Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — آل عمران 3:168 – آل عمران 3:200
المحتويات
- آل عمران 3:168
- آل عمران 3:169
- آل عمران 3:170
- آل عمران 3:171
- آل عمران 3:172
- آل عمران 3:173
- آل عمران 3:174
- آل عمران 3:175
- آل عمران 3:176
- آل عمران 3:177
- آل عمران 3:178
- آل عمران 3:179
- آل عمران 3:180
- آل عمران 3:181
- آل عمران 3:182
- آل عمران 3:183
- آل عمران 3:184
- آل عمران 3:185
- آل عمران 3:186
- آل عمران 3:187
- آل عمران 3:188
- آل عمران 3:189
- آل عمران 3:190
- آل عمران 3:191
- آل عمران 3:192
- آل عمران 3:193
- آل عمران 3:194
- آل عمران 3:195
- آل عمران 3:196
- آل عمران 3:197
- آل عمران 3:198
- آل عمران 3:199
- آل عمران 3:200
آل عمران 3:168
صفحة ١٦٢
﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلْإيمانِ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ وهو كَلامٌ وارِدٌ عَلى مَعْنى التَّسْلِيمِ أيْ: هَبُوا أنَّ هَذِهِ مُصِيبَةٌ، ولَمْ يَكُنْ عَنْها عِوَضٌ، فَهي بِقَدَرِ اللَّهِ، فالواجِبُ التَّسْلِيمُ، ثُمَّ رَجَعَ إلى ذِكْرِ بَعْضِ ما في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ.
وقَوْلُهُ وما أصابَكم أرادَ بِهِ عَيْنَ المُرادِ بِقَوْلِهِ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ وهي مُصِيبَةُ الهَزِيمَةِ. وإنَّما أُعِيدَ ما أصابَكم لِيُعَيِّنَ اليَوْمَ بِأنَّهُ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ. وما مَوْصُولَةٌ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: وأمّا ما أصابَكم، لِأنَّ قَوْلَهُ وما أصابَكم مَعْناهُ بَيانُ سَبَبِهِ وحِكْمَتِهِ، فَلِذَلِكَ قَرَنَ الخَبَرَ بِالفاءِ. و(يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ) هو يَوْمُ أُحُدٍ. وإنَّما لَمْ يَقُلْ وهي بِإذْنِ اللَّهِ لِأنَّ المَقْصُودَ إعْلانُ ذِكْرِ المُصِيبَةِ وأنَّها بِإذْنِ اللَّهِ إذِ المَقامُ مَقامُ إظْهارِ الحَقِيقَةِ، وأمّا التَّعْبِيرُ بِلَفْظِ ما أصابَكم دُونَ أنْ يُعادَ لَفْظُ المُصِيبَةِ فَتَفَنُّنٌ، أوْ قَصْدُ الإطْنابِ.
والإذْنُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ مَعْناهُ إذْ لا مَعْنى لِتَوَجُّهِ الإذْنِ إلى المُصِيبَةِ فَهو مَجازٌ في تَخْلِيَةِ اللَّهِ تَعالى بَيْنَ أسْبابِ المُصِيبَةِ وبَيْنَ المُصابِينَ، وعَدَمِ تَدارُكِ ذَلِكَ بِاللُّطْفِ. ووَجْهُ الشَّبَهِ أنَّ الإذْنَ تَخْلِيَةٌ بَيْنَ المَأْذُونِ ومَطْلُوبِهِ ومُرادِهِ، ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَتَّبَ الأسْبابَ والمُسَبِّباتِ في هَذا العالَمِ عَلى نِظامٍ، فَإذا جاءَتِ المُسَبَّباتُ مِن قِبَلِ أسْبابِها فَلا عَجَبَ، والمُسْلِمُونَ أقَلُّ مِنَ المُشْرِكِينَ عَدَدًا وعُدَدًا فانْتِصارُ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كَرامَةٌ لَهم، وانْهِزامُهم يَوْمَ أُحُدٍ عادَةٌ ولَيْسَ بِإهانَةٍ. فَهَذا المُرادُ بِالإذْنِ.
وقَوْلُهُ ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى فَبِإذْنِ اللَّهِ عَطَفَ العِلَّةَ عَلى السَّبَبِ. والعِلْمُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الظُّهُورِ والتَّقَرُّرِ في الخارِجِ كَقَوْلِ إياسِ بْنِ قَبِيصَةَ الطّائِيِّ:
صفحة ١٦٣
وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطُرُ بَيْنَنا لِأعْلَمَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها
أرادَ لِتَظْهِيرِ شَجاعَتِي وجُبْنِ الآخَرِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ قَرِيبًا.
و(الَّذِينَ نافَقُوا) هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ومَنِ انْخَذَلَ مَعَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وهُمُ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: ﴿تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾، قالَهُ لَهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَرامٍ الأنْصارِيُّ، والِدُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لَمّا رَأى انْخِذالَهم قالَ لَهم: اتَّقُوا اللَّهَ ولا تَتْرُكُوا نَبِيئَكم وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا. والمُرادُ بِالدَّفْعِ حِراسَةُ الجَيْشِ وهو الرِّباطُ أيِ: ادْفَعُوا عَنّا مَن يُرِيدُنا مِنَ العَدُوِّ فَلَمّا قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَرامٍ ذَلِكَ أجابَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم، أيْ لَوْ نَعْلَمُ أنَّهُ قِتالٌ، قِيلَ: أرادُوا أنَّ هَذِهِ لَيْسَ بِقِتالٍ بَلْ إلْقاءٌ بِاليَدِ إلى التَّهْلُكَةِ، وقِيلَ: أرادُوا أنَّ قُرَيْشًا لا يَنْوُونَ القِتالَ، وهَذا لا يَصِحُّ إلّا لَوْ كانَ قَوْلُهم هَذا حاصِلًا قَبْلَ انْخِذالِهِمْ، وعَلى هَذَيْنِ فالعِلْمُ بِمَعْنى التَّحَقُّقِ المُسَمّى بِالتَّصْدِيقِ عِنْدَ المَناطِقَةِ، وقِيلَ: أرادُوا لَوْ نُحْسِنُ القِتالَ لاتَّبَعْناكم. فالعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، وقَوْلُهم حِينَئِذٍ تَهَكُّمٌ وتَعَذُّرٌ.
ومَعْنى هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلْإيمانِ أنَّ ما يُشاهَدُ مِن حالِهِمْ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ دَلالَةً عَلى الكُفْرِ مِن دَلالَةِ أقْوالِهِمْ: إنّا مُسْلِمُونَ، واعْتِذارِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم. أيْ إنَّ عُذْرَهم ظاهِرُ الكَذِبِ، وإرادَةِ تَفْشِيلِ المُسْلِمِينَ، والقُرْبِ مَجازٌ في ظُهُورِ الكُفْرِ عَلَيْهِمْ.
ويَتَعَلَّقُ كُلٌّ مِنَ المَجْرُورَيْنِ في قَوْلِهِ مِنهم لِلْإيمانِ بِقَوْلِهِ أقْرَبُ لِأنَّ أقْرَبُ تَفْضِيلٌ يَقْتَضِي فاضِلًا ومَفْضُولًا. فَلا يَقَعُ لَبْسٌ في تَعْلِيقِ مَجْرُورَيْنِ بِهِ لِأنَّ السّامِعَ يَرُدُّ كُلَّ مَجْرُورٍ إلى بَعْضِ مَعْنى التَّفْضِيلِ.
وقَوْلُهُ (يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ) اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ مَغْزى هَذا الِاقْتِرابِ، لِأنَّهم يُبْدُونَ مِن حالِهِمْ أنَّهم مُؤْمِنُونَ، فَكَيْفَ جُعِلُوا إلى الكُفْرِ أقْرَبَ، فَقِيلَ: إنَّ الَّذِي يُبْدُونَهُ لَيْسَ مُوافِقًا لِما في قُلُوبِهِمْ، وفي هَذا الِاسْتِئْنافِ ما يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكُفْرِ في قَوْلِهِ هم لِلْكُفْرِ أهْلَ الكُفْرِ.
صفحة ١٦٤
وقَوْلُهُ الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ نافَقُوا أوْ صِفَةٌ لَهُ، إذا كانَ مَضْمُونُ صِلَتِهِ أشْهَرَ عِنْدَ السّامِعِينَ، إذْ لَعَلَّهم عُرِفُوا مِن قَبْلُ بِقَوْلِهِمْ فِيما تَقَدَّمَ لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا فَذَكَرَ هُنا وصْفًا لَهم لِيَتَمَيَّزُوا كَمالَ تَمْيِيزٍ. واللّامُ في لِإخْوانِهِمْ لِلتَّعْلِيلِ ولَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ، قالُوا: كَما هي فَيَقُولُهُ وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ.
والمُرادُ بِالإخْوانِ هَنا عَيْنُ المُرادِ هُناكَ، وهُمُ الخَزْرَجُ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ، وهم مِن جِلَّةِ المُؤْمِنِينَ.
وجُمْلَةُ وقَعَدُوا حالٌ مُعْتَرِضَةٌ، ومَعْنى لَوْ أطاعُونا أيِ امْتَثَلُوا إشارَتَنا في عَدَمِ الخُرُوجِ إلى أُحُدٍ، وفَعَلُوا كَما فَعَلْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ما قُتِلُوا - بِتَخْفِيفِ التّاءِ - مِنَ القَتْلِ. وقَرَأ هِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ - بِتَشْدِيدِ التّاءِ - مِنَ التَّقْتِيلِ لِلْمُبالَغَةِ في القَتْلِ، وهو يُفِيدُ مَعْنى تَفْظِيعِهِمْ ما أصابَ إخْوانَهم مِنَ القَتْلِ طَعْنًا في طاعَتِهِمُ النَّبِيءَ ﷺ .
وقَوْلُهُ ﴿قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيِ ادْرَءُوهُ عِنْدَ حُلُولِهِ، فَإنَّ مَن لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ ماتَ بِغَيْرِهِ أيْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّ سَبَبَ مَوْتِ إخْوانِكم هو عِصْيانُ أمْرِكم.
آل عمران 3:169
﴿ولا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمُ ألّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .
صفحة ١٦٥
قَوْلُهُ لا تَحْسَبَنَّ عَطْفٌ عَلى قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ نَبِيئَهُ أنْ يُجِيبَهم بِما فِيهِ تَبْكِيتُهم عَلى طَرِيقَةِ إرْخاءِ العِنانِ لَهم في ظَنِّهِمْ أنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا مِن إخْوانِهِمْ قَدْ ذَهَبُوا سُدًى، فَقِيلَ لَهم، إنَّ المَوْتَ لا مَفَرَّ مِنهُ عَلى كُلِّ حالٍ، أعْرَضَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ خِطابِهِمْ لِقِلَّةِ أهْلِيَّتِهِمْ، وأقْبَلَ عَلى خِطابِ مَن يَسْتَأْهِلُ المَعْرِفَةَ، فَقالَ ﴿ولا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ وهو إبْطالٌ لِما تَلَهَّفَ مِنهُ المُنافِقُونَ عَلى إضاعَةِ قَتْلاهم.
والخِطابُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ تَعْلِيمًا لَهُ، ولِيُعَلِّمَ المُسْلِمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جارِيًا عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في عَدَمِ إرادَةِ مُخاطَبٍ مُعَيَّنٍ.
والحُسْبانُ: الظَّنُّ فَهو نَهْيٌ عَنْ أنْ يُظَنَّ أنَّهم أمْواتٌ وبِالأحْرى يَكُونُ نَهْيًا عَنِ الجَذْمِ بِأنَّهم أمْواتٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: الَّذِينَ قُتِلُوا بِتَخْفِيفِ التّاءِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِتَشْدِيدِ التّاءِ أيْ قُتِّلُوا قَتْلًا كَثِيرًا.
وقَوْلُهُ بَلْ أحْياءٌ لِلْإضْرابِ عَنْ قَوْلِهِ ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فَلِذَلِكَ كانَ ما بَعْدَها جُمْلَةٌ غَيْرُ مُفْرَدٍ، لِأنَّها أضْرَبَتْ عَنْ حُكْمِ الجُمْلَةِ ولَمْ تُضْرِبْ عَنْ مُفْرَدٍ مِنَ الجُمْلَةِ، فالوَجْهُ في الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها أنْ تَكُونَ اسْمِيَّةً مِنَ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ والخَبَرِ الظّاهِرِ، فالتَّقْدِيرُ: بَلْ هم أحْياءٌ، ولِذَلِكَ قَرَأهُ السَّبْعَةُ - بِالرَّفْعِ -، وقُرِئَ - بِالنَّصْبِ - عَلى أنَّ الجُمْلَةَ فِعْلِيَّةٌ، والمَعْنى: بَلْ أحَسِبْتُمْ أحْياءً، وأنْكَرَها أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.
وقَدْ أثْبَتَ القُرْآنُ لِلْمُجاهِدِينَ مَوْتًا ظاهِرًا بِقَوْلِهِ قُتِلُوا، ونَفى عَنْهُمُ المَوْتَ الحَقِيقِيَّ بِقَوْلِهِ بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَعَلِمْنا أنَّهم وإنْ كانُوا أمْواتَ الأجْسامِ فَهم أحْياءُ الأرْواحِ، حَياةً زائِدَةً عَلى حَقِيقَةِ بَقاءِ الأرْواحِ، غَيْرَ مُضْمَحِلَّةٍ، بَلْ هي حَياةٌ بِمَعْنى تَحَقُّقِ آثارِ الحَياةِ لِأرْواحِهِمْ مِن حُصُولِ اللَّذّاتِ والمُدْرَكاتِ السّارَّةِ لِأنْفُسِهِمْ، ومَسَرَّتِهِمْ بِإخْوانِهِمْ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ عِنْدَ رَبِّهِمْ دَلِيلًا عَلى أنَّ حَياتَهم خاصَّةٌ بِهِمْ، لَيْسَتْ هي الحَياةُ المُتَعارَفَةُ في هَذا العالَمِ، أعْنِي حَياةَ
صفحة ١٦٦
الأجْسامِ وجَرَيانِ الدَّمِ في العُرُوقِ، ونَبَضاتِ القَلْبِ، ولا هي حَياةُ الأرْواحِ الثّابِتَةُ لِأرْواحِ جَمِيعِ النّاسِ، وكَذَلِكَ الرِّزْقُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُلائِمًا لِحَياةِ الأرْواحِ وهو رِزْقُ النَّعِيمِ في الجَنَّةِ. فَإنْ عَلَّقْنا عِنْدَ رَبِّهِمْ بِقَوْلِهِ أحْياءٌ كَما هو الظّاهِرُ، فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ عَلَّقْناهُ بِقَوْلِهِ يُرْزَقُونَ فَكَذَلِكَ، لِأنَّ هَذِهِ الحَياةَ لَمّا كانَ الرِّزْقُ النّاشِئُ عَنْها كائِنًا عِنْدَ اللَّهِ، كانَتْ حَياةً غَيْرَ مادِّيَّةٍ ولا دُنْيَوِيَّةٍ، وحِينَئِذٍ فَتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاهْتِمامِ بِكَيْنُونَةِ هَذا الرِّزْقِ. وقَوْلُهُ فَرِحِينَ حالٌ مِن ضَمِيرِ يُرْزَقُونَ.
والِاسْتِبْشارُ: حُصُولُ البِشارَةِ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى واسْتَغْنى اللَّهُ وقَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهم بَيْنَ المَسَرَّةِ بِأنْفُسِهِمْ والمَسَرَّةِ بِمَن بَقِيَ مِن إخْوانِهِمْ، لِأنَّ في بَقائِهِمْ نِكايَةً لِأعْدائِهِمْ، وهم مَعَ حُصُولِ فَضْلِ الشَّهادَةِ لَهم عَلى أيْدِي الأعْداءِ يَتَمَنَّوْنَ هَلاكَ أعْدائِهِمْ، لِأنَّ في هَلاكِهِمْ تَحْقِيقَ أُمْنِيَّةٍ أُخْرى لَهم وهي أُمْنِيَّةُ نَصْرِ الدِّينِ.
فالمُرادُ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ رُفَقاؤُهُمُ الَّذِينَ كانُوا يُجاهِدُونَ مَعَهم، ومَعْنى لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ لَمْ يُسْتَشْهَدُوا فَيَصِيرُوا إلى الحَياةِ الآخِرَةِ.
و(مِن خَلْفِهِمْ) تَمْثِيلٌ بِمَعْنى مِن بَعْدِهِمْ، والتَّقْدِيرُ: ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَصِيرُوا إلى الدّارِ الآخِرَةِ مِن رِفاقِهِمْ بِأمْنِهِمْ وانْتِفاءِ ما يُحْزِنُهم. وقَوْلُهُ ألّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ بَدَلُ اشْتِمالٍ، و(لا) عامِلَةٌ عَمَلَ لَيْسَ ومُفِيدَةٌ مَعْناها، ولَمْ يُبْنَ اسْمُ لا عَلى الفَتْحِ هُنا لِظُهُورِ أنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ الجِنْسِ ولا احْتِمالَ لِنَفْيِ الوَحْدَةِ فَلا حاجَةَ لِبِناءِ النَّكِرَةِ عَلى الفَتْحِ، وهو كَقَوْلِ إحْدى نِساءِ حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ «زَوْجِي كَلَيْلِ تِهامَهْ، لا حَرٌّ ولا قُرٌّ ولا مَخافَةٌ ولا سَآمَهْ» بِرَفْعِ الأسْماءِ النَّكِراتِ الثَّلاثَةِ.
وفِي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ أرْواحَ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ مُنِحَتِ الكَشْفَ عَلى ما يَسُرُّها مِن أحْوالِ الَّذِينَ يَهُمُّهم شَأْنُهم في الدُّنْيا. وأنَّ هَذا الكَشْفَ ثابِتٌ لِجَمِيعِ الشُّهَداءِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وقَدْ يَكُونُ خاصًّا بِالأحْوالِ السّارَّةِ لِأنَّها لَذَّةٌ لَها. وقَدْ يَكُونُ عامًّا لِجَمِيعِ الأحْوالِ لِأنَّ لَذَّةَ الأرْواحِ تَحْصُلُ بِالمَعْرِفَةِ، عَلى أنَّ الإمامَ الرّازِيَّ حَصَرَ اللَّذَّةَ الحَقِيقِيَّةَ في المَعارِفِ. وهي لَذَّةُ الحُكَماءِ بِمَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ، ولَوْ كانَتْ سَيِّئَةً.
وفِي الآيَةِ بِشارَةٌ لِأصْحابِ أُحُدٍ الأحْياءِ بِأنَّهم لا تَلْحَقُهم نَكْبَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ.
صفحة ١٦٧
وضَمِيرُ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ أيْ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا حُزْنٌ فَهم مُسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَكْرِيرًا لِقَوْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا والضَّمِيرُ لِـ (الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ)، وفائِدَةُ التَّكْرِيرِ تَحْقِيقُ مَعْنى البِشارَةِ كَقَوْلِهِ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا فَكَرَّرَ أغْوَيْناهم، ولِأنَّ هَذا اسْتِبْشارٌ مِنهُ عائِدٌ لِأنْفُسِهِمْ، ومِنهُ عائِدٌ لِرِفاقِهِمُ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ مِن بَعْدِ القَرْحِ، والأُولى عائِدَةٌ لِإخْوانِهِمْ. والنِّعْمَةُ: هي ما يَكُونُ بِهِ صَلاحٌ، والفَضْلُ: الزِّيادَةُ في النِّعْمَةِ.
وقَوْلُهُ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى نِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ تَفْخِيمُ ما حَصَلَ لَهم مِنَ الِاسْتِبْشارِ وانْشِراحِ الأنْفُسِ بِأنْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُمُ المَسَرَّةَ الجُثْمانِيَّةَ الجُزْئِيَّةَ والمَسَرَّةَ العَقْلِيَّةَ الكُلِّيَّةَ، فَإنَّ إدْراكَ الحَقائِقِ الكُلِّيَّةِ لَذَّةٌ رُوحانِيَّةٌ عَظِيمَةٌ لِشَرَفِ الحَقائِقِ الكُلِّيَّةِ، وشَرَفِ العِلْمِ بِها، وحُصُولِ المَسَرَّةِ لِلنَّفْسِ مِنَ انْكِشافِها لَها وإدْراكِها، أيِ اسْتَبْشَرُوا بِأنْ عَلِمُوا حَقِيقَةً كُلِّيَّةً وسِرًّا جَلِيلًا مِن أسْرارِ العِلْمِ بِصِفاتِ اللَّهِ وكَمالاتِهِ، الَّتِي تَعُمُّ آثارُها أهْلَ الكَمالِ كُلَّهم، فَتَشْمَلُ الَّذِينَ أدْرَكُوها وغَيْرَهم، ولَوْلا هَذا المَعْنى الجَلِيلُ لَمْ يَكُنْ داعٍ إلى زِيادَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ إذْ لَمْ يَحْصُلْ بِزِيادَتِهِ زِيادَةُ نِعْمَةٍ وفَضْلٍ لِلْمُسْتَبْشِرِينَ مِن جِنْسِ النِّعْمَةِ والفَضْلِ الأوَّلَيْنِ، بَلْ حَصَلَتْ نِعْمَةٌ وفَضْلٌ آخَرانِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنَّ) عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ يَسْتَبْشِرُونَ في مَعْنى التَّذْيِيلِ فَهو غَيْرُ داخِلٍ فِيما اسْتَبْشَرَ بِهِ الشُّهَداءُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ ابْتِداءَ كَلامٍ، فَتَكُونَ الواوُ لِلِاسْتِئْنافِ.
وجُمْلَةُ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ وهَذِهِ الِاسْتِجابَةُ تُشِيرُ إلى ما وقَعَ إثْرَ أُحُدٍ مِنَ الإرْجافِ بِأنَّ المُشْرِكِينَ، بَعْدَ أنْ بَلَغُوا الرَّوْحاءَ، خَطَرَ لَهم أنْ لَوْ لَحِقُوا المُسْلِمِينَ فاسْتَأْصَلُوهم. وقَدْ مَرَّ ذِكْرُ هَذا وما وقَعَ لِمَعْبَدِ بْنِ أبِي مَعْبَدٍ الخُزاعِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ
صفحة ١٦٨
تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٩] . وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في القَرْحِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ﴾ [آل عمران: ١٤٠] . والظّاهِرُ أنَّهُ هُنا القَرْحُ المَجازِيُّ، ولِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ فَيُقالُ القُرُوحُ.
آل عمران 3:170
﴿ولا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمُ ألّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .
صفحة ١٦٥
قَوْلُهُ لا تَحْسَبَنَّ عَطْفٌ عَلى قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ نَبِيئَهُ أنْ يُجِيبَهم بِما فِيهِ تَبْكِيتُهم عَلى طَرِيقَةِ إرْخاءِ العِنانِ لَهم في ظَنِّهِمْ أنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا مِن إخْوانِهِمْ قَدْ ذَهَبُوا سُدًى، فَقِيلَ لَهم، إنَّ المَوْتَ لا مَفَرَّ مِنهُ عَلى كُلِّ حالٍ، أعْرَضَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ خِطابِهِمْ لِقِلَّةِ أهْلِيَّتِهِمْ، وأقْبَلَ عَلى خِطابِ مَن يَسْتَأْهِلُ المَعْرِفَةَ، فَقالَ ﴿ولا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ وهو إبْطالٌ لِما تَلَهَّفَ مِنهُ المُنافِقُونَ عَلى إضاعَةِ قَتْلاهم.
والخِطابُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ تَعْلِيمًا لَهُ، ولِيُعَلِّمَ المُسْلِمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جارِيًا عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في عَدَمِ إرادَةِ مُخاطَبٍ مُعَيَّنٍ.
والحُسْبانُ: الظَّنُّ فَهو نَهْيٌ عَنْ أنْ يُظَنَّ أنَّهم أمْواتٌ وبِالأحْرى يَكُونُ نَهْيًا عَنِ الجَذْمِ بِأنَّهم أمْواتٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: الَّذِينَ قُتِلُوا بِتَخْفِيفِ التّاءِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِتَشْدِيدِ التّاءِ أيْ قُتِّلُوا قَتْلًا كَثِيرًا.
وقَوْلُهُ بَلْ أحْياءٌ لِلْإضْرابِ عَنْ قَوْلِهِ ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فَلِذَلِكَ كانَ ما بَعْدَها جُمْلَةٌ غَيْرُ مُفْرَدٍ، لِأنَّها أضْرَبَتْ عَنْ حُكْمِ الجُمْلَةِ ولَمْ تُضْرِبْ عَنْ مُفْرَدٍ مِنَ الجُمْلَةِ، فالوَجْهُ في الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها أنْ تَكُونَ اسْمِيَّةً مِنَ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ والخَبَرِ الظّاهِرِ، فالتَّقْدِيرُ: بَلْ هم أحْياءٌ، ولِذَلِكَ قَرَأهُ السَّبْعَةُ - بِالرَّفْعِ -، وقُرِئَ - بِالنَّصْبِ - عَلى أنَّ الجُمْلَةَ فِعْلِيَّةٌ، والمَعْنى: بَلْ أحَسِبْتُمْ أحْياءً، وأنْكَرَها أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.
وقَدْ أثْبَتَ القُرْآنُ لِلْمُجاهِدِينَ مَوْتًا ظاهِرًا بِقَوْلِهِ قُتِلُوا، ونَفى عَنْهُمُ المَوْتَ الحَقِيقِيَّ بِقَوْلِهِ بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَعَلِمْنا أنَّهم وإنْ كانُوا أمْواتَ الأجْسامِ فَهم أحْياءُ الأرْواحِ، حَياةً زائِدَةً عَلى حَقِيقَةِ بَقاءِ الأرْواحِ، غَيْرَ مُضْمَحِلَّةٍ، بَلْ هي حَياةٌ بِمَعْنى تَحَقُّقِ آثارِ الحَياةِ لِأرْواحِهِمْ مِن حُصُولِ اللَّذّاتِ والمُدْرَكاتِ السّارَّةِ لِأنْفُسِهِمْ، ومَسَرَّتِهِمْ بِإخْوانِهِمْ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ عِنْدَ رَبِّهِمْ دَلِيلًا عَلى أنَّ حَياتَهم خاصَّةٌ بِهِمْ، لَيْسَتْ هي الحَياةُ المُتَعارَفَةُ في هَذا العالَمِ، أعْنِي حَياةَ
صفحة ١٦٦
الأجْسامِ وجَرَيانِ الدَّمِ في العُرُوقِ، ونَبَضاتِ القَلْبِ، ولا هي حَياةُ الأرْواحِ الثّابِتَةُ لِأرْواحِ جَمِيعِ النّاسِ، وكَذَلِكَ الرِّزْقُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُلائِمًا لِحَياةِ الأرْواحِ وهو رِزْقُ النَّعِيمِ في الجَنَّةِ. فَإنْ عَلَّقْنا عِنْدَ رَبِّهِمْ بِقَوْلِهِ أحْياءٌ كَما هو الظّاهِرُ، فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ عَلَّقْناهُ بِقَوْلِهِ يُرْزَقُونَ فَكَذَلِكَ، لِأنَّ هَذِهِ الحَياةَ لَمّا كانَ الرِّزْقُ النّاشِئُ عَنْها كائِنًا عِنْدَ اللَّهِ، كانَتْ حَياةً غَيْرَ مادِّيَّةٍ ولا دُنْيَوِيَّةٍ، وحِينَئِذٍ فَتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاهْتِمامِ بِكَيْنُونَةِ هَذا الرِّزْقِ. وقَوْلُهُ فَرِحِينَ حالٌ مِن ضَمِيرِ يُرْزَقُونَ.
والِاسْتِبْشارُ: حُصُولُ البِشارَةِ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى واسْتَغْنى اللَّهُ وقَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهم بَيْنَ المَسَرَّةِ بِأنْفُسِهِمْ والمَسَرَّةِ بِمَن بَقِيَ مِن إخْوانِهِمْ، لِأنَّ في بَقائِهِمْ نِكايَةً لِأعْدائِهِمْ، وهم مَعَ حُصُولِ فَضْلِ الشَّهادَةِ لَهم عَلى أيْدِي الأعْداءِ يَتَمَنَّوْنَ هَلاكَ أعْدائِهِمْ، لِأنَّ في هَلاكِهِمْ تَحْقِيقَ أُمْنِيَّةٍ أُخْرى لَهم وهي أُمْنِيَّةُ نَصْرِ الدِّينِ.
فالمُرادُ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ رُفَقاؤُهُمُ الَّذِينَ كانُوا يُجاهِدُونَ مَعَهم، ومَعْنى لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ لَمْ يُسْتَشْهَدُوا فَيَصِيرُوا إلى الحَياةِ الآخِرَةِ.
و(مِن خَلْفِهِمْ) تَمْثِيلٌ بِمَعْنى مِن بَعْدِهِمْ، والتَّقْدِيرُ: ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَصِيرُوا إلى الدّارِ الآخِرَةِ مِن رِفاقِهِمْ بِأمْنِهِمْ وانْتِفاءِ ما يُحْزِنُهم. وقَوْلُهُ ألّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ بَدَلُ اشْتِمالٍ، و(لا) عامِلَةٌ عَمَلَ لَيْسَ ومُفِيدَةٌ مَعْناها، ولَمْ يُبْنَ اسْمُ لا عَلى الفَتْحِ هُنا لِظُهُورِ أنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ الجِنْسِ ولا احْتِمالَ لِنَفْيِ الوَحْدَةِ فَلا حاجَةَ لِبِناءِ النَّكِرَةِ عَلى الفَتْحِ، وهو كَقَوْلِ إحْدى نِساءِ حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ «زَوْجِي كَلَيْلِ تِهامَهْ، لا حَرٌّ ولا قُرٌّ ولا مَخافَةٌ ولا سَآمَهْ» بِرَفْعِ الأسْماءِ النَّكِراتِ الثَّلاثَةِ.
وفِي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ أرْواحَ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ مُنِحَتِ الكَشْفَ عَلى ما يَسُرُّها مِن أحْوالِ الَّذِينَ يَهُمُّهم شَأْنُهم في الدُّنْيا. وأنَّ هَذا الكَشْفَ ثابِتٌ لِجَمِيعِ الشُّهَداءِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وقَدْ يَكُونُ خاصًّا بِالأحْوالِ السّارَّةِ لِأنَّها لَذَّةٌ لَها. وقَدْ يَكُونُ عامًّا لِجَمِيعِ الأحْوالِ لِأنَّ لَذَّةَ الأرْواحِ تَحْصُلُ بِالمَعْرِفَةِ، عَلى أنَّ الإمامَ الرّازِيَّ حَصَرَ اللَّذَّةَ الحَقِيقِيَّةَ في المَعارِفِ. وهي لَذَّةُ الحُكَماءِ بِمَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ، ولَوْ كانَتْ سَيِّئَةً.
وفِي الآيَةِ بِشارَةٌ لِأصْحابِ أُحُدٍ الأحْياءِ بِأنَّهم لا تَلْحَقُهم نَكْبَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ.
صفحة ١٦٧
وضَمِيرُ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ أيْ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا حُزْنٌ فَهم مُسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَكْرِيرًا لِقَوْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا والضَّمِيرُ لِـ (الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ)، وفائِدَةُ التَّكْرِيرِ تَحْقِيقُ مَعْنى البِشارَةِ كَقَوْلِهِ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا فَكَرَّرَ أغْوَيْناهم، ولِأنَّ هَذا اسْتِبْشارٌ مِنهُ عائِدٌ لِأنْفُسِهِمْ، ومِنهُ عائِدٌ لِرِفاقِهِمُ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ مِن بَعْدِ القَرْحِ، والأُولى عائِدَةٌ لِإخْوانِهِمْ. والنِّعْمَةُ: هي ما يَكُونُ بِهِ صَلاحٌ، والفَضْلُ: الزِّيادَةُ في النِّعْمَةِ.
وقَوْلُهُ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى نِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ تَفْخِيمُ ما حَصَلَ لَهم مِنَ الِاسْتِبْشارِ وانْشِراحِ الأنْفُسِ بِأنْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُمُ المَسَرَّةَ الجُثْمانِيَّةَ الجُزْئِيَّةَ والمَسَرَّةَ العَقْلِيَّةَ الكُلِّيَّةَ، فَإنَّ إدْراكَ الحَقائِقِ الكُلِّيَّةِ لَذَّةٌ رُوحانِيَّةٌ عَظِيمَةٌ لِشَرَفِ الحَقائِقِ الكُلِّيَّةِ، وشَرَفِ العِلْمِ بِها، وحُصُولِ المَسَرَّةِ لِلنَّفْسِ مِنَ انْكِشافِها لَها وإدْراكِها، أيِ اسْتَبْشَرُوا بِأنْ عَلِمُوا حَقِيقَةً كُلِّيَّةً وسِرًّا جَلِيلًا مِن أسْرارِ العِلْمِ بِصِفاتِ اللَّهِ وكَمالاتِهِ، الَّتِي تَعُمُّ آثارُها أهْلَ الكَمالِ كُلَّهم، فَتَشْمَلُ الَّذِينَ أدْرَكُوها وغَيْرَهم، ولَوْلا هَذا المَعْنى الجَلِيلُ لَمْ يَكُنْ داعٍ إلى زِيادَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ إذْ لَمْ يَحْصُلْ بِزِيادَتِهِ زِيادَةُ نِعْمَةٍ وفَضْلٍ لِلْمُسْتَبْشِرِينَ مِن جِنْسِ النِّعْمَةِ والفَضْلِ الأوَّلَيْنِ، بَلْ حَصَلَتْ نِعْمَةٌ وفَضْلٌ آخَرانِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنَّ) عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ يَسْتَبْشِرُونَ في مَعْنى التَّذْيِيلِ فَهو غَيْرُ داخِلٍ فِيما اسْتَبْشَرَ بِهِ الشُّهَداءُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ ابْتِداءَ كَلامٍ، فَتَكُونَ الواوُ لِلِاسْتِئْنافِ.
وجُمْلَةُ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ وهَذِهِ الِاسْتِجابَةُ تُشِيرُ إلى ما وقَعَ إثْرَ أُحُدٍ مِنَ الإرْجافِ بِأنَّ المُشْرِكِينَ، بَعْدَ أنْ بَلَغُوا الرَّوْحاءَ، خَطَرَ لَهم أنْ لَوْ لَحِقُوا المُسْلِمِينَ فاسْتَأْصَلُوهم. وقَدْ مَرَّ ذِكْرُ هَذا وما وقَعَ لِمَعْبَدِ بْنِ أبِي مَعْبَدٍ الخُزاعِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ
صفحة ١٦٨
تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٩] . وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في القَرْحِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ﴾ [آل عمران: ١٤٠] . والظّاهِرُ أنَّهُ هُنا القَرْحُ المَجازِيُّ، ولِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ فَيُقالُ القُرُوحُ.
آل عمران 3:171
﴿ولا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمُ ألّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .
صفحة ١٦٥
قَوْلُهُ لا تَحْسَبَنَّ عَطْفٌ عَلى قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ نَبِيئَهُ أنْ يُجِيبَهم بِما فِيهِ تَبْكِيتُهم عَلى طَرِيقَةِ إرْخاءِ العِنانِ لَهم في ظَنِّهِمْ أنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا مِن إخْوانِهِمْ قَدْ ذَهَبُوا سُدًى، فَقِيلَ لَهم، إنَّ المَوْتَ لا مَفَرَّ مِنهُ عَلى كُلِّ حالٍ، أعْرَضَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ خِطابِهِمْ لِقِلَّةِ أهْلِيَّتِهِمْ، وأقْبَلَ عَلى خِطابِ مَن يَسْتَأْهِلُ المَعْرِفَةَ، فَقالَ ﴿ولا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ وهو إبْطالٌ لِما تَلَهَّفَ مِنهُ المُنافِقُونَ عَلى إضاعَةِ قَتْلاهم.
والخِطابُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ تَعْلِيمًا لَهُ، ولِيُعَلِّمَ المُسْلِمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جارِيًا عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في عَدَمِ إرادَةِ مُخاطَبٍ مُعَيَّنٍ.
والحُسْبانُ: الظَّنُّ فَهو نَهْيٌ عَنْ أنْ يُظَنَّ أنَّهم أمْواتٌ وبِالأحْرى يَكُونُ نَهْيًا عَنِ الجَذْمِ بِأنَّهم أمْواتٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: الَّذِينَ قُتِلُوا بِتَخْفِيفِ التّاءِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِتَشْدِيدِ التّاءِ أيْ قُتِّلُوا قَتْلًا كَثِيرًا.
وقَوْلُهُ بَلْ أحْياءٌ لِلْإضْرابِ عَنْ قَوْلِهِ ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فَلِذَلِكَ كانَ ما بَعْدَها جُمْلَةٌ غَيْرُ مُفْرَدٍ، لِأنَّها أضْرَبَتْ عَنْ حُكْمِ الجُمْلَةِ ولَمْ تُضْرِبْ عَنْ مُفْرَدٍ مِنَ الجُمْلَةِ، فالوَجْهُ في الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها أنْ تَكُونَ اسْمِيَّةً مِنَ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ والخَبَرِ الظّاهِرِ، فالتَّقْدِيرُ: بَلْ هم أحْياءٌ، ولِذَلِكَ قَرَأهُ السَّبْعَةُ - بِالرَّفْعِ -، وقُرِئَ - بِالنَّصْبِ - عَلى أنَّ الجُمْلَةَ فِعْلِيَّةٌ، والمَعْنى: بَلْ أحَسِبْتُمْ أحْياءً، وأنْكَرَها أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.
وقَدْ أثْبَتَ القُرْآنُ لِلْمُجاهِدِينَ مَوْتًا ظاهِرًا بِقَوْلِهِ قُتِلُوا، ونَفى عَنْهُمُ المَوْتَ الحَقِيقِيَّ بِقَوْلِهِ بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَعَلِمْنا أنَّهم وإنْ كانُوا أمْواتَ الأجْسامِ فَهم أحْياءُ الأرْواحِ، حَياةً زائِدَةً عَلى حَقِيقَةِ بَقاءِ الأرْواحِ، غَيْرَ مُضْمَحِلَّةٍ، بَلْ هي حَياةٌ بِمَعْنى تَحَقُّقِ آثارِ الحَياةِ لِأرْواحِهِمْ مِن حُصُولِ اللَّذّاتِ والمُدْرَكاتِ السّارَّةِ لِأنْفُسِهِمْ، ومَسَرَّتِهِمْ بِإخْوانِهِمْ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ عِنْدَ رَبِّهِمْ دَلِيلًا عَلى أنَّ حَياتَهم خاصَّةٌ بِهِمْ، لَيْسَتْ هي الحَياةُ المُتَعارَفَةُ في هَذا العالَمِ، أعْنِي حَياةَ
صفحة ١٦٦
الأجْسامِ وجَرَيانِ الدَّمِ في العُرُوقِ، ونَبَضاتِ القَلْبِ، ولا هي حَياةُ الأرْواحِ الثّابِتَةُ لِأرْواحِ جَمِيعِ النّاسِ، وكَذَلِكَ الرِّزْقُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُلائِمًا لِحَياةِ الأرْواحِ وهو رِزْقُ النَّعِيمِ في الجَنَّةِ. فَإنْ عَلَّقْنا عِنْدَ رَبِّهِمْ بِقَوْلِهِ أحْياءٌ كَما هو الظّاهِرُ، فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ عَلَّقْناهُ بِقَوْلِهِ يُرْزَقُونَ فَكَذَلِكَ، لِأنَّ هَذِهِ الحَياةَ لَمّا كانَ الرِّزْقُ النّاشِئُ عَنْها كائِنًا عِنْدَ اللَّهِ، كانَتْ حَياةً غَيْرَ مادِّيَّةٍ ولا دُنْيَوِيَّةٍ، وحِينَئِذٍ فَتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاهْتِمامِ بِكَيْنُونَةِ هَذا الرِّزْقِ. وقَوْلُهُ فَرِحِينَ حالٌ مِن ضَمِيرِ يُرْزَقُونَ.
والِاسْتِبْشارُ: حُصُولُ البِشارَةِ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى واسْتَغْنى اللَّهُ وقَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهم بَيْنَ المَسَرَّةِ بِأنْفُسِهِمْ والمَسَرَّةِ بِمَن بَقِيَ مِن إخْوانِهِمْ، لِأنَّ في بَقائِهِمْ نِكايَةً لِأعْدائِهِمْ، وهم مَعَ حُصُولِ فَضْلِ الشَّهادَةِ لَهم عَلى أيْدِي الأعْداءِ يَتَمَنَّوْنَ هَلاكَ أعْدائِهِمْ، لِأنَّ في هَلاكِهِمْ تَحْقِيقَ أُمْنِيَّةٍ أُخْرى لَهم وهي أُمْنِيَّةُ نَصْرِ الدِّينِ.
فالمُرادُ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ رُفَقاؤُهُمُ الَّذِينَ كانُوا يُجاهِدُونَ مَعَهم، ومَعْنى لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ لَمْ يُسْتَشْهَدُوا فَيَصِيرُوا إلى الحَياةِ الآخِرَةِ.
و(مِن خَلْفِهِمْ) تَمْثِيلٌ بِمَعْنى مِن بَعْدِهِمْ، والتَّقْدِيرُ: ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَصِيرُوا إلى الدّارِ الآخِرَةِ مِن رِفاقِهِمْ بِأمْنِهِمْ وانْتِفاءِ ما يُحْزِنُهم. وقَوْلُهُ ألّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ بَدَلُ اشْتِمالٍ، و(لا) عامِلَةٌ عَمَلَ لَيْسَ ومُفِيدَةٌ مَعْناها، ولَمْ يُبْنَ اسْمُ لا عَلى الفَتْحِ هُنا لِظُهُورِ أنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ الجِنْسِ ولا احْتِمالَ لِنَفْيِ الوَحْدَةِ فَلا حاجَةَ لِبِناءِ النَّكِرَةِ عَلى الفَتْحِ، وهو كَقَوْلِ إحْدى نِساءِ حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ «زَوْجِي كَلَيْلِ تِهامَهْ، لا حَرٌّ ولا قُرٌّ ولا مَخافَةٌ ولا سَآمَهْ» بِرَفْعِ الأسْماءِ النَّكِراتِ الثَّلاثَةِ.
وفِي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ أرْواحَ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ مُنِحَتِ الكَشْفَ عَلى ما يَسُرُّها مِن أحْوالِ الَّذِينَ يَهُمُّهم شَأْنُهم في الدُّنْيا. وأنَّ هَذا الكَشْفَ ثابِتٌ لِجَمِيعِ الشُّهَداءِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وقَدْ يَكُونُ خاصًّا بِالأحْوالِ السّارَّةِ لِأنَّها لَذَّةٌ لَها. وقَدْ يَكُونُ عامًّا لِجَمِيعِ الأحْوالِ لِأنَّ لَذَّةَ الأرْواحِ تَحْصُلُ بِالمَعْرِفَةِ، عَلى أنَّ الإمامَ الرّازِيَّ حَصَرَ اللَّذَّةَ الحَقِيقِيَّةَ في المَعارِفِ. وهي لَذَّةُ الحُكَماءِ بِمَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ، ولَوْ كانَتْ سَيِّئَةً.
وفِي الآيَةِ بِشارَةٌ لِأصْحابِ أُحُدٍ الأحْياءِ بِأنَّهم لا تَلْحَقُهم نَكْبَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ.
صفحة ١٦٧
وضَمِيرُ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ أيْ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا حُزْنٌ فَهم مُسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَكْرِيرًا لِقَوْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا والضَّمِيرُ لِـ (الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ)، وفائِدَةُ التَّكْرِيرِ تَحْقِيقُ مَعْنى البِشارَةِ كَقَوْلِهِ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا فَكَرَّرَ أغْوَيْناهم، ولِأنَّ هَذا اسْتِبْشارٌ مِنهُ عائِدٌ لِأنْفُسِهِمْ، ومِنهُ عائِدٌ لِرِفاقِهِمُ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ مِن بَعْدِ القَرْحِ، والأُولى عائِدَةٌ لِإخْوانِهِمْ. والنِّعْمَةُ: هي ما يَكُونُ بِهِ صَلاحٌ، والفَضْلُ: الزِّيادَةُ في النِّعْمَةِ.
وقَوْلُهُ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى نِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ تَفْخِيمُ ما حَصَلَ لَهم مِنَ الِاسْتِبْشارِ وانْشِراحِ الأنْفُسِ بِأنْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُمُ المَسَرَّةَ الجُثْمانِيَّةَ الجُزْئِيَّةَ والمَسَرَّةَ العَقْلِيَّةَ الكُلِّيَّةَ، فَإنَّ إدْراكَ الحَقائِقِ الكُلِّيَّةِ لَذَّةٌ رُوحانِيَّةٌ عَظِيمَةٌ لِشَرَفِ الحَقائِقِ الكُلِّيَّةِ، وشَرَفِ العِلْمِ بِها، وحُصُولِ المَسَرَّةِ لِلنَّفْسِ مِنَ انْكِشافِها لَها وإدْراكِها، أيِ اسْتَبْشَرُوا بِأنْ عَلِمُوا حَقِيقَةً كُلِّيَّةً وسِرًّا جَلِيلًا مِن أسْرارِ العِلْمِ بِصِفاتِ اللَّهِ وكَمالاتِهِ، الَّتِي تَعُمُّ آثارُها أهْلَ الكَمالِ كُلَّهم، فَتَشْمَلُ الَّذِينَ أدْرَكُوها وغَيْرَهم، ولَوْلا هَذا المَعْنى الجَلِيلُ لَمْ يَكُنْ داعٍ إلى زِيادَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ إذْ لَمْ يَحْصُلْ بِزِيادَتِهِ زِيادَةُ نِعْمَةٍ وفَضْلٍ لِلْمُسْتَبْشِرِينَ مِن جِنْسِ النِّعْمَةِ والفَضْلِ الأوَّلَيْنِ، بَلْ حَصَلَتْ نِعْمَةٌ وفَضْلٌ آخَرانِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنَّ) عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ يَسْتَبْشِرُونَ في مَعْنى التَّذْيِيلِ فَهو غَيْرُ داخِلٍ فِيما اسْتَبْشَرَ بِهِ الشُّهَداءُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ ابْتِداءَ كَلامٍ، فَتَكُونَ الواوُ لِلِاسْتِئْنافِ.
وجُمْلَةُ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ وهَذِهِ الِاسْتِجابَةُ تُشِيرُ إلى ما وقَعَ إثْرَ أُحُدٍ مِنَ الإرْجافِ بِأنَّ المُشْرِكِينَ، بَعْدَ أنْ بَلَغُوا الرَّوْحاءَ، خَطَرَ لَهم أنْ لَوْ لَحِقُوا المُسْلِمِينَ فاسْتَأْصَلُوهم. وقَدْ مَرَّ ذِكْرُ هَذا وما وقَعَ لِمَعْبَدِ بْنِ أبِي مَعْبَدٍ الخُزاعِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ
صفحة ١٦٨
تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٩] . وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في القَرْحِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ﴾ [آل عمران: ١٤٠] . والظّاهِرُ أنَّهُ هُنا القَرْحُ المَجازِيُّ، ولِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ فَيُقالُ القُرُوحُ.
آل عمران 3:172
﴿ولا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمُ ألّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .
صفحة ١٦٥
قَوْلُهُ لا تَحْسَبَنَّ عَطْفٌ عَلى قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ نَبِيئَهُ أنْ يُجِيبَهم بِما فِيهِ تَبْكِيتُهم عَلى طَرِيقَةِ إرْخاءِ العِنانِ لَهم في ظَنِّهِمْ أنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا مِن إخْوانِهِمْ قَدْ ذَهَبُوا سُدًى، فَقِيلَ لَهم، إنَّ المَوْتَ لا مَفَرَّ مِنهُ عَلى كُلِّ حالٍ، أعْرَضَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ خِطابِهِمْ لِقِلَّةِ أهْلِيَّتِهِمْ، وأقْبَلَ عَلى خِطابِ مَن يَسْتَأْهِلُ المَعْرِفَةَ، فَقالَ ﴿ولا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ وهو إبْطالٌ لِما تَلَهَّفَ مِنهُ المُنافِقُونَ عَلى إضاعَةِ قَتْلاهم.
والخِطابُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ تَعْلِيمًا لَهُ، ولِيُعَلِّمَ المُسْلِمِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جارِيًا عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في عَدَمِ إرادَةِ مُخاطَبٍ مُعَيَّنٍ.
والحُسْبانُ: الظَّنُّ فَهو نَهْيٌ عَنْ أنْ يُظَنَّ أنَّهم أمْواتٌ وبِالأحْرى يَكُونُ نَهْيًا عَنِ الجَذْمِ بِأنَّهم أمْواتٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: الَّذِينَ قُتِلُوا بِتَخْفِيفِ التّاءِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِتَشْدِيدِ التّاءِ أيْ قُتِّلُوا قَتْلًا كَثِيرًا.
وقَوْلُهُ بَلْ أحْياءٌ لِلْإضْرابِ عَنْ قَوْلِهِ ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فَلِذَلِكَ كانَ ما بَعْدَها جُمْلَةٌ غَيْرُ مُفْرَدٍ، لِأنَّها أضْرَبَتْ عَنْ حُكْمِ الجُمْلَةِ ولَمْ تُضْرِبْ عَنْ مُفْرَدٍ مِنَ الجُمْلَةِ، فالوَجْهُ في الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها أنْ تَكُونَ اسْمِيَّةً مِنَ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ والخَبَرِ الظّاهِرِ، فالتَّقْدِيرُ: بَلْ هم أحْياءٌ، ولِذَلِكَ قَرَأهُ السَّبْعَةُ - بِالرَّفْعِ -، وقُرِئَ - بِالنَّصْبِ - عَلى أنَّ الجُمْلَةَ فِعْلِيَّةٌ، والمَعْنى: بَلْ أحَسِبْتُمْ أحْياءً، وأنْكَرَها أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.
وقَدْ أثْبَتَ القُرْآنُ لِلْمُجاهِدِينَ مَوْتًا ظاهِرًا بِقَوْلِهِ قُتِلُوا، ونَفى عَنْهُمُ المَوْتَ الحَقِيقِيَّ بِقَوْلِهِ بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَعَلِمْنا أنَّهم وإنْ كانُوا أمْواتَ الأجْسامِ فَهم أحْياءُ الأرْواحِ، حَياةً زائِدَةً عَلى حَقِيقَةِ بَقاءِ الأرْواحِ، غَيْرَ مُضْمَحِلَّةٍ، بَلْ هي حَياةٌ بِمَعْنى تَحَقُّقِ آثارِ الحَياةِ لِأرْواحِهِمْ مِن حُصُولِ اللَّذّاتِ والمُدْرَكاتِ السّارَّةِ لِأنْفُسِهِمْ، ومَسَرَّتِهِمْ بِإخْوانِهِمْ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ عِنْدَ رَبِّهِمْ دَلِيلًا عَلى أنَّ حَياتَهم خاصَّةٌ بِهِمْ، لَيْسَتْ هي الحَياةُ المُتَعارَفَةُ في هَذا العالَمِ، أعْنِي حَياةَ
صفحة ١٦٦
الأجْسامِ وجَرَيانِ الدَّمِ في العُرُوقِ، ونَبَضاتِ القَلْبِ، ولا هي حَياةُ الأرْواحِ الثّابِتَةُ لِأرْواحِ جَمِيعِ النّاسِ، وكَذَلِكَ الرِّزْقُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُلائِمًا لِحَياةِ الأرْواحِ وهو رِزْقُ النَّعِيمِ في الجَنَّةِ. فَإنْ عَلَّقْنا عِنْدَ رَبِّهِمْ بِقَوْلِهِ أحْياءٌ كَما هو الظّاهِرُ، فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ عَلَّقْناهُ بِقَوْلِهِ يُرْزَقُونَ فَكَذَلِكَ، لِأنَّ هَذِهِ الحَياةَ لَمّا كانَ الرِّزْقُ النّاشِئُ عَنْها كائِنًا عِنْدَ اللَّهِ، كانَتْ حَياةً غَيْرَ مادِّيَّةٍ ولا دُنْيَوِيَّةٍ، وحِينَئِذٍ فَتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاهْتِمامِ بِكَيْنُونَةِ هَذا الرِّزْقِ. وقَوْلُهُ فَرِحِينَ حالٌ مِن ضَمِيرِ يُرْزَقُونَ.
والِاسْتِبْشارُ: حُصُولُ البِشارَةِ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى واسْتَغْنى اللَّهُ وقَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهم بَيْنَ المَسَرَّةِ بِأنْفُسِهِمْ والمَسَرَّةِ بِمَن بَقِيَ مِن إخْوانِهِمْ، لِأنَّ في بَقائِهِمْ نِكايَةً لِأعْدائِهِمْ، وهم مَعَ حُصُولِ فَضْلِ الشَّهادَةِ لَهم عَلى أيْدِي الأعْداءِ يَتَمَنَّوْنَ هَلاكَ أعْدائِهِمْ، لِأنَّ في هَلاكِهِمْ تَحْقِيقَ أُمْنِيَّةٍ أُخْرى لَهم وهي أُمْنِيَّةُ نَصْرِ الدِّينِ.
فالمُرادُ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ رُفَقاؤُهُمُ الَّذِينَ كانُوا يُجاهِدُونَ مَعَهم، ومَعْنى لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ لَمْ يُسْتَشْهَدُوا فَيَصِيرُوا إلى الحَياةِ الآخِرَةِ.
و(مِن خَلْفِهِمْ) تَمْثِيلٌ بِمَعْنى مِن بَعْدِهِمْ، والتَّقْدِيرُ: ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَصِيرُوا إلى الدّارِ الآخِرَةِ مِن رِفاقِهِمْ بِأمْنِهِمْ وانْتِفاءِ ما يُحْزِنُهم. وقَوْلُهُ ألّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ بَدَلُ اشْتِمالٍ، و(لا) عامِلَةٌ عَمَلَ لَيْسَ ومُفِيدَةٌ مَعْناها، ولَمْ يُبْنَ اسْمُ لا عَلى الفَتْحِ هُنا لِظُهُورِ أنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ الجِنْسِ ولا احْتِمالَ لِنَفْيِ الوَحْدَةِ فَلا حاجَةَ لِبِناءِ النَّكِرَةِ عَلى الفَتْحِ، وهو كَقَوْلِ إحْدى نِساءِ حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ «زَوْجِي كَلَيْلِ تِهامَهْ، لا حَرٌّ ولا قُرٌّ ولا مَخافَةٌ ولا سَآمَهْ» بِرَفْعِ الأسْماءِ النَّكِراتِ الثَّلاثَةِ.
وفِي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ أرْواحَ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ مُنِحَتِ الكَشْفَ عَلى ما يَسُرُّها مِن أحْوالِ الَّذِينَ يَهُمُّهم شَأْنُهم في الدُّنْيا. وأنَّ هَذا الكَشْفَ ثابِتٌ لِجَمِيعِ الشُّهَداءِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وقَدْ يَكُونُ خاصًّا بِالأحْوالِ السّارَّةِ لِأنَّها لَذَّةٌ لَها. وقَدْ يَكُونُ عامًّا لِجَمِيعِ الأحْوالِ لِأنَّ لَذَّةَ الأرْواحِ تَحْصُلُ بِالمَعْرِفَةِ، عَلى أنَّ الإمامَ الرّازِيَّ حَصَرَ اللَّذَّةَ الحَقِيقِيَّةَ في المَعارِفِ. وهي لَذَّةُ الحُكَماءِ بِمَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ، ولَوْ كانَتْ سَيِّئَةً.
وفِي الآيَةِ بِشارَةٌ لِأصْحابِ أُحُدٍ الأحْياءِ بِأنَّهم لا تَلْحَقُهم نَكْبَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ.
صفحة ١٦٧
وضَمِيرُ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ أيْ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا حُزْنٌ فَهم مُسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَكْرِيرًا لِقَوْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا والضَّمِيرُ لِـ (الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ)، وفائِدَةُ التَّكْرِيرِ تَحْقِيقُ مَعْنى البِشارَةِ كَقَوْلِهِ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا فَكَرَّرَ أغْوَيْناهم، ولِأنَّ هَذا اسْتِبْشارٌ مِنهُ عائِدٌ لِأنْفُسِهِمْ، ومِنهُ عائِدٌ لِرِفاقِهِمُ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ مِن بَعْدِ القَرْحِ، والأُولى عائِدَةٌ لِإخْوانِهِمْ. والنِّعْمَةُ: هي ما يَكُونُ بِهِ صَلاحٌ، والفَضْلُ: الزِّيادَةُ في النِّعْمَةِ.
وقَوْلُهُ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى نِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ تَفْخِيمُ ما حَصَلَ لَهم مِنَ الِاسْتِبْشارِ وانْشِراحِ الأنْفُسِ بِأنْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُمُ المَسَرَّةَ الجُثْمانِيَّةَ الجُزْئِيَّةَ والمَسَرَّةَ العَقْلِيَّةَ الكُلِّيَّةَ، فَإنَّ إدْراكَ الحَقائِقِ الكُلِّيَّةِ لَذَّةٌ رُوحانِيَّةٌ عَظِيمَةٌ لِشَرَفِ الحَقائِقِ الكُلِّيَّةِ، وشَرَفِ العِلْمِ بِها، وحُصُولِ المَسَرَّةِ لِلنَّفْسِ مِنَ انْكِشافِها لَها وإدْراكِها، أيِ اسْتَبْشَرُوا بِأنْ عَلِمُوا حَقِيقَةً كُلِّيَّةً وسِرًّا جَلِيلًا مِن أسْرارِ العِلْمِ بِصِفاتِ اللَّهِ وكَمالاتِهِ، الَّتِي تَعُمُّ آثارُها أهْلَ الكَمالِ كُلَّهم، فَتَشْمَلُ الَّذِينَ أدْرَكُوها وغَيْرَهم، ولَوْلا هَذا المَعْنى الجَلِيلُ لَمْ يَكُنْ داعٍ إلى زِيادَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ إذْ لَمْ يَحْصُلْ بِزِيادَتِهِ زِيادَةُ نِعْمَةٍ وفَضْلٍ لِلْمُسْتَبْشِرِينَ مِن جِنْسِ النِّعْمَةِ والفَضْلِ الأوَّلَيْنِ، بَلْ حَصَلَتْ نِعْمَةٌ وفَضْلٌ آخَرانِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنَّ) عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ يَسْتَبْشِرُونَ في مَعْنى التَّذْيِيلِ فَهو غَيْرُ داخِلٍ فِيما اسْتَبْشَرَ بِهِ الشُّهَداءُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ ابْتِداءَ كَلامٍ، فَتَكُونَ الواوُ لِلِاسْتِئْنافِ.
وجُمْلَةُ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ وهَذِهِ الِاسْتِجابَةُ تُشِيرُ إلى ما وقَعَ إثْرَ أُحُدٍ مِنَ الإرْجافِ بِأنَّ المُشْرِكِينَ، بَعْدَ أنْ بَلَغُوا الرَّوْحاءَ، خَطَرَ لَهم أنْ لَوْ لَحِقُوا المُسْلِمِينَ فاسْتَأْصَلُوهم. وقَدْ مَرَّ ذِكْرُ هَذا وما وقَعَ لِمَعْبَدِ بْنِ أبِي مَعْبَدٍ الخُزاعِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ
صفحة ١٦٨
تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٩] . وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في القَرْحِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ﴾ [آل عمران: ١٤٠] . والظّاهِرُ أنَّهُ هُنا القَرْحُ المَجازِيُّ، ولِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ فَيُقالُ القُرُوحُ.
آل عمران 3:173
﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إلى آخِرِهِ، بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ أوْ صِفَةً لَهُ، أوْ صِفَةً ثانِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ عَلى طَرِيقَةِ تَرْكِ العَطْفِ في الأخْبارِ. وإنَّما جِيءَ بِإعادَةِ المَوْصُولِ، دُونَ أنْ تُعْطَفَ الصِّلَةُ عَلى الصِّلَةِ، اهْتِمامًا بِشَأْنِ هَذِهِ الصِّلَةِ الثّانِيَةِ حَتّى لا تَكُونَ كَجُزْءِ صِلَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ كَلامٍ مُسْتَأْنَفٍ، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ قَوْلُهُ إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ أيْ ذَلِكَ القَوْلُ، كَما سَيَأْتِي. وهَذا تَخَلُّصٌ بِذِكْرِ شَأْنٍ مِن شُئُونِ المُسْلِمِينَ كَفاهُمُ اللَّهُ بِهِ بَأْسَ عَدُوِّهِمْ بَعْدَ يَوْمِ أُحُدٍ بِعامٍ، إنْجازًا لِوَعْدِهِمْ مَعَ أبِي سُفْيانَ إذْ قالَ: مَوْعِدُكم بَدْرٌ في العامِ القابِلِ، وكانَ أبُو سُفْيانَ قَدْ كَرِهَ الخُرُوجَ إلى لِقاءِ المُسْلِمِينَ في ذَلِكَ الأجَلِ، وكادَ لِلْمُسْلِمِينَ لِيُظْهِرَ إخْلافَ الوَعْدِ مِنهم لِيَجْعَلَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى الإرْجافِ بَيْنَ العَرَبِ بِضَعْفِ المُسْلِمِينَ، فَجاعَلَ رَكْبًا مِن عَبْدِ القَيْسِ مارِّينَ بِمَرِّ الظَّهْرانِ قُرْبَ مَكَّةَ قاصِدِينَ المَدِينَةَ لِلْمِيرَةِ، أنْ يُخْبِرُوا المُسْلِمِينَ بِأنَّ قُرَيْشًا جَمَعُوا لَهم جَيْشًا عَظِيمًا، وكانَ مَعَ الرَّكْبِ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ، فَأخْبَرَ نُعَيْمٌ ومَن مَعَهُ المُسْلِمِينَ بِذَلِكَ فَزادَ ذَلِكَ المُسْلِمِينَ اسْتِعْدادًا وحَمِيَّةً لِلدِّينِ، وخَرَجُوا إلى المَوْعِدِ
صفحة ١٦٩
وهُوَ بَدْرٌ فَلَمْ يَجِدُوا المُشْرِكِينَ وانْتَظَرُوهم هُناكَ، وكانَتْ هُنالِكَ سُوقٌ فاتَّجَرُوا ورَجَعُوا سالِمِينَ غَيْرَ مَذْمُومِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ أيِ الرَّكْبُ العَبْدِيُّونَ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم أيْ إنَّ قُرَيْشًا قَدْ جَمَعُوا لَكم. وحَذَفَ مَفْعُولَ جَمَعُوا أيْ جَمَعُوا أنْفُسَهم وعَدَدَهم وأحْلافَهم كَما فَعَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ الأوَّلِ.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ وأهْلُ العَرَبِيَّةِ: إنَّ لَفْظَ النّاسَ هُنا أُطْلِقَ عَلى نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ وأبِي سُفْيانَ، وجَعَلُوهُ شاهِدًا عَلى اسْتِعْمالِ النّاسِ بِمَعْنى الواحِدِ والآيَةُ تَحْتَمِلُهُ، وإطْلاقُ لَفْظِ النّاسَ مُرادًا بِهِ واحِدٌ أوْ نَحْوُهُ مُسْتَعْمَلٌ لِقَصْدِ الإبْهامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤] قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي بِـ (النّاسَ) مُحَمَّدًا ﷺ .
وقَوْلُهُ فَزادَهم إيمانًا أيْ زادَهم قَوْلُ النّاسِ، فَضَمِيرُ الرَّفْعِ المُسْتَتِرِ في فَزادَهُمُ عائِدٌ إلى القَوْلِ المُسْتَفادِ مِن فِعْلِ قالَ لَهُمُ النّاسُ أوْ عائِدٌ إلى النّاسُ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ القَوْلُ مُرادًا بِهِ تَخْوِيفُ المُسْلِمِينَ ورُجُوعِهِمْ عَنْ قَصْدِهِمْ. وحَصَلَ مِنهُ خِلافُ ما أرادَ بِهِ المُشْرِكُونَ، جَعَلَ ما حَصَلَ بِهِ زائِدًا في إيمانِ المُسْلِمِينَ. فالظّاهِرُ أنَّ الإيمانَ أُطْلِقَ هُنا عَلى العَمَلِ، أيِ العَزْمِ عَلى النَّصْرِ والجِهادِ وهو بِهَذا المَعْنى يَزِيدُ ويَنْقُصُ ومَسْألَةُ زِيادَةِ الإيمانِ ونَقْصِهِ مَسْألَةٌ قَدِيمَةٌ، والخِلافُ فِيها مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الأعْمالَ يُطْلَقُ عَلَيْها اسْمُ الإيمانِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] يَعْنِي صَلاتَكم. أمّا التَّصْدِيقُ القَلْبِيُّ وهو عَقْدُ القَلْبِ عَلى إثْباتِ وُجُودِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وبَعْثِهِ الرُّسُلَ وصِدْقِ الرَّسُولِ، فَلا يَقْبَلُ النَّقْصَ، ولا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ، ولِذَلِكَ لا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في هَذا المَعْنى، وإنَّما هو خِلافٌ مَبْنِيٌّ عَلى اللَّفْظِ، غَيْرَ أنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأخْلاقِ أنَّ الِاعْتِقادَ الجازِمَ إذا تَكَرَّرَتْ أدِلَّتُهُ، أوْ طالَ زَمانُهُ، أوْ قارَنَتْهُ التَّجارِبُ، يَزْدادُ جَلاءً وانْكِشافًا، وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالمَلَكَةِ، فَلَعَلَّ هَذا المَعْنى مِمّا يُرادُ بِالزِّيادَةِ، بِقَرِينَةِ أنَّ القُرْآنَ لَمْ يُطْلِقْ وصْفَ النَّقْصِ في الإيمانِ بَلْ ما ذَكَرَ إلّا الزِّيادَةَ، وقَدْ قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.
صفحة ١٧٠
وقَوْلُهم ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ كَلِمَةٌ لَعَلَّهم أُلْهَمُوها أوْ تَلَقَّوْها عَنِ النَّبِيءِ ﷺ . وحَسْبُ: أيْ كافٍ، وهو اسْمٌ جامِدٌ بِمَعْنى الوَصْفِ لَيْسَ لَهُ فِعْلٌ، قالُوا: ومِنهُ اسْمُهُ تَعالى الحَسِيبُ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ. وقِيلَ: الإحْسابُ هو الإكْفاءُ، وقِيلَ: هو اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى كَفى، وهو ظاهِرُ القامُوسِ. ورَدَّهُ ابْنُ هِشامٍ في تَوْضِيحِهِ بِأنَّ دُخُولَ العَوامِلِ عَلَيْهِ نَحْوَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ، وقَوْلُهم: بِحَبْسِكَ دِرْهَمٌ، يُنافِي دَعْوى كَوْنِهِ اسْمَ فِعْلٍ لِأنَّ أسْماءَ الأفْعالِ لا تَدْخُلُ عَلَيْها العَوامِلُ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ، وهو ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. وهو مِنَ الأسْماءِ اللّازِمَةِ لِلْإضافَةِ لَفْظًا دُونَ مَعْنًى، فَيُبْنى عَلى الضَّمِّ مِثْلُ: قَبْلُ وبَعْدُ، كَقَوْلِهِمْ: اعْطِهِ دِرْهَمَيْنِ فَحَسْبُ، ويَتَجَدَّدُ لَهُ مَعْنى حِينَئِذٍ فَيَكُونُ بِمَعْنى لا غَيْرَ. وإضافَتُهُ لا تُفِيدُهُ تَعْرِيضًا لِأنَّهُ في قُوَّةِ المُشْتَقِّ ولِذَلِكَ تُوصَفُ بِهِ النَّكِرَةُ، وهو مُلازِمُ الإفْرادِ والتَّذْكِيرِ فَلا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ ولا يُؤَنَّثُ لِأنَّهُ لَجُمُودِهِ شابَهَ المَصْدَرَ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا كانَ اسْمَ فِعْلٍ فَهو كالمَصْدَرِ، أوْ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وهو شَأْنُ المَصادِرِ، ومَعْناها: إنَّهُمُ اكْتَفَوْا بِاللَّهِ ناصِرًا وإنْ كانُوا في قِلَّةٍ وضَعْفٍ.
وجُمْلَةُ ونِعْمَ الوَكِيلُ مَعْطُوفَةٌ عَلى حَسْبُنا اللَّهُ في كَلامِ القائِلِينَ، فالواوُ مِنَ المَحْكِيِّ لا مِنَ الحِكايَةِ، وهو مِن عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ الَّذِي لا تُطْلَبُ فِيهِ إلّا المُناسَبَةُ.
والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ لِتَقَدُّمِ دَلِيلِهِ.
و(الوَكِيلُ) فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ مَوْكُولٍ إلَيْهِ. يُقالُ: وكَلَ حاجَتَهُ إلى فُلانٍ إذا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ في قَضائِها وفَوَّضَ إلَيْهِ تَحْصِيلَها، ويُقالُ لِلَّذِي لا يَسْتَطِيعُ القِيامَ بِشُئُونِهِ بِنَفْسِهِ: رَجُلٌ وكَلٌ - بِفَتْحَتَيْنِ - أيْ كَثِيرُ الِاعْتِمادِ عَلى غَيْرِهِ، فالوَكِيلُ هو القائِمُ بِشَأْنِ مَن وكَّلَهُ، وهَذا القِيامُ بِشَأْنِ المُوَكِّلِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأحْوالِ المُوَكَّلِ فِيها، وبِذَلِكَ الِاخْتِلافِ يَخْتَلِفُ مَعْنى الوَكِيلُ، فَإنْ كانَ القِيامُ في دَفْعِ العَداءِ والجَوْرِ فالوَكِيلُ النّاصِرُ والمُدافِعُ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ، ومِنهُ فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمَّنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا. ومِنهُ الوَكِيلُ في الخُصُومَةِ، وإنْ كانَ في شُئُونِ الحَياةِ فالوَكِيلُ الكافِلُ والكافِي ومِنهُ
صفحة ١٧١
أنْ لا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا كَما قالَ وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا ولِذَلِكَ كانَ مِن أسْمائِهِ تَعالى: الوَكِيلُ، وقَوْلُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ ومِنهُ الوَكِيلُ عَلى المالِ، ولِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلى هَذا المَعْنى أيْضًا اسْمُ الكَفِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا. وقَدْ حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الوَكِيلَ عَلى ما يَشْمَلُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ في سُورَةِ الأنْعامِ، فَقالَ: وهو مالِكٌ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأرْزاقِ والآجالِ رَقِيبٌ عَلى الأعْمالِ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَكِيلَ اسْمٌ جامِعٌ لِلرَّقِيبِ والحافِظِ في الأُمُورِ الَّتِي يُعْنى النّاسُ بِحِفْظِها ورِقابَتِها وادِّخارِها، ولِذَلِكَ يَتَقَيَّدُ ويَتَعَمَّمُ بِحَسَبِ المَقاماتِ.
وقَوْلُهُ فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعْقِيبٌ لِلْإخْبارِ عَنْ ثَباتِ إيمانِهِمْ وقَوْلِهِمْ: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، وهو تَعْقِيبٌ لِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ فانْقَلَبُوا، لِأنَّ الِانْقِلابَ يَقْتَضِي أنَّهم خَرَجُوا لِلِقاءِ العَدُوِّ الَّذِي بَلَغَ عَنْهم أنَّهم جَمَعُوا لَهم ولَمْ يَعْبَئُوا بِتَخْوِيفِ الشَّيْطانِ، والتَّقْدِيرُ: فَخَرَجُوا فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ.
والباءُ لِلْمُلابَسَةِ أيْ مُلابِسِينَ لِنِعْمَةٍ وفَضْلٍ مِنَ اللَّهِ. فالنِّعْمَةُ هي ما أخَذُوهُ مِنَ الأمْوالِ، والفَضْلُ فَضْلُ الجِهادِ. ومَعْنى لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ لَمْ يُلاقُوا حَرْبًا مَعَ المُشْرِكِينَ.
وجُمْلَةُ إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ إمّا اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ إنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ بَدَلًا أوْ صِفَةً كَما تَقَدَّمَ، وإمّا خَبَرٌ عَنِ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ مُبْتَدَأً، والتَّقْدِيرُ: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إلى آخِرِهِ إنَّما مَقالُهم يُخَوِّفُ الشَّيْطانُ بِهِ. ورابِطُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالمُبْتَدَأِ، وهو الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ.
ثُمَّ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكم إمّا عائِدٌ إلى المَقالِ فَلَفْظُ الشَّيْطانِ عَلى هَذا مُبْتَدَأٌ ثانٍ، ولَفْظُهُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ المَقالَ ناشِئٌ
صفحة ١٧٢
عَنْ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ في نُفُوسِ الَّذِينَ دَبَّرُوا مَكِيدَةَ الإرْجافِ بِتِلْكَ المَقالَةِ لِتَخْوِيفِ المُسْلِمِينَ بِواسِطَةِ رَكْبِ عَبْدِ القَيْسِ.
وإمّا أنْ تَعُودَ الإشارَةُ إلى النّاسُ مِن قَوْلِهِ قالَ لَهُمُ النّاسُ لِأنَّ النّاسَ مُؤَوَّلٌ بِشَخْصٍ، أعْنِي نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ، فالشَّيْطانُ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ مِنَ اسْمِ الإشارَةِ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ شَيْطانٍ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ.
وقَوْلُهُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ تَقْدِيرُهُ يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ، فَحَذَفَ المَفْعُولَ الأوَّلَ يُخَوِّفُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ فَلا تَخافُوهم فَإنَّ ”خَوَّفَ“ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ إذْ هو مُضاعَفُ خافَ المُجَرَّدِ، وخافَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ فَصارَ بِالتَّضْعِيفِ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ مِن بابِ كَسا كَما قالَ تَعالى ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ.
وضَمِيرُ فَلا تَخافُوهم عَلى هَذا يَعُودُ إلى أوْلِياءَهُ. وجُمْلَةُ وخافُونِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ فَلا تَخافُوهم وجُمْلَةِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ شَرْطٌ مُؤَخَّرٌ تَقَدَّمَ دَلِيلُ جَوابِهِ، وهو تَذْكِيرٌ وإحْماءٌ لِإيمانِهِمْ، وإلّا فَقَدْ عُلِمَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ حَقًّا.
آل عمران 3:174
﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إلى آخِرِهِ، بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ أوْ صِفَةً لَهُ، أوْ صِفَةً ثانِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ عَلى طَرِيقَةِ تَرْكِ العَطْفِ في الأخْبارِ. وإنَّما جِيءَ بِإعادَةِ المَوْصُولِ، دُونَ أنْ تُعْطَفَ الصِّلَةُ عَلى الصِّلَةِ، اهْتِمامًا بِشَأْنِ هَذِهِ الصِّلَةِ الثّانِيَةِ حَتّى لا تَكُونَ كَجُزْءِ صِلَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ كَلامٍ مُسْتَأْنَفٍ، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ قَوْلُهُ إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ أيْ ذَلِكَ القَوْلُ، كَما سَيَأْتِي. وهَذا تَخَلُّصٌ بِذِكْرِ شَأْنٍ مِن شُئُونِ المُسْلِمِينَ كَفاهُمُ اللَّهُ بِهِ بَأْسَ عَدُوِّهِمْ بَعْدَ يَوْمِ أُحُدٍ بِعامٍ، إنْجازًا لِوَعْدِهِمْ مَعَ أبِي سُفْيانَ إذْ قالَ: مَوْعِدُكم بَدْرٌ في العامِ القابِلِ، وكانَ أبُو سُفْيانَ قَدْ كَرِهَ الخُرُوجَ إلى لِقاءِ المُسْلِمِينَ في ذَلِكَ الأجَلِ، وكادَ لِلْمُسْلِمِينَ لِيُظْهِرَ إخْلافَ الوَعْدِ مِنهم لِيَجْعَلَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى الإرْجافِ بَيْنَ العَرَبِ بِضَعْفِ المُسْلِمِينَ، فَجاعَلَ رَكْبًا مِن عَبْدِ القَيْسِ مارِّينَ بِمَرِّ الظَّهْرانِ قُرْبَ مَكَّةَ قاصِدِينَ المَدِينَةَ لِلْمِيرَةِ، أنْ يُخْبِرُوا المُسْلِمِينَ بِأنَّ قُرَيْشًا جَمَعُوا لَهم جَيْشًا عَظِيمًا، وكانَ مَعَ الرَّكْبِ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ، فَأخْبَرَ نُعَيْمٌ ومَن مَعَهُ المُسْلِمِينَ بِذَلِكَ فَزادَ ذَلِكَ المُسْلِمِينَ اسْتِعْدادًا وحَمِيَّةً لِلدِّينِ، وخَرَجُوا إلى المَوْعِدِ
صفحة ١٦٩
وهُوَ بَدْرٌ فَلَمْ يَجِدُوا المُشْرِكِينَ وانْتَظَرُوهم هُناكَ، وكانَتْ هُنالِكَ سُوقٌ فاتَّجَرُوا ورَجَعُوا سالِمِينَ غَيْرَ مَذْمُومِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ أيِ الرَّكْبُ العَبْدِيُّونَ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم أيْ إنَّ قُرَيْشًا قَدْ جَمَعُوا لَكم. وحَذَفَ مَفْعُولَ جَمَعُوا أيْ جَمَعُوا أنْفُسَهم وعَدَدَهم وأحْلافَهم كَما فَعَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ الأوَّلِ.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ وأهْلُ العَرَبِيَّةِ: إنَّ لَفْظَ النّاسَ هُنا أُطْلِقَ عَلى نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ وأبِي سُفْيانَ، وجَعَلُوهُ شاهِدًا عَلى اسْتِعْمالِ النّاسِ بِمَعْنى الواحِدِ والآيَةُ تَحْتَمِلُهُ، وإطْلاقُ لَفْظِ النّاسَ مُرادًا بِهِ واحِدٌ أوْ نَحْوُهُ مُسْتَعْمَلٌ لِقَصْدِ الإبْهامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤] قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي بِـ (النّاسَ) مُحَمَّدًا ﷺ .
وقَوْلُهُ فَزادَهم إيمانًا أيْ زادَهم قَوْلُ النّاسِ، فَضَمِيرُ الرَّفْعِ المُسْتَتِرِ في فَزادَهُمُ عائِدٌ إلى القَوْلِ المُسْتَفادِ مِن فِعْلِ قالَ لَهُمُ النّاسُ أوْ عائِدٌ إلى النّاسُ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ القَوْلُ مُرادًا بِهِ تَخْوِيفُ المُسْلِمِينَ ورُجُوعِهِمْ عَنْ قَصْدِهِمْ. وحَصَلَ مِنهُ خِلافُ ما أرادَ بِهِ المُشْرِكُونَ، جَعَلَ ما حَصَلَ بِهِ زائِدًا في إيمانِ المُسْلِمِينَ. فالظّاهِرُ أنَّ الإيمانَ أُطْلِقَ هُنا عَلى العَمَلِ، أيِ العَزْمِ عَلى النَّصْرِ والجِهادِ وهو بِهَذا المَعْنى يَزِيدُ ويَنْقُصُ ومَسْألَةُ زِيادَةِ الإيمانِ ونَقْصِهِ مَسْألَةٌ قَدِيمَةٌ، والخِلافُ فِيها مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الأعْمالَ يُطْلَقُ عَلَيْها اسْمُ الإيمانِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] يَعْنِي صَلاتَكم. أمّا التَّصْدِيقُ القَلْبِيُّ وهو عَقْدُ القَلْبِ عَلى إثْباتِ وُجُودِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وبَعْثِهِ الرُّسُلَ وصِدْقِ الرَّسُولِ، فَلا يَقْبَلُ النَّقْصَ، ولا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ، ولِذَلِكَ لا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في هَذا المَعْنى، وإنَّما هو خِلافٌ مَبْنِيٌّ عَلى اللَّفْظِ، غَيْرَ أنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأخْلاقِ أنَّ الِاعْتِقادَ الجازِمَ إذا تَكَرَّرَتْ أدِلَّتُهُ، أوْ طالَ زَمانُهُ، أوْ قارَنَتْهُ التَّجارِبُ، يَزْدادُ جَلاءً وانْكِشافًا، وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالمَلَكَةِ، فَلَعَلَّ هَذا المَعْنى مِمّا يُرادُ بِالزِّيادَةِ، بِقَرِينَةِ أنَّ القُرْآنَ لَمْ يُطْلِقْ وصْفَ النَّقْصِ في الإيمانِ بَلْ ما ذَكَرَ إلّا الزِّيادَةَ، وقَدْ قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.
صفحة ١٧٠
وقَوْلُهم ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ كَلِمَةٌ لَعَلَّهم أُلْهَمُوها أوْ تَلَقَّوْها عَنِ النَّبِيءِ ﷺ . وحَسْبُ: أيْ كافٍ، وهو اسْمٌ جامِدٌ بِمَعْنى الوَصْفِ لَيْسَ لَهُ فِعْلٌ، قالُوا: ومِنهُ اسْمُهُ تَعالى الحَسِيبُ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ. وقِيلَ: الإحْسابُ هو الإكْفاءُ، وقِيلَ: هو اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى كَفى، وهو ظاهِرُ القامُوسِ. ورَدَّهُ ابْنُ هِشامٍ في تَوْضِيحِهِ بِأنَّ دُخُولَ العَوامِلِ عَلَيْهِ نَحْوَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ، وقَوْلُهم: بِحَبْسِكَ دِرْهَمٌ، يُنافِي دَعْوى كَوْنِهِ اسْمَ فِعْلٍ لِأنَّ أسْماءَ الأفْعالِ لا تَدْخُلُ عَلَيْها العَوامِلُ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ، وهو ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. وهو مِنَ الأسْماءِ اللّازِمَةِ لِلْإضافَةِ لَفْظًا دُونَ مَعْنًى، فَيُبْنى عَلى الضَّمِّ مِثْلُ: قَبْلُ وبَعْدُ، كَقَوْلِهِمْ: اعْطِهِ دِرْهَمَيْنِ فَحَسْبُ، ويَتَجَدَّدُ لَهُ مَعْنى حِينَئِذٍ فَيَكُونُ بِمَعْنى لا غَيْرَ. وإضافَتُهُ لا تُفِيدُهُ تَعْرِيضًا لِأنَّهُ في قُوَّةِ المُشْتَقِّ ولِذَلِكَ تُوصَفُ بِهِ النَّكِرَةُ، وهو مُلازِمُ الإفْرادِ والتَّذْكِيرِ فَلا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ ولا يُؤَنَّثُ لِأنَّهُ لَجُمُودِهِ شابَهَ المَصْدَرَ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا كانَ اسْمَ فِعْلٍ فَهو كالمَصْدَرِ، أوْ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وهو شَأْنُ المَصادِرِ، ومَعْناها: إنَّهُمُ اكْتَفَوْا بِاللَّهِ ناصِرًا وإنْ كانُوا في قِلَّةٍ وضَعْفٍ.
وجُمْلَةُ ونِعْمَ الوَكِيلُ مَعْطُوفَةٌ عَلى حَسْبُنا اللَّهُ في كَلامِ القائِلِينَ، فالواوُ مِنَ المَحْكِيِّ لا مِنَ الحِكايَةِ، وهو مِن عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ الَّذِي لا تُطْلَبُ فِيهِ إلّا المُناسَبَةُ.
والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ لِتَقَدُّمِ دَلِيلِهِ.
و(الوَكِيلُ) فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ مَوْكُولٍ إلَيْهِ. يُقالُ: وكَلَ حاجَتَهُ إلى فُلانٍ إذا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ في قَضائِها وفَوَّضَ إلَيْهِ تَحْصِيلَها، ويُقالُ لِلَّذِي لا يَسْتَطِيعُ القِيامَ بِشُئُونِهِ بِنَفْسِهِ: رَجُلٌ وكَلٌ - بِفَتْحَتَيْنِ - أيْ كَثِيرُ الِاعْتِمادِ عَلى غَيْرِهِ، فالوَكِيلُ هو القائِمُ بِشَأْنِ مَن وكَّلَهُ، وهَذا القِيامُ بِشَأْنِ المُوَكِّلِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأحْوالِ المُوَكَّلِ فِيها، وبِذَلِكَ الِاخْتِلافِ يَخْتَلِفُ مَعْنى الوَكِيلُ، فَإنْ كانَ القِيامُ في دَفْعِ العَداءِ والجَوْرِ فالوَكِيلُ النّاصِرُ والمُدافِعُ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ، ومِنهُ فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمَّنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا. ومِنهُ الوَكِيلُ في الخُصُومَةِ، وإنْ كانَ في شُئُونِ الحَياةِ فالوَكِيلُ الكافِلُ والكافِي ومِنهُ
صفحة ١٧١
أنْ لا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا كَما قالَ وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا ولِذَلِكَ كانَ مِن أسْمائِهِ تَعالى: الوَكِيلُ، وقَوْلُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ ومِنهُ الوَكِيلُ عَلى المالِ، ولِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلى هَذا المَعْنى أيْضًا اسْمُ الكَفِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا. وقَدْ حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الوَكِيلَ عَلى ما يَشْمَلُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ في سُورَةِ الأنْعامِ، فَقالَ: وهو مالِكٌ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأرْزاقِ والآجالِ رَقِيبٌ عَلى الأعْمالِ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَكِيلَ اسْمٌ جامِعٌ لِلرَّقِيبِ والحافِظِ في الأُمُورِ الَّتِي يُعْنى النّاسُ بِحِفْظِها ورِقابَتِها وادِّخارِها، ولِذَلِكَ يَتَقَيَّدُ ويَتَعَمَّمُ بِحَسَبِ المَقاماتِ.
وقَوْلُهُ فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعْقِيبٌ لِلْإخْبارِ عَنْ ثَباتِ إيمانِهِمْ وقَوْلِهِمْ: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، وهو تَعْقِيبٌ لِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ فانْقَلَبُوا، لِأنَّ الِانْقِلابَ يَقْتَضِي أنَّهم خَرَجُوا لِلِقاءِ العَدُوِّ الَّذِي بَلَغَ عَنْهم أنَّهم جَمَعُوا لَهم ولَمْ يَعْبَئُوا بِتَخْوِيفِ الشَّيْطانِ، والتَّقْدِيرُ: فَخَرَجُوا فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ.
والباءُ لِلْمُلابَسَةِ أيْ مُلابِسِينَ لِنِعْمَةٍ وفَضْلٍ مِنَ اللَّهِ. فالنِّعْمَةُ هي ما أخَذُوهُ مِنَ الأمْوالِ، والفَضْلُ فَضْلُ الجِهادِ. ومَعْنى لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ لَمْ يُلاقُوا حَرْبًا مَعَ المُشْرِكِينَ.
وجُمْلَةُ إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ إمّا اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ إنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ بَدَلًا أوْ صِفَةً كَما تَقَدَّمَ، وإمّا خَبَرٌ عَنِ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ مُبْتَدَأً، والتَّقْدِيرُ: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إلى آخِرِهِ إنَّما مَقالُهم يُخَوِّفُ الشَّيْطانُ بِهِ. ورابِطُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالمُبْتَدَأِ، وهو الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ.
ثُمَّ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكم إمّا عائِدٌ إلى المَقالِ فَلَفْظُ الشَّيْطانِ عَلى هَذا مُبْتَدَأٌ ثانٍ، ولَفْظُهُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ المَقالَ ناشِئٌ
صفحة ١٧٢
عَنْ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ في نُفُوسِ الَّذِينَ دَبَّرُوا مَكِيدَةَ الإرْجافِ بِتِلْكَ المَقالَةِ لِتَخْوِيفِ المُسْلِمِينَ بِواسِطَةِ رَكْبِ عَبْدِ القَيْسِ.
وإمّا أنْ تَعُودَ الإشارَةُ إلى النّاسُ مِن قَوْلِهِ قالَ لَهُمُ النّاسُ لِأنَّ النّاسَ مُؤَوَّلٌ بِشَخْصٍ، أعْنِي نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ، فالشَّيْطانُ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ مِنَ اسْمِ الإشارَةِ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ شَيْطانٍ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ.
وقَوْلُهُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ تَقْدِيرُهُ يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ، فَحَذَفَ المَفْعُولَ الأوَّلَ يُخَوِّفُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ فَلا تَخافُوهم فَإنَّ ”خَوَّفَ“ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ إذْ هو مُضاعَفُ خافَ المُجَرَّدِ، وخافَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ فَصارَ بِالتَّضْعِيفِ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ مِن بابِ كَسا كَما قالَ تَعالى ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ.
وضَمِيرُ فَلا تَخافُوهم عَلى هَذا يَعُودُ إلى أوْلِياءَهُ. وجُمْلَةُ وخافُونِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ فَلا تَخافُوهم وجُمْلَةِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ شَرْطٌ مُؤَخَّرٌ تَقَدَّمَ دَلِيلُ جَوابِهِ، وهو تَذْكِيرٌ وإحْماءٌ لِإيمانِهِمْ، وإلّا فَقَدْ عُلِمَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ حَقًّا.
آل عمران 3:175
﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إلى آخِرِهِ، بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ أوْ صِفَةً لَهُ، أوْ صِفَةً ثانِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ عَلى طَرِيقَةِ تَرْكِ العَطْفِ في الأخْبارِ. وإنَّما جِيءَ بِإعادَةِ المَوْصُولِ، دُونَ أنْ تُعْطَفَ الصِّلَةُ عَلى الصِّلَةِ، اهْتِمامًا بِشَأْنِ هَذِهِ الصِّلَةِ الثّانِيَةِ حَتّى لا تَكُونَ كَجُزْءِ صِلَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ كَلامٍ مُسْتَأْنَفٍ، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ قَوْلُهُ إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ أيْ ذَلِكَ القَوْلُ، كَما سَيَأْتِي. وهَذا تَخَلُّصٌ بِذِكْرِ شَأْنٍ مِن شُئُونِ المُسْلِمِينَ كَفاهُمُ اللَّهُ بِهِ بَأْسَ عَدُوِّهِمْ بَعْدَ يَوْمِ أُحُدٍ بِعامٍ، إنْجازًا لِوَعْدِهِمْ مَعَ أبِي سُفْيانَ إذْ قالَ: مَوْعِدُكم بَدْرٌ في العامِ القابِلِ، وكانَ أبُو سُفْيانَ قَدْ كَرِهَ الخُرُوجَ إلى لِقاءِ المُسْلِمِينَ في ذَلِكَ الأجَلِ، وكادَ لِلْمُسْلِمِينَ لِيُظْهِرَ إخْلافَ الوَعْدِ مِنهم لِيَجْعَلَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى الإرْجافِ بَيْنَ العَرَبِ بِضَعْفِ المُسْلِمِينَ، فَجاعَلَ رَكْبًا مِن عَبْدِ القَيْسِ مارِّينَ بِمَرِّ الظَّهْرانِ قُرْبَ مَكَّةَ قاصِدِينَ المَدِينَةَ لِلْمِيرَةِ، أنْ يُخْبِرُوا المُسْلِمِينَ بِأنَّ قُرَيْشًا جَمَعُوا لَهم جَيْشًا عَظِيمًا، وكانَ مَعَ الرَّكْبِ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ، فَأخْبَرَ نُعَيْمٌ ومَن مَعَهُ المُسْلِمِينَ بِذَلِكَ فَزادَ ذَلِكَ المُسْلِمِينَ اسْتِعْدادًا وحَمِيَّةً لِلدِّينِ، وخَرَجُوا إلى المَوْعِدِ
صفحة ١٦٩
وهُوَ بَدْرٌ فَلَمْ يَجِدُوا المُشْرِكِينَ وانْتَظَرُوهم هُناكَ، وكانَتْ هُنالِكَ سُوقٌ فاتَّجَرُوا ورَجَعُوا سالِمِينَ غَيْرَ مَذْمُومِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ أيِ الرَّكْبُ العَبْدِيُّونَ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم أيْ إنَّ قُرَيْشًا قَدْ جَمَعُوا لَكم. وحَذَفَ مَفْعُولَ جَمَعُوا أيْ جَمَعُوا أنْفُسَهم وعَدَدَهم وأحْلافَهم كَما فَعَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ الأوَّلِ.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ وأهْلُ العَرَبِيَّةِ: إنَّ لَفْظَ النّاسَ هُنا أُطْلِقَ عَلى نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ وأبِي سُفْيانَ، وجَعَلُوهُ شاهِدًا عَلى اسْتِعْمالِ النّاسِ بِمَعْنى الواحِدِ والآيَةُ تَحْتَمِلُهُ، وإطْلاقُ لَفْظِ النّاسَ مُرادًا بِهِ واحِدٌ أوْ نَحْوُهُ مُسْتَعْمَلٌ لِقَصْدِ الإبْهامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤] قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي بِـ (النّاسَ) مُحَمَّدًا ﷺ .
وقَوْلُهُ فَزادَهم إيمانًا أيْ زادَهم قَوْلُ النّاسِ، فَضَمِيرُ الرَّفْعِ المُسْتَتِرِ في فَزادَهُمُ عائِدٌ إلى القَوْلِ المُسْتَفادِ مِن فِعْلِ قالَ لَهُمُ النّاسُ أوْ عائِدٌ إلى النّاسُ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ القَوْلُ مُرادًا بِهِ تَخْوِيفُ المُسْلِمِينَ ورُجُوعِهِمْ عَنْ قَصْدِهِمْ. وحَصَلَ مِنهُ خِلافُ ما أرادَ بِهِ المُشْرِكُونَ، جَعَلَ ما حَصَلَ بِهِ زائِدًا في إيمانِ المُسْلِمِينَ. فالظّاهِرُ أنَّ الإيمانَ أُطْلِقَ هُنا عَلى العَمَلِ، أيِ العَزْمِ عَلى النَّصْرِ والجِهادِ وهو بِهَذا المَعْنى يَزِيدُ ويَنْقُصُ ومَسْألَةُ زِيادَةِ الإيمانِ ونَقْصِهِ مَسْألَةٌ قَدِيمَةٌ، والخِلافُ فِيها مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الأعْمالَ يُطْلَقُ عَلَيْها اسْمُ الإيمانِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] يَعْنِي صَلاتَكم. أمّا التَّصْدِيقُ القَلْبِيُّ وهو عَقْدُ القَلْبِ عَلى إثْباتِ وُجُودِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وبَعْثِهِ الرُّسُلَ وصِدْقِ الرَّسُولِ، فَلا يَقْبَلُ النَّقْصَ، ولا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ، ولِذَلِكَ لا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في هَذا المَعْنى، وإنَّما هو خِلافٌ مَبْنِيٌّ عَلى اللَّفْظِ، غَيْرَ أنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأخْلاقِ أنَّ الِاعْتِقادَ الجازِمَ إذا تَكَرَّرَتْ أدِلَّتُهُ، أوْ طالَ زَمانُهُ، أوْ قارَنَتْهُ التَّجارِبُ، يَزْدادُ جَلاءً وانْكِشافًا، وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالمَلَكَةِ، فَلَعَلَّ هَذا المَعْنى مِمّا يُرادُ بِالزِّيادَةِ، بِقَرِينَةِ أنَّ القُرْآنَ لَمْ يُطْلِقْ وصْفَ النَّقْصِ في الإيمانِ بَلْ ما ذَكَرَ إلّا الزِّيادَةَ، وقَدْ قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.
صفحة ١٧٠
وقَوْلُهم ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ كَلِمَةٌ لَعَلَّهم أُلْهَمُوها أوْ تَلَقَّوْها عَنِ النَّبِيءِ ﷺ . وحَسْبُ: أيْ كافٍ، وهو اسْمٌ جامِدٌ بِمَعْنى الوَصْفِ لَيْسَ لَهُ فِعْلٌ، قالُوا: ومِنهُ اسْمُهُ تَعالى الحَسِيبُ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ. وقِيلَ: الإحْسابُ هو الإكْفاءُ، وقِيلَ: هو اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى كَفى، وهو ظاهِرُ القامُوسِ. ورَدَّهُ ابْنُ هِشامٍ في تَوْضِيحِهِ بِأنَّ دُخُولَ العَوامِلِ عَلَيْهِ نَحْوَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ، وقَوْلُهم: بِحَبْسِكَ دِرْهَمٌ، يُنافِي دَعْوى كَوْنِهِ اسْمَ فِعْلٍ لِأنَّ أسْماءَ الأفْعالِ لا تَدْخُلُ عَلَيْها العَوامِلُ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ، وهو ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. وهو مِنَ الأسْماءِ اللّازِمَةِ لِلْإضافَةِ لَفْظًا دُونَ مَعْنًى، فَيُبْنى عَلى الضَّمِّ مِثْلُ: قَبْلُ وبَعْدُ، كَقَوْلِهِمْ: اعْطِهِ دِرْهَمَيْنِ فَحَسْبُ، ويَتَجَدَّدُ لَهُ مَعْنى حِينَئِذٍ فَيَكُونُ بِمَعْنى لا غَيْرَ. وإضافَتُهُ لا تُفِيدُهُ تَعْرِيضًا لِأنَّهُ في قُوَّةِ المُشْتَقِّ ولِذَلِكَ تُوصَفُ بِهِ النَّكِرَةُ، وهو مُلازِمُ الإفْرادِ والتَّذْكِيرِ فَلا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ ولا يُؤَنَّثُ لِأنَّهُ لَجُمُودِهِ شابَهَ المَصْدَرَ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا كانَ اسْمَ فِعْلٍ فَهو كالمَصْدَرِ، أوْ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، وهو شَأْنُ المَصادِرِ، ومَعْناها: إنَّهُمُ اكْتَفَوْا بِاللَّهِ ناصِرًا وإنْ كانُوا في قِلَّةٍ وضَعْفٍ.
وجُمْلَةُ ونِعْمَ الوَكِيلُ مَعْطُوفَةٌ عَلى حَسْبُنا اللَّهُ في كَلامِ القائِلِينَ، فالواوُ مِنَ المَحْكِيِّ لا مِنَ الحِكايَةِ، وهو مِن عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ الَّذِي لا تُطْلَبُ فِيهِ إلّا المُناسَبَةُ.
والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ لِتَقَدُّمِ دَلِيلِهِ.
و(الوَكِيلُ) فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ مَوْكُولٍ إلَيْهِ. يُقالُ: وكَلَ حاجَتَهُ إلى فُلانٍ إذا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ في قَضائِها وفَوَّضَ إلَيْهِ تَحْصِيلَها، ويُقالُ لِلَّذِي لا يَسْتَطِيعُ القِيامَ بِشُئُونِهِ بِنَفْسِهِ: رَجُلٌ وكَلٌ - بِفَتْحَتَيْنِ - أيْ كَثِيرُ الِاعْتِمادِ عَلى غَيْرِهِ، فالوَكِيلُ هو القائِمُ بِشَأْنِ مَن وكَّلَهُ، وهَذا القِيامُ بِشَأْنِ المُوَكِّلِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأحْوالِ المُوَكَّلِ فِيها، وبِذَلِكَ الِاخْتِلافِ يَخْتَلِفُ مَعْنى الوَكِيلُ، فَإنْ كانَ القِيامُ في دَفْعِ العَداءِ والجَوْرِ فالوَكِيلُ النّاصِرُ والمُدافِعُ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ، ومِنهُ فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمَّنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا. ومِنهُ الوَكِيلُ في الخُصُومَةِ، وإنْ كانَ في شُئُونِ الحَياةِ فالوَكِيلُ الكافِلُ والكافِي ومِنهُ
صفحة ١٧١
أنْ لا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا كَما قالَ وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا ولِذَلِكَ كانَ مِن أسْمائِهِ تَعالى: الوَكِيلُ، وقَوْلُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ ومِنهُ الوَكِيلُ عَلى المالِ، ولِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلى هَذا المَعْنى أيْضًا اسْمُ الكَفِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا. وقَدْ حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الوَكِيلَ عَلى ما يَشْمَلُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ في سُورَةِ الأنْعامِ، فَقالَ: وهو مالِكٌ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأرْزاقِ والآجالِ رَقِيبٌ عَلى الأعْمالِ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَكِيلَ اسْمٌ جامِعٌ لِلرَّقِيبِ والحافِظِ في الأُمُورِ الَّتِي يُعْنى النّاسُ بِحِفْظِها ورِقابَتِها وادِّخارِها، ولِذَلِكَ يَتَقَيَّدُ ويَتَعَمَّمُ بِحَسَبِ المَقاماتِ.
وقَوْلُهُ فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعْقِيبٌ لِلْإخْبارِ عَنْ ثَباتِ إيمانِهِمْ وقَوْلِهِمْ: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، وهو تَعْقِيبٌ لِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ فانْقَلَبُوا، لِأنَّ الِانْقِلابَ يَقْتَضِي أنَّهم خَرَجُوا لِلِقاءِ العَدُوِّ الَّذِي بَلَغَ عَنْهم أنَّهم جَمَعُوا لَهم ولَمْ يَعْبَئُوا بِتَخْوِيفِ الشَّيْطانِ، والتَّقْدِيرُ: فَخَرَجُوا فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ.
والباءُ لِلْمُلابَسَةِ أيْ مُلابِسِينَ لِنِعْمَةٍ وفَضْلٍ مِنَ اللَّهِ. فالنِّعْمَةُ هي ما أخَذُوهُ مِنَ الأمْوالِ، والفَضْلُ فَضْلُ الجِهادِ. ومَعْنى لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ لَمْ يُلاقُوا حَرْبًا مَعَ المُشْرِكِينَ.
وجُمْلَةُ إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ إمّا اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ إنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ بَدَلًا أوْ صِفَةً كَما تَقَدَّمَ، وإمّا خَبَرٌ عَنِ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ مُبْتَدَأً، والتَّقْدِيرُ: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إلى آخِرِهِ إنَّما مَقالُهم يُخَوِّفُ الشَّيْطانُ بِهِ. ورابِطُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالمُبْتَدَأِ، وهو الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ.
ثُمَّ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكم إمّا عائِدٌ إلى المَقالِ فَلَفْظُ الشَّيْطانِ عَلى هَذا مُبْتَدَأٌ ثانٍ، ولَفْظُهُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ المَقالَ ناشِئٌ
صفحة ١٧٢
عَنْ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ في نُفُوسِ الَّذِينَ دَبَّرُوا مَكِيدَةَ الإرْجافِ بِتِلْكَ المَقالَةِ لِتَخْوِيفِ المُسْلِمِينَ بِواسِطَةِ رَكْبِ عَبْدِ القَيْسِ.
وإمّا أنْ تَعُودَ الإشارَةُ إلى النّاسُ مِن قَوْلِهِ قالَ لَهُمُ النّاسُ لِأنَّ النّاسَ مُؤَوَّلٌ بِشَخْصٍ، أعْنِي نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ، فالشَّيْطانُ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ مِنَ اسْمِ الإشارَةِ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ شَيْطانٍ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ.
وقَوْلُهُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ تَقْدِيرُهُ يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ، فَحَذَفَ المَفْعُولَ الأوَّلَ يُخَوِّفُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ فَلا تَخافُوهم فَإنَّ ”خَوَّفَ“ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ إذْ هو مُضاعَفُ خافَ المُجَرَّدِ، وخافَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ فَصارَ بِالتَّضْعِيفِ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ مِن بابِ كَسا كَما قالَ تَعالى ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ.
وضَمِيرُ فَلا تَخافُوهم عَلى هَذا يَعُودُ إلى أوْلِياءَهُ. وجُمْلَةُ وخافُونِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ فَلا تَخافُوهم وجُمْلَةِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ شَرْطٌ مُؤَخَّرٌ تَقَدَّمَ دَلِيلُ جَوابِهِ، وهو تَذْكِيرٌ وإحْماءٌ لِإيمانِهِمْ، وإلّا فَقَدْ عُلِمَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ حَقًّا.
آل عمران 3:176
﴿ولا يُحْزِنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ ألّا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .
نَهْيٌ لِلرَّسُولِ عَنْ أنْ يَحْزَنَ مِن فِعْلِ قَوْمٍ يَحْرِصُونَ عَلى الكُفْرِ، أيْ عَلى أعْمالِهِ، ومَعْنى ﴿يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ يَتَوَغَّلُونَ فِيهِ ويُعَجِّلُونَ إلى إظْهارِهِ وتَأْيِيدِهِ والعَمَلِ بِهِ عِنْدَ سُنُوحِ الفُرَصِ، ويَحْرِصُونَ عَلى إلْقائِهِ في نُفُوسِ النّاسِ، فَعَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ يُسارِعُونَ، فَقِيلَ: ذَلِكَ مِنَ التَّضْمِينِ، ضَمَّنَ يُسارِعُونَ مَعْنى يَقَعُونَ، فَعُدِّيَ بِفي، وهي طَرِيقَةُ الكَشّافِ وشُرُوحِهِ، وعِنْدِي أنَّ هَذا اسْتِعارَةٌ
صفحة ١٧٣
تَمْثِيلِيَّةٌ: شَبَّهَ حالَ حِرْصِهِمْ وجَدِّهِمْ في تَكْفِيرِ النّاسِ وإدْخالِ الشَّكِّ عَلى المُؤْمِنِينَ وتَرَبُّصِهِمُ الدَّوائِرَ وانْتِهازِهِمُ الفُرَصَ بِحالِ الطّالِبِ المُسارِعِ إلى تَحْصِيلِ شَيْءٍ يَخْشى أنْ يَفُوتَهُ وهو مُتَوَغِّلٌ فِيهِ مُتَلَبِّسٌ بِهِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِفي الدّالَّةِ عَلى سُرْعَتِهِمْ سُرْعَةِ طالِبِ التَّمْكِينِ، لا طالِبِ الحُصُولِ، إذْ هو حاصِلٌ عِنْدَهم، ولَوْ عُدِّيَ بِإلى لَفُهِمَ مِنهُ أنَّهم لَمْ يَكْفُرُوا عِنْدَ المُسارَعَةِ. قِيلَ: هَؤُلاءِ هُمُ المُنافِقُونَ، وقِيلَ: قَوْمٌ أسْلَمُوا ثُمَّ خافُوا مِنَ المُشْرِكِينَ فارْتَدُّوا.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ أنْ يُحْزِنَهُ تَسارُعُهم إلى الكُفْرِ بِعِلَّةٍ يُوقِنُ بِها الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - . ومَوْقِعُ إنَّ في مِثْلِ هَذا المَقامِ إفادَةُ التَّعْلِيلِ، وإنَّ تُغْنِي غَناءَ فاءِ التَّسَبُّبِ، كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
ونَفْيُ ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾ مُرادٌ بِهِ نَفْيُ أنْ يُعَطِّلُوا ما أرادَهُ إذْ قَدْ كانَ اللَّهُ وعَدَ الرَّسُولَ إظْهارَ دِينِهِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وكانَ سَعْيُ المُنافِقِينَ في تَعْطِيلِ ذَلِكَ، نَهى اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَحْزُنَ لِما يَبْدُو لَهُ مِنَ اشْتِدادِ المُنافِقِينَ في مُعاكَسَةِ الدَّعْوَةِ، وبَيَّنَ لَهُ أنَّهم لَنْ يَسْتَطِيعُوا إبْطالَ مُرادِ اللَّهِ، تَذْكِيرًا لَهُ بِأنَّهُ وعَدَهُ بِأنَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ.
ووَجْهُ الحاجَةِ إلى هَذا النَّهْيِ: هو أنَّ نَفْسَ الرَّسُولِ، وإنْ بَلَغَتْ مُرْتَقى الكَمالِ، لا تَعْدُو، تَعْتَرِيها في بَعْضِ أوْقاتِ الشِّدَّةِ أحْوالُ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ: مِن تَأْثِيرِ مَظاهِرِ الأسْبابِ، وتَوَقُّعِ حُصُولِ المُسَبَّباتِ العادِيَّةِ عِنْدَها، كَما وقَعَ لِلرَّسُولِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ. وهو في العَرِيشِ، وإذا انْتَفى إضْرارُهُمُ اللَّهَ انْتَفى إضْرارُهُمُ المُؤْمِنِينَ فِيما وعَدَهُمُ اللَّهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَحْزُنْكَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ مِن حَزَنَهُ إذا أدْخَلَ عَلَيْهِ الحُزْنَ، وقَرَأهُ نافِعٌ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مِن أحْزَنَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ جَزائِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ في الآخِرَةِ، بَعْدَ أنْ بَيَّنَ السَّلامَةَ مِن كَيْدِهِمْ في الدُّنْيا، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ خَذَلَهم وسَلَبَهُمُ التَّوْفِيقَ فَكانُوا مُسارِعِينَ في الكُفْرِ لِأنَّهُ أرادَ أنْ لا يَكُونَ لَهم حَظٌّ في الآخِرَةِ. والحَظُّ: النَّصِيبُ مِن شَيْءٍ نافِعٍ.
آل عمران 3:177
صفحة ١٧٤
﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
تَكْرِيرٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦] قُصِدَ بِهِ، مَعَ التَّأْكِيدِ، إفادَةُ هَذا الخَبَرِ اسْتِقْلالًا لِلِاهْتِمامِ بِهِ بَعْدَ أنْ ذُكِرَ عَلى وجْهِ التَّعْلِيلِ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ، وفي اخْتِلافِ الصِّلَتَيْنِ إيماءٌ إلى أنَّ مَضْمُونَ كُلِّ صِلَةٍ مِنهُما هو سَبَبُ الخَبَرِ الثّابِتِ لِمَوْصُولِها، وتَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦] المُتَقَدِّمُ، كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:
كَدُخانِ نارٍ ساطِعٌ أسْنامُها
بَعْدَ قَوْلِهِ:
كَدُخانِ مُشْعَلَةٍ يُشَبُّ ضِرامُها
مَعَ زِيادَةِ بَيانِ اشْتِهارِهِمْ هم بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ.
والِاشْتِراءُ مُسْتَعارٌ لِلِاسْتِبْدالِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
آل عمران 3:178
﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] والمَقْصُودُ مُقابَلَةُ الإعْلامِ بِخِلافِ الحُسْبانِ في حالَتَيْنِ: إحْداهُما تَلُوحُ لِلنّاظِرِ حالَةَ ضُرٍّ، والأُخْرى تَلُوحُ حالَةَ خَيْرٍ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ كِلْتا الحالَتَيْنِ عَلى خِلافِ ما يَتَراءى لِلنّاظِرِينَ.
ويَجُوزُ كَوْنُهُ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿ولا يُحْزِنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ [آل عمران: ١٧٦] إذْ نَهاهُ عَنْ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِحُزْنِهِ، لِأنَّهم لا يَضُرُّونَ اللَّهَ شَيْئًا، ثُمَّ ألْقى إلَيْهِ خَبَرًا لِقَصْدِ إبْلاغِهِ إلى المُشْرِكِينَ وإخْوانِهِمُ المُنافِقِينَ: أنْ لا يَحْسَبُوا أنَّ بَقاءَهم نَفْعٌ لَهم بَلْ هو إمْلاءٌ لَهم يَزْدادُونَ بِهِ آثامًا، لِيَكُونَ أخْذُهم بَعْدَ
صفحة ١٧٥
ذَلِكَ أشَدَّ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ وفاعِلُ الفِعْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا، وقَرَأهُ حَمْزَةُ وحْدَهُ بِتاءِ الخِطابِ.
فالخِطابُ إمّا لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو نَهْيٌ عَنْ حُسْبانٍ لَمْ يَقَعْ، فالنَّهْيُ لِلتَّحْذِيرِ مِنهُ أوْ عَنْ حُسْبانٍ هو خاطِرٌ خَطَرَ لِلرَّسُولِ ﷺ غَيْرَ أنَّهُ حُسْبانُ تَعَجُّبٍ، لِأنَّ الرَّسُولَ يَعْلَمُ أنَّ الإمْلاءَ لَيْسَ خَيْرًا لَهم، أوِ المُخاطَبُ الرَّسُولُ والمَقْصُودُ غَيْرُهُ، مِمَّنْ يَظُنُّ ذَلِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ مِثْلِ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، أوِ المُرادُ مِنَ الخِطابِ كُلُّ مُخاطَبٍ يَصْلُحُ لِذَلِكَ.
وعَلى قِراءَةِ - الياءِ التَّحْتِيَّةِ - فالنَّهْيُ مَقْصُودٌ بِهِ بُلُوغَهُ إلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا سُوءَ عاقِبَتِهِمْ، ويُمِرَّ عَيْشَهم بِهَذا الوَعِيدِ، لِأنَّ المُسْلِمِينَ لا يَحْسَبُونَ ذَلِكَ مِن قَبْلُ. والإمْلاءُ: الإمْهالُ في الحَياةِ، والمُرادُ بِهِ هُنا تَأْخِيرُ حَياتِهِمْ، وعَدَمُ اسْتِئْصالِهِمْ في الحَرْبِ، حَيْثُ فَرِحُوا بِالنَّصْرِ يَوْمَ أُحُدٍ، وبِأنَّ قَتْلى المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ كانُوا أكْثَرَ مِن قَتْلاهم.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالإمْلاءِ التَّخْلِيَةُ بَيْنَهم وبَيْنَ أعْمالِهِمْ في كَيْدِ المُسْلِمِينَ وحَرْبِهِمْ وعَدَمُ الأخْذِ عَلى أيْدِيهِمْ بِالهَزِيمَةِ والقَتْلِ كَما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، يُقالُ: أمْلى لِفَرَسِهِ إذا أرْخى لَهُ الطِّوَلَ في المَرْعى، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ المَلْوِ بِالواوِ وهو سَيْرُ البَعِيرِ الشَّدِيدِ، ثُمَّ قالُوا: أمْلَيْتُ لِلْبَعِيرِ والفَرَسِ إذا وسَّعْتُ لَهُ في القَيْدِ لِأنَّهُ يَتَمَكَّنُ بِذَلِكَ مِنَ الخَبَبِ والرَّكْضِ، فَشُبِّهَ فِعْلُهُ بِشِدَّةِ السَّيْرِ، وقالُوا: أمْلَيْتُ لِزَيْدٍ في غَيِّهِ أيْ تَرَكْتُهُ: عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ، وأمْلى اللَّهُ لِفُلانٍ أخَّرَ عِقابَهُ، قالَ تَعالى ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] واسْتُعِيرَ التَّمَلِّي لِطُولِ المُدَّةِ تَشْبِيهًا لِلْمَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ فَقالُوا: مَلَّأكَ اللَّهُ حَبِيبَكَ تَمْلِيئَةً، أيْ أطالَ عُمُرَكَ مَعَهُ.
وقَوْلُهُ ﴿أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ﴾ (أنَّ) أُخْتُ إنَّ المَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ، و(ما) مَوْصُولَةٌ ولَيْسَتِ الزّائِدَةُ، وقَدْ كُتِبَتْ في المُصْحَفِ كَلِمَةً واحِدَةً كَما تُكْتَبُ إنَّما المُرَكَّبَةُ مِن (إنَّ) أُخْتِ أنَّ و(ما) الزّائِدَةِ الكافَّةِ، الَّتِي هي حَرْفُ حَصْرٍ بِمَعْنى (ما) و(إلّا)، وكانَ القِياسُ أنْ تُكْتَبَ مَفْصُولَةً وهو اصْطِلاحٌ حَدَثَ بَعْدَ كِتابَةِ المَصاحِفِ لَمْ يَكُنْ مُطَّرِدًا في الرَّسْمِ القَدِيمِ، عَلى هَذا اجْتَمَعَتْ كَلِماتُ
صفحة ١٧٦
المُفَسِّرِينَ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ. وأنا أرى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنَّما مِن قَوْلِهِ ﴿أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ﴾ هي أنَّما أُخْتُ إنَّما المَكْسُورَةِ وأنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن (أنْ) و(ما) الكافَّةِ الزّائِدَةِ وأنَّها طَرِيقٌ مِن طُرُقِ القَصْرِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، وأنَّ المَعْنى: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا انْحِصارَ إمْهالِنا لَهم في أنَّهُ خَيْرٌ لَهم لِأنَّهم لَمّا فَرِحُوا بِالسَّلامَةِ مِنَ القَتْلِ وبِالبَقاءِ بِقَيْدِ الحَياةِ قَدْ أضْمَرُوا في أنْفُسِهِمُ اعْتِقادَ أنَّ بَقاءَهم ما هو إلّا خَيْرٌ لَهم لِأنَّهم يَحْسَبُونَ القَتْلَ شَرًّا لَهم، إذْ لا يُؤْمِنُونَ بِجَزاءِ الشَّهادَةِ في الآخِرَةِ لِكُفْرِهِمْ بِالبَعْثِ. فَهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ في ظَنِّهِمْ.
ولِهَذا يَكُونُ رَسْمُهم كَلِمَةَ أنَّما المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ في المُصْحَفِ جارِيًا عَلى ما يَقْتَضِيهِ اصْطِلاحُ الرَّسْمِ. و﴿أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ﴾ هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَيَكُونُ سادًّا مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، لِأنَّ المُبْدَلَ مِنهُ صارَ كالمَتْرُوكِ، وسُلِكَتْ طَرِيقَةُ الإبْدالِ لِما فِيهِ مِنَ الإجْمالِ، ثُمَّ التَّفْصِيلِ، لِأنَّ تَعَلُّقَ الظَّنِّ بِالمَفْعُولِ الأوَّلِ يَسْتَدْعِي تَشَوُّفَ السّامِعِ لِلْجِهَةِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِها الظَّنُّ، وهي مَدْلُولُ المَفْعُولِ الثّانِي، فَإذا سَمِعَ ما يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ تَمَكَّنَ مِن نَفْسِهِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ وزادَ تَقْرِيرًا.
وقَوْلُهُ ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ اسْتِئْنافٌ واقِعٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنْ حُسْبانِ الإمْلاءِ، خَيْرًا، أيْ ما هو بِخَيْرٍ لِأنَّهم يَزْدادُونَ في تِلْكَ المُدَّةِ إثْمًا.
و(إنَّما) هَذِهِ كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن (إنَّ) حَرْفُ التَّوْكِيدِ و(ما) الزّائِدَةِ الكافَّةِ وهي أداةُ حَصْرٍ أيْ: ما نُمْلِي لَهم إلّا لِيَزْدادُوا إثْمًا، أيْ فَيَكُونُ أخْذُهم بِهِ أشَدَّ. فَهو قَصْرُ قَلْبٍ.
ومَعْناهُ أنَّهُ يُمْلِي لَهم ويُؤَخِّرُهم وهم عَلى كُفْرِهِمْ فَيَزْدادُونَ إثْمًا في تِلْكَ المُدَّةِ، فَيَشْتَدُّ عِقابُهم عَلى ذَلِكَ، وبِذَلِكَ لا يَكُونُ الإمْلاءُ لَهم خَيْرًا لَهم، بَلْ هو شَرٌّ لَهم.
واللّامُ ﴿لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ لامُ العاقِبَةِ كَما هي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] أيْ: إنَّما نُمْلِي لَهم فَيَزْدادُونَ إثْمًا، فَلَمّا كانَ ازْدِيادُ الإثْمِ
صفحة ١٧٧
ناشِئًا عَنِ الإمْلاءِ، كانَ كالعِلَّةِ لَهُ، لا سِيَّما وازْدِيادُ الإثْمِ يَعْلَمُهُ اللَّهُ فَهو حِينَ أمْلى لَهم عَلِمَ أنَّهم يَزْدادُونَ بِهِ إثْمًا، فَكانَ الِازْدِيادُ مِنَ الإثْمِ شَدِيدُ الشَّبَهِ بِالعِلَّةِ، أمّا عِلَّةُ الإمْلاءِ في الحَقِيقَةِ ونَفْسُ الأمْرِ فَهي شَيْءٌ آخَرُ يَعْلَمُهُ اللَّهُ، وهو داخِلٌ في جُمْلَةِ حِكْمَةِ خَلْقِ أسْبابِ الضَّلالَةِ وأهْلِهِ والشَّياطِينِ والأشْياءِ الضّارَّةِ. وهي مَسْألَةٌ مَفْرُوغٌ مِنها في عِلْمِ الكَلامِ، وهي مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِ الحِكْمَةِ في شَأْنِهِ. وتَعْلِيلُ النَّهْيِ عَلى حُسْبانِ الإمْلاءِ لَهم خَيْرًا لِأنْفُسِهِمْ حاصِلٌ، لِأنَّ مَدارَهُ عَلى التَّلازُمِ بَيْنَ الإمْلاءِ لَهم وبَيْنَ ازْدِيادِهِمْ مِنَ الإثْمِ في مُدَّةِ الإمْلاءِ.
آل عمران 3:179
﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، وهو رُجُوعٌ إلى بَيانِ ما في مُصِيبَةِ المُسْلِمِينَ مِنَ الهَزِيمَةِ يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الحِكَمِ النّافِعَةِ دُنْيا وأُخْرى، فَهو عَوْدٌ إلى الغَرَضِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٦] بَيَّنَ هُنا أنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ دَوامَ اللَّبْسِ في حالِ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ واخْتِلاطِهِمْ، فَقَدَّرَ ذَلِكَ زَمانًا كانَتِ الحِكْمَةُ في مِثْلِهِ تَقْتَضِي بَقاءَهُ وذَلِكَ أيّامَ ضَعْفِ المُؤْمِنِينَ عَقِبَ هِجْرَتِهِمْ وشِدَّةِ حاجَتِهِمْ إلى الِاقْتِناعِ مِنَ النّاسِ بِحُسْنِ الظّاهِرِ حَتّى لا يَبْدَأ الِانْشِقاقُ مِن أوَّلِ أيّامِ الهِجْرَةِ، فَلَمّا اسْتَقَرَّ الإيمانُ في النُّفُوسِ، وقَرَّ لِلْمُؤْمِنِينَ الخالِصِينَ المُقامَ في أمْنٍ، أرادَ اللَّهُ تَعالى تَنْهِيَةِ الِاخْتِلاطِ وأنْ يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وكانَ المُنافِقُونَ يَكْتُمُونَ نِفاقَهم لَمّا رَأوْا أمْرَ المُؤْمِنِينَ في إقْبالٍ، ورَأوُا انْتِصارَهم يَوْمَ بَدْرٍ، فَأرادَ اللَّهُ أنْ يَفْضَحَهم ويُظْهِرَ نِفاقَهم، بِأنْ أصابَ المُؤْمِنِينَ بِقَرْحِ الهَزِيمَةِ حَتّى أظْهَرَ المُنافِقُونَ فَرَحَهم بِنُصْرَةِ المُشْرِكِينَ، وسَجَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نِفاقَهم بادِيًا لِلْعِيانِ كَما قالَ:
صفحة ١٧٨
جَزى اللَّهُ المَصائِبَ كُلَّ خَيْرٍ عَرَفْتُ بِها عَدُوِّي مِن صَدِيقِي
وماصَدَقَ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ هو اشْتِباهُ المُؤْمِنِ والمُنافِقِ في ظاهِرِ الحالِ.
وحَرْفا ”عَلى“ الأوَّلُ والثّانِي، في قَوْلِهِ ﴿عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، وهو التَّمَكُّنُ مِن مَعْنى مَجْرُورِها ويَتَبَيَّنُ الوَصْفُ المُبْهَمُ في الصِّلَةِ بِما ورَدَ بَعْدَ ”حَتّى“ مِن قَوْلِهِ ﴿حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، فَيُعْلَمُ أنَّ ما هم عَلَيْهِ هو عَدَمُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الخَبِيثِ والطَّيِّبِ.
ومَعْنى ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ﴾ نَفْيُ هَذا عَنْ أنْ يَكُونَ مُرادًا لِلَّهِ نَفْيًا مُؤَكَّدًا بِلامِ الجُحُودِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] إلَخْ.
فَقَوْلُهُ ﴿عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ مِنَ اخْتِلاطِ المُؤْمِنِ الخالِصِ والمُنافِقِ، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ أنْتُمْ عَلَيْهِ مُخاطَبٌ بِهِ المُسْلِمُونَ كُلُّهم بِاعْتِبارِ مَن فِيهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ.
والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ المُؤْمِنُونَ الخُلَّصِ مِنَ النِّفاقِ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهم بِالمُؤْمِنِينَ، وغَيَّرَ الأُسْلُوبَ لِأجْلِ ذَلِكَ، فَلَمْ يَقُلْ: لِيَذَرَكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُرادَ بِضَمِيرِ الخِطابِ أكْثَرُ مِنَ المُرادِ بِلَفْظِ المُؤْمِنِينَ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ عَلى ما هم عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ ﴿حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ غايَةٌ لِلْجُحُودِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ﴾ المُفِيدُ أنَّ هَذا الوَذْرَ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ إرادَةُ اللَّهِ بَعْدَ وقْتِ الإخْبارِ ولا واقِعًا مِنهُ تَعالى إلى أنْ يَحْصُلَ تَمْيِيزُ الخَبِيثِ مِنَ الطَّيِّبِ، فَإذا حَصَلَ تَمْيِيزُ الخَبِيثِ مِنَ الطَّيِّبِ صارَ هَذا الوَذْرَ مُمْكِنًا، فَقَدْ تَتَعَلَّقُ الإرادَةُ بِحُصُولِهِ وبِعَدَمِ حُصُولِهِ، ومَعْناهُ رُجُوعٌ إلى الِاخْتِيارِ بَعْدَ الإعْلامِ بِحالَةِ الِاسْتِحالَةِ.
ولِحَتّى اسْتِعْمالٌ خاصٌّ بَعْدَ نَفْيِ الجُحُودِ، فَمَعْناها تَنْهِيَةُ الِاسْتِحالَةِ: ذَلِكَ أنَّ الجُحُودَ أخَصُّ مِنَ النَّفْيِ لِأنَّ أصْلَ وضْعِ الصِّيغَةِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ ما بَعْدَ لامِ الجُحُودِ مُنافٍ لِحَقِيقَةِ اسْمِ كانَ المَنفِيَّةِ، فَيَكُونُ حُصُولُهُ كالمُسْتَحِيلِ، فَإذا غَيّاهُ المُتَكَلِّمُ بِغايَةٍ كانَتْ تِلْكَ الغايَةُ غايَةً لِلِاسْتِحالَةِ المُسْتَفادَةِ مِنَ الجُحُودِ، ولَيْسَتْ
صفحة ١٧٩
غايَةً لِلنَّفْيِ حَتّى يَكُونَ مَفْهُومُها أنَّهُ بَعْدَ حُصُولِ الغايَةِ يَثْبُتُ ما كانَ مَنفِيًّا، وهَذا كُلُّهُ لَمْحٌ لِأصْلِ وضْعِ صِيغَةِ الجُحُودِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى مُبالَغَةِ النَّفْيِ لا لِغَلَبَةِ اسْتِعْمالِها في مَعْنى مُطْلَقِ النَّفْيِ، وقَدْ أهْمَلَ التَّنْبِيهَ عَلى إشْكالِ الغايَةِ هُنا صاحِبُ الكَشّافِ ومُتابِعُوهُ، وتَنَبَّهَ لَها أبُو حَيّانٍ، فاسْتَشْكَلَها حَتّى اضْطُرَّ إلى تَأْوِيلِ النَّفْيِ بِالإثْباتِ، فَجَعَلَ التَّقْدِيرَ: إنَّ اللَّهَ يُخَلِّصُ بَيْنَكم بِالِامْتِحانِ حَتّى يَمِيزَ. وأخَذَ هَذا التَّأْوِيلَ مِن كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ، ولا حاجَةَ إلَيْهِ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَتَأوَّلَ تَأْوِيلًا أحْسَنَ، وهو أنْ يَجْعَلَ مَفْهُومَ الغايَةِ مُعَطِّلًا لِوُجُودِ قَرِينَةٍ عَلى عَدَمِ إرادَةِ المَفْهُومِ، ولَكِنْ فِيما ذَكَرْتُهُ وُضُوحٌ وتَوْقِيفٌ عَلى اسْتِعْمالٍ عَرَبِيٍّ رَشِيقٍ.
و(مِنَ) في قَوْلِهِ ﴿مِنَ الطَّيِّبِ﴾ مَعْناها الفَصْلُ أيْ فَصْلُ أحَدِ الضِّدَّيْنِ مِنَ الآخَرِ، وهو مَعْنى أثْبَتَهُ ابْنُ مالِكٍ وبَحَثَ فِيهِ صاحِبُ مُغْنِي اللَّبِيبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقِيلَ: الخِطابُ بِضَمِيرِ ”ما أنْتُمْ“ لِلْكُفّارِ، أيْ: لا يَتْرُكُ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ جاهِلِينَ بِأحْوالِكم مِنَ النِّفاقِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَمِيزَ بِفَتْحِ ياءِ المُضارَعَةِ وكَسْرِ المِيمِ وياءٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَها ساكِنَةٍ مِن مازَ يَمِيزُ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ بِضَمِّ ياءِ المُضارَعَةِ وفَتْحِ المِيمِ وياءٍ بَعْدَها مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ مِن مَيَّزَ مُضاعَفِ مازَ.
وقَوْلُهُ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ﴾ يَعْنِي أنَّهُ أرادَ أنْ يُمَيِّزَ لَكُمُ الخَبِيثَ فَتَعْرِفُوا أعْداءَكم، ولَمْ يَكُنْ مِن شَأْنِ اللَّهِ إطْلاعُكم عَلى الغَيْبِ، فَلِذَلِكَ جَعَلَ أسْبابًا مِن شَأْنِها أنْ تَسْتَفِزَّ أعْداءَكم فَيُظْهِرُوا لَكُمُ العَداوَةَ فَتَطَّلِعُوا عَلَيْهِمْ، وإنَّما قالَ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ نِظامَ هَذا العالَمِ مُؤَسَّسًا عَلى اسْتِفادَةِ المُسَبَّباتِ مِن أسْبابِها، والنَّتائِجِ مِن مُقَدِّماتِها.
صفحة ١٨٠
وقَوْلُهُ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ﴾ يَجُوزُ أنَّهُ اسْتِدْراكٌ عَلى ما أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ حَتّى لا يَجْعَلَهُ المُنافِقُونَ حُجَّةً عَلى المُؤْمِنِينَ، في نَفْيِ الوَحْيِ والرِّسالَةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ إلّا ما أطْلَعَ عَلَيْهِ رَسُولَهُ ومِن شَأْنِ الرَّسُولِ أنْ لا يُفْشِيَ ما أسَرَّهُ اللَّهُ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧] الآيَةَ، فَيَكُونُ كاسْتِثْناءٍ مِن عُمُومِ لِيُطْلِعَكم. ويَجُوزُ أنَّهُ اسْتِدْراكٌ عَلى ما يُفِيدُهُ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ مِنِ انْتِفاءِ اطِّلاعِ أحَدٍ عَلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ كاسْتِثْناءٍ مِن مُفادِ الغَيْبِ أيْ: إلّا الغَيْبَ الرّاجِعَ إلى إبْلاغِ الشَّرِيعَةِ، وأمّا ما عَداهُ فَلَمْ يَضْمَنِ اللَّهُ لِرُسُلِهِ إطْلاعَهم عَلَيْهِ بَلْ قَدْ يُطْلِعُهم، وقَدْ لا يُطْلِعُهم، قالَ تَعالى ﴿وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] .
وقَوْلُهُ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ إنْ كانَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ فالمَقْصُودُ مِنهُ الإيمانُ الخاصُّ، وهو التَّصْدِيقُ بِأنَّهم لا يَنْطِقُونَ عَنِ الهَوى، وبِأنَّ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلَفُ، فَعَلَيْهِمُ الطّاعَةُ في الحَرْبِ وغَيْرِهِ أوْ أُرِيدَ الدَّوامُ عَلى الإيمانِ، لِأنَّ الحالَةَ المُتَحَدَّثَ عَنْها قَدْ يُتَوَقَّعُ مِنها تَزَلْزُلُ إيمانِ الضُّعَفاءِ ورَواجُ شُبَهِ المُنافِقِينَ، ومَوْقِعُ ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا﴾ ظاهِرٌ عَلى الوَجْهَيْنِ، وإنْ كانَ قَوْلُهُ ”فَآمِنُوا“ خِطابًا لِلْكُفّارِ مِنَ المُنافِقِينَ بِناءً عَلى أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ ﴿عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ وقَوْلُهُ ﴿لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ لِلْكَفّارِ فالأمْرُ بِالإيمانِ ظاهِرٌ، ومُناسَبَةُ تَفْرِيعِهِ عَمّا تَقَدَّمَ انْتِهازُ فُرَصِ الدَّعْوَةِ حَيْثُما تَأتَّتْ.
آل عمران 3:180
﴿ولا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهم سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .
عَطْفٌ عَلى (ولا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا)، لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذا أُنْزِلَ في شَأْنِ أحْوالِ المُنافِقِينَ، فَإنَّهم كانُوا يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ، كَما حَكى اللَّهُ
صفحة ١٨١
عَنْهم في سُورَةِ النِّساءِ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧] وكانُوا يَقُولُونَ: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧]، وغَيْرَ ذَلِكَ، ولا يَجُوزُ بِحالٍ أنْ يَكُونَ نازِلًا في شَأْنِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ لِأنَّ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُبَرَّءُونَ مِن هَذا الفِعْلِ ومِن هَذا الحُسْبانِ، ولِذَلِكَ قالَ مُعْظَمُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في مَنعِ الزَّكاةِ، أيْ فِيمَن مَنَعُوا الزَّكاةَ، وهَلْ يَمْنَعُها يَوْمَئِذٍ إلّا مُنافِقٌ. ولَعَلَّ مُناسَبَةَ ذِكْرِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ هُنا أنَّ بَعْضَهم مَنَعَ النَّفَقَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ في غَزْوَةِ أُحُدٍ. ومَعْنى حُسْبانِهِ خَيْرًا أنَّهم حَسِبُوا أنْ قَدِ اسْتَبْقَوْا مالَهم وتَنَصَّلُوا عَنْ دَفْعِهِ بِمَعاذِيرَ قُبِلَتْ مِنهم.
أمّا شُمُولُها لِمَنعِ الزَّكاةِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ بِعُمُومِ صِلَةِ المَوْصُولِ إنْ كانَ المَوْصُولُ لِلْعَهْدِ لا لِلْجِنْسِ، فَبِدَلالَةِ فَحْوى الخِطابِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ بِتاءِ الخِطابِ كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَحْسِبَنَّ - بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ بِفَتْحِ السِّينِ.
وقَوْلُهُ ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ هو ضَمِيرُ فَصْلٍ، وقَدْ يُبْنى كَلامُهُ عَلى أنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ لا يَخْتَصُّ بِالوُقُوعِ مَعَ الأفْعالِ الَّتِي تَطْلُبُ اسْمًا وخَبَرًا، ونَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: زَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ إنَّما يَكُونُ فَصْلًا مَعَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، يَعْنِي فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ هُنا ضَمِيرُ فَصْلٍ ولِذَلِكَ حَكى أبُو البَقاءِ فِيهِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ هو ضَمِيرًا واقِعًا مَوْقِعَ المَفْعُولِ الأوَّلِ عَلى أنَّهُ مِن إنابَةِ ضَمِيرِ الرَّفْعِ عَنْ ضَمِيرِ النَّصْبِ، ولَعَلَّ الَّذِي حَسَّنَهُ أنَّ المَعادَ غَيْرُ مَذْكُورٍ فَلا يُهْتَدى إلَيْهِ بِضَمِيرِ النَّصْبِ، بِخِلافِ ضَمِيرِ الرَّفْعِ لِأنَّهُ كالعُمْدَةِ في الكَلامِ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فالضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى البُخْلِ المُسْتَفادِ مِن يَبْخَلُونَ، مِثْلُ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨]، ومِثْلُ قَوْلِهِ:
إذا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرى إلَيْهِ وخالَفَ والسَّفِيهُ إلى خِلافِ
ثُمَّ إذا كانَ ضَمِيرَ فَصْلٍ فَأحَدُ مَفْعُولَيْ حَسِبَ مَحْذُوفٌ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ
صفحة ١٨٢
ضَمِيرِ الفَصْلِ عَلَيْهِ، فَعَلى قِراءَةِ الفَوْقِيَّةِ فالمَحْذُوفُ مُضافٌ حَلَّ المُضافُ إلَيْهِ مَحَلَّهُ، أيْ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ خَيْرًا، وعَلى قِراءَةِ التَّحْتِيَّةِ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بُخْلَهم خَيْرًا.
والبُخْلُ - بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ الخاءِ - ويُقالُ: بَخَلٌ بِفَتْحِهِما، وفِعْلُهُ في لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ مَضْمُومُ العَيْنِ في الماضِي والمُضارِعِ. وبَقِيَّةُ العَرَبِ تَجْعَلُهُ بِكَسْرِ العَيْنِ في الماضِي وفَتْحِها في المُضارِعِ، وبِلُغَةِ غَيْرِ أهْلِ الحِجازِ جاءَ القُرْآنُ لِخِفَّةِ الكَسْرَةِ والفَتْحَةِ ولِذا لَمْ يُقْرَأْ إلّا بِها. وهو ضِدُّ الجُودِ، فَهو الِانْقِباضُ عَلى إعْطاءِ المالِ بِدُونِ عِوَضٍ، هَذا حَقِيقَتُهُ، ولا يُطْلَقُ عَلى مَنعِ صاحِبِ شَيْءٍ غَيْرُ مالٍ أنْ يَنْتَفِعَ غَيْرُهُ بِشَيْئِهِ بِدُونِ مَضَرَّةٍ عَلَيْهِ إلّا مَجازًا، وقَدْ ورَدَ في أثَرٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «البَخِيلُ الَّذِي أُذْكَرُ عِنْدَهُ فَلا يُصَلِّي عَلَيَّ» ويَقُولُونَ: بَخِلَتِ العَيْنُ بِالدُّمُوعِ، ويُرادِفُ البُخْلَ الشُّحُّ، كَما يُرادِفُ الجُودَ السَّخاءُ والسَّماحُ.
وقَوْلُهُ ﴿بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِنَفْيِ كَوْنِهِ خَيْرًا، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
وتَعْطُو بِرَخْصٍ غَيْرِ شِئْنٍ. . .
وهَذا كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ، عَلى أنَّ في هَذا المُقامِ إفادَةَ نَفْيِ تَوَهُّمِ الواسِطَةِ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ.
وجُمْلَةُ (( سَيُطَوَّقُونَ) ) واقِعَةٌ مَوْقِعَ العِلَّةِ لِقَوْلِهِ ﴿بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ﴾ . ”ويُطَوَّقُونَ“ يَحْتَمِلُ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الطّاقَةِ، وهي تَحَمُّلُ ما فَوْقَ القُدْرَةِ أيْ سَيَحْمِلُونَ ما بَخِلُوا بِهِ، أيْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وِزْرًا يَوْمَ القِيامَةِ، والأظْهَرُ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الطَّوْقِ، وهو ما يُلْبَسُ تَحْتَ الرَّقَبَةِ فَوْقَ الصَّدْرِ، أيْ تُجْعَلُ أمْوالُهم أطْواقًا يَوْمَ القِيامَةِ فَيُعَذَّبُونَ بِحَمْلِها، وهَذا كَقَوْلِهِ ﷺ: «مَنِ اغْتَصَبَ شِبْرًا مِن أرْضٍ طُوِّقَهُ مِن سَبْعِ أرَضِينَ يَوْمَ القِيامَةِ» . والعَرَبُ يَقُولُونَ في أمْثالِهِمْ: تَقَلَّدَها (أيِ الفِعْلَةَ الذَّمِيمَةَ) طَوْقَ الحَمامَةِ. وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ فالمَعْنى أنَّهم يُشَهَّرُونَ بِهَذِهِ المَذَمَّةِ بَيْنَ أهْلِ المَحْشَرِ، ويَلْزَمُونَ عِقابَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَذْيِيلٌ لِمَوْعِظَةِ الباخِلِينَ وغَيْرِهِمْ: بِأنَّ المالَ مالُ اللَّهِ، وما مِن بَخِيلٍ إلّا سَيَذْهَبُ ويَتْرُكُ مالَهُ، والمُتَصَرِّفُ
صفحة ١٨٣
فِي ذَلِكَ كُلِّهِ هو اللَّهُ، فَهو يَرِثُ السَّماواتِ والأرْضَ، أيْ يَسْتَمِرُّ مُلْكُهُ عَلَيْهِما بَعْدَ زَوالِ البَشَرِ كُلِّهِمُ المُنْتَفِعِينَ بِبَعْضِ ذَلِكَ، وهو يَمْلِكُ ما في ضِمْنِها تَبَعًا لَهُما، وهو عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُ النّاسُ مِن بُخْلٍ وصَدَقَةٍ، فالآيَةُ مَوْعِظَةٌ ووَعِيدٌ ووَعْدٌ لِأنَّ المَقْصُودَ لازِمُ قَوْلِهِ (خَبِيرٌ) .
آل عمران 3:181
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ الأنْبِئاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .
اسْتِئْنافُ جُمْلَةِ ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ البُخْلِ لِأنَّهم قالُوهُ في مَعْرِضِ دَفْعِ التَّرْغِيبِ في الصَّدَقاتِ، والَّذِينَ قالُوا ذَلِكَ هُمُ اليَهُودُ كَما هو صَرِيحٌ آخِرَ الآيَةِ في قَوْلِهِ (وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ)، وقائِلُ ذَلِكَ: قِيلَ هو حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ، حَبْرُ اليَهُودِ، لَمّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] فَقالَ حُيَيٌّ: إنَّما يَسْتَقْرِضُ الفَقِيرُ الغَنِيَّ، وقِيلَ: قالَهُ فَنِحاصُ بْنُ عازُوراءَ لِأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِسَبَبِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أرْسَلَ أبا بَكْرٍ إلى يَهُودِ قَيْنُقاعَ يَدْعُوهم، فَأتى بَيْتَ المِدْراسِ فَوَجَدَ جَماعَةً مِنهم قَدِ اجْتَمَعُوا عَلى فَنِحاصَ حَبْرِهِمْ، فَدَعاهم أبُو بَكْرٍ، فَقالَ فَنِحاصُ: ما بِنا إلى اللَّهِ مِن حاجَةٍ، وإنَّهُ إلَيْنا لَفَقِيرٌ ولَوْ كانَ غَنِيًّا لَما اسْتَقْرَضَنا أمْوالَنا كَما يَزْعُمُ صاحِبُكم، فَغَضِبَ أبُو بَكْرٍ ولَطَمَ فَنِحاصَ وهَمَّ بِقَتْلِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» . وشاعَ قَوْلُهُما في اليَهُودِ.
وقَوْلُهُ ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ تَهْدِيدٌ، وهو يُؤْذِنُ بِأنَّ هَذا القَوْلَ جَراءَةٌ عَظِيمَةٌ، وإنْ كانَ القَصْدُ مِنها التَّعْرِيضَ بِبُطْلانِ كَلامِ القُرْآنِ، لِأنَّهم أتَوْا بِهاتِهِ العِبارَةِ بِدُونِ مُحاشاةٍ، ولِأنَّ الِاسْتِخْفافَ بِالرَّسُولِ وقُرْآنِهِ إثْمٌ عَظِيمٌ وكُفْرٌ عَلى كُفْرٍ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ سَمِعَ﴾ المُسْتَعْمَلَ في لازِمِ مَعْناهُ، وهو التَّهْدِيدُ عَلى كَلامٍ فاحِشٍ، إذْ قَدْ عَلِمَ أهْلُ الأدْيانِ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ
صفحة ١٨٤
وما تُخْفِي الصُّدُورُ، فَلَيْسَ المَقْصُودُ إعْلامَهم بِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ ذَلِكَ بَلْ لازَمَهُ وهو مُقْتَضى قَوْلِهِ ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾ . والمُرادُ بِالكِتابَةِ إمّا كِتابَتُهُ في صَحائِفِ آثامِهِمْ إذْ لا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ أنْ يُكْتَبَ في صَحائِفِ الحَسَناتِ، وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ وُجُودَ عَلامَةِ الِاسْتِقْبالِ يُؤْذِنُ بِأنَّ الكِتابَةَ أمْرٌ يَحْصُلُ فِيما بَعْدُ. فالظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ مِنَ الكِتابَةِ عَدَمُ الصَّفْحِ عَنْهُ ولا العَفْوُ بَلْ سَيُثْبَتُ لَهم ويُجازُونَ عَنْهُ فَتَكُونُ الكِتابَةُ كِنايَةً عَنِ المُحاسَبَةِ. فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ وعِيدًا وعَلى الثّانِي يَكُونُ تَهْدِيدًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ) بِنُونِ العَظَمَةِ مِن (سَنَكْتُبُ) وبِنَصْبِ اللّامِ مِن (قَتْلَهُمُ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ (نَكْتُبُ) و(نَقُولُ) بِنُونٍ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ: (سَيُكْتَبُ) بِياءِ الغائِبِ مَضْمُومَةً، وفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ لِأنَّ فاعِلَ الكِتابَةِ مَعْلُومٌ وهو اللَّهُ تَعالى، وبِرَفْعِ اللّامِ مِن (قَتْلُهُمُ) عَلى أنَّهُ نائِبُ فاعِلٍ. (ويَقُولُ) بِياءِ الغائِبِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ”إنَّ اللَّهَ“ .
وعَطْفُ قَوْلِهِ (وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) زِيادَةٌ في مَذَمَّتِهِمْ بِذِكْرِ مَساوِي أسْلافِهِمْ، لِأنَّ الَّذِينَ قَتَلُوا الأنْبِياءَ هم غَيْرُ الَّذِينَ قالُوا ﴿إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ بَلْ هم مِن أسْلافِهِمْ، فَذُكِرَ هُنا لِيَدُلَّ عَلى أنَّ هَذِهِ شَنْشَنَةٌ قَدِيمَةٌ فِيهِمْ، وهي الِاجْتِراءُ عَلى اللَّهِ ورُسُلِهِ، واتِّحادُ الضَّمائِرِ مَعَ اخْتِلافِ المُعادِ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ في المَحامِدِ والمَذامِّ الَّتِي تُناطُ بِالقَبائِلِ. قالَ الحَجّاجُ في خُطْبَتِهِ بَعْدَ يَوْمِ دَيْرِ الجَماجِمِ يُخاطِبُ أهْلَ العِراقِ: ألَسْتُمْ أصْحابِي بِالأهْوازِ حِينَ أضْمَرْتُمُ الشَّرَّ واسْتَبْطَنْتُمُ الكُفْرَ إلى أنْ قالَ: ثُمَّ يَوْمُ الزّاوِيَةِ وما يَوْمُ الزّاوِيَةِ. . إلَخْ، مَعَ أنَّ فِيهِمْ مَن ماتَ ومَن طَرَأ بَعْدُ.
وقَوْلُهُ ﴿ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ عُطِفَ أثَرُ الكُتُبِ عَلى الكُتُبِ أيْ سَيُجازَوْنَ عَنْ ذَلِكَ بِدُونِ صَفْحٍ، ﴿ونَقُولُ ذُوقُوا﴾ وهو أمْرُ اللَّهِ بِأنْ يَدْخُلُوا النّارَ.
والذَّوْقُ حَقِيقَتُهُ إدْراكُ الطُّعُومِ، واسْتُعْمِلَ هُنا مَجازًا مُرْسَلًا في الإحْساسِ بِالعَذابِ فَعَلاقَتُهُ الإطْلاقُ، ونُكْتَتُهُ أنَّ الذَّوْقَ في العُرْفِ يَسْتَتْبِعُ تَكَرُّرَ ذَلِكَ الإحْساسِ لِأنَّ الذَّوْقَ يَتْبَعُهُ الأكْلُ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ”ذُوقُوا“ اسْتِعارَةً.
صفحة ١٨٥
وقَدْ شاعَ في كَلامِ العَرَبِ إطْلاقُ الذَّوْقِ عَلى الإحْساسِ بِالخَيْرِ أوْ بِالشَّرِّ، ووَرَدَ في القُرْآنِ كَثِيرًا.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ لِلْعَذابِ المُشاهَدِ يَوْمَئِذٍ، وفِيهِ تَهْوِيلٌ لِلْعَذابِ. والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ هَذا العَذابَ لِعِظَمِ هَوْلِهِ مِمّا يُتَساءَلُ عَنْ سَبَبِهِ. وعَطَفَ قَوْلَهُ ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ عَلى مَجْرُورِ الباءِ، لِيَكُونَ لِهَذا العَذابِ سَبَبانِ: ما قَدَّمَتْهُ أيْدِيهِمْ، وعَدْلُ اللَّهِ تَعالى، فَما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ أوْجَبَ حُصُولَ العَذابِ، وعَدْلُ اللَّهِ أوْجَبَ كَوْنَ هَذا العَذابِ في مِقْدارِهِ المُشاهَدِ مِنَ الشِّدَّةِ حَتّى لا يَظُنُّونَ أنَّ في شِدَّتِهِ إفْراطًا عَلَيْهِمْ في التَّعْذِيبِ.
آل عمران 3:182
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ الأنْبِئاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .
اسْتِئْنافُ جُمْلَةِ ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ البُخْلِ لِأنَّهم قالُوهُ في مَعْرِضِ دَفْعِ التَّرْغِيبِ في الصَّدَقاتِ، والَّذِينَ قالُوا ذَلِكَ هُمُ اليَهُودُ كَما هو صَرِيحٌ آخِرَ الآيَةِ في قَوْلِهِ (وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ)، وقائِلُ ذَلِكَ: قِيلَ هو حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ، حَبْرُ اليَهُودِ، لَمّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] فَقالَ حُيَيٌّ: إنَّما يَسْتَقْرِضُ الفَقِيرُ الغَنِيَّ، وقِيلَ: قالَهُ فَنِحاصُ بْنُ عازُوراءَ لِأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِسَبَبِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أرْسَلَ أبا بَكْرٍ إلى يَهُودِ قَيْنُقاعَ يَدْعُوهم، فَأتى بَيْتَ المِدْراسِ فَوَجَدَ جَماعَةً مِنهم قَدِ اجْتَمَعُوا عَلى فَنِحاصَ حَبْرِهِمْ، فَدَعاهم أبُو بَكْرٍ، فَقالَ فَنِحاصُ: ما بِنا إلى اللَّهِ مِن حاجَةٍ، وإنَّهُ إلَيْنا لَفَقِيرٌ ولَوْ كانَ غَنِيًّا لَما اسْتَقْرَضَنا أمْوالَنا كَما يَزْعُمُ صاحِبُكم، فَغَضِبَ أبُو بَكْرٍ ولَطَمَ فَنِحاصَ وهَمَّ بِقَتْلِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» . وشاعَ قَوْلُهُما في اليَهُودِ.
وقَوْلُهُ ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ تَهْدِيدٌ، وهو يُؤْذِنُ بِأنَّ هَذا القَوْلَ جَراءَةٌ عَظِيمَةٌ، وإنْ كانَ القَصْدُ مِنها التَّعْرِيضَ بِبُطْلانِ كَلامِ القُرْآنِ، لِأنَّهم أتَوْا بِهاتِهِ العِبارَةِ بِدُونِ مُحاشاةٍ، ولِأنَّ الِاسْتِخْفافَ بِالرَّسُولِ وقُرْآنِهِ إثْمٌ عَظِيمٌ وكُفْرٌ عَلى كُفْرٍ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ سَمِعَ﴾ المُسْتَعْمَلَ في لازِمِ مَعْناهُ، وهو التَّهْدِيدُ عَلى كَلامٍ فاحِشٍ، إذْ قَدْ عَلِمَ أهْلُ الأدْيانِ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ
صفحة ١٨٤
وما تُخْفِي الصُّدُورُ، فَلَيْسَ المَقْصُودُ إعْلامَهم بِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ ذَلِكَ بَلْ لازَمَهُ وهو مُقْتَضى قَوْلِهِ ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾ . والمُرادُ بِالكِتابَةِ إمّا كِتابَتُهُ في صَحائِفِ آثامِهِمْ إذْ لا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ أنْ يُكْتَبَ في صَحائِفِ الحَسَناتِ، وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ وُجُودَ عَلامَةِ الِاسْتِقْبالِ يُؤْذِنُ بِأنَّ الكِتابَةَ أمْرٌ يَحْصُلُ فِيما بَعْدُ. فالظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ مِنَ الكِتابَةِ عَدَمُ الصَّفْحِ عَنْهُ ولا العَفْوُ بَلْ سَيُثْبَتُ لَهم ويُجازُونَ عَنْهُ فَتَكُونُ الكِتابَةُ كِنايَةً عَنِ المُحاسَبَةِ. فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ وعِيدًا وعَلى الثّانِي يَكُونُ تَهْدِيدًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ) بِنُونِ العَظَمَةِ مِن (سَنَكْتُبُ) وبِنَصْبِ اللّامِ مِن (قَتْلَهُمُ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ (نَكْتُبُ) و(نَقُولُ) بِنُونٍ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ: (سَيُكْتَبُ) بِياءِ الغائِبِ مَضْمُومَةً، وفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ لِأنَّ فاعِلَ الكِتابَةِ مَعْلُومٌ وهو اللَّهُ تَعالى، وبِرَفْعِ اللّامِ مِن (قَتْلُهُمُ) عَلى أنَّهُ نائِبُ فاعِلٍ. (ويَقُولُ) بِياءِ الغائِبِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ”إنَّ اللَّهَ“ .
وعَطْفُ قَوْلِهِ (وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) زِيادَةٌ في مَذَمَّتِهِمْ بِذِكْرِ مَساوِي أسْلافِهِمْ، لِأنَّ الَّذِينَ قَتَلُوا الأنْبِياءَ هم غَيْرُ الَّذِينَ قالُوا ﴿إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ بَلْ هم مِن أسْلافِهِمْ، فَذُكِرَ هُنا لِيَدُلَّ عَلى أنَّ هَذِهِ شَنْشَنَةٌ قَدِيمَةٌ فِيهِمْ، وهي الِاجْتِراءُ عَلى اللَّهِ ورُسُلِهِ، واتِّحادُ الضَّمائِرِ مَعَ اخْتِلافِ المُعادِ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ في المَحامِدِ والمَذامِّ الَّتِي تُناطُ بِالقَبائِلِ. قالَ الحَجّاجُ في خُطْبَتِهِ بَعْدَ يَوْمِ دَيْرِ الجَماجِمِ يُخاطِبُ أهْلَ العِراقِ: ألَسْتُمْ أصْحابِي بِالأهْوازِ حِينَ أضْمَرْتُمُ الشَّرَّ واسْتَبْطَنْتُمُ الكُفْرَ إلى أنْ قالَ: ثُمَّ يَوْمُ الزّاوِيَةِ وما يَوْمُ الزّاوِيَةِ. . إلَخْ، مَعَ أنَّ فِيهِمْ مَن ماتَ ومَن طَرَأ بَعْدُ.
وقَوْلُهُ ﴿ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ عُطِفَ أثَرُ الكُتُبِ عَلى الكُتُبِ أيْ سَيُجازَوْنَ عَنْ ذَلِكَ بِدُونِ صَفْحٍ، ﴿ونَقُولُ ذُوقُوا﴾ وهو أمْرُ اللَّهِ بِأنْ يَدْخُلُوا النّارَ.
والذَّوْقُ حَقِيقَتُهُ إدْراكُ الطُّعُومِ، واسْتُعْمِلَ هُنا مَجازًا مُرْسَلًا في الإحْساسِ بِالعَذابِ فَعَلاقَتُهُ الإطْلاقُ، ونُكْتَتُهُ أنَّ الذَّوْقَ في العُرْفِ يَسْتَتْبِعُ تَكَرُّرَ ذَلِكَ الإحْساسِ لِأنَّ الذَّوْقَ يَتْبَعُهُ الأكْلُ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ”ذُوقُوا“ اسْتِعارَةً.
صفحة ١٨٥
وقَدْ شاعَ في كَلامِ العَرَبِ إطْلاقُ الذَّوْقِ عَلى الإحْساسِ بِالخَيْرِ أوْ بِالشَّرِّ، ووَرَدَ في القُرْآنِ كَثِيرًا.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ لِلْعَذابِ المُشاهَدِ يَوْمَئِذٍ، وفِيهِ تَهْوِيلٌ لِلْعَذابِ. والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ هَذا العَذابَ لِعِظَمِ هَوْلِهِ مِمّا يُتَساءَلُ عَنْ سَبَبِهِ. وعَطَفَ قَوْلَهُ ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ عَلى مَجْرُورِ الباءِ، لِيَكُونَ لِهَذا العَذابِ سَبَبانِ: ما قَدَّمَتْهُ أيْدِيهِمْ، وعَدْلُ اللَّهِ تَعالى، فَما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ أوْجَبَ حُصُولَ العَذابِ، وعَدْلُ اللَّهِ أوْجَبَ كَوْنَ هَذا العَذابِ في مِقْدارِهِ المُشاهَدِ مِنَ الشِّدَّةِ حَتّى لا يَظُنُّونَ أنَّ في شِدَّتِهِ إفْراطًا عَلَيْهِمْ في التَّعْذِيبِ.
آل عمران 3:183
﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ألّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ جاءُوا بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ والكِتابِ المُنِيرِ﴾ .
أُبْدِلَ ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ﴾ مِنَ ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨١] لِذِكْرِ قَوْلَةٍ أُخْرى شَنِيعَةٍ مِنهم، وهي كَذِبُهم عَلى اللَّهِ في أنَّهُ عَهِدَ إلَيْهِمْ عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِمْ أنْ لا يُؤْمِنُوا لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَهم بِقُرْبانٍ، أيْ حَتّى يَذْبَحَ قُرْبانًا فَتَأْكُلَهُ نارٌ تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، فَتِلْكَ عَلامَةُ القَبُولِ، وقَدْ كانَ هَذا حَصَلَ في زَمانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ ذُبِحَ أوَّلُ قُرْبانٍ عَلى النَّحْوِ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ فَخَرَجَتْ نارٌ مِن عِنْدِ الرَّبِّ فَأحْرَقَتْهُ. كَما في سِفْرِ اللّاوِيِّينَ. إلّا أنَّهُ مُعْجِزَةٌ لا تَطَّرِدُ لِسائِرِ الأنْبِياءِ كَما زَعَمَهُ اليَهُودُ لِأنَّ مُعْجِزاتِ الرُّسُلِ تَجِيءُ عَلى ما يُناسِبُ تَصْدِيقَ الأُمَّةِ. وفي الحَدِيثِ «ما مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيءٌ إلّا أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلَهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وإنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُ وحْيًا أوْحى اللَّهُ إلَيَّ، فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم تابِعًا يَوْمَ القِيامَةِ» فَقالَ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ .
صفحة ١٨٦
وهَذا الضَّرْبُ مِنَ الجَدَلِ مَبْنِيٌّ عَلى التَّسْلِيمِ، أيْ إذا سَلَّمْنا ذَلِكَ فَلَيْسَ امْتِناعُكم مِنِ اتِّباعِ الإسْلامِ لِأجْلِ انْتِظارِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ فَإنَّكم قَدْ كَذَّبْتُمُ الرُّسُلَ الَّذِينَ جاءُوكم بِها وقَتَلْتُمُوهم، ولا يَخْفى أنَّ التَّسْلِيمَ يَأْتِي عَلى مَذْهَبِ الخَصْمِ إذْ لا شَكَّ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَتَلُوا أنْبِياءَ مِنهم بَعْدَ أنْ آمَنُوا بِهِمْ، مِثْلَ زَكَرِيّا ويَحْيى وأشْعِياءَ وأرْمِياءَ، فالإيمانُ بِهِمْ أوَّلَ الأمْرِ يَسْتَلْزِمُ أنَّهم جاءُوا بِالقُرْبانِ تَأْكُلُهُ النّارُ عَلى قَوْلِهِمْ، وقَتْلُهم آخِرًا يَسْتَلْزِمُ أنَّ عَدَمَ الثَّباتِ عَلى الإيمانِ بِالأنْبِياءِ شَنْشَنَةٌ قَدِيمَةٌ في اليَهُودِ وأنَّهم إنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم، فَلا عَجَبَ أنْ يَأْتِيَ خَلَفُهم بِمِثْلِ ما أتى بِهِ سَلَفُهم.
وقَوْلُهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ظاهِرٌ في أنَّ ما زَعَمُوهُ مِنَ العَهْدِ لَهم بِذَلِكَ كَذِبٌ ومَعاذِيرُ باطِلَةٌ.
وإنَّما قالَ ﴿وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ عُدِلَ إلى المَوْصُولِ لِلِاخْتِصارِ وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ في نِسْبَةِ ذَلِكَ لَهم ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] إلى قَوْلِهِ ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠] أيْ نَرِثُ مالَهُ ووَلَدَهُ.
ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ والمَذْكُورُ بَعْدَ الفاءِ دَلِيلُ الجَوابِ لِأنَّهُ عِلَّتُهُ، والتَّقْدِيرُ: فَإنْ كَذَّبُوكَ فَلا عَجَبَ أوْ فَلا تَحْزَنْ لِأنَّ هَذِهِ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ في الأُمَمِ مَعَ الرُّسُلِ مِثْلِكَ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِنَقْصٍ فِيما جِئْتَ بِهِ. و”البَيِّناتُ“: الدَّلائِلُ عَلى الصِّدْقِ، والزُّبُرُ جَمْعُ زَبُورٍ وهو فَعَوْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِثْلِ رَسُولٍ، أيْ مَزْبُورٍ بِمَعْنى مَخْطُوطٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن زَبَرَ إذا زَجَرَ أوْ حَبَسَ لِأنَّ الكِتابَ يُقْصَدُ لِلْحُكْمِ. وأُرِيدَ بِالزُّبُرِ كُتُبُ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، مِمّا يَتَضَمَّنُ مَواعِظَ وتَذْكِيرًا مِثْلَ كِتابِ داوُدَ والإنْجِيلِ.
والمُرادُ بِالكِتابِ المُنِيرِ: إنْ كانَ التَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ فَهو كُتُبُ الشَّرائِعِ مِثْلُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وإنْ كانَ لِلْعَهْدِ فَهو التَّوْراةُ، ووَصْفُهُ بِالمُنِيرِ مَجازٌ بِمَعْنى المُبَيِّنِ لِلْحَقِّ كَقَوْلِهِ ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] والعَطْفُ مَنظُورٌ فِيهِ إلى التَّوْزِيعِ، فَبَعْضُ الرُّسُلِ جاءَ بِالزُّبُرِ، وبَعْضُهم بِالكِتابِ المُنِيرِ، وكُلُّهم جاءَ بِالبَيِّناتِ.
صفحة ١٨٧
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”والزُّبُرِ“ بِعَطْفِ الزُّبُرِ بِدُونِ إعادَةِ باءِ الجَرِّ.
وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ: وبِالزُّبُرِ - بِإعادَةِ باءِ الجَرِّ بَعْدَ واوِ العَطْفِ وكَذَلِكَ هو مَرْسُومٌ في المُصْحَفِ الشّامِيِّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: والكِتابِ - بِدُونِ إعادَةِ باءِ الجَرِّ - وقَرَأهُ هِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ وبِالكِتابِ بِإعادَةِ باءِ الجَرِّ وهَذا انْفَرَدَ بِهِ هِشامٌ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كُتِبَ كَذَلِكَ في بَعْضِ مَصاحِفِ الشّامِ العَتِيقَةِ، ولَيْسَتْ في المُصْحَفِ الإمامِ. ويُوشِكُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الرِّوايَةُ لِهِشامٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ شاذَّةً في هَذِهِ الآيَةِ، وأنَّ المَصاحِفَ الَّتِي كُتِبَتْ بِإثْباتِ الباءِ في قَوْلِهِ ”وبِالكِتابِ“ كانَتْ مُمْلاةً مِن حُفّاظِ هَذِهِ الرِّوايَةِ الشّاذَّةِ.
آل عمران 3:184
﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ألّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ جاءُوا بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ والكِتابِ المُنِيرِ﴾ .
أُبْدِلَ ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ﴾ مِنَ ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨١] لِذِكْرِ قَوْلَةٍ أُخْرى شَنِيعَةٍ مِنهم، وهي كَذِبُهم عَلى اللَّهِ في أنَّهُ عَهِدَ إلَيْهِمْ عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِمْ أنْ لا يُؤْمِنُوا لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَهم بِقُرْبانٍ، أيْ حَتّى يَذْبَحَ قُرْبانًا فَتَأْكُلَهُ نارٌ تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، فَتِلْكَ عَلامَةُ القَبُولِ، وقَدْ كانَ هَذا حَصَلَ في زَمانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ ذُبِحَ أوَّلُ قُرْبانٍ عَلى النَّحْوِ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ فَخَرَجَتْ نارٌ مِن عِنْدِ الرَّبِّ فَأحْرَقَتْهُ. كَما في سِفْرِ اللّاوِيِّينَ. إلّا أنَّهُ مُعْجِزَةٌ لا تَطَّرِدُ لِسائِرِ الأنْبِياءِ كَما زَعَمَهُ اليَهُودُ لِأنَّ مُعْجِزاتِ الرُّسُلِ تَجِيءُ عَلى ما يُناسِبُ تَصْدِيقَ الأُمَّةِ. وفي الحَدِيثِ «ما مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيءٌ إلّا أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلَهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وإنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُ وحْيًا أوْحى اللَّهُ إلَيَّ، فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم تابِعًا يَوْمَ القِيامَةِ» فَقالَ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ .
صفحة ١٨٦
وهَذا الضَّرْبُ مِنَ الجَدَلِ مَبْنِيٌّ عَلى التَّسْلِيمِ، أيْ إذا سَلَّمْنا ذَلِكَ فَلَيْسَ امْتِناعُكم مِنِ اتِّباعِ الإسْلامِ لِأجْلِ انْتِظارِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ فَإنَّكم قَدْ كَذَّبْتُمُ الرُّسُلَ الَّذِينَ جاءُوكم بِها وقَتَلْتُمُوهم، ولا يَخْفى أنَّ التَّسْلِيمَ يَأْتِي عَلى مَذْهَبِ الخَصْمِ إذْ لا شَكَّ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَتَلُوا أنْبِياءَ مِنهم بَعْدَ أنْ آمَنُوا بِهِمْ، مِثْلَ زَكَرِيّا ويَحْيى وأشْعِياءَ وأرْمِياءَ، فالإيمانُ بِهِمْ أوَّلَ الأمْرِ يَسْتَلْزِمُ أنَّهم جاءُوا بِالقُرْبانِ تَأْكُلُهُ النّارُ عَلى قَوْلِهِمْ، وقَتْلُهم آخِرًا يَسْتَلْزِمُ أنَّ عَدَمَ الثَّباتِ عَلى الإيمانِ بِالأنْبِياءِ شَنْشَنَةٌ قَدِيمَةٌ في اليَهُودِ وأنَّهم إنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم، فَلا عَجَبَ أنْ يَأْتِيَ خَلَفُهم بِمِثْلِ ما أتى بِهِ سَلَفُهم.
وقَوْلُهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ظاهِرٌ في أنَّ ما زَعَمُوهُ مِنَ العَهْدِ لَهم بِذَلِكَ كَذِبٌ ومَعاذِيرُ باطِلَةٌ.
وإنَّما قالَ ﴿وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ عُدِلَ إلى المَوْصُولِ لِلِاخْتِصارِ وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ في نِسْبَةِ ذَلِكَ لَهم ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] إلى قَوْلِهِ ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠] أيْ نَرِثُ مالَهُ ووَلَدَهُ.
ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ والمَذْكُورُ بَعْدَ الفاءِ دَلِيلُ الجَوابِ لِأنَّهُ عِلَّتُهُ، والتَّقْدِيرُ: فَإنْ كَذَّبُوكَ فَلا عَجَبَ أوْ فَلا تَحْزَنْ لِأنَّ هَذِهِ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ في الأُمَمِ مَعَ الرُّسُلِ مِثْلِكَ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِنَقْصٍ فِيما جِئْتَ بِهِ. و”البَيِّناتُ“: الدَّلائِلُ عَلى الصِّدْقِ، والزُّبُرُ جَمْعُ زَبُورٍ وهو فَعَوْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِثْلِ رَسُولٍ، أيْ مَزْبُورٍ بِمَعْنى مَخْطُوطٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن زَبَرَ إذا زَجَرَ أوْ حَبَسَ لِأنَّ الكِتابَ يُقْصَدُ لِلْحُكْمِ. وأُرِيدَ بِالزُّبُرِ كُتُبُ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، مِمّا يَتَضَمَّنُ مَواعِظَ وتَذْكِيرًا مِثْلَ كِتابِ داوُدَ والإنْجِيلِ.
والمُرادُ بِالكِتابِ المُنِيرِ: إنْ كانَ التَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ فَهو كُتُبُ الشَّرائِعِ مِثْلُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وإنْ كانَ لِلْعَهْدِ فَهو التَّوْراةُ، ووَصْفُهُ بِالمُنِيرِ مَجازٌ بِمَعْنى المُبَيِّنِ لِلْحَقِّ كَقَوْلِهِ ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] والعَطْفُ مَنظُورٌ فِيهِ إلى التَّوْزِيعِ، فَبَعْضُ الرُّسُلِ جاءَ بِالزُّبُرِ، وبَعْضُهم بِالكِتابِ المُنِيرِ، وكُلُّهم جاءَ بِالبَيِّناتِ.
صفحة ١٨٧
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”والزُّبُرِ“ بِعَطْفِ الزُّبُرِ بِدُونِ إعادَةِ باءِ الجَرِّ.
وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ: وبِالزُّبُرِ - بِإعادَةِ باءِ الجَرِّ بَعْدَ واوِ العَطْفِ وكَذَلِكَ هو مَرْسُومٌ في المُصْحَفِ الشّامِيِّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: والكِتابِ - بِدُونِ إعادَةِ باءِ الجَرِّ - وقَرَأهُ هِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ وبِالكِتابِ بِإعادَةِ باءِ الجَرِّ وهَذا انْفَرَدَ بِهِ هِشامٌ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كُتِبَ كَذَلِكَ في بَعْضِ مَصاحِفِ الشّامِ العَتِيقَةِ، ولَيْسَتْ في المُصْحَفِ الإمامِ. ويُوشِكُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الرِّوايَةُ لِهِشامٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ شاذَّةً في هَذِهِ الآيَةِ، وأنَّ المَصاحِفَ الَّتِي كُتِبَتْ بِإثْباتِ الباءِ في قَوْلِهِ ”وبِالكِتابِ“ كانَتْ مُمْلاةً مِن حُفّاظِ هَذِهِ الرِّوايَةِ الشّاذَّةِ.
آل عمران 3:185
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِأصْلِ الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ، وهو تَسْلِيَةُ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ، وتَفْنِيدُ المُنافِقِينَ في مَزاعِمِهِمْ أنَّ النّاسَ لَوِ اسْتَشارُوهم في القِتالِ لَأشارُوا بِما فِيهِ سَلامَتُهم فَلا يَهْلِكُوا، فَبَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهم ما يَدْفَعُ تَوَهُّمَهم أنَّ الِانْهِزامَ كانَ خِذْلانًا مِنَ اللَّهِ وتَعَجُّبَهم مِنهُ كَيْفَ يَلْحَقُ قَوْمًا خَرَجُوا لِنَصْرِ الدِّينِ وأنْ لا سَبَبَ لِلْهَزِيمَةِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ﴾ [آل عمران: ١٥٥] ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ في تِلْكَ الرَّزِيَّةِ فَوائِدَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣] وقَوْلِهِ ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٦]، ثُمَّ أمَرَهم بِالتَّسْلِيمِ لِلَّهِ في كُلِّ حالٍ فَقالَ ﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦] وقالَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لِإخْوانِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٦] الآيَةَ. وبَيَّنَ لَهم أنَّ قَتْلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ حَزِنُوا لَهم إنَّما هم أحْياءٌ، وأنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ لا يُضَيِّعُ اللَّهُ أجَرَهم ولا فَضْلَ ثَباتِهِمْ، وبَيَّنَ لَهم أنَّ سَلامَةَ الكُفّارِ لا يَنْبَغِي أنْ تُحْزِنَ المُؤْمِنِينَ ولا أنْ
صفحة ١٨٨
تَسُرَّ الكافِرِينَ، وأبْطَلَ في خِلالِ ذَلِكَ مَقالَ المُنافِقِينَ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] وبِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] إلى قَوْلِهِ ﴿قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨] خَتَمَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِما هو جامِعٌ لِلْغَرَضَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ لِأنَّ المُصِيبَةَ والحُزْنَ إنَّما نَشَآ عَلى مَوْتِ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِن خِيرَةِ المُؤْمِنِينَ، يَعْنِي أنَّ المَوْتَ لَمّا كانَ غايَةَ كُلِّ حَيٍّ فَلَوْ لَمْ يَمُوتُوا اليَوْمَ لَماتُوا بَعْدَ ذَلِكَ، فَلا تَأْسَفُوا عَلى مَوْتِ قَتْلاكم في سَبِيلِ اللَّهِ، ولا يَفْتِنْكُمُ المُنافِقُونَ بِذَلِكَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قَصْرَ قَلْبٍ لِتَنْزِيلِ المُؤْمِنِينَ - فِيما أصابَهم مِنَ الحُزْنِ عَلى قَتْلاهم وعَلى هَزِيمَتِهِمْ - مَنزِلَةَ مَن لا يَتَرَقَّبُ مِن عَمَلِهِ إلّا مَنافِعَ الدُّنْيا وهو النَّصْرُ والغَنِيمَةُ، مَعَ أنَّ نِهايَةَ الأجْرِ في نَعِيمِ الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾ أيْ تُكْمَلُ لَكم، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم قَدْ حَصَلَتْ لَهم أُجُورٌ عَظِيمَةٌ في الدُّنْيا عَلى تَأْيِيدِهِمْ لِلدِّينِ: مِنها النَّصْرُ يَوْمَ بَدْرٍ، ومِنها كَفُّ أيْدِي المُشْرِكِينَ عَنْهم في أيّامِ مَقامِهِمْ بِمَكَّةَ إلى أنْ تَمَكَّنُوا مِنَ الهِجْرَةِ.
والذَّوْقُ هُنا أُطْلِقَ عَلى وِجْدانِ المَوْتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ اسْتِعْمالِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١] وشاعَ إطْلاقُهُ عَلى حُصُولِ المَوْتِ، قالَ تَعالى ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ﴾ [الدخان: ٥٦] ويُقالُ: ذاقَ طَعْمَ المَوْتِ.
والتَّوْفِيَةُ: إعْطاءُ الشَّيْءِ وافِيًا. ويُطْلِقُها الفُقَهاءُ عَلى مُطْلَقِ الإعْطاءِ والتَّسْلِيمِ، والأُجُورُ جَمْعُ الأجْرِ بِمَعْنى الثَّوابِ، ووَجْهُ جَمْعِهِ مُراعاةُ أنْواعِ الأعْمالِ. ويَوْمُ القِيامَةِ: يَوْمُ الحَشْرِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَقُومُ فِيهِ النّاسُ مِن خُمُودِ المَوْتِ إلى نُهُوضِ الحَياةِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَمَن زُحْزِحَ﴾ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ﴿تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾ ومَعْنى زُحْزِحَ أُبْعِدَ. وحَقِيقَةُ فِعْلِ زُحْزِحَ أنَّها جَذْبٌ بِسُرْعَةٍ، وهو مُضاعَفُ زَحَّهُ عَنِ المَكانِ إذا جَذَبَهُ بِعَجَلَةٍ.
وإنَّما جُمِعَ بَيْنَ ﴿زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ﴾، مَعَ أنَّ في الثّانِي غُنْيَةً عَنِ
صفحة ١٨٩
الأوَّلِ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ يَشْتَمِلُ عَلى نِعْمَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ: النَّجاةُ مِنَ النّارِ، ونَعِيمُ الجَنَّةِ.
ومَعْنى ﴿فَقَدْ فازَ﴾ نالَ مُبْتَغاهُ مِنَ الخَيْرِ لِأنَّ تَرَتُّبَ الفَوْزِ عَلى دُخُولِ الجَنَّةِ والزَّحْزَحَةِ عَنِ النّارِ مَعْلُومٌ فَلا فائِدَةَ في ذِكْرِ الشَّرْطِ إلّا لِهَذا. والعَرَبُ تَعْتَمِدُ في هَذا عَلى القَرائِنِ، فَقَدْ يَكُونُ الجَوابُ عَيْنَ الشَّرْطِ لِبَيانِ التَّحْقِيقِ، نَحْوَ قَوْلِ القائِلِ: مَن عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي، وقَدْ يَكُونُ عَيَّنَهُ بِزِيادَةِ قَيْدٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] وقَدْ يَكُونُ عَلى مَعْنى بُلُوغِ أقْصى غاياتِ نَوْعِ الجَوابِ والشَّرْطِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلِهِ ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ، وقَوْلِ العَرَبِ: ”مَن أدْرَكَ مَرْعى الصَّمّانِ فَقَدْ أدْرَكَ“ . وجَمِيعُ ما قُرِّرَ في الجَوابِ يَأْتِي مِثْلُهُ في الصِّفَةِ ونَحْوِها كَقَوْلِهِ ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] .
آل عمران 3:186
﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ .
اسْتِئْنافٌ لِإيقاظِ المُؤْمِنِينَ إلى ما يَعْتَرِضُ أهْلَ الحَقِّ وأنْصارَ الرُّسُلِ مِنَ البَلْوى، وتَنْبِيهٌ لَهم عَلى أنَّهم إنْ كانُوا مِمَّنْ تُوهِنُهُمُ الهَزِيمَةُ فَلَيْسُوا أحْرِياءَ بِنَصْرِ الحَقِّ، وأكَّدَ الفِعْلَ بِلامِ القَسَمِ وبِنُونِ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةِ لِإفادَةِ تَحْقِيقِ الِابْتِلاءِ، إذْ نُونُ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةِ أقْوى في الدَّلالَةِ عَلى التَّوْكِيدِ مِنَ الخَفِيفَةِ.
فَأصْلُ ”لَتُبْلَوُنَّ“ لَتُبْلَوُونَنَّ فَلَمّا تَوالى ثَلاثُ نُوناتٍ ثَقُلَ في النُّطْقِ فَحُذِفَتْ نُونُ الرَّفْعِ فالتَقى ساكِنانِ: واوُ الرَّفْعِ ونُونُ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةِ، فَحُذِفَتْ واوُ الرَّفْعِ لِأنَّها لَيْسَتْ أصْلًا في الكَلِمَةِ فَصارَ لَتُبْلَوُنَّ. وكَذَلِكَ القَوْلُ في تَصْرِيفِ قَوْلِهِ تَعالى ”ولَتَسْمَعُنَّ“ وفي تَوْكِيدِهِ.
صفحة ١٩٠
والِابْتِلاءُ: الِاخْتِبارُ، ويُرادُ بِهِ هُنا لازِمَةٌ وهو المُصِيبَةُ، لِأنَّ في المَصائِبِ اخْتِبارًا لِمِقْدارِ الثَّباتِ. والِابْتِلاءُ في الأمْوالِ هو نَفَقاتُ الجِهادِ، وتَلاشِي أمْوالِهِمُ الَّتِي تَرَكُوها بِمَكَّةَ. والِابْتِلاءُ في الأنْفُسِ هو القَتْلُ والجِراحُ. وجُمِعَ مَعَ ذَلِكَ سَماعُ المَكْرُوهِ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في يَوْمِ أُحُدٍ وبَعْدَهُ.
والأذى هو الضُّرُّ بِالقَوْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى﴾ [آل عمران: ١١١] كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، ولِذَلِكَ وصَفَهُ هُنا بِالكَثِيرِ، أيِ الخارِجِ عَنِ الحَدِّ الَّذِي تَحْتَمِلُهُ النُّفُوسُ غالِبًا، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُفْضِي إلى الفَشَلِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِالصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ حَتّى يَحْصُلَ لَهُمُ النَّصْرُ، وأمَرَهم بِالتَّقْوى أيِ الدَّوامِ عَلى أُمُورِ الإيمانِ والإقْبالِ عَلى بَثِّهِ وتَأْيِيدِهِ، فَأمّا الصَّبْرُ عَلى الِابْتِلاءِ في الأمْوالِ والأنْفُسِ فَيَشْمَلُ الجِهادَ، وأمّا الصَّبْرُ عَلى الأذى فَفي وقْتَيِ الحَرْبِ والسِّلْمِ، فَلَيْسَتِ الآيَةُ مُقْتَضِيَةً عَدَمَ الإذْنِ بِالقِتالِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أمَرَهم بِالصَّبْرِ عَلى أذى الكُفّارِ حَتّى تَكُونَ مَنسُوخَةً بِآياتِ السَّيْفِ، لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ، وهي بَعْدَ الأمْرِ بِالقِتالِ. قالَهُ القَفّالُ.
وقَوْلُهُ ”فَإنَّ ذَلِكَ“ الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى بِتَأْوِيلٍ: فَإنَّ المَذْكُورَ. و﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ أيِ الأُمُورِ العَزْمِ، ووَصَفَ الأُمُورَ وهو جَمْعٌ بِعَزْمٍ وهو مُفْرَدٌ لِأنَّ أصْلَ عَزْمٍ أنَّهُ مَصْدَرٌ فَيَلْزَمُ لَفْظُهُ حالَةً واحِدَةً، وهو هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ مِنَ الأُمُورِ المَعْزُومِ عَلَيْها. والعَزْمُ إمْضاءُ الرَّأْيِ وعَدَمُ التَّرَدُّدِ بَعْدَ تَبْيِينِ السَّدادِ. قالَ تَعالى ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] والمُرادُ هُنا العَزْمُ في الخَيِّراتِ قالَ تَعالى ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] وقالَ ﴿ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] .
ووَقَعَ قَوْلُهُ ﴿فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ دَلِيلًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ تَنالُوا ثَوابَ أهْلِ العَزْمِ ﴿فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ .
آل عمران 3:187
﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ .
صفحة ١٩١
مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦] فَإنَّ تَكْذِيبَ الرَّسُولِ مِن أكْبَرِ الأذى لِلْمُسْلِمِينَ. وإنَّ الطَّعْنَ في كَلامِهِ وأحْكامِ شَرِيعَتِهِ مِن ذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ ﴿إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] والقَوْلُ في مَعْنى أخْذِ اللَّهِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] ونَحْوِهِ.
و﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ هُمُ اليَهُودُ، وهَذا المِيثاقُ أُخِذَ عَلى سَلَفِهِمْ مِن عَهْدِ رَسُولِهِمْ وأنْبِيائِهِمْ، وكانَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى عُمُومِهِ لِعُلَماءِ أُمَّتِهِمْ في سائِرِ أجْيالِهِمْ إلى أنْ يَجِيءَ رَسُولٌ.
وجُمْلَةُ ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ﴾ بَيانٌ لِلْمِيثاقِ، فَهي حِكايَةُ اليَمِينِ حِينَ اقْتُرِحَتْ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ جاءَتْ بِصِيغَةِ خِطابِهِمْ بِالمَحْلُوفِ عَلَيْهِ كَما قَرَأ بِذَلِكَ الجُمْهُورُ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: لَيُبَيِّنُنَّهُ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى طَرِيقَةِ الحِكايَةِ بِالمَعْنى، حَيْثُ كانَ المَأْخُوذُ عَلَيْهِمْ هَذا العَهْدَ غائِبِينَ في وقَتِ الإخْبارِ عَنْهم. ولِلْعَرَبِ في مِثْلِ هَذِهِ الحِكاياتِ وُجُوهٌ: بِاعْتِبارِ كَلامِ الحاكِي، وكَلامِ المَحْكِيِّ عَنْهُ، فَقَدْ يَكُونُ فِيهِ وجْهانِ كالمَحْكِيِّ بِالقَوْلِ في نَحْوِ: أقْسَمَ زَيْدٌ لا يَفْعَلُ كَذا، وأُقْسِمُ لا أفْعَلُ كَذا، وقَدْ يَكُونُ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩] قُرِئَ بِالنُّونِ والتّاءِ الفَوْقِيَّةِ والياءِ التَّحْتِيَّةِ لَنُبَيِّتَنَّهُ لَتُبَيِّتَنَّهُ لَيُبَيِّتَنَّهُ، إذا جُعِلَ تَقاسَمُوا فِعْلًا ماضِيًا فَإذا جُعِلَ أمْرًا جازَ وجْهانِ: في لَنُبَيِّتَنَّهُ النُّونُ والتّاءُ الفَوْقِيَّةُ. والقَوْلُ في تَصْرِيفِ وإعْرابِ لَتُبَيِّنُنَّهُ كالقَوْلِ في لَتُبْلَوُنَّ المُتَقَدِّمِ قَرِيبًا.
وقَدْ أُخِذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ بِأمْرَيْنِ: هُما الكِتابُ أيْ عَدَمُ إجْمالِ مَعانِيهِ أوْ تَحْرِيفِ تَأْوِيلِهِ، وعَدَمُ كِتْمانِهِ أيْ إخْفاءِ شَيْءٍ مِنهُ. فَقَوْلُهُ ولا تَكْتُمُونَهُ عَطْفٌ عَلى ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ﴾ ولَمْ يُقْرَنْ بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِأنَّها لا تُقارِنُ الفِعْلَ المَنفِيَّ لِتَنافِي مُقْتَضاهُما.
وقَوْلُهُ ”فَنَبَذُوهُ“ عُطِفَ بِالفاءِ الدّالَّةِ عَلى التَّعْقِيبِ لِلْإشارَةِ إلى مُسارَعَتِهِمْ إلى ذَلِكَ، والَّذِينَ نَبَذُوهُ هم عُلَماءُ اليَهُودِ في عُصُورِهِمُ الأخِيرَةِ القَرِيبَةِ مِن عَهْدِ الرِّسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، فالتَّعْقِيبُ الَّذِي بَيْنَ أخْذِ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ وبَيْنَ نَبْذِهِمْ إيّاهُ مَنظُورٌ
صفحة ١٩٢
فِيهِ إلى مُبادَرَتِهِمْ بِالنَّبْذِ عَقِبَ الوَقْتِ الَّذِي تَحَقَّقَ فِيهِ أخْذُ المِيثاقِ، وهو وقْتُ تَأهُّلِ كُلِّ واحِدٍ مِن عُلَمائِهِمْ لِتَبْيِينِ الكِتابِ وإعْلانِهِ فَهو إذا أنِسَ مِن نَفْسِهِ المَقْدِرَةَ عَلى فَهْمِ الكِتابِ والتَّصَرُّفِ في مَعانِيهِ بادَرَ بِاتِّخاذِ تِلْكَ المَقْدِرَةَ وسِيلَةً لِسُوءِ التَّأْوِيلِ والتَّحْرِيفِ والكِتْمانِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ مُسْتَعْمَلَةً في لازِمِ التَّعْقِيبِ، وهو شِدَّةُ المُسارَعَةِ لِذَلِكَ عِنْدَ اقْتِضاءِ الحالِ إيّاهُ والِاهْتِمامِ بِهِ وصَرْفِ الفِكْرَةِ فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْقِيبُ بِحَسَبِ الحَوادِثِ الَّتِي أساءُوا فِيها التَّأْوِيلَ واشْتَرَوْا بِها الثَّمَنَ القَلِيلَ، لِأنَّ المِيثاقَ لَمّا كانَ عامًّا كانَتْ كُلُّ جُزْئِيَّةٍ مَأْخُوذًا عَلَيْها المِيثاقُ، فالجُزْئِيَّةُ الَّتِي لَمْ يَعْمَلُوا فِيها بِالمِيثاقِ يَكُونُ فِيها تَعْقِيبُ مِيثاقِها بِالنَّبْذِ والِاشْتِراءِ.
والنَّبْذُ: الطَّرْحُ والإلْقاءُ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِعَدَمِ العَمَلِ بِالعَهْدِ تَشْبِيهًا لِلْعَهْدِ بِالشَّيْءِ المَنبُوذِ في عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِهِ.
ووَراءُ الظُّهُورِ هُنا تَمْثِيلٌ لِلْإضاعَةِ والإهْمالِ، لِأنَّ شَأْنَ الشَّيْءِ المُهْتَمِّ بِهِ المُتَنافَسِ فِيهِ أنْ يُجْعَلَ نُصْبَ العَيْنِ ويُحْرَسَ ويُشاهَدَ، . وقالَ تَعالى ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨] . وشَأْنُ الشَّيْءِ المَرْغُوبِ عَنْهُ أنْ يُسْتَدْبَرَ ولا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وفي هَذا التَّمْثِيلِ تَرْشِيحٌ لِاسْتِعارَةِ النَّبْذِ لِإخْلافِ العَهْدِ.
والضَّمِيرانِ: المَنصُوبُ والمَجْرُورُ، يَجُوزُ عَوْدُهُما إلى المِيثاقِ أيِ اسْتَخَفُّوا بِعَهْدِ اللَّهِ وعَوَّضُوهُ بِثَمَنٍ قَلِيلٍ، وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ أنَّهم أهْمَلُوا ما واثَقُوا عَلَيْهِ مِن تَبْيِينِ الكِتابِ وعَدَمُ كِتْمانِهِ، ويَجُوزُ عَوْدُهُما إلى الكِتابِ أيْ أهْمَلُوا الكِتابَ ولَمْ يَعْتَنُوا بِهِ، والمُرادُ إهْمالُ أحْكامِهِ وتَعْوِيضُ إقامَتِها بِنَفْعٍ قَلِيلٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نَوْعَيِ الإهْمالِ، وهُما إهْمالُ آياتِهِ وإهْمالُ مَعانِيهِ.
والِاشْتِراءُ هُنا مَجازٌ في المُبادَلَةِ والثَّمَنِ القَلِيلِ، وهو ما يَأْخُذُونَهُ مِنَ الرُّشى والجَوائِزِ مِن أهْلِ الأهْواءِ والظُّلْمِ مِنَ الرُّؤَساءِ والعامَّةِ عَلى تَأْيِيدِ المَظالِمِ والمَفاسِدِ بِالتَّأْوِيلاتِ الباطِلَةِ، وتَأْوِيلُ كُلِّ حُكْمٍ فِيهِ ضَرْبٌ عَلى أيْدِي الجَبابِرَةِ والظَّلَمَةِ بِما يُطْلِقُ أيْدِيَهم في ظُلْمِ الرَّعِيَّةِ مِن ضُرُوبِ التَّأْوِيلاتِ الباطِلَةِ، وتَحْذِيراتِ الَّذِينَ يَصْدَعُونَ بِتَغْيِيرِ المُنْكِرِ. وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ في أهْلِ
صفحة ١٩٣
الكِتابِ إلّا أنَّ حُكْمَها يَشْمَلُ مَن يَرْتَكِبُ مِثْلَ صَنِيعِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ لِاتِّحادِ جِنْسِ الحُكْمِ والعِلَّةِ فِيهِ.
آل عمران 3:188
﴿لا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسِبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
تَكْمِلَةٌ لِأحْوالِ أهْلِ الكِتابِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم بِبَيانِ حالَةِ خَلْقِهِمْ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ اخْتِلالَ أمانَتِهِمْ في تَبْلِيغِ الدِّينِ، وهَذا ضَرْبٌ آخَرُ جاءَ بِهِ فَرِيقٌ آخَرُ مِن أهْلِ الكِتابِ فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِلتَّوَصُّلِ إلى ذِكْرِ صِلَتِهِ العَجِيبَةِ مِن حالِ مَن يَفْعَلُ الشَّرَّ والخِسَّةَ ثُمَّ لا يَقِفُ عِنْدَ حَدِّ الِانْكِسارِ لِما فَعَلَ أوْ تَطَلُّبِ السِّتْرِ عَلى شَنْعَتِهِ، بَلْ يَرْتَقِي فَيَتَرَقَّبُ ثَناءَ النّاسِ عَلى سُوءِ صُنْعِهِ، ويَتَطَلَّبُ المَحْمَدَةَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ الخِطابُ، والمَوْصُولُ هُنا بِمَعْنى المُعَرَّفِ بِلامِ العَهْدِ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ قَوْمٌ مُعَيَّنُونَ مِنَ اليَهُودِ أوِ المُنافِقِينَ، فَمَعْنى ﴿يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا﴾ أنَّهم يَفْرَحُونَ بِما فَعَلُوا مِمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو نَبْذُ الكِتابِ والِاشْتِراءُ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا وإنَّما فَرِحُوا بِما نالُوا بِفِعْلِهِمْ مِن نَفْعٍ في الدُّنْيا.
ومَعْنى ﴿يُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ أنَّهم يُحِبُّونَ الثَّناءَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم حَفَظَةُ الشَّرِيعَةِ وحُرّاسُها والعالِمُونَ بِتَأْوِيلِها، وذَلِكَ خِلافُ الواقِعِ. هَذا ظاهِرُ مَعْنى الآيَةِ. وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم أتَوْا إضْلالَ أتْباعِهِمْ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وأحَبُّوا الحَمْدَ بِأنَّهم عُلَماءٌ بِكُتُبِ الدِّينِ.
وفِي البُخارِيِّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، كانُوا يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الغَزْوِ بِالمَعاذِيرِ، فَيَقْبَلُ مِنهُمُ النَّبِيءُ ﷺ ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا﴾ بِأنَّ لَهم نِيَّةَ المُجاهِدِينَ، ولَيْسَ المَوْصُولُ بِمَعْنى لامِ الِاسْتِغْراقِ. وفي البُخارِيِّ: أنَّ مَرْوانَ بْنَ الحَكَمِ قالَ لِبَوّابِهِ اذْهَبْ يا رافِعُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ
صفحة ١٩٤
فَقُلْ: لَئِنْ كانَ كُلُّ امْرِئٍ فَرِحَ بِما أتى وأحَبَّ أنْ يُحْمَدَ بِما لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا لَنُعَذَّبَنَّ أجْمَعُونَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما لَكَمَ ولِهَذِهِ ؟ إنَّما دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَهُودَ، فَسَألَهم عَنْ شَيْءٍ فَأخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ فَأرَوْهُ أنَّهم قَدِ اسْتَحْمَدُوا إلَيْهِ بِما أخْبَرُوهُ وفَرِحُوا بِما أتَوْا مِن كِتْمانِهِمْ ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] حَتّى قَوْلِهِ ﴿لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا﴾ الآيَةَ.
والمَفازَةُ: مَكانُ الفَوْزِ. وهو المَكانُ الَّذِي مَن يَحِلُّهُ يَفُزْ بِالسَّلامَةِ مِنَ العَدُوِّ سُمِّيَتِ البَيْداءُ الواسِعَةُ مَفازَةً لِأنَّ المُنْقَطِعَ فِيها يَفُوزُ بِنَفْسِهِ مِن أعْدائِهِ وطَلَبَةِ الوَتَرِ عِنْدَهُ وكانُوا يَتَطَلَّبُونَ الإقامَةَ فِيها. قالَ النّابِغَةُ:
أوْ أضَعُ البَيْتَ في صَمّاءَ مُظْلِمَةٍ تُقَيِّدُ العِيرَ لا يَسْرِي بِها السّارِي
تُدافِعُ النّاسَ عَنّا حِينَ نَرْكَبُها ∗∗∗ مِنَ المَظالِمِ تُدْعى أُمُّ صَبّارِ
ولَمّا كانَتِ المَفازَةُ مُجْمَلَةً بِالنِّسْبَةِ لِلْفَوْزِ الحاصِلِ فِيها بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿مِنَ العَذابِ﴾ . وحَرْفُ (مِن) مَعْناهُ البَدَلِيَّةُ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧]، أوْ بِمَعْنى عَنْ بِتَضْمِينِ مَفازَةٍ مَعْنى مَنجاةٍ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِتاءِ الخِطابِ.
أمّا سِينُ تَحْسَبَنَّ فَقَرَأها بِالكَسْرِ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ. وقَرَأها بِالفَتْحِ الباقُونَ.
وقَدْ جاءَ تَرْكِيبُ الآيَةِ عَلى نَظْمٍ بَدِيعٍ إذْ حُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي لِفِعْلِ الحُسْبانِ الأوَّلِ لِدَلالَةِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ وهو مَفْعُولُ ﴿فَلا تَحْسِبَنَّهُمْ﴾، والتَّقْدِيرُ: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ إلَخْ أنْفُسَهم. وأُعِيدَ فِعْلُ الحُسْبانِ في قَوْلِهِ ﴿فَلا تَحْسِبَنَّهُمْ﴾ مُسْنَدًا إلى المُخاطَبِ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِراضِ بِالفاءِ وأُتِيَ بَعْدَهُ بِالمَفْعُولِ الثّانِي: وهو ﴿بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾ فَتَنازَعَهُ كِلا الفِعْلَيْنِ. وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿لا تَحْسِبَنَّ
صفحة ١٩٥
الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ يَكُونُ خِطابًا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لِيَعُمَّ كُلَّ مُخاطَبٍ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَلا تَحْسِبَنَّهُمْ﴾ اعْتِراضًا بِالفاءِ أيْضًا والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ مَعَ ما في حَذْفِ المَفْعُولِ الثّانِي لِفِعْلِ الحُسْبانِ الأوَّلِ، وهو مَحَلُّ الفائِدَةِ، مِن تَشْوِيقِ السّامِعِ إلى سَماعِ المَنهِيِّ عَنْ حُسْبانِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَلا تَحْسِبَنَّهُمْ﴾: بِفَتْحِ الباءِ المُوَحَّدَةِ عَلى أنَّ الفِعْلَ لِخِطابِ الواحِدِ؛ وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِضَمِّ الباءِ المُوَحَّدَةِ عَلى أنَّهُ لِخِطابِ الجَمْعِ، وحَيْثُ أنَّهُما قَرَآ أوَّلَهُ بِياءِ الغَيْبَةِ فَضَمُّ الباءِ يَجْعَلُ فاعِلَ يَحْسَبَنَّ ومَفْعُولَهُ مُتَّحِدَيْنِ أيْ لا يَحْسَبُونَ أنْفُسَهم، واتِّحادُ الفاعِلِ والمَفْعُولِ لِلْفِعْلِ الواحِدِ مِن خَصائِصِ أفْعالِ الظَّنِّ كَما هُنا وأُلْحِقَتْ بِها أفْعالٌ قَلِيلَةٌ، وهي: وجَدَ وعَدِمَ وفَقَدَ.
وأمّا سِينُ تَحْسَبَنَّهم فالقِراءاتُ مُماثِلَةٌ لِما في سِينِ يَحْسَبَنَّ.
آل عمران 3:189
﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
تَذْيِيلٌ بِوَعِيدٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ ما يَكْتُمُونَ مِن خَلائِقِهِمْ.
آل عمران 3:190
﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .
صفحة ١٩٦
هَذا غَرَضٌ أُنُفٌ بِالنِّسْبَةِ لِما تَتابَعَ مِن أغْراضِ السُّورَةِ، انْتُقِلَ بِهِ مِنَ المُقَدِّماتِ والمَقْصِدِ والمُتَخَلِّلاتِ بِالمُناسَباتِ، إلى غَرَضٍ جَدِيدٍ هو الِاعْتِبارُ بِخَلْقِ العَوالِمِ وأعْراضِها والتَّنْوِيهُ بِالَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِما فِيها مِن آياتٍ.
ومِثْلُ هَذا الِانْتِقالِ يَكُونُ إيذانًا بِانْتِهاءِ الكَلامِ عَلى أغْراضِ السُّورَةِ، عَلى تَفَنُّنِها، فَقَدْ كانَ التَّنَقُّلُ فِيها مِنَ الغَرَضِ إلى مُشاكِلِهِ وقَدْ وقَعَ الِانْتِقالُ الآنَ إلى غَرَضٍ عامٍّ: وهو الِاعْتِبارُ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وحالُ المُؤْمِنِينَ في الِاتِّعاظِ بِذَلِكَ، وهَذا النَّحْوُ في الِانْتِقالِ يَعْرِضُ لِلْخَطِيبِ ونَحْوِهِ مِن أغْراضِهِ عَقِبَ إيفائِها حَقَّها إلى غَرَضٍ آخَرَ إيذانًا بِأنَّهُ أشْرَفَ عَلى الِانْتِهاءِ، وشَأْنُ القُرْآنِ أنْ يَخْتِمَ بِالمَوْعِظَةِ لِأنَّها أهَمُّ أغْراضِ الرِّسالَةِ، كَما وقَعَ في خِتامِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وحَرْفُ إنَّ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ.
والمُرادُ بِ ﴿خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ هُنا: إمّا آثارُ خَلْقِها، وهو النِّظامُ الَّذِي جُعِلَ فِيها، وإمّا أنْ يُرادَ بِالخَلْقِ المَخْلُوقاتُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] . و﴿أُولُو الألْبابِ﴾ [آل عمران: ٧] أهْلُ العُقُولِ الكامِلَةِ لِأنَّ لُبَّ الشَّيْءِ خُلاصَتُهُ. وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانَ ما في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الآياتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلَخْ.
و﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ إمّا مِنَ الذِّكْرِ اللِّسانِيِّ وإمّا مِنَ الذِّكْرِ القَلْبِيِّ وهو التَّفْكِيرُ، وأرادَ بِقَوْلِهِ ﴿قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ عُمُومَ الأحْوالِ كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبَهُ الظَّهْرَ والبَطْنَ، وقَوْلِهِمْ: اشْتَهَرَ كَذا عِنْدَ أهْلِ الشَّرْقِ والغَرْبِ، عَلى أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ هي مُتَعارَفُ أحْوالِ البَشَرِ في السَّلامَةِ، أيْ أحْوالِ الشُّغْلِ والرّاحَةِ وقَصْدِ النَّوْمِ. وقِيلَ: أرادَ أحْوالَ المُصَلِّينَ: مِن قادِرٍ، وعاجِزٍ وشَدِيدِ العَجْزِ. وسِياقُ الآيَةِ بَعِيدٌ عَنْ هَذا المَعْنى.
وقَوْلُهُ ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عَطْفٌ مُرادِفٌ إنْ كانَ المُرادُ بِالذِّكْرِ فِيما سَبَقَ التَّفْكِيرَ، وإعادَتَهُ لِأجْلِ اخْتِلافِ المُتَفَكَّرِ فِيهِ، أوْ هو عَطْفٌ مُغايِرٌ إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ يَذْكُرُونَ ذِكْرَ اللِّسانِ. والتَّفْكِيرُ عِبادَةٌ عَظِيمَةٌ. رَوى ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في جامِعِ العُتْبِيَّةِ قالَ: قِيلَ لِأُمِّ الدَّرْداءِ: ما كانَ
صفحة ١٩٧
شَأْنُ أبِي الدَّرْداءِ ؟ قالَتْ: كانَ أكْثَرَ شَأْنِهِ التَّفَكُّرُ، قِيلَ لَهُ: أتَرى التَّفَكُّرَ عَمَلًا مِنَ الأعْمالِ ؟ قالَ: نَعَمْ، هو اليَقِينُ.
والخَلْقُ بِمَعْنى كَيْفِيَّةِ أثَرِ الخَلْقِ، أوِ المَخْلُوقاتِ الَّتِي في السَّماءِ والأرْضِ، فالإضافَةُ إمّا عَلى مَعْنى اللّامِ، وإمّا عَلى مَعْنى (في) .
وقَوْلُهُ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ وما بَعْدَهُ جُمْلَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الحالِ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ: أيْ يَتَفَكَّرُونَ قائِلِينَ: رَبَّنا إلَخْ لِأنَّ هَذا الكَلامَ أُرِيدَ بِهِ حِكايَةُ قَوْلِهِمْ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ مِنَ الدُّعاءِ.
فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ تَواطَأ الجَمِيعُ مِن أُولِي الألْبابِ عَلى قَوْلِ هَذا التَّنْزِيهِ والدُّعاءِ عِنْدَ التَّفْكِيرِ مَعَ اخْتِلافِ تَفْكِيرِهِمْ وتَأثُّرِهِمْ ومَقاصِدِهِمْ. قُلْتُ: يُحْتَمَلُ أنَّهم تَلَقَّوْهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكانُوا يُلازِمُونَهُ عِنْدَ التَّفَكُّرِ وعَقِبِهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ ألْهَمَهم إيّاهُ فَصارَ هَجِّيراهم مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] الآياتِ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ حَدِيثُ ابْنُ عَبّاسٍ في الصَّحِيحِ قالَ: بِتُّ عِنْدَ خالَتِي مَيْمُونَةَ «فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَسَحَ النَّوْمَ عَنْ وجْهِهِ ثُمَّ قَرَأ العَشْرَ الآياتِ مِن سُورَةِ آلِ عِمْرانَ» إلى آخِرِ الحَدِيثِ.
ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ حِكايَةً لِتَفَكُّرِهِمْ في نُفُوسِهِمْ، فَهو كَلامُ النَّفْسِ يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ المُتَفَكِّرِينَ لِاسْتِوائِهِمْ في صِحَّةِ التَّفَكُّرِ لِأنَّهُ تَنَقَّلَ مِن مَعْنًى إلى مُتَفَرِّعٍ عَنْهُ، وقَدِ اسْتَوى أُولُو الألْبابِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم هُنا في إدْراكِ هَذِهِ المَعانِي، فَأوَّلُ التَّفْكِيرِ أنْتَجَ لَهم أنَّ المَخْلُوقاتِ لَمْ تُخْلَقْ باطِلًا، ثُمَّ تَفَرَّعَ عَنْهُ تَنْزِيهُ اللَّهِ وسُؤالِهِ أنْ يَقِيَهم عَذابَ النّارِ، لِأنَّهم رَأوْا في المَخْلُوقاتِ طائِعًا وعاصِيًا، فَعَلِمُوا أنَّ وراءَ هَذا العالَمِ ثَوابًا وعِقابًا، فاسْتَعاذُوا أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ. وتَوَسَّلُوا إلى ذَلِكَ بِأنَّهم بَذَلُوا غايَةَ مَقْدُورِهِمْ في طَلَبِ النَّجاةِ إذِ اسْتَجابُوا لِمُنادِي الإيمانِ وهو الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وسَألُوا غُفْرانَ الذُّنُوبِ، وتَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ، والمَوْتَ عَلى البِرِّ إلى آخِرِهِ. فَلا يَكادُ أحَدٌ مِن أُولِي الألْبابِ يَخْلُو مِن هَذِهِ التَّفَكُّراتِ ورُبَّما زادَ عَلَيْها، ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وشاعَتْ بَيْنَهُمُ، اهْتَدى لِهَذا التَّفْكِيرِ مَن لَمْ يَكُنِ انْتَبَهَ لَهُ مِن قَبْلُ فَصارَ شائِعًا بَيْنَ المُسْلِمِينَ بِمَعانِيهِ وألْفاظِهِ.
صفحة ١٩٨
ومَعْنى ﴿ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ أيْ خَلْقًا باطِلًا، أوْ ما خَلَقْتَ هَذا في حالِ أنَّهُ باطِلٌ، فَهي حالٌ لازِمَةُ الذِّكْرِ في النَّفْيِ وإنْ كانَتْ فَضْلَةً في الإثْباتِ، كَقَوْلِهِ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] فالمَقْصُودُ نَفْيُ عَقائِدِ مَن يُفْضِي اعْتِقادُهم إلى أنَّ هَذا الخَلْقَ باطِلٌ أوْ خُلِّيَ عَنِ الحِكْمَةِ، والعَرَبُ تَبْنِي صِيغَةَ النَّفْيِ عَلى اعْتِبارِ سَبْقِ الإثْباتِ كَثِيرًا.
وجِيءَ بِفاءِ التَّعْقِيبِ في حِكايَةِ قَوْلِهِمْ ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ لِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى العِلْمِ بِأنَّ هَذا الخَلْقَ حَقٌّ، ومِن جُمْلَةِ الحَقِّ أنْ لا يَسْتَوِيَ الصّالِحُ والطّالِحُ، والمُطِيعُ والعاصِي، فَعَلِمُوا أنَّ لِكُلٍّ مُسْتَقَرًّا مُناسِبًا فَسَألُوا أنْ يَكُونُوا مِن أهْلِ الخَيْرِ المُجَنَّبِينَ عَذابَ النّارِ.
وقَوْلُهم ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ مَسُوقٌ مَساقُ التَّعْلِيلِ لِسُؤالِ الوِقايَةِ مِنَ النّارِ، كَما تُؤْذِنُ بِهِ إنَّ المُسْتَعْمَلَةُ لِإرادَةِ الِاهْتِمامِ إذْ لا مَقامَ لِلتَّأْكِيدِ هُنا. والخِزْيُ مَصْدَرُ خَزِيَ يَخْزى بِمَعْنى ذَلَّ وهانَ بِمَرْأًى مِنَ النّاسِ، وأخْزاهُ أذَلَّهُ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، ووَجْهُ تَعْلِيلِ طَلَبِ الوِقايَةِ مِنَ النّارِ بِأنَّ دُخُولَها خِزْيٌ بَعْدَ الإشارَةِ إلى مُوجِبَةِ ذَلِكَ الطَّلَبِ بِقَوْلِهِمْ ﴿عَذابَ النّارِ﴾ أنَّ النّارَ مَعَ ما فِيها مِنَ العَذابِ الألِيمِ فِيها قَهْرٌ لِلْمُعَذَّبِ وإهانَةٌ عَلَنِيَّةٌ، وذَلِكَ مَعْنًى مُسْتَقِرٌّ في نُفُوسِ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧] وذَلِكَ لِظُهُورِ وجْهِ الرَّبْطِ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، أيْ مَن يَدْخُلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ. والخِزْيُ لا تُطِيقُهُ الأنْفُسُ، فَلا حاجَةَ إلى تَأْوِيلٍ تَأوَّلُوهُ عَلى مَعْنى فَقَدْ أخْزَيْتَهُ خِزْيًا عَظِيمًا. ونَظَّرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ بِقَوْلِ رُعاةِ العَرَبِ ”مَن أدْرَكَ مَرْعى الصَّمّانِ فَقَدْ أدْرَكَ“ أيْ فَقَدْ أدْرَكَ مَرْعًى لِئَلّا يَكُونَ مَعْنى الجَزاءِ ضَرُورِيَّ الحُصُولِ مِنَ الشَّرْطِ فَلا تَظْهَرُ فائِدَةٌ لِلتَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ، لِأنَّهُ يُخَلِّي الكَلامَ عَنِ الفائِدَةِ حِينَئِذٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] .
ولِأجْلِ هَذا أعْقَبُوهُ بِما في الطِّباعِ التَّفادِي بِهِ عَنِ الخِزْيِ والمَذَلَّةِ بِالهَرَعِ إلى أحْلافِهِمْ وأنْصارِهِمْ، فَعَلِمُوا أنْ لا نَصِيرَ في الآخِرَةِ لِلظّالِمِ فَزادُوا بِذَلِكَ
صفحة ١٩٩
تَأْكِيدًا لِلْحِرْصِ عَلى الِاسْتِعاذَةِ مِن عَذابِ النّارِ إذْ قالُوا ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ أيْ لِأهْلِ النّارِ أنْصارٌ تَدْفَعُ عَنْهُمُ الخِزْيَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا﴾ أرادُوا بِهِ النَّبِيءَ مُحَمَّدًا ﷺ . والمُنادِي، الَّذِي يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالكَلامِ. والنِّداءُ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالكَلامِ رَفْعًا قَوِيًّا لِأجْلِ الإسْماعِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ النِّداءِ بِكَسْرِ النُّونِ وبِضَمِّها وهو الصَّوْتُ المُرْتَفِعُ. يُقالُ: هو أنْدى صَوْتًا أيْ أرْفَعُ، فَأصْلُ النِّداءِ الجَهْرُ بِالصَّوْتِ والصِّياحُ بِهِ، ومِنهُ سُمِّيَ دُعاءُ الشَّخْصِ شَخْصًا لِيُقْبِلَ إلَيْهِ نِداءً، لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يَرْفَعَ الصَّوْتَ بِهِ؛ ولِذَلِكَ جَعَلُوا لَهُ حُرُوفًا مَمْدُودَةً مِثْلَ: يا وآ وأيا وهَيا. ومِنهُ سُمِّي الأذانُ نِداءً، وأُطْلِقَ هُنا عَلى المُبالَغَةِ في الإسْماعِ والدَّعْوَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ رَفْعُ صَوْتٍ، ويُطْلَقُ النِّداءُ عَلى طَلَبِ الإقْبالِ بِالذّاتِ أوْ بِالفَهْمِ بِحُرُوفٍ مَعْلُومَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤] ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ [الصافات: ١٠٥] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو المُرادَ هُنا لِأنَّ النَّبِيءَ يَدْعُو النّاسَ بِنَحْوِ: يا أيُّها النّاسُ ويا بَنِي فُلانٍ ويا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ونَحْوِ ذَلِكَ. وسَيَأْتِي تَفْسِيرُ مَعانِي النِّداءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ [الأعراف: ٤٣] في سُورَةِ الأعْرافِ. واللّامُ لامُ العِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ.
و(أنْ) في ﴿أنْ آمِنُوا﴾ تَفْسِيرِيَّةٌ لِما في فِعْلِ يُنادِي مِن مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ.
وجاءُوا بِفاءِ التَّعْقِيبِ في فَآمَنّا: لِلدَّلالَةِ عَلى المُبادَرَةِ والسَّبْقِ إلى الإيمانِ، وذَلِكَ دَلِيلُ سَلامَةِ فِطْرَتِهِمْ مِنَ الخَطَأِ والمُكابَرَةِ، وقَدْ تَوَسَّمُوا أنْ تَكُونَ مُبادَرَتُهم لِإجابَةِ دَعْوَةِ الإسْلامِ مَشْكُورَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَلِذَلِكَ فَرَّعُوا عَلَيْهِ قَوْلَهم ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ لِأنَّهم لَمّا بَذَلُوا كُلَّ ما في وُسْعِهِمْ مِنَ اتِّباعِ الدِّينِ كانُوا حَقِيقِينَ بِتَرَجِّي المَغْفِرَةِ.
والغَفْرُ والتَّكْفِيرُ مُتَقارِبانِ في المادَّةِ المُشْتَقَّيْنِ مِنها إلّا أنَّهُ شاعَ الغَفْرُ والغُفْرانُ في العَفْوِ عَنِ الذَّنْبِ والتَّكْفِيرِ في تَعْوِيضِ الذَّنْبِ بِعِوَضٍ، فَكَأنَّ العِوَضَ كَفَّرَ الذَّنْبَ أيْ سَتَرَهُ، ومِنهُ سُمِّيَتْ كَفّارَةُ الإفْطارِ في رَمَضانَ. وكَفّارَةُ الحِنْثِ في اليَمِينِ إلّا أنَّهم أرادُوا بِالذُّنُوبِ ما كانَ قاصِرًا عَلى ذَواتِهِمْ، ولِذَلِكَ طَلَبُوا مَغْفِرَتَهُ،
صفحة ٢٠٠
وأرادُوا مِنَ السَّيِّئاتِ ما كانَ فِيهِ حَقُّ النّاسِ، فَلِذَلِكَ سَألُوا تَكْفِيرَها عَنْهم. وقِيلَ هو مُجَرَّدُ تَأْكِيدٍ، وهو حَسَنٌ، وقِيلَ أرادُوا مِنَ الذُّنُوبِ الكَبائِرَ ومِنَ السَّيِّئاتِ الصَّغائِرَ لِأنَّ اجْتِنابَ الكَبائِرِ يُكَفِّرُ الصَّغائِرَ، بِناءً عَلى أنَّ الذَّنْبَ أدَلُّ عَلى الإثْمِ مِنَ السَّيِّئَةِ.
وسَألُوا الوَفاةَ مَعَ الأبْرارِ، أيْ أنْ يَمُوتُوا عَلى حالَةِ البِرِّ، بِأنْ يُلازِمَهُمُ البِرُّ إلى المَماتِ وأنْ لا يَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ، فَإذا ماتُوا كَذَلِكَ ماتُوا مِن جُمْلَةِ الأبْرارِ. فالمَعِيَّةُ هُنا مَعِيَّةٌ اعْتِبارِيَّةٌ، وهي المُشارَكَةُ في الحالَةِ الكامِلَةِ، والمَعِيَّةُ مَعَ الأبْرارِ أبْلَغُ في الِاتِّصافِ بِالدَّلالَةِ، لِأنَّهُ بِرٌّ يُرْجى دَوامُهُ وتَزايُدُهُ لِكَوْنِ صاحِبِهِ ضِمْنُ جَمْعٍ يَزِيدُونَهُ إقْبالًا عَلى البِرِّ بِلِسانِ المَقالِ ولِسانِ الحالِ.
ولَمّا سَألُوا المَثُوبَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَرَقَّوْا في السُّؤالِ إلى طَلَبِ تَحْقِيقِ المَثُوبَةِ، فَقالُوا ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ .
وتَحْتَمِلُ كَلِمَةُ (عَلى) أنْ تَكُونَ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ الوَعْدِ، ومَعْناها التَّعْلِيلُ فَيَكُونُ الرُّسُلُ هُمُ المَوْعُودُ عَلَيْهِمْ، ومَعْنى الوَعْدِ عَلى الرُّسُلِ أنَّهُ وعْدٌ عَلى تَصْدِيقِهِمْ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مُضافٍ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ (عَلى) ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا، أيْ وعْدًا كائِنًا عَلى رُسُلِكَ أيْ، مُنَزَّلًا عَلَيْهِمْ، ومُتَعَلِّقُ الجارِّ في مِثْلِهِ كَوْنٌ غَيْرُ عامٍّ بَلْ هو كَوْنٌ خاصٌّ، ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ إذا قامَتِ القَرِينَةُ، ومَعْنى (عَلى) حِينَئِذٍ الِاسْتِعْلاءُ المَجازِيُّ، أوْ تُجْعَلُ (عَلى) ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا حالًا مِن ﴿ما وعَدْتَنا﴾ أيْضًا، بِتَقْدِيرِ كَوْنٍ عامٍّ لَكِنْ مَعَ تَقْدِيرِ مُضافٍ إلى رُسُلِكَ، أيْ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ.
والمَوْعُودُ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ أوْ عَلى التَّصْدِيقِ بِهِمُ الأظْهَرُ أنَّهُ ثَوابُ الآخِرَةِ وثَوابُ الدُّنْيا: لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨] وقَوْلِهِ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] الآيَةَ وقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] . والمُرادُ بِالرُّسُلِ في قَوْلِهِ ﴿عَلى رُسُلِكَ﴾ خُصُوصُ مُحَمَّدٍ ﷺ أُطْلِقَ عَلَيْهِ وصْفُ (رُسُلٍ) تَعْظِيمًا لَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَحْسِبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧] . ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧] .
صفحة ٢٠١
فَإنْ قُلْتَ: إذا كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ وعَدَهم ذَلِكَ وبِأنَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ فَما فائِدَةُ سُؤالِهِمْ ذَلِكَ في دُعائِهِمْ ؟ قُلْتُ: لَهُ وُجُوهٌ: أحَدُهُما: أنَّهم سَألُوا ذَلِكَ لِيَكُونَ حُصُولُهُ أمارَةً عَلى حُصُولِ قَبُولِ الأعْمالِ الَّتِي وعَدَ اللَّهُ عَلَيْها بِما سَألُوهُ فَقَدْ يَظُنُّونَ أنْفُسَهم آتِينَ بِما يُبَلِّغُهم تِلْكَ المَرْتَبَةَ ويَخْشَوْنَ لَعَلَّهم قَدْ خَلَطُوا أعْمالَهُمُ الصّالِحَةَ بِما يُبْطِلُها، ولَعَلَّ هَذا هو السَّبَبُ في مَجِيءِ الواوِ في قَوْلِهِمْ ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا﴾ دُونَ الفاءِ إذْ جَعَلُوهُ دَعْوَةً مُسْتَقِلَّةً لِتَتَحَقَّقَ ويَتَحَقَّقَ سَبَبُها، ولَمْ يَجْعَلُوها نَتِيجَةَ فِعْلٍ مَقْطُوعٍ بِحُصُولِهِ، ويَدُلُّ لِصِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] مَعَ أنَّهم لَمْ يَطْلُبُوا هُنا عَدَمَ إضاعَةِ أعْمالِهِمْ.
الثّانِي: قالَ في الكَشّافِ: أرادُوا طَلَبَ التَّوْفِيقِ إلى أسْبابِ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى رُسُلِهِ. فالكَلامُ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ مِنَ التَّوْفِيقِ لِلْأعْمالِ المَوْعُودِ عَلَيْها.
الثّالِثُ: قالَ فِيهِ ما حاصِلُهُ: أنْ يَكُونَ هَذا مِن بابِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ حَتّى لا يَظْهَرُوا بِمَظْهَرِ المُسْتَحِقِّ لِتَحْصِيلِ المَوْعُودِ بِهِ تَذَلُّلًا، أيْ كَسُؤالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المَغْفِرَةَ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهم.
الرّابِعُ: أجابَ القَرافِيُّ في الفَرْقِ ٢٧٣ بِأنَّهم سَألُوهُ ذَلِكَ لِأنَّ حُصُولَهُ مَشْرُوطٌ بِالوَفاةِ عَلى الإيمانِ، وقَدْ يُؤَيَّدُ هَذا بِأنَّهم قَدَّمُوا قَبْلَهُ قَوْلَهم ﴿وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ لَكِنَّ هَذا الجَوابَ يَقْتَضِي قَصْرَ المَوْعُودِ بِهِ عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ، وأعادُوا سُؤالَ النَّجاةِ مِن خِزْيِ يَوْمِ القِيامَةِ لِشِدَّتِهِ عَلَيْهِمْ.
الخامِسُ: أنَّ المَوْعُودَ الَّذِي سَألُوهُ هو النَّصْرَ عَلى العَدُوِّ خاصَّةً، فالدُّعاءُ بِقَوْلِهِمْ ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ مَقْصُودٌ مِنهُ تَعْجِيلُ ذَلِكَ لَهم، يَعْنِي أنَّ الوَعْدَ كانَ لِمَجْمُوعِ الأُمَّةِ، فَكُلُّ واحِدٍ إذا دَعا بِهَذا فَإنَّما يَعْنِي أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ مِمَّنْ يَرى مِصْداقَ وعْدِ اللَّهِ تَعالى خَشْيَةَ أنْ يَفُوتَهم. وهَذا كَقَوْلِ خَبّابِ ابْنِ الأرَتِّ: هاجَرْنا مَعَ النَّبِيءِ نَلْتَمِسُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى فَوَقَعَ أجْرُنا عَلى اللَّهِ فَمِنّا مَن أيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهو يَهْدِبُها، ومِنّا مَن ماتَ لَمْ يَأْكُلْ مِن أجْرِهِ شَيْئًا، مِنهم مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ نَجِدْ لَهُ ما نُكَفِّنُهُ إلّا بُرْدَةً إلَخْ.
صفحة ٢٠٢
وقَدِ ابْتَدَءُوا دُعاءَهم وخَلَّلُوهُ بِنِدائِهِ تَعالى: خَمْسَ مَرّاتٍ إظْهارًا لِلْحاجَةِ إلى إقْبالِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " مَن حَزَبَهُ أمْرٌ فَقالَ: يا رَبِّ خَمْسَ مَرّاتٍ أنْجاهُ اللَّهُ مِمّا يَخافُ وأعْطاهُ ما أرادَ، واقْرَءُوا ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .
آل عمران 3:191
﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .
صفحة ١٩٦
هَذا غَرَضٌ أُنُفٌ بِالنِّسْبَةِ لِما تَتابَعَ مِن أغْراضِ السُّورَةِ، انْتُقِلَ بِهِ مِنَ المُقَدِّماتِ والمَقْصِدِ والمُتَخَلِّلاتِ بِالمُناسَباتِ، إلى غَرَضٍ جَدِيدٍ هو الِاعْتِبارُ بِخَلْقِ العَوالِمِ وأعْراضِها والتَّنْوِيهُ بِالَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِما فِيها مِن آياتٍ.
ومِثْلُ هَذا الِانْتِقالِ يَكُونُ إيذانًا بِانْتِهاءِ الكَلامِ عَلى أغْراضِ السُّورَةِ، عَلى تَفَنُّنِها، فَقَدْ كانَ التَّنَقُّلُ فِيها مِنَ الغَرَضِ إلى مُشاكِلِهِ وقَدْ وقَعَ الِانْتِقالُ الآنَ إلى غَرَضٍ عامٍّ: وهو الِاعْتِبارُ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وحالُ المُؤْمِنِينَ في الِاتِّعاظِ بِذَلِكَ، وهَذا النَّحْوُ في الِانْتِقالِ يَعْرِضُ لِلْخَطِيبِ ونَحْوِهِ مِن أغْراضِهِ عَقِبَ إيفائِها حَقَّها إلى غَرَضٍ آخَرَ إيذانًا بِأنَّهُ أشْرَفَ عَلى الِانْتِهاءِ، وشَأْنُ القُرْآنِ أنْ يَخْتِمَ بِالمَوْعِظَةِ لِأنَّها أهَمُّ أغْراضِ الرِّسالَةِ، كَما وقَعَ في خِتامِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وحَرْفُ إنَّ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ.
والمُرادُ بِ ﴿خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ هُنا: إمّا آثارُ خَلْقِها، وهو النِّظامُ الَّذِي جُعِلَ فِيها، وإمّا أنْ يُرادَ بِالخَلْقِ المَخْلُوقاتُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] . و﴿أُولُو الألْبابِ﴾ [آل عمران: ٧] أهْلُ العُقُولِ الكامِلَةِ لِأنَّ لُبَّ الشَّيْءِ خُلاصَتُهُ. وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانَ ما في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الآياتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلَخْ.
و﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ إمّا مِنَ الذِّكْرِ اللِّسانِيِّ وإمّا مِنَ الذِّكْرِ القَلْبِيِّ وهو التَّفْكِيرُ، وأرادَ بِقَوْلِهِ ﴿قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ عُمُومَ الأحْوالِ كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبَهُ الظَّهْرَ والبَطْنَ، وقَوْلِهِمْ: اشْتَهَرَ كَذا عِنْدَ أهْلِ الشَّرْقِ والغَرْبِ، عَلى أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ هي مُتَعارَفُ أحْوالِ البَشَرِ في السَّلامَةِ، أيْ أحْوالِ الشُّغْلِ والرّاحَةِ وقَصْدِ النَّوْمِ. وقِيلَ: أرادَ أحْوالَ المُصَلِّينَ: مِن قادِرٍ، وعاجِزٍ وشَدِيدِ العَجْزِ. وسِياقُ الآيَةِ بَعِيدٌ عَنْ هَذا المَعْنى.
وقَوْلُهُ ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عَطْفٌ مُرادِفٌ إنْ كانَ المُرادُ بِالذِّكْرِ فِيما سَبَقَ التَّفْكِيرَ، وإعادَتَهُ لِأجْلِ اخْتِلافِ المُتَفَكَّرِ فِيهِ، أوْ هو عَطْفٌ مُغايِرٌ إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ يَذْكُرُونَ ذِكْرَ اللِّسانِ. والتَّفْكِيرُ عِبادَةٌ عَظِيمَةٌ. رَوى ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في جامِعِ العُتْبِيَّةِ قالَ: قِيلَ لِأُمِّ الدَّرْداءِ: ما كانَ
صفحة ١٩٧
شَأْنُ أبِي الدَّرْداءِ ؟ قالَتْ: كانَ أكْثَرَ شَأْنِهِ التَّفَكُّرُ، قِيلَ لَهُ: أتَرى التَّفَكُّرَ عَمَلًا مِنَ الأعْمالِ ؟ قالَ: نَعَمْ، هو اليَقِينُ.
والخَلْقُ بِمَعْنى كَيْفِيَّةِ أثَرِ الخَلْقِ، أوِ المَخْلُوقاتِ الَّتِي في السَّماءِ والأرْضِ، فالإضافَةُ إمّا عَلى مَعْنى اللّامِ، وإمّا عَلى مَعْنى (في) .
وقَوْلُهُ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ وما بَعْدَهُ جُمْلَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الحالِ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ: أيْ يَتَفَكَّرُونَ قائِلِينَ: رَبَّنا إلَخْ لِأنَّ هَذا الكَلامَ أُرِيدَ بِهِ حِكايَةُ قَوْلِهِمْ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ مِنَ الدُّعاءِ.
فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ تَواطَأ الجَمِيعُ مِن أُولِي الألْبابِ عَلى قَوْلِ هَذا التَّنْزِيهِ والدُّعاءِ عِنْدَ التَّفْكِيرِ مَعَ اخْتِلافِ تَفْكِيرِهِمْ وتَأثُّرِهِمْ ومَقاصِدِهِمْ. قُلْتُ: يُحْتَمَلُ أنَّهم تَلَقَّوْهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكانُوا يُلازِمُونَهُ عِنْدَ التَّفَكُّرِ وعَقِبِهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ ألْهَمَهم إيّاهُ فَصارَ هَجِّيراهم مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] الآياتِ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ حَدِيثُ ابْنُ عَبّاسٍ في الصَّحِيحِ قالَ: بِتُّ عِنْدَ خالَتِي مَيْمُونَةَ «فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَسَحَ النَّوْمَ عَنْ وجْهِهِ ثُمَّ قَرَأ العَشْرَ الآياتِ مِن سُورَةِ آلِ عِمْرانَ» إلى آخِرِ الحَدِيثِ.
ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ حِكايَةً لِتَفَكُّرِهِمْ في نُفُوسِهِمْ، فَهو كَلامُ النَّفْسِ يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ المُتَفَكِّرِينَ لِاسْتِوائِهِمْ في صِحَّةِ التَّفَكُّرِ لِأنَّهُ تَنَقَّلَ مِن مَعْنًى إلى مُتَفَرِّعٍ عَنْهُ، وقَدِ اسْتَوى أُولُو الألْبابِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم هُنا في إدْراكِ هَذِهِ المَعانِي، فَأوَّلُ التَّفْكِيرِ أنْتَجَ لَهم أنَّ المَخْلُوقاتِ لَمْ تُخْلَقْ باطِلًا، ثُمَّ تَفَرَّعَ عَنْهُ تَنْزِيهُ اللَّهِ وسُؤالِهِ أنْ يَقِيَهم عَذابَ النّارِ، لِأنَّهم رَأوْا في المَخْلُوقاتِ طائِعًا وعاصِيًا، فَعَلِمُوا أنَّ وراءَ هَذا العالَمِ ثَوابًا وعِقابًا، فاسْتَعاذُوا أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ. وتَوَسَّلُوا إلى ذَلِكَ بِأنَّهم بَذَلُوا غايَةَ مَقْدُورِهِمْ في طَلَبِ النَّجاةِ إذِ اسْتَجابُوا لِمُنادِي الإيمانِ وهو الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وسَألُوا غُفْرانَ الذُّنُوبِ، وتَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ، والمَوْتَ عَلى البِرِّ إلى آخِرِهِ. فَلا يَكادُ أحَدٌ مِن أُولِي الألْبابِ يَخْلُو مِن هَذِهِ التَّفَكُّراتِ ورُبَّما زادَ عَلَيْها، ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وشاعَتْ بَيْنَهُمُ، اهْتَدى لِهَذا التَّفْكِيرِ مَن لَمْ يَكُنِ انْتَبَهَ لَهُ مِن قَبْلُ فَصارَ شائِعًا بَيْنَ المُسْلِمِينَ بِمَعانِيهِ وألْفاظِهِ.
صفحة ١٩٨
ومَعْنى ﴿ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ أيْ خَلْقًا باطِلًا، أوْ ما خَلَقْتَ هَذا في حالِ أنَّهُ باطِلٌ، فَهي حالٌ لازِمَةُ الذِّكْرِ في النَّفْيِ وإنْ كانَتْ فَضْلَةً في الإثْباتِ، كَقَوْلِهِ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] فالمَقْصُودُ نَفْيُ عَقائِدِ مَن يُفْضِي اعْتِقادُهم إلى أنَّ هَذا الخَلْقَ باطِلٌ أوْ خُلِّيَ عَنِ الحِكْمَةِ، والعَرَبُ تَبْنِي صِيغَةَ النَّفْيِ عَلى اعْتِبارِ سَبْقِ الإثْباتِ كَثِيرًا.
وجِيءَ بِفاءِ التَّعْقِيبِ في حِكايَةِ قَوْلِهِمْ ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ لِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى العِلْمِ بِأنَّ هَذا الخَلْقَ حَقٌّ، ومِن جُمْلَةِ الحَقِّ أنْ لا يَسْتَوِيَ الصّالِحُ والطّالِحُ، والمُطِيعُ والعاصِي، فَعَلِمُوا أنَّ لِكُلٍّ مُسْتَقَرًّا مُناسِبًا فَسَألُوا أنْ يَكُونُوا مِن أهْلِ الخَيْرِ المُجَنَّبِينَ عَذابَ النّارِ.
وقَوْلُهم ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ مَسُوقٌ مَساقُ التَّعْلِيلِ لِسُؤالِ الوِقايَةِ مِنَ النّارِ، كَما تُؤْذِنُ بِهِ إنَّ المُسْتَعْمَلَةُ لِإرادَةِ الِاهْتِمامِ إذْ لا مَقامَ لِلتَّأْكِيدِ هُنا. والخِزْيُ مَصْدَرُ خَزِيَ يَخْزى بِمَعْنى ذَلَّ وهانَ بِمَرْأًى مِنَ النّاسِ، وأخْزاهُ أذَلَّهُ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، ووَجْهُ تَعْلِيلِ طَلَبِ الوِقايَةِ مِنَ النّارِ بِأنَّ دُخُولَها خِزْيٌ بَعْدَ الإشارَةِ إلى مُوجِبَةِ ذَلِكَ الطَّلَبِ بِقَوْلِهِمْ ﴿عَذابَ النّارِ﴾ أنَّ النّارَ مَعَ ما فِيها مِنَ العَذابِ الألِيمِ فِيها قَهْرٌ لِلْمُعَذَّبِ وإهانَةٌ عَلَنِيَّةٌ، وذَلِكَ مَعْنًى مُسْتَقِرٌّ في نُفُوسِ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧] وذَلِكَ لِظُهُورِ وجْهِ الرَّبْطِ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، أيْ مَن يَدْخُلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ. والخِزْيُ لا تُطِيقُهُ الأنْفُسُ، فَلا حاجَةَ إلى تَأْوِيلٍ تَأوَّلُوهُ عَلى مَعْنى فَقَدْ أخْزَيْتَهُ خِزْيًا عَظِيمًا. ونَظَّرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ بِقَوْلِ رُعاةِ العَرَبِ ”مَن أدْرَكَ مَرْعى الصَّمّانِ فَقَدْ أدْرَكَ“ أيْ فَقَدْ أدْرَكَ مَرْعًى لِئَلّا يَكُونَ مَعْنى الجَزاءِ ضَرُورِيَّ الحُصُولِ مِنَ الشَّرْطِ فَلا تَظْهَرُ فائِدَةٌ لِلتَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ، لِأنَّهُ يُخَلِّي الكَلامَ عَنِ الفائِدَةِ حِينَئِذٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] .
ولِأجْلِ هَذا أعْقَبُوهُ بِما في الطِّباعِ التَّفادِي بِهِ عَنِ الخِزْيِ والمَذَلَّةِ بِالهَرَعِ إلى أحْلافِهِمْ وأنْصارِهِمْ، فَعَلِمُوا أنْ لا نَصِيرَ في الآخِرَةِ لِلظّالِمِ فَزادُوا بِذَلِكَ
صفحة ١٩٩
تَأْكِيدًا لِلْحِرْصِ عَلى الِاسْتِعاذَةِ مِن عَذابِ النّارِ إذْ قالُوا ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ أيْ لِأهْلِ النّارِ أنْصارٌ تَدْفَعُ عَنْهُمُ الخِزْيَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا﴾ أرادُوا بِهِ النَّبِيءَ مُحَمَّدًا ﷺ . والمُنادِي، الَّذِي يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالكَلامِ. والنِّداءُ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالكَلامِ رَفْعًا قَوِيًّا لِأجْلِ الإسْماعِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ النِّداءِ بِكَسْرِ النُّونِ وبِضَمِّها وهو الصَّوْتُ المُرْتَفِعُ. يُقالُ: هو أنْدى صَوْتًا أيْ أرْفَعُ، فَأصْلُ النِّداءِ الجَهْرُ بِالصَّوْتِ والصِّياحُ بِهِ، ومِنهُ سُمِّيَ دُعاءُ الشَّخْصِ شَخْصًا لِيُقْبِلَ إلَيْهِ نِداءً، لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يَرْفَعَ الصَّوْتَ بِهِ؛ ولِذَلِكَ جَعَلُوا لَهُ حُرُوفًا مَمْدُودَةً مِثْلَ: يا وآ وأيا وهَيا. ومِنهُ سُمِّي الأذانُ نِداءً، وأُطْلِقَ هُنا عَلى المُبالَغَةِ في الإسْماعِ والدَّعْوَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ رَفْعُ صَوْتٍ، ويُطْلَقُ النِّداءُ عَلى طَلَبِ الإقْبالِ بِالذّاتِ أوْ بِالفَهْمِ بِحُرُوفٍ مَعْلُومَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤] ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ [الصافات: ١٠٥] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو المُرادَ هُنا لِأنَّ النَّبِيءَ يَدْعُو النّاسَ بِنَحْوِ: يا أيُّها النّاسُ ويا بَنِي فُلانٍ ويا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ونَحْوِ ذَلِكَ. وسَيَأْتِي تَفْسِيرُ مَعانِي النِّداءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ [الأعراف: ٤٣] في سُورَةِ الأعْرافِ. واللّامُ لامُ العِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ.
و(أنْ) في ﴿أنْ آمِنُوا﴾ تَفْسِيرِيَّةٌ لِما في فِعْلِ يُنادِي مِن مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ.
وجاءُوا بِفاءِ التَّعْقِيبِ في فَآمَنّا: لِلدَّلالَةِ عَلى المُبادَرَةِ والسَّبْقِ إلى الإيمانِ، وذَلِكَ دَلِيلُ سَلامَةِ فِطْرَتِهِمْ مِنَ الخَطَأِ والمُكابَرَةِ، وقَدْ تَوَسَّمُوا أنْ تَكُونَ مُبادَرَتُهم لِإجابَةِ دَعْوَةِ الإسْلامِ مَشْكُورَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَلِذَلِكَ فَرَّعُوا عَلَيْهِ قَوْلَهم ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ لِأنَّهم لَمّا بَذَلُوا كُلَّ ما في وُسْعِهِمْ مِنَ اتِّباعِ الدِّينِ كانُوا حَقِيقِينَ بِتَرَجِّي المَغْفِرَةِ.
والغَفْرُ والتَّكْفِيرُ مُتَقارِبانِ في المادَّةِ المُشْتَقَّيْنِ مِنها إلّا أنَّهُ شاعَ الغَفْرُ والغُفْرانُ في العَفْوِ عَنِ الذَّنْبِ والتَّكْفِيرِ في تَعْوِيضِ الذَّنْبِ بِعِوَضٍ، فَكَأنَّ العِوَضَ كَفَّرَ الذَّنْبَ أيْ سَتَرَهُ، ومِنهُ سُمِّيَتْ كَفّارَةُ الإفْطارِ في رَمَضانَ. وكَفّارَةُ الحِنْثِ في اليَمِينِ إلّا أنَّهم أرادُوا بِالذُّنُوبِ ما كانَ قاصِرًا عَلى ذَواتِهِمْ، ولِذَلِكَ طَلَبُوا مَغْفِرَتَهُ،
صفحة ٢٠٠
وأرادُوا مِنَ السَّيِّئاتِ ما كانَ فِيهِ حَقُّ النّاسِ، فَلِذَلِكَ سَألُوا تَكْفِيرَها عَنْهم. وقِيلَ هو مُجَرَّدُ تَأْكِيدٍ، وهو حَسَنٌ، وقِيلَ أرادُوا مِنَ الذُّنُوبِ الكَبائِرَ ومِنَ السَّيِّئاتِ الصَّغائِرَ لِأنَّ اجْتِنابَ الكَبائِرِ يُكَفِّرُ الصَّغائِرَ، بِناءً عَلى أنَّ الذَّنْبَ أدَلُّ عَلى الإثْمِ مِنَ السَّيِّئَةِ.
وسَألُوا الوَفاةَ مَعَ الأبْرارِ، أيْ أنْ يَمُوتُوا عَلى حالَةِ البِرِّ، بِأنْ يُلازِمَهُمُ البِرُّ إلى المَماتِ وأنْ لا يَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ، فَإذا ماتُوا كَذَلِكَ ماتُوا مِن جُمْلَةِ الأبْرارِ. فالمَعِيَّةُ هُنا مَعِيَّةٌ اعْتِبارِيَّةٌ، وهي المُشارَكَةُ في الحالَةِ الكامِلَةِ، والمَعِيَّةُ مَعَ الأبْرارِ أبْلَغُ في الِاتِّصافِ بِالدَّلالَةِ، لِأنَّهُ بِرٌّ يُرْجى دَوامُهُ وتَزايُدُهُ لِكَوْنِ صاحِبِهِ ضِمْنُ جَمْعٍ يَزِيدُونَهُ إقْبالًا عَلى البِرِّ بِلِسانِ المَقالِ ولِسانِ الحالِ.
ولَمّا سَألُوا المَثُوبَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَرَقَّوْا في السُّؤالِ إلى طَلَبِ تَحْقِيقِ المَثُوبَةِ، فَقالُوا ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ .
وتَحْتَمِلُ كَلِمَةُ (عَلى) أنْ تَكُونَ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ الوَعْدِ، ومَعْناها التَّعْلِيلُ فَيَكُونُ الرُّسُلُ هُمُ المَوْعُودُ عَلَيْهِمْ، ومَعْنى الوَعْدِ عَلى الرُّسُلِ أنَّهُ وعْدٌ عَلى تَصْدِيقِهِمْ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مُضافٍ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ (عَلى) ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا، أيْ وعْدًا كائِنًا عَلى رُسُلِكَ أيْ، مُنَزَّلًا عَلَيْهِمْ، ومُتَعَلِّقُ الجارِّ في مِثْلِهِ كَوْنٌ غَيْرُ عامٍّ بَلْ هو كَوْنٌ خاصٌّ، ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ إذا قامَتِ القَرِينَةُ، ومَعْنى (عَلى) حِينَئِذٍ الِاسْتِعْلاءُ المَجازِيُّ، أوْ تُجْعَلُ (عَلى) ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا حالًا مِن ﴿ما وعَدْتَنا﴾ أيْضًا، بِتَقْدِيرِ كَوْنٍ عامٍّ لَكِنْ مَعَ تَقْدِيرِ مُضافٍ إلى رُسُلِكَ، أيْ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ.
والمَوْعُودُ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ أوْ عَلى التَّصْدِيقِ بِهِمُ الأظْهَرُ أنَّهُ ثَوابُ الآخِرَةِ وثَوابُ الدُّنْيا: لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨] وقَوْلِهِ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] الآيَةَ وقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] . والمُرادُ بِالرُّسُلِ في قَوْلِهِ ﴿عَلى رُسُلِكَ﴾ خُصُوصُ مُحَمَّدٍ ﷺ أُطْلِقَ عَلَيْهِ وصْفُ (رُسُلٍ) تَعْظِيمًا لَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَحْسِبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧] . ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧] .
صفحة ٢٠١
فَإنْ قُلْتَ: إذا كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ وعَدَهم ذَلِكَ وبِأنَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ فَما فائِدَةُ سُؤالِهِمْ ذَلِكَ في دُعائِهِمْ ؟ قُلْتُ: لَهُ وُجُوهٌ: أحَدُهُما: أنَّهم سَألُوا ذَلِكَ لِيَكُونَ حُصُولُهُ أمارَةً عَلى حُصُولِ قَبُولِ الأعْمالِ الَّتِي وعَدَ اللَّهُ عَلَيْها بِما سَألُوهُ فَقَدْ يَظُنُّونَ أنْفُسَهم آتِينَ بِما يُبَلِّغُهم تِلْكَ المَرْتَبَةَ ويَخْشَوْنَ لَعَلَّهم قَدْ خَلَطُوا أعْمالَهُمُ الصّالِحَةَ بِما يُبْطِلُها، ولَعَلَّ هَذا هو السَّبَبُ في مَجِيءِ الواوِ في قَوْلِهِمْ ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا﴾ دُونَ الفاءِ إذْ جَعَلُوهُ دَعْوَةً مُسْتَقِلَّةً لِتَتَحَقَّقَ ويَتَحَقَّقَ سَبَبُها، ولَمْ يَجْعَلُوها نَتِيجَةَ فِعْلٍ مَقْطُوعٍ بِحُصُولِهِ، ويَدُلُّ لِصِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] مَعَ أنَّهم لَمْ يَطْلُبُوا هُنا عَدَمَ إضاعَةِ أعْمالِهِمْ.
الثّانِي: قالَ في الكَشّافِ: أرادُوا طَلَبَ التَّوْفِيقِ إلى أسْبابِ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى رُسُلِهِ. فالكَلامُ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ مِنَ التَّوْفِيقِ لِلْأعْمالِ المَوْعُودِ عَلَيْها.
الثّالِثُ: قالَ فِيهِ ما حاصِلُهُ: أنْ يَكُونَ هَذا مِن بابِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ حَتّى لا يَظْهَرُوا بِمَظْهَرِ المُسْتَحِقِّ لِتَحْصِيلِ المَوْعُودِ بِهِ تَذَلُّلًا، أيْ كَسُؤالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المَغْفِرَةَ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهم.
الرّابِعُ: أجابَ القَرافِيُّ في الفَرْقِ ٢٧٣ بِأنَّهم سَألُوهُ ذَلِكَ لِأنَّ حُصُولَهُ مَشْرُوطٌ بِالوَفاةِ عَلى الإيمانِ، وقَدْ يُؤَيَّدُ هَذا بِأنَّهم قَدَّمُوا قَبْلَهُ قَوْلَهم ﴿وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ لَكِنَّ هَذا الجَوابَ يَقْتَضِي قَصْرَ المَوْعُودِ بِهِ عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ، وأعادُوا سُؤالَ النَّجاةِ مِن خِزْيِ يَوْمِ القِيامَةِ لِشِدَّتِهِ عَلَيْهِمْ.
الخامِسُ: أنَّ المَوْعُودَ الَّذِي سَألُوهُ هو النَّصْرَ عَلى العَدُوِّ خاصَّةً، فالدُّعاءُ بِقَوْلِهِمْ ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ مَقْصُودٌ مِنهُ تَعْجِيلُ ذَلِكَ لَهم، يَعْنِي أنَّ الوَعْدَ كانَ لِمَجْمُوعِ الأُمَّةِ، فَكُلُّ واحِدٍ إذا دَعا بِهَذا فَإنَّما يَعْنِي أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ مِمَّنْ يَرى مِصْداقَ وعْدِ اللَّهِ تَعالى خَشْيَةَ أنْ يَفُوتَهم. وهَذا كَقَوْلِ خَبّابِ ابْنِ الأرَتِّ: هاجَرْنا مَعَ النَّبِيءِ نَلْتَمِسُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى فَوَقَعَ أجْرُنا عَلى اللَّهِ فَمِنّا مَن أيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهو يَهْدِبُها، ومِنّا مَن ماتَ لَمْ يَأْكُلْ مِن أجْرِهِ شَيْئًا، مِنهم مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ نَجِدْ لَهُ ما نُكَفِّنُهُ إلّا بُرْدَةً إلَخْ.
صفحة ٢٠٢
وقَدِ ابْتَدَءُوا دُعاءَهم وخَلَّلُوهُ بِنِدائِهِ تَعالى: خَمْسَ مَرّاتٍ إظْهارًا لِلْحاجَةِ إلى إقْبالِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " مَن حَزَبَهُ أمْرٌ فَقالَ: يا رَبِّ خَمْسَ مَرّاتٍ أنْجاهُ اللَّهُ مِمّا يَخافُ وأعْطاهُ ما أرادَ، واقْرَءُوا ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .
آل عمران 3:192
﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .
صفحة ١٩٦
هَذا غَرَضٌ أُنُفٌ بِالنِّسْبَةِ لِما تَتابَعَ مِن أغْراضِ السُّورَةِ، انْتُقِلَ بِهِ مِنَ المُقَدِّماتِ والمَقْصِدِ والمُتَخَلِّلاتِ بِالمُناسَباتِ، إلى غَرَضٍ جَدِيدٍ هو الِاعْتِبارُ بِخَلْقِ العَوالِمِ وأعْراضِها والتَّنْوِيهُ بِالَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِما فِيها مِن آياتٍ.
ومِثْلُ هَذا الِانْتِقالِ يَكُونُ إيذانًا بِانْتِهاءِ الكَلامِ عَلى أغْراضِ السُّورَةِ، عَلى تَفَنُّنِها، فَقَدْ كانَ التَّنَقُّلُ فِيها مِنَ الغَرَضِ إلى مُشاكِلِهِ وقَدْ وقَعَ الِانْتِقالُ الآنَ إلى غَرَضٍ عامٍّ: وهو الِاعْتِبارُ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وحالُ المُؤْمِنِينَ في الِاتِّعاظِ بِذَلِكَ، وهَذا النَّحْوُ في الِانْتِقالِ يَعْرِضُ لِلْخَطِيبِ ونَحْوِهِ مِن أغْراضِهِ عَقِبَ إيفائِها حَقَّها إلى غَرَضٍ آخَرَ إيذانًا بِأنَّهُ أشْرَفَ عَلى الِانْتِهاءِ، وشَأْنُ القُرْآنِ أنْ يَخْتِمَ بِالمَوْعِظَةِ لِأنَّها أهَمُّ أغْراضِ الرِّسالَةِ، كَما وقَعَ في خِتامِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وحَرْفُ إنَّ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ.
والمُرادُ بِ ﴿خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ هُنا: إمّا آثارُ خَلْقِها، وهو النِّظامُ الَّذِي جُعِلَ فِيها، وإمّا أنْ يُرادَ بِالخَلْقِ المَخْلُوقاتُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] . و﴿أُولُو الألْبابِ﴾ [آل عمران: ٧] أهْلُ العُقُولِ الكامِلَةِ لِأنَّ لُبَّ الشَّيْءِ خُلاصَتُهُ. وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانَ ما في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الآياتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلَخْ.
و﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ إمّا مِنَ الذِّكْرِ اللِّسانِيِّ وإمّا مِنَ الذِّكْرِ القَلْبِيِّ وهو التَّفْكِيرُ، وأرادَ بِقَوْلِهِ ﴿قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ عُمُومَ الأحْوالِ كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبَهُ الظَّهْرَ والبَطْنَ، وقَوْلِهِمْ: اشْتَهَرَ كَذا عِنْدَ أهْلِ الشَّرْقِ والغَرْبِ، عَلى أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ هي مُتَعارَفُ أحْوالِ البَشَرِ في السَّلامَةِ، أيْ أحْوالِ الشُّغْلِ والرّاحَةِ وقَصْدِ النَّوْمِ. وقِيلَ: أرادَ أحْوالَ المُصَلِّينَ: مِن قادِرٍ، وعاجِزٍ وشَدِيدِ العَجْزِ. وسِياقُ الآيَةِ بَعِيدٌ عَنْ هَذا المَعْنى.
وقَوْلُهُ ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عَطْفٌ مُرادِفٌ إنْ كانَ المُرادُ بِالذِّكْرِ فِيما سَبَقَ التَّفْكِيرَ، وإعادَتَهُ لِأجْلِ اخْتِلافِ المُتَفَكَّرِ فِيهِ، أوْ هو عَطْفٌ مُغايِرٌ إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ يَذْكُرُونَ ذِكْرَ اللِّسانِ. والتَّفْكِيرُ عِبادَةٌ عَظِيمَةٌ. رَوى ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في جامِعِ العُتْبِيَّةِ قالَ: قِيلَ لِأُمِّ الدَّرْداءِ: ما كانَ
صفحة ١٩٧
شَأْنُ أبِي الدَّرْداءِ ؟ قالَتْ: كانَ أكْثَرَ شَأْنِهِ التَّفَكُّرُ، قِيلَ لَهُ: أتَرى التَّفَكُّرَ عَمَلًا مِنَ الأعْمالِ ؟ قالَ: نَعَمْ، هو اليَقِينُ.
والخَلْقُ بِمَعْنى كَيْفِيَّةِ أثَرِ الخَلْقِ، أوِ المَخْلُوقاتِ الَّتِي في السَّماءِ والأرْضِ، فالإضافَةُ إمّا عَلى مَعْنى اللّامِ، وإمّا عَلى مَعْنى (في) .
وقَوْلُهُ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ وما بَعْدَهُ جُمْلَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الحالِ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ: أيْ يَتَفَكَّرُونَ قائِلِينَ: رَبَّنا إلَخْ لِأنَّ هَذا الكَلامَ أُرِيدَ بِهِ حِكايَةُ قَوْلِهِمْ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ مِنَ الدُّعاءِ.
فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ تَواطَأ الجَمِيعُ مِن أُولِي الألْبابِ عَلى قَوْلِ هَذا التَّنْزِيهِ والدُّعاءِ عِنْدَ التَّفْكِيرِ مَعَ اخْتِلافِ تَفْكِيرِهِمْ وتَأثُّرِهِمْ ومَقاصِدِهِمْ. قُلْتُ: يُحْتَمَلُ أنَّهم تَلَقَّوْهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكانُوا يُلازِمُونَهُ عِنْدَ التَّفَكُّرِ وعَقِبِهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ ألْهَمَهم إيّاهُ فَصارَ هَجِّيراهم مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] الآياتِ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ حَدِيثُ ابْنُ عَبّاسٍ في الصَّحِيحِ قالَ: بِتُّ عِنْدَ خالَتِي مَيْمُونَةَ «فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَسَحَ النَّوْمَ عَنْ وجْهِهِ ثُمَّ قَرَأ العَشْرَ الآياتِ مِن سُورَةِ آلِ عِمْرانَ» إلى آخِرِ الحَدِيثِ.
ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ حِكايَةً لِتَفَكُّرِهِمْ في نُفُوسِهِمْ، فَهو كَلامُ النَّفْسِ يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ المُتَفَكِّرِينَ لِاسْتِوائِهِمْ في صِحَّةِ التَّفَكُّرِ لِأنَّهُ تَنَقَّلَ مِن مَعْنًى إلى مُتَفَرِّعٍ عَنْهُ، وقَدِ اسْتَوى أُولُو الألْبابِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم هُنا في إدْراكِ هَذِهِ المَعانِي، فَأوَّلُ التَّفْكِيرِ أنْتَجَ لَهم أنَّ المَخْلُوقاتِ لَمْ تُخْلَقْ باطِلًا، ثُمَّ تَفَرَّعَ عَنْهُ تَنْزِيهُ اللَّهِ وسُؤالِهِ أنْ يَقِيَهم عَذابَ النّارِ، لِأنَّهم رَأوْا في المَخْلُوقاتِ طائِعًا وعاصِيًا، فَعَلِمُوا أنَّ وراءَ هَذا العالَمِ ثَوابًا وعِقابًا، فاسْتَعاذُوا أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ. وتَوَسَّلُوا إلى ذَلِكَ بِأنَّهم بَذَلُوا غايَةَ مَقْدُورِهِمْ في طَلَبِ النَّجاةِ إذِ اسْتَجابُوا لِمُنادِي الإيمانِ وهو الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وسَألُوا غُفْرانَ الذُّنُوبِ، وتَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ، والمَوْتَ عَلى البِرِّ إلى آخِرِهِ. فَلا يَكادُ أحَدٌ مِن أُولِي الألْبابِ يَخْلُو مِن هَذِهِ التَّفَكُّراتِ ورُبَّما زادَ عَلَيْها، ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وشاعَتْ بَيْنَهُمُ، اهْتَدى لِهَذا التَّفْكِيرِ مَن لَمْ يَكُنِ انْتَبَهَ لَهُ مِن قَبْلُ فَصارَ شائِعًا بَيْنَ المُسْلِمِينَ بِمَعانِيهِ وألْفاظِهِ.
صفحة ١٩٨
ومَعْنى ﴿ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ أيْ خَلْقًا باطِلًا، أوْ ما خَلَقْتَ هَذا في حالِ أنَّهُ باطِلٌ، فَهي حالٌ لازِمَةُ الذِّكْرِ في النَّفْيِ وإنْ كانَتْ فَضْلَةً في الإثْباتِ، كَقَوْلِهِ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] فالمَقْصُودُ نَفْيُ عَقائِدِ مَن يُفْضِي اعْتِقادُهم إلى أنَّ هَذا الخَلْقَ باطِلٌ أوْ خُلِّيَ عَنِ الحِكْمَةِ، والعَرَبُ تَبْنِي صِيغَةَ النَّفْيِ عَلى اعْتِبارِ سَبْقِ الإثْباتِ كَثِيرًا.
وجِيءَ بِفاءِ التَّعْقِيبِ في حِكايَةِ قَوْلِهِمْ ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ لِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى العِلْمِ بِأنَّ هَذا الخَلْقَ حَقٌّ، ومِن جُمْلَةِ الحَقِّ أنْ لا يَسْتَوِيَ الصّالِحُ والطّالِحُ، والمُطِيعُ والعاصِي، فَعَلِمُوا أنَّ لِكُلٍّ مُسْتَقَرًّا مُناسِبًا فَسَألُوا أنْ يَكُونُوا مِن أهْلِ الخَيْرِ المُجَنَّبِينَ عَذابَ النّارِ.
وقَوْلُهم ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ مَسُوقٌ مَساقُ التَّعْلِيلِ لِسُؤالِ الوِقايَةِ مِنَ النّارِ، كَما تُؤْذِنُ بِهِ إنَّ المُسْتَعْمَلَةُ لِإرادَةِ الِاهْتِمامِ إذْ لا مَقامَ لِلتَّأْكِيدِ هُنا. والخِزْيُ مَصْدَرُ خَزِيَ يَخْزى بِمَعْنى ذَلَّ وهانَ بِمَرْأًى مِنَ النّاسِ، وأخْزاهُ أذَلَّهُ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، ووَجْهُ تَعْلِيلِ طَلَبِ الوِقايَةِ مِنَ النّارِ بِأنَّ دُخُولَها خِزْيٌ بَعْدَ الإشارَةِ إلى مُوجِبَةِ ذَلِكَ الطَّلَبِ بِقَوْلِهِمْ ﴿عَذابَ النّارِ﴾ أنَّ النّارَ مَعَ ما فِيها مِنَ العَذابِ الألِيمِ فِيها قَهْرٌ لِلْمُعَذَّبِ وإهانَةٌ عَلَنِيَّةٌ، وذَلِكَ مَعْنًى مُسْتَقِرٌّ في نُفُوسِ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧] وذَلِكَ لِظُهُورِ وجْهِ الرَّبْطِ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، أيْ مَن يَدْخُلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ. والخِزْيُ لا تُطِيقُهُ الأنْفُسُ، فَلا حاجَةَ إلى تَأْوِيلٍ تَأوَّلُوهُ عَلى مَعْنى فَقَدْ أخْزَيْتَهُ خِزْيًا عَظِيمًا. ونَظَّرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ بِقَوْلِ رُعاةِ العَرَبِ ”مَن أدْرَكَ مَرْعى الصَّمّانِ فَقَدْ أدْرَكَ“ أيْ فَقَدْ أدْرَكَ مَرْعًى لِئَلّا يَكُونَ مَعْنى الجَزاءِ ضَرُورِيَّ الحُصُولِ مِنَ الشَّرْطِ فَلا تَظْهَرُ فائِدَةٌ لِلتَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ، لِأنَّهُ يُخَلِّي الكَلامَ عَنِ الفائِدَةِ حِينَئِذٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] .
ولِأجْلِ هَذا أعْقَبُوهُ بِما في الطِّباعِ التَّفادِي بِهِ عَنِ الخِزْيِ والمَذَلَّةِ بِالهَرَعِ إلى أحْلافِهِمْ وأنْصارِهِمْ، فَعَلِمُوا أنْ لا نَصِيرَ في الآخِرَةِ لِلظّالِمِ فَزادُوا بِذَلِكَ
صفحة ١٩٩
تَأْكِيدًا لِلْحِرْصِ عَلى الِاسْتِعاذَةِ مِن عَذابِ النّارِ إذْ قالُوا ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ أيْ لِأهْلِ النّارِ أنْصارٌ تَدْفَعُ عَنْهُمُ الخِزْيَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا﴾ أرادُوا بِهِ النَّبِيءَ مُحَمَّدًا ﷺ . والمُنادِي، الَّذِي يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالكَلامِ. والنِّداءُ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالكَلامِ رَفْعًا قَوِيًّا لِأجْلِ الإسْماعِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ النِّداءِ بِكَسْرِ النُّونِ وبِضَمِّها وهو الصَّوْتُ المُرْتَفِعُ. يُقالُ: هو أنْدى صَوْتًا أيْ أرْفَعُ، فَأصْلُ النِّداءِ الجَهْرُ بِالصَّوْتِ والصِّياحُ بِهِ، ومِنهُ سُمِّيَ دُعاءُ الشَّخْصِ شَخْصًا لِيُقْبِلَ إلَيْهِ نِداءً، لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يَرْفَعَ الصَّوْتَ بِهِ؛ ولِذَلِكَ جَعَلُوا لَهُ حُرُوفًا مَمْدُودَةً مِثْلَ: يا وآ وأيا وهَيا. ومِنهُ سُمِّي الأذانُ نِداءً، وأُطْلِقَ هُنا عَلى المُبالَغَةِ في الإسْماعِ والدَّعْوَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ رَفْعُ صَوْتٍ، ويُطْلَقُ النِّداءُ عَلى طَلَبِ الإقْبالِ بِالذّاتِ أوْ بِالفَهْمِ بِحُرُوفٍ مَعْلُومَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤] ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ [الصافات: ١٠٥] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو المُرادَ هُنا لِأنَّ النَّبِيءَ يَدْعُو النّاسَ بِنَحْوِ: يا أيُّها النّاسُ ويا بَنِي فُلانٍ ويا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ونَحْوِ ذَلِكَ. وسَيَأْتِي تَفْسِيرُ مَعانِي النِّداءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ [الأعراف: ٤٣] في سُورَةِ الأعْرافِ. واللّامُ لامُ العِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ.
و(أنْ) في ﴿أنْ آمِنُوا﴾ تَفْسِيرِيَّةٌ لِما في فِعْلِ يُنادِي مِن مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ.
وجاءُوا بِفاءِ التَّعْقِيبِ في فَآمَنّا: لِلدَّلالَةِ عَلى المُبادَرَةِ والسَّبْقِ إلى الإيمانِ، وذَلِكَ دَلِيلُ سَلامَةِ فِطْرَتِهِمْ مِنَ الخَطَأِ والمُكابَرَةِ، وقَدْ تَوَسَّمُوا أنْ تَكُونَ مُبادَرَتُهم لِإجابَةِ دَعْوَةِ الإسْلامِ مَشْكُورَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَلِذَلِكَ فَرَّعُوا عَلَيْهِ قَوْلَهم ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ لِأنَّهم لَمّا بَذَلُوا كُلَّ ما في وُسْعِهِمْ مِنَ اتِّباعِ الدِّينِ كانُوا حَقِيقِينَ بِتَرَجِّي المَغْفِرَةِ.
والغَفْرُ والتَّكْفِيرُ مُتَقارِبانِ في المادَّةِ المُشْتَقَّيْنِ مِنها إلّا أنَّهُ شاعَ الغَفْرُ والغُفْرانُ في العَفْوِ عَنِ الذَّنْبِ والتَّكْفِيرِ في تَعْوِيضِ الذَّنْبِ بِعِوَضٍ، فَكَأنَّ العِوَضَ كَفَّرَ الذَّنْبَ أيْ سَتَرَهُ، ومِنهُ سُمِّيَتْ كَفّارَةُ الإفْطارِ في رَمَضانَ. وكَفّارَةُ الحِنْثِ في اليَمِينِ إلّا أنَّهم أرادُوا بِالذُّنُوبِ ما كانَ قاصِرًا عَلى ذَواتِهِمْ، ولِذَلِكَ طَلَبُوا مَغْفِرَتَهُ،
صفحة ٢٠٠
وأرادُوا مِنَ السَّيِّئاتِ ما كانَ فِيهِ حَقُّ النّاسِ، فَلِذَلِكَ سَألُوا تَكْفِيرَها عَنْهم. وقِيلَ هو مُجَرَّدُ تَأْكِيدٍ، وهو حَسَنٌ، وقِيلَ أرادُوا مِنَ الذُّنُوبِ الكَبائِرَ ومِنَ السَّيِّئاتِ الصَّغائِرَ لِأنَّ اجْتِنابَ الكَبائِرِ يُكَفِّرُ الصَّغائِرَ، بِناءً عَلى أنَّ الذَّنْبَ أدَلُّ عَلى الإثْمِ مِنَ السَّيِّئَةِ.
وسَألُوا الوَفاةَ مَعَ الأبْرارِ، أيْ أنْ يَمُوتُوا عَلى حالَةِ البِرِّ، بِأنْ يُلازِمَهُمُ البِرُّ إلى المَماتِ وأنْ لا يَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ، فَإذا ماتُوا كَذَلِكَ ماتُوا مِن جُمْلَةِ الأبْرارِ. فالمَعِيَّةُ هُنا مَعِيَّةٌ اعْتِبارِيَّةٌ، وهي المُشارَكَةُ في الحالَةِ الكامِلَةِ، والمَعِيَّةُ مَعَ الأبْرارِ أبْلَغُ في الِاتِّصافِ بِالدَّلالَةِ، لِأنَّهُ بِرٌّ يُرْجى دَوامُهُ وتَزايُدُهُ لِكَوْنِ صاحِبِهِ ضِمْنُ جَمْعٍ يَزِيدُونَهُ إقْبالًا عَلى البِرِّ بِلِسانِ المَقالِ ولِسانِ الحالِ.
ولَمّا سَألُوا المَثُوبَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَرَقَّوْا في السُّؤالِ إلى طَلَبِ تَحْقِيقِ المَثُوبَةِ، فَقالُوا ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ .
وتَحْتَمِلُ كَلِمَةُ (عَلى) أنْ تَكُونَ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ الوَعْدِ، ومَعْناها التَّعْلِيلُ فَيَكُونُ الرُّسُلُ هُمُ المَوْعُودُ عَلَيْهِمْ، ومَعْنى الوَعْدِ عَلى الرُّسُلِ أنَّهُ وعْدٌ عَلى تَصْدِيقِهِمْ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مُضافٍ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ (عَلى) ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا، أيْ وعْدًا كائِنًا عَلى رُسُلِكَ أيْ، مُنَزَّلًا عَلَيْهِمْ، ومُتَعَلِّقُ الجارِّ في مِثْلِهِ كَوْنٌ غَيْرُ عامٍّ بَلْ هو كَوْنٌ خاصٌّ، ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ إذا قامَتِ القَرِينَةُ، ومَعْنى (عَلى) حِينَئِذٍ الِاسْتِعْلاءُ المَجازِيُّ، أوْ تُجْعَلُ (عَلى) ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا حالًا مِن ﴿ما وعَدْتَنا﴾ أيْضًا، بِتَقْدِيرِ كَوْنٍ عامٍّ لَكِنْ مَعَ تَقْدِيرِ مُضافٍ إلى رُسُلِكَ، أيْ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ.
والمَوْعُودُ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ أوْ عَلى التَّصْدِيقِ بِهِمُ الأظْهَرُ أنَّهُ ثَوابُ الآخِرَةِ وثَوابُ الدُّنْيا: لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨] وقَوْلِهِ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] الآيَةَ وقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] . والمُرادُ بِالرُّسُلِ في قَوْلِهِ ﴿عَلى رُسُلِكَ﴾ خُصُوصُ مُحَمَّدٍ ﷺ أُطْلِقَ عَلَيْهِ وصْفُ (رُسُلٍ) تَعْظِيمًا لَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَحْسِبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧] . ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧] .
صفحة ٢٠١
فَإنْ قُلْتَ: إذا كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ وعَدَهم ذَلِكَ وبِأنَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ فَما فائِدَةُ سُؤالِهِمْ ذَلِكَ في دُعائِهِمْ ؟ قُلْتُ: لَهُ وُجُوهٌ: أحَدُهُما: أنَّهم سَألُوا ذَلِكَ لِيَكُونَ حُصُولُهُ أمارَةً عَلى حُصُولِ قَبُولِ الأعْمالِ الَّتِي وعَدَ اللَّهُ عَلَيْها بِما سَألُوهُ فَقَدْ يَظُنُّونَ أنْفُسَهم آتِينَ بِما يُبَلِّغُهم تِلْكَ المَرْتَبَةَ ويَخْشَوْنَ لَعَلَّهم قَدْ خَلَطُوا أعْمالَهُمُ الصّالِحَةَ بِما يُبْطِلُها، ولَعَلَّ هَذا هو السَّبَبُ في مَجِيءِ الواوِ في قَوْلِهِمْ ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا﴾ دُونَ الفاءِ إذْ جَعَلُوهُ دَعْوَةً مُسْتَقِلَّةً لِتَتَحَقَّقَ ويَتَحَقَّقَ سَبَبُها، ولَمْ يَجْعَلُوها نَتِيجَةَ فِعْلٍ مَقْطُوعٍ بِحُصُولِهِ، ويَدُلُّ لِصِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] مَعَ أنَّهم لَمْ يَطْلُبُوا هُنا عَدَمَ إضاعَةِ أعْمالِهِمْ.
الثّانِي: قالَ في الكَشّافِ: أرادُوا طَلَبَ التَّوْفِيقِ إلى أسْبابِ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى رُسُلِهِ. فالكَلامُ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ مِنَ التَّوْفِيقِ لِلْأعْمالِ المَوْعُودِ عَلَيْها.
الثّالِثُ: قالَ فِيهِ ما حاصِلُهُ: أنْ يَكُونَ هَذا مِن بابِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ حَتّى لا يَظْهَرُوا بِمَظْهَرِ المُسْتَحِقِّ لِتَحْصِيلِ المَوْعُودِ بِهِ تَذَلُّلًا، أيْ كَسُؤالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المَغْفِرَةَ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهم.
الرّابِعُ: أجابَ القَرافِيُّ في الفَرْقِ ٢٧٣ بِأنَّهم سَألُوهُ ذَلِكَ لِأنَّ حُصُولَهُ مَشْرُوطٌ بِالوَفاةِ عَلى الإيمانِ، وقَدْ يُؤَيَّدُ هَذا بِأنَّهم قَدَّمُوا قَبْلَهُ قَوْلَهم ﴿وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ لَكِنَّ هَذا الجَوابَ يَقْتَضِي قَصْرَ المَوْعُودِ بِهِ عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ، وأعادُوا سُؤالَ النَّجاةِ مِن خِزْيِ يَوْمِ القِيامَةِ لِشِدَّتِهِ عَلَيْهِمْ.
الخامِسُ: أنَّ المَوْعُودَ الَّذِي سَألُوهُ هو النَّصْرَ عَلى العَدُوِّ خاصَّةً، فالدُّعاءُ بِقَوْلِهِمْ ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ مَقْصُودٌ مِنهُ تَعْجِيلُ ذَلِكَ لَهم، يَعْنِي أنَّ الوَعْدَ كانَ لِمَجْمُوعِ الأُمَّةِ، فَكُلُّ واحِدٍ إذا دَعا بِهَذا فَإنَّما يَعْنِي أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ مِمَّنْ يَرى مِصْداقَ وعْدِ اللَّهِ تَعالى خَشْيَةَ أنْ يَفُوتَهم. وهَذا كَقَوْلِ خَبّابِ ابْنِ الأرَتِّ: هاجَرْنا مَعَ النَّبِيءِ نَلْتَمِسُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى فَوَقَعَ أجْرُنا عَلى اللَّهِ فَمِنّا مَن أيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهو يَهْدِبُها، ومِنّا مَن ماتَ لَمْ يَأْكُلْ مِن أجْرِهِ شَيْئًا، مِنهم مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ نَجِدْ لَهُ ما نُكَفِّنُهُ إلّا بُرْدَةً إلَخْ.
صفحة ٢٠٢
وقَدِ ابْتَدَءُوا دُعاءَهم وخَلَّلُوهُ بِنِدائِهِ تَعالى: خَمْسَ مَرّاتٍ إظْهارًا لِلْحاجَةِ إلى إقْبالِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " مَن حَزَبَهُ أمْرٌ فَقالَ: يا رَبِّ خَمْسَ مَرّاتٍ أنْجاهُ اللَّهُ مِمّا يَخافُ وأعْطاهُ ما أرادَ، واقْرَءُوا ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .
آل عمران 3:193
﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .
صفحة ١٩٦
هَذا غَرَضٌ أُنُفٌ بِالنِّسْبَةِ لِما تَتابَعَ مِن أغْراضِ السُّورَةِ، انْتُقِلَ بِهِ مِنَ المُقَدِّماتِ والمَقْصِدِ والمُتَخَلِّلاتِ بِالمُناسَباتِ، إلى غَرَضٍ جَدِيدٍ هو الِاعْتِبارُ بِخَلْقِ العَوالِمِ وأعْراضِها والتَّنْوِيهُ بِالَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِما فِيها مِن آياتٍ.
ومِثْلُ هَذا الِانْتِقالِ يَكُونُ إيذانًا بِانْتِهاءِ الكَلامِ عَلى أغْراضِ السُّورَةِ، عَلى تَفَنُّنِها، فَقَدْ كانَ التَّنَقُّلُ فِيها مِنَ الغَرَضِ إلى مُشاكِلِهِ وقَدْ وقَعَ الِانْتِقالُ الآنَ إلى غَرَضٍ عامٍّ: وهو الِاعْتِبارُ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وحالُ المُؤْمِنِينَ في الِاتِّعاظِ بِذَلِكَ، وهَذا النَّحْوُ في الِانْتِقالِ يَعْرِضُ لِلْخَطِيبِ ونَحْوِهِ مِن أغْراضِهِ عَقِبَ إيفائِها حَقَّها إلى غَرَضٍ آخَرَ إيذانًا بِأنَّهُ أشْرَفَ عَلى الِانْتِهاءِ، وشَأْنُ القُرْآنِ أنْ يَخْتِمَ بِالمَوْعِظَةِ لِأنَّها أهَمُّ أغْراضِ الرِّسالَةِ، كَما وقَعَ في خِتامِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وحَرْفُ إنَّ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ.
والمُرادُ بِ ﴿خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ هُنا: إمّا آثارُ خَلْقِها، وهو النِّظامُ الَّذِي جُعِلَ فِيها، وإمّا أنْ يُرادَ بِالخَلْقِ المَخْلُوقاتُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] . و﴿أُولُو الألْبابِ﴾ [آل عمران: ٧] أهْلُ العُقُولِ الكامِلَةِ لِأنَّ لُبَّ الشَّيْءِ خُلاصَتُهُ. وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانَ ما في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الآياتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلَخْ.
و﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ إمّا مِنَ الذِّكْرِ اللِّسانِيِّ وإمّا مِنَ الذِّكْرِ القَلْبِيِّ وهو التَّفْكِيرُ، وأرادَ بِقَوْلِهِ ﴿قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ عُمُومَ الأحْوالِ كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبَهُ الظَّهْرَ والبَطْنَ، وقَوْلِهِمْ: اشْتَهَرَ كَذا عِنْدَ أهْلِ الشَّرْقِ والغَرْبِ، عَلى أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ هي مُتَعارَفُ أحْوالِ البَشَرِ في السَّلامَةِ، أيْ أحْوالِ الشُّغْلِ والرّاحَةِ وقَصْدِ النَّوْمِ. وقِيلَ: أرادَ أحْوالَ المُصَلِّينَ: مِن قادِرٍ، وعاجِزٍ وشَدِيدِ العَجْزِ. وسِياقُ الآيَةِ بَعِيدٌ عَنْ هَذا المَعْنى.
وقَوْلُهُ ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عَطْفٌ مُرادِفٌ إنْ كانَ المُرادُ بِالذِّكْرِ فِيما سَبَقَ التَّفْكِيرَ، وإعادَتَهُ لِأجْلِ اخْتِلافِ المُتَفَكَّرِ فِيهِ، أوْ هو عَطْفٌ مُغايِرٌ إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ يَذْكُرُونَ ذِكْرَ اللِّسانِ. والتَّفْكِيرُ عِبادَةٌ عَظِيمَةٌ. رَوى ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في جامِعِ العُتْبِيَّةِ قالَ: قِيلَ لِأُمِّ الدَّرْداءِ: ما كانَ
صفحة ١٩٧
شَأْنُ أبِي الدَّرْداءِ ؟ قالَتْ: كانَ أكْثَرَ شَأْنِهِ التَّفَكُّرُ، قِيلَ لَهُ: أتَرى التَّفَكُّرَ عَمَلًا مِنَ الأعْمالِ ؟ قالَ: نَعَمْ، هو اليَقِينُ.
والخَلْقُ بِمَعْنى كَيْفِيَّةِ أثَرِ الخَلْقِ، أوِ المَخْلُوقاتِ الَّتِي في السَّماءِ والأرْضِ، فالإضافَةُ إمّا عَلى مَعْنى اللّامِ، وإمّا عَلى مَعْنى (في) .
وقَوْلُهُ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ وما بَعْدَهُ جُمْلَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الحالِ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ: أيْ يَتَفَكَّرُونَ قائِلِينَ: رَبَّنا إلَخْ لِأنَّ هَذا الكَلامَ أُرِيدَ بِهِ حِكايَةُ قَوْلِهِمْ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ مِنَ الدُّعاءِ.
فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ تَواطَأ الجَمِيعُ مِن أُولِي الألْبابِ عَلى قَوْلِ هَذا التَّنْزِيهِ والدُّعاءِ عِنْدَ التَّفْكِيرِ مَعَ اخْتِلافِ تَفْكِيرِهِمْ وتَأثُّرِهِمْ ومَقاصِدِهِمْ. قُلْتُ: يُحْتَمَلُ أنَّهم تَلَقَّوْهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكانُوا يُلازِمُونَهُ عِنْدَ التَّفَكُّرِ وعَقِبِهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ ألْهَمَهم إيّاهُ فَصارَ هَجِّيراهم مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] الآياتِ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ حَدِيثُ ابْنُ عَبّاسٍ في الصَّحِيحِ قالَ: بِتُّ عِنْدَ خالَتِي مَيْمُونَةَ «فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَسَحَ النَّوْمَ عَنْ وجْهِهِ ثُمَّ قَرَأ العَشْرَ الآياتِ مِن سُورَةِ آلِ عِمْرانَ» إلى آخِرِ الحَدِيثِ.
ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ حِكايَةً لِتَفَكُّرِهِمْ في نُفُوسِهِمْ، فَهو كَلامُ النَّفْسِ يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ المُتَفَكِّرِينَ لِاسْتِوائِهِمْ في صِحَّةِ التَّفَكُّرِ لِأنَّهُ تَنَقَّلَ مِن مَعْنًى إلى مُتَفَرِّعٍ عَنْهُ، وقَدِ اسْتَوى أُولُو الألْبابِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم هُنا في إدْراكِ هَذِهِ المَعانِي، فَأوَّلُ التَّفْكِيرِ أنْتَجَ لَهم أنَّ المَخْلُوقاتِ لَمْ تُخْلَقْ باطِلًا، ثُمَّ تَفَرَّعَ عَنْهُ تَنْزِيهُ اللَّهِ وسُؤالِهِ أنْ يَقِيَهم عَذابَ النّارِ، لِأنَّهم رَأوْا في المَخْلُوقاتِ طائِعًا وعاصِيًا، فَعَلِمُوا أنَّ وراءَ هَذا العالَمِ ثَوابًا وعِقابًا، فاسْتَعاذُوا أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ. وتَوَسَّلُوا إلى ذَلِكَ بِأنَّهم بَذَلُوا غايَةَ مَقْدُورِهِمْ في طَلَبِ النَّجاةِ إذِ اسْتَجابُوا لِمُنادِي الإيمانِ وهو الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وسَألُوا غُفْرانَ الذُّنُوبِ، وتَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ، والمَوْتَ عَلى البِرِّ إلى آخِرِهِ. فَلا يَكادُ أحَدٌ مِن أُولِي الألْبابِ يَخْلُو مِن هَذِهِ التَّفَكُّراتِ ورُبَّما زادَ عَلَيْها، ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وشاعَتْ بَيْنَهُمُ، اهْتَدى لِهَذا التَّفْكِيرِ مَن لَمْ يَكُنِ انْتَبَهَ لَهُ مِن قَبْلُ فَصارَ شائِعًا بَيْنَ المُسْلِمِينَ بِمَعانِيهِ وألْفاظِهِ.
صفحة ١٩٨
ومَعْنى ﴿ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ أيْ خَلْقًا باطِلًا، أوْ ما خَلَقْتَ هَذا في حالِ أنَّهُ باطِلٌ، فَهي حالٌ لازِمَةُ الذِّكْرِ في النَّفْيِ وإنْ كانَتْ فَضْلَةً في الإثْباتِ، كَقَوْلِهِ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] فالمَقْصُودُ نَفْيُ عَقائِدِ مَن يُفْضِي اعْتِقادُهم إلى أنَّ هَذا الخَلْقَ باطِلٌ أوْ خُلِّيَ عَنِ الحِكْمَةِ، والعَرَبُ تَبْنِي صِيغَةَ النَّفْيِ عَلى اعْتِبارِ سَبْقِ الإثْباتِ كَثِيرًا.
وجِيءَ بِفاءِ التَّعْقِيبِ في حِكايَةِ قَوْلِهِمْ ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ لِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى العِلْمِ بِأنَّ هَذا الخَلْقَ حَقٌّ، ومِن جُمْلَةِ الحَقِّ أنْ لا يَسْتَوِيَ الصّالِحُ والطّالِحُ، والمُطِيعُ والعاصِي، فَعَلِمُوا أنَّ لِكُلٍّ مُسْتَقَرًّا مُناسِبًا فَسَألُوا أنْ يَكُونُوا مِن أهْلِ الخَيْرِ المُجَنَّبِينَ عَذابَ النّارِ.
وقَوْلُهم ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ مَسُوقٌ مَساقُ التَّعْلِيلِ لِسُؤالِ الوِقايَةِ مِنَ النّارِ، كَما تُؤْذِنُ بِهِ إنَّ المُسْتَعْمَلَةُ لِإرادَةِ الِاهْتِمامِ إذْ لا مَقامَ لِلتَّأْكِيدِ هُنا. والخِزْيُ مَصْدَرُ خَزِيَ يَخْزى بِمَعْنى ذَلَّ وهانَ بِمَرْأًى مِنَ النّاسِ، وأخْزاهُ أذَلَّهُ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، ووَجْهُ تَعْلِيلِ طَلَبِ الوِقايَةِ مِنَ النّارِ بِأنَّ دُخُولَها خِزْيٌ بَعْدَ الإشارَةِ إلى مُوجِبَةِ ذَلِكَ الطَّلَبِ بِقَوْلِهِمْ ﴿عَذابَ النّارِ﴾ أنَّ النّارَ مَعَ ما فِيها مِنَ العَذابِ الألِيمِ فِيها قَهْرٌ لِلْمُعَذَّبِ وإهانَةٌ عَلَنِيَّةٌ، وذَلِكَ مَعْنًى مُسْتَقِرٌّ في نُفُوسِ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧] وذَلِكَ لِظُهُورِ وجْهِ الرَّبْطِ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، أيْ مَن يَدْخُلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ. والخِزْيُ لا تُطِيقُهُ الأنْفُسُ، فَلا حاجَةَ إلى تَأْوِيلٍ تَأوَّلُوهُ عَلى مَعْنى فَقَدْ أخْزَيْتَهُ خِزْيًا عَظِيمًا. ونَظَّرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ بِقَوْلِ رُعاةِ العَرَبِ ”مَن أدْرَكَ مَرْعى الصَّمّانِ فَقَدْ أدْرَكَ“ أيْ فَقَدْ أدْرَكَ مَرْعًى لِئَلّا يَكُونَ مَعْنى الجَزاءِ ضَرُورِيَّ الحُصُولِ مِنَ الشَّرْطِ فَلا تَظْهَرُ فائِدَةٌ لِلتَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ، لِأنَّهُ يُخَلِّي الكَلامَ عَنِ الفائِدَةِ حِينَئِذٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] .
ولِأجْلِ هَذا أعْقَبُوهُ بِما في الطِّباعِ التَّفادِي بِهِ عَنِ الخِزْيِ والمَذَلَّةِ بِالهَرَعِ إلى أحْلافِهِمْ وأنْصارِهِمْ، فَعَلِمُوا أنْ لا نَصِيرَ في الآخِرَةِ لِلظّالِمِ فَزادُوا بِذَلِكَ
صفحة ١٩٩
تَأْكِيدًا لِلْحِرْصِ عَلى الِاسْتِعاذَةِ مِن عَذابِ النّارِ إذْ قالُوا ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ أيْ لِأهْلِ النّارِ أنْصارٌ تَدْفَعُ عَنْهُمُ الخِزْيَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا﴾ أرادُوا بِهِ النَّبِيءَ مُحَمَّدًا ﷺ . والمُنادِي، الَّذِي يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالكَلامِ. والنِّداءُ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالكَلامِ رَفْعًا قَوِيًّا لِأجْلِ الإسْماعِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ النِّداءِ بِكَسْرِ النُّونِ وبِضَمِّها وهو الصَّوْتُ المُرْتَفِعُ. يُقالُ: هو أنْدى صَوْتًا أيْ أرْفَعُ، فَأصْلُ النِّداءِ الجَهْرُ بِالصَّوْتِ والصِّياحُ بِهِ، ومِنهُ سُمِّيَ دُعاءُ الشَّخْصِ شَخْصًا لِيُقْبِلَ إلَيْهِ نِداءً، لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يَرْفَعَ الصَّوْتَ بِهِ؛ ولِذَلِكَ جَعَلُوا لَهُ حُرُوفًا مَمْدُودَةً مِثْلَ: يا وآ وأيا وهَيا. ومِنهُ سُمِّي الأذانُ نِداءً، وأُطْلِقَ هُنا عَلى المُبالَغَةِ في الإسْماعِ والدَّعْوَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ رَفْعُ صَوْتٍ، ويُطْلَقُ النِّداءُ عَلى طَلَبِ الإقْبالِ بِالذّاتِ أوْ بِالفَهْمِ بِحُرُوفٍ مَعْلُومَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤] ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ [الصافات: ١٠٥] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو المُرادَ هُنا لِأنَّ النَّبِيءَ يَدْعُو النّاسَ بِنَحْوِ: يا أيُّها النّاسُ ويا بَنِي فُلانٍ ويا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ونَحْوِ ذَلِكَ. وسَيَأْتِي تَفْسِيرُ مَعانِي النِّداءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ [الأعراف: ٤٣] في سُورَةِ الأعْرافِ. واللّامُ لامُ العِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ.
و(أنْ) في ﴿أنْ آمِنُوا﴾ تَفْسِيرِيَّةٌ لِما في فِعْلِ يُنادِي مِن مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ.
وجاءُوا بِفاءِ التَّعْقِيبِ في فَآمَنّا: لِلدَّلالَةِ عَلى المُبادَرَةِ والسَّبْقِ إلى الإيمانِ، وذَلِكَ دَلِيلُ سَلامَةِ فِطْرَتِهِمْ مِنَ الخَطَأِ والمُكابَرَةِ، وقَدْ تَوَسَّمُوا أنْ تَكُونَ مُبادَرَتُهم لِإجابَةِ دَعْوَةِ الإسْلامِ مَشْكُورَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَلِذَلِكَ فَرَّعُوا عَلَيْهِ قَوْلَهم ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ لِأنَّهم لَمّا بَذَلُوا كُلَّ ما في وُسْعِهِمْ مِنَ اتِّباعِ الدِّينِ كانُوا حَقِيقِينَ بِتَرَجِّي المَغْفِرَةِ.
والغَفْرُ والتَّكْفِيرُ مُتَقارِبانِ في المادَّةِ المُشْتَقَّيْنِ مِنها إلّا أنَّهُ شاعَ الغَفْرُ والغُفْرانُ في العَفْوِ عَنِ الذَّنْبِ والتَّكْفِيرِ في تَعْوِيضِ الذَّنْبِ بِعِوَضٍ، فَكَأنَّ العِوَضَ كَفَّرَ الذَّنْبَ أيْ سَتَرَهُ، ومِنهُ سُمِّيَتْ كَفّارَةُ الإفْطارِ في رَمَضانَ. وكَفّارَةُ الحِنْثِ في اليَمِينِ إلّا أنَّهم أرادُوا بِالذُّنُوبِ ما كانَ قاصِرًا عَلى ذَواتِهِمْ، ولِذَلِكَ طَلَبُوا مَغْفِرَتَهُ،
صفحة ٢٠٠
وأرادُوا مِنَ السَّيِّئاتِ ما كانَ فِيهِ حَقُّ النّاسِ، فَلِذَلِكَ سَألُوا تَكْفِيرَها عَنْهم. وقِيلَ هو مُجَرَّدُ تَأْكِيدٍ، وهو حَسَنٌ، وقِيلَ أرادُوا مِنَ الذُّنُوبِ الكَبائِرَ ومِنَ السَّيِّئاتِ الصَّغائِرَ لِأنَّ اجْتِنابَ الكَبائِرِ يُكَفِّرُ الصَّغائِرَ، بِناءً عَلى أنَّ الذَّنْبَ أدَلُّ عَلى الإثْمِ مِنَ السَّيِّئَةِ.
وسَألُوا الوَفاةَ مَعَ الأبْرارِ، أيْ أنْ يَمُوتُوا عَلى حالَةِ البِرِّ، بِأنْ يُلازِمَهُمُ البِرُّ إلى المَماتِ وأنْ لا يَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ، فَإذا ماتُوا كَذَلِكَ ماتُوا مِن جُمْلَةِ الأبْرارِ. فالمَعِيَّةُ هُنا مَعِيَّةٌ اعْتِبارِيَّةٌ، وهي المُشارَكَةُ في الحالَةِ الكامِلَةِ، والمَعِيَّةُ مَعَ الأبْرارِ أبْلَغُ في الِاتِّصافِ بِالدَّلالَةِ، لِأنَّهُ بِرٌّ يُرْجى دَوامُهُ وتَزايُدُهُ لِكَوْنِ صاحِبِهِ ضِمْنُ جَمْعٍ يَزِيدُونَهُ إقْبالًا عَلى البِرِّ بِلِسانِ المَقالِ ولِسانِ الحالِ.
ولَمّا سَألُوا المَثُوبَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَرَقَّوْا في السُّؤالِ إلى طَلَبِ تَحْقِيقِ المَثُوبَةِ، فَقالُوا ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ .
وتَحْتَمِلُ كَلِمَةُ (عَلى) أنْ تَكُونَ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ الوَعْدِ، ومَعْناها التَّعْلِيلُ فَيَكُونُ الرُّسُلُ هُمُ المَوْعُودُ عَلَيْهِمْ، ومَعْنى الوَعْدِ عَلى الرُّسُلِ أنَّهُ وعْدٌ عَلى تَصْدِيقِهِمْ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مُضافٍ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ (عَلى) ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا، أيْ وعْدًا كائِنًا عَلى رُسُلِكَ أيْ، مُنَزَّلًا عَلَيْهِمْ، ومُتَعَلِّقُ الجارِّ في مِثْلِهِ كَوْنٌ غَيْرُ عامٍّ بَلْ هو كَوْنٌ خاصٌّ، ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ إذا قامَتِ القَرِينَةُ، ومَعْنى (عَلى) حِينَئِذٍ الِاسْتِعْلاءُ المَجازِيُّ، أوْ تُجْعَلُ (عَلى) ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا حالًا مِن ﴿ما وعَدْتَنا﴾ أيْضًا، بِتَقْدِيرِ كَوْنٍ عامٍّ لَكِنْ مَعَ تَقْدِيرِ مُضافٍ إلى رُسُلِكَ، أيْ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ.
والمَوْعُودُ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ أوْ عَلى التَّصْدِيقِ بِهِمُ الأظْهَرُ أنَّهُ ثَوابُ الآخِرَةِ وثَوابُ الدُّنْيا: لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨] وقَوْلِهِ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] الآيَةَ وقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] . والمُرادُ بِالرُّسُلِ في قَوْلِهِ ﴿عَلى رُسُلِكَ﴾ خُصُوصُ مُحَمَّدٍ ﷺ أُطْلِقَ عَلَيْهِ وصْفُ (رُسُلٍ) تَعْظِيمًا لَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَحْسِبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧] . ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧] .
صفحة ٢٠١
فَإنْ قُلْتَ: إذا كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ وعَدَهم ذَلِكَ وبِأنَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ فَما فائِدَةُ سُؤالِهِمْ ذَلِكَ في دُعائِهِمْ ؟ قُلْتُ: لَهُ وُجُوهٌ: أحَدُهُما: أنَّهم سَألُوا ذَلِكَ لِيَكُونَ حُصُولُهُ أمارَةً عَلى حُصُولِ قَبُولِ الأعْمالِ الَّتِي وعَدَ اللَّهُ عَلَيْها بِما سَألُوهُ فَقَدْ يَظُنُّونَ أنْفُسَهم آتِينَ بِما يُبَلِّغُهم تِلْكَ المَرْتَبَةَ ويَخْشَوْنَ لَعَلَّهم قَدْ خَلَطُوا أعْمالَهُمُ الصّالِحَةَ بِما يُبْطِلُها، ولَعَلَّ هَذا هو السَّبَبُ في مَجِيءِ الواوِ في قَوْلِهِمْ ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا﴾ دُونَ الفاءِ إذْ جَعَلُوهُ دَعْوَةً مُسْتَقِلَّةً لِتَتَحَقَّقَ ويَتَحَقَّقَ سَبَبُها، ولَمْ يَجْعَلُوها نَتِيجَةَ فِعْلٍ مَقْطُوعٍ بِحُصُولِهِ، ويَدُلُّ لِصِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] مَعَ أنَّهم لَمْ يَطْلُبُوا هُنا عَدَمَ إضاعَةِ أعْمالِهِمْ.
الثّانِي: قالَ في الكَشّافِ: أرادُوا طَلَبَ التَّوْفِيقِ إلى أسْبابِ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى رُسُلِهِ. فالكَلامُ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ مِنَ التَّوْفِيقِ لِلْأعْمالِ المَوْعُودِ عَلَيْها.
الثّالِثُ: قالَ فِيهِ ما حاصِلُهُ: أنْ يَكُونَ هَذا مِن بابِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ حَتّى لا يَظْهَرُوا بِمَظْهَرِ المُسْتَحِقِّ لِتَحْصِيلِ المَوْعُودِ بِهِ تَذَلُّلًا، أيْ كَسُؤالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المَغْفِرَةَ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهم.
الرّابِعُ: أجابَ القَرافِيُّ في الفَرْقِ ٢٧٣ بِأنَّهم سَألُوهُ ذَلِكَ لِأنَّ حُصُولَهُ مَشْرُوطٌ بِالوَفاةِ عَلى الإيمانِ، وقَدْ يُؤَيَّدُ هَذا بِأنَّهم قَدَّمُوا قَبْلَهُ قَوْلَهم ﴿وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ لَكِنَّ هَذا الجَوابَ يَقْتَضِي قَصْرَ المَوْعُودِ بِهِ عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ، وأعادُوا سُؤالَ النَّجاةِ مِن خِزْيِ يَوْمِ القِيامَةِ لِشِدَّتِهِ عَلَيْهِمْ.
الخامِسُ: أنَّ المَوْعُودَ الَّذِي سَألُوهُ هو النَّصْرَ عَلى العَدُوِّ خاصَّةً، فالدُّعاءُ بِقَوْلِهِمْ ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ مَقْصُودٌ مِنهُ تَعْجِيلُ ذَلِكَ لَهم، يَعْنِي أنَّ الوَعْدَ كانَ لِمَجْمُوعِ الأُمَّةِ، فَكُلُّ واحِدٍ إذا دَعا بِهَذا فَإنَّما يَعْنِي أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ مِمَّنْ يَرى مِصْداقَ وعْدِ اللَّهِ تَعالى خَشْيَةَ أنْ يَفُوتَهم. وهَذا كَقَوْلِ خَبّابِ ابْنِ الأرَتِّ: هاجَرْنا مَعَ النَّبِيءِ نَلْتَمِسُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى فَوَقَعَ أجْرُنا عَلى اللَّهِ فَمِنّا مَن أيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهو يَهْدِبُها، ومِنّا مَن ماتَ لَمْ يَأْكُلْ مِن أجْرِهِ شَيْئًا، مِنهم مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ نَجِدْ لَهُ ما نُكَفِّنُهُ إلّا بُرْدَةً إلَخْ.
صفحة ٢٠٢
وقَدِ ابْتَدَءُوا دُعاءَهم وخَلَّلُوهُ بِنِدائِهِ تَعالى: خَمْسَ مَرّاتٍ إظْهارًا لِلْحاجَةِ إلى إقْبالِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " مَن حَزَبَهُ أمْرٌ فَقالَ: يا رَبِّ خَمْسَ مَرّاتٍ أنْجاهُ اللَّهُ مِمّا يَخافُ وأعْطاهُ ما أرادَ، واقْرَءُوا ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .
آل عمران 3:194
﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .
صفحة ١٩٦
هَذا غَرَضٌ أُنُفٌ بِالنِّسْبَةِ لِما تَتابَعَ مِن أغْراضِ السُّورَةِ، انْتُقِلَ بِهِ مِنَ المُقَدِّماتِ والمَقْصِدِ والمُتَخَلِّلاتِ بِالمُناسَباتِ، إلى غَرَضٍ جَدِيدٍ هو الِاعْتِبارُ بِخَلْقِ العَوالِمِ وأعْراضِها والتَّنْوِيهُ بِالَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِما فِيها مِن آياتٍ.
ومِثْلُ هَذا الِانْتِقالِ يَكُونُ إيذانًا بِانْتِهاءِ الكَلامِ عَلى أغْراضِ السُّورَةِ، عَلى تَفَنُّنِها، فَقَدْ كانَ التَّنَقُّلُ فِيها مِنَ الغَرَضِ إلى مُشاكِلِهِ وقَدْ وقَعَ الِانْتِقالُ الآنَ إلى غَرَضٍ عامٍّ: وهو الِاعْتِبارُ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وحالُ المُؤْمِنِينَ في الِاتِّعاظِ بِذَلِكَ، وهَذا النَّحْوُ في الِانْتِقالِ يَعْرِضُ لِلْخَطِيبِ ونَحْوِهِ مِن أغْراضِهِ عَقِبَ إيفائِها حَقَّها إلى غَرَضٍ آخَرَ إيذانًا بِأنَّهُ أشْرَفَ عَلى الِانْتِهاءِ، وشَأْنُ القُرْآنِ أنْ يَخْتِمَ بِالمَوْعِظَةِ لِأنَّها أهَمُّ أغْراضِ الرِّسالَةِ، كَما وقَعَ في خِتامِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وحَرْفُ إنَّ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ.
والمُرادُ بِ ﴿خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ هُنا: إمّا آثارُ خَلْقِها، وهو النِّظامُ الَّذِي جُعِلَ فِيها، وإمّا أنْ يُرادَ بِالخَلْقِ المَخْلُوقاتُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] . و﴿أُولُو الألْبابِ﴾ [آل عمران: ٧] أهْلُ العُقُولِ الكامِلَةِ لِأنَّ لُبَّ الشَّيْءِ خُلاصَتُهُ. وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانَ ما في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الآياتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلَخْ.
و﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ إمّا مِنَ الذِّكْرِ اللِّسانِيِّ وإمّا مِنَ الذِّكْرِ القَلْبِيِّ وهو التَّفْكِيرُ، وأرادَ بِقَوْلِهِ ﴿قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ عُمُومَ الأحْوالِ كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبَهُ الظَّهْرَ والبَطْنَ، وقَوْلِهِمْ: اشْتَهَرَ كَذا عِنْدَ أهْلِ الشَّرْقِ والغَرْبِ، عَلى أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ هي مُتَعارَفُ أحْوالِ البَشَرِ في السَّلامَةِ، أيْ أحْوالِ الشُّغْلِ والرّاحَةِ وقَصْدِ النَّوْمِ. وقِيلَ: أرادَ أحْوالَ المُصَلِّينَ: مِن قادِرٍ، وعاجِزٍ وشَدِيدِ العَجْزِ. وسِياقُ الآيَةِ بَعِيدٌ عَنْ هَذا المَعْنى.
وقَوْلُهُ ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عَطْفٌ مُرادِفٌ إنْ كانَ المُرادُ بِالذِّكْرِ فِيما سَبَقَ التَّفْكِيرَ، وإعادَتَهُ لِأجْلِ اخْتِلافِ المُتَفَكَّرِ فِيهِ، أوْ هو عَطْفٌ مُغايِرٌ إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ يَذْكُرُونَ ذِكْرَ اللِّسانِ. والتَّفْكِيرُ عِبادَةٌ عَظِيمَةٌ. رَوى ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في جامِعِ العُتْبِيَّةِ قالَ: قِيلَ لِأُمِّ الدَّرْداءِ: ما كانَ
صفحة ١٩٧
شَأْنُ أبِي الدَّرْداءِ ؟ قالَتْ: كانَ أكْثَرَ شَأْنِهِ التَّفَكُّرُ، قِيلَ لَهُ: أتَرى التَّفَكُّرَ عَمَلًا مِنَ الأعْمالِ ؟ قالَ: نَعَمْ، هو اليَقِينُ.
والخَلْقُ بِمَعْنى كَيْفِيَّةِ أثَرِ الخَلْقِ، أوِ المَخْلُوقاتِ الَّتِي في السَّماءِ والأرْضِ، فالإضافَةُ إمّا عَلى مَعْنى اللّامِ، وإمّا عَلى مَعْنى (في) .
وقَوْلُهُ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ وما بَعْدَهُ جُمْلَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الحالِ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ: أيْ يَتَفَكَّرُونَ قائِلِينَ: رَبَّنا إلَخْ لِأنَّ هَذا الكَلامَ أُرِيدَ بِهِ حِكايَةُ قَوْلِهِمْ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ مِنَ الدُّعاءِ.
فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ تَواطَأ الجَمِيعُ مِن أُولِي الألْبابِ عَلى قَوْلِ هَذا التَّنْزِيهِ والدُّعاءِ عِنْدَ التَّفْكِيرِ مَعَ اخْتِلافِ تَفْكِيرِهِمْ وتَأثُّرِهِمْ ومَقاصِدِهِمْ. قُلْتُ: يُحْتَمَلُ أنَّهم تَلَقَّوْهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكانُوا يُلازِمُونَهُ عِنْدَ التَّفَكُّرِ وعَقِبِهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ ألْهَمَهم إيّاهُ فَصارَ هَجِّيراهم مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] الآياتِ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ حَدِيثُ ابْنُ عَبّاسٍ في الصَّحِيحِ قالَ: بِتُّ عِنْدَ خالَتِي مَيْمُونَةَ «فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَسَحَ النَّوْمَ عَنْ وجْهِهِ ثُمَّ قَرَأ العَشْرَ الآياتِ مِن سُورَةِ آلِ عِمْرانَ» إلى آخِرِ الحَدِيثِ.
ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ حِكايَةً لِتَفَكُّرِهِمْ في نُفُوسِهِمْ، فَهو كَلامُ النَّفْسِ يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ المُتَفَكِّرِينَ لِاسْتِوائِهِمْ في صِحَّةِ التَّفَكُّرِ لِأنَّهُ تَنَقَّلَ مِن مَعْنًى إلى مُتَفَرِّعٍ عَنْهُ، وقَدِ اسْتَوى أُولُو الألْبابِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم هُنا في إدْراكِ هَذِهِ المَعانِي، فَأوَّلُ التَّفْكِيرِ أنْتَجَ لَهم أنَّ المَخْلُوقاتِ لَمْ تُخْلَقْ باطِلًا، ثُمَّ تَفَرَّعَ عَنْهُ تَنْزِيهُ اللَّهِ وسُؤالِهِ أنْ يَقِيَهم عَذابَ النّارِ، لِأنَّهم رَأوْا في المَخْلُوقاتِ طائِعًا وعاصِيًا، فَعَلِمُوا أنَّ وراءَ هَذا العالَمِ ثَوابًا وعِقابًا، فاسْتَعاذُوا أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ. وتَوَسَّلُوا إلى ذَلِكَ بِأنَّهم بَذَلُوا غايَةَ مَقْدُورِهِمْ في طَلَبِ النَّجاةِ إذِ اسْتَجابُوا لِمُنادِي الإيمانِ وهو الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وسَألُوا غُفْرانَ الذُّنُوبِ، وتَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ، والمَوْتَ عَلى البِرِّ إلى آخِرِهِ. فَلا يَكادُ أحَدٌ مِن أُولِي الألْبابِ يَخْلُو مِن هَذِهِ التَّفَكُّراتِ ورُبَّما زادَ عَلَيْها، ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وشاعَتْ بَيْنَهُمُ، اهْتَدى لِهَذا التَّفْكِيرِ مَن لَمْ يَكُنِ انْتَبَهَ لَهُ مِن قَبْلُ فَصارَ شائِعًا بَيْنَ المُسْلِمِينَ بِمَعانِيهِ وألْفاظِهِ.
صفحة ١٩٨
ومَعْنى ﴿ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ أيْ خَلْقًا باطِلًا، أوْ ما خَلَقْتَ هَذا في حالِ أنَّهُ باطِلٌ، فَهي حالٌ لازِمَةُ الذِّكْرِ في النَّفْيِ وإنْ كانَتْ فَضْلَةً في الإثْباتِ، كَقَوْلِهِ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] فالمَقْصُودُ نَفْيُ عَقائِدِ مَن يُفْضِي اعْتِقادُهم إلى أنَّ هَذا الخَلْقَ باطِلٌ أوْ خُلِّيَ عَنِ الحِكْمَةِ، والعَرَبُ تَبْنِي صِيغَةَ النَّفْيِ عَلى اعْتِبارِ سَبْقِ الإثْباتِ كَثِيرًا.
وجِيءَ بِفاءِ التَّعْقِيبِ في حِكايَةِ قَوْلِهِمْ ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ لِأنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى العِلْمِ بِأنَّ هَذا الخَلْقَ حَقٌّ، ومِن جُمْلَةِ الحَقِّ أنْ لا يَسْتَوِيَ الصّالِحُ والطّالِحُ، والمُطِيعُ والعاصِي، فَعَلِمُوا أنَّ لِكُلٍّ مُسْتَقَرًّا مُناسِبًا فَسَألُوا أنْ يَكُونُوا مِن أهْلِ الخَيْرِ المُجَنَّبِينَ عَذابَ النّارِ.
وقَوْلُهم ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ مَسُوقٌ مَساقُ التَّعْلِيلِ لِسُؤالِ الوِقايَةِ مِنَ النّارِ، كَما تُؤْذِنُ بِهِ إنَّ المُسْتَعْمَلَةُ لِإرادَةِ الِاهْتِمامِ إذْ لا مَقامَ لِلتَّأْكِيدِ هُنا. والخِزْيُ مَصْدَرُ خَزِيَ يَخْزى بِمَعْنى ذَلَّ وهانَ بِمَرْأًى مِنَ النّاسِ، وأخْزاهُ أذَلَّهُ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، ووَجْهُ تَعْلِيلِ طَلَبِ الوِقايَةِ مِنَ النّارِ بِأنَّ دُخُولَها خِزْيٌ بَعْدَ الإشارَةِ إلى مُوجِبَةِ ذَلِكَ الطَّلَبِ بِقَوْلِهِمْ ﴿عَذابَ النّارِ﴾ أنَّ النّارَ مَعَ ما فِيها مِنَ العَذابِ الألِيمِ فِيها قَهْرٌ لِلْمُعَذَّبِ وإهانَةٌ عَلَنِيَّةٌ، وذَلِكَ مَعْنًى مُسْتَقِرٌّ في نُفُوسِ النّاسِ، ومِنهُ قَوْلُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧] وذَلِكَ لِظُهُورِ وجْهِ الرَّبْطِ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، أيْ مَن يَدْخُلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ. والخِزْيُ لا تُطِيقُهُ الأنْفُسُ، فَلا حاجَةَ إلى تَأْوِيلٍ تَأوَّلُوهُ عَلى مَعْنى فَقَدْ أخْزَيْتَهُ خِزْيًا عَظِيمًا. ونَظَّرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ بِقَوْلِ رُعاةِ العَرَبِ ”مَن أدْرَكَ مَرْعى الصَّمّانِ فَقَدْ أدْرَكَ“ أيْ فَقَدْ أدْرَكَ مَرْعًى لِئَلّا يَكُونَ مَعْنى الجَزاءِ ضَرُورِيَّ الحُصُولِ مِنَ الشَّرْطِ فَلا تَظْهَرُ فائِدَةٌ لِلتَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ، لِأنَّهُ يُخَلِّي الكَلامَ عَنِ الفائِدَةِ حِينَئِذٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] .
ولِأجْلِ هَذا أعْقَبُوهُ بِما في الطِّباعِ التَّفادِي بِهِ عَنِ الخِزْيِ والمَذَلَّةِ بِالهَرَعِ إلى أحْلافِهِمْ وأنْصارِهِمْ، فَعَلِمُوا أنْ لا نَصِيرَ في الآخِرَةِ لِلظّالِمِ فَزادُوا بِذَلِكَ
صفحة ١٩٩
تَأْكِيدًا لِلْحِرْصِ عَلى الِاسْتِعاذَةِ مِن عَذابِ النّارِ إذْ قالُوا ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ أيْ لِأهْلِ النّارِ أنْصارٌ تَدْفَعُ عَنْهُمُ الخِزْيَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا﴾ أرادُوا بِهِ النَّبِيءَ مُحَمَّدًا ﷺ . والمُنادِي، الَّذِي يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالكَلامِ. والنِّداءُ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالكَلامِ رَفْعًا قَوِيًّا لِأجْلِ الإسْماعِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ النِّداءِ بِكَسْرِ النُّونِ وبِضَمِّها وهو الصَّوْتُ المُرْتَفِعُ. يُقالُ: هو أنْدى صَوْتًا أيْ أرْفَعُ، فَأصْلُ النِّداءِ الجَهْرُ بِالصَّوْتِ والصِّياحُ بِهِ، ومِنهُ سُمِّيَ دُعاءُ الشَّخْصِ شَخْصًا لِيُقْبِلَ إلَيْهِ نِداءً، لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يَرْفَعَ الصَّوْتَ بِهِ؛ ولِذَلِكَ جَعَلُوا لَهُ حُرُوفًا مَمْدُودَةً مِثْلَ: يا وآ وأيا وهَيا. ومِنهُ سُمِّي الأذانُ نِداءً، وأُطْلِقَ هُنا عَلى المُبالَغَةِ في الإسْماعِ والدَّعْوَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ رَفْعُ صَوْتٍ، ويُطْلَقُ النِّداءُ عَلى طَلَبِ الإقْبالِ بِالذّاتِ أوْ بِالفَهْمِ بِحُرُوفٍ مَعْلُومَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤] ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ [الصافات: ١٠٥] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو المُرادَ هُنا لِأنَّ النَّبِيءَ يَدْعُو النّاسَ بِنَحْوِ: يا أيُّها النّاسُ ويا بَنِي فُلانٍ ويا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ونَحْوِ ذَلِكَ. وسَيَأْتِي تَفْسِيرُ مَعانِي النِّداءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ [الأعراف: ٤٣] في سُورَةِ الأعْرافِ. واللّامُ لامُ العِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ.
و(أنْ) في ﴿أنْ آمِنُوا﴾ تَفْسِيرِيَّةٌ لِما في فِعْلِ يُنادِي مِن مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ.
وجاءُوا بِفاءِ التَّعْقِيبِ في فَآمَنّا: لِلدَّلالَةِ عَلى المُبادَرَةِ والسَّبْقِ إلى الإيمانِ، وذَلِكَ دَلِيلُ سَلامَةِ فِطْرَتِهِمْ مِنَ الخَطَأِ والمُكابَرَةِ، وقَدْ تَوَسَّمُوا أنْ تَكُونَ مُبادَرَتُهم لِإجابَةِ دَعْوَةِ الإسْلامِ مَشْكُورَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَلِذَلِكَ فَرَّعُوا عَلَيْهِ قَوْلَهم ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ لِأنَّهم لَمّا بَذَلُوا كُلَّ ما في وُسْعِهِمْ مِنَ اتِّباعِ الدِّينِ كانُوا حَقِيقِينَ بِتَرَجِّي المَغْفِرَةِ.
والغَفْرُ والتَّكْفِيرُ مُتَقارِبانِ في المادَّةِ المُشْتَقَّيْنِ مِنها إلّا أنَّهُ شاعَ الغَفْرُ والغُفْرانُ في العَفْوِ عَنِ الذَّنْبِ والتَّكْفِيرِ في تَعْوِيضِ الذَّنْبِ بِعِوَضٍ، فَكَأنَّ العِوَضَ كَفَّرَ الذَّنْبَ أيْ سَتَرَهُ، ومِنهُ سُمِّيَتْ كَفّارَةُ الإفْطارِ في رَمَضانَ. وكَفّارَةُ الحِنْثِ في اليَمِينِ إلّا أنَّهم أرادُوا بِالذُّنُوبِ ما كانَ قاصِرًا عَلى ذَواتِهِمْ، ولِذَلِكَ طَلَبُوا مَغْفِرَتَهُ،
صفحة ٢٠٠
وأرادُوا مِنَ السَّيِّئاتِ ما كانَ فِيهِ حَقُّ النّاسِ، فَلِذَلِكَ سَألُوا تَكْفِيرَها عَنْهم. وقِيلَ هو مُجَرَّدُ تَأْكِيدٍ، وهو حَسَنٌ، وقِيلَ أرادُوا مِنَ الذُّنُوبِ الكَبائِرَ ومِنَ السَّيِّئاتِ الصَّغائِرَ لِأنَّ اجْتِنابَ الكَبائِرِ يُكَفِّرُ الصَّغائِرَ، بِناءً عَلى أنَّ الذَّنْبَ أدَلُّ عَلى الإثْمِ مِنَ السَّيِّئَةِ.
وسَألُوا الوَفاةَ مَعَ الأبْرارِ، أيْ أنْ يَمُوتُوا عَلى حالَةِ البِرِّ، بِأنْ يُلازِمَهُمُ البِرُّ إلى المَماتِ وأنْ لا يَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ، فَإذا ماتُوا كَذَلِكَ ماتُوا مِن جُمْلَةِ الأبْرارِ. فالمَعِيَّةُ هُنا مَعِيَّةٌ اعْتِبارِيَّةٌ، وهي المُشارَكَةُ في الحالَةِ الكامِلَةِ، والمَعِيَّةُ مَعَ الأبْرارِ أبْلَغُ في الِاتِّصافِ بِالدَّلالَةِ، لِأنَّهُ بِرٌّ يُرْجى دَوامُهُ وتَزايُدُهُ لِكَوْنِ صاحِبِهِ ضِمْنُ جَمْعٍ يَزِيدُونَهُ إقْبالًا عَلى البِرِّ بِلِسانِ المَقالِ ولِسانِ الحالِ.
ولَمّا سَألُوا المَثُوبَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَرَقَّوْا في السُّؤالِ إلى طَلَبِ تَحْقِيقِ المَثُوبَةِ، فَقالُوا ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ .
وتَحْتَمِلُ كَلِمَةُ (عَلى) أنْ تَكُونَ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ الوَعْدِ، ومَعْناها التَّعْلِيلُ فَيَكُونُ الرُّسُلُ هُمُ المَوْعُودُ عَلَيْهِمْ، ومَعْنى الوَعْدِ عَلى الرُّسُلِ أنَّهُ وعْدٌ عَلى تَصْدِيقِهِمْ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مُضافٍ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ (عَلى) ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا، أيْ وعْدًا كائِنًا عَلى رُسُلِكَ أيْ، مُنَزَّلًا عَلَيْهِمْ، ومُتَعَلِّقُ الجارِّ في مِثْلِهِ كَوْنٌ غَيْرُ عامٍّ بَلْ هو كَوْنٌ خاصٌّ، ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ إذا قامَتِ القَرِينَةُ، ومَعْنى (عَلى) حِينَئِذٍ الِاسْتِعْلاءُ المَجازِيُّ، أوْ تُجْعَلُ (عَلى) ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا حالًا مِن ﴿ما وعَدْتَنا﴾ أيْضًا، بِتَقْدِيرِ كَوْنٍ عامٍّ لَكِنْ مَعَ تَقْدِيرِ مُضافٍ إلى رُسُلِكَ، أيْ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ.
والمَوْعُودُ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ أوْ عَلى التَّصْدِيقِ بِهِمُ الأظْهَرُ أنَّهُ ثَوابُ الآخِرَةِ وثَوابُ الدُّنْيا: لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨] وقَوْلِهِ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] الآيَةَ وقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] . والمُرادُ بِالرُّسُلِ في قَوْلِهِ ﴿عَلى رُسُلِكَ﴾ خُصُوصُ مُحَمَّدٍ ﷺ أُطْلِقَ عَلَيْهِ وصْفُ (رُسُلٍ) تَعْظِيمًا لَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَحْسِبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧] . ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧] .
صفحة ٢٠١
فَإنْ قُلْتَ: إذا كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ وعَدَهم ذَلِكَ وبِأنَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ فَما فائِدَةُ سُؤالِهِمْ ذَلِكَ في دُعائِهِمْ ؟ قُلْتُ: لَهُ وُجُوهٌ: أحَدُهُما: أنَّهم سَألُوا ذَلِكَ لِيَكُونَ حُصُولُهُ أمارَةً عَلى حُصُولِ قَبُولِ الأعْمالِ الَّتِي وعَدَ اللَّهُ عَلَيْها بِما سَألُوهُ فَقَدْ يَظُنُّونَ أنْفُسَهم آتِينَ بِما يُبَلِّغُهم تِلْكَ المَرْتَبَةَ ويَخْشَوْنَ لَعَلَّهم قَدْ خَلَطُوا أعْمالَهُمُ الصّالِحَةَ بِما يُبْطِلُها، ولَعَلَّ هَذا هو السَّبَبُ في مَجِيءِ الواوِ في قَوْلِهِمْ ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا﴾ دُونَ الفاءِ إذْ جَعَلُوهُ دَعْوَةً مُسْتَقِلَّةً لِتَتَحَقَّقَ ويَتَحَقَّقَ سَبَبُها، ولَمْ يَجْعَلُوها نَتِيجَةَ فِعْلٍ مَقْطُوعٍ بِحُصُولِهِ، ويَدُلُّ لِصِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] مَعَ أنَّهم لَمْ يَطْلُبُوا هُنا عَدَمَ إضاعَةِ أعْمالِهِمْ.
الثّانِي: قالَ في الكَشّافِ: أرادُوا طَلَبَ التَّوْفِيقِ إلى أسْبابِ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى رُسُلِهِ. فالكَلامُ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ مِنَ التَّوْفِيقِ لِلْأعْمالِ المَوْعُودِ عَلَيْها.
الثّالِثُ: قالَ فِيهِ ما حاصِلُهُ: أنْ يَكُونَ هَذا مِن بابِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ حَتّى لا يَظْهَرُوا بِمَظْهَرِ المُسْتَحِقِّ لِتَحْصِيلِ المَوْعُودِ بِهِ تَذَلُّلًا، أيْ كَسُؤالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المَغْفِرَةَ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهم.
الرّابِعُ: أجابَ القَرافِيُّ في الفَرْقِ ٢٧٣ بِأنَّهم سَألُوهُ ذَلِكَ لِأنَّ حُصُولَهُ مَشْرُوطٌ بِالوَفاةِ عَلى الإيمانِ، وقَدْ يُؤَيَّدُ هَذا بِأنَّهم قَدَّمُوا قَبْلَهُ قَوْلَهم ﴿وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ لَكِنَّ هَذا الجَوابَ يَقْتَضِي قَصْرَ المَوْعُودِ بِهِ عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ، وأعادُوا سُؤالَ النَّجاةِ مِن خِزْيِ يَوْمِ القِيامَةِ لِشِدَّتِهِ عَلَيْهِمْ.
الخامِسُ: أنَّ المَوْعُودَ الَّذِي سَألُوهُ هو النَّصْرَ عَلى العَدُوِّ خاصَّةً، فالدُّعاءُ بِقَوْلِهِمْ ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ مَقْصُودٌ مِنهُ تَعْجِيلُ ذَلِكَ لَهم، يَعْنِي أنَّ الوَعْدَ كانَ لِمَجْمُوعِ الأُمَّةِ، فَكُلُّ واحِدٍ إذا دَعا بِهَذا فَإنَّما يَعْنِي أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ مِمَّنْ يَرى مِصْداقَ وعْدِ اللَّهِ تَعالى خَشْيَةَ أنْ يَفُوتَهم. وهَذا كَقَوْلِ خَبّابِ ابْنِ الأرَتِّ: هاجَرْنا مَعَ النَّبِيءِ نَلْتَمِسُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى فَوَقَعَ أجْرُنا عَلى اللَّهِ فَمِنّا مَن أيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهو يَهْدِبُها، ومِنّا مَن ماتَ لَمْ يَأْكُلْ مِن أجْرِهِ شَيْئًا، مِنهم مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ نَجِدْ لَهُ ما نُكَفِّنُهُ إلّا بُرْدَةً إلَخْ.
صفحة ٢٠٢
وقَدِ ابْتَدَءُوا دُعاءَهم وخَلَّلُوهُ بِنِدائِهِ تَعالى: خَمْسَ مَرّاتٍ إظْهارًا لِلْحاجَةِ إلى إقْبالِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " مَن حَزَبَهُ أمْرٌ فَقالَ: يا رَبِّ خَمْسَ مَرّاتٍ أنْجاهُ اللَّهُ مِمّا يَخافُ وأعْطاهُ ما أرادَ، واقْرَءُوا ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ .
آل عمران 3:195
﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فالَّذِينَ هاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي وقاتَلُوا وقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ .
دَلَّتِ الفاءُ عَلى سُرْعَةِ الإجابَةِ بِحُصُولِ المَطْلُوبِ، ودَلَّتْ عَلى أنَّ مُناجاةَ العَبْدِ رَبَّهُ بِقَلْبِهِ ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ الدُّعاءِ قابِلٌ لِلْإجابَةِ.
و(اسْتَجابَ) بِمَعْنى أجابَ عِنْدَ جُمْهُورِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ، مِثْلَ: اسْتَوْقَدَ واسْتَخْلَصَ. وعَنِ الفَرّاءِ، وعَلِيِّ بْنِ عِيسى الرَّبَعِيِّ: أنَّ اسْتَجابَ أخَصُّ مِن أجابَ لِأنَّ اسْتَجابَ يُقالُ لِمَن قَبِلَ ما دُعِيَ إلَيْهِ، وأجابَ أعَمُّ، فَيُقالُ لِمَن أجابَ بِالقَبُولِ وبِالرَّدِّ. وقالَ الرّاغِبُ: الِاسْتِجابَةُ هي التَّحَرِّي لِلْجَوابِ والتَّهَيُّؤُ لَهُ، لَكِنْ عَبَّرَ بِهِ عَنِ الإجابَةِ لِقِلَّةِ انْفِكاكِها مِنها. ويُقالُ: اسْتَجابَ لَهُ واسْتَجابَهُ، فَعُدِّيَ في الآيَةِ بِاللّامِ، كَما قالُوا: حَمِدَ لَهُ وشَكَرَ لَهُ، ويُعَدّى بِنَفْسِهِ أيْضًا مِثْلُهُما.
قالَ كَعْبُ بْنُ سَعْدٍ الغَنَوِيُّ، يَرْثِي قَرِيبًا لَهُ:
وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النِّدا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ
وتَعْبِيرُهم في دُعائِهِمْ بِوَصْفِ رَبَّنا دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ لِما في وصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الشَّفَقَةِ بِالمَرْبُوبِ، ومَحَبَّةِ الخَيْرِ لَهُ، ومِنَ الِاعْتِرافِ بِأنَّهم عَبِيدُهُ ولِتَتَأتّى الإضافَةُ المُفِيدَةُ التَّشْرِيفَ والقُرْبَ، ولِرَدِّ حُسْنِ دُعائِهِمْ بِمِثْلِهِ بِقَوْلِهِمْ رَبَّنا، رَبَّنا.
صفحة ٢٠٣
ومَعْنى نَفْيِ إضاعَةِ عَمَلِهِمْ نَفْيُ إلْغاءِ الجَزاءِ عَنْهُ: جَعْلُهُ كالضّائِعِ غَيْرِ الحاصِلِ في يَدِ صاحِبِهِ.
فَنَفْيُ إضاعَةِ العَمَلِ وعْدٌ بِالِاعْتِدادِ بِعَمَلِهِمْ وحُسْبانِهِ لَهم، فَقَدْ تَضَمَّنَتِ الِاسْتِجابَةُ تَحْقِيقَ عَدَمِ إضاعَةِ العَمَلِ تَطْمِينًا لِقُلُوبِهِمْ مِن وجَلِ عَدَمِ القَبُولِ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهم أرادُوا مِن قَوْلِهِمْ ﴿وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] تَحْقِيقَ قَبُولِ أعْمالِهِمْ والِاسْتِعاذَةِ مِنَ الحَبَطِ.
وقَوْلُهُ ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ بَيانٌ لِعامِلٍ ووَجْهُ الحاجَةِ إلى هَذا البَيانِ هُنا أنَّ الأعْمالَ الَّتِي أتَوْا بِها أكْبَرُها الإيمانُ، ثُمَّ الهِجْرَةُ، ثُمَّ الجِهادُ، ولَمّا كانَ الجِهادُ أكْثَرَ تَكَرُّرًا خِيفَ أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّ النِّساءَ لا حَظَّ لَهُنَّ في تَحْقِيقِ الوَعْدِ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ، فَدَفَعَ هَذا بِأنَّ لِلنِّساءِ حَظَّهُنَّ في ذَلِكَ فَهُنَّ في الإيمانِ والهِجْرَةِ يُساوِينَ الرِّجالَ، وهُنَّ لَهُنَّ حَظُّهُنَّ في ثَوابِ الجِهادِ لِأنَّهُنَّ يَقُمْنَ عَلى المَرْضى ويُداوِينَ الكَلْمى، ويَسْقِينَ الجَيْشَ، وذَلِكَ عَمَلٌ عَظِيمٌ بِهِ اسْتِبْقاءُ نُفُوسِ المُسْلِمِينَ، فَهو لا يُقْصَرُ عَنِ القِتالِ الَّذِي بِهِ إتْلافُ نُفُوسِ عَدُوِّ المُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ (مِن) فِيهِ اتِّصالِيَّةٌ أيْ بَعْضُ المُسْتَجابِ لَهم مُتَّصِلٌ بِبَعْضٍ، وهي كَلِمَةٌ تَقُولُها العَرَبُ بِمَعْنى أنَّ شَأْنَهم واحِدٌ وأمْرَهم سَواءٌ. قالَ تَعالى ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٦٧] إلَخْ. وقَوْلُهم: هو مِنِّي وأنا مِنهُ، وفي عَكْسِهِ يَقُولُونَ كَما قالَ النّابِغَةُ:
فَإنِّي لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي
وقَدْ حَمَلَها جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى مَعْنى أنَّ نِساءَكم ورِجالَكم يَجْمَعُهم أصْلٌ واحِدٌ، وعَلى هَذا فَمَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِلتَّعْمِيمِ في قَوْلِهِ ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ أيْ لِأنَّ شَأْنَكم واحِدٌ. وكُلٌّ قائِمٌ بِما لَوْ لَمْ يَقُمْ بِهِ لَضاعَتْ مَصْلَحَةُ الآخَرِ، فَلا جَرَمَ أنْ كانُوا سَواءً في تَحْقِيقِ وعْدِ اللَّهِ إيّاهم، وإنِ اخْتَلَفَتْ أعْمالُهم وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: ٣٢] .
صفحة ٢٠٤
والأظْهَرُ عِنْدِي أنْ لَيْسَ هَذا تَعْلِيلًا لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ بَلْ هو بَيانٌ لِلتَّساوِي في الأخْبارِ المُتَعَلِّقَةِ بِضَمائِرِ المُخاطَبِينَ أيْ أنْتُمْ في عِنايَتِي بِأعْمالِكم سَواءٌ، وهو قَضاءٌ لِحَقِّ ما لَهم مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ المُتَساوِينَ فِيها، لِيَكُونَ تَمْهِيدًا لِبِساطِ تَمْيِيزِ المُهاجِرِينَ بِفَضْلِ الهِجْرَةِ الآتِي في قَوْلِهِ ﴿فالَّذِينَ هاجَرُوا﴾، الآياتِ.
وقَوْلُهُ ﴿فالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ تَفْرِيعٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ﴾ وهو مِن ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ الخاصِّ، واشْتَمَلَ عَلى بَيانِ ما تَفاضَلُوا فِيهِ مِنَ العَمَلِ، وهو الهِجْرَةُ الَّتِي فازَ بِها المُهاجِرُونَ.
والمُهاجَرَةُ: هي تَرْكُ المَوْطِنِ بِقَصْدِ اسْتِيطانِ غَيْرِهِ، والمُفاعَلَةُ فِيها لِلتَّقْوِيَةِ كَأنَّهُ هَجَرَ قَوْمَهُ وهَجَرُوهُ لِأنَّهم لَمْ يَحْرِصُوا عَلى بَقائِهِ، وهَذا أصْلُ المُهاجَرَةِ أنْ تَكُونَ لِمُنافَرَةٍ ونَحْوِها، وهي تَصْدُقُ بِهِجْرَةِ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى بِلادِ الحَبَشَةِ وبِهِجْرَةِ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ.
وعُطِفَ قَوْلُهُ ﴿وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ عَلى هاجَرُوا لِتَحْقِيقِ مَعْنى المُفاعَلَةِ في هاجَرَ أيْ هاجَرُوا مُهاجِرَةً لَزَّهم إلَيْها قَوْمُهم، سَواءٌ كانَ الإخْراجُ بِصَرِيحِ القَوْلِ أمْ بِالإلْجاءِ، مِن جِهَةِ سُوءِ المُعامَلَةِ، ولَقَدْ هاجَرَ المُسْلِمُونَ الهِجْرَةَ الأُولى إلى الحَبَشَةِ لِما لاقَوْهُ مِن سُوءِ مُعامَلَةِ المُشْرِكِينَ، ثُمَّ هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هِجْرَتَهُ إلى المَدِينَةِ والتَحَقَ بِهِ المُسْلِمُونَ كُلُّهم، لِما لاقَوْهُ مِن أذى المُشْرِكِينَ. ولا يُوجَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُشْرِكِينَ أخْرَجُوا المُسْلِمِينَ، وكَيْفَ واخْتِفاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ خُرُوجِهِ إلى المَدِينَةِ يَدُلُّ عَلى حِرْصِ المُشْرِكِينَ عَلى صَدِّهِ عَنِ الخُرُوجِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ أيْضًا قَوْلُ كَعْبٍ:
فِي فِتْيَةٍ مِن قُرَيْشٍ قالَ قائِلُهم ∗∗∗ بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمّا أسْلَمُوا زُولُوا
أيْ قالَ قائِلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ اخْرُجُوا مِن مَكَّةَ، وعَلَيْهِ فَكُلُّ ما ورَدَ مِمّا فِيهِ أنَّهم أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ فَتَأْوِيلُهُ أنَّهُ الإلْجاءُ إلى الخُرُوجِ، ومِنهُ «قَوْلُ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ يا لَيْتَنِي أكُونُ مَعَكَ إذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، وقَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لَهُ أوَمُخْرِجِيَّ هم ؟ فَقالَ: ما جاءَ نَبِيءٌ بِمِثْلِ ما جِئْتَ
صفحة ٢٠٥
بِهِ إلّا عُودِيَ» . وقَوْلُهُ ﴿وأُوذُوا في سَبِيلِي﴾ أيْ أصابَهُمُ الأذى وهو مَكْرُوهٌ قَلِيلٌ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ وفُهِمَ مِنهُ أنَّ مَن أصابَهُمُ الضُّرُّ أوْلى بِالثَّوابِ وأوْفى. وهَذِهِ حالَةٌ تَصْدُقُ بِالَّذِينَ أُوذُوا قَبْلَ الهِجْرَةِ وبَعْدَها.
وقَوْلُهُ ﴿وقاتَلُوا وقُتِلُوا﴾ جَمَعَ بَيْنَهُما لِلْإشارَةِ إلى أنَّ لِلْقِسْمَيْنِ ثَوابًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وقاتَلُوا وقُتِلُوا﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ. والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: وقُتِلُوا وقاتَلُوا عَكْسَ قِراءَةِ الجُمْهُورِ ومَآلُ القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، وهَذِهِ حالَةٌ تَصْدُقُ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ مِنَ الَّذِينَ جاهَدُوا فاسْتَشْهَدُوا أوْ بَقُوا. وقَوْلُهُ ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ إلَخْ مُؤَكَّدٌ بِلامِ القَسَمِ. وتَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ تَقَدَّمَ آنِفًا.
آل عمران 3:196
﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ﴾ .
اعْتِراضٌ في أثْناءِ هَذِهِ الخاتِمَةِ، نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] بِاعْتِبارِ ما يَتَضَمَّنُهُ عَدَمُ إضاعَةِ العَمَلِ مِنَ الجَزاءِ عَلَيْهِ جَزاءً كامِلًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وما يَسْتَلْزِمُهُ ذَلِكَ مِن حِرْمانِ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لِداعِي الإيمانِ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وهُمُ المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا كَما هو مُصْطَلَحُ القُرّاءِ.
والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ مِمَّنْ يُتَوَهَّمُ أنْ يَغُرَّهُ حُسْنُ حالِ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا.
والغَرُّ والغُرُورُ: الإطْماعُ في أمْرٍ مَحْبُوبٍ عَلى نِيَّةِ عَدَمِ وُقُوعِهِ، أوْ إظْهارِ الأمْرِ المُضِرِّ في صُورَةِ النّافِعِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الغِرَّةِ بِكَسْرِ الغَيْنِ وهي الغَفْلَةُ، ورَجُلٌ غِرٌّ بِكَسْرِ الغَيْنِ إذا كانَ يَنْخَدِعُ لِمَن خادَعَهُ. وفي الحَدِيثِ «المُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ» أيْ يَظُنُّ الخَيْرَ بِأهْلِ الشَّرِّ إذا أظْهَرُوا لَهُ الخَيْرَ.
صفحة ٢٠٦
وهُوَ هُنا مُسْتَعارٌ لِظُهُورِ الشَّيْءِ في مَظْهَرٍ مَحْبُوبٍ، وهو في العاقِبَةِ مَكْرُوهٌ.
وأُسْنِدَ فِعْلُ الغُرُورِ إلى التَّقَلُّبِ لِأنَّ التَّقَلُّبَ سَبَبُهُ، فَهو مَجازٌ عَقْلِيٌّ، والمَعْنى لا يَنْبَغِي أنْ يَغُرَّكَ. ونَظِيرُهُ ﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٧] و(لا) ناهِيَةٌ لِأنَّ نُونَ التَّوْكِيدِ لا تَجِيءُ مَعَ النَّفْيِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا يَغُرَّنَّكَ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ وهي نُونُ التَّوْكِيدِ الثَّقِيلَةِ، وقَرَأها رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِنُونٍ ساكِنَةٍ، وهي نُونُ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ.
والتَّقَلُّبُ: تَصَرُّفٌ عَلى حَسَبِ المَشِيئَةِ في الحُرُوبِ والتِّجاراتِ والغَرْسِ ونَحْوِ ذَلِكَ، قالَ تَعالى ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤] .
و(البِلادُ): الأرْضُ، والمَتاعُ: الشَّيْءُ الَّذِي يُشْتَرى لِلتَّمَتُّعِ بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ إلى آخِرِها بَيانٌ لِجُمْلَةِ لا يَغُرَّنَّكَ. والمَتاعُ: المَنفَعَةُ العاجِلَةُ، قالَ تَعالى ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦] .
وجُمْلَةُ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ إلى آخِرِها افْتُتِحَتْ بِحَرْفِ الِاسْتِدْراكِ لِأنَّ مَضْمُونَها ضِدُّ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها لِأنَّ مَعْنى لا ”يَغُرَّنَّكَ“ إلَخْ وصْفُ ما هم فِيهِ بِأنَّهُ مَتاعٌ قَلِيلٌ، أيْ غَيْرُ دائِمٍ، وأنَّ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ لَهم مَنافِعُ دائِمَةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِتَخْفِيفِ النُّونِ ساكِنَةً مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ وهي مُهْمَلَةٌ، وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِتَشْدِيدِ النُّونِ مَفْتُوحَةً وهي عامِلَةٌ عَمَلَ إنَّ.
والنُّزُلُ بِضَمِّ النُّونِ والزّايِ وبِضَمِّها مَعَ سُكُونِ الزّايِ ما يُعَدُّ لِلنَّزِيلِ والضَّيْفِ مِنَ الكَرامَةِ والقِرى، قالَ تَعالى ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١] ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٢] .
صفحة ٢٠٧
و(الأبْرارِ) جَمْعُ البَرِّ وهو المَوْصُوفُ بِالمَبَرَّةِ والبِرِّ، وهو حُسْنُ العَمَلِ ضِدُّ الفُجُورِ.
آل عمران 3:197
﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ﴾ .
اعْتِراضٌ في أثْناءِ هَذِهِ الخاتِمَةِ، نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] بِاعْتِبارِ ما يَتَضَمَّنُهُ عَدَمُ إضاعَةِ العَمَلِ مِنَ الجَزاءِ عَلَيْهِ جَزاءً كامِلًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وما يَسْتَلْزِمُهُ ذَلِكَ مِن حِرْمانِ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لِداعِي الإيمانِ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وهُمُ المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا كَما هو مُصْطَلَحُ القُرّاءِ.
والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ مِمَّنْ يُتَوَهَّمُ أنْ يَغُرَّهُ حُسْنُ حالِ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا.
والغَرُّ والغُرُورُ: الإطْماعُ في أمْرٍ مَحْبُوبٍ عَلى نِيَّةِ عَدَمِ وُقُوعِهِ، أوْ إظْهارِ الأمْرِ المُضِرِّ في صُورَةِ النّافِعِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الغِرَّةِ بِكَسْرِ الغَيْنِ وهي الغَفْلَةُ، ورَجُلٌ غِرٌّ بِكَسْرِ الغَيْنِ إذا كانَ يَنْخَدِعُ لِمَن خادَعَهُ. وفي الحَدِيثِ «المُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ» أيْ يَظُنُّ الخَيْرَ بِأهْلِ الشَّرِّ إذا أظْهَرُوا لَهُ الخَيْرَ.
صفحة ٢٠٦
وهُوَ هُنا مُسْتَعارٌ لِظُهُورِ الشَّيْءِ في مَظْهَرٍ مَحْبُوبٍ، وهو في العاقِبَةِ مَكْرُوهٌ.
وأُسْنِدَ فِعْلُ الغُرُورِ إلى التَّقَلُّبِ لِأنَّ التَّقَلُّبَ سَبَبُهُ، فَهو مَجازٌ عَقْلِيٌّ، والمَعْنى لا يَنْبَغِي أنْ يَغُرَّكَ. ونَظِيرُهُ ﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٧] و(لا) ناهِيَةٌ لِأنَّ نُونَ التَّوْكِيدِ لا تَجِيءُ مَعَ النَّفْيِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا يَغُرَّنَّكَ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ وهي نُونُ التَّوْكِيدِ الثَّقِيلَةِ، وقَرَأها رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِنُونٍ ساكِنَةٍ، وهي نُونُ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ.
والتَّقَلُّبُ: تَصَرُّفٌ عَلى حَسَبِ المَشِيئَةِ في الحُرُوبِ والتِّجاراتِ والغَرْسِ ونَحْوِ ذَلِكَ، قالَ تَعالى ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤] .
و(البِلادُ): الأرْضُ، والمَتاعُ: الشَّيْءُ الَّذِي يُشْتَرى لِلتَّمَتُّعِ بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ إلى آخِرِها بَيانٌ لِجُمْلَةِ لا يَغُرَّنَّكَ. والمَتاعُ: المَنفَعَةُ العاجِلَةُ، قالَ تَعالى ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦] .
وجُمْلَةُ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ إلى آخِرِها افْتُتِحَتْ بِحَرْفِ الِاسْتِدْراكِ لِأنَّ مَضْمُونَها ضِدُّ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها لِأنَّ مَعْنى لا ”يَغُرَّنَّكَ“ إلَخْ وصْفُ ما هم فِيهِ بِأنَّهُ مَتاعٌ قَلِيلٌ، أيْ غَيْرُ دائِمٍ، وأنَّ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ لَهم مَنافِعُ دائِمَةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِتَخْفِيفِ النُّونِ ساكِنَةً مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ وهي مُهْمَلَةٌ، وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِتَشْدِيدِ النُّونِ مَفْتُوحَةً وهي عامِلَةٌ عَمَلَ إنَّ.
والنُّزُلُ بِضَمِّ النُّونِ والزّايِ وبِضَمِّها مَعَ سُكُونِ الزّايِ ما يُعَدُّ لِلنَّزِيلِ والضَّيْفِ مِنَ الكَرامَةِ والقِرى، قالَ تَعالى ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١] ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٢] .
صفحة ٢٠٧
و(الأبْرارِ) جَمْعُ البَرِّ وهو المَوْصُوفُ بِالمَبَرَّةِ والبِرِّ، وهو حُسْنُ العَمَلِ ضِدُّ الفُجُورِ.
آل عمران 3:198
﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ﴾ .
اعْتِراضٌ في أثْناءِ هَذِهِ الخاتِمَةِ، نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] بِاعْتِبارِ ما يَتَضَمَّنُهُ عَدَمُ إضاعَةِ العَمَلِ مِنَ الجَزاءِ عَلَيْهِ جَزاءً كامِلًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وما يَسْتَلْزِمُهُ ذَلِكَ مِن حِرْمانِ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لِداعِي الإيمانِ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وهُمُ المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا كَما هو مُصْطَلَحُ القُرّاءِ.
والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ مِمَّنْ يُتَوَهَّمُ أنْ يَغُرَّهُ حُسْنُ حالِ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا.
والغَرُّ والغُرُورُ: الإطْماعُ في أمْرٍ مَحْبُوبٍ عَلى نِيَّةِ عَدَمِ وُقُوعِهِ، أوْ إظْهارِ الأمْرِ المُضِرِّ في صُورَةِ النّافِعِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الغِرَّةِ بِكَسْرِ الغَيْنِ وهي الغَفْلَةُ، ورَجُلٌ غِرٌّ بِكَسْرِ الغَيْنِ إذا كانَ يَنْخَدِعُ لِمَن خادَعَهُ. وفي الحَدِيثِ «المُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ» أيْ يَظُنُّ الخَيْرَ بِأهْلِ الشَّرِّ إذا أظْهَرُوا لَهُ الخَيْرَ.
صفحة ٢٠٦
وهُوَ هُنا مُسْتَعارٌ لِظُهُورِ الشَّيْءِ في مَظْهَرٍ مَحْبُوبٍ، وهو في العاقِبَةِ مَكْرُوهٌ.
وأُسْنِدَ فِعْلُ الغُرُورِ إلى التَّقَلُّبِ لِأنَّ التَّقَلُّبَ سَبَبُهُ، فَهو مَجازٌ عَقْلِيٌّ، والمَعْنى لا يَنْبَغِي أنْ يَغُرَّكَ. ونَظِيرُهُ ﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٧] و(لا) ناهِيَةٌ لِأنَّ نُونَ التَّوْكِيدِ لا تَجِيءُ مَعَ النَّفْيِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا يَغُرَّنَّكَ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ وهي نُونُ التَّوْكِيدِ الثَّقِيلَةِ، وقَرَأها رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِنُونٍ ساكِنَةٍ، وهي نُونُ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ.
والتَّقَلُّبُ: تَصَرُّفٌ عَلى حَسَبِ المَشِيئَةِ في الحُرُوبِ والتِّجاراتِ والغَرْسِ ونَحْوِ ذَلِكَ، قالَ تَعالى ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤] .
و(البِلادُ): الأرْضُ، والمَتاعُ: الشَّيْءُ الَّذِي يُشْتَرى لِلتَّمَتُّعِ بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ إلى آخِرِها بَيانٌ لِجُمْلَةِ لا يَغُرَّنَّكَ. والمَتاعُ: المَنفَعَةُ العاجِلَةُ، قالَ تَعالى ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦] .
وجُمْلَةُ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ إلى آخِرِها افْتُتِحَتْ بِحَرْفِ الِاسْتِدْراكِ لِأنَّ مَضْمُونَها ضِدُّ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها لِأنَّ مَعْنى لا ”يَغُرَّنَّكَ“ إلَخْ وصْفُ ما هم فِيهِ بِأنَّهُ مَتاعٌ قَلِيلٌ، أيْ غَيْرُ دائِمٍ، وأنَّ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ لَهم مَنافِعُ دائِمَةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِتَخْفِيفِ النُّونِ ساكِنَةً مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ وهي مُهْمَلَةٌ، وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِتَشْدِيدِ النُّونِ مَفْتُوحَةً وهي عامِلَةٌ عَمَلَ إنَّ.
والنُّزُلُ بِضَمِّ النُّونِ والزّايِ وبِضَمِّها مَعَ سُكُونِ الزّايِ ما يُعَدُّ لِلنَّزِيلِ والضَّيْفِ مِنَ الكَرامَةِ والقِرى، قالَ تَعالى ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١] ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٢] .
صفحة ٢٠٧
و(الأبْرارِ) جَمْعُ البَرِّ وهو المَوْصُوفُ بِالمَبَرَّةِ والبِرِّ، وهو حُسْنُ العَمَلِ ضِدُّ الفُجُورِ.
آل عمران 3:199
﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ .
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٨] اسْتِكْمالًا لِذِكْرِ الفَرْقِ في تَلَقِّي الإسْلامِ: فَهَؤُلاءِ فَرِيقُ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولَمْ يُظْهِرُوا إيمانَهم لِخَوْفِ قَوْمِهِمْ مِثْلِ النَّجاشِيِّ أصْحَمَةَ، وأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُحَرِّفُونَ الدِّينَ، والآيَةُ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مَعْرُوفِينَ بِذَلِكَ لِأنَّهم لَوْ عُرِفُوا بِالإيمانِ لَما كانَ مِن فائِدَةٍ في وصْفِهِمْ بِأنَّهم مِن أهْلِ الكِتابِ، وهَذا الصِّنْفُ بِعَكْسِ حالِ المُنافِقِينَ. وأكَّدَ الخَبَرَ بِ إنَّ وبِلامِ الِابْتِداءِ لِلرَّدِّ عَلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ لَمّا صَلّى عَلى النَّجاشِيِّ: انْظُرُوا إلَيْهِ يُصَلِّي عَلى نَصْرانِيٍّ لَيْسَ عَلى دِينِهِ ولَمْ يَرَهُ قَطُّ. عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وبَعْضِ أصْحابِهِ أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. ولَعَلَّ وفاةَ النَّجاشِيِّ حَصَلَتْ قَبْلَ غَزْوَةِ أُحُدٍ.
وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِمْ هُنا مَن أظْهَرَ إيمانَهُ وتَصْدِيقَهُ مِنَ اليَهُودِ مِثْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ومُخَيْرِيقٍ، وكَذا مَن آمَنَ مِن نَصارى نَجْرانَ أيِ الَّذِينَ أسْلَمُوا ورَسُولُ اللَّهِ بِمَكَّةَ إنْ صَحَّ خَبَرُ إسْلامِهِمْ.
وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ بِهِ أحْرِياءٌ بِما سَيَرِدُ مِنَ الإخْبارِ عَنْهم لِأجْلِ ما تَقَدَّمَ اسْمَ الإشارَةِ.
وأشارَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ إلى أنَّهُ يُبادِرُ لَهم بِأجْرِهِمْ في الدُّنْيا ويَجْعَلُهُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ.
آل عمران 3:200
صفحة ٢٠٨
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .
خُتِمَتِ السُّورَةُ بِوِصايَةٍ جامِعَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ تُجَدِّدُ عَزِيمَتَهم وتَبْعَثُ الهِمَمَ إلى دَوامِ الِاسْتِعْدادِ لِلْعَدُوِّ كَيْ لا يُثَبِّطَهم ما حَصَلَ مِنَ الهَزِيمَةِ، فَأمَرَهم بِالصَّبْرِ الَّذِي هو جُمّاعُ الفَضائِلِ وخِصالُ الكَمالِ، ثُمَّ بِالمُصابَرَةِ وهي الصَّبْرُ في وجْهِ الصّابِرِ، وهَذا أشَدُّ الصَّبْرِ ثَباتًا في النَّفْسِ وأقْرَبُهُ إلى التَّزَلْزُلِ، وذَلِكَ أنَّ الصَّبْرَ في وجْهِ صابِرٍ آخَرَ شَدِيدٌ عَلى نَفْسِ الصّابِرِ لِما يُلاقِيهِ مِن مُقاوَمَةِ قِرْنٍ لَهُ في الصَّبْرِ قَدْ يُساوِيهِ أوْ يَفُوقُهُ، ثُمَّ إنَّ هَذا المُصابِرَ إنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلى صَبْرِهِ حَتّى يَمَلَّ قِرْنُهُ فَإنَّهُ لا يَجْتَنِي مِن صَبْرِهِ شَيْئًا، لِأنَّ نَتِيجَةَ الصَّبْرِ تَكُونُ لِأطْوَلِ الصّابِرِينَ صَبْرًا، كَما قالَ زُفَرُ بْنُ الحارِثِ في اعْتِذارِهِ عَنِ الِانْهِزامِ:
سَقَيْناهُمُ كَأْسًا سَقَوْنا بِمِثْلِها ولَكِنَّهم كانُوا عَلى المَوْتِ أصْبَرا
فالمُصابَرَةُ هي سَبَبُ نَجاحِ الحَرْبِ كَما قالَ شاعِرُ العَرَبِ الَّذِي لَمْ يُعْرَفِ اسْمُهُ:
لا أنْتَ مُعْتادٌ في الهَيْجا مُصابَرَةً ∗∗∗ يَصْلى بِها كُلُّ مَن عاداكَ نِيرانا
وقَوْلُهُ ورابِطُوا أمْرٌ لَهم بِالمُرابَطَةِ، وهي مُفاعَلَةٌ مِنَ الرَّبْطِ، وهو رَبْطُ الخَيْلِ لِلْحِراسَةِ عَنْ غَيْرِ الجِهادِ خَشْيَةَ أنْ يَفْجَأهُمُ العَدُوُّ، أمَرَ اللَّهُ بِهِ المُسْلِمِينَ لِيَكُونُوا دائِمًا عَلى حَذَرٍ مِن عَدُوِّهِمْ تَنْبِيهًا لَهم عَلى ما يَكِيدُ بِهِ المُشْرِكُونَ مِن مُفاجَأتِهِمْ عَلى غِرَّةٍ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ كَما قَدَّمْناهُ آنِفًا، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ مِنهم في وقْعَةِ الأحْزابِ فَلَمّا أمَرَهُمُ اللَّهُ بِالجِهادِ أمَرَهم بِأنْ يَكُونُوا بَعْدَ ذَلِكَ أيْقاظًا مِن عَدُوِّهِمْ. وفي كِتابِ الجِهادِ مِنَ البُخارِيِّ: بابُ فَضْلِ رِباطِ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَوْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا﴾ إلَخْ. وكانَتِ المُرابَطَةُ مَعْرُوفَةً في الجاهِلِيَّةِ وهي رَبْطُ الفَرَسِ لِلْحِراسَةِ في الثُّغُورِ أيِ الجِهاتِ الَّتِي يَسْتَطِيعُ العَدُوُّ الوُصُولَ مِنها إلى الحَيِّ مِثْلِ الشِّعابِ بَيْنَ الجِبالِ. وما رَأيْتُ مَن وصَفَ ذَلِكَ مِثْلَ لَبِيدٍ في مُعَلَّقَتِهِ إذْ قالَ:
ولَقَدْ حَمَيْتُ الحَيَّ تَحْمِلُ شِكَّتِي ∗∗∗ فُرُطٌ وِشاحِي إذْ غَدَوْتُ لِجامُها
فَعَلَوْتُ مُرْتَقَبًا عَلى ذِي هَبْوَةٍ ∗∗∗ حَرِجٍ إلى إعْلامِهِنَّ قَتامُها
حَتّى إذا ألْقَتْ يَدًا في كافِرٍ ∗∗∗ وأجَنَّ عَوْراتِ الثُّغُورِ ظَلامُها
صفحة ٢٠٩
فَذَكَرَ أنَّهُ حَرَسَ الحَيَّ عَلى مَكانٍ مُرْتَقَبٍ، أيْ عالٍ بِرَبْطِ فَرَسِهِ في الثَّغْرِ. وكانَ المُسْلِمُونَ يُرابِطُونَ في ثُغُورِ بِلادِ فارِسٍ والشّامِ والأنْدَلُسِ في البَرِّ، ثُمَّ لَمّا اتَّسَعَ سُلْطانُ الإسْلامِ وامْتَلَكُوا البِحارَ صارَ الرِّباطُ في ثُغُورِ البِحارِ وهي الشُّطُوطُ الَّتِي يُخْشى نُزُولُ العَدُوِّ مِنها: مِثْلَ رِباطِ المِنِسْتِيرِ بِتُونِسَ بِإفْرِيقِيَّةَ، ورِباطِ سَلا بِالمَغْرِبِ، ورُبُطِ تُونِسَ ومَحارِسِها: مِثْلِ مَحْرَسِ عَلِيِّ بْنِ سالِمٍ قُرْبَ صَفاقِسَ. فَأمَرَ اللَّهُ بِالرِّباطِ كَما أمَرَ بِالجِهادِ بِهَذا المَعْنى. وقَدْ خُفِيَ عَلى بَعْضِ المُفَسِّرِينَ فَقالَ بَعْضُهم: أرادَ بِقَوْلِهِ ورابِطُوا إعْدادَ الخَيْلِ مَرْبُوطَةً لِلْجِهادِ، قالَ: ولَمْ يَكُنْ في زَمَنِ النَّبِيءِ ﷺ غَزْوٌ في الثُّغُورِ. وقالَ بَعْضُهم: أرادَ بِقَوْلِهِ ورابِطُوا انْتِظارَ الصَّلاةِ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الَّتِي قَبْلَها، لِما رَوى مالِكٌ في المُوَطَّأِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ ذَكَرَ انْتِظارَ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، وقالَ: فَذَلِكُمُ الرِّباطُ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ» . ونُسِبَ هَذا لِأبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والحَقُّ أنَّ مَعْنى هَذا الحَدِيثِ عَلى التَّشْبِيهِ، كَقَوْلِهِ «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ» وقَوْلِهِ «لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذا الطَّوّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ»، أيْ وكَقَوْلِهِ ﷺ «رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ» .
وأعْقَبَ هَذا الأمْرَ بِالأمْرِ بِالتَّقْوى لِأنَّها جُمّاعُ الخَيْراتِ وبِها يُرْجى الفَلاحُ.
* * *
صفحة ٢١٠
صفحة ٢١١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ النِّساءِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في كَلامِ السَّلَفِ سُورَةَ النِّساءِ؛ فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ ما نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ وسُورَةُ النِّساءِ إلّا وأنا عِنْدَهُ» . وكَذَلِكَ سُمِّيَتْ في المَصاحِفِ وفي كُتُبِ السُّنَّةِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ، ولا يُعْرَفُ لَها اسْمٌ آخَرُ، لَكِنْ يُؤْخَذُ مِمّا رُوِيَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِن قَوْلِهِ ”لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ القُصْرى“ يَعْنِي سُورَةَ الطَّلاقِ أنَّها شارَكَتْ هَذِهِ السُّورَةَ في التَّسْمِيَةِ الطُّولى، ولَمْ أقِفْ عَلَيْهِ صَرِيحًا. ووَقَعَ في كِتابِ بَصائِرِ ذَوِي التَّمْيِيزِ لِلْفِيرُوزاباذِيِّ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تُسَمّى سُورَةَ النِّساءِ الكُبْرى، واسْمُ سُورَةِ الطَّلاقِ سُورَةُ النِّساءِ الصُّغْرى. ولَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ.
ووَجْهُ تَسْمِيَتِها بِإضافَةٍ إلى النِّساءِ أنَّها افْتُتِحَتْ بِأحْكامِ صِلَةِ الرَّحِمِ، ثُمَّ بِأحْكامٍ تَخُصُّ النِّساءَ، وأنَّ فِيها أحْكامًا كَثِيرَةً مِن أحْكامِ النِّساءِ: الأزْواجُ، والبَناتُ، وخُتِمَتْ بِأحْكامٍ تَخُصُّ النِّساءَ.
وكانَ ابْتِداءُ نُزُولِها بِالمَدِينَةِ، لِما صَحَّ «عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: ما نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ وسُورَةُ النِّساءِ إلّا وأنا عِنْدَهُ» . وقَدْ عُلِمَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ بَنى بِعائِشَةَ في المَدِينَةِ في شَوّالٍ، لِثَمانِ أشْهُرٍ خَلَتْ مِنَ الهِجْرَةِ، واتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ سُورَةَ النِّساءِ نَزَلَتْ بَعْدَ البَقَرَةِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ نُزُولُها مُتَأخِّرًا عَنِ الهِجْرَةِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ. والجُمْهُورُ قالُوا: نَزَلَتْ بَعْدَ آلِ عِمْرانَ، ومَعْلُومٌ أنَّ آلَ عِمْرانَ نَزَلَتْ في خِلالِ سَنَةِ ثَلاثٍ أيْ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ، فَيَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ سُورَةُ النِّساءِ نَزَلَتْ بَعْدَها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ البَقَرَةِ، ثُمَّ الأنْفالِ ثُمَّ آلِ عِمْرانَ، ثُمَّ سُورَةُ الأحْزابِ، ثُمَّ المُمْتَحَنَةِ، ثُمَّ النِّساءِ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ تَكُونُ سُورَةُ النِّساءِ نازِلَةً بَعْدَ وقْعَةِ الأحْزابِ الَّتِي هي في أواخِرِ سَنَةِ أرْبَعٍ أوْ أوَّلِ سَنَةِ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وبَعْدَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ الَّذِي هو في سَنَةِ سِتٍّ حَيْثُ تَضَمَّنَتْ سُورَةُ
صفحة ٢١٢
المُمْتَحَنَةِ شَرْطَ إرْجاعِ مَن يَأْتِي مِنَ المُشْرِكِينَ هارِبًا إلى المُسْلِمِينَ عَدا النِّساءِ، وهي آيَةُ ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] الآيَةَ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ آيَةَ ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِن غَطَفانَ لَهُ ابْنُ أخٍ لَهُ يَتِيمٌ، وغَطَفانُ أسْلَمُوا بَعْدَ وقْعَةِ الأحْزابِ، إذْ هم مِن جُمْلَةِ الأحْزابِ، أيْ بَعْدَ سَنَةِ خَمْسٍ. ومِنَ العُلَماءِ مَن قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ عِنْدَ الهِجْرَةِ. وهو بَعِيدٌ. وأغْرَبُ مِنهُ مَن قالَ: إنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ لِأنَّها افْتُتِحَتْ بِ (يا أيُّها النّاسُ)، وما كانَ فِيهِ يا أيُّها النّاسُ فَهو مَكِّيٌّ، ولَعَلَّهُ يَعْنِي أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ أيّامَ الفَتْحِ لا قَبْلَ الهِجْرَةِ لِأنَّهم يُطْلِقُونَ المَكِّيَّ بِإطْلاقَيْنِ. وقالَ بَعْضُهم: نَزَلَ صَدْرُها بِمَكَّةَ وسائِرُها بِالمَدِينَةِ. والحَقُّ أنَّ الخِطابَ بِ يا أيُّها النّاسُ لا يَدُلُّ إلّا عَلى إرادَةِ دُخُولِ أهْلِ مَكَّةَ في الخِطابِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ، ولا قَبْلَ الهِجْرَةِ، فَإنَّ كَثِيرًا مِمّا فِيهِ يا أيُّها النّاسُ مَدَنِيٌّ بِالِاتِّفاقِ. ولا شَكَّ في أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ آلِ عِمْرانَ لِأنَّ في سُورَةِ النِّساءِ مِن تَفاصِيلِ الأحْكامِ ما شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ اسْتِقْرارِ المُسْلِمِينَ بِالمَدِينَةِ، وانْتِظامِ أحْوالِهِمْ وأمْنِهِمْ مِن أعْدائِهِمْ. وفِيها آيَةُ التَّيَمُّمِ، والتَّيَمُّمُ شُرِعَ يَوْمَ غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ سَنَةَ خَمْسٍ، وقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ. فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّ نُزُولَ سُورَةِ النِّساءِ كانَ في حُدُودِ سَنَةِ سَبْعٍ وطالَتْ مُدَّةُ نُزُولِها، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْكامِ الَّتِي جاءَتْ فِيها مُفَصَّلَةٌ تَقَدَّمَتْ مُجْمَلَةً في سُورَةِ البَقَرَةِ مِن أحْكامِ الأيْتامِ والنِّساءِ والمَوارِيثِ، فَمُعْظَمُ ما في سُورَةِ النِّساءِ شَرائِعُ تَفْصِيلِيَّةٌ في مُعْظَمِ نَواحِي حَياةِ المُسْلِمِينَ الِاجْتِماعِيَّةِ مِن نُظُمِ الأمْوالِ والمُعاشَرَةِ والحُكْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ آخِرَ آيَةٍ مِنها، وهي آيَةُ الكَلالَةِ، هي آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ، عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيْنَ نُزُولِ سائِرِ سُورَةِ النِّساءِ وبَيْنَ نُزُولِ آيَةِ الكَلالَةِ، الَّتِي في آخِرِها مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ، وأنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الكَلالَةِ الأخِيرَةِ أُمِرُوا بِإلْحاقِها بِسُورَةِ النِّساءِ الَّتِي فِيها الآيَةُ الأُولى. ووَرَدَتْ في السُّنَّةِ تَسْمِيَةُ آيَةِ الكَلالَةِ الأُولى آيَةَ الشِّتاءِ، وآيَةِ الكَلالَةِ الأخِيرَةِ آيَةَ الصَّيْفِ. ويَتَعَيَّنُ ابْتِداءُ نُزُولِها قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها﴾ [النساء: ٧٥] يَعْنِي مَكَّةَ. وفِيها آيَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النساء: ٥٨] نَزَلَتْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ في قِصَّةِ عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ الشَّيْبِيِّ، صاحِبِ مِفْتاحِ الكَعْبَةِ، ولَيْسَ فِيها جِدالٌ مَعَ المُشْرِكِينَ سِوى تَحْقِيرِ دِينِهِمْ، نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] إلَخْ.
صفحة ٢١٣
وسِوى التَّهْدِيدِ بِالقِتالِ، وقَطْعِ مَعْذِرَةِ المُتَقاعِدِينَ عَنِ الهِجْرَةِ. وتَوْهِينِ بَأْسِهِمْ عَنِ المُسْلِمِينَ، مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ أمْرَ المُشْرِكِينَ قَدْ صارَ إلى وهْنٍ، وصارَ المُسْلِمُونَ في قُوَّةٍ عَلَيْهِمْ، وأنَّ مُعْظَمَها، بَعْدَ التَّشْرِيعِ، جِدالٌ كَثِيرٌ مَعَ اليَهُودِ وتَشْوِيهٌ لِأحْوالِ المُنافِقِينَ، وجِدالٌ مَعَ النَّصارى لَيْسَ بِكَثِيرٍ، ولَكِنَّهُ أوْسَعُ مِمّا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُخالَطَةَ المُسْلِمِينَ لِلنَّصارى أخَذَتْ تَظْهَرُ بِسَبَبِ تَفَشِّي الإسْلامِ في تُخُومِ الحِجازِ الشّامِيَّةِ لِفَتْحِ مُعْظَمِ الحِجازِ وتِهامَةَ.
وقَدْ عُدَّتِ الثّالِثَةُ والتِّسْعِينَ مِنَ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ المُمْتَحَنَةِ وقَبْلَ سُورَةِ ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ﴾ [الزلزلة: ١] .
وعَدَدُ آيِها مِائَةٌ وخَمْسٌ وسَبْعُونَ في عَدَدِ أهْلِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والبَصْرَةِ، ومِائَةٌ وسِتٌّ وسَبْعُونَ في عَدَدِ أهْلِ الكُوفَةِ، ومِائَةٌ وسَبْعٌ وسَبْعُونَ في عَدَدِ أهْلِ الشّامِ.
وقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى أغْراضٍ وأحْكامٍ كَثِيرَةٍ أكْثَرُها تَشْرِيعُ مُعامَلاتِ الأقْرِباءِ وحُقُوقِهِمْ، فَكانَتْ فاتِحَتُها مُناسِبَةً لِذَلِكَ بِالتَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ خَلْقِ اللَّهِ، وأنَّهم مَحْقُوقُونَ بِأنْ يَشْكُرُوا رَبَّهم عَلى ذَلِكَ، وأنْ يُراعُوا حُقُوقَ النَّوْعِ الَّذِي خُلِقُوا مِنهُ، بِأنْ يَصِلُوا أرْحامَهُمُ القَرِيبَةَ والبَعِيدَةَ، وبِالرِّفْقِ بِضُعَفاءَ النَّوْعِ مِنَ اليَتامى، ويُراعُوا حُقُوقَ صِنْفِ النِّساءِ مِن نَوْعِهِمْ بِإقامَةِ العَدْلِ في مُعامَلاتِهِنَّ، والإشارَةِ إلى النِّكاحِ والصَّداقِ، وشَرْعِ قَوانِينِ المُعامَلَةِ مَعَ النِّساءِ في حالَتَيِ الِاسْتِقامَةِ والِانْحِرافِ مِن كِلا الزَّوْجَيْنِ، ومُعاشَرَتِهِنَّ والمُصالَحَةِ مَعَهُنَّ، وبَيانِ ما يَحِلُّ لِلتَّزَوُّجِ مِنهُنَّ، والمُحَرَّماتِ بِالقَرابَةِ أوِ الصِّهْرِ، وأحْكامِ الجَوارِي بِمِلْكِ اليَمِينِ. وكَذَلِكَ حُقُوقُ مَصِيرِ المالِ إلى القَرابَةِ، وتَقْسِيمِ ذَلِكَ، وحُقُوقُ حِفْظِ اليَتامى في أمْوالِهِمْ وحِفْظِها لَهم والوِصايَةِ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ أحْكامُ المُعامَلاتِ بَيْنَ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ في الأمْوالِ والدِّماءِ وأحْكامُ القَتْلِ عَمْدًا وخَطَأً، وتَأْصِيلُ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في الحُقُوقِ والدِّفاعِ عَنِ المُعْتَدى عَلَيْهِ، والأمْرُ بِإقامَةِ العَدْلِ بِدُونِ مُصانَعَةٍ، والتَّحْذِيرُ مِنَ اتِّباعِ الهَوى، والأمْرُ بِالبِرِّ، والمُواساةُ، وأداءُ الأماناتِ، والتَّمْهِيدُ لِتَحْرِيمِ شُرْبِ الخَمْرِ.
صفحة ٢١٤
وطائِفَةٌ مِن أحْكامِ الصَّلاةِ، والطَّهارَةِ، وصَلاةُ الخَوْفِ. ثُمَّ أحْوالُ اليَهُودِ، لِكَثْرَتِهِمْ بِالمَدِينَةِ، وأحْوالُ المُنافِقِينَ وفَضائِحُهم، وأحْكامُ الجِهادِ لِدَفْعِ شَوْكَةِ المُشْرِكِينَ. وأحْكامُ مُعامَلَةِ المُشْرِكِينَ ومَساوِيهِمْ، ووُجُوبُ هِجْرَةِ المُؤْمِنِينَ مِن مَكَّةَ، وإبْطالُ مَآثِرِ الجاهِلِيَّةِ.
وقَدْ تَخَلَّلَ ذَلِكَ مَواعِظُ وتَرْغِيبٌ، ونَهْيٌ عَنِ الحَسَدِ، وعَنْ تَمَنِّي ما لِلْغَيْرِ مِنَ المَزايا الَّتِي حُرِمَ مِنها مَن حُرِمَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ، أوْ بِحُكْمِ الفِطْرَةِ. والتَّرْغِيبُ في التَّوَسُّطِ في الخَيْرِ والإصْلاحِ. وبَثُّ المَحَبَّةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ.