Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — البقرة 2:238 – البقرة 2:281

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. البقرة 2:238
  2. البقرة 2:239
  3. البقرة 2:240
  4. البقرة 2:241
  5. البقرة 2:242
  6. البقرة 2:243
  7. البقرة 2:244
  8. البقرة 2:245
  9. البقرة 2:246
  10. البقرة 2:247
  11. البقرة 2:248
  12. البقرة 2:249
  13. البقرة 2:250
  14. البقرة 2:251
  15. البقرة 2:252
  16. البقرة 2:253
  17. البقرة 2:254
  18. البقرة 2:255
  19. البقرة 2:256
  20. البقرة 2:257
  21. البقرة 2:258
  22. البقرة 2:259
  23. البقرة 2:260
  24. البقرة 2:261
  25. البقرة 2:262
  26. البقرة 2:263
  27. البقرة 2:264
  28. البقرة 2:265
  29. البقرة 2:266
  30. البقرة 2:267
  31. البقرة 2:268
  32. البقرة 2:269
  33. البقرة 2:270
  34. البقرة 2:271
  35. البقرة 2:272
  36. البقرة 2:273
  37. البقرة 2:274
  38. البقرة 2:275
  39. البقرة 2:276
  40. البقرة 2:277
  41. البقرة 2:278
  42. البقرة 2:279
  43. البقرة 2:280
  44. البقرة 2:281

البقرة 2:238

﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ الِانْتِقالُ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ، في آيِ القُرْآنِ، لا تَلْزَمُ لَهُ قُوَّةُ ارْتِباطٍ، لِأنَّ القُرْآنَ لَيْسَ كِتابَ تَدْرِيسٍ يُرَتَّبُ بِالتَّبْوِيبِ وتَفْرِيعِ المَسائِلِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ ولَكِنَّهُ كِتابُ تَذْكِيرٍ، ومَوْعِظَةٍ فَهو مَجْمُوعُ ما نَزَلَ مِنَ الوَحْيِ في هَدْيِ الأُمَّةِ، وتَشْرِيعِها ومَوْعِظَتِها، وتَعْلِيمِها، فَقَدْ يُجْمَعُ فِيهِ الشَّيْءُ لِلشَّيْءِ، مِن غَيْرِ لُزُومِ ارْتِباطٍ، وتَفَرُّعِ مُناسَبَةٍ، ورُبَّما كَفى في ذَلِكَ نُزُولُ الغَرَضِ الثّانِي، عَقِبَ الغَرَضِ الأوَّلِ، أوْ تَكُونُ الآيَةُ مَأْمُورًا بِإلْحاقِها بِمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ مِن إحْدى سُوَرِ القُرْآنِ. كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ، ولا يَخْلُو ذَلِكَ مِن مُناسَبَةٍ في المَعانِي، أوْ في انْسِجامِ نَظْمِ الكَلامِ، فَلَعَلَّ آيَةَ ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ نَزَلَتْ عَقِبَ آياتِ تَشْرِيعِ العِدَّةِ والطَّلاقِ، لِسَبَبٍ اقْتَضى ذَلِكَ: مِن غَفْلَةٍ عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى، أوِ اسْتِشْعارِ مَشَقَّةٍ في المُحافَظَةِ عَلَيْها، فَمَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ مَوْقِعُ الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ بَيْنَ أحْكامِ الطَّلاقِ والعَدَدِ، وإذا أبَيْتَ ألّا تَطْلُبَ الِارْتِباطَ فالظّاهِرُ أنَّهُ لَمّا طالَ تِبْيانُ أحْكامٍ كَثِيرَةٍ مُتَوالِيَةٍ: ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٥]، جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُرْتَبِطَةً بِالتَّذْيِيلِ الَّذِي ذُيِّلَتْ بِهِ الآيَةُ السّابِقَةُ: وهو قَوْلُهُ ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَإنَّ اللَّهَ دَعانا إلى خُلُقٍ حُمَيْدٍ، وهو العَفْوُ عَنِ الحُقُوقِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ الخُلُقُ قَدْ يَعْسُرُ عَلى النَّفْسِ، لِما فِيهِ مِن تَرْكِ ما تُحِبُّهُ مِنَ المَلائِمِ، مِن مالٍ وغَيْرِهِ: كالِانْتِقامِ مِنَ الظّالِمِ، وكانَ في طِباعِ الأنْفُسِ الشُّحُّ، عَلَّمَنا اللَّهُ تَعالى دَواءَ صفحة ٤٦٦ هَذا الدّاءِ بِدَواءَيْنِ، أحَدُهُما دُنْيَوِيٌّ عَقْلِيٌّ، وهو قَوْلُهُ ﴿ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، المُذَكِّرُ بِأنَّ العَفْوَ يُقَرِّبُ إلَيْكَ البَعِيدَ، ويُصَيِّرُ العَدُوَّ صَدِيقًا وإنَّكَ إنْ عَفَوْتَ فَيُوشِكُ أنْ تَقْتَرِفَ ذَنْبًا فَيُعْفى عَنْكَ، إذا تَعارَفَ النّاسُ الفَضْلَ بَيْنَهم، بِخِلافِ ما إذا أصْبَحُوا لا يَتَنازَعُونَ عَنِ الحَقِّ. الدَّواءُ الثّانِي أُخْرَوِيٌّ رُوحانِيٌّ: وهو الصَّلاةُ الَّتِي وصَفَها اللَّهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى بِأنَّها تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، فَلَمّا كانَتْ مُعِينَةً عَلى التَّقْوى، ومَكارِمِ الأخْلاقِ، حَثَّ اللَّهُ عَلى المُحافَظَةِ عَلَيْها، ولَكَ أنْ تَقُولَ: لَمّا طالَ تَعاقُبُ الآياتِ المُبَيِّنَةِ تَشْرِيعاتٍ تَغْلُبُ فِيها الحُظُوظُ الدُّنْيَوِيَّةُ لِلْمُكَلَّفِينَ، عُقِبَّتْ تِلْكَ التَّشْرِيعاتُ بِتَشْرِيعٍ تَغْلِبُ فِيهِ الحُظُوظُ الأُخْرَوِيَّةُ، لِكَيْ لا يَشْتَغِلَ النّاسُ بِدِراسَةِ أحَدِ الصِّنْفَيْنِ مِنَ التَّشْرِيعِ، عَنْ دِراسَةِ الصِّنْفِ الآخَرِ، قالَ البَيْضاوِيُّ: أُمِرَ بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها في تَضاعِيفِ أحْكامِ الأوْلادِ والأزْواجِ، لِئَلّا يُلْهِيَهُمُ الِاشْتِغالُ بِشَأْنِهِمْ عَنْها. وقالَ بَعْضُهم: (لَمّا ذَكَرَ حُقُوقَ النّاسِ دَلَّهم عَلى المُحافَظَةِ عَلى حُقُوقِ اللَّهِ) وهو في الجُمْلَةِ. مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّ في العِنايَةِ بِالصَّلَواتِ أداءَ حَقِّ الشُّكْرِ لِلَّهِ تَعالى عَلى ما وجَّهَ إلَيْنا مِن عِنايَتِهِ بِأُمُورِنا الَّتِي بِها قِوامُ نِظامِنا وقَدْ أوْمَأ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ في آخِرِ الآيَةِ ﴿كَما عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩] أيْ مِن قَوانِينِ المُعامَلاتِ النِّظامِيَّةِ. وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ الآخَرَيْنِ تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ مُعْتَرِضَةً ومَوْقِعُها ومَعْناها مِثْلُ مَوْقِعِ قَوْلِهِ ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠] . وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] . وكَمَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٥٠] الآيَةَ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ﴾ [البقرة: ١٥٤] الآيَةَ. (وحافِظُوا) صِيغَةُ مُفاعَلَةٍ اسْتُعْمِلَتْ هُنا لِلْمُبالَغَةِ عَلى غَيْرِ حَقِيقَتِها. والمُحافَظَةُ عَلَيْها هي المُحافَظَةُ عَلى أوْقاتِها مِن أنْ تُؤَخَّرَ عَنْها والمُحافَظَةُ تُؤْذِنُ بِأنَّ المُتَعَلِّقَ بِها حَقٌّ عَظِيمٌ يُخْشى التَّفْرِيطُ فِيهِ. صفحة ٤٦٧ والمُرادُ: الصَّلَواتُ المَفْرُوضَةُ و(ال) في الصَّلَواتِ لِلْعَهْدِ، وهي الصَّلَواتُ الخَمْسُ المُتَكَرِّرَةُ؛ لِأنَّها الَّتِي تُطْلَبُ المُحافَظَةُ عَلَيْها. والصَّلاةِ الوُسْطى لا شَكَّ أنَّها صَلاةٌ مِن جُمْلَةِ الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ: لِأنَّ الأمْرَ بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها يَدُلُّ عَلى أنَّها مِنَ الفَرائِضِ، وقَدْ ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ مُعَرَّفَةً بِلامِ التَّعْرِيفِ، ومَوْصُوفَةً بِأنَّها وُسْطى، فَسَمِعَها المُسْلِمُونَ وقَرَءُوها، فَإمّا عَرَفُوا المَقْصُودَ مِنها في حَياةِ الرَّسُولِ ﷺ، ثُمَّ طَرَأ عَلَيْهِمُ الِاحْتِمالُ بَعْدَهُ فاخْتَلَفُوا، وإمّا شَغَلَتْهُمُ العِنايَةُ بِالسُّؤالِ عَنْ مُهِمّاتِ الدِّينِ في حَياةِ الرَّسُولِ عَنِ السُّؤالِ عَنْ تَعْيِينِها: لِأنَّهم كانُوا عازِمِينَ عَلى المُحافَظَةِ عَلى الجَمِيعِ، فَلَمّا تَذاكَرُوها بَعْدَ وفاتِهِ ﷺ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ فَنَبَعَ مِن ذَلِكَ خِلافٌ شَدِيدٌ: أنْهَيْتُ الأقْوالَ فِيهِ إلى نَيِّفٍ وعِشْرِينَ قَوْلًا، بِالتَّفْرِيقِ والجَمْعِ، وقَدْ سَلَكُوا لِلْكَشْفِ عَنْها مَسالِكَ؛ مَرْجِعُها إلى أخْذِ ذَلِكَ مِنَ الوَصْفِ بِالوُسْطى، أوْ مِنِ الوِصايَةِ بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها. فَأمّا الَّذِينَ تَعَلَّقُوا بِالِاسْتِدْلالِ بِوَصْفِ الوُسْطى: فَمِنهم مَن حاوَلَ جَعْلَ الوَصْفِ مِنَ الوَسَطِ بِمَعْنى الخِيارِ والفَضْلِ، فَرَجَعَ إلى تَتَبُّعِ ما ورَدَ في تَفْضِيلِ بَعْضِ الصَّلَواتِ عَلى بَعْضٍ، مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] وحَدِيثِ عائِشَةَ «أفْضَلُ الصَّلَواتِ عِنْدَ اللَّهِ صَلاةُ المَغْرِبِ» . ومِنهم مَن حاوَلَ جَعْلَ الوَصْفِ مِنَ الوَسَطِ: وهو الواقِعُ بَيْنَ جانِبَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ مِنَ العَدَدِ فَذَهَبَ يَتَطَلَّبُ الصَّلاةَ الَّتِي هي بَيْنَ صَلاتَيْنِ مِن كُلِّ جانِبٍ، ولَمّا كانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ صالِحَةً لِأنْ تُعْتَبَرَ واقِعَةً بَيْنَ صَلاتَيْنِ، لِأنَّ ابْتِداءَ الأوْقاتِ اعْتِبارِيٌّ، ذَهَبُوا يُعَيِّنُونَ المَبْدَأ: فَمِنهم مَن جَعَلَ المَبْدَأ ابْتِداءَ النَّهارِ، فَجَعَلَ مَبْدَأ الصَّلَواتِ الخَمْسِ صَلاةَ الصُّبْحِ فَقُضِيَ بِأنَّ الوُسْطى: العَصْرُ، ومِنهم مَن جَعَلَ المَبْدَأ الظَّهْرَ، لِأنَّها أوَّلُ صَلاةٍ فُرِضَتْ؛ كَما في حَدِيثِ جِبْرِيلَ في المُوَطَّأِ، فَجَعَلَ الوُسْطى: المَغْرِبَ. وأمّا الَّذِينَ تَعَقَّلُوا بِدَلِيلِ الوِصايَةِ عَلى المُحافَظَةِ، فَذَهَبُوا يَتَطَلَّبُونَ أشَقَّ صَلاةٍ عَلى النّاسِ: تَكْثُرُ المُتَطَلَّباتُ عَنْها، فَقالَ قَوْمٌ: هي الظُّهْرُ لِأنَّها أشَقُّ صَلاةٍ عَلَيْهِمْ بِالمَدِينَةِ، كانُوا أهْلَ شُغْلٍ، وكانَتْ تَأْتِيهِمُ الظُّهْرُ وهم قَدْ أتْعَبَتْهم أعْمالُهم، ورُبَّما كانُوا في إكْمالِ أعْمالِهِمْ، وقالَ قَوْمٌ: هي العِشاءُ؛ لِما ورَدَ أنَّها أثْقَلُ صَلاةٍ عَلى المُنافِقِينَ، وقالَ بَعْضُهم: هي العَصْرُ لِأنَّها وقْتُ شُغْلٍ وعَمَلٍ؛ وقالَ قَوْمٌ: هي الصُّبْحُ لِأنَّها وقْتُ نَوْمٍ في الصَّيْفِ، ووَقْتُ تَطَلُّبِ الدِّفْءِ في الشِّتاءِ. صفحة ٤٦٨ وأصَحُّ ما في هَذا الخِلافِ: ما جاءَ مِن جِهَةِ الأثَرِ وذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّها الصُّبْحُ. هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ فُقَهاءِ المَدِينَةِ، وهو قَوْلُ عُمَرَ، وابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وعَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وعائِشَةَ، وحَفْصَةَ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وبِهِ قالَ مالِكٌ، وهو عَنِ الشّافِعِيِّ أيْضًا، لِأنَّ الشّائِعَ عِنْدَهم أنَّها الصُّبْحُ، وهم أعْلَمُ النّاسِ بِما يُرْوى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مِن قَوْلٍ، أوْ فِعْلٍ، أوْ قَرِينَةِ حالٍ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّها العَصْرُ، وهَذا قَوْلُ جُمْهُورٍ مِن أهْلِ الحَدِيثِ، وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أيْضًا، وهو الأصَحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وأبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، ونُسِبَ إلى عائِشَةَ، وحَفْصَةَ، والحَسَنِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ في رِوايَةٍ، ومالَ إلَيْهِ ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ المالِكِيَّةِ، وحُجَّتُهم ما رُوِيَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ يَوْمَ الخَنْدَقِ حِينَ نَسِيَ أنْ يُصَلِّيَ العَصْرَ مِن شِدَّةِ الشُّغْلِ في حَفْرِ الخَنْدَقِ، حَتّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقالَ: شَغَلُونا - أيِ المُشْرِكُونَ - عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى، أضْرَمَ اللَّهُ قُبُورَهم نارًا» . والأصَحُّ مِن هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ أوَّلُهُما: لِما في المُوَطَّأِ والصَّحِيحَيْنِ، أنْ عائِشَةَ وحَفْصَةَ أمَرَتا كاتِبَيْ مُصْحَفَيْهِما أنْ يَكْتُبا قَوْلَهُ تَعالى (حافَظُوا عَلى الصَّلَواتِ الوُسْطى وصَلاةِ العَصْرِ وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ) وأسْنَدَتْ عائِشَةُ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولَمْ تُسْنِدْهُ حَفْصَةُ، فَإذا بَطَلَ أنْ تَكُونَ الوُسْطى هي العَصْرَ، بِحُكْمِ عَطْفِها عَلى الوُسْطى تَعَيَّنَ كَوْنُها الصُّبْحَ، هَذا مِن جِهَةِ الأثَرِ. وأمّا مِن جِهَةِ مَسالِكِ الأدِلَّةِ المُتَقَدِّمَةِ، فَأفْضَلِيَّةُ الصُّبْحِ ثابِتَةٌ بِالقُرْآنِ، قالَ تَعالى، مُخَصِّصًا لَها بِالذِّكْرِ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] وفي الصَّحِيحِ أنَّ مَلائِكَةَ اللَّيْلِ، ومَلائِكَةَ النَّهارِ، يَجْتَمِعُونَ عِنْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ، وتَوَسُّطُها بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ ظاهِرٌ، لِأنَّ وقْتَها بَيْنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فالظُّهْرُ والعَصْرُ نَهارِيَّتانِ، والمَغْرِبُ والعِشاءُ لَيْلِيَّتانِ، والصُّبْحُ وقْتٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الوَقْتَيْنِ، حَتّى إنَّ الشَّرْعَ عامَلَ نافِلَتَهُ مُعامَلَةَ نَوافِلِ النَّهارِ: فَشَرَعَ فِيها الإسْرارَ، وفَرِيضَتَهُ مُعامَلَةَ فَرائِضِ اللَّيْلِ: فَشَرَعَ فِيها الجَهْرَ. ومِن جِهَةِ الوَصايا بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها، هي أجْدَرُ الصَّلَواتِ بِذَلِكَ: لِأنَّها الصَّلاةُ الَّتِي تَكْثُرُ المُثَبِّطاتُ عَنْها، بِاخْتِلافِ الأقالِيمِ والعُصُورِ والأُمَمِ، بِخِلافِ غَيْرِها فَقَدْ تَشُقُّ إحْدى الصَّلَواتِ الأُخْرى عَلى طائِفَةٍ دُونَ أُخْرى، بِحَسَبِ الأحْوالِ والأقالِيمِ والفُصُولِ. صفحة ٤٦٩ ومِنَ النّاسِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الصَّلاةَ الوُسْطى قُصِدَ إخْفاؤُها لِيُحافِظَ النّاسُ عَلى جَمِيعِ الصَّلَواتِ، وهَذا قَوْلٌ باطِلٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَرَّفَها بِاللّامِ ووَصَفَها. فَكَيْفَ يَكُونُ مَجْمُوعُ هَذَيْنِ المُعَرَّفَيْنِ غَيْرَ مَفْهُومٍ، وأمّا قِياسُ ذَلِكَ عَلى ساعَةِ الجُمُعَةِ ولَيْلَةِ القَدْرِ فَفاسِدٌ، لِأنَّ كِلَيْهِما قَدْ ذُكِرَ بِطَرِيقِ الإبْهامِ وصَحَّتِ الآثارُ بِأنَّها غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ. هَذا خُلاصَةُ ما يُعْرَضُ هُنا مِن تَفْسِيرِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ أمْرٌ بِالقِيامِ في الصَّلاةِ بِخُضُوعٍ، فالقِيامُ: الوُقُوفُ، وهو رُكْنٌ في الصَّلاةِ فَلا يُتْرَكُ إلّا لِعُذْرٍ، وأمّا القُنُوتُ: فَهو الخُضُوعُ والخُشُوعُ قالَ تَعالى: ﴿وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] وقالَ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠] وسُمِّيَ بِهِ الدُّعاءُ المَخْصُوصُ الَّذِي يُدْعى بِهِ في صَلاةِ الصُّبْحِ أوْ في صَلاةِ المَغْرِبِ، عَلى خِلافٍ بَيْنَهم، وهو هُنا مَحْمُولٌ عَلى الخُضُوعِ والخُشُوعِ، وفي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «كُنّا نُسَلِّمُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وهو يُصَلِّي فَيَرُدُّ عَلَيْنا، فَلَمّا رَجَعْنا مِن عِنْدِ النَّجاشِيِّ سَلَّمْنا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنا، وقالَ: إنَّ في الصَّلاةِ لَشُغْلًا» «وعَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ: كانَ الرَّجُلُ يُكَلِّمُ الرَّجُلَ إلى جَنْبِهِ، في الصَّلاةِ، حَتّى نَزَلَتْ ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنا بِالسُّكُوتِ» . فَلَيْسَ قانِتِينَ هُنا بِمَعْنى قارِئِينَ دُعاءَ القُنُوتِ، لِأنَّ ذَلِكَ الدُّعاءَ إنَّما سُمِّيَ قُنُوتًا اسْتِرْواحًا مِن هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ الَّذِينَ فَسَّرُوا الوُسْطى بِصَلاةِ الصُّبْحِ كَما في حَدِيثِ أنَسٍ «دَعا النَّبِيءُ عَلى رِعْلٍ وذَكْوانَ في صَلاةِ الغَداةِ شَهْرًا وذَلِكَ بَدْءُ القُنُوتِ وما كُنّا نَقْنُتُ» .

البقرة 2:239

﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا فَإذا أمِنتُمْ فاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ حالَةَ الخَوْفِ لا تَكُونُ عُذْرًا في تَرْكِ المُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ، ولَكِنَّها عُذْرٌ في تَرْكِ القِيامِ لِلَّهِ قانِتِينَ، فَأفادَ هَذا التَّفْرِيعُ غَرَضَيْنِ: أحَدُهُما بِصَرِيحِ لَفْظِهِ، والآخَرُ بِلازِمِ مَعْناهُ. والخَوْفُ هُنا خَوْفُ العَدُوِّ، وبِذَلِكَ سُمِّيَتْ صَلاةَ الخَوْفِ، والعَرَبُ تُسَمِّي الحَرْبَ بِأسْماءِ الخَوْفِ: فَيَقُولُونَ الرَّوْعُ ويَقُولُونَ الفَزَعُ، قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: وتَحْمِلُنا غَداةَ الرَّوْعِ جُرْدُ البَيْتِ صفحة ٤٧٠ وقالَ سَبْرَةُ بْنُ عُمَرَ الفَقْعَسِيُّ: ونِسْوَتُكم في الرَّوْعِ بادٍ وُجُودُها ∗∗∗ يُخَلْنَ إمَـاءً والإماءُ حَـرائِرُ وفِي الحَدِيثِ «إنَّكم لَتَكْثُرُونَ عِنْدَ الفَزَعِ وتَقِلُّونَ عِنْدَ الطَّمَعِ» ولا يُعْرَفُ إطْلاقُ الخَوْفِ عَلى الحَرْبِ قَبْلَ القُرْآنِ قالَ تَعالى ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥] . والمَعْنى: فَإنْ حارَبْتُمْ أوْ كُنْتُمْ في حَرْبٍ، ومِنهُ سَمّى الفُقَهاءُ (صَلاةَ الخَوْفِ) الصَّلاةَ الَّتِي يُؤَدِّيها المُسْلِمُونَ وهم يُصافُّونَ العَدُوَّ، في ساحَةِ الحَرْبِ: وإيثارُ كَلِمَةِ الخَوْفِ في هَذِهِ الآيَةِ لِتَشْمَلَ خَوْفَ العَدُوِّ، وخَوْفَ السِّباعِ، وقُطّاعِ الطَّرِيقِ، وغَيْرِها. ورِجالًا جَمْعُ راجِلٍ كالصِّحابِ ورُكْبانًا جَمْعُ راكِبٍ وهُما حالانِ مِن مَحْذُوفٍ أيْ فَصَلُّوا رِجالًا أوْ رُكْبانًا وهَذا في مَعْنى الِاسْتِثْناءِ مِن قَوْلِهِ ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] لِأنَّ هاتِهِ الحالَةَ تُخالِفُ القُنُوتَ في حالَةِ التَّرَجُّلِ، وتُخالِفُهُما مَعًا في حالَةِ الرُّكُوبِ. والآيَةُ إشارَةٌ إلى أنَّ صَلاةَ الخَوْفِ لا يُشْتَرَطُ فِيها الخُشُوعُ، لِأنَّها تَكُونُ مَعَ الِاشْتِغالِ بِالقِتالِ ولا يُشْتَرَطُ فِيها القِيامُ. وهَذا الخَوْفُ يُسْقِطُ ما ذُكِرَ مِن شُرُوطِ الصَّلاةِ، وهو هُنا صَلاةُ النّاسِ فُرادى، وذَلِكَ عِنْدَ مالِكٍ، إذا اشْتَدَّ الخَوْفُ، وأظَلَّهُمُ العَدُوُّ، ولَمْ يَكُنْ حِصْنٌ بِحَيْثُ تَتَعَذَّرُ الصَّلاةُ جَماعَةً مَعَ الإمامِ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِبَيانِ صَلاةِ الجَيْشِ في الحَرْبِ جَماعَةً: المَذْكُورَةِ في سُورَةِ النِّساءِ، والظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِلنّاسِ في أوَّلِ الأمْرِ صَلاةَ الخَوْفِ فُرادى عَلى الحالِ الَّتِي يَتَمَكَّنُونَ مَعَها مِن مُواجَهَةِ العَدُوِّ، ثُمَّ شَرَعَ لَهم صَلاةَ الخَوْفِ جَماعَةً في سُورَةِ النِّساءِ، وأيْضًا شَمِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلَّ خَوْفٍ مِن سِباعٍ، أوْ قُطّاعِ طَرِيقٍ، أوْ مِن سَيْلِ الماءِ، قالَ مالِكٌ: وتُسْتَحَبُّ إعادَةُ الصَّلاةِ، قالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُصَلُّونَ كَما وصَفَ اللَّهُ ويُعِيدُونَ، لِأنَّ القِتالَ في الصَّلاةِ مُفْسِدٌ عِنْدَهُ. وقَوْلُهُ ﴿فَإذا أمِنتُمْ فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أرادَ الصَّلاةَ أيِ ارْجِعُوا إلى الذِّكْرِ المَعْرُوفِ. وجاءَ في الأمْنِ بِإذا وفي الخَوْفِ بِإنْ بِشارَةً لِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّهم سَيَكُونُ لَهُمُ النَّصْرُ والأمْنُ. وقَوْلُهُ ﴿كَما عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ الكافُ لِلتَّشْبِيهِ: أيِ اذْكُرُوهُ ذِكْرًا يُشابِهُ ما مَنَّ بِهِ عَلَيْكم مِن عِلْمِ الشَّرِيعَةِ في تَفاصِيلِ هَذِهِ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ، والمَقْصُودُ مِنَ المُشابَهَةِ صفحة ٤٧١ المُشابَهَةُ في التَّقْدِيرِ الِاعْتِبارِيِّ، أيْ أنْ يَكُونُ الذِّكْرُ بِنِيَّةِ الشُّكْرِ عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ والجَزاءِ، فَإنَّ الشَّيْءَ المُجازى بِهِ شَيْءٌ آخَرُ، يُعْتَبَرُ كالمُشابِهِ لَهُ، ولِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ المِقْدارِ، وقَدْ يُسَمُّونَ هَذِهِ الكافَ كافَ التَّعْلِيلِ، والتَّعْلِيلُ مُسْتَفادٌ مِنَ التَّشْبِيهِ، لِأنَّ العِلَّةَ عَلى قَدْرِ المَعْلُولِ.

البقرة 2:240

﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةٌ لِأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكم في ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفٍ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ هُنا، بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] إلى آخِرِها في غايَةِ الإشْكالِ: فَإنَّ حُكْمَها يُخالِفُ، في الظّاهِرِ، حُكْمَ نَظِيرَتِها الَّتِي تَقَدَّمَتْ، وعَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ هاتِهِ الآيَةُ سابِقَةٌ في النُّزُولِ عَلى آيَةِ ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] يَزْدادُ مَوْقِعُها غَرابَةً: إذْ هي سابِقَةٌ في النُّزُولِ مُتَأخِّرَةً في الوَضْعِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ شَرَعَتْ حُكْمَ تَرَبُّصِ المُتَوَفّى عَنْها حَوْلًا في بَيْتِ زَوْجِها وذَلِكَ في أوَّلِ الإسْلامِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِعِدَّةِ الوَفاةِ وبِالمِيراثِ، رُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ. وفي البُخارِيِّ، في كِتابِ التَّفْسِيرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قُلْتُ لِعُثْمانَ هَذِهِ الآيَةُ ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةٌ لِأزْواجِهِمْ﴾ قَدْ نَسَخَتْها الآيَةُ الأُخْرى، فَلَمْ تَكْتُبْها، قالَ: لا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنهُ عَنْ مَكانِهِ يا ابْنَ أخِي فاقْتَضى أنَّ هَذا هو مَوْضِعُ هَذِهِ الآيَةِ، وأنَّ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَها ناسِخَةٌ لَها، وعَلَيْهِ فَيَكُونُ وضْعُها هُنا بِتَوْقِيفٍ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ لِقَوْلِ عُثْمانَ لا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنهُ عَنْ مَكانِهِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ أرادَ بِالآيَةِ الأُخْرى آيَةَ سُورَةِ النِّساءِ في المِيراثِ. وفِي البُخارِيِّ: قالَ مُجاهِدٌ: شَرَعَ اللَّهُ العِدَّةَ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا تَعْتَدُّ عِنْدَ أهْلِ زَوْجِها واجِبًا، ثُمَّ نَزَلَتْ وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ فَجَعَلَ اللَّهُ لَها تَمامَ السَّنَةِ وصِيَّةً، إنْ شاءَتْ سَكَنَتْ في وصِيَّتِها وإنْ شاءَتْ خَرَجَتْ، ولَمْ يَكُنْ لَها يَوْمَئِذٍ مِيراثٌ مُعَيَّنٌ، فَكانَ ذَلِكَ حَقَّها في تَرِكَةِ زَوْجِها، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالمِيراثِ. فَلا تَعَرُّضَ في هَذِهِ الآيَةِ لِلْعِدَّةِ ولَكِنَّها في بَيانِ حُكْمٍ آخَرَ وهو إيجابُ الوَصِيَّةِ لَها بِالسُّكْنى حَوْلًا: إنْ شاءَتْ أنْ تَحْتَبِسَ عَنِ التَّزَوُّجِ حَوْلًا مُراعاةً لِما صفحة ٤٧٢ كانُوا عَلَيْهِ، ويَكُونُ الحَوْلُ تَكْمِيلًا لِمُدَّةِ السُّكْنى لا العِدَّةِ، وهَذا الَّذِي قالَهُ مُجاهِدٌ أصْرَحُ ما في هَذا البابِ، وهو المَقْبُولُ. واعْلَمُوا أنَّ العَرَبَ، في الجاهِلِيَّةِ، كانَ مِن عادَتِهِمُ المُتَّبَعَةِ أنَّ المَرْأةَ إذا تُوُفِّيَ عَنْها زَوْجُها تَمْكُثُ في شَرِّ بَيْتٍ لَها حَوْلًا، مُحِدَّةً لابِسَةً شَرَّ ثِيابِها مُتَجَنِّبَةً الزِّينَةَ والطِّيبَ، كَما تَقَدَّمَ في حاشِيَةِ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤] عَنِ المُوَطَّأِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أبْطَلَ ذَلِكَ الغُلُوَّ في سُوءِ الحالَةِ، وشَرَعَ عِدَّةَ الوَفاةِ والإحْدادَ، فَلَمّا ثَقُلَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ، في مَبْدَأِ أمْرِ تَغْيِيرِ العادَةِ، أمَرَ الأزْواجَ بِالوَصِيَّةِ لِأزْواجِهِمْ بِسُكْنى الحَوَلِ بِمَنزِلِ الزَّوْجِ والإنْفاقِ عَلَيْها مِن مالِهِ، إنْ شاءَتِ السُّكْنى بِمَنزِلِ الزَّوْجِ، فَإنْ خَرَجَتْ وأبَتِ السُّكْنى هُنالِكَ لَمْ يُنْفَقْ عَلَيْها، فَصارَ الخِيارُ لِلْمَرْأةِ في ذَلِكَ بَعْدَ أنْ كانَ حَقًّا عَلَيْها لا تَسْتَطِيعُ تَرْكَهُ، ثُمَّ نُسِخَ الإنْفاقُ والوَصِيَّةُ بِالمِيراثِ، فاللَّهُ لَمّا أرادَ نَسْخَ عِدَّةِ الجاهِلِيَّةِ، وراعى لُطْفَهُ بِالنّاسِ في قَطْعِهِمْ عَنْ مُعْتادِهِمْ، أقَرَّ الِاعْتِدادَ بِالحَوْلِ، وأقَرَّ ما مَعَهُ مِنَ المُكْثِ في البَيْتِ مُدَّةَ العِدَّةِ، لَكِنَّهُ أوْقَفَهُ عَلى وصِيَّةِ الزَّوْجِ، عِنْدَ وفاتِهِ، لِزَوْجِهِ بِالحُسْنى، وعَلى قَبُولِ الزَّوْجَةِ ذَلِكَ، فَإنْ لَمْ يُوصِ لَها أوْ لَمْ تَقْبَلْ، فَلَيْسَ عَلَيْها السُّكْنى، ولَها الخُرُوجُ، وتَعْتَدُّ حَيْثُ شاءَتْ، ونَسَخَ وصِيَّةَ السُّكْنى حَوْلًا بِالمَوارِيثِ، وبَقِيَ لَها السُّكْنى في مَحَلِّ زَوَّجَها مُدَّةَ العِدَّةِ مَشْرُوعًا بِحَدِيثِ الفُرَيْعَةِ. وقَوْلُهُ وصِيَّةٌ لِأزْواجِهِمْ قَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ: بِرَفْعِ وصِيَّةٍ عَلى الِابْتِداءِ، مُحَوَّلًا عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ، وأصْلُهُ وصِيَّةً بِالنَّصْبِ بَدَلًا مِن فِعْلِهِ، فَحُوِّلَ إلى الرَّفْعِ لِقَصْدِ الدَّوامِ كَقَوْلِهِمْ: حَمْدٌ وشُكْرٌ، وصَبْرٌ جَمِيلٌ كَما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢]، وقَوْلُهُ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] . ولَمّا كانَ المَصْدَرُ في المَفْعُولِ المُطْلَقِ، في مِثْلِ هَذا، دالًّا عَلى النَّوْعِيَّةِ، جازَ عِنْدَ وُقُوعِهِ مُبْتَدَأً أنْ يَبْقى مُنَكَّرًا، إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ فَرْدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ حَتّى يُنافِيَ الِابْتِداءَ، بَلِ المَقْصُودُ النَّوْعُ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: (لِأزْواجِهِمْ) خَبَرٌ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: وصِيَّةً بِالنَّصْبِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ لِأزْواجِهِمْ مُتَعَلِّقًا بِهِ عَلى أصْلِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ الآتِي بَدَلًا مِن فِعْلِهِ لِإفادَةِ الأمْرِ. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الوَصِيَّةَ وصِيَّةُ المُتَوَفِّينَ، فَتَكُونُ مِنَ الوَصِيَّةِ الَّتِي أُمِرَ بِها مَن تَحْضُرُهُ الوَفاةُ: مِثْلَ الوَصِيَّةِ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] فَعَلى هَذا الِاعْتِبارِ إذا لَمْ يُوصِ المُتَوَفّى لِزَوْجِهِ بِالسُّكْنى صفحة ٤٧٣ فَلا سُكْنى، لَها، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الزَّوْجَةَ مَعَ الوَصِيَّةِ مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ أنَّ تَقْبَلَ الوَصِيَّةَ، وبَيْنَ أنْ تَخْرُجَ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَتْ فِرْقَةٌ: مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وعَطاءٌ، والرَّبِيعُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ﴾ هي وصِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْأزْواجِ بِلُزُومِ البُيُوتِ حَوْلًا، وعَلى هَذا القَوْلِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] وقَوْلُهُ ﴿وصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢] فَذَلِكَ لا يَتَوَقَّفُ عَنْ إيصاءِ المُتَوَفِّينَ ولا عَلى قَبُولِ الزَّوْجاتِ، بَلْ هو حُكْمٌ مِنَ اللَّهِ يَجِبُ تَنْفِيذُهُ، وعَلَيْهِ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ لِأزْواجِهِمْ مُتَعَلِّقًا بِوَصِيَّةٍ، وتَعَلُّقُهُ بِهِ هو الَّذِي سَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ لِعَدَمِ تَأتِّي ما قَرَّرَ في الوَجْهِ الأوَّلِ. وقَوْلُهُ ﴿مَتاعًا إلى الحَوْلِ﴾: تَقَدَّمَ مَعْنى المَتاعِ في قَوْلِهِ ﴿مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] والمَتاعُ هُنا هو السُّكْنى، وهو مَنصُوبٌ عَلى حَذْفِ فِعْلِهِ أيْ لِيُمَتِّعُوهُنَّ مَتاعًا، وانْتَصَبَ مَتاعًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ، فَهو مُتَعَلِّقٌ بِوَصِيَّةٍ والتَّقْدِيرُ وصِيَّةٌ لِأزْواجِهِمْ بِمَتاعٍ. و”إلى“ مُؤْذِنَةٌ بِشَيْءٍ جُعِلَتْ غايَتُهُ الحَوْلَ، وتَقْدِيرُهُ: مَتاعًا بِسُكْنى إلى الحَوْلِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿غَيْرَ إخْراجٍ﴾ . والتَّعْرِيفُ في الحَوَلِ تَعْرِيفُ العَهْدِ، وهو الحَوَلُ المَعْرُوفُ عِنْدَ العَرَبِ مِن عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ الَّذِي تَعْتَدُّ بِهِ المَرْأةُ المُتَوَفّى عَنْها، فَهو كَتَعْرِيفِهِ في قَوْلِ لَبِيدٍ: إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمِ السَّلامِ عَلَيْكُما ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرَ وقَوْلُهُ ﴿غَيْرَ إخْراجٍ﴾ حالٌ مِن مَتاعًا مُؤَكِّدَةً، أوْ بَدَلٌ مِن مَتاعًا بَدَلًا مُطابِقًا، والعَرَبُ تُؤَكِّدُ الشَّيْءَ بِنَفْيِ ضِدِّهِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي العَبّاسِ الأعْمى يَمْدَحُ بَنِي أُمَيَّةَ: خُطَباءُ عَلى المَنابِرِ فُرْسا ∗∗∗ نٌ عَلَيْها وقالَةٌ غَيْرُ خُرْسِ وقَوْلُهُ ﴿فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ هو عَلى قَوْلِ فِرْقَةٍ مَعْناهُ: فَإنْ أبَيْنَ قَبُولَ الوَصِيَّةِ فَخَرَجْنَ، فَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ: مِنَ الخُرُوجِ وغَيْرِهِ مِنَ المَعْرُوفِ عَدا الخِطْبَةِ والتَّزَوُّجِ، والتَّزَيُّنِ في العِدَّةِ، فَذَلِكَ لَيْسَ مِنَ المَعْرُوفِ. صفحة ٤٧٤ وعَلى قَوْلِ الفِرْقَةِ الأُخْرى الَّتِي جَعَلَتِ الوَصِيَّةَ مِنَ اللَّهِ، يَجِبُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿فَإنْ خَرَجْنَ﴾ عَطْفًا عَلى مُقَدَّرٍ لِلْإيجازِ، مِثْلَ ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] أيْ فَإنْ تَمَّ الحَوْلُ فَخَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ: أيْ مَن تَزَوَّجَ وغَيْرُهُ، مِنَ المَعْرُوفِ عَدا، المُنْكَرِ كالزِّنا وغَيْرِهِ، والحاصِلُ أنَّ المَعْرُوفَ يُفَسَّرُ: بِغَيْرِ ما حُرِّمَ عَلَيْها في الحالَةِ الَّتِي وقَعَ فِيها الخُرُوجُ وكُلُّ ذَلِكَ فِعْلٌ في نَفْسِها، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ في تَفْسِيرِهِ (وتَنْكِيرُ مَعْرُوفٍ هُنا وتَعْرِيفُهُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ الأُخْرى، فَصارَ هُنالِكَ مَعْهُودًا) . وأحْسَبُ هَذا غَيْرَ مُسْتَقِيمٍ، وأنَّ التَّعْرِيفَ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، وهو والنَّكِرَةُ سَواءٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَنِ القِراءَةِ المَنسُوبَةِ إلى عَلِيٍّ - بِفَتْحِ ياءٍ يَتَوَفَّوْنَ - وما فِيها مِن نُكْتَةٍ عَرَبِيَّةٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] الآيَةَ.

البقرة 2:241

﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] جُعِلَ اسْتِيفاءً لِأحْكامِ المُتْعَةِ لِلْمُطَلَّقاتِ، بَعْدَ أنْ تَقَدَّمَ حُكْمُ مُتْعَةِ المُطَلَّقاتِ قَبْلَ المَسِيسِ وقَبْلَ الفَرْضِ، فَعَمَّمَ بِهَذِهِ الآيَةِ طَلَبَ المُتْعَةِ لِلْمُطَلَّقاتِ كُلِّهِنَّ. فاللّامُ في قَوْلِهِ ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ﴾ لامُ الِاسْتِحْقاقِ. والتَّعْرِيفُ في المُطَلَّقاتِ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ. فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَدْ زادَتْ أحْكامًا عَلى الآيَةِ الَّتِي سَبَقَتْها. وعَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] إلى قَوْلِهِ ﴿حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] قالَ رَجُلٌ: إنْ أحْسَنْتُ فَعَلْتُ وإنْ لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ لَمْ أفْعَلْ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ فَجَعَلَها بَيانًا لِلْآيَةِ السّابِقَةِ، إذْ عَوَّضَ وصْفَ المُحْسِنِينَ بِوَصْفِ المُتَّقِينَ. والوَجْهُ أنَّ اخْتِلافَ الوَصْفَيْنِ في الآيَتَيْنِ لا يَقْتَضِي اخْتِلافَ جِنْسِ الحُكْمِ بِاخْتِلافِ أحْوالِ المُطَلَّقاتِ، وأنَّ جَمِيعَ المُتْعَةِ مِن شَأْنِ المُحْسِنِينَ والمُتَّقِينَ. وأنَّ دَلالَةَ صِيغَةِ الطَّلَبِ في الآيَتَيْنِ سَواءٌ: إنْ كانَ اسْتِحْبابًا، أوْ كانَ إيجابًا. فالَّذِينَ حَمَلُوا الطَّلَبَ في الآيَةِ السّابِقَةِ عَلى الِاسْتِحْبابِ، حَمَلُوهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الِاسْتِحْبابِ بِالأُولى، ومُعَوِّلُهم في مَحْمَلِ الطَّلَبِ في كِلْتا الآيَتَيْنِ لَيْسَ إلّا عَلى اسْتِنْباطِ عِلَّةِ مَشْرُوعِيَّةِ المُتْعَةِ: وهي جَبْرُ خاطِرِ المُطَلَّقَةِ اسْتِبْقاءً لِلْمَوَدَّةِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَسْتَثْنِ مالِكٌ مِن مَشْمُولاتِ هَذِهِ الآيَةِ إلّا صفحة ٤٧٥ المُخْتَلِعَةَ؛ لِأنَّها هي الَّتِي دَعَتْ إلى الفُرْقَةِ دُونَ المُطَلِّقِ. والَّذِينَ حَمَلُوا الطَّلَبَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى الوُجُوبِ، اخْتَلَفُوا في مَحْمَلِ الطَّلَبِ في هَذِهِ الآيَةِ فَمِنهم مَن طَرَدَ قَوْلَهُ بِوُجُوبِ المُتْعَةِ لِجَمِيعِ المُطَلَّقاتِ، ومِن هَؤُلاءِ عَطاءٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ شِهابٍ، والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وأبُو ثَوْرٍ، ومِنهم مَن حَمَلَ الطَّلَبَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الِاسْتِحْبابِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، ومَرْجِعُهُ إلى تَأْوِيلِ ظاهِرِ قَوْلِهِ ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ﴾ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مَفْهُومُ قَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] .

البقرة 2:242

﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ كَهَذا البَيانِ الواضِحِ، يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ، فالآياتُ هُنا دَلائِلُ الشَّرِيعَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .

البقرة 2:243

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهم إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ، والتَّذْكِيرِ بِأنَّ الحَذَرَ لا يُؤَخِّرُ الأجَلَ، وأنَّ الجَبانَ قَدْ يَلْقى حَتْفَهُ في مَظِنَّةِ النَّجاةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في مُدَّةِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ وأنَّها تَمْهِيدٌ لِفَتْحِ مَكَّةَ، فالقِتالُ مِن أهَمِّ أغْراضِها، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ هو قَوْلُهُ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. فالكَلامُ رُجُوعٌ إلى قَوْلِهِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] وفَصَلَتْ بَيْنَ الكَلامَيْنِ الآياتُ النّازِلَةُ خِلالَهُما المُفْتَتَحَةُ بِـ (يَسْألُونَكَ) . ومَوْقِعُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ قَبْلَ قَوْلِهِ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مَوْقِعُ ذِكْرِ الدَّلِيلِ قَبْلَ المَقْصُودِ، وهَذا طَرِيقٌ مِن طُرُقِ الخَطابَةِ أنْ يُقَدَّمَ الدَّلِيلُ قَبْلَ المُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ لِمَقاصِدَ كَقَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، في بَعْضِ خُطَبِهِ لَمّا بَلَغَهُ اسْتِيلاءُ جُنْدِ الشّامِ عَلى أكْثَرِ البِلادِ، إذا افْتَتَحَ الخُطْبَةَ فَقالَ: ما هي إلّا الكُوفَةُ أقْبِضُها وأبْسُطُها أُنْبِئْتُ بُسْرًا هو ابْنُ أبِي أرْطاةَ مِن قادَةِ جُنُودِ الشّامِ قَدِ اطَّلَعَ اليَمَنَ، وإنِّي واللَّهِ لَأظُنُّ أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ سُيَدالُونَ مِنكم صفحة ٤٧٦ بِاجْتِماعِهِمْ عَلى باطِلِهِمْ، وتَفَرُّقِكم عَنْ حَقِّكم فَقَوْلُهُ ”ما هي إلّا الكُوفَةُ“ مُوقَعَةٌ مَوْقِعَ الدَّلِيلِ عَلى قَوْلِهِ ”لَأظُنُّ هَؤُلاءِ القَوْمَ“ إلَخْ وقالَ عِيسى بْنُ طَلْحَةَ لَمّا دَخَلَ عَلى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، حِينَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ: ما كُنّا نَعُدُّكَ لِلصِّراعِ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أبْقى لَنا أكْثَرَكَ: أبْقى لَنا سَمْعَكَ، وبَصَرَكَ، ولِسانَكَ، وعَقْلَكَ، وإحْدى رِجْلَيْكَ فَقَدَّمَ قَوْلَهُ: ما كُنّا نَعُدُّكَ لِلصِّراعِ، والمَقْصُودُ مِن مِثْلِ ذَلِكَ الِاهْتِمامُ والعِنايَةُ بِالحُجَّةِ، قَبْلَ ذِكْرِ الدَّعْوى، أوْ حَمْلًا عَلى التَّعْجِيلِ بِالِامْتِثالِ. واعْلَمْ أنَّ تَرْكِيبَ (ألَمْ تَرَ إلى كَذا) إذا جاءَ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ فِيهِ مُتَعَدِّيًا إلى ما لَيْسَ مِن شَأْنِ السّامِعِ أنْ يَكُونَ رَآهُ، كانَ كَلامًا مَقْصُودًا مِنهُ التَّحْرِيضُ عَلى عِلْمِ ما عُدِّيَ إلَيْهِ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ، وهَذا مِمّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ ولِذَلِكَ تَكُونُ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُسْتَعْمَلَةً في غَيْرِ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ بَلْ في مَعْنًى مَجازِيٍّ أوْ كِنائِيٍّ، مِن مَعانِي الِاسْتِفْهامِ غَيْرِ الحَقِيقِيِّ، وكانَ الخِطابُ بِهِ غالِبًا مُوَجَّهًا إلى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، ورُبَّما كانَ المُخاطَبُ مَفْرُوضًا مُتَخَيَّلًا. ولَنا في بَيانِ وجْهِ إفادَةِ هَذا التَّحْرِيضِ مِن ذَلِكَ التَّرْكِيبِ وُجُوهٌ ثَلاثَةٌ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في التَّعَجُّبِ، أوِ التَّعْجِيبِ، مِن عَدَمِ عِلْمِ المُخاطَبِ بِمَفْعُولِ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ، ويَكُونُ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ عِلْمِيًّا مِن أخَواتِ ظَنَّ، عَلى مَذْهَبِ الفَرّاءِ وهو صَوابٌ؛ لِأنَّ ”إلى“ ولامَ الجَرِّ يَتَعاقَبانِ في الكَلامِ كَثِيرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والأمْرُ إلَيْكِ﴾ [النمل: ٣٣] أيْ لَكِ وقالُوا ”أحْمَدُ اللَّهَ إلَيْكَ“ كَما يُقالُ ”أحْمَدُ لَكَ اللَّهَ“ والمَجْرُورُ بِإلى في مَحَلِّ المَفْعُولِ الأوَّلِ، لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ الزّائِدَ لا يَطْلُبُ مُتَعَلِّقًا، وجُمْلَةُ ﴿وهم أُلُوفٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، سادَّةً مَسَدَّ المَفْعُولِ الثّانِي: لِأنَّ أصْلَ المَفْعُولِ الثّانِي لِأفْعالِ القُلُوبِ أنَّهُ حالٌ، عَلى تَقْدِيرِ: ما كانَ مِن حَقِّهِمُ الخُرُوجُ، وتَفَرَّعَ عَلى قَوْلِهِ وهم أُلُوفٌ قَوْلُهُ ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ فَهو مِن تَمامِ مَعْنى المَفْعُولِ الثّانِي أوْ تُجْعَلُ إلى تَجْرِيدًا لِاسْتِعارَةِ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ لِمَعْنى العِلْمِ، أوْ قَرِينَةٍ عَلَيْها، أوْ لِتَضْمِينِ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ مَعْنى النَّظَرِ، لِيَحْصُلَ الِادِّعاءُ أنَّ هَذا الأمْرَ المُدْرَكَ بِالعَقْلِ كَأنَّهُ مُدْرَكٌ بِالنَّظَرِ، لِكَوْنِهِ بَيِّنَ صفحة ٤٧٧ الصِّدْقِ لِمَن عَلِمَهُ، فَيَكُونُ قَوْلُهم ”ألَمْ تَرَ إلى كَذا“ في قَوْلِهِ: جُمْلَتَيْنِ: ألَمْ تَعْلَمْ كَذا وتَنْظُرْ إلَيْهِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيًّا فَإنَّهُ كَثُرَ مَجِيءُ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ في الأفْعالِ المَنفِيَّةِ، مِثْلَ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦] . والقَوْلُ في فِعْلِ الرُّؤْيَةِ وفي تَعْدِيَةِ حَرْفِ ”إلى“ نَظِيرُ القَوْلِ فِيهِ في الوَجْهِ الأوَّلِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ تَجْعَلَ الِاسْتِفْهامَ إنْكارِيًّا، إنْكارًا لِعَدَمِ عِلْمِ المُخاطَبِ بِمَفْعُولِ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، والقَوْلُ في حَرْفِ ”إلى“ نَظِيرُ القَوْلِ فِيهِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، أوْ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً ضُمِّنَ الفِعْلُ مَعْنى تَنْظُرُ عَلى أنَّ أصْلَهُ أنْ يُخاطَبَ بِهِ مَن غَفَلَ عَنِ النَّظَرِ إلى شَيْءٍ مُبْصَرٍ ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا: حَقِيقَةً أوْ تَنْزِيلًا، ثُمَّ نُقِلَ المُرَكَّبُ إلى اسْتِعْمالِهِ في غَيْرِ الأُمُورِ المُبْصَرَةِ فَصارَ كالمَثَلِ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ الأعْشى: تَرى الجُودَ يَجْرِي ظاهِرًا فَوْقَ وجْهِهِ واسْتِفادَةُ التَّحْرِيضِ، عَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ إنَّما هي مِن طَرِيقِ الكِنايَةِ بِلازِمِ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ لِأنَّ شَأْنَ الأمْرِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ، أوِ المُقَرَّرِ بِهِ، أوِ المُنْكَوَرِ عِلْمُهُ، أنْ يَكُونَ شَأْنَهُ أنْ تَتَوافَرَ الدَّواعِي عَلى عِلْمِهِ، وذَلِكَ مِمّا يُحَرِّضُ عَلى عِلْمِهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ جَرى مَجْرى المَثَلِ، في مُلازَمَتِهِ لِهَذا الأُسْلُوبِ، سِوى أنَّهم غَيَّرُوهُ بِاخْتِلافِ أدَواتِ الخِطابِ الَّتِي يَشْتَمِلُ عَلَيْها: مِن تَذْكِيرٍ وضِدِّهِ، وإفْرادٍ وضِدِّهِ، نَحْوَ ”ألَمْ تَرَيْ“ في خِطابِ المَرْأةِ و”ألَمْ تَرَيا“ و”ألَمْ تَرَوْا“ و ”ألَمْ تَرَيْنَ“، في التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ هَذا إذا خُوطِبَ بِهَذا المُرَكَّبِ في أمْرٍ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ مُبْصَرًا لِلْمُخاطَبِ أوْ مُطْلَقًا. وقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ، والأظْهَرُ أنَّهم قَوْمٌ خَرَجُوا خائِفِينَ مِن أعْدائِهِمْ فَتَرَكُوا دِيارَهم جُبْنًا، وقَرِينَةُ ذَلِكَ عِنْدِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم أُلُوفٌ﴾ فَإنَّهُ جُمْلَةُ حالٍ وهي مَحَلُّ التَّعْجِيبِ، وإنَّما تَكُونُ كَثْرَةُ العَدَدِ مَحَلًّا لِلتَّعْجِيبِ إذا كانَ المَقْصُودُ الخَوْفَ مِنَ العَدْوِ، فَإنَّ شَأْنَ القَوْمِ الكَثِيرِينَ ألّا يَتْرُكُوا دِيارَهم خَوْفًا وهَلَعًا صفحة ٤٧٨ والعَرَبُ تَقُولُ لِلْجَيْشِ إذا بَلَغَ الأُلُوفَ لا يُغْلَبُ مِن قِلَّةٍ. فَقِيلَ هم مِن بَنِي إسْرائِيلَ خالَفُوا عَلى نَبِيءٍ لَهم في دَعْوَتِهِ إيّاهم لِلْجِهادِ، فَفارَقُوا وطَنهمْ فِرارًا مِنِ الجِهادِ، وهَذا الأظْهَر، فَتَكُونُ القِصَّةُ تَمْثِيلًا لِحالِ أهْلِ الجُبْنِ في القِتالِ، بِحالِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ، بِجامِعِ الجُبْنِ وكانَتِ الحالَةُ المُشَبَّهُ بِها أظْهَرَ في صِفَةِ الجُبْنِ وأفْظَعَ، مِثْلَ تَمْثِيلِ حالِ المُتَرَدِّدِ في شَيْءٍ بِحالِ مَن يُقَدِّمُ رِجْلًا ويُؤَخِّرُ أُخْرى، فَلا يُقالُ إنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلى تَشْبِيهِ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ. وهَذا أرْجَحُ الوُجُوهِ لِأنَّ أكْثَرَ أمْثالِ القُرْآنِ أنْ تَكُونَ بِأحْوالِ الأُمَمِ الشَّهِيرَةِ وبِخاصَّةٍ بَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ هم مِن قَوْمٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن أهْلِ داوَرْدانَ قُرْبَ واسِطَ وقَعَ طاعُونٌ بِبَلَدِهِمْ فَخَرَجُوا إلى وادٍ أفْيَحَ فَرَماهُمُ اللَّهُ بِداءِ مَوْتٍ ثَمانِيَةَ أيّامٍ، حَتّى انْتفَخُوا ونَتَنَتْ أجْسامُهم ثُمَّ أحْياها. وقِيلَ هم مِن أهْلِ أذْرُعاتٍ، بِجِهاتِ الشّامِ. واتَّفَقَتِ الرِّواياتُ كُلُّها عَلى أنَّ اللَّهَ أحْياهم بِدَعْوَةِ النَّبِيءِ حِزْقِيالِ بْن بُوزِي فَتَكُونُ القِصَّةُ اسْتِعارَةً: شَبَّهَ الَّذِينَ يَجْبُنُونَ عَنِ القِتالِ بِالَّذِينَ يَجْبُنُونَ مِنَ الطّاعُونِ، بِجامِعِ خَوْفِ المَوْتِ، والمُشَبَّهُونَ يُحْتَمَلُ أنَّهم قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ خامَرَهُمُ الجُبْنُ لَمّا دُعُوا إلى الجِهادِ في بَعْضِ الغَزَواتِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم فَرِيقٌ مَفْرُوضٌ وُقُوعُهُ قَبْل أنْ يَقَعَ، لِقَطْعِ الخَواطِرِ الَّتِي قَدْ تَخْطُرُ في قُلُوبِهِمْ. وفِي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ: أنَّ هَذا مَثَلٌ لا قِصَّةٌ واقِعَةٌ، وهَذا بَعِيدٌ يُبْعِدُهُ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ، وقَوْلُهُ ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ﴾ . وانْتَصَبَ ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، وعامِلُهُ ﴿خَرَجُوا﴾ . والأظْهَرُ أنَّهم قَوْمٌ فَرُّوا مِن عَدِّوِهِمْ، مَعَ كَثْرَتِهِمْ، وأخْلَوْا لَهُ الدِّيارَ، فَوَقَعَتْ لَهم في طَرِيقِهِمْ مَصائِبُ أشْرَفُوا بِها عَلى الهَلاكِ، ثُمَّ نَجَوْا، أوْ أوْبِئَةٌ وأمْراضٌ، كانَتْ أعْراضُها تُشْبِهُ أعْراضَ المَوْتِ، مِثْلَ داءِ السَّكْتِ ثُمَّ بَرِئُوا مِنها: فَهم في حالِهِمْ تِلْكَ مِثْلُ قَوْلِ الرّاجِزِ: صفحة ٤٧٩ وخارِجٌ أخْرَجَهُ حُبُّ الطـَّمَـعِ ∗∗∗ فَرَّ مِنَ المَوْتِ وفي المَوْتِ وقَعَ ويُؤَيِّدُ أنَّها إشارَةٌ إلى حادِثَةٍ ولَيْسَتْ مَثَلًا قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ الآيَةَ ويُؤَيِّدُ أنَّ المُتَحَدِّثَ عَنْهم لَيْسُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ قَوْلُهُ تَعالى، بَعْدَ هَذِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَأِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ [البقرة: ٢٤٦] والآيَةُ تُشِيرُ إلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨] وقَوْلُهُ ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] . فَأمّا الَّذِينَ قالُوا إنَّهم قَوْمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أحْياهُمُ اللَّهُ بِدَعْوَةِ حِزْقِيالَ، والَّذِينَ قالُوا إنَّما هَذا مَثَلٌ لا قِصَّةٌ واقِعَةٌ، فالظّاهِرُ أنَّهم أرادُوا الرُّؤْيا الَّتِي ذُكِرَتْ في كِتابِ حِزْقِيالَ في الإصْحاحِ ٣٧ مِنهُ إذْ قالَ: أخْرَجَنِي رُوحُ الرَّبِّ وأنْزَلَنِي في وسَطِ بُقْعَةٍ مَلْآنَةٍ عِظامًا ومُرَّ بِي مِن حَوْلِها وإذا هي كَثِيرَةٌ ويابِسَةٌ فَقالَ لِي يا ابْنَ آدَمَ أتَحْيا هَذِهِ العِظامُ، فَقُلْتُ يا سَيِّدِي أنْتَ تَعْلَمُ، فَقالَ لِي تَنَبَّأْ عَلى هَذِهِ العِظامِ وقُلْ لَها أيَّتُها العِظامُ اليابِسَةُ اسْمَعِي كَلِمَةَ الرَّبِّ، فَتَقارَبَتِ العِظامُ، وإذا بِالعَصَبِ واللَّحْمِ كَساها وبُسِطَ الجِلْدُ عَلَيْها مِن فَوْقُ ولَيْسَ فِيها رُوحٌ فَقالَ لِي تَنَبَّأْ لِلرُّوحِ وقُلْ قالَ الرَّبُّ هَلُمَّ يا رُوحُ مِنَ الرِّياحِ الأرْبَعِ وهَبَّ عَلى هَؤُلاءِ القَتْلى فَتَنَبَّأْتُ كَما أمَرَنِي فَدَخَلَ فِيهِمُ الرُّوحُ فَحَيَوْا وقامُوا عَلى أقْدامِهِمْ جَيْشٌ عَظِيمٌ جِدًّا جِدًّا. وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ النَّبِيءُ لِاسْتِماتَةِ قَوْمِهِ، واسْتِسْلامِهِمْ لِأعْدائِهِمْ، لِأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ " هَذِهِ العِظامُ هي كُلُّ بُيُوتِ إسْرائِيلَ هم يَقُولُونَ يَبِسَتْ عِظامُنا وهَلَكَ رَجاؤُنا قَدِ انْقَطَعْنا فَتَنَبَّأْ وقُلْ لَهم قالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ ها أنَذا أفْتَحُ قُبُورَكم وأُصْعِدُكم مِنها يا شَعْبِي وآتِي بِكم إلى أرْضِ إسْرائِيلَ وأجْعَلُ رُوحِي فِيكم فَتَحْيَوْنَ. فَلَعَلَّ هَذا المَثَلَ مَعَ المَوْضِعِ الَّذِي كانَتْ فِيهِ مُراءى هَذا النَّبِيءِ، وهو الخابُورُ، وهو قُرْبُ واسِطَ، هو الَّذِي حَدا بَعْضَ أهْلِ القِصَصِ إلى دَعْوى أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ مِن أهْلِ داوَرْدانَ: إذْ لَعَلَّ داوَرْدانَ كانَتْ بِجِهاتِ الخابُورِ الَّذِي رَأى عِنْدَهُ النَّبِيءُ حِزْقِيالُ ما رَأى. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ القَوْلُ فِيهِ إمّا مَجازٌ في التَّكْوِينِ والمَوْتُ حَقِيقَةٌ أيْ جَعَلَ فِيهِمْ حالَةَ المَوْتِ، وهي وُقُوفُ القَلْبِ وذَهابُ الإدْراكِ والإحْساسِ، اسْتُعِيرَتْ حالَةُ تَلَقِّي المُكَوِّنِ لِأثَرِ الإرادَةِ بِتَلَقِّي المَأْمُورِ لِلْأمْرِ، فَأطْلَقَ عَلى الحالَةِ المُشَبَّهَةِ المُرَكَّبَ الدّالَّ عَلى الحالَةِ المُشَبَّهِ بِها عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ، ثُمَّ أحْياهم بِزَوالِ ذَلِكَ العارِضِ فَعَلِمُوا أنَّهم أُصِيبُوا بِما لَوْ دامَ لَكانَ مَوْتًا مُسْتَمِرًّا، وقَدْ يَكُونُ هَذا مِنَ الأدْواءِ النّادِرَةِ المُشْبِهَةِ داءَ صفحة ٤٨٠ السَّكْتِ وإمّا أنْ يَكُونَ القَوْلُ مَجازًا عَنِ الإنْذارِ بِالمَوْتِ، والمَوْتُ حَقِيقَةٌ، أيْ أراهُمُ اللَّهُ مَهالِكَ شَمُّوا مِنها رائِحَةَ المَوْتِ، ثُمَّ فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهم فَأحْياهم. وإمّا أنْ يَكُونَ كَلامًا حَقِيقِيًّا بِوَحْيِ اللَّهِ، لِبَعْضِ الأنْبِياءِ، والمَوْتُ مَوْتٌ مَجازِيٌّ، وهو أمْرٌ لِلتَّحْقِيرِ شَتْمًا لَهم، ورَماهم بِالذُّلِّ والصَّغارِ، ثُمَّ أحْياهم، وثَبَّتَ فِيهِمْ رُوحَ الشَّجاعَةِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا مَوْعِظَةُ المُسْلِمِينَ بِتَرْكِ الجُبْنِ، وأنَّ الخَوْفَ مِنَ المَوْتِ لا يَدْفَعُ المَوْتَ، فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ ضُرِبَ بِهِمْ هَذا المَثَلُ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ خائِفِينَ مِنَ المَوْتِ، فَلَمْ يُغْنِ خَوْفُهم عَنْهم شَيْئًا، وأراهُمُ اللَّهُ المَوْتَ ثُمَّ أحْياهم، لِيَصِيرَ خُلُقُ الشَّجاعَةِ لَهم حاصِلًا بِإدْراكِ الحِسِّ. ومَحَلُّ العِبْرَةِ مِنَ القِصَّةِ: هو أنَّهم ذاقُوا المَوْتَ الَّذِي فَرُّوا مِنهُ، لِيَعْلَمُوا أنَّ الفِرارَ لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، وأنَّهم ذاقُوا الحَياةَ بَعْدَ المَوْتِ، لِيَعْلَمُوا أنَّ المَوْتَ والحَياةَ بِيَدِ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ [الأحزاب: ١٦] . وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ والمَقْصُودُ مِنها بَثُّ خُلُقِ الِاعْتِمادِ عَلى اللَّهِ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، وأنَّهم إنْ شَكَرُوا اللَّهَ عَلى ما آتاهم مِنَ النِّعَمِ، زادَهم مِن فَضْلِهِ، ويَسَّرَ لَهم ما هو صَعْبٌ. وجُمْلَةُ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ هي المَقْصُودُ الأوَّلُ، فَإنَّ ما قَبْلَها تَمْهِيدٌ لَها، كَما عَلِمْتَ، وقَدْ جُعِلَتْ في النَّظْمِ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ عَطْفًا عَلى الِاسْتِئْنافِ، فَيَكُونُ لَها حُكْمُ جُمْلَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ، اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، ولَوْلا طُولُ الفَصْلِ بَيْنَها وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، لَقُلْنا: إنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها عَلى أنَّ اتِّصالَ الغَرَضَيْنِ يُلْحِقُها بِها بِدُونِ عَطْفٍ. وجُمْلَةُ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ حَثٌّ عَلى القِتالِ، وتَحْذِيرٌ مِن تَرْكِهِ، بِتَذْكِيرِهِمْ بِإحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ: ظاهِرِها وباطِنِها. وقُدِّمَ وصْفُ سَمِيعٌ، وهو أخَصُّ مِن عَلِيمٌ، اهْتِمامًا بِهِ هُنا؛ لِأنَّ مُعْظَمَ أحْوالِ القِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ مِنَ الأُمُورِ المَسْمُوعَةِ، مِثْلَ جَلَبَةِ الجَيْشِ، وقَعْقَعَةِ السِّلاحِ، وصَهِيلِ الخَيْلِ. ثُمَّ ذُكِرَ وصْفُ عَلِيمٌ لِأنَّهُ يَعُمُّ العِلْمَ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وفِيها ما هو مِن حَدِيثِ النَّفْسِ مِثْلُ خُلُقِ الخَوْفِ، وتَسْوِيلِ النَّفْسِ القُعُودَ عَنِ القِتالِ، وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ. صفحة ٤٨١ وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِقَوْلِهِ واعْلَمُوا لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ مِن مَعْنًى صَرِيحٍ وتَعْرِيضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] .

البقرة 2:244

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهم إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ، والتَّذْكِيرِ بِأنَّ الحَذَرَ لا يُؤَخِّرُ الأجَلَ، وأنَّ الجَبانَ قَدْ يَلْقى حَتْفَهُ في مَظِنَّةِ النَّجاةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في مُدَّةِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ وأنَّها تَمْهِيدٌ لِفَتْحِ مَكَّةَ، فالقِتالُ مِن أهَمِّ أغْراضِها، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ هو قَوْلُهُ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. فالكَلامُ رُجُوعٌ إلى قَوْلِهِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] وفَصَلَتْ بَيْنَ الكَلامَيْنِ الآياتُ النّازِلَةُ خِلالَهُما المُفْتَتَحَةُ بِـ (يَسْألُونَكَ) . ومَوْقِعُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ قَبْلَ قَوْلِهِ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مَوْقِعُ ذِكْرِ الدَّلِيلِ قَبْلَ المَقْصُودِ، وهَذا طَرِيقٌ مِن طُرُقِ الخَطابَةِ أنْ يُقَدَّمَ الدَّلِيلُ قَبْلَ المُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ لِمَقاصِدَ كَقَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، في بَعْضِ خُطَبِهِ لَمّا بَلَغَهُ اسْتِيلاءُ جُنْدِ الشّامِ عَلى أكْثَرِ البِلادِ، إذا افْتَتَحَ الخُطْبَةَ فَقالَ: ما هي إلّا الكُوفَةُ أقْبِضُها وأبْسُطُها أُنْبِئْتُ بُسْرًا هو ابْنُ أبِي أرْطاةَ مِن قادَةِ جُنُودِ الشّامِ قَدِ اطَّلَعَ اليَمَنَ، وإنِّي واللَّهِ لَأظُنُّ أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ سُيَدالُونَ مِنكم صفحة ٤٧٦ بِاجْتِماعِهِمْ عَلى باطِلِهِمْ، وتَفَرُّقِكم عَنْ حَقِّكم فَقَوْلُهُ ”ما هي إلّا الكُوفَةُ“ مُوقَعَةٌ مَوْقِعَ الدَّلِيلِ عَلى قَوْلِهِ ”لَأظُنُّ هَؤُلاءِ القَوْمَ“ إلَخْ وقالَ عِيسى بْنُ طَلْحَةَ لَمّا دَخَلَ عَلى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، حِينَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ: ما كُنّا نَعُدُّكَ لِلصِّراعِ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أبْقى لَنا أكْثَرَكَ: أبْقى لَنا سَمْعَكَ، وبَصَرَكَ، ولِسانَكَ، وعَقْلَكَ، وإحْدى رِجْلَيْكَ فَقَدَّمَ قَوْلَهُ: ما كُنّا نَعُدُّكَ لِلصِّراعِ، والمَقْصُودُ مِن مِثْلِ ذَلِكَ الِاهْتِمامُ والعِنايَةُ بِالحُجَّةِ، قَبْلَ ذِكْرِ الدَّعْوى، أوْ حَمْلًا عَلى التَّعْجِيلِ بِالِامْتِثالِ. واعْلَمْ أنَّ تَرْكِيبَ (ألَمْ تَرَ إلى كَذا) إذا جاءَ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ فِيهِ مُتَعَدِّيًا إلى ما لَيْسَ مِن شَأْنِ السّامِعِ أنْ يَكُونَ رَآهُ، كانَ كَلامًا مَقْصُودًا مِنهُ التَّحْرِيضُ عَلى عِلْمِ ما عُدِّيَ إلَيْهِ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ، وهَذا مِمّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ ولِذَلِكَ تَكُونُ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُسْتَعْمَلَةً في غَيْرِ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ بَلْ في مَعْنًى مَجازِيٍّ أوْ كِنائِيٍّ، مِن مَعانِي الِاسْتِفْهامِ غَيْرِ الحَقِيقِيِّ، وكانَ الخِطابُ بِهِ غالِبًا مُوَجَّهًا إلى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، ورُبَّما كانَ المُخاطَبُ مَفْرُوضًا مُتَخَيَّلًا. ولَنا في بَيانِ وجْهِ إفادَةِ هَذا التَّحْرِيضِ مِن ذَلِكَ التَّرْكِيبِ وُجُوهٌ ثَلاثَةٌ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في التَّعَجُّبِ، أوِ التَّعْجِيبِ، مِن عَدَمِ عِلْمِ المُخاطَبِ بِمَفْعُولِ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ، ويَكُونُ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ عِلْمِيًّا مِن أخَواتِ ظَنَّ، عَلى مَذْهَبِ الفَرّاءِ وهو صَوابٌ؛ لِأنَّ ”إلى“ ولامَ الجَرِّ يَتَعاقَبانِ في الكَلامِ كَثِيرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والأمْرُ إلَيْكِ﴾ [النمل: ٣٣] أيْ لَكِ وقالُوا ”أحْمَدُ اللَّهَ إلَيْكَ“ كَما يُقالُ ”أحْمَدُ لَكَ اللَّهَ“ والمَجْرُورُ بِإلى في مَحَلِّ المَفْعُولِ الأوَّلِ، لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ الزّائِدَ لا يَطْلُبُ مُتَعَلِّقًا، وجُمْلَةُ ﴿وهم أُلُوفٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، سادَّةً مَسَدَّ المَفْعُولِ الثّانِي: لِأنَّ أصْلَ المَفْعُولِ الثّانِي لِأفْعالِ القُلُوبِ أنَّهُ حالٌ، عَلى تَقْدِيرِ: ما كانَ مِن حَقِّهِمُ الخُرُوجُ، وتَفَرَّعَ عَلى قَوْلِهِ وهم أُلُوفٌ قَوْلُهُ ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ فَهو مِن تَمامِ مَعْنى المَفْعُولِ الثّانِي أوْ تُجْعَلُ إلى تَجْرِيدًا لِاسْتِعارَةِ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ لِمَعْنى العِلْمِ، أوْ قَرِينَةٍ عَلَيْها، أوْ لِتَضْمِينِ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ مَعْنى النَّظَرِ، لِيَحْصُلَ الِادِّعاءُ أنَّ هَذا الأمْرَ المُدْرَكَ بِالعَقْلِ كَأنَّهُ مُدْرَكٌ بِالنَّظَرِ، لِكَوْنِهِ بَيِّنَ صفحة ٤٧٧ الصِّدْقِ لِمَن عَلِمَهُ، فَيَكُونُ قَوْلُهم ”ألَمْ تَرَ إلى كَذا“ في قَوْلِهِ: جُمْلَتَيْنِ: ألَمْ تَعْلَمْ كَذا وتَنْظُرْ إلَيْهِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيًّا فَإنَّهُ كَثُرَ مَجِيءُ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ في الأفْعالِ المَنفِيَّةِ، مِثْلَ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦] . والقَوْلُ في فِعْلِ الرُّؤْيَةِ وفي تَعْدِيَةِ حَرْفِ ”إلى“ نَظِيرُ القَوْلِ فِيهِ في الوَجْهِ الأوَّلِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ تَجْعَلَ الِاسْتِفْهامَ إنْكارِيًّا، إنْكارًا لِعَدَمِ عِلْمِ المُخاطَبِ بِمَفْعُولِ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، والقَوْلُ في حَرْفِ ”إلى“ نَظِيرُ القَوْلِ فِيهِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، أوْ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً ضُمِّنَ الفِعْلُ مَعْنى تَنْظُرُ عَلى أنَّ أصْلَهُ أنْ يُخاطَبَ بِهِ مَن غَفَلَ عَنِ النَّظَرِ إلى شَيْءٍ مُبْصَرٍ ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا: حَقِيقَةً أوْ تَنْزِيلًا، ثُمَّ نُقِلَ المُرَكَّبُ إلى اسْتِعْمالِهِ في غَيْرِ الأُمُورِ المُبْصَرَةِ فَصارَ كالمَثَلِ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ الأعْشى: تَرى الجُودَ يَجْرِي ظاهِرًا فَوْقَ وجْهِهِ واسْتِفادَةُ التَّحْرِيضِ، عَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ إنَّما هي مِن طَرِيقِ الكِنايَةِ بِلازِمِ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ لِأنَّ شَأْنَ الأمْرِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ، أوِ المُقَرَّرِ بِهِ، أوِ المُنْكَوَرِ عِلْمُهُ، أنْ يَكُونَ شَأْنَهُ أنْ تَتَوافَرَ الدَّواعِي عَلى عِلْمِهِ، وذَلِكَ مِمّا يُحَرِّضُ عَلى عِلْمِهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ جَرى مَجْرى المَثَلِ، في مُلازَمَتِهِ لِهَذا الأُسْلُوبِ، سِوى أنَّهم غَيَّرُوهُ بِاخْتِلافِ أدَواتِ الخِطابِ الَّتِي يَشْتَمِلُ عَلَيْها: مِن تَذْكِيرٍ وضِدِّهِ، وإفْرادٍ وضِدِّهِ، نَحْوَ ”ألَمْ تَرَيْ“ في خِطابِ المَرْأةِ و”ألَمْ تَرَيا“ و”ألَمْ تَرَوْا“ و ”ألَمْ تَرَيْنَ“، في التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ هَذا إذا خُوطِبَ بِهَذا المُرَكَّبِ في أمْرٍ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ مُبْصَرًا لِلْمُخاطَبِ أوْ مُطْلَقًا. وقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ، والأظْهَرُ أنَّهم قَوْمٌ خَرَجُوا خائِفِينَ مِن أعْدائِهِمْ فَتَرَكُوا دِيارَهم جُبْنًا، وقَرِينَةُ ذَلِكَ عِنْدِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم أُلُوفٌ﴾ فَإنَّهُ جُمْلَةُ حالٍ وهي مَحَلُّ التَّعْجِيبِ، وإنَّما تَكُونُ كَثْرَةُ العَدَدِ مَحَلًّا لِلتَّعْجِيبِ إذا كانَ المَقْصُودُ الخَوْفَ مِنَ العَدْوِ، فَإنَّ شَأْنَ القَوْمِ الكَثِيرِينَ ألّا يَتْرُكُوا دِيارَهم خَوْفًا وهَلَعًا صفحة ٤٧٨ والعَرَبُ تَقُولُ لِلْجَيْشِ إذا بَلَغَ الأُلُوفَ لا يُغْلَبُ مِن قِلَّةٍ. فَقِيلَ هم مِن بَنِي إسْرائِيلَ خالَفُوا عَلى نَبِيءٍ لَهم في دَعْوَتِهِ إيّاهم لِلْجِهادِ، فَفارَقُوا وطَنهمْ فِرارًا مِنِ الجِهادِ، وهَذا الأظْهَر، فَتَكُونُ القِصَّةُ تَمْثِيلًا لِحالِ أهْلِ الجُبْنِ في القِتالِ، بِحالِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ، بِجامِعِ الجُبْنِ وكانَتِ الحالَةُ المُشَبَّهُ بِها أظْهَرَ في صِفَةِ الجُبْنِ وأفْظَعَ، مِثْلَ تَمْثِيلِ حالِ المُتَرَدِّدِ في شَيْءٍ بِحالِ مَن يُقَدِّمُ رِجْلًا ويُؤَخِّرُ أُخْرى، فَلا يُقالُ إنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلى تَشْبِيهِ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ. وهَذا أرْجَحُ الوُجُوهِ لِأنَّ أكْثَرَ أمْثالِ القُرْآنِ أنْ تَكُونَ بِأحْوالِ الأُمَمِ الشَّهِيرَةِ وبِخاصَّةٍ بَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ هم مِن قَوْمٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن أهْلِ داوَرْدانَ قُرْبَ واسِطَ وقَعَ طاعُونٌ بِبَلَدِهِمْ فَخَرَجُوا إلى وادٍ أفْيَحَ فَرَماهُمُ اللَّهُ بِداءِ مَوْتٍ ثَمانِيَةَ أيّامٍ، حَتّى انْتفَخُوا ونَتَنَتْ أجْسامُهم ثُمَّ أحْياها. وقِيلَ هم مِن أهْلِ أذْرُعاتٍ، بِجِهاتِ الشّامِ. واتَّفَقَتِ الرِّواياتُ كُلُّها عَلى أنَّ اللَّهَ أحْياهم بِدَعْوَةِ النَّبِيءِ حِزْقِيالِ بْن بُوزِي فَتَكُونُ القِصَّةُ اسْتِعارَةً: شَبَّهَ الَّذِينَ يَجْبُنُونَ عَنِ القِتالِ بِالَّذِينَ يَجْبُنُونَ مِنَ الطّاعُونِ، بِجامِعِ خَوْفِ المَوْتِ، والمُشَبَّهُونَ يُحْتَمَلُ أنَّهم قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ خامَرَهُمُ الجُبْنُ لَمّا دُعُوا إلى الجِهادِ في بَعْضِ الغَزَواتِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم فَرِيقٌ مَفْرُوضٌ وُقُوعُهُ قَبْل أنْ يَقَعَ، لِقَطْعِ الخَواطِرِ الَّتِي قَدْ تَخْطُرُ في قُلُوبِهِمْ. وفِي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ: أنَّ هَذا مَثَلٌ لا قِصَّةٌ واقِعَةٌ، وهَذا بَعِيدٌ يُبْعِدُهُ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ، وقَوْلُهُ ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ﴾ . وانْتَصَبَ ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، وعامِلُهُ ﴿خَرَجُوا﴾ . والأظْهَرُ أنَّهم قَوْمٌ فَرُّوا مِن عَدِّوِهِمْ، مَعَ كَثْرَتِهِمْ، وأخْلَوْا لَهُ الدِّيارَ، فَوَقَعَتْ لَهم في طَرِيقِهِمْ مَصائِبُ أشْرَفُوا بِها عَلى الهَلاكِ، ثُمَّ نَجَوْا، أوْ أوْبِئَةٌ وأمْراضٌ، كانَتْ أعْراضُها تُشْبِهُ أعْراضَ المَوْتِ، مِثْلَ داءِ السَّكْتِ ثُمَّ بَرِئُوا مِنها: فَهم في حالِهِمْ تِلْكَ مِثْلُ قَوْلِ الرّاجِزِ: صفحة ٤٧٩ وخارِجٌ أخْرَجَهُ حُبُّ الطـَّمَـعِ ∗∗∗ فَرَّ مِنَ المَوْتِ وفي المَوْتِ وقَعَ ويُؤَيِّدُ أنَّها إشارَةٌ إلى حادِثَةٍ ولَيْسَتْ مَثَلًا قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ الآيَةَ ويُؤَيِّدُ أنَّ المُتَحَدِّثَ عَنْهم لَيْسُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ قَوْلُهُ تَعالى، بَعْدَ هَذِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَأِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ [البقرة: ٢٤٦] والآيَةُ تُشِيرُ إلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨] وقَوْلُهُ ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] . فَأمّا الَّذِينَ قالُوا إنَّهم قَوْمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أحْياهُمُ اللَّهُ بِدَعْوَةِ حِزْقِيالَ، والَّذِينَ قالُوا إنَّما هَذا مَثَلٌ لا قِصَّةٌ واقِعَةٌ، فالظّاهِرُ أنَّهم أرادُوا الرُّؤْيا الَّتِي ذُكِرَتْ في كِتابِ حِزْقِيالَ في الإصْحاحِ ٣٧ مِنهُ إذْ قالَ: أخْرَجَنِي رُوحُ الرَّبِّ وأنْزَلَنِي في وسَطِ بُقْعَةٍ مَلْآنَةٍ عِظامًا ومُرَّ بِي مِن حَوْلِها وإذا هي كَثِيرَةٌ ويابِسَةٌ فَقالَ لِي يا ابْنَ آدَمَ أتَحْيا هَذِهِ العِظامُ، فَقُلْتُ يا سَيِّدِي أنْتَ تَعْلَمُ، فَقالَ لِي تَنَبَّأْ عَلى هَذِهِ العِظامِ وقُلْ لَها أيَّتُها العِظامُ اليابِسَةُ اسْمَعِي كَلِمَةَ الرَّبِّ، فَتَقارَبَتِ العِظامُ، وإذا بِالعَصَبِ واللَّحْمِ كَساها وبُسِطَ الجِلْدُ عَلَيْها مِن فَوْقُ ولَيْسَ فِيها رُوحٌ فَقالَ لِي تَنَبَّأْ لِلرُّوحِ وقُلْ قالَ الرَّبُّ هَلُمَّ يا رُوحُ مِنَ الرِّياحِ الأرْبَعِ وهَبَّ عَلى هَؤُلاءِ القَتْلى فَتَنَبَّأْتُ كَما أمَرَنِي فَدَخَلَ فِيهِمُ الرُّوحُ فَحَيَوْا وقامُوا عَلى أقْدامِهِمْ جَيْشٌ عَظِيمٌ جِدًّا جِدًّا. وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ النَّبِيءُ لِاسْتِماتَةِ قَوْمِهِ، واسْتِسْلامِهِمْ لِأعْدائِهِمْ، لِأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ " هَذِهِ العِظامُ هي كُلُّ بُيُوتِ إسْرائِيلَ هم يَقُولُونَ يَبِسَتْ عِظامُنا وهَلَكَ رَجاؤُنا قَدِ انْقَطَعْنا فَتَنَبَّأْ وقُلْ لَهم قالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ ها أنَذا أفْتَحُ قُبُورَكم وأُصْعِدُكم مِنها يا شَعْبِي وآتِي بِكم إلى أرْضِ إسْرائِيلَ وأجْعَلُ رُوحِي فِيكم فَتَحْيَوْنَ. فَلَعَلَّ هَذا المَثَلَ مَعَ المَوْضِعِ الَّذِي كانَتْ فِيهِ مُراءى هَذا النَّبِيءِ، وهو الخابُورُ، وهو قُرْبُ واسِطَ، هو الَّذِي حَدا بَعْضَ أهْلِ القِصَصِ إلى دَعْوى أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ مِن أهْلِ داوَرْدانَ: إذْ لَعَلَّ داوَرْدانَ كانَتْ بِجِهاتِ الخابُورِ الَّذِي رَأى عِنْدَهُ النَّبِيءُ حِزْقِيالُ ما رَأى. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ القَوْلُ فِيهِ إمّا مَجازٌ في التَّكْوِينِ والمَوْتُ حَقِيقَةٌ أيْ جَعَلَ فِيهِمْ حالَةَ المَوْتِ، وهي وُقُوفُ القَلْبِ وذَهابُ الإدْراكِ والإحْساسِ، اسْتُعِيرَتْ حالَةُ تَلَقِّي المُكَوِّنِ لِأثَرِ الإرادَةِ بِتَلَقِّي المَأْمُورِ لِلْأمْرِ، فَأطْلَقَ عَلى الحالَةِ المُشَبَّهَةِ المُرَكَّبَ الدّالَّ عَلى الحالَةِ المُشَبَّهِ بِها عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ، ثُمَّ أحْياهم بِزَوالِ ذَلِكَ العارِضِ فَعَلِمُوا أنَّهم أُصِيبُوا بِما لَوْ دامَ لَكانَ مَوْتًا مُسْتَمِرًّا، وقَدْ يَكُونُ هَذا مِنَ الأدْواءِ النّادِرَةِ المُشْبِهَةِ داءَ صفحة ٤٨٠ السَّكْتِ وإمّا أنْ يَكُونَ القَوْلُ مَجازًا عَنِ الإنْذارِ بِالمَوْتِ، والمَوْتُ حَقِيقَةٌ، أيْ أراهُمُ اللَّهُ مَهالِكَ شَمُّوا مِنها رائِحَةَ المَوْتِ، ثُمَّ فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهم فَأحْياهم. وإمّا أنْ يَكُونَ كَلامًا حَقِيقِيًّا بِوَحْيِ اللَّهِ، لِبَعْضِ الأنْبِياءِ، والمَوْتُ مَوْتٌ مَجازِيٌّ، وهو أمْرٌ لِلتَّحْقِيرِ شَتْمًا لَهم، ورَماهم بِالذُّلِّ والصَّغارِ، ثُمَّ أحْياهم، وثَبَّتَ فِيهِمْ رُوحَ الشَّجاعَةِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا مَوْعِظَةُ المُسْلِمِينَ بِتَرْكِ الجُبْنِ، وأنَّ الخَوْفَ مِنَ المَوْتِ لا يَدْفَعُ المَوْتَ، فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ ضُرِبَ بِهِمْ هَذا المَثَلُ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ خائِفِينَ مِنَ المَوْتِ، فَلَمْ يُغْنِ خَوْفُهم عَنْهم شَيْئًا، وأراهُمُ اللَّهُ المَوْتَ ثُمَّ أحْياهم، لِيَصِيرَ خُلُقُ الشَّجاعَةِ لَهم حاصِلًا بِإدْراكِ الحِسِّ. ومَحَلُّ العِبْرَةِ مِنَ القِصَّةِ: هو أنَّهم ذاقُوا المَوْتَ الَّذِي فَرُّوا مِنهُ، لِيَعْلَمُوا أنَّ الفِرارَ لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، وأنَّهم ذاقُوا الحَياةَ بَعْدَ المَوْتِ، لِيَعْلَمُوا أنَّ المَوْتَ والحَياةَ بِيَدِ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ [الأحزاب: ١٦] . وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ والمَقْصُودُ مِنها بَثُّ خُلُقِ الِاعْتِمادِ عَلى اللَّهِ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، وأنَّهم إنْ شَكَرُوا اللَّهَ عَلى ما آتاهم مِنَ النِّعَمِ، زادَهم مِن فَضْلِهِ، ويَسَّرَ لَهم ما هو صَعْبٌ. وجُمْلَةُ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ هي المَقْصُودُ الأوَّلُ، فَإنَّ ما قَبْلَها تَمْهِيدٌ لَها، كَما عَلِمْتَ، وقَدْ جُعِلَتْ في النَّظْمِ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ عَطْفًا عَلى الِاسْتِئْنافِ، فَيَكُونُ لَها حُكْمُ جُمْلَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ، اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، ولَوْلا طُولُ الفَصْلِ بَيْنَها وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، لَقُلْنا: إنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها عَلى أنَّ اتِّصالَ الغَرَضَيْنِ يُلْحِقُها بِها بِدُونِ عَطْفٍ. وجُمْلَةُ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ حَثٌّ عَلى القِتالِ، وتَحْذِيرٌ مِن تَرْكِهِ، بِتَذْكِيرِهِمْ بِإحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ: ظاهِرِها وباطِنِها. وقُدِّمَ وصْفُ سَمِيعٌ، وهو أخَصُّ مِن عَلِيمٌ، اهْتِمامًا بِهِ هُنا؛ لِأنَّ مُعْظَمَ أحْوالِ القِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ مِنَ الأُمُورِ المَسْمُوعَةِ، مِثْلَ جَلَبَةِ الجَيْشِ، وقَعْقَعَةِ السِّلاحِ، وصَهِيلِ الخَيْلِ. ثُمَّ ذُكِرَ وصْفُ عَلِيمٌ لِأنَّهُ يَعُمُّ العِلْمَ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وفِيها ما هو مِن حَدِيثِ النَّفْسِ مِثْلُ خُلُقِ الخَوْفِ، وتَسْوِيلِ النَّفْسِ القُعُودَ عَنِ القِتالِ، وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ. صفحة ٤٨١ وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِقَوْلِهِ واعْلَمُوا لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ مِن مَعْنًى صَرِيحٍ وتَعْرِيضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] .

