Lafzullah

معاني القرآن وإعرابه — الحديد 57:1 – القيامة 75:39

المؤلف / المصدر: أبو إسحاق الزجاج (ت 311هـ) · المصدر الرقمي: tafsir.app (zajjaj)

المحتويات
  1. الحديد 57:1
  2. الحديد 57:2
  3. الحديد 57:3
  4. الحديد 57:4
  5. الحديد 57:6
  6. الحديد 57:7
  7. الحديد 57:10
  8. الحديد 57:11
  9. الحديد 57:12
  10. الحديد 57:13
  11. الحديد 57:14
  12. الحديد 57:16
  13. الحديد 57:17
  14. الحديد 57:18
  15. الحديد 57:19
  16. الحديد 57:20
  17. الحديد 57:21
  18. الحديد 57:22
  19. الحديد 57:23
  20. الحديد 57:24
  21. الحديد 57:25
  22. الحديد 57:27
  23. الحديد 57:28
  24. الحديد 57:29
  25. المجادلة 58:1
  26. المجادلة 58:2
  27. المجادلة 58:3
  28. المجادلة 58:4
  29. المجادلة 58:5
  30. المجادلة 58:6
  31. المجادلة 58:7
  32. المجادلة 58:9
  33. المجادلة 58:10
  34. المجادلة 58:11
  35. المجادلة 58:12
  36. المجادلة 58:14
  37. المجادلة 58:19
  38. المجادلة 58:20
  39. المجادلة 58:21
  40. المجادلة 58:22
  41. الحشر 59:1
  42. الحشر 59:2
  43. الحشر 59:5
  44. الحشر 59:6
  45. الحشر 59:7
  46. الحشر 59:8
  47. الحشر 59:9
  48. الحشر 59:10
  49. الحشر 59:11
  50. الحشر 59:14
  51. الحشر 59:15
  52. الحشر 59:16
  53. الحشر 59:17
  54. الحشر 59:18
  55. الحشر 59:19
  56. الحشر 59:21
  57. الحشر 59:22
  58. الحشر 59:23
  59. الحشر 59:24
  60. الممتحنة 60:1
  61. الممتحنة 60:2
  62. الممتحنة 60:3
  63. الممتحنة 60:4
  64. الممتحنة 60:5
  65. الممتحنة 60:7
  66. الممتحنة 60:8
  67. الممتحنة 60:9
  68. الممتحنة 60:10
  69. الممتحنة 60:11
  70. الممتحنة 60:12
  71. الممتحنة 60:13
  72. الصف 61:1
  73. الصف 61:2
  74. الصف 61:5
  75. الصف 61:6
  76. الصف 61:12
  77. الصف 61:13
  78. الصف 61:14
  79. الجمعة 62:1
  80. الجمعة 62:2
  81. الجمعة 62:3
  82. الجمعة 62:5
  83. الجمعة 62:6
  84. الجمعة 62:8
  85. الجمعة 62:9
  86. الجمعة 62:10
  87. الجمعة 62:11
  88. المنافقون 63:1
  89. المنافقون 63:2
  90. المنافقون 63:3
  91. المنافقون 63:4
  92. المنافقون 63:5
  93. المنافقون 63:7
  94. المنافقون 63:8
  95. المنافقون 63:9
  96. التغابن 64:2
  97. التغابن 64:3
  98. التغابن 64:5
  99. التغابن 64:8
  100. التغابن 64:9
  101. التغابن 64:11
  102. التغابن 64:14
  103. التغابن 64:16
  104. التغابن 64:17
  105. التغابن 64:18
  106. الطلاق 65:1
  107. الطلاق 65:2
  108. الطلاق 65:3
  109. الطلاق 65:4
  110. الطلاق 65:6
  111. الطلاق 65:7
  112. الطلاق 65:8
  113. الطلاق 65:9
  114. الطلاق 65:12
  115. التحريم 66:1
  116. التحريم 66:4
  117. التحريم 66:5
  118. التحريم 66:6
  119. التحريم 66:8
  120. التحريم 66:10
  121. التحريم 66:11
  122. التحريم 66:12
  123. الملك 67:1
  124. الملك 67:2
  125. الملك 67:3
  126. الملك 67:4
  127. الملك 67:5
  128. الملك 67:6
  129. الملك 67:7
  130. الملك 67:8
  131. الملك 67:11
  132. الملك 67:15
  133. الملك 67:16
  134. الملك 67:17
  135. الملك 67:19
  136. الملك 67:22
  137. الملك 67:27
  138. الملك 67:30
  139. القلم 68:1
  140. القلم 68:2
  141. القلم 68:3
  142. القلم 68:4
  143. القلم 68:5
  144. القلم 68:9
  145. القلم 68:10
  146. القلم 68:11
  147. القلم 68:12
  148. القلم 68:13
  149. القلم 68:14
  150. القلم 68:16
  151. القلم 68:17
  152. القلم 68:19
  153. القلم 68:20
  154. القلم 68:23
  155. القلم 68:25
  156. القلم 68:26
  157. القلم 68:28
  158. القلم 68:35
  159. القلم 68:36
  160. القلم 68:37
  161. القلم 68:38
  162. القلم 68:39
  163. القلم 68:40
  164. القلم 68:41
  165. القلم 68:42
  166. القلم 68:44
  167. القلم 68:48
  168. القلم 68:49
  169. القلم 68:51
  170. الحاقة 69:1
  171. الحاقة 69:4
  172. الحاقة 69:5
  173. الحاقة 69:7
  174. الحاقة 69:9
  175. الحاقة 69:11
  176. الحاقة 69:12
  177. الحاقة 69:13
  178. الحاقة 69:16
  179. الحاقة 69:17
  180. الحاقة 69:20
  181. الحاقة 69:23
  182. الحاقة 69:29
  183. الحاقة 69:36
  184. الحاقة 69:41
  185. الحاقة 69:43
  186. الحاقة 69:44
  187. الحاقة 69:45
  188. الحاقة 69:46
  189. الحاقة 69:47
  190. الحاقة 69:51
  191. الحاقة 69:52
  192. المعارج 70:1
  193. المعارج 70:3
  194. المعارج 70:4
  195. المعارج 70:5
  196. المعارج 70:6
  197. المعارج 70:7
  198. المعارج 70:8
  199. المعارج 70:10
  200. المعارج 70:13
  201. المعارج 70:15
  202. المعارج 70:16
  203. المعارج 70:17
  204. المعارج 70:19
  205. المعارج 70:20
  206. المعارج 70:29
  207. المعارج 70:31
  208. المعارج 70:32
  209. المعارج 70:36
  210. المعارج 70:37
  211. المعارج 70:40
  212. المعارج 70:41
  213. المعارج 70:42
  214. المعارج 70:43
  215. المعارج 70:44
  216. نوح 71:1
  217. نوح 71:2
  218. نوح 71:3
  219. نوح 71:4
  220. نوح 71:7
  221. نوح 71:8
  222. نوح 71:9
  223. نوح 71:11
  224. نوح 71:12
  225. نوح 71:13
  226. نوح 71:15
  227. نوح 71:16
  228. نوح 71:17
  229. نوح 71:20
  230. نوح 71:21
  231. نوح 71:22
  232. نوح 71:23
  233. نوح 71:25
  234. نوح 71:26
  235. نوح 71:28
  236. الجن 72:1
  237. الجن 72:3
  238. الجن 72:6
  239. الجن 72:8
  240. الجن 72:9
  241. الجن 72:10
  242. الجن 72:11
  243. الجن 72:14
  244. الجن 72:15
  245. الجن 72:16
  246. الجن 72:17
  247. الجن 72:18
  248. الجن 72:19
  249. الجن 72:22
  250. الجن 72:25
  251. الجن 72:26
  252. الجن 72:28
  253. المزمل 73:1
  254. المزمل 73:2
  255. المزمل 73:5
  256. المزمل 73:6
  257. المزمل 73:7
  258. المزمل 73:8
  259. المزمل 73:9
  260. المزمل 73:10
  261. المزمل 73:11
  262. المزمل 73:12
  263. المزمل 73:14
  264. المزمل 73:16
  265. المزمل 73:17
  266. المزمل 73:18
  267. المزمل 73:20
  268. المدثر 74:1
  269. المدثر 74:3
  270. المدثر 74:4
  271. المدثر 74:6
  272. المدثر 74:8
  273. المدثر 74:9
  274. المدثر 74:11
  275. المدثر 74:12
  276. المدثر 74:13
  277. المدثر 74:17
  278. المدثر 74:18
  279. المدثر 74:19
  280. المدثر 74:25
  281. المدثر 74:26
  282. المدثر 74:30
  283. المدثر 74:31
  284. المدثر 74:33
  285. المدثر 74:35
  286. المدثر 74:36
  287. المدثر 74:37
  288. المدثر 74:38
  289. المدثر 74:39
  290. المدثر 74:45
  291. المدثر 74:48
  292. المدثر 74:49
  293. المدثر 74:50
  294. المدثر 74:51
  295. المدثر 74:52
  296. المدثر 74:56
  297. القيامة 75:1
  298. القيامة 75:2
  299. القيامة 75:4
  300. القيامة 75:5
  301. القيامة 75:7
  302. القيامة 75:8
  303. القيامة 75:9
  304. القيامة 75:10
  305. القيامة 75:11
  306. القيامة 75:14
  307. القيامة 75:15
  308. القيامة 75:16
  309. القيامة 75:18
  310. القيامة 75:19
  311. القيامة 75:22
  312. القيامة 75:24
  313. القيامة 75:25
  314. القيامة 75:26
  315. القيامة 75:27
  316. القيامة 75:28
  317. القيامة 75:29
  318. القيامة 75:31
  319. القيامة 75:33
  320. القيامة 75:34
  321. القيامة 75:36
  322. القيامة 75:38
  323. القيامة 75:39

الحديد 57:1

(p-١٢١)سُورَةُ اَلْحَدِيدِ مَدَنَيَّةٌ ﷽ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾، قالَ قَوْمٌ: ”اَلتَّسْبِيحُ“: آثارُ الصَّنْعَةِ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، ومَن فِيهِما، وكَذَلِكَ فَسَّرُوا قَوْلَهُ: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وهَذا خَطَأٌ، ”اَلتَّسْبِيحُ“: تَمْجِيدُ اللَّهِ وتَنْزِيهُهُ مِنَ السُّوءِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، فَلَوْ كانَ التَّسْبِيحُ آثارَ الصَّنْعَةِ، لَكانَتْ مَعْقُولَةً، وكانُوا يَفْقَهُونَها، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، فَلَوْ كانَ تَسْبِيحُها آثارَ الصَّنْعَةِ، لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، فائِدَةٌ.

الحديد 57:2

وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾، أيْ: يُحْيِي المَوْتى يَوْمَ القِيامَةِ، ويُمِيتُ الأحْياءَ في الدُّنْيا، ويَكُونُ ”يُحْيِي ويُمِيتُ“: يُحْيِي النُّطَفَ الَّتِي إنَّما هي مَواتٌ، ويُمِيتُ الأحْياءَ، ويَكُونُ مَوْضِعُ ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾، رَفْعًا، عَلى مَعْنى: ”هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا، عَلى مَعْنى: ”لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ مُحْيِيًا ومُمِيتًا قادِرًا“.

الحديد 57:3

(p-١٢٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ﴾، تَأْوِيلُهُ: هو الأوَّلُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، والآخِرُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ، والظّاهِرُ العالِمُ بِما ظَهَرَ، والباطِنُ العالِمُ بِما بَطَنَ، كَما تَقُولُ: ”فُلانٌ يُبْطِنُ أمْرَ فُلانٍ“، أيْ: يَعْلَمُ دِخْلَةَ أمْرِهِ، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ.

الحديد 57:4

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾، تَأْوِيلُهُ: يَعْلَمُ ما يَدْخُلُ في الأرْضِ مِن مَطَرٍ، وغَيْرِهِ، ﴿وَما يَخْرُجُ مِنها﴾، مِن نَباتٍ وغَيْرِهِ، ﴿وَما يَنْـزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾، مِن رِزْقٍ، ومَطَرٍ، ومَلَكٍ، ﴿وَما يَعْرُجُ فِيها﴾، أيْ: ما يَصْعَدُ إلَيْها مِن أعْمالِ العِبادِ، وما يَعْرُجُ مِنَ المَلائِكَةِ.

الحديد 57:6

﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾، مَعْناهُ: ”يُدْخِلُ اللَّيْلَ في النَّهارِ، بِأنْ يَنْقُصَ مِنَ اللَّيْلِ، ويَزِيدَ في النَّهارِ“، وكَذَلِكَ ﴿وَيُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾، يَنْقُصُ مِنَ النَّهارِ، ويَزِيدُ في اللَّيْلِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٥]

الحديد 57:7

وَقَوْلُهُ: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾، مَعْناهُ: ”صَدَّقُوا بِأنَّ اللَّهَ واحِدٌ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ“، ﴿وَأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾، أيْ: أنْفِقُوا مِمّا مَلَّكَكُمْ، فَأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، وما يُقَرِّبُ مِنهُ.

الحديد 57:10

وَقَوْلُهُ: ﴿وَما لَكم ألا تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، (p-١٢٣)تَأْوِيلُهُ: وأيُّ شَيْءٍ لَكم في تَرْكِ الإنْفاقِ فِيما يُقَرِّبُ مِنَ اللَّهِ وأنْتُمْ مَيِّتُونَ، تارِكُونَ أمْوالَكُمْ. وَقَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾، لِأنَّ مَن تَقَدَّمَ في الإيمانِ بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وصَدَّقَ بِهِ، فَهو أفْضَلُ مِمَّنْ أتى بَعْدَهُ بِالإيمانِ والتَّصْدِيقِ، لِأنَّ المُتَقَدِّمِينَ نالَهم مِنَ المَشَقَّةِ أكْثَرُ مِمّا نالَ مَن بَعْدَهُمْ، فَكانَتْ بَصائِرُهم أيْضًا أنْفَذَ، وقالَ: ﴿وَكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾، إلّا أنَّهُ أعْلَمَ فَضْلَ السّابِقِ إلى الإيمانِ عَلى المُتَأخِّرِ.

الحديد 57:11

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ”مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفُهُ لَهُ“، ويُقْرَأُ: ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾، بِالنَّصْبِ، فَمَن نَصَبَ فَعَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ بِالفاءِ، ومَن رَفَعَ فَعَلى العَطْفِ عَلى يُقْرِضُ، ويَكُونُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، عَلى مَعْنى: ”فَهُوَ يُضاعِفُهُ لَهُ“، ومَعْنى ﴿يُقْرِضُ﴾، هَهُنا: يَفْعَلُ فِعْلًا حَسَنًا في اتِّباعِ أمْرِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ مَن فَعَلَ إلَيْها خَيْرًا: ”قَدْ أحْسَنْتَ قَرْضِي“، و”قَدْ أقْرَضْتَنِي قَرْضًا حَسَنًا“، إذا فَعَلَ بِهِ خَيْرًا، قالَ الشّاعِرُ: ؎وَإذا جُوزِيتَ قَرْضًا فاجْزِهِ ∗∗∗ إنَّما يَجْزِي الفَتى غَيْرَ الجَمَلْ اَلْمَعْنى: "إذا أُسْدِيَ إلَيْكَ مَعْرُوفٌ فَكافِئْ عَلَيْهِ.

الحديد 57:12

وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ ”يَوْمَ“، مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ ولَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١]، في ذَلِكَ اليَوْمِ. (p-١٢٤)وَمَعْنى: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾، أيْ: بِمَعْنى: ”نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ“، وهو عَلامَةُ أيْدِيهِمُ الصّالِحَةِ، ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾ [التحريم: ٨]، أيْ: بَلِّغْنا بِهِ إلى جَنَّتِكَ.

الحديد 57:13

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾، وقُرِئَتْ: ”أنْظِرُونا“، بِقَطْعِ الألِفِ ووَصْلِها، فَمَن قالَ: ﴿انْظُرُونا﴾، فَهو مِن ”نَظَرَ، يَنْظُرُ“، مَعْناهُ: اِنْتَظِرُونا، ومَن قالَ: ”أنْظِرُونا“، بِالكَسْرِ، فَمَعْناهُ: أخِّرُونا، وقَدْ قِيلَ: إنَ مَعْنى ”أنْظِرُونا“: اِنْتَظِرُونا أيْضًا، وأنْشَدَ القائِلُ بَيْتَ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: ؎أبا هِنْدٍ فَلا تَعْجَلْ عَلَيْنا ∗∗∗ وأنْظِرْنا نُخَبِّرْكَ اليَقِينا وَقَوْلُهُ: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾، تَأْوِيلُهُ: لا نُورَ لَكم عِنْدَنا. وَقَوْلُهُ: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾، أيْ: ما يَلِي المُؤْمِنِينَ فَفِيهِ الرَّحْمَةُ، وما يَلِي الكافِرِينَ ظاهِرُهُ يَأْتِيهِمْ مِن قِبَلِهِ العَذابُ.

الحديد 57:14

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ﴾، مَعْنى ﴿فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ اِسْتَعْمَلْتُمُوها في الفِتْنَةِ، وتَرَبَّصْتُمْ بِالنَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ الدَّوائِرَ، ﴿وَغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾، أيْ: ما كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ مِن نُزُولِ الدَّوائِرِ بِالمُؤْمِنِينَ، ﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾، (p-١٢٥)أيْ: حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ عَلى نَبِيِّهِ والمُؤْمِنِينَ، ﴿وَغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾، أيْ: غَرَّكُمُ الشَّيْطانُ، وهو الغَرُورُ، عَلى وزْنِ ”اَلْفَعُولُ“، و”فَعُولٌ“، مِن أسْماءِ المُبالَغَةِ، تَقُولُ: ”فُلانٌ أكُولٌ“، إذا كانَ كَثِيرَ الأكْلِ، و”ضَرُوبٌ“، إذا كانَ كَثِيرَ الضَّرْبِ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلشَّيْطانِ: ”اَلْغَرُورُ“، لِأنَّهُ يَغُرُّ ابْنَ آدَمَ كَثِيرًا، فَإذا غَرَّ مَرَّةً واحِدَةً فَهو ”غارٌّ“، ويَصْلُحُ ”غارٌّ“، لِلْكَثِيرِ، فَأمّا ”غَرُورٌ“، فَلا يَصْلُحُ لِلْقَلِيلِ، وقُرِئَتْ: ”اَلْغُرُورُ“، وهو كُلُّ ما غَرَّ مِن مَتاعِ الدُّنْيا، ومَعْنى ”ارْتَبْتُمْ“: غَلَّبْتُمُ الشَّكَّ عَلى اليَقِينِ. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مَأْواكُمُ النّارُ هي مَوْلاكُمْ﴾ [الحديد: ١٥]، هي أوْلى بِكُمْ، لِما أسْلَفْتُمْ مِنَ الذُّنُوبِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَغَدَتْ كِلا الفَرْجَيْنِ تَحْسِبُ أنَّهُ ∗∗∗ مَوْلى المَخافَةِ خَلْفَها وأمامَها مِثْلُ ذَلِكَ، أيْ: "مَوْلى المَخافَةِ خَلْفَها وأمامَها.

الحديد 57:16

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ وما نَـزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾، ويُقْرَأُ: ﴿وَما نَـزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾، بِالتَّخْفِيفِ. وَقَوْلُهُ ﴿يَأْنِ﴾، مِن ”أنى، يَأْنِي“، ويُقالُ: ”آنَ يَئِينُ“، وفي هَذا المَعْنى ومَعْناهُ ”حانَ، يَحِينُ“، وهَذِهِ الآيَةُ - واللَّهُ أعْلَمُ - نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، حُثُّوا عَلى الرِّقَّةِ والرَّحْمَةِ والخُشُوعِ، فَأمّا مَن كانَ مِمَّنْ وصَفَهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِالخُضُوعِ والرِّقَّةِ والرَّحْمَةِ، فَطائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَوْقَ هَؤُلاءِ. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ﴾، (p-١٢٦)وَقُرِئَتْ بِالتّاءِ: ”تَكُونُوا“، ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، أيْ: لا تَكُونُوا كالَّذِينِ لَمّا طالَتْ عَلَيْهِمُ المُدَّةُ قَسَتْ قُلُوبُهم.

الحديد 57:17

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾، مَعْناهُ أنَّ إحْياءَ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها دَلِيلٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، ومِن آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ.

الحديد 57:18

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ﴾، بِتَشْدِيدِ الصّادِ، مَعْناهُ: ”إنَّ المُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ“، ويُقْرَأُ: ”إنَّ المُصَدِّقِينَ والمُصَدِّقاتِ“ بِالتَّخْفِيفِ، ومَعْناهُ: "إنَّ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ مِمَّنْ صَدَّقَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَآمَنَ بِما أتى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، أيْ: تَصَدَّقُوا مِن مالٍ طَيِّبٍ، ﴿يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ﴾، أيْ: يُضاعَفُ لَهم ما عَمِلُوا، ويَكُونُ ذَلِكَ التَّضْعِيفُ أجْرًا كَرِيمًا.

الحديد 57:19

وَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾، عَلى وزْنِ ”اَلْفِعِّيلُونَ“، واحِدُهُمْ: ”صِدِّيقٌ“، وهو اسْمٌ لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ، تَقُولُ: ”رَجُلٌ صِدِّيقٌ“، كَثِيرُ التَّصْدِيقِ، وكَذَلِكَ ”رَجُلٌ سِكِّيتٌ“، كَثِيرُ السُّكُوتِ، فالمَعْنى إنَّ المُؤْمِنَ المُصَدِّقَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ، هو المُبالِغُ في الصِّدْقِ. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾، يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا، مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، فَيَكُونَ المَعْنى: ”والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ“، و”اَلشُّهَداءُ“، هُمُ الأنْبِياءُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”والشُّهَداءُ“، نَسَقًا عَلى ما قَبْلَهُ، فَيَكُونَ المَعْنى: ”أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ، (p-١٢٧)وَأُولَئِكَ هُمُ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ“، ويَكُونَ ﴿لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾، لِلْجَماعَةِ مِنَ الصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ.

الحديد 57:20

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ﴾، اَلْكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ مِن وجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنْ تَكُونَ صِفَةً، فَيَكُونَ المَعْنى: ”إنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم مِثْلَ غَيْثٍ“، وهو المَطَرُ، ويَكُونَ رَفْعُها عَلى خَبَرٍ بَعْدَ خَبَرٍ، عَلى مَعْنى أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها مِثْلُ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ، و”اَلْكُفّارُ“، هَهُنا، لَهُ تَفْسِيرانِ، أحَدُهُما أنَّهُ الزَّرْعُ، وإذا أعْجَبَ الزُّرّاعَ نَباتُهُ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ، فَهو في غايَةِ ما يُسْتَحْسَنُ، ويَكُونَ ”اَلْكُفّارُ“، هَهُنا: اَلْكُفّارَ بِاللَّهِ، وهم أشَدُّ إعْجابًا بِزِينَةِ الدُّنْيا مِنَ المُؤْمِنِينَ. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا﴾، مَعْنى ﴿يَهِيجُ﴾ يَأْخُذُ في الجَفافِ فَيَتَبَدّى بِهِ الصُّفْرَةُ، ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا﴾، أيْ: مُتَحَطِّمًا، مُتَكَسِّرًا ذاهِبًا، وضَرَبَ اللَّهُ هَذا مَثَلًا لِزَوالِ الدُّنْيا. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ومَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ﴾، ويُقْرَأُ: ”وَرُضْوانٌ“، وقَدْ رُوِيَتا جَمِيعًا عَنْ عاصِمٍ بِالضَّمِّ، والكَسْرِ، فَمَعْناهُ: فَمَغْفِرَةٌ لِأوْلِياءِ اللَّهِ، وعَذابٌ لِأعْدائِهِ.

الحديد 57:21

وَقَوْلُهُ ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾، اَلْمَعْنى: ”سابِقُوا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ“، (p-١٢٨)وَقِيلَ: إنَّ الجَنّاتِ سَبْعٌ، وقِيلَ: أرْبَعٌ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقَوْلِهِ - بَعْدَ ذَلِكَ -: ﴿وَمِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٢]، وقِيلَ: عَرْضُها، ولَمْ يَذْكُرْ طُولَها - واللَّهُ أعْلَمُ -، وإنَّما ذِكْرُ عَرْضِها هَهُنا تَمْثِيلٌ لِلْعِبادِ بِما يَفْعَلُونَهُ، ويَقَعُ في نُفُوسِهِمْ، وأكْبُرُ ما يَقَعُ في نُفُوسِهِمْ مِقْدارُ السَّماواتِ والأرْضِ. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾، وهَذا دَلِيلٌ أنَّهُ لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ إلّا بِفَضْلِ اللَّهِ.

الحديد 57:22

ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ ذَلِكَ المُؤَدِّيَ إلى الجَنَّةِ أوِ النّارِ لا يَكُونُ إلّا بِقَضاءٍ وقَدَرٍ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾، أيْ: مِن قَبْلِ أنْ نَخْلُقَها، فَما وقَعَ في الأرْضِ مِن جَدْبٍ أوْ نَقْصٍ، وكَذَلِكَ ما وقَعَ في النُّفُوسِ مِن مَرَضٍ ومَوْتٍ، أوْ خُسْرانٍ في تِجارَةٍ، أوْ كَسْبِ خَيْرٍ، أوْ شَرٍّ، فَمَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ مَعْلُومٌ.

الحديد 57:23

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾، فَمَن قَرَأ: ”أتاكُمْ“، فَمَعْناهُ: ”جاءَكُمْ“، ومَن قَرَأ: ﴿آتاكُمْ﴾، فَمَعْناهُ: ”أعْطاكُمْ“، ومَعْنى ”تَفْرَحُوا“، هَهُنا: لا تَفْرَحُوا فَرَحًا شَدِيدًا، تَأْشَرُوا فِيهِ وتَبْطَرُوا، ودَلِيلُ ذَلِكَ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾، فَدَلَّ بِهَذا أنَّهُ ذَمَّ الفَرَحَ الَّذِي يَخْتالُ فِيهِ صاحِبُهُ، ويَبْطَرُ لَهُ، فَأمّا الفَرَحُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ، والشُّكْرُ عَلَيْها، فَغَيْرُ مَذْمُومٍ، وكَذَلِكَ ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ﴾، أيْ: لا تَحْزَنُوا حُزْنًا يُطْغِيكُمْ، حَتّى يُخْرِجَكم إلى أنْ تُلْزِمُوا أنْفُسَكُمُ الهَلَكَةَ، ولا تَعْتَدُوا بِثَوابِ اللَّهِ ما تَسْلُبُونَهُ، وما فاتَكم.

الحديد 57:24

(p-١٢٩)وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾، ويُقْرَأُ: ”بِالبَخْلِ“، مِثْلَ: ”اَلرُّشْدُ“، و”اَلرَّشَدُ“، وهَذا عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما في التَّفْسِيرِ أنَّهُمُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِتَعْرِيفِ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي قَدْ عَرَفُوها في التَّوْراةِ، والإنْجِيلِ، والوَجْهُ الثّانِي أنَّهُ لَمّا حَثَّ عَلى الصِّفَةِ، أعْلَمَ أنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِها ويَأْمُرُونَ بِالبُخْلِ بِها، فَإنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - غَنِيٌّ عَنْهم.

الحديد 57:25

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأنْـزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَبَطَ إلى الأرْضِ بِالعُلاةِ والمِطْرَقَةِ والكَلْبَتَيْنِ، و”اَلْعُلاةُ“، هي الَّتِي يُسَمِّيها الحَدّادُونَ ”اَلسِّنْدانَ“. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾، أيْ: يُمْنَعُ بِهِ، ويُحارَبُ بِهِ، ﴿وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾، يَسْتَعْمِلُونَهُ في أدَواتِهِمْ، وما يَنْتَفِعُونَ بِهِ مِن آنِيَتِهِمْ، وجَمِيعِ ما يَتَصَرَّفُ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ﴾، أيْ: لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يُقاتِلُ مَعَ رُسُلِهِ في سُبُلِهِ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ ومَعْناهُ.

الحديد 57:27

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا﴾، أيْ: أتْبَعْنا نُوحًا وإبْراهِيمَ رُسُلًا بَعْدَهُمْ، ﴿وَقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الإنْجِيلَ آتاهُ اللَّهُ عِيسى جُمْلَةً واحِدَةً. وَقَوْلُهُ ﴿وَجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً ورَحْمَةً﴾، ويَجُوزُ: ”رَآفَةً“، عَلى وزْنِ ”اَلسَّماحَةُ“، حَكى أبُو زَيْدٍ أنَّهُ يُقالُ: ”رَؤُفْتُ بِالرَّجُلِ، رَأْفَةً“، وهي القِراءَةُ، وقَدْ قُرِئَتْ: ”وَرَآفَةً“. (p-١٣٠)وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ﴾، هَذِهِ الآيَةُ صَعْبَةٌ في التَّفْسِيرِ، ومَعْناها - واللَّهُ أعْلَمُ - يَحْتَمِلُ ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما أنْ يَكُونَ المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾ اِبْتَدَعُوا رَهْبانِيَّةً، كَما تَقُولُ: ”رَأيْتُ زَيْدًا، وعَمْرًا أكْرَمْتُهُ“، وتَكُونَ ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾، مَعْناهُ: لَمْ نَكْتُبْها عَلَيْهِمُ البَتَّةَ، ويَكُونَ ﴿إلا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ﴾، بَدَلًا مِنَ الهاءِ والألِفِ، فَيَكُونَ المَعْنى: ”ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ“، وابْتِغاءُ رِضْوانِ اللَّهِ: اِتِّباعُ ما أمَرَ بِهِ، فَهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - وجْهٌ، وفِيها وجْهٌ آخَرُ في ﴿ابْتَدَعُوها﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهم كانُوا يَرَوْنَ مِن مُلُوكِهِمْ ما لا يَصْبِرُونَ عَلَيْهِ، فاتَّخَذُوا أسْرابًا، وصَوامِعَ، فابْتَدَعُوا ذَلِكَ، فَلَمّا ألْزَمُوا أنْفُسَهم ذَلِكَ التَّطَوُّعَ ودَخَلُوا فِيهِ، لَزِمَهم تَمامُهُ، كَما أنَّ الإنْسانَ إذا جَعَلَ عَلى نَفْسِهِ صَوْمًا لَمْ يُفْتَرَضْ عَلَيْهِ، لَزِمَهُ أنْ يُتِمَّهُ. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾، عَلى ضَرْبَيْنِ - واللَّهُ أعْلَمُ -، أحَدُهُما أنْ يَكُونُوا قَصَّرُوا فِيما ألْزَمُوهُ أنْفُسَهُمْ، والآخَرُ - وهو أجْوَدُ - أنْ يَكُونُوا حِينَ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، كانُوا تارِكِينَ لِطاعَةِ اللَّهِ، فَما رَعَوْا تِلْكَ الرَّهْبانِيَّةَ حَقَّ رِعايَتِها، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهُمْ﴾، أيْ: اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنهم بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ. (p-١٣١)﴿وَكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾، أيْ: كافِرُونَ.

الحديد 57:28

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾، يَعْنِي ”آمِنُوا بِرَسُولِهِ“: صَدِّقُوا بِرَسُولِهِ. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾، مَعْناهُ: يُؤْتِكم نَصِيبَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ، وإنَّما اشْتِقاقُهُ في اللُّغَةِ مِن ”اَلْكِفْلُ“، وهو كِساءٌ يَجْعَلُهُ الرّاكِبُ تَحْتَهُ إذا ارْتَدَفَ، لِئَلّا يَسْقُطَ، فَتَأْوِيلُهُ: يُؤْتِكم نَصِيبَيْنِ يَحْفَظانِكم مِن هَلَكَةِ المَعاصِي، ﴿وَيَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ [التحريم: ٨]، وهَذِهِ عَلامَةُ المُؤْمِنِينَ في القِيامَةِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ﴿وَيَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾، يَجْعَلْ لَكم سَبِيلًا واضِحًا مِنَ الهُدى، تَهْتَدُونَ بِهِ.

الحديد 57:29

وَقَوْلُهُ: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾، اَلْمَعْنى: ”فَعَلَ اللَّهُ بِكم ذَلِكَ كَما فَعَلَ بِمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ، لِأنْ يَعْلَمُوا و“لا”، مُؤَكِّدَةٌ، و﴿ألا يَقْدِرُونَ﴾،“لا”، هَهُنا، يَدُلُّ عَلى الإضْمارِ في“أنْ”، مَعَ تَخْفِيفِ“أنْ"، اَلْمَعْنى أنَّهم لا يَقْدِرُونَ، أيْ: لِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ. (p-١٣٢)

المجادلة 58:1

(p-١٣٣)سُورَةُ اَلْمُجادَلَةِ ﷽ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها﴾، إدْغامُ الدّالِ في السِّينِ حَسَنٌ، لِقُرْبِ المَخْرَجَيْنِ، يُقْرَأُ: ”قَد سَّمِعَ اللَّهُ“، بِإدْغامِ الدّالِ في السِّينِ، حَتّى لا يَلْفِظَ المُتَّكَلِّمُ بِدالٍ، وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّ السِّينَ والدّالَ مِن حُرُوفِ طَرَفِ اللِّسانِ، فَإدْغامُ الدّالِ في السِّينِ تَقْوِيَةٌ لِلْحَرْفِ، وإظْهارُ الدّالِ جائِزٌ، لِأنَّ مَوْضِعَ الدّالِ - وإنْ قَرُبَ مِن مَوْضِعِ السِّينِ - فَمَوْضِعُ الدّالِ حَيِّزٌ عَلى حِدَةٍ، ومِن مَوْضِعِ الدّالِ الطّاءُ والتّاءُ، هَذِهِ الأحْرُفُ الثَّلاثَةُ مَوْضِعُها واحِدٌ، والسِّينُ والزّايُ والصّادُ مِن مَوْضِعٍ واحِدٍ، وهي تُسَمّى حُرُوفُ الصَّفِيرِ، فَلِذَلِكَ جازَ إظْهارُ الدّالِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، وأوْسِ بْنِ الصّامِتِ، وكانا مِنَ الأنْصارِ، قالَ لَها: ”أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي“، وقِيلَ: قالَ لَها: ”أنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي“، وكانَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ مِمّا يُطَلِّقُ بِها أهْلُ الجاهِلِيَّةِ، فَرَوَوْا «أنَّها صارَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ أوْسًا تَزَوَّجَنِي وأنا شابَّةٌ مَرْغُوبٌ فِيَّ، فَلَمّا خَلا سِنِّي، ونَثَرَتْ بَطْنِي - أيْ: كَثُرَ ولَدِي -، جَعَلَنِي عَلَيْهِ كَأُمِّهِ، فَرُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَها: ”ما عِنْدِي في أمْرِكِ شَيْءٌ“، فَشَكَتْ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وقالَتْ: ”اَللَّهُمَّ إنِّي أشْكُو إلَيْكَ“، ورُوِيَ أيْضًا أنَّها قالَتْ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما قالَتْ: ”إنَّ لِي صِبْيَةً صِغارًا، إنْ ضَمَمْتُهم إلَيْهِ ضاعُوا، وإنْ ضَمَمْتُهم إلَيَّ جاعُوا“، فَأنْزَلَ اللَّهُ (p-١٣٤)- عَزَّ وجَلَّ - كَفّارَةَ الظِّهارِ،» وفي هَذا دَلِيلٌ أنَّهُ لا يَكُونُ ما يُطْلَّقُ بِهِ الجاهِلِيَّةَ طَلاقًا إلّا أنْ يَأْتِيَ الإسْلامُ بِذَلِكَ، نَحْوَ ما قالُوا في ”خَلِيَّةٌ“، و”بَرِيَّةٌ“، و”حَبْلُكِ عَلى غارِبِكِ“، وأصْلُ قَوْلِهِمْ: ”أنْتِ طالِقٌ“، لَمّا أتى الإسْلامُ بِحُكْمٍ فِيهِ، مَضى عَلى حُكْمِ الإسْلامِ.

المجادلة 58:2

وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾، اَلْمَعْنى: ”ما اللَّواتِي يُجْعَلْنَ مِنَ الزَّوْجاتِ كالأُمَّهاتِ بِأُمَّهاتٍ“، ﴿إنْ أُمَّهاتُهم إلا اللائِي ولَدْنَهُمْ﴾، اَلْمَعْنى: ”ما أُمَّهاتُهم إلّا اللّائِي ولَدْنَهُمْ“، فَذَكَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - الأُمَّهاتِ في مَوْضِعٍ آخَرَ، فَقالَ: ﴿وَأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ المُرْضِعاتِ أُمَّهاتٌ، والمَعْنى: ”ما أُمَّهاتُهم إلّا اللّائِي ولَدْنَهُمْ“، أيْ: اَلْوالِداتُ والمُرْضِعاتُ، فَلا تَكُنَّ الزَّوْجاتُ كَهَؤُلاءِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ ذَلِكَ مُنْكَرٌ، وباطِلٌ، فَقالَ: ﴿وَإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا وإنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾، عَفا عَنْهم وغَفَرَ لَهم بِجَعْلِهِ الكَفّارَةَ عَلَيْهِمْ، و”اَلَّذِينَ“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾، و”أُمَّهاتِهِمْ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى خَبَرِ ”ما“، اَلْمَعْنى: ”لَيْسَ هُنَّ بِأُمَّهاتِهِمْ“.

المجادلة 58:3

وَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ﴾، اَلْآيَةَ، ”اَلَّذِينَ“، رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهم ”فَعَلَيْهِمْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ“، ولَمْ يُذْكَرْ ”عَلَيْهِمْ“، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، وإنْ شِئْتَ أضْمَرْتَ ”فَكَفّارَتُهم تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ“، ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾، فاخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: ”اَلْكَفّارَةُ لِلْمَسِيسِ“، وقالَ بَعْضُهُمْ: إذا أرادَ العَوْدَ إلَيْها، والإقامَةَ، مَسَّ أوْ لَمْ يَمَسَّ، كَفَّرَ. (p-١٣٥)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ذَلِكم تُوعَظُونَ بِهِ﴾، اَلْمَعْنى: ”ذَلِكُمُ التَّغْلِيظُ في الكَفّارَةِ تُوعَظُونَ بِهِ“، وقالَ بَعْضُ النّاسِ: لا تَجِبُ الكَفّارَةُ حَتّى يَقُولَ ثانِيَةً: ”أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي“، وهَذا قَوْلُ مَن لا يَدْرِي اللُّغَةَ، وهو خِلافُ قَوْلِ أهْلِ العِلْمِ أجْمَعِينَ، إنَّما المَعْنى: ”ثُمَّ يَعُودُونَ العَوْدَةَ الَّتِي مِن أجْلِ القَوْلِ، فَلِتِلْكَ العَوْدَةِ تَلْزَمُ الكَفّارَةُ“، لا لِكُلِّ عَوْدَةٍ، وفِيها قَوْلٌ آخَرُ لِلْأخْفَشِ، وهو أنْ يُجْعَلَ ”لِما قالُوا“، مِن صِلَةِ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، فالمَعْنى عِنْدَهُ: ”والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ لِما قالُوا“، فَهَذا مَذْهَبٌ حَسَنٌ أيْضًا، والدَّلِيلُ عَلى بُطْلانِ هَذا القائِلِ أنْ ”ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا“، أنْ يَقُولَ ثانِيَةً: ”أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي“، قَوْلُ جَمِيعِ أهْلِ العِلْمِ، ومُتابَعَتُهُ هو إيّاهُمْ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فَأجْمَعُوا أنَّهُ لَيْسَ ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فَإنْ حَلَفُوا ثانِيَةً، ومَعْنى ”فاؤُوا“، في اللُّغَةِ، و”عادُوا“، مَعْنًى واحِدٌ. وَقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾، كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فالمَعْنى: ”مِن قَبْلِ أنْ تَدْخُلُوا بِهِنَّ“.

