُ: ”لا حَيَّيْتَنِي“، تُرِيدُ: ”ما حَيَّيْتَنِي“، فَإنْ قُلْتَ: ”حَيَّيْتَنِي ولا زُرْتَنِي“، صَلُحَ، والمَعْنى في ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾، مَوْجُودٌ، إنَّ ”لا“، ثانِيَةَ كَأنَّها في الكَلامِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]، يَدُلُّ عَلى مَعْنى: ”فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ ولا آمَنَ“.
البلد 90:13
وَقُرِئَتْ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾، وقُرِئَتْ: ”فَكَّ رَقَبَةً أوْ أطْعَمَ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ“، وكِلاهُما جائِزٌ، فَمَن قالَ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾، فالمَعْنى: ”اِقْتِحامُ العَقَبَةِ فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ“، ومَن قَرَأ: ”فَكَّ رَقَبَةً“، فَهو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، و”اَلْمَسْغَبَةُ“: اَلْمَجاعَةُ.
البلد 90:14
وَقُرِئَتْ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾، وقُرِئَتْ: ”فَكَّ رَقَبَةً أوْ أطْعَمَ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ“، وكِلاهُما جائِزٌ، فَمَن قالَ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾، فالمَعْنى: ”اِقْتِحامُ العَقَبَةِ فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ“، ومَن قَرَأ: ”فَكَّ رَقَبَةً“، فَهو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، و”اَلْمَسْغَبَةُ“: اَلْمَجاعَةُ.
البلد 90:15
وَقَوْلُهُ: ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾، مَعْناهُ: ذا قَرابَةٍ، تَقُولُ: ”زَيْدٌ ذُو قَرابَتِي، وذُو مَقْرَبَتِي“، و”زَيْدٌ قَرابَتِي“، قَبِيحٌ، لِأنَّ ”اَلْقَرابَةُ“، اَلْمَصْدَرُ، قالَ الشّاعِرُ: (p-٣٣٠)
؎يَبْكِي عَلَيْهِ غَرِيبٌ لَيْسَ يَعْرِفُهُ ∗∗∗ وذُو قَرابَتِهِ في الحَيِّ مَسْرُورُ
وَقَوْلُهُ: ﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦]، يُعْنى أنَّهُ مِن فَقْرِهِ قَدْ لَصِقَ بِالتُّرابِ.
البلد 90:17
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، مَعْناهُ: ”إذا فَعَلَ ذَلِكَ وكانَ عَقَدَ الإيمانَ ثُمَّ أقامَ عَلى إيمانِهِ“، ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، أيْ: عَلى طاعَةِ اللَّهِ، والصَّبْرِ عَنِ الدُّخُولِ في مَعاصِيهِ، ثُمَّ كانَ مَعَ ذَلِكَ مِنَ الَّذِينَ يَتَواصَوْنَ بِالمَرْحَمَةِ أُولَئِكَ أصْحابُ اليُمْنِ عَلى أنْفُسِهِمْ، أيْ: كانُوا مَيامِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ غَيْرَ مَشائِيمَ.
البلد 90:19
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾، أيْ: هُمُ المَشائِيمُ عَلى أنْفُسِهِمْ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النّارِ.
البلد 90:20
وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾، ويُقْرَأُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، ومَعْناهُ مُطْبِقَةٌ، يُقالُ: ”آصَدْتُ البابَ“، و”أوْصَدْتُهُ“، إذا أطْبَقْتُهُ.
الشمس 91:1
(p-٣٣١)سُورَةُ اَلشَّمْسِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾، هَذا قَسَمٌ، وجَوابُهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩]، ومَعْناهُ: ”لَقَدْ أفْلَحَ“، ولَكِنَّ اللّامَ حُذِفَتْ لِأنَّ الكَلامَ طالَ، فَصارَ طُولُهُ عِوَضًا مِنها، ومَعْنى ﴿وَضُحاها﴾، وضِيائِها، وقِيلَ: ضُحاها: اَلنَّهارُ، وقَرَأ الأعْمَشُ وأصْحابُهُ: ”ضُحاها“، و”تَلاها“، و”طَحاها“، بِالفَتْحِ، وقَرَؤُوا باقِي السُّورَةِ بِالكَسْرِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ السُّورَةَ كُلَّها بِالإمالَةِ، وقَرَأها أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وهَذا الَّذِي يُسَمِّيهِ النّاسُ الكَسْرَ لَيْسَ بِكَسْرٍ صَحِيحٍ، يُسَمِّيهِ الخَلِيلُ وأبُو عَمْرٍو الإمالَةَ، وإنَّما كُسِرَ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ ما كانَ مِنها مِن ذَواتِ الياءِ، لِيَدُلُّوا عَلى أنَّ الشَّيْءَ مِن ذَواتِ الياءِ، ومَن فَتَحَ ”ضُحاها“، و”تَلاها“، و”طَحاها“، فَلِأنَّهُ مِن ذَواتِ الواوِ، ومَن كَسَرَ فَلِأنَّ ذَواتِ الواوِ كُلَّها إذا رُدَّ الشَّيْءُ إلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ انْتَقَلَ إلى الياءِ، تَقُولُ: ”قَدْ تُلِيَ، ودُحِيَ، وطُحِيَ“.
الشمس 91:2
وَقَوْلُهُ: ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾، مَعْناهُ: حِينَ تَلاها، وقِيلَ: حِينَ اسْتَدارَ، فَكانَ يَتْلُو الشَّمْسَ في الضِّياءِ، والنُّورِ.
الشمس 91:3
وَقَوْلُهُ: ﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾، (p-٣٣٢)قالُوا: مَعْناهُ: إذا جَلّى الظُّلْمَةَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ ذِكْرُ الظُّلْمَةِ، فالمَعْنى يَدُلُّ عَلَيْها، كَما تَقُولُ: ”أصْبَحَتْ بارِدَةً“، تُرِيدُ: ”أصْبَحَتْ غَداتُنا بارِدَةً“، وقِيلَ: ﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾، إذا بَيَّنَ الشَّمْسَ، لِأنَّها تُبَيَّنُ إذا انْبَسَطَ النَّهارُ.
الشمس 91:5
وَقَوْلُهُ: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾، مَعْناهُ: والسَّماءِ وبِنائِها، وكَذَلِكَ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦]، مَعْناهُ: والأرْضِ وطَحْوِها، وكَذَلِكَ: ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧]، وقِيلَ: مَعْنى ”ما“، هَهُنا، مَعْنى ”مَن“، اَلْمَعْنى: ”والسَّماءِ والَّذِي بَناها“، ويُحْكى عَنْ أهْلِ الحِجازِ: ”سُبْحانَ ما سَبَّحْتُ لَهُ“، أيْ: سُبْحانَ الَّذِي سَبَّحْتُ لَهُ، ومَن سَبَّحْتُ لَهُ، فَأقْسَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِهَذِهِ الأشْياءِ العِظامِ مِن خَلْقِهِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدٌ، والَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
الشمس 91:8
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾، قِيلَ: عَلَّمَها طَرِيقَ الفُجُورِ، وطَرِيقَ الهُدى، والكَلامُ عَلى أنَّ ”ألْهَمَها التَّقْوى“: وفَّقَها لِلتَّقْوى، و”ألْهَمَها فُجُورَها“: خَذَلَها، واللَّهُ أعْلَمُ.
الشمس 91:9
وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾، أيْ: قَدْ أفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكّاها اللَّهُ.
الشمس 91:10
﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾، خابَتْ نَفْسٌ دَسّاها اللَّهُ، ومَعْنى ﴿دَسّاها﴾ جَعَلَها قَلِيلَةً، خَسِيسَةً، والأصْلُ: ”دَسَّسَها“، ولَكِنَّ الحُرُوفَ إذا اجْتَمَعَتْ مِن لَفْظٍ واحِدٍ أُبْدِلَ مِن أحَدِها ياءٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎تَقَضّى البازِي إذا البازِي كَسَرْ
(p-٣٣٣)قالُوا: مَعْناهُ: ”تَقَضَّضَ“، وقِيلَ: ”قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ“.
الشمس 91:11
وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾، أيْ: بِطُغْيانِها، وأصْلُ ”طَغْواها“: ”طَغْيِها“، و”فَعْلى“، إذا كانَتْ مِن ذَواتِ الياءِ، أُبْدِلَتْ في الِاسْمِ واوًا، لِيُفْصَلَ بَيْنَ الِاسْمِ، والصِّفَةِ، تَقُولُ: ”هِيَ التَّقْوى“، وإنَّما هي مِن ”أيْقَنْتُ“، وهي التَّقْوى، وإنَّما هي مَن ”يَقَنْتُ“، وقالُوا: ”اِمْرَأةٌ خَزْيًا“، لِأنَّها صِفَةٌ.
الشمس 91:13
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وسُقْياها﴾، ”ناقَةَ“، مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى: ”ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ“، كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ [هود: ٦٤]، أيْ: ذَرُوا سُقْياها، وكانَ لِلنّاقَةِ يَوْمٌ، ولَهم يَوْمٌ في الشِّرْبِ.
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ [الشمس: ١٤]، أيْ: فَلَمْ يُوقِنُوا أنَّهم يُعَذِّبُونَ حِينَ قالَ لَهم ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦]
الشمس 91:14
﴿فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾، مَعْناهُ: دَمْدَمَ عَلَيْهِمْ: أطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ، يُقالُ: ”دَمْدَمْتُ عَلى الشَّيْءِ“، إذا أطْبَقْتُ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ ”دَمَمْتُ عَلَيْهِ القَبْرَ“، وما أشْبَهَهُ، وكَذَلِكَ ”ناقَةٌ مَدْمُومَةٌ“، أيْ: قَدْ ألْبَسَها الشَّحْمُ، فَإذا كَرَّرْتَ الإطْباقَ قُلْتَ: ”دَمْدَمْتُ عَلَيْهِ“.
الشمس 91:15
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾، أكْثَرُ ما جاءَ في التَّفْسِيرِ: لا يَخافُ اللَّهُ تَعالى تَبِعَةَ ما أنْزَلَ بِهِمْ، وقِيلَ: لا يَخافُ رَسُولُ اللَّهِ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، عُقْباها، وقِيلَ: ”إذِ انْبَعَثَ أشْقاها وهو لا يَخافُ عُقْباها“.
(p-٣٣٤)
الليل 92:1
(p-٣٣٥)سُورَةُ اَللَّيْلِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾، هَذا قَسَمٌ، جَوابُهُ ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ [الليل: ٤]، أيْ: إنَّ سَعْيَ المُؤْمِنِ، والكافِرِ، لَمُخْتَلِفٌ، بَيْنَهُما بُعْدٌ، ومَعْنى ”إذا يَغْشى اللَّيْلُ الأرْضَ“: تَوارى الأُفُقُ وجَمِيعُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، و”اَلنَّهارِ إذا تَجَلّى“: إذا بِانَ وظَهَرَ.
الليل 92:2
(p-٣٣٥)سُورَةُ اَللَّيْلِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾، هَذا قَسَمٌ، جَوابُهُ ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ [الليل: ٤]، أيْ: إنَّ سَعْيَ المُؤْمِنِ، والكافِرِ، لَمُخْتَلِفٌ، بَيْنَهُما بُعْدٌ، ومَعْنى ”إذا يَغْشى اللَّيْلُ الأرْضَ“: تَوارى الأُفُقُ وجَمِيعُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، و”اَلنَّهارِ إذا تَجَلّى“: إذا بِانَ وظَهَرَ.
الليل 92:3
﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾، كَما فَسَرْناها في قَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥]
الليل 92:5
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾، في التَّفْسِيرِ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وكانَ اشْتَرى جَماعَةً كانَ يُعَذِّبُهُمُ المُشْرِكُونَ لِيَرْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ، فِيهِمْ بِلالٌ، فَوَصَفَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى أنَّهُ أعْطى تَقْوًى، وصَدَّقَ بِالحُسْنى، لِأنَّهُ يُجازى عَلَيْهِ، وقِيلَ: ”صَدَّقَ“، لِأنَّهُ يُخْلِفُ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ﴾ [سبإ: ٣٩]
الليل 92:6
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾، في التَّفْسِيرِ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وكانَ اشْتَرى جَماعَةً كانَ يُعَذِّبُهُمُ المُشْرِكُونَ لِيَرْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ، فِيهِمْ بِلالٌ، فَوَصَفَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى أنَّهُ أعْطى تَقْوًى، وصَدَّقَ بِالحُسْنى، لِأنَّهُ يُجازى عَلَيْهِ، وقِيلَ: ”صَدَّقَ“، لِأنَّهُ يُخْلِفُ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ﴾ [سبإ: ٣٩]
الليل 92:7
وَقالَ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾، أيْ: لِلْأمْرِ السَّهْلِ، الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا المُؤْمِنِينَ.
الليل 92:8
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠]، (p-٣٣٦)نَزَلَتْ في رِجُلٍ أكْرَهُ ذِكْرَهُ، وهي جامِعَةٌ لِكُلِّ مَن بَخِلَ، وكَذَّبَ، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - يُجازِيهِ، أوْ يُتْلِفُ عَلَيْهِ.
الليل 92:9
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠]، (p-٣٣٦)نَزَلَتْ في رِجُلٍ أكْرَهُ ذِكْرَهُ، وهي جامِعَةٌ لِكُلِّ مَن بَخِلَ، وكَذَّبَ، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - يُجازِيهِ، أوْ يُتْلِفُ عَلَيْهِ.
الليل 92:10
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾، اَلْعَذابِ والأمْرِ العَسِيرِ.
الليل 92:11
﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾، قِيلَ: إذا ماتَ، وقِيلَ: إذا تَرَدّى في النّارِ.
الليل 92:12
﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾، أيْ: إنَّ عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَ طَرِيقَ الهُدى مِن طَرِيقِ الضَّلالِ.
الليل 92:14
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾، ”تَلَظّى“، مَعْناهُ: تَتَوَهَّجُ، وتَتَوَقَّدُ، وهَذِهِ الآيَةُ هي الَّتِي مِن أجْلِها قالَ أهْلُ الإرْجاءِ بِالإرْجاءِ، فَزَعَمُوا أنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا كافِرٌ، لِقَوْلِهِ: ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾، ولَيْسَ كَما ظَنُّوا، هَذِهِ نارٌ مَوْصُوفَةٌ بِعَيْنِها، لا يَصْلى هَذِهِ النّارَ إلّا الأشْقى الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ، فَمِنها قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - كُلُّ ما وعَدَ عَلَيْهِ بِجِنْسٍ مِنَ العَذابِ فَجائِزٌ أنْ يُعَذِّبَ بِهِ، وقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فَلَوْ كانَ كُلُّ مَن لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ لا يُعَذَّبُ، لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ تَعالى: ”وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ“، فائِدَةٌ، وكانَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ.
الليل 92:15
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾، ”تَلَظّى“، مَعْناهُ: تَتَوَهَّجُ، وتَتَوَقَّدُ، وهَذِهِ الآيَةُ هي الَّتِي مِن أجْلِها قالَ أهْلُ الإرْجاءِ بِالإرْجاءِ، فَزَعَمُوا أنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا كافِرٌ، لِقَوْلِهِ: ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾، ولَيْسَ كَما ظَنُّوا، هَذِهِ نارٌ مَوْصُوفَةٌ بِعَيْنِها، لا يَصْلى هَذِهِ النّارَ إلّا الأشْقى الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ، فَمِنها قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - كُلُّ ما وعَدَ عَلَيْهِ بِجِنْسٍ مِنَ العَذابِ فَجائِزٌ أنْ يُعَذِّبَ بِهِ، وقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فَلَوْ كانَ كُلُّ مَن لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ لا يُعَذَّبُ، لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ تَعالى: ”وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ“، فائِدَةٌ، وكانَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ.
الليل 92:16
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾، ”تَلَظّى“، مَعْناهُ: تَتَوَهَّجُ، وتَتَوَقَّدُ، وهَذِهِ الآيَةُ هي الَّتِي مِن أجْلِها قالَ أهْلُ الإرْجاءِ بِالإرْجاءِ، فَزَعَمُوا أنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ إلّا كافِرٌ، لِقَوْلِهِ: ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾، ولَيْسَ كَما ظَنُّوا، هَذِهِ نارٌ مَوْصُوفَةٌ بِعَيْنِها، لا يَصْلى هَذِهِ النّارَ إلّا الأشْقى الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ، فَمِنها قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - كُلُّ ما وعَدَ عَلَيْهِ بِجِنْسٍ مِنَ العَذابِ فَجائِزٌ أنْ يُعَذِّبَ بِهِ، وقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فَلَوْ كانَ كُلُّ مَن لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ لا يُعَذَّبُ، لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ تَعالى: ”وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ“، فائِدَةٌ، وكانَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ.
الليل 92:17
وَقَوْلُهُ: ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾، أيْ: يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ زاكِيًا، لا يَطْلُبُ بِذَلِكَ رِياءً، ولا سُمْعَةً، ونَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الليل 92:18
وَقَوْلُهُ: ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾، أيْ: يَطْلُبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ زاكِيًا، لا يَطْلُبُ بِذَلِكَ رِياءً، ولا سُمْعَةً، ونَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الليل 92:19
﴿وَما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾، أيْ: لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مُجازاةً لِيَدٍ أُسْدِيَتْ إلَيْهِ.
(p-٣٣٧)﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠]، أيْ: إلّا طَلَبَ ثَوابِهِ.
الليل 92:21
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾، أيْ: سَوْفَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ، كَما قالَ: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ [الفجر: ٢٩] ﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٣٠] (p-٣٣٨)
الضحى 93:1
(p-٣٣٩)سُورَةُ اَلضُّحى
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾، هَذا قَسَمٌ، وجَوابُهُ: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى: ٣]، و”اَلضُّحى“: اَلنَّهارُ، وقِيلَ: ساعَةٌ مِن ساعاتِ النَّهارِ، وقَوْلُهُ: ”إذا سَجى“، مَعْناهُ: إذا سَكَنَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَّيْلُ السّاجْ ∗∗∗ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسّاجْ
الضحى 93:2
(p-٣٣٩)سُورَةُ اَلضُّحى
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾، هَذا قَسَمٌ، وجَوابُهُ: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى: ٣]، و”اَلضُّحى“: اَلنَّهارُ، وقِيلَ: ساعَةٌ مِن ساعاتِ النَّهارِ، وقَوْلُهُ: ”إذا سَجى“، مَعْناهُ: إذا سَكَنَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَّيْلُ السّاجْ ∗∗∗ وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسّاجْ
الضحى 93:3
وَمَعْنى: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾، أيْ: لَمْ يَقْطَعِ الوَحْيَ عَنْكَ، ولا أبْغَضَكَ، وذَلِكَ أنَّهُ تَأخَّرَ الوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَقالَ ناسٌ مِنَ النّاسِ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ ودَّعَهُ صاحِبُهُ، وقَلاهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾، اَلْمَعْنى: ما قَلاكَ، كَما قالَ: ﴿والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، اَلْمَعْنى والذّاكِراتِهِ.
الضحى 93:6
وَقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾، وكانَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَكْفُلُهُ عَمُّهُ أبُو طالِبٍ.
الضحى 93:7
وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾، مَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَدْرِي القُرْآنَ، ولا الشَّرائِعَ، فَهَداهُ اللَّهُ (p-٣٤٠)إلى القُرْآنِ، وشَرائِعِ الإسْلامِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، وقالَ قَوْمٌ: كانَ عَلى أمْرِ قَوْمِهِ أرْبَعِينَ سَنَةً.
الضحى 93:9
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾، أيْ: لا تَقْهَرُهُ عَلى مالِهِ.
الضحى 93:10
﴿وَأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾، أيْ: لا تَنْهَرُهُ، إمّا أعْطَيْتَهُ، وإمّا رَدَدْتَهُ رَدًّا لَيِّنًا.
الضحى 93:11
﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، أيْ: بَلِّغْ ما أُرْسِلْتَ بِهِ، وحَدِّثْ بِالنُّبُوَّةِ الَّتِي آتاكَ اللَّهُ، وهي أجَلُّ النِّعَمِ.
الشرح 94:1
(p-٣٤١)سُورَةُ اَلشَّرْحِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، أيْ: شَرَحْناهُ لِلْإسْلامِ.
الشرح 94:2
﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾، أيْ: وضَعْنا عَنْكَ إثْمَكَ أنْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ.
الشرح 94:3
﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، جَعَلَ ذِكْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَقْرُونًا بِذِكْرِ تَوْحِيدِ اللَّهِ في الأذانِ، وفي كَثِيرٍ مِمّا يُذْكَرُ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -، يَقُولُ فِيهِ: ”أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أشْهَدَ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ“.