البقرة 2:245

﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفُهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً والله يَقْبِضُ ويَبْصُطُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] إلى آخِرِها، وجُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَأِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [البقرة: ٢٤٦] الآيَةَ، قُصِدَ بِهِ الِاسْتِطْرادُ لِلْحَثِّ عَلى الإنْفاقِ لِوَجْهِ اللَّهِ في طُرُقِ البِرِّ، لِمُناسَبَةِ الحَثِّ عَلى القِتالِ، فَإنَّ القِتالَ يَسْتَدْعِي إنْفاقَ المُقاتِلِ عَلى نَفْسِهِ في العِدَّةِ والمَئُونَةِ مَعَ الحَثِّ عَلى إنْفاقِ الواجِدِ فَضْلًا في سَبِيلِ اللَّهِ: بِإعْطاءِ العِدَّةِ لِمَن لا عِدَّةَ لَهُ، والإنْفاقِ عَلى المُعْسِرِينَ مِنَ الجَيْشِ، وفِيها تَبْيِينٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٤] فَكانَتْ ذاتَ ثَلاثَةِ أغْراضٍ. و(القَرْضُ) إسْلافُ المالِ ونَحْوِهِ بِنِيَّةِ إرْجاعِ مِثْلِهِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى البَذْلِ لِأجْلِ الجَزاءِ، فَيَشْمَلُ بِهَذا المَعْنى بَذْلَ النَّفْسِ والجِسْمِ رَجاءَ الثَّوابِ، فَفِعْلُ يُقْرِضُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحْضِيضِ والتَّهْيِيجِ عَلى الِاتِّصافِ بِالخَيْرِ كَأنَّ المُسْتَفْهِمَ لا يَدْرِي مَن هو أهْلُ هَذا الخَيْرِ والجَدِيرُ بِهِ، قالَ طَرَفَةُ: إذا القَوْمُ قالُوا مَن فَتًى خِلْتُ أنَّنِي عُنِيتُ فَلَمْ أكْسَلْ ولَمْ أتَـبَـلَّـدِ و(ذا) بَعْدَ أسْماءِ الِاسْتِفْهامِ قَدْ يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا في مَعْناهُ كَما تَقُولُ، وقَدْ رَأيْتَ شَخْصًا لا تَعْرِفُهُ: (مَن ذا) فَإذا لَمْ يَكُنْ في مَقامِ الكَلامِ شَيْءٌ يَصْلُحُ لِأنْ يُشارَ إلَيْهِ بِالِاسْتِفْهامِ كانَ اسْتِعْمالُ (ذا) بَعْدَ اسْمِ الِاسْتِفْهامِ لِلْإشارَةِ المَجازِيَّةِ بِأنْ يَتَصَوَّرَ المُتَكَلِّمُ في ذِهْنِهِ شَخْصًا مَوْهُومًا مَجْهُولًا صَدَرَ مِنهُ فِعْلٌ فَهو يَسْألُ عَنْ تَعْيِينِهِ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ لِلِاهْتِمامِ بِالفِعْلِ الواقِعِ وتَطَّلُبِ مَعْرِفَةِ فاعِلِهِ ولِكَوْنِ هَذا الِاسْتِعْمالِ يُلازِمُ ذِكْرَ فِعْلٍ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ، قالَ النُّحاةُ كُلُّهم بَصْرِيُّهم وكُوفِيُّهم: بِأنَّ (ذا) مَعَ الِاسْتِفْهامِ تَتَحَوَّلُ إلى اسْمٍ مَوْصُولٍ مُبْهَمٍ غَيْرِ مَعْهُودٍ، فَعَدُّوهُ اسْمَ مَوْصُولٍ، وبَوَّبَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ فَقالَ ”بابُ إجْرائِهِمْ ذا وحْدَهُ بِمَنزِلَةِ الَّذِي صفحة ٤٨٢ ولَيْسَ يَكُونُ كالَّذِي إلّا مَعَ (ما) و(مَن) في الِاسْتِفْهامِ فَيَكُونُ (ذا) بِمَنزِلَةِ الَّذِي ويَكُونُ“ ما ”- أيْ أوْ مَن - حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ وإجْراؤُهم إيّاهُ مَعَ ما - أيْ أوْ مَن - بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ“ ومَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: ٣٠] وبَقِيَّةُ أسْماءِ الإشارَةِ مِثْلُ اسْمِ (ذا) عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، وأمّا البَصْرِيُّونَ فَقَصَرُوا هَذا الِاسْتِعْمالَ عَلى (ذا) ولَيْسَ مُرادُهم أنَّ ذا مَعَ الِاسْتِفْهامِ يَصِيرُ اسْمَ مَوْصُولٍ؛ فَإنَّهُ يَكْثُرُ في الكَلامِ أنْ يَقَعَ بَعْدَهُ اسْمٌ مَوْصُولٌ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ولا مَعْنى لِوُقُوعِ اسْمَيْ مَوْصُولٍ صِلَتُهُما واحِدَةٌ، ولَكِنَّهم أرادُوا أنَّهُ يُفِيدُ مُفادَ اسْمِ المَوْصُولِ، فَيَكُونُ ما بَعْدَهُ مِن فِعْلٍ أوْ وصْفٍ في مَعْنى صِلَةِ المَوْصُولِ، وإنَّما دَوَّنُوا ذَلِكَ لِأنَّهم تَناسَوْا ما في اسْتِعْمالِ ”ذا“ في الِاسْتِفْهامِ مِنَ المَجازِ، فَكانَ تَدْوِينُها قَلِيلَ الجَدْوى. والوَجْهُ أنَّ (ذا) في الِاسْتِفْهامِ لا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ لِلْإشارَةِ وإنَّما هي إشارَةٌ مَجازِيَّةٌ، والفِعْلُ الَّذِي يَجِيءُ بَعْدَهُ يَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ. فَوِزانُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ [النحل: ٢٤] وِزانُ قَوْلِ يَزِيدَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ مُفَرِّغٍ يُخاطِبُ بَغْلَتَهُ: نَجَوْتِ وهَذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ والإقْراضُ: فِعْلُ القَرْضِ. والقَرْضُ: السَّلَفُ، وهو بَذْلُ شَيْءٍ لِيُرَدَّ مِثْلُهُ أوْ مُساوِيهُ، واسْتُعْمِلَ هُنا مَجازًا في البَذْلِ الَّذِي يُرْجى الجَزاءُ عَلَيْهِ تَأْكِيدًا في تَحْقِيقِ حُصُولِ التَّعْوِيضِ والجَزاءِ. ووَصْفُ القَرْضِ بِالحَسَنِ لِأنَّهُ لا يَرْضى اللَّهُ بِهِ إلّا إذا كانَ مُبَرَّأً عَنْ شَوائِبِ الرِّياءِ والأذى، كَما قالَ النّابِغَةُ: لَيْسَتْ بِذاتِ عَقارِبَوَقِيلَ: القَرْضُ هُنا عَلى حَقِيقَتِهِ وهو السَّلَفُ، ولَعَلَّهُ عُلِّقَ بِاسْمِ الجَلالَةِ لِأنَّ الَّذِي يُقْرِضُ النّاسَ طَمَعًا في الثَّوابِ كَأنَّهُ أقْرَضَ اللَّهَ تَعالى؛ لِأنَّ القَرْضَ مِنَ الإحْسانِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ وفي مَعْنى هَذا ما جاءَ في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ: «يا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي قالَ يا رَبِّ وكَيْفَ أُطْعِمُكَ وأنْتَ رَبُّ العالَمِينَ قالَ أما عَلِمْتَ أنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ» . الحَدِيثَ. وقَدْ رَوَوْا: أنَّ ثَوابَ الصَّدَقَةِ عَشْرُ أمْثالِها وثَوابَ القَرْضِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِن أمْثالِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَيُضاعِفَهُ﴾ بِألِفٍ بَعْدِ الضّادِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ. بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ الضّادِ وبِتَشْدِيدِ العَيْنِ. ورَفْعُ (فَيُضاعِفُهُ) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، عَلى العَطْفِ عَلى ﴿يُقْرِضُ﴾ لِيَدْخُلَ في حَيِّزِ صفحة ٤٨٣ التَّحْضِيضِ مُعاقِبًا لِلْإقْراضِ في الحُصُولِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، ويَعْقُوبُ: بِنَصْبِ الفاءِ عَلى جَوابِ التَّحْضِيضِ، والمَعْنى عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ واحِدٌ. وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْصُطُ﴾ أصْلُ القَبْضِ: الشَّدُّ والتَّماسُكُ، وأصْلُ البَسْطِ: ضِدُّ القَبْضِ وهو الإطْلاقُ والإرْسالُ، وقَدْ تَفَرَّعَتْ عَنْ هَذا المَعْنى مَعانٍ: مِنها القَبْضُ بِمَعْنى الأخْذِ ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وبِمَعْنى الشُّحِّ ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] ومِنها البَسْطُ بِمَعْنى البَذْلِ ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ [الرعد: ٢٦] وبِمَعْنى السَّخاءِ ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤] ومِن أسْمائِهِ تَعالى: القابِضُ، الباسِطُ، بِمَعْنى المانِعِ، المُعْطِي، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ويَبْسُطُ بِالسِّينِ، وقَرَأهُ نافِعٌ، والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ، بِالصّادِ وهو لُغَةٌ. يُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ هُنا: يَقْبِضُ العَطايا والصَّدَقاتِ، ويَبْسُطُ الجَزاءَ والثَّوابَ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ يَقْبِضُ نُفُوسًا عَنِ الخَيْرِ، ويَبْسُطُ نُفُوسًا لِلْخَيْرِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالوَعْدِ بِالتَّوْسِعَةِ عَلى المُنْفِقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، والتَّقْتِيرِ عَلى البَخِيلِ. وفي الحَدِيثِ، «اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا ومُمْسِكًا تَلَفًا»، وفي ابْنِ عَطِيَّةَ عَنِ الحُلْوانِيِّ عَنْ قالُونَ عَنْ نافِعٍ: أنَّهُ لا يُبالِي كَيْفَ قَرَأ يَبْسُطُ وبَسَطَهُ بِالسِّينِ أوْ بِالصّادِ. أيْ لِأنَّهُما لُغَتانِ مِثْلُ الصِّراطِ والسِّراطِ، والأصْلُ هو السِّينُ، ولَكِنَّها قُلِبَتْ صادًا في بَصَطَهُ ويَبْصُطُ لِوُجُودِ الطّاءِ بَعْدَها، ومَخْرَجُها بِعِيدٌ مِن مَخْرَجِ السِّينِ؛ لِأنَّ الِانْتِقالَ مِنَ السِّينِ إلى الطّاءِ ثَقِيلٌ بِخِلافِ الصّادِ. وقَوْلُهُ ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ والتَّذْكِيرِ بِأنَّ ما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ مِنَ الجَزاءِ عَلى الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ أعْظَمُ مِمّا وُعِدُوا بِهِ مِنَ الخَيْرِ في الدُّنْيا، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُمْسِكَ البَخِيلَ عَنِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ مَحْرُومٌ مِن خَيْرٍ كَثِيرٍ. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ «جاءَ أبُو الدَّحْداحِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ أوَ أنَّ اللَّهَ يُرِيدُ مِنّا القَرْضَ ؟ قالَ: نَعَمْ يا أبا الدَّحْداحِ، قالَ: أرِنِي يَدَكَ فَناوَلَهُ يَدَهُ فَقالَ: فَإنِّي أقْرَضْتُ اللَّهَ حائِطًا فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمْ مِن عِذْقٍ رَداحٍ ودارٍ فَساحٍ في الجَنَّةِ لِأبِي الدَّحْداحِ» .

البقرة 2:246

صفحة ٤٨٤ ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَأِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيءٍ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسِيتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألّا تُقاتِلُوا قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا إلّا قَلِيلًا مِنهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ . جُمْلَةُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَأِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ اسْتِئْنافٌ ثانٍ بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] سِيقَ مَساقَ الِاسْتِدْلالِ لِجُمْلَةِ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] وفِيها زِيادَةُ تَأْكِيدٍ لِفَظاعَةِ حالِ التَّقاعُسِ عَنِ القِتالِ بَعْدَ التَّهَيُّؤِ في سَبِيلِ اللَّهِ، والتَّكْرِيرُ في مَثَلِهِ يُفِيدُ مَزِيدَ تَحْذِيرٍ وتَعْرِيضٍ بِالتَّوْبِيخِ؛ فَإنَّ المَأْمُورِينَ بِالجِهادِ في قَوْلِهِ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] لا يَخْلَوْنَ مَن نَفَرٍ تَعْتَرِيهِمْ هَواجِسُ تُثَبِّطُهم عَنِ القِتالِ، حُبًّا لِلْحَياةِ ومِن نَفَرٍ تَعْتَرِضُهم خَواطِرُ تُهَوِّنُ عَلَيْهِمُ المَوْتَ عِنْدَ مُشاهَدَةِ أكْدارِ الحَياةِ، ومَصائِبِ المَذَلَّةِ، فَضَرَبَ اللَّهُ لِهَذَيْنِ الحالَيْنِ مَثَلَيْنِ: أحَدُهُما ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] والثّانِي قَوْلُهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَأِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وقَدْ قَدَّمَ أحَدَهُما وأخَّرَ الآخَرَ: لِيَقَعَ التَّحْرِيضُ عَلى القِتالِ بَيْنَهُما، ومُناسَبَةُ تَقْدِيمِ الأُولى أنَّها تُشَنِّعُ حالَ الَّذِينَ اسْتَسْلَمُوا واسْتَضْعَفُوا أنْفُسَهم، فَخَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ مَعَ كَثْرَتِهِمْ، وهَذِهِ الحالَةُ أنْسَبُ بِأنْ تُقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيِ الأمْرِ بِالقِتالِ والدِّفاعِ عَنِ البَيْضَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِذَلِكَ بَعْدَها يَقَعُ مَوْقِعَ القَبُولِ مِنَ السّامِعِينَ لا مَحالَةَ، ومُناسَبَةُ تَأْخِيرِ الثّانِيَةِ أنَّها تَمْثِيلُ حالِ الَّذِينَ عَرَفُوا فائِدَةَ القِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ لِقَوْلِهِمْ ﴿وما لَنا ألّا نُقاتِلَ﴾ إلَخْ. فَسَألُوهُ دُونَ أنْ يَفْرِضَ عَلَيْهِمْ فَلَمّا عُيِّنَ لَهُمُ القِتالُ نَكَصُوا عَلى أعْقابِهِمْ، ومَوْضِعُ العِبْرَةِ هو التَّحْذِيرُ مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِ حالِهِمْ، بَعْدَ الشُّرُوعِ في القِتالِ، أوْ بَعْدَ كُتُبِهِ عَلَيْهِمْ، فَلِلَّهِ بَلاغَةُ هَذا الكَلامِ، وبَراعَةُ هَذا الأُسْلُوبِ: تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا. وتَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى ألَمْ تَرَ في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ. والمَلَأُ: الجَماعَةُ الَّذِينَ أمْرُهم واحِدٌ، وهو اسْمُ جَمْعٍ كالقَوْمِ والرَّهْطِ، وكَأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ المِلْءِ وهو تَعْمِيرُ الوِعاءِ بِالماءِ ونَحْوِهِ، وأنَّهُ مُؤْذِنٌ بِالتَّشاوُرِ لِقَوْلِهِمْ: تَمالَأ القَوْمُ إذا اتَّفَقُوا عَلى شَيْءٍ والكُلُّ مَأْخُوذٌ مِن مِلْءِ الماءِ؛ فَإنَّهم كانُوا يَمْلَئُونَ قِرَبَهم وأوْعِيَتَهم كُلَّ مَساءٍ، عِنْدَ الوِرْدِ، فَإذا مَلَأ صفحة ٤٨٥ أحَدٌ لِآخَرَ فَقَدْ كَفاهُ شَيْئًا مُهِمًّا؛ لِأنَّ الماءَ قِوامُ الحَياةِ، فَضَرَبُوا ذَلِكَ مَثَلًا لِلتَّعاوُنِ عَلى الأمْرِ النّافِعِ الَّذِي بِهِ قِوامُ الحَياةِ، والتَّمْثِيلُ بِأحْوالِ الماءِ في مِثْلِ هَذا مِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ فَإنَّهم قَدْ قَطَعُوا رَحِمِي وأكْفَئُوا إنائِي. تَمْثِيلًا لِإضاعَتِهِمْ حَقَّهُ. وقَوْلُهُ ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ إعْلامٌ بِأنَّ أصْحابَ هَذِهِ القِصَّةِ كانُوا مَعَ نَبِيءٍ بَعْدَ مُوسى، فَإنَّ زَمانَ مُوسى لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَصْبُ مُلُوكٍ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وكَأنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّهم أضاعُوا الِانْتِفاعَ بِالزَّمَنِ الَّذِي كانَ فِيهِ رَسُولُهم بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، فَكانُوا يَقُولُونَ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتَلا﴾ [المائدة: ٢٤]، وكانَ النَّصْرُ لَهم مَعَهُ أرْجى لَهم بِبَرَكَةِ رَسُولِهِمْ والمَقْصُودُ: التَّعْرِيضُ بِتَحْذِيرِ المُسْلِمِينَ مِنَ الِاخْتِلافِ عَلى رَسُولِهِمْ. وتَنْكِيرُ ”نَبِيءٍ لَهم“ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مَحَلَّ العِبْرَةِ لَيْسَ هو شَخْصَ النَّبِيءِ فَلا حاجَةَ إلى تَعْيِينِهِ، وإنَّما المَقْصُودُ حالُ القَوْمِ وهَذا دَأْبُ القُرْآنِ في قِصَصِهِ، وهَذا النَّبِيءُ هو صَمْوِيلُ وهو بِالعَرَبِيَّةِ شَمْوِيلُ بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: إذْ قالُوا لِنَبِيِّهِمْ، إذْ لَمْ يَكُنْ هَذا النَّبِيءُ مَعْهُودًا عَنْهُ السّامِعِينَ حَتّى يُعْرَفَ لَهم بِالإضافَةِ. وفِي قَوْلِهِ (لِنَبِيءٍ لَهم) تَأْيِيدٌ لِقَوْلِ عُلَماءِ النَّحْوِ إنَّ أصْلَ الإضافَةِ أنْ تَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ لامِ الجَرِّ، ومَعْنى ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾ عَيِّنْ لَنا مَلِكًا؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَلِكٌ في حالَةِ الحاجَةِ إلى مَلِكٍ فَكَأنَّ المَلِكَ غائِبٌ عَنْهم، وكَأنَّ حالَهم يَسْتَدْعِي حُضُورَهُ فَإذا عُيِّنَ لَهم شَخْصٌ مَلِكًا فَكَأنَّهُ كانَ غائِبًا عَنْهم فَبُعِثَ أيْ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، أوْ هو مُسْتَعارٌ مِن بَعْثِ البَعِيرِ أيْ إنْهاضِهِ لِلْمَشْيِ. وقَوْلُهُ ﴿هَلْ عَسِيتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ الآيَةَ، اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ وتَحْذِيرٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿ألّا تُقاتِلُوا﴾، مُسْتَفْهَمٌ عَنْهُ بِهَلْ وخَبَرٌ لَعَسى مُتَوَقَّعٌ، ودَلِيلٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ ﴿إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ وهَذا مِن أبْدَعِ الإيجازِ: فَقَدْ حَكى جُمَلًا كَثِيرَةً وقَعَتْ في كَلامٍ بَيْنَهم، وذَلِكَ أنَّهُ قَرَّرَهم عَلى إضْمارِهِمْ نِيَّةَ عَدَمِ القِتالِ اخْتِبارًا وسَبْرًا لِمِقْدارِ عَزْمِهِمْ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ جاءَ في الِاسْتِفْهامِ بِالنَّفْيِ فَقالَ ما يُؤَدِّي مَعْنى (هَلْ لا تُقاتِلُونَ) ولَمْ يَقُلْ: هَلْ تُقاتِلُونَ؛ لِأنَّ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ هو الطَّرَفُ الرّاجِحُ عِنْدَ المُسْتَفْهِمِ، وإنْ كانَ الطَّرَفُ الآخَرُ مُقَدَّرًا، وإذا خَرَجَ الِاسْتِفْهامُ إلى مَعانِيهِ المَجازِيَّةِ كانَتْ حاجَةُ المُتَكَلِّمِ إلى اخْتِيارِ الطَّرَفِ الرّاجِحِ مُتَأكَّدَةً. وتَوَقَّعَ مِنهم عَدَمَ القِتالِ وحَذَّرَهم مِن عَدَمِ القِتالِ إنْ فُرِضَ عَلَيْهِمْ، فَجُمْلَةُ: ﴿ألّا تُقاتِلُوا﴾ يَتَنازَعُ مَعْناها كُلٌّ مِن هَلْ وعَسى وإنْ، وأُعْطِيَتْ لِعَسى، فَلِذَلِكَ قُرِنَتْ بِأنْ، وهي دَلِيلٌ لِلْبَقِيَّةِ فَيُقَدَّرُ لِكُلِّ عامِلٍ ما يَقْتَضِيهِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ التَّحْرِيضُ: لِأنَّ ذا الهِمَّةِ يَأْنَفُ صفحة ٤٨٦ مِن نِسْبَتِهِ إلى التَّقْصِيرِ، فَإذا سُجِّلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ قَبْلَ وُجُودِ دَواعِيهِ كانَ عَلى حَذَرٍ مِن وُقُوعِهِ في المُسْتَقْبَلِ، كَما يَقُولُ مَن يُوصِي غَيْرَهُ: افْعَلْ كَذا وكَذا وما أظُنُّكَ تَفْعَلُ. وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ عَسِيتُمْ بِكَسْرِ السِّينِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ السِّينِ وهُما لُغَتانِ في ”عَسى“ إذا اتَّصَلَ بِها ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ أوِ المُخاطَبِ، وكَأنَّهم قَصَدُوا مِن كَسْرِ السِّينِ التَّخْفِيفَ بِإماتَةِ سُكُونِ الياءِ. وقَوْلُهُ ﴿قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جاءَتْ واوُ العَطْفِ في حِكايَةِ قَوْلِهِمْ؛ إذْ كانَ في كَلامِهِمْ ما يُفِيدُ إرادَةَ أنْ يَكُونَ جَوابُهم عَنْ كَلامِهِ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِمْ ﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ما يُؤَدِّي مِثْلَهُ بِواوِ العَطْفِ فَأرادُوا تَأْكِيدَ رَغْبَتِهِمْ، في تَعْيِينِ مَلِكٍ يُدَبِّرُ أُمُورَ القِتالِ، بِأنَّهم يُنْكِرُونَ كُلَّ خاطِرٍ يَخْطُرُ في نُفُوسِهِمْ مِنَ التَّثْبِيطِ عَنِ القِتالِ، فَجَعَلُوا كَلامَ نَبِيئِهِمْ بِمَنزِلَةِ كَلامٍ مُعْتَرِضٍ في أثْناءِ كَلامِهِمُ الَّذِي كَمَّلُوهُ، فَما يَحْصُلُ بِهِ جَوابُهم عَنْ شَكِّ نَبِيِّهِمْ في ثَباتِهِمْ، فَكانَ نَظْمُ كَلامِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنِ الرُّسُلِ ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا﴾ [إبراهيم: ١١] . و ما اسْمُ اسْتِفْهامٍ بِمَعْنى أيِّ شَيْءٍ واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ وتَعَجُّبِيٌّ مِن قَوْلِ نَبِيِّهِمْ ﴿هَلْ عَسِيتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألّا تُقاتِلُوا﴾ لِأنَّ شَأْنَ المُتَعَجَّبِ مِنهُ أنْ يُسْألَ عَنْ سَبَبِهِ. واسْمُ الِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ الِابْتِداءِ، ولَنا خَبَرُهُ، ومَعْناهُ: ما حَصَلَ لَنا أوْ ما اسْتَقَرَّ لَنا، فاللّامُ في قَوْلِهِ لَنا لامُ الِاخْتِصاصِ و أنْ حَرْفُ مَصْدَرٍ واسْتِقْبالٍ، ونُقاتِلَ مَنصُوبٌ بِأنْ، ولَمّا كانَ حَرْفُ المَصْدَرِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الفِعْلُ بَعْدَهُ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ، فالمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن أنْ وفِعْلِها إمّا أنْ يُجْعَلَ مَجْرُورًا بِحَرْفِ جَرٍّ مُقَدَّرٍ قَبْلَ أنْ مُناسِبٍ لِتَعَلُّقِ لا نُقاتِلَ بِالخَبَرِ، والتَّقْدِيرُ: ما لَنا في ألّا نُقاتِلَ أيِ انْتِفاءِ قِتالِنا أوْ ما لَنا لِألّا نُقاتِلَ أيْ لِأجْلِ انْتِفاءِ قِتالِنا، فَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ إنْكارَهم أنْ يَثْبُتَ لَهم سَبَبٌ يَحْمِلُهم عَلى تَرْكِهِمُ القِتالَ، أوْ سَبَبٌ لِأجْلِ تَرْكِهِمُ القِتالَ، أيْ لا يَكُونُ لَهم ذَلِكَ. وإمّا أنْ يُجْعَلَ المَصْدَرُ المُنْسَبِكُ بَدَلًا مِن ضَمِيرِ ”لَنا“: بَدَلُ اشْتِمالٍ، والتَّقْدِيرُ: ما لَنا لِتَرْكِنا القِتالَ. ومِثْلُ هَذا النَّظْمِ يَجِيءُ بِأشْكالٍ خَمْسَةٍ: مِثْلَ ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١] ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢] ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٤] فَما لَكَ والتَّلَدُّدَ حَوْلَ نَجْدٍ ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨]، والأكْثَرُ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ حالٍ، ولَكِنَّ الإعْرابَ يَخْتَلِفُ ومَآلُ المَعْنى مُتَّحِدٌ. صفحة ٤٨٧ و ”ما“ مُبْتَدَأٌ و(لَنا) خَبَرُهُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ كانَ لَنا. وجُمْلَةُ ﴿ألّا نُقاتِلَ﴾ حالٌ وهي قَيْدٌ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ: أيْ لا يَثْبُتُ لَنا شَيْءٌ في حالَةِ تَرْكِنا القِتالَ. وهَذا كَنَظائِرِهِ في قَوْلِكَ: ما لِيَ لا أفْعَلُ أوْ ما لِيَ أفْعَلُ، فَأنْ مَصْدَرِيَّةٌ مَجْرُورَةٌ بِحَرْفِ جَرٍّ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ بِفي أوْ لامِ الجَرِّ، مُتَعَلِّقٍ بِما تَعَلَّقَ بِهِ لَنا. وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ أُخْرِجْنا﴾ حالٌ مُعَلِّلَةٌ لِوَجْهِ الإنْكارِ: أيْ إنَّهم في هَذِهِ الحالِ أبْعَدُ النّاسِ عَنْ تَرْكِ القِتالِ؛ لِأنَّ أسْبابَ حُبِّ الحَياةِ تَضْعُفُ في حالَةِ الضُّرِّ والكَدَرِ بِالإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ والأبْناءِ. وعَطْفُ الأبْناءِ عَلى الدِّيارِ لِأنَّ الإخْراجَ يُطْلَقُ عَلى إبْعادِ الشَّيْءِ مِن حَيِّزِهِ، وعَلى إبْعادِهِ مِن بَيْنِ ما يُصاحِبُهُ، ولا حاجَةَ إلى دَعْوى جَعْلِ الواوِ عاطِفَةً عامِلًا مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ وأبْعَدَنا عَنْ أبْنائِنا. وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا﴾ إلَخْ. جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، وهي مَحَلُّ العِبْرَةِ والمَوْعِظَةِ لِتَحْذِيرِ المُسْلِمِينَ مِن حالِ هَؤُلاءِ أنْ يَتَوَلَّوْا عَنِ القِتالِ بَعْدَ أنْ أخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ مِن دِيارِهِمْ وأبْنائِهِمْ، وبَعْدَ أنْ تَمَنَّوْا قِتالَ أعْدائِهِمْ وفَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ والإشارَةُ إلى ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم بَعْدُ بِقَوْلِهِ ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ هو والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٩] إلَخْ. وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ تَذْيِيلٌ: لِأنَّ فِعْلَهم هَذا مِنَ الظُّلْمِ؛ لِأنَّهم لَمّا طَلَبُوا القِتالَ خُيِّلُوا أنَّهم مُحِبُّونَ لَهُ ثُمَّ نَكَصُوا عَنْهُ. ومِن أحْسَنِ التَّأْدِيب قَوْلُ الرّاجِزِ: مَن قالَ لا في حاجَةٍ مَسْئُولَةٍ فَما ظَلَمْ ∗∗∗ وإنَّما الظّالِـمُ مـن يَقُولُ لا بَعْدَ نَعَمْ وهَذِهِ الآيَةُ أشارَتْ إلى قِصَّةٍ عَظِيمَةٍ مِن تارِيخِ بَنِي إسْرائِيلَ، لِما فِيها مِنَ العِلْمِ والعِبْرَةِ، فَإنَّ القُرْآنَ يَأْتِي بِذِكْرِ الحَوادِثِ التّارِيخِيَّةِ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ بِفَوائِدِ ما في التّارِيخِ، ويَخْتارُ لِذَلِكَ ما هو مِن تارِيخِ أهْلِ الشَّرائِعِ، لِأنَّهُ أقْرَبُ لِلْغَرَضِ الَّذِي جاءَ لِأجْلِهِ القُرْآنُ: هَذِهِ القِصَّةُ هي حادِثُ انْتِقالِ نِظامِ حُكُومَةِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الصِّبْغَةِ الشُّورِيَّةِ، المُعَبَّرِ عَنْها عِنْدَهم بِعَصْرِ القُضاةِ، إلى الصِّبْغَةِ المَلَكِيَّةِ، المُعَبَّرِ عَنْها بِعَصْرِ المُلُوكِ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا تُوُفِّيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في حُدُودِ سَنَةِ ١٣٨٠ قَبْلَ المِيلادِ المَسِيحِيِّ، خَلَفَهُ في الأُمَّةِ الإسْرائِيلِيَّةِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، الَّذِي عَهِدَ لَهُ مُوسى في آخِرِ حَياتِهِ بِأنْ يَخْلُفَهُ فَلَمّا صارَ أمْرُ بَنِي إسْرائِيلَ إلى يُوشَعَ جَعَلَ صفحة ٤٨٨ لِأسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ حُكّامًا يَسُوسُونَهم. ويَقْضُونَ بَيْنَهم، وسَمّاهُمُ القُضاةَ فَكانُوا في مُدُنٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وكانَ مِن أُولَئِكَ الحُكّامِ أنْبِياءُ، وكانَ هُنالِكَ أنْبِياءُ غَيْرُ حُكّامٍ، وكانَ كُلُّ سِبْطٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَسِيرُونَ عَلى ما يَظْهَرُ لَهم، وكانَ مِن قَضائِهِمْ وأنْبِيائِهِمْ صَمْوِيلُ بْنُ القانَةِ، مِن سِبْطِ أفْرايِمْ، قاضِيًا لِجَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ مَحْبُوبًا عِنْدَهم، فَلَمّا شاخَ وكَبُرَ وقَعَتْ حُرُوبٌ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ والفِلَسْطِينِيِّينَ وكانَتْ سِجالًا بَيْنَهم، ثُمَّ كانَ الِانْتِصارُ لِلْفِلَسْطِينِيِّينَ، فَأخَذُوا بَعْضَ قُرى بَنِي إسْرائِيلَ: حَتّى إنَّ تابُوتَ العَهْدِ، الَّذِي سَيَأْتِي الكَلامُ عَلَيْهِ، أسَرَهُ الفِلَسْطِينِيُّونَ، وذَهَبُوا بِهِ إلى أُشْدُودِ بِلادِهِمْ وبَقِيَ بِأيْدِيهِمْ عِدَّةَ أشْهُرٍ، فَلَمّا رَأتْ بَنُو إسْرائِيلَ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ الهَزِيمَةِ، ظَنُّوا أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ هو ضَعْفُ صَمْوِيلَ عَنْ تَدْبِيرِ أُمُورِهِمْ، وظَنُّوا أنَّ انْتِظامَ أمْرِ الفِلَسْطِينِيِّينَ، لَمْ يَكُنْ إلّا بِسَبَبِ النِّظامِ المَلَكِيِّ، وكانُوا يَوْمَئِذٍ يَتَوَقَّعُونَ هُجُومَ ناحاشَ: مَلِكِ العُمُونِيِّينَ عَلَيْهِمْ أيْضًا، فاجْتَمَعَتْ إسْرائِيلُ وأرْسَلُوا عُرَفاءَهم مِن كُلِّ مَدِينَةٍ، وطَلَبُوا مِن صَمْوِيلَ أنْ يُقِيمَ لَهم مَلِكًا يُقاتِلُ بِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ، فاسْتاءَ صَمْوِيلُ مِن ذَلِكَ، وحَذَّرَهم عَواقِبَ حُكْمِ المُلُوكِ قائِلًا: إنَّ المَلِكَ يَأْخُذُ بَنِيكم لِخِدْمَتِهِ وخِدْمَةِ خَيْلِهِ، ويَتَّخِذُ مِنكم مَن يَرْكُضُ أمامَ مَراكِبِهِ، ويَسْخَرُ مِنكم حِراثَيْنِ لِحَرْثِهِ، وعَمَلَةً لِعُدَدِ حَرْبِهِ، وأدَواتِ مَراكِبِهِ، ويَجْعَلُ بَناتِكم عَطّاراتٍ وطَبّاخاتٍ وخَبّازاتٍ، ويَصْطَفِي مِن حُقُولِكم، وكُرُومِكم، وزِياتِينِكم، أجْوَدَها فَيُعْطِيها لِعَبِيدِهِ، ويَتَّخِذُكم عَبِيدًا، فَإذا صَرَخْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ في وجْهِ مَلِكِكم لا يَسْتَجِيبُ اللَّهُ لَكم، فَقالُوا: لا بُدَّ لَنا مِن مَلِكٍ لِنَكُونَ مِثْلَ سائِرِ الأُمَمِ، وقالَ لَهم: ﴿هَلْ عَسِيتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألّا تُقاتِلُوا قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ﴾ إلَخْ. وكانَ ذَلِكَ في أوائِلِ القَرْنِ الحادِيَ عَشَرَ قَبْلَ المَسِيحِ. وقَوْلُهُ ﴿وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا﴾ يَقْتَضِي أنَّ الفِلَسْطِينِيِّينَ أخَذُوا بَعْضَ مُدُنِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ إجْمالًا في الإصْحاحِ السّابِعِ مِن سِفْرِ صَمْوِيلَ الأوَّلِ، وأنَّهم أسَرُوا أبْناءَهم، وأطْلَقُوا كُهُولَهم وشُيُوخَهم، وفي ذِكْرِ الإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ والأبْناءِ تَلْهِيبٌ لِلْمُهاجِرِينَ، مِنَ المُسْلِمِينَ، عَلى مُقاتَلَةِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أخْرَجُوهم مِن مَكَّةَ، وفَرَّقُوا بَيْنَهم وبَيْنَ نِسائِهِمْ، وبَيْنَهم وبَيْنَ أبْنائِهِمْ، كَما قالَ تَعالى ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ [النساء: ٧٥] .

البقرة 2:247

صفحة ٤٨٩ ﴿وقالَ لَهم نَبِيئُهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكم وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ . أعادَ الفِعْلَ، في قَوْلِهِ ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهُمْ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كَلامَهُ هَذا لَيْسَ مِن بَقِيَّةِ كَلامِهِ الأوَّلِ، بَلْ هو حَدِيثٌ آخَرُ مُتَأخِّرٌ عَنْهُ: وذَلِكَ أنَّهُ بَعْدَ أنْ حَذَّرَهم عَواقِبَ الحُكُومَةِ المَلَكِيَّةِ، وحَذَّرَهُمُ التَّوَلِّيَ عَنِ القِتالِ، تَكَلَّمَ مَعَهم كَلامًا آخَرَ في وقْتٍ آخَرَ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِإنَّ: إيذانٌ بِأنَّ مِن شَأْنِ هَذا الخَبَرِ أنْ يُتَلَقّى بِالِاسْتِغْرابِ والشَّكِّ، كَما أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهم أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا. ووَقَعَ في سِفْرِ صَمْوِيلَ، في الإصْحاحِ التّاسِعِ، أنَّهُ لَمّا صَمَّمَ بَنُو إسْرائِيلَ في سُؤالِهِمْ أنْ يُعَيِّنَ لَهم مَلِكًا، صَلّى لِلَّهِ تَعالى فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: أنْ أجِبْهم إلى كُلِّ ما طَلَبُوهُ، فَأجابَهم وقالَ لَهُمُ: اذْهَبُوا إلى مُدُنِكم، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ صِفَةَ المَلِكِ الَّذِي سَيُعَيِّنُهُ لَهم، وأنَّهُ لَقِيَهُ رَجُلٌ مِن بِنْيامِينَ اسْمُهُ شاوَلُ بْنُ قَيْسٍ، فَوَجَدَ فِيهِ الصِّفَةَ: وهي أنَّهُ أطْوَلُ القَوْمِ، ومَسَحَهُ صَمْوِيلُ مَلِكًا عَلى إسْرائِيلَ، إذْ صَبَّ عَلى رَأْسِهِ زَيْتًا، وقَبَّلَهُ وجَمَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، بَعْدَ أيّامٍ، في بَلَدِ المُصَفّاةِ، وأحْضَرَهُ، وعَيَّنَهُ لَهم مَلِكًا، وذَلِكَ سَنَةَ ١٠٩٥ قَبْلَ المَسِيحِ. وهَذا المَلِكُ هو الَّذِي سُمِّيَ في الآيَةِ (طالُوتَ) وهو (شاوُلُ) وطالُوتُ لَقَبُهُ، وهو وزْنُ اسْمِ مَصْدَرٍ: مِنَ الطُّولِ، عَلى وزْنِ فَعَلُوتٍ مِثْلَ جَبَرُوتٍ ومَلَكُوتٍ ورَهَبُوتٍ ورَغَبُوتٍ ورَحَمُوتٍ، ومِنهُ طاغُوتٌ أصْلُهُ طَغَيُوتٌ فَوَقَعَ فِيهِ قَلْبٌ مَكانِيٌّ، وطالُوتُ وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ في طُولِ قامَتِهِ، ولَعَلَّهُ جُعِلَ لَقَبًا لَهُ في القُرْآنِ لِلْإشارَةِ إلى الصِّفَةِ الَّتِي عُرِّفَ بِها لِصَمْوِيلَ، في الوَحْيِ الَّذِي أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، كَما تَقَدَّمَ، ولِمُراعاةِ التَّنْظِيرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ جالُوتَ غَرِيمِهِ في الحَرْبِ، أوْ كانَ ذَلِكَ لَقَبًا لَهُ في قَوْمِهِ قَبْل أنْ يُؤْتى المُلْكَ، وإنَّما يُلَقَّبُ بِأمْثالِ هَذا اللَّقَبِ، مَن كانَ مِنَ العُمُومِ. ووَزْنُ فَعَلُوتٍ وزْنٌ نادِرٌ في العَرَبِيَّةِ ولَعَلَّهُ مِن بَقايا العَرَبِيَّةِ القَدِيمَةِ السّامِيَّةِ، وهَذا هو الَّذِي يُؤْذَنُ بِهِ مَنعُهُ مِنَ الصَّرْفِ، فَإنَّ مَنعَهُ مِنَ الصَّرْفِ لا عِلَّةَ صفحة ٤٩٠ لَهُ إلّا العِلْمِيَّةُ والعُجْمَةُ، وجَزَمَ الرّاغِبُ بِأنَّهُ اسْمٌ عَجَمِيٌّ ولَمْ يُذْكَرْ في كُتُبِ اللُّغَةِ لِذَلِكَ ولَعَلَّهُ عُومِلَ مُعامَلَةَ الِاسْمِ العَجَمِيِّ لَمّا جُعِلَ عَلَمًا عَلى هَذا العَجَمِيِّ في العَرَبِيَّةِ، فَعُجْمَتُهُ عارِضَةٌ ولَيْسَ هو عَجَمِيًّا بِالأصالَةِ، لِأنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ هَذا الِاسْمُ في لُغَةِ العِبْرانِيِّينَ كَداوُدَ وشاوُلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنعُهُ مِنَ الصَّرْفِ لِمَصِيرِهِ بِالإبْدالِ إلى شِبْهِ وزْنِ فاعُولٍ، ووَزْنُ فاعُولٍ في الأعْلامِ عَجَمِيٌّ، مِثْلُهارُوتَ ومارُوتَ وشاوُلَ وداوُدَ، ولِذَلِكَ مَنَعُوا قابُوسَ مِنَ الصَّرْفِ، ولَمْ يَعْتَدُّوا بِاشْتِقاقِهِ مِنَ القَبَسِ، وكَأنَّ عُدُولَ القُرْآنِ عَنْ ذِكْرِهِ بِاسْمِهِ شاوُلَ لِثِقَلِ هَذا اللَّفْظِ وخِفَّةِ طالُوتَ. وأنّى في قَوْلِهِ ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا﴾ بِمَعْنى كَيْفَ، وهو اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعَجُّبِ، تَعَجَّبُوا مِن جَعْلِ مِثْلِهِ مَلِكًا، وكانَ رَجُلًا فَلّاحًا مِن بَيْتٍ حَقِيرٍ، إلّا أنَّهُ كانَ شُجاعًا، وكانَ أطْوَل القَوْمِ، ولَمّا اخْتارَهُ صَمْوِيل لِذَلِكَ، فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالحِكْمَةِ، وتَنَبَّأ نُبُوءاتٍ كَثِيرَةً، ورَضِيَتْ بِهِ بَعْضُ إسْرائِيلَ، وأباهُ بَعْضُهم، فَفي سِفْرِ صَمْوِيلَ: أنَّ الَّذِينَ لَمْ يَرْضَوْا بِهِ هم بَنُو بَلِيعالَ والقُرْآنُ ذَكَرَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا، وهو الحَقُّ؛ لِأنَّهم لا بُدَّ أنْ يَكُونُوا قَدْ ظَنُّوا أنَّ مَلِكَهم سَيَكُونُ مِن كُبَرائِهِمْ وقُوّادِهِمْ. والسِّرُّ في اخْتِيارِ نَبِيِّهِمْ لَهم هَذا المَلِكَ: أنَّهُ أرادَ أنْ تَبْقى لَهم حالَتُهُمُ الشُّورِيَّةُ بِقَدْرِ الإمْكانِ، فَجَعَلَ مَلِكَهم مِن عامَّتِهِمْ لا مِن سادَتِهِمْ، لِتَكُونَ قَدَمُهُ في المُلْكِ غَيْرَ راسِخَةٍ، فَلا يُخْشى مِنهُ أنْ يَشْتَدَّ في اسْتِعْبادِ أُمَّتِهِ، لِأنَّ المُلُوكَ في ابْتِداءِ تَأْسِيسِ الدُّوَلِ يَكُونُونَ أقْرَبَ إلى الخَيْرِ، لِأنَّهم لَمْ يَعْتادُوا عَظَمَةَ المُلْكِ ولَمْ يَنْسَوْا مُساواتَهم لِأمْثالِهِمْ، وما يَزالُونَ يَتَوَقَّعُونَ الخَلْعَ، ولِهَذا كانَتِ الخِلافَةُ سُنَّةَ الإسْلامِ. وكانَتِ الوِراثَةُ مَبْدَأ المُلْكِ في الإسْلامِ: إذْ عَهِدَ مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ لِابْنِهِ يَزِيدَ بِالخِلافَةِ بَعْدَهُ، والظَّنُّ بِهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسَعُهُ يَوْمَئِذٍ إلّا ذَلِكَ؛ لِأنَّ شِيعَةَ بَنِي أُمَيَّةَ راغِبُونَ فِيهِ، ثُمَّ كانَتْ قاعِدَةُ الوِراثَةِ لِلْمُلْكِ في دُوَلِ الإسْلامِ وهي مِن تَقالِيدِ الدُّوَلِ مِن أقْدَمِ عُصُورِ التّارِيخِ. وهي سُنَّةٌ سَيِّئَةٌ ولِهَذا تَجِدُ مُؤَسِّسِي الدُّوَلِ أفْضَلَ مُلُوكِ عائِلاتِهِمْ. وقُوّادُ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَتَفَطَّنُوا لِهَذِهِ الحِكْمَةِ لِقِصَرِ أنْظارِهِمْ، وإنَّما نَظَرُوا إلى قِلَّةِ جَدَّتِهِ، فَتَوَهَّمُوا ذَلِكَ مانِعًا مِن تَمْلِيكِهِ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الِاعْتِبارَ بِالخِلالِ النَّفْسانِيَّةِ، وأنَّ الغِنى غِنى النَّفْسِ لا وفْرَةُ المالِ وماذا تُجْدِي وفْرَتُهُ إذا لَمْ يَكُنْ يُنْفِقُهُ في المَصالِحِ، وقَدْ قالَ الرّاجِزُ: قَدْنِي مِن نَصْرِ الخَبَيْبَيْنِ قَدِي لَيْسَ الإمامُ بِالشَّحِيحِ المُلْحِدِ صفحة ٤٩١ فَقَوْلُهم ”﴿ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ﴾“ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والضَّمِيرُ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ، وهم قادَةُ بَنِي إسْرائِيلَ وجَعَلُوا الجُمْلَةَ حالًا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم لَمّا ذَكَرُوا أحَقِّيَّتَهم بِالمُلْكِ لَمْ يَحْتاجُوا إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ هَذا الأمْرَ عِنْدَهم مُسَلَّمٌ مَعْرُوفٌ، إذْ هم قادَةٌ وعُرَفاءُ، وشاوُلُ رَجُلٌ مِنَ السُّوقَةِ، فَهَذا تَسْجِيلٌ مِنهم بِأرْجَحِيَّتِهِمْ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ ﴿ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ الحالِ فَهي حالٌ ثانِيَةٌ. وهَذا إبْداءٌ مانِعٌ فِيهِ مِن وِلايَتِهِ المُلْكَ في نَظَرِهِمْ، وهو أنَّهُ فَقِيرٌ، وشَأْنُ المَلِكِ أنْ يَكُونَ ذا مالٍ لِيَكْفِيَ نَوائِبَ الأُمَّةِ فَيُنْفِقَ المالَ في العَدَدِ، والعَطاءِ، وإغاثَةِ المَلْهُوفِ فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُ مَن لَيْسَ بِذِي مالٍ أنْ يَكُونَ مَلِكًا، وإنَّما قالُوا هَذا لِقُصُورِهِمْ في مَعْرِفَةِ سِياسَةِ الأُمَمِ ونِظامِ المُلْكِ؛ فَإنَّهم رَأوُا المُلُوكَ المُجاوِرِينَ لَهم في بَذَخَةٍ وسَعَةٍ، فَظَنُّوا ذَلِكَ مِن شُرُوطِ المُلْكِ. ولِذا أجابَهم نَبِيئُهم بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ﴾ رادًّا عَلى قَوْلِهِمْ ﴿ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ﴾ فَإنَّهُمُ اسْتَنَدُوا إلى اصْطِفاءِ الجُمْهُورِ إيّاهم فَأجابَهم بِأنَّهُ أرْجَحُ مِنهم لِأنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ، وبِقَوْلِهِ ﴿وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ﴾ رادًّا عَلَيْهِمْ قَوْلَهم: ﴿ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ﴾، أيْ زادَهُ عَلَيْكم بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ، فَأعْلَمَهم نَبِيئُهم أنَّ الصِّفاتِ المُحْتاجَ إلَيْها في سِياسَةِ أمْرِ الأُمَّةِ تَرْجِعُ إلى أصالَةِ الرَّأْيِ، وقُوَّةِ البَدَنِ؛ لِأنَّهُ بِالرَّأْيِ يَهْتَدِي لِمَصالِحِ الأُمَّةِ، لا سِيَّما في وقْتِ المَضائِقِ، وعِنْدَ تَعَذُّرِ الِاسْتِشارَةِ، أوْ عِنْدَ خِلافِ أهْلِ الشُّورى وبِالقُوَّةِ يَسْتَطِيعُ الثَّباتَ في مَواقِعِ القِتالِ فَيَكُونُ بِثَباتِهِ ثَباتُ نُفُوسِ الجَيْشِ، وقَدَّمَ النَّبِيءُ في كَلامِهِ العِلْمَ عَلى القُوَّةِ لِأنَّ وقْعَهُ أعْظَمُ، قالَ أبُو الطَّيِّبِ: الرَّأْيُ قَبْلَ شَجاعَةِ الشُّجْعانِ ∗∗∗ هو أوَّلٌ وهي المَحَلُّ الثّانِي فالعِلْمُ المُرادُ هُنا، هو عِلْمُ تَدْبِيرِ الحَرْبِ وسِياسَةِ الأُمَّةِ، وقِيلَ: هو عِلْمُ النُّبُوءَةِ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ لِأنَّ طالُوتَ لَمْ يَكُنْ مَعْدُودًا مِن أنْبِيائِهِمْ. ولَمْ يُجِبْهم نَبِيئُهم عَنْ قَوْلِهِ ﴿ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ﴾ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ اقْتِصارِهِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ﴾؛ فَإنَّهُ بِبَسْطَةِ العِلْمِ وبِالنَّصْرِ يَتَوافَرُ لَهُ المالُ؛ لِأنَّ المالَ تَجْلِبُهُ الرَّعِيَّةُ كَما قالَ أرِسْطَطالِيسُ، ولِأنَّ المَلِكَ ولَوْ كانَ ذا ثَرْوَةٍ، فَثَرْوَتُهُ لا تَكْفِي لِإقامَةِ أُمُورِ المَمْلَكَةِ ولِهَذا لَمْ يَكُنْ مِن شَرْطِ وُلاةِ الأُمُورِ مِنَ الخَلِيفَةِ فَما دُونَهُ أنْ يَكُونَ ذا سَعَةٍ، وقَدْ ولِيَ عَلى الأُمَّةِ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعَلِيٌّ ولَمْ يَكُونُوا ذَوِي يَسارٍ. وغِنى الأُمَّةِ في بَيْتِ مالِها ومِنهُ تَقُومُ مَصالِحُها، وأرْزاقُ وُلاةِ أُمُورِها. صفحة ٤٩٢ والبَسْطَةُ اسْمٌ مِنَ البَسْطِ وهو السِّعَةُ والِانْتِشارُ، فالبَسْطَةُ الوَفْرَةُ والقُوَّةُ مِنَ الشَّيْءِ، وسَيَجِيءُ كَلامٌ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ [الأعراف: ٦٩] في الأعْرافِ. وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ النَّبِيءِ، فَيَكُونُ قَدْ رَجَعَ بِهِمْ إلى التَّسْلِيمِ إلى أمْرِ اللَّهِ، بَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهم شَيْئًا مِن حِكْمَةِ اللَّهِ في ذَلِكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَذْيِيلًا لِلْقِصَّةِ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .

البقرة 2:248

﴿وقالَ لَهم نَبِيئُهم إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكم وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . أرادَ نَبِيئُهم أنْ يَتَحَدّاهم بِمُعْجِزَةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى اخْتارَ لَهم شاوُلُ مَلِكًا، فَجَعَلَ لَهم آيَةً تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ: وهي أنْ يَأْتِيَهُمُ التّابُوتُ، أيْ تابُوتُ العَهْدِ، بَعْدَ أنْ كانَ في يَدِ الفِلَسْطِينِيِّينَ كَما تَقَدَّمَ، وهَذا إشارَةٌ إلى قِصَّةِ تَيْسِيرِ اللَّهِ تَعالى لِإرْجاعِ التّابُوتِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ بِدُونِ قِتالٍ: وذَلِكَ أنَّ الفِلَسْطِينِيِّينَ أرْجَعُوا التّابُوتَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ في قِصَّةٍ ذُكِرَتْ في سِفْرِ صَمْوِيلَ: حاصِلُها أنَّ التّابُوتَ بَقِيَ سَبْعَةَ أشْهُرٍ في بِلادِ فِلَسْطِينَ مَوْضُوعًا في بَيْتِ صَنَمِهِمْ داجُونَ ورَأى الفِلَسْطِينِيُّونَ آياتٍ مِن سُقُوطِ صَنَمِهِمْ عَلى وجْهِهِ، وانْكِسارِ يَدَيْهِ ورَأْسِهِ، وإصابَتِهِمْ بِالبَواسِيرِ في أشْدُودَ، وتُخُومِها، وسُلِّطَتْ عَلَيْهِمُ الجُرْذانُ تُفْسِدُ الزُّرُوعَ، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ اسْتَشارُوا الكَهَنَةَ، فَأشارُوا عَلَيْهِمْ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ بِإرْجاعِهِ إلى إسْرائِيل لِأنَّ إلَهَ إسْرائِيلَ قَدْ غَضِبَ لِتابُوتِهِ وأنْ يُرْجِعُوهُ مَصْحُوبًا بِهَدِيَّةٍ: صُورَةِ خَمْسِ بَواسِيرَ مِن ذَهَبٍ، وصُورَةِ خَمْسِ فِيرانٍ مَن ذَهَبٍ، عَلى عَدَدِ مُدُنِ الفِلَسْطِينِيِّينَ العَظِيمَةِ: أشْدُودَ، وغَزَّةَ، وأشْقَلُونَ، وجَتْ، وعَفْرُونَ. ويُوضَعُ التّابُوتُ عَلى عَجَلَةٍ جَدِيدَةٍ تَجُرُّها بَقَرَتانِ ومَعَهُ صُنْدُوقٌ بِهِ التَّماثِيلُ الذَّهَبِيَّةُ، ويُطْلِقُونَ البَقَرَتَيْنِ تَذْهَبانِ بِإلْهامٍ إلى أرْضِ إسْرائِيلَ، فَفَعَلُوا واهْتَدَتِ البَقَرَتانِ إلى أنْ بَلَغَ التّابُوتُ والصُّنْدُوقُ إلى يَدِ اللُّاوِيِّينَ في تُخُمِ بَيْتِ شَمْسٍ: هَكَذا وقَعَ في سِفْرِ صَمْوِيلَ غَيْرَ أنَّ ظاهِرَ سِياقِهِ أنَّ رُجُوعَ التّابُوتِ إلَيْهِمْ كانَ قَبْلَ تَمْلِيكِ شاوُلَ، وصَرِيحُ القُرْآنِ يُخالِفُ ذَلِكَ، ويُمْكِنُ تَأْوِيلُ كَلامِ السِّفْرِ بِما يُوافِقُ هَذا بِأنْ تُحْمَلَ الحَوادِثُ عَلى غَيْرِ تَرْتِيبِها في الذِّكْرِ، وهو كَثِيرٌ في كِتابِهِمْ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي صفحة ٤٩٣ أنَّ الفِلَسْطِينِيِّينَ لَمّا عَلِمُوا اتِّحادَ الإسْرائِيلِيِّينَ تَحْتَ مَلِكٍ عَلِمُوا أنَّهم ما أجْمَعُوا أمْرَهم إلّا لِقَصْدِ أخْذِ الثَّأْرِ مِن أعْدائِهِمْ وتَخْلِيصِ تابُوتِ العَهْدِ مِن أيْدِيهِمْ، فَدَبَّرُوا أنْ يُظْهِرُوا إرْجاعَ التّابُوتِ بِسَبَبِ آياتٍ شاهَدُوها، ظَنًّا مِنهم أنَّ حِدَّةَ بَنِي إسْرائِيلَ تَقِلُّ إذا أُرْجِعَ إلَيْهِمُ التّابُوتُ بِالكَيْفِيَّةِ المَذْكُورَةِ، آنِفًا، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا الرُّعْبُ حَصَلَ لَهم قَبْلَ تَمْلِيكِ شاوُلَ، وابْتِداءِ ظُهُورِ الأنْصارِ بِهِ. والتّابُوتُ اسْمٌ عَجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ فَوَزْنُهُ فاعُولٌ، وهَذا الوَزْنُ قَلِيلٌ في الأسْماءِ العَرَبِيَّةِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ ما كانَ عَلى وزْنِهِ إنَّما هو مُعَرَّبٌ: مِثْلَ ناقُوسٍ ونامُوسٍ، واسْتَظْهَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ وزْنَهُ فَعَلُولٌ بِتَحْرِيكِ العَيْنِ لِقِلَّةِ الأسْماءِ الَّتِي فاؤُها ولامُها حَرْفانِ مُتَّحِدانِ: مِثْلَ سَلَسٌ وقَلَقٌ، ومِن أجْلِ هَذا أثْبَتَهُ الجَوْهَرِيُّ في مادَّةِ تَوَبَ لا في تَبَتَ. والتّابُوتُ بِمَعْنى الصُّنْدُوقِ المُسْتَطِيلِ: وهو صُنْدُوقٌ أُمِرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِصُنْعِهِ صَنَعَهُ بَصْلَئِيلُ المُلْهَمُ في صِناعَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والنُّحاسِ ونِجارَةِ الخَشَبِ، فَصَنَعَهُ مِن خَشَبِ السَّنْطِ وهو شَجَرَةٌ مِن صِنْفِ القَرَظِ وجَعَلَ طُولَهُ ذِراعَيْنِ ونِصْفًا وعَرْضَهُ ذِراعًا ونِصْفًا وارْتِفاعَهُ ذِراعًا ونِصْفًا، وغَشّاهُ بِذَهَبٍ مِن داخِلُ ومِن خارِجُ، وصَنَعَ لَهُ إكْلِيلًا مِن ذَهَبٍ، وسَبَكَ لَهُ أرْبَعَ حَلَقٍ مِن ذَهَبٍ عَلى قَوائِمِهِ الأرْبَعِ، وجَعَلَ لَهُ عَصَوَيْنِ مِن خَشَبٍ مُغَشّاتَيْنِ بِذَهَبٍ لِتَدْخُلَ في الحَلَقاتِ لِحَمْلِ التّابُوتِ، وجَعَلَ غِطاءَهُ مِن ذَهَبٍ، وجَعَلَ عَلى طَرِيقِ الغِطاءِ صُورَةً تَخَيَّلَ بِها اثْنَيْنِ مِنَ المَلائِكَةِ مِن ذَهَبٍ باسِطِينَ أجْنِحَتَهُما فَوْقَ الغِطاءِ، وأمَرَ اللَّهُ مُوسى أنْ يَضَعَ في هَذا التّابُوتِ لَوْحَيِ الشَّهادَةِ اللَّذَيْنِ أعْطاهُ اللَّهُ إيّاهُما وهي الألْواحُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في قَوْلِهِ ﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ﴾ [الأعراف: ١٥٤] . والسَّكِينَةُ فَعَيْلَةٌ بِمَعْنى الِاطْمِئْنانِ والهُدُوءِ، وفي حَدِيثِ السَّعْيِ إلى الصَّلاةِ «عَلَيْكم بِالسِّكِّينَةِ» وذَلِكَ أنَّ مِن بَرَكَةِ التّابُوتِ أنَّهُ إذا كانَ بَيْنَهم في حَرْبٍ أوْ سِلْمِ كانَتْ نُفُوسُهم واثِقَةً بِحُسْنِ المُنْقَلَبِ، وفِيهِ أيْضًا كُتُبُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي مِمّا تَسْكُنُ لِرُؤْيَتِها نُفُوس الأُمَّةِ وتَطْمَئِنُّ لِأحْكامِها، فالظَّرْفِيَّةُ عَلى الأوَّلِ مَجازِيَّةٌ، وعَلى الثّانِي حَقِيقِيَّةٌ، ووَرَدَ في حَدِيثِ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ إطْلاقُ السِّكِّينَةِ عَلى شَيْءٍ شِبْهِ الغَمامِ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ، فَلَعَلَّها مَلائِكَةٌ يُسَمَّوْنَ بِالسِّكِّينَةِ. والبَقِيَّةُ في الأصْلِ: ما يَفْضَلُ مِن شَيْءٍ بَعْدَ انْقِضاءِ مُعْظَمِهِ، وقَدْ بُيِّنَتْ هُنا بِأنَّها مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ، وهي بَقايا مِن آثارِ الألْواحِ، ومِنَ الثِّيابِ الَّتِي ألْبَسَها مُوسى أخاهُ صفحة ٤٩٤ هارُونَ، حِينَ جَعَلَهُ الكاهِنَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، والحافِظَ لِأُمُورِ الدِّينِ، وشَعائِرِ العِبادَةِ قِيلَ: ومِن ذَلِكَ عَصا مُوسى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ البَقِيَّةُ مَجازًا عَنِ النَّفِيسِ مِنَ الأشْياءِ؛ لِأنَّ النّاسَ إنَّما يُحافِظُونَ، عَلى النَّفائِسِ فَتَبْقى كَما قالَ النّابِغَةُ: بَقِيَّةُ قِدْرٍ مِن قُدُورٍ تُوُورِئَتْ لِآلِ الجُلاحِ كابِرًا بَعْدَ كابِرِ وقَدْ فُسِّرَ بِهَذا المَعْنى قَوْلُ رُوَيْشِدٍ الطّائِيِّ: إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ تَأْتِينِي بَقِيَّتُكم ∗∗∗ فَما عَلَيَّ بِذَنْبٍ مِنكم فَوْتُ أيْ تَأْتِينِي الجَماعَةُ الَّذِينَ تَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ في مَهامِّكم، وقَرِيبٌ مِنهُ إطْلاقُ التَّلِيدِ عَلى القَدِيمِ مِنَ المالِ المَوْرُوثِ. والمُرادُ مِن آلِ مُوسى وآلِ هارُونَ أهْلُ بَيْتِهِما: مِن أبْناءِ هارُونَ؛ فَإنَّهم عُصْبَةُ مُوسى؛ لِأنَّ مُوسى لَمْ يَتْرُكْ أوْلادًا، أوْ ما تَرَكَهُ آلُهُما هو آثارُهُما، فَيَئُولُ إلى مَعْنى ما تَرَكَ مُوسى وهارُونُ وآلُهُما، أوْ أرادَ مِمّا تَرَكَ مُوسى وهارُونُ فَلَفْظُ آلٍ مُقْحَمٌ كَما في قَوْلِهِ ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] . وهارُونُ هو أخُو مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ وهو هارُونُ بْنُ عِمْرانَ مِن سِبْطِ لاوِي وُلِدَ قَبْلَ أنْ يَأْمُرَ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِ أطْفالِ بَنِي إسْرائِيلَ وهو أكْبَرُ مِن مُوسى، ولَمّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى بِالرِّسالَةِ أعْلَمَهُ بِأنَّهُ سَيُشْرِكُ مَعَهُ أخاهُ هارُونَ فَيَكُونُ كالوَزِيرِ لَهُ، وأُوحِيَ إلى هارُونَ أيْضًا، وكانَ مُوسى هو الرَّسُولَ الأعْظَمَ، وكانَ مُعْظَمُ وحْيِ اللَّهِ إلى هارُونَ عَلى لِسانِ مُوسى، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ هارُونَ أوَّلَ كاهِنٍ لِبَنِي إسْرائِيلَ لَمّا أقامَ لَهم خِدْمَةَ خَيْمَةِ العِبادَةِ، وجَعَلَ الكِهانَةَ في نَسْلِهِ، فَهم يَخْتَصُّونَ بِأحْكامٍ لا تُشارِكُهم فِيها بَقِيَّةُ الأُمَّةِ مِنها تَحْرِيمُ الخَمْرِ عَلى الكاهِنِ، وماتَ هارُونُ سَنَةَ ثَمانٍ أوْ سَبْعٍ وخَمْسِينَ وأرْبَعِمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ المَسِيحِ، في جَبَلِ هُورَ عَلى تُخُومِ أرْضِ أدُومَ في مُدَّةِ التِّيهِ في السَّنَةِ الثّالِثَةِ مِنَ الخُرُوجِ مِن مِصْرَ. وقَوْلُهُ ﴿تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ﴾ حالٌ مِنَ التّابُوتِ، والحَمْلُ هُنا هو التَّرْحِيلُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢] لِأنَّ الرّاحِلَةَ تَحْمِلُ راكِبَها؛ ولِذَلِكَ تُسَمّى حُمُولَةً وفي حَدِيثِ غَزْوَةِ خَيْبَرَ: «وكانَتِ الحُمُرُ حُمُولَتَهم» وقالَ النّابِغَةُ: صفحة ٤٩٥ يُخالُ بِهِ راعِي الحُمُولَةِ طائِرًا فَمَعْنى حَمْلِ المَلائِكَةِ التّابُوتُ هو تَسْيِيرُهم بِإذْنِ اللَّهِ البَقَرَتَيْنِ السّائِرَتَيْنِ بِالعَجَلَةِ الَّتِي عَلَيْها التّابُوتُ إلى مَحَلَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ، مِن غَيْرِ أنْ يَسْبِقَ لَهُما إلْفٌ بِالسَّيْرِ إلى تِلْكَ الجِهَةِ، هَذا هو المُلاقِي لِما في كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ. وقَوْلُهُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ الإشارَةُ إلى جَمِيعِ الحالَةِ أيْ في رُجُوعِ التّابُوتِ مِن يَدِ أعْدائِكم إلَيْكم، بِدُونِ قِتالٍ، وفِيما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ التّابُوتُ مِن آثارِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وفي مَجِيئِهِ مِن غَيْرِ سائِقٍ. ولا إلْفٍ سابِقٍ.

البقرة 2:249

﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّيَ إلّا مَنِ اغْتَرَفَ غَرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم فَلَمّا جاوَزَهُ هو والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿ولَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٥١] عَطَفَ الفاءُ جُمْلَةَ: ”لَمّا فَصَلَ“، عَلى جُمْلَةِ (﴿وقالَ لَهم نَبِيئُهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٧]) لِأنَّ بَعْثَ المَلِكِ، لِأجْلِ القِتالِ، يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الخُرُوجُ لِلْقِتالِ الَّذِي سَألُوا لِأجْلِهِ بَعْثَ النَّبِيءِ، وقَدْ حُذِفَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ كَلامٌ كَثِيرٌ مُقَدَّرٌ: وهو الرِّضا بِالمُلْكِ، ومَجِيءُ التّابُوتِ، وتَجْنِيدُ الجُنُودِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ: فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ. ومَعْنى فَصَلَ بِالجُنُودِ: قَطَعَ وابْتَعَدَ بِهِمْ، أيْ تَجاوَزُوا مَساكِنَهم وقُراهُمُ الَّتِي خَرَجُوا مِنها وهو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ: لِأنَّ أصْلَهُ فَصْلُ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ ثُمَّ عَدُّوهُ إلى الفاعِلِ فَقالُوا فَصَلَ نَفْسَهُ حَتّى صارَ بِمَعْنى انْفَصَلَ، فَحَذَفُوا مَفْعُولَهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، ولِذَلِكَ تَجِدُ مَصْدَرَهُ الفَصْلُ بِوَزْنِ مَصْدَرِ صفحة ٤٩٦ المُتَعَدِّي، ولَكِنَّهم رُبَّما قالُوا فَصَلَ فُصُولًا نَظَرًا لِحالَةِ قُصُورِهِ، كَما قالُوا صَدَّهُ صَدًّا، ثُمَّ قالُوا صَدَّ هو صَدًّا، ثُمَّ قالُوا صَدَّ صُدُودًا. ونَظِيرُهُ في حَدِيثِ صِفَةِ الوَحْيِ «أحْيانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ فَيَفْصِمُ عَنِّي وقَدْ وعَيْتُ ما قالَ» أيْ فَيَفْصِلُ نَفْسَهُ عَنِّي، والمَعْنى فَيَنْفَصِلُ عَنِّي. وضَمِيرُ ”قالَ“ راجِعٌ إلى طالُوتَ، ولا يَصِحُّ رُجُوعُهُ إلى نَبِيئِهِمْ، لِأنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهم، وإنَّما أخْبَرَ طالُوتُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ مُبْتَلِيهِمْ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيئًا يُوحى إلَيْهِ: إمّا اسْتِنادًا لِإخْبارٍ تَلَقّاهُ مِن صَمُوئِيلَ، وإمّا لِأنَّهُ اجْتَهَدَ أنْ يَخْتَبِرَهم بِالشُّرْبِ مِنَ النَّهَرِ لِمَصْلَحَةٍ رَآها في ذَلِكَ، فَأخْبَرَ عَنِ اجْتِهادِهِ، إذْ هو حُكْمُ اللَّهِ في شَرْعِهِمْ فَأسْنَدَهُ إلى اللَّهِ، وهَذا مِن مَعْنى قَوْلِ عُلَماءِ أُصُولِ الفِقْهِ: إنَّ المُجْتَهِدَ يَصِحُّ لَهُ أنْ يَقُولَ فِيما ظَهَرَ لَهُ بِاجْتِهادِهِ إنَّهُ دِينُ اللَّهِ أوْ لِأنَّهُ في شَرْعِهِمْ أنَّ اللَّهُ أوْجَبَ عَلى الجَيْشِ طاعَةَ أمِيرِهِمْ فِيما يَأْمُرُهم بِهِ، وطاعَةُ المَلِكِ فِيما يَراهُ مِن مَصالِحِهِمْ، وكانَ طالُوتُ قَدْ رَأى أنْ يَخْتَبِرَ طاعَتَهم ومِقْدارَ صَبْرِهِمْ بِهَذِهِ البَلْوى فَجَعَلَ البَلْوى مِنَ اللَّهِ؛ إذْ قَدْ أمَرَهم بِطاعَتِهِ بِها وعَلى كُلٍّ فَتَسْمِيَةُ هَذا التَّكْلِيفِ ابْتِلاءً تَقْرِيبٌ لِلْمَعْنى إلى عُقُولِهِمْ: لِأنَّ المَقْصُودَ إظْهارُ الِاعْتِناءِ بِهَذا الحُكْمِ، وأنَّ فِيهِ مَرْضاةَ اللَّهِ تَعالى عَلى المُمْتَثِلِ، وغَضَبَهُ عَلى العاصِي، وأمْثالُ هَذِهِ التَّقْرِيباتِ في مُخاطَباتِ العُمُومِ شائِعَةٌ، وأكْثَرُ كَلامِ كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن هَذا القَبِيلِ، والظّاهِرُ أنَّ المَلِكَ لَمّا عَلِمَ أنَّهُ سائِرٌ بِهِمْ إلى عَدُوٍّ كَثِيرِ العَدَدِ، قَوِيِّ العُدَدِ أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ قُوَّةَ يَقِينِهِمْ في نُصْرَةِ الدِّينِ، ومُخاطَرَتَهم بِأنْفُسِهِمْ، وتَحَمُّلَهُمُ المَتاعِبَ، وعَزِيمَةَ مُعاكَسَتِهِمْ نُفُوسَهم، فَقالَ لَهم إنَّكم سَتَمُرُّونَ عَلى نَهَرٍ، وهو نَهَرُ الأُرْدُنِّ، فَلا تَشْرَبُوا مِنهُ فَمِن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي، ورَخَّصَ لَهم في غَرْفَةٍ يَغْتَرِفُها الواحِدُ بِيَدِهِ يَبُلُّ بِها رِيقَهُ، وهَذا غايَةُ ما يَخْتَبِرُ بِهِ طاعَةَ الجَيْشِ، فَإنَّ السَّيْرَ في الحَرْبِ يُعَطِّشُ الجَيْشَ، فَإذا ورَدُوا الماءَ تَوافَرَتْ دَواعِيهِمْ إلى الشُّرْبِ مِنهُ عَطَشًا وشَهْوَةً، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ إبْقاءَ نَشاطِهِمْ: لِأنَّ المُحارِبَ إذا شَرِبَ ماءً كَثِيرًا بَعْدَ التَّعَبِ، انْحَلَّتْ عُراهُ ومالَ إلى الرّاحَةِ، وأثْقَلَهُ الماءُ. والعَرَبُ تَعْرِفُ ذَلِكَ قالَ طُفَيْلٌ يَذْكُرُ خَيْلَهم: فَلَمّا شَـارَفْـتَ أعْـلامُ طَـيٌّ وطَيٌّ في المَغارِ وفي الشِّعابِ سَقَيْناهُنَّ مِن سـَهْـلِ الأداوِي ∗∗∗ فَمُصْطَبِحٌ عَلى عَجَـلٍ وآبِـي يُرِيدُ أنَّ الَّذِي مارَسَ الحَرْبَ مِرارًا لَمْ يَشْرَبْ؛ لِأنَّهُ لا يَسْأمُ مِنَ الرَّكْضِ والجَهْدِ، فَإذا كانَ حاجِزًا كانَ أخَفَّ لَهُ وأسْرَعَ، والغِرُّ مِنهم يَشْرَبُ لِجَهْلِهِ لِما يُرادُ مِنهُ، ولِأجْلِ هَذا رَخَّصَ لَهم في اغْتِرافِ غَرْفَةٍ واحِدَةٍ. صفحة ٤٩٧ والنَّهَرُ بِتَحْرِيكِ الهاءِ، وبِسُكُونِها لِلتَّخْفِيفِ ونَظِيرُهُ في ذَلِكَ شَعْرٌ وبَحْرٌ وحَجْرٌ فالسُّكُونُ ثابِتٌ لِجَمِيعِها. وقَوْلُهُ ﴿فَلَيْسَ مِنِّي﴾ أيْ فَلَيْسَ مُتَّصِلًا بِي ولا عَلَقَةَ بَيْنِي وبَيْنَهُ، وأصْلُ ”مِن“ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لِلتَّبْعِيضِ، وهو تَبْعِيضٌ مَجازِيٌّ في الِاتِّصالِ، وقالَ تَعالى ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨] وقالَ النّابِغَةُ: إذا حاوَلَتْ في أسَدٍ فُجُـورًا ∗∗∗ فَإنِّي لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي وسَمّى بَعْضُ النُّحاةِ ”مِن“ هَذِهِ بِالِاتِّصالِيَّةِ. ومَعْنى قَوْلِ طالُوتَ ”لَيْسَ مِنِّي“ يَحْتَمِلُ أنَّهُ أرادَ الغَضَبَ عَلَيْهِ والبُعْدَ المَعْنَوِيَّ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ أنَّهُ يَفْصِلُهُ عَنِ الجَيْشِ، فَلا يُكْمِلُ الجِهادَ مَعَهُ، والظّاهِرُ الأوَّلُ: لِقَوْلِهِ ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ لِأنَّهُ أرادَ بِهِ إظْهارَ مَكانَةِ مَن تَرَكَ الشُّرْبَ مِنَ النَّهَرِ ووَلائِهِ وقُرْبِهِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ هَذا مُرادَهُ لَكانَ في قَوْلِهِ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ غُنْيَةٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ لِأنَّهُ إذا كانَ الشّارِبُ مُبْعَدًا مِنَ الجَيْشِ فَقَدْ عُلِمَ أنَّ مَن لَمْ يَشْرَبْ هو باقِي الجَيْشِ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا مَنِ اغْتَرَفَ غَرْفَةً بِيَدِهِ﴾ مِن قَوْلِهِ ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ﴾ لِأنَّهُ مِنَ الشّارِبِينَ، وإنَّما أخَّرَهُ عَنْ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وأتى بِهِ بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ لِيَقَعَ بَعْدَ الجُمْلَةِ الَّتِي فِيها المُسْتَثْنى مِنهُ مَعَ الجُمْلَةِ المُؤَكِّدَةِ لَها؛ لِأنَّ التَّأْكِيدَ شَدِيدُ الِاتِّصالِ بِالمُؤَكِّدِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ راجِعٌ إلى مَنطُوقِ الأوَّلِ ومَفْهُومِ الثّانِيَةِ، فَإنَّ مَفْهُومَ ﴿مَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أنَّ مَن طَعِمَهُ لَيْسَ مِنهُ، لِيَعْلَمَ السّامِعُونَ أنَّ المُغْتَرِفَ غَرْفَةً بِيَدِهِ هو كَمَن لَمْ يَشْرَبْ مِنهُ شَيْئًا، وأنَّهُ لَيْسَ دُونَ مَن لَمْ يَشْرَبْ في الوَلاءِ والقُرْبِ، ولَيْسَ هو قِسْمًا واسِطَةً. والمَقْصُودُ مِن هَذا الِاسْتِثْناءِ الرُّخْصَةُ لِلْمُضْطَرِّ في بِلالِ رِيقِهِ، ولَمْ تَذْكُرْ كُتُبُ اليَهُودِ هَذا الأمْرَ بِتَرْكِ شُرْبِ الماءِ مِنَ النَّهَرِ حِينَ مُرُورِ الجَيْشِ في قِصَّةِ شاوُلَ، وإنَّما ذَكَرَتْ قَرِيبًا مِنهُ قالَ في سِفْرِ صَمْوِيلَ: لَمّا ذَكَرَ أشَدَّ وقْعَةٍ بَيْنَ اليَهُودِ وأهْلِ فِلَسْطِينَ، وضَنُكَ رِجالُ إسْرائِيلَ في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ لِأنَّ شاوُلَ حَلَّفَ القَوْمَ قائِلًا مَلْعُونٌ مَن يَأْكُلُ خُبْزًا إلى المَساءِ حَتّى أنْتَقِمَ مِن أعْدائِي. وذَكَرَ في سِفْرِ القُضاةِ في الإصْحاحِ السّابِعِ مِثْلَ واقِعَةِ النَّهَرِ، في حَرْبِ جَدْعُونَ قاضِي إسْرائِيلَ لِلْمَدْيانِيِّينَ، والظّاهِرُ أنَّ الواقِعَةَ، تَكَرَّرَتْ لِأنَّ مِثْلَها يَتَكَرَّرُ فَأهْمَلَتْها كُتُبُهم في أخْبارِ شاوُلَ. وقَوْلُهُ ﴿لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ بِمَعْنى لَمْ يَذُقْهُ، فَهو مِنَ الطَّعْمِ بِفَتْحِ الطّاءِ، وهو الذَّوْقُ أيِ اخْتِبارُ المَطْعُومِ صفحة ٤٩٨ وكانَ أصْلُهُ اخْتِبارَ طَعْمِ الطَّعامِ أيْ مُلُوحَتِهِ أوْ ضِدِّها، أوْ حَلاوَتِهِ أوْ ضِدِّها، ثُمَّ تَوَسَّعَ فِيهِ فَأطْلَقَ عَلى اخْتِبارِ المَشْرُوبِ، ويُعْرَفُ ذَلِكَ بِالقَرِينَةِ، قالَ الحارِثُ بْنُ خالِدٍ المَخْزُومِيُّ. وقِيلَ العَرْجِيُّ: فَإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُـمْ ∗∗∗ وإنْ شِئْتِ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدًا فالمَعْنى لَمْ أذُقْ. فَأمّا أنْ يُطْلَقَ الطَّعْمُ عَلى الشُّرْبِ أيِ ابْتِلاعِ الماءِ فَلا، لِأنَّ الطَّعْمَ الأكْلُ ولِذَلِكَ جاءَ في الآيَةِ والبَيْتِ مَنفِيًّا، لِأنَّ المُرادَ أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ أقَلُّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الذَّوْقِ، ومِن أجْلِ هَذا عَيَّرُوا خالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ القَسْرِيَّ لَمّا أخْبَرَ وهو عَلى المِنبَرِ بِخُرُوجِ المُغِيرَةِ بْنِ سَعِيدٍ عَلَيْهِ فَقالَ ”أطْعِمُونِي ماءً“ إذْ لَمْ يُعْرَفُ في كَلامِ العَرَبِ مِنَ الإطْعامِ إلّا بِمَعْنى الأكْلِ، وأمّا مَن يَطْلُبُ الشَّرابَ فَإنَّما يَقُولُ: اسْقُونِي لِأنَّهُ لا يُقالُ طَعِمَ بِمَعْنى شَرِبَ، وإنَّما هو بِمَعْنى أكَلَ. والغَرْفَةُ بِفَتْحِ الغَيْنِ في قِراءَةِ نافِعٍ، وابْنِ كَثِيرٍ، وابْنِ عامِرٍ وأبِي جَعْفَرٍ المَرَّةُ مِنَ الغَرْفِ وهو أخْذُ الماءِ بِاليَدِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ، بِضَمِّ الغَيْنِ، هو المِقْدارُ المَغْرُوفُ مِنَ الماءِ ووَجْهُ تَقْيِيدِهِ بِقَوْلِهِ بِيَدِهِ مَعَ أنَّ الغَرْفَ لا يَكُونُ إلّا بِاليَدِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَقْدِيرَ مِقْدارِ الماءِ المَشْرُوبِ، فَيَتَناوَلُهُ بَعْضُهم كَرْهًا، فَرُبَّما زادَ عَلى المِقْدارِ فَجُعِلَتِ الرُّخْصَةُ الأخْذَ بِاليَدِ. وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ﴾ عَلى قِلَّةِ صَبْرِهِمْ، وأنَّهم لَيْسُوا بِأهْلٍ لِمُزاوَلَةِ الحُرُوبِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَلْبَثُوا أنْ صَرَّحُوا بَعْدَ مُجاوَزَةِ النَّهَرِ فَقالُوا ﴿لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّ ذَلِكَ قالُوهُ لَمّا رَأوْا جُنُودَ الأعْداءِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ قُوَّةَ العَدُوِّ، وكانُوا يُسِرُّونَ الخَوْفَ، فَلَمّا اقْتَرَبَ الجَيْشانِ، لَمْ يَسْتَطِيعُوا كِتْمانَ ما بِهِمْ. وفي الآيَةِ انْتِقالٌ بَدِيعٌ إلى ذِكْرِ جُنْدِ جالُوتَ، والتَّصْرِيحِ بِاسْمِهِ، وهو قائِدٌ مِن قُوّادِ الفِلَسْطِينِيِّينَ اسْمُهُ في كُتُبِ اليَهُودِ ”جُلْياتٍ“ كانَ طُولُهُ سِتَّةَ أذْرُعٍ وشِبْرًا، وكانَ مُسَلَّحًا مُدَرَّعًا، وكانَ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُبارِزَهُ أحَدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانَ إذا خَرَجَ لِلصَّفِّ عَرَضَ عَلَيْهِمْ مُبارَزَتَهُ وعَيَّرَهم بِجُبْنِهِمْ. صفحة ٤٩٩ وقَوْلُهُ ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾ الآيَةَ، أيِ الَّذِينَ لا يُحِبُّونَ الحَياةَ ويَرْجُونَ الشَّهادَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَلِقاءُ اللَّهِ هُنا كِنايَةٌ عَنِ المَوْتِ في مَرْضاةِ اللَّهِ شَهادَةٌ وفي الحَدِيثِ «مِن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ» فالظَّنُّ عَلى بابِهِ. و ”كَمْ“ في قَوْلِهِ ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ﴾ خَبَرِيَّةٌ لا مَحالَةَ إذْ لا مَوْقِعَ لِلِاسْتِفْهامِ فَإنَّهم قَصَدُوا بِقَوْلِهِمْ هَذا تَثْبِيتَ أنْفُسِهِمْ وأنْفُسِ رِفاقِهِمْ، ولِذَلِكَ دَعَوْا إلى ما بِهِ النَّصْرُ وهو الصَّبْرُ والمُتَوَكَّلُ فَقالُوا ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ . والفِئَةُ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الفَيْءِ وهو الرُّجُوعُ، لِأنَّ بَعْضَهم يَرْجِعُ إلى بَعْضٍ، ومِنهُ سُمِّيَتْ مُؤَخِّرَةُ الجَيْشِ فِئَةً، لِأنَّ الجَيْشَ يَفِيءُ إلَيْها. وقَوْلُهُ ﴿ولَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ هَذا دُعاؤُهم حِينَ اللِّقاءِ بِطَلَبِ الصَّبْرِ مِنَ اللَّهِ، وعَبَّرُوا عَنْ إلْهامِهِمْ إلى الصَّبْرِ بِالإفْراغِ اسْتِعارَةً لِقُوَّةِ الصَّبْرِ والكَثْرَةِ يَتَعاوَرانِ الألْفاظَ الدّالَّةَ عَلَيْهِما، كَقَوْلِ أبِي كَبِيرٍ الهُذَلِيِّ: كَثِيرُ الهَوى شَتّى النَّوى والمَسالِكِ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ، فاسْتُعِيرَ الإفْراغُ هُنا لِلْكَثْرَةِ مَعَ التَّعْمِيمِ والإحاطَةِ وتَثْبِيتِ الأقْدامِ اسْتِعارَةً لِعَدَمِ الفِرارِ شِبْهِ الفِرارِ والخَوْفِ بِزَلَقِ القَدَمِ، فَشَبَّهَ عَدَمَهُ بِثَباتِ القَدَمِ في المَأْزِقِ. وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ في قَوْلِهِ فَهَزَمُوهم إلَخْ إلى انْتِصارِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى الفِلَسْطِينِيِّينَ وهو انْتِصارٌ عَظِيمٌ كانَ بِهِ نَجاحُ بَنِي إسْرائِيلَ في فِلَسْطِينَ وبِلادِ العَمالِقَةِ، مَعَ قِلَّةِ عَدَدِهِمْ فَقَدْ قالَ مُؤَرِّخُوهم: إنَّ طالُوتَ لَمّا خَرَجَ لِحَرْبِ الفِلَسْطِينِيِّينَ جَمَعَ جَيْشًا فِيهِ ثَلاثَةُ آلافِ رَجُلٍ، فَلَمّا رَأوْا كَثْرَةَ الفِلَسْطِينِيِّينَ حَصَلَ لَهم ضَنْكٌ شَدِيدٌ واخْتَبَأ مُعْظَمُ الجَيْشِ في جَبَلِ إفْرايِمْ في المَغاراتِ والغِياضِ والآبارِ، ولَمْ يَعْبُرُوا الأُرْدُنَّ، ووَجَمَ طالُوتُ واسْتَخارَ صَمُوئِيلُ، وخَرَجَ لِلْقِتالِ فَلَمّا اجْتازَ نَهَرَ الأُرْدُنِّ عَدَّ الجَيْشَ الَّذِي مَعَهُ فَلَمْ يَجِدْ إلّا نَحْوَ سِتِّمِائَةِ رَجُلٍ، ثُمَّ وقَعَتْ مُقاتَلاتٌ كانَ النَّصْرُ فِيها لِبَنِي إسْرائِيلَ، وتَشَجَّعَ الَّذِينَ جَبُنُوا واخْتَبَئُوا في المَغاراتِ وغَيْرِها فَخَرَجُوا وراءَ الفِلَسْطِينِيِّينَ وغَنِمُوا غَنِيمَةً كَثِيرَةً، وفي تِلْكَ الأيّامِ مِن غَيْرِ بَيانٍ في كُتُبِ اليَهُودِ لِمِقْدارِ المَدَدِ بَيْنَ الحَوادِثِ ولا تَنْصِيصَ عَلى المُتَقَدِّمِ مِنها والمُتَأخِّرِ ومَعَ انْتِقالاتٍ في القِصَصِ غَيْرِ مُتَناسِبَةٍ، ظَهَرَ داوُدُ بْنُ يَسّى اليَهُودِيُّ إذْ أوْحى اللَّهُ إلى صَمْوِيلَ أنْ يَذْهَبَ إلى بَيْتِ يَسّى في بَيْتِ لَحْمٍ ويَمْسَحُ أصْغَرَ أبْناءِ يَسّى لِيَكُونَ مَلِكًا عَلى إسْرائِيلَ بَعْد حِينٍ، وساقَ اللَّهُ داوُدَ إلى شاوُلَ ”طالُوتَ“ بِتَقْدِيرٍ عَجِيبٍ فَحُظِيَ عِنْدَ شاوُلَ، وكانَ داوُدُ مِن قَبْلُ راعِيَ غَنَمِ أبِيهِ، وكانَ ذا شَجاعَةٍ ونَشاطٍ صفحة ٥٠٠ وحُسْنِ سَمْتٍ، ولَهُ نُبُوغٌ في رَمْيِ المِقْلاعِ، فَكانَ ذاتَ يَوْمٍ التَقى الفِلَسْطِينِيُّونَ مَعَ جَيْشِ طالُوتَ وخَرَجَ زَعِيمٌ مِن زُعَماءِ فِلَسْطِينَ اسْمُهُ جُلْياتٍ كَما تَقَدَّمَ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ مُبارَزَتَهُ فانْبَرى لَهُ داوُدُ ورَماهُ بِالمِقْلاعِ فَأصابَ الحَجَرُ جَبْهَتَهُ وأسْقَطَهُ إلى الأرْضِ واعْتَلاهُ داوُدُ واخْتَرَطَ سَيْفَهُ وقَطَعَ رَأْسَهُ، فَذَهَبَ بِهِ إلى شاوُلَ وانْهَزَمَ الفِلَسْطِينِيُّونَ، وزَوَّجَ شاوُلُ ابْنَتَهُ المُسَمّاةَ مِيكالَ مِن داوُدَ، وصارَ داوُدُ بَعْدَ حِينٍ مَلِكًا عِوَضَ شاوُلَ، ثُمَّ آتاهُ اللَّهُ النُّبُوءَةَ فَصارَ مَلِكًا نَبِيئًا، وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ. ويَأْتِي ذِكْرُ داوُدَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] في سُورَةِ الأنْعامِ.

البقرة 2:250

﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّيَ إلّا مَنِ اغْتَرَفَ غَرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم فَلَمّا جاوَزَهُ هو والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ ﴿ولَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٥١] عَطَفَ الفاءُ جُمْلَةَ: ”لَمّا فَصَلَ“، عَلى جُمْلَةِ (﴿وقالَ لَهم نَبِيئُهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٧]) لِأنَّ بَعْثَ المَلِكِ، لِأجْلِ القِتالِ، يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الخُرُوجُ لِلْقِتالِ الَّذِي سَألُوا لِأجْلِهِ بَعْثَ النَّبِيءِ، وقَدْ حُذِفَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ كَلامٌ كَثِيرٌ مُقَدَّرٌ: وهو الرِّضا بِالمُلْكِ، ومَجِيءُ التّابُوتِ، وتَجْنِيدُ الجُنُودِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ: فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ. ومَعْنى فَصَلَ بِالجُنُودِ: قَطَعَ وابْتَعَدَ بِهِمْ، أيْ تَجاوَزُوا مَساكِنَهم وقُراهُمُ الَّتِي خَرَجُوا مِنها وهو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ: لِأنَّ أصْلَهُ فَصْلُ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ ثُمَّ عَدُّوهُ إلى الفاعِلِ فَقالُوا فَصَلَ نَفْسَهُ حَتّى صارَ بِمَعْنى انْفَصَلَ، فَحَذَفُوا مَفْعُولَهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، ولِذَلِكَ تَجِدُ مَصْدَرَهُ الفَصْلُ بِوَزْنِ مَصْدَرِ صفحة ٤٩٦ المُتَعَدِّي، ولَكِنَّهم رُبَّما قالُوا فَصَلَ فُصُولًا نَظَرًا لِحالَةِ قُصُورِهِ، كَما قالُوا صَدَّهُ صَدًّا، ثُمَّ قالُوا صَدَّ هو صَدًّا، ثُمَّ قالُوا صَدَّ صُدُودًا. ونَظِيرُهُ في حَدِيثِ صِفَةِ الوَحْيِ «أحْيانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ فَيَفْصِمُ عَنِّي وقَدْ وعَيْتُ ما قالَ» أيْ فَيَفْصِلُ نَفْسَهُ عَنِّي، والمَعْنى فَيَنْفَصِلُ عَنِّي. وضَمِيرُ ”قالَ“ راجِعٌ إلى طالُوتَ، ولا يَصِحُّ رُجُوعُهُ إلى نَبِيئِهِمْ، لِأنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهم، وإنَّما أخْبَرَ طالُوتُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ مُبْتَلِيهِمْ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيئًا يُوحى إلَيْهِ: إمّا اسْتِنادًا لِإخْبارٍ تَلَقّاهُ مِن صَمُوئِيلَ، وإمّا لِأنَّهُ اجْتَهَدَ أنْ يَخْتَبِرَهم بِالشُّرْبِ مِنَ النَّهَرِ لِمَصْلَحَةٍ رَآها في ذَلِكَ، فَأخْبَرَ عَنِ اجْتِهادِهِ، إذْ هو حُكْمُ اللَّهِ في شَرْعِهِمْ فَأسْنَدَهُ إلى اللَّهِ، وهَذا مِن مَعْنى قَوْلِ عُلَماءِ أُصُولِ الفِقْهِ: إنَّ المُجْتَهِدَ يَصِحُّ لَهُ أنْ يَقُولَ فِيما ظَهَرَ لَهُ بِاجْتِهادِهِ إنَّهُ دِينُ اللَّهِ أوْ لِأنَّهُ في شَرْعِهِمْ أنَّ اللَّهُ أوْجَبَ عَلى الجَيْشِ طاعَةَ أمِيرِهِمْ فِيما يَأْمُرُهم بِهِ، وطاعَةُ المَلِكِ فِيما يَراهُ مِن مَصالِحِهِمْ، وكانَ طالُوتُ قَدْ رَأى أنْ يَخْتَبِرَ طاعَتَهم ومِقْدارَ صَبْرِهِمْ بِهَذِهِ البَلْوى فَجَعَلَ البَلْوى مِنَ اللَّهِ؛ إذْ قَدْ أمَرَهم بِطاعَتِهِ بِها وعَلى كُلٍّ فَتَسْمِيَةُ هَذا التَّكْلِيفِ ابْتِلاءً تَقْرِيبٌ لِلْمَعْنى إلى عُقُولِهِمْ: لِأنَّ المَقْصُودَ إظْهارُ الِاعْتِناءِ بِهَذا الحُكْمِ، وأنَّ فِيهِ مَرْضاةَ اللَّهِ تَعالى عَلى المُمْتَثِلِ، وغَضَبَهُ عَلى العاصِي، وأمْثالُ هَذِهِ التَّقْرِيباتِ في مُخاطَباتِ العُمُومِ شائِعَةٌ، وأكْثَرُ كَلامِ كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن هَذا القَبِيلِ، والظّاهِرُ أنَّ المَلِكَ لَمّا عَلِمَ أنَّهُ سائِرٌ بِهِمْ إلى عَدُوٍّ كَثِيرِ العَدَدِ، قَوِيِّ العُدَدِ أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ قُوَّةَ يَقِينِهِمْ في نُصْرَةِ الدِّينِ، ومُخاطَرَتَهم بِأنْفُسِهِمْ، وتَحَمُّلَهُمُ المَتاعِبَ، وعَزِيمَةَ مُعاكَسَتِهِمْ نُفُوسَهم، فَقالَ لَهم إنَّكم سَتَمُرُّونَ عَلى نَهَرٍ، وهو نَهَرُ الأُرْدُنِّ، فَلا تَشْرَبُوا مِنهُ فَمِن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي، ورَخَّصَ لَهم في غَرْفَةٍ يَغْتَرِفُها الواحِدُ بِيَدِهِ يَبُلُّ بِها رِيقَهُ، وهَذا غايَةُ ما يَخْتَبِرُ بِهِ طاعَةَ الجَيْشِ، فَإنَّ السَّيْرَ في الحَرْبِ يُعَطِّشُ الجَيْشَ، فَإذا ورَدُوا الماءَ تَوافَرَتْ دَواعِيهِمْ إلى الشُّرْبِ مِنهُ عَطَشًا وشَهْوَةً، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ إبْقاءَ نَشاطِهِمْ: لِأنَّ المُحارِبَ إذا شَرِبَ ماءً كَثِيرًا بَعْدَ التَّعَبِ، انْحَلَّتْ عُراهُ ومالَ إلى الرّاحَةِ، وأثْقَلَهُ الماءُ. والعَرَبُ تَعْرِفُ ذَلِكَ قالَ طُفَيْلٌ يَذْكُرُ خَيْلَهم: فَلَمّا شَـارَفْـتَ أعْـلامُ طَـيٌّ وطَيٌّ في المَغارِ وفي الشِّعابِ سَقَيْناهُنَّ مِن سـَهْـلِ الأداوِي ∗∗∗ فَمُصْطَبِحٌ عَلى عَجَـلٍ وآبِـي يُرِيدُ أنَّ الَّذِي مارَسَ الحَرْبَ مِرارًا لَمْ يَشْرَبْ؛ لِأنَّهُ لا يَسْأمُ مِنَ الرَّكْضِ والجَهْدِ، فَإذا كانَ حاجِزًا كانَ أخَفَّ لَهُ وأسْرَعَ، والغِرُّ مِنهم يَشْرَبُ لِجَهْلِهِ لِما يُرادُ مِنهُ، ولِأجْلِ هَذا رَخَّصَ لَهم في اغْتِرافِ غَرْفَةٍ واحِدَةٍ. صفحة ٤٩٧ والنَّهَرُ بِتَحْرِيكِ الهاءِ، وبِسُكُونِها لِلتَّخْفِيفِ ونَظِيرُهُ في ذَلِكَ شَعْرٌ وبَحْرٌ وحَجْرٌ فالسُّكُونُ ثابِتٌ لِجَمِيعِها. وقَوْلُهُ ﴿فَلَيْسَ مِنِّي﴾ أيْ فَلَيْسَ مُتَّصِلًا بِي ولا عَلَقَةَ بَيْنِي وبَيْنَهُ، وأصْلُ ”مِن“ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لِلتَّبْعِيضِ، وهو تَبْعِيضٌ مَجازِيٌّ في الِاتِّصالِ، وقالَ تَعالى ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨] وقالَ النّابِغَةُ: إذا حاوَلَتْ في أسَدٍ فُجُـورًا ∗∗∗ فَإنِّي لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي وسَمّى بَعْضُ النُّحاةِ ”مِن“ هَذِهِ بِالِاتِّصالِيَّةِ. ومَعْنى قَوْلِ طالُوتَ ”لَيْسَ مِنِّي“ يَحْتَمِلُ أنَّهُ أرادَ الغَضَبَ عَلَيْهِ والبُعْدَ المَعْنَوِيَّ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ أنَّهُ يَفْصِلُهُ عَنِ الجَيْشِ، فَلا يُكْمِلُ الجِهادَ مَعَهُ، والظّاهِرُ الأوَّلُ: لِقَوْلِهِ ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ لِأنَّهُ أرادَ بِهِ إظْهارَ مَكانَةِ مَن تَرَكَ الشُّرْبَ مِنَ النَّهَرِ ووَلائِهِ وقُرْبِهِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ هَذا مُرادَهُ لَكانَ في قَوْلِهِ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ غُنْيَةٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ لِأنَّهُ إذا كانَ الشّارِبُ مُبْعَدًا مِنَ الجَيْشِ فَقَدْ عُلِمَ أنَّ مَن لَمْ يَشْرَبْ هو باقِي الجَيْشِ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا مَنِ اغْتَرَفَ غَرْفَةً بِيَدِهِ﴾ مِن قَوْلِهِ ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ﴾ لِأنَّهُ مِنَ الشّارِبِينَ، وإنَّما أخَّرَهُ عَنْ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وأتى بِهِ بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ لِيَقَعَ بَعْدَ الجُمْلَةِ الَّتِي فِيها المُسْتَثْنى مِنهُ مَعَ الجُمْلَةِ المُؤَكِّدَةِ لَها؛ لِأنَّ التَّأْكِيدَ شَدِيدُ الِاتِّصالِ بِالمُؤَكِّدِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ راجِعٌ إلى مَنطُوقِ الأوَّلِ ومَفْهُومِ الثّانِيَةِ، فَإنَّ مَفْهُومَ ﴿مَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أنَّ مَن طَعِمَهُ لَيْسَ مِنهُ، لِيَعْلَمَ السّامِعُونَ أنَّ المُغْتَرِفَ غَرْفَةً بِيَدِهِ هو كَمَن لَمْ يَشْرَبْ مِنهُ شَيْئًا، وأنَّهُ لَيْسَ دُونَ مَن لَمْ يَشْرَبْ في الوَلاءِ والقُرْبِ، ولَيْسَ هو قِسْمًا واسِطَةً. والمَقْصُودُ مِن هَذا الِاسْتِثْناءِ الرُّخْصَةُ لِلْمُضْطَرِّ في بِلالِ رِيقِهِ، ولَمْ تَذْكُرْ كُتُبُ اليَهُودِ هَذا الأمْرَ بِتَرْكِ شُرْبِ الماءِ مِنَ النَّهَرِ حِينَ مُرُورِ الجَيْشِ في قِصَّةِ شاوُلَ، وإنَّما ذَكَرَتْ قَرِيبًا مِنهُ قالَ في سِفْرِ صَمْوِيلَ: لَمّا ذَكَرَ أشَدَّ وقْعَةٍ بَيْنَ اليَهُودِ وأهْلِ فِلَسْطِينَ، وضَنُكَ رِجالُ إسْرائِيلَ في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ لِأنَّ شاوُلَ حَلَّفَ القَوْمَ قائِلًا مَلْعُونٌ مَن يَأْكُلُ خُبْزًا إلى المَساءِ حَتّى أنْتَقِمَ مِن أعْدائِي. وذَكَرَ في سِفْرِ القُضاةِ في الإصْحاحِ السّابِعِ مِثْلَ واقِعَةِ النَّهَرِ، في حَرْبِ جَدْعُونَ قاضِي إسْرائِيلَ لِلْمَدْيانِيِّينَ، والظّاهِرُ أنَّ الواقِعَةَ، تَكَرَّرَتْ لِأنَّ مِثْلَها يَتَكَرَّرُ فَأهْمَلَتْها كُتُبُهم في أخْبارِ شاوُلَ. وقَوْلُهُ ﴿لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ بِمَعْنى لَمْ يَذُقْهُ، فَهو مِنَ الطَّعْمِ بِفَتْحِ الطّاءِ، وهو الذَّوْقُ أيِ اخْتِبارُ المَطْعُومِ صفحة ٤٩٨ وكانَ أصْلُهُ اخْتِبارَ طَعْمِ الطَّعامِ أيْ مُلُوحَتِهِ أوْ ضِدِّها، أوْ حَلاوَتِهِ أوْ ضِدِّها، ثُمَّ تَوَسَّعَ فِيهِ فَأطْلَقَ عَلى اخْتِبارِ المَشْرُوبِ، ويُعْرَفُ ذَلِكَ بِالقَرِينَةِ، قالَ الحارِثُ بْنُ خالِدٍ المَخْزُومِيُّ. وقِيلَ العَرْجِيُّ: فَإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُـمْ ∗∗∗ وإنْ شِئْتِ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدًا فالمَعْنى لَمْ أذُقْ. فَأمّا أنْ يُطْلَقَ الطَّعْمُ عَلى الشُّرْبِ أيِ ابْتِلاعِ الماءِ فَلا، لِأنَّ الطَّعْمَ الأكْلُ ولِذَلِكَ جاءَ في الآيَةِ والبَيْتِ مَنفِيًّا، لِأنَّ المُرادَ أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ أقَلُّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الذَّوْقِ، ومِن أجْلِ هَذا عَيَّرُوا خالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ القَسْرِيَّ لَمّا أخْبَرَ وهو عَلى المِنبَرِ بِخُرُوجِ المُغِيرَةِ بْنِ سَعِيدٍ عَلَيْهِ فَقالَ ”أطْعِمُونِي ماءً“ إذْ لَمْ يُعْرَفُ في كَلامِ العَرَبِ مِنَ الإطْعامِ إلّا بِمَعْنى الأكْلِ، وأمّا مَن يَطْلُبُ الشَّرابَ فَإنَّما يَقُولُ: اسْقُونِي لِأنَّهُ لا يُقالُ طَعِمَ بِمَعْنى شَرِبَ، وإنَّما هو بِمَعْنى أكَلَ. والغَرْفَةُ بِفَتْحِ الغَيْنِ في قِراءَةِ نافِعٍ، وابْنِ كَثِيرٍ، وابْنِ عامِرٍ وأبِي جَعْفَرٍ المَرَّةُ مِنَ الغَرْفِ وهو أخْذُ الماءِ بِاليَدِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ، بِضَمِّ الغَيْنِ، هو المِقْدارُ المَغْرُوفُ مِنَ الماءِ ووَجْهُ تَقْيِيدِهِ بِقَوْلِهِ بِيَدِهِ مَعَ أنَّ الغَرْفَ لا يَكُونُ إلّا بِاليَدِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَقْدِيرَ مِقْدارِ الماءِ المَشْرُوبِ، فَيَتَناوَلُهُ بَعْضُهم كَرْهًا، فَرُبَّما زادَ عَلى المِقْدارِ فَجُعِلَتِ الرُّخْصَةُ الأخْذَ بِاليَدِ. وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ﴾ عَلى قِلَّةِ صَبْرِهِمْ، وأنَّهم لَيْسُوا بِأهْلٍ لِمُزاوَلَةِ الحُرُوبِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَلْبَثُوا أنْ صَرَّحُوا بَعْدَ مُجاوَزَةِ النَّهَرِ فَقالُوا ﴿لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّ ذَلِكَ قالُوهُ لَمّا رَأوْا جُنُودَ الأعْداءِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ قُوَّةَ العَدُوِّ، وكانُوا يُسِرُّونَ الخَوْفَ، فَلَمّا اقْتَرَبَ الجَيْشانِ، لَمْ يَسْتَطِيعُوا كِتْمانَ ما بِهِمْ. وفي الآيَةِ انْتِقالٌ بَدِيعٌ إلى ذِكْرِ جُنْدِ جالُوتَ، والتَّصْرِيحِ بِاسْمِهِ، وهو قائِدٌ مِن قُوّادِ الفِلَسْطِينِيِّينَ اسْمُهُ في كُتُبِ اليَهُودِ ”جُلْياتٍ“ كانَ طُولُهُ سِتَّةَ أذْرُعٍ وشِبْرًا، وكانَ مُسَلَّحًا مُدَرَّعًا، وكانَ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُبارِزَهُ أحَدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَكانَ إذا خَرَجَ لِلصَّفِّ عَرَضَ عَلَيْهِمْ مُبارَزَتَهُ وعَيَّرَهم بِجُبْنِهِمْ. صفحة ٤٩٩ وقَوْلُهُ ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾ الآيَةَ، أيِ الَّذِينَ لا يُحِبُّونَ الحَياةَ ويَرْجُونَ الشَّهادَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَلِقاءُ اللَّهِ هُنا كِنايَةٌ عَنِ المَوْتِ في مَرْضاةِ اللَّهِ شَهادَةٌ وفي الحَدِيثِ «مِن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ» فالظَّنُّ عَلى بابِهِ. و ”كَمْ“ في قَوْلِهِ ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ﴾ خَبَرِيَّةٌ لا مَحالَةَ إذْ لا مَوْقِعَ لِلِاسْتِفْهامِ فَإنَّهم قَصَدُوا بِقَوْلِهِمْ هَذا تَثْبِيتَ أنْفُسِهِمْ وأنْفُسِ رِفاقِهِمْ، ولِذَلِكَ دَعَوْا إلى ما بِهِ النَّصْرُ وهو الصَّبْرُ والمُتَوَكَّلُ فَقالُوا ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ . والفِئَةُ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الفَيْءِ وهو الرُّجُوعُ، لِأنَّ بَعْضَهم يَرْجِعُ إلى بَعْضٍ، ومِنهُ سُمِّيَتْ مُؤَخِّرَةُ الجَيْشِ فِئَةً، لِأنَّ الجَيْشَ يَفِيءُ إلَيْها. وقَوْلُهُ ﴿ولَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ هَذا دُعاؤُهم حِينَ اللِّقاءِ بِطَلَبِ الصَّبْرِ مِنَ اللَّهِ، وعَبَّرُوا عَنْ إلْهامِهِمْ إلى الصَّبْرِ بِالإفْراغِ اسْتِعارَةً لِقُوَّةِ الصَّبْرِ والكَثْرَةِ يَتَعاوَرانِ الألْفاظَ الدّالَّةَ عَلَيْهِما، كَقَوْلِ أبِي كَبِيرٍ الهُذَلِيِّ: كَثِيرُ الهَوى شَتّى النَّوى والمَسالِكِ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ، فاسْتُعِيرَ الإفْراغُ هُنا لِلْكَثْرَةِ مَعَ التَّعْمِيمِ والإحاطَةِ وتَثْبِيتِ الأقْدامِ اسْتِعارَةً لِعَدَمِ الفِرارِ شِبْهِ الفِرارِ والخَوْفِ بِزَلَقِ القَدَمِ، فَشَبَّهَ عَدَمَهُ بِثَباتِ القَدَمِ في المَأْزِقِ. وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ في قَوْلِهِ فَهَزَمُوهم إلَخْ إلى انْتِصارِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى الفِلَسْطِينِيِّينَ وهو انْتِصارٌ عَظِيمٌ كانَ بِهِ نَجاحُ بَنِي إسْرائِيلَ في فِلَسْطِينَ وبِلادِ العَمالِقَةِ، مَعَ قِلَّةِ عَدَدِهِمْ فَقَدْ قالَ مُؤَرِّخُوهم: إنَّ طالُوتَ لَمّا خَرَجَ لِحَرْبِ الفِلَسْطِينِيِّينَ جَمَعَ جَيْشًا فِيهِ ثَلاثَةُ آلافِ رَجُلٍ، فَلَمّا رَأوْا كَثْرَةَ الفِلَسْطِينِيِّينَ حَصَلَ لَهم ضَنْكٌ شَدِيدٌ واخْتَبَأ مُعْظَمُ الجَيْشِ في جَبَلِ إفْرايِمْ في المَغاراتِ والغِياضِ والآبارِ، ولَمْ يَعْبُرُوا الأُرْدُنَّ، ووَجَمَ طالُوتُ واسْتَخارَ صَمُوئِيلُ، وخَرَجَ لِلْقِتالِ فَلَمّا اجْتازَ نَهَرَ الأُرْدُنِّ عَدَّ الجَيْشَ الَّذِي مَعَهُ فَلَمْ يَجِدْ إلّا نَحْوَ سِتِّمِائَةِ رَجُلٍ، ثُمَّ وقَعَتْ مُقاتَلاتٌ كانَ النَّصْرُ فِيها لِبَنِي إسْرائِيلَ، وتَشَجَّعَ الَّذِينَ جَبُنُوا واخْتَبَئُوا في المَغاراتِ وغَيْرِها فَخَرَجُوا وراءَ الفِلَسْطِينِيِّينَ وغَنِمُوا غَنِيمَةً كَثِيرَةً، وفي تِلْكَ الأيّامِ مِن غَيْرِ بَيانٍ في كُتُبِ اليَهُودِ لِمِقْدارِ المَدَدِ بَيْنَ الحَوادِثِ ولا تَنْصِيصَ عَلى المُتَقَدِّمِ مِنها والمُتَأخِّرِ ومَعَ انْتِقالاتٍ في القِصَصِ غَيْرِ مُتَناسِبَةٍ، ظَهَرَ داوُدُ بْنُ يَسّى اليَهُودِيُّ إذْ أوْحى اللَّهُ إلى صَمْوِيلَ أنْ يَذْهَبَ إلى بَيْتِ يَسّى في بَيْتِ لَحْمٍ ويَمْسَحُ أصْغَرَ أبْناءِ يَسّى لِيَكُونَ مَلِكًا عَلى إسْرائِيلَ بَعْد حِينٍ، وساقَ اللَّهُ داوُدَ إلى شاوُلَ ”طالُوتَ“ بِتَقْدِيرٍ عَجِيبٍ فَحُظِيَ عِنْدَ شاوُلَ، وكانَ داوُدُ مِن قَبْلُ راعِيَ غَنَمِ أبِيهِ، وكانَ ذا شَجاعَةٍ ونَشاطٍ صفحة ٥٠٠ وحُسْنِ سَمْتٍ، ولَهُ نُبُوغٌ في رَمْيِ المِقْلاعِ، فَكانَ ذاتَ يَوْمٍ التَقى الفِلَسْطِينِيُّونَ مَعَ جَيْشِ طالُوتَ وخَرَجَ زَعِيمٌ مِن زُعَماءِ فِلَسْطِينَ اسْمُهُ جُلْياتٍ كَما تَقَدَّمَ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ مُبارَزَتَهُ فانْبَرى لَهُ داوُدُ ورَماهُ بِالمِقْلاعِ فَأصابَ الحَجَرُ جَبْهَتَهُ وأسْقَطَهُ إلى الأرْضِ واعْتَلاهُ داوُدُ واخْتَرَطَ سَيْفَهُ وقَطَعَ رَأْسَهُ، فَذَهَبَ بِهِ إلى شاوُلَ وانْهَزَمَ الفِلَسْطِينِيُّونَ، وزَوَّجَ شاوُلُ ابْنَتَهُ المُسَمّاةَ مِيكالَ مِن داوُدَ، وصارَ داوُدُ بَعْدَ حِينٍ مَلِكًا عِوَضَ شاوُلَ، ثُمَّ آتاهُ اللَّهُ النُّبُوءَةَ فَصارَ مَلِكًا نَبِيئًا، وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ. ويَأْتِي ذِكْرُ داوُدَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] في سُورَةِ الأنْعامِ.

البقرة 2:251

﴿ولَوْلا دِفاعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ﴾ ذَيَّلَتْ هَذِهِ الآيَةُ العَظِيمَةُ، كُلَّ الوَقائِعِ العَجِيبَةِ، الَّتِي أشارَتْ بِها الآياتُ السّالِفَةُ: لِتَدْفَعَ عَنِ السّامِعِ المُتَبَصِّرِ ما يُخامِرُهُ مِن تَطَلُّبِ الحِكْمَةِ في حَدَثانِ هَذِهِ الوَقائِعِ وأمْثالِها في هَذا العالَمِ ولِكَوْنِ مَضْمُونِ هَذِهِ الآيَةِ عِبْرَةً مَن عِبَرِ الأكْوانِ، وحِكْمَةً مِن حِكَمِ التّارِيخِ، ونُظُمِ العُمْرانِ الَّتِي لَمْ يَهْتَدِ إلَيْها أحَدٌ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وقَبْلَ إدْراكِ ما في مَطاوِيها، عُطِفَتْ عَلى العِبَرِ الماضِيَةِ كَما عُطِفَ قَوْلُهُ (﴿وقالَ لَهم نَبِيئُهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٧]) وما بَعْدَهُ مِن رُءُوسِ الآيِ. وعُدِلَ عَنِ التَّعارُفِ في أمْثالِها مِن تَرْكِ العَطْفِ، وسُلُوكِ سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ (﴿ولَوْلا دِفاعُ اللَّهِ النّاسَ﴾) بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، وقَرَأهُ الجُمْهُورُ دَفْعُ بِصِيغَةِ المُجَرَّدِ. والدِّفاعُ مَصْدَرُ دافَعَ الَّذِي هو مُبالَغَةٌ في دَفْعٍ لا لِلْمُفاعَلَةِ، كَقَوْلِ مُوسى جابِرٍ الحَنَفِيِّ: لا أشْتَهِي يا قَوْمُ إلّا كارِهًـا بابَ الأمِيرِ ولا دِفاعَ الحاجِبِ وإضافَتُهُ إلى اللَّهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ: كَما هو في قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨] أيْ يَدْفَعُ لِأنَّ الَّذِي يَدْفَعُ حَقِيقَةً هو الَّذِي يُباشِرُ الدَّفْعَ في مُتَعارَفِ النّاسِ وإنَّما أُسْنِدَ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ الَّذِي قَدَّرَهُ وقَدَّرَ أسْبابَهُ. ولِذَلِكَ قالَ ﴿بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ فَجُعِلَ سَبَبُ الدِّفاعِ بَعْضَهم وهو مِن بابِ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] . وأصْلُ مَعْنى الدَّفْعِ الضَّرْبُ بِاليَدِ لِلْإقْصاءِ عَنِ المَرامِ. قالَ: فَدَفَعْتُها فَتَدافَعَتْ وهو ذَبٌّ عَنْ مَصْلَحَةِ الدّافِعِ ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لَوْلا وُقُوعُ دَفْعِ بَعْضِ النّاسِ بَعْضًا آخَرَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ وإيداعِهِ قُوَّةَ الدَّفْعِ وبَواعِثَهُ في الدّافِعِ، لَفَسَدَتِ الأرْضُ: أيْ مَن عَلى الأرْضِ، واخْتَلَّ صفحة ٥٠١ نِظامُ ما عَلَيْها: ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ المَوْجُوداتِ الَّتِي عَلى الأرْضِ مِن أجْناسٍ، وأنْواعٍ، وأصْنافٍ، خَلَقَها قابِلَةً لِلِاضْمِحْلالِ، وأوْدَعَ في أفْرادِها سُنَنًا دَلَّتْ عَلى أنَّ مُرادَ اللَّهِ بَقاؤُها إلى أمَدٍ أرادَهُ، ولِذَلِكَ نَجِدُ قانُونَ الخَلَفِيَّةِ مُنْبَثًّا في جَمِيعِ أنْواعِ المَوْجُوداتِ فَما مِن نَوْعٍ إلّا وفي أفْرادِهِ قُوَّةُ إيجادِ أمْثالِها لِتَكُونَ تِلْكَ الأمْثالُ أخْلافًا عَنِ الأفْرادِ عِنْدَ اضْمِحْلالِها، وهَذِهِ القُوَّةُ هي المُعَبَّرُ عَنْها بِالتَّناسُلِ في الحَيَوانِ، والبَذْرِ في النَّبْتِ، والنَّضْحِ في المَعادِنِ، والتَّوَلُّدِ في العَناصِرِ الكِيماوِيَّةِ. ووُجُودُ هَذِهِ القُوَّةِ في جَمِيعِ المَوْجُوداتِ أوَّلُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ مُوجِدَها قَدْ أرادَ بَقاءَ الأنْواعِ، كَما أرادَ اضْمِحْلالَ الأفْرادِ عِنْدَ آجالٍ مُعَيَّنَةٍ، لِاخْتِلالِ أوِ انْعِدامِ صَلاحِيَّتِها، ونَعْلَمُ مِن هَذا أنَّ اللَّهَ خالِقُ هَذِهِ الأكْوانِ لا يُحِبُّ فَسادَها، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] . ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى كَما أوْدَعَ في جَمِيعِ الكائِناتِ إدْراكاتٍ تَنْساقُ بِها، بِدُونِ تَأمُّلٍ أوْ بِتَأمُّلٍ، إلى ما فِيهِ صَلاحُها وبَقاؤُها، كانْسِياقِ الوَلِيدِ لِالتِهامِ الثَّدْيِ، وأطْفالِ الحَيَوانِ إلى الأثْداءِ والمَراعِي، ثُمَّ تَتَوَسَّعُ هَذِهِ الإدْراكاتُ، فَيَتَفَرَّعُ عَنْها كُلُّ ما فِيهِ جَلْبُ النّافِعِ المُلائِمِ عَنْ بَصِيرَةٍ واعْتِيادٍ. ويُسَمّى ذَلِكَ بِالقُوَّةِ الشّاهِيَةِ. وأوْدَعَ أيْضًا في جَمِيعِ الكائِناتِ إدْراكاتٍ تَنْدَفِعُ بِها إلى الذَّبِّ عَنْ أنْفُسِها، ودَفْعِ العَوادِي عَنْها، عَنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ، كَتَعْرِيضِ اليَدِ بَيْنَ الهاجِمِ وبَيْنَ الوَجْهِ، وتَعْرِيضِ البَقَرَةِ رَأْسَها بِمُجَرَّدِ الشُّعُورِ بِما يَهْجُمُ عَلَيْها مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ في تَفَوُّقِ قُوَّةِ الهاجِمِ عَلى قُوَّةِ المُدافِعِ ثُمَّ تَتَوَسَّعُ هاتِهِ الإدْراكاتُ فَتَتَفَرَّعُ إلى كُلِّ ما فِيهِ دَفْعُ المَنافِرِ مِنِ ابْتِداءٍ بِإهْلاكِ مَن يُتَوَقَّعُ مِنهُ الضُّرُّ، ومِن طَلَبِ الكِنَّ، واتِّخاذِ السِّلاحِ، ومُقاوَمَةِ العَدُوِّ عِنْدَ تَوَقُّعِ الهَلاكِ، ولَوْ بِآخِرِ ما في القُوَّةِ، وهو القُوَّةُ الغاضِبَةُ ولِهَذا تَزِيدُ قُوَّةُ المُدافَعَةِ اشْتِدادًا عِنْدَ زِيادَةِ تَوَقُّعِ الأخْطارِ حَتّى في الحَيَوانِ. وما جَعَلَهُ اللَّهُ في كُلِّ أنْواعِ المَوْجُوداتِ مِن أسْبابِ الأذى لِمُرِيدِ السُّوءِ بِهِ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى أنَّ اللَّهَ خَلَقَها لِإرادَةِ بَقائِها، وقَدْ عَوَّضَ الإنْسانَ عَمّا وهَبَهُ إلى الحَيَوانِ العَقْلَ والفِكْرَةَ في التَّحَيُّلِ عَلى النَّجاةِ مِمَّنْ يُرِيدُ بِهِ ضَرَرًا، وعَلى إيقاعِ الضُّرِّ بِمَن يُرِيدُهُ بِهِ قَبْلَ أنْ يَقْصِدَهُ بِهِ، وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِاسْتِعْدادِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى جَعَلَ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ، أوْ فَرْدٍ مِنَ الأفْرادِ خَصائِصَ فِيها مَنافِعُ لِغَيْرِهِ ولِنَفْسِهِ لِيَحْرِصَ كُلٌّ عَلى بَقاءِ الآخَرِ. فَهَذا نامُوسٌ عامٌّ. وجَعَلَ صفحة ٥٠٢ الإنْسانَ بِما أوْدَعَهُ مِنَ العَقْلِ هو المُهَيْمِنُ عَلى بَقِيَّةِ الأنْواعِ. وجَعَلَ لَهُ العِلْمَ بِما في الأنْواعِ مِنَ الخَصائِصِ، وبِما في أفْرادِ نَوْعِهِ مِنَ الفَوائِدِ. فَخَلَقَ اللَّهُ تَعالى أسْبابَ الدِّفاعِ بِمَنزِلَةِ دَفْعٍ مِنَ اللَّهِ يَدْفَعُ مُرِيدَ الضُّرِّ بِوَسائِلَ يَسْتَعْمِلُها المُرادُ إضْرارُهُ، ولَوْلا هَذِهِ الوَسائِلُ الَّتِي خَوَّلَها اللَّهُ تَعالى أفْرادَ الأنْواعِ، لاشْتَدَّ طَمَعُ القُوى في إهْلاكِ الضَّعِيفِ، ولاشْتَدَّتْ جَراءَةُ مَن يَجْلِبُ النَّفْعَ إلى نَفْسِهِ عَلى مَنافِعَ يَجِدُها في غَيْرِهِ، فابْتَزَّها مِنهُ، ولَأفْرَطَتْ أفْرادُ كُلِّ نَوْعٍ في جَلْبِ النّافِعِ المُلائِمِ إلى أنْفُسِها بِسَلْبِ النّافِعِ المُلائِمِ لِغَيْرِها، مِمّا هو لَهُ، ولَتَناسى صاحِبُ الحاجَةِ، حِينَ الِاحْتِياجِ، ما في بَقاءِ غَيْرِهِ مِنَ المَنفَعَةِ لَهُ أيْضًا. وهَكَذا يَتَسَلَّطُ كُلُّ ذِي شَهْوَةٍ عَلى غَيْرِهِ، وكُلُّ قَوِيٍّ عَلى ضَعِيفِهِ، فَيُهْلِكُ القَوِيُّ الضَّعِيفَ، ويُهْلِكُ الأقْوى القَوِيَّ، وتَذْهَبُ الأفْرادُ تِباعًا، والأنْواعُ كَذَلِكَ حَتّى لا يَبْقى إلّا أقْوى الأفْرادِ مِن أقْوى الأنْواعِ، وذَلِكَ شَيْءٌ قَلِيلٌ، حَتّى إذا بَقِيَ أعْوَزَتْهُ حاجاتٌ كَثِيرَةٌ لا يَجِدُها في نَفْسِهِ، وكانَ يَجِدُها في غَيْرِهِ: مِن أفْرادِ نَوْعِهِ، كَحاجَةِ أفْرادِ البَشَرِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ، أوْ مِن أنْواعٍ أُخَرَ، كَحاجَةِ الإنْسانِ إلى البَقَرَةِ، فَيَذْهَبُ هَدْرًا. ولَمّا كانَ نَوْعُ الإنْسانِ هو المُهَيْمِنَ عَلى بَقِيَّةِ مَوْجُوداتِ الأرْضِ وهو الَّذِي تَظْهَرُ في أفْرادِهِ جَمِيعُ التَّطَوُّراتِ والمَساعِي، خَصَّتْهُ الآيَةُ بِالكَلامِ فَقالَتْ: ﴿ولَوْلا دِفاعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ إذْ جَعَلَ اللَّهُ في الإنْسانِ القُوَّةَ الشّاهِيَةَ لِبَقائِهِ وبَقاءِ نَوْعِهِ، وجَعَلَ فِيهِ القُوَّةَ الغاضِبَةَ لِرَدِّ المُفْرِطِ في طَلَبِ النّافِعِ لِنَفْسِهِ، وفي ذَلِكَ اسْتِبْقاءُ بَقِيَّةِ الأنْواعِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ يَذُبُّ عَنْها في بَقائِها مِن مَنافِعَ لَهُ. وبِهَذا الدِّفاعِ حَصَلَتْ سَلامَةُ القَوِيِّ، وهو ظاهِرٌ، وسَلامَةُ الضَّعِيفِ أيْضًا لِأنَّ القَوِيَّ إذا وجَدَ التَّعَبَ والمُكَدِّراتِ في جَلْبِ النّافِعِ، سَئِمَ ذَلِكَ، واقْتَصَرَ عَلى ما تَدْعُو إلَيْهِ الضَّرُورَةُ. وإنَّما كانَ الحاصِلُ هو الفَسادَ، لَوْلا الدِّفاعُ، دُونَ الصَّلاحِ، لِأنَّ الفَسادَ كَثِيرًا ما تَنْدَفِعُ إلَيْهِ القُوَّةُ الشّاهِيَةُ بِما يُوجَدُ في أكْثَرِ المَفاسِدِ مِنَ اللَّذّاتِ العاجِلَةِ القَصِيرَةِ الزَّمَنِ، لِأنَّ في كَثِيرٍ مِنَ النُّفُوسِ أوْ أكْثَرِها المَيْلَ إلى مَفاسِدَ كَثِيرَةٍ، ولِأنَّ طَبْعَ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ ألّا تُراعِيَ مَضَرَّةَ غَيْرِها، بِخِلافِ النُّفُوسِ الصّالِحَةِ، فالنُّفُوسُ الشِّرِّيرَةُ أعْمَدُ إلى انْتِهاكِ حُرُماتِ غَيْرِها، ولِأنَّ الأعْمالَ الفاسِدَةَ أسْرَعُ في حُصُولِ آثارِها، وانْتِشارِها، فالقَلِيلُ مِنها يَأْتِي عَلى الكَثِيرِ مِنَ الصّالِحاتِ، فَلا جَرَمَ لَوْلا دِفاعُ النّاسِ بِأنْ يُدافِعَ صالِحُهُمُ المُفْسِدِينَ، لَأسْرَعَ ذَلِكَ في فَسادِ حالِهِمْ، ولَعَمَّ الفَسادُ أُمُورَهم في أسْرَعِ وقْتٍ. صفحة ٥٠٣ وأعْظَمُ مَظاهِرِ هَذا الدِّفاعِ هو الحُرُوبُ؛ فَبِالحَرْبِ الجائِرَةِ يَطْلُبُ المُحارِبُ غَصْبَ مَنافِعِ غَيْرِهِ، وبِالحَرْبِ العادِلَةِ يَنْتَصِفُ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ، ولِأجْلِها تَتَألَّفُ العَصَبِيّاتُ والدَّعَواتُ إلى الحَقِّ، والإنْحاءُ عَلى الظّالِمِينَ، وهَزْمُ الكافِرِينَ. ثُمَّ إنَّ دِفاعَ النّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا يَصُدُّ المُفْسِدَ عَنْ مُحاوَلَةِ الفَسادِ، ونَفْسُ شُعُورِ المُفْسِدِ يَتَأهَّبُ غَيْرَهُ لِدِفاعِهِ بِصَدِّهِ عَنِ اقْتِحامِ مَفاسِدَ جَمَّةٍ. ومَعْنى فَسادِ الأرْضِ: إمّا فَسادُ الجامِعَةِ البَشَرِيَّةِ. كَما دَلَّ عَلَيْهِ تَعْلِيقُ الدِّفاعِ بِالنّاسِ، أيْ لَفَسَدَ أهْلُ الأرْضِ، وإمّا فَسادُ جَمِيعِ ما يَقْبَلُ الفَسادَ، فَيَكُونُ في الآيَةِ احْتِباكٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْلا دِفاعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ وبَقِيَّةَ المَوْجُوداتِ بَعْضَها بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ: أيْ مَن عَلى الأرْضِ ولَفَسَدَ النّاسُ. والآيَةُ مَسُوقَةٌ مَساقَ الِامْتِنانِ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ لِأنّا لا نُحِبُّ فَسادَ الأرْضِ: إذْ في فَسادِها بِمَعْنى فَسادِ ما عَلَيْها اخْتِلالُ نِظامِنا، وذَهابُ أسْبابِ سَعادَتِنا، ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ﴾ فَهو اسْتِدْراكٌ مِمّا تَضَمَّنَتْهُ لَوْلا مِن تَقْدِيرِ انْتِفاءِ الدِّفاعِ؛ لِأنَّ أصْلَ (لَوْلا) (لَوْ) مَعَ (لا) النّافِيَةِ: أيْ لَوْ كانَ انْتِفاءُ الدِّفاعِ مَوْجُودًا لَفَسَدَتِ الأرْضُ وهَذا الِاسْتِدْراكُ في هَذِهِ الآيَةِ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى تَرْكِيبِ (لَوْلا) مِن (لَوْ) و) لا ): إذْ لا يَتِمُّ الِاسْتِدْراكُ عَلى قَوْلِهِ ﴿لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ لِأنَّ فَسادَ الأرْضِ غَيْرُ واقِعٍ بَعْدَ فَرْضِ وُجُودِ الدِّفاعِ، إنْ قُلْنا (لَوْلا) حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ. وعَلَّقَ الفَضْلَ بِالعالَمِينَ كُلِّهِمْ لِأنَّ هَذِهِ المِنَّةَ لا تُخْتَصُّ.

البقرة 2:252

﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ الإشارَةُ إلى ما تَضَمَّنَتْهُ القِصَصُ الماضِيَةُ وما فِيها مِنَ العِبَرِ، ولَكِنَّ الحِكَمَ العالِيَةَ في قَوْلِهِ ﴿ولَوْلا دِفاعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥١]، وقَدْ نَزَّلَها مَنزِلَةَ المُشاهِدِ لِوُضُوحِها وبَيانِها وجُعِلَتْ آياتٍ لِأنَّها دَلائِلُ عَلى عِظَمِ تَصَرُّفِ اللَّهِ تَعالى وعَلى سِعَةِ عِلْمِهِ. وقَوْلُهُ ﴿وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ: تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ، وتَثْبِيتًا لِقَلْبِهِ، وتَعْرِيضًا بِالمُنْكِرِينَ رِسالَتَهُ. وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِإنَّ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ، وجِيءَ بِقَوْلِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ دُونَ أنْ يَقُولَ: (وإنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ)، لِلرَّدِّ عَلى المُنْكِرِينَ بِتَذْكِيرِهِمْ أنَّهُ ما كانَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ، وأنَّهُ أرْسَلَهُ كَما أرْسَلَ مَن قَبْلَهُ، ولَيْسَ في حالِهِ ما يَنْقُصُ عَنْ أحْوالِهِمْ.

البقرة 2:253

صفحة ٥ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ . مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ مَوْقِعُ الفَذْلَكَةِ لِما قَبْلَها والمُقَدِّمَةِ لِما بَعْدَها، فَأمّا الأوَّلُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أنْبَأ بِاخْتِبارِ الرُّسُلِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى وما عَرَضَ لَهم مَعَ أقْوامِهِمْ وخَتَمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ [البقرة: ٢٥٢] جَمَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ في قَوْلِهِ ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ لَفْتًا إلى العِبَرِ الَّتِي في خِلالِ ذَلِكَ كُلِّهِ، ولَمّا أنْهى ذَلِكَ كُلَّهُ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٢] تَذْكِيرًا بِأنَّ إعْلامَهُ بِأخْبارِ الأُمَمِ والرُّسُلِ آيَةٌ عَلى صِدْقِ رِسالَتِهِ، إذْ ما كانَ لِمِثْلِهِ قِبَلٌ بِعِلْمِ ذَلِكَ لَوْلا وحْيُ اللَّهِ إلَيْهِ، وفي هَذا كُلِّهِ حُجَّةٌ عَلى المُشْرِكِينَ وعَلى أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ جَحَدُوا رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَمَوْقِعُ اسْمِ الإشارَةِ مِثْلُ مَوْقِعِهِ في قَوْلِ النّابِغَةِ: بَنِي عَمِّهِ دُنْيا وعَمْرِو بْنِ عامِرٍ أُولَئِكَ قَوْمٌ بَأْسُهم غَيْرُ كاذِبِ والإشارَةُ إلى جَماعَةِ المُرْسَلِينَ في قَوْلِهِ ﴿وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٢] وجِيءَ بِالإشارَةِ لِما فِيها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِحْضارِ، حَتّى كَأنَّ جَماعَةَ الرُّسُلِ حاضِرَةٌ لِلسّامِعِ بَعْدَ ما مَرَّ مِن ذِكْرِ عَجِيبِ أحْوالِ بَعْضِهِمْ وما أعْقَبَهُ مِن ذِكْرِهِمْ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ. وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ لَمّا أُفِيضَ القَوْلُ في القِتالِ وفي الحَثِّ عَلى الجِهادِ والِاعْتِبارِ بِقِتالِ الأُمَمِ الماضِيَةِ عُقِّبَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما اخْتَلَفَ النّاسُ في أمْرِ الدِّينِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ ولَكِنَّهم أساءُوا الفَهْمَ فَجَحَدُوا البَيِّناتِ فَأفْضى بِهِمْ سُوءُ فَهْمِهِمْ إلى اشْتِطاطِ الخِلافِ بَيْنَهم حَتّى أفْضى إلى الِاقْتِتالِ، فَمَوْقِعُ اسْمِ الإشارَةِ عَلى هَذا الِاعْتِبارِ كَمَوْقِعِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، أيْ هي قِصَّةُ الرُّسُلِ وأُمَمِهِمْ، فَضَّلْنا بَعْضَ الرُّسُلِ عَلى بَعْضٍ فَحَسَدَتْ بَعْضُ الأُمَمِ أتْباعَ بَعْضِ الرُّسُلِ فَكَذَّبَ اليَهُودُ عِيسى ومُحَمَّدًا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَذَّبَ النَّصارى مُحَمَّدًا ﷺ . وقُرِنَ اسْمُ الإشارَةِ بِكافِ البُعْدِ تَنْوِيهًا بِمَراتِبِهِمْ كَقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] . صفحة ٦ واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ و(الرُّسُلُ) خَبَرٌ، ولَيْسَ (الرُّسُلُ) بَدَلًا لِأنَّ الإخْبارَ عَنِ الجَماعَةِ بِأنَّها الرُّسُلُ أوْقَعُ في اسْتِحْضارِ الجَماعَةِ العَجِيبِ شَأْنُهُمُ الباهِرِ خَبَرُهم، وجُمْلَةُ (فَضَّلْنا) حالٌ. والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَمْجِيدُ سُمْعَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وتَعْلِيمُ المُسْلِمِينَ أنَّ هاتِهِ الفِئَةَ الطَّيِّبَةَ مَعَ عَظِيمِ شَأْنِها قَدْ فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ، وأسْبابُ التَّفْضِيلِ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، غَيْرَ أنَّها تَرْجِعُ إلى ما جَرى عَلى أيْدِيهِمْ مِنَ الخَيْراتِ المُصْلِحَةِ لِلْبَشَرِ ومِن نَصْرِ الحَقِّ، وما لَقُوهُ مِنَ الأذى في سَبِيلِ ذَلِكَ، وما أُيِّدُوا بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ العَظِيمَةِ المُتَفاوِتَةِ في هُدى البَشَرِ، وفي عُمُومِ ذَلِكَ الهُدى ودَوامِهِ، وإذا كانَ الرَّسُولُ ﷺ يَقُولُ: «لَأنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ»، فَما بالُكَ بِمَن هَدى اللَّهُ بِهِمْ أُمَمًا في أزْمانٍ مُتَعاقِبَةٍ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ أفْضَلَ الرُّسُلِ، ويَتَضَمَّنُ الكَلامُ ثَناءً عَلَيْهِمْ وتَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما لَقِيَ مِن قَوْمِهِ. وقَدْ خَصَّ اللَّهُ مِن جُمْلَةِ الرُّسُلِ بَعْضًا بِصِفاتٍ يَتَعَيَّنُ بِها المَقْصُودُ مِنهم أوْ بِذِكْرِ اسْمِهِ، فَذَكَرَ ثَلاثَةً إذْ قالَ: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ وهَذا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِاشْتِهارِهِ بِهَذِهِ الخَصْلَةِ العَظِيمَةِ في القُرْآنِ، وذَكَرَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ووَسَّطَ بَيْنِهِما الإيماءَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِوَصْفِهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ . وقَوْلُهُ ﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ البَعْضِ هُنا واحِدًا مِنَ الرُّسُلِ مُعَيَّنًا لا طائِفَةً، وتَكُونَ الدَّرَجاتُ مَراتِبَ مِنَ الفَضِيلَةِ ثابِتَةً لِذَلِكَ الواحِدِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مِنَ البَعْضِ جَماعَةً مِنَ الرُّسُلِ مُجْمَلًا، ومِنَ الدَّرَجاتِ دَرَجاتٍ بَيْنَهم لَصارَ الكَلامُ تَكْرارًا مَعَ قَوْلِهِ ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ ولِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بَعْضٌ فُضِّلَ عَلى بَعْضٍ لَقالَ: ورَفَعَ بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥] . وعَلَيْهِ فالعُدُولُ مِنَ التَّصْرِيحِ بِالِاسْمِ أوْ بِالوَصْفِ المَشْهُورِ بِهِ لِقَصْدِ دَفْعِ الِاحْتِشامِ عَنِ المُبَلِّغِ الَّذِي هو المَقْصُودُ مِن هَذا الوَصْفِ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ والعَرَبُ تُعَبِّرُ بِالبَعْضِ عَنِ النَّفْسِ كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ: تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها ∗∗∗ أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها صفحة ٧ أرادَ نَفْسَهُ. وعَنِ المُخاطَبِ كَقَوْلِ أبِي الطَّيِّبِ: إذا كانَ بَعْضُ النّاسِ سَيْفًا لِدَوْلَةٍ ∗∗∗ فَفي النّاسِ بُوقاتٌ لَها وطُبُولُ والَّذِي يُعَيِّنُ المُرادَ في هَذا كُلِّهِ هو القَرِينَةُ كانْطِباقِ الخَبَرِ أوِ الوَصْفِ عَلى واحِدٍ كَقَوْلِ طَرَفَةَ: إذا القَوْمُ قالُوا مَن فَتًى خِلْتُ أنَّنِي ∗∗∗ عُنِيتُ فَلَمْ أكْسَلْ ولَمْ أتَبَلَّدِ وقَدْ جاءَ عَلى نَحْوِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٤] ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيئِينَ عَلى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]) عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] إلى أنْ قالَ: ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] إلى قَوْلِهِ: (﴿ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيئِينَ عَلى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]) . وهَذا إعْلامٌ بِأنَّ بَعْضَ الرُّسُلِ أفْضَلُ مِن بَعْضٍ عَلى وجْهِ الإجْمالِ وعَدَمِ تَعْيِينِ الفاضِلِ مِنَ المَفْضُولِ؛ ذَلِكَ أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ اشْتَرَكُوا في صِفَةِ خَيْرٍ لا يَخْلُونَ مِن أنْ يَكُونَ بَعْضُهم أفْضَلَ مِن بَعْضٍ بِما لِلْبَعْضِ مِن صِفاتِ كَمالٍ زائِدَةٍ عَلى الصِّفَةِ المُشْتَرَكَةِ بَيْنَهم. وفي تَمْيِيزِ صِفاتِ التَّفاضُلِ غُمُوضٌ، وتَطَرُّقٌ لِتَوَقُّعِ الخَطَأِ وعُرُوضٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِسَهْلٍ عَلى العُقُولِ المُعَرَّضَةِ لِلْغَفْلَةِ والخَطَأِ، فَإذا كانَ التَّفْضِيلُ قَدْ أنْبَأ بِهِ رَبُّ الجَمِيعِ ومَن إلَيْهِ التَّفْضِيلُ، فَلَيْسَ مِن قَدْرِ النّاسِ أنْ يَتَصَدَّرُوا لِوَضْعِ الرُّسُلِ في مَراتِبِهِمْ، وحَسْبُهُمُ الوُقُوفُ عِنْدَ ما يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ في كِتابِهِ أوْ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ. وهَذا مَوْرِدُ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الأنْبِياءِ» يَعْنِي بِهِ النَّهْيَ عَنِ التَّفْضِيلِ التَّفْصِيلِيِّ، بِخِلافِ التَّفْضِيلِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، كَما نَقُولُ: الرُّسُلُ أفْضَلُ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ لَيْسُوا رُسُلًا. وقَدْ ثَبَتَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أفْضَلُ الرُّسُلِ لِما تَظاهَرَ مِن آياتِ تَفْضِيلِهِ وتَفْضِيلِ الدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ وتَفْضِيلِ الكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ. وهي مُتَقارِنَةُ الدَّلالَةِ تَنْصِيصًا وظُهُورًا، إلّا أنَّ كَثْرَتَها تُحَصِّلُ اليَقِينَ بِمَجْمُوعِ مَعانِيها عَمَلًا بِقاعِدَةِ: كَثْرَةُ الظَّواهِرِ تُفِيدُ القَطْعَ، وأعْظَمُها آيَةُ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] الآيَةَ. صفحة ٨ وأمّا قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «لا يَقُولَنَّ أحَدُكم أنا خَيْرٌ مِن يُونُسَ بْنِ مَتّى» يَعْنِي بِقَوْلِهِ (أنا) نَفْسَهُ عَلى أرْجَحِ الِاحْتِمالَيْنِ، وقَوْلُهُ: «لا تُفَضِّلُونِي عَلى مُوسى» فَذَلِكَ صَدَرَ قَبْلَ أنْ يُنْبِئَهُ اللَّهُ بِأنَّهُ أفْضَلُ الخَلْقِ عِنْدَهُ. وهَذِهِ الدَّرَجاتُ كَثِيرَةٌ عَرَفْنا مِنها: عُمُومَ الرِّسالَةِ لِكافَّةِ النّاسِ، ودَوامَها طُولَ الدَّهْرِ، وخَتْمَها لِلرِّسالاتِ، والتَّأْيِيدَ بِالمُعْجِزَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا تَلْتَبِسُ بِالسِّحْرِ والشَّعْوَذَةِ، وبِدَوامِ تِلْكَ المُعْجِزَةِ، وإمْكانِ أنْ يُشاهِدَها كُلُّ مَن يُؤَهِّلُ نَفْسَهُ لِإدْراكِ الإعْجازِ، وبِابْتِناءِ شَرِيعَتِهِ عَلى رَعْيِ المَصالِحِ ودَرْءِ المَفاسِدِ والبُلُوغِ بِالنُّفُوسِ إلى أوَجِ الكَمالِ، وبِتَيْسِيرِ إدانَةِ مُعانَدِيهِ لَهُ، وتَمْلِيكِهِ أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم في زَمَنٍ قَصِيرٍ، وبِجَعْلِ نَقْلِ مُعْجِزَتِهِ مُتَواتِرًا لا يَجْهَلُها إلّا مُكابِرٌ، وبِمُشاهَدَةِ أُمَّتِهِ لِقَبْرِهِ الشَّرِيفِ وإمْكانِ اقْتِرابِهِمْ مِنهُ وائْتِناسِهِمْ بِهِ وقَدْ عَطَفَ ما دَلَّ عَلى نَبِيئِنا ﷺ عَلى ما دَلَّ عَلى موسى عَلَيْهِما السَّلامُ لِشِدَّةِ الشَّبَهِ بَيْنَ شَرِيعَتَيْهِما، لِأنَّ شَرِيعَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْسَعُ الشَّرائِعِ، مِمّا قَبْلَها، بِخِلافِ شَرِيعَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وتَكْلِيمُ اللَّهِ مُوسى هو ما أوْحاهُ إلَيْهِ بِدُونِ واسِطَةِ جِبْرِيلَ، بِأنْ أسْمَعَهُ كَلامًا أيْقَنَ أنَّهُ صادِرٌ بِتَكْوِينِ اللَّهِ، بِأنْ خَلَقَ اللَّهُ أصْواتًا مِن لُغَةِ مُوسى تَضَمَّنَتْ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ، وسَيَجِيءُ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] في سُورَةِ النِّساءِ. وقَوْلُهُ: ﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ البَيِّناتُ هي المُعْجِزاتُ الظّاهِرَةُ البَيِّنَةُ، ورُوحُ القُدُسِ هو جِبْرِيلُ، فَإنَّ الرُّوحَ هُنا بِمَعْنى المَلَكِ الخاصِّ كَقَوْلِهِ ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها﴾ [القدر: ٤] . والقُدُسِ بِضَمِّ القافِ وبِضَمِّ الدّالِ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ وسُكُونِها عِنْدَ بَنِي تَمِيمٍ بِمَعْنى الخُلُوصِ والنَّزاهَةِ، فَإضافَةُ رُوحِ القُدُسِ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، ولِذَلِكَ يُقالُ الرُّوحُ القُدُسُ، وقِيلَ: القُدُسِ اسْمُ اللَّهِ كالقُدُّوسِ، فَإضافَةُ (رُوحٍ) إلَيْهِ إضافَةٌ أصْلِيَّةٌ، أيْ: رَوْحٌ مِن مَلائِكَةِ اللَّهِ. صفحة ٩ ورُوحُ القُدُسِ هو جِبْرِيلُ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] وفي الحَدِيثِ «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي أنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتّى تَسْتَكْمِلَ أجَلَها» وفي الحَدِيثِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لِحَسّانَ «اهْجُهم ومَعَكَ رُوحُ القُدُسِ» . وإنَّما وُصِفَ عِيسى بِهَذَيْنِ مَعَ أنَّ سائِرَ الرُّسُلِ أُيِّدُوا بِالبَيِّناتِ وبِرُوحِ القُدُسِ، لِلرَّدِّ عَلى اليَهُودِ الَّذِينَ أنْكَرُوا رِسالَتَهُ ومُعْجِزاتِهِ، ولِلرَّدِّ عَلى النَّصارى الَّذِينَ غَلَوْا فَزَعَمُوا أُلُوهِيَّتَهُ، ولِأجْلِ هَذا ذُكِرَ مَعَهُ اسْمُ أُمِّهِ، مَهْما ذُكِرَ، لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ابْنَ الإنْسانِ لا يَكُونُ إلَهًا، وعَلى أنَّ مَرْيَمَ أمَةُ اللَّهِ تَعالى لا صاحِبَةٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ لا تَذْكُرُ أسْماءَ نِسائِها وإنَّما تَكْنِي، فَيَقُولُونَ: رَبَّةُ البَيْتِ، والأهْلُ، ونَحْوُ ذَلِكَ. ولا يَذْكُرُونَ أسْماءَ النِّساءِ إلّا في الغَزَلِ، أوْ أسْماءَ الإماءِ. * * * ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ ولَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ . اعْتِراضٌ بَيْنَ الفَذْلَكَةِ المُسْتَفادَةِ مِن جُمْلَةِ ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ إلى آخِرِها، وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤] فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، فَإنَّ ما جَرى مِنَ الأمْرِ بِالقِتالِ ومِنَ الأمْثالِ الَّتِي بَيَّنَتْ خِصالَ الشَّجاعَةِ والجُبْنِ وآثارَهُما، المَقْصُودُ مِنهُ تَشْرِيعًا وتَمْثِيلًا قِتالُ أهْلِ الإيمانِ لِأهْلِ الكُفْرِ لِإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ ونَصْرِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ وبَثِّ الهُدى وإزْهاقِ الضَّلالِ - بَيَّنَ اللَّهُ بِهِذا الِاعْتِراضِ حُجَّةَ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا، بِأنَّ الكافِرِينَ هُمُ الظّالِمُونَ إذِ اخْتَلَفُوا عَلى ما جاءَتْهم بِهِ الرُّسُلُ، ولَوِ اتَّبَعُوا الحَقَّ لَسَلَّمُوا وسالَمُوا. ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ مِن بَعْدِهِمْ مُرادًا بِهِ جُمْلَةُ الرُّسُلِ أيْ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِ أُولَئِكَ الرُّسُلِ مِنَ الأُمَمِ المُخْتَلِفَةِ في العَقائِدِ صفحة ١٠ مِثْلَ اقْتِتالِ اليَهُودِ والنَّصارى في اليَمَنِ في قِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ، ومُقاتَلَةِ الفِلَسْطِينِيِّينَ لِبَنِي إسْرائِيلَ انْتِصارًا لِأصْنامِهِمْ، ومُقاتَلَةِ الحَبَشَةِ لِمُشْرِكِي العَرَبِ انْتِصارًا لِبَيْعَةِ القُلَّيْسِ الَّتِي بَناها الحَبَشَةُ في اليَمَنِ، والأُمَمِ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ الإسْلامِ وناوَوُهُ وقاتَلُوا المُسْلِمِينَ أهْلَهُ، وهُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ واليَهُودِ والنَّصارى، ويَكُونُ المُرادُ بِالبَيِّناتِ دَلائِلَ صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَتَكُونُ الآيَةُ إنْحاءً عَلى الَّذِينَ عانَدُوا النَّبِيءَ وناوَوُا المُسْلِمِينَ وقاتَلُوهم، وتَكُونُ الآيَةُ عَلى هَذا ظاهِرَةَ التَّفَرُّعِ عَلى قَوْلِهِ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا﴾ [البقرة: ٢٤٤] إلخ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ مِن بَعْدِهِمْ ضَمِيرَ الرُّسُلِ عَلى إرادَةِ التَّوْزِيعِ، أيِ الَّذِينَ مِن بَعْدِ كُلِّ رَسُولٍ مِنَ الرُّسُلِ، فَيَكُونُ مُفِيدًا أنَّ أُمَّةَ كُلِّ رَسُولٍ مِنَ الرُّسُلِ اخْتَلَفُوا واقْتَتَلُوا اخْتِلافًا واقْتِتالًا نَشَآ مِن تَكْفِيرِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا كَما وقَعَ لِبَنِي إسْرائِيلَ في عُصُورٍ كَثِيرَةٍ بَلَغَتْ فِيها طَوائِفُ مِنهم في الخُرُوجِ مِنَ الدِّينِ إلى حَدِّ عِبادَةِ الأوْثانِ، وكَما وقَعَ لِلنَّصارى في عُصُورٍ بَلَغَ فِيها اخْتِلافُهم إلى حَدِّ أنْ كَفَّرَ بَعْضُهم بَعْضًا، فَتَقاتَلَتِ اليَهُودُ غَيْرَ مَرَّةٍ قِتالًا جَرى بَيْنَ مَمْلَكَةِ يَهُوذا ومَمْلَكَةِ إسْرائِيلَ، وتَقاتَلَتِ النَّصارى كَذَلِكَ مِن جَرّاءِ الخِلافِ بَيْنَ اليَعاقِبَةِ والمَلَكِيَّةِ قَبْلَ الإسْلامِ، وأشْهَرُ مُقاتَلاتِ النَّصارى الحُرُوبُ العَظِيمَةُ الَّتِي نَشَأتْ في القَرْنِ السّادِسِ عَشَرَ مِنَ التّارِيخِ المَسِيحِيِّ بَيْنَ أشْياعِ الكاثُولِيكِ وبَيْنَ أشْياعِ مَذْهَبِ لُوثِيرَ الرّاهِبِ الجِرْمانِيِّ الَّذِي دَعا النّاسَ إلى إصْلاحِ المَسِيحِيَّةِ واعْتِبارِ أتْباعِ الكَنِيسَةِ الكاثُولِيكِيَّةِ كُفّارًا لِادِّعائِهِمْ أُلُوهِيَّةِ المَسِيحِ، فَعَظُمَتْ بِذَلِكَ حُرُوبٌ بَيْنَ فَرَنْسا وأسْبانْيا وجِرْمانْيا وانْكِلْتِرا وغَيْرِها مِن دُوَلِ أُورُوبّا. والمَقْصُودُ تَحْذِيرُ المُسْلِمِينَ مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِ ما وقَعَ فِيهِ أُولَئِكَ، وقَدْ حَذَّرَ النَّبِيءُ ﷺ مِن ذَلِكَ تَحْذِيرًا مُتَواتِرًا بِقَوْلِهِ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ «فَلا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكم رِقابَ بَعْضٍ» يُحَذِّرُهم ما يَقَعُ مِن حُرُوبِ الرِّدَّةِ وحُرُوبِ الخَوارِجِ بِدَعْوى التَّكْفِيرِ، وهَذِهِ الوَصِيَّةُ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ العَظِيمَةِ. ووَرَدَ في الصَّحِيحِ قَوْلُهُ: «إذا التَقى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذا القاتِلُ، فَما بالُ المَقْتُولِ ؟ قالَ: أما إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ أخِيهِ» وذَلِكَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا أنَّهُ القِتالُ عَلى اخْتِلافِ العَقِيدَةِ. صفحة ١١ والمُرادُ بِالبَيِّناتِ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ أدِلَّةُ الشَّرِيعَةِ الواضِحَةُ الَّتِي تُفَرِّقُ بَيْنَ مُتَّبِعِ الشَّرِيعَةِ ومُعانِدِها والَّتِي لا تَقْبَلُ خَطَأ الفَهْمِ والتَّأْوِيلِ، لَوْ لَمْ يَكُنْ دَأْبُهُمُ المُكابَرَةَ ودَحْضَ الدِّينِ لِأجْلِ عَرَضِ الدُّنْيا، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ شاءَ اقْتِتالَهم فاقْتَتَلُوا، وشاءَ اخْتِلافَهم فاخْتَلَفُوا، والمَشِيئَةُ هُنا مَشِيئَةُ تَكْوِينٍ وتَقْدِيرٍ لا مَشِيئَةُ الرِّضا؛ لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ مَساقَ التَّمَنِّي لِلْجَوابِ والتَّحْسِيرِ عَلى امْتِناعِهِ وانْتِفائِهِ المُفادِ بِـ (لَوْ) كَقَوْلِ طَرَفَةَ: فَلَوْ شاءَ رَبِّي كُنْتُ قَيْسَ بْنَ خالِدٍ ولَوْ شاءَ رَبِّي كُنْتُ عَمْرَو بْنَ مَرْثَدِ وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ اسْتِدْراكٌ عَلى ما تَضَمَّنَهُ جَوابُ لَوْ شاءَ اللَّهُ وهو: (ما اقْتَتَلَ) لَكِنْ ذَكَرَ في الِاسْتِدْراكِ لازِمَ الضِّدِّ لِجَوابِ (لَوْ) وهو الِاخْتِلافُ لِأنَّهم لَمّا اخْتَلَفُوا اقْتَتَلُوا ولَوْ لَمْ يَخْتَلِفُوا لَما اقْتَتَلُوا، وإنَّما جِيءَ بِلازِمِ الضِّدِّ في الِاسْتِدْراكِ لِلْإيماءِ إلى سَبَبِ الِاقْتِتالِ لِيَظْهَرَ أنَّ مَعْنى نَفْيِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَرْكُهُمُ الِاقْتِتالَ، هو أنَّهُ خَلَقَ داعِيَةَ الِاخْتِلافِ فِيهِمْ، فَبِتِلْكَ الدّاعِيَةِ اخْتَلَفُوا، فَجَرَّهُمُ الخِلافُ إلى أقْصاهُ، وهو الخِلافُ في العَقِيدَةِ، فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ، فاقْتَتَلُوا لِأنَّ لُزُومَ الِاقْتِتالِ لِهَذِهِ الحالَةِ أمْرٌ عُرْفِيٌّ شائِعٌ، فَإنْ كانَ المُرادُ اخْتِلافَ أُمَّةِ الرَّسُولِ الواحِدِ، فالإيمانُ والكُفْرُ في الآيَةِ عِبارَةٌ عَنْ خَطَأِ أهْلِ الدِّينِ فِيهِ إلى الحَدِّ الَّذِي يُفْضِي بِبَعْضِهِمْ إلى الكُفْرِ بِهِ، وإنْ كانَ المُرادُ اخْتِلافَ أُمَمِ الرُّسُلِ كُلٍّ لِلْأُخْرى كَما في قَوْلِهِ ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] فالإيمانُ والكُفْرُ في الآيَةِ ظاهِرٌ، أيْ: فَمِنهم مَن آمَنَ بِالرَّسُولِ الخاتَمِ فاتَّبَعَهُ ومِنهم مَن كَفَرَ بِهِ فَعاداهُ، فاقْتَتَلَ الفَرِيقانِ. وأيًّا ما كانَ المُرادُ مِنَ الوَجْهَيْنِ فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ﴾ يُنادِي عَلى أنَّ الِاخْتِلافَ الَّذِي لا يَبْلُغُ بِالمُخْتَلِفِينَ إلى كُفْرِ بَعْضِهِمْ بِما آمَنَ بِهِ الآخَرُ لا يَبْلُغُ بِالمُخْتَلِفِينَ إلى التَّقاتُلِ، لِأنَّ فِيما أقامَ اللَّهُ لَهم مِن بَيِّناتِ الشَّرْعِ ما فِيهِ كِفايَةُ الفَصْلِ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ في اخْتِلافِهِمْ إذا لَمْ تَغْلِبْ عَلَيْهِمُ المُكابَرَةُ والهَوى، أوْ لَمْ يَعُمَّهم سُوءُ الفَهْمِ وقِلَّةُ الهُدى. لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ في خِلْقَةِ العُقُولِ اخْتِلافَ المُيُولِ والأفْهامِ وجَعَلَ في تَفاوُتِ الذَّكاءِ وأصالَةِ الرَّأْيِ أسْبابًا لِاخْتِلافِ قَواعِدِ العُلُومِ والمَذاهِبِ، فَأسْبابُ الِاخْتِلافِ إذَنْ مَرْكُوزَةٌ في الطِّباعِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ صفحة ١٢ ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ فَصارَ المَعْنى لَوْ شاءَ اللَّهُ ما اخْتَلَفُوا، لَكِنَّ الخِلافَ مَرْكُوزٌ في الجِبِلَّةِ، بَيْدَ أنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ أيْضًا في العُقُولِ أُصُولًا ضَرُورِيَّةً قَطْعِيَّةً أوْ ظَنِّيَّةً ظَنًّا قَرِيبًا مِنَ القَطْعِ بِهِ تَسْتَطِيعُ العُقُولُ أنْ تُعَيِّنَ الحَقَّ مِن مُخْتَلِفِ الآراءِ، فَما صَرَفَ النّاسَ عَنِ اتِّباعِهِ إلّا التَّأْوِيلاتُ البَعِيدَةُ الَّتِي تَحْمِلُ عَلَيْها المُكابَرَةُ أوْ كَراهِيَةُ ظُهُورِ المَغْلُوبِيَّةِ، أوْ حُبُّ المَدْحِ مِنَ الأشْياعِ وأهْلِ الأغْراضِ، أوِ السَّعْيُ إلى عَرَضٍ عاجِلٍ مِنَ الدُّنْيا، ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما غَرَزَ في خِلْقَةِ النُّفُوسِ دَواعِيَ المَيْلِ إلى هاتِهِ الخَواطِرِ السَّيِّئَةِ فَما اخْتَلَفُوا خِلافًا يَدُومُ، ولَكِنِ اخْتَلَفُوا هَذا الخِلافَ، فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ، فَلا عُذْرَ في القِتالِ إلّا لِفَرِيقَيْنِ: مُؤْمِنٍ، وكافِرٍ بِما آمَنَ بِهِ الآخَرُ؛ لِأنَّ الغَضَبَ والحَمِيَّةَ النّاشِئَيْنَ عَنِ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ قَدْ كانا سَبَبَ قِتالٍ مُنْذُ قَدِيمٍ، أمّا الخِلافُ النّاشِئُ بَيْنَ أهْلِ دِينٍ واحِدٍ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ إلى التَّكْفِيرِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ سَبَبَ قِتالٍ. ولِهَذا قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «مَن قالَ لِأخِيهِ يا كافِرُ فَقَدْ باءَ هو بِها» لِأنَّهُ إذا نَسَبَ أخاهُ في الدِّينِ إلى الكُفْرِ فَقَدْ أخَذَ في أسْبابِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وتَوْلِيدِ سَبَبِ التَّقاتُلِ، فَرَجَعَ هو بِإثْمِ الكُفْرِ لِأنَّهُ المُتَسَبِّبُ فِيما يَتَسَبَّبُ عَلى الكُفْرِ، ولِأنَّهُ إذا كانَ يَرى بَعْضَ أحْوالِ الإيمانِ كُفْرًا، فَقَدْ صارَ هو كافِرًا لِأنَّهُ جَعَلَ الإيمانَ كُفْرًا، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «فَلا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكم رِقابَ بَعْضٍ» فَجَعَلَ القِتالَ شِعارَ التَّكْفِيرِ، وقَدْ صَمَّ المُسْلِمُونَ عَنْ هَذِهِ النَّصِيحَةِ الجَلِيلَةِ، فاخْتَلَفُوا خِلافًا بَلَغَ بِهِمْ إلى التَّكْفِيرِ والقِتالِ، وأوَّلُهُ خِلافُ الرِّدَّةِ في زَمَنِ أبِي بَكْرٍ، ثُمَّ خِلافُ الحَرُورِيَّةِ في زَمَنِ عَلِيٍّ وقَدْ كَفَّرُوا عَلِيًّا في قَبُولِهِ تَحْكِيمَ الحَكَمَيْنِ، ثُمَّ خِلافُ أتْباعِ المُقَنَّعِ بِخُراسانَ الَّذِي ادَّعى الأُلُوهِيَّةَ واتَّخَذَ وجْهًا مِن ذَهَبٍ، وظَهَرَ سَنَةَ ١٥٩ وهَلَكَ سَنَةَ ١٦٣، ثُمَّ خِلافُ القَرامِطَةِ مَعَ بَقِيَّةِ المُسْلِمِينَ وفِيهِ شائِبَةٌ مِنَ الخِلافِ المَذْهَبِيِّ لِأنَّهم في الأصْلِ مِنَ الشِّيعَةِ ثُمَّ تَطَرَّفُوا فَكَفَرُوا وادَّعَوُا الحُلُولَ أيْ - حُلُولَ الرَّبِّ في المَخْلُوقاتِ -، واقْتَلَعُوا الحَجَرَ الأسْوَدَ مِنَ الكَعْبَةِ وذَهَبُوا بِهِ إلى بَلَدِهِمْ في البَحْرَيْنِ، وذَلِكَ مِن سَنَةِ ٢٩٣ . واخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ أيْضًا خِلافًا كَثِيرًا في المَذاهِبِ جَرَّ بِهِمْ تاراتٍ إلى مُقاتَلاتٍ عَظِيمَةٍ، وأكْثَرُها حُرُوبُ الخَوارِجِ غَيْرِ المُكَفِّرِينَ لِبَقِيَّةِ الأُمَّةِ في المَشْرِقِ، ومُقاتَلاتُ أبِي يَزِيدَ النَّكارِيِّ الخارِجِيِّ بِالقَيْرَوانِ وغَيْرِها سَنَةَ ٣٣٣ ومُقاتَلَةُ الشِّيعَةِ وأهْلِ السُّنَّةِ بِالقَيْرَوانِ سَنَةَ ٤٠٧، ومُقاتَلَةُ الشّافِعِيَّةِ والحَنابِلَةِ صفحة ١٣ بِبَغْدادَ سَنَةَ ٤٧٥، ومُقاتَلَةُ الشِّيعَةِ وأهْلِ السُّنَّةِ بِها سَنَةَ ٤٤٥، وأعْقَبَتْها حَوادِثُ شَرٍّ بَيْنَهم مُتَكَرِّرَةٌ إلى أنِ اصْطَلَحُوا في سَنَةِ ٥٠٢ وزالَ الشَّرُّ بَيْنَهم، وقِتالُ الباطِنِيَّةِ المَعْرُوفِينَ بِالإسْماعِيلِيَّةِ لِأهْلِ السُّنَّةِ في ساوَةَ وغَيْرِها مِن سَنَةِ ٤٩٤ إلى سَنَةِ ٥٢٣، ثُمَّ انْقَلَبَتْ إلى مُقاتَلاتٍ سِياسِيَّةٍ، ثُمَّ انْقَلَبُوا أنْصارًا لِلْإسْلامِ في الحُرُوبِ الصَّلِيبِيَّةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المُقاتَلاتِ النّاشِئَةِ عَنِ التَّكْفِيرِ والتَّضْلِيلِ، لا نَذْكُرُ غَيْرَها مِن مُقاتَلاتِ الدُّوَلِ والأحْزابِ الَّتِي نَخَرَتْ عِظامَ الإسْلامِ، وتَطَرَّقَتْ كُلَّ جِهَةٍ مِنهُ حَتّى البَلَدَ الحَرامَ. فالآيَةُ تُنادِي عَلى التَّعَجُّبِ والتَّحْذِيرِ مِن فِعْلِ الأُمَمِ في التَّقاتُلِ لِلتَّخالُفِ حَيْثُ لَمْ يَبْلُغُوا في أصالَةِ العُقُولِ أوْ في سَلامَةِ الطَّوايا إلى الوَسائِلِ الَّتِي يَتَفادَوْنَ بِها عَنِ التَّقاتُلِ فَهم مَلُومُونَ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، ومُشِيرَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ شاءَ لَخَلَقَهم مِن قَبْلُ عَلى صِفَةٍ أكْمَلَ مِمّا هم عَلَيْهِ حَتّى يَسْتَعِدُّوا بِها إلى الِاهْتِداءِ إلى الحَقِّ وإلى التَّبَصُّرِ في العَواقِبِ قَبْلَ ذَلِكَ الإبّانِ، فانْتِفاءُ المَشِيئَةِ راجِعٌ إلى حِكْمَةِ الخِلْقَةِ، واللَّوْمُ والحَسْرَةُ راجِعانِ إلى التَّقْصِيرِ في امْتِثالِ الشَّرِيعَةِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ فَأعادَ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا﴾ تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ وتَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ لِيَعْلَمَ الواقِفُ عَلى كَلامِ اللَّهِ تَعالى أنَّ في هُدى اللَّهِ تَعالى مَقْنَعًا لَهم لَوْ أرادُوا الِاهْتِداءَ كَما خَلَقَ المَلائِكَةَ، فاللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ولَكِنَّهُ يُكَمِّلُ حالَ الخَلْقِ بِالإرْشادِ والهُدى، وهم يُفَرِّطُونَ في ذَلِكَ.

البقرة 2:254

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ . مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ مِثْلُ مَوْقِعِ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] الآيَةَ. لِأنَّهم لَمّا دَعاهم إلى بَذْلِ نُفُوسِهِمْ لِلْقِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٤] شَفَعَهُ بِالدَّعْوَةِ إلى بَذْلِ المالِ في الجِهادِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفُهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١] وكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قُوَّةِ التَّذْيِيلِ لِآيَةِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] لِأنَّ صِيغَةَ هَذِهِ الآيَةِ صفحة ١٤ أظْهَرُ في إرادَةِ عُمُومِ الإنْفاقِ المَطْلُوبِ في الإسْلامِ، فالمُرادُ بِالإنْفاقِ هُنا ما هو أعَمُّ مِنَ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ حُذِفَ المَفْعُولُ والمُتَعَلِّقُ لِقَصْدِ الِانْتِقالِ إلى الأمْرِ بِالصَّدَقاتِ الواجِبَةِ وغَيْرِها، وسَتَجِيءُ آياتٌ في تَفْصِيلِ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ حَثٌّ عَلى الإنْفاقِ واسْتِحْقاقٌ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ حَثٌّ آخَرُ لِأنَّهُ يُذَكِّرُ بِأنَّ هُنالِكَ وقْتًا تَنْتَهِي الأعْمالُ إلَيْهِ ويَتَعَذَّرُ الِاسْتِدْراكُ فِيهِ، واليَوْمُ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وانْتِفاءُ البَيْعِ والخُلَّةِ والشَّفاعَةِ كِنايَةٌ عَنْ تَعَذُّرِ التَّدارُكِ لِلْفائِتِ، لِأنَّ المَرْءَ يُحَصِّلُ ما يَعُوزُهُ بِطُرُقٍ هي المُعاوَضَةُ المُعَبَّرُ عَنْها بِالبَيْعِ والِارْتِفاقِ مِنَ الغَيْرِ وذَلِكَ بِسَبَبِ الخُلَّةِ، أوْ بِسَبَبِ تَوَسُّطِ الواسِطَةِ إلى مَن لَيْسَ بِخَلِيلٍ. والخُلَّةُ - بِضَمِّ الخاءِ - المَوَدَّةُ والصُّحْبَةُ، ويَجُوزُ كَسْرُ الخاءِ ولَمْ يَقْرَأْ بِهِ أحَدٌ، وتُطْلَقُ الخُلَّةُ - بِالضَّمِّ - عَلى الصَّدِيقِ تَسْمِيَةً بِالمَصْدَرِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ وغَيْرُهُ والمُذَكَّرُ وغَيْرُهُ قالَ الحَماسِيُّ: ألا أبْلِغا خُلَّتِي راشِدًا وصِنْوِي قَدِيمًا إذا ما اتَّصَلْ وقالَ كَعْبٌ: أكْرِمْ بِها خُلَّةً. . . .، البَيْتَ. فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ هُنا بِالخُلَّةِ المَوَدَّةُ، ونَفْيُ المَوَدَّةِ في ذَلِكَ نَفْيٌ لِحُصُولِ أثَرِها وهو الدَّفْعُ عَنِ الخَلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْيُ الخَلِيلِ كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ لازِمِهِ، وهو النَّفْعُ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ [الشعراء: ٨٨] قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ: وقالَ كُلُّ خَلِيلٍ كُنْتُ آمُلُهُ ∗∗∗ لا أُلْهِيَنَّكَ إنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ وقَرَأ الجُمْهُورُ (لا بَيْعٌ فِيهِ) - وما بَعْدَهُ - بِالرَّفْعِ لِأنَّ المُرادَ بِالبَيْعِ والخُلَّةِ والشَّفاعَةِ الأجْناسُ لا مَحالَةَ، إذْ هي مِن أسْماءِ المَعانِي الَّتِي لا آحادَ لَها في الخارِجِ فَهي أسْماءُ أجْناسٍ لا نَكِراتٌ، ولِذَلِكَ لا يَحْتَمِلُ نَفْيُها إرادَةَ نَفْيِ الواحِدِ حَتّى يَحْتاجَ عِنْدَ قَصْدِ صفحة ١٥ التَّنْصِيصِ عَلى إرادَةِ نَفْيِ الجِنْسِ إلى بِناءِ الِاسْمِ عَلى الفَتْحِ، بِخِلافِ نَحْوِ: لا رَجُلَ في الدّارِ، و: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ولِهَذا جاءَتِ الرِّوايَةُ في قَوْلِ إحْدى صَواحِبِ أُمِّ زَرْعٍ: «زَوْجِي كَلَيْلِ تِهِامَةَ لا حَرٌّ ولا قُرٌّ، ولا مَخافَةٌ ولا سَآمَةٌ» بِالرَّفْعِ لا غَيْرُ، لِأنَّها أسْماءُ أجْناسٍ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِالفَتْحِ لِنَفْيِ الجِنْسِ نَصًّا. فالقِراءَتانِ مُتَساوِيَتانِ مَعْنًى، ومِنَ التَّكَلُّفِ هُنا قَوْلُ البَيْضاوِيِّ: إنَّ وجْهَ قِراءَةِ الرَّفْعِ وُقُوعُ النَّفْيِ في تَقْدِيرِ جَوابٍ لِسُؤالٍ قائِلٍ: هَلْ بَيْعٌ فِيهِ أوْ خُلَّةٌ أوْ شَفاعَةٌ. والشَّفاعَةُ الوَساطَةُ في طَلَبِ النّافِعِ، والسَّعْيُ إلى مَن يُرادُ اسْتِحْقاقُ رِضاهُ عَلى مَغْضُوبٍ مِنهُ عَلَيْهِ أوْ إزالَةُ وحْشَةٍ أوْ بَغْضاءَ بَيْنَهُما، فَهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ الشَّفْعِ ضِدِّ الوَتْرِ، يُقالُ: شَفَعَ كَمَنَعَ، إذا صَيَّرَ الشَّيْءَ شَفْعًا، وشَفَعَ أيْضًا كَمَنَعَ إذا سَعى في الإرْضاءِ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّ المَغْضُوبَ عَلَيْهِ والمَحْرُومَ يَبْعُدُ عَنْ واصِلِهِ فَيَصِيرُ وتْرًا، فَإذا سَعى الشَّفِيعُ بِجَلْبِ المَنفَعَةِ والرِّضا فَقَدْ أعادَهُما شَفْعًا، فالشَّفاعَةُ تَقْتَضِي مَشْفُوعًا إلَيْهِ ومَشْفُوعًا فِيهِ، وهي - في عُرْفِهِمْ - لا يَتَصَدّى لَها إلّا مَن يَتَحَقَّقُ قَبُولَ شَفاعَتِهِ، ويُقالُ: شَفَعَ فُلانٌ عِنْدَ فُلانٍ في فُلانٍ فَشَفَّعَهُ فِيهِ أيْ فَقَبِلَ شَفاعَتَهُ، وفي الحَدِيثِ: «قالُوا هَذا جَدِيرٌ إنْ خَطَبَ بِأنْ يُنْكَحَ وإنْ شَفَعَ بِأنْ يُشَفَّعَ» . وبِهِذا يَظْهَرُ أنَّ الشَّفاعَةَ تَكُونُ في دَفْعِ المَضَرَّةِ وتَكُونُ في جَلْبِ المَنفَعَةِ، قالَ: فَذاكَ فَتًى إنْ تَأْتِهِ في صَنِيعَةٍ ∗∗∗ إلى مالِهِ لا تَأْتِهِ بِشَفِيعِ ومِمّا جاءَ في مَنشُورِ الخَلِيفَةِ القادِرِ بِاللَّهِ السُّلْطانِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ الغَزْنَوِيِّ: ولَّيْناكَ كُورَةَ خُراسانَ ولَقَّبْناكَ يَمِينَ الدَّوْلَةِ، بِشَفاعَةِ أبِي حامِدٍ الإسْفَرائِينِيِّ. أيْ: بِواسِطَتِهِ ورَغْبَتِهِ. فالشَّفاعَةُ في العُرْفِ تَقْتَضِي إدْلالَ الشَّفِيعِ عِنْدَ المَشْفُوعِ لَدَيْهِ، ولِهَذا نَفاها اللَّهُ تَعالى هُنا بِمَعْنى نَفْيِ اسْتِحْقاقِ أحَدٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ أنْ يَكُونَ شَفِيعًا عِنْدَ اللَّهِ بِإدْلالٍ. وأثْبَتَها في آياتٍ أُخْرى كَقَوْلِهِ قَرِيبًا: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقَوْلِهِ: صفحة ١٦ ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وثَبَتَتْ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ في أحادِيثَ كَثِيرَةٍ، وأُشِيرَ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] وفُسِّرَتِ الآيَةُ بِذَلِكَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، ولِذَلِكَ كانَ مِن أُصُولِ اعْتِقادِنا إثْباتُ الشَّفاعَةِ لِلنَّبِيءِ ﷺ، وأنْكَرَها المُعْتَزِلَةُ وهم مُخْطِئُونَ في إنْكارِها ومُلَبِّسُونَ في اسْتِدْلالِهِمْ، والمَسْألَةُ مَبْسُوطَةٌ في كُتُبِ الكَلامِ. والشَّفاعَةُ المَنفِيَّةُ هَنا مُرادٌ بِها الشَّفاعَةُ الَّتِي لا يَسَعُ المَشْفُوعَ إلَيْهِ رَدُّها، فَلا يُعارِضُ ما ورَدَ مِن شَفاعَةِ النَّبِيءِ ﷺ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ لِأنَّ تِلْكَ كَرامَةٌ أكْرَمَهُ اللَّهُ تَعالى بِها وأذِنَ لَهُ فِيها إذْ يَقُولُ: «اشْفَعْ تُشَفَّعْ» فَهي تَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقَوْلِهِ ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ [سبإ: ٢٣] . وقَوْلُهُ: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ صِيغَةُ قَصْرٍ نَشَأتْ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ﴾ فَدَلَّتْ عَلى أنَّ ذَلِكَ النَّفْيَ تَعْرِيضٌ وتَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ فَعَقَّبَ بِزِيادَةِ التَّغْلِيظِ عَلَيْهِمْ والتَّنْدِيدِ بِأنَّ ذَلِكَ التَّهْدِيدَ والمُهَدَّدَ بِهِ قَدْ جَلَبُوهُ لِأنْفُسِهِمْ بِمُكابَرَتِهِمْ فَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ، وهَذا أشَدُّ وقْعًا عَلى المُعاقَبِ لِأنَّ المَظْلُومَ يَجِدُ لِنَفْسِهِ سَلْوًا بِأنَّهُ مُعْتَدًى عَلَيْهِ، فالقَصْرُ قَصْرُ قَلْبٍ، بِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَعْتَقِدُ أنَّهم مَظْلُومُونَ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ قَصْرًا حَقِيقِيًّا ادِّعائِيًّا لِأنَّ ظُلْمَهم لَمّا كانَ أشَدَّ الظُّلْمِ جُعِلُوا كَمَنِ انْحَصَرَ الظُّلْمُ فِيهِمْ. والمُرادُ بِالكافِرِينَ ظاهِرًا المُشْرِكُونَ، وهَذا مِن بَدائِعِ بَلاغَةِ القُرْآنِ، فَإنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صالِحَةٌ أيْضًا لِتَذْيِيلِ الأمْرِ بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، لِأنَّ ذَلِكَ الإنْفاقَ لِقِتالِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ بَدَءُوا الدِّينَ بِالمُناوَأةِ، فَهُمُ الظّالِمُونَ لا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يُقاتِلُونَهم لِحِمايَةِ الدِّينِ والذَّبِّ عَنْ حَوْزَتِهِ، وذِكْرُ الكافِرِينَ في مَقامِ التَّسْجِيلِ فِيهِ تَنْزِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ أنْ يَتْرُكُوا الإنْفاقَ إذْ لا يُظَنُّ بِهِمْ ذَلِكَ، فَتَرْكُهُ والكُفْرُ مُتَلازِمانِ. فالكافِرُونَ يَظْلِمُونَ أنْفُسَهم، والمُؤْمِنُونَ لا يَظْلِمُونَها، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦] ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٧] وذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ يُصَوِّرُ المُؤْمِنِينَ في أكْمَلِ مَراتِبِ الإيمانِ ويُقابِلُ حالَهم بِحالِ الكُفّارِ تَغْلِيظًا وتَنْزِيهًا، ومِن هَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها اعْتَقَدَ بَعْضُ فِرَقِ الإسْلامِ أنَّ المَعاصِيَ تُبْطِلُ الإيمانَ كَما قَدَّمْناهُ.

البقرة 2:255

صفحة ١٧ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إلّا بِما شاءَ وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما وهْوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ . لَمّا ذَكَرَ هَوْلَ يَوْمِ القِيامَةِ وذَكَرَ حالَ الكافِرِينَ اسْتَأْنَفَ بِذِكْرِ تَمْجِيدِ اللَّهِ تَعالى وذِكْرِ صِفاتِهِ إبْطالًا لِكُفْرِ الكافِرِينَ وقَطْعًا لِرَجائِهِمْ، لِأنَّ فِيها ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ وجُعِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ابْتِداءً لِآياتِ تَقْرِيرِ الوَحْدانِيَّةِ والبَعْثِ، وأُودِعَتْ هَذِهِ الآيَةُ العَظِيمَةُ هُنا لِأنَّها كالبَرْزَخِ بَيْنَ الأغْراضِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ. وجِيءَ بِاسْمِ الذّاتِ هُنا لِأنَّهُ أظْهَرُ طَرِيقٍ في الدَّلالَةِ عَلى المُسَمّى المُنْفَرِدِ بِهَذا الِاسْمِ، فَإنَّ العَلَمَ أعْرَفُ المَعارِفِ لِعَدَمِ احْتِياجِهِ في الدَّلالَةِ عَلى مُسَمّاهُ إلى قَرِينَةٍ أوْ مَعُونَةٍ لَوْلا احْتِمالُ تَعَدُّدِ التَّسْمِيَةِ، فَلَمّا انْتَفى هَذا الِاحْتِمالُ في اسْمِ الجَلالَةِ كانَ أعْرَفَ المَعارِفِ لا مَحالَةَ لِاسْتِغْنائِهِ عَنِ القَرائِنِ والمَعُوناتِ، فالقَرائِنُ كالتَّكَلُّمِ والخِطابِ، والمَعُوناتُ كالمَعادِ والإشارَةِ بِاليَدِ والصِّلَةِ وسَبْقِ العَهْدِ والإضافَةِ. وجُمْلَةُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ خَبَرٌ أوَّلُ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ إثْباتُ الوَحْدانِيَّةِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى دَلالَةِ (﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾) عَلى التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الآلِهَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [البقرة: ١٦٣] . وقَوْلُهُ: ”الحَيُّ“ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، و”القَيُّومُ“ خَبَرٌ ثانٍ لِذَلِكَ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، والمَقْصُودُ إثْباتُ الحَياةِ وإبْطالُ اسْتِحْقاقِ آلِهَةِ المُشْرِكِينَ وصْفَ الإلَهِيَّةِ لِانْتِفاءِ الحَياةِ عَنْهم كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] وفُصِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِها لِأنَّها لَوْ عُطِفَتْ لَكانَتْ كالتَّبَعِ، وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُبَيِّنَةٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ مِن أنَّهُ القائِمُ صفحة ١٨ بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ، أيْ: لِأنَّ اخْتِصاصَهُ بِالإلَهِيَّةِ يَقْتَضِي أنْ لا مُدَبِّرَ غَيْرَهُ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ، خِلافًا لِما قَرَّرَ بِهِ التَّفْتازانِيُّ كَلامَهُ فَإنَّهُ غَيْرُ مُلائِمٍ لِعِبارَتِهِ. والحَيُّ في كَلامِ العَرَبِ مَن قامَتْ بِهِ الحَياةُ، وهي صِفَةٌ بِها الإدْراكُ والتَّصَرُّفُ، أعْنِي كَمالَ الوُجُودِ المُتَعارَفِ، فَهي في المَخْلُوقاتِ بِانْبِثاثِ الرُّوحِ واسْتِقامَةِ جَرَيانِ الدَّمِ في الشَّرايِينِ، وبِالنِّسْبَةِ إلى الخالِقِ ما يُقارِبُ أثَرَ صِفَةِ الحَياةِ فِينا، أعْنِي انْتِفاءَ الجَمادِيَّةِ مَعَ التَّنْزِيهِ عَنْ عَوارِضِ المَخْلُوقاتِ، وفَسَرَّها المُتَكَلِّمُونَ بِأنَّها: صِفَةٌ تُصَحِّحُ لِمَن قامَتْ بِهِ الإدْراكَ والفِعْلَ. وفَسَّرَ صاحِبُ الكَشّافِ (الحَيَّ) بِالباقِي، أيِ الدّائِمِ الحَياةِ بِحَيْثُ لا يَعْتَرِيهِ العَدَمُ، فَيَكُونُ مُسْتَعْمَلًا كِنايَةً في لازِمِ مَعْناهُ لِأنَّ إثْباتَ الحَياةِ لِلَّهِ تَعالى بِغَيْرِ هَذا المَعْنى لا يَكُونُ إلّا مَجازًا أوْ كِنايَةً، وقالَ الفَخْرُ: (الَّذِي عِنْدِي أنَّ ( الحَيَّ) في أصْلِ اللُّغَةِ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ صِحَّةِ العِلْمِ والقُدْرَةِ، بَلْ عِبارَةً عَنْ كَمالِ الشَّيْءِ في جِنْسِهِ، قالَ تَعالى: ﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [البقرة: ١٦٤] وحَياةُ الأشْجارِ إيراقُها، فالصِّفَةُ المُسَمّاةُ في عُرْفِ المُتَكَلِّمِينَ بِالحَياةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ كَمالَ حالِ الجِسْمِ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِها، فالمَفْهُومُ الأصْلِيُّ مِن لَفْظِ (الحَيِّ) كَوْنُهُ واقِعًا عَلى أكْمَلِ أحْوالِهِ وصِفاتِهِ ) . والمَقْصُودُ بِوَصْفِ اللَّهِ هُنا بِالحَيِّ إبْطالُ عَقِيدَةِ المُشْرِكِينَ إلاهِيَّةَ أصْنامِهِمُ الَّتِي هي جَماداتٌ، وكَيْفَ يَكُونُ مُدَبِّرُ أُمُورِ الخَلْقِ جَمادًا. والحَيُّ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن حَيِيَ، أصْلُهُ حَيِيٌ كَحَذِرٍ أُدْغِمَتِ الياءانِ وهو يائِيٌّ بِاتِّفاقِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ، وأمّا كِتابَةُ السَّلَفِ في المُصْحَفِ كَلِمَةَ (حَيَوةٍ) بِواوٍ بَعْدَ الياءِ فَمُخالِفَةٌ لِلْقِياسِ، وقِيلَ: كَتَبُوها عَلى لُغَةِ أهْلِ اليَمَنِ لِأنَّهم يَقُولُونَ حَيَوةً أيْ حَياةً، وقِيلَ: كَتَبُوها عَلى لُغَةِ تَفْخِيمِ الفَتْحَةِ. و(القَيُّومُ) فَيْعُولٌ مِن قامَ يَقُومُ وهو وزْنُ مُبالَغَةٍ، وأصْلُهُ قَيْوُومٌ فاجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتا، والمُرادُ بِهِ المُبالَغَةُ في القِيامِ المُسْتَعْمَلِ مَجازًا مَشْهُورًا في تَدْبِيرِ شُئُونِ النّاسِ، قالَ تَعالى: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] والمَقْصُودُ إثْباتُ عُمُومِ العِلْمِ لَهُ وكَمالُ الحَياةِ وإبْطالُ إلَهِيَّةِ صفحة ١٩ أصْنامِ المُشْرِكِينَ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ مُدَبِّرَ الكَوْنِ هو اللَّهُ تَعالى، وإنَّما جَعَلُوا آلِهَتَهم شُفَعاءَ وشُرَكاءَ ومُقْتَسِمِينَ أُمُورَ القَبائِلِ، والمُشْرِكُونَ مِنَ اليُونانِ كانُوا قَدْ جَعَلُوا لِكُلِّ إلَهٍ مِن آلِهَتِهِمْ أنْواعًا مِنَ المَخْلُوقاتِ يَتَصَرَّفُ فِيها وأُمَمًا مِنَ البَشَرِ تَنْتَمِي إلَيْهِ ويَحْنَأُ عَلَيْها. وجُمْلَةُ: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ولِرَفْعِ احْتِمالِ المُبالَغَةِ فِيها، فالجُمْلَةُ مُنَزَّلَةٌ مَنزِلَةَ البَيانِ لِمَعْنى (الحَيِّ القَيُّومِ) ولِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَها. و(السِّنَةُ) فِعْلَةٌ مِنَ الوَسَنِ، وهو أوَّلُ النَّوْمِ والظّاهِرُ أنَّ أصْلَها اسْمُ هَيْئَةٍ كَسائِرِ ما جاءَ عَلى وزْنِ فِعْلَةٍ مِنَ الواوِيِّ الفاءِ، وقَدْ قالُوا: (وسَنَةٌ) بِفَتْحِ الواوِ عَلى صِيغَةِ المَرَّةِ، والسِّنَةُ أوَّلُ النَّوْمِ، قالَ عَدِيُّ بْنُ الرِّقاعِ: وسْنانُ أقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ في عَيْنِهِ سِنَةٌ ولَيْسَ بِنائِمِ. والنَّوْمُ مَعْرُوفٌ وهو فُتُورٌ يَعْتَرِي أعْصابَ الدِّماغِ مِن تَعَبِ إعْمالِ الأعْصابِ ومِن تَصاعُدِ الأبْخِرَةِ البَدَنِيَّةِ النّاشِئَةِ عَنِ الهَضْمِ والعَمَلِ العَصَبِيِّ، فَيَشْتَدُّ عِنْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ ومَجِيءِ الظُّلْمَةِ فَيَطْلُبُ الدِّماغُ والجِهازُ العَصَبِيُّ الَّذِي يُدَبِّرُهُ الدِّماغُ اسْتِراحَةً طَبِيعِيَّةً فَيَغِيبُ الحِسُّ شَيْئًا فَشَيْئًا وتَثْقُلُ حَرَكَةُ الأعْضاءِ، ثُمَّ يَغِيبُ الحِسُّ إلى أنْ تَسْتَرْجِعَ الأعْصابُ نَشاطَها فَتَكُونَ اليَقَظَةُ. ونَفْيُ اسْتِيلاءِ السِّنَةِ والنَّوْمِ عَلى اللَّهِ تَعالى تَحْقِيقٌ لِكَمالِ الحَياةِ ودَوامِ التَّدْبِيرِ، وإثْباتٌ لِكَمالِ العِلْمِ، فَإنَّ السِّنَةَ والنَّوْمَ يُشْبِهانِ المَوْتَ، فَحَياةُ النّائِمِ في حالِهِما حَياةٌ ضَعِيفَةٌ، وهُما يَعُوقانِ عَنِ التَّدْبِيرِ وعَنِ العِلْمِ بِما يَحْصُلُ في وقْتِ اسْتِيلائِهِما عَلى الإحْساسِ. ونَفْيُ السِّنَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى لا يُغْنِي عَنْ نَفْيِ النَّوْمِ عَنْهُ لِأنَّ مِنَ الأحْياءِ مَن لا تَعْتَرِيهِ السِّنَةُ فَإذا نامَ نامَ عَمِيقًا، ومِنَ النّاسِ مَن تَأْخُذُهُ السِّنَةُ في غَيْرِ وقْتِ النَّوْمِ غَلَبَةً، وقَدْ تَمادَحَتِ العَرَبُ بِالقُدْرَةِ عَلى السَهَرِ، قالَ أبُو كَبِيرٍ: فَأتَتْ بِهِ حُوشَ الفُؤادِ مُبَطَّنًا ∗∗∗ سُهُدًا إذا ما نامَ لَيْلُ الهَوْجَلِ صفحة ٢٠ والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ لا يَحْجُبُ عِلْمَهُ شَيْءٌ حَجْبًا ضَعِيفًا ولا طَوِيلًا ولا غَلَبَةً ولا اكْتِسابًا، فَلا حاجَةَ إلى ما تَطَلَّبَهُالفَخْرُ والبَيْضاوِيُّ مِن أنَّ تَقْدِيمَ السِّنَةِ عَلى النَّوْمِ مُراعًى فِيهِ تَرْتِيبُ الوُجُودِ، وأنَّ ذِكْرَ النَّوْمِ مِن قَبِيلِ الِاحْتِراسِ، وقَدْ أخَذَ هَذا المَعْنى بَشّارٌ وصاغَهُ بِما يُناسِبُ صِناعَةَ الشِّعْرِ فَقالَ: ولَيْلٍ دَجُوجِيٍّ تَنامُ بَناتُهُ ∗∗∗ وأبْناؤُهُ مِن طُولِهِ ورَبائِبُهْ فَإنَّهُ أرادَ مِن بَناتِ اللَّيْلِ وأبْنائِهِ السّاهِراتِ والسّاهِرِينَ بِمُواظَبَةٍ، وأرادَ بِرَبائِبِ اللَّيْلِ مَن هم أضْعَفُ مِنهم سَهَرًا لِلَيْلٍ؛ لِأنَّ الرَّبِيبَ أضْعَفُ نِسْبَةً مِنَ الوَلَدِ والبِنْتِ. وجُمْلَةُ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَقْرِيرٌ لِانْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ إذْ جَمِيعُ المَوْجُوداتِ مَخْلُوقاتُهُ، وتَعْلِيلٌ لِاتِّصافِهِ بِالقَيُّومِيَّةِ لِأنَّ مَن كانَتْ جَمِيعُ المَوْجُوداتِ مِلْكًا لَهُ فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ قَيُّومَها وألّا يُهْمِلَها ولِذَلِكَ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها. واللّامُ لِلْمِلْكِ، والمُرادُ بِالسَّماواتِ والأرْضِ اسْتِغْراقُ أمْكِنَةِ المَوْجُوداتِ، فَقَدْ دَلَّتِ الجُمْلَةُ عَلى عُمُومِ المَوْجُوداتِ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ، وإذا ثَبَتَ مِلْكُهُ لِلْعُمُومِ ثَبَتَ أنَّهُ لا يَشِذُّ عَنْ مِلْكِهِ مَوْجُودٌ فَحَصَلَ مَعْنى الحَصْرِ، ولَكِنَّهُ زادَهُ تَأْكِيدًا بِتَقْدِيمِ المُسْنَدِ - أيْ لا لِغَيْرِهِ - لِإفادَةِ الرَّدِّ عَلى أصْنافِ المُشْرِكِينَ، مِنَ الصّابِئَةِ عَبْدَةِ الكَواكِبِ كالسُّرْيانِ واليُونانِ، ومِن مُشْرِكِي العَرَبِ، لِأنَّ مُجَرَّدَ حُصُولِ مَعْنى الحَصْرِ بِالعُمُومِ لا يَكْفِي في الدَّلالَةِ عَلى إبْطالِ العَقائِدِ الضّالَّةِ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ أفادَتْ تَعْلِيمَ التَّوْحِيدِ بِعُمُومِها، وأفادَتْ إبْطالَ عَقائِدِ أهْلِ الشِّرْكِ بِخُصُوصِيَّةِ القَصْرِ. وجُمْلَةُ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ لِما أفادَهُ لامُ المِلْكِ مِن شُمُولِ مِلْكِهِ تَعالى لِجَمِيعِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، وما تَضَمَّنَهُ تَقْدِيمُ المَجْرُورِ مِن قَصْرِ ذَلِكَ المِلْكِ عَلَيْهِ تَعالى قَصْرَ قَلْبٍ، فَبَطَلَ وصْفُ الإلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ، بِالمُطابَقَةِ، وبَطَلَ حَقُّ الإدْلالِ عَلَيْهِ والشَّفاعَةِ عِنْدَهُ - الَّتِي لا تُرَدُّ - بِالِالتِزامِ؛ لِأنَّ الإدْلالَ مِن شَأْنِ المُساوِي والمُقارِبِ، والشَّفاعَةُ إدْلالٌ، وهَذا إبْطالٌ لِمُعْتَقَدِ مُعْظَمِ مُشْرِكِي العَرَبِ لِأنَّهم لَمْ يُثْبِتُوا لِآلِهَتِهِمْ وطَواغِيتِهِمْ صفحة ٢١ أُلُوهِيَّةً تامَّةً، بَلْ قالُوا: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] وقالُوا: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] فَأكَّدَ هَذا المَدْلُولَ بِالصَّرِيحِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَمّا قَبْلَها. و(ذا) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ إذْ لَيْسَ ثَمَّ مُشارٌ إلَيْهِ مُعَيَّنٌ، والعَرَبُ تَزِيدُ (ذا) لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الإشارَةُ مِن وُجُودِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الِاسْتِفْهامِ، حَتّى إذا ظَهَرَ عَدَمُ وُجُودِهِ كانَ ذَلِكَ أدَلَّ عَلى أنْ لَيْسَ ثَمَّةَ مُتَطَلِّعٍ يُنَصِّبُ نَفْسَهُ لِادِّعاءِ هَذا الحُكْمِ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ في مَن ذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] . والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ والنَّفْيِ بِقَرِينَةِ الِاسْتِثْناءِ مِنهُ بِقَوْلِهِ: إلّا بِإذْنِهِ. والشَّفاعَةُ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] . والمَعْنى أنَّهُ لا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أحَدٌ بِحَقٍّ وإدْلالٍ لِأنَّ المَخْلُوقاتِ كُلَّها مِلْكُهُ، ولَكِنْ يَشْفَعُ عِنْدَهُ مَن أرادَ هو أنْ يُظْهِرَ كَرامَتَهُ عِنْدَهُ فَيَأْذَنَهُ بِأنْ يَشْفَعَ فِيمَن أرادَ هو العَفْوَ عَنْهُ، كَما يُسْنَدُ إلى الكُبَراءِ مُناوَلَةُ المَكْرُماتِ إلى نُبَغاءِ التَّلامِذَةِ في مَواكِبِ الِامْتِحانِ، ولِذَلِكَ جاءَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْتِيهِ النّاسُ لِيُكَلِّمَ رَبَّهُ فَيُخَفِّفَ عَنْهم هَوْلَ مَوْقِفِ الحِسابِ، فَيَأْتِي حَتّى يَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ ويَتَكَلَّمَ بِكَلِماتٍ يُعَلِّمُهُ اللَّهُ تَعالى إيّاها، فَيُقالُ: يا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهُ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ» فَسُجُودُهُ اسْتِيذانٌ في الكَلامِ، ولا يَشْفَعُ حَتّى يُقالَ: اشْفَعْ، وتَعْلِيمُهُ الكَلِماتِ مُقَدَّمَةٌ لِلْإذْنِ. وجُمْلَةُ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾ تَقْرِيرٌ وتَكْمِيلٌ لِما تَضَمَّنَهُ مَجْمُوعُ جُمْلَتَيْ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ ولِما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ فَإنَّ جُمْلَتَيْ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ دَلَّتا عَلى عُمُومِ عِلْمِهِ بِما حَدَثَ ووُجِدَ مِنَ الأكْوانِ ولَمْ تَدُلّا عَلى عِلْمِهِ بِما سَيَكُونُ فَأكَّدَ وكَمَّلَ بِقَوْلِهِ: (يَعْلَمُ) الآيَةَ، وهي أيْضًا تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ إذْ قَدْ يَتَّجِهُ سُؤالٌ: لِماذا حُرِمُوا الشَّفاعَةَ إلّا بَعْدَ الإذْنِ ؟ فَقِيلَ: لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ مَن يَسْتَحِقُّ صفحة ٢٢ الشَّفاعَةَ ورُبَّما غَرَّتْهُمُ الظَّواهِرُ، واللَّهُ يَعْلَمُ مَن يَسْتَحِقُّها، فَهو يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم، ولِأجْلِ هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ عَمّا قَبْلَها. والمُرادُ بِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ما هو مُلاحَظٌ لَهم مِنَ المَعْلُوماتِ وما خَفِيَ عَنْهم أوْ ذُهِلُوا عَنْهُ مِنها، أوْ ما هو واقِعٌ بَعْدَهم وما وقَعَ قَبْلَهم، وأمّا عِلْمُهُ بِما في زَمانِهِمْ فَأحْرى، وقِيلَ: المُسْتَقْبَلُ هو ما بَيْنَ الأيْدِي والماضِي هو الخَلْفُ، وقِيلَ عَكْسُ ذَلِكَ، وهُما اسْتِعْمالانِ مَبْنِيّانِ عَلى اخْتِلافِ الِاعْتِبارِ في تَمْثِيلِ ما بَيْنَ الأيْدِي والخَلْفِ، لِأنَّ ما بَيْنَ أيْدِي المَرْءِ هو أمامُهُ، فَهو يَسْتَقْبِلُهُ ويُشاهِدُهُ ويَسْعى لِلْوُصُولِ إلَيْهِ وما خَلْفَهُ هو ما وراءَ ظَهْرِهِ، فَهو قَدْ تَخَلَّفَ عَنْهُ وانْقَطَعَ ولا يُشاهِدُهُ، وقَدْ تَجاوَزَهُ ولا يَتَّصِلُ بِهِ بَعْدُ، وقِيلَ أُمُورُ الدُّنْيا وأُمُورُ الآخِرَةِ، وهو فَرْعٌ مِنَ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ، وقِيلَ المَحْسُوساتُ والمَعْقُولاتُ، وأيًّا ما كانَ، فاللَّفْظُ مَجازٌ، والمَقْصُودُ عُمُومُ العِلْمِ بِسائِرِ الكائِناتِ. وضَمِيرُ (أيْدِيهِمْ وخَلْفَهم) عائِدٌ إلى ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ بِتَغْلِيبِ العُقَلاءِ مِنَ المَخْلُوقاتِ لِأنَّ المُرادَ بِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ما يَشْمَلُ أحْوالَ غَيْرِ العُقَلاءِ، أوْ هو عائِدٌ عَلى خُصُوصِ العُقَلاءِ مِن عُمُومِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، فَيَكُونُ المُرادُ ما يَخْتَصُّ بِأحْوالِ البَشَرِ، وهو البَعْضُ، لِضَمِيرِ ”ولا يُحِيطُونَ“ لِأنَّ العِلْمَ مِن أحْوالِ العُقَلاءِ. وعُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾ عَلى جُمْلَةِ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ لِأنَّها تَكْمِلَةٌ لِمَعْناها كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] . ومَعْنى (يُحِيطُونَ) يَعْلَمُونَ عِلْمًا تامًّا، وهو مُجازٌ حَقِيقَتُهُ أنَّ الإحاطَةَ بِالشَّيْءِ تَقْتَضِي الِاحْتِواءَ عَلى جَمِيعِ أطْرافِهِ، بِحَيْثُ لا يَشِذُّ مِنهُ شَيْءٌ في أوَّلِهِ ولا آخِرِهِ، فالمَعْنى: لا يَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ شَيْئًا مِن مَعْلُوماتِهِ، وأمّا ما يَدَّعُونَهُ فَهو رَجْمٌ بِالغَيْبِ، فالعِلْمُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن عِلْمِهِ﴾ بِمَعْنى العُمُومِ، كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِ اسْمِ الجَلالَةِ تَخْصِيصٌ لَهُ بِالعُلُومِ اللَّدُنِّيَّةِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِها ولَمْ يُنَصِّبِ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها دَلائِلَ عَقْلِيَّةً أوْ عادِيَّةً، ولِذَلِكَ فَقَوْلُهُ ﴿إلّا بِما شاءَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ يُطْلِعُ بَعْضَ أصْفِيائِهِ عَلى ما هو مِن خَواصِّ عِلْمِهِ كَقَوْلِهِ ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧] . صفحة ٢٣ وقَوْلُهُ: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ تَقْرِيرٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمَلُ كُلُّها مِن عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وكِبْرِيائِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وبَيانِ عَظَمَةِ مَخْلُوقاتِهِ المُسْتَلْزِمَةِ عَظَمَةَ شَأْنِهِ، أوْ لِبَيانِ سِعَةِ مُلْكِهِ كَذَلِكَ، كَما سَنُبَيِّنُهُ، وقَدْ وقَعَتْ هَذِهِ الجُمَلُ مُتَرَتِّبَةً مُتَفَرِّعَةً. والكُرْسِيُّ شَيْءٌ يُجْلَسُ عَلَيْهِ مُتَرَكِّبٌ مِن أعْوادٍ أوْ غَيْرِها مَوْضُوعَةٍ كالأعْمِدَةِ مُتَساوِيَةٍ، عَلَيْها سَطْحٌ مِن خَشَبٍ أوْ غَيْرِهِ بِمِقْدارِ ما يَسَعُ شَخْصًا واحِدًا في جُلُوسِهِ، فَإنْ زادَ عَلى مَجْلِسٍ واحِدٍ وكانَ مُرْتَفِعًا فَهو العَرْشُ، ولَيْسَ المُرادُ في الآيَةِ حَقِيقَةَ الكُرْسِيِّ، إذْ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى لِاقْتِضائِهِ التَّحَيُّزَ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ غَيْرُ حَقِيقَتِهِ. والجُمْهُورُ قالُوا: إنَّ الكُرْسِيَّ مَخْلُوقٌ عَظِيمٌ، ويُضافُ إلى اللَّهِ تَعالى لِعَظَمَتِهِ فَقِيلَ: هو العَرْشُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وهَذا هو الظّاهِرُ؛ لِأنَّ الكُرْسِيَّ لَمْ يُذْكَرْ في القُرْآنِ إلّا في هَذِهِ الآيَةِ وتَكَرَّرَ ذِكْرُ العَرْشِ، ولَمْ يَرِدْ ذِكْرُهُما مُقْتَرِنَيْنِ، فَلَوْ كانَ الكُرْسِيُّ غَيْرَ العَرْشِ لَذُكِرَ مَعَهُ كَما ذُكِرَتِ السَّماواتُ مَعَ العَرْشِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ [المؤمنون: ٨٦] وقِيلَ: الكُرْسِيُّ غَيْرُ العَرْشِ، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ هو دُونَ العَرْشِ، ورُوِيَ في ذَلِكَ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «ما الكُرْسِيُّ في العَرْشِ إلّا كَحَلْقَةٍ مِن حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلاةٍ مِنَ الأرْضِ» وهو حَدِيثٌ لَمْ يَصِحَّ، وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ: الكُرْسِيُّ مَوْضِعُ القَدَمَيْنِ مِنَ العَرْشِ، أيْ لِأنَّ الجالِسَ عَلى عَرْشٍ يَكُونُ مُرْتَفِعًا عَنِ الأرْضِ فَيُوضَعُ لَهُ كُرْسِيٌّ لِئَلّا تَكُونَ رِجْلاهُ في الفَضاءِ إذا لَمْ يَتَرَبَّعْ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: الكُرْسِيُّ مَثَلٌ لِعِلْمِ اللَّهِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِأنَّ العالِمَ يَجْلِسُ عَلى كُرْسِيٍّ لِيُعَلِّمَ النّاسَ، وقِيلَ: مَثَلٌ لِمُلْكِ اللَّهِ تَعالى كَما يَقُولُونَ فُلانٌ صاحِبُ كُرْسِيِّ العِراقِ أيْ مُلْكِ العِراقِ، قالَ البَيْضاوِيُّ: ولَعَلَّهُ الفَلَكُ المُسَمّى عِنْدَهم بِفَلَكِ البُرُوجِ. قُلْتُ: أثْبَتَ القُرْآنُ سَبْعَ سَماواتٍ، ولَمْ يُبَيِّنْ مُسَمّاها في قَوْلِهِ (سُورَةِ نُوحٍ): ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نوح: ١٦] فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ السَّماواتُ طَبَقاتٍ مِنَ الأجْواءِ، مُخْتَلِفَةَ الخَصائِصِ مُتَمايِزَةً بِما يَمْلَأُها مِنَ العَناصِرِ، وهي مَسْحُ الكَواكِبِ، ولَقَدْ قالَ تَعالى (سُورَةُ المُلْكِ): ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ [الملك: ٥] ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ السَّماواتُ هي الكَواكِبَ العَظِيمَةَ المُرْتَبِطَةَ بِالنِّظامِ صفحة ٢٤ الشَّمْسِيِّ وهي فُلْكانَ وعُطارِدُ والزُّهْرَةُ، وهَذِهِ تَحْتَ الشَّمْسِ إلى الأرْضِ، والمِرِّيخُ والمُشْتَرِي، وزُحَلُ، وأُورانُوسُ، ونِبْتُونُ، وهَذِهِ فَوْقَ الشَّمْسِ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ في البُعْدِ، إلّا أنَّها في عِظَمِ الحَجْمِ يَكُونُ أعْظَمَها المُشْتَرِي، ثُمَّ زُحَلُ، ثُمَّ نِبْتُونُ، ثُمَّ أُورانُوسُ، ثُمَّ المِرِّيخُ، فَإذا كانَ العَرْشُ أكْبَرَها فَهو المُشْتَرِي والكُرْسِيُّ دُونَهُ فَهو زُحَلُ، والسَّبْعُ الباقِيَةُ هي المَذْكُورَةُ ويُضَمُّ إلَيْها القَمَرُ. وإنْ كانَ الكُرْسِيُّ هو العَرْشَ فَلا حاجَةَ إلى عَدِّ القَمَرِ، وهَذا هو الظّاهِرُ، والشَّمْسُ مِن جُمْلَةِ الكَواكِبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نوح: ١٦] تَخْصِيصٌ لَها بِالذِّكْرِ لِلِامْتِنانِ عَلى النّاسِ بِأنَّها نُورٌ لِلْأرْضِ إلّا أنَّ الشَّمْسَ أكْبَرُ مِن جَمِيعِها عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ، وإذا كانَتِ السَّماواتُ أفْلاكًا سَبْعَةً لِشُمُوسٍ غَيْرِ هَذِهِ الشَّمْسِ ولِكُلِّ فَلَكٍ نِظامُهُ كَما لِهَذِهِ الشَّمْسِ نِظامُها فَذَلِكَ جائِزٌ - وسُبْحانَ مَن لا تُحِيطُ بِعَظَمَةِ قُدْرَتِهِ الأفْهامُ - فَيَكُونُ المَعْنى عَلى هَذا أنَّ اللَّهَ تَعالى نَبَّهَنا إلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وسِعَةِ مَلَكُوتِهِ بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مَعَ مُوافَقَتِهِ لِما في نَفْسِ الأمْرِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُفَصِّلْ لَنا ذَلِكَ لِأنَّ تَفْصِيلَهُ لَيْسَ مِن غَرَضِ الِاسْتِدْلالِ عَلى عَظَمَتِهِ، ولِأنَّ العُقُولَ لا تَصِلُ إلى فَهْمِهِ لِتَوَقُّفِهِ عَلى عُلُومٍ واسْتِكْمالاتٍ فِيها لَمْ تَتِمَّ إلى الآنَ، ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ. وجُمْلَةُ: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ لِأنَّها مِن تَكْمِلَتِها وفِيها ضَمِيرٌ، مَعادُهُ في الَّتِي قَبْلَها، أيْ أنَّ الَّذِي أوْجَدَ هاتِهِ العَوالِمَ لا يَعْجِزُ عَنْ حِفْظِها. و(آدَهُ) جَعَلَهُ ذا أوَدٍ، والأوَدُ - بِالتَّحْرِيكِ - العِوَجُ، ومَعْنى آدَهُ أثْقَلَهُ لِأنَّ المُثْقَلَ يَنْحَنِي فَيَصِيرُ ذا أوَدٍ. وعُطِفَ عَلَيْهِ ﴿وهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ لِأنَّهُ مِن تَمامِهِ، والعُلُوُّ والعَظَمَةُ مُسْتَعارانِ لِشَرَفِ القَدْرِ وجَلالِ القُدْرَةِ. ولِهَذِهِ الآيَةِ فَضْلٌ كَبِيرٌ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن أُصُولِ مَعْرِفَةِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى كَما اشْتَمَلَتْ سُورَةُ الإخْلاصِ عَلى ذَلِكَ، وكَما اشْتَمَلَتْ كَلِمَةُ الشَّهادَةِ. في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ آتِيًا أتاهُ في اللَّيْلِ فَأخَذَ مِن طَعامِ زَكاةِ الفِطْرِ فَلَمّا أمْسَكَهُ قالَ لَهُ: إذا أوَيْتَ إلى فِراشِكَ فاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ لَنْ يَزالَ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ حافِظٌ ولا يَقْرَبُكَ شَيْطانٌ صفحة ٢٥ حَتّى تُصْبِحَ» فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ: «صَدَقَكَ، وذَلِكَ شَيْطانٌ» وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُ: «يا أبا المُنْذِرِ أتَدْرِي أيَّ آيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ مَعَكَ أعْظَمُ ؟ قُلْتُ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ فَضَرَبَ في صَدْرِي وقالَ: واللَّهِ لِيَهْنِكَ العِلْمُ أبا المُنْذِرِ» ورَوى النَّسائِيُّ: «مَن قَرَأ آيَةَ الكُرْسِيِّ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ إلّا المَوْتُ» وفِيها فَضائِلُ كَثِيرَةٌ مُجَرَّبَةٌ لِلتَّأْمِينِ عَلى النَّفْسِ والبَيْتِ.

البقرة 2:256

﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى لا انْفِصامَ لَها واللَّهُ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ﴾ . اسْتِئْنافُ بَيانٍ ناشِئٌ عَنِ الأمْرِ بِالقِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٤] إذْ يَبْدُو لِلسّامِعِ أنَّ القِتالَ لِأجْلِ دُخُولِ العَدُوِّ في الإسْلامِ فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا إكْراهَ عَلى الدُّخُولِ في الإسْلامِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى أنَّها مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ. وتَعْقِيبُ آيَةِ الكُرْسِيِّ بِهاتِهِ الآيَةِ بِمُناسَبَةِ أنَّ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ السّابِقَةُ مِن دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ وعَظَمَةِ الخالِقِ وتَنْزِيهِهِ عَنْ شَوائِبِ ما كَفَرَتْ بِهِ الأُمَمُ مِن شَأْنِهِ أنْ يَسُوقَ ذَوِي العُقُولِ إلى قَبُولِ هَذا الدِّينِ الواضِحِ العَقِيدَةِ، المُسْتَقِيمِ الشَّرِيعَةِ، بِاخْتِيارِهِمْ دُونَ جَبْرٍ ولا إكْراهٍ، ومِن شَأْنِهِ أنْ يَجْعَلَ دَوامَهم عَلى الشِّرْكِ بِمَحَلِّ السُّؤالِ: أيُتْرَكُونَ عَلَيْهِ أمْ يُكْرَهُونَ عَلى الإسْلامِ، فَكانَتِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا. والإكْراهُ الحَمْلُ عَلى فِعْلِ مَكْرُوهٍ، فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلْجَعْلِ، أيْ جَعْلِهِ ذا كَراهِيَةٍ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِتَخْوِيفِ وُقُوعِ ما هو أشَدُّ كَراهِيَةً مِنَ الفِعْلِ المَدْعُوِّ إلَيْهِ. والدِّينُ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] وهو هَنا مُرادُ بِهِ الشَّرْعُ. والتَّعْرِيفُ في (الدِّينِ) لِلْعَهْدِ، أيْ: دِينِ الإسْلامِ. صفحة ٢٦ ونَفْيُ الإكْراهِ خَبَرٌ في مَعْنى النَّهْيِ، والمُرادُ نَفْيُ أسْبابِ الإكْراهِ في حُكْمِ الإسْلامِ، أيْ: لا تُكْرِهُوا أحَدًا عَلى اتِّباعِ الإسْلامِ قَسْرًا، وجِيءَ بِنَفْيِ الجِنْسِ لِقَصْدِ العُمُومِ نَصًّا، وهي دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى إبْطالِ الإكْراهِ عَلى الدِّينِ بِسائِرِ أنْواعِهِ، لِأنَّ أمْرَ الإيمانِ يَجْرِي عَلى الِاسْتِدْلالِ، والتَّمَكُّنِ مِنَ النَّظَرِ، وبِالِاخْتِيارِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في صَدْرِ الإسْلامِ قِتالُ المُشْرِكِينَ عَلى الإسْلامِ، وفي الحَدِيثِ «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها» ولا جائِزٌ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ قَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ ابْتِداءِ القِتالِ كُلِّهِ، فالظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ واسْتِخْلاصِ بِلادِ العَرَبِ، إذْ يُمْكِنُ أنْ يَدُومَ نُزُولُ السُّورَةِ سِنِينَ كَما قَدَّمْناهُ في صَدْرِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الفاتِحَةِ لا سِيَّما وقَدْ قِيلَ بِأنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ هي في سُورَةِ النِّساءِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] الآيَةَ، فَنَسَخَتْ حُكْمَ القِتالِ عَلى قَبُولِ الكافِرِينَ الإسْلامَ ودَلَّتْ عَلى الِاقْتِناعِ مِنهم بِالدُّخُولِ تَحْتَ سُلْطانِ الإسْلامِ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالذِّمَّةِ، ووَضَّحَهُ عَمَلُ النَّبِيءِ ﷺ وذَلِكَ حِينَ خَلَصَتْ بِلادُ العَرَبِ مِنَ الشَّرَكِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وبَعْدَ دُخُولِ النّاسِ في الدِّينِ أفْواجًا حِينَ جاءَتْ وُفُودُ العَرَبِ بَعْدَ الفَتْحِ، فَلَمّا تَمَّ مُرادُ اللَّهِ مِن إنْقاذِ العَرَبِ مِنَ الشِّرْكِ والرُّجُوعِ بِهِمْ إلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، ومِن تَخْلِيصِ الكَعْبَةِ مِن أرْجاسِ المُشْرِكِينَ، ومِن تَهْيِئَةِ طائِفَةٍ عَظِيمَةٍ لِحَمْلِ هَذا الدِّينِ وحِمايَةِ بَيْضَتِهِ، وتَبَيَّنَ هَدْيُ الإسْلامِ وزالَ ما كانَ يَحُولُ دُونَ اتِّباعِهِ مِنَ المُكابَرَةِ، وحَقَّقَ اللَّهُ سَلامَةَ بِلادِ العَرَبِ مِنَ الشِّرْكِ كَما وقَعَ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ «إنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَئِسَ مِن أنْ يُعْبَدَ في بَلَدِكم هَذا» لَمّا تَمَّ ذَلِكَ كُلُّهُ أبْطَلَ اللَّهُ القِتالَ عَلى الدِّينِ وأبْقى القِتالَ عَلى تَوْسِيعِ سُلْطانِهِ، لِذَلِكَ قالَ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ ٢٩ ]: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ ناسِخَةً لِما تَقَدَّمَ مِن آياتِ القِتالِ مِثْلِ قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] . عَلى أنَّ الآياتِ النّازِلَةَ قَبْلَها أوْ بَعْدَها أنْواعٌ ثَلاثَةٌ: أحَدُها آياتٌ أمَرَتْ بِقِتالِ الدِّفاعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وقَوْلِهِ: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ والحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكم واتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٤] صفحة ٢٧ وهَذا قِتالٌ لَيْسَ لِلْإكْراهِ عَلى الإسْلامِ بَلْ هو لِدَفْعِ غائِلَةِ المُشْرِكِينَ. النَّوْعُ الثّانِي: آياتٌ أمَرَتْ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ والكُفّارِ ولَمْ تُغَيَّ بِغايَةٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ إطْلاقُها مُقَيَّدًا بِغايَةِ آيَةِ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] فَلا تُعارِضُهُ آيَتُنا هَذِهِ ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ . النَّوْعُ الثّالِثُ: ما غُيِّيَ بِغايَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ مَنسُوخًا بِهاتِهِ الآيَةِ وآيَةِ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] كَما نُسِخَ حَدِيثُ «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ»، هَذا ما يَظْهَرُ لَنا في مَعْنى الآيَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ولِأهْلِ العِلْمِ قَبْلَنا فِيها قَوْلانِ: الأوَّلُ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وسُلَيْمانُ بْنُ مُوسى: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣] فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ أكْرَهَ العَرَبَ عَلى الإسْلامِ وقاتَلَهم ولَمْ يَرْضَ مِنهم إلّا بِهِ. ولَعَلَّهُما يُرِيدانِ مِنَ النَّسْخِ مَعْنى التَّخْصِيصِ. والِاسْتِدْلالُ عَلى نَسْخِها بِقِتالِ النَّبِيءِ ﷺ العَرَبَ عَلى الإسْلامِ يُعارِضُهُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ الجِزْيَةَ مِن جَمِيعِ الكُفّارِ، فَوَجْهُ الجَمْعِ هو التَّخْصِيصُ. القَوْلُ الثّانِي: إنَّها مُحْكَمَةٌ ولَكِنَّها خاصَّةٌ، فَقالَ الشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ والحَسَنُ والضَّحّاكُ: هي خاصَّةٌ بِأهْلِ الكِتابِ فَإنَّهم لا يُكْرَهُونَ عَلى الإسْلامِ إذا أدَّوُا الجِزْيَةَ وإنَّما يُجْبَرُ عَلى الإسْلامِ أهْلُ الأوْثانِ، وإلى هَذا مالَ الشّافِعِيُّ فَقالَ: إنَّ الجِزْيَةَ لا تُؤْخَذُ إلّا مِن أهْلِ الكِتابِ والمَجُوسِ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ: وعَلى هَذا فَكُلُّ مَن رَأى قَبُولَ الجِزْيَةِ مِن جِنْسٍ يَحْمِلُ الآيَةَ عَلَيْهِ، يَعْنِي مَعَ بَقاءِ طائِفَةٍ يَتَحَقَّقُ فِيها الإكْراهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأنْصارِ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ إذا كانَتِ المَرْأةُ مِنهم مِقْلاتًا - أيْ: لا يَعِيشُ لَها ولَدٌ - تَنْذُرُ إنْ عاشَ لَها ولَدٌ أنْ تُهَوِّدَهُ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ وأسْلَمُوا كانَ كَثِيرٌ مِن أبْناءِ الأنْصارِ يَهُودًا فَقالُوا: لا نَدَعُ أبْناءَنا بَلْ نُكْرِهُهم عَلى الإسْلامِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ . صفحة ٢٨ وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في قِصَّةِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ أبُو حُصَيْنٍ مِن بَنِي سَلَمَةَ بْنِ عَوْفٍ ولَهُ ابْنانِ جاءَ تُجّارٌ مِن نَصارى الشّامِ إلى المَدِينَةِ فَدَعَوْهُما إلى النَّصْرانِيَّةِ فَتَنَصَّرا وخَرَجا مَعَهم فَجاءَ أبُوهُما فَشَكا لِلنَّبِيءِ ﷺ وطَلَبَ أنْ يَبْعَثَ مَن يَرُدُّهُما مُكْرَهَيْنِ فَنَزَلَتْ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ ولَمْ يُؤْمَرْ يَوْمَئِذٍ بِالقِتالِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآياتِ القِتالِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِنَفْيِ الإكْراهِ نَفْيُ تَأْثِيرِهِ في إسْلامِ مَن أسْلَمَ كُرْهًا فِرارًا مِنَ السَّيْفِ، عَلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [النساء: ٩٤] وهَذا القَوْلُ تَأْوِيلٌ في مَعْنى الإكْراهِ وحَمْلٌ لِلنَّفْيِ عَلى الإخْبارِ دُونَ الأمْرِ. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالدِّينِ التَّوْحِيدُ ودِينٌ لَهُ كِتابٌ سَماوِيٌّ، وإنَّ نَفْيَ الإكْراهِ نَهْيٌ، والمَعْنى لا تُكْرِهُوا السَّبايا مِن أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهُنَّ أهْلُ دِينٍ وأكْرِهُوا المَجُوسَ مِنهم والمُشْرِكاتِ. وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ واقِعٌ مَوْقِعَ العِلَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ ولِذَلِكَ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ. و(الرُّشْدُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، وبِفَتْحٍ فَفَتْحٍ، الهُدى وسَدادُ الرَّأْيِ، ويُقابِلُهُ الغَيُّ والسَّفَهُ، والغَيُّ: الضَّلالُ، وأصْلُهُ مَصْدَرُ: غَوى، المُتَعَدِّي، فَأصْلُهُ (غَوِيٌ) قُلِبَتِ الواوُ ياءً ثُمَّ أُدْغِمَتا، وضُمِّنَ (تَبَيَّنَ) مَعْنى: تَمَيَّزَ. فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِـ (مِن) وإنَّما تَبَيَّنَ ذَلِكَ بِدَعْوَةِ الإسْلامِ وظُهُورِهِ في بَلَدٍ مُسْتَقِلٍّ بَعْدَ الهِجْرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ إذْ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ التَّبْيِينِ إلّا الكُفْرُ بِالطّاغُوتِ، وفِيهِ بَيانُ الإكْراهِ في الدِّينِ، إذْ قَدْ تَفَرَّعَ عَنْ تَمَيُّزِ الرُّشْدِ مِنَ الغَيِّ ظُهُورُ أنَّ مُتَّبِعَ الإسْلامِ مُسْتَمْسِكٌ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى فَهو يَنْساقُ إلَيْهِ اخْتِيارًا. والطّاغُوتُ الأوْثانُ والأصْنامُ، والمُسْلِمُونَ يُسَمُّونَ الصَّنَمَ الطّاغِيَةَ، وفي الحَدِيثِ «كانُوا يُهِلُّونَ لِمَناةَ الطّاغِيَةِ» ويَجْمَعُونَ الطّاغُوتَ عَلى طَواغِيتَ، ولا أحْسَبُهُ إلّا مِن مُصْطَلَحاتِ القُرْآنِ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الطُّغْيانِ، وهو الِارْتِفاعُ والغُلُوُّ في الكِبْرِ، وهو مَذْمُومٌ ومَكْرُوهٌ، ووَزْنُ طاغُوتٍ عَلى التَّحْقِيقِ طَغَيُوتٌ - فَعَلُوتٌ - مِن أوْزانِ المَصادِرِ صفحة ٢٩ مِثْلُ مَلَكُوتٍ ورَهَبُوتٍ ورَحَمُوتٍ، فَوَقَعَ فِيهِ قَلْبٌ مَكانِيٌّ - بَيْنَ عَيْنِهِ ولامِهِ - فَصُيِّرَ إلى فَلَعَوَتٍ طَيَغُوتٍ لِيَتَأتّى قَلْبُ اللّامِ ألِفًا فَصارَتْ طاغُوتًا، ثُمَّ أُزِيلَ عَنْهُ مَعْنى المَصْدَرِ وصارَ اسْمًا لِطائِفَةٍ مِمّا فِيهِ هَذا المَصْدَرُ فَصارَ مِثْلَ مَلَكُوتٍ في أنَّهُ اسْمُ طائِفَةٍ مِمّا فِيهِ مَعْنى المَصْدَرِ، لا مِثْلَ رَحَمُوتٍ ورَهَبُوتٍ في أنَّهُما مَصْدَرانِ، فَتاؤُهُ زائِدَةٌ وجُعِلَ عَلَمًا عَلى الكُفْرِ وعَلى الأصْنامِ، وأصْلُهُ صِفَةٌ بِالمَصْدَرِ ويُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ كَشَأْنِ المَصادِرِ. وعُطِفَ ﴿ويُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ عَلى الشَّرْطِ لِأنَّ نَبْذَ عِبادَةِ الأصْنامِ لا مَزِيَّةَ فِيهِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَوَّضَها بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى. ومَعْنى (اسْتَمْسَكَ) تَمَسَّكَ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ [الزخرف: ٤٣] وقَوْلِهِ ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] وقَوْلِ النّابِغَةِ: فاسْتَنْكَحُوا أُمَّ جابِرٍ. إذْ لا مَعْنى لِطَلَبِ التَّمَسُّكِ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى بَعْدَ الإيمانِ، بَلِ الإيمانُ التَّمَسُّكُ نَفْسُهُ، والعُرْوَةُ بِضَمِّ العَيْنِ ما يُجْعَلُ كالحَلْقَةِ في طَرَفِ شَيْءٍ لِيُقْبَضَ عَلى الشَّيْءِ مِنهُ، فَلِلدَّلْوِ عُرْوَةٌ ولِلْكُوزِ عُرْوَةٌ، وقَدْ تَكُونُ العُرْوَةُ في حَبْلٍ بِأنْ يُشَدَّ طَرَفُهُ إلى بَعْضِهِ ويُعْقَدَ فَيَصِيرَ مِثْلَ الحَلْقَةِ فِيهِ، فَلِذَلِكَ قالَ في الكَشّافِ: العُرْوَةُ الوُثْقى مِنَ الحَبْلِ الوَثِيقِ. و(الوُثْقى) المَحْكَمَةُ الشَّدِّ، و﴿لا انْفِصامَ لَها﴾ أيْ: لا انْقِطاعَ، والفَصْمُ القَطْعُ بِتَفْرِيقِ الِاتِّصالِ دُونَ تَجْزِئَةٍ بِخِلافِ القَصْمِ بِالقافِ فَهو قَطْعٌ مَعَ إبانَةٍ وتَجْزِئَةٍ. والِاسْتِمْساكُ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى تَمْثِيلِيٌّ، شُبِّهَتْ هَيْأةُ المُؤْمِنِ في ثَباتِهِ عَلى الإيمانِ بِهَيْئَةِ مَن أمْسَكَ بِعُرْوَةٍ وُثْقى مِن حَبْلٍ، وهو راكِبٌ عَلى صَعْبٍ أوْ في سَفِينَةٍ في هَوْلِ البَحْرِ، وهي هَيْأةٌ مَعْقُولَةٌ شُبِّهَتْ بِهَيْئَةٍ مَحْسُوسَةٍ، ولِذَلِكَ قالَ في الكَشّافِ: وهَذا تَمْثِيلٌ لِلْمَعْلُومِ بِالنَّظَرِ بِالمُشاهَدِ، وقَدْ أفْصَحَ عَنْهُ في تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمانَ إذْ قالَ: مُثِّلَتْ حالُ المُتَوَكِّلِ بِحالِ مَن أرادَ أنْ يَتَدَلّى مِن شاهِقٍ فاحْتاطَ لِنَفْسِهِ بِأنِ اسْتَمْسَكَ بِأوْثَقِ عُرْوَةٍ مِن حَبْلٍ مَتِينٍ مَأْمُونٍ انْقِطاعُهُ، فالمَعْنى أنَّ المُؤْمِنَ ثابِتُ اليَقِينِ سالِمٌ مِنِ اضْطِرابِ القَلْبِ في الدُّنْيا، وهو ناجٍ مِن مَهاوِي السُّقُوطِ في الآخِرَةِ، كَحالِ مِن تَمَسَّكَ بِعُرْوَةِ حَبْلٍ مَتِينٍ لا يَنْفَصِمُ. صفحة ٣٠ وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى أنَّ هَذِهِ فائِدَةٌ لِلْمُؤْمِنِ تَنْفَعُهُ في دُنْياهُ بِأنْ يَكُونَ عَلى الحَقِّ والبَصِيرَةِ وذَلِكَ مِمّا تَطْلُبُهُ النُّفُوسُ، وأشارَتْ إلى فائِدَةِ ذَلِكَ في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: واللَّهُ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ الَّذِي هو تَعْرِيضٌ بِالوَعْدِ والثَّوابِ.

البقرة 2:257

﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ . وقَعَ قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ. مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾ [البقرة: ٢٥٦] لِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالطّاغُوتِ وآمَنُوا بِاللَّهِ قَدْ تَوَلَّوُا اللَّهَ تَعالى فَصارَ ولِيَّهم، فَهو يُقَدِّرُ لَهم ما فِيهِ نَفْعُهم وهو ذَبُّ الشُّبُهاتِ عَنْهم فَبِذَلِكَ يَسْتَمِرُّ تَمَسُّكُهم بِالعُرْوَةِ الوُثْقى ويَأْمَنُونَ انْفِصامَها، أيْ: فَإذا اخْتارَ أحَدٌ أنْ يَكُونَ مُسْلِمًا فَإنَّ اللَّهَ يَزِيدُهُ هُدًى. والوَلِيُّ: الحَلِيفُ. فَهو يَنْصُرُ مَوْلاهُ. فالمُرادُ بِالنُّورِ نُورُ البُرْهانِ والحَقِّ، وبِالظُّلُماتِ ظُلُماتُ الشُّبُهاتِ والشَّكِّ، فاللَّهُ يَزِيدُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى لِأنَّ اتِّباعَهُمُ الإسْلامَ تَيْسِيرٌ لِطُرُقِ اليَقِينِ، فَهم يَزْدادُونَ تَوَغُّلًا فِيها يَوْمًا فَيَوْمًا، وبِعَكْسِهِمُ الَّذِينَ اخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإسْلامِ فَإنَّ اخْتِيارَهم ذَلِكَ دَلَّ عَلى خَتْمٍ ضُرِبَ عَلى عُقُولِهِمْ فَلَمْ يَهْتَدُوا فَهم يَزْدادَونَ في الضَّلالِ يَوْمًا فَيَوْمًا، ولِأجْلِ هَذا الِازْدِيادِ المُتَجَدِّدِ في الأمْرَيْنِ وقَعَ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ و﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾ وبِهَذا يَتَّضِحُ وجْهُ تَعْقِيبِ هَذِهِ الآياتِ بِآيَةِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ثُمَّ بِآيَةِ: ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] ثُمَّ بِآيَةِ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] فَإنَّ جَمِيعَها جاءَ لِبَيانِ وُجُوهِ انْجِلاءِ الشَّكِّ والشُّبُهاتِ عَنْ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى الَّذِينَ صَدَقَ إيمانُهم، ولا داعِيَ إلى ما في الكَشّافِ وغَيْرِهِ مِن تَأْوِيلِ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ كَفَرُوا بِالَّذِينَ أرادُوا ذَلِكَ، وجَعْلِ النُّورِ والظُّلُماتِ تَشْبِيهًا لِلْإيمانِ والكُفْرِ، لِما عَلِمْتَ مِن ظُهُورِ المَعْنى بِما يَدْفَعُ الحاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ بِذَلِكَ، ولا يَحْسُنُ وقْعُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ولِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ فَإنَّهُ مُتَعَيِّنٌ لِلْحَمْلِ عَلى زِيادَةِ تَضْلِيلِ الكافِرِ في كُفْرِهِ بِمَزِيدِ الشَّكِّ كَما صفحة ٣١ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهُمُ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٠١] إلى قَوْلِهِ: ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١] ولِأنَّ الطّاغُوتَ كانُوا أوْلِياءَ لِلَّذِينَ آمَنُوا قَبْلَ الإيمانِ فَإنَّ الجَمِيعَ كانُوا مُشْرِكِينَ، وكَذَلِكَ ما أطالَ بِهِ فَخْرُ الدِّينِ مِن وُجُوهِ الِاسْتِدْلالِ عَلى المُعْتَزِلَةِ واسْتِدْلالِهِمْ عَلَيْنا. وجُمْلَةُ (يُخْرِجُهم) خَبَرٌ ثانٍ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ، وجُمْلَةُ (يُخْرِجُونَهم) حالٌ مِنَ الطّاغُوتِ، وأُعِيدَ الضَّمِيرُ إلى الطّاغُوتِ بِصِيغَةِ جَمْعِ العُقَلاءِ لِأنَّهُ أسْنَدَ إلَيْهِمْ ما هو مِن فِعْلِ العُقَلاءِ وإنْ كانُوا في الحَقِيقَةِ سَبَبَ الخُرُوجِ لا مُخْرِجِينَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الطّاغُوتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [البقرة: ٢٥٦]

البقرة 2:258

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ إذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ قالَ إبْراهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . جَرى هَذا الكَلامُ مَجْرى الحُجَّةِ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الماضِيَةِ أوِ المِثالِ لَها، فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وأنَّ الطّاغُوتَ يُخْرِجُونَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ، ساقَ ثَلاثَةَ شَواهِدَ عَلى ذَلِكَ هَذا أوَّلُها وأجْمَعُها؛ لِأنَّهُ اشْتَمَلَ عَلى ضَلالِ الكافِرِ وهُدى المُؤْمِنِ، فَكانَ هَذا في قُوَّةِ المِثالِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا تَمْثِيلُ حالِ المُشْرِكِينَ في مُجادَلَتِهِمُ النَّبِيءَ ﷺ في البَعْثِ بِحالِ الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ ما يَرِدُ مِنَ التَّخْيِيرِ في التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] الآيَةَ. وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى تَرْكِيبِ (ألَمْ تَرَ) . والِاسْتِفْهامُ في (ألَمْ تَرَ) مَجازِيٌّ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى التَّعْجِيبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ مَعْناهُ وأصْلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] وهَذا اسْتِدْلالٌ مَسُوقٌ لِإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى وإبْطالِ إلاهِيَّةِ غَيْرِهِ لِانْفِرادِهِ بِالإحْياءِ والإماتَةِ، وانْفِرادِهِ بِخَلْقِ العَوالِمِ المَشْهُودَةِ لِلنّاسِ، ومَعْنى (حاجَّ) خاصَمَ، وهو صفحة ٣٢ فِعْلٌ جاءَ عَلى زِنَةِ المُفاعَلَةِ، ولا يُعْرَفُ لِـ (حاجَّ) في الِاسْتِعْمالِ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ دالٌّ عَلى وُقُوعِ الخِصامِ ولا تُعْرَفُ المادَّةُ الَّتِي اشْتُقَّ مِنها، ومِنَ العَجِيبِ أنَّ الحُجَّةَ في كَلامِ العَرَبِ البُرْهانُ المُصَدِّقُ لِلدَّعْوى مَعَ أنَّ (حاجَّ) لا يُسْتَعْمَلُ غالِبًا إلّا في مَعْنى المُخاصَمَةِ، قالَ تَعالى: ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ [غافر: ٤٧] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ [ص: ٦٤] وأنَّ الأغْلَبَ أنَّهُ يُفِيدُ الخِصامَ بِباطِلٍ، قالَ تَعالى: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِ﴾ [الأنعام: ٨٠] وقالَ: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] والآياتُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، فَمَعْنى: ﴿الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ﴾ أنَّهُ خاصَمَهُ خِصامًا باطِلًا في شَأْنِ صِفاتِ اللَّهِ رَبِّ إبْراهِيمَ. والَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ كافِرٌ لا مَحالَةَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ نُمْرُودُ بْنُ فالِخِ بْنِ عابِرِ بْنِ شالِحِ بْنِ أرْفَخَشْدَ بْنِ سامِ بْنِ كَوْشِ بْنِ حامِ بْنِ نُوحٍ، فَيَكُونُ أخا (رَعوَ) جَدِّ إبْراهِيمَ، والَّذِي يُعْتَمَدُ أنَّهُ مَلِكٌ جَبّارٌ، كانَ مَلِكًا في بابِلَ، وأنَّهُ الَّذِي بَنى مَدِينَةَ بابِلَ، وبَنى الصَّرْحَ الَّذِي في بابِلَ، واسْمُهُ نُمْرُودُ، بِالدّالِ المُهْمَلَةِ في آخِرِهِ، ويُقالُ بِالذّالِ المُعْجَمَةِ، ولَمْ تَتَعَرَّضْ كُتُبُ اليَهُودِ لِهَذِهِ القِصَّةِ وهي في المَرْوِيّاتِ. والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ (رَبٍّ) عائِدٌ إلى إبْراهِيمَ، والإضافَةُ لِتَشْرِيفِ المُضافِ إلَيْهِ، ويَجُوزُ عَوْدُهُ إلى (الَّذِي) والإضافَةُ لِإظْهارِ غَلَطِهِ كَقَوْلِ ابْنِ زَيّابَةَ: نُبِّئْتُ عَمْرًا غارِزًا رَأْسَهُ في سِنَةٍ يُوعِدُ أخْوالَهُ أيْ: ما كانَ مِن شَأْنِ المُرُوءَةِ أنْ يُظْهِرَ شَرًّا لِأهْلِ رَحِمِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ تَعْلِيلٌ حُذِفَتْ مِنهُ لامُ التَّعْلِيلِ، وهو تَعْلِيلٌ لِما يَتَضَمَّنُهُ (حاجَّ) مِنَ الإقْدامِ عَلى هَذا الغَلَطِ العَظِيمِ الَّذِي سَهَّلَهُ عِنْدَهُ ازْدِهاؤُهُ وإعْجابُهُ بِنَفْسِهِ، فَهو تَعْلِيلٌ مَحْضٌ ولَيْسَ عِلَّةً غائِيَّةً مَقْصُودَةً لِلْمُحاجِّ مِن حِجاجِهِ، وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا غائِيًّا، أيْ حاجَّ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ آتاهُ المُلْكَ، فاللّامُ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِمَعْنًى يُؤَدّى بِحَرْفٍ غَيْرِ اللّامِ، والدّاعِي لِهاتِهِ الِاسْتِعارَةِ التَّهَكُّمُ، أيْ أنَّهُ وضَعَ الكُفْرَ مَوْضِعَ الشُّكْرِ كَما في أحَدِ الوَجْهَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] أيْ: جَزاءَ رِزْقِكم، وإيتاءُ المُلْكِ مَجازٌ في التَّفَضُّلِ عَلَيْهِ بِتَقْدِيرِ أنْ جَعَلَهُ مَلِكًا وخَوَّلَهُ ذَلِكَ، ويَجِيءُ تَفْصِيلُ هَذا الفِعْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ [الأنعام: ٨٣] في سُورَةِ الأنْعامِ، قِيلَ: كانَ نُمْرُودُ أوَّلَ مَلِكٍ في الأرْضِ وأوَّلَ مَن وضَعَ التّاجَ عَلى رَأْسِهِ. صفحة ٣٣ و(إذْ قالَ) ظَرْفٌ لِـ (حاجَّ) وقَدْ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ إبْراهِيمَ هو الَّذِي بَدَأ بِالدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ واحْتَجَّ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ يُدْرِكُها كُلُّ عاقِلٍ، وهي أنَّ الرَّبَّ الحَقَّ هو الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ إحْياءَ مَيِّتٍ، فَلِذَلِكَ ابْتَدَأ إبْراهِيمُ الحُجَّةَ بِدَلالَةِ عَجْزِ النّاسِ عَنْ إحْياءِ الأمْواتِ، وأرادَ بِأنَّ اللَّهَ يُحْيِي أنَّهُ يَخْلُقُ الأجْسامَ الحَيَّةَ مِنَ الإنْسانِ والحَيَوانِ وهَذا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وفي تَقْدِيمِ الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ الحَياةِ إدْماجٌ لِإثْباتِ البَعْثِ لِأنَّ الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ كانَ مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ، وهم يُنْكِرُونَ البَعْثَ، وذَلِكَ مَوْضِعُ العِبْرَةِ في سِياقِ الآيَةِ في القُرْآنِ عَلى مَسامِعِ أهْلِ الشِّرْكِ، ثُمَّ أعْقَبَهُ بِدَلالَةِ الإماتَةِ، فَإنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ تَنْهِيَةَ حَياةِ الحَيِّ، فَفي الإحْياءِ والإماتَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُما مِن فِعْلِ فاعِلٍ غَيْرِ البَشَرِ، فاللَّهُ هو الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ، فاللَّهُ هو الباقِي دُونَ غَيْرِهِ الَّذِينَ لا حَياةَ لَهم أصْلًا كالأصْنامِ إذْ لا يُعْطُونَ الحَياةَ غَيْرَهم وهم فاقِدُوها، ودُونَ مَن لا يَدْفَعُ المَوْتَ عَلى نَفْسِهِ مِثْلُ هَذا الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ أنا أُحْيِي﴾ بَيانٌ لِـ (حاجَّ) والتَّقْدِيرُ: حاجَّ إبْراهِيمَ قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ حِينَ قالَ لَهُ إبْراهِيمُ ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ وقَدْ جاءَ بِمُغالَطَةٍ عَنْ جَهْلٍ أوْ غُرُورٍ في الإحْياءِ والإماتَةِ إذْ زَعَمَ أنَّهُ يَعْمِدُ إلى مَن حَكَمَ عَلَيْهِ بِالمَوْتِ فَيَعْفُو عَنْهُ، وإلى بَرِيءٍ فَيَقْتُلُهُ، كَذا نَقَلُوهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ أنَّ الإحْياءَ والإماتَةَ مِن فِعْلِهِ هو لِأنَّ أمْرَهُما خَفِيٌّ لا يَقُومُ عَلَيْهِ بُرْهانٌ مَحْسُوسٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ألِفَ ضَمِيرِ (أنا) بِقَصْرِ الألِفِ بِحَيْثُ يَكُونُ كَفَتْحَةٍ غَيْرِ مُشْبَعَةٍ وذَلِكَ اسْتِعْمالٌ خاصٌّ بِألِفِ (أنا) في العَرَبِيَّةِ، وقَرَأهُ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ مِثْلَهم إلّا إذا وقَعَ بَعْدَ الألِفِ هَمْزَةُ قَطْعٍ مَضْمُومَةٌ أوْ مَفْتُوحَةٌ كَما هُنا، وكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] فَيَقْرَأهُ بِألِفٍ مَمْدُودَةٍ، وفي هَمْزَةِ القَطْعِ المَكْسُورَةِ رِوايَتانِ لِقالُونَ عَنْ نافِعٍ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ أنا إلّا نَذِيرٌ﴾ [الأعراف: ١٨٨] وهَذِهِ لُغَةٌ فَصَيْحَةٌ. وقَوْلُهُ: قالَ إبْراهِيمُ مُجاوَبَةٌ، فَقُطِعَتْ عَنِ العَطْفِ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ وقَدْ عَدَلَ إبْراهِيمُ عَنِ الِاعْتِراضِ بِأنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ الإحْياءِ المُحْتَجِّ بِهِ ولا مِنَ الإماتَةِ المُحْتَجِّ بِها، فَأعْرَضَ عَنْهُ لِما عَلِمَ مِن مُكابَرَةِ خَصْمِهِ، وانْتَقَلَ إلى ما لا يَسْتَطِيعُ الخَصْمُ انْتِحالَهُ، ولِذَلِكَ بُهِتَ، أيْ: عَجَزَ ولَمْ يَجِدْ مُعارَضَةً. صفحة ٣٤ و(بُهِتَ) فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ. يُقالُ: بَهَتَهُ فَبُهِتَ. بِمَعْنى أعْجَزَهُ عَنِ الجَوابِ فَعَجَزَ أوْ فاجَأهُ بِما لَمْ يَعْرِفْ دَفْعَهُ. قالَ تَعالى: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٤٠] وقالَ عُرْوَةُ العُذْرِيُّ: فَما هو إلّا أنْ أراها فُجاءَةً ∗∗∗ فَأُبْهَتَ حَتّى ما أكادُ أُجِيبُ ومِنهُ البُهْتانُ وهو الكَذِبُ الفَظِيعُ الَّذِي يَبْهَتُ سامِعَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ تَذْيِيلٌ هو حَوْصَلَةُ الحُجَّةِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] وإنَّما انْتَفى هُدى اللَّهِ القَوْمَ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّ الظُّلْمَ حائِلٌ بَيْنَ صاحِبِهِ وبَيْنَ التَّنازُلِ إلى التَّأمُّلِ مِنَ الحُجَجِ وإعْمالِ النَّظَرِ فِيما فِيهِ النَّفْعُ إذِ الذِّهْنُ في شاغِلٍ عَنْ ذَلِكَ بِزَهْوِهِ وغُرُورِهِ. والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ المُجادَلَةِ والمُناظَرَةِ في إثْباتِ العَقائِدِ والقُرْآنُ مَمْلُوءٌ بِذَلِكَ، وأمّا ما نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الجَدَلِ فَهو جِدالُ المُكابَرَةِ والتَّعَصُّبِ وتَرْوِيجِ الباطِلِ والخَطَأِ.

البقرة 2:259

﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وهْيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وانْظُرْ إلى حِمارِكَ ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِرُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . تَخْيِيرٌ في التَّشْبِيهِ عَلى طَرِيقَةِ تَكْرِيرِ التَّشْبِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩] لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] في مَعْنى التَّمْثِيلِ والتَّشْبِيهِ كَما تَقَدَّمَ، وهو مُرادُ صاحِبِ الكَشّافِ بِقَوْلِهِ: ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ عَلى المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: أرَأيْتَ كالَّذِي حاجَّ أوْ كالَّذِي مَرَّ، وإذْ قَدْ قَرَّرَ بِالآيَةِ قَبْلَها ثُبُوتَ انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلاهِيَّةِ، وذَلِكَ أصْلُ الإسْلامِ، أعْقَبَ بِإثْباتِ البَعْثِ الَّذِي إنْكارُهُ أصْلُ أهْلِ الإشْراكِ. صفحة ٣٥ واعْلَمْ أنَّ العَرَبَ تَسْتَعْمِلُ الصِّيغَتَيْنِ في التَّعَجُّبِ، يَقُولُونَ: ألَمْ تَرَ إلى كَذا، ويَقُولُونَ: أرَأيْتَ مِثْلَ كَذا، أوْ: كَكَذا، وقَدْ يُقالُ: ألَمْ تَرَ كَكَذا. لِأنَّهم يَقُولُونَ: لَمْ أرَ كاليَوْمِ. في الخَيْرِ أوْ في الشَّرِّ، وفي الحَدِيثِ: «فَلَمْ أرَ كاليَوْمِ مَنظَرًا قَطُّ» وإذا كانَ ذَلِكَ يُقالُ في الخَيْرِ جازَ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ فَتَقُولَ: ألَمْ تَرَ كاليَوْمِ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وحَيْثُ حُذِفَ الفِعْلُ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ فَلَكَ أنْ تُقَدِّرَهُ عَلى الوَجْهَيْنِ، ومالَ صاحِبُ الكَشّافِ إلى تَقْدِيرِهِ: أرَأيْتَ كالَّذِي. لِأنَّهُ الغالِبُ في التَّعَجُّبِ مَعَ كافِ التَّشْبِيهِ. والَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ قِيلَ هو أرْمِيا بْنُ حَلْقيا، وقِيلَ هو عُزَيْرُ بْنُ شَرْخِيا (عِزْرا بْنُ سَرَّيّا) والقَرْيَةُ بَيْتُ المَقْدِسِ في أكْثَرِ الأقْوالِ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ حِزْقِيالُ بْنُ بُوزِي نَبِيءُ إسْرائِيلَ كانَ مُعاصِرًا لِأرْمِيا ودانْيالَ، وكانَ مِن جُمْلَةِ الَّذِينَ أسَرَهم بُخْتُنَصَّرُ إلى بابِلَ في أوائِلِ القَرْنِ السّادِسِ قَبْلَ المَسِيحِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا رَأى عَزْمَ بُخْتُنَصَّرَ عَلى اسْتِئْصالِ اليَهُودِ وجَمْعِهِ آثارِ الهَيْكَلِ لِيَأْتِيَ بِها إلى بابِلَ، جَمَعَ كُتُبَ شَرِيعَةِ مُوسى وتابُوتَ العَهْدِ وعَصا مُوسى ورَماها في بِئْرِ أُورْشَلِيمَ خَشْيَةَ أنْ يَحْرِقَها بُخْتُنَصَّرُ، ولَعَلَّهُ اتَّخَذَ عَلامَةً يَعْرِفُها بِها وجَعَلَها سِرًّا بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْبِياءِ زَمانِهِ ووَرَثَتِهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ، فَلَمّا أُخْرِجَ إلى بابِلَ بَقِيَ هُنالِكَ وكَتَبَ كِتابًا في مَراءٍ رَآها وحْيًا تَدُلُّ عَلى مَصائِبِ اليَهُودِ وما يُرْجى لَهم مِنَ الخَلاصِ، وكانَ آخِرُ ما كَتَبَهُ في السَّنَةِ الخامِسَةِ والعِشْرِينَ بَعْدَ سَبْيِ اليَهُودِ، ولَمْ يُعْرَفْ لَهُ خَبَرٌ بَعْدُ، كَما ورَدَ في تارِيخِهِمْ، ويُظَنُّ أنَّهُ ماتَ أوْ قُتِلَ. ومِن جُمْلَةِ ما كَتَبَهُ: أخْرَجَنِي رُوحُ الرَّبِّ وأنْزَلَنِي في وسَطِ البُقْعَةِ وهي مَلْآنَةٌ عِظامًا كَثِيرَةً وأمَّرَنِي عَلَيْها، وإذا تِلْكَ البُقْعَةُ يابِسَةٌ فَقالَ لِي: أتَحْيى هَذِهِ العِظامُ ؟ فَقُلْتُ: يا سَيِّدِي الرَّبُّ أنْتَ تَعْلَمُ. فَقالَ لِي: تَنَبَّأْ عَلى هَذِهِ العِظامِ وقُلْ لَها: أيَّتُها العِظامُ اليابِسَةُ اسْمَعِي كَلِمَةَ الرَّبِّ قالَ ها أنا ذا أُدْخِلُ فِيكُمُ الرُّوحَ وأضَعُ عَلَيْكم عَصَبًا وأكْسُوكم لَحْمًا وجِلْدًا. فَتَنَبَّأْتُ كَما أمَرَنِي فَتَقارَبَتِ العِظامُ كُلُّ عَظْمٍ إلى عَظْمِهِ، ونَظَرْتُ وإذا بِاللَّحْمِ والعَصَبِ كَساها وبُسِطَ الجِلْدُ عَلَيْها مِن فَوْقُ، ودَخَلَ فِيهِمُ الرُّوحُ فَحَيُوا وقامُوا عَلى أقْدامِهِمْ جَيْشٌ عَظِيمٌ جِدًّا. ولَمّا كانَتْ رُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيًا فَلا شَكَّ أنَّ اللَّهَ لَمّا أعادَ عُمْرانَ أُورْشَلِيمَ في عَهْدِ عِزْرا النَّبِيءِ في حُدُودِ سَنَةِ ٤٥٠ قَبْلَ المَسِيحِ أحْيا النَّبِيءَ حِزْقِيالَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَرى مِصْداقَ نُبُوَّتِهِ، وأراهُ إحْياءَ العِظامِ، وأراهُ آيَةً في طَعامِهِ وشَرابِهِ وحِمارِهِ، وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ بَيْنَ الخالِقِ وبَعْضِ أصْفِيائِهِ عَلى طَرِيقِ المُعْجِزَةِ، وجَعَلَ خَبَرَهُ آيَةً لِلنّاسِ مِن أهْلِ الإيمانِ صفحة ٣٦ الَّذِينَ يُوقِنُونَ بِما أخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، أوْ لِقَوْمٍ أطْلَعَهُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ مِن أصْفِيائِهِ، أوْ لِأهْلِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَ فِيها وفُقِدَ مِن بَيْنِهِمْ فَجاءَهم بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ وتَحَقَّقَهُ مَن يَعْرِفُهُ بِصِفاتِهِ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ إشارَةً إلى قَوْلِهِ: أخْرَجَنِي رُوحُ الرَّبِّ وأمَّرَنِي عَلَيْها، فَقَوْلُهُ: ﴿قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ أتَحْيى هَذِهِ العِظامُ فَقُلْتُ: يا سَيِّدِي أنْتَ تَعْلَمُ؛ لِأنَّ كَلامَهُ هَذا يُنْبِئُ بِاسْتِبْعادِ إحْيائِها ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ﴾ إلخ، مِمّا زادَهُ القُرْآنُ مِنَ البَيانِ عَلى ما في كُتُبِ اليَهُودِ لِأنَّهم كَتَبُوها بَعْدَ مُرُورِ أزْمِنَةٍ، ويُظَنُّ مِن هُنا أنَّهُ ماتَ في حُدُودِ سَنَةِ ٥٦٠ قَبْلَ المَسِيحِ، وكانَ تَجْدِيدُ أُورْشَلِيمَ في حُدُودِ ٤٥٨ فَتِلْكَ مِائَةُ سَنَةٍ تَقْرِيبًا، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِرُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا﴾ تَذْكِرَةً لَهُ بِتِلْكَ النُّبُوءَةِ وهي تَجْدِيدُ مَدِينَةِ إسْرائِيلَ. وقَوْلُهُ: ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ الخاوِيَةُ: الفارِغَةُ مِنَ السُّكّانِ والبِناءِ، والعُرُوشُ جَمْعُ عَرْشٍ وهو السَّقْفُ، والظَّرْفُ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْنى أنَّها خاوِيَةٌ ساقِطَةٌ عَلى سَقْفِها، وذَلِكَ أشَدُّ الخَرابِ لِأنَّ أوَّلَ ما يَسْقُطُ مِنَ البِناءِ السَّقْفُ، ثُمَّ تَسْقُطُ الجُدْرانُ عَلى تِلْكَ السَّقُفُ، والقَرْيَةُ هي بَيْتُ المَقْدِسِ رَآها في نَوْمِهِ كَذَلِكَ أوْ رَآها حِينَ خَرَّبَها رُسُلُ بُخْتُنَصَّرَ، والظّاهِرُ الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ كانَ مِمَّنْ سُبِيَ مَعَ (يَهُويا قِيمَ) مَلِكِ إسْرائِيلَ وهو لَمْ يَقَعِ التَّخْرِيبُ في زَمَنِهِ بَلْ وقَعَ في زَمَنِ (صِدِقْيا) أخِيهِ بَعْدَ إحْدى عَشْرَةَ سَنَةً. وقَوْلُهُ: ﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ واسْتِبْعادٍ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ﴾ التَّعْقِيبُ فِيهِ بِحَسَبِ المُعَقَّبِ، فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ أماتَهُ في وقْتِ قَوْلِهِ: ﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ﴾ وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ نامَ فَأماتَهُ اللَّهُ في نَوْمِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ أيْ: أحْياهُ حَياةً خاصَّةً رُدَّتْ بِها رُوحُهُ إلى جَسَدِهِ؛ لِأنَّ جَسَدَهُ لَمْ يَبْلَ كَسائِرِ الأنْبِياءِ، وهَذا بَعْثٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ وهو غَيْرُ بَعْثِ الحَشْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ اعْتَقَدَ ذَلِكَ بِعِلْمٍ أوْدَعَهُ اللَّهُ فِيهِ، أوْ لِأنَّهُ تَذَكَّرَ أنَّهُ نامَ في أوَّلِ النَّهارِ ووَجَدَ الوَقْتَ الَّذِي أفاقَ فِيهِ آخِرَ النَّهارِ. وقَوْلُهُ: ﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ والأمْرُ بِالنَّظَرِ أمْرٌ لِلِاعْتِبارِ أيْ فانْظُرْهُ في حالِ أنَّهُ لَمْ يَتَسَنَّهْ، والظّاهِرُ أنَّ الطَّعامَ والشَّرابَ كانا مَعَهُ حِينَ أُمِيتَ أوْ كانا مَوْضُوعَيْنِ في قَبْرِهِ إذا كانَ مِن أُمَّةٍ أوْ في بَلَدٍ يَضَعُونَ الطَّعامَ لِلْمَوْتى المُكَرَّمِينَ كَما يَفْعَلُ المِصْرِيُّونَ القُدَماءُ، أوْ كانَ مَعَهُ طَعامٌ حِينَ خَرَجَ فَأماتَهُ اللَّهُ في نَوْمِهِ كَما قِيلَ ذَلِكَ. صفحة ٣٧ ومَعْنى ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّنَةِ؛ لِأنَّ مَرَّ السِّنِينَ يُوجِبُ التَّغَيُّرَ وهو مِثْلُ تَحَجُّرِ الطِّينِ، والهاءُ أصْلِيَّةٌ لا هاءُ سَكْتٍ، ورُبَّما عامَلُوا هاءَ (سَنَةٍ) مُعامَلَةَ التّاءِ في الِاشْتِقاقِ فَقالُوا: أسْنَتَ فُلانٌ: إذا أصابَتْهُ سَنَةٌ أيْ مَجاعَةٌ، قالَ مَطْرُودٌ الخُزاعِيُّ، أوِ ابْنُ الزِّبَعْرى: عَمْرُو الَّذِي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ قَوْمٍ بِمَكَّةَ مُسْنِتِينِ عِجافِ وقَوْلُهُ: ﴿وانْظُرْ إلى حِمارِكَ﴾ كانَ حِمارُهُ قَدْ بَلِيَ، فَلَمْ تَبْقَ إلّا عِظامُهُ فَأحْياهُ اللَّهُ أمامَهُ، ولَمْ يُؤْتِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وانْظُرْ إلى حِمارِكَ﴾ بِذِكْرِ الحالَةِ الَّتِي هي مَحَلُّ الِاعْتِبارِ لِأنَّ مُجَرَّدَ النَّظَرِ إلَيْهِ كافٍ، فَإنَّهُ رَآهُ عِظامًا ثُمَّ رَآهُ حَيًّا، ولَعَلَّهُ هَلَكَ فَبَقِيَ بِتِلْكَ السّاحَةِ الَّتِي كانَ فِيها حِزْقِيالُ بَعِيدًا عَنِ العُمْرانِ، وقَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أنْواعَ الإحْياءِ إذْ أحْيا جَسَدَهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ عَنْ غَيْرِ إعادَةٍ، وأحْيا طَعامَهُ بِحِفْظِهِ مِنَ التَّغَيُّرِ وأحْيا حِمارَهُ بِالإعادَةِ فَكانَ آيَةً عَظِيمَةً لِلنّاسِ المُوقِنِينَ بِذَلِكَ، ولَعَلَّ اللَّهَ أطْلَعَ عَلى ذَلِكَ الأحْياءَ - بَعْضَ الأحْياءِ - مِن أصْفِيائِهِ. فَقَوْلُهُ: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ﴾ ﴿وانْظُرْ إلى حِمارِكَ﴾ فَإنَّ الأمْرَ فِيهِ لِلِاعْتِبارِ لِأنَّهُ ناظِرٌ إلى ذَلِكَ لا مَحالَةَ، والمَقْصُودُ اعْتِبارُهُ في اسْتِبْعادِهِ أنْ يُحْيِيَ اللَّهُ القَرْيَةَ بَعْدَ مَوْتِها، فَكانَ مِن قُوَّةِ الكَلامِ: انْظُرْ إلى ما ذُكِرَ، جَعَلْناهُ آيَةً لَكَ عَلى البَعْثِ وجَعَلْناكَ آيَةً لِلنّاسِ لِأنَّهم لَمْ يَرَوْا طَعامَهُ وشَرابَهُ وحِمارَهُ، ولَكِنْ رَأوْا ذاتَهُ وتَحَقَّقُوهُ بِصِفاتِهِ، ثُمَّ قالَ لَهُ: ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِرُها﴾، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ عِظامُ بَعْضِ الآدَمِيِّينَ الَّذِينَ هَلَكُوا، أوْ أرادَ عِظامَ الحِمارِ فَتَكُونَ ”ال“ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إلى العِظامِ﴾ في قُوَّةِ البَدَلِ مِن حِمارِكَ إلّا أنَّهُ بَرَزَ فِيهِ العامِلُ المَنَوِيُّ تَكْرِيرُهُ. وقَرَأ جُمْهُورُ العَشَرَةِ (نُنْشِرُها) بِالرّاءِ، مُضارِعُ (أنْشَرَ) الرُّباعِيِّ بِمَعْنى الإحْياءِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ نُنْشِزُها بِالزّايِ، مُضارِعُ (أنْشَزَ) إذا رَفَعَهُ، والنَّشْزُ الِارْتِفاعُ، والمُرادُ ارْتِفاعُها حِينَ تَغْلُظُ بِإحاطَةِ العَصَبِ واللَّحْمِ والدَّمِ بِها، فَحَصَلَ مِنَ القِراءَتَيْنِ مَعْنَيانِ لِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ، وفي كِتابِ حِزْقِيالَ: ”فَتَقارَبَتِ العِظامُ، كُلُّ عَظْمٍ إلى عَظْمِهِ، ونَظَرْتُ وإذا بِالعَصَبِ واللَّحْمِ كَساها وبُسِطَ الجِلْدُ عَلَيْها“ . صفحة ٣٨ وقَوْلُهُ: ﴿قالَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: (أعْلَمُ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ (عَلِمَ) فَيَكُونُ جَوابَ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ لَهُ: ﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ﴾ الآيَةَ، وجاءَ بِالمُضارِعِ لِيَدُلَّ عَلى ما في كَلامِ هَذا النَّبِيءِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ عَلِمَهُ مِن قَبْلُ، وتَجَدَّدَ عَلِمُهُ إيّاهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِهَمْزَةِ وصْلٍ عَلى أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ الظّاهِرُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ﴾ لَكِنَّهُ تُرِكَ عَطْفُهُ لِأنَّهُ جُعِلَ كالنَّتِيجَةِ لِلِاسْتِدْلالِ بِقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ﴾ الآيَةَ.

البقرة 2:260

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتى قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] فَهو مِثالٌ ثالِثٌ لِقَضِيَّةِ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] الآيَةَ، ومِثالٌ ثانٍ لِقَضِيَّةِ: ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] فالتَّقْدِيرُ: أوْ هو كَإبْراهِيمَ إذْ قالَ رَبِّ أرِنِي، إلخ، فَإنَّ إبْراهِيمَ لِفَرْطِ مَحَبَّتِهِ الوُصُولَ إلى مَرْتَبَةِ المُعايَنَةِ في دَلِيلِ البَعْثِ رامَ الِانْتِقالَ مِنَ العِلْمِ النَّظَرِيِّ البُرْهانِيِّ إلى العِلْمِ الضَّرُورِيِّ، فَسَألَ اللَّهَ أنْ يُرِيَهُ إحْياءَ المَوْتى بِالمَحْسُوسِ. وانْتَصَبَ (كَيْفَ) هُنا عَلى الحالِ مُجَرَّدَةً عَنِ الِاسْتِفْهامِ، كانْتِصابِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٦] . وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ الواوُ فِيهِ واوُ الحالِ، والهَمْزَةُ اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ عَلى هَذِهِ الحالَةِ، وعامِلُ الحالِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: أرِنِي، والتَّقْدِيرُ: أأُرِيكَ في حالِ أنَّكَ لَمْ تُؤْمِن، وهو تَقْرِيرٌ مَجازِيٌّ مُرادٌ بِهِ لَفْتُ عَقْلِهِ إلى دَفْعِ هَواجِسِ الشَّكِّ، فَقَوْلُهُ: ﴿بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ كَلامٌ صَدَرَ عَنِ اخْتِبارِهِ يَقِينَهُ وإلْفائِهِ سالِمًا مِنَ الشَّكِّ. صفحة ٣٩ وقَوْلُهُ: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ مَعْناهُ: لِيَثْبُتَ ويَتَحَقَّقَ عِلْمِي ويَنْتَقِلَ مِن مُعالَجَةِ الفِكْرِ والنَّظَرِ إلى بَساطَةِ الضَّرُورَةِ بِيَقِينِ المُشاهَدَةِ، وانْكِشافِ المَعْلُومِ انْكِشافًا لا يَحْتاجُ إلى مُعاوَدَةِ الِاسْتِدْلالِ ودَفْعِ الشُّبَهِ عَنِ العَقْلِ، وذَلِكَ أنَّ حَقِيقَةَ (يَطَمْئِنُ) يَسْكُنُ، ومَصْدَرُهُ الِاطْمِئْنانُ، واسْمُ المَصْدَرِ الطُّمَأْنِينَةُ، فَهو حَقِيقَةٌ في سُكُونِ الأجْسامِ، وإطْلاقُهُ عَلى اسْتِقْرارِ العِلْمِ في النَّفْسِ وانْتِفاءِ مُعالَجَةِ الِاسْتِدْلالِ أصْلُهُ مَجازٌ بِتَشْبِيهِ التَّرَدُّدِ وعِلاجِ الِاسْتِدْلالِ بِالِاضْطِرابِ والحَرَكَةِ، وشاعَ ذَلِكَ المَجازُ حَتّى صارَ مُساوِيًا لِلْحَقِيقَةِ يُقالُ: اطْمَأنَّ بالُهُ واطْمَأنَّ قَلْبُهُ. والأظْهَرُ أنَّ (اطْمَأنَّ) وزْنُهُ (افْعَلَلَّ) وأنَّهُ لا قَلْبَ فِيهِ، فالهَمْزَةُ فِيهِ هي لامُ الكَلِمَةِ، والمِيمُ عَيْنُ الكَلِمَةِ، وهَذا قَوْلُ أبِي عَمْرٍو، وهو البَيِّنُ إذْ لا داعِيَ إلى القَلْبِ، فَإنَّ وُقُوعَ الهَمْزَةِ لامًا أكْثَرُ وأخَفُّ مِن وُقُوعِها عَيْنًا، وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّ (اطْمَأنَّ) مَقْلُوبٌ، وأصْلُهُ (اطْأمَنَّ) وقَدْ سُمِعَ طَمْأنْتُهُ وطَأْمَنتُهُ، وأكْثَرُ الِاسْتِعْمالِ عَلى تَقْدِيمِ المِيمِ عَلى الهَمْزَةِ، والَّذِي أوْجَبَ الخِلافَ عَدَمُ سَماعِ المُجَرَّدِ مِنهُ؛ إذْ لَمْ يُسْمَعْ (طَمَنَ) . والقَلْبُ مُرادٌ بِهِ العِلْمُ إذِ القَلْبُ لا يَضْطَرِبُ عِنْدَ الشَّكِّ ولا يَتَحَرَّكُ عِنْدَ إقامَةِ الدَّلِيلِ وإنَّما ذَلِكَ لِلْفِكْرِ، وأرادَ بِالِاطْمِئْنانِ العِلْمَ المَحْسُوسَ وانْشِراحَ النَّفْسِ بِهِ وقَدْ دَلَّهُ اللَّهُ عَلى طَرِيقَةٍ يَرى بِها إحْياءَ المَوْتى رَأْيَ العَيْنِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ اعْلَمْ أنَّ الطَّيْرَ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ مُرادِفًا لِطائِرٍ، فَإنَّهُ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِالمَصْدَرِ وأصْلُها وصْفٌ فَأصْلُها الوَحْدَةُ، ولا شَكَّ في هَذا الإطْلاقِ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ والأزْهَرِيِّ وقُطْرُبٍ ولا وجْهَ لِلتَّرَدُّدِ فِيهِ، ويُطْلَقُ عَلى جَمْعِهِ أيْضًا وهو اسْمُ جَمْعِ (طائِرٍ) كَصَحْبٍ وصاحِبٍ، وذَلِكَ أنَّ أصْلَهُ المَصْدَرُ، والمَصْدَرُ يَجْرِي عَلى الواحِدِ وعَلى الجَمْعِ. وجِيءَ بِـ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأرْبَعَةَ مُخْتَلِفَةُ الأنْواعِ، والظّاهِرُ أنَّ حِكْمَةَ التَّعَدُّدِ والِاخْتِلافِ زِيادَةٌ في تَحَقُّقِ أنَّ الإحْياءَ لَمْ يَكُنْ أهْوَنَ في بَعْضِ الأنْواعِ دُونَ بَعْضٍ، فَلِذَلِكَ عُدِّدَتِ الأنْواعُ، ولَعَلَّ جَعْلَها أرْبَعَةً لِيَكُونَ وضْعُها عَلى الجِهاتِ الأرْبَعِ: المَشْرِقِ والمَغْرِبِ والجَنُوبِ والشَّمالِ لِئَلّا يَظُنَّ لِبَعْضِ الجِهاتِ مَزِيدَ اخْتِصاصٍ بِتَأتِّي الإحْياءِ، ويَجُوزُ أنَّ المُرادَ بِالأرْبَعَةِ أرْبَعَةُ أجْزاءٍ مِن طَيْرٍ واحِدٍ فَتَكُونُ اللّامُ لِلْعَهْدِ إشارَةً إلى طَيْرٍ صفحة ٤٠ حاضِرٍ، أيْ: خُذْ أرْبَعَةً مِن أجْزائِهِ ثُمَّ ادْعُهُنَّ. والسَّعْيُ مِن أنْواعِ المَشْيِ لا مِن أنْواعِ الطَّيَرانِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ آيَةً عَلى أنَّهُنَّ أُعِيدَتْ إلَيْهِنَّ حَياةٌ مُخالِفَةٌ لِلْحَياةِ السّابِقَةِ لِئَلّا يَظُنَّ أنَّهُنَّ لَمْ يَمُتْنَ تَمامًا. وذِكْرُ ”كُلِّ جَبَلٍ“ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أمْرٌ بِجَعْلِ كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الطَّيْرِ عَلى جَبَلٍ؛ لِأنَّ وضْعَها عَلى الجِبالِ تَقْوِيَةٌ لِتَفَرُّقِ تِلْكَ الأجْزاءِ، فَإنَّها فُرِّقَتْ بِالفَصْلِ مِن أجْسادِها وبِوَضْعِها في أمْكِنَةٍ مُتَباعِدَةٍ وعَسِرَةِ التَّناوُلِ. والجَبَلُ قِطْعَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ الأرْضِ ذاتُ حِجارَةٍ وتُرابٍ، ناتِئَةٌ تِلْكَ القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ المُسْتَوِيَةِ، وفي الأرْضِ جِبالٌ كَثِيرَةٌ مُتَفاوِتَةُ الِارْتِفاعِ، وفي بَعْضِها مَساكِنُ لِلْبَشَرِ مِثْلُ جِبالِ طَيِّئٍ، وبَعْضُها تَعْتَصِمُ بِهِ النّاسُ مِنَ العَدُوِّ؛ كَما قالَ السَّمَوْألُ: لَنا جَبَلٌ يَحْتَلُّهُ مِن نُجِيرُهُ مَنِيعٌ يَرُدُّ الطَّرْفَ وهو كَلَيْلُ ومَعْنى (صُرْهُنَّ) أدْنِهِنَّ أوْ: أيْلِهِنَّ. يُقالُ: صارَهُ يَصُورُهُ ويَصِيرُهُ بِمَعْنًى، وهو لَفْظٌ عَرَبِيٌّ عَلى الأصَحِّ. وقِيلَ: مُعَرَّبٌ، فَعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ نَبَطِيٌّ، وعَنْ قَتادَةَ هو حَبَشِيٌّ، وعَنْ وهْبٍ هو رُومِيٌّ، وفائِدَةُ الأمْرِ بِإدْنائِها أنْ يَتَأمَّلَ أحْوالَها، حَتّى يَعْلَمَ بَعْدَ إحْيائِها أنَّها لَمْ يَنْتَقِلْ جُزْءٌ مِنها عَنْ مَوْضِعِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾ عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ”جُزْءًا“ لِأنَّ تَجْزِئَتَهُنَّ إنَّما تَقَعُ بَعْدَ الذَّبْحِ، فالتَّقْدِيرُ فاذْبَحْهُنَّ ثُمَّ اجْعَلْ. إلخ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ الرّاءِ، مَن صارَهُ يَصُورُهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ ﴿فَصِرْهُنَّ﴾ بِكَسْرِ الصّادِ مَن صارَ يَصِيرُ. لُغَةٌ في هَذا الفِعْلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ جُزْءًا بِسُكُونِ الزّايِ وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ الزّايِ، وهُما لُغَتانِ.

البقرة 2:261

صفحة ٤١ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ . عَوْدٌ إلى التَّحْرِيضِ عَلى الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَهَذا المَثَلُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٥٤] الآيَةَ. يُثِيرُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ الِاسْتِشْرافَ لِما يَلْقاهُ المُنْفِقُ في سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ بَعْدَ أنْ أعْقَبَ بِدَلائِلَ ومَواعِظَ وعِبَرٍ، وقَدْ تَهَيَّأتْ نُفُوسُ السّامِعِينَ إلى التَّمَحُّضِ لِهَذا فَأُطِيلَ الكَلامُ فِيهِ إطالَةً تُناسِبُ أهَمِّيَّتَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تَشْبِيهُ حالِ جَزائِهِمْ وبَرَكَتِهِمْ، والصِّلَةُ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ المُرادَ خُصُوصُ حالِ إنْفاقِهِمْ بِتَقْدِيرِ ”مَثَلُ نَفَقَةِ الَّذِينَ“ وقَدْ شُبِّهَ حالُ إعْطاءِ النَّفَقَةِ ومُصادَفَتُها مَوْقِعَها وما أُعْطِيَ مِنَ الثَّوابِ لَهم بِحالِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ إلخ، أيْ زُرِعَتْ في أرْضٍ نَقِيَّةٍ وتُرابٍ طَيِّبٍ وأصابَها الغَيْثُ فَأنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ، وحُذِفَ ذَلِكَ كُلُّهُ إيجازًا؛ لِظُهُورِ أنَّ الحَبَّةَ لا تُنْبِتُ ذَلِكَ إلّا كَذَلِكَ، فَهو مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، والمُشَبَّهُ بِهِ هَيْأةٌ مَعْلُومَةٌ، وجُعِلَ أصْلُ التَّمْثِيلِ في التَّضْعِيفِ حَبًّا لِأنَّ تَضْعِيفَها مِن ذاتِها لا بِشَيْءٍ يُزادُ عَلَيْها، وقَدْ شاعَ تَشْبِيهُ المَعْرُوفِ بِالزَّرْعِ وتَشْبِيهُ السّاعِي بِالزّارِعِ، وفي المَثَلِ: (رُبَّ ساعٍ لِقاعِدٍ وزارِعٍ غَيْرِ حاصِدٍ) ولَمّا كانَتِ المُضاعَفَةُ تُنْسَبُ إلى أصْلِ وحْدَةٍ، فَأصْلُ الوَحْدَةِ هُنا هي ما يُثِيبُ اللَّهُ بِهِ عَلى الحَسَناتِ الصَّغِيرَةِ، أيْ: ما يَقَعُ ثَوابًا عَلى أقَلِّ الحَسَناتِ كَمَنَ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها، فَإنَّهُ في حَسَنَةِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ يَكُونُ سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ. قالَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، ذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أرادَ صفحة ٤٢ الخُرُوجَ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ حَثَّ النّاسَ عَلى الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وكانَ الجَيْشُ يَوْمَئِذَ بِحاجَةٍ إلى الجِهازِ، وهو جَيْشُ العُسْرَةِ، فَجاءَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأرْبَعَةِ آلافٍ وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ: عَلَيَّ جِهازُ مَن لا جِهازَ لَهُ. فَجَهَّزَ الجَيْشَ بِألْفِ بَعِيرٍ بِأقْتابِها وأحْلاسِها. وقِيلَ: جاءَ بِألْفِ دِينارٍ ذَهَبًا فَصَبَّها في حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ» ﷺ . ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ أنَّ المُضاعَفَةَ دَرَجاتٌ كَثِيرَةٌ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَتَرَتَّبُ عَلى أحْوالِ المُتَصَدِّقِ وأحْوالِ المُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وأوْقاتِ ذَلِكَ وأماكِنِهِ، ولِلْإخْلاصِ وقَصْدِ الِامْتِثالِ ومَحَبَّةِ الخَيْرِ لِلنّاسِ والإيثارِ عَلى النَّفْسِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَحُفُّ بِالصَّدَقَةِ والإنْفاقِ تَأْثِيرٌ في تَضْعِيفِ الأجْرِ ”واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ“ . وأعادَ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إظْهارًا لِلِاهْتِمامِ بِهَذِهِ الصِّلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ﴾ جاءَ في عَطْفِهِ بِـ (ثُمَّ) مَعَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ يُعْطَفَ بِالواوِ، قالَ في الكَشّافِ: لِإظْهارِ التَّفاوُتِ بَيْنَ الإنْفاقِ وتَرْكِ المَنِّ والأذى، وأنَّ تَرْكَهُما خَيْرٌ مِن نَفْسِ الإنْفاقِ. يَعْنِي أنَّ (ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرَّئِيسِيِّ لا لِلْمُهْلَةِ الزَّمَنِيَّةِ تَرْفِيعًا لِرُتْبَةِ تَرْكِ المَنِّ والأذى عَلى رُتْبَةِ الصَّدَقَةِ، لِأنَّ العَطاءَ قَدْ يَصْدُرُ عَنْ كَرَمِ النَّفْسِ وحُبِّ المَحْمَدَةِ؛ فَلِلنُّفُوسِ حَظٌّ فِيهِ مَعَ حَظِّ المُعْطى، بِخِلافِ تَرْكِ المَنِّ والأذى فَلا حَظَّ فِيهِ لِنَفْسِ المُعْطِي، إذْ شُبِّهُ حُصُولُ الشَّيْءِ المُهِمِّ في عِزَّةِ حُصُولِهِ بِحُصُولِ الشَّيْءِ المُتَأخِّرِ زَمَنُهُ، وكَأنَّ الَّذِي دَعا الزَّمَخْشَرِيَّ إلى هَذا أنَّهُ رَأى مَعْنى المُهْلَةِ هُنا غَيْرَ مُرادٍ؛ لِأنَّ المُرادَ حُصُولُ الإنْفاقِ وتَرْكُ المَنِّ مَعًا. والمَنُّ أصْلُهُ الإنْعامُ والفَضْلُ، يُقالُ: مَنَّ عَلَيْهِ مَنًّا. ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى عَدِّ الإنْعامِ عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] وهو إذا ذُكِرَ بَعْدَ الصَّدَقَةِ والعَطاءِ تَعَيَّنَ لِلْمَعْنى الثّانِي. وإنَّما يَكُونُ المَنُّ في الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِالتَّطاوُلِ عَلى المُسْلِمِينَ والرِّياءِ بِالإنْفاقِ، وبِالتَّطاوُلِ عَلى المُجاهِدِينَ الَّذِينَ يُجَهِّزُهم أوْ يَحْمِلُهم، ولَيْسَ مِنَ المَنِّ التَّمَدُّحُ بِمَواقِفِ المُجاهِدِ في الجِهادِ أوْ بِمَواقِفِ قَوْمِهِ، فَقَدْ قالَ الحُرَيْشُ بْنُ هِلالٍ القُرَيْعِيُّ يَذْكُرُ خَيْلَهُ في غَزْوَةِ فَتْحِ مَكَّةَ ويَوْمَ حُنَيْنٍ: صفحة ٤٣ شَهِدْنَ مَعَ النَّبِيءِ مَسُوَّماتٍ حُنَيْنًا وهْيَ دامِيَةُ الحَوامِي ووَقْعَةَ خالِدٍ شَهِدَتْ وحَكَّتْ ∗∗∗ سَنابِكَها عَلى البَلَدِ الحَرامِ وقالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ يَتَمَدَّحُ بِمَواقِعِ قَوْمِهِ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ: حَتّى إذا قالَ النَّبِيءُ مُحَمَّدٌ ∗∗∗ أبَنِي سُلَيْمٍ قَدْ وفَيْتُمْ فارْجِعُوا عُدْنا ولَوْلا نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعُهم ∗∗∗ بِالمُسْلِمِينَ وأحْرَزُوا ما جَمَّعُوا والأذى هو أنْ يُؤْذِيَ المُنافِقُ مَن أنْفَقَ عَلَيْهِ بِإساءَةٍ في القَوْلِ أوْ في الفِعْلِ. قالَ النّابِغَةُ: عَلَيَّ لِعَمْرٍو نِعْمَةٌ بَعْدَ نِعْمَةٍ ∗∗∗ لِوالِدِهِ لَيْسَتْ بِذاتِ عَقارِبِ فالمَقْصِدُ الشَّرْعِيُّ أنْ يَكُونَ إنْفاقُ المُنْفِقِ في سَبِيلِ اللَّهِ مُرادًا بِهِ نَصْرُ الدِّينِ ولا حَظَّ لِلنَّفْسِ فِيهِ، فَذَلِكَ هو أعْلى دَرَجاتِ الإنْفاقِ وهو المَوْعُودُ عَلَيْهِ بِهَذا الأجْرِ الجَزِيلِ، ودُونَ ذَلِكَ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ تَتَفاوَتُ أحْوالُها.

البقرة 2:262

صفحة ٤١ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ . عَوْدٌ إلى التَّحْرِيضِ عَلى الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَهَذا المَثَلُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٥٤] الآيَةَ. يُثِيرُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ الِاسْتِشْرافَ لِما يَلْقاهُ المُنْفِقُ في سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ بَعْدَ أنْ أعْقَبَ بِدَلائِلَ ومَواعِظَ وعِبَرٍ، وقَدْ تَهَيَّأتْ نُفُوسُ السّامِعِينَ إلى التَّمَحُّضِ لِهَذا فَأُطِيلَ الكَلامُ فِيهِ إطالَةً تُناسِبُ أهَمِّيَّتَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تَشْبِيهُ حالِ جَزائِهِمْ وبَرَكَتِهِمْ، والصِّلَةُ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ المُرادَ خُصُوصُ حالِ إنْفاقِهِمْ بِتَقْدِيرِ ”مَثَلُ نَفَقَةِ الَّذِينَ“ وقَدْ شُبِّهَ حالُ إعْطاءِ النَّفَقَةِ ومُصادَفَتُها مَوْقِعَها وما أُعْطِيَ مِنَ الثَّوابِ لَهم بِحالِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ إلخ، أيْ زُرِعَتْ في أرْضٍ نَقِيَّةٍ وتُرابٍ طَيِّبٍ وأصابَها الغَيْثُ فَأنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ، وحُذِفَ ذَلِكَ كُلُّهُ إيجازًا؛ لِظُهُورِ أنَّ الحَبَّةَ لا تُنْبِتُ ذَلِكَ إلّا كَذَلِكَ، فَهو مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، والمُشَبَّهُ بِهِ هَيْأةٌ مَعْلُومَةٌ، وجُعِلَ أصْلُ التَّمْثِيلِ في التَّضْعِيفِ حَبًّا لِأنَّ تَضْعِيفَها مِن ذاتِها لا بِشَيْءٍ يُزادُ عَلَيْها، وقَدْ شاعَ تَشْبِيهُ المَعْرُوفِ بِالزَّرْعِ وتَشْبِيهُ السّاعِي بِالزّارِعِ، وفي المَثَلِ: (رُبَّ ساعٍ لِقاعِدٍ وزارِعٍ غَيْرِ حاصِدٍ) ولَمّا كانَتِ المُضاعَفَةُ تُنْسَبُ إلى أصْلِ وحْدَةٍ، فَأصْلُ الوَحْدَةِ هُنا هي ما يُثِيبُ اللَّهُ بِهِ عَلى الحَسَناتِ الصَّغِيرَةِ، أيْ: ما يَقَعُ ثَوابًا عَلى أقَلِّ الحَسَناتِ كَمَنَ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها، فَإنَّهُ في حَسَنَةِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ يَكُونُ سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ. قالَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، ذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أرادَ صفحة ٤٢ الخُرُوجَ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ حَثَّ النّاسَ عَلى الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وكانَ الجَيْشُ يَوْمَئِذَ بِحاجَةٍ إلى الجِهازِ، وهو جَيْشُ العُسْرَةِ، فَجاءَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأرْبَعَةِ آلافٍ وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ: عَلَيَّ جِهازُ مَن لا جِهازَ لَهُ. فَجَهَّزَ الجَيْشَ بِألْفِ بَعِيرٍ بِأقْتابِها وأحْلاسِها. وقِيلَ: جاءَ بِألْفِ دِينارٍ ذَهَبًا فَصَبَّها في حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ» ﷺ . ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ أنَّ المُضاعَفَةَ دَرَجاتٌ كَثِيرَةٌ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَتَرَتَّبُ عَلى أحْوالِ المُتَصَدِّقِ وأحْوالِ المُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وأوْقاتِ ذَلِكَ وأماكِنِهِ، ولِلْإخْلاصِ وقَصْدِ الِامْتِثالِ ومَحَبَّةِ الخَيْرِ لِلنّاسِ والإيثارِ عَلى النَّفْسِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَحُفُّ بِالصَّدَقَةِ والإنْفاقِ تَأْثِيرٌ في تَضْعِيفِ الأجْرِ ”واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ“ . وأعادَ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إظْهارًا لِلِاهْتِمامِ بِهَذِهِ الصِّلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ﴾ جاءَ في عَطْفِهِ بِـ (ثُمَّ) مَعَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ يُعْطَفَ بِالواوِ، قالَ في الكَشّافِ: لِإظْهارِ التَّفاوُتِ بَيْنَ الإنْفاقِ وتَرْكِ المَنِّ والأذى، وأنَّ تَرْكَهُما خَيْرٌ مِن نَفْسِ الإنْفاقِ. يَعْنِي أنَّ (ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرَّئِيسِيِّ لا لِلْمُهْلَةِ الزَّمَنِيَّةِ تَرْفِيعًا لِرُتْبَةِ تَرْكِ المَنِّ والأذى عَلى رُتْبَةِ الصَّدَقَةِ، لِأنَّ العَطاءَ قَدْ يَصْدُرُ عَنْ كَرَمِ النَّفْسِ وحُبِّ المَحْمَدَةِ؛ فَلِلنُّفُوسِ حَظٌّ فِيهِ مَعَ حَظِّ المُعْطى، بِخِلافِ تَرْكِ المَنِّ والأذى فَلا حَظَّ فِيهِ لِنَفْسِ المُعْطِي، إذْ شُبِّهُ حُصُولُ الشَّيْءِ المُهِمِّ في عِزَّةِ حُصُولِهِ بِحُصُولِ الشَّيْءِ المُتَأخِّرِ زَمَنُهُ، وكَأنَّ الَّذِي دَعا الزَّمَخْشَرِيَّ إلى هَذا أنَّهُ رَأى مَعْنى المُهْلَةِ هُنا غَيْرَ مُرادٍ؛ لِأنَّ المُرادَ حُصُولُ الإنْفاقِ وتَرْكُ المَنِّ مَعًا. والمَنُّ أصْلُهُ الإنْعامُ والفَضْلُ، يُقالُ: مَنَّ عَلَيْهِ مَنًّا. ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى عَدِّ الإنْعامِ عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] وهو إذا ذُكِرَ بَعْدَ الصَّدَقَةِ والعَطاءِ تَعَيَّنَ لِلْمَعْنى الثّانِي. وإنَّما يَكُونُ المَنُّ في الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِالتَّطاوُلِ عَلى المُسْلِمِينَ والرِّياءِ بِالإنْفاقِ، وبِالتَّطاوُلِ عَلى المُجاهِدِينَ الَّذِينَ يُجَهِّزُهم أوْ يَحْمِلُهم، ولَيْسَ مِنَ المَنِّ التَّمَدُّحُ بِمَواقِفِ المُجاهِدِ في الجِهادِ أوْ بِمَواقِفِ قَوْمِهِ، فَقَدْ قالَ الحُرَيْشُ بْنُ هِلالٍ القُرَيْعِيُّ يَذْكُرُ خَيْلَهُ في غَزْوَةِ فَتْحِ مَكَّةَ ويَوْمَ حُنَيْنٍ: صفحة ٤٣ شَهِدْنَ مَعَ النَّبِيءِ مَسُوَّماتٍ حُنَيْنًا وهْيَ دامِيَةُ الحَوامِي ووَقْعَةَ خالِدٍ شَهِدَتْ وحَكَّتْ ∗∗∗ سَنابِكَها عَلى البَلَدِ الحَرامِ وقالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ يَتَمَدَّحُ بِمَواقِعِ قَوْمِهِ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ: حَتّى إذا قالَ النَّبِيءُ مُحَمَّدٌ ∗∗∗ أبَنِي سُلَيْمٍ قَدْ وفَيْتُمْ فارْجِعُوا عُدْنا ولَوْلا نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعُهم ∗∗∗ بِالمُسْلِمِينَ وأحْرَزُوا ما جَمَّعُوا والأذى هو أنْ يُؤْذِيَ المُنافِقُ مَن أنْفَقَ عَلَيْهِ بِإساءَةٍ في القَوْلِ أوْ في الفِعْلِ. قالَ النّابِغَةُ: عَلَيَّ لِعَمْرٍو نِعْمَةٌ بَعْدَ نِعْمَةٍ ∗∗∗ لِوالِدِهِ لَيْسَتْ بِذاتِ عَقارِبِ فالمَقْصِدُ الشَّرْعِيُّ أنْ يَكُونَ إنْفاقُ المُنْفِقِ في سَبِيلِ اللَّهِ مُرادًا بِهِ نَصْرُ الدِّينِ ولا حَظَّ لِلنَّفْسِ فِيهِ، فَذَلِكَ هو أعْلى دَرَجاتِ الإنْفاقِ وهو المَوْعُودُ عَلَيْهِ بِهَذا الأجْرِ الجَزِيلِ، ودُونَ ذَلِكَ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ تَتَفاوَتُ أحْوالُها.

البقرة 2:263

﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى واللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرْكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ . تَخَلَّصَ مِن غَرَضِ التَّنْوِيهِ بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ إلى التَّنْوِيهِ بِضَرْبٍ آخَرَ مِنَ الإنْفاقِ وهو الإنْفاقُ عَلى المَحاوِيجِ مِنَ النّاسِ، وهو الصَّدَقاتُ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِلصَّدَقَةِ إلّا أنَّها تَخْطُرُ بِالبالِ عِنْدَ ذِكْرِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمّا وصَفَ الإنْفاقَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِصِفَةِ الإخْلاصِ لِلَّهِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا﴾ [البقرة: ٢٦٢] الآيَةَ، انْتَقَلَ بِمُناسَبَةِ ذَلِكَ إلى طَرْدِ ذَلِكَ الوَصْفِ في الإنْفاقِ عَلى المُحْتاجِينَ، فَإنَّ صفحة ٤٤ المَنَّ والأذى في الصَّدَقَةِ أكْثَرُ حُصُولًا لِكَوْنِ الصَّدَقَةِ مُتَعَلِّقَةً بِأشْخاصٍ مُعَيَّنِينَ بِخِلافِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَإنَّ أكْثَرَ مَن تَنالُهُمُ النَّفَقَةُ لا يَعْلَمُهُمُ المُنْفِقُ. فالمَنُّ عَلى المُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ هو تَذْكِيرُهُ بِالنِّعْمَةِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. ومِن فِقْراتِ الزَّمَخْشَرِيِّ في (الكَلِمِ النَّوابِغِ): طَعْمُ الآلاءِ أحْلى مِنَ المَنِّ، وهو أمَرُّ مِنَ الآلاءِ عِنْدَ المَنِّ. الآلاءُ الأوَّلُ النِّعَمُ والآلاءُ الثّانِي شَجَرٌ مُرُّ الوَرَقِ، والمَنُّ الأوَّلُ شَيْءٌ شِبْهُ العَسَلِ يَقَعُ كالنَّدى عَلى بَعْضِ شَجَرِ بادِيَةِ سِينا وهو الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [البقرة: ٥٧] والمَنُّ الثّانِي تَذْكِيرُ المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِالنِّعْمَةِ. والأذى الإساءَةُ والضُّرُّ القَلِيلُ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِ. قالَ تَعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى﴾ [آل عمران: ١١١] والمُرادُ بِهِ الأذى الصَّرِيحُ مِنَ المُنْعِمِ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِ كالتَّطاوُلِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ أعْطاهُ أوْ أنْ يَتَكَبَّرَ عَلَيْهِ لِأجْلِ العَطاءِ، بَلْهَ تَعْيِيرِهِ بِالفَقْرِ، وهو غَيْرُ الأذى الَّذِي يَحْصُلُ عِنْدَ المَنِّ، وأشارَ أبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ في كِتابِ الزَّكاةِ مِنَ الإحْياءِ إلى أنَّ المَنَّ لَهُ أصْلٌ ومَغْرِسٌ وهو مِن أحْوالِ القَلْبِ وصِفاتِهِ، ثُمَّ تَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أحْوالٌ ظاهِرَةٌ عَلى اللِّسانِ والجَوارِحِ، ومَنبَعُ الأذى أمْرانِ: كَراهِيَةُ المُعْطِي إعْطاءَ مالَهُ وشِدَّةُ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، ورُؤْيَتُهُ أنَّهُ خَيْرٌ مِنَ الفَقِيرِ، وكِلاهُما مَنشَؤُهُ الجَهْلُ، فَإنَّ كَراهِيَةَ تَسْلِيمِ المالِ حُمْقٌ؛ لِأنَّ مَن بَذَلَ المالَ لِطَلَبِ رِضا اللَّهِ والثَّوابِ فَقَدْ عَلِمَ أنَّ ما حَصَلَ لَهُ مِن بَذْلِ المالِ أشَرَفُ مِمّا بَذَلَهُ، وظَنُّهُ أنَّهُ خَيْرٌ مِنَ الفَقِيرِ جَهْلٌ بِخَطَرِ الغِنى، أيْ أنَّ مَراتِبَ النّاسِ بِما تَتَفاوَتُ بِهِ نُفُوسُهم مِنَ التَّزْكِيَةِ لا بِعَوارِضِ الغِنى والفَقْرِ الَّتِي لا تَنْشَأُ عَنْ دَرَجاتِ الكَمالِ النَّفْسانِيِّ. ولَمّا حَذَّرَ اللَّهُ المُتَصَدِّقَ مِن أنْ يُؤْذِيَ المُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ عُلِمَ أنَّ التَّحْذِيرَ مِنَ الإضْرارِ بِهِ كَشَتْمِهِ وضَرْبِهِ حاصِلٌ بِفَحْوى الخِطابِ لِأنَّهُ أوْلى بِالنَّهْيِ. أوْسَعَ اللَّهُ تَعالى هَذا المَقامَ بَيانًا وتَرْغِيبًا وزَجْرًا بِأسالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ وتَفَنُّناتٍ بَدِيعَةٍ فَنَبَّهَنا بِذَلِكَ إلى شِدَّةِ عِنايَةِ الإسْلامِ بِالإنْفاقِ في وُجُوهِ البِرِّ والمَعُونَةِ. وكَيْفَ لا تَكُونُ كَذَلِكَ وقِوامُ الأُمَّةِ دَوَرانُ أمْوالِها بَيْنَها، وأنَّ مِن أكْبَرِ مَقاصِدِ الشَّرِيعَةِ الِانْتِفاعُ بِالثَّرْوَةِ العامَّةِ بَيْنَ أفْرادِ الأُمَّةِ عَلى وُجُوهٍ جامِعَةٍ بَيْنَ رَعْيِ المَنفَعَةِ العامَّةِ ورَعْيِ الوِجْدانِ الخاصِّ، وذَلِكَ بِمُراعاةِ العَدْلِ مَعَ الَّذِي كَدَّ لِجَمْعِ المالِ وكَسْبِهِ، صفحة ٤٥ ومُراعاةِ الإحْسانِ لِلَّذِي بَطَّأ بِهِ جُهْدُهُ، وهَذا المَقْصِدُ مِن أشْرَفِ المَقاصِدِ التَّشْرِيعِيَّةِ، ولَقَدْ كانَ مِقْدارُ الإصابَةِ والخَطَأِ فِيهِ هو مِيزانَ ارْتِقاءِ الأُمَمِ وتَدَهْوُرِها، ولا تَجِدُ شَرِيعَةً ظَهَرَتْ ولا دُعاةَ خَيْرٍ دَعَوْا إلّا وهم يَجْعَلُونَ لِتَنْوِيلِ أفْرادِ الأُمَّةِ حَظًّا مِنَ الأمْوالِ الَّتِي بَيْنَ أيْدِي أهْلِ الثَّرْوَةِ مَوْضِعًا عَظِيمًا مِن تَشْرِيعِهِمْ أوْ دَعْوَتِهِمْ، إلّا أنَّهم في ذَلِكَ مُتَفاوِتُونَ بَيْنَ مُقارِبٍ ومُقَصِّرٍ أوْ آمِلٍ ومُدَبِّرٍ، غَيْرَ أنَّكَ لا تَجِدُ شَرِيعَةً سَدَّدَتِ السَّهْمَ لِهَذا الغَرَضِ، وعَرَفَتْ كَيْفَ تُفَرِّقُ بَيْنَ المُسْتَحَبِّ فِيهِ والمُفْتَرَضِ، مِثْلَ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ المُبارَكَةِ، فَإنَّها قَدْ تَصَرَّفَتْ في نِظامِ الثَّرْوَةِ العامَّةِ تَصَرُّفًا عَجِيبًا أقامَتْهُ عَلى قاعِدَةِ تَوْزِيعِ الثَّرْوَةِ بَيْنَ أفْرادِ الأُمَّةِ، وذَلِكَ بِكِفايَةِ المُحْتاجِ مِنَ الأُمَّةِ مَؤُونَةَ حاجَتِهِ عَلى وُجُوهٍ لا تَحْرِمُ المُكْتَسِبَ لِلْمالِ فائِدَةَ اكْتِسابِهِ وانْتِفاعِهِ بِهِ قَبْلَ كُلِّ أحَدٍ. فَأوَّلُ ما ابْتَدَأتْ بِهِ تَأْمِينُ ثِقَةِ المُكْتَسِبِ بِالأمْنِ عَلى مالِهِ، مِن أنْ يَنْتَزِعَهُ مِنهُ مُنْتَزِعٌ إذْ قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] وقالَ النَّبِيءُ ﷺ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ: «إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم حَرامٌ عَلَيْكم كَحُرْمَةِ يَوْمِكم هَذا في شَهْرِكم هَذا في بَلَدِكم هَذا» سَمِعَ ذَلِكَ مِنهُ مِائَةُ ألْفِ نَفْسٍ أوْ يَزِيدُونَ وتَناقَلُوهُ في آفاقِ الإسْلامِ حَتّى بَلَغَ مَبْلَغَ التَّواتُرِ، فَكانَ مِن قَواعِدِ التَّشْرِيعِ العامَّةِ قاعِدَةُ حِفْظِ الأمْوالِ، لا يَسْتَطِيعُ مُسْلِمٌ إبْطالَها. وقَدْ أُتْبِعَ إعْلانُ هَذِهِ الثِّقَةِ بِحِفْظِ الأمْوالِ بِتَفارِيعِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمُعامَلاتِ والتَّوْثِيقاتِ، كَمَشْرُوعِيَّةِ الرَّهْنِ في السَّلَفِ والتَّوْثِيقِ بِالإشْهادِ كَما تُصَرِّحُ بِهِ الآياتُ الآتِيَةُ وما سِوى ذَلِكَ مِن نُصُوصِ الشَّرِيعَةِ تَنْصِيصًا واسْتِنْباطًا. ثُمَّ أشارَتْ إلى أنَّ مِن مَقاصِدِها ألّا تَبْقى الأمْوالُ مُتَنَقِّلَةً في جِهَةٍ واحِدَةٍ أوْ عائِلَةٍ أوْ قَبِيلَةٍ مِنَ الأُمَّةِ بَلِ المَقْصِدُ دَوَرانُها بِقَوْلِهِ تَعالى في آيَةِ الفَيْءِ ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: ٧] فَضَمِيرُ (يَكُونُ) عائِدٌ إلى ﴿ما أفاءَ اللَّهُ﴾ [الحشر: ٧] بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مالًا أيْ كَيْلا يَكُونَ المالُ دُولَةً، والدُّولَةُ ما يَتَداوَلُهُ النّاسُ مِنَ المالِ، أيْ شَرَعْنا صَرْفَهُ لِمَن سَمَّيْناهم دُونَ أنْ يَكُونَ لِأهْلِ الجَيْشِ حَقٌّ فِيهِ لِيَنالَ الفُقَراءُ مِنهُ حُظُوظَهم فَيُصْبِحُوا أغْنِياءَ فَلا يَكُونُ صفحة ٤٦ مُدالًا بَيْنَ طائِفَةِ الأغْنِياءِ كَما كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَأْخُذُ قادَتُهُمُ المِرْباعَ ويَأْخُذُ الغُزاةُ ثَلاثَةَ الأرْباعِ فَيَبْقى المالُ كُلُّهُ لِطائِفَةٍ خاصَّةٍ. ثُمَّ عَمَدَتْ إلى الِانْتِزاعِ مِن هَذا المالِ انْتِزاعًا مُنَظَّمًا فَجَعَلَتْ مِنهُ انْتِزاعًا جَبْرِيًّا بَعْضَهُ في حَياةِ صاحِبِ المالِ وبَعْضَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَأمّا الَّذِي في حَياتِهِ فَهو الصَّدَقاتُ الواجِبَةُ، ومِنها الزَّكاةُ، وهي في غالِبِ الأحْوالِ عُشْرُ المَمْلُوكاتِ أوْ نِصْفُ عُشْرِها، أوْ رُبُعُ عُشْرِها، وقَدْ بَيَّنَ النَّبِيءُ ﷺ وجْهَ تَشْرِيعِها، بِقَوْلِهِ لِمُعاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ أرْسَلَهُ إلى اليَمَنِ: «إنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكاةً تُؤْخَذُ مِن أغْنِيائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلى فُقَرائِهِمْ» وجَعَلَ تَوْزِيعَ ما يَتَحَصَّلُ مِن هَذا المالِ لِإقامَةِ مَصالِحِ النّاسِ وكِفايَةِ مُؤَنِ الضُّعَفاءِ مِنهم، فَصارُوا بِذَلِكَ ذَوِي حَقٍّ في أمْوالِ الأغْنِياءِ، غَيْرَ مُهِينِينَ ولا مُهَدِّدِينَ بِالمَنعِ والقَساوَةِ، والتَفَتَ إلى الأغْنِياءِ فَوَعَدَهم عَلى هَذا العَطاءِ بِأفْضَلِ ما وُعِدَ بِهِ المُحْسِنُونَ مِن تَسْمِيَتِهِ قَرْضًا لِلَّهِ تَعالى، ومِن تَوْفِيرِ ثَوابِهِ، كَما جاءَتْ بِهِ الآياتُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ تَفْسِيرِها. ويَلْحَقُ بِهَذا النَّوْعِ أخْذُ الخُمُسِ مِنَ الغَنِيمَةِ مَعَ أنَّها حَقُّ المُحارِبِينَ، فانْتَزَعَ مِنهم ذَلِكَ وقالَ لَهم ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمُ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤١] فَحَرَّضَهم عَلى الرِّضا بِذَلِكَ، ولا شَكَّ أنَّهُ انْتَزَعَهُ مِن أيْدِي الَّذِينَ اكْتَسَبُوهُ بِسُيُوفِهِمْ ورِماحِهِمْ، وكَذَلِكَ يَلْحَقُ بِهِ النَّفَقاتُ الواجِبَةُ - غَيْرَ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ - لِأنَّها غَيْرُ مَنظُورٍ فِيها إلى الِانْتِزاعِ إذْ هي في مُقابَلَةِ تَألُّفِ العائِلَةِ، ولا نَفَقَةِ الأوْلادِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الدّاعِيَ إلَيْها جِبِلِّيٌّ، أمّا نَفَقَةُ غَيْرِ البَنِينَ عِنْدَ مَن يُوجِبُ نَفَقَةَ القَرابَةِ فَهي مِن قِسْمِ الِانْتِزاعِ الواجِبِ. ومِنَ الِانْتِزاعِ الواجِبِ الكَفّاراتُ في حِنْثِ اليَمِينِ، وفِطْرِ رَمَضانَ، والظِّهارِ، والإيلاءِ، وجَزاءِ الصَّيْدِ، فَهَذا تَوْزِيعُ بَعْضِ مالِ الحَيِّ في حَياتِهِ. وأمّا تَوْزِيعُ المالِ بَعْدَ وفاةِ صاحِبِهِ فَذَلِكَ بِبَيانِ فَرائِضِ الإرْثِ عَلى وجْهٍ لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ، وقَدْ كانَ العَرَبُ يُعْطُونَ أمْوالَهم لِمَن يُحِبُّونَ مِن أجْنَبِيٍّ أوْ قَرِيبٍ كَما قَدَّمْنا بَيانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] وكانَ بَعْضُ الأُمَمِ يَجْعَلُ الإرْثَ لِلْأكْبَرِ. وجُعِلَ تَوْزِيعُ هَذِهِ الفَرائِضِ عَلى وجْهِ الرَّحْمَةِ بِالنّاسِ أصْحابِ الأمْوالِ، فَلَمْ تُعْطَ أمْوالُهم إلّا لِأقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِمْ، وكانَ تَوْزِيعُهُ بِحَسَبِ القُرْبِ كَما هو مَعْرُوفٌ في صفحة ٤٧ مَسائِلِ الحَجْبِ مِنَ الفَرائِضِ، وبِحَسَبِ الأحْوَجِيَّةِ إلى المالِ، كَتَفْضِيلِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى لِأنَّهُ يَعُولُ غَيْرَهُ والأُنْثى يَعُولُها غَيْرُها، والتَفَتَ في هَذا البابِ إلى أصْحابِ الأمْوالِ فَتَرَكَ لَهم حَقَّ التَّصَرُّفِ في ثُلُثِ أمْوالِهِمْ يُعَيِّنُونَ مَن يَأْخُذُهُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ عَلى شَرْطِ ألّا يَكُونَ وارِثًا، حَتّى لا يَتَوَسَّلُوا بِذَلِكَ إلى تَنْفِيلِ وارِثٍ عَلى غَيْرِهِ. وجَعَلَتِ الشَّرِيعَةُ مِنَ الِانْتِزاعِ انْتِزاعًا مَندُوبًا إلَيْهِ غَيْرَ واجِبٍ، وذَلِكَ أنْواعُ المُواساةِ بِالصَّدَقاتِ والعَطايا والهَدايا والوَصايا وإسْلافِ المُعْسِرِ بِدُونِ مُراباةٍ. ولَيْسَ في الشَّرِيعَةِ انْتِزاعُ أعْيانِ المَمْلُوكاتِ مِنَ الأُصُولِ، فالِانْتِزاعُ لا يَعْدُو انْتِزاعَ الفَوائِدِ بِالعَدالَةِ والمُساواةِ. وجُمْلَةُ ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ إلى آخِرِها مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، وتَنْكِيرُ ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ لِلتَّقْلِيلِ، أيْ أقَلُّ قَوْلٍ مَعْرُوفٍ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى، والمَعْرُوفُ هو الَّذِي يَعْرِفُهُ النّاسُ، أيْ: لا يُنْكِرُونَهُ، فالمُرادُ بِهِ القَوْلُ الحَسَنُ وهو ضِدُّ الأذى. والمَغْفِرَةُ هُنا يُرادُ بِها التَّجاوُزُ عَنِ الإساءَةِ أيْ تَجاوُزُ المُتَصَدِّقِ عَنِ المُلِحِّ أوِ الجافِي في سُؤالِهِ إلْحاحَهُ أوْ جَفاءَهُ، مِثْلَ الَّذِي يَسْألُ فَيَقُولُ: أعْطِنِي حَقَّ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ. أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ويُرادُ بِها أيْضًا تَجاوُزُ اللَّهِ تَعالى عَنِ الذُّنُوبِ بِسَبَبِ تِلْكَ الصَّدَقَةِ إذا كانَ مَعَها قَوْلٌ مَعْرُوفٌ، وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ الأذى يُوشِكُ أنْ يُبْطِلَ ثَوابَ الصَّدَقَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِلتَّذْكِيرِ بِصِفَتَيْنِ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى لِيَتَخَلَّقَ بِهِما المُؤْمِنُونَ وهُما: الغِنى الرّاجِعُ إلَيْهِ التَّرَفُّعُ عَنْ مُقابَلَةِ العَطِيَّةِ بِما يُبَرِّدُ غَلِيلَ شُحِّ نَفْسِ المُعْطِي، والحِلْمُ الرّاجِعُ إلَيْهِ العَفْوُ والصَّفْحُ عَنْ رُعُونَةِ بَعْضِ العُفاةِ. والإبْطالُ جَعْلُ الشَّيْءِ باطِلًا أيْ زائِلًا غَيْرَ نافِعٍ لِما أُرِيدَ مِنهُ، فَمَعْنى بُطْلانِ العَمَلِ عَدَمُ تَرَتُّبِ أثَرِهِ الشَّرْعِيِّ عَلَيْهِ، سَواءٌ كانَ العَمَلُ واجِبًا أمْ كانَ مُتَطَوَّعًا بِهِ، فَإنْ كانَ العَمَلُ واجِبًا فَبُطْلانُهُ عَدَمُ إجْزائِهِ بِحَيْثُ لا تَبْرَأُ ذِمَّةُ المُكَلَّفِ مِن تَكْلِيفِهِ بِذَلِكَ العَمَلِ، وذَلِكَ إذا اخْتَلَّ رُكْنٌ أوْ شَرْطٌ مِنَ العَمَلِ، وإنْ كانَ العَمَلُ مُتَطَوَّعًا بِهِ رَجَعَ البُطْلانُ إلى عَدَمِ الثَّوابِ عَلى العَمَلِ لِمانِعٍ شَرْعِيٍّ مِنِ اعْتِبارِ ثَوابِهِ وهو المُرادُ هُنا جَمْعًا بَيْنَ أدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ. صفحة ٤٨ وقَوْلُهُ: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ الكافُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو حالٌ مِن ضَمِيرِ (تُبْطِلُوا) أيْ: لا تَكُونُوا في إتْباعِ صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ وهو كافِرٌ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وإنَّما يُعْطِي لِيَراهُ النّاسُ وذَلِكَ عَطاءُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ. فالمَوْصُولُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ﴾ مُرادٌ بِهِ جِنْسٌ ولَيْسَ مُرادٌ بِهِ مُعَيَّنًا ولا واحِدًا، والغَرَضُ مِن هَذا التَّشْبِيهِ تَفْظِيعُ المُشَبَّهِ بِهِ، ولَيْسَ المُرادُ المُماثَلَةَ في الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، جَمْعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ. والرِّئاءُ بِهَمْزَتَيْنِ فِعالٌ مِن رَأى، وهو أنْ يُكْثِرَ مِن إظْهارِ أعْمالِهِ الحَسَنَةِ لِلنّاسِ، فَصِيغَةُ الفِعالِ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ والكَثْرَةِ، وأُولى الهَمْزَتَيْنِ أصْلِيَّةٌ والأخِيرَةُ مُبْدَلَةٌ عَنِ الياءِ بَعْدَ الألِفِ الزّائِدَةِ، ويُقالُ (رِياءٌ) بِياءٍ بَعْدَ الرّاءِ عَلى إبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً بَعْدَ الكَسْرَةِ. والمَعْنى تَشْبِيهُ بَعْضِ المُتَصَدِّقِينَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَتَصَدَّقُونَ طَلَبًا لِلثَّوابِ ويُعْقِبُونَ صَدَقاتِهِمْ بِالمَنِّ والأذى، بِالمُنْفِقِينَ الكافِرِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لا يَطْلُبُونَ مِن إنْفاقِها إلّا الرِّئاءَ والمِدْحَةَ؛ إذْ هم لا يَتَطَلَّبُونَ أجْرَ الآخِرَةِ. ووَجْهُ الشَّبَهِ عَدَمُ الِانْتِفاعِ مِمّا أعْطَوْا بِأزْيَدَ مِن شِفاءِ ما في صُدُورِهِمْ مِن حُبِّ التَّطاوُلِ عَلى الضُّعَفاءِ وشِفاءِ خُلُقِ الأذى المُتَطَبِّعِينَ عَلَيْهِ دُونَ نَفْعٍ في الآخِرَةِ. ومُثِّلَ حالَ الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ المُشَبَّهِ بِهِ تَمْثِيلًا يَسْرِي إلى الَّذِينَ يُتْبِعُونَ صَدَقاتِهِمْ بِالمَنِّ والأذى بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ﴾ إلخ. وضَمِيرُ (مَثَلُهُ) عائِدٌ إلى الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ، لِأنَّهُ لَمّا كانَ تَمْثِيلًا لِحالِ المُشَبَّهِ بِهِ كانَ لا مَحالَةَ تَمْثِيلًا لِحالِ المُشَبَّهِ، فَفي الكَلامِ ثَلاثَةُ تَشْبِيهاتٍ. مَثَّلَ حالَ الكافِرِ الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ بِحالِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ يُغَشِّيهِ، يَعْنِي يَخالُهُ النّاظِرُ تُرْبَةً كَرِيمَةً صالِحَةً لِلْبَذْرِ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: عَلَيْهِ تُرابٌ صالِحٌ لِلزَّرْعِ. فَحُذِفَتْ صِفَةُ التُّرابِ إيجازًا اعْتِمادًا عَلى أنَّ التُّرابَ الَّذِي يَرْقُبُ النّاسُ أنْ يُصِيبَهُ الوابِلُ هو التُّرابُ الَّذِي يَبْذُرُونَ فِيهِ، فَإذا زَرَعَهُ الزّارِعُ وأصابَهُ وابِلٌ وطَمِعَ الزّارِعُ في زَكاءِ زَرْعِهِ جَرَفَهُ الماءُ مِن وجْهِ الصَّفْوانِ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنهُ شَيْئًا وبَقِيَ مَكانُهُ صَلْدًا أمْلَسَ فَخابَ أمَلُ زارِعِهِ. صفحة ٤٩ وهَذا أحْسَنُ وأدَقُّ مِن أنْ نَجْعَلَ المَعْنى تَمْثِيلَ إنْفاقِ الكافِرِ بِحالِ تُرابٍ عَلى صَفْوانٍ أصابَهُ وابِلٌ فَجَرَفَهُ، وأنَّ وجْهَ الشَّبَهِ هو سُرْعَةُ الزَّوالِ وعَدَمُ القَرارِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمُ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] فَإنَّ مَوْرِدَ تِلْكَ الآيَةِ مَقامٌ آخَرُ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ كافَ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ﴾ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما في لَفْظِ (صَدَقاتِهِمْ) مِن مَعْنى الإنْفاقِ، وحُذِفَ مُضافٌ بَيْنَ الكافِ وبَيْنَ اسْمِ المَوْصُولِ، والتَّقْدِيرُ: إنْفاقًا كَإنْفاقِ الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ. وقَدْ رُوعِيَ في هَذا التَّمْثِيلِ عَكْسُ التَّمْثِيلِ لِمَن يُنْفِقُ مالَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ بِحَبَّةٍ أغَلَّتْ سَبْعَمِائَةِ حَبَّةٍ. فالتَّشْبِيهُ تَشْبِيهُ مُرَكَّبٍ مَعْقُولٍ بِمُرَكَّبٍ مَحْسُوسٍ، ووَجْهُ الشَّبَهِ الأمَلُ في حالَةٍ تَغُرُّ بِالنَّفْعِ ثُمَّ لا تَلْبَثُ ألّا تَأْتِيَ لِآمِلِها بِما أمَّلَهُ فَخابَ أمَلُهُ، ذَلِكَ أنَّ المُؤْمِنِينَ لا يَخْلُونَ مِن رَجاءِ حُصُولِ الثَّوابِ لَهم مِن صَدَقاتِهِمْ، ويَكْثُرُ أنْ تَعْرِضَ الغَفْلَةُ لِلْمُتَصَدِّقِ فَيُتْبِعُ صَدَقَتَهُ بِالمَنِّ والأذى انْدِفاعًا مَعَ خَواطِرَ خَبِيثَةٍ. وقَوْلُهُ: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ أُوقِعَ مَوْقِعًا بَدِيعًا مِن نَظْمِ الكَلامِ تَنْهالُ بِهِ مَعانٍ كَثِيرَةٌ فَهو بِمَوْقِعِهِ كانَ صالِحًا لِأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ، فَيَكُونَ مُنْدَرِجًا في الحالَةِ المُشَبَّهَةِ. وإجْراءُ ضَمِيرِ (كَسَبُوا) ضَمِيرَ جَمْعٍ؛ لِتَأْوِيلِ (الَّذِي يُنْفِقُ) بِالجَماعَةِ، وصالِحًا لِأنْ يَكُونَ حالًا مِن (مَثَلِ صَفْوانٍ) بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَثَلٌ. عَلى نَحْوِ ما جُوِّزَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩] إذْ تَقْدِيرُهُ فِيهِ: كَمَثَلِ ذَوِي صَيِّبٍ. فَلِذَلِكَ جاءَ ضَمِيرُهُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ رَعْيًا لِلْمَعْنى وإنْ كانَ لَفْظُ المُعادِ مُفْرَدًا، وصالِحًا لِأنْ يُجْعَلَ اسْتِينافًا بَيانِيًّا لِأنَّ الكَلامَ الَّذِي قَبْلَهُ يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ عَنْ مَغَبَّةِ أمْرِ المُشَبَّهِ، وصالِحًا لِأنْ يُجْعَلَ تَذْيِيلًا وفَذْلَكَةً لِضَرْبِ المَثَلِ، فَهو عَوْدٌ عَنْ بَدْءِ قَوْلِهِ: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ إلى آخِرِ الكَلامِ. صفحة ٥٠ وصالِحًا لِأنْ يُجْعَلَ حالًا مِن (صَفْوانٍ) أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا مِنهُ، وحُذِفَ عائِدُ الصِّلَةِ لِأنَّهُ ضَمِيرٌ مَجْرُورٌ بِما جُرَّ بِهِ اسْمُ المَوْصُولِ، ومَعْنى (لا يَقْدِرُونَ) لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَسْتَرْجِعُوهُ ولا انْتَفَعُوا بِثَوابِهِ فَلَمْ يَبْقَ لَهم مِنهُ شَيْءٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا يُحْسِنُونَ وضْعَ شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا مَوْضِعَهُ، فَهم يَبْذُلُونَ مالَهم لِغَيْرِ فائِدَةٍ تَعُودُ عَلَيْهِمْ في آجالِهِمْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ . والمَعْنى: فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَحْصُدُونَ مِنهُ زَرْعًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ [الكهف: ٤٢] وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ تَذْيِيلٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ. وهَذا التَّذْيِيلُ مَسُوقٌ لِتَحْذِيرِ المُؤْمِنِينَ مِن تَسَرُّبِ أحْوالِ الكافِرِينَ إلى أعْمالِهِمْ، فَإنَّ مِن أحْوالِهِمُ المَنَّ عَلى مَن يُنْفِقُونَ وأذاهُ.