المجادلة 58:4

وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾، اَلْمَعْنى: ”فَمَن لَمْ يَجِدِ الرَّقَبَةَ، فَكَفّارَتُهُ صِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ“، وإنْ شِئْتَ ”فَعَلَيْهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ“، ولَوْ قُرِئَتْ: ”فَصِيامٌ شَهْرَيْنِ“، جازَ، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥]، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِالتَّنْوِينِ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾، (p-١٣٦)”مَن“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، عَلى مَعْنى: ”فَمَن لَمْ يَسْتَطِعِ الصِّيامَ، فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا“، وكَذَلِكَ ”فَإطْعامٌ“، بِالتَّنْوِينِ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها. وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾، ”ذَلِكَ“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، المَعْنى: ”اَلْفَرْضُ ذَلِكَ الَّذِي وصَفْنا“، ومَعْنى ”لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ“: أيْ: لِتُصَدِّقُوا ما أتى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ، ولِتُصَدِّقُوا أنَّ اللَّهَ أمَرَنا بِهِ، ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾، أيْ: تِلْكَ الَّتِي وصَفْنا في الظِّهارِ والكَفّارَةِ حُدُودُ اللَّهِ، ﴿وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾، أيْ: لِمَن لَمْ يُصَدِّقْ بِها، و”ألِيمٌ“: مُؤْلِمٌ.

المجادلة 58:5

وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، مَعْنى ”كُبِتُوا“: أُذِلُّوا، وأُخْزُوا بِالعَذابِ، وبِأنْ غُلِبُوا، كَما نَزَلَ بِمَن قَبْلَهم مِمَّنْ حادَّ اللَّهَ، ومَعْنى ﴿يُحادُّونَ اللَّهَ﴾ ويُشاقُّونَ اللَّهَ، أيْ: هم في غَيْرِ الحَدِّ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ أوْلِياءُ اللَّهِ، وكَذَلِكَ يُشّاقُونَ، يَكُونُونَ في الشِّقِّ الَّذِي فِيهِ أعْداءُ اللَّهِ.

المجادلة 58:6

وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ ”يَوْمَ“، مَنصُوبٌ بِمَعْنى قَوْلِهِ: ”وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُّهِينٌ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا“، أيْ: يَبْعَثُهم مُجْتَمِعِينَ في حالٍ واحِدَةٍ، ﴿فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾، أيْ: يُخْبِرُهم بِذَلِكَ، لِيَعْلَمُوا وُجُوبَ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.

المجادلة 58:7

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾، (p-١٣٧)أيْ: يَعْلَمُ كُلَّ ما في السَّماواتِ، وكُلَّ ما في الأرْضِ، مِمّا ظَهَرَ لِلْعِبادِ ومِمّا بَطَنَ. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ﴾، أيْ: ما يَكُونُ مِن خَلْوَةِ ثَلاثَةٍ يُسِرُّونَ شَيْئًا، ويَتَناجَوْنَ بِهِ، إلّا وهو رابِعُهُمْ، عالِمٌ بِهِ، وهو في كُلِّ مَكانٍ، أيْ: بِالعِلْمِ، و”نَجْوى“، مُشْتَقٌّ مِن ”اَلنَّجْوَةِ“، وهو ما ارْتَفَعَ، وتَنَحّى”، تَقُولُ:“فُلانٌ مِن هَذا المَكانِ بِنَجْوَةٍ”، إذا كانَ بِناحِيَةٍ مِنهُ، فَمَعْنى“يَتَناجَوْنَ”: يَتَخالَوْنَ بِما يُرِيدُونَ، وذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ لِأنَّ المُنافِقِينَ واليَهُودَ كانُوا يَتَناجَوْنَ، فَيُوهِمُونَ المُسْلِمِينَ أنَّهم يَتَناجَوْنَ فِيما يَسُوؤُهم ويُؤْذِيهِمْ، فَيَحْزَنُونَ لِذَلِكَ، فَنَهى اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَنْ تِلْكَ النَّجْوى، فَعادَ المُنافِقُونَ واليَهُودُ إلى ذَلِكَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - النَّبِيَّ ﷺ أنَّهم قَدْ عادُوا في مِثْلِ تِلْكَ النَّجْوى بِعَيْنِها، فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ [المجادلة: ٨]، أيْ: يُوصِي بَعْضُهم بَعْضًا بِمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ، ﴿وَإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨]، أيْ: هَلّا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ؟ وكانُوا إذا أتَوُا النَّبِيَّ ﷺ قالُوا: اَلسّامُ عَلَيْكُمْ، و“اَلسّامُ": اَلْمَوْتُ، فَقالُوا: لِمَ لا يَنْزِلُ بِنا العَذابُ إذا قُلْنا لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا القَوْلَ، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - وعَدَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ، وبِالخِزْيِ في الدُّنْيا، وبِإظْهارِ الإسْلامِ، وأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وغَلَبَةِ حِزْبِهِ، فَقالَ: ﴿حَسْبُهم جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها﴾ [المجادلة: ٨]، وقالَ: ﴿كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥]، وقالَ: ﴿فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]، فَصَدَقَ وعْدَهُ، ونَصَرَ جُنْدَهُ، وأظْهَرَ دِينَهُ، وكَبَتَ عَدُوَّهُ.

المجادلة 58:9

(p-١٣٨)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى﴾، أيْ: إذا تَخالَيْتُمْ لِلسِّرِّ، فَلا تَخالَوْا إلّا بِالبِرِّ والتَّقْوى، ولا تَكُونُوا كاليَهُودِ والمُنافِقِينَ، وفي ”تَتَناجَوْا“، ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: ”فَلا تَتَناجَوْا“، بِتاءَيْنِ ظاهِرَتَيْنِ، وبِتاءٍ واحِدَةٍ مُدْغَمَةٍ مُشَدَّدَةٍ: ”فَلا تَناجَوْا“، وإنَّما أُدْغِمَتِ التّاءانِ لِأنَّهُما حَرْفانِ مِن مَخْرَجٍ واحِدٍ، مُتَحَرِّكانِ، وقَبْلَهُما ألِفٌ، والألِفُ قَدْ يَكُونُ بَعْدَها الدَّغْمُ، نَحْوَ ”دابَّةٌ ورادٌ“، ويَجُورُ الإظْهارُ لِأنَّ التّاءَيْنِ في أوَّلِ الكَلِمَةِ، وأنَّ ”لا“، كَلِمَةٌ عَلى حالِها، و”تَتَناجَوْا“، كَلِمَةٌ أُخْرى، فَلَمْ يَكُنْ هَذا البِناءُ لازِمًا، فَلِذَلِكَ كانَ الإظْهارُ أجْوَدَ، ويَجُوزُ الإدْغامُ، ويَجُوزُ حَذْفُ التّاءِ لِاجْتِماعِ التّاءَيْنِ، يُحْكى عَنِ العَرَبِ: ”تَبَيَّنُ هَذِهِ الخَصْلَةُ“، و”تَتَبَيَّنُ هَذِهِ الخَصْلَةُ“، وفي القُرْآنِ: ”لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ“ و”تَتَذَكَّرُونَ“، و”تَذْكُرُونَ“، واحِدَةٌ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ ”وَلا تَناجَوْا“، بِتاءٍ واحِدَةٍ، ولَكِنْ تُقْرَأُ: ”فَلا تَنْتَجُوا“، أيْ: ”لا تَفْتَعِلُوا“، مِن ”اَلنَّجْوى“.

المجادلة 58:10

وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أيْ: اَلنَّجْوى بِالإثْمِ والعُدْوانِ مِنَ الشَّيْطانِ، لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا، ويَجُوزُ: ”لِيُحْزِنَ الَّذِينَ آمَنُوا“، بِضَمِّ الياءِ، وكَسْرِ الزّايِ، العَرَبُ تَقُولُ: ”حَزَنَنِي الأمْرُ“، و”أحْزَنَنِي“، ﴿وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا﴾، أيْ: لَيْسَ يَضُرُّ التَّناجِي المُؤْمِنِينَ شَيْئًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”وَلَيْسَ بِضارِّهِمُ الشَّيْطانُ شَيْئًا“. وَقَوْلُهُ: ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾، أيْ: لا يَضُرُّهم شَيْءٌ إلّا ما أرادَ اللَّهُ، ﴿وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾، أيْ: ”يَكِلُونَ أمْرَهم إلى اللَّهِ ويَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ“.

المجادلة 58:11

(p-١٣٩)وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ﴾، ويُقْرَأُ: ”فِي المَجْلِسِ“، وتُقْرَأُ: ”تَفاسَحُوا“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ المَجْلِسَ هَهُنا يُعْنى بِهِ مَجْلِسُ النَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ في المَجالِسِ: مَجالِسُ الحَرْبِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ [آل عمران: ١٢١]، فَأمّا ما أُمِرُوا بِهِ في مَجْلِسِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَقِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَمّاسٍ، وكانَ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ، وكانَ مَن يَجْلِسُ في مَجْلِسِ النَّبِيِّ ﷺ مِن ذَوِي الغِنى والشَّرَفِ كَأنَّهم لا يُوَسِّعُونَ لِمَن هو دُونَهُمْ، فَأمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِالتَّواضُعِ، وأنْ يُفْسِحُوا في المَجْلِسِ لِمَن أرادَ النَّبِيَّ ﷺ، لِيَتَساوى النّاسُ بِالأخْذِ بِالحَظِّ مِنهُ، ﴿وَإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا﴾، أيْ: إذا قِيلَ: اِنْهَضُوا - ”قُومُوا“ - فانْهَضُوا، وهَذا كَما قالَ: ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وقِيلَ أيْضًا: ﴿وَإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا﴾، أيْ: إذا قِيلَ: ”قُومُوا لِصَلاةٍ، أوْ قَضاءِ حَقٍّ، أوْ شَهادَةٍ“، فانْشُزُوا، ويَجُوزُ: ”اُنْشُرُوا فانْشُرُوا“، جَمِيعًا يُقْرَأُ بِهِما، ويُرْوَيانِ عَنِ العَرَبِ، ”نَشَرَ، يَنْشُرُ، ويَنْشِزُ“. وَقَوْلُهُ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾، والدَّلِيلُ عَلى فَضْلِ أهْلِ العِلْمِ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”عِبادَةُ العالِمِ يَوْمًا واحِدًا تَعْدِلُ عِبادَةَ العابِدِ الجاهِلِ أرْبَعِينَ سَنَةً“».

المجادلة 58:12

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾، أيْ: إذا خالَيْتُمُ الرَّسُولَ بِالسِّرِّ، فَقَدِّمُوا قَبْلَ ذَلِكَ صَدَقَةً، وافْعَلُوا ذَلِكَ، وقِيلَ: إنْ سَبَبَ ذَلِكَ أنَّ الأغْنِياءَ كانُوا يَسْتَخْلُونَ النَّبِيَّ ﷺ فَيُسارُّونَهُ بِما يُرِيدُونَ، وكانَ الفُقَراءُ لا يَتَمَكَّنُونَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ تَمَكُّنَهُمْ، فَفَرَضَ عَلَيْهِمُ (p-١٤٠)الصَّدَقَةَ قَبْلَ النَّجْوى، لِيَمْتَنِعُوا مِن ذَلِكَ، فَرُوِيَ أنَّ عَلِيًّا - رَحِمَهُ اللَّهُ - أرادَ أنَّ يُناجِيَ النَّبِيَّ ﷺ، فَتَصَدَّقَ بِدِينارٍ باعَهُ بِعَشَرَةِ دَراهِمَ، قَبْلَ مُناجاتِهِ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ الزَّكاةُ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكم فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ١٣]، أيْ: أطِيعُوهُ في كُلِّ أمْرٍ، ودَخَلَ في ذَلِكَ التَّفَسُّحُ في المَجْلِسِ، لِتَقارُبِ النّاسِ في الدُّنُوِ مِنَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ.

المجادلة 58:14

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هم مِنكم ولا مِنهم ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ﴾، هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ، تَوَلَّوُا اليَهُودَ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ﴾، يَدُلُّ عَلى تَفْسِيرِهِ قَوْلُهُ: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: ٥٦] . وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨]، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٤]

المجادلة 58:19

وَقَوْلُهُ: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ﴾، مَعْنى ”اِسْتَحْوَذَ“، في اللُّغَةِ: اِسْتَوْلى، يُقالُ: ”حُذْتُ الإبِلَ“، و”حُزْتُها“، إذا اسْتَوْلَيْتُ عَلَيْها، وجَمَعْتُها، وهَذا مِمّا خَرَجَ عَلى أصْلِهِ، ومِثْلُهُ في الكَلامِ: ”أجْوَدْتُ“، و”أطْيَبْتُ“، والأكْثَرُ: ”أجَدْتُ“، و”أطَبْتُ“، إلّا أنَّ ”اِسْتَحْوَذَ“، جاءَ عَلى الأصْلِ، لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ عَلى ”حاذَ“، لِأنَّهُ إنَّما بُنِيَ عَلى ”اِسْتَفْعَلَ“، في أوَّلِ وهْلَةٍ، كَما بُنِيَ ”اِفْتَقَرَ“، عَلى ”اِفْتَعَلَ“، وهو مِن ”اَلْفَقْرُ“ ولَمْ يُقَلْ مِنهُ: ”فَقُرَ“، ولا اسْتُعْمِلَ بِغَيْرِ زِيادَةٍ، ولَمْ يُقَلْ: ”حاذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ“، ولَوْ جاءَ ”اِسْتَحاذَ“، كانَ صَوابًا، ولَكِنَّ ”اِسْتَحْوَذَ“، هَهُنا، أجْوَدُ، لِأنَّ (p-١٤١)الفِعْلَ في ذا المَعْنى لَمْ يُسْتَعْمَلْ إلّا بِزِيادَةٍ. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ﴾، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: حِزْبُ الشَّيْطانِ جُنْدُ الشَّيْطانِ، والأصْلُ في اللُّغَةِ أنَّ الحِزْبَ: اَلْجَمْعُ والجَماعَةُ، يُقالُ مِنهُ: ”قَدْ تَحَزَّبَ القَوْمُ“، إذا صارُوا فِرَقًا، جَماعَةً كَذا، وجَماعَةً كَذا.

المجادلة 58:20

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ﴾، قَدْ فَسَّرْنا ”يُحادُّونَ“، ومَعْناهُ: يُشاقُّونَ، أيْ: يَصِيرُونَ في غَيْرِ حَدِّ أوْلِياءِ اللَّهِ، وفي غَيْرِ شِقِّهِمْ، ﴿أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ﴾، أيْ: أُولَئِكَ في المَغْلُوبِينَ.

المجادلة 58:21

وَقَوْلُهُ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾، أيْ: قَضى اللَّهُ قَضاءً ثابِتًا، ومَعْنى غَلَبَةِ الرُّسُلِ عَلى نَوْعَيْنِ: مَن بُعِثَ بِالحَرْبِ، فَغالِبٌ في الحَرْبِ، ومَن بَعْثِ مِنهم بِغَيْرِ حَرْبٍ فَهو غالِبٌ بِالحُجَّةِ، ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، أيْ: مانِعٌ حِزْبَهُ مِن أنْ يُذَلَّ، لِأنَّهُ قالَ - جَلَّ وعَلا -: ﴿أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ﴾ [المجادلة: ٢٠]، والعَزِيزُ: اَلَّذِي لا يُغْلَبُ، ولا يُقْهَرُ.

المجادلة 58:22

وَقَوْلُهُ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، إلى آخِرِ القِصَّةِ، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ عَزَمَ عَلى قَصْدِ أهْلِ مَكَّةَ، فَكَتَبَ حاطِبٌ يَشْرَحُ لَهُمُ القِصَّةَ، ويُنْذِرُهم لِيُحَرِّزُوا، فَنَزَلَ الوَحْيُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ حاطِبٌ لَمّا وُبِّخَ بِذَلِكَ أنَّ لَهُ بِمَكَّةَ أهْلًا، وأنَّهُ لَيْسَ لَهُ أحَدٌ يَكْنَفُهُمْ، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِيُحاطَ أهْلُهُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ إيمانَ المُؤْمِنِ يَفْسُدُ بِمَوَدَّةِ الكُفّارِ، بِالمُعاوَنَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ، وأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ مَن كانَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ لا يُوالِي مَن كَفَرَ، ولَوْ كانَ أباهُ، أوْ أُمَّهُ، أوْ أخاهُ، أوْ أحَدًا مِن عَشِيرَتِهِ. (p-١٤٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾، يَعْنِي الَّذِينَ لا يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ويُوالُونَ المُؤْمِنِينَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ﴾، أيْ: قَوّاهم بِنُورِ الإيمانِ بِإحْياءِ الإيمانِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشورى: ٥٢]، فَكَذَلِكَ: ﴿وَأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ﴾، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ ذَلِكَ يُوصِلُهم إلى الجَنَّةِ، فَقالَ: ﴿وَيُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾، أيْ: اَلَّذِينَ لا يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ومِنَ المُؤْمِنِينَ، وحِزْبُ اللَّهِ أيْ: اَلدّاخِلُونَ في الجَمْعِ الَّذِي اصْطَفاهُ اللَّهُ، وارْتَضاهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾، ”ألا“، كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ، وتَوْكِيدٍ لِلْقِصَّةِ، و﴿المُفْلِحُونَ﴾ اَلْمُدْرِكُونَ البَقاءَ في النَّعِيمِ الدّائِمِ.

الحشر 59:1

(p-١٤٣)سُورَةُ اَلْحَشْرِ مَدَنِيَّةٌ ﷽ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، اِفْتَتَحَ اللَّهُ السُّورَةَ بِذِكْرِ تَقْدِيسِهِ، وأنَّ لَهُ أشْياءَ تُبَرِّئُهُ مِنَ السُّوءِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]

الحشر 59:2

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾، اَلْآيَةَ، هَؤُلاءِ بَنُو النَّضِيرِ، كانَ لَهم عِزٌّ ومَنعَةٌ مِنَ اليَهُودِ، فَظَنَّ النّاسُ أنَّهم لِعِزِّهِمْ، ومَنعَتِهِمْ، لا يُخْرَجُونَ مِن دِيارِهِمْ، وظَنَّ بَنُو النَّضِيرِ أنَّ حُصُونَهم تَمْنَعُهم مِنَ اللَّهِ، أيْ: مِن أمْرِ اللَّهِ ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾، كانَ بَنُو النَّضِيرِ لَمّا دَخَلَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المَدِينَةَ عاقَدُوهُ ألّا يَكُونُوا عَلَيْهِ، ولا مَعَهُ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ ”أُحُدٍ“، وظَهَرَ المُشْرِكُونَ عَلى المُسْلِمِينَ، نَكَثُوا، ودَخَلَهُمُ الرَّيْبُ، وكانَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ رَئِيسًا لَهُمْ، فَخَرَجَ في سِتِّينَ رَجُلًا إلى مَكَّةَ، وعاقَدَ المُشْرِكِينَ عَلى التَّظاهُرِ عَلى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا صارَ إلى المَدِينَةِ وجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ لِيَقْتُلَهُ، وكانَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ رَضِيعًا لِكَعْبٍ، فاسْتَأْذَنَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في أنْ يَنالَ مِنهُ لِيَعْتَرَّ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، فَجاءَهُ مُحَمَّدٌ (p-١٤٤)وَمَعَهُ جَماعَةٌ، فاسْتَنْزَلَهُ مِن مَنزِلِهِ، وأوْهَمَهُ أنَّهُ قَدْ حُمِلَ عَلَيْهِ في أخْذِ الصَّدَقَةِ مِنهُ، فَلَمّا نَزَلَ أخَذَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ بِناصِيَتِهِ، وكَبَّرَ، فَخَرَجَ أصْحابُهُ فَقَتَلُوهُ في مَكانِهِ، وغَدا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غازِيًا بَنِي النَّضِيرِ، فَأناخَ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ غَزاهم عَلى حِمارٍ مَخْطُومٍ بِلِيفٍ، فَكانَ المُؤْمِنُونَ يُخْرِبُونَ مِن مَنازِلِ بَنِي النَّضِيرِ، لِيَكُونَ لَهم أمْكِنَةٌ لِلْقِتالِ، وكانَ بَنُو النَّضِيرِ يُخْرِبُونَ مَنازِلَهم لِيَسُدُّوا بِها أبْوابَ أزِقَّتِهِمْ، لِئَلّا يُبْقى عَلى المُؤْمِنِينَ، فَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾، ومَعْنى إخْرابِها بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ أنَّهم عَرَّضُوها لِذَلِكَ، فَفارَقُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى الجَلاءِ مِن مَنازِلِهِمْ، وأنْ يَحْمِلُوا ما اسْتَقَلَّتْ بِهِ إبِلُهم ما خَلا الفِضَّةَ والذَّهَبَ، فَجَلَوْا إلى الشّامِ، وطائِفَةٌ مِنهم جَلَتْ إلى خَيْبَرَ، وطائِفَةٌ إلى الحِيَرَةِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لأوَّلِ الحَشْرِ﴾، وهو أوَّلُ حَشْرٍ حُشِرَ إلى الشّامِ، ثُمَّ يُحْشَرُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ إلى الشّامِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: ”لِأوَّلِ الحَشْرِ“، فَجَمِيعُ اليَهُودِ والنَّصارى يُجْلَوْنَ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ، ورُوِيَ عَنْ عُمْرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”لَأُخْرِجَنَّ اليَهُودَ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ“،» قالَ الخَلِيلُ: ”جَزِيرَةُ العَرَبِ مَعْدِنُها ومَسْكَنُها“، وإنَّما قِيلَ لَها: ”جَزِيرَةُ العَرَبِ“، لِأنَّ بَحْرَ الحَبْسِ، وبَحْرَ فارِسَ، ودِجْلَةَ، والفُراتَ، قَدْ أحاطَتْ بِها، فَهي أرْضُها ومَعْدِنُها، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَزِيرَةُ العَرَبِ مِن جَفْرِ أبِي مُوسى، إلى اليَمَنِ، في الطُّولِ، ومِن رَمْلِ بَيْرِينَ، إلى مُنْقَطِعِ السَّماوَةِ في العَرْضِ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: إلى أقْصى عَدَنِ أبْيَنَ، إلى أطْرافِ اليَمَنِ، حَتّى تَبْلُغَ أطْرافَ بَوادِي الشّامِ.

الحشر 59:5

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها﴾، أيْ: ما قَطَعْتُمْ مِن نَخْلَةٍ، والنَّخْلُ كُلُّهُ - ما عَدا البَرْنِيِّ، والعَجْوَةِ - يُسَمِّيهِ أهْلُ المَدِينَةِ: ”اَلْألْوانَ“، وأصْلُ ”لِينَةٌ“: ”لِوْنَةٌ“، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، فَقِيلَ: ”لِينَةٌ“. (p-١٤٥)فَأنْكَرَ بَنُو النَّضِيرِ قَطْعَ النَّخْلِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ ذَلِكَ بِإذْنِهِ، القَطْعُ، والتَّرْكُ، جَمِيعًا، ﴿وَلِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾، بِأنْ يُرِيَهم أمْوالَهم يَتَحَكَّمُ فِيها المُسْلِمُونَ كَيْفَ أحَبُّوا.

الحشر 59:6

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾، يَعْنِي: ”ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن بَنِي النَّضِيرِ، مِمّا لَمْ يُوجِفُوا عَلَيْهِ خَيْلًا ولا رِكابًا، والرِّكابُ: اَلْإبِلُ، و“اَلْوَجِيفُ”: دُونَ التَّقْرِيبِ مِنَ السَّيْرِ، يُقالُ:“وَجَفَ الفَرَسُ”، و“أوْجَفْتُهُ"، والمَعْنى أنَّهُ لا شَيْءَ لَكم فِيهِ، إنَّما هو لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خالِصًا، يَعْمَلُ فِيهِ ما أحَبَّ، وكَذَلِكَ كُلُّ ما فُتِحَ عَلى الأئِمَّةِ مِمّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ خَيْلًا ولا رِكابًا.

الحشر 59:7

وَقَوْلُهُ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾، مَعْنى ﴿فَلِلَّهِ﴾ أيْ: لَهُ أنْ يَأْمُرَكم فِيهِ بِما أحَبَّ، ﴿وَلِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى﴾، يَعْنِي ذَوِي قَراباتِ النَّبِيِّ ﷺ، لِأنَّهم قَدْ مُنِعُوا الصَّدَقَةَ، فَجُعِلَ لَهم حَقٌّ في الفَيْءِ، ﴿واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾

الحشر 59:8

وَقَوْلُهُ: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ﴾، بَيَّنَ مَنِ المَساكِينُ الَّذِينَ لَهُمُ الحَقُّ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ﴾

الحشر 59:9

وَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ﴾، يَعْنِي الأنْصارَ. (p-١٤٦)﴿والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، يَعْنِي المُهاجِرِينَ، ﴿يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ﴾، أيْ: يُحِبُّ الأنْصارُ المُؤْمِنِينَ، ﴿وَلا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا﴾، أيْ: لا يَجِدُ الأنْصارُ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا يُعْطى المُهاجِرُونَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾، قالَ أبُو إسْحاقَ: ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى، نَحْوَ خَيْبَرَ، وما أشْبَهَها، فالأمْرُ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ في قِسْمَةِ الفَيْءِ أنَّهُ يُفَرَّقُ في هَذِهِ الأصْنافِ المُسَمّاةِ عَلى قَدْرِ ما يَراهُ الإمامُ عَلى التَّحَرِّي لِلصَّلاحِ في ذَلِكَ، إنْ رَأى الإمامُ ذَلِكَ، وإنْ رَأى أنَّ صِنْفًا مِنَ الأصْنافِ يَحْتاجُ فِيهِ إلى جَمِيعِ الفَيْءِ، صَرَفَ فِيهِ، أوْ في هَذِهِ الأصْنافِ عَلى قَدْرِ ما يَرى. قَوْلُهُ: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، يُقْرَأُ بِضَمِّ الدّالِ، وفَتْحِها، فَـ ”اَلدُّولَةُ“: اِسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يُتَداوَلُ، و”اَلدَّوْلَةُ“: اَلْفِعْلُ والِانْتِقالُ مِن حالٍ إلى حالٍ، وقُرِئَتْ أيْضًا: ”دُولَةٌ“، بِالرَّفْعِ، فَمَن قَرَأ: ”كَيْلا يَكُونَ دُولَةٌ“، فَعَلى أنْ يَكُونَ عَلى مَذْهَبِ التَّمامِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”دُولَةٌ“، اِسْمَ ”يَكُونَ“، وخَبَرُها ”بَيْنَ الأغْنِياءِ“، والأكْثَرُ ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، عَلى مَعْنى: ”كَيْلا يَكُونَ الفَيْءُ دُولَةً“، أيْ: مُتَداوَلًا. وَقَوْلُهُ: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، أيْ: مِنَ الفَيْءِ، ﴿وَما نَهاكم عَنْهُ﴾ [الحشر: ٧]، أيْ: عَنْ أخْذِهِ، ﴿فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]

الحشر 59:10

قَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾، أيْ: ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ، ولِرَسُولِهِ، ولِهَؤُلاءِ (p-١٤٧)المُسْلِمِينَ، ولِلَّذِينَ يَجِيئُونَ مِن بَعْدِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ما أقامُوا عَلى مَحَبَّةِ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾، في حالِ قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ﴾، اَلْآيَةَ، فَمَن يَتَرَحَّمْ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ، ولَمْ يَكُنْ في قَلْبِهِ غِلٌّ لَهم أجْمَعِينَ، فَلَهُ حَظٌّ في فَيْءِ المُسْلِمِينَ، ومَن شَتَمَهُمْ، ولَمْ يَتَرَحَّمْ عَلَيْهِمْ، أوْ كانَ في قَلْبِهِ غِلٌّ لَهُمْ، فَما جَعَلَ اللَّهُ لَهُ حَقًّا في شَيْءٍ مِن فَيْءِ المُسْلِمِينَ، فَهَذا نَصُّ الكِتابِ، بَيِّنٌ.

الحشر 59:11

قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾، هم إخْوانُهُمْ، يَضُمُّهُمُ الكُفْرُ، ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم ولا نُطِيعُ فِيكم أحَدًا أبَدًا وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكم واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، وقَدْ بانَ ذَلِكَ في أمْرِ بَنِي النَّضِيرِ، الَّذِينَ عاقَدَهُمُ المُنافِقُونَ لِأنَّهم أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ، وأمْوالِهِمْ، فَلَمْ يَخْرُجْ مَعَهُمُ المُنافِقُونَ، وقُوتِلُوا فَلَمْ يَنْصُرُوهُمْ، فَأظْهَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - كَذِبَهُمْ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: ما وجْهُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ [الحشر: ١٢]، ثُمَّ قالَ: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهم لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر: ١٢]، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ - في هَذا - قَوْلَيْنِ، قالُوا: مَعْناهُ أنَّهم لَوْ تَعاطَوْا نَصْرَهُمْ، أوْ: "وَلَئِنْ نَصَرَهم مَن بَقِيَ مِنهم لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ.

الحشر 59:14

وَقَوْلُهُ: ﴿لا يُقاتِلُونَكم جَمِيعًا إلا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ أوْ مِن وراءِ جُدُرٍ﴾، (p-١٤٨)وَقُرِئَتْ: ”أوْ مِن وراءِ جِدارٍ“، عَلى الواحِدِ، وقُرِئَتْ بِتَسْكِينِ الدّالِ، فَمَن قَرَأ: ”جُدُرٍ“، فَهو جَمْعُ ”جِدارٌ“، و”جُدُرٌ“، مِثْلَ: ”حِمارٌ“، و”حُمُرٌ“، ومَن قَرَأ بِتَسْكِينِ الدّالِ حَذَفَ الضَّمَّةَ لِثِقَلِها، كَما قالُوا: ”صُحْفٌ“، و”صُحُفٌ“، ومَن قَرَأ: ”جِدارٍ“، فَهو الواحِدُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهم إذا اجْتَمَعُوا عَلى قِتالِكم لَمّا قَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ، لا يَبْرُزُونَ لِحَرْبِكُمْ، إنَّما يُقاتِلُونَ مُتَحَصِّنِينَ بِالقُرى، والجُدْرانِ. وَقَوْلُهُ: ﴿تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى﴾، أيْ: مُخْتَلِفُونَ، لا تَسْتَوِي قُلُوبُهُمْ، ولا يَتَعاوَنُونَ بِنِيّاتٍ مُجْتَمِعَةٍ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - ناصِرُ حِزْبِهِ، وخاذِلُ أعْدائِهِ.

الحشر 59:15

وَقَوْلُهُ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾، مَثَلَ ما نالَ أهْلَ ”بَدْرٍ“.

الحشر 59:16

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ﴾، أيْ: مَثَلُ المُنافِقِينَ في غُرُورِهِمْ لِبَنِي النَّضِيرِ، وقَوْلِهِمْ لَهُمْ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم ولا نُطِيعُ فِيكم أحَدًا أبَدًا وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر: ١١]، كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ: اُكْفُرْ، فَلَمّا كَفَرَ قالَ: إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ، وهو - واللَّهُ أعْلَمُ - يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكم فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]، فَكَذَلِكَ المُنافِقُونَ، لَمّا نَزَلَ بِبَنِي النَّضِيرِ ما نَزَلَ تَبَرَّؤُوا مِنهُمْ، وقَدْ جاءَ في التَّفْسِيرِ أنْ عابِدًا كانَ يُقالُ لَهُ: ”بَرْصِيصا“، كانَ يُداوِي مِنَ الجُنُونِ، فَداوى امْرَأةً فَأعْجَبَتْهُ فَأغْواهُ الشَّيْطانُ حَتّى وقَعَ بِها، ثُمَّ قَتَلَها، ثُمَّ تَبَرَّأ (p-١٤٩)مِنهُ الشَّيْطانُ، وفي الحَدِيثِ طُولٌ، ولَكِنَّ هَذا مَعْناهُ.

الحشر 59:17

وَقَوْلُهُ: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها﴾، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: ”أنَّهُما في النّارِ خالِدانِ فِيها“، وهو في العَرَبِيَّةِ جائِزٌ، إلّا أنَّهُ خِلافُ المُصْحَفِ، فَمَن قالَ ﴿خالِدَيْنِ فِيها﴾، فَنَصْبٌ عَلى الحالِ، ومَن قَرَأ: ”خالِدانِ“، فَهو خَبَرُ ”أنَّ“، والقِراءَةُ: ”فَكانَ عاقِبَتَهُما“، عَلى اسْمِ ”كانَ“، ويَكُونُ خَبَرُ ”كانَ“ ”أنَّهُما في النّارِ“، عَلى مَعْنى: ”فَكانَ عاقِبَتَهُما كَوْنُهُما في النّارِ“، ويُقْرَأُ: ”فَكانَ عاقِبَتُهُما“، والنَّصْبُ أحْسَنُ، ويَكُونُ اسْمُ ”كانَ“، ”أنَّهُما“.

الحشر 59:18

وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، أيْ: لِيَوْمِ القِيامَةِ، وقُرِّبَ عَلى النّاسِ، فَجُعِلَ كَأنَّهُ يَأْتِي غَدًا، وأصْلُ ”غَدٍ“: ”غَدْوٍ“، إلّا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ في القُرْآنِ إلّا بِحَذْفِ الواوِ، وقَدْ تُكُلِّمَ بِهِ بِحَذْفِ الواوِ، وجاءَ في الشِّعْرِ بِإثْباتِ الواوِ، وحَذْفِها، قالَ الشّاعِرُ - في إثْباتِها -: ؎وَما النّاسُ إلّا كالدِّيارِ وأهْلِها ∗∗∗ بِها يَوْمَ حُلْوِها وغَدْوًا بَلاقِعُ وَقالَ آخَرُ: ؎لا تَغْلُواها وادْلُواها دَلْوا ∗∗∗ إنَّ مَعَ اليَوْمِ أخاهُ غَدْوا

الحشر 59:19

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾، ”نَسُوا اللَّهَ“: تَرَكُوا ذِكْرَهُ، وما أمَرَهم بِهِ، فَتَرَكَ اللَّهُ ذِكْرَهم بِالرَّحْمَةِ، والتَّوْفِيقِ.

الحشر 59:21

وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ أنْـزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، (p-١٥٠)أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ مِن شَأْنِ القُرْآنِ، وعَظَمَتِهِ، وبَيانِهِ أنَّهُ لَوْ جُعِلَ في الجَبَلِ تَمْيِيزٌ كَما جُعِلَ فِيكُمْ، وأُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ لَخَشَعَ وتَصَدَّعَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، ومَعْنى ”خَشَعَ“: تَطَأْطَأ، وخَضَعَ، ومَعْنى ”تَصَدَّعَ“: تَشَقَّقَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ هَذا عَلى المَثَلِ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾، كَما قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ [مريم: ٨٩] ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠]

الحشر 59:22

وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾، هَذا رَدٌّ عَلى أوَّلِ السُّورَةِ، عَلى قَوْلِهِ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الحشر: ١]، ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ﴾

الحشر 59:23

قَوْلُهُ: ﴿المَلِكُ القُدُّوسُ﴾، و”اَلْقُدُّوسُ“: اَلطّاهِرُ، ومِن هَذا قِيلَ: ”بَيْتُ المَقْدِسِ“، أيْ: بَيْتُ المَكانِ الَّذِي يُتَطَهَّرُ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ. وَقَوْلُهُ: ﴿السَّلامُ﴾، اِسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وقِيلَ: ”اَلسَّلامُ“: اَلَّذِي قَدْ سَلِمَ الخَلْقُ مِن ظُلْمِهِ، ﴿المُؤْمِنُ﴾، اَلَّذِي وحَّدَ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ لا إلَهَ إلا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقِيلَ: ”اَلْمُؤْمِنُ“: اَلَّذِي أمِنَ الخَلْقُ مِن ظُلْمِهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿العَزِيزُ﴾، أيْ: اَلْمُمْتَنِعُ الَّذِي لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، ﴿المُهَيْمِنُ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ الشَّهِيدُ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ الأمِينُ، وزَعَمَ بَعْضُ (p-١٥١)أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ الهاءَ بَدَلٌ مِنَ الهَمْزَةِ، وأنَّ أصْلَهُ ”اَلْمُؤَيْمِنُ“، كَما قالُوا: ”إيّاكَ“، و”هِيّاكَ“، والتَّفْسِيرُ يَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ، لِأنَّهُ جاءَ أنَّهُ الأمِينُ، وجاءَ أنَّهُ الشَّهِيدُ، وتَأْوِيلُ ”اَلشَّهِيدُ“: اَلْأمِينُ في شَهادَتِهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿الجَبّارُ﴾، تَأْوِيلُهُ: اَلَّذِي جَبَرَ الخَلْقَ عَلى ما أرادَهُ مِن أمْرِهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿المُتَكَبِّرُ﴾، الَّذِي تَكَبَّرَ عَنْ ظُلْمِ عِبادِهِ، ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، تَأْوِيلُهُ: تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ شِرْكِهِمْ.

الحشر 59:24

قَوْلُهُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ﴾، وقَدْ رُوِيَتْ رِوايَةٌ لا يَنْبَغِي أنْ تُقْرَأ، رُوِيَتْ: ”اَلْبارِئَ المُصَوِّرَ“، بِالنَّصْبِ، مَعْناهُ: اَلَّذِي بَرَأ آدَمَ وصَوَّرَهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ اسْمًا، مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمَ: ”اَللَّهُ“، ونَحْنُ نُبَيِّنُ هَذِهِ الأسْماءَ واشْتِقاقَ ما يَنْبَغِي أنْ يُبَيَّنَ مِنها إنْ شاءَ اللَّهُ، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيُّ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: «”إنَّ لِلَّهِ مِائَةَ اسْمٍ غَيْرَ واحِدٍ، مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ، وهو اللَّهُ، الواحِدُ، الرَّحْمَنُ، الرَّحِيمُ، الأحَدُ، الصَّمَدُ، الفَرْدُ، السَّلامُ، المُؤْمِنُ، المُهَيْمِنُ، العَزِيزُ، الجَبّارُ، المُتَكَبِّرُ، الخالِقُ، البارِئُ، المُصَوِّرُ، الحَيُّ، القَيُّومُ، العَلِيُّ، الكَبِيرُ، الغَنِيُّ، الكَرِيمُ، الوَلِيُّ، الحَمِيدُ، العَلِيمُ، اللَّطِيفُ، السَّمِيعُ، البَصِيرُ، الوَدُودُ، الشَّكُورُ، الظّاهِرُ، الباطِنُ، الأوَّلُ، الآخِرُ، المُبْدِئُ، البَدِيعُ، المَلِكُ، القُدُّوسُ، الذّارِئُ، الفاصِلُ، الغَفُورُ، المَجِيدُ، الحَلِيمُ، الحَفِيظُ، الشَّهِيدُ، الرَّبُّ، (p-١٥٢)القَدِيرُ، التَّوّابُ، الحافِظُ، الكَفِيلُ، القَرِيبُ، المُجِيبُ، العَظِيمُ، الجَلِيلُ، العَفُوُّ، الصَّفُوحُ، الحَقُّ، المُبِينُ، المُعِزُّ، المُذِلُّ، القَوِيُّ، الشَّدِيدُ، الحَنّانُ، المَنّانُ، الفَتّاحُ، الرَّؤُوفُ، القابِضُ، الباسِطُ، الباعِثُ، الوارِثُ، الدَّيّانُ، الفاضِلُ، الرَّقِيبُ، الحَسِيبُ، المَتِينُ، الوَكِيلُ، الزَّكِيُّ، الطّاهِرُ، المُحْسِنُ، المُجْمَلُ، المُبارَكُ، السُّبُّوحُ، الحَكِيمُ، البَرُّ، الرَّزّاقُ، الهادِي، المَوْلى، النَّصِيرُ، الأعْلى، الأكْبَرُ، الوَهّابُ الجَوادُ، الوَفِيُّ، الواسِعُ، الخَلّاقُ، الوِتْرُ“،» جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمَ: ”اَللَّهُ“، قالَ سِيبَوَيْهِ: سَألْتُ الخَلِيلَ عَنْ هَذا الِاسْمِ، فَقالَ: اَلْأصْلُ فِيهِ ”إلَهٌ“، فَأُدْخِلَتِ الألِفُ واللّامُ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ، وقالَ مَرَّةً أُخْرى: اَلْأصْلُ ”لاهٌ“، وأُدْخِلَتِ الألِفُ واللّامُ لازِمَةً، وأمّا ”اَلرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ“، فالرَّحْمَنُ اسْمُ اللَّهِ خاصَّةً، لا يُقالُ لِغَيْرِ اللَّهِ: ”رَحْمَنُ“، ومَعْناهُ: المُبالِغُ في الرَّحْمَةِ، وأرْحَمُ الرّاحِمِينَ، و”فَعْلانُ“، مِن بِناءِ المُبالَغَةِ، تَقُولُ لِلشَّدِيدِ الِامْتِلاءِ: ”مَلْآنُ“، ولِلشَّدِيدِ الشَّبَعِ: ”شَبْعانُ“، و”اَلرَّحِيمُ“: اِسْمُ الفاعِلِ مِن ”رَحِمَ“، فَهو رَحِيمٌ، وهو أيْضًا لِلْمُبالَغَةِ، و”اَلْأحَدُ“: أصْلُهُ: ”اَلْوَحَدُ“، بِمَعْنى ”اَلْواحِدُ“، وهو الواحِدُ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، و”اَلصَّمَدُ“: اَلسَّيِّدُ الَّذِي صَمَدَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، أيْ: قَصَدَ قَصْدَهُ، وتَأْوِيلُ صُمُودِ كُلِّ شَيْءٍ لِلَّهِ أنَّ في كُلِّ شَيْءٍ أثَرَ صَنْعَةِ اللَّهِ، ”اَلسَّلامُ“: اَلَّذِي سَلِمَ الخَلْقُ مِن ظُلْمِهِ، وقَدْ فَسَّرْنا ”اَلْمُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ“، وفَسَّرْنا ”اَلْجَبّارُ المُتَكَبِّرُ“، و”اَلْبارِئُ“: اَلْخالِقُ، تَقُولُ: ”بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، يَبْرَؤُهُمْ“، أيْ: خَلَقَهُمْ، و”اَلْقَيُّومُ“: اَلْمُبالِغُ في القِيامِ بِكُلِّ ما خَلَقَ، وما أرادَ، و”اَلْوَلِيُّ“: اَلْمُتَوَلِّي لِلْمُؤْمِنِينَ، اللَّطِيفُ لِلْخَلْقِ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، ولا يَقْدِرُونَ، و”اَلْوَدُودُ“: اَلْمُحِبُّ الشَّدِيدُ المَحَبَّةِ، ”اَلشَّكُورُ“: اَلَّذِي يَرْجِعُ الخَيْرُ عِنْدَهُ، ”اَلظّاهِرُ الباطِنُ“: اَلَّذِي يَعْلَمُ ما ظَهَرَ، وما بَطَنَ، ”اَلْمُبْدِئُ“: اَلَّذِي ابْتَدَأ كُلَّ شَيْءٍ مِن غَيْرِ شَيْءٍ، و”اَلْبَدِيعُ“: اَلَّذِي ابْتَدَعَ الخَلْقَ عَلى غَيْرِ مِثالٍ، ”اَلْقُدُّوسُ“: قَدْ رُوِيَتْ ”اَلقَدُّوسُ“، بِفَتْحِ القافِ، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ المُبارَكُ، ومِن ذَلِكَ ”أرْضٌ مُقَدَّسَةٌ“: مُبارَكَةٌ، وقِيلَ: اَلطّاهِرُ، أيْضًا، و”اَلْمُذْرِئُ“، ”مَهْمُوزٌ“: اَلَّذِي ذَرَأ الخَلْقَ، أيْ: خَلَقَهُمْ، و”اَلْفاصِلُ“: اَلَّذِي فَصَلَ بَيْنَ الحَقِّ، والباطِلِ، و”اَلْغَفُورُ“: اَلَّذِي (p-١٥٣)يَغْفِرُ الذُّنُوبَ، وتَأْوِيلُ ”اَلْغُفْرانُ“، في اللُّغَةِ: اَلتَّغْطِيَةُ عَلى الشَّيْءِ، ومِن ذَلِكَ ”اَلْمِغْفَرُ“، ما غُطِّيَ بِهِ الرَّأْسُ، ”اَلْمَجِيدُ“: اَلْجَمِيلُ الفِعالِ، و”اَلشَّهِيدُ“: اَلَّذِي لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ، و”اَلرَّبُّ“: مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، و”اَلصَّفُوحُ“: اَلْمُتَجاوِزُ عَنِ الذُّنُوبِ، يَصْفَحُ عَنْها، ”اَلْحَنّانُ“: ذُو الرَّحْمَةِ، والتَّعَطُّفِ، ”اَلْمَنّانُ“: اَلْكَثِيرُ المَنِّ عَلى عِبادِهِ بِمَظاهِرِ النِّعَمِ، ”اَلْفَتّاحُ“: اَلْحاكِمُ، ”اَلدَّيّانُ“: اَلْمُجازِي، ”اَلرَّقِيبُ“: اَلْحافِظُ، الَّذِي لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ، ”اَلْمَتِينُ“: اَلشَّدِيدُ القُوَّةِ عَلى أمْرِهِ، ”اَلْوَكِيلُ“: اَلَّذِي يُوكَلُ بِالقِيامِ بِجَمِيعِ ما خَلَقَ، و”اَلزَّكِيُّ“: اَلْكَثِيرُ الخَيْرِ، ”اَلسُّبُّوحُ“: اَلَّذِي بَيِّنٌ عَنْ كُلِّ سِرٍّ، ”اَلْحَلِيمُ“: اَلَّذِي لا يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ، وكانَ ”اَلْحِلْمُ“، عَلى هَذا: تَأْخِيرُ العُقُوبَةِ. (p-١٥٤)

الممتحنة 60:1

(p-١٥٥)سُورَةُ اَلْمُمْتَحِنَةِ مَدَنِيَّةٌ ﷽ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾، قِيلَ: اَلْمَعْنى: ”تُلْقُونَ إلَيْهِمُ المَوَدَّةَ“، والمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”يُلْقُونَ إلَيْهِمْ أخْبارَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وسِرَّهُ، بِالمَوَدَّةِ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهُمْ، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ: ﴿تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ﴾، ما يَسْتُرُهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالمَوَدَّةِ، ويُرْوى «أنَّها نَزَلَتْ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، وكانَ كَتَبَ إلى أهْلِ مَكَّةَ يَتَنَصَّحُ لَهُمْ، فَكَتَبَ إلَيْهِمْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ يُرِيدُ أنْ يَغْزُوَكُمْ، فَخُذُوا حِذْرَكُمْ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، وكانَ كَتَبَ إلَيْهِمْ كِتابًا، ووَجَّهَ بِهِ مَعَ امْرَأةٍ يُقالُ: إنَّها كانَتْ مَوْلاةَ بَنِي هاشِمٍ، فَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَلِيٍّ، والزُّبَيْرِ، خَلْفَها، فَلَحِقاها، فَسَألاها عَنِ الكِتابِ، فَأنْكَرَتْ، فَفَتَّشا ما مَعَها، فَلَمْ يَجِدا شَيْئًا، فَقالَ عَلِيٌّ - رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ -:“إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكْذِبْنا”، فَأقْسَمَ عَلِيٌّ عَلَيْها لَتُخْرِجَنَّ الكِتابَ أوْ لَيَضْرِبَنَّها بِالسَّيْفِ، فَقالَتْ لَهُما: ولِّيا وُجُوهَكُما، وأخْرَجَتِ الكِتابَ مِن قَرْنٍ مِن قُرُونِ شَعْرِها، فَجاءَ بِالكِتابِ إلى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَعَرَضَهُ عَلى حاطِبٍ، فاعْتَرَفَ بِهِ، وقالَ: إنَّ لِي بِمَكَّةَ أهْلًا، ومالًا، فَأرَدْتُ أنْ أتَقَرَّبَ مِنهُمْ، ولَنْ يَرُدَّ اللَّهُ بَأْسَهُ عَنْهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾، اَلْآيَةَ، إلى آخِرِ القِصَّةِ». (p-١٥٦)وَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي﴾، هَذا شَرْطٌ، جَوابُهُ تَقَدَّمَ، المَعْنى:“إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي فَلا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ، و”جِهادًا“، و”اِبْتِغاءَ“، مَنصُوبانِ لِأنَّهُما مَفْعُولانِ لَهُما، المَعْنى: ”إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ لِجِهادٍ وابْتِغاءِ مَرْضاتِي، فَلا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ“، .

الممتحنة 60:2

ثُمَّ أعْلَمَهم تَعالى أنَّهُ لَيْسَ يَنْفَعُهُمُ التَّقَرُّبُ إلَيْهِمْ بِنَقْلِ أخْبارِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ: ﴿إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً﴾، مَعْنى ”يَثْقَفُوكُمْ“: يَلْقَوْكُمْ، ﴿وَيَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ﴾

الممتحنة 60:3

ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ أهْلَهم وأوْلادَهم لا يَنْفَعُونَهم شَيْئًا في القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أوْلادُكم يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾، قُرِئَتْ ”يَفْصِلُ“، عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: ”يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ“، عَلى مَعْنى: ”يَفْصِلُ اللَّهُ بَيْنَكُمْ“، و”يُفْصَلُ بَيْنَكُمْ“، عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والمَعْنى راجِعٌ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، و”يُفَصَّلَ بَيْنَكُمْ“، بِتَشْدِيدِ الصّادِ، وفَتْحِها، وضَمِّ الياءِ، عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقُرِئَتْ: ”يُفَصِّلُ بَيْنَكُمْ“، ويَجُوزُ: ”نُفَصِّلُ بَيْنَكُمْ“، و”نَفْصِلُ بَيْنَكُمْ“، بِالنُّونِ، فَهَذِهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ.

الممتحنة 60:4

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، ويَجُوزُ: ”أُسْوَةٌ“، بِضَمِّ الهَمْزَةِ، ﴿فِي إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ أصْحابَ إبْراهِيمَ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - تَبَرَّؤُوا مِن قَوْمِهِمْ، وعادَوْهُمْ، فَأمَرَ أصْحابَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَتَأسَّوْا بِهِمْ، وبِقَوْلِهِمْ. (p-١٥٧)وَقَوْلُهُ: ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾، فَإنَّ ذَلِكَ عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ، فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ إقامَتُهُ عَلى الكُفْرِ تَبَرَّأ مِنهُ، فَأمّا ما يَجُوزُ في ”بُرَءاءُ مِنكُمْ“، فَأرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أجْوَدُها: ”بُرَءاءُ“، عَلى ”فُعَلاءُ“، مِثْلَ: ”ظَرِيفٌ“، و”ظُرَفاءُ“، و”شَرِيكٌ“، و”شُرَكاءُ“، وكَذَلِكَ ”بَرِيءٌ“، و”بُرَءاءُ“، ويَجُوزُ: ”بُراءٌ مِنكُمْ“، و”بَراءٌ مِنكُمْ“، جَمِيعًا، بِالمَدِّ فَمَن قالَ: ”بِراءٌ“، بِالمَدِّ، فَهو بِمَنزِلَةِ ”ظَرِيفٌ“، و”ظِرافٌ“، ومَن قالَ: ”بُراءٌ“، بِالضَّمِّ، أبْدَلَ الضَّمَّ مِنَ الكَسْرَةِ، كَما قالُوا”“رُخْلَةٌ”، و“رِخالٌ”، وقالَ بَعْضُهُمْ:“رُخالٌ”، بِضَمِّ الرّاءِ، وقالُوا:“شاةٌ رُبًّى”، و“غَنَمٌ رُبابٌ”، و“رِبابٌ”، بِضَمِّ الرّاءِ، وكَسْرِها، وهي الحَدِيثَةُ النِّتاجِ، أيْ: اَلْحَدِيثَةُ الوِلادَةِ، ويَجُوزُ:“بَراءٌ مِنكُمْ”، بِفَتْحِ الباءِ، لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ:“أنا البَراءُ مِنكَ”، ويَقُولُ الِاثْنانِ، والثَّلاثَةُ:“نَحْنُ البَراءُ مِنكَ”، وكَذَلِكَ تَقُولُ المَرْأةُ:“أنا البَراءُ مِنكَ"، فَلا تَقْرَأْ مِن هَذِهِ الأوْجُهِ إلّا بِما قَرَأ بِهِ مَن تُوجَدُ عَنْهُ القِراءَةُ.

الممتحنة 60:5

وَقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، مَعْناهُ: "لا تُظْهِرْهم عَلَيْنا، فَيَظُنُّوا أنَّهم عَلى حَقٍّ، فَيُفْتَتَنُوا بِذَلِكَ.

الممتحنة 60:7

وَقَوْلُهُ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً﴾، ”عَسى“، واجِبَةٌ مِنَ اللَّهِ، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ يَعْنِي بِهَذا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أبِي سُفْيانَ، فَهَذِهِ هي المَوَدَّةُ، وقِيلَ: إنَّهُ يَعْنِي بِهِ مَن أسْلَمَ مِنهُمْ، فَيَكُونُ بَيْنَكم وبَيْنَهم مَوَدَّةٌ.

الممتحنة 60:8

وَقَوْلُهُ: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهُمْ﴾، ”أنْ“، في مَوْضِعِ جَرٍّ، بَدَلٌ مِن ”اَلَّذِينَ“، اَلْمَعْنى: ”لا يَنْهاكم أنْ تَبَرُّوا الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ“، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْنى: ”لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنْ بِرِّ الَّذِينَ (p-١٥٨)بَيْنَكم وبَيْنَهم عَهْدٌ“، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾، أيْ: وتَعْدِلُوا فِيما بَيْنَكم وبَيْنَهُمْ، مِنَ الوَفاءِ بِالعَهْدِ، يُقالُ: ”أقْسَطَ الرَّجُلُ، فَهو مُقْسِطٌ“، إذا عَدَلَ، و”قَسَطَ، فَهو قاسِطٌ“، إذا جارَ، وقِيلَ: إنَّهُ يَعْنِي بِهِ النِّساءَ والصِّبْيانَ.

الممتحنة 60:9

وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكم أنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾، ”ظاهَرُوا عَلى إخْراجِكُمْ“، أيْ: عاوَنُوا عَلى إخْراجِكُمْ، ﴿أنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾، ”أنْ“، في مَوْضِعِ جَرٍّ أيْضًا، عَلى البَدَلِ، المَعْنى: "إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنْ أنْ تَتَوَلَّوْا هَؤُلاءِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ، لِأنَّ مُكاتَبَتَهم بِإظْهارِ ما أسَرَّهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُوالاةٌ.

الممتحنة 60:10

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾، مَوْضِعُ ”مُهاجِراتٍ“، نَصْبٌ عَلى الحالِ، وقِيلَ: ”اَلْمُؤْمِناتُ“، وإنْ لَمْ يُعْرَفْنَ بِالإيمانِ، وقَبْلَ أنْ يَصِلُوا إلى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وإنَّما سُمِّينَ بِذَلِكَ لِأنَّ تَقْدِيرَهُنَّ الإيمانُ، ﴿فامْتَحِنُوهُنَّ﴾، مَعْناهُ: اِخْتَبِرُوهُنَّ، وهَذِهِ نَزَلَتْ بِسَبَبِ عَهْدِ الحُدَيْبِيَةِ الَّذِي كانَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَ مَن عاهَدَهُ بِمَكَّةَ مِن خُزاعَةَ، وغَيْرِهِمْ، وكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عاهَدَهم عَلى أنَّهُ مَن جاءَ مِنهم إلَيْهِ رَدَّهُ إلَيْهِمْ، ومَن صارَ مِن عِنْدِهِ إلَيْهِمْ لَمْ يَرُدُّوهُ إلَيْهِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ مَن أتى مِنَ المُؤْمِناتِ مِمَّنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ في الإسْلامِ فَلا يُرْجَعْنَ إلى الكُفّارِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ﴾، فَأعْلَمَ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ إظْهارَ الإيمانِ يَدْخُلُ في جُمْلَةِ الإسْلامِ، واللَّهُ عالِمٌ (p-١٥٩)بِما في القُلُوبِ، وكانَتِ المِحْنَةُ إذا جاءَتِ المَرْأةُ المُهاجِرَةُ أنْ تُحَلَّفَ بِاللَّهِ أنَّهُ ما جاءَ بِها غَيْرَةٌ عَلى زَوْجِها، ولا جاءَتْ إلّا مَحَبَّةً لِلَّهِ، ولِرَسُولِهِ، ولِلرَّغْبَةِ في الإسْلامِ، فَهَذِهِ المِحْنَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾، أيْ: لا تَرُدُّوهُنَّ، يُقالُ: ”رَجَعَ فُلانٌ“، و”رَجَعْتُهُ“. وَقَوْلُهُ: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، أيْ: إنَّ المُؤْمِناتِ لا يَحْلِلْنَ لِلْكُفّارِ، ولا الكُفّارَ يَحِلُّونَ لِلْمُؤْمِناتِ، ﴿وَآتُوهم ما أنْفَقُوا﴾، فَكانَ الزَّوْجُ يُعْطى مَهْرَ امْرَأتِهِ الَّتِي آمَنَتْ، وكانَ يُؤْخَذُ مِنهم مَهْرُ مَن مَضى إلَيْهِمْ مِن نِساءِ المُؤْمِنِينَ، مِمَّنْ تَلْحَقُ بِزَوْجِها، إذا رَغِبَتْ في الكُفْرِ، فَأقامَتْ عَلَيْهِ، ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾، أيْ: ولا إثْمَ عَلَيْكُمْ، ﴿أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، أيْ: أنْ تَزَوَّجُوهُنَّ، ﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّزْوِيجَ لا بُدَّ فِيهِ مِن مَهْرٍ، ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾، أيْ: إذا كَفَرْنَ فَقَدْ زالَتِ العِصْمَةُ بَيْنَ المُشْرِكَةِ والمُؤْمِنِ، أيْ: قَدِ انْبَتَّ عَقْدُ حَبْلِ النِّكاحِ، وأصْلُ ”اَلْعِصْمَةُ“: اَلْحَبْلُ، وكُلُّ ما أمْسَكَ شَيْئًا فَقَدْ عَصَمَهُ، وقُرِئَتْ: ”وَلا تُمْسِكُوا“، و”وَلا تَمَسَّكُوا“، والأصْلُ: ”تَتَمَسَّكُوا“، مِن قَوْلِكَ: ”تَمَسَّكْتُ بِالشَّيْءِ“، إذا أنْتَ لَمْ تُخَلِّهِ مِن يَدِكَ، أوْ إرادَتِكَ، فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، وقُرِئَتْ: ”تُمَسَّكُوا“، بِضَمِّ التّاءِ، والتَّشْدِيدِ، مِن قَوْلِكَ: ”مَسَّكَ، يُمَسِّكُ“، وقُرِئَتْ: ”تُمْسِكُوا“، بِضَمِّ التّاءِ، وتَخْفِيفِ السِّينِ، عَلى مَعْنى: ”أمْسَكَ، يُمْسِكُ“.

الممتحنة 60:11

(p-١٦٠)وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكم إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ﴾، عَلى ”فاعَلْتُمْ“، وقُرِئَتْ: ”فَعَقَبْتُمْ“، بِغَيْرِ ألِفٍ، وتَخْفِيفِ القافِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ: فَغَنِمْتُمْ، وتَأْوِيلُهُ في اللُّغَةِ: ”كانَتِ العُقْبى لَكُمْ“، أيْ: ”كانَتِ العُقْبى، والغَلَبَةُ لَكُمْ، حَتّى غَنِمْتُمْ“، و”عَقِبْتُمْ“، أجْوَدُها في اللُّغَةِ، و”فَعَقَبْتُمْ“، بِالتَّخْفِيفِ جَيِّدٌ في اللُّغَةِ أيْضًا، أيْ: ”صارَتْ لَكم عُقْبى الغَلَبَةِ“، إلّا أنَّهُ بِالتَّشْدِيدِ أبْلَغُ، ومَعْنى ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾، أصَبْتُمُوهم في القِتالِ بِعُقُوبَةٍ حَتّى غَنِمْتُمْ، أيْ: إنْ مَضَتِ امْرَأةٌ مِنكم إلى مَن لا عَهْدَ بَيْنَكم وبَيْنَهُ، ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا﴾، أيْ: مِثْلَ ما أنْفَقُوا في مُهُورِهِنَّ، وكَذَلِكَ إنْ مَضَتْ إلى مَن بَيْنَكم وبَيْنَهم عَهْدٌ، فَنَكَثَ في إعْطاءِ المَهْرِ، فالَّذِي ذَهَبَتْ زَوْجَتُهُ كانَ يُعْطى مِنَ الغَنِيمَةِ المَهْرَ، فَلا يَنْقُصُ شَيْءٌ مِن حَقِّهِ، يُعْطى حَقَّهُ كامِلًا بَعْدَ إخْراجِ مُهُورِ النِّساءِ، فَمِن ثَمَّ دَفَعَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيما رَوَوْا - مَهْرَ أمِّ أيْمَنَ.

الممتحنة 60:12

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾، أيْ: لا يَأْتِينَ بِوَلَدٍ يَنْسُبْنَهُ إلى الزَّوْجِ، فَإنَّ ذَلِكَ بُهْتانٌ وفِرْيَةٌ، ﴿وَلا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾، قِيلَ: لا يَعْصِينَكَ في أمْرٍ في النَّوْحِ، وقِيلَ: في تَمْزِيقِ الثِّيابِ، وخَمْشِ الوُجُوهِ، ومُحادَثَةِ الرِّجالِ، والجُمْلَةُ أنَّ المَعْنى: ”لا يَعْصِينَكَ في جَمِيعِ ما تَأْمُرُهُنَّ بِهِ بِالمَعْرُوفِ“. (p-١٦١)وَرُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَلَسَ عَلى الصَّفا، وجَلَسَ عُمَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - دُونَهُ، فَكُنَّ يُبايِعْنَ النَّبِيَّ ﷺ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ، ويَمْسَحْنَ أيْدِيَهُنَّ بِيَدِ عُمْرَ، وقِيلَ: ”كُنَّ يَمْسَحْنَ بِأيْدِيهِنَّ مِن وراءِ ثَوْبٍ“».

الممتحنة 60:13

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ﴾، يَعْنِي بِهِ اليَهُودَ، ﴿كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾، أيْ: كَما يَئِسَ الكُفّارُ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بِالبَعْثِ مِن مَوْتاهم أنْ يُبْعَثُوا، فَقَدَ يَئِسَ اليَهُودُ والَّذِينَ عاقَدُوا النَّبِيَّ ﷺ مِن أنْ يَكُونَ لَهم في الآخِرَةِ حَظٌّ، وقِيلَ: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾ أيْ: مِنَ الَّذِينَ في القُبُورِ، يَعْلَمُونَ أنَّهم لا حَظَّ لَهم في الآخِرَةِ. (p-١٦٢)

الصف 61:1

(p-١٦٣)سُورَةُ اَلصَّفِّ مَكِّيَّةٌ ﷽ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، قَدْ فَسَّرْنا ما في قَوْلِهِ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾

الصف 61:2

قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾، اَلْأصْلُ: ”لِما“، فَحُذِفَتِ الألِفُ لِأنَّ ما واللّامَ كالشَّيْءِ الواحِدِ، فَكَثُرَ اسْتِعْمالُ ”ما“، واللّامِ في الِاسْتِفْهامِ، فَإذا وقَفْتَ عَلَيْها قُلْتَ: ”لِمَهْ“، ولا يُوقَفُ عَلَيْها في القُرْآنِ بِها، لِئَلّا يُخالَفَ المُصْحَفُ، ويَنْبَغِي لِلْقارِئِ أنْ يَصِلَها، وهَذا قِيلَ لَهم لِأنَّهم قالُوا: لَوْ عَلِمْنا ما أحَبُّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لَأصَبْناهُ، ولَوْ كانَ فِيهِ ذَهابُ أنْفُسِنا، وأمْوالِنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠]، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [الصف: ١١]، فَلَمّا كانَ يَوْمُ ”أُحُدٍ“، تَوَلّى مَن تَوَلّى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَتّى كُسِرَتْ رُباعِيَّتُهُ، وشُجَّ في وجْهِهِ، أنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]، ”أنْ تَقُولُوا“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، و”مَقْتًا“، نَصْبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، المَعْنى: ”كَبُرَ قَوْلُكم ما لا تَفْعَلُونَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ“، ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ما الَّذِي يُحِبُّهُ، فَقالَ: (p-١٦٤)﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]، أيْ: "بُنْيانٌ لاصِقٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، لا يُغادِرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ يُحِبُّ مَن يَثْبُتُ في الجِهادِ في سَبِيلِهِ، ويَلْزَمُ مَكانَهُ كَبُيُوتِ البِناءِ المَرْصُوصِ، ويَجُوزُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ عَنى أنْ تَسْتَوِيَ نِيّاتُهم في حَرْبِ عَدُوِّهِمْ، حَتّى يَكُونُوا في اجْتِماعِ الكَلِمَةِ، ومُوالاةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، كالبُنْيانِ المَرْصُوصِ.

الصف 61:5

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ﴾، قَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ ”اَلْأحْزابِ“، ما كانَ آذَوْهُ بِهِ، ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، أيْ: عَدَلُوا عَنِ الحَقِّ، وانْصَرَفُوا عَنْهُ، فَأضَلَّهُمُ اللَّهُ، وصَرَفَ قُلُوبَهُمْ. وَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾، مَعْناهُ: لا يَهْدِي مَن سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهُ فاسِقٌ.

الصف 61:6

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾، مَوْضِعُ ”إذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ“، و”إذْ قالَ مُوسى“، جَمِيعًا: نَصْبٌ، المَعْنى: ”اٍذْكُرْ إذْ قالَ مُوسى، واذْكُرْ إذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ“، أيْ: اُذْكُرْ لِقَوْمِكَ وأُمَّتِكَ قِصَّةَ مُوسى، وعِيسى، وما كانَ عاقِبَةُ مَن آمَنَ بِهِما، وعاقِبَةُ مَن كَفَرَ، وآذى الأنْبِياءَ. وَقَوْلُهُ: ﴿لِلْحَوارِيِّينَ﴾ [الصف: ١٤]، قِيلَ: إنَّ الحَوارِيِّينَ سُمُّوا بِذَلِكَ لِبَياضِ ثِيابِهِمْ، وقِيلَ: كانُوا قَصّارِينَ، و”اَلْحَوارِيُّونَ“: خُلْصانُ الأنْبِياءِ، وصَفْوَتُهُمْ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: (p-١٦٥)«”اَلزُّبَيْرُ ابْنُ عَمَّتِي، وحَوارِيِّي مِن أُمَّتِي“،» وأصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَوارِيُّونَ، وتَأْوِيلُ ”اَلْحَوارِيُّونَ“، في اللُّغَةِ: اَلَّذِينَ أُخْلِصُوا ونُقُّوا مِن كُلِّ عَيْبٍ، وكَذَلِكَ ”اَلدَّقِيقُ الحُوّارى“، مِن هَذا، إنَّما سُمِّيَ لِأنَّهُ يُنَقّى مِن لُبابِ البُرِّ، وخالِصِهِ، وتَأْوِيلُهُ في النّاسِ أنَّهُ الَّذِي إذا رُجِعَ في اخْتِيارِهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وُجِدَ نَقِيًّا مِنَ العُيُوبِ، فَأصْلُ ”اَلتَّحْوِيرُ“، في اللُّغَةِ: مِن ”حارَ، يَحُورُ“، وهو الرُّجُوعُ، والتَّرْجِيعُ، فَهَذا تَأْوِيلُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ -. وَقَوْلُهُ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤]، أيْ: ”مَن أنْصارِي مَعَ اللَّهِ؟“، وقالَ قَوْمٌ: ”مَن أنْصارِي إلى نَصْرِ اللَّهِ؟“، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وَلَوْحُ ذِراعَيْنِ في بِرْكَةٍ ∗∗∗ إلى جُؤْجُؤٍ رَهِلِ المَنكِبِ اَلْمَعْنى ”اَلْكاهِلُ مَعَ جُؤْجُؤِ رَهَلِ المَنكِبِ“.

الصف 61:12

وَقَوْلُهُ: ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾، هَذا جَوابُ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ﴾ [الصف: ١١]، لِأنَّ مَعْناهُ مَعْنى الأمْرِ، المَعْنى: ”آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وجاهِدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكُمْ، وأنْفُسِكُمْ، يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكُمْ“، أيْ: إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ يَغْفِرْ لَكُمْ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: ”آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ“، وقَدْ غَلِطَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ فَقالَ: هَذا جَوابُ ”هَلْ“، وهَذا غَلَطٌ بَيِّنٌ، لَيْسَ إذا دَلَّهُمُ النَّبِيُّ عَلى ما يَنْفَعُهم غَفَرَ اللَّهُ لَهُمْ، إنَّما يَغْفِرُ اللَّهُ لَهم إذا آمَنُوا وجاهَدُوا، فَإنَّما هو جَوابُ ”تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وتُجاهِدُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ“، فَأمّا جَوابُ الِاسْتِفْهامِ المَجْزُومُ فَكَقَوْلِكَ: ”هَلْ جِئْتَنِي بِشَيْءٍ أُعْطِكَ مِثْلَهُ“، اَلْمَعْنى: ”لَوْ كُنْتَ جِئْتَنِي أعْطَيْتُكَ“، و”إنْ جِئْتَنِي أعْطَيْتُكَ“، وكَذَلِكَ ”أيْنَ بَيْتُكَ أزُرْكَ“. وَقَوْلُهُ: ﴿فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾، أيْ: في جَنّاتِ إقامَةٍ وخُلُودٍ، يُقالُ: ”عَدَنَ بِالمَكانِ“، إذا أقامَ بِهِ.

الصف 61:13

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾، اَلْمَعْنى: ”وَلَكم تِجارَةٌ أُخْرى تُحِبُّونَها، وهي نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ“، وإنْ شِئْتَ كانَ رَفْعًا عَلى البَدَلِ مِن ”أُخْرى“، اَلْمَعْنى: ”يُدْخِلْكم جَنّاتٍ ولَكم نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ“. وَقَوْلُهُ: ﴿إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ [الصف: ٦]، ”مُصَدِّقًا“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ: ”إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم في حالِ (p-١٦٧)تَصْدِيقٍ لِما تَقَدَّمَنِي مِنَ التَّوْراةِ، وفي حالِ تَبْشِيرٍ بِرَسُولٍ، ﴿يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، قُرِئَتْ بِفَتْحِ الياءِ:“مِن بَعْدِيَ”، وبِإسْكانِ الياءِ، وحَذْفِها مِنَ اللَّفْظِ، لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وأمّا في الكِتابِ فَهي ثابِتَةٌ،“مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ”، والِاخْتِيارُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ تَحْرِيكُ هَذِهِ الياءِ بِالفَتْحِ، فَأمّا مَن قَرَأ:“يَغْفِر لَّكُمْ”، بِإدْغامِ الرّاءِ في اللّامِ، فَغَيْرُ جائِزٍ في القِراءَةِ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، لِأنَّهُ لا تُدْغَمُ الرّاءُ في اللّامِ في قَوْلِهِما، وقَدْ رُوِيَتْ عَنْ إمامٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ في القِراءَةِ، وهو أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، ولا أحْسَبُهُ قَرَأ بِها إلّا وقَدْ سَمِعَها عَنِ العَرَبِ، زَعَمَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ وجَمِيعُ البَصْرِيِّينَ - ما خَلا أبا عَمْرٍو - أنَّ اللّامَ تُدْغَمُ في الرّاءِ، وأنَّ الرّاءَ لا تُدْغَمُ في اللّامِ، وحُجَّةُ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ الرّاءَ لا تُدْغَمُ في اللّامِ أنَّ الرّاءَ حَرْفٌ مُكَرَّرٌ قَوِيٌّ، فَإذا أُدْغِمَتِ الرّاءُ في اللّامِ ذَهَبَ التَّكْرِيرُ مِنها، ودَلِيلُهم عَلى أنَّ لَها فَضْلَةً عَلى غَيْرِها في التَّمَكُّنِ أنَّكَ لا تُمِيلُ ما كانَ عَلى مِثالِ“فاعِلٌ”، إذا كانَ في أوَّلِهِ حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الإطْباقِ، أوِ المُسْتَعْلِيَةِ، وهي سَبْعَةُ أحْرُفٍ، مِنها أرْبَعَةٌ مُطْبَقَةٌ، وهِيَ: اَلصّادُ، والضّادُ، والطّاءُ، والظّاءُ، وثَلاثَةٌ مُسْتَعْلِيَةٌ، وهِيَ: اَلْخاءُ، والغَيْنُ، والقافُ، لا تَقُولُ:“هَذا صالِحٌ”، بِإمالَةِ الصّادِ إلى الكَسْرِ، فَإنْ كانَ في مَوْضِعِ اللّامِ راءٌ جازَ الكَسْرُ، تَقُولُ:“هَذا صارِمٌ”، ولا تَقُولُ:“مَرَرْتُ بِضابِطٍ”، بِإمالَةِ الضّادِ، ولَكِنْ تَقُولُ:“مَرَرْتُ بِضارِبٍ"، فَتُسْفِلُ الرّاءَ المَكْسُورَةَ كَسْرَةَ الصّادِ، والضّادِ، المُطْبَقَتَيْنِ، وهَذا البابُ انْفَرَدَ بِهِ البَصْرِيُّونَ في النَّحْوِ، ولَيْسَ لِلْكُوفِيِّينَ ولا المَدَنِيِّينَ فِيهِ شَيْءٌ، وهو بابُ الإمالَةِ. (p-١٦٨)

الصف 61:14

وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أنْصارَ اللَّهِ﴾، وأكْثَرُ القِراءَةِ: ”كُونُوا أنْصارَ اللَّهِ“، وهو الِاخْتِيارُ، لِقَوْلِهِمْ: ”نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ“، لِأنَّ الآيَتَيْنِ في جَوابِ ”كُونُوا أنْصارًا لِلَّهِ“، ”نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ“، جَوابًا لِذَلِكَ، وقُرِئَتْ: ﴿واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف: ٨] ”واللَّهُ مُتِمٌّ نُورَهُ“، وكِلاهُما جَيِّدٌ. (p-١٦٦)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ﴾، مَعْنى ”أيَّدْنا“: قَوَّيْنا، واشْتِقاقُهُ مِن ”اَلْأيْدُ“، و”اَلْأيْدُ“: اَلْقُوَّةُ.

الجمعة 62:1

(p-١٦٩)سُورَةُ اَلْجُمُعَةِ مَدَنِيَّةٌ ﷽ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿المَلِكِ القُدُّوسِ﴾، بِضَمِّ القافِ القِراءَةُ، وقَدْ رُوِيَتْ: ”اَلقَدُّوسُ“، بِفَتْحِ القافِ، وهي قَلِيلَةٌ، ومَعْنى ”اَلْقُدُّوسُ“: اَلْمُبارَكُ، وقِيلَ: اَلطّاهِرُ، أيْضًا.

الجمعة 62:2

وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنهُمْ﴾، ”اَلْأُمِّيِّينَ“، اَلَّذِينَ لا يَكْتُبُونَ، الَّذِينَ هم عَلى ما خُلِقَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ قَبْلَ تَعَلُّمِ الكِتابِ، والكِتابُ لا يَكُونُ إلّا بِتَعَلُّمٍ، وقَوْلُهم في الَّذِي لا يَعْرِفُ الكَلامَ ولا القِراءَةَ: ”هُوَ يَقْرَأُ بِالسَّلِيقَةِ“، أيْ: لَمْ يَتَعَلَّمِ القُرْآنَ مُعْرَبًا، إنَّما يَقْرَأُ عَلى ما سَمِعَ الكَلامَ عَلى سَلِيقَتِهِ، و”اَلسَّلِيقَةُ“، و”اَلطَّبِيعَةُ“، و”اَلنَّحِيبَةُ“، و”اَلسَّجِيَّةُ“، و”اَلسَّرْجُوجَةُ“، مَعْناهُ كُلُّهُ: اَلطَّبِيعَةُ، وقِيلَ: أوَّلُ ما بَدَأ الكِتابُ في العَرَبِ بَدَأ مِن أهْلِ الطّائِفِ، وذَكَرَ أهْلُ الطّائِفِ أنَّهم تَعَلَّمُوا الكِتابَةَ في أهْلِ الحِيَرَةِ، وذَكَرَ أهْلُ الحِيَرَةِ أنَّهم تَعَلَّمُوا الكِتابَةَ مِن أهْلِ الأنْبارِ.

الجمعة 62:3

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾، ”آخَرِينَ“، في مَوْضِعِ جَرٍّ، المَعْنى: ”هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ، (p-١٧٠)وَبَعَثَ في الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ“، أيْ: في آخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ، فالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَبْعُوثٌ إلى مَن شاهَدَهُ، وإلى كُلِّ مَن كانَ بَعْدَهم مِنَ العَرَبِ، والعَجَمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وَآخَرِينَ﴾، في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى مَعْنى: ”يُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُ آخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ“.

الجمعة 62:5

وَقَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾، ”اَلْأسْفارُ“: اَلْكُتُبُ الكِبارُ، واحِدُها ”سِفْرٌ“، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ اليَهُودَ مَثَلُهم في تَرْكِهِمُ اسْتِعْمالَ التَّوْراةِ والإيمانَ بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم فِيها، كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا، ثُمَّ قالَ:﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾، ومَعْنى ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ﴾، ”اَلْمَثَلُ الَّذِي ضَرَبْناهُ لَهُمْ“، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”كَمَثَلِ الحِمِارِ“، بِكَسْرِ الألِفِ، وهَذِهِ الإمالَةُ - أعْنِي كَسْرَ الرّاءِ - كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ. وَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾، مَعْناهُ: أنَّهُ لا يَهْدِي مَن سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهُ يَكُونُ ظالِمًا.

الجمعة 62:6

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النّاسِ﴾، وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، فَقِيلَ لَهُمْ: إنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ، ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾، أيْ: فَإنَّ اللَّهَ سَيُمِيتُكُمْ، وأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَهُ، لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا أنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَقٌّ، وأنَّهم إنْ تَمَنَّوْهُ ماتُوا، فَلَمْ يَتَمَنَّوْهُ، (p-١٧١)فَهَذِهِ مِن أدَلِّ آياتِ النَّبِيِّ ﷺ.

الجمعة 62:8

ثُمَّ أعْلَمَ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهم إنْ لَمْ يَتَمَنَّوُا المَوْتَ ولَمْ يَمُوتُوا في وقْتِهِمْ، أنَّهم يَمُوتُونَ لا مَحالَةَ، فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾، ودَخَلَتِ الفاءُ في خَبَرِ ”إنَّ“، ولا يَجُوزُ ”إنَّ زَيْدًا فَمُنْطَلِقٌ“، لِأنَّ ﴿الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾، فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمامُ الكَلامِ: ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: ”إنْ فَرَرْتُمْ مِن أيِّ مَوْتٍ كانَ، مِن قَتْلٍ، أوْ غَيْرِهِ، فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ“، ويَكُونَ ﴿فَإنَّهُ﴾، اِسْتِئْنافٌ، بَعْدَ الخَبَرِ الأوَّلِ.

الجمعة 62:9

وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾، وقُرِئَتْ: ”اَلْجُمْعَةِ“، بِإسْكانِ المِيمِ، ويَجُوزُ في اللُّغَةِ: ”اَلْجُمَعَةِ“، بِفَتْحِ المِيمِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ بِها إلّا أنْ تَثْبُتَ بِها رِوايَةٌ عَنْ إمامٍ مِنَ القُرّاءِ، فَمَن قَرَأ: ”اَلْجُمْعَةِ“، فَهو تَخْفِيفُ ”اَلْجُمُعَةِ“، لِثِقَلِ الضَّمَّتَيْنِ، ومَن قالَ في غَيْرِ القِراءَةِ: ”اَلْجُمَعَةِ“، فَمَعْناهُ: اَلَّتِي تَجْمَعُ النّاسَ، كَما تَقُولُ: ”رَجُلٌ لُعَنَةٌ“، أيْ: يُكْثِرُ لَعْنَ النّاسِ، و”رَجُلٌ ضُحَكَةٌ“، يُكْثِرُ الضَّحِكَ. وَقَوْلُهُ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، مَعْناهُ: فاقْصِدُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ، ولَيْسَ مَعْناهُ العَدْوَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ“، وقالَ: ”لَوْ كانَتْ“فاسْعَوْا”، لَسَعَيْتُ حَتّى يَسْقُطَ رِدائِي“، وكَذَلِكَ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ”فامْضُوا“، وقَدْ رُوِيَتْ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، ولَكِنَّ اتِّباعَ المُصْحَفِ أوْلى، ولَوْ كانَتْ عِنْدَ عُمَرَ ”فامْضُوا“، لا غَيْرُ، لَغَيَّرَها في المُصْحَفِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ مَعْنى ”اَلسَّعْيُ“: اَلتَّصَرُّفُ في كُلِّ عَمَلٍ، قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: (p-١٧٢)﴿وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] ﴿وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ [النجم: ٤٠]، فَلا اخْتِلافَ في أنَّ مَعْناهُ: ”وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما عَمِلَ“. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَذَرُوا البَيْعَ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، فالبَيْعُ مِن وقْتِ الزَّوالِ في يَوْمِ الجُمُعَةِ إلى انْقِضاءِ الصَّلاةِ، كالمُحَرَّمِ.

الجمعة 62:10

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾، هَذا مَعْناهُ الإباحَةُ، لَيْسَ مَعْناهُ ”إذا انْقَضَتِ الصَّلاةُ وجَبَ أنْ يَتَّجِرَ الإنْسانُ“، كَما قالَ: ﴿وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢]، فَلَيْسَ عَلى مَن حَلَّ مِن إحْرامٍ أنْ يَصْطادَ، إنَّما هو مُباحٌ لَهُ، مِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ في الكَلامِ: ”إذا حَضَرْتَنِي فَلا تَنْطِقْ، وإذا غِبْتَ عَنِّي فَتَكَلَّمْ بِما شِئْتَ“، إنَّما مَعْناهُ الإباحَةُ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ [الجمعة: ٦]، بِضَمِّ الواوِ، لِسُكُونِها وسُكُونِ اللّامِ، واخْتِيرَ الضَّمُّ مَعَ الواوِ، لِأنَّ الواوَ هَهُنا أصْلُ حَرَكَتِها الرَّفْعُ، لِأنَّها تَنُوبُ عَنْ أسْماءٍ مَرْفُوعَةٍ، وقَدْ قُرِئَتْ: ”فَتَمَنَّوِ المَوْتَ“، بِكَسْرِ الواوِ، لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، إذا التَقَيا مِن كَلِمَتَيْنِ كُسِرَ الأوَّلُ مِنهُما، كَما تَقُولُ: ”قَلِ الحَقَّ“، فَتَكْسِرُ اللّامَ لِسُكُونِ لامِ ”اَلْحَقَّ“.

الجمعة 62:11

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾، ولَمْ يَقُلْ: ”إلَيْهِما“، ويَجُوزُ مِنَ الكَلامِ: ”وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْهِ، وانْفَضُّوا إلَيْها، وانْفَضُّوا إلَيْهِما“، فَحُذِفَ خَبَرُ أحَدِهِما لِأنَّ الخَبَرَ الثّانِيَ يَدُلُّ عَلى الخَبَرِ المَحْذُوفِ، والمَعْنى: ”إذا رَأوْا تِجارَةً انْفَضُّوا إلَيْها، أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْهِ“، ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ في خُطْبَتِهِ، فَجاءَتْ إبِلٌ لِدِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الكَلْبِيِّ، وعَلَيْها زَيْتٌ، فانْفَضُّوا يَنْظُرُونَ إلَيْها، وتَرَكُوا النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ، وبَقِيَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لَوْ لَحِقَ آخِرُهم أوَّلَهم لالتَهَبَ الوادِي نارًا“،» فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ، ومِن (p-١٧٣)التِّجارَةِ، وأعْلَمَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - غَلِيظَ ما في التَّوَلِّي عَنِ الإمامِ إذا كانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، و”اَللَّهْوُ“، هَهُنا، قِيلَ: اَلطَّبْلُ، وهو - واللَّهُ أعْلَمُ - كُلُّ ما يُلْهى بِهِ. ﴿واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾، أيْ: لَيْسَ يَفُوتُهم مِن أرْزاقِهِمْ لِتَخَلُّفِهِمْ عَنِ النَّظَرِ إلى المِيَرَةِ شَيْءٌ مِن رِزْقٍ، ولا بِتَرْكِهِمُ البَيْعَ في وقْتِ الصَّلاةِ والخُطْبَةِ. (p-١٧٤)

المنافقون 63:1

(p-١٧٥)سُورَةُ اَلْمُنافِقِينَ مَدَنِيَّةٌ ﷽ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾، أكْذَبَهم فِيما تَعْتَقِدُهُ قُلُوبُهُمْ، وفي أنَّهم يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ، ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا، ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ.

المنافقون 63:2

وَقَوْلُهُ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾، أيْ: سُتْرَةً يَسْتَتِرُونَ بِها مِنهُ، ودَلِيلُ ذَلِكَ أنَّهم حَلَفُوا عَلى ما وصَفْنا، وقَدْ قُرِئَتْ: ”اِتَّخَذُوا إيمانَهُمْ“، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، أيْ: إظْهارَهُمُ الإيمانَ، ﴿جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾

المنافقون 63:3

وَقَوْلُهُ: ﴿فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾، وقُرِئَتْ: ”فَطَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ“، ورُوِيَتْ: ”فَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ“، والقِراءَةُ المَعْرُوفَةُ المُجْمَعُ عَلَيْها هَهُنا: ”فَطُبِعَ“، عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ويَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ: ”فَطُبِعْ عَّلى قُلُوبِهِمْ“، عَلى إدْغامِ العَيْنِ في العَيْنِ، لِأنَّهُما مِن مَخْرَجٍ واحِدٍ، ولِاجْتِماعِ الحَرَكاتِ، لِأنَّهُ يَجْتَمِعُ لِسِتِّ حَرَكاتٍ، ومَن تَرَكَ الإدْغامَ فَلِأنَّ الحَرْفَيْنِ (p-١٧٦)مِن كَلِمَتَيْنِ، وأنَّ العَيْنَ مِنَ الحَلْقِ، وحُرُوفُ الإدْغامِ في حُرُوفِ الفَمِ أكْثَرُ مِنها في حُرُوفِ الحَلْقِ، نَحْوَ ”مَدَّ“، و”شَدَّ“، و”قَرَّ“، و”رَدَّ“، وأكْثَرُ مِن بابِ ”دَعَّهُ، يَدُعُّهُ“.

المنافقون 63:4

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾، كَأنَّهُ وصَفَهم بِتَمامِ الصُّوَرِ، وحُسْنِ الإبانَةِ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّهم في تَرْكِهِمُ التَّفَهُّمَ والِاسْتِبْصارَ، بِمَنزِلَةِ الخَشَبِ، فَقالَ: ﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾، ويُقْرَأُ: ”خُشْبٌ مُسَنَّدَةٌ“، بِإسْكانِ الشِّينِ، فَمَن قَرَأ بِإسْكانِ الشِّينِ فَهو بِمَنزِلَةِ ”بَدَنَةٌ“، و”بُدْنٌ“، ومَن قالَ: ”خُشُبٌ“، بِضَمِّ الشِّينِ، فَهو بِمَنزِلَةِ ”ثَمَرَةٌ“، و”ثُمُرٌ“، ويَجُوزُ: ”خَشَبٌ مُسَنَّدَةٌ“، فَلا تَقْرَأْ بِها إلّا أنْ تَثْبُتَ بِها رِوايَةٌ، و”خَشَبَةٌ“، و”خَشَبٌ“، مِثْلُ ”شَجَرَةٌ“، و”شَجَرٌ“. وَقَوْلُهُ: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾، وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالجُبْنِ، ويَكُونُ أمْرُ كُلِّ مَن خاطَبَ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّما يُخاطِبُهُ في أمْرِهِمْ بِكَشْفِ نِفاقِهِمْ. وَقَوْلُهُ: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾، أيْ: هُمُ العَدُوُّ الأدْنى، فاحْذَرْهم لِأنَّهم كانُوا أعْداءَ النَّبِيِّ ﷺ، ويُظْهِرُونَ أنَّهم مَعَهُ. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾، ومَعْنى ”أنّى يُؤْفَكُونَ“: مِن أيْنَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ؟!

المنافقون 63:5

قَوْلُهُ: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ﴾، قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”يَسْتَغْفِر لَّكُمْ“، بِإدْغامِ الرّاءِ في اللّامِ، وهي عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لا تَجُوزُ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في سُورَةِ ”اَلصَّفِّ“. (p-١٧٧)وَقَوْلُهُ: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾، عَلى ”فَعَّلُوا“، وقُرِئَتْ: ”لَوَوْا رُؤُوسَهُمْ“، بِالتَّخْفِيفِ، وهَذِهِ قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ.

المنافقون 63:7

وَقَوْلُهُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾، هَذِهِ أيْضًا نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ لِقَوْمٍ يُنْفِقُونَ عَلى بَعْضِ مَن مَعَ رَسُولِ اللَّهِ: لا تُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ حَتّى يَنْفَضُّوا عَنْهُ، ﴿وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾، أيْ: إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُهُمْ، وهو رازِقُهم في حالِ إنْفاقِ هَؤُلاءِ عَلَيْهِمْ.

المنافقون 63:8

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾، يَعْنُونَ أيْضًا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ مُظْهِرُ دِينِهِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، ومُعِزٌّ رَسُولَهُ، ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾

المنافقون 63:9

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، حَضَّهُمُ اللَّهُ عَلى إدامَةِ الذِّكْرِ لَهُ، وألّا يَضِنُّوا بِأمْوالِهِمْ، فَقالَ: ﴿وَأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠]، أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُعايِنَ ما يَعْلَمُ مَعَهُ أنَّهُ مَيِّتٌ، ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] (p-١٧٨)وَقُرِئَتْ: ”فَأصَّدَّقَ وأكُونَ مِنَ الصّالِحِينَ“، فَجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ ما قَصَّرَ أحَدٌ في الزَّكاةِ، أوْ في الحَجِّ، إلّا سَألَ الكَرَّةَ، فَمَن قالَ: ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]، ”فَأصَّدَّقَ“، جَوابُ ”لَوْلا أخَّرْتَنِي“، ومَعْناهُ: ”هَلّا أخَّرْتَنِي؟“، وجَزْمُ ”وَأكُن“، عَلى مَوْضِعِ ﴿فَأصَّدَّقَ﴾ [المنافقون: ١٠]، لِأنَّهُ عَلى مَعْنى: ”إنْ أخَّرْتَنِي أصَّدَّقْ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ“، ومَن قَرَأ: ”وَأكُونَ“، فَهو عَلى لَفْظِ ”فَأصَّدَّقَ وأكُونَ“.

التغابن 64:2

(p-١٧٩)سُورَةُ اَلتَّغابُنِ ﷽ مَكِّيَّةٌ، ما خَلا ثَلاثَ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي مِن آخِرِها، قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكُمْ﴾ [التغابن: ١٤]، إلى آخِرِها، وقِيلَ: إنَّ الصَّحِيحَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ كُلُّها. قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾، خَلَقَكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم كُفّارًا، ومُؤْمِنِينَ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ يَحْيى - عَلَيْهِ السَّلامُ - خُلِقَ في بَطْنِ أُمِّهِ مُؤْمِنًا، وخُلِقَ فِرْعَوْنُ في بَطْنِ أُمِّهِ كافِرًا، ودَلِيلُ ما في التَّفْسِيرِ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩]، فَأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ مَخْلُوقٌ كَذَلِكَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ﴿خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾، أيْ: مُؤْمِنٌ بِأنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ، وكافِرٌ بِأنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨] ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩]، وقالَ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلا﴾ [الكهف: ٣٧]

التغابن 64:3

وَقَوْلُهُ: ﴿وَصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾، ويُقْرَأُ: ”صِوَرَكُمْ“، بِكَسْرِ الصّادِ، و”صُورَةٌ“، يُجْمَعُ ”صُوَرٌ“، مِثْلَ: ”غُرْفَةٌ“، و”غُرَفٌ“، و”رُشْوَةٌ“، و”رُشًى“، ويُجْمَعُ أيْضًا ”صِوَرٌ“، مِثْلَ: ”رِشْوَةٌ“، و”رِشًى“، و”فُعَلٌ“، و”فِعَلٌ“، أُخْتانِ، قالُوا: (p-١٨٠)”حُلًى“، و”حِلًى“، و”لِحًى“، و”لُحًى“، جَمْعُ ”لِحَيَّةٌ“، ومَعْنى ”أحْسَنَ صُوَرَكم“: خَلَقَكم أحْسَنَ الحَيَوانِ كُلِّهِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ لا يُسَرُّ بِأنْ يَكُونَ صُورَتُهُ عَلى غَيْرِ صُورَةِ الآدَمِيِّينَ، فالإنْسانُ أحْسَنُ الحَيَوانِ، وقِيلَ أيْضًا: ”فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ“، مَن أرادَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ أبْيَضَ، كانَ أبْيَضَ، ومَن أرادَ أنْ يَكُونَ أسْوَدَ كانَ أسْوَدَ، ومَن أرادَ أنْ يَكُونَ دَمِيمًا كانَ دَمِيمًا، أوْ تامًّا كانَ تامًّا، فَأحْسَنَ ذَلِكَ - عَزَّ وجَلَّ - وأتى مِن كُلِّ صُورَةٍ بِكُلِّ صِنْفٍ عَلى إرادَتِهِ.

التغابن 64:5

وَقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾، أيْ: وذاقُوا في الدُّنْيا عَظِيمَ السَّطْواتِ، ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ ألِيمٌ، ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِمَ نَزَلَ بِهِمْ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا﴾ [التغابن: ٦]، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ في الدُّنْيا، وأنَّهُ يَنْزِلُ بِهِمْ في الآخِرَةِ بِكُفْرِهِمْ.

التغابن 64:8

وَقَوْلُهُ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْـزَلْنا﴾، أيْ: وبِالقُرْآنِ الَّذِي هو نُورٌ وكِتابٌ مُّبِينٌ.

التغابن 64:9

وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾، ”يَوْمَ“، مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ ”لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ يَوْمَ الجَمْعِ“، و”يَوْمُ التَّغابُنِ“: يَوْمَ يَغْبِنُ أهْلُ الجَنَّةِ أهْلَ النّارِ، ويَغْبِنُ مَنِ ارْتَفَعَتْ مَنزِلَتُهُ في الجَنَّةِ مَن كانَ في دُونِ مَنزِلَتِهِ، وضُرِبَ ذَلِكَ مَثَلًا لِلشِّراءِ والبَيْعِ، كَما قالَ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الصف: ١١]، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦]، وذَلِكَ في الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى.

التغابن 64:11

(p-١٨١)وَقَوْلُهُ: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾، مَعْناهُ: إلّا بِأمْرِ اللَّهِ، وقِيلَ أيْضًا: إلّا بِعِلْمِ اللَّهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، ويَسَلِّمْ في وقْتِ المُصِيبَةِ لِأمْرِ اللَّهِ، يَهْدِ قَلْبَهُ، يَجْعَلْهُ مُهْتَدِيًا، وقُرِئَتْ: ”يَهْدَ قَلْبُهُ“، تَأْوِيلُ ”هَدَأ قَلْبُهُ، يَهْدَأُ“، إذا سَكَنَ، ويَكُونُ عَلى طَرْحِ الهَمْزَةِ، ويَكُونُ في الرَّفْعِ ”يَهْدا قَلْبُهُ“، غَيْرَ مَهْمُوزٍ، وفي الجَزْمِ: ”مَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدَ قَلْبُهُ“، بِطَرْحِ الألِفِ لِلْجَزْمِ، ويَكُونُ التَّأْوِيلُ: ”إذا سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ سَكَنَ قَلْبُهُ“.

التغابن 64:14

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهُمْ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا أُمِرَ بِالهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ أرادَ قَوْمٌ الهِجْرَةَ، فَقالَ لَهم أزْواجُهم وأوْلادُهُمْ: قَدْ صَبَرْنا لَكم عَلى مُفارَقَةِ الدِّينِ، ولا نَصْبِرُ لَكم عَلى مُفارَقَتِكُمْ، ومُفارَقَةِ الأمْوالِ، والمَساكِنِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مَن كانَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ فَهو عَدُوٌّ، وإنْ كانَ ولَدًا، أوْ كانَتْ زَوْجَةً، ثُمَّ أمَرَ - عَزَّ وجَلَّ - بِالعَفْوِ، والصَّفْحِ، فَقالَ: ﴿وَإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (p-١٨٢)ثُمَّ أعْلَمَ أنَّ الأمْوالَ والأوْلادَ مِمّا يُفْتَتَنُ بِهِ، فَقالَ: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، أيْ: ما أمْكَنَكُمُ الجِهادُ والهِجْرَةُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلا يَفْتِنَنَّكُمُ المَيْلُ إلى الأمْوالِ والأوْلادِ عَنْ ذَلِكَ.

التغابن 64:16

وَقَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾، هَذِهِ رُخْصَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَأنْفِقُوا خَيْرًا لأنْفُسِكُمْ﴾، أيْ: قَدِّمُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم مِن أمْوالِكُمْ، ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾، ويَجُوزُ: ”وَمَن يُوَقَّ شُحَّ نَفْسِهِ“، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، فَلا تَقْرَأنَّ بِها إلّا أنْ تَثْبُتَ رِوايَةٌ في قِراءَتِها، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾، مَعْناهُ: اَلظّافِرُونَ بِالفَوْزِ والخَيْرِ.

التغابن 64:17

﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾، فاقْتَرَضَ - عَزَّ وجَلَّ - مِمّا رَزَقَ وأعْطى، تَفَضُّلًا وامْتِحانًا، ﴿واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾، يَشْكُرُ لَكم ما عَمِلْتُمْ، ويَحْلُمُ عَنْكم عِنْدَ اسْتِحْقاقِكُمُ العُقُوبَةَ عَلى ذُنُوبِكم.

التغابن 64:18

﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، يَعْلَمُ ما تُكِنُّهُ الصُّدُورُ، مِمّا لا تَعْلَمُهُ الحَفَظَةُ، ويَعْلَمُ ما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ، وما قُطِرَ مِن قَطْرِ المَطَرِ.

الطلاق 65:1

(p-١٨٣)سُورَةُ اَلطَّلاقِ مَدَنِيَّةٌ ﷽ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، هَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والمُؤْمِنُونَ داخِلُونَ مَعَهُ في الخِطابِ، ومَعْناهُ: ”إنْ أرَدْتُمُ الطَّلاقَ“، كَما قالَ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦]، مَعْناهُ: إذا أرَدْتُمُ القِيامَ إلى الصَّلاةِ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأحْصُوا العِدَّةَ﴾، فَطَلاقُ السُّنَّةِ (المُجْتَمَعُ عَلَيْهِ في قَوْلِ مالِكٍ: أنْ يُطْلِّقَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ طاهِرًا، مِن غَيْرِ جِماعٍ، تَطْلِيقَةً واحِدَةً، ثُمَّ يَتْرُكَها، إذا أرادَ المُقامَ عَلى فِراقِها، ثَلاثَ حِيَضٍ، فَإذا طَعَنَتْ في الحَيْضَةِ الثّالِثَةِ فَلا يَمْلِكُ رَجْعَتَها، ولَكِنْ إنْ شاءَ وشاءَتْ أنْ يُجَدِّدا نِكاحًا جَدِيدًا كانَ ذَلِكَ لَهُما، لِأنَّ مَعْنى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾، أيْ: بَعْدَ الطَّلاقِ الواحِدِ، فَإذا طَلَّقَها ثَلاثًا في وقْتٍ واحِدٍ، فَلا مَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾، وإنَّما تَفْسِيرُهُ الرَّجْعَةُ، أعْنِي إذا وقَعَ الثَّلاثُ في وقْتٍ واحِدٍ، وهَذا قَوْلُ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وقالَ أهْلُ العِراقِ: إنْ طَلَّقَها طاهِرًا مِن غَيْرِ جِماعٍ، ثُمَّ أوْقَعَ عِنْدَ كُلِّ حَيْضَةٍ تَطْلِيقَةً، فَهو أيْضًا عِنْدَهم طَلاقُ السُّنَّةِ، وإنْ فَعَلَ ما قالَ مالِكٌ فَهو عِنْدُهم سُنَّةٌ أيْضًا، وقالَ الشّافِعِيُّ: إذا طَلَّقَها طاهِرًا مِن غَيْرِ جِماعٍ، فَهو مُطَلِّقٌ لِلسُّنَّةِ أيْضًا، طَلَّقَ واحِدَةً أوْ ثَلاثًا، وهَذا يَسْقُطُ مَعَهُ، إذا كانَ ثَلاثًا، (p-١٨٤)قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾، وقَدْ جاءَ التَّشْدِيدُ فِيمَن تَعَدّى طَلاقَ السُّنَّةِ، فَقالَ: ﴿ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [الطلاق: ٢]، وقالَ: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، يَعْنِي بِحُدُودِ اللَّهِ حُدُودَ طَلاقِ السُّنَّةِ، وما ذُكِرَ مَعَ الطَّلاقِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَخْرُجْنَ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، ويُقْرَأُ: ”مُبَيَّنَةٍ“، فَجَعَلَ لِلْمُطَلَّقاتِ السُّكْنى، وقِيلَ: إنَّ خُرُوجَهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ فاحِشَةٌ، وقِيلَ: ”اَلْفاحِشَةُ المُبَيِّنَةُ“: اَلزِّنا، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ: ﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، يَعْنِي الزِّنا، وقِيلَ أيْضًا: ﴿إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، زِنًا، أوْ سَرْقٍ، أوْ شُرْبِ خَمْرٍ، وقِيلَ: كُلُّ ما يَجِبُ فِيهِ الحَدُّ فَهو فاحِشَةٌ.

الطلاق 65:2

قَوْلُهُ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾، مَعْناهُ: يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا مِنَ الحَرامِ إلى الحَلالِ، وقِيلَ أيْضًا: مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ، ”وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ“، مَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ إذا اتَّقى اللَّهَ، وآثَرَ الحَلالَ والصَّبْرَ عَلى أهْلِهِ، إنْ كانَ ذا ضِيقَةٍ، فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ورَزَقَهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ إذا اتَّقى اللَّهَ في طَلاقِهِ، وآثَرَ ما عِنْدَ اللَّهِ، وجَرى في ذَلِكَ عَلى السُّنَّةِ، رَزَقَهُ اللَّهُ أهْلًا بَدَلَ أهْلِهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾، وتُقْرَأُ: ”بالِغٌ أمْرَهُ“، أيْ: إنَّ اللَّهَ بالِغٌ ما يُرِيدُ، وقُرِئَتْ: ”إنَّ اللَّهَ بالِغٌ أمْرُهُ“، عَلى رَفْعِ الأمْرِ بِـ ”بالِغٌ“، أيْ: إنَّ اللَّهَ يَبْلُغُ أمْرُهُ ويُنَفَّذُ. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ و”قَدَرًا“، أيْ: مِيقاتًا، وأجَلًا.

الطلاق 65:3

قَوْلُهُ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾، مَعْناهُ: يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا مِنَ الحَرامِ إلى الحَلالِ، وقِيلَ أيْضًا: مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ، ”وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ“، مَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ إذا اتَّقى اللَّهَ، وآثَرَ الحَلالَ والصَّبْرَ عَلى أهْلِهِ، إنْ كانَ ذا ضِيقَةٍ، فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ورَزَقَهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ إذا اتَّقى اللَّهَ في طَلاقِهِ، وآثَرَ ما عِنْدَ اللَّهِ، وجَرى في ذَلِكَ عَلى السُّنَّةِ، رَزَقَهُ اللَّهُ أهْلًا بَدَلَ أهْلِهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾، وتُقْرَأُ: ”بالِغٌ أمْرَهُ“، أيْ: إنَّ اللَّهَ بالِغٌ ما يُرِيدُ، وقُرِئَتْ: ”إنَّ اللَّهَ بالِغٌ أمْرُهُ“، عَلى رَفْعِ الأمْرِ بِـ ”بالِغٌ“، أيْ: إنَّ اللَّهَ يَبْلُغُ أمْرُهُ ويُنَفَّذُ. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ و”قَدَرًا“، أيْ: مِيقاتًا، وأجَلًا.

الطلاق 65:4

وَقَوْلُهُ: ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾، (p-١٨٥)قِيلَ في بَعْضِ التَّفْسِيرِ: إنَّهم سَألُوا فَقالُوا: قَدْ عَرَفْنا عِدَّةَ الَّتِي تَحِيضُ، فَما عِدَّةُ الَّتِي لا تَحِيضُ، والَّتِي لَمْ تَحِضْ؟ فَقِيلَ: إنِ ارْتَبْتُمْ، أيْ: إذا ارْتَبْتُمْ، فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، والَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ مالِكٌ، واللُّغَةُ تَدُلُّ عَلَيْهِ، أنَّ مَعْناهُ: ”إنِ ارْتَبْتُمْ في حَيْضِها، وقَدِ انْقَطَعَ عَنْها الحَيْضُ، وكانَتْ مِمَّنْ يَحِيضُ مِثْلُها، فَعِدَّتُها ثَلاثَةُ أشْهُرٍ“، وذَلِكَ بَعْدَ أنْ تُتْرَكَ تِسْعَةَ أشْهُرٍ بِمِقْدارِ الحَمْلِ، ثُمَّ تَعْتَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ، فَإنْ حاضَتْ في هَذِهِ الثَّلاثَةِ الأشْهُرِ تَمَّتْ ثَلاثَ حِيَضٍ، وجائِزٌ أنْ يَتَأخَّرَ هَذا الحَيْضُ، فَيَكُونَ كُلَّما قارَبَتْ أنْ تَخْرُجَ مِنَ الثَّلاثَةِ حاضَتْ، فَهَذا مَذْهَبُ مالِكٍ، وهو الَّذِي يُرْوى عَنْ عُمَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وقالَ أهْلُ العِراقِ: تُتْرَكُ ولَوْ بَلَغَتْ في ذَلِكَ أكْثَرَ مِن ثَلاثِينَ سَنَةً، ولَوْ بَلَغَتْ إلى السَّبْعِينَ، يَعْنُونَ حَتّى تَبْلُغَ مَبْلَغَ مَن لا تَحِيضُ، وقالُوا: ولَوْ شاءَ اللَّهُ لابْتَلاها بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿واللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾، مَعْناهُ عِنْدَ مالِكٍ مَعْناهُ: إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، واليائِسَةُ عِنْدَ مالِكٍ وغَيْرِهِ بِإجْماعٍ الَّتِي قَدْ يَئِسَتْ مِنَ المَحِيضِ، فَلا ارْتِيابَ في أمْرِها أنَّها لا تَحِيضُ، تَعْتَدُّ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ، ولَمْ يَأْتِ في القُرْآنِ النَّصُّ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنْ في القُرْآنِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وأنا أُبَيِّنُهُ، إنْ شاءَ اللَّهُ، فَأمّا الصَّغِيرَةُ الَّتِي لا يُوطَأُ مِثْلُها فَإنْ دَخَلَ بِها ووَطِئَها مَكانَهُ فَإنَّما عَقَرَها، ولا عِدَّةَ عِنْدَ مالِكٍ عَلَيْها، إلّا أنْ يَكُونَ مِثْلُها يَسْتَقِيمُ أنْ يُوطَأ، وإنَّما هي عِنْدَهُ في عِدادِ مَن لَمْ يُدْخَلْ بِها، والَّذِي في القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اليائِسَةَ الَّتِي لا يُرْتابُ فِيها يَجِبُ أنْ تَعْتَدَّ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ، لِقَوْلِهِ: ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾، فَمَعْناهُ: واللّائِي لا يَحِضْنَ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، فَقِياسُ ”اَللّائِي لا يَحِضْنَ“، قِياسُ ”اَللّائِي لَمْ يَحِضْنَ“، (p-١٨٦)فَلَمْ يَحْتَجْ إلى ذِكْرِ ذَلِكَ، وإذا كانَ عِدَّةُ المُرْتابِ بِها ثَلاثَةَ أشْهُرٍ، فالَّتِي لا يُرْتابُ بِها أوْلى بِذَلِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، مَعْناهُ: أجَلُهُنَّ في الِانْقِطاعِ فِيما بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ الأزْواجِ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ.

الطلاق 65:6

وَقَوْلُهُ: ﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكُمْ﴾، ويُقْرَأُ: ”مِن وِجْدِكُمْ“، يُقالُ: ”وَجَدْتُ في المالِ وُجْدًا“، أيْ: صِرْتُ ذا مالٍ، و”وِجْدًا“، و”جِدَةً“، و”وَجَدْتُ الضّالَّةَ، وِجْدانًا“، و”وَجَدْتُ عَلى فُلانٍ وجْدًا“، و”وَجَدْتُ عَلَيْهِ مَوْجِدَةً“، فَأوْجَبَ اللَّهُ تَعالى السُّكْنى حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ، والسُّكْنى والنَّفَقَةُ (عَلى الزَّوْجِ، إذا طَلَّقَ طَلاقَ السُّنَّةِ، إلى أنْ تَأْتِيَ ثَلاثُ حِيَضٍ، فَإذا أبَتِ الطَّلاقَ قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، فَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ والسُّكْنى، في قَوْلِ أهْلِ العِراقِ، وعَلَيْهِ السُّكْنى في مَذْهَبِ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، فَأمّا الحامِلُ فَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ لَها، وذا في القُرْآنِ نُصَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ . وَقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، أيْ: فَأعْطُوهُنَّ أُجْرَةَ رِضاعِهِنَّ، ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾، قِيلَ في التَّفْسِيرِ: إنَّهُ الكِسْوَةُ والدِّثارُ، و”اَلْمَعْرُوفُ“ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ألّا يُقَصِّرَ الرَّجُلُ في نَفَقَةِ المُرْضِعِ الَّتِي تُرْضِعُ ولَدَهُ، إذا كانَتْ هي والِدَتَهُ، لِأنَّ الوالِدَةَ أرْأفُ بِوَلَدِها مِن غَيْرِها بِهِ، فَلا تُقَصِّرُ في رِضاعِهِ، والقِيامِ بِشَأْنِهِ، فَحَقُّ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما أنْ يَأْتَمِرَ في الوَلَدِ بِمَعْرُوفٍ، ﴿وَإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾، (p-١٨٧)مَعْناهُ: فَلْيُرْضِعِ الوالِدُ غَيْرَ والِدَةِ الصَّبِيِّ، وهَذا خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ، لِأنَّ لَفْظَ ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾، لَفْظُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ: فَلْيُرْضِعْ، ومِثْلُهُ في لَفْظِ الخَبَرِ ومَعْنى الأمْرِ قَوْلُهُ: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، مَعْناهُ: ولْيُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ.

الطلاق 65:7

قَوْلُهُ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ﴾، أمَرَ أهْلَ التَّوْسِعَةِ أنْ يُوَسِّعُوا عَلى نِسائِهِمُ المُرْضِعاتِ أوْلادَهُنَّ عَلى قَدْرِ سَعَتِهِنَّ، ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ﴾، أيْ: مَن كانَ رِزْقُهُ بِمِقْدارِ القُوتِ فَلْيُنْفِقْ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ، كَما قالَ: ﴿عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا ما آتاها﴾، أيْ: إلّا ما أعْطاها. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾، أعْلَمَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنَّهم وإنْ كانُوا في حالٍ ضَيِّقَةٍ، وقِيلَ: كانَ الغالِبُ عَلى أكْثَرِهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الفَقْرُ، والفاقَةُ، فَأعْلَمَهم - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ سَيُوسِرُ المُسْلِمُونَ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وجَعَلَ يُسْرًا بَعْدَ عُسْرٍ.

الطلاق 65:8

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾، أيْ: عَجَّلْنا لَها العَذابَ، ومَعْناهُ: عَتا أهْلُها فَحاسَبْنا أهْلَها، وعَذَّبْناهم.

الطلاق 65:9

وَقَوْلُهُ: ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾، أيْ: ثِقْلُ عاقِبَةِ أمْرِها، (p-١٨٨)﴿وَكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾، يَعْنِي في الآخِرَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ١٠]، يَعْنِي بَعْدَ ذَلِكَ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ في الدُّنْيا، ثُمَّ وعَظَ اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ في تَصْدِيقِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، واتِّباعِ أمْرِهِ، وأعْلَمَ أنَّهُ قَدْ بَعَثَ رَسُولَهُ لِيُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، فَقالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الطلاق: ١٠]، ومَعْنى ”أُولِي الألْبابِ“: أصْحابَ العُقُولِ، وواحِدُ ”أُولُو الألْبابِ“: ”ذُو لُبٍّ“، أيْ: ذُو عَقْلٍ، ﴿قَدْ أنْـزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ [الطلاق: ١٠] ﴿رَسُولا يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ﴾ [الطلاق: ١١]، ”رَسُولًا“، مَنصُوبٌ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ، أجْوَدُها أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أنْـزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ [الطلاق: ١٠]، دَلِيلًا عَلى إضْمارِ ”أرْسَلَ رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَعْنِي بِقَوْلِهِ ”رَسُولًا“، اَلنَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ويَكُونَ ”رَسُولًا“، مَنصُوبًا بِقَوْلِهِ: ”ذِكْرًا“، يَكُونَ المَعْنى: ”قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا رَسُولًا ذا ذِكْرٍ، رَسُولًا يَتْلُو“، ويَكُونَ ”رَسُولًا“، بَدَلًا مِن ”ذِكْرًا“، ويَكُونَ يُعْنى بِهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ويَكُونَ دَلِيلُ هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ - يَعْنِي بِهِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٤]، ومَعْنى: ﴿مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [الطلاق: ١١]، مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ، إلى نُورِ الإيمانِ، لِأنَّ أدِلَّةَ الكُفْرِ مَظْلِمَةٌ غَيْرُ بَيِّنَةٍ، وأدِلَّةَ الإسْلامِ واضِحَةٌ بَيِّنَةٌ، قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١]، أيْ: رَزَقَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ الَّتِي لا يَنْقَطِعُ نَعِيمُها، ولا يَزُولُ، ثُمَّ ذَكَرَ - جَلَّ وعَزَّ - ما يَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ، فَقالَ: (p-١٨٩)﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَـزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، فَفي كُلِّ سَماءٍ، وكُلِّ أرْضٍ خَلْقٌ مِن خَلْقِهِ، وأمْرٌ نافِذٌ مِن أمْرِهِ.

الطلاق 65:12

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . وَقَوْلُهُ: ﴿وَأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، ”عِلْمًا“، مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ، لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، أيْ: قَدْ عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا، ومِثْلُهُ: ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨]، ثُمَّ قالَ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨]، مُؤَكِّدًا، لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨]، ”صَنَعَ اللَّهُ الجِبالَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ“. (p-١٩٠)

التحريم 66:1

(p-١٩١)سُورَةُ اَلتَّحْرِيمِ مَدَنِيَّةٌ ﷽ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أيْ: وقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ التَّحْرِيمَ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَأجْمَعَتْ عائِشَةُ وحَفْصَةُ عَلى أنْ يَقُولا لَهُ: إنّا نَشُمُّ مِنكَ رِيحَ المَغافِيرِ، و”اَلْمَغافِيرُ“: صَمْغٌ مُتَغَيِّرُ الرّائِحَةِ، وقِيلَ في التَّفْسِيرِ: إنَّهُ بَقْلَةٌ، فَلَمّا صارَ إلى كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما قالَتْ لَهُ: إنِّي أشُمُّ مِنكَ رِيحَ المَغافِيرِ، فَحَرَّمَ النَّبِيُّ - - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى نَفْسِهِ شُرْبَ العَسَلِ، وقِيلَ: إنَّهُ حَلَفَ عَلى ذَلِكَ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ - وهو الأكْثَرُ - أنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - «خَلا في يَوْمٍ لِعائِشَةَ مَعَ جارِيَتِهِ أمِّ إبْراهِيمَ، وكانَ يُقالُ لَها: ”مارِيَةُ القِبْطِيَّةُ“، فَوَقَفَتْ حَفْصَةُ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لا تُعْلِمِي عائِشَةَ ذَلِكَ“، فَقالَتْ لَهُ: لَسْتُ أفْعَلُ، وحَرَّمَ مارِيَةَ عَلى نَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ حَلَفَ مَعَ ذَلِكَ أيْضًا، فَأعْلَمَتْ حَفْصَةُ عائِشَةَ الخَبَرَ، واسْتَكْتَمَتْها إيّاهُ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣]»، يَعْنِي حَفْصَةَ، مَوْضِعُ ”إذْ“: نَصْبٌ، كَأنَّهُ قالَ: ”واذْكُرْ إذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا“، يَعْنِي حَفْصَةَ، ﴿فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ﴾ [التحريم: ٣]، أيْ: فَلَمّا خَبَّرَتْ بِهِ عائِشَةَ. (p-١٩٢)﴿وَأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم: ٣]، وقُرِئَتْ: ”عَرَفَ بَعْضَهُ“، بِتَخْفِيفِ الرّاءِ، وأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ التَّحْرِيمَ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ لا يَحْرُمُ، فَقالَ لِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ﴾، فَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ أنْ يُحَرِّمَ إلّا ما حَرَّمَ اللَّهُ، فَعَلى هَذَيْنِ التَّفْسِيرَيْنِ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يُحَرِّمَ ما أحَلَّ اللَّهُ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، يَعْنِي الكَفّارَةَ، لِأنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ التَّحْرِيمِ حَلَفَ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الكَفّارَةَ كَفّارَةُ التَّحْرِيمِ، فَأمّا ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ [التحريم: ٣]، فَتَأْوِيلُهُ أنَّهُ عَرَّفَ بَعْضَهُ حَفْصَةَ، ﴿وَأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم: ٣]، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ لَمّا حَرَّمَ مارِيَةَ أخْبَرَ حَفْصَةَ أنَّهُ يَمْلِكُ مِن بَعْدِهِ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، فَعَرَّفَها بَعْضَ ما أفْشَتْ مِنَ الخَبَرِ، وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ عَرَّفَ كُلَّ ما كانَ أسَرَّهُ، والإعْراضُ لا يَكُونُ إلّا عَمّا يُعْرَفُ، وتَأْوِيلُ هَذا في اللُّغَةِ حَسَنٌ بَيِّنٌ، مَعْنى ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ [التحريم: ٣]، جازى عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ لِمَن تَتَوَعَّدُهُ: ”قَدْ عَلِمْتُ ما عَمِلْتَ، وقَدْ عَرَفْتُ ما صَنَعْتَ“، وتَأْوِيلُهُ: ”فَسَأُجازِيكَ عَلَيْهِ“، لا أنَّكَ تَقْصِدُ إلى أنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ فَقَطْ، ومِثْلُهُ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧]، فَتَأْوِيلُهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ويُجازِي عَلَيْهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ كُلَّ ما يُفْعَلُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣]، واللَّهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِ الخَلْقِ أجْمَعِينَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، لَيْسَ الفائِدَةُ أنَّهُ يَرى ما عَمِلَ، إنَّما يَرى جَزاءَ ما عَمِلَ، فَقِيلَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَلَّقَ حَفْصَةَ تَطْلِيقَةً واحِدَةً، فَكانَ ذَلِكَ جَزاءَها عِنْدَهُ، (p-١٩٣)فَذَلِكَ تَأْوِيلُ ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم: ٣]، أيْ: جازى عَلى بَعْضِ الحَدِيثِ، وكانَتْ حَفْصَةُ، صَوّامَةً، قَوّامَةً، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يُراجِعَها، فَراجَعَها.

التحريم 66:4

وَقَوْلُهُ: ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾، يَعْنِي بِهِ عائِشَةَ، وحَفْصَةَ، ومَعْنى ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ عَدَلَتْ قُلُوبُكُما، وزاغَتْ عَنِ الصِّدْقِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ﴾، أيْ: تَتَعاوَنا عَلَيْهِ، فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ، أيْ: هو يَتَوَلّى نُصْرَتَهُ، ﴿وَجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ صالِحَ المُؤْمِنِينَ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وجاءَ أيْضًا في التَّفْسِيرِ أنَّ صالِحَ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ، وقِيلَ: إنَّ صالِحِي المُؤْمِنِينَ خِيارُ المُسْلِمِينَ، و”صالِحُ“، هَهُنا: يَنُوبُ عَنِ الجَمْعِ، كَما تَقُولُ: ”يَفْعَلُ هَذا الخَيِّرُ مِنَ النّاسِ“، تُرِيدُ كُلَّ خَيِّرٍ، ﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾، في مَعْنى ”ظُهَراءُ“، أيْ: والمَلائِكَةُ أيْضًا نُصّارٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ.

التحريم 66:5

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ﴾، وقُرِئَتْ: ”يُبَدِّلَهُ“، بِتَشْدِيدِ الدّالِ، وفَتْحِ الباءِ، و”يُبَدِّلَهُ“، لِلتَّكْثِيرِ، وكِلاهُما جَيِّدٌ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿قانِتاتٍ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ: مُطِيعاتٍ، و”اَلْقُنُوتُ“: اَلْقِيامُ بِما يُقَرِّبُ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ. (p-١٩٤)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سائِحاتٍ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ السّائِحِينَ هُمُ الصّائِمُونَ،» وهو مِمّا في الكُتُبِ الأُولى، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: إنَّما قِيلَ لِلصّائِمِ: ”سائِحٌ“، لِأنَّ الَّذِي يَسِيحُ مُتَعَبِّدٌ، ولا زادَ مَعَهُ، فَحِينَ يَجِدُ الزّادَ يَطْعَمُ، والصّائِمُ كَذَلِكَ يُمْضِي النَّهارَ ولا يَطْعَمُ شَيْئًا، فَلِشَبَهِهِ بِهِ سُمِّيَ ”سائِحًا“.

التحريم 66:6

وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾، مَعْناهُ: خُذُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم بِما يُقَرِّبُ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -، وجَنِّبُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكُمُ المَعاصِيَ، ومَعْنى ﴿قُوا أنْفُسَكُمْ﴾، أيْ: وقُّوا أنْفُسَكُمْ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ: رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قالَ: ”يا أهْلاهُ، صَلاتَكُمْ، صِيامَكُمْ، مِسْكِينَكُمْ، يَتِيمَكُمْ، جِيرانَكُمْ“، مَعْناهُ: اِلْزَمُوا، واحْفَظُوا صَلاتَكُمْ، وهَذِهِ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ، أدُّوا فَرْضَ اللَّهِ فِيها، وفي الحَدِيثِ: «”لَعَلَّ اللَّهَ يَجْمَعُهم مَعَهُ في الجَنَّةِ“». وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها حِجارَةُ الكِبْرِيتِ، و”اَلْوَقُودُ“، بِفَتْحِ الواوِ: ما تُوقَدُ بِهِ النّارُ، مِن حَطَبٍ، وغَيْرِهِ، يُقالُ ”وَقَدْتُ النّارَ، وُقُودًا“، بِضَمِّ الواوِ.

التحريم 66:8

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾، بِفَتْحِ النُّونِ، وتُقْرَأُ: ”نُصُوحًا“، بِضَمِّ النُّونِ، فَمَن فَتَحَ فَعَلى صِفَةِ التَّوْبَةِ، ومَعْناهُ: ”تَوْبَةً بالِغَةً في النُّصْحِ“، و”فَعُولٌ“، مِن أسْماءِ الفاعِلِينَ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ، تَقُولُ: ”رَجُلٌ صَبُورٌ، وشَكُورٌ“، و”تَوْبَةٌ نَصُوحٌ“، ومَن قَرَأ: ”نُصُوحًا“، بِضَمِّ النُّونِ، فَمَعْناهُ: ”يَنْصَحُونَ بِهَذا نُصُوحًا“، يُقالُ: ”نَصَحْتُ لَهُ نُصْحًا، ونِصاحَةً، ونُصُوحًا“. (p-١٩٥)وَجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ التَّوْبَةَ النَّصُوحَ الَّتِي لا يُعاوِدُ التّائِبُ مَعَها المَعْصِيَةَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: اَلَّتِي لا يَنْوِي مَعَها مُعاوَدَةَ المَعْصِيَةِ. وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾، ”يَوْمَ“، مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويُدْخِلَكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾، أيْ: في هَذا اليَوْمِ، والقِراءَةُ النَّصْبُ في قَوْلِهِ: ﴿وَيُدْخِلَكُمْ﴾، عَطْفٌ عَلى ﴿أنْ يُكَفِّرَ﴾، ولَوْ قُرِئَتْ بِالجَزْمِ لَكانَ وجْهًا، يَكُونُ مَحْمُولًا عَلى مَوْضِعِ ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾، لِأنَّ ”عَسى“، مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه: ٨٢] وقَوْلُهُ: ﴿نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾، أيْ: إذا رَأى المُؤْمِنُونَ نُورَ المُنافِقِينَ يُطْفَأُ، سَألُوا اللَّهَ أنْ يُتَمِّمَ لَهم نُورَهم.

التحريم 66:10

وَقَوْلُهُ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأتَ نُوحٍ وامْرَأتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الأنْبِياءَ لا يُغْنُونَ عَمَّنْ عَمِلَ بِالمَعاصِي شَيْئًا، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ خِيانَتَهُما لَمْ تَكُنْ في بِغاءٍ، لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَبْتَلِيهِمُ اللَّهُ في نِسائِهِمْ بِفَسادٍ، وقِيلَ: إنَّ خِيانَةَ امْرَأةِ لُوطٍ أنَّها كانَتْ تَدُلُّ عَلى الضَّيْفِ، وخِيانَةَ امْرَأةِ نُوحٍ أنَّها كانَتْ تَقُولُ: إنَّهُ مَجْنُونٌ ﷺ وعَلى أنْبِيائِهِ أجْمَعِينَ -، فَأمّا مَن زَعَمَ غَيْرَ ذَلِكَ فَمُخْطِئٌ، لِأنَّ بَعْضَ مَن تَأوَّلَ قَوْلَهُ: ﴿يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]، (p-١٩٦)ذَهَبَ إلى جِنْسٍ مِنَ الفَسادِ، والقِراءَةُ في هَذا: ”عَمِلَ غَيْرَ صالِحٍ“، و﴿عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]، وهُما يَرْجِعانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ، وذَلِكَ أنَّ تَأْوِيلَ ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]، إنَّهُ ذُو عَمَلٍ غَيْرِ صالِحٍ، وكُلُّ مَن كَفَرَ فَقَدِ انْقَطَعَ نَسَبُهُ مِن أهِلِهِ المُؤْمِنِينَ، لا يَرِثُهُمْ، ولا يَرِثُونَهُ.

التحريم 66:11

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ فِرْعَوْنَ وتَدَ لَها أرْبَعَةَ أوْتادٍ، وشَدَّ بَدَنَها ورِجْلَيْها، وجَعَلَ عَلى صَدْرِها رَحًى، وجَعَلَها في الشَّمْسِ، وأنَّ اللَّهَ فَرَّجَ لَها، فَرَأتْ بَيْتَها في الجَنَّةِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ المَلائِكَةَ كانَتْ تُظِلُّها بِأجْنِحَتِها مِنَ الشَّمْسِ.

التحريم 66:12

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ﴾، وقُرِئَتْ: ”وَكِتابِهِ“، ﴿أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ يُعْنى بِهِ فَرْجُ ثَوْبِها، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْعَفِيفِ: ”هُوَ نَقِيُّ الثَّوْبِ“، و”هُوَ طَيِّبُ الحُجْزَةِ“، تُرِيدُ أنَّهُ عَفِيفٌ، وأنْشَدُوا بَيْتَ النّابِغَةِ الذُّبْيانِيِّ: ؎رِقاقُ النِّعالِ طَيِّبٌ حُجُزاتُهم ∗∗∗ يُحَيُّونَ بِالرَّيْحانِ يَوْمَ السَّباسِبِ فَسَّرُوا ”طَيِّبٌ حُجُزاتُهُمْ“، أنَّهم أعِفّاءُ، وكَذَلِكَ ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾، أيْ: في فَرْجِ ثَوْبِها.

الملك 67:1

(p-١٩٧)سُورَةُ اَلْمُلْكِ مَكِّيَّةٌ ﷽ جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها تُسَمّى ”اَلْمُنْجِيَةَ“، تُنْجِي قارِئَها مِن عَذابِ القَبْرِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ في التَّوْراةِ: ”سُورَةُ“اَلْمُلْكِ”مَن قَرَأها في لَيْلَةٍ فَقَدْ أكْثَرَ“. وَقَوْلُهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾، مَعْناهُ: تَعالى وتَعاظَمَ.

الملك 67:2

قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾، اَلْمُتَعَلِّقُ بِـ ”أيُّكم“، اَلْمُضْمَرُ، والمَعْنى: ”لِيَبْلُوَكُمْ، فَيَعْلَمَ أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا“، عِلْمَ ما وقَعَ، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ عَلِمَ ما يَكُونُ مِنهُمْ، إلّا أنَّ الجَزاءَ يَجِبُ بِوُقُوعِ العَمَلِ مِنهُمْ، وارْتَفَعَتْ ”أيُّ“، بِالِابْتِداءِ، ولا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها، لِأنَّها عَلى أصْلِ الِاسْتِفْهامِ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ [الكهف: ١٢]، وهَذا عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ في تَقْدِيرِ التَّسْمِيَةِ، مَعْناهُ مَعْنى الألِفِ و”أمْ“، إذا قُلْتَ: ”قَدْ عَلِمْتُ أيُّكم أفْضَلُ“، فالمَعْنى قَدْ عَلِمْتُ أزْيَدٌ أفْضَلُ أمْ عَمْرٌو”، فَـ“عَلِمْتُ”، لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَ الألِفِ، وكَذَلِكَ لا يَعْمَلُ في“أيُّ"، والمَعْنى واحِدٌ، ومَعْنى ﴿خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾، خَلَقَ لَكُمُ الحَياةَ لِيَخْتَبِرَكم فِيها، وخَلَقَ المَوْتِ لِيَبْعَثَكم ويُجازِيَكم بِأعْمالِكُمْ، وجاءَ في تَفْسِيرِ الكَلْبِيِّ: خَلَقَ المَوْتَ في صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ، لا يَمُرُّ بِشَيْءٍ (p-١٩٨)إلّا ماتَ، ولا يَطَأُ عَلى شَيْءٍ إلّا ماتَ، ولا يَجِدُ رائِحَتَهُ شَيْءٌ إلّا ماتَ، وخَلَقَ الحَياةَ في صُورَةِ فَرَسٍ بِلْقاءَ فَوْقَ الحِمارِ، ودُونَ البَغْلِ، لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ إلّا أحْيَتْهُ، ولا تَطَأُ عَلى شَيْءٍ إلّا أحْيَتْهُ، ولا يَجِدُ رِيحَها شَيْءٌ إلّا حَيِيَ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ.

الملك 67:3

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾، ويُقْرَأُ: ”فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوُّتٍ“، بِغَيْرِ ألِفٍ، ويَجُوزُ في ﴿تَفاوُتٍ﴾، ”تَفاؤُتٍ“، ”مَهْمُوزٌ“، تُبْدَلُ الهَمْزَةُ مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ، ويُقالُ: ”تَفاوَتَ الشَّيْءُ تَفاوُتًا“، و”تَفَوَّتَ تَفَوُّتًا“، إذا اخْتَلَفَ، فالمَعْنى: ”ما تَرى في خَلْقِهِ السَّماءَ اخْتِلافًا، ولا اضْطِرابًا“، ومَعْنى ”طِباقًا“، مُطْبِقٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، ”طِباقٌ“، مَصْدَرُ ”طُوبِقَتْ طِباقًا“. وَقَوْلُهُ: ﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾، أيْ: هَلْ تَرى فِيها فُرُوجًا، أوْ صُدُوعًا؟

الملك 67:4

﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ ”خاسِئًا“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، ومَعْناهُ: ”صاغِرًا“، ”وَهُوَ حَسِيرٌ“: قَدْ أعْيى مِن قَبْلِ أنْ يَرى في السَّماءِ خَلَلًا.

الملك 67:5

قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا﴾، (p-١٩٩)مَعْناهُ: اَلَّتِي تَدْنُو مِنكُمْ، مِن سَبْعِ السَّماواتِ. وَقَوْلُهُ: ﴿بِمَصابِيحَ﴾، يَعْنِي الكَواكِبَ.

الملك 67:6

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ”عَذابُ جَهَنَّمَ“، بِالنَّصْبِ، والرَّفْعِ، والنَّصْبُ يَكُونُ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ”وَأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابَ جَهَنَّمَ“، أيْ: ”وَأعْتَدْنا لِلَّذِينِ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابَ جَهَنَّمَ“.

الملك 67:7

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا﴾، وهو أقْبَحُ الأصْواتِ، وهو كَصَوْتِ الحِمارِ.

الملك 67:8

وَقَوْلُهُ: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾، مَعْناهُ: تَكادُ يَنْقَطِعُ مِن غَيْظِها عَلَيْهِمْ. وَقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٩]، هَذا التَّوْبِيخُ زِيادَةٌ لَهم في العَذابِ، ثُمَّ اعْتَرَفُوا بِجَهْلِهِمْ فَقالُوا: ﴿لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]، أيْ: لَوْ كُنّا سَمِعْنا سَمْعَ مَن يَعِي، ويُفَكِّرُ، ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ، أوْ يَعْقِلُ عَقْلَ مَن يُمَيِّزُ، ويَنْظُرُ، ما كُنّا في أهْلِ النّارِ.

الملك 67:11

﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا﴾، ويُرْوى: ”فَسُحُقًا“، بِضَمِّ الحاءِ، ”سُحْقًا“، مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، المَعْنى: ”أسْحَقَهُمُ اللَّهُ سُحْقًا“، أيْ: باعَدَهُمُ اللَّهُ مِن رَحْمَتِهِ مُباعَدَةً، و”اَلسَّحِيقُ“: اَلْبَعِيدُ.

الملك 67:15

وَقَوْلُهُ: ﴿فامْشُوا في مَناكِبِها﴾، مَعْناهُ: ”فِي جِبالِها“، وقِيلَ: ”فِي جَوانِبِها“، وقِيلَ: ”فِي طُرُقِها“، وأشْبَهُ التَّفْسِيرِ - واللَّهُ أعْلَمُ - تَفْسِيرُ مَن قالَ: ”فِي جِبالِها“، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا﴾، مَعْناهُ: ”سَهَّلَ لَكُمُ السُّلُوكَ فِيها“، فَإذا أمْكَنَكُمُ السُّلُوكُ في جِبالِها فَهو أبْلَغُ في التَّذْلِيلِ. (p-٢٠٠)قَوْلُهُ: ﴿وَإلَيْهِ النُّشُورُ﴾، مَعْناهُ: ”إنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ لا تَفاوُتَ فِيها، وخَلَقَ الأرْضَ وذَلَّلَها لَكُمْ، قادِرٌ عَلى أنْ يُنْشِرَكُمْ، أيْ:“يَبْعَثَكُمْ".

الملك 67:16

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي تَمُورُ﴾، مَعْنى ”تَمُورُ“: تَدُورُ.

الملك 67:17

وَقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾، أيْ: كَما أرْسَلَ عَلى قَوْمِ لُوطٍ الحِجارَةَ الَّتِي حَصَبَتْهم.

الملك 67:19

وَقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾، بَيَّنَ لَهم بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِينَ ما دَلَّهم عَلى تَوْحِيدِهِ، وبَيَّنَ لَهم بِتَسْخِيرِ الطَّيْرِ في جَوِّ السَّماءِ صافّاتٍ أجْنِحَتَهُنَّ، وقابِضاتِها، ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلا الرَّحْمَنُ﴾، بِقُدْرَتِهِ.

الملك 67:22

﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ أهْدى أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ المُؤْمِنَ سالِكٌ الطَّرِيقَةَ المُسْتَقِيمَةَ، وأنَّ الكافِرَ في ضَلالَتِهِ بِمَنزِلَةِ الَّذِي يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الكافِرَ يَمْشِي عَلى وجْهِهِ في الآخِرَةِ، «وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ يَمْشُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ؟ فَقالَ: ”اَلَّذِي أمْشاهم عَلى أرْجُلِهِمْ قادِرٌ عَلى أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ“».

الملك 67:27

وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وقُرِئَتْ: ”سُيْئَتْ“، بِإشْمامِ السِّينِ الضَّمَّ، ويَجُوزُ: ”سِيَتْ“، عَلى طَرْحِ الهَمْزَةِ، وإلْقاءِ الحَرَكَةِ عَلى الياءِ، (p-٢٠١)والمَعْنى: ”فَلَمّا رَأوُا العَذابَ زُلْفَةً، أيْ: قَرِيبًا، سِيَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، تَبَيَّنَ فِيها السُّوءُ، ﴿وَقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾، وقُرِئَتْ:“تَدْعُونَ”، مِن“دَعَوْتُ، أدْعُو”، فَأمّا“ تَدَّعُونَ ”، فَجاءَ في التَّفْسِيرِ:“تُكَذِّبُونَ”، وتَأْوِيلُهُ في اللُّغَةِ:“هَذا الَّذِي كُنْتُمْ مِن أجْلِهِ تَدَّعُونَ الأباطِيلَ والأكاذِيبَ”، أيْ: تَدَّعُونَ أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم لا تُخْرَجُونَ، ومَن قَرَأ:“تَدْعُونَ”، بِالتَّخْفِيفِ، فالمَعْنى:“هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ وتَدْعُونَ اللَّهَ في قَوْلِكُمْ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ”، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى“ تَدَّعُونَ ”، هَذا أيْضًا،“تَفْتَعِلُونَ”، مِن“اَلدُّعاءُ”، و“تَفْتَعِلُونَ”، مِن“اَلدَّعْوى"، يَجُوزُ ذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ.

الملك 67:30

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾، أيْ: غائِرًا، وهو مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الِاسْمُ، فَتَقُولُ: ”ماءٌ غَوْرٌ“، و”ماءانِ غَوْرٌ“، و”مِياهٌ غَوْرٌ“، كَما تَقُولُ: ”هَذا عَدْلٌ“، و”هَذانِ عَدْلٌ“، و”هَؤُلاءِ عَدْلٌ“، ومَعْنى ”مَعِينٌ“: جارٍ مِنَ العُيُونِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ: ظاهِرٌ، والمَعْنى أنَّهُ يَظْهَرُ مِنَ العُيُونِ. (p-٢٠٢)

القلم 68:1

(p-٢٠٣)سُورَةُ ن مَكِّيَّةٌ ﷽ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾، قُرِئَتْ بِإدْغامِ النُّونِ في الواوِ، وقُرِئَتْ بِتَبْيِينِ النُّونِ عِنْدَ الواوِ، وقُرِئَتْ: ”نُونَ والقَلَمِ“، بِفَتْحِ النُّونِ، والَّذِي اخْتارَ إدْغامَ النُّونِ في الواوِ، كانَتِ الواوُ ساكِنَةً أوْ مُتَحَرِّكَةً، لِأنَّ الَّذِي جاءَ في التَّفْسِيرِ يُباعِدُها مِنَ الإسْكانِ والتَّبْيِينِ، لِأنَّ مَن أسْكَنَها وبَيَّنَها فَإنَّما يَجْعَلُها حَرْفَ هِجاءٍ، والَّذِي يُدْغِمُها فَجائِزٌ أنْ يُدْغِمَها وهي مَفْتُوحَةٌ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ ”نُونْ“، اَلْحُوتُ الَّتِي دُحِيَتْ عَلَيْها سَبْعُ الأرْضِينَ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أيْضًا أنَّ النُّونَ الدَّواةُ، ولَمْ يَجِئْ في التَّفْسِيرِ كَما فَسَّرْتُ حُرُوفَ الهِجاءِ، والإسْكانُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ إلّا حَرْفُ هِجاءٍ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ أوَّلَ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ، فَقالَ لَهُ: (اُكْتُبْ)، فَقالَ: ”أيْ رَبِّ، وما أكْتُبُ؟“، قالَ: (اَلْقَدْرَ)، فَجَرى القَلَمُ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وجَرى فِيما جَرى بِهِ القَلَمُ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] وقَوْلُهُ: ﴿وَما يَسْطُرُونَ﴾، مَعْناهُ: ”وَما تَكْتُبُ المَلائِكَةُ“.

القلم 68:2

وَقَوْلُهُ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾، (p-٢٠٤)هَذِهِ مَسْألَةٌ مِن أبْوابِ النَّحْوِ، تَحْتاجُ إلى تَبْيِينٍ، قَوْلُهُ: ”أنْتَ“، هو اسْمُ ”ما“، و”بِمَجْنُونٍ“، اَلْخَبَرُ، و”بِنِعْمَةِ رَبِّكَ“، مَوْصُولٌ بِمَعْنى النَّفْيِ، المَعْنى: ”اِنْتَفى عَنْكَ الجُنُونُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ“، كَما تَقُولُ: ”أنْتَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ فَهِمٌ“، و”ما أنْتَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ جاهِلٌ“، وتَأْوِيلُهُ: ”فارَقَكَ الجَهْلُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ“، وهَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿وَقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُـزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]

القلم 68:3

قَوْلُهُ: ﴿وَإنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾، أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ: ”غَيْرَ مَحْسُوبٍ“.

القلم 68:4

﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، قِيلَ: عَلى الإسْلامِ، وقِيلَ: عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”أنْتَ عَلى الخُلُقِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ“.

القلم 68:5

قَوْلُهُ: ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦]، مَعْنى ”اَلْمَفْتُونُ“: اَلَّذِي قَدْ فُتِنَ بِالجُنُونِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنى الباءِ الطَّرْحُ، المَعْنى: ”أيُّكُمُ المَفْتُونُ“، قالَ: ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجِ (p-٢٠٥)قالَ: مَعْناهُ: ”نَرْجُو الفَرَجَ“، ولَيْسَ كَذَلِكَ، المَعْنى: ”نَرْجُو كَشْفَ ما فِيهِ نَحْنُ بِالفَرَجِ“، أوْ ”نَرْجُو النَّصْرَ بِالفَرَجِ“، والباءُ في ”بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ“، لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لَغْوًا، ولَيْسَ هَذا جائِزًا في العَرَبِيَّةِ في قَوْلِ أحَدٍ مِن أهْلِها، وفِيهِ قَوْلانِ لِلنَّحْوِيِّينَ، قالُوا: ”اَلْمَفْتُونُ“، هَهُنا، بِمَعْنى: ”اَلْفُتُونُ“، اَلْمَصادِرُ تَجِيءُ عَلى المَفْعُولِ، تَقُولُ العَرَبُ: ”لَيْسَ لِهَذا مَعْقُولٌ“، أيْ: عَقْلٌ، و”لَيْسَ لَهُ مَعْقُودُ رَأْيٍ“، بِمَعْنى: ”عَقْدُ رَأْيٍ“، وتَقُولُ: ”دَعْهُ إلى مَيْسُورٍ“، بِمَعْنى: إلى يُسْرٍ، فالمَعْنى: ”فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ بِأيِّكُمُ الفُتُونُ“، وفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: ”بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ بِالفِرْقَةِ الَّتِي أنْتَ فِيها، أوْ فِرْقَةِ الكُفّارِ الَّتِي فِيها أبُو جَهْلٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيُّ ومَن أشْبَهَهُمْ، فالمَعْنى عَلى هَذا:“فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ في أيِّ الفَرِيقَيْنِ المَجْنُونُ، أفِي فِرْقَةِ الإسْلامِ، أمْ في فِرْقَةِ الكُفْرِ".

القلم 68:9

وَقَوْلُهُ: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾، أيْ: ”وَدُّوا لَوْ تُصانِعُهم في الدِّينِ فَيُصانِعُونَكَ“.

القلم 68:10

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾، ”فَعِيلٌ“، مِن ”اَلْمَهانَةُ“، وهي القِلَّةُ، ومَعْناهُ هَهُنا: اَلْقِلَّةُ في الرَّأْيِ، والتَّمْيِيزِ.

القلم 68:11

وَقَوْلُهُ: ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾، ”اَلْهَمّازُ“: اَلَّذِي يَغْتابُ النّاسَ.

القلم 68:12

وَقَوْلُهُ: ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾، مَعْناهُ: كانَ يَمْنَعُ أهْلَهُ ووَلَدَهُ ولُحْمَتَهُ مِنَ الإسْلامِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيُّ، وكانَ مُوسِرًا كَثِيرَ المالِ، وكانَ لَهُ عَشَرَةُ بَنِينَ، فَكانَ يَقُولُ لَهُمْ، ولِلُحْمَتِهِ: مَن أسْلَمَ مِنكم مَنَعْتُهُ رِفْدِي. وَقَوْلُهُ: ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾، أيْ: مُتَجاوِزٍ في الظُّلْمِ، و”أثِيمٍ“: أيْ: أثِيمٍ بِرَبِّهِ، أيْ: أثِيمٍ بِاعْتِدائِهِ وذَنْبِهِ.

القلم 68:13

(p-٢٠٦)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ العُتُلَّ هَهُنا: اَلشَّدِيدُ الخُصُومَةِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ الجافِي الخُلُقِ، اللَّئِيمُ الضَّرِيبَةِ، وهو في اللُّغَةِ: اَلْغَلِيظُ الجافِي، و”اَلزَّنِيمُ“، جاءَ في اللُّغَةِ أنَّهُ المُلْزَقُ في القَوْمِ، ولَيْسَ مِنهُمْ، قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ الأنْصارِيُّ: ؎وَأنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ في آلِ هاشِمٍ ∗∗∗ كَما نِيطَ خَلْفَ الرّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ وَقِيلَ: إنَّ الزَّنِيمَ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ، كَما تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها، و”اَلزَّنَمَتانِ“: اَلْمُعَلَّقَتانِ عِنْدَ حُلُوقِ المِعْزى.

القلم 68:14

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾، وقُرِئَتْ عَلى لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى مَعْنى التَّوْبِيخِ، ومَوْضِعُ ”أنْ“، نَصْبٌ عَلى وجْهَيْنِ، عَلى مَعْنى: ”ألِأنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ يَقُولُ إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا...“، فَيَكُونُ ”أنْ“، نَصْبًا، بِمَعْنى: ”قالَ ذَلِكَ لِأنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ“، أيْ: جَعَلَ مُجازاةَ النِّعْمَةِ الَّتِي خُوِّلَها في المالِ والبَنِينَ، الكُفْرَ بِآياتِنا”، وإذا جاءَتْ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ فَهَذا هو القَوْلُ، لا يَصْلُحُ غَيْرُهُ، وقِيلَ في التَّفْسِيرِ:“وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ”، أيْ: لا تُطِعْهُ لِيَسارِهِ، وعَدَدِهِ، و“أساطِيرُ”، مَرْفُوعَةٌ بِإضْمارِ“هِيَ”، اَلْمَعْنى:“إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ هي أساطِيرُ الأوَّلِينَ”، وواحِدُ الأساطِيرِ:“أُسْطُورَةٌ".

القلم 68:16

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾، (p-٢٠٧)مَعْناهُ: سَنَسِمُهُ عَلى أنْفِهِ، و”اَلْخُرْطُومُ“: اَلْأنْفُ، ومَعْنى ”سَنَسِمُهُ“: سَنَجْعَلُ لَهُ في الآخِرَةِ العَلَمَ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ أهْلُ النّارِ، مِنَ اسْوِدادِ وُجُوهِهِمْ، وجائِزٌ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يُفْرِدَهُ بِسِمَةٍ، لِمُبالَغَتِهِ في عَداوَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَيَخَصَّ مِنَ التَّشْوِيهِ بِما يَتَبَيَّنُ بِهِ مِن غَيْرِهِ، كَما كانَتْ عَداوَتُهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَداوَةً يُتَبَيَّنُ بِها مِن غَيْرِهِ.

القلم 68:17

وَقَوْلُهُ: ﴿إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾، و”اَلْجَنَّةُ“: اَلْبُسْتانُ، وهَؤُلاءِ قَوْمٌ بِناحِيَةِ اليَمَنِ، كانَ لَهم أبٌ يَتَصَدَّقُ مِن جَنَّتِهِ عَلى المَساكِينِ، فَجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ كانَ يَأْخُذُ مِنها قُوتَ سَنَتِهِ، ويَتَصَدَّقُ بِالباقِي، وجاءَ أيْضًا أنَّهُ كانَ يَتْرُكُ لِلْمَساكِينِ ما أخْطَأهُ المِنجَلُ، وما كانَ في أسْفَلِ الأكْداسِ، وما أخْطَأهُ القِطافُ مِنَ العِنَبِ، وما خَرَجَ عَنِ البِساطِ الَّذِي يُبْسَطُ تَحْتَ النَّخْلَةِ إذا صُرِمَتْ، فَكانَ يَجْتَمِعُ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ كَثِيرٌ، فَقالَ بَنُوهُ: نَحْنُ جَماعَةٌ، وإنْ فَعَلْنا بِالمَساكِينِ ما كانَ يَفْعَلُ أبُونا ضاقَ عَلَيْنا الأمْرُ، فَحَلَفُوا لَيَصْرِمُنَّها بِسُدْفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٨]، فَحَلَفُوا ولَمْ يَقُولُوا: ”إنْ شاءَ اللَّهُ“، فَلَمّا كانَ الوَقْتُ الَّذِي اتَّعَدُوا فِيهِ بِسُدْفَةٍ غَدَوْا إلى جَنَّتِهِمْ لِيَصْرِمُوها.

القلم 68:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾، أيْ: أرْسَلَ عَلَيْها عَذابًا مِنَ السَّماءِ فاحْتَرَقَتْ كُلُّها.

القلم 68:20

﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾، أيْ: فَأصْبَحَتْ كاللَّيْلِ سَوادًا. ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ٢١] ﴿أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ [القلم: ٢٢]، أيْ: إنْ كُنْتُمْ عازِمِينَ عَلى صِرامِ النَّخْلِ.

القلم 68:23

﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾، أيْ: يُسِرُّونَ الكَلامَ بَيْنَهم بِـ ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤]، و”اَلتَّخافُتُ“: إسْرارُ الكَلامِ.

القلم 68:25

﴿وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾، مِن قَوْلِهِمْ: ”حارَدَتِ السَّنَةُ“، إذا مَنَعَتْ خَيْرَها، وقِيلَ: عَلى غَضَبٍ، فَأمّا ”اَلْحَرْدُ“، اَلَّذِي هو القَصْدُ، فَأنْشَدُوا فِيهِ: ؎أقْبَلَ سَيْلٌ جاءَ مِن أمْرِ اللَّهْ ∗∗∗ يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّةْ (p-٢٠٨)أيْ: يَقْصِدُ قَصْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّةِ، ﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦]

القلم 68:26

﴿فَلَمّا رَأوْها﴾، مُحْتَرِقَةً، ﴿قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾، أيْ: قَدْ ضَلَلْنا طَرِيقَ جَنَّتِنا، أيْ: لَيْسَتْ هَذِهِ، ثُمَّ عَلِمُوا أنَّها عُقُوبَةٌ، فَقالُوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: ٢٧]، أيْ: حُرِمْنا ثَمَرَ جَنَّتِنا بِمَنعِنا المَساكِينَ.

القلم 68:28

﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾، ”أوْسَطُهُمْ“: أعْدَلُهُمْ، مِن قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، أيْ: عَدْلًا، ﴿لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾، قالَ لَهُمْ: اِسْتَثْنُوا في يَمِينِكُمْ، لِأنَّهم أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ، (p-٢٠٩)وَلَمْ يَسْتَثْنُوا، ومَعْنى التَّسْبِيحِ هَهُنا: اَلِاسْتِثْناءُ، وهو أنْ يَقُولَ: ”إنْ شاءَ اللَّهُ“، فَإذا قالَ قائِلٌ: ”اَلتَّسْبِيحُ“: أنْ يَقُولَ: ”سُبْحانَ اللَّهِ“، فالجَوابُ في ذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما عَظَّمْتَ اللَّهَ بِهِ فَهو تَسْبِيحٌ، لِأنَّ التَّسْبِيحَ في اللُّغَةِ - فِيما جاءَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ السُّوءِ، فالِاسْتِثْناءُ تَعْظِيمُ اللَّهِ، والإقْرارُ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَفْعَلَ فِعْلًا إلّا بِمَشِيئَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ -، فالمَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧] إنّا بَلَوْنا أهْلَ مَكَّةَ حِينَ دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «”اَللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرٍ واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ“،» فابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِالجَرَبِ، والهَلاكِ، وذَهابِ الأقْواتِ، كَما بَلا أصْحابَ هَذِهِ الجَنَّةِ بِاحْتِراقِها، وذَهابِ قُوتِهِمْ مِنها.

القلم 68:35

وَقَوْلُهُ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾، هَذِهِ الألِفُ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، ومَجازُها هَهُنا التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيرُ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ بَعْضَ كُفّارِ قُرَيْشٍ قالَ: إنْ كانَ ما يَذْكُرُونَ أنَّ لَهم في الآخِرَةِ حَظًّا، فَإنَّ لَنا في الآخِرَةِ أكْبَرَ مِنهُ، كَما أنّا في الدُّنْيا أفْضَلُ مِنهُمْ، فَوَبَّخَهُمُ اللَّهُ فَقالَ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾، وكَذَلِكَ: ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾، مَعْناهُ: ”عَلى أيِّ أحْوالِ الكُفْرِ تُخَرِّجُونَ حُكْمَكُمْ؟!“.

القلم 68:36

وَقَوْلُهُ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾، هَذِهِ الألِفُ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، ومَجازُها هَهُنا التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيرُ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ بَعْضَ كُفّارِ قُرَيْشٍ قالَ: إنْ كانَ ما يَذْكُرُونَ أنَّ لَهم في الآخِرَةِ حَظًّا، فَإنَّ لَنا في الآخِرَةِ أكْبَرَ مِنهُ، كَما أنّا في الدُّنْيا أفْضَلُ مِنهُمْ، فَوَبَّخَهُمُ اللَّهُ فَقالَ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾، وكَذَلِكَ: ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾، مَعْناهُ: ”عَلى أيِّ أحْوالِ الكُفْرِ تُخَرِّجُونَ حُكْمَكُمْ؟!“.

القلم 68:37

﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾، أيْ: أعِنْدَكم كِتابٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ لَكم لَما تَخَيَّرُونَ؟!

القلم 68:38

﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾، أيْ: أعِنْدَكم كِتابٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ لَكم لَما تَخَيَّرُونَ؟!

القلم 68:39

﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ﴾، مَعْناهُ: مُؤَكَّدَةٌ، ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾، أيْ: حَلِفٌ عَلى ما تَدَّعُونَ في حُكْمِكم.

القلم 68:40

(p-٢١٠)قَوْلُهُ: ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾، و”اَلزَّعِيمُ“: اَلْكَفِيلُ والضّامِنُ، والمَعْنى: ”سَلْهم أيُّهم كَفَلَ بِذَلِكَ؟!“.

القلم 68:41

قَوْلُهُ: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾، أيْ: فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، ومَعْنى ﴿يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾، في اللُّغَةِ: يُكْشَفُ عَنِ الأمْرِ الشَّدِيدِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎قَدْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها فَشُدُّوا ∗∗∗ وجَدَّتِ الحَرْبُ بِكم فَجِدُّوا ؎والقَوْسُ فِيها وتَرٌ عُرُدُ وَجاءَ في التَّفْسِيرِ عَنْ أحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلَ قالَ: ثَنا أبِي، قالَ: ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، يَعْنِي غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - في قَوْلِهِ: ﴿يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ ”عَنِ الأمْرِ الشَّدِيدِ“، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”يَكْشِفُ الرَّحْمَنُ عَنْ ساقِهِ، فَأمّا المُؤْمِنُونَ فَيَخِرُّونَ لَهُ سُجَّدًا، وأمّا المُنافِقُونَ فَتَكُونُ ظُهُورُهم طَبَقًا طَبَقًا، كَأنَّ فِيها السَّفافِيدَ“، فَهَذا ما رَوَيْنا في التَّفْسِيرِ، وما قالَهُ أهْلُ اللُّغَةِ. قالَ أبُو إسْحاقَ: هَذا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿وَيُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ﴿خاشِعَةً أبْصارُهُمْ﴾ [القلم: ٤٣]، يُعْنى بِهِ المُنافِقُونَ. (p-٢١١)وَقَوْلُهُ: ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣]، مَعْناهُ: تَغْشاهم ذِلَّةٌ، ﴿وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣]، يُعْنى بِهِ: في الدُّنْيا.

القلم 68:42

قَوْلُهُ: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾، أيْ: فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، ومَعْنى ﴿يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾، في اللُّغَةِ: يُكْشَفُ عَنِ الأمْرِ الشَّدِيدِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎قَدْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها فَشُدُّوا ∗∗∗ وجَدَّتِ الحَرْبُ بِكم فَجِدُّوا ؎والقَوْسُ فِيها وتَرٌ عُرُدُ وَجاءَ في التَّفْسِيرِ عَنْ أحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلَ قالَ: ثَنا أبِي، قالَ: ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، يَعْنِي غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - في قَوْلِهِ: ﴿يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ ”عَنِ الأمْرِ الشَّدِيدِ“، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”يَكْشِفُ الرَّحْمَنُ عَنْ ساقِهِ، فَأمّا المُؤْمِنُونَ فَيَخِرُّونَ لَهُ سُجَّدًا، وأمّا المُنافِقُونَ فَتَكُونُ ظُهُورُهم طَبَقًا طَبَقًا، كَأنَّ فِيها السَّفافِيدَ“، فَهَذا ما رَوَيْنا في التَّفْسِيرِ، وما قالَهُ أهْلُ اللُّغَةِ. قالَ أبُو إسْحاقَ: هَذا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿وَيُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ﴿خاشِعَةً أبْصارُهُمْ﴾ [القلم: ٤٣]، يُعْنى بِهِ المُنافِقُونَ. (p-٢١١)وَقَوْلُهُ: ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣]، مَعْناهُ: تَغْشاهم ذِلَّةٌ، ﴿وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣]، يُعْنى بِهِ: في الدُّنْيا.

القلم 68:44

وَقَوْلُهُ: ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾، ومِثْلُهُ: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١]، مَعْناهُ: لا تَشْغَلْ قَلْبَكَ بِهِ، كِلْهُ إلَيَّ، فَإنِّي أُجازِيهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الرَّجُلِ: ”ذَرْنِي وإيّاهُ“، ولَيْسَ أنَّهُ مَنَعَهُ بِهِ، ولَكِنَّ تَأْوِيلَهُ: ”كِلْهُ إلَيَّ فَإنِّي أكْفِيكَ أمْرَهُ“.

القلم 68:48

وَقَوْلُهُ: ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾، يَعْنِي يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾، أيْ: مَمْلُوءٌ غَمًّا وكَرْبًا.

القلم 68:49

وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾، والمَعْنى أنَّهُ قَدْ نُبِذَ بِالعَراءِ وهو غَيْرُ مَذْمُومٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ النِّعْمَةَ قَدْ شَمِلَتْهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿فاجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ [القلم: ٥٠]، هَذا تَخْلِيصٌ لَهُ مِنَ الذَّمِّ، و”اَلْعَراءُ“: اَلْمَكانُ الخالِي، قالَ الشّاعِرُ: ؎رَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي

القلم 68:51

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ﴾، وقُرِئَتْ: ”لَيُزْهِقُونَكَ“، بِالهاءِ، ولَكِنَّ هَذِهِ تُخالِفُ المُصْحَفَ، أعْنِي الهاءَ، والقِراءَةُ عَلى ما وافَقَ المُصْحَفَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتاجُ إلى فَصْلِ إبانَةٍ في اللُّغَةِ، فَأمّا ما رُوِيَ في التَّفْسِيرِ (p-٢١٢)فَرُوِيَ أنَّ الرَّجُلَ مِنَ العَرَبِ كانَ إذا أرادَ أنْ يَعْتانَ شَيْئًا، أيْ: يُصِيبَهُ بِالعَيْنِ، تَجَوَّعَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، ثُمَّ يَقُولُ لِلَّذِي يُرِيدُ أنْ يَعْتانَهُ: ”لا أرى كاليَوْمِ إبِلًا أوْ شاءً - أوْ ما أرادَ“، اَلْمَعْنى: ”لَمْ أرَ كَإبِلٍ أراها اليَوْمَ إبِلًا“، فَكانَ يُصِيبُها بِالعَيْنِ بِهَذا القَوْلِ، فَقالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ لَمّا سَمِعُوا مِنهُ الذِّكْرَ كَما كانُوا يَقُولُونَ لِما يُرِيدُونَ أنْ يُصِيبُوهُ بِالعَيْنِ، فَأمّا مَذْهَبُ أهْلِ اللُّغَةِ فالتَّأْوِيلُ عِنْدَهم أنَّهُ مِن شِدَّةِ إبْغاضِهِمْ لَكَ وعُدْوانِهِمْ، يَكادُونَ بِنَظَرِهِمْ، نَظَرَ البَغْضاءِ، أنْ يَضُرُّوكَ، وهَذا مُسْتَعْمَلٌ في الكَلامِ، يَقُولُ القائِلُ: ”نَظَرَ إلَيَّ نَظَرًا يَكادُ يَصْرَعُنِي بِهِ“، و”نَظَرًا يَكادُ يَأْكُلُنِي فِيهِ“، وتَأْوِيلُهُ كُلُّهُ أنَّهُ نَظَرَ إلَيَّ نَظَرًا لَوْ أمْكَنَهُ مَعَهُ أكْلِي، أوْ أنْ يَصْرَعَنِي، لَفَعَلَ، وهَذا بَيِّنٌ واضِحٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الحاقة 69:1

(p-٢١٣)سُورَةُ اَلْحاقَّةِ مَكِّيَّةٌ ﷽ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢]، اَلْأوَّلَةُ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، و”ما“، رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ أيْضًا، و”الحاقَّةُ“، اَلثّانِيَةُ، خَبَرُ ”ما“، والعائِدُ عَلى ”ما“، ”اَلْحاقَّةُ“، اَلثّانِيَةُ، عَلى تَقْدِيرِ: ”ما هِيَ؟“، والمَعْنى تَفْخِيمُ شَأْنِها، واللَّفْظُ لَفْظُ اسْتِفْهامٍ، كَما تَقُولُ: ”زَيْدٌ، ما هُوَ؟“، عَلى تَأْوِيلِ التَّعْظِيمِ لِشَأْنِهِ في مَدْحٍ كانَ، أوْ ذَمٍّ، و”اَلْحاقَّةُ“: اَلسّاعَةُ، والقِيامَةُ، وسُمِّيَتْ ”اَلْحاقَّةَ“، لِأنَّها تَحِقُّ كُلَّ شَيْءٍ يَعْمَلُهُ إنْسانٌ، مِن خَيْرٍ، أوْ شَرٍّ، وكَذَلِكَ ﴿وَما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣]، مَعْناهُ: ”أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما الحاقَّةُ؟“، و”ما“، مَوْضِعُها رَفْعٌ، وإنْ كانَ بَعْدَ ”أدْراكَ“، لِأنَّ ما كانَ في لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيهِ ما قَبْلَهُ، المَعْنى: ”ما أعْلَمَكَ أيُّ شَيْءٍ الحاقَّةُ؟!“.

الحاقة 69:4

ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مَن كَذَّبَ بِالحاقَّةِ، والسّاعَةِ، وأمْرِ البَعْثِ، والقِيامَةِ، وما نَزَلَ بِهِمْ، وعْظًا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾، أيْ: بِالقِيامَةِ.

الحاقة 69:5

﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾، ومَعْنى ﴿بِالطّاغِيَةِ﴾، عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: بِطُغْيانِهِمْ، و”فاعِلَةٌ“، قَدْ يَأْتِي بِمَعْنى المَصادِرِ، نَحْوَ ”عافِيَةٌ“، و”عاقِبَةٌ“، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنى الآيَةِ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهم أُهْلِكُوا بِالرَّجْفَةِ الطّاغِيَةِ، كَما قالَ: (p-٢١٤)﴿وَأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، يُقالُ لِلشَّيْءِ العَظِيمِ: ”عاتٍ“، و”عاتِيَةٌ“، وكَذَلِكَ أُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ، ودَلِيلُ الوَصْفِ بِالطُّغْيانِ في الشَّيْءِ العَظِيمِ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١]، فَوَصَفَ الماءَ بِالطُّغْيانِ لِمُجاوَزَتِهِ القَدْرَ في الكَثْرَةِ، وكَذَلِكَ أُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. وَقَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، أيْ: بِرِيحٍ شَدِيدَةِ البَرْدِ جِدًّا، و”اَلصَّرْصَرُ“: شِدَّةُ البَرْدِ، و”صَرْصَرٌ“: مُتَكَرِّرٌ فِيها البَرْدُ، كَما تَقُولُ: ”قَدْ قَلْقَلْتُ الشَّيْءَ“، و”أقْلَلْتُ الشَّيْءَ“، إذا رَفَعْتَهُ مِن مَكانِهِ، إلّا أنَّ ”قَلْقَلْتُهُ“: رَدَدْتُهُ، أيْ: كَرَّرْتُ رَفْعَهُ، و”أقْلَلْتُهُ“: رَفَعْتُهُ، فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلُ تَكْرِيرٍ، وكَذَلِكَ ”صَرْصَرٌ“، و”صَرٌّ“، و”صَلْصَلٌ“، و”صَلٌّ“، إذا سَمِعْتَ صَوْتَ الصَّرِيرِ غَيْرَ مُكَرِّرٍ، قُلْتَ: ”قَدْ صَرَّ، وصَلَّ“، فَإذا أرَدْتَ أنَّ الصَّوْتَ تَكَرَّرَ، قُلْتَ: ”قَدْ صَلْصَلَ“، و”صَرْصَرَ“.

الحاقة 69:7

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾، مَعْنى ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ﴾، أقامَها عَلَيْهِمْ، كَما شاءَ، ومَعْنى ﴿حُسُومًا﴾، دائِمَةً، وقالُوا: مُتابِعَةً، فَأمّا ما تُوجِبُهُ اللُّغَةُ فَعَلى مَعْنى ”تَحْسِمُهم حُسُومًا“، أيْ: تُذْهِبُهم وتُفْنِيهِمْ. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾، ”أعْجازُ نَخْلٍ“: أُصُولُ نَخْلٍ، وقِيلَ: ”خاوِيَةٍ“ لِلنَّخْلِ، لِأنَّ النَّخْلَ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، يُقالُ: ”هَذا نَخْلٌ حَسَنٌ“، و”هَذِهِ نَخْلٌ حَسَنَةٌ“، فَـ ”خاوِيَةٍ“، عَلى التَّأْنِيثِ، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]

الحاقة 69:9

وَقَوْلُهُ: ﴿وَجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾، (p-٢١٥)وَقُرِئَتْ: ”وَمَن قِبَلَهُ“، فَمَن قالَ: ”وَمَن قِبَلَهُ“، فَمَعْناهُ: وتُبّاعُهُ، ومَن قالَ: ”وَمَن قَبْلَهُ“، فالمَعْنى: ”مَن تَقَدَّمَهُ“، ﴿والمُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ﴾، ”اَلْمُؤْتَفِكاتُ“: اَلَّذِينَ ائْتُفِكُوا بِذُنُوبِهِمْ، أيْ: أُهْلِكُوا بِذُنُوبِهِمُ الَّتِي أعْظَمُها الإفْكُ، وهو الكَذِبُ في أمْرِ اللَّهِ، بِأنَّهم كَفَرُوا، وكَذَّبُوا بِالرُّسُلِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُمْ: ”مُؤْتَفِكُونَ“، وكَذَلِكَ الَّذِينَ ائْتُفِكَتْ بِهِمُ الأرْضُ، أيْ: خُسِفَ بِهِمْ، إنَّما مَعْناهُ: اِنْقَلَبَتْ بِهِمْ، كَما يُقْلَبُ بِهِمُ الكَذّابُ الحَقَّ إلى الباطِلِ، ومَعْنى ﴿بِالخاطِئَةِ﴾، بِالخَطَإ العَظِيمِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ مِن عَظِيمِ آثامِهِمُ الكَذِبَ، قَوْلُهُ: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠]، لِأنَّهم كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ، ﴿أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠]، مَعْنى ﴿رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠]، تَزِيدُ عَلى الأحْداثِ.

الحاقة 69:11

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾، مَعْنى ”طَغى الماءُ“: طَما وارْتَفَعَ، ومَعْنى ”اَلْجارِيَةِ“: أيْ: سَفِينَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - واللَّهُ أعْلَمُ.

الحاقة 69:12

وَقَوْلُهُ: ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً﴾، مَعْناهُ: لِنَجْعَلَ هَذِهِ الفِعْلَةَ لَكم تَذْكِرَةً، أيْ: إغْراقَ قَوْمِ نُوحٍ، ونَجاتَهُ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾، مَعْناهُ: أُذُنٌ تَحْفَظُ ما سَمِعَتْ، وتَعْمَلُ بِهِ، أيْ: لِيَحْفَظَ السّامِعُ ما سَمِعَ، ويَعْمَلَ بِهِ، تَقُولُ لِكُلِّ شَيْءٍ حَفِظْتَهُ في نَفْسِكَ: ”قَدْ وعَيْتُهُ“، يُقالُ: ”قَدْ وعَيْتُ (p-٢١٦)العِلْمَ“، و”وَعَيْتُ“، قُلْتَ وتَقُولُ لِما حَفِظْتَهُ في غَيْرِ نَفْسِكَ: ”أوْعَيْتُهُ“، يُقالُ: ”أوْعَيْتُ المَتاعَ في الوِعاءِ“.

الحاقة 69:13

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾، اَلْقِراءَةُ بِالرَّفْعِ في ﴿نَفْخَةٌ﴾، عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وذَكَرَ الأخْفَشُ: ”نَفْخَةً واحِدَةً“، بِالنَّصْبِ، ولَمْ يَذْكُرْ قُرِئَ بِها أمْ لا، وهي في العَرَبِيَّةِ جائِزَةٌ عَلى أنَّ قَوْلَكَ: ”فِي الصُّورِ“، يَقُومُ مَقامَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، تَقُولُ: ”فِي الصُّورِ نَفْخًا“، فَـ ”فِي الصُّورِ“، عَلى لَفْظِ الجَرِّ، والمَعْنى ”نُفِخَ الصُّورُ نَفْخَةً واحِدَةً“، وهَذا عَلى مَن نَصَبَ ”نَفْخَةً واحِدَةً“، ومَن رَفَعَ فَعَلى مَعْنى: ”نُفِخَ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ في الصُّورِ“، فَأمّا تَذْكِيرُ ”نُفِخَ“، فَلَوْ كانَ ”نُفِخَتْ في الصُّورِ نَفْخَةٌ“، جازَ، لِأنَّهُ تَأْنِيثٌ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، فَتَذْكِيرُهُ جائِزٌ، لِأنَّ ”اَلنَّفْخَةُ“، و”اَلنَّفْخُ“، بِمَعْنًى واحِدٍ، ومِثْلُهُ ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، اَلْمَعْنى مَعْنى الوَعْظِ، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧]

الحاقة 69:16

وَقَوْلُهُ: ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾، يُقالُ لِكُلِّ ما ضَعُفَ جِدًّا: ”قَدْ وهى، فَهو واهٍ“، ويَجُوزُ: ”وِاهِيَةٌ“، بِإمالَةِ الألِفِ والواوِ لِكَسْرِ الهاءِ.

الحاقة 69:17

وَقَوْلُهُ: ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾، اَلْمَعْنى: ”اَلْمَلائِكَةُ عَلى جَوانِبِها“، ورَجا كُلِّ شَيْءٍ: ناحِيَتُهُ، مَقْصُورٌ، والتَّثْنِيَةُ: ”رَجَوانِ“، والجَمْعُ: ”أرْجاءُ“. ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾، يُرْوى: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ، أرْجُلُهم في تُخُومِ الأرْضِ السّابِعَةِ، والعَرْشُ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، وهم مُطْرِقُونَ يُسَبِّحُونَ. (p-٢١٧)﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، يُرْوى: ”إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ، عُرِضَ الخَلْقُ ثَلاثَ عَرْضاتٍ، في الِاثْنَتَيْنِ مِنها الِاحْتِجاجُ والِاعْتِذارُ والتَّوْبِيخُ، وفي الثّالِثَةِ تُنْثَرُ الكُتُبُ، فَيَأْخُذُ الفائِزُ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، والهالِكُ كِتابَهُ بِشِمالِهِ، و﴿هاؤُمُ﴾ [الحاقة: ١٩]، أمْرٌ لِلْجَماعَةِ بِمَنزِلَةِ:“هاكُمْ”، تَقُولُ لِلْواحِدِ:“هاءَ يا رَجُلُ”، ولِلِاثْنَيْنِ:“هاؤُما يا رَجُلانِ”، ولِلثَّلاثَةِ:“هاؤُمُ يا رِجالُ”، ولِلْمَرْأةِ:“هاءِ يا امْرَأةُ”، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ولِلِاثْنَيْنِ:“هاؤُما”، ولِلْجَماعَةِ النِّساءِ:“هاؤُنَّ"، وفي هَذِهِ ثَلاثُ لُغاتٍ، قَدْ ذَكَرْتُها في غَيْرِ كِتابِ القُرْآنِ.

الحاقة 69:20

وَقَوْلُهُ: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾، مَعْناهُ: ”إنِّي أيْقَنْتُ بِأنِّي أُحاسَبُ وأُبْعَثُ“، فَأمّا ”كِتابِيَهْ“، و”حِسابِيَهْ“، فالوَجْهُ أنْ يُوقَفَ عَلى هَذِهِ الهاءاتِ، ولا تُوصَلَ، لِأنَّها أُدْخِلَتْ لِلْوَقْفِ، وقَدْ حَذَفَها قَوْمٌ في الوَصْلِ ولا أُحِبُّ مُخالَفَةَ المُصْحَفِ، ولا أنْ أقْرَأ بِإثْباتِ الهاءِ في الوَصْلِ، وهَذِهِ رُؤُوسُ آياتٍ، فالوَجْهُ أنْ يُوقَفَ عِنْدَها، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ [القارعة: ١٠]

الحاقة 69:23

وَقَوْلُهُ: ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾، مَعْناهُ: تَدْنُو مِن مُرِيدِها، لا يَمْنَعُهُ مِن تَناوُلِها بُعْدٌ، ولا شَوْكٌ. وَقَوْلُهُ: ﴿فِي الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]، ومَعْناهُ: في الأيّامِ الَّتِي مَضَتْ لَهم. (p-٢١٨)قَوْلُهُ: ﴿صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١]، اَلْمَعْنى: ”اِجْعَلُوهُ يَصْلى النّارَ“.

الحاقة 69:29

وَقَوْلُهُ: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾، مَعْناهُ: ”ذَهَبَتْ عَنِّي حُجَّتِيَهْ“، و”اَلسُّلْطانُ“: اَلْحُجَّةُ، وكَذَلِكَ قِيلَ لِلْأُمَراءِ: ”سَلاطِينُ“، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ تُقامُ بِهِمُ الحُجَّةُ والحُقُوقُ.

الحاقة 69:36

قَوْلُهُ ﴿مِن غِسْلِينٍ﴾، مَعْناهُ: مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ، واشْتِقاقُهُ مِمّا يَنْغَسِلُ مِن أبْدانِهِمْ.

الحاقة 69:41

وَقَوْلُهُ: ﴿قَلِيلا ما تُؤْمِنُونَ﴾، و﴿قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢]، ”ما“، مُؤَكِّدَةٌ، وهي لَغْوٌ في بابِ الإعْرابِ، والمَعْنى: ”قَلِيلًا تُؤْمِنُونَ“، و”قَلِيلًا تَذَكَّرُونَ“.

الحاقة 69:43

وَقَوْلُهُ: ﴿تَنْـزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾، رَفْعُهُ بِـ ”هُوَ“، مُضْمَرَةٌ، يَدُلُّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿وَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾ [الحاقة: ٤١]، أيْ: ”هُوَ تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ“.

الحاقة 69:44

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾، يَعْنِي بِهِ النَّبِيَّ ﷺ.

الحاقة 69:45

﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾، أيْ: بِالقُدْرَةِ والقُوَّةِ، وقالَ الشَّمّاخُ: ؎إذا ما رايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ∗∗∗ تَلَقّاها عَرابَةٌ بِاليَمِينِ

الحاقة 69:46

قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾، ”اَلْوَتِينُ“: نِياطُ القَلْبِ.

الحاقة 69:47

﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾، ”حاجِزِينَ“، مِن نَعْتِ أحَدٍ، وأحَدٍ، في مَعْنى ”جَمِيعٌ“، اَلْمَعْنى: ”فَما مِنكم قَوْمٌ يَحْجِزُونَ عَنْهُ“.

الحاقة 69:51

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾، اَلْمَعْنى أنَّ القُرْآنَ لِلْيَقِينِ حَقُّ اليَقِينِ.

الحاقة 69:52

قَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾، ”اَلتَّسْبِيحُ“، مَعْناهُ: تَنْزِيهُ اللَّهِ مِنَ السُّوءِ، وتَنْزِيهُهُ تَعالى.

المعارج 70:1

(p-٢١٩)سُورَةُ اَلْمَعارِجِ مَكِّيَّةٌ ﷽ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾، وقُرِئَ: ”سالَ“، بِغَيْرِ هَمْزٍ، يُقالُ: ”سَألْتُ، أسْألُ“، و”سَلْتُ، أسالُ“، و”اَلرَّجُلانِ يَتَساءَلانِ، ويَتَساوَلانِ“، بِمَعْنًى واحِدٍ، والتَّأْوِيلُ: ”دَعا داعٍ بِعَذابٍ واقِعٍ“، وذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وقِيلَ: مَعْنى ”سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ“: أيْ: عَنْ عَذابٍ واقِعٍ، فالجَوابُ قَوْلُهُ: ﴿لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ [المعارج: ٢]، أيْ: يَقَعُ بِالكافِرِينَ، وقِيلَ: إنَّ ”سالَ سايِلٌ“، بِغَيْرِ هَمْزٍ، ”سايِلٌ“: وادٍ في جَهَنَّمَ.

المعارج 70:3

وَقَوْلُهُ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾، قِيلَ: ”مَعارِجُ المَلائِكَةِ“، وقِيلَ: ذِي الفَواصِلِ.

المعارج 70:4

وَقَوْلُهُ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، وجاءَ أيْضًا أنَّ مِقْدارَهُ لَوْ تَكَلَّفْتُمُوهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، والمَلائِكَةُ تَعْرُجُ في كُلِّ يَوْمٍ واحِدٍ، وقُرِئَتْ: ”تَعْرُجُ (p-٢٢٠)المَلائِكَةُ“، و”يَعْرُجُ المَلائِكَةُ“، وقِيلَ: مُنْذُ أوَّلِ أيّامِ الدُّنْيا إلى انْقِضائِها خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”فِي يَوْمٍ“، مِن صِلَةِ ”واقِعٍ“، فَيَكُونُ المَعْنى: ”سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ“، وذَلِكَ العَذابُ يَقَعُ في يَوْمِ القِيامَةِ.

المعارج 70:5

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا﴾، هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالقِتالِ.

المعارج 70:6

قَوْلُهُ: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ ﴿وَنَراهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٧]، يَرَوْنَهُ بَعِيدًا عِنْدَهُمْ، كَأنَّهم يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلى جِهَةِ الإحالَةِ، كَما تَقُولُ لِمُناظِرِكَ: ”هَذا بَعِيدٌ لا يَكُونُ“.

المعارج 70:7

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَراهُ قَرِيبًا﴾، أيْ: صَحِيحًا يَقْرُبُ فَهْمُ مِثْلِهِ بِما دَلَّ اللَّهُ عَلى يَوْمِ البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩]، وما أشْبَهَ هَذا مِنَ الِاحْتِجاجاتِ في البَعْثِ.

المعارج 70:8

وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ [المعارج: ٩]، ”اَلْعِهْنُ“: اَلصُّوفُ، و”اَلْمُهْلُ“: دُرْدِيُّ الزَّيْتِ.

المعارج 70:10

﴿وَلا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾، وقُرِئَتْ: ”وَلا يُسْألُ حَمِيمٌ“، فَمَن قَرَأ: ”وَلا يَسْألُ“، فالمَعْنى أنَّهم يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج: ١١]، ومَن قَرَأ: ”وَلا يُسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا“، فالمَعْنى: ”لا يُسْألُ قَرِيبٌ عَنْ قَرابَتِهِ“، ويَكُونُ ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج: ١١] - واللَّهُ أعْلَمُ -، لِلْمَلائِكَةِ.

المعارج 70:13

وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾، مَعْناهُ: أدْنى قَبِيلَتِهِ مِنهُ.

المعارج 70:15

(p-٢٢١)وَقَوْلُهُ: ﴿كَلا إنَّها لَظى﴾، ”كَلّا“، رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ، أيْ: ”لا يَرْجِعُ أحَدٌ مِن هَؤُلاءِ، فاعْتَبِرُوا“.

المعارج 70:16

وَقُرِئَتْ: ﴿نَـزّاعَةً لِلشَّوى﴾، والقِراءَةُ: ”نَزّاعَةٌ“، والقُرّاءُ عَلَيْها، وهي في النَّحْوِ أقْوى مِنَ النَّصْبِ، وذَكَرَ أبُو عُبَيْدٍ أنَّها تَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ، وأنَّهُ لا يَعْرِفُ أحَدًا قَرَأ بِها، وقَدْ رُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، واخْتُلِفَ فِيها عَنْ عاصِمٍ، فَأمّا ما رَواهُ أبُو عَمْرٍو عَنْ عاصِمٍ فَـ ﴿نَـزّاعَةً﴾، بِالنَّصْبِ، ورَوى غَيْرُهُ: ”نَزّاعَةٌ“، بِالرَّفْعِ، فَأمّا الرَّفْعُ فَمِن ثَلاثِ جِهاتٍ، أحَدُها أنْ تَكُونَ ”لَظى“، و”نَزّاعَةً“، خَبَرًا عَنِ الهاءِ والألِفِ، كَما تَقُولُ: ”إنَّهُ حُلْوٌ حامِضٌ“، تُرِيدُ أنَّهُ جَمَعَ الطَّعْمَيْنِ، فَيَكُونَ الهاءُ والألِفُ إضْمارًا لِلْقِصَّةِ، وهو الَّذِي يُسَمِّيهِ الكُوفِيُّونَ: ”اَلْمَجْهُولُ“، اَلْمَعْنى أنَّ القِصَّةَ والخَبَرَ لَظى نَزّاعَةٌ لِلشَّوى”، و“اَلشَّوى”: اَلْأطْرافُ، اليَدانِ، والرِّجْلانِ، والرَّأْسُ، و“اَلشَّوى”، جَمْعُ“شَواةٌ"، وهي جِلْدَةُ الرَّأْسِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لَهُ ∗∗∗ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهْ؟ فَأمّا نَصْبُ ﴿نَـزّاعَةً﴾، فَعَلى أنَّها حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، كَما قالَ: ﴿وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١]، وكَما تَقُولُ: ”أنا زَيْدٌ مَعْرُوفًا“، فَيَكُونُ ﴿نَـزّاعَةً﴾، مَنصُوبًا مُؤَكِّدًا لِأمْرِ النّارِ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى مَعْنى أنَّها تَتَلَظّى نَزّاعَةً، كَما قالَ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤]، والوَجْهُ الثّالِثَ في الرَّفْعِ: يُرْفَعُ عَلى الذَّمِّ، بِإضْمارِ ”هِيَ“، عَلى مَعْنى: ”هِيَ نَزّاعَةٌ لِلشَّوى“، ويَكُونُ نَصْبُها أيْضًا عَلى الذَّمِّ، فَيَكُونُ نَصْبُها عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.

المعارج 70:17

وَقَوْلُهُ: ﴿تَدْعُو مَن أدْبَرَ وتَوَلّى﴾، (p-٢٢٢)تَدْعُو الكافِرَ بِاسْمِهِ، والمُنافِقَ بِاسْمِهِ.

المعارج 70:19

وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾، ”اَلْهَلُوعُ“، عَلى ما في الآيَةِ مِنَ التَّفْسِيرِ: يَفْزَعُ، ويَجْزَعُ مِنَ الشَّرِّ.

المعارج 70:20

﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وَإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١]، اَلْإنْسانُ هَهُنا في مَعْنى ”اَلنّاسُ“، فاسْتَثْنى اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - المُؤْمِنِينَ المُصَلِّينَ، فَقالَ: ﴿إلا المُصَلِّينَ﴾ [المعارج: ٢٢] ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣]، يَعْنِي بِهِ المُحافِظِينَ عَلى الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”اَلَّذِينَ لا يُزِيلُونَ وُجُوهَهم عَنْ سَمْتِ القِبْلَةِ، ولا يَلْتَفِتُونَ“، فَيَكُونَ اشْتِقاقُهُ مِن ”اَلدّائِمُ“، وهو السّاكِنُ، كَما جاءَ النَّهْيُ عَنِ البَوْلِ في الماءِ الدّائِمِ، و”اَلْمَحْرُومُ“: اَلَّذِي هو مُحارَفٌ، قَدْ حُرِمَ المَكاسِبَ، وهو لا يَسْألُ.

المعارج 70:29

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المعارج: ٣٠]، أيْ، عَلى هَؤُلاءِ، وقِيلَ: إنَّها في مَعْنى ”مِن“، اَلْمَعْنى عِنْدَ قائِلِ هَذا: ”إلّا مِن أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ“، وقِيلَ: إنَّ ”عَلى“، مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، المَعْنى: فَإنَّهم لا يُلامُونَ عَلى أزْواجِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المعارج: ٣٠]

المعارج 70:31

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾، مَعْناهُ في العُدْوانِ، وهي المُبالَغَةُ في مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ، ومُجاوَزَةِ القَدْرِ في الظُّلْمِ، وقِيلَ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾، أيْ: مَن طَلَبَ غَيْرَ الأزْواجِ وما مَلَكَتِ الأيْمانُ فَقَدِ اعْتَدى، (p-٢٢٣)وَ”اَلْعادُونَ“، جَمْعُ ”عادٍ“، و”عادُونَ“.

المعارج 70:32

قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾، أيْ: يَرْعَوْنَ العَهْدَ، والأمانَةَ، ويُحافِظُونَ عَلَيْها، وكُلُّ مُحافِظٍ عَلى شَيْءٍ فَهو مُراعٍ لَهُ، والإمامُ راعٍ لِرَعِيَّتِهِ.

المعارج 70:36

وَقَوْلُهُ: ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ ”مُهْطِعِينَ“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، و”اَلْمُهْطِعُ“: اَلْمُقْبِلُ بِبَصَرِهِ عَلى الشَّيْءِ، لا يُزايِلُهُ، لِأنَّهم كانُوا يَنْظُرُونَ إلى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَظَرَ عَداوَةٍ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨]، مَعْناهُ: غَيْظًا وحُنْقًا.

المعارج 70:37

قَوْلُهُ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾، حَلَقًا حَلَقًا، وجَماعَةً جَماعَةً، و”عِزِينَ“، جَمْعُ ”عِزَةٌ“، فَكانُوا عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ مُجْتَمِعِينَ، فَقالُوا: إنْ كانَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَإنّا نَدْخُلُها قَبْلَهُمْ، وإنْ أُعْطُوا فِيها شَيْئًا أُعْطِينا أكْثَرَ مِنهُ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ [المعارج: ٣٨]، وقُرِئَتْ: ”أنْ يَدْخُلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ“، ثُمَّ قالَ: ﴿كَلا إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٩]، أيْ: مِن تُرابٍ، ومِن نُطْفَةٍ، فَأيُّ شَيْءٍ لَهم يُدْخَلُونَ بِهِ الجَنَّةَ، وهم لَكَ عَلى العَداوَةِ وعَلى البَغْضاءِ؟!

المعارج 70:40

وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ﴾، مَعْناهُ: ”فَأُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ“، و”لا“، مُؤَكِّدَةٌ، كَما قالَ: (p-٢٢٤)﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، ومَعْناهُ: ”لِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ“، ومَعْنى ﴿بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾، أيْ: مَشارِقِ الشَّمْسِ، ومَغارِبِها، وكَذَلِكَ القَمَرُ، وهي مَشارِقُ الصَّيْفِ ومَشارِقُ الشِّتاءِ، ومَغارِبُ الصَّيْفِ، ومَغارِبُ الشِّتاءِ، فَتُشْرِقُ الشَّمْسُ كُلَّ يَوْمٍ مِن مَشْرِقٍ، وتَغْرُبُ مِن مَغْرِبٍ، وكَذَلِكَ القَمَرُ.

المعارج 70:41

وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ﴾، مَعْناهُ: ”فَأُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ“، و”لا“، مُؤَكِّدَةٌ، كَما قالَ: (p-٢٢٤)﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، ومَعْناهُ: ”لِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ“، ومَعْنى ﴿بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾، أيْ: مَشارِقِ الشَّمْسِ، ومَغارِبِها، وكَذَلِكَ القَمَرُ، وهي مَشارِقُ الصَّيْفِ ومَشارِقُ الشِّتاءِ، ومَغارِبُ الصَّيْفِ، ومَغارِبُ الشِّتاءِ، فَتُشْرِقُ الشَّمْسُ كُلَّ يَوْمٍ مِن مَشْرِقٍ، وتَغْرُبُ مِن مَغْرِبٍ، وكَذَلِكَ القَمَرُ.

المعارج 70:42

وَقَوْلُهُ: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ”يَخُوضُوا“، جَوابُ الأمْرِ، مَجْزُومٌ، وقِيلَ: إنَّهُ مَجْزُومٌ وإنْ كانَ لَفْظُهُ بِغَيْرِ آلَةِ الأمْرِ، لِأنَّهُ وُضِعَ مَوْضِعَ الأمْرِ، كَأنَّهُ قالَ: لِيَخُوضُوا، ولِيَلْعَبُوا، وهَذا أمْرٌ عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ، كَما تَقُولُ: ”اِصْنَعْ ما شِئْتَ، فَإنِّي أُعاقِبُكَ عَلَيْهِ“، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذا مُسْتَقْصًى.

المعارج 70:43

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا كَأنَّهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾، و”اَلْأجْداثُ“: اَلْقُبُورُ، واحِدُها جَدَثٌ، ويُقالُ أيْضًا: ”جَدَفٌ“، في هَذا المَعْنى، وقُرِئَتْ: ”إلى نَصْبٍ يُوفِضُونَ“، و”إلى نُصْبٍ“، بِضَمِّ النُّونِ، وسُكُونِ الصّادِ، وقُرِئَتْ: ﴿إلى نُصُبٍ﴾، بِضَمِّ النُّونِ، والصّادِ، فَمَن قَرَأ: ”نَصْبٍ“، فَمَعْناهُ: ”كَأنَّهم إلى عَلَمٍ مَنصُوبٍ لَهم...“، ومَن قَرَأ: ”إلى نُصْبٍ“، فَمَعْناهُ: ”إلى أصْنامٍ لَهم...“، كَما قالَ ﴿وَما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، ومَعْنى ﴿يُوفِضُونَ﴾ يُسْرِعُونَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎لَأنْعَتَنَّ نَعامَةً مِيفاضًا ∗∗∗ خَرْجاءَ تَغْدُو وتَطْلُبُ الأضّاضا ”اَلْمِيفاضُ“: اَلسَّرِيعَةُ، وخَرْجاءُ ذاتُ لَوْنَيْنِ: سَوادٍ، وبَياضٍ، ومَعْنى ”اَلْأضّاضَ“، اَلْمَوْضِعُ الَّذِي يُلْجَأُ إلَيْهِ، يُقالُ: ”أضَتْنِي إلَيْكَ الحاجَةُ أضاضًا“.

المعارج 70:44

(p-٢٢٥)قَوْلُهُ: ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ أيْ: تَغْشاهم ذِلَّةٌ. وَقَوْلُهُ: ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: ١١]، قُرِئَتْ بِالفَتْحِ، والكَسْرِ، فَمَن قَرَأ بِكَسْرِ ”يَوْمِ“، فَعَلى أصْلِ الإضافَةِ، لِأنَّ الَّذِي يُضافُ إلَيْهِ الأوَّلُ مَجْرُورٌ بِالإضافَةِ، ومَن فَتَحَ ”يَوْمَ“، فَلِأنَّهُ مُضافٌ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، مُضافٌ إلى ”إذْ“، و”إذْ“، مُبْهَمَةٌ، ومَعْناهُ: ”يَوْمَ إذْ يَكُونُ كَذا وكَذا“، فَلَمّا كانَتْ مُبْهَمَةً وأُضِيفَ إلَيْها، بُنِيَ المُضافُ إلَيْها عَلى الفَتْحِ، كَذَلِكَ أنْشَدُوا قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎لَمْ يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنها غَيْرَ أنْ نَطَقَتْ ∗∗∗ حَمامَةٌ في غُصُونٍ ذاتِ أوْقالِ فَلَمّا أضافَ ”غَيْرَ“ إلى ”أنْ“، بَناها عَلى الفَتْحِ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والرَّفْعُ أيْضًا قَدْ رُوِيَ، فَقالُوا: ”غَيْرُ أنْ نَطَقَتْ“، كَما قُرِئَ الحَرْفُ عَلى إعْرابِ الجَرِّ، وعَلى البِناءِ عَلى الفَتْحِ. (p-٢٢٦)

نوح 71:1

(p-٢٢٧)سُورَةُ نُوحٍ مَكِّيَّةٌ ﷽ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾، ”أنْ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، بِـ ”أرْسَلْنا“، لِأنَّ الأصْلَ: ”بِأنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ“، فَلَمّا أُسْقِطَتِ الباءُ أفْضى الفِعْلُ إلى ”أنْ“، فَنَصَبَها، وقَدْ قالَ قَوْمٌ يُرْتَضى عِلْمُهُمْ: إنَّ مَوْضِعَ مِثْلِها جَرٌّ وإنْ سَقَطَتِ الباءُ، لِأنَّ ”أنْ“، يَحْسُنَ مَعَها سُقُوطُ الباءِ، ولا تَسْقُطُ مِنَ المَصْدَرِ الباءُ، لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: ”إنِّي أرْسَلْتُكَ بِالإنْذارِ، والتَّهَدُّدِ“، لَمْ يَجُزْ أنْ تَقُولَ: ”إنِّي أرْسَلْتُكَ الإنْذارَ والتَّهَدُّدَ“، ولَوْ قُلْتَ: ”إنِّي أرْسَلْتُكَ بِأنْ تُنْذِرَ وأنْ تُهَدِّدَ“، لِجازَ: ”إنِّي أرْسَلْتُكَ أنْ تُنْذِرَ وأنْ تُهَدِّدَ“، وأصْلُ ”اَلْإنْذارُ“، في اللُّغَةِ: اَلْإعْلامُ بِما يُخافُ مِنهُ، فَيُحْذَرُ، وألّا يُتَعَرَّضَ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”أنْ“، تَفْسِيرًا لِما أُرْسِلَ بِهِ، فَيَكُونَ المَعْنى: ”إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أيْ: أنْذِرْ قَوْمَكَ“.

نوح 71:2

﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾، أرْسَلَ اللَّهُ نُوحًا، وجَمِيعَ الأنْبِياءِ، بِالأمْرِ بِعِبادَتِهِ، وإيثارِ تَقْواهُ، وطاعَةِ رُسُلِهِ.

نوح 71:3

﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾، أرْسَلَ اللَّهُ نُوحًا، وجَمِيعَ الأنْبِياءِ، بِالأمْرِ بِعِبادَتِهِ، وإيثارِ تَقْواهُ، وطاعَةِ رُسُلِهِ.

نوح 71:4

وَقَوْلُهُ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾، ”يَغْفِرْ“، جَزْمٌ، جَوابُ الأمْرِ: ”اُعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكم مِن (p-٢٢٨)ذُنُوبِكُمْ“، والنَّحْوِيُّونَ البَصْرِيُّونَ كُلُّهم - ما خَلا أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ - لا يُدْغِمُونَ الرّاءَ في اللّامِ، لا يُجِيزُونَ: ”يَغْفِر لَّكُمْ“، وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ يَرى الإدْغامَ جائِزًا، وزَعَمَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ أنَّ الرّاءَ حَرْفٌ مُكَرَّرٌ، مَتى أُدْغِمَ في اللّامِ ذَهَبَ التَّكْرِيرُ مِنهُ، فاخْتَلَّ الحَرْفُ، والمَسْمُوعُ مِنَ العَرَبِ وقَرَأهُ القُرّاءُ إظْهارُ الرّاءِ، ومَعْنى ﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾، هَهُنا: يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ، ودَخَلَتْ ”مِن“، تَخْتَصُّ الذُّنُوبَ مِن سائِرِ الأشْياءِ، لَمْ تَدْخُلْ لِتَبْعِيضِ الذُّنُوبِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]، مَعْناهُ: اِجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هو الأوْثانُ، لَيْسَ الرِّجْسُ هَهُنا بَعْضَ الأوْثانِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾، مَعْناهُ: اِتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ يُؤَخِّرْكم عَنِ العَذابِ، أيْ: يُؤَخِّرْكُمْ، فَتَمُوتُوا غَيْرَ مِيتَةِ المُسْتَأْصَلِينَ بِالعَذابِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾، مَعْناهُ: إذا جاءَ الأجَلُ في المَوْتِ لا يُؤَخَّرُ، بِعَذابٍ كانَ، أوْ بِاسْتِئْصالٍ.

نوح 71:7

قَوْلُهُ: ﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾، قِيلَ: إنَّهم كانُوا يَسُدُّونَ آذانَهُمْ، ويُغَطُّونَ وُجُوهَهُمْ، لِئَلّا يَسْمَعُوا قَوْلَهُ، ولِيُبالِغُوا في الإعْراضِ عَنْهُ بِتَغْطِيَةِ الوُجُوهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَأصَرُّوا﴾، أقامُوا ولَمْ يَنْوُوا تَوْبَةً مِنهُ، ﴿واسْتَكْبَرُوا﴾، أخَذَتْهُمُ العِزَّةُ مِنَ اتِّباعِ نُوحٍ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]

نوح 71:8

وَقَوْلُهُ: ﴿إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا﴾، أيْ: دَعَوْتُهم مُظْهِرًا لَهُمُ الدَّعْوَةَ، و”جِهارًا“، مَنصُوبٌ، مَصْدَرٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ (p-٢٢٩)الحالِ، المَعْنى: ”دَعَوْتُهم مُجاهِرًا بِالدُّعاءِ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وتَقْواهُ“.

نوح 71:9

﴿ثُمَّ إنِّي أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾، أيْ: خَلَطْتُ لَهم دُعاءَهم في العَلانِيَةِ بِدُعاءِ السِّرِّ، ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ [نوح: ١٠]، أيْ: اِسْتَدْعُوا مَغْفِرَةَ رَبِّكم.

نوح 71:11

﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا قَدْ أجْدَبُوا، فَأعْلَمَهم أنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ يَجْمَعُ لَهم مَعَ الحَظِّ الوافِرِ في الآخِرَةِ الخِصْبَ، والغِنى في الدُّنْيا، و﴿مِدْرارًا﴾،: كَثِيرَةً الدَّرِّ، أيْ: كَثِيرَةَ المَطَرِ.

نوح 71:12

﴿وَيُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾، يُعْطِكم زِينَةَ الدُّنْيا، وهي المالُ والبَنُونَ. ﴿وَيَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ﴾ أيْ: بَساتِينَ.

نوح 71:13

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾، قِيلَ: ”ما لَكم لا تَخافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً؟!“، وقِيلَ: ”لا تَرْجُونَ عاقِبَةً“، وحَقِيقَتُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ما لَكم لا تَرْجُونَ عاقِبَةَ الإيمانِ فَتُوَحِّدُونَ اللَّهَ، وقَدْ جَعَلَ لَكم في أنْفُسِكم آيَةً تَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ، مِن خَلْقِهِ إيّاكُمْ، ومِن خَلْقِ السَّماواتِ، والأرْضِينَ، والشَّمْسِ، والقَمَرِ، فَقالَ: ﴿وَقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ [نوح: ١٤]، أيْ: طَوْرًا بَعْدَ طَوْرٍ، نَقَلَكم مِن حالٍ إلى حالٍ، ومِن جِهَةٍ مِنَ الخَلْقِ إلى جِهَةٍ، خَلَقَكم مِن تُرابٍ، ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ، ثُمَّ جَعَلَ المُضْغَةَ عَظْمًا، وكَسا العَظْمَ لَحْمًا.

نوح 71:15

ثُمَّ قَرَّرَهُمْ، فَقالَ: (p-٢٣٠)﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾، و﴿طِباقًا﴾، مَنصُوبٌ عَلى جِهَتَيْنِ، إحْداهُما: ”مُطابَقَةً طِباقًا“، والأُخْرى: مِن نَعْتِ ”سَبْعَ“، أيْ: ”خَلَقَ سَبْعًا ذاتَ طِباقٍ“.

نوح 71:16

﴿وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾، قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في السَّماءِ الدُّنْيا، وقِيلَ ﴿فِيهِنَّ﴾، لِأنَّهُنَّ كالشَّيْءِ الواحِدِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ وجْهَ الشَّمْسِ يُضِيءُ لِأهْلِ الأرْضِ مِن ظَهْرِها، وقَفاها، ويُضِيءُ لِأهْلِ السَّماواتِ، وكَذَلِكَ القَمَرُ.

نوح 71:17

﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾، و﴿نَباتًا﴾، مَحْمُولٌ في المَصْدَرِ عَلى المَعْنى، لِأنَّ مَعْنى ”أنْبَتَكُمْ“: جَعَلَكم تَنْبُتُونَ نَباتًا، والمَصْدَرُ عَلى لَفْظِ ”أنْبَتَكم إنْباتًا، ونَباتًا“، أبْلَغُ في المَعْنى.

نوح 71:20

قَوْلُهُ: ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلا فِجاجًا﴾، أيْ: طُرُقًا بَيِّنَةً.

نوح 71:21

وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَلَدُهُ﴾، ويُقْرَأُ: ”وَوُلْدُهُ“، و”اَلْوَلَدُ“، و”اَلْوُلْدُ“، بِمَعْنًى واحِدٍ، مِثْلُ ”اَلْعَرَبُ“، و”اَلْعُرْبُ“، و”اَلْعَجَمُ“، و”اَلْعُجْمُ“.

نوح 71:22

وَقَوْلُهُ ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾، يُقالُ: ”مَكْرٌ كَبِيرٌ، وكُبّارٌ، وكِبّارٌ“، في مَعْنًى واحِدٍ.

نوح 71:23

﴿وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا﴾، وقُرِئَتْ: ”وُدًّا“، بِضَمِّ الواوِ، ﴿وَلا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾، هَذِهِ خَمْسَةُ أصْنامٍ، كانَتْ في قَوْمِ نُوحٍ، يَعْبُدُونَها، ثُمَّ صارَتْ إلى العَرَبِ. (p-٢٣١)فَكانَ ودٌّ لِكَلْبٍ، وكانَ سُواعٌ لِهَمَدانَ، وكانَ يَغُوثُ لِمُذْحِجٍ، وكانَ نَسْرٌ لِحِمْيَرَ، وقُرِئَتْ: ”يَغُوثًا ويَعُوقًا“، و”يَغُوثُ“، و”يَعُوقُ“، لا يَنْصَرِفانِ، لِأنَّهُما في وزْنِ الفِعْلِ، وهُما مَعْرِفَتانِ، والقِراءَةُ الَّتِي عَلَيْها القُرّاءُ والمُصْحَفُ تَرْكُ الصَّرْفِ، ولَيْسَ في ”يَغُوثَ“، و”يَعُوقَ“، ألِفٌ في الكِتابِ، ولِذَلِكَ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ إلّا بِتَرْكِ الصَّرْفِ، والَّذِينَ صَرَفُوا جَعَلُوا هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ الأغْلَبُ عَلَيْهِما الصَّرْفُ، إذْ كانَ أصْلُ الأسْماءِ عِنْدَهُمُ الصَّرْفَ، أوْ جَعَلُوهُما نَكِرَةً، وإنْ كانا مَعْرِفَتَيْنِ، فَكَأنَّهم قالُوا: ”وَلا تَذَرُنَّ صَنَمًا مِن أصْنامِكُمْ“، ولا يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ بِها، لِمُخالَفَتِها المُصْحَفَ.

نوح 71:25

قَوْلُهُ: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ﴾، ويُقْرَأُ: ”مِمّا خَطاياهُمْ“، و”خَطِيئَةٌ“، يُجْمَعُ عَلى ”خَطايا“، و”خَطِيئاتٌ“، وقَدْ فَسَّرْنا ذَلِكَ فِيما سَلَفَ مِنَ الكِتابِ.

نوح 71:26

﴿وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾، ”دَيّارًا“، في مَعْنى ”أحَدًا“، يُقالُ: ”ما في الدّارِ أحَدٌ، وما بِها دَيّارٌ“، وأصْلُها: ”دَيْوارٌ“، ”فَيْعالًا“، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَتْ إحْداهُما في الأُخْرى، وإنَّما دَعا عَلَيْهِمْ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ اللَّهَ جَلَّ - وعَلا - أوْحى إلَيْهِ ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]

نوح 71:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾، قالُوا: ”بَيْتِيَ“: ”مَسْجِدِي“، وإنْ شِئْتَ أسْكَنْتَ الياءَ، وإنْ شِئْتَ فَتَحْتَها. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلا تَبارًا﴾، مَعْناهُ - ”إلّا تَبارًا“ -: اَلتَّبارُ: اَلْهَلاكُ، وكُلُّ شَيْءٍ أُهْلِكَ فَقَدْ تُبِّرَ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ كُلُّ مُكَسَّرٍ ”تِبْرًا“. (p-٢٣٢)

الجن 72:1

(p-٢٣٣)سُورَةُ اَلْجِنِّ ﷽ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾، اَلْقِراءَةُ: ”أُوحِيَ“، بِإثْباتِ الواوِ، وقَدْ قُرِئَتْ: ”قُلْ أُحِيَ إلَيَّ“، بِغَيْرِ واوٍ، فَمَن قالَ: ”أُحِيَ إلَيَّ“، فَهو مِن ”وَحَيْتُ إلَيْهِ“، والأكْثَرُ ”أوْحَيْتُ إلَيْهِ“، والأصْلُ: ”وَحِيَ“، ولَكِنَّ الواوَ إذا انْضَمَّتْ قَدْ تُبْدَلُ مِنها الهَمْزَةُ، نَحْوَ: ﴿وَإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١]، أصْلُهُ ”وُقِّتَتْ“، لِأنَّهُ مِن ”اَلْوَقْتُ“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ هَؤُلاءِ النَّفَرَ الَّذِينَ مِنَ الجِنِّ اسْتَمَعُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو يُصَلِّي الصُّبْحَ بِبَطْنِ نَخْلَةٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا﴾ [الأحقاف: ٢٩]، أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ”أمْسِكُوا عَنِ الكَلامِ واسْتَمِعُوا“، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا مِن جِنِّ نَصِيبِينَ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا مِنَ اليَمَنِ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يَهُودًا، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا مُشْرِكِينَ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾، و”أنَّ“، مَفْتُوحَةٌ، لا غَيْرُ. وَقَوْلُهُ: ﴿إنّا سَمِعْنا﴾ . وَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ لَهُ﴾ [الجن: ٢٣] . وَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهُ يَسْلُكُ﴾ [الجن: ٢٧]، فَهَذِهِ الثَّلاثُ مَكْسُورَةٌ لا غَيْرُ، وقَدِ اخْتَلَفَ القُرّاءُ فِيما في هَذِهِ السُّورَةِ غَيْرِ هَذِهِ الحُرُوفِ الثَّلاثِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: ”وَأنَّهُ“، و”أنّا“، فَأمّا عاصِمٌ، فَرَوى عَنْهُ أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ مِثْلَ قِراءَةِ نافِعٍ، ومَن تابَعَهُ، ورَوى حَفْصُ بْنُ سُلَيْمانَ عَنِ الفَتْحِ، فِيما قَرَأهُ أبُو بَكْرٍ بِالكَسْرِ، والَّذِي يَخْتارُهُ النَّحْوِيُّونَ قِراءَةُ نافِعٍ، ومَن تابَعَهُ في هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَهم ما كانَ مَحْمُولًا عَلى (p-٢٣٤)الوَحْيِ فَهو ”أنَّهُ“، بِفَتْحِ ”أنَّ“، وما كانَ مِن قَوْلِ الجِنِّ فَهو مَكْسُورٌ، مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ المَعْنى: ”وَقالُوا إنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا“، ”وَقالُوا: إنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا“، ومَن فَتَحَ فَذَكَرَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الهاءِ، المَعْنى عِنْدَهُ: ”فَآمَنّا بِهِ وبِأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا“، وكَذَلِكَ ما بَعْدَ هَذا عِنْدَهُ، وهَذا رَدِيءٌ في القِياسِ، لا يُعْطَفُ عَلى الهاءِ المُكَنِّيَةِ المَخْفُوضَةِ إلّا بِإظْهارِ الخافِضِ، ولَكِنَّ وجْهَهُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى مَعْنى آمَنّا بِهِ، لِأنَّ مَعْنى ”آمَنّا بِهِ“: صَدَقْناهُ، وعَلِمْناهُ، ويَكُونُ المَعْنى: ”وَصَدَّقْنا أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا“.

الجن 72:3

وَتَأْوِيلُ ﴿تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾، "تَعالى جَلالُ رَبِّنا وعَظَمَتُهُ عَنْ أنْ يَتَّخِذَ صاحِبَةً، أوْ ولَدًا.

الجن 72:6

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ فَزادُوهم رَهَقًا﴾، كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا مَرَّتْ جَماعَةٌ مِنهم بِوادٍ يَقُولُونَ: نَعُوذُ بِعَزِيزِ هَذا الوادِي مِن مَرَدَةِ الجِنِّ، وسُفَهائِهِمْ، ومَعْنى ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾، فَزادُوهم ذِلَّةً، وضَعْفًا، ويَجُوزُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ الإنْسَ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَعِيذُونَ بِالجِنِّ زادُوا الجِنَّ رَهَقًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجِنُّ زادُوا الإنْسَ رَهَقًا.

الجن 72:8

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ ﴿وَأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾، أيْ: كُنّا نَسْتَمِعُ، فالآنَ حِينَ حاوَلْنا الِاسْتِماعَ رُمِينا بِالشُّهُبِ، وهي الكَواكِبُ، و﴿رَصَدًا﴾، أيْ: حَفَظَةً، تَمْنَعُ مِنَ الِاسْتِماعِ، وقِيلَ: إنَّ الِانْقِضاضَ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ الشَّياطِينُ حَدَثَ بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهو إحْدى آياتِهِ.

الجن 72:9

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ ﴿وَأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾، أيْ: كُنّا نَسْتَمِعُ، فالآنَ حِينَ حاوَلْنا الِاسْتِماعَ رُمِينا بِالشُّهُبِ، وهي الكَواكِبُ، و﴿رَصَدًا﴾، أيْ: حَفَظَةً، تَمْنَعُ مِنَ الِاسْتِماعِ، وقِيلَ: إنَّ الِانْقِضاضَ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ الشَّياطِينُ حَدَثَ بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهو إحْدى آياتِهِ.

الجن 72:10

﴿وَأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾، اَلْمَعْنى: ”إنّا لا نَدْرِي بِحُدُوثِ رَجْمِ الكَواكِبِ ألِصَلاحٍ في ذَلِكَ لِأهْلِ الأرْضِ أوْ غَيْرِهِ“.

الجن 72:11

(p-٢٣٥)وَقَوْلُهُ: ﴿وَأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾، ”قِدَدًا“: مُتَفَرِّقُونَ، أيْ: كُنّا جَماعاتٍ، مُتَفَرِّقِينَ، مُسْلِمِينَ، وغَيْرَ مُسْلِمِينَ.

الجن 72:14

قَوْلُهُ: ﴿وَأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ﴾، هَذا تَفْسِيرُ قَوْلِهِمْ: ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١]، و”اَلْقاسِطُونَ“: اَلْجائِرُونَ. وَقَوْلُهُ ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾، يَعْنِي قَصَدُوا طَرِيقَ الحَقِّ، والرُّشْدِ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ في هَذِهِ السُّورَةِ ”رُشْدًا“، و”اَلرُّشْدُ“، و”اَلرَّشَدُ“، يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ، إلّا أنَّ أواخِرَ الآيِ فِيما قَبْلَ الرَّشَدِ وبَعْدَهُ عَلى الفَتْحِ، مَبْنِيٌّ عَلى ”فَعَلٌ“، فَأواخِرُ الآيِ أنْ يَكُونَ عَلى هَذا اللَّفْظِ، وتَسْتَوِي أحْسَنُ، فَإنْ ثَبَتَتْ في القِراءَةِ بِها رِوايَةٌ فالقِراءَةُ بِها جائِزَةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَقْرَأ بِما يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ إلّا أنْ تَثْبُتَ بِذَلِكَ رِوايَةٌ، وقِراءَةٌ عَنْ إمامٍ يُقْتَدى بِقِراءَتِهِ، فَإنَّ اتِّباعَ القِراءَةِ السُّنَّةُ، وتَتَبُّعَ الحُرُوفِ الشَّواذِّ والقِراءَةَ بِها بِدْعَةٌ.

الجن 72:15

قَوْلُهُ: ﴿وَأمّا القاسِطُونَ﴾، يُقالُ: ”قَسَطَ الرَّجُلُ“، إذا جارَ، و”أقْسَطَ“، إذا عَدَلَ.

الجن 72:16

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ [الجن: ١٧]، وهَذا تَفْسِيرُهُ: ”لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي هي طَرِيقُ الهُدى لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا، و“اَلْغَدَقُ”: اَلْكَثِيرُ، ودَلِيلُ هَذا التَّفْسِيرِ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]، وكَقَوْلِهِ: ﴿لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يَعْنِي بِهِ:“لَوِ اسْتَقامُوا عَلى طَرِيقَةِ الكُفْرِ"، ودَلِيلُ هَذا التَّفْسِيرِ عِنْدَهم قَوْلُهُ تَعالى: (p-٢٣٦)﴿وَلَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣]، والَّذِي يُخْتارُ، وهو أكْثَرُ التَّفْسِيرِ أنْ يَكُونَ يُعْنى بِالطَّرِيقَةِ طَرِيقُ الهُدى، لِأنَّ الطَّرِيقَةَ مُعَرَّفَةٌ بِالألِفِ واللّامِ، والأوْجَبُ أنْ يَكُونَ طَرِيقَةَ الهُدى، واللَّهُ أعْلَمُ.

الجن 72:17

وَقَوْلُهُ: ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾، لِنَخْتَبِرَهم بِذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾، مَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - عَذابًا شاقًّا، وقِيلَ: صَخْرَةٌ في جَهَنَّمَ، وهي في اللُّغَةِ - واللَّهُ أعْلَمُ -: طَرِيقَةٌ شاقَّةٌ مِنَ العَذابِ، يُقالُ: ”قَدْ وقَعَ القَوْمُ في صَعُودٍ وهَبُوطٍ“، إذا كانُوا في غَيْرِ اسْتِواءٍ، وكانُوا في طَرِيقَةٍ شاقَّةٍ، ويُقْرَأُ: ”لَأسْقَيْناهم ماءً غَدِقًا“، و”اَلْغَدَقُ“، اَلْمَصْدَرُ، و”اَلْغَدِقُ“، اِسْمُ الفاعِلِ، تَقُولُ: ”غَدِقَ، يَغْدَقُ، غَدَقًا، فَهو غَدِقٌ“، إذا كَثُرَ النَّدى في المَكانِ، أوِ الماءُ.

الجن 72:18

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾، مَعْناهُ الأمْرُ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ في الصَّلَواتِ، وقِيلَ: ”اَلْمَساجِدُ“: مَواضِعُ السُّجُودِ مِنَ الإنْسانِ، الجَبْهَةُ، والأنْفُ، واليَدانِ، والرُّكْبَتانِ، والرِّجْلانِ، و”أنَّ“، هَهُنا، يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ جَرٍّ، والمَعْنى: ”لِأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ، فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا“، فَلَمّا حُذِفَتِ اللّامُ صارَ المَوْضِعُ مَوْضِعَ نَصْبٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَرًّا، وإنْ لَمْ تَظْهَرِ اللّامُ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: ”وَبَلَدٍ لَيْسَ بِهِ أنِيسٌ“، تُرِيدُ: ”رُبَّ بَلَدٍ“.

الجن 72:19

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾، (p-٢٣٧)وَيُقْرَأُ: ”لُبَدًا“، ويَجُوزُ ”لُبَّدًا“، والمَعْنى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا صَلّى الصُّبْحَ بِذاتِ نَخْلَةٍ، كادَتِ الجِنُّ - لَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ وتَعَجَّبُوا مِنهُ - أنْ يَسْقُطُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ: ”كادُوا“، يَعْنِي بِهِ جَمِيعَ المَلَإ الَّتِي تَظاهَرَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، ومَعْنى ”لُبَدًا“، يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وكُلُّ شَيْءٍ ألْصَقْتَهُ بِشَيْءٍ إلْصاقًا شَدِيدًا، فَقَدْ لَبَدْتَهُ، ومِن هَذا اشْتِقاقُ هَذِهِ اللُّبُودِ الَّتِي تُفْرَشُ، فَأمّا مَن قَرَأ: ”لِبَدًا“، فَهو جَمْعُ ”لِبْدَةٌ“، و”لِبَدٌ“، ومَن قَرَأ: ”لُبَدًا“، فَهو جَمْعُ ”لُبْدَةٌ“، و”لُبَدٌ“، و”لُبْدَةٌ“، و”لِبْدَةٌ“، في مَعْنًى واحِدٍ، ومَعْنى مَن قَرَأ: ”لُبَّدًا“، فَهو جَمْعُ ”لابِدٌ“، و”لُبَّدٌ“، مِثْلَ ”راكِعٌ“، و”رُكَّعٌ“، و”غازٍ“، و”غُزًّى“.

الجن 72:22

قَوْلُهُ: ﴿وَلَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾، أيْ، مَنجًى، إلّا أنَّ اشْتِقاقَهُ مِن ”اَللَّحْدُ“، وهو مِثْلُ: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أوْ مَغاراتٍ أوْ مُدَّخَلا﴾ [التوبة: ٥٧]، فَـ ”اَلْمُلْتَحَدُ“، مِن جِنْسِ ”اَلْمُدَّخَلُ“، ونَصْبُ ﴿إلا بَلاغًا﴾ [الجن: ٢٣]، عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿مُلْتَحَدًا﴾، اَلْمَعْنى: ”وَلَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مَنجًى، إلّا بَلاغًا“، أيْ: لا يُنْجِينِي إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ ما أُرْسِلْتُ بِهِ.

الجن 72:25

وَقَوْلُهُ: ﴿أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾، أيْ: بُعْدًا، كَما قالَ: ﴿قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾

الجن 72:26

قَوْلُهُ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ ﴿إلا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧]، هَذِهِ الآيَةُ تُوجِبُ عَلى مَنِ ادَّعى أنَّ النُّجُومَ تَدُلُّهُ عَلى ما يَكُونُ مِن حَياةٍ ومَوْتٍ، وغَيْرَ ذَلِكَ، أنْ قَدْ كَفَرَ بِما في القُرْآنِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧]، مَعْناهُ أنَّهُ لا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ إلّا الرُّسُلَ، لِأنَّ الرُّسُلَ يُسْتَدَلُّ عَلى نُبُوَّتِهِمْ بِالآياتِ المُعْجِزاتِ، وبِأنْ يُخْبِرُوا بِالغَيْبِ، فَيُعْلَمَ بِذَلِكَ أنَّهم قَدْ خالَفُوا غَيْرَ الأنْبِياءِ، ثُمَّ أعْلَمَ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ يَحْفَظُ ذَلِكَ بِأنْ ﴿يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧]، (p-٢٣٨)إذا نَزَلَ المَلَكُ بِالوَحْيِ أرْسَلَ اللَّهُ مَعَهُ رَصَدًا يَحْفَظُونَ المَلَكَ مِن أنْ يَأْتِيَ أحَدٌ مِنَ الجِنِّ فَيَسْتَمِعَ الوَحْيَ، فَيُخْبِرَ بِهِ الكَهَنَةَ، فَيُخْبِرُوا بِهِ النّاسَ فَيُساوُوا الأنْبِياءَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيِ المَلَكِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا.

الجن 72:28

﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِيَعْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ الرِّسالَةَ أتَتْهُ، ولَمْ تَصِلْ إلى غَيْرِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ - واللَّهُ أعْلَمُ - لِيَعْلَمَ اللَّهُ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِهِ، وما بَعْدَهُ يَدُلُّ عَلى هَذا، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾، فَهَذا المُضْمَرُ في ﴿وَأحْصى﴾، لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، لا لِغَيْرِهِ، ونُصِبَ ﴿عَدَدًا﴾، عَلى ضَرْبَيْنِ، عَلى مَعْنى: ”وَأحْصى كُلَّ شَيْءٍ في حالِ العَدَدِ“، فَلَمْ تَخْفَ عَلَيْهِ سُقُوطُ ورَقَةٍ، ولا حَبَّةٌ في ظُلُماتِ الأرْضِ، ولا رَطْبٌ ولا يابِسٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿عَدَدًا﴾، في مَوْضِعِ المَصْدَرِ المَحْمُولِ عَلى مَعْنى: ”وَأحْصى“، لِأنَّ مَعْنى ”أحْصى“، و”عَدَّ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا“.

المزمل 73:1

(p-٢٣٩)سُورَةُ "اَلْمُزَّمِّلِ مَكِّيَّةٌ ما خَلا آيَتَيْنِ مِن آخِرِها مَدَنِيَّتانِ ﷽ قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا﴾، هَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقِيلَ: إنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِ هَذا وعَلَيْهِ قَطِيفَةٌ، و”اَلْمُزَّمِّلُ“، أصْلُهُ: ”اَلْمُتَزَمِّلُ“، ولَكِنَّ التّاءَ تُدْغَمُ في الزّايِ، لِقُرْبِها مِنها، يُقالُ: ”تَزَمَّلَ فُلانٌ“، إذا تَلَفَّفَ بِثِيابِهِ، وكُلُّ شَيْءٍ لافِفٌ فَقَدْ زُمِّلَ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎كَأنَّ أبانًا في أفانِينِ ودْقِهِ ∗∗∗ كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ وَقِيلَ: إنَّهُ كانَ مُتَزَمِّلًا في حالِ هَيْئَةِ الصَّلاةِ. قَوْلُهُ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا﴾ [المزمل: ٣] ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤]، فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ ”نِصْفَهُ“، بَدَلٌ مِن ”اَللَّيْلَ“، كَما تَقُولُ: ”ضَرَبْتُ زَيْدًا رَأْسَهُ“، فَإنَّما ذَكَرْتَ ”زَيْدًا“، لِتُؤَكِّدَ الكَلامَ، وهو أوْكَدُ مِن قَوْلِكَ: ”ضَرَبْتُ رَأْسَ زَيْدٍ“، فالمَعْنى: ”قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا، أوِ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ، أوْ زِدْ عَلى النِّصْفِ“، وذَكَرَ ﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا﴾ [المزمل: ٣]، بِمَعْنى: ”إلّا قَلِيلًا“، ولَكِنَّهُ ذُكِرَ مَعَ الزِّيادَةِ، فالمَعْنى: ”قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ، أوِ انْقُصْ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ أوْ زِدْ عَلى نِصْفٍ“، وهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - قَبْلَ أنْ يَقَعَ فَرْضُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، ومَعْنى: ﴿وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ٤] (p-٢٤٠)بَيِّنْهُ تَبْيِينًا، والتَّبْيِينُ لا يَتِمُّ بِأنْ يُعَجِّلَ في القُرْآنِ، إنَّما يَتِمُّ بِأنْ تُبَيِّنَ جَمِيعَ الحُرُوفِ، وتُوَفِّيَ حَقَّها في الإشْباعِ.

المزمل 73:2

(p-٢٣٩)سُورَةُ "اَلْمُزَّمِّلِ مَكِّيَّةٌ ما خَلا آيَتَيْنِ مِن آخِرِها مَدَنِيَّتانِ ﷽ قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا﴾، هَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقِيلَ: إنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِ هَذا وعَلَيْهِ قَطِيفَةٌ، و”اَلْمُزَّمِّلُ“، أصْلُهُ: ”اَلْمُتَزَمِّلُ“، ولَكِنَّ التّاءَ تُدْغَمُ في الزّايِ، لِقُرْبِها مِنها، يُقالُ: ”تَزَمَّلَ فُلانٌ“، إذا تَلَفَّفَ بِثِيابِهِ، وكُلُّ شَيْءٍ لافِفٌ فَقَدْ زُمِّلَ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎كَأنَّ أبانًا في أفانِينِ ودْقِهِ ∗∗∗ كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ وَقِيلَ: إنَّهُ كانَ مُتَزَمِّلًا في حالِ هَيْئَةِ الصَّلاةِ. قَوْلُهُ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا﴾ [المزمل: ٣] ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤]، فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ ”نِصْفَهُ“، بَدَلٌ مِن ”اَللَّيْلَ“، كَما تَقُولُ: ”ضَرَبْتُ زَيْدًا رَأْسَهُ“، فَإنَّما ذَكَرْتَ ”زَيْدًا“، لِتُؤَكِّدَ الكَلامَ، وهو أوْكَدُ مِن قَوْلِكَ: ”ضَرَبْتُ رَأْسَ زَيْدٍ“، فالمَعْنى: ”قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ إلّا قَلِيلًا، أوِ انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ، أوْ زِدْ عَلى النِّصْفِ“، وذَكَرَ ﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا﴾ [المزمل: ٣]، بِمَعْنى: ”إلّا قَلِيلًا“، ولَكِنَّهُ ذُكِرَ مَعَ الزِّيادَةِ، فالمَعْنى: ”قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ، أوِ انْقُصْ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ أوْ زِدْ عَلى نِصْفٍ“، وهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - قَبْلَ أنْ يَقَعَ فَرْضُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، ومَعْنى: ﴿وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ٤] (p-٢٤٠)بَيِّنْهُ تَبْيِينًا، والتَّبْيِينُ لا يَتِمُّ بِأنْ يُعَجِّلَ في القُرْآنِ، إنَّما يَتِمُّ بِأنْ تُبَيِّنَ جَمِيعَ الحُرُوفِ، وتُوَفِّيَ حَقَّها في الإشْباعِ.

المزمل 73:5

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾،، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ يَثْقُلُ العَمَلَ بِهِ، لِأنَّ الحَلالَ والحَرامَ والصَّلاةَ والصِّيامَ وجَمِيعَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُعْمَلَ، ونَهى عَنْهُ، لا يُؤَدِّيهِ أحَدٌ إلّا بِتَكَلُّفِ ما يَثْقُلُ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّهُ قَوْلٌ لَهُ وزْنٌ في صِحَّتِهِ وبَيانِهِ ونَفْعِهِ، كَما تَقُولُ: ”هَذا كَلامٌ رَصِينٌ“، و”هَذا قَوْلٌ لَهُ وزْنٌ“، إذا كُنْتَ تَسْتَجِيدُهُ، وتَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ وقَعَ مَوْقِعَ الحِكْمَةِ، والبَيانِ.

المزمل 73:6

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا﴾، وتُقْرَأُ: ”وَطاءً“، ﴿وَأقْوَمُ قِيلا﴾، ”ناشِئَةُ اللَّيْلِ“: ساعاتُ اللَّيْلِ كُلُّها، كُلَّما نَشَأ مِنهُ، أيْ: كُلُّ ما حَدَثَ مِنهُ فَهو ناشِئَةٌ، ومَعْنى ”هِيَ أشَدُّ وطْئًا“: أيْ: أشَدُّ مُواطَأةً لِتَقَلُّبِ السَّمْعِ، ومَن قَرَأ: ﴿وَطْئًا﴾، بِفَتْحِ الواوِ، فَمَعْناهُ: هي أبْلَغُ في القِيامِ، وأبَيْنُ في القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”أشَدُّ وطْئًا“: أغْلَظُ عَلى الإنْسانِ مِنَ القِيامِ بِالنَّهارِ، لِأنَّ اللَّيْلَ جُعِلَ لِيُسْكَنَ فِيهِ، وقِيلَ: ”أشَدُّ وطْئًا“، أيْ: أبْلَغُ في الثَّوابِ، لِأنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فَثَوابُهُ عَلى قَدْرِ اجْتِهادِهِ.

المزمل 73:7

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾، مَعْناهُ: فَراغًا طَوِيلًا ومُتَصَرَّفًا طَوِيلًا.

المزمل 73:8

﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، أيْ: إنْ فاتَكَ شَيْءٌ مِنَ اللَّيْلِ فَلَكَ في النَّهارِ فَراغٌ. (p-٢٤١)وَقُرِئَتْ: ”سَبْخًا“، بِالخاءِ مُعْجَمَةً، والقِراءَةُ بِالحاءِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ، ومَعْنى ”سَبْخًا“، صَحِيحٌ في اللُّغَةِ، يُقالُ لِلْقِطْعَةِ مِنَ القُطْنِ: ”سَبْخَةٌ“، ويُقالُ: ”سَبَخْتُ القُطْنَ“، بِمَعْنى: ”نَفَشْتُهُ“، ومَعْنى ”نَفَشْتُهُ“: وسَّعْتُهُ، فالمَعْنى عَلى ذَلِكَ: ”إنَّ لَكَ في النَّهارِ تَوَسُّعًا طَوِيلًا“، ومَعْناهُ قَرِيبٌ مِن مَعْنى السَّبْحِ، ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾، اَلْمَعْنى: ”واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بِالنَّهارِ“، ومَعْنى ﴿وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ﴾، اِنْقَطِعْ إلَيْهِ في العِبادَةِ، ومِن هَذا قِيلَ لِمَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ -: ”اَلْبَتُولُ“، لِأنَّها انْقَطَعَتْ إلى اللَّهِ - جَلَّ ثَناؤُهُ - في العِبادَةِ، وكَذَلِكَ ”صَدَقَةٌ بَتْلَةٌ“، مُنْقَطِعَةٌ مِن مالِ المُصَدِّقِ، وخارِجَةٌ إلى سُبُلِ اللَّهِ، والأصْلُ في المَصْدَرِ في ”تَبَتَّلَ“: ”تَبَتَّلْتُ تَبْتِيلًا“، و”بَتِلْتُ تَبْتِيلًا“، فَـ ”تَبْتِيلًا“، مَحْمُولٌ عَلى مَعْنى ”تَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا“.

المزمل 73:9

قَوْلُهُ: ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾، أيْ: اِتَّخِذْهُ كَفِيلًا بِما وعَدَكَ.

المزمل 73:10

وَقَوْلُهُ: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾، هَذا يَدُلُّ - واللَّهُ أعْلَمُ - قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ المُسْلِمُونَ بِالقِتالِ.

المزمل 73:11

﴿وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلا﴾، ومِثْلُهُ: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] . فَإنْ قالَ قائِلٌ: ما مَجازُ ”ذَرْنِي“؟ واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - يَفْعَلُ ما يَشاءُ، لا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إرادَتِهِ حائِلٌ؟ فالجَوابُ في ذَلِكَ أنَّ العَرَبَ إذا أرادَتْ أنْ تَأْمُرَ الإنْسانَ بِأنَّ لَهُ هِمَّةً بِأمْرٍ أوْ بِإنْسانٍ، تَقُولُ: ”دَعْنِي وزَيْدًا“، لَيْسَ أنَّهُ حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ زَيْدٍ أحَدٌ، ولَكِنَّ تَأْوِيلَهُ: ”لا تَهْتَمَّ بِزَيْدٍ، فَإنِّي أكْفِيكَهُ“.

المزمل 73:12

وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا وجَحِيمًا﴾، ”اَلْأنْكالُ“: واحِدُها ”نِكْلٌ“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ هَهُنا: قُيُودٌ مِن نارٍ. (p-٢٤٢)﴿وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١٣]، طَعامُهُمُ الضَّرِيعُ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦]، وهو الشَّبْرَقُ، وهو شَوْكٌ كالعَوْسَجِ.

المزمل 73:14

وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾، ”يَوْمَ“، مَنصُوبٌ مُعَلَّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا وجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢]، أيْ: ”يُنَكَّلُ بِالكافِرِينَ ويُعَذِّبُهم يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ“، و”تَرْجُفُ“: تُزَلْزَلُ وتُحَرَّكُ أغْلَظَ حَرَكَةٍ. ﴿وَكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾، و”اَلْكَثِيبُ“، جَمْعُهُ ”اَلْكُثْبانُ“، وهي القِطَعُ العِظامُ مِنَ الرَّمْلِ، ومَعْنى ﴿مَهِيلا﴾ سائِلًا قَدْ سُيِّلَ، وأصْلُ ”مَهِيلٌ“: ”مَهْيُولٌ“، يُقالُ: ”تُرابٌ مَهِيلٌ“، و”تُرابٌ مَهْيُولٌ“، أيْ: مَصْبُوبٌ، مُسَيَّلٌ، والأكْثَرُ ”مَهِيلٌ“، وإنَّما حُذِفَتِ الواوُ لِأنَّ الياءَ تُحْذَفُ مِنها الضَّمَّةُ في ”مَهْيُولٌ“، فَتُسَكَّنُ هي والواوُ، وتُحْذَفُ الواوُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ أكْثَرَ مِن هَذا الشَّرْحِ، واخْتَصَرْنا عَلى ما سَلَفَ، لِاخْتِلافِ النَّحْوِيِّينَ فِيهِ، وأنَّهُ يَطُولُ شَرْحُهُ في هَذا الكِتابِ.

المزمل 73:16

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا﴾، ”اَلْوَبِيلُ“: اَلثَّقِيلُ الغَلِيظُ جِدًّا، ومِن هَذا قِيلَ لِلْمَطَرِ الغَلِيظِ العَظِيمِ: ”وابِلٌ“.

المزمل 73:17

وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾، اَلْمَعْنى: ”فَكَيْفَ تَتَّقُونَ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا إنْ كَفَرْتُمْ“، أيْ: بِأيِّ شَيْءٍ تُحَصَّنُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ في يَوْمٍ مِن هَوْلِهِ يَشِيبُ فِيهِ الصَّغِيرُ مِن غَيْرِ كِبَرٍ، وتَذْهَلُ فِيهِ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ، وتَرى النّاسَ سَكْرى، وما هم بِسَكْرى، ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ، ثُمَّ وصَفَ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ أنْ قالَ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]، (p-٢٤٣)أيْ: اَلسَّماءُ تَنْشَقُّ بِهِ، كَما قالَ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]، وقِيلَ في التَّفْسِيرِ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]، أيْ: اَلسَّماءُ مُثْقَلَةٌ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ.

المزمل 73:18

وَقَوْلُهُ: ﴿مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾، ولَمْ يَقُلْ: ”مُنْفَطِرَةٌ“ - و”مُنْفَطِرَةٌ“، جائِزٌ، وعَلَيْهِ جاءَ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١] -، ولا يَجُوزُ أنْ يُقْرَأ في هَذا المَوْضِعِ: ”اَلسَّماءُ مُنْفَطِرَةٌ“، لِخِلافِ المُصْحَفِ، والتَّذْكِيرُ عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما عَلى مَعْنى: ”اَلسَّماءُ“: مَعْناهُ: اَلسَّقْفُ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢]، والوَجْهُ الثّانِي عَلى قَوْلِهِ: ”اِمْرَأةٌ مُرْضِعٌ“، أيْ: عَلى جِهَةِ النَّسَبِ، المَعْنى: ”اَلسَّماءُ ذاتُ انْفِطارٍ“، كَما تَقُولُ: ”اِمْرَأةٌ مُرْضِعٌ“، أيْ: ”ذاتُ رَضاعٍ“. وَقَوْلُهُ: ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١]، ”اَلنَّعْمَةُ“: اَلتَّنَعُّمُ، و”اَلنَّعْمَةُ“: اَلْيَدُ الجَمِيلَةُ عِنْدَ الإنْسانِ، والصُّنْعُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَوْ قُرِئَتْ: ”أُولِي النِّعْمَةِ“، لَكانَ وجْهًا، لِأنَّ المُنْعَمَ عَلَيْهِمْ يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ، وغَيْرَ مُؤْمِنِينَ، قالَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] . (p-٢٤٤)وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠]، مَعْناهُ: خَيْرًا لَكم مِن مَتاعِ الدُّنْيا، و”خَيْرًا“، مَنصُوبٌ، مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ”تَجِدُوهُ“، ودَخَلَتْ ”هُوَ“، فَصْلًا، وقَدْ فَسَّرْنا ذَلِكَ فِيما سَلَفَ مِنَ الكِتابِ، ولَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ لَجازَ ”تَجِدُوهُ هو خَيْرٌ“، فَكُنْتَ تَرْفَعُ بِـ ”هُوَ“، ولَكِنَّ النَّصْبَ أجْوَدُ في العَرَبِيَّةِ، ولا يَجُوزُ في القُرْآنِ غَيْرُهُ.

المزمل 73:20

وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾، فَمَن قَرَأ: ﴿نِصْفَهُ﴾ [المزمل: ٣]، بِالنَّصْبِ، ﴿وَثُلُثَهُ﴾، فَهو بَيِّنٌ حَسَنٌ، وهو تَفْسِيرُ مِقْدارِ قِيامِهِ، لِأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾، كانَ نِصْفُهُ مُبَيَّنًا لِذَلِكَ الأدْنى، ومَن قَرَأ: ”وَنِصْفِهِ وثُلُثِهِ“، فالمَعْنى: ”وَتَقُومُ أدْنى مِن نِصْفِهِ ومِن ثُلُثِهِ“.

المدثر 74:1

(p-٢٤٥)سُورَةُ اَلْمُدَّثِّرِ مَكِّيَّةٌ ﷽ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾، اَلْقِراءَةُ بِتَشْدِيدٍ، والأصْلُ: ”اَلْمُتَدَثِّرُ“، والعِلَّةُ فِيها كالعِلَّةِ في ”اَلْمُتَزَمِّلُ“، وتَفْسِيرُها كَتَفْسِيرِ ”اَلْمُزَمِّلُ“، وقَدْ رُوِيَتْ ”اَلْمُتَدَثِّرُ“، بِالتّاءِ.

المدثر 74:3

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أيْ: صِفْهُ بِالتَّعْظِيمِ، وأنَّهُ أكْبَرُ، ودَخَلَتِ الفاءُ عَلى مَعْنى جَوابِ الجَزاءِ، المَعْنى: ”قُمْ فَأنْذِرْ“: أيْ: "قُمْ فَكَبِّرْ رَبَّكَ.

المدثر 74:4

﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾، مِثْلُها، وتَأْوِيلُ ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾، أيْ: ”لا تَكُنْ غادِرًا، يُقالُ لِلْغادِرِ:“دَنِسُ الثِّيابِ”، ويَكُونُ ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾، أيْ:“نَفْسَكَ فَطَهِّرْ”، وقِيلَ ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾، أيْ:“ثِيابَكَ فَقَصِّرْ، لِأنَّ تَقْصِيرَ الثَّوْبِ أبْعَدُ مِنَ النَّجاسَةِ، وأنَّهُ إذا انْجَرَّ عَلى الأرْضِ لَمْ يُؤْمَن أنْ يُصِيبَهُ ما يُنَجِّسُهُ. ”والرِّجْزَ فاهْجُرْ“، بِكَسْرِ الرّاءِ، وقُرِئَتْ بِضَمِّ الرّاءِ، ومَعْناهُما واحِدٌ، وتَأْوِيلُهُما: ”اُهْجُرْ عِبادَةَ الأوْثانِ“، و”اَلرِّجْزُ“، في اللُّغَةِ: اَلْعَذابُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، فالتَّأْوِيلُ عَلى هَذا ”ما يُؤَدِّي إلى عَذابِ اللَّهِ فاهْجُرْهُ“.

المدثر 74:6

﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾، أيْ: لا تُعْطِ شَيْئًا مُقَدِّرًا أنْ تَأْخُذَ بَدَلَهُ ما هو أكْثَرُ مِنهُ، ”وَتَسْتَكْثِرُ“، حالٌ (p-٢٤٦)مُتَوَقَّعَةٌ، وهَذا لِلنَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً، ولَيْسَ عَلى الإنْسانِ إثْمٌ أنْ يُهْدِيَ هَدِيَّةً يَرْجُو بِها ما هو أكْثَرُ مِنها، والنَّبِيُّ ﷺ أدَّبَهُ اللَّهُ بِأشْرَفِ الآدابِ، وأجَلِّ الأخْلاقِ.

المدثر 74:8

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾، ”اَلنّاقُورُ“: اَلصُّورُ، وقِيلَ في التَّفْسِيرِ: إنَّهُ يَعْنِي بِهِ النَّفْخَةَ الأُولى، و﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾، يَرْتَفِعُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ﴾، اَلْمَعْنى: ”فَذَلِكَ يَوْمٌ عَسِيرٌ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ“، و”يَوْمَئِذٍ“: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا، فَإذا كانَ رَفْعًا، فَإنَّما بُنِيَ عَلى الفَتْحِ لِإضافَتِهِ إلى ”إذْ“، لِأنَّ ”إذْ“، غَيْرُ مُتَمَكِّنَةٍ، وإذا كانَ نَصْبًا فَهو عَلى مَعْنى: ”فَذَلِكَ يَوْمٌ عَسِيرٌ في يَوْمِ يُنْفَخُ في الصُّورِ“.

المدثر 74:9

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾، ”اَلنّاقُورُ“: اَلصُّورُ، وقِيلَ في التَّفْسِيرِ: إنَّهُ يَعْنِي بِهِ النَّفْخَةَ الأُولى، و﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾، يَرْتَفِعُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ﴾، اَلْمَعْنى: ”فَذَلِكَ يَوْمٌ عَسِيرٌ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ“، و”يَوْمَئِذٍ“: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا، فَإذا كانَ رَفْعًا، فَإنَّما بُنِيَ عَلى الفَتْحِ لِإضافَتِهِ إلى ”إذْ“، لِأنَّ ”إذْ“، غَيْرُ مُتَمَكِّنَةٍ، وإذا كانَ نَصْبًا فَهو عَلى مَعْنى: ”فَذَلِكَ يَوْمٌ عَسِيرٌ في يَوْمِ يُنْفَخُ في الصُّورِ“.

المدثر 74:11

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾، قَدْ فَسَّرْنا مَعْنى ﴿ذَرْنِي﴾، في ”اَلْمُزَّمِّلِ“، و﴿وَحِيدًا﴾، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وهو عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنْ يَكُونَ ”وَحِيدًا“، مِن صِفَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، المَعْنى: ”ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُهُ وحْدِي، لَمْ يَشْرِكْنِي في خَلْقِهِ أحَدٌ“، ويَكُونَ ﴿وَحِيدًا﴾، مِن صِفَةِ المَخْلُوقِ، ويَكُونَ المَعْنى: ”ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُهُ وحْدَهُ، لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ“.

المدثر 74:12

﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾، تَقْدِيرُهُ: ”مالًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ عَنْهُ“، وقِيلَ: ”ألْفَ دِينارٍ“، ”وَبَنِينَ شُهُودًا“، أيْ: ”شُهُودًا مَعَهُ“، لا يَحْتاجُونَ إلى أنْ يَتَصَرَّفُوا ويَغِيبُوا عَنْهُ، وهَذا قِيلَ: يُعْنى بِهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، كانَ لَهُ بِنُونَ عَشَرَةٌ، وكانَ مُوسِرًا".

المدثر 74:13

﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾، تَقْدِيرُهُ: ”مالًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ عَنْهُ“، وقِيلَ: ”ألْفَ دِينارٍ“، ”وَبَنِينَ شُهُودًا“، أيْ: ”شُهُودًا مَعَهُ“، لا يَحْتاجُونَ إلى أنْ يَتَصَرَّفُوا ويَغِيبُوا عَنْهُ، وهَذا قِيلَ: يُعْنى بِهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، كانَ لَهُ بِنُونَ عَشَرَةٌ، وكانَ مُوسِرًا".

المدثر 74:17

وَقَوْلُهُ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾، أيْ: سَأحْمِلُهُ عَلى مَشَقَّةٍ مِنَ العَذابِ.

المدثر 74:18

قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾، مَعْنى - ”قُتِلَ“، هَهُنا: ”لُعِنَ“، ومِثْلُهُ: ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠]، (p-٢٤٧)وَكانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ قالَ لِرُؤَساءِ أهْلِ مَكَّةَ: قَدْ رَأيْتُمْ هَذا الرَّجُلَ - يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ وعَلِمْتُمْ ما فَشا مِن أمْرِهِ، فَإنْ سَألَكُمُ النّاسُ عَنْهُ، ما أنْتُمْ قائِلُونَ؟ قالُوا نَقُولُ: هو مَجْنُونٌ، قالَ: إذَنْ يُخاطِبُوهُ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ غَيْرُ مَجْنُونٍ، قالُوا: فَنَقُولُ: إنَّهُ شاعِرٌ، قالَ: هُمُ العَرَبُ، يَعْلَمُونَ الشِّعْرَ، ويَعْلَمُونَ أنَ ما أتى بِهِ لَيْسَ بِشِعْرٍ، قالُوا: فَنَقُولُ: إنَّهُ كاهِنٌ، قالَ: اَلْكَهَنَةُ لا تَقُولُ: إنَّهُ يَكُونُ كَذا وكَذا إنْ شاءَ اللَّهُ، وهو يَقُولُ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فَقالُوا: قَدْ صَبَأ الوَلِيدُ، وجاءَ أبُو جَهْلٍ، ابْنُ أخِيهِ، فَقالَ: إنَّ القَوْمَ يَقُولُونَ: إنَّكَ قَدْ صَبَوْتَ، وقَدْ عَزَمُوا عَلى أنْ يَجْمَعُوا لَكَ مالًا فَيَكُونَ عِوَضًا مِمّا تَقْدِرُ أنْ تَأْخُذَ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ، فَقالَ: واللَّهِ ما يَشْبَعُونَ، فَكَيْفَ أقْدِرُ أنْ آخُذَ مِنهم مالًا، وإنِّي لَمِن أيْسَرِ النّاسِ؟ ومَرَّ بِهِ جَماعَةٌ فَذَكَرُوا لَهُ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَفَكَّرَ وعَبَسَ وجْهُهُ وبَسَرَ، أيْ: نَظَرَ بِكَراهَةٍ شَدِيدَةٍ، فَقالَ: ما هَذا الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ إلّا سِحْرٌ يَأْثِرُهُ عَنْ مُسَيْلِمَةَ، وعَنْ أهْلِ بابِلَ.

المدثر 74:19

قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾، مَعْنى - ”قُتِلَ“، هَهُنا: ”لُعِنَ“، ومِثْلُهُ: ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠]، (p-٢٤٧)وَكانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ قالَ لِرُؤَساءِ أهْلِ مَكَّةَ: قَدْ رَأيْتُمْ هَذا الرَّجُلَ - يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ وعَلِمْتُمْ ما فَشا مِن أمْرِهِ، فَإنْ سَألَكُمُ النّاسُ عَنْهُ، ما أنْتُمْ قائِلُونَ؟ قالُوا نَقُولُ: هو مَجْنُونٌ، قالَ: إذَنْ يُخاطِبُوهُ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ غَيْرُ مَجْنُونٍ، قالُوا: فَنَقُولُ: إنَّهُ شاعِرٌ، قالَ: هُمُ العَرَبُ، يَعْلَمُونَ الشِّعْرَ، ويَعْلَمُونَ أنَ ما أتى بِهِ لَيْسَ بِشِعْرٍ، قالُوا: فَنَقُولُ: إنَّهُ كاهِنٌ، قالَ: اَلْكَهَنَةُ لا تَقُولُ: إنَّهُ يَكُونُ كَذا وكَذا إنْ شاءَ اللَّهُ، وهو يَقُولُ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فَقالُوا: قَدْ صَبَأ الوَلِيدُ، وجاءَ أبُو جَهْلٍ، ابْنُ أخِيهِ، فَقالَ: إنَّ القَوْمَ يَقُولُونَ: إنَّكَ قَدْ صَبَوْتَ، وقَدْ عَزَمُوا عَلى أنْ يَجْمَعُوا لَكَ مالًا فَيَكُونَ عِوَضًا مِمّا تَقْدِرُ أنْ تَأْخُذَ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ، فَقالَ: واللَّهِ ما يَشْبَعُونَ، فَكَيْفَ أقْدِرُ أنْ آخُذَ مِنهم مالًا، وإنِّي لَمِن أيْسَرِ النّاسِ؟ ومَرَّ بِهِ جَماعَةٌ فَذَكَرُوا لَهُ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَفَكَّرَ وعَبَسَ وجْهُهُ وبَسَرَ، أيْ: نَظَرَ بِكَراهَةٍ شَدِيدَةٍ، فَقالَ: ما هَذا الَّذِي أتى بِهِ مُحَمَّدٌ إلّا سِحْرٌ يَأْثِرُهُ عَنْ مُسَيْلِمَةَ، وعَنْ أهْلِ بابِلَ.

المدثر 74:25

﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾، أيْ: ما هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ.

المدثر 74:26

﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾، ”سَقَرَ“، لا يَنْصَرِفُ، لِأنَّها مَعْرِفَةٌ، وهي مُؤَنَّثَةٌ، و”سَقَرُ“: اِسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى شَأْنَ سَقَرَ في العَذابِ، فَقالَ: ﴿وَما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧]، تَأْوِيلُهُ: ”وَما أعْلَمَكَ أيُّ شَيْءٍ سَقَرُ؟“، فَقالَ: ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ [المدثر: ٢٨] ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩]، ”اَلْبَشَرُ“، جَمْعُ ”بَشَرَةٌ“، أيْ: تَحْرِقُ الجِلْدَ حَتّى يَسْوَدَّ.

المدثر 74:30

﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾، (p-٢٤٨)أيْ: عَلى سَقَرَ تِسْعَةَ عَشَرَ مَلَكًا، ووَصَفَهُمُ اللَّهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، اَلَّذِي حَكاهُ البَصْرِيُّونَ: ”تِسْعَةَ عَشَرَ“، بِفَتْحِ العَيْنِ في ”عَشَرَ“، وقَدْ قُرِئَتْ بِتَسْكِينِ العَيْنِ، والقِراءَةُ بِفَتْحِها، وإنَّما أسْكَنَها مَن أسْكَنَها لِكَثْرَةِ الحَرَكاتِ، وذَلِكَ أنَهَما اسْمانِ، جُعِلا اسْمًا واحِدًا، ولِذَلِكَ بُنِيا عَلى الفَتْحِ، وقَرَأ بَعْضُهُمْ: ”تِسْعَةُ عَشَرَ“، فَأُعْرِبَتْ عَلى الأصْلِ، وذَلِكَ قَلِيلٌ في النَّحْوِ، والأجْوَدُ ”تِسْعَةَ عَشَرَ“، عَلى البِناءِ عَلى الفَتْحِ، وفِيها وجْهٌ آخَرُ: ”تِسْعَةُ أعْشُرٍ“، وهي شاذَّةٌ، كَأنَّها عَلى جَمْعِ ”فَعِيلٌ“، و”أفْعُلٌ“، مِثْلَ: ”يَمِينٌ“، و”أيْمُنٌ“.

المدثر 74:31

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أيْ: مِحْنَةً، لِأنَّ بَعْضَهم قالَ: بَعْضُنا يَكْفِي هَؤُلاءِ. وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾، أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُوافِقٌ لِما في كُتُبِهِمْ، ﴿وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا﴾، لِأنَّهم كُلَّما صَدَّقُوا بِما يَأْتِي في كِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - زادَ إيمانُهُمْ، ﴿وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ﴾، أيْ: لا يَشُكُّوا. وَقَوْلُهُ: ﴿وَما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ النّارَ في الدُّنْيا تُذَكِّرُ بِالنّارِ في الآخِرَةِ.

المدثر 74:33

وَقَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾، ويُقْرَأُ: ”إذا دَبَرَ“، وكِلاهُما جَيِّدٌ في العَرَبِيَّةِ، يُقالُ: ”دَبَرَ اللَّيْلُ“”، و“أدْبَرَ”، وكَذَلِكَ“قَبَلَ اللَّيْلُ”“، و”أقْبَلَ“، وقَدْ قُرِئَتْ أيْضًا: ”إذا أدْبَرَ والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ“، بِإثْباتِ الألِفِ فِيهِما.

المدثر 74:35

(p-٢٤٩)وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾، هَذِهِ الهاءُ كِنايَةٌ عَنِ النّارِ، أيْ: إنَّها لِكَبِيرَةٌ في حالِ الإنْذارِ، ونَصْبُ ”نَذِيرًا“، عَلى الحالِ، وذَكَرَ ”نَذِيرًا“، لِأنَّ مَعْناهُ مَعْنى العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّذْكِيرُ عَلى قَوْلِهِمْ: ”اِمْرَأةٌ طاهِرٌ، وطالِقٌ“، أيْ: ”ذاتُ طَلاقٍ“، وكَذَلِكَ ”نَذِيرًا“، ”ذاتَ إنْذارٍ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”نَذِيرًا“، مَنصُوبًا مُعَلَّقًا بِأوَّلِ السُّورَةِ، عَلى مَعْنى: ”قُمْ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ“.

المدثر 74:36

(p-٢٤٩)وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾، هَذِهِ الهاءُ كِنايَةٌ عَنِ النّارِ، أيْ: إنَّها لِكَبِيرَةٌ في حالِ الإنْذارِ، ونَصْبُ ”نَذِيرًا“، عَلى الحالِ، وذَكَرَ ”نَذِيرًا“، لِأنَّ مَعْناهُ مَعْنى العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّذْكِيرُ عَلى قَوْلِهِمْ: ”اِمْرَأةٌ طاهِرٌ، وطالِقٌ“، أيْ: ”ذاتُ طَلاقٍ“، وكَذَلِكَ ”نَذِيرًا“، ”ذاتَ إنْذارٍ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”نَذِيرًا“، مَنصُوبًا مُعَلَّقًا بِأوَّلِ السُّورَةِ، عَلى مَعْنى: ”قُمْ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ“.

المدثر 74:37

وَقَوْلُهُ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾، أيْ: أنَّ يَتَقَدَّمَ فِيما أُمِرَ بِهِ، أوْ يَتَأخَّرَ، فَقَدْ أُنْذِرْتُمْ.

المدثر 74:38

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾، قِيلَ: أصْحابُ اليَمِينِ: اَلْأطْفالُ، لِأنَّهم لا يُسْألُونَ، تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنْ أعْطاهُمُ الجَنَّةَ، وكُلُّ نَفْسٍ رَهِينَةٌ بِعَمَلِها، إمّا خَلَّصَها"، وإمّا أوْبَقَها، والتَّخْلِيصُ مَعَ عَمَلِها بِتَفَضُّلِ اللَّهِ.

المدثر 74:39

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلا أصْحابَ اليَمِينِ﴾، قِيلَ: أصْحابُ اليَمِينِ: اَلْأطْفالُ، لِأنَّهم لا يُسْألُونَ، تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنْ أعْطاهُمُ الجَنَّةَ، وكُلُّ نَفْسٍ رَهِينَةٌ بِعَمَلِها، إمّا خَلَّصَها"، وإمّا أوْبَقَها، والتَّخْلِيصُ مَعَ عَمَلِها بِتَفَضُّلِ اللَّهِ.

المدثر 74:45

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾، أيْ: نَتَّبِعُ الغاوِينَ.

المدثر 74:48

وَقَوْلُهُ: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾، يَعْنِي الكُفّارَ، وفي هَذا دَلِيلٌ أنَّ المُؤْمِنِينَ تَنْفَعُهم شَفاعَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.

المدثر 74:49

وَقَوْلُهُ: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.

المدثر 74:50

﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾، وقُرِئَتْ: ”مُسْتَنْفَرَةٌ“، قالَ الشّاعِرُ: (p-٢٥٠) ؎أمْسِكْ حِمارَكَ إنَّهُ مُسْتَنْفِرُ ∗∗∗ في إثْرِ أحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لِغُرَّبِ

المدثر 74:51

وَقَوْلُهُ: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾، اَلْقَسْوَرَةُ: اَلْأسَدُ، وقِيلَ أيْضًا: اَلْقَسْوَرَةُ: اَلرُّماةُ الَّذِينَ يَتَصَيَّدُونَها.

المدثر 74:52

وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾، قِيلَ: كانُوا يَقُولُونَ: كانَ مَن أذْنَبَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَجِدُ ذَنْبَهُ مَكْتُوبًا مِن غَدٍ عَلى بابِهِ، فَما بالُنا لا نَكُونُ كَذَلِكَ، وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ تَفْسِيرُ طَلَبِهِمْ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في قَوْلِهِ: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] .

المدثر 74:56

وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ﴾، أيْ: هو أهْلٌ أنْ يُتَّقى عِقابُهُ، وأهْلٌ أنْ يُعْمَلَ بِما يُؤَدِّي إلى مَغْفِرَتِهِ.

القيامة 75:1

(p-٢٥١)سُورَةُ اَلْقِيامَةِ مَكِّيَّةٌ ﷽ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾، لا اخْتِلافَ بَيْنَ النّاسِ أنَّ مَعْناهُ: ”أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ“، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ ”لا“، فَقالَ بَعْضُهُمْ: ”لا“”، لَغْوٌ، وإنْ كانَتْ في أوَّلِ السُّورَةِ، لِأنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ كالسُّورَةِ الواحِدَةِ، لِأنَّهُ مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَجُعِلَتْ“لا”“، هَهُنا”، بِمَنزِلَتِها في قَوْلِهِ: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ:“لا”“، رَدٌّ لِكَلامِهِمْ، كَأنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ”، فَقِيلَ:“لا، لَيْسَ الأمْرُ كَما ذَكَرْتُمْ، أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ". وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم مَبْعُوثُونَ﴾ [هود: ٧]، دَلَّ عَلى الجَوابِ.

القيامة 75:2

(p-٢٥١)سُورَةُ اَلْقِيامَةِ مَكِّيَّةٌ ﷽ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾، لا اخْتِلافَ بَيْنَ النّاسِ أنَّ مَعْناهُ: ”أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ“، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ ”لا“، فَقالَ بَعْضُهُمْ: ”لا“”، لَغْوٌ، وإنْ كانَتْ في أوَّلِ السُّورَةِ، لِأنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ كالسُّورَةِ الواحِدَةِ، لِأنَّهُ مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَجُعِلَتْ“لا”“، هَهُنا”، بِمَنزِلَتِها في قَوْلِهِ: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ:“لا”“، رَدٌّ لِكَلامِهِمْ، كَأنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ”، فَقِيلَ:“لا، لَيْسَ الأمْرُ كَما ذَكَرْتُمْ، أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ". وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم مَبْعُوثُونَ﴾ [هود: ٧]، دَلَّ عَلى الجَوابِ.

القيامة 75:4

قَوْلُهُ: ﴿بَلى قادِرِينَ﴾، اَلْمَعْنى: ”بَلى لَنَجْمَعَنَّكُمْ، قادِرِينَ“، اَلْمَعْنى: ”أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، والنَّفْسِ اللَّوّامَةِ لَنَجْمَعَنَّها قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ: ”بَلى نَقْدِرُ عَلى أنْ نَجْعَلَهُ كَخُفِّ البَعِيرِ“، والَّذِي هو أشْكَلُ بِجَمْعِ العِظامِ، ”بَلى نَجْمَعُها قادِرِينَ عَلى تَسْوِيَةِ بَنانِهِ عَلى ما كانَتْ، وإنْ قَلَّ عِظامُها وصَغُرَتْ، وبَلَغَ مِنها البِلى“، و”اَلنَّفْسُ اللَّوّامَةُ“، تَفْسِيرُها أنَّ كُلَّ نَفْسٍ تَلُومُ صاحِبَها في الآخِرَةِ إنْ كانَ عَمِلَ شَرًّا لامَتْهُ نَفْسُهُ، وإنْ كانَ عَمِلَ خَيْرًا لامَتْهُ عَلى تَرْكِ الِاسْتِكْثارِ مِنهُ.

القيامة 75:5

(p-٢٥٢)وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾، مَعْناهُ أنَّهُ يُسَوِّفُ بِالتَّوْبَةِ، ويُقَدِّمُ الأعْمالَ السَّيِّئَةَ، ويَجُوزُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ”لِيَكْفُرَ بِما قُدّامَهُ“، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ٦]، فَـ ”يَفْجُرَ أمامَهُ“"، عَلى هَذا - واللَّهُ أعْلَمُ -، يُكَذِّبُ بِما قُدّامَهُ مِنَ البَعْثِ.

القيامة 75:7

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾، ويُقْرَأُ: ”بَرَقَ البَصَرُ“، فَمَن قَرَأ: ﴿بَرِقَ﴾، فَمَعْناهُ: فَزِعَ وتَحَيَّرَ، ومَن قَرَأ: ”بَرَقَ“، فَهو مِن ”بَرَقَ، يَبْرُقُ“، مِن بَرِيقِ العَيْنَيْنِ.

القيامة 75:8

وَقَوْلُهُ: ﴿وَخَسَفَ القَمَرُ﴾، أيْ: ذَهَبَ ضَوْءُ القَمَرِ.

القيامة 75:9

﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾، أيْ: جُمِعا في ذَهابِ نُورِهِما.

القيامة 75:10

﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾، ويُقْرَأُ: ”أيْنَ المَفِرُّ“، بِكَسْرِ الفاءِ، فَمَن فَتَحَ فَهو بِمَعْنى: ”أيْنَ الفِرارُ؟“، ومَن كَسَرَ فَعَلى مَعْنى: ”أيْنَ مَكانُ الفِرارِ؟“، و”اَلْمَفْعَلُ“، مِن مِثْلِ ”جَلَسْتُ“، بِفَتْحِ العَيْنِ، وكَذَلِكَ المَصْدَرُ، تَقُولُ: ”جَلَسْتُ مَجْلَسًا“، بِفَتْحِ اللّامِ، بِمَعْنى ”جُلُوسًا“، فَإذا قُلْتَ: ”جَلَسْتُ مَجْلِسًا“، فَأنْتَ تُرِيدُ المَكانَ.

القيامة 75:11

ثُمَّ أعْلَمَ تَعالى أنَّهُ لا حِرْزَ لَهُمْ، ولا مَحِيصَ، فَقالَ: ﴿كَلا لا وزَرَ﴾، ”اَلْوَزَرُ“، في كَلامِ العَرَبِ: اَلْجَبَلُ الَّذِي يُلْجَأُ إلَيْهِ، هَذا أصْلُهُ، وكُلُّ ما التَجَأْتَ إلَيْهِ، وتَخَلَّصْتَ بِهِ، فَهو وزَرٌ.

القيامة 75:14

وَقَوْلُهُ: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿وَلَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٥]، مَعْناهُ: ”بَلِ الإنْسانُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ جَوارِحُهُ“، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: (p-٢٥٣)﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٠]، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ هَذِهِ الجَوارِحَ الَّتِي يَتَصَرَّفُونَ بِها شَواهِدُ عَلَيْهِمْ.

القيامة 75:15

قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾، ولَوْ أدْلى بِكُلِّ حُجَّةٍ عِنْدَهُ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ: ”اَلْمَعاذِيرُ“: اَلسُّتُورُ، واحِدُها ”مِعْذارٌ“.

القيامة 75:16

وَقَوْلُهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾، كانَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذا نَزَلَ بِالوَحْيِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ تَلاهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَيْهِ، كَراهَةَ أنْ يَنْفَلِتَ مِنهُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ لا يُنْسِيهِ إيّاهُ، وأنَّهُ يَجْمَعُهُ في قَلْبِهِ، فَقالَ: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]، أيْ: إنَّ عَلَيْنا أنْ نُقْرِئَكَ فَلا تَنْسى، وعَلَيْنا تِلاوَتُهُ عَلَيْكَ.

القيامة 75:18

﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، أيْ: لا تَعْجَلْ بِالتِّلاوَةِ إلى أنْ يُقْرَأ عَلَيْكَ ما يُنْزَلُ في وقْتِهِ.

القيامة 75:19

﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾، أيْ: عَلَيْنا أنْ نُنَزِّلَهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ، فِيهِ بَيانٌ لِلنّاسِ.

القيامة 75:22

قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، نُضِّرَتْ بِنَعِيمِ الجَنَّةِ، والنَّظَرِ إلى رَبِّها، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤]

القيامة 75:24

﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾، ”باسِرَةٌ“: كَرِيهَةٌ مُقَطِّبَةٌ، قَدْ أيْقَنَتْ بِأنَّ العَذابَ نازِلٌ بِها، ومَعْنى: ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾، (p-٢٥٤)تُوقِنُ أنْ يُفْعَلَ بِها داهِيَةٌ مِنَ العَذابِ.

القيامة 75:25

﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾، ”باسِرَةٌ“: كَرِيهَةٌ مُقَطِّبَةٌ، قَدْ أيْقَنَتْ بِأنَّ العَذابَ نازِلٌ بِها، ومَعْنى: ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾، (p-٢٥٤)تُوقِنُ أنْ يُفْعَلَ بِها داهِيَةٌ مِنَ العَذابِ.

القيامة 75:26

وَقَوْلُهُ: ﴿كَلا﴾، ”،كَلّا“، رَدْعٌ وتَنْبِيهٌ، ومَعْناهُ: ”اِرْتَدِعُوا عَمّا يُؤَدِّي إلى العَذابِ“. وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾، ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ بِصُعُوبَةِ أوَّلِ أيّامِ الآخِرَةِ، عِنْدَ بُلُوغِ النَّفْسِ التَّرْقُوَةِ.

القيامة 75:27

﴿وَقِيلَ مَن راقٍ﴾، أيْ: مَن يَشْفِي مِن هَذِهِ الحالِ، وهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - يَقَوْلُهُ القائِلُ عِنْدَ البَأْسِ، أيْ: مَن يَقْدِرُ أنْ يَرْقِيَ مِنَ المَوْتِ، وقِيلَ في التَّفْسِيرِ: ﴿مَن راقٍ﴾ مَن يَرْقى بِرُوحِهِ؟ أمَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ أمْ مَلائِكَةُ العَذابِ؟

القيامة 75:28

﴿وَظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾، أيْ: وأيْقَنَ الَّذِي تَبْلُغُ رُوحُهُ إلى تَراقِيهِ أنَّهُ مُفارِقٌ لِلدُّنْيا.

القيامة 75:29

﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾، عِنْدَ المَوْتِ تَلْتَصِقُ السّاقُ بِالسّاقِ، قِيلَ: ”والتَفَّتْ آخِرُ شِدَّةِ الدُّنْيا بِأوَّلِ شِدَّةِ الآخِرَةِ“.

القيامة 75:31

وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾، يُعْنى بِهِ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ: إنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِرْعَوْنًا، وإنَّ فِرْعَوْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.

القيامة 75:33

﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾، مَعْناهُ: ”بِتَبَخْتُرٍ“، مَأْخُوذٌ مِن ”اَلْمَطا“، وهو الظَّهْرُ.

القيامة 75:34

وَقَوْلُهُ: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾، مَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ولِيُّكَ المَكْرُوهُ يا أبا جَهْلٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: ”أوْلى لِفُلانٍ“"، إذا دَعَتْ عَلَيْهِ بِالمَكْرُوهِ.

القيامة 75:36

(p-٢٥٥)﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾، أيْ: أنْ يُتْرَكَ غَيْرَ مَأْمُورٍ، وغَيْرَ مَنهِيٍّ، ثُمَّ دَلَّهم عَلى البَعْثِ بِالقُدْرَةِ عَلى الِابْتِداءِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧]، وقُرِئَتْ: ”تُمْنى“، فَمَن قَرَأ: ”تُمْنى“، فَلِلَفْظِ النُّطْفَةِ، ومَن قَرَأ ﴿يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧]، فَلِلَفْظِ مَنِيٍّ.

القيامة 75:38

﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾، ثُمَّ قَرَّرَهم فَقالَ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] (p-٢٥٦)

القيامة 75:39

﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾، ثُمَّ قَرَّرَهم فَقالَ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠] (p-٢٥٦)