الشرح 94:4
﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، جَعَلَ ذِكْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَقْرُونًا بِذِكْرِ تَوْحِيدِ اللَّهِ في الأذانِ، وفي كَثِيرٍ مِمّا يُذْكَرُ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -، يَقُولُ فِيهِ: ”أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أشْهَدَ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ“.
الشرح 94:5
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾، فَذَكَرَ العُسْرَ مَعَ الألِفِ واللّامِ، ثُمَّ ثَنّى ذِكْرَهُ، فَصارَ المَعْنى: ”إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرَيْنِ“، وقالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”لا يَغْلِبُ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ“،» وقِيلَ: «”لَوْ دَخَلَ العُسْرُ جُحْرًا لَدَخَلَ اليُسْرُ عَلَيْهِ“،» وذَلِكَ أنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا في ضِيقٍ شَدِيدٍ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّهم سَيُوسِرُونَ، وأنْ سَيُفْتَحُ عَلَيْهِمْ، وأبْدَلَهم بِالعُسْرِ اليُسْرَ.
الشرح 94:8
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾، أيْ: اِجْعَلْ رَغْبَتَكَ إلى اللَّهِ وحْدَهُ.
(p-٣٤٢)
التين 95:1
(p-٣٤٣)سُورَةُ اَلتِّينِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾، قِيلَ ”اَلتِّينُ“: دِمَشْقُ، و”اَلزَّيْتُونُ“: بَيْتُ المَقْدِسِ، وقِيلَ: ”اَلتِّينُ“: جَبَلٌ عَلَيْهِ دِمَشْقُ، و”اَلزَّيْتُونُ“: جَبَلٌ عَلَيْهِ بَيْتُ المَقْدِسِ، وقِيلَ: ”والتِّينُ“، و”اَلزَّيْتُونُ“: جَبَلانِ، وقِيلَ: ”اَلتِّينُ“، و”اَلزَّيْتُونُ“: هَذا التِّينُ الَّذِي نَعْرِفُهُ، وهَذا الزَّيْتُونُ الَّذِي نَعْرِفُهُ.
التين 95:2
﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾، جَبَلٌ، وقَرَأ بَعْضُهُمْ: ”وَطُورِ سَيْناءَ“، وهَذا القَوْلُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أشْبَهُ لِقَوْلِهِ: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]
التين 95:3
﴿وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾، يَعْنِي مَكَّةَ.
التين 95:4
﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، أيْ: في أحْسَنِ صُورَةٍ.
التين 95:5
﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾، إلى أرْذَلِ العُمُرِ، وقِيلَ: إلى الضَّلالِ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [العصر: ٣]، وهو - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ خَلْقَ الخَلْقِ عَلى الفِطْرَةِ، فَمَن كَفَرَ وضَلَّ، فَهو المَرْدُودُ إلى أسْفَلِ السّافِلِينَ.
(p-٣٤٤)﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [التين: ٦]، أيْ: إلّا هَؤُلاءِ، فَلَمْ يُرَدُّوا إلى أسْفَلِ سافِلِينَ.
التين 95:6
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أيْ: لا يُمَنَّ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: ”غَيْرُ مَمْنُونٍ“: غَيْرُ مَقْطُوعٍ، وجَوابُ القَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١]، قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]
العلق 96:1
(p-٣٤٥)سُورَةُ اَلْعَلَقِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ أوَّلَ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾
العلق 96:4
وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾، أيْ: اَلَّذِي عَلَّمَ الكِتابَةَ.
العلق 96:6
وَقَوْلُهُ: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾، هَذِهِ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وكَذَلِكَ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ [العلق: ٩] ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ١٠]، لِأنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: إنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي تَوَطَّأْتُ عُنُقَهُ.
العلق 96:7
وَقَوْلُهُ: ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾، هَذِهِ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وكَذَلِكَ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ [العلق: ٩] ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ١٠]، لِأنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: إنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي تَوَطَّأْتُ عُنُقَهُ.
العلق 96:15
وَقَوْلُهُ: ﴿كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾، أيْ: لَنَجُرَّنَّ ناصِيَتَهُ إلى النّارِ، يُقالُ: ”سَفَعْتُ بِالشَّيْءِ“، إذا قَبَضْتُ عَلَيْهِ، وجَذَبْتُهُ جَذْبًا شَدِيدًا.
العلق 96:16
وَقَوْلُهُ: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾، وتَأْوِيلُهُ: ”بِناصِيَةٍ صاحِبُها كاذِبٌ خاطِئٌ“، كَما يُقالُ: ”فُلانٌ نَهارُهُ صائِمٌ، ولَيْلُهُ قائِمٌ“، اَلْمَعْنى: ”هُوَ صائِمٌ في نَهارِهِ، وقائِمٌ في لَيْلِهِ“.
العلق 96:17
﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾، (p-٣٤٦)مَعْناهُ: فَلْيَدْعُ أهْلَ نادِيهِ، وهم أهْلُ مَجْلِسِهِ، وكانُوا عَشِيرَتَهُ، أيْ: فَلْيَسْتَنْصِرْ بِهِمْ.
العلق 96:18
﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾، ”اَلزَّبانِيَةُ“: اَلْغِلاظُ الشِّدادُ، واحِدُهم ”زِبْنِيَةٌ“، وهم - هَهُنا - المَلائِكَةُ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ﴾ [التحريم: ٦]، وهُمُ الزَّبانِيَةُ.
العلق 96:19
﴿كَلا﴾، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما عَلَيْهِ أبُو جَهْلٍ، ﴿لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾، أيْ: وتَقَرَّبْ إلى رَبِّكَ بِالطّاعَةِ.
القدر 97:1
(p-٣٤٧)سُورَةُ اَلْقَدْرِ
مَدَنِيَّةٌ، وقِيلَ: اَلصَّحِيحُ مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾، اَلْهاءُ ضَمِيرُ القُرْآنِ، ولَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ في أوَّلِ السُّورَةِ، ولَكِنَّهُ جَرى ذِكْرُهُ فِيما قَبْلَها، وهو قَوْلُهُ، ﴿حم﴾ [الدخان: ١] ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الدخان: ٢] ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]، وهي لَيْلَةُ القَدْرِ، ومَعْنى ”لَيْلَةُ القَدْرِ“: لَيْلَةُ الحُكْمِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]، نَزَلَ القُرْآنُ كُلُّهُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا في لَيْلَةِ القَدْرِ، ثُمَّ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى النَّبِيِّ ﷺ في عِشْرِينَ سَنَةً.
القدر 97:3
وَقَوْلُهُ: ﴿خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾، مِن ألْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهِ لَيْلَةُ القَدْرِ.
القدر 97:4
وَقَوْلُهُ: ﴿تَنَـزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾، تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ بِما يَقْضِي اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - في لَيْلَةِ القَدْرِ لِلسَّنَةِ، إلى أنْ تَأْتِيَ لَيْلَةُ القَدْرِ، وقُرِئَتْ: ”مِن كُلِّ امْرِئٍ“، وهَذِهِ القِراءَةُ تُخالِفُ المُصْحَفَ، إلّا أنَّها قَدْ رُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
القدر 97:5
وَقَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾، (p-٣٤٨)أيْ: لا داءَ فِيها، ولا يَسْتَطِيعُ الشَّيْطانُ أنْ يَصْنَعَ فِيها سَيِّئًا، و”اَلرُّوحُ“: جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقُرِئَتْ: مَطْلَعِ الفَجْرِ”، و“مَطْلِعِ الفَجْرِ”بِفَتْحِ اللّامِ، والكَسْرِ، فَمَن فَتَحَ فَهو المَصْدَرُ، بِمَعْنى“اَلطُّلُوعُ”، تَقُولُ:“طَلَعَ الفَجْرَ طُلُوعًا ومَطْلَعًا”، ومَن قالَ:“مَطْلِعِ”، فَهو اسْمٌ لِوَقْتِ الطُّلُوعِ وكَذَلِكَ لِمَكانِ الطُّلُوعِ، الِاسْمُ“مَطْلِعٌ"، بِكَسْرِ اللّامِ.
البينة 98:1
(p-٣٤٩)سُورَةُ اَلْقَيِّمَةِ
مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ: اَلصَّحِيحُ مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾، ”اَلْمُشْرِكِينَ“، في مَوْضِعِ جَرٍّ، عَطْفٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ، المَعْنى: ”لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُشْرِكِينَ“.
وَقَوْلُهُ: ﴿مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾، أيْ: لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ مِن كُفْرِهِمْ، ومَعْنى ”مُنْفَكِّينَ“: مُنْتَهِينَ عَنْ كُفْرِهِمْ.
البينة 98:2
وَقَوْلُهُ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو﴾، يَرْتَفِعُ عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما عَلى البَدَلِ مِن ”البَيِّنَةُ“، اَلْمَعْنى: ”حَتّى يَأْتِيَهم رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ“، والضَّرْبُ الثّانِي عَلى تَفْسِيرِ ”البَيِّنَةُ“، و”اَلْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً“، أيْ: مُطَهَّرَةً مِنَ الأدْناسِ والباطِلِ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس: ١٣] ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١٤]
البينة 98:3
وَقَوْلُهُ: ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾، (p-٣٥٠)أيْ: كُتُبٌ غَيْرُ ذاتِ عِوَجِ، مُسْتَقِيمَةٌ، تُبَيِّنُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، عَلى الِاسْتِواءِ، والبُرْهانِ.
البينة 98:4
قَوْلُهُ: ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾، أيْ: ما تَفَرَّقُوا في مِلْكِهِمْ وكَفْرِهِمْ بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا مِن بَعْدِ أنْ تَبَيَّنُوا أنَّهُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ في التَّوْراةِ، والإنْجِيلِ.
البينة 98:5
﴿وَما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، أيْ: يَعْبُدُونَهُ مُوَحِّدِينَ لَهُ، لا يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، ﴿حُنَفاءَ﴾، عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، ودِينِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ﴾، أيْ: يُؤْمِنُوا مَعَ التَّوْحِيدِ بِالنَّبِيِّ ﷺ، ويُقِيمُوا شَرائِعَهُ، ﴿وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾، أيْ: وذَلِكَ دِينُ الأُمَّةِ القَيِّمَةِ بِالحَقِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دِينَ المِلَّةِ المُسْتَقِيمَةِ.
البينة 98:6
وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾، اَلْقِراءَةُ: ”البَرِيَّةِ“، بِتَرْكِ الهَمْزَةِ، وقَدْ قَرَأ نافِعٌ: ”اَلْبَرِيئَةِ“، بِالهَمْزِ، والقُرّاءُ غَيْرُهُ مُجْمِعُونَ عَلى تَرْكِ الهَمْزِ، كَما أجْمَعُوا في ”اَلنَّبِيُّ“، والأصْلُ ”اَلْبَرِيئَةِ“، إلّا أنَّ الهَمْزَةَ خُفِّفَتْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، يَقُولُونَ: ”هَذا خَيْرُ البَرِيِّةِ“، و”شَرُّ البَرِيَّةِ“، و”ما في البَرِيَّةِ مِثْلُهُ“، واشْتِقاقُهُ مِن ”بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ“، وقالَ بَعْضُهُمْ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ اشْتِقاقُها مِن ”اَلْبَرى“، وهو التُّرابُ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما قَرَؤُوا: ”اَلْبَرِيئَةِ“، بِالهَمْزِ، والكَلامُ: ”بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، يَبْرَؤُهُمْ“، ولَمْ يَحْكِ أحَدٌ: ”بَراهُمْ، يَبْرِيهِمْ“، فَيَكُونَ اشْتِقاقُهُ مِن ”اَلبَرى“، وهو التُّرابُ.
البينة 98:8
وَقَوْلُهُ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾، أيْ: جَنّاتُ إقامَةٍ.
الزلزلة 99:1
(p-٣٥١)سُورَةُ اَلزَّلْزَلَةِ
مَدَنِيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾، إذا حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً، والقِراءَةُ: ﴿زِلْزالَها﴾، بِكَسْرِ الزّايِ، ويَجُوزُ في الكَلامِ: ”زَلْزالَها“، وقُرِئَتْ: ”زَلْزالَها“، ولَيْسَ في الكَلامِ ”فَعْلالٌ“، بِفَتْحِ الفاءِ، إلّا في المُضاعَفِ، نَحْوَ ”اَلزِّلْزالُ“، و”اَلصَّلْصالُ“، والِاخْتِيارُ كَسْرُ الزّايِ، والفَتْحُ جائِزٌ.
الزلزلة 99:2
﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾، أخْرَجَتْ كُنُوزَها، ومَوْتاها.
الزلزلة 99:3
﴿وَقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾، هَذا قَوْلُ الكافِرِ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ، فَقالَ: ما لَها؟! أيْ: لِأيِّ شَيْءٍ زِلْزالُها؟!
الزلزلة 99:4
﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾، ”يَوْمَئِذٍ“، مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ”إذا زُلْزِلَتِ وأخْرَجَتْ في ذَلِكَ اليَوْمِ“، ومَعْنى ﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ تُخْبِرُهُ بِما عُمِلَ عَلَيْها.
الزلزلة 99:6
﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾، أيْ: يَصْدُرُونَ مُتَفَرِّقِينَ، مِنهم مَن عَمِلَ صالِحًا، ومِنهم مَن عَمِلَ شَرًّا.
(p-٣٥٢)والقِراءَةُ: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾، ويُرْوى: ”لِيَرَوْا أعْمالَهُمْ“، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، ولا يَجُوزُ أنْ يُقْرَأ بِما يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ إذا لَمْ يَقْرَأْ بِهِ مَن أُخِذَتْ عَنْهُ القِراءَةُ.
الزلزلة 99:7
وَمَعْنى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾، تَأْوِيلُهُ أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - قَدْ أحْصى أعْمالَ العِبادِ، مِن خَيْرٍ، وكُلٌّ يَرى عَمَلَهُ، فَمَن أحَبَّ اللَّهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ غَفَرَ لَهُ، ومَن أحَبَّ أنْ يُجازِيَهُ جازاهُ، وقِيلَ: مَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ في الدُّنْيا، وكَذَلِكَ ”شَرًّا“، يَرَهُ في الدُّنْيا، واللَّهُ أعْلَمُ.
العاديات 100:1
(p-٣٥٣)سُورَةُ اَلْعادِياتِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعادِياتِ ضَبْحًا﴾، يُعْنى بِالعادِياتِ، هَهُنا: اَلْخَيْلُ، وهَذا قَسَمٌ، جَوابَهُ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] .
وَقَوْلُهُ: ﴿ضَبْحًا﴾، مَعْناهُ: والعادِياتِ تَضْبَحُ ضَبْحًا، وضَبْحُها صَوْتُ أجْوافِها إذا عَدَتْ.
العاديات 100:2
﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾، إذا عَدَتِ الخَيْلُ بِاللَّيْلِ، وأصابَتْ حَوافِرُها الحِجارَةَ، انْقَدَحَ مِنها النِّيرانُ.
العاديات 100:3
﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا﴾، يُعْنى الخَيْلُ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها سَرِيَّةٌ كانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى كِنْدَةَ.
العاديات 100:4
﴿فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾، ”اَلنَّقْعُ“: اَلْغُبارُ، فَقالَ: ”بِهِ“، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ المَكانِ، ولَكِنْ في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، المَعْنى: ”فَأثَرْنَ بِمَكانِ عَدْوِها نَقْعًا“، أيْ: غُبارًا.
العاديات 100:5
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، اَلْقِراءَةُ ﴿فَوَسَطْنَ﴾، أيْ: فَتَوَسَّطْنَ المَكانَ، ولَوْ قالَ: ”فَوَسَّطْنَ بِهِ جَمْعًا“، لَجازَتْ، إلّا أنِّي لا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها.
العاديات 100:6
(p-٣٥٤)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، مَعْناهُ: لَكَفُورٌ، يُعْنى بِذَلِكَ الكافِرُ.
العاديات 100:8
﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، مَعْنى ”لَشَدِيدٌ“، لَبَخِيلٌ، أيْ: وإنَّهُ مِن أجْلِ حُبِّ المالِ لَبَخِيلٌ، قالَ طَرَفَةُ:
؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي ∗∗∗ عَقِيلَةَ مالِ الباخِلِ المُتَشَدِّدِ
العاديات 100:9
وَقَوْلُهُ: ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾، ”بُعْثِرَ“، و”بُحْثِرَ“، بِمَعْنًى واحِدٍ، والمَعْنى: ”أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعِثَ المَوْتى“.
العاديات 100:11
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾، اَللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - خَبِيرٌ بِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وفي غَيْرِهِ، ولَكِنَّ المَعْنى: ”إنَّ اللَّهَ يُجازِيهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ“، ولَيْسَ يُجازِيهِمْ إلّا بِعِلْمِهِ أعْمالَهُمْ، ومِثْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء: ٦٣]، فَمَعْناهُ: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَتْرُكُ مُجازاتِهِمْ.
القارعة 101:1
(p-٣٥٥)سُورَةُ اَلْقارِعَةِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ٢]، ”اَلْقارِعَةُ“، و”اَلْواقِعَةُ“، و”اَلْحاقَّةُ“، مِن صِفاتِ ساعَةِ القِيامَةِ، و”اَلْقارِعَةُ“: اَلَّتِي تَقْرَعُ بِالأهْوالِ، وقَدْ فَسَّرْنا إعْرابَ ﴿الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١] ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢]، ومِثْلُها ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ٢]
القارعة 101:4
وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾، ”يَوْمَ“، مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، المَعْنى: يَكُونُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ، و”اَلْفَراشُ“: ما تَراهُ كَصِغارِ البَقِّ، يَتَهافَتُ في النّارِ، وشَبَّهَ النّاسَ في وقْتِ البَعْثِ بِالجَرادِ المُنْتَشِرِ، والفَراشِ المَبْثُوثِ، لِأنَّهم إذا بُعِثُوا يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ، كالجَرادِ الَّذِي يَمُوجُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ.
القارعة 101:5
وَقَوْلُهُ: ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾، ”اَلْعِهْنُ“: اَلصُّوفُ، واحِدَتُهُ ”عِهْنَةٌ“، يُقالُ: ”عِهْنَةٌ“، و”عِهْنٌ“، مِثْلَ: ”صُوفَةٌ“، و”صُوفٌ“.
القارعة 101:6
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾، ذاتِ رِضًى، مَعْناهُ: مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ بِالحَسَناتِ، كَما تَقُولُ: ”لِفُلانٍ عِنْدِي وزْنٌ ثَقِيلٌ“، تَأْوِيلُهُ: لَهُ وزْنٌ في الخَيْرِ ثَقِيلٌ، ومَعْنى ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾، ذاتِ رِضًى، يَرْضاها مَن يَعِيشُ فِيها، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: مَرْضِيَّةٍ، وهو يَعُودُ إلى هَذا المَعْنى في التَّفْسِيرِ.
القارعة 101:7
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾، ذاتِ رِضًى، مَعْناهُ: مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ بِالحَسَناتِ، كَما تَقُولُ: ”لِفُلانٍ عِنْدِي وزْنٌ ثَقِيلٌ“، تَأْوِيلُهُ: لَهُ وزْنٌ في الخَيْرِ ثَقِيلٌ، ومَعْنى ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾، ذاتِ رِضًى، يَرْضاها مَن يَعِيشُ فِيها، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: مَرْضِيَّةٍ، وهو يَعُودُ إلى هَذا المَعْنى في التَّفْسِيرِ.
القارعة 101:8
(p-٣٥٦)وَقَوْلُهُ: ﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾، أيْ: فَمَسْكَنُهُ النّارُ، وقِيلَ ”أُمُّهُ“، لِمَسْكَنِهِ، لِأنَّ الأصْلَ في السُّكُونِ إلى الأُمَّهاتِ، فَأُبْدِلَ فِيما يَسْكُنُ إلَيْهِ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ [القارعة: ١١]
القارعة 101:9
(p-٣٥٦)وَقَوْلُهُ: ﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾، أيْ: فَمَسْكَنُهُ النّارُ، وقِيلَ ”أُمُّهُ“، لِمَسْكَنِهِ، لِأنَّ الأصْلَ في السُّكُونِ إلى الأُمَّهاتِ، فَأُبْدِلَ فِيما يَسْكُنُ إلَيْهِ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ [القارعة: ١١]
القارعة 101:10
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾، اَلْوَقْفُ ”هِيَهْ“، والوَصْلُ: ”هِيَ نارٌ حامِيَةٌ“، إلّا أنَّ الهاءَ دَخَلَتْ في الوَقْفِ تُبَيِّنُ فَتْحَةَ الياءِ، والَّذِي يَجِبُ اتِّباعُ المُصْحَفِ، فَيُوقَفُ عَلَيْها، ولا تُوصَلُ، فَيُقْرَأُ: ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ [القارعة: ١١]، لِأنَّ السُّنَّةَ اتِّباعُ المُصْحَفِ، والهاءُ ثابِتَةٌ فِيهِ.
