Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — البقرة 2:282 – آل عمران 3:38

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. البقرة 2:282
  2. البقرة 2:283
  3. البقرة 2:284
  4. البقرة 2:285
  5. البقرة 2:286
  6. آل عمران 3:1
  7. آل عمران 3:2
  8. آل عمران 3:3
  9. آل عمران 3:4
  10. آل عمران 3:5
  11. آل عمران 3:6
  12. آل عمران 3:7
  13. آل عمران 3:8
  14. آل عمران 3:9
  15. آل عمران 3:10
  16. آل عمران 3:11
  17. آل عمران 3:12
  18. آل عمران 3:13
  19. آل عمران 3:14
  20. آل عمران 3:15
  21. آل عمران 3:16
  22. آل عمران 3:17
  23. آل عمران 3:18
  24. آل عمران 3:19
  25. آل عمران 3:20
  26. آل عمران 3:21
  27. آل عمران 3:22
  28. آل عمران 3:23
  29. آل عمران 3:24
  30. آل عمران 3:25
  31. آل عمران 3:26
  32. آل عمران 3:27
  33. آل عمران 3:28
  34. آل عمران 3:29
  35. آل عمران 3:30
  36. آل عمران 3:31
  37. آل عمران 3:32
  38. آل عمران 3:33
  39. آل عمران 3:34
  40. آل عمران 3:35
  41. آل عمران 3:36
  42. آل عمران 3:37
  43. آل عمران 3:38

البقرة 2:282

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أوْ ضَعِيفًا أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هو فَلْيُمْلِلْ ولَيُّهُ بِالعَدْلِ﴾ . لَمّا اهْتَمَّ القُرْآنُ بِنِظامِ أحْوالِ المُسْلِمِينَ في أمْوالِهِمْ فابْتَدَأ بِما بِهِ قِوامُ عامَّتِهِمْ مِن مُواساةِ الفَقِيرِ وإغاثَةِ المَلْهُوفِ، ووَضُحَ ذَلِكَ بِما فِيهِ عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ صفحة ٩٨ التَّحْذِيرَ مِن مُضايَقَةِ المُحْتاجِينَ إلى المُواساةِ مُضايَقَةَ الرِّبا مَعَ ما في تِلْكَ المُعامَلاتِ مِنَ المَفاسِدِ، ثَلَّثَ بِبَيانِ التَّوَثُّقاتِ المالِيَّةِ مِنَ الإشْهادِ، وما يَقُومُ مَقامَهُ وهو الرَّهْنُ والِائْتِمانُ، وإنَّ تَحْدِيدَ التَّوَثُّقِ في المُعامَلاتِ مِن أعْظَمِ وسائِلِ بَثِّ الثِّقَةِ بَيْنَ المُتَعامِلِينَ، وذَلِكَ مِن شَأْنِهِ تَكْثِيرُ عُقُودِ المُعامَلاتِ ودَوْرانِ دُولابِ التَّمَوُّلِ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، والمُناسَبَةُ في الِانْتِقالِ ظاهِرَةٌ عَقِبَ الكَلامِ عَلى غُرَماءَ أهْلِ الرِّبا. والتَّدايُنُ مِن أعْظَمِ أسْبابِ رَواجِ المُعامَلاتِ لِأنَّ المُقْتَدِرَ عَلى تَنْمِيَةِ المالِ قَدْ يَعُوزُهُ المالُ فَيَضْطَرُّ إلى التَّدايُنِ لِيُظْهِرَ مَواهِبَهُ في التِّجارَةِ أوِ الصِّناعَةِ أوِ الزِّراعَةِ، ولِأنَّ المُتَرَفِّهَ قَدْ يَنْضُبُ المالُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولَهُ قِبَلٌ بِهِ بَعْدَ حِينٍ، فَإذا لَمْ يَتَدايَنِ اخْتَلَّ نِظامُ مالِهِ، فَشَرَعَ اللَّهُ تَعالى لِلنّاسِ بَقاءَ التَّدايُنِ المُتَعارَفِ بَيْنَهم كَيْلا يَظُنُّوا أنَّ تَحْرِيمَ الرِّبا والرُّجُوعَ بِالمُتَعامِلِينَ إلى رُءُوسِ أمْوالِهِمْ إبْطالٌ لِلتَّدايُنِ كُلِّهِ، وأفادَ ذَلِكَ التَّشْرِيعَ بِوَضْعِهِ في تَشْرِيعٍ آخَرَ مُكَمِّلٍ لَهُ وهو التَّوَثُّقُ لَهُ بِالكِتابَةِ والإشْهادِ. والخِطابُ مُوَجَّهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْ لِمَجْمُوعِهِمْ، والمَقْصُودُ مِنهُ خُصُوصُ المُتَدايِنِينَ، والأخَصُّ بِالخِطابِ هو المَدِينُ لِأنَّ مِن حَقٍّ عَلَيْهِ أنْ يَجْعَلَ دائِنَهُ مُطْمَئِنَّ البالِ عَلى مالِهِ، فَعَلى المُسْتَقْرِضِ أنْ يَطْلُبَ الكِتابَةَ وإنْ لَمْ يَسْألْها الدّائِنُ، ويُؤْخَذْ هَذا مِمّا حَكاهُ اللَّهُ في سُورَةِ القَصَصِ عَنْ مُوسى وشُعَيْبٍ، إذِ اسْتَأْجَرَ شُعَيْبٌ مُوسى، فَلَمّا تَراوَضا عَلى الإجارَةِ وتَعْيِينِ أجَلِها قالَ مُوسى ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] فَذَلِكَ إشْهادٌ عَلى نَفْسِهِ لِمُؤاجِرِهِ دُونَ أنْ يَسْألَهُ شُعَيْبٌ ذَلِكَ. والتَّدايُنُ تَفاعَلٌ، وأُطْلِقَ هُنا مَعَ أنَّ الفِعْلَ صادِرٌ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ وهي جِهَةُ المُسَلِّفِ، لِأنَّكَ تَقُولُ دانَ مِنهُ فَدانَهُ، فالمُفاعَلَةُ مَنظُورٌ فِيها إلى المُخاطَبِينَ وهم مَجْمُوعُ الأُمَّةِ، لِأنَّ في المَجْمُوعِ دائِنًا ومَدِينًا فَصارَ المَجْمُوعُ مُشْتَمِلًا عَلى جانِبَيْنِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ المُفاعَلَةَ عَلى غَيْرِ بابِها كَما تَقُولُ تَدايَنْتُ مِن زِيدٍ. وزِيادَةُ قَيْدِ ”بِدَيْنٍ“ إمّا لِمُجَرَّدِ الإطْنابِ، كَما يَقُولُونَ: رَأيْتُهُ بِعَيْنِي ولَمْسَتُهُ بِيَدِي، وإمّا لِيَكُونَ مَعادًا لِلضَّمِيرِ في قَوْلِهِ (﴿فاكْتُبُوهُ﴾) ولَوْلا ذِكْرُهُ لَقالَ: فاكْتُبُوا الدَّيْنَ فَلَمْ. يَكُنِ النَّظْمُ بِذَلِكَ الحَسَنَ، ولِأنَّهُ أبْيَنُ لِتَنْوِيعِ الدَّيْنِ إلى مُؤَجَّلٍ وحالٍّ، قالَهُ في الكَشّافِ. صفحة ٩٩ وقالَ الطِّيبِيُّ عَنْ صاحِبِ الفَرائِدِ: يُمْكِنُ أنْ يُظَنَّ اسْتِعْمالُ التَّدايُنِ مَجازًا في الوَعْدِ كَقَوْلِ رُؤْبَةَ: دايَنْتُ أرْوى والدُّيُونُ تُقْضى فَمَطَلَتْ بَعْضًا وأدَّتْ بَعْضا فَذَكَرَ قَوْلَهُ: (بِدَيْنٍ) دَفْعًا لِتَوَهُّمِ المَجازِ، والدَّيْنُ في كَلامِ العَرَبِ العِوَضُ المُؤَخَّرُ. قالَ شاعِرُهم: وعَدَتْنا بِدِرْهَمَيْنا طِلاءً ∗∗∗ وشِواءً مُعَجَّلًا غَيْرَ دَيْنِ وقَوْلُهُ: ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ طَلَبُ تَعْيِينِ الآجالِ لِلدُّيُونِ لِئَلّا يَقَعُوا في الخُصُوماتِ والتَّداعِي في المُراداتِ، فَأُدْمِجَ تَشْرِيعُ التَّأْجِيلِ في أثْناءِ تَشْرِيعِ التَّسْجِيلِ. والأجَلُ مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ مَحْدُودَةُ النِّهايَةِ مَجْعُولَةٌ ظَرْفًا لِعَمَلٍ غَيْرِ مَطْلُوبٍ فِيهِ المُبادَرَةُ، لِرَغْبَةِ تَمامِ ذَلِكَ العَمَلِ عِنْدَ انْتِهاءِ تِلْكَ المُدَّةِ أوْ في أثْنائِها. والأجَلُ اسْمٌ ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ، والمَصْدَرُ التَّأْجِيلُ، وهو إعْطاءُ الأجَلِ، ولِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّوْسِعَةِ في العَمَلِ أُطْلِقَ الأجَلُ عَلى التَّأْخِيرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ وقَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] . والمُسَمّى حَقِيقَتُهُ المُمَيَّزُ بِاسْمٍ يُمَيِّزُهُ عَمّا يُشابِهُهُ في جِنْسِهِ أوْ نَوْعِهِ، فَمِنهُ أسْماءُ الأعْلامِ وأسْماءُ الأجْناسِ، والمُسَمّى هُنا مُسْتَعارٌ لِلْمُعَيَّنِ المَحْدُودِ، وإنَّما يُقْصَدُ تَحْدِيدُهُ بِنِهايَةٍ مِنَ الأزْمانِ المَعْلُومَةِ عِنْدَ النّاسِ، فَشُبِّهَ ذَلِكَ بِالتَّحْدِيدِ بِوَضْعِ الِاسْمِ بِجامِعِ التَّعْيِينِ، إذْ لا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ عَنْ أمْثالِهِ إلّا بِذَلِكَ، فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ التَّسْمِيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الفُقَهاءِ: المَهْرُ المُسَمّى، فالمَعْنى أجَلٌ مُعَيَّنٌ بِنِهايَتِهِ، والدَّيْنُ لا يَكُونُ إلّا إلى أجَلٍ، فالمَقْصُودُ مِن وصْفِ الدَّيْنِ بِهَذا الوَصْفِ، هو وصْفُ أجَلٍ مُسَمًّى إدْماجًا لِلْأمْرِ بِتَعْيِينِ الأجَلِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ يَعُمُّ كُلَّ دَيْنٍ: مِن قَرْضٍ أوْ مِن بَيْعٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في السَّلَمِ - يَعْنِي بَيْعَ الثِّمارِ ونَحْوِها مِنَ المِثْلِيّاتِ في ذِمَّةِ البائِعِ إذا كانَ ذا ذِمَّةٍ إلى أجَلٍ - وكانَ السَّلَمُ مِن مُعامَلاتِ أهْلِ المَدِينَةِ، ومَعْنى كَلامِهِ أنَّ بَيْعَ السَّلَمِ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ، ومِنَ المُقَرَّرِ في الأُصُولِ أنَّ السَّبَبَ الخاصَّ لا يُخَصِّصُ العُمُومَ. صفحة ١٠٠ والأمْرُ في (فاكْتُبُوهُ) قِيلَ: لِلِاسْتِحْبابِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ ومالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ وأحْمَدَ، وعَلَيْهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣] تَكْمِيلًا لِمَعْنى الِاسْتِحْبابِ. وقِيلَ: الأمْرُ لِلْوُجُوبِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ والشَّعْبِيُّ وعَطاءٌ والنَّخَعِيُّ، ورُوِيَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وهو قَوْلُ داوُدَ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، ولَعَلَّ القائِلِينَ بِوُجُوبِ الإشْهادِ الآتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ قائِلُونَ بِوُجُوبِ الكِتابَةِ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣] تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ أزْمِنَةِ الوُجُوبِ لِأنَّ الأمْرَ لِلتَّكْرارِ، لاسِيَّما مَعَ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ، وسَمّاهُ الأقْدَمُونَ في عِباراتِهِمْ نَسْخًا. والقَصْدُ مِنَ الأمْرِ بِالكِتابَةِ التَّوَثُّقُ لِلْحُقُوقِ وقَطْعُ أسْبابِ الخُصُوماتِ، وتَنْظِيمُ مُعامَلاتِ الأُمَّةِ، وإمْكانُ الِاطِّلاعِ عَلى العُقُودِ الفاسِدَةِ، والأرْجَحُ أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ فَإنَّهُ الأصْلُ في الأمْرِ، وقَدْ تَأكَّدَ بِهَذِهِ المُؤَكِّداتِ، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣] الآيَةَ. رُخْصَةٌ خاصَّةٌ بِحالَةِ الِائْتِمانِ بَيْنَ المُتَعاقِدَيْنَ كَما سَيَأْتِي - فَإنَّ حالَةَ الِائْتِمانِ حالَةٌ سالِمَةٌ مِن تَطَرُّقِ التَّناكُرِ والخِصامِ - لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ مِنَ الأُمَّةِ قَطْعَ أسْبابِ التَّهارُجِ والفَوْضى، فَأوْجَبَ عَلَيْهِمُ التَّوْثِيقَ في مَقاماتِ المُشاحَنَةِ، لِئَلّا يَتَساهَلُوا ابْتِداءً ثُمَّ يُفْضُوا إلى المُنازَعَةِ في العاقِبَةِ، ويَظْهَرُ لِي أنَّ في الوُجُوبِ نَفْيًا لِلْحَرَجِ عَنِ الدّائِنِ إذا طَلَبَ مِن مَدِينِهِ الكَتْبَ حَتّى لا يَعُدَّ المَدِينُ ذَلِكَ مِن سُوءِ الظَّنِّ بِهِ، فَإنَّ في القَوانِينِ مَعْذِرَةً لِلْمُتَعامِلَيْنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الصَّحِيحُ عَدَمُ الوُجُوبِ لِأنَّ لِلْمَرْءَ أنْ يَهَبَ هَذا الحَقَّ ويَتْرُكَهُ بِإجْماعٍ، فَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَكْتُبَهُ، وإنَّما هو نَدْبٌ لِلِاحْتِياطِ، وهَذا كَلامٌ قَدْ يَرُوجُ في بادِئِ الرَّأْيِ ولَكِنَّهُ مَرْدُودٌ بِأنَّ مَقامَ التَّوَثُّقِ غَيْرُ مُقامِ التَّبَرُّعِ. ومَقْصِدُ الشَّرِيعَةِ تَنْبِيهُ أصْحابِ الحُقُوقِ حَتّى لا يَتَساهَلُوا ثُمَّ يَنْدَمُوا ولَيْسَ المَقْصُودُ إبْطالَ ائْتِمانِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، كَما أنَّ مِن مَقاصِدِها دَفْعَ مُوجِدَةِ الغَرِيمِ مِن تَوَثُّقِ دائِنِهِ إذا عَلِمَ أنَّهُ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ ومِن مَقاصِدِها قَطْعُ أسْبابِ الخِصامِ. وقَوْلُهُ: ﴿فاكْتُبُوهُ﴾ يَشْمَلُ حالَتَيْنِ: الأُولى: حالَةُ كِتابَةِ المُتَدايِنَيْنِ بِخَطَّيْهِما، أوْ خَطِّ أحَدِهِما ويُسَلِّمُهُ لِلْآخَرِ إذا كانا يُحْسِنانِ الكِتابَةَ مَعًا، لِأنَّ جَهْلَ أحَدِهِما بِها يَنْفِي ثِقَتَهُ بِكِتابَةِ الآخَرِ. صفحة ١٠١ والثّانِيَةُ: حالَةُ كِتابَةِ ثالِثٍ يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُما، فَيَكْتُبُ ما تَعاقَدا عَلَيْهِ ويَشْهَدُ عَلَيْهِ شاهِدانِ ويُسَلِّمُهُ بِيَدِ صاحِبِ الحَقِّ إذا كانا لا يُحْسِنانِ الكِتابَةَ أوْ أحَدُهُما، وهَذِهِ غالِبُ أحْوالِ العَرَبِ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ، فَكانَتِ الأُمِّيَّةُ بَيْنَهم فاشِيَّةً، وإنَّما كانَتِ الكِتابَةُ في الأنْبارِ والحِيرَةِ وبَعْضِ جِهاتِ اليَمَنِ وفِيمَن يَتَعَلَّمُها قَلِيلًا مِن مَكَّةَ والمَدِينَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾ أمْرٌ لِلْمُتَدايِنَيْنِ بِأنْ يُوَسِّطُوا كاتِبًا يَكْتُبُ بَيْنَهم لِأنَّ غالِبَ حالِهِمْ جَهْلُ الكِتابَةِ. فِعْلُ الأمْرِ بِهِ إلى الكاتِبِ مُبالَغَةٌ في أمْرِ المُتَعاقِدَيْنَ بِالِاسْتِكْتابِ، والعَرَبُ تَعْمِدُ إلى المَقْصُودِ فَتُنْزِلُهُ مَنزِلَةَ الوَسِيلَةِ مُبالَغَةً في حُصُولِهِ؛ كَقَوْلِهِمْ في الأمْرِ: لِيَكُنْ ولَدُكَ مُهَذَّبًا، وفي النَّهْيِ: لا تَنْسَ ما أوْصَيْتُكَ، ولا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا. فَمُتَعَلِّقُ فِعْلِ الطَّلَبِ هو ظَرْفُ (بَيْنَكم) ولَيْسَ هَذا أمْرًا لِلْكاتِبِ، وأمّا أمْرُ الكاتِبِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ . وقَوْلُهُ: ”بِالعَدْلِ“، أيْ: بِالحَقِّ، ولَيْسَ العَدْلُ هُنا بِمَعْنى العَدالَةِ الَّتِي يُوصَفُ بِها الشّاهِدُ فَيُقالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ، لِأنَّ وُجُودَ الباءِ يَصْرِفُ عَنْ ذَلِكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ الآتِي: ﴿فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ﴾ . ولِذَلِكَ قَصَرَ المُفَسِّرُونَ قَوْلَهُ: (فاكْتُبُوهُ) عَلى أنْ يَكْتُبَهُ كاتِبٌ غَيْرُ المُتَدايِنَيْنِ لِأنَّهُ الغالِبُ، ولِتَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾ فَإنَّهُ كالبَيانِ لِكَيْفِيَّةِ (فاكْتُبُوهُ) . عَلى أنَّ كِتابَةَ المُتَعاقِدَيْنَ إنْ كانا يُحْسِنانِها تُؤْخَذُ بِلَحْنِ الخِطابِ أوْ فَحْواهُ. ولِذَلِكَ كانَتِ الآيَةُ حُجَّةً عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ لِصِحَّةِ الِاحْتِجاجِ بِالخَطِّ، فَإنَّ اسْتِكْتابَ الكاتِبِ إنَّما يَنْفَعُ بِقِراءَةِ خَطِّهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ﴾ نَهْيٌ لِمَن تُطْلَبُ مِنهُ الكِتابَةُ بَيْنَ المُتَدايِنَيْنِ عَنِ الِامْتِناعِ مِنها إذا دُعِيَ إلَيْها، فَهَذا حُكْمٌ آخَرُ ولَيْسَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾ لِما عَلِمْتَ آنِفًا مِن كَوْنِ ذَلِكَ حُكْمًا مُوَجَّهًا لِلْمُتَدايِنَيْنِ، وهَذا النَّهْيُ قَدِ اخْتُلِفَ في مُقْتَضاهُ فَقِيلَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ، فالَّذِي يُدْعى لِأنْ يَكْتُبَ بَيْنَ المُتَدايِنَيْنِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الِامْتِناعُ، وعَلَيْهِ فالإجابَةُ لِلْكِتابَةِ فَرْضُ عَيْنٍ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ صفحة ١٠٢ والطَّبَرِيِّ وهو الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يُعْدَلَ عَنْهُ، وقِيلَ: إنَّما تَجِبُ الإجابَةُ وُجُوبًا عَيْنِيًّا إذا لَمْ يَكُنْ في المَوْضِعِ إلّا كاتِبٌ واحِدٌ، فَإنْ كانَ غَيْرُهُ فَهو واجِبٌ عَلى الكِفايَةِ وهو قَوْلُ الحَسَنِ، ومَعْناهُ أنَّهُ مَوْكُولٌ إلى دِيانَتِهِمْ لِأنَّهم إذا تَمالَئُوا عَلى الِامْتِناعِ أثِمُوا جَمِيعًا، ولَوْ قِيلَ: إنَّهُ واجِبٌ عَلى الكِفايَةِ عَلى مَن يَعْرِفُ الكِتابَةَ مِن أهْلِ مَكانِ المُتَدايِنَيْنِ، وإنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِتَعْيِينِ طالِبِ التَّوَثُّقِ أحَدَهم لَكانَ وجِيهًا، والأحَقُّ بِطَلَبِ التَّوَثُّقِ هو المُسْتَقْرِضُ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. وقِيلَ: إنَّما يَجِبُ عَلى الكاتِبِ في حالِ فَراغِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقِيلَ: هو مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ، ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، وفي هَذا نَظَرٌ لِأنَّ الحُضُورَ لِلْكِتابَةِ بَيْنَ المُتَدايِنَيْنِ لَيْسَ مِنَ الإضْرارِ إلّا في أحْوالٍ نادِرَةٍ كَبُعْدِ مَكانِ المُتَدايِنَيْنِ مِن مَكانِ الكاتِبِ، وعَنِ الشَّعْبِيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ وابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذا: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وسَيَأْتِي لَنا إبْطالُ ذَلِكَ. وعَلى هَذا الخِلافِ يُخْتَلَفُ في جَوازِ الأجْرِ عَلى الكِتابَةِ بَيْنَ المُتَدايِنَيْنِ، لِأنَّها إنْ كانَتْ واجِبَةً فَلا أجْرَ عَلَيْها، وإلّا فالأجْرُ جائِزٌ. ويُلْحَقُ بِالتَّدايُنِ جَمِيعُ المُعامَلاتِ الَّتِي يُطْلَبُ فِيها التَّوَثُّقُ بِالكِتابَةِ والإشْهادِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى حُكْمِ أداءِ الشَّهادَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ أيْ: كِتابَةً تُشابِهُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ أنْ يَكْتُبَها والمُرادُ بِالمُشابَهَةِ المُطابَقَةُ لا المُقارَنَةُ، فَهي مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧] فالكافُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ؛ لِأنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ و(ما) مَوْصُولَةٌ. ومَعْنى ”ما عَلَّمَهُ اللَّهُ“ أنَّهُ يَكْتُبُ ما يَعْتَقِدُهُ ولا يُجْحِفُ أوْ يُوارِبُ، لِأنَّ اللَّهَ ما عَلَّمَ إلّا الحَقَّ وهو المُسْتَقِرُّ في فِطْرَةِ الإنْسانِ، وإنَّما يَنْصَرِفُ النّاسُ عَنْهُ بِالهَوى فَيُبَدِّلُونَ ويُغَيِّرُونَ ولَيْسَ ذَلِكَ التَّبْدِيلُ بِالَّذِي عَلَّمَهُمُ اللَّهُ تَعالى، وهَذا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «واسْتَفْتِ نَفْسَكَ وإنْ أفْتاكَ النّاسُ» . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكافُ لِمُقابَلَةِ الشَّيْءِ بِمُكافِئِهِ والعِوَضِ بِمُعَوِّضِهِ، أيْ أنْ يَكْتُبَ كِتابَةً تُكافِئُ تَعْلِيمَ اللَّهِ إيّاهُ الكِتابَةَ، بِأنْ يَنْفَعَ النّاسَ بِها شُكْرًا عَلى تَيْسِيرِ اللَّهِ لَهُ صفحة ١٠٣ أسْبابَ عِلْمِها، وإنَّما يَحْصُلُ هَذا الشُّكْرُ بِأنْ يَكْتُبَ ما فِيهِ حِفْظُ الحَقِّ ولا يُقَصِّرُ ولا يُدَلِّسُ، ويَنْشَأُ عَنْ هَذا المَعْنى مِنَ التَّشْبِيهِ مَعْنى التَّعْلِيلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] وقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] . والكافُ عَلى هَذا إمّا نائِبَةٌ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ أوْ صِفَةٌ لِمَفْعُولٍ بِهِ مَحْذُوفٍ عَلى تَأْوِيلِ مَصْدَرِ فِعْلِ أنْ يَكْتُبَ بِالمَكْتُوبِ، و”ما“ عَلى هَذا الوَجْهِ مَصْدَرِيَّةٌ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ”أنْ يَكْتُبَ“ وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ تَعْلِيقَهُ بِقَوْلِهِ ”فَلْيَكْتُبْ“ فَهو وجْهٌ في تَفْسِيرِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ: ”فَلْيَكْتُبْ“ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ﴾ وهو تَصْرِيحٌ بِمُقْتَضى النَّهْيِ وتَكْرِيرٌ لِلْأمْرِ في قَوْلِهِ: (فاكْتُبُوهُ) فَهو يُفِيدُ تَأْكِيدَ الأمْرِ وتَأْكِيدَ النَّهْيِ أيْضًا، وإنَّما أُعِيدَ لِيُرَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ لِبُعْدِ الأمْرِ الأوَّلِ بِما ولِيَهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ”اتَّخَذُوهُ“ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ [الأعراف: ١٤٨] الآيَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ أمَلَّ وأمْلى لُغَتانِ: فالأُولى لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ وبَنِي أسَدٍ والثّانِيَةُ لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَدْ جاءَ القُرْآنُ بِهِما قالَ تَعالى: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ وقالَ: ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] قالُوا: والأصْلُ هو أمْلَلَ ثُمَّ أُبْدِلَتِ اللّامُ ياءً لِأنَّها أخَفُّ، أيْ عَكْسُ ما فَعَلُوا في قَوْلِهِمْ: تَقَضّى البازِيُّ، إذْ أصْلُهُ: تَقَضَّضَ. ومَعْنى اللَّفْظَيْنِ أنْ يُلْقِيَ كَلامًا عَلى سامِعِهِ لِيَكْتُبَهُ عَنْهُ، هَكَذا فَسَّرَهُ في اللِّسانِ والقامُوسِ، وهو قُصُورٌ في التَّفْسِيرِ أحْسَبُ أنَّهُ نَشَأ عَنْ حَصْرِ نَظَرِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ الوارِدَةِ في غَرَضِ الكِتابَةِ، وإلّا فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] تَشْهَدُ بِأنَّ الإمْلاءَ والإمْلالَ يَكُونانِ لِغَرَضِ الكِتابَةِ ولِغَرَضِ الرِّوايَةِ والنَّقْلِ كَما في آيَةِ الفُرْقانِ، ولِغَرَضِ الحِفْظِ كَما يُقالُ مَلَّ المُؤَدِّبُ عَلى الصَّبِيِّ لِلْحِفْظِ، وهي طَرِيقَةُ تَحْفِيظِ العُمْيانِ، فَتَحْرِيرُ العِبارَةِ أنْ يُفَسَّرَ هَذانِ اللَّفْظانِ بِإلْقاءِ كَلامٍ لِيُكْتَبَ عَنْهُ أوْ لِيُرْوى أوْ لِيُحْفَظَ، و(الحَقُّ) هُنا: ما حَقَّ أيْ ثَبَتَ لِلدّائِنِ. وفِي هَذا الأمْرِ عِبْرَةٌ لِلشُّهُودِ فَإنَّ مِنهم مَن يَكْتُبُونَ في شُرُوطِ الحُبْسِ ونَحْوِهِ ما لَمْ يُمْلِلْهُ عَلَيْهِمُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ إلّا إذا كانَ قَدْ فَوَّضَ إلى الشّاهِدِ الإحاطَةَ بِما فِيهِ تَوَثُّقُهُ لِحَقِّهِ أوْ أوْقَفَهُ عَلَيْهِ قَبْلَ عَقْدِهِ عَلى السَّدارَةِ. صفحة ١٠٤ والضَّمِيرانِ في قَوْلِهِ: ”ولْيَتَّقِ“ وقَوْلِهِ: ﴿ولا يَبْخَسْ مِنهُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودا إلى الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ مِنَ الضَّمِيرَيْنِ، أيْ: لا يُنْقِصْ رَبَّ الدَّيْنِ شَيْئًا حِينَ الإمْلاءِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وهو عَلى هَذا أمْرٌ لِلْمَدِينِ بِأنْ يُقِرَّ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ ولا يَغْبِنَ الدّائِنَ، وعِنْدِي أنَّ هَذا بَعِيدٌ إذْ لا فائِدَةَ بِهَذِهِ الوِصايَةِ، فَلَوْ أخْفى المَدِينُ شَيْئًا أوْ غَبَنَ لَأنْكَرَ عَلَيْهِ رَبُّ الدَّيْنِ لِأنَّ الكِتابَةَ يَحْضُرُها كِلاهُما لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرانِ إلى (كاتِبٌ) بِقَرِينَةِ أنَّ هَذا النَّهْيَ أشَدُّ تَعَلُّقًا بِالكاتِبِ، فَإنَّهُ الَّذِي قَدْ يَغْفُلُ عَنْ بَعْضِ ما وقَعَ إمْلاؤُهُ عَلَيْهِ. والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (مِنهُ) عائِدٌ إلى الحَقِّ وهو حَقٌّ لِكِلا المُتَدايِنَيْنِ، فَإذا بَخَسَ مِنهُ شَيْئًا أضَرَّ بِأحَدِهِما لا مَحالَةَ، وهَذا إيجازٌ بَدِيعٌ. والبَخْسُ فَسَرَّهُ أهْلُ اللُّغَةِ بِالنَّقْصِ ويَظْهَرُ أنَّهُ أخَصُّ مِنَ النَّقْصِ، فَهو نَقْصٌ بِإخْفاءٍ، وأقْرَبُ الألْفاظِ إلى مَعْناهُ الغَبْنُ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ في سُورَةِ الأعْرافِ: البَخْسُ في لِسانِ العَرَبِ هو النَّقْصُ بِالتَّعْيِيبِ والتَّزْهِيدِ، أوِ المُخادَعَةُ عَنِ القِيمَةِ، أوِ الِاحْتِيالُ في التَّزَيُّدِ في الكَيْلِ، أوِ النُّقْصانُ مِنهُ، أيْ: عَنْ غَفْلَةِ صاحِبِ الحَقِّ، وهَذا هو المُناسِبُ في مَعْنى الآيَةِ؛ لِأنَّ المُرادَ النَّهْيُ عَنِ النَّقْصِ مِنَ الحَقِّ عَنْ غَفْلَةٍ مِن صاحِبِهِ، ولِذَلِكَ نُهِيَ الشّاهِدُ أوِ المَدِينُ أوِ الدّائِنُ، وسَيَجِيءُ في سُورَةِ الأعْرافِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥] . وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أوْ ضَعِيفًا﴾ السَّفِيهُ هو مُخْتَلُّ العَقْلِ، وتَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢] . والضَّعِيفُ الصَّغِيرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٦] . والَّذِي ﴿لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ﴾ هو العاجِزُ كَمَن بِهِ بَكَمٌ وعَمًى وصَمَمٌ جَمِيعًا. ووَجْهُ تَأْكِيدِ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في فِعْلِ ”يُمِلَّ“ بِالضَّمِيرِ البارِزِ هو التَّمْهِيدُ لِقَوْلِهِ ﴿فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ﴾ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ النّاسُ أنَّ عَجْزَهُ يُسْقِطُ عَنْهُ واجِبَ الإشْهادِ عَلَيْهِ بِما يَسْتَدِينُهُ، وكانَ الأوْلِياءُ قَبْلَ الإسْلامِ وفي صَدْرِهِ كُبَراءَ القَرابَةِ، والوَلِيُّ مَن لَهُ ولايَةٌ عَلى السَّفِيهِ والضَّعِيفِ ومَن لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ كالأبِ والوَصِيِّ وعُرَفاءِ القَبِيلَةِ، وفي حَدِيثِ صفحة ١٠٥ وفْدِ هَوازِنَ: قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِيَرْفَعْ إلَيَّ عُرَفاؤُكم أمْرَكم» وكانَ ذَلِكَ في صَدْرِ الإسْلامِ وفي الحُقُوقِ القِبْلِيَّةِ. ومَعْنى ”بِالعَدْلِ“ أيْ بِالحَقِّ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ إقْرارَ الوَصِيِّ والمُقَدَّمِ في حَقِّ المُوَلّى عَلَيْهِ ماضٍ إذا ظَهَرَ سَبَبُهُ، وإنَّما لَمْ يَعْمَلْ بِهِ المُتَأخِّرُونَ مِنَ الفُقَهاءِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ خَشْيَةَ التَّواطُؤِ عَلى إضاعَةِ أمْوالِ الضُّعَفاءِ. * * * ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكم فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ . عَطْفٌ عَلى ”فاكْتُبُوهُ“ وهو غَيْرُهُ ولَيْسَ بَيانًا لَهُ إذْ لَوْ كانَ بَيانًا لَما اقْتَرَنَ بِالواوِ، فالمَأْمُورُ بِهِ المُتَدايِنُونَ شَيْئانِ: الكِتابَةُ والإشْهادُ عَلَيْها، والمَقْصُودُ مِنَ الكِتابَةِ ضَبْطُ صِيغَةِ التَّعاقُدِ وشُرُوطِهِ، وتَذَكُّرُ ذَلِكَ خَشْيَةَ النِّسْيانِ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ سَمّاها الفُقَهاءُ ذُكْرَ الحَقِّ، وتُسَمّى عَقْدًا. قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ: حَذَرَ الجَوْرِ والتَّطاخِي وهَلْ يَنْ قُضُ ما في المَهارِقِ الأهْواءُ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَ فُقْدانِ الكاتِبِ وبَيْنَ الرَّهْنِ دَرَجَةً وهي الشَّهادَةُ بِلا كِتابَةٍ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا﴾ [البقرة: ٢٨٣] صارَ في مَعْنى: ولَمْ تَجِدُوا شَهادَةً، ولِأجْلِ هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكاتِبُ أحَدَ الشّاهِدَيْنِ، وإنَّما جَعَلَ القُرْآنُ كاتِبًا وشاهِدَيْنِ لِنُدْرَةِ الجَمْعِ بَيْنَ مَعْرِفَةِ الكِتابَةِ وأهْلِيَّةِ الشَّهادَةِ. ”واسْتَشْهِدُوا“ بِمَعْنى أشْهِدُوا، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُما لِلطَّلَبِ أيِ اطْلُبُوا شَهادَةَ شاهِدَيْنِ، فَيَكُونُ تَكْلِيفًا بِالسَّعْيِ لِلْإشْهادِ وهو التَّكْلِيفُ المُتَعَلِّقُ بِصاحِبِ الحَقِّ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ تَكْلِيفًا لِمَن يَطْلُبُ مِنهُ صاحِبُ الحَقِّ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِما ألّا يَمْتَنِعَ. صفحة ١٠٦ والشَّهادَةُ حَقِيقَتُها الحُضُورُ والمُشاهَدَةُ والمُرادُ بِها هُنا حُضُورٌ خاصٌّ، وهو حُضُورٌ لِأجْلِ الِاطِّلاعِ عَلى التَّدايُنِ، وهَذا إطْلاقٌ مَعْرُوفٌ لِلشَّهادَةِ عَلى حُضُورٍ لِمُشاهَدَةِ تَعاقُدٍ بَيْنَ مُتَعاقِدَيْنِ أوْ لِسَماعِ عَقْدٍ مِن عاقِدٍ واحِدٍ مِثْلِ الطَّلاقِ والحُبْسِ، وتُطْلَقُ الشَّهادَةُ أيْضًا عَلى الخَبَرِ الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ صاحِبُهُ عَنْ أمْرٍ حَصَلَ لِقَصْدِ الِاحْتِجاجِ بِهِ لِمَن يَزْعُمُهُ، والِاحْتِجاجُ بِهِ عَلى مَن يُنْكِرُهُ، وهَذا هو الوارِدُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ [النور: ٤] . وجَعَلَ المَأْمُورَ بِهِ طَلَبَ الإشْهادِ لِأنَّهُ الَّذِي في قُدْرَةِ المُكَلَّفِ، وقَدْ فَهِمَ السّامِعُ أنَّ الغَرَضَ مِن طَلَبِ الإشْهادِ حُصُولُهُ، ولِهَذا أمَرَ المُسْتَشْهَدَ - بِفَتْحِ الهاءِ - بَعْدَ ذَلِكَ بِالِامْتِثالِ فَقالَ: ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ . والأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ قِيلَ: لِلْوُجُوبِ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ، وقِيلَ: لِلنَّدْبِ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ الفُقَهاءِ المُتَأخِّرِينَ: مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ وأحْمَدَ وسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ . وقَوْلُهُ مِن رِجالِكم أيْ مِن رِجالِ المُسْلِمِينَ، فَحَصَلَ بِهِ شَرْطانِ: أنَّهم رِجالٌ، وأنَّهم مِمَّنْ يَشْمَلُهُمُ الضَّمِيرُ. وضَمِيرُ جَماعَةِ المُخاطَبِينَ مُرادٌ بِهِ المُسْلِمُونَ لِقَوْلِهِ في طالِعَةِ هَذِهِ الأحْكامِ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا. وأمّا الصَّبِيُّ فَلَمْ يَعْتَبِرْهُ الشَّرْعُ لِضَعْفِ عَقْلِهِ عَنِ الإحاطَةِ بِمَواقِعِ الِاسْتِشْهادِ ومَداخِلِ التُّهَمِ. والرَّجُلُ في أصْلِ اللُّغَةِ يُفِيدُ وصْفَ الذُّكُورَةِ فَخَرَجَتِ الإناثُ، ويُفِيدُ البُلُوغَ فَخَرَجَ الصِّبْيانُ، والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ أفادَ وصْفَ الإسْلامِ، فَأمّا الأُنْثى فَيُذْكَرُ حُكْمُها بَعْدَ هَذا، وأمّا الكافِرُ فَلِأنَّ اخْتِلافَ الدِّينِ يُوجِبُ التَّباعُدَ في الأحْوالِ والمُعاشَراتِ والآدابِ فَلا تُمْكِنُ الإحاطَةُ بِأحْوالِ العُدُولِ والمُرْتابِينَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، كَيْفَ وقَدِ اشْتُرِطَ في تَزْكِيَةِ المُسْلِمِينَ شِدَّةُ المُخالَطَةِ، ولِأنَّهُ قَدْ عُرِفَ مِن غالِبِ أهْلِ المِلَلِ اسْتِخْفافُ المُخالِفِ في الدِّينِ بِحُقُوقِ مُخالِفِهِ، وذَلِكَ مِن تَخْلِيطِ الحُقُوقِ والجَهْلِ بِواجِباتِ الدِّينِ الإسْلامِيِّ، فَإنَّ الأدْيانَ السّالِفَةَ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِاحْتِرامِ حُقُوقِ المُخالِفِينَ، فَتَوَهَّمَ أتْباعُهم دَحْضَها، وقَدْ حَكى اللَّهُ صفحة ١٠٧ عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]، وهَذِهِ نُصُوصُ التَّوْراةِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ تَنْهى عَنْ أشْياءَ أوْ تَأْمُرُ بِأشْياءَ وتَخُصُّها بِبَنِي إسْرائِيلَ، وتُسَوِّغُ مُخالَفَةَ ذَلِكَ مَعَ الغَرِيبِ، ولَمْ نَرَ في دِينٍ مِنَ الأدْيانِ التَّصْرِيحَ بِالتَّسْوِيَةِ في الحُقُوقِ سِوى دِينِ الإسْلامِ، فَكَيْفَ نَعْتَدُّ بِشَهادَةِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَرَوْنَ المُسْلِمِينَ مارِقِينَ عَنْ دِينِ الحَقِّ مُناوِئِينَ لَهم، ويَرْمُونَ بِذَلِكَ نَبِيئَهم فَمَن دُونَهُ، فَماذا يُرْجى مِن هَؤُلاءِ أنْ يَقُولُوا الحَقَّ لَهم أوْ عَلَيْهِمْ، والنَّصْرانِيَّةُ تابِعَةٌ لِأحْكامِ التَّوْراةِ، عَلى أنَّ تَجافِيَ أهْلِ الأدْيانِ أمْرٌ كانَ كالجِبِلِّيِّ فَهَذا الإسْلامُ مَعَ أمْرِهِ المُسْلِمِينَ بِالعَدْلِ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ لا نَرى مِنهُمُ امْتِثالًا فِيما يَأْمُرُهم بِهِ في شَأْنِهِمْ. وفِي القُرْآنِ إيماءٌ إلى هَذِهِ العِلَّةِ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وفي البُخارِيِّ، في حَدِيثِ أبِي قِلابَةَ في مَجْلِسِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وما رُوِيَ «عَنْ سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمَةَ الأنْصارِيِّ، أنَّ نَفَرًا مِن قَوْمِهِ ذَهَبُوا إلى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقُوا بِها، فَوَجَدُوا أحَدَهم قَتِيلًا، فَقالوُا لِلَّذِينَ وُجِدَ فِيهِمُ القَتِيلُ: أنْتُمْ قَتَلْتُمْ صاحِبَنا، قالُوا: ما قَتَلْنا، فانْطَلَقُوا إلى النَّبِيءِ ﷺ فَشَكَوْا إلَيْهِ فَقالَ لَهم: تَأْتُونَ بِالبَيِّنَةِ عَلى مَن قَتَلَهُ. قالُوا: ما لَنا بَيِّنَةٌ. قالَ: فَتَحْلِفُ لَكم يَهُودُ خَمْسِينَ يَمِينًا. قالُوا: ما يُبالُونَ أنْ يَقْتُلُونا أجْمَعِينَ ثُمَّ يَحْلِفُونَ. فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُبْطِلَ دَمَهُ ووَداهُ مِن مالِ الصَّدَقَةِ. فَقَدْ أقَرَّ النَّبِيءُ ﷺ قَوْلَ الأنْصارِ في اليَهُودِ، إنَّهم ما يُبالُونَ أنْ يَقْتُلُوا كُلَّ القَوْمِ ثُمَّ يَحْلِفُونَ» . فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ اعْتَدَّتِ الشَّرِيعَةُ بِيَمِينِ المُدَّعى عَلَيْهِ مِنَ الكُفّارِ، قُلْتُ: اعْتَدَّتْ بِها لِأنَّها أقْصى ما يُمْكِنُ في دَفْعِ الدَّعْوى، فَرَأتْها الشَّرِيعَةُ خَيْرًا مِن إهْمالِ الدَّعْوى مِن أصْلِها. ولِأجْلِ هَذا اتَّفَقَ عُلَماءُ الإسْلامِ عَلى عَدَمِ قَبُولِ شَهادَةِ أهْلِ الكِتابِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في غَيْرِ الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ، واخْتَلَفُوا في الإشْهادِ عَلى الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وشُرَيْحٌ بِقَبُولِ شَهادَةِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ في الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ، وقَضى بِهِ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ مُدَّةَ قَضائِهِ في الكُوفَةِ، وهو قَوْلُ أحْمَدَ وسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ وجَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، وقالَ الجُمْهُورُ: لا تَجُوزُ شَهادَةُ غَيْرِ المُسْلِمِينَ ورَأوْا أنَّ ما في آيَةِ الوَصِيَّةِ مَنسُوخٌ، وهو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ومالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ، واخْتَلَفُوا في شَهادَةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ عِنْدَ قاضِي المُسْلِمِينَ فَأجازَها أبُو حَنِيفَةَ ناظِرًا في ذَلِكَ صفحة ١٠٨ إلى انْتِفاءِ تُهْمَةِ تَساهُلِهِمْ بِحُقُوقِ المُسْلِمِينَ، وخالَفَهُمُ الجُمْهُورُ، والوَجْهُ أنَّهُ يَتَعَذَّرُ لِقاضِي المُسْلِمِينَ مَعْرِفَةُ أمانَةِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وصِدْقِ أخْبارِهِمْ كَما قَدَّمْناهُ آنِفًا. وظاهِرُ الآيَةِ قَبُولُ شَهادَةِ العَبْدِ العَدْلِ وهو قَوْلُ شُرَيْحٍ وعُثْمانَ البَتِّيِّ وأحْمَدَ وإسْحاقَ وأبِي ثَوْرٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ المُرادُ الأحْرارُ، وهو قَوْلُ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ تَخْصِيصَ العَبِيدِ مِن عُمُومِ الآيَةِ بِالعُرْفِ وبِالقِياسِ؛ أمّا العُرْفُ فَلِأنَّ غالِبَ اسْتِعْمالِ لَفْظِ الرَّجُلِ والرِّجالِ ألّا يَرِدَ مُطْلَقًا إلّا مُرادًا بِهِ الأحْرارُ، يَقُولُونَ: رِجالُ القَبِيلَةِ ورِجالُ الحَيِّ: قالَ مَحْكانُ التَّمِيمِيُّ: يا رَبَّةَ البَيْتِ قُومِي غَيْرَ صاغِرَةٍ ∗∗∗ ضُمِّي إلَيْكِ رِجالَ الحَيِّ والغُرَبا وأمّا القِياسُ فَلِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ في المُجْتَمَعِ لِأنَّ حالَةَ الرِّقِّ تَقْطَعُهم عَنْ غَيْرِ شُئُونِ مالِكِيهِمْ فَلا يَضْبِطُونَ أحْوالَ المُعامَلاتِ غالِبًا؛ ولِأنَّهم يَنْشَؤُونَ عَلى عَدَمِ العِنايَةِ بِالمُرُوءَةِ، فَتَرْكُ اعْتِبارِ شَهادَةِ العَبْدِ مَعْلُولٌ لِلْمَظِنَّةِ، وفي النَّفْسِ عَدَمُ انْثِلاجٍ لِهَذا التَّعْلِيلِ. واشْتُرِطَ العَدَدُ في الشّاهِدِ ولَمْ يُكْتَفَ بِشَهادَةِ عَدْلٍ واحِدٍ لِأنَّ الشَّهادَةَ لَمّا تَعَلَّقَتْ بِحَقٍّ مُعَيَّنٍ لِمُعَيَّنٍ اتُّهِمَ الشّاهِدُ بِاحْتِمالِ أنْ يَتَوَسَّلَ إلَيْهِ الظّالِمُ الطّالِبُ لِحَقٍّ مَزْعُومٍ فَيَحْمِلَهُ عَلى تَحْرِيفِ الشَّهادَةِ، فاحْتِيجَ إلى حَيْطَةٍ تَدْفَعُ التُّهْمَةَ فاشْتُرَطَ فِيهِ الإسْلامُ وكَفى بِهِ وازِعًا والعَدالَةُ لِأنَّها تَزَعُ مِن حَيْثُ الدِّينُ والمُرُوءَةُ، وزِيدَ انْضِمامُ ثانٍ إلَيْهِ لِاسْتِبْعادِ أنْ يَتَواطَأ كِلا الشّاهِدَيْنِ عَلى الزُّورِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ التَّعَدُّدَ شَرْطٌ في الشَّهادَةِ مِن حَيْثُ هي، بِخِلافِ الرِّوايَةِ لِانْتِفاءِ التُّهْمَةِ فِيها إذْ لا تَتَعَلَّقُ بِحَقٍّ مُعَيَّنٍ، ولِهَذا لَوْ رَوى راوٍ حَدِيثًا هو حُجَّةٌ في قَضِيَّةٍ لِلرّاوِي فِيها حَقٌّ لَما قُبِلَتْ رِوايَتُهُ، وقَدْ كَلَّفَ عُمَرُ أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ أنْ يَأْتِيَ بِشاهِدٍ مَعَهُ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: «إذا اسْتَأْذَنَ أحَدُكُمَ ثَلاثًا ولَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ» إذْ كانَ ذَلِكَ في ادِّعاءِ أبِي مُوسى أنَّهُ لَمّا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ عُمَرُ في الثّالِثَةِ رَجَعَ، فَشَهِدَ لَهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ في مَلَأٍ مِنَ الأنْصارِ. والعَدَدُ هو اثْنانِ في المُعامَلاتِ المالِيَّةِ كَما هُنا. وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ﴾ أيْ لَمْ يَكُنِ الشّاهِدانِ رَجُلَيْنِ، أيْ بِحَيْثُ لَمْ يَحْضُرِ المُعامَلَةَ رَجُلانِ بَلْ حَضَرَ رَجُلٌ واحِدٌ، ”فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ“ يَشْهَدانِ، فَقَوْلُهُ ﴿فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾ صفحة ١٠٩ جَوابُ الشَّرْطِ، وهو جُزْءُ جُمْلَةٍ حُذِفَ خَبَرُها لِأنَّ المُقَدَّرَ أنْسَبُ بِالخَبَرِيَّةِ، ودَلِيلُ المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿واسْتَشْهِدُوا﴾ وقَدْ فُهِمَ المَحْذُوفُ فَكَيْفَما قَدَّرْتَهُ ساغَ لَكَ. وجِيءَ في الآيَةِ بَـ (كانَ) النّاقِصَةِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِن أنْ يُقالَ: فَإنْ لَمْ يَكُنْ رَجُلانِ. لِئَلّا يُتَوَهَّمَ مِنهُ أنَّ شَهادَةَ المَرْأتَيْنِ لا تُقْبَلُ إلّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الرَّجُلَيْنِ كَما تَوَهَّمَهُ قَوْمٌ، وهو خِلافُ قَوْلِ الجُمْهُورِ؛ لِأنَّ مَقْصُودَ الشّارِعِ التَّوْسِعَةُ عَلى المُتَعامِلِينَ، وفِيهِ مَرْمًى آخَرُ وهو تَعْوِيدُهم بِإدْخالِ المَرْأةِ في شُئُونِ الحَياةِ إذْ كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ لا تَشْتَرِكُ في هَذِهِ الشُّئُونِ فَجَعَلَ اللَّهُ المَرْأتَيْنِ مَقامَ الرَّجُلِ الواحِدِ وعَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ وهَذِهِ حَيْطَةٌ أُخْرى مِن تَحْرِيفِ الشَّهادَةِ وهي خَشْيَةُ الِاشْتِباهِ والنِّسْيانِ لِأنَّ المَرْأةَ أعَفُّ مِنَ الرَّجُلِ بِأصْلِ الجِبِلَّةِ بِحَسَبِ الغالِبِ، والضَّلالُ هُنا بِمَعْنى النِّسْيانِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَضِلَّ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ هَمْزَةِ ”أنْ“ عَلى أنَّهُ مَحْذُوفٌ مِنهُ لامُ التَّعْلِيلِ كَما هو الغالِبُ في الكَلامِ العَرَبِيِّ مَعَ ”أنْ“ والتَّعْلِيلُ في هَذا الكَلامِ يَنْصَرِفُ إلى ما يُحْتاجُ فِيهِ إلى أنْ يُعَلَّلَ لِقَصْدِ إقْناعِ المُكَلَّفِينَ، إذْ لا نَجِدُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ حُكْمًا قَدْ لا تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ النُّفُوسُ إلّا جَعْلَ عِوَضِ الرَّجُلِ الواحِدِ بِامْرَأتَيْنِ اثْنَتَيْنِ فَصُرِّحَ بِتَعْلِيلِهِ، واللّامُ المُقَدَّرَةُ قَبْلَ ”أنْ“ مُتَعَلِّقَةٌ بِالخَبَرِ المَحْذُوفِ في جُمْلَةِ جَوابِ الشَّرْطِ؛ إذِ التَّقْدِيرُ: فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ يَشْهَدانِ، أوْ: فَلْيَشْهَدْ رَجُلٌ وامْرَأتانِ، وقَرَءُوهُ بِنَصْبِ ”فَتُذَكِّرَ“ عَطْفًا عَلى ﴿أنْ تَضِلَّ﴾، وقَرَأهُ حَمْزَةُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى اعْتِبارِ ”إنْ“ شَرْطِيَّةً و”تَضِلَّ“ فِعْلَ الشَّرْطِ، وبِرَفْعِ ”تُذَكِّرُ“ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بَعْدَ الفاءِ؛ لِأنَّ الفاءَ تُؤْذِنُ بِأنَّ ما بَعْدَها غَيْرُ مَجْزُومٍ والتَّقْدِيرُ فَهي تُذَكِّرُها الأُخْرى عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ [المائدة: ٩٥] . ولَمّا كانَ ”أنْ تَضِلَّ“ في مَعْنى لِضَلالِ إحْداهُما. صارَتِ العِلَّةُ في الظّاهِرِ هي الضَّلالَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ العِلَّةُ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الضَّلالِ مِن إضاعَةِ المَشْهُودِ بِهِ، فَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ لِأنَّ (فَتُذَكِّرَ) مَعْطُوفٌ عَلى ”تَضِلَّ“ بِفاءِ التَّعْقِيبِ فَهو مِن تَكْمِلَتِهِ، والعِبْرَةُ بِآخِرِ الكَلامِ كَما قَدَّمْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ [البقرة: ٢٦٦] ونَظِيرُهُ كَما في الكَشّافِ أنْ تَقُولَ: أعْدَدْتُ الخَشَبَةَ أنْ يَمِيلَ الحائِطُ فَأُدَعِّمَهُ، وأعْدَدْتُ السِّلاحَ أنْ يَجِيءَ عَدُوٌّ فَأدْفَعَهُ، وفي هَذا الِاسْتِعْمالِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ وهو أنْ يُقالَ: أنْ تُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى عِنْدَ نِسْيانِها. ووَجَّهَهُ صاحِبُ صفحة ١١٠ الكَشّافِ بِأنَّ فِيهِ دَلالَةً عَلى الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ التَّذْكِيرِ حَتّى صارَ المُتَكَلِّمُ يُعَلِّلُ بِأسْبابِهِ المُفْضِيَةِ إلَيْهِ لِأجْلِ تَحْصِيلِهِ، وادَّعى ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ بِالقاهِرَةِ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وسِتِّمِائَةٍ: أنَّ مِن شَأْنِ لُغَةِ العَرَبِ إذا ذَكَرُوا عِلَّةً - وكانَ لِلْعِلَّةِ عِلَّةٌ - قَدَّمُوا ذِكْرَ عِلَّةِ العِلَّةِ وجَعَلُوا العِلَّةَ مَعْطُوفَةً عَلَيْها بِالفاءِ لِتَحْصُلَ الدَّلالاتانِ مَعًا بِعِبارَةٍ واحِدَةٍ، ومَثَّلُهُ بِالمِثالِ الَّذِي مَثَّلَ بِهِ الكَشّافُ، وظاهِرُ كَلامِهِ أنَّ ذَلِكَ مُلْتَزَمٌ ولَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ. والَّذِي أراهُ أنَّ سَبَبَ العُدُولِ في مِثْلِهِ أنَّ العِلَّةَ تارَةً تَكُونُ بَسِيطَةً كَقَوْلِكَ: فَعَلْتُ كَذا إكْرامًا لَكَ، وتارَةً تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِن دَفْعِ ضُرٍّ وجَلْبِ نَفْعٍ بِدَفْعِهِ، فَهُنالِكَ يَأْتِي المُتَكَلِّمُ في تَعْلِيلِهِ بِما يَدُلُّ عَلى الأمْرَيْنِ في صُورَةِ عِلَّةٍ واحِدَةٍ إيجازًا في الكَلامِ كَما في الآيَةِ والمِثالَيْنِ، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّعَدُّدِ خَشْيَةَ حُصُولِ النِّسْيانِ لِلْمَرْأةِ المُنْفَرِدَةِ، فَلِذا أُخِذَ بِقَوْلِها حَقُّ المَشْهُودِ عَلَيْهِ وقُصِدَ تَذْكِيرُ المَرْأةِ الثّانِيَةِ إيّاها، وهَذا أحْسَنُ مِمّا ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ: فَتُذَكِّرَها الأُخْرى، وذَلِكَ أنَّ الإحْدى والأُخْرى وصْفانِ مُبْهَمانِ لا يَتَعَيَّنُ شَخْصُ المَقْصُودِ بِهِما، فَكَيْفَما وضَعْتَهُما في مَوْضِعَيِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ كانَ المَعْنى واحِدًا، فَلَوْ أضْمَرَ لِلْإحْدى ضَمِيرَ المَفْعُولِ لَكانَ المَعادُ واضِحًا سَواءٌ كانَ قَوْلُهُ (إحْداهُما) - المُظْهَرُ - فاعِلًا أوْ مَفْعُولًا بِهِ، فَلا يُظَنُّ أنْ كَوْنَ لَفْظِ (إحْداهُما) المُظْهَرِ في الآيَةِ فاعِلًا يُنافِي كَوْنَهُ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ لِأنَّهُ لَوْ أُضْمِرَ لَكانَ الضَّمِيرُ مَفْعُولًا، والمَفْعُولُ غَيْرَ الفاعِلِ، كَما قَدْ ظَنَّهُ التَّفْتازانِيُّ لِأنَّ المَنظُورَ إلَيْهِ في اعْتِبارِ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ هو تَأتِّي الإضْمارِ مَعَ اتِّحادِ المَعْنى، وهو مَوْجُودٌ في الآيَةِ كَما لا يَخْفى. ثُمَّ نُكْتَةُ الإظْهارِ هُنا قَدْ تَحَيَّرَتْ فِيها أفْكارُ المُفَسِّرِينَ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لَها المُتَقَدِّمُونَ، قالَ التَّفْتازانِيُّ في شَرْحِ الكَشّافِ: ومِمّا يَنْبَغِي أنْ يُتَعَرَّضَ لَهُ: وجْهُ تَكْرِيرِ لَفْظِ ”إحْداهُما“، ولا خَفاءَ في أنَّهُ لَيْسَ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إذْ لَيْسَتِ المُذَكِّرَةُ هي النّاسِيَةَ إلّا أنْ يُجْعَلَ (إحْداهُما) الثّانِيَةُ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ لِتَقْدِيمِ المَفْعُولِ في مَوْضِعِ الإلْباسِ، ويَصِحُّ أنْ يُقالَ: فَتُذَكِّرَها الأُخْرى، فَلا بُدَّ لِلْعُدُولِ مِن نُكْتَةٍ، وقالَ العِصامُ في حاشِيَةِ البَيْضاوِيِّ: نُكْتَةُ التَّكْرِيرِ أنَّهُ كانَ أصْلُ التَّرْكِيبِ: أنْ تُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى صفحة ١١١ إنْ ضَلَّتْ، فَلَمّا قُدِّمَ (إنْ ضَلَّتْ) وأُبْرِزَ في مَعْرِضِ العِلَّةِ لَمْ يَصِحَّ الإضْمارُ، أيْ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ المَعادِ، ولَمْ يَصِحَّ: أنْ تَضِلَّ الأُخْرى. لِأنَّهُ لا يَحْسُنُ قَبْلَ ذِكْرِ (إحْداهُما) أيْ لِأنَّ (الأُخْرى) لا يَكُونُ وصْفًا إلّا في مُقابَلَةِ وصْفِ مُقابِلٍ مَذْكُورٍ، فَأُبْدِلَ بِـ (إحْداهُما) أيْ أُبْدِلَ مَوْقِعُ لَفْظِ (الأُخْرى) بِلَفْظِ (إحْداهُما) ولَمْ يُغَيَّرْ ما هو أصْلُ العِلَّةِ عَنْ هَيْئَتِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ لَمْ يُقَدَّمْ عَلَيْهِ ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما﴾ يَعْنِي فَهَذا وجْهُ الإظْهارِ. وقالَ الخَفاجِيُّ في حاشِيَةِ التَّفْسِيرِ: قالُوا: إنَّ النُّكْتَةَ الإبْهامُ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ المَرْأتَيْنِ يَجُوزُ عَلَيْها ما يَجُوزُ عَلى صاحِبَتِها مِنَ الضَّلالِ والتَّذْكِيرِ، فَدَخَلَ الكَلامُ في مَعْنى العُمُومِ، يَعْنِي أنَّهُ أظْهَرَ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ إحْدى المَرْأتَيْنِ لا تَكُونُ إلّا مُذَكِّرَةً الأُخْرى، فَلا تَكُونُ شاهِدَةً بِالأصالَةِ، وأصْلُ هَذا الجَوابِ لِشِهابِ الدِّينِ الغَزْنَوِيِّ عَصْرِيِّ الخَفاجِيِّ عَنْ سُؤالٍ وجَّهَهُ إلَيْهِ الخَفاجِيُّ وهَذا السُّؤالُ: يا رَأْسَ أهْلِ العُلُومِ السّادَةِ البَرَرَهْ ∗∗∗ ومَن نَداهُ عَلى كُلِّ الوَرى نَشَرَهْ ما سِرُّ تَكْرارِ إحْدى دُونَ تُذْكِرُها ∗∗∗ في آيَةٍ لِذَوِي الأشْهادِ في البَقَرَهْ وظاهِرُ الحالِ إيجازُ الضَّمِيرِ عَلى ∗∗∗ تَكْرارِ إحْداهُما لَوْ أنَّهُ ذَكَرَهْ وحَمْلُ الإحْدى عَلى نَفْسِ الشَّهادَةِ في ∗∗∗ أُولاهُما لَيْسَ مَرْضِيًّا لَدى المَهَرَهْ فَغُصْ بِفِكْرِكَ لِاسْتِخْراجِ جَوْهَرِهِ ∗∗∗ مِن بَحْرِ عِلْمِكَ ثُمَّ ابْعَثْ لَنا دُرَرَهْ فَأجابَ الغَزْنَوِيُّ: يا مَن فَوائِدُهُ بِالعِلْمِ مُنْتَشِرَهْ ∗∗∗ ومَن فَضائِلُهُ في الكَوْنِ مُشْتَهِرَهْ تَضِلَّ إحْداهُما فالقَوْلُ مُحْتَمِلٌ ∗∗∗ كِلَيْهِما فَهْيَ لِلْإظْهارِ مُفْتَقِرَهْ ولَوْ أتى بِضَمِيرٍ كانَ مُقْتَضِيًا ∗∗∗ تَعْيِينَ واحِدَةٍ لِلْحُكْمِ مُعْتَبَرَهْ ومَن رَدَدْتُمْ عَلَيْهِ الحَلَّ فَهْوَ كَما ∗∗∗ أشَرْتُمُ لَيْسَ مَرْضِيًّا لِمَن سَبَرَهْ هَذا الَّذِي سَمَحَ الذِّهْنُ الكَلِيلُ بِهِ ∗∗∗ واللَّهُ أعْلَمُ في الفَحْوى بِما ذَكَرَهْ وقَدْ أشارَ السُّؤالُ والجَوابُ إلى رَدٍّ عَلى جَوابٍ لِأبِي القاسِمِ المَغْرِبِيِّ في تَفْسِيرِهِ إذْ جَعَلَ (إحْداهُما) الأوَّلَ مُرادًا بِهِ إحْدى الشَّهادَتَيْنِ، وجَعَلَ (تَضِلَّ) بِمَعْنى تَتْلَفُ بِالنِّسْيانِ، صفحة ١١٢ وجَعَلَ (إحْداهُما) الثّانِيَ مُرادًا بِهِ إحْدى المَرْأتَيْنِ، ولَمّا اخْتَلَفَ المَدْلُولُ لَمْ يَبْقَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، وهو تَكَلُّفٌ وتَشْتِيتٌ لِلضَّمائِرِ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَيُنَزَّهُ تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وهو الَّذِي عَناهُ الغَزْنَوِيُّ بِقَوْلِهِ: ومَن رَدَدْتُمْ عَلَيْهِ الحَلَّ. . . إلخ. والَّذِي أراهُ أنَّ هَذا الإظْهارَ في مَقامِ الإضْمارِ لِنُكْتَةٍ هي قَصْدُ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ بِمَدْلُولِها كَيْلا تَحْتاجَ إلى كَلامٍ آخَرَ فِيهِ مَعادُ الضَّمِيرِ لَوْ أُضْمِرَ، وذَلِكَ يُرَشِّحُ الجُمْلَةَ لِأنْ تَجْرِيَ مَجْرى المَثَلِ، وكَأنَّ المُرادَ هُنا الإيماءُ إلى أنَّ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ عِلَّةٌ لِمَشْرُوعِيَّةِ تَعَدُّدِ المَرْأةِ في الشَّهادَةِ، فالمَرْأةُ مُعَرَّضَةٌ لِتَطَرُّقِ النِّسْيانِ إلَيْها وقِلَّةِ ضَبْطِ ما يَهُمُّ ضَبْطُهُ، والتَّعَدُّدُ مَظِنَّةٌ لِاخْتِلافِ مَوادِّ النَّقْصِ والخَلَلِ، فَعَسى ألّا تَنْسى إحْداهُما ما نَسِيَتْهُ الأُخْرى فَقَوْلُهُ: ”أنْ تَضِلَّ“، تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِالواحِدَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ تَعْلِيلٌ لِإشْهادِ امْرَأةٍ ثانِيَةٍ حَتّى لا تَبْطُلَ شَهادَةُ الأُولى مِن أصْلِها. * * * ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ . عُطِفَ ”لا يَأْبَ“ عَلى ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ لِأنَّهُ لَمّا أمَرَ المُتَعاقِدَيْنِ بِاسْتِشْهادِ شاهِدَيْنِ نَهى مَن يُطْلَبُ إشْهادُهُ عَنْ أنْ يَأْبى لِيَتِمَّ المَطْلُوبُ وهو الإشْهادُ. وإنَّما جِيءَ في خِطابِ المُتَعاقِدَيْنِ بِصِيغَةِ الأمْرِ وجِيءَ في خِطابِ الشُّهَداءِ بِصِيغَةِ النَّهْيِ اهْتِمامًا بِما فِيهِ التَّفْرِيطُ، فَإنَّ المُتَعاقِدَيْنِ يُظَنُّ بِهِما إهْمالُ الإشْهادِ فَأُمِرا بِهِ، والشُّهُودُ يُظَنُّ بِهِمُ الِامْتِناعُ فَنُهُوا عَنْهُ، وكُلٌّ يَسْتَلْزِمُ ضِدَّهُ. وتَسْمِيَةُ المَدْعُوِّينَ شُهَداءَ بِاعْتِبارِ الأوَّلِ القَرِيبِ، وهو المُشارَفَةُ، وكَأنَّ في ذَلِكَ نُكْتَةً عَظِيمَةً، وهي الإيماءُ إلى أنَّهم بِمُجَرَّدِ دَعْوَتِهِمْ إلى الإشْهادِ، قَدْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِمُ الإجابَةُ، فَصارُوا شُهَداءَ. وحُذِفَ مَعْمُولُ ”دُعُوا“ إمّا لِظُهُورِهِ مِن قَوْلِهِ - قَبْلَهُ - ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ أيْ إذا ما دُعُوا إلى الشَّهادَةِ أيِ التَّحَمُّلِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمانَ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فالنَّهْيُ عَنِ الإبايَةِ عِنْدَ الدُّعاءِ إلى الشَّهادَةِ حاصِلٌ بِالأوْلى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صفحة ١١٣ حَذْفُ المَعْمُولِ لِقَصْدِ العُمُومِ، أيْ: إذا ما دُعُوا لِلتَّحَمُّلِ والأداءِ مَعًا. قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ وقالَ مُجاهِدٌ: إذا ما دُعُوا إلى الأداءِ خاصَّةً، ولَعَلَّ الَّذِي حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ هو قَوْلُهُ ”الشُّهَداءُ“ لِأنَّهم لا يَكُونُونَ شُهَداءَ حَقِيقَةً إلّا بَعْدَ التَّحَمُّلِ ويُبْعِدُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وذَلِكَ نَهْيٌ عَنِ الإبايَةِ عِنْدَ الدَّعْوَةِ لِلْأداءِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ حَذْفَ المُتَعَلِّقِ بِفِعْلِ ”دُعُوا“ لِإفادَةِ شُمُولِ ما يُدْعَونَ لِأجْلِهِ في التَّعاقُدِ: مِن تَحَمُّلٍ عِنْدَ قَصْدِ الشَّهادَةِ، ومِن أداءٍ عِنْدَ الِاحْتِياجِ إلى البَيِّنَةِ، قالَ ابْنُ الحاجِبِ: والتَّحَمُّلُ حَيْثُ يُفْتَقَرُ إلَيْهِ فَرْضُ كِفايَةٍ والأداءُ مِن نَحْوِ البَرِيدَيْنِ - إنْ كانا اثْنَيْنِ - فَرْضُ عَيْنٍ، ولا تَحِلُّ إحالَتُهُ عَلى اليَمِينِ. والقَوْلُ في مُقْتَضى النَّهْيِ هُنا كالقَوْلِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ﴾ ويَظْهَرُ أنَّ التَّحَمُّلَ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ مِنَ الإمامِ، أوْ بِما يُعَيِّنُهُ، وكانَ الشَّأْنُ أنْ يَكُونَ فَرْضَ عَيْنٍ إلّا لِضَرُورَةٍ فَيَنْتَقِلُ المُتَعاقِدانِ الآخَرانِ، وأمّا الأداءُ فَفَرْضُ عَيْنٍ إنْ كانَ لا مَضَرَّةَ فِيهِ عَلى الشّاهِدِ في بَدَنِهِ أوْ مالِهِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ الأداءُ فَرْضُ كِفايَةٍ إلّا إذا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ بِأنْ لا يُوجَدَ بَدَلُهُ. وإنَّما يَجِبُ بِشَرْطِ عَدالَةِ القاضِي وقُرْبِ المَكانِ بِأنْ يَرْجِعَ الشّاهِدُ إلى مَنزِلِهِ في يَوْمِهِ، وعِلْمِهِ بِأنَّهُ تُقْبَلُ شَهادَتُهُ وطَلَبِ المُدَّعِي. وفي هَذِهِ التَّعْلِيقاتِ رَدٌّ بِالشَّهادَةِ إلى مُخْتَلِفِ اجْتِهاداتِ الشُّهُودِ، وذَلِكَ بابٌ مِنَ التَّأْوِيلاتِ لا يَنْبَغِي فَتْحُهُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: يُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَجُوزُ لِلْإمامِ أنْ يُقِيمَ لِلنّاسِ شُهُودًا، ويَجْعَلَ لَهم كِفايَتَهم مِن بَيْتِ المالِ، فَلا يَكُونُ لَهم شُغْلٌ إلّا تَحَمُّلُ حُقُوقِ النّاسِ حِفْظًا لَها، قُلْتُ: وقَدْ أحْسَنَ قُضاةُ تُونُسَ المُتَقَدِّمُونَ وأُمَراؤُها، في تَعْيِينِ شُهُودٍ مُنْتَصِبِينَ لِلشَّهادَةِ بَيْنَ النّاسِ، يُؤْخَذُونَ مِمَّنْ يَقْبَلُهُمُ القُضاةُ ويَعْرِفُونَهم بِالعَدالَةِ، وكَذَلِكَ كانَ الأمْرُ في الأنْدَلُسِ، وذَلِكَ مِن حُسْنِ النَّظَرِ لِلْأُمَّةِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُتَّبَعًا في بِلادِ المَشْرِقِ، بَلْ كانُوا يَكْتَفُونَ بِشُهْرَةِ عَدالَةِ بَعْضِ الفُقَهاءِ وضَبْطِهِمْ لِلشُّرُوطِ وكَتْبِ الوَثائِقِ فَيَعْتَمِدُهُمُ القُضاةُ، ويَكِلُونَ إلَيْهِمْ ما يَجْرِي في النَّوازِلِ مِن كِتابَةِ الدَّعْوى والأحْكامِ، وكانَ مِمّا يُعَدُّ في تَرْجَمَةِ بَعْضِ العُلَماءِ أنْ يُقالَ: كانَ مَقْبُولًا عِنْدَ القاضِي فُلانٍ. صفحة ١١٤ (﴿ولا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا إلى أجَلِهِ﴾) تَعْمِيمٌ في أكْوانِ أوْ أحْوالِ الدُّيُونِ المَأْمُورِ بِكِتابَتِها، فالصَّغِيرُ والكَبِيرُ هُنا مَجازانِ في الحَقِيرِ والجَلِيلِ. والمُعامَلاتُ الصَّغِيرَةُ أكْثَرُ مِنَ الكَبِيرَةِ، فَلِذَلِكَ نُهُوا عَنِ السَّآمَةِ هُنا، والسَّآمَةُ: المَلَلُ مِن تَكْرِيرِ فِعْلٍ ما. والخِطابُ لِلْمُتَدايِنَيْنِ أصالَةً، ويَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ خِطابَ الكاتِبِ؛ لِأنَّ المُتَدايِنَيْنِ إذا دَعَواهُ لِلْكِتابَةِ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَكْتُبَ. والنَّهْيُ عَنْها نَهْيٌ عَنْ أثَرِهِ، وهو تَرْكُ الكِتابَةِ لِأنَّ السَّآمَةَ تَحْصُلُ لِلنَّفْسِ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ، فَلا يُنْهى عَنْها في ذاتِها، وقِيلَ السَّآمَةُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الكَسَلِ والتَّهاوُنِ، وانْتَصَبَ (﴿صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا﴾) عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ بِـ (﴿تَكْتُبُوهُ﴾) أوْ عَلى حَذْفِ (كانَ) مَعَ اسْمِها. وتَقْدِيمُ الصَّغِيرِ عَلى الكَبِيرِ هُنا، مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ العَكْسُ كَتَقْدِيمِ السِّنَةِ عَلى النَّوْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] لِأنَّهُ قَصَدَ هُنا إلى التَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ لِدَفْعِ ما يَطْرَأُ مِنَ التَّوَهُّماتِ في قِلَّةِ الِاعْتِناءِ بِالصَّغِيرِ، وهو أكْثَرُ، أوِ اعْتِقادِ عَدَمِ وُجُوبِ كِتابَةِ الكَبِيرِ، لَوِ اقْتُصِرَ في اللَّفْظِ عَلى الصَّغِيرِ. وجُمْلَةُ (﴿إلى أجَلِهِ﴾) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ بِـ (﴿تَكْتُبُوهُ﴾) أيْ مُغَيّى الدَّيْنِ إلى أجْلِهِ الَّذِي تَعاقَدا عَلَيْهِ، والمُرادُ التَّغْيِيَةُ في الكِتابَةِ. * * * ﴿ذَلِكم أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وأدْنى ألّا تَرْتابُوا﴾ تَصْرِيحٌ بِالعِلَّةِ لِتَشْرِيعِ الأمْرِ بِالكِتابَةِ: بِأنَّ الكِتابَةَ فِيها زِيادَةُ التَّوَثُّقِ، وهو أقْسَطُ أيْ أشَدُّ قِسْطًا، أيْ عَدْلًا، لِأنَّهُ أحْفَظُ لِلْحَقِّ وأقَوْمُ لِلشَّهادَةِ، أيْ أعْوَنُ عَلى إقامَتِها، وأقْرَبُ إلى نَفْيِ الرِّيبَةِ والشَّكِّ، فَهَذِهِ ثَلاثُ عِلَلٍ، ويُسْتَخْرَجُ مِنها أنَّ المَقْصِدَ الشَّرْعِيَّ أنْ تَكُونَ الشَّهادَةُ في الحُقُوقِ بَيِّنَةً واضِحَةً، بَعِيدَةً عَنِ الِاحْتِمالاتِ والتَّوَهُّماتِ، واسْمُ الإشارَةِ عائِدٌ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَذْكُورٌ، فَلِذَلِكَ أُشِيرَ إلَيْهِ بِاسْمِ إشارَةِ الواحِدِ. صفحة ١١٥ وفِي الآيَةِ حُجَّةٌ لِجَوازِ تَعْلِيلِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِعِلَلٍ مُتَعَدِّدَةٍ وهَذا لا يَنْبَغِي الِاخْتِلافُ فِيهِ. واشْتِقاقُ أقْسَطُ مِن: أقْسَطَ، بِمَعْنى: عَدَلَ، وهو رُباعِيٌّ، ولَيْسَ مِن: قَسَطَ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى جارَ، وكَذا اشْتِقاقُ ”أقْوَمَ“ مِن أقامَ الشَّهادَةَ: إذا أظْهَرَها. جارٍ عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ بِجَوازِ صَوْغِ التَّفْضِيلِ والتَّعَجُّبِ مِنَ الرُّباعِيِّ المَهْمُوزِ، سَواءٌ كانَتِ الهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ نَحْوَ أعْطى، أمْ لِغَيْرِ التَّعْدِيَةِ نَحْوَ أفْرَطَ، وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ أنْ يَكُونَ ”أقْسَطُ“ مُشْتَقًّا مِن قاسِطٍ بِمَعْنى ذِي قِسْطٍ أيْ صِيغَةِ نَسَبٍ، وهو مُشْكِلٌ؛ إذْ لَيْسَ لِهَذِهِ الزِّنَةِ فِعْلٌ، واسْتُشْكِلَ أيْضًا بِأنَّ صَوْغَهُ مِنَ الجامِدِ أشَدُّ مِن صَوْغِهِ مِنَ الرُّباعِيِّ، والجَوابُ عِنْدِي أنَّ النَّسَبَ هُنا لَمّا كانَ إلى المَصْدَرِ شابَهَ المُشْتَقَّ؛ إذِ المَصْدَرُ أصْلُ الِاشْتِقاقِ، وأنْ يَكُونَ (أقْوَمُ) مُشْتَقًّا مِن: قامَ، الَّذِي هو مُحَوَّلٌ إلى وزْنِ فَعُلَ - بِضَمِّ العَيْنِ - الدّالِّ عَلى السَّجِيَّةِ الَّذِي يَجِيءُ مِنهُ (قَوِيمٌ) صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ. * * * ﴿إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةٌ حاضِرَةٌ تُدِيرُونَها بَيْنَكم فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ألّا تَكْتُبُوها﴾ اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ الأحْوالِ أوِ الأكْوانِ في قَوْلِهِ (صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا) وهو اسْتِثْناءٌ قِيلَ: مُنْقَطِعٌ، لِأنَّ التِّجارَةَ الحاضِرَةَ لَيْسَتْ مِنَ الدَّيْنِ في شَيْءٍ، والتَّقْدِيرُ: إلّا كَوْنَ تِجارَةٍ حاضِرَةٍ. والحاضِرَةُ: النّاجِزَةُ، الَّتِي لا تَأْخِيرَ فِيها، إذِ الحاضِرُ والعاجِلُ والنّاجِزُ، مُتَرادِفَةٌ، والدَّيْنُ والأجْلُ والنَّسِيئَةُ مُتَرادِفَةٌ. وقَوْلُهُ: تُدِيرُونَها بَيْنَكم بَيانٌ لِجُمْلَةِ أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً بَلِ البَيانُ في مِثْلِ هَذا أقْرَبُ مِنهُ في قَوْلِ الشّاعِرِ مِمّا أنْشَدَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ في نَوادِرِهِ، وقالَ العَيْنِيُّ: يُنْسَبُ إلى الفَرَزْدَقِ: إلى اللَّهِ أشْكُو بِالمَدِينَةِ حاجَةً وبِالشّامِ أُخْرى كَيْفَ يَلْتَقِيانِ صفحة ١١٦ إذْ جَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ ”كَيْفَ يَلْتَقِيانِ“ بَيانًا لِـ (حاجَةٍ وأُخْرى) أوْ تَجْعَلُ ”تُدِيرُونَها“ صِفَةً ثانِيَةً لِـ (تِجارَةً) في مَعْنى البَيانِ، ولَعَلَّ فائِدَةَ ذِكْرِهِ: الإيماءُ إلى تَعْلِيلِ الرُّخْصَةِ في تَرْكِ الكِتابَةِ، لِأنَّ إدارَتَها أغْنَتْ عَنِ الكِتابَةِ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، والمُرادُ بِالتِّجارَةِ الحاضِرَةِ: المُؤَجَّلَةُ إلى أجَلٍ قَرِيبٍ، فَهي مِن جُمْلَةِ الدُّيُونِ، رَخَّصَ فِيها تَرْكَ الكِتابَةِ بِها، وهَذا بَعِيدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ألّا تَكْتُبُوها﴾ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ الِاسْتِثْناءِ، مَعَ ما في زِيادَةِ قَوْلِهِ (جُناحٌ) مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ هَذا الحُكْمَ رُخْصَةٌ، لِأنَّ رَفْعَ الجُناحِ مُؤْذِنٌ بِأنَّ الكِتابَةَ أوْلى وأحْسَنُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”تِجارَةٌ“ بِالرَّفْعِ: عَلى أنَّ ”تَكُونَ“ تامَّةٌ، وقَرَأهُ عاصِمٌ بِالنَّصْبِ: عَلى أنَّ ”تَكُونَ“ ناقِصَةٌ، وأنَّ في فِعْلِ ”تَكُونَ“ ضَمِيرًا مُسْتَتِرًا عائِدًا عَلى ما يُفِيدُهُ خَبَرُ كانَ، أيْ إلّا أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ تِجارَةً حاضِرَةً، كَما في قَوْلِ عَمْرِو بْنِ شاسٍ - أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ -: بَنِي أسَدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بَلاءَنا ∗∗∗ إذا كانَ يَوْمًا ذا كَواكِبَ أشْنَعا تَقْدِيرُهُ: إذا كانَ اليَوْمُ يَوْمًا ذا كَواكِبَ. وقَوْلُهُ: ”إلّا“ أصْلُهُ إنْ لا، فَرُسِمَ مُدْغَمًا. * * * ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ تَشْرِيعٌ لِلْإشْهادِ عِنْدَ البَيْعِ ولَوْ بِغَيْرِ دَيْنٍ إذا كانَ البَيْعُ غَيْرَ تِجارَةٍ حاضِرَةٍ، وهَذا إكْمالٌ لِصُوَرِ المُعامَلَةِ، فَإنَّها إمّا تَدايُنٌ، أوْ آيِلٌ إلَيْهِ كالبَيْعِ بِدَيْنٍ، وإمّا تَناجُزٌ في تِجارَةٍ وإمّا تَناجُزٌ في غَيْرِ تِجارَةٍ كَبَيْعِ العَقارِ والعُرُوضِ في غَيْرِ التَّجْرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِـ (تَبايَعْتُمْ) التِّجارَةُ، فَتَكُونُ الرُّخْصَةُ في تَرْكِ الكِتابَةِ مَعَ بَقاءِ الإشْهادِ بِدُونِ كِتابَةٍ، وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا، لِأنَّ الكِتابَةَ ما شُرِعَتْ إلّا لِأجْلِ الإشْهادِ والتَّوَثُّقِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ”وأشْهِدُوا“ أمْرٌ: قِيلَ هو لِلْوُجُوبِ، وهَذا قَوْلُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وابْنِ عُمَرَ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ، صفحة ١١٧ وعَطاءٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، والنَّخَعِيِّ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وداوُدَ الظّاهِرِيِّ، والطَّبَرِيِّ، وقَدْ أشْهَدَ النَّبِيءُ ﷺ عَلى بَيْعِ عَبْدٍ باعَهُ لِلْعَدّاءِ بْنِ خالِدِ بْنِ هَوْذَةَ وكَتَبَ في ذَلِكَ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذا ما اشْتَرى العَدّاءُ بْنُ خالِدِ بْنِ هَوْذَةَ مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ اشْتَرى مِنهُ عَبْدًا لا داءَ ولا غائِلَةَ ولا خِبْثَةَ، بَيْعَ المُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ»، وقِيلَ: هو لِلنَّدْبِ وذَهَبَ إلَيْهِ مِنَ السَّلَفِ الحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، وتَمَسَّكُوا بِالسُّنَّةِ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ باعَ ولَمْ يُشْهِدْ»، قالَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ، وجَوابُهُ: أنَّ ذَلِكَ في مَواضِعِ الِائْتِمانِ وسَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا الآيَةَ وقَدْ تَقَدَّمَ ما لِابْنِ عَطِيَّةَ في تَوْجِيهِ عَدَمِ الوُجُوبِ ورَدُّنا لَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿فاكْتُبُوهُ﴾“ . * * * ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ وإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ . نَهْيٌ عَنِ المُضارَّةِ وهي تَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الكاتِبُ والشَّهِيدُ مَصْدَرًا لِلْإضْرارِ، أوْ أنْ يَكُونَ المَكْتُوبُ لَهُ والمَشْهُودُ لَهُ مَصْدَرًا لِلْإضْرارِ، لِأنَّ ”يُضارَّ“ يَحْتَمِلُ البِناءَ لِلْمَعْلُومِ ولِلْمَجْهُولِ، ولَعَلَّ اخْتِيارَ هَذِهِ المادَّةِ هُنا مَقْصُودٌ، لِاحْتِمالِها حُكْمَيْنِ، لِيَكُونَ الكَلامُ مُوَجَّهًا فَيُحْمَلُ عَلى كِلا مَعْنَيَيْهِ لِعَدَمِ تَنافِيهِما، وهَذا مِن وجْهِ الإعْجازِ. والمُضارَّةُ: إدْخالُ الضَّرَرِ بِأنْ يُوقِعَ المُتَعاقِدانِ الشّاهِدَيْنِ والكاتِبَ في الحَرَجِ والخَسارَةِ، أوْ ما يَجُرُّ إلى الشَّهادَةِ، وقَدْ أخَذَ فُقَهاؤُنا مِن هاتِهِ الآيَةِ أحْكامًا كَثِيرَةً تَتَفَرَّعُ عَنِ الإضْرارِ، مِنها رُكُوبُ الشّاهِدِ مِنَ المَسافَةِ البَعِيدَةِ، ومِنها تَرْكُ اسْتِفْسارِهِ بَعْدَ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي هي مَظِنَّةُ النِّسْيانِ، ومِنها اسْتِفْسارُهُ اسْتِفْسارًا يُوقِعُهُ في الِاضْطِرابِ، ويُؤْخَذُ مِنها أنَّهُ يَنْبَغِي لِوُلاةِ الأُمُورِ جَعْلُ جانِبٍ مِن مالِ بَيْتِ المالِ لِدَفْعِ مَصارِيفِ انْتِقالِ الشُّهُودِ وإقامَتِهِمْ في غَيْرِ بَلَدِهِمْ وتَعْوِيضِ ما سَيَنالُهم مِن ذَلِكَ الِانْتِقالِ مِنَ الخَسائِرِ المالِيَّةِ في إضاعَةِ عائِلاتِهِمْ، إعانَةً عَلى إقامَةِ العَدْلِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ والسَّعَةِ. صفحة ١١٨ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ حُذِفَ مَفْعُولُ ”تَفْعَلُوا“ وهو مَعْلُومٌ لِأنَّهُ الإضْرارُ المُسْتَفادُ مِن ”لا يُضارَّ“ مِثْلُ ”اعْدِلُوا هو أقْرَبُ“ والفُسُوقُ الإثْمُ العَظِيمُ قالَ تَعالى: بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ. * * * ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . أمَرَ بِالتَّقْوى لِأنَّها مِلاكُ الخَيْرِ، وبِها يَكُونُ تَرْكُ الفُسُوقِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ الإسْلامِ الَّذِي أخْرَجَهم مِنَ الجَهالَةِ إلى العِلْمِ بِالشَّرِيعَةِ، ونِظامِ العالَمِ، وهو أكْبَرُ العُلُومِ وأنْفَعُها، ووَعْدٌ بِدَوامِ ذَلِكَ لِأنَّهُ جِيءَ فِيهِ بِالمُضارِعِ، وفي عَطْفِهِ عَلى الأمْرِ بِالتَّقْوى إيماءٌ إلى أنَّ التَّقْوى سَبَبُ إفاضَةِ العُلُومِ، حَتّى قِيلَ: إنَّ الواوَ فِيهِ لِلتَّعْلِيلِ أيْ: لِيُعَلِّمَكم، وجَعَلَهُ بَعْضُهم مِن مَعانِي الواوِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ. وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في الجُمَلِ الثَّلاثِ لِقَصْدِ التَّنْوِيهِ بِكُلِّ جُمْلَةٍ مِنها حَتّى تَكُونَ مُسْتَقِلَّةَ الدَّلالَةِ، غَيْرَ مُحْتاجَةٍ إلى غَيْرِهِ المُشْتَمِلِ عَلى مَعادِ ضَمِيرِها، حَتّى إذا سَمِعَ السّامِعُ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها حَصَلَ لَهُ عِلْمٌ مُسْتَقِلٌّ، وقَدْ لا يَسْمَعُ إحْداها فَلا يَضُرُّهُ ذَلِكَ في فَهْمِ أُخْراها، ونَظِيرُ هَذا الإظْهارِ قَوْلُ الحَماسِيِّ: اللُّؤْمُ أكْرَمُ مِن وبْرٍ ووالِدِهِ واللُّؤْمُ أكْرَمُ مِن وبْرٍ وما ولَدا واللُّؤْمُ داءٌ لِوَبْرٍ يُقْتَلُونَ بِهِ ∗∗∗ لا يُقْتَلُونَ بِداءٍ غَيْرِهِ أبَدًا فَإنَّهُ لَمّا قَصَدَ التَّشْنِيعَ بِالقَبِيلَةِ ومَن ولَدَها، وما ولَدَتْهُ، أظْهَرَ اللُّؤْمَ في الجُمَلِ الثَّلاثِ ولَمّا كانَتِ الجُمْلَةُ الرّابِعَةُ كالتَّأْكِيدِ لِلثّالِثَةِ لَمْ يُظْهِرِ اسْمَ اللُّؤْمِ بِها، هَذا، ولِإظْهارِ اسْمِ الجَلالَةِ نُكْتَةٌ أُخْرى، وهي التَّهْوِيلُ، ولِلتَّكْرِيرِ مَواقِعُ يَحْسُنُ فِيها، ومَواقِعُ لا يَحْسُنُ فِيها، قالَ الشَّيْخُ في دَلائِلِ الإعْجازِ، في الخاتِمَةِ الَّتِي ذَكَرَ فِيها أنَّ الذَّوْقَ قَدْ يُدْرِكُ أشْياءَ لا يُهْتَدى لِأسْبابِها، وأنَّ بَعْضَ الأئِمَّةِ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ الخَطَأُ في التَّأْوِيلِ: ومِن ذَلِكَ صفحة ١١٩ ما حُكِيَ عَنِ الصّاحِبِ أنَّهُ قالَ: كانَ الأُسْتاذُ ابْنُ العَمِيدِ يَخْتارُ مِن شِعْرِ ابْنِ الرُّومِيِّ ويُنَقِّطُ عَلى ما يَخْتارُهُ، قالَ الصّاحِبُ فَدَفَعَ إلَيَّ القَصِيدَةَ الَّتِي أوَّلُها: أتَحْتَ ضُلُوعِي جَمْرَةٌ تَتَوَقَّدُ ∗∗∗ عَلى ما مَضى أمْ حَسْرَةٌ تَتَجَدَّدُ وقالَ لِي تَأمَّلْها، فَتَأمَّلْتُها فَوَجَدْتُهُ قَدْ تَرَكَ خَيْرَ بَيْتٍ لَمْ يُنَقِّطْ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: بِجَهْلٍ كَجَهْلِ السَّيْفِ والسَّيْفُ مُنْتَضًى ∗∗∗ وحِلْمٍ كَحِلْمِ السَّيْفِ والسَّيْفُ مُغْمَدُ فَقُلْتُ: لِمَ تَرَكَ الأُسْتاذُ هَذا البَيْتَ ؟ فَقالَ: لَعَلَّ القَلَمَ تَجاوَزَهُ، ثُمَّ رَآنِي مِن بَعْدُ فاعْتَذَرَ بِعُذْرٍ كانَ شَرًّا مِن تَرْكِهِ، فَقالَ: إنَّما تَرَكْتُهُ لِأنَّهُ أعادَ السَّيْفَ أرْبَعَ مَرّاتٍ، قالَ الصّاحِبُ: لَوْ لَمْ يُعِدْهُ لَفَسَدَ البَيْتُ، قالَ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ: والأمْرُ كَما قالَ الصّاحِبُ. ثُمَّ قالَ: قالَهُ أبُو يَعْقُوبَ: إنَّ الكِنايَةَ والتَّعْرِيضَ لا يَعْمَلانِ في العُقُولِ عَمَلَ الإفْصاحِ والتَّكْشِيفِ؛ لِأجْلِ ذَلِكَ كانَ لِإعادَةِ اللَّفْظِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١] عَمَلٌ لَوْلاهُ لَمْ يَكُنْ. وقالَ الرّاغِبُ: قَدِ اسْتَكْرَهُوا التَّكْرِيرَ في قَوْلِهِ: فَما لِلنَّوى جُذَّ النَّوى قُطِعَ النَّوى حَتّى قِيلَ: لَوْ سُلِّطَ بَعِيرٌ عَلى هَذا البَيْتِ لَرَعى ما فِيهِ مِنَ النَّوى، ثُمَّ قالَ: إنَّ التَّكْرِيرَ المُسْتَحْسَنَ هو تَكْرِيرٌ يَقَعُ عَلى طَرِيقِ التَّعْظِيمِ، أوِ التَّحْقِيرِ، في جُمَلٍ مُتَوالِياتٍ، كُلُّ جُمْلَةٍ مِنها مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها، والمُسْتَقْبَحُ هو أنْ يَكُونَ التَّكْرِيرُ في جُمْلَةٍ واحِدَةٍ أوْ في جُمَلٍ في مَعْنًى، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْنى التَّعْظِيمِ والتَّحْقِيرِ، فالرّاغِبُ مُوافِقٌ لِلْأُسْتاذِ ابْنِ العَمِيدِ، وعَبْدُ القاهِرِ مُوافِقٌ لِلصّاحِبِ بْنِ عَبّادٍ، قالَ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الحَماسَةِ عِنْدَ قَوْلِ يَحْيى بْنِ زِيادٍ: لَمّا رَأيْتُ الشَّيْبَ لاحَ بَياضُهُ ∗∗∗ بِمَفْرِقِ رَأْسِي قُلْتُ لِلشَّيْبِ مَرْحَبًا كانَ الواجِبُ أنْ يَقُولَ: قُلْتُ لَهُ مَرْحَبًا. لَكِنَّهم يُكَرِّرُونَ الأعْلامَ وأسْماءَ الأجْناسِ كَثِيرًا والقَصْدُ بِالتَّكْرِيرِ التَّفْخِيمُ. صفحة ١٢٠ واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ التَّكْرِيرُ بِمَقْصُورٍ عَلى التَّعْظِيمِ بَلْ مَقامُهُ كُلُّ مَقامٍ يُرادُ مِنهُ تَسْجِيلُ انْتِسابِ الفِعْلِ إلى صاحِبِ الِاسْمِ المُكَرَّرِ، كَما تَقَدَّمَ في بَيْتَيِ الحَماسَةِ: اللُّؤْمُ أكْرَمُ مِن وبْرٍ . . . إلخ. وقَدْ وقَعَ التَّكْرِيرُ مُتَعاقِبًا في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ﴿وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨] .

البقرة 2:283

﴿وإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ . هَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآيَةَ، فَجَمِيعُ ما تَقَدَّمَ حُكْمٌ في الحَضَرِ والمُكْنَةِ، فَإنْ كانُوا عَلى سَفَرٍ ولَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الكِتابَةِ لِعَدَمِ وُجُودِ مَن يَكْتُبُ ويَشْهَدُ، فَقَدْ شُرِعَ لَهم حُكْمٌ آخَرُ وهو الرَّهْنُ، وهَذا آخِرُ الأقْسامِ المُتَوَقَّعَةِ في صُوَرِ المُعامَلَةِ، وهي حالَةُ السَّفَرِ غالِبًا، ويُلْحَقُ بِها ما يُماثِلُ السَّفَرَ في هاتِهِ الحالَةِ. والرِّهانُ جَمْعُ رَهْنٍ، ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى رُهُنٍ بِضَمِّ الرّاءِ وضَمِّ الهاءِ. وقَدْ قَرَأهُ جُمْهُورُ العَشَرَةِ بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِ الهاءِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِضَمِّ الرّاءِ وضَمِّ الهاءِ، وجَمْعُهُ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ المُخاطَبِينَ بِهَذا الحُكْمِ. والرَّهْنُ هُنا اسْمٌ لِلشَّيْءِ المَرْهُونِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ كالخَلْقِ، ومَعْنى الرَّهْنِ: أنْ يُجْعَلَ شَيْءٌ مِن مَتاعِ المَدِينِ بِيَدِ الدّائِنِ تَوْثِقَةً لَهُ في دَيْنِهِ، وأصْلُ الرَّهْنِ في كَلامِ العَرَبِ يَدُلُّ عَلى الحَبْسِ قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] فالمَرْهُونُ مَحْبُوسٌ بِيَدِ الدّائِنِ إلى أنْ يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ. قالَ زُهَيْرٌ: وفارَقَتْكَ بِرَهْنٍ لا فَكاكَ لَهُ يَوْمَ الوَداعِ فَأمْسى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقا والرَّهْنُ شائِعٌ عِنْدَ العَرَبِ؛ فَقَدْ كانُوا يَرْهَنُونَ في الحِمالاتِ والدِّياتِ إلى أنْ يَقَعَ دَفْعُها، فَرُبَّما رَهَنُوا أبْناءَهم، ورُبَّما رَهَنُوا واحِدًا مِن صَنادِيدِهِمْ، قالَ الأعْشى يَذْكُرُ أنَّ كِسْرى رامَ أخْذَ رَهائِنَ مِن أبْنائِهِمْ: آلَيْتُ لا أُعْطِيهِ مِن أبْنائِنا ∗∗∗ رُهُنًا فَنُفْسِدَهم كَمَن قَدْ أفْسَدا صفحة ١٢١ وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَمّامٍ السَّلُولِيُّ: فَلَمّا خَشِيتُ أظافِيرَهم ∗∗∗ نَجَوْتُ وأرْهَنْتُهم مالِكًا ومِن حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ أنَّهُ قالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أرْهِنُونِي أبْناءَكم. ومَعْنى (فَرِهانٌ): أيْ فَرِهانٌ تُعَوَّضُ بِها الكِتابَةُ، ووَصْفُها بِمَقْبُوضَةٍ إمّا لِمُجَرَّدِ الكَشْفِ؛ لِأنَّ الرِّهانَ لا تَكُونُ إلّا مَقْبُوضَةً، وإمّا لِلِاحْتِرازِ عَنِ الرَّهْنِ لِلتَّوْثِقَةِ في الدُّيُونِ في الحَضَرِ. فَيُؤْخَذُ مِنَ الإذْنِ في الرَّهْنِ أنَّهُ مُباحٌ. فَلِذَلِكَ إذا سَألَهُ رَبُّ الدَّيْنِ أُجِيبَ إلَيْهِ، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الرَّهْنَ تَوْثِقَةٌ في الدَّيْنِ. والآيَةُ دالَّةٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الرَّهْنِ في السَّفَرِ بِصَرِيحِها، وأمّا مَشْرُوعِيَّةُ الرَّهْنِ في الحَضَرِ فَلِأنَّ تَعْلِيقَهُ هُنا عَلى حالِ السَّفَرِ لَيْسَ تَعْلِيقًا بِمَعْنى التَّقْيِيدِ بَلْ هو تَعْلِيقٌ بِمَعْنى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، إذا لَمْ يُوجَدِ الشّاهِدُ في السَّفَرِ، فَلا مَفْهُومَ لِلشَّرْطِ لِوُرُودِهِ مَوْرِدَ بَيانِ حالٍ خاصَّةٍ لا لِلِاحْتِرازِ، ولا تُعْتَبَرُ مَفاهِيمُ القُيُودِ إلّا إذا سِيقَتْ مَساقَ الِاحْتِرازِ، ولِذا لَمْ يَعْتَدُّوا بِها إذا خَرَجَتْ مَخْرَجَ الغالِبِ، ولا مَفْهُومَ لَهُ في الِانْتِقالِ عَنِ الشَّهادَةِ أيْضًا، إذْ قَدْ عُلِمَ مِنَ الآيَةِ أنَّ الرَّهْنَ مُعامَلَةٌ مَعْلُومَةٌ لَهم، فَلِذَلِكَ أُحِيلُوا عَلَيْها عِنْدَ الضَّرُورَةِ عَلى مَعْنى الإرْشادِ والتَّنْبِيهِ. وقَدْ أخَذَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وداوُدُ الظّاهِرِيُّ، بِظاهِرِ الآيَةِ مِن تَقْيِيدِ الرَّهْنِ بِحالِ السَّفَرِ، مَعَ أنَّ السُّنَّةَ أثْبَتَتْ وُقُوعَ الرَّهْنِ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ ومِنَ الصَّحابَةِ في الحَضَرِ. والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ القَبْضَ مِن مُتَمِّماتِ الرَّهْنِ شَرْعًا، ولَمْ يَخْتَلِفِ العُلَماءُ في ذَلِكَ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في الأحْكامِ النّاشِئَةِ عَنْ تَرْكِ القَبْضِ، فَقالَ الشّافِعِيُّ: القَبْضُ شَرْطٌ في صِحَّةِ الرَّهْنِ لِظاهِرِ الآيَةِ، فَلَوْ لَمْ يُقارِنْ عُقْدَةَ الرَّهْنِ قَبْضٌ فَسَدَتِ العُقْدَةُ عِنْدَهُ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ، صاحِبُ أبِي حَنِيفَةَ: لا يَجُوزُ الرَّهْنُ بِدُونِ قَبْضٍ، وتَرَدَّدَ المُتَأخِّرُونَ مِنَ الحَنَفِيَّةِ في مُفادِ هَذِهِ العِبارَةِ، فَقالَ جَماعَةٌ: هو عِنْدَهُ شَرْطٌ في الصِّحَّةِ كَقَوْلِ صفحة ١٢٢ الشّافِعِيِّ، وقالَ جَماعَةٌ: هو شَرْطٌ في اللُّزُومِ قَرِيبًا مِن قَوْلِ مالِكٍ، واتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ لِلرّاهِنِ أنْ يَرْجِعَ بَعْدَ عَقْدِ الرَّهْنِ إذا لَمْ يَقَعِ الحَوْزُ، وذَهَبَ مالِكٌ إلى أنَّ القَبْضَ شَرْطٌ في اللُّزُومِ، لِأنَّ الرَّهْنَ عَقْدٌ يَثْبُتُ بِالصِّيغَةِ كالبَيْعِ، والقَبْضُ مِن لَوازِمِهِ، فَلِذَلِكَ يُجْبَرُ الرّاهِنُ عَلى تَحْوِيزِ المُرْتَهَنِ إلّا أنَّهُ إذا ماتَ الرّاهِنُ أوْ أفْلَسَ قَبْلَ التَّحْوِيزِ كانَ المُرْتَهِنُ أُسْوَةَ الغُرَماءِ؛ إذْ لَيْسَ لَهُ ما يُؤْثِرُهُ عَلى بَقِيَّةِ الغُرَماءِ، والآيَةُ تَشْهَدُ لِهَذا لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ القَبْضَ وصْفًا لِلرَّهْنِ، فَعُلِمَ أنَّ ماهِيَّةَ الرَّهْنِ قَدْ تَحَقَّقَتْ بِدُونِ القَبْضِ، وأهْلُ تُونُسَ يَكْتَفُونَ في رَهْنِ الرِّباعِ والعَقارِ بِرَهْنِ رُسُومِ التَّمَلُّكِ، ويَعُدُّونَ ذَلِكَ في رَهْنِ الدَّيْنِ حَوْزًا. وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى بُطْلانِ الِانْتِفاعِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الرَّهْنَ عِوَضًا عَنِ الشَّهادَةِ في التَّوْثِيقِ فَلا وجْهَ لِلِانْتِفاعِ، واشْتِراطُ الِانْتِفاعِ بِالرَّهْنِ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ تَوَثُّقًا إلى ماهِيَةِ البَيْعِ. * * * ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ . مُتَفَرِّعٌ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن أحْكامِ الدَّيْنِ: أيْ إنْ أمِنَ كُلٌّ مِنَ المُتَدايِنَيْنِ الآخَرَ، أيْ: وثِقَ بَعْضُكم بِأمانَةِ بَعْضٍ فَلَمْ يُطالِبْهُ بِإشْهادٍ ولا رَهْنٍ، فالبَعْضُ المَرْفُوعُ هو الدّائِنُ، والبَعْضُ المَنصُوبُ هو المَدِينُ وهو الَّذِي اؤْتُمِنَ. والأمانَةُ مَصْدَرُ آمَنَهُ: إذا جَعَلَهُ آمِنًا، والأمْنُ اطْمِئْنانُ النَّفْسِ وسَلامَتُها مِمّا تَخافُهُ، وأُطْلِقَتِ الأمانَةُ عَلى الشَّيْءِ المُؤَمَّنِ عَلَيْهِ، مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ، وإضافَةُ (أمانَتِهِ) تُشْبِهُ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، وسَيَجِيءُ ذِكْرُ الأمانَةِ بِمَعْنى صِفَةِ الأمِينِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ [الأعراف: ٦٨] في سُورَةِ الأعْرافِ. وقَدْ أُطْلِقَ هُنا اسْمُ الأمانَةِ عَلى الدَّيْنِ في الذِّمَّةِ وعَلى الرَّهْنِ لِتَعْظِيمِ ذَلِكَ الحَقِّ لِأنَّ اسْمَ الأماناتِ لَهُ مَهابَةٌ في النُّفُوسِ، فَذَلِكَ تَحْذِيرٌ مِن عَدَمِ الوَفاءِ بِهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا سُمِّيَ أمانَةً فَعَدَمُ أدائِهِ يَنْعَكِسُ خِيانَةً؛ لِأنَّها ضِدُّها، وفي الحَدِيثِ: «أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ ولا تَخُنْ مَن خانَكَ» . صفحة ١٢٣ والأداءُ: الدَّفْعُ والتَّوْفِيَةُ، ورَدُّ الشَّيْءِ أوْ رَدُّ مِثْلِهِ فِيما لا تُقْصَدُ أعْيانُهُ، ومِنهُ أداءُ الأمانَةِ وأداءُ الدَّيْنِ أيْ عَدَمُ جَحْدِهِ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النساء: ٥٨] والمَعْنى: إذا ظَنَنْتُمْ أنَّكم في غُنْيَةٍ عَنِ التَّوَثُّقِ في دُيُونِكم بِأنَّكم أُمَناءُ عِنْدَ بَعْضِكم، فَأعْطُوا الأمانَةَ حَقَّها. وقَدْ عَلِمْتَ مِمّا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (فاكْتُبُوهُ) أنَّ آيَةَ ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ تُعْتَبَرُ تَكْمِيلًا لِطَلَبِ الكِتابَةِ، والإشْهادِ طَلَبَ نَدْبٍ واسْتِحْبابٍ عِنْدَ الَّذِينَ حَمَلُوا الأمْرَ في قَوْلِهِ تَعالى ”فاكْتُبُوهُ“ عَلى مَعْنى النَّدْبِ والِاسْتِحْبابِ، وهُمُ الجُمْهُورُ، ومَعْنى كَوْنِهِ تَكْمِيلًا لِذَلِكَ الطَّلَبِ أنَّها بَيَّنَتْ أنَّ الكِتابَةَ والإشْهادَ بَيْنَ المُتَدايِنَيْنِ، مَقْصُودٌ بِها حُسْنُ التَّعامُلِ بَيْنَهُما، فَإنْ بَدا لَهُما أنْ يَأْخُذا بِهِما فَنَعِمّا، وإنِ اكْتَفَيا بِما يَعْلَمانِهِ مِن أمانٍ بَيْنَهُما فَلَهُما تَرْكُهُما. وأُتْبِعَ هَذا البَيانُ بِوِصايَةِ كِلا المُتَعامِلَيْنِ بِأنْ يُؤَدِّيا الأمانَةَ ويَتَّقِيا اللَّهَ. وتَقَدَّمَ أيْضًا أنَّ الَّذِينَ قالُوا بِأنَّ الكِتابَةَ والإشْهادَ عَلى الدُّيُونِ كانَ واجِبًا ثُمَّ نُسِخَ وُجُوبُهُ، ادَّعَوْا أنَّ ناسِخَهُ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ الآيَةَ، وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، والرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمانَ، ونُسِبَ إلى أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ. ومَحْمَلُ قَوْلِهِمْ وقَوْلِ أبِي سَعِيدٍ - إنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُ - أنَّهم عَنَوْا بِالنَّسْخِ تَخْصِيصَ عُمُومِ الأحْوالِ والأزْمِنَةِ، وتَسْمِيَةَ مِثْلِ ذَلِكَ نَسْخًا تَسْمِيَةٌ قَدِيمَةٌ. أمّا الَّذِينَ يَرَوْنَ وُجُوبَ الكِتابَةِ والإشْهادِ بِالدُّيُونِ حُكْمًا مُحْكَمًا، ومِنهُمُ الطَّبَرِيُّ فَقَصَرُوا آيَةَ ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ الآيَةَ. عَلى كَوْنِها تَكْمِلَةً لِصُورَةِ الرَّهْنِ في السَّفَرِ خاصَّةً، كَما صَرَّحَ بِهِ الطَّبَرِيُّ ولَمْ يَأْتِ بِكَلامٍ واضِحٍ في ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ جَمْجَمَ الكَلامَ وطَواهُ. ولَوْ أنَّهم قالُوا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَعْنِي حالَةَ تَعَذُّرِ وُجُودِ الرَّهْنِ في حالَةِ السَّفَرِ، أيْ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَأْمَنَ بَعْضُكم بَعْضًا فالتَّقْدِيرُ: فَإنْ لَمْ تَجِدُوا رَهْنًا وأمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا إلى صفحة ١٢٤ آخِرِهِ - لَكانَ لَهُ وجْهٌ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ إنْ لَمْ يَأْمَنهُ لا يُدايِنُهُ، ولَكِنْ طُوِيَ هَذا تَرْغِيبًا لِلنّاسِ في المُواساةِ والِاتِّسامِ بِالأمانَةِ، وهَؤُلاءِ الفِرَقُ الثَّلاثَةُ كُلُّهم يَجْعَلُونَ هَذِهِ الآيَةَ مَقْصُورَةً عَلى بَيانِ حالَةِ تَرْكِ التَّوْثِيقِ في الدُّيُونِ. وأظْهَرُ مِمّا قالُوهُ عِنْدِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَشْرِيعٌ مُسْتَقِلٌّ يَعُمُّ جَمِيعَ الأحْوالِ المُتَعَلِّقَةِ بِالدُّيُونِ مِن إشْهادٍ ورَهْنٍ ووَفاءٍ بِالدَّيْنِ، والمُتَعَلِّقَةِ بِالتَّبايُعِ، ولِهَذِهِ النُّكْتَةِ أُبْهِمَ المُؤْتَمَنُونَ بِكَلِمَةِ ”بَعْضٍ“ لِيَشْمَلَ الِائْتِمانَ مِن كِلا الجانِبَيْنِ: الَّذِي مِن قِبَلِ رَبِّ الدَّيْنِ والَّذِي مِن قِبَلِ المَدِينِ. فَرَبُّ الدَّيْنِ يَأْتَمِنُ المَدِينَ إذا لَمْ يَرَ حاجَةً إلى الإشْهادِ، ولَمْ يُطالِبْهُ بِإعْطاءِ الرَّهْنِ في السَّفَرِ ولا في الحَضَرِ. والمَدِينُ يَأْتَمِنُ الدّائِنَ إذا سَلَّمَ لَهُ رَهْنًا أغْلى ثَمَنًا بِكَثِيرٍ مِن قِيمَةِ الدَّيْنِ المُرْتَهَنِ فِيهِ، والغالِبُ أنَّ الرِّهانَ تَكُونُ أوْفَرَ قِيمَةً مِنَ الدُّيُونِ الَّتِي أُرْهِنَتْ لِأجْلِها، فَأمَرَ كُلَّ جانِبٍ مُؤْتَمَنٍ أنْ يُؤَدِّيَ أمانَتَهُ، فَأداءُ المَدِينِ أمانَتَهُ بِدَفْعِ الدَّيْنِ دُونَ مَطْلٍ ولا جُحُودٍ، وأداءُ الدّائِنِ أمانَتَهُ إذا أُعْطِيَ رَهْنًا مُتَجاوِزَ القِيمَةِ عَلى الدَّيْنِ أنْ يَرُدَّ الرَّهْنَ ولا يَجْحَدَهُ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِالدَّيْنِ؛ لِأنَّ الرَّهْنَ أوْفَرُ مِنهُ ولا يُنْقِصَ شَيْئًا مِنَ الرَّهْنِ. ولَفْظُ الأمانَةِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنَيَيْنِ: مَعْنى الصِّفَةِ الَّتِي يَتَّصِفُ بِها الأمِينُ، ومَعْنى الشَّيْءِ المُؤَمَّنِ. فَيُؤْخَذُ مِن هَذا التَّفْسِيرِ إبْطالُ غَلْقِ الرَّهْنِ: وهو أنْ يَصِيرَ الشَّيْءُ المَرْهُونُ مِلْكًا لِرَبِّ الدَّيْنِ، إذا لَمْ يُدْفَعِ الدَّيْنُ عِنْدَ الأجَلِ، قالَ النَّبِيءُ ﷺ «لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ» وقَدْ كانَ غَلْقُ الرَّهْنِ مِن أعْمالِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، قالَ زُهَيْرٌ: وفارَقَتْكَ بِرَهْنٍ لا فَكاكَ لَهُ عِنْدَ الوَداعِ فَأمْسى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقا ومَعْنى: ﴿أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ أنْ يَقُولَ كِلا المُتَعامِلَيْنِ لِلْآخَرِ: لا حاجَةَ لَنا بِالإشْهادِ ونَحْنُ يَأْمَنُ بَعْضُنا بَعْضًا، وذَلِكَ كَيْ لا يَنْتَقِضَ المَقْصِدُ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَضى مِن دَفْعِ مَظِنَّةِ اتِّهامِ أحَدِ المُتَدايِنَيْنِ الآخَرَ. صفحة ١٢٥ وزِيدَ في التَّحْذِيرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ وذِكْرُ اسْمِ الجَلالَةِ فِيهِ مَعَ إمْكانِ الِاسْتِغْناءِ بِقَوْلِهِ: ولْيَتَقِّ رَبَّهُ، لِإدْخالِ الرَّوْعِ في ضَمِيرِ السّامِعِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ وقَعَ فِيهِ ياءٌ هي المَدَّةُ في آخِرِ (الَّذِي) ووَقَعَ بَعْدَهُ هَمْزَتانِ أُولاهُما وصَلْيَةٌ وهي هَمْزَةُ الِافْتِعالِ، والثّانِيَةُ قَطْعِيَّةٌ أصْلِيَّةٌ، فَقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ ذالِ الَّذِي وبِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ كَسْرَةِ الذّالِ؛ لِأنَّ هَمْزَةَ الوَصْلِ سَقَطَتْ في الدَّرَجِ فَبَقِيَتِ الهَمْزَةُ عَلى سُكُونِها؛ إذِ الدّاعِي لِقَلْبِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ مَدًّا قَدْ زالَ، وهو الهَمْزَةُ الأُولى، فَفي هَذِهِ القِراءَةِ تَصْحِيحٌ لِلْهَمْزَةِ؛ إذْ لا داعِيَ لِلْإعْلالِ. وقَرَأهُ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ: ”الَّذِيتُمِنَ“ بِياءٍ بَعْدَ ذالِ ”الَّذِي“ ثُمَّ فَوْقِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ؛ اعْتِبارًا بِأنَّ الهَمْزَةَ الأصْلِيَّةَ قَدِ انْقَلَبَتْ واوًا بَعْدَ هَمْزَةِ الِافْتِعالِ الوَصْلِيَّةِ؛ لِأنَّ الشَّأْنَ ضَمُّ هَمْزَةِ الوَصْلِ مُجانَسَةً لِحَرَكَةِ تاءِ الِافْتِعالِ عِنْدَ البِناءِ لِلْمَجْهُولِ، فَلَمّا حُذِفَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ في الدَّرَجِ بَقِيَتِ الهَمْزَةُ الثّانِيَةُ واوًا بَعْدَ كَسْرِ ذالِ ”الَّذِي“ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً. فَفي هَذِهِ القِراءَةِ قَلْبانِ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”الَّذِي اوْتُمِنَ“ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا تَبَعًا لِلضَّمَّةِ مُشِيرًا بِها إلى الهَمْزَةِ. وهَذا الِاخْتِلافُ راجِعٌ إلى وجْهِ الأداءِ، فَلا مُخالَفَةَ فِيهِ لِرَسْمِ المُصْحَفِ. * * * ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ . وِصايَةٌ ثانِيَةٌ لِلشُّهَداءِ تَجْمَعُ الشَّهاداتِ في جَمِيعِ الأحْوالِ؛ فَإنَّهُ أمَرَ أنْ يَكْتُبَ الشّاهِدُ بِالعَدْلِ، ثُمَّ نَهى عَنِ الِامْتِناعِ مِنَ الكِتابَةِ بَيْنَ المُتَدايِنَيْنِ، وأعْقَبَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنْ كِتْمانِ الشَّهادَةِ كُلِّها، فَكانَ هَذا النَّهْيُ بِعُمُومِهِ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِأحْكامِ الشَّهادَةِ في الدَّيْنِ. صفحة ١٢٦ واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ نَهْيٌ، وأنَّ مُقْتَضى النَّهْيِ إفادَةُ التَّكْرارِ عِنْدَ جُمْهُورِ عُلَماءِ الأُصُولِ، أيْ تَكْرارِ الِانْكِفافِ عَنْ فِعْلِ المَنهِيِّ في أوْقاتِ عُرُوضِ فِعْلِهِ، ولَوْلا إفادَتُهُ التَّكْرارَ لَما تَحَقَّقَتْ مَعْصِيَةٌ، وأنَّ التَّكْرارَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّهْيُ تَكْرارٌ يَسْتَغْرِقُ الأزْمِنَةَ الَّتِي يَعْرِضُ فِيها داعٍ لِفِعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ، فَلِذَلِكَ كانَ حَقًّا عَلى مَن تَحَمَّلَ شَهادَةً بِحَقٍّ ألّا يَكْتُمَهُ عِنْدَ عُرُوضِ إعْلانِهِ: بِأنْ يُبَلِّغَهُ إلى مَن يَنْتَفِعُ بِهِ، أوْ يَقْضِيَ بِهِ كُلَّما ظَهَرَ الدّاعِي إلى الِاسْتِظْهارِ بِهِ، أوْ قَبْلَ ذَلِكَ إذا خَشِيَ الشّاهِدُ تَلاشِيَ ما في عِلْمِهِ بِغَيْبَةٍ أوْ طُرُوِّ نِسْيانٍ، أوْ عُرُوضِ مَوْتٍ، بِحَسَبِ ما يَتَوَقَّعُ الشّاهِدُ أنَّهُ حافِظٌ لِلْحَقِّ الَّذِي في عِلْمِهِ، عَلى مِقْدارِ طاقَتِهِ واجْتِهادِهِ. وإذْ قَدْ عَلِمْتَ آنِفًا أنَّ اللَّهَ أنْبَأنا بِأنَّ مُرادَهُ إقامَةُ الشَّهادَةِ عَلى وجْهِها بِقَوْلِهِ: ﴿وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وأنَّهُ حَرَّضَ الشّاهِدَ عَلى الحُضُورِ لِلْإشْهادِ إذا طُلِبَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَعُلِمَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ الِاهْتِمامُ بِإظْهارِ الشَّهادَةِ إظْهارًا لِلْحَقِّ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى ويَزِيدُهُ بَيانًا قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «ألا أُخْبِرُكم بِخَيْرِ الشُّهَداءِ، الَّذِي يَأْتِي بِشَهادَتِهِ قَبْلَ أنْ يُسْألَها» رَواهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ ورَواهُ عَنْهُ مُسْلِمٌ والأرْبَعَةُ. فَهَذا وجْهُ تَفْسِيرِ الآيَةِ تَظاهَرَ فِيهِ الأثَرُ والنَّظَرُ، ولَكِنْ رُوِيَ في الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «خَيْرُ أُمَّتِي القَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم - قالَها ثانِيَةً، وشَكَّ أبُو هُرَيْرَةَ في الثّالِثَةِ - ثُمَّ يَخْلُفُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ قَبْلَ أنْ يُسْتَشْهَدُوا» الحَدِيثَ. وهُوَ مَسُوقٌ مَساقَ ذَمِّ مَن وصَفَهم بِأنَّهم يَشْهَدُونَ قَبْلَ أنْ يُسْتَشْهَدُوا، وأنَّ ذَمَّهم مِن أجْلِ تِلْكَ الصِّفَةِ، وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَحْمَلِهِ، قالَ عِياضٌ: حَمَلَهُ قَوْمٌ عَلى ظاهِرِهِ مِن ذَمِّ مَن يَشْهَدُ قَبْلَ أنْ تُطْلَبَ مِنهُ الشَّهادَةُ، والجُمْهُورُ عَلى خِلافِهِ وأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ قادِحٍ، وحَمَلُوا ما في الحَدِيثِ عَلى ما إذا شَهِدَ كاذِبًا، وإلّا فَقَدْ جاءَ في الصَّحِيحِ «خَيْرُ الشُّهُودِ الَّذِي يَأْتِي بِشَهادَتِهِ قَبْلَ أنْ يُسْألَها» وأقُولُ: رَوى مُسْلِمٌ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ خَيْرَكم قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم - قالَها مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا - ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهم قَوْمٌ يَشْهَدُونَ ولا يُسْتَشْهَدُونَ» الحَدِيثَ. صفحة ١٢٧ والظّاهِرُ أنَّ ما رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ وما رَواهُ عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ حَدِيثٌ واحِدٌ، سَمِعَهُ كِلاهُما، واخْتَلَفَتْ عِبارَتُهُما في حِكايَتِهِ فَيَكُونُ لَفْظُ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ مُبَيِّنًا لَفْظَ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: «قَبْلَ أنْ يُسْتَشْهَدُوا» دُونَ أنْ يُسْتَشْهَدُوا، أيْ دُونَ أنْ يَسْتَشْهِدَهم مُشْهِدٌ، أيْ: أنْ يَحْمِلُوا شَهادَةً أيْ يَشْهَدُونَ بِما لا يَعْلَمُونَ، وهو الَّذِي عَناهُ المازِرِيُّ بِقَوْلِهِ: وحَمَلُوا ما في الحَدِيثِ - أيْ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - عَلى ما إذا شَهِدَ كاذِبًا. فَهَذا طَرِيقٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ، وهي تَرْجِعُ إلى حَمْلِ المُجْمَلِ عَلى المُبَيَّنِ. وقالَ النَّوَوِيُّ: تَأوَّلَهُ بَعْضُ العُلَماءِ بِأنَّ ذَمَّ الشَّهادَةِ قَبْلَ أنْ يُسْألَها الشّاهِدُ هو في الشَّهادَةِ بِحُقُوقِ النّاسِ بِخِلافِ ما فِيهِ حَقُّ اللَّهِ. قالَ النَّوَوِيُّ: وهَذا الجَمْعُ هو مَذْهَبُ أصْحابِنا، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ تَرْجِعُ إلى إعْمالِ كُلٍّ مِنَ الحَدِيثَيْنِ في بابٍ، بِتَأْوِيلِ كُلٍّ مِنَ الحَدِيثَيْنِ عَلى غَيْرِ ظاهِرِهِ، لِئَلّا يُلْغى أحَدُهُما. قُلْتُ: وبَنى عَلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ فَرْعًا بِرَدِّ الشَّهادَةِ الَّتِي يُؤَدِّيها الشّاهِدُ قَبْلَ أنْ يُسْألَها. ذَكَرَهُ الغَزالِيُّ في الوَجِيزِ، والَّذِي نَقَلَ ابْنُ مَرْزُوقٍ في شَرْحِ مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ عَلى الوَجِيزِ ”الحِرْصُ عَلى الشَّهادَةِ بِالمُبادَرَةِ قَبْلَ الدَّعْوى لا تُقْبَلُ، وبَعْدَ الدَّعْوى وقَبْلَ الِاسْتِشْهادِ وجْهانِ؛ فَإنْ لَمْ تُقْبَلْ فَهَلْ يَصِيرُ مَجْرُوحًا وجْهانِ“ . فَأمّا المالِكِيَّةُ فَقَدِ اخْتَلَفَ كَلامُهم. فالَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ عِياضٌ وابْنُ مَرْزُوقٍ أنَّ أداءَ الشّاهِدِ شَهادَتَهُ قَبْلَ أنْ يُسْألَها مَقْبُولٌ لِحَدِيثِ المُوَطَّأِ: «خَيْرُ الشُّهَداءِ الَّذِي يَأْتِي بِشَهادَتِهِ قَبْلَ أنْ يُسْألَها» ونَقَلَ الباجِيُّ عَنْ مالِكٍ: أنَّ مَعْنى الحَدِيثِ أنْ يَكُونَ عِنْدَ الشّاهِدِ شَهادَةٌ لِرَجُلٍ لا يَعْلَمُ بِها، فَيُخْبِرُهُ بِها ويُؤَدِّيها لَهُ عِنْدَ الحاكِمِ، فَإنَّ مالِكًا ذَكَرَهُ في المُوَطَّأِ ولَمْ يُذَيِّلْهُ بِما يَقْتَضِي أنَّهُ لا عَمَلَ عَلَيْهِ، وتَبِعَ الباجِيَّ ابْنُ مَرْزُوقٍ في شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ خَلِيلٍ، وادَّعى أنَّهُ لا يُعْرَفُ في المَذْهَبِ ما يُخالِفُهُ والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الحاجِبِ، وخَلِيلٌ وشارِحُو مُخْتَصَرَيْهِما: أنَّ أداءَ الشَّهادَةِ قَبْلَ أنْ يُطْلَبَ مِنَ الشّاهِدِ أداؤُها مانِعٌ مِن قَبُولِها: قالَ ابْنُ الحاجِبِ: وفي الأداءِ يُبْدَأُ بِهِ دُونَ طَلَبٍ فِيما تَمَحَّضَ مِن حَقِّ الآدَمِيِّ قادِحَةٌ، وقالَ خَلِيلٌ - عاطِفًا عَلى مَوانِعِ قَبُولِ الشَّهادَةِ -: ”أوْ رَفَعَ قَبْلَ الطَّلَبِ في مَحْضِ حَقِّ الآدَمِيِّ“ صفحة ١٢٨ وكَذَلِكَ ابْنُ راشِدٍ القَفَصِيُّ في كِتابِهِ (الفائِقُ في الأحْكامِ والوَثائِقِ) ونَسَبَهُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِهِ عَلى صَحِيحِ مُسْلِمٍ لِمالِكٍ، عَلى أنَّ المُسْتَنَدَ مُتَّحِدٌ وهو إعْمالُ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ ولَعَلَّهُ أخَذَ نِسْبَةَ ذَلِكَ لِمالِكٍ مِن كَلامِ ابْنِ الحاجِبِ المُتَقَدِّمِ. وادَّعى ابْنُ مَرْزُوقٍ أنَّ ابْنَ الحاجِبِ تَبِعَ ابْنَ شاسٍ إذْ قالَ: فَإنْ بادَرَ بِها مِن غَيْرِ طَلَبٍ لَمْ يُقْبَلْ. وأنَّ ابْنَ شاسٍ أخَذَهُ مِن كَلامِ الغَزالِيِّ قالَ: والَّذِي تَقْتَضِيهِ نُصُوصُ المَذْهَبِ أنَّهُ إنْ رَفَعَها قَبْلَ الطَّلَبِ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِيها بَلْ إنْ لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ مَندُوبًا فَلا أقَلَّ مِن أنْ لا تُرَدَّ، واعْتَضَدَ بِكَلامِ الباجِيِّ في شَرْحِ حَدِيثِ: «خَيْرُ الشُّهَداءِ الَّذِي يَأْتِي بِشَهادَتِهِ قَبْلَ أنْ يُسْألَها» . وقَدْ سَلَكُوا في تَعْلِيلِ المَسْألَةِ مَسْلَكَيْنِ: مَسْلَكٍ يَرْجِعُ إلى الجَمْعِ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ، وهو مَسْلَكُ الشّافِعِيَّةِ، ومَسْلَكِ إعْمالِ قاعِدَةِ رَدِّ الشَّهادَةِ بِتُهْمَةِ الحِرْصِ عَلى العَمَلِ بِشَهادَتِهِ وأنَّهُ رِيبَةٌ. وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ زِيادَةٌ في التَّحْذِيرِ، والإثْمُ: الذَّنْبُ والفُجُورُ. والقَلْبُ اسْمٌ لِلْإدْراكِ والِانْفِعالاتِ النَّفْسِيَّةِ والنَّوايا، وأُسْنِدَ الإثْمُ إلى القَلْبِ وإنَّما الآثِمُ الكاتِمُ لِأنَّ القَلْبَ - أيْ حَرَكاتِ العَقْلِ - يُسَبِّبُ ارْتِكابَ الإثْمِ. فَإنَّ كِتْمانَ الشَّهادَةِ إصْرارٌ قَلْبِيٌّ عَلى مَعْصِيَةٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] وإنَّما سَحَرُوا النّاسَ بِواسِطَةِ مَرْئِيّاتٍ وتَخَيُّلاتٍ. وقَوْلُ الأعْشى: كَذَلِكَ فافْعَلْ ما حَيِيتَ إذا شَتَوْا وأقْدِمْ إذا ما أعْيُنُ النّاسِ تَفْرَقُ لِأنَّ الفَرَقَ يَنْشَأُ عَنْ رُؤْيَةِ الأهْوالِ. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ تَهْدِيدٌ، كِنايَةٌ عَنِ المُجازاةِ بِمِثْلِ الصَّنِيعِ؛ لِأنَّ القادِرَ لا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُؤاخَذَةِ إلّا الجَهْلُ فَإذا كانَ عَلِيمًا أقامَ قِسْطاسَ الجَزاءِ.

البقرة 2:284

صفحة ١٢٩ ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرْ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبْ مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . تَعْلِيلٌ واسْتِدْلالٌ عَلى مَضْمُونِ جُمْلَةِ: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وعَلى ما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن نَحْوِ: واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَإذا كانَ ذَلِكَ تَعْرِيضًا بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، فَقَدْ جاءَ هَذا الكَلامُ تَصْرِيحًا واسْتِدْلالًا عَلَيْهِ، فَجُمْلَةُ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخِرِها هي مَحَطُّ التَّصْرِيحِ، وهي المَقْصُودُ بِالكَلامِ، وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] إلى ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وجُمْلَةُ ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ هي مَوْقِعُ الِاسْتِدْلالِ، وهي اعْتِراضٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ، أوْ عِلَّةٌ لِجُمْلَةِ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] بِاعْتِبارِ إرادَةِ الوَعِيدِ والوَعْدِ، فالمَعْنى أنَّكم عَبِيدُهُ فَلا يَفُوتُهُ عَمَلُكم والجَزاءُ عَلَيْهِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ تَكُونُ جُمْلَةُ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ﴾ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، والمَعْنى: إنَّكم عَبِيدُهُ، وهو مُحاسِبُكم. ونَظِيرُها في المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣] ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] ولا يُخالِفُ بَيْنَهُما إلّا أُسْلُوبُ نَظْمِ الكَلامِ. ومَعْنى الِاسْتِدْلالِ هُنا: أنَّ النّاسَ قَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ، وخالِقُ الخَلْقِ، فَإذا كانَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لِلَّهِ، مَخْلُوقًا لَهُ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ ذَلِكَ مَعْلُومًا لَهُ؛ لِأنَّهُ مُكَوِّنُ ضَمائِرِهِمْ وخَواطِرِهِمْ، وعُمُومُ عِلْمِهِ تَعالى بِأحْوالِ مَخْلُوقاتِهِ مِن تَمامِ مَعْنى الخالِقِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ خَفِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَكانَ العَبْدُ في حالَةِ اخْتِفاءِ حالِهِ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ مُسْتَقِلًّا عَنْ خالِقِهِ، ومالِكِيَّةُ اللَّهِ تَعالى أتَمُّ أنْواعِ المِلْكِ عَلى الحَقِيقَةِ كَسائِرِ الصِّفاتِ الثّابِتَةِ لِلَّهِ تَعالى، فَهي الصِّفاتُ عَلى الحَقِيقَةِ مِنَ الوُجُودِ الواجِبِ إلى ما اقْتَضاهُ واجِبُ الوُجُودِ مِن صِفاتِ الكَمالِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ﴾ الآيَةَ. صفحة ١٣٠ وعُطِفَ قَوْلُهُ ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ﴾ بِالواوِ دُونَ الفاءِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحُكْمَ الَّذِي تَضَمَّنَهُ مَقْصُودٌ بِالذّاتِ، وأنَّ ما قَبْلَهُ كالتَّمْهِيدِ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وإنْ تُبْدُوا عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ اعْتِراضًا بَيْنَهُما. وإبْداءُ ما في النَّفْسِ: إظْهارُهُ، وهو إعْلانُهُ بِالقَوْلِ، فِيما سَبِيلُهُ القَوْلُ وبِالعَمَلِ فِيما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عَمَلٌ، وإخْفاؤُهُ بِخِلافِ ذَلِكَ، وعَطْفُ ”أوْ تُخْفُوهُ“ لِلتَّرَقِّي في الحِسابِ عَلَيْهِ، فَقَدْ جاءَ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ في عَطْفِ الأقْوى عَلى الأضْعَفِ، في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ في سِياقِ الإثْباتِ، و(ما) في النَّفْيِ يَعُمُّ الخَيْرَ والشَّرَّ. والمُحاسَبَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الحُسْبانِ وهو العَدُّ، فَمَعْنى (﴿يُحاسِبْكُمْ﴾) في أصْلِ اللُّغَةِ: يَعُدُّهُ عَلَيْكم. إلّا أنَّهُ شاعَ إطْلاقُهُ عَلى لازِمِ المَعْنى، وهو المُؤاخَذَةُ والمُجازاةُ كَما حَكى اللَّهُ تَعالى ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ [الشعراء: ١١٣] وشاعَ هَذا في اصْطِلاحِ الشَّرْعِ، ويُوَضِّحُهُ هُنا قَوْلُهُ: (﴿فَيَغْفِرْ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبْ مَن يَشاءُ﴾) . وقَدْ أجْمَلَ اللَّهُ تَعالى هُنا الأحْوالَ المَغْفُورَةَ وغَيْرَ المَغْفُورَةِ: لِيَكُونَ المُؤْمِنُونَ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ، فَلا يُقَصِّرُوا في اتِّباعِ الخَيْراتِ النَّفْسِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ، إلّا أنَّهُ أثْبَتَ غُفْرانًا وتَعْذِيبًا بِوَجْهِ الإجْمالِ عَلى كُلٍّ مِمّا نُبْدِيهِ وما نُخْفِيهِ، ولِلْعُلَماءِ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ والجَمْعِ بَيْنَها وبَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ «مَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ» وقَوْلِهِ: «إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ لِأُمَّتِي عَمّا حَدَّثَتْها بِهِ أنْفُسُها» وأحْسَنُ كَلامٍ فِيهِ ما يَأْتَلِفُ مِن كَلامَيِ المازِرِيِّ وعِياضٍ، في شَرْحَيْهِما لِصَحِيحِ مُسْلِمٍ، وهو - مَعَ زِيادَةِ بَيانٍ -: أنَّ ما يَخْطُرُ في النَّفْسِ إنْ كانَ مُجَرَّدَ خاطِرٍ وتَرَدُّدٍ مِن غَيْرِ عَزْمٍ فَلا خِلافَ في عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِهِ، إذْ لا طاقَةَ لِلْمُكَلَّفِ بِصَرْفِهِ عَنْهُ، وهو مَوْرِدُ حَدِيثِ التَّجاوُزِ لِلْأُمَّةِ عَمّا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها، وإنْ كانَ قَدْ جاشَ في النَّفْسِ عَزْمٌ؛ فَإمّا أنْ يَكُونَ مِنَ الخَواطِرِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْها أفْعالٌ بَدَنِيَّةٌ أوْ لا، فَإنْ كانَ مِنَ الخَواطِرِ الَّتِي لا تَتَرَتَّبُ عَلَيْها أفْعالٌ، مِثْلَ الإيمانِ، والكُفْرِ، والحَسَدِ، فَلا خِلافَ في المُؤاخَذَةِ بِهِ؛ لِأنَّهُ مِمّا يَدْخُلُ في طَوْقِ المُكَلَّفِ أنْ يَصْرِفَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وإنْ كانَ مِنَ الخَواطِرِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْها آثارٌ في الخارِجِ، فَإنْ حَصَلَتِ الآثارُ فَقَدْ خَرَجَ مِن أحْوالِ الخَواطِرِ إلى الأفْعالِ؛ كَمَن يَعْزِمُ عَلى السَّرِقَةِ صفحة ١٣١ فَيَسْرِقُ، وإنْ عَزَمَ عَلَيْهِ ورَجَعَ عَنْ فِعْلِهِ اخْتِيارًا لِغَيْرِ مانِعٍ مَنَعَهُ، فَلا خِلافَ في عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِهِ وهو مَوْرِدُ حَدِيثِ «مَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ» وإنْ رَجَعَ لِمانِعٍ قَهَرَهُ عَلى الرُّجُوعِ فَفي المُؤاخَذَةِ بِهِ قَوْلانِ: أيْ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ مَحْمُولٌ عَلى مَعْنى يُجازِيكم. وأنَّهُ مُجْمَلٌ تُبَيِّنُهُ مَوارِدُ الثَّوابِ والعِقابِ في أدِلَّةٍ شَرْعِيَّةٍ كَثِيرَةٍ، وإنَّ مَن سَمّى ذَلِكَ نَسْخًا مِنَ السَّلَفِ فَإنَّما جَرى عَلى تَسْمِيَةٍ سَبَقَتْ ضَبْطَ المُصْطَلَحاتِ الأُصُولِيَّةِ، فَأطْلَقَ النَّسْخَ عَلى مَعْنى البَيانِ وذَلِكَ كَثِيرٌ في عِباراتِ المُتَقَدِّمِينَ. وهَذِهِ الأحادِيثُ وما دَلَّتْ عَلَيْهِ دَلائِلُ قَواعِدِ الشَّرِيعَةِ، هي البَيانُ لِـ (مَن يَشاءُ) في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَيَغْفِرْ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبْ مَن يَشاءُ﴾) . وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نُسِخَتْ بِالَّتِي بَعْدَها، أيْ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] كَما سَيَأْتِي هُنالِكَ. وقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذا أنَّ المَشِيئَةَ هُنا مُتَرَتِّبَةٌ عَلى أحْوالِ المُبْدى والمُخْفى، كَما هو بَيِّنٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”فَيَغْفِرْ“ ”ويُعَذِّبْ“ بِالجَزْمِ، عَطْفًا عَلى (يُحاسِبْكم) وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ، بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ بِتَقْدِيرِ ”فَهو يَغْفِرُ“، وهُما وجْهانِ فَصِيحانِ، ويَجُوزُ النَّصْبُ ولَمْ يُقْرَأْ بِهِ إلّا في الشّاذِّ. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِما دَلَّ عَلى عُمُومِ العِلْمِ، بِما يَدُلُّ عَلى عُمُومِ القُدْرَةِ.

البقرة 2:285

﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ في هَذِهِ السُّورَةِ أحْكامًا كَثِيرَةً وقِصَصًا خَتَمَها بِقَوْلِهِ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ تَعْظِيمًا لِنَبِيِّهِ ﷺ وأتْباعِهِ وتَأْكِيدًا وفَذْلَكَةً لِجَمِيعِ ذَلِكَ المَذْكُورِ مِن قَبْلُ، يَعْنِي أنَّ هَذا انْتِقالٌ مِنَ المَواعِظِ والإرْشادِ صفحة ١٣٢ والتَّشْرِيعِ وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِمّا هو عَوْنٌ عَلى تِلْكَ المَقاصِدِ، إلى الثَّناءِ عَلى رَسُولِهِ والمُؤْمِنِينَ في إيمانِهِمْ بِجَمِيعِ ذَلِكَ إيمانًا خالِصًا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ العَمَلُ؛ لِأنَّ الإيمانَ بِالرَّسُولِ والكِتابِ، يَقْتَضِي الِامْتِثالَ لِما جاءَ بِهِ مِن عَمَلٍ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ وُضِعَتْ في هَذا المَوْقِعِ لِمُناسَبَةِ ما تَقَدَّمَ، وهو انْتِقالٌ مُؤْذِنٌ بِانْتِهاءِ السُّورَةِ لِأنَّهُ لَمّا انْتَقَلَ مِن أغْراضٍ مُتَناسِبَةٍ إلى غَرَضٍ آخَرَ هو كالحاصِلِ والفَذْلَكَةِ، فَقَدْ أشْعَرَ بِأنَّهُ اسْتَوْفى تِلْكَ الأغْراضَ. ووَرَدَ في أسْبابِ النُّزُولِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ يَرْتَبِطُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. و”ال“ في ”الرَّسُولِ“ لِلْعَهْدِ، وهو عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، في وقْتِ النُّزُولِ. قالَ تَعالى: ﴿وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ١٣] والمُؤْمِنُونَ مَعْطُوفٌ عَلى ”الرَّسُولُ“، والوَقْفُ عَلَيْهِ. والمُؤْمِنُونَ هُنا لَقَبٌ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلِذَلِكَ كانَ في جَعْلِهِ فاعِلًا لِقَوْلِهِ (آمَنَ) فائِدَةٌ، مَعَ أنَّهُ لا فائِدَةَ في قَوْلِكَ: قامَ القائِمُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ جَمْعٌ بَعْدَ التَّفْصِيلِ، وكَذَلِكَ شَأْنُ ”كُلٌّ“ إذا جاءَتْ بَعْدَ ذِكْرِ مُتَعَدِّدٍ في حُكْمٍ، ثُمَّ إرادَةُ جَمْعِهِ في ذَلِكَ، كَقَوْلِ الفَضْلِ بْنِ عَبّاسٍ اللِّهْبِيِّ، بَعْدَ أبْياتٍ: كُلٌّ لَهُ نِيَّةٌ في بُغْضِ صاحِبِهِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ نَقْلِيكم وتَقْلُونا وإذا كانَتْ ”كُلٌّ“ مِنَ الأسْماءِ المُلازِمَةِ الإضافَةَ، فَإذا حُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ نُوِّنَتْ تَنْوِينَ عِوَضٍ عَنْ مُفْرَدٍ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ، ولا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أنَّ ”كُلٌّ“ اسْمٌ مُعْرَبٌ، لِأنَّ التَّنْوِينَ قَدْ يُفِيدُ الغَرَضَيْنِ فَهو مِنِ اسْتِعْمالِ الشَّيْءِ في مَعْنَيَيْهِ، فَمَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفُ ”المُؤْمِنُونَ“ عَطْفَ جُمْلَةٍ، وجَعَلَ ”المُؤْمِنُونَ“ مُبْتَدَأً وجَعَلَ ”كُلٌّ“ مُبْتَدَأً ثانِيًا و”آمَنَ“ خَبَرُهُ، فَقَدْ شَذَّ عَنِ الذَّوْقِ العَرَبِيِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”وكُتُبِهِ“ بِصِيغَةِ جَمْعِ كِتابٍ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ”وكِتابِهِ“، بِصِيغَةِ المُفْرَدِ عَلى أنَّ المُرادَ القُرْآنُ أوْ جِنْسُ الكِتابِ، فَيَكُونُ مُساوِيًا لِقَوْلِهِ: ”وكُتُبِهِ“ إذِ المُرادُ الجِنْسُ، والحَقُّ أنَّ المُفْرَدَ والجَمْعَ سَواءٌ في إرادَةِ الجِنْسِ، ألا تَراهم يَقُولُونَ: صفحة ١٣٣ إنَّ الجَمْعَ في مَدْخُولِ ”ال“ الجِنْسِيَّةِ صُوَرِيٌّ، ولِذَلِكَ يُقالُ: إذا دَخَلَتْ ”ال“ الجِنْسِيَّةُ عَلى جَمْعٍ أبْطَلَتْ مِنهُ مَعْنى الجَمْعِيَّةِ، فَكَذَلِكَ كُلُّ ما أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ كالمُضافِ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ، والإضافَةُ تَأْتِي لِما تَأْتِي لَهُ اللّامُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ لَمّا سُئِلَ عَنْ هَذِهِ القِراءَةِ: ”كِتابِهِ“ أكْثَرُ مِن ”كُتُبِهِ“ أوِ الكِتابُ أكْثَرُ مِنَ الكُتُبِ، فَقِيلَ: أرادَ أنَّ تَناوُلَ المُفْرَدِ المُرادِ بِهِ الجِنْسُ أكْثَرُ مِن تَناوُلِ الجَمْعِ حِينَ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، لِاحْتِمالِ إرادَةِ جِنْسِ الجُمُوعِ، فَلا يَسْرِي الحُكْمُ لِما دُونَ عَدَدِ الجَمْعِ مِن أفْرادِ الجِنْسِ، ولِهَذا قالَ صاحِبُ المِفْتاحِ: اسْتِغْراقُ المُفْرَدِ أشْمَلُ مِنِ اسْتِغْراقِ الجَمْعِ، والحَقُّ أنَّ هَذا لا يَقْصِدُهُ العَرَبُ في نَفْيِ الجِنْسِ ولا في اسْتِغْراقِهِ في الإثْباتِ، وأنَّ كَلامَ ابْنِ عَبّاسٍ - إنْ صَحَّ نَقْلُهُ عَنْهُ - فَتَأْوِيلُهُ أنَّهُ أكْثَرُ لِمُساواتِهِ لَهُ مَعْنًى، مَعَ كَوْنِهِ أخْصَرَ لَفْظًا، فَلَعَلَّهُ أرادَ بِالأكْثَرِ مَعْنى الأرْجَحِ والأقْوى. وقَوْلُهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِنُونِ المُتَكَلِّمِ المُشارَكِ وهو يَحْتَمِلُ الِالتِفاتَ بِأنْ يَكُونَ مِن مَقُولِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ وعُطِفَ ”وقالُوا“ عَلَيْهِ، أوِ النُّونُ فِيهِ لِلْجَلالَةِ أيْ: آمَنُوا في حالِ أنَّنا أمَرْناهم بِذَلِكَ، لِأنَّنا لا نُفَرِّقُ، فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، وقِيلَ: هو مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ”آمَنَ“، لِأنَّ الإيمانَ اعْتِقادٌ وقَوْلٌ، وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِالياءِ: عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ . والتَّفْرِيقُ هُنا أُرِيدَ بِهِ التَّفْرِيقُ في الإيمانِ بِهِ والتَّصْدِيقِ: بِأنْ يُؤْمِنَ بِبَعْضٍ ويَكْفُرَ بِبَعْضٍ. وقَوْلُهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ والسَّمْعُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الرِّضا والقَبُولِ والِامْتِثالِ، وعَكْسُهُ لا يَسْمَعُونَ أيْ: لا يُطِيعُونَ. وقالَ النّابِغَةُ: تَناذَرَها الرّاقُونَ مِن سُوءِ سَمْعِها صفحة ١٣٤ أيْ: عَدَمُ امْتِثالِها لِلرُّقْيا. والمَعْنى: إنَّهم آمَنُوا واطْمَأنُّوا وامْتَثَلُوا، وإنَّما جِيءَ بِلَفْظِ الماضِي دُونَ المُضارِعِ؛ لِيَدُلُّوا عَلى رُسُوخِ ذَلِكَ، لِأنَّهم أرادُوا إنْشاءَ القَبُولِ والرِّضا، وصِيَغُ العُقُودِ ونَحْوِها تَقَعُ بِلَفْظِ الماضِي نَحْوَ: بِعْتُ. ”وغُفْرانَكَ“ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ: أيِ اغْفِرْ غُفْرانَكَ، فَهو بَدَلٌ مِن فِعْلِهِ، و(المَصِيرُ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فَيَكُونُ اعْتِرافًا بِالبَعْثِ، وجُعِلَ مُنْتَهِيًا إلى اللَّهِ لِأنَّهُ مُنْتَهٍ إلى يَوْمٍ، أوْ عالَمٍ تَظْهَرُ فِيهِ قُدْرَةُ اللَّهِ بِالضَّرُورَةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ مَجازٌ عَنْ تَمامِ الِامْتِثالِ والإيمانِ، كَأنَّهم كانُوا قَبْلَ الإسْلامِ آبِقِينَ، ثُمَّ صارُوا إلى اللَّهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] وجَعْلُ المَصِيرِ إلى اللَّهِ تَمْثِيلًا لِلْمَصِيرِ إلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ: كَقَوْلِهِ ﴿ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ [النور: ٣٩] وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِإفادَةِ الحَصْرِ: أيِ المَصِيرُ إلَيْكَ لا إلى غَيْرِكَ، وهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ قُصِدَ بِهِ لازِمُ فائِدَتِهِ، وهو أنَّهم عالِمُونَ بِأنَّهم صائِرُونَ إلَيْهِ، ولا يَصِيرُونَ إلى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَعْبُدُهم أهْلُ الضَّلالِ.

البقرة 2:286

﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ الأظْهَرُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، لا مِن حِكايَةِ كَلامِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ اعْتِراضًا بَيْنَ الجُمَلِ المَحْكِيَّةِ بِالقَوْلِ، وفائِدَتُهُ إظْهارُ ثَمَرَةِ الإيمانِ، والتَّسْلِيمِ، والطّاعَةِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِمْ في هَذا الدِّينِ التَّكْلِيفَ بِما فِيهِ مَشَقَّةٌ، وهو مَعَ ذَلِكَ تَبْشِيرٌ بِاسْتِجابَةِ دَعْوَتِهِمُ المُلَقَّنَةِ، أوِ الَّتِي أُلْهِمُوها: وهي ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ قَبْلَ أنْ يَحْكِيَ دَعَواتِهِمْ تِلْكَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، كَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِمْ ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، أيْ: عَلِمْنا تَأْوِيلَ قَوْلِ رَبِّنا ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] بِأنَّهُ يَدْخُلُها المُؤاخَذَةُ بِما في الوُسْعِ، مِمّا أُبْدِيَ وما أُخْفِيَ، وهو ما يَظْهَرُ لَهُ أثَرٌ في الخارِجِ اخْتِيارًا، أوْ يُعْقَدُ عَلَيْهِ القَلْبُ ويَطَمْئِنُّ بِهِ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ إلخ، يُبْعِدُ هَذا، إذْ لا قِبَلَ لَهم بِإثْباتِ ذَلِكَ. صفحة ١٣٥ فَعَلى أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ فَهو نَسْخٌ لِقَوْلِهِ ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وهَذا مَرْوِيٌّ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ فَأتَوْهُ وقالُوا لا نُطِيقُها، فَقالَ النَّبِيءُ: قُولُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا وسَلَّمْنا، فَألْقى اللَّهُ الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَها اللَّهُ تَعالى فَأنْزَلَ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها»﴾ وإطْلاقُ النَّسْخِ عَلى هَذا اصْطِلاحٌ لِلْمُتَقَدِّمِينَ، والمُرادُ البَيانُ والتَّخْصِيصُ؛ لِأنَّ الَّذِي تَطْمَئِنُّ لَهُ النَّفْسُ: أنَّ هَذِهِ الآياتِ مُتَتابِعَةُ النَّظْمِ، ومَعَ ذَلِكَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ مُنَجَّمَةً، فَحَدَثَ بَيْنَ فَتْرَةِ نُزُولِها ما ظَنَّهُ بَعْضُ المُسْلِمِينَ حَرَجًا. و”الوُسْعُ“ في القُرْآنِ بِضَمِّ الواوِ، وهو في كَلامِ العَرَبِ مُثَلَّثُ الواوِ، وهو الطّاقَةُ والِاسْتِطاعَةُ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما يُطاقُ ويُسْتَطاعُ، فَهو مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ وإرادَةِ المَفْعُولِ، والمُسْتَطاعُ هو ما اعْتادَ النّاسُ قُدْرَتُهم عَلى أنْ يَفْعَلُوهُ إنْ تَوَجَّهَتْ إرادَتُهم لِفِعْلِهِ مَعَ السَّلامَةِ وانْتِفاءِ المَوانِعِ. وهَذا دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِما فَوْقَ الطّاقَةِ في أدْيانِ اللَّهِ تَعالى لِعُمُومِ (نَفْسًا) في سِياقِ النَّفْيِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ما شَرَعَ التَّكْلِيفَ إلّا لِلْعَمَلِ واسْتِقامَةِ أحْوالِ الخَلْقِ، فَلا يُكَلِّفُهم ما لا يُطِيقُونَ فِعْلَهُ، وما ورَدَ مِن ذَلِكَ فَهو في سِياقِ العُقُوباتِ، وهَذا حُكْمٌ عامٌّ في الشَّرائِعِ كُلِّها. وامْتازَتْ شَرِيعَةُ الإسْلامِ بِاليُسْرِ والرِّفْقِ، بِشَهادَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ولِذَلِكَ كانَ مِن قَواعِدِ الفِقْهِ العامَّةِ: المَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ، وكانَتِ المَشَقَّةُ مَظِنَّةَ الرُّخْصَةِ، وضَبْطُ المَشاقِّ المُسْقِطَةِ لِلْعِبادَةِ مَذْكُورٌ في الأُصُولِ، وقَدْ أشْبَعْتُ القَوْلَ فِيهِ في كِتابِي المُسَمّى (مَقاصِدُ الشَّرِيعَةِ) وما ورَدَ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ فَأمْرٌ نادِرٌ، في أوْقاتِ الضَّرُورَةِ، كَتَكْلِيفِ الواحِدِ مِنَ المُسْلِمِينَ بِالثَّباتِ لِلْعَشْرَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ في أوَّلِ الإسْلامِ وقِلَّةِ المُسْلِمِينَ. وهَذِهِ المَسْألَةُ هي المُعَنْوَنَةُ في كُتُبِ الأصْلَيْنِ بِمَسْألَةِ التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ، والتَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ، وهي مَسْألَةٌ أرَنَّتْ بِها كُتُبُ الأشاعِرَةِ والمُعْتَزِلَةِ، واخْتَلَفُوا فِيها اخْتِلافًا صفحة ١٣٦ شَهِيرًا دَعا إلَيْهِ التِزامُ الفَرِيقَيْنِ لِلَوازِمِ أُصُولِهِمْ وقَواعِدِهِمْ، فَقالَتِ الأشاعِرَةُ: يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ بِناءً عَلى قاعِدَتِهِمْ في نَفْيِ وُجُوبِ الصَّلاحِ عَلى اللَّهِ، وأنَّ ما يَصْدُرُ مِنهُ تَعالى كُلُّهُ عَدْلٌ لِأنَّهُ مالِكُ العِبادِ، وقاعِدَتُهم في أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ ما يَشاءُ وعَلى قاعِدَتِهِمْ في أنَّ ثَمَرَةَ التَّكْلِيفِ لا تَخْتَصُّ بِقَصْدِ الِامْتِثالِ بَلْ قَدْ تَكُونُ لِقَصْدِ التَّعْجِيزِ والِابْتِلاءِ وجَعْلِ الِامْتِثالِ عَلامَةً عَلى السَّعادَةِ، وانْتِفائِهِ عَلامَةً عَلى الشَّقاوَةِ وتَرَتُّبِ الإثْمِ لِأنَّ لِلَّهِ تَعالى إثابَةَ العاصِي، وتَعْذِيبَ المُطِيعِ، فَبِالأوْلى تَعْذِيبُ مَن يَأْمُرُهُ بِفِعْلٍ مُسْتَحِيلٍ أوْ مُتَعَذَّرٍ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِحَدِيثِ تَكْلِيفِ المُصَوِّرِ بِنَفْخِ الرُّوحِ في الصُّورَةِ وما هو بِنافِخٍ، وتَكْلِيفِ الكاذِبِ في الرُّؤْيا بِالعَقْدِ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وما هو بِفاعِلٍ، ولا دَلِيلَ فِيهِ لِأنَّ هَذا في أُمُورِ الآخِرَةِ، ولِأنَّهُما خَبَرا آحادٍ لا تَثْبُتُ بِمِثْلِها أُصُولُ الدِّينِ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: يَمْتَنِعُ التَّكْلِيفُ بِما لا يُطاقُ بِناءً عَلى قاعِدَتِهِمْ في أنَّهُ يَجِبُ لِلَّهِ فِعْلُ الصَّلاحِ ونَفْيُ الظُّلْمِ عَنْهُ، وقاعِدَتِهِمْ في أنَّهُ تَعالى لا يَخْلُقُ المُنْكَراتِ مِنَ الأفْعالِ، وقاعِدَتِهِمْ في أنَّ ثَمَرَةَ التَّكْلِيفِ هو الِامْتِثالُ، وإلّا لَصارَ عَبَثًا وهو مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ، وأنَّ اللَّهَ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعْذِيبُ المُطِيعِ وإثابَةُ العاصِي. واسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ وبِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أُصُولِها، مِثْلِ ﴿ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] إلخ. والتَّحْقِيقُ أنَّ الَّذِي جَرَّ إلى الخَوْضِ في المَسْألَةِ هو المُناظَرَةُ في خَلْقِ أفْعالِ العِبادِ، فَإنَّ الأشْعَرِيَّ لَمّا نَفى قُدْرَةَ العَبْدِ، وقالَ بِالكَسْبِ، وفَسَّرَهُ بِمُقارَنَةِ قُدْرَةِ العَبْدِ لِحُصُولِ المَقْدُورِ دُونَ أنْ تَكُونَ قُدْرَتُهُ مُؤَثِّرَةً فِيهِ، ألْزَمَهُمُ المُعْتَزِلَةُ القَوْلَ بِأنَّ اللَّهَ كَلَّفَ العِبادَ بِما لَيْسَ في مَقْدُورِهِمْ، وذَلِكَ تَكْلِيفٌ بِما لا يُطاقُ، فالتَزَمَ الأشْعَرِيُّ ذَلِكَ، وخالَفَ إمامُ الحَرَمَيْنِ والغَزالِيُّ والأشْعَرِيُّ في جَوازِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ، والآيَةُ لا تَنْهَضُ حُجَّةً عَلى كَلامِ الفَرِيقَيْنِ في حُكْمِ إمْكانِ ذَلِكَ. ثُمَّ اخْتَلَفَ المُجَوِّزُونَ: هَلْ هو واقِعٌ، وقَدْ حَكى القُرْطُبِيُّ الإجْماعَ عَلى عَدَمِ الوُقُوعِ وهو الصَّوابُ في الحِكايَةِ، وقالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ في البُرْهانِ: والتَّكالِيفُ كُلُّها عِنْدَ الأشْعَرِيِّ مِنَ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ؛ لِأنَّ المَأْمُوراتِ كُلَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِأفْعالٍ هي عِنْدَ الأشْعَرِيِّ غَيْرُ مَقْدُورَةٍ لِلْمُكَلَّفِ، فَهو مَأْمُورٌ بِالصَّلاةِ وهو لا يَقْدِرُ عَلَيْها، وإنَّما صفحة ١٣٧ يُقْدِرُهُ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ إرادَةِ الفِعْلِ مَعَ سَلامَةِ الأسْبابِ والآلاتِ. وما ألْزَمَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ الأشْعَرِيَّ إلْزامٌ باطِلٌ؛ لِأنَّ المُرادَ بِما لا يُطاقُ ما لا تَتَعَلَّقُ بِهِ قُدْرَةُ العَبْدِ الظّاهِرَةُ، المُعَبَّرُ عَنْها بِالكَسْبِ، لِلْفَرْقِ البَيِّنِ بَيْنَ الأحْوالِ الظّاهِرَةِ، وبَيْنَ الحَقائِقِ المَسْتُورَةِ في نَفْسِ الأمْرِ، وكَذَلِكَ لا مَعْنًى لِإدْخالِ ما عَلِمَ اللَّهُ عَدَمَ وُقُوعِهِ، كَأمْرِ أبِي جَهْلٍ بِالإيمانِ مَعَ عِلْمِ اللَّهِ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ، في مَسْألَةِ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ، أوْ بِالمُحالِ، لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ ذَلِكَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ، وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ دَعا أبا لَهَبٍ إلى الإسْلامِ وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ لا يُسْلِمُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ [المسد: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣] فَقَدْ يُقالُ: إنَّهُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يُخاطَبْ بِطَلَبِ الإيمانِ وإنَّما خُوطِبَ قَبْلَ ذَلِكَ وبِذَلِكَ نَسْلَمُ مِن أنْ نَقُولَ: إنَّهُ خارِجٌ عَنِ الدَّعْوَةِ ومِن أنْ نَقُولَ: إنَّهُ مُخاطَبٌ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ. وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي عَدَمَ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ في الشَّرِيعَةِ، بِحَسَبِ المُتَعارَفِ في إرادَةِ البَشَرِ وقُدَرِهِمْ، دُونَ ما هو بِحَسَبِ سِرِّ القَدَرِ والبَحْثِ عَنْ حَقِيقَةِ القُدْرَةِ الحادِثَةِ، نَعَمْ يُؤْخَذُ مِنها الرَّدُّ عَلى الجَبْرِيَّةِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ حالٌ مِن ”نَفْسًا“ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الوُسْعِ الَّذِي كُلِّفَتْ بِهِ النَّفْسُ: وهو أنَّهُ إنْ جاءَتْ بِخَيْرٍ كانَ نَفْعُهُ لَها وإنْ جاءَتْ بِشَرٍّ كانَ ضَرُّهُ عَلَيْها، وهَذا التَّقْسِيمُ حاصِلٌ مِنَ التَّعْلِيقِ بِواسِطَةِ (اللّامِ) مَرَّةً وبِواسِطَةٍ (عَلى) أُخْرى، وأمّا (كَسَبَتْ واكْتَسَبَتْ) فَبِمَعْنًى واحِدٍ في كَلامِ العَرَبِ، لِأنَّ المُطاوَعَةَ في (اكْتَسَبَ) لَيْسَتْ عَلى بابِها، وإنَّما عَبَّرَ هُنا مَرَّةً بِـ (كَسَبَ) وأُخْرى بِـ (اكْتَسَبَ) تَفَنُّنًا وكَراهِيَةَ إعادَةِ الكَلِمَةِ بِعَيْنِها، كَما فَعَلَ ذُو الرُّمَّةِ في قَوْلِهِ: ومُطْعَمِ الصَّيْدِ هَبّالٍ لِبُغْيَتِهِ ألْفى أباهُ بِذاكَ الكَسْبِ مُكْتَسِبا وقَوْلُ النّابِغَةِ: فَحَمَلْتُ بَرَّةَ واحْتَمَلْتَ فَجارِ وابْتُدِئَ أوَّلًا بِالمَشْهُورِ الكَثِيرِ، ثُمَّ أُعِيدَ بِمُطاوِعِهِ، وقَدْ تَكُونُ في اخْتِيارِ الفِعْلِ الَّذِي أصْلُهُ دالٌّ عَلى المُطاوَعَةِ، إشارَةٌ إلى أنَّ الشُّرُورَ يَأْمُرُ بِها الشَّيْطانُ، فَتَأْتَمِرُ صفحة ١٣٨ النَّفْسُ وتُطاوِعُهُ وذَلِكَ تَبْغِيضٌ مِنَ اللَّهِ لِلنّاسِ في الذُّنُوبِ، واخْتِيرَ الفِعْلُ الدّالُّ عَلى اخْتِيارِ النَّفْسِ لِلْحَسَناتِ، إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ يَسُوقُ إلَيْها النّاسَ بِالفِطْرَةِ، ووَقَعَ في الكَشّافِ أنَّ فِعْلَ المُطاوَعَةِ لِدَلالَتِهِ عَلى الِاعْتِمالِ، وكانَ الشَّرُّ مُشْتَهًى لِلنَّفْسِ، فَهي تَجِدُّ في تَحْصِيلِهِ، فَعَبَّرَ عَنْ فِعْلِها ذَلِكَ بِالِاكْتِسابِ. والمُرادُ بِـ (ما اكْتَسَبَتْ) الشُّرُورُ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ ظَنَّ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ الكَسْبَ هو اجْتِناءُ الخَيْرِ، والِاكْتِسابُ هو اجْتِناءُ الشَّرِّ، وهو خِلافُ التَّحْقِيقِ؛ فَفي القُرْآنِ ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها﴾ [الأنعام: ١٦٤] - ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٥٢] - وقَدْ قِيلَ: إنَّ (اكْتَسَبَ) إذا اجْتَمَعَ مَعَ (كَسَبَ) خُصَّ بِالعَمَلِ الَّذِي فِيهِ تَكَلُّفٌ، لَكِنْ لَمْ يَرِدِ التَّعْبِيرُ بِـ (اكْتَسَبَ) في جانِبِ فِعْلِ الخَيْرِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ مَأْخَذٌ حَسَنٌ لِأبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ في تَسْمِيَتِهِ اسْتِطاعَةَ العَبْدِ كَسْبًا واكْتِسابًا؛ فَإنَّ اللَّهَ وصَفَ نَفْسَهُ بِالقُدْرَةِ ولَمْ يَصِفِ العِبادَ بِالقُدْرَةِ، ولا أسْنَدَ إلَيْهِمْ فِعْلَ ”قَدَرَ“ وإنَّما أسْنَدَ إلَيْهِمُ الكَسْبَ، وهو قَوْلٌ يَجْمَعُ بَيْنَ المُتَعارِضاتِ ويَفِي بِتَحْقِيقِ إضافَةِ الأفْعالِ إلى العِبادِ، مَعَ الأدَبِ في عَدَمِ إثْباتِ صِفَةِ القُدْرَةِ لِلْعِبادِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ أوَّلَ مَنِ اسْتَعْمَلَ كَلِمَةَ الكَسْبِ هو الحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّجّارُ، رَأْسُ الفِرْقَةِ النَّجّارِيَّةِ، مِنَ الجَبْرِيَّةِ، وكانَ مُعاصِرًا لِلنَّظّامِ في القَرْنِ الثّالِثِ، ولَكِنِ اشْتُهِرَ بِها أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ حَتّى قالَ الطَّلَبَةُ في وصْفِ الأمْرِ الخَفِيِّ: أدَقُّ مِن كَسْبِ الأشْعَرِيِّ. وتَعْرِيفُ الكَسْبِ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ: هو حالَةُ العَبْدِ يُقارِنُها خَلْقُ اللَّهِ فِعْلًا مُتَعَلِّقًا بِها، وعَرَّفَهُ الإمامُ الرّازِيُّ بِأنَّهُ صِفَةٌ تَحْصُلُ بِقُدْرَةِ العَبْدِ لِفِعْلِهِ الحاصِلِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ ولِلْكَسْبِ تَعارِيفُ أُخَرُ. وحاصِلُ مَعْنى الكَسْبِ وما دَعا إلى إثْباتِهِ هو أنَّهُ لَمّا تَقَرَّرَ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى جَمِيعِ الكائِناتِ الخارِجَةِ عَنِ اخْتِيارِ العَبْدِ، وجَبَ أنْ يُقَرِّرَ عُمُومَ قُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لِئَلّا تَكُونَ قُدْرَةُ اللَّهِ غَيْرَ مُتَسَلِّطَةٍ عَلى بَعْضِ الكائِناتِ، إعْمالًا لِلْأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأنَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، ولَيْسَ لِعُمُومِ هَذِهِ الأدِلَّةِ دَلِيلٌ يُخَصِّصُهُ، فَوَجَبَ إعْمالُ هَذا العُمُومِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا لَمْ يَجُزْ أنْ يُدَّعى كَوْنُ العَبْدِ مَجْبُورًا عَلى أفْعالِهِ لِلْفَرْقِ الضَّرُورِيِّ بَيْنَ الأفْعالِ الِاضْطِرارِيَّةِ كَحَرَكَةِ المُرْتَعِشِ، والأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ، صفحة ١٣٩ كَحَرَكَةِ الماشِي والقاتِلِ، ورَعْيًا لِحَقِيقَةِ التَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْعِبادِ لِئَلّا يَكُونَ التَّكْلِيفُ عَبَثًا ولِحَقِّيَّةِ الوَعْدِ والوَعِيدِ لِئَلّا يَكُونا باطِلًا، تَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ لِلْعَبْدِ حالَةٌ تُمَكِّنُهِ مِن فِعْلِ ما يُرِيدُ فِعْلَهُ، وتَرْكِ ما يُرِيدُ تَرْكَهُ، وهي مَيْلُهُ إلى الفِعْلِ أوِ التَّرْكِ، فَهَذِهِ الحالَةُ سَمّاها الأشْعَرِيُّ الِاسْتِطاعَةَ، وسَمّاها كَسْبًا، وقالَ: إنَّها تَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ فَإذا تَعَلَّقَتْ بِهِ خَلَقَ اللَّهُ الفِعْلَ الَّذِي مالَ إلَيْهِ عَلى الصُّورَةِ الَّتِي اسْتَحْضَرَها ومالَ إلَيْها. وتَقْدِيمُ المَجْرُورَيْنِ في الآيَةِ: لِقَصْدِ الِاخْتِصاصِ. أيْ لا يَلْحَقُ غَيْرَها شَيْءٌ ولا يَلْحَقُها شَيْءٌ مِن فِعْلِ غَيْرِها، وكَأنَّ هَذا إبْطالٌ لِما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ: مِنِ اعْتِقادِ شَفاعَةِ الآلِهَةِ لَهم عِنْدَ اللَّهِ. وتَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن رَأى أنَّ الأعْمالَ لا تَقْبَلُ النِّيابَةَ في الثَّوابِ والعِقابِ، إلّا إذا كانَ لِلْفاعِلِ أثَرٌ في عَمَلِ غَيْرِهِ، فَفي الحَدِيثِ «إذا ماتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلّا مِن ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جارِيَةٍ، وعِلْمٍ بَثَّهُ في صُدُورِ الرِّجالِ، ووَلَدٍ صالِحٍ يَدْعُو لَهُ»، وفي الحَدِيثِ «ما مِن نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها، ذَلِكَ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ» وفي الحَدِيثِ «مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» . * * * ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ واعْفُ عَنّا واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا أنْتَ مَوْلانا فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ . يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الدُّعاءُ مَحْكِيًّا مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قالُوا: ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] بِأنِ اتَّبَعُوا القَبُولَ والرِّضا، فَتَوَجَّهُوا إلى طَلَبِ الجَزاءِ ومُناجاةِ اللَّهِ تَعالى، واخْتِيارُ حِكايَةِ هَذا عَنْهم في آخِرِ السُّورَةِ تَكْمِلَةٌ لِلْإيذانِ بِانْتِهائِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَلْقِينًا مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم بِأنْ يَقُولُوا هَذا الدُّعاءَ، مِثْلَ ما لُقِّنُوا التَّحْمِيدَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ، فَيَكُونُ صفحة ١٤٠ التَّقْدِيرُ: قُولُوا: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، إنَّ اللَّهَ بَعْدَ أنْ قَرَّرَ لَهم أنَّهُ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها، لَقَّنَهم مُناجاةً بِدَعَواتٍ هي مِن آثارِ انْتِفاءِ التَّكْلِيفِ بِما لَيْسَ في الوُسْعِ، والمُرادُ مِنَ الدُّعاءِ بِهِ طَلَبُ الدَّوامِ عَلى ذَلِكَ لِئَلّا يُنْسَخَ ذَلِكَ مِن جَرّاءِ غَضَبِ اللَّهِ كَما غَضِبَ عَلى الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] . والمُؤاخَذَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الأخْذِ بِمَعْنى العُقُوبَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢] والمُفاعَلَةُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ أيْ: لا تَأْخُذْنا بِالنِّسْيانِ والخَطَأِ. والمُرادُ ما يَتَرَتَّبُ عَلى النِّسْيانِ والخَطَأِ مِن فِعْلٍ أوْ تَرْكٍ لا يُرْضِيانِ اللَّهَ تَعالى. فَهَذِهِ دَعْوَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ دَعَوْها قَبْلَ أنْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ رَفَعَ عَنْهم ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ وقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيانُ وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وفي رِوايَةٍ ”وُضِعَ“، رَواهُ ابْنُ ماجَهْ وتَكَلَّمَ العُلَماءُ في صِحَّتِهِ، وقَدْ حَسَّنَهُ النَّوَوِيُّ، وأنْكَرَهُ أحْمَدُ، ومَعْناهُ صَحِيحٌ في غَيْرِ ما يَرْجِعُ إلى خِطابِ الوَضْعِ، فالمَعْنى رَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمُ المُؤاخَذَةَ فَبَقِيَتِ المُؤاخَذَةُ بِالإتْلافِ والغَراماتِ، ولِذَلِكَ جاءَ في هَذِهِ الدَّعْوَةِ ﴿لا تُؤاخِذْنا﴾ أيْ: لا تُؤاخِذْنا بِالعِقابِ عَلى فِعْلٍ: نِسْيانٍ أوْ خَطَأٍ، فَلا يَرِدُ إشْكالُ الدُّعاءِ بِما عُلِمَ حُصُولُهُ، حَتّى نَحْتاجَ إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ بِأنَّ المُرادَ بِالنِّسْيانِ والخَطَأِ سَبَبُهُما وهو التَّفْرِيطُ والإغْفالُ كَما في الكَشّافِ. وقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ إلخ، فَصْلٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ بِإعادَةِ النِّداءِ، مَعَ أنَّهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ لِأنَّ مُخاطَبَةَ المُنادى مُغْنِيَةٌ عَنْ إعادَةِ النِّداءِ لَكِنْ قُصِدَ مِن إعادَتِهِ إظْهارُ التَّذَلُّلِ، والحَمْلُ مَجازٌ في التَّكْلِيفِ بِأمْرٍ شَدِيدٍ يَثْقُلُ عَلى النَّفْسِ، وهو مُناسِبٌ لِاسْتِعارَةِ الإصْرِ. وأصْلُ مَعْنى الإصْرِ ما يُؤْصَرُ بِهِ أيْ يُرْبَطُ، وتُعْقَدُ بِهِ الأشْياءُ، ويُقالُ لَهُ: الإصارُ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ - ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مَجازًا في العَهْدِ والمِيثاقِ المُؤَكَّدِ فِيما يَصْعُبُ الوَفاءُ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ في آلِ عِمْرانَ: (﴿قالَ آقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١]) وأُطْلِقَ أيْضًا عَلى ما يَثْقُلُ عَمَلُهُ، والِامْتِثالُ فِيهِ، وبَذَلِكَ فَسَّرَهُ الزَّجّاجُ والزَّمَخْشَرِيُّ هُنا وفي قَوْلِهِ، في صفحة ١٤١ سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وهو المَقْصُودُ هُنا، ومِن ثَمَّ حَسُنَتِ اسْتِعارَةُ الحَمْلِ لِلتَّكْلِيفِ؛ لِأنَّ الحَمْلَ يُناسِبُ الثِّقَلَ فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿ولا تَحْمِلْ﴾ تَرْشِيحًا مُسْتَعارًا لِمُلائِمِ المُشَبَّهِ بِهِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ عَهْدًا لا نَفِي بِهِ، ونُعَذَّبُ بِتَرْكِهِ ونَقْضِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ صِفَةٌ لِـ ”إصْرًا“ أيْ: عَهْدًا مِنَ الدِّينِ كالعَهْدِ الَّذِي كُلِّفَ بِهِ مَن قَبْلَنا في المَشَقَّةِ، مِثْلَ ما كُلِّفَ بِهِ بَعْضُ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِنَ الأحْكامِ الشّاقَّةِ مِثْلِ أمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ بِتِيهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وبِصِفاتٍ في البَقَرَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِذَبْحِها نادِرَةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، وكُلُّ ذَلِكَ تَأْدِيبٌ لَهم عَلى مُخالَفاتٍ، وعَلى قِلَّةِ اهْتِبالٍ بِأوامِرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلَيْهِمْ، قالَ تَعالى في صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . وقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ أيْ: ما لا نَسْتَطِيعُ حَمْلَهُ مِنَ العُقُوباتِ، والتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ، وقِيلَ: هَذا دُعاءٌ بِمُعافاتِهِمْ مِنَ التَّكالِيفِ الشَّدِيدَةِ، والَّذِي قَبْلَهُ دُعاءٌ بِمُعافاتِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ الَّتِي عُوقِبَتْ بِها الأُمَمُ، والطّاقَةُ في الأصْلِ الإطاقَةُ خُفِّفَتْ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ كَما قالُوا: جابَةٌ وإجابَةٌ، وطاعَةٌ وإطاعَةٌ. والقَوْلُ في هَذَيْنِ الدُّعاءَيْنِ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿واعْفُ عَنّا واغْفِرْ لَنا﴾ لَمْ يُؤْتِ مَعَ هَذِهِ الدَّعَواتِ بِقَوْلِهِ ”رَبَّنا“، إمّا لِأنَّهُ تَكَرَّرَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، والعَرَبُ تَكْرَهُ تَكْرِيرَ اللَّفْظِ أكْثَرَ مِن ثَلاثِ مَرّاتٍ إلّا في مَقامِ التَّهْوِيلِ، وإمّا لِأنَّ تِلْكَ الدَّعَواتِ المُقْتَرِنَةَ بِقَوْلِهِ ”رَبَّنا“ فُرُوعٌ لِهَذِهِ الدَّعَواتِ الثَّلاثِ، فَإنِ اسْتُجِيبَتْ تِلْكَ حَصَلَتْ إجابَةُ هَذِهِ بِالأوْلى، فَإنَّ العَفْوَ أصْلٌ لِعَدَمِ المُؤاخَذَةِ، والمَغْفِرَةَ أصْلٌ لِرَفْعِ المَشَقَّةِ، والرَّحْمَةَ أصْلٌ لِعَدَمِ العُقُوبَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، فَلَمّا كانَ تَعْمِيمًا بَعْدَ تَخْصِيصٍ كانَ كَأنَّهُ دُعاءٌ واحِدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْتَ مَوْلانا﴾ فَصَلَهُ لِأنَّهُ كالعِلَّةِ لِلدَّعَواتِ الماضِيَةِ، أيْ: دَعَوْناكَ ورَجَوْنا مِنكَ ذَلِكَ لِأنَّكَ مَوْلانا، ومِن شَأْنِ المَوْلى الرِّفْقُ بِالمَمْلُوكِ، ولِيَكُونَ هَذا أيْضًا كالمُقَدَّمَةِ لِلدَّعْوَةِ الآتِيَةِ. صفحة ١٤٢ وقَوْلُهُ: ﴿فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ جِيءَ فِيهِ بِالفاءِ لِلتَّفْرِيعِ عَنْ كَوْنِهِ مَوْلًى، لِأنَّ شَأْنَ المَوْلى أنْ يَنْصُرَ مَوْلاهُ، ومِن هُنا يَظْهَرُ مَوْقِعُ التَّعْجِيبِ والتَّحْسِيرِ في قَوْلِ مُرَّةَ بْنِ عَدّاءٍ الفَقْعَسِيِّ: رَأيْتُ مَوالِي الأُلى يَخْذُلُونَنِي عَلى حَدَثانِ الدَّهْرِ إذْ يَتَقَلَّبُ وفِي التَّفْرِيعِ بِالفاءِ إيذانٌ بِتَأْكِيدِ طَلَبِ إجابَةِ الدُّعاءِ بِالنَّصْرِ، لِأنَّهم جَعَلُوهُ مُرَتَّبًا عَلى وصْفٍ مُحَقَّقٍ، وهو وِلايَةُ اللَّهِ تَعالى المُؤْمِنِينَ، قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] وفي حَدِيثِ «يَوْمِ أُحُدٍ لَمّا قالَ أبُو سُفْيانَ: لَنا العُزّى ولا عُزّى لَكم. قالَ النَّبِيءُ ﷺ أجِيبُوهُ: اللَّهُ مَوْلانا ولا مَوْلى لَكم» ووَجْهُ الِاهْتِمامِ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ أنَّها دَعْوَةٌ جامِعَةٌ لِخَيْرَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، لِأنَّهم إذا نُصِرُوا عَلى العَدُوِّ، فَقَدْ طابَ عَيْشُهم وظَهَرَ دِينُهم، وسَلِمُوا مِنَ الفِتْنَةِ، ودَخَلَ النّاسُ فِيهِ أفْواجًا. فِي الصَّحِيحِ، عَنْ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ البَدْرِيِّ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَن قَرَأ الآيَتَيْنِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كَفَتاهُ» وهُما مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى آخِرِ السُّورَةِ، قِيلَ: مَعْناهُ كَفَتاهُ عَنْ قِيامِ اللَّيْلِ، فَيَكُونُ مَعْنى مَن قَرَأ مَن صَلّى بِهِما، وقِيلَ: مَعْناهُ كَفَتاهُ بَرَكَةً وتَعَوُّذًا مِنَ الشَّياطِينِ والمَضارِّ، ولَعَلَّ كَلا الِاحْتِمالَيْنِ مُرادٌ. * * * صفحة ١٤٣ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ، في كَلامِ النَّبِيءِ ﷺ وكَلامِ الصَّحابَةِ: سُورَةَ آلِ عِمْرانَ، فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أبِي أُمامَةَ: قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ «اقْرَءُوا الزَّهْراوَيْنِ: البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ» وفِيهِ عَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ: قالَ سَمِعْتُ النَّبِيءَ يَقُولُ «يُؤْتى بِالقُرْآنِ يَوْمَ القِيامَةِ تَقْدُمُهُ سُورَةُ البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ» ورَوى الدّارِمِيُّ في مُسْنَدِهِ: أنْ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ قالَ: مَن قَرَأ سُورَةَ آلِ عِمْرانَ في لَيْلَةٍ كُتِبَ لَهُ قِيامُ لَيْلَةٍ، وسَمّاها ابْنُ عَبّاسٍ، في حَدِيثِهِ في الصَّحِيحِ، قالَ: «بِتُّ في بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ فَنامَ رَسُولُ اللَّهِ حَتّى إذا كانَ نِصْفُ اللَّيْلِ أوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَرَأ الآياتِ مِن آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ» . ووَجْهُ تَسْمِيَتِها بِسُورَةِ آلِ عِمْرانَ أنَّها ذُكِرَتْ فِيها فَضائِلُ آلِ عِمْرانَ، وهو عِمْرانُ بْنُ ماتانَ أبُو مَرْيَمَ وآلُهُ هم زَوْجُهُ حَنَّةُ، وأُخْتُها زَوْجَةُ زَكَرِيّاءَ النَّبِيءِ، وزَكَرِيّاءُ كافِلُ مَرْيَمَ إذْ كانَ أبُوها عِمْرانُ تُوُفِّيَ وتَرَكَها حَمْلًا فَكَفَلَها زَوْجُ خالَتِها. ووَصَفَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالزَّهْراءِ في حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ المُتَقَدِّمِ. وذَكَرَ الألُوسِيُّ أنَّها تُسَمّى الأمانَ، والكَنْزَ والمُجادِلَةَ، وسُورَةَ الِاسْتِغْفارِ. ولَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ، ولَعَلَّهُ اقْتَبَسَ ذَلِكَ مِن أوْصافٍ وُصِفَتْ بِها هَذِهِ السُّورَةُ مِمّا ساقَهُ القُرْطُبِيُّ، في المَسْألَةِ الثّالِثَةِ والرّابِعَةِ، مِن تَفْسِيرِ أوَّلِ السُّورَةِ. وهَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ بِالِاتِّفاقِ، بَعْدَ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَقِيلَ أنَّها ثانِيَةٌ لِسُورَةِ البَقَرَةِ عَلى أنَّ البَقَرَةَ أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ المُطَفِّفِينَ أوَّلًا، ثُمَّ البَقَرَةُ، ثُمَّ نَزَلَتْ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ، ثُمَّ نَزَلَتِ الأنْفالُ في وقْعَةِ بَدْرٍ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ سُورَةَ آلِ عِمْرانَ نَزَلَتْ قَبْلَ وقْعَةِ بَدْرٍ، لِلِاتِّفاقِ عَلى أنَّ الأنْفالَ نَزَلَتْ في صفحة ١٤٤ وقْعَةِ بَدْرٍ، ويُبْعِدُ ذَلِكَ أنَّ سُورَةَ آلِ عِمْرانَ اشْتَمَلَتْ عَلى التَّذْكِيرِ بِنَصْرِ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأنَّ فِيها ذِكْرَ يَوْمِ أُحُدٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُها نَزَلَ مُتَأخِّرًا. وذَكَرَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ، عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] نَزَلَ بِسَبَبِ وفْدِ نَجْرانَ، وهو وفْدُ السَّيِّدِ والعاقِبِ، أيْ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الهِجْرَةِ، ومِنَ العُلَماءِ مَن قالُوا: نَزَلَتْ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ بَعْدَ سُورَةِ الأنْفالِ، وكانَ نُزُولُها في وقْعَةِ أُحُدٍ، أيْ شَوّالٍ سَنَةَ ثَلاثٍ، وهَذا أقْرَبُ، فَقَدِ اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] أنَّهُ قِتالُ يَوْمِ أُحُدٍ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] فَإنَّهُ مُشِيرٌ إلى الإرْجافِ يَوْمَ أُحُدٍ بِقَتْلِ النَّبِيءِ ﷺ . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أوَّلُها نَزَلَ بَعْدَ البَقَرَةِ إلى نِهايَةِ ما يُشِيرُ إلَيْهِ حَدِيثِ وفْدِ نَجْرانَ، وذَلِكَ مِقْدارُ ثَمانِينَ آيَةً مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٢١] قالَهُ القُرْطُبِيُّ في أوَّلِ السُّورَةِ، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] الآيَةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في صَدْرِ سُورَةِ الفاتِحَةِ: إنَّنا بَيَّنّا إمْكانَ تَقارُنِ نُزُولِ سُوَرٍ عِدَّةٍ في مُدَّةٍ واحِدَةٍ، فَلَيْسَ مَعْنى قَوْلِهِمْ: نَزَلَتْ سُورَةُ كَذا بَعْدَ سُورَةِ كَذا، مُرادًا مِنهُ أنَّ المَعْدُودَةَ نازِلَةً بَعْدَ أُخْرى أنَّها ابْتُدِئَ نُزُولُها بَعْدَ نُزُولِ الأُخْرى، بَلِ المُرادُ أنَّها ابْتُدِئَ نُزُولُها بَعْدَ ابْتِداءِ نُزُولِ الَّتِي سَبَقَتْها. وقَدْ عُدَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ الثّامِنَةَ والأرْبَعِينَ في عِدادِ سُوَرِ القُرْآنِ. وعَدَدُ آيِها مِائَتانِ في عَدِّ الجُمْهُورِ وعَدَدُها عِنْدَ أهْلِ العَدَدِ بِالشّامِ مِائَةٌ وتِسْعٌ وتِسْعُونَ. واشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ، مِنَ الأغْراضِ: عَلى الِابْتِداءِ بِالتَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ، ومُحَمَّدٍ ﷺ، وتَقْسِيمِ آياتِ القُرْآنِ، ومَراتِبِ الأفْهامِ في تَلَقِّيها، والتَّنْوِيهِ بِفَضِيلَةِ الإسْلامِ وأنَّهُ لا يَعْدِلُهُ دِينٌ، وأنَّهُ لا يُقْبَلُ دِينٌ عِنْدَ اللَّهِ، بَعْدَ ظُهُورِ الإسْلامِ، غَيْرَ الإسْلامِ، والتَّنْوِيهِ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، والإيماءِ إلى أنَّهُما أُنْزِلا قَبْلَ القُرْآنِ تَمْهِيدًا لِهَذا الدِّينِ فَلا يَحِقُّ لِلنّاسِ أنْ يَكْفُرُوا بِهِ، وعَلى التَّعْرِيفِ بِدَلائِلِ إلَهِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، وانْفِرادِهِ، وإبْطالِ ضَلالَةِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ: مَن جَعَلُوا لَهُ صفحة ١٤٥ شُرَكاءَ، أوِ اتَّخَذُوا لَهُ أبْناءَ، وتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ أمْرَهم إلى زَوالٍ، وألّا يَغُرَّهم ما هم فِيهِ مِنَ البَذَخِ، وأنَّ ما أُعِدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ، وتَهْدِيدِهِمْ بِزَوالِ سُلْطانِهِمْ، ثُمَّ الثَّناءِ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وآلِ بَيْتِهِ، وذِكْرِ مُعْجِزَةِ ظُهُورِهِ، وأنَّهُ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ، وذِكْرِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ حَقًّا، وإبْطالِ إلَهِيَّةِ عِيسى، ومِن ثَمَّ أفْضى إلى قَضِيَّةِ وفْدِ نَجْرانَ ولَجاجَتِهِمْ، ثُمَّ مُحاجَّةِ أهِلَ الكِتابَيْنِ في حَقِيقَةِ الحَنِيفِيَّةِ وأنَّهم بُعَداءُ عَنْها، وما أخَذَ اللَّهُ مِنَ العَهْدِ عَلى الرُّسُلِ كُلِّهِمْ: أنْ يُؤْمِنُوا بِالرَّسُولِ الخاتَمِ، وأنَّ اللَّهَ جَعَلَ الكَعْبَةَ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، وقَدْ أعادَ إلَيْهِ الدِّينَ الحَنِيفَ كَما ابْتَدَأهُ فِيهِ، وأوْجَبَ حَجَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ، وأظْهَرَ ضَلالاتِ اليَهُودِ، وسُوءَ مَقالَتِهِمْ، وافْتِرائِهِمْ في دِينِهِمْ وكِتْمانِهِمْ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ. وذَكَّرَ المُسْلِمِينَ بِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِدِينِ الإسْلامِ، وأمَرَهم بِالِاتِّحادِ والوِفاقِ، وذَكَّرَهم بِسابِقِ سُوءِ حالِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ، وهَوَّنَ عَلَيْهِمْ تَظاهُرَ مُعانِدِيهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، وذَكَّرَهم بِالحَذَرِ مِن كَيْدِهِمْ وكَيْدِ الَّذِينَ أظْهَرُوا الإسْلامَ ثُمَّ عادُوا إلى الكُفْرِ فَكانُوا مَثَلًا لِتَمْيِيزِ الخَبِيثِ مِنَ الطِّيبِ، وأمَرَهم بِالِاعْتِزازِ بِأنْفُسِهِمْ، والصَّبْرِ عَلى تَلَقِّي الشَّدائِدِ، والبَلاءِ، وأذى العَدُوِّ، ووَعَدَهم عَلى ذَلِكَ بِالنَّصْرِ والتَّأْيِيدِ وإلْقاءِ الرُّعْبِ مِنهم في نُفُوسِ عَدُوِّهِمْ، ثُمَّ ذَكَّرَهم بِيَوْمِأُحُدٍ، ويَوْمِ بَدْرٍ، وضَرَبَ لَهُمُ الأمْثالَ بِما حَصَلَ فِيهِما، ونَوَّهَ، بِشَأْنِ الشُّهَداءِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وأمَرَ المُسْلِمِينَ بِفَضائِلِ الأعْمالِ: مِن بَذْلِ المالِ في مُواساةِ الأُمَّةِ، والإحْسانِ، وفَضائِلِ الأعْمالِ، وتَرْكِ البُخْلِ، ومَذَمَّةِ الرِّبا وخُتِمَتِ السُّورَةُ بِآياتِ التَّفْكِيرِ في مَلَكُوتِ اللَّهِ. وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ قَضِيَّةُ وفْدِ نَجْرانَ مِن بِلادِ اليَمَنِ. ووَفْدُ نَجْرانَ هم قَوْمٌ مِن نَجْرانَ بَلَغَهم مَبْعَثُ النَّبِيءِ ﷺ، وكانَ أهْلُ نَجْرانَ مُتَدَيِّنِينَ بِالنَّصْرانِيَّةِ، وهم مِن أصْدَقِ العَرَبِ تَمَسُّكًا بِدِينِ المَسِيحِ، وفِيهِمْ رُهْبانٌ مَشاهِيرُ، وقَدْ أقامُوا لِلْمَسِيحِيَّةِ كَعْبَةً بِبِلادِهِمْ هي الَّتِي أشارَ إلَيْها الأعْشى حِينَ مَدَحَهم بِقَوْلِهِ: فَكَعْبَةُ نَجْرانَ حَتْمٌ عَلَيْـ ـكَ حَتّى تُناخِي بِأبْوابِها فاجْتَمَعَ وفْدٌ مِنهم يَرْأسُهُ العاقِبُ - فِيهِ سِتُّونَ رَجُلًا - واسْمُهُ عَبْدُ المَسِيحِ، وهو أمِيرُ الوَفْدِ، ومَعَهُ السَّيِّدُ واسْمُهُ الأيْهَمُ، وهو ثِمالُ القَوْمِ ووَلِيُّ تَدْبِيرِ الوَفْدِ، ومُشِيرُهُ وذُو صفحة ١٤٦ الرَّأْيِ فِيهِ، وفِيهِمْ أبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ البَكْرِيُّ وهو أُسْقُفُهم وصاحِبُ مِدْراسِهِمْ ووَلِيُّ دِينِهِمْ، وفِيهِمْ أخُو أبِي حارِثَةَ، ولَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ نَجْرانَ، ولَكِنَّهُ كانَ ذا رُتْبَةٍ: شَرَّفَهُ مُلُوكُ الرُّومِ ومَوَّلُوهُ. فَلَقُوا النَّبِيءَ ﷺ وجادَلَهم في دِينِهِمْ، وفي شَأْنِ أُلُوهِيَّةِ المَسِيحِ، فَلَمّا قامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ أصَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ وكابَرُوا، فَدَعاهُمُ النَّبِيءُ ﷺ إلى المُباهَلَةِ، فَأجابُوا ثُمَّ اسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ، وتَخَلَّصُوا مِنهُ، ورَجَعُوا إلى أوْطانِهِمْ، ونَزَلَتْ بِضْعٌ وثَمانُونَ آيَةً مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ في شَأْنِهِمْ كَما في سِيرَةِ ابْنِ هِشامٍ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ. وذَكَرَ ذَلِكَ الواحِدِيُّ والفَخْرُ، فَمَن ظَنَّ مِن أهْلِ السِّيَرِ أنَّ وفْدَ نَجْرانَ وفَدُوا في سَنَةِ تِسْعٍ فَقَدْ وهِمَ وهْمًا انْجَرَّ إلَيْهِ مِنِ اشْتِهارِ سَنَةِ تِسْعٍ بِأنَّها سَنَةُ الوُفُودِ. والإجْماعُ عَلى أنَّ سُورَةَ آلِ عِمْرانَ مِن أوائِلِ المَدَنِيّاتِ، وتَرْجِيحُ أنَّها نَزَلَتْ في وفْدِ نَجْرانَ يُعَيِّنانِ أنَّ وفْدَ نَجْرانَ كانَ قَبْلَ سَنَةِ الوُفُودِ.

آل عمران 3:1

﴿الم﴾ . لَمّا كانَ أوَّلُ أغْراضِ هَذِهِ السُّورَةِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، هو قَضِيَّةٌ مُجادَلَةِ نَصارى نَجْرانَ حِينَ وفَدُوا إلى المَدِينَةِ، وبَيانُ فَضْلِ الإسْلامِ عَلى النَّصْرانِيَّةِ، لا جَرَمَ افْتُتِحَتْ بِحُرُوفِ التَّهَجِّي، المَرْمُوزِ بِها إلى تَحَدِّي المُكَذِّبِينَ بِهَذا الكِتابِ، وكانَ الحَظُّ الأوْفَرُ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالقُرْآنِ لِلْمُشْرِكِينَ مِنهم، ثُمَّ لِلنَّصارى مِنَ العَرَبِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ الَّذِينَ سَكَنُوا بِلادَ العَرَبِ فَتَكَلَّمُوا بِلِسانِهِمْ لَمْ يَكُونُوا مَعْدُودِينَ مِن أهْلِ اللِّسانِ، ويَنْدُرُ فِيهِمُ البُلَغاءُ بِالعَرَبِيَّةِ مِثْلُ السَّمَوْألِ، وهَذا وما بَعْدَهُ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] تَمْهِيدٌ لِما نَزَلَتِ السُّورَةُ بِسَبَبِهِ، وبَراعَةُ اسْتِهْلالٍ لِذَلِكَ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعانِي (الم) أوَّلَ البَقَرَةِ.

آل عمران 3:2

صفحة ١٤٧ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ [آل عمران: ٤] . ابْتُدِئَ الكَلامُ بِمُسْنَدٍ إلَيْهِ خَبَرُهُ فِعْلِيٌّ: لِإفادَةِ تَقْوِيَةِ الخَبَرِ اهْتِمامًا بِهِ. وجِيءَ بِالِاسْمِ العَلَمِ: لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ عِنْدَ سَماعِهِ، ثُمَّ أرْدَفَ بِجُمْلَةِ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾، جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً أوْ حالِيَّةً، رَدًّا عَلى المُشْرِكِينَ، وعَلى النَّصارى خاصَّةً. وأُتْبِعَ بِالوَصْفَيْنِ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ لِنَفْيِ اللَّبْسِ عَنْ مُسَمّى هَذا الِاسْمِ، والإيماءِ إلى وجْهِ انْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وأنَّ غَيْرَهُ لا يَسْتَأْهِلُها؛ لِأنَّهُ غَيْرُ حَيٍّ أوْ غَيْرُ قَيُّومٍ، فالأصْنامُ لا حَياةَ لَها، وعِيسى في اعْتِقادِ النَّصارى قَدْ أُمِيتَ، فَما هو الآنَ بِقَيُّومٍ، ولا هو في حالِ حَياتِهِ بِقَيُّومٍ عَلى تَدْبِيرِ العالَمِ، وكَيْفَ وقَدْ أُوذِيَ في اللَّهِ، وكُذِّبَ، واخْتَفى مِن أعْدائِهِ. وقَدْ مَضى القَوْلُ في مَعْنى ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ في تَفْسِيرِ آيَةِ الكُرْسِيِّ. وقَوْلُهُ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ. والخَبَرُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في الِامْتِنانِ، أوْ هو تَعْرِيضٌ ونِكايَةٌ بِأهْلِ الكِتابِ: الَّذِينَ أنْكَرُوا ذَلِكَ. وجِيءَ بِالمُسْنَدِ فِعْلًا لِإفادَةِ تَقْوِيَةِ الخَبَرِ، أوْ لِلدَّلالَةِ - مَعَ ذَلِكَ - عَلى الِاخْتِصاصِ: أيِ اللَّهُ لا غَيْرُهُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ. إبْطالًا لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ: إنَّ القُرْآنَ مِن كَلامِ الشَّيْطانِ، أوْ مِن طَرائِقِ الكِهانَةِ، أوْ يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ. والتَّضْعِيفُ في (نَزَّلَ) لِلتَّعْدِيَةِ فَهو يُساوِي الهَمْزَ في (أنْزَلَ) وإنَّما التَّضْعِيفُ يُؤْذِنُ بِقُوَّةِ الفِعْلِ في كَيْفِيَّتِهِ أوْ كَمِّيَّتِهِ، في الفِعْلِ المُتَعَدِّي بِغَيْرِ التَّضْعِيفِ، مِن أجْلِ أنَّهم قَدْ أتَوْا بِبَعْضِ الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ، لِلدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ، كَقَوْلِهِمْ: فَسَرَ وفَسَّرَ، وفَرَقَ وفَرَّقَ، وكَسَرَ وكَسَّرَ، كَما أتَوْا بِأفْعالٍ قاصِرَةٍ بِصِيغَةِ المُضاعَفَةِ، دُونَ تَعْدِيَةٍ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ الفِعْلِ، كَما قالُوا: ماتَ ومَوَّتَ وصاحَ وصَيَّحَ. فَإمّا إذا صارَ التَّضْعِيفُ لِلتَّعْدِيَةِ فَلا أُوقِنُ بِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى تَقْوِيَةِ الفِعْلِ، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ العُدُولَ عَنِ التَّعْدِيَةِ بِالهَمْزِ، إلى التَّعْدِيَةِ بِالتَّضْعِيفِ، لِقَصْدِ ما عُهِدَ في التَّضْعِيفِ مِن تَقْوِيَةِ مَعْنى الفِعْلِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ صفحة ١٤٨ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ أهَمَّ مِن قَوْلِهِ ﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ شَأْنِ نُزُولِ القُرْآنِ، وقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى في المُقَدَّمَةِ الأُولى مِن هَذا التَّفْسِيرِ، ووَقَعَ في الكَشّافِ هُنا وفي مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، أنْ قالَ: إنَّ ”نَزَّلَ“ يَدُلُّ عَلى التَّنْجِيمِ وإنَّ ”أنْزَلَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكِتابَيْنِ أُنْزِلا جُمْلَةً واحِدَةً وهَذا لا عَلاقَةَ لَهُ بِمَعْنى التَّقْوِيَةِ المُدَّعى لِلْفِعْلِ المُضاعَفِ، إلّا أنْ يَعْنِيَ أنَّ ”نَزَّلَ“ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ التَّكْثِيرِ، وهو التَّوْزِيعُ. ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] فَجَمَعَ بَيْنَ التَّضْعِيفِ وقَوْلِهِ ﴿جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] . وأزِيدُ أنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ نَزَلا مُفَرَّقَيْنَ كَشَأْنِ كُلِّ ما يَنْزِلُ عَلى الرُّسُلِ في مُدَّةِ الرِّسالَةِ، وهو الحَقُّ؛ إذْ لا يُعْرَفُ أنَّ كِتابًا نَزَلَ عَلى رَسُولٍ دُفْعَةً واحِدَةً. والكِتابُ: القُرْآنُ. والباءُ في قَوْلِهِ ”بِالحَقِّ“ لِلْمُلابَسَةِ، ومَعْنى مُلابَسَتِهِ لِلْحَقِّ اشْتِمالُهُ عَلَيْهِ في جَمِيعِ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي قالَ تَعالى ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥] . ومَعْنى ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أنَّهُ مُصَدِّقٌ لِلْكُتُبِ السّابِقَةِ لَهُ، وجُعِلَ السّابِقُ بَيْنَ يَدَيْهِ: لِأنَّهُ يَجِيءُ قَبْلَهُ. فَكَأنَّهُ يَمْشِي أمامَهُ. والتَّوْراةُ اسْمٌ لِلْكِتابِ المُنَزَّلِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وهو اسْمٌ عِبْرانِيٌّ أصْلُهُ ”طُورا“ بِمَعْنى ”الهُدى“، والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمٌ لِلْألْواحِ الَّتِي فِيها الكَلِماتُ العَشْرُ الَّتِي نَزَلَتْ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في جَبَلِ الطُّورِ؛ لِأنَّها أصْلُ الشَّرِيعَةِ الَّتِي جاءَتْ في كُتُبِ مُوسى، فَأُطْلِقَ ذَلِكَ الِاسْمُ عَلى جَمِيعِ كُتُبِ مُوسى، واليَهُودُ يَقُولُونَ ”سِفْرُ طُورا“ فَلَمّا دَخَلَ هَذا الِاسْمُ إلى العَرَبِيَّةِ أدْخَلُوا عَلَيْهِ لامَ التَّعْرِيفِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى الأوْصافِ والنَّكِراتِ لِتَصِيرَ أعْلامًا بِالغَلَبَةِ: مِثْلُ العَقَبَةِ، ومِن أهْلِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ مَن حاوَلُوا تَوْجِيهًا لِاشْتِقاقِهِ اشْتِقاقًا عَرَبِيًّا، فَقالُوا: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الوَرْيِ وهو الوَقْدُ، بِوَزْنِ تِفْعَلَةٍ أوْ فَوْعَلَةٍ، ورُبَّما أقْدَمَهم عَلى ذَلِكَ أمْرانِ: أحَدُهُما دُخُولُ حَرْفِ التَّعْرِيفِ عَلَيْهِ، وهو لا يَدْخُلُ عَلى الأسْماءِ العَجَمِيَّةِ، وأُجِيبَ بِأنْ لا مانِعَ مِن دُخُولِها عَلى المُعَرَّبِ كَما قالُوا: الإسْكَنْدَرِيَّةُ، وهَذا جَوابٌ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأنَّ الإسْكَنْدَرِيَّةَ وزْنٌ عَرَبِيٌّ؛ إذْ هو نُسِبَ إلى إسْكَنْدَرٍ، فالوَجْهُ في الجَوابِ أنَّهُ إنَّما أُلْزِمَ التَّعْرِيفَ لِأنَّهُ مُعَرَّبٌ عَنِ اسْمٍ بِمَعْنى الوَصْفِ - اسْمِ عَلَمٍ - فَلَمّا عَرَّبُوهُ ألْزَمُوهُ اللّامَ لِذَلِكَ. صفحة ١٤٩ الثّانِي أنَّها كُتِبَتْ في المُصْحَفِ بِالياءِ، وهَذا لَمْ يَذْكُرُوهُ في تَوْجِيهِ كَوْنِهِ عَرَبِيًّا، وسَبَبُ كِتابَتِهِ كَذَلِكَ الإشارَةُ إلى لُغَةِ إمالَتِهِ. وأمّا الإنْجِيلُ فاسْمٌ لِلْوَحْيِ الَّذِي أُوحِيَ بِهِ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَجَمَعَهُ أصْحابُهُ. وهُوَ اسْمٌ مُعَرَّبٌ. قِيلَ: مِنَ الرُّومِيَّةِ وأصْلُهُ (إثانْجَيْلِيُومُ) أيِ الخَبَرُ الطَّيِّبُ، فَمَدْلُولُهُ مَدْلُولُ اسْمِ الجِنْسِ، ولِذَلِكَ أدْخَلُوا عَلَيْهِ كَلِمَةَ التَّعْرِيفِ في اللُّغَةِ الرُّومِيَّةِ، فَلَمّا عَرَّبَهُ العَرَبُ أدْخَلُوا عَلَيْهِ حَرْفَ التَّعْرِيفِ، وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنِ الثَّعْلَبِيِّ أنَّ الإنْجِيلَ في السُّرْيانِيَّةِ وهي الآرامِيَّةُ (أنْكَلِيُونُ) ولَعَلَّ الثَّعْلَبِيَّ اشْتَبَهُ عَلَيْهِ الرُّومِيَّةُ بِالسُّرْيانِيَّةِ، لِأنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ لَيْسَتْ سُرْيانِيَّةً وإنَّما لَمّا نَطَقَ بِها نَصارى العِراقِ ظَنَّها سُرْيانِيَّةً، أوْ لَعَلَّ في العِبارَةِ تَحْرِيفًا وصَوابُها اليُونانِيَّةُ وهو في اليُونانِيَّةِ (أُووانَيْلِيُونُ) أيِ اللَّفْظُ الفَصِيحُ. وقَدْ حاوَلَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ جَعْلَهُ مُشْتَقًّا مِنَ ”النُّجْلِ“ وهو الماءُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ، وذَلِكَ تَعَسُّفٌ أيْضًا. وهَمْزَةُ الإنْجِيلِ مَكْسُورَةٌ في الأشْهَرِ لِيَجْرِيَ عَلى وزْنِ الأسْماءِ العَرَبِيَّةِ؛ لِأنَّ إفْعِيلًا مَوْجُودٌ بِقِلَّةٍ مِثْلَ إبْزِيمٍ. ورُبَّما نُطِقَ بِهِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وذَلِكَ لا نَظِيرَ لَهُ في العَرَبِيَّةِ. ومِن قَبْلُ يَتَعَلَّقُ بِـ ”أنْزَلَ“، والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ حالًا أُولى مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، و(هَدًى) حالٌ ثانِيَةٌ. والمُضافُ إلَيْهِ ”قَبْلُ“ مَحْذُوفٌ مَنَوِيٌّ مَعْنًى، كَما اقْتَضاهُ بِناءُ ”قَبْلُ“ عَلى الضَّمِّ، والتَّقْدِيرُ مِن قَبْلِ هَذا الزَّمانِ، وهو زَمانُ نُزُولِ القُرْآنِ. وتَقْدِيمُ مِن قَبْلُ عَلى هُدًى لِلنّاسِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. وأمّا ذِكْرُ هَذا القَيْدِ فَلِكَيْ لا يُتَوَهَّمَ أنَّ هُدى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مُسْتَمِرٌّ بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّها كالمُقَدَّماتِ لِنُزُولِ القُرْآنِ، الَّذِي هو تَمامُ مُرادِ اللَّهِ مِنَ البَشَرِ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، فالهُدى الَّذِي سَبَقَهُ غَيْرُ تامٍّ. و(لِلنّاسِ) تَعْرِيفُهُ إمّا لِلْعَهْدِ: وهُمُ النّاسُ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِالكِتابَيْنِ، وإمّا لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ: فَإنَّهُما وإنْ خُوطِبَ بِهِما ناسٌ مَعْرُوفُونَ، فَإنَّ ما اشْتَمَلا عَلَيْهِ يَهْتَدِي بِهِ كُلُّ مَن أرادَ أنْ يَهْتَدِيَ، وقَدْ تَهَوَّدَ وتَنَصَّرَ كَثِيرٌ مِمَّنْ لَمْ تَشْمَلُهم دَعْوَةُ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، ولا يَدْخُلُ في العُمُومِ النّاسُ الَّذِينَ دَعاهم مُحَمَّدٌ ﷺ: لِأنَّ القُرْآنَ صفحة ١٥٠ أبْطَلَ أحْكامَ الكِتابَيْنِ، وأمّا كَوْنُ شَرْعِ مَن قَبْلَنا شَرْعًا لَنا عِنْدَ مُعْظَمِ أهْلِ الأُصُولِ، فَذَلِكَ فِيما حَكاهُ عَنْهُمُ القُرْآنُ لا ما يُوجَدُ في الكِتابَيْنِ، فَلا يَسْتَقِيمُ اعْتِبارُ الِاسْتِغْراقِ بِهَذا الِاعْتِبارِ بَلْ بِما ذَكَرْناهُ. والفُرْقانُ في الأصْلِ مَصْدَرُ فَرَقَ كالشُّكْرانِ والكُفْرانِ والبُهْتانِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى ما يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ قالَ تَعالى ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنفال: ٤١] وهو يَوْمُ بَدْرٍ. وسُمِّيَ بِهِ القُرْآنُ. قالَ تَعالى ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] والمُرادُ بِالفُرْقانِ هُنا القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وفي وصْفِهِ بِذَلِكَ تَفْضِيلٌ لِهَدْيِهِ عَلى هَدْيِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ؛ لِأنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ أعْظَمُ أحْوالِ الهُدى، لِما فِيها مِنَ البُرْهانِ، وإزالَةِ الشُّبْهَةِ. وإعادَةُ قَوْلِهِ ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ [آل عمران: ٤] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ لِلِاهْتِمامِ، ولِيُوصِلَ الكَلامَ بِهِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤] الآيَةَ أيْ بِآياتِهِ في القُرْآنِ.

آل عمران 3:3

صفحة ١٤٧ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ [آل عمران: ٤] . ابْتُدِئَ الكَلامُ بِمُسْنَدٍ إلَيْهِ خَبَرُهُ فِعْلِيٌّ: لِإفادَةِ تَقْوِيَةِ الخَبَرِ اهْتِمامًا بِهِ. وجِيءَ بِالِاسْمِ العَلَمِ: لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ عِنْدَ سَماعِهِ، ثُمَّ أرْدَفَ بِجُمْلَةِ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾، جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً أوْ حالِيَّةً، رَدًّا عَلى المُشْرِكِينَ، وعَلى النَّصارى خاصَّةً. وأُتْبِعَ بِالوَصْفَيْنِ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ لِنَفْيِ اللَّبْسِ عَنْ مُسَمّى هَذا الِاسْمِ، والإيماءِ إلى وجْهِ انْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وأنَّ غَيْرَهُ لا يَسْتَأْهِلُها؛ لِأنَّهُ غَيْرُ حَيٍّ أوْ غَيْرُ قَيُّومٍ، فالأصْنامُ لا حَياةَ لَها، وعِيسى في اعْتِقادِ النَّصارى قَدْ أُمِيتَ، فَما هو الآنَ بِقَيُّومٍ، ولا هو في حالِ حَياتِهِ بِقَيُّومٍ عَلى تَدْبِيرِ العالَمِ، وكَيْفَ وقَدْ أُوذِيَ في اللَّهِ، وكُذِّبَ، واخْتَفى مِن أعْدائِهِ. وقَدْ مَضى القَوْلُ في مَعْنى ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ في تَفْسِيرِ آيَةِ الكُرْسِيِّ. وقَوْلُهُ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ. والخَبَرُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في الِامْتِنانِ، أوْ هو تَعْرِيضٌ ونِكايَةٌ بِأهْلِ الكِتابِ: الَّذِينَ أنْكَرُوا ذَلِكَ. وجِيءَ بِالمُسْنَدِ فِعْلًا لِإفادَةِ تَقْوِيَةِ الخَبَرِ، أوْ لِلدَّلالَةِ - مَعَ ذَلِكَ - عَلى الِاخْتِصاصِ: أيِ اللَّهُ لا غَيْرُهُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ. إبْطالًا لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ: إنَّ القُرْآنَ مِن كَلامِ الشَّيْطانِ، أوْ مِن طَرائِقِ الكِهانَةِ، أوْ يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ. والتَّضْعِيفُ في (نَزَّلَ) لِلتَّعْدِيَةِ فَهو يُساوِي الهَمْزَ في (أنْزَلَ) وإنَّما التَّضْعِيفُ يُؤْذِنُ بِقُوَّةِ الفِعْلِ في كَيْفِيَّتِهِ أوْ كَمِّيَّتِهِ، في الفِعْلِ المُتَعَدِّي بِغَيْرِ التَّضْعِيفِ، مِن أجْلِ أنَّهم قَدْ أتَوْا بِبَعْضِ الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ، لِلدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ، كَقَوْلِهِمْ: فَسَرَ وفَسَّرَ، وفَرَقَ وفَرَّقَ، وكَسَرَ وكَسَّرَ، كَما أتَوْا بِأفْعالٍ قاصِرَةٍ بِصِيغَةِ المُضاعَفَةِ، دُونَ تَعْدِيَةٍ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ الفِعْلِ، كَما قالُوا: ماتَ ومَوَّتَ وصاحَ وصَيَّحَ. فَإمّا إذا صارَ التَّضْعِيفُ لِلتَّعْدِيَةِ فَلا أُوقِنُ بِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى تَقْوِيَةِ الفِعْلِ، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ العُدُولَ عَنِ التَّعْدِيَةِ بِالهَمْزِ، إلى التَّعْدِيَةِ بِالتَّضْعِيفِ، لِقَصْدِ ما عُهِدَ في التَّضْعِيفِ مِن تَقْوِيَةِ مَعْنى الفِعْلِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ صفحة ١٤٨ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ أهَمَّ مِن قَوْلِهِ ﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ شَأْنِ نُزُولِ القُرْآنِ، وقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى في المُقَدَّمَةِ الأُولى مِن هَذا التَّفْسِيرِ، ووَقَعَ في الكَشّافِ هُنا وفي مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، أنْ قالَ: إنَّ ”نَزَّلَ“ يَدُلُّ عَلى التَّنْجِيمِ وإنَّ ”أنْزَلَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكِتابَيْنِ أُنْزِلا جُمْلَةً واحِدَةً وهَذا لا عَلاقَةَ لَهُ بِمَعْنى التَّقْوِيَةِ المُدَّعى لِلْفِعْلِ المُضاعَفِ، إلّا أنْ يَعْنِيَ أنَّ ”نَزَّلَ“ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ التَّكْثِيرِ، وهو التَّوْزِيعُ. ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] فَجَمَعَ بَيْنَ التَّضْعِيفِ وقَوْلِهِ ﴿جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] . وأزِيدُ أنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ نَزَلا مُفَرَّقَيْنَ كَشَأْنِ كُلِّ ما يَنْزِلُ عَلى الرُّسُلِ في مُدَّةِ الرِّسالَةِ، وهو الحَقُّ؛ إذْ لا يُعْرَفُ أنَّ كِتابًا نَزَلَ عَلى رَسُولٍ دُفْعَةً واحِدَةً. والكِتابُ: القُرْآنُ. والباءُ في قَوْلِهِ ”بِالحَقِّ“ لِلْمُلابَسَةِ، ومَعْنى مُلابَسَتِهِ لِلْحَقِّ اشْتِمالُهُ عَلَيْهِ في جَمِيعِ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي قالَ تَعالى ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥] . ومَعْنى ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أنَّهُ مُصَدِّقٌ لِلْكُتُبِ السّابِقَةِ لَهُ، وجُعِلَ السّابِقُ بَيْنَ يَدَيْهِ: لِأنَّهُ يَجِيءُ قَبْلَهُ. فَكَأنَّهُ يَمْشِي أمامَهُ. والتَّوْراةُ اسْمٌ لِلْكِتابِ المُنَزَّلِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وهو اسْمٌ عِبْرانِيٌّ أصْلُهُ ”طُورا“ بِمَعْنى ”الهُدى“، والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمٌ لِلْألْواحِ الَّتِي فِيها الكَلِماتُ العَشْرُ الَّتِي نَزَلَتْ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في جَبَلِ الطُّورِ؛ لِأنَّها أصْلُ الشَّرِيعَةِ الَّتِي جاءَتْ في كُتُبِ مُوسى، فَأُطْلِقَ ذَلِكَ الِاسْمُ عَلى جَمِيعِ كُتُبِ مُوسى، واليَهُودُ يَقُولُونَ ”سِفْرُ طُورا“ فَلَمّا دَخَلَ هَذا الِاسْمُ إلى العَرَبِيَّةِ أدْخَلُوا عَلَيْهِ لامَ التَّعْرِيفِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى الأوْصافِ والنَّكِراتِ لِتَصِيرَ أعْلامًا بِالغَلَبَةِ: مِثْلُ العَقَبَةِ، ومِن أهْلِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ مَن حاوَلُوا تَوْجِيهًا لِاشْتِقاقِهِ اشْتِقاقًا عَرَبِيًّا، فَقالُوا: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الوَرْيِ وهو الوَقْدُ، بِوَزْنِ تِفْعَلَةٍ أوْ فَوْعَلَةٍ، ورُبَّما أقْدَمَهم عَلى ذَلِكَ أمْرانِ: أحَدُهُما دُخُولُ حَرْفِ التَّعْرِيفِ عَلَيْهِ، وهو لا يَدْخُلُ عَلى الأسْماءِ العَجَمِيَّةِ، وأُجِيبَ بِأنْ لا مانِعَ مِن دُخُولِها عَلى المُعَرَّبِ كَما قالُوا: الإسْكَنْدَرِيَّةُ، وهَذا جَوابٌ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأنَّ الإسْكَنْدَرِيَّةَ وزْنٌ عَرَبِيٌّ؛ إذْ هو نُسِبَ إلى إسْكَنْدَرٍ، فالوَجْهُ في الجَوابِ أنَّهُ إنَّما أُلْزِمَ التَّعْرِيفَ لِأنَّهُ مُعَرَّبٌ عَنِ اسْمٍ بِمَعْنى الوَصْفِ - اسْمِ عَلَمٍ - فَلَمّا عَرَّبُوهُ ألْزَمُوهُ اللّامَ لِذَلِكَ. صفحة ١٤٩ الثّانِي أنَّها كُتِبَتْ في المُصْحَفِ بِالياءِ، وهَذا لَمْ يَذْكُرُوهُ في تَوْجِيهِ كَوْنِهِ عَرَبِيًّا، وسَبَبُ كِتابَتِهِ كَذَلِكَ الإشارَةُ إلى لُغَةِ إمالَتِهِ. وأمّا الإنْجِيلُ فاسْمٌ لِلْوَحْيِ الَّذِي أُوحِيَ بِهِ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَجَمَعَهُ أصْحابُهُ. وهُوَ اسْمٌ مُعَرَّبٌ. قِيلَ: مِنَ الرُّومِيَّةِ وأصْلُهُ (إثانْجَيْلِيُومُ) أيِ الخَبَرُ الطَّيِّبُ، فَمَدْلُولُهُ مَدْلُولُ اسْمِ الجِنْسِ، ولِذَلِكَ أدْخَلُوا عَلَيْهِ كَلِمَةَ التَّعْرِيفِ في اللُّغَةِ الرُّومِيَّةِ، فَلَمّا عَرَّبَهُ العَرَبُ أدْخَلُوا عَلَيْهِ حَرْفَ التَّعْرِيفِ، وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنِ الثَّعْلَبِيِّ أنَّ الإنْجِيلَ في السُّرْيانِيَّةِ وهي الآرامِيَّةُ (أنْكَلِيُونُ) ولَعَلَّ الثَّعْلَبِيَّ اشْتَبَهُ عَلَيْهِ الرُّومِيَّةُ بِالسُّرْيانِيَّةِ، لِأنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ لَيْسَتْ سُرْيانِيَّةً وإنَّما لَمّا نَطَقَ بِها نَصارى العِراقِ ظَنَّها سُرْيانِيَّةً، أوْ لَعَلَّ في العِبارَةِ تَحْرِيفًا وصَوابُها اليُونانِيَّةُ وهو في اليُونانِيَّةِ (أُووانَيْلِيُونُ) أيِ اللَّفْظُ الفَصِيحُ. وقَدْ حاوَلَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ جَعْلَهُ مُشْتَقًّا مِنَ ”النُّجْلِ“ وهو الماءُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ، وذَلِكَ تَعَسُّفٌ أيْضًا. وهَمْزَةُ الإنْجِيلِ مَكْسُورَةٌ في الأشْهَرِ لِيَجْرِيَ عَلى وزْنِ الأسْماءِ العَرَبِيَّةِ؛ لِأنَّ إفْعِيلًا مَوْجُودٌ بِقِلَّةٍ مِثْلَ إبْزِيمٍ. ورُبَّما نُطِقَ بِهِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وذَلِكَ لا نَظِيرَ لَهُ في العَرَبِيَّةِ. ومِن قَبْلُ يَتَعَلَّقُ بِـ ”أنْزَلَ“، والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ حالًا أُولى مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، و(هَدًى) حالٌ ثانِيَةٌ. والمُضافُ إلَيْهِ ”قَبْلُ“ مَحْذُوفٌ مَنَوِيٌّ مَعْنًى، كَما اقْتَضاهُ بِناءُ ”قَبْلُ“ عَلى الضَّمِّ، والتَّقْدِيرُ مِن قَبْلِ هَذا الزَّمانِ، وهو زَمانُ نُزُولِ القُرْآنِ. وتَقْدِيمُ مِن قَبْلُ عَلى هُدًى لِلنّاسِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. وأمّا ذِكْرُ هَذا القَيْدِ فَلِكَيْ لا يُتَوَهَّمَ أنَّ هُدى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مُسْتَمِرٌّ بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّها كالمُقَدَّماتِ لِنُزُولِ القُرْآنِ، الَّذِي هو تَمامُ مُرادِ اللَّهِ مِنَ البَشَرِ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، فالهُدى الَّذِي سَبَقَهُ غَيْرُ تامٍّ. و(لِلنّاسِ) تَعْرِيفُهُ إمّا لِلْعَهْدِ: وهُمُ النّاسُ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِالكِتابَيْنِ، وإمّا لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ: فَإنَّهُما وإنْ خُوطِبَ بِهِما ناسٌ مَعْرُوفُونَ، فَإنَّ ما اشْتَمَلا عَلَيْهِ يَهْتَدِي بِهِ كُلُّ مَن أرادَ أنْ يَهْتَدِيَ، وقَدْ تَهَوَّدَ وتَنَصَّرَ كَثِيرٌ مِمَّنْ لَمْ تَشْمَلُهم دَعْوَةُ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، ولا يَدْخُلُ في العُمُومِ النّاسُ الَّذِينَ دَعاهم مُحَمَّدٌ ﷺ: لِأنَّ القُرْآنَ صفحة ١٥٠ أبْطَلَ أحْكامَ الكِتابَيْنِ، وأمّا كَوْنُ شَرْعِ مَن قَبْلَنا شَرْعًا لَنا عِنْدَ مُعْظَمِ أهْلِ الأُصُولِ، فَذَلِكَ فِيما حَكاهُ عَنْهُمُ القُرْآنُ لا ما يُوجَدُ في الكِتابَيْنِ، فَلا يَسْتَقِيمُ اعْتِبارُ الِاسْتِغْراقِ بِهَذا الِاعْتِبارِ بَلْ بِما ذَكَرْناهُ. والفُرْقانُ في الأصْلِ مَصْدَرُ فَرَقَ كالشُّكْرانِ والكُفْرانِ والبُهْتانِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى ما يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ قالَ تَعالى ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنفال: ٤١] وهو يَوْمُ بَدْرٍ. وسُمِّيَ بِهِ القُرْآنُ. قالَ تَعالى ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] والمُرادُ بِالفُرْقانِ هُنا القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وفي وصْفِهِ بِذَلِكَ تَفْضِيلٌ لِهَدْيِهِ عَلى هَدْيِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ؛ لِأنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ أعْظَمُ أحْوالِ الهُدى، لِما فِيها مِنَ البُرْهانِ، وإزالَةِ الشُّبْهَةِ. وإعادَةُ قَوْلِهِ ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ [آل عمران: ٤] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ لِلِاهْتِمامِ، ولِيُوصِلَ الكَلامَ بِهِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤] الآيَةَ أيْ بِآياتِهِ في القُرْآنِ.

آل عمران 3:4

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ مُمَهَّدٌ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] لِأنَّ نَفْسَ السّامِعِ تَتَطَلَّعُ إلى مَعْرِفَةِ عاقِبَةِ الَّذِينَ أنْكَرُوا هَذا التَّنْزِيلَ. وشَمَلَ قَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ المُشْرِكِينَ واليَهُودَ والنَّصارى في مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، لِأنَّ جَمِيعَهُمُ اشْتَرَكُوا في الكُفْرِ بِالقُرْآنِ، وهو المُرادُ بِآياتِ اللَّهِ هُنا؛ لِأنَّهُ الكِتابُ الوَحِيدُ الَّذِي يَصِحُّ أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ مُعْجِزَةٌ. وعَبَّرَ عَنْهم بِالمَوْصُولِ إيجازًا؛ لِأنَّ الصِّلَةَ تَجْمَعُهم، والإيماءُ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو قَوْلُهُ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ. وعُطِفَ قَوْلُهُ ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ عَلى قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ لِأنَّهُ مِن تَكْمِلَةِ هَذا الِاسْتِئْنافِ: لِمَجِيئِهِ مَجِيءَ التَّبْيِينِ لِشِدَّةِ عَذابِهِمْ؛ إذْ هو عَذابُ عَزِيزٍ مُنْتَقِمٍ كَقَوْلِهِ ﴿فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢] . صفحة ١٥١ والعَزِيزُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩] . والِانْتِقامُ: العِقابُ عَلى الِاعْتِداءِ بِغَضَبٍ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلْكارِهِ: ناقِمٌ. وجِيءَ في هَذا الوَصْفِ بِكَلِمَةِ (ذُو) الدّالَّةِ عَلى المُلْكِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ انْتِقامٌ عَنِ اخْتِيارٍ لِإقامَةِ مَصالِحِ العِبادِ ولَيْسَ هو تَعالى مُنْدَفِعًا لِلِانْتِقامِ بِدافِعِ الطَّبْعِ أوِ الحِنْقِ.

آل عمران 3:5

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ اسْتِئْنافٌ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ البَيانِ لِوَصْفِ الحَيِّ لِأنَّ عُمُومَ العِلْمِ يُبَيِّنُ كَمالَ الحَياةِ. وجِيءَ بِـ ”شَيْءٌ“ هُنا لِأنَّهُ مِنَ الأسْماءِ العامَّةِ. وقَوْلُهُ ﴿فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ قُصِدَ مِنهُ عُمُومُ أمْكِنَةِ الأشْياءِ، فالمُرادُ هُنا مِنَ الأرْضِ الكُرَةُ الأرْضِيَّةُ بِما فِيها مِن بِحارٍ، والمُرادُ بِالسَّماءِ جِنْسُ السَّماواتِ: وهي العَوالِمُ المُتَباعِدَةُ عَنِ الأرْضِ. وابْتُدِئَ في الذِّكْرِ بِالأرْضِ لِيَتَسَنّى التَّدَرُّجُ في العَطْفِ إلى الأبْعَدِ في الحُكْمِ؛ لِأنَّ أشْياءَ الأرْضِ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِنها كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، أمّا أشْياءُ السَّماءِ فَلا يَعْلَمُ أحَدٌ بَعْضَها فَضْلًا عَنْ عِلْمِ جَمِيعِها.

آل عمران 3:6

﴿هو الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ اسْتِئْنافٌ ثانٍ يُبَيِّنُ شَيْئًا مِن مَعْنى القَيُّومِيَّةِ، فَهو كَبَدَلِ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، وخُصَّ مِن بَيْنِ شُئُونِ القَيُّومِيَّةِ تَصْوِيرُ البَشَرِ؛ لِأنَّهُ مِن أعْجَبِ مَظاهِرِ القُدْرَةِ؛ ولِأنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا بِالرَّدِّ عَلى النَّصارى في اعْتِقادِهِمْ إلَهِيَّةَ عِيسى مِن أجْلِ أنَّ اللَّهَ صَوَّرَهُ بِكَيْفِيَّةٍ غَيْرِ مُعْتادَةٍ، فَبَيَّنَ لَهم أنَّ الكَيْفِيّاتِ العارِضَةَ لِلْمَوْجُوداتِ كُلَّها مِن صُنْعِ اللَّهِ وتَصْوِيرِهِ: سَواءٌ المُعْتادُ، وغَيْرُ المُعْتادِ. و”كَيْفَ“ هُنا لَيْسَ فِيها مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، بَلْ هي دالَّةٌ عَلى مُجَرَّدِ مَعْنى الكَيْفِيَّةِ؛ أيِ الحالَةِ، فَهي هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في أصْلِها المَوْضُوعَةِ لَهُ في اللُّغَةِ؛ إذْ لا رَيْبَ في أنَّ صفحة ١٥٢ ”كَيْفَ“ مُشْتَمِلَةٌ عَلى حُرُوفِ مادَّةِ الكَيْفِيَّةِ والتَّكَيُّفِ، وهو الحالَةُ والهَيْئَةُ، وإنْ كانَ الأكْثَرُ في الِاسْتِعْمالِ أنْ تَكُونَ اسْمَ اسْتِفْهامٍ، ولَيْسَتْ ”كَيْفَ“ فِعْلًا؛ لِأنَّها لا دَلالَةَ فِيها عَلى الزَّمانِ، ولا حَرْفًا لِاشْتِمالِها عَلى مادَّةِ اشْتِقاقٍ. وقَدْ تَجِيءُ (كَيْفَ) اسْمَ شَرْطٍ إذا اتَّصَلَتْ بِها ”ما“ الزّائِدَةُ. وفي كُلِّ ذَلِكَ لا تُفارِقُها الدَّلالَةُ عَلى الحالَةِ، ولا يُفارِقُها إيلاءُ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ إيّاها إلّا ما شَذَّ مِن قَوْلِهِمْ: كَيْفَ أنْتَ. فَإذا كانَتِ اسْتِفْهامًا فالجُمْلَةُ بَعْدَها هي المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ، فَتَكُونُ مَعْمُولَةً لِلْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، مُلْتَزَمًا تَقْدِيمُها عَلَيْهِ؛ لِأنَّ لِلِاسْتِفْهامِ الصَّدارَةَ، وإذا جُرِّدَتْ عَنِ الِاسْتِفْهامِ كانَ مَوْقِعُها مِنَ الإعْرابِ عَلى حَسَبِ ما يَطْلُبُهُ الكَلامُ الواقِعَةُ هي فِيهِ مِنَ العَوامِلِ كَسائِرِ الأسْماءِ. وأمّا الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَها - حِينَئِذٍ - فالأظْهَرُ أنْ تُعْتَبَرَ مُضافًا إلَيْها اسْمُ ”كَيْفَ“ . ويُعْتَبَرُ ”كَيْفَ“ مِنَ الأسْماءِ المُلازِمَةِ لِلْإضافَةِ. وجَرى في كَلامِ بَعْضِ أهْلِ العَرَبِيَّةِ أنَّ فَتْحَةَ ”كَيْفَ“ فَتْحَةَ بِناءٍ. والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ فَتْحَةَ (كَيْفَ) فَتْحَةُ نَصْبٍ لَزِمَتْها لِأنَّها دائِمًا مُتَّصِلَةٌ بِالفِعْلِ فَهي مَعْمُولَةٌ لَهُ عَلى الحالِيَّةِ أوْ نَحْوِها، فَلِمُلازَمَةِ ذَلِكَ الفَتْحِ إيّاها أشْبَهَتْ فَتْحَةَ البِناءِ. فَـ (كَيْفَ) في قَوْلِهِ هُنا ﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ يُعْرَبُ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِـ ”يُصَوِّرُكم“، إذِ التَّقْدِيرُ: حالُ تَصْوِيرٍ يَشاؤُها. كَما قالَهُ ابْنُ هِشامٍ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٦] . وجَوَّزَ صاحِبُ ”المُغْنِي“ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ”يُصَوِّرُكم“ عَلَيْهِ وهو بَعِيدٌ لِأنَّها لا تَأْتِي في الشَّرْطِ إلّا مُقْتَرِنَةً بِـ (ما) . وأمّا قَوْلُ النّاسِ (كَيْفَ شاءَ فَعَلَ) فَلَحْنٌ. وكَذَلِكَ جَزْمُ الفِعْلِ بَعْدَها قَدْ عُدَّ لَحْنًا عِنْدَ جُمْهُورِ أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ. ودَلَّ تَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ عَلى قَصْرِ صِفَةِ التَّصْوِيرِ عَلَيْهِ تَعالى، وهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ لِأنَّهُ كَذَلِكَ في الواقِعِ؛ إذْ هو مُكَوِّنُ أسْبابِ ذَلِكَ التَّصْوِيرِ، وهَذا إيماءٌ إلى كَشْفِ شُبْهَةِ النَّصارى إذْ تَوَهَّمُوا أنَّ تَخَلُّقَ عِيسى بِدُونِ ماءِ أبٍ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ غَيْرُ بَشَرٍ وأنَّهُ إلَهٌ وجَهِلُوا أنَّ التَّصْوِيرَ في الأرْحامِ وإنِ اخْتَلَفَتْ كَيْفِيّاتُهُ لا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ خَلْقًا لِما كانَ مَعْدُومًا فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ المَخْلُوقُ المُصَوَّرُ في الرَّحِمِ إلَهًا. * * * صفحة ١٥٣ ﴿لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . تَذْيِيلٌ لِتَقْرِيرِ الأحْكامِ المُتَقَدِّمَةِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى العَزِيزِ الحَكِيمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩] وفي افْتِتاحِ السُّورَةِ بِهَذِهِ الآياتِ بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ لِنُزُولِها في مُجادَلَةِ نَصارى نَجْرانَ، ولِذَلِكَ تَكَرَّرَ في هَذا الطّالِعِ قَصْرُ الإلَهِيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ٢] وقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ وقَوْلِهِ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ٢] .

آل عمران 3:7

﴿هو الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ . اسْتِئْنافٌ ثالِثٌ بِإخْبارٍ عَنْ شَأْنٍ مِن شُئُونِ اللَّهِ تَعالى، مُتَعَلِّقٌ بِالغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ: وهو تَحْقِيقُ إنْزالِهِ القُرْآنَ والكِتابَيْنِ مِن قَبْلِهِ، فَهَذا الِاسْتِئْنافُ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] وتَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ لِأنَّ الآياتِ نَزَلَتْ في مُجادَلَةِ وفْدِ نَجْرانَ، وصُدِّرَتْ بِإبْطالِ عَقِيدَتِهِمْ في إلَهِيَّةِ المَسِيحِ: بِالإشارَةِ إلى أوْصافِ الإلَهِ الحَقَّةِ. تَوَجَّهَ الكَلامُ هُنا إلى إزالَةِ شُبْهَتِهِمْ في شَأْنِ زَعْمِهِمُ اعْتِرافَ نُصُوصِ القُرْآنِ بِإلَهِيَّةِ المَسِيحِ؛ إذْ وُصِفَ فِيها بِأنَّهُ رُوحُ اللَّهِ؛ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وأنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ، وغَيْرُ ذَلِكَ فَنُودِيَ عَلَيْهِمْ بِأنَّ ما تَعَلَّقُوا بِهِ تَعَلُّقَ اشْتِباهٍ وسُوءِ تَأْوِيلٍ. وفِي قَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ قَصْرُ صِفَةِ إنْزالِ القُرْآنِ عَلى اللَّهِ تَعالى: لِتَكُونَ الجُمْلَةُ مَعَ كَوْنِها تَأْكِيدًا وتَمْهِيدًا، إبْطالًا أيْضًا لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] وقَوْلِهِمْ ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] . وكَقَوْلِهِ ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١] ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢] وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: هو قَوْلُ كاهِنٍ، وقَوْلُ شاعِرٍ، واعْتَقَدُوا أنَّ أقْوالَ الكُهّانِ وأقْوالَ الشُّعَراءِ مِن إمْلاءِ الأرْئِياءِ (جَمْعِ رَئِيٍّ) . صفحة ١٥٤ ومِن بَدائِعِ البَلاغَةِ أنْ ذَكَرَ في القَصْرِ فِعْلَ ”أنْزَلَ“، الَّذِي هو مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ تَعالى ولَوْ بِدُونِ صِيغَةِ القَصْرِ، إذِ الإنْزالُ يُرادِفُ الوَحْيَ ولا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ، بِخِلافِ ما لَوْ قالَ: هو الَّذِي آتاكَ الكِتابَ. وضَمِيرُ ”مِنهُ“ عائِدٌ إلى القُرْآنِ. و(مِنهُ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و﴿آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ مُبْتَدَأٌ. والإحْكامُ في الأصْلِ المَنعُ؛ قالَ جَرِيرٌ: أبَنِي حَنِيفَةَ أحْكِمُوا سُفَهاءَكم إنِّي أخافُ عَلَيْكُمُ أنْ أغْضَبا واسْتُعْمِلَ الإحْكامُ في الإتْقانِ والتَّوْثِيقِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ تَطَرُّقَ ما يُضادُّ المَقْصُودَ، ولِذا سُمِّيَتِ الحِكْمَةُ حِكْمَةً، وهو حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ مَشْهُورٌ. وأُطْلِقَ المُحْكَمُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى واضِحِ الدَّلالَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّ في وُضُوحِ الدَّلالَةِ مَنعًا لِتَطَرُّقِ الِاحْتِمالاتِ المُوجِبَةِ لِلتَّرَدُّدِ في المُرادِ. وأُطْلِقَ المُتَشابِهَ هُنا عَلى خَفاءِ الدَّلالَةِ عَلى المَعْنى، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّ تَطَرُّقَ الِاحْتِمالِ في مَعانِي الكَلامِ يُفْضِي إلى عَدَمِ تَعَيُّنِ أحَدِ الِاحْتِمالاتِ، وذَلِكَ مِثْلُ تَشابُهِ الذَّواتِ في عَدَمِ تَمْيِيزِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ. وقَوْلُهُ ﴿أُمُّ الكِتابِ﴾ أُمُّ الشَّيْءِ: أصْلُهُ وما يَنْضَمُّ إلَيْهِ كَثِيرُهُ وتَتَفَرَّعُ عَنْهُ فُرُوعُهُ، ومِنهُ سُمِّيَتْ خَرِيطَةُ الرَّأْسِ الجامِعَةُ لَهُ: أُمَّ الرَّأْسِ وهي الدِّماغُ، وسُمِّيَتِ الرّايَةُ الأُمَّ؛ لِأنَّ الجَيْشَ يَنْضَوِي إلَيْها، وسُمِّيَتِ المَدِينَةُ العَظِيمَةُ أُمَّ القُرى، وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ الأُمَّ حَقِيقَةً في الوالِدَةِ، وهي أصْلٌ لِلْمَوْلُودِ وجامِعٌ لِلْأوْلادِ في الحَضانَةِ، فَبِاعْتِبارِ هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ، أُطْلِقَ اسْمُ الأُمِّ عَلى ما ذَكَرْنا، عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ. ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ الإطْلاقُ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في تَسْمِيَةِ الفاتِحَةِ أُمَّ القُرْآنِ. و”الكِتابُ“: القُرْآنُ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّهُ المُتَحَدَّثُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ فَلَيْسَ قَوْلُهُ ﴿أُمُّ الكِتابِ﴾ هُنا بِمِثْلِ قَوْلِهِ ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩] . وقَوْلُهُ ﴿وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ المُتَشابِهاتُ: المُتَماثِلاتُ، والتَّماثُلُ يَكُونُ في صِفاتٍ كَثِيرَةٍ فَيُبَيَّنُ بِما يَدُلُّ عَلى وجْهِ التَّماثُلِ، وقَدْ يُتْرَكُ بَيانُهُ إذا كانَ وجْهُ التَّماثُلِ ظاهِرًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٧٠] ولَمْ يَذْكُرْ في هَذِهِ الآيَةِ جِهَةَ التَّشابُهِ. صفحة ١٥٥ وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ: إلى أنَّ آياتِ القُرْآنِ صِنْفانِ: مُحْكَماتٌ وأضْدادُها، الَّتِي سُمِّيَتْ مُتَشابِهاتٍ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ المُحْكَماتِ هي أُمُّ الكِتابِ، فَعَلِمْنا أنَّ المُتَشابِهاتِ هي أضْدادُ المُحْكَماتِ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بُقُولِهِ ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أيْ تَأْوِيلِهِ الَّذِي لا قِبَلَ لِأمْثالِهِمْ بِهِ، فَعَلِمْنا أنَّ المُتَشابِهاتِ هي الَّتِي لَمْ يَتَّضِحِ المَقْصُودُ مِن مَعانِيها، فَعَلِمْنا أنَّ صِفَةَ المُحْكَماتِ والمُتَشابِهاتِ راجِعَةٌ إلى ألْفاظِ الآياتِ. ووَصَفَ المُحْكَماتِ بِأنَّها أُمُّ الكِتابِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأُمِّ الأصْلَ، أوِ المَرْجِعَ، وهُما مُتَقارِبانِ: أيْ هُنَّ أصْلُ القُرْآنِ أوْ مَرْجِعُهُ، ولَيْسَ يُناسِبُ هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ إلّا دَلالَةُ القُرْآنِ؛ إذِ القُرْآنُ أُنْزِلَ لِلْإرْشادِ والهُدى، فالمُحْكَماتُ هي أُصُولُ الِاعْتِقادِ والتَّشْرِيعِ، والآدابِ والمَواعِظِ، وكانَتْ أُصُولًا لِذَلِكَ بِاتِّضاحِ دَلالَتِها، بِحَيْثُ تَدُلُّ عَلى مَعانٍ لا تَحْتَمِلُ غَيْرَها أوْ تَحْتَمِلُهُ احْتِمالًا ضَعِيفًا غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] ﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ [النازعات: ٤٠] ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤١] . وبِاتِّضاحِ مَعانِيها بِحَيْثُ تَتَناوَلُها أفْهامُ مُعْظَمِ المُخاطَبِينَ بِها وتَتَأهَّلُ لِفَهْمِها فَهي أصْلُ القُرْآنِ المَرْجُوعُ إلَيْهِ في حَمْلِ مَعانِي غَيْرِها عَلَيْها لِلْبَيانِ أوِ التَّفْرِيعِ. والمُتَشابِهاتُ مُقابِلُ المُحْكَماتِ، فَهي الَّتِي دَلَّتْ عَلى مَعانٍ تَشابَهَتْ في أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنها هو المُرادَ. ومَعْنى تَشابُهِها: أنَّها تَشابَهَتْ في صِحَّةِ القَصْدِ إلَيْها، أيْ لَمْ يَكُنْ بَعْضُها أرْجَحَ مِن بَعْضٍ، أوْ يَكُونُ مَعْناها صادِقًا بِصُوَرٍ كَثِيرَةٍ مُتَناقِضَةٍ أوْ غَيْرِ مُناسِبَةٍ لِأنْ تَكُونَ مُرادًا، فَلا يَتَبَيَّنُ الغَرَضُ مِنها، فَهَذا وجْهُ تَفْسِيرِ الآيَةِ فِيما أرى. وقَدِ اخْتَلَفَ عُلَماءُ الإسْلامِ في تَعْيِينِ المَقْصُودِ مِنَ المُحْكَماتِ والمُتَشابِهاتِ عَلى أقْوالٍ: مَرْجِعُها إلى تَعْيِينِ مِقْدارِ الوُضُوحِ والخَفاءِ. فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُحْكَمَ ما لا تَخْتَلِفُ فِيهِ الشَّرائِعُ كَتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، وتَحْرِيمِ الفَواحِشِ، وذَلِكَ ما تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ الثَّلاثُ مِن أواخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] والآياتُ مِن سُورَةِ الإسْراءِ ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وأنَّ المُتَشابِهَ المُجْمَلاتُ الَّتِي لَمْ تُبَيَّنْ كَحُرُوفِ أوائِلِ السُّورِ. صفحة ١٥٦ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: أنَّ المُحْكَمَ ما لَمْ يُنْسَخْ والمُتَشابِهَ المَنسُوخُ وهَذا بَعِيدٌ عَنْ أنْ يَكُونَ مُرادًا هُنا لِعَدَمِ مُناسَبَتِهِ لِلْوَصْفَيْنِ ولا لِبَقِيَّةِ الآيَةِ. وعَنِ الأصَمِّ: المُحْكَمُ ما اتَّضَحَ دَلِيلُهُ، والمُتَشابِهُ ما يَحْتاجُ إلى التَّدَبُّرِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف: ١١] فَأوَّلُها مُحْكَمٌ وآخِرُها مُتَشابِهٌ. ولِلْجُمْهُورِ مَذْهَبانِ: أوَّلُهُما أنَّ المُحْكَمَ ما اتَّضَحَتْ دَلالَتُهُ، والمُتَشابِهَ ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، ونُسِبَ هَذا القَوْلُ لِمالِكٍ، في رِوايَةِ أشْهَبَ، مِن جامِعِ العُتْبِيَّةِ، ونَسَبَهُ الخَفاجِيُّ إلى الحَنَفِيَّةِ وإلَيْهِ مالَ الشّاطِبِيُّ في المُوافَقاتِ. وثانِيهِما أنَّ المُحْكَمَ الواضِحُ الدَّلالَةِ، والمُتَشابِهَ الخَفِيُّها، وإلَيْهِ مالَ الفَخْرُ: فالنَّصُّ والظّاهِرُ هُما المُحْكَمُ، لِاتِّضاحِ دَلالَتِهِما، وإنْ كانَ أحَدُهُما أيِ الظّاهِرُ يَتَطَرَّقُهُ احْتِمالٌ ضَعِيفٌ، والمُجْمَلُ والمُؤَوَّلُ هُما المُتَشابِهُ، لِاشْتِراكِهِما في خَفاءِ الدَّلالَةِ وإنْ كانَ أحَدُهُما - أيِ المُؤَوَّلُ - دالًّا عَلى مَعْنًى مَرْجُوحٍ، يُقابِلُهُ مَعْنًى راجِحٌ، والمُجْمَلُ دالًّا عَلى مَعْنًى مَرْجُوحٍ يُقابِلُهُ مَرْجُوحٌ آخَرُ، ونُسِبَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ إلى الشّافِعِيَّةِ. قالَ الشّاطِبِيُّ: فالتَّشابُهُ: حَقِيقِيٌّ، وإضافِيٌّ، فالحَقِيقِيُّ: ما لا سَبِيلَ إلى فَهْمِ مَعْناهُ، وهو المُرادُ مِنَ الآيَةِ، والإضافِيُّ: ما اشْتَبَهُ مَعْناهُ، لِاحْتِياجِهِ إلى مُراعاةِ دَلِيلٍ آخَرَ. فَإذا تَقَصّى المُجْتَهِدُ أدِلَّةَ الشَّرِيعَةِ وجَدَ فِيها ما يُبَيِّنُ مَعْناهُ، والتَّشابُهُ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ قَلِيلٌ جِدًّا في الشَّرِيعَةِ وبِالمَعْنى الإضافِيِّ كَثِيرٌ. وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ مِنَ القُرْآنِ مُحْكَمًا ومُتَشابِهًا، ودَلَّتْ آياتٌ أُخَرُ عَلى أنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ مُحْكَمٌ، قالَ تَعالى ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود: ١] وقالَ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [يونس: ١] والمُرادُ أنَّهُ أُحْكِمَ وأُتْقِنَ في بَلاغَتِهِ، كَما دَلَّتْ آياتٌ عَلى أنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ مُتَشابِهٌ، قالَ تَعالى ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] والمَعْنى أنَّهُ تَشابَهَ في الحُسْنِ والبَلاغَةِ والحَقِّيَّةِ، وهو مَعْنى ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فَلا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ: لِاخْتِلافِ المُرادِ بِالإحْكامِ والتَّشابُهِ في مَواضِعِها، بِحَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ المَقاماتُ. صفحة ١٥٧ وسَبَبُ وُقُوعِ المُتَشابِهاتِ في القُرْآنِ: هو كَوْنُهُ دَعْوَةً ومَوْعِظَةً وتَعْلِيمًا وتَشْرِيعًا باقِيًا، ومُعْجِزَةً، وخُوطِبَ بِهِ قَوْمٌ لَمْ يَسْبِقْ لَهم عَهْدٌ بِالتَّعْلِيمِ والتَّشْرِيعِ، فَجاءَ عَلى أُسْلُوبٍ مُناسِبٍ لِجَمْعِ هَذِهِ الأُمُورِ، بِحَسَبِ حالِ المُخاطَبِينَ الَّذِينَ لَمْ يَعْتادُوا الأسالِيبَ التَّدْرِيسِيَّةَ، أوِ الأمالِيَ العِلْمِيَّةَ، وإنَّما كانَتْ هِجِّيراهُمُ الخَطابَةَ والمُقاوَلَةَ، فَأُسْلُوبُ المَواعِظِ والدَّعْوَةِ قَرِيبٌ مِن أُسْلُوبِ الخَطابَةِ، وهو لِذَلِكَ لا يَأْتِي عَلى أسالِيبِ الكُتُبِ المُؤَلَّفَةِ لِلْعِلْمِ، أوِ القَوانِينِ المَوْضُوعَةِ لِلتَّشْرِيعِ، فَأُودِعَتِ العُلُومُ المَقْصُودَةُ مِنهُ في تَضاعِيفِ المَوْعِظَةِ والدَّعْوَةِ، وكَذَلِكَ أُودِعَ فِيهِ التَّشْرِيعُ، فَلا تَجِدُ أحْكامَ نَوْعٍ مِنَ المُعامَلاتِ، كالبَيْعِ، مُتَّصِلًا بَعْضُها بِبَعْضٍ، بَلْ تَلْفِيهِ مُوَزَّعًا عَلى حَسَبِ ما اقْتَضَتْهُ مَقاماتُ المَوْعِظَةِ والدَّعْوَةِ، لِيَخِفَّ تَلَقِّيهِ عَلى السّامِعِينَ، ويَعْتادُوا عِلْمَ ما لَمْ يَأْلَفُوهُ في أُسْلُوبٍ قَدْ ألِفُوهُ فَكانَتْ مُتَفَرِّقَةً يُضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ بِالتَّدَبُّرِ. ثُمَّ إنَّ إلْقاءَ تِلْكَ الأحْكامِ كانَ في زَمَنٍ طَوِيلٍ، يَزِيدُ عَلى عِشْرِينَ سَنَةً، أُلْقِيَ إلَيْهِمْ فِيها مِنَ الأحْكامِ بِمِقْدارِ ما دَعَتْ إلَيْهِ حاجَتُهم، وتَحَمَّلَتْهُ مَقْدِرَتُهم، عَلى أنَّ بَعْضَ تَشْرِيعِهِ أُصُولٌ لا تَتَغَيَّرُ، وبَعْضَهُ فُرُوعٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أحْوالِهِمْ، فَلِذَلِكَ تَجِدُ بَعْضَها عامًّا، أوْ مُطْلَقًا، أوْ مُجْمَلًا، وبَعْضَها خاصًّا، أوْ مُقَيَّدًا، أوْ مُبَيِّنًا، فَإذا كانَ بَعْضُ المُجْتَهِدِينَ يَرى تَخْصِيصَ عُمُومِ بَعْضِ عُمُوماتِهِ بِخُصُوصِ بَعْضِ الخُصُوصِيّاتِ مَثَلًا، فَلَعَلَّ بَعْضًا مِنهم لا يَتَمَسَّكُ إلّا بِعُمُومِهِ حِينَئِذٍ، كالَّذِي يَرى الخاصَّ الوارِدَ بَعْدَ العامِّ ناسِخًا، فَيَحْتاجُ إلى تَعْيِينِ التّارِيخِ، ثُمَّ إنَّ العُلُومَ الَّتِي تَعَرَّضَ لَها القُرْآنُ هي مِنَ العُلُومِ العُلْيا: وهي عُلُومٌ فِيما بَعْدَ الطَّبِيعَةِ، وعُلُومُ مَراتِبِ النُّفُوسِ، وعُلُومُ النِّظامِ العُمْرانِيِّ، والحِكْمَةِ، وعُلُومُ الحُقُوقِ. وفِي ضِيقِ اللُّغَةِ المَوْضُوعَةِ عَنِ الإيفاءِ بِغاياتِ المُراداتِ في هاتِهِ العُلُومِ، وقُصُورِ حالَةِ اسْتِعْدادِ أفْهامِ عُمُومِ المُخاطَبِينَ لَها، ما أوْجَبَ تَشابُهًا في مَدْلُولاتِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلَيْها. وإعْجازُ القُرْآنِ: مِنهُ إعْجازٌ نَظْمِيٌّ ومِنهُ إعْجازٌ عِلْمِيٌّ، وهو فَنٌّ جَلِيلٌ مِنَ الإعْجازِ بَيَّنْتُهُ في المُقَدَّمَةِ العاشِرَةِ مِن مُقَدَّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ. فَلَمّا تَعَرَّضَ القُرْآنُ إلى بَعْضِ دَلائِلِ الأكْوانِ وخَصائِصِها، فِيما تَعَرَّضَ إلَيْهِ، جاءَ بِهِ مَحْكِيًّا بِعِبارَةٍ تَصْلُحُ لِحِكايَةِ حالَتِهِ عَلى ما هو في نَفْسِ الأمْرِ، ورُبَّما كانَ إدْراكُ كُنْهِ حالَتِهِ في نَفْسِ الأمْرِ مَجْهُولًا لِأقْوامٍ، فَيَعُدُّونَ تِلْكَ الآيَ الدّالَّةَ عَلَيْهِ مِنَ المُتَشابِهِ فَإذا جاءَ مَن بَعْدَهم عَلِمُوا أنَّ ما عَدَّهُ الَّذِينَ قَبْلَهم مُتَشابِهًا ما هو إلّا مُحْكَمٌ. صفحة ١٥٨ عَلى أنَّ مِن مَقاصِدِ القُرْآنِ أمْرَيْنِ آخَرَيْنِ: أحَدُهُما كَوْنُهُ شَرِيعَةً دائِمَةً، وذَلِكَ يَقْتَضِي فَتْحَ أبْوابِ عِباراتِهِ لِمُخْتَلِفِ اسْتِنْباطِ المُسْتَنْبِطِينَ، حَتّى تُؤْخَذَ مِنهُ أحْكامُ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ، وثانِيهِما تَعْوِيدُ حَمَلَةِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، وعُلَماءِ هَذِهِ الأُمَّةِ، بِالتَّنْقِيبِ، والبَحْثِ، واسْتِخْراجِ المَقاصِدِ مِن عَوِيصاتِ الأدِلَّةِ، حَتّى تَكُونَ طَبَقاتُ عُلَماءِ الأُمَّةِ صالِحَةً - في كُلِّ زَمانٍ - لِفَهْمِ تَشْرِيعِ الشّارِعِ ومَقْصِدِهِ مِنَ التَّشْرِيعِ، فَيَكُونُوا قادِرِينَ عَلى اسْتِنْباطِ الأحْكامِ التَّشْرِيعِيَّةِ، ولَوْ صِيغَ لَهُمُ التَّشْرِيعُ في أُسْلُوبٍ سَهْلِ التَّناوُلِ لاعْتادُوا العُكُوفَ عَلى ما بَيْنَ أنْظارِهِمْ في المُطالَعَةِ الواحِدَةِ. مِن أجْلِ هَذا كانَتْ صَلُوحِيَّةُ عِباراتِهِ لِاخْتِلافِ مَنازِعِ المُجْتَهِدِينَ قائِمَةً مَقامَ تَلاحُقِ المُؤَلِّفِينَ في تَدْوِينِ كُتُبِ العُلُومِ، تَبَعًا لِاخْتِلافِ مَراتِبِ العُصُورِ. فَإذا عَلِمْتَ هَذا عَلِمْتَ أصْلَ السَّبَبِ في وُجُودِ ما يُسَمّى بِالمُتَشابِهِ في القُرْآنِ. وبَقِيَ أنْ نَذْكُرَ لَكَ مَراتِبَ التَّشابُهِ وتَفاوُتَ أسْبابِها. وأنَّها فِيما انْتَهى إلَيْهِ اسْتِقْراؤُنا الآنَ عَشْرُ مَراتِبَ: أُولاها: مَعانٍ قُصِدَ إيداعُها في القُرْآنِ، وقُصِدَ إجْمالُها: إمّا لِعَدَمِ قابِلِيَّةِ البَشَرِ لِفَهْمِها، ولَوْ في الجُمْلَةِ، إنْ قُلْنا بِوُجُودِ المُجْمَلِ، الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، عَلى ما سَيَأْتِي، ونَحْنُ لا نَخْتارُهُ، وإمّا لِعَدَمِ قابِلِيَّتِهِمْ لِكُنْهِ فَهْمِها، فَأُلْقِيَتْ إلَيْهِمْ عَلى وجْهِ الجُمْلَةِ. أوْ لِعَدَمِ قابِلِيَّةِ بَعْضِهِمْ في عَصْرٍ أوْ جِهَةٍ، لِفَهْمِها بِالكُنْهِ. ومِن هَذا: أحْوالُ القِيامَةِ، وبَعْضُ شُئُونِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ كالإتْيانِ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ، والرُّؤْيَةِ، والكَلامِ، ونَحْوِ ذَلِكَ. وثانِيَتُها: مَعانٍ قُصِدَ إشْعارُ المُسْلِمِينَ بِها، وتَعَيَّنَ إجْمالُها، مَعَ إمْكانِ حَمْلِها عَلى مَعانٍ مَعْلُومَةٍ، لَكِنْ بِتَأْوِيلاتٍ: كَحُرُوفِ أوائِلِ السُّوَرِ، ونَحْوِ ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ [البقرة: ٢٩] . ثالِثَتُها: مَعانٍ عالِيَةٌ ضاقَتْ عَنْ إيفاءِ كُنْهِها اللُّغَةُ المَوْضُوعَةُ لِأقْصى ما هو مُتَعارَفُ أهْلِها، فَعُبِّرَ عَنْ تِلْكَ المَعانِي بِأقْصى ما يُقَرِّبُ مَعانِيَها إلى الأفْهامِ، وهَذا مِثْلُ أكْثَرِ صِفاتِ اللَّهِ نَحْوَ الرَّحِمَنِ، الرَّءُوفِ، المُتَكَبِّرِ، نُورِ السَّماواتِ والأرْضِ. صفحة ١٥٩ رابِعَتُها: مَعانٍ قَصُرَتْ عَنْها الأفْهامُ في بَعْضِ أحْوالِ العُصُورِ، وأُودِعَتْ في القُرْآنِ لِيَكُونَ وُجُودُها مُعْجِزَةً قُرْآنِيَّةً عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ في عُصُورٍ قَدْ يَضْعُفُ فِيها إدْراكُ الإعْجازِ النَّظْمِيِّ، نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ [يس: ٣٨] ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ﴾ [الزمر: ٥] ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥] ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ [هود: ٧] ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ [فصلت: ١١] وذِكْرُ سَدِّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ. خامِسَتُها: مَجازاتٌ وكِناياتٌ مُسْتَعْمَلَةٌ في لُغَةِ العَرَبِ، إلّا أنَّ ظاهِرَها أوْهَمَ مَعانِيَ لا يَلِيقُ الحَمْلُ عَلَيْها في جانِبِ اللَّهِ تَعالى لِإشْعارِها بِصِفاتٍ تُخالِفُ كَمالَ الإلَهِيَّةِ، وتَوَقَّفَ فَرِيقٌ في مَحْمَلِها تَنْزِيهًا، نَحْوَ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨] ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] . وسادِسَتُها: ألْفاظٌ مِن لُغاتِ العَرَبِ لَمْ تُعْرَفْ لَدى الَّذِينَ نَزَلَ القُرْآنُ بَيْنَهم: قُرَيْشٍ والأنْصارِ، مِثْلَ ﴿وفاكِهَةً وأبًّا﴾ [عبس: ٣١] ومِثْلَ ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧] ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] . سابِعَتُها: مُصْطَلَحاتٌ شَرْعِيَّةٌ لَمْ يَكُنْ لِلْعَرَبِ عِلْمٌ بِخُصُوصِها، فَما اشْتَهَرَ مِنها بَيْنَ المُسْلِمِينَ مَعْناهُ، صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً: كالتَّيَمُّمِ، والزَّكاةِ، وما لَمْ يَشْتَهِرْ بَقِيَ فِيهِ إجْمالٌ: كالرِّبا قالَ عُمَرُ نَزَلَتْ آياتُ الرِّبا في آخِرِ ما أُنْزِلَ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُبَيِّنْها وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ثامِنَتُها: أسالِيبُ عَرَبِيَّةٌ خَفِيَتْ عَلى أقْوامٍ فَظَنُّوا الكَلامَ بِها مُتَشابِهًا، وهَذا مِثْلَ زِيادَةِ الكافِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ومِثْلَ المُشاكَلَةِ في قَوْلِهِ ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] صفحة ١٦٠ فَيَعْلَمُ السّامِعُ أنَّ إسْنادَ ”خادِعُ“ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ إسْنادٌ بِمَعْنًى مَجازِيٍّ اقْتَضَتْهُ المُشاكَلَةُ. وتاسِعَتُها: آياتٌ جاءَتْ عَلى عاداتِ العَرَبِ، فَفَهِمَها المُخاطَبُونَ، وجاءَ مَن بَعْدَهم فَلَمْ يَفْهَمُوها، فَظَنُّوها مِنَ المُتَشابِهِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ [البقرة: ١٥٨]، في المُوَطَّأِ قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ (قُلْتُ لِعائِشَةَ - وكُنْتُ يَوْمَئِذٍ حَدَثًا لَمْ أتَفَقَّهْ - لا أرى بَأْسًا عَلى أحَدٍ ألّا يَطَّوَّفَ بِالصَّفا والمَرْوَةِ) فَقالَتْ لَهُ: (لَيْسَ كَما قُلْتَ إنَّما كانَ الأنْصارُ يُهِلُّونَ لِمَناةَ الطّاغِيَةِ) إلَخْ. ومِنهُ ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكم فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الآيَةَ. فَإنَّ المُرادَ فِيما شَرِبُوا مِنَ الخَمْرِ قَبْلَ تَحْرِيمِها. عاشِرَتُها: أفْهامٌ ضَعِيفَةٌ عَدَّتْ كَثِيرًا مِنَ المُتَشابِهِ وما هو مِنهُ، وذَلِكَ أفْهامُ الباطِنِيَّةِ، وأفْهامُ المُشَبِّهَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] . ولَيْسَ مِنَ المُتَشابِهِ ما صُرِّحَ فِيهِ بِأنّا لا نَصِلُ إلى عِلْمِهِ كَقَوْلِهِ ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] ولا ما صُرِّحَ فِيهِ بِجَهْلِ وقْتِهِ كَقَوْلِهِ ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] . ولَيْسَ مِنَ المُتَشابِهِ ما دَلَّ عَلى مَعْنًى يُعارِضُ الحَمْلَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ آخَرُ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلى قاعِدَةِ الجَمْعِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ المُتَعارِضَيْنِ، أوْ تَرْجِيحِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى خِطابًا لِإبْلِيسَ: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] الآيَةَ في سُورَةِ الإسْراءِ مَعَ ما في الآياتِ المُقْتَضِيَةِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] . وقَدْ عَلِمْتُمْ مِن هَذا أنَّ مِلاكَ التَّشابُهِ هو عَدَمُ التَّواطُؤِ بَيْنَ المَعانِي واللُّغَةِ: إمّا لِضِيقِها عَنِ المَعانِي، وإمّا لِضِيقِ الأفْهامِ عَنِ اسْتِعْمالِ اللُّغَةِ في المَعْنى، وإمّا لِتَناسِي بَعْضِ اللُّغَةِ، فَيَتَبَيَّنُ لَكَ أنَّ الإحْكامَ والتَّشابُهَ: صِفَتانِ لِلْألْفاظِ، بِاعْتِبارِ فَهْمِ المَعانِي. وإنَّما أخْبَرَ عَنْ ضَمِيرِ آياتٍ مُحْكَماتٍ، وهو ضَمِيرُ جَمْعٍ، باسِمٍ مُفْرَدٍ لَيْسَ دالًّا عَلى أجْزاءٍ وهو ”أُمُّ“ لِأنَّ المُرادَ أنَّ صِنْفَ الآياتِ المُحْكَماتِ يَتَنَزَّلُ مِنَ الكِتابِ مَنزِلَةَ أُمِّهِ أيْ أصْلِهِ ومَرْجِعِهِ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ في فَهْمِ الكِتابِ ومَقاصِدِهِ. والمَعْنى: هُنَّ صفحة ١٦١ كَأُمٍّ لِلْكِتابِ. ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّ كُلَّ آيَةٍ مِنَ المُحْكَماتِ أُمٌّ لِلْكِتابِ في ما تَتَضَمَّنُهُ مِنَ المَعْنى. وهَذا كَقَوْلِ النّابِغَةِ يَذْكُرُ بَنِي أسَدٍ: فَهم دِرْعِي الَّتِي اسْتَلْأمْتُ فِيها أيْ مَجْمُوعُهم كالدِّرْعِ لِي، ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّ كُلَّ أحَدٍ مِن بَنِي أسَدٍ بِمَنزِلَةِ حَلْقَةٍ مِن حِلَقِ الدِّرْعِ. ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] . والكَلامُ عَلى أُخَرُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] . * * * ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ . تَفْصِيلٌ لِإجْمالٍ اقْتَضاهُ الكَلامُ السّابِقُ؛ لِأنَّهُ لَمّا قَسَّمَ الكِتابَ إلى مُحْكَمٍ ومُتَشابِهٍ، وكانَ ذَلِكَ التَّقْسِيمُ بِاعْتِبارِ دَلالَةِ الألْفاظِ عَلى المَعانِي، تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى مَعْرِفَةِ تَلَقِّي النّاسِ لِلْمُتَشابِهِ. أمّا المُحْكَمُ فَتَلَقِّي النّاسِ لَهُ عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ، فَلا حاجَةَ إلى تَفْصِيلٍ فِيهِ، واقْتَصَرَ في التَّفْصِيلِ عَلى ذِكْرِ قِسْمٍ مِن أقْسامِهِ: وهو حالُ ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ كَيْفَ تَلَقِّيهِمْ لِلْمُتَشابِهاتِ؛ لِأنَّ بَيانَ هَذا هو الأهَمُّ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ، وهو كَشْفُ شُبْهَةِ الَّذِينَ غَرَّتْهُمُ المُتَشابِهاتُ ولَمْ يَهْتَدُوا إلى حَقِّ تَأْوِيلِها، ويُعْرَفُ حالُ قَسِيمِهِمْ وهُمُ الَّذِينَ لا زَيْغَ في قُلُوبِهِمْ بِطَرِيقِ المُقابَلَةِ. ثُمَّ سَيُصَرِّحُ بِإجْمالٍ حالَ المُهْتَدِينَ في تَلَقِّي مُتَشابِهاتِ القُرْآنِ. والقُلُوبُ مَحالُّ الإدْراكِ، وهي العُقُولُ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والزَّيْغُ: المَيْلُ والِانْحِرافُ عَنِ المَقْصُودِ: ﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ [النجم: ١٧] ويُقالُ: زاغَتِ الشَّمْسُ. فالزَّيْغُ أخَصُّ مِنَ المَيْلِ؛ لِأنَّهُ مَيْلٌ عَنِ الصَّوابِ والمَقْصُودِ. والِاتِّباعُ هُنا مَجازٌ عَنِ المُلازَمَةِ والمُعاوَدَةِ، أيْ يَعْكُفُونَ عَلى الخَوْضِ في المُتَشابِهِ، يُحْصُونَهُ. شُبِّهَتْ تِلْكَ المُلازَمَةُ بِمُلازَمَةِ التّابِعِ مَتْبُوعَهُ. صفحة ١٦٢ وقَدْ ذَكَرَ عِلَّةَ الِاتِّباعِ، وهو طَلَبُ الفِتْنَةِ، وطَلَبُ أنْ يُؤَوِّلُوهُ، ولَيْسَ طَلَبُ تَأْوِيلِهِ في ذاتِهِ بِمَذَمَّةٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ كَما سَنُبَيِّنُهُ وإنَّما مَحَلُّ الذَّمِّ أنَّهم يَطْلُبُونَ تَأْوِيلًا لَيْسُوا أهْلًا لَهُ فَيُؤَوِّلُونَهُ بِما يُوافِقُ أهْواءَهم. وهَذا دَيْدَنُ المَلاحِدَةِ وأهْلِ الأهْواءِ: الَّذِينَ يَتَعَمَّدُونَ حَمْلَ النّاسِ عَلى مُتابَعَتِهِمْ تَكْثِيرًا لِسَوادِهِمْ. ولَمّا وصَفَ أصْحابَ هَذا المَقْصِدِ بِالزَّيْغِ في قُلُوبِهِمْ، عَلِمْنا أنَّهُ ذَمَّهم بِذَلِكَ لِهَذا المَقْصِدِ، ولا شَكَّ أنَّ كُلَّ اشْتِغالٍ بِالمُتَشابِهِ إذا كانَ مُفْضِيًا إلى هَذا المَقْصِدِ يَنالُهُ شَيْءٌ مِن هَذا الذَّمِّ. فالَّذِينَ اتَّبَعُوا المُتَشابِهَ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ المُنافِقُونَ، والزَّنادِقَةُ، والمُشْرِكُونَ مِثالُ تَأْوِيلِ المُشْرِكِينَ: قِصَّةُ العاصِي بْنِ وائِلٍ - مِنَ المُشْرِكِينَ - إذْ جاءَهُ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ - مِنَ المُسْلِمِينَ - يَتَقاضاهُ أجْرًا، فَقالَ العاصِي - مُتَهَكِّمًا بِهِ - وإنِّي لَمَبْعُوثٌ بَعْدَ المَوْتِ - أيْ حَسَبَ اعْتِقادِكم - ؟ فَسَوْفَ أقْضِيكَ إذا رَجَعْتُ إلى مالٍ ووَلَدٍ فالعاصِي تَوَهَّمَ، أوْ أرادَ الإيهامَ، أنَّ البَعْثَ بَعْدَ المَوْتِ رُجُوعٌ إلى الدُّنْيا، أوْ أرادَ أنْ يُوهِمَ دَهْماءَ المُشْرِكِينَ ذَلِكَ لِيَكُونَ أدْعى إلى تَكْذِيبِ الخَبَرِ بِالبَعْثِ، بِمُشاهَدَةِ عَدَمِ رُجُوعِ أحَدٍ مِنَ الأمْواتِ، ولِذَلِكَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الدخان: ٣٦] . ومِثالُ تَأْوِيلِ الزَّنادِقَةِ: ما حَكاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رازِمٍ الطّائِيُّ الكُوفِيُّ قالَ: كُنْتُ بِمَكَّةَ حِينَ كانَ الجَنّابِيُّ - زَعِيمُ القَرامِطَةِ - بِمَكَّةَ، وهم يَقْتُلُونَ الحُجّاجَ، ويَقُولُونَ: ألَيْسَ قالَ لَكم مُحَمَّدٌ المَكِّيُّ ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] فَأيُّ أمْنٍ هُنا ؟ قالَ: فَقُلْتُ لَهُ: هَذا خَرَجَ في صُورَةِ الخَبَرِ، والمُرادُ بِهِ الأمْرُ أيْ ومَن دَخَلَهُ فَأمِّنُوهُ، كَقَوْلِهِ ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . والَّذِينَ شابَهُوهم في ذَلِكَ كُلُّ قَوْمٍ يَجْعَلُونَ البَحْثَ في المُتَشابِهِ دَيْدَنَهم، ويُفْضُونَ بِذَلِكَ إلى خِلافاتٍ وتَعَصُّباتٍ. وكُلُّ مَن يَتَأوَّلُ المُتَشابِهَ عَلى هَواهُ، بِغَيْرِ دَلِيلٍ عَلى تَأْوِيلِهِ مُسْتَنِدٌ إلى دَلِيلٍ أوِ اسْتِعْمالٍ عَرَبِيٍّ. وقَدْ فُهِمَ أنَّ المُرادَ: التَّأْوِيلُ بِحَسَبِ الهَوى، أوِ التَّأْوِيلُ المُلْقِي في الفِتْنَةِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ الآيَةَ، كَما فُهِمَ مِن قَوْلِهِ: ”فَيَتَّبِعُونَ“ أنَّهم يَهْتَمُّونَ بِذَلِكَ، ويَسْتَهْتِرُونَ بِهِ، وهَذا مِلاكُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ حالِ مَن يَتَّبِعُ المُتَشابِهَ لِلْإيقاعِ في الشَّكِّ والإلْحادِ، وبَيْنَ حالِ مَن يُفَسِّرُ المُتَشابِهَ ويُؤَوِّلُهُ صفحة ١٦٣ إذا دَعاهُ داعٍ إلى ذَلِكَ، وفي البُخارِيِّ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ - أنَّ رَجُلًا قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ إنِّي أجِدُ في القُرْآنِ أشْياءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ. قالَ: ما هو ؟ قالَ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] - وقالَ: - ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] - وقالَ: - ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] - وقالَ: - ﴿قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠١] في النَّفْخَةِ الأُولى ثُمَّ في النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] . فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِأهْلِ الإخْلاصِ ذُنُوبَهم فَيَقُولُ المُشْرِكُونَ: تَعالَوْا نَقُلْ: ما كُنّا مُشْرِكِينَ، فَيَخْتِمُ اللَّهُ عَلى أفَواهِهِمْ فَتَنْطِقُ جَوارِحُهم بِأعْمالِهِمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، «عَنْ عائِشَةَ: قالَتْ: تَلا رَسُولُ اللَّهِ هَذِهِ الآيَةَ إلى قَوْلِهِ ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩] قالَتْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ: فَإذا رَأيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمّاهُمُ اللَّهُ فاحْذَرُوهم» . ويُقْصَدُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ التَّعْرِيضُ بِنَصارى نَجْرانَ إذْ ألْزَمُوا المُسْلِمِينَ بِأنَّ القُرْآنَ يَشْهَدُ لِكَوْنِ اللَّهِ ثالِثَ ثَلاثَةٍ بِما يَقَعُ في القُرْآنِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ ومَعَهُ غَيْرُهُ مِن نَحْوِ خَلَقْنا وأمَرْنا وقَضَيْنا، وزَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ الضَّمِيرَ لَهُ وعِيسى ومَرْيَمَ ولا شَكَّ أنَّ هَذا - إنْ صَحَّ عَنْهم - هو تَمْوِيهٌ؛ إذْ مِنَ المَعْرُوفِ أنَّ في ذَلِكَ الضَّمِيرِ طَرِيقَتَيْنِ مَشْهُورَتَيْنِ إمّا إرادَةَ التَّشْرِيكِ أوْ إرادَةَ التَّعْظِيمِ. فَما أرادُوا مِنِ اسْتِدْلالِهِمْ هَذا إلّا التَّمْوِيهَ عَلى عامَّةِ النّاسِ. * * * ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ . جُمْلَةُ حالٍ، أيْ وهم لا قِبَلَ لَهم بِتَأْوِيلِهِ؛ إذْ لَيْسَ تَأْوِيلُهُ لِأمْثالِهِمْ، كَما قِيلَ في المَثَلِ: (لَيْسَ بِعُشِّكِ فادْرَجِي) . ومِن هُنا أمْسَكَ السَّلَفُ عَنْ تَأْوِيلِ المُتَشابِهاتِ، غَيْرِ الرّاجِعَةِ إلى التَّشْرِيعِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أيُّ أرْضٍ تُقِلُّنِي وأيُّ سَماءٍ تُظِلُّنِي إنْ قُلْتُ في كِتابِ اللَّهِ صفحة ١٦٤ بِما لا أعْلَمُ وجاءَ في زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَجُلٌ إلى المَدِينَةِ مِنَ البَصْرَةِ، يُقالُ لَهُ صَبِيغُ بْنُ شَرِيكٍ أوِ ابْنُ عَسَلٍ التَّمِيمِيُّ فَجَعَلَ يَسْألُ النّاسَ عَنْ مُتَشابِهِ القُرْآنِ، وعَنْ أشْياءَ. فَأحْضَرَهُ عُمَرُ، وضَرَبَهُ ضَرْبًا مُوجِعًا، وكَرَّرَ ذَلِكَ أيّامًا، فَقالَ: حَسْبُكَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ فَقَدْ ذَهَبَ ما كُنْتُ أجِدُ في رَأْسِي، ثُمَّ أرْجَعَهُ إلى البَصْرَةِ وكَتَبَ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنْ يَمْنَعَ النّاسَ مِن مُخالَطَتِهِ. ومِنَ السَّلَفِ مَن تَأوَّلَ عِنْدَ عُرُوضِ الشُّبْهَةِ لِبَعْضِ النّاسِ، كَما فَعَلَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما ذَكَرْناهُ آنِفًا. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ - في (العَواصِمِ مِنَ القَواصِمِ) - مِنَ الكائِدِينَ لِلْإسْلامِ الباطِنِيَّةُ والظّاهِرِيَّةُ. قُلْتُ: أمّا الباطِنِيَّةُ فَقَدْ جَعَلُوا مُعْظَمَ القُرْآنِ مُتَشابِهًا، وتَأوَّلُوهُ بِحَسَبِ أهْوائِهِمْ، وأمّا الظّاهِرِيُّونَ فَقَدْ أكْثَرُوا في مُتَشابِهِهِ، واعْتَقَدُوا سَبَبَ التَّشابُهِ واقِعًا، فالأوَّلُونَ دَخَلُوا في قَوْلِهِ: ﴿وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، والأخِيرُونَ خَرَجُوا مِن قَوْلِهِ: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ أوْ ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ﴾ فَخالَفُوا الخَلَفَ والسَّلَفَ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ - في العَواصِمِ -: وأصْلُ الظّاهِرِيِّينَ الخَوارِجُ الَّذِينَ قالُوا: لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ، يَعْنِي أنَّهم أخَذُوا بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ، ولَمْ يَتَأوَّلُوهُ بِما هو المُرادُ مِنَ الحُكْمِ. والمُرادُ بِالرّاسِخِينَ في العِلْمِ: الَّذِينَ تَمَكَّنُوا في عِلْمِ الكِتابِ، ومَعْرِفَةِ مَحامِلِهِ، وقامَ عِنْدَهم مِنَ الأدِلَّةِ ما أرْشَدَهم إلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى، بِحَيْثُ لا تَرُوجُ عَلَيْهِمُ الشُّبَهُ. والرُّسُوخُ في كَلامِ العَرَبِ: الثَّباتُ والتَّمَكُّنُ في المَكانِ، يُقالُ: رَسَخَتِ القَدَمُ تَرْسَخُ رُسُوخًا إذا ثَبَتَتْ عِنْدَ المَشْيِ ولَمْ تَتَزَلْزَلْ، واسْتُعِيرَ الرُّسُوخُ لِكَمالِ العَقْلِ والعِلْمِ بِحَيْثُ لا تُضَلِّلُهُ الشُّبَهُ، ولا تَتَطَرَّقُهُ الأخْطاءُ غالِبًا، وشاعَتْ هَذِهِ الِاسْتِعارَةُ حَتّى صارَتْ كالحَقِيقَةِ. فالرّاسِخُونَ في العِلْمِ: الثّابِتُونَ فِيهِ العارِفُونَ بِدَقائِقِهِ، فَهم يُحْسِنُونَ مَواقِعَ التَّأْوِيلِ ويَعْلَمُونَهُ. ولِذا فَقَوْلُهُ والرّاسِخُونَ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ، وفي هَذا العَطْفِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ: كَقَوْلِهِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] وإلى هَذا التَّفْسِيرِ مالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمانَ، والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، والشّافِعِيَّةُ، وابْنُ فَوْرَكٍ، والشَّيْخُ أحْمَدُ القُرْطُبِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وعَلى هَذا فَلَيْسَ في القُرْآنِ آيَةٌ اسْتَأْثَرَ صفحة ١٦٥ اللَّهُ بِعِلْمِها، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ اللَّهَ أثْبَتَ لِلرّاسِخِينَ في العِلْمِ فَضِيلَةً، ووَصَفَهم بِالرُّسُوخِ، فَآذَنَ بِأنَّ لَهم مَزِيَّةً في فَهْمِ المُتَشابِهِ؛ لِأنَّ المُحْكَمَ يَسْتَوِي في عِلْمِهِ جَمِيعُ مَن يَفْهَمُ الكَلامَ، فَفي أيِّ شَيْءٍ رُسُوخُهم ؟ وحَكى إمامُ الحَرَمَيْنِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ قالَ في هاتِهِ الآيَةِ أنا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ. وقِيلَ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ إلّا اللَّهُ، وإنَّ جُمْلَةَ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ مُسْتَأْنَفَةٌ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ جُمْهُورِ السَّلَفِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وعائِشَةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيٍّ، ورَواهُ أشْهَبُ عَنْ مالِكٍ في جامِعِ العُتْبِيَّةِ، وقالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، والكِسائِيُّ، والأخْفَشُ والفَرّاءُ، والحَنَفِيَّةُ، وإلَيْهِ مالَ فَخْرُ الدِّينِ. ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ وصْفُهم بِالرُّسُوخِ في العِلْمِ؛ فَإنَّهُ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ الحُكْمَ الَّذِي أُثْبِتَ لِهَذا الفَرِيقِ، هو حُكْمٌ مِن مَعْنى العِلْمِ والفَهْمِ في المُعْضِلاتِ، وهو تَأْوِيلُ المُتَشابِهِ، عَلى أنَّ أصْلَ العَطْفِ هو عَطْفُ المُفْرَداتِ دُونَ عَطْفِ الجُمَلِ، فَيَكُونُ الرّاسِخُونَ مَعْطُوفًا عَلى اسْمِ الجَلالَةِ فَيَدْخُلُونَ في أنَّهم يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ. ولَوْ كانَ الرّاسِخُونَ مُبْتَدَأً وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ خَبَرًا، لَكانَ حاصِلُ هَذا الخَبَرِ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ سائِرُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لا زَيْغَ في قُلُوبِهِمْ، فَلا يَكُونُ لِتَخْصِيصِ الرّاسِخِينَ فائِدَةٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ تَسْمِيَتُهم راسِخِينَ تَقْتَضِي أنَّهم يَعْلَمُونَ أكْثَرَ مِنَ المُحْكَمِ الَّذِي يَسْتَوِي في عِلْمِهِ الجَمِيعُ وما الرُّسُوخُ إلّا المَعْرِفَةُ بِتَصارِيفِ الكَلامِ بِقَرِيحَةٍ مُعَدَّةٍ، وما ذَكَرْناهُ وذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ لا يَعْدُو أنْ يَكُونَ تَرْجِيحًا لِأحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ، ولَيْسَ إبْطالًا لِمُقابِلِهِ إذْ قَدْ يُوصَفُ بِالرُّسُوخِ مَن يُفَرِّقُ بَيْنَ ما يَسْتَقِيمُ تَأْوِيلُهُ، وما لا مَطْمَعَ في تَأْوِيلِهِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ إشْعارٌ بِأنَّ الرّاسِخِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ المُتَشابِهِ. واحْتَجَّ أصْحابُ الرَّأْيِ الثّانِي، وهو رَأْيُ الوَقْفِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ: بِأنَّ الظّاهِرَ أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ والرّاسِخُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِتَكُونَ مُعادِلًا لِجُمْلَةِ ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، والتَّقْدِيرُ: وأمّا الرّاسِخُونَ في العِلْمِ. وأجابَ التَّفْتازانِيُّ بِأنَّ المُعادِلَ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مَذْكُورًا، بَلْ قَدْ يُحْذَفُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. واحْتَجُّوا أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى صفحة ١٦٦ ﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ قالَ الفَخْرُ: لَوْ كانُوا عالِمِينَ بِتَأْوِيلِهِ لَمْ يَكُنْ لِهَذا الكَلامِ فائِدَةٌ؛ إذِ الإيمانُ بِما ظَهَرَ مَعْناهُ أمْرٌ غَيْرُ غَرِيبٍ. وسَنُجِيبُ عَنْ هَذا عِنْدَ الكَلامِ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ، وذَكَرَ الفَخْرُ حُجَجًا غَيْرَ مُسْتَقِيمَةٍ. ولا يَخْفى أنَّ أهْلَ القَوْلِ الأوَّلِ لا يُثْبِتُونَ مُتَشابِهًا غَيْرَ ما خَفِيَ المُرادُ مِنهُ، وأنَّ خَفاءَ المُرادِ مُتَفاوِتٌ، وأنَّ أهْلَ القَوْلِ الثّانِي يُثْبِتُونَ مُتَشابِهًا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وهو أيْضًا مُتَفاوِتٌ؛ لِأنَّ مِنهُ ما يَقْبَلُ تَأْوِيلاتٍ قَرِيبَةً، وهو مِمّا يَنْبَغِي ألّا يُعَدَّ مِنَ المُتَشابِهِ في اصْطِلاحِهِمْ، لَكِنَّ صَنِيعَهم في الإمْساكِ عَنْ تَأْوِيلِ آياتٍ كَثِيرَةٍ سَهْلٍ تَأْوِيلُها مِثْلَ ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨] دَلَّ عَلى أنَّهم يَسُدُّونَ بابَ التَّأْوِيلِ في المُتَشابِهِ، قالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَطِيَّةَ إنَّ تَأْوِيلَ ما يُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ - عَلى الِاسْتِيفاءِ - إلّا اللَّهُ تَعالى، فَمَن قالَ مِنَ العُلَماءِ الحُذّاقِ بِأنَّ الرّاسِخِينَ لا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ المُتَشابِهِ، فَإنَّما أرادَ هَذا النَّوْعَ، وخافُوا أنْ يَظُنَّ أحَدٌ أنَّ اللَّهَ وصَفَ الرّاسِخِينَ بِعِلْمِ التَّأْوِيلِ عَلى الكَمالِ. وعَلى الِاخْتِلافِ في مَحْمَلِ العَطْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ انْبَنى اخْتِلافٌ بَيْنَ عُلَماءِ الأُمَّةِ في تَأْوِيلِ ما كانَ مُتَشابِهًا مِن آياتِ القُرْآنِ، ومِن صِحاحِ الأخْبارِ، عَنِ النَّبِيءِ، ﷺ . فَكانَ رَأْيُ فَرِيقٍ مِنهُمُ الإيمانَ بِها، عَلى إبْهامِها وإجْمالِها، وتَفْوِيضَ العِلْمِ بِكُنْهِ المُرادِ مِنها إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ طَرِيقَةُ سَلَفِ عُلَمائِنا، قَبْلَ ظُهُورِ شُكُوكِ المُلْحِدِينَ أوِ المُتَعَلِّمِينَ، وذَلِكَ في عَصْرِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وبَعْضِ عَصْرِ تابِعِيهِمْ، ويُعَبَّرُ عَنْها بِطَرِيقَةِ السَّلَفِ، ويَقُولُونَ: طَرِيقَةُ السَّلَفِ أسْلَمُ، أيْ أشَدُّ سَلامَةً لَهم مِن أنْ يَتَأوَّلُوا تَأْوِيلاتٍ لا يُدْرى مَدى ما تُفْضِي إلَيْهِ مِن أُمُورٍ لا تَلِيقُ بِجَلالِ اللَّهِ تَعالى ولا تَتَّسِقُ مَعَ ما شَرَعَهُ لِلنّاسِ مِنَ الشَّرائِعِ، مَعَ ما رَأوْا مِنِ اقْتِناعِ أهْلِ عَصْرِهِمْ بِطَرِيقَتِهِمْ، وانْصِرافِهِمْ عَنِ التَّعَمُّقِ في طَلَبِ التَّأْوِيلِ. وكانَ رَأْيُ جُمْهُورِ مَن جاءَ بَعْدَ عَصْرِ السَّلَفِ تَأْوِيلَها بِمَعانٍ مِن طَرائِقِ اسْتِعْمالِ الكَلامِ العَرَبِيِّ البَلِيغِ مِن مَجازٍ، واسْتِعارَةٍ، وتَمْثِيلٍ، مَعَ وُجُودِ الدّاعِي إلى التَّأْوِيلِ، وهو تَعَطُّشُ العُلَماءِ الَّذِينَ اعْتادُوا التَّفَكُّرَ والنَّظَرَ وفَهْمَ الجَمْعِ بَيْنَ أدِلَّةِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ، ويُعَبَّرُ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِطَرِيقَةِ الخَلَفِ، ويَقُولُونَ: طَرِيقَةُ الخَلَفِ أعْلَمُ، أيْ أنْسَبُ بِقَواعِدِ صفحة ١٦٧ العِلْمِ وأقْوى في تَحْصِيلِ العِلْمِ لِجِدالِ المُلْحِدِينَ، والمَقْنَعِ لِمَن يَتَطَلَّبُونَ الحَقائِقَ مِنَ المُتَعَلِّمِينَ، وقَدْ يَصِفُونَها بِأنَّها أحْكَمُ أيْ أشَدُّ إحْكامًا؛ لِأنَّها تُقْنِعُ أصْحابَ الأغْراضِ كُلَّهم. وقَدْ وقَعَ هَذانِ الوَصْفانِ في كَلامِ المُفَسِّرِينَ وعُلَماءِ الأُصُولِ، ولَمْ أقِفْ عَلى تَعْيِينِ أوَّلِ مَن صَدَرَ عَنْهُ، وقَدْ تَعَرَّضَ الشَّيْخُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - في العَقِيدَةِ الحَمَوِيَّةِ - إلى رَدِّ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ ولَمْ يَنْسُبْهُما إلى قائِلٍ. والمَوْصُوفُ بِأسْلَمَ وبِأعْلَمَ الطَّرِيقَةُ لا أهْلُها؛ فَإنَّ أهْلَ الطَّرِيقَتَيْنِ مِن أئِمَّةِ العِلْمِ، ومِمَّنْ سَلِمُوا في دِينِهِمْ مِنَ الفِتَنِ. ولَيْسَ في وصْفِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِأنَّها أعْلَمُ أوْ أحْكَمُ، غَضاضَةٌ مِنَ الطَّرِيقَةِ الأُولى؛ لِأنَّ العُصُورَ الَّذِينَ دَرَجُوا عَلى الطَّرِيقَةِ الأُولى فِيهِمْ مَن لا تَخْفى عَلَيْهِمْ مَحامِلُها بِسَبَبِ ذَوْقِهِمُ العَرَبِيِّ، وهَدْيِهِمُ النَّبَوِيِّ، وفِيهِمْ مَن لا يُعِيرُ البَحْثَ عَنْها جانِبًا مِن هِمَّتِهِ، مِثْلَ سائِرِ العامَّةِ. فَلا جَرَمَ كانَ طَيُّ البَحْثِ عَنْ تَفْصِيلِها أسْلَمَ لِلْعُمُومِ، وكانَ تَفْصِيلُها بَعْدَ ذَلِكَ أعْلَمَ لِمَن جاءَ بَعْدَهم، بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُؤَوِّلُوها بِهِ لَأوْسَعُوا لِلْمُتَطَلِّعِينَ إلى بَيانِها مَجالًا لِلشَّكِّ أوِ الإلْحادِ أوْ ضِيقِ الصَّدْرِ في الِاعْتِقادِ. واعْلَمْ أنَّ التَّأْوِيلَ مِنهُ ما هو واضِحٌ بَيِّنٌ، فَصَرْفُ اللَّفْظِ المُتَشابِهِ عَنْ ظاهِرِهِ إلى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ يُعادِلُ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْهِ المَشْهُورَيْنِ لِأجْلِ كَثْرَةِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في المَعْنى غَيْرِ الظّاهِرِ مِنهُ. فَهَذا القِسْمُ مِنَ التَّأْوِيلِ حَقِيقٌ بِألّا يُسَمّى تَأْوِيلًا، ولَيْسَ أحَدُ مَحْمَلَيْهِ بِأقْوى مِنَ الآخَرِ إلّا أنَّ أحَدَهُما أسْبَقُ في الوَضْعِ مِنَ الآخَرِ، والمَحْمَلانِ مُتَساوِيانِ في الِاسْتِعْمالِ ولَيْسَ سَبْقُ إطْلاقِ اللَّفْظِ عَلى أحَدِ المَعْنَيَيْنِ بِمُقْتَضٍ تَرْجِيحَ ذَلِكَ المَعْنى، فَكَمْ مِن إطْلاقٍ مَجازِيٍّ لِلَفْظٍ هو أسْبَقُ إلى الأفْهامِ مِن إطْلاقِهِ الحَقِيقِيِّ. ولَيْسَ قَوْلُهم في عِلْمِ الأُصُولِ بِأنَّ الحَقِيقَةَ أرْجَحُ مِنَ المَجازِ بِمَقْبُولٍ عَلى عُمُومِهِ. وتَسْمِيَةُ هَذا النَّوْعِ بِالمُتَشابِهِ لَيْسَتْ مُرادَةً في الآيَةِ. وعَدُّهُ مِنَ المُتَشابِهِ جُمُودٌ. ومِنَ التَّأْوِيلِ ما ظاهِرُ مَعْنى اللَّفْظِ فِيهِ أشْهَرُ مِن مَعْنى تَأْوِيلِهِ ولَكِنَّ القَرائِنَ أوِ الأدِلَّةَ أوْجَبَتْ صَرْفَ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِ مَعْناهُ. فَهَذا حَقِيقٌ بِأنْ يُعَدَّ مِنَ المُتَشابِهِ. ثُمَّ إنَّ تَأْوِيلَ اللَّفْظِ في مِثْلِهِ قَدْ يَتَيَسَّرُ بِمَعْنًى مُسْتَقِيمٍ يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّهُ المُرادُ إذا جَرى حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما هو مِن مُسْتَعْمَلاتِهِ في الكَلامِ البَلِيغِ مِثْلَ الأيْدِي والأعْيُنِ في صفحة ١٦٨ قَوْلِهِ: ﴿بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] وقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨] فَمَن أخَذُوا مِن مِثْلِهِ أنَّ لِلَّهِ أعْيُنًا لا يُعْرَفُ كُنْهُها، أوْ لَهُ يَدًا لَيْسَتْ كَأيْدِينا، فَقَدْ زادُوا في قُوَّةِ الِاشْتِباهِ. ومِنهُ ما يُعْتَبَرُ تَأْوِيلُهُ احْتِمالًا وتَجْوِيزًا بِأنْ يَكُونَ الصَّرْفُ عَنِ الظّاهِرِ مُتَعَيِّنًا. وأمّا حَمْلُهُ عَلى ما أوَّلُوهُ بِهِ فَعَلى وجْهِ الِاحْتِمالِ والمِثالِ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] فَمِثْلُ ذَلِكَ مَقْطُوعٌ بِوُجُوبِ تَأْوِيلِهِ ولا يَدَّعِي أحَدٌ أنَّ ما أوَّلَهُ بِهِ هو المُرادُ مِنهُ ولَكِنَّهُ وجْهٌ تابِعٌ لِإمْكانِ التَّأْوِيلِ، وهَذا النَّوْعُ أشَدُّ مَواقِعِ التَّشابُهِ والتَّأْوِيلِ. وقَدِ اسْتَبانَ لَكَ مِن هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ: أنَّ نَظْمَ الآيَةِ جاءَ عَلى أبْلَغِ ما يُعَبَّرُ بِهِ في مَقامٍ يَسَعُ طائِفَتَيْنِ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ في مُخْتَلِفِ العُصُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ حالٌ مِنَ الرّاسِخُونَ أيْ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ في هَذِهِ الحالَةِ والمَعْنى عَلَيْهِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ القَوْلِ الكِنايَةَ عَنِ الِاعْتِقادِ؛ لِأنَّ شَأْنَ المُعْتَقِدِ أنْ يَقُولَ مُعْتَقَدَهُ، أيْ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ ولا يَهْجِسُ في نُفُوسِهِمْ شَكٌّ مِن جِهَةِ وُقُوعِ المُتَشابِهِ حَتّى يَقُولُوا: لِماذا لَمْ يَجِئِ الكَلامُ كُلُّهُ واضِحًا، ويَتَطَرَّقُهم مِن ذَلِكَ إلى الرِّيبَةِ في كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ . ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ: يَقُولُونَ لِغَيْرِهِمْ، أيْ مَن لَمْ يَبْلُغْ مَرْتَبَةَ الرُّسُوخِ مِن عامَّةِ المُسْلِمِينَ، الَّذِينَ لا قِبَلَ لَهم بِإدْراكِ تَأْوِيلِهِ، لِيُعَلِّمُوهُمُ الوُقُوفَ عِنْدَ حُدُودِ الإيمانِ، وعَدَمَ التَّطَلُّعِ إلى ما لَيْسَ بِالإمْكانِ، وهَذا يَقْرُبُ مِمّا قالَهُ أهْلُ الأُصُولِ: إنَّ المُجْتَهِدَ لا يَلْزَمُهُ بَيانُ مُدْرَكِهِ لِلْعامِّيِّ، إذا سَألَهُ عَنْ مَأْخَذِ الحُكْمِ، إذا كانَ المُدْرَكُ خَفِيًّا. وبِهَذا يَحْصُلُ الجَوابُ عَنِ احْتِجاجِ الفَخْرِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ لِتَرْجِيحِ الوَقْفِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ. وعَلى قَوْلِ المُتَقَدِّمِينَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ”يَقُولُونَ“ خَبَرًا، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿آمَنّا بِهِ﴾ آمَنّا بِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وإنْ لَمْ نَفْهَمْ مَعْناهُ. وقَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ أيْ كُلٌّ مِنَ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ. وهو عَلى الوَجْهَيْنِ بَيانٌ لِمَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿آمَنّا بِهِ﴾ فَلِذَلِكَ قُطِعَتِ الجُمْلَةُ. أيْ كُلٌّ مِنَ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ، مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ. صفحة ١٦٩ وزِيدَتْ كَلِمَةُ ”عِنْدَ“ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ”مِن“ هُنا لِلِابْتِداءِ الحَقِيقِيِّ دُونَ المَجازِيِّ، أيْ هو مُنَزَّلٌ مِن وحْيِ اللَّهِ تَعالى وكَلامِهِ، ولَيْسَ كَقَوْلِهِ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] . وجُمْلَةُ ﴿وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ تَذْيِيلٌ، لَيْسَ مِن كَلامِ الرّاسِخِينَ، مَسُوقٌ مَساقَ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ في اهْتِدائِهِمْ إلى صَحِيحِ الفَهْمِ. والألْبابُ: العُقُولُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُونِ يا أُولِي الألْبابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

آل عمران 3:8

﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ . دُعاءٌ عُلِّمَهُ النَّبِيءُ ﷺ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ: لِأنَّ المَوْقِعَ المَحْكِيَّ مَوْقِعُ عِبْرَةٍ ومَثارٍ لِهَواجِسِ الخَوْفِ مِن سُوءِ المَصِيرِ إلى حالِ ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] فَما هم إلّا مِن عُقَلاءِ البَشَرِ، لا تَفاوُتَ بَيْنَهم وبَيْنَ الرّاسِخِينَ، في الإنْسانِيَّةِ، ولا في سَلامَةِ العُقُولِ والمَشاعِرِ، فَما كانَ ضَلالُهم إلّا مِن حِرْمانِهِمُ التَّوْفِيقَ، واللُّطْفَ، ووَسائِلَ الِاهْتِداءِ. وقَدْ عُلِمَ مِن تَعْقِيبِ قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧] الآياتِ، بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ أنَّ مِن جُمْلَةِ ما قُصِدَ بِوَصْفِ الكِتابِ بِأنَّ مِنهُ مُحْكَمًا ومِنهُ مُتَشابِهًا - إيقاظَ الأُمَّةِ إلى ذَلِكَ لِتَكُونَ عَلى بَصِيرَةٍ في تَدَبُّرِ كِتابِها: تَحْذِيرًا لَها مِنَ الوُقُوعِ في الضَّلالِ، الَّذِي أوْقَعَ الأُمَمَ في كَثِيرٍ مِنهُ وُجُودُ المُتَشابِهاتِ في كُتُبِها، وتَحْذِيرًا لِلْمُسْلِمِينَ مِنِ اتِّباعِ البَوارِقِ الباطِلَةِ مِثْلَ ما وقَعَ فِيهِ بَعْضُ العَرَبِ مِنَ الرِّدَّةِ والعِصْيانِ بَعْدَ وفاةِ الرَّسُولِ ﷺ لِتَوَهُّمِ أنَّ التَّدَيُّنَ بِالدِّينِ إنَّما كانَ لِأجْلِ وُجُودِ الرَّسُولِ بَيْنَهم، ولِذَلِكَ كانَ أبُو بَكْرٍ يَدْعُو بِهَذِهِ الآيَةِ في صَلاتِهِ مُدَّةَ ارْتِدادِ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ العَرَبِ، فَفي المُوَطَّأِ، عَنِ الصُّنابِحِيِّ: أنَّهُ قالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ في خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَصَلَّيْتُ صفحة ١٧٠ وراءَهُ المَغْرِبَ فَقامَ في الثّالِثَةِ فَدَنَوْتُ مِنهُ حَتّى إنَّ ثِيابِي لَتَكادُ تَمَسُّ ثِيابَهُ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ وهَذِهِ الآيَةِ ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ الآيَةَ. فَزَيْغُ القَلْبِ يَتَسَبَّبُ عَنْ عَوارِضَ تَعْرِضُ لِلْعَقْلِ مِن خَلَلٍ في ذاتِهِ، أوْ دَواعٍ مِنَ الخُلْطَةِ أوِ الشَّهْوَةِ، أوْ ضَعْفِ الإرادَةِ، تَحَوَّلُ بِالنَّفْسِ عَنِ الفَضائِلِ المُتَحَلِّيَةِ بِها إلى رَذائِلَ كانَتْ تَهْجِسُ بِالنَّفْسِ فَتَذُودُها النَّفْسُ عَنْها بِما اسْتَقَرَّ في النَّفْسِ مِن تَعالِيمِ الخَيْرِ المُسَمّاةِ بِالهُدى، ولا يَدْرِي المُؤْمِنُ، ولا العاقِلُ، ولا الحَكِيمُ، ولا المُهَذَّبُ: أيَّةَ ساعَةٍ تَحُلُّ فِيها بِهِ أسْبابُ الشَّقاءِ، وكَذَلِكَ لا يَدْرِي الشَّقِيُّ، ولا المُنْهَمِكُ، الأفِنُ: أيَّةَ ساعَةٍ تَحُفُّ فِيها بِهِ أسْبابُ الإقْلاعِ عَمّا هو مُتَلَبِّسٌ بِهِ مِن تَغَيُّرِ خَلْقٍ، أوْ خُلُقٍ، أوْ تَبَدُّلِ خَلِيطٍ، قالَ تَعالى: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠] ولِذا كانَ دَأْبُ القُرْآنِ قَرْنَ الثَّناءِ بِالتَّحْذِيرِ، والبِشارَةِ بِالإنْذارِ. وقَوْلُهُ: ﴿بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ تَحْقِيقٌ لِلدَّعْوَةِ عَلى سَبِيلِ التَّلَطُّفِ؛ إذْ أسْنَدُوا الهُدى إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَ ذَلِكَ كَرَمًا مِنهُ، ولا يَرْجِعُ الكَرِيمُ في عَطِيَّتِهِ، وقَدِ اسْتَعاذَ النَّبِيءُ ﷺ مِنَ السَّلْبِ بَعْدَ العَطاءِ. و ”إذْ“: اسْمٌ لِلزَّمَنِ الماضِي مُتَصَرِّفٌ، وهي هُنا مُتَصَرِّفَةٌ تَصَرُّفًا قَلِيلًا؛ لِأنَّها لَمّا أُضِيفَ إلَيْها الظَّرْفُ كانَتْ في مَعْنى الظَّرْفِ، ولَمّا كانَتْ غَيْرَ مَنصُوبَةٍ كانَتْ فِيها شائِبَةُ تَصَرُّفٍ، كَما هي في يَوْمَئِذٍ وحِينَئِذٍ، أيْ بَعْدَ زَمَنِ هِدايَتِكَ إيّانا. وقَوْلُهُ: ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ طَلَبُوا أثَرَ الدَّوامِ عَلى الهُدى وهو الرَّحْمَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومَنعَ دَواعِي الزَّيْغِ والشَّرِّ. وجُعِلَتِ الرَّحْمَةُ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّ تَيْسِيرَ أسْبابِها وتَكْوِينَ مُهَيِّئاتِها بِتَقْدِيرِ اللَّهِ؛ إذْ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَكانَ الإنْسانُ مُعَرَّضًا لِنُزُولِ المَصائِبِ والشُّرُورِ في كُلِّ لَمْحَةٍ؛ فَإنَّهُ مَحْفُوفٌ بِمَوْجُوداتٍ كَثِيرَةٍ، حَيَّةٍ وغَيْرِ حَيَّةٍ، هو تِلْقاءَها في غايَةِ الضَّعْفِ، لَوْلا لُطْفُ اللَّهِ بِهِ بِإيقاظِ عَقْلِهِ لِاتِّقاءِ الحَوادِثِ، وبِإرْشادِهِ لِاجْتِنابِ أفْعالِ الشُّرُورِ المُهْلِكَةِ، وبِإلْهامِهِ إلى ما فِيهِ نَفْعُهُ، وبِجَعْلِ تِلْكَ القُوى الغالِبَةِ لَهُ قُوى عَمْياءَ لا تَهْتَدِي سَبِيلًا إلى قَصْدِهِ، ولا تُصادِفُهُ إلّا عَلى سَبِيلِ النُّدُورِ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ [الشورى: ١٩] ومِن أجْلى مَظاهِرِ اللُّطْفِ أحْوالُ الِاضْطِرارِ والِالتِجاءِ وقَدْ كُنْتُ قُلْتُ كَلِمَةَ ”اللُّطْفُ عِنْدَ الِاضْطِرارِ“ . صفحة ١٧١ والقَصْرُ في قَوْلِهِ إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ لِلْمُبالَغَةِ، لِأجْلِ كَمالِ الصِّفَةِ فِيهِ تَعالى؛ لِأنَّ هِباتِ النّاسِ بِالنِّسْبَةِ لِما أفاضَ اللَّهُ مِنَ الخَيْراتِ شَيْءٌ لا يُعْبَأُ بِهِ. وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ تَأْكِيدٌ بِـ ”إنَّ“ وبِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، وبِطَرِيقِ القَصْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ اسْتَحْضَرُوا عِنْدَ طَلَبِ الرَّحْمَةِ أحْوَجَ ما يَكُونُونَ إلَيْها، وهو يَوْمُ تَكُونُ الرَّحْمَةُ سَبَبًا لِلْفَوْزِ الأبَدِيِّ، فَأعْقَبُوا بِذِكْرِ هَذا اليَوْمِ دُعاءَهم عَلى سَبِيلِ الإيجازِ، كَأنَّهم قالُوا: ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾، وخاصَّةً يَوْمَ تَجَمُّعِ النّاسِ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ [إبراهيم: ٤١] . عَلى ما في تَذَكُّرِ يَوْمِ الجَمْعِ مِنَ المُناسَبَةِ بَعْدَ ذِكْرِ أحْوالِ الغُواةِ والمُهْتَدِينَ، والعُلَماءِ الرّاسِخِينَ. ومَعْنى لا رَيْبَ فِيهِ لا رَيْبَ فِيهِ جَدِيرًا بِالوُقُوعِ، فالمُرادُ نَفْيُ الرَّيْبِ في وُقُوعِهِ. ونَفَوْهُ عَلى طَرِيقَةِ نَفْيِ الجِنْسِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِارْتِيابِ المُرْتابِينَ، هَذا إذا جَعَلْتَ ”فِيهِ“ خَبَرًا، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ صِفَةً لِرَيْبٍ وتَجْعَلَ الخَبَرَ مَحْذُوفًا عَلى طَرِيقَةِ ”لا“ النّافِيَةِ لِلْجِنْسِ، فَيَكُونَ التَّقْدِيرُ: عِنْدَنا، أوْ لَنا. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ الرَّيْبِ أيْ لِأنَّ اللَّهَ وعَدَ بِجَمْعِ النّاسِ لَهُ، فَلا يُخْلِفُ ذَلِكَ، والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ خَبَرَهُ، والمِيعادُ هُنا اسْمُ مَكانٍ.

آل عمران 3:9

﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ . دُعاءٌ عُلِّمَهُ النَّبِيءُ ﷺ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ: لِأنَّ المَوْقِعَ المَحْكِيَّ مَوْقِعُ عِبْرَةٍ ومَثارٍ لِهَواجِسِ الخَوْفِ مِن سُوءِ المَصِيرِ إلى حالِ ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] فَما هم إلّا مِن عُقَلاءِ البَشَرِ، لا تَفاوُتَ بَيْنَهم وبَيْنَ الرّاسِخِينَ، في الإنْسانِيَّةِ، ولا في سَلامَةِ العُقُولِ والمَشاعِرِ، فَما كانَ ضَلالُهم إلّا مِن حِرْمانِهِمُ التَّوْفِيقَ، واللُّطْفَ، ووَسائِلَ الِاهْتِداءِ. وقَدْ عُلِمَ مِن تَعْقِيبِ قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧] الآياتِ، بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ أنَّ مِن جُمْلَةِ ما قُصِدَ بِوَصْفِ الكِتابِ بِأنَّ مِنهُ مُحْكَمًا ومِنهُ مُتَشابِهًا - إيقاظَ الأُمَّةِ إلى ذَلِكَ لِتَكُونَ عَلى بَصِيرَةٍ في تَدَبُّرِ كِتابِها: تَحْذِيرًا لَها مِنَ الوُقُوعِ في الضَّلالِ، الَّذِي أوْقَعَ الأُمَمَ في كَثِيرٍ مِنهُ وُجُودُ المُتَشابِهاتِ في كُتُبِها، وتَحْذِيرًا لِلْمُسْلِمِينَ مِنِ اتِّباعِ البَوارِقِ الباطِلَةِ مِثْلَ ما وقَعَ فِيهِ بَعْضُ العَرَبِ مِنَ الرِّدَّةِ والعِصْيانِ بَعْدَ وفاةِ الرَّسُولِ ﷺ لِتَوَهُّمِ أنَّ التَّدَيُّنَ بِالدِّينِ إنَّما كانَ لِأجْلِ وُجُودِ الرَّسُولِ بَيْنَهم، ولِذَلِكَ كانَ أبُو بَكْرٍ يَدْعُو بِهَذِهِ الآيَةِ في صَلاتِهِ مُدَّةَ ارْتِدادِ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ العَرَبِ، فَفي المُوَطَّأِ، عَنِ الصُّنابِحِيِّ: أنَّهُ قالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ في خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَصَلَّيْتُ صفحة ١٧٠ وراءَهُ المَغْرِبَ فَقامَ في الثّالِثَةِ فَدَنَوْتُ مِنهُ حَتّى إنَّ ثِيابِي لَتَكادُ تَمَسُّ ثِيابَهُ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ وهَذِهِ الآيَةِ ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ الآيَةَ. فَزَيْغُ القَلْبِ يَتَسَبَّبُ عَنْ عَوارِضَ تَعْرِضُ لِلْعَقْلِ مِن خَلَلٍ في ذاتِهِ، أوْ دَواعٍ مِنَ الخُلْطَةِ أوِ الشَّهْوَةِ، أوْ ضَعْفِ الإرادَةِ، تَحَوَّلُ بِالنَّفْسِ عَنِ الفَضائِلِ المُتَحَلِّيَةِ بِها إلى رَذائِلَ كانَتْ تَهْجِسُ بِالنَّفْسِ فَتَذُودُها النَّفْسُ عَنْها بِما اسْتَقَرَّ في النَّفْسِ مِن تَعالِيمِ الخَيْرِ المُسَمّاةِ بِالهُدى، ولا يَدْرِي المُؤْمِنُ، ولا العاقِلُ، ولا الحَكِيمُ، ولا المُهَذَّبُ: أيَّةَ ساعَةٍ تَحُلُّ فِيها بِهِ أسْبابُ الشَّقاءِ، وكَذَلِكَ لا يَدْرِي الشَّقِيُّ، ولا المُنْهَمِكُ، الأفِنُ: أيَّةَ ساعَةٍ تَحُفُّ فِيها بِهِ أسْبابُ الإقْلاعِ عَمّا هو مُتَلَبِّسٌ بِهِ مِن تَغَيُّرِ خَلْقٍ، أوْ خُلُقٍ، أوْ تَبَدُّلِ خَلِيطٍ، قالَ تَعالى: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠] ولِذا كانَ دَأْبُ القُرْآنِ قَرْنَ الثَّناءِ بِالتَّحْذِيرِ، والبِشارَةِ بِالإنْذارِ. وقَوْلُهُ: ﴿بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ تَحْقِيقٌ لِلدَّعْوَةِ عَلى سَبِيلِ التَّلَطُّفِ؛ إذْ أسْنَدُوا الهُدى إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَ ذَلِكَ كَرَمًا مِنهُ، ولا يَرْجِعُ الكَرِيمُ في عَطِيَّتِهِ، وقَدِ اسْتَعاذَ النَّبِيءُ ﷺ مِنَ السَّلْبِ بَعْدَ العَطاءِ. و ”إذْ“: اسْمٌ لِلزَّمَنِ الماضِي مُتَصَرِّفٌ، وهي هُنا مُتَصَرِّفَةٌ تَصَرُّفًا قَلِيلًا؛ لِأنَّها لَمّا أُضِيفَ إلَيْها الظَّرْفُ كانَتْ في مَعْنى الظَّرْفِ، ولَمّا كانَتْ غَيْرَ مَنصُوبَةٍ كانَتْ فِيها شائِبَةُ تَصَرُّفٍ، كَما هي في يَوْمَئِذٍ وحِينَئِذٍ، أيْ بَعْدَ زَمَنِ هِدايَتِكَ إيّانا. وقَوْلُهُ: ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ طَلَبُوا أثَرَ الدَّوامِ عَلى الهُدى وهو الرَّحْمَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومَنعَ دَواعِي الزَّيْغِ والشَّرِّ. وجُعِلَتِ الرَّحْمَةُ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّ تَيْسِيرَ أسْبابِها وتَكْوِينَ مُهَيِّئاتِها بِتَقْدِيرِ اللَّهِ؛ إذْ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَكانَ الإنْسانُ مُعَرَّضًا لِنُزُولِ المَصائِبِ والشُّرُورِ في كُلِّ لَمْحَةٍ؛ فَإنَّهُ مَحْفُوفٌ بِمَوْجُوداتٍ كَثِيرَةٍ، حَيَّةٍ وغَيْرِ حَيَّةٍ، هو تِلْقاءَها في غايَةِ الضَّعْفِ، لَوْلا لُطْفُ اللَّهِ بِهِ بِإيقاظِ عَقْلِهِ لِاتِّقاءِ الحَوادِثِ، وبِإرْشادِهِ لِاجْتِنابِ أفْعالِ الشُّرُورِ المُهْلِكَةِ، وبِإلْهامِهِ إلى ما فِيهِ نَفْعُهُ، وبِجَعْلِ تِلْكَ القُوى الغالِبَةِ لَهُ قُوى عَمْياءَ لا تَهْتَدِي سَبِيلًا إلى قَصْدِهِ، ولا تُصادِفُهُ إلّا عَلى سَبِيلِ النُّدُورِ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ [الشورى: ١٩] ومِن أجْلى مَظاهِرِ اللُّطْفِ أحْوالُ الِاضْطِرارِ والِالتِجاءِ وقَدْ كُنْتُ قُلْتُ كَلِمَةَ ”اللُّطْفُ عِنْدَ الِاضْطِرارِ“ . صفحة ١٧١ والقَصْرُ في قَوْلِهِ إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ لِلْمُبالَغَةِ، لِأجْلِ كَمالِ الصِّفَةِ فِيهِ تَعالى؛ لِأنَّ هِباتِ النّاسِ بِالنِّسْبَةِ لِما أفاضَ اللَّهُ مِنَ الخَيْراتِ شَيْءٌ لا يُعْبَأُ بِهِ. وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ تَأْكِيدٌ بِـ ”إنَّ“ وبِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، وبِطَرِيقِ القَصْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ اسْتَحْضَرُوا عِنْدَ طَلَبِ الرَّحْمَةِ أحْوَجَ ما يَكُونُونَ إلَيْها، وهو يَوْمُ تَكُونُ الرَّحْمَةُ سَبَبًا لِلْفَوْزِ الأبَدِيِّ، فَأعْقَبُوا بِذِكْرِ هَذا اليَوْمِ دُعاءَهم عَلى سَبِيلِ الإيجازِ، كَأنَّهم قالُوا: ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾، وخاصَّةً يَوْمَ تَجَمُّعِ النّاسِ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ [إبراهيم: ٤١] . عَلى ما في تَذَكُّرِ يَوْمِ الجَمْعِ مِنَ المُناسَبَةِ بَعْدَ ذِكْرِ أحْوالِ الغُواةِ والمُهْتَدِينَ، والعُلَماءِ الرّاسِخِينَ. ومَعْنى لا رَيْبَ فِيهِ لا رَيْبَ فِيهِ جَدِيرًا بِالوُقُوعِ، فالمُرادُ نَفْيُ الرَّيْبِ في وُقُوعِهِ. ونَفَوْهُ عَلى طَرِيقَةِ نَفْيِ الجِنْسِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِارْتِيابِ المُرْتابِينَ، هَذا إذا جَعَلْتَ ”فِيهِ“ خَبَرًا، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ صِفَةً لِرَيْبٍ وتَجْعَلَ الخَبَرَ مَحْذُوفًا عَلى طَرِيقَةِ ”لا“ النّافِيَةِ لِلْجِنْسِ، فَيَكُونَ التَّقْدِيرُ: عِنْدَنا، أوْ لَنا. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ الرَّيْبِ أيْ لِأنَّ اللَّهَ وعَدَ بِجَمْعِ النّاسِ لَهُ، فَلا يُخْلِفُ ذَلِكَ، والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ خَبَرَهُ، والمِيعادُ هُنا اسْمُ مَكانٍ.

آل عمران 3:10

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ . اسْتِئْنافُ كَلامٍ ناشِئٌ عَنْ حِكايَةِ ما دَعا بِهِ المُؤْمِنُونَ: مِن دَوامِ الهِدايَةِ، وسُؤالِ الرَّحْمَةِ، وانْتِظارِ الفَوْزِ يَوْمَ القِيامَةِ، بِذِكْرِ حالِ الكافِرِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، عَلى عادَةِ القُرْآنِ في إرْدافِ البِشارَةِ بِالنِّذارَةِ. وتَعْقِيبُ دُعاءِ المُؤْمِنِينَ، بِذِكْرِ حالِ المُشْرِكِينَ، صفحة ١٧٢ إيماءٌ إلى أنَّ دَعْوَتَهُمُ اسْتُجِيبَتْ. والمُرادُ بِـ ”الَّذِينَ كَفَرُوا“: المُشْرِكُونَ، وهَذا وصْفٌ غالِبٌ عَلَيْهِمْ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ. وقِيلَ: الَّذِينَ كَفَرُوا بِنُبُوءَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أُرِيدَ هُنا قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ وأهْلُ نَجْرانَ ويُرَجَّحُ هَذا بِأنَّهم ذُكِّرُوا بِحالِ فِرْعَوْنَ دُونَ حالِ عادٍ وثَمُودَ، فَإنَّ اليَهُودَ والنَّصارى أعْلَقُ بِأخْبارِ فِرْعَوْنَ. كَما أنَّ العَرَبَ أعْلَقُ بِأخْبارِ عادٍ وثَمُودَ، وأنَّ الرَّدَّ عَلى النَّصارى مِن أهَمِّ أغْراضِ هَذِهِ السُّورَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ جَمِيعَ الكافِرِينَ: مِنَ المُشْرِكِينَ، وأهْلِ الكِتابَيْنِ، ويَكُونَ التَّذْكِيرُ بِفِرْعَوْنَ لِأنَّ وعِيدَ اليَهُودِ في هَذِهِ الآيَةِ أهَمُّ. ومَعْنى ”تُغْنِي“ تَجْزِي وتَكْفِي وتَدْفَعُ، وهو فِعْلٌ قاصِرٌ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِـ ”عْنَ“ نَحْوَ ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] . ولِدَلالَةِ هَذا الفِعْلِ عَلى الإجْزاءِ والدَّفْعِ، كانَ مُؤْذِنًا بِأنَّ هُنالِكَ شَيْئًا يُدْفَعُ ضُرُّهُ، وتُكْفى كُلْفَتُهُ، فَلِذَلِكَ قَدْ يَذْكُرُونَ مَعَ هَذا الفِعْلِ مُتَعَلِّقًا ثانِيًا ويُعَدُّونَ الفِعْلَ إلَيْهِ بِحَرْفِ ”مِن“ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَتَكُونُ ”مِن“ لِلْبَدَلِ والعِوَضِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ في الكَشّافِ، وجَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ ”مِن“ لِلِابْتِداءِ. وقَوْلُهُ مِنَ اللَّهِ أيْ مِن أمْرٍ يُضافُ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّ تَعْلِيقَ هَذا الفِعْلِ تَعْلِيقًا ثانِيًا، بِاسْمِ ذاتٍ لا يُقْصَدُ مِنهُ إلّا أخَصُّ حالٍ اشْتُهِرَتْ بِهِ، أوْ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ فَيُقَدَّرُ مَعْنى اسْمٍ مُضافٍ إلى اسْمِ الجَلالَةِ. والتَّقْدِيرُ هُنا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، أوْ مِن طاعَتِهِ، إذا كانَتْ ”مِن“ لِلْبَدَلِ وكَذا قَدَّرَهُ في الكَشّافِ، ونَظَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] . وعَلى جَعْلِ ”مِن“ لِلِابْتِداءِ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ تُقَدَّرُ مِن غَضَبِ اللَّهِ، أوْ مِن عَذابِهِ، أيْ غَناءً مُبْتَدِئًا مِن ذَلِكَ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: نَجّاهُ مِن كَذا أيْ فَصَلَهُ مِنهُ، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ ”مِن“ مَعَ هَذا الفِعْلِ إذا عُدِّيَ بِـ ”عْنَ“ مُماثِلَةً لِـ ”مِنِ“ الواقِعَةِ بَعْدَ هَذا الفِعْلِ الَّذِي لَمْ يُعَدَّ بِـ ”عْنَ“ لِإمْكانِ اخْتِلافِ مَعْنى التَّعَلُّقِ بِاخْتِلافِ مَساقِ الكَلامِ. والغالِبُ أنْ يَأْتُوا بَعْدَ فِعْلِ أغْنى بِلَفْظِ ”شَيْءٍ“ مَعَ ذِكْرِ المُتَعَلِّقَيْنِ كَما في الآيَةِ، وبِدُونِ ذِكْرِ مُتَعَلِّقَيْنِ، كَما في قَوْلِ أبِي سُفْيانَ، يَوْمَ أسْلَمَ: لَقَدْ عَلِمْتُ أنْ لَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ غَيْرُهُ لَقَدْ أغْنى عَنِّي شَيْئًا. صفحة ١٧٣ وانْتَصَبَ قَوْلُهُ شَيْئًا عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ أيْ شَيْئًا مِنَ الغَناءِ. وتَنْكِيرُهُ لِلتَّحْقِيرِ أيْ غَناءً ضَعِيفًا، بَلْهَ الغَناءَ لَهم، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِعَدَمِ اسْتِقامَةِ مَعْنى الفِعْلِ في التَّعَدِّي. وقَدْ ظَهَرَ بِهَذا كَيْفِيَّةُ تَصَرُّفِ هَذا الفِعْلِ التَّصَرُّفَ العَجِيبَ في كَلامِهِمْ، وانْفَتَحَ لَكَ ما انْغَلَقَ مِن عِبارَةِ الكَشّافِ وما دُونَها في مَعْنى هَذا التَّرْكِيبِ. وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى وُقُوعِ لَفْظِ شَيْءٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ﴾ [البقرة: ١٥٥] . وإنَّما خَصَّ الأمْوالَ والأوْلادَ مِن بَيْنِ أعْلاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ لِأنَّ الغَناءَ يَكُونُ بِالفِداءِ بِالمالِ، كَدَفْعِ الدِّياتِ والغَراماتِ، ويَكُونُ بِالنَّصْرِ والقِتالِ، وأوْلى مَن يُدافِعُ عَنِ الرَّجُلِ، مِن عَشِيرَتِهِ - أبْناؤُهُ، وعَنِ القَبِيلَةِ أبْناؤُها، قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ: ثَأرْتُ عَدِيًّا والخَطِيمَ ولَمْ أُضِعْ ولايَةَ أشْياخٍ جُعِلْتُ إزاءَهَـا والأمْوالُ المَكاسِبُ الَّتِي تُقْتاتُ وتُدَّخَرُ ويُتَعاوَضُ بِها، وهي جَمْعُ مالٍ، وغَلَبَ اسْمُ المالِ في كَلامِ جُلِّ العَرَبِ عَلى الإبِلِ قالَ زُهَيْرٌ: صَحِيحاتِ مالٍ ∗∗∗ طالِعاتٍ بِمَخْرَمِ وغَلَبَ في كَلامِ أهْلِ الزَّرْعِ والحَرْثِ عَلى الجَنّاتِ والحَوائِطِ وفي الحَدِيثِ كانَ أبُو طَلْحَةَ أكْثَرَ أنْصارِيٍّ بِالمَدِينَةِ مالًا وكانَ أحَبَّ أمْوالِهِ إلَيْهِ بَئْرُحاءُ، ويُطْلَقُ المالُ غالِبًا عَلى الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ كَما في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِلْعَبّاسِ: أيْنَ المالُ الَّذِي عِنْدَ أُمِّ الفَضْلِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا وعِيدٌ بِعَذابِ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ شُبِّهَ بِأنَّهُ ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ وشَأْنُ المُشَبَّهِ بِهِ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا؛ ولِأنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ عَذابَ الآخِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ . وجِيءَ بِالإشارَةِ في قَوْلِهِ: ”وأُولَئِكَ“ لِاسْتِحْضارِهِمْ كَأنَّهم بِحَيْثُ يُشارُ إلَيْهِمْ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما سَيَأْتِي مِنَ الخَبَرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿هم وقُودُ النّارِ﴾ . وعُطِفَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ، ولَمْ تُفْصَلْ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ الَّتِي قَبْلَها وعِيدٌ في الدُّنْيا وهَذِهِ في وعِيدِ الآخِرَةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ: ﴿سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٢] . صفحة ١٧٤ والوَقُودُ بِفَتْحِ الواوِ ما يُوقَدُ بِهِ كالوَضُوءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ مَوْقِعُ كافِ التَّشْبِيهِ مَوْقِعُ خَبَرٍ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المُشَبَّهُ بِهِ، والتَّقْدِيرُ: دَأْبُهم في ذَلِكَ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، أيْ عادَتُهم وشَأْنُهم كَشَأْنِ آلِ فِرْعَوْنَ. والدَّأْبُ: أصْلُهُ الكَدْحُ في العَمَلِ وتَكْرِيرُهُ، وكَأنَّ أصْلَ فِعْلِهِ مُتَعَدٍّ، ولِذَلِكَ جاءَ مَصْدَرُهُ عَلى فَعْلٍ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى العادَةِ لِأنَّها تَأْتِي مِن كَثْرَةِ العَمَلِ، فَصارَ حَقِيقَةً شائِعَةً. قالَ النّابِغَةُ: كَدَأْبِكَ في قَوْمٍ ∗∗∗ أراكَ اصْطَنَعْتَهُمْ أيْ عادَتِكَ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى الشَّأْنِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: كَدَأْبِكَ مِن أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَها وهُوَ المُرادُ هُنا في قَوْلِهِ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، والمَعْنى: شَأْنُهم في ذَلِكَ كَشَأْنِ آلِ فِرْعَوْنَ؛ إذْ لَيْسَ في ذَلِكَ عادَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ، وقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ لَهم هَذا المَثَلَ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً؛ لِأنَّهم إذا اسْتَقْرَوُا الأُمَمَ الَّتِي أصابَها العَذابُ، وجَدُوا جَمِيعَهم قَدْ تَماثَلُوا في الكُفْرِ: بِاللَّهِ، وبِرُسُلِهِ، وبِآياتِهِ، وكَفى بِهَذا الِاسْتِقْراءِ مَوْعِظَةً لِأمْثالِ مُشْرِكِي العَرَبِ، وقَدْ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُشَبَّهُ بِهِ هو وعِيدَ الِاسْتِئْصالِ والعَذابِ في الدُّنْيا؛ إذِ الأصْلُ أنَّ حالَ المُشَبَّهِ أظْهَرُ مَن حالِ المُشَبَّهِ بِهِ عِنْدَ السّامِعِ. وعَلَيْهِ فالأخْذُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ هو أخْذُ الِانْتِقامِ في الدُّنْيا كَقَوْلِهِ: ﴿أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] . وأُرِيدَ بِآلِ فِرْعَوْنَ فِرْعَوْنُ وآلِهِ؛ لِأنَّ الآلَ يُطْلَقُ عَلى أشَدِّ النّاسِ اخْتِصاصًا بِالمُضافِ إلَيْهِ، والِاخْتِصاصُ هُنا اخْتِصاصٌ في المُتابَعَةِ والتَّواطُؤِ عَلى الكُفْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] فَلِذِكْرِ الآلِ هُنا مِنَ الخُصُوصِيَّةِ ما لَيْسَ لِذِكْرِ القَوْمِ؛ إذْ قَوْمُ الرَّجُلِ قَدْ يُخالِفُونَهُ، فَلا يَدُلُّ الحُكْمُ المُتَعَلِّقُ بِهِمْ عَلى أنَّهُ مُساوٍ لَهم في صفحة ١٧٥ الحُكْمِ، قالَ تَعالى: ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود: ٦٠] في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ نَظائِرِها، وقالَ: ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠] ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء: ١١] . وقَوْلُهُ: ”كَذَّبُوا“ بَيانٌ لِدَأْبِهِمُ، اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ. وتَخْصِيصُ آلِ فِرْعَوْنَ بِالذِّكْرِ - مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ الأُمَمِ - لِأنَّ هُلْكَهم مَعْلُومٌ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ، بِخِلافِ هُلْكِ عادٍ وثَمُودَ فَهو عِنْدَ العَرَبِ أشْهَرُ؛ ولِأنَّ تَحَدِّي مُوسى إيّاهم كانَ بِآياتٍ عَظِيمَةٍ فَما أغْنَتْهم شَيْئًا تُجاهَ ضَلالِهِمْ؛ ولِأنَّهم كانُوا أقْرَبَ الأُمَمِ عَهْدًا بِزَمانِ النَّبِيءِ ﷺ فَهو كَقَوْلِ شُعَيْبٍ: ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] وكَقَوْلِ اللَّهِ تَعالى لِلْمُشْرِكِينَ: ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] وقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩] وقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] .

آل عمران 3:11

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ . اسْتِئْنافُ كَلامٍ ناشِئٌ عَنْ حِكايَةِ ما دَعا بِهِ المُؤْمِنُونَ: مِن دَوامِ الهِدايَةِ، وسُؤالِ الرَّحْمَةِ، وانْتِظارِ الفَوْزِ يَوْمَ القِيامَةِ، بِذِكْرِ حالِ الكافِرِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، عَلى عادَةِ القُرْآنِ في إرْدافِ البِشارَةِ بِالنِّذارَةِ. وتَعْقِيبُ دُعاءِ المُؤْمِنِينَ، بِذِكْرِ حالِ المُشْرِكِينَ، صفحة ١٧٢ إيماءٌ إلى أنَّ دَعْوَتَهُمُ اسْتُجِيبَتْ. والمُرادُ بِـ ”الَّذِينَ كَفَرُوا“: المُشْرِكُونَ، وهَذا وصْفٌ غالِبٌ عَلَيْهِمْ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ. وقِيلَ: الَّذِينَ كَفَرُوا بِنُبُوءَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أُرِيدَ هُنا قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ وأهْلُ نَجْرانَ ويُرَجَّحُ هَذا بِأنَّهم ذُكِّرُوا بِحالِ فِرْعَوْنَ دُونَ حالِ عادٍ وثَمُودَ، فَإنَّ اليَهُودَ والنَّصارى أعْلَقُ بِأخْبارِ فِرْعَوْنَ. كَما أنَّ العَرَبَ أعْلَقُ بِأخْبارِ عادٍ وثَمُودَ، وأنَّ الرَّدَّ عَلى النَّصارى مِن أهَمِّ أغْراضِ هَذِهِ السُّورَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ جَمِيعَ الكافِرِينَ: مِنَ المُشْرِكِينَ، وأهْلِ الكِتابَيْنِ، ويَكُونَ التَّذْكِيرُ بِفِرْعَوْنَ لِأنَّ وعِيدَ اليَهُودِ في هَذِهِ الآيَةِ أهَمُّ. ومَعْنى ”تُغْنِي“ تَجْزِي وتَكْفِي وتَدْفَعُ، وهو فِعْلٌ قاصِرٌ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِـ ”عْنَ“ نَحْوَ ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] . ولِدَلالَةِ هَذا الفِعْلِ عَلى الإجْزاءِ والدَّفْعِ، كانَ مُؤْذِنًا بِأنَّ هُنالِكَ شَيْئًا يُدْفَعُ ضُرُّهُ، وتُكْفى كُلْفَتُهُ، فَلِذَلِكَ قَدْ يَذْكُرُونَ مَعَ هَذا الفِعْلِ مُتَعَلِّقًا ثانِيًا ويُعَدُّونَ الفِعْلَ إلَيْهِ بِحَرْفِ ”مِن“ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَتَكُونُ ”مِن“ لِلْبَدَلِ والعِوَضِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ في الكَشّافِ، وجَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ ”مِن“ لِلِابْتِداءِ. وقَوْلُهُ مِنَ اللَّهِ أيْ مِن أمْرٍ يُضافُ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّ تَعْلِيقَ هَذا الفِعْلِ تَعْلِيقًا ثانِيًا، بِاسْمِ ذاتٍ لا يُقْصَدُ مِنهُ إلّا أخَصُّ حالٍ اشْتُهِرَتْ بِهِ، أوْ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ فَيُقَدَّرُ مَعْنى اسْمٍ مُضافٍ إلى اسْمِ الجَلالَةِ. والتَّقْدِيرُ هُنا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، أوْ مِن طاعَتِهِ، إذا كانَتْ ”مِن“ لِلْبَدَلِ وكَذا قَدَّرَهُ في الكَشّافِ، ونَظَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] . وعَلى جَعْلِ ”مِن“ لِلِابْتِداءِ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ تُقَدَّرُ مِن غَضَبِ اللَّهِ، أوْ مِن عَذابِهِ، أيْ غَناءً مُبْتَدِئًا مِن ذَلِكَ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: نَجّاهُ مِن كَذا أيْ فَصَلَهُ مِنهُ، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ ”مِن“ مَعَ هَذا الفِعْلِ إذا عُدِّيَ بِـ ”عْنَ“ مُماثِلَةً لِـ ”مِنِ“ الواقِعَةِ بَعْدَ هَذا الفِعْلِ الَّذِي لَمْ يُعَدَّ بِـ ”عْنَ“ لِإمْكانِ اخْتِلافِ مَعْنى التَّعَلُّقِ بِاخْتِلافِ مَساقِ الكَلامِ. والغالِبُ أنْ يَأْتُوا بَعْدَ فِعْلِ أغْنى بِلَفْظِ ”شَيْءٍ“ مَعَ ذِكْرِ المُتَعَلِّقَيْنِ كَما في الآيَةِ، وبِدُونِ ذِكْرِ مُتَعَلِّقَيْنِ، كَما في قَوْلِ أبِي سُفْيانَ، يَوْمَ أسْلَمَ: لَقَدْ عَلِمْتُ أنْ لَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ غَيْرُهُ لَقَدْ أغْنى عَنِّي شَيْئًا. صفحة ١٧٣ وانْتَصَبَ قَوْلُهُ شَيْئًا عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ أيْ شَيْئًا مِنَ الغَناءِ. وتَنْكِيرُهُ لِلتَّحْقِيرِ أيْ غَناءً ضَعِيفًا، بَلْهَ الغَناءَ لَهم، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِعَدَمِ اسْتِقامَةِ مَعْنى الفِعْلِ في التَّعَدِّي. وقَدْ ظَهَرَ بِهَذا كَيْفِيَّةُ تَصَرُّفِ هَذا الفِعْلِ التَّصَرُّفَ العَجِيبَ في كَلامِهِمْ، وانْفَتَحَ لَكَ ما انْغَلَقَ مِن عِبارَةِ الكَشّافِ وما دُونَها في مَعْنى هَذا التَّرْكِيبِ. وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى وُقُوعِ لَفْظِ شَيْءٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ﴾ [البقرة: ١٥٥] . وإنَّما خَصَّ الأمْوالَ والأوْلادَ مِن بَيْنِ أعْلاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ لِأنَّ الغَناءَ يَكُونُ بِالفِداءِ بِالمالِ، كَدَفْعِ الدِّياتِ والغَراماتِ، ويَكُونُ بِالنَّصْرِ والقِتالِ، وأوْلى مَن يُدافِعُ عَنِ الرَّجُلِ، مِن عَشِيرَتِهِ - أبْناؤُهُ، وعَنِ القَبِيلَةِ أبْناؤُها، قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ: ثَأرْتُ عَدِيًّا والخَطِيمَ ولَمْ أُضِعْ ولايَةَ أشْياخٍ جُعِلْتُ إزاءَهَـا والأمْوالُ المَكاسِبُ الَّتِي تُقْتاتُ وتُدَّخَرُ ويُتَعاوَضُ بِها، وهي جَمْعُ مالٍ، وغَلَبَ اسْمُ المالِ في كَلامِ جُلِّ العَرَبِ عَلى الإبِلِ قالَ زُهَيْرٌ: صَحِيحاتِ مالٍ ∗∗∗ طالِعاتٍ بِمَخْرَمِ وغَلَبَ في كَلامِ أهْلِ الزَّرْعِ والحَرْثِ عَلى الجَنّاتِ والحَوائِطِ وفي الحَدِيثِ كانَ أبُو طَلْحَةَ أكْثَرَ أنْصارِيٍّ بِالمَدِينَةِ مالًا وكانَ أحَبَّ أمْوالِهِ إلَيْهِ بَئْرُحاءُ، ويُطْلَقُ المالُ غالِبًا عَلى الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ كَما في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِلْعَبّاسِ: أيْنَ المالُ الَّذِي عِنْدَ أُمِّ الفَضْلِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا وعِيدٌ بِعَذابِ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ شُبِّهَ بِأنَّهُ ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ وشَأْنُ المُشَبَّهِ بِهِ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا؛ ولِأنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ عَذابَ الآخِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ . وجِيءَ بِالإشارَةِ في قَوْلِهِ: ”وأُولَئِكَ“ لِاسْتِحْضارِهِمْ كَأنَّهم بِحَيْثُ يُشارُ إلَيْهِمْ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما سَيَأْتِي مِنَ الخَبَرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿هم وقُودُ النّارِ﴾ . وعُطِفَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ، ولَمْ تُفْصَلْ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ الَّتِي قَبْلَها وعِيدٌ في الدُّنْيا وهَذِهِ في وعِيدِ الآخِرَةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ: ﴿سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٢] . صفحة ١٧٤ والوَقُودُ بِفَتْحِ الواوِ ما يُوقَدُ بِهِ كالوَضُوءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ مَوْقِعُ كافِ التَّشْبِيهِ مَوْقِعُ خَبَرٍ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المُشَبَّهُ بِهِ، والتَّقْدِيرُ: دَأْبُهم في ذَلِكَ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، أيْ عادَتُهم وشَأْنُهم كَشَأْنِ آلِ فِرْعَوْنَ. والدَّأْبُ: أصْلُهُ الكَدْحُ في العَمَلِ وتَكْرِيرُهُ، وكَأنَّ أصْلَ فِعْلِهِ مُتَعَدٍّ، ولِذَلِكَ جاءَ مَصْدَرُهُ عَلى فَعْلٍ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى العادَةِ لِأنَّها تَأْتِي مِن كَثْرَةِ العَمَلِ، فَصارَ حَقِيقَةً شائِعَةً. قالَ النّابِغَةُ: كَدَأْبِكَ في قَوْمٍ ∗∗∗ أراكَ اصْطَنَعْتَهُمْ أيْ عادَتِكَ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى الشَّأْنِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: كَدَأْبِكَ مِن أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَها وهُوَ المُرادُ هُنا في قَوْلِهِ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، والمَعْنى: شَأْنُهم في ذَلِكَ كَشَأْنِ آلِ فِرْعَوْنَ؛ إذْ لَيْسَ في ذَلِكَ عادَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ، وقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ لَهم هَذا المَثَلَ عِبْرَةً ومَوْعِظَةً؛ لِأنَّهم إذا اسْتَقْرَوُا الأُمَمَ الَّتِي أصابَها العَذابُ، وجَدُوا جَمِيعَهم قَدْ تَماثَلُوا في الكُفْرِ: بِاللَّهِ، وبِرُسُلِهِ، وبِآياتِهِ، وكَفى بِهَذا الِاسْتِقْراءِ مَوْعِظَةً لِأمْثالِ مُشْرِكِي العَرَبِ، وقَدْ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُشَبَّهُ بِهِ هو وعِيدَ الِاسْتِئْصالِ والعَذابِ في الدُّنْيا؛ إذِ الأصْلُ أنَّ حالَ المُشَبَّهِ أظْهَرُ مَن حالِ المُشَبَّهِ بِهِ عِنْدَ السّامِعِ. وعَلَيْهِ فالأخْذُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ هو أخْذُ الِانْتِقامِ في الدُّنْيا كَقَوْلِهِ: ﴿أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] . وأُرِيدَ بِآلِ فِرْعَوْنَ فِرْعَوْنُ وآلِهِ؛ لِأنَّ الآلَ يُطْلَقُ عَلى أشَدِّ النّاسِ اخْتِصاصًا بِالمُضافِ إلَيْهِ، والِاخْتِصاصُ هُنا اخْتِصاصٌ في المُتابَعَةِ والتَّواطُؤِ عَلى الكُفْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] فَلِذِكْرِ الآلِ هُنا مِنَ الخُصُوصِيَّةِ ما لَيْسَ لِذِكْرِ القَوْمِ؛ إذْ قَوْمُ الرَّجُلِ قَدْ يُخالِفُونَهُ، فَلا يَدُلُّ الحُكْمُ المُتَعَلِّقُ بِهِمْ عَلى أنَّهُ مُساوٍ لَهم في صفحة ١٧٥ الحُكْمِ، قالَ تَعالى: ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود: ٦٠] في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ نَظائِرِها، وقالَ: ﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠] ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء: ١١] . وقَوْلُهُ: ”كَذَّبُوا“ بَيانٌ لِدَأْبِهِمُ، اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ. وتَخْصِيصُ آلِ فِرْعَوْنَ بِالذِّكْرِ - مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ الأُمَمِ - لِأنَّ هُلْكَهم مَعْلُومٌ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ، بِخِلافِ هُلْكِ عادٍ وثَمُودَ فَهو عِنْدَ العَرَبِ أشْهَرُ؛ ولِأنَّ تَحَدِّي مُوسى إيّاهم كانَ بِآياتٍ عَظِيمَةٍ فَما أغْنَتْهم شَيْئًا تُجاهَ ضَلالِهِمْ؛ ولِأنَّهم كانُوا أقْرَبَ الأُمَمِ عَهْدًا بِزَمانِ النَّبِيءِ ﷺ فَهو كَقَوْلِ شُعَيْبٍ: ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] وكَقَوْلِ اللَّهِ تَعالى لِلْمُشْرِكِينَ: ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] وقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩] وقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] .

آل عمران 3:12

﴿قُلْ لِلَّذِينِ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ تَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، لِلِانْتِقالِ مِنَ النِّذارَةِ إلى التَّهْدِيدِ، ومِن ضَرْبِ المَثَلِ لَهم بِأحْوالِ سَلَفِهِمْ في الكُفْرِ، إلى ضَرْبِ المَثَلِ لَهم بِسابِقِ أحْوالِهِمُ المُؤْذِنَةِ بِأنَّ أمْرَهم صائِرٌ إلى زَوالٍ، وأنَّ أمْرَ الإسْلامِ سَتَنْدَكُّ لَهُ صُمُّ الجِبالِ. وجِيءَ في هَذا التَّهْدِيدِ بِأطْنَبِ عِبارَةٍ وأبْلَغِها؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ إطْنابٍ لِمَزِيدِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِيرِ بِوَصْفِ يَوْمٍ كانَ عَلَيْهِمْ، يَعْلَمُونَهُ. و”الَّذِينَ كَفَرُوا“ يُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِهِمُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠] فَيَجِيءُ فِيهِ ما تَقَدَّمَ. والعُدُولُ عَنْ ضَمِيرِ ”هم“ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِاسْتِقْلالِ هَذِهِ النِّذارَةِ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِمُ المُشْرِكُونَ خاصَّةً، ولِذَلِكَ أُعِيدَ الِاسْمُ الظّاهِرُ، ولَمْ يُؤْتَ بِالضَّمِيرِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿تَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ﴾ وذَلِكَ مِمّا شاهَدَهُ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ. صفحة ١٧٦ وقَدْ قِيلَ: أُرِيدَ بِالَّذِينَ كَفَرُوا خُصُوصُ اليَهُودِ، وذَكَرُوا لِذَلِكَ سَبَبًا رَواهُ الواحِدِيُّ، في أسْبابِ النُّزُولِ: أنَّ يَهُودَ يَثْرِبَ كانُوا عاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلى مُدَّةٍ فَلَمّا أصابَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ما أصابَهم مِنَ النَّكْبَةِ. نَقَضُوا العَهْدَ وانْطَلَقَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ في سِتِّينَ راكِبًا إلى أبِي سُفْيانَ بِمَكَّةَ وقالُوا لَهم: لَتَكُونَنَّ كَلِمَتُنا واحِدَةً، فَلَمّا رَجَعُوا إلى المَدِينَةِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «لَمّا غَلَبَ قُرَيْشًا بِبَدْرٍ، ورَجَعَ إلى المَدِينَةِ، جَمَعَ اليَهُودَ وقالَ لَهم يا مَعْشَرَ اليَهُودِ احْذَرُوا مِنَ اللَّهِ مِثْلَ ما نَزَلَ بِقُرَيْشٍ وأسْلِمُوا فَقَدْ عَرَفْتُمْ أنِّي نَبِيءٌ مُرْسَلٌ. فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ لا يَغُرَّنَّكَ أنَّكَ لَقِيتَ قَوْمًا أغْمارًا لا مَعْرِفَةَ لَهم بِالحَرْبِ فَأصَبْتَ فِيهِمْ فُرْصَةً، أما واللَّهِ لَوْ قاتَلْناكَ لَعَرَفْتَ أنّا نَحْنُ النّاسُ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . وعَلى هاتَيْنِ الرِّوايَتَيْنِ فالغَلَبُ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ هو فَتْحُ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وخَيْبَرَ، وأيْضًا فالتَّهْدِيدُ والوَعِيدُ شامِلٌ لِلْفَرِيقَيْنِ في جَمِيعِ الأحْوالِ. وعَطْفُ بِئْسَ المِهادُ عَلى سَتُغْلَبُونَ عَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ﴾ - كِلْتَيْهِما بِتاءِ الخِطابِ - وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، بِياءِ الغَيْبَةِ، وهُما وجْهانِ فِيما يُحْكى بِالقَوْلِ لِمُخاطَبٍ، والخِطابُ أكْثَرُ: كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] ولَمْ يَقُلْ: رَبَّكَ ورَبَّهم. والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ﴾ خِطابٌ لِلَّذِينِ كَفَرُوا، كَما هو الظّاهِرُ؛ لِأنَّ المَقامَ لِلْمُحاجَّةِ، فَأعْقَبَ الإنْذارَ والوَعِيدَ بِإقامَةِ الحُجَّةِ. فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونَ اسْتِئْنافًا ناشِئًا عَنْ قَوْلِهِ: ”سَتُغْلَبُونَ“ إذْ لَعَلَّ كَثْرَةَ المُخاطَبِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ، أوِ اليَهُودِ، أوْ كِلَيْهِما، يُثِيرُ تَعَجُّبَ السّامِعِينَ مِن غَلَبِهِمْ. فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ بِما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ. والفِئَتانِ هُما المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ. والِالتِقاءُ: اللِّقاءُ، وصِيغَةُ الِافْتِعالِ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ، واللِّقاءُ مُصادَفَةُ الشَّخْصِ شَخْصًا في مَكانٍ واحِدٍ، ويُطْلَقُ اللِّقاءُ عَلى البُرُوزِ لِلْقِتالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: صفحة ١٧٧ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ [الأنفال: ١٥] وسَيَأْتِي. والِالتِقاءُ يُطْلَقُ كَذَلِكَ كَقَوْلِ أُنَيْفِ بْنِ زَبّانَ: فَلَمّا التَقَيْنا بَيَّنَ السَّيْفُ بَيْنَنا لِسائِلَةٍ عَنّا حَفِيٌّ سُؤالُها وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ. وقَوْلُهُ: ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ﴾ تَفْصِيلٌ لِلْفِئَتَيْنِ، وهو مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ صَدْرُ جُمْلَةٍ لِلِاسْتِئْنافِ في التَّفْصِيلِ والتَّقْسِيمِ الوارِدِ بَعْدَ الإجْمالِ والجَمْعِ. والفِئَةُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والخِطابُ في ”تَرَوْنَهم“ كالخِطابِ في قَوْلِهِ: قَدْ كانَ لَكم. والرُّؤْيَةُ هُنا بَصَرِيَّةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿رَأْيَ العَيْنِ﴾ . والظّاهِرُ أنَّ الكُفّارَ رَأوُا المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ عِنْدَ اللِّقاءِ والتَّلاحُمِ مِثْلَيْ عَدَدِهِمْ، فَوَقَعَ الرُّعْبُ في قُلُوبِهِمْ فانْهَزَمُوا. فَهَذِهِ الرُّؤْيَةُ جُعِلَتْ آيَةً لِمَن رَأوْها وتَحَقَّقُوا بَعْدَ الهَزِيمَةِ أنَّهم كانُوا واهِمِينَ فِيما رَأوْهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أشَدَّ حَسْرَةً لَهم. وتَكُونُ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ غَيْرَ الرُّؤْيَةِ المَذْكُورَةِ في الأنْفالِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤] فَإنَّ تِلْكَ يُناسِبُ أنْ تَكُونَ وقَعَتْ قَبْلَ التَّلاحُمِ، حَتّى يَسْتَخِفَّ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ، فَلا يَأْخُذُوا أُهْبَتَهم لِلِقائِهِمْ، فَلَمّا لاقَوْهم رَأوْهم مِثْلَيْ عَدَدِهِمْ فَدَخَلَهُمُ الرُّعْبُ والهَزِيمَةُ، وتَحَقَّقُوا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ بَعْدَ انْكِشافِ المَلْحَمَةِ فَقَدْ كانَتْ إراءَةُ القِلَّةِ وإراءَةُ الكَثْرَةِ سَبَبَيْ نَصْرٍ لِلْمُسْلِمِينَ بِعَجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُسْلِمُونَ رَأوُا المُشْرِكِينَ مِثْلَيْ عَدَدِ المُؤْمِنِينَ، وكانَ المُشْرِكُونَ ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ، فَقَلَّلَهُمُ اللَّهُ في أعْيُنِ المُسْلِمِينَ لِئَلّا يَفْشَلُوا؛ لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا مِن قَبْلُ أنَّ المُسْلِمَ يَغْلِبُ كافِرَيْنِ فَلَوْ عَلِمُوا أنَّهم ثَلاثَةُ أضْعافِهِمْ لَخافُوا الهَزِيمَةَ، وتَكُونُ هَذِهِ الإراءَةُ هي الإراءَةَ المَذْكُورَةَ في سُورَةِ الأنْفالِ ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلًا﴾ [الأنفال: ٤٤] ويَكُونُ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ راجِعًا لِلْمُسْلِمِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، وأصْلُهُ ”تَرَوْنَهم مِثْلَيْكم“ عَلى أنَّهُ مِنَ المَقُولِ. صفحة ١٧٨ وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ: ”تَرَوْنَهم“ - بِتاء الخِطابِ - وقَرَأهُ الباقُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ: عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ﴿وأُخْرى كافِرَةٌ﴾، أوْ مِن ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ مِثْلَيْ عَدَدِ المَرْئِيِّينَ، إنْ كانَ الرّاءُونَ هُمُ المُشْرِكِينَ، أوْ مِثْلَيْ عَدَدِ الرّائِينَ، إنْ كانَ الرّاءُونَ هُمُ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ كِلَيْهِما جَرى ضَمِيرُهُ عَلى الغَيْبَةِ وكِلْتا الرُّؤْيَتَيْنِ قَدْ وقَعَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، وكُلُّ فِئَةٍ عَلِمَتْ رُؤْيَتَها وتُحُدِّيَتْ بِهاتِهِ الآيَةِ. وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ العُدُولُ عَنِ التَّعْبِيرِ بِـ ”فِئَتِكم وفِئَتِهِمْ“ إلى قَوْلِهِ: ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ﴾، لِقَصْدِ صُلُوحِيَّةِ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِكِلْتا الفِئَتَيْنِ، فَيُفِيدُ اللَّفْظُ آيَتَيْنِ عَلى التَّوْزِيعِ، بِطَرِيقَةِ التَّوْجِيهِ. و﴿رَأْيَ العَيْنِ﴾ مَصْدَرٌ مُبَيِّنٌ لِنَوْعِ الرُّؤْيَةِ: إذْ كانَ فِعْلُ ”رَأى“ يَحْتَمِلُ البَصَرَ والقَلْبَ، وإضافَتُهُ إلى العَيْنِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يُسْتَعْمَلُ مَصْدَرًا لِـ ”رَأى“ القَلْبِيَّةِ، كَيْفَ والرَّأْيُ اسْمٌ لِلْعَقْلِ، وتُشارِكُها فِيها ”رَأى“ البَصْرِيَّةُ، بِخِلافِ الرُّؤْيَةِ فَخاصَّةٌ بِالبَصَرِيَّةِ. وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ﴾ تَذْيِيلٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ الرُّؤْيَةَ كَيْفَما فُسِّرَتْ تَأْيِيدٌ لِلْمُسْلِمِينَ، قالَ تَعالى: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلًا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤] .

آل عمران 3:13

﴿قُلْ لِلَّذِينِ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ تَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، لِلِانْتِقالِ مِنَ النِّذارَةِ إلى التَّهْدِيدِ، ومِن ضَرْبِ المَثَلِ لَهم بِأحْوالِ سَلَفِهِمْ في الكُفْرِ، إلى ضَرْبِ المَثَلِ لَهم بِسابِقِ أحْوالِهِمُ المُؤْذِنَةِ بِأنَّ أمْرَهم صائِرٌ إلى زَوالٍ، وأنَّ أمْرَ الإسْلامِ سَتَنْدَكُّ لَهُ صُمُّ الجِبالِ. وجِيءَ في هَذا التَّهْدِيدِ بِأطْنَبِ عِبارَةٍ وأبْلَغِها؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ إطْنابٍ لِمَزِيدِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِيرِ بِوَصْفِ يَوْمٍ كانَ عَلَيْهِمْ، يَعْلَمُونَهُ. و”الَّذِينَ كَفَرُوا“ يُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِهِمُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠] فَيَجِيءُ فِيهِ ما تَقَدَّمَ. والعُدُولُ عَنْ ضَمِيرِ ”هم“ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِاسْتِقْلالِ هَذِهِ النِّذارَةِ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِمُ المُشْرِكُونَ خاصَّةً، ولِذَلِكَ أُعِيدَ الِاسْمُ الظّاهِرُ، ولَمْ يُؤْتَ بِالضَّمِيرِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿تَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ﴾ وذَلِكَ مِمّا شاهَدَهُ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ. صفحة ١٧٦ وقَدْ قِيلَ: أُرِيدَ بِالَّذِينَ كَفَرُوا خُصُوصُ اليَهُودِ، وذَكَرُوا لِذَلِكَ سَبَبًا رَواهُ الواحِدِيُّ، في أسْبابِ النُّزُولِ: أنَّ يَهُودَ يَثْرِبَ كانُوا عاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلى مُدَّةٍ فَلَمّا أصابَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ما أصابَهم مِنَ النَّكْبَةِ. نَقَضُوا العَهْدَ وانْطَلَقَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ في سِتِّينَ راكِبًا إلى أبِي سُفْيانَ بِمَكَّةَ وقالُوا لَهم: لَتَكُونَنَّ كَلِمَتُنا واحِدَةً، فَلَمّا رَجَعُوا إلى المَدِينَةِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «لَمّا غَلَبَ قُرَيْشًا بِبَدْرٍ، ورَجَعَ إلى المَدِينَةِ، جَمَعَ اليَهُودَ وقالَ لَهم يا مَعْشَرَ اليَهُودِ احْذَرُوا مِنَ اللَّهِ مِثْلَ ما نَزَلَ بِقُرَيْشٍ وأسْلِمُوا فَقَدْ عَرَفْتُمْ أنِّي نَبِيءٌ مُرْسَلٌ. فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ لا يَغُرَّنَّكَ أنَّكَ لَقِيتَ قَوْمًا أغْمارًا لا مَعْرِفَةَ لَهم بِالحَرْبِ فَأصَبْتَ فِيهِمْ فُرْصَةً، أما واللَّهِ لَوْ قاتَلْناكَ لَعَرَفْتَ أنّا نَحْنُ النّاسُ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . وعَلى هاتَيْنِ الرِّوايَتَيْنِ فالغَلَبُ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ هو فَتْحُ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وخَيْبَرَ، وأيْضًا فالتَّهْدِيدُ والوَعِيدُ شامِلٌ لِلْفَرِيقَيْنِ في جَمِيعِ الأحْوالِ. وعَطْفُ بِئْسَ المِهادُ عَلى سَتُغْلَبُونَ عَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ﴾ - كِلْتَيْهِما بِتاءِ الخِطابِ - وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، بِياءِ الغَيْبَةِ، وهُما وجْهانِ فِيما يُحْكى بِالقَوْلِ لِمُخاطَبٍ، والخِطابُ أكْثَرُ: كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] ولَمْ يَقُلْ: رَبَّكَ ورَبَّهم. والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ﴾ خِطابٌ لِلَّذِينِ كَفَرُوا، كَما هو الظّاهِرُ؛ لِأنَّ المَقامَ لِلْمُحاجَّةِ، فَأعْقَبَ الإنْذارَ والوَعِيدَ بِإقامَةِ الحُجَّةِ. فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونَ اسْتِئْنافًا ناشِئًا عَنْ قَوْلِهِ: ”سَتُغْلَبُونَ“ إذْ لَعَلَّ كَثْرَةَ المُخاطَبِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ، أوِ اليَهُودِ، أوْ كِلَيْهِما، يُثِيرُ تَعَجُّبَ السّامِعِينَ مِن غَلَبِهِمْ. فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ بِما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ. والفِئَتانِ هُما المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ. والِالتِقاءُ: اللِّقاءُ، وصِيغَةُ الِافْتِعالِ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ، واللِّقاءُ مُصادَفَةُ الشَّخْصِ شَخْصًا في مَكانٍ واحِدٍ، ويُطْلَقُ اللِّقاءُ عَلى البُرُوزِ لِلْقِتالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: صفحة ١٧٧ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ [الأنفال: ١٥] وسَيَأْتِي. والِالتِقاءُ يُطْلَقُ كَذَلِكَ كَقَوْلِ أُنَيْفِ بْنِ زَبّانَ: فَلَمّا التَقَيْنا بَيَّنَ السَّيْفُ بَيْنَنا لِسائِلَةٍ عَنّا حَفِيٌّ سُؤالُها وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ. وقَوْلُهُ: ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ﴾ تَفْصِيلٌ لِلْفِئَتَيْنِ، وهو مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ صَدْرُ جُمْلَةٍ لِلِاسْتِئْنافِ في التَّفْصِيلِ والتَّقْسِيمِ الوارِدِ بَعْدَ الإجْمالِ والجَمْعِ. والفِئَةُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والخِطابُ في ”تَرَوْنَهم“ كالخِطابِ في قَوْلِهِ: قَدْ كانَ لَكم. والرُّؤْيَةُ هُنا بَصَرِيَّةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿رَأْيَ العَيْنِ﴾ . والظّاهِرُ أنَّ الكُفّارَ رَأوُا المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ عِنْدَ اللِّقاءِ والتَّلاحُمِ مِثْلَيْ عَدَدِهِمْ، فَوَقَعَ الرُّعْبُ في قُلُوبِهِمْ فانْهَزَمُوا. فَهَذِهِ الرُّؤْيَةُ جُعِلَتْ آيَةً لِمَن رَأوْها وتَحَقَّقُوا بَعْدَ الهَزِيمَةِ أنَّهم كانُوا واهِمِينَ فِيما رَأوْهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أشَدَّ حَسْرَةً لَهم. وتَكُونُ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ غَيْرَ الرُّؤْيَةِ المَذْكُورَةِ في الأنْفالِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤] فَإنَّ تِلْكَ يُناسِبُ أنْ تَكُونَ وقَعَتْ قَبْلَ التَّلاحُمِ، حَتّى يَسْتَخِفَّ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ، فَلا يَأْخُذُوا أُهْبَتَهم لِلِقائِهِمْ، فَلَمّا لاقَوْهم رَأوْهم مِثْلَيْ عَدَدِهِمْ فَدَخَلَهُمُ الرُّعْبُ والهَزِيمَةُ، وتَحَقَّقُوا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ بَعْدَ انْكِشافِ المَلْحَمَةِ فَقَدْ كانَتْ إراءَةُ القِلَّةِ وإراءَةُ الكَثْرَةِ سَبَبَيْ نَصْرٍ لِلْمُسْلِمِينَ بِعَجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُسْلِمُونَ رَأوُا المُشْرِكِينَ مِثْلَيْ عَدَدِ المُؤْمِنِينَ، وكانَ المُشْرِكُونَ ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ، فَقَلَّلَهُمُ اللَّهُ في أعْيُنِ المُسْلِمِينَ لِئَلّا يَفْشَلُوا؛ لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا مِن قَبْلُ أنَّ المُسْلِمَ يَغْلِبُ كافِرَيْنِ فَلَوْ عَلِمُوا أنَّهم ثَلاثَةُ أضْعافِهِمْ لَخافُوا الهَزِيمَةَ، وتَكُونُ هَذِهِ الإراءَةُ هي الإراءَةَ المَذْكُورَةَ في سُورَةِ الأنْفالِ ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلًا﴾ [الأنفال: ٤٤] ويَكُونُ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ راجِعًا لِلْمُسْلِمِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، وأصْلُهُ ”تَرَوْنَهم مِثْلَيْكم“ عَلى أنَّهُ مِنَ المَقُولِ. صفحة ١٧٨ وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ: ”تَرَوْنَهم“ - بِتاء الخِطابِ - وقَرَأهُ الباقُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ: عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ﴿وأُخْرى كافِرَةٌ﴾، أوْ مِن ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ مِثْلَيْ عَدَدِ المَرْئِيِّينَ، إنْ كانَ الرّاءُونَ هُمُ المُشْرِكِينَ، أوْ مِثْلَيْ عَدَدِ الرّائِينَ، إنْ كانَ الرّاءُونَ هُمُ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ كِلَيْهِما جَرى ضَمِيرُهُ عَلى الغَيْبَةِ وكِلْتا الرُّؤْيَتَيْنِ قَدْ وقَعَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، وكُلُّ فِئَةٍ عَلِمَتْ رُؤْيَتَها وتُحُدِّيَتْ بِهاتِهِ الآيَةِ. وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ العُدُولُ عَنِ التَّعْبِيرِ بِـ ”فِئَتِكم وفِئَتِهِمْ“ إلى قَوْلِهِ: ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ﴾، لِقَصْدِ صُلُوحِيَّةِ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِكِلْتا الفِئَتَيْنِ، فَيُفِيدُ اللَّفْظُ آيَتَيْنِ عَلى التَّوْزِيعِ، بِطَرِيقَةِ التَّوْجِيهِ. و﴿رَأْيَ العَيْنِ﴾ مَصْدَرٌ مُبَيِّنٌ لِنَوْعِ الرُّؤْيَةِ: إذْ كانَ فِعْلُ ”رَأى“ يَحْتَمِلُ البَصَرَ والقَلْبَ، وإضافَتُهُ إلى العَيْنِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يُسْتَعْمَلُ مَصْدَرًا لِـ ”رَأى“ القَلْبِيَّةِ، كَيْفَ والرَّأْيُ اسْمٌ لِلْعَقْلِ، وتُشارِكُها فِيها ”رَأى“ البَصْرِيَّةُ، بِخِلافِ الرُّؤْيَةِ فَخاصَّةٌ بِالبَصَرِيَّةِ. وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ﴾ تَذْيِيلٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ الرُّؤْيَةَ كَيْفَما فُسِّرَتْ تَأْيِيدٌ لِلْمُسْلِمِينَ، قالَ تَعالى: ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلًا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤] .

آل عمران 3:14

﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينِ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ . اسْتِئْنافٌ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠] إذْ كانَتْ إضافَةُ أمْوالٍ وأوْلادٍ إلى ضَمِيرِ ”هم“ دالَّةٌ عَلى أنَّها مَعْلُومَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، قُصِدَ مِنهُ عِظَةُ المُسْلِمِينَ ألّا يَغْتَرُّوا بِحالِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَتُعْجِبَهم زِينَةُ الدُّنْيا، وتُلْهِيَهم عَنِ التَّهَمُّمِ بِما بِهِ الفَوْزُ في الآخِرَةِ، فَإنَّ التَّحْذِيرَ مِنَ الغاياتِ يَسْتَدْعِي التَّحْذِيرَ مِنَ البِداياتِ، وقَدْ صُدِّرَ هَذا الوَعْظُ والتَّأْدِيبُ بِبَيانِ مَدْخَلِ هَذِهِ الحالَةِ إلى النُّفُوسِ، حَتّى يَكُونُوا عَلى أشَدِّ الحَذَرِ مِنها؛ لِأنَّ ما قَرارَتُهُ النَّفْسُ يَنْسابُ إلَيْها مَعَ الأنْفاسِ. صفحة ١٧٩ والتَّزْيِينُ تَصْيِيرُ الشَّيْءِ زَيْنًا أيْ حَسَنًا، فَهو تَحْسِينُ الشَّيْءِ المُحْتاجِ إلى التَّحْسِينِ، وإزالَةُ ما يَعْتَرِيهِ مِنَ القُبْحِ أوِ التَّشْوِيهِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ الحَلّاقُ مُزَيِّنًا. وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: الحَرْبُ أوَّلَ ما تَكُونُ فَتِيَّةً تَسْعى بِزِينَتِها لِكُلِّ جَهُولِ فالزِّينَةُ هي ما في الشَّيْءِ مِنَ المَحاسِنِ: الَّتِي تُرَغِّبُ النّاظِرِينَ في اقْتِنائِهِ، قالَ تَعالى: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٢٨] . وكَلِمَةُ ”زَيْنٍ“ قَلِيلَةُ الدَّوَرانِ في كَلامِ العَرَبِ مَعَ حُسْنِها وخِفَّتِها؛ قالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ: أزْمَعَتْ خُلَّتِي مَعَ الفَجْرِ بَيْنا ∗∗∗ جَلَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الوَجْهَ زَيْنَـا وفِي حَدِيثِ سُنَنِ أبِي داوُدَ: أنَّ أبا بَرَزَةَ الأسْلَمِيَّ دَخَلَ عَلى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيادٍ وقَدْ أرْسَلَ إلَيْهِ لِيَسْألَهُ عَنْ حَدِيثِ الحَوْضِ - فَلَمّا دَخَلَ أبُو بَرَزَةَ قالَ عُبَيْدُ اللَّهِ لِجُلَسائِهِ: إنَّ مُحَمَّدِيَّكم هَذا الدِّحْداحُ. قالَ أبُو بَرَزَةَ: ما كُنْتُ أحْسَبُ أنِّي أبْقى في قَوْمٍ يُعَيِّرُونَنِي بِصُحْبَةِ مُحَمَّدٍ. فَقالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: إنَّ صُحْبَةَ مُحَمَّدٍ لَكَ زَيْنٌ غَيْرُ شَيْنٍ. والشَّهَواتُ جَمْعُ شَهْوَةٍ، وأصْلُ الشَّهْوَةِ مَصْدَرُ ”شَهِيَ“ كَرَضِيَ، والشَّهْوَةُ بِزِنَةِ المَرَّةِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ مَصْدَرِ ”شَهِيَ“ أنْ يَكُونَ بِزِنَةِ المَرَّةِ. وأُطْلِقَتِ الشَّهَواتُ هُنا عَلى الأشْياءِ المُشْتَهاةِ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ في قُوَّةِ الوَصْفِ، وتَعْلِيقُ التَّزْيِينِ بِالحُبِّ جَرى عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ المُزَيَّنَ لِلنّاسِ هو الشَّهَواتُ، أيِ المُشْتَهَياتُ نَفْسُها، لا حُبُّها، فَإذا زُيِّنَتْ لَهم أحَبُّوها؛ فَإنَّ الحُبَّ يَنْشَأُ عَنِ الِاسْتِحْسانِ، ولَيْسَ الحُبُّ بِمُزَيَّنٍ، وهَذا إيجازٌ يُغْنِي عَنْ أنْ يُقالَ زُيِّنَتْ لِلنّاسِ الشَّهَواتُ فَأحَبُّوها، وقَدْ سَكَتَ المُفَسِّرُونَ عَنْ وجْهِ نَظْمِ الكَلامِ بِهَذا التَّعْلِيقِ. والوَجْهُ عِنْدِي إمّا أنْ يُجْعَلَ ﴿حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ مَصْدَرًا نائِبًا عَنْ مَفْعُولٍ مُطْلَقٍ، مُبَيِّنًا لِنَوْعِ التَّزْيِينِ: أيْ زُيِّنَ لَهم تَزْيِينُ حُبٍّ، وهو أشَدُّ التَّزْيِينِ، وجُعِلَ المَفْعُولُ المُطْلَقُ نائِبًا عَنِ الفاعِلِ، وأصْلُ الكَلامِ: زُيِّنَ لِلنّاسِ الشَّهَواتُ حُبًّا، فَحُوِّلَ وأُضِيفَ إلى النّائِبِ عَنِ الفاعِلِ، وجُعِلَ نائِبًا عَنِ الفاعِلِ، كَما جُعِلَ مَفْعُولًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢] . وإمّا أنْ يُجْعَلَ ”حُبُّ“ مَصْدَرًا بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ صفحة ١٨٠ مَحْبُوبُ الشَّهَواتِ أيِ الشَّهَواتُ المَحْبُوبَةُ. وإمّا أنْ يُجْعَلَ ”زُيِّنَ“ كِنايَةً مُرادًا بِهِ لازِمُ التَّزْيِينِ وهو إقْبالُ النَّفْسِ عَلى ما في المُزَيَّنِ مِنَ المُسْتَحْسَناتِ مَعَ سَتْرِ ما فِيهِ مِنَ الأضْرارِ، فَعُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّزْيِينِ، أيْ تَحْسِينِ ما لَيْسَ بِخالِصِ الحُسْنِ. فَإنَّ مُشْتَهَياتِ النّاسِ تَشْتَمِلُ عَلى أُمُورٍ مُلائِمَةٍ مَقْبُولَةٍ، وقَدْ تَكُونُ في كَثِيرٍ مِنها مَضارُّ، أشَدُّها أنَّها تُشْغِلُ عَنْ كَمالاتٍ كَثِيرَةٍ فَلِذَلِكَ كانَتْ كالشَّيْءِ المُزَيَّنِ تُغَطّى نَقائِصُهُ بِالمُزَيَّناتِ، وبِذَلِكَ لَمْ يَبْقَ في تَعْلِيقِ ”زُيِّنَ“ بِـ ”حُبُّ“ إشْكالٌ. وحُذِفَ فاعِلُ التَّزْيِينِ لِخَفائِهِ عَنْ إدْراكِ عُمُومِ المُخاطَبِينَ، لِأنَّ ما يَدُلُّ عَلى الغَرائِزِ والسَّجايا، لَمّا جُهِلَ فاعِلُهُ في مُتَعارَفِ العُمُومِ، كانَ الشَّأْنُ إسْنادَ أفْعالِهِ لِلْمَجْهُولِ: كَقَوْلِهِمْ عُنِيَ بِكَذا، واضْطُرَّ إلى كَذا، لا سِيَّما إذا كانَ المُرادُ الكِنايَةَ عَنْ لازِمِ التَّزْيِينِ، وهو الإغْضاءُ عَمّا في المُزَيَّنِ مِنَ المَساوِي؛ لِأنَّ الفاعِلَ لَمْ يَبْقَ مَقْصُودًا بِحالٍ، والمُزَيَّنُ في نَفْسِ الأمْرِ هو إدْراكُ الإنْسانِ الَّذِي أحَبَّ الشَّهَواتِ، وذَلِكَ أمْرٌ جِبِلِّيٌّ جَعَلَهُ اللَّهُ في نِظامِ الخِلْقَةِ؛ قالَ تَعالى: ﴿وذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧٢] . ولَمّا رَجَعَ التَّزْيِينُ إلى انْفِعالٍ في الجِبِلَّةِ، كانَ فاعِلُهُ عَلى الحَقِيقَةِ هو خالِقَ هَذِهِ الجِبِلّاتِ، فالمُزَيِّنُ هو اللَّهُ بِخَلْقِهِ لا بِدَعْوَتِهِ، ورُوِيَ مِثْلُ هَذا عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وإذا التَفَتْنا إلى الأسْبابِ القَرِيبَةِ المُباشِرَةِ كانَ المُزَيِّنُ هو مَيْلَ النَّفْسِ إلى المُشْتَهى، أوْ تَرْغِيبَ الدّاعِينَ إلى تَناوُلِ الشَّهَواتِ: مِنَ الخِلّانِ والقُرَناءِ، وعَنِ الحَسَنِ: المُزَيِّنُ هو الشَّيْطانُ، وكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ التَّزْيِينَ بِمَعْنى التَّسْوِيلِ والتَّرْغِيبِ بِالوَسْوَسَةِ لِلشَّهَواتِ الذَّمِيمَةِ والفَسادِ، وقَصَرَهُ عَلى هَذا - وهو بَعِيدٌ - لِأنَّ تَزْيِينَ هَذِهِ الشَّهَواتِ في ذاتِهِ قَدْ يُوافِقُ وجْهَ الإباحَةِ والطّاعَةِ، فَلَيْسَ يُلازِمُها تَسْوِيلُ الشَّيْطانِ إلّا إذا جَعَلَها وسائِلَ لِلْحَرامِ، وفي الحَدِيثِ «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أيَأْتِي أحَدُنا شَهْوَتَهُ ولَهُ فِيها أجْرٌ. فَقالَ: أرَأيْتُمْ لَوْ وضَعَها في حَرامٍ أكانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ، فَكَذَلِكَ إذا وضَعَها في الحَلالِ كانَ لَهُ أجْرٌ» وسِياقُ الآيَةِ تَفْضِيلُ مَعالِي الأُمُورِ وصالِحِ الأعْمالِ عَلى المُشْتَهَياتِ المَخْلُوطَةِ أنْواعُها بِحَلالٍ مِنها وحَرامٍ، والمُعَرَّضَةِ لِلزَّوالِ، فَإنَّ الكَمالَ بِتَزْكِيَةِ النَّفْسِ لِتَبْلُغَ الدَّرَجاتِ القُدْسِيَّةَ، وتَنالَ النَّعِيمَ الأبَدِيَّ العَظِيمَ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ . صفحة ١٨١ وبَيانُ الشَّهَواتِ بِـ ﴿النِّساءِ والبَنِينَ﴾ وما بَعْدَهُما، بَيانٌ بِأُصُولِ الشَّهَواتِ البَشَرِيَّةِ: الَّتِي تَجْمَعُ مُشْتَهَياتٍ كَثِيرَةً، والَّتِي لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأُمَمِ والعُصُورِ والأقْطارِ، فالمَيْلُ إلى النِّساءِ مَرْكُوزٌ في الطَّبْعِ، وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى لِحِكْمَةِ بَقاءِ النَّوْعِ بِداعِي طَلَبِ التَّناسُلِ؛ إذِ المَرْأةُ هي مَوْضِعُ التَّناسُلِ، فَجُعِلَ مَيْلُ الرَّجُلِ إلَيْها في الطَّبْعِ حَتّى لا يَحْتاجَ بَقاءُ النَّوْعِ إلى تَكَلُّفٍ رُبَّما تَعْقُبُهُ سَآمَةٌ، وفي الحَدِيثِ: «ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أشَدَّ عَلى الرِّجالِ مِن فِتْنَةِ النِّساءِ» ولَمْ يَذْكُرِ الرِّجالَ لِأنَّ مَيْلَ النِّساءِ إلى الرِّجالِ أضْعَفُ في الطَّبْعِ، وإنَّما تَحْصُلُ المَحَبَّةُ مِنهُنَّ لِلرِّجالِ بِالإلْفِ والإحْسانِ. ومَحَبَّةُ الأبْناءِ - أيْضًا - في الطَّبْعِ: إذْ جَعَلَ اللَّهُ في الوالِدَيْنِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ شُعُورًا وِجْدانِيًّا يُشْعِرُ بِأنَّ الوَلَدَ قِطْعَةٌ مِنهُما، لِيَكُونَ ذَلِكَ مَدْعاةً إلى المُحافَظَةِ عَلى الوَلَدِ الَّذِي هو الجِيلُ المُسْتَقْبَلُ، وبِبَقائِهِ بَقاءُ النَّوْعِ، فَهَذا بَقاءُ النَّوْعِ بِحِفْظِهِ مِنَ الِاضْمِحْلالِ المَكْتُوبِ عَلَيْهِ، وفي الوَلَدِ أيْضًا حِفْظٌ لِلنَّوْعِ مِنَ الِاضْمِحْلالِ العارِضِ بِالِاعْتِداءِ عَلى الضَّعِيفِ مِنَ النَّوْعِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ يَعْرِضُ لَهُ الضَّعْفُ بَعْدَ القُوَّةِ، فَيَكُونُ ولَدُهُ دافِعًا عَنْهُ اعْتِداءَ مَن يَعْتَدِي عَلَيْهِ، فَكَما دَفَعَ الوالِدُ عَنِ ابْنِهِ في حالِ ضَعْفِهِ، يَدْفَعُ الوَلَدُ عَنِ الوالِدِ في حالِ ضَعْفِهِ. و﴿الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ شَهْوَتانِ بِحُسْنِ مَنظَرِهِما وما يُتَّخَذُ مِنهُما مِن حُلِيٍّ لِلرِّجالِ والنِّساءِ، والنَّقْدانِ مِنهُما: الدَّنانِيرُ والدَّراهِمُ، شَهْوَةٌ لِما أوْدَعَ اللَّهُ في النُّفُوسِ مُنْذُ العُصُورِ المُتَوَغِّلَةِ في القِدَمِ مِن حُبِّ النُّقُودِ الَّتِي بِها دَفْعُ أعْواضِ الأشْياءِ المُحْتاجِ إلَيْها. والقَناطِيرُ جَمْعُ قِنْطارٍ وهو ما يَزِنُ مِائَةَ رِطْلٍ، وأصْلُهُ مُعَرَّبٌ قِيلَ عَنِ الرُّومِيَّةِ - اللّاتِينِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ - كَما نَقَلَهُ النَّقّاشُ عَنِ الكَلْبِيِّ، وهو الصَّحِيحُ؛ فَإنَّ أصْلَهُ في اللّاتِينِيَّةِ (كِينْتالُ) وهو مِائَةُ رِطْلٍ. وقالَ ابْنُ سِيدَهْ: هو مُعَرَّبٌ عَنِ السُّرْيانِيَّةِ. فَما في الكَشّافِ في سُورَةِ النِّساءِ أنَّ القِنْطارَ مَأْخُوذٌ مَن قَنْطَرْتُ الشَّيْءَ إذا رَفَعْتَهُ - تَكَلُّفٌ. وقَدْ كانَ القِنْطارُ عِنْدَ العَرَبِ وزْنًا ومِقْدارًا مِنَ الثَّرْوَةِ، يَبْلُغُهُ بَعْضُ المُثْرِينَ: وهو أنْ يَبْلُغَ مالُهُ مِائَةَ رِطْلٍ فِضَّةً، ويَقُولُونَ: قَنْطَرَ الرَّجُلُ: إذا بَلَغَ مالُهُ قِنْطارًا وهو اثْنا عَشَرَ ألْفَ دِينارٍ أيْ ما يُساوِي قِنْطارًا مِنَ الفِضَّةِ، وقَدْ يُقالُ: هو مِقْدارُ مِائَةِ ألْفِ دِينارٍ مِنَ الذَّهَبِ. صفحة ١٨٢ و﴿المُقَنْطَرَةِ﴾ أُرِيدَ بِها هُنا المُضاعَفَةُ المُتَكاثِرَةُ، لِأنَّ اشْتِقاقَ الوَصْفِ مِنِ اسْمِ الشَّيْءِ المَوْصُوفِ، إذا اشْتُهِرَ صاحِبُ الِاسْمِ بِصِفَةٍ، يُؤْذِنُ ذَلِكَ الِاشْتِقاقُ بِمُبالَغَةٍ في الحاصِلِ بِهِ كَقَوْلِهِمْ: لَيْلٌ ألْيَلُ، وظِلٌّ ظَلِيلٌ، وداهِيَةٌ دَهْياءُ، وشِعْرٌ شاعِرٌ، وإبِلٌ مُؤَبَّلَةٌ، وآلافٌ مُؤَلَّفَةٌ. والخَيْلُ مَحْبُوبَةٌ مَرْغُوبَةٌ، في العُصُورِ الماضِيَةِ وفِيما بَعْدَها، لَمْ يُنْسِها ما تَفَنَّنَ فِيهِ البَشَرُ مِن صُنُوفِ المَراكِبِ بَرًّا وبَحْرًا وجَوًّا، فالأُمَمُ المُتَحَضِّرَةُ اليَوْمَ مَعَ ما لَدَيْهِمْ مِنِ القِطاراتِ الَّتِي تَجْرِي بِالبُخارِ وبِالكَهْرَباءِ عَلى السِّكَكِ الحَدِيدِيَّةِ، ومِن سَفائِنِ البَحْرِ العَظِيمَةِ الَّتِي تُسَيِّرُها آلاتُ البُخارِ، ومِنَ السَّيّاراتِ الصَّغِيرَةِ المُسَيَّرَةِ بِاللَّوالِبِ تُحَرِّكُها حَرارَةُ النِّفْطِ المُصَفّى، ومِنَ الطِّياراتِ في الهَواءِ مِمّا لَمْ يَبْلُغْ إلَيْهِ البَشَرُ في عَصْرٍ مَضى، كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يُغْنِ النّاسَ عَنْ رُكُوبِ ظُهُورِ الخَيْلِ، وجَرِّ العَرَباتِ بِمُطَهَّماتِ الأفْراسِ، والعِنايَةِ بِالمُسابَقَةِ بَيْنَ الأفْراسِ. وذَكَرَ الخَيْلَ لِتَواطُؤِ نُفُوسِ أهْلِ البَذَخِ عَلى مَحَبَّةِ رُكُوبِها، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: كَأنِّي لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ و﴿المُسَوَّمَةِ﴾ الأظْهَرُ فِيهِ ما قِيلَ: إنَّهُ الرّاعِيَةُ، فَهو مُشْتَقٌّ مِنَ السَّوْمِ وهو الرَّعْيُ، يُقالُ: أسامَ الماشِيَةَ إذا رَعى بِها في المَرْعى، فَتَكُونُ مادَّةُ ”فَعَّلَ“ لِلتَّكْثِيرِ أيِ الَّتِي تُتْرَكُ في المَراعِي مُدَدًا طَوِيلَةً وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ لِسَعَةِ أصْحابِها وكَثْرَةِ مَراعِيهِمْ، فَتَكُونُ خَيْلُهم مُكَرَّمَةً في المُرُوجِ والرِّياضِ. وفي الحَدِيثِ في ذِكْرِ الخَيْلِ («فَأطالَ لَها في مَرْجٍ أوْ رَوْضَةٍ» ) . وقِيلَ: المُسَوَّمَةُ مِنَ السُّومَةِ - بِضَمِّ السِّينِ - وهي السِّمَةُ أيِ العَلامَةُ مِن صُوفٍ أوْ نَحْوِهِ، وإنَّما يَجْعَلُونَ لَها ذَلِكَ تَنْوِيهًا بِكَرَمِها وحُسْنِ بَلائِها في الحَرْبِ، قالَ العَتّابِيُّ: ولَوْلاهُنَّ قَدْ سَوَّمْتُ مُهْـرِي ∗∗∗ وفي الرَّحْمَنِ لِلضُّعَفاءِ كافِ يُرِيدُ جَعَلْتُ لَهُ سُومَةَ أفْراسِ الجِهادِ أيْ عَلامَتَها وقَدْ تَقَدَّمَ اشْتِقاقُ السِّمَةِ والسُّومَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والأنْعامُ زِينَةٌ لِأهْلِ الوَبَرِ قالَ تَعالى: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]، وفِيها مَنافِعُ عَظِيمَةٌ أشارَ إلَيْها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] صفحة ١٨٣ الآياتِ في سُورَةِ النَّحْلِ، وقَدْ لا تَتَعَلَّقُ شَهَواتُ أهْلِ المُدُنِ بِشِدَّةِ الإقْبالِ عَلى الأنْعامِ لَكِنَّهم يُحِبُّونَ مَشاهِدَها، ويُعْنَوْنَ بِالِارْتِياحِ إلَيْها إجْمالًا. والحَرْثِ أصْلُهُ مَصْدَرُ حَرَثَ الأرْضَ: إذا شَقَّها بِآلَةٍ لِيَزْرَعَ فِيها أوْ يَغْرِسَ، وأُطْلِقَ هَذا المَصْدَرُ عَلى المَحْرُوثِ فَصارَ يُطْلَقُ عَلى الجَنّاتِ والحَوائِطِ وحُقُولِ الزَّرْعِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾ [البقرة: ٧١] فِيها. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وأفْرَدَ كافَ الخِطابِ لِأنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيءِ ﷺ أوْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، عَلى أنَّ عَلامَةَ المُخاطَبِ الواحِدِ هي الغالِبُ في الِاقْتِرانِ بِأسْماءِ الإشارَةِ لِإرادَةِ البُعْدِ، والبُعْدُ هُنا بُعْدٌ مَجازِيٌّ بِمَعْنى الرِّفْعَةِ والنَّفاسَةِ. والمَتاعُ مُؤْذِنٌ بِالقِلَّةِ وهو ما يُسْتَمْتَعُ بِهِ مُدَّةً. ومَعْنى ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ أنَّ ثَوابَ اللَّهِ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ. والمَآبُ: المَرْجِعُ، وهو هُنا مَصْدَرٌ، مَفْعَلٌ مِن آبَ يَئُوبُ، وأصْلُهُ مَأْوَبٌ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى الهَمْزَةِ، وقُلِبَتِ الواوُ ألِفًا، والمُرادُ بِهِ العاقِبَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

آل عمران 3:15

﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ . اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، فَإنَّهُ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤] المُقْتَضِي أنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ مَساقَ الغَضِّ مِن هَذِهِ الشَّهَواتِ. وافْتَتَحَ الِاسْتِئْنافَ بِكَلِمَةِ ”قُلْ“ لِلِاهْتِمامِ بِالمَقُولِ، والمُخاطَبُ بِـ ”قُلْ“ صفحة ١٨٤ النَّبِيءُ ﷺ والِاسْتِفْهامُ لِلْعَرْضِ تَشْوِيقًا مِن نُفُوسِ المُخاطَبِينَ إلى تَلَقِّي ما سَيُقَصُّ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] الآيَةَ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ: أوُنَبِّئُكم بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ واوًا. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وخَلَفٌ: بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ. وجُمْلَةُ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ وهي المُنَبَّأُ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ”خَيْرٍ“، وجَنّاتٌ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ: أيْ لَهم، أوْ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقَدْ أُلْغِيَ ما يُقابِلُ شَهَواتِ الدُّنْيا في ذِكْرِ نَعِيمِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ لَذَّةَ البَنِينَ ولَذَّةَ المالِ هُنالِكَ مَفْقُودَةٌ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْها، وكَذَلِكَ لَذَّةُ الخَيْلِ والأنْعامِ؛ إذْ لا دَوابَّ في الجَنَّةِ، فَبَقِيَ ما يُقابِلُ النِّساءَ والحَرْثَ، وهو الجَنّاتُ والأزْواجُ، لِأنَّ بِهِما تَمامُ النَّعِيمِ والتَّأنُّسِ، وزِيدَ عَلَيْهِما رِضْوانُ اللَّهِ الَّذِي حُرِمَهُ مَن جَعَلَ حَظَّهُ لَذّاتِ الدُّنْيا وأعْرَضَ عَنِ الآخِرَةِ. ومَعْنى المُطَهَّرَةِ المُنَزَّهَةُ مِمّا يَعْتَرِي نِساءَ البَشَرِ مِمّا تَشْمَئِزُّ مِنهُ النُّفُوسُ، فالطَّهارَةُ هُنا حِسِّيَّةٌ لا مَعْنَوِيَّةٌ. وعَطَفَ ”رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ“ عَلى ما أعَدَّ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا عِنْدَ اللَّهِ: لِأنَّ رِضْوانَهُ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ النَّعِيمِ المادِّيِّ؛ لِأنَّ رِضْوانَ اللَّهِ تَقْرِيبٌ رُوحانِيٌّ، قالَ تَعالى: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِضْوانٌ، بِكَسْرِ الرّاءِ وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِضَمِّ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ. وأظْهَرَ اسْمَ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ﴾، دُونَ أنْ يَقُولَ ورِضْوانٌ مِنهُ أيْ مِن رَبِّهِمْ: لِما في اسْمِ الجَلالَةِ مِنَ الإيماءِ إلى عَظَمَةِ ذَلِكَ الرِّضْوانِ. وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ اعْتِراضٌ لِبَيانِ الوَعْدِ أيْ أنَّهُ عَلِيمٌ بِالَّذِينَ اتَّقَوْا ومَراتِبِ تَقْواهم، فَهو يُجازِيهِمْ، ولِتَضَمُّنِ ”بَصِيرٌ“ مَعْنى ”عَلِيمٍ“ عُدِّيَ بِالباءِ. وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ لِقَصْدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ لِتَكُونَ كالمَثَلِ. وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وصَفَهم بِالتَّقْوى وبِالتَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ تَعالى بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ. ومَعْنى القَوْلِ هُنا الكَلامُ المُطابِقُ لِلْواقِعِ في الخَبَرِ، والجارِي عَلى صفحة ١٨٥ فَرْطِ الرَّغْبَةِ في الدُّعاءِ، في قَوْلِهِمْ: ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ إلَخْ، وإنَّما يَجْرِي كَذَلِكَ إذا سَعى الدّاعِي في وسائِلِ الإجابَةِ وتَرَقَّبَها بِأسْبابِها الَّتِي تُرْشِدُ إلَيْها التَّقْوى، فَلا يُجازى هَذا الجَزاءَ مَن قالَ ذَلِكَ بِفَمِهِ ولَمْ يَعْمَلْ لَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ﴾ الآيَةَ - صِفاتٌ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، أوْ صِفاتٌ لِلَّذِينَ يَقُولُونَ، والظّاهِرُ الأوَّلُ. وذَكَرَ هُنا أُصُولَ فَضائِلِ صِفاتِ المُتَدَيِّنِينَ: وهي الصَّبْرُ الَّذِي هو مِلاكُ فِعْلِ الطّاعاتِ وتَرْكِ المَعاصِي. والصِّدْقُ الَّذِي هو مِلاكُ الِاسْتِقامَةِ وبَثِّ الثِّقَةِ بَيْنَ أفْرادِ الأُمَّةِ. والقُنُوتُ، وهو مُلازَمَةُ العِباداتِ في أوْقاتِها وإتْقانُها وهو عِبادَةٌ نَفْسِيَّةٌ جَسَدِيَّةٌ. والإنْفاقُ وهو أصْلُ إقامَةِ أوَدِ الأُمَّةِ بِكِفايَةِ حاجِ المُحْتاجِينَ، وهو قُرْبَةٌ مالِيَّةٌ والمالُ شَقِيقُ النَّفْسِ. وزادَ الِاسْتِغْفارَ بِالأسْحارِ وهو الدُّعاءُ والصَّلاةُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْهِ في أواخِرِ اللَّيْلِ، والسَّحَرُ سُدُسُ اللَّيْلِ الأخِيرُ؛ لِأنَّ العِبادَةَ فِيهِ أشَدُّ إخْلاصًا، لِما في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن هُدُوءِ النُّفُوسِ، ولِدَلالَتِهِ عَلى اهْتِمامِ صاحِبِهِ بِأمْرِ آخِرَتِهِ، فاخْتارَ لَهُ هَؤُلاءِ الصّادِقُونَ آخِرَ اللَّيْلِ لِأنَّهُ وقْتُ صَفاءِ السَّرائِرِ، والتَّجَرُّدِ عَنِ الشَّواغِلِ. وعَطْفُ الصِّفاتِ في قَوْلِهِ: الصّابِرِينَ، وما بَعْدَهُ - سَواءٌ كانَ قَوْلُهُ الصّابِرِينَ صِفَةً ثانِيَةً، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾، أمْ كانَ ابْتِداءَ الصِّفاتِ بَعْدَ البَيانِ - طَرِيقَةٌ ثانِيَةٌ مِن طَرِيقَتَيْ تَعْدادِ الصِّفاتِ في الذِّكْرِ في كَلامِهِمْ، فَيَكُونُ بِالعَطْفِ وبِدُونِهِ، مِثْلَ تَعَدُّدِ الأخْبارِ والأحْوالِ؛ إذْ لَيْسَتْ حُرُوفُ العَطْفِ بِمَقْصُورَةٍ عَلى تَشْرِيكِ الذَّواتِ. وفي الكَشّافِ أنَّ في عَطْفِ الصِّفاتِ نُكْتَةً زائِدَةً عَلى ذِكْرِها بِدُونِ العَطْفِ، وهي الإشارَةُ إلى كَمالِ المَوْصُوفِ في كُلِّ صِفَةٍ مِنها، وأحالَ تَفْصِيلَهُ عَلى ما تَقَدَّمَ لَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] مَعَ أنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ هُنالِكَ شَيْئًا مِن هَذا، وسَكَتَ الكاتِبُونَ عَنْ بَيانِ ذَلِكَ هُنا وهُناكَ، وكَلامُهُ يَقْتَضِي أنَّ الأصْلَ عِنْدَهُ في تَعَدُّدِ الصِّفاتِ والأخْبارِ تَرْكُ العَطْفِ فَلِذَلِكَ يَكُونُ عَطْفُها مُؤْذِنًا بِمَعْنًى خُصُوصِيٍّ، يَقْصِدُهُ البَلِيغُ، ولَعَلَّ وجْهَهُ أنَّ شَأْنَ حَرْفِ العَطْفِ أنْ يُسْتَغْنى بِهِ عَنْ تَكْرِيرِ العامِلِ فَيُناسِبَ المَعْمُولاتِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ الصِّفاتُ، فَإذا عُطِفَتْ فَقَدْ نُزِّلَتْ كُلُّ صِفَةٍ مَنزِلَةَ ذاتٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وما ذَلِكَ إلّا لِقُوَّةِ المَوْصُوفِ في تِلْكَ الصِّفَةِ، حَتّى كَأنَّ الواحِدَ صارَ عَدَدًا، كَقَوْلِهِمْ: واحِدٌ كَألْفٍ، ولا أحْسَبُ لِهَذا الكَلامِ تَسْلِيمًا. وقَدْ تَقَدَّمَ عَطْفُ الصِّفاتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

آل عمران 3:16

﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ . اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، فَإنَّهُ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤] المُقْتَضِي أنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ مَساقَ الغَضِّ مِن هَذِهِ الشَّهَواتِ. وافْتَتَحَ الِاسْتِئْنافَ بِكَلِمَةِ ”قُلْ“ لِلِاهْتِمامِ بِالمَقُولِ، والمُخاطَبُ بِـ ”قُلْ“ صفحة ١٨٤ النَّبِيءُ ﷺ والِاسْتِفْهامُ لِلْعَرْضِ تَشْوِيقًا مِن نُفُوسِ المُخاطَبِينَ إلى تَلَقِّي ما سَيُقَصُّ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] الآيَةَ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ: أوُنَبِّئُكم بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ واوًا. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وخَلَفٌ: بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ. وجُمْلَةُ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ وهي المُنَبَّأُ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ”خَيْرٍ“، وجَنّاتٌ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ: أيْ لَهم، أوْ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقَدْ أُلْغِيَ ما يُقابِلُ شَهَواتِ الدُّنْيا في ذِكْرِ نَعِيمِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ لَذَّةَ البَنِينَ ولَذَّةَ المالِ هُنالِكَ مَفْقُودَةٌ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْها، وكَذَلِكَ لَذَّةُ الخَيْلِ والأنْعامِ؛ إذْ لا دَوابَّ في الجَنَّةِ، فَبَقِيَ ما يُقابِلُ النِّساءَ والحَرْثَ، وهو الجَنّاتُ والأزْواجُ، لِأنَّ بِهِما تَمامُ النَّعِيمِ والتَّأنُّسِ، وزِيدَ عَلَيْهِما رِضْوانُ اللَّهِ الَّذِي حُرِمَهُ مَن جَعَلَ حَظَّهُ لَذّاتِ الدُّنْيا وأعْرَضَ عَنِ الآخِرَةِ. ومَعْنى المُطَهَّرَةِ المُنَزَّهَةُ مِمّا يَعْتَرِي نِساءَ البَشَرِ مِمّا تَشْمَئِزُّ مِنهُ النُّفُوسُ، فالطَّهارَةُ هُنا حِسِّيَّةٌ لا مَعْنَوِيَّةٌ. وعَطَفَ ”رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ“ عَلى ما أعَدَّ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا عِنْدَ اللَّهِ: لِأنَّ رِضْوانَهُ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ النَّعِيمِ المادِّيِّ؛ لِأنَّ رِضْوانَ اللَّهِ تَقْرِيبٌ رُوحانِيٌّ، قالَ تَعالى: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِضْوانٌ، بِكَسْرِ الرّاءِ وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِضَمِّ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ. وأظْهَرَ اسْمَ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ﴾، دُونَ أنْ يَقُولَ ورِضْوانٌ مِنهُ أيْ مِن رَبِّهِمْ: لِما في اسْمِ الجَلالَةِ مِنَ الإيماءِ إلى عَظَمَةِ ذَلِكَ الرِّضْوانِ. وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ اعْتِراضٌ لِبَيانِ الوَعْدِ أيْ أنَّهُ عَلِيمٌ بِالَّذِينَ اتَّقَوْا ومَراتِبِ تَقْواهم، فَهو يُجازِيهِمْ، ولِتَضَمُّنِ ”بَصِيرٌ“ مَعْنى ”عَلِيمٍ“ عُدِّيَ بِالباءِ. وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ لِقَصْدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ لِتَكُونَ كالمَثَلِ. وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وصَفَهم بِالتَّقْوى وبِالتَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ تَعالى بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ. ومَعْنى القَوْلِ هُنا الكَلامُ المُطابِقُ لِلْواقِعِ في الخَبَرِ، والجارِي عَلى صفحة ١٨٥ فَرْطِ الرَّغْبَةِ في الدُّعاءِ، في قَوْلِهِمْ: ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ إلَخْ، وإنَّما يَجْرِي كَذَلِكَ إذا سَعى الدّاعِي في وسائِلِ الإجابَةِ وتَرَقَّبَها بِأسْبابِها الَّتِي تُرْشِدُ إلَيْها التَّقْوى، فَلا يُجازى هَذا الجَزاءَ مَن قالَ ذَلِكَ بِفَمِهِ ولَمْ يَعْمَلْ لَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ﴾ الآيَةَ - صِفاتٌ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، أوْ صِفاتٌ لِلَّذِينَ يَقُولُونَ، والظّاهِرُ الأوَّلُ. وذَكَرَ هُنا أُصُولَ فَضائِلِ صِفاتِ المُتَدَيِّنِينَ: وهي الصَّبْرُ الَّذِي هو مِلاكُ فِعْلِ الطّاعاتِ وتَرْكِ المَعاصِي. والصِّدْقُ الَّذِي هو مِلاكُ الِاسْتِقامَةِ وبَثِّ الثِّقَةِ بَيْنَ أفْرادِ الأُمَّةِ. والقُنُوتُ، وهو مُلازَمَةُ العِباداتِ في أوْقاتِها وإتْقانُها وهو عِبادَةٌ نَفْسِيَّةٌ جَسَدِيَّةٌ. والإنْفاقُ وهو أصْلُ إقامَةِ أوَدِ الأُمَّةِ بِكِفايَةِ حاجِ المُحْتاجِينَ، وهو قُرْبَةٌ مالِيَّةٌ والمالُ شَقِيقُ النَّفْسِ. وزادَ الِاسْتِغْفارَ بِالأسْحارِ وهو الدُّعاءُ والصَّلاةُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْهِ في أواخِرِ اللَّيْلِ، والسَّحَرُ سُدُسُ اللَّيْلِ الأخِيرُ؛ لِأنَّ العِبادَةَ فِيهِ أشَدُّ إخْلاصًا، لِما في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن هُدُوءِ النُّفُوسِ، ولِدَلالَتِهِ عَلى اهْتِمامِ صاحِبِهِ بِأمْرِ آخِرَتِهِ، فاخْتارَ لَهُ هَؤُلاءِ الصّادِقُونَ آخِرَ اللَّيْلِ لِأنَّهُ وقْتُ صَفاءِ السَّرائِرِ، والتَّجَرُّدِ عَنِ الشَّواغِلِ. وعَطْفُ الصِّفاتِ في قَوْلِهِ: الصّابِرِينَ، وما بَعْدَهُ - سَواءٌ كانَ قَوْلُهُ الصّابِرِينَ صِفَةً ثانِيَةً، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾، أمْ كانَ ابْتِداءَ الصِّفاتِ بَعْدَ البَيانِ - طَرِيقَةٌ ثانِيَةٌ مِن طَرِيقَتَيْ تَعْدادِ الصِّفاتِ في الذِّكْرِ في كَلامِهِمْ، فَيَكُونُ بِالعَطْفِ وبِدُونِهِ، مِثْلَ تَعَدُّدِ الأخْبارِ والأحْوالِ؛ إذْ لَيْسَتْ حُرُوفُ العَطْفِ بِمَقْصُورَةٍ عَلى تَشْرِيكِ الذَّواتِ. وفي الكَشّافِ أنَّ في عَطْفِ الصِّفاتِ نُكْتَةً زائِدَةً عَلى ذِكْرِها بِدُونِ العَطْفِ، وهي الإشارَةُ إلى كَمالِ المَوْصُوفِ في كُلِّ صِفَةٍ مِنها، وأحالَ تَفْصِيلَهُ عَلى ما تَقَدَّمَ لَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] مَعَ أنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ هُنالِكَ شَيْئًا مِن هَذا، وسَكَتَ الكاتِبُونَ عَنْ بَيانِ ذَلِكَ هُنا وهُناكَ، وكَلامُهُ يَقْتَضِي أنَّ الأصْلَ عِنْدَهُ في تَعَدُّدِ الصِّفاتِ والأخْبارِ تَرْكُ العَطْفِ فَلِذَلِكَ يَكُونُ عَطْفُها مُؤْذِنًا بِمَعْنًى خُصُوصِيٍّ، يَقْصِدُهُ البَلِيغُ، ولَعَلَّ وجْهَهُ أنَّ شَأْنَ حَرْفِ العَطْفِ أنْ يُسْتَغْنى بِهِ عَنْ تَكْرِيرِ العامِلِ فَيُناسِبَ المَعْمُولاتِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ الصِّفاتُ، فَإذا عُطِفَتْ فَقَدْ نُزِّلَتْ كُلُّ صِفَةٍ مَنزِلَةَ ذاتٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وما ذَلِكَ إلّا لِقُوَّةِ المَوْصُوفِ في تِلْكَ الصِّفَةِ، حَتّى كَأنَّ الواحِدَ صارَ عَدَدًا، كَقَوْلِهِمْ: واحِدٌ كَألْفٍ، ولا أحْسَبُ لِهَذا الكَلامِ تَسْلِيمًا. وقَدْ تَقَدَّمَ عَطْفُ الصِّفاتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

آل عمران 3:17

﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ . اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، فَإنَّهُ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤] المُقْتَضِي أنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ مَساقَ الغَضِّ مِن هَذِهِ الشَّهَواتِ. وافْتَتَحَ الِاسْتِئْنافَ بِكَلِمَةِ ”قُلْ“ لِلِاهْتِمامِ بِالمَقُولِ، والمُخاطَبُ بِـ ”قُلْ“ صفحة ١٨٤ النَّبِيءُ ﷺ والِاسْتِفْهامُ لِلْعَرْضِ تَشْوِيقًا مِن نُفُوسِ المُخاطَبِينَ إلى تَلَقِّي ما سَيُقَصُّ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] الآيَةَ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ: أوُنَبِّئُكم بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ واوًا. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وخَلَفٌ: بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ. وجُمْلَةُ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ وهي المُنَبَّأُ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ”خَيْرٍ“، وجَنّاتٌ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ: أيْ لَهم، أوْ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقَدْ أُلْغِيَ ما يُقابِلُ شَهَواتِ الدُّنْيا في ذِكْرِ نَعِيمِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ لَذَّةَ البَنِينَ ولَذَّةَ المالِ هُنالِكَ مَفْقُودَةٌ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْها، وكَذَلِكَ لَذَّةُ الخَيْلِ والأنْعامِ؛ إذْ لا دَوابَّ في الجَنَّةِ، فَبَقِيَ ما يُقابِلُ النِّساءَ والحَرْثَ، وهو الجَنّاتُ والأزْواجُ، لِأنَّ بِهِما تَمامُ النَّعِيمِ والتَّأنُّسِ، وزِيدَ عَلَيْهِما رِضْوانُ اللَّهِ الَّذِي حُرِمَهُ مَن جَعَلَ حَظَّهُ لَذّاتِ الدُّنْيا وأعْرَضَ عَنِ الآخِرَةِ. ومَعْنى المُطَهَّرَةِ المُنَزَّهَةُ مِمّا يَعْتَرِي نِساءَ البَشَرِ مِمّا تَشْمَئِزُّ مِنهُ النُّفُوسُ، فالطَّهارَةُ هُنا حِسِّيَّةٌ لا مَعْنَوِيَّةٌ. وعَطَفَ ”رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ“ عَلى ما أعَدَّ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا عِنْدَ اللَّهِ: لِأنَّ رِضْوانَهُ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ النَّعِيمِ المادِّيِّ؛ لِأنَّ رِضْوانَ اللَّهِ تَقْرِيبٌ رُوحانِيٌّ، قالَ تَعالى: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِضْوانٌ، بِكَسْرِ الرّاءِ وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِضَمِّ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ. وأظْهَرَ اسْمَ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ﴾، دُونَ أنْ يَقُولَ ورِضْوانٌ مِنهُ أيْ مِن رَبِّهِمْ: لِما في اسْمِ الجَلالَةِ مِنَ الإيماءِ إلى عَظَمَةِ ذَلِكَ الرِّضْوانِ. وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ اعْتِراضٌ لِبَيانِ الوَعْدِ أيْ أنَّهُ عَلِيمٌ بِالَّذِينَ اتَّقَوْا ومَراتِبِ تَقْواهم، فَهو يُجازِيهِمْ، ولِتَضَمُّنِ ”بَصِيرٌ“ مَعْنى ”عَلِيمٍ“ عُدِّيَ بِالباءِ. وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ لِقَصْدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ لِتَكُونَ كالمَثَلِ. وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وصَفَهم بِالتَّقْوى وبِالتَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ تَعالى بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ. ومَعْنى القَوْلِ هُنا الكَلامُ المُطابِقُ لِلْواقِعِ في الخَبَرِ، والجارِي عَلى صفحة ١٨٥ فَرْطِ الرَّغْبَةِ في الدُّعاءِ، في قَوْلِهِمْ: ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ إلَخْ، وإنَّما يَجْرِي كَذَلِكَ إذا سَعى الدّاعِي في وسائِلِ الإجابَةِ وتَرَقَّبَها بِأسْبابِها الَّتِي تُرْشِدُ إلَيْها التَّقْوى، فَلا يُجازى هَذا الجَزاءَ مَن قالَ ذَلِكَ بِفَمِهِ ولَمْ يَعْمَلْ لَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ﴾ الآيَةَ - صِفاتٌ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، أوْ صِفاتٌ لِلَّذِينَ يَقُولُونَ، والظّاهِرُ الأوَّلُ. وذَكَرَ هُنا أُصُولَ فَضائِلِ صِفاتِ المُتَدَيِّنِينَ: وهي الصَّبْرُ الَّذِي هو مِلاكُ فِعْلِ الطّاعاتِ وتَرْكِ المَعاصِي. والصِّدْقُ الَّذِي هو مِلاكُ الِاسْتِقامَةِ وبَثِّ الثِّقَةِ بَيْنَ أفْرادِ الأُمَّةِ. والقُنُوتُ، وهو مُلازَمَةُ العِباداتِ في أوْقاتِها وإتْقانُها وهو عِبادَةٌ نَفْسِيَّةٌ جَسَدِيَّةٌ. والإنْفاقُ وهو أصْلُ إقامَةِ أوَدِ الأُمَّةِ بِكِفايَةِ حاجِ المُحْتاجِينَ، وهو قُرْبَةٌ مالِيَّةٌ والمالُ شَقِيقُ النَّفْسِ. وزادَ الِاسْتِغْفارَ بِالأسْحارِ وهو الدُّعاءُ والصَّلاةُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْهِ في أواخِرِ اللَّيْلِ، والسَّحَرُ سُدُسُ اللَّيْلِ الأخِيرُ؛ لِأنَّ العِبادَةَ فِيهِ أشَدُّ إخْلاصًا، لِما في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن هُدُوءِ النُّفُوسِ، ولِدَلالَتِهِ عَلى اهْتِمامِ صاحِبِهِ بِأمْرِ آخِرَتِهِ، فاخْتارَ لَهُ هَؤُلاءِ الصّادِقُونَ آخِرَ اللَّيْلِ لِأنَّهُ وقْتُ صَفاءِ السَّرائِرِ، والتَّجَرُّدِ عَنِ الشَّواغِلِ. وعَطْفُ الصِّفاتِ في قَوْلِهِ: الصّابِرِينَ، وما بَعْدَهُ - سَواءٌ كانَ قَوْلُهُ الصّابِرِينَ صِفَةً ثانِيَةً، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾، أمْ كانَ ابْتِداءَ الصِّفاتِ بَعْدَ البَيانِ - طَرِيقَةٌ ثانِيَةٌ مِن طَرِيقَتَيْ تَعْدادِ الصِّفاتِ في الذِّكْرِ في كَلامِهِمْ، فَيَكُونُ بِالعَطْفِ وبِدُونِهِ، مِثْلَ تَعَدُّدِ الأخْبارِ والأحْوالِ؛ إذْ لَيْسَتْ حُرُوفُ العَطْفِ بِمَقْصُورَةٍ عَلى تَشْرِيكِ الذَّواتِ. وفي الكَشّافِ أنَّ في عَطْفِ الصِّفاتِ نُكْتَةً زائِدَةً عَلى ذِكْرِها بِدُونِ العَطْفِ، وهي الإشارَةُ إلى كَمالِ المَوْصُوفِ في كُلِّ صِفَةٍ مِنها، وأحالَ تَفْصِيلَهُ عَلى ما تَقَدَّمَ لَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] مَعَ أنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ هُنالِكَ شَيْئًا مِن هَذا، وسَكَتَ الكاتِبُونَ عَنْ بَيانِ ذَلِكَ هُنا وهُناكَ، وكَلامُهُ يَقْتَضِي أنَّ الأصْلَ عِنْدَهُ في تَعَدُّدِ الصِّفاتِ والأخْبارِ تَرْكُ العَطْفِ فَلِذَلِكَ يَكُونُ عَطْفُها مُؤْذِنًا بِمَعْنًى خُصُوصِيٍّ، يَقْصِدُهُ البَلِيغُ، ولَعَلَّ وجْهَهُ أنَّ شَأْنَ حَرْفِ العَطْفِ أنْ يُسْتَغْنى بِهِ عَنْ تَكْرِيرِ العامِلِ فَيُناسِبَ المَعْمُولاتِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ الصِّفاتُ، فَإذا عُطِفَتْ فَقَدْ نُزِّلَتْ كُلُّ صِفَةٍ مَنزِلَةَ ذاتٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وما ذَلِكَ إلّا لِقُوَّةِ المَوْصُوفِ في تِلْكَ الصِّفَةِ، حَتّى كَأنَّ الواحِدَ صارَ عَدَدًا، كَقَوْلِهِمْ: واحِدٌ كَألْفٍ، ولا أحْسَبُ لِهَذا الكَلامِ تَسْلِيمًا. وقَدْ تَقَدَّمَ عَطْفُ الصِّفاتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

آل عمران 3:18

صفحة ١٨٦ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . اسْتِئْنافٌ وتَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] ذَلِكَ أنَّ أساسَ الإسْلامِ هو تَوْحِيدُ اللَّهِ. وإعْلانُ هَذا التَّوْحِيدِ، وتَخْلِيصُهُ مِن شَوائِبِ الإشْراكِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ وبِالنَّصارى واليَهُودِ، وإنْ تَفاوَتُوا في مَراتِبِ الإشْراكِ، وفِيهِ ضَرْبٌ مِن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ: لِأنَّهُ يُؤَكِّدُ ما افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] . والشَّهادَةُ حَقِيقَتُها خَبَرٌ يُصَدَّقُ بِهِ خَبَرُ مُخْبِرٍ وقَدْ يُكَذَّبُ بِهِ خَبَرُ آخَرَ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإذْ قَدْ كانَ شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ لِلتَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ في الحُقُوقِ، كانَ مَظِنَّةَ اهْتِمامِ المُخْبِرِ بِهِ والتَّثَبُّتِ فِيهِ، فَلِذَلِكَ أُطْلِقَ مَجازًا عَلى الخَبَرِ الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يَشُكَّ فِيهِ، قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ بِعَلاقَةِ التَّلازُمِ، فَشَهادَةُ اللَّهِ تَحْقِيقُهُ وحْدانِيَّتَهُ بِالدَّلائِلِ الَّتِي نَصَبَها عَلى ذَلِكَ، وشَهادَةُ المَلائِكَةِ تَحْقِيقُهم ذَلِكَ فِيما بَيْنَهم، وتَبْلِيغُ بَعْضِهِمْ ذَلِكَ إلى الرُّسُلِ، وشَهادَةُ أُولِي العِلْمِ تَحْقِيقُهم ذَلِكَ بِالحُجَجِ والأدِلَّةِ. فَإطْلاقُ الشَّهادَةِ عَلى هَذِهِ الأخْبارِ مَجازٌ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، أوْ تَشْبِيهُ الإخْبارِ بِالإخْبارِ أوِ المُخْبِرِ بِالمُخْبِرِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ”شَهِدَ“ بِمَعْنى بَيَّنَ وأقامَ الأدِلَّةَ، شَبَّهَ إقامَةَ الأدِلَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ: مِن إيجادِ المَخْلُوقاتِ ونَصْبِ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ، بِشَهادَةِ الشّاهِدِ بِتَصْدِيقِ الدَّعْوى في البَيانِ والكَشْفِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ المَلائِكَةُ بِما نَزَلُوا بِهِ مِنَ الوَحْيِ عَلى الرُّسُلِ، وما نَطَقُوا بِهِ مِن مَحامِدَ، وبَيَّنَ ذَلِكَ أُولُو العِلْمِ بِما أقامُوا مِنَ الحُجَجِ عَلى المَلاحِدَةِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ شَهادَةَ اللَّهِ بِمَعْنى الدَّلالَةِ ونَصْبِ الأدِلَّةِ، وشَهادَةَ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ بِمَعْنًى آخَرَ وهو الإقْرارُ أوْ بِمَعْنَيَيْنِ: إقْرارِ المَلائِكَةِ، واحْتِجاجِ أُولِي العِلْمِ، ثُمَّ تَبْنِيَهُ عَلى اسْتِعْمالِ ”شَهِدَ“ في مَعانٍ مَجازِيَّةٍ، مِثْلَ: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، أوْ عَلى اسْتِعْمالِ ”شَهِدَ“ في مَجازٍ أعَمَّ، وهو الإظْهارُ، حَتّى يَكُونَ نَصْبُ الأدِلَّةِ والإقْرارُ والِاحْتِجاجُ مِن أفْرادِ ذَلِكَ العامِّ، بِناءً عَلى عُمُومِ المَجازِ. صفحة ١٨٧ وانْتَصَبَ قائِمًا بِالقِسْطِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ إلّا هو أيْ شَهِدَ بِوَحْدانِيَّتِهِ وقِيامِهِ بِالعَدْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ فَيَكُونَ حالًا مُؤَكِّدَةً لِمَضْمُونِ ”شَهِدَ“ لِأنَّ الشَّهادَةَ هَذِهِ قِيامٌ بِالقِسْطِ، فالشّاهِدُ بِها قائِمٌ بِالقِسْطِ، قالَ تَعالى: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨] . وزَعَمَ ابْنُ هِشامٍ في البابِ الرّابِعِ: أنَّ كَوْنَهُ حالًا مُؤَكِّدَةً وهْمٌ، وعَلَّلَهُ بِما هو وهْمٌ، وقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ مُحَمَّدْ الرَّصّاعْ جَرَيانَ بَحْثٍ في إعْرابِ مِثْلِ هَذِهِ الحالِ في سُورَةِ الصَّفِّ في دَرْسِ شَيْخِهِ مُحَمَّدْ بْنِ عُقابْ. والقِيامُ هُنا بِمَعْنى المُواظَبَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] وقَوْلِهِ: ﴿لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] وتَقُولُ: الأمِيرُ قائِمٌ بِمَصالِحِ الأُمَّةِ، كَما تَقُولُ: ساهِرٌ عَلَيْها، ومِنهُ ﴿وإقامَ الصَّلاةِ﴾ [الأنبياء: ٧٣] وقَوْلِ أيْمَنَ بْنِ خُرَيْمٍ الأنْصارِيِّ: أقامَتْ غَزالَةُ سُوقَ الضِّرابِ لِأهْلِ العِراقَيْنِ حَوْلًا قَمِيطا وهُوَ في الجَمِيعِ تَمْثِيلٌ. والقِسْطُ: العَدْلُ وهو مُخْتَصَرٌ مِنَ القُسْطاسِ - بِضَمِّ القافِ - رَوى البُخارِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: القُسْطاسُ: العَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ وهَذِهِ الكَلِمَةُ ثابِتَةٌ في اللُّغاتِ الرُّومِيَّةِ وهي مِنَ اللّاطِينِيَّةِ، ويُطْلَقُ القِسْطُ والقِسْطاسُ عَلى المِيزانِ، لِأنَّهُ آلَةٌ لِلْعَدْلِ. قالَ تَعالى: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ [الإسراء: ٣٥] وقالَ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] . وقَدْ أقامَ اللَّهُ القِسْطَ في تَكْوِينِ العَوالِمِ عَلى نُظُمِها، وفي تَقْدِيرِ بَقاءِ الأنْواعِ، وإيداعِ أسْبابِ المُدافَعَةِ في نُفُوسِ المَوْجُوداتِ، وفِيما شَرَعَ لِلْبَشَرِ مِنَ الشَّرائِعِ في الِاعْتِقادِ والعَمَلِ: لِدَفْعِ ظُلْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم، فَهو القائِمُ بِالعَدْلِ سُبْحانَهُ، وعَدْلُ النّاسِ مُقْتَبَسٌ مِن مُحاكاةِ عَدْلِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ تَمْجِيدٌ وتَصْدِيقٌ، نَشَأ عَنْ شَهادَةِ المَوْجُوداتِ كُلِّها لَهُ بِذَلِكَ فَهو تَلْقِينُ الإقْرارِ لَهُ بِذَلِكَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيءِ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] أيِ اقْتِداءً بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ، عَلى أنَّهُ يُفِيدُ مَعَ ذَلِكَ تَأْكِيدَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، ويُمَهِّدُ لِوَصْفِهِ تَعالى بِالعَزِيزِ الحَكِيمِ.

آل عمران 3:19

صفحة ١٨٨ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ إنَّ الدِّينَ - بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّ - فَهو اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِبَيانِ فَضِيلَةِ هَذا الدِّينِ بِأجْمَعِ عِبارَةٍ وأوْجَزِها. وهَذا شُرُوعٌ في أوَّلِ غَرَضٍ أُنْزِلَتْ فِيهِ هَذِهِ السُّورَةُ: غَرَضِ مُحاجَّةِ نَصارى نَجْرانَ، فَهَذا الِاسْتِئْنافُ مِن مُناسَباتِ افْتِتاحِ السُّورَةِ بِذِكْرِ تَنْزِيلِ القُرْآنِ والتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، ثُمَّ بِتَخْصِيصِ القُرْآنِ بِالذِّكْرِ وتَفْضِيلِهِ بِأنَّ هَدْيَهُ يَفُوقُ هَدْيَ ما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ، إذْ هو الفُرْقانُ، فَإنَّ ذَلِكَ أُسُّ الدِّينِ القَوِيمِ، ولَمّا كانَ الكَلامُ المُتَقَدِّمُ مُشْتَمِلًا عَلى تَعْرِيضٍ بِاليَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ، وإبْطالٍ لِقَوْلِ وفْدِ نَجْرانَ لَمّا طَلَبَ مِنهُمُ الرَّسُولُ ﷺ الإسْلامَ: أسْلَمْنا قَبْلَكَ، فَقالَ لَهم: كَذَبْتُمْ. رَوى الواحِدِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: أنَّ وفْدَ نَجْرانَ لَمّا دَخَلُوا المَسْجِدَ النَّبَوِيَّ تَكَلَّمَ السَّيِّدُ والعاقِبُ فَقالَ لَهُما رَسُولُ اللَّهِ أسْلِما، قالا قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ، قالَ كَذَبْتُما، يَمْنَعُكُما مِنَ الإسْلامِ دُعاؤُكُما لِلَّهِ ولَدًا، وعِبادَتُكُما الصَّلِيبَ - ناسَبَ أنْ يُنَوِّهَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالإسْلامِ الَّذِي جاءَ بِهِ القُرْآنُ، ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ قَوْلَهُ: ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ . واعْلَمْ أنَّ جُمَلَ الكَلامِ البَلِيغِ لا يَخْلُو انْتِظامُها عَنِ المُناسَبَةِ، وإنْ كانَ بَعْضُها اسْتِئْنافًا، وإنَّما لا تُطْلَبُ المُناسَبَةُ في المُحادَثاتِ والِاقْتِضاباتِ. وتَوْكِيدُ الكَلامِ بِـ ”إنَّ“ تَحْقِيقٌ لِما تَضَمَّنَهُ مِن حَصْرِ حَقِيقَةِ الدِّينِ عِنْدَ اللَّهِ في الإسْلامِ: أيِ الدِّينِ الكامِلِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ أنَّ الدِّينَ - بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّ - عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، أيْ شَهِدَ اللَّهُ بِأنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، والدِّينُ: حَقِيقَتُهُ في الأصْلِ الجَزاءُ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً يُطْلَقُ عَلى: مَجْمُوعِ عَقائِدَ وأعْمالٍ يُلَقِّنُها رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَعِدُ العامِلِينَ بِها بِالنَّعِيمِ، والمُعْرِضِينَ عَنْها بِالعِقابِ. ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى ما يُشْبِهُ ذَلِكَ مِمّا يَضَعُهُ بَعْضُ زُعَماءِ النّاسِ مِن تِلْقاءِ عَقْلِهِ فَتَلْتَزِمُهُ طائِفَةٌ مِنَ النّاسِ. وسُمِّيَ الدِّينُ دِينًا لِأنَّهُ يَتَرَقَّبُ مِنهُ مُتَّبِعُهُ الجَزاءَ عاجِلًا صفحة ١٨٩ أوْ آجِلًا، فَما مِن أهْلِ دِينٍ إلّا وهم يَتَرَقَّبُونَ جَزاءً مِن رَبِّ ذَلِكَ الدِّينِ، فالمُشْرِكُونَ يَطْمَعُونَ في إعانَةِ الآلِهَةِ ووَساطَتِهِمْ ورِضاهم عَنْهم، ويَقُولُونَ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، وقالَ أبُو سُفْيانَ يَوْمَ أُحُدٍ: اعْلُ هُبَلُ. وقالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ لَمّا قالَ لَهُ العَبّاسُ: أما آنَ لَكَ أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ -: لَقَدْ عَلِمْتُ أنْ لَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ غَيْرُهُ لَقَدْ أغْنى عَنِّي شَيْئًا. وأهْلُ الأدْيانِ الإلَهِيَّةِ يَتَرَقَّبُونَ الجَزاءَ الأوْفى في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَأوَّلُ دِينٍ إلَهِيٍّ كانَ حَقًّا وبِهِ كانَ اهْتِداءُ الإنْسانِ، ثُمَّ طَرَأتِ الأدْيانُ المَكْذُوبَةُ، وتَشَبَّهَتْ بِالأدْيانِ الصَّحِيحَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى - تَعْلِيمًا لِرَسُولِهِ -: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] وقالَ: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] . وقَدْ عَرَّفَ العُلَماءُ الدِّينَ الصَّحِيحَ بِأنَّهُ وضْعٌ إلَهِيٌّ سائِقٌ لِذَوِي العُقُولِ بِاخْتِيارِهِمُ المَحْمُودِ إلى الخَيْرِ باطِنًا وظاهِرًا. والإسْلامُ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى مَجْمُوعِ الدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ كَما أُطْلِقَ عَلى ذَلِكَ الإيمانُ أيْضًا، ولِذَلِكَ لُقِّبَ أتْباعُ هَذا الدِّينِ بِالمُسْلِمِينَ وبِالمُؤْمِنِينَ، وهو الإطْلاقُ المُرادُ هُنا، وهو تَسْمِيَةٌ بِمَصْدَرِ ”أسْلَمَ“ إذا أذْعَنَ ولَمْ يُعانِدْ إذْعانًا عَنِ اعْتِرافٍ بِحَقٍّ لا عَنْ عَجْزٍ، وهَذا اللَّقَبُ أوْلى بِالإطْلاقِ عَلى هَذا الدِّينِ مِن لَقَبِ الإيمانِ؛ لِأنَّ الإسْلامَ هو المَظْهَرُ البَيِّنُ لِمُتابَعَةِ الرَّسُولِ فِيما جاءَ بِهِ مِنَ الحَقِّ، واطِّراحِ كُلِّ حائِلٍ يَحُولُ دُونَ ذَلِكَ، بِخِلافِ الإيمانِ فَإنَّهُ اعْتِقادٌ قَلْبِيٌّ، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ﴾ [الحج: ٧٨] وقالَ: ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [آل عمران: ٢٠] ولِأنَّ الإسْلامَ لا يَكُونُ إلّا عَنِ اعْتِقادٍ لِأنَّ الفِعْلَ أثَرُ الإدْراكِ، بِخِلافِ العَكْسِ فَقَدْ يَكُونُ الِاعْتِقادُ مَعَ المُكابَرَةِ. ورُبَّما أُطْلِقَ الإسْلامُ عَلى خُصُوصِ الأعْمالِ؛ والإيمانُ عَلى الِاعْتِقادِ، وهو إطْلاقٌ مُناسِبٌ لِحالَتَيِ التَّفْكِيكِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ في الواقِعِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى، خِطابًا لِقَوْمٍ أسْلَمُوا مُتَرَدِّدِينَ: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، أوِ التَّفْكِيكِ في تَصْوِيرِ الماهِيَّةِ عِنْدَ التَّعْلِيمِ لِحَقائِقِ المَعانِي الشَّرْعِيَّةِ أوِ اللُّغَوِيَّةِ كَما وقَعَ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ مِن ذِكْرِ مَعْنى الإيمانِ، والإسْلامِ، والإحْسانِ. والتَّعْرِيفُ في الدِّينِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، إذْ لا يَسْتَقِيمُ مَعْنى العَهْدِ الخارِجِيِّ هُنا، وتَعْرِيفُ الإسْلامِ تَعْرِيفُ العَلَمِ بِالغَلَبَةِ: لِأنَّ الإسْلامَ صارَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الدِّينِ المُحَمَّدِيِّ. صفحة ١٩٠ فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ صِيغَةُ حَصْرٍ، وهي تَقْتَضِي في اللِّسانِ حَصْرَ المُسْنَدِ إلَيْهِ، وهو الدِّينُ، في المُسْنَدِ، وهو الإسْلامُ، عَلى قاعِدَةِ الحَصْرِ بِتَعْرِيفِ جُزْأيِ الجُمْلَةِ، أيْ لا دِينَ إلّا الإسْلامُ، وقَدْ أكَّدَ هَذا الِانْحِصارَ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ. وقَوْلُهُ: عِنْدَ اللَّهِ، وصْفٌ لِلدِّينِ، والعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ الِاعْتِبارِ والِاعْتِناءِ ولَيْسَتْ عِنْدِيَّةَ عِلْمٍ: فَأفادَ أنَّ الدِّينَ الصَّحِيحَ هو الإسْلامُ، فَيَكُونُ قَصْرًا لِلْمُسْنَدِ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ قَيْدٍ فِيهِ، لا في جَمِيعِ اعْتِباراتِهِ: نَظِيرَ قَوْلِ الخَنْساءِ: إذا قَبُحَ البُكاءُ عَلى قَـتِـيلٍ رَأيْتُ بُكاءَك الحَسَنَ الجَمِيلا فَحَصَرَتِ الحَسَنَ في بُكائِهِ بِقاعِدَةِ أنَّ المَقْصُورَ هو الحَسَنُ لِأنَّهُ هو المُعَرَّفُ بِاللّامِ، وهَذا الحَصْرُ بِاعْتِبارِ التَّقْيِيدِ بِوَقْتِ قُبْحِ البُكاءِ عَلى القَتْلى وهو قَصْرُ حُسْنِ بُكائِها عَلى ذَلِكَ الوَقْتِ، لِيَكُونَ لِبُكائِها عَلى صَخْرٍ مَزِيَّةٌ زائِدَةٌ عَلى بُكاءِ القَتْلى المُتَعارَفِ، وإنْ أبى اعْتِبارَ القَصْرِ في البَيْتِ أصْلًا صاحِبُ المُطَوَّلِ. وإذْ قَدْ جاءَتْ أدْيانٌ صَحِيحَةٌ أمَرَ اللَّهُ بِها فالحَصْرُ مُؤَوَّلٌ: إمّا بِاعْتِبارِ أنَّ الدِّينَ الصَّحِيحَ عِنْدَ اللَّهِ، حِينَ الإخْبارِ، هو الإسْلامُ، لِأنَّ الخَبَرَ يُنْظَرُ فِيهِ إلى وقْتِ الإخْبارِ؛ إذِ الأخْبارُ كُلُّها حَقائِقُ في الحالِ، ولا شَكَّ أنَّ وقْتَ الإخْبارِ لَيْسَ فِيهِ دِينٌ صَحِيحٌ غَيْرَ الإسْلامِ؛ إذْ قَدْ عَرَضَ لِبَقِيَّةِ الأدْيانِ الإلَهِيَّةِ، مِن خَلْطِ الفاسِدِ بِالصَّحِيحِ، ما اخْتَلَّ لِأجْلِهِ مَجْمُوعُ الدِّينِ، وإمّا بِاعْتِبارِ الكَمالِ عِنْدَ اللَّهِ، فَيَكُونُ القَصْرُ بِاعْتِبارِ سائِرِ الأزْمانِ والعُصُورِ؛ إذْ لا أكْمَلَ مِن هَذا الدِّينِ، وما تَقَدَّمَهُ مِنَ الأدْيانِ لَمْ يَكُنْ بالِغًا غايَةَ المُرادِ مِنَ البَشَرِ في صَلاحِ شُئُونِهِمْ، بَلْ كانَ كُلُّ دِينٍ مَضى مُقْتَصِرًا عَلى مِقْدارِ الحاجَةِ مِن أُمَّةٍ مُعَيَّنَةٍ في زَمَنٍ مُعَيَّنٍ، وهَذا المَعْنى أوْلى مَحْمَلَيِ الآيَةِ، لِأنَّ مُفادَهُ أعَمُّ، وتَعْبِيرَهُ عَنْ حاصِلِ صِفَةِ دِينِ الإسْلامِ - تُجاهَ بَقِيَّةِ الأدْيانِ الإلَهِيَّةِ - أتَمُّ. ذَلِكَ أنَّ مُرادَ اللَّهِ تَعالى مِن تَوْجِيهِ الشَّرائِعِ وإرْسالِ الرُّسُلِ، لَيْسَ مُجَرَّدَ قَرْعِ الأسْماعِ بِعِباراتِ التَّشْرِيعِ أوِ التَّذَوُّقِ لِدَقائِقِ تَراكِيبِهِ، بَلْ مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِمّا شَرَعَ لِلنّاسِ هو عَمَلُهم بِتَعالِيمِ رُسُلِهِ وكُتُبِهِ، ولَمّا كانَ المُرادُ مِن ذَلِكَ هو العَمَلَ، جَعَلَ اللَّهُ الشَّرائِعَ مُناسِبَةً لِقابِلَيّاتِ المُخاطَبِينَ بِها، وجارِيَةً عَلى قَدْرِ قَبُولِ عُقُولِهِمْ ومَقْدِرَتِهِمْ، لِيَتَمَكَّنُوا مِنَ العَمَلِ بِها بِدَوامٍ وانْتِظامٍ، فَلِذَلِكَ كانَ المَقْصُودُ مِنَ التَّدَيُّنِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّعْلِيمُ الدِّينِيُّ صفحة ١٩١ دَأْبًا وعادَةً لِمُنْتَحِلِيهِ، وحَيْثُ النُّفُوسُ لا تَسْتَطِيعُ الِانْصِياعَ إلى ما لا يَتَّفِقُ مَعَ مُدْرَكاتِها، لا جَرَمَ تَعَيَّنَ مُراعاةُ حالِ المُخاطَبِينَ في سائِرِ الأدْيانِ، لِيُمْكِنَ لِلْأُمَمِ العَمَلُ بِتَعالِيمِ شَرائِعِها بِانْتِظامٍ ومُواظَبَةٍ. وقَدْ كانَتْ أحْوالُ الجَماعاتِ البَشَرِيَّةِ، في أوَّلِ عُهُودِ الحَضارَةِ، حالاتِ عُكُوفٍ عَلى عَوائِدَ وتَقالِيدَ بَسِيطَةٍ، ائْتَلَفَتْ رُوَيْدًا عَلى حَسَبِ دَواعِي الحاجاتِ، وما تِلْكَ الدَّواعِي الَّتِي تَسَبَّبَتْ في ائْتِلافِ تِلْكَ العَوائِدِ، إلّا دَواعٍ غَيْرُ مُنْتَشِرَةٍ؛ لِأنَّها تَنْحَصِرُ فِيما يَعُودُ عَلى الفَرْدِ بِحِفْظِ حَياتِهِ، ودَفْعِ الآلامِ عَنْهُ، ثُمَّ بِحِفْظِ حَياةِ مَن يَرى لَهُ مَزِيدَ اتِّصالٍ بِهِ، وتَحْسِينِ حالِهِ، فَبِذَلِكَ ائْتَلَفَ نِظامُ الفَرْدِ، ثُمَّ نِظامُ العائِلَةِ، ثُمَّ نِظامُ العَشِيرَةِ، وهاتِهِ النُّظُمُ المُتَقابِسَةُ هي نُظُمٌ مُتَساوِيَةُ الأشْكالِ؛ إذْ كُلُّها لا يَعْدُو حِفْظَ الحَياةِ، بِالغِذاءِ والدِّفاعِ عَنِ النَّفْسِ، ودَفْعِ الآلامِ بِالكِساءِ والمَسْكَنِ والزَّواجِ، والِانْتِصارِ لِلْعائِلَةِ ولِلْقَبِيلَةِ؛ لِأنَّ بِها الِاعْتِزازَ، ثُمَّ ما نَشَأ عَنْ ذَلِكَ مِن تَعاوُنِ الآحادِ عَلى ذَلِكَ، بِإعْدادِ المُعَدّاتِ: وهو التَّعاوُضُ والتَّعامُلُ، فَلَمْ تَكُنْ فِكْرَةُ النّاسِ تَعْدُو هَذِهِ الحالَةَ، وبِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأحَدِ الجَماعاتِ شُعُورٌ بِما يَجْرِي لَدى جَماعَةٍ أُخْرى، فَضْلًا عَنِ التَّفْكِيرِ في اقْتِباسِ إحْداهُما مِمّا يَجْرِي لَدى غَيْرِها، وتِلْكَ حالَةُ قَناعَةِ العَيْشِ، وقُصُورِ الهِمَّةِ وانْعِدامِ الدَّواعِي. فَإذا حَصَلَتِ الأسْبابُ الآنِفَةُ عَدَّ النّاسُ أنْفُسَهم في مُنْتَهى السَّعادَةِ. وكانَ التَّباعُدُ بَيْنَ الجَماعاتِ في المُواطِنِ مَعَ مَشَقَّةِ التَّواصُلِ، وما يَعْرِضُ في ذَلِكَ مِنَ الأخْطارِ والمَتاعِبِ، حائِلًا عَنْ أنْ يُصادِفَهم ما يُوجِبُ اقْتِباسَ الأُمَمِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ، وشُعُورَ بَعْضِها بِأخْلاقِ بَعْضٍ، فَصارَ الصّارِفُ عَنِ التَّعاوُنِ في الحَضارَةِ الفِكْرِيَّةِ مَجْمُوعَ حائِلَيْنِ: عَدَمِ الدّاعِي، وانْسِدادِ وسائِلِ الصُّدْفَةِ، اللَّهُمَّ إلّا ما يَعْرِضُ مِن وِفادَةِ وافِدٍ، أوِ اخْتِلاطٍ في نَجْعَةٍ أوْ مَوْسِمٍ، عَلى أنَّ ذَلِكَ إنْ حَصَلَ فَسُرْعانَ ما يَطْرَأُ عَلَيْهِ النِّسْيانُ، فَيُصْبِحُ في خَبَرِ كانَ. فَكَيْفَ يُرْجى مِن أقْوامٍ هَذِهِ حالُهم أنْ يَدْعُوَهُمُ الدّاعِي إلى صَلاحٍ في أوْسَعَ مِن دَوائِرِ مُدْرَكاتِهِمْ، ومُتَقارِبِ تَصَوُّرِ عُقُولِهِمْ، ألَيْسُوا إذا جاءَهم مُصْلِحٌ كَذَلِكَ لَبِسُوا لَهُ جِلْدَ النَّمِرِ، فَأحَسَّ مِن سُوءِ الطّاعَةِ حَرْقَ الجَمْرِ، لِذَلِكَ لَمْ تَتَعَلَّقْ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعالى، صفحة ١٩٢ فِي قَدِيمِ العُصُورِ، بِتَشْرِيعِ شَرِيعَةٍ جامِعَةٍ صالِحَةٍ لِجَمِيعِ البَشَرِ، بَلْ كانَتِ الشَّرائِعُ تَأْتِي إلى أقْوامٍ مُعَيَّنِينَ؛ وفي حَدِيثِ مُسْلِمٍ، في صِفَةِ عَرْضِ الأُمَمِ لِلْحِسابِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: «فَيَجِيءُ النَّبِيءُ ومَعَهُ الرَّهْطُ، والنَّبِيءُ ومَعَهُ الرَّجُلُ والرَّجُلانِ، والنَّبِيءُ ولَيْسَ مَعَهُ أحَدٌ» وفي رِوايَةِ البُخارِيِّ «فَجَعَلَ النَّبِيءُ والنَّبِيئانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمُ الرَّهْطُ» الحَدِيثَ. وبَقِيَ الحَقُّ في خِلالِ ذَلِكَ مَشاعًا بَيْنَ الأُمَمِ، فَفي كُلِّ أُمَّةٍ تَجِدُ سَدادًا وأفْنًا، وبَعْضُ الحَقِّ لَمْ يَزَلْ مَخْبُوءًا لَمْ يُسْفِرْ عَنْهُ البَيانُ. ثُمَّ أخَذَ البَشَرُ يَتَعارَفُونَ بِسَبَبِ الفُتُوحِ والهِجْرَةِ، وتَقاتَلَتِ الأُمَمُ المُتَقارِبَةُ المَنازِلِ، فَحَصَلَ لِلْأُمَمِ حَظٌّ مِنَ الحَضارَةِ، وتَقارَبَتِ العَوائِدُ، وتَوَسَّعَتْ مَعْلُوماتُهم، وحَضارَتُهم، فَكانَتْ مِنَ الشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ: شَرِيعَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِن غَيْرِها شَرِيعَةُ حَمُورابِي في العِراقِ، وشَرِيعَةُ البَراهِمَةِ، وشَرِيعَةُ المِصْرِيِّينَ، الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] . ثُمَّ أعْقَبَتْها شَرِيعَةٌ إلَهِيَّةٌ كُبْرى وهي شَرِيعَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّتِي اخْتَلَطَ أهْلُها بِأُمَمٍ كَثِيرَةٍ في مَسِيرِهِمْ في التِّيهِ وما بَعْدَهُ، وجاوَرَتْها أوْ أعْقَبَتْها شَرائِعُ مِثْلَ شَرِيعَةِ (زَرادِشْتَ) في الفُرْسِ، وشَرِيعَةِ (كُنْفُشْيُوسَ) في الصِّينِ، وشَرِيعَةِ سُولُونَ في اليُونانِ. وفِي هَذِهِ العُصُورِ كُلِّها لَمْ تَكُنْ إحْدى الشَّرائِعِ عامَّةَ الدَّعْوَةِ، وهَذِهِ أكْبَرُ الشَّرائِعِ وهي المُوسَوِيَّةُ لَمْ تَدْعُ غَيْرَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَدْعُ الأُمَمَ الأُخْرى الَّتِي مَرَّتْ عَلَيْها وامْتَزَجَتْ بِها وصاهَرَتْها، وكَذَلِكَ جاءَتِ المَسِيحِيَّةُ مَقْصُورَةً عَلى دَعْوَةِ بَنِي إسْرائِيلَ حَتّى دَعا النّاسَ إلَيْها القِدِّيسُ بُولُسُ بَعْدَ المَسِيحِ بِنَحْوِ ثَلاثِينَ سَنَةً. إلى أنْ كانَ في القَرْنِ الرّابِعِ بَعْدَ المَسِيحِ حُصُولُ تَقابُسٍ وتَمازُجٍ بَيْنَ أصْنافِ البَشَرِ في الأخْلاقِ والعَوائِدِ، بِسَبَبَيْنِ: اضْطِرارِيٍّ، واخْتِيارِيٍّ. أمّا الِاضْطِرارِيُّ فَذَلِكَ أنَّهُ قَدْ تَرامَتِ الأُمَمُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، واتَّجَهَ أهْلُ الشَّرْقِ إلى الغَرْبِ، وأهْلُ الغَرْبِ إلى الشَّرْقِ، بِالفُتُوحِ العَظِيمَةِ الواقِعَةِ بَيْنَ الفُرْسِ والرُّومِ، وهُما يَوْمَئِذٍ قُطْبا العالَمِ، بِما يَتْبَعُ كُلَّ واحِدَةٍ مِن أُمَمٍ تَنْتَمِي إلى سُلْطانِها، فَكانَتِ الحَرْبُ سِجالًا بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وتَوالَتْ أزْمانًا طَوِيلَةً. صفحة ١٩٣ وأمّا الِاخْتِيارِيُّ فَهو ما أبْقاهُ ذَلِكَ التَّمازُجُ مِن مُشاهَدَةِ أخْلاقٍ وعَوائِدَ حَسُنَتْ في أعْيُنِ رائِيها، فاقْتَبَسُوها، وأشْياءَ قَبُحَتْ في أعْيُنِهِمْ، فَحَذِرُوها، وفي كِلْتا الحالَتَيْنِ نَشَأتْ يَقَظَةٌ جَدِيدَةٌ، وتَأسَّسَتْ مَدَنِيّاتٌ مُتَفَنِّنَةٌ، وتَهَيَّأتِ الأفْكارُ إلى قَبُولِ التَّغْيِيراتِ القَوِيَّةِ، فَتَهَيَّأتْ جَمِيعُ الأُمَمِ إلى قَبُولِ التَّعالِيمِ الغَرِيبَةِ عَنْ عَوائِدِها وأحْوالِها، وتَساوَتِ الأُمَمُ وتَقارَبَتْ في هَذا المِقْدارِ، وإنْ تَفاوَتَتْ في الحَضارَةِ والعُلُومِ تَفاوُتًا رُبَّما كانَ مِنهُ ما زادَ بَعْضَها تَهَيُّؤًا لِقَبُولِ التَّعالِيمِ الصَّحِيحَةِ، وقَهْقَرَ بَعْضًا عَنْ ذَلِكَ بِما داخَلَها مِنَ الإعْجابِ بِمَبْلَغِ عِلْمِها، أوِ العُكُوفِ والإلْفِ عَلى حَضارَتِها. فَبَلَغَ الأجَلُ المُرادُ والمُعَيَّنُ لِمَجِيءِ الشَّرِيعَةِ الحَقِّ الخاتِمَةِ العامَّةِ. فَأظْهَرَ اللَّهُ دِينَ الإسْلامِ في وقْتٍ مُناسِبٍ لِظُهُورِهِ، واخْتارَ أنْ يَكُونَ ظُهُورُهُ بَيْن ظَهْرانَيْ أُمَّةٍ لَمْ تَسْبِقْ لَها سابِقَةُ سُلْطانٍ، ولا كانَتْ ذاتَ سِيادَةٍ يَوْمَئِذٍ عَلى شَيْءٍ مِن جِهاتِ الأرْضِ، ولَكِنَّها أُمَّةٌ سَلَّمَها اللَّهُ مِن مُعْظَمِ رُعُوناتِ الجَماعاتِ البَشَرِيَّةِ، لِتَكُونَ أقْرَبَ إلى قَبُولِ الحَقِّ، وأظْهَرَ هَذا الدِّينَ بِواسِطَةِ رَجُلٍ مِنها، لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ العِلْمِ، ولا مِن أهْلِ الدَّوْلَةِ، ولا مِن ذُرِّيَّةِ مُلُوكٍ، ولا اكْتَسَبَ خِبْرَةً سابِقَةً بِهِجْرَةٍ أوْ مُخالَطَةٍ، لِيَكُونَ ظُهُورُ هَذا الحَقِّ الصَّرِيحِ، والعِلْمِ الصَّحِيحِ مِن مِثْلِهِ آيَةً عَلى أنَّ ذَلِكَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ نَفَحَ بِهِ عِبادَهُ. ثُمَّ جَعَلَ أُسُسَ هَذا الدِّينِ مُتَباعِدَةً عَنْ ذَمِيمِ العَوائِدِ في الأُمَمِ، حَتّى الأُمَّةِ الَّتِي ظَهَرَ بَيْنَها، ومُوافِقَةً لِلْحَقِّ ولَوْ كانَ قَدْ سَبَقَ إلَيْهِ أعْداؤُها، وكانَتْ أُصُولُهُ مَبْنِيَّةً عَلى الفِطْرَةِ بِمَعْنى ألّا تَكُونَ ناظِرَةً إلّا إلى ما فِيهِ الصَّلاحُ في حُكْمِ العَقْلِ السَّلِيمِ، غَيْرَ مَأْسُورٍ لِلْعَوائِدِ ولا لِلْمَذاهِبِ، قالَ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠] قالَ الشَّيْخُ أبُو عَلِيٍّ ابْنُ سِينا: (الفِطْرَةُ أنْ يَتَوَهَّمَ الإنْسانُ نَفْسَهُ حَصَلَ في الدُّنْيا دَفْعَةً وهو عاقِلٌ، لَمْ يَسْمَعْ رَأْيًا، ولَمْ يَعْتَقِدْ مَذْهَبًا، ولَمْ يُعاشِرْ أُمَّةً، لَكِنَّهُ شاهَدَ المَحْسُوساتِ، ثُمَّ يَعْرِضُ عَلى ذِهْنِهِ الأشْياءَ شَيْئًا فَشَيْئًا فَإنْ أمْكَنَهُ الشَّكُّ في شَيْءٍ فالفِطْرَةُ لا تَشْهَدُ بِهِ، وإنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الشَّكُّ فِيهِ فالفِطْرَةُ تُوجِبُهُ، ولَيْسَ كُلُّ ما تُوجِبُهُ الفِطْرَةُ بِصادِقٍ، بَلِ الصّادِقُ مِنهُ ما تَشْهَدُ بِهِ فِطْرَةُ القُوَّةِ الَّتِي تُسَمّى عَقْلًا، قَبْلَ أنْ يَعْتَرِضَهُ الوَهْمُ) . صفحة ١٩٤ ويَدْخُلُ في الفِطْرَةِ الآدابُ العَتِيقَةُ الَّتِي اصْطَلَحَ عَلَيْها كافَّةُ عُقَلاءِ البَشَرِ، وارْتاضَتْ نُفُوسُهم بِها، إذا كانَتْ تُفِيدُهم كَمالًا، ولا تُفْضِي إلى فَسادٍ، وذَلِكَ أُصُولُ قَواعِدِ حِفْظِ النَّسَبِ والعِرْضِ خاصَّةً. فَبِهَذا الأصْلِ: أصْلِ الفِطْرَةِ، كانَ الإسْلامُ دِينًا صالِحًا لِجَمِيعِ الأُمَمِ في جَمِيعِ الأعْصُرِ. ثُمَّ ظَهَرَ هَذا الأصْلُ في تِسْعَةِ مَظاهِرَ خادِمَةٍ لَهُ ومُهَيِّئَةٍ جَمِيعَ النّاسِ لِقَبُولِهِ. المَظْهَرُ الأوَّلُ: إصْلاحُ العَقِيدَةِ بِحَمْلِ الذِّهْنِ عَلى اعْتِقادٍ لا يَشُوبُهُ تَرَدُّدٌ ولا تَمْوِيهٌ ولا أوْهامٌ ولا خُرافاتٌ، ثُمَّ بِكَوْنِ عَقِيدَتِهِ مَبْنِيَّةً عَلى الخُضُوعِ لِواحِدٍ عَظِيمٍ، وعَلى الِاعْتِرافِ بِاتِّصافِ هَذا الواحِدِ بِصِفاتِ الكَمالِ التّامَّةِ الَّتِي تَجْعَلُ الخُضُوعَ إلَيْهِ اخْتِيارًا، ثُمَّ لِتَصِيرَ تِلْكَ الكَمالاتُ مَطْمَحَ أنْظارِ المُعْتَقِدِ في التَّخَلُّقِ بِها، ثُمَّ بِحَمْلِ جَمِيعِ النّاسِ عَلى تَطْهِيرِ عَقائِدِهِمْ حَتّى يَتَّحِدَ مَبْدَأُ التَّخَلُّقِ فِيهِمْ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألّا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤] . وكانَ إصْلاحُ الِاعْتِقادِ أهَمَّ ما ابْتَدَأ بِهِ الإسْلامُ، وأكْثَرَ ما تَعَرَّضَ لَهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ إصْلاحَ الفِكْرَةِ هو مَبْدَأُ كُلِّ إصْلاحٍ؛ ولِأنَّهُ لا يُرْجى صَلاحٌ لِقَوْمٍ تَلَطَّخَتْ عُقُولُهم بِالعَقائِدِ الضّالَّةِ، وخَسِئَتْ نُفُوسُهم بِآثارِ تِلْكَ العَقائِدِ المُثِيرَةِ، خَوْفًا مِن لا شَيْءٍ، وطَمَعًا في غَيْرِ شَيْءٍ. وإذا صَلُحَ الِاعْتِقادُ أمْكَنَ صَلاحُ الباقِي؛ لِأنَّ المَرْءَ إنْسانٌ بِرُوحِهِ لا بِجِسْمِهِ. ثُمَّ نَشَأ عَنْ هَذا الِاعْتِقادِ الإسْلامِيِّ: عِزَّةُ النَّفْسِ، وأصالَةُ الرَّأْيِ، وحُرِّيَّةُ العَقْلِ، ومُساواةُ النّاسِ فِيما عَدا الفَضائِلَ. وقَدْ أكْثَرَ الإسْلامُ شَرْحَ العَقائِدِ إكْثارًا لا يُشْبِهُهُ فِيهِ دِينٌ آخَرُ، بَلْ إنَّكَ تَنْظُرُ إلى كَثِيرٍ مِنَ الأدْيانِ الصَّحِيحَةِ، فَلا تَرى فِيها مِن شَرْحِ صِفاتِ الخالِقِ إلّا قَلِيلًا. المَظْهَرُ الثّانِي: جَمْعُهُ بَيْنَ إصْلاحِ النُّفُوسِ بِالتَّزْكِيَةِ، وبَيْنَ إصْلاحِ نِظامِ الحَياةِ بِالتَّشْرِيعِ، في حِينِ كانَ مُعْظَمُ الأدْيانِ لا يَتَطَرَّقُ إلى نِظامِ الحَياةِ بِشَيْءٍ، وبَعْضُها وإنْ تَطَرَّقَ إلَيْهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُوَفِّهِ حَقَّهُ، بَلْ كانَ مُعْظَمُ اهْتِمامِها مُنْصَرِفًا إلى المَواعِظِ والعِباداتِ، صفحة ١٩٥ وقَدْ قَرَنَ القُرْآنُ المَصْلَحَتَيْنِ في غَيْرِ ما آيَةٍ قالَ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] . والمَظْهَرُ الثّالِثُ: اخْتِصاصُهُ بِإقامَةِ الحُجَّةِ، ومُجادَلَةِ المُخاطَبِينَ بِصُنُوفِ المُجادَلاتِ، وتَعْلِيلِ أحْكامِهِ، بِالتَّرْغِيبِ وبِالتَّرْهِيبِ، وذَلِكَ رَعْيٌ لِمَراتِبِ نُفُوسِ المُخاطَبِينَ، فَمِنهُمُ العالِمُ الحَكِيمُ الَّذِي لا يَقْتَنِعُ إلّا بِالحُجَّةِ والدَّلِيلِ، ومِنهُمُ المُكابِرُ الَّذِي لا يَرْعَوِي إلّا بِالجَدَلِ والخَطابَةِ، ومِنهُمُ المُتَرَهِّبُ الَّذِي اعْتادَ الرَّغْبَةَ فِيما عِنْدَ اللَّهِ، ومِنهُمُ المُكابِرُ المُعانِدُ، الَّذِي لا يُقْلِعُهُ عَنْ شَغَبِهِ إلّا القَوارِعُ والزَّواجِرُ. المَظْهَرُ الرّابِعُ: أنَّهُ جاءَ بِعُمُومِ الدَّعْوَةِ لِسائِرِ البَشَرِ، وهَذا شَيْءٍ لَمْ يَسْبِقْ في دِينٍ قَبْلَهُ قَطُّ، وفي القُرْآنِ: ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي» فَذَكَرَ: «وكانَ الرَّسُولُ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خاصَّةً وبُعِثْتُ إلى النّاسِ عامَّةً» وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الرُّسُلَ كُلَّهم فَذَكَرَ أنَّهُ أرْسَلَهم إلى أقْوامِهِمْ. والِاخْتِلافُ في كَوْنِ نُوحٍ رَسُولًا إلى جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ - إنَّما هو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ بَعْدَ الطُّوفانِ انْحَصَرَ أهْلُ الأرْضِ في أتْباعِ نُوحٍ، عِنْدَ القائِلِينَ بِعُمُومِ الطُّوفانِ سائِرَ الأرْضِ، ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥] وأيًّا ما كانَ احْتِمالُ كَوْنِ سُكّانِ الأرْضِ في عَصْرِ نُوحٍ هم مَن ضَمَّهم وطَنُ نُوحٍ؛ فَإنَّ عُمُومَ دَعْوَتِهِ حاصِلٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ. المَظْهَرُ الرّابِعُ: الدَّوامُ ولَمْ يَدَّعِ رَسُولٌ مِنَ الرُّسُلِ أنَّ شَرِيعَتَهُ دائِمَةٌ، بَلْ ما مِن رَسُولٍ ولا كِتابٍ، إلّا تَجِدُ فِيهِ بِشارَةً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِهِ. المَظْهَرُ الخامِسُ: الإقْلالُ مِنَ التَّفْرِيعِ في الأحْكامِ بَلْ تَأْتِي بِأُصُولِها ويُتْرَكُ التَّفْرِيعُ لِاسْتِنْباطِ المُجْتَهِدِينَ وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ أبُو إسْحاقَ الشّاطِبِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] لِتَكُونَ الأحْكامُ صالِحَةً لِكُلِّ زَمانٍ. المَظْهَرُ السّادِسُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن وصايا الأدْيانِ إمْكانُ العَمَلِ بِها، وفي أُصُولِ الأخْلاقِ أنَّ التَّرْبِيَةَ الصَّحِيحَةَ هي الَّتِي تَأْتِي إلى النُّفُوسِ بِالحَيْلُولَةِ بَيْنَها وبَيْنَ خَواطِرِ الشُّرُورِ؛ لِأنَّ صفحة ١٩٦ الشُّرُورَ، إذا تَسَرَّبَتْ إلى النُّفُوسِ، تَعَذَّرَ أوْ عَسُرَ اقْتِلاعُها مِنها، وكانَتِ الشَّرائِعُ تَحْمِلُ النّاسَ عَلى مُتابَعَةِ وصاياها بِالمُباشَرَةِ، فَجاءَ الإسْلامُ يَحْمِلُ النّاسَ عَلى الخَيْرِ بِطَرِيقَتَيْنِ: طَرِيقَةٍ مُباشِرَةٍ، وطَرِيقَةِ سَدِّ الذَّرائِعِ المُوَصِّلَةِ إلى الفَسادِ، وغالِبُ أحْكامِ الإسْلامِ مِن هَذا القَبِيلِ، وأحْسَبُها أنَّها مِن جُمْلَةِ ما أُرِيدَ بِالمُشْتَبِهاتِ في حَدِيثِ «إنَّ الحَلالَ بَيِّنٌ وإنَّ الحَرامَ بَيِّنٌ وبَيْنَهُما أُمُورٌ مُشْتَبِهاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ» . المَظْهَرُ السّابِعُ: الرَّأفَةُ بِالنّاسِ حَتّى في حَمْلِهِمْ عَلى مَصالِحِهِمْ بِالِاقْتِصارِ في التَّشْرِيعِ عَلى مَوْضِعِ المَصْلَحَةِ، مَعَ تَطَلُّبِ إبْرازِ ذَلِكَ التَّشْرِيعِ في صُورَةٍ لَيِّنَةٍ، وفي القُرْآنِ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وفي الحَدِيثِ «بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ - ولَنْ يُشادَّ هَذا الدِّينَ أحَدٌ إلّا غَلَبَهُ»، وكانَتِ الشَّرائِعُ السّابِقَةُ تَحْمِلُ عَلى المُتابَعَةِ بِالشِّدَّةِ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ صالِحَةً لِلْبَقاءِ؛ لِأنَّها رُوعِيَ فِيها حالُ قَساوَةِ أُمَمٍ في عُصُورٍ خاصَّةٍ، ولَمْ تَكُنْ بِالَّتِي يُناسِبُها ما قُدِّرَ مَصِيرُ البَشَرِ إلَيْهِ مِن رِقَّةِ الطِّباعِ وارْتِقاءِ الأفْهامِ. المَظْهَرُ الثّامِنُ: امْتِزاجُ الشَّرِيعَةِ بِالسُّلْطانِ في الإسْلامِ، وذَلِكَ مِن خَصائِصِهِ؛ إذْ لا مَعْنى لِلتَّشْرِيعِ إلّا تَأْسِيسُ قانُونٍ لِلْأُمَّةِ، وما قِيمَةُ قانُونٍ لا تَحْمِيهِ القُوَّةُ والحُكُومَةُ. وبِامْتِزاجِ الحُكُومَةِ مَعَ الشَّرِيعَةِ أمْكَنَ تَعْمِيمُ الشَّرِيعَةِ، واتِّحادُ الأُمَّةِ في العَمَلِ والنِّظامِ. المَظْهَرُ التّاسِعُ: صَراحَةُ أُصُولِ الدِّينِ، بِحَيْثُ يَتَكَرَّرُ في القُرْآنِ ما تُسْتَقْرى مِنهُ قَواطِعُ الشَّرِيعَةِ، حَتّى تَكُونَ الشَّرِيعَةُ مَعْصُومَةً مِنَ التَّأْوِيلاتِ الباطِلَةِ، والتَّحْرِيفاتِ الَّتِي طَرَأتْ عَلى أهْلِ الكُتُبِ السّابِقَةِ، ويَزْدادُ هَذا بَيانًا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [آل عمران: ٢٠] . * * * ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ عَطَفَ ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ لِلْإخْبارِ عَنْ حالِ أهْلِ الكِتابِ مِن سُوءِ تَلَقِّيهِمْ لِدِينِ الإسْلامِ، ومِن سُوءِ فَهْمِهِمْ في دِينِهِمْ. صفحة ١٩٧ وجِيءَ في هَذا الإخْبارِ بِطَرِيقَةٍ مُؤْذِنَةٍ بِوُرُودِ سُؤالٍ؛ إذْ قَدْ جِيءَ بِصِيغَةِ الحَصْرِ لِبَيانِ سَبَبِ اخْتِلافِهِمْ، وكَأنَّ اخْتِلافَهم أمْرٌ مَعْلُومٌ لِلسّامِعِ. وهَذا أُسْلُوبٌ عَجِيبٌ في الإخْبارِ عَنْ حالِهِمْ إخْبارًا يَتَضَمَّنُ بَيانَ سَبَبِهِ، وإبْطالَ ما يَتَراءى مِنَ الأسْبابِ غَيْرِ ذَلِكَ، مَعَ إظْهارِ المُقابَلَةِ بَيْنَ حالِ الدِّينِ الَّذِي هم عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ مِنَ الِاخْتِلافِ، وبَيْنَ سَلامَةِ الإسْلامِ مِن ذَلِكَ. وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ قَدْ آذَنَ بِأنَّ غَيْرَهُ مِنَ الأدْيانِ لَمْ يَبْلُغْ مَرْتَبَةَ الكَمالِ والصَّلاحِيَةِ لِلْعُمُومِ والدَّوامِ، قَبْلَ التَّغْيِيرِ، بَلْهَ ما طَرَأ عَلَيْها مِنَ التَّغْيِيرِ وسُوءِ التَّأْوِيلِ، إلى يَوْمِ مَجِيءِ الإسْلامِ، لِيَعْلَمَ السّامِعُونَ أنَّ ما عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ لَمْ يَصِلْ إلى أكْمَلِ مُرادِ اللَّهِ مِنَ الخَلْقِ عَلى أنَّهُ وقَعَ فِيهِ التَّغْيِيرُ والِاخْتِلافُ، وأنَّ سَبَبَ ذَلِكَ الِاخْتِلافِ هو البَغْيُ بَعْدَما جاءَهُمُ العِلْمُ، مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ سَبَبَ بُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ هو اخْتِلافُهم وتَغْيِيرُهم، ومِن جُمْلَةِ ما بَدَّلُوهُ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإسْلامَ بَعِيدٌ عَنْ مِثْلِ ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ التَّحْرِيفِ، كَما تَقَدَّمَ في المَظْهَرِ التّاسِعِ، ومِن ثَمَّ ذَمَّ عُلَماؤُنا التَّأْوِيلاتِ البَعِيدَةَ، والَّتِي لَمْ يَدْعُ إلَيْها داعٍ صَرِيحٌ. وقَدْ جاءَتِ الآيَةُ عَلى نَظْمٍ عَجِيبٍ يَشْتَمِلُ عَلى مَعانٍ: مِنها التَّحْذِيرُ مِنَ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ، أيْ في أُصُولِهِ، ووُجُوبُ تَطَلُّبِ المَعانِي الَّتِي لا تُناقِضُ مَقْصِدَ الدِّينِ، عِبْرَةً بِما طَرَأ عَلى أهْلِ الكِتابِ مِنَ الِاخْتِلافِ. ومِنها التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ اخْتِلافَ أهْلِ الكِتابِ حَصَلَ مَعَ قِيامِ أسْبابِ العِلْمِ بِالحَقِّ، فَهو تَعْرِيضٌ بِأنَّهم أساءُوا فَهْمَ الدِّينِ. ومِنها الإشارَةُ إلى أنَّ الِاخْتِلافَ الحاصِلَ في أهْلِ الكِتابِ نَوْعانِ: أحَدُهُما اخْتِلافُ كُلِّ أُمَّةٍ مَعَ الأُخْرى في صِحَّةِ دِينِها كَما قالَ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ وهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾ [البقرة: ١١٣]، وثانِيهِما اخْتِلافُ كُلِّ أُمَّةٍ مِنهُما فِيما بَيْنَها وافْتِراقُها فِرَقًا مُتَبايِنَةَ المَنازِعِ. كَما جاءَ في الحَدِيثِ «اخْتَلَفَتِ اليَهُودُ عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً» يُحَذِّرُ المُسْلِمِينَ مِمّا صَنَعُوا. ومِنها أنَّ اخْتِلافَهم ناشِئٌ عَنْ بَغْيِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. صفحة ١٩٨ ومِنها أنَّهم أجْمَعُوا عَلى مُخالَفَةِ الإسْلامِ والإعْراضِ عَنْهُ بَغْيًا مِنهم وحَسَدًا، مَعَ ظُهُورِ أحَقِّيَّتِهِ عِنْدَ عُلَمائِهِمْ وأحْبارِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧] وقالَ تَعالى: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] أيْ أعْرَضُوا عَنِ الإسْلامِ، وصَمَّمُوا عَلى البَقاءِ عَلى دِينِهِمْ، ووَدُّوا لَوْ يَرُدُّونَكم إلى الشِّرْكِ أوْ إلى مُتابَعَةِ دِينِهِمْ، حَسَدًا عَلى ما جاءَكم مِنَ الهُدى بَعْدَ أنْ تَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ. ولِأجْلِ أنْ يَسْمَحَ نَظْمُ الآيَةِ بِهَذِهِ المَعانِي، حُذِفَ مُتَعَلِّقُ الِاخْتِلافِ في قَوْلِهِ: ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ لِيَشْمَلَ كُلَّ اخْتِلافٍ مِنهم: مِن مُخالَفَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا في الدِّينِ الواحِدِ، ومُخالَفَةِ أهْلِ كُلِّ دِينٍ لِأهْلِ الدِّينِ الآخَرِ، ومُخالَفَةِ جَمِيعِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ في صِحَّةِ الدِّينِ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ العِلْمِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ لِذَلِكَ. وجُعِلَ ”بَغْيًا“ عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ لِيَتَنازَعهُ كُلٌّ مِن فِعْلِ ”اخْتَلَفَ“ ومِن لَفْظِ ”العِلْمُ“ . وأُخِّرَ ”بَيْنَهم“ عَنْ جَمِيعِ ما يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيقِ بِهِ: لِيَتَنازَعهُ كُلٌّ مِن فِعْلِ ”اخْتَلَفَ“ وفِعْلِ ”جاءَهم“ ولَفْظِ ”العِلْمُ“ ولَفْظِ ”بَغْيًا“ . وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أوْسَعُ مَعانِيَ مِن مَعانِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما اخْتَلَفَ فِيهِ إلّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] في سُورَةِ البَيِّنَةِ كَما ذَكَرْناهُ في ذَيْنِكَ المَوْضِعَيْنِ لِاخْتِلافِ المَقامَيْنِ. فاخْتِلافُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَشْمَلُ اخْتِلافَهم فِيما بَيْنَهم: أيِ اخْتِلافَ أهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ في أُمُورِ دِينِهِمْ، وهَذا هو الَّذِي تُشْعِرُ بِهِ صِيغَةُ ”اخْتَلَفَ“ كاخْتِلافِ اليَهُودِ بَعْدَ مُوسى غَيْرَ مَرَّةٍ، واخْتِلافِهِمْ بَعْدَ سُلَيْمانَ إلى مَمْلَكَتَيْنِ: مَمْلَكَةِ إسْرائِيلَ، ومَمْلَكَةِ يَهُوذا، وكَيْفَ صارَ لِكُلِّ مَمْلَكَةٍ مِنَ المَمْلَكَتَيْنِ تَدَيُّنٌ يُخالِفُ تَدَيُّنَ الأُخْرى، وكَذَلِكَ صفحة ١٩٩ اخْتِلافُ النَّصارى في شَأْنِ المَسِيحِ، وفي رُسُومِ الدِّينِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ”بَيْنَهم“ حالًا لِـ ”بَغْيًا“: أيْ بَغْيًا مُتَفَشِّيًا بَيْنَهم، بِأنْ بَغى كُلُّ فَرِيقٍ عَلى الآخَرِ. ويَشْمَلُ أيْضًا الِاخْتِلافَ بَيْنَهم في أمْرِ الإسْلامِ؛ إذْ قالَ قائِلٌ مِنهم: هو حَقٌّ، وقالَ فَرِيقٌ: هو مُرْسَلٌ إلى الأُمِّيِّينَ، وكَفَرَ فَرِيقٌ، ونافَقَ فَرِيقٌ. وهَذا الوَجْهُ أوْفى مُناسَبَةً بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾، ويَكُونُ قَوْلُهُ ”بَيْنَهم“ عَلى هَذا وصْفًا لِـ ”بَغْيًا“: أيْ بَغْيًا واقِعًا بَيْنَهم. ومَجِيءُ العِلْمِ هو الوَحْيُ الَّذِي جاءَتْ بِهِ رُسُلُهم وأنْبِياؤُهم؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ”جاءَ“ مُؤْذِنَةٌ بِعِلْمٍ مُتَلَقًّى مِنَ اللَّهِ تَعالى، يَعْنِي أنَّ العِلْمَ الَّذِي جاءَهم كانَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَصُدَّهم عَنِ الِاخْتِلافِ في المُرادِ، إلّا أنَّهم أساءُوا فَكانُوا عَلى خِلافِ مُرادِ اللَّهِ مِن إرْسالِ الهُدى. وانْتَصَبَ ”بَغْيًا“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، وعامِلُ المَفْعُولِ لِأجْلِهِ: هو الفِعْلُ الَّذِي تَفَرَّغَ لِلْعَمَلِ فِيما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ، فالِاسْتِثْناءُ كانَ مِن أزْمانٍ وعِلَلٍ مَحْذُوفَةٍ. والتَّقْدِيرُ: ما اخْتَلَفُوا إلّا في زَمَنِ بَعْدَما جاءَهُمُ العِلْمُ وما كانَ إلّا بَغْيًا بَيْنَهم. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ”بَغْيًا“ مَنصُوبًا عَلى الحالِ مِنَ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾، وهو إنْ كانَ العامِلُ فِيهِ فِعْلًا مَنفِيًّا في اللَّفْظِ إلّا أنَّ الِاسْتِثْناءَ المُفَرَّغَ جَعَلَهُ في قُوَّةِ المُثْبَتِ، فَجاءَ الحالُ مِنهُ عَقِبَ ذَلِكَ، أيْ حالَ كَوْنِ المُخْتَلِفِينَ باغِينَ، فالمَصْدَرُ مُؤَوَّلٌ بِالمُشْتَقِّ. ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَهُ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ مِنِ ”اخْتَلَفَ“ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ صارَ مُثْبَتًا كَما قَرَّرْنا. وقَدْ لَمَّحَتِ الآيَةُ إلى أنَّ هَذا الِاخْتِلافَ والبَغْيَ كُفْرٌ؛ لِأنَّهُ أفْضى بِهِمْ إلى نَقْضِ قَواعِدِ أدْيانِهِمْ، وإلى نُكْرانِ دِينِ الإسْلامِ، ولِذَلِكَ ذَيَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ﴾ إلَخْ. وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ؛ لِأنَّ سَرِيعَ الحِسابِ إنَّما يَبْتَدِئُ بِحِسابِ مَن يَكْفُرُ بِآياتِهِ، والحِسابِ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الجَزاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ [الشعراء: ١١٣] . وفِي ذِكْرِ هَذِهِ الأحْوالِ الذَّمِيمَةِ مِن أحْوالِ أهْلِ الكِتابِ تَحْذِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يَقَعُوا في مِثْلِ ما وقَعَ فِيهِ أُولَئِكَ، والمُسْلِمُونَ وإنِ اخْتَلَفُوا في أشْياءَ كَثِيرَةٍ لَمْ يَكُنِ اخْتِلافُهم إلّا صفحة ٢٠٠ اخْتِلافًا عِلْمِيًّا فَرْعِيًّا، ولَمْ يَخْتَلِفُوا اخْتِلافًا يَنْقُضُ أُصُولَ دِينِهِمْ بَلْ غايَةُ الكُلِّ الوُصُولُ إلى الحَقِّ مِنَ الدِّينِ، وخِدْمَةُ مَقاصِدِ الشَّرِيعَةِ. فَبَنُو إسْرائِيلَ عَبَدُوا العِجْلَ والرَّسُولُ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، وعَبَدُوا آلِهَةَ الأُمَمِ غَيْرَ مَرَّةٍ، والنَّصارى عَبَدُوا مَرْيَمَ والمَسِيحَ، ونَقَضُوا أُصُولَ التَّوْحِيدِ، وادَّعَوْا حُلُولَ الخالِقِ في المَخْلُوقِ. فَأمّا المُسْلِمُونَ لَمّا قالَ أحَدُ أهْلِ التَّصَوُّفِ مِنهم كَلامًا يُوهِمُ الحُلُولَ حَكَمَ عُلَماؤُهم بِقَتْلِهِ.

آل عمران 3:20

﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِي وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ . تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٩] الآيَةَ. فَإنَّ الإسْلامَ دِينٌ قَدْ أنْكَرُوهُ، واخْتِلافُهم في أدْيانِهِمْ يُفْضِي بِهِمْ إلى مُحاجَّةِ الرَّسُولِ في تَبْرِيرِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ، وأنَّهم لَيْسُوا عَلى أقَلِّ مِمّا جاءَ بِهِ دِينُ الإسْلامِ. والمُحاجَّةُ مُفاعَلَةٌ ولَمْ يَجِئْ فِعْلُها إلّا بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ. ومَعْنى المُحاجَّةِ المُخاصَمَةُ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ فِعْلِ ”حاجَّ“ في مَعْنى المُخاصَمَةِ بِالباطِلِ: كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ [الأنعام: ٨٠] وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. فالمَعْنى: فَإنْ خاصَمُوكَ خِصامَ مُكابَرَةٍ ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ . وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ﴾ عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ، بَلْ مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ، وهو مَقامُ نُزُولِ السُّورَةِ، أعْنِي قَضِيَّةَ وفْدِ نَجْرانَ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ اهْتَمَّوْا بِالمُحاجَّةِ حِينَئِذٍ. فَأمّا المُشْرِكُونَ فَقَدْ تَباعَدَ ما بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيءِ ﷺ بَعْدَ الهِجْرَةِ، فانْقَطَعَتْ مُحاجَّتُهم، وأمّا اليَهُودُ فَقَدْ تَظاهَرُوا بِمُسالَمَةِ المُسْلِمِينَ في المَدِينَةِ. ولَقَدْ لَقَّنَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَ مُجادَلَتَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ والوَجْهُ أُطْلِقَ عَلى النَّفْسِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] أيْ ذاتَهُ. صفحة ٢٠١ ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ مِن هَذا القَوْلِ طَرائِقُ ثَلاثٌ: إحْداها أنَّهُ مُتارَكَةٌ وإعْراضٌ عَنِ المُجادَلَةِ أيِ اعْتَرَفْتُ بِأنْ لا قُدْرَةَ لِي عَلى أنْ أزِيدَكم بَيانًا، أيْ: إنِّي أتَيْتُ بِمُنْتَهى المَقْدُورِ مِنَ الحُجَّةِ فَلَمْ تَقْتَنِعُوا، فَإذْ لَمْ يُقْنِعْكم ذَلِكَ فَلا فائِدَةَ في الزِّيادَةِ مِنَ الأدِلَّةِ النَّظَرِيَّةِ، فَلَيْسَتْ مُحاجَّتُكم إيّايَ إلّا مُكابَرَةً وإنْكارًا لِلْبَدِيهِيّاتِ والضَّرُورِيّاتِ، ومُباهَتَةً، فالأجْدَرُ أنْ أكُفَّ عَنِ الِازْدِيادِ. قالَ الفَخْرُ: فَإنَّ المُحِقَّ إذا ابْتُلِيَ بِالمُبْطِلِ اللَّجُوجِ يَقُولُ: أمّا أنا فَمُنْقادٌ إلى الحَقِّ. وإلى هَذا التَّفْسِيرِ مالَ القُرْطُبِيُّ. وعَلى هَذا الوَجْهِ تَكُونُ إفادَةُ قَطْعِ المُجادَلَةِ بِجُمْلَةِ ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ وقَوْلِهِ ﴿أأسْلَمْتُمْ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: فَأعْرِضْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ - ضَرْبًا مِنَ الإدْماجِ؛ إذْ أدْمَجَ في قَطْعِ المُجادَلَةِ إعادَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ، بِإظْهارِ الفَرْقِ بَيْنَ الدِّينَيْنِ. والقَصْدُ مِن ذَلِكَ الحِرْصُ عَلى اهْتِدائِهِمْ، والإعْذارُ إلَيْهِمْ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ﴾ خارِجٌ عَنِ الحاجَةِ، وإنَّما هو تَكَرُّرٌ لِلدَّعْوَةِ، أيِ اتْرُكْ مُحاجَّتَهم ولا تَتْرُكْ دَعْوَتَهم. ولَيْسَ المُرادُ بِالحِجاجِ الَّذِي حاجَّهم بِهِ خُصُوصَ ما تَقَدَّمَ في الآياتِ السّابِقَةِ، وإنَّما المُرادُ ما دارَ بَيْنَ الرَّسُولِ وبَيْنَ وفْدِ نَجْرانَ مِنَ الحِجاجِ الَّذِي عَلِمُوهُ فَمِنهُ ما أُشِيرَ إلَيْهِ في الآياتِ السّابِقَةِ، ومِنهُ ما طُوِيَ ذِكْرُهُ. الطَّرِيقَةُ الثّانِيَةُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ﴾ تَلْخِيصٌ لِلْحُجَّةِ، واسْتِدْراجٌ لِتَسْلِيمِهِمْ إيّاها، وفي تَقْرِيرِهِ وُجُوهٌ مَآلُها إلى أنَّ هَذا اسْتِدْلالٌ عَلى كَوْنِ الإسْلامِ حَقًّا، وأحْسَنُها ما قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: إنَّ اليَهُودَ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ كانُوا مُتَّفِقِينَ عَلى أحَقِّيَّةِ دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا زِياداتٍ زادَتْها شَرائِعُهم، فَكَما أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَتَّبِعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] أمَرَهُ هُنا أنْ يُجادِلَ النّاسَ بِمِثْلِ قَوْلِ إبْراهِيمَ فَإبْراهِيمُ قالَ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ أيْ فَقَدْ قُلْتُ ما قالَهُ اللَّهُ، وأنْتُمْ مُعْتَرِفُونَ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ، فَكَيْفَ تُنْكِرُونَ أنِّي عَلى الحَقِّ، قالَ: وهَذا مِن بابِ التَّمَسُّكِ بِالإلْزاماتِ وداخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] . صفحة ٢٠٢ الطَّرِيقَةُ الثّالِثَةُ ما قالَهُ الفَخْرُ وحاصِلُهُ مَعَ بَيانِهِ أنْ يَكُونَ هَذا مُرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] أيْ فَإنْ حاجُّوكَ في أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، فَقُلْ: إنِّي بِالإسْلامِ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ فَلا ألْتَفِتُ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ مِثْلَكم، فَدِينَيِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ هو الدِّينُ عِنْدَ اللَّهِ، أيْ هو الدِّينُ الحَقُّ وما أنْتُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ دِينًا عِنْدَ اللَّهِ. وعَلى الطَّرِيقَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ في كَلامِ المُفَسِّرِينَ جَعَلُوا قَوْلَهُ: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ﴾ خارِجًا عَنِ الحُجَّةِ؛ إذْ لا عَلاقَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ كَوْنِ الإسْلامِ هو مِلَّةَ إبْراهِيمَ، ويَكُونُ مُرادًا مِنهُ الدَّعْوَةُ إلى الإسْلامِ مَرَّةً أُخْرى بِطَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ المُسْتَعْمَلِ في التَّحْضِيضِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] أيْ قُلْ لِأُولَئِكَ: أتُسْلِمُونَ. وعِنْدِي أنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ لَمّا اقْتَضى أنَّهُ لِلْمُسْتَقْبَلِ فالمُرادُ بِفِعْلِ حاجُّوكَ الِاسْتِمْرارُ عَلى المُحاجَّةِ: أيْ فَإنِ اسْتَمَرَّ وفْدُ نَجْرانَ عَلى مُحاجَّتِهِمْ فَقُلْ لَهم قَوْلًا فَصْلًا جامِعًا لِلْفَرْقِ بَيْنَ دِينِكَ الَّذِي أُرْسِلْتَ بِهِ وبَيْنَ ما هم مُتَدَيِّنُونَ بِهِ. فَمَعْنى ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ أخْلَصْتُ عُبُودِيَّتِي لَهُ لا أُوَجِّهُ وجْهِي إلى غَيْرِهِ، فالمُرادُ أنَّ هَذا كُنْهُ دِينِ الإسْلامِ، وتَبَيَّنَ أنَّهُ الدِّينُ الخالِصُ، وأنَّهم لا يُلْفُونَ تَدَيُّنَهم عَلى هَذا الوَصْفِ. وقَوْلُهُ: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ المُفَرَّعَةِ عَلى ما قَبْلَها، فَيَدْخُلُ المَعْطُوفُ في التَّفْرِيعِ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ النَّظْمِ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [آل عمران: ١٩] فَقُلْ لِلَّذِينِ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ: ﴿أأسْلَمْتُمْ﴾، أيْ فَكَرِّرْ دَعْوَتَهم إلى الإسْلامِ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِبْطاءِ والتَّحْضِيضِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] . وجِيءَ بِصِيغَةِ الماضِي في قَوْلِهِ: ﴿أأسْلَمْتُمْ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ أتُسْلِمُونَ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ - لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ يَرْجُو تَحَقُّقَ إسْلامِهِمْ، حَتّى يَكُونَ كالحاصِلِ في الماضِي. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِمَعانِي كُنْهِ الإسْلامِ وأُصُولِهِ أُلْقِيَتْ إلى النّاسِ لِيَتَدَبَّرُوا مَطاوِيَها فَيَهْتَدِيَ الضّالُّونَ، ويَزْدادَ المُسْلِمُونَ يَقِينًا بِدِينِهِمْ؛ إذْ قَدْ عَلِمْنا أنَّ مَجِيءَ قَوْلِهِ: ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ﴾ وتَعْقِيبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أأسْلَمْتُمْ﴾ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ بَيانُ جامِعِ مَعانِي الإسْلامِ حَتّى صفحة ٢٠٣ تَسْهُلَ المُجادَلَةُ وتُخْتَصَرَ المُقاوَلَةُ، ويَسْهُلَ عَرْضُ المُتَشَكِّكِينَ أنْفُسَهم عَلى هَذِهِ الحَقِيقَةِ، لِيَعْلَمُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الدِّيانَةِ. بَيَّنَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ أنَّ هَذا الدِّينَ يُتَرْجِمُ عَنْ حَقِيقَةِ اسْمِهِ؛ فَإنَّ اسْمَهُ الإسْلامُ، وهو مُفِيدٌ مَعْنًى مَعْرُوفًا في لُغَتِهِمْ يَرْجِعُ إلى الإلْقاءِ والتَّسْلِيمِ، وقَدْ حُذِفَ مَفْعُولُهُ ونُزِّلَ الفِعْلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَعُلِمَ أنَّ المَفْعُولَ حُذِفَ لِدَلالَةِ مَعْنى الفاعِلِ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: أسْلَمْتُنِي أيْ أسْلَمْتُ نَفَسِي، فَبَيَّنَ هُنا هَذا المَفْعُولَ المَحْذُوفَ مِنِ اسْمِ الإسْلامِ لِئَلّا يَقَعَ فِيهِ التِباسٌ أوْ تَأْوِيلٌ لِما لا يُطابِقُ المُرادَ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: وجْهِيَ أيْ نَفْسِي. لِظُهُورِ ألّا يَحْسُنَ مَحْمَلُ الوَجْهِ هُنا عَلى الجُزْءِ المَعْرُوفِ مِنَ الجَسَدِ، ولا يُفِيدُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ ما هو المَقْصُودُ، بَلِ المَعْنى البَيِّنُ هو أنْ يُرادَ بِالوَجْهِ كامِلُ الذّاتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . وإسْلامُ النَّفْسِ لِلَّهِ مَعْناهُ إسْلامُها لِأجْلِهِ وصَيْرُورَتُها مِلْكًا لَهُ، بِحَيْثُ يَكُونُ جَمِيعُ أعْمالِ النَّفْسِ في مَرْضاةِ اللَّهِ، وتَحْتَ هَذا مَعانٍ جَمَّةٌ هي جِماعُ الإسْلامِ: نَحْصُرُها في عَشَرَةٍ: المَعْنى الأوَّلُ: تَمامُ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى، وذَلِكَ بِألّا يُعْبَدَ غَيْرُ اللَّهِ، وهَذا إبْطالٌ لِلشِّرْكِ لِأنَّ المُشْرِكَ بِاللَّهِ غَيْرَ اللَّهِ لَمْ يُسْلِمْ نَفْسَهُ بَلْ أسْلَمَ بَعْضَها. المَعْنى الثّانِي: إخْلاصُ العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى فَلا يَلْحَظُ في عَمَلِهِ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، فَلا يُرائِي ولا يُصانِعُ فِيما لا يُرْضِي اللَّهَ ولا يُقَدِّمُ مَرْضاةَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى مَرْضاةِ اللَّهِ. الثّالِثُ: إخْلاصُ القَوْلِ لِلَّهِ تَعالى فَلا يَقُولُ ما لا يَرْضى بِهِ اللَّهُ، ولا يَصْدُرُ عَنْهُ قَوْلٌ إلّا فِيما أذِنَ اللَّهُ فِيهِ أنْ يُقالَ، وفي هَذا المَعْنى تَجِيءُ الصَّراحَةُ، والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، عَلى حَسَبِ المَقْدِرَةِ والعِلْمِ، والتَّصَدِّي لِلْحُجَّةِ لِتَأْيِيدِ مُرادِ الله تَعالى، وهي صِفَةٌ امْتازَ بِها الإسْلامُ، ويَنْدَفِعُ بِهَذا المَعْنى النِّفاقُ والمَلَقُ، قالَ تَعالى في ذِكْرِ رَسُولِهِ: ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] . الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ ساعِيًا لِتَعَرُّفِ مُرادِ اللَّهِ تَعالى مِنَ النّاسِ، لِيُجْرِيَ أعْمالَهُ عَلى وفْقِهِ، وذَلِكَ بِالإصْغاءِ إلى دَعْوَةِ الرُّسُلِ المُخْبِرِينَ بِأنَّهم مُرْسَلُونَ مِنَ اللَّهِ، وتَلَقِّيها بِالتَّأمُّلِ في وُجُودِ صِدْقِها، والتَّمْيِيزِ بَيْنَها وبَيْنَ الدَّعاوى الباطِلَةِ، بِدُونِ تَحَفُّزٍ لِلتَّكْذِيبِ، ولا صفحة ٢٠٤ مُكابَرَةٍ في تَلَقِّي الدَّعْوَةِ، ولا إعْراضٍ عَنْها بِداعِي الهَوى، وهو الإفْحامُ، بِحَيْثُ يَكُونُ عِلْمُهُ بِمُرادِ اللَّهِ مِنَ الخَلْقِ هو ضالَّتُهُ المَنشُودَةُ. الخامِسُ: امْتِثالُ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، واجْتِنابُ ما نَهى عَنْهُ عَلى لِسانِ الرُّسُلِ الصّادِقِينَ، والمُحافَظَةُ عَلى اتِّباعِ ذَلِكَ بِدُونِ تَغْيِيرٍ ولا تَحْرِيفٍ، وأنْ يَذُودَ عَنْهُ مَن يُرِيدُ تَغْيِيرَهُ. السّادِسُ: ألّا يَجْعَلَ لِنَفْسِهِ حُكْمًا مَعَ اللَّهِ فِيما حَكَمَ بِهِ، فَلا يَتَصَدّى لِلتَّحَكُّمِ في قَبُولِ بَعْضِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَبْذِ البَعْضِ. كَما حَكى اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩] وقَدْ وصَفَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فَقَدْ أعْرَضَ الكُفّارُ عَنِ الإيمانِ بِالبَعْثِ؛ لِأنَّهم لَمْ يُشاهِدُوا مَيِّتًا بُعِثَ. السّابِعُ: أنْ يَكُونَ مُتَطَلِّبًا لِمُرادِ اللَّهِ مِمّا أشْكَلَ عَلَيْهِ فِيهِ، واحْتاجَ إلى جَرْيِهِ فِيهِ عَلى مُرادِ اللَّهِ، بِتَطَلُّبِهِ مِن إلْحاقِهِ بِنَظائِرِهِ التّامَّةِ التَّنْظِيرِ بِما عُلِمَ أنَّهُ مُرادُ اللَّهِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] ولِهَذا أدْخَلَ عُلَماءُ الإسْلامِ حُكْمَ التَّفَقُّهِ في الدِّينِ والِاجْتِهادِ تَحْتَ التَّقْوى المَأْمُورِ بِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] . الثّامِنُ: الإعْراضُ عَنِ الهَوى المَذْمُومِ في الدِّينِ، وعَنِ القَوْلِ فِيهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] . التّاسِعُ: أنْ تَكُونَ مُعامَلَةُ أفْرادِ الأُمَّةِ بَعْضِها بَعْضًا، وجَماعاتِها، ومُعامَلَتُها الأُمَمَ كَذَلِكَ - جارِيَةً عَلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى مِن تِلْكَ المُعامَلاتِ. العاشِرُ: التَّصْدِيقُ بِما غُيِّبَ عَنّا، مِمّا أنْبَأنا اللَّهُ بِهِ: مِن صِفاتِهِ، ومِنَ القَضاءِ والقَدَرِ وأنَّ اللَّهَ هو المُتَصَرِّفُ المُطْلَقُ. وقَوْلُهُ: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ﴾ إبْطالٌ لِكَوْنِهِمْ حاصِلِينَ عَلى هَذا المَعْنى، فَأمّا المُشْرِكُونَ فَبُعْدُهمْ عَنْهُ أشَدَّ البُعْدِ ظاهِرٌ، وأمّا النَّصارى فَقَدْ ألَّهُوا عِيسى، وجَعَلُوا مَرْيَمَ صاحِبَةً لِلَّهِ تَعالى. فَهَذا أصْلٌ لِبُطْلانِ أنْ يَكُونُوا أسْلَمُوا وُجُوهَهم صفحة ٢٠٥ لِلَّهِ؛ لِأنَّهم عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ، وصانَعُوا الأُمَمَ الحاكِمَةَ والمُلُوكَ، فَأسَّسُوا الدِّينَ عَلى حَسَبِ ما يَلِذُّ لَهم ويُكْسِبُهُمُ الحُظْوَةَ عِنْدَهم. وأمّا اليَهُودُ فَإنَّهم - وإنْ لَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ - قَدْ نَقَضُوا أُصُولَ التَّقْوى، فَسَفَّهُوا الأنْبِياءَ وقَتَلُوا بَعْضَهم، واسْتَهْزَءُوا بِدَعْوَةِ الخَيْرِ إلى اللَّهِ، وغَيَّرُوا الأحْكامَ اتِّباعًا لِلْهَوى، وكَذَّبُوا الرُّسُلَ، وقَتَلُوا الأحْبارَ، فَأنّى يَكُونُ هَؤُلاءِ قَدْ أسْلَمُوا لِلَّهِ، وأكْبَرُ مُبْطِلٍ لِذَلِكَ هو تَكْذِيبُهم مُحَمَّدًا ﷺ دُونَ النَّظَرِ في دَلائِلِ صِدْقِهِ. ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ مَعْناهُ: فَإنِ التَزَمُوا النُّزُولَ إلى التَّحَقُّقِ بِمَعْنى ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: ١٣٧]، ولَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَتَّبِعُوكَ لِتَلَقِّي ما تُبْلِغُهم عَنِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أوَّلُ مَعانِي إسْلامِ الوَجْهِ لِلَّهِ، وإنْ تَوَلَّوْا وأعْرَضُوا عَنْ قَوْلِكَ لَهم: آسْلَمْتُمْ، فَلَيْسَ عَلَيْكَ مِن إعْراضِهِمْ تَبِعَةٌ، ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ وقَعَ مَوْقِعَ جَوابِ الشَّرْطِ، وهو في المَعْنى عِلَّةُ الجَوابِ، فَوُقُوعُهُ مَوْقِعَ الجَوابِ إيجازٌ بَدِيعٌ، أيْ لا تَحْزَنْ، ولا تَظُنَّنَّ أنَّ عَدَمَ اهْتِدائِهِمْ، وخَيْبَتَكَ في تَحْصِيلِ إسْلامِهِمْ، كانَ لِتَقْصِيرٍ مِنكَ؛ إذْ لَمْ تُبْعَثْ إلّا لِلتَّبْلِيغِ، لا لِتَحْصِيلِ اهْتِداءِ المُبَلَّغِ إلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ أتَمَّ الِاطِّلاعِ، فَهو الَّذِي يَتَوَلّى جَزاءَهم وهو يَعْلَمُ أنَّكَ بَلَّغْتَ ما أُمِرْتَ بِهِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ ”اتَّبَعَنِي“ بِإثْباتِ ياءِ المُتَكَلِّمِ في الوَصْلِ دُونَ الوَقْفِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِها في الحالَيْنِ، والباقُونَ بِحَذْفِها وصْلًا ووَقْفًا.

آل عمران 3:21

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيئِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ . اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْوالِ اليَهُودِ المُنافِيَةِ إسْلامَ الوَجْهِ لِلَّهِ، فالمُرادُ بِأصْحابِ هَذِهِ الصِّلاتِ خُصُوصُ اليَهُودِ، وهم قَدْ عُرِفُوا بِمَضْمُونِ هَذِهِ الصِّلاتِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ صفحة ٢٠٦ مِنَ القُرْآنِ. والمُناسَبَةُ: جَرَيانُ الجِدالِ مَعَ النَّصارى وأنْ جُعِلُوا جَمِيعًا في قَرَنِ قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ﴾ [آل عمران: ٢٠] . وجِيءَ في هاتِهِ الصِّلاتِ بِالأفْعالِ المُضارِعَةِ لِتَدُلَّ عَلى اسْتِحْضارِ الحالَةِ الفَظِيعَةِ، ولَيْسَ المُرادُ إفادَةَ التَّجَدُّدِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ وإنْ تَأتّى في قَوْلِهِ: يَكْفُرُونَ لا يَتَأتّى في قَوْلِهِ: ﴿ويَقْتُلُونَ﴾ لِأنَّهم قَتَلُوا الأنْبِياءَ والَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ في زَمَنٍ مَضى. والمُرادُ مِن أصْحابِ هَذِهِ الصِّلاتِ يَهُودُ العَصْرِ النَّبَوِيِّ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ تَوَعَّدَهم بِعَذابٍ ألِيمٍ، وإنَّما حَمَلَ هَؤُلاءِ تَبِعَةَ أسْلافِهِمْ لِأنَّهم مُعْتَقِدُونَ سَدادَ ما فَعَلَهُ أسْلافُهُمُ الَّذِينَ قَتَلُوا زَكَرِيّا لِأنَّهُ حاوَلَ تَخْلِيصَ ابْنِهِ يَحْيى مِنَ القَتْلِ، وقَتَلُوا يَحْيى لِإيمانِهِ بِعِيسى، وقَتَلُوا النَّبِيءَ إرْمِياءَ بِمِصْرَ، وقَتَلُوا حَزْقِيالَ النَّبِيءَ لِأجْلِ تَوْبِيخِهِ لَهم عَلى سُوءِ أفْعالِهِمْ، وزَعَمُوا أنَّهم قَتَلُوا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَهو مَعْدُودٌ عَلَيْهِمْ بِإقْرارِهِمْ وإنْ كانُوا كاذِبِينَ فِيهِ، وقَتَلَ مَنشا بْنُ حَزْقِيالَ، مَلِكُ إسْرائِيلَ، النَّبِيءَ أشْعِياءَ: نَشَرَهُ بِالمِنشارِ لِأنَّهُ نَهاهُ عَنِ المُنْكَرِ، بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ولَمْ يَحْمُوهُ، فَكانَ هَذا القَتْلُ مَعْدُودًا عَلَيْهِمْ، وكَمْ قَتَلُوا مِمَّنْ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ، وكُلُّ تِلْكَ الجَرائِمِ مَعْدُودَةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم رَضُوا بِها، وألَحُّوا في وُقُوعِها. وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ المُؤَكِّدَةِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ يَقْتُلُونَ النَّبِيئِينَ إذْ لا يَكُونُ قَتْلُ النَّبِيئِينَ إلّا بِغَيْرِ حَقٍّ، ولَيْسَ لَهُ مَفْهُومٌ لِظُهُورِ عَدَمِ إرادَةِ التَّقْيِيدِ والِاحْتِرازِ؛ فَإنَّهُ لا يُقْتَلُ نَبِيءٌ بِحَقٍّ، فَذِكْرُ القَيْدِ في مِثْلِهِ لا إشْكالَ عَلَيْهِ، وإنَّما يَجِيءُ الإشْكالُ في القَيْدِ الواقِعِ في حَيِّزِ النَّفْيِ، إذا لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ تَسَلُّطَ النَّفْيِ عَلَيْهِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] . وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الحالِ زِيادَةُ تَشْوِيهِ فِعْلِهِمْ. ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ﴾ مُومِئًا إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ: وهو أنَّهم إنَّما قَتَلُوهم لِأنَّهم يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ أيْ بِالحَقِّ، فَقَدِ اكْتُفِيَ بِها في الدَّلالَةِ عَلى الشَّناعَةِ، فَلَمْ تَحْتَجْ إلى زِيادَةِ التَّشْنِيعِ. صفحة ٢٠٧ وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ العَشَرَةِ ”يَقْتُلُونَ“ الثّانِي مِثْلَ الأوَّلِ - بِسُكُونِ القافِ - وقَرَأهُ حَمْزَةُ وحْدَهُ: ”ويُقاتِلُونَ“ - بِفَتْحِ القافِ بَعْدَها ألِفٌ - بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ وهي مُبالَغَةٌ في القَتْلِ. والفاءُ في ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ فاءُ الجَوابِ المُسْتَعْمَلَةُ في شَرْطٍ، دَخَلَتْ عَلى خَبَرِ ”إنَّ“ لِأنَّ اسْمَ إنَّ وهو مَوْصُولٌ تَضَمَّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، إشارَةً إلى أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ قَوْمًا مُعَيَّنِينَ، بَلْ كُلُّ مَن يَتَّصِفُ بِالصِّفَةِ فَجَزاؤُهُ أنْ يَعْلَمَ أنَّ لَهُ عَذابًا ألِيمًا. واسْتَعْمَلَ ”بَشِّرْهم“ في مَعْنى ”أنْذِرْهم“ تَهَكُّمًا. وحَقِيقَةُ التَّبْشِيرِ: الإخْبارُ بِما يُظْهِرُ سُرُورَ المُخْبَرِ - بِفَتْحِ الباءِ - وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في ضِدِّ حَقِيقَتِهِ، إذْ أُرِيدَ بِهِ الإخْبارُ بِحُصُولِ العَذابِ، وهو مُوجِبٌ لِحُزْنِ المُخْبَرِينَ، فَهَذا الِاسْتِعْمالُ في الضِّدِّ مَعْدُودٌ عِنْدَ عُلَماءِ البَيانِ مِنَ الِاسْتِعارَةِ، ويُسَمُّونَها تَهَكُّمِيَّةً لِأنَّ تَشْبِيهَ الضِّدِّ بِضِدِّهِ لا يَرُوجُ في عَقْلِ أحَدٍ إلّا عَلى مَعْنى التَّهَكُّمِ، أوِ التَّمْلِيحِ، كَما أطْلَقَ عَمْرُو ابْنُ كُلْثُومٍ اسْمَ الأضْيافِ عَلى الأعْداءِ، وأطْلَقَ القِرى عَلى قَتْلِ الأعْداءِ، في قَوْلِهِ: نَزَلْتُمْ مَنزِلَ الأضْيافِ مِنّا فَعَجَّلْنا القِرى أنْ تَشْتُمُونا قَرَيْناكم فَعَجَّلْنا قِـراكُـمْ ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْداةً طَحُونا قالَ السَّكّاكِيُّ: وذَلِكَ بِواسِطَةِ انْتِزاعِ شَبَهِ التَّضادِّ وإلْحاقِهِ بِشَبَهِ التَّناسُبِ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ لِأنَّهم تَمَيَّزُوا بِهَذِهِ الأفْعالِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها صِلاتُ المَوْصُولِ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحِقّاءُ بِما سَيُخْبِرُ بِهِ عَنْهم بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ. واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾، وقِيلَ هو خَبَرُ ”إنَّ“ وجُمْلَةُ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ وهو الجارِي عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ لِأنَّهُ يَمْنَعُ دُخُولَ الفاءِ في الخَبَرِ مُطْلَقًا. وحَبَطُ الأعْمالِ إزالَةُ آثارِها النّافِعَةِ مِن ثَوابِ ونَعِيمِ الآخِرَةِ، وحَياةٍ طَيِّبَةٍ في الدُّنْيا. وإطْلاقُ الحَبَطِ عَلى ذَلِكَ تَمْثِيلٌ بِحالِ الإبِلِ الَّتِي يُصِيبُها الحَبَطُ وهو انْتِفاخٌ في بُطُونِها مِن كَثْرَةِ الأكْلِ، يَكُونُ سَبَبَ مَوْتِها، في حِينِ أكَلَتْ ما أكَلَتْ لِلِالتِذاذِ بِهِ. صفحة ٢٠٨ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَعْنى هُنا أنَّ اليَهُودَ لَمّا كانُوا مُتَدَيِّنِينَ يَرْجُونَ مِن أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ النَّفْعَ بِها في الآخِرَةِ بِالنَّجاةِ مِنَ العِقابِ، والنَّفْعَ في الدُّنْيا بِآثارِ رِضا اللَّهِ عَلى عِبادِهِ الصّالِحِينَ، فَلَمّا كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ، وجَحَدُوا نُبُوءَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وصَوَّبُوا الَّذِينَ قَتَلُوا الأنْبِياءَ والَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ، فَقَدِ ارْتَدَّوْا عَنْ دِينِهِمْ فاسْتَحَقُّوا العَذابَ الألِيمَ، ولِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ . فَلا جَرَمَ تَحْبَطُ أعْمالُهم فَلا يَنْتَفِعُونَ بِثَوابِها في الآخِرَةِ، ولا بِآثارِها الطَّيِّبَةِ في الدُّنْيا، ومَعْنى ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ما لَهم مَن يُنْقِذُهم مِنَ العَذابِ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ. وجِيءَ بِـ ”مِنِ“ الدّالَّةِ عَلى تَنْصِيصِ العُمُومِ لِئَلّا يُتْرَكَ لَهم مَدْخَلٌ إلى التَّأْوِيلِ.

آل عمران 3:22

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيئِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ . اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْوالِ اليَهُودِ المُنافِيَةِ إسْلامَ الوَجْهِ لِلَّهِ، فالمُرادُ بِأصْحابِ هَذِهِ الصِّلاتِ خُصُوصُ اليَهُودِ، وهم قَدْ عُرِفُوا بِمَضْمُونِ هَذِهِ الصِّلاتِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ صفحة ٢٠٦ مِنَ القُرْآنِ. والمُناسَبَةُ: جَرَيانُ الجِدالِ مَعَ النَّصارى وأنْ جُعِلُوا جَمِيعًا في قَرَنِ قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ﴾ [آل عمران: ٢٠] . وجِيءَ في هاتِهِ الصِّلاتِ بِالأفْعالِ المُضارِعَةِ لِتَدُلَّ عَلى اسْتِحْضارِ الحالَةِ الفَظِيعَةِ، ولَيْسَ المُرادُ إفادَةَ التَّجَدُّدِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ وإنْ تَأتّى في قَوْلِهِ: يَكْفُرُونَ لا يَتَأتّى في قَوْلِهِ: ﴿ويَقْتُلُونَ﴾ لِأنَّهم قَتَلُوا الأنْبِياءَ والَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ في زَمَنٍ مَضى. والمُرادُ مِن أصْحابِ هَذِهِ الصِّلاتِ يَهُودُ العَصْرِ النَّبَوِيِّ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ تَوَعَّدَهم بِعَذابٍ ألِيمٍ، وإنَّما حَمَلَ هَؤُلاءِ تَبِعَةَ أسْلافِهِمْ لِأنَّهم مُعْتَقِدُونَ سَدادَ ما فَعَلَهُ أسْلافُهُمُ الَّذِينَ قَتَلُوا زَكَرِيّا لِأنَّهُ حاوَلَ تَخْلِيصَ ابْنِهِ يَحْيى مِنَ القَتْلِ، وقَتَلُوا يَحْيى لِإيمانِهِ بِعِيسى، وقَتَلُوا النَّبِيءَ إرْمِياءَ بِمِصْرَ، وقَتَلُوا حَزْقِيالَ النَّبِيءَ لِأجْلِ تَوْبِيخِهِ لَهم عَلى سُوءِ أفْعالِهِمْ، وزَعَمُوا أنَّهم قَتَلُوا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَهو مَعْدُودٌ عَلَيْهِمْ بِإقْرارِهِمْ وإنْ كانُوا كاذِبِينَ فِيهِ، وقَتَلَ مَنشا بْنُ حَزْقِيالَ، مَلِكُ إسْرائِيلَ، النَّبِيءَ أشْعِياءَ: نَشَرَهُ بِالمِنشارِ لِأنَّهُ نَهاهُ عَنِ المُنْكَرِ، بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ولَمْ يَحْمُوهُ، فَكانَ هَذا القَتْلُ مَعْدُودًا عَلَيْهِمْ، وكَمْ قَتَلُوا مِمَّنْ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ، وكُلُّ تِلْكَ الجَرائِمِ مَعْدُودَةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم رَضُوا بِها، وألَحُّوا في وُقُوعِها. وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ المُؤَكِّدَةِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ يَقْتُلُونَ النَّبِيئِينَ إذْ لا يَكُونُ قَتْلُ النَّبِيئِينَ إلّا بِغَيْرِ حَقٍّ، ولَيْسَ لَهُ مَفْهُومٌ لِظُهُورِ عَدَمِ إرادَةِ التَّقْيِيدِ والِاحْتِرازِ؛ فَإنَّهُ لا يُقْتَلُ نَبِيءٌ بِحَقٍّ، فَذِكْرُ القَيْدِ في مِثْلِهِ لا إشْكالَ عَلَيْهِ، وإنَّما يَجِيءُ الإشْكالُ في القَيْدِ الواقِعِ في حَيِّزِ النَّفْيِ، إذا لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ تَسَلُّطَ النَّفْيِ عَلَيْهِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] . وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الحالِ زِيادَةُ تَشْوِيهِ فِعْلِهِمْ. ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ﴾ مُومِئًا إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ: وهو أنَّهم إنَّما قَتَلُوهم لِأنَّهم يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ أيْ بِالحَقِّ، فَقَدِ اكْتُفِيَ بِها في الدَّلالَةِ عَلى الشَّناعَةِ، فَلَمْ تَحْتَجْ إلى زِيادَةِ التَّشْنِيعِ. صفحة ٢٠٧ وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ العَشَرَةِ ”يَقْتُلُونَ“ الثّانِي مِثْلَ الأوَّلِ - بِسُكُونِ القافِ - وقَرَأهُ حَمْزَةُ وحْدَهُ: ”ويُقاتِلُونَ“ - بِفَتْحِ القافِ بَعْدَها ألِفٌ - بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ وهي مُبالَغَةٌ في القَتْلِ. والفاءُ في ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ فاءُ الجَوابِ المُسْتَعْمَلَةُ في شَرْطٍ، دَخَلَتْ عَلى خَبَرِ ”إنَّ“ لِأنَّ اسْمَ إنَّ وهو مَوْصُولٌ تَضَمَّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، إشارَةً إلى أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ قَوْمًا مُعَيَّنِينَ، بَلْ كُلُّ مَن يَتَّصِفُ بِالصِّفَةِ فَجَزاؤُهُ أنْ يَعْلَمَ أنَّ لَهُ عَذابًا ألِيمًا. واسْتَعْمَلَ ”بَشِّرْهم“ في مَعْنى ”أنْذِرْهم“ تَهَكُّمًا. وحَقِيقَةُ التَّبْشِيرِ: الإخْبارُ بِما يُظْهِرُ سُرُورَ المُخْبَرِ - بِفَتْحِ الباءِ - وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في ضِدِّ حَقِيقَتِهِ، إذْ أُرِيدَ بِهِ الإخْبارُ بِحُصُولِ العَذابِ، وهو مُوجِبٌ لِحُزْنِ المُخْبَرِينَ، فَهَذا الِاسْتِعْمالُ في الضِّدِّ مَعْدُودٌ عِنْدَ عُلَماءِ البَيانِ مِنَ الِاسْتِعارَةِ، ويُسَمُّونَها تَهَكُّمِيَّةً لِأنَّ تَشْبِيهَ الضِّدِّ بِضِدِّهِ لا يَرُوجُ في عَقْلِ أحَدٍ إلّا عَلى مَعْنى التَّهَكُّمِ، أوِ التَّمْلِيحِ، كَما أطْلَقَ عَمْرُو ابْنُ كُلْثُومٍ اسْمَ الأضْيافِ عَلى الأعْداءِ، وأطْلَقَ القِرى عَلى قَتْلِ الأعْداءِ، في قَوْلِهِ: نَزَلْتُمْ مَنزِلَ الأضْيافِ مِنّا فَعَجَّلْنا القِرى أنْ تَشْتُمُونا قَرَيْناكم فَعَجَّلْنا قِـراكُـمْ ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْداةً طَحُونا قالَ السَّكّاكِيُّ: وذَلِكَ بِواسِطَةِ انْتِزاعِ شَبَهِ التَّضادِّ وإلْحاقِهِ بِشَبَهِ التَّناسُبِ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ لِأنَّهم تَمَيَّزُوا بِهَذِهِ الأفْعالِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها صِلاتُ المَوْصُولِ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحِقّاءُ بِما سَيُخْبِرُ بِهِ عَنْهم بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ. واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ ﴿الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾، وقِيلَ هو خَبَرُ ”إنَّ“ وجُمْلَةُ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ وهو الجارِي عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ لِأنَّهُ يَمْنَعُ دُخُولَ الفاءِ في الخَبَرِ مُطْلَقًا. وحَبَطُ الأعْمالِ إزالَةُ آثارِها النّافِعَةِ مِن ثَوابِ ونَعِيمِ الآخِرَةِ، وحَياةٍ طَيِّبَةٍ في الدُّنْيا. وإطْلاقُ الحَبَطِ عَلى ذَلِكَ تَمْثِيلٌ بِحالِ الإبِلِ الَّتِي يُصِيبُها الحَبَطُ وهو انْتِفاخٌ في بُطُونِها مِن كَثْرَةِ الأكْلِ، يَكُونُ سَبَبَ مَوْتِها، في حِينِ أكَلَتْ ما أكَلَتْ لِلِالتِذاذِ بِهِ. صفحة ٢٠٨ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَعْنى هُنا أنَّ اليَهُودَ لَمّا كانُوا مُتَدَيِّنِينَ يَرْجُونَ مِن أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ النَّفْعَ بِها في الآخِرَةِ بِالنَّجاةِ مِنَ العِقابِ، والنَّفْعَ في الدُّنْيا بِآثارِ رِضا اللَّهِ عَلى عِبادِهِ الصّالِحِينَ، فَلَمّا كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ، وجَحَدُوا نُبُوءَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وصَوَّبُوا الَّذِينَ قَتَلُوا الأنْبِياءَ والَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ، فَقَدِ ارْتَدَّوْا عَنْ دِينِهِمْ فاسْتَحَقُّوا العَذابَ الألِيمَ، ولِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ . فَلا جَرَمَ تَحْبَطُ أعْمالُهم فَلا يَنْتَفِعُونَ بِثَوابِها في الآخِرَةِ، ولا بِآثارِها الطَّيِّبَةِ في الدُّنْيا، ومَعْنى ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ما لَهم مَن يُنْقِذُهم مِنَ العَذابِ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ. وجِيءَ بِـ ”مِنِ“ الدّالَّةِ عَلى تَنْصِيصِ العُمُومِ لِئَلّا يُتْرَكَ لَهم مَدْخَلٌ إلى التَّأْوِيلِ.

آل عمران 3:23

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالَةِ اليَهُودِ في شِدَّةِ ضَلالِهِمْ. فالِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ”ألَمْ تَرَ“ لِلتَّقْرِيرِ والتَّعْجِيبِ، وقَدْ جاءَ الِاسْتِعْمالُ في مِثْلِهِ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ داخِلًا عَلى نَفْيِ الفِعْلِ والمُرادُ حُصُولُ الإقْرارِ بِالفِعْلِ لِيَكُونَ التَّقْرِيرُ عَلى نَفْيِهِ مُحَرِّضًا لِلْمُخاطَبِ عَلى الِاعْتِرافِ بِهِ بِناءً عَلى أنَّهُ لا يَرْضى أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَجْهَلُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ٢٠٩ والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ بِدَلِيلِ تَعْدِيَتِها بِحَرْفِ ”إلى“ الَّذِي يَتَعَدّى بِهِ فِعْلُ النَّظَرِ، وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ [النساء: ٤٤] في سُورَةِ النِّساءِ: أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةً، وتَكُونَ ”إلى“ داخِلَةً عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ لِتَأْكِيدِ اتِّصالِ العِلْمِ بِالمَعْلُومِ وانْتِهائِهِ المَجازِيِّ إلَيْهِ، فَتَكُونَ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] . وعُرِفَ المُتَحَدَّثُ عَنْهم بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ دُونَ لَقَبِهِمْ، أعْنِي اليَهُودَ، لِأنَّ في الصِّلَةِ ما يَزِيدُ التَّعْجِيبَ مِن حالِهِمْ؛ لِأنَّ كَوْنَهم عَلى عِلْمٍ مِنَ الكِتابِ قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يَصُدَّهم عَمّا أخْبَرَ بِهِ عَنْهم. عَلى ما في هَذِهِ الصِّلَةِ أيْضًا مِن تَوْهِينِ عِلْمِهِمُ المَزْعُومِ. والكِتابِ: التَّوْراةُ فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: هو لِلْجِنْسِ. والمُرادُ بِالَّذِينَ أُوتُوهُ هُمُ اليَهُودُ، وقِيلَ: أُرِيدَ النَّصارى، أيْ أهْلُ نَجْرانَ. والنَّصِيبُ: القِسْطُ والحَظُّ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَنْكِيرُ نَصِيبًا لِلنَّوْعِيَّةِ، ولَيْسَ لِلتَّعْظِيمِ؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَهاوُنٍ بِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّنْوِينُ لِلتَّقْلِيلِ. و”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، كَما هو الظّاهِرُ مِن لَفْظِ النَّصِيبِ، فالمُرادُ بِـ الكِتابِ جِنْسُ الكُتُبِ، والنَّصِيبُ هو كِتابُهم، والمُرادُ: أُوتُوا بَعْضَ كِتابِهِمْ، تَعْرِيضًا بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ مِن كِتابِهِمْ إلّا حَظًّا يَسِيرًا، ويَجُوزُ كَوْنُ مِن لِلْبَيانِ. والمَعْنى: أُوتُوا حَظًّا مِن حُظُوظِ الكَمالِ، هو الكِتابُ الَّذِي أُوتُوهُ. وجُمْلَةُ ﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّها مَحَلُّ التَّعْجِيبِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ ضَمِيمَةِ ما عُطِفَ عَلَيْها، وهو قَوْلُهُ: ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو العَجِيبُ لا أصْلَ دَعْوَتِهِمْ إلى كِتابِ اللَّهِ، وإذا جَعَلْتَ ”تَرَ“ قَلْبِيَّةً فَجُمْلَةُ ”يُدْعَوْنَ“ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي وقَدْ عَلِمْتَ بُعْدَهُ. و﴿كِتابَ اللَّهِ﴾: القُرْآنُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠١] فَهو غَيْرُ الكِتابِ المُرادِ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ كَما يُنْبِئُ بِهِ تَغْيِيرُ صفحة ٢١٠ الأُسْلُوبِ. والمَعْنى: يُدْعَوْنَ إلى اتِّباعِ القُرْآنِ والنَّظَرِ في مَعانِيهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم فَيَأْبَوْنَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”كِتابِ اللَّهِ“ عَيْنَ المُرادِ مِنَ الكِتابِ، وإنَّما غُيِّرَ اللَّفْظُ تَفَنُّنًا وتَنْوِيهًا بِالمَدْعُوِّ إلَيْهِ، أيْ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِهِمْ لِيَتَأمَّلُوا مِنهُ، فَيَعْلَمُوا تَبْشِيرَهُ بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدُ، وتَلْمِيحَهُ إلى صِفاتِهِ. رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مِدْراسَ اليَهُودِ فَدَعاهم إلى الإسْلامِ، فَقالَ لَهُ نُعَيْمُ بْنُ عَمْرٍو، والحارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ ؟ قالَ: عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ. قالا: فَإنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا. فَقالَ لَهُما: إنَّ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ التَّوْراةَ فَهَلُمُّوا إلَيْها. فَأبَيا» . وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ ”ثُمَّ“ عاطِفَةُ جُمْلَةِ ﴿يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ عَلى جُمْلَةِ ”يُدْعَوْنَ“ فالمَعْطُوفُ هُنا في حُكْمِ المُفْرَدِ، فَدَلَّتْ ”ثُمَّ“ عَلى أنَّ تَوَلِّيَهم مُسْتَمِرٌّ في أزْمانٍ كَثِيرَةٍ تَبْعُدُ عَنْ زَمانِ الدَّعْوَةِ، أيْ أنَّهم لا يَرْعَوُونَ فَهم يَتَوَلَّوْنَ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ؛ لِأنَّ المَرْءَ قَدْ يُعْرِضُ غَضَبًا، أوْ لِعِظَمِ المُفاجَأةِ بِالأمْرِ غَيْرِ المُتَرَقَّبِ، ثُمَّ يَثُوبُ إلَيْهِ رُشْدُهُ، ويُراجِعُ نَفْسَهُ، فَيَرْجِعُ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ تَوَلِّيَهم إثْرَ الدَّعْوَةِ دُونَ تَراخٍ حاصِلٌ بِفَحْوى الخِطابِ. فَدُخُولُ ”ثُمَّ“ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّراخِي الرُّتَبِيِّ؛ لِأنَّهم قَدْ يَتَوَلَّوْنَ إثْرَ الدَّعْوَةِ، ولَكِنْ أُرِيدَ التَّعْجِيبُ مِن حالِهِمْ كَيْفَ يَتَوَلَّوْنَ بَعْدَ أنْ أُوتُوا الكِتابَ ونَقَلُوهُ، فَإذا دُعُوا إلى كِتابِهِمْ تَوَلَّوْا. والإتْيانُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: يَتَوَلَّوْنَ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ كَقَوْلِ جَعْفَرِ بْنِ عُلْبَةَ الحارِثِيِّ: ولا يَكْشِفُ الغَمّاءَ إلّا ابْنُ حُـرَّةٍ يَرى غَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها والتَّوَلِّي مَجازٌ عَنِ النُّفُورِ والإباءِ، وأصْلُهُ الإعْراضُ والِانْصِرافُ عَنِ المَكانِ. وجُمْلَةُ ﴿وهم مُعْرِضُونَ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ ”يَتَوَلّى فَرِيقٌ“ إذِ التَّوَلِّي هو الإعْراضُ، ولَمّا كانَتْ حالًا لَمْ تَكُنْ فِيها دَلالَةٌ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ فَكانَتْ دالَّةً عَلى تَجَدُّدِ الإعْراضِ مِنهُمُ، المُفادُ أيْضًا مِنَ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ . وقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾ الإشارَةُ إلى تَوَلِّيهِمْ وإعْراضِهِمْ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ أنَّهم فَعَلُوا ما فَعَلُوا بِسَبَبِ زَعْمِهِمْ أنَّهم في أمانٍ مِنَ العَذابِ إلّا أيّامًا قَلِيلَةً، صفحة ٢١١ فانْعَدَمَ اكْتِراثُهم بِاتِّباعِ الحَقِّ؛ لِأنَّ اعْتِقادَهُمُ النَّجاةَ مِن عَذابِ اللَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ جَرَّأهم عَلى ارْتِكابِ مِثْلِ هَذا الإعْراضِ. وهَذا الِاعْتِقادُ مَعَ بُطْلانِهِ مُؤْذِنٌ أيْضًا بِسَفالَةِ هِمَّتِهِمُ الدِّينِيَّةِ، فَكانُوا لا يُنافِسُونَ في تَزْكِيَةِ الأنْفُسِ. وعَبَّرَ عَنِ الِاعْتِقادِ بِالقَوْلِ دَلالَةً عَلى أنَّ هَذا الِاعْتِقادَ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ وأنَّهُ مُفْتَرًى مُدَلَّسٌ، وهَذِهِ العَقِيدَةُ عَقِيدَةُ اليَهُودِ، كَما تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ ما تَقَوَّلُوهُ عَلى الدِّينِ وأدْخَلُوهُ فِيهِ، فَلِذَلِكَ أُتِيَ بِـ ”في“ الدّالَّةِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، ومِن جُمْلَةِ ما كانُوا يَفْتَرُونَهُ قَوْلُهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، وكانُوا أيْضًا يَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ وعَدَ يَعْقُوبَ ألّا يُعَذِّبَ أبْناءَهُ. وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ مَفاسِدِ هَذا الغُرُورِ والِافْتِراءِ بِإيقاعِها في الضَّلالِ الدّائِمِ، لِأنَّ المُخالَفَةَ إذا لَمْ تَكُنْ عَنْ غُرُورٍ فالإقْلاعُ عَنْها مَرْجُوٌّ، أمّا المَغْرُورُ فَلا يُتَرَقَّبُ مِنهُ إقْلاعٌ. وقَدِ ابْتُلِيَ المُسْلِمُونَ بِغُرُورٍ كَثِيرٍ في تَفارِيعِ دِينِهِمْ وافْتِراءاتٍ مِنَ المَوْضُوعاتِ عادَتْ عَلى مَقاصِدِ الدِّينِ وقَواعِدِ الشَّرِيعَةِ بِالإبْطالِ، وتَفْصِيلُ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَجالِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ تَفْرِيعٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وغَرَّهم في دِينِهِمْ﴾ أيْ إذا كانَ ذَلِكَ غُرُورًا فَكَيْفَ حالُهم أوْ جَزاؤُهم إذا جَمَعْناهم ووَفَّيْناهم جَزاءَهم، والِاسْتِفْهامُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ والتَّفْظِيعِ مَجازًا. و”كَيْفَ“ هُنا خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلى نَوْعِهِ السِّياقُ، و”إذا“ ظَرْفٌ مُنْتَصِبٌ بِالَّذِي عَمِلَ في مَظْرُوفِهِ: وهو ما في ”كَيْفَ“ مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّفْظِيعِيِّ كَقَوْلِكَ: كَيْفَ أنْتَ إذا لَقِيتَ العَدُوَّ، وسَيَجِيءُ زِيادَةُ بَيانٍ لِمِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ في سُورَةِ النِّساءِ.

آل عمران 3:24

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالَةِ اليَهُودِ في شِدَّةِ ضَلالِهِمْ. فالِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ”ألَمْ تَرَ“ لِلتَّقْرِيرِ والتَّعْجِيبِ، وقَدْ جاءَ الِاسْتِعْمالُ في مِثْلِهِ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ داخِلًا عَلى نَفْيِ الفِعْلِ والمُرادُ حُصُولُ الإقْرارِ بِالفِعْلِ لِيَكُونَ التَّقْرِيرُ عَلى نَفْيِهِ مُحَرِّضًا لِلْمُخاطَبِ عَلى الِاعْتِرافِ بِهِ بِناءً عَلى أنَّهُ لا يَرْضى أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَجْهَلُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ٢٠٩ والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ بِدَلِيلِ تَعْدِيَتِها بِحَرْفِ ”إلى“ الَّذِي يَتَعَدّى بِهِ فِعْلُ النَّظَرِ، وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ [النساء: ٤٤] في سُورَةِ النِّساءِ: أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةً، وتَكُونَ ”إلى“ داخِلَةً عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ لِتَأْكِيدِ اتِّصالِ العِلْمِ بِالمَعْلُومِ وانْتِهائِهِ المَجازِيِّ إلَيْهِ، فَتَكُونَ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] . وعُرِفَ المُتَحَدَّثُ عَنْهم بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ دُونَ لَقَبِهِمْ، أعْنِي اليَهُودَ، لِأنَّ في الصِّلَةِ ما يَزِيدُ التَّعْجِيبَ مِن حالِهِمْ؛ لِأنَّ كَوْنَهم عَلى عِلْمٍ مِنَ الكِتابِ قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يَصُدَّهم عَمّا أخْبَرَ بِهِ عَنْهم. عَلى ما في هَذِهِ الصِّلَةِ أيْضًا مِن تَوْهِينِ عِلْمِهِمُ المَزْعُومِ. والكِتابِ: التَّوْراةُ فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: هو لِلْجِنْسِ. والمُرادُ بِالَّذِينَ أُوتُوهُ هُمُ اليَهُودُ، وقِيلَ: أُرِيدَ النَّصارى، أيْ أهْلُ نَجْرانَ. والنَّصِيبُ: القِسْطُ والحَظُّ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَنْكِيرُ نَصِيبًا لِلنَّوْعِيَّةِ، ولَيْسَ لِلتَّعْظِيمِ؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَهاوُنٍ بِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّنْوِينُ لِلتَّقْلِيلِ. و”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، كَما هو الظّاهِرُ مِن لَفْظِ النَّصِيبِ، فالمُرادُ بِـ الكِتابِ جِنْسُ الكُتُبِ، والنَّصِيبُ هو كِتابُهم، والمُرادُ: أُوتُوا بَعْضَ كِتابِهِمْ، تَعْرِيضًا بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ مِن كِتابِهِمْ إلّا حَظًّا يَسِيرًا، ويَجُوزُ كَوْنُ مِن لِلْبَيانِ. والمَعْنى: أُوتُوا حَظًّا مِن حُظُوظِ الكَمالِ، هو الكِتابُ الَّذِي أُوتُوهُ. وجُمْلَةُ ﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّها مَحَلُّ التَّعْجِيبِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ ضَمِيمَةِ ما عُطِفَ عَلَيْها، وهو قَوْلُهُ: ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو العَجِيبُ لا أصْلَ دَعْوَتِهِمْ إلى كِتابِ اللَّهِ، وإذا جَعَلْتَ ”تَرَ“ قَلْبِيَّةً فَجُمْلَةُ ”يُدْعَوْنَ“ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي وقَدْ عَلِمْتَ بُعْدَهُ. و﴿كِتابَ اللَّهِ﴾: القُرْآنُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠١] فَهو غَيْرُ الكِتابِ المُرادِ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ كَما يُنْبِئُ بِهِ تَغْيِيرُ صفحة ٢١٠ الأُسْلُوبِ. والمَعْنى: يُدْعَوْنَ إلى اتِّباعِ القُرْآنِ والنَّظَرِ في مَعانِيهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم فَيَأْبَوْنَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”كِتابِ اللَّهِ“ عَيْنَ المُرادِ مِنَ الكِتابِ، وإنَّما غُيِّرَ اللَّفْظُ تَفَنُّنًا وتَنْوِيهًا بِالمَدْعُوِّ إلَيْهِ، أيْ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِهِمْ لِيَتَأمَّلُوا مِنهُ، فَيَعْلَمُوا تَبْشِيرَهُ بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدُ، وتَلْمِيحَهُ إلى صِفاتِهِ. رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مِدْراسَ اليَهُودِ فَدَعاهم إلى الإسْلامِ، فَقالَ لَهُ نُعَيْمُ بْنُ عَمْرٍو، والحارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ ؟ قالَ: عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ. قالا: فَإنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا. فَقالَ لَهُما: إنَّ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ التَّوْراةَ فَهَلُمُّوا إلَيْها. فَأبَيا» . وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ ”ثُمَّ“ عاطِفَةُ جُمْلَةِ ﴿يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ عَلى جُمْلَةِ ”يُدْعَوْنَ“ فالمَعْطُوفُ هُنا في حُكْمِ المُفْرَدِ، فَدَلَّتْ ”ثُمَّ“ عَلى أنَّ تَوَلِّيَهم مُسْتَمِرٌّ في أزْمانٍ كَثِيرَةٍ تَبْعُدُ عَنْ زَمانِ الدَّعْوَةِ، أيْ أنَّهم لا يَرْعَوُونَ فَهم يَتَوَلَّوْنَ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ؛ لِأنَّ المَرْءَ قَدْ يُعْرِضُ غَضَبًا، أوْ لِعِظَمِ المُفاجَأةِ بِالأمْرِ غَيْرِ المُتَرَقَّبِ، ثُمَّ يَثُوبُ إلَيْهِ رُشْدُهُ، ويُراجِعُ نَفْسَهُ، فَيَرْجِعُ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ تَوَلِّيَهم إثْرَ الدَّعْوَةِ دُونَ تَراخٍ حاصِلٌ بِفَحْوى الخِطابِ. فَدُخُولُ ”ثُمَّ“ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّراخِي الرُّتَبِيِّ؛ لِأنَّهم قَدْ يَتَوَلَّوْنَ إثْرَ الدَّعْوَةِ، ولَكِنْ أُرِيدَ التَّعْجِيبُ مِن حالِهِمْ كَيْفَ يَتَوَلَّوْنَ بَعْدَ أنْ أُوتُوا الكِتابَ ونَقَلُوهُ، فَإذا دُعُوا إلى كِتابِهِمْ تَوَلَّوْا. والإتْيانُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: يَتَوَلَّوْنَ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ كَقَوْلِ جَعْفَرِ بْنِ عُلْبَةَ الحارِثِيِّ: ولا يَكْشِفُ الغَمّاءَ إلّا ابْنُ حُـرَّةٍ يَرى غَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها والتَّوَلِّي مَجازٌ عَنِ النُّفُورِ والإباءِ، وأصْلُهُ الإعْراضُ والِانْصِرافُ عَنِ المَكانِ. وجُمْلَةُ ﴿وهم مُعْرِضُونَ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ ”يَتَوَلّى فَرِيقٌ“ إذِ التَّوَلِّي هو الإعْراضُ، ولَمّا كانَتْ حالًا لَمْ تَكُنْ فِيها دَلالَةٌ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ فَكانَتْ دالَّةً عَلى تَجَدُّدِ الإعْراضِ مِنهُمُ، المُفادُ أيْضًا مِنَ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ . وقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾ الإشارَةُ إلى تَوَلِّيهِمْ وإعْراضِهِمْ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ أنَّهم فَعَلُوا ما فَعَلُوا بِسَبَبِ زَعْمِهِمْ أنَّهم في أمانٍ مِنَ العَذابِ إلّا أيّامًا قَلِيلَةً، صفحة ٢١١ فانْعَدَمَ اكْتِراثُهم بِاتِّباعِ الحَقِّ؛ لِأنَّ اعْتِقادَهُمُ النَّجاةَ مِن عَذابِ اللَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ جَرَّأهم عَلى ارْتِكابِ مِثْلِ هَذا الإعْراضِ. وهَذا الِاعْتِقادُ مَعَ بُطْلانِهِ مُؤْذِنٌ أيْضًا بِسَفالَةِ هِمَّتِهِمُ الدِّينِيَّةِ، فَكانُوا لا يُنافِسُونَ في تَزْكِيَةِ الأنْفُسِ. وعَبَّرَ عَنِ الِاعْتِقادِ بِالقَوْلِ دَلالَةً عَلى أنَّ هَذا الِاعْتِقادَ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ وأنَّهُ مُفْتَرًى مُدَلَّسٌ، وهَذِهِ العَقِيدَةُ عَقِيدَةُ اليَهُودِ، كَما تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ ما تَقَوَّلُوهُ عَلى الدِّينِ وأدْخَلُوهُ فِيهِ، فَلِذَلِكَ أُتِيَ بِـ ”في“ الدّالَّةِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، ومِن جُمْلَةِ ما كانُوا يَفْتَرُونَهُ قَوْلُهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، وكانُوا أيْضًا يَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ وعَدَ يَعْقُوبَ ألّا يُعَذِّبَ أبْناءَهُ. وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ مَفاسِدِ هَذا الغُرُورِ والِافْتِراءِ بِإيقاعِها في الضَّلالِ الدّائِمِ، لِأنَّ المُخالَفَةَ إذا لَمْ تَكُنْ عَنْ غُرُورٍ فالإقْلاعُ عَنْها مَرْجُوٌّ، أمّا المَغْرُورُ فَلا يُتَرَقَّبُ مِنهُ إقْلاعٌ. وقَدِ ابْتُلِيَ المُسْلِمُونَ بِغُرُورٍ كَثِيرٍ في تَفارِيعِ دِينِهِمْ وافْتِراءاتٍ مِنَ المَوْضُوعاتِ عادَتْ عَلى مَقاصِدِ الدِّينِ وقَواعِدِ الشَّرِيعَةِ بِالإبْطالِ، وتَفْصِيلُ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَجالِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ تَفْرِيعٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وغَرَّهم في دِينِهِمْ﴾ أيْ إذا كانَ ذَلِكَ غُرُورًا فَكَيْفَ حالُهم أوْ جَزاؤُهم إذا جَمَعْناهم ووَفَّيْناهم جَزاءَهم، والِاسْتِفْهامُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ والتَّفْظِيعِ مَجازًا. و”كَيْفَ“ هُنا خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلى نَوْعِهِ السِّياقُ، و”إذا“ ظَرْفٌ مُنْتَصِبٌ بِالَّذِي عَمِلَ في مَظْرُوفِهِ: وهو ما في ”كَيْفَ“ مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّفْظِيعِيِّ كَقَوْلِكَ: كَيْفَ أنْتَ إذا لَقِيتَ العَدُوَّ، وسَيَجِيءُ زِيادَةُ بَيانٍ لِمِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ في سُورَةِ النِّساءِ.

آل عمران 3:25

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالَةِ اليَهُودِ في شِدَّةِ ضَلالِهِمْ. فالِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ”ألَمْ تَرَ“ لِلتَّقْرِيرِ والتَّعْجِيبِ، وقَدْ جاءَ الِاسْتِعْمالُ في مِثْلِهِ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ داخِلًا عَلى نَفْيِ الفِعْلِ والمُرادُ حُصُولُ الإقْرارِ بِالفِعْلِ لِيَكُونَ التَّقْرِيرُ عَلى نَفْيِهِ مُحَرِّضًا لِلْمُخاطَبِ عَلى الِاعْتِرافِ بِهِ بِناءً عَلى أنَّهُ لا يَرْضى أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَجْهَلُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ٢٠٩ والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ بِدَلِيلِ تَعْدِيَتِها بِحَرْفِ ”إلى“ الَّذِي يَتَعَدّى بِهِ فِعْلُ النَّظَرِ، وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ [النساء: ٤٤] في سُورَةِ النِّساءِ: أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةً، وتَكُونَ ”إلى“ داخِلَةً عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ لِتَأْكِيدِ اتِّصالِ العِلْمِ بِالمَعْلُومِ وانْتِهائِهِ المَجازِيِّ إلَيْهِ، فَتَكُونَ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] . وعُرِفَ المُتَحَدَّثُ عَنْهم بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ دُونَ لَقَبِهِمْ، أعْنِي اليَهُودَ، لِأنَّ في الصِّلَةِ ما يَزِيدُ التَّعْجِيبَ مِن حالِهِمْ؛ لِأنَّ كَوْنَهم عَلى عِلْمٍ مِنَ الكِتابِ قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يَصُدَّهم عَمّا أخْبَرَ بِهِ عَنْهم. عَلى ما في هَذِهِ الصِّلَةِ أيْضًا مِن تَوْهِينِ عِلْمِهِمُ المَزْعُومِ. والكِتابِ: التَّوْراةُ فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: هو لِلْجِنْسِ. والمُرادُ بِالَّذِينَ أُوتُوهُ هُمُ اليَهُودُ، وقِيلَ: أُرِيدَ النَّصارى، أيْ أهْلُ نَجْرانَ. والنَّصِيبُ: القِسْطُ والحَظُّ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَنْكِيرُ نَصِيبًا لِلنَّوْعِيَّةِ، ولَيْسَ لِلتَّعْظِيمِ؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَهاوُنٍ بِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّنْوِينُ لِلتَّقْلِيلِ. و”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، كَما هو الظّاهِرُ مِن لَفْظِ النَّصِيبِ، فالمُرادُ بِـ الكِتابِ جِنْسُ الكُتُبِ، والنَّصِيبُ هو كِتابُهم، والمُرادُ: أُوتُوا بَعْضَ كِتابِهِمْ، تَعْرِيضًا بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ مِن كِتابِهِمْ إلّا حَظًّا يَسِيرًا، ويَجُوزُ كَوْنُ مِن لِلْبَيانِ. والمَعْنى: أُوتُوا حَظًّا مِن حُظُوظِ الكَمالِ، هو الكِتابُ الَّذِي أُوتُوهُ. وجُمْلَةُ ﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّها مَحَلُّ التَّعْجِيبِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ ضَمِيمَةِ ما عُطِفَ عَلَيْها، وهو قَوْلُهُ: ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو العَجِيبُ لا أصْلَ دَعْوَتِهِمْ إلى كِتابِ اللَّهِ، وإذا جَعَلْتَ ”تَرَ“ قَلْبِيَّةً فَجُمْلَةُ ”يُدْعَوْنَ“ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي وقَدْ عَلِمْتَ بُعْدَهُ. و﴿كِتابَ اللَّهِ﴾: القُرْآنُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠١] فَهو غَيْرُ الكِتابِ المُرادِ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ كَما يُنْبِئُ بِهِ تَغْيِيرُ صفحة ٢١٠ الأُسْلُوبِ. والمَعْنى: يُدْعَوْنَ إلى اتِّباعِ القُرْآنِ والنَّظَرِ في مَعانِيهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم فَيَأْبَوْنَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”كِتابِ اللَّهِ“ عَيْنَ المُرادِ مِنَ الكِتابِ، وإنَّما غُيِّرَ اللَّفْظُ تَفَنُّنًا وتَنْوِيهًا بِالمَدْعُوِّ إلَيْهِ، أيْ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِهِمْ لِيَتَأمَّلُوا مِنهُ، فَيَعْلَمُوا تَبْشِيرَهُ بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدُ، وتَلْمِيحَهُ إلى صِفاتِهِ. رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مِدْراسَ اليَهُودِ فَدَعاهم إلى الإسْلامِ، فَقالَ لَهُ نُعَيْمُ بْنُ عَمْرٍو، والحارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ ؟ قالَ: عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ. قالا: فَإنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا. فَقالَ لَهُما: إنَّ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ التَّوْراةَ فَهَلُمُّوا إلَيْها. فَأبَيا» . وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ ”ثُمَّ“ عاطِفَةُ جُمْلَةِ ﴿يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ عَلى جُمْلَةِ ”يُدْعَوْنَ“ فالمَعْطُوفُ هُنا في حُكْمِ المُفْرَدِ، فَدَلَّتْ ”ثُمَّ“ عَلى أنَّ تَوَلِّيَهم مُسْتَمِرٌّ في أزْمانٍ كَثِيرَةٍ تَبْعُدُ عَنْ زَمانِ الدَّعْوَةِ، أيْ أنَّهم لا يَرْعَوُونَ فَهم يَتَوَلَّوْنَ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ؛ لِأنَّ المَرْءَ قَدْ يُعْرِضُ غَضَبًا، أوْ لِعِظَمِ المُفاجَأةِ بِالأمْرِ غَيْرِ المُتَرَقَّبِ، ثُمَّ يَثُوبُ إلَيْهِ رُشْدُهُ، ويُراجِعُ نَفْسَهُ، فَيَرْجِعُ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ تَوَلِّيَهم إثْرَ الدَّعْوَةِ دُونَ تَراخٍ حاصِلٌ بِفَحْوى الخِطابِ. فَدُخُولُ ”ثُمَّ“ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّراخِي الرُّتَبِيِّ؛ لِأنَّهم قَدْ يَتَوَلَّوْنَ إثْرَ الدَّعْوَةِ، ولَكِنْ أُرِيدَ التَّعْجِيبُ مِن حالِهِمْ كَيْفَ يَتَوَلَّوْنَ بَعْدَ أنْ أُوتُوا الكِتابَ ونَقَلُوهُ، فَإذا دُعُوا إلى كِتابِهِمْ تَوَلَّوْا. والإتْيانُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: يَتَوَلَّوْنَ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ كَقَوْلِ جَعْفَرِ بْنِ عُلْبَةَ الحارِثِيِّ: ولا يَكْشِفُ الغَمّاءَ إلّا ابْنُ حُـرَّةٍ يَرى غَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها والتَّوَلِّي مَجازٌ عَنِ النُّفُورِ والإباءِ، وأصْلُهُ الإعْراضُ والِانْصِرافُ عَنِ المَكانِ. وجُمْلَةُ ﴿وهم مُعْرِضُونَ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ ”يَتَوَلّى فَرِيقٌ“ إذِ التَّوَلِّي هو الإعْراضُ، ولَمّا كانَتْ حالًا لَمْ تَكُنْ فِيها دَلالَةٌ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ فَكانَتْ دالَّةً عَلى تَجَدُّدِ الإعْراضِ مِنهُمُ، المُفادُ أيْضًا مِنَ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ . وقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾ الإشارَةُ إلى تَوَلِّيهِمْ وإعْراضِهِمْ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ أنَّهم فَعَلُوا ما فَعَلُوا بِسَبَبِ زَعْمِهِمْ أنَّهم في أمانٍ مِنَ العَذابِ إلّا أيّامًا قَلِيلَةً، صفحة ٢١١ فانْعَدَمَ اكْتِراثُهم بِاتِّباعِ الحَقِّ؛ لِأنَّ اعْتِقادَهُمُ النَّجاةَ مِن عَذابِ اللَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ جَرَّأهم عَلى ارْتِكابِ مِثْلِ هَذا الإعْراضِ. وهَذا الِاعْتِقادُ مَعَ بُطْلانِهِ مُؤْذِنٌ أيْضًا بِسَفالَةِ هِمَّتِهِمُ الدِّينِيَّةِ، فَكانُوا لا يُنافِسُونَ في تَزْكِيَةِ الأنْفُسِ. وعَبَّرَ عَنِ الِاعْتِقادِ بِالقَوْلِ دَلالَةً عَلى أنَّ هَذا الِاعْتِقادَ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ وأنَّهُ مُفْتَرًى مُدَلَّسٌ، وهَذِهِ العَقِيدَةُ عَقِيدَةُ اليَهُودِ، كَما تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ ما تَقَوَّلُوهُ عَلى الدِّينِ وأدْخَلُوهُ فِيهِ، فَلِذَلِكَ أُتِيَ بِـ ”في“ الدّالَّةِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، ومِن جُمْلَةِ ما كانُوا يَفْتَرُونَهُ قَوْلُهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، وكانُوا أيْضًا يَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ وعَدَ يَعْقُوبَ ألّا يُعَذِّبَ أبْناءَهُ. وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ مَفاسِدِ هَذا الغُرُورِ والِافْتِراءِ بِإيقاعِها في الضَّلالِ الدّائِمِ، لِأنَّ المُخالَفَةَ إذا لَمْ تَكُنْ عَنْ غُرُورٍ فالإقْلاعُ عَنْها مَرْجُوٌّ، أمّا المَغْرُورُ فَلا يُتَرَقَّبُ مِنهُ إقْلاعٌ. وقَدِ ابْتُلِيَ المُسْلِمُونَ بِغُرُورٍ كَثِيرٍ في تَفارِيعِ دِينِهِمْ وافْتِراءاتٍ مِنَ المَوْضُوعاتِ عادَتْ عَلى مَقاصِدِ الدِّينِ وقَواعِدِ الشَّرِيعَةِ بِالإبْطالِ، وتَفْصِيلُ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَجالِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ تَفْرِيعٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وغَرَّهم في دِينِهِمْ﴾ أيْ إذا كانَ ذَلِكَ غُرُورًا فَكَيْفَ حالُهم أوْ جَزاؤُهم إذا جَمَعْناهم ووَفَّيْناهم جَزاءَهم، والِاسْتِفْهامُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ والتَّفْظِيعِ مَجازًا. و”كَيْفَ“ هُنا خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلى نَوْعِهِ السِّياقُ، و”إذا“ ظَرْفٌ مُنْتَصِبٌ بِالَّذِي عَمِلَ في مَظْرُوفِهِ: وهو ما في ”كَيْفَ“ مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّفْظِيعِيِّ كَقَوْلِكَ: كَيْفَ أنْتَ إذا لَقِيتَ العَدُوَّ، وسَيَجِيءُ زِيادَةُ بَيانٍ لِمِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ في سُورَةِ النِّساءِ.

آل عمران 3:26

صفحة ٢١٢ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ المَقْصُودُ مِنهُ التَّعْرِيضُ بِأهْلِ الكِتابِ بِأنَّ إعْراضَهم إنَّما هو حَسَدٌ عَلى زَوالِ النُّبُوَّةِ مِنهم، وانْقِراضِ المُلْكِ مِنهم، بِتَهْدِيدِهِمْ وبِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ في أنَّهُ لا عَجَبَ أنْ تَنْتَقِلَ النُّبُوَّةُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى العَرَبِ، مَعَ الإيماءِ إلى أنَّ الشَّرِيعَةَ الإسْلامِيَّةَ شَرِيعَةٌ مُقارِنَةٌ لِلسُّلْطانِ والمُلْكِ. و”اللَّهُمَّ“ في كَلامِ العَرَبِ خاصٌّ بِنِداءِ اللَّهِ تَعالى في الدُّعاءِ، ومَعْناهُ يا اللَّهُ. ولَمّا كَثُرَ حَذْفُ حَرْفِ النِّداءِ مَعَهُ قالَ النُّحاةُ: إنَّ المِيمَ عِوَضٌ مِن حَرْفِ النِّداءِ يُرِيدُونَ أنَّ لِحاقَ المِيمِ بِاسْمِ اللَّهِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ لَمّا لَمْ يَقَعْ إلّا عِنْدَ إرادَةِ الدُّعاءِ صارَ غَنِيًّا عَنْ جَلْبِ حَرْفِ النِّداءِ اخْتِصارًا ولَيْسَ المُرادُ أنَّ المِيمَ تُفِيدُ النِّداءَ. والظّاهِرُ أنَّ المِيمَ عَلّامَةُ تَنْوِينٍ في اللُّغَةِ المَنقُولِ مِنها كَلِمَةُ ”اللَّهُمَّ“ مِن عِبْرانِيَّةٍ أوْ قَحْطانِيَّةٍ وأنَّ أصْلَها ”لاهم“ مُرادِفُ إلَهٍ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ العَرَبَ نَطَقُوا بِهِ هَكَذا في غَيْرِ النِّداءِ كَقَوْلِ الأعْشى: كَدَعْوَةٍ مِن أبِي رَباحٍ يَسْمَعُها اللَّهُمُ الكَبِيرُ وأنَّهم نَطَقُوا بِهِ كَذَلِكَ مَعَ النِّداءِ كَقَوْلِ أبِي خِراشٍ الهُذَلِيِّ: إنِّي إذا ما حَدَثٌ ألَمَّـا ∗∗∗ أقُولُ يا اللَّهُمَّ يا اللَّهُمّا وأنَّهم يَقُولُونَ يا اللَّهُ كَثِيرًا. وقالَ جُمْهُورُ النُّحاةِ: إنَّ المِيمَ عِوَضٌ عَنْ حَرْفِ النِّداءِ المَحْذُوفِ، وإنَّهُ تَعْوِيضٌ غَيْرُ قِياسِيٍّ وإنَّ ما وقَعَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ شُذُوذٌ. وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ ”اللَّهُمَّ“ مُخْتَزَلٌ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ وجُمْلَةٍ أصْلُها: ”يا اللَّهُ أُمَّ“ أيْ أقْبِلْ عَلَيْنا بِخَيْرٍ، وكُلُّ ذَلِكَ تَكَلُّفٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. صفحة ٢١٣ والمالِكُ هو: المُخْتَصُّ بِالتَّصَرُّفِ في شَيْءٍ بِجَمِيعِ ما يَتَصَرَّفُ في أمْثالِهِ مِمّا يُقْصَدُ لَهُ مِن ذَواتِها، ومَنافِعِها، وثَمَراتِها، بِما يَشاءُ. فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِالِانْفِرادِ، وهو الأكْثَرُ، وقَدْ يَكُونُ بِمُشارَكَةٍ واسِعَةٍ، أوْ ضَيِّقَةٍ. و المُلْكُ بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ اللّامِ نَوْعٌ مِنَ المِلْكِ - بِكَسْرِ المِيمِ - فالمِلْكُ بِالكَسْرِ جِنْسٌ والمُلْكُ - بِالضَّمِّ - نَوْعٌ مِنهُ وهو أعْلى أنْواعِهِ، ومَعْناهُ التَّصَرُّفُ في جَماعَةٍ عَظِيمَةٍ، أوْ أُمَّةٍ عَدِيدَةٍ تَصَرُّفَ التَّدْبِيرِ لِلشُّئُونِ، وإقامَةِ الحُقُوقِ، ورِعايَةِ المَصالِحِ، ودَفْعِ العُدْوانِ عَنْها، وتَوْجِيهِها إلى ما فِيهِ خَيْرُها، بِالرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ. وانْظُرْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٢٤٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، فَمَعْنى مالِكِ المُلْكِ أنَّهُ المُتَصَرِّفُ في نَوْعِ المُلْكِ - بِالضَّمِّ - بِما يَشاءُ، بِأنْ يُرادَ بِـ المُلْكِ هَذا النَّوْعُ. والتَّعْرِيفُ في المُلْكِ الأوَّلِ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ: أيْ كُلُّ مُلْكٍ هو في الدُّنْيا. ولَمّا كانَ المُلْكُ ماهِيَّةً مِنَ المَواهِي، كانَ مَعْنى كَوْنِ اللَّهِ مالِكَ المُلْكِ أنَّهُ المالِكُ لِتَصْرِيفِ المُلْكِ، أيْ لِإعْطائِهِ، وتَوْزِيعِهِ، وتَوْسِيعِهِ، وتَضْيِيقِهِ، فَهو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ في المَعْنى. والتَّعْرِيفُ في المُلْكَ الثّانِي والثّالِثِ لِلْجِنْسِ، دُونَ اسْتِغْراقِ أيِّ طائِفَةٍ وحِصَّةٍ مِن جِنْسِ المُلْكِ، والتَّعْوِيلُ في الفَرْقِ بَيْنَ مِقْدارِ الجِنْسِ عَلى القَرائِنِ. ولِذَلِكَ بُيِّنَتْ صِفَةُ مالِكِ المُلْكِ بِقَوْلِهِ: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ فَإنَّ إيتاءَهُ ونَزْعَهُ مَقُولٌ عَلَيْهِ بِالتَّشْكِيكِ: إيجابًا وسَلْبًا، وكَثْرَةً وقِلَّةً. والنَّزْعُ - حَقِيقَةً -: إزالَةُ الجِرْمِ مِن مَكانِهِ: كَنَزْعِ الثَّوْبِ، ونَزْعِ الماءِ مِنَ البِئْرِ، ويُسْتَعارُ لِإزالَةِ الصِّفاتِ والمَعانِي كَما قالَ تَعالى: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ [الأعراف: ٤٣]، بِتَشْبِيهِ المَعْنى المُتَمَكِّنِ بِالذّاتِ المُتَّصِلَةِ بِالمَكانِ، وتَشْبِيهِ إزالَتِهِ بِالنَّزْعِ، ومِنهُ قَوْلُهُ هُنا: تَنْزِعُ المُلْكَ أيْ تُزِيلُ وصْفَ المُلْكِ مِمَّنْ تَشاءُ. وقَوْلُهُ: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ تَمْثِيلٌ لِلتَّصَرُّفِ في الأمْرِ؛ لِأنَّ المُتَصَرِّفَ يَكُونُ أقْوى تَصَرُّفِهِ بِوَضْعِ شَيْءٍ بِيَدِهِ، ولَوْ كانَ لا يُوضَعُ في اليَدِ، قالَ عَنْتَرَةُ بْنُ الأخْرَسِ المَعْنِيُّ الطّائِيُّ: فَما بِـيَدَيْكَ خَـيْرٌ أرْتَـجِـيهِ ∗∗∗ وغَيْرُ صُدُودِكَ الخَطْبُ الكَبِيرُ وهَذا يُعَدُّ مِنَ المُتَشابِهِ لِأنَّ فِيهِ إضافَةَ اليَدِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ، ولا تَشابُهَ فِيهِ لِظُهُورِ صفحة ٢١٤ المُرادِ مِنِ اسْتِعْمالِهِ في الكَلامِ العَرَبِيِّ. والِاقْتِصارُ عَلى الخَيْرِ في تَصَرُّفِ اللَّهِ تَعالى اكْتِفاءٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ، أيْ والبَرْدَ. وكانَ الخَيْرُ مُقْتَضًى بِالذّاتِ أصالَةً والشَّرُّ مُقْتَضًى بِالعَرَضِ قالَ الجَلالُ الدِّوانِيُّ في شَرْحِ دِيباجَةِ هَياكِلِ النُّورِ: وخُصَّ الخَيْرُ هُنا لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَرَجِّي المُسْلِمِينَ الخَيْرَ مِنَ اللَّهِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ خَيْرَهم شَرٌّ لِضِدِّهِمْ كَما قِيلَ: مَصائِبُ قَوْمٍ عِنْدَ قَوْمٍ فَوائِدُ أيِ الخَيْرُ مُقْتَضى الذّاتِ والشَّرُّ مَقْضِيٌّ بِالعَرَضِ وصادِرٌ بِالتَّبَعِ لِما أنَّ بَعْضَ ما يَتَضَمَّنُ خَيْراتٍ كَثِيرَةً هو مُسْتَلْزِمٌ لِشَرٍّ قَلِيلٍ، فَلَوْ تُرِكَتْ تِلْكَ الخَيْراتُ الكَثِيرَةُ لِذَلِكَ الشَّرِّ القَلِيلِ، لَصارَ تَرْكُها شَرًّا كَثِيرًا، فَلَمّا صَدَرَ ذَلِكَ الخَيْرُ لَزِمَهُ حُصُولُ ذَلِكَ الشَّرِّ. وحَقِيقَةُ ”تُولِجُ“ تُدْخِلُ وهو هُنا اسْتِعارَةٌ لِتَعاقُبِ ضَوْءِ النَّهارِ وظُلْمَةِ اللَّيْلِ، فَكَأنَّ أحَدَهُما يَدْخُلُ في الآخَرِ، ولِازْدِيادِ مُدَّةِ النَّهارِ عَلى مُدَّةِ اللَّيْلِ وعَكْسِهِ في الأيّامِ والفُصُولِ عَدا أيّامِ الِاعْتِدالِ وهي في الحَقِيقَةِ لَحَظاتٌ قَلِيلَةٌ، ثُمَّ يَزِيدُ أحَدُهُما لَكِنَّ الزِّيادَةَ لا تُدْرَكُ في أوَّلِها فَلا يَعْرِفُها إلّا العُلَماءُ، وفي الظّاهِرِ هي يَوْمانِ في كُلِّ نِصْفِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: كانَ بَعْضُهم يَقُولُ: القُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلى ألْفاظٍ يَفْهَمُها العَوامُّ، وألْفاظٍ يَفْهَمُها الخَواصُّ، وما يَفْهَمُهُ الفَرِيقانِ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ؛ فَإنَّ الإيلاجَ يَشْمَلُ الأيّامَ الَّتِي لا يَفْهَمُها إلّا الخَواصُّ، والفُصُولَ الَّتِي يُدْرِكُها سائِرُ العَوامِّ. وفِي هَذا رَمْزٌ إلى ما حَدَثَ في العالَمِ مِن ظُلُماتِ الجَهالَةِ والإشْراكِ، بَعْدَ أنْ كانَ النّاسُ عَلى دِينٍ صَحِيحٍ كَدِينِ مُوسى، وإلى ما حَدَثَ بِظُهُورِ الإسْلامِ مِن إبْطالِ الضَّلالاتِ، ولِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِقَوْلِهِ ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾، لِيَكُونَ الِانْتِهاءُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾، فَهو نَظِيرُ التَّعْرِيضِ الَّذِي بَيَّنْتُهُ في قَوْلِهِ: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ الآيَةَ. والَّذِي دَلَّ عَلى هَذا الرَّمْزِ افْتِتاحُ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ إلَخْ. وإخْراجُ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ كَخُرُوجِ الحَيَوانِ مِنَ المُضْغَةِ، ومِن مُحِّ البَيْضَةِ، وإخْراجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ في عَكْسِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وسَيَجِيءُ زِيادَةُ بَيانٍ لِهَذا عِنْدَ قَوْلِهِ: صفحة ٢١٥ ﴿ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ [يونس: ٣١] في سُورَةِ يُونُسَ. وهَذا رَمْزٌ إلى ظُهُورِ الهُدى والمُلْكِ في أُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ، وظُهُورِ ضَلالِ الكُفْرِ في أهْلِ الكِتابَيْنِ، وزَوالِ المُلْكِ مِن خَلْفِهِمْ بَعْدَ أنْ كانَ شِعارَ أسْلافِهِمْ، بِقَرِينَةِ افْتِتاحِ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ إلَخْ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ: المَيِّتِ بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ: بِسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ. وهُما وجْهانِ في لَفْظِ المَيِّتِ. وقَوْلُهُ: ﴿وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ هو كالتَّذْيِيلِ لِذَلِكَ كُلِّهِ. والرِّزْقُ ما يَنْتَفِعُ بِهِ الإنْسانُ فَيُطْلَقُ عَلى الطَّعامِ والثِّمارِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧] وقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ﴾ [الكهف: ١٩]، ويُطْلَقُ عَلى أعَمِّ مِن ذَلِكَ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ [ص: ٥١] . ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ [ص: ٥٢] ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤] وقَوْلِهِ ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [سبإ: ٢٤] ومِن ثَمَّ سُمِّيَتِ الدَّراهِمُ والدَّنانِيرُ رِزْقًا: لِأنَّ بِها يُعَوَّضُ ما هو رِزْقٌ، وفي هَذا إيماءٌ إلى بِشارَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ بِما أُخْبِئَ لَهم مِن كُنُوزِ المَمالِكِ الفارِسِيَّةِ والقَيْصَرِيَّةِ وغَيْرِها.

آل عمران 3:27

صفحة ٢١٢ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ المَقْصُودُ مِنهُ التَّعْرِيضُ بِأهْلِ الكِتابِ بِأنَّ إعْراضَهم إنَّما هو حَسَدٌ عَلى زَوالِ النُّبُوَّةِ مِنهم، وانْقِراضِ المُلْكِ مِنهم، بِتَهْدِيدِهِمْ وبِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ في أنَّهُ لا عَجَبَ أنْ تَنْتَقِلَ النُّبُوَّةُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى العَرَبِ، مَعَ الإيماءِ إلى أنَّ الشَّرِيعَةَ الإسْلامِيَّةَ شَرِيعَةٌ مُقارِنَةٌ لِلسُّلْطانِ والمُلْكِ. و”اللَّهُمَّ“ في كَلامِ العَرَبِ خاصٌّ بِنِداءِ اللَّهِ تَعالى في الدُّعاءِ، ومَعْناهُ يا اللَّهُ. ولَمّا كَثُرَ حَذْفُ حَرْفِ النِّداءِ مَعَهُ قالَ النُّحاةُ: إنَّ المِيمَ عِوَضٌ مِن حَرْفِ النِّداءِ يُرِيدُونَ أنَّ لِحاقَ المِيمِ بِاسْمِ اللَّهِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ لَمّا لَمْ يَقَعْ إلّا عِنْدَ إرادَةِ الدُّعاءِ صارَ غَنِيًّا عَنْ جَلْبِ حَرْفِ النِّداءِ اخْتِصارًا ولَيْسَ المُرادُ أنَّ المِيمَ تُفِيدُ النِّداءَ. والظّاهِرُ أنَّ المِيمَ عَلّامَةُ تَنْوِينٍ في اللُّغَةِ المَنقُولِ مِنها كَلِمَةُ ”اللَّهُمَّ“ مِن عِبْرانِيَّةٍ أوْ قَحْطانِيَّةٍ وأنَّ أصْلَها ”لاهم“ مُرادِفُ إلَهٍ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ العَرَبَ نَطَقُوا بِهِ هَكَذا في غَيْرِ النِّداءِ كَقَوْلِ الأعْشى: كَدَعْوَةٍ مِن أبِي رَباحٍ يَسْمَعُها اللَّهُمُ الكَبِيرُ وأنَّهم نَطَقُوا بِهِ كَذَلِكَ مَعَ النِّداءِ كَقَوْلِ أبِي خِراشٍ الهُذَلِيِّ: إنِّي إذا ما حَدَثٌ ألَمَّـا ∗∗∗ أقُولُ يا اللَّهُمَّ يا اللَّهُمّا وأنَّهم يَقُولُونَ يا اللَّهُ كَثِيرًا. وقالَ جُمْهُورُ النُّحاةِ: إنَّ المِيمَ عِوَضٌ عَنْ حَرْفِ النِّداءِ المَحْذُوفِ، وإنَّهُ تَعْوِيضٌ غَيْرُ قِياسِيٍّ وإنَّ ما وقَعَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ شُذُوذٌ. وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ ”اللَّهُمَّ“ مُخْتَزَلٌ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ وجُمْلَةٍ أصْلُها: ”يا اللَّهُ أُمَّ“ أيْ أقْبِلْ عَلَيْنا بِخَيْرٍ، وكُلُّ ذَلِكَ تَكَلُّفٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. صفحة ٢١٣ والمالِكُ هو: المُخْتَصُّ بِالتَّصَرُّفِ في شَيْءٍ بِجَمِيعِ ما يَتَصَرَّفُ في أمْثالِهِ مِمّا يُقْصَدُ لَهُ مِن ذَواتِها، ومَنافِعِها، وثَمَراتِها، بِما يَشاءُ. فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِالِانْفِرادِ، وهو الأكْثَرُ، وقَدْ يَكُونُ بِمُشارَكَةٍ واسِعَةٍ، أوْ ضَيِّقَةٍ. و المُلْكُ بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ اللّامِ نَوْعٌ مِنَ المِلْكِ - بِكَسْرِ المِيمِ - فالمِلْكُ بِالكَسْرِ جِنْسٌ والمُلْكُ - بِالضَّمِّ - نَوْعٌ مِنهُ وهو أعْلى أنْواعِهِ، ومَعْناهُ التَّصَرُّفُ في جَماعَةٍ عَظِيمَةٍ، أوْ أُمَّةٍ عَدِيدَةٍ تَصَرُّفَ التَّدْبِيرِ لِلشُّئُونِ، وإقامَةِ الحُقُوقِ، ورِعايَةِ المَصالِحِ، ودَفْعِ العُدْوانِ عَنْها، وتَوْجِيهِها إلى ما فِيهِ خَيْرُها، بِالرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ. وانْظُرْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٢٤٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، فَمَعْنى مالِكِ المُلْكِ أنَّهُ المُتَصَرِّفُ في نَوْعِ المُلْكِ - بِالضَّمِّ - بِما يَشاءُ، بِأنْ يُرادَ بِـ المُلْكِ هَذا النَّوْعُ. والتَّعْرِيفُ في المُلْكِ الأوَّلِ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ: أيْ كُلُّ مُلْكٍ هو في الدُّنْيا. ولَمّا كانَ المُلْكُ ماهِيَّةً مِنَ المَواهِي، كانَ مَعْنى كَوْنِ اللَّهِ مالِكَ المُلْكِ أنَّهُ المالِكُ لِتَصْرِيفِ المُلْكِ، أيْ لِإعْطائِهِ، وتَوْزِيعِهِ، وتَوْسِيعِهِ، وتَضْيِيقِهِ، فَهو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ في المَعْنى. والتَّعْرِيفُ في المُلْكَ الثّانِي والثّالِثِ لِلْجِنْسِ، دُونَ اسْتِغْراقِ أيِّ طائِفَةٍ وحِصَّةٍ مِن جِنْسِ المُلْكِ، والتَّعْوِيلُ في الفَرْقِ بَيْنَ مِقْدارِ الجِنْسِ عَلى القَرائِنِ. ولِذَلِكَ بُيِّنَتْ صِفَةُ مالِكِ المُلْكِ بِقَوْلِهِ: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ فَإنَّ إيتاءَهُ ونَزْعَهُ مَقُولٌ عَلَيْهِ بِالتَّشْكِيكِ: إيجابًا وسَلْبًا، وكَثْرَةً وقِلَّةً. والنَّزْعُ - حَقِيقَةً -: إزالَةُ الجِرْمِ مِن مَكانِهِ: كَنَزْعِ الثَّوْبِ، ونَزْعِ الماءِ مِنَ البِئْرِ، ويُسْتَعارُ لِإزالَةِ الصِّفاتِ والمَعانِي كَما قالَ تَعالى: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ [الأعراف: ٤٣]، بِتَشْبِيهِ المَعْنى المُتَمَكِّنِ بِالذّاتِ المُتَّصِلَةِ بِالمَكانِ، وتَشْبِيهِ إزالَتِهِ بِالنَّزْعِ، ومِنهُ قَوْلُهُ هُنا: تَنْزِعُ المُلْكَ أيْ تُزِيلُ وصْفَ المُلْكِ مِمَّنْ تَشاءُ. وقَوْلُهُ: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ تَمْثِيلٌ لِلتَّصَرُّفِ في الأمْرِ؛ لِأنَّ المُتَصَرِّفَ يَكُونُ أقْوى تَصَرُّفِهِ بِوَضْعِ شَيْءٍ بِيَدِهِ، ولَوْ كانَ لا يُوضَعُ في اليَدِ، قالَ عَنْتَرَةُ بْنُ الأخْرَسِ المَعْنِيُّ الطّائِيُّ: فَما بِـيَدَيْكَ خَـيْرٌ أرْتَـجِـيهِ ∗∗∗ وغَيْرُ صُدُودِكَ الخَطْبُ الكَبِيرُ وهَذا يُعَدُّ مِنَ المُتَشابِهِ لِأنَّ فِيهِ إضافَةَ اليَدِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ، ولا تَشابُهَ فِيهِ لِظُهُورِ صفحة ٢١٤ المُرادِ مِنِ اسْتِعْمالِهِ في الكَلامِ العَرَبِيِّ. والِاقْتِصارُ عَلى الخَيْرِ في تَصَرُّفِ اللَّهِ تَعالى اكْتِفاءٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ، أيْ والبَرْدَ. وكانَ الخَيْرُ مُقْتَضًى بِالذّاتِ أصالَةً والشَّرُّ مُقْتَضًى بِالعَرَضِ قالَ الجَلالُ الدِّوانِيُّ في شَرْحِ دِيباجَةِ هَياكِلِ النُّورِ: وخُصَّ الخَيْرُ هُنا لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَرَجِّي المُسْلِمِينَ الخَيْرَ مِنَ اللَّهِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ خَيْرَهم شَرٌّ لِضِدِّهِمْ كَما قِيلَ: مَصائِبُ قَوْمٍ عِنْدَ قَوْمٍ فَوائِدُ أيِ الخَيْرُ مُقْتَضى الذّاتِ والشَّرُّ مَقْضِيٌّ بِالعَرَضِ وصادِرٌ بِالتَّبَعِ لِما أنَّ بَعْضَ ما يَتَضَمَّنُ خَيْراتٍ كَثِيرَةً هو مُسْتَلْزِمٌ لِشَرٍّ قَلِيلٍ، فَلَوْ تُرِكَتْ تِلْكَ الخَيْراتُ الكَثِيرَةُ لِذَلِكَ الشَّرِّ القَلِيلِ، لَصارَ تَرْكُها شَرًّا كَثِيرًا، فَلَمّا صَدَرَ ذَلِكَ الخَيْرُ لَزِمَهُ حُصُولُ ذَلِكَ الشَّرِّ. وحَقِيقَةُ ”تُولِجُ“ تُدْخِلُ وهو هُنا اسْتِعارَةٌ لِتَعاقُبِ ضَوْءِ النَّهارِ وظُلْمَةِ اللَّيْلِ، فَكَأنَّ أحَدَهُما يَدْخُلُ في الآخَرِ، ولِازْدِيادِ مُدَّةِ النَّهارِ عَلى مُدَّةِ اللَّيْلِ وعَكْسِهِ في الأيّامِ والفُصُولِ عَدا أيّامِ الِاعْتِدالِ وهي في الحَقِيقَةِ لَحَظاتٌ قَلِيلَةٌ، ثُمَّ يَزِيدُ أحَدُهُما لَكِنَّ الزِّيادَةَ لا تُدْرَكُ في أوَّلِها فَلا يَعْرِفُها إلّا العُلَماءُ، وفي الظّاهِرِ هي يَوْمانِ في كُلِّ نِصْفِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ، قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: كانَ بَعْضُهم يَقُولُ: القُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلى ألْفاظٍ يَفْهَمُها العَوامُّ، وألْفاظٍ يَفْهَمُها الخَواصُّ، وما يَفْهَمُهُ الفَرِيقانِ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ؛ فَإنَّ الإيلاجَ يَشْمَلُ الأيّامَ الَّتِي لا يَفْهَمُها إلّا الخَواصُّ، والفُصُولَ الَّتِي يُدْرِكُها سائِرُ العَوامِّ. وفِي هَذا رَمْزٌ إلى ما حَدَثَ في العالَمِ مِن ظُلُماتِ الجَهالَةِ والإشْراكِ، بَعْدَ أنْ كانَ النّاسُ عَلى دِينٍ صَحِيحٍ كَدِينِ مُوسى، وإلى ما حَدَثَ بِظُهُورِ الإسْلامِ مِن إبْطالِ الضَّلالاتِ، ولِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِقَوْلِهِ ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾، لِيَكُونَ الِانْتِهاءُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾، فَهو نَظِيرُ التَّعْرِيضِ الَّذِي بَيَّنْتُهُ في قَوْلِهِ: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ الآيَةَ. والَّذِي دَلَّ عَلى هَذا الرَّمْزِ افْتِتاحُ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ إلَخْ. وإخْراجُ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ كَخُرُوجِ الحَيَوانِ مِنَ المُضْغَةِ، ومِن مُحِّ البَيْضَةِ، وإخْراجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ في عَكْسِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وسَيَجِيءُ زِيادَةُ بَيانٍ لِهَذا عِنْدَ قَوْلِهِ: صفحة ٢١٥ ﴿ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ [يونس: ٣١] في سُورَةِ يُونُسَ. وهَذا رَمْزٌ إلى ظُهُورِ الهُدى والمُلْكِ في أُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ، وظُهُورِ ضَلالِ الكُفْرِ في أهْلِ الكِتابَيْنِ، وزَوالِ المُلْكِ مِن خَلْفِهِمْ بَعْدَ أنْ كانَ شِعارَ أسْلافِهِمْ، بِقَرِينَةِ افْتِتاحِ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ إلَخْ. وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ: المَيِّتِ بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ: بِسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ. وهُما وجْهانِ في لَفْظِ المَيِّتِ. وقَوْلُهُ: ﴿وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ هو كالتَّذْيِيلِ لِذَلِكَ كُلِّهِ. والرِّزْقُ ما يَنْتَفِعُ بِهِ الإنْسانُ فَيُطْلَقُ عَلى الطَّعامِ والثِّمارِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧] وقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ﴾ [الكهف: ١٩]، ويُطْلَقُ عَلى أعَمِّ مِن ذَلِكَ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ [ص: ٥١] . ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾ [ص: ٥٢] ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤] وقَوْلِهِ ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [سبإ: ٢٤] ومِن ثَمَّ سُمِّيَتِ الدَّراهِمُ والدَّنانِيرُ رِزْقًا: لِأنَّ بِها يُعَوَّضُ ما هو رِزْقٌ، وفي هَذا إيماءٌ إلى بِشارَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ بِما أُخْبِئَ لَهم مِن كُنُوزِ المَمالِكِ الفارِسِيَّةِ والقَيْصَرِيَّةِ وغَيْرِها.

آل عمران 3:28

﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ اسْتِئْنافٌ عُقِّبَ بِهِ الآيُ المُتَقَدِّمَةُ، المُتَضَمِّنَةُ عَداءَ المُشْرِكِينَ لِلْإسْلامِ وأهْلِهِ، وحَسَدَ اليَهُودِ لَهم، وتَوَلِّيَهم عَنْهُ: مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠] إلى هُنا. فالمُناسَبَةُ أنَّ هَذِهِ كالنَّتِيجَةِ لِما تَقَدَّمَها: نَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ ما بَيَّنَ لَهم بَغْيَ المُخالِفِينَ وإعْراضَهم - أنْ يَتَّخِذُوا الكُفّارَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ اتِّخاذَهم أوْلِياءَ - بَعْدَ أنْ سَفَّهَ الآخَرُونَ دِينَهم وسَفَّهُوا أحْلامَهم في اتِّباعِهِ - يُعَدُّ ضَعْفًا في الدِّينِ وتَصْوِيبًا لِلْمُعْتَدِينَ. صفحة ٢١٦ وشاعَ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ إطْلاقُ وصْفِ الكُفْرِ عَلى الشِّرْكِ، والكافِرِينَ والَّذِينَ كَفَرُوا عَلى المُشْرِكِينَ، ولَعَلَّ تَعْلِيقَ النَّهْيِ عَنِ الِاتِّخاذِ بِالكافِرِينَ بِهَذا المَعْنى هُنا لِأنَّ المُشْرِكِينَ هُمُ الَّذِينَ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُهاجِرِينَ صِلاتٌ، وأنْسابٌ، ومَوَدّاتٌ، ومُخالَطاتٌ مالِيَّةٌ، فَكانُوا بِمَظِنَّةِ المُوالاةِ مَعَ بَعْضِهِمْ. وقَدْ عَلِمَ كُلُّ سامِعٍ أنَّ مَن يُشابِهُ المُشْرِكِينَ في مَوْقِفِهِ تُجاهَ الإسْلامِ يَكُونُ تَوَلِّي المُؤْمِنِينَ إيّاهُ كَتَوَلِّيهِمُ المُشْرِكِينَ. وقَدْ يَكُونُ المُرادُ بِالكافِرِينَ جَمِيعَ المُخالِفِينَ في الدِّينِ: مِثْلَ المُرادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [آل عمران: ١٩]، فَلِذَلِكَ كُلِّهِ قِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ وكانَ مِن أفاضِلِ المُهاجِرِينَ وخُلَّصِ المُؤْمِنِينَ، إلّا أنَّهُ تَأوَّلَ فَكَتَبَ كِتابًا إلى قُرَيْشٍ يُعْلِمُهم بِتَجَهُّزِ النَّبِيءِ ﷺ لِفَتْحِ مَكَّةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أسْماءَ ابْنَةِ أبِي بَكْرٍ لَمّا اسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في بِرِّ والِدَتِها وصِلَتِها، أيْ قَبْلَ أنْ تَجِيءَ أُمُّها إلى المَدِينَةِ راغِبَةً؛ فَإنَّهُ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لَها: «صِلِي أُمَّكِ» . وقِيلَ: نَزَلَتْ في فَرِيقٍ مِنَ الأنْصارِ كانُوا مُتَوَلِّينَ لِكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وأبِي رافِعِ ابْنِ أبِي الحُقَيْقِ، وهُما يَهُودِيّانِ بِيَثْرِبَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ وهم مِمَّنْ يَتَوَلّى اليَهُودَ؛ إذْ هم كُفّارُ جِهَتِهِمْ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ وكانَ لَهُ حِلْفٌ مَعَ اليَهُودِ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ الأحْزابِ «قالَ عُبادَةُ لِلنَّبِيءِ ﷺ: إنَّ مَعِي خَمْسَمائَةِ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ، وقَدْ رَأيْتُ أنْ يَخْرُجُوا مَعِي فَأسْتَظْهِرَ بِهِمْ عَلى العَدُوِّ» . وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ لَمّا أخَذَهُ المُشْرِكُونَ فَعَذَّبُوهُ عَذابًا شَدِيدًا، فَقالَ ما أرادُوهُ مِنهُ، فَكَفُّوا عَنْهُ، فَشَكا ذَلِكَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ لَهُ: «كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ، قالَ: مُطَمْئِنًّا بِالإيمانِ، فَقالَ: فَإنْ عادُوا فَعُدْ» . وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ ”مِن“ لِتَأْكِيدِ الظَّرْفِيَّةِ. والمَعْنى: مُباعِدِينَ المُؤْمِنِينَ أيْ في الوَلايَةِ، وهو تَقْيِيدٌ لِلنَّهْيِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، فَيَكُونُ المَنهِيُّ عَنْهُ اتِّخاذَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ دُونَ المُؤْمِنِينَ، أيْ ولايَةَ المُؤْمِنِ الكُفّارَ الَّتِي تُنافِي ولايَتَهُ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ عِنْدَما يَكُونُ في تَوَلِّي الكافِرِينَ إضْرارٌ بِالمُؤْمِنِينَ، وأصْلُ القُيُودِ أنْ تَكُونَ لِلِاحْتِرازِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ لِأنَّهُ نَفْيٌ لِوُصْلَةِ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ بِجانِبِ اللَّهِ تَعالى في جَمِيعِ الأحْوالِ، والعَرَبُ (تَقُولُ أنْتَ صفحة ٢١٧ مِنِّي وأنا مِنكَ) في مَعْنى شِدَّةِ الِاتِّصالِ حَتّى كَأنَّ أحَدَهُما جُزْءٌ مِنَ الآخَرِ، أوْ مُبْتَدَأٌ مِنهُ، ويَقُولُونَ في الِانْفِصالِ والقَطِيعَةِ: لَسْتَ مِنِّي ولَسْتُ مِنكَ؛ قالَ النّابِغَةُ: فَإنِّي لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي فَقَوْلُهُ: في شَيْءٍ تَصْرِيحٌ بِعُمُومِ النَّفْيِ في جَمِيعِ الأحْوالِ لِرَفْعِ احْتِمالِ تَأْوِيلِ نَفْيِ الِاتِّصالِ بِأغْلَبِ الأحْوالِ فالمَعْنى أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ مَقْطُوعٌ عَنِ الِانْتِماءِ إلى اللَّهِ، وهَذا يُنادِي عَلى أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ هُنا ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ الكُفْرِ، وهو الحالُ الَّتِي كانَ عَلَيْها المُنافِقُونَ، وكانُوا يَظُنُّونَ تَرْوِيجَها عَلى المُؤْمِنِينَ، فَفَضَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ولِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّها نَظِيرُ الآيَةِ الأُخْرى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٤٤] ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرَكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] . وقِيلَ: لا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّ آياتٍ كَثِيرَةً دَلَّتْ عَلى النَّهْيِ عَنْ ولايَةِ الكافِرِينَ مُطْلَقًا: كَقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١] وقَوْلِهِ: (﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُؤًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم والكُفّارَ أوْلِياءَ﴾ [المائدة: ٥٧]) وإلى هَذا الوَجْهِ مالَ الفَخْرُ. واسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ”ذَلِكَ“ بِمَعْنى ذَلِكَ المَذْكُورِ، وهو مَضْمُونُ قَوْلِهِ: أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ. والآيَةُ نَهْيٌ عَنْ مُوالاةِ الكافِرِينَ دُونَ المُؤْمِنِينَ بِاعْتِبارِ القَيْدِ أوْ مُطْلَقًا، والمُوالاةُ تَكُونُ بِالظّاهِرِ والباطِنِ وبِالظّاهِرِ فَقَطْ، وتَعْتَوِرُها أحْوالٌ تَتْبَعُها أحْكامٌ، وقَدِ اسْتَخْلَصْتُ مِن ذَلِكَ ثَمانِيَةَ أحْوالٍ: الحالَةُ الأُولى: أنْ يَتَّخِذَ المُسْلِمُ جَماعَةَ الكُفْرِ أوْ طائِفَتَهُ، أوْلِياءَ لَهُ في باطِنِ أمْرِهِ، مَيْلًا إلى كُفْرِهِمْ، ونِواءً لِأهْلِ الإسْلامِ، وهَذِهِ الحالَةُ كُفْرٌ، وهي حالُ المُنافِقِينَ، وفي حَدِيثِ عِتْبانَ بْنِ مالِكٍ: «أنَّ قائِلًا قالَ في مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: (أيْنَ مالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ) فَقالَ آخَرُ: ذَلِكَ مُنافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ. فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ: لا تَقُلْ ذَلِكَ أما سَمِعْتَهُ يَقُولُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ ؟ فَقالَ القائِلُ صفحة ٢١٨ اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ فَإنّا نَرى وجْهَهُ ونَصِيحَتَهُ إلى المُنافِقِينَ» . فَجَعَلَ هَذا الرَّجُلُ الِانْحِيازَ إلى المُنافِقِينَ عَلامَةً عَلى النِّفاقِ لَوْلا شَهادَةُ الرَّسُولِ لِمالِكٍ بِالإيمانِ، أيْ في قَلْبِهِ مَعَ إظْهارِهِ بِشَهادَةِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. الحالَةُ الثّانِيَةُ: الرُّكُونُ إلى طَوائِفِ الكُفْرِ ومُظاهَرَتُهم لِأجْلِ قَرابَةٍ ومَحَبَّةٍ دُونَ المَيْلِ إلى دِينِهِمْ، في وقْتٍ يَكُونُ فِيهِ الكُفّارُ مُتَجاهِرِينَ بِعَداوَةِ المُسْلِمِينَ، والِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ وأذاهم كَما كانَ مُعْظَمُ أحْوالِ الكُفّارِ، عِنْدَ ظُهُورِ الإسْلامِ مَعَ عَدَمِ الِانْقِطاعِ عَنْ مَوَدَّةِ المُسْلِمِينَ، وهَذِهِ حالَةٌ لا تُوجِبُ كُفْرَ صاحِبِها، إلّا أنَّ ارْتِكابَها إثْمٌ عَظِيمٌ، لِأنَّ صاحِبَها يُوشِكُ أنْ يُوالِيَهم عَلى مَضَرَّةِ الإسْلامِ، عَلى أنَّهُ مِنَ الواجِبِ إظْهارُ الحَمِيَّةِ لِلْإسْلامِ، والغَيْرَةِ عَلَيْهِ، كَما قالَ العَتّابِيُّ: تَوَدُّ عَدُوِّي ثُمَّ تَـزْعُـمُ أنَّـنِـي ∗∗∗ صَدِيقُكَ إنَّ الرَّأْيَ عَنْكَ لَعازِبُ وفِي مِثْلِها نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُؤًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم والكُفّارَ أوْلِياءَ﴾ [المائدة: ٥٧]) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كانَتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ، وفي مِثْلِ ذَلِكَ ورَدَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكُمْ﴾ [الممتحنة: ٩] الآيَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ [آل عمران: ١١٨] الآيَةَ، نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ اليَهُودِ، جِوارٌ وحِلْفٌ في الجاهِلِيَّةِ، فَدامُوا عَلَيْهِ في الإسْلامِ فَكانُوا يَأْنَسُونَ بِهِمْ ويَسْتَنِيمُونَ إلَيْهِمْ، ومِنهم أصْحابُ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وأبِي رافِعِ بْنِ أبِي الحُقَيْقِ، وكانا يُؤْذِيانِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . الحالَةُ الثّالِثَةُ: كَذَلِكَ، بِدُونِ أنْ يَكُونَ طَوائِفُ الكُفّارِ مُتَجاهِرِينَ بِبُغْضِ المُسْلِمِينَ ولا بِأذاهم، كَما كانَ نَصارى العَرَبِ عِنْدَ ظُهُورِ الإسْلامِ، قالَ تَعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ [المائدة: ٨٢] وكَذَلِكَ كانَ حالُ الحَبَشَةِ فَإنَّهم حَمَوُا المُؤْمِنِينَ، وآوَوْهم، قالَ الفَخْرُ: وهَذِهِ واسِطَةٌ، وهي لا تُوجِبُ الكُفْرَ، إلّا أنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ، إذْ قَدْ يَجُرُّ إلى اسْتِحْسانِ ما هم عَلَيْهِ وانْطِلاءِ مَكائِدِهِمْ عَلى المُسْلِمِينَ. الحالَةُ الرّابِعَةُ: مُوالاةُ طائِفَةٍ مِنَ الكُفّارِ لِأجْلِ الإضْرارِ بِطائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ مِثْلَ الِانْتِصارِ بِالكُفّارِ عَلى جَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، وهَذِهِ الحالَةُ أحْكامُها مُتَفاوِتَةٌ، فَقَدْ قالَ صفحة ٢١٩ مالِكٌ في الجاسُوسِ يَتَجَسَّسُ لِلْكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ: إنَّهُ يُوكَلُ إلى اجْتِهادِ الإمامِ، وهو الصَّوابُ؛ لِأنَّ التَّجَسُّسَ يَخْتَلِفُ المَقْصِدُ مِنهُ إذْ قَدْ يَفْعَلُهُ المُسْلِمُ غُرُورًا، ويَفْعَلُهُ طَمَعًا، وقَدْ يَكُونُ عَلى سَبِيلِ الفَلْتَةِ، وقَدْ يَكُونُ لَهُ دَأْبًا وعادَةً، وقالَ ابْنُ القاسِمِ: ذَلِكَ زَنْدَقَةٌ لا تَوْبَةَ فِيهِ، أيْ لا يُسْتَتابُ ويُقْتَلُ كالزِّنْدِيقِ، وهو الَّذِي يُظْهِرُ الإسْلامَ ويُسِرُّ الكُفْرَ، إذا اطُّلِعَ عَلَيْهِ، وقالَ ابْنُ وهْبٍ: رِدَّةٌ ويُسْتَتابُ، وهُما قَوْلانِ ضَعِيفانِ مِن جِهَةِ النَّظَرِ. وقَدِ اسْتَعانَ المُعْتَمِدُ ابْنُ عَبّادٍ صاحِبُ إشْبِيلِيَةَ بِالجَلالِقَةِ عَلى المُرابِطِينَ اللَّمْتُونِيِّينَ، فَيُقالُ: إنَّ فُقَهاءَ الأنْدَلُسِ أفْتَوْا أمِيرَ المُسْلِمِينَ عَلِيَّ بْنَ يُوسُفَ بْنِ تاشَفِينَ، بِكُفْرِ ابْنِ عَبّادٍ، فَكانَتْ سَبَبَ اعْتِقالِهِ ولَمْ يَقْتُلْهُ ولَمْ يُنْقَلْ أنَّهُ اسْتَتابَهُ. الحالَةُ الخامِسَةُ: أنْ يَتَّخِذَ المُؤْمِنُونَ طائِفَةً مِنَ الكُفّارِ أوْلِياءَ لِنَصْرِ المُسْلِمِينَ عَلى أعْدائِهِمْ، في حِينِ إظْهارِ أُولَئِكَ الكُفّارِ مَحَبَّةَ المُسْلِمِينَ وعَرْضِهِمُ النُّصْرَةَ لَهم، وهَذِهِ قَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في حُكْمِها: فَفي المُدَوَّنَةِ قالَ ابْنُ القاسِمِ: لا يُسْتَعانُ بِالمُشْرِكِينَ في القِتالِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكافِرٍ تَبِعَهُ يَوْمَ خُرُوجِهِ إلى بَدْرٍ «ارْجِعْ فَلَنْ أسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ» ورَوى أبُو الفَرَجِ، وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ: أنَّ مالِكًا قالَ: لا بَأْسَ بِالِاسْتِعانَةِ بِهِمْ عِنْدَ الحاجَةِ، قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: وحَدِيثُ لَنْ أسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ مُخْتَلَفٌ في سَنَدِهِ، وقالَ جَماعَةٌ: هو مَنسُوخٌ، قالَ عِياضٌ: حَمَلَهُ بَعْضُ عُلَمائِنا عَلى أنَّهُ كانَ في وقْتٍ خاصٍّ واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِغَزْوِ صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ في حُنَيْنٍ، وفي غَزْوَةِ الطّائِفِ، وهو يَوْمَئِذٍ غَيْرُ مُسْلِمٍ، واحْتَجُّوا أيْضًا بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمّا بَلَغَهُ أنَّ أبا سُفْيانَ يَجْمَعُ الجُمُوعَ لِيَوْمِ أُحُدٍ قالَ لِبَنِي النَّضِيرِ مِنَ اليَهُودِ «إنّا وأنْتُمْ أهْلُ كِتابٍ وإنَّ لِأهْلِ الكِتابِ عَلى أهْلِ الكِتابِ النَّصْرَ، فَإمّا قاتَلْتُمْ مَعَنا، وإلّا أعَرْتُمُونا السِّلاحَ» وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، واللَّيْثُ، والأوْزاعِيُّ، ومِن أصْحابِنا مَن قالَ: لا نَطْلُبُ مِنهُمُ المَعُونَةَ، وإذا اسْتَأْذَنُونا لا نَأْذَنُ لَهم: لِأنَّ الإذْنَ كالطَّلَبِ، ولَكِنْ إذا خَرَجُوا مَعَنا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ لَمْ نَمْنَعْهم، ورامَ بِهَذا الوَجْهِ التَّوْفِيقَ بَيْنَ قَوْلِ ابْنِ القاسِمِ ورِوايَةِ أبِي الفَرَجِ، قالَهُ ابْنُ رُشْدٍ في البَيانِ مِن كِتابِ الجِهادِ، ونَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنِ الطَّحاوِيِّ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ: أنَّهُ أجازَ الِاسْتِعانَةَ بِأهْلِ الكِتابِ دُونَ المُشْرِكِينَ، قالَ ابْنُ رُشْدٍ: وهَذا لا وجْهَ لَهُ، وعَنْ أصْبَغَ المَنعُ مُطْلَقًا بِلا تَأْوِيلٍ. صفحة ٢٢٠ الحالَةُ السّادِسَةُ: أنْ يَتَّخِذَ واحِدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ واحِدًا مِنَ الكافِرِينَ بِعَيْنِهِ ولِيًّا لَهُ، في حُسْنِ المُعاشَرَةِ أوْ لِقَرابَةٍ، لِكَمالٍ فِيهِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ إضْرارٌ بِالمُسْلِمِينَ، وذَلِكَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ، فَقَدْ قالَ تَعالى في الأبَوَيْنِ: ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] واسْتَأْذَنَتْ أسْماءُ النَّبِيءَ ﷺ في بِرِّ والِدَتِها وصِلَتِها، وهي كافِرَةٌ، فَقالَ لَها: «صِلِي أُمَّكِ» وفي هَذا المَعْنى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨] قِيلَ نَزَلَتْ في والِدَةِ أسْماءَ، وقِيلَ في طَوائِفَ مِن مُشْرِكِي مَكَّةَ: وهم كِنانَةُ، وخُزاعَةُ، ومُزَيْنَةُ، وبَنُو الحارْثِ بْنِ كَعْبٍ، كانُوا يَوَدُّونَ انْتِصارَ المُسْلِمِينَ عَلى أهْلِ مَكَّةَ. وعَنْ مالِكٍ تَجُوزُ تَعْزِيَةُ الكافِرِ بِمَن يَمُوتُ لَهُ. وكانَ النَّبِيءُ ﷺ يَرْتاحُ لِلْأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، لِما يُبْدِيهِ مِن مَحَبَّةِ النَّبِيءِ، والتَّرَدُّدِ عَلَيْهِ، وقَدْ نَفَعَهم يَوْمَ الطّائِفِ إذْ صَرَفَ بَنِي زُهْرَةَ، وكانُوا ثَلاثَمِائَةِ فارِسٍ، عَنْ قِتالِ المُسْلِمِينَ، وخَنَسَ بِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٢٠٤] الآيَةَ. الحالَةُ السّابِعَةُ: حالَةُ المُعامَلاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ: كالتِّجاراتِ، والعُهُودِ، والمُصالَحاتِ، أحْكامُها مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلافِ الأحْوالِ وتَفاصِيلُها في الفِقْهِ. الحالَةُ الثّامِنَةُ: حالَةُ إظْهارِ المُوالاةِ لَهم لِاتِّقاءِ الضُّرِّ وهَذِهِ هي المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ . والِاسْتِثْناءُ في ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا﴾ مُنْقَطِعٌ ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ؛ لِأنَّ الِاتِّقاءَ لَيْسَ مِمّا تَضَمَّنَهُ اسْمُ الإشارَةِ، لَكِنَّهُ أشْبَهَ الوَلايَةَ في المُعامَلَةِ. والِاتِّقاءُ: تَجَنُّبُ المَكْرُوهِ، وتَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ ”مِن“ إمّا لِأنَّ الِاتِّقاءَ تَسَتُّرٌ فَعُدِّيَ بِـ ”مِن“ كَما يُعَدّى فِعْلُ ”تَسَتَّرَ“، وإمّا لِتَضْمِينِهِ مَعْنى تَخافُوا. وتُقاةً قَرَأهُ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ وفَتْحِ القافِ بَعْدَها ألِفٌ، وهو اسْمُ مَصْدَرِ الِاتِّقاءِ، وأصْلُهُ ”وُقْيَةٌ“ فَحُذِفَتِ الواوُ الَّتِي هي فاءُ الكَلِمَةِ تَبَعًا لِفِعْلِ ”اتَّقى“ إذْ قُلِبَتْ واوُهُ تاءً لِيَتَأتّى إدْغامُها في تاءِ الِافْتِعالِ، ثُمَّ أتْبَعُوا ذَلِكَ بِاسْمِ مَصْدَرِهِ كالتُّجاةِ صفحة ٢٢١ والتُّكْلَةِ والتُّوءَدَةِ والتُّخْمَةِ؛ إذْ لا وجْهَ لِإبْدالِ الفاءِ تاءً في مِثْلِ ”تُقاةٍ“ إلّا هَذا. وشَذَّ تُراثٌ. يَدُلُّ لِهَذا المَقْصِدِ قَوْلُ الجَوْهَرِيِّ: وقَوْلُهم تُجاهَكَ بُنِيَ عَلى قَوْلِهِمُ اتَّجَهَ لَهم رَأْيٌ. وفي اللِّسانِ في تُخْمَةٍ (لِأنَّهم تَوَهَّمُوا التّاءَ أصْلِيَّةً لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ) ويَدُلُّ لِذَلِكَ أيْضًا قَرْنُ هَذِهِ الأسْماءِ مَعَ أفْعالِها في نَحْوِ هَذِهِ الآيَةِ، ونَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ القافِ وفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ مُشَدَّدَةً بِوَزْنِ فَعِيلَةٍ. وفائِدَةُ التَّأْكِيدِ بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ هُنا: الإشارَةُ إلى تَحَقُّقِ كَوْنِ الحالَةِ حالَةَ تَقِيَّةٍ، وهَذِهِ التَّقِيَّةُ مِثْلُ الحالِ الَّتِي كانَ عَلَيْها المُسْتَضْعَفُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَجِدُوا سَبِيلًا لِلْهِجْرَةِ، قالَ تَعالى: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦] ومِثْلُ الحالَةِ الَّتِي لَقِيَها مُسْلِمُو الأنْدَلُسِ حِينَ أكْرَهَهُمُ النَّصارى عَلى الكُفْرِ فَتَظاهَرُوا بِهِ إلى أنْ تَمَكَّنَتْ طَوائِفُ مِنهم مِنَ الفِرارِ، وطَوائِفُ مِنِ اسْتِئْذانِ الكُفّارِ في الهِجْرَةِ إلى بِلادِ الإسْلامِ فَأذِنَ لَهُمُ العَدُوُّ، وكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ تَكُونَ التُّقاةُ غَيْرَ دائِمَةٍ لِأنَّها إذا طالَتْ دَخَلَ الكُفْرُ في الذَّرارِي. وقَوْلُهُ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ تَحْذِيرٌ مِنَ المُخالَفَةِ ومِنَ التَّساهُلِ في دَعْوى التَّقِيَّةِ واسْتِمْرارِها أوْ طُولِ زَمانِها. وانْتِصابُ ”نَفْسَهُ“ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، وأصْلُهُ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ مِن نَفْسِهِ وهَذا النَّزْعُ هو أصْلُ انْتِصابِ الِاسْمَيْنِ في بابِ التَّحْذِيرِ في قَوْلِهِمْ إيّاكَ الأسَدَ، وأصْلُهُ أُحَذِّرُكَ مِنَ الأسَدِ. وقَدْ جُعِلَ التَّحْذِيرُ هُنا مِن نَفْسِ اللَّهِ أيْ ذاتِهِ لِيَكُونَ أعَمَّ في الأحْوالِ، لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ غَضَبَهُ لَتُوُهِّمَ أنَّ لِلَّهِ رِضًا لا يَضُرُّ مَعَهُ تَعَمُّدُ مُخالَفَةِ أوامِرِهِ، والعَرَبُ إذا أرادَتْ تَعْمِيمَ أحْوالِ الذّاتِ عَلَّقَتِ الحُكْمَ بِالذّاتِ؛ كَقَوْلِهِمْ: لَوْلا فُلانٌ لَهَلَكَ فُلانٌ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ [الفتح: ٢٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥] ومِن هَذا القَبِيلِ تَعْلِيقُ شَرْطِ ”لَوْلا“ عَلى الوُجُودِ المُطْلَقِ الَّذِي سَوَّغَ حَذْفَ الخَبَرِ بَعْدَ ”لَوْلا“ . وسَيَجِيءُ الكَلامُ عَلى صِحَّةِ إطْلاقِ النَّفْسِ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى في سُورَةِ العُقُودِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] . وهَذا إعْذارٌ ومَوْعِظَةٌ وتَهْدِيدٌ بِالعِقابِ عَلى مُخالَفَةِ ما نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ. صفحة ٢٢٢ والمَصِيرُ: هو الرُّجُوعُ، وأُرِيدَ بِهِ البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ وقَدْ عَلِمَ مُثْبِتُو البَعْثِ أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا إلى اللَّهِ، فالتَّقْدِيمُ في قَوْلِهِ: وإلى اللَّهِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِالوَعِيدِ أكَّدَ بِهِ صَرِيحَ التَّهْدِيدِ الَّذِي قَبْلَهُ.

آل عمران 3:29

﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . انْتِقالٌ مِنَ التَّحْذِيرِ المُجْمَلِ إلى ضَرْبٍ مِن ضُرُوبِ تَفْصِيلِهِ، وهو إشْعارُ المُحَذَّرِ بِاطِّلاعِ اللَّهِ عَلى ما يُخْفُونَهُ مِنَ الأمْرِ. وذَكَرَ الصُّدُورَ هُنا والمُرادُ البَواطِنُ والضَّمائِرُ: جَرْيًا عَلى مَعْرُوفِ اللُّغَةِ مِن إضافَةِ الخَواطِرِ النَّفْسِيَّةِ إلى الصَّدْرِ والقَلْبِ، لِأنَّ الِانْفِعالاتِ النَّفْسانِيَّةَ وتَرَدُّداتِ التَّفَكُّرِ ونَوايا النُّفُوسِ كُلَّها يُشْعَرُ لَها بِحَرَكاتٍ في الصُّدُورِ. وزادَ أوْ تُبْدُوهُ فَأفادَ تَعْمِيمَ العِلْمِ تَعْلِيمًا لَهم بِسِعَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ مَقامَ إثْباتِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى يَقْتَضِي الإيضاحَ. وجُمْلَةُ ﴿ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ فَهي مَعْمُولَةٌ لِفِعْلِ ”قُلْ“ ولَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى جَوابِ الشَّرْطِ: لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ثابِتٌ مُطْلَقًا غَيْرُ مُعَلَّقٍ عَلى إخْفاءِ ما في نُفُوسِهِمْ وإبْدائِهِ، وما في الجُمْلَةِ مِنَ التَّعْمِيمِ يَجْعَلُها في قُوَّةِ التَّذْيِيلِ. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ إعْلامٌ بِأنَّهُ مَعَ العِلْمِ ذُو قُدْرَةٍ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وهَذا مِنَ التَّهْدِيدِ؛ إذِ المُهَدِّدُ لا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ تَحْقِيقِ وعِيدِهِ إلّا أحَدُ أمْرَيْنِ: الجَهْلُ بِجَرِيمَةِ المُجْرِمِ، أوِ العَجْزُ عَنْهُ، فَلَمّا أعْلَمَهم بِعُمُومِ عِلْمِهِ، وعُمُومِ قُدْرَتِهِ، عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ لا يُفْلِتُهم مِن عِقابِهِ. وإظْهارُ اسْمِ اللَّهِ دُونَ ضَمِيرِهِ فَلَمْ يَقُلْ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: لِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً فَتَجْرِي مَجْرى المَثَلِ، والجُمْلَةُ لَها مَعْنى التَّذْيِيلِ. والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ تَبَعًا لِقَوْلِهِ لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ، الآيَةَ.

آل عمران 3:30

صفحة ٢٢٣ ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ . جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، أصْلُ نَظْمِ الكَلامِ فِيها: تَوَدُّ كُلُّ نَفْسٍ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ أمَدًا بَعِيدًا يَوْمَ تَجِدُ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا. فَقُدِّمَ ظَرْفُها عَلى عامِلِهِ عَلى طَرِيقَةٍ عَرَبِيَّةٍ مَشْهُورَةِ الِاسْتِعْمالِ في أسْماءِ الزَّمانِ، إذا كانَتْ هي المَقْصُودَ مِنَ الكَلامِ، قَضاءً لِحَقِّ الإيجازِ بِنَسْجٍ بَدِيعٍ. ذَلِكَ أنَّهُ إذا كانَ اسْمُ الزَّمانِ هو الأهَمَّ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ، وكانَ مَعَ ذَلِكَ ظَرْفًا لِشَيْءٍ مِن عَلائِقِهِ، جِيءَ بِهِ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وجُعِلَ مَعْنى بَعْضِ ما يَحْصُلُ مِنهُ مَصُوغًا في صِيغَةِ فِعْلٍ عامِلٍ في ذَلِكَ الظَّرْفِ. أوْ أصْلُ الكَلامِ: يُحْضَرُ لِكُلِّ نَفْسٍ في يَوْمِ الإحْضارِ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، فَتَوَدُّ في ذَلِكَ اليَوْمِ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ أمَدًا بَعِيدًا، أيْ زَمانًا مُتَأخِّرًا وأنَّهُ لَمْ يُحْضَرْ ذَلِكَ اليَوْمَ. فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ”وبَيْنَهُ“ عَلى هَذا يَعُودُ إلى ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ، فَحُوِّلَ التَّرْكِيبُ، وجُعِلَ ”تَوَدُّ“ هو النّاصِبَ لِـ ”يَوْمَ“ لِيُسْتَغْنى بِكَوْنِهِ ظَرْفًا عَنْ كَوْنِهِ فاعِلًا. أوْ يَكُونُ أصْلُ الكَلامِ: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ ومِن شَرٍّ مُحْضَرًا، تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ذَلِكَ اليَوْمِ أمَدًا بَعِيدًا؛ لِيَكُونَ ضَمِيرُ ”بَيْنَهُ“ عائِدًا إلى ”يَوْمَ“ أيْ تَوَدُّ أنَّهُ تَأخَّرَ ولَمْ يَحْضُرْ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ﴾ [المنافقون: ١٠] وهَذا التَّحْوِيلُ مِن قَبِيلِ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ويَوْمًا عَلى ظَهْرِ الكَثِيبِ تَعَذَّرَتْ عَلَيَّ وآلَتْ حَلْفَةً لَمْ تُحَـلَّـلِ فَإنَّ مَقْصِدَهُ ما حَصَلَ في اليَوْمِ، ولَكِنَّهُ جَعَلَ الِاهْتِمامَ بِنَفْسِ اليَوْمِ، لِأنَّهُ ظَرْفُهُ. ومِنهُ ما يَجِيءُ في القُرْآنِ غَيْرَ مَرَّةٍ، ويَكْثُرُ مِثْلُ هَذا في الجُمَلِ المَفْصُولِ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ بِدُونِ عَطْفٍ لِأنَّ الظَّرْفَ والمَجْرُورَ يُشْبِهانِ الرَّوابِطَ، فالجُمْلَةُ المَفْصُولَةُ إذا صُدِّرَتْ بِواحِدٍ مِنها أكْسَبَها ذَلِكَ نَوْعَ ارْتِباطٍ بِما قَبْلَها كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ﴾ [آل عمران: ٣٥] ونَحْوِهِما، وهَذا أحْسَنُ الوُجُوهِ في نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ وأوْمَأ إلَيْهِ في الكَشّافِ. صفحة ٢٢٤ وقِيلَ مَنصُوبٌ بِـ ”اذْكُرْ“ . وقِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ المَصِيرُ وفِيهِ بُعْدٌ لِطُولِ الفَصْلِ، وقِيلَ بِقَوْلِهِ ويُحَذِّرُكم وهو بَعِيدٌ، لِأنَّ التَّحْذِيرَ حاصِلٌ مِن وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ، ولا يَحْسُنُ أنْ يُجْعَلَ عامِلَ الظَّرْفِ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ لِعَدَمِ التِئامِ الكَلامِ حَقَّ الِالتِئامِ. فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ قَوْلُهُ ”تَوَدُّ“ هو مَبْدَأُ الِاسْتِئْنافِ، وعَلى الوُجُوهِ الأُخْرى هو جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَكْرِيرًا لِلتَّحْذِيرِ الأوَّلِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِ لَبِيدٍ: فَتَنازَعا سَبَطًا يَطِيرُ ظِلالُـهُ ∗∗∗ كَدُخانِ مُشْعَلَةٍ يُشَبُّ ضِرامُها مَشْمُولَةٍ غُلِثَتْ بِنابِتٍ عَرْنَـجٍ ∗∗∗ كَدُخانِ نارٍ ساطِعٍ أسْنامُهَـا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ تَحْذِيرًا مِن مُوالاةِ الكافِرِينَ، والثّانِي تَحْذِيرًا مِن أنْ يَجِدُوا يَوْمَ القِيامَةِ ما عَمِلُوا مِن سُوءٍ مُحْضَرًا. والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِذَلِكَ سَمّى المَوْعِظَةَ تَحْذِيرًا: لِأنَّ المُحَذَّرَ لا يَكُونُ مُتَلَبِّسًا بِالوُقُوعِ في الخَطَرِ، فَإنَّ التَّحْذِيرَ تَبْعِيدٌ مِنَ الوُقُوعِ ولَيْسَ انْتِشالًا بَعْدَ الوُقُوعِ، وذَيَّلَهُ هُنا بِقَوْلِهِ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ، لِلتَّذْكِيرِ بِأنَّ هَذا التَّحْذِيرَ لِمَصْلَحَةِ المُحَذَّرِينَ. والتَّعْرِيفُ في ”العِبادِ“ لِلِاسْتِغْراقِ: لِأنَّ رَأْفَةَ اللَّهِ شامِلَةٌ لِكُلِّ النّاسِ مُسْلِمِهِمْ وكافِرِهِمْ ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]، ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ [الشورى: ١٩] وما وعِيدُهم إلّا لِجَلْبِ صَلاحِهِمْ، وما تَنْفِيذُهُ بَعْدَ فَواتِ المَقْصُودِ مِنهُ إلّا لِصِدْقِ كَلِماتِهِ، وانْتِظامِ حِكْمَتِهِ سُبْحانَهُ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ”ألْ“ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ بِعِبادِهِ فَيَكُونَ بِشارَةً لِلْمُؤْمِنِينَ.

آل عمران 3:31

﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . انْتِقالٌ إلى التَّرْغِيبِ بَعْدَ التَّرْهِيبِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ. والمُناسَبَةُ أنَّ التَّرْهِيبَ المُتَقَدِّمَ خُتِمَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] والرَّأْفَةُ تَسْتَلْزِمُ مَحَبَّةَ المَرْءُوفِ بِهِ الرَّءُوفَ، فَجَعْلُ صفحة ٢٢٥ مَحَبَّةِ اللَّهِ فِعْلًا لِلشَّرْطِ في مَقامِ تَعْلِيقِ الأمْرِ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ - مَبْنِيٌّ عَلى كَوْنِ الرَّأْفَةِ تَسْتَلْزِمُ المَحَبَّةَ، أوْ هو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ أمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ مِن جانِبِ المُخاطَبِينَ، فالتَّعْلِيقُ عَلَيْهِ تَعْلِيقُ شَرْطٍ مُحَقَّقٍ، ثُمَّ رُتِّبَ عَلى الجَزاءِ مَشْرُوطٌ آخَرُ وهو قَوْلُهُ: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ لِكَوْنِهِ أيْضًا مَقْطُوعَ الرَّغْبَةِ مِنَ المُخاطَبِينَ، لِأنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمُؤْمِنُ غايَةُ قَصْدِهِ تَحْصِيلُ رِضا اللَّهِ عَنْهُ ومَحَبَّتِهِ إيّاهُ. والمَحَبَّةُ: انْفِعالٌ نَفْسانِيٌّ يَنْشَأُ عِنْدَ الشُّعُورِ بِحُسْنِ شَيْءٍ: مِن صِفاتٍ ذاتِيَّةٍ، أوْ إحْسانٍ، أوِ اعْتِقادٍ أنَّهُ يُحِبُّ المُسْتَحْسِنَ ويَجُرُّ إلَيْهِ الخَيْرَ. فَإذا حَصَلَ ذَلِكَ الِانْفِعالُ عَقَبَهُ مَيْلٌ وانْجِذابٌ إلى الشَّيْءِ المَشْعُورِ بِمَحاسِنِهِ، فَيَكُونُ المُنْفَعِلُ مُحِبًّا، ويَكُونُ المَشْعُورُ بِمَحاسِنِهِ مَحْبُوبًا، وتُعَدُّ الصِّفاتُ الَّتِي أوْجَبَتْ هَذا الِانْفِعالَ جَمالًا عِنْدَ المُحِبِّ، فَإذا قَوِيَ هَذا الِانْفِعالُ صارَ تَهَيُّجًا نَفْسانِيًّا، فَسُمِّيَ عِشْقًا لِلذَّواتِ، وافْتِنانًا بِغَيْرِها. والشُّعُورُ بِالحُسْنِ المُوجِبُ لِلْمَحَبَّةِ يُسْتَمَدُّ مِنَ الحَواسِّ في إدْراكِ المَحاسِنِ الذّاتِيَّةِ المَعْرُوفَةِ بِالجَمالِ، ويُسْتَمَدُّ أيْضًا مِنَ التَّفَكُّرِ في الكَمالاتِ المُسْتَدَلِّ عَلَيْها بِالعَقْلِ وهي المَدْعُوَّةُ بِالفَضِيلَةِ، ولِذَلِكَ يُحِبُّ المُؤْمِنُونَ اللَّهَ تَعالى، ويُحِبُّونَ النَّبِيءَ ﷺ تَعْظِيمًا لِلْكِمالاتِ، واعْتِقادًا بِأنَّهُما يَدْعُوانِهِمْ إلى الخَيْرِ، ويُحِبُّ النّاسُ أهْلَ الفَضْلِ الأوَّلِينَ كالأنْبِياءِ والحُكَماءِ والفاضِلِينَ، ويُحِبُّونَ سُعاةَ الخَيْرِ مِنَ الحاضِرِينَ وهم لَمْ يَلْقَوْهم ولا رَأوْهم. ويَرْجِعُ الجَمالُ والفَضِيلَةُ إلى إدْراكِ النَّفْسِ ما يُلائِمُها: مِنَ الأشْكالِ، والأنْغامِ، والمَحْسُوساتِ، والخِلالِ. وهَذِهِ المُلاءَمَةُ تَكُونُ حِسِّيَّةً لِأجْلِ مُناسَبَةِ الطَّبْعِ كَمُلاءَمَةِ البُرُودَةِ في الصَّيْفِ، والحَرِّ في الشِّتاءِ، ومُلاءَمَةِ اللَّيِّنِ لِسَلِيمِ الجِلْدِ، والخَشِنِ لِمَن بِهِ داعِي حَكَّةٍ، أوْ إلى حُصُولِ مَنافِعَ كَمُلاءَمَةِ الإحْسانِ والإغاثَةِ. وتَكُونُ فِكْرِيَّةً لِأجْلِ غاياتٍ نافِعَةٍ كَمُلاءَمَةِ الدَّواءِ لِلْمَرِيضِ، والتَّعَبِ لِجانِي الثَّمَرَةِ، والسَّهَرِ لِلْمُتَفَكِّرِ في العِلْمِ، وتَكُونُ لِأجْلِ الإلْفِ، وتَكُونُ لِأجْلِ الِاعْتِقادِ المَحْضِ، كَتَلَقِّي النّاسِ أنَّ العِلْمَ فَضِيلَةٌ، ويَدْخُلُ في هَذَيْنِ مَحَبَّةُ الأقْوامِ عَوائِدَهم مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ في صَلاحِها، وقَدْ تَكُونُ مَجْهُولَةَ السَّبَبِ كَمُلاءَمَةِ الأشْكالِ المُنْتَظِمَةِ لِلنُّفُوسِ ومُلاءَمَةِ الألْوانِ اللَّطِيفَةِ. صفحة ٢٢٦ وفِي جَمِيعِ ذَلِكَ تَسْتَطِيعُ أنْ تَزِيدَ اتِّضاحًا بِأضْدادِها كالأشْكالِ الفاسِدَةِ، والأصْواتِ المُنْكَرَةِ، والألْوانِ الكَرِيهَةِ، دائِمًا، أوْ في بَعْضِ الأحْوالِ، كاللَّوْنِ الأحْمَرِ يَراهُ المَحْمُومُ. ولَمْ يَسْتَطِعِ الفَلاسِفَةُ تَوْضِيحَ عِلَّةِ مُلاءَمَةِ بَعْضِ ما يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالجَمالِ لِلنُّفُوسِ: كَكَوْنِ الذّاتِ جَمِيلَةً أوْ قَبِيحَةَ الشَّكْلِ، وكَوْنِ المُرَبَّعِ أوِ الدّائِرَةِ حَسَنًا لَدى النَّفْسِ، والشَّكْلِ المُخْتَلِّ قَبِيحًا، ومَعَ الِاعْتِرافِ بِاخْتِلافِ النّاسِ في بَعْضِ ما يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالجَمالِ والقُبْحِ كَما قالَ أبُو الطَّيِّبِ: ضُرُوبُ النّاسِ عُشّاقٌ ضُرُوبا وأنَّ بَعْضَ النّاسِ يَسْتَجِيدُ مِنَ المَلابِسِ ما لا يَرْضى بِهِ الآخَرُ ويَسْتَحْسِنُ مِنَ الألْوانِ ما يَسْتَقْبِحُهُ الآخَرُ، ومَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ فالمُشاهَدُ أنَّ مُعْظَمَ الأحْوالِ لا يَخْتَلِفُ فِيها النّاسُ السّالِمُو الأذْواقِ. فَأمّا المُتَقَدِّمُونَ فَقالَ سُقْراطُ: سَبَبُ الجَمالِ حُبُّ النَّفْعِ، وقالَ أفْلاطُونُ: (الجَمالُ أمْرٌ إلَهِيٌّ أزَلِيٌّ مَوْجُودٌ في عالَمِ العَقْلِ غَيْرُ قابِلٍ لِلتَّغَيُّرِ قَدْ تَمَتَّعَتِ الأرْواحُ بِهِ قَبْلَ هُبُوطِها إلى الأجْسامِ فَلَمّا نَزَلَتْ إلى الأجْسامِ صارَتْ مَهْما رَأتْ شَيْئًا عَلى مِثالِ ما عَهِدَتْهُ في العَوالِمِ العَقْلِيَّةِ وهي عالَمُ المِثالِ مالَتْ إلَيْهِ لِأنَّهُ مَأْلُوفُها مِن قَبْلِ هُبُوطِها) . وذَهَبَ الطَّبائِعِيُّونَ: إلى أنَّ الجَمالَ شَيْءٌ يَنْشَأُ عِنْدَنا عَنِ الإحْساسِ بِالحَواسِّ. ورَأيْتُ في كِتابِ جامِعِ أسْرارِ الطِّبِّ لِلْحَكِيمِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُهْرٍ القُرْطُبِيِّ (العِشْقُ الحِسِّيُّ إنَّما هو مَيْلُ النَّفْسِ إلى الشَّيْءِ الَّذِي تَسْتَحْسِنُهُ وتَسْتَلِذُّهُ، وذَلِكَ أنَّ الرُّوحَ النَّفْسانِيَّ الَّذِي مَسْكَنُهُ الدِّماغُ قَرِيبٌ مِنَ النُّورِ البَصَرِيِّ الَّذِي يُحِيطُ بِالعَيْنِ ومُتَّصِلٌ بِمُؤَخَّرِ الدِّماغِ وهو الذُّكْرُ، فَإذا نَظَرَتِ العَيْنُ إلى الشَّيْءِ المُسْتَحْسَنِ انْضَمَّ النُّورِيُّ البَصَرِيُّ وارْتَعَدَ، فَبِذَلِكَ الِانْضِمامِ والِارْتِعادِ يَتَّصِلُ بِالرُّوحِ النَّفْسانِيِّ فَيَقْبَلُهُ قَبُولًا حَسَنًا ثُمَّ يُودِعُهُ الذُّكْرَ فَيُوجِبُ ذَلِكَ المَحَبَّةَ. ويَشْتَرِكُ أيْضًا بِالرُّوحِ الحَيَوانِيِّ الَّذِي مَسْكَنُهُ القَلْبُ لِاتِّصالِهِ بِأفْعالِهِ في الجَسَدِ كُلِّهِ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الفِكْرَةُ والهَمُّ والسَّهَرُ) . صفحة ٢٢٧ والحَقُّ أنَّ مَنشَأ الشُّعُورِ بِالجَمالِ قَدْ يَكُونُ عَنِ المُلائِمِ، وعَنِ التَّأثُّرِ العَصَبِيِّ، وهو يَرْجِعُ إلى المُلائِمِ أيْضًا كَتَأثُّرِ المَحْمُومِ بِاللَّوْنِ الأحْمَرِ، وعَنِ الإلْفِ والعادَةِ بِكَثْرَةِ المُمارَسَةِ، وهو يَرْجِعُ إلى المُلائِمِ كَما قالَ ابْنُ الرُّومِيِّ: وحَبَّبَ أوْطانَ الرِّجالِ إلَيْهِـمُ ∗∗∗ مَآرِبُ قَضّاها الشَّبابُ هُنالِكَ إذا ذَكَرُوا أوْطانَهم ذَكَّرَتْهُـمُ ∗∗∗ عُهُودَ الصِّبا فِيها فَحَنُّوا لِذَلِكَ وعَنْ تَرَقُّبِ الخَيْرِ والمَنفَعَةِ وهو يَرْجِعُ إلى المُلائِمِ، وعَنِ اعْتِقادِ الكَمالِ والفَضِيلَةِ وهو يَرْجِعُ إلى المَأْلُوفِ الرّاجِعِ إلى المُمارَسَةِ بِسَبَبِ تَرَقُّبِ الخَيْرِ مِن صاحِبِ الكَمالِ والفَضِيلَةِ. ووَراءَ ذَلِكَ كُلِّهِ شَيْءٌ مِنَ الجَمالِ ومِنَ المَحَبَّةِ لا يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ وهو اسْتِحْسانُ الذَّواتِ الحَسَنَةِ واسْتِقْباحُ الأشْياءِ المُوحِشَةِ فَنَرى الطِّفْلَ الَّذِي لا إلْفَ لَهُ بِشَيْءٍ يَنْفِرُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي نَراها وحِشَةً. وقَدِ اخْتَلَفَ المُتَقَدِّمُونَ في أنَّ المَحَبَّةَ والجَمالَ هَلْ يُقْصَرانِ عَلى المَحْسُوساتِ: فالَّذِينَ قَصَرُوهُما عَلى المَحْسُوساتِ لَمْ يُثْبِتُوا غَيْرَ المَحَبَّةِ المادِّيَّةِ، والَّذِينَ لَمْ يَقْصُرُوهُما عَلَيْها أثْبَتُوا المَحَبَّةَ الرَّمْزِيَّةَ، أعْنِي المُتَعَلِّقَةَ بِالأكْوانِ غَيْرِ المَحْسُوسَةِ كَمَحَبَّةِ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى، وهَذا هو الحَقُّ، وقالَ بِهِ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ أفْلاطُونُ، ومِنَ المُسْلِمِينَ الغَزّالِيُّ وفَخْرُ الدِّينِ وقَدْ أُضِيفَتْ هَذِهِ المَحَبَّةُ إلى أفْلاطُونَ، فَقِيلَ مَحَبَّةٌ أفْلاطُونِيَّةٌ: لِأنَّهُ بَحَثَ عَنْها وعَلَّلَها فَإنَّنا نَسْمَعُ بِصِفاتِ مَشاهِيرِ الرِّجالِ مِثْلِ الرُّسُلِ وأهْلِ الخَيْرِ والَّذِينَ نَفَعُوا النّاسَ، والَّذِينَ اتَّصَفُوا بِمَحامِدِ الصِّفاتِ كالعِلْمِ والكَرَمِ والعَدْلِ، فَنَجِدُ مِن أنْفُسِنا مَيْلًا إلى ذِكْرِهِمْ، ثُمَّ يَقْوى ذَلِكَ المَيْلُ حَتّى يَصِيرَ مَحَبَّةً مِنّا إيّاهم مَعَ أنَّنا ما عَرَفْناهم، ألا تَرى أنَّ مُزاوَلَةَ كُتُبِ الحَدِيثِ والسِّيرَةِ مِمّا يُقَوِّي مَحَبَّةَ المُزاوِلِ في الرَّسُولِ ﷺ وكَذَلِكَ صِفاتُ الخالِقِ تَعالى، لَمّا كانَتْ كُلُّها كَمالاتٍ وإحْسانًا إلَيْنا وإصْلاحًا لِفاسِدِنا، أكْسَبَنا اعْتِقادُها إجْلالًا لِمَوْصُوفِها، ثُمَّ يَذْهَبُ ذَلِكَ الإجْلالُ يَقْوى إلى أنْ يَصِيرَ مَحَبَّةً وفي الحَدِيثِ «ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ وجَدَ حَلاوَةَ الإيمانِ: أنْ يَكُونَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا سِواهُما، وأنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلّا لِلَّهِ، وأنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ في الكُفْرِ كَما يَكْرَهُ أنْ يُقْذَفَ في النّارِ» فَكانَتْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ مِن قَبِيلِ المَحَبَّةِ ولِذَلِكَ جُعِلَ عِنْدَها وِجْدانُ حَلاوَةِ الإيمانِ أيْ وِجْدانُهُ جَمِيلًا عِنْدَ مُعْتَقِدِهِ. صفحة ٢٢٨ فَأصْحابُ الرَّأْيِ الأوَّلِ يَرَوْنَ تَعْلِيقَ المَحَبَّةِ بِذاتِ اللَّهِ في هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها مَجازًا بِتَشْبِيهِ الرَّغْبَةِ في مَرْضاتِهِ بِالمَحَبَّةِ، وأصْحابُ الرَّأْيِ الثّانِي يَرَوْنَهُ حَقِيقَةً وهو الصَّحِيحُ. ومِن آثارِ المَحَبَّةِ تَطَلُّبُ القُرْبِ مِنَ المَحْبُوبِ والِاتِّصالِ بِهِ واجْتِنابُ فِراقِهِ. ومِن آثارِها مَحَبَّةُ ما يَسُرُّهُ ويُرْضِيهِ، واجْتِنابُ ما يُغْضِبُهُ، فَتَعْلِيقُ لُزُومِ اتِّباعِ الرَّسُولِ عَلى مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ الرَّسُولَ دَعا إلى ما يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ وإلى إفْرادِ الوِجْهَةِ إلَيْهِ، وذَلِكَ كَمالُ المَحَبَّةِ. وأمّا إطْلاقُ المَحَبَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فَهو مَجازٌ لا مَحالَةَ أُرِيدَ بِهِ لازِمُ المَحَبَّةِ وهو الرِّضا وسَوْقُ المَنفَعَةِ ونَحْوُ ذَلِكَ مِن تَجَلِّياتٍ لِلَّهِ يَعْلَمُها سُبْحانَهُ. وهُما المُعَبَّرُ عَنْهُما بِقَوْلِهِ: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ المَحَبَّةِ وفي القُرْآنِ ﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨] . وتَعْلِيقُ مَحَبَّةِ اللَّهِ إيّاهم عَلى ﴿فاتَّبِعُونِي﴾ المُعَلَّقِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ يَنْتَظِمُ مِنهُ قِياسٌ شَرْطِيٌّ اقْتِرانِيٌّ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الحُبَّ المَزْعُومَ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ اتِّباعُ الرَّسُولِ فَهو حُبٌّ كاذِبٌ، لِأنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطِيعٌ، ولِأنَّ ارْتِكابَ ما يَكْرَهُهُ المَحْبُوبُ إغاضَةٌ لَهُ وتَلَبُّسٌ بِعَدُوِّهِ وقَدْ قالَ أبُو الطَّيِّبِ: أأُحِبُّهُ وأُحِبُّ فِيهِ مَـلامَةً ∗∗∗ إنَّ المَلامَةَ فِيهِ مِن أعْدائِهِ فَعُلِمَ أنَّ حُبَّ العَدُوِّ لا يُجامِعُ الحُبَّ وقَدْ قالَ العِتابِيُّ: تَوَدُّ عَدُوِّي ثُمَّ تَـزْعُـمُ أنَّـنِـي ∗∗∗ صَدِيقُكَ لَيْسَ النَّوْكُ عَنْكَ بِعازِبِ وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في قُوَّةِ التَّذْيِيلِ مِثْلَ جُمْلَةِ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٩] المُتَقَدِّمَةِ. ولَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلِّقٌ لِلصِّفَتَيْنِ لِيَكُونَ النّاسُ ساعِينَ في تَحْصِيلِ أسْبابِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ.

آل عمران 3:32

﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ عَوْدٌ إلى المَوْعِظَةِ بِطَرِيقِ الإجْمالِ البَحْتِ فَذْلَكَةً لِلْكَلامِ، وحِرْصًا عَلى الإجابَةِ، فابْتَدَأ المَوْعِظَةَ أوَّلًا بِمُقَدِّمَةٍ وهي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] ثُمَّ شَرَعَ في المَوْعِظَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] الآيَةَ صفحة ٢٢٩ وهُوَ تَرْهِيبٌ، ثُمَّ بِذِكْرِ مُقابِلِهِ في التَّرْغِيبِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥] الآيَةَ، ثُمَّ بِتَأْيِيدِ ما عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] الآيَةَ، وفي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ كَثِيرٌ. ثُمَّ جاءَ بِطَرِيقِ المُجادَلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ﴾ [آل عمران: ٢٠] الآيَةَ، ثُمَّ بِتَرْهِيبٍ بِغَيْرِ اسْتِدْلالٍ صَرِيحٍ ولَكِنْ بِالإيماءِ إلى الدَّلِيلِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيئِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ٢١] ثُمَّ بِطَرِيقِ التَّهْدِيدِ والإنْذارِ التَّعْرِيضِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] الآياتِ. ثُمَّ أمَرَ بِالقَطِيعَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ [آل عمران: ٢٨] . ثُمَّ انْتَقَلَ إلى طَرِيقَةِ التَّرْغِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٣١] إلى قَوْلِهِ: ﴿الكافِرِينَ﴾ وخَتَمَ بِذِكْرِ عَدَمِ مَحَبَّةِ الكافِرِينَ رَدًّا لِلْعَجُزِ عَلى الصَّدْرِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠] الآيَةَ، لِيَكُونَ نَفْيُ المَحَبَّةِ عَنْ جَمِيعِ الكافِرِينَ، نَفْيًا عَنْ هَؤُلاءِ الكافِرِينَ المُعَيَّنِينَ.

آل عمران 3:33

﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . انْتِقالٌ مِن تَمْهِيداتِ سَبَبِ السُّورَةِ إلى واسِطَةِ التَّمْهِيدِ والمَقْصِدِ، كَطَرِيقَةِ التَّخَلُّصِ، فَهَذا تَخَلُّصٌ لِمُحاجَّةِ وفْدِ نَجْرانَ وقَدْ ذَكَرْناهُ في أوَّلِ السُّورَةِ، فابْتُدِئَ هُنا بِذِكْرِ آدَمَ ونُوحٍ وهُما أبَوا البَشَرِ أوْ أحَدُهُما وذِكْرِ إبْراهِيمَ وهو أبُو المَقْصُودِينَ بِالتَّفْضِيلِ وبِالخِطابِ. فَأمّا آدَمُ فَهو أبُو البَشَرِ بِاتِّفاقِ الأُمَمِ كُلِّها إلّا شُذُوذًا مِن أصْحابِ النَّزَعاتِ الإلْحادِيَّةِ الَّذِينَ ظَهَرُوا في أُورُوبّا واخْتَرَعُوا نَظَرِيَّةَ تَسَلْسُلِ أنْواعِ الحَيَوانِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ وهي نَظَرِيَّةٌ فاشِلَةٌ. وآدَمُ اسْمُ أبِي البَشَرِ عِنْدَ جَمِيعِ أهْلِ الأدْيانِ، وهو عَلَمٌ عَلَيْهِ وضَعَهُ لِنَفْسِهِ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى كَما وضَعَ مَبْدَأ اللُّغَةِ. ولا شَكَّ أنَّ مِن أوَّلِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ هو وزَوْجُهُ أنْ يُعَبِّرَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ، وظاهِرُ القُرْآنِ أنَّ اللَّهَ أسْماهُ بِهَذا الِاسْمِ مِن قَبْلِ خُرُوجِهِ مِن جَنَّةِ عَدْنٍ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ مُشْتَقًّا مِنَ الأُدْمَةِ، وهي اللَّوْنُ المَخْصُوصُ لِأنَّ تَسْمِيَةَ ذَلِكَ اللَّوْنِ بِالأُدْمَةِ خاصٌّ بِكَلامِ العَرَبِ فَلَعَلَّ العَرَبَ وضَعُوا اسْمَ ذَلِكَ اللَّوْنِ أخْذًا مِن وصْفِ لَوْنِ آدَمَ أبِي البَشَرِ. صفحة ٢٣٠ وقَدْ جاءَ في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِن كِتابِ العَهْدِ عِنْدَ اليَهُودِ ما يَقْتَضِي: أنَّ آدَمَ وُجِدَ عَلى الأرْضِ في وقْتٍ يُوافِقُ سَنَةَ ٣٩٤٢ اثْنَتَيْنِ وأرْبَعِينَ وتِسْعِمِائَةٍ وثَلاثَةِ آلافٍ قَبْلَ مِيلادِ عِيسى وأنَّهُ عاشَ تِسْعَمِائَةٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، فَتَكُونُ وفاتُهُ في سَنَةِ ٣٠١٢ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وثَلاثَةِ آلافٍ قَبْلَ مِيلادِ عِيسى هَذا ما تَقَبَّلَهُ المُؤَرِّخُونَ المُتَّبِعُونَ لِضَبْطِ السِّنِينَ. والمَظْنُونُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ النّاظِرِينَ في شَواهِدِ حَضارَةِ البَشَرِيَّةِ أنَّ هَذا الضَّبْطَ لا يُعْتَمَدُ، وأنَّ وُجُودَ آدَمَ مُتَقادِمٌ في أزْمِنَةٍ مُتَرامِيَةِ البُعْدِ هي أكْثَرُ بِكَثِيرٍ مِمّا حَدَّدَهُ سِفْرُ التَّكْوِينِ. وأمّا نُوحٌ فَتَقُولُ التَّوْراةُ: إنَّهُ ابْنُ لامَكَ وسُمِّيَ عِنْدَ العَرَبِ لَمَكَ بْنَ مُتُوشالِخَ بْنِ أخْنُوخَ (وهو إدْرِيسُ عِنْدَ العَرَبِ) ابْنِ يارِدَ - بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِ - بْنِ مَهْلَئِيلَ - بِمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ فَهاءٍ ساكِنَةٍ فَلامٍ مَفْتُوحَةٍ - بْنِ قَيْنانَ بْنِ أنُوشَ بْنِ شِيثِ بْنِ آدَمَ. وعَلى تَقْدِيرِها وتَقْدِيرِ سِنِيِّ أعْمارِهِمْ يَكُونُ قَدْ وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وثَمانِينَ وثَمانِمِائَةٍ وألْفَيْنِ قَبْلَ مِيلادِ عِيسى وتُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وثَلاثِينَ وتِسْعِمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ مِيلادِ عِيسى والقَوْلُ فِيهِ كَما تَقَدَّمَ في ضَبْطِ تارِيخِ وُجُودِ آدَمَ. وفِي زَمَنِ نُوحٍ وقَعَ الطُّوفانُ عَلى جَمِيعِ الأرْضِ ونَجّاهُ اللَّهُ وأوْلادَهُ وأزْواجَهم في الفُلْكِ، فَيَكُونُ أبًا ثانِيًا لِلْبَشَرِ. ومِنَ النّاسِ مَن يَدَّعِي أنَّ الطُّوفانَ لَمْ يَعُمَّ الأرْضَ وعَلى هَذا الرَّأْيِ ذَهَبَ مُؤَرِّخُو الصِّينِ، وزَعَمُوا أنَّ الطُّوفانَ لَمْ يَشْمَلْ قُطْرَهم، فَلا يَكُونُ نُوحٌ عِنْدَهم أبًا ثانِيًا لِلْبَشَرِ. وعَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ فالبَشَرُ كُلُّهم يَرْجِعُونَ إلى أبْناءِ نُوحٍ الثَّلاثَةِ سامٍ، وحامٍ، ويافِثَ، وهو أوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى النّاسِ حَسَبِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وعُمِّرَ نُوحٌ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً عَلى ما في التَّوْراةِ، فَهو ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، وفي التَّوْراةِ: أنَّ الطُّوفانَ حَدَثَ وعُمْرُ نُوحٍ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ وأنَّ نُوحًا صارَ بَعْدَ الطُّوفانِ فَلّاحًا وغَرَسَ الكَرْمَ واتَّخَذَ الخَمْرَ. وذَكَرَ الألُوسِيُّ صِفَتَهُ بِدُونِ سَنَدٍ فَقالَ: كانَ نُوحٌ دَقِيقَ الوَجْهِ، في رَأْسِهِ طُولٌ، عَظِيمَ العَيْنَيْنِ، غَلِيظَ العَضُدَيْنِ، كَثِيرَ لَحْمِ الفَخِذَيْنِ، ضَخْمَ السُّرَّةِ، طَوِيلَ القامَةِ، جَسِيمًا، طَوِيلَ اللِّحْيَةِ. قِيلَ: إنَّ مَدْفَنَهُ بِالعِراقِ في نَواحِي الكُوفَةِ، وقِيلَ في ذَيْلِ جَبَلِ لُبْنانَ، وقِيلَ بِمَدِينَةِ الكَرْكِ. وسَيَأْتِي ذِكْرُ الطُّوفانِ في سُورَةِ الأعْرافِ، وفي سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وذِكْرُ شَرِيعَتِهِ في سُورَةِ الشُّورى، وفي سُورَةِ نُوحٍ. صفحة ٢٣١ والآلُ: الرَّهْطُ، وآلُ إبْراهِيمَ: أبْناؤُهُ وحَفِيدُهُ وأسْباطُهُ، والمَقْصُودُ تَفْضِيلُ فَرِيقٍ مِنهم. وشَمَلَ آلُ إبْراهِيمَ الأنْبِياءَ مِن عَقِبِهِ كَمُوسى، ومَن قَبْلَهُ، ومَن بَعْدَهُ، وكَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإسْماعِيلَ، وحَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ، وخالِدِ بْنِ سِنانٍ. وأمّا آلُ عِمْرانَ: فَهم مَرْيَمُ، وعِيسى، فَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ بْنِ ماتانَ كَذا سَمّاهُ المُفَسِّرُونَ، وكانَ مِن أحْبارِ اليَهُودِ، وصالِحِيهِمْ، وأصْلُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ عِمْرامُ بِمِيمٍ في آخِرِهِ، فَهو أبُو مَرْيَمَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: هو مِن نَسْلِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ، وهو خَطَأٌ، والحَقُّ أنَّهُ مِن نَسْلِ هارُونَ أخِي مُوسى كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا. وفي كُتُبِ النَّصارى: أنَّ اسْمَهُ يُوهاقِيمُ، فَلَعَلَّهُ كانَ لَهُ اسْمانِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ. ولَيْسَ المُرادُ هُنا عِمْرانَ والِدَ مُوسى وهارُونَ؛ إذِ المَقْصُودُ هُنا التَّمْهِيدُ لِذِكْرِ مَرْيَمَ وابْنِها عِيسى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى احْتِمالِ مَعْنى الآلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ولَكِنَّ الآلَ هُنا مُتَعَيِّنٌ لِلْحَمْلِ عَلى رَهْطِ الرَّجُلِ وقَرابَتِهِ. ومَعْنى اصْطِفاءِ هَؤُلاءِ عَلى العالَمِينَ اصْطِفاءُ المَجْمُوعِ عَلى غَيْرِهِمْ، أوِ اصْطِفاءُ كُلِّ فاضِلٍ مِنهم عَلى أهْلِ زَمانِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ حالٌ مِن آلِ إبْراهِيمَ وآلِ عِمْرانَ. والذَّرِّيَّةُ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ أُجْمِلَ البَعْضُ هُنا؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ شِدَّةِ الِاتِّصالِ بَيْنَ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ، فَـ ”مِن“ لِلِاتِّصالِ لا لِلتَّبْعِيضِ؛ أيْ بَيْنَ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ اتِّصالُ القَرابَةِ، فَكُلُّ بَعْضٍ فِيها هو مُتَّصِلٌ بِالبَعْضِ الآخَرِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨] . والغَرَضُ مِن ذِكْرِ هَؤُلاءِ تَذْكِيرُ اليَهُودِ والنَّصارى بِشِدَّةِ انْتِسابِ أنْبِيائِهِمْ إلى النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَما كانَ يَنْبَغِي أنْ يَجْعَلُوا مُوجِبَ القَرابَةِ مُوجِبَ عَداوَةٍ وتَفْرِيقٍ. ومِن هُنا ظَهَرَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ سَمِيعٌ بِأقْوالِ بَعْضِكم في بَعْضِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ: كَقَوْلِ اليَهُودِ في عِيسى وأُمِّهِ، وتَكْذِيبِهِمْ وتَكْذِيبِ اليَهُودِ والنَّصارى لِمُحَمَّدٍ ﷺ .

آل عمران 3:34

﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . انْتِقالٌ مِن تَمْهِيداتِ سَبَبِ السُّورَةِ إلى واسِطَةِ التَّمْهِيدِ والمَقْصِدِ، كَطَرِيقَةِ التَّخَلُّصِ، فَهَذا تَخَلُّصٌ لِمُحاجَّةِ وفْدِ نَجْرانَ وقَدْ ذَكَرْناهُ في أوَّلِ السُّورَةِ، فابْتُدِئَ هُنا بِذِكْرِ آدَمَ ونُوحٍ وهُما أبَوا البَشَرِ أوْ أحَدُهُما وذِكْرِ إبْراهِيمَ وهو أبُو المَقْصُودِينَ بِالتَّفْضِيلِ وبِالخِطابِ. فَأمّا آدَمُ فَهو أبُو البَشَرِ بِاتِّفاقِ الأُمَمِ كُلِّها إلّا شُذُوذًا مِن أصْحابِ النَّزَعاتِ الإلْحادِيَّةِ الَّذِينَ ظَهَرُوا في أُورُوبّا واخْتَرَعُوا نَظَرِيَّةَ تَسَلْسُلِ أنْواعِ الحَيَوانِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ وهي نَظَرِيَّةٌ فاشِلَةٌ. وآدَمُ اسْمُ أبِي البَشَرِ عِنْدَ جَمِيعِ أهْلِ الأدْيانِ، وهو عَلَمٌ عَلَيْهِ وضَعَهُ لِنَفْسِهِ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى كَما وضَعَ مَبْدَأ اللُّغَةِ. ولا شَكَّ أنَّ مِن أوَّلِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ هو وزَوْجُهُ أنْ يُعَبِّرَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ، وظاهِرُ القُرْآنِ أنَّ اللَّهَ أسْماهُ بِهَذا الِاسْمِ مِن قَبْلِ خُرُوجِهِ مِن جَنَّةِ عَدْنٍ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ مُشْتَقًّا مِنَ الأُدْمَةِ، وهي اللَّوْنُ المَخْصُوصُ لِأنَّ تَسْمِيَةَ ذَلِكَ اللَّوْنِ بِالأُدْمَةِ خاصٌّ بِكَلامِ العَرَبِ فَلَعَلَّ العَرَبَ وضَعُوا اسْمَ ذَلِكَ اللَّوْنِ أخْذًا مِن وصْفِ لَوْنِ آدَمَ أبِي البَشَرِ. صفحة ٢٣٠ وقَدْ جاءَ في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِن كِتابِ العَهْدِ عِنْدَ اليَهُودِ ما يَقْتَضِي: أنَّ آدَمَ وُجِدَ عَلى الأرْضِ في وقْتٍ يُوافِقُ سَنَةَ ٣٩٤٢ اثْنَتَيْنِ وأرْبَعِينَ وتِسْعِمِائَةٍ وثَلاثَةِ آلافٍ قَبْلَ مِيلادِ عِيسى وأنَّهُ عاشَ تِسْعَمِائَةٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، فَتَكُونُ وفاتُهُ في سَنَةِ ٣٠١٢ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وثَلاثَةِ آلافٍ قَبْلَ مِيلادِ عِيسى هَذا ما تَقَبَّلَهُ المُؤَرِّخُونَ المُتَّبِعُونَ لِضَبْطِ السِّنِينَ. والمَظْنُونُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ النّاظِرِينَ في شَواهِدِ حَضارَةِ البَشَرِيَّةِ أنَّ هَذا الضَّبْطَ لا يُعْتَمَدُ، وأنَّ وُجُودَ آدَمَ مُتَقادِمٌ في أزْمِنَةٍ مُتَرامِيَةِ البُعْدِ هي أكْثَرُ بِكَثِيرٍ مِمّا حَدَّدَهُ سِفْرُ التَّكْوِينِ. وأمّا نُوحٌ فَتَقُولُ التَّوْراةُ: إنَّهُ ابْنُ لامَكَ وسُمِّيَ عِنْدَ العَرَبِ لَمَكَ بْنَ مُتُوشالِخَ بْنِ أخْنُوخَ (وهو إدْرِيسُ عِنْدَ العَرَبِ) ابْنِ يارِدَ - بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِ - بْنِ مَهْلَئِيلَ - بِمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ فَهاءٍ ساكِنَةٍ فَلامٍ مَفْتُوحَةٍ - بْنِ قَيْنانَ بْنِ أنُوشَ بْنِ شِيثِ بْنِ آدَمَ. وعَلى تَقْدِيرِها وتَقْدِيرِ سِنِيِّ أعْمارِهِمْ يَكُونُ قَدْ وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وثَمانِينَ وثَمانِمِائَةٍ وألْفَيْنِ قَبْلَ مِيلادِ عِيسى وتُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وثَلاثِينَ وتِسْعِمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ مِيلادِ عِيسى والقَوْلُ فِيهِ كَما تَقَدَّمَ في ضَبْطِ تارِيخِ وُجُودِ آدَمَ. وفِي زَمَنِ نُوحٍ وقَعَ الطُّوفانُ عَلى جَمِيعِ الأرْضِ ونَجّاهُ اللَّهُ وأوْلادَهُ وأزْواجَهم في الفُلْكِ، فَيَكُونُ أبًا ثانِيًا لِلْبَشَرِ. ومِنَ النّاسِ مَن يَدَّعِي أنَّ الطُّوفانَ لَمْ يَعُمَّ الأرْضَ وعَلى هَذا الرَّأْيِ ذَهَبَ مُؤَرِّخُو الصِّينِ، وزَعَمُوا أنَّ الطُّوفانَ لَمْ يَشْمَلْ قُطْرَهم، فَلا يَكُونُ نُوحٌ عِنْدَهم أبًا ثانِيًا لِلْبَشَرِ. وعَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ فالبَشَرُ كُلُّهم يَرْجِعُونَ إلى أبْناءِ نُوحٍ الثَّلاثَةِ سامٍ، وحامٍ، ويافِثَ، وهو أوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى النّاسِ حَسَبِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وعُمِّرَ نُوحٌ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً عَلى ما في التَّوْراةِ، فَهو ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، وفي التَّوْراةِ: أنَّ الطُّوفانَ حَدَثَ وعُمْرُ نُوحٍ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ وأنَّ نُوحًا صارَ بَعْدَ الطُّوفانِ فَلّاحًا وغَرَسَ الكَرْمَ واتَّخَذَ الخَمْرَ. وذَكَرَ الألُوسِيُّ صِفَتَهُ بِدُونِ سَنَدٍ فَقالَ: كانَ نُوحٌ دَقِيقَ الوَجْهِ، في رَأْسِهِ طُولٌ، عَظِيمَ العَيْنَيْنِ، غَلِيظَ العَضُدَيْنِ، كَثِيرَ لَحْمِ الفَخِذَيْنِ، ضَخْمَ السُّرَّةِ، طَوِيلَ القامَةِ، جَسِيمًا، طَوِيلَ اللِّحْيَةِ. قِيلَ: إنَّ مَدْفَنَهُ بِالعِراقِ في نَواحِي الكُوفَةِ، وقِيلَ في ذَيْلِ جَبَلِ لُبْنانَ، وقِيلَ بِمَدِينَةِ الكَرْكِ. وسَيَأْتِي ذِكْرُ الطُّوفانِ في سُورَةِ الأعْرافِ، وفي سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وذِكْرُ شَرِيعَتِهِ في سُورَةِ الشُّورى، وفي سُورَةِ نُوحٍ. صفحة ٢٣١ والآلُ: الرَّهْطُ، وآلُ إبْراهِيمَ: أبْناؤُهُ وحَفِيدُهُ وأسْباطُهُ، والمَقْصُودُ تَفْضِيلُ فَرِيقٍ مِنهم. وشَمَلَ آلُ إبْراهِيمَ الأنْبِياءَ مِن عَقِبِهِ كَمُوسى، ومَن قَبْلَهُ، ومَن بَعْدَهُ، وكَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإسْماعِيلَ، وحَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ، وخالِدِ بْنِ سِنانٍ. وأمّا آلُ عِمْرانَ: فَهم مَرْيَمُ، وعِيسى، فَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ بْنِ ماتانَ كَذا سَمّاهُ المُفَسِّرُونَ، وكانَ مِن أحْبارِ اليَهُودِ، وصالِحِيهِمْ، وأصْلُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ عِمْرامُ بِمِيمٍ في آخِرِهِ، فَهو أبُو مَرْيَمَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: هو مِن نَسْلِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ، وهو خَطَأٌ، والحَقُّ أنَّهُ مِن نَسْلِ هارُونَ أخِي مُوسى كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا. وفي كُتُبِ النَّصارى: أنَّ اسْمَهُ يُوهاقِيمُ، فَلَعَلَّهُ كانَ لَهُ اسْمانِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ. ولَيْسَ المُرادُ هُنا عِمْرانَ والِدَ مُوسى وهارُونَ؛ إذِ المَقْصُودُ هُنا التَّمْهِيدُ لِذِكْرِ مَرْيَمَ وابْنِها عِيسى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى احْتِمالِ مَعْنى الآلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ولَكِنَّ الآلَ هُنا مُتَعَيِّنٌ لِلْحَمْلِ عَلى رَهْطِ الرَّجُلِ وقَرابَتِهِ. ومَعْنى اصْطِفاءِ هَؤُلاءِ عَلى العالَمِينَ اصْطِفاءُ المَجْمُوعِ عَلى غَيْرِهِمْ، أوِ اصْطِفاءُ كُلِّ فاضِلٍ مِنهم عَلى أهْلِ زَمانِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ حالٌ مِن آلِ إبْراهِيمَ وآلِ عِمْرانَ. والذَّرِّيَّةُ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ أُجْمِلَ البَعْضُ هُنا؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ شِدَّةِ الِاتِّصالِ بَيْنَ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ، فَـ ”مِن“ لِلِاتِّصالِ لا لِلتَّبْعِيضِ؛ أيْ بَيْنَ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ اتِّصالُ القَرابَةِ، فَكُلُّ بَعْضٍ فِيها هو مُتَّصِلٌ بِالبَعْضِ الآخَرِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨] . والغَرَضُ مِن ذِكْرِ هَؤُلاءِ تَذْكِيرُ اليَهُودِ والنَّصارى بِشِدَّةِ انْتِسابِ أنْبِيائِهِمْ إلى النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَما كانَ يَنْبَغِي أنْ يَجْعَلُوا مُوجِبَ القَرابَةِ مُوجِبَ عَداوَةٍ وتَفْرِيقٍ. ومِن هُنا ظَهَرَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ سَمِيعٌ بِأقْوالِ بَعْضِكم في بَعْضِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ: كَقَوْلِ اليَهُودِ في عِيسى وأُمِّهِ، وتَكْذِيبِهِمْ وتَكْذِيبِ اليَهُودِ والنَّصارى لِمُحَمَّدٍ ﷺ .

آل عمران 3:35

صفحة ٢٣٢ ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّيَ إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّيَ أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ . تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَوْقِعِ ”إذْ“ في أمْثالِ هَذا المَقامِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] . ومَوْقِعُها هُنا أظْهَرُ في أنَّها غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِعامِلٍ، فَهي لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ ولِذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: (إذْ) هُنا زائِدَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِـ ”اذْكُرْ“ مَحْذُوفًا، ولا يَجُوزُ تَعَلُّقُها بِـ ”اصْطَفى“: لِأنَّ هَذا خاصٌّ بِفَضْلِ آلِ عِمْرانَ، ولا عَلاقَةَ لَهُ بِفَضْلِ آدَمَ ونُوحٍ وآلِ إبْراهِيمَ. وامْرَأةُ عِمْرانَ: حَنَّةُ بِنْتُ فاقُوذا. قِيلَ: ماتَ زَوْجُها وتَرَكَها حُبْلى فَنَذَرَتْ حَبْلَها ذَلِكَ مُحَرَّرًا أيْ مُخَلَّصًا لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وكانُوا يَنْذِرُونَ ذَلِكَ إذا كانَ المَوْلُودُ ذَكَرًا. وإطْلاقُ المُحَرَّرِ عَلى هَذا المَعْنى إطْلاقُ تَشْرِيفٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا خَلُصَ لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَكَأنَّهُ حُرِّرَ مِن أسْرِ الدُّنْيا وقُيُودِها إلى حُرِّيَّةِ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى. قِيلَ: إنَّها كانَتْ تَظُنُّهُ ذَكَرًا فَصَدَرَ مِنها النَّذْرُ مُطْلَقًا عَنْ وصْفِ الذُّكُورَةِ، وإنَّما كانُوا يَقُولُونَ: إذا جاءَ ذَكَرًا فَهو مُحَرَّرٌ. وأنَّثَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا وضَعَتْها﴾ وهو عائِدٌ إلى ﴿ما في بَطْنِي﴾ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ انْكَشَفَ ما صَدَّقَهُ عَلى أُنْثى. وقَوْلُها: ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ التَّحْذِيرِ لِظُهُورِ كَوْنِ المُخاطَبِ عَلِيمًا بِكُلِّ شَيْءٍ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ ”إنَّ“ مُراعاةٌ لِأصْلِ الخَبَرِيَّةِ، تَحْقِيقًا لِكَوْنِ المَوْلُودِ أُنْثى؛ إذْ هو بِوُقُوعِهِ عَلى خِلافِ المُتَرَقَّبِ لَها كانَ بِحَيْثُ تَشُكُّ في كَوْنِهِ أُنْثى وتُخاطِبُ نَفْسَها بِنَفْسِها بِطَرِيقِ التَّأْكِيدِ، فَلِذا أكَّدَتْهُ. ثُمَّ لَمّا اسْتَعْمَلَتْ هَذا الخَبَرَ في الإنْشاءِ اسْتَعْمَلَتْهُ بِرُمَّتِهِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرَكَّبِ المُرْسَلِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُرَكَّبَ يَكُونُ مَجازًا بِمَجْمُوعِهِ لا صفحة ٢٣٣ بِأجْزائِهِ ومُفْرَداتِهِ، وهَذا التَّرْكِيبُ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ يَحْكِي ما تَضَمَّنَهُ كَلامُها في لُغَتِها مِنَ المَعانِي: وهي الرَّوْعَةُ والكَراهِيَةُ لِوِلادَتِها أُنْثى، ومُحاوَلَتُها مُغالَطَةَ نَفْسِها في الإذْعانِ لِهَذا الحُكْمِ، ثُمَّ تَحْقِيقُها ذَلِكَ لِنَفْسِها وتَطْمِينُها بِها، ثُمَّ التَّنَقُّلُ إلى التَّحْسِيرِ عَلى ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ أوْدَعَ حِكايَةَ كَلامِها خُصُوصِيّاتٍ مِنَ العَرَبِيَّةِ تُعَبِّرُ عَنْ مَعانٍ كَثِيرَةٍ قَصَدَتْها في مُناجاتِها بِلُغَتِها. وأنَّثَ الضَّمِيرَ في ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ بِاعْتِبارِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الحالُ اللّازِمَةُ في قَوْلِها ”أُنْثى“ إذْ بِدُونِ الحالِ لا يَكُونُ الكَلامُ مُفِيدًا فَلِذَلِكَ أنَّثَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبارِ تِلْكَ الحالِ. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: وضَعَتْ - بِسُكُونِ التّاءِ - فَيَكُونُ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى امْرَأةِ عِمْرانَ، وهو حِينَئِذٍ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ مِن كَلامِها المَحْكِيِّ، والمَقْصُودُ مِنهُ: أنَّ اللَّهَ أعْلَمُ مِنها بِنَفاسَةِ ما وضَعَتْ، وأنَّها خَيْرٌ مِن مُطْلَقِ الذَّكَرِ الَّذِي سَألَتْهُ، فالكَلامُ إعْلامٌ لِأهْلِ القُرْآنِ بِتَغْلِيطِها، وتَعْلِيمٌ بِأنَّ مَن فَوَّضَ أمْرَهُ إلى اللَّهِ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَعَقَّبَ تَدْبِيرَهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ: بِضَمِّ التّاءِ، عَلى أنَّها ضَمِيرُ المُتَكَلِّمَةِ امْرَأةِ عِمْرانَ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مِن كَلامِها المَحْكِيِّ، وعَلَيْهِ فاسْمُ الجَلالَةِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، فَيَكُونُ قَرِينَةً لَفْظِيَّةً عَلى أنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ. وجُمْلَةُ ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ لِفَواتِ ما قَصَدَتْهُ مِن أنْ يَكُونَ المَوْلُودُ ذَكَرًا، فَتُحَرِّرُهُ لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ. وتَعْرِيفُ الذَّكَرِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ لِما هو مُرْتَكِزٌ في نُفُوسِ النّاسِ مِنَ الرَّغْبَةِ في مَوالِيدِ الذُّكُورِ، أيْ لَيْسَ جِنْسُ الذَّكَرِ مُساوِيًا لِجِنْسِ الأُنْثى. وقِيلَ: التَّعْرِيفُ في ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ تَعْرِيفُ العَهْدِ لِلْمَعْهُودِ في نَفْسِها. وجُمْلَةُ ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ﴾ تَكْمِلَةٌ لِلِاعْتِراضِ المَبْدُوءِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ والمَعْنى: ولَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي رَغِبَتْ فِيهِ بِمُساوٍ لِلْأُنْثى الَّتِي أُعْطِيَتْها لَوْ كانَتْ تَعْلَمُ عُلُوَّ شَأْنِ هاتِهِ الأُنْثى، وجَعَلُوا نَفْيَ المُشابَهَةِ عَلى بابِهِ مِن نَفْيِ مُشابَهَةِ المَفْضُولِ لِلْفاضِلِ، وإلى هَذا مالَ صاحِبُ الكَشّافِ وتَبِعَهُ صاحِبُ المِفْتاحِ، والأوَّلُ أظْهَرُ. صفحة ٢٣٤ ونَفْيُ المُشابَهَةِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى يُقْصَدُ بِهِ مَعْنى التَّفْضِيلِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ، وذَلِكَ في قَوْلِ العَرَبِ: لَيْسَ سَواءً كَذا وكَذا، ولَيْسَ كَذا مِثْلَ كَذا، ولا هو مِثْلَ كَذا، كَقَوْلِهِ تَعالى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ. وقَوْلِهِ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيءِ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، وقَوْلِ السَّمَوْألِ: فَلَيْسَ سَواءً عالِمٌ وجَهُولُ، وقَوْلِهِمْ: (مَرْعًى ولا كالسَّعْدانِ، وماءٌ ولا كَصَدّى) . ولِذَلِكَ لا يَتَوَخَّوْنَ أنْ يَكُونَ المُشَبَّهُ في مِثْلِهِ أضْعَفَ مِنَ المُشَبَّهِ بِهِ؛ إذْ لَمْ يَبْقَ لِلتَّشْبِيهِ أثَرٌ، ولِذَلِكَ قِيلَ هُنا: ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾، ولَوْ قِيلَ: ولَيْسَتِ الأُنْثى كالذَّكَرِ لَفُهِمَ المَقْصُودُ. ولَكِنْ قَدَّمَ الذَّكَرَ هُنا لِأنَّهُ هو المَرْجُوُّ المَأْمُولُ فَهو أسْبَقُ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ. وقَدْ يَجِيءُ النَّفْيُ عَلى مَعْنى كَوْنِ المُشَبَّهِ المَنفِيِّ أضْعَفَ مِنَ المُشَبَّهِ بِهِ كَما قالَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ الرّابِعَةِ (غَدَوْتُ قَبْلَ اسْتِقْلالِ الرِّكابِ، ولا اغْتِداءَ اغْتِداءَ الغُرابِ) وقالَ في الحادِيَةَ عَشْرَةَ: (وضَحِكْتُمْ وقْتَ الدَّفْنِ، ولا ضَحِكَكم ساعَةَ الزَّفْنِ) وفي الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: (وقُمْتُ لِلَّهِ ولا كَعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ) . فَجاءَ بِها كُلِّها عَلى نَسَقِ ما في هَذِهِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ الظّاهِرُ أنَّها أرادَتْ تَسْمِيَتَها بِاسْمِ أفْضَلِ نَبِيئَةٍ في بَنِي إسْرائِيلَ وهي مَرْيَمُ أُخْتُ مُوسى وهارُونَ، وخَوَّلَها ذَلِكَ أنَّ أباها سَمِيُّ أبِي مَرْيَمَ أُخْتِ مُوسى. وتَكَرَّرَ التَّأْكِيدُ في ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها﴾ و﴿وإنِّيَ أُعِيذُها بِكَ﴾ لِلتَّأْكِيدِ: لِأنَّ حالَ كَراهِيَتِها يُؤْذِنُ بِأنَّها سَتُعْرِضُ عَنْها فَلا تَشْتَغِلُ بِها، وكَأنَّها أكَّدَتْ هَذا الخَبَرَ إظْهارًا لِلرِّضا بِما قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى، ولِذَلِكَ انْتَقَلَتْ إلى الدُّعاءِ لَها الدّالِّ عَلى الرِّضا والمَحَبَّةِ، وأكَّدَتْ جُمْلَةَ ﴿أُعِيذُها﴾ مَعَ أنَّها مُسْتَعْمَلَةٌ في إنْشاءِ الدُّعاءِ: لِأنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْشاءِ بِرُمَّتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها وقْتَ الخَبَرِيَّةِ، كَما قَدَّمْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ وكَقَوْلِ أبِي بَكْرٍ: إنِّي اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكم عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ.

آل عمران 3:36

صفحة ٢٣٢ ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّيَ إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّيَ أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ . تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَوْقِعِ ”إذْ“ في أمْثالِ هَذا المَقامِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] . ومَوْقِعُها هُنا أظْهَرُ في أنَّها غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِعامِلٍ، فَهي لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ ولِذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: (إذْ) هُنا زائِدَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِـ ”اذْكُرْ“ مَحْذُوفًا، ولا يَجُوزُ تَعَلُّقُها بِـ ”اصْطَفى“: لِأنَّ هَذا خاصٌّ بِفَضْلِ آلِ عِمْرانَ، ولا عَلاقَةَ لَهُ بِفَضْلِ آدَمَ ونُوحٍ وآلِ إبْراهِيمَ. وامْرَأةُ عِمْرانَ: حَنَّةُ بِنْتُ فاقُوذا. قِيلَ: ماتَ زَوْجُها وتَرَكَها حُبْلى فَنَذَرَتْ حَبْلَها ذَلِكَ مُحَرَّرًا أيْ مُخَلَّصًا لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وكانُوا يَنْذِرُونَ ذَلِكَ إذا كانَ المَوْلُودُ ذَكَرًا. وإطْلاقُ المُحَرَّرِ عَلى هَذا المَعْنى إطْلاقُ تَشْرِيفٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا خَلُصَ لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَكَأنَّهُ حُرِّرَ مِن أسْرِ الدُّنْيا وقُيُودِها إلى حُرِّيَّةِ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى. قِيلَ: إنَّها كانَتْ تَظُنُّهُ ذَكَرًا فَصَدَرَ مِنها النَّذْرُ مُطْلَقًا عَنْ وصْفِ الذُّكُورَةِ، وإنَّما كانُوا يَقُولُونَ: إذا جاءَ ذَكَرًا فَهو مُحَرَّرٌ. وأنَّثَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا وضَعَتْها﴾ وهو عائِدٌ إلى ﴿ما في بَطْنِي﴾ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ انْكَشَفَ ما صَدَّقَهُ عَلى أُنْثى. وقَوْلُها: ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ التَّحْذِيرِ لِظُهُورِ كَوْنِ المُخاطَبِ عَلِيمًا بِكُلِّ شَيْءٍ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ ”إنَّ“ مُراعاةٌ لِأصْلِ الخَبَرِيَّةِ، تَحْقِيقًا لِكَوْنِ المَوْلُودِ أُنْثى؛ إذْ هو بِوُقُوعِهِ عَلى خِلافِ المُتَرَقَّبِ لَها كانَ بِحَيْثُ تَشُكُّ في كَوْنِهِ أُنْثى وتُخاطِبُ نَفْسَها بِنَفْسِها بِطَرِيقِ التَّأْكِيدِ، فَلِذا أكَّدَتْهُ. ثُمَّ لَمّا اسْتَعْمَلَتْ هَذا الخَبَرَ في الإنْشاءِ اسْتَعْمَلَتْهُ بِرُمَّتِهِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرَكَّبِ المُرْسَلِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُرَكَّبَ يَكُونُ مَجازًا بِمَجْمُوعِهِ لا صفحة ٢٣٣ بِأجْزائِهِ ومُفْرَداتِهِ، وهَذا التَّرْكِيبُ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ يَحْكِي ما تَضَمَّنَهُ كَلامُها في لُغَتِها مِنَ المَعانِي: وهي الرَّوْعَةُ والكَراهِيَةُ لِوِلادَتِها أُنْثى، ومُحاوَلَتُها مُغالَطَةَ نَفْسِها في الإذْعانِ لِهَذا الحُكْمِ، ثُمَّ تَحْقِيقُها ذَلِكَ لِنَفْسِها وتَطْمِينُها بِها، ثُمَّ التَّنَقُّلُ إلى التَّحْسِيرِ عَلى ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ أوْدَعَ حِكايَةَ كَلامِها خُصُوصِيّاتٍ مِنَ العَرَبِيَّةِ تُعَبِّرُ عَنْ مَعانٍ كَثِيرَةٍ قَصَدَتْها في مُناجاتِها بِلُغَتِها. وأنَّثَ الضَّمِيرَ في ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ بِاعْتِبارِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الحالُ اللّازِمَةُ في قَوْلِها ”أُنْثى“ إذْ بِدُونِ الحالِ لا يَكُونُ الكَلامُ مُفِيدًا فَلِذَلِكَ أنَّثَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبارِ تِلْكَ الحالِ. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: وضَعَتْ - بِسُكُونِ التّاءِ - فَيَكُونُ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى امْرَأةِ عِمْرانَ، وهو حِينَئِذٍ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ مِن كَلامِها المَحْكِيِّ، والمَقْصُودُ مِنهُ: أنَّ اللَّهَ أعْلَمُ مِنها بِنَفاسَةِ ما وضَعَتْ، وأنَّها خَيْرٌ مِن مُطْلَقِ الذَّكَرِ الَّذِي سَألَتْهُ، فالكَلامُ إعْلامٌ لِأهْلِ القُرْآنِ بِتَغْلِيطِها، وتَعْلِيمٌ بِأنَّ مَن فَوَّضَ أمْرَهُ إلى اللَّهِ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَعَقَّبَ تَدْبِيرَهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ: بِضَمِّ التّاءِ، عَلى أنَّها ضَمِيرُ المُتَكَلِّمَةِ امْرَأةِ عِمْرانَ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مِن كَلامِها المَحْكِيِّ، وعَلَيْهِ فاسْمُ الجَلالَةِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، فَيَكُونُ قَرِينَةً لَفْظِيَّةً عَلى أنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ. وجُمْلَةُ ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ لِفَواتِ ما قَصَدَتْهُ مِن أنْ يَكُونَ المَوْلُودُ ذَكَرًا، فَتُحَرِّرُهُ لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ. وتَعْرِيفُ الذَّكَرِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ لِما هو مُرْتَكِزٌ في نُفُوسِ النّاسِ مِنَ الرَّغْبَةِ في مَوالِيدِ الذُّكُورِ، أيْ لَيْسَ جِنْسُ الذَّكَرِ مُساوِيًا لِجِنْسِ الأُنْثى. وقِيلَ: التَّعْرِيفُ في ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ تَعْرِيفُ العَهْدِ لِلْمَعْهُودِ في نَفْسِها. وجُمْلَةُ ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ﴾ تَكْمِلَةٌ لِلِاعْتِراضِ المَبْدُوءِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ والمَعْنى: ولَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي رَغِبَتْ فِيهِ بِمُساوٍ لِلْأُنْثى الَّتِي أُعْطِيَتْها لَوْ كانَتْ تَعْلَمُ عُلُوَّ شَأْنِ هاتِهِ الأُنْثى، وجَعَلُوا نَفْيَ المُشابَهَةِ عَلى بابِهِ مِن نَفْيِ مُشابَهَةِ المَفْضُولِ لِلْفاضِلِ، وإلى هَذا مالَ صاحِبُ الكَشّافِ وتَبِعَهُ صاحِبُ المِفْتاحِ، والأوَّلُ أظْهَرُ. صفحة ٢٣٤ ونَفْيُ المُشابَهَةِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى يُقْصَدُ بِهِ مَعْنى التَّفْضِيلِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ، وذَلِكَ في قَوْلِ العَرَبِ: لَيْسَ سَواءً كَذا وكَذا، ولَيْسَ كَذا مِثْلَ كَذا، ولا هو مِثْلَ كَذا، كَقَوْلِهِ تَعالى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ. وقَوْلِهِ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيءِ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، وقَوْلِ السَّمَوْألِ: فَلَيْسَ سَواءً عالِمٌ وجَهُولُ، وقَوْلِهِمْ: (مَرْعًى ولا كالسَّعْدانِ، وماءٌ ولا كَصَدّى) . ولِذَلِكَ لا يَتَوَخَّوْنَ أنْ يَكُونَ المُشَبَّهُ في مِثْلِهِ أضْعَفَ مِنَ المُشَبَّهِ بِهِ؛ إذْ لَمْ يَبْقَ لِلتَّشْبِيهِ أثَرٌ، ولِذَلِكَ قِيلَ هُنا: ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾، ولَوْ قِيلَ: ولَيْسَتِ الأُنْثى كالذَّكَرِ لَفُهِمَ المَقْصُودُ. ولَكِنْ قَدَّمَ الذَّكَرَ هُنا لِأنَّهُ هو المَرْجُوُّ المَأْمُولُ فَهو أسْبَقُ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ. وقَدْ يَجِيءُ النَّفْيُ عَلى مَعْنى كَوْنِ المُشَبَّهِ المَنفِيِّ أضْعَفَ مِنَ المُشَبَّهِ بِهِ كَما قالَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ الرّابِعَةِ (غَدَوْتُ قَبْلَ اسْتِقْلالِ الرِّكابِ، ولا اغْتِداءَ اغْتِداءَ الغُرابِ) وقالَ في الحادِيَةَ عَشْرَةَ: (وضَحِكْتُمْ وقْتَ الدَّفْنِ، ولا ضَحِكَكم ساعَةَ الزَّفْنِ) وفي الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: (وقُمْتُ لِلَّهِ ولا كَعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ) . فَجاءَ بِها كُلِّها عَلى نَسَقِ ما في هَذِهِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ الظّاهِرُ أنَّها أرادَتْ تَسْمِيَتَها بِاسْمِ أفْضَلِ نَبِيئَةٍ في بَنِي إسْرائِيلَ وهي مَرْيَمُ أُخْتُ مُوسى وهارُونَ، وخَوَّلَها ذَلِكَ أنَّ أباها سَمِيُّ أبِي مَرْيَمَ أُخْتِ مُوسى. وتَكَرَّرَ التَّأْكِيدُ في ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها﴾ و﴿وإنِّيَ أُعِيذُها بِكَ﴾ لِلتَّأْكِيدِ: لِأنَّ حالَ كَراهِيَتِها يُؤْذِنُ بِأنَّها سَتُعْرِضُ عَنْها فَلا تَشْتَغِلُ بِها، وكَأنَّها أكَّدَتْ هَذا الخَبَرَ إظْهارًا لِلرِّضا بِما قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى، ولِذَلِكَ انْتَقَلَتْ إلى الدُّعاءِ لَها الدّالِّ عَلى الرِّضا والمَحَبَّةِ، وأكَّدَتْ جُمْلَةَ ﴿أُعِيذُها﴾ مَعَ أنَّها مُسْتَعْمَلَةٌ في إنْشاءِ الدُّعاءِ: لِأنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْشاءِ بِرُمَّتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها وقْتَ الخَبَرِيَّةِ، كَما قَدَّمْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ وكَقَوْلِ أبِي بَكْرٍ: إنِّي اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكم عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ.

آل عمران 3:37

صفحة ٢٣٥ ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ . تَفْرِيعٌ عَلى الدُّعاءِ مُؤْذِنٌ بِسُرْعَةِ الإجابَةِ، وضَمائِرُ النَّصْبِ لِمَرْيَمَ. ومَعْنى تَقَبَّلَها: تَقَبَّلَ تَحْرِيرَها لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، أيْ أقامَ اللَّهُ مَرْيَمَ مَقامَ مُنْقَطِعٍ لِلَّهِ تَعالى، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَشْرُوعًا مِن قَبْلُ. وقَوْلُهُ: ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ الباءُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ، وأصْلُ نَظْمِ الكَلامِ: فَتَقَبَّلَها قَبُولًا حَسَنًا، فَأُدْخِلَتِ الباءُ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِيَصِيرَ كالآلَةِ لِلتَّقَبُّلِ فَكَأنَّهُ شَيْءٌ ثانٍ، وهَذا إظْهارٌ لِلْعِنايَةِ بِها في هَذا القَبُولِ، وقَدْ عُرِفَ هَذا القَبُولُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إلى زَكَرِيّاءَ بِذَلِكَ، وأمَرَهُ بِأنْ يَكْفُلَها زَكَرِيّاءُ أعْظَمُ أحْبارِهِمْ، وأنْ يُوحى إلَيْهِ بِإقامَتِها بَعْدَ ذَلِكَ لِخِدْمَةِ المَسْجِدِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلنِّساءِ قَبْلَها، وكُلُّ هَذا إرْهاصٌ بِأنَّهُ سَيَكُونُ مِنها رَسُولٌ ناسِخٌ لِأحْكامٍ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّوْراةِ؛ لِأنَّ خِدْمَةَ النِّساءِ لِلْمَسْجِدِ المُقَدَّسِ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَةً. ومَعْنى ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ أنْشَأها إنْشاءً صالِحًا. وذَلِكَ في الخُلُقِ ونَزاهَةِ الباطِنِ، فَشُبِّهَ إنْشاؤُها وشَبابُها بِإنْباتِ النَّباتِ الغَضِّ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، ونَباتٌ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِـ ”أنْبَتَ“ وهو مَصْدَرُ ”نَبَتَ“ وإنَّما أُجْرِيَ عَلى ”أنْبَتَ“ لِلتَّخْفِيفِ. * * * ﴿وكَفَلَها زَكَرِيّاءُ﴾ . عُدَّ هَذا في فَضائِلِ مَرْيَمَ، لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ ما يَزِيدُ فَضْلَها؛ لِأنَّ أبا التَّرْبِيَةِ يُكْسِبُ خُلُقَهُ وصَلاحَهُ مُرَبّاهُ. وزَكَرِيّاءُ كاهِنٌ إسْرائِيلِيٌّ اسْمُهُ زَكَرِيّاءُ مِن بَنِي أبِيّا بْنِ باكِرِ بْنِ بِنْيامِينَ مِن كَهَنَةِ اليَهُودِ، جاءَتْهُ النُّبُوءَةُ في كِبَرِهِ وهو ثانِي مَنِ اسْمُهُ زَكَرِيّاءُ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ مُتَزَوِّجًا امْرَأةً مِن ذُرِّيَّةِ هارُونَ اسْمُها (اليَصاباتُ) وكانَتِ امْرَأتُهُ نَسِيبَةَ مَرْيَمَ كَما في إنْجِيلِ لُوقا قِيلَ: كانَتْ أُخْتَها. والصَّحِيحُ أنَّها كانَتْ خالَتَها، أوْ مِن قَرابَةِ أُمِّها، ولَمّا وُلِدَتْ مَرْيَمُ كانَ أبُوها قَدْ ماتَ فَتَنازَعَ كَفالَتَها جَماعَةٌ مِن أحْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ حِرْصًا صفحة ٢٣٦ عَلى كَفالَةِ بِنْتِ حَبْرِهِمُ الكَبِيرِ، واقْتَرَعُوا عَلى ذَلِكَ كَما يَأْتِي، فَطارَتِ القُرْعَةُ لِزَكَرِيّاءَ، والظّاهِرُ أنَّ جَعْلَ كَفالَتِها لِلْأحْبارِ لِأنَّها مُحَرَّرَةٌ لِخِدْمَةِ المَسْجِدِ، فَيَلْزَمُ أنْ تُرَبّى تَرْبِيَةً صالِحَةً لِذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وكَفَلَها زَكَرِيّاءُ - بِتَخْفِيفِ الفاءِ مِن كَفَلَها - أيْ تَوَلّى كَفالَتَها، وقَرَأ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: وكَفَّلَها، بِتَشْدِيدِ الفاءِ أيْ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ زَكَرِيّاءَ كافِلًا لَها، وقَرَأ الجُمْهُورُ زَكَرِيّاءُ بِهَمْزَةٍ في آخِرِهِ، مَمْدُودًا وبِرَفْعِ الهَمْزَةِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ: بِالقَصْرِ، وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِالهَمْزَةِ في آخِرِهِ، ونَصَبَ الهَمْزَةَ. * * * ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّاءُ المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ . دَلَّ قَوْلُهُ: ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّاءُ المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ عَلى كَلامٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فَكانَتْ مَرْيَمُ مُلازِمَةً لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وكانَتْ تَتَعَبَّدُ بِمَكانٍ تَتَّخِذُهُ لَها مِحْرابًا، وكانَ زَكَرِيّاءُ يَتَعَهَّدُ تَعَبُّدَها فَيَرى كَرامَةً لَها أنَّ عِنْدَها ثِمارًا في غَيْرِ وقْتِ وُجُودِ صِنْفِها. و”كُلَّما“ مُرَكَّبَةٌ مِن ”كُلَّ“ الَّذِي هو اسْمٌ لِعُمُومِ ما يُضافُ هو إلَيْهِ، ومِن ”ما“ الظَّرْفِيَّةِ وصِلَتِها المُقَدَّرَةِ بِالمَصْدَرِ، والتَّقْدِيرُ: كُلَّ وقْتِ دُخُولِ زَكَرِيّاءَ عَلَيْها وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا. وانْتَصَبَ ”كُلَّ“ عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. فَجُمْلَةُ ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ حالٌ مِن زَكَرِيّاءَ في قَوْلِهِ: ﴿وكَفَلَها زَكَرِيّاءُ﴾ . صفحة ٢٣٧ ولَكَ أنْ تَجْعَلَ جُمْلَةَ ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ وكَفَلَها زَكَرِيّاءُ. والمِحْرابَ بِناءٌ يَتَّخِذُهُ أحَدٌ لِيَخْلُوَ فِيهِ بِتَعَبُّدِهِ وصَلاتِهِ، وأكْثَرُ ما يُتَّخَذُ في عُلُوٍّ يُرْتَقى إلَيْهِ بِسُلَّمٍ أوْ دَرَجٍ، وهو غَيْرُ المَسْجِدِ، وأُطْلِقَ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ إطْلاقاتٍ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ أوِ التَّوَسُّعِ، كَقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: دُمْيَةٌ عِنْدَ راهِـبٍ قِـسِّـيسٍ صَوَّرُوها في مَذْبَحِ المِحْرابِ أرادَ في مَذْبَحِ البَيْعَةِ، لِأنَّ المِحْرابَ لا يُجْعَلُ فِيهِ مَذْبَحٌ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ المِحْرابَ مُشْتَقٌّ مِنَ الحَرْبِ؛ لِأنَّ المُتَعَبِّدَ كَأنَّهُ يُحارِبُ الشَّيْطانَ فِيهِ، فَكَأنَّهم جَعَلُوا ذَلِكَ المَكانَ آلَةً لِمِحْرَبِ الشَّيْطانِ. ثُمَّ أُطْلِقَ المِحْرابُ عِنْدَ المُسْلِمِينَ عَلى مَوْضِعٍ كَشَكْلِ نِصْفِ قُبَّةٍ في طُولِ قامَةٍ ونِصْفٍ، يُجْعَلُ بِمَوْضِعِ القِبْلَةِ لِيَقِفَ فِيهِ الإمامُ لِلصَّلاةِ. وهو إطْلاقٌ مُوَلَّدٌ وأوَّلُ مِحْرابٍ في الإسْلامِ مِحْرابُ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ صُنِعَ في خِلافَةِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، مُدَّةَ إمارَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ عَلى المَدِينَةِ. والتَّعْرِيفُ في ”المِحْرابِ“ تَعْرِيفُ الجِنْسِ ويُعْلَمُ أنَّ المُرادَ مِحْرابٌ جَعَلَتْهُ مَرْيَمُ لِلتَّعَبُّدِ. وأنّى اسْتِفْهامٌ عَنِ المَكانِ، أيْ مِن أيْنَ لَكِ هَذا، فَلِذَلِكَ كانَ جَوابُ اسْتِفْهامِهِ قَوْلَها مِن عِنْدِ اللَّهِ. واسْتِفْهامُ زَكَرِيّاءَ مَرْيَمَ عَنِ الرِّزْقِ لِأنَّهُ في غَيْرِ إبّانِهِ ووَقْتِ أمْثالِهِ، قِيلَ: كانَ عِنَبًا في فَصْلِ الشِّتاءِ. والرِّزْقُ تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٢٧] . وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ مِن كَلامِ مَرْيَمَ المَحْكِيِّ. والحِسابُ في قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٢٧] بِمَعْنى الحَصْرِ؛ لِأنَّ الحِسابَ يَقْتَضِي حَصْرَ الشَّيْءِ المَحْسُوبِ بِحَيْثُ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، فالمَعْنى إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يُرِيدُ رِزْقَهُ بِما لا يُعْرَفُ مِقْدارُهُ لِأنَّهُ مَوْكُولٌ إلى فَضْلِ اللَّهِ.

آل عمران 3:38

صفحة ٢٣٨ ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّاءُ رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ . أيْ في ذَلِكَ المَكانِ، قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ، وقَدْ نَبَّهَهُ إلى الدُّعاءِ مُشاهَدَةُ خَوارِقِ العادَةِ مَعَ قَوْلِ مَرْيَمَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] والحِكْمَةُ ضالَّةُ المُؤْمِنِ، وأهْلُ النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ يَعْتَبِرُونَ بِما يَرَوْنَ ويَسْمَعُونَ، فَلِذَلِكَ عَمَدَ إلى الدُّعاءِ بِطَلَبِ الوَلَدِ في غَيْرِ إبّانِهِ، وقَدْ كانَ في حَسْرَةٍ مِن عَدَمِ الوَلَدِ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ. وأيْضًا فَقَدْ كانَ حِينَئِذٍ في مَكانٍ شَهِدَ فِيهِ فَيْضًا إلَهِيًّا. ولَمْ يَزَلْ أهْلُ الخَيْرِ يَتَوَخَّوْنَ الأمْكِنَةَ بِما حَدَثَ فِيها مِن خَيْرٍ، والأزْمِنَةَ الصّالِحَةَ كَذَلِكَ، وما هي إلّا كالذَّواتِ الصّالِحَةِ في أنَّها مَحالُّ تَجَلِّياتِ رِضا اللَّهِ. وسَألَ الذُّرِّيَّةَ الطَّيِّبَةَ لِأنَّها الَّتِي يُرْجى مِنها خَيْرُ الدُّنْيا والآخِرَةِ بِحُصُولِ الآثارِ الصّالِحَةِ النّافِعَةِ. ومُشاهَدَةُ خَوارِقِ العاداتِ خَوَّلَتْ لِزَكَرِيّاءَ الدُّعاءَ بِما هو مِنَ الخَوارِقِ، أوْ مِنَ المُسْتَبْعَداتِ، لِأنَّهُ رَأى نَفْسَهُ غَيْرَ بَعِيدٍ عَنْ عِنايَةِ اللَّهِ تَعالى، لا سِيَّما في زَمَنِ الفَيْضِ أوْ مَكانِهِ، فَلا يُعَدُّ دُعاؤُهُ بِذَلِكَ تَجاوُزًا لِحُدُودِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ عَلى نَحْوِ ما قَرَّرَهُ القَرافِيُّ في الفَرْقِ بَيْنَ ما يَجُوزُ مِنَ الدُّعاءِ وما لا يَجُوزُ. وسَمِيعٌ هُنا بِمَعْنى مُجِيبٍ.