Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — آل عمران 3:105 – آل عمران 3:167

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. آل عمران 3:105
  2. آل عمران 3:106
  3. آل عمران 3:107
  4. آل عمران 3:108
  5. آل عمران 3:109
  6. آل عمران 3:110
  7. آل عمران 3:111
  8. آل عمران 3:112
  9. آل عمران 3:113
  10. آل عمران 3:114
  11. آل عمران 3:115
  12. آل عمران 3:116
  13. آل عمران 3:117
  14. آل عمران 3:118
  15. آل عمران 3:119
  16. آل عمران 3:120
  17. آل عمران 3:121
  18. آل عمران 3:122
  19. آل عمران 3:123
  20. آل عمران 3:124
  21. آل عمران 3:125
  22. آل عمران 3:126
  23. آل عمران 3:127
  24. آل عمران 3:128
  25. آل عمران 3:129
  26. آل عمران 3:130
  27. آل عمران 3:131
  28. آل عمران 3:132
  29. آل عمران 3:133
  30. آل عمران 3:134
  31. آل عمران 3:135
  32. آل عمران 3:136
  33. آل عمران 3:137
  34. آل عمران 3:138
  35. آل عمران 3:139
  36. آل عمران 3:140
  37. آل عمران 3:141
  38. آل عمران 3:142
  39. آل عمران 3:143
  40. آل عمران 3:144
  41. آل عمران 3:145
  42. آل عمران 3:146
  43. آل عمران 3:147
  44. آل عمران 3:148
  45. آل عمران 3:149
  46. آل عمران 3:150
  47. آل عمران 3:151
  48. آل عمران 3:152
  49. آل عمران 3:153
  50. آل عمران 3:154
  51. آل عمران 3:155
  52. آل عمران 3:156
  53. آل عمران 3:157
  54. آل عمران 3:158
  55. آل عمران 3:159
  56. آل عمران 3:160
  57. آل عمران 3:161
  58. آل عمران 3:162
  59. آل عمران 3:163
  60. آل عمران 3:164
  61. آل عمران 3:165
  62. آل عمران 3:166
  63. آل عمران 3:167

آل عمران 3:105

﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ . هَذا مُفَرَّعٌ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ: لِأنَّهُ لَمّا أظْهَرَ لَهم نِعْمَةَ نَقْلِهِمْ مِن حالَتَيْ شَقاءٍ وشَناعَةٍ إلى حالَتَيْ نَعِيمٍ وكَمالٍ، وكانُوا قَدْ ذاقُوا بَيْنَ الحالَتَيْنِ الأمَّرَيْنِ ثُمَّ الأحْلَوَيْنِ، فَحَلَبُوا الدَّهْرَ أشَطْرَيْهِ، كانُوا أحْرِياءَ بِأنْ يَسْعَوْا بِكُلِّ عَزْمِهِمْ إلى انْتِشالِ غَيْرِهِمْ مِن سُوءِ ما هو فِيهِ إلى حُسْنى ما هم عَلَيْهِ حَتّى يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً خَيِّرَةً. وفي غَرِيزَةِ البَشَرِ حُبُّ المُشارِكَةِ في الخَيْرِ لِذَلِكَ تَجِدُ الصَّبِيَّ إذا رَأى شَيْئًا أعْجَبَهُ نادى مَن هو حَوْلَهُ لِيَراهُ مَعَهُ. ولِذَلِكَ كانَ هَذا الكَلامُ حَرِيًّا بِأنْ يُعْطَفَ بِالفاءِ، ولَوْ عُطِفَ بِها لَكانَ أُسْلُوبًا عَرَبِيًّا إلّا أنَّهُ عُدِلَ عَنِ العَطْفِ بِالفاءِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَضْمُونَ هَذا الكَلامِ صفحة ٣٧ مَقْصُودٌ لِذاتِهِ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَسْبِقْهُ الكَلامُ السّابِقُ لَكانَ هو حَرِيًّا بِأنْ يُؤْمَرَ بِهِ، فَلا يَكُونُ مَذْكُورًا لِأجْلِ التَّفَرُّعِ عَنْ غَيْرِهِ والتَّبَعِ. وفِيهِ مِن حُسْنِ المُقابَلَةِ في التَّقْسِيمِ ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ الخَطابَةِ: وذَلِكَ أنَّهُ أنْكَرَ عَلى أهْلِ الكِتابِ كُفْرَهم وصَدَّهُمُ النّاسَ عَنِ الإيمانِ، فَقالَ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨] ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٩٩] الآيَةَ. وقابَلَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالإيمانِ والدُّعاءِ إلَيْهِ إذْ قالَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وقَوْلُهُ ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ﴾ الآيَةَ. وصِيغَةُ ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ صِيغَةُ وُجُوبٍ لِأنَّها أصْرَحُ في الأمْرِ مِن صِيغَةِ افْعَلُوا لِأنَّها أصْلُها. فَإذا كانَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ غَيْرَ مَعْلُومٍ بَيْنَهم مِن قِبَلِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فالأمْرُ لِتَشْرِيعِ الوُجُوبِ، وإذا كانَ ذَلِكَ حاصِلًا بَيْنَهم مِن قَبْلُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فالأمْرُ لِتَأْكِيدِ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ ووُجُوبِهِ، وفِيهِ زِيادَةُ الأمْرِ بِالدَّعْوَةِ إلى الخَيْرِ وقَدْ كانَ الوُجُوبُ مُقَرَّرًا مِن قَبْلُ بِآياتٍ أُخْرى مِثْلِ ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣]، أوْ بِأوامِرَ نَبَوِيَّةٍ. فالأمْرُ لِتَأْكِيدِ الوُجُوبِ أيْضًا لِلدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ عَلَيْهِ، مِثْلُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦] . والأُمَّةُ الجَماعَةُ والطّائِفَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] . وأصْلُ الأُمَّةِ مِن كَلامِ العَرَبِ الطّائِفَةُ مِنَ النّاسِ الَّتِي تَؤُمُّ قَصْدًا واحِدًا: مِن نَسَبٍ أوْ مَوْطِنٍ أوْ دِينٍ، أوْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ، ويَتَعَيَّنُ ما يَجْمَعُها بِالإضافَةِ أوِ الوَصْفِ كَقَوْلِهِمْ: أُمَّةُ العَرَبِ وأُمَّةُ غَسّانَ وأُمَّةُ النَّصارى. والمُخاطَبُ بِضَمِيرِ مِنكم إنْ كانَ هم أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ كَما هو ظاهِرُ صفحة ٣٨ الخِطاباتِ السّابِقَةِ آنِفًا جازَ أنْ تَكُونَ (مِن) بَيانِيَّةً وقُدِّمَ البَيانُ عَلى المُبَيَّنِ ويَكُونُ ماصَدَقَ الأُمَّةِ نَفْسُ الصَّحابَةِ، وهم أهْلُ العَصْرِ الأوَّلِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَيَكُونُ المَعْنى: ولْتَكُونُوا أُمَّةً يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ فَهَذِهِ الأُمَّةُ أصْحابُ هَذا الوَصْفِ قَدْ أُمِرُوا بِأنْ يُكَوِّنُوا مِن مَجْمُوعِهِمُ الأُمَّةَ المَوْصُوفَةَ بِأنَّهم يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ، والمَقْصُودُ تَكْوِينُ هَذا الوَصْفِ لِأنَّ الواجِبَ عَلَيْهِمْ هو التَّخَلُّقُ بِهَذا الخُلُقِ فَإذا تَخَلَّقُوا بِهِ تَكَوَّنَتِ الأُمَّةُ المَطْلُوبَةُ. وهي أفْضَلُ الأُمَمِ. وهي أهْلُ المَدِينَةِ الفاضِلَةِ المَنشُودَةِ لِلْحُكَماءِ مِن قَبْلُ، فَجاءَتِ الآيَةُ بِهَذا الأمْرِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ البَلِيغِ المُوجَزِ. وفِي هَذا مُحَسِّنُ التَّجْرِيدِ: جُرِّدَتْ مِنَ المُخاطَبِينَ أُمَّةٌ أُخْرى لِلْمُبالَغَةِ في هَذا الحُكْمِ كَما يُقالُ: لِفُلانٍ مِن بَنِيهِ أنْصارٌ. والمَقْصُودُ: ولْتَكُونُوا آمِرِينَ بِالمَعْرُوفِ ناهِينَ عَنِ المُنْكَرِ حَتّى تَكُونُوا أُمَّةً هَذِهِ صِفَتُها، وهَذا هو الأظْهَرُ فَيَكُونُ جَمِيعُ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ خُوطِبُوا بِأنْ يَكُونُوا دُعاةً إلى الخَيْرِ، ولا جَرَمَ فَهُمُ الَّذِينَ تَلَقَّوُا الشَّرِيعَةَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُباشَرَةً، فَهم أوْلى النّاسِ بِتَبْلِيغِها. وأعْلَمُ بِمَشاهِدِها وأحْوالِها، ويَشْهَدُ لِهَذا قَوْلُهُ ﷺ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ «لِيُبَلِّغَ الشّاهِدُ الغائِبَ ألا هَلْ بَلَّغْتُ» وإلى هَذا المَحْمَلِ مالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، كَما قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. ويَجُوزُ أيْضًا، عَلى اعْتِبارِ الضَّمِيرِ خِطابًا لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أنْ تَكُونَ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، والمُرادُ مِنَ الأُمَّةِ الجَماعَةُ والفَرِيقُ، أيْ: ولْيَكُنْ بَعْضُكم فَرِيقًا يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ فَيَكُونُ الوُجُوبُ عَلى جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ فَقَدْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ الضَّحّاكُ، والطَّبَرِيُّ: أمَرَ المُؤْمِنِينَ أنْ تَكُونَ مِنهم جَماعَةٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. فَهم خاصَّةُ أصْحابِ الرَّسُولِ وهم خاصَّةُ الرُّواةِ. وأقُولُ: عَلى هَذا يَثْبُتُ حُكْمُ الوُجُوبِ عَلى كُلِّ جِيلٍ بَعْدَهم بِطَرِيقِ القِياسِ لِئَلّا يَتَعَطَّلَ الهُدى. ومِنَ النّاسِ مَن لا يَسْتَطِيعُ الدَّعْوَةَ إلى الخَيْرِ، والأمْرَ بِالمَعْرُوفِ، صفحة ٣٩ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ، قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] الآيَةَ. وإنْ كانَ الخِطابُ بِالضَّمِيرِ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ تَبَعًا لِكَوْنِ المُخاطَبِ بِيا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إيّاهم أيْضًا، كانَتْ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ لا مَحالَةَ، وكانَ المُرادُ بِالأُمَّةِ الطّائِفَةَ، إذْ لا يَكُونُ المُؤْمِنُونَ كُلُّهم مَأْمُورِينَ بِالدُّعاءِ إلى الخَيْرِ، والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، بَلْ يَكُونُ الواجِبُ عَلى الكِفايَةِ وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ، والطَّبَرِيُّ، ومَن تَبِعَهم، وعَلى هَذا فَيَكُونُ المَأْمُورُ جَماعَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ وإنَّما المَقْصُودُ حُصُولُ هَذا الفِعْلِ الَّذِي فُرِضَ عَلى الأُمَّةِ وُقُوعُهُ. عَلى أنَّ هَذا الِاعْتِبارَ لا يَمْنَعُ مِن أنْ تَكُونَ (مِن) بَيانِيَّةً بِمَعْنى أنْ يَكُونُوا هُمُ الأُمَّةَ، ويَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِمْ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ، ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ، ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، إقامَةُ ذَلِكَ فِيهِمْ وأنْ لا يَخْلُوا عَنْ ذَلِكَ عَلى حَسْبِ الحاجَةِ، ومِقْدارِ الكَفاءَةِ لِلْقِيامِ بِذَلِكَ، ويَكُونُ هَذا جارِيًا عَلى المُعْتادِ عِنْدَ العَرَبِ مِن وصْفِ القَبِيلَةِ بِالصِّفاتِ الشّائِعَةِ فِيها الغالِبَةِ عَلى أفْرادِها كَقَوْلِهِمْ: باهِلَةُ لِئامٍ، وعُذْرَةُ عُشّاقٍ. وعَلى هَذِهِ الِاعْتِباراتِ تَجْرِي الِاعْتِباراتُ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ كَما سَيَأْتِي. إنَّ الدَّعْوَةَ إلى الخَيْرِ تَتَفاوَتُ: فَمِنها ما هو بَيِّنٌ يَقُومُ بِهِ كُلُّ مُسْلِمٍ، ومِنها ما يَحْتاجُ إلى عِلْمٍ فَيَقُومُ بِهِ أهْلُهُ، وهَذا هو المُسَمّى بِفَرْضِ الكِفايَةِ، يَعْنِي إذا قامَ بِهِ بَعْضُ النّاسِ كَفى عَنْ قِيامِ الباقِينَ، وتَتَعَيَّنُ الطّائِفَةُ الَّتِي تَقُومُ بِها بِتَوَفُّرِ شُرُوطِ القِيامِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الفِعْلِ فِيها. كالقُوَّةِ عَلى السِّلاحِ في الحَرْبِ، وكالسِّباحَةِ في إنْقاذِ الغَرِيقِ، والعِلْمِ بِأُمُورِ الدِّينِ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وكَذَلِكَ تَعَيُّنُ العَدَدِ الَّذِي يَكْفِي لِلْقِيامِ بِذَلِكَ الفِعْلِ مِثْلَ كَوْنِ الجَيْشِ نِصْفَ عَدَدِ جَيْشِ العَدُوِّ، ولَمّا كانَ الأمْرُ يَسْتَلْزِمُ مُتَعَلِّقًا فالمَأْمُورُ في فَرْضِ الكِفايَةِ الفَرِيقُ الَّذِينَ فِيهِمُ الشُّرُوطُ، ومَجْمُوعُ أهْلِ البَلَدِ، أوِ القَبِيلَةِ، صفحة ٤٠ لِتَنْفِيذِ ذَلِكَ، فَإذا قامَ بِهِ العَدَدُ الكافِي مِمَّنْ فِيهِمُ الشُّرُوطُ سَقَطَ التَّكْلِيفُ عَنِ الباقِينَ، وإذا لَمْ يَقُومُوا بِهِ كانَ الإثْمُ عَلى البَلَدِ أوِ القَبِيلَةِ، لِسُكُوتِ جَمِيعِهِمْ، ولِتَقاعُسِ الصّالِحِينَ لِلْقِيامِ بِذَلِكَ، مَعَ سُكُوتِهِمْ أيْضًا ثُمَّ إذا قامَ بِهِ البَعْضُ فَإنَّما يُثابُ ذَلِكَ البَعْضُ خاصَّةً. ومَعْنى الدُّعاءِ إلى الخَيْرِ الدُّعاءُ إلى الإسْلامِ، وبَثُّ دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ، فَإنَّ الخَيْرَ اسْمٌ يَجْمَعُ خِصالَ الإسْلامِ: فَفي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قُلْتُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا كُنّا في جاهِلِيَّةٍ وشَرٍّ فَجاءَنا اللَّهُ بِهَذا الخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذا الخَيْرِ مِن شَرٍّ» الحَدِيثَ، ولِذَلِكَ يَكُونُ عَطْفُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلَيْهِ مِن عَطْفِ الشَّيْءِ عَلى مُغايِرِهِ، وهو أصْلُ العَطْفِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالخَيْرِ ما يَشْمَلُ جَمِيعَ الخَيْراتِ، ومِنها الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، فَيَكُونُ العَطْفُ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. وحُذِفَتْ مَفاعِيلُ يَدْعُونَ ويَأْمُرُونَ ويَنْهَوْنَ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ أيْ يَدْعُونَ كُلَّ أحَدٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] . والمَعْرُوفُ هو ما يُعْرَفُ وهو مَجازٌ في المَقْبُولِ المَرْضِيِّ بِهِ، لِأنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ مَعْرُوفًا كانَ مَأْلُوفًا مَقْبُولًا مَرْضِيًّا بِهِ، وأُرِيدَ بِهِ هُنا ما يُقْبَلُ عِنْدَ أهْلِ العُقُولِ، وفي الشَّرائِعِ، وهو الحَقُّ والصَّلاحُ، لِأنَّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ عِنْدَ انْتِفاءِ العَوارِضِ. والمُنْكَرُ مَجازٌ في المَكْرُوهِ، والكُرْهُ لازِمٌ لِلْإنْكارِ لِأنَّ المُنْكَرَ في أصْلِ اللِّسانِ هو الجَهْلُ ومِنهُ تَسْمِيَةُ غَيْرِ المَأْلُوفِ نَكِرَةً، وأُرِيدَ بِهِ هُنا الباطِلُ والفَسادُ، لِأنَّهُما مِنَ المَكْرُوهِ في الجِبِلَّةِ عِنْدَ انْتِفاءِ العَوارِضِ. والتَّعْرِيفُ في الخَيْرِ، والمَعْرُوفِ، والمُنْكَرِ تَعْرِيفُ الِاسْتِغْراقِ، فَيُفِيدُ العُمُومَ في المُعامَلاتِ بِحَسْبِ ما يَنْتَهِي إلَيْهِ العِلْمُ والمَقْدِرَةُ فَيُشْبِهُ الِاسْتِغْراقَ العُرْفِيَّ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن عَيَّنَ جَعْلَ (مِن) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ لِلْبَيانِ، صفحة ٤١ وتَأوَّلَ الكَلامَ بِتَقْدِيرِ تَقْدِيمِ البَيانِ عَلى المُبَيَّنِ فَيَصِيرُ المَعْنى: ولْتَكُنْ أُمَّةٌ هي أنْتُمْ أيْ ولْتَكُونُوا أُمَّةً يَدْعُونَ، مُحاوَلَةً لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَضْمُونِ هَذِهِ الآيَةِ، ومَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ومُساواةُ مَعْنَيَيِ الآيَتَيْنِ غَيْرُ مُتَعَيِّنَةٍ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن خَيْرِ أُمَّةٍ هاتِهِ الأُمَّةُ، الَّتِي قامَتْ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، عَلى ما سَنُبَيِّنُهُ هُنالِكَ. والآيَةُ أوْجَبَتْ أنْ تَقُومَ طائِفَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ولا شَكَّ أنَّ الأمْرَ والنَّهْيَ مِن أقْسامِ القَوْلِ والكَلامِ، فالمُكَلَّفُ بِهِ هو بَيانُ المَعْرُوفِ، والأمْرُ بِهِ، وبَيانُ المُنْكَرِ، والنَّهْيِ عَنْهُ، وأمّا امْتِثالُ المَأْمُورِينَ والمَنهِيِّينَ لِذَلِكَ، فَمَوْكُولٌ إلَيْهِمْ أوْ إلى وُلاةِ الأُمُورِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَهم عَلى فِعْلِ ما أُمِرُوا بِهِ، وأمّا ما وقَعَ في الحَدِيثِ «مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ» فَذَلِكَ مَرْتَبَةُ التَّغْيِيرِ، والتَّغْيِيرُ يَكُونُ بِاليَدِ، ويَكُونُ بِالقَلْبِ أيْ تَمَنِّي التَّغْيِيرِ، وأمّا الأمْرُ والنَّهْيُ فَلا يَكُونانِ بِهِما. والمَعْرُوفُ والمُنْكَرُ إنْ كانا ضَرُورِيَّيْنِ كانَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يَأْمُرَ ويَنْهى فِيهِما، وإنْ كانا نَظَرِيَّيْنِ، فَإنَّما يَقُومُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ فِيهِما أهْلُ العِلْمِ. ولِلْأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ شُرُوطٌ مُبَيَّنَةٌ في الفِقْهِ والآدابِ الشَّرْعِيَّةِ، إلّا أنِّي أُنَبِّهُ إلى شَرْطٍ ساءَ فَهْمُ بَعْضِ النّاسِ فِيهِ وهو قَوْلُ بَعْضِ الفُقَهاءِ: يُشْتَرَطُ ألّا يَجُرَّ النَّهْيُ إلى مُنْكَرٍ أعْظَمَ. وهَذا شَرْطٌ قَدْ خَرَمَ مَزِيَّةَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، واتَّخَذَهُ المُسْلِمُونَ ذَرِيعَةً لِتَرْكِ هَذا الواجِبِ. ولَقَدْ ساءَ فَهْمُهم فِيهِ إذْ مُرادُ مُشْتَرِطِهِ أنْ يَتَحَقَّقَ الأمْرَ أنَّ أمْرَهُ يَجُرُّ إلى مُنْكَرٍ أعْظَمَ لا أنْ يُخافَ أنْ يُتَوَهَّمَ إذِ الوُجُوبُ قَطْعِيٌّ لا يُعارِضُهُ إلّا ظَنٌّ أقْوى. ولَمّا كانَ تَعْيِينُ الكَفاءَةِ لِلْقِيامِ بِهَذا الفَرْضِ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، لِتَوَقُّفِهِ عَلى مَراتِبِ العِلْمِ بِالمَعْرُوفِ والمُنْكَرِ، ومَراتِبِ القُدْرَةِ عَلى التَّغْيِيرِ، وإفْهامِ النّاسِ ذَلِكَ، رَأى أئِمَّةُ المُسْلِمِينَ تَعْيِينَ وُلاةٍ لِلْبَحْثِ عَنْ صفحة ٤٢ المُناكِرِ وتَعْيِينِ كَيْفِيَّةِ القِيامِ بِتَغْيِيرِها، وسَمَّوْا تِلْكَ الوِلايَةَ بِالحِسْبَةِ، وقَدْ أوْلى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ في هاتِهِ الوِلايَةِ أُمِّ الشِّفاءِ، وأشْهَرُ مِن ولِيَها في الدَّوْلَةِ العَبّاسِيَّةِ ابْنُ عائِشَةَ، وكانَ رَجُلًا صُلْبًا في الحَقِّ، وتُسَمّى هَذِهِ الوِلايَةُ في المَغْرِبِ وِلايَةُ السُّوقِ وقَدْ ولِياها في قُرْطُبَةَ الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ خالِدِ بْنِ مَرْتَنِيلَ القُرْطُبِيُّ المَعْرُوفُ بِالأشَجِّ مِن أصْحابِ ابْنِ القاسِمِ تُوُفِّيَ سَنَةَ ٢٢٠ . وكانَتْ في الدَّوْلَةِ الحَفْصِيَّةِ وِلايَةُ الحِسْبَةِ مِنَ الوِلاياتِ النَّبِيهَةِ ورُبَّما ضُمَّتْ إلى القَضاءِ كَما كانَ الحالُ في تُونُسَ بَعْدَ الدَّوْلَةِ الحَفْصِيَّةِ. وجُمْلَةُ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى صِفاتِ أُمَّةٍ وهي الَّتِي تَضَمَّنَتْها جُمَلُ ﴿يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ والتَّقْدِيرُ: وهم مُفْلِحُونَ: لِأنَّ الفَلاحَ لَمّا كانَ مُسَبِّبًا عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ الثَّلاثِ جُعِلَ بِمَنزِلَةِ صِفَةٍ لَهم، ويَجُوزُ جَعْلُ جُمْلَةِ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ حالًا مِن أُمَّةٍ، والواوُ لِلْحالِ. والمَقْصُودُ بِشارَتُهم بِالفَلاحِ الكامِلِ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ. وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ فَصْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَمّا قَبْلَها بِدُونِ عَطْفٍ، مِثْلَ فَصْلِ جُمْلَةِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] لَكِنَّ هَذِهِ عُطِفَتْ أوْ جاءَتْ حالًا لِأنَّ مَضْمُونَها جَزاءً عَنِ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها، فَهي أجْدَرُ بِأنْ تُلْحَقَ بِها. ومُفادُ هَذِهِ الجُمْلَةِ قَصْرُ صِفَةِ الفَلاحِ عَلَيْهِمْ، فَهو إمّا قَصْرٌ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ لِمَن لَمْ يَقُمْ بِذَلِكَ مَعَ المَقْدِرَةِ عَلَيْهِ، وإمّا قَصْرٌ أُرِيدَ بِهِ المُبالَغَةُ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ في هَذا المَقامِ بِفَلاحِ غَيْرِهِمْ، وهو مَعْنى قَصْدِ الدَّلالَةِ عَلى مَعْنى الكَمالِ. وقَوْلُهُ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ وهو يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ - قَبْلُ - ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] لِما فِيهِ مِن تَمْثِيلِ حالِ التَّفَرُّقِ في أبْشَعِ صُوَرِهِ المَعْرُوفَةِ لَدَيْهِمْ مِن مُطالَعَةِ أخْوالِ اليَهُودِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ تَرْكَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ يُفْضِي إلى التَّفَرُّقِ والِاخْتِلافِ إذْ تَكْثُرُ النَّزَعاتُ والنَّزَغاتُ وتَنْشَقُّ الأُمَّةُ بِذَلِكَ انْشِقاقًا شَدِيدًا. صفحة ٤٣ والمُخاطَبُ بِهِ يَجْرِي عَلى الِاحْتِمالَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في المُخاطَبِ بِقَوْلِهِ ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ مَعَ أنَّهُ شَكَّ في أنَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ يَعُمُّ سائِرَ المُسْلِمِينَ: إمّا بِطَرِيقِ اللَّفْظِ، وإمّا بِطَرِيقِ لَحْنِ الخِطابِ، لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ هو الحالَةُ الشَّبِيهَةُ بِحالِ اللَّذَيْنِ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا. وأُرِيدَ بِ ﴿الَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا﴾ في أُصُولِ الدِّينِ، مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، مِن بَعْدِ ما جاءَهم مِنَ الدَّلائِلِ المانِعَةِ مِنَ الِاخْتِلافِ والِافْتِراقِ. وقُدِّمَ الِافْتِراقُ عَلى الِاخْتِلافِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الِاخْتِلافَ عِلَّةُ التَّفَرُّقِ وهَذا مِنَ المُفاداتِ الحاصِلَةِ مِن تَرْتِيبِ الكَلامِ وذِكْرِ الأشْياءِ مَعَ مُقارَنَتِها، وفي عَكْسِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الِاخْتِلافَ المَذْمُومَ والَّذِي يُؤَدِّي إلى الِافْتِراقِ، وهو الِاخْتِلافُ في أُصُولِ الدِّيانَةِ الَّذِي يُفْضِي إلى تَكْفِيرِ بَعْضِ الأُمَّةِ بَعْضًا، أوْ تَفْسِيقِهِ، دُونَ الِاخْتِلافِ في الفُرُوعِ المَبْنِيَّةِ عَلى اخْتِلافِ مَصالِحِ الأُمَّةِ في الأقْطارِ والأعْصارِ، وهو المُعَبِّرُ عَنْهُ بِالِاجْتِهادِ. ونَحْنُ إذا تَقَصَّيْنا تارِيخَ المَذاهِبِ الإسْلامِيَّةِ لا نَجِدُ افْتِراقًا نَشَأ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إلّا عَنِ اخْتِلافٍ في العَقائِدِ والأُصُولِ، دُونَ الِاخْتِلافِ في الِاجْتِهادِ في فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ. والبَيِّناتُ: الدَّلائِلُ الَّتِي فِيها عِصْمَةٌ مِنَ الوُقُوعِ في الِاخْتِلافِ لَوْ قُيِّضَتْ لَها أفْهامٌ. وقَوْلُهُ ﴿وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ مُقابِلَ قَوْلِهِ في الفَرِيقِ الآخَرِ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ فالقَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ، وهَذا جَزاءٌ عَلى التَّفَرُّقِ والِاخْتِلافِ وعَلى تَفْرِيطِهِمْ في تَجَنُّبِ أسْبابِهِ.

آل عمران 3:106

﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ . صفحة ٤٤ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِ، مُتَعَلِّقًا بِما في قَوْلِهِ ﴿لَهم عَذابٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥] مِن مَعْنى كائِنٍ أوْ مُسْتَقِرٍّ: أيْ يَكُونُ عَذابٌ لَهم يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، وهَذا هو الجارِي عَلى أكْثَرِ الِاسْتِعْمالِ في إضافَةِ أسْماءِ الزَّمانِ إلى الجُمَلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِفِعْلِ اذْكُرْ مَحْذُوفًا، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ صِفَةً لِيَوْمَ عَلى تَقْدِيرِ: تَبْيَضُّ فِيهِ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ فِيهِ وُجُوهٌ. وفِي تَعْرِيفِ هَذا اليَوْمِ بِحُصُولِ بَياضِ وُجُوهٍ وسَوادِ وُجُوهٍ فِيهِ، تَهْوِيلٌ لِأمْرِهِ، وتَشْوِيقٌ لِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِن تَفْصِيلِ أصْحابِ الوُجُوهِ المُبْيَضَّةِ، والوُجُوهِ المُسْوَدَّةِ: تَرْهِيبًا لِفَرِيقٍ وتَرْغِيبًا لِفَرِيقٍ آخَرَ. والأظْهَرُ أنَّ عِلْمَ السّامِعِينَ بِوُقُوعِ تَبْيِيضِ وُجُوهٍ وتَسْوِيدِ وُجُوهٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ حاصِلٌ مِن قَبْلُ: في الآياتِ النّازِلَةِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] وقَوْلُهُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] . والبَياضُ والسَّوادُ بَياضٌ وسَوادٌ حَقِيقِيّانِ يُوسَمُ بِهِما المُؤْمِنُ والكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ، وهُما بَياضٌ وسَوادٌ خاصّانِ لِأنَّ هَذا مِن أحْوالِ الآخِرَةِ فَلا داعِيَ لِصَرْفِهِ عَنْ حَقِيقَتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ تَفْصِيلٌ لِلْإجْمالِ السّابِقِ، سُلِكَ فِيهِ طَرِيقُ النَّشْرِ المَعْكُوسِ، وفِيهِ إيجازٌ لِأنَّ أصْلَ الكَلامِ، فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم فَهُمُ الكافِرُونَ يُقالُ لَهم أكَفَرْتُمْ إلى آخِرِهِ: وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَهُمُ المُؤْمِنُونَ وفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ. وقُدِّمَ عِنْدَ وصْفِ اليَوْمِ ذِكْرُ البَياضِ، الَّذِي هو شِعارُ أهْلِ النَّعِيمِ، تَشْرِيفًا لِذَلِكَ اليَوْمِ بِأنَّهُ يَوْمُ ظُهُورِ رَحْمَةِ اللَّهِ ونِعْمَتِهِ، ولِأنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، ولِأنَّ في ذِكْرِ سِمَةِ أهْلِ النَّعِيمِ، عَقِبَ وعِيدِ غَيْرِهِمْ بِالعَذابِ، حَسْرَةً عَلَيْهِمْ، إذْ صفحة ٤٥ يَعْلَمُ السّامِعُ أنَّ لَهم عَذابًا عَظِيمًا في يَوْمٍ فِيهِ نُعَيْمٌ عَظِيمٌ. ثُمَّ قَدَّمَ في التَّفْصِيلِ ذِكْرَ سِمَةِ أهْلِ العَذابِ تَعْجِيلًا بِمُساءَتِهِمْ. وقَوْلُهُ أكَفَرْتُمْ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ يُحْذَفُ مِثْلُهُ في الكَلامِ لِظُهُورِهِ: لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لا يَصْدُرُ إلّا مِن مُسْتَفْهِمٍ، وذَلِكَ القَوْلُ هو جَوابُ أمّا، ولِذَلِكَ لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ عَلى أكَفَرْتُمْ لِيَظْهَرَ أنْ لَيْسَ هو الجَوابُ وأنَّ الجَوابَ حُذِفَ بِرُمَّتِهِ. وقائِلُ هَذا القَوْلِ مَجْهُولٌ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَيُحْتَمَلُ أنَّ ذَلِكَ يَقُولُهُ أهْلُ المَحْشَرِ لَهم وهُمُ الَّذِينَ عَرَفُوهم في الدُّنْيا مُؤْمِنِينَ، ثُمَّ رَأوْهم وعَلَيْهِمْ سِمَةُ الكُفْرِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ الحَوْضِ «فَلَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أقْوامٌ أعْرِفُهم ثُمَّ يُخْتَلَجُونَ دُونِي، فَأقُولُ: أصْحابِي، فَيُقالُ إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ» والمُسْتَفْهِمُ سَلَفُهم مِن قَوْمِهِمْ أوْ رَسُولِهِمْ، فالِاسْتِفْهامُ عَلى حَقِيقَتِهِ مَعَ كِنايَتِهِ عَنْ مَعْنى التَّعَجُّبِ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ بِقَوْلِهِ تَعالى لَهم، فالِاسْتِفْهامُ مَجازٌ عَنِ الإنْكارِ والتَّغْلِيطِ، ثُمَّ إنْ كانَ المُرادُ بِالَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أهْلُ الكِتابِ فَمَعْنى كُفْرِهِمْ بَعْدَ إيمانِهِمْ تَغْيِيرُهم شَرِيعَةَ أنْبِيائِهِمْ وكِتْمانُهم ما كَتَمُوهُ فِيها، أوْ كُفْرُهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِمُوسى وعِيسى، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٩٠] وهَذا هو المَحْمَلُ البَيِّنُ، وسِياقُ الكَلامِ ولَفْظُهُ يَقْتَضِيهِ، فَإنَّهُ مَسُوقٌ لِوَعِيدِ أُولَئِكَ. ووَقَعَتْ تَأْوِيلاتٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وقَعُوا بِها فِيما حَذَّرَهم مِنهُ القُرْآنُ، فَتَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ: الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «فَلا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكم رِقابَ بَعْضٍ» مِثْلَ أهْلِ الرِّدَّةِ الَّذِينَ ماتُوا عَلى ذَلِكَ، فَمَعْنى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ، وعَلى هَذا المَعْنى تَأوَّلَ الآيَةَمالِكُ بْنُ أنَسٍ فِيما رَوى عَنْهُ ابْنُ القاسِمِ وهو في ثالِثَةِ المَسائِلِ مِن سَماعِهِ مِن كِتابِ المُرْتَدِّينَ والمُحارِبِينَ مِنَ العُتْبِيَّةِ قالَ ما آيَةٌ في كِتابِ اللَّهِ أشَدُّ عَلى أهْلِ الِاخْتِلافِ مِن أهْلِ الأهْواءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ ﴿يَوْمَ صفحة ٤٦ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ قالَ مالِكٌ: إنَّما هَذِهِ لِأهْلِ القِبْلَةِ. يَعْنِي أنَّها لَيْسَتْ لِلَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِنَ الأُمَمِ قَبْلَنا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ . ورَواهُ أبُو غَسّانَ مالِكٌ الهَرْوِيُّ عَنْ مالِكٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ورُوِيَ مِثْلُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فالمُرادُ الَّذِينَ أحْدَثُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ كُفْرًا بِالرِّدَّةِ أوْ بِشَنِيعِ الأقْوالِ الَّتِي تُفْضِي إلى الكُفْرِ ونَقْضِ الشَّرِيعَةِ، مِثْلُ الغُرابِيَّةِ مِنَ الشِّيعَةِ الَّذِينَ قالُوا بِأنَّ النُّبُوءَةَ لَعَلِيٍّ، ومِثْلُ غُلاةِ الإسْماعِيلِيَّةِ أتْباعِ حَمْزَةَ بْنِ عَلِيٍّ، وأتْباعِ الحاكِمِ العُبَيْدِيِّ، بِخِلافِ مَن لَمْ تَبْلُغْ بِهِ مَقالَتُهُ إلى الكُفْرِ تَصْرِيحًا ولا لُزُومًا بَيِّنًا مِثْلِ الخَوارِجِ والقَدَرِيَّةِ كَما هو مُفَصَّلٌ في كُتُبِ الفِقْهِ والكَلامِ في حُكْمِ المُتَأوِّلِينَ ومَن يُئَوِّلُ قَوْلَهم إلى لَوازِمَ سَيِّئَةٍ. وذَوْقُ العَذابِ مَجازٌ لِلْإحْساسِ وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ عِلاقَتُهُ التَّقْيِيدُ.

آل عمران 3:107

﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ . صفحة ٤٤ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِ، مُتَعَلِّقًا بِما في قَوْلِهِ ﴿لَهم عَذابٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥] مِن مَعْنى كائِنٍ أوْ مُسْتَقِرٍّ: أيْ يَكُونُ عَذابٌ لَهم يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، وهَذا هو الجارِي عَلى أكْثَرِ الِاسْتِعْمالِ في إضافَةِ أسْماءِ الزَّمانِ إلى الجُمَلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِفِعْلِ اذْكُرْ مَحْذُوفًا، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ صِفَةً لِيَوْمَ عَلى تَقْدِيرِ: تَبْيَضُّ فِيهِ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ فِيهِ وُجُوهٌ. وفِي تَعْرِيفِ هَذا اليَوْمِ بِحُصُولِ بَياضِ وُجُوهٍ وسَوادِ وُجُوهٍ فِيهِ، تَهْوِيلٌ لِأمْرِهِ، وتَشْوِيقٌ لِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِن تَفْصِيلِ أصْحابِ الوُجُوهِ المُبْيَضَّةِ، والوُجُوهِ المُسْوَدَّةِ: تَرْهِيبًا لِفَرِيقٍ وتَرْغِيبًا لِفَرِيقٍ آخَرَ. والأظْهَرُ أنَّ عِلْمَ السّامِعِينَ بِوُقُوعِ تَبْيِيضِ وُجُوهٍ وتَسْوِيدِ وُجُوهٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ حاصِلٌ مِن قَبْلُ: في الآياتِ النّازِلَةِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] وقَوْلُهُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] . والبَياضُ والسَّوادُ بَياضٌ وسَوادٌ حَقِيقِيّانِ يُوسَمُ بِهِما المُؤْمِنُ والكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ، وهُما بَياضٌ وسَوادٌ خاصّانِ لِأنَّ هَذا مِن أحْوالِ الآخِرَةِ فَلا داعِيَ لِصَرْفِهِ عَنْ حَقِيقَتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ تَفْصِيلٌ لِلْإجْمالِ السّابِقِ، سُلِكَ فِيهِ طَرِيقُ النَّشْرِ المَعْكُوسِ، وفِيهِ إيجازٌ لِأنَّ أصْلَ الكَلامِ، فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم فَهُمُ الكافِرُونَ يُقالُ لَهم أكَفَرْتُمْ إلى آخِرِهِ: وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَهُمُ المُؤْمِنُونَ وفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ. وقُدِّمَ عِنْدَ وصْفِ اليَوْمِ ذِكْرُ البَياضِ، الَّذِي هو شِعارُ أهْلِ النَّعِيمِ، تَشْرِيفًا لِذَلِكَ اليَوْمِ بِأنَّهُ يَوْمُ ظُهُورِ رَحْمَةِ اللَّهِ ونِعْمَتِهِ، ولِأنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، ولِأنَّ في ذِكْرِ سِمَةِ أهْلِ النَّعِيمِ، عَقِبَ وعِيدِ غَيْرِهِمْ بِالعَذابِ، حَسْرَةً عَلَيْهِمْ، إذْ صفحة ٤٥ يَعْلَمُ السّامِعُ أنَّ لَهم عَذابًا عَظِيمًا في يَوْمٍ فِيهِ نُعَيْمٌ عَظِيمٌ. ثُمَّ قَدَّمَ في التَّفْصِيلِ ذِكْرَ سِمَةِ أهْلِ العَذابِ تَعْجِيلًا بِمُساءَتِهِمْ. وقَوْلُهُ أكَفَرْتُمْ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ يُحْذَفُ مِثْلُهُ في الكَلامِ لِظُهُورِهِ: لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لا يَصْدُرُ إلّا مِن مُسْتَفْهِمٍ، وذَلِكَ القَوْلُ هو جَوابُ أمّا، ولِذَلِكَ لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ عَلى أكَفَرْتُمْ لِيَظْهَرَ أنْ لَيْسَ هو الجَوابُ وأنَّ الجَوابَ حُذِفَ بِرُمَّتِهِ. وقائِلُ هَذا القَوْلِ مَجْهُولٌ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَيُحْتَمَلُ أنَّ ذَلِكَ يَقُولُهُ أهْلُ المَحْشَرِ لَهم وهُمُ الَّذِينَ عَرَفُوهم في الدُّنْيا مُؤْمِنِينَ، ثُمَّ رَأوْهم وعَلَيْهِمْ سِمَةُ الكُفْرِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ الحَوْضِ «فَلَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أقْوامٌ أعْرِفُهم ثُمَّ يُخْتَلَجُونَ دُونِي، فَأقُولُ: أصْحابِي، فَيُقالُ إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ» والمُسْتَفْهِمُ سَلَفُهم مِن قَوْمِهِمْ أوْ رَسُولِهِمْ، فالِاسْتِفْهامُ عَلى حَقِيقَتِهِ مَعَ كِنايَتِهِ عَنْ مَعْنى التَّعَجُّبِ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ بِقَوْلِهِ تَعالى لَهم، فالِاسْتِفْهامُ مَجازٌ عَنِ الإنْكارِ والتَّغْلِيطِ، ثُمَّ إنْ كانَ المُرادُ بِالَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أهْلُ الكِتابِ فَمَعْنى كُفْرِهِمْ بَعْدَ إيمانِهِمْ تَغْيِيرُهم شَرِيعَةَ أنْبِيائِهِمْ وكِتْمانُهم ما كَتَمُوهُ فِيها، أوْ كُفْرُهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِمُوسى وعِيسى، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٩٠] وهَذا هو المَحْمَلُ البَيِّنُ، وسِياقُ الكَلامِ ولَفْظُهُ يَقْتَضِيهِ، فَإنَّهُ مَسُوقٌ لِوَعِيدِ أُولَئِكَ. ووَقَعَتْ تَأْوِيلاتٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وقَعُوا بِها فِيما حَذَّرَهم مِنهُ القُرْآنُ، فَتَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ: الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «فَلا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكم رِقابَ بَعْضٍ» مِثْلَ أهْلِ الرِّدَّةِ الَّذِينَ ماتُوا عَلى ذَلِكَ، فَمَعْنى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ، وعَلى هَذا المَعْنى تَأوَّلَ الآيَةَمالِكُ بْنُ أنَسٍ فِيما رَوى عَنْهُ ابْنُ القاسِمِ وهو في ثالِثَةِ المَسائِلِ مِن سَماعِهِ مِن كِتابِ المُرْتَدِّينَ والمُحارِبِينَ مِنَ العُتْبِيَّةِ قالَ ما آيَةٌ في كِتابِ اللَّهِ أشَدُّ عَلى أهْلِ الِاخْتِلافِ مِن أهْلِ الأهْواءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ ﴿يَوْمَ صفحة ٤٦ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ قالَ مالِكٌ: إنَّما هَذِهِ لِأهْلِ القِبْلَةِ. يَعْنِي أنَّها لَيْسَتْ لِلَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِنَ الأُمَمِ قَبْلَنا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ . ورَواهُ أبُو غَسّانَ مالِكٌ الهَرْوِيُّ عَنْ مالِكٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ورُوِيَ مِثْلُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فالمُرادُ الَّذِينَ أحْدَثُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ كُفْرًا بِالرِّدَّةِ أوْ بِشَنِيعِ الأقْوالِ الَّتِي تُفْضِي إلى الكُفْرِ ونَقْضِ الشَّرِيعَةِ، مِثْلُ الغُرابِيَّةِ مِنَ الشِّيعَةِ الَّذِينَ قالُوا بِأنَّ النُّبُوءَةَ لَعَلِيٍّ، ومِثْلُ غُلاةِ الإسْماعِيلِيَّةِ أتْباعِ حَمْزَةَ بْنِ عَلِيٍّ، وأتْباعِ الحاكِمِ العُبَيْدِيِّ، بِخِلافِ مَن لَمْ تَبْلُغْ بِهِ مَقالَتُهُ إلى الكُفْرِ تَصْرِيحًا ولا لُزُومًا بَيِّنًا مِثْلِ الخَوارِجِ والقَدَرِيَّةِ كَما هو مُفَصَّلٌ في كُتُبِ الفِقْهِ والكَلامِ في حُكْمِ المُتَأوِّلِينَ ومَن يُئَوِّلُ قَوْلَهم إلى لَوازِمَ سَيِّئَةٍ. وذَوْقُ العَذابِ مَجازٌ لِلْإحْساسِ وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ عِلاقَتُهُ التَّقْيِيدُ.

آل عمران 3:108

﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ . تَذْيِيلاتٌ، والإشارَةُ في قَوْلِهِ تِلْكَ إلى طائِفَةٍ مِن آياتِ القُرْآنِ السّابِقَةِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ كَما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ . والتِّلاوَةُ اسْمٌ لِحِكايَةِ كَلامٍ لِإرادَةِ تَبْلِيغِهِ بِلَفْظِهِ وهي كالقِراءَةِ إلّا أنَّ القِراءَةَ تَخْتَصُّ بِحِكايَةِ كَلامٍ مَكْتُوبٍ فَيَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ الطّائِفَةُ المَقْصُودَةُ بِالإشارَةِ هي الآياتُ المَبْدُوءَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] إلى هُنا لِأنَّ ما قَبْلَهُ خُتِمَ بِتَذْيِيلٍ قَرِيبٍ مِن هَذا التَّذْيِيلِ، وهو قَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ٥٨] فَيَكُونُ كُلُّ تَذْيِيلٍ مُسْتَقِلًّا بِطائِفَةِ الجُمَلِ الَّتِي وقَعَ هو عَقِبَها. وخُصَّتْ هَذِهِ الطّائِفَةُ مِنَ القُرْآنِ بِالإشارَةِ لِما فِيها مِنَ الدَّلائِلِ المُثْبِتَةِ صِحَّةَ عَقِيدَةِ الإسْلامِ، والمُبْطِلَةِ لِدَعاوى الفِرَقِ الثَّلاثِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى صفحة ٤٧ والمُشْرِكِينَ، مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] وقَوْلِهِ ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا إلَهٌ واحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ [آل عمران: ٧٩] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها﴾ [آل عمران: ٩٣] . وقَوْلِهِ ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِن أمْثالٍ ومَواعِظَ وشَواهِدَ. والباءُ في قَوْلِهِ بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ، وهي مُلابَسَةُ الإخْبارِ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ، أيْ لِما في نَفْسِ الأمْرِ والواقِعِ، فَهَذِهِ الآياتُ بَيَّنَتْ عَقائِدَ أهْلِ الكِتابِ وفَصَّلَتْ أحْوالَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ومِنَ الحَقِّ اسْتِحْقاقُ كِلا الفَرِيقَيْنِ لِما عُومِلَ بِهِ عَدْلًا مِنَ اللَّهِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ لا يُرِيدُ أنْ يَظْلِمَ النّاسَ ولَوْ شاءَ ذَلِكَ لِفَعَلَهُ، لَكِنَّهُ وعَدَ بِأنْ لا يَظْلِمَ أحَدًا فَحَقَّ وعْدُهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلى اسْتِحالَةِ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى الظُّلْمَ إذْ لا خِلافَ بَيْنَنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ في انْتِفاءِ وُقُوعِهِ، وإنَّما الخِلافُ في جَوازِ ذَلِكَ واسْتِحالَتِهِ. وجِيءَ بِالمُسْنَدِ فِعْلًا لِإفادَةِ تَقْوى الحُكْمِ، وهو انْتِفاءُ إرادَةِ ظُلْمِ العالَمِينَ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وتَنْكِيرُ ظُلْمًا في سِياقِ النَّفْيِ يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ جِنْسِ الظُّلْمِ عَنْ أنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ إرادَةُ اللَّهِ، فَكُلُّ ما يُعَدُّ ظُلْمًا في مَجالِ العُقُولِ السَّلِيمَةِ مُنْتَفٍ أنْ يَكُونَ مُرادَ اللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ عَطْفٌ عَلى التَّذْيِيلِ: لِأنَّهُ إذا كانَ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ فَهو يُرِيدُ صَلاحَ حالِهِمْ، ولا حاجَةَ لَهُ بِإضْرارِهِمْ إلّا لِلْجَزاءِ عَلى أفْعالِهِمْ. فَلا يُرِيدُ ظُلْمَهم، وإلَيْهِ تُرْجَعُ الأشْياءُ كُلُّها فَلا يَفُوتُهُ ثَوابُ مُحْسِنٍ ولا جَزاءُ مُسِيءٍ. وتَكْرِيرُ اسْمِ الجَلالَةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ في الجُمَلِ الثَّلاثِ الَّتِي بَعْدَ الأوْلى صفحة ٤٨ بِدُونِ إضْمارٍ لِلْقَصْدِ إلى أنْ تَكُونَ كُلُّ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةَ الدَّلالَةِ بِنَفْسِها، غَيْرَ مُتَوَقِّفَةٍ عَلى غَيْرِها، حَتّى تَصْلُحَ لِأنْ يُتَمَثَّلَ بِها، وتَسْتَحْضِرَها النُّفُوسُ وتَحْفَظَها الأسْماعُ.

آل عمران 3:109

﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ . تَذْيِيلاتٌ، والإشارَةُ في قَوْلِهِ تِلْكَ إلى طائِفَةٍ مِن آياتِ القُرْآنِ السّابِقَةِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ كَما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ . والتِّلاوَةُ اسْمٌ لِحِكايَةِ كَلامٍ لِإرادَةِ تَبْلِيغِهِ بِلَفْظِهِ وهي كالقِراءَةِ إلّا أنَّ القِراءَةَ تَخْتَصُّ بِحِكايَةِ كَلامٍ مَكْتُوبٍ فَيَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ الطّائِفَةُ المَقْصُودَةُ بِالإشارَةِ هي الآياتُ المَبْدُوءَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] إلى هُنا لِأنَّ ما قَبْلَهُ خُتِمَ بِتَذْيِيلٍ قَرِيبٍ مِن هَذا التَّذْيِيلِ، وهو قَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ٥٨] فَيَكُونُ كُلُّ تَذْيِيلٍ مُسْتَقِلًّا بِطائِفَةِ الجُمَلِ الَّتِي وقَعَ هو عَقِبَها. وخُصَّتْ هَذِهِ الطّائِفَةُ مِنَ القُرْآنِ بِالإشارَةِ لِما فِيها مِنَ الدَّلائِلِ المُثْبِتَةِ صِحَّةَ عَقِيدَةِ الإسْلامِ، والمُبْطِلَةِ لِدَعاوى الفِرَقِ الثَّلاثِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى صفحة ٤٧ والمُشْرِكِينَ، مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] وقَوْلِهِ ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا إلَهٌ واحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ [آل عمران: ٧٩] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها﴾ [آل عمران: ٩٣] . وقَوْلِهِ ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِن أمْثالٍ ومَواعِظَ وشَواهِدَ. والباءُ في قَوْلِهِ بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ، وهي مُلابَسَةُ الإخْبارِ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ، أيْ لِما في نَفْسِ الأمْرِ والواقِعِ، فَهَذِهِ الآياتُ بَيَّنَتْ عَقائِدَ أهْلِ الكِتابِ وفَصَّلَتْ أحْوالَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ومِنَ الحَقِّ اسْتِحْقاقُ كِلا الفَرِيقَيْنِ لِما عُومِلَ بِهِ عَدْلًا مِنَ اللَّهِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ لا يُرِيدُ أنْ يَظْلِمَ النّاسَ ولَوْ شاءَ ذَلِكَ لِفَعَلَهُ، لَكِنَّهُ وعَدَ بِأنْ لا يَظْلِمَ أحَدًا فَحَقَّ وعْدُهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلى اسْتِحالَةِ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى الظُّلْمَ إذْ لا خِلافَ بَيْنَنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ في انْتِفاءِ وُقُوعِهِ، وإنَّما الخِلافُ في جَوازِ ذَلِكَ واسْتِحالَتِهِ. وجِيءَ بِالمُسْنَدِ فِعْلًا لِإفادَةِ تَقْوى الحُكْمِ، وهو انْتِفاءُ إرادَةِ ظُلْمِ العالَمِينَ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وتَنْكِيرُ ظُلْمًا في سِياقِ النَّفْيِ يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ جِنْسِ الظُّلْمِ عَنْ أنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ إرادَةُ اللَّهِ، فَكُلُّ ما يُعَدُّ ظُلْمًا في مَجالِ العُقُولِ السَّلِيمَةِ مُنْتَفٍ أنْ يَكُونَ مُرادَ اللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ عَطْفٌ عَلى التَّذْيِيلِ: لِأنَّهُ إذا كانَ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ فَهو يُرِيدُ صَلاحَ حالِهِمْ، ولا حاجَةَ لَهُ بِإضْرارِهِمْ إلّا لِلْجَزاءِ عَلى أفْعالِهِمْ. فَلا يُرِيدُ ظُلْمَهم، وإلَيْهِ تُرْجَعُ الأشْياءُ كُلُّها فَلا يَفُوتُهُ ثَوابُ مُحْسِنٍ ولا جَزاءُ مُسِيءٍ. وتَكْرِيرُ اسْمِ الجَلالَةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ في الجُمَلِ الثَّلاثِ الَّتِي بَعْدَ الأوْلى صفحة ٤٨ بِدُونِ إضْمارٍ لِلْقَصْدِ إلى أنْ تَكُونَ كُلُّ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةَ الدَّلالَةِ بِنَفْسِها، غَيْرَ مُتَوَقِّفَةٍ عَلى غَيْرِها، حَتّى تَصْلُحَ لِأنْ يُتَمَثَّلَ بِها، وتَسْتَحْضِرَها النُّفُوسُ وتَحْفَظَها الأسْماعُ.

آل عمران 3:110

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ . يَتَنَزَّلُ هَذا مَنزِلَةَ التَّعْلِيلِ لِأمْرِهِمْ بِالدَّعْوَةِ إلى الخَيْرِ وما بَعْدَهُ فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ كُنْتُمْ، فَهو مُؤْذِنٌ بِتَعْلِيلِ كَوْنِهِمْ خَيْرَ أُمَّةٍ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أنَّ ما كانَ فِيهِ خَيْرِيَّتُهم يَجْدُرُ أنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، إنْ لَمْ يَكُنْ مَفْرُوضًا مِن قَبْلُ، وأنْ يُؤَكَّدَ عَلَيْهِمْ فَرْضُهُ، إنْ كانَ قَدْ فُرِضَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلُ. والخِطابُ في قَوْلِهِ كُنْتُمْ إمّا لِأصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنِ عَبّاسٍ. قالَ عُمَرُ: هَذِهِ لِأوَّلِنا ولا تَكُونُ لِآخِرِنا. وإضافَةُ خَيْرَ إلى أُمَّةٍ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ: أيْ كُنْتُمْ أُمَّةً خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ، فالمُرادُ بِالأُمَّةِ الجَماعَةُ، وأهْلُ العَصْرِ النَّبَوِيِّ، مِثْلُ القَرْنِ، وهو إطْلاقٌ مَشْهُورٌ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] أيْ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ كَمُدَّةِ عَصْرٍ كامِلٍ. ولا شَكَّ أنَّ الصَّحابَةَ كانُوا أفْضَلَ القُرُونِ الَّتِي ظَهَرَتْ في العالَمِ، لِأنَّ رَسُولَهم أفْضَلُ الرُّسُلِ، ولِأنَّ الهَدْيَ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ لا يُماثِلُهُ هَدْيُ أصْحابِ الرُّسُلِ الَّذِينَ مَضَوْا، فَإنْ أخَذْتَ الأُمَّةَ بِاعْتِبارِ الرَّسُولِ فِيها فالصَّحابَةُ أفْضَلُ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ مَعَ رَسُولِها، قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي» . والفَضْلُ ثابِتٌ لِلْمَجُمُوعِ عَلى المَجْمُوعِ، وإنْ أُخِذَتِ الأُمَّةُ مَن عَدا الرَّسُولَ، فَكَذَلِكَ الصَّحابَةُ أفْضَلُ الأُمَمِ الَّتِي مَضَتْ بِدُونِ رُسُلِها، وهَذا تَفْضِيلٌ لِلْهُدى الَّذِي اهْتَدَوْا بِهِ، وهو هُدى رَسُولِهِمْ مُحَمَّدٍ ﷺ وشَرِيعَتِهِ. وإمّا أنْ يَكُونَ الخِطابُ بِضَمِيرِ كُنْتُمْ لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ في كُلِّ جِيلٍ ظَهَرُوا صفحة ٤٩ فِيهِ، ومَعْنى تَفْضِيلِهِمْ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ مَعَ كَوْنِهِ مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ لا تَقُومُ بِهِ جَمِيعُ أفْرادِ الأُمَّةِ أنَّهُ لا يَخْلُو مُسْلِمٌ مِنَ القِيامِ بِما يَسْتَطِيعُ القِيامَ بِهِ مِن هَذا الأمْرِ، عَلى حَسْبِ مَبْلَغِ العِلْمِ ومُنْتَهى القُدْرَةِ، فَمِنَ التَّغْيِيرِ عَلى الأهْلِ والوَلَدِ إلى التَّغْيِيرِ عَلى جَمِيعِ أهْلِ البَلَدِ، أوْ لِأنَّ وُجُودَ طَوائِفِ القائِمِينَ بِهَذا الأمْرِ في مَجْمُوعِ الأُمَّةِ أوْجَبُ فَضِيلَةٍ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، لِكَوْنِ هَذِهِ الطَّوائِفِ مِنها كَما كانَتِ القَبِيلَةُ تَفْتَخِرُ بِمَحامِدِ طَوائِفِها، وفي هَذا ضَمانٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ ذَلِكَ لا يَنْقَطِعُ مِنَ المُسْلِمِينَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وفِعْلُ (كانَ) يَدُلُّ عَلى وُجُودِ ما يُسْنَدُ إلَيْهِ في زَمَنٍ مَضى، دُونَ دَلالَةٍ عَلى اسْتِمْرارٍ، ولا عَلى انْقِطاعٍ، قالَ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] أيْ وما زالَ فَمَعْنى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ وُجِدْتُمْ عَلى حالَةِ الأخْيَرِيَّةِ عَلى جَمِيعِ الأُمَمِ، أيْ حَصَلَتْ لَكم هَذِهِ الأخْيَرِيَّةُ بِحُصُولِ أسْبابِها ووَسائِلِها، ولِأنَّهُمُ اتَّصَفُوا بِالإيمانِ، والدَّعْوَةِ لِلْإسْلامِ، وإقامَتِهِ عَلى وجْهِهِ، والذَّبِّ عَنِ النُّقْصانِ والإضاعَةِ لِتَحَقُّقِ أنَّهم لَمّا جُعِلَ ذَلِكَ مِن واجِبِهِمْ، وقَدْ قامَ كُلٌّ بِما اسْتَطاعَ، فَقَدْ تَحَقَّقَ مِنهُمُ القِيامُ بِهِ، أوْ قَدْ ظَهَرَ مِنهُمُ العَزْمُ عَلى امْتِثالِهِ، كُلَّما سَنَحَ سانِحٌ يَقْتَضِيهِ، فَقَدْ تَحَقَّقَ أنَّهم خَيْرُ أُمَّةٍ عَلى الإجْمالِ فَأخْبَرَ عَنْهم بِذَلِكَ. هَذا إذا بَيَّنّا عَلى كَوْنِ الأمْرِ في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وما بَعْدَهُ مِنَ النَّهْيِ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٥] الآيَةَ، لَمْ يَكُنْ حاصِلًا عِنْدَهم مِن قَبْلُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ مَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ فِيما مَضى تَفْعَلُونَها إمّا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِكم حِرْصًا عَلى إقامَةِ الدِّينِ واسْتِحْسانًا وتَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ في مُصادَفَتِكم لِمَرْضاتِهِ ومُرادِهِ، وإمّا بِوُجُوبٍ سابِقٍ حاصِلٍ مِن آياتٍ أُخْرى مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ﴾ [العصر: ٣] وحِينَئِذٍ فَلَمّا أمَرَهم بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ، أثْنى عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا تارِكِيهِ مِن قَبْلُ، وهَذا إذا بَنَيْنا عَلى أنَّ الأمْرَ في قَوْلِهِ ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٠٤] تَأْكِيدٌ لِما كانُوا يَفْعَلُونَهُ، وإعْلامٌ بِأنَّهُ واجِبٌ، أوْ بِتَأْكِيدِ وُجُوبِهِ عَلى الوُجُوهِ الَّتِي قَدَّمْتُها عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٠٤] صفحة ٥٠ ومِنَ الحَيْرَةِ التِجاءُ جَمْعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى جَعْلِ الإخْبارِ عَنِ المُخاطَبِينَ بِكَوْنِهِمْ فِيما مَضى مِنَ الزَّمانِ خَيْرَ أُمَّةٍ بِمَعْنى كَوْنِهِمْ كَذَلِكَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ أوْ ثُبُوتِ هَذا الكَوْنِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ جَعْلِ، كانَ بِمَعْنى صارَ. والمُرادُ بِأُمَّةٍ عُمُومُ الأُمَمِ كُلِّها عَلى ما هو المَعْرُوفُ في إضافَةِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ إلى النَّكِرَةِ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ فَتُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ. وقَوْلُهُ ﴿أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ الإخْراجُ مَجازٌ في الإيجادِ والإظْهارِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ [طه: ٨٨] أيْ أظْهَرَ بِصَوْغِهِ عِجْلًا جَسَدًا. والمَعْنى: كُنْتُمْ خَيْرَ الأُمَمِ الَّتِي وُجِدَتْ في عالَمِ الدُّنْيا. وفاعِلُ أُخْرِجَتْ مَعْلُومٌ وهو اللَّهُ مُوجِدُ الأُمَمِ، والسّائِقُ إلَيْها ما بِهِ تَفاضُلُها. والمُرادُ بِالنّاسِ جَمِيعُ البَشَرِ مِن أوَّلِ الخَلِيقَةِ. وجُمْلَةُ ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ حالٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ إذْ مَدْلُولُها لَيْسَ مِنَ الكَيْفِيّاتِ المَحْسُوسَةِ حَتّى تَحْكِيَ الخَيْرِيَّةَ في حالِ مُقارَنَتِها لَها، بَلْ هي مِنَ الأعْمالِ النَّفْسِيَّةِ الصّالِحَةِ لِلتَّعْلِيلِ لا لِلتَّوْصِيفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا لِبَيانِ كَوْنِهِمْ خَيْرَ أُمَّةٍ. ويَجُوزُ كَوْنُها خَبَرًا ثانِيًا لَكانَ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ يُفِيتُ قَصْدَ التَّعْلِيلِ. والمَعْرُوفُ والمُنْكَرُ تَقَدَّمَ بَيانُهُما قَرِيبًا. وإنَّما قَدَّمَ ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ عَلى قَوْلِهِ ﴿وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ لِأنَّهُما الأهَمُّ في هَذا المَقامِ المَسُوقِ لِلتَّنْوِيهِ بِفَضِيلَةِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ الحاصِلَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] والِاهْتِمامُ الَّذِي هو سَبَبُ التَّقْدِيمِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ مَقاماتِ الكَلامِ ولا يُنْظَرُ فِيهِ إلى ما في نَفْسِ الأمْرِ لِأنَّ إيمانَهم ثابِتٌ مُحَقَّقٌ مِن قَبْلُ. وإنَّما ذَكَرَ الإيمانَ بِاللَّهِ في عِدادِ الأحْوالِ الَّتِي اسْتَحَقُّوا بِها التَّفْضِيلَ عَلى الأُمَمِ، لِأنَّ لِكُلٍّ مِن تِلْكَ الأحْوالِ المُوجِبَةِ لِلْأفْضَلِيَّةِ أثَرًا في التَّفْضِيلِ عَلى صفحة ٥١ بَعْضِ الفِرَقِ، فالإيمانُ قُصِدَ بِهِ التَّفْضِيلُ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا يَفْتَخِرُونَ بِأنَّهم أهْلُ حَرَمِ اللَّهِ وسَدَنَةُ بَيْتِهِ وقَدْ رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ صَرِيحًا في قَوْلِهِ ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٩] وذِكْرُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، قُصِدَ بِهِ التَّفْضِيلُ عَلى أهْلِ الكِتابِ، الَّذِينَ أضاعُوا ذَلِكَ بَيْنَهم، وقَدْ قالَ تَعالى فِيهِمْ ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩] . فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ وجْهُ التَّفْضِيلِ عَلى الأُمَمِ هو الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ والإيمانُ بِاللَّهِ، فَقَدْ شارَكَنا في هَذِهِ الفَضِيلَةِ بَعْضُ الجَماعاتِ مِن صالِحِي الأُمَمِ الَّذِينَ قَبْلَنا. لِأنَّهم آمَنُوا بِاللَّهِ عَلى حَسْبِ شَرائِعِهِمْ، وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، لَتَعَذَّرَ أنْ يَتْرُكَ الأُمَمُ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ لِأنَّ الغَيْرَةَ عَلى الدِّينِ أمْرٌ مُرْتَكِزٌ في نُفُوسِ الصّادِقِينَ مِن أتْباعِهِ. قُلْتُ: لَمْ يَثْبُتْ أنَّ صالِحِي الأُمَمِ كانُوا يَلْتَزِمُونَ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ إمّا لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ واجِبًا عَلَيْهِمْ، أوْ لِأنَّهم كانُوا يَتَوَسَّعُونَ في حِلِّ التَّقِيَّةِ، وهَذا هارُونُ في زَمَنِ مُوسى عَبَدَتْ بَنُو إسْرائِيلَ العِجْلَ بِمَرْأًى مِنهُ ومَسْمَعٍ فَلَمْ يُغَيِّرْ عَلَيْهِمْ، وقَدْ حَكى اللَّهُ مُحاوَرَةَ مُوسى مَعَهُ بِقَوْلِهِ ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ [طه: ٩٢] ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] ﴿قالَ يا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٤] الآيَةَ فَتِلْكَ فِئَةٌ قَلِيلَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ هُمُ الَّذِينَ دَخَلُوا في الإسْلامِ مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وقَدْ كانُوا فِئَةً قَلِيلَةً بَيْنَ قَوْمِهِمْ فَلَمْ يَكُونُوا جَمْهَرَةَ الأُمَّةِ. وقَدْ شاعَ عِنْدَ العُلَماءِ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعِ وعِصْمَتِهِ مِنَ الخَطَأِ بِناءً عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ في المَعْرُوفِ والمُنْكَرِ لِلِاسْتِغْراقِ، فَإذا أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى حُكْمٍ، لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ ما أجْمَعُوا عَلَيْهِ مُنْكَرًا، وتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا، لِأنَّ الطّائِفَةَ المَأْمُورَةَ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ في صفحة ٥٢ ضَمْنِهِمْ، ولا يَجُوزُ سُكُوتُها عَنْ مُنْكَرٍ يَقَعُ، ولا عَنْ مَعْرُوفٍ يُتْرَكُ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ إنْ كانَ عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعِ بِمَعْنى الشَّرْعِ المُتَواتِرِ المَعْلُومِ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَهو اسْتِدْلالٌ صَحِيحٌ لِأنَّ المَعْرُوفَ والمُنْكَرَ في هَذا النَّوْعِ بَدِيهِيٌّ ضَرُورِيٌّ، وإنْ كانَ اسْتِدْلالًا عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعاتِ المُنْعَقِدَةِ عَنِ اجْتِهادٍ، وهو الَّذِي يَقْصِدُهُ المُسْتَدِلُّونَ بِالآيَةِ، فاسْتِدْلالُهم بِها عَلَيْهِ سُفُسْطائِيٌّ لِأنَّ المُنْكَرَ لا يُعْتَبَرُ مُنْكَرًا إلّا بَعْدَ إثْباتِ حُكْمِهِ شَرْعًا، وطَرِيقُ إثْباتِ حُكْمِهِ الإجْماعُ، فَلَوْ أجْمَعُوا عَلى مُنْكَرٍ عِنْدَ اللَّهِ خَطَأً مِنهم لَما كانَ مُنْكَرًا حَتّى يَنْهى عَنْهُ طائِفَةٌ مِنهم لِأنَّ اجْتِهادَهم هو غايَةُ وُسْعِهِمْ. * * * ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرَهُمُ الفاسِقُونَ﴾ . عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ التَّفْضِيلَ قَدْ غَمَرَ أهْلَ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ فَنَبَّهَهم هَذا العَطْفُ إلى إمْكانِ تَحْصِيلِهِمْ عَلى هَذا الفَضْلِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِهِمْ بِأنَّهم مُتَرَدِّدُونَ في أتْباعِ الإسْلامِ، فَقَدْ كانَ مُخَيْرِيقُ مُتَرَدِّدًا زَمانًا ثُمَّ أسْلَمَ، وكَذَلِكَ وفْدُ نَجْرانَ تَرَدَّدُوا في أمْرِ الإسْلامِ. وأهْلُ الكِتابِ يَشْمَلُ اليَهُودَ والنَّصارى، لَكِنَّ المَقْصُودَ الأوَّلَ هُنا هُمُ اليَهُودُ، لِأنَّهم كانُوا مُخْتَلِطِينَ بِالمُسْلِمِينَ في المَدِينَةِ، وكانَ النَّبِيءُ ﷺ دَعاهم إلى الإسْلامِ، وقَصَدَ بَيْتَ مِدْراسِهِمْ، ولِأنَّهم قَدْ أسْلَمَ مِنهم نَفَرٌ قَلِيلٌ وقالَ النَّبِيءُ ﷺ «لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنَ اليَهُودِ لَآمَنَ بِي اليَهُودُ كُلُّهم» . ولَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلِّقُ آمَنَ هُنا لِأنَّ المُرادَ لَوِ اتَّصَفُوا بِالإيمانِ الَّذِي هو لَقَبٌ لِدِينِ الإسْلامِ وهو الَّذِي مِنهُ أُطْلِقَتْ صِلَةُ الَّذِينَ صفحة ٥٣ آمَنُوا عَلى المُسْلِمِينَ فَصارَ كالعَلَمِ بِالغَلَبَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ أسْلَمَ، وصَبَأ، وأشْرَكَ، وألْحَدَ، دُونَ ذِكْرِ مُتَعَلِّقاتِ لَهاتِهِ الأفْعالِ لِأنَّ المُرادَ أنَّهُ اتَّصَفَّ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الَّتِي صارَتْ أعْلامًا عَلى أدْيانٍ مَعْرُوفَةٍ، فالفِعْلُ نُزِّلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، وأظْهَرُ مِنهُ: تَهَوَّدَ، تَنَصَّرَ، وتَزَنْدَقَ، وتَحَنَّفَ، والقَرِينَةُ عَلى هَذا المَعْنى ظاهِرَةٌ وهي جَعْلُ إيمانِ أهْلِ الكِتابِ في شَرْطِ الِامْتِناعِ، مَعَ أنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ مَعْرُوفٌ لا يُنْكِرُهُ أحَدٌ. ووَقَعَ في الكَشّافِ أنَّ المُرادَ: لَوْ آمَنُوا الإيمانَ الكامِلَ، وهو تَكَلُّفٌ ظاهِرٌ، ولَيْسَ المَقامُ مَقامَهُ. وأجْمَلُ وجْهَ كَوْنِ الإيمانِ خَيْرًا لَهم لِتَذْهَبَ نُفُوسُهم كُلَّ مَذْهَبٍ في الرَّجاءِ والإشْفاقِ. ولَمّا أخْبَرَ عَنْ أهْلِ الكِتابِ بِامْتِناعِ الإيمانِ مِنهم بِمُقْتَضى جَعْلِ إيمانِهِمْ في حَيِّزِ شَرْطِ لَوِ الِامْتِناعِيَّةِ، تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ مَن بَقِيَ بِوَصْفِ أهْلِ الكِتابِ، وهو وصْفٌ لا يُبْقِي وصْفَهم بِهِ بَعْدَ أنْ يَتَدَيَّنُوا بِالإسْلامِ، وكانَ قَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ وصْفَ أهْلِ الكِتابِ يَشْمَلُ مَن كانَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنهم ولَوْ دَخَلَ في الإسْلامِ، وجِيءَ بِالِاحْتِراسِ بِقَوْلِهِ ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ أيْ مِنهم مَن آمَنَ بِالنَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَصَدَقَ عَلَيْهِ لَقَبُ المُؤْمِنِ، مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وكانَ اسْمُهُ حُصَيْنًا وهو مِن بَنِي قَيْنُقاعَ، وأخِيهِ، وعَمَّتِهِ، خالِدَةَ، وسَعْيَةَ أوْ سِنْعَةَ بْنِ غَرِيضِ بْنِ عادِيًّا التَّيْماوَيِّ، وهو ابْنُ أخِي السَّمَوْألِ بْنِ عادِيًّا، وثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ، وأسَدِ بْنِ سَعْيَةَ القُرَظِيِّ، وأسَدِ بْنِ عُبَيْدٍ القُرَظِيِّ، ومُخَيْرِيقٍ مِن بَنِي النَّضِيرِ أوْ مِن بَنِي قَيْنُقاعَ، ومِثْلُ أصْحَمَةَ النَّجاشِيِّ، فَإنَّهُ آمَنَ بِقَلْبِهِ وعَوَّضَ عَنْ إظْهارِهِ أعْمالَ الإسْلامِ نَصْرَهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وحِمايَتَهُ لَهم بِبَلَدِهِ، حَتّى ظَهَرَ دِينُ اللَّهِ، فَقَبِلَ اللَّهُ مِنهُ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ أخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ بِأنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا وصَلّى عَلَيْهِ حِينَ أوْحى إلَيْهِ بِمَوْتِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى مِن أهْلِ الكِتابِ فَرِيقٌ مُتَّقٍ في دِينِهِ، فَهو قَرِيبٌ مِنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهَؤُلاءِ مِثْلُ مَن بَقِيَ مُتَرَدِّدًا في الإيمانِ مِن دُونِ أنْ يَتَعَرَّضَ لِأذى المُسْلِمِينَ، مِثْلُ النَّصارى مِن نَجْرانَ ونَصارى الحَبَشَةِ، ومِثْلُ مُخَيْرِيقٍ اليَهُودِيِّ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ، عَلى الخِلافِ في إسْلامِهِ، فَإنَّهُ أوْصى بِمالِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فالمُرادُ بِإيمانِهِمْ صفحة ٥٤ صِدْقُ الإيمانِ بِاللَّهِ وبِدِينِهِمْ، وفَرِيقٌ مِنهم فاسِقٌ عَنْ دِينِهِ، مُحَرِّفٌ لَهُ، مِناوٍ لِأهْلِ الخَيْرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١] مِثْلُ الَّذِينَ سَمُّوا الشّاةَ لِرَسُولِ اللَّهِ يَوْمَ خَيْبَرٍ، والَّذِينَ حاوَلُوا أنْ يَرْمُوا عَلَيْهِ صَخْرَةً.

آل عمران 3:111

﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ . اسْتِئْنافٌ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ﴿وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]، لِأنَّ الإخْبارَ عَنْ أكْثَرِهِمْ بِأنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ يُؤْذِنُ بِمُعاداتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُوقِعَ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ خَشْيَةً مِن بَأْسِهِمْ، وهَذا يَخْتَصُّ بِاليَهُودِ، فَإنَّهم كانُوا مُنْتَشِرِينَ حِيالَ المَدِينَةِ في خَيْبَرَ، والنَّضِيرِ، وقَيْنُقاعَ، وقُرَيْظَةَ، وكانُوا أهْلَ مَكْرٍ، وقُوَّةٍ، ومالٍ، وعُدَّةٍ، وعَدَدٍ، والمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ في قِلَّةٍ فَطَمْأنَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِأنَّهم لا يَخْشَوْنَ بَأْسَ أهْلِ الكِتابِ، ولا يَخْشَوْنَ ضُرَّهم، لَكِنْ أذاهم. أمّا النَّصارى فَلا مُلابَسَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ حَتّى يَخْشَوْهم. والأذى هو الألَمُ الخَفِيفُ وهو لا يَبْلُغُ حَدَّ الضُّرِّ الَّذِي هو الألَمُ، وقَدْ قِيلَ: هو الضُّرُّ بِالقَوْلِ فَيَكُونُ كَقَوْلِ إسْحاقِ بْنِ خَلَفٍ: أخْشى فَظاظَةَ عَمٍّ أوْ جَفاءَ أخٍ وكُنْتُ أُبْقِي عَلَيْها مِن أذى الكَلِمِ ومَعْنى ﴿يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ﴾ يَفِرُّونَ مُنْهَزِمِينَ. وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ احْتِراسٌ أيْ يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ تَوْلِيَةَ مُنْهَزِمِينَ لا تَوْلِيَةَ مُتَحَرِّفِينَ لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزِينَ إلى فِئَةٍ، أوْ مُتَأمِّلِينَ في الأمْرِ. وفي العُدُولِ عَنْ جَعْلِهِ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ الجَوابِ إلى جَعْلِهِ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَتَيِ الشَّرْطِ وجَزائِهِ مَعًا، إشارَةٌ إلى أنَّ هَذا دَيْدَنُهم وهَجِيراهم، لَوْ قاتَلُوكم، وكَذَلِكَ في قِتالِهِمْ غَيْرَكم. صفحة ٥٥ وثُمَّ لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ دالَّةٌ عَلى تَراخِي الرُّتْبَةِ. ومَعْنى تَراخِي الرُّتْبَةِ كَوْنُ رُتْبَةِ مَعْطُوفِها أعْظَمَ مِن رُتْبَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ. وهو غَيْرُ التَّراخِي المَجازِيِّ، لِأنَّ التَّراخِي المَجازِيَّ أنْ يُشَبَّهَ ما لَيْسَ بِمُتَأخِّرٍ عَنِ المَعْطُوفِ بِالمُتَأخِّرِ عَنْهُ. وهَذا كُلُّهُ وعِيدٌ لَهم بِأنَّهم سَيُقاتِلُونَ المُسْلِمِينَ، وأنَّهم يَنْهَزِمُونَ، وإغْراءٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِقِتالِهِمْ.

آل عمران 3:112

﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ﴾ . يَعُودُ ضَمِيرُ عَلَيْهِمْ إلى ﴿وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] وهو خاصٌّ بِاليَهُودِ لا مَحالَةَ، وهو كالبَيانِ لِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١] . والجُمْلَةُ بَيانِيَّةٌ لِذِكْرِ حالٍ شَدِيدٍ مِن شَقائِهِمْ في الدُّنْيا. ومَعْنى ضَرْبِ الذِّلَّةِ اتِّصالُها بِهِمْ وإحاطَتُها، فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَبَعِيَّةٌ شُبِّهَتِ الذِّلَّةُ، وهي أمْرٌ مَعْقُولٌ، بِقُبَّةٍ أوْ خَيْمَةٍ شَمِلَتْهم وشُبِّهَ اتِّصالُها وثَباتُها بِضَرْبِ القُبَّةِ وشَدِّ أطْنابِها، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في البَقَرَةِ. وثُقِفُوا في الأصْلِ أُخِذُوا في الحَرْبِ ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ﴾ [الأنفال: ٥٧] وهَذِهِ المادَّةُ تَدُلُّ عَلى تَمَكُّنٍ مِن أخْذِ الشَّيْءِ، وتَصَرُّفٍ فِيهِ بِشِدَّةٍ، ومِنها سُمِّيَ الأسْرُ ثِقافًا. والثِّقافُ آلَةٌ كالكَلُّوبِ تُكْسَرُ بِهِ أنابِيبُ قَنا الرِّماحِ. قالَ النّابِغَةُ: عَضَّ الثِّقافِ عَلى صُمِّ الأنابِيبِ والمَعْنى هُنا: أيْنَما عُثِرَ عَلَيْهِمْ، أوْ أيْنَما وُجِدُوا، أيْ هم لا يُوجَدُونَ إلّا مَحْكُومِينَ، شَبَّهَ حالَ مُلاقاتِهِمْ في غَيْرِ الحَرْبِ بِحالِ أخْذِ الأسِيرِ لِشِدَّةِ ذُلِّهِمْ. صفحة ٥٦ وقَوْلُهُ ﴿إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ الحَبَلُ مُسْتَعارٌ لِلْعَهْدِ، وتَقَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [البقرة: ٢٥٦] - في سُورَةِ البَقَرَةِ - وعَهْدُ اللَّهِ ذِمَّتُهُ، وعَهْدُ النّاسِ حِلْفُهم، ونَصْرُهم، والِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ الأحْوالِ وهي أحْوالٌ دَلَّتْ عَلَيْها الباءُ الَّتِي لِلْمُصاحَبَةِ. والتَّقْدِيرُ: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ مُتَلَبِّسِينَ بِكُلِّ حالٍ إلّا مُتَلَبِّسِينَ بِعَهْدٍ مِنَ اللَّهِ وعَهْدٍ مِنَ النّاسِ، فالتَّقْدِيرُ: فَذَهَبُوا بِذِلَّةٍ إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ. والمَعْنى لا يَسْلَمُونَ مِنَ الذِّلَّةِ إلّا إذا تَلَبَّسُوا بِعَهْدٍ مِنَ اللَّهِ، أيْ ذِمَّةِ الإسْلامِ، أوْ إذا اسْتَنْصَرُوا بِقَبائِلَ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، وأمّا هم في أنْفُسِهِمْ فَلا نَصْرَ لَهم. وهَذا مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ فَإنَّ اليَهُودَ كانُوا أعِزَّةً بِيَثْرِبَ وخَيْبَرَ والنَّضِيرِ وقُرَيْظَةَ، فَأصْبَحُوا أذِلَّةً وعَمَّتْهُمُ المَذَلَّةُ في سائِرِ أقْطارِ الدُّنْيا. ﴿وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ رَجَعُوا وهو مَجازٌ لِمَعْنى صارُوا إذْ لا رُجُوعَ هُنا. والمَسْكَنَةُ الفَقْرُ الشَّدِيدُ مُشْتَقَّةٌ مِنِ اسْمِ المِسْكِينِ وهو الفَقِيرُ، ولَعَلَّ اشْتِقاقَهُ مِنَ السُّكُونِ وهو سُكُونٌ خَيالِيٌّ أُطْلِقَ عَلى قِلَّةِ الحِيلَةِ في العَيْشِ. والمُرادُ بِضَرْبِ المَسْكَنَةِ عَلَيْهِمْ تَقْدِيرُها لَهم وهو إخْبارٌ بِمُغَيَّبٍ لِأنَّ اليَهُودَ المُخْبِرَ عَنْهم قَدْ أصابَهُمُ الفَقْرُ حِينَ أُخِذَتْ مَنازِلُهم في خَيْبَرَ والنَّضِيرِ وقَيْنُقاعَ وقُرَيْظَةَ، ثُمَّ بِإجْلائِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ في زَمَنِ عُمَرَ. * * * ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِئاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ . الإشارَةُ إلى ضَرْبِ الذِّلَّةِ المَأْخُوذِ مِن ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ . ومَعْنى ﴿يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِئاءَ﴾ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢١] أوائِلَ هَذِهِ السُّورَةِ. صفحة ٥٧ وقَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى كُفْرِهِمْ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، فالباءُ سَبَبُ السَّبَبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً ثانِيَةً إلى ضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ فَيَكُونُ سَبَبًا ثانِيًا. و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ أيْ بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ، وهَذا نَشْرٌ عَلى تَرْتِيبِ اللَّفِّ فَكُفْرُهم بِالآياتِ سَبَبُهُ العِصْيانُ، وقَتْلُهُمُ الأنْبِياءَ سَبَبُهُ الِاعْتِداءُ.

آل عمران 3:113

﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ . اسْتِئْنافٌ قُصِدَ بِهِ إنْصافُ طائِفَةٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، بَعْدَ الحُكْمِ عَلى مُعْظَمِهِمْ بِصِيغَةٍ تَعُمُّهم، تَأْكِيدًا لِما أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ لَيْسُوا لِأهْلِ الكِتابِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم آنِفًا، وهُمُ اليَهُودُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَنَزَّلُ مِنَ الَّتِي بَعْدَها مَنزِلَةَ التَّمْهِيدِ. وسَواءٌ اسْمٌ بِمَعْنى المُماثِلِ وأصْلُهُ مَصْدَرٌ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّسْوِيَةِ. وجُمْلَةُ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ إلَخْ. مُبَيِّنَةٌ لِإبْهامِ ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِلِاهْتِمامِ بِهَؤُلاءِ الأُمَّةِ. فالأُمَّةُ هُنا بِمَعْنى الفَرِيقِ. وإطْلاقُ أهْلِ الكِتابِ عَلَيْهِمْ مَجازٌ بِاعْتِبارِ ما كانَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] لِأنَّهم صارُوا مِنَ المُسْلِمِينَ. وعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: مِنهم أُمَّةٌ قائِمَةٌ إلى قَوْلِهِ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾: لِيَكُونَ هَذا الثَّناءُ شامِلًا لِصالِحِي اليَهُودِ، وصالِحِي النَّصارى، فَلا يُخْتَصُّ بِصالِحِي اليَهُودِ، فَإنَّ صالِحِي اليَهُودِ قَبْلَ بَعْثَةِ عِيسى كانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِهِمْ، مُسْتَقِيمِينَ عَلَيْهِ، ومِنهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِعِيسى واتَّبَعُوهُ، وكَذَلِكَ صالِحُو النَّصارى قَبْلَ صفحة ٥٨ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كانُوا مُسْتَقِيمِينَ عَلى شَرِيعَةِ عِيسى، وكَثِيرٌ مِنهم أهْلُ تَهَجُّدٍ في الأدْيِرَةِ والصَّوامِعِ وقَدْ صارُوا مُسْلِمِينَ بَعْدَ البَعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ. والأُمَّةُ: الطّائِفَةُ والجَماعَةُ. ومَعْنى قائِمَةٌ أنَّهُ تَمْثِيلٌ لِلْعَمَلِ بِدِينِها عَلى الوَجْهِ الحَقِّ، كَما يُقالُ: سُوقٌ قائِمَةٌ وشَرِيعَةٌ قائِمَةٌ. والآناءُ أصْلُهُ أأْناءُ بِهَمْزَتَيْنِ بِوَزْنِ أفْعالٍ، وهو جَمْعُ - إنًى بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ النُّونِ مَقْصُورًا - ويُقالُ أنى بِفَتْحِ الهَمْزَةِ قالَ تَعالى: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أيْ غَيْرَ مُنْتَظَرِينَ وقْتَهُ. وجُمْلَةُ ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ حالٌ، أيْ يَتَهَجَّدُونَ في اللَّيْلِ بِتِلاوَةِ كِتابِهِمْ، فَقُيِّدَتْ تِلاوَتُهُمُ الكِتابَ بِحالَةِ سُجُودِهِمْ. هَذا الأُسْلُوبُ أبْلَغُ وأبْيَنُ مِن أنْ يُقالَ: يَتَهَجَّدُونَ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى صُورَةِ فِعْلِهِمْ. ومَعْنى يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ يُسارِعُونَ إلَيْها أيْ يَرْغَبُونَ في الِاسْتِكْثارِ مِنها. والمُسارَعَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلِاسْتِكْثارِ مِنَ الفِعْلِ، والمُبادَرَةُ إلَيْهِ، تَشْبِيهًا لِلِاسْتِكْثارِ والِاعْتِناءِ بِالسَّيْرِ السَّرِيعِ لِبُلُوغِ المَطْلُوبِ. وفي لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، وهي تَخْيِيلِيَّةٌ تُؤْذِنُ بِتَشْبِيهِ الخَيْراتِ بِطَرِيقٍ يَسِيرُ فِيهِ السّائِرُونَ، ولِهَؤُلاءِ مَزِيَّةُ السُّرْعَةِ في قَطْعِهِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ مَجْمُوعَ المُرَكَّبِ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ تَمْثِيلًا لِحالِ مُبادَرَتِهِمْ وحِرْصِهِمْ عَلى فِعْلِ الخَيْراتِ بِحالِ السّائِرِ الرّاغِبِ في البُلُوغِ إلى قَصْدِهِ يُسْرِعُ في سَيْرِهِ. وسَيَأْتِي نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُحْزِنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] في سُورَةِ العُقُودِ. والإشارَةُ بِأُولَئِكَ إلى الأُمَّةِ القائِمَةِ المَوْصُوفَةِ بِتِلْكَ الأوْصافِ. ومَوْقِعُ اسْمِ الإشارَةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا الوَصْفَ المَذْكُورَ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ بِسَبَبِ ما سَبَقَ اسْمَ الإشارَةِ مِنَ الأوْصافِ.

آل عمران 3:114

﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ . اسْتِئْنافٌ قُصِدَ بِهِ إنْصافُ طائِفَةٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، بَعْدَ الحُكْمِ عَلى مُعْظَمِهِمْ بِصِيغَةٍ تَعُمُّهم، تَأْكِيدًا لِما أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ لَيْسُوا لِأهْلِ الكِتابِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم آنِفًا، وهُمُ اليَهُودُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَنَزَّلُ مِنَ الَّتِي بَعْدَها مَنزِلَةَ التَّمْهِيدِ. وسَواءٌ اسْمٌ بِمَعْنى المُماثِلِ وأصْلُهُ مَصْدَرٌ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّسْوِيَةِ. وجُمْلَةُ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ إلَخْ. مُبَيِّنَةٌ لِإبْهامِ ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِلِاهْتِمامِ بِهَؤُلاءِ الأُمَّةِ. فالأُمَّةُ هُنا بِمَعْنى الفَرِيقِ. وإطْلاقُ أهْلِ الكِتابِ عَلَيْهِمْ مَجازٌ بِاعْتِبارِ ما كانَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] لِأنَّهم صارُوا مِنَ المُسْلِمِينَ. وعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: مِنهم أُمَّةٌ قائِمَةٌ إلى قَوْلِهِ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾: لِيَكُونَ هَذا الثَّناءُ شامِلًا لِصالِحِي اليَهُودِ، وصالِحِي النَّصارى، فَلا يُخْتَصُّ بِصالِحِي اليَهُودِ، فَإنَّ صالِحِي اليَهُودِ قَبْلَ بَعْثَةِ عِيسى كانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِهِمْ، مُسْتَقِيمِينَ عَلَيْهِ، ومِنهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِعِيسى واتَّبَعُوهُ، وكَذَلِكَ صالِحُو النَّصارى قَبْلَ صفحة ٥٨ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كانُوا مُسْتَقِيمِينَ عَلى شَرِيعَةِ عِيسى، وكَثِيرٌ مِنهم أهْلُ تَهَجُّدٍ في الأدْيِرَةِ والصَّوامِعِ وقَدْ صارُوا مُسْلِمِينَ بَعْدَ البَعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ. والأُمَّةُ: الطّائِفَةُ والجَماعَةُ. ومَعْنى قائِمَةٌ أنَّهُ تَمْثِيلٌ لِلْعَمَلِ بِدِينِها عَلى الوَجْهِ الحَقِّ، كَما يُقالُ: سُوقٌ قائِمَةٌ وشَرِيعَةٌ قائِمَةٌ. والآناءُ أصْلُهُ أأْناءُ بِهَمْزَتَيْنِ بِوَزْنِ أفْعالٍ، وهو جَمْعُ - إنًى بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ النُّونِ مَقْصُورًا - ويُقالُ أنى بِفَتْحِ الهَمْزَةِ قالَ تَعالى: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أيْ غَيْرَ مُنْتَظَرِينَ وقْتَهُ. وجُمْلَةُ ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ حالٌ، أيْ يَتَهَجَّدُونَ في اللَّيْلِ بِتِلاوَةِ كِتابِهِمْ، فَقُيِّدَتْ تِلاوَتُهُمُ الكِتابَ بِحالَةِ سُجُودِهِمْ. هَذا الأُسْلُوبُ أبْلَغُ وأبْيَنُ مِن أنْ يُقالَ: يَتَهَجَّدُونَ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى صُورَةِ فِعْلِهِمْ. ومَعْنى يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ يُسارِعُونَ إلَيْها أيْ يَرْغَبُونَ في الِاسْتِكْثارِ مِنها. والمُسارَعَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلِاسْتِكْثارِ مِنَ الفِعْلِ، والمُبادَرَةُ إلَيْهِ، تَشْبِيهًا لِلِاسْتِكْثارِ والِاعْتِناءِ بِالسَّيْرِ السَّرِيعِ لِبُلُوغِ المَطْلُوبِ. وفي لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، وهي تَخْيِيلِيَّةٌ تُؤْذِنُ بِتَشْبِيهِ الخَيْراتِ بِطَرِيقٍ يَسِيرُ فِيهِ السّائِرُونَ، ولِهَؤُلاءِ مَزِيَّةُ السُّرْعَةِ في قَطْعِهِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ مَجْمُوعَ المُرَكَّبِ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ تَمْثِيلًا لِحالِ مُبادَرَتِهِمْ وحِرْصِهِمْ عَلى فِعْلِ الخَيْراتِ بِحالِ السّائِرِ الرّاغِبِ في البُلُوغِ إلى قَصْدِهِ يُسْرِعُ في سَيْرِهِ. وسَيَأْتِي نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُحْزِنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] في سُورَةِ العُقُودِ. والإشارَةُ بِأُولَئِكَ إلى الأُمَّةِ القائِمَةِ المَوْصُوفَةِ بِتِلْكَ الأوْصافِ. ومَوْقِعُ اسْمِ الإشارَةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا الوَصْفَ المَذْكُورَ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ بِسَبَبِ ما سَبَقَ اسْمَ الإشارَةِ مِنَ الأوْصافِ.

آل عمران 3:115

﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ تُكْفَرُوهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ . صفحة ٥٩ تَذْيِيلٌ لِلْجُمَلِ المُفْتَتَحَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣] إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَفْعَلُوا بِالفَوْقِيَّةِ فَهو وعْدٌ لِلْحاضِرِينَ، ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّ الصّالِحِينَ السّابِقِينَ مِثْلُهم، بِقَرِينَةِ مَقامِ الِامْتِنانِ، ووُقُوعِهُ عَقِبَ ذِكْرِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ ويَفْعَلُوا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التِفاتًا لِخِطابِ أهْلِ الكِتابِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، وخَلَفٌ بِياءِ الغَيْبَةِ عائِدًا إلى (﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣]) . والكُفْرُ: ضِدُّ الشُّكْرِ أيْ هو إنْكارُ وُصُولِ النِّعْمَةِ الواصِلَةِ. قالَ عَنْتَرَةُ: نُبِّئْتُ عَمْرًا غَيْرَ شاكِرِ نِعْمَتِي والكَفْرُ مَخْبَثَةٌ لِنَفْسِ المُنْعِمِ وقالَ تَعالى: ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] وأصْلُ الشُّكْرِ والكُفْرِ أنْ يَتَعَدَّيا إلى واحِدٍ، ويَكُونُ مَفْعُولُهُما النِّعْمَةَ كَما في البَيْتِ. وقَدْ يُجْعَلُ مَفْعُولُهُما المُنْعِمُ عَلى التَّوَسُّعِ في حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، لِأنَّ الأصْلَ شَكَرْتُ لَهُ وكَفَرْتُ لَهُ. قالَ النّابِغَةُ: شَكَرْتُ لَكَ النُّعْمى وقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الِاسْتِعْمالَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] وقَدْ عُدِّيَ تُكْفَرُوهُ هُنا إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما نائِبُ الفاعِلِ، لِأنَّ الفِعْلَ ضُمِّنَ مَعْنى الحِرْمانِ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ عائِدٌ إلى (خَيْرٍ) بِتَأْوِيلِ (خَيْرٍ) بِجَزاءِ فِعْلِ الخَيْرِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِخْدامِ. وأُطْلِقَ الكُفْرُ هُنا عَلى تَرْكِ جَزاءِ فِعْلِ الخَيْرِ، تَشْبِيهًا لِفِعْلِ الخَيْرِ بِالنِّعْمَةِ. كَأنَّ فاعِلَ الخَيْرِ أنْعَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى بِنِعْمَتِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [التغابن: ١٧] فَحُذِفَ المُشَبَّهُ ورُمِزَ إلَيْهِ بِما هو مِن لَوازِمِهِ العُرْفِيَّةِ. وهو الكُفْرُ. عَلى أنَّ في القَرِينَةِ اسْتِعارَةً مُصَرِّحَةً مِثْلَ ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧] وقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إذْ جَعَلَ طاعَتَنا إيّاهُ كَنِعْمَةٍ عَلَيْهِ تَعالى، وجَعَلَ ثَوابَها شُكْرًا، وتَرْكَ ثَوابِها كُفْرًا فَنَفاهُ. وسَمّى نَفْسَهُ الشَّكُورَ. وقَدْ عُدِّيَ الكُفْرانُ هُنا إلى النِّعْمَةِ عَلى أصْلِ تَعْدِيَتِهِ.

آل عمران 3:116

صفحة ٦٠ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَّرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ إلى ذِكْرِ وعِيدِ المُشْرِكِينَ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ وعْدِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ. وإنَّما عَطْفُ الأوْلادِ هُنا لِأنَّ الغَناءَ في مُتَعارَفِ النّاسِ يَكُونُ بِالمالِ والوَلَدِ، فالمالُ يَدْفَعُ بِهِ المَرْءُ عَنْ نَفْسِهِ في فِداءٍ أوْ نَحْوِهِ، والوَلَدُ يُدافِعُونَ عَنْ أبِيهِمْ بِالنَّصْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِهِ في طالِعَةِ هَذِهِ السُّورَةِ. وكَرَّرَ حَرْفَ النَّفْيِ مَعَ المَعْطُوفِ في قَوْلِهِ ﴿ولا أوْلادُهُمْ﴾ لِتَأْكِيدِ عَدَمِ غَناءِ أوْلادِهِمْ عَنْهم لِدَفْعِ تَوَهُّمِ ما هو مُتَعارَفٌ مِن أنَّ الأوْلادَ لا يَقْعُدُونَ عَنِ الذَّبِّ عَنْ آبائِهِمْ. ويَتَعَلَّقُ مِنَ اللَّهِ بِفِعْلِ لَنْ تُغْنِيَ عَلى مَعْنى مِنَ الِابْتِدائِيَّةِ أيْ غَناءٍ يَصْدُرُ مِن جانِبِ اللَّهِ بِالعَفْوِ عَنْ كُفْرِهِمْ. وانْتَصَبَ شَيْئًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِفِعْلِ لَنْ تُغْنِيَ أيْ شَيْئًا مِن غَناءٍ. وتَنْكِيرُ شَيْئًا لِلتَّقْلِيلِ. وجُمْلَةُ ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ . وجِيءَ بِالجُمْلَةِ مَعْطُوفَةً، عَلى خِلافِ الغالِبِ في أمْثالِها أنْ يَكُونَ بِدُونِ عَطْفٍ، لِقَصْدِ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُنْصَبًّا عَلَيْها التَّأْكِيدُ بِحَرْفِ إنْ فَيَكْمُلُ لَها مِن أدِلَّةِ تَحْقِيقِ مَضْمُونِها خَمْسَةُ أدِلَّةٍ هي: التَّأْكِيدُ بِأنَّ، ومَوْقِعُ اسْمِ الإشارَةِ، والإخْبارُ عَنْهم بِأنَّهم أصْحابُ النّارِ، وضَمِيرُ الفَصْلِ، ووَصْفُ خالِدُونَ.

آل عمران 3:117

صفحة ٦١ ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ . اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٦] . إلَخْ يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ عَنْ إنْفاقِهِمُ الأمْوالَ في الخَيْرِ مِن إغاثَةِ المَلْهُوفِ وإعْطاءِ الدِّياتِ في الصُّلْحِ عَنِ القَتْلى. ضَرَبَ لِأعْمالِهِمُ المُتَعَلِّقَةِ بِالأمْوالِ مَثَلًا، فَشَبَّهَ هَيْئَةَ إنْفاقِهِمُ المُعْجِبِ ظاهِرُها، المُخَيِّبِ آخِرُها، حِينَ يُحْبِطُها الكُفْرُ، بِهَيْئَةِ زَرْعٍ أصابَتْهُ رِيحٌ بارِدَةٌ فَأهْلَكَتْهُ، تَشْبِيهُ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ. ولَمّا كانَ التَّشْبِيهُ تَمْثِيلِيًّا لَمْ يَتَوَخَّ فِيهِ مُوالاةَ ما شَبَّهَ بِهِ إنْفاقَهم لِأداةِ التَّمْثِيلِ، فَقِيلَ: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ﴾، ولَمْ يَقُلْ كَمَثَلِ حَرْثِ قَوْمٍ. والكَلامُ عَلى الرِّيحِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والصِّرُّ: البَرْدُ الشَّدِيدُ المُمِيتُ لِكُلِّ زَرْعٍ أوْ ورَقٍ يَهُبُّ عَلَيْهِ فَيَتْرُكُهُ كالمُحْتَرِقِ، ولَمْ يُعْرَفْ في كَلامِ العَرَبِ إطْلاقُ الصِّرِّ عَلى الرِّيحِ الشَّدِيدِ البَرْدِ وإنَّما الصِّرُّ اسْمُ البَرْدِ. وأمّا الصَّرْصَرُ فَهو الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ وقَدْ تَكُونُ بارِدَةً. ومَعْنى الآيَةِ غَنِيٌّ عَنِ التَّأْوِيلِ، وجَوَّزَ في الكَشّافِ أنْ يَكُونَ الصِّرُّ هُنا اسْمًا لِلرِّيحِ البارِدَةِ وجَعَلَهُ مُرادِفَ الصَّرْصَرِ. وقَدْ أقَرَّهُ الكاتِبُونَ عَلَيْهِ ولَمْ يَذْكُرْ هَذا الإطْلاقَ في الأساسِ ولا ذَكَرَهُ الرّاغِبُ. وفِي قَوْلِهِ ﴿فِيها صِرٌّ﴾ إفادَةُ شِدَّةِ بِرْدِ هَذِهِ الرِّيحِ، حَتّى كَأنَّ جِنْسَ الصِّرِّ مَظْرُوفٌ فِيها، وهي تَحْمِلُهُ إلى الحَرْثِ. والحَرْثُ هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ: أيْ مَحْرُوثُ قَوْمٍ أيْ أرْضًا مَحْرُوثَةً والمُرادُ أصابَتْ زَرْعَ حَرْثٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعانِي الحَرْثِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] في أوَّلِ السُّورَةِ. صفحة ٦٢ وقَوْلُهُ ﴿ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ إدْماجٌ في خِلالِ التَّمْثِيلِ يُكْسِبُ التَّمْثِيلَ تَفْظِيعًا وتَشْوِيهًا ولَيْسَ جُزْءًا مِنَ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها. وقَدْ يَذْكُرُ البُلَغاءُ مَعَ المُشَبَّهِ بِهِ صِفاتٍ لا يَقْصِدُونَ مِنها غَيْرَ التَّحْسِينِ أوِ التَّقْبِيحِ كَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: شُجَّتْ بِذِي شَبَمٍ مِن ماءِ مَحْنِيَةٍ صافٍ بِأبْطَحَ أضْحى وهو مَشْمُولُ تَنْفِي الرِّياحُ القَذى عَنْهُ وأفْرَطَهُ ∗∗∗ مِن صَوْبِ سارِيَةٍ بَيْضٌ يَعالِيلُ فَأجْرى عَلى الماءِ الَّذِي هو جُزْءُ المُشَبَّهِ بِهِ صِفاتٍ لا أثَرَ لَها في التَّشْبِيهِ. والسّامِعُونَ عالِمُونَ بِأنَّ عِقابَ الأقْوامِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم غايَةٌ في الشِّدَّةِ، فَذَكَرَ وصْفَهم بِظُلْمِ أنْفُسِهِمْ لِتَذْكِيرِ السّامِعِينَ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المَوْعِظَةِ، وجِيءَ بِقَوْلِهِ ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ﴾ غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ لِأنَّهُ كالبَيانِ لِقَوْلِهِ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٦] . وقَوْلُهُ ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ الضَّمائِرُ فِيهِ عائِدَةٌ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا. والمَعْنى أنَّ اللَّهَ لَمْ يَظْلِمْهم حِينَ لَمْ يَتَقَبَّلْ نَفَقاتِهِمْ بَلْ هم تَسَبَّبُوا في ذَلِكَ، إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا لِأنَّ الإيمانَ جَعَلَهُ اللَّهُ شَرْطًا في قَبُولِ الأعْمالِ، فَلَمّا أعْلَمَهم بِذَلِكَ وأنْذَرَهم لَمْ يَكُنْ عِقابُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ظُلْمًا لَهم، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ مِن نَفْيِ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ.

آل عمران 3:118

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا ودُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ . الآنَ إذْ كَشَفَ اللَّهُ دَخائِلَ مَن حَوْلَ المُسْلِمِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ، أتَمَّ كَشْفٍ، جاءَ مَوْقِعُ التَّحْذِيرِ مِن فَرِيقٍ مِنهم، والتَّحْذِيرُ مِنَ الِاغْتِرارِ بِهِمْ، والنَّهْيُ عَنِ الإلْقاءِ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ، وهَؤُلاءِ هُمُ المُنافِقُونَ، لِلْإخْبارِ عَنْهم صفحة ٦٣ بِقَوْلِهِ ﴿وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا﴾ [آل عمران: ١١٩] إلَخْ. وأكْثَرُهم مِنَ اليَهُودِ، دُونَ الَّذِينَ كانُوا مُشْرِكِينَ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ. وهَذا مَوْقِعُ الِاسْتِنْتاجِ في صِناعَةِ الخَطابَةِ بَعْدَ ذِكْرِ التَّمْهِيداتِ والإقْناعاتِ. وحَقُّهُ الِاسْتِئْنافُ الِابْتِدائِيُّ كَما هُنا. والبِطانَةُ - بِكَسْرِ الباءِ - في الأصْلِ داخِلُ الثَّوْبِ، وجَمْعُها بَطائِنُ، وفي القُرْآنِ ﴿بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وظاهِرُ الثَّوْبِ يُسَمّى الظِّهارَةُ - بِكَسْرِ الظّاءِ - والبِطانَةُ أيْضًا الثَّوْبُ الَّذِي يُجْعَلُ تَحْتَ ثَوْبٍ آخَرَ، ويُسَمّى الشِّعارَ، وما فَوْقَهُ الدِّثارَ، وفي الحَدِيثِ «الأنْصارُ شِعارٌ والنّاسُ دِثارٌ» ثُمَّ أُطْلِقَتِ البِطانَةُ عَلى صَدِيقِ الرَّجُلِ وخِصِّيصِهِ الَّذِي يَطَّلِعُ عَلى شُئُونِهِ، تَشْبِيهًا بِبِطانَةِ الثِّيابِ في شِدَّةِ القُرْبِ مِن صاحِبِها. ومَعْنى اتِّخاذِهِمْ بِطانَةً أنَّهم كانُوا يُخالِفُونَهم ويَوَدُّونَهم مِن قَبْلِ الإسْلامِ فَلَمّا أسْلَمَ مَن أسْلَمَ مِنَ الأنْصارِ بَقِيَتِ المَوَدَّةُ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن كانُوا أحْلافَهم مِنَ اليَهُودِ، ثُمَّ كانَ مِنَ اليَهُودِ مَن أظْهَرُوا الإسْلامَ، ومِنهم مَن بَقِيَ عَلى دِينِهِ. وقَوْلُهُ ﴿مِن دُونِكُمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن فِيهِ زائِدَةٌ و(دُونَ) اسْمُ مَكانٍ بِمَعْنى حَوْلَكم، وهو الِاحْتِمالُ الأظْهَرُ كَقَوْلِهِ تَعالى في نَظِيرِهِ ﴿ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً﴾ [التوبة: ١٦] ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن لِلتَّبْعِيضِ و(دُونَ) بِمَعْنى غَيْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١] مِن غَيْرِ أهْلِ مِلَّتِكم، وقَدْ عَلِمَ السّامِعُونَ أنَّ المَنهِيَّ عَنِ اتِّخاذِهِمْ بِطانَةً هُمُ الَّذِينَ كانُوا يُمَوِّهُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم مِنهم، ودَخائِلُهم تَقْتَضِي التَّحْذِيرَ مِنِ اسْتِبْطانِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ صِفَةٌ لِبِطانَةٍ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وهَذا الوَصْفُ لَيْسَ مِنَ الأوْصافِ الظّاهِرَةِ الَّتِي تُفِيدُ تَخْصِيصَ النَّكِرَةِ عَمّا شارَكَها، لَكِنَّهُ يَظْهَرُ بِظُهُورِ آثارِهِ لِلْمُتَوَسِّمِينَ. فَنَهى اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَنِ اتِّخاذِ بِطانَةٍ هَذا شَأْنُها وسَمْتُها، ووَكَلَهم إلى تَوَسُّمِ الأحْوالِ والأعْمالِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ وقَوْلُهُ ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ﴾ جُمْلَتَيْنِ في مَحَلِّ الوَصْفِ أيْضًا عَلى طَرِيقَةِ تَرْكِ عَطْفِ الصِّفاتِ، ويُومِئُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ صفحة ٦٤ أيْ: قَدْ بَيَّنّا لَكم عَلاماتِ عَداوَتِهِمْ بِتِلْكَ الصِّفاتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ فَتَتَوَسَّمُونَ تِلْكَ الصِّفاتِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي يُجْعَلُ ﴿مِن دُونِكُمْ﴾ وصْفًا، وتَكُونُ الجُمَلُ بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفاتٍ واقِعَةً مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ بِطانَةٍ مِن غَيْرِ أهْلِ مِلَّتِنا، وهَذِهِ الخِلالُ ثابِتَةٌ لَهم فَهي صالِحَةٌ لِلتَّوْصِيفِ، ولِتَعْلِيلِ النَّهْيِ. ذَلِكَ لِأنَّ العَداوَةَ النّاشِئَةَ عَنِ اخْتِلافِ الدِّينِ عَداوَةٌ مُتَأصِّلَةٌ لا سِيَّما عَداوَةُ قَوْمٍ يَرَوْنَ هَذا الدِّينَ قَدْ أبْطَلَ دِينَهم. وأزالَ حُظُوظَهم كَما سَنُبَيِّنُهُ. ومَعْنى ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ لا يُقَصِّرُونَ في خَبالِكم، والألْوُ التَّقْصِيرُ والتَّرْكُ، وفِعْلُهُ: (ألا يَأْلُو)، وقَدْ يَتَوَسَّعُونَ في هَذا الفِعْلِ فَيُعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ، لِأنَّهم ضَمَّنُوهُ مَعْنى المَنعِ فِيما يَرْغَبُ فِيهِ المَفْعُولُ، فَقالُوا لا آلُوكَ جَهْدًا، كَما قالُوا لا أدَّخِرُكَ نُصْحًا، فالظّاهِرُ أنَّهُ شاعَ ذَلِكَ الِاسْتِعْمالُ حَتّى صارَ التَّضْمِينُ مَنسِيًّا، فَلِذَلِكَ تَعَدّى إلى ما يَدُلُّ عَلى الشَّرِّ كَما يُعَدّى إلى ما يَدُلُّ عَلى الخَيْرِ، فَقالَ هُنا ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ أيْ لا يُقَصِّرُونَ في خَبالِكم، ولَيْسَ المُرادُ لا يَمْنَعُونَكم، لِأنَّ الخَبالَ لا يُرْغَبُ فِيهِ ولا يُسْألُ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ اسْتُعْمِلَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِالبِطانَةِ، لِأنَّ شَأْنَ البِطانَةِ أنْ يَسْعَوْا إلى ما فِيهِ خَيْرُ مَنِ اسْتَبْطَنَهم، فَلَمّا كانَ هَؤُلاءِ بِضِدِّ ذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ سَعْيِهِمْ بِالضُّرِّ، بِالفِعْلِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُسْتَعْمَلَ في السَّعْيِ بِالخَيْرِ. والخَبالُ اخْتِلافُ الأمْرِ وفَسادُهُ، ومِنهُ سُمِّيَ فَسادُ العَقْلِ خَبالًا، وفَسادُ الأعْضاءِ. وقَوْلُهُ ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ الوُدُّ: المَحَبَّةُ، والعَنَتُ: التَّعَبُ الشَّدِيدُ، أيْ رَغِبُوا فِيما يُعْنِتُكم وما هُنا مَصْدَرِيَّةٌ، غَيْرُ زَمانِيَّةٍ، فَفِعْلُ عَنِتُّمْ لَمّا صارَ بِمَعْنى المَصْدَرِ زالَتْ دَلالَتُهُ عَلى المُضِيِّ. ومَعْنى ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ ظَهَرَتْ مِن فَلَتاتِ أقْوالِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] فَعَبَّرَ بِالبَغْضاءِ عَنْ دَلائِلِها. صفحة ٦٥ وجُمْلَةُ ﴿وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾ حالِيَّةٌ. والآياتُ في قَوْلِهِ ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ بِمَعْنى دَلائِلِ سُوءِ نَوايا هَذِهِ البِطانَةِ كَما قالَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] ولَمْ يَزَلِ القُرْآنُ يُرَبِّي هَذِهِ الأُمَّةَ عَلى إعْمالِ الفِكْرِ، والِاسْتِدْلالِ، وتَعَرُّفِ المُسَبَّباتِ مِن أسْبابِها في سائِرِ أحْوالِها: في التَّشْرِيعِ، والمُعامَلَةِ لِيُنْشِئَها أُمَّةَ عِلْمٍ وفِطْنَةٍ، ولِكَوْنِ هَذِهِ الآياتِ آياتِ فِراسَةٍ وتَوَسُّمٍ، قالَ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أوْ تَفْقَهُونَ، لِأنَّ العَقْلَ أعَمُّ مِنَ العِلْمِ والفِقْهِ. وجُمْلَةُ ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ.

آل عمران 3:119

﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، قُصِدَ مِنهُ المُقابَلَةُ بَيْنَ خُلُقِ الفَرِيقَيْنِ، فالمُؤْمِنُونَ يُحِبُّونَ أهْلَ الكِتابِ، وأهْلُ الكِتابِ يُبْغِضُونَهم، وكُلُّ إناءٍ بِما فِيهِ يَرْشَحُ، والشَّأْنُ أنَّ المَحَبَّةَ تَجْلِبُ المَحَبَّةَ إلّا إذا اخْتَلَفَتِ المَقاصِدُ والأخْلاقُ. وتَرْكِيبُ ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ﴾ ونَظائِرِهِ مِثْلُ ها أنا تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] . ولَمّا كانَ التَّعْجِيبُ في الآيَةِ مِن مَجْمُوعِ الحالَيْنِ قَبْلَ ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ فالعَجَبُ مِن مَحَبَّةِ المُؤْمِنِينَ إيّاهم في حالِ بُغْضِهِمُ المُؤْمِنِينَ، ولا يُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ جُمْلَةٌ في هَذا التَّرْكِيبِ إلّا والقَصْدُ التَّعَجُّبُ مِن مَضْمُونِ تِلْكَ الجُمْلَةِ. وجُمْلَةُ ﴿ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ جُمْلَةُ حالٍ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في قَوْلِهِ تُحِبُّونَهم لِأنَّ مَحَلَّ التَّعَجُّبِ هو مَجْمُوعُ الحالَيْنِ. ولَيْسَ في هَذا التَّعْجِيبِ شَيْءٌ مِنَ التَّغْلِيطِ، ولَكِنَّهُ مُجَرَّدُ إيقاظٍ، ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ فَإنَّهُ كالعُذْرِ لِلْمُؤْمِنِينَ في اسْتِبْطانِهِمْ صفحة ٦٦ أهْلَ الكِتابِ بَعْدَ إيمانِ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا آمَنُوا بِجَمِيعِ رُسُلِ اللَّهِ وكُتُبِهِمْ كانُوا يَنْسُبُونَ أهْلَ الكِتابِ إلى هُدًى ذَهَبَ زَمانُهُ، وأدْخَلُوا فِيهِ التَّحْرِيفَ بِخِلافِ أهْلِ الكِتابِ إذْ يَرْمُقُونَ المُسْلِمِينَ بِعَيْنِ الِازْدِراءِ والضَّلالَةِ واتِّباعِ ما لَيْسَ بِحَقٍّ. وهَذانَ النَّظَرانِ، مِنّا ومِنهم، هُما أصْلُ تَسامُحِ المُسْلِمِينَ مَعَ قُوَّتِهِمْ، وتَصَلُّبِ أهْلِ الكِتابَيْنِ مَعَ ضَعْفِهِمْ. * * * ﴿وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ . جُمْلَةُ وتُؤْمِنُونَ مَعْطُوفَةٌ عَلى تُحِبُّونَهم كَما أنَّ جُمْلَةَ ﴿وإذا لَقُوكُمْ﴾، مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ وكُلُّها أحْوالٌ مُوَزَّعَةٌ عَلى ضَمائِرِ الخِطابِ وضَمائِرِ الغَيْبَةِ. والتَّعْرِيفُ في الكِتابِ لِلْجِنْسِ وأُكِّدَ بِصِيغَةِ المُفْرَدِ مُراعاةً لِلَفْظِهِ، وأرادَ بِهَذا جَماعَةً مِن مُنافِقِي اليَهُودِ أشْهَرُهم زَيْدُ بْنُ الصِّتِيتِ القَيْنُقاعِيُّ. والعَضُّ: شَدُّ الشَّيْءِ بِالأسْنانِ. وعَضُّ الأنامِلِ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الغَيْظِ والتَّحَسُّرِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَضَّ أنامِلَ مَحْسُوسًا، ولَكِنْ كُنِّيَ بِهِ عَنْ لازَمِهِ في المُتَعارَفِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا اضْطَرَبَ باطِنُهُ مِنَ الِانْفِعالِ صَدَرَتْ عَنْهُ أفْعالٌ تُناسِبُ ذَلِكَ الإنْفِعالَ، فَقَدْ تَكُونُ مُعِينَةً عَلى دَفْعِ انْفِعالِهِ كَقَتْلِ عَدُوِّهِ، وفي ضِدِّهِ تَقْبِيلُ مَن يُحِبُّهُ، وقَدْ تَكُونُ قاصِرَةً عَلَيْهِ يَشْفِي بِها بَعْضَ انْفِعالِهِ، كَتَخَبُّطِ الصَّبِيِّ في الأرْضِ إذا غَضِبَ، وضَرْبِ الرَّجُلِ نَفْسَهُ مِنَ الغَضَبِ، وعَضِّهِ أصابِعَهُ مِنَ الغَيْظِ، وقَرْعِهِ سِنَّهُ مِنَ النَّدَمِ، وضَرْبِ الكَفِّ بِالكَفِّ مِنَ التَّحَسُّرِ، ومِن ذَلِكَ التَّأوُّهُ والصِّياحُ ونَحْوُها، وهي ضُرُوبٌ مِن عَلاماتِ الجَزَعِ، وبَعْضُها جِبِلِّيٌّ كالصِّياحِ، وبَعْضُها عادِيٌّ يُتَعارَفُهُ النّاسُ ويَكْثُرُ بَيْنَهم، فَيَصِيرُونَ يَفْعَلُونَهُ بِدُونِ تَأمُّلٍ، وقالَ الحارِثُ بْنُ ظالِمٍ المُرِّيُّ: صفحة ٦٧ فَأقْبَلَ أقْوامٌ لِئامٌ أذِلَّةٌ يَعَضُّونَ مِن غَيْظٍ رُءُوسَ الأباهِمِ وقَوْلُهُ عَلَيْكم عَلى فِيهِ لِلتَّعْلِيلِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ ضَمِيرُ المُسْلِمِينَ، وهو مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالذّاتِ بِتَقْدِيرِ حالَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أيْ عَلى التِئامِكم وزَوالِ البَغْضاءِ، كَما فَعَلَ شاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ فَنَزَلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠] ونَظِيرُ هَذا التَّعْلِيقِ قَوْلُ الشّاعِرِ: لِتَقْرَعِنَّ عَلى السِّنِّ مِن نَدَمٍ ∗∗∗ إذا تَذَكَّرْتِ يَوْمًا بَعْضَ أخْلاقِي و﴿مِنَ الغَيْظِ﴾، مِن لِلتَّعْلِيلِ. والغَيْظُ: غَضَبٌ شَدِيدٌ يُلازِمُهُ إرادَةُ الِانْتِقامِ. وقَوْلُهُ ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ كَلامٌ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ مُخاطَبُونَ مُعَيَّنُونَ لِأنَّهُ دُعاءٌ عَلى الَّذِينَ يَعَضُّونَ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ، وهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إذا خَلَوْا، فَلا يُتَصَوَّرُ مُشافَهَتُهم بِالدُّعاءِ عَلى التَّعْيِينِ ولَكِنَّهُ كَلامٌ قُصِدَ إسْماعُهُ لِكُلِّ مَن يَعْلَمُ مِن نَفْسِهِ الِاتِّصافَ بِالغَيْظِ عَلى المُسْلِمِينَ، وهو قَرِيبٌ مِنَ الخِطابِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ عُمُومُ كُلِّ مُخاطَبٍ، نَحْوَ ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] . والدُّعاءُ عَلَيْهِمْ بِالمَوْتِ بِالغَيْظِ صَرِيحُهُ طَلَبُ مَوْتِهِمْ بِسَبَبِ غَيْظِهِمْ، وهو كِنايَةٌ عَنْ مُلازَمَةِ الغَيْظِ لَهم طُولَ حَياتِهِمْ إنْ طالَتْ أوْ قَصُرَتْ، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ دَوامِ سَبَبِ غَيْظِهِمْ، وهو حُسْنُ حالِ المُسْلِمِينَ، وانْتِظامُ أمْرِهِمْ، وازْدِيادُ خَيْرِهِمْ، وفي هَذا الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِلُزُومِ ألَمِ الغَيْظِ لَهم، وبِتَعْجِيلِ مَوْتِهِمْ بِهِ، وكُلٌّ مِنَ المَعْنَيَيْنِ المُكَنِّي بِهِما مُرادٌ هُنا، والتَّكَنِّي بِالغَيْظِ وبِالحَسَدِ عَنْ كَمالِ المُغِيظِ مِنهُ المَحْسُودِ مَشْهُورٌ، والعَرَبُ تَقُولُ: فُلانٌ مُحَسَّدٌ، أيْ هو في حالَةِ نِعْمَةٍ وكَمالٍ. * * * ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ . تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ وما بَيْنَها كالِاعْتِراضِ أيْ أنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ وهو مُطْلِعُكَ عَلى دَخائِلِهِمْ.

آل عمران 3:120

صفحة ٦٨ ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾ . زادَ اللَّهُ كَشْفًا لِما في صُدُورِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ أيْ تُصِبْكم حَسَنَةٌ والمَسُّ الإصابَةُ، ولا يَخْتَصُّ أحَدُهُما بِالخَيْرِ والآخَرُ بِالشَّرِّ، فالتَّعْبِيرُ بِأحَدِهِما في جانِبِ الحَسَنَةِ، وبِالآخَرِ في جانِبِ السَّيِّئَةِ، تَفَنُّنٌ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كالَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] - في سُورَةِ البَقَرَةِ - . والحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ هُنا الحادِثَةُ أوِ الحالَةُ الَّتِي تَحْسُنُ عِنْدَ صاحِبِها أوْ تَسُوءُ ولَيْسَ المُرادُ بِهِما هُنا الِاصْطِلاحَ الشَّرْعِيَّ. * * * ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ . أرْشَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ إلى كَيْفِيَّةِ تَلَقِّي أذى العَدُوِّ: بِأنْ يَتَلَقَّوْهُ بِالصَّبْرِ والحَذَرِ، وعَبَّرَ عَنِ الحَذَرِ بِالِاتِّقاءِ أيِ اتِّقاءَ كَيْدِهِمْ وخِداعِهِمْ، وقَوْلِهِ ﴿لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ أيْ بِذَلِكَ يَنْتَفِي الضُّرُّ كُلُّهُ لِأنَّهُ أثْبَتَ في أوَّلِ الآياتِ أنَّهم لا يَضُرُّونَ المُؤْمِنِينَ إلّا أذًى، فالأذى ضُرٌّ خَفِيفٌ، فَلَمّا انْتَفى الضُّرُّ الأعْظَمُ الَّذِي يُحْتاجُ في دَفْعِهِ إلى شَدِيدِ مُقاوَمَةٍ مِن قِتالٍ وحِراسَةٍ وإنْفاقٍ، كانَ انْتِفاءُ ما بَقِيَ مِنَ الضُّرِّ هَيِّنًا، وذَلِكَ بِالصَّبْرِ عَلى الأذى وقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِهِ، مَعَ الحَذَرِ مِنهم أنْ يَتَوَسَّلُوا بِذَلِكَ الأذى إلى ما يُوصِلُ ضُرًّا عَظِيمًا. وفي الحَدِيثِ «لا أحَدَ أصْبَرُ عَلى أذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ يَدْعُونَ لَهُ نِدًّا وهو يَرْزُقُهم» . وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ: ”لا يَضِرْكم“ بِكَسْرِ الضّادِ وسُكُونِ الرّاءِ مِن ضارَهُ يَضِيرُهُ بِمَعْنى أضَرَّهُ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ - بِضَمِّ الضّادِ صفحة ٦٩ وضَمِّ الرّاءِ مُشَدَّدَةً - مِن ضَرَّهُ يَضُرُّهُ، والضَّمَّةُ ضَمَّةُ إتْباعٍ لِحَرَكَةِ العَيْنِ عِنْدَ الإدْغامِ لِلتَّخَلُّصِ مِنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ: سُكُونِ الجَزْمِ وسُكُونِ الإدْغامِ، ويَجُوزُ في مِثْلِهِ مِنَ المَضْمُومِ العَيْنِ في المُضارِعِ ثَلاثَةُ وُجُوهٍ في العَرَبِيَّةِ: الضَّمُّ لِإتْباعِ حَرَكَةِ العَيْنِ، والفَتْحُ لِخِفَّتِهِ، والكَسْرُ لِأنَّهُ الأصْلُ في التَّخَلُّصِ مِنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ولَمْ يُقْرَأْ إلّا بِالضَّمِّ في المُتَواتِرِ.

آل عمران 3:121

﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ . وُجُودُ حَرْفِ العَطْفِ في قَوْلِهِ ﴿وإذْ غَدَوْتَ﴾ مانِعٌ مِن تَعْلِيقِ الظَّرْفِ بِبَعْضِ الأفْعالِ المُتَقَدِّمَةِ مِثْلُ ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] ومِثْلُ ﴿يَفْرَحُوا بِها﴾ [آل عمران: ١٢٠] وعَلَيْهِ فَهو آتٍ كَما أتَتْ نَظائِرُهُ في أوائِلِ الآيِ والقِصَصِ القُرْآنِيَّةِ، وهو مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ وقِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ وذَلِكَ انْتِقالٌ اقْتِضابِيٌّ فالتَّقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ غَدَوْتَ. ولا يَأْتِي في هَذا تَعَلُّقُ الظَّرْفِ بِفِعْلٍ مِمّا بَعْدَهُ لِأنَّ قَوْلَهُ تُبَوِّئُ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ مَبْدَأ الغَرَضِ، وقَوْلُهُ هَمَّتْ لا يَصْلُحُ لِتَعْلِيقِ إذْ غَدَوْتَ لِأنَّهُ مَدْخُولُ (إذْ) أُخْرى. ومُناسَبَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الوَقْعَةِ عَقِبَ ما تَقَدَّمَ أنَّها مِن أوْضَحِ مَظاهِرِ كَيْدِ المُخالِفِينَ في الدِّينِ، والمُنافِقِينَ، ولَمّا كانَ شَأْنُ المُنافِقِينَ وأهْلِ يَثْرِبَ واحِدًا، ودَخِيلَتُهُما سَواءً، وكانُوا يَعْمَلُونَ عَلى ما تُدَبِّرُهُ اليَهُودُ، جَمَعَ اللَّهُ مَكائِدَ الفَرِيقَيْنِ بِذِكْرِ غَزْوَةِ أُحُدٍ، وكانَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ عَقِبَ غَزْوَةِ أُحُدٍ كَما تَقَدَّمَ. فَهَذِهِ الآياتُ تُشِيرُ إلى وقْعَةِ أُحُدٍ الكائِنَةِ في شَوّالٍ سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ، حِينَ نَزَلَ مُشْرِكُو مَكَّةَ ومَن مَعَهم مِن أحْلافِهِمْ سَفْحَ جَبَلِ أُحُدٍ، حَوْلَ المَدِينَةِ، لِأخْذِ الثَّأْرِ بِما نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الهَزِيمَةِ، فاسْتَشارَ صفحة ٧٠ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أصْحابَهُ فِيما يَفْعَلُونَ وفِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ رَأْسُ المُنافِقِينَ، فَأشارَ جُمْهُورُهم بِالتَّحَصُّنِ بِالمَدِينَةِ حَتّى إذا دَخَلَ عَلَيْهِمُ المُشْرِكُونَ المَدِينَةَ قاتَلُوهم في الدِّيارِ والحُصُونِ فَغَلَبُوهم، وإذا رَجَعُوا رَجَعُوا خائِبِينَ، وأشارَ فَرِيقٌ بِالخُرُوجِ ورَغِبُوا في الجِهادِ وألَحُّوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخَذَ النَّبِيءُ ﷺ بِرَأْيِ المُشِيرِينَ بِالخُرُوجِ، ولَبِسَ لَأْمَتَهُ ثُمَّ عَرَضَ لِلْمُسْلِمِينَ تَرَدُّدٌ في الخُرُوجِ فَراجَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ «لا يَنْبَغِي لِنَبِيءٍ أنْ يَلْبَسَ لَأْمَتَهُ فَيَضَعَها حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَدُوِّهِ» . وخَرَجَ بِالمُسْلِمِينَ إلى جَبَلِ أُحُدٍ وكانَ الجَبَلُ وراءَهم، وصَفَّهم لِلْحَرْبِ، وانْكَشَفَتِ الحَرْبُ عَنْ هَزِيمَةٍ خَفِيفَةٍ لَحِقَتِ المُسْلِمِينَ بِسَبَبِ مَكِيدَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ رَأْسِ المُنافِقِينَ، إذِ انْخَزَلَ هو وثُلُثُ الجَيْشِ، وكانَ عَدَدُ جَيْشِ المُسْلِمِينَ سَبْعَمِائَةٍ، وعَدَدُ جَيْشِ أهْلِ مَكَّةَ ثَلاثَةَ آلافٍ، وهَمَّتْ بَنُو سَلَمَةَ وبَنُو حارِثَةَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِالِانْخِزالِ، ثُمَّ عَصَمَهُمُ اللَّهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ أيْ ناصِرُهُما عَلى ذَلِكَ الهَمِّ الشَّيْطانِيِّ، الَّذِي لَوْ صارَ عَزْمًا لَكانَ سَبَبَ شَقائِهِما، فَلِعِنايَةِ اللَّهِ بِهِما بَرَّأهُما اللَّهُ مِن فِعْلِ ما هَمَّتا بِهِ، وفي البُخارِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: نَحْنُ الطّائِفَتانِ بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلَمَةَ وفِينا نَزَلَتْ ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا﴾ وما يَسُرُّنِي أنَّها لَمْ تَنْزِلْ واللَّهُ يَقُولُ ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ وانْكَشَفَتِ الواقِعَةُ عَنْ مَرْجُوحِيَّةِ المُسْلِمِينَ إذْ قُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ، وقُتِلَ مِنَ المُشْرِكِينَ نَيِّفٌ وعِشْرُونَ وقالَ أبُو سُفْيانَ: يَوْمَئِذٍ: (اعْلُ هُبْلُ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ والحَرْبُ سِجالٌ) وقُتِلَ حَمْزَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ومَثَّلَتْ بِهِ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، زَوْجُ أبِي سُفْيانَ، إذْ بَقَرَتْ عَنْ بَطْنِهِ وقَطَعَتْ قِطْعَةً مِن كَبِدِهِ لِتَأْكُلَها لِإحْنَةٍ كانَتْ في قَلْبِها عَلَيْهِ إذْ قَتَلَ أباها عُتْبَةَ يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ أسْلَمَتْ بَعْدُ وحَسُنَ إسْلامُها. وشُجَّ وجْهُ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَئِذٍ وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ. والغُدُوُّ: الخُرُوجُ في وقْتِ الغَداةِ. و(مِن) في قَوْلِهِ (مِن أهْلِكَ) ابْتِدائِيَّةٌ. صفحة ٧١ والأهْلُ: الزَّوْجُ. والكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ (غَدَوْتَ) أيْ: مِن بَيْتِ أهْلِكَ وهو بَيْتُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - . و(تُبَوِّئُ) تَجْعَلُ مَباءً أيْ مَكانَ بَوْءٍ. والبَوْءُ: الرُّجُوعُ، وهو هُنا المَقَرُّ لِأنَّهُ يَبُوءُ إلَيْهِ صاحِبُهُ. وانْتَصَبَ المُؤْمِنِينَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِـ (تُبَوِّئُ) و(مَقاعِدَ) مَفْعُولٌ ثانٍ إجْراءً لِفِعْلِ تُبَوِّئُ مَجْرى تُعْطِي. والمَقاعِدُ جَمْعُ مَقْعَدٍ. وهو مَكانُ القُعُودِ أيِ الجُلُوسِ عَلى الأرْضِ، والقُعُودُ ضِدُّ الوُقُوفِ والقِيامِ، وإضافَةُ مَقاعِدَ لِاسْمِ القِتالِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّهُ أطْلَقَ عَلى المَواضِعِ اللّائِقَةِ بِالقِتالِ الَّتِي يَثْبُتُ فِيها الجَيْشُ ولا يَنْتَقِلُ عَنْها لِأنَّها لائِقَةٌ بِحَرَكاتِهِ، فَأطْلَقَ المَقاعِدَ هُنا عَلى مَواضِعِ القَرارِ كِنايَةً، أوْ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ، وشاعَ ذَلِكَ في الكَلامِ حَتّى ساوى المَقَرَّ والمَكانَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥] . واعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ مَقاعِدَ جَرى فِيها عَلى الشَّرِيفِ الرَّضِيِّ نَقْدٌ إذْ قالَ في رِثاءِ أبِي إسْحاقَ الصّابِئِ: أعْزِزْ عَلَيَّ بِأنْ أراكَ وقَدْ خَلا عَنْ جانِبَيْكَ مَقاعِدُ العُوّادِ ذَكَرَ ابْنُ الأثِيرِ في المَثَلِ السّائِرِ أنَّ ابْنَ سِنانٍ قالَ: إيرادُهُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ في هَذا المَوْضِعِ صَحِيحٌ إلّا أنَّهُ مُوافِقٌ لِما يُكْرَهُ ذِكْرُهُ لا سِيَّما وقَدْ أضافَهُ إلى مَن تَحْتَمِلُ إضافَتُهُ إلَيْهِ وهُمُ العُوّادُ، ولَوِ انْفَرَدَ لَكانَ الأمْرُ سَهْلًا. وقالَ ابْنُ الأثِيرِ: قَدْ جاءَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ في القُرْآنِ فَجاءَتْ مَرْضِيَّةً وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ ألا تَرى أنَّها في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ مُضافَةٍ إلى مَن تَقْبُحُ إضافَتُها إلَيْهِ.

آل عمران 3:122

﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ . وُجُودُ حَرْفِ العَطْفِ في قَوْلِهِ ﴿وإذْ غَدَوْتَ﴾ مانِعٌ مِن تَعْلِيقِ الظَّرْفِ بِبَعْضِ الأفْعالِ المُتَقَدِّمَةِ مِثْلُ ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] ومِثْلُ ﴿يَفْرَحُوا بِها﴾ [آل عمران: ١٢٠] وعَلَيْهِ فَهو آتٍ كَما أتَتْ نَظائِرُهُ في أوائِلِ الآيِ والقِصَصِ القُرْآنِيَّةِ، وهو مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ وقِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ وذَلِكَ انْتِقالٌ اقْتِضابِيٌّ فالتَّقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ غَدَوْتَ. ولا يَأْتِي في هَذا تَعَلُّقُ الظَّرْفِ بِفِعْلٍ مِمّا بَعْدَهُ لِأنَّ قَوْلَهُ تُبَوِّئُ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ مَبْدَأ الغَرَضِ، وقَوْلُهُ هَمَّتْ لا يَصْلُحُ لِتَعْلِيقِ إذْ غَدَوْتَ لِأنَّهُ مَدْخُولُ (إذْ) أُخْرى. ومُناسَبَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الوَقْعَةِ عَقِبَ ما تَقَدَّمَ أنَّها مِن أوْضَحِ مَظاهِرِ كَيْدِ المُخالِفِينَ في الدِّينِ، والمُنافِقِينَ، ولَمّا كانَ شَأْنُ المُنافِقِينَ وأهْلِ يَثْرِبَ واحِدًا، ودَخِيلَتُهُما سَواءً، وكانُوا يَعْمَلُونَ عَلى ما تُدَبِّرُهُ اليَهُودُ، جَمَعَ اللَّهُ مَكائِدَ الفَرِيقَيْنِ بِذِكْرِ غَزْوَةِ أُحُدٍ، وكانَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ عَقِبَ غَزْوَةِ أُحُدٍ كَما تَقَدَّمَ. فَهَذِهِ الآياتُ تُشِيرُ إلى وقْعَةِ أُحُدٍ الكائِنَةِ في شَوّالٍ سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ، حِينَ نَزَلَ مُشْرِكُو مَكَّةَ ومَن مَعَهم مِن أحْلافِهِمْ سَفْحَ جَبَلِ أُحُدٍ، حَوْلَ المَدِينَةِ، لِأخْذِ الثَّأْرِ بِما نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الهَزِيمَةِ، فاسْتَشارَ صفحة ٧٠ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أصْحابَهُ فِيما يَفْعَلُونَ وفِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ رَأْسُ المُنافِقِينَ، فَأشارَ جُمْهُورُهم بِالتَّحَصُّنِ بِالمَدِينَةِ حَتّى إذا دَخَلَ عَلَيْهِمُ المُشْرِكُونَ المَدِينَةَ قاتَلُوهم في الدِّيارِ والحُصُونِ فَغَلَبُوهم، وإذا رَجَعُوا رَجَعُوا خائِبِينَ، وأشارَ فَرِيقٌ بِالخُرُوجِ ورَغِبُوا في الجِهادِ وألَحُّوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخَذَ النَّبِيءُ ﷺ بِرَأْيِ المُشِيرِينَ بِالخُرُوجِ، ولَبِسَ لَأْمَتَهُ ثُمَّ عَرَضَ لِلْمُسْلِمِينَ تَرَدُّدٌ في الخُرُوجِ فَراجَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ «لا يَنْبَغِي لِنَبِيءٍ أنْ يَلْبَسَ لَأْمَتَهُ فَيَضَعَها حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَدُوِّهِ» . وخَرَجَ بِالمُسْلِمِينَ إلى جَبَلِ أُحُدٍ وكانَ الجَبَلُ وراءَهم، وصَفَّهم لِلْحَرْبِ، وانْكَشَفَتِ الحَرْبُ عَنْ هَزِيمَةٍ خَفِيفَةٍ لَحِقَتِ المُسْلِمِينَ بِسَبَبِ مَكِيدَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ رَأْسِ المُنافِقِينَ، إذِ انْخَزَلَ هو وثُلُثُ الجَيْشِ، وكانَ عَدَدُ جَيْشِ المُسْلِمِينَ سَبْعَمِائَةٍ، وعَدَدُ جَيْشِ أهْلِ مَكَّةَ ثَلاثَةَ آلافٍ، وهَمَّتْ بَنُو سَلَمَةَ وبَنُو حارِثَةَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِالِانْخِزالِ، ثُمَّ عَصَمَهُمُ اللَّهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ أيْ ناصِرُهُما عَلى ذَلِكَ الهَمِّ الشَّيْطانِيِّ، الَّذِي لَوْ صارَ عَزْمًا لَكانَ سَبَبَ شَقائِهِما، فَلِعِنايَةِ اللَّهِ بِهِما بَرَّأهُما اللَّهُ مِن فِعْلِ ما هَمَّتا بِهِ، وفي البُخارِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: نَحْنُ الطّائِفَتانِ بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلَمَةَ وفِينا نَزَلَتْ ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا﴾ وما يَسُرُّنِي أنَّها لَمْ تَنْزِلْ واللَّهُ يَقُولُ ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ وانْكَشَفَتِ الواقِعَةُ عَنْ مَرْجُوحِيَّةِ المُسْلِمِينَ إذْ قُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ، وقُتِلَ مِنَ المُشْرِكِينَ نَيِّفٌ وعِشْرُونَ وقالَ أبُو سُفْيانَ: يَوْمَئِذٍ: (اعْلُ هُبْلُ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ والحَرْبُ سِجالٌ) وقُتِلَ حَمْزَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ومَثَّلَتْ بِهِ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، زَوْجُ أبِي سُفْيانَ، إذْ بَقَرَتْ عَنْ بَطْنِهِ وقَطَعَتْ قِطْعَةً مِن كَبِدِهِ لِتَأْكُلَها لِإحْنَةٍ كانَتْ في قَلْبِها عَلَيْهِ إذْ قَتَلَ أباها عُتْبَةَ يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ أسْلَمَتْ بَعْدُ وحَسُنَ إسْلامُها. وشُجَّ وجْهُ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَئِذٍ وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ. والغُدُوُّ: الخُرُوجُ في وقْتِ الغَداةِ. و(مِن) في قَوْلِهِ (مِن أهْلِكَ) ابْتِدائِيَّةٌ. صفحة ٧١ والأهْلُ: الزَّوْجُ. والكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ (غَدَوْتَ) أيْ: مِن بَيْتِ أهْلِكَ وهو بَيْتُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - . و(تُبَوِّئُ) تَجْعَلُ مَباءً أيْ مَكانَ بَوْءٍ. والبَوْءُ: الرُّجُوعُ، وهو هُنا المَقَرُّ لِأنَّهُ يَبُوءُ إلَيْهِ صاحِبُهُ. وانْتَصَبَ المُؤْمِنِينَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِـ (تُبَوِّئُ) و(مَقاعِدَ) مَفْعُولٌ ثانٍ إجْراءً لِفِعْلِ تُبَوِّئُ مَجْرى تُعْطِي. والمَقاعِدُ جَمْعُ مَقْعَدٍ. وهو مَكانُ القُعُودِ أيِ الجُلُوسِ عَلى الأرْضِ، والقُعُودُ ضِدُّ الوُقُوفِ والقِيامِ، وإضافَةُ مَقاعِدَ لِاسْمِ القِتالِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّهُ أطْلَقَ عَلى المَواضِعِ اللّائِقَةِ بِالقِتالِ الَّتِي يَثْبُتُ فِيها الجَيْشُ ولا يَنْتَقِلُ عَنْها لِأنَّها لائِقَةٌ بِحَرَكاتِهِ، فَأطْلَقَ المَقاعِدَ هُنا عَلى مَواضِعِ القَرارِ كِنايَةً، أوْ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ، وشاعَ ذَلِكَ في الكَلامِ حَتّى ساوى المَقَرَّ والمَكانَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥] . واعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ مَقاعِدَ جَرى فِيها عَلى الشَّرِيفِ الرَّضِيِّ نَقْدٌ إذْ قالَ في رِثاءِ أبِي إسْحاقَ الصّابِئِ: أعْزِزْ عَلَيَّ بِأنْ أراكَ وقَدْ خَلا عَنْ جانِبَيْكَ مَقاعِدُ العُوّادِ ذَكَرَ ابْنُ الأثِيرِ في المَثَلِ السّائِرِ أنَّ ابْنَ سِنانٍ قالَ: إيرادُهُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ في هَذا المَوْضِعِ صَحِيحٌ إلّا أنَّهُ مُوافِقٌ لِما يُكْرَهُ ذِكْرُهُ لا سِيَّما وقَدْ أضافَهُ إلى مَن تَحْتَمِلُ إضافَتُهُ إلَيْهِ وهُمُ العُوّادُ، ولَوِ انْفَرَدَ لَكانَ الأمْرُ سَهْلًا. وقالَ ابْنُ الأثِيرِ: قَدْ جاءَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ في القُرْآنِ فَجاءَتْ مَرْضِيَّةً وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ ألا تَرى أنَّها في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ مُضافَةٍ إلى مَن تَقْبُحُ إضافَتُها إلَيْهِ.

آل عمران 3:123

﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوَّمِينَ﴾ . صفحة ٧٢ إذْ قَدْ كانَتْ وقْعَةُ أُحُدٍ لَمْ تَنْكَشِفْ عَنْ نَصْرِ المُسْلِمِينَ، عَقَّبَ اللَّهُ ذِكْرَها بِأنْ ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى نَصْرَهُ إيّاهُمُ النَّصْرَ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهم يَوْمَ بَدْرٍ، وهو نَصْرٌ عَظِيمٌ إذْ كانَ نَصْرَ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ عَلى جَيْشٍ كَثِيرٍ، ذِي عُدَدٍ وافِرَةٍ، وكانَ قَتْلى المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ سادَةَ قُرَيْشٍ، وأيِمَّةَ الشِّرْكِ، وحَسْبُكَ بِأبِي جَهْلِ ابْنِ هِشامٍ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ أيْ ضُعَفاءُ. والذُّلُّ ضِدُّ العِزِّ فَهو الوَهَنُ والضَّعْفُ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ انْهِزامَ يَوْمِ أُحُدٍ لا يَفِلُّ حِدَّةَ المُسْلِمِينَ لِأنَّهم صارُوا أعِزَّةً. والحَرْبُ سِجالٌ. وقَوْلُهُ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ ومُتَعَلِّقِ فِعْلِها أعْنِي ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ . والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ والفاءُ تَقَعُ في الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ عَلى الأصَحِّ، خِلافًا لِمَن مَنَعَ ذَلِكَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ. . فَإنَّهُ لَمّا ذَكَّرَهم بِتِلْكَ المِنَّةِ العَظِيمَةِ ذَكَّرَهم بِأنَّها سَبَبٌ لِلشُّكْرِ فَأمَرَهم بِالشُّكْرِ بِمُلازَمَةِ التَّقْوى تَأدُّبًا بِنِسْبَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] . ومِنَ الشُّكْرِ عَلى ذَلِكَ النَّصْرِ أنْ يَثْبُتُوا في قِتالِ العَدُوِّ، وامْتِثالُ أمْرِ النَّبِيءِ ﷺ، وأنْ لا تَفُلَّ حِدَّتَهم هَزِيمَةُ يَوْمِ أُحُدٍ. وظَرْفُ ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ زَمانِيٌّ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ (نَصَرَكم) لِأنَّ الوَعْدَ بِنَصْرِهِ المَلائِكَةَ والمُؤْمِنِينَ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ لا يَوْمَ أُحُدٍ. هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. وخُصَّ هَذا الوَقْتُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ كانَ وقْتَ ظُهُورِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ وهَذِهِ النِّعْمَةِ، فَكانَ جَدِيرًا بِالتَّذْكِيرِ والِامْتِنانِ. والمَعْنى: إذْ تَعِدُ المُؤْمِنِينَ بِإمْدادِ اللَّهِ بِالمَلائِكَةِ، فَما كانَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لَهم تِلْكَ المَقالَةَ إلّا بِوَعْدٍ أوْحاهُ اللَّهُ إلَيْهِ أنْ يَقُولَهُ. صفحة ٧٣ والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ تَقْرِيرِيٌّ، والتَّقْرِيرِيُّ يَكْثُرُ أنْ يُورَدَ عَلى النَّفْيِ، كَما قَدَّمْنا بَيانَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإنَّما جِيءَ في النَّفْيِ بِحَرْفِ (لَنْ) الَّذِي يُفِيدُ تَأْكِيدَ النَّفْيِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم كانُوا يَوْمَ بَدْرٍ لِقِلَّتِهِمْ، وضَعْفِهِمْ، مَعَ كَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ، وشَوْكَتِهِ، كالآيِسِينَ مِن كِفايَةِ هَذا المَدَدِ مِنَ المَلائِكَةِ، فَأوْقَعَ الِاسْتِفْهامَ التَّقْرِيرِيَّ عَلى ذَلِكَ لِيَكُونَ تَلْقِينًا لِمَن يُخالِجُ نَفْسَهُ اليَأْسُ مِن كِفايَةِ ذَلِكَ العَدَدِ مِنَ المَلائِكَةِ، بِأنْ يُصَرِّحَ بِما في نَفْسِهِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ لازِمُهُ، وهَذا إثْباتُ أنَّ ذَلِكَ العَدَدَ كافٍ. ولِأجْلِ كَوْنِ الِاسْتِفْهامِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ كانَ جَوابُهُ مِن قِبَلِ السّائِلِ بِقَوْلِهِ بَلى لِأنَّهُ مِمّا لا تَسَعُ المُماراةُ فِيهِ كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩] - في سُورَةِ الأنْعامِ -، فَكانَ بَلى إبْطالًا لِلنَّفْيِ، وإثْباتًا لِكَوْنِ ذَلِكَ العَدَدِ كافِيًا، وهو مِن تَمامِ مَقالَةِ النَّبِيءِ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقَدْ جاءَ - في سُورَةِ الأنْفالِ - عِنْدَ ذِكْرِهِ وقْعَةَ بَدْرٍ أنَّ اللَّهَ وعَدَهم بِمَدَدٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَدَدُهُ ألْفٌ بِقَوْلِهِ (﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]) وذَكَرَ هُنا أنَّ اللَّهَ وعَدَهم بِثَلاثَةِ آلافٍ ثُمَّ صَيَّرَهم إلى خَمْسَةِ آلافٍ. ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ أنَّ اللَّهَ وعَدَهم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ وأطْمَعَهم بِالزِّيادَةِ بِقَوْلِهِ مُرْدَفِينَ أيْ مُرْدَفِينَ بِعَدَدٍ آخَرَ، ودَلَّ كَلامُهُ هُنا عَلى أنَّهم لَمْ يَزالُوا وجِلِينَ مِن كَثْرَةِ عَدَدِ العَدُوِّ، فَقالَ لَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ ﴿ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ أرادَ اللَّهُ بِذَلِكَ زِيادَةَ تَثْبِيتِهِمْ ثُمَّ زادَهم ألْفَيْنِ إنْ صَبَرُوا واتَّقَوْا. وبِهَذا الوَجْهِ فَسَرَّ الجُمْهُورُ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ. وقَدْ ثَبَتَ أنَّ المَلائِكَةَ نَزَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ لِنُصْرَةِ المُؤْمِنِينَ، وشاهَدَ بَعْضُ الصَّحابَةِ طائِفَةً مِنهم، وبَعْضُهم شَهِدَ آثارَ قَتْلِهِمْ رِجالًا مِنَ المُشْرِكِينَ. صفحة ٧٤ ووَصَفَ المَلائِكَةَ بِـ (مُنْزَلِينَ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم يَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ في مَوْقِعِ القِتالِ عِنايَةً بِالمُسْلِمِينَ، قالَ تَعالى: ﴿ما تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: مُنْزَلِينَ - بِسُكُونِ النُّونِ وتَخْفِيفِ الزّايِ - وأنْزَلَ ونَزَّلَ بِمَعْنًى واحِدٍ. فالضَّمِيرانِ: المَرْفُوعُ والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ ﴿ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ﴾ عائِدانِ إلى المَلائِكَةِ الَّذِينَ جَرى الكَلامُ عَلَيْهِمْ، كَما هو الظّاهِرُ، وعَلى هَذا حَمَلَهُ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وعَلَيْهِ فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ (ويَأْتُوكم) مَوْقِعُ وعْدٍ، فَهو في المَعْنى مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكُمْ﴾ وكانَ حَقُّهُ أنْ يَرِدَ بَعْدَهُ، ولَكِنَّهُ قُدِّمَ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، تَعْجِيلًا لِلطُّمَأْنِينَةِ إلى نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ تَقْدِيمُهُ مِن تَقْدِيمِ المَعْطُوفِ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وإذا جازَ ذَلِكَ التَّقْدِيمُ في عَطْفِ المُفْرَداتِ كَما في قَوْلِ صَنّانِ بْنِ عَبّادٍ اليَشْكُرِيِّ: ثُمَّ اشْتَكَيْتُ لْأشْكانِي وساكِنُهُ قَبْرٌ بِسِنْجارَ أوْ قَبْرٌ عَلى قَهَدِ قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ في شَرْحِ أبْياتِ الحَماسَةِ: قُدِّمَ المَعْطُوفُ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وحَسَّنَهُ شِدَّةُ الِاتِّصالِ بَيْنَ الفِعْلِ ومَرْفُوعِهِ: أيْ فالعامِلُ وهو الفِعْلُ آخِذٌ حَظَّهُ مِنَ التَّقْدِيمِ ولا التِفاتَ لِكَوْنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ مُؤَخَّرًا عَنِ المَعْطُوفِ ولَوْ قُلْتَ: ضَرَبْتُ وزَيْدًا عَمْرًا كانَ أضْعَفَ، لِأنَّ اتِّصالَ المَفْعُولِ بِالفِعْلِ لَيْسَ في قُوَّةِ اتِّصالِ الفاعِلِ بِهِ، ولَكِنْ لَوْ قُلْتَ: مَرَرْتُ وزَيْدٌ بِعَمْرٍو، لَمْ يَجُزْ مِن جِهَةِ أنَّكَ لَمْ تُقَدِّمِ العامِلَ، وهو الباءُ، عَلى حَرْفِ العَطْفِ. ومِن تَقْدِيمِ المَفْعُولِ بِهِ قَوْلُ زَيْدٍ: جَمَعْتَ وعَيْبًا غِيبَةً ونَمِيمَةً ∗∗∗ ثَلاثَ خِصالٍ لَسْتَ عَنْها بِمُرْعَوِي ومِنهُ قَوْلُ آخَرَ: لَعَنَ الإلَهُ وزَوْجَها مَعَها ∗∗∗ هِنْدَ الهُنُودِ طَوِيلَةَ الفِعْلِ صفحة ٧٥ ولا يَجُوزُ وعَيْبًا جَمَعْتَ غِيبَةً ونَمِيمَةً. وأمّا قَوْلُهُ: عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ السَّلامُ فَمِمّا قَرُبَ مَأْخَذُهُ عَنْ سِيبَوَيْهِ، ولَكِنَّ الجَماعَةَ لَمْ تَتَلَقَّ هَذا البَيْتَ إلّا عَلى اعْتِقادِ التَّقْدِيمِ فِيهِ، ووافَقَهُ المَرْزُوقِيُّ عَلى ذَلِكَ، ولَيْسَ في كَلامِهِما أنَّ تَقْدِيمَ المَعْطُوفِ في مِثْلِ ما حَسُنَ تَقْدِيمُهُ فِيهِ خاصٌّ بِالضَّرُورَةِ في الشِّعْرِ، فَلِذَلِكَ خَرَّجْنا عَلَيْهِ هَذا الوَجْهَ في الآيَةِ وهو مِن عَطْفِ الجُمَلِ، عَلى أنَّ عَطْفَ الجُمَلِ أوْسَعُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ لِأنَّهُ عَطْفٌ صُورِيٌّ. ووَقَعَ في مُغْنِي اللَّبِيبِ - في حَرْفِ الواوِ - أنَّ تَقْدِيمَ مَعْطُوفِها عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ ضَرُورَةٌ، وسَبَقَهُ إلى ذَلِكَ ابْنُ السِّيدِ في شَرْحِ أبْياتِ الجُمَلِ، والتَّفْتَزانِيُّ في شَرْحِ المِفْتاحِ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ الدَّمامِينِيُّ في تُحْفَةِ الغَرِيبِ. وجَعَلَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ ضَمِيرَيِ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ﴾ عائِدَيْنَ إلى طائِفَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، بَلَغَ المُسْلِمِينَ أنَّهم سَيَمُدُّونَ جَيْشَ العَدُوِّ يَوْمَ بَدْرٍ، وهم كُرْزُ بْنُ جابِرٍ المُحارِبِيُّ، ومَن مَعَهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ وخافُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ الآيَةَ، وعَلَيْهِ دَرَجَ الكَشّافُ ومُتابِعُوهُ. فَيَكُونُ مُعادُ الضَّمِيرَيْنِ غَيْرَ مَذْكُورٍ في الكَلامِ، ولَكِنَّهُ مَعْلُومٌ لِلنّاسِ الَّذِينَ حَضَرُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ ويَأْتُوكم مَعْطُوفًا عَلى الشَّرْطِ: أيْ إنْ صَبَرْتُمْ واتَّقَيْتُمْ وأتاكم كُرْزٌ وأصْحابُهُ يُعاوِنُونَ المُشْرِكِينَ عَلَيْكم يُمْدِدْكم رَبُّكم بِأكْثَرِ مِن ألْفٍ ومِن ثَلاثَةِ آلافٍ بِخَمْسَةِ آلافٍ، قالُوا: فَبَلَغَتْ كُرْزًا وأصْحابَهُ هَزِيمَةُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ فَعَدَلَ عَنْ إمْدادِهِمْ فَلَمْ يُمِدَّهُمُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ، أيْ بِالمَلائِكَةِ الزّائِدِينَ عَلى الألْفِ. وقِيلَ: لَمْ يُمِدَّهم بِمَلائِكَةٍ أصْلًا، والآثارُ تَشْهَدُ بِخِلافِ ذَلِكَ. وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الأوَّلِينَ: مِثْلُ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ والزُّهْرِيِّ: إلى أنَّ القَوْلَ المَحْكِيَّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قَوْلٌ صادِرٌ يَوْمَ أُحُدٍ، قالُوا وعَدَهُمُ اللَّهُ بِالمَدَدِ مِنَ المَلائِكَةِ عَلى شَرْطِ أنْ يَصْبِرُوا، فَلَمّا لَمْ يَصْبِرُوا صفحة ٧٦ واسْتَبَقُوا إلى طَلَبِ الغَنِيمَةِ لَمْ يُمْدِدْهُمُ اللَّهُ ولا بِمَلَكٍ واحِدٍ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بَدَلًا مِن وإذْ غَدَوْتَ وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ويَأْتُوكم مُقَدَّمَةً عَلى المَعْطُوفَةِ هي عَلَيْها، لِلْوَجْهِ المُتَقَدِّمِ مِن تَحْقِيقِ سُرْعَةِ النَّصْرِ، ويَكُونُ القَوْلُ في إعْرابِ ويَأْتُوكم عَلى ما ذَكَرْناهُ آنِفًا مِنَ الوَجْهَيْنِ. ومَعْنى ﴿مِن فَوْرِهِمْ هَذا﴾ المُبادَرَةُ السَّرِيعَةُ، فَإنَّ الفَوْرَ المُبادَرَةُ إلى الفِعْلِ، وإضافَةُ الفَوْرِ إلى ضَمِيرِ الآتِينَ لِإفادَةِ شِدَّةِ اخْتِصاصِ الفَوْرِ بِهِمْ، أيْ شِدَّةِ اتِّصافِهِمْ بِهِ حَتّى صارَ يُعْرَفُ بِأنَّهُ فَوْرُهم، ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهم خَرَجَ مِن فَوْرِهِ. ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ هَذا إلى الفَوْرِ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ القَرِيبِ، وتِلْكَ كِنايَةٌ أوِ اسْتِعارَةٌ لِكَوْنِهِ عاجِلًا. و(مُسَوَّمِينَ) قَرَأهُ الجُمْهُورُ - بِفَتْحِ الواوِ - عَلى صِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ مِن سَوَّمَهُ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، ويَعْقُوبُ - بِكَسْرِ الواوِ - بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ. وهو مُشْتَقٌّ مِنَ السُّومَةِ - بِضَمِّ السِّينِ - وهي العَلامَةُ مَقْلُوبُ سِمَةٍ لِأنَّ أصْلَ سِمَةٍ، وسْمَةٌ. وتُطْلَقُ السُّومَةُ عَلى عَلامَةٍ يَجْعَلُها البَطَلُ لِنَفْسِهِ في الحَرْبِ مِن صُوفٍ أوْ رِيشٍ مُلَوَّنٍ، يَجْعَلُها عَلى رَأْسِهِ أوْ عَلى رَأْسِ فَرَسِهِ، يَرْمُزُ بِها إلى أنَّهُ لا يَتَّقِي أنْ يَعْرِفَهُ أعْداؤُهُ، فَيُسَدِّدُوا إلَيْهِ سِهامَهم، أوْ يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ بِسُيُوفِهِمْ، فَهو يَرْمُزُ بِها إلى أنَّهُ واثِقٌ بِحِمايَتِهِ نَفْسَهُ بِشَجاعَتِهِ، وصِدْقِ لِقائِهِ، وأنَّهُ لا يَعْبَأُ بِغَيْرِهِ مِنَ العَدُوِّ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. وصِيغَةُ التَّفْعِيلِ والِاسْتِفْعالِ تَكْثُرانِ في اشْتِقاقِ الأفْعالِ مِنَ الأسْماءِ الجامِدَةِ. ووَصْفُ المَلائِكَةِ بِذَلِكَ كِنايَةٌ عَلى كَوْنِهِمْ شِدادًا. وأحْسَبُ أنَّ الأعْدادَ المَذْكُورَةَ هُنا مُناسِبَةٌ لِجَيْشِ العَدُوِّ لِأنَّ جَيْشَ العَدُوِّ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ ألْفًا فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ بِمَدَدِ ألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَلَمّا خَشُوا أنْ يَلْحَقَ بِالعَدُوِّ مَدَدٌ مِن كُرْزٍ المُحارِبِيِّ. وعَدَهُمُ اللَّهُ بِثَلاثَةِ آلافٍ أيْ بِجَيْشٍ لَهُ قَلْبٌ صفحة ٧٧ ومَيْمَنَةٌ ومَيْسَرَةٌ كُلُّ رُكْنٍ مِنها ألْفٌ، ولَمّا لَمْ تَنْقَشِعْ خَشْيَتُهم مِن إمْدادِ المُشْرِكِينَ لِأعْدائِهِمْ وعَدَهُمُ اللَّهُ بِخَمْسَةِ آلافٍ، وهو جَيْشٌ عَظِيمٌ لَهُ قَلْبٌ ومَيْمَنَةٌ ومَيْسَرَةٌ ومُقَدِّمَةٌ وساقَةٌ، وذَلِكَ هو الخَمِيسُ، وهو أعْظَمُ تَرْكِيبًا وجَعَلَ كُلَّ رُكْنٍ مِنهُ مُساوِيًا لِجَيْشِ العَدُوِّ كُلِّهِ.

آل عمران 3:124

﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوَّمِينَ﴾ . صفحة ٧٢ إذْ قَدْ كانَتْ وقْعَةُ أُحُدٍ لَمْ تَنْكَشِفْ عَنْ نَصْرِ المُسْلِمِينَ، عَقَّبَ اللَّهُ ذِكْرَها بِأنْ ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى نَصْرَهُ إيّاهُمُ النَّصْرَ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهم يَوْمَ بَدْرٍ، وهو نَصْرٌ عَظِيمٌ إذْ كانَ نَصْرَ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ عَلى جَيْشٍ كَثِيرٍ، ذِي عُدَدٍ وافِرَةٍ، وكانَ قَتْلى المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ سادَةَ قُرَيْشٍ، وأيِمَّةَ الشِّرْكِ، وحَسْبُكَ بِأبِي جَهْلِ ابْنِ هِشامٍ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ أيْ ضُعَفاءُ. والذُّلُّ ضِدُّ العِزِّ فَهو الوَهَنُ والضَّعْفُ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ انْهِزامَ يَوْمِ أُحُدٍ لا يَفِلُّ حِدَّةَ المُسْلِمِينَ لِأنَّهم صارُوا أعِزَّةً. والحَرْبُ سِجالٌ. وقَوْلُهُ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ ومُتَعَلِّقِ فِعْلِها أعْنِي ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ . والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ والفاءُ تَقَعُ في الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ عَلى الأصَحِّ، خِلافًا لِمَن مَنَعَ ذَلِكَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ. . فَإنَّهُ لَمّا ذَكَّرَهم بِتِلْكَ المِنَّةِ العَظِيمَةِ ذَكَّرَهم بِأنَّها سَبَبٌ لِلشُّكْرِ فَأمَرَهم بِالشُّكْرِ بِمُلازَمَةِ التَّقْوى تَأدُّبًا بِنِسْبَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] . ومِنَ الشُّكْرِ عَلى ذَلِكَ النَّصْرِ أنْ يَثْبُتُوا في قِتالِ العَدُوِّ، وامْتِثالُ أمْرِ النَّبِيءِ ﷺ، وأنْ لا تَفُلَّ حِدَّتَهم هَزِيمَةُ يَوْمِ أُحُدٍ. وظَرْفُ ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ زَمانِيٌّ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ (نَصَرَكم) لِأنَّ الوَعْدَ بِنَصْرِهِ المَلائِكَةَ والمُؤْمِنِينَ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ لا يَوْمَ أُحُدٍ. هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. وخُصَّ هَذا الوَقْتُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ كانَ وقْتَ ظُهُورِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ وهَذِهِ النِّعْمَةِ، فَكانَ جَدِيرًا بِالتَّذْكِيرِ والِامْتِنانِ. والمَعْنى: إذْ تَعِدُ المُؤْمِنِينَ بِإمْدادِ اللَّهِ بِالمَلائِكَةِ، فَما كانَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لَهم تِلْكَ المَقالَةَ إلّا بِوَعْدٍ أوْحاهُ اللَّهُ إلَيْهِ أنْ يَقُولَهُ. صفحة ٧٣ والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ تَقْرِيرِيٌّ، والتَّقْرِيرِيُّ يَكْثُرُ أنْ يُورَدَ عَلى النَّفْيِ، كَما قَدَّمْنا بَيانَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإنَّما جِيءَ في النَّفْيِ بِحَرْفِ (لَنْ) الَّذِي يُفِيدُ تَأْكِيدَ النَّفْيِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم كانُوا يَوْمَ بَدْرٍ لِقِلَّتِهِمْ، وضَعْفِهِمْ، مَعَ كَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ، وشَوْكَتِهِ، كالآيِسِينَ مِن كِفايَةِ هَذا المَدَدِ مِنَ المَلائِكَةِ، فَأوْقَعَ الِاسْتِفْهامَ التَّقْرِيرِيَّ عَلى ذَلِكَ لِيَكُونَ تَلْقِينًا لِمَن يُخالِجُ نَفْسَهُ اليَأْسُ مِن كِفايَةِ ذَلِكَ العَدَدِ مِنَ المَلائِكَةِ، بِأنْ يُصَرِّحَ بِما في نَفْسِهِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ لازِمُهُ، وهَذا إثْباتُ أنَّ ذَلِكَ العَدَدَ كافٍ. ولِأجْلِ كَوْنِ الِاسْتِفْهامِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ كانَ جَوابُهُ مِن قِبَلِ السّائِلِ بِقَوْلِهِ بَلى لِأنَّهُ مِمّا لا تَسَعُ المُماراةُ فِيهِ كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩] - في سُورَةِ الأنْعامِ -، فَكانَ بَلى إبْطالًا لِلنَّفْيِ، وإثْباتًا لِكَوْنِ ذَلِكَ العَدَدِ كافِيًا، وهو مِن تَمامِ مَقالَةِ النَّبِيءِ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقَدْ جاءَ - في سُورَةِ الأنْفالِ - عِنْدَ ذِكْرِهِ وقْعَةَ بَدْرٍ أنَّ اللَّهَ وعَدَهم بِمَدَدٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَدَدُهُ ألْفٌ بِقَوْلِهِ (﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]) وذَكَرَ هُنا أنَّ اللَّهَ وعَدَهم بِثَلاثَةِ آلافٍ ثُمَّ صَيَّرَهم إلى خَمْسَةِ آلافٍ. ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ أنَّ اللَّهَ وعَدَهم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ وأطْمَعَهم بِالزِّيادَةِ بِقَوْلِهِ مُرْدَفِينَ أيْ مُرْدَفِينَ بِعَدَدٍ آخَرَ، ودَلَّ كَلامُهُ هُنا عَلى أنَّهم لَمْ يَزالُوا وجِلِينَ مِن كَثْرَةِ عَدَدِ العَدُوِّ، فَقالَ لَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ ﴿ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ أرادَ اللَّهُ بِذَلِكَ زِيادَةَ تَثْبِيتِهِمْ ثُمَّ زادَهم ألْفَيْنِ إنْ صَبَرُوا واتَّقَوْا. وبِهَذا الوَجْهِ فَسَرَّ الجُمْهُورُ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ. وقَدْ ثَبَتَ أنَّ المَلائِكَةَ نَزَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ لِنُصْرَةِ المُؤْمِنِينَ، وشاهَدَ بَعْضُ الصَّحابَةِ طائِفَةً مِنهم، وبَعْضُهم شَهِدَ آثارَ قَتْلِهِمْ رِجالًا مِنَ المُشْرِكِينَ. صفحة ٧٤ ووَصَفَ المَلائِكَةَ بِـ (مُنْزَلِينَ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم يَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ في مَوْقِعِ القِتالِ عِنايَةً بِالمُسْلِمِينَ، قالَ تَعالى: ﴿ما تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: مُنْزَلِينَ - بِسُكُونِ النُّونِ وتَخْفِيفِ الزّايِ - وأنْزَلَ ونَزَّلَ بِمَعْنًى واحِدٍ. فالضَّمِيرانِ: المَرْفُوعُ والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ ﴿ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ﴾ عائِدانِ إلى المَلائِكَةِ الَّذِينَ جَرى الكَلامُ عَلَيْهِمْ، كَما هو الظّاهِرُ، وعَلى هَذا حَمَلَهُ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وعَلَيْهِ فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ (ويَأْتُوكم) مَوْقِعُ وعْدٍ، فَهو في المَعْنى مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكُمْ﴾ وكانَ حَقُّهُ أنْ يَرِدَ بَعْدَهُ، ولَكِنَّهُ قُدِّمَ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، تَعْجِيلًا لِلطُّمَأْنِينَةِ إلى نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ تَقْدِيمُهُ مِن تَقْدِيمِ المَعْطُوفِ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وإذا جازَ ذَلِكَ التَّقْدِيمُ في عَطْفِ المُفْرَداتِ كَما في قَوْلِ صَنّانِ بْنِ عَبّادٍ اليَشْكُرِيِّ: ثُمَّ اشْتَكَيْتُ لْأشْكانِي وساكِنُهُ قَبْرٌ بِسِنْجارَ أوْ قَبْرٌ عَلى قَهَدِ قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ في شَرْحِ أبْياتِ الحَماسَةِ: قُدِّمَ المَعْطُوفُ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وحَسَّنَهُ شِدَّةُ الِاتِّصالِ بَيْنَ الفِعْلِ ومَرْفُوعِهِ: أيْ فالعامِلُ وهو الفِعْلُ آخِذٌ حَظَّهُ مِنَ التَّقْدِيمِ ولا التِفاتَ لِكَوْنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ مُؤَخَّرًا عَنِ المَعْطُوفِ ولَوْ قُلْتَ: ضَرَبْتُ وزَيْدًا عَمْرًا كانَ أضْعَفَ، لِأنَّ اتِّصالَ المَفْعُولِ بِالفِعْلِ لَيْسَ في قُوَّةِ اتِّصالِ الفاعِلِ بِهِ، ولَكِنْ لَوْ قُلْتَ: مَرَرْتُ وزَيْدٌ بِعَمْرٍو، لَمْ يَجُزْ مِن جِهَةِ أنَّكَ لَمْ تُقَدِّمِ العامِلَ، وهو الباءُ، عَلى حَرْفِ العَطْفِ. ومِن تَقْدِيمِ المَفْعُولِ بِهِ قَوْلُ زَيْدٍ: جَمَعْتَ وعَيْبًا غِيبَةً ونَمِيمَةً ∗∗∗ ثَلاثَ خِصالٍ لَسْتَ عَنْها بِمُرْعَوِي ومِنهُ قَوْلُ آخَرَ: لَعَنَ الإلَهُ وزَوْجَها مَعَها ∗∗∗ هِنْدَ الهُنُودِ طَوِيلَةَ الفِعْلِ صفحة ٧٥ ولا يَجُوزُ وعَيْبًا جَمَعْتَ غِيبَةً ونَمِيمَةً. وأمّا قَوْلُهُ: عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ السَّلامُ فَمِمّا قَرُبَ مَأْخَذُهُ عَنْ سِيبَوَيْهِ، ولَكِنَّ الجَماعَةَ لَمْ تَتَلَقَّ هَذا البَيْتَ إلّا عَلى اعْتِقادِ التَّقْدِيمِ فِيهِ، ووافَقَهُ المَرْزُوقِيُّ عَلى ذَلِكَ، ولَيْسَ في كَلامِهِما أنَّ تَقْدِيمَ المَعْطُوفِ في مِثْلِ ما حَسُنَ تَقْدِيمُهُ فِيهِ خاصٌّ بِالضَّرُورَةِ في الشِّعْرِ، فَلِذَلِكَ خَرَّجْنا عَلَيْهِ هَذا الوَجْهَ في الآيَةِ وهو مِن عَطْفِ الجُمَلِ، عَلى أنَّ عَطْفَ الجُمَلِ أوْسَعُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ لِأنَّهُ عَطْفٌ صُورِيٌّ. ووَقَعَ في مُغْنِي اللَّبِيبِ - في حَرْفِ الواوِ - أنَّ تَقْدِيمَ مَعْطُوفِها عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ ضَرُورَةٌ، وسَبَقَهُ إلى ذَلِكَ ابْنُ السِّيدِ في شَرْحِ أبْياتِ الجُمَلِ، والتَّفْتَزانِيُّ في شَرْحِ المِفْتاحِ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ الدَّمامِينِيُّ في تُحْفَةِ الغَرِيبِ. وجَعَلَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ ضَمِيرَيِ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ﴾ عائِدَيْنَ إلى طائِفَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، بَلَغَ المُسْلِمِينَ أنَّهم سَيَمُدُّونَ جَيْشَ العَدُوِّ يَوْمَ بَدْرٍ، وهم كُرْزُ بْنُ جابِرٍ المُحارِبِيُّ، ومَن مَعَهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ وخافُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ الآيَةَ، وعَلَيْهِ دَرَجَ الكَشّافُ ومُتابِعُوهُ. فَيَكُونُ مُعادُ الضَّمِيرَيْنِ غَيْرَ مَذْكُورٍ في الكَلامِ، ولَكِنَّهُ مَعْلُومٌ لِلنّاسِ الَّذِينَ حَضَرُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ ويَأْتُوكم مَعْطُوفًا عَلى الشَّرْطِ: أيْ إنْ صَبَرْتُمْ واتَّقَيْتُمْ وأتاكم كُرْزٌ وأصْحابُهُ يُعاوِنُونَ المُشْرِكِينَ عَلَيْكم يُمْدِدْكم رَبُّكم بِأكْثَرِ مِن ألْفٍ ومِن ثَلاثَةِ آلافٍ بِخَمْسَةِ آلافٍ، قالُوا: فَبَلَغَتْ كُرْزًا وأصْحابَهُ هَزِيمَةُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ فَعَدَلَ عَنْ إمْدادِهِمْ فَلَمْ يُمِدَّهُمُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ، أيْ بِالمَلائِكَةِ الزّائِدِينَ عَلى الألْفِ. وقِيلَ: لَمْ يُمِدَّهم بِمَلائِكَةٍ أصْلًا، والآثارُ تَشْهَدُ بِخِلافِ ذَلِكَ. وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الأوَّلِينَ: مِثْلُ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ والزُّهْرِيِّ: إلى أنَّ القَوْلَ المَحْكِيَّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قَوْلٌ صادِرٌ يَوْمَ أُحُدٍ، قالُوا وعَدَهُمُ اللَّهُ بِالمَدَدِ مِنَ المَلائِكَةِ عَلى شَرْطِ أنْ يَصْبِرُوا، فَلَمّا لَمْ يَصْبِرُوا صفحة ٧٦ واسْتَبَقُوا إلى طَلَبِ الغَنِيمَةِ لَمْ يُمْدِدْهُمُ اللَّهُ ولا بِمَلَكٍ واحِدٍ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بَدَلًا مِن وإذْ غَدَوْتَ وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ويَأْتُوكم مُقَدَّمَةً عَلى المَعْطُوفَةِ هي عَلَيْها، لِلْوَجْهِ المُتَقَدِّمِ مِن تَحْقِيقِ سُرْعَةِ النَّصْرِ، ويَكُونُ القَوْلُ في إعْرابِ ويَأْتُوكم عَلى ما ذَكَرْناهُ آنِفًا مِنَ الوَجْهَيْنِ. ومَعْنى ﴿مِن فَوْرِهِمْ هَذا﴾ المُبادَرَةُ السَّرِيعَةُ، فَإنَّ الفَوْرَ المُبادَرَةُ إلى الفِعْلِ، وإضافَةُ الفَوْرِ إلى ضَمِيرِ الآتِينَ لِإفادَةِ شِدَّةِ اخْتِصاصِ الفَوْرِ بِهِمْ، أيْ شِدَّةِ اتِّصافِهِمْ بِهِ حَتّى صارَ يُعْرَفُ بِأنَّهُ فَوْرُهم، ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهم خَرَجَ مِن فَوْرِهِ. ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ هَذا إلى الفَوْرِ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ القَرِيبِ، وتِلْكَ كِنايَةٌ أوِ اسْتِعارَةٌ لِكَوْنِهِ عاجِلًا. و(مُسَوَّمِينَ) قَرَأهُ الجُمْهُورُ - بِفَتْحِ الواوِ - عَلى صِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ مِن سَوَّمَهُ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، ويَعْقُوبُ - بِكَسْرِ الواوِ - بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ. وهو مُشْتَقٌّ مِنَ السُّومَةِ - بِضَمِّ السِّينِ - وهي العَلامَةُ مَقْلُوبُ سِمَةٍ لِأنَّ أصْلَ سِمَةٍ، وسْمَةٌ. وتُطْلَقُ السُّومَةُ عَلى عَلامَةٍ يَجْعَلُها البَطَلُ لِنَفْسِهِ في الحَرْبِ مِن صُوفٍ أوْ رِيشٍ مُلَوَّنٍ، يَجْعَلُها عَلى رَأْسِهِ أوْ عَلى رَأْسِ فَرَسِهِ، يَرْمُزُ بِها إلى أنَّهُ لا يَتَّقِي أنْ يَعْرِفَهُ أعْداؤُهُ، فَيُسَدِّدُوا إلَيْهِ سِهامَهم، أوْ يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ بِسُيُوفِهِمْ، فَهو يَرْمُزُ بِها إلى أنَّهُ واثِقٌ بِحِمايَتِهِ نَفْسَهُ بِشَجاعَتِهِ، وصِدْقِ لِقائِهِ، وأنَّهُ لا يَعْبَأُ بِغَيْرِهِ مِنَ العَدُوِّ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. وصِيغَةُ التَّفْعِيلِ والِاسْتِفْعالِ تَكْثُرانِ في اشْتِقاقِ الأفْعالِ مِنَ الأسْماءِ الجامِدَةِ. ووَصْفُ المَلائِكَةِ بِذَلِكَ كِنايَةٌ عَلى كَوْنِهِمْ شِدادًا. وأحْسَبُ أنَّ الأعْدادَ المَذْكُورَةَ هُنا مُناسِبَةٌ لِجَيْشِ العَدُوِّ لِأنَّ جَيْشَ العَدُوِّ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ ألْفًا فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ بِمَدَدِ ألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَلَمّا خَشُوا أنْ يَلْحَقَ بِالعَدُوِّ مَدَدٌ مِن كُرْزٍ المُحارِبِيِّ. وعَدَهُمُ اللَّهُ بِثَلاثَةِ آلافٍ أيْ بِجَيْشٍ لَهُ قَلْبٌ صفحة ٧٧ ومَيْمَنَةٌ ومَيْسَرَةٌ كُلُّ رُكْنٍ مِنها ألْفٌ، ولَمّا لَمْ تَنْقَشِعْ خَشْيَتُهم مِن إمْدادِ المُشْرِكِينَ لِأعْدائِهِمْ وعَدَهُمُ اللَّهُ بِخَمْسَةِ آلافٍ، وهو جَيْشٌ عَظِيمٌ لَهُ قَلْبٌ ومَيْمَنَةٌ ومَيْسَرَةٌ ومُقَدِّمَةٌ وساقَةٌ، وذَلِكَ هو الخَمِيسُ، وهو أعْظَمُ تَرْكِيبًا وجَعَلَ كُلَّ رُكْنٍ مِنهُ مُساوِيًا لِجَيْشِ العَدُوِّ كُلِّهِ.