التكاثر 102:1
(p-٣٥٧)سُورَةُ اَلتَّكاثُرِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾، أيْ: شَغَلَكُمُ التَّكاثُرُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ.
التكاثر 102:2
﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾، أيْ: حَتّى أدْرَكَكُمُ المَوْتُ عَلى تِلْكَ الحالِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ حَيَّيْنِ مِنَ العَرَبِ، وهم بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، وبَنُو سَهْمٍ، تَفاخَرُوا، وتَكاثَرُوا، فَفَخَرَتْ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ عَلى بَنِي سَهْمٍ بِأنْ عَدُّوا الأحْياءَ، فَقالَتْ بَنُو سَهْمٍ: فاذْكُرُوا المَوْتى، وكَثَّرَتْهم بَنُو سَهْمٍ بَعْدَ أنْ كانَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ قَدْ كَثَّرُوا بَنِي سَهْمٍ.
التكاثر 102:3
وَقَوْلُهُ: ﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، ”كَلّا“، رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ، المَعْنى: "لَيْسَ الأمْرُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ التَّكاثُرُ، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ طاعَةُ اللَّهِ، والإيمانُ بِنَبِيِّهِ ﷺ.
التكاثر 102:5
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾، اَلْمَعْنى: ”لَوْ عَلِمْتُمُ الشَّيْءَ حَقَّ عِلْمِهِ“، وصَرَفْتُمُ التَّفَهُّمَ إلَيْهِ، لارْتَدَعْتُمْ”، ثُمَّ قالَ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦]، (p-٣٥٨)كَما قالَ: ﴿وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١]، والقِراءَةُ:“لَتَرَوُنَّ”، بِضَمِّ الواوِ، غَيْرَ مَهْمُوزَةٍ، فَضُمَّتِ الواوُ لِسُكُونِها، وسُكُونِ النُّونِ، وقَدْ هَمَزَها بَعْضُهُمْ:“لَتَرَؤُنَّ”، والنَّحْوِيُّونَ يَكْرَهُونَ هَمْزَ الواوِ، لِأنَّ ضَمَّتَها غَيْرُ لازِمَةٍ، لِأنَّها حُرِّكَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ويَهْمِزُونَ الواوَ الَّتِي ضَمَّتُها لازِمَةٌ، نَحْوَ:“أدْؤُرٌ”، جَمْعِ“دارٌ”، فَيَجُوزُ:“أدْؤُرٌ”، بِالهَمْزِ، و“أدْوُرٌ”، بِغَيْرِ الهَمْزِ، وأنْتَ مُخَيَّرٌ فِيهِما، فَأمّا“لَتَرَؤُنَّ”،“ثُمَّ لَتَرَؤُنَّها”، فَلا يَخْتارُ النَّحْوِيُّونَ إلّا تَرْكَ الهَمْزَةِ، وقُرِئَتْ:“لَتُرَؤُنَّ الجَحِيمَ"، عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
التكاثر 102:8
﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، عَنْ كُلِّ ما يُتَنَعَّمُ بِهِ في الدُّنْيا، وجاءَ في الحَدِيثِ «أنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أكَلَ هو وجَماعَةٌ مِن أصْحابِهِ تَمْرًا - ورُوِيَ بُسْرًا -، وشَرِبُوا عَلَيْهِ ماءً، فَقالَ: ”اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أطْعَمَنا وسَقانا وجَعَلَنا مُسْلِمِينَ“،» وجاءَ أنَّ مِمّا لا يُسْألُ العَبْدُ عَنْهُ لِباسًا يُوارِي سَوْأتَهُ، وطَعامًا يُقِيمُ بِهِ صُلْبَهُ، ومَكانًا يُكِنَّهُ مِنَ الحَرِّ، والبَرْدِ.
العصر 103:1
(p-٣٥٩)سُورَةُ اَلْعَصْرِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾، اَلْإنْسانُ هَهُنا في مَعْنى ”اَلنّاسُ“، كَما تَقُولُ: ”قَدْ كَثُرَ الدِّرْهَمُ، والدِّينارُ في أيْدِي النّاسِ“، تُرِيدُ قَدْ كَثُرَ الدَّراهِمُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾، ”اَلْخُسْرُ“، و”اَلْخُسْرانُ“، في مَعْنًى واحِدٍ، المَعْنى: "إنَّ النّاسَ الكُفّارَ والعامِلِينَ بِغَيْرِ طاعَةِ اللَّهِ لَفي خُسْرٍ.
العصر 103:2
(p-٣٥٩)سُورَةُ اَلْعَصْرِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾، اَلْإنْسانُ هَهُنا في مَعْنى ”اَلنّاسُ“، كَما تَقُولُ: ”قَدْ كَثُرَ الدِّرْهَمُ، والدِّينارُ في أيْدِي النّاسِ“، تُرِيدُ قَدْ كَثُرَ الدَّراهِمُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾، ”اَلْخُسْرُ“، و”اَلْخُسْرانُ“، في مَعْنًى واحِدٍ، المَعْنى: "إنَّ النّاسَ الكُفّارَ والعامِلِينَ بِغَيْرِ طاعَةِ اللَّهِ لَفي خُسْرٍ.
العصر 103:3
﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، تَواصَوْا بِالإقامَةِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، والإيمانِ بِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، عَلى طاعَةِ اللَّهِ، والجِهادِ في سَبِيلِهِ، والقِيامِ بِشَرائِعِ نَبِيِّهِ، و”اَلْعَصْرُ“: هو الدَّهْرُ، و”اَلْعَصْرانِ“: اَلْيَوْمُ، واللَّيْلَةُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وَلَنْ يَلْبَثَ العَصْرانِ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ ∗∗∗ إذا طَلَبا أنْ يُدْرِكا ما تَيَمَّما
(p-٣٦٠)﴿والعَصْرِ﴾ [العصر: ١]، قَسَمٌ، وجَوابُهُ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]، وقالَ بَعْضُهُمْ: مَعْناهُ: ورَبِّ العَصْرِ، كَما قالَ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الذاريات: ٢٣]
الهمزة 104:1
(p-٣٦١)سُورَةُ اَلْهُمَزَةِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾، ”وَيْلٌ“، مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ ﴿لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾، ولَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ جازَ النَّصْبُ، ولا يَجُوزُ في القُرْآنِ لِمُخالَفَةِ المُصْحَفِ، فَمَن قالَ: ”وَيْلًا لِلْكافِرِينَ“، فالمَعْنى: ”جَعَلَ اللَّهُ لَهُ ويْلًا“، ومَن قالَ: ”وَيْلٌ“، فَهو أجْوَدُ في العَرَبِيَّةِ، لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُ الوَيْلُ، و”اَلْوَيْلُ“، كَلِمَةٌ تُقالُ لِكُلِّ مَن وقَعَ في هَلَكَةٍ، و”اَلْهُمَزَةُ اللُّمَزَةُ“: اَلَّذِي يَغْتابُ النّاسَ، ويَغُضُّهُمْ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا لَقِيتُكَ عَنْ كُرْهٍ تُكاشِرُنِي ∗∗∗ وإنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهامِزَ اللُّمَزَةْ
وَقُرِئَتْ: ”اَلَّذِي جَمَّعَ مالًا“، وقُرِئَتْ: ﴿جَمَعَ مالا﴾ [الهمزة: ٢]، بِالتَّخْفِيفِ، وقُرِئَتْ: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة: ٢]، بِالتَّشْدِيدِ، وقُرِئَتْ: ”وَعَدَدَهُ“، بِالتَّخْفِيفِ، فَمَن قَرَأ: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة: ٢]، فَمَعْناهُ، وعَدَّدَهُ لِلدُّهُورِ، ومَن قَرَأ: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة: ٢]، فَمَعْناهُ: جَمَعَ مالًا وعَدَدًا، أيْ: وقَوْمًا أعَدَّهم نُصّارًا.
الهمزة 104:3
(p-٣٦٢)وَقَوْلُهُ: ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾، أيْ: يَعْمَلُ عَمَلَ مَن لا يَظُنُّ مَعَ يَسارِهِ أنَّهُ يَمُوتَ.
الهمزة 104:4
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾، أيْ: يُرْمى بِهِ في النّارِ، و”اَلْحُطَمَةُ“: اِسْمٌ مِن أسْماءِ النّارِ، وقُرِئَتْ: ”لَيُنْبَذانِّ في الحُطَمَةِ“، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، عَلى أنَّ المَعْنى: ”لَيُنْبَذَنَّ هو ومالُهُ في الحُطَمَةِ“، وقُرِئَتْ: ”لَتُنْبَذُنَّ في الحُطَمَةِ“، فَمَعْناهُ أنَّهُ لَيُنْبَذُ هو وجَمْعُهُ في الحُطَمَةِ، والقِراءَةُ المَعْرُوفَةُ: ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾
الهمزة 104:6
قَوْلُهُ: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾، هَذِهِ نارٌ مُعَدَّةٌ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ، ومَن كانَ مِثْلَهُمْ، ومَعْنى ﴿تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾، يَبْلُغُ ألَمُها وإحْراقُها إلى الأفْئِدَةِ.
الهمزة 104:7
قَوْلُهُ: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾، هَذِهِ نارٌ مُعَدَّةٌ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ، ومَن كانَ مِثْلَهُمْ، ومَعْنى ﴿تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾، يَبْلُغُ ألَمُها وإحْراقُها إلى الأفْئِدَةِ.
الهمزة 104:8
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾، قُرِئَتْ بِالهَمْزِ، وبِغَيْرِ هَمْزٍ، وقُرِئَتْ: ”مُوصَدَةٌ“، والعَرَبُ تَقُولُ: ”أوْصَدْتُهُ“، فَعَلى هَذا ”مُوصَدَةٌ“، وتَقُولُ: ”آصَدْتُهُ“، فَعَلى هَذا ”مُؤْصَدَةٌ“، بِالهَمْزَةِ، ومَعْنى ”مُوصَدَةٌ“: مُطْبَقَةٌ، أيْ: اَلْعَذابُ مُطْبَقٌ عَلَيْهِمْ.
الهمزة 104:9
وَقَوْلُهُ: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾، وقُرِئَتْ: ”فِي عُمُدٍ“، وهو جَمْعُ ”عِمادٌ“، و”عُمَدٌ“، و”عُمُدٌ“، كَما قالُوا: ”إهابٌ“، و”أُهَبٌ“، و”أُهُبٌ“، ومَعْناهُ أنَّها في عُمَدٍ مِنَ النّارِ.