البقرة 2:264

﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى واللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرْكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ . تَخَلَّصَ مِن غَرَضِ التَّنْوِيهِ بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ إلى التَّنْوِيهِ بِضَرْبٍ آخَرَ مِنَ الإنْفاقِ وهو الإنْفاقُ عَلى المَحاوِيجِ مِنَ النّاسِ، وهو الصَّدَقاتُ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِلصَّدَقَةِ إلّا أنَّها تَخْطُرُ بِالبالِ عِنْدَ ذِكْرِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمّا وصَفَ الإنْفاقَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِصِفَةِ الإخْلاصِ لِلَّهِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا﴾ [البقرة: ٢٦٢] الآيَةَ، انْتَقَلَ بِمُناسَبَةِ ذَلِكَ إلى طَرْدِ ذَلِكَ الوَصْفِ في الإنْفاقِ عَلى المُحْتاجِينَ، فَإنَّ صفحة ٤٤ المَنَّ والأذى في الصَّدَقَةِ أكْثَرُ حُصُولًا لِكَوْنِ الصَّدَقَةِ مُتَعَلِّقَةً بِأشْخاصٍ مُعَيَّنِينَ بِخِلافِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَإنَّ أكْثَرَ مَن تَنالُهُمُ النَّفَقَةُ لا يَعْلَمُهُمُ المُنْفِقُ. فالمَنُّ عَلى المُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ هو تَذْكِيرُهُ بِالنِّعْمَةِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. ومِن فِقْراتِ الزَّمَخْشَرِيِّ في (الكَلِمِ النَّوابِغِ): طَعْمُ الآلاءِ أحْلى مِنَ المَنِّ، وهو أمَرُّ مِنَ الآلاءِ عِنْدَ المَنِّ. الآلاءُ الأوَّلُ النِّعَمُ والآلاءُ الثّانِي شَجَرٌ مُرُّ الوَرَقِ، والمَنُّ الأوَّلُ شَيْءٌ شِبْهُ العَسَلِ يَقَعُ كالنَّدى عَلى بَعْضِ شَجَرِ بادِيَةِ سِينا وهو الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [البقرة: ٥٧] والمَنُّ الثّانِي تَذْكِيرُ المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِالنِّعْمَةِ. والأذى الإساءَةُ والضُّرُّ القَلِيلُ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِ. قالَ تَعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى﴾ [آل عمران: ١١١] والمُرادُ بِهِ الأذى الصَّرِيحُ مِنَ المُنْعِمِ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِ كالتَّطاوُلِ عَلَيْهِ بِأنَّهُ أعْطاهُ أوْ أنْ يَتَكَبَّرَ عَلَيْهِ لِأجْلِ العَطاءِ، بَلْهَ تَعْيِيرِهِ بِالفَقْرِ، وهو غَيْرُ الأذى الَّذِي يَحْصُلُ عِنْدَ المَنِّ، وأشارَ أبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ في كِتابِ الزَّكاةِ مِنَ الإحْياءِ إلى أنَّ المَنَّ لَهُ أصْلٌ ومَغْرِسٌ وهو مِن أحْوالِ القَلْبِ وصِفاتِهِ، ثُمَّ تَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أحْوالٌ ظاهِرَةٌ عَلى اللِّسانِ والجَوارِحِ، ومَنبَعُ الأذى أمْرانِ: كَراهِيَةُ المُعْطِي إعْطاءَ مالَهُ وشِدَّةُ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، ورُؤْيَتُهُ أنَّهُ خَيْرٌ مِنَ الفَقِيرِ، وكِلاهُما مَنشَؤُهُ الجَهْلُ، فَإنَّ كَراهِيَةَ تَسْلِيمِ المالِ حُمْقٌ؛ لِأنَّ مَن بَذَلَ المالَ لِطَلَبِ رِضا اللَّهِ والثَّوابِ فَقَدْ عَلِمَ أنَّ ما حَصَلَ لَهُ مِن بَذْلِ المالِ أشَرَفُ مِمّا بَذَلَهُ، وظَنُّهُ أنَّهُ خَيْرٌ مِنَ الفَقِيرِ جَهْلٌ بِخَطَرِ الغِنى، أيْ أنَّ مَراتِبَ النّاسِ بِما تَتَفاوَتُ بِهِ نُفُوسُهم مِنَ التَّزْكِيَةِ لا بِعَوارِضِ الغِنى والفَقْرِ الَّتِي لا تَنْشَأُ عَنْ دَرَجاتِ الكَمالِ النَّفْسانِيِّ. ولَمّا حَذَّرَ اللَّهُ المُتَصَدِّقَ مِن أنْ يُؤْذِيَ المُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ عُلِمَ أنَّ التَّحْذِيرَ مِنَ الإضْرارِ بِهِ كَشَتْمِهِ وضَرْبِهِ حاصِلٌ بِفَحْوى الخِطابِ لِأنَّهُ أوْلى بِالنَّهْيِ. أوْسَعَ اللَّهُ تَعالى هَذا المَقامَ بَيانًا وتَرْغِيبًا وزَجْرًا بِأسالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ وتَفَنُّناتٍ بَدِيعَةٍ فَنَبَّهَنا بِذَلِكَ إلى شِدَّةِ عِنايَةِ الإسْلامِ بِالإنْفاقِ في وُجُوهِ البِرِّ والمَعُونَةِ. وكَيْفَ لا تَكُونُ كَذَلِكَ وقِوامُ الأُمَّةِ دَوَرانُ أمْوالِها بَيْنَها، وأنَّ مِن أكْبَرِ مَقاصِدِ الشَّرِيعَةِ الِانْتِفاعُ بِالثَّرْوَةِ العامَّةِ بَيْنَ أفْرادِ الأُمَّةِ عَلى وُجُوهٍ جامِعَةٍ بَيْنَ رَعْيِ المَنفَعَةِ العامَّةِ ورَعْيِ الوِجْدانِ الخاصِّ، وذَلِكَ بِمُراعاةِ العَدْلِ مَعَ الَّذِي كَدَّ لِجَمْعِ المالِ وكَسْبِهِ، صفحة ٤٥ ومُراعاةِ الإحْسانِ لِلَّذِي بَطَّأ بِهِ جُهْدُهُ، وهَذا المَقْصِدُ مِن أشْرَفِ المَقاصِدِ التَّشْرِيعِيَّةِ، ولَقَدْ كانَ مِقْدارُ الإصابَةِ والخَطَأِ فِيهِ هو مِيزانَ ارْتِقاءِ الأُمَمِ وتَدَهْوُرِها، ولا تَجِدُ شَرِيعَةً ظَهَرَتْ ولا دُعاةَ خَيْرٍ دَعَوْا إلّا وهم يَجْعَلُونَ لِتَنْوِيلِ أفْرادِ الأُمَّةِ حَظًّا مِنَ الأمْوالِ الَّتِي بَيْنَ أيْدِي أهْلِ الثَّرْوَةِ مَوْضِعًا عَظِيمًا مِن تَشْرِيعِهِمْ أوْ دَعْوَتِهِمْ، إلّا أنَّهم في ذَلِكَ مُتَفاوِتُونَ بَيْنَ مُقارِبٍ ومُقَصِّرٍ أوْ آمِلٍ ومُدَبِّرٍ، غَيْرَ أنَّكَ لا تَجِدُ شَرِيعَةً سَدَّدَتِ السَّهْمَ لِهَذا الغَرَضِ، وعَرَفَتْ كَيْفَ تُفَرِّقُ بَيْنَ المُسْتَحَبِّ فِيهِ والمُفْتَرَضِ، مِثْلَ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ المُبارَكَةِ، فَإنَّها قَدْ تَصَرَّفَتْ في نِظامِ الثَّرْوَةِ العامَّةِ تَصَرُّفًا عَجِيبًا أقامَتْهُ عَلى قاعِدَةِ تَوْزِيعِ الثَّرْوَةِ بَيْنَ أفْرادِ الأُمَّةِ، وذَلِكَ بِكِفايَةِ المُحْتاجِ مِنَ الأُمَّةِ مَؤُونَةَ حاجَتِهِ عَلى وُجُوهٍ لا تَحْرِمُ المُكْتَسِبَ لِلْمالِ فائِدَةَ اكْتِسابِهِ وانْتِفاعِهِ بِهِ قَبْلَ كُلِّ أحَدٍ. فَأوَّلُ ما ابْتَدَأتْ بِهِ تَأْمِينُ ثِقَةِ المُكْتَسِبِ بِالأمْنِ عَلى مالِهِ، مِن أنْ يَنْتَزِعَهُ مِنهُ مُنْتَزِعٌ إذْ قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] وقالَ النَّبِيءُ ﷺ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ: «إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم حَرامٌ عَلَيْكم كَحُرْمَةِ يَوْمِكم هَذا في شَهْرِكم هَذا في بَلَدِكم هَذا» سَمِعَ ذَلِكَ مِنهُ مِائَةُ ألْفِ نَفْسٍ أوْ يَزِيدُونَ وتَناقَلُوهُ في آفاقِ الإسْلامِ حَتّى بَلَغَ مَبْلَغَ التَّواتُرِ، فَكانَ مِن قَواعِدِ التَّشْرِيعِ العامَّةِ قاعِدَةُ حِفْظِ الأمْوالِ، لا يَسْتَطِيعُ مُسْلِمٌ إبْطالَها. وقَدْ أُتْبِعَ إعْلانُ هَذِهِ الثِّقَةِ بِحِفْظِ الأمْوالِ بِتَفارِيعِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمُعامَلاتِ والتَّوْثِيقاتِ، كَمَشْرُوعِيَّةِ الرَّهْنِ في السَّلَفِ والتَّوْثِيقِ بِالإشْهادِ كَما تُصَرِّحُ بِهِ الآياتُ الآتِيَةُ وما سِوى ذَلِكَ مِن نُصُوصِ الشَّرِيعَةِ تَنْصِيصًا واسْتِنْباطًا. ثُمَّ أشارَتْ إلى أنَّ مِن مَقاصِدِها ألّا تَبْقى الأمْوالُ مُتَنَقِّلَةً في جِهَةٍ واحِدَةٍ أوْ عائِلَةٍ أوْ قَبِيلَةٍ مِنَ الأُمَّةِ بَلِ المَقْصِدُ دَوَرانُها بِقَوْلِهِ تَعالى في آيَةِ الفَيْءِ ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: ٧] فَضَمِيرُ (يَكُونُ) عائِدٌ إلى ﴿ما أفاءَ اللَّهُ﴾ [الحشر: ٧] بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مالًا أيْ كَيْلا يَكُونَ المالُ دُولَةً، والدُّولَةُ ما يَتَداوَلُهُ النّاسُ مِنَ المالِ، أيْ شَرَعْنا صَرْفَهُ لِمَن سَمَّيْناهم دُونَ أنْ يَكُونَ لِأهْلِ الجَيْشِ حَقٌّ فِيهِ لِيَنالَ الفُقَراءُ مِنهُ حُظُوظَهم فَيُصْبِحُوا أغْنِياءَ فَلا يَكُونُ صفحة ٤٦ مُدالًا بَيْنَ طائِفَةِ الأغْنِياءِ كَما كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَأْخُذُ قادَتُهُمُ المِرْباعَ ويَأْخُذُ الغُزاةُ ثَلاثَةَ الأرْباعِ فَيَبْقى المالُ كُلُّهُ لِطائِفَةٍ خاصَّةٍ. ثُمَّ عَمَدَتْ إلى الِانْتِزاعِ مِن هَذا المالِ انْتِزاعًا مُنَظَّمًا فَجَعَلَتْ مِنهُ انْتِزاعًا جَبْرِيًّا بَعْضَهُ في حَياةِ صاحِبِ المالِ وبَعْضَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَأمّا الَّذِي في حَياتِهِ فَهو الصَّدَقاتُ الواجِبَةُ، ومِنها الزَّكاةُ، وهي في غالِبِ الأحْوالِ عُشْرُ المَمْلُوكاتِ أوْ نِصْفُ عُشْرِها، أوْ رُبُعُ عُشْرِها، وقَدْ بَيَّنَ النَّبِيءُ ﷺ وجْهَ تَشْرِيعِها، بِقَوْلِهِ لِمُعاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ أرْسَلَهُ إلى اليَمَنِ: «إنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكاةً تُؤْخَذُ مِن أغْنِيائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلى فُقَرائِهِمْ» وجَعَلَ تَوْزِيعَ ما يَتَحَصَّلُ مِن هَذا المالِ لِإقامَةِ مَصالِحِ النّاسِ وكِفايَةِ مُؤَنِ الضُّعَفاءِ مِنهم، فَصارُوا بِذَلِكَ ذَوِي حَقٍّ في أمْوالِ الأغْنِياءِ، غَيْرَ مُهِينِينَ ولا مُهَدِّدِينَ بِالمَنعِ والقَساوَةِ، والتَفَتَ إلى الأغْنِياءِ فَوَعَدَهم عَلى هَذا العَطاءِ بِأفْضَلِ ما وُعِدَ بِهِ المُحْسِنُونَ مِن تَسْمِيَتِهِ قَرْضًا لِلَّهِ تَعالى، ومِن تَوْفِيرِ ثَوابِهِ، كَما جاءَتْ بِهِ الآياتُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ تَفْسِيرِها. ويَلْحَقُ بِهَذا النَّوْعِ أخْذُ الخُمُسِ مِنَ الغَنِيمَةِ مَعَ أنَّها حَقُّ المُحارِبِينَ، فانْتَزَعَ مِنهم ذَلِكَ وقالَ لَهم ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمُ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤١] فَحَرَّضَهم عَلى الرِّضا بِذَلِكَ، ولا شَكَّ أنَّهُ انْتَزَعَهُ مِن أيْدِي الَّذِينَ اكْتَسَبُوهُ بِسُيُوفِهِمْ ورِماحِهِمْ، وكَذَلِكَ يَلْحَقُ بِهِ النَّفَقاتُ الواجِبَةُ - غَيْرَ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ - لِأنَّها غَيْرُ مَنظُورٍ فِيها إلى الِانْتِزاعِ إذْ هي في مُقابَلَةِ تَألُّفِ العائِلَةِ، ولا نَفَقَةِ الأوْلادِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الدّاعِيَ إلَيْها جِبِلِّيٌّ، أمّا نَفَقَةُ غَيْرِ البَنِينَ عِنْدَ مَن يُوجِبُ نَفَقَةَ القَرابَةِ فَهي مِن قِسْمِ الِانْتِزاعِ الواجِبِ. ومِنَ الِانْتِزاعِ الواجِبِ الكَفّاراتُ في حِنْثِ اليَمِينِ، وفِطْرِ رَمَضانَ، والظِّهارِ، والإيلاءِ، وجَزاءِ الصَّيْدِ، فَهَذا تَوْزِيعُ بَعْضِ مالِ الحَيِّ في حَياتِهِ. وأمّا تَوْزِيعُ المالِ بَعْدَ وفاةِ صاحِبِهِ فَذَلِكَ بِبَيانِ فَرائِضِ الإرْثِ عَلى وجْهٍ لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ، وقَدْ كانَ العَرَبُ يُعْطُونَ أمْوالَهم لِمَن يُحِبُّونَ مِن أجْنَبِيٍّ أوْ قَرِيبٍ كَما قَدَّمْنا بَيانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] وكانَ بَعْضُ الأُمَمِ يَجْعَلُ الإرْثَ لِلْأكْبَرِ. وجُعِلَ تَوْزِيعُ هَذِهِ الفَرائِضِ عَلى وجْهِ الرَّحْمَةِ بِالنّاسِ أصْحابِ الأمْوالِ، فَلَمْ تُعْطَ أمْوالُهم إلّا لِأقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِمْ، وكانَ تَوْزِيعُهُ بِحَسَبِ القُرْبِ كَما هو مَعْرُوفٌ في صفحة ٤٧ مَسائِلِ الحَجْبِ مِنَ الفَرائِضِ، وبِحَسَبِ الأحْوَجِيَّةِ إلى المالِ، كَتَفْضِيلِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى لِأنَّهُ يَعُولُ غَيْرَهُ والأُنْثى يَعُولُها غَيْرُها، والتَفَتَ في هَذا البابِ إلى أصْحابِ الأمْوالِ فَتَرَكَ لَهم حَقَّ التَّصَرُّفِ في ثُلُثِ أمْوالِهِمْ يُعَيِّنُونَ مَن يَأْخُذُهُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ عَلى شَرْطِ ألّا يَكُونَ وارِثًا، حَتّى لا يَتَوَسَّلُوا بِذَلِكَ إلى تَنْفِيلِ وارِثٍ عَلى غَيْرِهِ. وجَعَلَتِ الشَّرِيعَةُ مِنَ الِانْتِزاعِ انْتِزاعًا مَندُوبًا إلَيْهِ غَيْرَ واجِبٍ، وذَلِكَ أنْواعُ المُواساةِ بِالصَّدَقاتِ والعَطايا والهَدايا والوَصايا وإسْلافِ المُعْسِرِ بِدُونِ مُراباةٍ. ولَيْسَ في الشَّرِيعَةِ انْتِزاعُ أعْيانِ المَمْلُوكاتِ مِنَ الأُصُولِ، فالِانْتِزاعُ لا يَعْدُو انْتِزاعَ الفَوائِدِ بِالعَدالَةِ والمُساواةِ. وجُمْلَةُ ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ إلى آخِرِها مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، وتَنْكِيرُ ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ لِلتَّقْلِيلِ، أيْ أقَلُّ قَوْلٍ مَعْرُوفٍ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى، والمَعْرُوفُ هو الَّذِي يَعْرِفُهُ النّاسُ، أيْ: لا يُنْكِرُونَهُ، فالمُرادُ بِهِ القَوْلُ الحَسَنُ وهو ضِدُّ الأذى. والمَغْفِرَةُ هُنا يُرادُ بِها التَّجاوُزُ عَنِ الإساءَةِ أيْ تَجاوُزُ المُتَصَدِّقِ عَنِ المُلِحِّ أوِ الجافِي في سُؤالِهِ إلْحاحَهُ أوْ جَفاءَهُ، مِثْلَ الَّذِي يَسْألُ فَيَقُولُ: أعْطِنِي حَقَّ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ. أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ويُرادُ بِها أيْضًا تَجاوُزُ اللَّهِ تَعالى عَنِ الذُّنُوبِ بِسَبَبِ تِلْكَ الصَّدَقَةِ إذا كانَ مَعَها قَوْلٌ مَعْرُوفٌ، وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ الأذى يُوشِكُ أنْ يُبْطِلَ ثَوابَ الصَّدَقَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِلتَّذْكِيرِ بِصِفَتَيْنِ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى لِيَتَخَلَّقَ بِهِما المُؤْمِنُونَ وهُما: الغِنى الرّاجِعُ إلَيْهِ التَّرَفُّعُ عَنْ مُقابَلَةِ العَطِيَّةِ بِما يُبَرِّدُ غَلِيلَ شُحِّ نَفْسِ المُعْطِي، والحِلْمُ الرّاجِعُ إلَيْهِ العَفْوُ والصَّفْحُ عَنْ رُعُونَةِ بَعْضِ العُفاةِ. والإبْطالُ جَعْلُ الشَّيْءِ باطِلًا أيْ زائِلًا غَيْرَ نافِعٍ لِما أُرِيدَ مِنهُ، فَمَعْنى بُطْلانِ العَمَلِ عَدَمُ تَرَتُّبِ أثَرِهِ الشَّرْعِيِّ عَلَيْهِ، سَواءٌ كانَ العَمَلُ واجِبًا أمْ كانَ مُتَطَوَّعًا بِهِ، فَإنْ كانَ العَمَلُ واجِبًا فَبُطْلانُهُ عَدَمُ إجْزائِهِ بِحَيْثُ لا تَبْرَأُ ذِمَّةُ المُكَلَّفِ مِن تَكْلِيفِهِ بِذَلِكَ العَمَلِ، وذَلِكَ إذا اخْتَلَّ رُكْنٌ أوْ شَرْطٌ مِنَ العَمَلِ، وإنْ كانَ العَمَلُ مُتَطَوَّعًا بِهِ رَجَعَ البُطْلانُ إلى عَدَمِ الثَّوابِ عَلى العَمَلِ لِمانِعٍ شَرْعِيٍّ مِنِ اعْتِبارِ ثَوابِهِ وهو المُرادُ هُنا جَمْعًا بَيْنَ أدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ. صفحة ٤٨ وقَوْلُهُ: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ الكافُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو حالٌ مِن ضَمِيرِ (تُبْطِلُوا) أيْ: لا تَكُونُوا في إتْباعِ صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ وهو كافِرٌ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وإنَّما يُعْطِي لِيَراهُ النّاسُ وذَلِكَ عَطاءُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ. فالمَوْصُولُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ﴾ مُرادٌ بِهِ جِنْسٌ ولَيْسَ مُرادٌ بِهِ مُعَيَّنًا ولا واحِدًا، والغَرَضُ مِن هَذا التَّشْبِيهِ تَفْظِيعُ المُشَبَّهِ بِهِ، ولَيْسَ المُرادُ المُماثَلَةَ في الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، جَمْعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ. والرِّئاءُ بِهَمْزَتَيْنِ فِعالٌ مِن رَأى، وهو أنْ يُكْثِرَ مِن إظْهارِ أعْمالِهِ الحَسَنَةِ لِلنّاسِ، فَصِيغَةُ الفِعالِ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ والكَثْرَةِ، وأُولى الهَمْزَتَيْنِ أصْلِيَّةٌ والأخِيرَةُ مُبْدَلَةٌ عَنِ الياءِ بَعْدَ الألِفِ الزّائِدَةِ، ويُقالُ (رِياءٌ) بِياءٍ بَعْدَ الرّاءِ عَلى إبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً بَعْدَ الكَسْرَةِ. والمَعْنى تَشْبِيهُ بَعْضِ المُتَصَدِّقِينَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَتَصَدَّقُونَ طَلَبًا لِلثَّوابِ ويُعْقِبُونَ صَدَقاتِهِمْ بِالمَنِّ والأذى، بِالمُنْفِقِينَ الكافِرِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لا يَطْلُبُونَ مِن إنْفاقِها إلّا الرِّئاءَ والمِدْحَةَ؛ إذْ هم لا يَتَطَلَّبُونَ أجْرَ الآخِرَةِ. ووَجْهُ الشَّبَهِ عَدَمُ الِانْتِفاعِ مِمّا أعْطَوْا بِأزْيَدَ مِن شِفاءِ ما في صُدُورِهِمْ مِن حُبِّ التَّطاوُلِ عَلى الضُّعَفاءِ وشِفاءِ خُلُقِ الأذى المُتَطَبِّعِينَ عَلَيْهِ دُونَ نَفْعٍ في الآخِرَةِ. ومُثِّلَ حالَ الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ المُشَبَّهِ بِهِ تَمْثِيلًا يَسْرِي إلى الَّذِينَ يُتْبِعُونَ صَدَقاتِهِمْ بِالمَنِّ والأذى بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ﴾ إلخ. وضَمِيرُ (مَثَلُهُ) عائِدٌ إلى الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ، لِأنَّهُ لَمّا كانَ تَمْثِيلًا لِحالِ المُشَبَّهِ بِهِ كانَ لا مَحالَةَ تَمْثِيلًا لِحالِ المُشَبَّهِ، فَفي الكَلامِ ثَلاثَةُ تَشْبِيهاتٍ. مَثَّلَ حالَ الكافِرِ الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ بِحالِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ يُغَشِّيهِ، يَعْنِي يَخالُهُ النّاظِرُ تُرْبَةً كَرِيمَةً صالِحَةً لِلْبَذْرِ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: عَلَيْهِ تُرابٌ صالِحٌ لِلزَّرْعِ. فَحُذِفَتْ صِفَةُ التُّرابِ إيجازًا اعْتِمادًا عَلى أنَّ التُّرابَ الَّذِي يَرْقُبُ النّاسُ أنْ يُصِيبَهُ الوابِلُ هو التُّرابُ الَّذِي يَبْذُرُونَ فِيهِ، فَإذا زَرَعَهُ الزّارِعُ وأصابَهُ وابِلٌ وطَمِعَ الزّارِعُ في زَكاءِ زَرْعِهِ جَرَفَهُ الماءُ مِن وجْهِ الصَّفْوانِ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنهُ شَيْئًا وبَقِيَ مَكانُهُ صَلْدًا أمْلَسَ فَخابَ أمَلُ زارِعِهِ. صفحة ٤٩ وهَذا أحْسَنُ وأدَقُّ مِن أنْ نَجْعَلَ المَعْنى تَمْثِيلَ إنْفاقِ الكافِرِ بِحالِ تُرابٍ عَلى صَفْوانٍ أصابَهُ وابِلٌ فَجَرَفَهُ، وأنَّ وجْهَ الشَّبَهِ هو سُرْعَةُ الزَّوالِ وعَدَمُ القَرارِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمُ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] فَإنَّ مَوْرِدَ تِلْكَ الآيَةِ مَقامٌ آخَرُ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ كافَ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ﴾ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما في لَفْظِ (صَدَقاتِهِمْ) مِن مَعْنى الإنْفاقِ، وحُذِفَ مُضافٌ بَيْنَ الكافِ وبَيْنَ اسْمِ المَوْصُولِ، والتَّقْدِيرُ: إنْفاقًا كَإنْفاقِ الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ. وقَدْ رُوعِيَ في هَذا التَّمْثِيلِ عَكْسُ التَّمْثِيلِ لِمَن يُنْفِقُ مالَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ بِحَبَّةٍ أغَلَّتْ سَبْعَمِائَةِ حَبَّةٍ. فالتَّشْبِيهُ تَشْبِيهُ مُرَكَّبٍ مَعْقُولٍ بِمُرَكَّبٍ مَحْسُوسٍ، ووَجْهُ الشَّبَهِ الأمَلُ في حالَةٍ تَغُرُّ بِالنَّفْعِ ثُمَّ لا تَلْبَثُ ألّا تَأْتِيَ لِآمِلِها بِما أمَّلَهُ فَخابَ أمَلُهُ، ذَلِكَ أنَّ المُؤْمِنِينَ لا يَخْلُونَ مِن رَجاءِ حُصُولِ الثَّوابِ لَهم مِن صَدَقاتِهِمْ، ويَكْثُرُ أنْ تَعْرِضَ الغَفْلَةُ لِلْمُتَصَدِّقِ فَيُتْبِعُ صَدَقَتَهُ بِالمَنِّ والأذى انْدِفاعًا مَعَ خَواطِرَ خَبِيثَةٍ. وقَوْلُهُ: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ أُوقِعَ مَوْقِعًا بَدِيعًا مِن نَظْمِ الكَلامِ تَنْهالُ بِهِ مَعانٍ كَثِيرَةٌ فَهو بِمَوْقِعِهِ كانَ صالِحًا لِأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ، فَيَكُونَ مُنْدَرِجًا في الحالَةِ المُشَبَّهَةِ. وإجْراءُ ضَمِيرِ (كَسَبُوا) ضَمِيرَ جَمْعٍ؛ لِتَأْوِيلِ (الَّذِي يُنْفِقُ) بِالجَماعَةِ، وصالِحًا لِأنْ يَكُونَ حالًا مِن (مَثَلِ صَفْوانٍ) بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَثَلٌ. عَلى نَحْوِ ما جُوِّزَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩] إذْ تَقْدِيرُهُ فِيهِ: كَمَثَلِ ذَوِي صَيِّبٍ. فَلِذَلِكَ جاءَ ضَمِيرُهُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ رَعْيًا لِلْمَعْنى وإنْ كانَ لَفْظُ المُعادِ مُفْرَدًا، وصالِحًا لِأنْ يُجْعَلَ اسْتِينافًا بَيانِيًّا لِأنَّ الكَلامَ الَّذِي قَبْلَهُ يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ عَنْ مَغَبَّةِ أمْرِ المُشَبَّهِ، وصالِحًا لِأنْ يُجْعَلَ تَذْيِيلًا وفَذْلَكَةً لِضَرْبِ المَثَلِ، فَهو عَوْدٌ عَنْ بَدْءِ قَوْلِهِ: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ إلى آخِرِ الكَلامِ. صفحة ٥٠ وصالِحًا لِأنْ يُجْعَلَ حالًا مِن (صَفْوانٍ) أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا مِنهُ، وحُذِفَ عائِدُ الصِّلَةِ لِأنَّهُ ضَمِيرٌ مَجْرُورٌ بِما جُرَّ بِهِ اسْمُ المَوْصُولِ، ومَعْنى (لا يَقْدِرُونَ) لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَسْتَرْجِعُوهُ ولا انْتَفَعُوا بِثَوابِهِ فَلَمْ يَبْقَ لَهم مِنهُ شَيْءٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا يُحْسِنُونَ وضْعَ شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا مَوْضِعَهُ، فَهم يَبْذُلُونَ مالَهم لِغَيْرِ فائِدَةٍ تَعُودُ عَلَيْهِمْ في آجالِهِمْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ . والمَعْنى: فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَحْصُدُونَ مِنهُ زَرْعًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ [الكهف: ٤٢] وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ تَذْيِيلٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ. وهَذا التَّذْيِيلُ مَسُوقٌ لِتَحْذِيرِ المُؤْمِنِينَ مِن تَسَرُّبِ أحْوالِ الكافِرِينَ إلى أعْمالِهِمْ، فَإنَّ مِن أحْوالِهِمُ المَنَّ عَلى مَن يُنْفِقُونَ وأذاهُ.

البقرة 2:265

﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرُبْوَةٍ أصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . عُطِفَ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ عَلى ﴿مَثَلُ الَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] لِزِيادَةِ بَيانِ ما بَيْنَ المَرْتَبَتَيْنِ مِنَ البَوْنِ، وتَأْكِيدًا لِلثَّناءِ عَلى المُنْفِقِينَ بِإخْلاصٍ، وتَفَنُّنًا في التَّمْثِيلِ، فَإنَّهُ قَدْ مَثَّلَهُ فِيما سَلَفَ بِحَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ، ومَثَّلَهُ فِيما سَلَفَ تَمْثِيلًا غَيْرَ كَثِيرِ التَّرْكِيبِ، لِتَحْصُلَ السُّرْعَةُ بِتَخَيُّلِ مُضاعَفَةِ الثَّوابِ، فَلَمّا مَثَّلَ حالَ المُنْفِقِ رِئاءً بِالتَّمْثِيلِ الَّذِي مَضى أُعِيدَ تَمْثِيلُ حالِ المُنْفِقِ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ بِما هو أعْجَبُ في حُسْنِ التَّخَيُّلِ، فَإنَّ الأمْثالَ تُبْهِجُ السّامِعَ كُلَّما كانَتْ أكْثَرَ تَرْكِيبًا وضُمِّنَتِ الهَيْئَةُ المُشَبَّهَةُ بِها أحْوالًا حَسَنَةً تُكْسِبُها حُسْنًا لِيَسْرِيَ ذَلِكَ التَّحْسِينُ إلى المُشَبَّهِ، وهَذا مِن جُمْلَةِ مَقاصِدِ التَّشْبِيهِ. صفحة ٥١ وانْتَصَبَ ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا﴾ عَلى الحالِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ بِالوَصْفِ، أيْ مُبْتَغِينَ مَرْضاةَ اللَّهِ ومُثَبِّتِينَ مِن أنْفُسِهِمْ، ولا يَحْسُنُ نَصْبُهُما عَلى المَفْعُولِ لَهُ، أمّا قَوْلُهُ: ”ابْتِغاءَ“ فَلِأنَّ مُفادَ الِابْتِغاءِ هو مُفادُ اللّامِ الَّتِي يَنْتَصِبُ المَفْعُولُ لِأجْلِهِ بِإضْمارِها لِأنَّهُ يَأُولُ إلى مَعْنى: لِأجْلِ طَلَبِهِمْ مَرْضاةَ اللَّهِ، وأمّا قَوْلُهُ ”وتَثْبِيتًا“ فَلِأنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ ما عُطِفَ هو عَلَيْهِ. والتَّثْبِيتُ تَحْقِيقُ الشَّيْءِ وتَرْسِيخُهُ، وهو تَمْثِيلٌ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِكَبْحِ النَّفْسِ عَنِ التَّشَكُّكِ والتَّرَدُّدِ. أيْ أنَّهم يَمْنَعُونَ أنْفُسَهم مِنَ التَّرَدُّدِ في الإنْفاقِ في وُجُوهِ البِرِّ ولا يَتْرُكُونَ مَجالًا لِخَواطِرِ الشُّحِّ، وهَذا مِن قَوْلِهِمْ: ثَبَتَ قَدَمُهُ، أيْ: لَمْ يَتَرَدَّدْ ولَمْ يَنْكِصْ، فَإنَّ إراضَةَ النَّفْسِ عَلى فِعْلِ ما يَشُقُّ عَلَيْها لَها أثَرٌ في رُسُوخِ الأعْمالِ حَتّى تَعْتادَ الفَضائِلَ وتَصِيرَ لَها دَيْدَنًا. وإنْفاقُ المالِ مِن أعْظَمِ ما تَرَسُخُ بِهِ الطّاعَةُ في النَّفْسِ لِأنَّ المالَ لَيْسَ أمْرًا هَيِّنًا عَلى النَّفْسِ، وتَكُونُ (مِن) عَلى هَذا الوَجْهِ لِلتَّبْعِيضِ، لَكِنَّهُ تَبْعِيضٌ مَجازِيٌّ بِاعْتِبارِ الأحْوالِ، أيْ تَثْبِيتًا لِبَعْضِ أحْوالِ النَّفْسِ. ومُوقِعُ (مِن) هَذِهِ في الكَلامِ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِنْزالِ والِاقْتِصادِ في تَعَلُّقِ الفِعْلِ، بِحَيْثُ لا يُطْلَبُ تَسَلُّطُ الفِعْلِ عَلى جَمِيعِ ذاتِ المَفْعُولِ بَلْ يُكْتَفى بِبَعْضِ المَفْعُولِ، والمَقْصُودُ التَّرْغِيبُ في تَحْصِيلِ الفِعْلِ والِاسْتِدْراجُ إلى تَحْصِيلِهِ، وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ يَقْتَضِي أنَّهُ جَعَلَ التَّبْعِيضَ فِيها حَقِيقِيًّا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (تَثْبِيتًا) تَمْثِيلًا لِلتَّصْدِيقِ، أيْ: تَصْدِيقًا لِوَعْدِ اللَّهِ وإخْلاصًا في الدِّينِ لِيُخالِفَ حالَ المُنافِقِينَ، فَإنَّ امْتِثالَ الأحْكامِ الشّاقَّةِ لا يَكُونُ إلّا عَنْ تَصْدِيقٍ لِلْآمِرِ بِها، أيْ يَدُلُّونَ عَلى تَثْبِيتٍ مِن أنْفُسِهِمْ. و(مِن) عَلى هَذا الوَجْهِ ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ تَصْدِيقًا صادِرًا مِن أنْفُسِهِمْ. ويَجِيءُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ التَّثْبِيتِ مَعْنًى أخْلاقِيٌّ جَلِيلٌ أشارَ إلَيْهِ الفَخْرُ، وهو ما تَقَرَّرَ في الحِكْمَةِ الخُلُقِيَّةِ أنَّ تَكَرُّرَ الأفْعالِ هو الَّذِي يُوجِبُ حُصُولَ المَلَكَةِ الفاضِلَةِ في النَّفْسِ، بِحَيْثُ تَنْساقُ عَقِبَ حُصُولِها إلى الكَمالاتِ بِاخْتِيارِها، وبِلا كُلْفَةٍ ولا صفحة ٥٢ ضَجَرٍ، فالإيمانُ يَأْمُرُ بِالصَّدَقَةِ وأفْعالِ البِرِّ، والَّذِي يَأْتِي تِلْكَ المَأْمُوراتِ يُثَبِّتُ نَفْسَهُ بِأخْلاقِ الإيمانِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ تَصِيرُ الآيَةُ تَحْرِيضًا عَلى تَكْرِيرِ الإنْفاقِ. ومُثِّلَ هَذا الإنْفاقُ بِجَنَّةٍ بِرُبْوَةٍ إلخ، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو الهَيْئَةُ الحاصِلَةُ مِن مَجْمُوعِ أشْياءَ تَكامَلَ بِها تَضْعِيفُ المَنفَعَةِ، فالهَيْئَةُ المُشَبَّهَةُ هي النَّفَقَةُ الَّتِي حَفَّ بِها طَلَبُ رِضا اللَّهِ والتَّصْدِيقُ بِوَعْدِهِ فَضُوعِفَتْ أضْعافًا كَثِيرَةً أوْ دُونَها في الكَثْرَةِ، والهَيْئَةُ المُشَبَّهَةُ بِها هي هَيْئَةُ الجَنَّةِ الطَّيِّبَةِ المَكانِ الَّتِي جاءَها التَّهْتانُ فَزَكا ثَمَرُها وتَزايَدَ فَأُكْمِلَتِ الثَّمَرَةُ، أوْ أصابَها طَلٌّ فَكانَتْ دُونَ ذَلِكَ. والجَنَّةُ مَكانٌ مِنَ الأرْضِ ذُو شَجَرٍ كَثِيرٍ بِحَيْثُ يُجَنُّ - أيْ يُسْتَرُ - الكائِنُ فِيها، فاسْمُها مُشْتَقٌّ مِن جَنَّ: إذا سَتَرَ، وأكْثَرُ ما تُطْلَقُ الجَنَّةُ في كَلامِهِمْ عَلى ذاتِ الشَّجَرِ المُثْمِرِ المُخْتَلِفِ الأصْنافِ، فَأمّا ما كانَ مَغْرُوسًا نَخِيلًا بَحْتًا فَإنَّما يُسَمّى حائِطًا، والمُشْتَهِرُ في بِلادِ العَرَبِ مِنَ الشَّجَرِ المُثْمِرِ غَيْرِ النَّخِيلِ هو الكَرْمُ وثَمَرُهُ العِنَبُ أشْهَرُ الثِّمارِ في بِلادِهِمْ بَعْدَ التَّمْرِ، فَقَدْ كانَ الغالِبُ عَلى بِلادِ اليَمَنِ والطّائِفِ، ومِن ثِمارِهِمُ الرُّمّانُ، فَإنْ كانَ النَّخْلُ مَعَها قِيلَ لَها جَنَّةٌ أيْضًا كَما في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَنَّةَ لا يُرادُ بِها حائِطُ النَّخْلِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ والنَّخْلَ والزَّرْعَ﴾ [الأنعام: ١٤١] فَعَطَفَ النَّخْلَ عَلى الجَنّاتِ، وذَكَرَ العَرِيشَ وهو مِمّا يُجْعَلُ لِلْكَرْمِ، هَذا ما يُسْتَخْلَصُ مِن كَلامِ عُلَماءِ اللُّغَةِ. وقَدْ حَصَلَ مِن تَمْثِيلِ حالِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ بِحَبَّةٍ ثُمَّ بِجَنَّةٍ جِناسٌ مُصَحَّفٌ. والرَّبْوَةُ بِضَمِّ الرّاءِ وفَتْحِها مَكانٌ مِنَ الأرْضِ مُرْتَفِعٌ دُونَ الجُبَيْلِ، وقَرَأ جُمْهُورُ العَشَرَةِ ”بِرُبْوَة“، بِضَمِّ الرّاءِ وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ بِفَتْحِ الرّاءِ، وتَخْصِيصُ الجَنَّةِ بِأنَّها في رَبْوَةٍ لِأنَّ أشْجارَ الرُّبى تَكُونُ أحْسَنَ مَنظَرًا وأزْكى ثَمَرًا فَكانَ لِهَذا القَيْدِ فائِدَتانِ إحْداهُما قُوَّةُ وجْهِ الشَّبَهِ كَما أفادَهُ قَوْلُ (ضِعْفَيْنِ) والثّانِيَةُ تَحْسِينُ المُشَبَّهِ بِهِ الرّاجِعُ إلى تَحْسِينِ المُشَبَّهِ في تَخَيُّلِ السّامِعِ. صفحة ٥٣ و(الأُكْلُ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكافِ وبِضَمِّ الكافِ أيْضًا، وقَدْ قِيلَ إنَّ كُلَّ (فُعْلٍ) في كَلامِ العَرَبِ فَهو مُخَفَّفُ (فُعُلٍ)؛ كَعُنْقٍ وفُلْكٍ وحُمْقٍ. وهو في الأصْلِ ما يُؤْكَلُ، وشاعَ في ثِمارِ الشَّجَرِ، قالَ تَعالى: ﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ [سبإ: ١٦] وقالَ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها﴾ [إبراهيم: ٢٥] وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ (أُكْلَها) بِسُكُونِ الكافِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِضَمِّ الكافِ. وقَوْلُهُ: ”ضِعْفَيْنِ“ التَّثْنِيَةُ فِيهِ لِمُجَرَّدِ التَّكْرِيرِ، مِثْلُ لَبَّيْكَ، أيْ آتَتْ أُكُلَها مُضاعَفًا عَلى تَفاوُتِها. وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ أيْ فَإنْ لَمْ يُصِبْها مَطَرٌ غَزِيرٌ كَفاها مَطَرٌ قَلِيلٌ فَآتَتْ أُكُلَها دُونَ الضِّعْفَيْنِ، والمَعْنى أنَّ الإنْفاقَ لِابْتِغاءِ مَرْضاةِ اللَّهِ لَهُ ثَوابٌ عَظِيمٌ، وهو مَعَ ذَلِكَ مُتَفاوِتٌ عَلى تَفاوُتِ مِقْدارِ الإخْلاصِ في الِابْتِغاءِ والتَّثْبِيتِ كَما تَتَفاوَتُ أحْوالُ الجَنّاتِ الزَّكِيَّةِ في مِقْدارِ زَكائِها ولَكِنَّها لا تُخَيِّبُ صاحِبَها.

البقرة 2:266

﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ وأصابَهُ الكِبَرُ ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأصابَها إعْصارٌ فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ . اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أثارَهُ ضَرْبُ المَثَلِ العَجِيبِ لِلْمُنْفِقِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ، ومَثَلِ جَنَّةٍ بِرُبْوَةٍ إلى آخِرِ ما وُصِفَ مِنَ المَثَلَيْنِ، ولَمّا أُتْبِعَ بِما يُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِلْمُنْفِقِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى، ثُمَّ أُتْبِعَ بِالنَّهْيِ عَنْ أنْ يُتْبِعُوا صَدَقاتِهِمْ بِالمَنِّ والأذى - اسْتَشْرَفَتْ نَفْسُ السّامِعِ لِتَلَقِّي مَثَلٍ لَهم يُوَضِّحُ حالَهُمُ الذَّمِيمَةَ كَما ضُرِبَ المَثَلُ لِمَن كانُوا بِضِدِّ حالِهِمْ في حالَةٍ مَحْمُودَةٍ. ضَرَبَ اللَّهُ هَذا مَثَلًا لِمُقابِلِ مَثَلِ النَّفَقَةِ لِمَرْضاةِ اللَّهِ والتَّصْدِيقِ. وهو نَفَقَةُ الرِّئاءِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو حُصُولُ خَيْبَةٍ ويَأْسٍ في وقْتِ تَمامِ الرَّجاءِ وإشْرافِ الإنْتاجِ، فَهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ صفحة ٥٤ ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦٥] الآيَةَ، وقَدْ وصَفَ الجَنَّةَ بِأعْظَمِ ما يَحْسُنُ بِهِ أحْوالُ الجَنّاتِ وما يُرْجى مِنهُ تَوَفُّرُ رَيْعِها، ثُمَّ وصَفَ صاحِبَها بِأقْصى صِفاتِ الحاجَةِ إلى فائِدَةِ جَنَّتِهِ، بِأنَّهُ ذُو عِيالٍ فَهو في حاجَةٍ إلى نَفْعِهِمْ، وأنَّهم ضُعَفاءُ، أيْ صِغارٌ، إذِ الضَّعِيفُ في لِسانِ العَرَبِ هو القاصِرُ، ويُطْلَقُ الضَّعِيفُ عَلى الفَقِيرِ أيْضًا، قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أوْ ضَعِيفًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقالَ أبُو خالِدٍ العَتّابِيُّ: لَقَدْ زادَ الحَياةَ إلَيَّ حُبًّا بَناتِي إنَّهُنَّ مِنَ الضِّعافِ وقَدْ أصابَهُ الكِبَرُ فَلا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الكَسْبِ غَيْرَ تِلْكَ الجَنَّةِ. فَهَذِهِ أشَدُّ أحْوالِ الحِرْصِ كَقَوْلِ الأعْشى: كَجابِيَةِ الشَّيْخِ العِراقِيِّ تَفْهَقُ فَحَصَلَ مِن تَفْصِيلِ هَذِهِ الحالَةِ أعْظَمُ التَّرَقُّبِ لِثَمَرَةِ هَذِهِ الجَنَّةِ كَما كانَ المُعْطِي صَدَقَتَهُ في تَرَقُّبٍ لِثَوابِها. ”فَأصابَها إعْصارٌ“ أيْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ تَقْلَعُ الشَّجَرَ والنَّباتَ، فِيها نارٌ أيْ شِدَّةُ حَرارَةٍ، وهي المُسَمّاةُ بِرِيحِ السَّمُومِ، فَإطْلاقُ لَفْظِ نارٍ عَلى شِدَّةِ الحَرِّ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، فَأحْرَقَتِ الجَنَّةَ (أيْ أشْجارَها) أيْ صارَتْ أعْوادُها يابِسَةً، فَهَذا مُفاجَأةُ الخَيْبَةِ في حِينِ رَجاءِ المَنفَعَةِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ”أيَوَدُّ“ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَحْذِيرٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢] والهَيْئَةُ المُشَبَّهَةُ مَحْذُوفَةٌ وهي هَيْئَةُ المُنْفِقِ نَفَقَةً مُتْبَعَةً بِالمَنِّ والأذى. رَوى البُخارِيُّ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سَألَ يَوْمًا أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَ تَرَوْنَ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ: ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ الآيَةَ، فَقالَ بَعْضُهُمُ: اللَّهُ أعْلَمُ. فَغَضِبَ عُمَرُ وقالَ: (قُولُوا نَعْلَمُ أوْ لا نَعْلَمُ) . فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (في نَفْسِي مِنها شَيْءٌ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ) . فَقالَ عُمَرُ: يا ابْنَ أخِي قُلْ ولا تَحْقِرْ نَفْسَكَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ. قالَ عُمَرُ: (أيُّ عَمَلٍ) . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِعَمَلٍ. قالَ: صَدَقْتَ: لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بِطاعَةِ اللَّهِ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِ شَيْطانًا لَمّا فَنِيَ عُمْرُهُ فَعَمِلَ في المَعاصِي حَتّى أحْرَقَ عَمَلَهُ. صفحة ٥٥ وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ تَذْيِيلٌ؛ أيْ كَهَذا البَيانِ الَّذِي فِيهِ تَقْرِيبُ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ بَيَّنَ اللَّهُ نُصْحًا لَكم، رَجاءَ تَفَكُّرِكم في العَواقِبِ حَتّى لا تَكُونُوا عَلى غَفْلَةٍ، والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ نَحْوُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .

البقرة 2:267

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجَنا لَكم مِنَ الأرْضِ ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيُّ حَمِيدٌ﴾ . إفْضاءٌ إلى المَقْصُودِ وهو الأمْرُ بِالصَّدَقاتِ بَعْدَ أنْ قُدِّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَواعِظُ وتَرْغِيبٌ وتَحْذِيرٌ، وهو طَرِيقَةٌ بَلاغِيَّةٌ في الخَطابَةِ والخِطابِ، فَرُبَّما قَدَّمُوا المَطْلُوبَ ثُمَّ جاءُوا بِما يُكْسِبُهُ قَبُولًا عِنْدَ السّامِعِينَ، ورُبَّما قَدَّمُوا ما يُكْسِبُ القَبُولَ قَبْلَ المَقْصُودِ كَما هُنا، وهَذا مِنِ ارْتِكابِ خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ في تَرْتِيبِ الجُمَلِ، ونُكْتَةُ ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ شاعَ بَيْنَ النّاسِ التَّرْغِيبُ في الصَّدَقَةِ وتَكَرَّرَ ذَلِكَ في نُزُولِ القُرْآنِ فَصارَ غَرَضًا دِينِيًّا مَشْهُورًا، وكانَ الِاهْتِمامُ بِإيضاحِهِ والتَّرْغِيبُ في أحْوالِهِ والتَّنْفِيرُ مِن نَقائِصِهِ أجْدَرَ بِالبَيانِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُ عَلِيٍّ في خُطْبَتِهِ الَّتِي خَطَبَها حِينَ دَخَلَ سُفْيانُ الغامِدِيُّ - أحَدَ قُوّادِ أهْلِ الشّامِ - بَلَدَ الأنْبارِ - وهي مِنَ البِلادِ المُطِيعَةِ لِلْخَلِيفَةِ عَلِيٍّ - وقَتَلُوا عامِلَها حَسّانَ بْنَ حَسّانَ البَكْرِيَّ: أمّا بَعْدُ فَإنَّ مَن تَرَكَ الجِهادَ رَغْبَةً عَنْهُ ألْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ الذُّلِّ، وشَمِلَهُ البَلاءُ، ودُيِّثَ بِالصَّغارِ، وضُرِبَ عَلى قَلْبِهِ، وسِيمَ الخَسْفَ، ومُنِعَ النَّصَفَ، ألا وإنِّي قَدْ دَعَوْتُكم إلى قِتالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لَيْلًا ونَهارًا وقُلْتُ لَكُمُ اغْزُوهم قَبْلَ أنْ يَغْزُوكم، فَواللَّهِ ما غُزِيَ قَوْمٌ في عُقْرِ دارِهِمْ إلّا ذُلُّوا، فَتَواكَلْتُمْ، هَذا أخُو غامِدٍ قَدْ ورَدَتْ خَيْلُهُ الأنْبارَ. . . إلخ. وانْظُرْ كَلِمَةَ الجِهادِ في هَذِهِ الخُطْبَةِ فَلَعَلَّ أصْلَها القِتالُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: إلى قِتالِ هَؤُلاءِ. فَحَرَّفَها قاصِدٌ أوْ غافِلٌ، ولا إخالُها تَصْدُرُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . صفحة ٥٦ والأمْرُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ، فَتَكُونَ الآيَةُ في الأمْرِ بِالزَّكاةِ، أوْ لِلنَّدَبِ، فَهي في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، أوْ هو لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ في الطَّلَبِ فَتَشْمَلُ الزَّكاةَ وصَدَقَةَ التَّطَوُّعِ، والأدِلَّةُ الأُخْرى تُبَيِّنُ حُكْمَ كُلٍّ، والقَيْدُ بِالطَّيِّباتِ يُناسِبُ تَعْمِيمَ النَّفَقاتِ. والمُرادُ بِالطَّيِّباتِ خِيارُ الأمْوالِ، فَيُطْلَقُ الطَّيِّبُ عَلى الأحْسَنِ في صِنْفِهِ، والكَسْبُ ما يَنالُهُ المَرْءُ بِسَعْيِهِ كالتِّجارَةِ والغَنِيمَةِ والصَّيْدِ، ويُطْلَقُ الطَّيِّبُ عَلى المالِ المُكْتَسَبِ بِوَجْهٍ حَلالٍ لا يُخالِطُهُ ظُلْمٌ ولا غِشٌّ، وهو الطَّيِّبُ عِنْدَ اللَّهِ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «مَن تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ ولا يَقْبَلُ اللَّهُ إلّا طِيبًا تَلَقّاها الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ» الحَدِيثَ، وفي الحَدِيثِ الآخَرِ: «إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلّا طَيِّبًا» . ولَمْ يَذْكُرِ الطَّيِّباتِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ اكْتِفاءً بِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في قَسِيمِهِ، ويَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يُقَيَّدْ بِالطَّيِّباتِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أخْرَجْنا لَكُمْ﴾ أشْعَرَ بِأنَّهُ مِمّا اكْتَسَبَهُ المَرْءُ بِعَمَلِهِ بِالحَرْثِ والغَرْسِ ونَحْوِ ذَلِكَ، لِأنَّ الأمْوالَ الخَبِيثَةَ تُحَصَّلُ غالِبًا مِن ظُلْمِ النّاسِ أوِ التَّحَيُّلِ عَلَيْهِمْ وغِشِّهِمْ وذَلِكَ لا يَتَأتّى في الثَّمَراتِ المُسْتَخْرَجَةِ مِنَ الأرْضِ غالِبًا. والمُرادُ بِما أُخْرِجَ مِنَ الأرْضِ الزُّرُوعُ والثِّمارُ، فَمِنهُ ما يَخْرُجُ بِنَفْسِهِ، ومِنهُ ما يُعالَجُ بِأسْبابِهِ كالسَّقْيِ لِلشَّجَرِ والزَّرْعِ، ثُمَّ يُخْرِجُهُ اللَّهُ بِما أوْجَدَ مِنَ الأسْبابِ العادِيَّةِ، وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَدَّ المَعادِنَ داخِلَةً في ﴿مِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ وتَجِبُ عَلى المَعْدِنِ الزَّكاةُ عِنْدَ مالِكٍ إذا بَلَغَ مِقْدارَ النِّصابِ، وفِيهِ رُبُعُ العُشْرِ، وهو مِنَ الأمْوالِ المَفْرُوضَةِ ولَيْسَ بِزَكاةٍ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، ولِذَلِكَ قالَ: فِيهِ الخُمُسُ، وبَعْضُهم عَدَّ الرِّكازَ داخِلًا فِيما أُخْرِجَ مِنَ الأرْضِ ولَكِنَّهُ يُخَمَّسُ، وأُلْحِقَ في الحُكْمِ بِالغَنِيمَةِ عِنْدَ المالِكِيَّةِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِـ (ما كَسَبْتُمُ) الأمْوالُ المُزَكّاةُ مِنَ العَيْنِ والماشِيَةِ، وبِالمُخْرَجِ مِنَ الأرْضِ الحُبُوبُ والثِّمارُ المُزَكّاةُ. وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ أصْلُ (تَيَمَّمُوا) تَتَيَمَّمُوا، حُذِفَتْ تاءُ المُضارَعَةِ في المُضارِعِ وتَيَمَّمَ بِمَعْنى قَصَدَ وعَمَدَ. والخَبِيثُ: الشَّدِيدُ سُوءًا في صِنْفِهِ؛ فَلِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلى الحَرامِ وعَلى المُسْتَقْذَرِ. قالَ تَعالى: ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وهو الضِّدُّ الأقْصى لِلطَّيِّبِ، فَلا يُطْلَقُ عَلى الرَّدِيءِ إلّا عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ، ووُقُوعُ لَفْظِهِ في سِياقِ النَّهْيِ يُفِيدُ عُمُومَ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اللَّفْظُ. صفحة ٥٧ وجُمْلَةُ ﴿مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ حالٌ والجارُّ والمَجْرُورُ لِلْحالِ قُدِّما عَلَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ، أيْ لا تَقْصِدُوا الخَبِيثَ في حالِ ألّا تُنْفِقُوا إلّا مِنهُ، لِأنَّ مَحَلَّ النَّهْيِ أنْ يُخْرِجَ الرَّجُلُ صَدَقَتَهُ مِن خُصُوصِ رَدِيءِ مالِهِ، أمّا إخْراجُهُ مِنَ الجَيِّدِ ومِنَ الرَّدِيءِ فَلَيْسَ بِمَنهِيٍّ لاسِيَّما في الزَّكاةِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّهُ يُخْرِجُ عَنْ كُلِّ ما هو عِنْدَهُ مِن نَوْعِهِ، وفي حَدِيثِ المُوَطَّأِ في البُيُوعِ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أرْسَلَ عامِلًا عَلى صَدَقاتِ خَيْبَرَ فَأتاهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقالَ لَهُ: أكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذا ؟ قالَ: لا، ولَكِنِّي أبِيعُ الصّاعَيْنِ مِنَ الجَمْعِ بِصاعٍ مِن جَنِيبٍ. فَقالَ لَهُ: بِعِ الجَمْعَ بِالدَّراهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّراهِمِ جَنِيبًا» . فَدَلَّ عَلى أنَّ الصَّدَقَةَ تُؤْخَذُ مَن كُلِّ نِصابٍ مِن نَوْعِهِ، ولَكِنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ أنْ يَخُصَّ الصَّدَقَةَ بِالأصْنافِ الرَّدِيئَةِ، وأمّا في الحَيَوانِ فَيُؤْخَذُ الوَسَطُ لِتَعَذُّرِ التَّنْوِيعِ غالِبًا إلّا إذا أكْثَرَ عَدَدَهُ فَلا إشْكالَ في تَقْدِيرِ الظَّرْفِ هُنا. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”تَيَمَّمُوا“ بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ وصْلًا وابْتِداءً، أصْلُهُ تَتَيَمَّمُوا. وقَرَأهُ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِتَشْدِيدِ التّاءِ في الوَصْلِ عَلى اعْتِبارِ الإدْغامِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن ضَمِيرِ ”تُنْفِقُونَ“ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ مِنَ الإخْبارِ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ الحالِ تَعْلِيلًا لِنَهْيِهِمْ عَنِ الإنْفاقِ مِنَ المالِ الخَبِيثِ شَرْعًا بِقِياسِ الإنْفاقِ مِنهُ عَلى اكْتِسابِهِ قِياسَ مُساواةٍ، أيْ كَما تَكْرَهُونَ كَسْبَهُ كَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ تَكْرَهُوا إعْطاءَهُ، وكَأنَّ كَراهِيَةَ كَسْبِهِ كانَتْ مَعْلُومَةً لَدَيْهِمْ مُتَقَرِّرَةً في نُفُوسِهِمْ، ولِذَلِكَ وقَعَ القِياسُ عَلَيْها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مُسْتَعْمَلًا في النَّهْيِ عَنْ أخْذِ المالِ الخَبِيثِ، فَيَكُونُ الكَلامُ مُنْصَرِفًا إلى غَرَضٍ ثانٍ وهو النَّهْيُ عَنْ أخْذِ المالِ الخَبِيثِ والمَعْنى: لا تَأْخُذُوهُ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ هو مُقْتَضٍ تَحْرِيمَ أخْذِ المالِ المَعْلُومَةِ حُرْمَتُهُ عَلى مَن هو بِيَدِهِ ولا يُحِلُّهُ انْتِقالُهُ إلى غَيْرِهِ. والإغْماضُ إطْباقُ الجَفْنِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى لازِمِ ذَلِكَ، فَيُطْلَقُ تارَةً عَلى الهَناءِ والِاسْتِراحَةِ لِأنَّ مِن لَوازِمِ الإغْماضِ راحَةَ النّائِمِ. قالَ الأعْشى: عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فاغْتَمِضِي جَفْنًا فَإنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجَعا صفحة ٥٨ أرادَ فاهْنَئِي. ويُطْلَقُ تارَةً عَلى لازَمِهِ مِن عَدَمِ الرُّؤْيَةِ فَيَدُلُّ عَلى التَّسامُحِ في الأمْرِ المَكْرُوهِ كَقَوْلِ الطِّرِمّاحِ: لَمْ يَفُتْنا بِالوِتْرِ قَوْمٌ ولِلضَّيْ ∗∗∗ مِ رِجالٌ يَرْضَوْنَ بِالإغْماضِ فَإذا أرادُوا المُبالَغَةَ في التَّغافُلِ عَنِ المَكْرُوهِ قالُوا: أغْمَضَ عَيْنَهُ عَلى قَذًى، وذَلِكَ لِأنَّ إغْماضَ الجَفْنِ مَعَ وُجُودِ القَذى في العَيْنِ، لِقَصْدِ الرّاحَةِ مِن تَحَرُّكِ القَذى. قالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ زُرارَةَ الكَلّائِيُّ: وأغْمَضْتُ العُيُونَ عَلى قَذاها ∗∗∗ ولَمْ أسْمَعْ إلى قالٍ وقِيلِ والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِن جَعْلِ الكَلامِ إخْبارًا هو تَقْيِيدٌ لِلنَّفْيِ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي مِن جَعْلِ النَّفْيِ بِمَعْنى النَّهْيِ فَهو مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ؛ أما لا تَأْخُذُوهُ إلّا إذا تَغاضَيْتُمْ عَنِ النَّهْيِ وتَجاهَلْتُمُوهُ. وقَوْلُهُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ تَذْيِيلٌ، أيْ غَنِيٌّ عَنْ صَدَقاتِكُمُ الَّتِي لا تَنْفَعُ الفُقَراءَ، أوِ الَّتِي فِيها اسْتِساغَةُ الحَرامِ، حَمِيدٌ، أيْ: شاكِرٌ لِمَن تَصَدَّقَ صَدَقَةً طَيِّبَةً، وافْتَتَحَهُ بِـ ”اعْلَمُوا“ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] أوْ نُزِّلَ المُخاطَبُونَ الَّذِينَ نُهُوا عَنِ الإنْفاقِ مِنَ الخَبِيثِ مَنزِلَةَ مَن لا يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ فَأعْطَوْا لِوَجْهِهِ ما يَقْبَلُهُ المُحْتاجُ بِكُلِّ حالٍ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ يَحْمَدُ مَن يُعْطِي لِوَجْهِهِ مِن طَيِّبِ الكَسْبِ. والغَنِيُّ الَّذِي لا يَحْتاجُ إلى ما تَكْثُرُ حاجَةُ غالِبِ النّاسِ إلَيْهِ، ولِلَّهِ الغِنى المُطْلَقُ فَلا يُعْطى لِأجْلِهِ ولِامْتِثالِ أمْرِهِ إلّا خَيْرَ ما يُعْطِيهِ أحَدٌ لِلْغَنِيِّ عَنِ المالِ. والحَمِيدُ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ، أيْ: شَدِيدُ الحَمْدِ، لِأنَّهُ يُثْنِي عَلى فاعِلِي الخَيْراتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ مَحْمُودٌ، فَيَكُونُ ”حَمِيدٌ“ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ فَتَخَلَّقُوا بِذَلِكَ؛ لِأنَّ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى كَمالاتٌ، فَكُونُوا أغْنِياءَ القُلُوبِ عَنِ الشُّحِّ مَحْمُودِينَ عَلى صَدَقاتِكم، ولا تُعْطُوا صَدَقاتٍ تُؤْذِنُ بِالشُّحِّ ولا تُشْكَرُونَ عَلَيْها.