آل عمران 3:125

﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوَّمِينَ﴾ . صفحة ٧٢ إذْ قَدْ كانَتْ وقْعَةُ أُحُدٍ لَمْ تَنْكَشِفْ عَنْ نَصْرِ المُسْلِمِينَ، عَقَّبَ اللَّهُ ذِكْرَها بِأنْ ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى نَصْرَهُ إيّاهُمُ النَّصْرَ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهم يَوْمَ بَدْرٍ، وهو نَصْرٌ عَظِيمٌ إذْ كانَ نَصْرَ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ عَلى جَيْشٍ كَثِيرٍ، ذِي عُدَدٍ وافِرَةٍ، وكانَ قَتْلى المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ سادَةَ قُرَيْشٍ، وأيِمَّةَ الشِّرْكِ، وحَسْبُكَ بِأبِي جَهْلِ ابْنِ هِشامٍ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ أيْ ضُعَفاءُ. والذُّلُّ ضِدُّ العِزِّ فَهو الوَهَنُ والضَّعْفُ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ انْهِزامَ يَوْمِ أُحُدٍ لا يَفِلُّ حِدَّةَ المُسْلِمِينَ لِأنَّهم صارُوا أعِزَّةً. والحَرْبُ سِجالٌ. وقَوْلُهُ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ ومُتَعَلِّقِ فِعْلِها أعْنِي ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ . والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ والفاءُ تَقَعُ في الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ عَلى الأصَحِّ، خِلافًا لِمَن مَنَعَ ذَلِكَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ. . فَإنَّهُ لَمّا ذَكَّرَهم بِتِلْكَ المِنَّةِ العَظِيمَةِ ذَكَّرَهم بِأنَّها سَبَبٌ لِلشُّكْرِ فَأمَرَهم بِالشُّكْرِ بِمُلازَمَةِ التَّقْوى تَأدُّبًا بِنِسْبَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] . ومِنَ الشُّكْرِ عَلى ذَلِكَ النَّصْرِ أنْ يَثْبُتُوا في قِتالِ العَدُوِّ، وامْتِثالُ أمْرِ النَّبِيءِ ﷺ، وأنْ لا تَفُلَّ حِدَّتَهم هَزِيمَةُ يَوْمِ أُحُدٍ. وظَرْفُ ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ زَمانِيٌّ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ (نَصَرَكم) لِأنَّ الوَعْدَ بِنَصْرِهِ المَلائِكَةَ والمُؤْمِنِينَ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ لا يَوْمَ أُحُدٍ. هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. وخُصَّ هَذا الوَقْتُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ كانَ وقْتَ ظُهُورِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ وهَذِهِ النِّعْمَةِ، فَكانَ جَدِيرًا بِالتَّذْكِيرِ والِامْتِنانِ. والمَعْنى: إذْ تَعِدُ المُؤْمِنِينَ بِإمْدادِ اللَّهِ بِالمَلائِكَةِ، فَما كانَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لَهم تِلْكَ المَقالَةَ إلّا بِوَعْدٍ أوْحاهُ اللَّهُ إلَيْهِ أنْ يَقُولَهُ. صفحة ٧٣ والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ تَقْرِيرِيٌّ، والتَّقْرِيرِيُّ يَكْثُرُ أنْ يُورَدَ عَلى النَّفْيِ، كَما قَدَّمْنا بَيانَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإنَّما جِيءَ في النَّفْيِ بِحَرْفِ (لَنْ) الَّذِي يُفِيدُ تَأْكِيدَ النَّفْيِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم كانُوا يَوْمَ بَدْرٍ لِقِلَّتِهِمْ، وضَعْفِهِمْ، مَعَ كَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ، وشَوْكَتِهِ، كالآيِسِينَ مِن كِفايَةِ هَذا المَدَدِ مِنَ المَلائِكَةِ، فَأوْقَعَ الِاسْتِفْهامَ التَّقْرِيرِيَّ عَلى ذَلِكَ لِيَكُونَ تَلْقِينًا لِمَن يُخالِجُ نَفْسَهُ اليَأْسُ مِن كِفايَةِ ذَلِكَ العَدَدِ مِنَ المَلائِكَةِ، بِأنْ يُصَرِّحَ بِما في نَفْسِهِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ لازِمُهُ، وهَذا إثْباتُ أنَّ ذَلِكَ العَدَدَ كافٍ. ولِأجْلِ كَوْنِ الِاسْتِفْهامِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ كانَ جَوابُهُ مِن قِبَلِ السّائِلِ بِقَوْلِهِ بَلى لِأنَّهُ مِمّا لا تَسَعُ المُماراةُ فِيهِ كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩] - في سُورَةِ الأنْعامِ -، فَكانَ بَلى إبْطالًا لِلنَّفْيِ، وإثْباتًا لِكَوْنِ ذَلِكَ العَدَدِ كافِيًا، وهو مِن تَمامِ مَقالَةِ النَّبِيءِ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقَدْ جاءَ - في سُورَةِ الأنْفالِ - عِنْدَ ذِكْرِهِ وقْعَةَ بَدْرٍ أنَّ اللَّهَ وعَدَهم بِمَدَدٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَدَدُهُ ألْفٌ بِقَوْلِهِ (﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]) وذَكَرَ هُنا أنَّ اللَّهَ وعَدَهم بِثَلاثَةِ آلافٍ ثُمَّ صَيَّرَهم إلى خَمْسَةِ آلافٍ. ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ أنَّ اللَّهَ وعَدَهم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ وأطْمَعَهم بِالزِّيادَةِ بِقَوْلِهِ مُرْدَفِينَ أيْ مُرْدَفِينَ بِعَدَدٍ آخَرَ، ودَلَّ كَلامُهُ هُنا عَلى أنَّهم لَمْ يَزالُوا وجِلِينَ مِن كَثْرَةِ عَدَدِ العَدُوِّ، فَقالَ لَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ ﴿ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ أرادَ اللَّهُ بِذَلِكَ زِيادَةَ تَثْبِيتِهِمْ ثُمَّ زادَهم ألْفَيْنِ إنْ صَبَرُوا واتَّقَوْا. وبِهَذا الوَجْهِ فَسَرَّ الجُمْهُورُ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ. وقَدْ ثَبَتَ أنَّ المَلائِكَةَ نَزَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ لِنُصْرَةِ المُؤْمِنِينَ، وشاهَدَ بَعْضُ الصَّحابَةِ طائِفَةً مِنهم، وبَعْضُهم شَهِدَ آثارَ قَتْلِهِمْ رِجالًا مِنَ المُشْرِكِينَ. صفحة ٧٤ ووَصَفَ المَلائِكَةَ بِـ (مُنْزَلِينَ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم يَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ في مَوْقِعِ القِتالِ عِنايَةً بِالمُسْلِمِينَ، قالَ تَعالى: ﴿ما تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: مُنْزَلِينَ - بِسُكُونِ النُّونِ وتَخْفِيفِ الزّايِ - وأنْزَلَ ونَزَّلَ بِمَعْنًى واحِدٍ. فالضَّمِيرانِ: المَرْفُوعُ والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ ﴿ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ﴾ عائِدانِ إلى المَلائِكَةِ الَّذِينَ جَرى الكَلامُ عَلَيْهِمْ، كَما هو الظّاهِرُ، وعَلى هَذا حَمَلَهُ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وعَلَيْهِ فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ (ويَأْتُوكم) مَوْقِعُ وعْدٍ، فَهو في المَعْنى مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكُمْ﴾ وكانَ حَقُّهُ أنْ يَرِدَ بَعْدَهُ، ولَكِنَّهُ قُدِّمَ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، تَعْجِيلًا لِلطُّمَأْنِينَةِ إلى نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ تَقْدِيمُهُ مِن تَقْدِيمِ المَعْطُوفِ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وإذا جازَ ذَلِكَ التَّقْدِيمُ في عَطْفِ المُفْرَداتِ كَما في قَوْلِ صَنّانِ بْنِ عَبّادٍ اليَشْكُرِيِّ: ثُمَّ اشْتَكَيْتُ لْأشْكانِي وساكِنُهُ قَبْرٌ بِسِنْجارَ أوْ قَبْرٌ عَلى قَهَدِ قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ في شَرْحِ أبْياتِ الحَماسَةِ: قُدِّمَ المَعْطُوفُ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وحَسَّنَهُ شِدَّةُ الِاتِّصالِ بَيْنَ الفِعْلِ ومَرْفُوعِهِ: أيْ فالعامِلُ وهو الفِعْلُ آخِذٌ حَظَّهُ مِنَ التَّقْدِيمِ ولا التِفاتَ لِكَوْنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ مُؤَخَّرًا عَنِ المَعْطُوفِ ولَوْ قُلْتَ: ضَرَبْتُ وزَيْدًا عَمْرًا كانَ أضْعَفَ، لِأنَّ اتِّصالَ المَفْعُولِ بِالفِعْلِ لَيْسَ في قُوَّةِ اتِّصالِ الفاعِلِ بِهِ، ولَكِنْ لَوْ قُلْتَ: مَرَرْتُ وزَيْدٌ بِعَمْرٍو، لَمْ يَجُزْ مِن جِهَةِ أنَّكَ لَمْ تُقَدِّمِ العامِلَ، وهو الباءُ، عَلى حَرْفِ العَطْفِ. ومِن تَقْدِيمِ المَفْعُولِ بِهِ قَوْلُ زَيْدٍ: جَمَعْتَ وعَيْبًا غِيبَةً ونَمِيمَةً ∗∗∗ ثَلاثَ خِصالٍ لَسْتَ عَنْها بِمُرْعَوِي ومِنهُ قَوْلُ آخَرَ: لَعَنَ الإلَهُ وزَوْجَها مَعَها ∗∗∗ هِنْدَ الهُنُودِ طَوِيلَةَ الفِعْلِ صفحة ٧٥ ولا يَجُوزُ وعَيْبًا جَمَعْتَ غِيبَةً ونَمِيمَةً. وأمّا قَوْلُهُ: عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ السَّلامُ فَمِمّا قَرُبَ مَأْخَذُهُ عَنْ سِيبَوَيْهِ، ولَكِنَّ الجَماعَةَ لَمْ تَتَلَقَّ هَذا البَيْتَ إلّا عَلى اعْتِقادِ التَّقْدِيمِ فِيهِ، ووافَقَهُ المَرْزُوقِيُّ عَلى ذَلِكَ، ولَيْسَ في كَلامِهِما أنَّ تَقْدِيمَ المَعْطُوفِ في مِثْلِ ما حَسُنَ تَقْدِيمُهُ فِيهِ خاصٌّ بِالضَّرُورَةِ في الشِّعْرِ، فَلِذَلِكَ خَرَّجْنا عَلَيْهِ هَذا الوَجْهَ في الآيَةِ وهو مِن عَطْفِ الجُمَلِ، عَلى أنَّ عَطْفَ الجُمَلِ أوْسَعُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ لِأنَّهُ عَطْفٌ صُورِيٌّ. ووَقَعَ في مُغْنِي اللَّبِيبِ - في حَرْفِ الواوِ - أنَّ تَقْدِيمَ مَعْطُوفِها عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ ضَرُورَةٌ، وسَبَقَهُ إلى ذَلِكَ ابْنُ السِّيدِ في شَرْحِ أبْياتِ الجُمَلِ، والتَّفْتَزانِيُّ في شَرْحِ المِفْتاحِ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ الدَّمامِينِيُّ في تُحْفَةِ الغَرِيبِ. وجَعَلَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ ضَمِيرَيِ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ﴾ عائِدَيْنَ إلى طائِفَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، بَلَغَ المُسْلِمِينَ أنَّهم سَيَمُدُّونَ جَيْشَ العَدُوِّ يَوْمَ بَدْرٍ، وهم كُرْزُ بْنُ جابِرٍ المُحارِبِيُّ، ومَن مَعَهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ وخافُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ الآيَةَ، وعَلَيْهِ دَرَجَ الكَشّافُ ومُتابِعُوهُ. فَيَكُونُ مُعادُ الضَّمِيرَيْنِ غَيْرَ مَذْكُورٍ في الكَلامِ، ولَكِنَّهُ مَعْلُومٌ لِلنّاسِ الَّذِينَ حَضَرُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ ويَأْتُوكم مَعْطُوفًا عَلى الشَّرْطِ: أيْ إنْ صَبَرْتُمْ واتَّقَيْتُمْ وأتاكم كُرْزٌ وأصْحابُهُ يُعاوِنُونَ المُشْرِكِينَ عَلَيْكم يُمْدِدْكم رَبُّكم بِأكْثَرِ مِن ألْفٍ ومِن ثَلاثَةِ آلافٍ بِخَمْسَةِ آلافٍ، قالُوا: فَبَلَغَتْ كُرْزًا وأصْحابَهُ هَزِيمَةُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ فَعَدَلَ عَنْ إمْدادِهِمْ فَلَمْ يُمِدَّهُمُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ، أيْ بِالمَلائِكَةِ الزّائِدِينَ عَلى الألْفِ. وقِيلَ: لَمْ يُمِدَّهم بِمَلائِكَةٍ أصْلًا، والآثارُ تَشْهَدُ بِخِلافِ ذَلِكَ. وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الأوَّلِينَ: مِثْلُ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ والزُّهْرِيِّ: إلى أنَّ القَوْلَ المَحْكِيَّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قَوْلٌ صادِرٌ يَوْمَ أُحُدٍ، قالُوا وعَدَهُمُ اللَّهُ بِالمَدَدِ مِنَ المَلائِكَةِ عَلى شَرْطِ أنْ يَصْبِرُوا، فَلَمّا لَمْ يَصْبِرُوا صفحة ٧٦ واسْتَبَقُوا إلى طَلَبِ الغَنِيمَةِ لَمْ يُمْدِدْهُمُ اللَّهُ ولا بِمَلَكٍ واحِدٍ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بَدَلًا مِن وإذْ غَدَوْتَ وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ويَأْتُوكم مُقَدَّمَةً عَلى المَعْطُوفَةِ هي عَلَيْها، لِلْوَجْهِ المُتَقَدِّمِ مِن تَحْقِيقِ سُرْعَةِ النَّصْرِ، ويَكُونُ القَوْلُ في إعْرابِ ويَأْتُوكم عَلى ما ذَكَرْناهُ آنِفًا مِنَ الوَجْهَيْنِ. ومَعْنى ﴿مِن فَوْرِهِمْ هَذا﴾ المُبادَرَةُ السَّرِيعَةُ، فَإنَّ الفَوْرَ المُبادَرَةُ إلى الفِعْلِ، وإضافَةُ الفَوْرِ إلى ضَمِيرِ الآتِينَ لِإفادَةِ شِدَّةِ اخْتِصاصِ الفَوْرِ بِهِمْ، أيْ شِدَّةِ اتِّصافِهِمْ بِهِ حَتّى صارَ يُعْرَفُ بِأنَّهُ فَوْرُهم، ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهم خَرَجَ مِن فَوْرِهِ. ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ هَذا إلى الفَوْرِ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ القَرِيبِ، وتِلْكَ كِنايَةٌ أوِ اسْتِعارَةٌ لِكَوْنِهِ عاجِلًا. و(مُسَوَّمِينَ) قَرَأهُ الجُمْهُورُ - بِفَتْحِ الواوِ - عَلى صِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ مِن سَوَّمَهُ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، ويَعْقُوبُ - بِكَسْرِ الواوِ - بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ. وهو مُشْتَقٌّ مِنَ السُّومَةِ - بِضَمِّ السِّينِ - وهي العَلامَةُ مَقْلُوبُ سِمَةٍ لِأنَّ أصْلَ سِمَةٍ، وسْمَةٌ. وتُطْلَقُ السُّومَةُ عَلى عَلامَةٍ يَجْعَلُها البَطَلُ لِنَفْسِهِ في الحَرْبِ مِن صُوفٍ أوْ رِيشٍ مُلَوَّنٍ، يَجْعَلُها عَلى رَأْسِهِ أوْ عَلى رَأْسِ فَرَسِهِ، يَرْمُزُ بِها إلى أنَّهُ لا يَتَّقِي أنْ يَعْرِفَهُ أعْداؤُهُ، فَيُسَدِّدُوا إلَيْهِ سِهامَهم، أوْ يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ بِسُيُوفِهِمْ، فَهو يَرْمُزُ بِها إلى أنَّهُ واثِقٌ بِحِمايَتِهِ نَفْسَهُ بِشَجاعَتِهِ، وصِدْقِ لِقائِهِ، وأنَّهُ لا يَعْبَأُ بِغَيْرِهِ مِنَ العَدُوِّ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ. وصِيغَةُ التَّفْعِيلِ والِاسْتِفْعالِ تَكْثُرانِ في اشْتِقاقِ الأفْعالِ مِنَ الأسْماءِ الجامِدَةِ. ووَصْفُ المَلائِكَةِ بِذَلِكَ كِنايَةٌ عَلى كَوْنِهِمْ شِدادًا. وأحْسَبُ أنَّ الأعْدادَ المَذْكُورَةَ هُنا مُناسِبَةٌ لِجَيْشِ العَدُوِّ لِأنَّ جَيْشَ العَدُوِّ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ ألْفًا فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ بِمَدَدِ ألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَلَمّا خَشُوا أنْ يَلْحَقَ بِالعَدُوِّ مَدَدٌ مِن كُرْزٍ المُحارِبِيِّ. وعَدَهُمُ اللَّهُ بِثَلاثَةِ آلافٍ أيْ بِجَيْشٍ لَهُ قَلْبٌ صفحة ٧٧ ومَيْمَنَةٌ ومَيْسَرَةٌ كُلُّ رُكْنٍ مِنها ألْفٌ، ولَمّا لَمْ تَنْقَشِعْ خَشْيَتُهم مِن إمْدادِ المُشْرِكِينَ لِأعْدائِهِمْ وعَدَهُمُ اللَّهُ بِخَمْسَةِ آلافٍ، وهو جَيْشٌ عَظِيمٌ لَهُ قَلْبٌ ومَيْمَنَةٌ ومَيْسَرَةٌ ومُقَدِّمَةٌ وساقَةٌ، وذَلِكَ هو الخَمِيسُ، وهو أعْظَمُ تَرْكِيبًا وجَعَلَ كُلَّ رُكْنٍ مِنهُ مُساوِيًا لِجَيْشِ العَدُوِّ كُلِّهِ.

آل عمران 3:126

﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمُ أوْ يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ . يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣] والمَعْنى لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ حِينَ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ما وعَدَكَ اللَّهُ بِهِ في حالِ أنَّ اللَّهَ ما جَعَلَ ذَلِكَ الوَعْدَ إلّا بُشْرى لَكم وإلّا فَإنَّهُ وعَدَكُمُ النَّصْرَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] الآيَةَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ عَطْفَ الإخْبارِ عَلى التَّذْكِيرِ والِامْتِنانِ. وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذِهِ العِنايَةِ مِنَ اللَّهِ بِهِمْ، والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ. وضَمِيرُ النَّصْبِ في قَوْلِهِ جَعَلَهُ عائِدٌ إلى الإمْدادِ المُسْتَفادِ مِن يُمْدِدْكم أوْ إلى الوَعْدِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٢٥] الآيَةَ. والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ. وبُشْرى مَفْعُولٌ ثانٍ لِ (جَعَلَهُ) أيْ ما جَعَلَ اللَّهُ الإمْدادَ والوَعْدَ بِهِ إلّا أنَّهُ بُشْرى، أيْ جَعَلَهُ بُشْرى، ولَمْ يَجْعَلْهُ غَيْرَ ذَلِكَ. و(لَكم) مُتَعَلِّقٌ بِبُشْرى. وفائِدَةُ التَّصْرِيحِ بِهِ مَعَ ظُهُورِ أنَّ البُشْرى إلَيْهِمْ هي صفحة ٧٨ الدَّلالَةُ عَلى تَكْرِمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم بِأنْ بَشَّرَهم بُشْرى لِأجْلِهِمْ كَما في التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] . والبُشْرى اسْمٌ لِمَصْدَرِ بَشَّرَ كالرُّجْعى، والبُشْرى خَبَرٌ بِحُصُولِ ما فِيهِ نَفْعٌ ومَسَرَّةٌ لِلْمُخْبَرِ بِهِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمّا وعَدَهم بِالنَّصْرِ أيْقَنُوا بِهِ فَكانَ في تَبْيِينِ سَبَبِهِ وهو الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ طَمْأنَةٌ لِنُفُوسِهِمْ لِأنَّ النُّفُوسَ تَرْكَنُ إلى الصُّوَرِ المَأْلُوفَةِ. والطَّمْأنَةُ والطُّمَأْنِينَةُ: السُّكُونُ وعَدَمُ الِاضْطِرابِ، واسْتُعِيرَتْ هُنا لِيَقِينِ النَّفْسِ بِحُصُولِ الأمْرِ تَشْبِيهًا لِلْعِلْمِ الثّابِتِ بِثَباتِ النَّفْسِ أيْ عَدَمِ اضْطِرابِها، وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وعُطِفَ (ولِتَطْمَئِنَّ) عَلى بُشْرى فَكانَ داخِلًا في حَيِّزِ الِاسْتِثْناءِ فَيَكُونُ اسْتِثْناءً مِن عِلَلٍ، أيْ ما جَعَلَهُ اللَّهُ لِأجْلِ شَيْءٍ إلّا لِأجْلِ أنْ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ. وجُمْلَةُ ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ تَذْيِيلٌ أيْ كُلُّ نَصْرٍ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِنَ المَلائِكَةِ. وإجْراءُ وصْفَيِ ﴿العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ هُنا لِأنَّهُما أوْلى بِالذِّكْرِ في هَذا المَقامِ، لِأنَّ العَزِيزَ يَنْصُرُ مَن يُرِيدُ نَصْرَهُ، والحَكِيمُ يَعْلَمُ مَن يَسْتَحِقُّ نَصْرَهُ وكَيْفَ يُعْطاهُ. وقَوْلُهُ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّصْرِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ عِلَّةٌ لِبَعْضِ أحْوالِ النَّصْرِ، أيْ لِيَقْطَعَ يَوْمَ بَدْرٍ طَرَفًا مِنَ المُشْرِكِينَ. والطَّرَفُ بِالتَّحْرِيكِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى النّاحِيَةِ، ويُخَصُّ بِالنّاحِيَةِ الَّتِي هي مُنْتَهى المَكانِ، قالَ أبُو تَمّامٍ: كانَتْ هي الوَسَطَ المَحْمِيَّ فاتَّصَلَتْ بِها الحَوادِثُ حَتّى أصْبَحَتْ طَرَفا فَيَكُونُ اسْتِعارَةً لِطائِفَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ [الرعد: ٤١] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الجُزْءِ المُتَطَرِّفِ مِنَ الجَسَدِ صفحة ٧٩ كاليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ والرَّأْسِ فَيَكُونُ مُسْتَعارًا هُنا لِأشْرافِ المُشْرِكِينَ، أيْ لِيَقْطَعَ مِن جِسْمِ الشِّرْكِ أهَمَّ أعْضائِهِ، أيْ لِيَسْتَأْصِلَ صَنادِيدَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وتَنْكِيرُ (طَرَفًا) لِلتَّفْخِيمِ، ويُقالُ: هو مِن أطْرافِ العَرَبِ، أيْ مِن أشْرافِها وأهْلِ بُيُوتاتِها. ومَعْنى ﴿أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ يُصِيبَهم بِغَمٍّ وكَمَدٍ، وأصْلُ كَبَتَ كَبَدَ بِالدّالِ إذا أصابَهُ في كَبِدِهِ. كَقَوْلِهِمْ: صُدِرَ إذا أُصِيبَ في صَدْرِهِ، وكُلِيَ إذا أُصِيبَ في كُلْيَتِهِ، ومُتِنَ إذا أُصِيبَ في مَتْنِهِ، ورُئِيَ إذا أُصِيبَ في رِئَتِهِ، فَأُبْدِلَتِ الدّالُ تاءً وقَدْ تُبْدَلُ التّاءُ دالًا كَقَوْلِهِمْ: سَبَدَ رَأْسَهُ وسَبَتَهُ أيْ حَلَقَهُ. والعَرَبُ تَتَخَيَّلُ الغَمَّ والحُزْنَ مَقَرُّهُ الكَبِدُ، والغَضَبَ مَقَرُّهُ الصَّدْرُ وأعْضاءُ التَّنَفُّسِ. قالَ أبُو الطَّيِّبِ يَمْدَحُ سَيْفَ الدَّوْلَةِ حِينَ سَفَرِهِ عَنْ أنْطاكِيَةَ: لِأكْبِتَ حاسِدًا وأُرِي عَدُوًّا ∗∗∗ كَأنَّهُما وداعُكَ والرَّحِيلُ وقَدِ اسْتَقْرى أحْوالَ الهَزِيمَةِ فَإنَّ فَرِيقًا قُتِلُوا فَقُطِعَ بِهِمْ طَرَفٌ مِنَ الكافِرِينَ، وفَرِيقًا كُبِتُوا وانْقَلَبُوا خائِبِينَ، وفَرِيقًا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالإسْلامِ، فَأسْلَمُوا، وفَرِيقًا عُذِّبُوا بِالمَوْتِ عَلى الكُفْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، أوْ عُذِّبُوا في الدُّنْيا بِالذُّلِّ، والصَّغارِ، والأسْرِ، والمَنِّ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الفَتْحِ، بَعْدَ أخْذِ بَلَدِهِمْ و(أوْ) بَيْنَ هَذِهِ الأفْعالِ لِلتَّقْسِيمِ. وهَذا القَطْعُ والكَبْتُ قَدْ مَضَيا يَوْمَ بَدْرٍ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ بِنَحْوِ سَنَتَيْنِ، فالتَّعْبِيرُ عَنْهُما بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِقَصْدِ اسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ في ذَلِكَ النَّصْرِ المُبِينِ العَزِيزِ النَّظِيرِ. وجُمْلَةُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ، والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ، فَيَجُوزُ أنْ تُحْمَلَ عَلى صَرِيحِ لَفْظِها، فَيَكُونُ المَعْنى نَفْيُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيءِ، لِقِتالِهِ الكُفّارَ بِجَيْشِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ، تَأْثِيرٌ في حُصُولِ النَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَإنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا في قِلَّةٍ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ القِتالِ، أيْ فالنَّصْرُ حَصَلَ بِمَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ عَلى المُسْلِمِينَ، وهَذا مِن مَعْنى قَوْلِهِ ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] . صفحة ٨٠ ولَفْظُ الأمْرِ مِن قَوْلِهِ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ مَعْناهُ الشَّأْنُ، و(ال) فِيهِ لِلْعَهْدِ، أيْ مِنَ الشَّأْنِ الَّذِي عَرَفْتُمُوهُ وهو النَّصْرُ. ويَجُوزُ أنْ تُحْمَلَ الجُمْلَةُ عَلى أنَّها كِنايَةٌ عَنْ صَرْفِ النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنِ الِاشْتِغالِ بِشَأْنِ ما صَنَعَ اللَّهُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا، مِن قَطْعِ طَرَفِهِمْ، وكَبْتِهِمْ أوْ تَوْبَةٍ عَلَيْهِمْ، أوْ تَعْذِيبٍ لَهم: أيْ فَلِذَلِكَ مَوْكُولٌ إلَيْنا نُحَقِّقُهُ مَتى أرَدْنا، ويَتَخَلَّفُ مَتى أرَدْنا، عَلى حَسْبِ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُنا، وذَلِكَ كالِاعْتِذارِ عَنْ تَخَلُّفِ نَصْرِ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ. فَلَفْظُ الأمْرِ بِمَعْنى شَأْنِ المُشْرِكِينَ. والتَّعْرِيفُ فِيهِ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمُ اهْتِمامٌ. وهَذا تَذْكِيرٌ بِما كانَ لِلنَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ مِن تَخَوُّفِ ظُهُورِ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِ، وإلْحاحِهِ في الدُّعاءِ بِالنَّصْرِ. ولَعَلَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يَوَدُّ اسْتِئْصالَ جَمِيعِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ حَيْثُ وجَدَ مُقْتَضى ذَلِكَ وهو نُزُولُ المَلائِكَةِ لِإهْلاكِهِمْ، فَذَكَّرَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُقَدِّرِ اسْتِيصالَهم جَمِيعًا بَلْ جَعَلَ الِانْتِقامَ مِنهم ألْوانًا فانْتَقَمَ مِن طائِفَةٍ بِقَطْعِ طَرَفٍ مِنهم، ومِن بَقِيَّتِهِمْ بِالكَبْتِ، وهو الحُزْنُ عَلى قَتْلاهم، وذَهابُ رُؤَسائِهِمْ، واخْتِلالُ أُمُورِهِمْ، واسْتَبْقى طائِفَةً لِيَتُوبَ عَلَيْهِمْ ويَهْدِيَهم، فَيَكُونُوا قُوَّةً لِلْمُسْلِمِينَ فَيُؤْمِنُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وهم مَن آمَنَ مِن أهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ الفَتْحِ، ويَوْمَ الفَتْحِ: مِثْلُ أبِي سُفْيانَ، والحارِثِ بْنِ هِشامٍ أخِي أبِي جَهْلٍ، وعِكْرِمَةَ بْنِ أبِي جَهْلٍ، وصَفْوانِ بْنِ أُمَيَّةَ، وخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وعَذَّبَ طائِفَةً عَذابَ الدُّنْيا بِالأسْرِ، أوْ بِالقَتْلِ: مِثْلَ ابْنِ خَطَلٍ، والنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ . ووُضِعَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ لِيَظْهَرَ أنَّ المُرادَ مِنَ الأمْرِ الدّائِرِ بَيْنَ هَذِهِ الأحْوالِ الأرْبَعَةِ مِن أحْوالِ المُشْرِكِينَ، أيْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِ هَذِهِ الأحْوالِ الأرْبَعَةِ شَيْءٌ ولَكِنَّهُ مَوْكُولٌ إلى اللَّهِ، هو أعْلَمُ بِما سَيَصِيرُونَ إلَيْهِ وجَعَلَ هَذِهِ الجُمْلَةَ قَبْلَ قَوْلِهِ ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ اسْتِئْناسٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ، إذْ قَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى الِانْتِقامِ مِنهم لِأجْلِهِ، ثُمَّ أرْدَفَ بِما يَدُلُّ عَلى العَفْوِ عَنْهم، ثُمَّ صفحة ٨١ أرْدَفَ بِما يَدُلُّ عَلى عِقابِهِمْ، فَفي بَعْضِ هَذِهِ الأحْوالِ إرْضاءٌ لَهُ مِن جانِبِ الِانْتِصارِ لَهُ، وفي بَعْضِها إرْضاءٌ لَهُ مِن جانِبِ تَطْوِيعِهِمْ لَهُ. ولِأجْلِ هَذا المَقْصِدِ عادَ الكَلامُ إلى بَقِيَّةِ عُقُوباتِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى أوْ يُعَذِّبَهم. ولِكَوْنِ التَّذْكِيرِ بِيَوْمِ بَدْرٍ وقَعَ في خِلالِ الإشارَةِ إلى وقْعَةِ أُحُدٍ، كَأنَّ في هَذا التَّقْسِيمِ إيماءً إلى ما يَصْلُحُ بَيانًا لِحِكْمَةِ الهَزِيمَةِ اللّاحِقَةِ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، إذْ كانَ في اسْتِبْقاءِ كَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، لَمْ يُصِبْهُمُ القَتْلُ يَوْمَئِذٍ، ادِّخارُ فَرِيقٍ عَظِيمٍ مِنهم لِلْإسْلامِ فِيما بَعْدُ، بَعْدَ أنْ حَصَلَ رُعْبُهم مِنَ المُسْلِمِينَ بِوَقْعَةِ بَدْرٍ، وإنْ حَسَبُوا لِلْمُسْلِمِينَ أيَّ حِسابٍ بِما شاهَدُوهُ مِن شَجاعَتِهِمْ يَوْمَ ٧٢ أُحُدٍ، وإنْ لَمْ يَنْتَصِرُوا. ولا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ مُتَعَلِّقًا بِأحْوالِ يَوْمِ أُحُدٍ: لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ يَنْبُو عَنْهُ، وحالُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ لا يُناسِبُهُ قَوْلُهُ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قَوْلِهِ خائِبِينَ. ووَقَعَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ شُجَّ وجْهُهُ، وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وجاءَ المُسْلِمُونَ يَمْسَحُونَ الدَّمَ عَنْ وجْهِ نَبِيِّهِمْ، فَقالَ النَّبِيءُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذا بِنَبِيِّهِمْ وهو يَدْعُوهم إلى رَبِّهِمْ» أيْ في حالِ أنَّهُ يَدْعُوهم إلى الخَيْرِ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ومَعْناهُ: لا تَسْتَبْعِدْ فَلاحَهم. ولا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُتَأوِّلٌ عَلى إرادَةِ: فَذُكِّرَ النَّبِيءُ ﷺ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِظُهُورِ أنَّ ما ذَكَرُوهُ غَيْرُ صالِحٍ لِأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِأنَّ النَّبِيءَ تَعَجَّبَ مِن فَلاحِهِمْ أوِ اسْتَبْعَدَهُ، ولَمْ يَدَّعِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، أوْ عَمَلًا، حَتّى يُقالَ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ . ورَوى التِّرْمِذِيُّ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ دَعا عَلى أرْبَعَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وسَمّى أُناسًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِنَهْيِهِ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أسْلَمُوا» . وقِيلَ: إنَّهُ هَمَّ بِالدُّعاءِ، أوِ اسْتَأْذَنَ اللَّهَ أنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِيصالِ، فَنُهِيَ. ويَرُدُّ هَذِهِ الوُجُوهَ ما في صَحِيحِمُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَ: «كَأنِّي أنْظُرُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ، وهو يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وجْهِهِ، وهو يَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ» . صفحة ٨٢ ووُرُودُ أنَّهُ «لَمّا شُجَّ وجْهُهُ يَوْمَ أُحُدٍ قالَ لَهُ أصْحابُهُ: لَوْ دَعَوْتَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعّانًا، ولَكِنِّي بُعِثْتُ داعِيًا ورَحْمَةً، اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ» . وما ثَبَتَ مِن خُلُقِهِ ﷺ: أنَّهُ كانَ لا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ. وأغْرَبَ جَماعَةٌ فَقالُوا نَزَلَ قَوْلُهُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ نَسْخًا لِما كانَ يَدْعُو بِهِ النَّبِيءُ ﷺ في قُنُوتِهِ عَلى رِعْلٍ، وذَكْوانَ، وعُصَيَّةَ، ولِحْيانَ، الَّذِينَ قَتَلُوا أصْحابَ بِئْرِ مَعُونَةَ، وسَنَدُهم في ذَلِكَ ما وقَعَ في البُخارِيِّ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يَزَلْ يَدْعُو عَلَيْهِمْ، حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَلامٌ ضَعِيفٌ كُلُّهُ ولَيْسَ هَذا مِن مَواضِعِ النّاسِخِ والمَنسُوخِ. وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ لِنَسْخِ ذَلِكَ وهي مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ عِلَلِ النَّصْرِ الواقِعِ يَوْمَ بَدْرٍ. وتَفْسِيرُ ما وقَعَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ النَّبِيءَ تَرَكَ الدُّعاءَ عَلى المُشْرِكِينَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أخْذًا لِكامِلِ الأدَبِ، لِأنَّ اللَّهَ لَمّا أعْلَمَهُ في هَذا بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِما فِيهِ نَفْعُ الإسْلامِ، ونِقْمَةُ الكُفْرِ، تَرَكَ الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ إذْ لَعَلَّهم أنْ يُسْلِمُوا. وإذْ جَعَلْنا دُعاءَهُ ﷺ عَلى قَبائِلَ مِنَ المُشْرِكِينَ في القُنُوتِ شَرْعًا تَقَرَّرَ بِالِاجْتِهادِ في مَوْضِعِ الإباحَةِ لِأنَّ أصْلَ الدُّعاءِ عَلى العَدُّوِ مُباحٌ، فَتَرْكُهُ لِذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، مِن قَبِيلِ النَّسْخِ بِالقِياسِ، نَسَخَتْ حُكْمَ الإباحَةِ الَّتِي هي اسْتِواءُ الفِعْلِ والتَّرْكِ بِإثْباتِ حُكْمِ أوْلَوِيَّةِ الفِعْلِ. ومِنهم مَن أبْعَدَ المَرْمى، وزَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ مَنصُوبٌ بِأنْ مُضْمَرَةٍ وُجُوبًا، وأنَّ أوْ بِمَعْنى حَتّى: أيْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِ إيمانِهِمْ شَيْءٌ حَتّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أيْ لا يُؤْمِنُونَ إلّا إذا تابَ عَلَيْهِمْ، وهَلْ يَجْهَلُ هَذا أحَدٌ حَتّى يَحْتاجَ إلى بَيانِهِ، عَلى أنَّ الجُمْلَةَ وقَعَتْ بَيْنَ عِلَلِ النَّصْرِ، فَكَيْفَ يُشَتَّتُ الكَلامُ، وتَنْتَشِرُ المُتَعاطِفاتُ. ومِنهم مَن جَعَلَ ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ (الأمْرِ) أوْ عَلى قَوْلِهِ (شَيْءٌ)، مِن عَطْفِ الفِعْلِ عَلى اسْمٍ خالِصٍ بِإضْمارِ أنْ عَلى سَبِيلِ الجَوازِ، أيْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ أوْ تَوْبَتِهِمْ شَيْءٌ، أوْ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ (شَيْءٌ) أوْ تَوْبَةٌ عَلَيْهِمْ. صفحة ٨٣ فَإنْ قُلْتَ: هَلّا جَمَعَ العُقُوباتِ مُتَوالِيَةً: فَقالَ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾، أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، أوْ يُعَذِّبَهم، قُلْتُ: رُوعِيَ قَضاءُ حَقِّ جَمْعِ النَّظِيرِ أوَّلًا، وجَمْعِ الضِّدَّيْنِ ثانِيًا، بِجَمْعِ القَطْعِ والكَبْتِ، ثُمَّ جَمْعِ التَّوْبَةِ والعَذابِ، عَلى نَحْوِ ما أجابَ بِهِ أبُو الطَّيِّبِ عَنْ نَقْدِ قَوْلِهِ في سَيْفِ الدَّوْلَةِ: وقَفْتَ وما في المَوْتِ شَكٌّ لِواقِفٍ ∗∗∗ كَأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدى وهْوَ نائِمُ تَمُرُّ بِكَ الأبْطالُ كَلْمى حَزِينَةً ∗∗∗ ووَجْهُكَ وضّاحٌ وثَغْرُكَ باسِمُ إذْ قَدَّمَ مِن صِفَتَيْهِ تَشْبِيهَهُ بِكَوْنِهِ في جَفْنِ الرَّدى لِمُناسَبَةِ المَوْتِ، وأخَّرَ الحالَ وهي ووَجْهُكَ وضّاحٌ لِمُضادَّةِ قَوْلِهِ كَلْمى حَزِينَةً في قِصَّةٍ مَذْكُورَةٍ في كُتُبِ الأدَبِ. واللّامُ الجارَّةُ لامُ المِلْكِ، وكافُ الخِطابِ لِمُعَيَّنٍ، وهو الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - . وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَجْرِي مَجْرى المَثَلِ إذْ‌ رُكِّبَتْ تَرْكِيبًا وجِيزًا مَحْذُوفًا مِنهُ بَعْضُ الكَلِماتِ، ولَمْ أظْفَرْ، فِيما حَفِظْتُ مِن غَيْرِ القُرْآنِ، بِأنَّها كانَتْ مُسْتَعْمَلَةً عِنْدَ العَرَبِ، فَلَعَلَّها مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ، وقَرِيبٌ مِنها قَوْلُهُ ﴿وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [الممتحنة: ٤] وسَيَجِيءُ قَرِيبٌ مِنها في قَوْلِهِ الآتِي ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ١٥٤] و﴿يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا﴾ [آل عمران: ١٥٤] فَإنْ كانَتْ حِكايَةُ قَوْلِهِمْ بِلَفْظِهِ، فَقَدْ دَلَّ عَلى أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ مُسْتَعْمَلَةٌ عِنْدَ العَرَبِ، وإنْ كانَ حِكايَةً بِالمَعْنى فَلا. وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم بِالعُقُوبَةِ أجْدَرُ، وأنَّ التَّوْبَةَ عَلَيْهِمْ إنْ وقَعَتْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

آل عمران 3:127

﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمُ أوْ يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ . يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣] والمَعْنى لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ حِينَ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ما وعَدَكَ اللَّهُ بِهِ في حالِ أنَّ اللَّهَ ما جَعَلَ ذَلِكَ الوَعْدَ إلّا بُشْرى لَكم وإلّا فَإنَّهُ وعَدَكُمُ النَّصْرَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] الآيَةَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ عَطْفَ الإخْبارِ عَلى التَّذْكِيرِ والِامْتِنانِ. وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذِهِ العِنايَةِ مِنَ اللَّهِ بِهِمْ، والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ. وضَمِيرُ النَّصْبِ في قَوْلِهِ جَعَلَهُ عائِدٌ إلى الإمْدادِ المُسْتَفادِ مِن يُمْدِدْكم أوْ إلى الوَعْدِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٢٥] الآيَةَ. والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ. وبُشْرى مَفْعُولٌ ثانٍ لِ (جَعَلَهُ) أيْ ما جَعَلَ اللَّهُ الإمْدادَ والوَعْدَ بِهِ إلّا أنَّهُ بُشْرى، أيْ جَعَلَهُ بُشْرى، ولَمْ يَجْعَلْهُ غَيْرَ ذَلِكَ. و(لَكم) مُتَعَلِّقٌ بِبُشْرى. وفائِدَةُ التَّصْرِيحِ بِهِ مَعَ ظُهُورِ أنَّ البُشْرى إلَيْهِمْ هي صفحة ٧٨ الدَّلالَةُ عَلى تَكْرِمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم بِأنْ بَشَّرَهم بُشْرى لِأجْلِهِمْ كَما في التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] . والبُشْرى اسْمٌ لِمَصْدَرِ بَشَّرَ كالرُّجْعى، والبُشْرى خَبَرٌ بِحُصُولِ ما فِيهِ نَفْعٌ ومَسَرَّةٌ لِلْمُخْبَرِ بِهِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمّا وعَدَهم بِالنَّصْرِ أيْقَنُوا بِهِ فَكانَ في تَبْيِينِ سَبَبِهِ وهو الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ طَمْأنَةٌ لِنُفُوسِهِمْ لِأنَّ النُّفُوسَ تَرْكَنُ إلى الصُّوَرِ المَأْلُوفَةِ. والطَّمْأنَةُ والطُّمَأْنِينَةُ: السُّكُونُ وعَدَمُ الِاضْطِرابِ، واسْتُعِيرَتْ هُنا لِيَقِينِ النَّفْسِ بِحُصُولِ الأمْرِ تَشْبِيهًا لِلْعِلْمِ الثّابِتِ بِثَباتِ النَّفْسِ أيْ عَدَمِ اضْطِرابِها، وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وعُطِفَ (ولِتَطْمَئِنَّ) عَلى بُشْرى فَكانَ داخِلًا في حَيِّزِ الِاسْتِثْناءِ فَيَكُونُ اسْتِثْناءً مِن عِلَلٍ، أيْ ما جَعَلَهُ اللَّهُ لِأجْلِ شَيْءٍ إلّا لِأجْلِ أنْ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ. وجُمْلَةُ ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ تَذْيِيلٌ أيْ كُلُّ نَصْرٍ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِنَ المَلائِكَةِ. وإجْراءُ وصْفَيِ ﴿العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ هُنا لِأنَّهُما أوْلى بِالذِّكْرِ في هَذا المَقامِ، لِأنَّ العَزِيزَ يَنْصُرُ مَن يُرِيدُ نَصْرَهُ، والحَكِيمُ يَعْلَمُ مَن يَسْتَحِقُّ نَصْرَهُ وكَيْفَ يُعْطاهُ. وقَوْلُهُ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّصْرِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ عِلَّةٌ لِبَعْضِ أحْوالِ النَّصْرِ، أيْ لِيَقْطَعَ يَوْمَ بَدْرٍ طَرَفًا مِنَ المُشْرِكِينَ. والطَّرَفُ بِالتَّحْرِيكِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى النّاحِيَةِ، ويُخَصُّ بِالنّاحِيَةِ الَّتِي هي مُنْتَهى المَكانِ، قالَ أبُو تَمّامٍ: كانَتْ هي الوَسَطَ المَحْمِيَّ فاتَّصَلَتْ بِها الحَوادِثُ حَتّى أصْبَحَتْ طَرَفا فَيَكُونُ اسْتِعارَةً لِطائِفَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ [الرعد: ٤١] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الجُزْءِ المُتَطَرِّفِ مِنَ الجَسَدِ صفحة ٧٩ كاليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ والرَّأْسِ فَيَكُونُ مُسْتَعارًا هُنا لِأشْرافِ المُشْرِكِينَ، أيْ لِيَقْطَعَ مِن جِسْمِ الشِّرْكِ أهَمَّ أعْضائِهِ، أيْ لِيَسْتَأْصِلَ صَنادِيدَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وتَنْكِيرُ (طَرَفًا) لِلتَّفْخِيمِ، ويُقالُ: هو مِن أطْرافِ العَرَبِ، أيْ مِن أشْرافِها وأهْلِ بُيُوتاتِها. ومَعْنى ﴿أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ يُصِيبَهم بِغَمٍّ وكَمَدٍ، وأصْلُ كَبَتَ كَبَدَ بِالدّالِ إذا أصابَهُ في كَبِدِهِ. كَقَوْلِهِمْ: صُدِرَ إذا أُصِيبَ في صَدْرِهِ، وكُلِيَ إذا أُصِيبَ في كُلْيَتِهِ، ومُتِنَ إذا أُصِيبَ في مَتْنِهِ، ورُئِيَ إذا أُصِيبَ في رِئَتِهِ، فَأُبْدِلَتِ الدّالُ تاءً وقَدْ تُبْدَلُ التّاءُ دالًا كَقَوْلِهِمْ: سَبَدَ رَأْسَهُ وسَبَتَهُ أيْ حَلَقَهُ. والعَرَبُ تَتَخَيَّلُ الغَمَّ والحُزْنَ مَقَرُّهُ الكَبِدُ، والغَضَبَ مَقَرُّهُ الصَّدْرُ وأعْضاءُ التَّنَفُّسِ. قالَ أبُو الطَّيِّبِ يَمْدَحُ سَيْفَ الدَّوْلَةِ حِينَ سَفَرِهِ عَنْ أنْطاكِيَةَ: لِأكْبِتَ حاسِدًا وأُرِي عَدُوًّا ∗∗∗ كَأنَّهُما وداعُكَ والرَّحِيلُ وقَدِ اسْتَقْرى أحْوالَ الهَزِيمَةِ فَإنَّ فَرِيقًا قُتِلُوا فَقُطِعَ بِهِمْ طَرَفٌ مِنَ الكافِرِينَ، وفَرِيقًا كُبِتُوا وانْقَلَبُوا خائِبِينَ، وفَرِيقًا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالإسْلامِ، فَأسْلَمُوا، وفَرِيقًا عُذِّبُوا بِالمَوْتِ عَلى الكُفْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، أوْ عُذِّبُوا في الدُّنْيا بِالذُّلِّ، والصَّغارِ، والأسْرِ، والمَنِّ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الفَتْحِ، بَعْدَ أخْذِ بَلَدِهِمْ و(أوْ) بَيْنَ هَذِهِ الأفْعالِ لِلتَّقْسِيمِ. وهَذا القَطْعُ والكَبْتُ قَدْ مَضَيا يَوْمَ بَدْرٍ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ بِنَحْوِ سَنَتَيْنِ، فالتَّعْبِيرُ عَنْهُما بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِقَصْدِ اسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ في ذَلِكَ النَّصْرِ المُبِينِ العَزِيزِ النَّظِيرِ. وجُمْلَةُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ، والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ، فَيَجُوزُ أنْ تُحْمَلَ عَلى صَرِيحِ لَفْظِها، فَيَكُونُ المَعْنى نَفْيُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيءِ، لِقِتالِهِ الكُفّارَ بِجَيْشِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ، تَأْثِيرٌ في حُصُولِ النَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَإنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا في قِلَّةٍ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ القِتالِ، أيْ فالنَّصْرُ حَصَلَ بِمَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ عَلى المُسْلِمِينَ، وهَذا مِن مَعْنى قَوْلِهِ ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] . صفحة ٨٠ ولَفْظُ الأمْرِ مِن قَوْلِهِ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ مَعْناهُ الشَّأْنُ، و(ال) فِيهِ لِلْعَهْدِ، أيْ مِنَ الشَّأْنِ الَّذِي عَرَفْتُمُوهُ وهو النَّصْرُ. ويَجُوزُ أنْ تُحْمَلَ الجُمْلَةُ عَلى أنَّها كِنايَةٌ عَنْ صَرْفِ النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنِ الِاشْتِغالِ بِشَأْنِ ما صَنَعَ اللَّهُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا، مِن قَطْعِ طَرَفِهِمْ، وكَبْتِهِمْ أوْ تَوْبَةٍ عَلَيْهِمْ، أوْ تَعْذِيبٍ لَهم: أيْ فَلِذَلِكَ مَوْكُولٌ إلَيْنا نُحَقِّقُهُ مَتى أرَدْنا، ويَتَخَلَّفُ مَتى أرَدْنا، عَلى حَسْبِ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُنا، وذَلِكَ كالِاعْتِذارِ عَنْ تَخَلُّفِ نَصْرِ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ. فَلَفْظُ الأمْرِ بِمَعْنى شَأْنِ المُشْرِكِينَ. والتَّعْرِيفُ فِيهِ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمُ اهْتِمامٌ. وهَذا تَذْكِيرٌ بِما كانَ لِلنَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ مِن تَخَوُّفِ ظُهُورِ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِ، وإلْحاحِهِ في الدُّعاءِ بِالنَّصْرِ. ولَعَلَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يَوَدُّ اسْتِئْصالَ جَمِيعِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ حَيْثُ وجَدَ مُقْتَضى ذَلِكَ وهو نُزُولُ المَلائِكَةِ لِإهْلاكِهِمْ، فَذَكَّرَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُقَدِّرِ اسْتِيصالَهم جَمِيعًا بَلْ جَعَلَ الِانْتِقامَ مِنهم ألْوانًا فانْتَقَمَ مِن طائِفَةٍ بِقَطْعِ طَرَفٍ مِنهم، ومِن بَقِيَّتِهِمْ بِالكَبْتِ، وهو الحُزْنُ عَلى قَتْلاهم، وذَهابُ رُؤَسائِهِمْ، واخْتِلالُ أُمُورِهِمْ، واسْتَبْقى طائِفَةً لِيَتُوبَ عَلَيْهِمْ ويَهْدِيَهم، فَيَكُونُوا قُوَّةً لِلْمُسْلِمِينَ فَيُؤْمِنُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وهم مَن آمَنَ مِن أهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ الفَتْحِ، ويَوْمَ الفَتْحِ: مِثْلُ أبِي سُفْيانَ، والحارِثِ بْنِ هِشامٍ أخِي أبِي جَهْلٍ، وعِكْرِمَةَ بْنِ أبِي جَهْلٍ، وصَفْوانِ بْنِ أُمَيَّةَ، وخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وعَذَّبَ طائِفَةً عَذابَ الدُّنْيا بِالأسْرِ، أوْ بِالقَتْلِ: مِثْلَ ابْنِ خَطَلٍ، والنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ . ووُضِعَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ لِيَظْهَرَ أنَّ المُرادَ مِنَ الأمْرِ الدّائِرِ بَيْنَ هَذِهِ الأحْوالِ الأرْبَعَةِ مِن أحْوالِ المُشْرِكِينَ، أيْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِ هَذِهِ الأحْوالِ الأرْبَعَةِ شَيْءٌ ولَكِنَّهُ مَوْكُولٌ إلى اللَّهِ، هو أعْلَمُ بِما سَيَصِيرُونَ إلَيْهِ وجَعَلَ هَذِهِ الجُمْلَةَ قَبْلَ قَوْلِهِ ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ اسْتِئْناسٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ، إذْ قَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى الِانْتِقامِ مِنهم لِأجْلِهِ، ثُمَّ أرْدَفَ بِما يَدُلُّ عَلى العَفْوِ عَنْهم، ثُمَّ صفحة ٨١ أرْدَفَ بِما يَدُلُّ عَلى عِقابِهِمْ، فَفي بَعْضِ هَذِهِ الأحْوالِ إرْضاءٌ لَهُ مِن جانِبِ الِانْتِصارِ لَهُ، وفي بَعْضِها إرْضاءٌ لَهُ مِن جانِبِ تَطْوِيعِهِمْ لَهُ. ولِأجْلِ هَذا المَقْصِدِ عادَ الكَلامُ إلى بَقِيَّةِ عُقُوباتِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى أوْ يُعَذِّبَهم. ولِكَوْنِ التَّذْكِيرِ بِيَوْمِ بَدْرٍ وقَعَ في خِلالِ الإشارَةِ إلى وقْعَةِ أُحُدٍ، كَأنَّ في هَذا التَّقْسِيمِ إيماءً إلى ما يَصْلُحُ بَيانًا لِحِكْمَةِ الهَزِيمَةِ اللّاحِقَةِ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، إذْ كانَ في اسْتِبْقاءِ كَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، لَمْ يُصِبْهُمُ القَتْلُ يَوْمَئِذٍ، ادِّخارُ فَرِيقٍ عَظِيمٍ مِنهم لِلْإسْلامِ فِيما بَعْدُ، بَعْدَ أنْ حَصَلَ رُعْبُهم مِنَ المُسْلِمِينَ بِوَقْعَةِ بَدْرٍ، وإنْ حَسَبُوا لِلْمُسْلِمِينَ أيَّ حِسابٍ بِما شاهَدُوهُ مِن شَجاعَتِهِمْ يَوْمَ ٧٢ أُحُدٍ، وإنْ لَمْ يَنْتَصِرُوا. ولا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ مُتَعَلِّقًا بِأحْوالِ يَوْمِ أُحُدٍ: لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ يَنْبُو عَنْهُ، وحالُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ لا يُناسِبُهُ قَوْلُهُ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قَوْلِهِ خائِبِينَ. ووَقَعَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ شُجَّ وجْهُهُ، وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وجاءَ المُسْلِمُونَ يَمْسَحُونَ الدَّمَ عَنْ وجْهِ نَبِيِّهِمْ، فَقالَ النَّبِيءُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذا بِنَبِيِّهِمْ وهو يَدْعُوهم إلى رَبِّهِمْ» أيْ في حالِ أنَّهُ يَدْعُوهم إلى الخَيْرِ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ومَعْناهُ: لا تَسْتَبْعِدْ فَلاحَهم. ولا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُتَأوِّلٌ عَلى إرادَةِ: فَذُكِّرَ النَّبِيءُ ﷺ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِظُهُورِ أنَّ ما ذَكَرُوهُ غَيْرُ صالِحٍ لِأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِأنَّ النَّبِيءَ تَعَجَّبَ مِن فَلاحِهِمْ أوِ اسْتَبْعَدَهُ، ولَمْ يَدَّعِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، أوْ عَمَلًا، حَتّى يُقالَ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ . ورَوى التِّرْمِذِيُّ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ دَعا عَلى أرْبَعَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وسَمّى أُناسًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِنَهْيِهِ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أسْلَمُوا» . وقِيلَ: إنَّهُ هَمَّ بِالدُّعاءِ، أوِ اسْتَأْذَنَ اللَّهَ أنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِيصالِ، فَنُهِيَ. ويَرُدُّ هَذِهِ الوُجُوهَ ما في صَحِيحِمُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَ: «كَأنِّي أنْظُرُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ، وهو يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وجْهِهِ، وهو يَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ» . صفحة ٨٢ ووُرُودُ أنَّهُ «لَمّا شُجَّ وجْهُهُ يَوْمَ أُحُدٍ قالَ لَهُ أصْحابُهُ: لَوْ دَعَوْتَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعّانًا، ولَكِنِّي بُعِثْتُ داعِيًا ورَحْمَةً، اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ» . وما ثَبَتَ مِن خُلُقِهِ ﷺ: أنَّهُ كانَ لا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ. وأغْرَبَ جَماعَةٌ فَقالُوا نَزَلَ قَوْلُهُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ نَسْخًا لِما كانَ يَدْعُو بِهِ النَّبِيءُ ﷺ في قُنُوتِهِ عَلى رِعْلٍ، وذَكْوانَ، وعُصَيَّةَ، ولِحْيانَ، الَّذِينَ قَتَلُوا أصْحابَ بِئْرِ مَعُونَةَ، وسَنَدُهم في ذَلِكَ ما وقَعَ في البُخارِيِّ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يَزَلْ يَدْعُو عَلَيْهِمْ، حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَلامٌ ضَعِيفٌ كُلُّهُ ولَيْسَ هَذا مِن مَواضِعِ النّاسِخِ والمَنسُوخِ. وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ لِنَسْخِ ذَلِكَ وهي مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ عِلَلِ النَّصْرِ الواقِعِ يَوْمَ بَدْرٍ. وتَفْسِيرُ ما وقَعَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ النَّبِيءَ تَرَكَ الدُّعاءَ عَلى المُشْرِكِينَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أخْذًا لِكامِلِ الأدَبِ، لِأنَّ اللَّهَ لَمّا أعْلَمَهُ في هَذا بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِما فِيهِ نَفْعُ الإسْلامِ، ونِقْمَةُ الكُفْرِ، تَرَكَ الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ إذْ لَعَلَّهم أنْ يُسْلِمُوا. وإذْ جَعَلْنا دُعاءَهُ ﷺ عَلى قَبائِلَ مِنَ المُشْرِكِينَ في القُنُوتِ شَرْعًا تَقَرَّرَ بِالِاجْتِهادِ في مَوْضِعِ الإباحَةِ لِأنَّ أصْلَ الدُّعاءِ عَلى العَدُّوِ مُباحٌ، فَتَرْكُهُ لِذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، مِن قَبِيلِ النَّسْخِ بِالقِياسِ، نَسَخَتْ حُكْمَ الإباحَةِ الَّتِي هي اسْتِواءُ الفِعْلِ والتَّرْكِ بِإثْباتِ حُكْمِ أوْلَوِيَّةِ الفِعْلِ. ومِنهم مَن أبْعَدَ المَرْمى، وزَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ مَنصُوبٌ بِأنْ مُضْمَرَةٍ وُجُوبًا، وأنَّ أوْ بِمَعْنى حَتّى: أيْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِ إيمانِهِمْ شَيْءٌ حَتّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أيْ لا يُؤْمِنُونَ إلّا إذا تابَ عَلَيْهِمْ، وهَلْ يَجْهَلُ هَذا أحَدٌ حَتّى يَحْتاجَ إلى بَيانِهِ، عَلى أنَّ الجُمْلَةَ وقَعَتْ بَيْنَ عِلَلِ النَّصْرِ، فَكَيْفَ يُشَتَّتُ الكَلامُ، وتَنْتَشِرُ المُتَعاطِفاتُ. ومِنهم مَن جَعَلَ ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ (الأمْرِ) أوْ عَلى قَوْلِهِ (شَيْءٌ)، مِن عَطْفِ الفِعْلِ عَلى اسْمٍ خالِصٍ بِإضْمارِ أنْ عَلى سَبِيلِ الجَوازِ، أيْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ أوْ تَوْبَتِهِمْ شَيْءٌ، أوْ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ (شَيْءٌ) أوْ تَوْبَةٌ عَلَيْهِمْ. صفحة ٨٣ فَإنْ قُلْتَ: هَلّا جَمَعَ العُقُوباتِ مُتَوالِيَةً: فَقالَ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾، أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، أوْ يُعَذِّبَهم، قُلْتُ: رُوعِيَ قَضاءُ حَقِّ جَمْعِ النَّظِيرِ أوَّلًا، وجَمْعِ الضِّدَّيْنِ ثانِيًا، بِجَمْعِ القَطْعِ والكَبْتِ، ثُمَّ جَمْعِ التَّوْبَةِ والعَذابِ، عَلى نَحْوِ ما أجابَ بِهِ أبُو الطَّيِّبِ عَنْ نَقْدِ قَوْلِهِ في سَيْفِ الدَّوْلَةِ: وقَفْتَ وما في المَوْتِ شَكٌّ لِواقِفٍ ∗∗∗ كَأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدى وهْوَ نائِمُ تَمُرُّ بِكَ الأبْطالُ كَلْمى حَزِينَةً ∗∗∗ ووَجْهُكَ وضّاحٌ وثَغْرُكَ باسِمُ إذْ قَدَّمَ مِن صِفَتَيْهِ تَشْبِيهَهُ بِكَوْنِهِ في جَفْنِ الرَّدى لِمُناسَبَةِ المَوْتِ، وأخَّرَ الحالَ وهي ووَجْهُكَ وضّاحٌ لِمُضادَّةِ قَوْلِهِ كَلْمى حَزِينَةً في قِصَّةٍ مَذْكُورَةٍ في كُتُبِ الأدَبِ. واللّامُ الجارَّةُ لامُ المِلْكِ، وكافُ الخِطابِ لِمُعَيَّنٍ، وهو الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - . وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَجْرِي مَجْرى المَثَلِ إذْ‌ رُكِّبَتْ تَرْكِيبًا وجِيزًا مَحْذُوفًا مِنهُ بَعْضُ الكَلِماتِ، ولَمْ أظْفَرْ، فِيما حَفِظْتُ مِن غَيْرِ القُرْآنِ، بِأنَّها كانَتْ مُسْتَعْمَلَةً عِنْدَ العَرَبِ، فَلَعَلَّها مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ، وقَرِيبٌ مِنها قَوْلُهُ ﴿وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [الممتحنة: ٤] وسَيَجِيءُ قَرِيبٌ مِنها في قَوْلِهِ الآتِي ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ١٥٤] و﴿يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا﴾ [آل عمران: ١٥٤] فَإنْ كانَتْ حِكايَةُ قَوْلِهِمْ بِلَفْظِهِ، فَقَدْ دَلَّ عَلى أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ مُسْتَعْمَلَةٌ عِنْدَ العَرَبِ، وإنْ كانَ حِكايَةً بِالمَعْنى فَلا. وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم بِالعُقُوبَةِ أجْدَرُ، وأنَّ التَّوْبَةَ عَلَيْهِمْ إنْ وقَعَتْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

آل عمران 3:128

﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمُ أوْ يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ . يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣] والمَعْنى لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ حِينَ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ما وعَدَكَ اللَّهُ بِهِ في حالِ أنَّ اللَّهَ ما جَعَلَ ذَلِكَ الوَعْدَ إلّا بُشْرى لَكم وإلّا فَإنَّهُ وعَدَكُمُ النَّصْرَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] الآيَةَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ عَطْفَ الإخْبارِ عَلى التَّذْكِيرِ والِامْتِنانِ. وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذِهِ العِنايَةِ مِنَ اللَّهِ بِهِمْ، والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ. وضَمِيرُ النَّصْبِ في قَوْلِهِ جَعَلَهُ عائِدٌ إلى الإمْدادِ المُسْتَفادِ مِن يُمْدِدْكم أوْ إلى الوَعْدِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٢٥] الآيَةَ. والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ. وبُشْرى مَفْعُولٌ ثانٍ لِ (جَعَلَهُ) أيْ ما جَعَلَ اللَّهُ الإمْدادَ والوَعْدَ بِهِ إلّا أنَّهُ بُشْرى، أيْ جَعَلَهُ بُشْرى، ولَمْ يَجْعَلْهُ غَيْرَ ذَلِكَ. و(لَكم) مُتَعَلِّقٌ بِبُشْرى. وفائِدَةُ التَّصْرِيحِ بِهِ مَعَ ظُهُورِ أنَّ البُشْرى إلَيْهِمْ هي صفحة ٧٨ الدَّلالَةُ عَلى تَكْرِمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم بِأنْ بَشَّرَهم بُشْرى لِأجْلِهِمْ كَما في التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] . والبُشْرى اسْمٌ لِمَصْدَرِ بَشَّرَ كالرُّجْعى، والبُشْرى خَبَرٌ بِحُصُولِ ما فِيهِ نَفْعٌ ومَسَرَّةٌ لِلْمُخْبَرِ بِهِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمّا وعَدَهم بِالنَّصْرِ أيْقَنُوا بِهِ فَكانَ في تَبْيِينِ سَبَبِهِ وهو الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ طَمْأنَةٌ لِنُفُوسِهِمْ لِأنَّ النُّفُوسَ تَرْكَنُ إلى الصُّوَرِ المَأْلُوفَةِ. والطَّمْأنَةُ والطُّمَأْنِينَةُ: السُّكُونُ وعَدَمُ الِاضْطِرابِ، واسْتُعِيرَتْ هُنا لِيَقِينِ النَّفْسِ بِحُصُولِ الأمْرِ تَشْبِيهًا لِلْعِلْمِ الثّابِتِ بِثَباتِ النَّفْسِ أيْ عَدَمِ اضْطِرابِها، وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وعُطِفَ (ولِتَطْمَئِنَّ) عَلى بُشْرى فَكانَ داخِلًا في حَيِّزِ الِاسْتِثْناءِ فَيَكُونُ اسْتِثْناءً مِن عِلَلٍ، أيْ ما جَعَلَهُ اللَّهُ لِأجْلِ شَيْءٍ إلّا لِأجْلِ أنْ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ. وجُمْلَةُ ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ تَذْيِيلٌ أيْ كُلُّ نَصْرٍ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِنَ المَلائِكَةِ. وإجْراءُ وصْفَيِ ﴿العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ هُنا لِأنَّهُما أوْلى بِالذِّكْرِ في هَذا المَقامِ، لِأنَّ العَزِيزَ يَنْصُرُ مَن يُرِيدُ نَصْرَهُ، والحَكِيمُ يَعْلَمُ مَن يَسْتَحِقُّ نَصْرَهُ وكَيْفَ يُعْطاهُ. وقَوْلُهُ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّصْرِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ عِلَّةٌ لِبَعْضِ أحْوالِ النَّصْرِ، أيْ لِيَقْطَعَ يَوْمَ بَدْرٍ طَرَفًا مِنَ المُشْرِكِينَ. والطَّرَفُ بِالتَّحْرِيكِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى النّاحِيَةِ، ويُخَصُّ بِالنّاحِيَةِ الَّتِي هي مُنْتَهى المَكانِ، قالَ أبُو تَمّامٍ: كانَتْ هي الوَسَطَ المَحْمِيَّ فاتَّصَلَتْ بِها الحَوادِثُ حَتّى أصْبَحَتْ طَرَفا فَيَكُونُ اسْتِعارَةً لِطائِفَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ [الرعد: ٤١] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الجُزْءِ المُتَطَرِّفِ مِنَ الجَسَدِ صفحة ٧٩ كاليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ والرَّأْسِ فَيَكُونُ مُسْتَعارًا هُنا لِأشْرافِ المُشْرِكِينَ، أيْ لِيَقْطَعَ مِن جِسْمِ الشِّرْكِ أهَمَّ أعْضائِهِ، أيْ لِيَسْتَأْصِلَ صَنادِيدَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وتَنْكِيرُ (طَرَفًا) لِلتَّفْخِيمِ، ويُقالُ: هو مِن أطْرافِ العَرَبِ، أيْ مِن أشْرافِها وأهْلِ بُيُوتاتِها. ومَعْنى ﴿أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ يُصِيبَهم بِغَمٍّ وكَمَدٍ، وأصْلُ كَبَتَ كَبَدَ بِالدّالِ إذا أصابَهُ في كَبِدِهِ. كَقَوْلِهِمْ: صُدِرَ إذا أُصِيبَ في صَدْرِهِ، وكُلِيَ إذا أُصِيبَ في كُلْيَتِهِ، ومُتِنَ إذا أُصِيبَ في مَتْنِهِ، ورُئِيَ إذا أُصِيبَ في رِئَتِهِ، فَأُبْدِلَتِ الدّالُ تاءً وقَدْ تُبْدَلُ التّاءُ دالًا كَقَوْلِهِمْ: سَبَدَ رَأْسَهُ وسَبَتَهُ أيْ حَلَقَهُ. والعَرَبُ تَتَخَيَّلُ الغَمَّ والحُزْنَ مَقَرُّهُ الكَبِدُ، والغَضَبَ مَقَرُّهُ الصَّدْرُ وأعْضاءُ التَّنَفُّسِ. قالَ أبُو الطَّيِّبِ يَمْدَحُ سَيْفَ الدَّوْلَةِ حِينَ سَفَرِهِ عَنْ أنْطاكِيَةَ: لِأكْبِتَ حاسِدًا وأُرِي عَدُوًّا ∗∗∗ كَأنَّهُما وداعُكَ والرَّحِيلُ وقَدِ اسْتَقْرى أحْوالَ الهَزِيمَةِ فَإنَّ فَرِيقًا قُتِلُوا فَقُطِعَ بِهِمْ طَرَفٌ مِنَ الكافِرِينَ، وفَرِيقًا كُبِتُوا وانْقَلَبُوا خائِبِينَ، وفَرِيقًا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالإسْلامِ، فَأسْلَمُوا، وفَرِيقًا عُذِّبُوا بِالمَوْتِ عَلى الكُفْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، أوْ عُذِّبُوا في الدُّنْيا بِالذُّلِّ، والصَّغارِ، والأسْرِ، والمَنِّ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الفَتْحِ، بَعْدَ أخْذِ بَلَدِهِمْ و(أوْ) بَيْنَ هَذِهِ الأفْعالِ لِلتَّقْسِيمِ. وهَذا القَطْعُ والكَبْتُ قَدْ مَضَيا يَوْمَ بَدْرٍ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ بِنَحْوِ سَنَتَيْنِ، فالتَّعْبِيرُ عَنْهُما بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِقَصْدِ اسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ في ذَلِكَ النَّصْرِ المُبِينِ العَزِيزِ النَّظِيرِ. وجُمْلَةُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ، والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ، فَيَجُوزُ أنْ تُحْمَلَ عَلى صَرِيحِ لَفْظِها، فَيَكُونُ المَعْنى نَفْيُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيءِ، لِقِتالِهِ الكُفّارَ بِجَيْشِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ، تَأْثِيرٌ في حُصُولِ النَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَإنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا في قِلَّةٍ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن جَوانِبِ القِتالِ، أيْ فالنَّصْرُ حَصَلَ بِمَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ عَلى المُسْلِمِينَ، وهَذا مِن مَعْنى قَوْلِهِ ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] . صفحة ٨٠ ولَفْظُ الأمْرِ مِن قَوْلِهِ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ مَعْناهُ الشَّأْنُ، و(ال) فِيهِ لِلْعَهْدِ، أيْ مِنَ الشَّأْنِ الَّذِي عَرَفْتُمُوهُ وهو النَّصْرُ. ويَجُوزُ أنْ تُحْمَلَ الجُمْلَةُ عَلى أنَّها كِنايَةٌ عَنْ صَرْفِ النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنِ الِاشْتِغالِ بِشَأْنِ ما صَنَعَ اللَّهُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا، مِن قَطْعِ طَرَفِهِمْ، وكَبْتِهِمْ أوْ تَوْبَةٍ عَلَيْهِمْ، أوْ تَعْذِيبٍ لَهم: أيْ فَلِذَلِكَ مَوْكُولٌ إلَيْنا نُحَقِّقُهُ مَتى أرَدْنا، ويَتَخَلَّفُ مَتى أرَدْنا، عَلى حَسْبِ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُنا، وذَلِكَ كالِاعْتِذارِ عَنْ تَخَلُّفِ نَصْرِ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ. فَلَفْظُ الأمْرِ بِمَعْنى شَأْنِ المُشْرِكِينَ. والتَّعْرِيفُ فِيهِ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمُ اهْتِمامٌ. وهَذا تَذْكِيرٌ بِما كانَ لِلنَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ مِن تَخَوُّفِ ظُهُورِ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِ، وإلْحاحِهِ في الدُّعاءِ بِالنَّصْرِ. ولَعَلَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يَوَدُّ اسْتِئْصالَ جَمِيعِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ حَيْثُ وجَدَ مُقْتَضى ذَلِكَ وهو نُزُولُ المَلائِكَةِ لِإهْلاكِهِمْ، فَذَكَّرَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُقَدِّرِ اسْتِيصالَهم جَمِيعًا بَلْ جَعَلَ الِانْتِقامَ مِنهم ألْوانًا فانْتَقَمَ مِن طائِفَةٍ بِقَطْعِ طَرَفٍ مِنهم، ومِن بَقِيَّتِهِمْ بِالكَبْتِ، وهو الحُزْنُ عَلى قَتْلاهم، وذَهابُ رُؤَسائِهِمْ، واخْتِلالُ أُمُورِهِمْ، واسْتَبْقى طائِفَةً لِيَتُوبَ عَلَيْهِمْ ويَهْدِيَهم، فَيَكُونُوا قُوَّةً لِلْمُسْلِمِينَ فَيُؤْمِنُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وهم مَن آمَنَ مِن أهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ الفَتْحِ، ويَوْمَ الفَتْحِ: مِثْلُ أبِي سُفْيانَ، والحارِثِ بْنِ هِشامٍ أخِي أبِي جَهْلٍ، وعِكْرِمَةَ بْنِ أبِي جَهْلٍ، وصَفْوانِ بْنِ أُمَيَّةَ، وخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وعَذَّبَ طائِفَةً عَذابَ الدُّنْيا بِالأسْرِ، أوْ بِالقَتْلِ: مِثْلَ ابْنِ خَطَلٍ، والنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ . ووُضِعَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ لِيَظْهَرَ أنَّ المُرادَ مِنَ الأمْرِ الدّائِرِ بَيْنَ هَذِهِ الأحْوالِ الأرْبَعَةِ مِن أحْوالِ المُشْرِكِينَ، أيْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِ هَذِهِ الأحْوالِ الأرْبَعَةِ شَيْءٌ ولَكِنَّهُ مَوْكُولٌ إلى اللَّهِ، هو أعْلَمُ بِما سَيَصِيرُونَ إلَيْهِ وجَعَلَ هَذِهِ الجُمْلَةَ قَبْلَ قَوْلِهِ ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ اسْتِئْناسٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ، إذْ قَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى الِانْتِقامِ مِنهم لِأجْلِهِ، ثُمَّ أرْدَفَ بِما يَدُلُّ عَلى العَفْوِ عَنْهم، ثُمَّ صفحة ٨١ أرْدَفَ بِما يَدُلُّ عَلى عِقابِهِمْ، فَفي بَعْضِ هَذِهِ الأحْوالِ إرْضاءٌ لَهُ مِن جانِبِ الِانْتِصارِ لَهُ، وفي بَعْضِها إرْضاءٌ لَهُ مِن جانِبِ تَطْوِيعِهِمْ لَهُ. ولِأجْلِ هَذا المَقْصِدِ عادَ الكَلامُ إلى بَقِيَّةِ عُقُوباتِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى أوْ يُعَذِّبَهم. ولِكَوْنِ التَّذْكِيرِ بِيَوْمِ بَدْرٍ وقَعَ في خِلالِ الإشارَةِ إلى وقْعَةِ أُحُدٍ، كَأنَّ في هَذا التَّقْسِيمِ إيماءً إلى ما يَصْلُحُ بَيانًا لِحِكْمَةِ الهَزِيمَةِ اللّاحِقَةِ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، إذْ كانَ في اسْتِبْقاءِ كَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، لَمْ يُصِبْهُمُ القَتْلُ يَوْمَئِذٍ، ادِّخارُ فَرِيقٍ عَظِيمٍ مِنهم لِلْإسْلامِ فِيما بَعْدُ، بَعْدَ أنْ حَصَلَ رُعْبُهم مِنَ المُسْلِمِينَ بِوَقْعَةِ بَدْرٍ، وإنْ حَسَبُوا لِلْمُسْلِمِينَ أيَّ حِسابٍ بِما شاهَدُوهُ مِن شَجاعَتِهِمْ يَوْمَ ٧٢ أُحُدٍ، وإنْ لَمْ يَنْتَصِرُوا. ولا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ مُتَعَلِّقًا بِأحْوالِ يَوْمِ أُحُدٍ: لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ يَنْبُو عَنْهُ، وحالُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ لا يُناسِبُهُ قَوْلُهُ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قَوْلِهِ خائِبِينَ. ووَقَعَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ شُجَّ وجْهُهُ، وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وجاءَ المُسْلِمُونَ يَمْسَحُونَ الدَّمَ عَنْ وجْهِ نَبِيِّهِمْ، فَقالَ النَّبِيءُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذا بِنَبِيِّهِمْ وهو يَدْعُوهم إلى رَبِّهِمْ» أيْ في حالِ أنَّهُ يَدْعُوهم إلى الخَيْرِ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ومَعْناهُ: لا تَسْتَبْعِدْ فَلاحَهم. ولا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُتَأوِّلٌ عَلى إرادَةِ: فَذُكِّرَ النَّبِيءُ ﷺ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِظُهُورِ أنَّ ما ذَكَرُوهُ غَيْرُ صالِحٍ لِأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِأنَّ النَّبِيءَ تَعَجَّبَ مِن فَلاحِهِمْ أوِ اسْتَبْعَدَهُ، ولَمْ يَدَّعِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، أوْ عَمَلًا، حَتّى يُقالَ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ . ورَوى التِّرْمِذِيُّ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ دَعا عَلى أرْبَعَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وسَمّى أُناسًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِنَهْيِهِ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أسْلَمُوا» . وقِيلَ: إنَّهُ هَمَّ بِالدُّعاءِ، أوِ اسْتَأْذَنَ اللَّهَ أنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِيصالِ، فَنُهِيَ. ويَرُدُّ هَذِهِ الوُجُوهَ ما في صَحِيحِمُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَ: «كَأنِّي أنْظُرُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ، وهو يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وجْهِهِ، وهو يَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ» . صفحة ٨٢ ووُرُودُ أنَّهُ «لَمّا شُجَّ وجْهُهُ يَوْمَ أُحُدٍ قالَ لَهُ أصْحابُهُ: لَوْ دَعَوْتَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعّانًا، ولَكِنِّي بُعِثْتُ داعِيًا ورَحْمَةً، اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ» . وما ثَبَتَ مِن خُلُقِهِ ﷺ: أنَّهُ كانَ لا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ. وأغْرَبَ جَماعَةٌ فَقالُوا نَزَلَ قَوْلُهُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ نَسْخًا لِما كانَ يَدْعُو بِهِ النَّبِيءُ ﷺ في قُنُوتِهِ عَلى رِعْلٍ، وذَكْوانَ، وعُصَيَّةَ، ولِحْيانَ، الَّذِينَ قَتَلُوا أصْحابَ بِئْرِ مَعُونَةَ، وسَنَدُهم في ذَلِكَ ما وقَعَ في البُخارِيِّ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يَزَلْ يَدْعُو عَلَيْهِمْ، حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَلامٌ ضَعِيفٌ كُلُّهُ ولَيْسَ هَذا مِن مَواضِعِ النّاسِخِ والمَنسُوخِ. وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ لِنَسْخِ ذَلِكَ وهي مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ عِلَلِ النَّصْرِ الواقِعِ يَوْمَ بَدْرٍ. وتَفْسِيرُ ما وقَعَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ النَّبِيءَ تَرَكَ الدُّعاءَ عَلى المُشْرِكِينَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أخْذًا لِكامِلِ الأدَبِ، لِأنَّ اللَّهَ لَمّا أعْلَمَهُ في هَذا بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِما فِيهِ نَفْعُ الإسْلامِ، ونِقْمَةُ الكُفْرِ، تَرَكَ الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ إذْ لَعَلَّهم أنْ يُسْلِمُوا. وإذْ جَعَلْنا دُعاءَهُ ﷺ عَلى قَبائِلَ مِنَ المُشْرِكِينَ في القُنُوتِ شَرْعًا تَقَرَّرَ بِالِاجْتِهادِ في مَوْضِعِ الإباحَةِ لِأنَّ أصْلَ الدُّعاءِ عَلى العَدُّوِ مُباحٌ، فَتَرْكُهُ لِذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، مِن قَبِيلِ النَّسْخِ بِالقِياسِ، نَسَخَتْ حُكْمَ الإباحَةِ الَّتِي هي اسْتِواءُ الفِعْلِ والتَّرْكِ بِإثْباتِ حُكْمِ أوْلَوِيَّةِ الفِعْلِ. ومِنهم مَن أبْعَدَ المَرْمى، وزَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ مَنصُوبٌ بِأنْ مُضْمَرَةٍ وُجُوبًا، وأنَّ أوْ بِمَعْنى حَتّى: أيْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِ إيمانِهِمْ شَيْءٌ حَتّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أيْ لا يُؤْمِنُونَ إلّا إذا تابَ عَلَيْهِمْ، وهَلْ يَجْهَلُ هَذا أحَدٌ حَتّى يَحْتاجَ إلى بَيانِهِ، عَلى أنَّ الجُمْلَةَ وقَعَتْ بَيْنَ عِلَلِ النَّصْرِ، فَكَيْفَ يُشَتَّتُ الكَلامُ، وتَنْتَشِرُ المُتَعاطِفاتُ. ومِنهم مَن جَعَلَ ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ (الأمْرِ) أوْ عَلى قَوْلِهِ (شَيْءٌ)، مِن عَطْفِ الفِعْلِ عَلى اسْمٍ خالِصٍ بِإضْمارِ أنْ عَلى سَبِيلِ الجَوازِ، أيْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ أوْ تَوْبَتِهِمْ شَيْءٌ، أوْ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ (شَيْءٌ) أوْ تَوْبَةٌ عَلَيْهِمْ. صفحة ٨٣ فَإنْ قُلْتَ: هَلّا جَمَعَ العُقُوباتِ مُتَوالِيَةً: فَقالَ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾، أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، أوْ يُعَذِّبَهم، قُلْتُ: رُوعِيَ قَضاءُ حَقِّ جَمْعِ النَّظِيرِ أوَّلًا، وجَمْعِ الضِّدَّيْنِ ثانِيًا، بِجَمْعِ القَطْعِ والكَبْتِ، ثُمَّ جَمْعِ التَّوْبَةِ والعَذابِ، عَلى نَحْوِ ما أجابَ بِهِ أبُو الطَّيِّبِ عَنْ نَقْدِ قَوْلِهِ في سَيْفِ الدَّوْلَةِ: وقَفْتَ وما في المَوْتِ شَكٌّ لِواقِفٍ ∗∗∗ كَأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدى وهْوَ نائِمُ تَمُرُّ بِكَ الأبْطالُ كَلْمى حَزِينَةً ∗∗∗ ووَجْهُكَ وضّاحٌ وثَغْرُكَ باسِمُ إذْ قَدَّمَ مِن صِفَتَيْهِ تَشْبِيهَهُ بِكَوْنِهِ في جَفْنِ الرَّدى لِمُناسَبَةِ المَوْتِ، وأخَّرَ الحالَ وهي ووَجْهُكَ وضّاحٌ لِمُضادَّةِ قَوْلِهِ كَلْمى حَزِينَةً في قِصَّةٍ مَذْكُورَةٍ في كُتُبِ الأدَبِ. واللّامُ الجارَّةُ لامُ المِلْكِ، وكافُ الخِطابِ لِمُعَيَّنٍ، وهو الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - . وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَجْرِي مَجْرى المَثَلِ إذْ‌ رُكِّبَتْ تَرْكِيبًا وجِيزًا مَحْذُوفًا مِنهُ بَعْضُ الكَلِماتِ، ولَمْ أظْفَرْ، فِيما حَفِظْتُ مِن غَيْرِ القُرْآنِ، بِأنَّها كانَتْ مُسْتَعْمَلَةً عِنْدَ العَرَبِ، فَلَعَلَّها مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ، وقَرِيبٌ مِنها قَوْلُهُ ﴿وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [الممتحنة: ٤] وسَيَجِيءُ قَرِيبٌ مِنها في قَوْلِهِ الآتِي ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ١٥٤] و﴿يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا﴾ [آل عمران: ١٥٤] فَإنْ كانَتْ حِكايَةُ قَوْلِهِمْ بِلَفْظِهِ، فَقَدْ دَلَّ عَلى أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ مُسْتَعْمَلَةٌ عِنْدَ العَرَبِ، وإنْ كانَ حِكايَةً بِالمَعْنى فَلا. وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم بِالعُقُوبَةِ أجْدَرُ، وأنَّ التَّوْبَةَ عَلَيْهِمْ إنْ وقَعَتْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

آل عمران 3:129

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . صفحة ٨٤ تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمُ أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨] مُشِيرٌ إلى أنَّ هَذَيْنِ الحالَيْنِ عَلى التَّنْوِيعِ بَيْنَ المُشْرِكِينَ، ولَمّا كانَ مَظِنَّةَ التَّطَلُّعِ لِمَعْرِفَةِ تَخْصِيصِ فَرِيقٍ دُونَ فَرِيقٍ، أوْ تَعْمِيمِ العَذابِ، ذَيَّلَهُ بِالحِوالَةِ عَلى إجْمالِ حَضْرَةِ الإطْلاقِ الإلَهِيَّةِ، لِأنَّ أسْرارَ تَخْصِيصِ كُلِّ أحَدٍ بِما يُعَيَّنُ لَهُ، أسْرارٌ خَفِيَّةٌ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، وكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خَلَقَ اللَّهُ.

آل عمران 3:130

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ . لَوْلا أنَّ الكَلامَ عَلى يَوْمِ أُحُدٍ لَمْ يَكْمُلْ، إذْ هو سَيُعادُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧] إلى قَوْلِهِ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٧١] الآيَةَ لَقُلْنا إنَّ قَوْلَهُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ اقْتِضابُ تَشْرِيعٍ، ولَكِنَّهُ مُتَعَيِّنٌ لِأنْ نَعْتَبِرَهُ اسْتِطْرادًا في خِلالِ الحَدِيثِ عَنْ يَوْمِ أُحُدٍ، ثُمَّ لَمْ يَظْهَرْ وجْهُ المُناسِبَةِ في وُقُوعِهِ في هَذا الأثْناءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا أحْفَظُ سَبَبًا في ذَلِكَ مَرْوِيًّا. وقالَ الفَخْرُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: لَمّا أرْشَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ إلى الأصْلَحِ لَهم في أمْرِ الدِّينِ والجِهادِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَدْخُلُ في الأمْرِ والنَّهْيِ فَقالَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ فَلا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها. وقالَ القَفّالُ: لَمّا أنْفَقَ المُشْرِكُونَ عَلى جُيُوشِهِمْ أمْوالًا جَمَعُوها مِنَ الرِّبا، خِيفَ أنْ يَدْعُوَ ذَلِكَ المُسْلِمِينَ إلى الإقْدامِ عَلى الرِّبا. وهَذِهِ مُناسَبَةٌ مُسْتَبْعَدَةٌ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ وعِيدَ الكُفّارِ عَقَّبَهُ بِبَيانِ أنَّ الوَعِيدَ لا يَخُصُّهم بَلْ يَتَناوَلُ العُصاةَ، وذَكَرَ أحَدَ صُوَرِ العِصْيانِ وهي أكْلُ الرِّبا. وهو في ضَعْفِ ما قَبْلَهُ، وعِنْدِي بادِئَ ذِي بَدْءٍ أنْ لا حاجَةَ إلى اطِّرادِ المُناسَبَةِ، فَإنَّ مُدَّةَ نُزُولِ السُّورَةِ قابِلَةٌ لِأنْ تَحْدُثَ في خِلالِها حَوادِثُ يَنْزِلُ فِيها قُرْآنٌ فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ صفحة ٨٥ السُّورَةِ، كَما بَيَّنّاهُ في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ، فَتَكُونُ هاتِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ عَقِبَ ما نَزَلَ قَبْلَها فَكُتِبَتْ هُنا ولا تَكُونُ بَيْنَهُما مُناسَبَةٌ إذْ هو مُلْحَقٌ إلْحاقًا بِالكَلامِ. ويَتَّجِهُ أنْ يَسْألَ سائِلٌ عَنْ وجْهِ إعادَةِ النَّهْيِ عَنِ الرِّبا في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ ما سَبَقَ مِن آياتِ سُورَةِ البَقَرَةِ - بِما هو أوْفى مِمّا في هَذِهِ السُّورَةِ، فالجَوابُ: أنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ - سُورَةِ البَقَرَةِ - فَكانَتْ هَذِهِ تَمْهِيدًا لِتِلْكَ، ولَمْ يَكُنِ النَّهْيُ فِيها بالِغًا ما في - سُورَةِ البَقَرَةِ - وقَدْ رُوِيَ أنَّ آيَةَ البَقَرَةِ نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ حَرَّمَ اللَّهُ الرِّبا وأنَّ ثَقِيفًا قالُوا: كَيْفَ نُنْهى عَنِ الرِّبا، وهو مِثْلُ البَيْعِ، ويَكُونُ وصْفُ الرِّبا بِ ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ نَهْيًا عَنِ الرِّبا الفاحِشِ وسَكَتَ عَمّا دُونَ ذَلِكَ مِمّا لا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الأضْعافِ، ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في - سُورَةِ البَقَرَةِ - ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ دايَنَ بَعْضًا بِالمُراباةِ عَقِبَ غَزْوَةِ أُحُدٍ فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الرِّبا في مُدَّةِ نُزُولِ قِصَّةِ تِلْكَ الغَزْوَةِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى أكْلِ الرِّبا، وعَلى مَعْنى الرِّبا، ووَجْهُ تَحْرِيمِهِ في - سُورَةِ البَقَرَةِ - . وقَوْلُهُ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ حالٌ مِنَ الرِّبا والأضْعافُ جَمْعُ ضِعْفٍ - بِكَسْرِ الضّادِ - وهو مُعادِلٌ في المِقْدارِ إذا كانَ الشَّيْءُ ومُماثِلُهُ مُتَلازِمَيْنِ، لا تَقُولُ: عِنْدِي ضِعْفُ دِرْهَمِكَ، إذْ لَيْسَ الأصْلُ عِنْدَكَ، بَلْ يَحْسُنُ أنْ تَقُولَ: عِنْدِي دِرْهَمانِ، وإنَّما تَقُولُ: عِنْدِي دِرْهَمٌ وضِعْفُهُ، إذا كانَ أصْلُ الدِّرْهَمِ عِنْدَكَ، وتَقُولُ: لَكَ دِرْهَمٌ وضِعْفُهُ إذا فَعَلْتَ كَذا. والضِّعْفُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ إذا كانَ غَيْرَ مُعَرَّفٍ بِألْ نَحْوَ ضِعْفِهِ، فَإذا أُرِيدَ الجَمْعُ جِيءَ بِهِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ كَما هُنا، وإذا عُرِّفَ الضِّعْفُ بِألْ صَحَّ اعْتِبارُ العَهْدِ واعْتِبارُ الجِنْسِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا﴾ [سبإ: ٣٧] فَإنَّ الجَزاءَ أضْعافٌ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. وقَوْلُهُ مُضاعَفَةً صِفَةٌ لِلْأضْعافِ أيْ هي أضْعافٌ يَدْخُلُها التَّضْعِيفُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا إذا دايَنُوا أحَدًا إلى أجَلٍ دايَنُوهُ بِزِيادَةٍ، ومَتى أعْسَرَ عِنْدَ الأجَلِ أوْ رامَ التَّأْخِيرَ زادَ مِثْلَ تِلْكَ الزِّيادَةِ، فَيَصِيرُ الضِّعْفُ ضِعْفًا، ويَزِيدُ، وهَكَذا، فَيَصْدُقُ صفحة ٨٦ بِصُورَةِ أنْ يَجْمَعُوا الدَّيْنَ مُضاعَفًا بِمِثْلِهِ إلى الأجَلِ، وإذا ازْدادَ أجَلًا ثانِيًا زادَ مِثْلَ جَمِيعِ ذَلِكَ، فالأضْعافُ مِن أوَّلِ التَّدايُنِ لِلْأجَلِ الأوَّلِ، ومُضاعَفَتُها في الآجالِ المُوالِيَةِ، ويَصْدُقُ بِأنْ يُدايِنُوا بِمُراباةٍ دُونَ مِقْدارِ الدَّيْنِ ثُمَّ تَزِيدُ بِزِيادَةِ الآجالِ، - حَتّى يَصِيرَ الدَّيْنُ أضْعافًا، وتَصِيرَ الأضْعافُ أضْعافًا، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فالحالُ وارِدَةٌ لِحِكايَةِ الواقِعِ فَلا تُفِيدُ مَفْهُومًا: لِأنَّ شَرْطَ اسْتِفادَةِ المَفْهُومِ مِنَ القُيُودِ أنْ لا يَكُونَ القَيْدُ المَلْفُوظُ بِهِ جَرى لِحِكايَةِ الواقِعِ، وإنْ كانَ الثّانِي فالحالُ وارِدَةٌ لِقَصْدِ التَّشْنِيعِ وإرادَةِ هَذِهِ العاقِبَةِ الفاسِدَةِ. وإذْ قَدْ كانَ غالِبُ المَدِينِينَ تَسْتَمِرُّ حاجَتُهم آجالًا طَوِيلَةً، كانَ الوُقُوعُ في هَذِهِ العاقِبَةِ مُطَّرِدًا، وحِينَئِذٍ فالحالُ لا تُفِيدُ مَفْهُومًا كَذَلِكَ إذْ لَيْسَ القَصْدُ مِنها التَّقْيِيدُ بَلِ التَّشْنِيعُ، فَلا يَقْتَصِرُ التَّحْرِيمُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى الرِّبا البالِغِ أضْعافًا كَثِيرَةً، حَتّى يَقُولَ قائِلٌ: إذا كانَ الرِّبا أقَلَّ مِن ضِعْفِ رَأْسِ المالِ فَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ. فَلَيْسَ هَذا الحالُ هو مَصَبَّ النَّهْيِ عَنْ أكْلِ الرِّبا حَتّى يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّهُ إنْ كانَ دُونَ الضَّعْفِ لَمْ يَكُنْ حَرامًا. ويَظْهَرُ أنَّها أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في تَحْرِيمِ الرِّبا، وجاءَتْ بَعْدَها آيَةُ البَقَرَةِ، لِأنَّ صِيغَةَ هَذِهِ الآيَةِ تُناسِبُ ابْتِداءَ التَّشْرِيعِ، وصِيغَةُ آيَةِ البَقَرَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الحُكْمَ قَدْ تَقَرَّرَ، ولِذَلِكَ ذَكَرَ في تِلْكَ الآيَةِ عَذابَ المُسْتَمِرِّ عَلى أكْلِ الرِّبا. وذَكَرَ غُرُورَ مَن ظَنَّ الرِّبا مِثْلَ البَيْعِ، وقِيلَ فِيها ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] الآيَةَ، كَما ذَكَرْناهُ آنِفًا، فَمَفْهُومُ القَيْدِ مُعَطَّلٌ عَلى كُلِّ حالٍ. وحِكْمَةُ تَحْرِيمِ الرِّبا هي قَصْدُ الشَّرِيعَةِ حَمْلَ الأُمَّةِ عَلى مُواساةِ غَنِيِّها مُحْتاجِها احْتِياجًا عارِضًا مُوَقَّتًا بِالقَرْضِ، فَهو مَرْتَبَةٌ دُونَ الصَّدَقَةِ، وهو ضَرْبٌ مِنَ المُواساةِ إلّا أنَّ المُواساةَ مِنها فَرْضٌ كالزَّكاةِ، ومِنها نَدْبٌ كالصَّدَقَةِ والسَّلَفِ، فَإنِ انْتَدَبَ لَها المُكَلَّفُ حَرُمَ عَلَيْهِ طَلَبُ عِوَضٍ عَنْها، وكَذَلِكَ المَعْرُوفُ كُلُّهُ، وذَلِكَ أنَّ العِبادَةَ الماضِيَةَ في الأُمَمِ، وخاصَّةً العَرَبَ، أنَّ المَرْءَ لا يَتَدايَنُ إلّا لِضَرُورَةِ حَياتِهِ، فَلِذَلِكَ كانَ حَقُّ الأُمَّةِ مُواساتَهُ. والمُواساةُ يَظْهَرُ أنَّها فَرْضُ كِفايَةٍ عَلى القادِرِينَ عَلَيْها، فَهو غَيْرُ الَّذِي جاءَ يُرِيدُ المُعامَلَةَ لِلرِّبْحِ كالمُتَبايِعِينَ صفحة ٨٧ والمُتَقارِضَيْنِ: لِلْفَرْقِ الواضِحِ في العُرْفِ بَيْنَ التَّعامُلِ وبَيْنَ التَّدايُنِ، إلّا أنَّ الشَّرْعَ مَيَّزَ هاتِهِ المَواهِي بَعْضَها عَنْ بَعْضٍ بِحَقائِقِها الذّاتِيَّةِ، لا بِاخْتِلافِ أحْوالِ المُتَعاقِدِينَ. فَلِذَلِكَ لَمْ يَسْمَحْ لِصاحِبِ المالِ في اسْتِثْمارِهِ بِطَرِيقَةِ الرِّبا في السَّلَفِ، ولَوْ كانَ المُسْتَلِفُ غَيْرَ مُحْتاجٍ، بَلْ كانَ طالِبَ سَعَةٍ وإثْراءٍ بِتَحْرِيكِ المالِ الَّذِي اسْتَلَفَهُ في وُجُوهِ الرِّبْحِ والتِّجارَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وسُمِحَ لِصاحِبِ المالِ في اسْتِثْمارِهِ بِطَرِيقَةِ الشَّرِكَةِ والتِّجارَةِ ودَيْنِ السَّلَمِ، ولَوْ كانَ الرِّبْحُ في ذَلِكَ أكْثَرَ مِن مِقْدارِ الرِّبا، تَفْرِقَةً بَيْنَ المَواهِي الشَّرْعِيَّةِ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَقْصِدُ الشَّرِيعَةِ مِن تَحْرِيمِ الرِّبا البُعْدَ بِالمُسْلِمِينَ عَنِ الكَسَلِ في اسْتِثْمارِ المالِ، وإلْجاءَهم إلى التَّشارُكِ والتَّعاوُنِ في شُئُونِ الدُّنْيا، فَيَكُونُ تَحْرِيمُ الرِّبا، ولَوْ كانَ قَلِيلًا، مَعَ تَجْوِيزِ الرِّبْحِ مِنَ التِّجارَةِ والشَّرِكاتِ، ولَوْ كانَ كَثِيرًا، تَحْقِيقًا لِهَذا المَقْصِدِ. ولَقَدْ قَضى المُسْلِمُونَ قُرُونًا طَوِيلَةً لَمْ يَرَوْا أنْفُسَهم فِيها مُحْتاجِينَ إلى التَّعامُلِ بِالرِّبا، ولَمْ تَكُنْ ثَرْوَتُهم أيّامَئِذٍ قاصِرَةً عَنْ ثَرْوَةِ بَقِيَّةِ الأُمَمِ في العالَمِ، أزْمانَ كانَتْ سِيادَةُ العالَمِ بِيَدِهِ، أوْ أزْمانَ كانُوا مُسْتَقِلِّينَ بِإدارَةِ شُئُونِهِمْ، فَلَمّا صارَتْ سِيادَةُ العالَمِ بِيَدِ أُمَمٍ غَيْرِ إسْلامِيَّةٍ، وارْتَبَطَ المُسْلِمُونَ بِغَيْرِهِمْ في التِّجارَةِ والمُعامَلَةِ، وانْتَظَمَتْ سُوقُ الثَّرْوَةِ العالَمِيَّةِ عَلى قَواعِدِ القَوانِينِ الَّتِي لا تَتَحاشى المُراباةَ في المُعامَلاتِ، ولا تَعْرِفُ أسالِيبَ مُواساةِ المُسْلِمِينَ، دُهِشَ المُسْلِمُونَ، وهُمُ اليَوْمَ يَتَساءَلُونَ، وتَحْرِيمُ الرِّبا في الآيَةِ صَرِيحٌ، ولَيْسَ لِما حَرَّمَهُ اللَّهُ مُبِيحٌ. ولا مُخَلِّصَ مِن هَذا إلّا أنْ تَجْعَلَ الدُّوَلُ الإسْلامِيَّةُ قَوانِينَ مالِيَّةً تُبْنى عَلى أُصُولِ الشَّرِيعَةِ في المَصارِفِ، والبُيُوعِ، وعُقُودِ المُعامَلاتِ المُرَكَّبَةِ مِن رُءُوسِ الأمْوالِ وعَمَلِ العُمّالِ. وحَوالاتِ الدُّيُونِ ومُقاصَّتِها وبَيْعِها. وهَذا يَقْضِي بِإعْمالِ أنْظارِ عُلَماءِ الشَّرِيعَةِ والتَّدارُسِ بَيْنَهم في مَجْمَعٍ يَحْوِي طائِفَةً مِن كُلِّ فُرْقَةٍ كَما أمَرَ اللَّهُ تَعالى. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الرِّبا والبُيُوعِ الرِّبَوِيَّةِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] الآياتِ الخَمْسَ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ٨٨ وقَوْلُهُ ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ تَحْذِيرٌ وتَنْفِيرٌ مِنَ النّارِ وما يُوقِعُ فِيها، بِأنَّها مَعْدُودَةٌ لِلْكافِرِينَ. وإعْدادُها لِلْكافِرِينَ عَدْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتُهُ لِأنَّ تَرْتِيبَ الأشْياءِ عَلى أمْثالِها مِن أكْبَرِ مَظاهِرِ الحِكْمَةِ، ومَن أشْرَكُوا بِاللَّهِ مَخْلُوقاتِهِ، فَقَدِ اسْتَحَقُّوا الحِرْمانَ مِن رَحَماتِهِ، والمُسْلِمُونَ لا يَرْضَوْنَ بِمُشارَكَةِ الكافِرِينَ لِأنَّ الإسْلامَ الحَقَّ يُوجِبُ كَراهِيَةَ ما يَنْشَأُ عَنِ الكُفْرِ. وذاكَ تَعْرِيضٌ واضِحٌ في الوَعِيدِ عَلى أخْذِ الرِّبا. ومُقابِلُ هَذا التَّنْفِيرِ التَّرْغِيبُ الآتِي في قَوْلِهِ ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] والتَّقْوى أعْلى دَرَجاتِ الإيمانِ. وتَعْرِيفُ النّارِ بِهَذِهِ الصِّلَةِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ قَدْ شاعَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ هَذا الوَصْفُ لِلنّارِ بِما في القُرْآنِ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [التحريم: ٦] وقَوْلِهِ ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ [الشعراء: ٩١] الآيَةَ.

آل عمران 3:131

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ . لَوْلا أنَّ الكَلامَ عَلى يَوْمِ أُحُدٍ لَمْ يَكْمُلْ، إذْ هو سَيُعادُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧] إلى قَوْلِهِ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٧١] الآيَةَ لَقُلْنا إنَّ قَوْلَهُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ اقْتِضابُ تَشْرِيعٍ، ولَكِنَّهُ مُتَعَيِّنٌ لِأنْ نَعْتَبِرَهُ اسْتِطْرادًا في خِلالِ الحَدِيثِ عَنْ يَوْمِ أُحُدٍ، ثُمَّ لَمْ يَظْهَرْ وجْهُ المُناسِبَةِ في وُقُوعِهِ في هَذا الأثْناءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا أحْفَظُ سَبَبًا في ذَلِكَ مَرْوِيًّا. وقالَ الفَخْرُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: لَمّا أرْشَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ إلى الأصْلَحِ لَهم في أمْرِ الدِّينِ والجِهادِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَدْخُلُ في الأمْرِ والنَّهْيِ فَقالَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ فَلا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها. وقالَ القَفّالُ: لَمّا أنْفَقَ المُشْرِكُونَ عَلى جُيُوشِهِمْ أمْوالًا جَمَعُوها مِنَ الرِّبا، خِيفَ أنْ يَدْعُوَ ذَلِكَ المُسْلِمِينَ إلى الإقْدامِ عَلى الرِّبا. وهَذِهِ مُناسَبَةٌ مُسْتَبْعَدَةٌ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ وعِيدَ الكُفّارِ عَقَّبَهُ بِبَيانِ أنَّ الوَعِيدَ لا يَخُصُّهم بَلْ يَتَناوَلُ العُصاةَ، وذَكَرَ أحَدَ صُوَرِ العِصْيانِ وهي أكْلُ الرِّبا. وهو في ضَعْفِ ما قَبْلَهُ، وعِنْدِي بادِئَ ذِي بَدْءٍ أنْ لا حاجَةَ إلى اطِّرادِ المُناسَبَةِ، فَإنَّ مُدَّةَ نُزُولِ السُّورَةِ قابِلَةٌ لِأنْ تَحْدُثَ في خِلالِها حَوادِثُ يَنْزِلُ فِيها قُرْآنٌ فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ صفحة ٨٥ السُّورَةِ، كَما بَيَّنّاهُ في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ، فَتَكُونُ هاتِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ عَقِبَ ما نَزَلَ قَبْلَها فَكُتِبَتْ هُنا ولا تَكُونُ بَيْنَهُما مُناسَبَةٌ إذْ هو مُلْحَقٌ إلْحاقًا بِالكَلامِ. ويَتَّجِهُ أنْ يَسْألَ سائِلٌ عَنْ وجْهِ إعادَةِ النَّهْيِ عَنِ الرِّبا في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ ما سَبَقَ مِن آياتِ سُورَةِ البَقَرَةِ - بِما هو أوْفى مِمّا في هَذِهِ السُّورَةِ، فالجَوابُ: أنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ - سُورَةِ البَقَرَةِ - فَكانَتْ هَذِهِ تَمْهِيدًا لِتِلْكَ، ولَمْ يَكُنِ النَّهْيُ فِيها بالِغًا ما في - سُورَةِ البَقَرَةِ - وقَدْ رُوِيَ أنَّ آيَةَ البَقَرَةِ نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ حَرَّمَ اللَّهُ الرِّبا وأنَّ ثَقِيفًا قالُوا: كَيْفَ نُنْهى عَنِ الرِّبا، وهو مِثْلُ البَيْعِ، ويَكُونُ وصْفُ الرِّبا بِ ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ نَهْيًا عَنِ الرِّبا الفاحِشِ وسَكَتَ عَمّا دُونَ ذَلِكَ مِمّا لا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الأضْعافِ، ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في - سُورَةِ البَقَرَةِ - ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ دايَنَ بَعْضًا بِالمُراباةِ عَقِبَ غَزْوَةِ أُحُدٍ فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الرِّبا في مُدَّةِ نُزُولِ قِصَّةِ تِلْكَ الغَزْوَةِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى أكْلِ الرِّبا، وعَلى مَعْنى الرِّبا، ووَجْهُ تَحْرِيمِهِ في - سُورَةِ البَقَرَةِ - . وقَوْلُهُ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ حالٌ مِنَ الرِّبا والأضْعافُ جَمْعُ ضِعْفٍ - بِكَسْرِ الضّادِ - وهو مُعادِلٌ في المِقْدارِ إذا كانَ الشَّيْءُ ومُماثِلُهُ مُتَلازِمَيْنِ، لا تَقُولُ: عِنْدِي ضِعْفُ دِرْهَمِكَ، إذْ لَيْسَ الأصْلُ عِنْدَكَ، بَلْ يَحْسُنُ أنْ تَقُولَ: عِنْدِي دِرْهَمانِ، وإنَّما تَقُولُ: عِنْدِي دِرْهَمٌ وضِعْفُهُ، إذا كانَ أصْلُ الدِّرْهَمِ عِنْدَكَ، وتَقُولُ: لَكَ دِرْهَمٌ وضِعْفُهُ إذا فَعَلْتَ كَذا. والضِّعْفُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ إذا كانَ غَيْرَ مُعَرَّفٍ بِألْ نَحْوَ ضِعْفِهِ، فَإذا أُرِيدَ الجَمْعُ جِيءَ بِهِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ كَما هُنا، وإذا عُرِّفَ الضِّعْفُ بِألْ صَحَّ اعْتِبارُ العَهْدِ واعْتِبارُ الجِنْسِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا﴾ [سبإ: ٣٧] فَإنَّ الجَزاءَ أضْعافٌ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. وقَوْلُهُ مُضاعَفَةً صِفَةٌ لِلْأضْعافِ أيْ هي أضْعافٌ يَدْخُلُها التَّضْعِيفُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا إذا دايَنُوا أحَدًا إلى أجَلٍ دايَنُوهُ بِزِيادَةٍ، ومَتى أعْسَرَ عِنْدَ الأجَلِ أوْ رامَ التَّأْخِيرَ زادَ مِثْلَ تِلْكَ الزِّيادَةِ، فَيَصِيرُ الضِّعْفُ ضِعْفًا، ويَزِيدُ، وهَكَذا، فَيَصْدُقُ صفحة ٨٦ بِصُورَةِ أنْ يَجْمَعُوا الدَّيْنَ مُضاعَفًا بِمِثْلِهِ إلى الأجَلِ، وإذا ازْدادَ أجَلًا ثانِيًا زادَ مِثْلَ جَمِيعِ ذَلِكَ، فالأضْعافُ مِن أوَّلِ التَّدايُنِ لِلْأجَلِ الأوَّلِ، ومُضاعَفَتُها في الآجالِ المُوالِيَةِ، ويَصْدُقُ بِأنْ يُدايِنُوا بِمُراباةٍ دُونَ مِقْدارِ الدَّيْنِ ثُمَّ تَزِيدُ بِزِيادَةِ الآجالِ، - حَتّى يَصِيرَ الدَّيْنُ أضْعافًا، وتَصِيرَ الأضْعافُ أضْعافًا، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فالحالُ وارِدَةٌ لِحِكايَةِ الواقِعِ فَلا تُفِيدُ مَفْهُومًا: لِأنَّ شَرْطَ اسْتِفادَةِ المَفْهُومِ مِنَ القُيُودِ أنْ لا يَكُونَ القَيْدُ المَلْفُوظُ بِهِ جَرى لِحِكايَةِ الواقِعِ، وإنْ كانَ الثّانِي فالحالُ وارِدَةٌ لِقَصْدِ التَّشْنِيعِ وإرادَةِ هَذِهِ العاقِبَةِ الفاسِدَةِ. وإذْ قَدْ كانَ غالِبُ المَدِينِينَ تَسْتَمِرُّ حاجَتُهم آجالًا طَوِيلَةً، كانَ الوُقُوعُ في هَذِهِ العاقِبَةِ مُطَّرِدًا، وحِينَئِذٍ فالحالُ لا تُفِيدُ مَفْهُومًا كَذَلِكَ إذْ لَيْسَ القَصْدُ مِنها التَّقْيِيدُ بَلِ التَّشْنِيعُ، فَلا يَقْتَصِرُ التَّحْرِيمُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى الرِّبا البالِغِ أضْعافًا كَثِيرَةً، حَتّى يَقُولَ قائِلٌ: إذا كانَ الرِّبا أقَلَّ مِن ضِعْفِ رَأْسِ المالِ فَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ. فَلَيْسَ هَذا الحالُ هو مَصَبَّ النَّهْيِ عَنْ أكْلِ الرِّبا حَتّى يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّهُ إنْ كانَ دُونَ الضَّعْفِ لَمْ يَكُنْ حَرامًا. ويَظْهَرُ أنَّها أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في تَحْرِيمِ الرِّبا، وجاءَتْ بَعْدَها آيَةُ البَقَرَةِ، لِأنَّ صِيغَةَ هَذِهِ الآيَةِ تُناسِبُ ابْتِداءَ التَّشْرِيعِ، وصِيغَةُ آيَةِ البَقَرَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الحُكْمَ قَدْ تَقَرَّرَ، ولِذَلِكَ ذَكَرَ في تِلْكَ الآيَةِ عَذابَ المُسْتَمِرِّ عَلى أكْلِ الرِّبا. وذَكَرَ غُرُورَ مَن ظَنَّ الرِّبا مِثْلَ البَيْعِ، وقِيلَ فِيها ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] الآيَةَ، كَما ذَكَرْناهُ آنِفًا، فَمَفْهُومُ القَيْدِ مُعَطَّلٌ عَلى كُلِّ حالٍ. وحِكْمَةُ تَحْرِيمِ الرِّبا هي قَصْدُ الشَّرِيعَةِ حَمْلَ الأُمَّةِ عَلى مُواساةِ غَنِيِّها مُحْتاجِها احْتِياجًا عارِضًا مُوَقَّتًا بِالقَرْضِ، فَهو مَرْتَبَةٌ دُونَ الصَّدَقَةِ، وهو ضَرْبٌ مِنَ المُواساةِ إلّا أنَّ المُواساةَ مِنها فَرْضٌ كالزَّكاةِ، ومِنها نَدْبٌ كالصَّدَقَةِ والسَّلَفِ، فَإنِ انْتَدَبَ لَها المُكَلَّفُ حَرُمَ عَلَيْهِ طَلَبُ عِوَضٍ عَنْها، وكَذَلِكَ المَعْرُوفُ كُلُّهُ، وذَلِكَ أنَّ العِبادَةَ الماضِيَةَ في الأُمَمِ، وخاصَّةً العَرَبَ، أنَّ المَرْءَ لا يَتَدايَنُ إلّا لِضَرُورَةِ حَياتِهِ، فَلِذَلِكَ كانَ حَقُّ الأُمَّةِ مُواساتَهُ. والمُواساةُ يَظْهَرُ أنَّها فَرْضُ كِفايَةٍ عَلى القادِرِينَ عَلَيْها، فَهو غَيْرُ الَّذِي جاءَ يُرِيدُ المُعامَلَةَ لِلرِّبْحِ كالمُتَبايِعِينَ صفحة ٨٧ والمُتَقارِضَيْنِ: لِلْفَرْقِ الواضِحِ في العُرْفِ بَيْنَ التَّعامُلِ وبَيْنَ التَّدايُنِ، إلّا أنَّ الشَّرْعَ مَيَّزَ هاتِهِ المَواهِي بَعْضَها عَنْ بَعْضٍ بِحَقائِقِها الذّاتِيَّةِ، لا بِاخْتِلافِ أحْوالِ المُتَعاقِدِينَ. فَلِذَلِكَ لَمْ يَسْمَحْ لِصاحِبِ المالِ في اسْتِثْمارِهِ بِطَرِيقَةِ الرِّبا في السَّلَفِ، ولَوْ كانَ المُسْتَلِفُ غَيْرَ مُحْتاجٍ، بَلْ كانَ طالِبَ سَعَةٍ وإثْراءٍ بِتَحْرِيكِ المالِ الَّذِي اسْتَلَفَهُ في وُجُوهِ الرِّبْحِ والتِّجارَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وسُمِحَ لِصاحِبِ المالِ في اسْتِثْمارِهِ بِطَرِيقَةِ الشَّرِكَةِ والتِّجارَةِ ودَيْنِ السَّلَمِ، ولَوْ كانَ الرِّبْحُ في ذَلِكَ أكْثَرَ مِن مِقْدارِ الرِّبا، تَفْرِقَةً بَيْنَ المَواهِي الشَّرْعِيَّةِ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَقْصِدُ الشَّرِيعَةِ مِن تَحْرِيمِ الرِّبا البُعْدَ بِالمُسْلِمِينَ عَنِ الكَسَلِ في اسْتِثْمارِ المالِ، وإلْجاءَهم إلى التَّشارُكِ والتَّعاوُنِ في شُئُونِ الدُّنْيا، فَيَكُونُ تَحْرِيمُ الرِّبا، ولَوْ كانَ قَلِيلًا، مَعَ تَجْوِيزِ الرِّبْحِ مِنَ التِّجارَةِ والشَّرِكاتِ، ولَوْ كانَ كَثِيرًا، تَحْقِيقًا لِهَذا المَقْصِدِ. ولَقَدْ قَضى المُسْلِمُونَ قُرُونًا طَوِيلَةً لَمْ يَرَوْا أنْفُسَهم فِيها مُحْتاجِينَ إلى التَّعامُلِ بِالرِّبا، ولَمْ تَكُنْ ثَرْوَتُهم أيّامَئِذٍ قاصِرَةً عَنْ ثَرْوَةِ بَقِيَّةِ الأُمَمِ في العالَمِ، أزْمانَ كانَتْ سِيادَةُ العالَمِ بِيَدِهِ، أوْ أزْمانَ كانُوا مُسْتَقِلِّينَ بِإدارَةِ شُئُونِهِمْ، فَلَمّا صارَتْ سِيادَةُ العالَمِ بِيَدِ أُمَمٍ غَيْرِ إسْلامِيَّةٍ، وارْتَبَطَ المُسْلِمُونَ بِغَيْرِهِمْ في التِّجارَةِ والمُعامَلَةِ، وانْتَظَمَتْ سُوقُ الثَّرْوَةِ العالَمِيَّةِ عَلى قَواعِدِ القَوانِينِ الَّتِي لا تَتَحاشى المُراباةَ في المُعامَلاتِ، ولا تَعْرِفُ أسالِيبَ مُواساةِ المُسْلِمِينَ، دُهِشَ المُسْلِمُونَ، وهُمُ اليَوْمَ يَتَساءَلُونَ، وتَحْرِيمُ الرِّبا في الآيَةِ صَرِيحٌ، ولَيْسَ لِما حَرَّمَهُ اللَّهُ مُبِيحٌ. ولا مُخَلِّصَ مِن هَذا إلّا أنْ تَجْعَلَ الدُّوَلُ الإسْلامِيَّةُ قَوانِينَ مالِيَّةً تُبْنى عَلى أُصُولِ الشَّرِيعَةِ في المَصارِفِ، والبُيُوعِ، وعُقُودِ المُعامَلاتِ المُرَكَّبَةِ مِن رُءُوسِ الأمْوالِ وعَمَلِ العُمّالِ. وحَوالاتِ الدُّيُونِ ومُقاصَّتِها وبَيْعِها. وهَذا يَقْضِي بِإعْمالِ أنْظارِ عُلَماءِ الشَّرِيعَةِ والتَّدارُسِ بَيْنَهم في مَجْمَعٍ يَحْوِي طائِفَةً مِن كُلِّ فُرْقَةٍ كَما أمَرَ اللَّهُ تَعالى. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الرِّبا والبُيُوعِ الرِّبَوِيَّةِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] الآياتِ الخَمْسَ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ٨٨ وقَوْلُهُ ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ تَحْذِيرٌ وتَنْفِيرٌ مِنَ النّارِ وما يُوقِعُ فِيها، بِأنَّها مَعْدُودَةٌ لِلْكافِرِينَ. وإعْدادُها لِلْكافِرِينَ عَدْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتُهُ لِأنَّ تَرْتِيبَ الأشْياءِ عَلى أمْثالِها مِن أكْبَرِ مَظاهِرِ الحِكْمَةِ، ومَن أشْرَكُوا بِاللَّهِ مَخْلُوقاتِهِ، فَقَدِ اسْتَحَقُّوا الحِرْمانَ مِن رَحَماتِهِ، والمُسْلِمُونَ لا يَرْضَوْنَ بِمُشارَكَةِ الكافِرِينَ لِأنَّ الإسْلامَ الحَقَّ يُوجِبُ كَراهِيَةَ ما يَنْشَأُ عَنِ الكُفْرِ. وذاكَ تَعْرِيضٌ واضِحٌ في الوَعِيدِ عَلى أخْذِ الرِّبا. ومُقابِلُ هَذا التَّنْفِيرِ التَّرْغِيبُ الآتِي في قَوْلِهِ ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] والتَّقْوى أعْلى دَرَجاتِ الإيمانِ. وتَعْرِيفُ النّارِ بِهَذِهِ الصِّلَةِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ قَدْ شاعَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ هَذا الوَصْفُ لِلنّارِ بِما في القُرْآنِ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [التحريم: ٦] وقَوْلِهِ ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ [الشعراء: ٩١] الآيَةَ.

آل عمران 3:132

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ . لَوْلا أنَّ الكَلامَ عَلى يَوْمِ أُحُدٍ لَمْ يَكْمُلْ، إذْ هو سَيُعادُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧] إلى قَوْلِهِ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٧١] الآيَةَ لَقُلْنا إنَّ قَوْلَهُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ اقْتِضابُ تَشْرِيعٍ، ولَكِنَّهُ مُتَعَيِّنٌ لِأنْ نَعْتَبِرَهُ اسْتِطْرادًا في خِلالِ الحَدِيثِ عَنْ يَوْمِ أُحُدٍ، ثُمَّ لَمْ يَظْهَرْ وجْهُ المُناسِبَةِ في وُقُوعِهِ في هَذا الأثْناءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا أحْفَظُ سَبَبًا في ذَلِكَ مَرْوِيًّا. وقالَ الفَخْرُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: لَمّا أرْشَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ إلى الأصْلَحِ لَهم في أمْرِ الدِّينِ والجِهادِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَدْخُلُ في الأمْرِ والنَّهْيِ فَقالَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ فَلا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها. وقالَ القَفّالُ: لَمّا أنْفَقَ المُشْرِكُونَ عَلى جُيُوشِهِمْ أمْوالًا جَمَعُوها مِنَ الرِّبا، خِيفَ أنْ يَدْعُوَ ذَلِكَ المُسْلِمِينَ إلى الإقْدامِ عَلى الرِّبا. وهَذِهِ مُناسَبَةٌ مُسْتَبْعَدَةٌ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ وعِيدَ الكُفّارِ عَقَّبَهُ بِبَيانِ أنَّ الوَعِيدَ لا يَخُصُّهم بَلْ يَتَناوَلُ العُصاةَ، وذَكَرَ أحَدَ صُوَرِ العِصْيانِ وهي أكْلُ الرِّبا. وهو في ضَعْفِ ما قَبْلَهُ، وعِنْدِي بادِئَ ذِي بَدْءٍ أنْ لا حاجَةَ إلى اطِّرادِ المُناسَبَةِ، فَإنَّ مُدَّةَ نُزُولِ السُّورَةِ قابِلَةٌ لِأنْ تَحْدُثَ في خِلالِها حَوادِثُ يَنْزِلُ فِيها قُرْآنٌ فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ صفحة ٨٥ السُّورَةِ، كَما بَيَّنّاهُ في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ، فَتَكُونُ هاتِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ عَقِبَ ما نَزَلَ قَبْلَها فَكُتِبَتْ هُنا ولا تَكُونُ بَيْنَهُما مُناسَبَةٌ إذْ هو مُلْحَقٌ إلْحاقًا بِالكَلامِ. ويَتَّجِهُ أنْ يَسْألَ سائِلٌ عَنْ وجْهِ إعادَةِ النَّهْيِ عَنِ الرِّبا في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ ما سَبَقَ مِن آياتِ سُورَةِ البَقَرَةِ - بِما هو أوْفى مِمّا في هَذِهِ السُّورَةِ، فالجَوابُ: أنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ - سُورَةِ البَقَرَةِ - فَكانَتْ هَذِهِ تَمْهِيدًا لِتِلْكَ، ولَمْ يَكُنِ النَّهْيُ فِيها بالِغًا ما في - سُورَةِ البَقَرَةِ - وقَدْ رُوِيَ أنَّ آيَةَ البَقَرَةِ نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ حَرَّمَ اللَّهُ الرِّبا وأنَّ ثَقِيفًا قالُوا: كَيْفَ نُنْهى عَنِ الرِّبا، وهو مِثْلُ البَيْعِ، ويَكُونُ وصْفُ الرِّبا بِ ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ نَهْيًا عَنِ الرِّبا الفاحِشِ وسَكَتَ عَمّا دُونَ ذَلِكَ مِمّا لا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الأضْعافِ، ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في - سُورَةِ البَقَرَةِ - ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ دايَنَ بَعْضًا بِالمُراباةِ عَقِبَ غَزْوَةِ أُحُدٍ فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الرِّبا في مُدَّةِ نُزُولِ قِصَّةِ تِلْكَ الغَزْوَةِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى أكْلِ الرِّبا، وعَلى مَعْنى الرِّبا، ووَجْهُ تَحْرِيمِهِ في - سُورَةِ البَقَرَةِ - . وقَوْلُهُ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ حالٌ مِنَ الرِّبا والأضْعافُ جَمْعُ ضِعْفٍ - بِكَسْرِ الضّادِ - وهو مُعادِلٌ في المِقْدارِ إذا كانَ الشَّيْءُ ومُماثِلُهُ مُتَلازِمَيْنِ، لا تَقُولُ: عِنْدِي ضِعْفُ دِرْهَمِكَ، إذْ لَيْسَ الأصْلُ عِنْدَكَ، بَلْ يَحْسُنُ أنْ تَقُولَ: عِنْدِي دِرْهَمانِ، وإنَّما تَقُولُ: عِنْدِي دِرْهَمٌ وضِعْفُهُ، إذا كانَ أصْلُ الدِّرْهَمِ عِنْدَكَ، وتَقُولُ: لَكَ دِرْهَمٌ وضِعْفُهُ إذا فَعَلْتَ كَذا. والضِّعْفُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ إذا كانَ غَيْرَ مُعَرَّفٍ بِألْ نَحْوَ ضِعْفِهِ، فَإذا أُرِيدَ الجَمْعُ جِيءَ بِهِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ كَما هُنا، وإذا عُرِّفَ الضِّعْفُ بِألْ صَحَّ اعْتِبارُ العَهْدِ واعْتِبارُ الجِنْسِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا﴾ [سبإ: ٣٧] فَإنَّ الجَزاءَ أضْعافٌ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. وقَوْلُهُ مُضاعَفَةً صِفَةٌ لِلْأضْعافِ أيْ هي أضْعافٌ يَدْخُلُها التَّضْعِيفُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا إذا دايَنُوا أحَدًا إلى أجَلٍ دايَنُوهُ بِزِيادَةٍ، ومَتى أعْسَرَ عِنْدَ الأجَلِ أوْ رامَ التَّأْخِيرَ زادَ مِثْلَ تِلْكَ الزِّيادَةِ، فَيَصِيرُ الضِّعْفُ ضِعْفًا، ويَزِيدُ، وهَكَذا، فَيَصْدُقُ صفحة ٨٦ بِصُورَةِ أنْ يَجْمَعُوا الدَّيْنَ مُضاعَفًا بِمِثْلِهِ إلى الأجَلِ، وإذا ازْدادَ أجَلًا ثانِيًا زادَ مِثْلَ جَمِيعِ ذَلِكَ، فالأضْعافُ مِن أوَّلِ التَّدايُنِ لِلْأجَلِ الأوَّلِ، ومُضاعَفَتُها في الآجالِ المُوالِيَةِ، ويَصْدُقُ بِأنْ يُدايِنُوا بِمُراباةٍ دُونَ مِقْدارِ الدَّيْنِ ثُمَّ تَزِيدُ بِزِيادَةِ الآجالِ، - حَتّى يَصِيرَ الدَّيْنُ أضْعافًا، وتَصِيرَ الأضْعافُ أضْعافًا، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فالحالُ وارِدَةٌ لِحِكايَةِ الواقِعِ فَلا تُفِيدُ مَفْهُومًا: لِأنَّ شَرْطَ اسْتِفادَةِ المَفْهُومِ مِنَ القُيُودِ أنْ لا يَكُونَ القَيْدُ المَلْفُوظُ بِهِ جَرى لِحِكايَةِ الواقِعِ، وإنْ كانَ الثّانِي فالحالُ وارِدَةٌ لِقَصْدِ التَّشْنِيعِ وإرادَةِ هَذِهِ العاقِبَةِ الفاسِدَةِ. وإذْ قَدْ كانَ غالِبُ المَدِينِينَ تَسْتَمِرُّ حاجَتُهم آجالًا طَوِيلَةً، كانَ الوُقُوعُ في هَذِهِ العاقِبَةِ مُطَّرِدًا، وحِينَئِذٍ فالحالُ لا تُفِيدُ مَفْهُومًا كَذَلِكَ إذْ لَيْسَ القَصْدُ مِنها التَّقْيِيدُ بَلِ التَّشْنِيعُ، فَلا يَقْتَصِرُ التَّحْرِيمُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى الرِّبا البالِغِ أضْعافًا كَثِيرَةً، حَتّى يَقُولَ قائِلٌ: إذا كانَ الرِّبا أقَلَّ مِن ضِعْفِ رَأْسِ المالِ فَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ. فَلَيْسَ هَذا الحالُ هو مَصَبَّ النَّهْيِ عَنْ أكْلِ الرِّبا حَتّى يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّهُ إنْ كانَ دُونَ الضَّعْفِ لَمْ يَكُنْ حَرامًا. ويَظْهَرُ أنَّها أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في تَحْرِيمِ الرِّبا، وجاءَتْ بَعْدَها آيَةُ البَقَرَةِ، لِأنَّ صِيغَةَ هَذِهِ الآيَةِ تُناسِبُ ابْتِداءَ التَّشْرِيعِ، وصِيغَةُ آيَةِ البَقَرَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الحُكْمَ قَدْ تَقَرَّرَ، ولِذَلِكَ ذَكَرَ في تِلْكَ الآيَةِ عَذابَ المُسْتَمِرِّ عَلى أكْلِ الرِّبا. وذَكَرَ غُرُورَ مَن ظَنَّ الرِّبا مِثْلَ البَيْعِ، وقِيلَ فِيها ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] الآيَةَ، كَما ذَكَرْناهُ آنِفًا، فَمَفْهُومُ القَيْدِ مُعَطَّلٌ عَلى كُلِّ حالٍ. وحِكْمَةُ تَحْرِيمِ الرِّبا هي قَصْدُ الشَّرِيعَةِ حَمْلَ الأُمَّةِ عَلى مُواساةِ غَنِيِّها مُحْتاجِها احْتِياجًا عارِضًا مُوَقَّتًا بِالقَرْضِ، فَهو مَرْتَبَةٌ دُونَ الصَّدَقَةِ، وهو ضَرْبٌ مِنَ المُواساةِ إلّا أنَّ المُواساةَ مِنها فَرْضٌ كالزَّكاةِ، ومِنها نَدْبٌ كالصَّدَقَةِ والسَّلَفِ، فَإنِ انْتَدَبَ لَها المُكَلَّفُ حَرُمَ عَلَيْهِ طَلَبُ عِوَضٍ عَنْها، وكَذَلِكَ المَعْرُوفُ كُلُّهُ، وذَلِكَ أنَّ العِبادَةَ الماضِيَةَ في الأُمَمِ، وخاصَّةً العَرَبَ، أنَّ المَرْءَ لا يَتَدايَنُ إلّا لِضَرُورَةِ حَياتِهِ، فَلِذَلِكَ كانَ حَقُّ الأُمَّةِ مُواساتَهُ. والمُواساةُ يَظْهَرُ أنَّها فَرْضُ كِفايَةٍ عَلى القادِرِينَ عَلَيْها، فَهو غَيْرُ الَّذِي جاءَ يُرِيدُ المُعامَلَةَ لِلرِّبْحِ كالمُتَبايِعِينَ صفحة ٨٧ والمُتَقارِضَيْنِ: لِلْفَرْقِ الواضِحِ في العُرْفِ بَيْنَ التَّعامُلِ وبَيْنَ التَّدايُنِ، إلّا أنَّ الشَّرْعَ مَيَّزَ هاتِهِ المَواهِي بَعْضَها عَنْ بَعْضٍ بِحَقائِقِها الذّاتِيَّةِ، لا بِاخْتِلافِ أحْوالِ المُتَعاقِدِينَ. فَلِذَلِكَ لَمْ يَسْمَحْ لِصاحِبِ المالِ في اسْتِثْمارِهِ بِطَرِيقَةِ الرِّبا في السَّلَفِ، ولَوْ كانَ المُسْتَلِفُ غَيْرَ مُحْتاجٍ، بَلْ كانَ طالِبَ سَعَةٍ وإثْراءٍ بِتَحْرِيكِ المالِ الَّذِي اسْتَلَفَهُ في وُجُوهِ الرِّبْحِ والتِّجارَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وسُمِحَ لِصاحِبِ المالِ في اسْتِثْمارِهِ بِطَرِيقَةِ الشَّرِكَةِ والتِّجارَةِ ودَيْنِ السَّلَمِ، ولَوْ كانَ الرِّبْحُ في ذَلِكَ أكْثَرَ مِن مِقْدارِ الرِّبا، تَفْرِقَةً بَيْنَ المَواهِي الشَّرْعِيَّةِ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَقْصِدُ الشَّرِيعَةِ مِن تَحْرِيمِ الرِّبا البُعْدَ بِالمُسْلِمِينَ عَنِ الكَسَلِ في اسْتِثْمارِ المالِ، وإلْجاءَهم إلى التَّشارُكِ والتَّعاوُنِ في شُئُونِ الدُّنْيا، فَيَكُونُ تَحْرِيمُ الرِّبا، ولَوْ كانَ قَلِيلًا، مَعَ تَجْوِيزِ الرِّبْحِ مِنَ التِّجارَةِ والشَّرِكاتِ، ولَوْ كانَ كَثِيرًا، تَحْقِيقًا لِهَذا المَقْصِدِ. ولَقَدْ قَضى المُسْلِمُونَ قُرُونًا طَوِيلَةً لَمْ يَرَوْا أنْفُسَهم فِيها مُحْتاجِينَ إلى التَّعامُلِ بِالرِّبا، ولَمْ تَكُنْ ثَرْوَتُهم أيّامَئِذٍ قاصِرَةً عَنْ ثَرْوَةِ بَقِيَّةِ الأُمَمِ في العالَمِ، أزْمانَ كانَتْ سِيادَةُ العالَمِ بِيَدِهِ، أوْ أزْمانَ كانُوا مُسْتَقِلِّينَ بِإدارَةِ شُئُونِهِمْ، فَلَمّا صارَتْ سِيادَةُ العالَمِ بِيَدِ أُمَمٍ غَيْرِ إسْلامِيَّةٍ، وارْتَبَطَ المُسْلِمُونَ بِغَيْرِهِمْ في التِّجارَةِ والمُعامَلَةِ، وانْتَظَمَتْ سُوقُ الثَّرْوَةِ العالَمِيَّةِ عَلى قَواعِدِ القَوانِينِ الَّتِي لا تَتَحاشى المُراباةَ في المُعامَلاتِ، ولا تَعْرِفُ أسالِيبَ مُواساةِ المُسْلِمِينَ، دُهِشَ المُسْلِمُونَ، وهُمُ اليَوْمَ يَتَساءَلُونَ، وتَحْرِيمُ الرِّبا في الآيَةِ صَرِيحٌ، ولَيْسَ لِما حَرَّمَهُ اللَّهُ مُبِيحٌ. ولا مُخَلِّصَ مِن هَذا إلّا أنْ تَجْعَلَ الدُّوَلُ الإسْلامِيَّةُ قَوانِينَ مالِيَّةً تُبْنى عَلى أُصُولِ الشَّرِيعَةِ في المَصارِفِ، والبُيُوعِ، وعُقُودِ المُعامَلاتِ المُرَكَّبَةِ مِن رُءُوسِ الأمْوالِ وعَمَلِ العُمّالِ. وحَوالاتِ الدُّيُونِ ومُقاصَّتِها وبَيْعِها. وهَذا يَقْضِي بِإعْمالِ أنْظارِ عُلَماءِ الشَّرِيعَةِ والتَّدارُسِ بَيْنَهم في مَجْمَعٍ يَحْوِي طائِفَةً مِن كُلِّ فُرْقَةٍ كَما أمَرَ اللَّهُ تَعالى. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الرِّبا والبُيُوعِ الرِّبَوِيَّةِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] الآياتِ الخَمْسَ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ٨٨ وقَوْلُهُ ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ تَحْذِيرٌ وتَنْفِيرٌ مِنَ النّارِ وما يُوقِعُ فِيها، بِأنَّها مَعْدُودَةٌ لِلْكافِرِينَ. وإعْدادُها لِلْكافِرِينَ عَدْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتُهُ لِأنَّ تَرْتِيبَ الأشْياءِ عَلى أمْثالِها مِن أكْبَرِ مَظاهِرِ الحِكْمَةِ، ومَن أشْرَكُوا بِاللَّهِ مَخْلُوقاتِهِ، فَقَدِ اسْتَحَقُّوا الحِرْمانَ مِن رَحَماتِهِ، والمُسْلِمُونَ لا يَرْضَوْنَ بِمُشارَكَةِ الكافِرِينَ لِأنَّ الإسْلامَ الحَقَّ يُوجِبُ كَراهِيَةَ ما يَنْشَأُ عَنِ الكُفْرِ. وذاكَ تَعْرِيضٌ واضِحٌ في الوَعِيدِ عَلى أخْذِ الرِّبا. ومُقابِلُ هَذا التَّنْفِيرِ التَّرْغِيبُ الآتِي في قَوْلِهِ ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] والتَّقْوى أعْلى دَرَجاتِ الإيمانِ. وتَعْرِيفُ النّارِ بِهَذِهِ الصِّلَةِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ قَدْ شاعَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ هَذا الوَصْفُ لِلنّارِ بِما في القُرْآنِ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [التحريم: ٦] وقَوْلِهِ ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ [الشعراء: ٩١] الآيَةَ.

آل عمران 3:133

﴿سارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ . قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ (سارِعُوا) دُونَ واوِ عَطْفٍ. تَتَنَزَّلُ جُمْلَةُ سارِعُوا. . مَنزِلَةَ البَيانِ، أوْ بَدَلَ الِاشْتِمالِ، لِجُمْلَةِ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ١٣٢] لِأنَّ طاعَةَ اللَّهِ والرَّسُولِ مُسارَعَةٌ إلى المَغْفِرَةِ والجَنَّةِ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ. ولِكَوْنِ الأمْرِ بِالمُسارَعَةِ إلى المَغْفِرَةِ والجَنَّةِ يَئُولُ إلى الأمْرِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، جازَ عَطْفُ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةِ الأمْرِ بِالطّاعَةِ، فَلِذَلِكَ قَرَأ بَقِيَّةُ العَشَرَةِ وسارِعُوا بِالعَطْفِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ ما يُنْبِئُنا بِأنَّهُ يَجُوزُ الفَصْلُ في بَعْضِ الجُمَلِ بِاعْتِبارَيْنِ. والسُّرْعَةُ المُشْتَقُّ مِنها سارِعُوا مَجازٌ في الحِرْصِ والمُنافَسَةِ والفَوْرِ إلى عَمَلِ الطّاعاتِ الَّتِي هي سَبَبُ المَغْفِرَةِ والجَنَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ السُّرْعَةُ حَقِيقَةً، وهي سُرْعَةُ الخُرُوجِ إلى الجِهادِ عِنْدَ التَّنْفِيرِ كَقَوْلِهِ في الحَدِيثِ «وإذا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا» . صفحة ٨٩ والمُسارَعَةُ عَلى التَّقادِيرِ كُلِّها تَتَعَلَّقُ بِأسْبابِ المَغْفِرَةِ، وأسْبابِ دُخُولِ الجَنَّةِ، فَتَعْلِيقُها بِذاتِ المَغْفِرَةِ والجَنَّةِ مِن تَعْلِيقِ الأحْكامِ بِالذَّواتِ عَلى إرادَةِ أحْوالِها عِنْدَ ظُهُورِ عَدَمِ الفائِدَةِ في التَّعَلُّقِ بِالذّاتِ. وجِيءَ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، مُجَرَّدَةً عَنِ مَعْنى حُصُولِ الفِعْلِ مِن جانِبَيْنِ، قَصْدَ المُبالِغَةِ في طَلَبِ الإسْراعِ، والعَرَبُ تَأْتِي بِما يَدُلُّ في الوَضْعِ عَلى تَكَرُّرِ الفِعْلِ وهم يُرِيدُونَ التَّأْكِيدَ والمُبالَغَةَ دُونَ التَّكْرِيرِ، ونَظِيرُهُ التَّثْنِيَةُ في قَوْلِهِمْ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] . وتَنْكِيرُ مَغْفِرَةٍ ووَصْلُها بِقَوْلِهِ مِن رَبِّكم مَعَ تَأنِّي الإضافَةِ بِأنْ يُقالَ إلى مَغْفِرَةِ رَبِّكم، لِقَصْدِ الدَّلالَةِ عَلى التَّعْظِيمِ، ووَصْفِ الجَنَّةِ بِأنَّ عَرْضَها السَّماواتُ والأرْضُ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، بِدَلِيلِ التَّصْرِيحِ بِحَرْفِ التَّشْبِيهِ في نَظِيرَتِها في آيَةِ سُورَةِ الحَدِيدِ. والعَرْضُ في كَلامِ العَرَبِ يُطْلَقُ عَلى ما يُقابِلُ الطُّولَ، ولَيْسَ هو المُرادُ هُنا، ويُطْلَقُ عَلى الِاتِّساعِ لِأنَّ الشَّيْءَ العَرِيضَ هو الواسِعُ في العُرْفِ بِخِلافِ الطَّوِيلِ غَيْرِ العَرِيضِ فَهو ضَيِّقٌ، وهَذا كَقَوْلِ العُدَيْلِ: ودُونَ يَدِ الحَجّاجِ مِن أنْ تَنالَنِي بِساطٌ بِأيْدِي النّاعِجاتِ عَرِيضُ وذِكْرُ السَّماواتِ والأرْضِ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في تَمْثِيلِ شِدَّةِ الِاتِّساعِ. ولَيْسَ المُرادُ حَقِيقَةَ عَرْضِ السَّماواتِ والأرْضِ لِيُوافِقَ قَوْلَ الجُمْهُورِ مِن عُلَمائِنا بِأنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ الآنَ، وأنَّها في السَّماءِ، وقِيلَ: هو عَرْضُها حَقِيقَةً، وهي مَخْلُوقَةٌ الآنَ لَكِنَّها أكْبَرُ مِنَ السَّماواتِ وهي فَوْقَ السَّماواتِ تَحْتَ العَرْشِ، وقَدْ رُوِيَ: «العَرْشُ سَقْفُ الجَنَّةِ» . وأمّا مَن قالَ: إنَّ الجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقِ الآنَ وسَتُخْلَقُ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ وبَعْضِ أهْلِ السُّنَّةِ مِنهم مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ الأنْدَلُسِيُّ الظّاهِرِيُّ، فَيَجُوزُ عِنْدَهم أنْ تَكُونَ كَعَرْضِ السَّماواتِ والأرْضِ بِأنْ تُخْلَقَ في سَعَةِ الفَضاءِ الَّذِي كانَ يَمْلَؤُهُ السَّماواتُ والأرْضُ أوْ في سَعَةِ فَضاءٍ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ. وأدِلَّةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ ظاهِرَةٌ في أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ، وفي حَدِيثِ رُؤْيا رَآها النَّبِيءُ ﷺ وهو الحَدِيثُ الطَّوِيلُ الَّذِي صفحة ٩٠ فِيهِ قَوْلُهُ «إنَّ جِبْرِيلَ ومِيكالَ قالا لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعَ فَإذا فَوْقَهُ مِثْلُ السَّحابِ، قالا: هَذا مَنزِلُكَ، قالَ: فَقُلْتُ: دَعانِي أدْخُلْ مَنزِلِي، قالا: إنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَ أتَيْتَ مَنزِلَكَ» .

آل عمران 3:134

﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ . أعْقَبَ وصْفَ الجَنَّةِ بِذِكْرِ أهْلِها لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَزِيدُ التَّنْوِيهَ بِها، ولَمْ يَزَلِ العُقَلاءُ يَتَخَيَّرُونَ حُسْنَ الجِوارِ كَما قالَ أبُو تَمّامٍ: ‌ مَن مَبْلَغٌ أفَناءَ يَعْرُبَ كُلِّها أنِّي بَنَيْتُ الجارَ قَبْلَ المَنزِلِ وجُمْلَةُ ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ ذِكْرَ الجَنَّةِ عَقِبَ ذِكْرِ النّارِ المَوْصُوفَةِ بِأنَّها أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ يُثِيرُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ أنْ يَتَعَرَّفُوا مَنِ الَّذِينَ أُعِدَّتْ لَهم: فَإنْ أُرِيدَ بِالمُتَّقِينَ أكْمَلُ ما يَتَحَقَّقُ فِيهِ التَّقْوى، فَإعْدادُها لَهم لِأنَّهم أهْلُها - فَضْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى - الَّذِينَ لا يَلِجُونَ النّارَ أصْلًا - عَدْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى - فَيَكُونُ مُقابِلَ قَوْلِهِ ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، ويَكُونُ عُصاةُ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ التّائِبِينَ قَدْ أخَذُوا بِحَظِّ الدّارَيْنِ، لِمُشابِهَةِ حالِهِمْ حالَ الفَرِيقَيْنِ عَدْلًا مِنَ اللَّهِ وفَضْلًا، وبِمِقْدارِ الِاقْتِرابِ مِن أحَدِهِما يَكُونُ الأخْذُ بِنَصِيبٍ مِنهُ، وأُرِيدَ المُتَّقُونَ في الجُمْلَةِ فالإعْدادُ لَهم بِاعْتِبارِ أنَّهم مُقَدَّرُونَ مِن أهْلِها في العاقِبَةِ. وقَدْ أجْرى عَلى المُتَّقِينَ صِفاتِ ثَناءٍ وتَنْوِيهٍ، هي لَيْسَتْ جِماعَ التَّقْوى، ولَكِنَّ اجْتِماعَها في مَحَلِّها مُؤْذِنٌ بِأنَّ المَحَلَّ المَوْصُوفَ بِها قَدِ اسْتَكْمَلَ ما بِهِ التَّقْوى، وتِلْكَ هي مُقاوَمَةُ الشُّحِّ المُطاعِ، والهَوى المُتَّبَعِ. الصِّفَةُ الأُولى: الإنْفاقُ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ. والإنْفاقُ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ وهو الصَّدَقَةُ وإعْطاءُ المالِ والسِّلاحِ والعُدَّةِ في سَبِيلِ اللَّهِ. والسَّرّاءُ فَعْلاءُ، اسْمٌ لِمَصْدَرِ صفحة ٩١ سَرَّهُ سَرًّا وسُرُورًا. والضَّرّاءُ مِن ضَرَّهُ، أيْ في حالَيِ الِاتِّصافِ بِالفَرَحِ والحُزْنِ، وكَأنَّ الجَمْعَ بَيْنَهُما هُنا لِأنَّ السَّرّاءَ فِيها مَلْهاةٌ عَنِ الفِكْرَةِ في شَأْنِ غَيْرِهِمْ، والضَّرّاءَ فِيها مَلْهاةٌ وقِلَّةُ مَوْجِدَةٍ. فَمُلازَمَةُ الإنْفاقِ في هَذَيْنِ الحالَيْنِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَحَبَّةَ نَفْعِ الغَيْرِ بِالمالِ، الَّذِي هو عَزِيزٌ عَلى النَّفْسِ، فَقَدْ صارَ لَهم خُلُقًا لا يَحْجُبُهم عَنْهُ حاجِبٌ ولا يَنْشَأُ ذَلِكَ إلّا عَنْ نَفْسٍ طاهِرَةٍ. الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: الكاظِمِينَ الغَيْظَ. وكَظْمُ الغَيْظِ إمْساكُهُ وإخْفاؤُهُ حَتّى لا يَظْهَرَ عَلَيْهِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن كَظَمَ القِرْبَةَ إذا مَلَأها وأمْسَكَ فَمَها، قالَ المُبَرِّدُ: فَهو تَمْثِيلٌ لِلْإمْساكِ مَعَ الِامْتِلاءِ، ولا شَكَّ أنَّ أقْوى القُوى تَأْثِيرًا عَلى النَّفْسِ القُوَّةُ الغاضِبَةُ فَتَشْتَهِي إظْهارَ آثارِ الغَضَبِ، فَإذا اسْتَطاعَ إمْساكَ مَظاهِرِها، مَعَ الِامْتِلاءِ مِنها، دَلَّ ذَلِكَ عَلى عَزِيمَةٍ راسِخَةٍ في النَّفْسِ، وقَهْرِ الإرادَةِ لِلشَّهْوَةِ، وهَذا مِن أكْبَرِ قُوى الأخْلاقِ الفاضِلَةِ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: العَفْوُ عَنِ النّاسِ فِيما أساءُوا بِهِ إلَيْهِمْ. وهي تَكْمِلَةٌ لِصِفَةِ كَظْمِ الغَيْظِ بِمَنزِلَةِ الِاحْتِراسِ لِأنَّ كَظْمَ الغَيْظِ قَدْ تَعْتَرِضُهُ نَدامَةٌ فَيَسْتَعْدِي عَلى مَن غاظَهُ بِالحَقِّ، فَلَمّا وُصِفُوا بِالعَفْوِ عَمَّنْ أساءَ إلَيْهِمْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ كَظْمَ الغَيْظِ وصْفٌ مُتَأصِّلٌ فِيهِمْ، مُسْتَمِرٌّ مَعَهم. وإذا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ في نَفْسٍ سَهُلَ ما دُونَها لَدَيْها. وبِجِماعِها يَجْتَمِعُ كَمالُ الإحْسانِ ولِذَلِكَ ذَيَّلَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَها بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ لِأنَّهُ دالٌّ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ مُحْسِنُونَ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ.

آل عمران 3:135

﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفِرُوا لِذُنُوبِهِمْ ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وهم يَعْلَمُونَ﴾ . صفحة ٩٢ إنْ كانَ عَطْفَ فَرِيقٍ آخَرَ، فَهم غَيْرُ المُتَّقِينَ الكامِلِينَ، بَلْ هم فَرِيقٌ مِنَ المُتَّقِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا، وإنْ كانَ عَطْفَ صِفاتِ، فَهو تَفْضِيلٌ آخَرُ لِحالِ المُتَّقِينَ بِأنْ ذَكَرَ أوَّلًا حالَ كَمالِهِمْ، وذَكَرَ بَعْدَهُ حالَ تَدارُكِهِمْ نَقائِصَهم. والفاحِشَةُ الفَعْلَةُ المُتَجاوِزَةُ الحَدِّ في الفَسادِ، ولِذَلِكَ جُمِعَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ﴾ [النجم: ٣٢] واشْتِقاقُها مِن فَحَشَ بِمَعْنى قالَ قَوْلًا ذَمِيمًا، كَما في قَوْلِ عائِشَةَ: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاحِشًا ولا مُتَفَحِّشًا»، أوْ فَعَلَ فِعْلًا ذَمِيمًا، ومِنهُ ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] . ولا شَكَّ أنَّ التَّعْرِيفَ هُنا تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ فَعَلُوا الفَواحِشَ، وظُلْمُ النَّفْسِ هو الذُّنُوبُ الكَبائِرُ، وعَطْفُها هُنا عَلى الفَواحِشِ كَعَطْفِ الفَواحِشِ عَلَيْها في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ﴾ [النجم: ٣٢] . فَقِيلَ: الفاحِشَةُ المَعْصِيَةُ الكَبِيرَةُ، وظُلْمُ النَّفْسِ الكَبِيرَةُ مُطْلَقًا، وقِيلَ: الفاحِشَةُ هي الكَبِيرَةُ المُتَعَدِّيَةُ إلى الغَيْرِ، وظُلْمُ النَّفْسِ الكَبِيرَةُ القاصِرَةُ عَلى النَّفْسِ، وقِيلَ: الفاحِشَةُ الزِّنا، وهَذا تَفْسِيرٌ عَلى مَعْنى المِثالِ. والذِّكْرُ في قَوْلِهِ ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ ذِكْرُ القَلْبِ وهو ذِكْرُ ما يَجِبُ لِلَّهِ عَلى عَبْدِهِ، وما أوْصاهُ بِهِ، وهو الَّذِي يَتَفَرَّعُ عَنْهُ طَلَبُ المَغْفِرَةِ، وأمّا ذِكْرُ اللِّسانِ فَلا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ. ومَعْنى ذِكْرِ اللَّهِ هُنا ذِكْرُ أمْرِهِ ونَهْيِهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ. والِاسْتِغْفارُ: طَلَبُ المَغْفِرَةِ أيِ السِّتْرُ لِلذُّنُوبِ، وهو مَجازٌ في عَدَمِ المُؤاخَذَةِ عَلى الذَّنْبِ، ولِذَلِكَ صارَ يُعَدّى إلى الذَّنْبِ بِاللّامِ الدّالَّةِ عَلى التَّعْلِيلِ كَما هُنا، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥] . ولَمّا كانَ طَلَبُ الصَّفْحِ عَنِ المُؤاخَذَةِ بِالذَّنْبِ لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ نَدامَةٍ، ونِيَّةِ إقْلاعٍ عَنِ الذَّنْبِ، وعَدَمِ العَوْدَةِ إلَيْهِ، كانَ الِاسْتِغْفارُ في لِسانِ الشّارِعِ بِمَعْنى التَّوْبَةِ، إذْ كَيْفَ يَطْلُبُ العَفْوَ عَنِ الذَّنْبِ مَن هو مُسْتَمِرٌّ عَلَيْهِ، أوْ عازِمٌ عَلى مُعاوَدَتِهِ، ولَوْ طَلَبَ ذَلِكَ في تِلْكَ الحالَةِ لَكانَ أكْثَرَ إساءَةً مِنَ صفحة ٩٣ الذَّنْبِ، فَلِذَلِكَ عُدَّ الِاسْتِغْفارَ هُنا رُتْبَةً مِن مَراتِبِ التَّقْوى. ولَيْسَ الِاسْتِغْفارُ مُجَرَّدَ قَوْلِ أسْتَغْفِرُ اللَّهَ بِاللِّسانِ والقائِلُ مُلْتَبِسٌ بِالذُّنُوبِ. وعَنْ رابِعَةَ العَدَوِيَّةِ أنَّها قالَتْ: ”اسْتِغْفارُنا يَحْتاجُ إلى الِاسْتِغْفارِ“ وفي كَلامِها مُبالَغَةٌ فَإنَّ الِاسْتِغْفارَ بِالقَوْلِ مَأْمُورٌ بِهِ في الدِّينِ لِأنَّهُ وسِيلَةٌ لِتَذَكُّرِ الذَّنْبِ والحِيلَةِ لِلْإقْلاعِ عَنْهُ. وجُمْلَةُ ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ فاسْتَغْفِرُوا وجُمْلَةِ ﴿ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾ . والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى النَّفْيِ، بِقَرِينَةِ الِاسْتِثْناءِ مِنهُ، والمَقْصُودُ تَسْدِيدُ مُبادَرَتِهِمْ إلى اسْتِغْفارِ اللَّهِ عَقِبَ الذَّنْبِ، والتَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أصْنامَهم شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، وبِالنَّصارى في زَعْمِهِمْ أنَّ عِيسى رَفَعَ الخَطايا عَنْ بَنِي آدَمَ بِبَلِيَّةِ صَلْبِهِ. وقَوْلُهُ ولَمْ يُصِرُّوا إتْمامٌ لِرُكْنَيِ التَّوْبَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ يُشِيرُ إلى النَّدَمِ، وقَوْلُهُ ولَمْ يُصِرُّوا تَصْرِيحٌ بِنَفْيِ الإصْرارِ، وهَذانِ رُكْنا التَّوْبَةِ. وفي الحَدِيثِ «النَّدَمُ تَوْبَةٌ»، وأمّا تَدارُكُ ما فَرَّطَ فِيهِ بِسَبَبِ الذَّنْبِ فَإنَّما يَكُونُ مَعَ الإمْكانِ، وفِيهِ تَفْصِيلٌ إذا تَعَذَّرَ أوْ تَعَسَّرَ، وكَيْفَ يُؤْخَذُ بِأقْصى ما يُمْكِنُ مِنَ التَّدارُكِ. وقَوْلُهُ ﴿ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في ذَكَرُوا أيْ: ذَكَرُوا اللَّهَ في حالِ عَدَمِ الإصْرارِ. والإصْرارُ: المَقامُ عَلى الذَّنْبِ، ونَفْيُهُ هو مَعْنى الإقْلاعِ. وقَوْلُهُ وهم يَعْلَمُونَ حالٌ ثانِيَةٌ، وحُذِفَ مَفْعُولُ يَعْلَمُونَ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ أيْ يَعْلَمُونَ سُوءَ فِعْلِهِمْ، وعِظَمَ غَضَبِ الرَّبِّ، ووُجُوبَ التَّوْبَةِ إلَيْهِ، وأنَّهُ تَفَضَّلَ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ فَمَحا بِها الذُّنُوبَ الواقِعَةَ. وقَدِ انْتَظَمَ مِن قَوْلِهِ ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا﴾ وقَوْلِهِ ولَمْ يُصِرُّوا وقَوْلِهِ ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ الأرْكانُ الثَّلاثَةُ الَّتِي يَنْتَظِمُ مِنها مَعْنى التَّوْبَةِ في كَلامِ أبِي حامِدٍ صفحة ٩٤ الغَزالِيِّ في كِتابِ التَّوْبَةِ مِن إحْياءِ عُلُومِ الدِّينِ إذْ قالَ وهي عِلْمٌ، وحالٌ، وفِعْلٌ. فالعِلْمُ هو مَعْرِفَةُ ضُرِّ الذُّنُوبِ، وكَوْنِها حِجابًا بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ، فَإذا عُلِمَ ذَلِكَ بِيَقِينٍ ثارَ مِن هَذِهِ المَعْرِفَةِ تَألُّمٌ لِلْقَلْبِ بِسَبَبِ فَواتِ ما يُحِبُّهُ مِنَ القُرْبِ مِن رَبِّهِ، ورِضاهُ عَنْهُ، وذَلِكَ الألَمُ يُسَمّى نَدَمًا، فَإذا غَلَبَ هَذا الألَمُ عَلى القَلْبِ انْبَعَثَ مِنهُ في القَلْبِ حالَةٌ تُسَمّى إرادَةً وقَصْدًا إلى فِعْلٍ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالحالِ والماضِي والمُسْتَقْبَلِ، فَتَعَلُّقُهُ بِالحالِ هو تَرْكُ الذَّنْبِ (الإقْلاعُ)، وتَعَلُّقُهُ بِالمُسْتَقْبَلِ هو العَزْمُ عَلى تَرْكِ الذَّنْبِ في المُسْتَقْبَلِ (نَفْيُ الإصْرارِ)، وتَعَلُّقُهُ بِالماضِي بِتَلافِي ما فاتَ. فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ إشارَةٌ إلى انْفِعالِ القَلْبِ. وقَوْلُهُ ولَمْ يُصِرُّوا إشارَةٌ إلى الفِعْلِ وهو الإقْلاعُ ونَفْيُ العَزْمِ عَلى العَوْدَةِ. وقَوْلُهُ وهم يَعْلَمُونَ إشارَةٌ إلى العِلْمِ المُثِيرِ لِلِانْفِعالِ النَّفْسانِيِّ. وقَدْ رَتَّبَ هاتِهِ الأرْكانَ في الآيَةِ بِحَسْبِ شِدَّةِ تَعَلُّقِها بِالمَقْصُودِ: لِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ يَحْصُلُ بَعْدَ الذَّنْبِ، فَيَبْعَثُ عَلى التَّوْبَةِ، ولِذَلِكَ رَتَّبَ الِاسْتِغْفارَ عَلَيْهِ بِالفاءِ، وأمّا العِلْمُ بِأنَّهُ ذَنْبٌ، فَهو حاصِلٌ مِن قَبْلِ حُصُولِ المَعْصِيَةِ، ولَوْلا حُصُولُهُ لَما كانَتِ الفَعْلَةُ مَعْصِيَةً. فَلِذَلِكَ جِيءَ بِهِ بَعْدَ الذِّكْرِ ونَفْيِ الإصْرارِ، عَلى أنَّ جُمْلَةَ الحالِ لا تَدُلُّ عَلى تَرْتِيبِ مَضْمُونِها بَعْدَ حُصُولِ مَضْمُونِ ما جِيءَ بِهِ قَبْلَها في الأخْبارِ والصِّفاتِ. ثُمَّ إنَّ أرْكانَ الإصْرارِ، وهو الِاسْتِمْرارُ عَلى الذَّنْبِ، كَما فُسِّرَ بِهِ كانَ نَفْيُهُ بِمَعْنى الإقْلاعِ لِأجْلِ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمْ يَدُلَّ عَلى أنَّهُ عازِمٌ عَلى عَدَمِ العَوْدِ إلَيْهِ، ولَكِنَّهُ بِحَسْبِ الظّاهِرِ لا يَرْجِعُ إلى ذَنْبٍ نَدِمَ عَلى فِعْلِهِ، وإنْ أُرِيدَ بِالإصْرارِ اعْتِقادُ العَوْدِ إلى الذَّنْبِ فَنَفْيُهُ هو التَّوْبَةُ الخالِصَةُ، وهو يَسْتَلْزِمُ حُصُولَ الإقْلاعِ مَعَهُ، إذِ التَّلَبُّسُ بِالذَّنْبِ لا يَجْتَمِعُ مَعَ العَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ إلَيْهِ، فَإنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِهِ مِنَ الآنِ.

آل عمران 3:136

صفحة ٩٥ ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ وجَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ . اسْتِئْنافٌ لِلتَّوْبَةِ بِسَدادِ عَمَلِهِمْ: مِنَ الِاسْتِغْفارِ، وقَبُولِ اللَّهِ مِنهم. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِإفادَةِ أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ صارُوا أحْرِياءَ بِالحُكْمِ الوارِدِ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ، لِأجْلِ تِلْكَ الأوْصافِ الَّتِي اسْتَوْجَبُوا الإشارَةَ لِأجْلِها. وهَذا الجَزاءُ وهو المَغْفِرَةُ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، تَفْصِيلًا مِنهُ: بِأنْ جَعَلَ الإقْلاعَ عَنِ المَعاصِي سَبَبًا في غُفْرانِ ما سَلَفَ مِنها. وأمّا الجَنّاتُ فَإنَّما خَلَصَتْ لَهم لِأجْلِ المَغْفِرَةِ، ولَوْ أُخِذُوا بِسالِفِ ذُنُوبِهِمْ لَما اسْتَحَقُّوا الجَنّاتِ. فالكُلُّ فَضْلٌ مِنهُ تَعالى. وقَوْلُهُ ﴿ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ تَذْيِيلٌ لِإنْشاءِ مَدْحِ الجَزاءِ. والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ هو. والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى جُمْلَةِ ﴿جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ﴾ فَهو مِن عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ وهو كَثِيرٌ فَصِيحٌ في الكَلامِ وسُمِّيَ الجَزاءُ أجْرًا لِأنَّهُ كانَ عَنْ وعْدٍ لِلْعامِلِ بِما عَمِلَ. والتَّعْرِيفُ في العامِلِينَ لِلْعَهْدِ أيْ: ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ هَذا الجَزاءُ، وهَذا تَفْضِيلٌ لَهُ ولِلْعَمَلِ المُجازى عَلَيْهِ أيْ إذا كانَ لِأصْنافِ العامِلِينَ أُجُورٌ، كَما هو المُتَعارَفُ، فَهَذا نِعْمَ الأجْرُ لِعامِلٍ.

آل عمران 3:137

﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةَ المُكَذِّبِينَ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ: تَمْهِيدٌ لِإعادَةِ الكَلامِ عَلى ما كانَ يَوْمَ أُحُدٍ، وما بَيْنَهُما اسْتِطْرادٌ، كَما عَلِمْتَ آنِفًا، وهَذا مُقَدِّمَةُ التَّسْلِيَةِ والبِشارَةِ الآتِيَتَيْنِ. ابْتُدِئَتْ هاتِهِ المُقَدِّمَةُ بِحَقِيقَةٍ تارِيخِيَّةٍ: وهي الِاعْتِبارُ بِأحْوالِ الأُمَمِ الماضِيَةِ. صفحة ٩٦ وجِيءَ بِقَدْ، الدّالَّةِ عَلى تَأْكِيدِ الخَبَرِ، تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ ذَلِكَ لَمّا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ مِنِ انْكِسارِ الخَواطِرِ مِن جَرّاءِ الهَزِيمَةِ الحاصِلَةِ لَهم مِنَ المُشْرِكِينَ، مَعَ أنَّهم يُقاتِلُونَ لِنَصْرِ دِينِ اللَّهِ، وبَعْدَ أنْ ذاقُوا حَلاوَةَ النَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَبَيَّنَ اللَّهُ لَهم أنَّ اللَّهَ جَعَلَ سُنَّةَ هَذا العالَمِ أنْ تَكُونَ الأحْوالُ فِيهِ سِجالًا ومُداوَلَةً، وذَكَّرَهم بِأحْوالِ الأُمَمِ الماضِيَةِ، فَقالَ ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ . واللَّهُ قادِرٌ عَلى نَصْرِهِمْ، ولَكِنَّ الحِكْمَةَ اقْتَضَتْ ذَلِكَ لِئَلّا يَغْتَرَّ مَن يَأْتِي بَعْدَهم مِنَ المُسْلِمِينَ، فَيَحْسَبُ أنَّ النَّصْرَ حَلِيفُهم. ومَعْنى خَلَتْ مَضَتْ وانْقَرَضَتْ. كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] . والسُّنَنُ جَمْعُ سُنَّةٍ - بِضَمِّ السِّينِ - وهي السِّيرَةُ مِنَ العَمَلِ أوِ الخُلُقِ الَّذِي يُلازِمُ صُدُورَ العَمَلِ عَلى مِثالِها قالَ لَبِيدٌ: مِن مَعْشَرٍ سَنَّتْ لَهم آباؤُهم ولِكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمامُها وقالَ خالِدٌ الهُذَلِيُّ يُخاطِبُ أبا ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيَّ: فَلا تَجْزَعَنْ مِن سُنَّةٍ أنْتَ سُرَّتُها ∗∗∗ فَأوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَن يَسِيرُها وقَدْ تَرَدَّدَ اعْتِبارُ أيِّمَةِ اللُّغَةِ إيّاها اسْمًا جامِدًا غَيْرَ مُشْتَقٍّ، أوِ اسْمَ مَصْدَرِ سَنَّ، إذْ لَمْ يَرِدْ في كَلامِ العَرَبِ السَّنُ بِمَعْنى وضْعِ السُّنَّةِ، وفي الكَشّافِ في قَوْلِهِ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ٣٨] في سُورَةِ الأحْزابِ: سُنَّةَ اللَّهِ اسْمٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ المَصْدَرِ كَقَوْلِهِمْ تُرْبًا وجَنْدَلا، ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّهُ اسْمٌ جامِدٌ أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ كَما أُقِيمَ تُرْبًا وجَنْدَلًا مَقامَ تَبًّا وسُحْقًا في النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ، الَّتِي هي مِن شَأْنِ المَصادِرِ، وأنَّ المَعْنى تُرابٌ لَهُ وجَنْدَلٌ لَهُ أيْ حُصِبَ بِتُرابٍ ورُجِمَ بِجَنْدَلٍ. ويَظْهَرُ أنَّهُ مُخْتارُ صاحِبِ القامُوسِ لِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ في مادَّةِ سَنَّ ما يَقْتَضِي أنَّ السُّنَّةَ اسْمُ المَصْدَرِ، ولا أتى بِها عَقِبَ فِعْلِ سَنَّ، ولا ذَكَرَ مَصْدَرًا لِفِعْلِ سَنَّ. وعَلى هَذا يَكُونُ فِعْلُ سَنَّ هو المُشْتَقُّ مِنَ السُّنَّةِ اشْتِقاقَ الأفْعالِ مِنَ الأسْماءِ الجامِدَةِ، وهو اشْتِقاقٌ نادِرٌ. والجارِي بِكَثْرَةٍ عَلى ألْسِنَةِ المُفَسِّرِينَ والمُعَبِّرِينَ: أنَّ السُّنَّةَ اسْمُ مَصْدَرِ سَنَّ ولَمْ يَذْكُرُوا لِفِعْلِ سَنَّ مَصْدَرًا صفحة ٩٧ قِياسِيًّا. وفي القُرْآنِ إطْلاقُ السُّنَّةِ عَلى هَذا المَعْنى كَثِيرًا ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣] وفَسَّرُوا السُّنَنَ هُنا بِسُنَنِ اللَّهِ في الأُمَمِ الماضِيَةِ. والمَعْنى: قَدْ مَضَتْ مِن قَبْلِكم أحْوالٌ لِلْأُمَمِ، جارِيَةٌ عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ، هي عادَةُ اللَّهِ في الخَلْقِ، وهي أنَّ قُوَّةَ الظّالِمِينَ وعُتُوَّهم عَلى الضُّعَفاءِ أمْرٌ زائِلٌ، والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ المُحِقِّينَ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ بِرُسُلِ رَبِّهِمْ وأُرِيدَ النَّظَرُ في آثارِهِمْ لِيَحْصُلَ مِنهُ تَحَقُّقُ ما بَلَغَ مِن أخْبارِهِمْ، أوِ السُّؤالُ عَنْ أسْبابِ هَلاكِهِمْ، وكَيْفَ كانُوا أُولِي قُوَّةٍ، وكَيْفَ طَغَوْا عَلى المُسْتَضْعَفِينَ، فاسْتَأْصَلَهُمُ اللَّهُ لِتَطْمَئِنَّ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِمُشاهَدَةِ المُخْبِرِ عَنْهم مُشاهَدَةَ عَيانٍ، فَإنَّ لِلْعَيانِ بَدِيعَ مَعْنًى لِأنَّ المُؤْمِنِينَ بَلَغَتْهم أخْبارُ المُكَذِّبِينَ، ومِنَ المُكَذِّبِينَ عادٌ وثَمُودُ وأصْحابُ الأيْكَةِ وأصْحابُ الرَّسِّ، وكُلُّهم في بِلادِ العَرَبِ يَسْتَطِيعُونَ مُشاهَدَةَ آثارِهِمْ، وقَدْ شَهِدَها كَثِيرٌ مِنهم في أسْفارِهِمْ. وفِي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أهَمِّيَّةِ عِلْمِ التّارِيخِ لِأنَّ فِيهِ فائِدَةَ السَّيْرِ في الأرْضِ، وهي مَعْرِفَةُ أخْبارِ الأوائِلِ، وأسْبابِ صَلاحِ الأُمَمِ وفَسادِها. قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: السَّيْرُ في الأرْضِ حِسِّيٌّ ومَعْنَوِيٌّ، والمَعْنَوِيُّ هو النَّظَرُ في كُتُبِ التّارِيخِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ لِلنّاظِرِ العِلْمُ بِأحْوالِ الأُمَمِ، وما يَقْرُبُ مِنَ العِلْمِ، وقَدْ يَحْصُلُ بِهِ مِنَ العِلْمِ ما لا يَحْصُلُ بِالسَّيْرِ في الأرْضِ لِعَجْزِ الإنْسانِ وقُصُورِهِ. وإنَّما أمَرَ اللَّهُ بِالسَّيْرِ في الأرْضِ دُونَ مُطالَعَةِ الكُتُبِ لِأنَّ في المُخاطَبِينَ مَن كانُوا أُمِّيِّينَ، ولِأنَّ المُشاهِدَةَ تُفِيدُ مَن لَمْ يَقْرَأْ عِلْمًا وتَقْوًى عِلْمَ مَن قَرَأ التّارِيخَ أوْ قَصَّ عَلَيْهِ.

آل عمران 3:138

﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ . تَذْيِيلٌ يَعُمُّ المُخاطَبِينَ الحاضِرِينَ ومَن يَجِيءُ بَعْدَهم مِنَ الأجْيالِ، والإشارَةُ إمّا إلى ما تَقَدَّمَ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ، وإمّا إلى حاضِرٍ في الذِّهْنِ عِنْدَ تِلاوَةِ الآيَةِ وهو القُرْآنُ. صفحة ٩٨ والبَيانُ: الإيضاحُ وكَشْفُ الحَقائِقِ الواقِعَةِ. والهُدى: الإرْشادُ إلى ما فِيهِ خَيْرُ النّاسِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ. والمَوْعِظَةُ: التَّحْذِيرُ والتَّخْوِيفُ. فَإنْ جَعَلْتَ الإشارَةَ إلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧] الآيَةَ فَإنَّها بَيانٌ لِما غَفَلُوا عَنْهُ مِن عَدَمِ التَّلازُمِ بَيْنَ النَّصْرِ وحُسْنِ العاقِبَةِ، ولا بَيْنَ الهَزِيمَةِ وسُوءِ العاقِبَةِ، وهي هُدًى لَهم لِيَنْتَزِعُوا المُسَبَّباتِ مِن أسْبابِها، فَإنَّ سَبَبَ النَّجاحِ حَقًّا هو الصَّلاحُ والِاسْتِقامَةُ، وهي مَوْعِظَةٌ لَهم لِيَحْذَرُوا الفَسادَ ولا يَغْتَرُّوا كَما اغْتَرَّ عادٌ إذْ قالُوا ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] .

آل عمران 3:139

﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قَوْلُهُ ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ نَهْيٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ أسْبابِ الفَشَلِ. والوَهَنُ: الضَّعْفُ، وأصْلُهُ ضَعْفُ الذّاتِ: كالجِسْمِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤] والحَبْلُ في قَوْلِ زُهَيْرٍ: فَأصْبَحَ الحَبْلُ مِنها واهِنًا خَلَقًا وهُوَ هُنا مَجازٌ في خَوَرِ العَزِيمَةِ وضِعْفِ الإرادَةِ وانْقِلابِ الرَّجاءِ يَأْسًا، والشَّجاعَةِ جُبْنًا، واليَقِينِ شَكًّا، ولِذَلِكَ نُهُوا عَنْهُ. وأمّا الحُزْنُ فَهو شِدَّةُ الأسَفِ البالِغَةُ حَدَّ الكَآبَةِ والِانْكِسارِ. والوَهَنُ والحَزَنُ حالَتانِ لِلنَّفْسِ تَنْشَآنِ عَنِ اعْتِقادِ الخَيْبَةِ والرُّزْءِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِما الِاسْتِسْلامُ وتَرْكُ المُقاوَمَةِ. فالنَّهْيُ عَنِ الوَهَنِ والحُزْنِ في الحَقِيقَةِ نَهْيٌ عَنْ سَبَبِهِما وهو الِاعْتِقادُ، كَما يُنْهى أحَدٌ عَنِ النِّسْيانِ، وكَما يُنْهى أحَدٌ عَنْ فِعْلِ غَيْرِهِ في نَحْوِ لا أرَيَنَّ فُلانًا في مَوْضِعِ كَذا أيْ لا تَتْرُكْهُ يَحُلُّ فِيهِ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ عَلى هَذا النَّهْيِ قَوْلَهُ ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧] إلَخْ. وعَقَّبَ بِقَوْلِهِ ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . وقَوْلُهُ ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ الواوُ لِلْعَطْفِ، وهَذِهِ بِشارَةٌ لَهم بِالنَّصْرِ المُسْتَقْبَلِ، فالعُلُوُّ هُنا مَجازِيٌّ وهو عُلُوُّ المَنزِلَةِ. صفحة ٩٩ والتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ في قَوْلِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قُصِدَ بِهِ تَهْيِيجُ غَيْرَتِهِمْ عَلى الإيمانِ إذْ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم مُؤْمِنِينَ ولَكِنَّهم لَمّا لاحَ عَلَيْهِمُ الوَهَنُ والحَزَنُ مِنَ الغَلَبَةِ، كانُوا بِمَنزِلَةِ مَن ضَعُفَ يَقِينُهُ فَقِيلَ لَهم: إنْ عَلِمْتُمْ مِن أنْفُسِكُمُ الإيمانَ، وجِيءَ بِإنِ الشَّرْطِيَّةِ الَّتِي مِن شَأْنِها عَدَمُ تَحْقِيقِ شَرْطِها، إتْمامًا لِهَذا المَقْصِدِ.

آل عمران 3:140

﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ . تَسْلِيَةٌ عَمّا أصابَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الهَزِيمَةِ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ عَجِيبٍ في الحَرْبِ، إذْ لا يَخْلُو جَيْشٌ مِن أنْ يُغْلَبَ في بَعْضِ مَواقِعِ الحَرْبِ، وقَدْ سَبَقَ أنَّ العَدُوَّ غَلَبَ. والمَسُّ هُنا الإصابَةُ كَقَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ﴾ [البقرة: ٢١٤] . والقَرْحُ بِفَتْحِ القافِ في لُغَةِ قُرَيْشٍ الجُرْحُ، وبِضَمِّها في لُغَةِ غَيْرِهِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٍ: بِضَمِّ القافِ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ حَقِيقَتِهِ، بَلْ هو اسْتِعارَةٌ لِلْهَزِيمَةِ الَّتِي أصابَتْهم، فَإنَّ الهَزِيمَةَ تُشَبَّهُ بِالثُّلْمَةِ وبِالِانْكِسارِ، فَشُبِّهَتْ هُنا بِالقَرْحِ حِينَ يُصِيبُ الجَسَدَ، ولا يَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهِ الحَقِيقَةُ لِأنَّ الجِراحَ الَّتِي تُصِيبُ الجَيْشَ لا يُعْبَأُ بِها إذا كانَ مَعَها النَّصْرُ، فَلا شَكَّ أنَّ التَّسْلِيَةَ وقَعَتْ عَمّا أصابَهم مِنَ الهَزِيمَةِ. والقَوْمُ هم مُشْرِكُو مَكَّةَ ومَن مَعَهم. والمَعْنى إنْ هُزِمْتُمْ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَدْ هُزِمَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ وكُنْتُمْ كَفافًا. ولِذَلِكَ أعْقَبَ بِقَوْلِهِ ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ . والتَّعْبِيرُ عَمّا أصابَ المُسْلِمِينَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ في يَمْسَسْكم لِقُرْبِهِ مِن زَمَنِ الحالِ، وعَمّا أصابَ المُشْرِكِينَ بِصِيغَةِ الماضِي لِبُعْدِهِ لِأنَّهُ حَصَلَ يَوْمَ بَدْرٍ. فَقَوْلُهُ ﴿فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ لَيْسَ هو جَوابَ الشَّرْطِ في المَعْنى ولَكِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ أغْنى عَنْهُ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، والمَعْنى: إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَلا تَحْزَنُوا أوْ فَلا تَهِنُوا وهُنا بِالشَّكِّ في وعْدِ اللَّهِ بِنَصْرِ دِينِهِ إذْ قَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ صفحة ١٠٠ فَلَمْ تَكُونُوا مَهْزُومِينَ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ كَفافًا، وذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِقِلَّةِ المُؤْمِنِينَ نَصْرٌ مُبِينٌ. وهَذِهِ المُقابَلَةُ بِما أصابَ العَدُوَّ يَوْمَ بَدْرٍ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ تَسْلِيَةً ولَيْسَ إعْلامًا بِالعُقُوبَةِ كَما قالَهُ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقَدْ سَألَ هِرَقْلُ أبا سُفْيانَ: فَقالَ هِرَقْلُ: وكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلى وتَكُونُ لَهُمُ العاقِبَةُ. وقَوْلُهُ ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ الواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، والإشارَةُ بِتِلْكَ إلى ما سَيُذْكَرُ بَعْدُ، فالإشارَةُ هُنا بِمَنزِلَةِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ وهَذا الخَبَرُ مُكَنًّى بِهِ عَنْ تَعْلِيلٍ لِلْجَوابِ المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِجُمْلَةِ ﴿فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ . والأيّامُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جَمْعَ يَوْمٍ مُرادٍ بِهِ يَوْمَ الحَرْبِ، كَقَوْلِهِمْ: يَوْمُ بَدْرٍ ويَوْمُ بُعاثٍ ويَوْمُ الشَّعْثَمَيْنِ، ومِنهُ أيّامُ العَرَبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ عَلى الزَّمانِ كَقَوْلِ طَرَفَةَ: وما تَنْقُصُ الأيّامُ والدَّهْرُ يَنْفَدُ أيِ الأزْمانُ. والمُداوَلَةُ تَصْرِيفُها غَرِيبٌ إذْ هي مَصْدَرُ داوَلَ فُلانٌ الشَّيْءَ إذا جَعَلَهُ عِنْدَهُ دُولَةً ودُولَةً عِنْدَ الآخَرِ أيْ يُدَوِّلُهُ كُلٌّ مِنها أيْ يُلْزِمُهُ حَتّى يَشْتَهِرَ بِهِ، ومِنهُ دالَ يَدُولُ دَوْلًا اشْتَهَرَ، لِأنَّ المُلازِمَةَ تَقْتَضِي الشُّهْرَةَ بِالشَّيْءِ، فالتَّداوُلُ في الأصْلِ تَفاعُلٌ مِن دالَ، ويَكُونُ ذَلِكَ في الأشْياءِ والكَلامِ، يُقالُ: كَلامٌ مُداوَلٌ، ثُمَّ اسْتَعْمَلُوا داوَلْتُ الشَّيْءَ مَجازًا، إذا جَعَلْتَ غَيْرَكِ يَتَداوَلُونَهُ، وقَرِينَةُ هَذا الِاسْتِعْمالِ أنْ تَقُولَ: بَيْنَهم. فالفاعِلُ في هَذا الإطْلاقِ لا حَظَّ لَهُ مِنِ الفِعْلِ، ولَكِنْ لَهُ الحَظُّ في الجَعْلِ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهم: اضْطَرَرْتُهُ إلى كَذا، أيْ جَعَلْتُهُ مُضْطَرًّا مَعَ أنَّ أصْلَ اضْطَرَّ أنَّهُ مُطاوِعُ ضَرَّهُ. والنّاسُ البَشَرُ كُلُّهم لِأنَّ هَذا مِنَ السُّنَنِ الكَوْنِيَّةِ، فَلا يُخْتَصُّ بِالقَوْمِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم. * * * صفحة ١٠١ ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾، فَمَضْمُونُ هَذِهِ عِلَّةٌ ثانِيَةٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ وعِلْمُ اللَّهِ بِأنَّهم مُؤْمِنُونَ مُتَحَقِّقٌ مِن قَبْلِ أنْ يَمْسَسْهُمُ القَرْحُ. فَإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا هُنا مَعْنى الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا راسِخًا كامِلًا فَقَدْ صارَ المَعْنى: أنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِرُسُوخِ إيمانِهِمْ يَحْصُلُ بَعْدَ مَسِّ القَرْحِ إيّاهم، وهو مَعْنًى غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ مِن هَذا التَّعْلِيلِ عَلى اخْتِلافِ مَذاهِبِهِمْ في صِفَةِ العِلْمِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في أُصُولِ الدِّينِ أنَّ الفَلاسِفَةَ قالُوا: إنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِالكُلِّيّاتِ بِأسْرِها، أيْ حَقائِقِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ، عِلْمًا كالعِلْمِ المَبْحُوثِ عَنْهُ في الفَلْسَفَةِ لِأنَّ ذَلِكَ العِلْمَ صِفَةُ كَمالٍ، وأنَّهُ يَعْلَمُ الجُزْئِيّاتِ مِنَ الجَواهِرِ والأعْراضِ عِلْمًا بِوَجْهٍ كُلِّيٍّ. ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ يَعْلَمُها مِن حَيْثُ إنَّها غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِزَمانٍ، مِثالُهُ: أنْ يَعْلَمَ أنَّ القَمَرَ جِسْمٌ يُوجَدُ في وقْتِ تَكْوِينِهِ، وأنَّ صِفَتَهُ تَكُونُ كَذا وكَذا، وأنَّ عَوارِضَهُ النُّورانِيَّةَ المُكْتَسَبَةَ مِنَ الشَّمْسِ والخُسُوفِ والسَّيْرِ في أمَدِ كَذا. أمّا حُصُولُهُ في زَمانِهِ عِنْدَما يَقَعُ تَكْوِينُهُ، وكَذَلِكَ حُصُولُ عَوارِضِهِ، فَغَيْرُ مَعْلُومٍ لِلَّهِ تَعالى، قالُوا: لِأنَّ اللَّهَ لَوْ عَلِمَ الجُزْئِيّاتِ عِنْدَ حُصُولِها في أزْمِنَتِها لَلَزِمَ تَغَيُّرُ عِلْمِهِ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ تَغَيُّرَ القَدِيمِ، أوْ لَزِمَ جَهْلُ العالِمِ، مِثالُهُ: أنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّ القَمَرَ سَيَخْسِفُ ساعَةَ كَذا عِلْمًا أزَلِيًّا، فَإذا خَسَفَ بِالفِعْلِ فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَزُولَ ذَلِكَ العِلْمُ فَيَلْزَمُ تَغَيُّرُ العِلْمِ السّابِقِ فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ تَغَيُّرُ الذّاتِ المَوْصُوفَةِ بِهِ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ، وهَذا يَسْتَلْزِمُ الحُدُوثَ إذْ حُدُوثُ الصِّفَةِ يَسْتَلْزِمُ حُدُوثَ المَوْصُوفِ، وإمّا أنْ لا يَزُولَ العِلْمُ الأوَّلُ فَيَنْقَلِبُ العِلْمُ جَهْلًا، لِأنَّ اللَّهَ إنَّما عَلِمَ أنَّ القَمَرَ سَيَخْسِفُ في المُسْتَقْبَلِ والقَمَرُ الآنَ قَدْ خَسَفَ بِالفِعْلِ. ولِأجْلِ هَذا قالُوا: إنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ زَمانِيٍّ. وقالَ المُسْلِمُونَ كُلُّهم: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ قَبْلَ حُصُولِها، وعِنْدَ حُصُولِها. وأجابُوا عَنْ شُبْهَةِ الفَلاسِفَةِ بِأنَّ العِلْمَ صِفَةٌ مِن صفحة ١٠٢ قَبِيلِ الإضافَةِ أيْ نِسْبَةٍ بَيْنَ العالِمِ والمَعْلُومِ، والإضافاتُ اعْتِبارِيّاتُ، والِاعْتِبارِيّاتُ عَدَمِيّاتٌ، أوْ هو مِن قَبِيلِ الصِّفَةِ ذاتِ الإضافَةِ: أيْ صِفَةٍ وُجُودِيَّةٍ لَها تَعَلُّقٌ، أيْ نِسْبَةٍ بَيْنَها وبَيْنَ مَعْلُومِها. فَإنْ كانَ العِلْمُ إضافَةً فَتَغَيُّرُها لا يَسْتَلْزِمُ تَغَيُّرَ مَوْصُوفِها وهو العالِمُ، ونَظَّرُوا ذَلِكَ بِالقَدِيمِ يُوصَفُ بِأنَّهُ قَبْلَ الحادِثِ ومَعَهُ وبَعْدَهُ، مِن غَيْرِ تَغَيُّرٍ في ذاتِ القَدِيمِ، وإنْ كانَ العِلْمُ صِفَةً ذاتَ إضافَةٍ أيْ ذاتَ تَعَلُّقٍ، فالتَّغَيُّرُ يَعْتَرِي تَعَلُّقَها ولا تَتَغَيَّرُ الصِّفَةُ فَضْلًا عَنْ تَغَيُّرِ المَوْصُوفِ، فَعِلْمُ اللَّهِ بِأنَّ القَمَرَ سَيَخْسَفُ، وعِلْمُهُ بِأنَّهُ خاسِفٌ الآنَ، وعِلْمُهُ بِأنَّهُ كانَ خاسِفًا بِالأمْسِ، عِلْمٌ واحِدٌ لا يَتَغَيَّرُ مَوْصُوفُهُ، وإنْ تَغَيَّرَتِ الصِّفَةُ، أوْ تَغَيَّرَ مُتَعَلِّقُها عَلى الوَجْهَيْنِ، إلّا أنَّ سَلَفَ أهْلِ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةَ أبَوُا التَّصْرِيحَ بَتَغَيُّرِ التَّعَلُّقِ ولِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ في كَلامِهِمْ ذِكْرُ تَعَلُّقَيْنِ لِلْعِلْمِ الإلَهِيِّ أحَدُهُما قَدِيمٌ والآخَرُ حادِثٌ، كَما ذَكَرُوا ذَلِكَ في الإرادَةِ والقُدْرَةِ، نَظَرًا لِكَوْنِ صِفَةِ العِلْمِ لا تَتَجاوَزُ غَيْرَ ذاتِ العالِمِ تَجاوُزًا مَحْسُوسًا. فَلِذَلِكَ قالَ سَلَفُهم: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ في الأزَلِ أنَّ القَمَرَ سَيَخْسَفُ في سَنَتِنا هَذِهِ في بَلَدِ كَذا ساعَةَ كَذا، فَعِنْدَ خُسُوفِ القَمَرِ كَذَلِكَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ خَسَفَ بِذَلِكَ العِلْمِ الأوَّلِ لِأنَّ ذَلِكَ العِلْمَ مَجْمُوعٌ مِن كَوْنِ الفِعْلِ لَمْ يَحْصُلْ في الأزَلِ، ومَن كَوْنِهِ يَحْصُلُ في وقْتِهِ فِيما لا يَزالُ، قالُوا: ولا يُقاسُ ذَلِكَ عَلى عِلْمِنا حِينَ نَعْلَمُ أنَّ القَمَرَ سَيَخْسِفُ بِمُقْتَضى الحِسابِ ثُمَّ عِنْدَ خُسُوفِهِ نَعْلَمُ أنَّهُ تَحَقَّقَ خُسُوفُهُ بِعِلْمٍ جَدِيدٍ، لِأنَّ احْتِياجَنا لِعِلْمٍ مُتَجَدِّدٍ إنَّما هو لَطَرَيانِ الغَفْلَةِ عَنِ الأوَّلِ. وقالَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ مِثْلُ جَهْمِ بْنِ صَفْوانَ وهُشامِ بْنِ الحَكَمِ: إنَّ اللَّهَ عالِمٌ في الأزَلِ بِالكُلِّيّاتِ والحَقائِقِ، وأمّا عِلْمُهُ بِالجُزْئِيّاتِ والأشْخاصِ والأحْوالِ فَحاصِلٌ بَعْدَ حُدُوثِها لِأنَّ هَذا العِلْمَ مِنَ التَّصْدِيقاتِ، ويَلْزَمُهُ عَدَمُ سَبْقِ العِلْمِ. وقالَ أبُو الحُسَيْنِ البَصْرِيُّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، رادًّا عَلى السَّلَفِ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِلْمُ اللَّهِ بِأنَّ القَمَرَ سَيَخْسَفُ عَيْنُ عِلْمِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِأنَّهُ خَسَفَ لِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ: الأوَّلُ التَّغايُرُ بَيْنَهُما في الحَقِيقَةِ لِأنَّ حَقِيقَةَ كَوْنِهِ سَيَقَعُ غَيْرُ حَقِيقَةِ كَوْنِهِ وقَعَ، فالعِلْمُ بِأحَدِهِما يُغايِرُ العِلْمَ بِالآخَرِ، لِأنَّ اخْتِلافَ المُتَعَلِّقَيْنِ يَسْتَدْعِي اخْتِلافَ صفحة ١٠٣ العالِمِ بِهِما. الثّانِي التَّغايُرُ بَيْنَهُما في الشَّرْطِ فَإنَّ شَرْطَ العِلْمِ بِكَوْنِ الشَّيْءِ سَيَقَعُ هو عَدَمُ الوُقُوعِ، وشَرْطُ العِلْمِ بِكَوْنِهِ وقَعَ الوُقُوعُ، فَلَوْ كانَ العِلْمانِ شَيْئًا واحِدًا لَمْ يَخْتَلِفْ شَرْطاهُما. الثّالِثُ أنَّهُ يُمْكِنُ العِلْمُ بِأنَّهُ وقَعَ الجَهْلُ بِأنَّهُ سَيَقَعُ وبِالعَكْسِ وغَيْرُ المَعْلُومِ غَيْرُ المَعْلُومِ (هَكَذا عَبَّرَ أبُو الحُسَيْنِ أيِ الأمْرُ الغَيْرُ المَعْلُومِ مُغايِرٌ لِلْمَعْلُومِ) ولِذَلِكَ قالَ أبُو الحُسَيْنِ بِالتِزامِ وُقُوعِ التَّغَيُّرِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِالمُتَغَيِّراتِ، وأنَّ ذاتَهُ تَقْتَضِي اتِّصافَهُ بِكَوْنِهِ عالِمًا بِالمَعْلُوماتِ الَّتِي سَتَقَعُ، بِشَرْطِ وُقُوعِها، فَيَحْدُثُ العِلْمُ بِأنَّها وُجِدَتْ عِنْدَ وُجُودِها، ويَزُولُ عِنْدَ زَوالِها، ويَحْصُلُ عِلْمٌ آخَرُ، وهَذا عَيْنُ مَذْهَبِ جَهْمٍ وهِشامٍ. ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ اللَّهُ تَعالى في الأزَلِ عالِمًا بِأحْوالِ الحَوادِثِ، وهَذا تَجْهِيلٌ. وأجابَ عَنْهُ عَبْدُ الحَكِيمِ في حاشِيَةِ المَواقِفِ بِأنَّ أبا الحُسَيْنِ ذَهَبَ إلى أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ في الأزَلِ أنَّ الحادِثَ سَيَقَعُ عَلى الوَصْفِ الفُلانِيِّ، فَلا جَهْلَ فِيهِ، وأنَّ عَدَمَ شُهُودِهِ لِلْحَوادِثِ قَبْلَ حُدُوثِها لَيْسَ بِجَهْلٍ، إذْ هي مَعْدُومَةٌ في الواقِعِ، بَلْ لَوْ عَلِمَها تَعالى شُهُودِيًّا حِينَ عَدِمَها لَكانَ ذَلِكَ العِلْمُ هو الجَهْلُ، لِأنَّ شُهُودَ المَعْدُومِ مُخالِفٌ لِلْواقِعِ، فالعِلْمُ المُتَغَيِّرُ الحادِثِ هو العِلْمُ الشُّهُودِيُّ. فالحاصِلُ أنَّ ثَمَّةَ عِلْمَيْنِ: أحَدُهُما قَدِيمٌ وهو العِلْمُ المَشْرُوطُ بِالشُّرُوطِ، والآخَرُ حادِثٌ وهو العُلُومُ الحاصِلَةُ عِنْدَ حُصُولِ الشُّرُوطِ ولَيْسَتْ مِن عُلَمائِنا وعُلَماءِ المُعْتَزِلَةِ، إطْلاقُ إثْباتِ تَعَلُّقِ حادِثٍ لِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِالحَوادِثِ. وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّيْخُ عَبْدُ الحَكِيمِ في الرِّسالَةِ الخاقانِيَّةِ الَّتِي جَعَلَها لِتَحْقِيقِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى غَيْرَ مَنسُوبٍ لِقائِلٍ، بَلْ عَبَّرَ عَنْهُ بِقِيلَ، وقَدْ رَأيْتُ التَّفْتَزانِيَّ جَرى عَلى ذَلِكَ في حاشِيَةِ الكَشّافِ في هَذِهِ الآيَةِ فَلَعَلَّ الشَّيْخَ الحَكِيمَ نَسِيَ أنْ يَنْسُبَهُ. وتَأْوِيلُ الآيَةِ عَلى اخْتِلافِ المَذاهِبِ: فَأمّا الَّذِينَ أبَوْا إطْلاقَ الحُدُوثِ عَلى تَعَلُّقِ العِلْمِ فَقالُوا في قَوْلِهِ ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أطْلَقَ العِلْمَ عَلى لازِمِهِ وهو ثُبُوتُ المَعْلُومِ أيْ تَمَيُّزُهُ عَلى طَرِيقَةِ الكِنايَةِ لِأنَّها كَإثْباتِ الشَّيْءِ بِالبُرْهانِ، صفحة ١٠٤ وهَذا كَقَوْلِ إياسِ بْنِ قَبِيصَةَ الطّائِيِّ: وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطِرُ بَيْنَنا لِأعْلَمَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها أيْ لِيَظْهَرَ الجَبانُ والشُّجاعُ فَأُطْلِقَ العَلَمُ وأُرِيدَ مَلْزُومُهُ. ومِنهم مَن جَعَلَ قَوْلَهُ ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ تَمْثِيلًا أيْ فِعْلُ ذَلِكَ فِعْلُ مَن يُرِيدُ أنْ يَعْلَمَ وإلَيْهِ مالَ في الكَشّافِ، ومِنهم مَن قالَ: العِلَّةُ هي تَعَلُّقُ عِلْمِ اللَّهِ بِالحادِثِ وهو تَعَلُّقٌ حادِثٌ، أيْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مَوْجُودِينَ. قالَهُ البَيْضاوِيُّ والتَّفْتَزانِيُّ في حاشِيَةِ الكَشّافِ. وإنْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ الَّذِينَ آمَنُوا ظاهِرُهُ أيْ لِيَعْلَمَ مَنِ اتَّصَفَ بِالإيمانِ، تَعَيَّنَ التَّأْوِيلَ في هَذِهِ الآيَةِ لا لِأجْلِ لُزُومِ حُدُوثِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِالمُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ أُحُدٍ حاصِلٌ مِن قَبْلِ أنْ يَمَسَّهُمُ القَرْحِ، فَقالَ الزَّجّاجُ: أرادَ العِلْمَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ وهو ثَباتُهم عَلى الإيمانِ، وعَدَمُ تَزَلْزُلِهِمْ في حالَةِ الشِّدَّةِ، وأشارَ التَّفْتَزانِيُّ إلى أنَّ تَأْوِيلَ صاحِبِ الكَشّافِ ذَلِكَ بِأنَّهُ وارِدٌ مَوْرِدَ التَّمْثِيلِ، ناظِرًا إلى كَوْنِ العِلْمِ بِالمُؤْمِنِينَ حاصِلًا مِن قَبْلُ، لا لِأجْلِ التَّحَرُّزِ عَنْ لُزُومِ حُدُوثِ العِلْمِ. وقَوْلُهُ ﴿ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ عَطْفٌ عَلى العِلَّةِ السّابِقَةِ، وجَعَلَ القَتْلَ في ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي هو سَبَبُ اتِّخاذِ القَتْلى شُهَداءَ عِلَّةً مِن عِلَلِ الهَزِيمَةِ، لِأنَّ كَثْرَةَ القَتْلى هي الَّتِي أوْقَعَتِ الهَزِيمَةَ. والشُّهَداءُ هُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ، وعَبَّرَ عَنْ تَقْدِيرِ الشَّهادَةِ بِالِاتِّخاذِ لِأنَّ الشَّهادَةَ فَضِيلَةٌ مِنَ اللَّهِ، واقْتِرابٌ مِن رِضْوانِهِ، ولِذَلِكَ قُوبِلَ بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ الكافِرِينَ فَهو في جانِبِ الكُفّارِ، أيْ فَقَتْلاكم في الجَنَّةِ، وقَتْلاهم في النّارِ، فَهو كَقَوْلِهِ ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] . والتَّمْحِيصُ: التَّنْقِيَةُ والتَّخَلُّصُ مِنَ العُيُوبِ. والمَحْقُ: الإهْلاكُ. وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى مَسَّ القَرْحِ المُؤْمِنِينَ والكُفّارَ فاعِلًا فِعْلًا واحِدًا: هو فَضِيلَةٌ في جانِبِ المُؤْمِنِينَ، ورَزِيَّةٌ في جانِبِ الكافِرِينَ، فَجَعَلَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ تَمْحِيصًا وزِيادَةً في صفحة ١٠٥ تَزْكِيَةِ أنْفُسِهِمْ، واعْتِبارًا بِمَواعِظِ اللَّهِ تَعالى، وجَعَلَهُ لِلْكافِرِينَ هَلاكًا، لِأنَّ ما أصابَهم في بَدْرٍ تَناسَوْهُ، وما انْتَصَرُوهُ في أُحُدٍ يَزِيدُهم ثِقَةً بِأنْفُسِهِمْ فَيَتَواكَلُونَ؛ يَظُنُّونَ المُسْلِمِينَ قَدْ ذَهَبَ بَأْسُهم، عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ في ازْدِيادٍ، فَلا يُنْقِصُهم مَن قُتِلَ مِنهم، والكُفّارُ في تَناقُصٍ فَمَن ذَهَبَ مِنهم نَفِدَ. وكَذَلِكَ شَأْنُ المَواعِظِ والنُّذُرِ والعِبَرِ قَدْ تُكْسِبُ بَعْضَ النُّفُوسِ كَمالًا وبَعْضَها نَقْصًا قالَ أبُو الطَّيِّبِ: فَحُبُّ الجَبانِ العَيْشَ أوْرَدَهُ التُّقى ∗∗∗ وحُبُّ الشُّجاعِ العَيْشَ أوْرَدَهُ الحَرْبا ويَخْتَلِفُ القَصْدانِ والفِعْلُ واحِدٌ ∗∗∗ إلى أنْ نَرى إحْسانَ هَذا لَنا ذَنْبًا وقالَ تَعالى: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤] ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] وقالَ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] وهَذا مِن بَدِيعِ تَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى.

آل عمران 3:141

﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ . تَسْلِيَةٌ عَمّا أصابَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الهَزِيمَةِ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ عَجِيبٍ في الحَرْبِ، إذْ لا يَخْلُو جَيْشٌ مِن أنْ يُغْلَبَ في بَعْضِ مَواقِعِ الحَرْبِ، وقَدْ سَبَقَ أنَّ العَدُوَّ غَلَبَ. والمَسُّ هُنا الإصابَةُ كَقَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ﴾ [البقرة: ٢١٤] . والقَرْحُ بِفَتْحِ القافِ في لُغَةِ قُرَيْشٍ الجُرْحُ، وبِضَمِّها في لُغَةِ غَيْرِهِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٍ: بِضَمِّ القافِ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ حَقِيقَتِهِ، بَلْ هو اسْتِعارَةٌ لِلْهَزِيمَةِ الَّتِي أصابَتْهم، فَإنَّ الهَزِيمَةَ تُشَبَّهُ بِالثُّلْمَةِ وبِالِانْكِسارِ، فَشُبِّهَتْ هُنا بِالقَرْحِ حِينَ يُصِيبُ الجَسَدَ، ولا يَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهِ الحَقِيقَةُ لِأنَّ الجِراحَ الَّتِي تُصِيبُ الجَيْشَ لا يُعْبَأُ بِها إذا كانَ مَعَها النَّصْرُ، فَلا شَكَّ أنَّ التَّسْلِيَةَ وقَعَتْ عَمّا أصابَهم مِنَ الهَزِيمَةِ. والقَوْمُ هم مُشْرِكُو مَكَّةَ ومَن مَعَهم. والمَعْنى إنْ هُزِمْتُمْ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَدْ هُزِمَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ وكُنْتُمْ كَفافًا. ولِذَلِكَ أعْقَبَ بِقَوْلِهِ ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ . والتَّعْبِيرُ عَمّا أصابَ المُسْلِمِينَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ في يَمْسَسْكم لِقُرْبِهِ مِن زَمَنِ الحالِ، وعَمّا أصابَ المُشْرِكِينَ بِصِيغَةِ الماضِي لِبُعْدِهِ لِأنَّهُ حَصَلَ يَوْمَ بَدْرٍ. فَقَوْلُهُ ﴿فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ لَيْسَ هو جَوابَ الشَّرْطِ في المَعْنى ولَكِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ أغْنى عَنْهُ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، والمَعْنى: إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَلا تَحْزَنُوا أوْ فَلا تَهِنُوا وهُنا بِالشَّكِّ في وعْدِ اللَّهِ بِنَصْرِ دِينِهِ إذْ قَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ صفحة ١٠٠ فَلَمْ تَكُونُوا مَهْزُومِينَ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ كَفافًا، وذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِقِلَّةِ المُؤْمِنِينَ نَصْرٌ مُبِينٌ. وهَذِهِ المُقابَلَةُ بِما أصابَ العَدُوَّ يَوْمَ بَدْرٍ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ تَسْلِيَةً ولَيْسَ إعْلامًا بِالعُقُوبَةِ كَما قالَهُ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقَدْ سَألَ هِرَقْلُ أبا سُفْيانَ: فَقالَ هِرَقْلُ: وكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلى وتَكُونُ لَهُمُ العاقِبَةُ. وقَوْلُهُ ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ الواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، والإشارَةُ بِتِلْكَ إلى ما سَيُذْكَرُ بَعْدُ، فالإشارَةُ هُنا بِمَنزِلَةِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ وهَذا الخَبَرُ مُكَنًّى بِهِ عَنْ تَعْلِيلٍ لِلْجَوابِ المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِجُمْلَةِ ﴿فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ . والأيّامُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جَمْعَ يَوْمٍ مُرادٍ بِهِ يَوْمَ الحَرْبِ، كَقَوْلِهِمْ: يَوْمُ بَدْرٍ ويَوْمُ بُعاثٍ ويَوْمُ الشَّعْثَمَيْنِ، ومِنهُ أيّامُ العَرَبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ عَلى الزَّمانِ كَقَوْلِ طَرَفَةَ: وما تَنْقُصُ الأيّامُ والدَّهْرُ يَنْفَدُ أيِ الأزْمانُ. والمُداوَلَةُ تَصْرِيفُها غَرِيبٌ إذْ هي مَصْدَرُ داوَلَ فُلانٌ الشَّيْءَ إذا جَعَلَهُ عِنْدَهُ دُولَةً ودُولَةً عِنْدَ الآخَرِ أيْ يُدَوِّلُهُ كُلٌّ مِنها أيْ يُلْزِمُهُ حَتّى يَشْتَهِرَ بِهِ، ومِنهُ دالَ يَدُولُ دَوْلًا اشْتَهَرَ، لِأنَّ المُلازِمَةَ تَقْتَضِي الشُّهْرَةَ بِالشَّيْءِ، فالتَّداوُلُ في الأصْلِ تَفاعُلٌ مِن دالَ، ويَكُونُ ذَلِكَ في الأشْياءِ والكَلامِ، يُقالُ: كَلامٌ مُداوَلٌ، ثُمَّ اسْتَعْمَلُوا داوَلْتُ الشَّيْءَ مَجازًا، إذا جَعَلْتَ غَيْرَكِ يَتَداوَلُونَهُ، وقَرِينَةُ هَذا الِاسْتِعْمالِ أنْ تَقُولَ: بَيْنَهم. فالفاعِلُ في هَذا الإطْلاقِ لا حَظَّ لَهُ مِنِ الفِعْلِ، ولَكِنْ لَهُ الحَظُّ في الجَعْلِ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهم: اضْطَرَرْتُهُ إلى كَذا، أيْ جَعَلْتُهُ مُضْطَرًّا مَعَ أنَّ أصْلَ اضْطَرَّ أنَّهُ مُطاوِعُ ضَرَّهُ. والنّاسُ البَشَرُ كُلُّهم لِأنَّ هَذا مِنَ السُّنَنِ الكَوْنِيَّةِ، فَلا يُخْتَصُّ بِالقَوْمِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم. * * * صفحة ١٠١ ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾، فَمَضْمُونُ هَذِهِ عِلَّةٌ ثانِيَةٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ وعِلْمُ اللَّهِ بِأنَّهم مُؤْمِنُونَ مُتَحَقِّقٌ مِن قَبْلِ أنْ يَمْسَسْهُمُ القَرْحُ. فَإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا هُنا مَعْنى الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا راسِخًا كامِلًا فَقَدْ صارَ المَعْنى: أنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِرُسُوخِ إيمانِهِمْ يَحْصُلُ بَعْدَ مَسِّ القَرْحِ إيّاهم، وهو مَعْنًى غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ مِن هَذا التَّعْلِيلِ عَلى اخْتِلافِ مَذاهِبِهِمْ في صِفَةِ العِلْمِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في أُصُولِ الدِّينِ أنَّ الفَلاسِفَةَ قالُوا: إنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِالكُلِّيّاتِ بِأسْرِها، أيْ حَقائِقِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ، عِلْمًا كالعِلْمِ المَبْحُوثِ عَنْهُ في الفَلْسَفَةِ لِأنَّ ذَلِكَ العِلْمَ صِفَةُ كَمالٍ، وأنَّهُ يَعْلَمُ الجُزْئِيّاتِ مِنَ الجَواهِرِ والأعْراضِ عِلْمًا بِوَجْهٍ كُلِّيٍّ. ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ يَعْلَمُها مِن حَيْثُ إنَّها غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِزَمانٍ، مِثالُهُ: أنْ يَعْلَمَ أنَّ القَمَرَ جِسْمٌ يُوجَدُ في وقْتِ تَكْوِينِهِ، وأنَّ صِفَتَهُ تَكُونُ كَذا وكَذا، وأنَّ عَوارِضَهُ النُّورانِيَّةَ المُكْتَسَبَةَ مِنَ الشَّمْسِ والخُسُوفِ والسَّيْرِ في أمَدِ كَذا. أمّا حُصُولُهُ في زَمانِهِ عِنْدَما يَقَعُ تَكْوِينُهُ، وكَذَلِكَ حُصُولُ عَوارِضِهِ، فَغَيْرُ مَعْلُومٍ لِلَّهِ تَعالى، قالُوا: لِأنَّ اللَّهَ لَوْ عَلِمَ الجُزْئِيّاتِ عِنْدَ حُصُولِها في أزْمِنَتِها لَلَزِمَ تَغَيُّرُ عِلْمِهِ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ تَغَيُّرَ القَدِيمِ، أوْ لَزِمَ جَهْلُ العالِمِ، مِثالُهُ: أنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّ القَمَرَ سَيَخْسِفُ ساعَةَ كَذا عِلْمًا أزَلِيًّا، فَإذا خَسَفَ بِالفِعْلِ فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَزُولَ ذَلِكَ العِلْمُ فَيَلْزَمُ تَغَيُّرُ العِلْمِ السّابِقِ فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ تَغَيُّرُ الذّاتِ المَوْصُوفَةِ بِهِ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ، وهَذا يَسْتَلْزِمُ الحُدُوثَ إذْ حُدُوثُ الصِّفَةِ يَسْتَلْزِمُ حُدُوثَ المَوْصُوفِ، وإمّا أنْ لا يَزُولَ العِلْمُ الأوَّلُ فَيَنْقَلِبُ العِلْمُ جَهْلًا، لِأنَّ اللَّهَ إنَّما عَلِمَ أنَّ القَمَرَ سَيَخْسِفُ في المُسْتَقْبَلِ والقَمَرُ الآنَ قَدْ خَسَفَ بِالفِعْلِ. ولِأجْلِ هَذا قالُوا: إنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ زَمانِيٍّ. وقالَ المُسْلِمُونَ كُلُّهم: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ قَبْلَ حُصُولِها، وعِنْدَ حُصُولِها. وأجابُوا عَنْ شُبْهَةِ الفَلاسِفَةِ بِأنَّ العِلْمَ صِفَةٌ مِن صفحة ١٠٢ قَبِيلِ الإضافَةِ أيْ نِسْبَةٍ بَيْنَ العالِمِ والمَعْلُومِ، والإضافاتُ اعْتِبارِيّاتُ، والِاعْتِبارِيّاتُ عَدَمِيّاتٌ، أوْ هو مِن قَبِيلِ الصِّفَةِ ذاتِ الإضافَةِ: أيْ صِفَةٍ وُجُودِيَّةٍ لَها تَعَلُّقٌ، أيْ نِسْبَةٍ بَيْنَها وبَيْنَ مَعْلُومِها. فَإنْ كانَ العِلْمُ إضافَةً فَتَغَيُّرُها لا يَسْتَلْزِمُ تَغَيُّرَ مَوْصُوفِها وهو العالِمُ، ونَظَّرُوا ذَلِكَ بِالقَدِيمِ يُوصَفُ بِأنَّهُ قَبْلَ الحادِثِ ومَعَهُ وبَعْدَهُ، مِن غَيْرِ تَغَيُّرٍ في ذاتِ القَدِيمِ، وإنْ كانَ العِلْمُ صِفَةً ذاتَ إضافَةٍ أيْ ذاتَ تَعَلُّقٍ، فالتَّغَيُّرُ يَعْتَرِي تَعَلُّقَها ولا تَتَغَيَّرُ الصِّفَةُ فَضْلًا عَنْ تَغَيُّرِ المَوْصُوفِ، فَعِلْمُ اللَّهِ بِأنَّ القَمَرَ سَيَخْسَفُ، وعِلْمُهُ بِأنَّهُ خاسِفٌ الآنَ، وعِلْمُهُ بِأنَّهُ كانَ خاسِفًا بِالأمْسِ، عِلْمٌ واحِدٌ لا يَتَغَيَّرُ مَوْصُوفُهُ، وإنْ تَغَيَّرَتِ الصِّفَةُ، أوْ تَغَيَّرَ مُتَعَلِّقُها عَلى الوَجْهَيْنِ، إلّا أنَّ سَلَفَ أهْلِ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةَ أبَوُا التَّصْرِيحَ بَتَغَيُّرِ التَّعَلُّقِ ولِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ في كَلامِهِمْ ذِكْرُ تَعَلُّقَيْنِ لِلْعِلْمِ الإلَهِيِّ أحَدُهُما قَدِيمٌ والآخَرُ حادِثٌ، كَما ذَكَرُوا ذَلِكَ في الإرادَةِ والقُدْرَةِ، نَظَرًا لِكَوْنِ صِفَةِ العِلْمِ لا تَتَجاوَزُ غَيْرَ ذاتِ العالِمِ تَجاوُزًا مَحْسُوسًا. فَلِذَلِكَ قالَ سَلَفُهم: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ في الأزَلِ أنَّ القَمَرَ سَيَخْسَفُ في سَنَتِنا هَذِهِ في بَلَدِ كَذا ساعَةَ كَذا، فَعِنْدَ خُسُوفِ القَمَرِ كَذَلِكَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ خَسَفَ بِذَلِكَ العِلْمِ الأوَّلِ لِأنَّ ذَلِكَ العِلْمَ مَجْمُوعٌ مِن كَوْنِ الفِعْلِ لَمْ يَحْصُلْ في الأزَلِ، ومَن كَوْنِهِ يَحْصُلُ في وقْتِهِ فِيما لا يَزالُ، قالُوا: ولا يُقاسُ ذَلِكَ عَلى عِلْمِنا حِينَ نَعْلَمُ أنَّ القَمَرَ سَيَخْسِفُ بِمُقْتَضى الحِسابِ ثُمَّ عِنْدَ خُسُوفِهِ نَعْلَمُ أنَّهُ تَحَقَّقَ خُسُوفُهُ بِعِلْمٍ جَدِيدٍ، لِأنَّ احْتِياجَنا لِعِلْمٍ مُتَجَدِّدٍ إنَّما هو لَطَرَيانِ الغَفْلَةِ عَنِ الأوَّلِ. وقالَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ مِثْلُ جَهْمِ بْنِ صَفْوانَ وهُشامِ بْنِ الحَكَمِ: إنَّ اللَّهَ عالِمٌ في الأزَلِ بِالكُلِّيّاتِ والحَقائِقِ، وأمّا عِلْمُهُ بِالجُزْئِيّاتِ والأشْخاصِ والأحْوالِ فَحاصِلٌ بَعْدَ حُدُوثِها لِأنَّ هَذا العِلْمَ مِنَ التَّصْدِيقاتِ، ويَلْزَمُهُ عَدَمُ سَبْقِ العِلْمِ. وقالَ أبُو الحُسَيْنِ البَصْرِيُّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، رادًّا عَلى السَّلَفِ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِلْمُ اللَّهِ بِأنَّ القَمَرَ سَيَخْسَفُ عَيْنُ عِلْمِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِأنَّهُ خَسَفَ لِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ: الأوَّلُ التَّغايُرُ بَيْنَهُما في الحَقِيقَةِ لِأنَّ حَقِيقَةَ كَوْنِهِ سَيَقَعُ غَيْرُ حَقِيقَةِ كَوْنِهِ وقَعَ، فالعِلْمُ بِأحَدِهِما يُغايِرُ العِلْمَ بِالآخَرِ، لِأنَّ اخْتِلافَ المُتَعَلِّقَيْنِ يَسْتَدْعِي اخْتِلافَ صفحة ١٠٣ العالِمِ بِهِما. الثّانِي التَّغايُرُ بَيْنَهُما في الشَّرْطِ فَإنَّ شَرْطَ العِلْمِ بِكَوْنِ الشَّيْءِ سَيَقَعُ هو عَدَمُ الوُقُوعِ، وشَرْطُ العِلْمِ بِكَوْنِهِ وقَعَ الوُقُوعُ، فَلَوْ كانَ العِلْمانِ شَيْئًا واحِدًا لَمْ يَخْتَلِفْ شَرْطاهُما. الثّالِثُ أنَّهُ يُمْكِنُ العِلْمُ بِأنَّهُ وقَعَ الجَهْلُ بِأنَّهُ سَيَقَعُ وبِالعَكْسِ وغَيْرُ المَعْلُومِ غَيْرُ المَعْلُومِ (هَكَذا عَبَّرَ أبُو الحُسَيْنِ أيِ الأمْرُ الغَيْرُ المَعْلُومِ مُغايِرٌ لِلْمَعْلُومِ) ولِذَلِكَ قالَ أبُو الحُسَيْنِ بِالتِزامِ وُقُوعِ التَّغَيُّرِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِالمُتَغَيِّراتِ، وأنَّ ذاتَهُ تَقْتَضِي اتِّصافَهُ بِكَوْنِهِ عالِمًا بِالمَعْلُوماتِ الَّتِي سَتَقَعُ، بِشَرْطِ وُقُوعِها، فَيَحْدُثُ العِلْمُ بِأنَّها وُجِدَتْ عِنْدَ وُجُودِها، ويَزُولُ عِنْدَ زَوالِها، ويَحْصُلُ عِلْمٌ آخَرُ، وهَذا عَيْنُ مَذْهَبِ جَهْمٍ وهِشامٍ. ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ اللَّهُ تَعالى في الأزَلِ عالِمًا بِأحْوالِ الحَوادِثِ، وهَذا تَجْهِيلٌ. وأجابَ عَنْهُ عَبْدُ الحَكِيمِ في حاشِيَةِ المَواقِفِ بِأنَّ أبا الحُسَيْنِ ذَهَبَ إلى أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ في الأزَلِ أنَّ الحادِثَ سَيَقَعُ عَلى الوَصْفِ الفُلانِيِّ، فَلا جَهْلَ فِيهِ، وأنَّ عَدَمَ شُهُودِهِ لِلْحَوادِثِ قَبْلَ حُدُوثِها لَيْسَ بِجَهْلٍ، إذْ هي مَعْدُومَةٌ في الواقِعِ، بَلْ لَوْ عَلِمَها تَعالى شُهُودِيًّا حِينَ عَدِمَها لَكانَ ذَلِكَ العِلْمُ هو الجَهْلُ، لِأنَّ شُهُودَ المَعْدُومِ مُخالِفٌ لِلْواقِعِ، فالعِلْمُ المُتَغَيِّرُ الحادِثِ هو العِلْمُ الشُّهُودِيُّ. فالحاصِلُ أنَّ ثَمَّةَ عِلْمَيْنِ: أحَدُهُما قَدِيمٌ وهو العِلْمُ المَشْرُوطُ بِالشُّرُوطِ، والآخَرُ حادِثٌ وهو العُلُومُ الحاصِلَةُ عِنْدَ حُصُولِ الشُّرُوطِ ولَيْسَتْ مِن عُلَمائِنا وعُلَماءِ المُعْتَزِلَةِ، إطْلاقُ إثْباتِ تَعَلُّقِ حادِثٍ لِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِالحَوادِثِ. وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّيْخُ عَبْدُ الحَكِيمِ في الرِّسالَةِ الخاقانِيَّةِ الَّتِي جَعَلَها لِتَحْقِيقِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى غَيْرَ مَنسُوبٍ لِقائِلٍ، بَلْ عَبَّرَ عَنْهُ بِقِيلَ، وقَدْ رَأيْتُ التَّفْتَزانِيَّ جَرى عَلى ذَلِكَ في حاشِيَةِ الكَشّافِ في هَذِهِ الآيَةِ فَلَعَلَّ الشَّيْخَ الحَكِيمَ نَسِيَ أنْ يَنْسُبَهُ. وتَأْوِيلُ الآيَةِ عَلى اخْتِلافِ المَذاهِبِ: فَأمّا الَّذِينَ أبَوْا إطْلاقَ الحُدُوثِ عَلى تَعَلُّقِ العِلْمِ فَقالُوا في قَوْلِهِ ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أطْلَقَ العِلْمَ عَلى لازِمِهِ وهو ثُبُوتُ المَعْلُومِ أيْ تَمَيُّزُهُ عَلى طَرِيقَةِ الكِنايَةِ لِأنَّها كَإثْباتِ الشَّيْءِ بِالبُرْهانِ، صفحة ١٠٤ وهَذا كَقَوْلِ إياسِ بْنِ قَبِيصَةَ الطّائِيِّ: وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطِرُ بَيْنَنا لِأعْلَمَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها أيْ لِيَظْهَرَ الجَبانُ والشُّجاعُ فَأُطْلِقَ العَلَمُ وأُرِيدَ مَلْزُومُهُ. ومِنهم مَن جَعَلَ قَوْلَهُ ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ تَمْثِيلًا أيْ فِعْلُ ذَلِكَ فِعْلُ مَن يُرِيدُ أنْ يَعْلَمَ وإلَيْهِ مالَ في الكَشّافِ، ومِنهم مَن قالَ: العِلَّةُ هي تَعَلُّقُ عِلْمِ اللَّهِ بِالحادِثِ وهو تَعَلُّقٌ حادِثٌ، أيْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مَوْجُودِينَ. قالَهُ البَيْضاوِيُّ والتَّفْتَزانِيُّ في حاشِيَةِ الكَشّافِ. وإنْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ الَّذِينَ آمَنُوا ظاهِرُهُ أيْ لِيَعْلَمَ مَنِ اتَّصَفَ بِالإيمانِ، تَعَيَّنَ التَّأْوِيلَ في هَذِهِ الآيَةِ لا لِأجْلِ لُزُومِ حُدُوثِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِالمُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ أُحُدٍ حاصِلٌ مِن قَبْلِ أنْ يَمَسَّهُمُ القَرْحِ، فَقالَ الزَّجّاجُ: أرادَ العِلْمَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ وهو ثَباتُهم عَلى الإيمانِ، وعَدَمُ تَزَلْزُلِهِمْ في حالَةِ الشِّدَّةِ، وأشارَ التَّفْتَزانِيُّ إلى أنَّ تَأْوِيلَ صاحِبِ الكَشّافِ ذَلِكَ بِأنَّهُ وارِدٌ مَوْرِدَ التَّمْثِيلِ، ناظِرًا إلى كَوْنِ العِلْمِ بِالمُؤْمِنِينَ حاصِلًا مِن قَبْلُ، لا لِأجْلِ التَّحَرُّزِ عَنْ لُزُومِ حُدُوثِ العِلْمِ. وقَوْلُهُ ﴿ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ عَطْفٌ عَلى العِلَّةِ السّابِقَةِ، وجَعَلَ القَتْلَ في ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي هو سَبَبُ اتِّخاذِ القَتْلى شُهَداءَ عِلَّةً مِن عِلَلِ الهَزِيمَةِ، لِأنَّ كَثْرَةَ القَتْلى هي الَّتِي أوْقَعَتِ الهَزِيمَةَ. والشُّهَداءُ هُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ، وعَبَّرَ عَنْ تَقْدِيرِ الشَّهادَةِ بِالِاتِّخاذِ لِأنَّ الشَّهادَةَ فَضِيلَةٌ مِنَ اللَّهِ، واقْتِرابٌ مِن رِضْوانِهِ، ولِذَلِكَ قُوبِلَ بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ الكافِرِينَ فَهو في جانِبِ الكُفّارِ، أيْ فَقَتْلاكم في الجَنَّةِ، وقَتْلاهم في النّارِ، فَهو كَقَوْلِهِ ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] . والتَّمْحِيصُ: التَّنْقِيَةُ والتَّخَلُّصُ مِنَ العُيُوبِ. والمَحْقُ: الإهْلاكُ. وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى مَسَّ القَرْحِ المُؤْمِنِينَ والكُفّارَ فاعِلًا فِعْلًا واحِدًا: هو فَضِيلَةٌ في جانِبِ المُؤْمِنِينَ، ورَزِيَّةٌ في جانِبِ الكافِرِينَ، فَجَعَلَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ تَمْحِيصًا وزِيادَةً في صفحة ١٠٥ تَزْكِيَةِ أنْفُسِهِمْ، واعْتِبارًا بِمَواعِظِ اللَّهِ تَعالى، وجَعَلَهُ لِلْكافِرِينَ هَلاكًا، لِأنَّ ما أصابَهم في بَدْرٍ تَناسَوْهُ، وما انْتَصَرُوهُ في أُحُدٍ يَزِيدُهم ثِقَةً بِأنْفُسِهِمْ فَيَتَواكَلُونَ؛ يَظُنُّونَ المُسْلِمِينَ قَدْ ذَهَبَ بَأْسُهم، عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ في ازْدِيادٍ، فَلا يُنْقِصُهم مَن قُتِلَ مِنهم، والكُفّارُ في تَناقُصٍ فَمَن ذَهَبَ مِنهم نَفِدَ. وكَذَلِكَ شَأْنُ المَواعِظِ والنُّذُرِ والعِبَرِ قَدْ تُكْسِبُ بَعْضَ النُّفُوسِ كَمالًا وبَعْضَها نَقْصًا قالَ أبُو الطَّيِّبِ: فَحُبُّ الجَبانِ العَيْشَ أوْرَدَهُ التُّقى ∗∗∗ وحُبُّ الشُّجاعِ العَيْشَ أوْرَدَهُ الحَرْبا ويَخْتَلِفُ القَصْدانِ والفِعْلُ واحِدٌ ∗∗∗ إلى أنْ نَرى إحْسانَ هَذا لَنا ذَنْبًا وقالَ تَعالى: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤] ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] وقالَ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] وهَذا مِن بَدِيعِ تَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى.

آل عمران 3:142

﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ . أمْ هُنا مُنْقَطِعَةٌ، هي بِمَعْنى بَلِ الِانْتِقالِيَّةِ، لِأنَّ هَذا الكَلامَ انْتِقالٌ مِن غَرَضٍ إلى آخَرَ، وهي إذا اسْتُعْمِلَتْ مُنْقَطِعَةً تُؤْذِنُ بِأنَّ ما بَعْدَها اسْتِفْهامٌ، لِمُلازَمَتِها لِلِاسْتِفْهامِ، حَتّى قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ والمُحَقِّقُونَ: إنَّها لا تُفارِقُ الدَّلالَةَ عَلى الِاسْتِفْهامِ بَعْدَها، وقالَ غَيْرُهُ: ذَلِكَ الغالِبُ وقَدْ تُفارِقُهُ، واسْتَشْهَدُوا عَلى مُفارَقَتِها لِلِاسْتِفْهامِ بِشَواهِدٍ تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ. فَقَوْلُهُ أمْ حَسِبْتُمْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ولا تَهِنُوا وذَلِكَ أنَّهم لَمّا مَسَّهُمُ القَرْحُ فَحَزِنُوا واعْتَراهُمُ الوَهَنُ حَيْثُ لَمْ يُشاهِدُوا مِثْلَ النَّصْرِ الَّذِي شاهَدُوهُ يَوْمَ بَدْرٍ، بَيَّنَ اللَّهُ أنْ لا وجْهَ لِلْوَهَنِ لِلْعِلَلِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، ثُمَّ بَيَّنَ لَهم هُنا: أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ الَّذِي هو مَرْغُوبُهم لا يَحْصُلُ إذا لَمْ يَبْذُلُوا نُفُوسَهم في نَصْرِ الدِّينِ فَإذا حَسِبُوا دُخُولَ الجَنَّةِ يَحْصُلُ دُونَ ذَلِكَ، فَقَدْ أخْطَئُوا. صفحة ١٠٦ والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَ أمْ مُسْتَعْمَلٌ في التَّغْلِيطِ والنَّهْيِ. ولِذَلِكَ جاءَ بِأمْ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّغْلِيطِ: أيْ لا تَحْسَبُوا أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ دُونَ أنْ تُجاهِدُوا وتَصْبِرُوا عَلى عَواقِبِ الجِهادِ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قَدَّرَ لِأمْ هُنا مُعادِلًا مَحْذُوفًا، وجَعَلَها مُتَّصِلَةً، فَنَقَلَ الفَخْرُ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ أنَّهُ قالَ: عادَةُ العَرَبِ يَأْتُونَ بِهَذا الجِنْسِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ تَوْكِيدًا لِأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٩] كَأنَّهُ قالَ: أفَتَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ كَما تُؤْمَرُونَ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ. وجُمْلَةُ ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ الحالِ، وهي مَصَبُّ الإنْكارِ، أيْ لا تَحْسَبُوا أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حِينَ لا يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا. ولَمّا حَرْفُ نَفْيٍ أُخْتُ (لَمْ) إلّا أنَّها أشَدُّ نَفْيًا مِن (لَمْ)، لِأنَّ (لَمْ) لِنَفْيِ قَوْلِ القائِلِ فَعَلَ فُلانٌ، ولَمّا لِنَفْيِ قَوْلِهِ قَدْ فَعَلَ فُلانٌ: قالَهُ سِيبَوَيْهِ، كَما قالَ: إنَّ (لا) لِتَنْفِيَ يَفْعَلُ و(لَنْ) لِنَفْيِ سَيَفْعَلُ و(ما) لِنَفْيِ لَقَدْ فَعَلَ و(لا) لِنَفْيِ هو يَفْعَلُ. فَتَدُلُّ لَمّا عَلى اتِّصالِ النَّفْيِ بِها إلى زَمَنِ التَّكَلُّمِ، بِخِلافِ (لَمْ)، ومِن هَذِهِ الدَّلالَةِ اسْتُفِيدَتْ دَلالَةٌ أُخْرى وهي أنَّها تُؤْذِنُ بِأنَّ المَنفِيَّ بِها مُتَرَقَّبُ الثُّبُوتِ فِيما يُسْتَقْبَلُ، لِأنَّها قائِمَةٌ مَقامَ قَوْلِكَ اسْتَمَرَّ النَّفْيُ إلى الآنِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا فَقالَ: ولَمّا بِمَعْنى (لَمْ) إلّا أنَّ فِيها ضَرْبًا مِنَ التَّوَقُّعِ وقالَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] في سُورَةِ الحُجُراتِ: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأعْرابَ آمَنُوا فِيما بَعْدُ. والقَوْلُ في عِلْمِ اللَّهِ تَقَدَّمَ آنِفًا في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ. وأُرِيدَ بِحالَةِ نَفْيِ عِلْمِ اللَّهِ بِالَّذِينَ جاهَدُوا والصّابِرِينَ الكِنايَةُ عَنْ حالَةِ نَفْيِ الجِهادِ والصَّبْرِ عَنْهم، لِأنَّ اللَّهَ إذا عَلِمَ شَيْئًا فَذَلِكَ المَعْلُومُ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ فَكَما كَنّى بِعِلْمِ اللَّهِ عَنِ التَّحَقُّقِ في قَوْلِهِ ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤٠] كَنّى بِنَفْيِ العِلْمِ عَنْ نَفْيِ الوُقُوعِ. وشَرْطُ الكِنايَةِ هُنا مُتَوَفِّرٌ وهو جَوازُ إرادَةِ المَعْنى المَلْزُومِ مَعَ المَعْنى اللّازِمِ لِجَوازِ إرادَةِ انْتِفاءِ عِلْمِ اللَّهِ بِجِهادِهِمْ مَعَ إرادَةِ انْتِفاءِ صفحة ١٠٧ جِهادِهِمْ. ولا يَرِدُ ما أوْرَدَهُ التَّفْتَزانِيُّ، وأجابَ عَنْهُ بِأنَّ الكِنايَةَ في النَّفْيِ بُنِيَتْ عَلى الكِنايَةِ في الإثْباتِ، وهو تَكَلُّفٌ، إذْ شَأْنُ التَّراكِيبِ اسْتِقْلالُها في مُفادِها ولَوازِمِها. وعَقَّبَ هَذا النَّفْيَ بِقَوْلِهِ ﴿ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ مَعْطُوفًا بِواوِ المَعِيَّةِ فَهو في مَعْنى المَفْعُولِ مَعَهُ، لِتَنْظِيمِ القُيُودِ بَعْضِها مَعَ بَعْضٍ، فَيَصِيرُ المَعْنى: أتَحْسَبُونَ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ في حالِ انْتِفاءِ عِلْمِ اللَّهِ بِجِهادِكم مَعَ انْتِفاءِ عِلْمِهِ بِصَبْرِكم، أيْ أحَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَجْتَمِعِ العِلْمانِ. والجِهادُ يَسْتَدْعِي الصَّبْرَ، لِأنَّ الصَّبْرَ هو سَبَبُ النَّجاحِ في الجِهادِ، وجالِبُ الِانْتِصارِ، وقَدْ سُئِلَ عَلِيٌّ عَنِ الشَّجاعَةِ، فَقالَ: صَبْرُ ساعَةٍ. وقالَ زُفَرُ بْنُ الحارِثِ الكِلابِيُّ، يَعْتَذِرُ عَنِ انْتِصارِ أعْدائِهِمْ عَلَيْهِمْ: سَقَيْناهم كَأْسًا سَقَوْنا بِمِثْلِها ولَكِنَّهم كانُوا عَلى المَوْتِ أصْبَرا وقَدْ تَسَبَّبَ في هَزِيمَةِ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ضَعْفُ صَبْرِ الرُّماةِ، وخِفَّتُهم إلى الغَنِيمَةِ، وفي الجِهادِ يُتَطَلَّبُ صَبْرُ المَغْلُوبِ عَلى الغالِبِ حَتّى لا يَهِنَ ولا يَسْتَسْلِمَ.

آل عمران 3:143

﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ . كَلامٌ أُلْقِيَ إلَيْهِمْ بِإجْمالٍ بالِغٍ غايَةَ الإيجازِ، لِيَكُونَ جامِعًا بَيْنَ المَوْعِظَةِ، والمَعْذِرَةِ، والمَلامِ. والواوُ عاطِفَةٌ أوْ حالِيَّةٌ. والخِطابُ لِلْأحْياءِ، لا مَحالَةَ، الَّذِينَ لَمْ يَذُوقُوا المَوْتَ، ولَمْ يَنالُوا الشَّهادَةَ، والَّذِينَ كانَ حَظُّهم في ذَلِكَ اليَوْمِ هو الهَزِيمَةُ، فَقَوْلُهُ ﴿كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ﴾ أُرِيدَ بِهِ تَمَنِّي لِقاءَ العَدُوِّ يَوْمَ أُحُدٍ، وعَدَمُ رِضاهم بِأنْ يَتَحَصَّنُوا بِالمَدِينَةِ، ويَقِفُوا مَوْقِفَ الدِّفاعِ، كَما أشارَ بِهِ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولَكِنَّهم أظْهَرُوا الشُّجاعَةَ وحُبَّ اللِّقاءِ، ولَوْ كانَ فِيهِ المَوْتُ، نَظَرًا لِقُوَّةِ العَدُوِّ وكَثْرَتِهِ، صفحة ١٠٨ فالتَّمَنِّي هو تَمَنِّي اللِّقاءِ ونَصْرُ الدِّينِ بِأقْصى جُهْدِهِمْ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ اكْتِراثِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِتَلَفِ نَفْسِهِ في الدِّفاعِ، رَجاءَ أنْ يَكُونَ قَبْلَ هَلاكِهِ قَدْ أبْلى في العَدُوِّ، وهَيَّأ النَّصْرَ لِمَن بَقِيَ بَعْدَهُ، جَعَلَ تَمَنِّيَهُمُ اللِّقاءَ كَأنَّهُ تَمَنِّي المَوْتِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، تَنْزِيلًا لِغايَةِ التَّمَنِّي مَنزِلَةَ مَبْدَئِهِ. وقَوْلُهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ﴾ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم تَمَنَّوْا أمْرًا مَعَ الإغْضاءِ عَنْ شِدَّتِهِ عَلَيْهِمْ، فَتَمَنِّيهِمْ إيّاهُ كَتَمَنِّي شَيْءٍ قَدْ جَهِلُوا ما فِيهِ مِنَ المَصائِبِ. وقَوْلُهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ أيْ رَأيْتُمُ المَوْتَ، ومَعْنى رُؤْيَتِهِ مُشاهَدَةُ أسْبابِهِ المُحَقَّقَةِ، الَّتِي رُؤْيَتُها كَمُشاهَدَةِ المَوْتِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ تَمْثِيلًا، ويَجُوزُ أنْ تُطْلَقَ الرُّؤْيَةُ عَلى شِدَّةِ التَّوَقُّعِ، كَإطْلاقِ الشَّمِّ عَلى ذَلِكَ في قَوْلِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ المَخْزُومِيِّ: وشَمَمْتُ رِيحَ المَوْتِ مِن تِلْقائِهِمْ في مَأْزِقٍ والخَيْلُ لَمْ تَتَبَدَّدِ وكَإطْلاقِهِ في قَوْلِ ابْنِ مَعْدِي كَرِبَ يَوْمَ القادِسِيَّةِ: فَضَمَّنِي ضَمَّةً وجَدْتُ مِنها رِيحَ المَوْتِ. والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ﴾ فاءُ الفَصِيحَةِ عَنْ قَوْلِهِ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ والتَّقْدِيرُ: وأُجِبْتُمْ إلى ما تَمَنَّيْتُمْ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ، والمَعْنى: فَأيْنَ بَلاءُ مَن يَتَمَنّى المَوْتَ، كَقَوْلِ عَبّاسِ بْنِ الأحْنَفِ: قالُوا خُراسانُ أقْصى ما يُرادُ بِنا ∗∗∗ ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنا خُراسانا ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ﴾ [الفرقان: ١٩] وقَوْلُهُ في سُورَةِ الرُّومِ ﴿فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦] . وجُمْلَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى رَأيْتُمُوهُ، أوْ هو تَفْرِيعٌ أيْ: رَأيْتُمُ المَوْتَ وكانَ حَظُّكم مِن ذَلِكَ النَّظَرَ، دُونَ الغَناءِ في وقْتِ الخَطَرِ، فَأنْتُمْ صفحة ١٠٩ مَبْهُوتُونَ. ومَحَلُّ المَوْعِظَةِ مِنَ الآيَةِ: أنَّ المَرْءَ لا يَطْلُبُ أمْرًا حَتّى يُفَكِّرَ في عَواقِبِهِ، ويَسْبُرَ مِقْدارَ تَحَمُّلِهِ لِمَصائِبِهِ، ومَحَلُّ المَعْذِرَةِ في قَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ﴾ وقَوْلِهِ ﴿فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ﴾ ومَحَلُّ المُلامِ في قَوْلِهِ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿تَمَنَّوْنَ المَوْتَ﴾ بِمَعْنى تَتَمَنَّوْنَ مَوْتَ الشَّهادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ رَأيْتُمْ مُشارَفَةَ المَوْتِ إيّاكم، وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ مَن ماتَ مِن إخْوانِكم، أيْ فَكَيْفَ وجَدْتُمْ أنْفُسَكم حِينَ رَأيْتُمُ المَوْتَ، وكَأنَّهُ تَعْرِيضٌ بِهِمْ بِأنَّهم لَيْسُوا بِمَقامِ مَن يَتَمَنّى الشَّهادَةَ. إذْ قَدْ جَبُنُوا وقْتَ الحاجَةِ، وخَفُّوا إلى الغَنِيمَةِ، فالكَلامُ مَلامٌ مَحْضٌ عَلى هَذا، ولَيْسَ تَمَنِّي الشَّهادَةِ بِمَلُومٍ عَلَيْهِ، ولَكِنَّ اللَّوْمَ عَلى تَمَنِّي مالا يَسْتَطِيعُ كَما قِيلَ إذْا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئًا فَدَعْهُ . كَيْفَ وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ولَوَدِدْتُ أنِّي أُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أحْيا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أحْيا، ثُمَّ أُقْتَلُ» . وقالَ عُمَرُ اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ شَهادَةً في سَبِيلِكَ وقالَ ابْنُ رَواحَةَ: لَكِنَّنِي أسْألُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً ∗∗∗ وضَرْبَةً ذاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدا حَتّى يَقُولُوا إذا مَرُّوا عَلى جَدَثِي ∗∗∗ أرْشَدَكَ اللَّهُ مِن غازٍ وقَدْ رَشَدا وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْتِ، بِمَعْنى أسْبابِهِ، تَنْزِيلًا لِرُؤْيَةِ أسْبابِهِ مَنزِلَةَ رُؤْيَتِهِ، وهو كالِاسْتِخْدامِ، وعِنْدِي أنَّهُ أقْرَبُ مِنَ الِاسْتِخْدامِ لِأنَّهُ عادَ إلى أسْبابِ المَوْتِ بِاعْتِبارِ تَنْزِيلِها مَنزِلَةَ المَوْتِ.

آل عمران 3:144

﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مَن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكم ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ . عُطِفَ الإنْكارُ عَلى المَلامِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤] وقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ﴾ [آل عمران: ١٤٣] وكُلُّ هاتِهِ صفحة ١١٠ الجُمَلِ تَرْجِعُ إلى العِتابِ والتَّقْرِيعِ عَلى أحْوالٍ كَثِيرَةٍ، كانَتْ سَبَبَ الهَزِيمَةِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَيَأْخُذُ كُلُّ مَن حَضَرَ الوَقْعَةَ مِن هَذا المَلامِ بِنَصِيبِهِ المُناسِبِ لِما يَعْلَمُهُ مِن حالِهِ ظاهِرًا كانَ أمْ باطِنًا. والآيَةُ تُشِيرُ إلى ما كانَ مِنَ المُسْلِمِينَ مِنَ الِاضْطِرابِ حِينَ أُرْجِفَ بِمَوْتِ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ المُنافِقُونَ: لَوْ كانَ نَبِيًّا ما قُتِلَ، فارْجِعُوا إلى دِينِكُمُ القَدِيمِ وإخْوانِكم مِن أهْلِ مَكَّةَ ونُكَلِّمُ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَأْخُذُ لَنا أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ، فَهَمُّوا بِتَرْكِ القِتالِ والِانْضِمامِ لِلْمُشْرِكِينَ، وثَبَتَ فَرِيقٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، مِنهم: أنَسُ بْنُ النَّضْرِ الأنْصارِيُّ، فَقالَ: إنْ كانَ قُتِلَ مُحَمَّدٌ فَإنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ حَيٌّ لا يَمُوتُ، وما تَصْنَعُونَ بِالحَياةِ بَعْدَهُ، فَقاتِلُوا عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ. ومُحَمَّدٌ اسْمُ رَسُولِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﷺ سَمّاهُ بِهِ جَدُّهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ وقِيلَ لَهُ: لِمَ سَمَّيْتَهُ مُحَمَّدًا ولَيْسَ مِن أسْماءِ آبائِكَ ؟ فَقالَ: رَجَوْتُ أنْ يَحْمَدَهُ النّاسُ. وقَدْ قِيلَ: لَمْ يُسَمَّ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ مُحَمَّدًا قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ. ذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ أنَّهُ لَمْ يُسَمَّ بِهِ مِنَ العَرَبِ قَبْلَ وِلادَةِ رَسُولِ اللَّهِ إلّا ثَلاثَةٌ: مُحَمَّدُ بْنُ سُفْيانَ بْنِ مُجاشِعٍ، جَدُّ جَدِّ الفَرَزْدَقِ، ومُحَمَّدُ بْنُ أُحَيْحَةَ بْنِ الجُلاحِ الأوْسِيُّ. ومُحَمَّدُ بْنُ حِمْرانَ مِن رَبِيعَةَ. وهَذا الِاسْمُ مِنِ اسْمِ مَفْعُولِ حَمَّدَهُ تَحْمِيدًا إذا أكْثَرَ مِن حَمْدِهِ، والرَّسُولُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: حَلُوبٌ ورَكُوبٌ وجَزُورٌ. ومَعْنى خَلَتْ مَضَتْ وانْقَرَضَتْ كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧] وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: . . . . مَن كانَ في العُصُرِ الخالِي وقَصَرَ مُحَمَّدًا عَلى وصْفِ الرِّسالَةِ قَصْرَ مَوْصُوفٍ عَلى الصِّفَةِ. قَصْرًا إضافِيًّا لِرَدِّ ما يُخالِفُ ذَلِكَ رَدَّ إنْكارٍ، سَواءٌ كانَ قَصْرَ قَلْبٍ أوْ قَصْرَ إفْرادٍ. والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ صِفَةٌ لِرَسُولٍ فَتَكُونُ هي مَحَطَّ القَصْرِ: أيْ ما هو إلّا رَسُولٌ مَوْصُوفٌ بِخُلُوِّ الرُّسُلِ قَبْلَهُ أيِ انْقِراضِهِمْ. صفحة ١١١ وهَذا الكَلامُ مَسُوقٌ لِرَدِّ اعْتِقادِ مَن يَعْتَقِدُ انْتِفاءَ خُلُوِّ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ، وهَذا الِاعْتِقادُ وإنْ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا لِأحَدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ، إلّا أنَّهم لَمّا صَدَرَ عَنْهم ما مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ أثَرًا لِهَذا الِاعْتِقادِ، وهو عَزْمُهم عَلى تَرْكِ نُصْرَةِ الدِّينِ والِاسْتِسْلامِ لِلْعَدُوِّ كانُوا أحْرِياءَ بِأنْ يُنَزَّلُوا مَنزِلَةَ مَن يَعْتَقِدُ انْتِفاءَ خُلُوِّ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ، حَيْثُ يَجِدُونَ أتْباعَهم ثابِتِينَ عَلى مِلَلِهِمْ حَتّى الآنَ فَكانَ حالُ المُخاطَبِينَ حالَ مَن يَتَوَهَّمُ التَّلازُمَ بَيْنَ بَقاءِ المِلَّةِ وبَقاءِ رَسُولِها، فَيَسْتَدِلُّ بِدَوامِ المِلَّةِ عَلى دَوامِ رَسُولِها، فَإذا هَلَكَ رَسُولُ مِلَّةٍ ظَنُّوا انْتِهاءَ شَرْعِهِ وإبْطالَ اتِّباعِهِ. فالقَصْرُ عَلى هَذا الوَجْهِ قَصْرُ قَلْبٍ، وهو قَلْبُ اعْتِقادِهِمْ لَوازِمَ ضِدَّ الصِّفَةِ المَقْصُورِ عَلَيْها، وهي خُلُوُّ الرُّسُلِ قَبْلَهُ، وتِلْكَ اللَّوازِمُ هي الوَهَنُ والتَّرَدُّدُ في الِاسْتِمْرارِ عَلى نَشْرِ دَعْوَةِ الإسْلامِ، وبِهَذا يُشْعِرُ كَلامُ صاحِبِ الكَشّافِ. وجَعَلَ السَّكّاكِيُّ المَقْصُورَ عَلَيْهِ هو وصْفُ الرِّسالَةِ فَيَكُونُ مَحَطُّ القَصْرِ هو قَوْلُهُ رَسُولٌ دُونَ قَوْلِهِ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ويَكُونُ القَصْرُ قَصْرَ إفْرادٍ بِتَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ مَنِ اعْتَقَدَ وصْفَهُ بِالرِّسالَةِ مَعَ التَّنَزُّهِ عَنِ الهَلاكِ، حِينَ رَتَّبُوا عَلى ظَنِّ مَوْتِهِ ظُنُونًا لا يَفْرِضُها إلّا مَن يَعْتَقِدُ عِصْمَتَهُ مِنَ المَوْتِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ اسْتِئْنافًا لا صِفَةً، وهو بَعِيدٌ، لِأنَّ المُخاطَبِينَ لَمْ يَصْدُرْ مِنهم ما يَقْتَضِي اسْتِبْعادَ خَبَرِ مَوْتِهِ، بَلْ هم ظَنُّوهُ صِدْقًا. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَقَدْ نُزِّلَ المُخاطَبُونَ مَنزِلَةَ مَن يَجْهَلُ قَصْرَ المَوْصُوفِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ ويُنْكِرُهُ، فَلِذَلِكَ خُوطِبُوا بِطَرِيقِ النَّفْيِ والِاسْتِثْناءِ، الَّذِي كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في خِطابِ مَن يَجْهَلُ الحُكْمَ المَقْصُورَ عَلَيْهِ ويُنْكِرُهُ دُونَ طَرِيقٍ، إنَّما كَما بَيَّنَهُ صاحِبُ المِفْتاحِ. وقَوْلُهُ ﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ﴾ إلَخْ. والفاءُ لِتَعْقِيبِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ، ولَمّا كانَ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ إنْشاءَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى مَضْمُونِها، وهو الشَّرْطُ وجَزاؤُهُ، لَمْ يَكُنْ لِلتَّعْقِيبِ المُفادِ مِن فاءِ العَطْفِ صفحة ١١٢ مَعْنًى إلّا تَرَتُّبُ مَضْمُونِ المَعْطُوفِ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْها، تَرَتُّبَ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، فالفاءُ حِينَئِذٍ لِلسَّبَبِيَّةِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُقَدَّمَةٌ مِن تَأْخِيرٍ، كَشَأْنِها مَعَ حُرُوفِ العَطْفِ، والمَعْنى تَرَتُّبُ إنْكارِ أنْ يَنْقَلِبُوا عَلى أعْقابِهِمْ عَلى تَحْقِيقِ مَضْمُونِ جُمْلَةِ القَصْرِ: لِأنَّهُ إذا تَحَقَّقَ مَضْمُونُ جُمْلَةِ القَصْرِ، وهو قَلْبُ الِاعْتِقادِ أوْ إفْرادُ أحَدِ الِاعْتِقادَيْنِ، تَسَبَّبَ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ انْقِلابُهم عَلى الأعْقابِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَمُوتَ أوْ يُقْتَلَ أمْرًا مُنْكَرًا جَدِيرًا بِعَدَمِ الحُصُولِ، فَكَيْفَ يَحْصُلُ مِنهم، وهَذا الحُكْمُ يُؤَكِّدُ ما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ القَصْرِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ في اعْتِقادِهِمْ خِلافَ مَضْمُونِ جُمْلَةِ القَصْرِ، فَقَدْ حَصَلَ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ مَرَّتَيْنِ: إحْداهُما بِالتَّعْرِيضِ المُسْتَفادِ مِن جُمْلَةِ القَصْرِ، والأُخْرى بِالتَّصْرِيحِ الواقِعِ في هاتِهِ الجُمْلَةِ. وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الهَمْزَةُ لِإنْكارِ تَسَبُّبِ الِانْقِلابِ عَلى خُلُوِّ الرَّسُولِ، وهو التَّسَبُّبُ المُفادُ مِنَ الفاءِ أيْ إنْكارُ مَجْمُوعِ مَدْلُولِ الفاءِ ومَدْلُولِ مَدْخُولِها مِثْلَ إنْكارِ التَّرْتِيبِ والمُهْلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ [يونس: ٥١] وقَوْلِ النّابِغَةِ: أثُمَّ تَعَذَّرانِ إلَيَّ مِنها ∗∗∗ فَإنِّي قَدْ سَمِعْتُ وقَدْ رَأيْتُ بِأنْ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ جَعْلَهم خُلُوَّ الرُّسُلِ قَبْلَهُ سَبَبًا لِارْتِدادِهِمْ عِنْدَ العِلْمِ بِمَوْتِهِ. وعَلى هَذا فالهَمْزَةُ غَيْرُ مُقَدَّمَةٍ مِن تَأْخِيرٍ لِأنَّها دَخَلَتْ عَلى فاءِ السَّبَبِيَّةِ. ويَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَيْسَ عِلْمُهم بِخُلُوِّ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ مَعَ بَقاءِ أتْباعِهِمْ مُتَمَسِّكِينَ سَبَبًا لِانْقِلابِ المُخاطَبِينَ عَلى أعْقابِهِمْ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ أنَّهم لَمّا عَلِمُوا خُلُوَّ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ مَعَ بَقاءِ مِلَلِهِمْ، ولَمْ يَجْرُوا عَلى مُوجَبِ عِلْمِهِمْ، فَكَأنَّهم جَعَلُوا عِلْمَهم سَبَبًا في تَحْصِيلِ نَقِيضِ أثَرِهِ، عَلى نَحْوِ ما يَعْرِضُ مِن فَسادِ الوَضْعِ في الِاسْتِدْلالِ الجَدَلِيِّ، وفي هَذا الوَجْهِ تَكَلُّفٌ وتَدْقِيقٌ كَثِيرٌ. وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى الفاءِ لِمُجَرَّدِ التَّعَقُّبِ الذِّكْرِيِّ، أوِ الِاسْتِئْنافِ، وأنَّهُ عَطْفُ إنْكارٍ تَصْرِيحِيٍّ عَلى إنْكارٍ تَعْرِيضِيٍّ، وهَذا الوَجْهُ وإنْ كانَ سَهْلًا غَيْرَ أنَّهُ يُفِيدُ خُصُوصِيَّةَ العَطْفِ بِالفاءِ دُونَ غَيْرِها، عَلى أنَّ شَأْنَ الفاءِ المُفِيدَةِ صفحة ١١٣ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ المَحْضِ أنْ يَعْطِفَ بِها الأوْصافَ نَحْوَ ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: ١] ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: ٢] أوْ أسْماءَ الأماكِنِ نَحْوَ قَوْلِهِ: بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ ∗∗∗ فَتُوضِحَ فالمِقْراةِ. . إلَخْ والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ إلى المَكانِ، يُقالُ: انْقَلَبَ إلى مَنزِلِهِ، وهو هُنا مَجازٌ في الرُّجُوعِ إلى الحالِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، أيْ حالِ الكُفْرِ. وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ لِأنَّ الرُّجُوعَ في الأصْلِ يَكُونُ مُسَبَّبًا عَلى طَرِيقٍ. والأعْقابُ جَمْعُ عَقِبٍ وهو مُؤَخِّرَةُ الرَّجُلِ، وفي الحَدِيثِ «ويْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النّارِ» والمُرادُ جِهَةُ الأعْقابِ أيِ الوَراءُ. وقَوْلُهُ ﴿ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الضُّرِّ، ولَوْ قَلِيلًا، لِأنَّ الِارْتِدادَ عَنِ الدِّينِ إبْطالٌ لِما فِيهِ صَلاحُ النّاسِ، فالمُرْتَدُّ يَضُرُّ بِنَفْسِهِ وبِالنّاسِ، ولا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئًا، ولَكِنَّ الشّاكِرَ الثّابِتَ عَلى الإيمانِ يُجازى بِالشُّكْرِ لِأنَّهُ سَعى في صَلاحِ النّاسِ، واللَّهُ يُحِبُّ الصَّلاحَ ولا يُحِبُّ الفَسادَ. والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ العِتابُ عَلى ما وقَعَ مِنَ الِاضْطِرابِ، والثَّناءُ عَلى الَّذِينَ ثَبَتُوا ووَعَظُوا النّاسَ، والتَّحْذِيرُ مِن وُقُوعِ الِارْتِدادِ عِنْدَ مَوْتِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقَدْ وقَعَ ما حَذَّرَهُمُ اللَّهُ مِنهُ بَعْدَ وفاةِ الرَّسُولِ ﷺ إذِ ارْتَدَّ كَثِيرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وظَنُّوا اتِّباعَ الرَّسُولِ مَقْصُورًا عَلى حَياتِهِ، ثُمَّ هَداهُمُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فالآيَةُ فِيها إنْباءٌ بِالمُسْتَقْبَلِ.

آل عمران 3:145

﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا﴾ . جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، الواوُ اعْتِراضِيَّةٌ. فَإنْ كانَ مِن تَتِمَّةِ الإنْكارِ عَلى هَلَعِهِمْ عِنْدَ ظَنِّ مَوْتِ الرَّسُولِ، فالمَقْصُودُ عُمُومُ الأنْفُسِ لا خُصُوصُ نَفْسِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وتَكُونُ الآيَةُ لَوْمًا لِلْمُسْلِمِينَ عَلى ذُهُولِهِمْ عَنْ حِفْظِ اللَّهِ رَسُولَهُ مِن أنْ يُسَلَّطَ عَلَيْهِ أعْداؤُهُ، ومِن أنْ صفحة ١١٤ يُخْتَرَمَ عُمُرُهُ قَبْلَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ. وفي قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] الدّالِّ عَلى أنَّ عِصْمَتَهُ مِنَ النّاسِ لِأجْلِ تَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ. فَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لَهُ الحَياةَ حَتّى يُبَلِّغَ شَرْعَهُ، ويُتِمَّ مُرادَهُ، فَكَيْفَ يَظُنُّونَ قَتْلَهُ بِيَدِ أعْدائِهِ، عَلى أنَّهُ قَبْلَ الإعْلانِ بِإتْمامِ شَرْعِهِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا أنْزَلَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] الآيَةَ. بَكى أبُو بَكْرٍ وعَلِمَ أنَّ أجَلَ النَّبِيءِ ﷺ قَدْ قَرُبَ، وقالَ: ما كَمُلَ شَيْءٌ إلّا نَقَصَ. فالجُمْلَةُ عَلى هَذا في مَوْضِعِ الحالِ. والواوُ واوُ الحالِ. وإنْ كانَ هَذا إنْكارًا مُسْتَأْنَفًا عَلى الَّذِينَ فَزِعُوا عِنْدَ الهَزِيمَةِ وخافُوا المَوْتَ، فالعُمُومُ في النَّفْسِ مَقْصُودًا ما كانَ يَنْبَغِي لَكُمُ الخَوْفُ وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ أجَلًا. وجِيءَ في هَذا الحُكْمِ بِصِيغَةِ الجُحُودِ لِلْمُبالَغَةِ في انْتِفاءِ أنْ يَكُونَ مَوْتٌ قَبْلَ الأجَلِ، فالجُمْلَةُ، عَلى هَذا، مُعْتَرِضَةٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، ومِثْلُ هَذِهِ الحَقائِقِ تُلْقى في المَقاماتِ الَّتِي يُقْصَدُ فِيها مُداواةُ النُّفُوسِ مِن عاهاتٍ ذَمِيمَةٍ، وإلّا فَإنَّ انْتِهاءَ الأجَلِ مَنُوطٌ بِعِلْمِ اللَّهِ لا يَعْلَمُ أحَدٌ وقْتَهُ، ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]، والمُؤْمِنُ مَأْمُورٌ بِحِفْظِ حَياتِهِ، إلّا في سَبِيلِ اللَّهِ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ في وقْتِ الجِهادِ أنْ يَرْجِعَ إلى الحَقِيقَةِ وهي أنَّ المَوْتَ بِالأجَلِ، والمُرادُ بِإذْنِ اللَّهِ تَقْدِيرُهُ وقْتَ المَوْتِ، ووَضْعُهُ العَلاماتِ الدّالَّةِ عَلى بُلُوغِ ذَلِكَ الوَقْتِ المُقَدَّرِ، وهو ما عَبَّرَ عَنْهُ مَرَّةً بِ (كُنْ)، ومَرَّةً بِقَدَرٍ مَقْدُورٍ، ومَرَّةً بِالقَلَمِ، ومَرَّةً بِالكِتابِ. والكِتابُ في قَوْلِهِ ﴿كِتابًا مُؤَجَّلًا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا بِمَعْنى الشَّيْءِ المَكْتُوبِ، فَيَكُونُ حالًا مِنَ الإذْنِ، أوْ مِنَ المَوْتِ، كَقَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ [الرعد: ٣٨] ومُؤَجَّلًا حالًا ثانِيَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (كِتابًا) مَصْدَرَ كاتَبَ المُسْتَعْمَلِ في كُتُبٍ لِلْمُبالِغَةِ، وقَوْلُهُ (مُؤَجَّلًا) صِفَةٌ لَهُ، وهو بَدَلٌ مِن فِعْلِهِ المَحْذُوفِ، والتَّقْدِيرُ: كَتَبَ كِتابًا مُؤَجَّلًا أيْ مُؤَقَّتًا. وجَعَلَهُ الكَشّافُ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا أيْ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ وما كانَ لِنَفْسٍ الآيَةَ، وهو يُرِيدُ أنَّهُ مَعَ صِفَتِهِ وهي صفحة ١١٥ مُؤَجَّلًا يُؤَكِّدُ مَعْنى إلّا بِإذْنِ اللَّهِ لِأنَّ قَوْلَهُ بِإذْنِ اللَّهِ يُفِيدُ أنَّ لَهُ وقْتًا قَدْ يَكُونُ قَرِيبًا وقَدْ يَكُونُ بَعِيدًا فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآيَةَ. * * * ﴿ومَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ . عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ. أيْ مَن يُرِدِ الدُّنْيا دُونَ الآخِرَةِ، كالَّذِي يُفَضِّلُ الحَياةَ عَلى المَوْتِ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ كالَّذِينَ اسْتَعْجَلُوا لِلْغَنِيمَةِ فَتَسَبَّبُوا في الهَزِيمَةِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ مَن أرادَ ثَوابَ الدُّنْيا وحُظُوظَها يُحْرَمُ مِن ثَوابِ الآخِرَةِ وحُظُوظِها، فَإنَّ الأدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ إرادَةَ خَيْرِ الدُّنْيا مَقْصِدٌ شَرْعِيٌّ حَسَنٌ، وهَلْ جاءَتِ الشَّرِيعَةُ إلّا لِإصْلاحِ الدُّنْيا والإعْدادِ لِحَياةِ الآخِرَةِ الأبَدِيَّةِ الكامِلَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨] وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] أيِ الغَنِيمَةَ أوِ الشَّهادَةَ، وغَيْرُ هَذا مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ كَثِيرٌ. وجُمْلَةُ ﴿وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ تَذْيِيلٌ يَعُمُّ الشّاكِرِينَ مِمَّنْ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا ومَن يُرِيدُ ثَوابَ الآخِرَةِ. ويَعُمُّ الجَزاءَ كُلٌّ بِحَسْبِهِ، أيْ يَجْزِي الشّاكِرِينَ جَزاءَ الدُّنْيا والآخِرَةِ أوْ جَزاءَ الدُّنْيا فَقَطْ.

آل عمران 3:146

﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيءٍ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ . صفحة ١١٦ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٤٤] الآيَةَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وهو عَطْفُ العِبْرَةِ عَلى المَوْعِظَةِ فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٤٤] مَوْعِظَةٌ لِمَن يَهُمُّ بِالِانْقِلابِ، وقَوْلَهُ ﴿وكَأيِّنٍ مِن نَبِيءٍ قُتِلَ﴾ عِبْرَةٌ بِما سَلَفَ مِن صَبْرِ أتْباعِ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ عِنْدَ إصابَةِ أنْبِيائِهِمْ أوْ قَتْلِهِمْ في حَرْبٍ أوْ غَيْرِهِ، لِمُماثَلَةِ الحالَيْنِ. فالكَلامُ تَعْرِيضٌ بِتَشْبِيهِ حالِ أصْحابِ أُحُدٍ بِحالِ أصْحابِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ لِأنَّ مَحَلَّ المَثَلِ لَيْسَ هو خُصُوصُ الِانْهِزامِ في الحَرْبِ بَلْ ذَلِكَ هو المُمَثَّلُ. وأمّا التَّشْبِيهُ فَهو بِصَبْرِ الأتْباعِ عِنْدَ حُلُولِ المَصائِبِ أوْ مَوْتِ المَتْبُوعِ. (وكَأيِّنْ) كَلِمَةٌ بِمَعْنى التَّكْثِيرِ، قِيلَ: هي بَسِيطَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّكْثِيرِ، وقِيلَ: هي مُرَكَّبَةٌ مِن كافِ التَّشْبِيهِ وأيِّ الِاسْتِفْهامِيَّةِ وهو قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، ولَيْسَتْ (أيُّ) هَذِهِ اسْتِفْهامًا حَقِيقِيًّا، ولَكِنَّ المُرادَ مِنها تَذْكِيرُ المُسْتَفْهِمِ بِالتَّكْثِيرِ، فاسْتِفْهامُها مَجازِيٌّ، ونُونُها في الأصْلِ تَنْوِينٌ، فَلَمّا رُكِّبَتْ وصارَتْ كَلِمَةً واحِدَةً جُعِلَ تَنْوِينُها نُونًا وبُنِيَتْ. والأظْهَرُ أنَّها بَسِيطَةٌ وفِيها لُغاتٌ أرْبَعُ، أشْهَرُها في النَّثْرِ كَأيِّنْ بِوَزْنِ كَعَيِّنْ ( هَكَذا جَرَتْ عادَةُ اللُّغَوِيِّينَ والنُّحاةِ إذا وزَنُوا الكَلِماتِ المَهْمُوزَةَ أنْ يُعَوِّضُوا عَنْ حَرْفِ الهَمْزَةِ بِحَرْفِ العَيْنِ لِئَلّا تَلْتَبِسَ الهَمْزَةُ بِالألْفِ أوِ الياءِ الَّتِي تُكْتَبُ في صُورَةِ إحْداهُما، وأشْهَرُها في الشِّعْرِ كائِنٌ بِنُونٍ اسْمُ فاعِلِ كانَ، ولَيْسَتْ باسِمِ فاعِلٍ خِلافًا لِلْمُبَرِّدِ، بَلْ هي مُخَفَّفُ كَأيِّنْ. ولَهم في كَيْفِيَّةِ تَخْفِيفِها تَوْجِيهاتٌ أصْلُها قَوْلُ الخَلِيلِ لَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُها تَصَرَّفَ فِيها العَرَبُ بِالقَلْبِ والحَذْفِ في بَعْضِ الأحْوالِ. قُلْتُ: وتَفْصِيلُهُ يَطُولُ. وأنا أرى أنَّهم لَمّا رامُوا التَّخْفِيفَ جَعَلُوا الهَمْزَةَ ألِفًا، ثُمَّ التَقى ساكِنانِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ، فَحَذَفُوا الياءَ السّاكِنَةَ فَبَقِيَتِ الياءُ المَكْسُورَةُ فَشابَهَتِ اسْمَ فاعِلِ (كانَ) فَجَعَلُوها هَمْزَةً كالياءِ الَّتِي تَقَعُ بَعْدَ ألْفٍ زائِدَةٍ، وأكْثَرُ ما وقَعَ في كَلامِ العَرَبِ هو كَأيِّنْ لِأنَّها أخَفُّ في النَّظْمِ وأسْعَدُ بِأكْثَرِ المَوازِينِ في أوائِلِ الأبْياتِ وأوْسَطِها بِخِلافِ كائِنٍ، قالَ الزَّجّاجُ: اللُّغَتانِ الجَيِّدَتانِ كَأيِّنٍ وكائِنٍ. وحَكى الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ في تَفْسِيرِهِ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ الحُبابِ قالَ: أخْبَرَنا شَيْخُنا صفحة ١١٧ أحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ الكِنانِيُّ قالَ: قُلْتُ لِشَيْخِنا ابْنِ عُصْفُورٍ: لِمَ أكْثَرْتَ في شَرْحِكَ لِلْإيضاحِ مِنَ الشَّواهِدِ عَلى كائِنٍ ؟ فَقالَ: لِأنِّي دَخَلْتُ عَلى السُّلْطانِ الأمِيرِ المُسْتَنْصِرِ، يَعْنِي مُحَمَّدَ المُسْتَنْصِرَ ابْنَ أبِي زَكَرِيّاءَ الحَفْصِيَّ، والظّاهِرُ أنَّهُ حِينَئِذٍ ولِيُّ العَهْدِ، فَوَجَدْتُ ابْنَ هِشامٍ، يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيى بْنِ هِشامٍ الخَضْراوِيَّ نَزِيلَ تُونُسَ ودَفِينَها المُتَوَفّى سَنَةَ ٦٤٦ فَأخْبَرَنِي أنَّهُ سَألَهُ عَمّا يَحْفَظُ مِنَ الشَّواهِدِ عَلى قِراءَةِ كَأيِّنْ فَلَمْ يَسْتَحْضِرْ غَيْرَ بَيْتِ الإيضاحِ: وكائِنٍ بِالأباطِحِ مِن صَدِيقٍ يَرانِي لَوْ أُصِبْتُ هو المُصابا قالَ ابْنُ عُصْفُورٍ: فَلَمّا سَألَنِي أنا قُلْتُ: أحْفَظُ فِيها خَمْسِينَ بَيْتًا فَلَمّا أنْشَدْتُهُ نَحْوَ عَشْرَةٍ قالَ: حَسْبُكَ، وأعْطانِي خَمْسِينَ دِينارًا، فَخَرَجْتُ فَوَجَدْتُ ابْنَ هِشامٍ جالِسًا بِالبابِ فَأعْطَيْتُهُ نِصْفَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ (وكَأيِّنْ) بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الكافِ وياءٍ تَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، عَلى وزْنِ كَلِمَةِ (كَصَيِّبٍ) وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (كائِنٍ) بِألْفٍ بَعْدَ الكافِ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَ الألِفِ بِوَزْنِ كاهِنٍ. والتَّكْثِيرُ المُسْتَفادُ مِنَ (كَأيِّنٍ) واقِعٌ عَلى تَمْيِيزِها وهو لَفْظُ نَبِيءٍ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَكْثِيرًا بِمَعْنى مُطْلَقِ العَدَدِ، فَلا يَتَجاوَزُ جَمْعَ القِلَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَكْثِيرًا في مَعْنى جَمْعِ الكَثْرَةِ، فَمِنهم مَن عَلِمْناهُ ومِنهم مَن لَمْ نَعْلَمْهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]، ويَحْضُرُنِي أسْماءُ سِتَّةٍ مِمَّنْ قُتِلَ مِنَ الأنْبِياءِ: أرْمِياءُ قَتَلَهُ بَنُو إسْرائِيلَ، وحَزْقِيالُ قَتَلُوهُ أيْضًا لِأنَّهُ وبَّخَهم عَلى سُوءِ أعْمالِهِمْ، وأشْعِياءُ قَتَلَهُ مِنَسّا بْنُ حَزْقِيلَ مَلِكُ إسْرائِيلَ لِأنَّهُ وبَّخَهُ ووَعَظَهُ عَلى سُوءِ فِعْلِهِ فَنَشَرَهُ بِمِنشارٍ، وزَكَرِيّاءُ، ويَحْيى، قَتَلَهُما بَنُو إسْرائِيلَ لِإيمانِهِما بِالمَسِيحِ، وقَتَلَ أهْلُ الرَّسِّ مِنَ العَرَبِ نَبِيئَهم حَنْظَلَةَ بْنَ صَفْوانَ في مُدَّةِ عَدْنانَ، والحَوارِيُّونَ اعْتَقَدُوا أنَّ المَسِيحَ قُتِلَ ولَمْ يَهِنُوا في إقامَةِ دِينِهِ بَعْدَهُ، ولَيْسَ مُرادًا هُنا وإنَّما العِبْرَةُ بِثَباتِ أتْباعِهِ عَلى دِينِهِ مَعَ مُفارَقَتِهِ لَهم إذِ العِبْرَةُ في خُلُوِّ الرَّسُولِ وبَقاءِ أتْباعِهِ، سَواءٌ كانَ بِقَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ. ولَيْسَ في هَؤُلاءِ رَسُولٌ إلّا حَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوانٍ، ولَيْسَ فِيهِمْ أيْضًا مَن قُتِلَ في جِهادٍ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ما سَمِعْنا بِنَبِيءٍ قُتِلَ في القِتالِ. صفحة ١١٨ وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: (قُتِلَ) بِصِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وأبُو جَعْفَرٍ: (قاتَلَ) بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ فَعَلى قِراءَةِ (قُتِلَ) - بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ - فَمَرْفُوعُ الفِعْلِ هو ضَمِيرُ نَبِيءٍ، وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعُ الفِعْلَيْنِ ضَمِيرَ نَبِيءٍ فَيَكُونُ قَوْلُهُ (﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾) جُمْلَةً حالِيَّةً مِن نَبِيءٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعُ الفِعْلَيْنِ لِفْظُ (رِبِّيُّونَ) فَيَكُونُ قَوْلُهُ مَعَهُ حالًا مِن رِبِّيُّونَ مُقَدَّمًا. وجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا النَّظْمِ البَدِيعِ الصّالِحِ لِحَمْلِ الكَلامِ عَلى تَثْبِيتِ المُسْلِمِينَ في حالِ الهَزِيمَةِ وفي حالِ الإرْجافِ بِقَتْلِ النَّبِيءِ ﷺ وعَلى الوَجْهَيْنِ في مَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ يَخْتَلِفُ حُسْنُ الوَقْفِ عَلى كَلِمَةِ (قُتِلَ) أوْ عَلى كَلِمَةِ (كَثِيرٌ) . والرِّبِّيُّونَ جَمْعُ رِبِّيٍّ وهو المُتَّبِعُ لِشَرِيعَةِ الرَّبِّ مِثْلُ الرَّبّانِيِّ، والمُرادُ بِهِمْ هُنا أتْباعُ الرُّسُلِ وتَلامِذَةُ الأنْبِياءِ. ويَجُوزُ في رائِهِ الفَتْحُ، عَلى القِياسِ، والكَسْرُ، عَلى أنَّهُ مِن تَغْيِيراتِ النَّسَبِ وهو الَّذِي قُرِئَ بِهِ في المُتَواتِرِ. ومَحَلُّ العِبْرَةِ هو ثَباتُ الرَّبّانِيِّينَ عَلى الدِّينِ مَعَ مَوْتِ أنْبِيائِهِمْ ودُعاتِهِمْ. وقَوْلُهُ (كَثِيرٌ) صِفَةُ (رِبِّيُّونَ) وجِيءَ بِهِ عَلى صِيغَةِ الإفْرادِ، مَعَ أنَّ المَوْصُوفَ جَمْعٌ، لِأنَّ لَفْظَ كَثِيرٌ وقَلِيلٌ يُعامَلُ مَوْصُوفُها مُعامَلَةَ لِفَظِ شَيْءٍ أوْ عَدَدٍ، قالَ تَعالى: ﴿وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً﴾ [النساء: ١] وقالَ ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [البقرة: ١٠٩] وقالَ ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنفال: ٢٦] وقالَ ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٣] . وقَوْلُهُ فَما وهَنُوا أيِ الرِّبِّيُّونَ إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الأنْبِياءَ لا يَهِنُونَ فالقُدْوَةُ المَقْصُودَةُ هُنا، هي الِاقْتِداءُ بِأتْباعِ الأنْبِياءِ، أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أتْباعُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ، أجْدَرَ بِالعَزْمِ مِن أتْباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وجَمَعَ بَيْنَ الوَهَنِ والضَّعْفِ، وهُما مُتَقارِبانِ تَقارُبًا قَرِيبًا مِنَ التَّرادُفِ؛ فالوَهَنُ قِلَّةُ القُدْرَةِ عَلى العَمَلِ، وعَلى النُّهُوضِ في الأمْرِ، وفِعْلُهُ كَوَعَدَ ووَرِثَ صفحة ١١٩ وكَرُمَ. والضَّعْفُ بِضَمِّ الضّادِ وفَتْحِها ضِدُّ القُوَّةِ في البَدَنِ، وهُما هُنا مَجازانِ، فالأوَّلُ أقْرَبُ إلى خَوَرِ العَزِيمَةِ، ودَبِيبِ اليَأْسِ في النُّفُوسِ والفِكْرِ، والثّانِي أقْرَبُ إلى الِاسْتِسْلامِ والفَشَلِ في المُقاوَمَةِ. وأمّا الِاسْتِكانَةُ فَهي الخُضُوعُ والمَذَلَّةُ لِلْعَدُوِّ. ومِنَ اللَّطائِفِ تَرْتِيبُها في الذِّكْرِ عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِها في الحُصُولِ: فَإنَّهُ إذا خارَتِ العَزِيمَةُ فَشَلَتِ الأعْضاءُ، وجاءَ الِاسْتِسْلامُ، فَتَبِعَهُ المَذَلَّةُ والخُضُوعُ لِلْعَدُوِّ. واعْلَمُوا أنَّهُ إذا كانَ هَذا شَأْنَ أتْباعِ الأنْبِياءِ، وكانَتِ النُّبُوَّةُ هَدْيًا وتَعْلِيمًا، فَلا بِدْعَ أنْ يَكُونَ هَذا شَأْنَ أهْلِ العِلْمِ، وأتْباعِ الحَقِّ، أنْ لا يُوهِنَهم، ولا يُضْعِفَهم، ولا يُخْضِعَهم، مُقاوَمَةُ مُقاوِمٍ، ولا أذى حاسِدٍ، أوْ جاهِلٍ، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ في البُخارِيِّ: «أنَّ خَبّابًا قالَ لِلنَّبِيءِ ﷺ لَقَدْ لَقِينا مِنَ المُشْرِكِينَ شِدَّةً ألا تَدْعُو اللَّهَ فَقَعَدَ وهو مُحْمَرٌّ وجْهُهُ فَقالَ لَقَدْ كانَ مَن قَبْلَكم لَيُمَشَّطُ بِمِشاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ عِظامِهِ مِن لَحْمٍ أوْ عَصَبٍ، ما يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، ويُوضَعُ المِنشارُ عَلى مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ ما يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ» الحَدِيثَ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ الآيَةُ عَطْفٌ عَلى (فَما وهَنُوا) لِأنَّهُ لَمّا وصَفَهم بِرَباطَةِ الجَأْشِ، وثَباتِ القَلْبِ، وصَفَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى الثَّباتِ مِن أقْوالِ اللِّسانِ الَّتِي تَجْرِي عَلَيْهِ عِنْدَ الِاضْطِرابِ والجَزَعِ، أيْ أنَّ ما أصابَهم لَمْ يُخالِجْهم بِسَبَبِهِ تَرَدُّدٌ في صِدْقِ وعْدِ اللَّهِ، ولا بَدَرَ مِنهم تَذَمُّرٌ، بَلْ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُها سُبْحانَهُ، أوْ لَعَلَّهُ كانَ جَزاءً عَلى تَقْصِيرٍ مِنهم في القِيامِ بِواجِبِ نَصْرِ دِينِهِ، أوْ في الوَفاءِ بِأمانَةِ التَّكْلِيفِ، فَلِذَلِكَ ابْتَهَلُوا إلَيْهِ عِنْدَ نُزُولِ المُصِيبَةِ بِقَوْلِهِمْ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ ما أصابَهم جَزاءً عَلى ما فَرَّطَ مِنهم، ثُمَّ سَألُوهُ النَّصْرَ وأسْبابَهُ ثانِيًا فَقالُوا ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠] فَلَمْ يَصُدُّهم ما لَحِقَهم مِنَ الهَزِيمَةِ عَنْ رَجاءِ النَّصْرِ، وفي المُوَطَّأِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «يُسْتَجابُ لِأحَدِكم ما لَمْ يَعْجَلْ يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» فَقَصَرَ قَوْلَهَمْ في تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي يَنْدُرُ صفحة ١٢٠ فِيها صُدُورُ مِثْلِ هَذا القَوْلِ، عَلى قَوْلِهِمْ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ إلى آخِرِهِ، فَصِيغَةُ القَصْرِ في قَوْلِهِ ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا﴾ قَصْرٌ إضافِيٌّ لِرَدِّ اعْتِقادِ مَن قَدْ يَتَوَهَّمُ أنَّهم قالُوا أقْوالًا تُنْبِئُ عَنِ الجَزَعِ، أوِ الهَلَعِ، أوِ الشَّكِّ في النَّصْرِ، أوِ الِاسْتِسْلامِ لِلْكُفّارِ. وفي هَذا القَصْرِ تَعْرِيضٌ بِالَّذِينَ جَزِعُوا مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ أوِ المُنافِقِينَ فَقالَ قائِلُهم: لَوْ كَلَّمْنا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ يَأْخُذُ لَنا أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ. وقُدِّمَ خَبَرُ كانَ عَلى اسْمِها في قَوْلِهِ ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا﴾ لِأنَّهُ خَبَرٌ عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْصُورٍ، لِأنَّ المَقْصُودَ حَصْرُ أقْوالِهِمْ حِينَئِذٍ في مَقالَةِ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ فالقَصْرُ حَقِيقِيٌّ لِأنَّهُ لِقَوْلِهِمُ الصّادِرِ مِنهم، حِينَ حُصُولِ ما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ، فَذَلِكَ القَيْدُ مُلاحَظٌ مِنَ المَقامِ، نَظِيرَ القَصْرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١] فَهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ مُقَيَّدٌ بِزَمانٍ خاصٍّ، تَقْيِيدًا مَنطُوقًا بِهِ، وهَذا أحْسَنُ مِن تَوْجِيهِ تَقْدِيمِ الخَبَرِ في الآيَةِ بِأنَّ المَصْدَرَ المُنْسَبِكَ المُئَوَّلَ أعْرَفُ مِنَ المَصْدَرِ الصَّرِيحِ لِدَلالَةِ المُئَوَّلِ عَلى النِّسْبَةِ وزَمانِ الحَدَثِ، بِخِلافِ إضافَةِ المَصْدَرِ الصَّرِيحِ، وذَلِكَ جائِزٌ في بابِ (كانَ) في غَيْرِ صِيَغِ القَصْرِ، وأمّا في الحَصْرِ فَمُتَعَيِّنٌ تَقْدِيمُ المَحْصُورِ. والمُرادُ مِنَ الذُّنُوبِ جَمِيعِها، وعَطَفَ عَلَيْهِ بَعْضَ الذُّنُوبِ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ هُنا بِالإسْرافِ في الأمْرِ، والإسْرافُ هو الإفْراطُ وتَجاوُزُ الحَدِّ، فَلَعَلَّهُ أُرِيدَ بِهِ الكَبائِرُ مِنَ الذُّنُوبِ كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ، وعَلَيْهِ فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: (أمْرِنا)، أيْ دِينِنا وتَكْلِيفِنا، فَيَكُونُ عَطْفَ خاصٍّ لِلِاهْتِمامِ بِطَلَبِ غُفْرانِهِ، وتَمَحُّضُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ لِبَقِيَّةِ الذُّنُوبِ وهي الصَّغائِرُ. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإسْرافِ في الأمْرِ التَّقْصِيرُ في شَأْنِهِمْ ونِظامِهِمْ فِيما يَرْجِعُ إلى أُهْبَةِ القِتالِ، والِاسْتِعْدادِ لَهُ، أوِ الحَذَرِ مِنَ العَدُوِّ، وهَذا الظّاهِرُ مِن كَلِمَةِ أمْرٍ، بِأنْ يَكُونُوا شَكُّوا أنْ يَكُونَ ما أصابَهم مِن هَزِيمَتِهِمْ في الحَرْبِ مَعَ عَدُوِّهِمْ ناشِئًا عَنْ سَبَبَيْنِ: باطِنٍ وظاهِرٍ، فالباطِنُ هو غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ الذُّنُوبِ، والظّاهِرُ هو تَقْصِيرُهم في الِاسْتِعْدادِ والحَذَرِ، وهَذا أوْلى مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ. صفحة ١٢١ وقَوْلُهُ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ إعْلامٌ بِتَعْجِيلِ إجابَةِ دَعْوَتِهِمْ لِحُصُولِ خَيْرَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَثَوابُ الدُّنْيا هو الفَتْحُ والغَنِيمَةُ، وثَوابُ الآخِرَةِ هو ما كُتِبَ لَهم مِن حُسْنِ عاقِبَةِ الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ لِأنَّهُ خَيْرٌ وأبْقى، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الثَّوابِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ١٠٣] . وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ تَذْيِيلٌ أيْ يُحِبُّ كُلَّ مُحْسِنٍ، ومَوْقِعُ التَّذْيِيلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُتَحَدَّثَ عَنْهم هم مِنَ الَّذِينَ أحْسَنُوا، فاللّامُ لِلْجِنْسِ المُفِيدِ مَعْنى الِاسْتِغْراقِ، وهَذِهِ مِن أكْبَرِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ (ال) الجِنْسِيَّةَ إذا دَخَلَتْ عَلى جَمْعٍ أبْطَلَتْ مِنهُ مَعْنى الجَمْعِيَّةِ، وأنَّ الِاسْتِغْراقَ المُفادَ مِن (ال) إذا كانَ مَدْخُولُها مُفْرَدًا وجُمْلَةً سَواءٌ.

آل عمران 3:147

﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيءٍ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ . صفحة ١١٦ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٤٤] الآيَةَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وهو عَطْفُ العِبْرَةِ عَلى المَوْعِظَةِ فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٤٤] مَوْعِظَةٌ لِمَن يَهُمُّ بِالِانْقِلابِ، وقَوْلَهُ ﴿وكَأيِّنٍ مِن نَبِيءٍ قُتِلَ﴾ عِبْرَةٌ بِما سَلَفَ مِن صَبْرِ أتْباعِ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ عِنْدَ إصابَةِ أنْبِيائِهِمْ أوْ قَتْلِهِمْ في حَرْبٍ أوْ غَيْرِهِ، لِمُماثَلَةِ الحالَيْنِ. فالكَلامُ تَعْرِيضٌ بِتَشْبِيهِ حالِ أصْحابِ أُحُدٍ بِحالِ أصْحابِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ لِأنَّ مَحَلَّ المَثَلِ لَيْسَ هو خُصُوصُ الِانْهِزامِ في الحَرْبِ بَلْ ذَلِكَ هو المُمَثَّلُ. وأمّا التَّشْبِيهُ فَهو بِصَبْرِ الأتْباعِ عِنْدَ حُلُولِ المَصائِبِ أوْ مَوْتِ المَتْبُوعِ. (وكَأيِّنْ) كَلِمَةٌ بِمَعْنى التَّكْثِيرِ، قِيلَ: هي بَسِيطَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّكْثِيرِ، وقِيلَ: هي مُرَكَّبَةٌ مِن كافِ التَّشْبِيهِ وأيِّ الِاسْتِفْهامِيَّةِ وهو قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، ولَيْسَتْ (أيُّ) هَذِهِ اسْتِفْهامًا حَقِيقِيًّا، ولَكِنَّ المُرادَ مِنها تَذْكِيرُ المُسْتَفْهِمِ بِالتَّكْثِيرِ، فاسْتِفْهامُها مَجازِيٌّ، ونُونُها في الأصْلِ تَنْوِينٌ، فَلَمّا رُكِّبَتْ وصارَتْ كَلِمَةً واحِدَةً جُعِلَ تَنْوِينُها نُونًا وبُنِيَتْ. والأظْهَرُ أنَّها بَسِيطَةٌ وفِيها لُغاتٌ أرْبَعُ، أشْهَرُها في النَّثْرِ كَأيِّنْ بِوَزْنِ كَعَيِّنْ ( هَكَذا جَرَتْ عادَةُ اللُّغَوِيِّينَ والنُّحاةِ إذا وزَنُوا الكَلِماتِ المَهْمُوزَةَ أنْ يُعَوِّضُوا عَنْ حَرْفِ الهَمْزَةِ بِحَرْفِ العَيْنِ لِئَلّا تَلْتَبِسَ الهَمْزَةُ بِالألْفِ أوِ الياءِ الَّتِي تُكْتَبُ في صُورَةِ إحْداهُما، وأشْهَرُها في الشِّعْرِ كائِنٌ بِنُونٍ اسْمُ فاعِلِ كانَ، ولَيْسَتْ باسِمِ فاعِلٍ خِلافًا لِلْمُبَرِّدِ، بَلْ هي مُخَفَّفُ كَأيِّنْ. ولَهم في كَيْفِيَّةِ تَخْفِيفِها تَوْجِيهاتٌ أصْلُها قَوْلُ الخَلِيلِ لَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُها تَصَرَّفَ فِيها العَرَبُ بِالقَلْبِ والحَذْفِ في بَعْضِ الأحْوالِ. قُلْتُ: وتَفْصِيلُهُ يَطُولُ. وأنا أرى أنَّهم لَمّا رامُوا التَّخْفِيفَ جَعَلُوا الهَمْزَةَ ألِفًا، ثُمَّ التَقى ساكِنانِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ، فَحَذَفُوا الياءَ السّاكِنَةَ فَبَقِيَتِ الياءُ المَكْسُورَةُ فَشابَهَتِ اسْمَ فاعِلِ (كانَ) فَجَعَلُوها هَمْزَةً كالياءِ الَّتِي تَقَعُ بَعْدَ ألْفٍ زائِدَةٍ، وأكْثَرُ ما وقَعَ في كَلامِ العَرَبِ هو كَأيِّنْ لِأنَّها أخَفُّ في النَّظْمِ وأسْعَدُ بِأكْثَرِ المَوازِينِ في أوائِلِ الأبْياتِ وأوْسَطِها بِخِلافِ كائِنٍ، قالَ الزَّجّاجُ: اللُّغَتانِ الجَيِّدَتانِ كَأيِّنٍ وكائِنٍ. وحَكى الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ في تَفْسِيرِهِ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ الحُبابِ قالَ: أخْبَرَنا شَيْخُنا صفحة ١١٧ أحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ الكِنانِيُّ قالَ: قُلْتُ لِشَيْخِنا ابْنِ عُصْفُورٍ: لِمَ أكْثَرْتَ في شَرْحِكَ لِلْإيضاحِ مِنَ الشَّواهِدِ عَلى كائِنٍ ؟ فَقالَ: لِأنِّي دَخَلْتُ عَلى السُّلْطانِ الأمِيرِ المُسْتَنْصِرِ، يَعْنِي مُحَمَّدَ المُسْتَنْصِرَ ابْنَ أبِي زَكَرِيّاءَ الحَفْصِيَّ، والظّاهِرُ أنَّهُ حِينَئِذٍ ولِيُّ العَهْدِ، فَوَجَدْتُ ابْنَ هِشامٍ، يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيى بْنِ هِشامٍ الخَضْراوِيَّ نَزِيلَ تُونُسَ ودَفِينَها المُتَوَفّى سَنَةَ ٦٤٦ فَأخْبَرَنِي أنَّهُ سَألَهُ عَمّا يَحْفَظُ مِنَ الشَّواهِدِ عَلى قِراءَةِ كَأيِّنْ فَلَمْ يَسْتَحْضِرْ غَيْرَ بَيْتِ الإيضاحِ: وكائِنٍ بِالأباطِحِ مِن صَدِيقٍ يَرانِي لَوْ أُصِبْتُ هو المُصابا قالَ ابْنُ عُصْفُورٍ: فَلَمّا سَألَنِي أنا قُلْتُ: أحْفَظُ فِيها خَمْسِينَ بَيْتًا فَلَمّا أنْشَدْتُهُ نَحْوَ عَشْرَةٍ قالَ: حَسْبُكَ، وأعْطانِي خَمْسِينَ دِينارًا، فَخَرَجْتُ فَوَجَدْتُ ابْنَ هِشامٍ جالِسًا بِالبابِ فَأعْطَيْتُهُ نِصْفَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ (وكَأيِّنْ) بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الكافِ وياءٍ تَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، عَلى وزْنِ كَلِمَةِ (كَصَيِّبٍ) وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (كائِنٍ) بِألْفٍ بَعْدَ الكافِ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَ الألِفِ بِوَزْنِ كاهِنٍ. والتَّكْثِيرُ المُسْتَفادُ مِنَ (كَأيِّنٍ) واقِعٌ عَلى تَمْيِيزِها وهو لَفْظُ نَبِيءٍ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَكْثِيرًا بِمَعْنى مُطْلَقِ العَدَدِ، فَلا يَتَجاوَزُ جَمْعَ القِلَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَكْثِيرًا في مَعْنى جَمْعِ الكَثْرَةِ، فَمِنهم مَن عَلِمْناهُ ومِنهم مَن لَمْ نَعْلَمْهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]، ويَحْضُرُنِي أسْماءُ سِتَّةٍ مِمَّنْ قُتِلَ مِنَ الأنْبِياءِ: أرْمِياءُ قَتَلَهُ بَنُو إسْرائِيلَ، وحَزْقِيالُ قَتَلُوهُ أيْضًا لِأنَّهُ وبَّخَهم عَلى سُوءِ أعْمالِهِمْ، وأشْعِياءُ قَتَلَهُ مِنَسّا بْنُ حَزْقِيلَ مَلِكُ إسْرائِيلَ لِأنَّهُ وبَّخَهُ ووَعَظَهُ عَلى سُوءِ فِعْلِهِ فَنَشَرَهُ بِمِنشارٍ، وزَكَرِيّاءُ، ويَحْيى، قَتَلَهُما بَنُو إسْرائِيلَ لِإيمانِهِما بِالمَسِيحِ، وقَتَلَ أهْلُ الرَّسِّ مِنَ العَرَبِ نَبِيئَهم حَنْظَلَةَ بْنَ صَفْوانَ في مُدَّةِ عَدْنانَ، والحَوارِيُّونَ اعْتَقَدُوا أنَّ المَسِيحَ قُتِلَ ولَمْ يَهِنُوا في إقامَةِ دِينِهِ بَعْدَهُ، ولَيْسَ مُرادًا هُنا وإنَّما العِبْرَةُ بِثَباتِ أتْباعِهِ عَلى دِينِهِ مَعَ مُفارَقَتِهِ لَهم إذِ العِبْرَةُ في خُلُوِّ الرَّسُولِ وبَقاءِ أتْباعِهِ، سَواءٌ كانَ بِقَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ. ولَيْسَ في هَؤُلاءِ رَسُولٌ إلّا حَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوانٍ، ولَيْسَ فِيهِمْ أيْضًا مَن قُتِلَ في جِهادٍ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ما سَمِعْنا بِنَبِيءٍ قُتِلَ في القِتالِ. صفحة ١١٨ وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: (قُتِلَ) بِصِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وأبُو جَعْفَرٍ: (قاتَلَ) بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ فَعَلى قِراءَةِ (قُتِلَ) - بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ - فَمَرْفُوعُ الفِعْلِ هو ضَمِيرُ نَبِيءٍ، وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعُ الفِعْلَيْنِ ضَمِيرَ نَبِيءٍ فَيَكُونُ قَوْلُهُ (﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾) جُمْلَةً حالِيَّةً مِن نَبِيءٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعُ الفِعْلَيْنِ لِفْظُ (رِبِّيُّونَ) فَيَكُونُ قَوْلُهُ مَعَهُ حالًا مِن رِبِّيُّونَ مُقَدَّمًا. وجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا النَّظْمِ البَدِيعِ الصّالِحِ لِحَمْلِ الكَلامِ عَلى تَثْبِيتِ المُسْلِمِينَ في حالِ الهَزِيمَةِ وفي حالِ الإرْجافِ بِقَتْلِ النَّبِيءِ ﷺ وعَلى الوَجْهَيْنِ في مَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ يَخْتَلِفُ حُسْنُ الوَقْفِ عَلى كَلِمَةِ (قُتِلَ) أوْ عَلى كَلِمَةِ (كَثِيرٌ) . والرِّبِّيُّونَ جَمْعُ رِبِّيٍّ وهو المُتَّبِعُ لِشَرِيعَةِ الرَّبِّ مِثْلُ الرَّبّانِيِّ، والمُرادُ بِهِمْ هُنا أتْباعُ الرُّسُلِ وتَلامِذَةُ الأنْبِياءِ. ويَجُوزُ في رائِهِ الفَتْحُ، عَلى القِياسِ، والكَسْرُ، عَلى أنَّهُ مِن تَغْيِيراتِ النَّسَبِ وهو الَّذِي قُرِئَ بِهِ في المُتَواتِرِ. ومَحَلُّ العِبْرَةِ هو ثَباتُ الرَّبّانِيِّينَ عَلى الدِّينِ مَعَ مَوْتِ أنْبِيائِهِمْ ودُعاتِهِمْ. وقَوْلُهُ (كَثِيرٌ) صِفَةُ (رِبِّيُّونَ) وجِيءَ بِهِ عَلى صِيغَةِ الإفْرادِ، مَعَ أنَّ المَوْصُوفَ جَمْعٌ، لِأنَّ لَفْظَ كَثِيرٌ وقَلِيلٌ يُعامَلُ مَوْصُوفُها مُعامَلَةَ لِفَظِ شَيْءٍ أوْ عَدَدٍ، قالَ تَعالى: ﴿وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً﴾ [النساء: ١] وقالَ ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [البقرة: ١٠٩] وقالَ ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنفال: ٢٦] وقالَ ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٣] . وقَوْلُهُ فَما وهَنُوا أيِ الرِّبِّيُّونَ إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الأنْبِياءَ لا يَهِنُونَ فالقُدْوَةُ المَقْصُودَةُ هُنا، هي الِاقْتِداءُ بِأتْباعِ الأنْبِياءِ، أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أتْباعُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ، أجْدَرَ بِالعَزْمِ مِن أتْباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وجَمَعَ بَيْنَ الوَهَنِ والضَّعْفِ، وهُما مُتَقارِبانِ تَقارُبًا قَرِيبًا مِنَ التَّرادُفِ؛ فالوَهَنُ قِلَّةُ القُدْرَةِ عَلى العَمَلِ، وعَلى النُّهُوضِ في الأمْرِ، وفِعْلُهُ كَوَعَدَ ووَرِثَ صفحة ١١٩ وكَرُمَ. والضَّعْفُ بِضَمِّ الضّادِ وفَتْحِها ضِدُّ القُوَّةِ في البَدَنِ، وهُما هُنا مَجازانِ، فالأوَّلُ أقْرَبُ إلى خَوَرِ العَزِيمَةِ، ودَبِيبِ اليَأْسِ في النُّفُوسِ والفِكْرِ، والثّانِي أقْرَبُ إلى الِاسْتِسْلامِ والفَشَلِ في المُقاوَمَةِ. وأمّا الِاسْتِكانَةُ فَهي الخُضُوعُ والمَذَلَّةُ لِلْعَدُوِّ. ومِنَ اللَّطائِفِ تَرْتِيبُها في الذِّكْرِ عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِها في الحُصُولِ: فَإنَّهُ إذا خارَتِ العَزِيمَةُ فَشَلَتِ الأعْضاءُ، وجاءَ الِاسْتِسْلامُ، فَتَبِعَهُ المَذَلَّةُ والخُضُوعُ لِلْعَدُوِّ. واعْلَمُوا أنَّهُ إذا كانَ هَذا شَأْنَ أتْباعِ الأنْبِياءِ، وكانَتِ النُّبُوَّةُ هَدْيًا وتَعْلِيمًا، فَلا بِدْعَ أنْ يَكُونَ هَذا شَأْنَ أهْلِ العِلْمِ، وأتْباعِ الحَقِّ، أنْ لا يُوهِنَهم، ولا يُضْعِفَهم، ولا يُخْضِعَهم، مُقاوَمَةُ مُقاوِمٍ، ولا أذى حاسِدٍ، أوْ جاهِلٍ، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ في البُخارِيِّ: «أنَّ خَبّابًا قالَ لِلنَّبِيءِ ﷺ لَقَدْ لَقِينا مِنَ المُشْرِكِينَ شِدَّةً ألا تَدْعُو اللَّهَ فَقَعَدَ وهو مُحْمَرٌّ وجْهُهُ فَقالَ لَقَدْ كانَ مَن قَبْلَكم لَيُمَشَّطُ بِمِشاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ عِظامِهِ مِن لَحْمٍ أوْ عَصَبٍ، ما يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، ويُوضَعُ المِنشارُ عَلى مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ ما يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ» الحَدِيثَ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ الآيَةُ عَطْفٌ عَلى (فَما وهَنُوا) لِأنَّهُ لَمّا وصَفَهم بِرَباطَةِ الجَأْشِ، وثَباتِ القَلْبِ، وصَفَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى الثَّباتِ مِن أقْوالِ اللِّسانِ الَّتِي تَجْرِي عَلَيْهِ عِنْدَ الِاضْطِرابِ والجَزَعِ، أيْ أنَّ ما أصابَهم لَمْ يُخالِجْهم بِسَبَبِهِ تَرَدُّدٌ في صِدْقِ وعْدِ اللَّهِ، ولا بَدَرَ مِنهم تَذَمُّرٌ، بَلْ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُها سُبْحانَهُ، أوْ لَعَلَّهُ كانَ جَزاءً عَلى تَقْصِيرٍ مِنهم في القِيامِ بِواجِبِ نَصْرِ دِينِهِ، أوْ في الوَفاءِ بِأمانَةِ التَّكْلِيفِ، فَلِذَلِكَ ابْتَهَلُوا إلَيْهِ عِنْدَ نُزُولِ المُصِيبَةِ بِقَوْلِهِمْ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ ما أصابَهم جَزاءً عَلى ما فَرَّطَ مِنهم، ثُمَّ سَألُوهُ النَّصْرَ وأسْبابَهُ ثانِيًا فَقالُوا ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠] فَلَمْ يَصُدُّهم ما لَحِقَهم مِنَ الهَزِيمَةِ عَنْ رَجاءِ النَّصْرِ، وفي المُوَطَّأِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «يُسْتَجابُ لِأحَدِكم ما لَمْ يَعْجَلْ يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» فَقَصَرَ قَوْلَهَمْ في تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي يَنْدُرُ صفحة ١٢٠ فِيها صُدُورُ مِثْلِ هَذا القَوْلِ، عَلى قَوْلِهِمْ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ إلى آخِرِهِ، فَصِيغَةُ القَصْرِ في قَوْلِهِ ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا﴾ قَصْرٌ إضافِيٌّ لِرَدِّ اعْتِقادِ مَن قَدْ يَتَوَهَّمُ أنَّهم قالُوا أقْوالًا تُنْبِئُ عَنِ الجَزَعِ، أوِ الهَلَعِ، أوِ الشَّكِّ في النَّصْرِ، أوِ الِاسْتِسْلامِ لِلْكُفّارِ. وفي هَذا القَصْرِ تَعْرِيضٌ بِالَّذِينَ جَزِعُوا مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ أوِ المُنافِقِينَ فَقالَ قائِلُهم: لَوْ كَلَّمْنا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ يَأْخُذُ لَنا أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ. وقُدِّمَ خَبَرُ كانَ عَلى اسْمِها في قَوْلِهِ ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا﴾ لِأنَّهُ خَبَرٌ عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْصُورٍ، لِأنَّ المَقْصُودَ حَصْرُ أقْوالِهِمْ حِينَئِذٍ في مَقالَةِ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ فالقَصْرُ حَقِيقِيٌّ لِأنَّهُ لِقَوْلِهِمُ الصّادِرِ مِنهم، حِينَ حُصُولِ ما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ، فَذَلِكَ القَيْدُ مُلاحَظٌ مِنَ المَقامِ، نَظِيرَ القَصْرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١] فَهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ مُقَيَّدٌ بِزَمانٍ خاصٍّ، تَقْيِيدًا مَنطُوقًا بِهِ، وهَذا أحْسَنُ مِن تَوْجِيهِ تَقْدِيمِ الخَبَرِ في الآيَةِ بِأنَّ المَصْدَرَ المُنْسَبِكَ المُئَوَّلَ أعْرَفُ مِنَ المَصْدَرِ الصَّرِيحِ لِدَلالَةِ المُئَوَّلِ عَلى النِّسْبَةِ وزَمانِ الحَدَثِ، بِخِلافِ إضافَةِ المَصْدَرِ الصَّرِيحِ، وذَلِكَ جائِزٌ في بابِ (كانَ) في غَيْرِ صِيَغِ القَصْرِ، وأمّا في الحَصْرِ فَمُتَعَيِّنٌ تَقْدِيمُ المَحْصُورِ. والمُرادُ مِنَ الذُّنُوبِ جَمِيعِها، وعَطَفَ عَلَيْهِ بَعْضَ الذُّنُوبِ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ هُنا بِالإسْرافِ في الأمْرِ، والإسْرافُ هو الإفْراطُ وتَجاوُزُ الحَدِّ، فَلَعَلَّهُ أُرِيدَ بِهِ الكَبائِرُ مِنَ الذُّنُوبِ كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ، وعَلَيْهِ فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: (أمْرِنا)، أيْ دِينِنا وتَكْلِيفِنا، فَيَكُونُ عَطْفَ خاصٍّ لِلِاهْتِمامِ بِطَلَبِ غُفْرانِهِ، وتَمَحُّضُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ لِبَقِيَّةِ الذُّنُوبِ وهي الصَّغائِرُ. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإسْرافِ في الأمْرِ التَّقْصِيرُ في شَأْنِهِمْ ونِظامِهِمْ فِيما يَرْجِعُ إلى أُهْبَةِ القِتالِ، والِاسْتِعْدادِ لَهُ، أوِ الحَذَرِ مِنَ العَدُوِّ، وهَذا الظّاهِرُ مِن كَلِمَةِ أمْرٍ، بِأنْ يَكُونُوا شَكُّوا أنْ يَكُونَ ما أصابَهم مِن هَزِيمَتِهِمْ في الحَرْبِ مَعَ عَدُوِّهِمْ ناشِئًا عَنْ سَبَبَيْنِ: باطِنٍ وظاهِرٍ، فالباطِنُ هو غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ الذُّنُوبِ، والظّاهِرُ هو تَقْصِيرُهم في الِاسْتِعْدادِ والحَذَرِ، وهَذا أوْلى مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ. صفحة ١٢١ وقَوْلُهُ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ إعْلامٌ بِتَعْجِيلِ إجابَةِ دَعْوَتِهِمْ لِحُصُولِ خَيْرَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَثَوابُ الدُّنْيا هو الفَتْحُ والغَنِيمَةُ، وثَوابُ الآخِرَةِ هو ما كُتِبَ لَهم مِن حُسْنِ عاقِبَةِ الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ لِأنَّهُ خَيْرٌ وأبْقى، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الثَّوابِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ١٠٣] . وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ تَذْيِيلٌ أيْ يُحِبُّ كُلَّ مُحْسِنٍ، ومَوْقِعُ التَّذْيِيلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُتَحَدَّثَ عَنْهم هم مِنَ الَّذِينَ أحْسَنُوا، فاللّامُ لِلْجِنْسِ المُفِيدِ مَعْنى الِاسْتِغْراقِ، وهَذِهِ مِن أكْبَرِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ (ال) الجِنْسِيَّةَ إذا دَخَلَتْ عَلى جَمْعٍ أبْطَلَتْ مِنهُ مَعْنى الجَمْعِيَّةِ، وأنَّ الِاسْتِغْراقَ المُفادَ مِن (ال) إذا كانَ مَدْخُولُها مُفْرَدًا وجُمْلَةً سَواءٌ.

آل عمران 3:148

﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيءٍ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ . صفحة ١١٦ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٤٤] الآيَةَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وهو عَطْفُ العِبْرَةِ عَلى المَوْعِظَةِ فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٤٤] مَوْعِظَةٌ لِمَن يَهُمُّ بِالِانْقِلابِ، وقَوْلَهُ ﴿وكَأيِّنٍ مِن نَبِيءٍ قُتِلَ﴾ عِبْرَةٌ بِما سَلَفَ مِن صَبْرِ أتْباعِ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ عِنْدَ إصابَةِ أنْبِيائِهِمْ أوْ قَتْلِهِمْ في حَرْبٍ أوْ غَيْرِهِ، لِمُماثَلَةِ الحالَيْنِ. فالكَلامُ تَعْرِيضٌ بِتَشْبِيهِ حالِ أصْحابِ أُحُدٍ بِحالِ أصْحابِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ لِأنَّ مَحَلَّ المَثَلِ لَيْسَ هو خُصُوصُ الِانْهِزامِ في الحَرْبِ بَلْ ذَلِكَ هو المُمَثَّلُ. وأمّا التَّشْبِيهُ فَهو بِصَبْرِ الأتْباعِ عِنْدَ حُلُولِ المَصائِبِ أوْ مَوْتِ المَتْبُوعِ. (وكَأيِّنْ) كَلِمَةٌ بِمَعْنى التَّكْثِيرِ، قِيلَ: هي بَسِيطَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّكْثِيرِ، وقِيلَ: هي مُرَكَّبَةٌ مِن كافِ التَّشْبِيهِ وأيِّ الِاسْتِفْهامِيَّةِ وهو قَوْلُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، ولَيْسَتْ (أيُّ) هَذِهِ اسْتِفْهامًا حَقِيقِيًّا، ولَكِنَّ المُرادَ مِنها تَذْكِيرُ المُسْتَفْهِمِ بِالتَّكْثِيرِ، فاسْتِفْهامُها مَجازِيٌّ، ونُونُها في الأصْلِ تَنْوِينٌ، فَلَمّا رُكِّبَتْ وصارَتْ كَلِمَةً واحِدَةً جُعِلَ تَنْوِينُها نُونًا وبُنِيَتْ. والأظْهَرُ أنَّها بَسِيطَةٌ وفِيها لُغاتٌ أرْبَعُ، أشْهَرُها في النَّثْرِ كَأيِّنْ بِوَزْنِ كَعَيِّنْ ( هَكَذا جَرَتْ عادَةُ اللُّغَوِيِّينَ والنُّحاةِ إذا وزَنُوا الكَلِماتِ المَهْمُوزَةَ أنْ يُعَوِّضُوا عَنْ حَرْفِ الهَمْزَةِ بِحَرْفِ العَيْنِ لِئَلّا تَلْتَبِسَ الهَمْزَةُ بِالألْفِ أوِ الياءِ الَّتِي تُكْتَبُ في صُورَةِ إحْداهُما، وأشْهَرُها في الشِّعْرِ كائِنٌ بِنُونٍ اسْمُ فاعِلِ كانَ، ولَيْسَتْ باسِمِ فاعِلٍ خِلافًا لِلْمُبَرِّدِ، بَلْ هي مُخَفَّفُ كَأيِّنْ. ولَهم في كَيْفِيَّةِ تَخْفِيفِها تَوْجِيهاتٌ أصْلُها قَوْلُ الخَلِيلِ لَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُها تَصَرَّفَ فِيها العَرَبُ بِالقَلْبِ والحَذْفِ في بَعْضِ الأحْوالِ. قُلْتُ: وتَفْصِيلُهُ يَطُولُ. وأنا أرى أنَّهم لَمّا رامُوا التَّخْفِيفَ جَعَلُوا الهَمْزَةَ ألِفًا، ثُمَّ التَقى ساكِنانِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ، فَحَذَفُوا الياءَ السّاكِنَةَ فَبَقِيَتِ الياءُ المَكْسُورَةُ فَشابَهَتِ اسْمَ فاعِلِ (كانَ) فَجَعَلُوها هَمْزَةً كالياءِ الَّتِي تَقَعُ بَعْدَ ألْفٍ زائِدَةٍ، وأكْثَرُ ما وقَعَ في كَلامِ العَرَبِ هو كَأيِّنْ لِأنَّها أخَفُّ في النَّظْمِ وأسْعَدُ بِأكْثَرِ المَوازِينِ في أوائِلِ الأبْياتِ وأوْسَطِها بِخِلافِ كائِنٍ، قالَ الزَّجّاجُ: اللُّغَتانِ الجَيِّدَتانِ كَأيِّنٍ وكائِنٍ. وحَكى الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ في تَفْسِيرِهِ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ الحُبابِ قالَ: أخْبَرَنا شَيْخُنا صفحة ١١٧ أحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ الكِنانِيُّ قالَ: قُلْتُ لِشَيْخِنا ابْنِ عُصْفُورٍ: لِمَ أكْثَرْتَ في شَرْحِكَ لِلْإيضاحِ مِنَ الشَّواهِدِ عَلى كائِنٍ ؟ فَقالَ: لِأنِّي دَخَلْتُ عَلى السُّلْطانِ الأمِيرِ المُسْتَنْصِرِ، يَعْنِي مُحَمَّدَ المُسْتَنْصِرَ ابْنَ أبِي زَكَرِيّاءَ الحَفْصِيَّ، والظّاهِرُ أنَّهُ حِينَئِذٍ ولِيُّ العَهْدِ، فَوَجَدْتُ ابْنَ هِشامٍ، يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيى بْنِ هِشامٍ الخَضْراوِيَّ نَزِيلَ تُونُسَ ودَفِينَها المُتَوَفّى سَنَةَ ٦٤٦ فَأخْبَرَنِي أنَّهُ سَألَهُ عَمّا يَحْفَظُ مِنَ الشَّواهِدِ عَلى قِراءَةِ كَأيِّنْ فَلَمْ يَسْتَحْضِرْ غَيْرَ بَيْتِ الإيضاحِ: وكائِنٍ بِالأباطِحِ مِن صَدِيقٍ يَرانِي لَوْ أُصِبْتُ هو المُصابا قالَ ابْنُ عُصْفُورٍ: فَلَمّا سَألَنِي أنا قُلْتُ: أحْفَظُ فِيها خَمْسِينَ بَيْتًا فَلَمّا أنْشَدْتُهُ نَحْوَ عَشْرَةٍ قالَ: حَسْبُكَ، وأعْطانِي خَمْسِينَ دِينارًا، فَخَرَجْتُ فَوَجَدْتُ ابْنَ هِشامٍ جالِسًا بِالبابِ فَأعْطَيْتُهُ نِصْفَها. وقَرَأ الجُمْهُورُ (وكَأيِّنْ) بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الكافِ وياءٍ تَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، عَلى وزْنِ كَلِمَةِ (كَصَيِّبٍ) وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (كائِنٍ) بِألْفٍ بَعْدَ الكافِ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَ الألِفِ بِوَزْنِ كاهِنٍ. والتَّكْثِيرُ المُسْتَفادُ مِنَ (كَأيِّنٍ) واقِعٌ عَلى تَمْيِيزِها وهو لَفْظُ نَبِيءٍ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَكْثِيرًا بِمَعْنى مُطْلَقِ العَدَدِ، فَلا يَتَجاوَزُ جَمْعَ القِلَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَكْثِيرًا في مَعْنى جَمْعِ الكَثْرَةِ، فَمِنهم مَن عَلِمْناهُ ومِنهم مَن لَمْ نَعْلَمْهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]، ويَحْضُرُنِي أسْماءُ سِتَّةٍ مِمَّنْ قُتِلَ مِنَ الأنْبِياءِ: أرْمِياءُ قَتَلَهُ بَنُو إسْرائِيلَ، وحَزْقِيالُ قَتَلُوهُ أيْضًا لِأنَّهُ وبَّخَهم عَلى سُوءِ أعْمالِهِمْ، وأشْعِياءُ قَتَلَهُ مِنَسّا بْنُ حَزْقِيلَ مَلِكُ إسْرائِيلَ لِأنَّهُ وبَّخَهُ ووَعَظَهُ عَلى سُوءِ فِعْلِهِ فَنَشَرَهُ بِمِنشارٍ، وزَكَرِيّاءُ، ويَحْيى، قَتَلَهُما بَنُو إسْرائِيلَ لِإيمانِهِما بِالمَسِيحِ، وقَتَلَ أهْلُ الرَّسِّ مِنَ العَرَبِ نَبِيئَهم حَنْظَلَةَ بْنَ صَفْوانَ في مُدَّةِ عَدْنانَ، والحَوارِيُّونَ اعْتَقَدُوا أنَّ المَسِيحَ قُتِلَ ولَمْ يَهِنُوا في إقامَةِ دِينِهِ بَعْدَهُ، ولَيْسَ مُرادًا هُنا وإنَّما العِبْرَةُ بِثَباتِ أتْباعِهِ عَلى دِينِهِ مَعَ مُفارَقَتِهِ لَهم إذِ العِبْرَةُ في خُلُوِّ الرَّسُولِ وبَقاءِ أتْباعِهِ، سَواءٌ كانَ بِقَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ. ولَيْسَ في هَؤُلاءِ رَسُولٌ إلّا حَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوانٍ، ولَيْسَ فِيهِمْ أيْضًا مَن قُتِلَ في جِهادٍ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ما سَمِعْنا بِنَبِيءٍ قُتِلَ في القِتالِ. صفحة ١١٨ وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: (قُتِلَ) بِصِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وأبُو جَعْفَرٍ: (قاتَلَ) بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ فَعَلى قِراءَةِ (قُتِلَ) - بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ - فَمَرْفُوعُ الفِعْلِ هو ضَمِيرُ نَبِيءٍ، وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعُ الفِعْلَيْنِ ضَمِيرَ نَبِيءٍ فَيَكُونُ قَوْلُهُ (﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾) جُمْلَةً حالِيَّةً مِن نَبِيءٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعُ الفِعْلَيْنِ لِفْظُ (رِبِّيُّونَ) فَيَكُونُ قَوْلُهُ مَعَهُ حالًا مِن رِبِّيُّونَ مُقَدَّمًا. وجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا النَّظْمِ البَدِيعِ الصّالِحِ لِحَمْلِ الكَلامِ عَلى تَثْبِيتِ المُسْلِمِينَ في حالِ الهَزِيمَةِ وفي حالِ الإرْجافِ بِقَتْلِ النَّبِيءِ ﷺ وعَلى الوَجْهَيْنِ في مَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ يَخْتَلِفُ حُسْنُ الوَقْفِ عَلى كَلِمَةِ (قُتِلَ) أوْ عَلى كَلِمَةِ (كَثِيرٌ) . والرِّبِّيُّونَ جَمْعُ رِبِّيٍّ وهو المُتَّبِعُ لِشَرِيعَةِ الرَّبِّ مِثْلُ الرَّبّانِيِّ، والمُرادُ بِهِمْ هُنا أتْباعُ الرُّسُلِ وتَلامِذَةُ الأنْبِياءِ. ويَجُوزُ في رائِهِ الفَتْحُ، عَلى القِياسِ، والكَسْرُ، عَلى أنَّهُ مِن تَغْيِيراتِ النَّسَبِ وهو الَّذِي قُرِئَ بِهِ في المُتَواتِرِ. ومَحَلُّ العِبْرَةِ هو ثَباتُ الرَّبّانِيِّينَ عَلى الدِّينِ مَعَ مَوْتِ أنْبِيائِهِمْ ودُعاتِهِمْ. وقَوْلُهُ (كَثِيرٌ) صِفَةُ (رِبِّيُّونَ) وجِيءَ بِهِ عَلى صِيغَةِ الإفْرادِ، مَعَ أنَّ المَوْصُوفَ جَمْعٌ، لِأنَّ لَفْظَ كَثِيرٌ وقَلِيلٌ يُعامَلُ مَوْصُوفُها مُعامَلَةَ لِفَظِ شَيْءٍ أوْ عَدَدٍ، قالَ تَعالى: ﴿وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً﴾ [النساء: ١] وقالَ ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [البقرة: ١٠٩] وقالَ ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنفال: ٢٦] وقالَ ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٣] . وقَوْلُهُ فَما وهَنُوا أيِ الرِّبِّيُّونَ إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الأنْبِياءَ لا يَهِنُونَ فالقُدْوَةُ المَقْصُودَةُ هُنا، هي الِاقْتِداءُ بِأتْباعِ الأنْبِياءِ، أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أتْباعُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ، أجْدَرَ بِالعَزْمِ مِن أتْباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وجَمَعَ بَيْنَ الوَهَنِ والضَّعْفِ، وهُما مُتَقارِبانِ تَقارُبًا قَرِيبًا مِنَ التَّرادُفِ؛ فالوَهَنُ قِلَّةُ القُدْرَةِ عَلى العَمَلِ، وعَلى النُّهُوضِ في الأمْرِ، وفِعْلُهُ كَوَعَدَ ووَرِثَ صفحة ١١٩ وكَرُمَ. والضَّعْفُ بِضَمِّ الضّادِ وفَتْحِها ضِدُّ القُوَّةِ في البَدَنِ، وهُما هُنا مَجازانِ، فالأوَّلُ أقْرَبُ إلى خَوَرِ العَزِيمَةِ، ودَبِيبِ اليَأْسِ في النُّفُوسِ والفِكْرِ، والثّانِي أقْرَبُ إلى الِاسْتِسْلامِ والفَشَلِ في المُقاوَمَةِ. وأمّا الِاسْتِكانَةُ فَهي الخُضُوعُ والمَذَلَّةُ لِلْعَدُوِّ. ومِنَ اللَّطائِفِ تَرْتِيبُها في الذِّكْرِ عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِها في الحُصُولِ: فَإنَّهُ إذا خارَتِ العَزِيمَةُ فَشَلَتِ الأعْضاءُ، وجاءَ الِاسْتِسْلامُ، فَتَبِعَهُ المَذَلَّةُ والخُضُوعُ لِلْعَدُوِّ. واعْلَمُوا أنَّهُ إذا كانَ هَذا شَأْنَ أتْباعِ الأنْبِياءِ، وكانَتِ النُّبُوَّةُ هَدْيًا وتَعْلِيمًا، فَلا بِدْعَ أنْ يَكُونَ هَذا شَأْنَ أهْلِ العِلْمِ، وأتْباعِ الحَقِّ، أنْ لا يُوهِنَهم، ولا يُضْعِفَهم، ولا يُخْضِعَهم، مُقاوَمَةُ مُقاوِمٍ، ولا أذى حاسِدٍ، أوْ جاهِلٍ، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ في البُخارِيِّ: «أنَّ خَبّابًا قالَ لِلنَّبِيءِ ﷺ لَقَدْ لَقِينا مِنَ المُشْرِكِينَ شِدَّةً ألا تَدْعُو اللَّهَ فَقَعَدَ وهو مُحْمَرٌّ وجْهُهُ فَقالَ لَقَدْ كانَ مَن قَبْلَكم لَيُمَشَّطُ بِمِشاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ عِظامِهِ مِن لَحْمٍ أوْ عَصَبٍ، ما يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، ويُوضَعُ المِنشارُ عَلى مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ ما يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ» الحَدِيثَ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ الآيَةُ عَطْفٌ عَلى (فَما وهَنُوا) لِأنَّهُ لَمّا وصَفَهم بِرَباطَةِ الجَأْشِ، وثَباتِ القَلْبِ، وصَفَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى الثَّباتِ مِن أقْوالِ اللِّسانِ الَّتِي تَجْرِي عَلَيْهِ عِنْدَ الِاضْطِرابِ والجَزَعِ، أيْ أنَّ ما أصابَهم لَمْ يُخالِجْهم بِسَبَبِهِ تَرَدُّدٌ في صِدْقِ وعْدِ اللَّهِ، ولا بَدَرَ مِنهم تَذَمُّرٌ، بَلْ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُها سُبْحانَهُ، أوْ لَعَلَّهُ كانَ جَزاءً عَلى تَقْصِيرٍ مِنهم في القِيامِ بِواجِبِ نَصْرِ دِينِهِ، أوْ في الوَفاءِ بِأمانَةِ التَّكْلِيفِ، فَلِذَلِكَ ابْتَهَلُوا إلَيْهِ عِنْدَ نُزُولِ المُصِيبَةِ بِقَوْلِهِمْ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ ما أصابَهم جَزاءً عَلى ما فَرَّطَ مِنهم، ثُمَّ سَألُوهُ النَّصْرَ وأسْبابَهُ ثانِيًا فَقالُوا ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠] فَلَمْ يَصُدُّهم ما لَحِقَهم مِنَ الهَزِيمَةِ عَنْ رَجاءِ النَّصْرِ، وفي المُوَطَّأِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «يُسْتَجابُ لِأحَدِكم ما لَمْ يَعْجَلْ يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» فَقَصَرَ قَوْلَهَمْ في تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي يَنْدُرُ صفحة ١٢٠ فِيها صُدُورُ مِثْلِ هَذا القَوْلِ، عَلى قَوْلِهِمْ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ إلى آخِرِهِ، فَصِيغَةُ القَصْرِ في قَوْلِهِ ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا﴾ قَصْرٌ إضافِيٌّ لِرَدِّ اعْتِقادِ مَن قَدْ يَتَوَهَّمُ أنَّهم قالُوا أقْوالًا تُنْبِئُ عَنِ الجَزَعِ، أوِ الهَلَعِ، أوِ الشَّكِّ في النَّصْرِ، أوِ الِاسْتِسْلامِ لِلْكُفّارِ. وفي هَذا القَصْرِ تَعْرِيضٌ بِالَّذِينَ جَزِعُوا مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ أوِ المُنافِقِينَ فَقالَ قائِلُهم: لَوْ كَلَّمْنا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ يَأْخُذُ لَنا أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ. وقُدِّمَ خَبَرُ كانَ عَلى اسْمِها في قَوْلِهِ ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا﴾ لِأنَّهُ خَبَرٌ عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْصُورٍ، لِأنَّ المَقْصُودَ حَصْرُ أقْوالِهِمْ حِينَئِذٍ في مَقالَةِ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ فالقَصْرُ حَقِيقِيٌّ لِأنَّهُ لِقَوْلِهِمُ الصّادِرِ مِنهم، حِينَ حُصُولِ ما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ، فَذَلِكَ القَيْدُ مُلاحَظٌ مِنَ المَقامِ، نَظِيرَ القَصْرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١] فَهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ مُقَيَّدٌ بِزَمانٍ خاصٍّ، تَقْيِيدًا مَنطُوقًا بِهِ، وهَذا أحْسَنُ مِن تَوْجِيهِ تَقْدِيمِ الخَبَرِ في الآيَةِ بِأنَّ المَصْدَرَ المُنْسَبِكَ المُئَوَّلَ أعْرَفُ مِنَ المَصْدَرِ الصَّرِيحِ لِدَلالَةِ المُئَوَّلِ عَلى النِّسْبَةِ وزَمانِ الحَدَثِ، بِخِلافِ إضافَةِ المَصْدَرِ الصَّرِيحِ، وذَلِكَ جائِزٌ في بابِ (كانَ) في غَيْرِ صِيَغِ القَصْرِ، وأمّا في الحَصْرِ فَمُتَعَيِّنٌ تَقْدِيمُ المَحْصُورِ. والمُرادُ مِنَ الذُّنُوبِ جَمِيعِها، وعَطَفَ عَلَيْهِ بَعْضَ الذُّنُوبِ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ هُنا بِالإسْرافِ في الأمْرِ، والإسْرافُ هو الإفْراطُ وتَجاوُزُ الحَدِّ، فَلَعَلَّهُ أُرِيدَ بِهِ الكَبائِرُ مِنَ الذُّنُوبِ كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ، وعَلَيْهِ فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: (أمْرِنا)، أيْ دِينِنا وتَكْلِيفِنا، فَيَكُونُ عَطْفَ خاصٍّ لِلِاهْتِمامِ بِطَلَبِ غُفْرانِهِ، وتَمَحُّضُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ لِبَقِيَّةِ الذُّنُوبِ وهي الصَّغائِرُ. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإسْرافِ في الأمْرِ التَّقْصِيرُ في شَأْنِهِمْ ونِظامِهِمْ فِيما يَرْجِعُ إلى أُهْبَةِ القِتالِ، والِاسْتِعْدادِ لَهُ، أوِ الحَذَرِ مِنَ العَدُوِّ، وهَذا الظّاهِرُ مِن كَلِمَةِ أمْرٍ، بِأنْ يَكُونُوا شَكُّوا أنْ يَكُونَ ما أصابَهم مِن هَزِيمَتِهِمْ في الحَرْبِ مَعَ عَدُوِّهِمْ ناشِئًا عَنْ سَبَبَيْنِ: باطِنٍ وظاهِرٍ، فالباطِنُ هو غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ الذُّنُوبِ، والظّاهِرُ هو تَقْصِيرُهم في الِاسْتِعْدادِ والحَذَرِ، وهَذا أوْلى مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ. صفحة ١٢١ وقَوْلُهُ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ إعْلامٌ بِتَعْجِيلِ إجابَةِ دَعْوَتِهِمْ لِحُصُولِ خَيْرَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَثَوابُ الدُّنْيا هو الفَتْحُ والغَنِيمَةُ، وثَوابُ الآخِرَةِ هو ما كُتِبَ لَهم مِن حُسْنِ عاقِبَةِ الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ لِأنَّهُ خَيْرٌ وأبْقى، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الثَّوابِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ١٠٣] . وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ تَذْيِيلٌ أيْ يُحِبُّ كُلَّ مُحْسِنٍ، ومَوْقِعُ التَّذْيِيلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُتَحَدَّثَ عَنْهم هم مِنَ الَّذِينَ أحْسَنُوا، فاللّامُ لِلْجِنْسِ المُفِيدِ مَعْنى الِاسْتِغْراقِ، وهَذِهِ مِن أكْبَرِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ (ال) الجِنْسِيَّةَ إذا دَخَلَتْ عَلى جَمْعٍ أبْطَلَتْ مِنهُ مَعْنى الجَمْعِيَّةِ، وأنَّ الِاسْتِغْراقَ المُفادَ مِن (ال) إذا كانَ مَدْخُولُها مُفْرَدًا وجُمْلَةً سَواءٌ.

آل عمران 3:149

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم وهْوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ مِنَ التَّوْبِيخِ واللَّوْمِ والعِتابِ إلى التَّحْذِيرِ، لِيَتَوَسَّلَ مِنهُ إلى مُعاوَدَةِ التَّسْلِيَةِ، عَلى ما حَصَلَ مِنَ الهَزِيمَةِ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ كُلِّهِ، مِنَ الحَقائِقِ الحُكْمِيَّةِ والمَواعِظِ الأخْلاقِيَّةِ والعِبَرِ التّارِيخِيَّةِ، ما لا يُحْصِيهِ مُرِيدُ إحْصائِهِ. والطّاعَةُ تُطْلَقُ عَلى امْتِثالِ أمْرِ الآمِرِ وهو مَعْرُوفٌ، وعَلى الدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِ الغالِبِ، فَيُقالُ طاعَتْ قَبِيلَةُ كَذا وطَوَّعَ الجَيْشُ بِلادَ كَذا. (والَّذِينَ كَفَرُوا) شائِعٌ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ أنْ يُرادَ بِهِ المُشْرِكُونَ، واللَّفْظُ صالِحٌ بِالوَضْعِ لِكُلِّ كافِرٍ مِن مُشْرِكٍ وكِتابِيٍّ، مُظْهِرٌ أوْ مُنافِقٌ. والرَّدُّ عَلى الأعْقابِ: الِارْتِدادُ، والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِما عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أفَإينْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] فالظّاهِرُ أنَّهُ صفحة ١٢٢ أرادَ مِن هَذا الكَلامِ تَحْذِيرَ المُؤْمِنِينَ مِن أنْ يُخامِرَهم خاطِرُ الدُّخُولِ في صُلْحِ المُشْرِكِينَ وأمانِهِمْ، لِأنَّ في ذَلِكَ إظْهارَ الضَّعْفِ أمامَهم، والحاجَةَ إلَيْهِمْ، فَإذا مالُوا إلَيْهِمُ اسْتَدْرَجُوهم رُوَيْدًا رُوَيْدًا، بِإظْهارِ عَدَمِ كَراهِيَةِ دِينِهِمُ المُخالِفِ لَهم، حَتّى يَرُدُّوهم عَنْ دِينِهِمْ لِأنَّهم لَنْ يَرْضَوْا عَنْهم حَتّى يَرْجِعُوا إلى مِلَّتِهِمْ، فالرَّدُّ عَلى الأعْقابِ عَلى هَذا يَحْصُلُ بِالإخارَةِ والمَآلِ، وقَدْ وقَعَتْ هَذِهِ العِبْرَةُ في طاعَةِ مُسْلِمِي الأنْدَلُسِ لِطاغِيَةِ الجَلالِقَةِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ تَكُونُ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى تَسْفِيهِ رَأْيِ مَن قالَ لَوْ كَلَّمْنا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ يَأْخُذُ لَنا أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ . ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مِنَ الطّاعَةِ طاعَةُ القَوْلِ والإشارَةِ، أيِ الِامْتِثالُ، وذَلِكَ قَوْلُ المُنافِقِينَ لَهم: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيئًا ما قُتِلَ فارْجِعُوا إلى إخْوانِكم ومِلَّتِكم. ومَعْنى الرَّدِّ عَلى الأعْقابِ في هَذا الوَجْهِ أنَّهُ يَحْصُلُ مُباشَرَةً في حالِ طاعَتِهِمْ إيّاهم. وقَوْلُهُ ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ إضْرابٌ لِإبْطالِ ما تَضَمَّنَهُ ما قَبْلَهُ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ تَظْهَرُ المُناسَبَةُ غايَةَ الظُّهُورِ، لِأنَّ الطّاعَةَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ هي مِن قَبِيلِ المُوالاةِ والحَلِفِ فَناسَبَ إبْطالَها بِالتَّذْكِيرِ بِأنَّ مَوْلى المُؤْمِنِينَ هو اللَّهُ تَعالى، ولِهَذا التَّذْكِيرِ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ: وهو أنَّ نَقْضَ الوَلاءِ والحِلْفِ أمْرٌ عَظِيمٌ عِنْدَ العَرَبِ، فَإنَّ لِلْوَلاءِ عِنْدَهم شَأْنًا كَشَأْنِ النَّسَبِ، وهَذا مَعْنًى قَرَّرَهُ الإسْلامُ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ أوْ فَتْحِ مَكَّةَ مَنِ انْتَسَبَ إلى غَيْرِ أبِيهِ أوِ انْتَمى إلى غَيْرِ مَوالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ فَكَيْفَ إذا كانَ الوَلاءُ ولاءَ سَيِّدِ المُوالِي كُلِّهِمْ. وعَلى الوَجْهِ الثّانِي في مَعْنى ﴿إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تَكُونُ المُناسَبَةُ بِاعْتِبارِ ما في طاعَةِ المُنافِقِينَ مِن مُوالاتِهِمْ وتَرْكِ ولاءِ اللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ ﴿وهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ يُقَوِّي مُناسِبَةَ الوَجْهِ الأوَّلِ ويَزِيدُ إرادَتَهُ ظُهُورًا. و﴿خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ هو أفْضَلُ المَوْصُوفِينَ بِالوَصْفِ، فِيما يُرادُ مِنهُ، وفي مَوْقِعِهِ، وفائِدَتِهِ، فالنَّصْرُ يُقْصَدُ مِنهُ دَفْعُ الغَلَبِ عَنِ المَغْلُوبِ، فَمَتى كانَ الدَّفْعُ أقْطَعَ لِلْغالِبِ كانَ النَّصْرُ أفْضَلَ، ويُقْصَدُ مِنهُ دَفْعُ الظُّلْمِ فَمَتى كانَ النَّصْرُ صفحة ١٢٣ قاطِعًا لِظُلْمِ الظّالِمِ كانَ مَوْقِعُهُ أفْضَلَ، وفائِدَتُهُ أكْمَلَ، فالنَّصْرُ لا يَخْلُو مِن مِدْحَةٍ لِأنَّ فِيهِ ظُهُورَ الشُّجاعَةِ وإباءَ الضَّيْمِ والنَّجْدَةِ. قالَ ودّاكُ بْنُ ثُمَيْلٍ المازِنِيُّ: إذا اسْتَنْجَدُوا لَمْ يَسْألُوا مَن دَعاهُمُ لِأيَّةِ حَرْبٍ أمْ بِأيِّ مَكانِ ولَكِنَّهُ إذا كانَ تَأْيِيدًا لِظالِمٍ أوْ قاطِعِ طَرِيقٍ، كانَ فِيهِ دَخَلٌ ومَذَمَّةٌ، فَإذا كانَ إظْهارًا لِحَقِّ المُحِقِّ وإبْطالِ الباطِلِ، اسْتَكْمَلَ المَحْمَدَةَ، ولِذَلِكَ فَسَّرَ النَّبِيءُ ﷺ نَصْرَ الظّالِمِ بِما يُناسِبُ خُلُقَ الإسْلامِ لَمّا قالَ «انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أوْ مَظْلُومًا فَقالَ بَعْضُ القَوْمِ: هَذا أنْصُرُهُ إذا كانَ مَظْلُومًا فَكَيْفَ أنْصُرُهُ إذا كانَ ظالِمًا ؟ فَقالَ أنْ تَنْصُرَهُ عَلى نَفْسِهِ فَتَكُفُّهُ عَنْ ظُلْمِهِ» .

آل عمران 3:150

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم وهْوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ مِنَ التَّوْبِيخِ واللَّوْمِ والعِتابِ إلى التَّحْذِيرِ، لِيَتَوَسَّلَ مِنهُ إلى مُعاوَدَةِ التَّسْلِيَةِ، عَلى ما حَصَلَ مِنَ الهَزِيمَةِ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ كُلِّهِ، مِنَ الحَقائِقِ الحُكْمِيَّةِ والمَواعِظِ الأخْلاقِيَّةِ والعِبَرِ التّارِيخِيَّةِ، ما لا يُحْصِيهِ مُرِيدُ إحْصائِهِ. والطّاعَةُ تُطْلَقُ عَلى امْتِثالِ أمْرِ الآمِرِ وهو مَعْرُوفٌ، وعَلى الدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِ الغالِبِ، فَيُقالُ طاعَتْ قَبِيلَةُ كَذا وطَوَّعَ الجَيْشُ بِلادَ كَذا. (والَّذِينَ كَفَرُوا) شائِعٌ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ أنْ يُرادَ بِهِ المُشْرِكُونَ، واللَّفْظُ صالِحٌ بِالوَضْعِ لِكُلِّ كافِرٍ مِن مُشْرِكٍ وكِتابِيٍّ، مُظْهِرٌ أوْ مُنافِقٌ. والرَّدُّ عَلى الأعْقابِ: الِارْتِدادُ، والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِما عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أفَإينْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] فالظّاهِرُ أنَّهُ صفحة ١٢٢ أرادَ مِن هَذا الكَلامِ تَحْذِيرَ المُؤْمِنِينَ مِن أنْ يُخامِرَهم خاطِرُ الدُّخُولِ في صُلْحِ المُشْرِكِينَ وأمانِهِمْ، لِأنَّ في ذَلِكَ إظْهارَ الضَّعْفِ أمامَهم، والحاجَةَ إلَيْهِمْ، فَإذا مالُوا إلَيْهِمُ اسْتَدْرَجُوهم رُوَيْدًا رُوَيْدًا، بِإظْهارِ عَدَمِ كَراهِيَةِ دِينِهِمُ المُخالِفِ لَهم، حَتّى يَرُدُّوهم عَنْ دِينِهِمْ لِأنَّهم لَنْ يَرْضَوْا عَنْهم حَتّى يَرْجِعُوا إلى مِلَّتِهِمْ، فالرَّدُّ عَلى الأعْقابِ عَلى هَذا يَحْصُلُ بِالإخارَةِ والمَآلِ، وقَدْ وقَعَتْ هَذِهِ العِبْرَةُ في طاعَةِ مُسْلِمِي الأنْدَلُسِ لِطاغِيَةِ الجَلالِقَةِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ تَكُونُ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى تَسْفِيهِ رَأْيِ مَن قالَ لَوْ كَلَّمْنا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ يَأْخُذُ لَنا أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ . ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مِنَ الطّاعَةِ طاعَةُ القَوْلِ والإشارَةِ، أيِ الِامْتِثالُ، وذَلِكَ قَوْلُ المُنافِقِينَ لَهم: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيئًا ما قُتِلَ فارْجِعُوا إلى إخْوانِكم ومِلَّتِكم. ومَعْنى الرَّدِّ عَلى الأعْقابِ في هَذا الوَجْهِ أنَّهُ يَحْصُلُ مُباشَرَةً في حالِ طاعَتِهِمْ إيّاهم. وقَوْلُهُ ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ إضْرابٌ لِإبْطالِ ما تَضَمَّنَهُ ما قَبْلَهُ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ تَظْهَرُ المُناسَبَةُ غايَةَ الظُّهُورِ، لِأنَّ الطّاعَةَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ هي مِن قَبِيلِ المُوالاةِ والحَلِفِ فَناسَبَ إبْطالَها بِالتَّذْكِيرِ بِأنَّ مَوْلى المُؤْمِنِينَ هو اللَّهُ تَعالى، ولِهَذا التَّذْكِيرِ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ: وهو أنَّ نَقْضَ الوَلاءِ والحِلْفِ أمْرٌ عَظِيمٌ عِنْدَ العَرَبِ، فَإنَّ لِلْوَلاءِ عِنْدَهم شَأْنًا كَشَأْنِ النَّسَبِ، وهَذا مَعْنًى قَرَّرَهُ الإسْلامُ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ أوْ فَتْحِ مَكَّةَ مَنِ انْتَسَبَ إلى غَيْرِ أبِيهِ أوِ انْتَمى إلى غَيْرِ مَوالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ فَكَيْفَ إذا كانَ الوَلاءُ ولاءَ سَيِّدِ المُوالِي كُلِّهِمْ. وعَلى الوَجْهِ الثّانِي في مَعْنى ﴿إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تَكُونُ المُناسَبَةُ بِاعْتِبارِ ما في طاعَةِ المُنافِقِينَ مِن مُوالاتِهِمْ وتَرْكِ ولاءِ اللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ ﴿وهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ يُقَوِّي مُناسِبَةَ الوَجْهِ الأوَّلِ ويَزِيدُ إرادَتَهُ ظُهُورًا. و﴿خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ هو أفْضَلُ المَوْصُوفِينَ بِالوَصْفِ، فِيما يُرادُ مِنهُ، وفي مَوْقِعِهِ، وفائِدَتِهِ، فالنَّصْرُ يُقْصَدُ مِنهُ دَفْعُ الغَلَبِ عَنِ المَغْلُوبِ، فَمَتى كانَ الدَّفْعُ أقْطَعَ لِلْغالِبِ كانَ النَّصْرُ أفْضَلَ، ويُقْصَدُ مِنهُ دَفْعُ الظُّلْمِ فَمَتى كانَ النَّصْرُ صفحة ١٢٣ قاطِعًا لِظُلْمِ الظّالِمِ كانَ مَوْقِعُهُ أفْضَلَ، وفائِدَتُهُ أكْمَلَ، فالنَّصْرُ لا يَخْلُو مِن مِدْحَةٍ لِأنَّ فِيهِ ظُهُورَ الشُّجاعَةِ وإباءَ الضَّيْمِ والنَّجْدَةِ. قالَ ودّاكُ بْنُ ثُمَيْلٍ المازِنِيُّ: إذا اسْتَنْجَدُوا لَمْ يَسْألُوا مَن دَعاهُمُ لِأيَّةِ حَرْبٍ أمْ بِأيِّ مَكانِ ولَكِنَّهُ إذا كانَ تَأْيِيدًا لِظالِمٍ أوْ قاطِعِ طَرِيقٍ، كانَ فِيهِ دَخَلٌ ومَذَمَّةٌ، فَإذا كانَ إظْهارًا لِحَقِّ المُحِقِّ وإبْطالِ الباطِلِ، اسْتَكْمَلَ المَحْمَدَةَ، ولِذَلِكَ فَسَّرَ النَّبِيءُ ﷺ نَصْرَ الظّالِمِ بِما يُناسِبُ خُلُقَ الإسْلامِ لَمّا قالَ «انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أوْ مَظْلُومًا فَقالَ بَعْضُ القَوْمِ: هَذا أنْصُرُهُ إذا كانَ مَظْلُومًا فَكَيْفَ أنْصُرُهُ إذا كانَ ظالِمًا ؟ فَقالَ أنْ تَنْصُرَهُ عَلى نَفْسِهِ فَتَكُفُّهُ عَنْ ظُلْمِهِ» .

آل عمران 3:151

﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ومَأْواهُمُ النّارُ وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ﴾ . رُجُوعٌ إلى تَسْلِيَةِ المُؤْمِنِينَ، وتَطْمِينِهِمْ، ووَعْدِهِمْ بِالنَّصْرِ عَلى العَدُوِّ. والإلْقاءُ حَقِيقَتُهُ رَمْيُ شَيْءٍ عَلى الأرْضِ ﴿فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهُمْ﴾ [الشعراء: ٤٤]، أوْ في الماءِ ﴿فَألْقِيهِ في اليَمِّ﴾ [القصص: ٧] ويُطْلَقُ عَلى الإفْضاءِ بِالكَلامِ ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ [الشعراء: ٢٢٣] وعَلى حُصُولِ الشَّيْءِ في النَّفْسِ كَأنَّ مُلْقِيًا ألْقاهُ أيْ مِن غَيْرِ سَبْقِ تَهَيُّؤٍ وألْقَيْنا العَداوَةَ والبَغْضاءَ وهو هُنا مَجازٌ في الجَعْلِ والتَّكْوِينِ كَقَوْلِهِ ﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الأحزاب: ٢٦] . والرُّعْبُ: الفَزَعُ مِن شِدَّةِ خَوْفٍ، وفِيهِ لُغَتانِ الرُّعْبُ - بِسُكُونِ العَيْنِ - والرُّعُبُ - بِضَمِّ العَيْنِ - وقَرَأهُ الجُمْهُورُ - بِسُكُونِ العَيْنِ - وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ - بِضَمِّ العَيْنِ - والباءُ في قَوْلِهِ ﴿بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ لِلْعِوَضِ وتُسَمّى باءَ المُقابَلَةِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: هَذِهِ بِتِلْكَ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾ [المائدة: ٣٨]، وهَذا جَزاءٌ دُنْيَوِيٌّ رَتَّبَهُ صفحة ١٢٤ اللَّهُ تَعالى عَلى الإشْراكِ بِهِ، ومِن حِكْمَتِهِ تَعالى أنْ رَتَّبَ عَلى الأُمُورِ الخَبِيثَةِ آثارًا خَبِيثَةً، فَإنَّ الشِّرْكَ لَمّا كانَ اعْتِقادَ تَأْثِيرِ مَن لا تَأْثِيرَ لَهُ، وكانَ ذَلِكَ الِاعْتِقادُ يَرْتَكِزُ في نُفُوسِ مُعْتَقَدِيهِ عَلى غَيْرِ دَلِيلٍ، كانَ مِن شَأْنِ مُعْتَقِدِهِ أنْ يَكُونَ مُضْطَرِبَ النَّفْسِ مُتَحَيِّرًا في العاقِبَةِ في تَغَلُّبِ بَعْضِ الآلِهَةِ عَلى بَعْضٍ، فَيَكُونُ لِكُلِّ قَوْمٍ صَنَمٌ هم أخَصُّ بِهِ، وهم في تِلْكَ الحالَةِ يَعْتَقِدُونَ أنَّ لِغَيْرِهِ مِنَ الأصْنامِ مِثْلُ ما لَهُ مِنَ القُدْرَةِ والغَيْرَةِ. فَلا تَزالُ آلِهَتُهم في مُغالَبَةٍ ومُنافَرَةٍ. كَما لا يَزالُ أتْباعُهم كَذَلِكَ، والَّذِينَ حالُهم كَما وصَفْنا لا يَسْتَقِرُّ لَهم قَرارٌ في الثِّقَةِ بِالنَّصْرِ في حُرُوبِهِمْ، إذْ هم لا يَدْرُونَ هَلِ الرِّبْحُ مَعَ آلِهَتِهِمْ أمْ مَعَ أضْدادِها، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ صِلَةٌ أُجْرِيَتْ عَلى المُشْرِكِ بِهِ لَيْسَ القَصْدُ بِها تَعْرِيفُ الشُّرَكاءِ، ولَكِنْ قُصِدَ بِها الإيماءُ إلى أنَّهُ مِن أسْبابِ إلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ، إذْ هم عَلى غَيْرِ يَقِينٍ فِيما أشْرَكُوا واعْتَقَدُوا، فَقُلُوبُهم وجِلَةٌ مُتَزَلْزِلَةٌ، إذْ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ الشُّرَكاءَ يَسْتَحِيلُ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ سُلْطانٌ. فَإنْ قُلْتَ: ما ذَكَرْتَهُ يَقْتَضِي أنَّ الشِّرْكَ سَبَبٌ في إلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ أهْلِهِ، فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الرُّعْبُ نازِلًا في قُلُوبِهِمْ مِن قَبْلِ هَذِهِ الوَقْعَةِ، واللَّهُ يَقُولُ (سَنُلْقِي) أيْ في المُسْتَقْبَلِ، قُلْتُ: هو كَذَلِكَ إلّا أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ تَسْتَكِنُّ في النُّفُوسِ حَتّى يَدْعُوَ داعِي ظُهُورِها، فالرُّعْبُ والشَّجاعَةُ صِفَتانِ لا تَظْهَرانِ إلّا عِنْدَ القِتالِ، وتَقْوَيانِ وتَضْعُفانِ، فالشُّجاعُ تَزِيدُ شَجاعَتُهُ بِتَكَرُّرِ الِانْتِصارِ، وقَدْ يَنْزَوِي قَلِيلًا إذا انْهَزَمَ ثُمَّ تَعُودُ لَهُ صِفَتُهُ سَرْعى. كَما وصَفَهُ عَمْرُو بْنُ الإطْنابَةَ في قَوْلِهِ: وقُولِي كُلَّما جَشَأتْ وجاشَتْ مَكانَكِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحِي وقَوْلِ الحُصَيْنِ بْنِ الحُمامِ: تَأخَّرْتُ أسْتَبْقِي الحَياةَ فَلَمْ أجِدْ ∗∗∗ لِنَفْسَيْ حَياةً مِثْلَ أنْ أتَقَدَّما وكَذَلِكَ الرُّعْبُ والجُبْنُ قَدْ يَضْعُفُ عِنْدَ حُصُولِ بارِقَةِ انْتِصارٍ، فالمُشْرِكُونَ لَمّا انْهَزَمُوا بادِئَ الأمْرِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَّتْ عَزِيمَتُهم، ثُمَّ لَمّا ابْتَلى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِالهَزِيمَةِ راجَعَهم شَيْءٌ مِنَ الشَّجاعَةِ والِازْدِهاءِ، ولَكِنَّهم بَعْدَ انْصِرافِهِمْ صفحة ١٢٥ عاوَدَتْهُ صِفاتُهم، وتَأْبى الطِّباعُ عَلى النّاقِلِ . فَقَوْلُهُ (سَنُلْقِي) أيْ إلْقاءَ إعادَةِ الصِّفَةِ إلى النُّفُوسِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ السِّينَ فِيهِ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ أيْ ألْقَيْنا ونُلْقِي، ويَنْدَفِعُ الإشْكالُ. وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا أنَّ هَذا الرُّعْبَ كانَتْ لَهُ مَظاهِرُ: مِنها أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا انْتَصَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ كانَ في مُكْنَتِهِمْ أنْ يُوغِلُوا في اسْتِيصالِهِمْ إلّا أنَّ الرُّعْبَ صَدَّهم عَنْ ذَلِكَ، لِأنَّهم لَمّا انْصَرَفُوا قاصِدِينَ الرُّجُوعَ إلىمَكَّةَ عَنَّ لَهم في الطَّرِيقِ نَدَمٌ، وقالُوا: لَوْ رَجَعْنا فاقْتَفَيْنا آثارَ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ، فَإنّا قَتَلْناهم ولَمْ يَبْقَ إلّا الفَلُّ والطَّرِيدُ، فَلْنَرْجِعْ إلَيْهِمْ حَتّى نَسْتَأْصِلَهم، وبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيءَ ﷺ فَنَدَبَ المُسْلِمِينَ إلى لِقائِهِمْ، فانْتَدَبُوا، وكانُوا في غايَةِ الضَّعْفِ ومُثْقَلِينَ بِالجِراحَةِ، حَتّى قِيلَ: إنَّ الواحِدَ مِنهم كانَ يَحْمِلُ الآخَرَ ثُمَّ يَنْزِلُ المَحْمُولُ فَيَحْمِلُ الَّذِي كانَ حامِلَهُ، فَقَيَّضَ اللَّهُ مَعْبَدَ بْنَ أبِي مَعْبَدٍ الخُزاعِيَّ وهو كافِرٌ فَجاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ إنَّ خُزاعَةَ قَدْ ساءَها ما أصابَكَ ولَوَدِدْنا أنَّكَ لَمْ تُرْزَأْ في أصْحابِكَ ثُمَّ لَحِقَ مَعْبَدٌ بِقُرَيْشٍ فَأدْرَكَهم بِالرَّوْحاءِ قَدْ أجْمَعُوا الرَّجْعَةَ إلى قِتالِ المُسْلِمِينَ فَقالَ لَهُ أبُو سُفْيانَ: ما وراءَكَ يا مَعْبَدُ، قالَ: مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ قَدْ خَرَجُوا يَطْلُبُونَكم في جَمْعٍ لَمْ أرَ مِثْلَهُ قَطُّ، يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكم، قَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ مَن كانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فَقالَ: ويْلَكَ، ما تَقُولُ ؟ قالَ: ما أرى أنَّكَ تَرْتَحِلُ حَتّى تَرى نَواصِيَ الخَيْلِ ولَقَدْ حَمَلَنِي ما رَأيْتُ مِنهُ عَلى أنْ قُلْتُ فِيهِ: كادَتْ تُهَدُّ مِنَ الأصْواتِ راحِلَتِي ∗∗∗ إذْ سالَتِ الأرْضُ بِالجُرْدِ الأبابِيلِ تَرْدِي بِأسْدٍ كِرامٍ لا تَنابِلَةٍ ∗∗∗ عِنْدَ اللِّقاءِ ولا مَيْلٍ مَعازِيلِ فَظَلْتُ أعْدُو أظُنُّ الأرْضَ مائِلَةً ∗∗∗ لَمّا سَمَوْا بِرَئِيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ فَوَقَعَ الرُّعْبُ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ وقالَ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ: لا تَرْجِعُوا فَإنِّي أرى أنَّهُ سَيَكُونُ لِلْقَوْمِ قِتالٌ غَيْرُ الَّذِي كانَ. صفحة ١٢٦ وقَوْلُهُ ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ أيْ ما لا سُلْطانَ لَهُ. والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ والبُرْهانُ لِأنَّهُ يَتَسَلَّطُ عَلى النَّفْسِ، ونُفِيَ تَنْزِيلُهُ وأُرِيدَ نَفْيُ وجُودِهِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ لِنَزَلَ أيْ لَأوْحى اللَّهُ بِهِ إلى النّاسِ، لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُمِ النّاسَ الإرْشادَ إلى ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنِ اعْتِقادٍ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ، فالتَّنْزِيلُ إمّا بِمَعْنى الوَحْيِ، وإمّا بِمَعْنى نَصْبِ الأدِلَّةِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِمْ: نَزَلَتِ الحِكْمَةُ عَلى ألْسِنَةِ العَرَبِ وعُقُولِ الفُرْسِ وأيْدِي الصِّينِ، ولَمّا كانَ الحَقُّ لا يَعْدُو هَذَيْنِ الحالَيْنِ: لِأنَّهُ إمّا أنْ يُعْلَمَ بِالوَحْيِ، أوْ بِالأماراتِ، كانَ نَفْيُ تَنْزِيلِ السُّلْطانِ عَلى الإشْراكِ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ السُّلْطانِ نَفْسِهِ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ الَّذِي لا يُعْرَفُ اسْمُهُ: لا تُفْزِعُ الأرْنَبَ أهْوالُها ∗∗∗ ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرْ وقَوْلُهُ ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾ ذَكَرَ عِقابَهم في الآخِرَةِ. والمَأْوى مَفْعَلٌ مِن أوى إلى كَذا إذا ذَهَبَ إلَيْهِ، والمَثْوى مَفْعَلٌ مِن ثَوى إذا أقامَ، فالنّارُ مَصِيرُهم ومَقَرُّهم والمُرادُ المُشْرِكُونَ.

آل عمران 3:152

﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحَسُّونَهم بِإذْنِهِ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهم لِيَبْتَلِيَكم ولَقَدْ عَفا عَنْكم واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ . ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١] وهَذا عَوْدٌ إلى التَّسْلِيَةِ عَلى ما أصابَهم، وإظْهارٌ لِاسْتِمْرارِ عِنايَةِ اللَّهِ تَعالى بِالمُؤْمِنِينَ، ورَمَزَ إلى الثِّقَةِ بِوَعْدِهِمْ بِإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، وتَبْيِينٍ لِسَبَبِ هَزِيمَةِ المُسْلِمِينَ: تَطْمِينًا لَهم بِذِكْرِ نَظِيرِهِ ومُماثِلِهِ السّابِقِ، فَإنَّ لِذَلِكَ مَوْقِعًا عَظِيمًا في الكَلامِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ (التّارِيخُ يُعِيدُ نَفْسَهُ) ولِيَتَوَسَّلَ صفحة ١٢٧ بِذَلِكَ إلى إلْقاءِ تَبِعَةِ الهَزِيمَةِ عَلَيْهِمْ، وأنَّ اللَّهَ لَمْ يُخْلِفْهم وعْدَهُ، ولَكِنَّ سُوءَ صَنِيعِهِمْ أوْقَعَهم في المُصِيبَةِ كَقَوْلِهِ ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] . وصِدْقُ الوَعْدِ: تَحْقِيقُهُ والوَفاءُ بِهِ، لِأنَّ مَعْنى الصِّدْقِ مُطابَقَةُ الخَبَرِ لِلْواقِعِ، وقَدْ عُدِّيَ صَدَقَ هُنا إلى مَفْعُولَيْنِ، وحَقُّهُ أنْ لا يَتَعَدّى إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأحْزابِ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] يُقالُ: صَدَقَنِي أخُوكَ وكَذَبَنِي إذا قالَ لَكَ الصِّدْقَ والكَذِبَ، وأمّا المَثَلُ (صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ) فَمَعْناهُ صَدَقَنِي في سِنِّ بَكْرِهِ بِطَرْحِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ. فَنُصِبَ وعْدُهُ هُنا عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، وأصْلُ الكَلامِ صَدَقَكم في وعْدِهِ، أوْ عَلى تَضْمِينِ صَدَقَ مَعْنى أعْطى. والوَعْدُ هُنا وعْدُ النَّصْرِ الواقِعِ بِمِثْلِ قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] أوْ بِخَبَرٍ خاصٍّ في يَوْمِ أُحُدٍ. وإذْنُ اللَّهِ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ وتَيْسِيرِ الأسْبابِ. وإذْ في قَوْلِهِ: (إذْ تَحُسُّونَهم) نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِقَوْلِهِ صَدَقَكم أيْ: صَدَقَكُمُ اللَّهُ الوَعْدَ حِينَ كُنْتُمْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ فَإنَّ ذَلِكَ الحِسَّ تَحْقِيقٌ لِوَعْدِ اللَّهِ إيّاهم بِالنَّصْرِ، وإذْ فِيهِ لِلْمُضِيِّ، وأُتِيَ بَعْدَها بِالمُضارِعِ لِإفادَةِ التَّجَدُّدِ أيْ لِحِكايَةِ تَجَدُّدِ الحَسِّ في الماضِي. والحَسُّ - بِفَتْحِ الحاءِ - القَتْلُ أطْلَقَهُ أكْثَرُ اللُّغَوِيِّينَ، وقَيَّدَهُ في الكَشّافِ بِالقَتْلِ الذَّرِيعِ، وهو أصْوَبُ. وقَوْلُهُ ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ حَتّى حَرْفُ انْتِهاءٍ وغايَةٍ، يُفِيدُ أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها غايَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فالمَعْنى: إذْ تَقْتُلُونَهم بِتَيْسِيرِ اللَّهِ، واسْتَمَرَّ قَتْلُكم إيّاهم إلى حُصُولِ الفَشَلِ لَكم والتَّنازُعِ بَيْنَكم. وحَتّى هُنا جارَّةٌ وإذا مَجْرُورٌ بِها. صفحة ١٢٨ وإذا اسْمُ زَمانٍ، وهو في الغالِبِ لِلزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ وقَدْ يَخْرُجُ عَنْهُ إلى الزَّمانِ مُطْلَقًا كَما هُنا، ولَعَلَّ نُكْتَةَ ذَلِكَ أنَّهُ أُرِيدَ اسْتِحْضارُ الحالَةِ العَجِيبَةِ تَبَعًا لِقَوْلِهِ تَحُسُّونَهم. وإذا هُنا مُجَرَّدَةٌ عَنْ مَعْنى الشَّرْطِ لِأنَّها إذا صارَتْ لِلْمُضِيِّ انْسَلَخَتْ عَنِ الصَّلاحِيَةِ لِلشَّرْطِيَّةِ، إذِ الشَّرْطُ لا يَكُونُ ماضِيًا إلّا بِتَأْوِيلٍ لِذَلِكَ فَهي غَيْرُ مُحْتاجَةٍ لِجَوابٍ فَلا فائِدَةَ في تَكَلُّفِ تَقْدِيرِهِ: انْقَسَمْتُمْ، ولا إلى جَعْلِ الكَلامِ بَعْدَها دَلِيلًا عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا﴾ إلى آخِرِها. والفَشَلُ: الوَهَنُ والإعْياءُ، والتَّنازُعُ: التَّخالُفُ، والمُرادُ بِالعِصْيانِ هُنا عِصْيانُ أمْرِ الرَّسُولِ، وقَدْ رُتِّبَتِ الفِعالُ الثَّلاثَةُ في الآيَةِ عَلى حَسْبِ تَرْتِيبِها في الحُصُولِ، إذْ كانَ الفَشَلُ، وهو ضَجَرُ بَعْضِ الرُّماةِ مِن مُلازَمَةِ مَوْقِفِهِمْ لِلطَّمَعِ في الغَنِيمَةِ، قَدْ حَصَلَ أوَّلًا فَنَشَأ عَنْهُ التَّنازُعُ بَيْنَهم في مُلازَمَةِ المَوْقِفِ وفي اللَّحاقِ بِالجَيْشِ لِلْغَنِيمَةِ، ونَشَأ عَنِ التَّنازُعِ تَصْمِيمُ مُعْظَمِهِمْ عَلى مُفارَقَةِ المَوْقِفِ الَّذِي أمَرَهُمُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِمُلازَمَتِهِ وعَدَمِ الِانْصِرافِ مِنهُ، وهَذا هو الأصْلُ في تَرْتِيبِ الأخْبارِ في صِناعَةِ الإنْشاءِ ما لَمْ يَقْتَضِ الحالُ العُدُولَ عَنْهُ. والتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ في الأمْرِ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ في أمْرِكم أيْ شَأْنِكم. ومَعْنى ﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾ أرادَ بِهِ النَّصْرَ إذْ كانَتِ الرِّيحُ أوَّلَ يَوْمِ أُحُدٍ لِلْمُسْلِمِينَ، فَهَزَمُوا المُشْرِكِينَ، ووَلَّوُا الأدْبارَ، حَتّى شُوهِدَتْ نِساؤُهم مُشَمِّراتٍ عَنْ سُوقِهِنَّ في أعْلى الجَبَلِ هارِباتٍ مِنَ الأسْرِ، وفِيهِنَّ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ امْرَأةُ أبِي سُفْيانَ، فَلَمّا رَأى الرُّماةُ الَّذِينَ أمَرَهُمُ الرَّسُولُ أنْ يَثْبُتُوا لِحِمايَةِ ظُهُورِ المُسْلِمِينَ، الغَنِيمَةَ، التَحَقُوا بِالغُزاةِ، فَرَأى خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وهو قائِدُ خَيْلِ المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ، غِرَّةً مِنَ المُسْلِمِينَ فَأتاهم مِن ورائِهِمْ فانْكَشَفُوا واضْطَرَبَ بَعْضُهم في بَعْضٍ وبادَرُوا الفِرارَ وانْهَزَمُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾ فَيَكُونُ المَجْرُورُ مُتَعَلِّقًا بِفَشَلِهِمْ. والكَلامُ عَلى هَذا تَشْدِيدٌ في المَلامِ والتَّنْدِيمِ. صفحة ١٢٩ والأظْهَرُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ مَعْنى ما تُحِبُّونَ هو الغَنِيمَةُ فَإنَّ المالَ مَحْبُوبٌ، فَيَكُونُ المَجْرُورُ يَتَنازَعُهُ كُلٌّ مِن فَشِلْتُمْ، وتَنازَعْتُمْ، وعَصَيْتُمْ، وعَدَلَ عَنْ ذِكْرِ الغَنِيمَةِ بِاسْمِها، إلى المَوْصُولِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم عَجِلُوا في طَلَبِ المالِ المَحْبُوبِ، والكَلامُ عَلى هَذا تَمْهِيدٌ لِبِساطِ المَعْذِرَةِ إذْ كانَ فَشَلُهم وتَنازُعُهم وعِصْيانُهم عَنْ سَبَبٍ مِن أغْراضِ الحَرْبِ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِ ﴿إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ جُبْنٍ، ولا عَنْ ضَعْفِ إيمانٍ، أوْ قَصْدِ خِذْلانِ المُسْلِمِينَ، وكُلُّهُ تَمْهِيدٌ لِما يَأْتِي مِن قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ . وقَوْلُهُ ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ تَفْصِيلٌ لِ (تَنازَعْتُمْ)، وتَبْيِينٌ لِ (عَصَيْتُمْ)، وتَخْصِيصٌ لَهُ بِأنَّ العاصِينَ بَعْضُ المُخاطَبِينَ المُتَنازِعِينَ إذِ الَّذِينَ أرادُوا الآخِرَةَ لَيْسُوا بِعاصِينَ، ولِذَلِكَ أُخِّرَتْ هاتِهِ الجُمْلَةُ إلى بَعْدِ الفِعْلَيْنِ، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُعَقِّبَ بِها قَوْلَهُ ﴿وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ وفي هَذا المَوْضِعِ لِلْجُمْلَةِ ما أغْنى عَنْ ذِكْرِ ثَلاثِ جُمَلٍ وهَذا مِن أبْدَعِ وُجُوهِ الإعْجازِ، والقَرِينَةُ واضِحَةٌ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا﴾ إرادَةُ نِعْمَةِ الدُّنْيا وخَيْرِها، وهي الغَنِيمَةُ، لِأنَّ مَن أرادَ الغَنِيمَةَ لَمْ يَحْرِصْ عَلى ثَوابِ الِامْتِثالِ لِأمْرِ الرَّسُولِ بِدُونِ تَأْوِيلٍ، ولَيْسَ هو مُفَرِّطًا في الآخِرَةِ مُطْلَقًا، ولا حاسِبًا تَحْصِيلَ خَيْرِ الدُّنْيا في فِعْلِهِ ذَلِكَ مُفِيتًا عَلَيْهِ ثَوابَ الآخِرَةِ في غَيْرِ ذَلِكَ الفِعْلِ، فَلَيْسَ في هَذا الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الفَرِيقَ الَّذِينَ أرادُوا ثَوابَ الدُّنْيا قَدِ ارْتَدُّوا عَنِ الإيمانِ حِينَئِذٍ، إذْ لَيْسَ الحِرْصُ عَلى تَحْصِيلِ فائِدَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ مِن فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ، مَعَ عَدَمِ الحِرْصِ عَلى تَحْصِيلِ ثَوابِ الآخِرَةِ مِن ذَلِكَ الفِعْلِ بِدالٍّ عَلى اسْتِخْفافٍ بِالآخِرَةِ، وإنْكارٍ لَها، كَما هو بَيِّنٌ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ: مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا فَقَطْ. وإنَّما سُمِّيَتْ مُخالَفَةُ مَن خالَفَ أمْرَ الرَّسُولِ عِصْيانًا، مَعَ أنَّ تِلْكَ المُخالَفَةَ كانَتْ عَنِ اجْتِهادٍ لا عَنِ اسْتِخْفافٍ، إذْ كانُوا قالُوا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ أمَرَنا بِالثَّباتِ هُنا لِحِمايَةِ ظُهُورِ المُسْلِمِينَ، فَلَمّا نَصَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ فَما لَنا ولِلْوُقُوفِ هُنا حَتّى تَفُوتَنا الغَنائِمُ، فَكانُوا مُتَأوِّلِينَ، فَإنَّما سُمِّيَتْ هُنا صفحة ١٣٠ عِصْيانًا لِأنَّ المَقامَ لَيْسَ مَقامَ اجْتِهادٍ، فَإنَّ شَأْنَ الحَرْبِ الطّاعَةُ لِلْقائِدِ مِن دُونِ تَأْوِيلٍ، أوْ لِأنَّ التَّأْوِيلَ كانَ بَعِيدًا فَلَمْ يُعْذَرُوا فِيهِ، أوْ لِأنَّهُ كانَ تَأْوِيلًا لِإرْضاءِ حُبِّ المالِ، فَلَمْ يَكُنْ مُكافِئًا لِدَلِيلِ وُجُوبِ طاعَةِ الرَّسُولِ. وإنَّما قالَ ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهم لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الصَّرْفَ بِإذْنِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، كَما كانَ القَتْلُ بِإذْنِ اللَّهِ وأنَّ حِكْمَتَهُ الِابْتِلاءُ، لِيَظْهَرَ لِلرَّسُولِ ولِلنّاسِ مَن ثَبَتَ عَلى الإيمانِ مِن غَيْرِهِ، ولِأنَّ في الِابْتِلاءِ أسْرارًا عَظِيمَةً في المُحاسَبَةِ بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ سُبْحانَهُ وقَدْ أجْمَلَ هَذا الِابْتِلاءَ هُنا وسَيُبَيِّنُهُ. وعَقَّبَ هَذا المَلامَ بِقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ تَسْكِينًا لِخَواطِرِهِمْ، وفي ذَلِكَ تَلَطُّفٌ مَعَهم عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَقْرِيعِ المُؤْمِنِينَ، وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ تَقْدِيمُ العَفْوِ عَلى المَلامِ في مَلامِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ تَعالى ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] . فَتِلْكَ رُتْبَةٌ أشْرَفُ مِن رُتْبَةِ تَعْقِيبِ المَلامِ بِذِكْرِ العَفْوِ، وفِيهِ أيْضًا دَلالَةٌ عَلى صِدْقِ إيمانِهِمْ إذْ عَجَّلَ لَهُمُ الإعْلامَ بِالعَفْوِ لِكَيْلا تَطِيرَ نُفُوسُهم رَهْبَةً وخَوْفًا مِن غَضَبِ اللَّهِ تَعالى. وفِي تَذْيِيلِهِ بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ تَأْكِيدُ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ والظّاهِرُ أنَّهُ عَفْوٌ لِأجْلِ التَّأْوِيلِ. فَلا يَحْتاجُ إلى التَّوْبَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَفْوًا بَعْدَما ظَهَرَ مِنهم مِنَ النَّدَمِ والتَّوْبَةِ، ولِأجْلِ هَذا الِاحْتِمالِ لَمْ تَكُنِ الآيَةُ صالِحَةً لِلِاسْتِدْلالِ عَلى الخَوارِجِ والمُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ بِأنَّ المَعْصِيَةَ تَسْلُبُ الإيمانَ.

آل عمران 3:153

﴿إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكم فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكم واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ . صفحة ١٣١ ﴿إذْ تُصْعِدُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿صَرَفَكم عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] أيْ دَفَعَكم عَنِ المُشْرِكِينَ حِينَ أنْتُمْ مُصْعِدُونَ. والإصْعادُ: الذَّهابُ في الأرْضِ لِأنَّ الأرْضَ تُسَمّى صَعِيدًا، قالَ جَعْفَرُ بْنُ عُلْبَةَ: هَوايَ مَعَ الرَّكْبِ اليَمانِينَ مُصْعِدٌ والإصْعادُ أيْضًا السَّيْرُ في الوادِي، قالَ قَتادَةُ والرَّبِيعُ: أصْعِدُوا يَوْمَ أُحُدٍ في الوادِي. والمَعْنى: تَفِرُّونَ مُصْعِدِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: تَذْهَبُونَ في الأرْضِ أيْ فِرارًا، إذْ ظَرْفٌ لِلزَّمانِ الَّذِي عَقِبَ صَرْفَ اللَّهِ إيّاهم وكانَ مِن آثارِهِ. ﴿ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ﴾ أيْ في هَذِهِ الحالَةِ. واللَّيُّ مَجازٌ بِمَعْنى الرَّحْمَةِ والرِّفْقُ مِثْلُ العَطْفِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ، فالمَعْنى ولا يَلْوِي أحَدٌ عَنْ أحَدٍ فَأُوجِزَ بِالحَذْفِ، والمُرادُ عَلى أحَدٍ مِنكم، يَعْنِي: فَرَرْتُمْ لا يَرْحَمُ أحَدٌ أحَدًا ولا يَرْفُقُ بِهِ، وهَذا تَمْثِيلٌ لِلْجِدِّ في الهُرُوبِ حَتّى إنَّ الواحِدَ لِيَدُوسَ الآخَرَ لَوْ تَعَرَّضَ في طَرِيقِهِ. وجُمْلَةُ ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكُمْ﴾ حالٌ، والأُخْرى آخِرُ الجَيْشِ أيْ مِن ورائِكم. ودُعاءُ الرَّسُولِ دُعاؤُهُ إيّاهم لِلثَّباتِ والرُّجُوعِ عَنِ الهَزِيمَةِ، وهَذا هو دُعاءُ الرَّسُولِ النّاسَ بِقَوْلِهِ «إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ مَن يَكُرُّ فَلَهُ الجَنَّةُ» . وقَوْلُهُ ﴿فَأثابَكم غَمًّا﴾ إنْ كانَ ضَمِيرُ فَأثابَكم ضَمِيرَ اسْمِ الجَلالَةِ، وهو الأظْهَرُ والمُوافِقُ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ﴾ [آل عمران: ١٥٤] فَهو عَطْفٌ عَلى صَرَفَكم أيْ تَرَتَّبَ عَلى الصَّرْفِ إثابَتُكم. وأصْلُ الإثابَةِ إعْطاءُ الثَّوابِ وهو شَيْءٌ يَكُونُ جَزاءً عَلى عَطاءٍ أوْ فِعْلٍ. والغَمُّ لَيْسَ بِخَيْرٍ، فَيَكُونُ أثابَكم إمّا اسْتِعارَةً تَهَكُّمِيَّةً كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: قَرَيْناكم فَعَجَّلْنا قِراكم ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْداةً طَحُونًا أيْ جازاكُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ الإصْعادِ المُقارِنِ لِلصَّرْفِ أنْ أثابَكم غَمًّا أيْ قَلَقًا لَكم في نُفُوسِكم، والمُرادُ أنْ عاقَبَكم بِغَمٍّ كَقَوْلِهِ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] صفحة ١٣٢ وفِي هَذا الوَجْهِ بُعْدٌ: لِأنَّ المَقامَ مَقامُ مَلامٍ لا تَوْبِيخٍ، ومَقامُ مَعْذِرَةٍ لا تَنْدِيمٍ، وإمّا مُشاكَلَةٌ تَقْدِيرِيَّةٌ لِأنَّهم لَمّا خَرَجُوا لِلْحَرْبِ خَرَجُوا طالِبِينَ الثَّوابَ، فَسَلَكُوا مَسالِكَ باءُوا مَعَها بِعِقابٍ فَيَكُونُ كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: أخافُ زِيادًا أنْ يَكُونَ عَطاؤُهُ ∗∗∗ أداهِمَ سُودًا أوْ مُحَدْرَجَةً سُمْرا وقَوْلِ الآخَرِ: قُلْتُ: اطْبُخُوا لِي جُبَّةً وقَمِيصًا ونُكْتَةُ هَذِهِ المُشاكَلَةِ أنْ يُتَوَصَّلَ بِها إلى الكَلامِ عَلى ما نَشَأ عَنْ هَذا الغَمِّ مِن عِبْرَةٍ، ومِن عِنايَةِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِمْ بَعْدَهُ. والباءُ في قَوْلِهِ بِغَمٍّ لِلْمُصاحَبَةِ أيْ غَمًّا مَعَ غَمٍّ، وهو جُمْلَةُ الغُمُومِ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ مِن خَيْبَةِ الأمَلِ في النَّصْرِ بَعْدَ ظُهُورِ بَوارِقِهِ، ومِنَ الِانْهِزامِ، ومِن قَتْلِ مَن قُتِلَ، وجَرْحِ مَن جُرِحَ، ويَجُوزُ كَوْنُ الباءِ لِلْعِوَضِ، أيْ: جازاكُمُ اللَّهُ غَمًّا في نُفُوسِكم عِوَضًا عَنِ الغَمِّ الَّذِي نَسَبْتُمْ فِيهِ لِلرَّسُولِ وإنْ كانَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ فَأثابَكم عائِدًا إلى الرَّسُولِ في قَوْلِهِ والرَّسُولُ يَدْعُوكم، وفِيهِ بُعْدٌ، فالإثابَةُ مَجازٌ في مُقابَلَةِ فِعْلِ الجَمِيلِ بِمِثْلِهِ أيْ جازاكم بِغَمٍّ. والباءُ في قَوْلِهِ بِغَمٍّ باءُ العِوَضِ. والغَمُّ الأوَّلُ غَمُّ نَفْسِ الرَّسُولِ، والغَمُّ الثّانِي غَمُّ المُسْلِمِينَ، والمَعْنى أنَّ الرَّسُولَ اغْتَمَّ وحَزِنَ لِما أصابَكم، كَما اغْتَمَمْتُمْ لِما شاعَ مِن قَتْلِهِ فَكانَ غَمُّهُ لِأجْلِكم جَزاءً عَلى غَمِّكم لِأجْلِهِ. وقَوْلُهُ ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ أوَّلُ لِـ (أثابَكم) أيْ ألْهاكم بِذَلِكَ الغَمِّ لِئَلّا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم مِنَ الغَنِيمَةِ، وما أصابَكم مِنَ القَتْلِ والجِراحِ، فَهو أنْساهم بِمُصِيبَةٍ صَغِيرَةٍ مُصِيبَةً كَبِيرَةً، وقِيلَ: لا زائِدَةٌ والمَعْنى: لِتَحْزَنُوا، فَيَكُونُ زِيادَةً في التَّوْبِيخِ والتَّنْدِيمِ إنْ كانَ قَوْلُهُ أثابَكم تَهَكُّمًا، أوِ المَعْنى فَأثابَكُمُ صفحة ١٣٣ الرَّسُولُ غَمًّا عَلى ما فاتَكم: أيْ سَكَتَ عَنْ تَثْرِيبِكم، ولَمْ يَظْهَرْ لَكم إلّا الِاغْتِمامُ لِأجْلِكم، لِكَيْلا يُذَكِّرَكم بِالتَّثْرِيبِ حُزْنًا عَلى ما فاتَكم، فَأعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ جَبْرًا لِخَواطِرِكم. وقِيلَ: المَعْنى أصابَكم بِالغَمِّ الَّذِي نَشَأ عَنِ الهَزِيمَةِ لِتَعْتادُوا نُزُولَ المَصائِبِ، فَيَذْهَبُ عَنْكُمُ الهَلَعُ والجَزَعُ عِنْدَ النَّوائِبِ. وفِي الجَمْعِ بَيْنَ ما فاتَكم وما أصابَكم طِباقٌ يُؤْذِنُ بِطِباقٍ آخَرَ مُقَدَّرٍ، لِأنَّ ما فاتَ هو مِنَ النّافِعِ وما أصابَ هو مِنَ الضّارِّ.

آل عمران 3:154

﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ﴾ . الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ثُمَّ أنْزَلَ ضَمِيرُ اسْمِ الجَلالَةِ، وهو يُرَجِّحُ كَوْنَ ضَمِيرِ أثابَكم مِثْلَهُ لِئَلّا يَكُونَ هَذا رُجُوعًا إلى سِياقِ الضَّمائِرِ المُتَقَدِّمَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ [آل عمران: ١٥٢] والمَعْنى ثُمَّ أغْشاكم بِالنُّعاسِ بَعْدَ الهَزِيمَةِ. وسُمِّيَ الإغْشاءُ إنْزالًا لِأنَّهُ لَمّا كانَ نُعاسًا مُقَدَّرًا مِنَ اللَّهِ لِحِكْمَةٍ خاصَّةٍ، كانَ كالنّازِلِ مِنَ العَوالِمِ المُشَرَّفَةِ كَما يُقالُ: نَزَلَتِ السَّكِينَةُ. والأمَنَةُ - بِفَتْحِ المِيمِ - الأمْنُ، والنُّعاسُ: النَّوْمُ الخَفِيفُ أوْ أوَّلُ النَّوْمِ، وهو يُزِيلُ التَّعَبَ ولا يَغِيبُ صاحِبُهُ، فَلِذَلِكَ كانَ أمَنَةً إذْ لَوْ نامُوا ثَقِيلًا لَأخَذُوا، قالَ أبُو طَلْحَةَ الأنْصارِيُّ، والزُّبَيْرُ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ: غَشِيَنا نُعاسٌ حَتّى إنَّ السَّيْفَ لِيَسْقُطُ مِن يَدِ أحَدِنا. وقَدِ اسْتَجَدُّوا بِذَلِكَ نَشاطَهم، ونَسُوا حُزْنَهم، لِأنَّ الحُزْنَ تَبْتَدِئُ خِفَّتُهُ بَعْدَ أوَّلِ نَوْمَةٍ تُعْفِيهِ، كَما هو مُشاهَدٌ في أحْزانِ المَوْتِ وغَيْرِها. و(نُعاسًا) بَدَلٌ عَلى أمَنَةٍ بَدَلٌ مُطابِقٌ. وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقَدَّمَ النُّعاسُ ويُؤَخَّرَ أمَنَةٌ: لِأنَّ أمَنَةً بِمَنزِلَةِ الصِّفَةِ أوِ المَفْعُولِ لِأجْلِهِ فَحَقُّهُ التَّقْدِيمُ عَلى المَفْعُولِ كَما جاءَ في آيَةِ الأنْفالِ ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ﴾ [الأنفال: ١١] ولَكِنَّهُ قَدَّمَ المِنَّةَ هُنا تَشْرِيفًا لِشَأْنِها لِأنَّها جُعِلَتْ كالمُنَزَّلِ مِنَ اللَّهِ لِنَصْرِهِمْ، فَهو كالسَّكِينَةِ، فَناسَبَ أنْ يُجْعَلَ هو مَفْعُولَ أنْزَلَ، ويُجْعَلَ النُّعاسُ بَدَلًا مِنهُ. صفحة ١٣٤ وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَغْشى - بِالتَّحْتِيَّةِ - عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى نُعاسٍ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ - بِالفَوْقِيَّةِ - بِإعادَةِ الضَّمِيرِ إلى أمَنَةً، ولِذَلِكَ وصَفَها بِقَوْلِهِ مِنكم. * * * ﴿وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهم يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا﴾ . لَمّا ذَكَرَ حالَ طائِفَةِ المُؤْمِنِينَ، تَخَلَّصَ مِنهُ لِذِكْرِ حالِ طائِفَةِ المُنافِقِينَ، كَما عُلِمَ مِنَ المُقابَلَةِ، ومِن قَوْلِهِ ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾، ومَن تَرَكَ وصَفَها بِمِنكم كَما وصَفَ الأُولى. وطائِفَةٌ مُبْتَدَأٌ وُصِفَ بِجُمْلَةِ ﴿قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾ . وخَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ﴾ والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥] الآيَةَ. ومَعْنى ﴿أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ حَدَّثَتْهم أنْفُسُهم بِما يَدْخُلُ عَلَيْهِمُ الهَمُّ وذَلِكَ بِعَدَمِ رِضاهم بِقَدَرِ اللَّهِ، وبِشِدَّةِ تَلَهُّفِهِمْ عَلى ما أصابَهم وتَحَسُّرِهِمْ عَلى ما فاتَهم مِمّا يَظُنُّونَهُ مُنْجِيًا لَهم لَوْ عَمِلُوهُ: أيْ مِنَ النَّدَمِ عَلى ما فاتَ، وإذْ كانُوا كَذَلِكَ كانَتْ نُفُوسُهم في اضْطِرابٍ يَمْنَعُهم مِنَ الِاطْمِئْنانِ ومِنَ المَنامِ، وهَذا كَقَوْلِهِ الآتِي ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٦] . وقِيلَ مَعْنى أهَمَّتْهم أدْخَلَتْ عَلَيْهِمُ الهَمَّ بِالكُفْرِ والِارْتِدادِ، وكانَ رَأْسُ هَذِهِ الطّائِفَةِ مُعَتَّبُ بْنَ قُشَيْرٍ. وجُمْلَةُ ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ﴾ إمّا اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ﴿قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾ وإمّا حالٌ مِن طائِفَةٌ. ومَعْنى ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ﴾ أنَّهم صفحة ١٣٥ ذَهَبَتْ بِهِمْ هَواجِسُهم إلى أنْ يَظُنُّوا بِاللَّهِ ظُنُونًا باطِلَةً مِن أوْهامِ الجاهِلِيَّةِ. وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّهم لَمْ يَزالُوا عَلى جاهِلِيَّتِهِمْ لَمْ يُخْلِصُوا الدِّينَ لِلَّهِ، وقَدْ بَيَّنَ بَعْضَ ما لَهم مِنَ الظَّنِّ بِقَوْلِهِ ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ و(هَلْ) لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ بِمَعْنى النَّفْيِ، بِقَرِينَةِ زِيادَةِ مِن قَبْلَ النَّكِرَةِ، وهي مِن خَصائِصِ النَّفْيِ، وهو تَبْرِئَةٌ لِأنْفُسِهِمْ مِن أنْ يَكُونُوا سَبَبًا في مُقابَلَةِ العَدُوِّ. حَتّى نَشَأ عَنْهُ ما نَشَأ، وتَعْرِيضٌ بِأنَّ الخُرُوجَ لِلْقِتالِ يَوْمَ أُحُدٍ خَطَأٌ وغُرُورٌ، ويَظُنُّونَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَيْسَ بِرَسُولٍ إذْ لَوْ كانَ لَكانَ مُؤَيَّدًا بِالنَّصْرِ. والقَوْلُ في ﴿هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ كالقَوْلِ في ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] المُتَقَدِّمِ آنِفًا. والمُرادُ بِالأمْرِ هُنا شَأْنُ الخُرُوجِ إلى القِتالِ. والأمْرُ بِمَعْنى السِّيادَةِ الَّذِي مِنهُ الإمارَةُ، ومِنهُ أُولُو الأمْرِ. وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ يَظُنُّونَ لِأنَّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ يَشْتَمِلُ عَلى مَعْنى هَذا القَوْلِ. ومَعْنى ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ أيْ مِن شَأْنِ الخُرُوجِ إلى القِتالِ، أوْ مِن تَدْبِيرِ النّاسِ شَيْءٌ، أيْ رَأْيٌ ﴿ما قُتِلْنا هاهُنا﴾، أيْ ما قُتِلَ قَوْمُنا. ولَيْسَ المُرادُ انْتِفاءَ القَتْلِ مَعَ الخُرُوجِ إلى القِتالِ في أُحُدٍ، بَلِ المُرادُ انْتِفاءُ الخُرُوجِ إلى أُحُدٍ الَّذِي كانَ سَبَبًا في قَتْلِ مَن قُتِلَ، كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ قَرِينَةُ الإشارَةِ بِقَوْلِهِ هاهُنا فالكَلامُ كِنايَةٌ. وهَذا القَوْلُ قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ لَمّا أخْبَرُوهُ بِمَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الخَزْرَجِ يَوْمَئِذٍ، وهَذا تَنَصُّلٌ مِن أسْبابِ الحَرْبِ وتَعْرِيضٌ بِالنَّبِيءِ ومَن أشارَ بِالخُرُوجِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ رَغِبُوا في إحْدى الحُسْنَيَيْنِ. وإنَّما كانَ هَذا الظَّنُّ غَيْرَ الحَقِّ لِأنَّهُ تَخْلِيطٌ في مَعْرِفَةِ صِفاتِ اللَّهِ وصِفاتِ رَسُولِهِ وما يَجُوزُ وما يَسْتَحِيلُ، فَإنَّ لِلَّهِ أمْرًا وهَدْيًا ولَهُ قَدَرٌ وتَيْسِيرٌ، وكَذَلِكَ لِرَسُولِهِ الدَّعْوَةُ والتَّشْرِيعُ وبَذْلُ الجُهْدَ في تَأْيِيدِ الدِّينِ وهو في ذَلِكَ مَعْصُومٌ، ولَيْسَ مَعْصُومًا مِن جَرَيانِ الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلَيْهِ، ومِن أنْ يَكُونَ الحَرْبُ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَدُوِّهِ سِجالًا، قالَ أبُو سُفْيانَ لِهِرَقْلَ وقَدْ سَألَهُ: كَيْفَ كانَ قِتالُكم لَهُ ؟ صفحة ١٣٦ فَقالَ لَهُ أبُو سُفْيانَ: يَنالُ مِنّا ونَنالُ مِنهُ، فَقالَ هِرَقْلُ: وكَذَلِكَ الإيمانُ حَتّى يَتِمَّ. فَظَنُّهم ذَلِكَ لَيْسَ بِحَقٍّ. وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ ظَنُّ الجاهِلِيَّةَ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا الإيمانَ أصْلًا فَهَؤُلاءِ المُتَظاهِرُونَ بِالإيمانِ لَمْ يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِهِمْ فَبَقِيَتْ مَعارِفُهم كَما هي مِن عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ. والجاهِلِيَّةُ صِفَةٌ جَرَتْ عَلى مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ بِالفِئَةِ أوِ الجَماعَةِ، ورُبَّما أُرِيدَ بِهِ حالَةُ الجاهِلِيَّةِ في قَوْلِهِمْ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى، والظّاهِرُ أنَّهُ نِسْبَةٌ إلى الجاهِلِ أيِ الَّذِي لا يَعْلَمُ الدِّينَ والتَّوْحِيدَ، فَإنَّ العَرَبَ أطْلَقَتِ الجَهْلَ عَلى ما قابَلَ الحِلْمَ، قالَ ابْنُ الرُّومِيِّ: بِجَهْلٍ كَجَهْلِ السَّيْفِ والسَّيْفُ مُنْتَضى وحِلْمٍ كَحِلْمِ السَّيْفِ والسَّيْفُ مُغْمَدُ وأُطْلِقَتِ الجَهْلُ عَلى عَدَمِ العِلْمِ قالَ السَّمَوْألُ: فَلَيْسَ سَواءٌ عالِمٌ وجَهُولُ وقالَ النّابِغَةُ: ولَيْسَ جاهِلُ شَيْءٍ مِثْلَ مَن عَلِما وأحْسَبُ أنَّ لَفْظَ الجاهِلِيَّةِ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ، وصَفَ بِهِ أهْلَ الشِّرْكِ تَنْفِيرًا مِنَ الجَهْلِ، وتَرْغِيبًا في العِلْمِ، ولِذَلِكَ يَذْكُرُهُ القُرْآنُ في مَقاماتِ الذَّمِّ في نَحْوِ قَوْلِهِ أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَمِعْتُ أبِي في الجاهِلِيَّةِ يَقُولُ: اسْقِنا كَأْسًا دِهاقًا، وفي «حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ: أنَّهُ سَألَ النَّبِيءَ ﷺ عَنْ أشْياءَ كانَ يَتَحَنَّثُ بِها في الجاهِلِيَّةِ مِن صَدَقَةٍ وعَتاقَةٍ وصِلَةِ رَحِمٍ»، وقالُوا: شِعْرُ الجاهِلِيَّةِ، وأيّامُ الجاهِلِيَّةِ. ولَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ كُلُّهُ إلّا بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ وفي كَلامِ المُسْلِمِينَ. وقَوْلُهُ غَيْرَ الحَقِّ مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ يَظُنُّونَ كَأنَّهُ قِيلَ الباطِلُ. وانْتَصَبَ قَوْلُهُ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ عَلى المَصْدَرِ المُبَيِّنِ لِلنَّوْعِ إذْ كُلُّ أحَدٍ يَعْرِفُ عَقائِدَ الجاهِلِيَّةِ إنْ كانَ مُتَلَبِّسًا بِها أوْ تارِكًا لَها. صفحة ١٣٧ وجُمْلَةُ يُخْفُونَ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في يَقُولُونَ أيْ يَقُولُونَ ذَلِكَ في حالِ نِيَّتِهِمْ غَيْرَ ظاهِرِهِ، فَ (يُخْفُونَ) في أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ إعْلانٌ بِنِفاقِهِمْ، وأنَّ قَوْلَهم هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ وقَوْلَهم لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا هو وإنْ كانَ ظاهِرُهُ صُورَةَ العِتابِ عَنْ تَرْكِ مَشُورَتِهِمْ فَنِّيَّتُهم مِنهُ تَخْطِئَةُ النَّبِيءِ في خُرُوجِهِ بِالمُسْلِمِينَ إلى أُحُدٍ، وأنَّهم أسَدُّ رَأْيًا مِنهُ. وجُمْلَةُ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ إذْ كانُوا قَدْ قالُوا ذَلِكَ فِيما بَيْنَهم ولَمْ يُظْهِرُوهُ، أوْ هي بَيانٌ لِجُمْلَةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ إذا أظْهَرُوا قَوْلَهم لِلْمُسْلِمِينَ، فَتَرْجِعُ الجُمْلَةُ إلى مَعْنى بَدَلِ الِاشْتِمالِ مِن جُمْلَةِ يَظُنُّونَ لِأنَّها لَمّا بَيَّنَتْ جُمْلَةَ هي بَدَلٌ فَهي أيْضًا كالَّتِي بَيَّنَتْها، وهَذا أظْهَرُ لِأجْلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ تِلْكَ القالَةَ فَشَتْ وبَلَغَتِ الرَّسُولَ، ولا يَحْسُنُ كَوْنُ جُمْلَةِ يَقُولُونَ لَوْ كانَ إلى آخِرِهِ مُسْتَأْنَفَةً خِلافًا لِما في الكَشّافِ. وهَذِهِ المَقالَةُ صَدَرَتْ مِن مَعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ قالَ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ: غَشِيَنِي النُّعاسُ فَسَمِعْتُ مُعَتِّبَ بْنَ قُشَيْرٍ يَقُولُ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا. فَحَكى القُرْآنُ مَقالَتَهُ كَما قالَها، وأُسْنِدَتْ إلى جَمِيعِهِمْ لِأنَّهم سَمِعُوها ورَضُوا بِها. وجُمْلَةُ قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ رَدَّ عَلَيْهِمْ هَذا العُذْرَ الباطِلَ أيْ أنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ غَيْرُ مُحْتاجَيْنِ إلى أمْرِكم. والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: كُلَّهُ - بِالنَّصْبِ - تَأْكِيدًا لِاسْمِ إنَّ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ - بِالرَّفْعِ - عَلى نِيَّةِ الِابْتِداءِ. والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ. * * * ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بِيُوتِكم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ﴾ . صفحة ١٣٨ لَقَّنَ اللَّهُ رَسُولَهُ الجَوابَ عَنْ قَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا، والجَوابُ إبْطالٌ لِقَوْلِهِمْ، وتَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لِدَفْعِ ما عَسى أنْ يَقَعَ في نُفُوسِهِمْ مِنَ الرَّيْبِ، إذا سَمِعُوا كَلامَ المُنافِقِينَ، أوْ هو جَوابٌ لِلْمُنافِقِينَ ويَحْصُلُ بِهِ عِلْمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. وفُصِلَتِ الجُمْلَةُ جَرْيًا عَلى حِكايَةِ المُقاوَلَةِ كَما قَرَّرْنا غَيْرَ مَرَّةٍ، وهَذا الجَوابُ جارٍ عَلى الحَقِيقَةِ وهي جَرَيانُ الأشْياءِ عَلى قَدَرٍ مِنَ اللَّهِ والتَّسْلِيمُ لِذَلِكَ بَعْدَ اسْتِفْراغِ الجُهْدِ في مُصادَفَةِ المَأْمُولِ، فَلَيْسَ هَذا الجَوابُ ونَظائِرُهُ بِمُقْتَضٍ تَرْكَ الأسْبابِ، لِأنَّ قَدَرَ اللَّهِ تَعالى وقَضاءَهُ غَيْرُ مَعْلُومَيْنِ لَنا إلّا بَعْدَ الوُقُوعِ، فَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِالسَّعْيِ فِيما عَساهُ أنْ يَكُونَ كاشِفًا عَنْ مُصادَفَةِ اللَّهِ لِمَأْمُولِنا، فَإنِ اسْتَفْرَغْنا جُهُودَنا وحُرِمْنا المَأْمُولَ، عَلِمْنا أنَّ قَدَرَ اللَّهِ جَرى مِن قَبْلُ عَلى خِلافِ مُرادِنا، فَأمّا تَرْكُ الأسْبابِ فَلَيْسَ مِن شَأْنِنا، وهو مُخالِفٌ لِما أرادَ اللَّهُ مِنّا، وإعْراضٌ عَمّا أقامَنا اللَّهُ فِيهِ في هَذا العالَمِ وهو تَحْرِيفٌ لِمَعْنى القَدَرِ. والمَعْنى: لَوْ لَمْ تَكُونُوا هاهُنا وكُنْتُمْ في بُيُوتِكم لَخَرَجَ الَّذِينَ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أنْ يَمُوتُوا مَقْتُولِينَ فَقُتِلُوا في مَضاجِعِهِمُ الَّتِي اضْطَجَعُوا فِيها يَوْمَ أُحُدٍ أيْ مَصارِعِهِمْ فالمُرادُ بِقَوْلِهِ كُتِبَ قُدِّرَ، ومَعْنى بَرَزَ خَرَجَ إلى البَرازِ وهو الأرْضُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ باءَ (بُيُوتِكم) بِالكَسْرِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ، وحَفْصٌ وأبُو جَعْفَرٍ بِالضَّمِّ. والمَضاجَعُ جَمْعُ مَضْجَعٍ بِفَتْحِ المِيمِ وفَتْحِ الجِيمِ وهو مَحَلُّ الضُّجُوعِ، والضُّجُوعُ: وضْعُ الجَنْبِ بِالأرْضِ لِلرّاحَةِ والنَّوْمِ، وفِعْلُهُ مِن بابِ مَنَعَ ومَصْدَرُهُ القِياسِيُّ الضَّجْعُ، وأمّا الضُّجُوعُ فَغَيْرُ قِياسِيٍّ، ثُمَّ غَلَبَ إطْلاقُ المَضْجَعِ عَلى مَكانِ النَّوْمِ قالَ تَعالى تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ وفي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ: «مَضْجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ» فَحَقِيقَةُ الضُّجُوعِ هو وضْعُ الجَنْبِ لِلنَّوْمِ والرّاحَةِ وأُطْلِقَ هُنا عَلى مَصارِعِ القَتْلى عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، وحُسْنُها أنَّ الشُّهَداءَ أحْياءٌ، فَهو اسْتِعارَةٌ أوْ مُشاكَلَةٌ تَقْدِيرِيَّةٌ لِأنَّ قَوْلَهم ما قُتِلْنا هاهُنا يَتَضَمَّنُ مَعْنى أنَّ الشُّهَداءَ كانُوا يَبْقُونَ في بُيُوتِهِمْ مُتَمَتِّعِينَ بِفُرُوشِهِمْ. * * * صفحة ١٣٩ ﴿ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكم ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكم واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ . ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكم عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم وما بَيْنَهُما جُمَلٌ بَعْضُها عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُعَلِّلَةِ، وبَعْضُها مُعْتَرِضَةٌ، فَهو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لا مَحالَةَ، وهو عِلَّةٌ ثانِيَةٌ لِقَوْلِهِ فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ. و(الصُّدُورُ) هُنا بِمَعْنى الضَّمائِرِ، والِابْتِلاءُ: الِاخْتِبارُ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنْ أثَرِهِ، وهو إظْهارٌ لِلنّاسِ والحُجَّةُ عَلى أصْحابِ تِلْكَ الضَّمائِرِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا. والتَّمْحِيصُ تَخْلِيصُ الشَّيْءِ مِمّا يُخالِطُهُ مِمّا فِيهِ عَيْبٌ لَهُ فَهو كالتَّزْكِيَةِ. والقُلُوبُ هُنا بِمَعْنى العَقائِدِ، ومَعْنى تَمْحِيصُ ما في قُلُوبِهِمْ تَطْهِيرُها مِمّا يُخامِرُها مِنَ الرَّيْبِ حِينَ سَماعِ شُبَهِ المُنافِقِينَ الَّتِي يَبُثُّونَها بَيْنَهم. وأُطْلِقَ ”الصُّدُورُ“ عَلى الضَّمائِرِ لِأنَّ الصَّدْرَ في كَلامِ العَرَبِ يُطْلَقُ عَلى الإحْساسِ الباطِنِيِّ، وفي الحَدِيثِ «الإثْمُ ما حاكَ في صَدْرِكَ» وأُطْلِقَ القَلْبُ عَلى الِاعْتِقادِ لِأنَّ القَلْبَ في لِسانِ العَرَبِ هو ما بِهِ يَحْصُلُ التَّفَكُّرُ والِاعْتِقادُ. وعُدِّيَ إلى الصُّدُورِ فِعْلُ الِابْتِلاءِ لِأنَّهُ اخْتِبارُ الأخْلاقِ والضَّمائِرِ: ما فِيها مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، ولِيَتَمَيَّزَ ما في النَّفْسِ. وعُدِّيَ إلى القُلُوبِ فِعْلُ التَّمْحِيصِ لِأنَّ الظُّنُونَ والعَقائِدَ مُحْتاجَةٌ إلى التَّمْحِيصِ لِتَكُونَ مَصْدَرَ كُلِّ خَيْرٍ.

آل عمران 3:155

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهم إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ . اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ سَبَبِ الهَزِيمَةِ الخَفِيِّ، وهي اسْتِزْلالُ الشَّيْطانِ إيّاهم، وأرادَ بِـ (يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ) يَوْمَ أُحُدٍ، و(اسْتَزَلَّهُمُ) بِمَعْنى أزَلَّهم أيْ جَعَلَهم زالِّينَ، والزَّلَلُ صفحة ١٤٠ مُسْتَعارٌ لِفِعْلِ الخَطِيئَةِ، والسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ، مِثْلُ اسْتَفادَ واسْتَبْشَرَ واسْتَنْشَقَ وقَوْلِ النّابِغَةِ: وهم قَتَلُوا الطّائِيَّ بِالجَوِّ عَنْوَةً أبا جابِرٍ فاسْتَنْكَحُوا أُمَّ جابِرِ أيْ نَكَحُوا. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ [التغابن: ٦] وقَوْلُهُ أبى واسْتَكْبَرَ. ولا يَحْسُنُ حَمْلُ السِّينِ والتّاءِ عَلى مَعْنى الطَّلَبِ لِأنَّ المَقْصُودَ لَوْمُهم عَلى وُقُوعِهِمْ في مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ، فَهو زَلَلٌ واقِعٌ. والمُرادُ بِالزَّلَلِ الِانْهِزامُ، وإطْلاقُ الزَّلَلِ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ كَإطْلاقِ ثَباتِ القَدَمِ عَلى ضِدِّهِ وهو النَّصْرُ قالَ تَعالى وثَبِّتْ أقْدامَنا. والباءُ في بِبَعْضِ ما كَسَبُوا لِلسَّبَبِيَّةِ وأُرِيدَ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا مُفارَقَةُ مَوْقِفِهِمْ، وعِصْيانُ أمْرِ الرَّسُولِ، والتَّنازُعُ، والتَّعْجِيلُ إلى الغَنِيمَةِ، والمَعْنى أنَّ ما أصابَهم كانَ مِن آثارِ الشَّيْطانِ، وما هم فِيهِ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا مِن صَنِيعِهِمْ، والمَقْصِدُ مِن هَذا إلْقاءُ تَبِعَةِ ذَلِكَ الِانْهِزامِ عَلى عَواتِقِهِمْ، وإبْطالُ ما عَرَّضَ بِهِ المُنافِقُونَ مِن رَمْيِ تَبِعَتِهِ عَلى أمْرِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالخُرُوجِ، وتَحْرِيضِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ عَلى الجِهادِ. وذَلِكَ شَأْنُ ضِعافِ العُقُولِ أنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِمْ مُقارِنُ الفِعْلِ بِسَبَبِهِ، ولِأجْلِ تَخْلِيصِ الأفْكارِ مِن هَذا الغَلَطِ الخَفِيِّ وضَعَ أهْلُ المَنطِقِ بابَ القَضِيَّةِ اللُّزُومِيَّةِ والقَضِيَّةِ الِاتِّفاقِيَّةِ. ومُناسَبَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ الَّتِي قَبْلَها أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهم مَرْتَبَةَ حَقِّ اليَقِينِ بِقَوْلِهِ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكُمُ انْتَقَلَ بِهِمْ إلى مَرْتَبَةِ الأسْبابِ الظّاهِرَةِ، فَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ إنْ كانَ لِلْأسْبابِ تَأْثِيرٌ فَسَبَبُ مُصِيبَتِهِمْ هي أفْعالُهُمُ الَّتِي أمْلاها الشَّيْطانُ عَلَيْهِمْ وأضَلَّهم، فَلَمْ يَتَفَطَّنُوا إلى السَّبَبِ، والتُبِسَ عَلَيْهِمْ بِالمُقارَنِ، ومِن شَأْنِ هَذا الضَّلالِ أنْ يَحُولَ بَيْنَ المُخْطِئِ وبَيْنَ تَدارُكِ خَطَئِهِ ولا يَخْفى ما في الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الأغْراضِ مِنَ العِلْمِ الصَّحِيحِ، وتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ، وتَحْبِيبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَعْظِيمِهِ عِنْدَهم، وتَنْفِيرِهِمْ مِنَ الشَّيْطانِ، والأفْعالِ الذَّمِيمَةِ، ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ، وتَسْفِيهِ أحْلامِ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ. وعَلى هَذا فالمُرادُ مِنَ صفحة ١٤١ الَّذِينَ تَوَلَّوْا نَفْسُ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمُ الآياتِ. وضَمِيرُ مِنكم راجِعٌ إلى عامَّةِ جَيْشِ أُحُدٍ فَشَمِلَ الَّذِينَ ثَبَتُوا ولَمْ يَفِرُّوا. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا جَماعَةٌ هَرَبُوا إلى المَدِينَةِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا احْتِمالاتٌ ذَكَرَها صاحِبُ الكَشّافِ والفَخْرُ، وهي بِمَعْزِلٍ عَنِ القَصْدِ. وقَوْلُهُ ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهم أُعِيدَ الإخْبارُ بِالعَفْوِ تَأْنِيسًا لَهم كَقَوْلِهِ ولَقَدْ عَفا عَنْكم.

آل عمران 3:156

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . تَحْذِيرٌ مِنَ العَوْدِ إلى مُخالَجَةِ عَقائِدِ المُشْرِكِينَ، وبَيانٌ لِسُوءِ عاقِبَةِ تِلْكَ العَقائِدِ في الدُّنْيا أيْضًا. والكَلامُ اسْتِئْنافٌ. والإقْبالُ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالخِطابِ تَلَطُّفٌ بِهِمْ جَمِيعًا بَعْدَ تَقْرِيعِ فَرِيقٍ مِنهُمُ الَّذِينَ تَوَلَّوْا يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ. واللّامُ في قَوْلِهِ لِإخْوانِهِمْ لَيْسَتْ لامَ تَعْدِيَةِ فِعْلِ القَوْلِ بَلْ هي لامُ العِلَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا لِأنَّ الإخْوانَ لَيْسُوا مُتَكَلَّمًا مَعَهم بَلْ هُمُ الَّذِينَ ماتُوا وقُتِلُوا، والمُرادُ بِالإخْوانِ الأقارِبُ في النَّسَبِ، أيْ مِنَ الخَزْرَجِ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ الشُّهَداءَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. و(إذا) هُنا ظَرْفٌ لِلْماضِي بِدَلِيلِ فِعْلَيْ قالُوا و(ضَرَبُوا)، وقَدْ حُذِفَ فِعْلٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ما ماتُوا تَقْدِيرُهُ: فَماتُوا في سَفَرِهِمْ أوْ قُتِلُوا في الغَزْوِ. والضَّرْبُ في الأرْضِ هو السَّفَرُ، فالضَّرْبُ مُسْتَعْمَلٌ في السَّيْرِ لِأنَّ أصْلَ الضَّرْبِ صفحة ١٤٢ هُوَ إيقاعُ جِسْمٍ عَلى جِسْمٍ وقَرْعُهُ بِهِ، فالسَّيْرُ ضَرْبٌ في الأرْضِ بِالأرْجُلِ، فَأُطْلِقَ عَلى السَّفَرِ لِلتِّجارَةِ في قَوْلِهِ تَعالى وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ، وعَلى مُطْلَقِ السَّفَرِ كَما هُنا، وعَلى السَّفَرِ لِلْغَزْوِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤] وقَوْلُهُ ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١] والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ هُنا السَّفَرُ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي يَلُومُهم عَلَيْهِ الكُفّارُ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالضَّرْبِ في الأرْضِ التِّجارَةُ. وعَلَيْهِ يَكُونُ قَرْنُهُ مَعَ القَتْلِ في الغَزْوِ لِكَوْنِهِما كَذَلِكَ في عَقِيدَةِ الكُفّارِ. و(غُزًّى) جَمْعُ غازٍ. وفُعَّلٌ قَلِيلٌ في جَمْعِ فاعِلٍ النّاقِصِ. وهو مَعَ ذَلِكَ فَصِيحٌ. ونَظِيرُهُ عُفًّى في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: لَها قُلُبٌ عُفّى الحِياضِ أُجُونُ وقَوْلُهُ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ عِلَّةٌ لِـ (قالُوا) بِاعْتِبارِ ما يَتَضَمَّنُهُ مِنَ اعْتِقادِ ذَلِكَ مَعَ الإعْلانِ بِهِ تَوْجِيهًا لِلنَّهْيِ عَنِ التَّشْبِيهِ بِهِمْ أيْ فَإنَّكم إنِ اعْتَقَدْتُمُ اعْتِقادَهم لَحِقَكم أثَرُهُ كَما لَحِقَهم، فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى القَوْلِ الدّالِّ عَلى الِاعْتِقادِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فالتَّعْلِيلُ خارِجٌ عَنِ التَّشْبِيهِ. وقِيلَ: اللّامُ لامُ العاقِبَةِ، أيْ: لا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا، فَتَرَتَّبَ عَلى قَوْلِهِمْ أنْ كانَ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ لِيَجْعَلَ عَلى هَذا الوَجْهِ مِن صِلَةِ الَّذِينَ، ومِن جُمْلَةِ الأحْوالِ المُشَبَّهَةِ بِها، فَيُعْلَمُ أنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّشْبِيهِ بِهِمْ فِيها لِما فِيها مِنَ الضُّرِّ. والحَسْرَةُ: شِدَّةُ الأسَفِ أيِ الحُزْنِ، وكانَ هَذا حَسْرَةً عَلَيْهِمْ لِأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّ مُصابَهم نَشَأ عَنْ تَضْيِيعِهِمُ الحَزْمَ، وأنَّهم لَوْ كانُوا سَلَكُوا غَيْرَ ما سَلَكُوهُ لَنَجَوْا فَلا يَزالُونَ مُتَلَهِّفِينَ عَلى ما فاتَهم. والمُؤْمِنُ يَبْذُلُ جُهْدَهُ فَإذا خابَ سَلَّمَ لِحُكْمِ القَدَرِ. صفحة ١٤٣ وقَوْلُهُ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ تَحْذِيرٌ لَهم مِن أنْ يُضْمِرُوا العَوْدَ إلى ما نُهُوا عَنْهُ.

آل عمران 3:157

﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مِتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ مِتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لَإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ . ذَكَرَ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا، فَجَعَلَ المَوْتَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمَوْتَ في غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ، إذا أعْقَبَتْهُما المَغْفِرَةُ خَيْرًا مِنَ الحَياةِ وما يَجْمَعُونَ فِيها، وجَعَلَ المَوْتَ والقَتْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وسِيلَةً لِلْحَشْرِ والحِسابِ فَلْيَعْلَمْ أحَدٌ بِماذا يُلاقِي رَبَّهُ. والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى قَوْلِهِ لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وعَلى قَوْلِهِ واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ. واللّامُ في قَوْلِهِ: ولَئِنْ قُتِلْتُمْ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ أيْ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ قَبْلَها قَسَمًا مُقَدَّرًا، ورَدَ بَعْدَهُ شَرْطٌ فَلِذَلِكَ لا تَقَعُ إلّا مَعَ الشَّرْطِ. واللّامُ في قَوْلِهِ لَمَغْفِرَةٌ هي لامُ جَوابِ القَسَمِ. والجَوابُ هو قَوْلُهُ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ لِظُهُورِ أنَّ التَّقْدِيرَ: لَمَغْفِرَةٌ ورَحْمَةٌ لَكم. وقَرَأهُ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: مِتُّمْ - بِكَسْرِ المِيمِ - عَلى لُغَةِ الحِجازِ لِأنَّهم جَعَلُوا ماضِيَهُ مِثْلَ خافَ، اعْتَبَرُوهُ مَكْسُورَ العَيْنِ وجَعَلُوا مُضارِعَهُ مِن بابِ قامَ فَقالُوا: يَمُوتُ، ولَمْ يَقُولُوا: يُماتُ، فَهو مِن تَداخُلِ اللُّغَتَيْنِ. وأمّا سُفْلى مُضَرَ فَقَدْ جاءُوا بِهِ في الحالَيْنِ مِن بابِ: قامَ فَقَرَءُوهُ: مُتُّمْ. وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، مِمّا تَجْمَعُونَ بِتاءِ الخِطابِ وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِياءِ الغائِبِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ أيْ خَيْرٌ لَكم مِن غَنائِمِ المُشْرِكِينَ الَّتِي جَمَعُوها وطَمِعْتُمْ أنْتُمْ في غُنْمِها. وقُدِّمَ القَتْلُ في الأُولى والمَوْتُ في الثّانِيَةِ اعْتِبارًا بِعَطْفِ ما يُظَنُّ أنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الحُكْمِ فَإنَّ كَوْنَ القَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ أمْرٌ قَرِيبٌ، ولَكِنَّ كَوْنَ المَوْتِ في غَيْرِ السَّبِيلِ مِثْلُ ذَلِكَ أمْرٌ خَفِيٌّ مُسْتَبْعَدٌ، وكَذَلِكَ تَقْدِيمُ المَوْتِ في صفحة ١٤٤ الثّانِيَةِ لِأنَّ القَتْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ يُظَنُّ أنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ أنْ يُعْقِبَهُ الحَشْرُ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّفَنُّنِ، ومِن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ وجَعْلِ القَتْلِ مَبْدَأ الكَلامِ وعَوْدَهُ.

آل عمران 3:158

﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مِتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ مِتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لَإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ . ذَكَرَ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا، فَجَعَلَ المَوْتَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمَوْتَ في غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ، إذا أعْقَبَتْهُما المَغْفِرَةُ خَيْرًا مِنَ الحَياةِ وما يَجْمَعُونَ فِيها، وجَعَلَ المَوْتَ والقَتْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وسِيلَةً لِلْحَشْرِ والحِسابِ فَلْيَعْلَمْ أحَدٌ بِماذا يُلاقِي رَبَّهُ. والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى قَوْلِهِ لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وعَلى قَوْلِهِ واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ. واللّامُ في قَوْلِهِ: ولَئِنْ قُتِلْتُمْ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ أيْ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ قَبْلَها قَسَمًا مُقَدَّرًا، ورَدَ بَعْدَهُ شَرْطٌ فَلِذَلِكَ لا تَقَعُ إلّا مَعَ الشَّرْطِ. واللّامُ في قَوْلِهِ لَمَغْفِرَةٌ هي لامُ جَوابِ القَسَمِ. والجَوابُ هو قَوْلُهُ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ لِظُهُورِ أنَّ التَّقْدِيرَ: لَمَغْفِرَةٌ ورَحْمَةٌ لَكم. وقَرَأهُ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: مِتُّمْ - بِكَسْرِ المِيمِ - عَلى لُغَةِ الحِجازِ لِأنَّهم جَعَلُوا ماضِيَهُ مِثْلَ خافَ، اعْتَبَرُوهُ مَكْسُورَ العَيْنِ وجَعَلُوا مُضارِعَهُ مِن بابِ قامَ فَقالُوا: يَمُوتُ، ولَمْ يَقُولُوا: يُماتُ، فَهو مِن تَداخُلِ اللُّغَتَيْنِ. وأمّا سُفْلى مُضَرَ فَقَدْ جاءُوا بِهِ في الحالَيْنِ مِن بابِ: قامَ فَقَرَءُوهُ: مُتُّمْ. وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، مِمّا تَجْمَعُونَ بِتاءِ الخِطابِ وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِياءِ الغائِبِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ أيْ خَيْرٌ لَكم مِن غَنائِمِ المُشْرِكِينَ الَّتِي جَمَعُوها وطَمِعْتُمْ أنْتُمْ في غُنْمِها. وقُدِّمَ القَتْلُ في الأُولى والمَوْتُ في الثّانِيَةِ اعْتِبارًا بِعَطْفِ ما يُظَنُّ أنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الحُكْمِ فَإنَّ كَوْنَ القَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ أمْرٌ قَرِيبٌ، ولَكِنَّ كَوْنَ المَوْتِ في غَيْرِ السَّبِيلِ مِثْلُ ذَلِكَ أمْرٌ خَفِيٌّ مُسْتَبْعَدٌ، وكَذَلِكَ تَقْدِيمُ المَوْتِ في صفحة ١٤٤ الثّانِيَةِ لِأنَّ القَتْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ يُظَنُّ أنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ أنْ يُعْقِبَهُ الحَشْرُ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّفَنُّنِ، ومِن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ وجَعْلِ القَتْلِ مَبْدَأ الكَلامِ وعَوْدَهُ.

آل عمران 3:159

﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ . الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ الَّذِي حُكِيَ فِيهِ مُخالَفَةُ طَوائِفٍ لِأمْرِ الرَّسُولِ مِن مُؤْمِنِينَ ومُنافِقِينَ، وما حُكِيَ مِن عَفْوِ اللَّهِ عَنْهم فِيما صَنَعُوا. ولِأنَّ في تِلْكَ الواقِعَةِ المَحْكِيَّةِ بِالآياتِ السّابِقَةِ مَظاهِرَ كَثِيرَةً مِن لِينِ النَّبِيءِ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ، حَيْثُ اسْتَشارَهم في الخُرُوجِ، وحَيْثُ لَمْ يُثَرِّبْهم عَلى ما صَنَعُوا مِن مُغادَرَةِ مَراكِزِهِمْ، ولَمّا كانَ عَفْوُ اللَّهِ عَنْهم يُعْرَفُ في مُعامَلَةِ الرَّسُولِ إيّاهم، ألانَ اللَّهُ لَهُمُ الرَّسُولَ تَحْقِيقًا لِرَحْمَتِهِ وعَفْوِهِ، فَكانَ المَعْنى: ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهم بِرَحْمَتِهِ فَلانَ لَهُمُ الرَّسُولُ بِإذْنِ اللَّهِ وتَكْوِينِهِ إيّاهُ راحِمًا، قالَ تَعالى وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ. والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ لِنْتَ مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ: إذْ كانَ لِينُهُ في ذَلِكَ كُلِّهِ لِينًا لا تَفْرِيطَ مَعَهُ لِشَيْءٍ مِن مَصالِحِهِمْ، ولا مُجاراةً لَهم في التَّساهُلِ في أمْرِ الدِّينِ، فَلِذَلِكَ كانَ حَقِيقًا بِاسْمِ الرَّحْمَةِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ مُفِيدٌ لِلْحَصْرِ الإضافِيِّ، أيْ: بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالِهِمْ، وهَذا القَصْرُ مُفِيدٌ التَّعْرِيضَ بِأنَّ أحْوالَهم كانَتْ مُسْتَوْجِبَةً الغِلَظَ عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّ اللَّهَ ألانَ خُلُقَ رَسُولِهِ رَحْمَةً بِهِمْ، لِحِكْمَةٍ عَلِمَها اللَّهُ في سِياسَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ. وزِيدَتْ (ما) بَعْدَ باءِ الجَرِّ لِتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ بِما فِيها مِنَ القَصْرِ، فَتَعَيَّنَ بِزِيادَةِ كَوْنِ التَّقْدِيمِ لِلْحَصْرِ، لا لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ، ونُبِّهَ عَلَيْهِ في الكَشّافِ. صفحة ١٤٥ واللِّينُ هُنا مَجازٌ في سِعَةِ الخَلْقِ مَعَ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ والمُسْلِمِينَ، وفي الصَّفْحِ عَنْ جَفاءِ المُشْرِكِينَ، وإقالَةِ العَثَراتِ. ودَلَّ فِعْلُ المُضِيِّ في قَوْلِهِ لِنْتَ عَلى أنَّ ذَلِكَ وصْفٌ تَقَرَّرَ وعُرِفَ مِن خُلُقِهِ، وأنَّ فِطْرَتَهُ عَلى ذَلِكَ بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ إذْ خَلَقَهُ كَذَلِكَ و(﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤])، فَخُلُقُ الرَّسُولِ مُناسِبٌ لِتَحْقِيقِ حُصُولِ مُرادِ اللَّهِ تَعالى مِن إرْسالِهِ، لِأنَّ الرَّسُولَ يَجِيءُ بِشَرِيعَةٍ يُبَلِّغُها عَنِ اللَّهِ تَعالى، فالتَّبْلِيغُ مُتَعَيَّنٌ لا مُصانَعَةَ فِيهِ، ولا يَتَأثَّرُ بِخُلُقِ الرَّسُولِ، وهو أيْضًا مَأْمُورٌ بِسِياسَةِ أُمَّتِهِ بِتِلْكَ الشَّرِيعَةِ، وتَنْفِيذِها فِيهِمْ، وهَذا عَمَلٌ لَهُ ارْتِباطٌ قَوِيٌّ بِمُناسَبَةِ خُلُقِ الرَّسُولِ لِطِباعِ أُمَّتِهِ حَتّى يُلائِمَ خُلُقَهُ الوَسائِلُ المُتَوَسَّلُ بِها لِحَمْلِ أُمَّتِهِ عَلى الشَّرِيعَةِ النّاجِحَةِ في البُلُوغِ بِهِمْ إلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى مِنهم. أُرْسِلَ مُحَمَّدٌ ﷺ مَفْطُورًا عَلى الرَّحْمَةِ، فَكانَ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ بِالأُمَّةِ في تَنْفِيذِ شَرِيعَتِهِ بِدُونِ تَساهُلٍ، وبِرِفْقٍ وإعانَةٍ عَلى تَحْصِيلِها، فَلِذَلِكَ جُعِلَ لِينُهُ مُصاحِبًا لِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ أوْدَعَها اللَّهُ فِيهِ، إذْ هو بُعِثَ لِلنّاسِ كافَّةً، ولَكِنِ اخْتارَ اللَّهُ أنْ تَكُونَ دَعْوَتُهُ بَيْنَ العَرَبِ أوَّلَ شَيْءٍ لِحِكْمَةٍ أرادَها اللَّهُ تَعالى في أنْ يَكُونَ العَرَبُ هم مُبَلِّغِي الشَّرِيعَةِ لِلْعالَمِ. والعَرَبُ أُمَّةٌ عُرِفَتْ بِالأنَفَةِ، وإباءِ الضَّيْمِ، وسَلامَةِ الفِطْرَةِ. وسُرْعَةِ الفَهْمِ، وهُمُ المُتَلَقُّونَ الأوَّلُونَ لِلدِّينِ فَلَمْ تَكُنْ تَلِيقُ بِهِمُ الشِّدَّةُ والغِلْظَةُ، ولَكِنَّهم مُحْتاجُونَ إلى اسْتِنْزالِ طائِرِهِمْ في تَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ لَهم، لِيَتَجَنَّبُوا بِذَلِكَ المُكابَرَةَ الَّتِي هي الحائِلُ الوَحِيدُ بَيْنَهم وبَيْنَ الإذْعانِ إلى الحَقِّ. ووَرَدَ أنَّ صَفْحَ النَّبِيءِ ﷺ وعَفْوَهُ ورَحْمَتَهُ كانَ سَبَبًا في دُخُولِ كَثِيرٍ في الإسْلامِ، كَما ذَكَرَ بَعْضُ ذَلِكَ عِياضٌ في كِتابِ الشِّفاءِ. فَضَمِيرُ لَهم عائِدٌ عَلى جَمِيعِ الأُمَّةِ كَما هو مُقْتَضى مَقامِ التَّشْرِيعِ وسِياسَةِ الأُمَّةِ، ولَيْسَ عائِدًا عَلى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ عَصَوْا أمْرَ الرَّسُولِ يَوْمَ أُحُدٍ، لِأنَّهُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ بَعْدَهُ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ إذْ لا يُظَنُّ ذَلِكَ بِالمُسْلِمِينَ، ولِأنَّهُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ بَعْدَهُ وشاوِرْهم في الأمْرِ إذا كانَ المُرادُ المُشاوَرَةَ صفحة ١٤٦ لِلِاسْتِعانَةِ بِآرائِهِمْ، بَلِ المَعْنى: لَوْ كُنْتَ فَظًّا لَنَفَرَكَ كَثِيرٌ مِمَّنِ اسْتَجابَ لَكَ فَهَلَكُوا، أوْ يَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى المُنافِقِينَ المُعَبَّرِ عَنْهم بِقَوْلِهِ وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهم فالمَعْنى: ولَوْ كُنْتَ فَظًّا لَأعْلَنُوا الكُفْرَ وتَفَرَّقُوا عَنْكَ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّكَ لِنْتَ لَهم في وقْعَةِ أُحُدٍ خاصَّةً، لِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَهُ ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ إلَخْ يُنافِي ذَلِكَ المَحْمَلَ. والفَظُّ: السَّيِّئُ الخُلُقِ، الجافِي الطَّبْعِ. والغَلِيظُ القَلْبِ: القاسِيهِ، إذِ الغِلْظَةُ مَجازٌ عَنِ القَسْوَةِ وقِلَّةِ التَّسامُحِ، كَما كانَ اللِّينُ مَجازًا في عَكْسِ ذَلِكَ، وقالَتْ جَوارِي الأنْصارِ لِعُمَرَ - حِينَ انْتَهَرَهُنَّ - (أنْتَ أفَظُّ وأغْلَظُ مِن رَسُولِ اللَّهِ) يُرِدْنَ أنْتَ فَظٌّ وغَلِيظٌ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ. والِانْفِضاضُ: التَّفَرُّقُ. و(مِن حَوْلِكَ) أيْ مِن جِهَتِكَ وإزائِكَ، يُقالُ: حَوْلَهُ وحَوالَيْهِ وحَوْلَيْهِ وحَوالِهِ وبِحِيالِهِ. والضَّمِيرُ لِلَّذِينَ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ، أيِ الَّذِينَ دَخَلُوا في الدِّينِ لِأنَّهم لا يُطِيقُونَ الشِّدَّةَ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ: شُبِّهَتْ هَيْئَةُ النُّفُورِ مِنهُ وكَراهِيَةُ الدُّخُولِ في دِينِهِ بِالِانْفِضاضِ مِن حَوْلِهِ أيِ الفِرارِ عَنْهُ مُتَفَرِّقِينَ، وهو يُؤْذِنُ بِأنَّهم حَوْلَهُ أيْ مُتَّبِعُونَ لَهُ. والتَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ فاعْفُ عَنْهم عَلى قَوْلِهِ لِنْتَ لَهم. الآيَةَ، لِأنَّ جَمِيعَ الأفْعالِ المَأْمُورِ بِها مُناسِبٌ لِلِّينِ، فَأمّا العَفْوُ والِاسْتِغْفارُ فَأمْرُهُما ظاهِرٌ، وأمّا عَطْفُ وشاوِرْهم فَلِأنَّ الخُرُوجَ إلى أُحُدٍ كانَ عَنْ تَشاوُرٍ مَعَهم وإشارَتِهِمْ، ويَشْمَلُ هَذا الضَّمِيرُ جَمِيعَ الَّذِينَ لانَ لَهم ﷺ وهم أصْحابُهُ الَّذِينَ حَوْلَهُ سَواءٌ مَن صَدَرَ مِنهم أمْرٌ يَوْمَ أُحُدٍ وغَيْرُهم. والمُشاوَرَةُ مَصْدَرُ شاوَرَ، والِاسْمُ الشُّورى والمَشُورَةُ - بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ الشِّينِ - أصْلُها مَفْعُلَةٌ - بِضَمِّ العَيْنِ، فَوَقَعَ فِيها نَقْلُ حَرَكَةِ الواوِ إلى السّاكِنِ - . قِيلَ: المُشاوَرَةُ مُشْتَقَّةٌ مِن شارَ الدّابَّةَ إذا اخْتَبَرَ جَرْيَها عِنْدَ العَرْضِ عَلى المُشْتَرِي، وفِعْلُ شارَ الدّابَّةَ مُشْتَقٌّ مِنَ المِشْوارِ وهو المَكانُ الَّذِي تَرْكُضُ فِيهِ الدَّوابُّ. وأصْلُهُ صفحة ١٤٧ مُعَرَّبُ (نَشْخُوارْ) بِالفارِسِيَّةِ وهو ما تُبْقِيهِ الدّابَّةُ مِن عَلَفِها، وقِيلَ: مُشْتَقَّةٌ مِن شارَ العَسَلَ أيْ مِنَ الوَقْبَةِ لِأنَّ بِها يُسْتَخْرَجُ الحَقُّ والصَّوابُ، وإنَّما تَكُونُ في الأمْرِ المُهِمِّ المُشْكِلِ مِن شُئُونِ المَرْءِ في نَفْسِهِ أوْ شُئُونِ القَبِيلَةِ أوْ شُئُونِ الأُمَّةِ. و(ال) في الأمْرِ لِلْجِنْسِ، والمُرادُ بِالأمْرِ المُهِمُّ الَّذِي يُؤْتَمَرُ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُهم: أمْرٌ أمِرٌ، وقالَ أبُو سُفْيانَ لِأصْحابِهِ - في حَدِيثِ هِرَقْلَ - لَقَدْ أمِرَ أمْرُ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ، إنَّهُ يَخافُهُ مَلِكُ بَنِي الأصْفَرِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالأمْرِ أمْرُ الحَرْبِ فاللّامُ لِلْعَهْدِ. وظاهِرُ الأمْرِ أنَّ المُرادَ المُشاوَرَةُ الحَقِيقِيَّةُ الَّتِي يُقْصَدُ مِنها الِاسْتِعانَةُ بِرَأْيِ المُسْتَشارِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَقِبَهُ فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ وشاوِرْهم عائِدٌ عَلى المُسْلِمِينَ خاصَّةً: أيْ شاوِرِ الَّذِينَ أسْلَمُوا مِن بَيْنِ مَن لِنْتَ لَهم، أيْ لا يَصُدُّكَ خَطَلُ رَأْيِهِمْ فِيما بَدا مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ أنْ تَسْتَعِينَ بِرَأْيِهِمْ في مَواقِعَ أُخْرى، فَإنَّما كانَ ما حَصَلَ فَلْتَةً مِنهم، وعَثْرَةً قَدْ أقَلْتُهم مِنها. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ اسْتِشارَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، فالمُرادُ الأخْذُ بِظاهِرِ أحْوالِهِمْ وتَأْلِيفِهِمْ، لَعَلَّهم أنْ يُخْلِصُوا الإسْلامَ أوْ لا يَزِيدُوا نِفاقًا، وقَطْعًا لِأعْذارِهِمْ فِيما يُسْتَقْبَلُ. وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الشُّورى مَأْمُورٌ بِها الرَّسُولُ ﷺ فِيما عَبَّرَ عَنْهُ بِ (الأمْرِ) وهو مُهِمّاتُ الأُمَّةِ ومَصالِحُها في الحَرْبِ وغَيْرِهِ، وذَلِكَ في غَيْرِ أمْرِ التَّشْرِيعِ لِأنَّ الأمْرَ إنْ كانَ فِيهِ وحْيٌ فَلا مَحِيدَ عَنْهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وحْيٌ وقُلْنا بِجَوازِ الِاجْتِهادِ لِلنَّبِيءِ ﷺ في التَّشْرِيعِ فَلا تَدْخُلُ فِيهِ الشُّورى لِأنَّ شَأْنَ الِاجْتِهادِ أنْ يَسْتَنِدَ إلى الأدِلَّةِ لا لِلْآراءِ، والمُجْتَهِدُ لا يَسْتَشِيرُ غَيْرَهُ إلّا عِنْدَ القَضاءِ بِاجْتِهادِهِ كَما فَعَلَ عُمَرُ وعُثْمانُ. فَتَعَيَّنَ أنَّ المُشاوَرَةَ المَأْمُورَ بِها هُنا هي المُشاوَرَةُ في شُئُونِ الأُمَّةِ ومَصالِحِها، وقَدْ أمَرَ اللَّهُ بِها هُنا ومَدَحَها في ذِكْرِ الأنْصارِ في قَوْلِهِ تَعالى وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم صفحة ١٤٨ واشْتَرَطَها في أمْرِ العائِلَةِ فَقالَ فَإنْ أرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنهُما وتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما. فَشَرَعَ بِهاتِهِ الآياتِ المُشاوَرَةَ في مَراتِبِ المَصالِحِ كُلِّها: وهي مَصالِحُ العائِلَةِ ومَصالِحِ القَبِيلَةِ أوِ البَلَدِ، ومَصالِحِ الأُمَّةِ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَدْلُولِ قَوْلِهِ وشاوِرْهم هَلْ هو لِلْوُجُوبِ أوْ لِلنَّدْبِ، وهَلْ هو خاصٌّ بِالرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، أوْ عامٌّ لَهُ ولِوُلاةِ أُمُورِ الأُمَّةِ كُلِّهِمْ. فَذَهَبَ المالِكِيَّةُ إلى الوُجُوبِ والعُمُومِ، قالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَندادُ: واجِبٌ عَلى الوُلاةِ المُشاوَرَةُ، فَيُشاوِرُونَ العُلَماءَ فِيما يُشْكِلُ مِن أُمُورِ الدِّينِ، ويُشاوِرُونَ وُجُوهَ الجَيْشِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالحَرْبِ، ويُشاوِرُونَ وُجُوهَ النّاسِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحِهِمْ، ويُشاوِرُونَ وُجُوهَ الكُتّابِ والعُمّالِ والوُزَراءِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحِ البِلادِ وعِمارَتِها. وأشارَ ابْنُ العَرَبِيِّ إلى وُجُوبِها بِأنَّها سَبَبٌ لِلصَّوابِ فَقالَ: والشُّورى مِسْبارُ العَقْلِ وسَبَبُ الصَّوابِ. يُشِيرُ إلى أنَّنا مَأْمُورُونَ بِتَحَرِّي الصَّوابِ في مَصالِحِ الأُمَّةِ، وما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الواجِبُ فَهو واجِبٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الشُّورى مِن قَواعِدِ الشَّرِيعَةِ وعَزائِمِ الأحْكامِ، ومَن لا يَسْتَشِيرُ أهْلَ العِلْمِ والدِّينِ فَعَزْلُهُ واجِبٌ. وهَذا ما لا اخْتِلافَ فِيهِ. واعْتَرَضَ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلَهُ: فَعَزْلُهُ واجِبٌ، ولَمْ يَعْتَرِضْ كَوْنَها واجِبَةً، إلّا أنَّ ابْنَ عَطِيَّةَ ذَكَرَ ذَلِكَ جازِمًا بِهِ وابْنُ عَرَفَةَ اعْتَرَضَهُ بِالقِياسِ عَلى قَوْلِ عُلَماءِ الكَلامِ بِعَدَمِ عَزْلِ الأمِيرِ إذا ظَهَرَ فِسْقُهُ، يَعْنِي ولا يَزِيدُ تَرْكُ الشُّورى عَلى كَوْنِهِ تَرْكُ واجِبٍ فَهو فِسْقٌ. وقُلْتُ: مَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ، وإنَّ القِياسَ فِيهِ فارِقٌ مُعْتَبَرٌ فَإنَّ الفِسْقَ مَضَرَّتُهُ قاصِرَةٌ عَلى النَّفْسِ وتَرْكُ التَّشاوُرِ تَعْرِيضٌ بِمَصالِحِ المُسْلِمِينَ لِلْخَطَرِ والفَواتِ، ومَحْمَلُ الأمْرِ عِنْدَ المالِكِيَّةِ لِلْوُجُوبِ والأصْلُ عِنْدَهم عَدَمُ الخُصُوصِيَّةِ في التَّشْرِيعِ إلّا لِدَلِيلٍ. وعَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ هَذا لِلِاسْتِحْبابِ، ولِتَقْتَدِيَ بِهِ الأُمَّةُ، وهو عامٌّ لِلرَّسُولِ وغَيْرِهِ، تَطْيِيبًا لِنُفُوسِ أصْحابِهِ ورَفْعًا لِأقْدارِهِمْ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ، وابْنِ إسْحاقَ. ورَدَّ هَذا أبُو بَكْرٍ أحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الرّازِيُّ الحَنَفِيُّ المَشْهُورُ بِالجَصّاصِ بِقَوْلِهِ: لَوْ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم أنَّهم إذا اسْتَفْرَغُوا صفحة ١٤٩ جُهْدَهم في اسْتِنْباطِ الصَّوابِ عَمّا سُئِلُوا عَنْهُ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ مَعْمُولًا بِهِ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ تَطْيِيبٌ لِنُفُوسِهِمْ ولا رَفْعٌ لِأقْدارِهِمْ، بَلْ فِيهِ إيحاشُهم فالمُشاوَرَةُ لَمْ تُفِدْ شَيْئًا فَهَذا تَأْوِيلٌ ساقِطٌ. وقالَ النَّوَوِيُّ، في صَدْرِ كِتابِ الصَّلاةِ مِن شَرْحِ مُسْلِمٍ: الصَّحِيحُ عِنْدَهم وُجُوبُها وهو المُخْتارُ. وقالَ الفَخْرُ: ظاهِرُ الأمْرِ أنَّهُ لِلْوُجُوبِ. ولَمْ يَنْسِبِ العُلَماءُ لِلْحَنَفِيَّةِ قَوْلًا في هَذا الأمْرِ إلّا أنَّ الجَصّاصَ قالَ في كِتابِهِ أحْكامِ القُرْآنِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم: هَذا يَدُلُّ عَلى جَلالَةِ مَوْقِعِ المَشُورَةِ لِذِكْرِها مَعَ الإيمانِ وإقامَةِ الصَّلاةِ ويَدُلُّ عَلى أنَّنا مَأْمُورُونَ بِها. ومَجْمُوعُ كَلامَيِ الجَصّاصِ يَدُلُّ أنَّ مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ وُجُوبُها. ومِنَ السَّلَفِ مَن ذَهَبَ إلى اخْتِصاصِ الوُجُوبِ بِالنَّبِيءِ ﷺ قالَهُ الحَسَنُ وسُفْيانُ، وإنَّما أُمِرَ بِها لِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ وتَشِيعَ في أُمَّتِهِ وذَلِكَ فِيما لا وحْيَ فِيهِ. وقَدِ اسْتَشارَ النَّبِيءُ ﷺ أصْحابَهُ في الخُرُوجِ لِبَدْرٍ، وفي الخُرُوجِ إلى أُحُدٍ، وفي شَأْنِ الأسْرى يَوْمَ بَدْرٍ، واسْتَشارَ عُمُومَ الجَيْشِ في رَدِّ سَبْيِ هَوازِنَ. والظّاهِرُ أنَّها لا تَكُونُ في الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ لِأنَّ الأحْكامَ إنْ كانَتْ بِوَحْيٍ فَظاهِرٌ، وإنْ كانَتِ اجْتِهادِيَّةً، بِناءً عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ لِلنَّبِيءِ ﷺ في الأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ، فالِاجْتِهادُ إنَّما يَسْتَنِدُ لِلْأدِلَّةِ لا لِلْآراءِ وإذا كانَ المُجْتَهِدُ مِن أُمَّتِهِ لا يَسْتَشِيرُ في اجْتِهادِهِ، فَكَيْفَ تَجِبُ الِاسْتِشارَةُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ مَعَ أنَّهُ لَوِ اجْتَهَدَ وقُلْنا بِجَوازِ الخَطَإ عَلَيْهِ فَإنَّهُ لا يُقَرُّ عَلى خَطَإٍ بِاتِّفاقِ العُلَماءِ. ولَمْ يَزَلْ مِن سُنَّةِ خُلَفاءِ العَدْلِ اسْتِشارَةُ أهْلِ الرَّأْيِ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ، قالَ البُخارِيُّ في كِتابِ الِاعْتِصامِ مِن صَحِيحِهِ وكانَتِ الأئِمَّةُ بَعْدَ النَّبِيءِ ﷺ يَسْتَشِيرُونَ الأُمَناءَ مِن أهْلِ العِلْمِ، وكانَ القُرّاءُ أصْحابَ مَشُورَةِ عُمَرَ: كُهُولًا كانُوا أوْ شُبّانًا، وكانَ وقّافًا عِنْدَ كِتابِ اللَّهِ. وأخْرَجَ الخَطِيبُ «عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ الأمْرُ يَنْزِلُ بَعْدَكَ لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ القُرْآنُ ولَمْ يُسْمَعْ مِنكَ فِيهِ شَيْءٌ قالَ: اجْمَعُوا لَهُ العابِدَ مِن أُمَّتِي واجْعَلُوهُ بَيْنَكم شُورى ولا تَقْضُوهُ بِرَأْيٍ واحِدٍ» . واسْتَشارَ أبُو صفحة ١٥٠ بَكْرٍ في قِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ، وتَشاوَرَ الصَّحابَةُ في أمْرِ الخَلِيفَةِ بَعْدَ وفاةِ النَّبِيءِ ﷺ، وجَعَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الأمْرَ شُورى بَعْدَهُ في سِتَّةٍ عَيَّنَهم، وجَعَلَ مُراقَبَةَ الشُّورى لِخَمْسِينَ مِنَ الأنْصارِ، وكانَ عُمَرُ يَكْتُبُ لِعُمّالِهِ يَأْمُرُهم بِالتَّشاوُرِ، ويَتَمَثَّلُ لَهم في كُتُبِهِ بِقَوْلِ الشّاعِرِ - لَمْ أقِفْ عَلى اسْمِهِ -: خَلِيلَيَّ لَيْسَ الرَّأْيُ في صَدْرِ واحِدٍ أشِيرا عَلَيَّ بِالَّذِي تَرَيانِ هَذا والشُّورى مِمّا جَبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الإنْسانَ في فِطْرَتِهِ السَّلِيمَةِ أيْ فَطَرَهُ عَلى مَحَبَّةِ الصَّلاحِ وتَطَلُّبِ النَّجاحِ في المَساعِي، ولِذَلِكَ قَرَنَ اللَّهُ تَعالى خَلْقَ أصْلِ البَشَرِ بِالتَّشاوُرِ في شَأْنِهِ إذْ قالَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً، إذْ قَدْ غَنِيَ اللَّهُ عَنْ إعانَةِ المَخْلُوقاتِ في الرَّأْيِ ولَكِنَّهُ عَرَضَ عَلى المَلائِكَةِ مُرادَهُ لِيَكُونَ التَّشاوُرُ سُنَّةً في البَشَرِ ضَرُورَةَ أنَّهُ مُقْتَرِنٌ بِتَكْوِينِهِ، فَإنَّ مُقارَنَةَ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ في أصْلِ التَّكْوِينِ يُوجِبُ إلْفَهُ وتَعارُفَهُ. ولَمّا كانَتِ الشُّورى مَعْنًى مِنَ المَعانِي لا ذاتَ لَها في الوُجُودِ جَعَلَ اللَّهُ إلْفَها لِلْبَشَرِ بِطَرِيقَةِ المُقارَنَةِ في وقْتِ التَّكْوِينِ. ولَمْ تَزَلِ الشُّورى في أطْوارِ التّارِيخِ رائِجَةً في البَشَرِ فَقَدِ اسْتَشارَ فِرْعَوْنُ في شَأْنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما حَكى اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ. واسْتَشارَتْ بِلْقِيسُ في شَأْنِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما حَكى اللَّهُ عَنْها بِقَوْلِهِ ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢] وإنَّما يُلْهِي النّاسَ عَنْها حُبُّ الِاسْتِبْدادِ، وكَراهِيَةُ سَماعِ ما يُخالِفُ الهَوى، وذَلِكَ مِنَ انْحِرافِ الطَّبائِعِ ولَيْسَ مِن أصْلِ الفِطْرَةِ، ولِذَلِكَ يُهْرَعُ المُسْتَبِدُّ إلى الشُّورى عِنْدَ المَضائِقِ. قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في بَهْجَةِ المَجالِسِ: الشُّورى مَحْمُودَةٌ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ ولا أعْلَمُ أحَدًا رَضِيَ الِاسْتِبْدادَ إلّا رَجُلٌ مَفْتُونٌ مُخادِعٌ لِمَن يَطْلُبُ عِنْدَهُ فائِدَةً، أوْ رَجُلٌ فاتِكٌ يُحاوِلُ حِينَ الغَفْلَةِ، وكِلا الرَّجُلَيْنِ فاسِقٌ. ومَثَلُ أوَّلِهُما قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: واسْتَبَدَّتْ مَرَّةً واحِدَةً ∗∗∗ إنَّما العاجِزُ مَن لا يَسْتَبِدْ ومَثَلُ ثانِيهِما قَوْلُ سَعْدِ بْنِ ناشِبٍ: صفحة ١٥١ إذا هَمَّ ألْقى بَيْنَ عَيْنَيْهِ عَزْمَهُ ∗∗∗ ونَكَّبَ عَنْ ذِكْرِ العَواقِبِ جانِبا ولَمْ يَسْتَشِرْ في أمْرِهِ غَيْرَ نَفْسِهِ ∗∗∗ ولَمْ يَرْضَ إلّا قائِمَ السَّيْفِ صاحِبا ومِن أحْسَنِ ما قِيلَ في الشُّورى قَوْلُ بَشّارِ بْنِ بُرْدٍ: إذا بَلَغَ الرَّأْيُ المَشُورَةَ فاسْتَعِنْ ∗∗∗ بِحَزْمِ نَصِيحٍ أوْ نَصِيحَةِ حازِمِ ولا تَحْسَبِ الشُّورى عَلَيْكَ غَضاضَةً ∗∗∗ مَكانُ الخَوافِي قُوَّةٌ لِلْقَوادِمِ وهِيَ أبْياتٌ كَثِيرَةٌ مُثْبَتَةٌ في كُتُبِ الأدَبِ. وقَوْلُهُ ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ العَزْمُ هو تَصْمِيمُ الرَّأْيِ عَلى الفِعْلِ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ عَزَمْتَ لِأنَّهُ دَلَّ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ عَنْ قَوْلِهِ وشاوِرْهم في الأمْرِ، فالتَّقْدِيرُ فَإذا عَزَمْتَ عَلى الأمْرِ. وقَدْ ظَهَرَ مِنَ التَّفْرِيعِ أنَّ المُرادَ: فَإذا عَزَمْتَ بَعْدَ الشُّورى أيْ تَبَيَّنَ لَكَ وجْهُ السَّدادِ فِيما يَجِبُ أنْ تَسْلُكَهُ فَعَزَمْتَ عَلى تَنْفِيذِهِ سَواءٌ كانَ عَلى وفْقِ بَعْضِ آراءِ أهْلِ الشُّورى أمْ كانَ رَأْيًا آخَرَ لاحَ لِلرَّسُولِ سَدادُهُ فَقَدْ يَخْرُجُ مِن آراءِ أهْلِ الشُّورى رَأْيٌ، وفي المَثَلِ (ما بَيْنَ الرَّأْيَيْنِ رَأْيٌ) . وقَوْلُهُ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ التَّوَكُّلُ حَقِيقَتُهُ الِاعْتِمادُ، وهو هُنا مَجازٌ في الشُّرُوعِ في الفِعْلِ مَعَ رَجاءِ السَّدادِ فِيهِ مِنَ اللَّهِ، وهو شَأْنُ أهْلِ الإيمانِ، فالتَّوَكُّلُ انْفِعالٌ قَلْبِيٌّ عَقْلِيٌّ يَتَوَجَّهُ بِهِ الفاعِلُ إلى اللَّهِ راجِيًا الإعانَةَ ومُسْتَعِيذًا مِنَ الخَيْبَةِ والعَوائِقِ، ورُبَّما رافَقَهُ قَوْلٌ لِسانِيٌّ وهو الدُّعاءُ بِذَلِكَ. وبِذَلِكَ يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ دَلِيلٌ عَلى جَوابِ إذا، وفَرْعٌ عَنْهُ، والتَّقْدِيرُ: فَإذا عَزَمْتَ فَبادِرْ ولا تَتَأخَّرْ وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ، لِأنَّ لِلتَّأخُّرِ آفاتٍ، والتَّرَدُّدُ يُضَيِّعُ الأوْقاتِ، ولَوْ كانَ التَّوَكُّلُ هو جَوابُ إذا لَما كانَ لِلشُّورى فائِدَةٌ لِأنَّ الشُّورى كَما عَلِمْتَ لِقَصْدِ اسْتِظْهارِ أنْفَعِ الوَسائِلِ لِحُصُولِ الفِعْلِ المَرْغُوبِ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ وأقْرَبِهِ، فَإنَّ القَصْدَ مِنها العَمَلُ بِما يَتَّضِحُ مِنها، ولَوْ كانَ المُرادُ حُصُولَ التَّوَكُّلِ مِن أوَّلِ خُطُورِ الخاطِرِ، لَما كانَ لِلْأمْرِ بِالشُّورى مِن فائِدَةٍ. وهَذِهِ الآيَةُ أوْضَحُ آيَةٍ في الإرْشادِ إلى مَعْنى التَّوَكُّلِ الَّذِي حَرَّفَ القاصِرُونَ ومَن كانَ عَلى شاكِلَتِهِمْ مَعْناهُ، فَأفْسَدُوا هَذا الدِّينَ مِن مَبْناهُ. صفحة ١٥٢ وقَوْلُهُ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ لِأنَّ التَّوَكُّلَ عَلامَةُ صِدْقِ الإيمانِ، وفِيهِ مُلاحَظَةُ عَظَمَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، واعْتِقادُ الحاجَةِ إلَيْهِ، وعَدَمُ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ، وهَذا أدَبٌ عَظِيمٌ مَعَ الخالِقِ يَدُلُّ عَلى مَحَبَّةِ العَبْدِ رَبَّهُ فَلِذَلِكَ أحَبَّهُ اللَّهُ.

آل عمران 3:160

﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكم وإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ . اسْتِئْنافٌ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١٥٧] أوْ عَنْ قَوْلِهِ ﴿لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لِإخْوانِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٦] الآيَةَ. ولَوْ حُمِلَ هَذا الخَبَرُ عَلى ظاهِرِ الإخْبارِ لَكانَ إخْبارًا بِأمْرٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ المُخاطَبِينَ إذْ هم مُؤْمِنُونَ، ولا يَجْهَلُ مُؤْمِنٌ أنَّ اللَّهَ إذا قَدَّرَ نَصْرَ أحَدٍ فَلا رادَّ لِنَصْرِهِ، وأنَّهُ إذا قَدَّرَ خَذْلَهُ فَلا مَلْجَأ لَهُ مِنَ الهَزِيمَةِ، فَإنَّ مِثْلَ هَذا المَعْنى مُحَقَّقٌ في جانِبِ اللَّهِ لا يَجْهَلُهُ مُعْتَرِفٌ بِإلَهِيَّتِهِ، مُؤْمِنٌ بِوَحْدانِيَّتِهِ، وهَلْ بَعْدَ اعْتِقادِ نَفْيِ الشَّرِيكِ عَنِ اللَّهِ في مُلْكِهِ مَجالٌ لِاعْتِقادِ وُجُودِ مُمانِعٍ لَهُ في إرادَتِهِ، فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ هَذا الخَبَرُ مُرادًا غَيْرَ ظاهِرِ الإخْبارِ، وأحْسَنُ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ تَقْرِيرًا لِتَسْلِيَةِ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أصابَهم مِنَ الهَزِيمَةِ، حَتّى لا يَحْزَنُوا عَلى ما فاتَ لِأنَّ رَدَّ الأُمُورِ إلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ العَجْزِ عَنْ تَدارُكِها مَسْلاةٌ لِلنَّفْسِ، وعَزاءٌ عَلى المُصِيبَةِ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ إلى أنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَوْمًا في بَعْضِ الأيّامِ، وخَذْلَهُ إيّاهم في بَعْضِها، لا يَكُونُ إلّا لِحِكَمٍ وأسْبابٍ، فَعَلَيْهِمُ السَّعْيُ في أسْبابِ الرِّضا المُوجِبُ لِلنَّصْرِ، وتَجَنُّبُ أسْبابِ السُّخْطِ المُوجِبِ لِلْخَذْلِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] وقَوْلُهُ ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران: ١٥٣] وقَوْلُهُ الآتِي ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى﴾ [آل عمران: ١٦٥] هَذا وعَلَيْهِمُ التَّطَلُّبُ لِلْأسْبابِ الَّتِي قُدِّرَ لَهُمُ النَّصْرُ لِأجْلِها في مِثْلِ يَوْمِ بَدْرٍ، وأضْدادِها الَّتِي كانَ بِها الخَذْلُ في يَوْمِ أُحُدٍ، وفي التَّفْكِيرِ في ذَلِكَ مَجالٌ واسِعٌ لِمُكاشَفاتِ الحَقائِقِ والعِلَلِ والأسْبابِ والحِكَمِ والمَنافِعِ والمَضارِّ صفحة ١٥٣ عَلى قَدْرِ سَعَةِ التَّفْكِيرِ الجائِلِ في ذَلِكَ، فَفي هَذا الخَبَرِ العَظِيمِ إطْلاقٌ لِلْأفْكارِ مِن عِقالِها، وزَجٌّ بِها في مَسارِحِ العِبَرِ، ومَراكِضِ العِظاتِ، والسّابِقُونَ الجِيادُ، فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ وهو الحَضُّ عَلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ. وعَلى هَذا الوَجْهِ تَظْهَرُ مُناسَبَةُ مَوْقِعِ هَذا الِاسْتِئْنافِ عَقِبَ ما تَقَدَّمَهُ: لِأنَّهُ بَعْدَ أنْ خاطَبَهم بِفُنُونِ المَلامِ والمَعْذِرَةِ والتَّسْلِيَةِ مِن قَوْلِهِ قَدْ خَلَتْ سُنَنٌ إلى هُنا، جَمَعَ لَهم كُلَّ ذَلِكَ في كَلامٍ جامِعٍ نافِعٍ في تَلَقِّي الماضِي، وصالِحٍ لِلْعَمَلِ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإخْبارُ مَبْنِيًّا عَلى تَنْزِيلِ العالِمِ مَنزِلَةَ الجاهِلِ، حَيْثُ أظْهَرُوا مِنَ الحِرْصِ عَلى الغَنِيمَةِ ومِنَ التَّأوُّلِ في أمْرِ الرَّسُولِ لَهم في الثَّباتِ، ومِنَ التَّلَهُّفِ عَلى ما أصابَهم مِنَ الهَزِيمَةِ والقَتْلِ والجَرْحِ، ما جَعَلَ حالَهم كَحالِ مَن يَجْهَلُ أنَّ النَّصْرَ والخَذْلَ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى. فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ. والنَّصْرُ: الإعانَةُ عَلى الخَلاصِ مِن غَلَبِ العَدُوِّ ومُرِيدِ الإضْرارِ. والخِذْلانُ ضِدُّهُ: وهو إمْساكُ الإعانَةِ مَعَ القُدْرَةِ، مَأْخُوذَةٌ مِن خَذَلَتِ الوَحْشِيَّةُ إذا تَخَلَّفَتْ عَنِ القَطِيعِ لِأجْلِ عَجْزِ ولَدِها عَنِ المَشْيِ. ومَعْنى إنْ يَنْصُرْكُمُ وإنْ يَخْذُلْكم إنْ يُرِدْ هَذا لَكم، وإلّا لَما اسْتَقامَ جَوابُ الشَّرْطِ الأوَّلِ وهو فَلا غالِبَ لَكم إذْ لا فائِدَةَ في تَرْتِيبِ عَدَمِ الغَلَبِ عَلى حُصُولِ النَّصْرِ بِالفِعْلِ، ولا سِيَّما مَعَ نَفْيِ الجِنْسِ في قَوْلِهِ فَلا غالِبَ لَكم، لِأنَّهُ يَصِيرُ مِنَ الإخْبارِ بِالمَعْلُومِ، كَما تَقُولُ: إنْ قُمْتَ فَأنْتَ لَسْتَ بِقاعِدٍ. وأمّا فِعْلُ الشَّرْطِ الثّانِي وهو وإنْ يَخْذُلْكم فَيُقَدَّرُ كَذَلِكَ حَمْلًا عَلى نَظِيرِهِ، وإنْ كانَ يَسْتَقِيمُ المَعْنى بِدُونِ تَأْوِيلٍ فِيهِ. وهَذا مِنَ اسْتِعْمالِ الفِعْلِ في مَعْنى إرادَةِ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآيَةَ. وجَعْلُ الجَوابِ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا غالِبَ لَكُمْ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: لا تُغْلَبُوا، لِلتَّنْصِيصِ عَلى التَّعْمِيمِ في الجَوابِ، لِأنَّ عُمُومَ تَرَتُّبِ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ أغْلَبِيٌّ وقَدْ يَكُونُ جُزْئِيًّا أيْ لا تُغْلَبُوا مِن بَعْضِ المُغالِبِينَ، فَأُرِيدَ بِإفادَةِ التَّعْمِيمِ دَفْعُ التَّوَهُّمِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ﴾ إنْكارِيٌّ أيْ فَلا يَنْصُرُكم أحَدٌ غَيْرُهُ. صفحة ١٥٤ وكَلِمَةُ مِن بَعْدِهِ هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في لازِمِ مَعْناها وهو المُغايَرَةُ والمُجاوَرَةُ: أيْ فَمَنِ الَّذِي يَنْصُرُكم دُونَهُ أوْ غَيْرَهُ أيْ دُونَ اللَّهِ، فالضَّمِيرُ ضَمِيرُ اسْمِ الجَلالَةِ لا مَحالَةَ، واسْتِعْمالُ ”بَعْدُ“ في مِثْلِ هَذا شائِعٌ في القُرْآنِ قالَ تَعالى فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ. وأصْلُ هَذا الِاسْتِعْمالِ أنَّهُ كالتَّمْثِيلِيَّةِ المَكْنِيَّةِ: بِأنْ مُثِّلَتِ الحالَةُ الحاصِلَةُ مِن تَقْدِيرِ الِانْكِسارِ بِحالَةِ مَن أسْلَمَ الَّذِي اسْتَنْصَرَ بِهِ وخَذَلَهُ فَتَرَكَهُ وانْصَرَفَ عَنْهُ، لِأنَّ المُقاتِلَ مَعَكَ إذا ولّى عَنْكَ فَقَدْ خَذَلَكَ، فَحَذَفَ ما يَدُلُّ عَلى الحالَةِ المُشَبَّهَةِ بِها ورَمَزَ بِها إلَيْهِ بِلازِمَةٍ وهو لَفْظُ مِن بَعْدِهِ. وجُمْلَةُ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ تَذْيِيلٌ قُصِدَ بِهِ الأمْرُ بِالتَّوَكُّلِ المُسْتَنِدِ إلى ارْتِكابِ أسْبابِ نَصْرِ اللَّهِ تَعالى: مِن أسْبابٍ عادِيَّةٍ وهي الِاسْتِعْدادُ، وأسْبابٍ نَفْسانِيَّةٍ وهي تَزْكِيَةُ النَّفْسِ واتِّباعُ رِضى اللَّهِ تَعالى.

آل عمران 3:161

﴿وما كانَ لِنَبِيءٍ أنْ يُغَلَّ ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ تَوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ . الأظْهَرُ أنَّهُ عُطِفَ عَلى مَجْمُوعِ الكَلامِ عَطْفُ الغَرَضِ عَلى الغَرَضِ. ومَوْقِعُهُ عَقِبَ جُمْلَةِ إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكم. الآيَةَ، لِأنَّها أفادَتْ أنَّ النَّصْرَ بِيَدِ اللَّهِ والخَذْلَ بِيَدِهِ، يَسْتَلْزِمُ التَّحْرِيضَ عَلى طَلَبِ مَرْضاتِهِ لِيَكُونَ لَطِيفًا بِمَن يُرْضُونَهُ. وإذْ قَدْ كانَتْ هَذِهِ النَّصائِحُ والمَواعِظُ مُوَجَّهَةً إلَيْهِمْ لِيَعْمَلُوا بِها فِيما يُسْتَقْبَلُ مِن غَزَواتِهِمْ، نُبِّهُوا إلى شَيْءٍ يَسْتَخِفُّ بِهِ الجَيْشُ في الغَزَواتِ، وهو الغُلُولُ لِيَعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ لا يُرْضِي اللَّهَ تَعالى فَيَحْذَرُوهُ ويَكُونُوا مِمّا هو أدْعى لِغَضَبِ اللَّهِ أشَدَّ حَذَرًا فَهَذِهِ مُناسَبَةُ التَّحْذِيرِ مِنَ الغُلُولِ ويُعَضِّدُ ذَلِكَ أنَّ سَبَبَ هَزِيمَتِهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ هو تَعَجُّلُهم إلى أخْذِ الغَنائِمِ. والغُلُولُ: تَعَجُّلٌ بِأخْذِ شَيْءٍ مِن غالِّ الغَنِيمَةِ. ولا تَجِدُ غَيْرَ هَذا يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ مُناسِبًا لِتَعْقِيبِ آيَةِ النَّصْرِ بِآيَةِ الغُلُولِ، فَإنَّ غَزْوَةَ أُحُدٍ الَّتِي أتَتِ السُّورَةُ عَلى قِصَّتِها لَمْ يَقَعْ فِيها غُلُولٌ ولا كائِنٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِيها غَنِيمَةٌ وما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مِن قَضِيَّةِ غُلُولٍ وقَعَتْ يَوْمَ بَدْرٍ صفحة ١٥٥ فِي قَطِيفَةٍ حَمْراءَ أوْ في سَيْفٍ لا يَسْتَقِيمُ هُنا، لِبُعْدِ ما بَيْنَ غَزْوَةِ بَدْرٍ وغَزْوَةِ أُحُدٍ، فَضْلًا عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُهم مِن نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في حِرْصِ الأعْرابِ عَلى قِسْمَةِ الغَنائِمِ يَوْمَ حُنَيْنٍ الواقِعِ بَعْدَ غَزْوَةِ أُحُدٍ بِخَمْسِ سِنِينَ وقَرَأ جُمْهُورُ العَشَرَةِ: يُغَلَّ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الغَيْنِ وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الغَيْنِ. والفِعْلُ مُشْتَقٌّ مِنَ الغُلُولِ وهو أخْذُ شَيْءٍ مِنَ الغَنِيمَةِ بِدُونِ إذْنِ أمِيرِ الجَيْشِ، والغُلُولُ مَصْدَرٌ غَيْرُ قِياسِيٍّ، ويُطْلَقُ الغُلُولُ عَلى الخِيانَةِ في المالِ مُطْلَقًا. وصِيغَةُ وما كانَ لِنَبِيءٍ أنْ يُغَلَّ صِيغَةُ جَحُودٍ تُفِيدُ مُبالَغَةَ النَّفْيِ. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوءَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ فَإذا اسْتُعْمِلَتْ في الإنْشاءِ كَما هُنا أفادَتِ المُبالَغَةَ في النَّهْيِ. والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ نَهْيُ جَيْشِ النَّبِيءِ عَنْ أنْ يَغُلُّوا لِأنَّ الغُلُولَ في غَنائِمِ النَّبِيءِ ﷺ غُلُولٌ لِلنَّبِيءِ، إذْ قِسْمَةُ الغَنائِمِ إلَيْهِ. وأمّا عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ فَمَعْنى أنَّ النَّبِيءَ لا يَغُلُّ أنَّهُ لا يَقَعُ الغُلُولُ في جَيْشِهِ فَإسْنادُ الغُلُولِ إلى النَّبِيءِ مَجازٌ لِمُلابَسَةِ جَيْشِ النَّبِيءِ نَبِيئَهم، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ: ما كانَ لِجَيْشِ نَبِيءٍ أنْ يَغُلَّ. ولِبَعْضِ المُفَسِّرِينَ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ ومَن بَعْدَهم تَأْوِيلاتٌ لِلْمَعْنى عَلى هَذِهِ القِراءَةِ فِيها سَماجَةٌ. ومَعْنى ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهُ يَأْتِي بِهِ مُشَهَّرًا مَفْضُوحًا بِالسَّرِقَةِ. ومِنَ اللَّطائِفِ ما في البَيانِ والتَّبْيِينِ لِلْجاحِظِ: أنَّ مَزْيَدًا رَجُلًا مِنَ الأعْرابِ سَرَقَ نافِجَةَ مِسْكٍ، فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ تَسْرِقُها وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ؟ فَقالَ: إذَنْ أحْمِلُها طَيِّبَةَ الرِّيحِ خَفِيفَةَ المَحْمَلِ. وهَذا تَمْلِيحٌ وتَلَقِّي المُخاطَبِ بِغَيْرِ ما يَتَرَقَّبُ. وقَرِيبٌ مِنهُ ما حُكِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، - والدَّرْكُ عَلى مَن حَكاهُ -، قالُوا: لَمّا بَعَثَ إلَيْهِ عُثْمانُ لِيُسَلِّمَ صفحة ١٥٦ مُصْحَفَهُ لِيَحْرِقَهُ بَعْدَ أنِ اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلى المُصْحَفِ الَّذِي كُتِبَ في عَهْدِ أبِي بَكْرٍ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ اللَّهَ قالَ ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ وإنِّي غالٌّ مُصْحَفِي فَمَنِ اسْتَطاعَ مِنكم أنْ يَغُلَّ مُصْحَفَهُ فَلْيَفْعَلْ. ولا أثِقُ بِصِحَّةِ هَذا الخَبَرِ لِأنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ يَعْلَمُ أنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ الغُلُولِ. وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى العُقُوبَةِ بَعْدَ التَّفْضِيحِ، إذْ قَدْ عُلِمَ أنَّ الكَلامَ السّابِقَ مَسُوقٌ مَساقُ النَّهْيِ، وجِيءَ بِـ (ثُمَّ) لِلدَّلالَةِ عَلى طُولِ مُهْلَةِ التَّفْضِيحِ، ومِن جُمْلَةِ النُّفُوسِ الَّتِي تُوَفّى ما كَسَبَتْ نَفْسُ مَن يَغْلُلْ، فَقَدْ دَخَلَ في العُمُومِ. وجُمْلَةُ وهم لا يُظْلَمُونَ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَها وهي تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ. والآيَةُ دَلَّتْ عَلى تَحْرِيمِ الغُلُولِ وهو أخْذُ شَيْءٍ مِنَ المَغْنَمِ بِغَيْرِ إذْنِ أمِيرِ الجَيْشِ، وهو مِنَ الكَبائِرِ لِأنَّهُ مِثْلُ السَّرِقَةِ، وأصَحُّ ما في الغُلُولِ حَدِيثُ المُوَطَّأِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَجَعَ مِن خَيْبَرَ قاصِدًا وادِيَ القُرى وكانَ لَهُ عَبْدٌ أسْوَدُ يُدْعى مِدْعَمًا، فَبَيْنَما هو يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ جاءَهُ سَهْمٌ عائِرٌ فَقَتَلَهُ، فَقالَ النّاسُ، هَنِيئًا لَهُ الجَنَّةُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلّا والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أخَذَها يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الغَنائِمِ لَمْ تَصُبْها المَقاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نارًا» . ومَن غَلَّ في المَغْنَمِ يُؤْخَذُ مِنهُ ما غَلَّهُ ويُؤَدَّبُ بِالِاجْتِهادِ، ولا قَطْعَ فِيهِ بِاتِّفاقٍ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ الأوْزاعِيُّ، وإسْحاقُ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وجَماعَةٌ: يُحْرَقُ مَتاعُ الغالِّ كُلُّهُ عَدا سِلاحَهُ وسَرْجَهُ، ويُرَدُّ ما غَلَّهُ إلى بَيْتِ المالِ، واسْتَدَلُّوا بِحَدِيثٍ رَواهُ صالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زائِدَةَ أبُو واقِدٍ اللَّيْثِيُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: إذا وجَدْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ غَلَّ فاحْرِقُوا مَتاعَهُ واضْرِبُوهُ» وهو حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، قالَ التِّرْمِذِيُّ سَألْتُ مُحَمَّدًا - يَعْنِي البُخارِيَّ - عَنْهُ فَقالَ إنَّما رَواهُ صالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وهو مُنْكَرُ الحَدِيثِ. عَلى أنَّهُ لَوْ صَحَّ لَوَجَبَ تَأْوِيلُهُ لِأنَّ قَواعِدَ الشَّرِيعَةِ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ تَأْوِيلِهِ فالأخْذُ بِهِ إغْراقٌ في التَّعَلُّقِ بِالظَّواهِرِ ولَيْسَ مِنَ التَّفَقُّهِ في شَيْءٍ.

آل عمران 3:162

صفحة ١٥٧ ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ . تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١] فَهو كالبَيانِ لِتَوْفِيَةِ كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ لِلْمُماثَلَةِ المُسْتَفادَةِ مِن كافِ التَّشْبِيهِ فَهو بِمَعْنى لا يَسْتَوُونَ. والِاتِّباعُ هُنا بِمَعْنى التَّطَلُّبِ: شَبَّهَ حالَ المُتَوَخِّي بِأفْعالِهِ رِضى اللَّهِ بِحالِ المُتَطَلِّبِ لِطِلْبَةٍ فَهو يَتْبَعُها حَيْثُ حَلَّ لِيَقْتَنِصَها، وفي هَذا التَّشْبِيهِ حُسْنُ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ التَّحْصِيلَ عَلى رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى مُحْتاجٌ إلى فَرْطِ اهْتِمامٍ. وفي فِعْلِ باءَ مِن قَوْلِهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ تَمْثِيلٌ لِحالِ صاحِبِ المَعاصِي بِالَّذِي خَرَجَ يَطْلُبُ ما يَنْفَعُهُ فَرَجَعَ بِما يَضُرُّهُ، أوْ رَجَعَ بِالخَيْبَةِ كَما تَقَدَّمَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ عُلِمَ مِن هَذِهِ المُقابَلَةِ حالُ أهْلِ الطّاعَةِ وأهْلِ المَعْصِيَةِ، أوْ أهْلِ الإيمانِ وأهْلِ الكُفْرِ. وقَوْلُهُ هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ عادَ الضَّمِيرُ لـِ (مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ) لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ، ولِقَرِينَةِ قَوْلِهِ دَرَجاتٌ لِأنَّ الدَّرَجاتِ مَنازِلُ رِفْعَةٍ. وقَوْلُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَشْرِيفٌ لِمَنازِلِهِمْ.

آل عمران 3:163

صفحة ١٥٧ ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ . تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١] فَهو كالبَيانِ لِتَوْفِيَةِ كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ لِلْمُماثَلَةِ المُسْتَفادَةِ مِن كافِ التَّشْبِيهِ فَهو بِمَعْنى لا يَسْتَوُونَ. والِاتِّباعُ هُنا بِمَعْنى التَّطَلُّبِ: شَبَّهَ حالَ المُتَوَخِّي بِأفْعالِهِ رِضى اللَّهِ بِحالِ المُتَطَلِّبِ لِطِلْبَةٍ فَهو يَتْبَعُها حَيْثُ حَلَّ لِيَقْتَنِصَها، وفي هَذا التَّشْبِيهِ حُسْنُ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ التَّحْصِيلَ عَلى رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى مُحْتاجٌ إلى فَرْطِ اهْتِمامٍ. وفي فِعْلِ باءَ مِن قَوْلِهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ تَمْثِيلٌ لِحالِ صاحِبِ المَعاصِي بِالَّذِي خَرَجَ يَطْلُبُ ما يَنْفَعُهُ فَرَجَعَ بِما يَضُرُّهُ، أوْ رَجَعَ بِالخَيْبَةِ كَما تَقَدَّمَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ عُلِمَ مِن هَذِهِ المُقابَلَةِ حالُ أهْلِ الطّاعَةِ وأهْلِ المَعْصِيَةِ، أوْ أهْلِ الإيمانِ وأهْلِ الكُفْرِ. وقَوْلُهُ هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ عادَ الضَّمِيرُ لـِ (مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ) لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ، ولِقَرِينَةِ قَوْلِهِ دَرَجاتٌ لِأنَّ الدَّرَجاتِ مَنازِلُ رِفْعَةٍ. وقَوْلُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَشْرِيفٌ لِمَنازِلِهِمْ.

آل عمران 3:164

﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ . اسْتِئْنافٌ لِتَذْكِيرِ رِجالِ يَوْمِ أُحُدٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. ومُناسَبَةِ ذِكْرِهِ هُنا أنَّ فِيهِ مِنَ التَّسْلِيَةِ عَلى مُصِيبَةِ الهَزِيمَةِ حَظًّا عَظِيمًا، إذْ قَدْ صفحة ١٥٨ شاعَ تَصْبِيرُ المَحْزُونِ وتَعْزِيَتُهُ بِتَذْكِيرِهِ ما هو فِيهِ مِنَ النِّعَمِ، ولَهُ مَزِيدُ ارْتِباطٍ بِقَوْلِهِ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم، وكَذَلِكَ جاءَتْ آيُ هَذا الغَرَضِ في قِصَّةِ أُحُدٍ ناشِئًا بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، مُتَفَنِّنَةً في مَواقِعِها بِحَسَبِ ما سَمَحَتْ بِهِ فُرَصُ الفَراغِ مِن غَرَضٍ والشُّرُوعِ في غَيْرِهِ فَما تَجِدُ طَرّادَ الكَلامِ يَغْدُو طَلْقًا في حَلْبَةِ الِاسْتِطْرادِ إلّا وتَجِدُ لَهُ رَواحًا إلى مُنْبَعَثِهِ. والمَنُّ هُنا: إسْداءُ المِنَّةِ أيِ النِّعْمَةِ، ولَيْسَ هو تَعْدادُ النِّعْمَةِ، عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ مِثْلُ الَّذِي في قَوْلِهِ لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى في سُورَةِ البَقَرَةِ، وإنْ كانَ ذِكْرُ هَذا المَنِّ مَنًّا بِالمَعْنى الآخَرِ، والكُلُّ مَحْمُودٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ المَنَّ إنَّما كانَ مَذْمُومًا لِما فِيهِ مِن إبْداءِ التَّطاوُلِ عَلى المُنْعَمِ عَلَيْهِ، وطَوْلُ اللَّهِ لَيْسَ بِمَجْحُودٍ. والمُرادُ بِ (المُؤْمِنِينَ) هُنا المُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ وهُمُ الَّذِينَ كانُوا مَعَ النَّبِيءِ ﷺ بِقَرِينَةِ السِّياقِ وهو قَوْلُهُ ﴿إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ أُمَّتِهِمُ العَرَبِيَّةِ. و(إذْ) ظَرْفٌ لِـ (مَنَّ) لِأنَّ الإنْعامَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ حَصَلَ أوْقاتَ البَعْثِ. ومَعْنى مِن أنْفُسِهِمْ المُماثَلَةُ لَهم في الأشْياءِ الَّتِي تَكُونُ المُماثَلَةُ فِيها سَبَبًا لِقُوَّةِ التَّواصُلِ، وهي هُنا النَّسَبُ، واللُّغَةُ، والوَطَنُ. والعَرَبُ تَقُولُ: فُلانٌ مِن بَنِي فُلانٍ مِن أنْفُسِهِمْ، أيْ مِن صَمِيمِهِمْ لَيْسَ انْتِسابُهُ إلَيْهِمْ بِوَلاءٍ أوْ لَصْقٍ، وكَأنَّ هَذا وجْهُ إطْلاقِ النَّفْسِ عَلَيْهِ الَّتِي هي في مَعْنى المُماثَلَةِ، فَكَوْنُهُ مِن أهْلِ نَسَبِهِمْ أيْ كَوْنُهُ عَرَبِيًّا يُوجِبُ أُنْسَهم بِهِ والرُّكُونَ إلَيْهِ وعَدَمَ الِاسْتِيحاشِ مِنهُ، وكَوْنُهُ يَتَكَلَّمُ بِلِسانِهِمْ يَجْعَلُهم سَرِيعِينَ إلى فَهْمِ ما يَجِيءُ بِهِ، وكَوْنُهُ جارًا لَهم ورَبِيًّا فِيهِمْ يُعَجِّلُ لَهُمُ التَّصْدِيقَ بِرِسالَتِهِ، إذْ يَكُونُونَ قَدْ خَبَرُوا أمْرَهُ، وعَلِمُوا فَضْلَهُ، وشاهَدُوا اسْتِقامَتَهُ ومُعْجِزاتِهِ. وعَنِ النِّقاشِ: قِيلَ لَيْسَ في العَرَبِ قَبِيلَةٌ إلّا ولَها وِلادَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلّا تَغْلِبَ، وبِذَلِكَ فُسِّرَ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى. صفحة ١٥٩ وهَذِهِ المِنَّةُ خاصَّةٌ بِالعَرَبِ ومَزِيَّةٌ لَهم، زِيادَةً عَلى المِنَّةِ بِبَعْثَةِ مُحَمَّدٍ عَلى جَمِيعِ البَشَرِ، فالعَرَبُ وهُمُ الَّذِينَ تَلَقَّوُا الدَّعْوَةَ قَبْلَ النّاسِ كُلِّهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ أرادَ ظُهُورَ الدِّينِ بَيْنَهم لِيَتَلَقَّوْهُ التَّلَقِّيَ الكامِلَ المُناسِبَ لِصَفاءِ أذْهانِهِمْ وسُرْعَةِ فَهْمِهِمْ لِدَقائِقِ اللُّغَةِ، ثُمَّ يَكُونُوا هم حَمَلَتَهُ إلى البَشَرِ، فَيَكُونُوا أعْوانًا عَلى عُمُومِ الدَّعْوَةِ، ولِمَن تَخَلَّقَ بِأخْلاقِ العَرَبِ وأتْقَنَ لِسانَهم والتَبَسَ بِعَوائِدِهِمْ وأذْواقِهِمُ اقْتِرابٌ مِن هَذِهِ المَزِيَّةِ وهو مُعْظَمُها، إذْ لَمْ يَفُتْهُ مِنها إلّا النَّسَبُ والمَوْطِنُ وما هُما إلّا مُكَمِّلانِ لِحُسْنِ التَّلَقِّي، ولِذَلِكَ كانَ المُؤْمِنُونَ مُدَّةَ حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَرَبِ خاصَّةً بِحَيْثُ إنَّ تَلَقِّيَهُمُ الدَّعْوَةَ كانَ عَلى سَواءٍ في الفَهْمِ حَتّى اسْتَقَرَّ الدِّينُ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ «مَن دَخَلَ في الإسْلامِ فَهو مِنَ العَرَبِ» . وقَوْلُهُ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ أيْ يَقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، وسُمِّيَتْ جُمَلُ القُرْآنِ آياتٌ لِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها دَلِيلٌ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ مِن حَيْثُ بَلاغَةِ اللَّفْظِ وكَمالِ المَعْنى، كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ، فَكانُوا صالِحِينَ لِفَهْمِ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ حاجَةٍ لِتُرْجُمانٍ. والتَّزْكِيَةُ: التَّطْهِيرُ، أيْ يُطَهِّرُ النُّفُوسَ بِهَدْيِ الإسْلامِ. وتَعْلِيمُ الكِتابِ هو تَبْيِينُ مَقاصِدِ القُرْآنِ وأمَرَهم بِحِفْظِ ألْفاظِهِ، لِتَكُونَ مَعانِيهِ حاضِرَةً عِنْدَهم. والمُرادُ بِالحِكْمَةِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الشَّرِيعَةُ مِن تَهْذِيبِ الأخْلاقِ وتَقْنِينِ الأحْكامِ لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مانِعُ الأنْفُسِ مِن سُوءِ الحالِ واخْتِلالِ النِّظامِ، وذَلِكَ مِن مَعْنى الحِكْمَةِ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ. وعَطْفُ الحِكْمَةِ عَلى الكِتابِ عَطْفُ الأخَصِّ مِن وجْهٍ عَلى الأعَمِّ مِن وجْهٍ، فَمِنَ الحِكْمَةِ ما هو في الكِتابِ نَحْوُ ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] ومِنها ما لَيْسَ في الكِتابِ مِثْلُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - «لا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِن جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ» وفي الكِتابِ ما هو عِلْمٌ ولَيْسَ حِكْمَةً مِثْلُ فَرْضِ الصَّلاةِ والحَجِّ. صفحة ١٦٠ وجُمْلَةُ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ حالٌ، و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مُهْمَلَةٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُهُ عَلى رَأْيِ صاحِبِ الكَشّافِ، وهو التَّحْقِيقُ إذْ لا وجْهَ لِزَوالِ عَمَلِها مَعَ بَقاءِ مَعْناها، ولا وجْهَ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَها وبَيْنَ المَفْتُوحَةِ إذا خُفِّفَتْ فَقَدْ قَدَّرُوا لَها اسْمًا هو ضَمِيرُ الشَّأْنِ، بَلْ نَجِدُ المَكْسُورَةَ أوْلى بِبَقاءِ العَمَلِ عِنْدَ التَّخْفِيفِ لِأنَّها أُمُّ البابِ فَلا يَزُولُ عَمَلُها بِسُهُولَةٍ، وقالَ جُمْهُورُ النُّحاةِ: يَبْطُلُ عَمَلُها وتَكُونُ بَعْدَها جُمْلَةً، وعَلى هَذا فالمُرادُ بِإهْمالِها أنَّها لا تَنْصِبُ مُفْرَدَيْنِ بَلْ تَعْمَلُ في ضَمِيرِ شَأْنٍ وجُمْلَةٍ إمّا اسْمِيَّةٍ، أوْ فِعْلِيَّةٍ فِعْلُها مِنَ النَّواسِخِ غالِبًا. ووُصِفَ الضَّلالُ بِالمُبِينِ لِأنَّهُ لِشِدَّتِهِ لا يَلْتَبِسُ عَلى أحَدٍ بِشائِبَةِ هُدًى، أوْ شُبْهَةٍ، فَكانَ حالُهُ مُبَيِّنًا كَوْنَهُ ضَلالًا كَقَوْلِهِ وقالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ. والمُرادُ بِهِ ضَلالُ الشِّرْكِ والجَهالَةِ والتَّقاتُلِ وأحْكامِ الجاهِلِيَّةِ. ويَجُوزُ أنْ يَشْمَلَ قَوْلُهُ عَلى المُؤْمِنِينَ المُؤْمِنِينَ في كُلِّ العُصُورِ ويُرادُ بِكَوْنِهِ مِن أنْفُسِهِمْ أنَّهُ مِن نَوْعِ البَشَرِ. ويُرادُ بِإسْنادِ تَعْلِيمِ الكِتابِ والحِكْمَةِ إلَيْهِ ما يَجْمَعُ بَيْنَ الإسْنادِ الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ، لِأنَّ تَعْلِيمَ ذَلِكَ مُتَلَقًّى مِنهُ مُباشَرَةً أوْ بِالواسِطَةِ.

آل عمران 3:165

﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكم إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . عُطِفَ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ التَّعْجِيبِيُّ عَلى ما تَقَدَّمَ، فَإنَّ قَوْلَهم أنّى هَذا مِمّا يُنْكَرُ ويَتَعَجَّبُ السّامِعُ مِن صُدُورِهِ مِنهم بَعْدَ ما عَلِمُوا ما أتَوْا مِن أسْبابِ المُصِيبَةِ، إذْ لا يَنْبَغِي أنْ يَخْفى عَلى ذِي فِطْنَةٍ، وقَدْ جاءَ مَوْقِعُ هَذا الِاسْتِفْهامِ بَعْدَ ما تَكَرَّرَ: مِن تَسْجِيلِ تَبِعَةِ الهَزِيمَةِ عَلَيْهِمْ بِما ارْتَكَبُوا مِن عِصْيانِ أمْرِ الرَّسُولِ، ومِنَ العَجَلَةِ إلى الغَنِيمَةِ، وبَعْدَ أنْ أمَرَهم بِالرِّضا بِما وقَعَ، وذَكَّرَهُمُ النَّصْرَ الواقِعَ يَوْمَ بَدْرٍ، عَطَفَ عَلى ذَلِكَ هُنا إنْكارَ تَعَجُّبِهِمْ مِن إصابَةِ الهَزِيمَةِ إيّاهم. صفحة ١٦١ ولَمّا اسْمُ زَمانٍ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ فَيَدُلُّ عَلى وُجُودِ جَوابِهِ لِوُجُودِ شَرْطِهِ، وهو مُلازِمُ الإضافَةِ إلى جُمْلَةِ شَرْطِهِ، فالمَعْنى: قُلْتُمْ لَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ: أنّى هَذا. وجُمْلَةُ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها صِفَةٌ لِ (مُصِيبَةٌ)، ومَعْنى أصَبْتُمْ غَلَبْتُمُ العَدُوَّ ونِلْتُمْ مِنهُ مِثْلَيْ ما أصابَكم بِهِ، يُقالُ: أصابَ إذا غَلَبَ، قالَ قَطَرِيُّ بْنُ الفُجاءَةِ: ثُمَّ انْصَرَفْتُ وقَدْ أصَبْتُ ولَمْ أُصَبْ جَذَعَ البَصِيرَةِ قارِحَ الإقْدامِ والمُرادُ بِمِثْلَيْها المُساوِيانِ في الجِنْسِ أوِ القِيمَةِ بِاعْتِبارِ جِهَةِ المُماثَلَةِ أيْ: إنَّكم قَدْ نِلْتُمْ مِثْلَيْ ما أصابَكم، والمُماثَلَةُ هُنا مُماثَلَةٌ في القَدْرِ والقِيمَةِ، لا في الجِنْسِ، فَإنَّ رَزايا الحَرْبِ أجْناسٌ: قَتْلٌ، وأسْرٌ، وغَنِيمَةٌ، وأسْلابٌ، فالمُسْلِمُونَ أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ القَتْلُ: إذْ قُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ، وكانُوا قَدْ قَتَلُوا مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ، فَهَذا أحَدُ المِثْلَيْنِ، ثُمَّ إنَّهم أصابُوا مِنَ المُشْرِكِينَ أسْرى يَوْمَ بَدْرٍ فَذَلِكَ مِثْلٌ آخَرُ في المِقْدارِ إذِ الأسِيرُ كالقَتِيلِ، أوْ أُرِيدَ أنَّهم يَوْمَ أُحُدٍ أصابُوا قَتْلى إلّا أنَّ عَدَدَهم أقَلُّ فَهو مِثْلٌ في الجِنْسِ لا في المِقْدارِ والقِيمَةِ. و(أنّى) اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى مِن أيْنَ قَصَدُوا بِهِ التَّعَجُّبَ والإنْكارَ، وجُمْلَةُ قُلْتُمْ أنّى هَذا جَوابُ لَمّا، والِاسْتِفْهامُ بِـ (أنّى) هُنا مُسْتَعْمَلٌ في التَّعَجُّبِ. ثُمَّ ذُيِّلَ الإنْكارُ والتَّعَجُّبُ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكم إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ إنَّ اللَّهَ قَدِيرٌ عَلى نَصْرِكم وعَلى خِذْلانِكم، فَلَمّا عَصَيْتُمْ وجَرَرْتُمْ لِأنْفُسِكُمُ الغَضَبَ قَدَّرَ اللَّهُ لَكُمُ الخِذْلانَ.

آل عمران 3:166

صفحة ١٦٢ ﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلْإيمانِ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ وهو كَلامٌ وارِدٌ عَلى مَعْنى التَّسْلِيمِ أيْ: هَبُوا أنَّ هَذِهِ مُصِيبَةٌ، ولَمْ يَكُنْ عَنْها عِوَضٌ، فَهي بِقَدَرِ اللَّهِ، فالواجِبُ التَّسْلِيمُ، ثُمَّ رَجَعَ إلى ذِكْرِ بَعْضِ ما في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ. وقَوْلُهُ وما أصابَكم أرادَ بِهِ عَيْنَ المُرادِ بِقَوْلِهِ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ وهي مُصِيبَةُ الهَزِيمَةِ. وإنَّما أُعِيدَ ما أصابَكم لِيُعَيِّنَ اليَوْمَ بِأنَّهُ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ. وما مَوْصُولَةٌ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: وأمّا ما أصابَكم، لِأنَّ قَوْلَهُ وما أصابَكم مَعْناهُ بَيانُ سَبَبِهِ وحِكْمَتِهِ، فَلِذَلِكَ قَرَنَ الخَبَرَ بِالفاءِ. و(يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ) هو يَوْمُ أُحُدٍ. وإنَّما لَمْ يَقُلْ وهي بِإذْنِ اللَّهِ لِأنَّ المَقْصُودَ إعْلانُ ذِكْرِ المُصِيبَةِ وأنَّها بِإذْنِ اللَّهِ إذِ المَقامُ مَقامُ إظْهارِ الحَقِيقَةِ، وأمّا التَّعْبِيرُ بِلَفْظِ ما أصابَكم دُونَ أنْ يُعادَ لَفْظُ المُصِيبَةِ فَتَفَنُّنٌ، أوْ قَصْدُ الإطْنابِ. والإذْنُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ مَعْناهُ إذْ لا مَعْنى لِتَوَجُّهِ الإذْنِ إلى المُصِيبَةِ فَهو مَجازٌ في تَخْلِيَةِ اللَّهِ تَعالى بَيْنَ أسْبابِ المُصِيبَةِ وبَيْنَ المُصابِينَ، وعَدَمِ تَدارُكِ ذَلِكَ بِاللُّطْفِ. ووَجْهُ الشَّبَهِ أنَّ الإذْنَ تَخْلِيَةٌ بَيْنَ المَأْذُونِ ومَطْلُوبِهِ ومُرادِهِ، ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَتَّبَ الأسْبابَ والمُسَبِّباتِ في هَذا العالَمِ عَلى نِظامٍ، فَإذا جاءَتِ المُسَبَّباتُ مِن قِبَلِ أسْبابِها فَلا عَجَبَ، والمُسْلِمُونَ أقَلُّ مِنَ المُشْرِكِينَ عَدَدًا وعُدَدًا فانْتِصارُ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كَرامَةٌ لَهم، وانْهِزامُهم يَوْمَ أُحُدٍ عادَةٌ ولَيْسَ بِإهانَةٍ. فَهَذا المُرادُ بِالإذْنِ. وقَوْلُهُ ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى فَبِإذْنِ اللَّهِ عَطَفَ العِلَّةَ عَلى السَّبَبِ. والعِلْمُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الظُّهُورِ والتَّقَرُّرِ في الخارِجِ كَقَوْلِ إياسِ بْنِ قَبِيصَةَ الطّائِيِّ: صفحة ١٦٣ وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطُرُ بَيْنَنا لِأعْلَمَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها أرادَ لِتَظْهِيرِ شَجاعَتِي وجُبْنِ الآخَرِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ قَرِيبًا. و(الَّذِينَ نافَقُوا) هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ومَنِ انْخَذَلَ مَعَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وهُمُ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: ﴿تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾، قالَهُ لَهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَرامٍ الأنْصارِيُّ، والِدُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لَمّا رَأى انْخِذالَهم قالَ لَهم: اتَّقُوا اللَّهَ ولا تَتْرُكُوا نَبِيئَكم وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا. والمُرادُ بِالدَّفْعِ حِراسَةُ الجَيْشِ وهو الرِّباطُ أيِ: ادْفَعُوا عَنّا مَن يُرِيدُنا مِنَ العَدُوِّ فَلَمّا قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَرامٍ ذَلِكَ أجابَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم، أيْ لَوْ نَعْلَمُ أنَّهُ قِتالٌ، قِيلَ: أرادُوا أنَّ هَذِهِ لَيْسَ بِقِتالٍ بَلْ إلْقاءٌ بِاليَدِ إلى التَّهْلُكَةِ، وقِيلَ: أرادُوا أنَّ قُرَيْشًا لا يَنْوُونَ القِتالَ، وهَذا لا يَصِحُّ إلّا لَوْ كانَ قَوْلُهم هَذا حاصِلًا قَبْلَ انْخِذالِهِمْ، وعَلى هَذَيْنِ فالعِلْمُ بِمَعْنى التَّحَقُّقِ المُسَمّى بِالتَّصْدِيقِ عِنْدَ المَناطِقَةِ، وقِيلَ: أرادُوا لَوْ نُحْسِنُ القِتالَ لاتَّبَعْناكم. فالعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، وقَوْلُهم حِينَئِذٍ تَهَكُّمٌ وتَعَذُّرٌ. ومَعْنى هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلْإيمانِ أنَّ ما يُشاهَدُ مِن حالِهِمْ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ دَلالَةً عَلى الكُفْرِ مِن دَلالَةِ أقْوالِهِمْ: إنّا مُسْلِمُونَ، واعْتِذارِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم. أيْ إنَّ عُذْرَهم ظاهِرُ الكَذِبِ، وإرادَةِ تَفْشِيلِ المُسْلِمِينَ، والقُرْبِ مَجازٌ في ظُهُورِ الكُفْرِ عَلَيْهِمْ. ويَتَعَلَّقُ كُلٌّ مِنَ المَجْرُورَيْنِ في قَوْلِهِ مِنهم لِلْإيمانِ بِقَوْلِهِ أقْرَبُ لِأنَّ أقْرَبُ تَفْضِيلٌ يَقْتَضِي فاضِلًا ومَفْضُولًا. فَلا يَقَعُ لَبْسٌ في تَعْلِيقِ مَجْرُورَيْنِ بِهِ لِأنَّ السّامِعَ يَرُدُّ كُلَّ مَجْرُورٍ إلى بَعْضِ مَعْنى التَّفْضِيلِ. وقَوْلُهُ (يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ) اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ مَغْزى هَذا الِاقْتِرابِ، لِأنَّهم يُبْدُونَ مِن حالِهِمْ أنَّهم مُؤْمِنُونَ، فَكَيْفَ جُعِلُوا إلى الكُفْرِ أقْرَبَ، فَقِيلَ: إنَّ الَّذِي يُبْدُونَهُ لَيْسَ مُوافِقًا لِما في قُلُوبِهِمْ، وفي هَذا الِاسْتِئْنافِ ما يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكُفْرِ في قَوْلِهِ هم لِلْكُفْرِ أهْلَ الكُفْرِ. صفحة ١٦٤ وقَوْلُهُ الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ نافَقُوا أوْ صِفَةٌ لَهُ، إذا كانَ مَضْمُونُ صِلَتِهِ أشْهَرَ عِنْدَ السّامِعِينَ، إذْ لَعَلَّهم عُرِفُوا مِن قَبْلُ بِقَوْلِهِمْ فِيما تَقَدَّمَ لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا فَذَكَرَ هُنا وصْفًا لَهم لِيَتَمَيَّزُوا كَمالَ تَمْيِيزٍ. واللّامُ في لِإخْوانِهِمْ لِلتَّعْلِيلِ ولَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ، قالُوا: كَما هي فَيَقُولُهُ وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ. والمُرادُ بِالإخْوانِ هَنا عَيْنُ المُرادِ هُناكَ، وهُمُ الخَزْرَجُ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ، وهم مِن جِلَّةِ المُؤْمِنِينَ. وجُمْلَةُ وقَعَدُوا حالٌ مُعْتَرِضَةٌ، ومَعْنى لَوْ أطاعُونا أيِ امْتَثَلُوا إشارَتَنا في عَدَمِ الخُرُوجِ إلى أُحُدٍ، وفَعَلُوا كَما فَعَلْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ما قُتِلُوا - بِتَخْفِيفِ التّاءِ - مِنَ القَتْلِ. وقَرَأ هِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ - بِتَشْدِيدِ التّاءِ - مِنَ التَّقْتِيلِ لِلْمُبالَغَةِ في القَتْلِ، وهو يُفِيدُ مَعْنى تَفْظِيعِهِمْ ما أصابَ إخْوانَهم مِنَ القَتْلِ طَعْنًا في طاعَتِهِمُ النَّبِيءَ ﷺ . وقَوْلُهُ ﴿قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيِ ادْرَءُوهُ عِنْدَ حُلُولِهِ، فَإنَّ مَن لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ ماتَ بِغَيْرِهِ أيْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّ سَبَبَ مَوْتِ إخْوانِكم هو عِصْيانُ أمْرِكم.

آل عمران 3:167

صفحة ١٦٢ ﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلْإيمانِ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ وهو كَلامٌ وارِدٌ عَلى مَعْنى التَّسْلِيمِ أيْ: هَبُوا أنَّ هَذِهِ مُصِيبَةٌ، ولَمْ يَكُنْ عَنْها عِوَضٌ، فَهي بِقَدَرِ اللَّهِ، فالواجِبُ التَّسْلِيمُ، ثُمَّ رَجَعَ إلى ذِكْرِ بَعْضِ ما في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ. وقَوْلُهُ وما أصابَكم أرادَ بِهِ عَيْنَ المُرادِ بِقَوْلِهِ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ وهي مُصِيبَةُ الهَزِيمَةِ. وإنَّما أُعِيدَ ما أصابَكم لِيُعَيِّنَ اليَوْمَ بِأنَّهُ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ. وما مَوْصُولَةٌ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: وأمّا ما أصابَكم، لِأنَّ قَوْلَهُ وما أصابَكم مَعْناهُ بَيانُ سَبَبِهِ وحِكْمَتِهِ، فَلِذَلِكَ قَرَنَ الخَبَرَ بِالفاءِ. و(يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ) هو يَوْمُ أُحُدٍ. وإنَّما لَمْ يَقُلْ وهي بِإذْنِ اللَّهِ لِأنَّ المَقْصُودَ إعْلانُ ذِكْرِ المُصِيبَةِ وأنَّها بِإذْنِ اللَّهِ إذِ المَقامُ مَقامُ إظْهارِ الحَقِيقَةِ، وأمّا التَّعْبِيرُ بِلَفْظِ ما أصابَكم دُونَ أنْ يُعادَ لَفْظُ المُصِيبَةِ فَتَفَنُّنٌ، أوْ قَصْدُ الإطْنابِ. والإذْنُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ مَعْناهُ إذْ لا مَعْنى لِتَوَجُّهِ الإذْنِ إلى المُصِيبَةِ فَهو مَجازٌ في تَخْلِيَةِ اللَّهِ تَعالى بَيْنَ أسْبابِ المُصِيبَةِ وبَيْنَ المُصابِينَ، وعَدَمِ تَدارُكِ ذَلِكَ بِاللُّطْفِ. ووَجْهُ الشَّبَهِ أنَّ الإذْنَ تَخْلِيَةٌ بَيْنَ المَأْذُونِ ومَطْلُوبِهِ ومُرادِهِ، ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَتَّبَ الأسْبابَ والمُسَبِّباتِ في هَذا العالَمِ عَلى نِظامٍ، فَإذا جاءَتِ المُسَبَّباتُ مِن قِبَلِ أسْبابِها فَلا عَجَبَ، والمُسْلِمُونَ أقَلُّ مِنَ المُشْرِكِينَ عَدَدًا وعُدَدًا فانْتِصارُ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كَرامَةٌ لَهم، وانْهِزامُهم يَوْمَ أُحُدٍ عادَةٌ ولَيْسَ بِإهانَةٍ. فَهَذا المُرادُ بِالإذْنِ. وقَوْلُهُ ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى فَبِإذْنِ اللَّهِ عَطَفَ العِلَّةَ عَلى السَّبَبِ. والعِلْمُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الظُّهُورِ والتَّقَرُّرِ في الخارِجِ كَقَوْلِ إياسِ بْنِ قَبِيصَةَ الطّائِيِّ: صفحة ١٦٣ وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطُرُ بَيْنَنا لِأعْلَمَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها أرادَ لِتَظْهِيرِ شَجاعَتِي وجُبْنِ الآخَرِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ قَرِيبًا. و(الَّذِينَ نافَقُوا) هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ومَنِ انْخَذَلَ مَعَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وهُمُ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: ﴿تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾، قالَهُ لَهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَرامٍ الأنْصارِيُّ، والِدُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لَمّا رَأى انْخِذالَهم قالَ لَهم: اتَّقُوا اللَّهَ ولا تَتْرُكُوا نَبِيئَكم وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا. والمُرادُ بِالدَّفْعِ حِراسَةُ الجَيْشِ وهو الرِّباطُ أيِ: ادْفَعُوا عَنّا مَن يُرِيدُنا مِنَ العَدُوِّ فَلَمّا قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَرامٍ ذَلِكَ أجابَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم، أيْ لَوْ نَعْلَمُ أنَّهُ قِتالٌ، قِيلَ: أرادُوا أنَّ هَذِهِ لَيْسَ بِقِتالٍ بَلْ إلْقاءٌ بِاليَدِ إلى التَّهْلُكَةِ، وقِيلَ: أرادُوا أنَّ قُرَيْشًا لا يَنْوُونَ القِتالَ، وهَذا لا يَصِحُّ إلّا لَوْ كانَ قَوْلُهم هَذا حاصِلًا قَبْلَ انْخِذالِهِمْ، وعَلى هَذَيْنِ فالعِلْمُ بِمَعْنى التَّحَقُّقِ المُسَمّى بِالتَّصْدِيقِ عِنْدَ المَناطِقَةِ، وقِيلَ: أرادُوا لَوْ نُحْسِنُ القِتالَ لاتَّبَعْناكم. فالعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، وقَوْلُهم حِينَئِذٍ تَهَكُّمٌ وتَعَذُّرٌ. ومَعْنى هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلْإيمانِ أنَّ ما يُشاهَدُ مِن حالِهِمْ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ دَلالَةً عَلى الكُفْرِ مِن دَلالَةِ أقْوالِهِمْ: إنّا مُسْلِمُونَ، واعْتِذارِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم. أيْ إنَّ عُذْرَهم ظاهِرُ الكَذِبِ، وإرادَةِ تَفْشِيلِ المُسْلِمِينَ، والقُرْبِ مَجازٌ في ظُهُورِ الكُفْرِ عَلَيْهِمْ. ويَتَعَلَّقُ كُلٌّ مِنَ المَجْرُورَيْنِ في قَوْلِهِ مِنهم لِلْإيمانِ بِقَوْلِهِ أقْرَبُ لِأنَّ أقْرَبُ تَفْضِيلٌ يَقْتَضِي فاضِلًا ومَفْضُولًا. فَلا يَقَعُ لَبْسٌ في تَعْلِيقِ مَجْرُورَيْنِ بِهِ لِأنَّ السّامِعَ يَرُدُّ كُلَّ مَجْرُورٍ إلى بَعْضِ مَعْنى التَّفْضِيلِ. وقَوْلُهُ (يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ) اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ مَغْزى هَذا الِاقْتِرابِ، لِأنَّهم يُبْدُونَ مِن حالِهِمْ أنَّهم مُؤْمِنُونَ، فَكَيْفَ جُعِلُوا إلى الكُفْرِ أقْرَبَ، فَقِيلَ: إنَّ الَّذِي يُبْدُونَهُ لَيْسَ مُوافِقًا لِما في قُلُوبِهِمْ، وفي هَذا الِاسْتِئْنافِ ما يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكُفْرِ في قَوْلِهِ هم لِلْكُفْرِ أهْلَ الكُفْرِ. صفحة ١٦٤ وقَوْلُهُ الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ نافَقُوا أوْ صِفَةٌ لَهُ، إذا كانَ مَضْمُونُ صِلَتِهِ أشْهَرَ عِنْدَ السّامِعِينَ، إذْ لَعَلَّهم عُرِفُوا مِن قَبْلُ بِقَوْلِهِمْ فِيما تَقَدَّمَ لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا فَذَكَرَ هُنا وصْفًا لَهم لِيَتَمَيَّزُوا كَمالَ تَمْيِيزٍ. واللّامُ في لِإخْوانِهِمْ لِلتَّعْلِيلِ ولَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ، قالُوا: كَما هي فَيَقُولُهُ وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ. والمُرادُ بِالإخْوانِ هَنا عَيْنُ المُرادِ هُناكَ، وهُمُ الخَزْرَجُ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ، وهم مِن جِلَّةِ المُؤْمِنِينَ. وجُمْلَةُ وقَعَدُوا حالٌ مُعْتَرِضَةٌ، ومَعْنى لَوْ أطاعُونا أيِ امْتَثَلُوا إشارَتَنا في عَدَمِ الخُرُوجِ إلى أُحُدٍ، وفَعَلُوا كَما فَعَلْنا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ما قُتِلُوا - بِتَخْفِيفِ التّاءِ - مِنَ القَتْلِ. وقَرَأ هِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ - بِتَشْدِيدِ التّاءِ - مِنَ التَّقْتِيلِ لِلْمُبالَغَةِ في القَتْلِ، وهو يُفِيدُ مَعْنى تَفْظِيعِهِمْ ما أصابَ إخْوانَهم مِنَ القَتْلِ طَعْنًا في طاعَتِهِمُ النَّبِيءَ ﷺ . وقَوْلُهُ ﴿قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيِ ادْرَءُوهُ عِنْدَ حُلُولِهِ، فَإنَّ مَن لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ ماتَ بِغَيْرِهِ أيْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّ سَبَبَ مَوْتِ إخْوانِكم هو عِصْيانُ أمْرِكم.