الفيل 105:1
(p-٣٦٣)سُورَةُ اَلْفِيلِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾، ”كَيْفَ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ”فَعَلَ رَبُّكَ“، لا بِقَوْلِهِ: ”ألَمْ تَرَ“، لِأنَّ ”كَيْفَ“، مِن حُرُوفِ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْنى ”ألَمْ تَرَ“: ”ألَمْ تَعْلَمْ؟“، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - رَسُولَهُ ما كانَ مِمّا سَلَفَ مِنَ الأقاصِيصِ، وما فِيهِ دالٌّ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وتَعْظِيمِهِ أمْرَ كَعْبَتِهِ، وكانَ مِن قِصَّةِ أصْحابِ الفِيلِ أنَّ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ، وكانُوا بِبِلادِ النَّجاشِيِّ، وكانُوا بِحَضْرَةِ بَيْتٍ هو مُصَلًّى لِلنَّصارى، وأصْحابِ النَّجاشِيِّ، فَأجَّجُوا نارًا اسْتَعْمَلُوها لِبَعْضِ ما احْتاجُوا إلَيْهِ، ثُمَّ رَحَلُوا ولَمْ يُطْفِئُوها، فَحَمَلَتْها الرِّيحُ حَتّى أحْرَقَتِ البَيْتَ الَّذِي كانَ مُصَلّاهُمْ، ومَثابَةً لِلنَّجّاشِيِّ وأصْحابِهِ، فَقَصَدَ مَكَّةَ مُقَدِّرًا أنْ يَحْرِقَ البَيْتَ الحَرامَ، ويَسْتَبِيحَ أهْلَ مَكَّةَ، فَلَمّا قَرُبُوا مِنَ الحَرَمِ، لَمْ تَسِرْ بِهِمْ دَوابُّهم نَحْوَ البَيْتِ، فَإذا عَطَفُوها راجِعِينَ سارَتْ، فَوَعَظَهُمُ اللَّهُ بِأبْلَغِ مَوْعِظَةٍ، فَأقامُوا عَلى قَصْدِ البَيْتِ، وعَلى أنْ يَحْرِقُوهُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ، فَجَعَلَ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ، أيْ: في ذَهابٍ وهَلاكٍ، وكانَ مَعَ كُلِّ طائِرٍ ثَلاثَةُ أحْجارٍ، حَجَرٌ في مِنقارِهِ، وحَجَرانِ في رِجْلَيْهِ، يَقَعُ الحَجْرُ مِنها عَلى رَأْسِ الرَّجُلِ فَيَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ، عَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ الرَّجُلِ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ، فَقالَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: ﴿وَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ [الفيل: ٣]، جَماعاتٍ مِن هَهُنا، وجَماعاتٍ مِن هَهُنا، والمَعْنى: أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذا الطَّيْرَ بِهَذِهِ الحِجارَةِ مِن كُلِّ جانِبٍ.
(p-٣٦٤)وَمَعْنى ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾ [الفيل: ٤]، وصَفَ اللَّهُ في كُلِّ مَن عَذَّبَهُ بِالحِجارَةِ أنَّها ”مِن سِجِّيلٍ“، فَقالَ في قَوْمِ لُوطٍ: ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ [هود: ٨٢]، فالمَعْنى: ”وَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ ما يَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ“، أيْ: مِن شَدِيدِ عَذابِهِ، والعَرَبُ إذا وصَفَتِ المَكْرُوهَ بِسِجِّيلٍ كَأنَّها تَعْنِي بِهِ الشِّدَّةَ، ولا يُوصَفُ بِهِ غَيْرُ المَكْرُوهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وَرَجْلَةً يَضْرِبُونَ البَيْضَ ضاحِيَةً ∗∗∗ ضَرْبًا تَواصَتْ بِهِ الأبْطالُ سِجِّيلا
أيْ: ضَرْبًا شَدِيدًا، وأمّا ﴿أبابِيلَ﴾ [الفيل: ٣]، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لا واحِدَ لَها، وقالَ غَيْرُهُ: ”إبّالَةٌ“، و”أبابِيلُ“، و”إبّالَةٌ“، كَأنَّها جَماعَةٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: واحِدُها ”إبُولٌ“، و”أبابِيلُ“، مِثْلَ ”عُجُولٌ“، و”عَجاجِيلُ“.
الفيل 105:5
﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾، أيْ: جَعَلَهم كَوَرَقِ الزَّرْعِ الَّذِي جَفَّ وأُكِلَ، أيْ: وقَعَ فِيهِ الأُكّالُ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ عَلَيْهِمْ سَيْلًا، فَحَمَلَهم إلى البَحْرِ.
قريش 106:1
(p-٣٦٥)سُورَةُ قُرَيْشٍ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾، فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: ”لِإلافِ قُرَيْشٍ“، و﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾، ووَجْهٌ ثالِثٌ: ”لِإلْفِ قُرَيْشٍ“، وقَدْ قُرِئَ بِالوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ.
قريش 106:2
وَقَوْلُهُ: ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾، يَجُوزُ فِيهِ ما جازَ في ”لِإيلافِ“، إلّا أنَّهُ قَدْ قُرِئَ في هَذِهِ: ”إلْفِهِمْ“، و”إيلافِهِمْ“، ويَجُوزُ: ”إلافِهِمْ“، وهَذِهِ اللّامُ قالَ النَّحْوِيُّونَ فِيها ثَلاثَةَ أوْجُهٍ، قِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ بِما قَبْلَها، المَعْنى: ”فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ لِإلْفِ قُرَيْشٍ“، أيْ: أهْلَكَ اللَّهُ أصْحابَ الفِيلِ لِتَبْقى قُرَيْشٌ وما قَدْ ألِفُوا مِن رِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، وقالَ قَوْمٌ: هَذِهِ لامُ التَّعَجُّبِ، فَكانَ المَعْنى: ”اِعْجَبُوا لِإيلافِ قُرَيْشٍ“، وقالَ النَّحْوِيُّونَ الَّذِينَ تُرْتَضى عَرَبِيَّتُهُمْ: هَذِهِ اللّامُ مَعْناها مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَ ”فَلْيَعْبُدُوا“، والمَعْنى: ”فَلْيَعْبُدْ هَؤُلاءِ رَبَّ هَذا البَيْتِ لِإلْفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ“، والتَّأْوِيلُ أنَّ قُرَيْشًا كانُوا يَرْحَلُونَ في الشِّتاءِ إلى الشّامِ، وفي الصَّيْفِ إلى (p-٣٦٦)اليَمَنِ، فَيَمْتارُونَ، وكانُوا في الرِّحْلَتَيْنِ آمِنِينَ، والنّاسُ يُتَخَطَّفُونَ، وكانُوا إذا عَرَضَ لَهم عارِضٌ قالُوا: نَحْنُ أهْلُ حَرَمِ اللَّهِ، فَلا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنَّ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ ما فَعَلَ بِهَؤُلاءِ، لِأنَّهم بِبَلَدٍ لا زَرْعَ فِيهِ، وأنَّهم فِيهِ آمِنُونَ، قالَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧]، أيْ: يُؤْمِنُونَ بِالأصْنامِ، ويَكْفُرُونَ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ، فَأمَرَهم بِعِبادَتِهِ وحْدَهُ، لِأنْ آلَفَهم هاتَيْنِ الرِّحْلَتَيْنِ.
قريش 106:4
﴿أطْعَمَهم مِن جُوعٍ﴾، وكانُوا قَدْ أصابَتْهم شِدَّةٌ حَتّى أكَلُوا المَيْتَةَ، والجِيَفَ، ﴿وَآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾، آمَنُهم مِن أنْ يَخافُوا في الحَرَمِ، ومِن أنْ يَخافُوا في رِحْلَتِهِمْ، يُقالُ: ”ألِفْتُ المَكانَ، آلَفُهُ، إلْفًا“، و”آلَفْتُ المَكانَ“، بِمَعْنى ”ألِفْتُ، أوْلِفُهُ، إيلافًا“.
الماعون 107:1
(p-٣٦٧)سُورَةُ اَلدِّينِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾، وقُرِئَتْ: ”أرَيْتَ“، والِاخْتِيارُ: ”أرَأيْتَ“، بِإثْباتِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ، لِأنَّ الهَمْزَةَ إنَّما طُرِحَتْ لِلْمُسْتَقْبَلِ في ”تَرى“، و”يَرى“، و”أرى“، والأصْلُ: ”تَرْأى“، و”يَرْأى“، فَأمّا ”رَأيْتُ“، فَلَيْسَ يَصِحُّ عَنِ العَرَبِ فِيها ”رَيْتُ“، ولَكِنْ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ لَمّا كانَتْ في أوَّلِ الكَلامِ سَهَّلَتْ إلْقاءَ الهَمْزَةِ، والِاخْتِيارُ إثْباتُها.
الماعون 107:2
وَقَوْلُهُ: ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾، مَعْنى ”يَدُعُّ“، في اللُّغَةِ: يَدْفَعُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]، أيْ: يُدْفَعُونَ إلَيْها دَفْعًا بِعُنْفٍ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ عَنْ حَقِّهِ.
الماعون 107:3
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾، أيْ: لا يُطْعِمُ المِسْكِينَ، ولا يَأْمُرُ بِإطْعامِهِ، ويُقْرَأُ: ”فَذَلِكَ الَّذِي يَدَعُ اليَتِيمَ“، تَأْوِيلُهُ: فَذَلِكَ الَّذِي لا يَعْبَأُ بِاليَتِيمِ، ويَتْرُكُهُ مُهْمَلًا.
الماعون 107:5
وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾، يُعْنى بِهَذا المُنافِقُونَ، لِأنَّهم كانُوا إنَّما يُراؤُونَ بِالصَّلاةِ إذا هم رَآهُمُ المُؤْمِنُونَ صَلَّوْا مَعَهُمْ، وإذا لَمْ يَرَوْهم لَمْ يُصَلُّوا، وقِيلَ: هم عَنْ صَلاتِهِمْ (p-٣٦٨)ساهُونَ، يُؤَخِّرُونَها عَنْ وقْتِها، ومَن تَعَمَّدَ تَأْخِيرَها عَنْ وقْتِها حَتّى يَدْخُلَ وقْتُ غَيْرِها فالوَيْلُ لَهُ أيْضًا، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ.
الماعون 107:6
وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾، يُعْنى بِهَذا المُنافِقُونَ، لِأنَّهم كانُوا إنَّما يُراؤُونَ بِالصَّلاةِ إذا هم رَآهُمُ المُؤْمِنُونَ صَلَّوْا مَعَهُمْ، وإذا لَمْ يَرَوْهم لَمْ يُصَلُّوا، وقِيلَ: هم عَنْ صَلاتِهِمْ (p-٣٦٨)ساهُونَ، يُؤَخِّرُونَها عَنْ وقْتِها، ومَن تَعَمَّدَ تَأْخِيرَها عَنْ وقْتِها حَتّى يَدْخُلَ وقْتُ غَيْرِها فالوَيْلُ لَهُ أيْضًا، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ.
الماعون 107:7
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾، أيْ: يَمْنَعُونَ ما فِيهِ مَنفَعَةٌ، و”اَلْماعُونُ“، في الجاهِلِيَّةِ: ما فِيهِ مَنفَعَةٌ، حَتّى الفَأْسُ، والدَّلْوُ، والقِدْرُ، والقَدّاحَةُ، وكُلُّ ما انْتُفِعَ بِهِ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، قالَ الأعْشى:
؎بِأجْوَدَ مِنهُ بِماعُونِهِ ∗∗∗ إذا ما سَماؤُهم لَمْ تَغِمْ
وَ”اَلْماعُونُ“، في الإسْلامِ، قِيلَ: هو الزَّكاةُ، والطّاعَةُ، قالَ الرّاعِي:
؎قَوْمِي عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ∗∗∗ ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَّهْلِيلا
الكوثر 108:1
(p-٣٦٩)سُورَةُ اَلْكَوْثَرِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الكَوْثَرَ نَهْرٌ في الجَنَّةِ، أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ، وأحْلى مِنَ العَسَلِ، حافَّتاهُ قِبابُ الدُّرِّ، مُجَوَّفٌ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أيْضًا أنَّ الكَوْثَرَ الإسْلامُ، والنُّبُوَّةُ، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: اَلْكَوْثَرُ ”فَوْعَلٌ“، مِن ”اَلْكَثْرَةُ“، ومَعْناهُ: ”اَلْخَيْرُ الكَثِيرُ“، وجَمِيعُ ما جاءَ في تَفْسِيرِ هَذا قَدْ أُعْطِيَهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، قَدْ أُعْطِيَ الإسْلامَ، والنُّبُوَّةَ، وإظْهارَ الدِّينِ الَّذِي أتى بِهِ عَلى كُلِّ دِينٍ، والنَّصْرَ عَلى عَدُوِّهِ، والشَّفاعَةَ، وما لا يُحْصى مِمّا أُعْطِيَهُ، وقَدْ أُعْطِيَ مِنَ الجَنَّةِ عَلى قَدْرِ فَضْلِهِ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ.
الكوثر 108:2
وَمَعْنى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾، أيْ: وانْحَرْ أيْضًا لِرَبِّكَ، وقِيلَ: ”يُعْنى بِهِ صَلاةُ الغَداةِ في يَوْمِ النَّحْرِ“، أيْ: وانْحَرْ بَعْدَ صَلاةِ الفَجْرِ، والأكْثَرُ فِيما جاءَ ”فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ“، صَلاةُ يَوْمِ الأضْحى، ثُمَّ النَّحْرُ بَعْدَ الصَّلاةِ، وقِيلَ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾، أيْ: اِجْعَلْ يَمِينَكَ عَلى شِمالِكَ إذا وقَفْتَ في الصَّلاةِ، وضُمَّهُما إلى صَدْرِكَ.
الكوثر 108:3
(p-٣٧٠)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾، ”شانِئَكَ“: مُبْغِضَكَ، وهَذا هو العاصِ بْنُ وائِلٍ، دَخَلَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو جالِسٌ، فَقالَ: هَذا الأبْتَرُ، أيْ: هَذا الَّذِي لا عَقِبَ لَهُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ شانِئَكَ﴾، يا مُحَمَّدُ، ﴿هُوَ الأبْتَرُ﴾، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”هُوَ المُنْقَطِعُ العَقِبِ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”هُوَ المُنْقَطِعُ عَنْهُ كُلُّ خَيْرٍ“، و”اَلْبَتْرُ“: اِسْتِئْصالُ القَطْعِ.
الكافرون 109:1
(p-٣٧١)سُورَةُ اَلْكافِرُونَ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ﴿وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾، أيْ: لَسْتُ في حالِي هَذِهِ عابِدًا ما تَعْبُدُونَ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ، ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ، أيْ: ولا أعْبُدُ فِيما أسْتَقْبِلُ ما عَبَدْتُمْ، ولا أنْتُمْ فِيما تَسْتَقْبِلُونَ عابِدُونَ ما أعْبُدُ، فَهَذا نَفْيُ الحالِ، وأنْ يَكُونَ أيْضًا فِيما يُسْتَقْبَلُ، يَنْتَقِلُ عَنِ الحالِ، وكَذَلِكَ نَفى عَنْهُمُ العِبادَةَ في الحالِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وفي الِاسْتِقْبالِ، وهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - في قَوْمِهِ، أعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ - في قِصَّةِ نُوحٍ -: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]
الكافرون 109:2
(p-٣٧١)سُورَةُ اَلْكافِرُونَ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ﴿وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾، أيْ: لَسْتُ في حالِي هَذِهِ عابِدًا ما تَعْبُدُونَ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ، ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ، أيْ: ولا أعْبُدُ فِيما أسْتَقْبِلُ ما عَبَدْتُمْ، ولا أنْتُمْ فِيما تَسْتَقْبِلُونَ عابِدُونَ ما أعْبُدُ، فَهَذا نَفْيُ الحالِ، وأنْ يَكُونَ أيْضًا فِيما يُسْتَقْبَلُ، يَنْتَقِلُ عَنِ الحالِ، وكَذَلِكَ نَفى عَنْهُمُ العِبادَةَ في الحالِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وفي الِاسْتِقْبالِ، وهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - في قَوْمِهِ، أعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ - في قِصَّةِ نُوحٍ -: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]
الكافرون 109:3
(p-٣٧١)سُورَةُ اَلْكافِرُونَ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ﴿وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾، أيْ: لَسْتُ في حالِي هَذِهِ عابِدًا ما تَعْبُدُونَ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ، ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ، أيْ: ولا أعْبُدُ فِيما أسْتَقْبِلُ ما عَبَدْتُمْ، ولا أنْتُمْ فِيما تَسْتَقْبِلُونَ عابِدُونَ ما أعْبُدُ، فَهَذا نَفْيُ الحالِ، وأنْ يَكُونَ أيْضًا فِيما يُسْتَقْبَلُ، يَنْتَقِلُ عَنِ الحالِ، وكَذَلِكَ نَفى عَنْهُمُ العِبادَةَ في الحالِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وفي الِاسْتِقْبالِ، وهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - في قَوْمِهِ، أعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ - في قِصَّةِ نُوحٍ -: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]
الكافرون 109:4
(p-٣٧١)سُورَةُ اَلْكافِرُونَ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ﴿وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾، أيْ: لَسْتُ في حالِي هَذِهِ عابِدًا ما تَعْبُدُونَ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ، ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ، أيْ: ولا أعْبُدُ فِيما أسْتَقْبِلُ ما عَبَدْتُمْ، ولا أنْتُمْ فِيما تَسْتَقْبِلُونَ عابِدُونَ ما أعْبُدُ، فَهَذا نَفْيُ الحالِ، وأنْ يَكُونَ أيْضًا فِيما يُسْتَقْبَلُ، يَنْتَقِلُ عَنِ الحالِ، وكَذَلِكَ نَفى عَنْهُمُ العِبادَةَ في الحالِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وفي الِاسْتِقْبالِ، وهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - في قَوْمِهِ، أعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ - في قِصَّةِ نُوحٍ -: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]
الكافرون 109:6
﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾، قِيلَ: هَذا قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ ﷺ بِالقِتالِ.
(p-٣٧٢)
النصر 110:1
(p-٣٧٣)سُورَةُ اَلنَّصْرِ
مَدَنِيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾، قِيلَ إنَّ الفَتْحَ، كَما جاءَ في التَّفْسِيرِ، أنَّهُ نُعِيَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ نَفْسُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ إذا جاءَ فَتْحُ مَكَّةَ، ودَخَلَ النّاسُ في الإسْلامِ أفْواجًا، فَقَدْ قَرُبَ أجَلُهُ ﷺ، وكانَ يَقُولُ ذَلِكَ: «”إنَّهُ قَدْ نُعِيَتْ إلَيَّ نَفْسِي في هَذِهِ السُّورَةِ“،» فَأمَرَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يُكْثِرَ التَّسْبِيحَ والِاسْتِغْفارَ، لِيَخْتِمَ لَهُ في آخِرِ عُمُرِهِ بِالزِّيادَةِ في العَمَلِ الصّالِحِ، بِاتِّباعِ ما أمَرَهُ بِهِ.
النصر 110:2
﴿وَرَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾، ومَعْنى: ﴿أفْواجًا﴾ جَماعاتٍ كَثِيرَةً، أيْ: بَعْدَ أنْ كانُوا يَدْخُلُونَ واحِدًا واحِدًا، واثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، صارَتِ القَبِيلَةُ تَدْخُلُ بِأسْرِها في الإسْلامِ.
(p-٣٧٤)
المسد 111:1
(p-٣٧٥)سُورَةٌ ”تَبَّتْ“
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾، مَعْناهُ: ”خَسِرَتْ يَدا أبِي لَهَبٍ“، ”وَتَبَّ“: أيْ: خَسِرَ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعا عُمُومَتَهُ، وقَدَّمَ إلَيْهِمْ صَحْفَةً فِيها طَعامٌ، فَقالُوا: أحَدُنا وحْدَهُ يَأْكُلُ الشّاةَ، وإنَّما قَدَّمَ إلَيْنا هَذِهِ الصَّحْفَةَ، فَأكَلُوا مِنها جَمِيعًا، ولَمْ يَنْقُصْ مِنها إلّا الشَّيْءُ اليَسِيرُ، فَقالُوا: ما لَنا عِنْدَكَ إنِ اتَّبَعْناكَ؟ قالَ: ”لَكم ما لِلْمُسْلِمِينَ، وعَلَيْكم ما عَلَيْهِمْ، وإنَّما تَتَفاضَلُونَ في الدِّينِ“، فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ ألِهَذا دَعَوْتَنا؟! فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾» .
المسد 111:2
وَقَوْلُهُ: ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾، اَلْمُفَسِّرُونَ قالُوا: ”ما كَسَبَ“، هَهُنا: ولَدُهُ، مَوْضِعُ ”ما“: رَفْعٌ، المَعْنى: ”ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وكَسْبُهُ“.
المسد 111:3
﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾، أيْ: ووَلَدُهُ سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ، ويُقْرَأُ: ”سَيُصْلى نارًا“.
المسد 111:4
”وامْرَأتُهُ حَمّالَةُ الحَطَبِ“، ويُقْرَأُ ﴿حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾، بِالنَّصْبِ، و”اِمْرَأتُهُ“، رُفِعَ مِن وجْهَيْنِ، أحَدُهُما العَطْفُ عَلى ما في ”سَيَصْلى“، اَلْمَعْنى: ”سَيَصْلى هو وامْرَأتُهُ“، ويَكُونُ ”حَمّالَةُ الحَطَبِ“، نَعْتًا لَها، ومَن نَصَبَ فَعَلى الذَّمِّ، والمَعْنى: ”أعْنِي حَمّالَةَ الحَطَبِ“، ويَجُوزُ رَفْعُ ﴿وامْرَأتُهُ﴾، عَلى الِابْتِداءِ، و”حَمّالَةُ“، مِن نَعْتِها، ويَكُونُ الخَبَرُ: ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥]، خَبَرَ الِابْتِداءِ، (p-٣٧٦)وَجاءَ في التَّفْسِيرِ، ﴿حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾، أنَّها أُمُّ جَمِيلٍ، وأنَّها كانَتْ تَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎مِنَ البِيضِ لَمْ تُصْطَدْ عَلى ظَهْرِ لَأْمَةٍ ∗∗∗ ولَمْ تَمْشِ بَيْنَ الحَيِّ بِالحَطَبِ الرَّطْبِ
أيْ: بِالنَّمِيمَةِ، وقِيلَ: إنَّها كانَتْ تَحْمِلُ الشَّوْكَ، شَوْكَ العَضاةِ فَتَطْرَحُهُ في طَرِيقِ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ.
المسد 111:5
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾، ”اَلْجِيدُ“: اَلْعُنُقُ، وقِيلَ في التَّفْسِيرِ: ﴿حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾، سِلْسِلَةٌ طُولُها سَبْعُونَ ذِراعًا، يُعْنى أنَّها تُسْلَكُ في السِّلْسِلَةِ سَبْعُونَ ذِراعًا، و”اَلْمَسَدُ“، في لُغَةِ العَرَبِ: اَلْحَبْلُ إذا كانَ مِن لِيفِ المُقْلِ، وقَدْ يُقالُ لِما كانَ مِن أدْبارِ الإبِلِ مِنَ الحِبالِ: ”مَسَدٌ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎وَمَسَدٍ أُمِرَّ مِن أيانُقِ
الإخلاص 112:1
(p-٣٧٧)سُورَةُ اَلْإخْلاصِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] بِتَنْوِينِ ”أحَدٌ“، وقُرِئَتْ بِتَرْكِ التَّنْوِينِ: ”أحَدُ اللَّهُ الصَّمَدُ“، وقُرِئَتْ بِإسْكانِ الدّالِ، وحَذْفِ التَّنْوِينِ، أمّا حَذْفُ التَّنْوِينِ، فَلِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ أيْضًا، إلّا أنَّهُ سُكُون السّاكِنَيْنِ، فَمَن أسْكَنَ أرادَ الوَقْفَ، ثُمَّ ابْتَدَأ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢]، وأمّا ”هو“، فَإنَّما ”هُوَ“، كِنايَةٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، المَعْنى: ”اَلَّذِي سَألْتُمْ تَبْيِينَ نِسْبَتِهِ هو اللَّهُ“، و”أحَدٌ“، مَرْفُوعٌ عَلى مَعْنى ”هُوَ أحَدٌ هو اللَّهُ“، فَـ ”هُوَ“، مُبْتَدَأٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”هُوَ“، لِلْأمْرِ، كَما تَقُولُ: ”هُوَ زَيْدٌ قائِمٌ“، أيْ: ”اَلْأمْرُ زَيْدٌ قائِمٌ“، والمَعْنى: ”اَلْأمْرُ اللَّهُ أحَدٌ“.
الإخلاص 112:2
وَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، رُوِيَ في التَّفْسِيرِ «أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: اُنْسُبْ لَنا رَبَّكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]»، وتَفْسِيرُ ﴿الصَّمَدُ﴾ اَلسَّيِّدُ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ السُّؤْدَدُ، قالَ الشّاعِرُ: (p-٣٧٨)
؎لَقَدْ بَكَّرَ النّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أسَدْ ∗∗∗ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ
وَقِيلَ: ”اَلصَّمَدُ“: اَلَّذِي لا جَوْفَ لَهُ، وقِيلَ: ”اَلصَّمَدُ“: اَلَّذِي صَمَدَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، والَّذِي خَلَقَ الأشْياءَ كُلَّها، لا يَسْتَغْنِي عَنْهُ شَيْءٌ، وكُلُّها تَدُلُّ ٍعَلى وحْدانِيَّتِهِ، وهَذِهِ الصِّفاتُ كُلُّها يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ.
الإخلاص 112:4
وَقَوْلُهُ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾، فِيها أرْبَعَةٌ أوْجُهٍ في القِراءَةِ: ﴿كُفُوًا﴾، بِضَمِّ الكافِ والفاءِ، و”كُفْوًا“، بِضَمِّ الكافِ وسُكُونِ الفاءِ، و”كِفْوًا“، بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ الفاءِ، وقَدْ قُرِئَ بِها، و”كِفاءً“، بِكَسْرِ الكافِ، و”اَلْكُفْءُ“، بِفَتْحِ الكافِ وسُكُونِ الفاءِ، اسْمٌ، لَمْ يُقْرَأْ بِها، وفِيها وجْهٌ آخَرُ لا يَجُوزُ في القِراءَةِ، ويُقالُ: ”فُلانٌ كُفْءُ فُلانٍ“، مِثْلَ ”كُفِيُّ فُلانٍ“، جاءَ في الحَدِيثِ «أنَّ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، تَعْدِلُ بِثُلُثِ القُرْآنِ، و﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، تَعْدِلُ رُبُعَ القُرْآنِ، و﴿إذا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١]، تَعْدِلُ نِصْفَ القُرْآنِ».
الفلق 113:1
(p-٣٧٩)سُورَةُ اَلْفَلَقِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾، وهو فَلَقُ الصُّبْحِ، وهو ضِياؤُهُ، ويُقالُ أيْضًا: ”فَرَقُ الصُّبْحِ“، يُقالُ: ”هُوَ أبْيَنُ مِن فَلَقِ الصُّبْحِ“، ومَعْنى ”اَلْفَلْقُ“: اَلْخَلْقُ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ [الأنعام: ٩٦]، و﴿فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ [الأنعام: ٩٥]، وكَذَلِكَ فَلَقَ الأرْضَ بِالنَّباتِ، والسَّحابَ بِالمَطَرِ، وإذا تَأمَّلْتَ الخَلْقَ تَبَيَّنَ لَكَ أنَّ خَلْقَهُ أكْثَرُهُ عَنِ انْفِلاقٍ، فالفَلَقُ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ، وفَلَقُ الصُّبْحِ مِن ذَلِكَ.
الفلق 113:3
﴿وَمِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ﴾، ”غاسِقٍ“، يُعْنى بِهِ اللَّيْلُ، ﴿إذا وقَبَ﴾، إذا دَخَلَ، وقِيلَ لِلَّيْلِ: ”غاسِقٌ“ - واللَّهُ أعْلَمُ -، لِأنَّهُ أبْرَدُ مِنَ النَّهارِ، و”اَلْغاسِقُ“: اَلْبارِدُ.
الفلق 113:4
﴿وَمِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾، ”اَلنَّفّاثاتُ“: اَلسَّواحِرُ، تَنْفُثُ، تَتْفُلُ بِلا رِيقٍ، كَأنَّهُ نَفْخٌ، كَما يَفْعَلُ كُلُّ مَن يَرْقِي.
(p-٣٨٠)
الناس 114:4
(p-٣٨١)سُورَةُ اَلنّاسِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
”الوَسْواسِ“: هو الشَّيْطانُ، يُقالُ: ”وَسْوَسَ في صَدْرِهِ“، و”وَسْوَسَ إلَيْهِ“، و”اَلْوَسْوَسَةُ“: اَلْكَلامُ الخَفِيُّ في اخْتِلاطٍ، و”اَلْوَسْواسُ“، اِسْمٌ مِنهُ، وفُسِّرَتْ هَهُنا بِأنَّ المَعْنى: ”مِن شَرِّ ذِي الوَساوِسِ“، أيْ: اَلشَّيْطانِ، فَيَكُونُ ”اَلْوَسْواسُ“، مَصْدَرًا، وهَذا الوَزْنُ يَأْتِي في المُضَعَّفِ، نَحْوَ: ”زِلْزالٌ“، وهو قَلِيلٌ مِن غَيْرِهِ، نَحْوَ: ”تَحْنانٌ“.
﴿الخَنّاسِ﴾، صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِن ”خَنَسَ“، بِمَعْنى: ”اِنْقَبَضَ وتَأخَّرَ“، والمَصْدَرُ: ”خُنُوسٌ“، كَـ ”جُلُوسٌ“، والمادَّةُ كُلُّها تَدُورُ عَلى هَذا الأصْلِ، فالنُّجُومُ الخُنَّسُ هي الَّتِي تَخْنِسُ عَنْ مَجْراها، وتَخْتَفِي بِضِياءِ الشَّمْسِ، وفي الحَدِيثِ: ”اَلشَّيْطانُ يُوَسْوِسُ إلى العَبْدِ، فَإذا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ“، أيْ: اِنْقَبَضَ، وتَأخَّرَ، و”اَلْخَنْسُ“، في الأنْفِ: تَأخُّرُهُ عَنِ الرَّأْسِ، وارْتِفاعُهُ عَنِ الشَّفَةِ، و﴿الجِنَّةِ﴾ [الناس: ٦] اَلْجِنِّ، وسَبَقَ اللَّفْظُ كَثِيرًا، وذَكَرَ الجِنَّةَ، والنّاسَ لِلِاسْتِعاذَةِ مِن كُلِّ ما يُوَسْوِسُ بِسُوءٍ، سَواءٌ كانَ مِنَ الشَّياطِينِ، أوِ الأناسِيِّ.