البقرة 2:268

صفحة ٥٩ ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ . اسْتِئْنافٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] لِأنَّ الشَّيْطانَ يَصُدُّ النّاسَ عَنْ إعْطاءِ خِيارِ أمْوالِهِمْ، ويُغْرِيهِمْ بِالشُّحِّ أوْ بِإعْطاءِ الرَّدِيءِ والخَبِيثِ، ويُخَوِّفُهم مِنَ الفَقْرِ إنْ أعْطَوْا بَعْضَ مالِهِمْ. وقَدَّمَ اسْمَ الشَّيْطانِ مُسْنَدًا إلَيْهِ لِأنَّ تَقْدِيمَهُ مُؤْذِنٌ بِذَمِّ الحُكْمِ الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ وشُؤْمِهِ لِتَحْذِيرِ المُسْلِمِينَ مِن هَذا الحُكْمِ، كَما يُقالُ في مِثالِ عِلْمِ المَعانِي: السَّفّاحُ في دارِ صَدِيقِكَ، ولِأنَّ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ تَقْوِيَةَ الحُكْمِ وتَحْقِيقَهُ. ومَعْنى (يَعِدُكم): يُسَوِّلُ لَكم وُقُوعَهُ في المُسْتَقْبَلِ إذا أنْفَقْتُمْ خِيارَ أمْوالِكم، وذَلِكَ بِما يُلْقِيهِ في قُلُوبِ الَّذِينَ تَخَلَّقُوا بِالأخْلاقِ الشَّيْطانِيَّةِ، وسُمِّيَ الإخْبارُ بِحُصُولِ أمْرٍ في المُسْتَقْبَلِ وعْدًا مَجازًا لِأنَّ الوَعْدَ إخْبارٌ بِحُصُولِ شَيْءٍ في المُسْتَقْبَلِ مِن جِهَةِ المُخْبِرِ، ولِذَلِكَ يُقالُ: أنْجَزَ فُلانٌ وعْدَهُ أوْ أخْلَفَ وعْدَهُ، ولا يَقُولُونَ أنْجَزَ خَبَرَهُ، ويَقُولُونَ صَدَقَ خَبَرَهُ وصَدَقَ وعْدَهُ، فالوَعْدُ أخَصُّ مِنَ الخَبَرِ، وبِذَلِكَ يُؤْذِنُ كَلامُ أئِمَّةِ اللُّغَةِ، فَشَبَّهَ إلْقاءَ الشَّيْطانِ في نُفُوسِهِمْ تَوَقُّعَ الفَقْرِ بِوَعْدٍ مِنهُ بِحُصُولِهِ لا مَحالَةَ، ووَجْهُ الشَّبَهِ ما في الوَعْدِ مِن مَعْنى التَّحَقُّقِ، وحُسْنُ هَذا المَجازِ هُنا مُشاكَلَتُهُ لِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً﴾ فَإنَّهُ وعْدٌ حَقِيقِيٌّ. ثُمَّ إنَّ كانَ الوَعْدُ يُطْلَقُ عَلى التَّعَهُّدِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ، كَما هو كَلامُ القامُوسِ تَبَعًا لِفَصِيحِ ثَعْلَبٍ، فَفي قَوْلِهِ: ﴿يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ مَجازٌ واحِدٌ، وإنْ كانَ خاصًّا بِالخَيْرِ كَما هو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ في الأساسِ، فَفي قَوْلِهِ: ﴿يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ مَجازانِ. والفَقْرُ شِدَّةُ الحاجَةِ إلى لَوازِمِ الحَياةِ لِقِلَّةِ أوْ فَقْدِ ما يُعاوِضُ بِهِ، وهو مُشْتَقٌّ مِن فِقارِ الظَّهْرِ، فَأصْلُهُ مَصْدَرُ: فَقَرَهُ: إذا كَسَرَ ظَهْرَهُ، جَعَلُوا العاجِزَ بِمَنزِلَةِ مَن لا يَسْتَطِيعُ أدْنى حَرَكَةٍ؛ لِأنَّ الظَّهْرَ هو مَجْمَعُ الحَرَكاتِ، ومِن هَذا تَسْمِيَتُهُمُ المُصِيبَةَ فاقِرَةً، وقاصِمَةَ الظَّهْرِ، ويُقالُ: فَقْرٌ وفَقَرٌ وفُقْرٌ وفُقُرٌ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وبِفَتْحَتَيْنِ، وبِضَمٍّ فَسُكُونٍ، وبِضَمَّتَيْنِ، ويُقالُ رَجُلٌ فَقِيرٌ، ويُقالُ: رَجُلٌ فَقْرٌ، وصْفا بِالمَصْدَرِ. صفحة ٦٠ والفَحْشاءُ اسْمٌ لِفِعْلٍ أوْ قَوْلٍ شَدِيدِ السُّوءِ، واسْتِحْقاقِ الذَّمِّ عُرْفًا أوْ شَرْعًا، مُشْتَقٌّ مِنَ الفُحْشِ - بِضَمِّ الفاءِ وسُكُونِ الحاءِ - تَجاوُزِ الحَدِّ، وخَصَّهُ الِاسْتِعْمالُ بِالتَّجاوُزِ في القَبِيحِ، أيْ يَأْمُرُكم بِفِعْلٍ قَبِيحٍ، وهَذا ارْتِقاءٌ في التَّحْذِيرِ مِنَ الخَواطِرِ الشَّيْطانِيَّةِ الَّتِي تَدْعُو إلى الأفْعالِ الذَّمِيمَةِ. ولَيْسَ المُرادُ بِالفَحْشاءِ البُخْلَ لِأنَّ لَفْظَ الفَحْشاءِ لا يُطْلَقُ عَلى البُخْلِ، وإنْ كانَ البَخِيلُ يُسَمّى فاحِشًا، وإطْلاقُ الأمْرِ عَلى وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ وتَأْثِيرِ قُوَّتِهِ في النُّفُوسِ مَجازٌ لِأنَّ الأمْرَ في الحَقِيقَةِ مِن أقْسامِ الكَلامِ، والتَّعْرِيفُ في (الفَحْشاءِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ. * * * ﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلًا واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ لِإظْهارِ الفَرْقِ بَيْنَ ما تَدْعُو إلَيْهِ وساوِسُ الشَّيْطانِ وما تَدْعُو إلَيْهِ أوامِرُ اللَّهِ تَعالى، والوَعْدُ فِيهِ حَقِيقَةٌ لا مَحالَةَ، والقَوْلُ في تَقْدِيمِ اسْمِ الجَلالَةِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعِدُكُمْ﴾ عَلى طَرِيقَةِ القَوْلِ في تَقْدِيمِ اسْمِ الشَّيْطانِ في قَوْلِهِ: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ . ومَعْنى ”واسِعٌ“: أنَّهُ واسِعُ الفَضْلِ، والوَصْفُ بِالواسِعِ مُشْتَقٌّ مِن (وسِعَ) المُتَعَدِّي: إذا عَمَّ بِالعَطاءِ ونَحْوِهِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] وتَقُولُ العَرَبُ: لا يَسَعُنِي أنْ أفْعَلَ كَذا، أيْ: لا أجِدُ فِيهِ سَعَةً، وفي حَدِيثِ عَلِيٍّ في وصْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «قَدْ وسِعَ النّاسَ بِشْرُهُ وخُلُقُهُ» فالمَعْنى هُنا وسِعَ النّاسَ والعالَمِينَ بِعَطائِهِ.

البقرة 2:269

﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ . هَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ وتَذْيِيلٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ آياتُ الإنْفاقِ مِنَ المَواعِظِ والآدابِ وتَلْقِينِ الأخْلاقِ الكَرِيمَةِ، مِمّا يُكْسِبُ العامِلِينَ بِهِ رَجاحَةَ العَقْلِ واسْتِقامَةَ العَمَلِ. صفحة ٦١ فالمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ إلى نَفاسَةِ ما وعَظَهُمُ اللَّهُ بِهِ، وتَنْبِيهُهم إلى أنَّهم قَدْ أصْبَحُوا بِهِ حُكَماءَ بَعْدَ أنْ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ جُهَلاءَ، فالمَعْنى: هَذا مِنَ الحِكْمَةِ الَّتِي آتاكُمُ اللَّهُ، فَهو يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ يَعِظُكم بِهِ﴾ [البقرة: ٢٣١] . قالَ الفَخْرُ: نَبَّهَ عَلى أنَّ الأمْرَ الَّذِي لِأجْلِهِ وجَبَ تَرْجِيحُ وعْدِ الرَّحْمَنِ عَلى وعْدِ الشَّيْطانِ هو أنَّ وعْدَ الرَّحْمَنِ تُرَجِّحُهُ الحِكْمَةُ والعَقْلُ، ووَعْدَ الشَّيْطانِ تُرَجِّحُهُ الشَّهْوَةُ والحِسُّ مِن حَيْثُ إنَّهُما يَأْمُرانِ بِتَحْصِيلِ اللَّذَّةِ الحاضِرَةِ، ولا شَكَّ أنَّ حُكْمَ الحِكْمَةِ هو الحُكْمُ الصّادِقُ المُبَرَّأُ عَنِ الزَّيْغِ، وحُكْمَ الحِسِّ والشَّهْوَةِ يُوقِعُ في البَلاءِ والمِحْنَةِ، فَتَعْقِيبُ قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً﴾ [البقرة: ٢٦٨] بِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ ما وعَدَ بِهِ تَعالى مِنَ المَغْفِرَةِ والفَضْلِ مِنَ الحِكْمَةِ وأنَّ الحِكْمَةَ كُلَّها مِن عَطاءِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْطِيها مَن يَشاءُ. والحِكْمَةُ إتْقانُ العِلْمِ وإجْراءُ الفِعْلِ عَلى وفْقِ ذَلِكَ العِلْمِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ: نَزَلَتِ الحِكْمَةُ عَلى ألْسِنَةِ العَرَبِ وعُقُولِ اليُونانِ، وأيْدِي الصِّينِيِّينَ. وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ الحُكْمِ وهو المَنعُ لِأنَّها تَمْنَعُ صاحِبَها مِنَ الوُقُوعِ في الغَلَطِ والضَّلالِ، قالَ تَعالى: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود: ١] ومِنهُ سُمِّيَتِ الحَدِيدَةُ الَّتِي في اللِّجامِ وتُجْعَلُ في فَمِ الفَرَسِ حَكَمَةً. ومَن يَشاءُ اللَّهُ تَعالى إيتاءَهُ الحِكْمَةَ هو الَّذِي يَخْلُقُهُ مُسْتَعِدًّا إلى ذَلِكَ مِن سَلامَةِ عَقْلِهِ واعْتِدالِ قُواهُ، حَتّى يَكُونَ قابِلًا لِفَهْمِ الحَقائِقِ مُنْقادًا إلى الحَقِّ إذا لاحَ لَهُ، لا يَصُدُّهُ عَنْ ذَلِكَ هَوًى ولا عَصَبِيَّةٌ ولا مُكابَرَةٌ ولا أنَفَةٌ، ثُمَّ يُيَسِّرُ لَهُ أسْبابَ ذَلِكَ مِن حُضُورِ الدُّعاةِ وسَلامَةِ البُقْعَةِ مِنَ العُتاةِ، فَإذا انْضَمَّ إلى ذَلِكَ تَوَجُّهُهُ إلى اللَّهِ بِأنْ يَزِيدَ أسْبابَهُ تَيْسِيرًا ويَمْنَعَ عَنْهُ ما يَحْجُبُ الفَهْمَ فَقَدْ كَمُلَ لَهُ التَّيْسِيرُ، وفُسِّرَتِ الحِكْمَةُ بِأنَّها مَعْرِفَةُ حَقائِقِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ بِما تَبْلُغُهُ الطّاقَةُ، أيْ بِحَيْثُ لا تَلْتَبِسُ الحَقائِقُ المُتَشابِهَةُ بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ ولا يَغْلَطُ في العِلَلِ والأسْبابِ. والحِكْمَةُ قُسِّمَتْ أقْسامًا مُخْتَلِفَةَ المَوْضُوعِ اخْتِلافًا بِاخْتِلافِ العُصُورِ والأقالِيمِ، ومَبْدَأُ ظُهُورِ عِلْمِ الحِكْمَةِ في الشَّرْقِ عِنْدَ الهُنُودِ البَراهِمَةِ والبُوذِيِّينَ، وعِنْدَ أهْلِ الصِّينِ صفحة ٦٢ البُوذِيِّينَ وفي بِلادِ فارِسَ في حِكْمَةِ زَرادِشْتَ، وعِنْدَ القِبْطِ في حِكْمَةِ الكَهَنَةِ، ثُمَّ انْتَقَلَتْ حِكْمَةُ هَؤُلاءِ الأُمَمِ الشَّرْقِيَّةِ إلى اليُونانِ وهُذِّبَتْ وصُحِّحَتْ وفُرِّعَتْ وقُسِّمَتْ عِنْدَهم إلى قِسْمَيْنِ: حِكْمَةٍ عَمَلِيَّةٍ، وحِكْمَةٍ نَظَرِيَّةٍ. فَأمّا الحِكْمَةُ العَمَلِيَّةُ فَهي المُتَعَلِّقَةُ بِما يَصْدُرُ مِن أعْمالِ النّاسِ، وهي تَنْحَصِرُ في تَهْذِيبِ النَّفْسِ وتَهْذِيبِ العائِلَةِ وتَهْذِيبِ الأُمَّةِ. والأوَّلُ عِلْمُ الأخْلاقِ، وهو التَّخَلُّقُ بِصِفاتِ العُلُوِّ الإلَهِيِّ بِحَسَبِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، فِيما يَصْدُرُ عَنْهُ كَمالٌ في الإنْسانِ. والثّانِي: عِلْمُ تَدْبِيرِ المَنزِلِ. والثّالِثُ عِلْمُ السِّياسَةِ المَدَنِيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ. وأمّا الحِكْمَةُ النَّظَرِيَّةُ فَهي الباحِثَةُ عَنِ الأُمُورِ الَّتِي تُعْلَمُ ولَيْسَتْ مِنَ الأعْمالِ، وإنَّما تُعْلَمُ لِتَمامِ اسْتِقامَةِ الأفْهامِ والأعْمالِ، وهي ثَلاثَةُ عُلُومٍ: عِلْمٌ يُلَقَّبُ بِالأسْفَلِ وهو الطَّبِيعِيُّ، وعِلْمٌ يُلَقَّبُ بِالأوْسَطِ وهو الرِّياضِيُّ، وعِلْمٌ يُلَقَّبُ بِالأعْلى وهو الإلَهِيُّ. فالطَّبِيعِيُّ يَبْحَثُ عَنِ الأُمُورِ العامَّةِ لِلتَّكْوِينِ والخَواصِّ والكَوْنِ والفَسادِ، ويَنْدَرِجُ تَحْتَهُ حَوادِثُ الجَوِّ وطَبَقاتُ الأرْضِ والنَّباتِ والحَيَوانِ والإنْسانِ ويَنْدَرِجُ فِيهِ الطِّبُّ والكِيمْياءُ والنُّجُومُ. والرِّياضِيُّ الحِسابُ والهَنْدَسَةُ والهَيْئَةُ والمُوسِيقى ويَنْدَرِجُ تَحْتَهُ الجَبْرُ والمِساحَةُ والحِيَلُ المُتَحَرِّكَةُ (الماكِينِيَّةُ) وجَرُّ الأثْقالِ. وأمّا الإلَهِيُّ فَهو خَمْسَةُ أقْسامٍ: مَعانِي المَوْجُوداتِ، وأُصُولٌ ومَبادِئُ وهي المَنطِقُ ومُناقَضَةُ الآراءِ الفاسِدَةِ، وإثْباتُ واجِبِ الوُجُودِ وصِفاتِهِ، وإثْباتُ الأرْواحِ والمُجَرَّداتِ، وإثْباتُ الوَحْيِ والرِّسالَةِ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ أبُو نَصْرٍ الفارابِيُّ وأبُو عَلِيٍّ ابْنُ سِينا. فَأمّا المُتَأخِّرُونَ مِن حُكَماءِ الغَرْبِ فَقَدْ قَصَرُوا الحِكْمَةَ في الفَلْسَفَةِ عَلى ما وراءَ الطَّبِيعَةِ وهو ما يُسَمّى عِنْدَ اليُونانِ بِالإلَهِيّاتِ. صفحة ٦٣ والمُهِمُّ مِنَ الحِكْمَةِ في نَظَرِ الدِّينِ أرْبَعَةُ فُصُولٍ: أحَدُها مَعْرِفَةُ اللَّهِ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وهو عِلْمُ الِاعْتِقادِ الحَقِّ، ويُسَمّى عِنْدَ اليُونانِ العِلْمُ الإلَهِيُّ أوْ ما وراءَ الطَّبِيعَةِ. الثّانِي ما يَصْدُرُ عَنِ العِلْمِ بِهِ كَمالُ نَفْسِيَّةِ الإنْسانِ، وهو عِلْمُ الأخْلاقِ. الثّالِثُ: تَهْذِيبُ العائِلَةِ، وهو المُسَمّى عِنْدَ اليُونانِ عَلَمُ تَدْبِيرِ المَنزِلِ. الرّابِعُ: تَقْوِيمُ الأُمَّةِ وإصْلاحُ شُئُونِها وهو المُسَمّى عِلْمُ السِّياسَةِ المَدَنِيَّةِ، وهو مُنْدَرِجٌ في أحْكامِ الإمامَةِ والأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ، ودَعْوَةُ الإسْلامِ في أُصُولِهِ وفُرُوعِهِ لا تَخْلُو عَنْ شُعْبَةٍ مِن شُعَبِ هَذِهِ الحِكْمَةِ. وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ الحِكْمَةَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ مُرادًا بِها ما فِيهِ صَلاحُ النُّفُوسِ، مِنَ النُّبُوءَةِ والهُدى والإرْشادِ، وقَدْ كانَتِ الحِكْمَةُ تُطْلَقُ عِنْدَ العَرَبِ عَلى الأقْوالِ الَّتِي فِيها إيقاظٌ لِلنَّفْسِ ووِصايَةٌ بِالخَيْرِ، وإخْبارٌ بِتَجارِبِ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وكُلِّيّاتٌ جامِعَةٌ لِجِماعِ الآدابِ، وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ حِكْمَةَ لُقْمانَ ووَصاياهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] الآياتِ، وقَدْ كانَتْ لِشُعَراءِ العَرَبِ عِنايَةٌ بِإيداعِ الحِكْمَةِ في شِعْرِهِمْ وهي إرْسالُ الأمْثالِ، كَما فَعَلَ زُهَيْرٌ في الأبْياتِ الَّتِي أوَّلُها: رَأيْتُ المَنايا خَبْطَ عَشْواءٍ. . . . . . .، والَّتِي افْتَتَحَها بِـ (مَن ومَن) في مُعَلَّقَتِهِ، وقَدْ كانَتْ بِيَدِ بَعْضِ الأحْبارِ صَحائِفُ فِيها آدابٌ ومَواعِظُ مِثْلُ شَيْءٍ مِن جامِعَةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأمْثالِهِ، فَكانَ العَرَبُ يَنْقُلُونَ مِنها أقْوالًا، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ في بابِ الحَياءِ مِن كِتابِ الأدَبِ أنَّ عِمْرانَ بْنَ حُصَيْنٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الحَياءُ لا يَأْتِي إلّا بِخَيْرٍ»، فَقالَ بَشِيرُ بْنُ كَعْبٍ العَدَوِيُّ، مَكْتُوبٌ في الحِكْمَةِ: إنَّ مِنَ الحَياءِ وقارًا وإنَّ مِنَ الحَياءِ سَكِينَةً، فَقالَ لَهُ عِمْرانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ. والحَكِيمُ هو النّابِغُ في هاتِهِ العُلُومِ أوْ بَعْضِها فَبِحِكْمَتِهِ يَعْتَصِمُ مِنَ الوُقُوعِ في الغَلَطِ والضَّلالِ بِمِقْدارِ مَبْلَغِ حِكْمَتِهِ، وفي الغَرَضِ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ حِكْمَتُهُ. وعُلُومُ الحِكْمَةِ هي مَجْمُوعُ ما أرْشَدَ إلَيْهِ هُدى الهُداةِ مِن أهْلِ الوَحْيِ الإلَهِيِّ الَّذِي هو أصْلُ إصْلاحِ عُقُولِ البَشَرِ، فَكانَ مَبْدَأُ ظُهُورِ الحِكْمَةِ في الأدْيانِ ثُمَّ أُلْحِقَ بِها ما صفحة ٦٤ أنْتَجَهُ ذَكاءُ أهْلِ العُقُولِ مِن أنْظارِهِمُ المُتَفَرِّعَةِ عَلى أُصُولِ الهُدى الأوَّلِ، وقَدْ مَهَّدَ قُدَماءُ الحُكَماءِ طَرائِقَ مِنَ الحِكْمَةِ فَنَبَعَتْ يَنابِيعُ الحِكْمَةِ في عُصُورٍ مُتَقارِبَةٍ كانَتْ فِيها مَخْلُوطَةً بِالأوْهامِ والتَّخَيُّلاتِ والضَّلالاتِ، بَيْنَ الكَلْدانِيِّينَ والمِصْرِيِّينَ والهُنُودِ والصِّينِ، ثُمَّ دَرَسَها حُكَماءُ اليُونانِ فَهَذَّبُوا وأبْدَعُوا، ومَيَّزُوا عِلْمَ الحِكْمَةِ عَنْ غَيْرِهِ، وتَوَخَّوُا الحَقَّ ما اسْتَطاعُوا فَأزالُوا أوْهامًا عَظِيمَةً وأبْقَوْا كَثِيرًا، وانْحَصَرَتْ هَذِهِ العُلُومُ في طَرِيقَتَيْ سُقْراطَ وهي نَفْسِيَّةٌ، وفِيثاغُورْسَ وهي رِياضِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ، والأُولى يُونانِيَّةٌ والثّانِيَةٌ لِإيطاليا اليُونانِيَّةِ، وعَنْهُما أخَذَ أفْلاطُونُ، واشْتُهِرَ أصْحابُهُ بِالإشْراقِيِّينَ، ثُمَّ أخَذَ عَنْهُ أفْضَلُ تَلامِذَتِهِ وهو أرِسْطَطالِيسُ وهَذَّبَ طَرِيقَتَهُ ووَسَّعَ العُلُومَ، وسُمِّيَتْ أتْباعُهُ بِالمَشّائِينَ، ولَمْ تَزَلِ الحِكْمَةُ مِن وقْتِ ظُهُورِهِ مُعَوِّلَةً عَلى أُصُولِهِ إلى يَوْمِنا هَذا. ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، وهو الَّذِي شاءَ اللَّهُ إيتاءَهُ الحِكْمَةَ، والخَيْرُ الكَثِيرُ مُنْجَرٌّ إلَيْهِ مِن سَدادِ الرَّأْيِ والهُدى الإلَهِيِّ، ومِن تَفارِيعِ قَواعِدِ الحِكْمَةِ الَّتِي تَعْصِمُ مِنَ الوُقُوعِ في الغَلَطِ والضَّلالِ بِمِقْدارِ التَّوَغُّلِ في فَهْمِها واسْتِحْضارِ مُهِمِّها، لِأنَّنا إذا تَتَبَّعْنا ما يَحِلُّ بِالنّاسِ مِنَ المَصائِبِ نَجِدُ مُعْظَمَها مِن جَرّاءِ الجَهالَةِ والضَّلالَةِ وأفَنِ الرَّأْيِ، وبِعَكْسِ ذَلِكَ نَجِدُ ما يَجْتَنِيهِ النّاسُ مِنَ المَنافِعِ والمُلائِماتِ مُنْجَرًّا مِنَ المَعارِفِ والعِلْمِ بِالحَقائِقِ، ولَوْ أنَّنا عَلِمْنا الحَقائِقَ كُلَّها لاجْتَنَبْنا كُلَّ ما نَراهُ مُوقِعًا في البُؤْسِ والشَّقاءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”ومَن يُؤْتَ“ بِفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ بِصِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلنّائِبِ، عَلى أنَّ ضَمِيرَ ”يُؤْتَ“ نائِبُ فاعِلٍ عائِدٌ عَلى (مَن) المَوْصُولَةِ وهو رابِطُ الصِّلَةِ بِالمَوْصُولِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ﴾ بِكَسْرِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ بِصِيغَةِ البِناءِ لِلْفاعِلِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ الَّذِي في فِعْلِ ”يُؤْتِ“ عائِدًا إلى اللَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ فالعائِدُ ضَمِيرُ نَصْبٍ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: ومَن يُؤْتِهِ اللَّهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ تَذْيِيلٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَن شاءَ اللَّهُ إيتاءَهُ الحِكْمَةَ هو ذُو اللُّبِّ، وأنَّ تَذَكُّرَ الحِكْمَةِ واسْتِصْحابَ إرْشادِهِمْ بِمِقْدارِ اسْتِحْضارِ اللُّبِّ وقُوَّتِهِ، واللُّبُّ في الأصْلِ خُلاصَةُ الشَّيْءِ وقَلَبُهُ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى عَقْلِ الإنْسانِ لِأنَّهُ أنْفَعُ شَيْءٍ فِيهِ.

البقرة 2:270

صفحة ٦٥ ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ . تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ السّابِقِ المَسُوقِ لِلْأمْرِ بِالإنْفاقِ وصِفاتِهِ المَقْبُولَةِ، والتَّحْذِيرِ مِنَ المُثَبِّطاتِ عَنْهُ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] . والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّذْيِيلِ التَّذْكِيرُ بِأنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ النَّفَقاتِ وصِفاتِها، وأُدْمِجَ النَّذْرُ مَعَ الإنْفاقِ فَكانَ الكَلامُ جَدِيرًا بِأنْ يَكُونَ تَذْيِيلًا. والنَّذْرُ التِزامُ قُرْبَةٍ أوْ صَدَقَةٍ بِصِيغَةِ الإيجابِ عَلى النَّفْسِ؛ كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ صَدَقَةٌ وعَلَيَّ تَجْهِيزُ غازٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، ويَكُونُ مُطْلَقًا ومُعَلَّقًا عَلى شَيْءٍ، وقَدْ عَرَفَتِ العَرَبُ النَّذْرَ مِنَ الجاهِلِيَّةِ، فَقَدْ نَذَرَ عَبْدُ المُطَّلِبِ أنَّهُ إنْ رُزِقَ عَشَرَةُ أوْلادٍ لَيَذْبَحَنَّ عاشِرَهم قُرْبانًا لِلْكَعْبَةِ، وكانَ ابْنُهُ العاشِرُ هو عَبْدَ اللَّهِ ثانِيَ الذَّبِيحَيْنِ، وأكْرِمْ بِها مَزِيَّةً، ونَذَرَتْ نَتِيلَةُ زَوْجُ عَبْدِ المُطَّلِبِ لَمّا افْتَقَدَتِ ابْنَها العَبّاسَ - وهو صَغِيرٌ - أنَّها لَوْ وجَدَتْهُ لَتَكْسُوَنَّ الكَعْبَةَ الدِّيباجَ. فَفَعَلَتْ، وهي أوَّلُ مَن كَسا الكَعْبَةَ الدِّيباجَ، وفي حَدِيثِ البُخارِيِّ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي نَذَرْتُ في الجاهِلِيَّةِ أنْ أعْتَكِفَ لَيْلَةً في المَسْجِدِ الحَرامِ. فَقالَ: أوْفِ بِنَذْرِكَ» . وفِي الأُمَمِ السّابِقَةِ كانَ النَّذْرُ، وقَدْ حَكى اللَّهُ عَنِ امْرَأةِ عِمْرانَ: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥] والآيَةُ دَلَّتْ عَلى مَشْرُوعِيَّتِهِ في الإسْلامِ، ورَجاءِ ثَوابِهِ، لِعَطْفِهِ عَلى ما هو مِن فِعْلِ الخَيْرِ سَواءٌ كانَ النَّذْرُ مُطْلَقًا أمْ مُعَلَّقًا؛ لِأنَّ الآيَةَ أطْلَقَتْ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ مُرادٌ بِهِ الوَعْدُ بِالثَّوابِ، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ وابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وأبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ: «إنَّ النَّذْرَ لا يُقَدِّمُ شَيْئًا ولا يُؤَخِّرُ، ولا يَرُدُّ شَيْئًا، ولا يَأْتِي ابْنَ آدَمَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قُدِّرَ لَهُ، ولَكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ» . ومَساقُهُ التَّرْغِيبُ في النَّذْرِ غَيْرِ المُعَلَّقِ لا إبْطالُ فائِدَةِ النَّذْرِ، وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ عِبادَهُ فَقالَ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] وفي المُوَطَّأِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ: «مَن نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، ومَن نَذَرَ أنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلا يَعْصِهِ» . و(مِن) في قَوْلِهِ: ”مِن نَفَقَةٍ“ و”مِن نَذْرٍ“ بَيانٌ لِـ ”ما أنْفَقْتُمْ“ و”نَذَرْتُمْ“، ولَمّا كانَ شَأْنُ البَيانِ أنْ يُفِيدَ مَعْنًى زائِدًا عَلى مَعْنى المُبَيَّنِ، وكانَ مَعْنى البَيانِ هَنا عَيْنَ مَعْنى المُبَيَّنِ، تَعَيَّنَ صفحة ٦٦ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ بَيانَ المُنْفَقِ والمَنذُورِ بِما في تَنْكِيرِ مَجْرُورَيْ ”مِن“ مِن إرادَةِ أنْواعِ النَّفَقاتِ والمَنذُوراتِ، فَأكَّدَ بِذَلِكَ العُمُومِ ما أفادَتْهُ ”ما“ الشَّرْطِيَّةُ مِنَ العُمُومِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ، قالَ التَّفْتازانِيُّ: ”مِثْلُ هَذا البَيانِ يَكُونُ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ ومَنعِ الخُصُوصِ“ . وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الجَزاءِ عَلَيْهِ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِالكائِناتِ لا يَشُكُّ فِيهِ السّامِعُونَ فَأُرِيدَ لازِمُ مَعْناهُ، وإنَّما كانَ لازِمًا لَهُ؛ لِأنَّ القادِرَ لا يَصُدُّهُ عَنِ الجَزاءِ إلّا عَدَمُ العِلْمِ بِما يَفْعَلُهُ المُحْسِنُ أوِ المُسِيءُ. * * * ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ . هَذا وعِيدٌ قُوبِلَ بِهِ الوَعْدُ الَّذِي كَنى عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ والمُرادُ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكُونَ عَلَنًا والمُنافِقُونَ لِأنَّهم إنْ مَنَعُوا الصَّدَقاتِ الواجِبَةَ فَقَدْ ظَلَمُوا مَصارِفَها في حَقِّهِمْ في المالِ وظَلَمُوا أنْفُسَهم بِإلْقائِها في تَبِعاتِ المَنعِ، وإنْ مَنَعُوا صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ فَقَدْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِحِرْمانِها مِن فَضائِلِ الصَّدَقاتِ وثَوابِها في الآخِرَةِ. والأنْصارُ جَمْعُ نَصِيرٍ، ونَفْيُ الأنْصارِ كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ النَّصْرِ والغَوْثِ في الآخِرَةِ، وهو ظاهِرٌ، وفي الدُّنْيا لِأنَّهم لَمّا بَخِلُوا بِنَصْرِهِمُ الفَقِيرَ بِأمْوالِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ يُعْدِمُهُمُ النَّصِيرَ في المَضائِقِ، ويُقَسِّي عَلَيْهِمْ قُلُوبَ عِبادِهِ، ويُلْقِي عَلَيْهِمُ الكَراهِيَةَ مِنَ النّاسِ.

البقرة 2:271

﴿إنْ تَبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هي وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكم ونُكَفِّرْ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكم واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ . اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠] إذْ أشْعَرَ تَعْمِيمَ ﴿مِن نَفَقَةٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠] بِحالِ الصَّدَقاتِ الخَفِيَّةِ، فَيَتَساءَلُ السّامِعُ في نَفْسِهِ هَلْ إبْداءُ الصَّدَقاتِ يُعَدُّ رِياءً وقَدْ سَمِعَ قَبْلَ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] صفحة ٦٧ ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠] قَدْ كانَ قَوْلًا فَصْلًا في اعْتِبارِ نِيّاتِ المُتَصَدِّقِينَ وأحْوالِ ما يُظْهِرُونَهُ مِنها وما يُخْفُونَهُ مِن صَدَقاتِهِمْ، فَهَذا الِاسْتِئْنافُ يَدْفَعُ تَوَهُّمًا مِن شَأْنِهِ تَعْطِيلُ الصَّدَقاتِ والنَّفَقاتِ، وهو أنْ يُمْسِكَ المَرْءُ عَنْها إذا لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِن ظُهُورِها فَيَخْشى أنْ يُصِيبَهُ الرِّياءُ. والتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ ”الصَّدَقاتِ“ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، ومَحْمَلُهُ عَلى العُمُومِ، فَيَشْمَلُ كُلَّ الصَّدَقاتِ فَرْضَها ونَفْلَها، وهو المُناسِبُ لِمَوْقِعِ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ ذِكْرِ أنْواعِ النَّفَقاتِ. وجاءَ الشَّرْطُ بِـ ”إنْ“ في الصَّدَقَتَيْنِ لِأنَّها أصْلُ أدَواتِ الشَّرْطِ، ولا مُقْتَضًى لِلْعُدُولِ عَنِ الأصْلِ، إذْ كِلْتا الصَّدَقَتَيْنِ مُرْضٍ لِلَّهِ تَعالى، وتَفْضِيلُ صَدَقَةِ السِّرِّ قَدْ وفى بِهِ صَرِيحُ قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ . وقَوْلُهُ: ”فَنِعِمّا“ أصْلُهُ فَنِعْمَ ما، فَأُدْغِمَ المِثْلانِ وكُسِرَتْ عَيْنُ (نِعْمَ) لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، و(ما) في مِثْلِهِ نَكِرَةٌ تامَّةٌ أيْ مُتَوَغِّلَةٌ في الإبْهامِ لا يُقْصَدُ وصْفُها بِما يُخَصِّصُها، فَتَمامُها مِن حَيْثُ عَدَمِ إتْباعِها بِوَصْفٍ لا مِن حَيْثُ إنَّها واضِحَةُ المَعْنى، ولِذَلِكَ تُفَسَّرُ بِـ (شَيْءٍ) ولَمّا كانَتْ كَذَلِكَ تَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ التَّمْيِيزِ لِضَمِيرِ (نِعْمَ) المَرْفُوعِ المُسْتَتِرِ، فالقَصْدُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى القَصْدِ إلى عَدَمِ التَّمْيِيزِ حَتّى إنَّ المُتَكَلِّمَ - إذا مَيَّزَ - لا يُمَيِّزُ إلّا بِمِثْلِ المُمَيَّزِ. وقَوْلُهُ (هي) مَخْصُوصٌ بِالمَدْحِ أيِ الصَّدَقاتُ. وقَدْ عَلِمَ السّامِعُ أنَّها الصَّدَقاتُ المُبْداةُ، بِقَرِينَةِ فِعْلِ الشَّرْطِ، فَلِذَلِكَ كانَ تَفْسِيرُ المَعْنى فَنِعِمّا إبْداؤُها. وقَرَأ ورَشٌ عَنْ نافِعٍ وابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ ”فَنِعِمّا“ - بِكَسْرِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ المِيمِ مِن (نِعْمَ) مَعَ مِيمِ (ما) وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأهُ قالُونُ عَنْ نافِعٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ النُّونِ واخْتِلاسِ حَرَكَةِ العَيْنِ بَيْنَ الكَسْرِ والسُّكُونِ، وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ العَيْنِ مَعَ بَقاءِ تَشْدِيدِ المِيمِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ أيْضًا عَنْ قالُونَ وأبِي عَمْرٍو وأبِي بَكْرٍ. وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ تَفْضِيلٌ لِصَدَقَةِ السِّرِّ لِأنَّ فِيها إبْقاءً عَلى ماءِ وجْهِ الفَقِيرِ، حَيْثُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ غَيْرُ المُعْطِي، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَدَّ مِنَ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ بِظِلِّهِ: «ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأخْفاها حَتّى لا تَعْلَمَ صفحة ٦٨ شِمالُهُ ما أنْفَقَتْ يَمِينُهُ» يَعْنِي مَعَ شِدَّةِ القُرْبِ بَيْنَ اليَمِينِ والشِّمالِ، لِأنَّ حِسابَ الدَّراهِمِ ومُناوَلَةَ الأشْياءِ بِتَعاوُنِهِما، فَلَوْ كانَتِ الشِّمالُ مِن ذَواتِ العِلْمِ لَما أُطْلِعَتْ عَلى ما أنْفَقَتْهُ اليَمِينُ. وقَدْ فَضَّلَ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ صَدَقَةَ السِّرِّ عَلى صَدَقَةِ العَلانِيَةِ عَلى الإطْلاقِ، فَإنْ حُمِلَتِ الصَّدَقاتُ عَلى العُمُومِ - كَما هو الظّاهِرُ - إجْراءً لِلَفْظِ الصَّدَقاتِ مَجْرى لَفْظِ الإنْفاقِ في الآيِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ، كانَ إخْفاءُ صَدَقَةِ الفَرْضِ والنَّفْلِ أفْضَلَ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ، وعَنِ ألْكِيا الطَّبَرِيِّ أنَّ هَذا أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، وعَنِ المَهْدَوِيِّ: كانَ الإخْفاءُ أفْضَلَ فِيهِما في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ ساءَتْ ظُنُونُ النّاسِ بِالنّاسِ فاسْتَحْسَنَ العُلَماءُ إظْهارَ صَدَقَةِ الفَرْضِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مُخالِفٌ لِلْآثارِ أنَّ إخْفاءَ الصَّدَقَةِ أفْضَلُ، فَيَكُونُ عُمُومُ الصَّدَقاتِ في الآيَةِ مَخْصُوصًا بِصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، ومُخَصِّصُ العُمُومِ الإجْماعُ، وحَكى ابْنُ العَرَبِيِّ الإجْماعَ عَلَيْهِ، وإنْ أُرِيدَ بِالصَّدَقاتِ في الآيَةِ غَيْرُ الزَّكاةِ كانَ المُرادُ بِها أخَصَّ مِنَ الإنْفاقِ المَذْكُورِ مِنَ الآيِ قَبْلَها وبَعْدَها، وكانَ تَفْضِيلُ الإخْفاءِ مُخْتَصًّا بِالصَّدَقاتِ المَندُوبَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: إظْهارُ الزَّكاةِ أفْضَلُ، وإخْفاءُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ أفْضَلُ مِن إظْهارِها وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. وقَوْلُهُ: ﴿وتُؤْتُوها الفُقَراءَ﴾ تَوَقَّفَ المُفَسِّرُونَ في حِكْمَةِ ذِكْرِهِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّ الصَّدَقَةَ لا تَكُونُ إلّا لِلْفُقَراءِ، وأنَّ الصَّدَقَةَ المُبْداةَ أيْضًا تُعْطى لِلْفُقَراءِ. فَقالَ العِصامُ: كَأنَّ نُكْتَةَ ذِكْرِهِ هُنا أنَّ الإبْداءَ لا يَنْفَكُّ عَنْ إيتاءِ الفُقَراءِ؛ لِأنَّ الفَقِيرَ يَظْهَرُ فِيهِ ويَمْتازُ عَنْ غَيْرِهِ إذْ يَعْلَمُهُ النّاسُ بِحالِهِ، بِخِلافِ الإخْفاءِ، فاشْتُرِطَ مَعَهُ إيتاؤُها لِلْفَقِيرِ حَثًّا عَلى الفَحْصِ عَنْ حالِ مَن يُعْطِيهِ الصَّدَقَةَ، أيْ لِأنَّ الحَرِيصِينَ مِن غَيْرِ الفُقَراءِ يَسْتَحْيُونَ أنْ يَتَعَرَّضُوا لِلصَّدَقاتِ الظّاهِرَةِ ولا يَصُدُّهم شَيْءٌ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلصَّدَقاتِ الخَفِيَّةِ. وقالَ الخَفاجِيُّ: لَمْ يَذْكُرِ الفُقَراءَ مَعَ المُبْداةِ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِها الزَّكاةُ ومَصارِفُها الفُقَراءُ وغَيْرُهم، وأمّا الصَّدَقَةُ المُخْفاةُ فَهي صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ ومَصارِفُها الفُقَراءُ فَقَطْ. وهُوَ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ لا وجْهَ لِقَصْرِ الصَّدَقَةِ المُبْداةِ عَلى الفَرِيضَةِ، ولا قائِلَ بِهِ، بَلِ الخِلافُ في أنَّ تَفْضِيلَ الإخْفاءِ هَلْ يَعُمُّ الفَرِيضَةَ أوْ لا، الثّانِي أنَّ الصَّدَقَةَ المُتَطَوَّعَ بِها لا يَمْتَنِعُ صَرْفُها لِغَيْرِ الفُقَراءِ كَتَجْهِيزِ الجُيُوشِ. صفحة ٦٩ وقالَ الشَّيْخُ ابْنُ عاشُورٍ جَدِّي في تَعْلِيقٍ لَهُ عَلى حَدِيثِ فَضْلِ إخْفاءِ الصَّدَقَةِ مِن صَحِيحِ مُسْلِمٍ: عَطْفُ إيتاءِ الفُقَراءِ عَلى الإخْفاءِ المَجْعُولِ شَرْطًا لِلْخَيْرِيَّةِ في الآيَةِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ الصَّدَقَةَ لِلْفُقَراءِ - يُؤْذِنُ بِأنَّ الخَيْرِيَّةَ لِإخْفاءِ حالِ الفَقِيرِ وعَدَمِ إظْهارِ اليَدِ العُلْيا عَلَيْهِ، أيْ فَهو إيماءٌ إلى العِلَّةِ وأنَّها الإبْقاءُ عَلى ماءِ وجْهِ الفَقِيرِ، وهو القَوْلُ الفَصْلُ لِانْتِفاءِ شائِبَةِ الرِّياءِ. وقَوْلُهُ: ﴿ونُكَفِّرْ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ قَرَأهُ نافِعٌ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِنُونِ العَظَمَةِ، وبِجَزْمِ الرّاءِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ جُمْلَةِ الجَوابِ وهي جُمْلَةُ ”فَهو خَيْرٌ لَكم“، فَيَكُونُ التَّكْفِيرُ مُعَلَّقًا عَلى الإخْفاءِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالنُّونِ أيْضًا وبِرَفْعِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ وعْدٌ عَلى إعْطاءِ الصَّدَقاتِ ظاهِرَةً أوْ خَفِيَّةً، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ ضَمِيرَهُ عائِدٌ إلى اللَّهِ وبِالرَّفْعِ.

البقرة 2:272

﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ . اسْتِئْنافٌ مُعْتَرَضٌ بِهِ بَيْنَ قَوْلِهِ ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧١] وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَلِأنْفُسِكُمْ﴾ ومُناسَبَتُهُ هُنا أنَّ الآياتِ المُتَقَدِّمَةَ يَلُوحُ مِن خِلالِها أصْنافٌ مِنَ النّاسِ، مِنهُمُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ، ومِنهُمُ الَّذِينَ يُبْطِلُونَ صَدَقاتِهِمْ بِالمَنِّ والأذى، ومِنهُمُ الَّذِينَ يَتَيَمَّمُونَ الخَبِيثَ مِنهُ يُنْفِقُونَ، ومِنهم مَن يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ الفَقْرَ ويَأْمُرُهم بِالفَحْشاءِ، وكانَ وُجُودُ هَذِهِ الفِرَقِ مِمّا يَثْقُلُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ فَعَقَّبَ اللَّهُ ذَلِكَ بِتَسْكِينِ نَفْسِ رَسُولِهِ والتَّهْوِينِ عَلَيْهِ بِأنْ لَيْسَ عَلَيْهِ هُداهم ولَكِنْ عَلَيْهِ البَلاغُ، فالهُدى هُنا بِمَعْنى الإلْجاءِ لِحُصُولِ الهُدى في قُلُوبِهِمْ، وأمّا الهُدى بِمَعْنى التَّبْلِيغِ والإرْشادِ فَهو عَلى النَّبِيءِ، ونَظائِرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ، فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى جَمِيعِ مَن بَقِيَ فِيهِمْ شَيْءٌ مِن عَدَمِ الهُدى وأشَدُّهُمُ المُشْرِكُونَ والمُنافِقُونَ، وقِيلَ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ناسٍ مَعْرُوفِينَ، رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِأسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ أُمٌّ كافِرَةٌ وجَدٌّ كافِرٌ فَأرادَتْ أسْماءُ - عامَ عُمْرَةِ القَضِيَّةِ - أنْ تُواسِيَهُما بِمالٍ، وأنَّهُ أرادَ بَعْضُ الأنْصارِ الصَّدَقَةَ عَلى قَرابَتِهِمْ وأصْهارِهِمْ في بَنِي النَّضِيرِ وقُرَيْظَةَ، فَنَهى صفحة ٧٠ النَّبِيءُ ﷺ المُسْلِمِينَ عَنِ الصَّدَقَةِ عَلى الكُفّارِ، إلْجاءً لِأُولَئِكَ الكُفّارِ عَلى الدُّخُولِ في الإسْلامِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ الآياتِ، أيْ هُدى الكُفّارِ إلى الإسْلامِ، أيْ فَرَخِّصْ لِلْمُسْلِمِينَ الصَّدَقَةَ عَلى أُولَئِكَ الكُفّارِ. فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ لِلْمُخاطَبِ، فَيَكُونُ نُزُولُ الآيَةِ لِذَلِكَ السَّبَبِ ناشِئًا عَنْ نُزُولِ آياتِ الأمْرِ بِالإنْفاقِ والصَّدَقَةِ، فَتَكُونُ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ سَبَبَ السَّبَبِ لِنُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. والمَعْنى أنْ لَيْسَ عَلَيْكَ أنْ تَهْدِيَهم بِأكْثَرَ مِنَ الدَّعْوَةِ والإرْشادِ، دُونَ هُداهم بِالفِعْلِ أوِ الإلْجاءِ، إذْ لا هادِيَ لِمَن يُضْلِلُ اللَّهُ، ولَيْسَ مِثْلُ هَذا بِمُيَسَّرٍ لِلْهُدى. والخِطابُ في ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ في مُعادِ ضَمِيرِ (هُداهم) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمَن يَسْمَعُ عَلى الوَجْهِ الآتِي في الضَّمِيرِ إذا اعْتَبَرْنا ما ذَكَرُوهُ في سَبَبِ النُّزُولِ، أيْ لَيْسَ عَلَيْكَ أيُّها المُتَرَدِّدُ في إعْطاءِ قَرِيبِكَ. و(عَلى) في قَوْلِهِ: (عَلَيْكَ) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، أيْ طَلَبِ فِعْلٍ عَلى وجْهِ الوُجُوبِ. والمَعْنى: لَيْسَ ذَلِكَ بِواجِبٍ عَلى الرَّسُولِ، فَلا يَحْزَنُ عَلى عَدَمِ حُصُولِ هُداهم لِأنَّهُ أدّى واجِبَ التَّبْلِيغِ، أوِ المَعْنى: لَيْسَ ذَلِكَ بِواجِبٍ عَلَيْكم أيُّها المُعالِجِينَ لِإسْلامِهِمْ بِالحِرْمانِ مِنَ الإنْفاقِ حَتّى تَسْعَوْا إلى هُداهم بِطُرُقِ الإلْجاءِ. وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ وهو ”عَلَيْكَ“ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو ”هُداهم“ إذا أُجْرِيَ عَلى ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ المَعانِي مِن أنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ الَّذِي حَقُّهُ التَّأْخِيرُ يُفِيدُ قَصْرَ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ وكانَ ذَلِكَ في الإثْباتِ بَيِّنًا لا غُبارَ عَلَيْهِ نَحْوَ ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] وقَوْلِهِ ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] - فَهو إذا وقَعَ في سِياقِ النَّفْيِ غَيْرُ بَيِّنٍ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ التَّقْدِيمُ في صُورَةِ الإثْباتِ مُفِيدًا لِلْحَصْرِ اقْتَضى أنَّهُ إذا نُفِيَ فَقَدْ نُفِيَ ذَلِكَ الِانْحِصارُ، لِأنَّ الجُمْلَةَ المُكَيَّفَةَ بِالقَصْرِ في حالَةِ الإثْباتِ هي جُمْلَةٌ مُقَيَّدَةٌ نِسْبَتُها بِقَيْدِ الِانْحِصارِ؛ أيْ بِقَيْدِ انْحِصارِ مَوْضُوعِها في مَعْنى مَحْمُولِها، فَإذا دَخَلَ عَلَيْها النَّفْيُ كانَ مُقْتَضِيًا نَفْيَ النِّسْبَةِ المُقَيَّدَةِ أيْ نَفْيَ ذَلِكَ الِانْحِصارِ، لِأنَّ شَأْنَ النَّفْيِ إذا تَوَجَّهَ إلى كَلامٍ مُقَيَّدٍ أنْ يَنْصَبَّ عَلى ذَلِكَ القَيْدِ. صفحة ٧١ لَكِنَّ أئِمَّةَ الفَنِّ حِينَ ذَكَرُوا أمْثِلَةَ تَقْدِيمِ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ سَوَّوْا فِيها بَيْنَ الإثْباتِ - كَما ذَكَرْنا - وبَيْنَ النَّفْيِ نَحْوَ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] فَقَدْ مَثَّلَ بِهِ في الكَشّافِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] فَقالَ: قَصَدَ تَفْضِيلَ خَمْرِ الجَنَّةِ عَلى خُمُورِ الدُّنْيا، وقالَ السَّيِّدُ في شَرْحِهِ هُنالِكَ: عُدَّ قَصْرًا لِلْمَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ؛ أيِ الغَوْلُ مَقْصُورٌ عَلى عَدَمِ الحُصُولِ في خُمُورِ الجَنَّةِ لا يَتَعَدّاهُ إلى عَدَمِ الحُصُولِ فِيما يُقابِلُها، أوْ عَدَمُ الغُولِ مَقْصُورٌ عَلى الحُصُولِ فِيها لا يَتَجاوَزُهُ إلى الحُصُولِ في هَذِهِ الخُمُورِ. وقَدْ أحَلْتُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] عَلى هَذِهِ الآيَةِ هُنا، فَبِنا أنْ نُبَيِّنَ طَرِيقَةَ القَصْرِ بِالتَّقْدِيمِ في النَّفْيِ، وهي أنَّ القَصْرَ لَمّا كانَ كَيْفِيَّةً عارِضَةً لِلتَّرْكِيبِ ولَمْ يَكُنْ قَيْدًا لَفْظِيًّا بِحَيْثُ يَتَوَجَّهُ النَّفْيُ إلَيْهِ كانَتْ تِلْكَ الكَيْفِيَّةُ مُسْتَصْحَبَةً مَعَ النَّفْيِ، فَنَحْوُ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] يُفِيدُ قَصْرَ الغَوْلِ عَلى الِانْتِفاءِ عَنْ خُمُورِ الدُّنْيا ولا يُفِيدُ نَفْيَ قَصْرِ الغَوْلِ عَلى الكَوْنِ في خُمُورِ الجَنَّةِ، وإلى هَذا أشارَ السَّيِّدُ في شَرْحِ الكَشّافِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] إذْ قالَ: وبِالجُمْلَةِ يُجْعَلُ حَرْفُ النَّفْيِ جُزْءًا أوْ حَرْفًا مِن حُرُوفِ المُسْنَدِ أوِ المُسْنَدِ إلَيْهِ، وعَلى هَذا بَنى صاحِبُ الكَشّافِ؛ فَجَعَلَ وجْهَ أنْ لَمْ يُقَدَّمِ الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] كَما قُدِّمَ الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] لِأنَّهُ لَوْ أُوِّلَ لَقُصِدَ أنَّ كِتابًا آخَرَ فِيهِ الرَّيْبُ، لا في القُرْآنِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُرادٍ. فَإذا تَقَرَّرَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ إذا أُجْرِيَ عَلى هَذا المِنوالِ كانَ مُفادُهُ: هُداهم مَقْصُورٌ عَلى انْتِفاءِ كَوْنِهِ عَلَيْكَ، فَيَلْزَمُ مِنهُ اسْتِفادَةُ إبْطالِ انْتِفاءِ كَوْنِهِ عَلى غَيْرِ المُخاطَبِ، أيْ إبْطالُ انْتِفاءِ كَوْنِهِ عَلى اللَّهِ، وكِلا المُفادَيْنِ غَيْرُ مُرادٍ إذْ لا يُعْقَدُ الأوَّلُ ولا الثّانِي، فالوَجْهُ: إمّا أنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ هُنا لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ كَتَقْدِيمِ يَوْمِ النَّدى في قَوْلِ الحَرِيرِيِّ: ما فِيهِ مِن عَيْبٍ سِوى أنَّهُ يَوْمَ النَّدى قِسْمَتُهُ ضِيزى بِنَفْيِ كَوْنِ هُداهم حَقًّا عَلى الرَّسُولِ تَهْوِينًا لِلْأمْرِ عَلَيْهِ، فَأمّا الدَّلالَةُ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ مُفَوَّضًا إلى اللَّهِ فَمِن قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ وإمّا أنْ يَكُونَ جَرى عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِتَنْزِيلِ السّامِعِينَ مَنزِلَةَ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ إيجادَ الإيمانِ في الكُفّارِ يَكُونُ بِتَكْوِينِ اللَّهِ وبِالإلْجاءِ مِنَ المَخْلُوقِ، فَقَصَرَ هُداهم عَلى عَدَمِ الكَوْنِ في إلْجاءِ المَخْلُوقِينَ إيّاهم لا عَلى عَدَمِ الكَوْنِ في أنَّهُ عَلى اللَّهِ، فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ عَلى اللَّهِ، أيْ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ. صفحة ٧٢ وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ جِيءَ فِيهِ بِحَرْفِ الِاسْتِدْراكِ لِما في الكَلامِ المَنفِيِّ مِن تَوَهُّمِ إمْكانِ هَدْيِهِمْ بِالحِرْصِ أوْ بِالإلْجاءِ، فَمَصَبُّ الِاسْتِدْراكِ هو الصِّلَةُ، أعْنِي مَن يَشاءُ أيْ: فَلا فائِدَةَ في إلْجاءِ مَن لَمْ يَشَأِ اللَّهُ هَدْيَهُ. والتَّقْدِيرُ: ولَكِنَّ هُداهم بِيَدِ اللَّهِ، وهو يَهْدِي مَن يَشاءُ، فَإذا شاءَ أنْ يَهْدِيَهم هَداهم. * * * ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَلِأنْفُسِكم وما تُنْفِقُونَ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكم وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ . عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧١] ومَوْقِعُها زِيادَةُ فَضْلِ الصَّدَقاتِ كُلِّها، وأنَّها لَمّا كانَتْ مَنفَعَتُها لِنَفْسِ المُتَصَدِّقِ فَلْيَخْتَرْ لِنَفْسِهِ ما هو خَيْرٌ، وعَلَيْهِ أنْ يُكْثِرَ مِنها بِنَبْذِ كُلِّ ما يَدْعُو لِتَرْكِ بَعْضِها. وقَوْلُهُ: ﴿وما تُنْفِقُونَ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وهو خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الأمْرِ أيْ: إنَّما تَكُونُ مَنفَعَةُ الصَّدَقاتِ لِأنْفُسِكم إنْ كُنْتُمْ ما تُنْفِقُونَ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ لا لِلرِّياءِ ولا لِمُراعاةِ حالِ مُسْلِمٍ وكافِرٍ، وهَذا المَعْنى صالِحٌ لِكِلا المَعْنَيَيْنِ المُحْتَمَلَيْنِ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها ويَجُوزُ كَوْنُها مَعْطُوفَةً عَلَيْها إذا كانَ الخَبَرُ بِمَعْنى النَّهْيِ، أيْ: لا تُنْفِقُوا إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ، وهَذا الكَلامُ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الطَّلَبِ لِقَصْدِ التَّحْقِيقِ والتَّأْكِيدِ، ولِذَلِكَ خُولِفَ فِيهِ أُسْلُوبُ ما حُفَّ بِهِ مِن جُمْلَةِ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَلِأنْفُسِكُمْ﴾ وجُمْلَةِ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكم وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها لِبَيانِ أنَّ جَزاءَ النَّفَقاتِ بِمِقْدارِها وأنَّ مَن نُقِصَ لَهُ مِنَ الأجْرِ فَهو السّاعِي في نَقْصِهِ، وكَرَّرَ فِعْلَ (تُنْفِقُونَ) ثَلاثَ مَرّاتٍ في الآيَةِ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِمَدْلُولِهِ، وجِيءَ بِهِ مَرَّتَيْنِ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ عِنْدَ قَصْدِ بَيانِ المُلازَمَةِ بَيْنَ الإنْفاقِ والثَّوابِ، وجِيءَ بِهِ مَرَّةً في صِيغَةِ النَّفْيِ والِاسْتِثْناءِ لِأنَّهُ قَصَدَ الخَبَرَ بِمَعْنى الإنْشاءِ، أيِ: النَّهْيِ عَنْ أنْ يُنْفِقُوا إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ. صفحة ٧٣ وتَقَدَّمَ ”وأنْتُمْ“ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِمُجَرَّدِ التَّقَوِّي وزِيادَةِ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم لا يُظْلَمُونَ وإنَّما يَظْلِمُونَ أنْفُسَهم. وإنَّما جُعِلَتْ هاتِهِ الأحْكامُ جُمَلًا مُسْتَقِلًّا بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ ولَمْ تُجْعَلْ جُمْلَةً واحِدَةً مُقَيَّدَةً فائِدَتُها بِقُيُودِ جَمِيعِ الجُمَلِ، وأُعِيدَ لَفْظُ الإنْفاقِ في جَمِيعِها بِصِيَغٍ مُخْتَلِفَةٍ تَكْرِيرًا لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ، لِتَكُونَ كُلُّ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةً بِمَعْناها قَصِيرَةَ الألْفاظِ كَثِيرَةَ المَعانِي، فَتَجْرِي مَجْرى الأمْثالِ وتَتَناقَلُها الأجْيالُ. وقَدْ أُخِذَ مِنَ الآياتِ الأخِيرَةِ - عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ - جَوازُ الصَّدَقَةِ عَلى الكُفّارِ، والمُرادُ الكُفّارُ الَّذِينَ يَخْتَلِطُونَ بِالمُسْلِمِينَ غَيْرَ مُؤْذِينَ لَهم، وهم أهْلُ العَهْدِ وأهْلُ الذِّمَّةِ والجِيرانُ، واتَّفَقَ فُقَهاءُ الإسْلامِ عَلى جَوازِ إعْطاءِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ لِلْكافِرِينَ، وحِكْمَةُ ذَلِكَ أنَّ الصَّدَقَةَ مِن إغاثَةِ المَلْهُوفِ، والكافِرُ مِن عِبادِ اللَّهِ، ونَحْنُ قَدْ أُمِرْنا بِالإحْسانِ إلى الحَيَوانِ، فَفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: قالُوا: «يا رَسُولَ اللَّهِ، وإنَّ لَنا في البَهائِمِ لَأجْرًا ؟ فَقالَ: في كُلِّ ذِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرٌ» . واتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى أنَّ الصَّدَقَةَ المَفْرُوضَةَ - أعْنِي الزَّكاةَ - لا تُعْطى لِلْكُفّارِ، وحِكْمَةُ ذَلِكَ أنَّها إنَّما فُرِضَتْ لِإقامَةِ أوَدِ المُسْلِمِينَ ومُواساتِهِمْ، فَهي مالُ الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ يُؤْخَذُ بِمَقادِيرَ مُعَيَّنَةٍ، فَفِيهِ غِنى المُسْلِمِينَ بِخِلافِ ما يُعْطِيهِ المَرْءُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ لِأجْلِ الرَّأْفَةِ والشَّفَقَةِ، واخْتَلَفُوا في صَدَقَةِ الفِطْرِ، فالجُمْهُورُ ألْحَقُوها بِالصَّدَقاتِ المَفْرُوضَةِ، وأبُو حَنِيفَةَ ألْحَقَها بِصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ فَأجازَ إعْطاءَها إلى الكُفّارِ، ولَوْ قِيلَ ذَلِكَ في غَيْرِ زَكاةِ الفِطْرِ كانَ أشْبَهَ، فَإنَّ العِيدَ عِيدُ المُسْلِمِينَ، ولَعَلَّهُ رَآها صَدَقَةَ شُكْرٍ عَلى القُدْرَةِ عَلى الصِّيامِ، فَكانَ المَنظُورُ فِيها حالَ المُتَصَدِّقِ لا حالَ المُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، وقَوْلُ الجُمْهُورِ أصَحُّ لِأنَّ مَشْرُوعِيَّتَها لِكِفايَةِ فُقَراءِ المُسْلِمِينَ عَنِ المَسْألَةِ في يَوْمِ عِيدِهِمْ، ولِيَكُونُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ أوْسَعَ حالًا مِنهم في سائِرِ المُدَّةِ، وهَذا القَدْرُ لا تَظْهَرُ حِكْمَتُهُ في فُقَراءِ الكافِرِينَ.

البقرة 2:273

صفحة ٧٤ ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهم بِسِيماهم لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ . ”لِلْفُقَراءِ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تُنْفِقُونَ“ الأخِيرَةِ، وتَعَلُّقُهُ بِهِ يُؤْذِنُ بِتَعْلِيقِ مَعْناهُ بِنَظائِرِهِ المُقَدَّمَةِ، فَما مِن نَفَقَةٍ ذُكِرَتْ آنِفًا إلّا وهي لِلْفُقَراءِ لِأنَّ الجُمَلَ قَدْ عَضَّدَ بَعْضُها بَعْضًا. و﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا﴾ أيْ: حُبِسُوا وأُرْصِدُوا، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِسَبِيلِ اللَّهِ هُنا الجِهادُ، فَإنْ كانَ نُزُولُها في قَوْمٍ جُرِحُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَصارُوا زَمْنى فَـ (في) لِلسَّبَبِيَّةِ. والضَّرْبُ في الأرْضِ المَشْيُ لِلْجِهادِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: في سَبِيلِ اللَّهِ والمَعْنى أنَّهم أحِقّاءُ بِأنْ يُنْفَقَ عَلَيْهِمْ لِعَجْزِهِمُ الحاصِلِ بِالجِهادِ، وإنْ كانُوا قَوْمًا بِصَدَدِ القِتالِ يَحْتاجُونَ لِلْمَعُونَةِ، فَـ (في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِمْ أهْلَ الصُّفَّةِ، وهم فُقَراءُ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ بِمَكَّةَ وجاءُوا دارَ الهِجْرَةِ لا يَسْتَطِيعُونَ زِراعَةً ولا تِجارَةً، فَمَعْنى أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ: عِيقُوا عَنْ أعْمالِهِمْ لِأجْلِ سَبِيلِ اللَّهِ وهو الهِجْرَةُ، فَـ (في) لِلتَّعْلِيلِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ أهْلَ الصُّفَّةِ كانُوا يَخْرُجُونَ في كُلِّ سِرِّيَّةٍ يَبْعَثُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعَلَيْهِ فَسَبِيلُ اللَّهِ هو الجِهادُ، ومَعْنى ﴿أُحْصِرُوا﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ أُرْصِدُوا، و(في) باقِيَةٌ عَلى التَّعْلِيلِ. والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ﴾ أنَّهم عاجِزُونَ عَنِ التِّجارَةِ لِقِلَّةِ ذاتِ اليَدِ، والضَّرْبُ في الأرْضِ كِنايَةٌ عَنِ التَّجَرِ؛ لِأنَّ شَأْنَ التّاجِرِ أنْ يُسافِرَ لِيَبْتاعَ ويَبِيعَ، فَهو يَضْرِبُ الأرْضَ بِرِجْلَيْهِ أوْ دابَّتِهِ. صفحة ٧٥ وجُمْلَةُ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا وأنْ تَكُونَ بَيانًا لِجُمْلَةِ ”أُحْصِرُوا“ . وقَوْلُهُ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ﴾ حالٌ مِنَ الفُقَراءِ، أيِ الجاهِلُ بِحالِهِمْ مِنَ الفَقْرِ يَظُنُّهم أغْنِياءَ، و”مِن“ لِلِابْتِداءِ لِأنَّ التَّعَفُّفَ مَبْدَأُ هَذا الإحْسانِ. والتَّعَفُّفُ تَكَلُّفُ العَفافِ وهو النَّزاهَةُ عَمًّا لا يَلِيقُ، وفي البُخارِيِّ بابُ الِاسْتِعْفافِ عَنِ المَسْألَةِ، أخْرَجَ فِيهِ حَدِيثَ أبِي سَعِيدٍ: «أنَّ الأنْصارَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأعْطاهم، ثُمَّ سَألُوهُ فَأعْطاهم، حَتّى نَفِدَ ما عِنْدَهُ فَقالَ: ما يَكُونُ عِنْدِي مَن خَيْرٍ فَلَنْ أدَّخِرَهُ عَنْكم، ومَن يَسْتَعْفِفْ يُعِفُّهُ اللَّهُ، ومَن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، ومَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ» . وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ويَعْقُوبُ (يَحْسِبُهم) بِكَسْرِ السِّينِ وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ السِّينِ وهُما لُغَتانِ. ومَعْنى ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ أيْ بِعَلامَةِ الحاجَةِ. والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لِيَعُمَّ كُلَّ مُخاطَبٍ، ولَيْسَ لِلرَّسُولِ لِأنَّهُ أعْلَمُ بِحالِهِمْ، والمُخاطَبُ بِـ (تَعْرِفُهم) هو الَّذِي تَصَدّى لِتَطَلُّعِ أحْوالِ الفُقَراءِ، فَهو المُقابِلُ لِلْجاهِلِ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ﴾ . والجُمْلَةُ بَيانٌ لِجُمْلَةِ: يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَبِماذا تَصِلُ إلَيْهِمْ صَدَقاتُ المُسْلِمِينَ إذا كانَ فَقْرُهم خَفِيًّا، وكَيْفَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ فَأُحِيلَ ذَلِكَ عَلى مَظِنَّةِ المُتَأمِّلِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] . والسِّيما العَلّامَةُ، مُشْتَقَّةٌ مِن (سامَ) الَّذِي هو مَقْلُوبُ وسَمَ، فَأصْلُها وِسْمى، فَوَزْنُها عِفْلى، وهي في الصُّورَةِ فِعْلى، يَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهم سِمَةٌ، فَإنَّ أصْلَها وسْمَةٌ ويَقُولُونَ سِيمى بِالقَصْرِ وسِيماءُ بِالمَدِّ وسِيمِياءُ بِزِيادَةِ ياءٍ بَعْدَ المِيمِ وبِالمَدِّ، ويَقُولُونَ سَوَّمَ إذا جَعَلَ سِمَةً، وكَأنَّهم إنَّما قَلَبُوا حُرُوفَ الكَلِمَةِ لِقَصْدِ التَّوَصُّلِ إلى التَّخْفِيفِ بِهَذِهِ الأوْزانِ لِأنَّ قَلْبَ عَيْنِ الكَلِمَةِ مُتَأتٍّ بِخِلافِ قَلْبِ فائِها، ولَمْ يُسْمَعْ مِن كَلامِهِمْ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ مِن (سَوَّمَ) المقْلُوبِ، وإنَّما سُمِعَ مِنهُ فِعْلٌ مُضاعَفٌ في قَوْلِهِمْ سَوَّمَ فَرَسَهُ. صفحة ٧٦ وقَوْلُهُ: ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ﴾ بَيانًا ثانِيًا لِكَيْفِيَّةِ حُسْبانِهِمْ أغْنِياءَ في أنَّهم لا يَسْألُونَ النّاسَ، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ تَقْدِيمَهُ عَلى الَّذِي قَبْلَهُ إلّا أنَّهُ أُخِّرَ لِلِاهْتِمامِ بِما سَبَقَهُ مِنَ الحَثِّ عَلى تَوَسُّمِ احْتِياجِهِمْ بِأنَّهم مَحْصُورُونَ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِن سِياقِ الكَلامِ. فَأنْتَ تَرى كَيْفَ لَمْ يُغادِرِ القُرْآنُ شَيْئًا مِنَ الحَثِّ عَلى إبْلاغِ الصَّدَقاتِ إلى أيْدِي الفُقَراءِ إلّا وقَدْ جاءَ بِهِ، وأظْهَرَ بِهِ مَزِيدَ الِاعْتِناءِ. والإلْحافُ: الإلْحاحُ في المَسْألَةِ، ونُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُبَيِّنٌ لِلنَّوْعِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ ضَمِيرِ (يَسْألُونَ) بِتَأْوِيلِ مُلْحِفِينَ، وأيًّا ما كانَ فَقَدْ نُفِيَ عَنْهُمُ السُّؤالُ المُقَيَّدُ بِالإلْحافِ، أوِ المُقَيَّدُونَ فِيهِ بِأنَّهم مُلْحِفُونَ - وذَلِكَ لا يُفِيدُ نَفْيَ صُدُورِ المَسْألَةِ مِنهم. مَعَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يَسْألُونَ أصْلًا. وقَدْ تَأوَّلَهُ الزَّجاجُ والزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ السُّؤالِ ونَفْيُ الإلْحافِ مَعًا كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ يُرِيدُ نَفْيَ المَنارِ والِاهْتِداءِ، وقَرِينَةُ هَذا المَقْصُودِ أنَّهم وُصِفُوا بِأنَّهم يُحْسَبُونَ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافر: ١٨] أيْ: لا شَفِيعَ أصْلًا ثُمَّ حَيْثُ لا شَفِيعَ فَلا إطاعَةَ، فَأنْتَجَ لا شَفِيعَ يُطاعُ، فَهو مُبالَغَةٌ في نَفْيِ الشَّفِيعِ لِأنَّهُ كَنَفْيِهِ بِنَفْيِ لازِمِهِ وجَعَلُوهُ نَوْعًا مِن أنْواعِ الكِنايَةِ، وقالَ التَّفْتازانِيُّ: إنَّما تَحْسُنُ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ إذا كانَ القَيْدُ الواقِعُ بَعْدَ النَّفْيِ بِمَنزِلَةِ اللّازِمِ لِلنَّفْيِ لِأنَّ شَأْنَ اللّاحِبِ أنْ يَكُونَ لَهُ مَنارٌ، وشَأْنَ الشَّفِيعِ أنْ يُطاعَ، فَيَكُونَ نَفْيُ اللّازِمِ نَفْيًا لِلْمَلْزُومِ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ، ولَيْسَ الإلْحافُ بِالنِّسْبَةِ إلى السُّؤالِ كَذَلِكَ، بَلْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ضِدُّ الإلْحافِ - وهو الرِّفْقُ والتَّلَطُّفُ - أشْبَهَ باللّازِمِ، أيْ أنْ يَكُونَ المَنفِيُّ مُطَّرِدَ اللُّزُومِ لِلْمَنفِيِّ عَنْهُ، وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم إنْ سَألُوا سَألُوا بِتَلَطُّفٍ خَفِيفٍ دُونَ إلْحافٍ، أيْ إنَّ شَأْنَهم أنْ يَتَعَفَّفُوا، فَإذا سَألُوا سَألُوا بِغَيْرِ إلْحافٍ، وهو بَعِيدٌ لِأنَّ فَصْلَ الجُمْلَةِ عَنِ الَّتِي قَبْلَها دَلِيلٌ عَلى أنَّها كالبَيانِ لَها، والأظْهَرُ الوَجْهُ الأوَّلُ الَّذِي جُعِلَ في الكَشّافِ ثانِيًا، وأجابَ الفَخْرُ بِأنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِالتَّعَفُّفِ فَأغْنى عَنْ ذِكْرِ أنَّهم لا صفحة ٧٧ يَسْألُونَ، وتَعَيَّنَ أنَّ قَوْلَهُ: لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا. تَعْرِيضٌ بِالمُلْحِفِينَ في السُّؤالِ، أيْ: زِيادَةُ فائِدَةٍ في عَدَمِ السُّؤالِ. * * * ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ . أُعِيدَ التَّحْرِيضُ عَلى الإنْفاقِ فَذُكِرَ مَرَّةً رابِعَةً، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الجَزاءِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ العِلْمَ يُكْنى بِهِ عَنْ أثَرِهِ كَثِيرًا، فَلَمّا كانَ الإنْفاقُ مُرَغَّبًا فِيهِ مِنَ اللَّهِ، وكانَ عِلْمُ اللَّهِ بِذَلِكَ مَعْرُوفًا لِلْمُسْلِمِينَ، تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الإخْبارُ بِأنَّهُ عَلِيمٌ بِهِ أنَّهُ عَلِيمٌ بِامْتِثالِ المُنْفِقِ، أيْ: فَهو لا يُضِيعُ أجْرَهُ إذْ لا يَمْنَعُهُ مِنهُ مانِعٌ بَعْدَ كَوْنِهِ عَلِيمًا بِهِ، لِأنَّهُ قَدِيرٌ عَلَيْهِ، وقَدْ حَصَلَ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ المَرّاتِ الأرْبَعِ مِنَ التَّحْرِيضِ ما أفادَ شِدَّةَ فَضْلِ الإنْفاقِ بِأنَّهُ نَفْعٌ لِلْمُنْفِقِ، وصِلَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ، ونَوالُ الجَزاءِ مِنَ اللَّهِ، وأنَّهُ ثابِتٌ لَهُ في عِلْمِ اللَّهِ.

البقرة 2:274

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ . جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ تُفِيدُ تَعْمِيمَ أحْوالِ فَضائِلِ الإنْفاقِ، بَعْدَ أنْ خُصِّصَ الكَلامُ بِالإنْفاقِ لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، فاسْمُ المَوْصُولِ مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. وأُدْخِلَ الفاءُ في خَبَرِ المَوْصُولِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَسَبُّبِ اسْتِحْقاقِ الأجْرِ عَلى الإنْفاقِ لِأنَّ المُبْتَدَأ لَمّا كانَ مُشْتَمِلًا عَلى صِلَةٍ مَقْصُودٍ مِنها التَّعْمِيمُ والتَّعْلِيلُ والإيماءُ إلى عِلَّةِ بِناءِ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ وهي (يُنْفِقُونَ) - صَحَّ إدْخالُ الفاءِ في خَبَرِهِ كَما تَدْخُلُ في جَوابِ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ أصْلَ الفاءِ الدَّلالَةُ عَلى التَّسَبُّبِ وما أُدْخِلَتْ في جَوابِ الشَّرْطِ إلّا لِذَلِكَ، والسِّرُّ: الخَفاءُ، والعَلانِيَةُ: الجَهْرُ والظُّهُورُ، وذُكِرَ (عِنْدَ رَبِّهِمْ) لِتَعْظِيمِ شَأْنِ الأجْرِ. صفحة ٧٨ وقَوْلُهُ: ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ مُقابِلُ قَوْلِهِ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠] إذْ هو تَهْدِيدٌ لِمانِعِي الصَّدَقاتِ بِإسْلامِ النّاسِ إيّاهم عِنْدَ حُلُولِ المَصائِبِ بِهِمْ، وهَذا بِشارَةٌ لِلْمُنْفِقِينَ بِطِيبِ العَيْشِ في الدُّنْيا فَلا يَخافُونَ اعْتِداءَ المُعْتَدِينَ؛ لِأنَّ اللَّهَ أكْسَبَهم مَحَبَّةَ النّاسِ إيّاهم، ولا تَحِلُّ بِهِمُ المَصائِبُ المُحْزِنَةُ إلّا ما لا يَسْلَمُ مِنهُ أحَدٌ مِمّا هو مُعْتادٌ في إبّانِهِ. أمّا انْتِفاءُ الخَوْفِ والحُزْنِ عَنْهم في الآخِرَةِ فَقَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ . ورُفِعَ (خَوْفٌ) في نَفْيِ الجِنْسِ؛ إذْ لا يُتَوَهَّمُ في الفَرْدِ؛ لِأنَّ الخَوْفَ مِنَ المَعانِي الَّتِي هي أجْناسٌ مَحْضَةٌ لا أفْرادَ لَها كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] ومِنهُ ما في حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ: «لا حَرٌّ ولا قَرٌّ، ولا مَخافَةٌ ولا سَآمَةٌ» .

البقرة 2:275

﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وأمْرُهُ إلى اللَّهِ ومَن عادَ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ . نَظَمَ القُرْآنُ أهَمَّ أصُولِ حِفْظِ مالِ الأُمَّةِ في سِلْكِ هاتِهِ الآياتِ، فَبَعْدَ أنِ ابْتَدَأ بِأعْظَمِ تِلْكَ الأُصُولِ وهو تَأْسِيسُ مالٍ لِلْأُمَّةِ بِهِ قِوامُ أمْرِها، يُؤْخَذُ مِن أهْلِ الأمْوالِ أخْذًا عَدْلًا مِمّا كانَ فَضْلًا عَنِ الغِنى فَفَرَضَهُ عَلى النّاسِ، يُؤْخَذُ مِن أغْنِيائِهِمْ فَيُرَدُّ عَلى فُقَرائِهِمْ، سَواءٌ في ذَلِكَ ما كانَ مَفْرُوضًا وهو الزَّكاةُ، أوْ تَطَوُّعًا وهو الصَّدَقَةُ، فَأطْنَبَ في الحَثِّ عَلَيْهِ، والتَّرْغِيبِ في ثَوابِهِ، والتَّحْذِيرِ في إمْساكِهِ، ما كانَ فِيهِ مَوْعِظَةٌ لِمَنِ اتَّعَظَ، عَطَفَ الكَلامَ إلى إبْطالِ وسِيلَةٍ كانَتْ مِن أسْبابِ ابْتِزازِ الأغْنِياءِ أمْوالَ المُحْتاجِينَ إلَيْهِمْ صفحة ٧٩ وهِيَ المُعامَلَةُ بِالرِّبا الَّذِي لَقَّبَهُ النَّبِيءُ ﷺ رِبا الجاهِلِيَّةِ، وهو أنْ يُعْطِيَ المَدِينُ مالًا لِدائِنِهِ زائِدًا عَلى قَدْرِ الدَّيْنِ لِأجْلِ الِانْتِظارِ، فَإذا حَلَّ الأجَلُ ولَمْ يَدْفَعْ زادَ في الدَّيْنِ، يَقُولُونَ: إمّا أنْ تَقْضِيَ وإمّا أنْ تُرْبِيَ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ شائِعًا في الجاهِلِيَّةِ، كَذا قالَ الفُقَهاءُ، والظّاهِرُ أنَّهم كانُوا يَأْخُذُونَ الرِّبا عَلى المَدِينِ مِن وقْتِ إسْلامِهِ، وكُلَّما طَلَبَ النَّظْرَةَ أعْطى رِبًا آخَرَ، ورُبَّما تَسامَحَ بَعْضُهم في ذَلِكَ، وكانَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ مُشْتَهِرًا بِالمُراباةِ في الجاهِلِيَّةِ، وجاءَ في خُطْبَةِ الوَداعِ: «ألا وإنَّ رِبا الجاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وإنَّ أوَّلَ رِبًا أبْدَأُ بِهِ رِبا عَمِّي عَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ» . وجُمْلَةُ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ اسْتِئْنافٌ. وجِيءَ بِالمَوْصُولِ لِلدَّلالَةِ عَلى عِلَّةِ بِناءِ الخَبَرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لا يَقُومُونَ﴾ إلى آخِرِهِ. والأكْلُ في الحَقِيقَةِ ابْتِلاعُ الطَّعامِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الِانْتِفاعِ بِالشَّيْءِ وأخْذِهِ بِحِرْصٍ وأصْلُهُ تَمْثِيلٌ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فَقالُوا: أكَلَ مالَ النّاسِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى﴾ [النساء: ١٠] ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٨] ولا يَخْتَصُّ بِأخْذِ الباطِلِ. فَفي القُرْآنِ ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] . والرِّبا: اسْمٌ عَلى وزْنِ فِعَلٍ بِكَسْرِ الفاءِ وفَتْحِ العَيْنِ، لَعَلَّهم خَفَّفُوهُ مِنَ الرِّباءِ - بِالمَدِّ - فَصَيَّرُوهُ اسْمَ مَصْدَرٍ لِفِعْلِ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو رَبْوًا بِسُكُونِ الباءِ عَلى القِياسِ كَما في الصِّحاحِ وبِضَمِّ الرّاءِ والباءِ كَعُلُوٍّ، ورِباءٌ بِكَسْرِ الرّاءِ وبِالمَدِّ مِثْلُ الرِّماءِ: إذا زادَ. قالَ تَعالى: ﴿فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] وقالَ: ﴿اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ [الحج: ٥] ولِكَوْنِهِ مِن ذَواتِ الواوِ ثُنِّيَ عَلى رَبَوانِ، وكُتِبَ بِالألِفِ، وكَتَبَهُ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ بِالياءِ نَظَرًا لِجَوازِ الإمالَةِ فِيهِ لِمَكانِ كَسْرَةِ الرّاءِ، ثُمَّ ثَنَّوْهُ بِالياءِ لِأجْلِ الكَسْرَةِ أيْضًا، قالَ الزَّجّاجُ: ما رَأيْتُ خَطَأً أشْنَعَ مِن هَذا، ألا يَكْفِيهِمُ الخَطَأُ في الخَطِّ حَتّى أخْطَأُوا في التَّثْنِيَةِ كَيْفَ وهَمَ يَقُرَءُونَ ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ﴾ [الروم: ٣٩] بِفَتْحَةٍ عَلى الواوِ ﴿فِي أمْوالِ النّاسِ﴾ [الروم: ٣٩] يُشِيرُ إلى قِراءَةِ عاصِمٍ والأعْمَشِ، وهُما كُوفِيّانِ، وبِقِراءَتِهِما يَقْرَأُ أهْلُ الكُوفَةِ. صفحة ٨٠ وكُتِبَ الرِّبا في المُصْحَفِ حَيْثُما وقَعَ بَعْدَها بِواوٍ بَعْدَها ألِفٌ، والشَّأْنُ أنْ يُكْتَبَ ألِفًا، فَقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: كُتِبَتْ كَذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن يُفَخِّمُ أيْ يَنْحُو بِالألِفِ مَنحى الواوِ، والتَّفْخِيمُ عَكْسُ الإمالَةِ، وهَذا بَعِيدٌ، إذْ لَيْسَ التَّفْخِيمُ لُغَةَ قُرَيْشٍ حَتّى يُكْتَبَ بِها المُصْحَفُ، وقالَ المُبَرِّدُ: كُتِبَ كَذَلِكَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الرِّبا والزِّنا، وهو أبْعَدُ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ لا يَتْرُكُ اشْتِباهًا بَيْنَهُما مِن جِهَةِ المَعْنى إلّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا﴾ [الإسراء: ٣٢] وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ العَرَبَ تَعَلَّمُوا الخَطَّ مِن أهْلِ الحِيرَةِ وهم نَبَطٌ يَقُولُونَ في الرِّبا: رِبَوْ - بِواوٍ ساكِنَةٍ - فَكُتِبَتْ كَذَلِكَ، وهَذا أبْعَدُ مِنَ الجَمِيعِ. والَّذِي عِنْدِي أنَّ الصَّحابَةَ كَتَبُوهُ بِالواوِ لِيُشِيرُوا إلى أصْلِهِ كَما كَتَبُوا الألِفاتِ المُنْقَلِبَةَ عَنِ الياءِ في أواسِطِ الكَلِماتِ بِياءاتٍ عَلَيْها ألِفاتٌ، وكَأنَّهم أرادُوا في ابْتِداءِ الأمْرِ أنْ يَجْعَلُوا الرَّسْمَ مُشِيرًا إلى أُصُولِ الكَلِماتِ ثُمَّ اسْتَعْجَلُوا فَلَمْ يَطَّرِدْ في رَسْمِهِمْ، ولِذَلِكَ كَتَبُوا الزَّكاةَ بِالواوِ، وكَتَبُوا الصَّلاةَ بِالواوِ تَنْبِيهًا عَلى أنْ أصْلَها هو الرُّكُوعُ مِن تَحْرِيكِ الصَّلْوَيْنِ لا مِنَ الِاصْطِلاءِ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وكَتَبُوا بَعْدَها ألِفًا تَشْبِيهًا بِواوِ الجَمْعِ، وعِنْدِي أنَّ هَذا لا مَعْنًى لِلتَّعْلِيلِ بِهِ، بَلْ إنَّما كَتَبُوا الألِفَ بَعْدَها عِوَضًا عَنْ أنْ يَضَعُوا الألِفَ فَوْقَ الواوِ، كَما وضَعُوا المُنْقَلِبَ عَنْ ياءٍ ألِفًا فَوْقَ الياءِ لِئَلّا يَقْرَأها النّاسُ الرَّبْوَ. وأُرِيدَ بِالَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا هُنا مَن كانَ عَلى دِينِ الجاهِلِيَّةِ، لِأنَّ هَذا الوَعِيدَ والتَّشْنِيعَ لا يُناسِبُ إلّا التَّوَجُّهَ إلَيْهِمْ لِأنَّ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ أحْوالِ كُفْرِهِمْ وهم لا يَرْعَوُونَ عَنْها ما دامُوا عَلى كُفْرِهِمْ، أمّا المُسْلِمُونَ فَسَبَقَ لَهم تَشْرِيعٌ بِتَحْرِيمِ الرِّبا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وهم لا يَقُولُونَ ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾، فَجَعَلَ اللَّهُ هَذا الوَعِيدَ مِن جُمْلَةِ أصْنافِ العَذابِ خاصًّا لِلْكافِرِينَ لِأجْلِ ما تَفَرَّعَ عَنْ كُفْرِهِمْ مِن وضْعِ الرِّبا. وتَقَدَّمَ ذَلِكَ كُلَّهُ إنْكارُ القُرْآنِ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ إعْطاءَهُمُ الرِّبا وهو مِن أوَّلِ ما نَعاهُ القُرْآنُ عَلَيْهِمْ في مَكَّةَ، فَقَدْ جاءَ في سُورَةِ الرُّومِ ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِتُرْبُوا في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩] صفحة ٨١ وهُوَ خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ ولِأنَّ بَعْدَ الآيَةِ قَوْلَهُ ﴿اللَّهُ خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠] . ومِن عاداتِ القُرْآنِ أنْ يَذْكُرَ أحْوالَ الكُفّارِ إغْلاظًا عَلَيْهِمْ، وتَعْرِيضًا بِتَخْوِيفِ المُسْلِمِينَ لِيُكَرِّهَ إيّاهم أحْوالَ أهْلِ الكُفْرِ، وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن ذَمِّ أحْوالِ الكُفّارِ فَمُرادٌ مِنهُ أيْضًا تَحْذِيرُ المُسْلِمِينَ مِن مِثْلِهِ في الإسْلامِ، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومَن عادَ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] . ثُمَّ عَطَفَ إلى خِطابِ المُسْلِمِينَ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] الآياتِ، ولَعَلَّ بَعْضَ المُسْلِمِينَ لَمْ يَنْكَفَّ عَنْ تَعاطِي الرِّبا أوْ لَعَلَّ بَعْضَهم فُتِنَ بِقَوْلِ الكُفّارِ: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾، فَكانَتْ آيَةُ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ مَبْدَأ التَّحْرِيمِ، وكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ إغْلاقَ بابِ المَعْذِرَةِ في أكْلِ الرِّبا وبَيانًا لِكَيْفِيَّةِ تَدارُكِ ما سَلَفَ مِنهُ. والرِّبا يَقَعُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما السَّلَفُ بِزِيادَةٍ عَلى ما يُعْطِيهِ المُسَلِّفُ، والثّانِي السَّلَفُ بِدُونِ زِيادَةٍ إلى أجَلٍ، يَعْنِي فَإذا لَمْ يُوَفِّ المُسْتَسْلِفُ أداءَ الدَّيْنِ عِنْدَ الأجَلِ كانَ عَلَيْهِ أنْ يَزِيدَ فِيهِ زِيادَةً يَتَّفِقانِ عَلَيْها عِنْدَ حُلُولِ كُلِّ أجَلٍ. وقَوْلُهُ: ﴿لا يَقُومُونَ﴾ حَقِيقَةُ القِيامِ النُّهُوضُ والِاسْتِقْلالُ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى تَحَسُّنِ الحالِ، وعَلى القُوَّةِ، مِن ذَلِكَ: قامَتِ السُّوقُ، وقامَتِ الحَرْبُ، فَإنْ كانَ القِيامُ المَنفِيُّ هُنا القِيامَ الحَقِيقِيَّ فالمَعْنى: لا يَقُومُونَ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ، أيْ: إلّا قِيامًا كَقِيامِ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ، وإنْ كانَ القِيامَ المَجازِيَّ فالمَعْنى إمّا عَلى أنَّ حِرْصَهم ونَشاطَهم في مُعامَلاتِ الرِّبا كَقِيامِ المَجْنُونِ تَشْنِيعًا لِجَشَعِهِمْ، قالَهُابْنُ عَطِيَّةَ، ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ المَعْنى تَشْبِيهُ ما يُعْجِبُ النّاسَ مِنِ اسْتِقامَةِ حالِهِمْ ووَفْرَةِ مالِهِمْ، وقُوَّةِ تِجارَتِهِمْ، بِما يَظْهَرُ مِن حالِ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ حَتّى تَخالَهُ قَوِيًّا سَرِيعَ الحَرَكَةِ، مَعَ أنَّهُ لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، فالآيَةُ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ وعِيدٌ لَهم بِابْتِداءِ تَعْذِيبِهِمْ مِن وقْتِ القِيامِ لِلْحِسابِ إلى أنْ يَدْخُلُوا النّارَ، وهَذا هو الظّاهِرُ وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ وهي عَلى المَعْنى المَجازِيِّ صفحة ٨٢ تَشْنِيعٌ، أوْ تَوَعُّدٌ بِسُوءِ الحالِ في الدُّنْيا ولُقِيِّ المَتاعِبِ ومَرارَةِ الحَياةِ تَحْتَ صُورَةٍ يَخالُها الرّائِي مُسْتَقِيمَةً. والتَّخَبُّطُ مُطاوِعُ (خَبَطَهُ): إذا ضَرَبَهُ ضَرْبًا شَدِيدًا فاضْطَرَبَ لَهُ، أيْ: تَحَرَّكَ تَحَرُّكًا شَدِيدًا، ولَمّا كانَ مِن لازِمِ هَذا التَّحَرُّكِ عَدَمُ الِاتِّساقِ، أطْلَقَ التَّخَبُّطَ عَلى اضْطِرابِ الإنْسانِ مِن غَيْرِ اتِّساقٍ، ثُمَّ إنَّهم يَعْمِدُونَ إلى فِعْلِ المُطاوَعَةِ فَيَجْعَلُونَهُ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولٍ إذا أرادُوا الِاخْتِصارَ، فَعِوَضًا عَنْ أنْ يَقُولُوا خَبَطَهُ فَتَخَبَّطَ يَقُولُونَ: تَخَبَّطَهُ. كَما قالُوا: اضْطَرَّهُ إلى كَذا. فَتَخَبُّطُ الشَّيْطانِ المَرْءَ جَعْلُهُ إيّاهُ مُتَخَبِّطًا، أيْ: مُتَحَرِّكًا عَلى غَيْرِ اتِّساقٍ. والَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ هو المَجْنُونُ الَّذِي أصابَهُ الصَّرْعُ، فَيَضْطَرِبُ بِهِ اضْطِراباتٍ، ويَسْقُطُ عَلى الأرْضِ إذا أرادَ القِيامَ، فَلَمّا شُبِّهَتِ الهَيْئَةُ بِالهَيْئَةِ جِيءَ في لَفْظِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها، بِالألْفاظِ المَوْضُوعَةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها في كَلامِهِمْ، وإلّا لَما فُهِمَتِ الهَيْئَةُ المُشَبَّهُ بِها، وقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ عِنْدَهم، قالَ الأعْشى يَصِفُ ناقَتَهُ بِالنَّشاطِ وسُرْعَةِ السَّيْرِ، بَعْدَ أنْ سارَتْ لَيْلًا كامِلًا: وتُصْبِحُ عَنْ غِبِّ السُّرى وكَأنَّها ألَمَّ بِها مِن طائِفِ الجِنِّ أوْلَقُ والمَسُّ في الأصْلِ هو اللَّمْسُ بِاليَدِ كَقَوْلِها: المَسُّ مَسُّ أرْنَبٍ، وهو إذا أُطْلِقَ مُعَرَّفًا بِدُونِ عَهْدِ مَسٍّ مَعْرُوفٍ دَلَّ عِنْدَهم عَلى مَسِّ الجِنِّ، فَيَقُولُونَ: رَجُلٌ مَمْسُوسٌ أيْ مَجْنُونٌ، وإنَّما احْتِيجَ إلى زِيادَةِ قَوْلِهِ ﴿مِنَ المَسِّ﴾ لِيَظْهَرَ المُرادُ مِن تَخَبُّطِ الشَّيْطانِ فَلا يُظَنُّ أنَّهُ تَخَبُّطٌ مَجازِيٌّ بِمَعْنى الوَسْوَسَةِ و”مِن“ ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”يَتَخَبَّطُهُ“ لا مَحالَةَ. وهَذا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ جارٍ عَلى ما عَهِدَهُ العَرَبِيُّ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ. إلّا أنَّ هَذا مُشاهَدٌ وعِلَّتُهُ مُتَخَيَّلَةٌ، والآخَرانِ مُتَخَيَّلانِ لِأنَّهم يُنْكِرُونَ تَأْثِيرَ الشَّياطِينِ بِغَيْرِ الوَسْوَسَةِ، وعِنْدَنا هو أيْضًا مَبْنِيٌّ عَلى تَخَيِيلِهِمْ والصَّرَعُ إنَّما يَكُونُ مِن عِلَلٍ صفحة ٨٣ تَعْتَرِي الجِسْمَ مِثْلِ فَيَضانِ المِرَّةِ عِنْدَ الأطِبّاءِ المُتَقَدِّمِينَ وتَشَنُّجِ المَجْمُوعِ العَصَبِيِّ عِنْدَ المُتَأخِّرِينَ، إلّا أنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَنا أنْ تَكُونَ هاتِهِ العِلَلُ كُلُّها تَنْشَأُ في الأصْلِ مِن تَوَجُّهاتٍ شَيْطانِيَّةٍ، فَإنَّ عَوالِمَ المُجَرَّداتِ - كالأرْواحِ - لَمْ تَنْكَشِفْ أسْرارُها لَنا حَتّى الآنَ ولَعَلَّ لَها ارْتِباطاتٍ شُعاعِيَّةً هي مَصادِرُ الكَوْنِ والفَسادِ. وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ الإشارَةُ إلى ﴿كَما يَقُومُ﴾ لِأنَّ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ والباءَ سَبَبِيَّةٌ. والمَحْكِيُّ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ إنْ كانَ قَوْلًا لِسانِيًّا فالمُرادُ بِهِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ أوْ قَوْلُ دُعاتِهِمْ وهُمُ المُنافِقُونَ بِالمَدِينَةِ، ظَنُّوا بِسُوءِ فَهْمِهِمْ أنَّ تَحْرِيمَ الرِّبا اضْطِرابٌ في حِينِ تَحْلِيلِ البَيْعِ، لِقَصْدِ أنْ يَفْتِنُوا المُسْلِمِينَ في صِحَّةِ أحْكامِ شَرِيعَتِهِمْ، إذْ يَتَعَذَّرُ أنْ يَكُونَ كُلُّ مَن أكَلَ الرِّبا قالَ هَذا الكَلامَ، وإنْ كانَ قَوْلًا حالِيًّا بِحَيْثُ يَقُولُهُ كُلُّ مَن يَأْكُلُ الرِّبا لَوْ سَألَهُ سائِلٌ عَنْ وجْهِ تَعاطِيهِ الرِّبا، فَهو اسْتِعارَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (قالُوا) مَجازًا؛ لِأنَّ اعْتِقادَهم مُساواةَ البَيْعِ لِلرِّبا يَسْتَلْزِمُ أنْ يَقُولَهُ قائِلٌ، فَأُطْلِقَ القَوْلُ وأُرِيدَ لازِمُهُ وهو الِاعْتِقادُ بِهِ. وقَوْلُهم: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ قَصْرٌ إضافِيٌّ لِلرَّدِّ عَلى مَن زَعَمَ تَخالُفَ حُكْمِهِما فَحُرِّمَ الرِّبا وأُحِلَّ البَيْعُ، ولَمّا صَرَّحَ فِيهِ بِلَفْظِ مِثْلُ ساغَ أنْ يُقالَ: البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا كَما يَسُوغُ أنْ يُقالَ الرِّبا مِثْلُ البَيْعِ. ولا يُقالُ: إنَّ الظّاهِرَ أنْ يَقُولُوا إنَّما الرِّبا مِثْلُ البَيْعِ لِأنَّهُ هو الَّذِي قُصِدَ إلْحاقُهُ بِهِ، كَما في سُؤالِ الكَشّافِ وبَنى عَلَيْهِ جَعْلَ الكَلامِ مِن قَبِيلِ المُبالَغَةِ، لِأنّا نَقُولُ: لَيْسُوا هم بِصَدَدِ إلْحاقِ الفُرُوعِ بِالأُصُولِ عَلى طَرِيقَةِ القِياسِ بَلْ هم كانُوا يَتَعاطَوْنَ الرِّبا والبَيْعَ، فَهُما في الخُطُورِ بِأذْهانِهِمْ سَواءٌ، غَيْرَ أنَّهم لَمّا سَمِعُوا بِتَحْرِيمِ الرِّبا وبَقاءِ البَيْعِ عَلى الإباحَةِ سَبَقَ البَيْعُ حِينَئِذٍ إلى أذْهانِهِمْ فَأحْضَرُوهُ لِيُثْبِتُوا بِهِ إباحَةَ الرِّبا، أوْ أنَّهم جَعَلُوا البَيْعَ هو الأصْلَ تَعْرِيضًا بِالإسْلامِ في تَحْرِيمِهِ الرِّبا عَلى الطَّرِيقَةِ المُسَمّاةِ في الأُصُولِ بِقِياسِ العَكْسِ، لِأنَّ قِياسَ العَكْسِ إنَّما يُلْتَجَأُ إلَيْهِ عِنْدَ كِفاحِ المُناظَرَةِ، لا في وقْتِ اسْتِنْباطِ المُجْتِهِدِ في خاصَّةِ نَفْسِهِ. صفحة ٨٤ وأرادُوا بِالبَيْعِ هُنا بَيْعَ التِّجارَةِ لا بَيْعَ المُحْتاجِ سِلْعَتَهُ بِرَأْسِ مالِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى جَوابٌ لَهم ولِلْمُسْلِمِينَ، فَهو إعْراضٌ عَنْ مُجادَلَتِهِمْ إذْ لا جَدْوى فِيها لِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ كُفْرًا ونِفاقًا فَلَيْسُوا مِمَّنْ تَشْمَلُهم أحْكامُ الإسْلامِ، وهو إقْناعٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّ ما قالَهُ الكُفّارُ هو شُبْهَةٌ مَحْضَةٌ، وأنَّ اللَّهَ العَلِيمَ قَدْ حَرَّمَ هَذا وأباحَ ذاكَ، وما ذَلِكَ إلّا حِكْمَةٌ وفُرُوقٌ مُعْتَبَرَةٌ لَوْ تَدَبَّرَها أهْلُ التَّدَبُّرِ لَأدْرَكُوا الفَرْقَ بَيْنَ البَيْعِ والرِّبا، ولَيْسَ في هَذا الجَوابِ كَشْفٌ لِلشُّبْهَةِ فَهو مِمّا وكَلَهُ اللَّهُ تَعالى لِمَعْرِفَةِ أهْلِ العِلْمِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، مَعَ أنَّ ذِكْرَ تَحْرِيمِ الرِّبا عَقِبَ التَّحْرِيضِ عَلى الصَّدَقاتِ يُومِئُ إلى كَشْفِ الشُّبْهَةِ. واعْلَمْ أنَّ مَبْنى شُبْهَةِ القائِلِينَ ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ أنَّ التِّجارَةَ فِيها زِيادَةٌ عَلى ثَمَنِ المَبِيعاتِ لِقَصْدِ انْتِفاعِ التّاجِرِ في مُقابَلَةِ جَلْبِ السِّلَعِ وإرْصادِها لِلطّالِبِينَ في البَيْعِ النّاضِّ، ثُمَّ لِأجْلِ انْتِظارِ الثَّمَنِ في البَيْعِ المُؤَجَّلِ، فَكَذَلِكَ إذا أسْلَفَ عَشَرَةَ دَراهِمَ مَثَلًا عَلى أنَّهُ يُرْجِعُها لَهُ أحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا، فَهو قَدْ أعْطاهُ هَذا الدِّرْهَمَ الزّائِدَ لِأجْلِ إعْدادِ مالِهِ لِمَن يَسْتَسْلِفُهُ؛ لِأنَّ المُقْرِضَ تَصَدّى لِإقْراضِهِ وأعَدَّ مالَهُ لِأجْلِهِ، ثُمَّ لِأجْلِ انْتِظارِ ذَلِكَ بَعْدَ مَحِلِّ أجَلِهِ. وكَشْفُ هاتِهِ الشُّبْهَةِ قَدْ تَصَدّى لَهُ القَفّالُ فَقالَ: مَن باعَ ثَوْبًا يُساوِي عَشْرَةً بِعِشْرِينَ فَقَدْ جَعَلَ ذاتَ الثَّوْبِ مُقابَلًا بِالعِشْرِينَ، فَلَمّا حَصَلَ التَّراضِي عَلى هَذا التَّقابُلِ صارَتِ العِشْرُونَ عِوَضًا لِلثَّوْبِ في المالِيَّةِ فَلَمْ يَأْخُذِ البائِعُ مِنَ المُشْتَرِي شَيْئًا بِدُونِ عِوَضٍ، أمّا إذا أقْرَضَهُ عَشْرَةً بِعِشْرِينَ فَقَدْ أخَذَ المُقْرِضُ العَشَرَةَ الزّائِدَةَ مِن غَيْرِ عِوَضٍ، ولا يُقالُ إنَّ الزّائِدَ عِوَضُ الإمْهالِ؛ لِأنَّ الإمْهالَ لَيْسَ مالًا أوْ شَيْئًا يُشارُ إلَيْهِ حَتّى يَجْعَلَهُ عِوَضًا عَنِ العَشَرَةِ الزّائِدَةِ. ومَرْجِعُ هَذِهِ التَّفْرِقَةِ إلى أنَّها مُجَرَّدُ اصْطِلاحٍ اعْتِبارِيٍّ فَهي تَفْرِقَةٌ قاصِرَةٌ. وأشارَ الفَخْرُ في أثْناءِ تَقْرِيرِ حِكْمَةِ تَحْرِيمِ الرِّبا إلى تَفْرِقَةٍ أُخْرى زادَها البَيْضاوِيُّ تَحْرِيرًا، حاصِلُها أنَّ الَّذِي يَبِيعُ الشَّيْءَ المُساوِيَ عَشْرَةً بِأحَدَ عَشَرَ يَكُونُ قَدْ مَكَّنَ المُشْتَرِيَ مِنَ الِانْتِفاعِ بِالمَبِيعِ إمّا بِذاتِهِ وإمّا بِالتِّجارَةِ بِهِ، فَذَلِكَ الزّائِدُ لِأجْلِ تِلْكَ المَنفَعَةِ وهي مَسِيسُ الحاجَةِ أوْ تَوَقُّعُ الرَّواجِ والرِّبْحِ، وأمّا الَّذِي دَفَعَ دِرْهَمًا لِأجْلِ السَّلَفِ فَإنَّهُ لَمْ يُحَصِّلْ صفحة ٨٥ مَنفَعَةً أكْثَرَ مِن مِقْدارِ المالِ الَّذِي أخَذَهُ. ولا يُقالُ: إنَّهُ يَسْتَطِيعُ أنْ يَتَّجِرَ بِهِ فَيَرْبَحَ لِأنَّ هَذِهِ مَنفَعَةٌ مَوْهُومَةٌ غَيْرُ مُحَقَّقَةِ الحُصُولِ، مَعَ أنَّ أخْذَ الزّائِدِ أمْرٌ مُحَقَّقٌ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ. وهَذِهِ التَّفْرِقَةُ أقْرَبُ مِن تَفْرِقَةِ القَفّالِ، لَكِنَّها يَرِدُ عَلَيْها أنَّ انْتِفاعَ المُقْتَرِضِ بِالمالِ فِيهِ سَدُّ حاجاتِهِ فَهو كانْتِفاعِ المُشْتَرِي بِالسِّلْعَةِ، وأمّا تَصَدِّيهِ لِلْمُتاجَرَةِ بِمالِ القَرْضِ أوْ بِالسِّلْعَةِ المُشْتَراةِ فَأمْرٌ نادِرٌ فِيها. فالوَجْهُ عِنْدِي في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ البَيْعِ والرِّبا أنَّ مَرْجِعَها إلى التَّعْلِيلِ بِالمَظِنَّةِ مُراعاةٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ حالَيِ المُقْتَرِضِ والمُشْتَرِي، فَقَدْ كانَ الِاقْتِراضُ لِدَفْعِ حاجَةِ المُقْتَرِضِ لِلْإنْفاقِ عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ لِأنَّهم كانُوا يَعُدُّونَ التَّدايُنَ هَمًّا وكَرْبًا، وقَدِ اسْتَعاذَ مِنهُ النَّبِيءُ ﷺ وحالُ التّاجِرِ حالُ التَّفَضُّلِ، وكَذَلِكَ اخْتِلافُ حالَيِ المُسْلِفِ والبائِعِ، فَحالُ باذِلِ مالِهِ لِلْمُحْتاجِينَ لِيَنْتَفِعَ بِما يَدْفَعُونَهُ مِنَ الرِّبا فَيَزِيدَهم ضِيقًا؛ لِأنَّ المُسْتَسْلِفَ مَظِنَّةُ الحاجَةِ، ألا تَراهُ لَيْسَ بِيَدِهِ مالٌ، وحالُ بائِعِ السِّلْعَةِ تِجارَةً حالُ مَن تَجَشَّمَ مَشَقَّةً لِجَلْبِ ما يَحْتاجُهُ المُتَفَضِّلُونَ وإعْدادِهِ لَهم عِنْدَ دُعاءِ حاجَتِهِمْ إلَيْهِ مَعَ بَذْلِهِمْ لَهُ ما بِيَدِهِمْ مِنَ المالِ، فالتِّجارَةُ مُعامَلَةٌ بَيْنَ غَنِيَّيْنِ، ألا تَرى أنَّ كِلَيْهِما باذِلٌ لِما لا يَحْتاجُ إلَيْهِ وآخِذٌ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، فالمُتَسَلِّفُ مَظِنَّةُ الفَقْرِ، والمُشْتَرِي مَظِنَّةُ الغِنى، فَلِذَلِكَ حَرَّمَ الرِّبا لِأنَّهُ اسْتِغْلالٌ لِحاجَةِ الفَقِيرِ وأحَلَّ البَيْعَ لِأنَّهُ إعانَةٌ لِطالِبِ الحاجاتِ، فَتَبَيَّنَ أنَّ الإقْراضَ مِن نَوْعِ المُواساةِ والمَعْرُوفِ، وأنَّها مُؤَكَّدَةُ التَّعَيُّنِ عَلى المُواسِي وُجُوبًا أوْ نَدْبًا، وأيًّا ما كانَ فَلا يَحِلُّ لِلْمُقْرِضِ أنْ يَأْخُذَ أجْرًا عَلى عَمَلِ المَعْرُوفِ، فَأمّا الَّذِي يَسْتَقْرِضُ مالًا لِيَتَّجِرَ بِهِ أوْ لِيُوَسِّعَ تِجارَتَهُ فَلَيْسَ مَظِنَّةَ الحاجَةِ، فَلَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ اسْتِحْقاقِ مُواساةِ المُسْلِمِينَ، فَلِذَلِكَ لا يَجِبُ عَلى الغَنِيِّ إقْراضُهُ بِحالٍ، فَإذا أقْرَضَهُ فَقَدْ تَطَوَّعَ بِمَعْرُوفٍ، وكَفى بِهَذا تَفْرِقَةً بَيْنَ الحالَيْنِ. وقَدْ ذَكَرَ الفَخْرُ لِحِكْمَةِ تَحْرِيمِ الرِّبا أسْبابًا أرْبَعَةً: أوَّلُها أنَّ فِيهِ أخْذَ مالٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وأُورِدَ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ في الفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ البَيْعِ، وهو فَرْقٌ غَيْرُ وجِيهٍ. صفحة ٨٦ الثّانِي: أنَّ في تَعاطِي الرِّبا ما يَمْنَعُ النّاسَ مِنِ اقْتِحامِ مَشاقِّ الِاشْتِغالِ في الِاكْتِسابِ؛ لِأنَّهُ إذا تَعَوَّدَ صاحِبُ المالِ أخْذَ الرِّبا خَفَّ عَنْهُ اكْتِسابُ المَعِيشَةِ، فَإذا فَشا في النّاسِ أفْضى إلى انْقِطاعِ مَنافِعِ الخَلْقِ؛ لِأنَّ مَصْلَحَةَ العالَمِ لا تَنْتَظِمُ إلّا بِالتِّجارَةِ والصِّناعَةِ والعِمارَةِ. الثّالِثُ: أنَّهُ يُفْضِي إلى انْقِطاعِ المَعْرُوفِ بَيْنَ النّاسِ بِالقَرْضِ. الرّابِعُ: أنَّ الغالِبَ في المُقْرِضِ أنْ يَكُونَ غَنِيًّا وفي المُسْتَقْرِضِ أنْ يَكُونَ فَقِيرًا، فَلَوْ أُبِيحَ الرِّبا لَتَمَكَّنَ الغَنِيُّ مِن أخْذِ مالِ الضَّعِيفِ. وقَدْ أشَرْنا فِيما مَرَّ في الفَرْقِ بَيْنَ الرِّبا والبَيْعِ إلى عِلَّةِ تَحْرِيمِهِ وسَنَبْسُطُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] مِن سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. هَذا وقَدْ تَعَرَّضَتِ الآيَةُ إلى حُكْمٍ هو تَحْلِيلُ البَيْعِ وتَحْرِيمُ الرِّبا، لِأنَّها مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لِإعْلانِ هَذا التَّشْرِيعِ بَعْدَ تَقْدِيمِ المَوْعِظَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ. و”ال“ في كُلٍّ مِنَ (البَيْعِ والرِّبا) لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ، فَثَبَتَ بِها حُكْمُ أصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ في مُعامَلاتِ النّاسِ، مُحْتاجٍ إلَيْهِما فِيها: أحَدُهُما يُسَمّى بَيْعًا والآخَرُ يُسَمّى رِبًا، أوَّلُهُما مُباحٌ مُعْتَبَرٌ كَوْنُهُ حاجِيًّا لِلْأُمَّةِ، وثانِيهِما مُحَرَّمٌ أُلْغِيَتْ حاجِيَّتُهُ لِما عارَضَها مِنَ المَفْسَدَةِ. وظاهِرُ تَعْرِيفِ الجِنْسِ أنَّ اللَّهَ أحَلَّ البَيْعَ بِجِنْسِهِ فَيَشْمَلُ التَّحْلِيلُ سائِرَ أفْرادِهِ، وأنَّهُ حَرَّمَ الرِّبا بِجِنْسِهِ كَذَلِكَ، ولَمّا كانَ مَعْنى أحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ: أذِنَ فِيهِ. كانَ في قُوَّةِ قَضِيَّةٍ مُوجَبَةٍ فَلَمْ يَقْتَضِ اسْتِغْراقَ الجِنْسِ بِالصِّيغَةِ، ولَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلى قَصْدِ الِاسْتِغْراقِ قِيامَها في نَحْوِ (الحَمْدُ لِلَّهِ) فَبَقِيَ مُحْتَمِلًا شُمُولَ الحِلِّ لِسائِرِ أفْرادِ البَيْعِ، ولَمّا كانَ البَيْعُ قَدْ تَعْتَرِيهِ أسْبابٌ تُوجِبُ فَسادَهُ وحُرْمَتَهُ تَتَبَّعَتِ الشَّرِيعَةُ أسْبابَ تَحْرِيمِهِ، فَتَعَطَّلَ احْتِمالُ الِاسْتِغْراقِ في شَأْنِهِ في هَذِهِ الآيَةِ. أمّا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وحَرَّمَ الرِّبا﴾ فَهو في حُكْمِ المَنفِيِّ لِأنَّ (حَرَّمَ) في مَعْنى مَنَعَ، فَكانَ مُقْتَضِيًا اسْتِغْراقَ جِنْسِ الرِّبا بِالصِّيغَةِ؛ إذْ لا يَطْرَأُ عَلَيْهِ ما يُصَيِّرُهُ حَلالًا. ثُمَّ اخْتَلَفَ عُلَماءُ الإسْلامِ في أنَّ لَفْظَ الرِّبا في الآيَةِ باقٍ عَلى مَعْناهُ المَعْرُوفِ في اللُّغَةِ، أوْ هو مَنقُولٌ إلى مَعْنًى جَدِيدٍ في اصْطِلاحِ الشَّرْعِ. صفحة ٨٧ فَذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ ومُعاوِيَةُ إلى أنَّهُ باقٍ عَلى مَعْناهُ المَعْرُوفِ وهو رِبا الجاهِلِيَّةِ، أعْنِي الزِّيادَةَ لِأجْلِ التَّأْخِيرِ، وتَمَسَّكَ ابْنُ عَبّاسٍ بِحَدِيثِ أُسامَةَ: «إنَّما الرِّبا في النَّسِيئَةِ» ولَمْ يَأْخُذْ بِما ورَدَ في إثْباتِ رِبا الفَضْلِ بِدُونِ نَسِيئَةٍ، قالَ الفَخْرُ: ولَعَلَّهُ لا يَرى تَخْصِيصَ القُرْآنِ بِخَبَرِ الآحادِ، يَعْنِي أنَّهُ حَمَلَ أحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ عَلى عُمُومِهِ. وأمّا جُمْهُورُ العُلَماءِ فَذَهَبُوا إلى أنَّ الرِّبا مَنقُولٌ في عُرْفِ الشَّرْعِ إلى مَعْنًى جَدِيدٍ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، وإلى هَذا نَحا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعائِشَةُ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وعُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ، بَلْ رَأى عُمَرُ أنَّ لَفْظَ الرِّبا نُقِلَ إلى مَعْنًى جَدِيدٍ ولَمْ يُبَيَّنْ جَمِيعُ المُرادِ مِنهُ، فَكَأنَّهُ عِنْدَهُ مِمّا يُشْبِهُ المُجْمَلَ، فَقَدْ حَكى عَنْهُ ابْنُ رُشْدٍ في المُقَدِّماتِ أنَّهُ قالَ: كانَ مِن آخِرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ آيَةُ الرِّبا فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ولَمْ يُفَسِّرْها، وإنَّكم تَزْعُمُونَ أنّا نَعْلَمُ أبْوابَ الرِّبا، ولَأنْ أكُونَ أعْلَمُها أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ يَكُونَ لِي مِثْلُ مِصْرَ وكُورِها. قالَ ابْنُ رُشْدٍ: ولَمْ يُرِدْ عُمَرُ بِذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُفَسِّرْ آيَةَ الرِّبا، وإنَّما أرادَ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ لَمْ يَعُمَّ وُجُوهَ الرِّبا بِالنَّصِّ عَلَيْها، وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعْنى الرِّبا في سِتَّةٍ وخَمْسِينَ حَدِيثًا. والوَجْهُ عِنْدِي أنْ لَيْسَ مُرادُ عُمَرَ أنَّ لَفْظَ الرِّبا مُجْمَلٌ لِأنَّهُ قابَلَهُ بِالبَيانِ وبِالتَّفْسِيرِ بَلْ أرادَ أنَّ تَحْقِيقَ حُكْمِهِ في صُوَرِ البُيُوعِ الكَثِيرَةِ خَفِيٌّ لَمْ يَعُمُّهُ النَّبِيءُ ﷺ بِالتَّنْصِيصِ، لِأنَّ المُتَقَدِّمِينَ لا يَتَوَخَّوْنَ في عِباراتِهِمْ ما يُساوِي المَعانِيَ الِاصْطِلاحِيَّةَ، فَهَؤُلاءِ الحَنَفِيَّةُ سَمَّوُا المُخَصِّصاتِ بَيانَ تَغْيِيرٍ، وذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ في العَواصِمِ أنَّ أهْلَ الحَدِيثِ يَتَوَسَّعُونَ في مَعْنى البَيانِ، وفي تَفْسِيرِ الفَخْرِ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ مِنَ المُجْمَلاتِ الَّتِي لا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِها، أيْ بِعُمُومَيْها: عُمُومِ البَيْعِ وعُمُومِ الرِّبا، لِأنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ جِنْسَ البَيْعِ وجِنْسَ الزِّيادَةِ لَزِمَ بَيانُ أيِّ بَيْعٍ وأيِّ زِيادَةٍ، وإنْ كانَ المُرادُ كُلَّ بَيْعٍ وكُلَّ زِيادَةٍ فَما مِن بَيْعٍ إلّا وفِيهِ زِيادَةٌ، فَأوَّلُ الآيَةِ أباحَ جَمِيعَ البُيُوعِ، وآخِرُها حَرَّمَ الجَمِيعَ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلى بَيانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والَّذِي حَمَلَ الجُمْهُورَ عَلى اعْتِبارِ لِفَظِ الرِّبا مُسْتَعْمَلًا في مَعْنًى جَدِيدٍ أحادِيثُ ورَدَتْ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ دَلَّتْ عَلى تَفْسِيرِ الرِّبا بِما هو أعَمُّ مِن رِبا الجاهِلِيَّةِ المَعْرُوفِ عِنْدَهم قَبْلَ الإسْلامِ، وأُصُولُها سِتَّةُ أحادِيثَ: صفحة ٨٨ الحَدِيثُ الأوَّلُ: حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ والفِضَّةُ بِالفِضَّةِ والبُرُّ بِالبُرِّ والشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ والتَّمْرُ بِالتَّمْرِ والمِلْحُ بِالمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، فَمَن زادَ وازْدادَ فَقَدْ أرْبى، الآخِذُ والمُعْطِي في ذَلِكَ سَواءٌ» . الثّانِي حَدِيثُ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ تِبْرُها وعَيْنُها والفِضَّةُ بِالفِضَّةِ تِبْرُها وعَيْنُها والبُرُّ بِالبُرِّ مُدًّا بِمُدٍّ والشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مُدًّا بِمُدٍّ والتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مُدًّا بِمُدٍّ والمِلْحُ بِالمِلْحِ مُدًّا بِمُدٍّ، فَمَن زادَ واسْتَزادَ فَقَدْ أرْبى، ولا بَأْسَ بِبَيْعِ الذَّهَبِ بِالفِضَّةِ والفِضَّةِ بِالذَّهَبِ أكْثَرُهُما يَدًا بِيَدٍ، وأمّا النَّسِيئَةُ فَلا»، رَواهُ أبُو داوُدَ، فَسَمّاهُ في هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ رِبًا. الثّالِثُ: حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ: «أنَّ بِلالًا جاءَ إلى النَّبِيءِ ﷺ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقالَ لَهُ: مِن أيْنَ هَذا ؟ فَقالَ بِلالٌ: تَمْرٌ كانَ عِنْدَنا رَدِيءٌ فَبِعْتُ مِنهُ صاعَيْنِ بِصاعٍ لِطَعْمِ النَّبِيءِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أوَّهْ، عَيْنُ الرِّبا، لا تَفْعَلْ، ولَكِنْ إذا أرَدْتَ أنْ تَشْتَرِيَ التَّمْرَ فَبِعْهُ ثُمَّ اشْتَرِ مِن هَذا» فَسَمّى التَّفاضُلَ رِبًا. الرّابِعُ حَدِيثُ المُوَطَّأِ والبُخارِيِّ عَنِ أبِي سَعِيدٍ وأبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ سَوادَ بْنَ غَزِيَّةَ جاءَ مِن خَيْبَرَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ: أكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذا ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا لَنَأْخُذُ الصّاعَ مِن هَذا بِالصّاعَيْنِ والثَّلاثَةِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا تَفْعَلْ، بِعِ الجَمْعَ بِالدَّراهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّراهِمِ جَنِيبًا» . الخامِسُ: حَدِيثُ عائِشَةَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: «قالَتْ: لَمّا نَزَلَتِ الآياتُ مِن آخِرِ البَقَرَةِ في الرِّبا قَرَأها النَّبِيءُ ثُمَّ حَرَّمَ التِّجارَةَ في الخَمْرِ»، فَظاهِرُهُ أنَّ تَحْرِيمَ التِّجارَةِ في الخَمْرِ كانَ عَمَلًا بِآيَةِ النَّهْيِ عَنِ الرِّبا ولَيْسَ في تِجارَةِ الخَمْرِ مَعْنًى مِن مَعْنى الرِّبا المَعْرُوفِ عِنْدَهم وإنَّما هو بَيْعٌ فاسِدٌ. السّادِسُ: حَدِيثُ الدّارَقُطْنِيِّ - ورَواهُ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ - أنَّ العالِيَةَ بِنْتَ أيْنَعَ وفَدَتْ إلى المَدِينَةِ مِنَ الكُوفَةِ، فَلَقِيَتْ عائِشَةَ فَأخْبَرَتْها أنَّها باعَتْ مِن زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ في الكُوفَةِ جارِيَةً بِثَمانِمِائَةِ دِرْهَمٍ إلى العَطاءِ، ثُمَّ إنَّ زَيْدًا باعَ الجارِيَةَ فاشْتَرَتْها العالِيَةُ مِنهُ بِسِتِّمِائَةٍ نَقْدًا، فَقالَتْ لَها عائِشَةُ: بِئْسَما شَرَيْتِ وما اشْتَرَيْتِ، أبْلِغِي زَيْدًا أنَّهُ صفحة ٨٩ قَدْ أبْطَلَ جِهادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إلّا أنْ يَتُوبَ. قالَتْ: فَقُلْتُ لَها: أرَأيْتِ إنْ لَمْ آخُذْ إلّا رَأْسَ مالِي ؟ قالَتْ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ . فَجَعَلَتْهُ عائِشَةُ مِنَ الرِّبا ولِذَلِكَ تَلَتِ الآيَةَ. فَلِأجْلِ هَذِهِ الأحادِيثِ السِّتَّةِ أثْبَتَ الفُقَهاءُ ثَلاثَةَ أنْواعٍ لِلرِّبا في اصْطِلاحِ الشَّرْعِ: الأوَّلُ: رِبا الجاهِلِيَّةِ وهو زِيادَةٌ عَلى الدَّيْنِ لِأجْلِ التَّأْخِيرِ. الثّانِي: رِبا الفَضْلِ وهو زِيادَةُ أحَدِ العِوَضَيْنِ في بَيْعِ الصِّنْفِ بِصِنْفِهِ مِنَ الأصْنافِ المَذْكُورَةِ في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ وعُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ. الثّالِثُ: رِبا النَّسِيئَةِ وهو بَيْعُ شَيْءٍ مِن تِلْكَ الأصْنافِ بِمِثْلِهِ مُؤَخَّرًا، وزادَ المالِكِيَّةُ نَوْعًا رابِعًا: وهو ما يَئُولُ إلى واحِدٍ مِنَ الأصْنافِ بِتُهْمَةِ التَّحَيُّلِ عَلى الرِّبا، وتَرْجَمَهُ في المُدَوَّنَةِ بِبُيُوعِ الآجالِ، ودَلِيلُ مالِكٍ فِيهِ حَدِيثُ العالِيَةِ، ومِنَ العُلَماءِ مَن زَعَمَ أنَّ لَفْظَ الرِّبا يَشْمَلُ كُلَّ بَيْعٍ فاسِدٍ أخْذًا مِن حَدِيثِ عائِشَةَ في تَحْرِيمِ تِجارَةِ الخَمْرِ، وإلَيْهِ مالَ ابْنُ العَرَبِيِّ. وعِنْدِي أنَّ أظْهَرَ المَذاهِبِ في هَذا مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَّ أحادِيثَ رِبا الفَضْلِ تُحْمَلُ عَلى حَدِيثِ أُسامَةَ: إنَّما الرِّبا في النَّسِيئَةِ. لِيُجْمَعَ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ. وتَسْمِيَةُ التَّفاضُلِ بِالرِّبا في حَدِيثَيْ أبِي سَعِيدٍ وعُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ دَلِيلٌ عَلى ما قُلْناهُ، وأنَّ ما راعاهُ مالِكٌ مِن إبْطالِ ما يُفْضِي إلى تَعامُلِ الرِّبا إنْ صَدَرَ مِن مَواقِعِ التُّهْمَةِ رَعْيٌ حَسَنٌ، وما عَداهُ إغْراقٌ في الِاحْتِياطِ، وقَدْ يُؤْخَذُ مِن بَعْضِ أقْوالِ مالِكٍ في المُوَطَّأِ وغَيْرِهِ أنَّ انْتِفاءَ التُّهْمَةِ لا يُبْطِلُ العَقْدَ. ولا مُتَمَسَّكَ في نَحْوِ حَدِيثِ عائِشَةَ في زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ لِأنَّ المُسْلِمِينَ في أمْرِهِمُ الأوَّلِ كانُوا قَرِيبِي عَهِدٍ بِرِبا الجاهِلِيَّةِ، فَكانَ حالُهم مُقْتَضِيًا لِسَدِّ الذَّرائِعِ. وفِي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ: كانَ مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ يَذْهَبُ إلى أنَّ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ بِالفِضَّةِ مُتَفاضِلًا إنَّما ورَدَ في الدِّينارِ المَضْرُوبِ والدِّرْهَمِ المَضْرُوبِ لا في التِّبْرِ ولا في المَصُوغِ، فَرَوى مُسْلِمٌ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: غَزَوْنا وعَلى النّاسِ مُعاوِيَةُ فَغَنِمْنا غَنائِمَ كَثِيرَةً، فَكانَ فِيما غَنِمْنا آنِيَةٌ مِن ذَهَبٍ، فَأمَرَ مُعاوِيَةُ رِجالًا بِبَيْعِها في أُعْطِياتِ النّاسِ، فَتَنازَعَ النّاسُ في ذَلِكَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ فَقامَ فَقالَ صفحة ٩٠ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَنْهى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ بِالفِضَّةِ إلّا سَواءً بِسَواءً عَيْنًا بِعَيْنٍ، مَن زادَ وازْدادَ فَقَدْ أرْبى»، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعاوِيَةَ فَقامَ خَطِيبًا فَقالَ: ألا ما بالُ أقْوامٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أحادِيثَ كُنّا نَشْهَدُهُ ونَصْحَبُهُ فَلَمْ نَسْمَعْها مِنهُ ؟ فَقالَ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ: لَنُحَدِّثَنَّ بِما سَمِعْنا مِن رَسُولِ اللَّهِ وإنْ كَرِهَ مُعاوِيَةُ. والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ لَمْ يُقْصَدْ مِنها إلّا رِبا الجاهِلِيَّةِ، وأنَّ ما عَداهُ مِنَ المُعامَلاتِ الباطِلَةِ الَّتِي فِيها أكْلُ مالٍ بِالباطِلِ مُنْدَرِجَةٌ في أدِلَّةٍ أُخْرى. وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى﴾ الآيَةَ. تَفْرِيعٌ عَلى الوَعِيدِ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ . والمَجِيءُ بِمَعْنى العِلْمِ والبَلاغِ، أيْ: مَن عَلِمَ هَذا الوَعِيدَ. وهَذا عُذْرٌ لِمَنِ اسْتَرْسَلَ عَلى مُعامَلَةَ الرِّبا قَبْلَ بُلُوغِ التَّحْرِيمِ إلَيْهِ، فالمُرادُ بِالمَوْعِظَةِ هَذِهِ الآيَةُ وآيَةُ آلِ عِمْرانَ. والِانْتِهاءُ مُطاوِعُ نَهاهُ: إذا صَدَّهُ عَمّا لا يَلِيقُ، وكَأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ النُّهى - بِضَمِّ النُّونِ - وهو العَقْلُ، ومَعْنى ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ أيْ: ما سَلَفَ قَبْضُهُ مِن مالِ الرِّبا لا ما سَلَفَ عَقْدُهُ ولَمْ يُقْبَضْ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ الآتِي: ﴿وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] . وقَوْلُهُ: ﴿وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾ فَرَضُوا فِيهِ احْتِمالاتٍ يَرْجِعُ بَعْضُها إلى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى (مَن جاءَهُ) وبَعْضُها إلى رُجُوعِهِ إلى (ما سَلَفَ) والأظْهَرُ أنَّهُ راجِعٌ إلى (مَن جاءَهُ) لِأنَّهُ المَقْصُودُ، وأنَّ مَعْنى ﴿وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾، أنَّ أمْرَ جَزائِهِ عَلى الِانْتِهاءِ مَوْكُولٌ إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا مِنَ الإيهامِ المَقْصُودِ مِنهُ التَّفْخِيمُ، فالمَقْصُودُ الوَعْدُ بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِالوَعِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن عادَ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ . وجُعِلَ العائِدُ خالِدًا في النّارِ إمّا لِأنَّ المُرادَ العَوْدُ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ أيْ عادَ إلى اسْتِحْلالِ الرِّبا وذَلِكَ نِفاقٌ، فَإنَّ كَثِيرًا مِنهم قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ تَرْكُ التَّعامُلِ بِالرِّبا، فَعَلِمَ اللَّهُ مِنهم ذَلِكَ وجَعَلَ عَدَمَ إقْلاعِهِمْ عَنْهُ أمارَةً عَلى كَذِبِ إيمانِهِمْ، فالخُلُودُ عَلى حَقِيقَتِهِ، وإمّا لِأنَّ المُرادَ العَوْدُ إلى المُعامَلَةِ بِالرِّبا، وهو الظّاهِرُ مِن مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى﴾ والخُلُودُ: طُولُ المُكْثِ كَقَوْلِ لَبِيدٍ: فَوَقَفْتُ أسْألُها وكَيْفَ سُؤالُنا ∗∗∗ صُمًّا خَوالِدَ ما يَبِينُ كَلامُها ومِنهُ: خَلَّدَ اللَّهُ مُلْكَ فُلانٍ. صفحة ٩١ وتَمَسَّكَ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها الخَوارِجُ القائِلُونَ بِتَكْفِيرِ مُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ كَما تَمَسَّكُوا بِنَظائِرِها، وغَفُلُوا عَنْ تَغْلِيظِ وعِيدِ اللَّهِ تَعالى في وقْتِ نُزُولِ القُرْآنِ، إذِ النّاسُ يَوْمَئِذٍ قَرِيبٌ عَهْدُهم بِكَفْرٍ، ولا بُدَّ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ أدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ.

البقرة 2:276

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ . اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ سُوءِ عاقِبَةِ الرِّبا في الدُّنْيا بَعْدَ أنْ بُيِّنَتْ عاقِبَتُهُ في الآخِرَةِ، فَهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِتَوَقُّعِ سُؤالِ مَن يَسْألُ عَنْ حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَنْتَهُونَ بِمَوْعِظَةِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ اسْتِطْرادٌ لِبَيانِ عاقِبَةِ الصَّدَقَةِ في الدُّنْيا أيْضًا بِبَيانِ أنَّ المُتَصَدِّقَ يَفُوزُ بِالخَيْرِ في الدّارَيْنِ كَما باءَ المُرابِي بِالشَّرِّ فِيهِما، فَهَذا وعْدٌ ووَعِيدٌ دُنْيَوِيّانِ. والمَحْقُ هو كالمَحْوِ: بِمَعْنى إزالَةِ الشَّيْءِ، ومِنهُ مُحاقٌ القَمَرِ ذَهابُ نُورِهِ لَيْلَةَ السِّرارِ، ومَعْنى يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا أنَّهُ يُتْلِفُ ما حَصَلَ مِنهُ في الدُّنْيا، ويُرْبِي الصَّدَقاتِ أيْ يُضاعِفُ ثَوابَها لِأنَّ الصَّدَقَةَ لا تَقْبَلُ الزِّيادَةَ إلّا بِمَعْنى زِيادَةِ ثَوابِها، وقَدْ جاءَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ في الحَدِيثِ: «مَن تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ ولا يَقْبَلُ اللَّهُ إلّا طِيبًا تَلَقّاها الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ وكِلْتا يَدَيْهِ يَمِينٌ فَيُرْبِيها لَهُ كَما يُرْبِي أحَدُكم فَلُوَّهُ» ولَمّا جُعِلَ المَحْقُ بِالرِّبا وجُعِلَ الإرْباءُ بِالصَّدَقاتِ كانَتِ المُقابَلَةُ مُؤْذِنَةً بِحَذْفِ مُقابِلَيْنِ آخَرَيْنِ، والمَعْنى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُعاقِبُ عَلَيْهِ، ويُرْبِي الصَّدَقاتِ ويُبارِكُ لِصاحِبِها، عَلى طَرِيقَةِ الِاحْتِباكِ. وجُمْلَةُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أحْكامِ الرِّبا، ولَمّا كانَ شَأْنُ الِاعْتِراضِ ألّا يَخْلُوَ مِن مُناسَبَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ سِياقِ الكَلامِ، كانَ الإخْبارُ بِأنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ جَمِيعَ الكافِرِينَ مُؤْذِنًا بِأنَّ الرِّبا مِن شِعارِ أهْلِ الكُفْرِ، وأنَّهُمُ الَّذِينَ اسْتَباحُوهُ فَقالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا، فَكانَ هَذا تَعْرِيضًا بِأنَّ المُرابِيَ مُتَّسِمٌ بِخِلالِ أهْلِ الشِّرْكِ. ومُفادُ التَّرْكِيبِ أنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ أحَدًا مِنَ الكافِرِينَ الآثِمِينَ لِأنَّ (كُلَّ) مِن صِيَغِ العُمُومِ، فَهي مَوْضُوعَةٌ لِاسْتِغْراقِ أفْرادِ ما تُضافُ إلَيْهِ ولَيْسَتْ مَوْضُوعَةً لِلدَّلالَةِ عَلى صفحة ٩٢ صُبْرَةٍ مَجْمُوعَةٍ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ هي مَوْضُوعَةٌ لِلْكُلِّ الجَمِيعِيِّ، وأمّا الكُلُّ المَجْمُوعِيُّ فَلا تُسْتَعْمَلُ فِيهِ (كُلُّ) إلّا مَجازًا، فَإذا أُضِيفَتْ (كُلُّ) إلى اسْمٍ اسْتَغْرَقَتْ جَمِيعَ أفْرادِهِ، سَواءٌ ذَلِكَ في الإثْباتِ وفي النَّفْيِ، فَإذا دَخَلَ النَّفْيُ عَلى (كُلُّ) كانَ المَعْنى عُمُومَ النَّفْيِ لِسائِرِ الأفْرادِ؛ لِأنَّ النَّفْيَ كَيْفِيَّةٌ تَعَرِضُ لِلْجُمْلَةِ فالأصْلُ فِيهِ أنْ يَبْقى مَدْلُولُ الجُمْلَةِ كَما هو، إلّا أنَّهُ يَتَكَيَّفُ بِالسَّلْبِ عِوَضًا عَنْ تَكَيُّفِهِ بِالإيجابِ، فَإذا قُلْتَ كُلُّ الدِّيارِ ما دَخَلْتُهُ، أوْ: لَمْ أدْخُلْ كُلَّ دارٍ، أوْ: كُلَّ دارٍ لَمْ أدْخُلْ، أفادَ ذَلِكَ نَفْيَ دُخُولِكَ أيَّةَ دارٍ مِنَ الدِّيارِ، كَما أنَّ مُفادَهُ في حالَةِ الإثْباتِ ثُبُوتُ دُخُولِكَ كُلَّ دارٍ، ولِذَلِكَ كانَ الرَّفْعُ والنَّصْبُ لِلَفْظِ (كُلُّ) سَواءٌ في المَعْنى في قَوْلِ أبِي النَّجْمِ: قَدْ أصْبَحَتْ أُمُّ الخِيارِ تَدَّعِي عَلَيَّ ذَنْبًا كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّهُ لَوْ نَصَبَ لَكانَ أوْلى، لِأنَّ النَّصْبَ لا يُفْسِدْ مَعْنًى ولا يُخِلُّ بِمِيزانٍ، ولا تَخْرُجُ (كُلُّ) عَنْ إفادَةِ العُمُومِ إلّا إذا اسْتَعْمَلَها المُتَكَلِّمُ في خَبَرٍ يُرِيدُ بِهِ إبْطالَ خَبَرٍ وقَعَتْ فِيهِ (كُلُّ) صَرِيحًا أوْ تَقْدِيرًا، كَأنْ يَقُولَ أحَدٌ: كُلُّ الفُقَهاءِ يُحَرِّمُ أكْلَ لُحُومِ السِّباعِ. فَتَقُولُ لَهُ: ما كُلُّ العُلَماءِ يُحَرِّمُ لُحُومَ السِّباعِ، فَأنْتَ تُرِيدُ إبْطالَ الكُلِّيَّةِ فَيَبْقى البَعْضُ، وكَذَلِكَ في رَدِّ الِاعْتِقاداتِ المُخْطِئَةِ كَقَوْلِ المَثَلِ ما كُلُّ بَيْضاءَ شَحْمَةً، فَإنَّهُ لِرَدِّ اعْتِقادِ ذَلِكَ كَما قالَ زُفَرُ بْنُ الحارِثِ الكِلابِيُّ: وكُنّا حَسِبْنا كُلَّ بَيْضاءَ شَحْمَةً وقَدْ نَظَرَ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ الجُرْجانِيُّ إلى هَذا الِاسْتِعْمالِ الأخِيرِ فَطَرَدَهُ في اسْتِعْمالِ (كُلُّ) إذا وقَعَتْ في حَيِّزِ النَّفْيِ بَعْدَ أداةِ النَّفْيِ وأطالَ في بَيانِ ذَلِكَ في كِتابِهِ دَلائِلِ الإعْجازِ، وزَعَمَ أنَّ رَجَزَ أبِي النَّجْمِ يَتَغَيَّرُ مَعْناهُ بِاخْتِلافِ رَفْعِ (كُلُّ) ونَصْبِهِ في قَوْلِهِ: كُلَّهُ لَمْ أصْنَعِ. وقَدْ تَعَقَّبَهُ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ تَعَقُّبًا مُجْمَلًا بِأنَّ ما قالَهُ أغْلَبِيٌّ، وأنَّهُ قَدْ تَخَلَّفَ في مَواضِعَ، وقَفَّيْتُ أنا عَلى أثَرِ التَّفْتازانِيِّ فَبَيَّنْتُ في تَعْلِيقِي ”الإيجازُ عَلى دَلائِلَ الإعْجازِ“ أنَّ الغالِبَ هو العَكْسُ وحاصِلُهُ ما ذَكَرْتُ هُنا.

البقرة 2:277

صفحة ٩٣ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ . جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لِمُقابَلَةِ الذَّمِّ بِالمَدْحِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرَتِها قَرِيبًا، والمَقْصُودُ التَّعْرِيضُ بِأنَّ الصِّفاتِ المُقابِلَةَ لَهاتِهِ الصِّفاتِ صِفاتُ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، والمُناسَبَةُ تَزْدادُ ظُهُورًا لِقَوْلِهِ: ”وآتَوُا الزَّكاةَ“ .

البقرة 2:278

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ إفْضاءٌ إلى التَّشْرِيعِ بَعْدَ أنْ قُدِّمَ أمامَهُ مِنَ المَوْعِظَةِ ما هَيَّأ النُّفُوسَ إلَيْهِ، فَإنْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] مِن كَلامِ الَّذِينَ قالُوا ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَظاهِرٌ، وإنْ كانَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى فَهو تَشْرِيعٌ وقَعَ في سِياقِ الرَّدِّ، فَلَمْ يَكْتَفِ بِتَشْرِيعٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ ولِذا احْتِيجَ إلى هَذا التَّشْرِيعِ الصَّرِيحِ المَقْصُودِ، وما تَقَدَّمَ كُلُّهُ وصْفٌ لِحالِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، وما بَقِيَ مِنهُ في صَدْرِ الإسْلامِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ. وأُمِرُوا بِتَقْوى اللَّهِ قَبْلَ الأمْرِ بِتَرْكِ الرِّبا لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ هي أصْلُ الِامْتِثالِ والِاجْتِنابِ، ولِأنَّ تَرْكَ الرِّبا مِن جُمْلَتِها، فَهو كالأمْرِ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ. ومَعْنى ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ الآيَةَ اتْرُكُوا ما بَقِيَ في ذِمَمِ الَّذِينَ عامَلْتُمُوهم بِالرِّبا، فَهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَكانَ الَّذِي سَلَفَ قَبْضُهُ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ مَعْفُوًّا عَنْهُ وما لَمْ يُقْبَضْ مَأْمُورًا بِتَرْكِهِ. صفحة ٩٤ قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ خِطابًا لِثَقِيفٍ - أهْلِ الطّائِفِ - إذْ دَخَلُوا في الإسْلامِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وبَعْدَ حِصارِ الطّائِفِ عَلى صُلْحٍ وقَعَ بَيْنَهم وبَيْنَ عَتّابِ بْنِ أُسَيْدٍ - الَّذِي أوْلاهُ النَّبِيءُ ﷺ مَكَّةَ بَعْدَ الفَتْحِ - بِسَبَبِ أنَّهم كانَتْ لَهم مُعامَلاتٌ بِالرِّبا مَعَ قُرَيْشٍ، فاشْتَرَطَتْ ثَقِيفٌ قَبْلَ النُّزُولِ عَلى الإسْلامِ أنَّ كُلَّ رِبًا لَهم عَلى النّاسِ يَأْخُذُونَهُ، وكُلَّ رِبًا عَلَيْهِمْ فَهو مَوْضُوعٌ، وقَبِلَ مِنهُ رَسُولُ اللَّهِ شَرْطَهم، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ خِطابًا لَهم، وكانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِإسْلامٍ، فَقالُوا: لا يَدَيْ لَنا بِحَرْبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ. فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ حَقًّا، فَلا يُنافِي قَوْلَهُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذْ مَعْناهُ: يا أيُّها الَّذِينَ دَخَلُوا في الإيمانِ، وانْدَفَعَتْ إشْكالاتٌ عَرَضَتْ. وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ يَعْنِي إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِالشَّرْطِ فَقَدِ انْتَقَضَ الصُّلْحُ بَيْنَنا، فاعْلَمُوا أنَّ الحَرْبَ عادَتْ جَذَعَةً، فَهَذا كَقَوْلِهِ: ”﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]“ وتَنْكِيرُ ”حَرْبٍ“ لِقَصْدِ تَعْظِيمِ أمْرِها، ولِأجْلِ هَذا المَقْصِدِ عَدَلَ عَنْ إضافَةِ الحَرْبِ إلى اللَّهِ وجِيءَ عِوَضًا عَنْها بِمَن، ونُسِبَتْ إلى اللَّهِ، لِأنَّها بِإذْنِهِ عَلى سَبِيلِ مَجازِ الإسْنادِ، وإلى رَسُولِهِ لِأنَّهُ المُبَلِّغُ والمُباشِرُ، وهَذا هو الظّاهِرُ، فَإذا صَحَّ ما ذُكِرَ في سَبَبِ نُزُولِها فَهو مِن تَجْوِيزِ الِاجْتِهادِ لِلنَّبِيءِ ﷺ في الأحْكامِ، إذْ قَبِلَ مِن ثَقِيفٍ النُّزُولَ عَلى اقْتِضاءِ ما لَهم مِنَ الرِّبا عِنْدَ أهْلِ مَكَّةَ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ رَأى الصُّلْحَ مَعَ ثَقِيفٍ عَلى دُخُولِهِمْ في الإسْلامِ مَعَ تَمْكِينِهِمْ مِمّا لَهم قِبَلَ قُرَيْشٍ مِن أمْوالِ الرِّبا الثّابِتَةِ في ذِمَمِهِمْ قَبْلَ التَّحْرِيمِ مَصْلَحَةً، إذِ الشَّأْنُ أنَّ ما سَبَقَ التَّشْرِيعَ لا يُنْقَضُ كَتَقْرِيرِ أنْكِحَةِ المُشْرِكِينَ، فَلَمْ يُقِرُّهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ وأمَرَ بِالِانْكِفافِ عَنْ قَبْضِ مالِ الرِّبا بَعْدَ التَّحْرِيمِ ولَوْ كانَ العَقْدُ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، ولِذَلِكَ جَعَلَهم عَلى خِيرَةٍ مِن أمْرِهِمْ في الصُّلْحِ الَّذِي عَقَدُوهُ. صفحة ٩٥ ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ العَقْدِ الفاسِدِ لا يُوجِبُ فَواتَ التَّدارُكِ إلّا بَعْدَ القَبْضِ، ولِذَلِكَ جاءَ قَبْلَها ”﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]“ وجاءَ هُنا ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ . وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ عَظِيمٌ في البُيُوعِ الفاسِدَةِ تَقْتَضِي نَقْضَها، وانْتِقالَ الضَّمانِ بِالقَبْضِ، والفَواتَ بِانْتِقالِ المِلْكِ، والرُّجُوعَ بِها إلى رُءُوسِ الأمْوالِ أوْ إلى القِيَمِ إنْ فاتَتْ، لِأنَّ القِيمَةَ بَدَلٌ مِن رَأْسِ المالِ. ورُءُوسُ الأمْوالِ: أُصُولُها، فَهو مِن إطْلاقِ الرَّأْسِ عَلى الأصْلِ، وفي الحَدِيثِ «رَأْسُ الأمْرِ الإسْلامُ» . ومَعْنى: ﴿لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ لا تَأْخُذُونَ مالَ الغَيْرِ ولا يَأْخُذُ غَيْرُكم أمْوالَكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾) - بِهَمْزَةِ وصْلٍ وفَتْحِ الذّالِ - أمْرًا مِن: أذِنَ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ وخَلَفٌ (فَآذِنُوا) - بِهَمْزَةِ قَطْعٍ بَعْدَها ألِفٌ وبِذالٍ مَكْسُورَةٍ - أمْرًا مِن: آذَنَ بِكَذا: إذا أعْلَمَ بِهِ، أيْ: فَآذِنُوا أنْفُسَكم ومَن حَوْلَكم.

البقرة 2:279

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ إفْضاءٌ إلى التَّشْرِيعِ بَعْدَ أنْ قُدِّمَ أمامَهُ مِنَ المَوْعِظَةِ ما هَيَّأ النُّفُوسَ إلَيْهِ، فَإنْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] مِن كَلامِ الَّذِينَ قالُوا ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَظاهِرٌ، وإنْ كانَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى فَهو تَشْرِيعٌ وقَعَ في سِياقِ الرَّدِّ، فَلَمْ يَكْتَفِ بِتَشْرِيعٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ ولِذا احْتِيجَ إلى هَذا التَّشْرِيعِ الصَّرِيحِ المَقْصُودِ، وما تَقَدَّمَ كُلُّهُ وصْفٌ لِحالِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، وما بَقِيَ مِنهُ في صَدْرِ الإسْلامِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ. وأُمِرُوا بِتَقْوى اللَّهِ قَبْلَ الأمْرِ بِتَرْكِ الرِّبا لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ هي أصْلُ الِامْتِثالِ والِاجْتِنابِ، ولِأنَّ تَرْكَ الرِّبا مِن جُمْلَتِها، فَهو كالأمْرِ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ. ومَعْنى ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ الآيَةَ اتْرُكُوا ما بَقِيَ في ذِمَمِ الَّذِينَ عامَلْتُمُوهم بِالرِّبا، فَهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَكانَ الَّذِي سَلَفَ قَبْضُهُ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ مَعْفُوًّا عَنْهُ وما لَمْ يُقْبَضْ مَأْمُورًا بِتَرْكِهِ. صفحة ٩٤ قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ خِطابًا لِثَقِيفٍ - أهْلِ الطّائِفِ - إذْ دَخَلُوا في الإسْلامِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وبَعْدَ حِصارِ الطّائِفِ عَلى صُلْحٍ وقَعَ بَيْنَهم وبَيْنَ عَتّابِ بْنِ أُسَيْدٍ - الَّذِي أوْلاهُ النَّبِيءُ ﷺ مَكَّةَ بَعْدَ الفَتْحِ - بِسَبَبِ أنَّهم كانَتْ لَهم مُعامَلاتٌ بِالرِّبا مَعَ قُرَيْشٍ، فاشْتَرَطَتْ ثَقِيفٌ قَبْلَ النُّزُولِ عَلى الإسْلامِ أنَّ كُلَّ رِبًا لَهم عَلى النّاسِ يَأْخُذُونَهُ، وكُلَّ رِبًا عَلَيْهِمْ فَهو مَوْضُوعٌ، وقَبِلَ مِنهُ رَسُولُ اللَّهِ شَرْطَهم، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ خِطابًا لَهم، وكانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِإسْلامٍ، فَقالُوا: لا يَدَيْ لَنا بِحَرْبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ. فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ حَقًّا، فَلا يُنافِي قَوْلَهُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذْ مَعْناهُ: يا أيُّها الَّذِينَ دَخَلُوا في الإيمانِ، وانْدَفَعَتْ إشْكالاتٌ عَرَضَتْ. وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ يَعْنِي إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِالشَّرْطِ فَقَدِ انْتَقَضَ الصُّلْحُ بَيْنَنا، فاعْلَمُوا أنَّ الحَرْبَ عادَتْ جَذَعَةً، فَهَذا كَقَوْلِهِ: ”﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]“ وتَنْكِيرُ ”حَرْبٍ“ لِقَصْدِ تَعْظِيمِ أمْرِها، ولِأجْلِ هَذا المَقْصِدِ عَدَلَ عَنْ إضافَةِ الحَرْبِ إلى اللَّهِ وجِيءَ عِوَضًا عَنْها بِمَن، ونُسِبَتْ إلى اللَّهِ، لِأنَّها بِإذْنِهِ عَلى سَبِيلِ مَجازِ الإسْنادِ، وإلى رَسُولِهِ لِأنَّهُ المُبَلِّغُ والمُباشِرُ، وهَذا هو الظّاهِرُ، فَإذا صَحَّ ما ذُكِرَ في سَبَبِ نُزُولِها فَهو مِن تَجْوِيزِ الِاجْتِهادِ لِلنَّبِيءِ ﷺ في الأحْكامِ، إذْ قَبِلَ مِن ثَقِيفٍ النُّزُولَ عَلى اقْتِضاءِ ما لَهم مِنَ الرِّبا عِنْدَ أهْلِ مَكَّةَ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ فَيُحْتَمَلُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ رَأى الصُّلْحَ مَعَ ثَقِيفٍ عَلى دُخُولِهِمْ في الإسْلامِ مَعَ تَمْكِينِهِمْ مِمّا لَهم قِبَلَ قُرَيْشٍ مِن أمْوالِ الرِّبا الثّابِتَةِ في ذِمَمِهِمْ قَبْلَ التَّحْرِيمِ مَصْلَحَةً، إذِ الشَّأْنُ أنَّ ما سَبَقَ التَّشْرِيعَ لا يُنْقَضُ كَتَقْرِيرِ أنْكِحَةِ المُشْرِكِينَ، فَلَمْ يُقِرُّهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ وأمَرَ بِالِانْكِفافِ عَنْ قَبْضِ مالِ الرِّبا بَعْدَ التَّحْرِيمِ ولَوْ كانَ العَقْدُ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، ولِذَلِكَ جَعَلَهم عَلى خِيرَةٍ مِن أمْرِهِمْ في الصُّلْحِ الَّذِي عَقَدُوهُ. صفحة ٩٥ ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ العَقْدِ الفاسِدِ لا يُوجِبُ فَواتَ التَّدارُكِ إلّا بَعْدَ القَبْضِ، ولِذَلِكَ جاءَ قَبْلَها ”﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]“ وجاءَ هُنا ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ . وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ عَظِيمٌ في البُيُوعِ الفاسِدَةِ تَقْتَضِي نَقْضَها، وانْتِقالَ الضَّمانِ بِالقَبْضِ، والفَواتَ بِانْتِقالِ المِلْكِ، والرُّجُوعَ بِها إلى رُءُوسِ الأمْوالِ أوْ إلى القِيَمِ إنْ فاتَتْ، لِأنَّ القِيمَةَ بَدَلٌ مِن رَأْسِ المالِ. ورُءُوسُ الأمْوالِ: أُصُولُها، فَهو مِن إطْلاقِ الرَّأْسِ عَلى الأصْلِ، وفي الحَدِيثِ «رَأْسُ الأمْرِ الإسْلامُ» . ومَعْنى: ﴿لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ لا تَأْخُذُونَ مالَ الغَيْرِ ولا يَأْخُذُ غَيْرُكم أمْوالَكم. وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾) - بِهَمْزَةِ وصْلٍ وفَتْحِ الذّالِ - أمْرًا مِن: أذِنَ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ وخَلَفٌ (فَآذِنُوا) - بِهَمْزَةِ قَطْعٍ بَعْدَها ألِفٌ وبِذالٍ مَكْسُورَةٍ - أمْرًا مِن: آذَنَ بِكَذا: إذا أعْلَمَ بِهِ، أيْ: فَآذِنُوا أنْفُسَكم ومَن حَوْلَكم.

البقرة 2:280

﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسُرَةٍ وأنْ تَصَّدَّقُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] لِأنَّ ظاهِرَ الجَوابِ أنَّهم يَسْتَرْجِعُونَها مُعَجَّلَةً، إذِ العُقُودُ قَدْ فُسِخَتْ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ حالَةً أُخْرى، والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ حالَةٌ مُقَدَّرَةٌ مَفْهُومَةٌ لِأنَّ الجَزاءَ يَدُلُّ عَلى التَّسَبُّبِ، والأصْلُ حُصُولُ المَشْرُوطِ عِنْدَ الشَّرْطِ، والمَعْنى: وإنْ حَصَلَ ذُو عُسْرَةٍ، أيْ غَرِيمٌ مُعْسِرٌ. وفِي الآيَةِ حُجَّةٌ عَلى أنْ (ذُو) تُضافُ لِغَيْرِ ما يُفِيدُ شَيْئًا شَرِيفًا. والنَّظِرَةُ - بِكَسْرِ الظّاءِ - الِانْتِظارُ. صفحة ٩٦ والمَيْسُرَةُ بِضَمِّ السِّينِ في قِراءَةِ نافِعٍ وبِفَتْحِها في قِراءَةِ الباقِينَ اسْمٌ لِلْيُسْرِ وهو ضِدُّ العُسْرِ بِضَمِّ العَيْنِ وهي مَفْعُلَةٌ كَمَشْرُقَةٍ ومَشْرُبَةٍ ومَأْلُكَةٍ ومَقْدُرَةٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ ومَفْعَلَةٌ بِالفَتْحِ أكْثَرُ في كَلامِهِمْ. وجُمْلَةُ ”فَنَظِرَةٌ“ جَوابُ الشَّرْطِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ: فَنَظِرَةٌ لَهُ. والصِّيغَةُ طَلَبٌ وهي مُحْتَمِلَةٌ لِلْوُجُوبِ والنَّدْبِ، فَإنْ أُرِيدَ بِالعُسْرِ العَدَمُ أيْ نَفادُ مالِهِ كُلِّهِ فالطَّلَبُ لِلْوُجُوبِ، والمَقْصُودُ بِهِ إبْطالُ حُكْمِ بَيْعِ المُعْسِرِ واسْتِرْقاقِهِ في الدَّيْنِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ وفاءٌ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ حُكْمًا في الجاهِلِيَّةِ، وهو حُكْمٌ قَدِيمٌ في الأُمَمِ كانَ مِن حُكْمِ المِصْرِيِّينَ، فَفي القُرْآنِ الإشارَةُ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] وكانَ في شَرِيعَةِ الرُّومانِ اسْتِرْقاقُ المَدِينِ، وأحْسَبُ أنَّ في شَرِيعَةِ التَّوْراةِ قَرِيبًا مِن هَذا، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في صَدْرِ الإسْلامِ، ولَمْ يَثْبُتْ، وإنْ أُرِيدَ بِالعُسْرَةِ ضِيقُ الحالِ وإضْرارُ المَدِينِ بِتَعْجِيلِ القَضاءِ فالطَّلَبُ يَحْتَمِلُ الوُجُوبَ، وقَدْ قالَ بِهِ بَعْضُ الفُقَهاءِ، ويَحْتَمِلُ النَّدْبَ، وهو قَوْلُ مالِكٍ والجُمْهُورِ، فَمَن لَمْ يَشَأْ لَمْ يُنْظِرْهُ ولَوْ بِبَيْعِ جَمِيعِ مالِهِ لِأنَّ هَذا حَقٌّ يُمْكِنُ اسْتِيفاؤُهُ، والإنْظارُ مَعْرُوفٌ والمَعْرُوفُ لا يَجِبُ، غَيْرَ أنَّ المُتَأخِّرِينَ بِقُرْطُبَةَ كانُوا لا يَقْضُونَ عَلَيْهِ بِتَعْجِيلِ الدَّفْعِ، ويُؤَجِّلُونَهُ بِالِاجْتِهادِ لِئَلّا يَدْخُلَ عَلَيْهِ مَضَرَّةٌ بِتَعْجِيلِ بَيْعِ ما بِهِ الخَلاصُ. ومَوْرِدُ الآيَةِ عَلى دُيُونِ مُعامَلاتِ الرِّبا، لَكِنَّ الجُمْهُورَ عَمَّمُوها في جَمِيعِ المُعامَلاتِ ولَمْ يَعْتَبِرُوا خُصُوصَ السَّبَبِ؛ لِأنَّهُ لَمّا أبْطَلَ حُكْمَ الرِّبا صارَ رَأْسُ المالِ دَيْنًا بَحْتًا فَما عُيِّنَ لَهُ مِن طَلَبِ الإنْظارِ في الآيَةِ حُكْمٌ ثابِتٌ لِلدَّيْنِ كُلِّهِ، وخالَفَ شُرَيْحٌ فَخَصَّ الآيَةَ بِالدُّيُونِ الَّتِي كانَتْ عَلى رِبًا ثُمَّ أُبْطِلَ رِباها. وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَصَّدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ أنَّ إسْقاطَ الدَّيْنِ عَنِ المُعْسِرِ والتَّنْفِيسَ عَلَيْهِ بِإغْنائِهِ أفْضَلُ، وجَعَلَهُ اللَّهُ صَدَقَةً لِأنَّ فِيهِ تَفْرِيجَ الكَرْبِ وإغاثَةَ المَلْهُوفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ العَشَرَةِ ”تَصَّدَّقُوا“ بِتَشْدِيدِ الصّادِ عَلى أنَّ أصْلَهُ (تَتَصَدَّقُوا) فَقُلَبَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ صادًا لِتَقارُبِهِما وأُدْغِمَتْ في الصّادِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِتَخْفِيفِ الصّادِ عَلى حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ لِلتَّخْفِيفِ.

البقرة 2:281

صفحة ٩٧ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ . جِيءَ بِقَوْلِهِ: واتَّقُوا يَوْمًا تَذْيِيلًا لِهاتِهِ الأحْكامِ لِأنَّهُ صالِحٌ لِلتَّرْهِيبِ مِنِ ارْتِكابِ ما نُهِيَ عَنْهُ والتَّرْغِيبِ في فِعْلِ ما أُمِرَ بِهِ أوْ نُدِبَ إلَيْهِ، لِأنَّ في تَرْكِ المَنهِيّاتِ سَلامَةً مِن آثامِها، وفي فِعْلِ المَطْلُوباتِ اسْتِكْثارًا مِن ثَوابِها، والكُلُّ يَرْجِعُ إلى اتِّقاءِ ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي تُطْلَبُ فِيهِ السَّلامَةُ وكَثْرَةُ أسْبابِ النَّجاحِ. وفِي البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ، «وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هي آخِرُ ما نَزَلَ فَقالَ جِبْرِيلُ: يا مُحَمَّدُ ضَعْها عَلى رَأْسِ ثَمانِينَ ومِائَتَيْنِ مِنَ البَقَرَةِ»، وهَذا الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٌ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عاشَ بَعْدَ نُزُولِها واحِدًا وعِشْرِينَ يَوْمًا، وقِيلَ: واحِدًا وثَمانِينَ، وقِيلَ سَبْعَةَ أيّامٍ، وقِيلَ تِسْعَةً، وقِيلَ ثَلاثَ ساعاتٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ آخِرَ آيَةٍ هي آيَةُ الكَلالَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدِ اسْتَقْصى الأقْوالَ صاحِبُ الإتْقانِ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ: ”تُرْجَعُونَ“ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ.