Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — النساء 4:43 – النساء 4:98

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. النساء 4:43
  2. النساء 4:44
  3. النساء 4:45
  4. النساء 4:46
  5. النساء 4:47
  6. النساء 4:48
  7. النساء 4:49
  8. النساء 4:50
  9. النساء 4:51
  10. النساء 4:52
  11. النساء 4:53
  12. النساء 4:54
  13. النساء 4:55
  14. النساء 4:56
  15. النساء 4:57
  16. النساء 4:58
  17. النساء 4:59
  18. النساء 4:60
  19. النساء 4:61
  20. النساء 4:62
  21. النساء 4:63
  22. النساء 4:64
  23. النساء 4:65
  24. النساء 4:66
  25. النساء 4:67
  26. النساء 4:68
  27. النساء 4:69
  28. النساء 4:70
  29. النساء 4:71
  30. النساء 4:72
  31. النساء 4:73
  32. النساء 4:74
  33. النساء 4:75
  34. النساء 4:76
  35. النساء 4:77
  36. النساء 4:78
  37. النساء 4:79
  38. النساء 4:80
  39. النساء 4:81
  40. النساء 4:82
  41. النساء 4:83
  42. النساء 4:84
  43. النساء 4:85
  44. النساء 4:86
  45. النساء 4:87
  46. النساء 4:88
  47. النساء 4:89
  48. النساء 4:90
  49. النساء 4:91
  50. النساء 4:92
  51. النساء 4:93
  52. النساء 4:94
  53. النساء 4:95
  54. النساء 4:96
  55. النساء 4:97
  56. النساء 4:98

النساء 4:43

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ . هَذِهِ الآيَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حُكْمَيْنِ يَتَعَلَّقانِ بِالصَّلاةِ، دَعا إلى نُزُولِها عَقِبَ الآياتِ الماضِيَةِ أنَّهُ آنَ الأوانُ لِتَشْرِيعِ هَذا الحُكْمِ في الخَمْرِ حِينَئِذٍ، وإلى قَرْنِهِ بِحُكْمٍ مُقَرَّرٍ يَتَعَلَّقُ بِالصَّلاةِ أيْضًا، ويَظْهَرُ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها طَرَأ في أثْناءِ نُزُولِ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها والَّتِي بَعْدَها، فَوَقَعَتْ في مَوْقِعِ وقْتِ نُزُولِها وجاءَتْ كالمُعْتَرِضَةِ بَيْنَ تِلْكَ الآياتِ. تَضَمَّنَتْ حُكْمًا أوَّلَ يَتَعَلَّقُ بِالصَّلاةِ ابْتِداءً، وهو مَقْصُودٌ في ذاتِهِ أيْضًا بِحَسَبِ الغايَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ . وذَلِكَ أنَّ الخَمْرَ كانَتْ حَلالًا لَمْ يُحَرِّمْها اللَّهُ تَعالى، فَبَقِيَتْ عَلى الإباحَةِ الأصْلِيَّةِ، وفي المُسْلِمِينَ مَن يَشْرَبُها. ونَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] في أوَّلِ مُدَّةِ الهِجْرَةِ. فَقالَ فَرِيقٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: نَحْنُ نَشْرَبُها لِمَنافِعِها لا لِإثْمِها، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ المُرادَ مِنَ الإثْمِ الحَرَجُ والمَضَرَّةُ والمَفْسَدَةُ، وتِلْكَ الآيَةُ كانَتْ إيذانًا لَهم بِأنَّ الخَمْرَ يُوشِكُ أنْ تَكُونَ حَرامًا لِأنَّ ما يَشْتَمِلُ عَلى الإثْمِ مُتَّصِفٌ بِوَصْفٍ مُناسِبٍ لِلتَّحْرِيمِ، ولَكِنَّ اللَّهَ أبْقى إباحَتَها رَحْمَةً لَهم في مُعْتادِهِمْ، مَعَ تَهْيِئَةِ النُّفُوسِ إلى قَبُولِ تَحْرِيمِها، فَحَدَثَ بَعْدَ ثَلاثِ سِنِينَ ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: صَنَعَ لَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعامًا فَدَعانا وسَقانا خَمْرًا وحَضَرَتِ الصَّلاةُ فَقَدَّمُونِي فَقَرَأْتُ: قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ونَحْنُ نَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ . قالَ أبُو عِيسى: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. صفحة ٦١ والقُرْبُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ المَجازِيِّ وهو التَّلَبُّسُ بِالفِعْلِ، لِأنَّ (قَرُبَ) حَقِيقَةٌ في الدُّنُوِّ مِنَ المَكانِ أوِ الذّاتِ. يُقالُ: قَرُبَ مِنهُ بِضَمِّ الرّاءِ وقَرِبَهُ بِكَسْرِ الرّاءِ وهُما بِمَعْنًى، ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ مَكْسُورَ الرّاءِ لِلْقُرْبِ المَجازِيِّ خاصَّةً، ولا يَصِحُّ. وإنَّما اخْتِيرَ هَذا الفِعْلُ دُونَ (لا تُصَلُّوا) ونَحْوِهِ؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ تِلْكَ حالَةٌ مُنافِيَةٌ لِلصَّلاةِ، وصاحِبُها جَدِيرٌ بِالِابْتِعادِ عَنْ أفْضَلِ عَمَلٍ في الإسْلامِ، ومِن هُنا كانَتْ مُؤْذِنَةً بِتَغَيُّرِ شَأْنِ الخَمْرِ والتَّنْفِيرِ مِنها، لِأنَّ المُخاطَبِينَ يَوْمَئِذٍ هم أكْمَلُ النّاسِ إيمانًا وأعْلَقُهم بِالصَّلاةِ، فَلا يَرْمُقُونَ شَيْئًا يَمْنَعُهم مِنَ الصَّلاةِ إلّا بِعَيْنِ الِاحْتِقارِ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن تَأوَّلَ الصَّلاةَ هُنا بِالمَسْجِدِ مِن إطْلاقِ اسْمِ الحالِ عَلى المَحَلِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وصَلَواتٌ ومَساجِدُ﴾ [الحج: ٤٠]، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والحَسَنِ قالُوا: كانَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ ثُمَّ يَأْتُونَ المَسْجِدَ لِلصَّلاةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. ولا يَخْفى بُعْدُهُ ومُخالَفَتُهُ لِمَشْهُورِ الآثارِ. وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ غايَةٌ لِلنَّهْيِ وإيماءٌ إلى عِلَّتِهِ، واكْتَفى بِقَوْلِهِ ”تَقُولُونَ“ عَنْ تَفْعَلُونَ؛ لِظُهُورِ أنَّ ذَلِكَ الحَدَّ مِنَ السُّكْرِ قَدْ يُفْضِي إلى اخْتِلالِ أعْمالِ الصَّلاةِ، إذِ العَمَلُ يُسْرِعُ إلَيْهِ الِاخْتِلالُ بِاخْتِلالِ العَقْلِ قَبْلَ اخْتِلالِ القَوْلِ. وفي الآيَةِ إيذانٌ بِأنَّ السُّكْرَ الخَفِيفَ لا يَمْنَعُ الصَّلاةَ يَوْمَئِذٍ؛ أوْ أُرِيدَ مِنَ الغايَةِ أنَّها حالَةُ انْتِهاءِ السُّكْرِ فَتَبْقى بَعْدَها النَّشْوَةُ. وسُكارى جَمْعُ سَكْرانٍ، والسَّكْرانُ مَن أخَذَ عَقْلُهُ في الِانْغِلاقِ، مُشْتَقٌّ مِنَ السَّكْرِ، وهو الغَلْقُ، ومِنهُ سَكْرُ الحَوْضِ وسَكْرُ البابِ و﴿سُكِّرَتْ أبْصارُنا﴾ [الحجر: ١٥] . ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ اجْتَنَبَ المُسْلِمُونَ شُرْبَ الخَمْرِ في أوْقاتِ الصَّلَواتِ فَكانُوا لا يَشْرَبُونَ إلّا بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ وبَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ، لِبُعْدِ ما بَيْنَ هاتَيْنِ الصَّلاتَيْنِ وبَيْنَ ما تَلِيانِهِما، ثُمَّ أُكْمِلَ مَعَ تَحْرِيمِ قُرْبانِ الصَّلاةِ في حالَةِ السُّكْرِ تَحْرِيمُ قُرْبانِها بِدُونِ طَهارَةٍ. * * * صفحة ٦٢ ﴿ولا جُنُبًا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وأنْتُمْ سُكارى﴾ لِأنَّها في مَحَلِّ الحالِ، وهَذا النَّصْبُ بَعْدَ العَطْفِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ جُمْلَةَ الحالِ مُعْتَبَرَةٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ. والجُنُبُ فُعُلٌ، قِيلَ: مَصْدَرٌ، وقِيلَ: وصْفٌ مِثْلُ أُجُدٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿والجارِ الجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦]، والمُرادُ بِهِ المُباعِدُ لِلْعِبادَةِ مِنَ الصَّلاةِ إذا قارَفَ امْرَأتَهُ حَتّى يَغْتَسِلَ. ووَصْفُ جُنُبٍ وصْفٌ بِالمَصْدَرِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ إذْ أُخْبِرَ بِهِ عَنْ جَمْعٍ، مِن قَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ سُكارى﴾ . وإطْلاقُ الجَنابَةِ عَلى هَذا المَعْنى مِن عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ، فَإنَّ الِاغْتِسالَ مِنَ الجَنابَةِ كانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهم، ولَعَلَّهُ مِن بَقايا الحَنِيفِيَّةِ، أوْ مِمّا أخَذُوهُ عَنِ اليَهُودِ، فَقَدْ جاءَ الأمْرُ بِغُسْلِ الجَنابَةِ في الإصْحاحِ ١٥ مِن سِفْرِ اللّاوِيِّينَ مِنَ التَّوْراةِ. وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ في السِّيرَةِ أنَّ أبا سُفْيانَ، لَمّا رَجَعَ مَهْزُومًا مِن بَدْرٍ، حَلَفَ أنْ لا يَمَسَّ رَأْسَهُ غُسْلٌ مِن جَنابَةٍ حَتّى يَغْزُوَ مُحَمَّدًا. ولَمْ أقِفْ عَلى شَيْءٍ مِن كَلامِ العَرَبِ يَدُلُّ عَلى ذِكْرِ غُسْلِ الجَنابَةِ. والمَعْنى لا تُصَلُّوا في حالِ الجَنابَةِ حَتّى تَغْتَسِلُوا إلَخْ. والمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا جُنُبًا﴾ التَّمْهِيدُ لِلتَّخَلُّصِ إلى شَرْعِ التَّيَمُّمِ، فَإنَّ حُكْمَ غُسْلِ الجَنابَةِ مُقَرَّرٌ مِن قَبْلُ، فَذِكْرُهُ هُنا إدْماجٌ. والتَّيَمُّمُ شُرِعَ في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ عَلى الصَّحِيحِ، وكانَتْ سَنَةَ سِتٍّ أوْ سَنَةَ خَمْسٍ عَلى الأصَحِّ. وظاهِرُ حَدِيثِ مالِكٍ عَنْ عائِشَةَ أنَّ الآيَةَ الَّتِي نَزَلَتْ في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ هي آيَةُ التَّيَمُّمِ، فَيَظْهَرُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ النِّساءِ لِأنَّها لَمْ يُذْكَرْ مِنها إلّا التَّيَمُّمُ. ووَقَعَ في حَدِيثِ عَمْرٍو عَنْ عائِشَةَ أنَّ الآيَةَ الَّتِي نَزَلَتْ هي قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] الَّتِي في سُورَةِ المائِدَةِ، أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وقَدْ جَزَمَ صفحة ٦٣ القُرْطُبِيُّ بِأنَّ الآيَةَ الَّتِي نَزَلَتْ في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ هي آيَةُ سُورَةِ النِّساءِ، قالَ: لِأنَّ آيَةَ سُورَةِ المائِدَةِ تُسَمّى آيَةَ الوُضُوءِ. وكَذَلِكَ الواحِدِيُّ أوْرَدَ في أسْبابِ النُّزُولِ حَدِيثَ عائِشَةَ في سَبَبِ نُزُولِ آيَةِ سُورَةِ النِّساءِ. وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ هَذِهِ مُعْضِلَةٌ ما وجَدْتُ لِدائِها مِن دَواءٍ لا نَعْلَمُ أيَّ الآيَتَيْنِ عَنَتْ عائِشَةُ. وسُورَةُ المائِدَةِ قِيلَ: نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ النِّساءِ، وقِيلَ بَعْدَها، والخَطْبُ سَهْلٌ، والأصَحُّ أنَّ سُورَةَ النِّساءِ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ المائِدَةِ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ الأحْوالِ المُسْتَفادِ مِن وُقُوعِ ”جُنُبًا“، وهو حالٌ نَكِرَةٌ، في سِياقِ النَّفْيِ. وعابِرُ السَّبِيلِ، في كَلامِ العَرَبِ: المُسافِرُ حِينَ سَيْرِهِ في سَفَرِهِ، مُشْتَقٌّ مِنَ العَبْرِ وهو القَطْعُ والِاجْتِيازُ، يُقالُ: عَبَرَ النَّهْرَ وعَبَرَ الطَّرِيقَ. ومِنَ العُلَماءِ مَن فَسَّرَ ﴿عابِرِي سَبِيلٍ﴾ بِمارِّينَ في طَرِيقٍ، وقالَ: المُرادُ مِنهُ طَرِيقُ المَسْجِدِ، بِناءً عَلى تَفْسِيرِ الصَّلاةِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ بِالمَسْجِدِ، وجَعَلُوا الآيَةَ رُخْصَةً في مُرُورِ الجُنُبِ في المَسْجِدِ إذا كانَ قَصْدُهُ المُرُورَ لا المُكْثَ، قالَهُ الَّذِينَ تَأوَّلُوا الصَّلاةَ بِالمَسْجِدِ. ونُسِبَ أيْضًا إلى أنَسِ بْنِ مالِكٍ. وأبِي عُبَيْدَةَ. وابْنِ المُسَيَّبِ، والضَّحّاكِ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، ومَسْرُوقٍ، والنَّخَعِيِّ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ، وعِكْرِمَةَ، وابْنِ شِهابٍ، وقَتادَةَ، قالُوا: كانَ ذَلِكَ أيّامَ كانَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ أبْوابُ دُورٍ في المَسْجِدِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بَعْدَ سَدِّ الأبْوابِ كُلِّها إلّا خَوْخَةَ أبِي بَكْرٍ، فَكانَ المُرُورُ كَذَلِكَ رُخْصَةً لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِأبِي بَكْرٍ، وفي رِوايَةٍ ولِعَلِّيٍ، وقِيلَ: أُبْقِيَتْ خَوْخَةُ بَيْتِ عَلِيٍّ في المَسْجِدِ، ولَمْ يَصِحَّ. وفائِدَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ - عِنْدَ مَن فَسَّرَ ﴿تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ بِدُخُولِ المَسْجِدِ، وفَسَّرَ ﴿عابِرِي سَبِيلٍ﴾ بِالمارِّينَ في المَسْجِدِ - ظاهِرَةٌ، وهو اسْتِثْناءٌ حَقِيقِيٌّ مِن عُمُومِ أحْوالِ الجُنُبِ بِاسْتِثْناءِ عابِرِي السَّبِيلِ. وعابِرُ السَّبِيلِ المَأْخُوذُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ مُطْلَقٌ، وهو عِنْدَ أصْحابِ هَذا المَحْمَلِ باقٍ عَلى إطْلاقِهِ لا تَقْيِيدَ فِيهِ، وأمّا عِنْدَ الجُمْهُورِ الَّذِينَ حَمَلُوا الآيَةَ عَلى ظاهِرِها في مَعْنى تَقْرَبُوا الصَّلاةَ، وفي مَعْنى عابِرِي السَّبِيلِ فَلا تَظْهَرُ لَهُ فائِدَةٌ، لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ ولِأنَّ في عُمُومِ الحَصْرِ تَخْصِيصًا، فالَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ إنَّما قُدِّمَ هُنا لِأنَّهُ غالِبُ الأحْوالِ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وبَيْنَ الِاغْتِسالِ مِن جِهَةِ حاجَةِ المُسافِرِ اسْتِبْقاءَ الماءِ. ولِنَدُورِ عُرُوضِ المَرَضِ. والِاسْتِثْناءُ عَلى مَحْمَلِ الجُمْهُورِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا عِنْدَ صفحة ٦٤ مَن يَرى المُتَيَمِّمَ جُنُبًا، ويَرى التَّيَمُّمَ غَيْرَ رافِعٍ لِلْحَدَثِ، ولَكِنَّهُ مُبِيحٌ لِلصَّلاةِ لِلضَّرُورَةِ في الوَقْتِ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ، فَهو عِنْدَهُ بَدَلٌ ضَرُورِيٌّ يُقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، ودَلِيلُهُ ظاهِرُ الِاسْتِثْناءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا عِنْدَ مَن يَرى المُتَيَمِّمَ غَيْرَ جُنُبٍ، ويَرى التَّيَمُّمَ رافِعًا لِلْحَدَثِ حَتّى يَنْتَقِضَ بِناقِضٍ ويَزُولَ سَبَبُهُ، وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، فَلِذَلِكَ إذا تَيَمَّمَ الجُنُبُ وصَلّى وصارَ مِنهُ حَدَثٌ ناقِضٌ لِلْوُضُوءِ يَتَوَضَّأُ لِأنَّ تَيَمُّمَهُ بَدَلٌ عَنِ الغُسْلِ مُطْلَقًا، وهَذا هو الظّاهِرُ بِحَسَبِ المَعْنى ولَيْسَ في السُّنَّةِ ما يَقْتَضِي خِلافَهُ. وعَنْ مالِكٍ في ذَلِكَ قَوْلانِ: فالمَشْهُورُ مِن رِوايَةِ ابْنِ القاسِمِ أنَّ التَّيَمُّمَ مُبِيحٌ لِلصَّلاةِ ولَيْسَ رافِعًا لِلْحَدَثِ، فَلِذَلِكَ لا يُصَلِّي المُتَيَمِّمُ بِهِ إلّا فَرْضًا واحِدًا، ولَوْ تَيَمَّمَ لِجَنابَةٍ لِعُذْرٍ يَمْنَعُ مِنَ الغُسْلِ وانْتَقَضَ وضُوءُهُ تَيَمَّمَ عَنِ الوُضُوءِ. وعَنْ مالِكٍ، في رِوايَةِ البَغْدادِيِّينَ: أنَّ المَرِيضَ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى مَسِّ الماءِ يَتَيَمَّمُ ويُصَلِّي أكْثَرَ مِن صَلاةٍ، حَتّى يَنْتَقِضَ تَيَمُّمُهُ بِناقِضِ الوُضُوءِ، وكَذَلِكَ فِيمَن ذَكَرَ فَوائِتَ يُصَلِّيها بِتَيَمُّمٍ واحِدٍ، فَعَلى هَذا لَيْسَ تَجْدِيدُ التَّيَمُّمِ لِغَيْرِهِما إلّا لِأنَّهُ لا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَجِدُ الماءَ فَكانَتْ نِيَّةُ التَّيَمُّمِ غَيْرَ جازِمَةٍ في بَقائِهِ، ولَمْ يُنْقَلْ عَنْ مالِكٍ قَوْلٌ بِأنَّ المُتَيَمِّمَ لِلْجَنابَةِ بِعُذْرٍ مانِعٍ مِنَ الغُسْلِ إذا انْتَقَضَ وضَوْءُهُ يَتَوَضَّأُ. وفِي مَفْهُومِ هَذا الِاسْتِثْناءِ، عِنْدَ القائِلِينَ بِالمَفاهِيمِ مِنَ الجُمْهُورِ، عَلى هَذا المَحْمَلِ تَفْصِيلٌ، فَعابِرُ السَّبِيلِ مُطْلَقٌ قَيَّدَهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وبَقِيَ عُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿ولا جُنُبًا﴾ في غَيْرِ عابِرِ السَّبِيلِ، لِأنَّ العامَّ المَخْصُوصَ يَبْقى عامًّا فِيما عَدا ما خُصِّصَ، فَخَصَّصَهُ الشَّرْطُ تَخْصِيصًا ثانِيًا في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ . ثُمَّ إنْ كانَ قَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ المُسْلِمِينَ أنَّ الصَّلاةَ تَقَعُ بِدُونِ طَهارَةٍ يَبْقى قَوْلُهُ: ﴿إلّا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ مُجْمَلًا لِأنَّهم يَتَرَقَّبُونَ بَيانَ الحُكْمِ في قُرْبانِ الصَّلاةِ عَلى غَيْرِ طَهارَةٍ لِلْمُسافِرِ، فَيَكُونُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ بَيانٌ لِهَذا الإجْمالِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ فَلا إجْمالَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ اسْتِئْنافًا لِأحْكامِ التَّيَمُّمِ. وتَقْدِيمُ المُسْتَثْنى في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ قَبْلَ تَمامِ الكَلامِ المَقْصُودِ قَصْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ لِلِاهْتِمامِ وهو جارٍ عَلى اسْتِعْمالٍ قَلِيلٍ، كَقَوْلِ مُوسى بْنِ جابِرٍ الحَنَفِيِّ - أُمَوِيٌّ -: صفحة ٦٥ لا أشْتَهِي يا قَوْمِ إلّا كارِهًا بابَ الأمِيرِ ولا دِفاعَ الحاجِبِ وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ غايَةٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ إذا كانُوا جُنُبًا، فَهو تَشْرِيعٌ لِلْغُسْلِ مِنَ الجَنابَةِ وإيجابٌ لَهُ، لِأنَّ وُجُوبَ الصَّلاةِ لا يَسْقُطُ بِحالٍ، فَلَمّا نُهُوا عَنِ اقْتِرابِها بِدُونِ الغُسْلِ عُلِمَ مِن ذَلِكَ فَرْضُ الغُسْلِ. والحِكْمَةُ في مَشْرُوعِيَّةِ الغُسْلِ النَّظافَةُ، ونِيطَ ذَلِكَ بِأداءِ الصَّلاةِ لِيَكُونَ المُصَلِّي في حالَةِ كَمالِ الجَسَدِ، كَما كانَ حِينَئِذٍ في حالِ كَمالِ الباطِنِ بِالمُناجاةِ والخُضُوعِ. ومِن أبْدَعِ الحِكَمِ الشَّرْعِيَّةِ أنَّها لَمْ تُنِطْ وُجُوبَ التَّنْظِيفِ بِحالِ الوَسَخِ لِأنَّ مِقْدارَ الحالِ مِنَ الوَسَخِ الَّذِي يَسْتَدْعِي الِاغْتِسالَ والتَّنْظِيفَ مِمّا تَخْتَلِفُ فِيهِ مَدارِكُ البَشَرِ في عَوائِدِهِمْ وأحْوالِهِمْ، فَنِيطَ وُجُوبُ الغُسْلِ بِحالَةٍ لا تَنْفَكُّ عَنِ القُوَّةِ البَشَرِيَّةِ في مُدَّةِ مُتَعارَفِ أعْمارِ البَشَرِ، وهي حالَةُ دَفْعِ فَواضِلِ القُوَّةِ البَشَرِيَّةِ، وحَيْثُ كانَ بَيْنَ تِلْكَ الحالَةِ وبَيْنَ شِدَّةِ القُوَّةِ تَناسُبٌ تامٌّ، إذْ بِمِقْدارِ القُوَّةِ تَنْدَفِعُ فَضَلاتُها، وكانَ أيْضًا بَيْنَ شِدَّةِ القُوَّةِ وبَيْنَ ظُهُورِ الفَضَلاتِ عَلى ظاهِرِ البَدَنِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالوَسَخِ تَناسُبٌ تامٌّ، كانَ نَوْطُ الِاغْتِسالِ بِالجَنابَةِ إناطَةً بِوَصْفٍ ظاهِرٍ مُنْضَبِطٍ فَجُعِلَ هو العِلَّةَ أوِ السَّبَبَ، وكانَ مَعَ ذَلِكَ مُحَصِّلًا لِلْمُناسَبَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّشْرِيعِ، وهي إزالَةُ الأوْساخِ عِنْدَ بُلُوغِها مِقْدارًا يُناسِبُ أنْ يُزالَ مَعَ جَعْلِ ذَلِكَ مُرْتَبِطًا بِأعْظَمِ عِبادَةٍ وهي الصَّلاةُ، فَصارَتِ الطَّهارَةُ عِبادَةً كَذَلِكَ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في مَشْرُوعِيَّةِ الوُضُوءِ، عَلى أنَّ في الِاغْتِسالِ مِنَ الجَنابَةِ حِكْمَةً أُخْرى، وهي تَجْدِيدُ نَشاطِ المَجْمُوعِ العَصَبِيِّ الَّذِي يَعْتَرِيهِ فُتُورٌ بِاسْتِفْراغِ القُوَّةِ المَأْخُوذَةِ مِن زَبَدِ الدَّمِ، حَسْبَما تَفَطَّنَ لِذَلِكَ الأطِبّاءُ فَقُضِيَتْ بِهَذا الِانْضِباطِ حِكَمٌ عَظِيمَةٌ. ودَلَّ إسْنادُ الِاغْتِسالِ إلى الذَّواتِ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ عَلى أنَّ الِاغْتِسالَ هو إحاطَةُ البَدَنِ بِالماءِ، وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واخْتُلِفَ في وُجُوبِ الدَّلْكِ أيْ إمْرارِ اليَدِ عَلى أجْزاءِ البَدَنِ: فَشَرَطَهُ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ بِناءً عَلى أنَّهُ المَعْرُوفُ مِن مَعْنى الغُسْلِ في لِسانِ العَرَبِ، ولِأنَّ الوُضُوءَ لا يُجْزِئُ بِدُونِ دَلْكٍ بِاتِّفاقٍ، فَكَذَلِكَ الغُسْلُ. وقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: يُجْزِئُ في الغُسْلِ إحاطَةُ البَدَنِ بِالماءِ بِالصَّبِّ أوِ الِانْغِماسِ؛ واحْتَجُّوا بِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ وعائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في صِفَةِ غُسْلِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ أفاضَ الماءَ عَلى جَسَدِهِ، ولا حُجَّةَ فِيهِ لِأنَّهُما لَمْ تَذْكُرا أنَّهُ لَمْ يَتَدَلَّكْ، صفحة ٦٦ ولَكِنَّهُما سَكَتَتا عَنْهُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ سُكُوتُهُما لِعِلْمِهِما بِأنَّهُ المُتَبادِرُ، وهَذا أيْضًا رِوايَةٌ عَنْ مالِكٍ رَواها عَنْهُ أبُو الفَرَجِ، ومَرْوانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطّاطَرِيُّ، وهي ضَعِيفَةٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ إلَخْ ذِكْرُ حالَةِ الرُّخْصَةِ في تَرْكِ الِاغْتِسالِ وتَرْكِ الوُضُوءِ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وذُكِرَ في سُورَةِ المائِدَةِ، وهي نازِلَةٌ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ. فالمَقْصُودُ بَيانُ حُكْمِ التَّيَمُّمِ بِحَذافِرِهِ، وفي جَمْعِ هَذِهِ الأشْياءِ في نَسَقٍ حَصَلَ هَذا المَقْصُودُ، وحَصَلَ أيْضًا تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ولا جُنُبًا﴾ كَما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ: ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ بَيانٌ لِلْإجْمالِ الواقِعِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ إنْ كانَ فِيهِ إجْمالٌ، وإلّا فَهو اسْتِئْنافُ حُكْمٍ جَدِيدٍ كَما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ زِيادَةٌ عَلى حُكْمِ التَّيَمُّمِ الواقِعِ بَدَلًا عَنِ الغُسْلِ، بِذِكْرِ التَّيَمُّمِ الواقِعِ بَدَلًا عَنِ الوُضُوءِ إيعابًا لِنَوْعَيِ التَّيَمُّمِ. وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أسْبابِهِ يُؤْخَذُ بِالقِياسِ عَلى المَذْكُورِ. فالمَرِيضُ أُرِيدَ بِهِ الَّذِي اخْتَلَّ نِظامُ صِحَّتِهِ بِحَيْثُ صارَ الِاغْتِسالُ يَضُرُّهُ أوْ يَزِيدُ عِلَّتَهُ. وجاءَ مِنَ الغائِطِ كِنايَةٌ عَنْ قَضاءِ الحاجَةِ البَشَرِيَّةِ، شاعَ في كَلامِهِمُ التَّكَنِّي بِذَلِكَ لِبَشاعَةِ الصَّرِيحِ. " والغائِطُ: المُنْخَفِضُ مِنَ الأرْضِ وما غابَ عَنِ البَصَرِ، يُقالُ: غاطَ في الأرْضِ إذا غابَ يَغُوطُ، فَهَمْزَتُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الواوِ، وكانَتِ العَرَبُ يَذْهَبُونَ عِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ إلى مَكانٍ مُنْخَفِضٍ مِن جِهَةِ الحَيِّ بَعِيدٍ عَنْ بُيُوتِ سُكْناهم، فَيُكِنُّونَ عَنْهُ: يَقُولُونَ ذَهَبَ إلى الغائِطِ أوْ تَغَوَّطَ، فَكانَتْ كِنايَةً لَطِيفَةً ثُمَّ اسْتَعْمَلَها النّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ كَثِيرًا حَتّى ساوَتِ الحَقِيقَةَ فَسَمَجَتْ، فَصارَ الفُقَهاءُ يُطْلِقُونَهُ عَلى نَفْسِ الحَدَثِ ويُعَلِّقُونَهُ بِأفْعالٍ تُناسِبُ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ قُرِئَ (لامَسْتُمْ) بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، وقُرِئَ: (لَمَسْتُمْ) بِصِيغَةِ الفِعْلِ كَما سَيَأْتِي، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ عَلى التَّحْقِيقِ. ومَن حاوَلَ التَّفْصِيلَ لَمْ يَأْتِ بِما فِيهِ تَحْصِيلٌ. وأصْلُ اللَّمْسِ المُباشَرَةُ بِاليَدِ أوْ بِشَيْءٍ مِنَ الجَسَدِ، وقَدْ أُطْلِقَ مَجازًا وكِنايَةً عَلى الِافْتِقادِ، قالَ تَعالى: ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾ [الجن: ٨] وعَلى النُّزُولِ، قالَ النّابِغَةُ: لِيَلْتَمِسَنْ بِالجَيْشِ دارَ المُحارِبِ صفحة ٦٧ وعَلى قُرْبانِ النِّساءِ، لِأنَّهُ مُرادِفُ المَسِّ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانَةٌ لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ، ونَظِيرُهُ ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] . والمُلامَسَةُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها ظاهِرَها، وهو المُلامَسَةُ بِمُباشَرَةِ اليَدِ أوْ بَعْضِ الجَسَدِ جَسَدَ المَرْأةِ، فَيَكُونُ ذَكَرَ سَبَبًا ثانِيًا مِن أسْبابِ الوُضُوءِ الَّتِي تُوجِبُ التَّيَمُّمَ عِنْدَ فَقْدِ الماءِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ الشّافِعِيُّ، فَجَعَلَ لَمْسَ الرَّجُلِ بِيَدِهِ جَسَدَ امْرَأتِهِ مُوجِبًا لِلْوُضُوءِ، وهو مَحْمَلٌ بَعِيدٌ، إذْ لا يَكُونُ لَمْسُ الجَسَدِ مُوجِبًا لِلْوُضُوءِ وإنَّما الوُضُوءُ مِمّا يَخْرُجُ خُرُوجًا مُعْتادًا. فالمَحْمَلُ الصَّحِيحُ أنَّ المُلامَسَةَ كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، وتَعْدِيدُ هَذِهِ الأسْبابِ لِجَمْعِ ما يَغْلِبُ مِن مُوجِباتِ الطَّهارَةِ الصُّغْرى والطَّهارَةِ الكُبْرى. وإنَّما لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ لامَسْتُمُ النِّساءَ بِقَوْلِهِ آنِفًا (ولا جُنُبًا) لِأنَّ ذَلِكَ ذُكِرَ في مَعْرِضِ الأمْرِ بِالِاغْتِسالِ، وهَذا ذُكِرَ في مَعْرِضِ الإذْنِ بِالتَّيَمُّمِ الرُّخْصَةِ، والمَقامُ مَقامُ تَشْرِيعٍ يُناسِبُهُ عَدَمُ الِاكْتِفاءِ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ، وبِذَلِكَ يَكُونُ وجْهٌ لِذِكْرِهِ وجِيهٌ. وأمّا عَلى تَأْوِيلِ الشّافِعِيِّ ومَن تابَعَهُ فَلا يَكُونُ لِذِكْرِ سَبَبِ ثانٍ مِن أسْبابِ الوُضُوءِ كَبِيرُ أهَمِّيَّةٍ. وإلى هَذا مالَ الجُمْهُورُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجِبْ عِنْدَ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ الوُضُوءُ مَن لَمْسِ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ ما لَمْ يَخْرُجْ مِنهُ شَيْءٌ، إلّا أنَّ مالِكًا قالَ: إذا التَذَّ اللّامِسُ أوْ قَصَدَ اللَّذَّةَ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، وحَمَلَ المُلامَسَةَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى مَعْنَيَيْها الكِنائِيِّ والصَّرِيحِ، لَكِنَّ هَذا بِشَرْطِ الِالتِذاذِ، وبِهِ قالَ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ، وأرى مالِكًا اعْتَمَدَ في هَذا عَلى الآثارِ المَرْوِيَّةِ عَنْ أيِمَّةِ السَّلَفِ، ولا أُراهُ جَعْلَهُ المُرادَ مِنَ الآيَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لامَسْتُمْ) بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ؛ وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ: (لَمَسْتُمْ) بِدُونِ ألِفٍ. وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ عَطْفٌ عَلى فِعْلِ الشَّرْطِ، وهو قَيْدٌ في المُسافِرِ، ومَن جاءَ مِنَ الغائِطِ، ومَن لامَسَ النِّساءَ، وأمّا المَرِيضُ فَلا يَتَقَيَّدُ تَيَمُّمُهُ بِعَدَمِ وِجْدانِ الماءِ لِأنَّهُ يَتَيَمَّمُ مُطْلَقًا، وذَلِكَ مَعْلُومٌ بِدَلالَةِ مَعْنى المَرَضِ، فَمَفْهُومُ القَيْدِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ مُعَطَّلٌ بِدَلالَةِ المَعْنى، ولا يَكُونُ المَقْصُودُ مِنَ المَرِيضِ الزَّمِنِ، إذْ لا يُعْدَمُ الزَّمِنُ مُناوِلًا يُناوِلُهُ الماءَ إلّا نادِرًا. وقَوْلُهُ (﴿فَتَيَمَّمُوا﴾) جَوابُ الشَّرْطِ والتَّيَمُّمُ: القَصْدُ. والصَّعِيدُ: وجْهُ الأرْضِ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ خَشْفًا مِن بَقْرِ الوَحْشِ نائِمًا في الشَّمْسِ لا يَكادُ يُفِيقُ: صفحة ٦٨ كَأنَّهُ بِالضُّحى تَرْمِي الصَّعِيدَ بِهِ ∗∗∗ دَبّابَةٌ في عِظامِ الرَّأْسِ خُرْطُومُ والطَّيِّبُ: الطّاهِرُ الَّذِي لَمْ تُلَوِّثْهُ نَجاسَةٌ ولا قَذَرٌ، فَيَشْمَلُ الصَّعِيدُ التُّرابَ والرَّمْلَ والحِجارَةَ، وإنَّما عَبَّرَ بِالصَّعِيدِ لِيَصْرِفَ المُسْلِمِينَ عَنْ هَوَسِ أنْ يَتَطَلَّبُوا التُّرابَ أوِ الرَّمْلَ مِمّا تَحْتَ وجْهِ الأرْضِ غُلُوًّا في تَحْقِيقِ طَهارَتِهِ. وقَدْ شُرِعَ بِهَذِهِ الآيَةِ حُكْمُ التَّيَمُّمِ أوْ قُرِّرَ شَرْعُهُ السّابِقُ في سُورَةِ المائِدَةِ عَلى الأصَحِّ، وكانَ شَرْعُ التَّيَمُّمِ سَنَةَ سِتٍّ في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ، وسَبَبُ شَرْعِهِ ما في الصَّحِيحِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ في بَعْضِ أسْفارِهِ حَتّى إذا كُنّا بِالبَيْداءِ أوْ بِذاتِ الجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأقامَ رَسُولُ اللَّهِ عَلى التِماسِهِ وأقامَ النّاسُ مَعَهُ ولَيْسُوا عَلى ماءٍ ولَيْسَ مَعَهم ماءٌ فَأتى النّاسُ إلى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقالُوا: ألا تَرى إلى ما صَنَعَتْ عائِشَةُ أقامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ والنّاسِ ولَيْسُوا عَلى ماءٍ ولَيْسَ مَعَهم ماءٌ. فَجاءَ أبُو بَكْرٍ ورَسُولُ اللَّهِ واضِعٌ رَأْسَهُ عَلى فَخِذِي قَدْ نامَ، فَقالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ والنّاسَ ولَيْسُوا عَلى ماءٍ ولَيْسَ مَعَهم ماءٌ ؟ فَعاتَبَنِي أبُو بَكْرٍ وقالَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَقُولَ وجَعَلَ يَطْعَنُنِي بِيَدِهِ في خاصِرَتِي فَلا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إلّا مَكانُ رَسُولِ اللَّهِ عَلى فَخِذِي، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ حِينَ أصْبَحَ عَلى غَيْرِ ماءٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى آيَةَ التَّيَمُّمِ، فَقالَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ: ما هي بِأوَّلِ بَرَكَتِكم يا آلَ أبِي بَكْرٍ، فَواللَّهِ ما نَزَلَ بِكِ أمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إلّا جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لَكِ ولِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا. قالَتْ: فَبَعَثْنا البَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَأصَبْنا العِقْدَ تَحْتَهُ. والتَّيَمُّمُ مِن خَصائِصِ شَرِيعَةِ الإسْلامِ كَما في حَدِيثِ جابِرٍ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي فَذَكَرَ مِنها وجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا» . والتَّيَمُّمُ بَدَلٌ جَعَلَهُ الشَّرْعُ عَنِ الطَّهارَةِ، ولَمْ أرَ لِأحَدٍ مِنَ العُلَماءِ بَيانًا في حِكْمَةِ جَعْلِ التَّيَمُّمِ عِوَضًا عَنِ الطَّهارَةِ بِالماءِ وكانَ ذَلِكَ مِن هَمِّي زَمَنًا طَوِيلًا وقْتَ الطَّلَبِ ثُمَّ انْفَتَحَ لِي حِكْمَةُ ذَلِكَ. صفحة ٦٩ وأحْسَبُ أنَّ حِكْمَةَ تَشْرِيعِهِ تَقْرِيرُ لُزُومِ الطَّهارَةِ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ، وتَقْرِيرُ حُرْمَةِ الصَّلاةِ، وتَرْفِيعُ شَأْنِها في نُفُوسِهِمْ، فَلَمْ تُتْرَكْ لَهم حالَةٌ يَعُدُّونَ فِيها أنْفُسَهم مُصَلِّينَ بِدُونِ طَهارَةٍ تَعْظِيمًا لِمُناجاةِ اللَّهِ تَعالى، فَلِذَلِكَ شَرَعَ لَهم عَمَلًا يُشْبِهُ الإيماءَ إلى الطَّهارَةِ لِيَسْتَشْعِرُوا أنْفُسَهم مُتَطَهِّرِينَ، وجَعَلَ ذَلِكَ بِمُباشَرَةِ اليَدَيْنِ صَعِيدَ الأرْضِ الَّتِي هي مَنبَعُ الماءِ، ولِأنَّ التُّرابَ مُسْتَعْمَلٌ في تَطْهِيرِ الآنِيَةِ ونَحْوِها، يُنَظِّفُونَ بِهِ ما عَلَقَ لَهم مِنَ الأقْذارِ في ثِيابِهِمْ وأبْدانِهِمْ وماعُونِهِمْ، وما الِاسْتِجْمارُ إلّا ضَرْبٌ مِن ذَلِكَ، مَعَ ما في ذَلِكَ مِن تَجْدِيدِ طَلَبِ الماءِ لِفاقِدِهِ وتَذْكِيرِهِ بِأنَّهُ مُطالَبٌ بِهِ عِنْدَ زَوالِ مانِعِهِ، وإذَ قَدْ كانَ التَّيَمُّمُ طَهارَةً رَمْزِيَّةً اقْتَنَعَتِ الشَّرِيعَةُ فِيهِ بِالوَجْهِ والكَفَّيْنِ في الطَّهارَتَيْنِ الصُّغْرى والكُبْرى، كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَقْصِدَ أنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا عَدِمُوا الماءَ في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ صَلَّوْا بِدُونِ وُضُوءٍ فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ. وهَذا مُنْتَهى ما عَرَضَ لِي مِن حِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّةِ التَّيَمُّمِ بَعْدَ طُولِ البَحْثِ والتَّأمُّلِ في حِكْمَةٍ مُقْنِعَةٍ في النَّظَرِ، وكُنْتُ أعُدُّ التَّيَمُّمَ هو النَّوْعَ الوَحِيدَ بَيْنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ في مَعْنى التَّعَبُّدِ بِنَوْعِهِ، وأمّا التَّعَبُّدُ بِبَعْضِ الكَيْفِيّاتِ والمَقادِيرِ مِن أنْواعِ عِباداتٍ أُخْرى فَكَثِيرٌ، مِثْلَ عَدَدِ الرَّكَعاتِ في الصَّلَواتِ، وكَأنَّ الشّافِعِيَّ لَمّا اشْتَرَطَ أنْ يَكُونَ التَّيَمُّمُ بِالتُّرابِ خاصَّةً وأنْ يَنْقُلَ المُتَيَمِّمُ مِنهُ إلى وجْهِهِ ويَدَيْهِ، راعى فِيهِ مَعْنى التَّنْظِيفِ كَما في الِاسْتِجْمارِ، إلّا أنَّ هَذا القَوْلَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ وهو ما سَبَقَ إلى خاطِرِ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ حِينَ تَمَرَّغَ في التُّرابِ لَمّا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الِاغْتِسالُ، فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ «يَكْفِيكَ مِن ذَلِكَ الوَجْهُ والكَفّانِ» . ولِأجْلِ هَذا أيْضًا اخْتَلَفَ السَّلَفُ في حُكْمِ التَّيَمُّمِ، فَقالَ عُمَرُ وابْنُ مَسْعُودٍ: لا يَقَعُ التَّيَمُّمُ بَدَلًا إلّا عَنِ الوُضُوءِ دُونَ الغُسْلِ، وأنَّ الجُنُبَ لا يُصَلِّي حَتّى يَغْتَسِلَ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ في الحَضَرِ أمْ في السَّفَرِ. وقَدْ تَناظَرَ في ذَلِكَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: رَوى البُخارِيُّ في كِتابِ التَّيَمُّمِ قالَ أبُو مُوسى لِابْنِ مَسْعُودٍ: أرَأيْتَ إذا أجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ الماءَ كَيْفَ يَصْنَعُ ؟ قالَ عَبْدُ اللَّهِ: لا يُصَلِّي حَتّى يَجِدَ الماءَ. فَقالَ أبُو مُوسى: فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِقَوْلِ عَمّارِ حِينَ قالَ لَهُ النَّبِيءُ: «كانَ يَكْفِيكَ هَكَذا»، فَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الأرْضَ ثُمَّ مَسَحَ بِهِما وجْهَهُ وكَفَّيْهِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ألَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْتَنِعْ مِنهُ بِذَلِكَ، قالَ أبُو مُوسى: فَدَعْنا مِن قَوْلِ عَمّارٍ، كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ فَما دَرى عَبْدُ اللَّهِ ما يَقُولُ، فَقالَ: إنّا لَوْ رَخَّصْنا لَهم في هَذا لَأوْشَكَ إذا بَرَدَ عَلى صفحة ٧٠ أحَدِهِمُ الماءَ أنْ يَدَعَهُ ويَتَيَمَّمَ. ولا شَكَّ أنَّ عُمَرَ، وابْنَ مَسْعُودٍ، تَأوَّلا آيَةَ النِّساءِ فَجَعَلا قَوْلَهُ ﴿إلّا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ رُخْصَةً لِمُرُورِ المَسْجِدِ، وجَعَلا ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ مُرادًا بِهِ اللَّمْسُ النّاقِضُ لِلْوُضُوءِ عَلى نَحْوِ تَأْوِيلِ الشّافِعِيِّ، وخالَفَ جَمِيعُ عُلَماءِ الأُمَّةِ عُمَرَ وابْنَ مَسْعُودٍ في هَذا، فَقالَ الجُمْهُورُ: يَتَيَمَّمُ فاقِدُ الماءِ ومَن يَخافُ عَلى نَفْسِهِ الهَلاكَ أوِ المَرَضَ أوْ زِيادَةَ المَرَضِ ولَوْ نَزْلَةً أوْ حُمّى. وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَتَيَمَّمُ إلّا فاقِدُ الماءِ أوْ مَن يَخافُ عَلى نَفْسِهِ التَّلَفَ دُونَ المَرَضِ أوْ زِيادَتِهِ، لِأنَّ زِيادَةَ المَرَضِ غَيْرُ مُحَقَّقَةٍ، ويَرُدُّهُ أنَّ كِلا الأمْرَيْنِ غَيْرُ مُحَقَّقِ الحُصُولِ، وأنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّفِ الخَلْقَ بِما فِيهِ مَشَقَّةٌ. وقَدْ «تَيَمَّمَ عَمْرُو بْنُ العاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ في غَزْوَةِ ذاتِ السَّلاسِلِ وصَلّى بِالنّاسِ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيءِ ﷺ فَسَألَهُ فَقالَ عَمْرٌو: إنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فَضَحِكَ النَّبِيءُ ﷺ ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ» . وقَوْلُهُ: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكُمْ﴾ جَعَلَ التَّيَمُّمَ قاصِرًا عَلى مَسْحِ الوَجْهِ واليَدَيْنِ، وأسْقَطَ مَسْحَ ما سِواهُما مِن أعْضاءِ الوُضُوءِ بَلْهَ أعْضاءِ الغُسْلِ، إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ تَطْهِيرًا حِسِّيًّا، ولا تَجْدِيدَ النَّشاطِ، ولَكِنْ مُجَرَّدَ اسْتِحْضارِ اسْتِكْمالِ الحالَةِ لِلصَّلاةِ، وقَدْ ظَنَّ بَعْضُ الصَّحابَةِ أنَّ هَذا تَيَمُّمٌ بَدَلٌ عَنِ الوُضُوءِ، وأنَّ التَّيَمُّمَ البَدَلَ عَنِ الغُسْلِ لا يُجْزِي مِنهُ إلّا مَسْحُ سائِرِ الجَسَدِ بِالصَّعِيدِ، فَعَلَّمَهُ النَّبِيءُ ﷺ أنَّ التَّيَمُّمَ لِلْجَنابَةِ مِثْلُ التَّيَمُّمِ لِلْوُضُوءِ، فَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، قالَ: «كُنْتُ في سَفَرٍ فَأجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ في التُّرابِ (أيْ تَمَرَّغْتُ) وصَلَّيْتُ فَأتَيْتُ النَّبِيءَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ فَقالَ: يَكْفِيكَ الوَجْهُ والكَفّانِ» . وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا. والباءُ لِلتَّأْكِيدِ، مِثْلَ ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] وقَوْلِ النّابِغَةِ يَرْثِي النُّعْمانَ بْنَ المُنْذِرِ: لَكَ الخَيْرُ إنْ وارَتْ بِكَ الأرْضُ واحِدًا ∗∗∗ وأصْبَحَ جَدُّ النّاسِ يَظْلَعَ عاثِـرا أرادَ إنْ وارَتْكَ الأرْضُ مُواراةَ الدَّفْنِ. والمَعْنى: فامْسَحُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم، وقَدْ ذُكِرَتْ هَذِهِ الباءُ مَعَ المَمْسُوحِ في الوُضُوءِ ومَعَ التَّيَمُّمِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ المَسْحِ لِئَلّا تَزِيدَ رُخْصَةٌ عَلى رُخْصَةٍ. صفحة ٧١ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ تَذْيِيلٌ لِحُكْمِ الرُّخْصَةِ إذْ عَفا عَنِ المُسْلِمِينَ فَلَمْ يُكَلِّفْهُمُ الغُسْلَ أوِ الوُضُوءَ عِنْدَ المَرَضِ، ولا تَرَقُّبَ وُجُودِ الماءِ عِنْدَ عَدَمِهِ، حَتّى تَكْثُرَ عَلَيْهِمُ الصَّلَواتُ فَيَعْسُرَ عَلَيْهِمُ القَضاءُ.

النساء 4:44

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكم وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ . اسْتِئْنافُ كَلامٍ راجِعٌ إلى مَهْيَعِ الآياتِ الَّتِي سَبَقَتْ مِن قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] فَإنَّهُ بَعْدَ نِذارَةِ المُشْرِكِينَ وجَّهَ الإنْذارَ لِأهْلِ الكِتابِ، ووَقَعَتْ آياتُ تَحْرِيمِ الخَمْرِ وقْتَ الصَّلاةِ، وآياتُ مَشْرُوعِيَّةِ الطَّهارَةِ لَها فِيما بَيْنَهُما، وفِيهِ مُناسَبَةٌ لِلْأمْرِ بِتَرْكِ الخَمْرِ في أوْقاتِ الصَّلَواتِ والأمْرِ بِالطَّهارَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الهُدى الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ لِلْيَهُودِ نَظِيرُهُ، فَهم يَحْسُدُونَ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِ، لِأنَّهم حُرِمُوا مِن مِثْلِهِ وفَرَّطُوا في هُدًى عَظِيمٍ، وأرادُوا إضْلالَ المُسْلِمِينَ عَداءً مِنهم. وجُمْلَةُ (ألَمْ تَرَ) إلى (الكِتابِ) جُمْلَةٌ يُقْصَدُ مِنها التَّعْجِيبُ، والِاسْتِفْهامُ فِيها تَقْرِيرِيٌّ عَنْ نَفْيِ فِعْلٍ لا يَوَدُّ المُخاطَبُ انْتِفاءَهُ عَنْهُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ مُحَرِّضًا عَلى الإقْرارِ بِأنَّهُ فَعَلَ، وهو مُفِيدٌ مَعَ ذَلِكَ لِلتَّعْجِيبِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وجُمْلَةُ (يَشْتَرُونَ) حالِيَّةٌ فَهي قَيْدٌ لِجُمْلَةِ ”ألَمْ تَرَ“ وحالَةُ اشْتِرائِهِمُ الضَّلالَةَ وإنْ كانَتْ غَيْرَ مُشاهَدَةٍ بِالبَصَرِ فَقَدْ نُزِّلَتْ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ المَرْئِيِّ، لِأنَّ شُهْرَةَ الشَّيْءِ وتَحَقُّقَهُ تَجْعَلُهُ بِمَنزِلَةِ المَرْئِيِّ. والنَّصِيبُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٧] في هَذِهِ السُّورَةِ، وفي اخْتِيارِهِ هُنا إلْقاءُ احْتِمالِ قِلَّتِهِ في نُفُوسِ السّامِعِينَ، وإلّا لَقِيلَ: أُوتُوا الكِتابَ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ صفحة ٧٢ هَذا ﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ١٤١]، أيْ نَصِيبٌ مِنَ الفَتْحِ أوْ مِنَ النَّصْرِ. والمُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ، لِأنَّ اليَهُودَ هُمُ الَّذِينَ كانُوا مُخْتَلَطِينَ مَعَ المُسْلِمِينَ بِالمَدِينَةِ، ولَمْ يَكُنْ فِيها أحَدٌ مِنَ النَّصارى. والِاشْتِراءُ مَجازٌ في الِاخْتِيارِ والسَّعْيِ لِتَحْصِيلِ الشَّيْءِ، لِأنَّ المُشْتَرِيَ هو آخِذُ الشَّيْءِ المَرْغُوبِ فِيهِ مِنَ المُتَبائِعَيْنِ، والبائِعُ هو باذِلُ الشَّيْءِ المَرْغُوبِ فِيهِ لِحاجَتِهِ إلى ثَمَنِهِ، هَكَذا اعْتَبَرَ أهْلُ العُرْفِ الَّذِي بُنِيَتْ عَلَيْهِ اللُّغَةُ وإلّا فَإنَّ كِلا المُتَبايِعَيْنِ مُشْتَرٍ وشارٍ، فَلا جَرَمَ أنْ أُطْلِقَ الِاشْتِراءُ مَجازًا عَلى الِاخْتِيارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اقْتَحَمُوا الضَّلالَةَ عَنْ عَمْدٍ لِضَعْفِ إيمانِهِمْ بِكِتابِهِمْ وقِلَّةِ جَدْوى عِلْمِهِمْ عَلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أيْ يُرِيدُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ الضَّلالَةَ لِئَلّا يَفْضُلُوهم بِالِاهْتِداءِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] . فالإرادَةُ هُنا بِمَعْنى المَحَبَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] . ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الإرادَةَ عَلى الغالِبِ في مَعْناها وهو الباعِثُ النَّفْسانِيُّ عَلى العَمَلِ، أيْ يَسْعَوْنَ لِأنْ تَضِلُّوا، وذَلِكَ بِإلْقاءِ الشُّبَهِ والسَّعْيِ في صَرْفِ المُسْلِمِينَ عَنِ الإيمانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧] . وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، وهي تَعْرِيضٌ، فَإنَّ إرادَتَهُمُ الضَّلالَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ عَداوَةٍ وحَسَدٍ. وجُمْلَةُ ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ تَذْيِيلٌ لِتَطْمَئِنَّ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِنَصْرِ اللَّهِ، لِأنَّ الإخْبارَ عَنِ اليَهُودِ بِأنَّهم يُرِيدُونَ ضَلالَ المُسْلِمِينَ، وأنَّهم أعْداءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، مِن شَأْنِهِ أنْ يُلْقِيَ الرَّوْعَ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، إذْ كانَ اليَهُودُ المُجاوِرُونَ لِلْمُسْلِمِينَ ذَوِي عَدَدٍ وعُدَدٍ، وبِيَدِهِمُ الأمْوالُ، وهم مَبْثُوثُونَ في المَدِينَةِ وما حَوْلَها: مِن قَيْنُقاعَ صفحة ٧٣ وقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وخَيْبَرَ، فَعَداوَتُهم، وسُوءُ نَواياهم، لَيْسا بِالأمْرِ الَّذِي يُسْتَهانُ بِهِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾، أيْ إذا كانُوا مُضْمِرِينَ لَكُمُ السُّوءَ فاللَّهُ ولِيُّكم يَهْدِيكم ويَتَوَلّى أُمُورَكم؛ شَأْنُ الوَلِيِّ مَعَ مَوْلاهُ، وكانَ قَوْلُهُ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ (﴿بِأعْدائِكُمْ﴾) أيْ فاللَّهُ يَنْصُرُكم. وفِعْلُ (كَفى) في قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ مُسْتَعْمَلٌ في تَقْوِيَةِ اتِّصافِ فاعِلِهِ بِوَصْفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّمْيِيزُ المَذْكُورُ بَعْدَهُ، أيْ أنَّ فاعِلَ (كَفى) أجْدَرُ مَن يَتَّصِفُ بِذَلِكَ الوَصْفِ، ولِأجْلِ الدَّلالَةِ عَلى هَذا غَلَبَ في الكَلامِ إدْخالُ باءٍ عَلى فاعِلِ فِعْلِ (كَفى) وهي باءٌ زائِدَةٌ لِتَوْكِيدِ الكِفايَةِ، بِحَيْثُ يَحْصُلُ إبْهامٌ يُشَوِّقُ السّامِعَ إلى مَعْرِفَةِ تَفْصِيلِهِ، فَيَأْتُونَ بِاسْمٍ يُمَيِّزُ نَوْعَ تِلْكَ النِّسْبَةِ لِيَتَمَكَّنَ المَعْنى في ذِهْنِ السّامِعِ. وقَدْ يَجِيءُ فاعِلُ (كَفى) غَيْرَ مَجْرُورٍ بِالباءِ، كَقَوْلِ عَبْدِ بَنِي الحِسْحاسِ: كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا وجَعَلَ الزَّجّاجُ الباءَ هُنا غَيْرَ زائِدَةٍ وقالَ: ضُمِّنَ فِعْلُ (كَفى) مَعْنى (اكْتَفِ)، واسْتَحْسَنَهُ ابْنُ هِشامٍ. وشَذَّتْ زِيادَةُ الباءِ في المَفْعُولِ، كَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ أوْ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ: فَكَفى بِنا فَضْلًا عَلى مَن غَيْرُنا ∗∗∗ حُبُّ النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ إيّانا وجَزَمَ الواحِدِيُّ في شَرْحِ قَوْلِ المُتَنَبِّي: كَفى بِجِسْمِي نُحُولًا أنَّنِي رَجُلٌ ∗∗∗ لَوْلا مُخاطَبَتِي إيّاكَ لَمْ تَرَنِي بِأنَّهُ شُذُوذٌ. لا تُزادُ الباءُ في فاعِلِ ”كَفى“ بِمَعْنى أجْزَأ، ولا الَّتِي بِمَعْنى وقى، فَرْقًا بَيْنَ اسْتِعْمالِ كَفى المَجازِيِّ واسْتِعْمالِها الحَقِيقِيِّ الَّذِي هو مَعْنى الِاكْتِفاءِ بِذاتِ الشَّيْءِ نَحْوَ: كَفانِي ولَمْ أطْلُبْ قَلِيلٌ مِنَ المالِ.

النساء 4:45

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكم وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ . اسْتِئْنافُ كَلامٍ راجِعٌ إلى مَهْيَعِ الآياتِ الَّتِي سَبَقَتْ مِن قَوْلِهِ: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] فَإنَّهُ بَعْدَ نِذارَةِ المُشْرِكِينَ وجَّهَ الإنْذارَ لِأهْلِ الكِتابِ، ووَقَعَتْ آياتُ تَحْرِيمِ الخَمْرِ وقْتَ الصَّلاةِ، وآياتُ مَشْرُوعِيَّةِ الطَّهارَةِ لَها فِيما بَيْنَهُما، وفِيهِ مُناسَبَةٌ لِلْأمْرِ بِتَرْكِ الخَمْرِ في أوْقاتِ الصَّلَواتِ والأمْرِ بِالطَّهارَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الهُدى الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ لِلْيَهُودِ نَظِيرُهُ، فَهم يَحْسُدُونَ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِ، لِأنَّهم حُرِمُوا مِن مِثْلِهِ وفَرَّطُوا في هُدًى عَظِيمٍ، وأرادُوا إضْلالَ المُسْلِمِينَ عَداءً مِنهم. وجُمْلَةُ (ألَمْ تَرَ) إلى (الكِتابِ) جُمْلَةٌ يُقْصَدُ مِنها التَّعْجِيبُ، والِاسْتِفْهامُ فِيها تَقْرِيرِيٌّ عَنْ نَفْيِ فِعْلٍ لا يَوَدُّ المُخاطَبُ انْتِفاءَهُ عَنْهُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ مُحَرِّضًا عَلى الإقْرارِ بِأنَّهُ فَعَلَ، وهو مُفِيدٌ مَعَ ذَلِكَ لِلتَّعْجِيبِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وجُمْلَةُ (يَشْتَرُونَ) حالِيَّةٌ فَهي قَيْدٌ لِجُمْلَةِ ”ألَمْ تَرَ“ وحالَةُ اشْتِرائِهِمُ الضَّلالَةَ وإنْ كانَتْ غَيْرَ مُشاهَدَةٍ بِالبَصَرِ فَقَدْ نُزِّلَتْ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ المَرْئِيِّ، لِأنَّ شُهْرَةَ الشَّيْءِ وتَحَقُّقَهُ تَجْعَلُهُ بِمَنزِلَةِ المَرْئِيِّ. والنَّصِيبُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٧] في هَذِهِ السُّورَةِ، وفي اخْتِيارِهِ هُنا إلْقاءُ احْتِمالِ قِلَّتِهِ في نُفُوسِ السّامِعِينَ، وإلّا لَقِيلَ: أُوتُوا الكِتابَ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ صفحة ٧٢ هَذا ﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ١٤١]، أيْ نَصِيبٌ مِنَ الفَتْحِ أوْ مِنَ النَّصْرِ. والمُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ، لِأنَّ اليَهُودَ هُمُ الَّذِينَ كانُوا مُخْتَلَطِينَ مَعَ المُسْلِمِينَ بِالمَدِينَةِ، ولَمْ يَكُنْ فِيها أحَدٌ مِنَ النَّصارى. والِاشْتِراءُ مَجازٌ في الِاخْتِيارِ والسَّعْيِ لِتَحْصِيلِ الشَّيْءِ، لِأنَّ المُشْتَرِيَ هو آخِذُ الشَّيْءِ المَرْغُوبِ فِيهِ مِنَ المُتَبائِعَيْنِ، والبائِعُ هو باذِلُ الشَّيْءِ المَرْغُوبِ فِيهِ لِحاجَتِهِ إلى ثَمَنِهِ، هَكَذا اعْتَبَرَ أهْلُ العُرْفِ الَّذِي بُنِيَتْ عَلَيْهِ اللُّغَةُ وإلّا فَإنَّ كِلا المُتَبايِعَيْنِ مُشْتَرٍ وشارٍ، فَلا جَرَمَ أنْ أُطْلِقَ الِاشْتِراءُ مَجازًا عَلى الِاخْتِيارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اقْتَحَمُوا الضَّلالَةَ عَنْ عَمْدٍ لِضَعْفِ إيمانِهِمْ بِكِتابِهِمْ وقِلَّةِ جَدْوى عِلْمِهِمْ عَلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أيْ يُرِيدُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ الضَّلالَةَ لِئَلّا يَفْضُلُوهم بِالِاهْتِداءِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] . فالإرادَةُ هُنا بِمَعْنى المَحَبَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] . ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الإرادَةَ عَلى الغالِبِ في مَعْناها وهو الباعِثُ النَّفْسانِيُّ عَلى العَمَلِ، أيْ يَسْعَوْنَ لِأنْ تَضِلُّوا، وذَلِكَ بِإلْقاءِ الشُّبَهِ والسَّعْيِ في صَرْفِ المُسْلِمِينَ عَنِ الإيمانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧] . وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، وهي تَعْرِيضٌ، فَإنَّ إرادَتَهُمُ الضَّلالَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ عَداوَةٍ وحَسَدٍ. وجُمْلَةُ ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ تَذْيِيلٌ لِتَطْمَئِنَّ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِنَصْرِ اللَّهِ، لِأنَّ الإخْبارَ عَنِ اليَهُودِ بِأنَّهم يُرِيدُونَ ضَلالَ المُسْلِمِينَ، وأنَّهم أعْداءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، مِن شَأْنِهِ أنْ يُلْقِيَ الرَّوْعَ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، إذْ كانَ اليَهُودُ المُجاوِرُونَ لِلْمُسْلِمِينَ ذَوِي عَدَدٍ وعُدَدٍ، وبِيَدِهِمُ الأمْوالُ، وهم مَبْثُوثُونَ في المَدِينَةِ وما حَوْلَها: مِن قَيْنُقاعَ صفحة ٧٣ وقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وخَيْبَرَ، فَعَداوَتُهم، وسُوءُ نَواياهم، لَيْسا بِالأمْرِ الَّذِي يُسْتَهانُ بِهِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾، أيْ إذا كانُوا مُضْمِرِينَ لَكُمُ السُّوءَ فاللَّهُ ولِيُّكم يَهْدِيكم ويَتَوَلّى أُمُورَكم؛ شَأْنُ الوَلِيِّ مَعَ مَوْلاهُ، وكانَ قَوْلُهُ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ (﴿بِأعْدائِكُمْ﴾) أيْ فاللَّهُ يَنْصُرُكم. وفِعْلُ (كَفى) في قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ مُسْتَعْمَلٌ في تَقْوِيَةِ اتِّصافِ فاعِلِهِ بِوَصْفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّمْيِيزُ المَذْكُورُ بَعْدَهُ، أيْ أنَّ فاعِلَ (كَفى) أجْدَرُ مَن يَتَّصِفُ بِذَلِكَ الوَصْفِ، ولِأجْلِ الدَّلالَةِ عَلى هَذا غَلَبَ في الكَلامِ إدْخالُ باءٍ عَلى فاعِلِ فِعْلِ (كَفى) وهي باءٌ زائِدَةٌ لِتَوْكِيدِ الكِفايَةِ، بِحَيْثُ يَحْصُلُ إبْهامٌ يُشَوِّقُ السّامِعَ إلى مَعْرِفَةِ تَفْصِيلِهِ، فَيَأْتُونَ بِاسْمٍ يُمَيِّزُ نَوْعَ تِلْكَ النِّسْبَةِ لِيَتَمَكَّنَ المَعْنى في ذِهْنِ السّامِعِ. وقَدْ يَجِيءُ فاعِلُ (كَفى) غَيْرَ مَجْرُورٍ بِالباءِ، كَقَوْلِ عَبْدِ بَنِي الحِسْحاسِ: كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا وجَعَلَ الزَّجّاجُ الباءَ هُنا غَيْرَ زائِدَةٍ وقالَ: ضُمِّنَ فِعْلُ (كَفى) مَعْنى (اكْتَفِ)، واسْتَحْسَنَهُ ابْنُ هِشامٍ. وشَذَّتْ زِيادَةُ الباءِ في المَفْعُولِ، كَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ أوْ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ: فَكَفى بِنا فَضْلًا عَلى مَن غَيْرُنا ∗∗∗ حُبُّ النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ إيّانا وجَزَمَ الواحِدِيُّ في شَرْحِ قَوْلِ المُتَنَبِّي: كَفى بِجِسْمِي نُحُولًا أنَّنِي رَجُلٌ ∗∗∗ لَوْلا مُخاطَبَتِي إيّاكَ لَمْ تَرَنِي بِأنَّهُ شُذُوذٌ. لا تُزادُ الباءُ في فاعِلِ ”كَفى“ بِمَعْنى أجْزَأ، ولا الَّتِي بِمَعْنى وقى، فَرْقًا بَيْنَ اسْتِعْمالِ كَفى المَجازِيِّ واسْتِعْمالِها الحَقِيقِيِّ الَّذِي هو مَعْنى الِاكْتِفاءِ بِذاتِ الشَّيْءِ نَحْوَ: كَفانِي ولَمْ أطْلُبْ قَلِيلٌ مِنَ المالِ.

النساء 4:46

صفحة ٧٤ ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا في الدِّينِ ولَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا واسْمَعْ وانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهم وأقْوَمَ ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ . يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا كَلامًا مُسْتَأْنَفًا. و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، وهي خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ صِفَتُهُ وهي جُمْلَةُ ”يُحَرِّفُونَ“ . والتَّقْدِيرُ: قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ. وحَذْفُ المُبْتَدَإ في مِثْلِ هَذا شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ اجْتِزاءً بِالصِّفَةِ عَنِ المَوْصُوفِ، وذَلِكَ إذا كانَ المُبْتَدَأُ مَوْصُوفًا بِجُمْلَةٍ أوْ ظَرْفٍ، وكانَ بَعْضَ اسْمٍ مَجْرُورٍ بِحَرْفِ ”مِن“، وذَلِكَ الِاسْمُ مُقَدَّمٌ عَلى المُبْتَدَإ. ومِن كَلِماتِ العَرَبِ المَأْثُورَةِ قَوْلُهم: مِنّا ظَعَنَ ومِنّا أقامَ. أيْ مِنّا فَرِيقٌ ظَعَنَ ومِنّا فَرِيقٌ أقامَ. ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: فَظَلُّوا ومِنهم دَمْعُهُ غالِبٌ لَهُ وآخَرُ يَذْرِي دَمْعَةَ العَيْنِ بِالهَمْلِ أيْ ومِنهم فَرِيقٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في العَطْفِ: وآخَرُ. وقَوْلُ تَمِيمِ بْنِ مُقْبِلٍ: وما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنـهُـمَـا أمُوتُ ∗∗∗ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ وقَدْ دَلَّ ضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ (﴿يُحَرِّفُونَ﴾) أنَّ هَذا صَنِيعُ فَرِيقٍ مِنهم، وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهِ رِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ مِنَ اليَهُودِ، ولَعَلَّ قائِلَ هَذا يَعْنِي أنَّهُ مِن جُمْلَةِ هَؤُلاءِ الفَرِيقِ، إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ واحِدًا ويُؤْتى بِضَمِيرِ الجَماعَةِ، ولَيْسَ المَقامُ مَقامَ إخْفاءٍ حَتّى يَكُونَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - «ما بالُ أقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ» إلَخْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ صِفَةً لِلَّذِينِ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ، وتَكُونَ (مِن) بَيانِيَّةً أيْ هُمُ الَّذِينَ هادُوا، فَتَكُونَ جُمْلَةُ يُحَرِّفُونَ حالًا مِن قَوْلِهِ: الَّذِينَ هادُوا. وعَلى الوَجْهَيْنِ فَقَدْ أُثْبِتَتْ لَهم أوْصافُ التَّحْرِيفِ والضَّلالَةِ ومَحَبَّةِ ضَلالِ المُسْلِمِينَ. صفحة ٧٥ والتَّحْرِيفُ: المَيْلُ بِالشَّيْءِ إلى الحَرْفِ وهو جانِبُ الشَّيْءِ وحافَّتُهُ، وسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣] في سُورَةِ المائِدَةِ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في المَيْلِ عَنْ سَواءِ المَعْنى وصَرِيحِهِ إلى التَّأْوِيلِ الباطِلِ، كَما يُقالُ: تَنَكَّبَ عَنِ الصِّراطِ، وعَنِ الطَّرِيقِ، إذا أخْطَأ الصَّوابَ وصارَ إلى سُوءِ الفَهْمِ أوِ التَّضْلِيلِ، فَهو عَلى هَذا تَحْرِيفُ مُرادِ اللَّهِ في التَّوْراةِ إلى تَأْوِيلاتٍ باطِلَةٍ، كَما يَفْعَلُ أهْلُ الأهْواءِ في تَحْرِيفِ مَعانِي القُرْآنِ بِالتَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّحْرِيفُ مُشْتَقًّا مِنَ الحَرْفِ وهو الكَلِمَةُ والكِتابَةُ، فَيَكُونُ مُرادًا بِهِ تَغْيِيرُ كَلِماتِ التَّوْراةِ وتَبْدِيلُها بِكَلِماتٍ أُخْرى لِتُوافِقَ أهْواءَ أهْلِ الشَّهَواتِ في تَأْيِيدِ ما هم عَلَيْهِ مِن فاسِدِ الأعْمالِ. والظّاهِرُ أنَّ كِلا الأمْرَيْنِ قَدِ ارْتَكَبَهُ اليَهُودُ في كِتابِهِمْ. وما يُنْقَلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ التَّحْرِيفَ فَسادُ التَّأْوِيلِ ولا يَعْمِدُ قَوْمٌ عَلى تَغْيِيرِ كِتابِهِمْ، ناظِرٌ إلى غالِبِ أحْوالِهِمْ، فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَكُونُ اسْتِعْمالُ ”عَنْ“ في قَوْلِهِ: ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ مَجازًا، ولا مُجاوَزَةَ ولا مَواضِعَ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ حَقِيقَةً إذِ التَّحْرِيفُ حِينَئِذٍ نَقْلٌ وإزالَةٌ. وقَوْلُهُ ”ويَقُولُونَ“ عَطْفٌ عَلى يُحَرِّفُونَ ذُكِرَ سُوءُ أفْعالِهِمْ، وسُوءُ أقْوالِهِمُ الَّتِي يُواجِهُونَ بِها الرَّسُولَ ﷺ: يَقُولُونَ سَمِعْنا دَعْوَتَكَ وعَصَيْناكَ، وذَلِكَ إظْهارٌ لِتَمَسُّكِهِمْ بِدِينِهِمْ لِيَزُولَ طَمَعُ الرَّسُولِ في إيمانِهِمْ، ولِذَلِكَ لَمْ يَرَوْا في قَوْلِهِمْ هَذا أذًى لِلرَّسُولِ فَأعْقَبُوهُ بِقَوْلِهِمْ لَهُ ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ إظْهارٌ لِلتَّأدُّبِ مَعَهُ. ومَعْنى ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أنَّهم يَقُولُونَ لِلرَّسُولِ ﷺ عِنْدَ مُراجَعَتِهِ في أمْرِ الإسْلامِ: اسْمَعْ مِنّا، ويُعَقِّبُونَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ يُوهِمُونَ أنَّهم قَصَدُوا الظّاهِرَ المُتَبادِرَ مِن قَوْلِهِمْ: غَيْرَ مُسْمَعٍ، أيْ غَيْرَ مَأْمُورٍ بِأنْ تَسْمَعَ، في مَعْنى قَوْلِ العَرَبِ: افْعَلْ غَيْرَ مَأْمُورٍ. وقِيلَ مَعْناهُ: غَيْرَ مُسْمَعٍ مَكْرُوهًا، فَلَعَلَّ العَرَبَ كانُوا يَقُولُونَ: أسْمَعَهُ بِمَعْنى سَبَّهُ. والحاصِلُ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ كانَتْ مَعْرُوفَةَ الإطْلاقِ بَيْنَ العَرَبِ في مَعْنى الكَرامَةِ والتَّلَطُّفِ. إطْلاقًا مُتَعارَفًا، ولَكِنَّهم لَمّا قالُوها لِلرَّسُولِ أرادُوا بِها مَعْنًى آخَرَ انْتَحَلُوهُ لَها مِن شَيْءٍ يَسْمَحُ بِهِ تَرْكِيبُها الوَضْعِيُّ، أيْ أنْ لا يَسْمَعَ صَوْتًا مِن مُتَكَلِّمٍ. بِأنْ يَصِيرَ أصَمَّ، أوْ صفحة ٧٦ أنْ لا يُسْتَجابَ دُعاؤُهُ. والَّذِي دَلَّ عَلى أنَّهم أرادُوا ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿ولَوْ أنَّهم قالُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واسْمَعْ وانْظُرْنا﴾ فَأزالَ لَهم كَلِمَةَ ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ . وقَصْدُهم مِن إيرادِ كَلامٍ ذِي وجْهَيْنِ أنْ يُرْضُوا الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ ويُرْضُوا أنْفُسَهم بِسُوءِ نِيَّتِهِمْ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ ويُرْضُوا قَوْمَهم، فَلا يَجِدُوا عَلَيْهِمْ حُجَّةً. وقَوْلُهم ﴿راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] أتَوْا بِلَفْظٍ ظاهِرُهُ طَلَبُ المُراعاةِ، أيِ الرِّفْقِ، والمُراعاةُ مُفاعَلَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ في المُبالَغَةِ في الرَّعْيِ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ الشّائِعَةِ الَّتِي ساوَتِ الأصْلَ، ذَلِكَ لِأنَّ الرَّعْيَ مِن لَوازِمِهِ الرِّفْقُ بِالمَرْعِيِّ، وطَلَبُ الخِصْبِ لَهُ، ودَفْعُ العادِيَةِ عَنْهُ. وهم يُرِيدُونَ بِـ ﴿راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] كَلِمَةً في العِبْرانِيَّةِ تَدُلُّ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الرُّعُونَةِ في العَرَبِيَّةِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّها كَلِمَةُ ”راعُونا“ وأنَّ مَعْناها الرُّعُونَةُ فَلَعَلَّهم كانُوا يَأْتُونَ بِها، يُوهِمُونَ أنَّهم يُعَظِّمُونَ النَّبِيءَ ﷺ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ نَهى المُسْلِمِينَ عَنْ مُتابَعَتِهِمْ إيّاهم في ذَلِكَ اغْتِرارًا فَقالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا﴾ [البقرة: ١٠٤] . واللَّيُّ أصْلُهُ الِانْعِطافُ والِانْثِناءُ، ومِنهُ ﴿ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، وهو يَحْتَمِلُ الحَقِيقَةَ في كِلْتا الكَلِمَتَيْنِ: اللَّيُّ، والألْسِنَةُ، أيْ أنَّهم يُثْنُونَ ألْسِنَتَهم لِيَكُونَ الكَلامُ مُشْبِهًا لُغَتَيْنِ بِأنْ يُشْبِعُوا حَرَكاتٍ، أوْ يَقْصُرُوا مُشْبَعاتٍ، أوْ يُفَخِّمُوا مُرَقَّقًا، أوْ يُرَقِّقُوا مُفَخَّمًا، لِيُعْطِيَ اللَّفْظُ في السَّمْعِ صُورَةً تُشْبِهُ صُورَةَ كَلِمَةٍ أُخْرى، فَإنَّهُ قَدْ تَخْرُجُ كَلِمَةٌ مِن زِنَةٍ إلى زِنَةٍ، ومِن لُغَةٍ إلى لُغَةٍ بِمِثْلِ هَذا. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِلَفْظِ اللَّيِّ مَجازُهُ، وبِالألْسِنَةِ مَجازُهُ: فاللَّيُّ بِمَعْنى تَغْيِيرِ الكَلِمَةِ، والألْسِنَةُ مَجازٌ عَلى الكَلامِ، أيْ يَأْتُونَ في كَلامِهِمْ بِما هو غَيْرُ مُتَمَحِّضٍ لِمَعْنى الخَيْرِ. وانْتَصَبَ ﴿لَيًّا﴾ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِـ ”يَقُولُونَ“ لِأنَّ اللَّيَّ كَيْفِيَّةٌ مِن كَيْفِيّاتِ القَوْلِ. وانْتَصَبَ ﴿وطَعْنًا في الدِّينِ﴾ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، فَهو مِن عَطْفِ بَعْضِ المَفاعِيلِ عَلى بَعْضٍ آخَرَ، ولا ضَيْرَ فِيهِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُما مَعًا مَفْعُولَيْنِ مُطْلَقَيْنِ أوْ مَفْعُولَيْنِ لِأجْلِهِما، وإنَّما كانَ قَوْلُهم ﴿وطَعْنًا في الدِّينِ﴾، لِأنَّهم أضْمَرُوا في كَلامِهِمْ قَصْدًا خَبِيثًا فَكانُوا يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمْ، ومَن يَلِيهِمْ مِن حَدِيثِي العَهْدِ بِالإيمانِ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ رَسُولًا لَعَلِمَ ما أرَدْنا بِقَوْلِنا، فَلِذَلِكَ فَضَحَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها. صفحة ٧٧ وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ أيْ لَوْ قالُوا ما هو قَبُولٌ لِلْإسْلامِ لَكانَ خَيْرًا. وقَوْلُ ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ يُشْبِهُ أنَّهُ مِمّا جَرى مَجْرى المَثَلِ بِقَوْلِ مَن أُمِرَ بِشَيْءٍ وامْتَثَلَهُ: سَمْعٌ وطاعَةٌ، أيْ شَأْنِي سَمْعٌ وطاعَةٌ، وهو مِمّا التُزِمَ فِيهِ حَذْفُ المُبْتَدَإ لِأنَّهُ جَرى مَجْرى المَثَلِ، وسَيَجِيءُ في سُورَةِ النُّورِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١] . وقَوْلُهُ (وأقُومُ) تَفْضِيلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ القِيامِ الَّذِي هو بِمَعْنى الوُضُوحِ والظُّهُورِ، كَقَوْلِهِمْ: قامَ الدَّلِيلُ عَلى كَذا، وقامَتْ حُجَّةُ فُلانٍ. وإنَّما كانَ أقْوَمَ لِأنَّهُ دالٌّ عَلى مَعْنًى لا احْتِمالَ فِيهِ، بِخِلافِ قَوْلِهِمْ. والِاسْتِدْراكُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾، أيْ ولَكِنْ أثَرُ اللَّعْنَةِ حاقَ بِهِمْ فَحُرِمُوا ما هو خَيْرٌ فَلا تَرْشَحُ نُفُوسُهم إلّا بِآثارِ ما هو كَمِينٌ فِيها مِن فِعْلٍ سَيِّئٍ وقَوْلٍ بَذاءٍ لا يَسْتَطِيعُونَ صَرْفَ أنْفُسِهِمْ عَنْ ذَلِكَ. ومَعْنى ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا فَهو مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ، وأُطْلِقَ القِلَّةُ عَلى العَدَمِ، وفُسِّرَ بِهِ قَوْلُ تَأبَّطَ شَرًّا: قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْمُـهِـمِّ يُصِـيبُـهُ كَثِيرُ ∗∗∗ الهَوى شَتّى النَّوى والمَسالِكِ قالَ الجاحِظُ في كِتابِ البَيانِ عِنْدَ قَوْلِ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ يَصِفُ أرْضَ نَصِيبِينَ ”كَثِيرَةُ العَقارِبِ قَلِيلَةُ الأقارِبِ، يَضَعُونَ“ قَلِيلًا ”في مَوْضِعِ“ لَيْسَ "، كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ قَلِيلُ الحَياءِ. لَيْسَ مُرادُهم أنَّ هُناكَ حَياءً وإنْ قَلَّ. قُلْتُ: ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: قَلَّ رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ، يُرِيدُونَ أنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ. وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] والمَعْنى نَفْيُ التَّذْكِيرِ، والقِلَّةُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى النَّفْيِ. وإنَّما اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ القِلَّةَ عِوَضًا عَنِ النَّفْيِ لِضَرْبٍ مِنَ الِاحْتِرازِ والِاقْتِصادِ، فَكَأنَّ المُتَكَلِّمَ يَخْشى أنْ يُتَلَقّى عُمُومُ نَفْيِهِ بِالإنْكارِ فَيَتَنازَلُ عَنْهُ إلى إثْباتِ قَلِيلٍ وهو يُرِيدُ النَّفْيَ.

النساء 4:47

صفحة ٧٨ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ . أقْبَلَ عَلى خِطابِ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ أُرِيدَ بِهِمُ اليَهُودُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ مِن عَجائِبِ ضَلالِهِمْ، وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، ما فِيهِ وازِعٌ لَهم لَوْ كانَ بِهِمْ وزْعٌ، وكَذَلِكَ شَأْنُ القُرْآنِ أنْ لا يُفْلِتَ فُرْصَةً تَعِنُّ مِن فُرَصِ المَوْعِظَةِ والهُدى إلّا انْتَهَزَها، وكَذَلِكَ شَأْنُ النّاصِحِينَ مِنَ الحُكَماءِ والخُطَباءِ أنْ يَتَوَسَّمُوا أحْوالَ تَأثُّرِ نُفُوسِ المُخاطَبِينَ ومَظانِّ ارْعِوائِها عَنِ الباطِلِ، وتَبَصُّرِها في الحَقِّ، فَيُنْجِدُوها حِينَئِذٍ بِقَوارِعِ المَوْعِظَةِ والإرْشادِ، كَما أشارَ إلَيْهِ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ ١١ إذْ قالَ: فَلَمّا ألْحَدُوا المَيْتَ، وفاتَ قَوْلُ لَيْتَ، أشْرَفَ شَيْخٌ مِن رِباوَةْ، مُتَأبِّطًا لِهِراوَةْ، فَقالَ: لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ إلَخْ. لِذَلِكَ جِيءَ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ الآيَةَ عَقِبَ ما تَقَدَّمَ. وهَذا مُوجِبُ اخْتِلافِ الصِّلَةِ هُنا عَنِ الصِّلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ [النساء: ٤٤] لِأنَّ ذَلِكَ جاءَ في مَقامِ التَّعْجِيبِ والتَّوْبِيخِ فَناسَبَتْهُ صِلَةٌ مُؤْذِنَةٌ بِتَهْوِينِ شَأْنِ عِلْمِهِمْ بِما أُوتُوهُ مِنَ الكِتابِ، وما هُنا جاءَ في مَقامِ التَّرْغِيبِ فَناسَبَتْهُ صِلَةٌ تُؤْذِنُ بِأنَّهم شُرِّفُوا بِإيتاءِ التَّوْراةِ لِتُثِيرَ هِمَمَهم لِلِاتِّسامِ بِمِيسَمِ الرّاسِخِينَ في جَرَيانِ أعْمالِهِمْ عَلى وفْقِ ما يُناسِبُ ذَلِكَ، ولَيْسَ بَيْنَ الصِّلَتَيْنِ اخْتِلافٌ في الواقِعِ لِأنَّهم أُوتُوا الكِتابَ كُلَّهُ حَقِيقَةً بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وأُوتُوا نَصِيبًا مِنهُ بِاعْتِبارِ جَرَيانِ أعْمالِهِمْ عَلى خِلافِ ما جاءَ بِهِ كِتابُهم، فالَّذِي لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ مِنهُ كَأنَّهم لَمْ يُؤْتَوْهُ. وجِيءَ بِالصِّلَتَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿بِما نَزَّلْنا﴾ وقَوْلِهِ (لِما مَعَكم) دُونَ الِاسْمَيْنِ العَلَمَيْنِ، وهُما: القُرْآنُ والتَّوْراةُ: لِما في قَوْلِهِ: ﴿بِما نَزَّلْنا﴾ مِنَ التَّذْكِيرِ بِعِظَمِ شَأْنِ القُرْآنِ أنَّهُ مُنَزَّلٌ بِإنْزالِ اللَّهِ، ولِما في قَوْلِهِ (لِما مَعَكم) مِنَ التَّعْرِيضِ بِهِمْ في أنَّ التَّوْراةَ كِتابٌ مُسْتَصْحَبٌ عِنْدَهم لا يَعْلَمُونَ مِنهُ حَقَّ عِلْمِهِ ولا يَعْمَلُونَ بِما فِيهِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥] . صفحة ٧٩ وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ تَهْدِيدٌ أوْ وعِيدٌ، ومَعْنى ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ﴾ أيْ آمِنُوا في زَمَنٍ يَبْتَدِئُ مِن قَبْلِ الطَّمْسِ، أيْ مِن قَبْلِ زَمَنِ الطَّمْسِ عَلى الوُجُوهِ، وهَذا تَهْدِيدٌ بِأنْ يَحِلَّ بِهِمْ أمْرٌ عَظِيمٌ، وهو يَحْتَمِلُ الحَمْلَ عَلى حَقِيقَةِ الطَّمْسِ بِأنْ يُسَلِّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما يُفْسِدُ بِهِ مُحَيّاهم فَإنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ صالِحَةٌ لِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الطَّمْسُ مَجازًا عَلى إزالَةِ ما بِهِ كَمالُ الإنْسانِ مِنِ اسْتِقامَةِ المَدارِكِ فَإنَّ الوُجُوهَ مَجامِعُ الحَواسِّ. والتَّهْدِيدُ لا يَقْتَضِي وُقُوعَ المُهَدَّدِ بِهِ، وفي الحَدِيثِ «أما يَخْشى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإمامِ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ وجْهَهُ وجْهَ حِمارٍ» . وأصْلُ الطَّمْسِ إزالَةُ الآثارِ الماثِلَةِ. قالَ كَعْبٌ: عُرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَجْهُولُ وقَدْ يُطْلَقُ الطَّمْسُ مَجازًا عَلى إبْطالِ خَصائِصِ الشَّيْءِ المَأْلُوفَةِ مِنهُ. ومِنهُ طَمْسُ القُلُوبِ أيْ إبْطالُ آثارِ التَّمَيُّزِ والمَعْرِفَةِ مِنها. وقَوْلُهُ: ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ عَطْفٌ لِمُجَرَّدِ التَّعْقِيبِ لا لِلتَّسَبُّبِ؛ أيْ مِن قَبْلِ أنْ يَحْصُلَ الأمْرانِ: الطَّمْسُ والرَّدُّ عَلى الأدْبارِ، أيْ تَنْكِيسُ الرُّؤُوسِ إلى الوَراءِ. وإنْ كانَ الطَّمْسُ هُنا مَجازًا وهو الظّاهِرُ، فَهو وعِيدٌ بِزَوالِ وجاهَةِ اليَهُودِ في بِلادِ العَرَبِ، ورَمْيِهِمْ بِالمَذَلَّةِ بَعْدَ أنْ كانُوا هُناكَ أعِزَّةً ذَوِي مالٍ وعُدَّةٍ، فَقَدْ كانَ مِنهُمُ السَّمَوْألُ قَبْلَ البَعْثَةِ، ومِنهم أبُو رافِعٍ تاجِرُ أهْلِ الحِجازِ، ومِنهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، سَيِّدُ جِهَتِهِ في عَصْرِ الهِجْرَةِ. والرَّدُّ عَلى الأدْبارِ عَلى هَذا الوَجْهِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا بِمَعْنى القَهْقَرى، أيْ إصارَتُهم إلى بِئْسَ المَصِيرِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً وهو رَدُّهم مِن حَيْثُ أتَوْا، أيْ إجْلاؤُهم مِن بِلادِ العَرَبِ إلى الشّامِ. والفاءُ عَلى هَذا الوَجْهِ لِلتَّعْقِيبِ والتَّسَبُّبِ مَعًا، والكَلامُ وعِيدٌ، والوَعِيدُ حاصِلٌ، فَقَدْ رَماهُمُ اللَّهُ بِالذُّلِّ، ثُمَّ أجْلاهُمُ النَّبِيءُ ﷺ وأجْلاهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ إلى أذَرِعاتَ. صفحة ٨٠ وقَوْلُهُ: ﴿أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ﴾ أُرِيدَ بِاللَّعْنِ هُنا الخِزْيُ، فَهو غَيْرُ الطَّمْسِ، فَإنْ كانَ الطَّمْسُ مُرادًا بِهِ المَسْخُ فاللَّعْنُ مُرادٌ بِهِ الذُّلُّ، وإنْ كانَ الطَّمْسُ مُرادًا بِهِ الذُّلُّ فاللَّعْنُ مُرادٌ بِهِ المَسْخُ. و﴿أصْحابَ السَّبْتِ﴾ هُمُ الَّذِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] . وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

النساء 4:48

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ . يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةً بِما قَبْلَها مِن تَهْدِيدِ اليَهُودِ بِعِقابٍ في الدُّنْيا، فالكَلامُ مَسُوقٌ لِتَرْغِيبِ اليَهُودِ في الإسْلامِ، وإعْلامِهِمْ بِأنَّهم بِحَيْثُ يَتَجاوَزُ اللَّهُ عَنْهم عِنْدَ حُصُولِ إيمانِهِمْ، ولَوْ كانَ عَذابُ الطَّمْسِ نازِلًا عَلَيْهِمْ، فالمُرادُ بِالغُفْرانِ التَّجاوُزُ في الدُّنْيا عَنِ المُؤاخَذَةِ لَهم بِعِظَمِ كُفْرِهِمْ وذُنُوبِهِمْ، أيْ بِرَفْعِ العَذابَ عَنْهم. وتَتَضَمَّنُ الآيَةُ تَهْدِيدًا لِلْمُشْرِكِينَ بِعَذابِ الدُّنْيا يَحِلُّ بِهِمْ فَلا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ بَعْدَ حُلُولِ العَذابِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٨] الآيَةَ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ حَرْفُ ”أنْ“ في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ والتَّسَبُّبِ، أيْ آمِنُوا بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يَنْزِلَ بِكُمُ العَذابُ، لِأنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ ما دُونُ الإشْراكِ بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، أيْ لِيُعَذِّبَهم عَذابَ الدُّنْيا، ثُمَّ قالَ: ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٤]، أيْ في الدُّنْيا، وهو عَذابُ الجُوعِ والسَّيْفِ. وقَوْلُهُ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠]، أيْ دُخانُ عامِ المَجاعَةِ في قُرَيْشٍ. ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] أيْ بَطْشَةُ يَوْمِ بَدْرٍ؛ أوْ يَكُونُ المُرادُ بِالغُفْرانِ التَّسامُحَ، فَإنَّ الإسْلامَ قَبِلَ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ الدُّخُولَ تَحْتَ ذِمَّةِ الإسْلامِ دُونَ الدُّخُولِ في دِينِ الإسْلامِ، وذَلِكَ حُكْمُ الجِزْيَةِ، ولَمْ يَرْضَ مِنَ المُشْرِكِينَ إلّا بِالإيمانِ دُونَ الجِزْيَةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] إلى قَوْلِهِ صفحة ٨١ ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . وقالَ في شَأْنِ أهْلِ الكِتابِ ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً، وقَعَتِ اعْتِراضًا بَيْنَ قَوارِعِ أهْلِ الكِتابِ ومَواعِظِهِمْ، فَيَكُونُ حَرْفُ ”إنَّ“ لِتَوْكِيدِ الخَبَرِ لِقَصْدِ دَفْعِ احْتِمالِ المَجازِ أوِ المُبالَغَةِ في الوَعِيدِ، وهو إمّا تَمْهِيدٌ لِما بَعْدَهُ لِتَشْنِيعِ جُرْمِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ لِيَكُونَ تَمْهِيدًا لِتَشْنِيعِ حالِ الَّذِينَ فَضَّلُوا الشِّرْكَ عَلى الإيمانِ، وإظْهارًا لِمِقْدارِ التَّعْجِيبِ مِن شَأْنِهِمُ الآتِي في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١]، أيْ فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ بِحالِ مَن لا يَرْضى اللَّهُ عَنْهُ. والمَغْفِرَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ يَصِحُّ حَمْلُها عَلى مَعْنى التَّجاوُزِ الدُّنْيَوِيِّ، وعَلى مَعْنى التَّجاوُزِ في الآخِرَةِ عَلى وجْهِ الإجْمالِ. وإمّا أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ تَعْلِيمِ حِكَمٍ في مَغْفِرَةِ ذُنُوبِ العُصاةِ: ابْتُدِئَ بِمُحْكَمٍ وهو قَوْلُهُ: ﴿لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، وذُيِّلَ بِمُتَشابِهٍ وهو قَوْلُهُ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾؛ فالمَغْفِرَةُ مُرادٌ مِنها التَّجاوُزُ في الآخِرَةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ فَهَذا مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي تَكَلَّمَ العُلَماءُ فِيهِ وهو يُرِيدُ أنَّ ظاهِرَها يَقْتَضِي أُمُورًا مُشْكَلَةً: الأوَّلُ: أنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ قَدْ يَغْفِرُ الكُفْرَ الَّذِي لَيْسَ بِشِرْكٍ كَكُفْرِ اليَهُودِ. الثّانِي: أنَّهُ يَغْفِرُ لِمُرْتَكِبِ الذُّنُوبِ ولَوْ لَمْ يَتُبْ. الثّالِثُ: أنَّهُ قَدْ لا يَغْفِرُ لِلْكافِرِ بَعْدَ إيمانِهِ ولِلْمُذْنِبِ بَعْدَ تَوْبَتِهِ، لِأنَّهُ وكَّلَ الغُفْرانَ إلى المَشِيئَةِ، وهي تُلاقِي الوُقُوعَ والِانْتِفاءَ. وكُلُّ هَذِهِ الثَّلاثَةِ قَدْ جاءَتِ الأدِلَّةُ المُتَظافِرَةُ عَلى خِلافِها، واتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عَلى مُخالَفَةِ ظاهِرِها، فَكانَتِ الآيَةُ مِنَ المُتَشابِهِ عِنْدَ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ الآيَةُ هي الحاكِمَةُ بِبَيانِ ما تَعارَضَ مِن آياتِ الوَعْدِ والوَعِيدِ. وتَلْخِيصُ الكَلامِ فِيها أنْ يُقالَ: النّاسُ أرْبَعَةُ أصْنافٍ: كافِرٌ ماتَ عَلى كُفْرِهِ، فَهَذا مُخَلَّدٌ في النّارِ بِإجْماعٍ، ومُؤْمِنٌ مُحْسِنٌ لَمْ يُذْنِبْ قَطُّ وماتَ عَلى ذَلِكَ فَهو في الجَنَّةِ مَحْتُومٌ عَلَيْهِ حَسَبَ الوَعْدِ مِنَ اللَّهِ بِإجْماعٍ، وتائِبٌ ماتَ عَلى تَوْبَتِهِ فَهَذا عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ وجُمْهُورِ فُقَهاءِ الأُمَّةِ لاحِقٌ بِالمُؤْمِنِ المُحْسِنِ، ومُذْنِبٌ ماتَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ فَهَذا هو مَوْضِعُ صفحة ٨٢ الخِلافِ: فَقالَتِ المُرْجِئَةُ: هو في الجَنَّةِ بِإيمانِهِ ولا تَضُرُّهُ سَيِّئاتُهُ، وجَعَلُوا آياتِ الوَعِيدِ كُلَّها مُخَصَّصَةً بِالكُفّارِ وآياتِ الوَعْدِ عامَّةً في المُؤْمِنِينَ؛ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إذا كانَ صاحِبَ كَبِيرَةٍ فَهو في النّارِ لا مَحالَةَ، وقالَتِ الخَوارِجُ: إذا كانَ صاحِبَ كَبِيرَةٍ أوْ صَغِيرَةٍ فَهو في النّارِ مُخَلَّدٌ ولا إيمانَ لَهُ، وجَعَلُوا آياتِ الوَعْدِ كُلَّها مُخَصَّصَةً بِالمُؤْمِنِ المُحْسِنِ والمُؤْمِنِ التّائِبِ، وجَعَلُوا آياتِ الوَعِيدِ عامَّةً في العُصاةِ كُفّارًا أوْ مُؤْمِنِينَ، وقالَ أهْلُ السُّنَّةِ: آياتُ الوَعْدِ ظاهِرَةُ العُمُومِ ولا يَصِحُّ نُفُوذُ كُلِّها لِوَجْهِهِ بِسَبَبِ تَعارُضِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٥] وقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣]، فَلا بُدَّ أنْ نَقُولَ: إنَّ آياتِ الوَعْدِ لَفْظُها لَفْظُ العُمُومِ، والمُرادُ بِهِ الخُصُوصُ: في المُؤْمِنِ المُحْسِنِ، وفِيمَن سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى العَفْوُ عَنْهُ دُونَ تَعْذِيبٍ مِنَ العُصاةِ، وأنَّ آياتِ الوَعِيدِ لَفْظُها عُمُومٌ والمُرادُ بِهِ الخُصُوصُ في الكَفَرَةِ، وفِيمَن سَبَقَ عِلْمُهُ تَعالى أنَّهُ يُعَذِّبُهُ مِنَ العُصاةِ. وآيَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ جَلَتِ الشَّكَّ وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾ مُبْطِلٌ لِلْمُعْتَزِلَةِ، وقَوْلَهُ: لِمَن يَشاءُ رادًّا عَلى المُرْجِئَةِ دالٌّ عَلى أنَّ غُفْرانَ ما دُونُ الشِّرْكِ لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، ولَعَلَّهُ بَنى كَلامَهُ عَلى تَأْوِيلِ الشِّرْكِ بِهِ بِما يَشْمَلُ الكُفْرَ كُلَّهُ، أوْ بَناهُ عَلى أنَّ اليَهُودَ أشْرَكُوا فَقالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والنَّصارى أشْرَكُوا فَقالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وهو تَأْوِيلُ الشّافِعِيِّ فِيما نَسَبَهُ إلَيْهِ فَخْرُ الدِّينِ، وهو تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ. فالإشْراكُ لَهُ مَعْناهُ في الشَّرِيعَةِ، والكَفْرُ دُونَهُ لَهُ مَعْناهُ. والمُعْتَزِلَةُ تَأوَّلُوا الآيَةَ بِما أشارَ إلَيْهِ في الكَشّافِ: بِأنَّ قَوْلَهُ (لِمَن يَشاءُ) مَعْمُولٌ يَتَنازَعُهُ (لا يَغْفِرُ) المَنفِيُّ ويَغْفِرُ المُثْبِتُ. وتَحْقِيقُ كَلامِهِ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلَيْهِ: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ لِمَن يَشاءُ ويَغْفِرُ ما دُونَ الشِّرْكِ لِمَن يَشاءُ، ويَصِيرُ مَعْنى لا يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ أنَّهُ لا يَشاءُ المَغْفِرَةَ لَهُ إذْ لَوْ شاءَ المَغْفِرَةَ لَهُ لَغَفَرَ لَهُ، لِأنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ المُمْكِنَ لا يَمْنَعُها شَيْءٌ، وهي لا تَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَحِيلِ، فَلَمّا قالَ (لا يَغْفِرُ) عَلِمْنا أنَّ (مَن يَشاءُ) مَعْناهُ لا يَشاءُ أنْ يَغْفِرَ، فَيَكُونُ الكَلامُ مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا، أيْ لا تَفْعَلْ فَأعْرِفُكَ فاعِلًا، وهَذا التَّأْوِيلُ تَعَسُّفٌ بَيِّنٌ. وأحْسَبُ أنَّ تَأْوِيلَ الخَوارِجِ قَرِيبٌ مِن هَذا. وأمّا المُرْجِئَةُ فَتَأوَّلُوا بِما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّ مَفْعُولَ (مَن يَشاءُ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: أنْ يُشْرِكَ بِهِ، أيْ ويَغْفِرُ ما دُونَ صفحة ٨٣ الشِّرْكِ لِمَن يَشاءُ الإيمانَ، أيْ لِمَن آمَنَ، وهي تَعَسُّفاتٌ تُكْرِهُ القُرْآنَ عَلى خِدْمَةِ مَذاهِبِهِمْ. وعِنْدِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ، إنْ كانَتْ مُرادًا بِها الإعْلامُ بِأحْوالِ مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ فَهي آيَةٌ اقْتُصِرَ فِيها عَلى بَيانِ المَقْصُودِ، وهو تَهْوِيلُ شَأْنِ الإشْراكِ، وأُجْمِلَ ما عَداهُ إجْمالًا عَجِيبًا، بِأنْ أُدْخِلَتْ صُوَرُهُ كُلُّها في قَوْلِهِ (لِمَن يَشاءُ) المُقْتَضِي مَغْفِرَةً لِفَرِيقٍ مُبْهَمٍ ومُؤاخَذَةً لِفَرِيقٍ مُبْهَمٍ. والحِوالَةُ في بَيانِ هَذا المُجْمَلِ عَلى الأدِلَّةِ الأُخْرى المُسْتَقْراةِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ولَوْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِمّا نَزَلَ في أوَّلِ البِعْثَةِ لَأمْكَنَ أنْ يُقالَ: إنَّ ما بَعْدَها مِنَ الآياتِ نَسَخَ ما تَضَمَّنَتْهُ، ولا يَهُولُنا أنَّها خَبَرٌ لِأنَّها خَبَرٌ مَقْصُودٌ مِنهُ حُكْمٌ تَكْلِيفِيٌّ، ولَكِنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ مُعْظَمِ القُرْآنِ، فَتَعَيَّنَ أنَّها تَنْظُرُ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَها، وبِذَلِكَ يَسْتَغْنِي جَمِيعُ طَوائِفِ المُسْلِمِينَ عَنِ التَّعَسُّفِ في تَأْوِيلِها كُلٌّ بِما يُساعِدُ نِحْلَتَهُ، وتُصْبِحُ صالِحَةً لِمَحامِلِ الجَمِيعِ، والمَرْجِعُ في تَأْوِيلِها إلى الأدِلَّةِ المُبَيِّنَةِ، وعَلى هَذا يَتَعَيَّنُ حَمْلُ الإشْراكِ بِما يَشْمَلُ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ، ولَعَلَّهُ نَظَرَ فِيهِ إلى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ في تَحْرِيمِ تَزَوُّجِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ بِأنَّهُما مُشْرِكَتانِ. وقالَ: أيُّ شِرْكٍ أعْظَمُ مِن أنْ يُدْعى لِلَّهِ ابْنٌ. وأدِلَّةُ الشَّرِيعَةِ صَرِيحَةٌ في اخْتِلافِ مَفْهُومِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، وكَوْنُ طائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والنَّصارى قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، لا يَقْتَضِي جَعْلَهم مُشْرِكِينَ إذْ لَمْ يَدَّعُوا مَعَ ذَلِكَ لِهَذَيْنِ إلَهِيَّةً تُشارِكُ اللَّهَ تَعالى، واخْتِلافُ الأحْكامِ التَّكْلِيفِيَّةِ بَيْنَ الكُفْرَيْنِ دَلِيلٌ عَلى أنْ لا يُرادَ بِهَذا اللَّفْظِ مَفْهُومُ مُطْلَقِ الكُفْرِ، عَلى أنَّهُ ماذا يُغْنِي هَذا التَّأْوِيلُ إذا كانَ بَعْضُ الكَفَرَةِ لا يَقُولُ بِإلَهِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ مِثْلَ مُعْظَمِ اليَهُودِ. وقَدِ اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ كُلُّهم عَلى أنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الكُفْرِ، أيِ الإيمانَ، يُوجِبُ مَغْفِرَتَهُ سَواءٌ كانَ كُفْرَ إشْراكٍ أمْ كُفْرًا بِالإسْلامِ، لا شَكَّ في ذَلِكَ، إمّا بِوَعْدِ اللَّهِ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، أوْ بِالوُجُوبِ العَقْلِيِّ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ؛ وأنَّ المَوْتَ عَلى الكُفْرِ مُطْلَقًا لا يُغْفَرُ بِلا شَكٍّ، إمّا بِوَعِيدِ اللَّهِ، أوْ بِالوُجُوبِ العَقْلِيِّ؛ وأنَّ المُذْنِبَ إذا تابَ يُغْفَرُ ذَنْبُهُ قَطْعًا، إمّا بِوَعْدِ اللَّهِ أوْ بِالوُجُوبِ العَقْلِيِّ. واخْتُلِفَ في المُذْنِبِ إذا ماتَ عَلى ذَنْبِهِ ولَمْ يَتُبْ أوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الحَسَناتِ ما يُغَطِّي عَلى ذُنُوبِهِ، فَقالَ أهْلُ السُّنَّةِ: يُعاقَبُ ولا يُخَلَّدُ في العَذابِ بِنَصِّ الشَّرِيعَةِ، لا بِالوُجُوبِ، وهو مَعْنى المَشِيئَةِ، فَقَدْ شاءَ اللَّهُ ذَلِكَ وعَرَّفَنا مَشِيئَتَهُ بِأدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ. صفحة ٨٤ وقالَ المُعْتَزِلَةُ والخَوارِجُ: هو في النّارِ خالِدًا بِالوُجُوبِ العَقْلِيِّ، وقالَ المُرْجِئَةُ: لا يُعاقَبُ بِحالٍ، وكُلُّ هاتِهِ الأقْسامِ داخِلٌ في إجْمالِ (لِمَن يَشاءُ) . وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ زِيادَةٌ في تَشْنِيعِ حالِ الشِّرْكِ. والِافْتِراءُ: الكَذِبُ الَّذِي لا شُبْهَةَ لِلْكاذِبِ فِيهِ، لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الفَرْيِ وهو قَطْعُ الجِلْدِ. وهَذا مِثْلُ ما أطْلَقُوا عَلَيْهِ لَفْظَ الِاخْتِلاقِ مِنَ الخَلْقِ. وهو قَطْعُ الجِلْدِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والإثْمُ العَظِيمُ: الفاحِشَةُ الشَّدِيدَةُ.

النساء 4:49

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ . تَعْجِيبٌ مِن حالِ اليَهُودِ إذْ يَقُولُونَ ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقالُوا ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١] ونَحْوَ ذَلِكَ مِن إدْلالِهِمُ الكاذِبِ. وقَوْلُهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ إبْطالٌ لِمُعْتَقَدِهِمْ بِإثْباتِ ضِدِّهِ، وهو أنَّ التَّزْكِيَةَ شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ، ولا يَنْفَعُ أحَدًا أنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ. وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِـ (بَلْ) تَصْرِيحٌ بِإبْطالِ تَزْكِيَتِهِمْ. وأنَّ الَّذِينَ زَكَّوْا أنْفُسَهم لا حَظَّ لَهم في تَزْكِيَةِ اللَّهِ، وأنَّهم لَيْسُوا مِمَّنْ يَشاءُ اللَّهُ تَزْكِيَتَهُ، ولَوْ لَمْ يُذْكَرْ (بَلْ) فَقِيلَ: واللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ. لَكانَ لَهم مَطْمَعٌ أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ زَكّاهُ اللَّهُ تَعالى. ومَعْنى ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أيْ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَحْرِمْهم ما هم بِهِ أحْرِياءُ، وأنَّ تَزْكِيَةَ اللَّهِ غَيْرَهم لا تُعَدُّ ظُلْمًا لَهم لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ ولا يَظْلِمُ أحَدًا. والفَتِيلُ: شِبْهُ خَيْطٍ في شِقِّ نَواةِ التَّمْرَةِ، وقَدْ شاعَ اسْتِعارَتُهُ لِلْقِلَّةِ إذْ هو لا يُنْتَفَعُ بِهِ ولا لَهُ مَرْأًى واضِحٌ. صفحة ٨٥ وانْتَصَبَ ”فَتِيلًا“ عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ، لِأنَّهُ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ، إذِ التَّقْدِيرُ: ”ظُلْمًا“ كالفَتِيلِ، أيْ بِقَدْرِهِ، فَحُذِفَتْ أداةُ التَّشْبِيهِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] . وقَوْلُهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ جَعَلَ افْتِراءَهُمُ الكَذِبَ، لِشَدَّةِ تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، كَأنَّهُ أمْرٌ مَرْئِيٌّ يَنْظُرُهُ النّاسُ بِأعْيُنِهِمْ، وإنَّما هو مِمّا يُسْمَعُ ويُعْقَلُ، وكَلِمَةُ ﴿وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ نِهايَةٌ في بُلُوغِهِ غايَةَ الإثْمِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ تَرْكِيبُ: كَفى بِهِ كَذا، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في (كَفى) عِنْدَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] .

النساء 4:50

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ . تَعْجِيبٌ مِن حالِ اليَهُودِ إذْ يَقُولُونَ ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقالُوا ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١] ونَحْوَ ذَلِكَ مِن إدْلالِهِمُ الكاذِبِ. وقَوْلُهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ إبْطالٌ لِمُعْتَقَدِهِمْ بِإثْباتِ ضِدِّهِ، وهو أنَّ التَّزْكِيَةَ شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ، ولا يَنْفَعُ أحَدًا أنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ. وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِـ (بَلْ) تَصْرِيحٌ بِإبْطالِ تَزْكِيَتِهِمْ. وأنَّ الَّذِينَ زَكَّوْا أنْفُسَهم لا حَظَّ لَهم في تَزْكِيَةِ اللَّهِ، وأنَّهم لَيْسُوا مِمَّنْ يَشاءُ اللَّهُ تَزْكِيَتَهُ، ولَوْ لَمْ يُذْكَرْ (بَلْ) فَقِيلَ: واللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ. لَكانَ لَهم مَطْمَعٌ أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ زَكّاهُ اللَّهُ تَعالى. ومَعْنى ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أيْ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَحْرِمْهم ما هم بِهِ أحْرِياءُ، وأنَّ تَزْكِيَةَ اللَّهِ غَيْرَهم لا تُعَدُّ ظُلْمًا لَهم لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ ولا يَظْلِمُ أحَدًا. والفَتِيلُ: شِبْهُ خَيْطٍ في شِقِّ نَواةِ التَّمْرَةِ، وقَدْ شاعَ اسْتِعارَتُهُ لِلْقِلَّةِ إذْ هو لا يُنْتَفَعُ بِهِ ولا لَهُ مَرْأًى واضِحٌ. صفحة ٨٥ وانْتَصَبَ ”فَتِيلًا“ عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ، لِأنَّهُ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ، إذِ التَّقْدِيرُ: ”ظُلْمًا“ كالفَتِيلِ، أيْ بِقَدْرِهِ، فَحُذِفَتْ أداةُ التَّشْبِيهِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] . وقَوْلُهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ جَعَلَ افْتِراءَهُمُ الكَذِبَ، لِشَدَّةِ تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، كَأنَّهُ أمْرٌ مَرْئِيٌّ يَنْظُرُهُ النّاسُ بِأعْيُنِهِمْ، وإنَّما هو مِمّا يُسْمَعُ ويُعْقَلُ، وكَلِمَةُ ﴿وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ نِهايَةٌ في بُلُوغِهِ غايَةَ الإثْمِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ تَرْكِيبُ: كَفى بِهِ كَذا، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في (كَفى) عِنْدَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] .

النساء 4:51

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينِ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ . أُعِيدَ التَّعْجِيبُ مِنَ اليَهُودِ، ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾، بِما هو أعْجَبُ مِن حالِهِمُ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُها في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ [النساء: ٤٤]؛ فَإنَّ إيمانَهم بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ وتَصْوِيبَهم لِلْمُشْرِكِينَ تَباعُدٌ مِنهم عَنْ أُصُولِ شَرْعِهِمْ بِمَراحِلَ شاسِعَةٍ، لِأنَّ أوَّلَ قَواعِدِ التَّوْراةِ وأُولى كَلِماتِها العَشْرِ هي: لا يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرى أمامِي، لا تَصْنَعْ لَكَ تِمْثالًا مَنحُوتًا، لا تَسْجُدْ لَهُنَّ ولا تَعْبُدْهُنَّ. وتَقَدَّمَ بَيانُ تَرْكِيبِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ آنِفًا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والجِبْتُ: كَلِمَةٌ مُعَرَّبَةٌ مِنَ الحَبَشِيَّةِ، أيِ الشَّيْطانُ والسِّحْرُ؛ لِأنَّ مادَّةَ: ج ب ت مُهْمَلَةٌ في العَرَبِيَّةِ، فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الكَلِمَةُ دَخِيلَةً. وقِيلَ: أصْلُها جِبْسٌ: وهو ما لا خَيْرَ فِيهِ، فَأُبْدِلَتِ السِّينُ تاءً كَما أُبْدِلَتْ في قَوْلِ عِلْباءَ بْنِ أرْقَمَ: يا لَعَنَ اللَّهُ بَنِي السَّعْلاتِ عَمْرَو بْنَ يَرْبُوعٍ شِرارَ النّاتِ لَيْسُوا أعِفّاءَ ولا أكْياتِ أيْ شِرارُ النّاسِ ولا بِأكْياسٍ، وكَما قالُوا: الجَتُّ بِمَعْنى الجَسِّ. صفحة ٨٦ والطّاغُوتُ: الأصْنامُ. كَذا فَسَّرَهُ الجُمْهُورُ هُنا ونُقِلَ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ. وهو اسْمٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ فَيُقالُ لِلصَّنَمِ طاغُوتٌ ولِلْأصْنامِ طاغُوتٌ، فَهو نَظِيرُ طِفْلٍ وفُلْكٍ. ولَعَلَّ التِزامَ اقْتِرانِهِ بِلامِ تَعْرِيفِ الجِنْسِ هو الَّذِي سَوَّغَ إطْلاقَهُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ نَظِيرَ الكِتابِ والكُتُبِ. ثُمَّ لَمّا شاعَ ذَلِكَ طَرَّدُوهُ حَتّى في حالَةِ تَجَرُّدِهِ عَنِ اللّامِ، قالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠] فَأفْرَدَهُ، وقالَ: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ [الزمر: ١٧]، وقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧] إلَخْ. وهَذا الِاسْمُ مُشْتَقٌّ مَن طَغى يَطْغُو: إذا تَعاظَمَ وتَرَفَّعَ، وأصْلُهُ مَصَدْرٌ بِوَزْنِ فَعَلُوتٍ لِلْمُبالَغَةِ، مِثْلُ: رَهَبُوتٍ، ومَلَكُوتٍ، ورَحَمُوتٍ، وجَبَرُوتٍ، فَأصْلُهُ طَغْوُوتٌ فَوَقَعَ فِيهِ قَلْبُ مَكانِيٌّ بِتَقْدِيمِ لامِ الكَلِمَةِ عَلى عَيْنِها فَصارَ طَوَغُوتٌ بِوَزْنِ فَلَعُوتٍ، والقَصْدُ مِن هَذا القَلْبِ تَأتِّي إبْدالِ الواوِ ألِفًا بِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، وهم قَدْ يَقْلِبُونَ حُرُوفَ الكَلِمَةِ لِيَتَأتّى الإبْدالُ كَما قَلَبُوا أرْءامَ جَمْعَ رِيمٍ إلى آرامَ لِيَتَأتّى إبْدالُ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ السّاكِنَةِ ألِفًا بَعْدَ الأُولى المَفْتُوحَةِ، وقَدْ يُنْزِلُونَ هَذا الِاسْمَ مَنزِلَةَ المُفْرَدِ فَيَجْمَعُونَهُ جَمْعَ تَكْسِيرٍ عَلى طَواغِيتَ ووَزْنُهُ فَعالِيلُ، ووَرَدَ في الحَدِيثِ: «لا تَحْلِفُوا بِالطَّواغِيتِ» . وفي كَلامِ ابْنِ المُسَيَّبِ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: البَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّها لِلطَّواغِيتِ. وقَدْ يُطْلَقُ الطّاغُوتُ عَلى عَظِيمِ أهْلِ الشِّرْكِ كالكاهِنِ، لِأنَّهم يُعَظِّمُونَهُ لِأجْلِ أصْنامِهِمْ، كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] في هَذِهِ السُّورَةِ. والآيَةُ تُشِيرُ إلى ما وقَعَ مِن بَعْضِ اليَهُودِ، وفِيهِمْ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، فَإنَّهم بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ طَمِعُوا أنْ يَسْعَوْا في اسْتِئْصالِ المُسْلِمِينَ، فَخَرَجُوا إلى مَكَّةَ لِيُحالِفُوا المُشْرِكِينَ عَلى قِتالِ المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَ كَعْبٌ عِنْدَ أبِي سُفْيانَ، ونَزَلَ بَقِيَّتُهم في دُورِ قُرَيْشٍ، فَقالَ لَهُمُ المُشْرِكُونَ أنْتُمْ أهْلُ كِتابٍ ولَعَلَّكم أنْ تَكُونُوا أدْنى إلى مُحَمَّدٍ وأتْباعِهِ مِنكم إلَيْنا فَلا نَأْمَنُ مَكْرَكم. فَقالُوا لَهم: إنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ أرْضى عِنْدَ اللَّهِ مِمّا يَدْعُو إلَيْهِ مُحَمَّدٌ وأنْتُمْ أهْدى سَبِيلًا. فَقالَ لَهُمُ المُشْرِكُونَ: فاسْجُدُوا لِآلِهَتِنا حَتّى نَطْمَئِنَّ إلَيْكم. فَفَعَلُوا، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إعْلامًا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ بِما بَيَّتَهُ اليَهُودُ وأهْلُ مَكَّةَ. واللّامُ في قَوْلِهِ: لِلَّذِينَ كَفَرُوا لامُ العِلَّةِ، أيْ يَقُولُونَ لِأجْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ولَيْسَ لامَ تَعْدِيَةِ فِعْلِ القَوْلِ. وأُرِيدَ بِهِمْ مُشْرِكُو مَكَّةَ وذَلِكَ اصْطِلاحُ القُرْآنِ في إطْلاقِ صِفَةِ الكُفْرِ صفحة ٨٧ أنَّهُ الشِّرْكُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ أهْدى﴾ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا، وهو حِكايَةٌ لِلْقَوْلِ بِمَعْناهُ، لِأنَّهم إنَّما قالُوا أنْتُمْ أهْدى مِن مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ، أوْ قالَ بَعْضُ اليَهُودِ لِبَعْضٍ في شَأْنِ أهْلِ مَكَّةَ هَؤُلاءِ أهْدى، أيْ حِينَ تَناجَوْا وزَوَّرُوا ما سَيَقُولُونَهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ بِالمَعْنى نِداءً عَلى غَلَطِهِمْ، لِأنَّهم إنَّما قالُوا: هَؤُلاءِ أهْدى مِن مُحَمَّدٍ وأتْباعِهِ، وإذْ كانَ مُحَمَّدٌ وأتْباعُهُ مُؤْمِنِينَ فَقَدْ لَزِمَ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ المُشْرِكِينَ أهْدى مِنَ المُؤْمِنِينَ. وهَذا مَحَلُّ التَّعْجِيبِ. وعَقَّبَ التَّعْجِيبَ بُقُولِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ . ومَوْقِعُ اسْمِ الإشارَةِ هُنا في نِهايَةِ الرَّشاقَةِ، لِأنَّ مَن بَلَغَ مِن وصْفِ حالِهِ هَذا المَبْلَغَ صارَ كالمُشاهَدِ، فَناسَبَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ألَمْ تَرَ أنْ يُشارَ إلى هَذا الفَرِيقِ المُدَّعى أنَّهُ مَرْئِيٌّ، فَيُقالُ: أُولَئِكَ. وفي اسْمِ الإشارَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ جَدِيرُونَ بِما سَيُذْكَرُ مِنَ الحُكْمِ لِأجْلِ ما تَقَدَّمَ مِن أحْوالِهِمْ. والصِّلَةُ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ لَيْسَ مَعْلُومًا لِلْمُخاطَبِينَ اتِّصافُ المُخْبَرِ عَنْهم بِها اتِّصافَ مَنِ اشْتُهِرَ بِها؛ فالمَقْصُودُ أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ إنْ سَمِعْتُمْ بِقَوْمٍ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَهم هم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُسْلِمُونَ قَدْ عَلِمُوا أنَّ اليَهُودَ مَلْعُونُونَ، فالمَقْصُودُ مِنَ الصِّلَةِ هو ما عُطِفَ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ . والمَوْصُولُ عَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ فِيهِ إيماءٌ إلى تَعْلِيلِ الإخْبارِ الضِّمْنِيِّ عَنْهم: بِأنَّهم لا نَصِيرَ لَهم، لِأنَّهم لَعَنَهُمُ اللَّهُ، والَّذِي يَلْعَنُهُ لا نَصِيرَ لَهُ. وهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ في شَأْنِ المُسْلِمِينَ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكم وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] .

النساء 4:52

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينِ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ . أُعِيدَ التَّعْجِيبُ مِنَ اليَهُودِ، ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾، بِما هو أعْجَبُ مِن حالِهِمُ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُها في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ [النساء: ٤٤]؛ فَإنَّ إيمانَهم بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ وتَصْوِيبَهم لِلْمُشْرِكِينَ تَباعُدٌ مِنهم عَنْ أُصُولِ شَرْعِهِمْ بِمَراحِلَ شاسِعَةٍ، لِأنَّ أوَّلَ قَواعِدِ التَّوْراةِ وأُولى كَلِماتِها العَشْرِ هي: لا يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرى أمامِي، لا تَصْنَعْ لَكَ تِمْثالًا مَنحُوتًا، لا تَسْجُدْ لَهُنَّ ولا تَعْبُدْهُنَّ. وتَقَدَّمَ بَيانُ تَرْكِيبِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ آنِفًا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والجِبْتُ: كَلِمَةٌ مُعَرَّبَةٌ مِنَ الحَبَشِيَّةِ، أيِ الشَّيْطانُ والسِّحْرُ؛ لِأنَّ مادَّةَ: ج ب ت مُهْمَلَةٌ في العَرَبِيَّةِ، فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الكَلِمَةُ دَخِيلَةً. وقِيلَ: أصْلُها جِبْسٌ: وهو ما لا خَيْرَ فِيهِ، فَأُبْدِلَتِ السِّينُ تاءً كَما أُبْدِلَتْ في قَوْلِ عِلْباءَ بْنِ أرْقَمَ: يا لَعَنَ اللَّهُ بَنِي السَّعْلاتِ عَمْرَو بْنَ يَرْبُوعٍ شِرارَ النّاتِ لَيْسُوا أعِفّاءَ ولا أكْياتِ أيْ شِرارُ النّاسِ ولا بِأكْياسٍ، وكَما قالُوا: الجَتُّ بِمَعْنى الجَسِّ. صفحة ٨٦ والطّاغُوتُ: الأصْنامُ. كَذا فَسَّرَهُ الجُمْهُورُ هُنا ونُقِلَ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ. وهو اسْمٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ فَيُقالُ لِلصَّنَمِ طاغُوتٌ ولِلْأصْنامِ طاغُوتٌ، فَهو نَظِيرُ طِفْلٍ وفُلْكٍ. ولَعَلَّ التِزامَ اقْتِرانِهِ بِلامِ تَعْرِيفِ الجِنْسِ هو الَّذِي سَوَّغَ إطْلاقَهُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ نَظِيرَ الكِتابِ والكُتُبِ. ثُمَّ لَمّا شاعَ ذَلِكَ طَرَّدُوهُ حَتّى في حالَةِ تَجَرُّدِهِ عَنِ اللّامِ، قالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠] فَأفْرَدَهُ، وقالَ: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ [الزمر: ١٧]، وقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧] إلَخْ. وهَذا الِاسْمُ مُشْتَقٌّ مَن طَغى يَطْغُو: إذا تَعاظَمَ وتَرَفَّعَ، وأصْلُهُ مَصَدْرٌ بِوَزْنِ فَعَلُوتٍ لِلْمُبالَغَةِ، مِثْلُ: رَهَبُوتٍ، ومَلَكُوتٍ، ورَحَمُوتٍ، وجَبَرُوتٍ، فَأصْلُهُ طَغْوُوتٌ فَوَقَعَ فِيهِ قَلْبُ مَكانِيٌّ بِتَقْدِيمِ لامِ الكَلِمَةِ عَلى عَيْنِها فَصارَ طَوَغُوتٌ بِوَزْنِ فَلَعُوتٍ، والقَصْدُ مِن هَذا القَلْبِ تَأتِّي إبْدالِ الواوِ ألِفًا بِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، وهم قَدْ يَقْلِبُونَ حُرُوفَ الكَلِمَةِ لِيَتَأتّى الإبْدالُ كَما قَلَبُوا أرْءامَ جَمْعَ رِيمٍ إلى آرامَ لِيَتَأتّى إبْدالُ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ السّاكِنَةِ ألِفًا بَعْدَ الأُولى المَفْتُوحَةِ، وقَدْ يُنْزِلُونَ هَذا الِاسْمَ مَنزِلَةَ المُفْرَدِ فَيَجْمَعُونَهُ جَمْعَ تَكْسِيرٍ عَلى طَواغِيتَ ووَزْنُهُ فَعالِيلُ، ووَرَدَ في الحَدِيثِ: «لا تَحْلِفُوا بِالطَّواغِيتِ» . وفي كَلامِ ابْنِ المُسَيَّبِ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: البَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّها لِلطَّواغِيتِ. وقَدْ يُطْلَقُ الطّاغُوتُ عَلى عَظِيمِ أهْلِ الشِّرْكِ كالكاهِنِ، لِأنَّهم يُعَظِّمُونَهُ لِأجْلِ أصْنامِهِمْ، كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] في هَذِهِ السُّورَةِ. والآيَةُ تُشِيرُ إلى ما وقَعَ مِن بَعْضِ اليَهُودِ، وفِيهِمْ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، فَإنَّهم بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ طَمِعُوا أنْ يَسْعَوْا في اسْتِئْصالِ المُسْلِمِينَ، فَخَرَجُوا إلى مَكَّةَ لِيُحالِفُوا المُشْرِكِينَ عَلى قِتالِ المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَ كَعْبٌ عِنْدَ أبِي سُفْيانَ، ونَزَلَ بَقِيَّتُهم في دُورِ قُرَيْشٍ، فَقالَ لَهُمُ المُشْرِكُونَ أنْتُمْ أهْلُ كِتابٍ ولَعَلَّكم أنْ تَكُونُوا أدْنى إلى مُحَمَّدٍ وأتْباعِهِ مِنكم إلَيْنا فَلا نَأْمَنُ مَكْرَكم. فَقالُوا لَهم: إنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ أرْضى عِنْدَ اللَّهِ مِمّا يَدْعُو إلَيْهِ مُحَمَّدٌ وأنْتُمْ أهْدى سَبِيلًا. فَقالَ لَهُمُ المُشْرِكُونَ: فاسْجُدُوا لِآلِهَتِنا حَتّى نَطْمَئِنَّ إلَيْكم. فَفَعَلُوا، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إعْلامًا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ بِما بَيَّتَهُ اليَهُودُ وأهْلُ مَكَّةَ. واللّامُ في قَوْلِهِ: لِلَّذِينَ كَفَرُوا لامُ العِلَّةِ، أيْ يَقُولُونَ لِأجْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ولَيْسَ لامَ تَعْدِيَةِ فِعْلِ القَوْلِ. وأُرِيدَ بِهِمْ مُشْرِكُو مَكَّةَ وذَلِكَ اصْطِلاحُ القُرْآنِ في إطْلاقِ صِفَةِ الكُفْرِ صفحة ٨٧ أنَّهُ الشِّرْكُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ أهْدى﴾ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا، وهو حِكايَةٌ لِلْقَوْلِ بِمَعْناهُ، لِأنَّهم إنَّما قالُوا أنْتُمْ أهْدى مِن مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ، أوْ قالَ بَعْضُ اليَهُودِ لِبَعْضٍ في شَأْنِ أهْلِ مَكَّةَ هَؤُلاءِ أهْدى، أيْ حِينَ تَناجَوْا وزَوَّرُوا ما سَيَقُولُونَهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ بِالمَعْنى نِداءً عَلى غَلَطِهِمْ، لِأنَّهم إنَّما قالُوا: هَؤُلاءِ أهْدى مِن مُحَمَّدٍ وأتْباعِهِ، وإذْ كانَ مُحَمَّدٌ وأتْباعُهُ مُؤْمِنِينَ فَقَدْ لَزِمَ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ المُشْرِكِينَ أهْدى مِنَ المُؤْمِنِينَ. وهَذا مَحَلُّ التَّعْجِيبِ. وعَقَّبَ التَّعْجِيبَ بُقُولِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ . ومَوْقِعُ اسْمِ الإشارَةِ هُنا في نِهايَةِ الرَّشاقَةِ، لِأنَّ مَن بَلَغَ مِن وصْفِ حالِهِ هَذا المَبْلَغَ صارَ كالمُشاهَدِ، فَناسَبَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ألَمْ تَرَ أنْ يُشارَ إلى هَذا الفَرِيقِ المُدَّعى أنَّهُ مَرْئِيٌّ، فَيُقالُ: أُولَئِكَ. وفي اسْمِ الإشارَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ جَدِيرُونَ بِما سَيُذْكَرُ مِنَ الحُكْمِ لِأجْلِ ما تَقَدَّمَ مِن أحْوالِهِمْ. والصِّلَةُ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ لَيْسَ مَعْلُومًا لِلْمُخاطَبِينَ اتِّصافُ المُخْبَرِ عَنْهم بِها اتِّصافَ مَنِ اشْتُهِرَ بِها؛ فالمَقْصُودُ أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ إنْ سَمِعْتُمْ بِقَوْمٍ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَهم هم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُسْلِمُونَ قَدْ عَلِمُوا أنَّ اليَهُودَ مَلْعُونُونَ، فالمَقْصُودُ مِنَ الصِّلَةِ هو ما عُطِفَ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ . والمَوْصُولُ عَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ فِيهِ إيماءٌ إلى تَعْلِيلِ الإخْبارِ الضِّمْنِيِّ عَنْهم: بِأنَّهم لا نَصِيرَ لَهم، لِأنَّهم لَعَنَهُمُ اللَّهُ، والَّذِي يَلْعَنُهُ لا نَصِيرَ لَهُ. وهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ في شَأْنِ المُسْلِمِينَ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكم وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] .

النساء 4:53

صفحة ٨٨ ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ . (أمْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ، وهي تُؤْذِنُ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ مَحْذُوفَةٍ بَعْدَها، أيْ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَلا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيُّ حُكْمُهُ حُكْمُ النَّفْيِ. والعَطْفُ بِالفاءِ عَلى جُمْلَةِ لَهم نَصِيبٌ، وكَذَلِكَ ”إذَنْ“ هي جَزاءٌ لِجُمْلَةِ لَهم نَصِيبٌ، واعْتُبِرَ الِاسْتِفْهامُ داخِلًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ وجَزائِها مَعًا، لِأنَّهم يَنْتَفِي إعْطاؤُهُمُ النّاسَ نَقِيرًا عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ المُلْكِ لَهم لا عَلى انْتِفائِهِ. وهَذا الكَلامُ تَهَكُّمٌ عَلَيْهِمْ في انْتِظارِهِمْ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ مُلْكُ إسْرائِيلَ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ الَّذِي لا يُؤاتِي مَن يَرْجُونَ المُلْكَ. كَما قالَ أبُو الفَتْحِ البُسْتِيُّ: إذا مَلِكٌ لَمْ يَكُنْ ذا هِبَهْ فَدَعْهُ فَدَوْلَتُهُ ذاهِبَـهْ وشُحُّهم وبُخْلُهم مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ. والنَّقِيرُ: شَكْلَةٌ في النَّواةِ كالدّائِرَةِ، يُضْرَبُ بِها المَثَلُ في القِلَّةِ. لِذَلِكَ عَقَّبَ هَذا الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ . والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَ (أمْ) هَذِهِ إنْكارٌ عَلى حَسَدِهِمْ، ولَيْسَ مُفِيدًا لِنَفْيِ الحَسَدِ لِأنَّهُ واقِعٌ. والمُرادُ بِالنّاسِ النَّبِيءُ ﷺ، والفَضْلُ النُّبُوَّةُ، أوِ المُرادُ بِهِ النَّبِيءُ والمُؤْمِنُونَ، والفَضْلُ الهُدى والإيمانُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وتَوْجِيهًا لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ، أيْ فَلا بِدْعَ فِيما حَسَدُوهُ إذْ قَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والمُلْكَ. وآلَ إبْراهِيمَ: أبْناؤُهُ وعَقِبُهُ ونَسْلُهُ، وهو داخِلٌ في الحُكْمِ لِأنَّهم إنَّما أُعْطُوهُ لِأجْلِ كَرامَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ ووَعْدِ اللَّهِ إيّاهُ بِذَلِكَ. وتَعْرِيفُ الكِتابِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، فَيَصْدُقُ صفحة ٨٩ بِالمُتَعَدِّدِ، فَيَشْمَلُ صُحُفَ إبْراهِيمَ، وصُحُفَ مُوسى، وما أُنْزِلَ بَعْدَ ذَلِكَ. والحِكْمَةُ: النُّبُوَّةُ. والمُلْكُ: هو ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ إبْراهِيمَ أنْ يُعْطِيَهُ ذُرِّيَّتَهُ وما آتى اللَّهُ داوُدَ وسُلَيْمانَ ومُلُوكَ إسْرائِيلَ. وضَمِيرُ ”مِنهم“ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”يَحْسُدُونَ“ . وضَمِيرُ ”بِهِ“ يَعُودُ إلى النّاسِ المُرادِ مِنهُ مُحَمَّدٌ ﷺ: أيْ فَمِنَ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ، ومِنهم مَن أعْرَضَ. والتَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ (فَمِنهم) عَلى هَذا التَّفْسِيرِ ناشِئٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ . ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ ضَمِيرُ ”فَمِنهم“ إلى آلِ إبْراهِيمَ، وضَمِيرُ ”بِهِ“ إلى إبْراهِيمَ، أيْ فَقَدْ آتَيْناهم ما ذُكِرَ. ومِن ”آلِهِ“ مَن آمَنَ بِهِ، ومِنهم مَن كَفَرَ مِثْلَ أبِيهِ آزَرَ، وامْرَأةِ ابْنِ أخِيهِ لُوطٍ، أيْ فَلَيْسَ تَكْذِيبُ اليَهُودِ مُحَمَّدًا بِأعْجَبَ مِن ذَلِكَ، ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الإسراء: ٧٧] لِيَكُونَ قَدْ حَصَلَ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ في الأمْرَيْنِ في إبْطالِ مُسْتَنَدِ تَكْذِيبِهِمْ، بِإثْباتِ أنَّ إتْيانَ النُّبُوَّةِ لَيْسَ بِبِدْعٍ، وأنَّ مُحَمَّدًا مِن آلِ إبْراهِيمَ، فَلَيْسَ إرْسالُهُ بِأعْجَبَ مِن إرْسالِ مُوسى. وفي تَذْكِيرِهِمْ بِأنَّ هَذِهِ سُنَّةُ الأنْبِياءِ حَتّى لا يَعُدُّوا تَكْذِيبَهم مُحَمَّدًا ﷺ ثُلْمَةً في نُبُوَّتِهِ، إذْ لا يُعْرَفُ رَسُولٌ أجْمَعَ أهْلُ دَعْوَتِهِ عَلى تَصْدِيقِهِ مِن إبْراهِيمَ فَمَن بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ لِلَّذِينِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ. وتَفْسِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ [النساء: ٤٥] مِن هَذِهِ السُّورَةِ.

النساء 4:54

صفحة ٨٨ ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ . (أمْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ، وهي تُؤْذِنُ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ مَحْذُوفَةٍ بَعْدَها، أيْ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَلا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيُّ حُكْمُهُ حُكْمُ النَّفْيِ. والعَطْفُ بِالفاءِ عَلى جُمْلَةِ لَهم نَصِيبٌ، وكَذَلِكَ ”إذَنْ“ هي جَزاءٌ لِجُمْلَةِ لَهم نَصِيبٌ، واعْتُبِرَ الِاسْتِفْهامُ داخِلًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ وجَزائِها مَعًا، لِأنَّهم يَنْتَفِي إعْطاؤُهُمُ النّاسَ نَقِيرًا عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ المُلْكِ لَهم لا عَلى انْتِفائِهِ. وهَذا الكَلامُ تَهَكُّمٌ عَلَيْهِمْ في انْتِظارِهِمْ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ مُلْكُ إسْرائِيلَ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ الَّذِي لا يُؤاتِي مَن يَرْجُونَ المُلْكَ. كَما قالَ أبُو الفَتْحِ البُسْتِيُّ: إذا مَلِكٌ لَمْ يَكُنْ ذا هِبَهْ فَدَعْهُ فَدَوْلَتُهُ ذاهِبَـهْ وشُحُّهم وبُخْلُهم مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ. والنَّقِيرُ: شَكْلَةٌ في النَّواةِ كالدّائِرَةِ، يُضْرَبُ بِها المَثَلُ في القِلَّةِ. لِذَلِكَ عَقَّبَ هَذا الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ . والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَ (أمْ) هَذِهِ إنْكارٌ عَلى حَسَدِهِمْ، ولَيْسَ مُفِيدًا لِنَفْيِ الحَسَدِ لِأنَّهُ واقِعٌ. والمُرادُ بِالنّاسِ النَّبِيءُ ﷺ، والفَضْلُ النُّبُوَّةُ، أوِ المُرادُ بِهِ النَّبِيءُ والمُؤْمِنُونَ، والفَضْلُ الهُدى والإيمانُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وتَوْجِيهًا لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ، أيْ فَلا بِدْعَ فِيما حَسَدُوهُ إذْ قَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والمُلْكَ. وآلَ إبْراهِيمَ: أبْناؤُهُ وعَقِبُهُ ونَسْلُهُ، وهو داخِلٌ في الحُكْمِ لِأنَّهم إنَّما أُعْطُوهُ لِأجْلِ كَرامَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ ووَعْدِ اللَّهِ إيّاهُ بِذَلِكَ. وتَعْرِيفُ الكِتابِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، فَيَصْدُقُ صفحة ٨٩ بِالمُتَعَدِّدِ، فَيَشْمَلُ صُحُفَ إبْراهِيمَ، وصُحُفَ مُوسى، وما أُنْزِلَ بَعْدَ ذَلِكَ. والحِكْمَةُ: النُّبُوَّةُ. والمُلْكُ: هو ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ إبْراهِيمَ أنْ يُعْطِيَهُ ذُرِّيَّتَهُ وما آتى اللَّهُ داوُدَ وسُلَيْمانَ ومُلُوكَ إسْرائِيلَ. وضَمِيرُ ”مِنهم“ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”يَحْسُدُونَ“ . وضَمِيرُ ”بِهِ“ يَعُودُ إلى النّاسِ المُرادِ مِنهُ مُحَمَّدٌ ﷺ: أيْ فَمِنَ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ، ومِنهم مَن أعْرَضَ. والتَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ (فَمِنهم) عَلى هَذا التَّفْسِيرِ ناشِئٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ . ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ ضَمِيرُ ”فَمِنهم“ إلى آلِ إبْراهِيمَ، وضَمِيرُ ”بِهِ“ إلى إبْراهِيمَ، أيْ فَقَدْ آتَيْناهم ما ذُكِرَ. ومِن ”آلِهِ“ مَن آمَنَ بِهِ، ومِنهم مَن كَفَرَ مِثْلَ أبِيهِ آزَرَ، وامْرَأةِ ابْنِ أخِيهِ لُوطٍ، أيْ فَلَيْسَ تَكْذِيبُ اليَهُودِ مُحَمَّدًا بِأعْجَبَ مِن ذَلِكَ، ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الإسراء: ٧٧] لِيَكُونَ قَدْ حَصَلَ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ في الأمْرَيْنِ في إبْطالِ مُسْتَنَدِ تَكْذِيبِهِمْ، بِإثْباتِ أنَّ إتْيانَ النُّبُوَّةِ لَيْسَ بِبِدْعٍ، وأنَّ مُحَمَّدًا مِن آلِ إبْراهِيمَ، فَلَيْسَ إرْسالُهُ بِأعْجَبَ مِن إرْسالِ مُوسى. وفي تَذْكِيرِهِمْ بِأنَّ هَذِهِ سُنَّةُ الأنْبِياءِ حَتّى لا يَعُدُّوا تَكْذِيبَهم مُحَمَّدًا ﷺ ثُلْمَةً في نُبُوَّتِهِ، إذْ لا يُعْرَفُ رَسُولٌ أجْمَعَ أهْلُ دَعْوَتِهِ عَلى تَصْدِيقِهِ مِن إبْراهِيمَ فَمَن بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ لِلَّذِينِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ. وتَفْسِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ [النساء: ٤٥] مِن هَذِهِ السُّورَةِ.

النساء 4:55

صفحة ٨٨ ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ . (أمْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ، وهي تُؤْذِنُ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ مَحْذُوفَةٍ بَعْدَها، أيْ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَلا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيُّ حُكْمُهُ حُكْمُ النَّفْيِ. والعَطْفُ بِالفاءِ عَلى جُمْلَةِ لَهم نَصِيبٌ، وكَذَلِكَ ”إذَنْ“ هي جَزاءٌ لِجُمْلَةِ لَهم نَصِيبٌ، واعْتُبِرَ الِاسْتِفْهامُ داخِلًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَةِ وجَزائِها مَعًا، لِأنَّهم يَنْتَفِي إعْطاؤُهُمُ النّاسَ نَقِيرًا عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ المُلْكِ لَهم لا عَلى انْتِفائِهِ. وهَذا الكَلامُ تَهَكُّمٌ عَلَيْهِمْ في انْتِظارِهِمْ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ مُلْكُ إسْرائِيلَ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ الَّذِي لا يُؤاتِي مَن يَرْجُونَ المُلْكَ. كَما قالَ أبُو الفَتْحِ البُسْتِيُّ: إذا مَلِكٌ لَمْ يَكُنْ ذا هِبَهْ فَدَعْهُ فَدَوْلَتُهُ ذاهِبَـهْ وشُحُّهم وبُخْلُهم مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ. والنَّقِيرُ: شَكْلَةٌ في النَّواةِ كالدّائِرَةِ، يُضْرَبُ بِها المَثَلُ في القِلَّةِ. لِذَلِكَ عَقَّبَ هَذا الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ . والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَ (أمْ) هَذِهِ إنْكارٌ عَلى حَسَدِهِمْ، ولَيْسَ مُفِيدًا لِنَفْيِ الحَسَدِ لِأنَّهُ واقِعٌ. والمُرادُ بِالنّاسِ النَّبِيءُ ﷺ، والفَضْلُ النُّبُوَّةُ، أوِ المُرادُ بِهِ النَّبِيءُ والمُؤْمِنُونَ، والفَضْلُ الهُدى والإيمانُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وتَوْجِيهًا لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ، أيْ فَلا بِدْعَ فِيما حَسَدُوهُ إذْ قَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والمُلْكَ. وآلَ إبْراهِيمَ: أبْناؤُهُ وعَقِبُهُ ونَسْلُهُ، وهو داخِلٌ في الحُكْمِ لِأنَّهم إنَّما أُعْطُوهُ لِأجْلِ كَرامَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ ووَعْدِ اللَّهِ إيّاهُ بِذَلِكَ. وتَعْرِيفُ الكِتابِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، فَيَصْدُقُ صفحة ٨٩ بِالمُتَعَدِّدِ، فَيَشْمَلُ صُحُفَ إبْراهِيمَ، وصُحُفَ مُوسى، وما أُنْزِلَ بَعْدَ ذَلِكَ. والحِكْمَةُ: النُّبُوَّةُ. والمُلْكُ: هو ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ إبْراهِيمَ أنْ يُعْطِيَهُ ذُرِّيَّتَهُ وما آتى اللَّهُ داوُدَ وسُلَيْمانَ ومُلُوكَ إسْرائِيلَ. وضَمِيرُ ”مِنهم“ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”يَحْسُدُونَ“ . وضَمِيرُ ”بِهِ“ يَعُودُ إلى النّاسِ المُرادِ مِنهُ مُحَمَّدٌ ﷺ: أيْ فَمِنَ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ، ومِنهم مَن أعْرَضَ. والتَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ (فَمِنهم) عَلى هَذا التَّفْسِيرِ ناشِئٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ . ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ ضَمِيرُ ”فَمِنهم“ إلى آلِ إبْراهِيمَ، وضَمِيرُ ”بِهِ“ إلى إبْراهِيمَ، أيْ فَقَدْ آتَيْناهم ما ذُكِرَ. ومِن ”آلِهِ“ مَن آمَنَ بِهِ، ومِنهم مَن كَفَرَ مِثْلَ أبِيهِ آزَرَ، وامْرَأةِ ابْنِ أخِيهِ لُوطٍ، أيْ فَلَيْسَ تَكْذِيبُ اليَهُودِ مُحَمَّدًا بِأعْجَبَ مِن ذَلِكَ، ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الإسراء: ٧٧] لِيَكُونَ قَدْ حَصَلَ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ في الأمْرَيْنِ في إبْطالِ مُسْتَنَدِ تَكْذِيبِهِمْ، بِإثْباتِ أنَّ إتْيانَ النُّبُوَّةِ لَيْسَ بِبِدْعٍ، وأنَّ مُحَمَّدًا مِن آلِ إبْراهِيمَ، فَلَيْسَ إرْسالُهُ بِأعْجَبَ مِن إرْسالِ مُوسى. وفي تَذْكِيرِهِمْ بِأنَّ هَذِهِ سُنَّةُ الأنْبِياءِ حَتّى لا يَعُدُّوا تَكْذِيبَهم مُحَمَّدًا ﷺ ثُلْمَةً في نُبُوَّتِهِ، إذْ لا يُعْرَفُ رَسُولٌ أجْمَعَ أهْلُ دَعْوَتِهِ عَلى تَصْدِيقِهِ مِن إبْراهِيمَ فَمَن بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ لِلَّذِينِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ. وتَفْسِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ [النساء: ٤٥] مِن هَذِهِ السُّورَةِ.

النساء 4:56

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ونُدْخِلُهم ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ لِجَمِيعِ الكافِرِينَ، فَهي أعَمُّ مِمّا قَبْلَها، فَلَها حُكْمُ التَّذْيِيلِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ. والإصْلاءُ: مَصْدَرُ ”أصْلاهُ“، ويُقالُ: صَلاهُ صَلْيًا، ومَعْناهُ شَيُّ اللَّحْمِ عَلى النّارِ، صفحة ٩٠ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (صَلى) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] وقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ [النساء: ٣٠] في هَذِهِ السُّورَةِ. وتَقَدَّمَ أيْضًا الكَلامُ عَلى (سَوْفَ) في الآيَةِ الأخِيرَةِ. و(نُصْلِيهِمْ) بِضَمِّ النُّونِ مِنَ الإصْلاءِ. و(نَضِجَتْ) بَلَغَتْ نِهايَةَ الشَّيِّ، يُقالُ: نَضِجَ الشِّواءُ: إذا بَلَغَ حَدَّ الشَّيِّ، ويُقالُ: نَضِجَ الطَّبِيخُ: إذا بَلَغَ حَدَّ الطَّبْخِ، والمَعْنى: كُلَّما احْتَرَقَتْ جُلُودُهم، فَلَمْ يَبْقَ فِيها حَياةٌ وإحْساسٌ، بَدَّلْناهم، أيْ عَوَّضْناهم جُلُودًا غَيْرَها، والتَّبْدِيلُ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى﴾ [البقرة: ٦١] . فَقَوْلُهُ ”غَيْرَها“ تَأْكِيدٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ التَّبْدِيلِ. وانْتَصَبَ ”نارًا“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِأنَّهُ مِن بابِ ”أعْطى“ . وقَوْلُهُ: ﴿لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿بَدَّلْناهُمْ﴾ لِأنَّ الجِلْدَ هو الَّذِي يُوَصِّلُ إحْساسَ العَذابِ إلى النَّفْسِ بِحَسَبِ عادَةِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى. فَلَوْ لَمْ يُبَدَّلِ الجِلْدُ بَعْدَ احْتِراقِهِ لَما وصَلَ عَذابُ النّارِ إلى النَّفْسِ. وتَبْدِيلُ الجِلْدِ مَعَ بَقاءِ نَفْسِ صاحِبِهِ لا يُنافِي العَدْلَ لِأنَّ الجِلْدَ وسِيلَةُ إبْلاغِ العَذابِ ولَيْسَ هو المَقْصُودُ بِالتَّعْذِيبِ، ولِأنَّهُ ناشِئٌ عَنِ الجِلْدِ الأوَّلِ كَما أنَّ إعادَةَ الأجْسامِ في الحَشْرِ بَعْدَ اضْمِحْلالِها لا يُوجِبُ أنْ تَكُونَ أُناسًا غَيْرَ الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا الثَّوابَ والعِقابَ لِأنَّها لَمّا أُودِعَتِ النُّفُوسُ الَّتِي اكْتَسَبَتِ الخَيْرَ والشَّرَّ فَقَدْ صارَتْ هي هي ولا سِيَّما إذا كانَتْ إعادَتُها عَنْ إنْباتٍ مِن أعْجابِ الأذْنابِ. حَسْبَما ورَدَ بِهِ الأثَرُ، لِأنَّ النّاشِئَ عَنِ الشَّيْءِ هو مِنهُ كالنَّخْلَةِ مِنَ النَّواةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ واقِعٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ، فالعِزَّةُ يَتَأتّى بِها تَمامُ القُدْرَةِ في عُقُوبَةِ المُجْتَرِئِ عَلى اللَّهِ، والحِكْمَةُ يَتَأتّى بِها تِلْكَ الكَيْفِيَّةُ في إصْلائِهِمُ النّارَ. وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ ذُكِرَ هُنا لِلْمُقابَلَةِ وزِيادَةِ الغَيْظِ لِلْكافِرِينَ. واقْتَصَرَ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ عَلى لَذَّةِ الجَنّاتِ والأزْواجِ الصّالِحاتِ، لِأنَّهُما أحَبُّ اللَّذّاتِ المُتَعارَفَةِ لِلسّامِعِينَ، فالزَّوْجَةُ الصّالِحَةُ آنَسُ شَيْءٍ لِلْإنْسانِ، والجَنّاتُ مَحَلُّ النَّعِيمِ وحُسْنِ النَّظَرِ. وقَوْلُهُ: ﴿ونُدْخِلُهم ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ هو مِن تَمامِ مَحاسِنِ الجَنّاتِ، لِأنَّ الظِّلَّ إنَّما يَكُونُ مَعَ الشَّمْسِ، وذَلِكَ جَمالُ الجَنّاتِ ولَذَّةُ التَّنْعِيمِ بِرُؤْيَةِ النُّورِ مَعَ انْتِفاءِ حَرِّهِ. ووُصِفَ بِالظَّلِيلِ وصْفًا مُشْتَقًّا " مِنِ اسْمِ المَوْصُوفِ لِلدَّلالَةِ عَلى بُلُوغِهِ الغايَةَ في جِنْسِهِ، فَقَدْ يَأْتُونَ بِمِثْلِ هَذا الوَصْفِ بِوَزْنِ فَعِيلٍ كَما هُنا، وقَوْلُهم: داءٌ دَوِيٌّ، ويَأْتُونَ بِهِ بِوَزْنِ صفحة ٩١ أفْعَلِ: كَقَوْلِهِمْ: لَيْلٌ ألْيَلُ، ويَوْمٌ أيْوَمُ، ويَأْتُونَ بِوَزْنِ فاعِلٍ: كَقَوْلِهِمْ: شِعْرٌ شاعِرٌ، ونَصَبٌ ناصِبٌ.

النساء 4:57

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ونُدْخِلُهم ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ لِجَمِيعِ الكافِرِينَ، فَهي أعَمُّ مِمّا قَبْلَها، فَلَها حُكْمُ التَّذْيِيلِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ. والإصْلاءُ: مَصْدَرُ ”أصْلاهُ“، ويُقالُ: صَلاهُ صَلْيًا، ومَعْناهُ شَيُّ اللَّحْمِ عَلى النّارِ، صفحة ٩٠ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (صَلى) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] وقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ [النساء: ٣٠] في هَذِهِ السُّورَةِ. وتَقَدَّمَ أيْضًا الكَلامُ عَلى (سَوْفَ) في الآيَةِ الأخِيرَةِ. و(نُصْلِيهِمْ) بِضَمِّ النُّونِ مِنَ الإصْلاءِ. و(نَضِجَتْ) بَلَغَتْ نِهايَةَ الشَّيِّ، يُقالُ: نَضِجَ الشِّواءُ: إذا بَلَغَ حَدَّ الشَّيِّ، ويُقالُ: نَضِجَ الطَّبِيخُ: إذا بَلَغَ حَدَّ الطَّبْخِ، والمَعْنى: كُلَّما احْتَرَقَتْ جُلُودُهم، فَلَمْ يَبْقَ فِيها حَياةٌ وإحْساسٌ، بَدَّلْناهم، أيْ عَوَّضْناهم جُلُودًا غَيْرَها، والتَّبْدِيلُ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى﴾ [البقرة: ٦١] . فَقَوْلُهُ ”غَيْرَها“ تَأْكِيدٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ التَّبْدِيلِ. وانْتَصَبَ ”نارًا“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِأنَّهُ مِن بابِ ”أعْطى“ . وقَوْلُهُ: ﴿لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿بَدَّلْناهُمْ﴾ لِأنَّ الجِلْدَ هو الَّذِي يُوَصِّلُ إحْساسَ العَذابِ إلى النَّفْسِ بِحَسَبِ عادَةِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى. فَلَوْ لَمْ يُبَدَّلِ الجِلْدُ بَعْدَ احْتِراقِهِ لَما وصَلَ عَذابُ النّارِ إلى النَّفْسِ. وتَبْدِيلُ الجِلْدِ مَعَ بَقاءِ نَفْسِ صاحِبِهِ لا يُنافِي العَدْلَ لِأنَّ الجِلْدَ وسِيلَةُ إبْلاغِ العَذابِ ولَيْسَ هو المَقْصُودُ بِالتَّعْذِيبِ، ولِأنَّهُ ناشِئٌ عَنِ الجِلْدِ الأوَّلِ كَما أنَّ إعادَةَ الأجْسامِ في الحَشْرِ بَعْدَ اضْمِحْلالِها لا يُوجِبُ أنْ تَكُونَ أُناسًا غَيْرَ الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا الثَّوابَ والعِقابَ لِأنَّها لَمّا أُودِعَتِ النُّفُوسُ الَّتِي اكْتَسَبَتِ الخَيْرَ والشَّرَّ فَقَدْ صارَتْ هي هي ولا سِيَّما إذا كانَتْ إعادَتُها عَنْ إنْباتٍ مِن أعْجابِ الأذْنابِ. حَسْبَما ورَدَ بِهِ الأثَرُ، لِأنَّ النّاشِئَ عَنِ الشَّيْءِ هو مِنهُ كالنَّخْلَةِ مِنَ النَّواةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ واقِعٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ، فالعِزَّةُ يَتَأتّى بِها تَمامُ القُدْرَةِ في عُقُوبَةِ المُجْتَرِئِ عَلى اللَّهِ، والحِكْمَةُ يَتَأتّى بِها تِلْكَ الكَيْفِيَّةُ في إصْلائِهِمُ النّارَ. وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ ذُكِرَ هُنا لِلْمُقابَلَةِ وزِيادَةِ الغَيْظِ لِلْكافِرِينَ. واقْتَصَرَ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ عَلى لَذَّةِ الجَنّاتِ والأزْواجِ الصّالِحاتِ، لِأنَّهُما أحَبُّ اللَّذّاتِ المُتَعارَفَةِ لِلسّامِعِينَ، فالزَّوْجَةُ الصّالِحَةُ آنَسُ شَيْءٍ لِلْإنْسانِ، والجَنّاتُ مَحَلُّ النَّعِيمِ وحُسْنِ النَّظَرِ. وقَوْلُهُ: ﴿ونُدْخِلُهم ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ هو مِن تَمامِ مَحاسِنِ الجَنّاتِ، لِأنَّ الظِّلَّ إنَّما يَكُونُ مَعَ الشَّمْسِ، وذَلِكَ جَمالُ الجَنّاتِ ولَذَّةُ التَّنْعِيمِ بِرُؤْيَةِ النُّورِ مَعَ انْتِفاءِ حَرِّهِ. ووُصِفَ بِالظَّلِيلِ وصْفًا مُشْتَقًّا " مِنِ اسْمِ المَوْصُوفِ لِلدَّلالَةِ عَلى بُلُوغِهِ الغايَةَ في جِنْسِهِ، فَقَدْ يَأْتُونَ بِمِثْلِ هَذا الوَصْفِ بِوَزْنِ فَعِيلٍ كَما هُنا، وقَوْلُهم: داءٌ دَوِيٌّ، ويَأْتُونَ بِهِ بِوَزْنِ صفحة ٩١ أفْعَلِ: كَقَوْلِهِمْ: لَيْلٌ ألْيَلُ، ويَوْمٌ أيْوَمُ، ويَأْتُونَ بِوَزْنِ فاعِلٍ: كَقَوْلِهِمْ: شِعْرٌ شاعِرٌ، ونَصَبٌ ناصِبٌ.

النساء 4:58

﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ إنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ قُصِدَ مِنهُ الإفاضَةُ في بَيانِ شَرائِعِ العَدْلِ والحُكْمِ، ونِظامِ الطّاعَةِ، وذَلِكَ مِنَ الأغْراضِ التَّشْرِيعِيَّةِ الكُبْرى الَّتِي تَضَمَّنَتْها هَذِهِ السُّورَةُ، ولا يَتَعَيَّنُ تَطَلُّبُ المُناسَبَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما سَبَقَهُ، فالمُناسَبَةُ هي الِانْتِقالُ مِن أحْكامٍ تَشْرِيعِيَّةٍ إلى أحْكامٍ أُخْرى في أغْراضٍ أُخْرى. وهُنا مُناسَبَةٌ، وهي أنَّ ما اسْتَطْرَدَ مِن ذِكْرِ أحْوالِ أهْلِ الكِتابِ في تَحْرِيفِهِمُ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، ولَيِّهِمْ ألْسِنَتَهم بِكَلِماتٍ فِيها تَوْجِيهٌ مِنَ السَّبِّ، وافْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ، وحَسَدِهِمْ بِإنْكارِ فَضْلِ اللَّهِ إذْ آتاهُ الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ، كُلُّ ذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلى خِيانَةِ أمانَةِ الدِّينِ، والعِلْمِ، والحَقِّ، والنِّعْمَةِ، وهي أماناتٌ مَعْنَوِيَّةٌ، فَناسَبَ أنْ يُعَقِّبَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِأداءِ الأمانَةِ الحِسِّيَّةِ إلى أهْلِها ويَتَخَلَّصَ إلى هَذا التَّشْرِيعِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ صَرِيحَةٌ في الأمْرِ والوُجُوبِ، مِثْلَ صَراحَةِ النَّهْيِ في قَوْلِهِ في الحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ يَنْهاكم أنْ تَحْلِفُوا بِآبائِكم» . وإنَّ فِيها لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ لِظُهُورِ أنَّ مِثْلَ هَذا الخَبَرِ لا يَقْبَلُ الشَّكَّ حَتّى يُؤَكَّدَ لِأنَّهُ إخْبارٌ عَنْ إيجادِ شَيْءٍ لا عَنْ وُجُودِهِ، فَهو والإنْشاءُ سَواءٌ. والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِتَلَقِّي هَذا الخِطابَ والعَمَلِ بِهِ مِن كُلِّ مُؤْتَمَنٍ عَلى شَيْءٍ، ومِن كُلِّ مَن تَوَلّى الحُكْمَ بَيْنَ النّاسِ في الحُقُوقِ. والأداءُ حَقِيقَتُهُ في تَسْلِيمِ ذاتٍ لِمَن يَسْتَحِقُّها، يُقالُ: أدّى إلَيْهِ كَذا، أيْ دَفَعَهُ وسَلَّمَهُ، ومِنهُ أداءُ الدَّيْنِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] في سُورَةِ آلِ صفحة ٩٢ عِمْرانَ. وأصْلُ أدّى أنْ يَكُونَ مُضاعَفَ أدى بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنى أوْصَلَ، لَكِنَّهم أهْمَلُوا أدى المُخَفَّفَ واسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِالمُضاعَفِ. ويُطْلَقُ الأداءُ مَجازًا عَلى الِاعْتِرافِ والوَفاءِ بِشَيْءٍ، وعَلى هَذا فَيُطْلَقُ أداءُ الأمانَةِ عَلى قَوْلِ الحَقِّ والِاعْتِرافِ بِهِ وتَبْلِيغِ العِلْمِ والشَّرِيعَةِ عَلى حَقِّها. والمُرادُ هُنا هو الأوَّلُ مِنَ المَعْنَيَيْنِ، ويُعْرَفُ حُكْمُ غَيْرِهِ مِنهُما أوْ مِن أحَدِهِما بِالقِياسِ عَلَيْهِ قِياسَ الأدْوَنِ. والأمانَةُ: الشَّيْءُ الَّذِي يَجْعَلُهُ صاحِبُهُ عِنْدَ شَخْصٍ لِيَحْفَظَهُ إلى أنْ يَطْلُبَهُ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتُطْلَقُ الأمانَةُ مَجازًا عَلى ما يَجِبُ عَلى المُكَلَّفِ إبْلاغُهُ إلى أرْبابِهِ ومُسْتَحِقِّيهِ مِنَ الخاصَّةِ والعامَّةِ كالدِّينِ والعِلْمِ والعُهُودِ والجِوارِ والنَّصِيحَةِ ونَحْوِها، وضِدُّها الخِيانَةُ في الإطْلاقَيْنِ. والأمْرُ لِلْوُجُوبِ. والأماناتُ مِن صِيَغِ العُمُومِ. فَلِذَلِكَ قالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ فِيمَنِ ائْتَمَنَهُ رَجُلٌ عَلى شَيْءٍ وكانَ لِلْأمِينِ حَقٌّ عِنْدَ المُؤْتَمَنِ جَحَدَهُ إيّاهُ: إنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ أخْذُ الأمانَةِ عِوَضَ حَقِّهِ لِأنَّ ذَلِكَ خِيانَةٌ، ومَنَعَهُ مالِكٌ في المُدَوَّنَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبْدِ الحَكَمِ: أنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَجْحَدَهُ بِمِقْدارِ ما عَلَيْهِ لَهُ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. قالَ الطَّبَرَيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، ومَكْحُولٍ: أنَّ المُخاطَبَ وُلاةُ الأُمُورِ، أمَرَهم أنْ يُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أمْرِ عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ. وأهْلُ الأمانَةِ هم مُسْتَحِقُّوها، يُقالُ: أهْلُ الدّارِ، أيْ أصْحابُها. وذَكَرَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ، بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إذْ سَلَّمَ عُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ العَبْدَرِيُّ الحَجَبِيُّ مِفْتاحَ الكَعْبَةِ لِلنَّبِيءِ ﷺ وكانَتْ سِدانَةُ الكَعْبَةِ بِيَدِهِ، وهو مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ وكانَتِ السِّدانَةُ فِيهِمْ، فَسَألَ العَبّاسُ بْنُ عَبَدِ المُطَّلِبِ مِن رَسُولِ اللَّهِ أنْ يَجْعَلَ لَهُ سِدانَةَ الكَعْبَةِ يَضُمُّها مَعَ السِّقايَةِ، وكانَتِ السِّقايَةُ بِيَدِهِ، وهي في بَنِي هاشِمٍ.فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُثْمانَ بْنَ طَلْحَةَ وابْنَ عَمِّهِ شَيْبَةَ بْنَ عُثْمانَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، فَدَفَعَ لَهُما مِفْتاحَ الكَعْبَةِ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: وما كُنْتُ سَمِعْتُها مِنهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وقالَ النَّبِيءُ ﷺ لِعُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ «خُذُوها خالِدَةً تالِدَةً لا يَنْتَزِعُها مِنكم إلّا ظالِمٌ»، ولَمْ يَكُنْ أخْذُ النَّبِيءِ صفحة ٩٣ ﷺ مِفْتاحَ الكَعْبَةِ مِن عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ أخْذَ انْتِزاعٍ، ولَكِنَّهُ أخَذَهُ يَنْتَظِرُ الوَحْيَ في شَأْنِهِ، لِأنَّ كَوْنَ المِفْتاحِ بِيَدِ عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ مُسْتَصْحَبٌ مِن قَبْلِ الإسْلامِ، ولَمْ يُغَيِّرِ الإسْلامُ حَوْزَهُ إيّاهُ، فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ تَقَرَّرَ حَقُّ بَنِي عَبْدِ الدّارِ فِيهِ بِحُكْمِ الإسْلامِ، فَبَقِيَتْ سِدانَةُ الكَعْبَةِ في بَنِي عَبْدِ الدّارِ، ونَزَلَ عُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ عَنْها لِابْنِ عَمِّهِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمانَ، وكانَتِ السِّدانَةُ مِن مَناصِبِ قُرَيْشٍ في الجاهِلِيَّةِ فَأبْطَلَ النَّبِيءُ ﷺ بَعْضَها في خُطْبَةِ يَوْمِ الفَتْحِ أوْ حَجَّةِ الوَداعِ، ما عَدا السِّقايَةَ والسِّدانَةَ. فَإطْلاقُ اسْمِ الأمانَةِ في الآيَةِ حَقِيقَةٌ، لِأنَّ عُثْمانَ سَلَّمَ مِفْتاحَ الكَعْبَةِ لِلنَّبِيءِ ﷺ دُونَ أنْ يُسْقِطَ حَقَّهُ. والأداءُ حِينَئِذٍ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، لِأنَّ الحَقَّ هُنا ذاتٌ يُمْكِنُ إيصالُها بِالفِعْلِ لِمُسْتَحِقِّيها، فَتَكُونُ الآيَةُ آمِرَةً بِجَمِيعِ أنْواعِ الإيصالِ والوَفاءاتِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ دَفْعُ الأماناتِ الحَقِيقِيَّةِ، فَلا مَجازَ في لَفْظِ تُؤَدُّوا. وقَوْلُهُ ﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ عَطَفَ ﴿أنْ تَحْكُمُوا﴾ عَلى ﴿أنْ تُؤَدُّوا﴾ وفَصَلَ بَيْنَ العاطِفِ والمَعْطُوفِ الظَّرْفُ، وهو جائِزٌ، مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] وكَذَلِكَ في عَطْفِ الأفْعالِ عَلى الصَّحِيحِ: مِثْلُ ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] . والحُكْمُ مَصْدَرُ حَكَمَ بَيْنَ المُتَنازِعَيْنِ، أيِ اعْتَنى بِإظْهارِ المُحِقِّ مِنهُما مِنَ المُبْطِلِ، أوْ إظْهارِ الحَقِّ لِأحَدِهِما وصَرَّحَ بِذَلِكَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الحَكْمِ بِفَتْحِ الحاءِ وهو صفحة ٩٤ الرَّدْعُ عَنْ فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي، ومِنهُ سُمِّيَتْ حَكَمَةُ اللِّجامِ، وهي الحَدِيدَةُ الَّتِي تُجْعَلُ في فَمِ الفَرَسِ، ويُقالُ: أحْكِمْ فُلانًا، أيْ أمْسِكْهُ. والعَدْلُ: ضِدُّ الجَوْرِ، فَهو في اللُّغَةِ التَّسْوِيَةُ، يُقالُ: عَدَلَ كَذا بِكَذا، أيْ سَوّاهُ بِهِ ووازَنَهُ عَدْلًا ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، ثُمَّ شاعَ إطْلاقُهُ عَلى إيصالِ الحَقِّ إلى أهْلِهِ، ودَفْعِ المُعْتَدِي عَلى الحَقِّ عَنْ مُسْتَحِقِّهِ، إطْلاقًا ناشِئًا عَمّا اعْتادَهُ النّاسُ أنَّ الجَوْرَ يَصْدُرُ مِنَ الطُّغاةِ الَّذِينَ لا يَعُدُّونَ أنْفُسَهم سَواءً مَعَ عُمُومِ النّاسِ، فَهم إنْ شاءُوا عَدَلُوا وأنْصَفُوا، وإنْ شاءُوا جارُوا وظَلَمُوا، قالَ لَبِيدٌ: ومُقَسِّمٌ يُعْطِي العَشِيرَةَ حَقَّها ومُغَذْمِرٌ لِحُقُوقِها هَضّامُها فَأطْلَقَ لَفْظَ العَدْلِ الَّذِي هو التَّسْوِيَةُ عَلى تَسْوِيَةٍ نافِعَةٍ يَحْصُلُ بِها الصَّلاحُ والأمْنُ، وذَلِكَ فَكُّ الشَّيْءِ مِن يَدِ المُعْتَدِي، لِأنَّهُ تَظْهَرُ فِيهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ المُتَنازِعِينَ، فَهو كِنايَةٌ غالِبَةٌ، ومَظْهَرُ ذَلِكَ هو الحُكْمُ لِصاحِبِ الحَقِّ بِأخْذِ حَقِّهِ مِمَّنِ اعْتَدى عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى هُنا ﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾، ثُمَّ تَوَسَّعُوا في هَذا الإطْلاقِ حَتّى صارَ يُطْلَقُ عَلى إبْلاغِ الحَقِّ إلى رَبِّهِ ولَوْ لَمْ يَحْصُلِ اعْتِداءٌ ولا نِزاعٌ. والعَدْلُ: مُساواةٌ بَيْنَ النّاسِ أوْ بَيْنَ أفْرادِ أُمَّةٍ: في تَعْيِينِ الأشْياءِ لِمُسْتَحِقِّها، وفي تَمْكِينِ كُلِّ ذِي حَقٍّ مِن حَقِّهِ، بِدُونِ تَأْخِيرٍ، فَهو مُساواةٌ في اسْتِحْقاقِ الأشْياءِ وفي وسائِلِ تَمْكِينِها بِأيْدِي أرْبابِها، فالأوَّلُ هو العَدْلُ في تَعْيِينِ الحُقُوقِ، والثّانِي هو العَدْلُ في التَّنْفِيذِ، ولَيْسَ العَدْلُ في تَوْزِيعِ الأشْياءِ بَيْنَ النّاسِ سَواءٍ بِدُونِ اسْتِحْقاقٍ. فالعَدْلُ وسَطٌ بَيْنَ طَرَفَيْنِ، هُما: الإفْراطُ في تَخْوِيلِ ذِي الحَقِّ حَقَّهُ، أيْ بِإعْطائِهِ أكْثَرَ مِن حَقِّهِ، والتَّفْرِيطُ في ذَلِكَ، أيْ بِالإجْحافِ لَهُ مِن حَقِّهِ، وكِلا الطَّرَفَيْنِ يُسَمّى جَوْرًا، وكَذَلِكَ الإفْراطُ والتَّفْرِيطُ في تَنْفِيذِ الإعْطاءِ بِتَقْدِيمِهِ عَلى وقْتِهِ، كَإعْطاءِ المالِ بِيَدِ السَّفِيهِ، أوْ تَأْخِيرِهِ كَإبْقاءِ المالِ بِيَدِ الوَصِيِّ بَعْدَ الرُّشْدِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] إلى قَوْلِهِ ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمُ أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]؛ فالعَدْلُ يَدْخُلُ في جَمِيعِ المُعامَلاتِ. وهو حَسَنٌ في الفِطْرَةِ لِأنَّهُ كَما يَصُدُّ المُعْتَدِيَ عَنِ اعْتِدائِهِ، صفحة ٩٥ كَذَلِكَ يَصُدُّ غَيْرَهُ عَنِ الِاعْتِداءِ عَلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى ﴿لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] . وإذْ قَدْ كانَ العَدْلُ بِهَذِهِ الِاعْتِباراتِ تَجُولُ في تَحْدِيدِهِ أفْهامٌ مُخْطِئَةٌ تَعَيَّنَ أنْ تُسَنَّ الشَّرائِعُ لِضَبْطِهِ عَلى حَسَبِ مَدارِكِ المُشَرِّعِينَ ومُصْطَلَحاتِ المُشَرَّعِ لَهم، عَلى أنَّها مُعْظَمَها لَمْ يَسْلَمْ مِن تَحْرِيفٍ لِحَقِيقَةِ العَدْلِ في بَعْضِ الأحْوالِ. فَإنَّ بَعْضَ القَوانِينِ أُسِّسَتْ بِدافِعَةِ الغَضَبِ والأنانِيَّةِ، فَتَضَمَّنَتْ أخْطاءً فاحِشَةً مِثْلَ القَوانِينِ الَّتِي يُمْلِيها الثُّوّارُ بِدافِعِ الغَضَبِ عَلى مَن كانُوا مُتَوَلِّينَ الأُمُورَ قَبْلَهم، وبَعْضُ القَوانِينِ المُتَفَرِّعَةِ عَنْ تَخَيُّلاتٍ وأوْهامٍ، كَقَوانِينِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ والأُمَمِ العَرِيقَةِ في الوَثَنِيَّةِ. ونَجِدُ القَوانِينَ الَّتِي سَنَّها الحُكَماءُ أمْكَنَ في تَحْقِيقِ مَنافِعِ العَدْلِ مِثْلَ قَوانِينِ أثِينَةَ وإسْبَرْطَةَ، وأعْلى القَوانِينِ هي الشَّرائِعُ الإلَهِيَّةُ لِمُناسَبَتِها لِحالِ مَن شُرِّعَتْ لِأجْلِهِمْ، وأعْظَمُها شَرِيعَةُ الإسْلامِ لِابْتِنائِها عَلى أساسِ المَصالِحِ الخالِصَةِ أوِ الرّاجِحَةِ، وإعْراضِها عَنْ أهْواءِ الأُمَمِ والعَوائِدِ الضّالَّةِ، فَإنَّها لا تَعْبَأُ بِالأنانِيَّةِ والهَوى، ولا بِعَوائِدِ الفَسادِ، ولِأنَّها لا تُبْنى عَلى مَصالِحِ قَبِيلَةٍ خاصَّةٍ، أوْ بَلَدٍ خاصٍّ، بَلْ تُبْتَنى عَلى مَصالِحِ النَّوْعِ البَشَرِيِّ وتَقْوِيمِهِ وهَدْيِهِ إلى سَواءِ السَّبِيلِ، ومِن أجْلِ هَذا لَمْ يَزَلِ الصّالِحُونَ مِنَ القادَةِ يُدَوِّنُونَ بَيانَ الحُقُوقِ حِفْظًا لِلْعَدْلِ بِقَدْرِ الإمْكانِ وخاصَّةً الشَّرائِعَ الإلَهِيَّةَ. قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] أيِ العَدْلِ. فَمِنها المَنصُوصُ عَلَيْهِ عَلى لِسانِ رَسُولِ البَشَرِيَّةِ ومِنها ما اسْتَنْبَطَهُ عُلَماءُ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ فَهو مُدْرَجٌ فِيها ومُلْحَقٌ بِها. وإنَّما قُيِّدَ الأمْرُ بِالعَدْلِ بِحالَةِ التَّصَدِّي لِلْحُكْمِ بَيْنَ النّاسِ، وأُطْلِقَ الأمْرُ بِرَدِّ الأماناتِ إلى أهْلِها عَنِ التَّقْيِيدِ: لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ لا يَخْلُو مِن أنْ تَقَعَ بِيَدِهِ أمانَةٌ لِغَيْرِهِ لا سِيَّما عَلى اعْتِبارِ تَعْمِيمِ المُرادِ بِالأماناتِ الشّامِلِ لِما يَجِبُ عَلى المَرْءِ إبْلاغُهُ لِمُسْتَحِقِّهِ كَما تَقَدَّمَ، بِخِلافِ العَدْلِ فَإنَّما يُؤْمَرُ بِهِ وُلاةُ الحُكْمِ بَيْنَ النّاسِ، ولَيْسَ كُلُّ أحَدٍ أهْلًا لِتَوَلِّي ذَلِكَ فَتِلْكَ نُكْتَةُ قَوْلِهِ ﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ﴾ . قالَ الفَخْرُ: قَوْلُهُ ﴿وإذا حَكَمْتُمْ﴾ هو كالتَّصْرِيحِ بِأنَّهُ لَيْسَ لِجَمِيعِ النّاسِ أنْ يَشْرَعُوا في الحُكْمِ بَلْ ذَلِكَ لِبَعْضِهِمْ، فالآيَةُ مُجْمَلَةٌ في أنَّهُ بِأيِّ طَرِيقٍ يَصِيرُ حاكِمًا ولَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ لِلْأُمَّةِ مِن إمامٍ وأنَّهُ يُنَصِّبُ القُضاةَ والوُلاةَ وصارَتْ تِلْكَ الدَّلائِلُ لِهَذِهِ الآيَةِ. صفحة ٩٦ وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّحْرِيضِ عَلى امْتِثالِ الأمْرِ، فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ التَّعْلِيلِ، وأغْنَتْ إنَّ في صَدْرِ الجُمْلَةِ عَنْ ذِكْرِ فاءِ التَّعْقِيبِ، كَما هو الشَّأْنُ إذا جاءَتْ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ دُونَ التَّأْكِيدِ. ونِعِمّا أصْلُهُ (نِعْمَ ما) رُكِّبَتْ (نِعْمَ) مَعَ (ما) بَعْدَ طَرْحِ حَرَكَةِ المِيمِ الأوْلى وتَنْزِيلِها مَنزِلَةَ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ، وأُدْغِمَ المِيمانِ وحُرِّكَتِ العَيْنُ السّاكِنَةُ بِالكَسْرِ لِلتَّخَلُّصِ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. و(ما) جَوَّزَ النُّحاةُ أنْ تَكُونَ اسْمًا مَوْصُولًا، أوْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، أوْ نَكِرَةً تامَّةً. والجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ (ما) تَجْرِي عَلى ما يُناسِبُ مَعْنى (ما)، وقِيلَ: (ما) زائِدَةٌ كافَّةٌ (نِعْمَ) عَنِ العَمَلِ. والوَعْظُ: التَّذْكِيرُ والنُّصْحُ، وقَدْ يَكُونُ فِيهِ زَجْرٌ وتَخْوِيفٌ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ أيْ عَلِيمًا بِما تَفْعَلُونَ وما تَقُولُونَ، وهَذِهِ بِشارَةٌ ونِذارَةٌ.

النساء 4:59

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكم فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ . لَمّا أمَرَ اللَّهُ الأُمَّةَ بِالحُكْمِ بِالعَدْلِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِخِطابِهِمْ بِالأمْرِ بِطاعَةِ الحُكّامِ وُلاةِ أُمُورِهِمْ، لِأنَّ الطّاعَةَ لَهم هي مَظْهَرُ نُفُوذِ العَدْلِ الَّذِي يَحْكُمُ بِهِ حُكّامُهم، فَطاعَةُ الرَّسُولِ تَشْتَمِلُ عَلى احْتِرامِ العَدْلِ المَشْرُوعِ لَهم وعَلى تَنْفِيذِهِ، وطاعَةُ وُلاةِ الأُمُورِ تَنْفِيذٌ لِلْعَدْلِ، وأشارَ بِهَذا التَّعْقِيبِ إلى أنَّ الطّاعَةَ المَأْمُورَ بِها هي الطّاعَةُ في المَعْرُوفِ، ولِهَذا قالَ عَلِيٌّ: حَقٌّ عَلى الإمامِ أنْ يَحْكُمَ بِالعَدْلِ ويُوَدِّيَ الأمانَةَ، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ فَحَقٌّ عَلى الرَّعِيَّةِ أنْ يَسْمَعُوا ويُطِيعُوا. أمَرَ اللَّهُ بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ وذَلِكَ بِمَعْنى طاعَةِ الشَّرِيعَةِ، فَإنَّ اللَّهَ هو مُنَزِّلُ الشَّرِيعَةِ ورَسُولَهُ مُبَلِّغُها والحاكِمُ بِها في حَضْرَتِهِ. صفحة ٩٧ وإنَّما أُعِيدَ فِعْلُ أطِيعُوا الرَّسُولَ مَعَ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ يُغْنِي عَنْ إعادَتِهِ إظْهارًا لِلِاهْتِمامِ بِتَحْصِيلِ طاعَةِ الرَّسُولِ لِتَكُونَ أعْلى مَرْتَبَةً مِن طاعَةِ أُولِي الأمْرِ، ولِيُنَبِّهَ عَلى وُجُوبِ طاعَتِهِ فِيما يَأْمُرُ بِهِ، ولَوْ كانَ أمْرُهُ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِقَرائِنِ تَبْلِيغِ الوَحْيِ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ السّامِعُ أنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ المَأْمُورَ بِها تَرْجِعُ إلى طاعَةِ اللَّهِ فِيما يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ دُونَ ما يَأْمُرُ بِهِ في غَيْرِ التَّشْرِيعِ، فَإنَّ امْتِثالَ أمْرِهِ كُلِّهِ خَيْرٌ، ألا تَرى «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ دَعا أبا سَعِيدِ بْنَ المُعَلّى، وأبُو سَعِيدٍ يُصَلِّي، فَلَمْ يُجِبْهُ فَلَمّا فَرَغَ مِن صَلاتِهِ جاءَهُ فَقالَ لَهُ ما مَنَعَكَ أنْ تُجِيبَنِي فَقالَ كُنْتُ أُصَلِّي فَقالَ ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ﴾ [الأنفال»: ٢٤]، ولِذَلِكَ كانُوا إذا لَمْ يَعْلَمُوا مُرادَ الرَّسُولِ مِن أمْرِهِ رُبَّما سَألُوهُ: أهُوَ أمْرُ تَشْرِيعٍ أمْ هو الرَّأْيُ والنَّظَرُ، كَما قالَ لَهُ الحُبابُ بْنُ المُنْذِرِ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ نَزَلَ جَيْشُ المُسْلِمِينَ: «أهَذا مَنزِلٌ أنْزَلَكَهُ اللَّهُ لَيْسَ لَنا أنْ نَجْتازَهُ أمْ هو الرَّأْيُ والحَرْبُ والمَكِيدَةُ ؟ قالَ: بَلِ الرَّأْيُ والحَرْبُ والمَكِيدَةُ» . الحَدِيثَ. «ولَمّا كَلَّمَ بَرِيرَةَ في أنْ تُراجِعَ زَوْجَها مُغِيثًا بَعْدَ أنْ عَتَقَتْ، قالَتْ لَهُ: أتَأْمُرُ يا رَسُولَ اللَّهِ أمْ تَشْفَعُ، قالَ: بَلْ أشْفَعُ، قالَتْ: لا أبْقى مَعَهُ» . ولِهَذا لَمْ يُعَدْ فِعْلُ ”فَرُدُّوهُ“ في قَوْلِهِ والرَّسُولِ لِأنَّ ذَلِكَ في التَّحاكُمِ بَيْنَهم، والتَّحاكُمُ لا يَكُونُ إلّا لِلْأخْذِ بِحُكْمِ اللَّهِ في شَرْعِهِ، ولِذَلِكَ لا نَجِدُ تَكْرِيرًا لِفِعْلِ الطّاعَةِ في نَظائِرِ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي لَمْ يُعْطَفْ فِيها أُولُو الأمْرِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠] وقَوْلِهِ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢] . إذْ طاعَةُ الرَّسُولِ مُساوِيَةٌ لِطاعَةِ اللَّهِ لِأنَّ الرَّسُولَ هو المُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ فَلا يُتَلَقّى أمْرُ اللَّهِ إلّا مِنهُ، وهو مُنَفِّذُ أمْرِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ، فَطاعَتُهُ طاعَةُ تَلَقٍّ وطاعَةُ امْتِثالٍ، لِأنَّهُ مُبَلِّغٌ ومُنَفِّذٌ، بِخِلافِ أُولِي الأمْرِ فَإنَّهم مُنَفِّذُونَ لِما بَلَّغَهُ الرَّسُولُ فَطاعَتُهم طاعَةُ امْتِثالٍ خاصَّةً. ولِذَلِكَ كانُوا إذا أمَرَهم بِعَمَلٍ في غَيْرِ أُمُورِ التَّشْرِيعِ، يَسْألُونَهُ أهَذا أمْرٌ أمْ رَأْيٌ وإشارَةٌ فَإنَّهُ لَمّا «قالَ لِلَّذِينَ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلَحَ» . وقَوْلُهُ ﴿وأُولِي الأمْرِ﴾ يَعْنِي ذَوِيهِ وهم أصْحابُ الأمْرِ والمُتَوَلُّونَ لَهُ. والأمْرُ هو الشَّأْنُ، أيْ ما يُهْتَمُّ بِهِ مِنَ الأحْوالِ والشُّئُونِ، فَأُولُو الأمْرِ مِنَ الأُمَّةِ ومِنَ القَوْمِ هُمُ الَّذِينَ صفحة ٩٨ يُسْنِدُ النّاسُ إلَيْهِمْ تَدْبِيرَ شُئُونِهِمْ ويَعْتَمِدُونَ في ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَيَصِيرُ الأمْرُ كَأنَّهُ مِن خَصائِصِهِمْ، فَلِذَلِكَ يُقالُ لَهم: ذَوُوُ الأمْرِ وأُولُو الأمْرِ، ويُقالُ في ضِدِّ ذَلِكَ: لَيْسَ لَهُ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ. ولَمّا أمَرَ اللَّهُ بِطاعَةِ أُولِي الأمْرِ عَلِمْنا أنَّ أُولِي الأمْرِ في نَظَرِ الشَّرِيعَةِ طائِفَةٌ مُعَيَّنَةٌ، وهم قُدْوَةُ الأُمَّةِ وأُمَناؤُها، فَعَلِمْنا أنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ تَثْبُتُ لَهم بِطُرُقٍ شَرْعِيَّةٍ إذْ أُمُورُ الإسْلامِ لا تَخْرُجُ عَنِ الدّائِرَةِ الشَّرْعِيَّةِ. وطَرِيقُ ثُبُوتِ هَذِهِ الصِّفَةِ لَهم إمّا الوَلايَةُ المُسْنَدَةُ إلَيْهِمْ مِنَ الخَلِيفَةِ ونَحْوِهِ، أوْ مِن جَماعاتِ المُسْلِمِينَ إذا لَمْ يَكُنْ لَهم سُلْطانٌ، وإمّا صِفاتُ الكَمالِ الَّتِي تَجْعَلُهم مَحَلَّ اقْتِداءِ الأُمَّةِ بِهِمْ وهي الإسْلامُ والعِلْمُ والعَدالَةُ، فَأهْلُ العِلْمِ العُدُولُ: مِن أُولِي الأمْرِ بِذاتِهِمْ لِأنَّ صِفَةَ العِلْمِ لا تَحْتاجُ إلى وِلايَةٍ، بَلْ هي صِفَةٌ قائِمَةٌ بِأرْبابِها الَّذِينَ اشْتَهَرُوا بَيْنَ الأُمَّةِ بِها، لِما جُرِّبَ مِن عِلْمِهِمْ وإتْقانِهِمْ في الفَتْوى والتَّعْلِيمِ. قالَ مالِكٌ: أُولُو الأمْرِ: أهْلُ القُرْآنِ والعِلْمِ. يَعْنِي أهْلَ العِلْمِ بِالقُرْآنِ والِاجْتِهادِ. فَأُولُو الأمْرِ هُنا هم مَن عَدا الرَّسُولِ مِنَ الخَلِيفَةِ إلى والِي الحِسْبَةِ، ومِن قُوّادِ الجُيُوشِ ومِن فُقَهاءِ الصَّحابَةِ والمُجْتَهِدِينَ إلى أهْلِ العِلْمِ في الأزْمِنَةِ المُتَأخِّرَةِ، وأُولُو الأمْرِ هُمُ الَّذِينَ يُطْلَقُ عَلَيْهِمْ أيْضًا أهْلُ الحَلِّ والعَقْدِ. وإنَّما أمَرَ بِذَلِكَ بَعْدَ الأمْرِ بِالعَدْلِ وأداءِ الأمانَةِ لِأنَّ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، قِوامُ نِظامِ الأُمَّةِ، وهو تَناصُحُ الأُمَراءِ والرَّعِيَّةِ، وانْبِثاثُ الثِّقَةِ بَيْنَهم. ولَمّا كانَتِ الحَوادِثُ لا تَخْلُو مِن حُدُوثِ الخِلافِ بَيْنَ الرَّعِيَّةِ، وبَيْنَهم وبَيْنَ وُلاةِ أُمُورِهِمْ، أرْشَدَهُمُ اللَّهُ إلى طَرِيقَةِ فَصْلِ الخِلافِ بِالرَّدِّ إلى اللَّهِ وإلى الرَّسُولِ، ومَعْنى الرَّدِّ إلى اللَّهِ الرَّدُّ إلى كِتابِهِ، كَما دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ في نَظِيرِهِ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٦١] . ومَعْنى الرَّدِّ إلى الرَّسُولِ إنْهاءُ الأُمُورِ إلَيْهِ في حَياتِهِ وحَضْرَتِهِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في نَظِيرِهِ ﴿وإلى الرَّسُولِ﴾ [النساء: ٦١] فَأمّا بَعْدَ وفاتِهِ أوْ في غَيْبَتِهِ، فالرَّدُّ إلَيْهِ الرُّجُوعُ إلى أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، والِاحْتِذاءُ بِسُنَّتِهِ. ورَوى أبُو داوُدَ عَنْ أبِي رافِعٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ قالَ «لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم مُتَّكِئًا عَلى أرِيكَةٍ يَأْتِيهِ الأمْرُ مِمّا أمَرْتُ بِهِ أوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لا نَدْرِي، ما وجَدْنا في كِتابِ اللَّهِ اتَّبَعْناهُ» . وفِي رِوايَتِهِ عَنِ العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَخْطُبُ يَقُولُ «أيَحْسَبُ أحَدُكم وهو مُتَّكِئٌ عَلى أرِيكَتِهِ وقَدْ صفحة ٩٩ يَظُنُّ أنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا إلّا ما في هَذا القُرْآنِ ألا وإنِّي واللَّهِ قَدْ أمَرْتُ ووَعَظْتُ ونَهَيْتُ عَنْ أشْياءَ إنَّها لَمِثْلُ القُرْآنِ أوْ أكْثَرُ»، وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ المِقْدامِ. وعَرْضُ الحَوادِثِ عَلى مِقْياسِ تَصَرُّفاتِهِ والصَّرِيحِ مِنَ السُّنَّةِ. والتَّنازُعُ: شِدَّةُ الِاخْتِلافِ، وهو تَفاعُلٌ مِنَ النَّزْعِ، أيِ الأخْذِ، قالَ الأعْشى: نازَعْتُهم قُضْبَ الرَّيْحانِ مُتَّكِئًا وقَهْوَةً مُزَّةً راوُوقُها خَضِلُ فَأطْلَقَ التَّنازُعَ عَلى الِاخْتِلافِ الشَّدِيدِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، لِأنَّ الِاخْتِلافَ الشَّدِيدَ يُشْبِهُ التَّجاذُبَ بَيْنَ شَخْصَيْنِ، وغَلَبَ ذَلِكَ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] - ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ [طه: ٦٢] . وضَمِيرُ تَنازَعْتُمْ راجِعٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا فَيَشْمَلُ كُلَّ مَن يُمْكِنُ بَيْنَهُمُ التَّنازُعُ، وهم مَن عَدا الرَّسُولَ، إذْ لا يُنازِعُهُ المُؤْمِنُونَ، فَشَمَلَ تَنازُعَ العُمُومِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، وشَمَلَ تَنازُعَ وُلاةِ الأُمُورِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، كَتَنازُعِ الوُزَراءِ مَعَ الأمِيرِ أوْ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، وشَمَلَ تَنازُعَ الرَّعِيَّةِ مَعَ وُلاةِ أُمُورِهِمْ، وشَمَلَ تَنازُعَ العُلَماءِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ في شُئُونِ عِلْمِ الدِّينِ. وإذا نَظَرْنا إلى ما ذُكِرَ في سَبَبِ النُّزُولِ نَجِدُ المُرادَ ابْتِداءً هو الخِلافُ بَيْنَ الأُمَراءِ والأُمَّةِ، ولِذَلِكَ نَجِدُ المُفَسِّرِينَ قَدْ فَسَّرُوهُ بِبَعْضِ صُوَرٍ مِن هَذِهِ الصُّوَرِ، فَلَيْسَ مَقْصِدُهم قَصْرَ الآيَةِ عَلى ما فَسَّرُوا بِهِ. وأحْسَنُ عِباراتِهِمْ في هَذا قَوْلُ الطَّبَرِيِّ: يَعْنِي فَإنِ اخْتَلَفْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْتُمْ فِيما بَيْنَكم أوْ أنْتُمْ وأُولُو أمْرِكم فِيهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ فَإنْ تَنازَعَ العُلَماءُ رَدُّوهُ إلى اللَّهِ. ولَفْظُ شَيْءٍ نَكِرَةٌ مُتَوَغِّلَةٌ في الإبْهامِ فَهو في حَيِّزِ الشَّرْطِ يُفِيدُ العُمُومَ، أيْ في كُلِّ شَيْءٍ، فَيَصْدُقُ بِالتَّنازُعِ في الخُصُومَةِ عَلى الحُقُوقِ، ويَصْدُقُ بِالتَّنازُعِ في اخْتِلافِ الآراءِ عِنْدَ المُشاوَرَةِ أوْ عِنْدَ مُباشَرَةِ عَمَلٍ ما، كَتَنازُعِ وُلاةِ الأُمُورِ في إجْراءِ أحْوالِ الأُمَّةِ. ولَقَدْ حَسَّنَ مَوْقِعَ كَلِمَةِ شَيْءٍ هُنا تَعْمِيمُ الحَوادِثِ وأنْواعِ الِاخْتِلافِ، فَكانَ مِنَ المَواقِعِ الرَّشِيقَةِ في تَقْسِيمِ عَبْدِ القاهِرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَواقِعِ لَفْظِ شَيْءٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ١٠٠ والرَّدُّ هُنا مَجازٌ في التَّحاكُمِ إلى الحاكِمِ وفي تَحْكِيمِ ذِي الرَّأْيِ عِنْدَ اخْتِلافِ الآراءِ. وحَقِيقَتُهُ إرْجاعُ الشَّيْءِ إلى صاحِبِهِ مِثْلَ العارِيَةِ والمَغْصُوبِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى التَّخَلِّي عَنِ الِانْتِصافِ بِتَفْوِيضِ الحُكْمِ إلى الحاكِمِ، وعَنْ عَدَمِ تَصْوِيبِ الرَّأْيِ بِتَفْوِيضِ تَصْوِيبِهِ إلى الغَيْرِ، إطْلاقًا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، وغَلَبَ هَذا الإطْلاقُ في الكَلامِ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ. وعُمُومُ لَفْظِ شَيْءٍ في سِياقِ الشَّرْطِ يَقْتَضِي عُمُومَ الأمْرِ بِالرَّدِّ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ، وعُمُومُ أحْوالِ التَّنازُعِ، تَبَعًا لِعُمُومِ الأشْياءِ المُتَنازَعِ فِيها، فَمِن ذَلِكَ الخُصُوماتُ والدَّعاوى في الحُقُوقِ، وهو المُتَبادِرُ مِنَ الآيَةِ بادِئَ بَدْءٍ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ عَقِبَهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] فَإنَّ هَذا كالمُقَدِّمَةِ لِذَلِكَ فَأشْبَهَ سَبَبَ نُزُولٍ، ولِذَلِكَ كانَ هو المُتَبادِرُ، وهو لا يَمْنَعُ مِن عُمُومِ العامِّ، ومِن ذَلِكَ التَّنازُعِ في طُرُقِ تَنْفِيذِ الأوامِرِ العامَّةِ، كَما يَحْصُلُ بَيْنَ أفْرادِ الجُيُوشِ وبَيْنَ بَعْضِ قُوّادِهِمْ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في نِزاعٍ حَدَثَ بَيْنَ أمِيرِ سَرِيَّةِ الأنْصارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ السَّهْمِيِّ كَما سَيَأْتِي، ومِن ذَلِكَ الِاخْتِلافُ بَيْنَ أهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ في شُئُونِ مَصالِحِ المُسْلِمِينَ، وما يَرُومُونَ حَمْلَ النّاسَ عَلَيْهِ. ومِن ذَلِكَ اخْتِلافُ أهْلِ العِلْمِ في الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي طَرِيقُها الِاجْتِهادُ والنَّظَرُ في أدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ. فَكُلُّ هَذا الِاخْتِلافِ والتَّنازُعِ مَأْمُورٌ أصْحابُهُ بِرَدِّ أمْرِهِ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ. ورَدُّ كُلِّ نَوْعٍ مِن ذَلِكَ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُرْجى مَعَهُ زَوالُ الِاخْتِلافِ، وذَلِكَ بِبَذْلِ الجُهْدِ والوُسْعِ في الوُصُولِ إلى الحَقِّ الجَلِيِّ في تِلْكَ الأحْوالِ. فَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ ومَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ في تَفْسِيرِ التَّنازُعِ بِتَنازُعِ أهْلِ العِلْمِ إنَّما هو تَنْبِيهٌ عَلى الفَرْدِ الأخْفى مِن أفْرادِ العُمُومِ، ولَيْسَ تَخْصِيصًا لِلْعُمُومِ. وذِكْرُ الرَّدِّ إلى اللَّهِ في هَذا مَقْصُودٌ مِنهُ مُراقَبَةُ اللَّهِ تَعالى في طَلَبِ انْجِلاءِ الحَقِّ في مَواقِعِ النِّزاعِ، تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعالى، فَإنَّ الرَّدَّ إلى الرَّسُولِ يَحْصُلُ بِهِ الرَّدُّ إلى اللَّهِ، إذِ الرَّسُولُ هو المُنْبِئُ عَنْ مُرادِ اللَّهِ تَعالى، فَذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ هُنا هو بِمَنزِلَةِ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] الآيَةَ. صفحة ١٠١ ثُمَّ الرَّدُّ إلى الرَّسُولِ في حَياةِ الرَّسُولِ وحُضُورِهِ ظاهَرٌ وهو المُتَبادِرُ مِنَ الآيَةِ، وأمّا الرَّدُّ إلَيْهِ في غَيْبَتِهِ أوْ بَعْدَ وفاتِهِ، فَبِالتَّحاكُمِ إلى الحُكّامِ الَّذِينَ أقامَهُمُ الرَّسُولُ أوْ أمَرَهم بِالتَّعْيِينِ، وإلى الحُكّامِ الَّذِينَ نَصَّبَهم وُلاةُ الأُمُورِ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النّاسِ بِالشَّرِيعَةِ، مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ العِلْمُ بِوُجُوهِ الشَّرِيعَةِ وتَصارِيفِها. فَإنَّ تَعْيِينَ صِفاتِ الحُكّامِ وشُرُوطِهِمْ وطُرُقِ تَوْلِيَتِهِمْ، فِيما ورَدَ عَنِ الرَّسُولِ مِن أدِلَّةِ صِفاتِ الحُكّامِ، يَقُومُ مَقامَ تَعْيِينِ أشْخاصِهِمْ، وبِالتَّأمُّلِ في تَصَرُّفاتِهِ وسُنَّتِهِ ثُمَّ الصَّدَرِ عَلى ما يَتَبَيَّنُ مِن حالٍ يَظُنُّها هي مُرادُ الرَّسُولِ لَوْ سُئِلَ عَنْها في جَمِيعِ أحْوالِ النِّزاعِ في فَهْمِ الشَّرِيعَةِ واسْتِنْباطِ أحْكامِها المَسْكُوتِ عَنْها مِنَ الرَّسُولِ، أوِ المَجْهُولِ قَوْلُهُ فِيها. وقَوْلُهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ تَحْرِيضٌ وتَحْذِيرٌ مَعًا، لِأنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وازِعانِ يَزِعانِ مِن مُخالَفَةِ الشَّرْعِ، والتَّعْرِيضِ بِمَصالِحِ الأُمَّةِ لِلتَّلاشِي، وعَنِ الأخْذِ بِالحُظُوظِ العاجِلَةِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّها لا تُرْضِي اللَّهَ وتَضُرُّ الأُمَّةَ، فَلا جَرَمَ أنْ يَكُونَ دَأْبُ المُسْلِمِ الصّادِقِ الإقْدامَ عِنْدَ اتِّضاحِ المَصالِحِ، والتَّأمُّلَ عِنْدَ التِباسِ الأمْرِ، والصَّدْرَ بَعْدَ عَرْضِ المُشْكِلاتِ عَلى أُصُولِ الشَّرِيعَةِ. ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ﴾ مَعَ أنَّهم خُوطِبُوا بـِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أيْ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ حَقًّا، وتُلازِمُونَ واجِباتِ المُؤْمِنِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ فَجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْوِيهِ، وهي إشارَةٌ إلى الرَّدِّ المَأْخُوذِ مِن ”فَرُدُّوهُ“ . و(خَيْرٌ) اسْمٌ لِما فِيهِ نَفْعٌ، وهو ضِدُّ الشَّرِّ، وهو اسْمُ تَفْضِيلٍ مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ، والمُرادُ كَوْنُ الخَيْرِ وقُوَّةُ الحُسْنِ. والتَّأْوِيلُ: مَصْدَرُ أوَّلَ الشَّيْءَ إذا أرْجَعَهُ، مُشْتَقٌّ مِن آلَ يَؤُولُ إذا رَجَعَ، وهو هُنا بِمَعْنى أحْسَنُ رَدًّا وصَرْفًا. أخْرَجَ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ قَوْلُهُ ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ إذْ بَعَثَهُ النَّبِيءُ في سَرِيَّةٍ. وأخْرَجَ في كِتابِ المَغازِي عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «بَعَثَ النَّبِيءُ سَرِيَّةً فاسْتَعْمَلَ عَلَيْها رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، وأمَرَهم أنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ، فَقالَ ألَيْسَ أمَرَكُمُ النَّبِيءُ أنْ تُطِيعُونِي قالُوا بَلى قالَ فَأجْمِعُوا حَطَبًا فَجَمَعُوا، قالَ أوْقِدُوا نارًا، فَأوْقَدُوها، فَقالَ ادْخُلُوها، فَهَمُّوا، وجَعَلَ بَعْضُهم يُمْسِكُ بَعْضًا، ويَقُولُونَ فَرَرْنا إلى النَّبِيءِ مِنَ صفحة ١٠٢ النّارِ، فَما زالُوا حَتّى خَمَدَتِ النّارُ فَسَكَنَ غَضَبُهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيءَ فَقالَ لَوْ دَخَلُوها ما خَرَجُوا مِنها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، الطّاعَةُ في المَعْرُوفِ» . فَقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ، يَحْتَمِلُ أنَّهُ أرادَ نَزَلَتْ حِينَ تَعْيِينِهِ أمِيرًا عَلى السَّرِيَّةِ وأنَّ الأمْرَ الَّذِي فِيها هو الَّذِي أوْجَبَ تَرَدُّدَ أهْلِ السَّرِيَّةِ في الدُّخُولِ في النّارِ، ويَحْتَمِلُ أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ ما بَلَغَ خَبَرُهم رَسُولَ اللَّهِ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ مِنها هو قَوْلُهُ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ﴾ إلَخْ، ويَكُونُ ابْتِداؤُها بِالأمْرِ بِالطّاعَةِ لِئَلّا يَظُنَّ أنَّ ما فَعَلَهُ ذَلِكَ الأمِيرُ يُبْطِلُ الأمْرَ بِالطّاعَةِ.

النساء 4:60

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِ هَؤُلاءِ، ناسَبَ الِانْتِقالَ إلَيْهِ مِن مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] . والمَوْصُولُ مُرادٌ بِهِ قَوْمٌ مَعْرُوفُونَ وهم فَرِيقٌ مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا مِنَ اليَهُودِ وأظْهَرُوا الإسْلامَ لِقَوْلِهِ ﴿رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ﴾، ولِذَلِكَ قالَ ﴿يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ . وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ اخْتِلافًا مُتَقارِبًا: فَعَنْ قَتادَةَ والشَّعْبِيِّ أنَّ يَهُودِيًّا اخْتَصَمَ مَعَ مُنافِقٍ اسْمُهُ بِشْرٌ فَدَعا اليَهُودِيُّ المُنافِقَ إلى التَّحاكُمِ عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ ولا يَجُورُ في الحُكْمِ، ودَعا المُنافِقُ إلى التَّحاكُمِ عِنْدَ كاهِنٍ مِن جُهَيْنَةَ كانَ بِالمَدِينَةِ. صفحة ١٠٣ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اليَهُودِيَّ دَعا المُنافِقَ إلى التَّحاكُمِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنَّ المُنافِقَ دَعا إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ. فَأبى اليَهُودِيُّ وانْصَرَفا مَعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَضى لِلْيَهُودِيِّ، فَلَمّا خَرَجا، قالَ المُنافِقُ: لا أرْضى، انْطَلِقْ بِنا إلى أبِي بَكْرٍ، فَحَكَمَ أبُو بَكْرٍ بِمِثْلِ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ، فَقالَ المُنافِقُ: انْطَلِقْ بِنا إلى عُمَرَ، فَلَمّا بَلَغَ عُمَرَ، وأخْبَرَهُ اليَهُودِيُّ الخَبَرَ وصَدَّقَهُ المُنافِقُ، قالَ عُمَرُ: رُوَيْدَكُما حَتّى أخْرُجَ إلَيْكُما، فَدَخَلَ وأخَذَ سَيْفَهُ ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ المُنافِقَ حَتّى بَرَدَ، وقالَ: هَكَذا أقْضِي عَلى مَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. «وقالَ جِبْرِيلُ: إنَّ عُمَرَ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فَلَقَّبَهُ النَّبِيءُ ﷺ الفارُوقَ» . وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ بَيْنَ قُرَيْظَةَ والخَزْرَجِ حِلْفٌ، وبَيْنَ النَّضِيرِ والأوْسِ حِلْفٌ في الجاهِلِيَّةِ، وكانَتِ النَّضِيرُ أكْثَرَ وأشْرَفَ، فَكانُوا إذا قَتَلَ قُرَظِيٌّ نَضِيرِيًّا قُتِلَ بِهِ وأخَذَ أهْلُ القَتِيلِ دِيَةَ صاحِبِهِمْ بَعْدَ قَتْلِ قاتِلِهِ، وكانَتِ الدِّيَةُ مِائَةَ وسْقٍ مِن تَمْرٍ، وإذا قَتَلَ نَضِيرِيٌّ قُرَظِيًّا لَمْ يُقْتَلْ بِهِ وأعْطى دِيَتَهُ فَقَطْ: سِتِّينَ وسْقًا. فَلَمّا أسْلَمَ نَفَرٌ مِنَ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ قَتَلَ نَضِيرِيٌّ قُرَظِيًّا واخْتَصَمُوا، فَقالَتِ النَّضِيرُ: نُعْطِيكم سِتِّينَ وسْقًا كَما كُنّا اصْطَلَحْنا في الجاهِلِيَّةِ، وقالَتْ قُرَيْظَةُ: هَذا شَيْءٌ فَعَلْتُمُوهُ في الجاهِلِيَّةِ لِأنَّكم كَثُرْتُمْ وقَلَلْنا فَقَهَرْتُمُونا، ونَحْنُ اليَوْمَ إخْوَةٌ ودِينُنا ودِينُكم واحِدٌ، فَقالَ بَعْضُهم وكانَ مُنافِقًا: انْطَلِقُوا إلى أبِي بُرْدَةَ وكانَ أبُو بُرْدَةَ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ فِيما يَتَنافَرُونَ إلَيْهِ فِيهِ. وقالَ المُسْلِمُونَ: لا بَلْ نَنْطَلِقُ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وأبُو بُرْدَةَ بِدالٍ بَعْدَ الرّاءِ عَلى الصَّحِيحِ، وكَذَلِكَ وقَعَ في مَفاتِيحِ الغَيْبِ، وفي الإصابَةِ لِابْنِ حَجَرٍ، ووَقَعَ في كُتُبٍ كَثِيرَةٍ بِزايٍ بَعْدَ الرّاءِ وهو تَحْرِيفٌ اشْتَبَهَ بِأبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ نَضْلَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ولَمْ يَكُنْ أبُو بَرْزَةَ كاهِنًا قَطُّ. ونُسِبَ أبُو بُرْدَةَ الكاهِنِ بِالأسْلَمِيِّ. وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: أنَّهُ كانَ في جُهَيْنَةَ. وبَعْضُهم ذَكَرَ أنَّهُ كانَ بِالمَدِينَةِ، وقالَ البَغَوِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: كانَتِ الطَّواغِيتُ الَّتِي يَتَحاكَمُونَ إلَيْها: واحِدٌ في جُهَيْنَةَ وواحِدٌ في أسْلَمَ، وفي كُلِّ حَيٍّ واحِدٌ كَهّانٌ. وفِي رِوايَةِ عِكْرِمَةَ أنَّ الَّذِينَ عَناهُمُ اللَّهُ تَعالى ناسٌ مِن أسْلَمَ تَنافَرُوا إلى أبِي بُرْدَةَ الأسْلَمِيِّ، وفي رِوايَةِ قَتادَةَ: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ أحَدُهُما اسْمُهُ بِشْرٌ مِنَ الأنْصارِ، صفحة ١٠٤ والآخَرُ مِنَ اليَهُودِ تَدارَآ في حَقٍّ، فَدَعاهُ اليَهُودِيُّ إلى التَّحاكُمِ عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ، ودَعاهُ الأنْصارِيُّ إلى التَّحاكُمِ لِلْكاهِنِ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ يَرْتَشِي، فَيَقْضِي لَهُ، فَنَزَلَتْ فِيهِما هَذِهِ الآيَةُ. وفِي رِوايَةِ الشَّعْبِيِّ مِثْلُ ما قالَ قَتادَةُ، ولَكِنَّهُ وصَفَ الأنْصارِيَّ بِأنَّهُ مُنافِقٌ. وقالَ الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الخُصُومَةَ بَيْنَ مُنافِقٍ ويَهُودِيٍّ، فَقالَ اليَهُودِيُّ لِنَنْطَلِقْ إلى مُحَمَّدٍ وقالَ المُنافِقُ بَلْ نَأْتِي كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ اليَهُودِيَّ وهو الَّذِي سَمّاهُ اللَّهُ الطّاغُوتَ. وصِيغَةُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ مُرادٌ بِها واحِدٌ. وجِيءَ بِاسْمِ مَوْصُولِ الجَماعَةِ لِأنَّ المَقامَ مَقامَ تَوْبِيخٍ، كَقَوْلِهِمْ: ما بالُ أقْوامٍ يَقُولُونَ كَذا، لِيَشْمَلَ المَقْصُودَ ومَن كانَ عَلى شاكِلَتِهِ. والزَّعْمُ: خَبَرٌ كاذِبٌ، أوْ مَشُوبٌ بِخَطَأٍ، أوْ بِحَيْثُ يَتَّهِمُهُ النّاسُ بِذَلِكَ، فَإنَّ الأعْشى لَمّا قالَ يَمْدَحُ قَيْسَ بْنَ مَعْدِ يكَرِبَ الكِنْدِيَّ: ونُبِّئْتُ قَيْسًا ولَمْ أبْلُهُ كَما زَعَمُوا خَيْرَ أهْلِ اليَمَن غَضِبَ قَيْسٌ وقالَ: ”وما هو إلّا الزَّعْمُ“ وقالَ تَعالى ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧]، ويَقُولُ المُحَدِّثُ عَنْ حَدِيثٍ غَرِيبٍ فَزَعَمَ فُلانٌ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ كَذا، أيْ لِإلْقاءِ العُهْدَةِ عَلى المُخْبِرِ، ومِنهُ ما يَقَعُ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِ زَعَمَ الخَلِيلُ، ولِذَلِكَ قالُوا: الزَّعْمُ مَطِيَّةُ الكَذِبِ. ويُسْتَعْمَلُ الزَّعْمُ في الخَبَرِ المُحَقَّقِ بِالقَرِينَةِ، كَقَوْلِهِ: زَعَمَ العَواذِلُ أنَّنِي في غَمْرَةٍ ∗∗∗ صَدَقُوا ولَكِنْ غَمْرَتِي لا تَنْجَلِي فَقَوْلُهُ: صَدَقُوا، هو القَرِينَةُ. ومُضارِعُهُ مُثَلَّثُ العَيْنِ، والأفْصَحُ فِيهِ الفَتْحُ. وقَدْ كانَ الَّذِينَ أرادُوا التَّحاكُمَ إلى الطّاغُوتِ مِنَ المُنافِقِينَ، كَما هو الظّاهِرُ، فَإطْلاقُ الزَّعْمِ عَلى إيمانِهِمْ ظاهِرٌ. وعُطِفَ قَوْلُهُ ﴿وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ لِأنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ كانُوا مِنَ اليَهُودِ، وقَدْ دَخَلَ المَعْطُوفُ في حَيِّزِ الزَّعْمِ فَدَلَّ عَلى أنَّ إيمانَهم بِما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ لَمْ يَكُنْ مُطَّرِدًا، فَلِذَلِكَ كانَ ادِّعاؤُهم ذَلِكَ زَعْمًا، لِانْتِفاءِ إيمانِهِمْ بِالتَّوْراةِ في أحْوالٍ كَثِيرَةٍ مِثْلِ هَذا، إذْ لَوْ صفحة ١٠٥ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِها حَقًّا، لَمْ يَكُونُوا لِيَتَحاكَمُوا إلى الكُهّانِ، وشَرِيعَةُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - تُحَذِّرُ مِنهم. وقَوْلُهُ ”يُرِيدُونَ“ أيْ يُحِبُّونَ مَحَبَّةً تَبْعَثُ عَلى فِعْلِ المَحْبُوبِ. والطّاغُوتُ هُنا هُمُ الأصْنامُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾، ولَكِنْ فَسَّرُوهُ بِالكاهِنِ، أوْ بِعَظِيمِ اليَهُودِ، كَما رَأيْتَ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ. فَإذا كانَ كَذَلِكَ فَهو إطْلاقٌ مَجازِيٌّ بِتَشْبِيهِ عَظِيمِ الكُفْرِ بِالصَّنَمِ المَعْبُودِ لِغُلُوِّ قَوْمِهِ في تَقْدِيسِهِ، وإمّا لِأنَّ الكاهِنَ يُتَرْجِمُ عَنْ أقْوالِ الصَّنَمِ في زَعْمِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ اشْتِقاقُ الطّاغُوتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] مِن هَذِهِ السُّورَةِ. وإنَّما قالَ ﴿ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ أيْ يُحِبُّ ذَلِكَ ويُحَسِّنُهُ لَهم، لِأنَّهُ ألْقى في نُفُوسِهِمُ الدُّعاءَ إلى تَحْكِيمِ الكُهّانِ والِانْصِرافَ عَنْ حُكْمِ الرَّسُولِ، أوِ المَعْنى: يُرِيدُ أنْ يُضِلَّهم في المُسْتَقْبَلِ بِسَبَبِ فَعْلَتِهِمْ هَذِهِ لَوْلا أنْ أيْقَظَهُمُ اللَّهُ وتابُوا مِمّا صَنَعُوا. والضَّلالُ البَعِيدُ هو الكُفْرُ، ووَصْفُهُ بِالبَعِيدِ مَجازٌ في شِدَّةِ الضَّلالِ بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ جِنْسٍ ذِي مَسافَةٍ، كانَ هَذا الفَرْدُ مِنهُ بالِغًا غايَةَ المَسافَةِ، قالَ الشّاعِرُ: ضَيَّعْتُ حَزْمِي في إبْعادِيَ الأمَلا وقَوْلُهُ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا﴾ الآيَةَ أيْ إذا قِيلَ لَهُمُ احْضُرُوا أوِ ايتُوا، فَإنَّ (تَعالَ) كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِالحُضُورِ والإقْبالِ، فَمَفادُها مَفادُ حَرْفِ النِّداءِ إلّا أنَّها لا تَنْبِيهَ فِيها. وقَدِ اخْتَلَفَ أيِمَّةُ العَرَبِيَّةِ في أنَّهُ فِعْلٌ أوِ اسْمُ فِعْلٍ، والأصَحُّ أنَّهُ فِعْلٌ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن مادَّةِ العُلُوِّ. ولِذَلِكَ قالَ الجَوْهَرِيُّ في الصِّحاحِ: والتَّعالِي والِارْتِفاعُ، تَقُولُ مِنهُ، إذا أمَرْتَ: تَعالَ يا رَجُلُ، ومِثْلُهُ في القامُوسِ، ولِأنَّهُ تَتَّصِلُ بِهِ ضَمائِرُ الرَّفْعِ، وهو فِعْلٌ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ عَلى غَيْرِ سُنَّةِ فِعْلِ الأمْرِ، فَذَلِكَ البِناءُ هو الَّذِي حَدا فَرِيقًا مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ القَوْلُ بِبَعِيدٍ، ولَمْ يَرِدْ عَنِ العَرَبِ غَيْرُ فَتْحِ اللّامِ، فَلِذَلِكَ كانَ كَسْرُ اللّامِ في قَوْلِ أبِي فِراسٍ: أيا جارَتا ما أنْصَفَ الدَّهْرُ بَيْنَنا ∗∗∗ تَعالَيْ أُقاسِمْكِ الهُمُومَ تَعالِي صفحة ١٠٦ بِكَسْرِ لامِ القافِيَةِ المَكْسُورَةِ، مَعْدُودًا لَحْنًا. وفِي الكَشّافِ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ أيْ في زَمانِ الزَّمَخْشَرِيِّ يَقُولُونَ تَعالِي لِلْمَرْأةِ. فَذَلِكَ مِنَ اللَّحْنِ الَّذِي دَخَلَ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِسَبَبِ انْتِشارِ الدُّخَلاءِ بَيْنَهم. ووَجْهُ اشْتِقاقِ تَعالَ مِن مادَّةِ العُلُوِّ أنَّهم تَخَيَّلُوا المُنادِيَ في عُلُوٍّ والمُنادى ”بِالفَتْحِ“ في سُفْلٍ، لِأنَّهم كانُوا يَجْعَلُونَ بُيُوتَهم في المُرْتَفَعاتِ لِأنَّها أحْصَنُ لَهم، ولِذَلِكَ كانَ أصْلُهُ أنْ يَدُلَّ عَلى طَلَبِ حُضُورٍ لِنَفْعٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [المائدة: ١٠٤] في سُورَةِ المائِدَةِ: تَعالَ: نِداءٌ بِبِرٍّ - هَذا أصْلُهُ - ثُمَّ اسْتُعْمِلَ حَيْثُ البِرُّ وحَيْثُ ضِدُّهُ. وقالَ في تَفْسِيرِ آيَةِ النِّساءِ: وهي لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ العُلُوِّ لَمّا اسْتُعْمِلَتْ في دُعاءِ الإنْسانِ وجَلْبِهِ صِيغَتْ مِنَ العُلُوِّ تَحْسِينًا لِلْأدَبِ كَما تَقُولُ: ارْتَفِعْ إلى الحَقِّ ونَحْوِهِ. واعْلَمْ أنَّ تَعالَ لَمّا كانَتْ فِعْلًا جامِدًا لَمْ يَصِحَّ أنْ يُصاغَ مِنهُ غَيْرُ الأمْرِ، فَلا تَقُولُ: تَعالَيْتُ بِمَعْنى حَضَرْتُ، ولا تَنْهى عَنْهُ فَتَقُولُ: لا تَتَعال. قالَ في الصِّحاحِ: ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ مِنهُ تَعالَيْتُ ولا يُنْهى عَنْهُ. وفِي الصِّحاحِ عَقِبَهُ وتَقُولُ: قَدْ تَعالَيْتُ وإلى أيِّ شَيْءٍ أتَعالى يَعْنِي أنَّهُ يَتَصَرَّفُ في خُصُوصِ جَوابِ الطَّلَبِ لِمَن قالَ لَكَ تَعالَ، وتَبِعَهُ في هَذا صاحِبُ اللِّسانِ وأغْفَلَ العِبارَةَ الَّتِي قَبْلَهُ. وأمّا صاحِبُ تاجِ العَرُوسِ فَرُبَّما أخْطَأ إذْ قالَ: قالَ الجَوْهَرِيُّ: ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ مِنهُ: تَعالَيْتُ وإلى أيِّ شَيْءٍ أتَعالى ولَعَلَّ النُّسْخَةَ قَدْ وقَعَ فِيها نَقْصٌ أوْ خَطَأٌ مِنَ النّاسِخِ لِظَنِّهِ في العِبارَةِ تَكْرِيرًا، وإنَّما نَبَّهْتُ عَلى هَذا لِئَلّا تَقَعَ في أخْطاءٍ وحَيْرَةٍ. و(تَعالَوْا) مُسْتَعْمَلٌ هُنا مَجازًا، إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ حُضُورٌ وإتْيانٌ، فَهو مَجازٌ في تَحْكِيمِ كِتابِ اللَّهِ وتَحْكِيمِ الرَّسُولِ في حُضُورِهِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ إذْ لا يَحْكُمُ اللَّهُ إلّا بِواسِطَةِ كَلامِهِ، وأمّا تَحْكِيمُ الرَّسُولِ فَأُرِيدَ بِهِ تَحْكِيمُ ذاتِهِ؛ لِأنَّ القَوْمَ المُخْبَرَ عَنْهم كانُوا مِنَ المُنافِقِينَ وهم بِالمَدِينَةِ في حَياةِ الرَّسُولِ ﷺ . و(صُدُودًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِلتَّوْكِيدِ، ولِقَصْدِ التَّوَصُّلِ بِتَنْوِينِ ”صُدُودًا“ لِإفادَةِ أنَّهُ تَنْوِينُ تَعْظِيمٍ.

النساء 4:61

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِ هَؤُلاءِ، ناسَبَ الِانْتِقالَ إلَيْهِ مِن مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] . والمَوْصُولُ مُرادٌ بِهِ قَوْمٌ مَعْرُوفُونَ وهم فَرِيقٌ مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا مِنَ اليَهُودِ وأظْهَرُوا الإسْلامَ لِقَوْلِهِ ﴿رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ﴾، ولِذَلِكَ قالَ ﴿يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ . وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ اخْتِلافًا مُتَقارِبًا: فَعَنْ قَتادَةَ والشَّعْبِيِّ أنَّ يَهُودِيًّا اخْتَصَمَ مَعَ مُنافِقٍ اسْمُهُ بِشْرٌ فَدَعا اليَهُودِيُّ المُنافِقَ إلى التَّحاكُمِ عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ ولا يَجُورُ في الحُكْمِ، ودَعا المُنافِقُ إلى التَّحاكُمِ عِنْدَ كاهِنٍ مِن جُهَيْنَةَ كانَ بِالمَدِينَةِ. صفحة ١٠٣ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اليَهُودِيَّ دَعا المُنافِقَ إلى التَّحاكُمِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنَّ المُنافِقَ دَعا إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ. فَأبى اليَهُودِيُّ وانْصَرَفا مَعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَضى لِلْيَهُودِيِّ، فَلَمّا خَرَجا، قالَ المُنافِقُ: لا أرْضى، انْطَلِقْ بِنا إلى أبِي بَكْرٍ، فَحَكَمَ أبُو بَكْرٍ بِمِثْلِ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ، فَقالَ المُنافِقُ: انْطَلِقْ بِنا إلى عُمَرَ، فَلَمّا بَلَغَ عُمَرَ، وأخْبَرَهُ اليَهُودِيُّ الخَبَرَ وصَدَّقَهُ المُنافِقُ، قالَ عُمَرُ: رُوَيْدَكُما حَتّى أخْرُجَ إلَيْكُما، فَدَخَلَ وأخَذَ سَيْفَهُ ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ المُنافِقَ حَتّى بَرَدَ، وقالَ: هَكَذا أقْضِي عَلى مَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. «وقالَ جِبْرِيلُ: إنَّ عُمَرَ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فَلَقَّبَهُ النَّبِيءُ ﷺ الفارُوقَ» . وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ بَيْنَ قُرَيْظَةَ والخَزْرَجِ حِلْفٌ، وبَيْنَ النَّضِيرِ والأوْسِ حِلْفٌ في الجاهِلِيَّةِ، وكانَتِ النَّضِيرُ أكْثَرَ وأشْرَفَ، فَكانُوا إذا قَتَلَ قُرَظِيٌّ نَضِيرِيًّا قُتِلَ بِهِ وأخَذَ أهْلُ القَتِيلِ دِيَةَ صاحِبِهِمْ بَعْدَ قَتْلِ قاتِلِهِ، وكانَتِ الدِّيَةُ مِائَةَ وسْقٍ مِن تَمْرٍ، وإذا قَتَلَ نَضِيرِيٌّ قُرَظِيًّا لَمْ يُقْتَلْ بِهِ وأعْطى دِيَتَهُ فَقَطْ: سِتِّينَ وسْقًا. فَلَمّا أسْلَمَ نَفَرٌ مِنَ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ قَتَلَ نَضِيرِيٌّ قُرَظِيًّا واخْتَصَمُوا، فَقالَتِ النَّضِيرُ: نُعْطِيكم سِتِّينَ وسْقًا كَما كُنّا اصْطَلَحْنا في الجاهِلِيَّةِ، وقالَتْ قُرَيْظَةُ: هَذا شَيْءٌ فَعَلْتُمُوهُ في الجاهِلِيَّةِ لِأنَّكم كَثُرْتُمْ وقَلَلْنا فَقَهَرْتُمُونا، ونَحْنُ اليَوْمَ إخْوَةٌ ودِينُنا ودِينُكم واحِدٌ، فَقالَ بَعْضُهم وكانَ مُنافِقًا: انْطَلِقُوا إلى أبِي بُرْدَةَ وكانَ أبُو بُرْدَةَ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ فِيما يَتَنافَرُونَ إلَيْهِ فِيهِ. وقالَ المُسْلِمُونَ: لا بَلْ نَنْطَلِقُ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وأبُو بُرْدَةَ بِدالٍ بَعْدَ الرّاءِ عَلى الصَّحِيحِ، وكَذَلِكَ وقَعَ في مَفاتِيحِ الغَيْبِ، وفي الإصابَةِ لِابْنِ حَجَرٍ، ووَقَعَ في كُتُبٍ كَثِيرَةٍ بِزايٍ بَعْدَ الرّاءِ وهو تَحْرِيفٌ اشْتَبَهَ بِأبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ نَضْلَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ولَمْ يَكُنْ أبُو بَرْزَةَ كاهِنًا قَطُّ. ونُسِبَ أبُو بُرْدَةَ الكاهِنِ بِالأسْلَمِيِّ. وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: أنَّهُ كانَ في جُهَيْنَةَ. وبَعْضُهم ذَكَرَ أنَّهُ كانَ بِالمَدِينَةِ، وقالَ البَغَوِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: كانَتِ الطَّواغِيتُ الَّتِي يَتَحاكَمُونَ إلَيْها: واحِدٌ في جُهَيْنَةَ وواحِدٌ في أسْلَمَ، وفي كُلِّ حَيٍّ واحِدٌ كَهّانٌ. وفِي رِوايَةِ عِكْرِمَةَ أنَّ الَّذِينَ عَناهُمُ اللَّهُ تَعالى ناسٌ مِن أسْلَمَ تَنافَرُوا إلى أبِي بُرْدَةَ الأسْلَمِيِّ، وفي رِوايَةِ قَتادَةَ: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ أحَدُهُما اسْمُهُ بِشْرٌ مِنَ الأنْصارِ، صفحة ١٠٤ والآخَرُ مِنَ اليَهُودِ تَدارَآ في حَقٍّ، فَدَعاهُ اليَهُودِيُّ إلى التَّحاكُمِ عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ، ودَعاهُ الأنْصارِيُّ إلى التَّحاكُمِ لِلْكاهِنِ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ يَرْتَشِي، فَيَقْضِي لَهُ، فَنَزَلَتْ فِيهِما هَذِهِ الآيَةُ. وفِي رِوايَةِ الشَّعْبِيِّ مِثْلُ ما قالَ قَتادَةُ، ولَكِنَّهُ وصَفَ الأنْصارِيَّ بِأنَّهُ مُنافِقٌ. وقالَ الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الخُصُومَةَ بَيْنَ مُنافِقٍ ويَهُودِيٍّ، فَقالَ اليَهُودِيُّ لِنَنْطَلِقْ إلى مُحَمَّدٍ وقالَ المُنافِقُ بَلْ نَأْتِي كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ اليَهُودِيَّ وهو الَّذِي سَمّاهُ اللَّهُ الطّاغُوتَ. وصِيغَةُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ مُرادٌ بِها واحِدٌ. وجِيءَ بِاسْمِ مَوْصُولِ الجَماعَةِ لِأنَّ المَقامَ مَقامَ تَوْبِيخٍ، كَقَوْلِهِمْ: ما بالُ أقْوامٍ يَقُولُونَ كَذا، لِيَشْمَلَ المَقْصُودَ ومَن كانَ عَلى شاكِلَتِهِ. والزَّعْمُ: خَبَرٌ كاذِبٌ، أوْ مَشُوبٌ بِخَطَأٍ، أوْ بِحَيْثُ يَتَّهِمُهُ النّاسُ بِذَلِكَ، فَإنَّ الأعْشى لَمّا قالَ يَمْدَحُ قَيْسَ بْنَ مَعْدِ يكَرِبَ الكِنْدِيَّ: ونُبِّئْتُ قَيْسًا ولَمْ أبْلُهُ كَما زَعَمُوا خَيْرَ أهْلِ اليَمَن غَضِبَ قَيْسٌ وقالَ: ”وما هو إلّا الزَّعْمُ“ وقالَ تَعالى ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧]، ويَقُولُ المُحَدِّثُ عَنْ حَدِيثٍ غَرِيبٍ فَزَعَمَ فُلانٌ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ كَذا، أيْ لِإلْقاءِ العُهْدَةِ عَلى المُخْبِرِ، ومِنهُ ما يَقَعُ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِ زَعَمَ الخَلِيلُ، ولِذَلِكَ قالُوا: الزَّعْمُ مَطِيَّةُ الكَذِبِ. ويُسْتَعْمَلُ الزَّعْمُ في الخَبَرِ المُحَقَّقِ بِالقَرِينَةِ، كَقَوْلِهِ: زَعَمَ العَواذِلُ أنَّنِي في غَمْرَةٍ ∗∗∗ صَدَقُوا ولَكِنْ غَمْرَتِي لا تَنْجَلِي فَقَوْلُهُ: صَدَقُوا، هو القَرِينَةُ. ومُضارِعُهُ مُثَلَّثُ العَيْنِ، والأفْصَحُ فِيهِ الفَتْحُ. وقَدْ كانَ الَّذِينَ أرادُوا التَّحاكُمَ إلى الطّاغُوتِ مِنَ المُنافِقِينَ، كَما هو الظّاهِرُ، فَإطْلاقُ الزَّعْمِ عَلى إيمانِهِمْ ظاهِرٌ. وعُطِفَ قَوْلُهُ ﴿وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ لِأنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ كانُوا مِنَ اليَهُودِ، وقَدْ دَخَلَ المَعْطُوفُ في حَيِّزِ الزَّعْمِ فَدَلَّ عَلى أنَّ إيمانَهم بِما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ لَمْ يَكُنْ مُطَّرِدًا، فَلِذَلِكَ كانَ ادِّعاؤُهم ذَلِكَ زَعْمًا، لِانْتِفاءِ إيمانِهِمْ بِالتَّوْراةِ في أحْوالٍ كَثِيرَةٍ مِثْلِ هَذا، إذْ لَوْ صفحة ١٠٥ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِها حَقًّا، لَمْ يَكُونُوا لِيَتَحاكَمُوا إلى الكُهّانِ، وشَرِيعَةُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - تُحَذِّرُ مِنهم. وقَوْلُهُ ”يُرِيدُونَ“ أيْ يُحِبُّونَ مَحَبَّةً تَبْعَثُ عَلى فِعْلِ المَحْبُوبِ. والطّاغُوتُ هُنا هُمُ الأصْنامُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾، ولَكِنْ فَسَّرُوهُ بِالكاهِنِ، أوْ بِعَظِيمِ اليَهُودِ، كَما رَأيْتَ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ. فَإذا كانَ كَذَلِكَ فَهو إطْلاقٌ مَجازِيٌّ بِتَشْبِيهِ عَظِيمِ الكُفْرِ بِالصَّنَمِ المَعْبُودِ لِغُلُوِّ قَوْمِهِ في تَقْدِيسِهِ، وإمّا لِأنَّ الكاهِنَ يُتَرْجِمُ عَنْ أقْوالِ الصَّنَمِ في زَعْمِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ اشْتِقاقُ الطّاغُوتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] مِن هَذِهِ السُّورَةِ. وإنَّما قالَ ﴿ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ أيْ يُحِبُّ ذَلِكَ ويُحَسِّنُهُ لَهم، لِأنَّهُ ألْقى في نُفُوسِهِمُ الدُّعاءَ إلى تَحْكِيمِ الكُهّانِ والِانْصِرافَ عَنْ حُكْمِ الرَّسُولِ، أوِ المَعْنى: يُرِيدُ أنْ يُضِلَّهم في المُسْتَقْبَلِ بِسَبَبِ فَعْلَتِهِمْ هَذِهِ لَوْلا أنْ أيْقَظَهُمُ اللَّهُ وتابُوا مِمّا صَنَعُوا. والضَّلالُ البَعِيدُ هو الكُفْرُ، ووَصْفُهُ بِالبَعِيدِ مَجازٌ في شِدَّةِ الضَّلالِ بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ جِنْسٍ ذِي مَسافَةٍ، كانَ هَذا الفَرْدُ مِنهُ بالِغًا غايَةَ المَسافَةِ، قالَ الشّاعِرُ: ضَيَّعْتُ حَزْمِي في إبْعادِيَ الأمَلا وقَوْلُهُ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا﴾ الآيَةَ أيْ إذا قِيلَ لَهُمُ احْضُرُوا أوِ ايتُوا، فَإنَّ (تَعالَ) كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِالحُضُورِ والإقْبالِ، فَمَفادُها مَفادُ حَرْفِ النِّداءِ إلّا أنَّها لا تَنْبِيهَ فِيها. وقَدِ اخْتَلَفَ أيِمَّةُ العَرَبِيَّةِ في أنَّهُ فِعْلٌ أوِ اسْمُ فِعْلٍ، والأصَحُّ أنَّهُ فِعْلٌ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن مادَّةِ العُلُوِّ. ولِذَلِكَ قالَ الجَوْهَرِيُّ في الصِّحاحِ: والتَّعالِي والِارْتِفاعُ، تَقُولُ مِنهُ، إذا أمَرْتَ: تَعالَ يا رَجُلُ، ومِثْلُهُ في القامُوسِ، ولِأنَّهُ تَتَّصِلُ بِهِ ضَمائِرُ الرَّفْعِ، وهو فِعْلٌ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ عَلى غَيْرِ سُنَّةِ فِعْلِ الأمْرِ، فَذَلِكَ البِناءُ هو الَّذِي حَدا فَرِيقًا مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ القَوْلُ بِبَعِيدٍ، ولَمْ يَرِدْ عَنِ العَرَبِ غَيْرُ فَتْحِ اللّامِ، فَلِذَلِكَ كانَ كَسْرُ اللّامِ في قَوْلِ أبِي فِراسٍ: أيا جارَتا ما أنْصَفَ الدَّهْرُ بَيْنَنا ∗∗∗ تَعالَيْ أُقاسِمْكِ الهُمُومَ تَعالِي صفحة ١٠٦ بِكَسْرِ لامِ القافِيَةِ المَكْسُورَةِ، مَعْدُودًا لَحْنًا. وفِي الكَشّافِ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ أيْ في زَمانِ الزَّمَخْشَرِيِّ يَقُولُونَ تَعالِي لِلْمَرْأةِ. فَذَلِكَ مِنَ اللَّحْنِ الَّذِي دَخَلَ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِسَبَبِ انْتِشارِ الدُّخَلاءِ بَيْنَهم. ووَجْهُ اشْتِقاقِ تَعالَ مِن مادَّةِ العُلُوِّ أنَّهم تَخَيَّلُوا المُنادِيَ في عُلُوٍّ والمُنادى ”بِالفَتْحِ“ في سُفْلٍ، لِأنَّهم كانُوا يَجْعَلُونَ بُيُوتَهم في المُرْتَفَعاتِ لِأنَّها أحْصَنُ لَهم، ولِذَلِكَ كانَ أصْلُهُ أنْ يَدُلَّ عَلى طَلَبِ حُضُورٍ لِنَفْعٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [المائدة: ١٠٤] في سُورَةِ المائِدَةِ: تَعالَ: نِداءٌ بِبِرٍّ - هَذا أصْلُهُ - ثُمَّ اسْتُعْمِلَ حَيْثُ البِرُّ وحَيْثُ ضِدُّهُ. وقالَ في تَفْسِيرِ آيَةِ النِّساءِ: وهي لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ العُلُوِّ لَمّا اسْتُعْمِلَتْ في دُعاءِ الإنْسانِ وجَلْبِهِ صِيغَتْ مِنَ العُلُوِّ تَحْسِينًا لِلْأدَبِ كَما تَقُولُ: ارْتَفِعْ إلى الحَقِّ ونَحْوِهِ. واعْلَمْ أنَّ تَعالَ لَمّا كانَتْ فِعْلًا جامِدًا لَمْ يَصِحَّ أنْ يُصاغَ مِنهُ غَيْرُ الأمْرِ، فَلا تَقُولُ: تَعالَيْتُ بِمَعْنى حَضَرْتُ، ولا تَنْهى عَنْهُ فَتَقُولُ: لا تَتَعال. قالَ في الصِّحاحِ: ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ مِنهُ تَعالَيْتُ ولا يُنْهى عَنْهُ. وفِي الصِّحاحِ عَقِبَهُ وتَقُولُ: قَدْ تَعالَيْتُ وإلى أيِّ شَيْءٍ أتَعالى يَعْنِي أنَّهُ يَتَصَرَّفُ في خُصُوصِ جَوابِ الطَّلَبِ لِمَن قالَ لَكَ تَعالَ، وتَبِعَهُ في هَذا صاحِبُ اللِّسانِ وأغْفَلَ العِبارَةَ الَّتِي قَبْلَهُ. وأمّا صاحِبُ تاجِ العَرُوسِ فَرُبَّما أخْطَأ إذْ قالَ: قالَ الجَوْهَرِيُّ: ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ مِنهُ: تَعالَيْتُ وإلى أيِّ شَيْءٍ أتَعالى ولَعَلَّ النُّسْخَةَ قَدْ وقَعَ فِيها نَقْصٌ أوْ خَطَأٌ مِنَ النّاسِخِ لِظَنِّهِ في العِبارَةِ تَكْرِيرًا، وإنَّما نَبَّهْتُ عَلى هَذا لِئَلّا تَقَعَ في أخْطاءٍ وحَيْرَةٍ. و(تَعالَوْا) مُسْتَعْمَلٌ هُنا مَجازًا، إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ حُضُورٌ وإتْيانٌ، فَهو مَجازٌ في تَحْكِيمِ كِتابِ اللَّهِ وتَحْكِيمِ الرَّسُولِ في حُضُورِهِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ إذْ لا يَحْكُمُ اللَّهُ إلّا بِواسِطَةِ كَلامِهِ، وأمّا تَحْكِيمُ الرَّسُولِ فَأُرِيدَ بِهِ تَحْكِيمُ ذاتِهِ؛ لِأنَّ القَوْمَ المُخْبَرَ عَنْهم كانُوا مِنَ المُنافِقِينَ وهم بِالمَدِينَةِ في حَياةِ الرَّسُولِ ﷺ . و(صُدُودًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِلتَّوْكِيدِ، ولِقَصْدِ التَّوَصُّلِ بِتَنْوِينِ ”صُدُودًا“ لِإفادَةِ أنَّهُ تَنْوِينُ تَعْظِيمٍ.

النساء 4:62

صفحة ١٠٧ ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ . تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ﴾ [النساء: ٦١] الآيَةَ، لِأنَّ الصُّدُودَ عَنْ ذَلِكَ يُوجِبُ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَيُوشِكُ أنْ يُصِيبَهُمُ اللَّهُ بِمُصِيبَةٍ مِن غَيْرِ فِعْلِ أحَدٍ، مِثْلَ انْكِشافِ حالِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ فَيُعْرَفُوا بِالكُفْرِ فَيُصْبِحُوا مُهَدَّدِينَ، أوْ مُصِيبَةٌ مِن أمْرِ اللَّهِ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ بِأنْ يُظْهِرُوا لَهُمُ العَداوَةَ وأنْ يَقْتُلُوهم لِنِفاقِهِمْ فَيَجِيئُوا يَعْتَذِرُونَ بِأنَّهم ما أرادُوا بِالتَّحاكُمِ إلى أهْلِ الطّاغُوتِ إلّا قَصْدَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ وتَأْلِيفِهِمْ إلى الإيمانِ والتَّوْفِيقِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ. وهَذا وعِيدٌ لِأنَّ (إذا) لِلْمُسْتَقْبَلِ، فالفِعْلانِ بَعْدَها: وهُما (أصابَتْهم) و(جاءُوكَ) مُسْتَقْبَلانِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠] ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١] . و(كَيْفَ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مَعْلُومٍ مِن سِياقِ الكَلامِ: أيْ كَيْفَ حالُهم حِينَ تُصِيبُهم مُصِيبَةٌ بِسَبَبِ ما فَعَلُوا فَيَجِيئُونَكَ مُعْتَذِرِينَ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْوِيلِ، كَما تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى آنِفًا ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] . وتَرْكِيبُ ”كَيْفَ بِكَ“ يُقالُ إذا أُرِيدَتْ بِشارَةٌ أوْ وعِيدٌ تَعْجِيبًا أوْ تَهْوِيلًا. فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِسُراقَةَ بْنِ مالِكٍ: «كَيْفَ بِكَ إذا لَبِسْتَ سِوارَيْ كِسْرى، بِشارَةً بِأنَّ سِوارَيْ كِسْرى سَيَقَعانِ بِيَدِ جَيْشِ المُسْلِمِينَ، فَلَمّا أُتِيَ بِسِوارَيْ كِسْرى في غَنائِمِ فَتْحِ فارِسَ ألْبَسَها عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ سُراقَةَ بْنَ مالِكٍ تَحْقِيقًا لِمُعْجِزَةِ النَّبِيءِ» ﷺ - . صفحة ١٠٨ ومِنَ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥] وقَدْ جَمَعَ الأمْرَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] الآيَةَ. وقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ جاءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِمْ لِلسّامِعِينَ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ، لِأنَّهم قَدْ حَصَلَ مِن ذِكْرِ صِفاتِهِمْ ما جَعَلَهم كالمُشاهَدِينَ، وأرادَ بِما في قُلُوبِهِمُ الكُفْرَ الَّذِي أبْطَنُوهُ وأمَرَ رَسُولَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم. وحَقِيقَةُ الإعْراضِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلى الشَّيْءِ بِقَصْدِ التَّباعُدِ عَنْهُ، مُشْتَقٌّ مِنَ العُرْضِ بِضَمِّ العَيْنِ وهو الجانِبُ، فَلَعَلَّ أصْلَ الهَمْزَةِ في فِعْلِ أعْرَضَ لِلدُّخُولِ في الشَّيْءِ، أيْ دَخَلَ في عُرْضِ المَكانِ، أوِ الهَمْزَةُ لِلصَّيْرُورَةِ، أيْ صارَ ذا عُرْضٍ، أيْ جانِبٍ، أيْ أظْهَرَ جانِبَهُ لِغَيْرِهِ ولَمْ يُظْهِرْ لَهُ وجْهَهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالًا شائِعًا في التَّرْكِ والإمْساكِ عَنِ المُخالَطَةِ والمُحادَثَةِ، لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ الإعْراضَ غالِبًا. يُقالُ: أعْرَضَ عَنْهُ كَما يُقالُ: صَدَّ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] ولِذَلِكَ كَثُرَ هَذا اللَّفْظُ في أشْعارِ المُتَيَّمِينَ رَدِيفًا لِلصُّدُودِ، وهَذا أقْرَبُ المَعانِي إلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ، فَهو مَجازٌ مُرْسَلٌ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، وقَدْ شاعَ ذَلِكَ في الكَلامِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى العَفْوِ وعَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِتَشْبِيهِ حالَةِ مَن يَعْفُو بِحالَةِ مَن لا يَلْتَفِتُ إلى الشَّيْءِ فَيُوَلِّيهِ عُرْضَ وجْهِهِ. كَما اسْتُعْمِلَ صَفَحَ في هَذا المَعْنى مُشْتَقًّا مِن صَفْحَةِ الوَجْهِ، أيْ جانِبِهِ، وهو أبْعَدُ عَنِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ مِنَ الأوَّلِ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى التَّشْبِيهِ. والوَعْظُ: الأمْرُ بِفِعْلِ الخَيْرِ وتَرْكِ الشَّرِّ بِطَرِيقَةٍ فِيها تَخْوِيفٌ وتَرْقِيقٌ يَحْمِلانِ عَلى الِامْتِثالِ، والِاسْمُ مِنهُ المَوْعِظَةُ، وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ﴾ [النساء: ٥٨] . فَهَذا الإعْراضُ إعْراضُ صَفْحٍ أوْ إعْراضُ عَدَمِ الحُزْنِ مِن صُدُودِهِمْ عَنْكَ، أيْ لا تَهْتَمَّ بِصُدُودِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ مُجازِيهِمْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾، وذَلِكَ إبْلاغٌ لَهم في المَعْذِرَةِ، ورَجاءٌ لِصَلاحِ حالِهِمْ، شَأْنَ النّاصِحِ السّاعِي بِكُلِّ وسِيلَةٍ إلى الإرْشادِ والهُدى. والبَلِيغُ فَعِيلٌ بِمَعْنى بالِغٌ بُلُوغًا شَدِيدًا بِقُوَّةٍ، أيْ: بالِغًا إلى نُفُوسِهِمْ مُتَغَلْغِلًا فِيها. وقَوْلُهُ في أنْفُسِهِمْ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ بَلِيغًا، وإنَّما قُدِّمَ المَجْرُورُ لِلِاهْتِمامِ بِإصْلاحِ أنْفُسِهِمْ مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ قُلْ لَهم، أيْ قُلْ لَهم قَوْلًا في شَأْنِ أنْفُسِهِمْ، فَظَرْفِيَّةُ (في) ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ، شُبِّهَتْ أنْفُسُهم بِظَرْفٍ لِلْقَوْلِ.

النساء 4:63

صفحة ١٠٧ ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ . تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ﴾ [النساء: ٦١] الآيَةَ، لِأنَّ الصُّدُودَ عَنْ ذَلِكَ يُوجِبُ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَيُوشِكُ أنْ يُصِيبَهُمُ اللَّهُ بِمُصِيبَةٍ مِن غَيْرِ فِعْلِ أحَدٍ، مِثْلَ انْكِشافِ حالِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ فَيُعْرَفُوا بِالكُفْرِ فَيُصْبِحُوا مُهَدَّدِينَ، أوْ مُصِيبَةٌ مِن أمْرِ اللَّهِ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ بِأنْ يُظْهِرُوا لَهُمُ العَداوَةَ وأنْ يَقْتُلُوهم لِنِفاقِهِمْ فَيَجِيئُوا يَعْتَذِرُونَ بِأنَّهم ما أرادُوا بِالتَّحاكُمِ إلى أهْلِ الطّاغُوتِ إلّا قَصْدَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ وتَأْلِيفِهِمْ إلى الإيمانِ والتَّوْفِيقِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ. وهَذا وعِيدٌ لِأنَّ (إذا) لِلْمُسْتَقْبَلِ، فالفِعْلانِ بَعْدَها: وهُما (أصابَتْهم) و(جاءُوكَ) مُسْتَقْبَلانِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠] ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١] . و(كَيْفَ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مَعْلُومٍ مِن سِياقِ الكَلامِ: أيْ كَيْفَ حالُهم حِينَ تُصِيبُهم مُصِيبَةٌ بِسَبَبِ ما فَعَلُوا فَيَجِيئُونَكَ مُعْتَذِرِينَ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْوِيلِ، كَما تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى آنِفًا ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] . وتَرْكِيبُ ”كَيْفَ بِكَ“ يُقالُ إذا أُرِيدَتْ بِشارَةٌ أوْ وعِيدٌ تَعْجِيبًا أوْ تَهْوِيلًا. فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِسُراقَةَ بْنِ مالِكٍ: «كَيْفَ بِكَ إذا لَبِسْتَ سِوارَيْ كِسْرى، بِشارَةً بِأنَّ سِوارَيْ كِسْرى سَيَقَعانِ بِيَدِ جَيْشِ المُسْلِمِينَ، فَلَمّا أُتِيَ بِسِوارَيْ كِسْرى في غَنائِمِ فَتْحِ فارِسَ ألْبَسَها عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ سُراقَةَ بْنَ مالِكٍ تَحْقِيقًا لِمُعْجِزَةِ النَّبِيءِ» ﷺ - . صفحة ١٠٨ ومِنَ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥] وقَدْ جَمَعَ الأمْرَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] الآيَةَ. وقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ جاءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِمْ لِلسّامِعِينَ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ، لِأنَّهم قَدْ حَصَلَ مِن ذِكْرِ صِفاتِهِمْ ما جَعَلَهم كالمُشاهَدِينَ، وأرادَ بِما في قُلُوبِهِمُ الكُفْرَ الَّذِي أبْطَنُوهُ وأمَرَ رَسُولَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم. وحَقِيقَةُ الإعْراضِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلى الشَّيْءِ بِقَصْدِ التَّباعُدِ عَنْهُ، مُشْتَقٌّ مِنَ العُرْضِ بِضَمِّ العَيْنِ وهو الجانِبُ، فَلَعَلَّ أصْلَ الهَمْزَةِ في فِعْلِ أعْرَضَ لِلدُّخُولِ في الشَّيْءِ، أيْ دَخَلَ في عُرْضِ المَكانِ، أوِ الهَمْزَةُ لِلصَّيْرُورَةِ، أيْ صارَ ذا عُرْضٍ، أيْ جانِبٍ، أيْ أظْهَرَ جانِبَهُ لِغَيْرِهِ ولَمْ يُظْهِرْ لَهُ وجْهَهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالًا شائِعًا في التَّرْكِ والإمْساكِ عَنِ المُخالَطَةِ والمُحادَثَةِ، لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ الإعْراضَ غالِبًا. يُقالُ: أعْرَضَ عَنْهُ كَما يُقالُ: صَدَّ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] ولِذَلِكَ كَثُرَ هَذا اللَّفْظُ في أشْعارِ المُتَيَّمِينَ رَدِيفًا لِلصُّدُودِ، وهَذا أقْرَبُ المَعانِي إلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ، فَهو مَجازٌ مُرْسَلٌ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، وقَدْ شاعَ ذَلِكَ في الكَلامِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى العَفْوِ وعَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِتَشْبِيهِ حالَةِ مَن يَعْفُو بِحالَةِ مَن لا يَلْتَفِتُ إلى الشَّيْءِ فَيُوَلِّيهِ عُرْضَ وجْهِهِ. كَما اسْتُعْمِلَ صَفَحَ في هَذا المَعْنى مُشْتَقًّا مِن صَفْحَةِ الوَجْهِ، أيْ جانِبِهِ، وهو أبْعَدُ عَنِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ مِنَ الأوَّلِ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى التَّشْبِيهِ. والوَعْظُ: الأمْرُ بِفِعْلِ الخَيْرِ وتَرْكِ الشَّرِّ بِطَرِيقَةٍ فِيها تَخْوِيفٌ وتَرْقِيقٌ يَحْمِلانِ عَلى الِامْتِثالِ، والِاسْمُ مِنهُ المَوْعِظَةُ، وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ﴾ [النساء: ٥٨] . فَهَذا الإعْراضُ إعْراضُ صَفْحٍ أوْ إعْراضُ عَدَمِ الحُزْنِ مِن صُدُودِهِمْ عَنْكَ، أيْ لا تَهْتَمَّ بِصُدُودِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ مُجازِيهِمْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾، وذَلِكَ إبْلاغٌ لَهم في المَعْذِرَةِ، ورَجاءٌ لِصَلاحِ حالِهِمْ، شَأْنَ النّاصِحِ السّاعِي بِكُلِّ وسِيلَةٍ إلى الإرْشادِ والهُدى. والبَلِيغُ فَعِيلٌ بِمَعْنى بالِغٌ بُلُوغًا شَدِيدًا بِقُوَّةٍ، أيْ: بالِغًا إلى نُفُوسِهِمْ مُتَغَلْغِلًا فِيها. وقَوْلُهُ في أنْفُسِهِمْ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ بَلِيغًا، وإنَّما قُدِّمَ المَجْرُورُ لِلِاهْتِمامِ بِإصْلاحِ أنْفُسِهِمْ مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ قُلْ لَهم، أيْ قُلْ لَهم قَوْلًا في شَأْنِ أنْفُسِهِمْ، فَظَرْفِيَّةُ (في) ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ، شُبِّهَتْ أنْفُسُهم بِظَرْفٍ لِلْقَوْلِ.

النساء 4:64

صفحة ١٠٩ ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ . جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ في خِلالِ الخَبَرِ عَنْ قَضِيَّةِ المُنافِقِ الَّذِي تَحاكَمَ إلى الطّاغُوتِ. وهو رُجُوعٌ إلى الغَرَضِ الأوَّلِ، وهو الإنْحاءُ عَلَيْهِمْ في إعْراضِهِمْ عَنِ التَّحاكُمِ إلى الرَّسُولِ، وأنَّ إعْراضَهم ذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِنِفاقِهِمْ: بِبَيانِ أنَّ مَعْنى الإيمانِ الرِّضا بِحُكْمِ الرَّسُولِ إذْ ما جاءَ الرَّسُولُ إلّا لِيُطاعَ فَكَيْفَ يُعْرَضُ عَنْهُ. وقَوْلُهُ بِإذْنِ اللَّهِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (يُطاعَ) أيْ مُتَلَبِّسًا في ذَلِكَ بِإذْنِ اللَّهِ أيْ بِأمْرِهِ ووِصايَتِهِ، إذْ لا تَظْهَرُ فائِدَةُ الشَّرائِعِ بِدُونِ امْتِثالِها. فَمِنَ الرُّسُلِ مَن أُطِيعَ، ومِنهم مَن عُصِيَ تارَةً أوْ دائِمًا، وقَدْ عُصِيَ مُوسى في مَواقِعَ، وعُصِيَ عِيسى في مُعْظَمِ أمْرِهِ، ولَمْ يُعْصَ مُحَمَّدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِهِ المُحِقِّينَ إلّا بِتَأوُّلٍ مِثْلِ ما وقَعَ في يَوْمِ أُحُدٍ إذْ قالَ اللَّهُ تَعالى ”وعَصَيْتُمْ“، وإنَّما هو عِصْيانٌ بِتَأوُّلٍ، ولَكِنَّهُ اعْتُبِرَ عِصْيانًا لِكَوْنِهِ في الواقِعِ مُخالَفَةً لِأمْرِ الرَّسُولِ؛ ولِذَلِكَ كانَ أكْمَلُ مَظاهِرِ الرِّسالَةِ تَأْيِيدَ الرَّسُولِ بِالسُّلْطانِ، وكَوْنَ السُّلْطانِ في شَخْصِهِ لِكَيْلا يَكُونَ في حاجَةٍ إلى غَيْرِهِ، وإنَّما تَمَّ هَذا المَظْهَرُ في رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ولِذَلِكَ وُصِفَ بِأنَّهُ نَبِيءُ المَلاحِمِ، وقَدِ ابْتَدَأتْ بَوارِقُ ذَلِكَ في رِسالَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَمْ تُسْتَكْمَلْ، وكَمُلَتْ لِمُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥] ولا أحْسَبُهُ أرادَ بِرُسُلِهِ إلّا رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ وكانَ هو المُرادُ مِنَ الجَمْعِ لِأنَّهُ الأكْمَلُ فِيهِمْ. * * * ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ [النساء: ٦٢] تَوْبِيخًا لَهم عَلى تَحاكُمِهِمْ إذْ كانَ ذَلِكَ عِصْيانًا عَلى عِصْيانٍ، فَإنَّهم ما كَفاهم أنْ أعْرَضُوا عَنْ تَحْكِيمِ الرَّسُولِ حَتّى زادُوا فَصَدُّوا عَمَّنْ قالَ لَهم: ﴿تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ﴾ [النساء: ٦١] . فَلَوِ صفحة ١١٠ اسْتَفاقُوا حِينَئِذٍ مِن غُلَوائِهِمْ لَعَلِمُوا أنَّ إرادَتَهم أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الكُفّارِ والكَهَنَةِ جَرِيمَةٌ يَجِبُ الِاسْتِغْفارُ مِنها ولَكِنَّهم أصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا. وفي ذِكْرِ ”لَوْ“ وجَعْلِ ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ جَوابًا لَها إشارَةٌ إلى أنَّهم لَمّا لَمْ يَفْعَلُوا فَقَدْ حُرِمُوا الغُفْرانَ. وكانَ فِعْلُ هَذا المُنافِقِ ظُلْمًا لِنَفْسِهِ، لِأنَّهُ أقْحَمَها في مَعْصِيَةِ اللَّهِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ، فَجَرَّ لَها عِقابَ الآخِرَةِ وعَرَّضَها لِمَصائِبِ الِانْتِقامِ في العاجِلَةِ.

النساء 4:65

﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ . تَفْرِيعٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء: ٦٠] وما بَعْدَهُ إذْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ أنَّهم فَعَلُوا ما فَعَلُوا وهم يَزْعُمُونَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ، فَكانَ الزَّعْمُ إشارَةً إلى انْتِفاءِ إيمانِهِمْ، ثُمَّ أُرْدِفَ بِما هو أصْرَحُ وهو أنَّ أفْعالَهم تُنافِي كَوْنَهم مُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ لا يُؤْمِنُونَ، وأكَّدَهُ بِالقَسَمِ وبِالتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ. وأصْلُ الكَلامِ: فَوَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ، والعَرَبُ تَأْتِي بِحَرْفِ النَّفْيِ قَبْلَ القَسَمِ إذا كانَ جَوابُ القَسَمِ مَنفِيًّا لِلتَّعْجِيلِ بِإفادَةِ أنَّ ما بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ قَسَمٌ عَلى النَّفْيِ لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ المَعْطُوفُ عَلَيْها. فَتَقْدِيمُ النَّفْيِ لِلِاهْتِمامِ بِالنَّفْيِ، كَقَوْلِ قَيْسِ بْنِ عاصِمٍ: فَلا واللَّهِ أشْرَبُها صَحِيحًا ولا أُشْفى بِها أبَدًا سَقِيما ويَكْثُرُ أنْ يَأْتُوا مَعَ حَرْفِ النَّفْيِ بَعْدَ العاطِفِ بِحَرْفِ نَفْيٍ مِثْلِهِ في الجَوابِ لِيَحْصُلَ مَعَ الِاهْتِمامِ التَّأْكِيدُ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وهو الِاسْتِعْمالُ الأكْثَرُ، ولَمْ أرَ في كَلامِ العَرَبِ تَقْدِيمَ (لا) عَلى حَرْفِ العَطْفِ إبْطالًا لِلْكَلامِ السّابِقِ، ووَقَعَ في قَوْلِ أبِي تَمّامٍ: لا والَّذِي هو عالِمٌ أنَّ النَّوى ∗∗∗ صَبْرٌ وأنَّ أبا الحُسَيْنِ كَرِيمُ ولَيْسَتْ ”لا“ هَذِهِ هي الَّتِي تَرِدُ مَعَ فِعْلِ القَسَمِ مَزِيدَةً والكَلامُ مَعَها عَلى الإثْباتِ، نَحْوَ لا أُقْسِمُ وفي غَيْرِ القَسَمِ نَحْوَ ﴿لِيَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، لِأنَّ تِلْكَ لَيْسَ الكَلامُ مَعَها صفحة ١١١ عَلى النَّفْيِ، وهَذِهِ الكَلامُ مَعَها نَفْيٌ، فَهي تَأْكِيدٌ لَهُ عَلى ما اخْتارَهُ أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ خِلافًا لِصاحِبِ الكَشّافِ، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ مَواقِعُ الحَرْفِ الواحِدِ مُتَّحِدَةً في المَواقِعِ المُتَقارِبَةِ. وقَدْ نُفِيَ عَنْ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ أنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ كَما يَزْعُمُونَ في حالٍ يَظُنُّهُمُ النّاسُ مُؤْمِنِينَ، ولا يَشْعُرُ النّاسُ بِكُفْرِهِمْ، فَلِذَلِكَ احْتاجَ الخَبَرُ لِلتَّأْكِيدِ بِالقَسَمِ وبِالتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ، لِأنَّهُ كَشْفٌ لِباطِنِ حالِهِمْ. والمُقْسَمُ عَلَيْهِ هو: الغايَةُ، وما عُطِفَ عَلَيْها بِثُمَّ، مَعًا، فَإنْ هم حَكَّمُوا غَيْرَ الرَّسُولِ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم فَهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ. أيْ إذا كانَ انْصِرافُهم عَنْ تَحْكِيمِ الرَّسُولِ لِلْخَشْيَةِ مِن جَوْرِهِ كَما هو مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ فافْتَضَحَ كُفْرَهم، وأعْلَمَ اللَّهُ الأُمَّةَ أنَّ هَؤُلاءِ لا يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ حَتّى يُحَكِّمُوا الرَّسُولَ ولا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِن حُكْمِهِ، أيْ حَرَجًا يَصْرِفُهم عَنْ تَحْكِيمِهِ، أوْ يُسْخِطُهم مَن حُكْمِهِ بَعْدَ تَحْكِيمِهِ، وقَدْ عُلِمَ مِن هَذا أنَّ المُؤْمِنِينَ لا يَنْصَرِفُونَ عَنْ تَحْكِيمِ الرَّسُولِ ولا يَجِدُونَ في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِن قَضائِهِ بِحُكْمِ قِياسِ الأحْرى. ولَيْسَ المُرادُ الحَرَجَ الَّذِي يَجِدُهُ المَحْكُومُ عَلَيْهِ مِن كَراهِيَةِ ما يُلْزَمُ بِهِ إذا لَمْ يُخامِرْهُ شَكٌّ في عَدْلِ الرَّسُولِ وفي إصابَتِهِ وجْهَ الحَقِّ. وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ النُّورِ كَيْفَ يَكُونُ الإعْراضُ عَنْ حُكْمِ الرَّسُولِ كُفْرًا، سَواءً كانَ مِن مُنافِقٍ أمْ مِن مُؤْمِنٍ، إذْ قالَ في شَأْنِ المُنافِقِينَ ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩] ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ﴾ [النور: ٥٠] . ثُمَّ قالَ ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١]، لِأنَّ حُكْمَ الرَّسُولِ بِما شَرَعَ اللَّهُ مِنَ الأحْكامِ لا يَحْتَمِلُ الحَيْفَ إذْ لا يُشَرِّعُ اللَّهُ إلّا الحَقَّ، ولا يُخالِفُ الرَّسُولُ في حُكْمِهِ شَرْعَ اللَّهِ تَعالى. ولِهَذا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ خاصَّةً بِحُكْمِ الرَّسُولِ ﷺ، فَأمّا الإعْراضُ عَنْ حُكْمِ غَيْرِ الرَّسُولِ فَلَيْسَ بِكُفْرٍ إذا جَوَّزَ المُعْرِضُ عَلى الحاكِمِ عَدَمَ إصابَتِهِ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى، أوْ عَدَمَ العَدْلِ في الحُكْمِ. وقَدْ كَرِهَ العَبّاسُ وعَلِيٌّ حُكْمَ أبِي بَكْرٍ وحُكْمَ عُمَرَ في قَضِيَّةِ ما تَرَكَهُ النَّبِيءُ ﷺ مِن أرْضِ فَدَكَ، لِأنَّهُما كانا يَرَيانِ أنَّ اجْتِهادَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ في ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الصَّوابِ. وقَدْ قالَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ لِعُمَرَ: إنَّكَ لا تَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ ولا تَعْدِلُ في القَضِيَّةِ فَلَمْ يُعَدُّ طَعْنُهُ في حُكْمِ عُمَرَ كُفْرًا صفحة ١١٢ مِنهُ. ثُمَّ إنَّ الإعْراضَ عَنِ التَّقاضِي لَدى قاضٍ يَحْكُمُ بِشَرِيعَةِ الإسْلامِ قَدْ يَكُونُ لِلطَّعْنِ في الأحْكامِ الإسْلامِيَّةِ الثّابِتِ كَوْنِها حُكْمَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ كُفْرٌ لِدُخُولِهِ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا﴾ [النور: ٥٠]؛ وقَدْ يَكُونُ لِمُجَرَّدِ مُتابَعَةِ الهَوى إذا كانَ الحُكْمُ المُخالِفُ لِلشَّرْعِ مُلائِمًا لِهَوى المَحْكُومِ لَهُ، وهَذا فُسُوقٌ وضَلالٌ، كَشَأْنِ كُلِّ مُخالَفَةٍ يُخالِفُ بِها المُكَلَّفُ أحْكامَ الشَّرِيعَةِ لِاتِّباعِ الأعْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ. وقَدْ يَكُونُ لِلطَّعْنِ في الحاكِمِ وظَنِّ الجَوْرِ بِهِ إذا كانَ غَيْرَ مَعْصُومٍ، وهَذا فِيهِ مَراتِبُ بِحَسَبِ التَّمَكُّنِ مِنَ الِانْتِصافِ مِنَ الحاكِمِ وتَقْوِيمِهِ، وسَيَجِيءُ بَيانُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] في سُورَةِ العُقُودِ. ومَعْنى (شَجَرَ) تَداخَلَ واخْتَلَفَ ولَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ الإنْصافُ، وأصْلُهُ مِنَ الشَّجَرِ لِأنَّهُ يَلْتَفُّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وتَلْتَفُّ أغْصانُهُ. وقالُوا: شَجَرَ أمْرُهم، أيْ كانَ بَيْنَهُمُ الشَّرُّ. والحَرَجُ: الضِّيقُ الشَّدِيدُ ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] . وتَفْرِيعُ قَوْلِهِ ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةَ عَلى ما قَبْلَهُ يَقْتَضِي أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ هو قَضِيَّةُ الخُصُومَةِ بَيْنَ اليَهُودِيِّ والمُنافِقِ، وتَحاكُمِ المُنافِقِ فِيها لِلْكاهِنِ، وهَذا هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ نَظْمُ الكَلامِ، وعَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وقالَهُ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ. وفِي البُخارِيِّ عَنِ الزُّبَيْرِ: «أحْسَبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في خُصُومَةٍ بَيْنِي وبَيْنَ أحَدِ الأنْصارِ في شِراجٍ مِنَ الحَرَّةِ أيْ مَسِيلِ مِياهٍ جَمْعُ شَرْجٍ - بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ - وهو مَسِيلُ الماءِ يَأْتِي مِن حَرَّةِ المَدِينَةِ إلى الحَوائِطِ الَّتِي بِها - إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ فَقالَ الأنْصارِيُّ: لَأنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ. فَتَغَيَّرَ وجْهُ النَّبِيءِ ﷺ وقالَ: اسْقِ يا زُبَيْرُ حَتّى يَبْلُغَ الماءُ الجَدْرَ ثُمَّ أرْسِلْ إلى جارِكَ واسْتَوْفِ حَقَّكَ والجَدْرُ هو ما يُدارُ بِالنَّخْلِ مِنَ التُّرابِ كالجِدارِ» . فَكانَ قَضاؤُهُ الأوَّلُ صُلْحًا، وكانَ قَضاؤُهُ الثّانِي أخْذًا بِالحَقِّ، وكَأنَّ هَذا الأنْصارِيَّ ظَنَّ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أرادَ الصُّلْحَ بَيْنَهم عَلى وجْهٍ فِيهِ تَوْفِيرٌ لِحَقِّ الزُّبَيْرِ جَبْرًا لِخاطِرِهِ، ولَمْ يَرَ في ذَلِكَ ما يُنافِي العِصْمَةَ، فَقَدْ كانَ الصَّحابَةُ مُتَفاوِتِينَ في العِلْمِ. بِحَقائِقِ صِفاتِ الرَّسُولِ مَدْفُوعِينَ في سَبْرِ النُّفُوسِ بِما اعْتادُوهُ مِنَ الأمْيالِ والمُصانَعاتِ، فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى أنَّ ذَلِكَ يَجُرُّ إلى الطَّعْنِ في العِصْمَةِ. ولَيْسَ هَذا الأنْصارِيُّ بِمُنافِقٍ ولا شاكٍّ صفحة ١١٣ فِي الرَّسُولِ، فَإنَّهم وصَفُوهُ بِالأنْصارِيِّ وهو وصْفٌ لِخِيرَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وما وصَفُوهُ بِالمُنافِقِ، ولَكِنَّهُ جَهِلَ وغَفَلَ فَعَفا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ولَمْ يَسْتَتِبْهُ. وهَذِهِ القَضِيَّةُ تَرْجِعُ إلى النَّظَرِ في التَّكْفِيرِ بِلازِمِ القَوْلِ والفِعْلِ، وفِيها تَفْصِيلٌ حَسَنٌ لِابْنِ رُشْدٍ في البَيانِ والتَّحْصِيلِ في كِتابِ الجَنائِزِ وكِتابِ المُرْتَدِّينَ. خُلاصَتُهُ: أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَنْبِيهِ مَن يَصْدُرُ مِنهُ مِثْلُ هَذا عَلى ما يَلْزَمُ قَوْلَهُ مِن لازِمِ الكُفْرِ فَإنِ التَزَمَهُ ولَمْ يَرْجِعْ عُدَّ كافِرًا، لِأنَّ المَرْءَ قَدْ يَغْفُلُ عَنْ دَلالَةِ الِالتِزامِ، . ويُؤْخَذُ هَذا عَلى هَذا الوَجْهِ في سَبَبِ النُّزُولِ مِن أُسْلُوبِ الآيَةِ لِقَوْلِهِ لا يُؤْمِنُونَ إلى قَوْلِهِ تَسْلِيمًا فَنَبَّهَ الأنْصارِيُّ بِأنَّهُ قَدِ التَبَسَ بِحالَةٍ تُنافِي الإيمانَ في خَفاءٍ، إنِ اسْتَمَرَّ عَلَيْها بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى عاقِبَتِها لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا. والأنْصارِيُّ، قِيلَ: هو غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وحَبَّذا إخْفاؤُهُ، وقِيلَ: هو ثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، ووَقَعَ في الكَشّافِ أنَّهُ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ، وهو سَهْوٌ مِن مُؤَلِّفِهِ، وقِيلَ: ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ. وعَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ في سَبَبِ النُّزُولِ يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ لا يُؤْمِنُونَ أنَّهُ لا يَسْتَمِرُّ إيمانُهم. والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ الحادِثَتَيْنِ وقَعَتا في زَمَنٍ مُتَقارِبٍ ونَزَلَتِ الآيَةُ في شَأْنِ حادِثَةِ بِشْرٍ المُنافِقِ فَظَنَّها الزُّبَيْرُ نَزَلَتْ في حادِثَتِهِ مَعَ الأنْصارِيِّ.

النساء 4:66

﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمُ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ . لَمْ يَظْهَرْ وجْهُ اتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ لِيُعْطَفَ عَلَيْهِ، لِأنَّ ما ذُكِرَ هُنا لَيْسَ أوْلى بِالحُكْمِ مِنَ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، أيْ لَيْسَ أوْلى بِالِامْتِثالِ حَتّى يُقالَ: لَوْ أنّا كَلَّفْناهم بِالرِّضا بِما هو دُونَ قَطْعِ الحُقُوقِ لَما رَضُوا، بَلِ المَفْرُوضُ هُنا أشُدُّ عَلى النُّفُوسِ مِمّا عَصَوْا فِيهِ. فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: وجْهُ اتِّصالِها أنَّ المُنافِقَ لَمّا لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ النَّبِيءِ ﷺ وأرادَ التَّحاكُمَ إلى الطّاغُوتِ. وقالَتِ اليَهُودُ: ما أسْخَفَ هَؤُلاءِ يُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ ثُمَّ لا صفحة ١١٤ يَرْضَوْنَ بِحُكْمِهِ، ونَحْنُ قَدْ أمَرَنا نَبِيئُنا بِقَتْلِ أنْفُسِنا فَفَعَلْنا وبَلَغَتِ القَتْلى مِنّا سَبْعِينَ ألْفًا؛ فَقالَ ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ: لَوْ كُتِبَ ذَلِكَ عَلَيْنا لَفَعَلْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقًا لِثابِتِ بْنِ قَيْسٍ. ولا يَخْفى بُعْدُهُ عَنِ السِّياقِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما قِيلَ ﴿ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ بَلْ قِيلَ: لَفَعَلَهُ فَرِيقٌ مِنهم. وقالَ الفَخْرُ: هي تَوْبِيخٌ لِلْمُنافِقِينَ، أيْ لَوْ شَدَّدْنا عَلَيْهِمُ التَّكْلِيفَ لَما كانَ مِنَ العَجَبِ ظُهُورُ عِنادِهِمْ، ولَكِنّا رَحِمْناهم بِتَكْلِيفِهِمُ اليُسْرَ فَلْيَتْرُكُوا العِنادَ. وهي عَلى هَذا الوَجْهِ تَصْلُحُ لِأنْ تَكُونَ تَحْرِيضًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى امْتِثالِ الرَّسُولِ وانْتِفاءِ الحَرَجِ عَنْهم مِن أحْكامِهِ، فَإنَّهُ لَمْ يُكَلِّفْهم إلّا اليُسْرَ، كُلُّ هَذا مَحْمُولٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَتْلِ النُّفُوسِ أنْ يَقْتُلَ أحَدٌ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ. وعِنْدِي أنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ هُنا مِن بَراعَةِ المَقْطَعِ تَهْيِئَةً لِانْتِقالِ الكَلامِ إلى التَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ الآتِي في قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] وأنَّ المُرادَ بِـ ﴿اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾: لِيَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا فَإنَّ المُؤْمِنِينَ يُقاتِلُونَ قَوْمَهم وأقارِبَهم مِنَ المُشْرِكِينَ في الجِهادِ المَأْمُورِ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ الآيَةَ. والمُرادُ بِالخُرُوجِ مِنَ الدِّيارِ الهِجْرَةُ، أيْ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ هِجْرَةً مِنَ المَدِينَةِ، وفي هَذا تَنْوِيهٌ بِالمُهاجِرِينَ والمُجاهِدِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إلّا قَلِيلٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ الواوِ في ﴿ما فَعَلُوهُ﴾ عَلى الِاسْتِثْناءِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِالنَّصْبِ عَلى أحَدِ وجْهَيِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الكَلامِ المَنفِيِّ. ومَعْنى ﴿ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣]، أيْ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ أمْرَ تَحْذِيرٍ وتَرْقِيقٍ، أيْ مَضْمُونُ ما يُوعَظُونَ لِأنَّ الوَعْظَ هو الكَلامُ والأمْرُ، والمَفْعُولُ هو المَأْمُورُ بِهِ، أيْ لَوْ فَعَلُوا كُلَّ ما يُبَلِّغُهُمُ الرَّسُولُ، ومِن ذَلِكَ الجِهادُ والهِجْرَةُ. وكَوْنُهُ خَيْرًا: أنَّ فِيهِ خَيْرَ الدُّنْيا لِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وهم لا يَعْلَمُونَ. ومَعْنى كَوْنِهِ أشَدَّ تَثْبِيتًا يَحْتَمِلُ أنَّهُ التَّثْبِيتُ عَلى الإيمانِ وبِذَلِكَ فَسَّرُوهُ، ويَحْتَمِلُ عِنْدِي أنَّهُ أشَدُّ تَثْبِيتًا لَهم، أيْ لِبَقائِهِمْ بَيْنَ أعْدائِهِمْ ولِعِزَّتِهِمْ وحَياتِهِمُ الحَقِيقِيَّةِ فَإنَّهم إنَّما يَكْرَهُونَ القِتالَ اسْتِبْقاءً لِأنْفُسِهِمْ، ويَكْرَهُونَ المُهاجَرَةَ حُبًّا لِأوْطانِهِمْ، فَعَلَّمَهُمُ اللَّهُ أنَّ الجِهادَ والتَّغَرُّبَ فِيهِ أوْ في غَيْرِهِ أشَدُّ تَثْبِيتًا لَهم، لِأنَّهُ يَذُودُ عَنْهم أعْداءَهم، كَما قالَ الحُصَيْنُ بْنُ الحُمامِ: تَأخَّرْتُ أسْتَبْقِي الحَياةَ فَلَمْ أجِدْ لِنَفْسِي حَياةً مِثْلَ أنْ أتَقَدَّما صفحة ١١٥ ومِمّا دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالخَيْرِ خَيْرُ الدُّنْيا، وبِالتَّثْبِيتِ التَّثْبِيتُ فِيها، قَوْلُهُ عاطِفًا عَلَيْهِ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ . وجُمْلَةُ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جَوابِ ”لَوْ“، والتَّقْدِيرُ: لَكانَ خَيْرًا وأشَدَّ تَثْبِيتًا ولَآتَيْناهم إلَخْ، ووُجُودُ اللّامِ الَّتِي تَقَعُ في جَوابِ ”لَوْ“ مُؤْذِنٌ بِذَلِكَ. وأمّا واوُ العَطْفِ فَلِوَصْلِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ بِالجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها. وأمّا ”إذَنْ“ فَهي حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ، أيْ في مَعْنى جَوابٍ لِكَلامٍ سَبَقَها ولا تَخْتَصُّ بِالسُّؤالِ، فَأُدْخِلَتْ في جَوابِ ”لَوْ“ بِعَطْفِها عَلى الجَوابِ تَأْكِيدًا لِمَعْنى الجَزاءِ، فَقَدْ أُجِيبَتْ ”لَوْ“ في الآيَةِ بِجَوابَيْنِ في المَعْنى لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى الجَوابِ جَوابٌ، ولا يَحْسُنُ اجْتِماعُ جَوابَيْنِ إلّا بِوُجُودِ حَرْفِ عَطْفٍ، وقَرِيبٌ مِمّا في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ العَنْبَرِيِّ في الحَماسَةِ: لَوْ كُنْتُ مِن مازِنٍ لَمْ تَسْتَبِحْ إبِلِي ∗∗∗ بَنُو اللَّقِيطَةِ مِن ذُهْلِ بْنِ شِيبانا إذَنْ لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ ∗∗∗ عِنْدَ الحَفِيظَةِ إنْ ذُو لَوْثَةٍ لانا . قالَ المَرْزُوقِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إذَنْ لَقامَ“ جَوابَ: ”لَوْ كُنْتَ مِن مازِنٍ“ في البَيْتِ السّابِقِ كَأنَّهُ أُجِيبَ بِجَوابَيْنِ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ ﴿وإذًا لَآتَيْناهُمْ﴾ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ: قِيلَ وماذا يَكُونُ لَهم بَعْدَ التَّثْبِيتِ، فَقِيلَ: وإذَنْ لَآتَيْناهم. قالَ التَّفْتَزانِيُّ: عَلى أنَّ الواوَ لِلِاسْتِئْنافِ، أيْ لِأنَّ العَطْفَ يُنافِي تَقْدِيرَ سُؤالٍ. والحَقُّ أنَّ ما صارَ إلَيْهِ في الكَشّافِ تَكَلُّفٌ لا داعِيَ إلَيْهِ إلّا التِزامَ كَوْنِ ”إذَنْ“ حَرْفًا لِجَوابِ سائِلٍ، والوَجْهُ أنَّ الجَوابَ هو ما يُتَلَقّى بِهِ كَلامٌ آخَرُ سَواءً كانَ سُؤالًا أوْ شَرْطًا أوْ غَيْرَهُما. وقَوْلُهُ ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أيْ لَفَتَحْنا لَهم طُرُقَ العِلْمِ والهِدايَةِ، لِأنَّ تَصَدِّيَهم لِامْتِثالِ ما أُمِرُوا بِهِ هو مَبْدَأُ تَخْلِيَةِ النُّفُوسِ عَنِ التَّعَلُّقِ بِأوْهامِها وعَوائِدِها الحاجِبَةِ لَها عَنْ دَرَكِ الحَقائِقِ، فَإذا ابْتَدَءُوا يَرْفُضُونَ هَذِهِ المَواقِعَ فَقَدِ اسْتَعَدُّوا لِتَلَقِّي الحِكْمَةِ والكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ فَفاضَتْ عَلَيْهِمُ المَعارِفُ تَتْرى بِدَلالَةِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ وبِتَيْسِيرِ اللَّهِ صَعْبَها بِأنْوارِ الهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ، ولا شَكَّ أنَّ الطّاعَةَ مِفْتاحُ المَعارِفِ بَعْدَ تَعاطِي أسْبابِها.

النساء 4:67

﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمُ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ . لَمْ يَظْهَرْ وجْهُ اتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ لِيُعْطَفَ عَلَيْهِ، لِأنَّ ما ذُكِرَ هُنا لَيْسَ أوْلى بِالحُكْمِ مِنَ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، أيْ لَيْسَ أوْلى بِالِامْتِثالِ حَتّى يُقالَ: لَوْ أنّا كَلَّفْناهم بِالرِّضا بِما هو دُونَ قَطْعِ الحُقُوقِ لَما رَضُوا، بَلِ المَفْرُوضُ هُنا أشُدُّ عَلى النُّفُوسِ مِمّا عَصَوْا فِيهِ. فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: وجْهُ اتِّصالِها أنَّ المُنافِقَ لَمّا لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ النَّبِيءِ ﷺ وأرادَ التَّحاكُمَ إلى الطّاغُوتِ. وقالَتِ اليَهُودُ: ما أسْخَفَ هَؤُلاءِ يُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ ثُمَّ لا صفحة ١١٤ يَرْضَوْنَ بِحُكْمِهِ، ونَحْنُ قَدْ أمَرَنا نَبِيئُنا بِقَتْلِ أنْفُسِنا فَفَعَلْنا وبَلَغَتِ القَتْلى مِنّا سَبْعِينَ ألْفًا؛ فَقالَ ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ: لَوْ كُتِبَ ذَلِكَ عَلَيْنا لَفَعَلْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقًا لِثابِتِ بْنِ قَيْسٍ. ولا يَخْفى بُعْدُهُ عَنِ السِّياقِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما قِيلَ ﴿ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ بَلْ قِيلَ: لَفَعَلَهُ فَرِيقٌ مِنهم. وقالَ الفَخْرُ: هي تَوْبِيخٌ لِلْمُنافِقِينَ، أيْ لَوْ شَدَّدْنا عَلَيْهِمُ التَّكْلِيفَ لَما كانَ مِنَ العَجَبِ ظُهُورُ عِنادِهِمْ، ولَكِنّا رَحِمْناهم بِتَكْلِيفِهِمُ اليُسْرَ فَلْيَتْرُكُوا العِنادَ. وهي عَلى هَذا الوَجْهِ تَصْلُحُ لِأنْ تَكُونَ تَحْرِيضًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى امْتِثالِ الرَّسُولِ وانْتِفاءِ الحَرَجِ عَنْهم مِن أحْكامِهِ، فَإنَّهُ لَمْ يُكَلِّفْهم إلّا اليُسْرَ، كُلُّ هَذا مَحْمُولٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَتْلِ النُّفُوسِ أنْ يَقْتُلَ أحَدٌ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ. وعِنْدِي أنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ هُنا مِن بَراعَةِ المَقْطَعِ تَهْيِئَةً لِانْتِقالِ الكَلامِ إلى التَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ الآتِي في قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] وأنَّ المُرادَ بِـ ﴿اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾: لِيَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا فَإنَّ المُؤْمِنِينَ يُقاتِلُونَ قَوْمَهم وأقارِبَهم مِنَ المُشْرِكِينَ في الجِهادِ المَأْمُورِ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ الآيَةَ. والمُرادُ بِالخُرُوجِ مِنَ الدِّيارِ الهِجْرَةُ، أيْ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ هِجْرَةً مِنَ المَدِينَةِ، وفي هَذا تَنْوِيهٌ بِالمُهاجِرِينَ والمُجاهِدِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إلّا قَلِيلٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ الواوِ في ﴿ما فَعَلُوهُ﴾ عَلى الِاسْتِثْناءِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِالنَّصْبِ عَلى أحَدِ وجْهَيِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الكَلامِ المَنفِيِّ. ومَعْنى ﴿ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣]، أيْ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ أمْرَ تَحْذِيرٍ وتَرْقِيقٍ، أيْ مَضْمُونُ ما يُوعَظُونَ لِأنَّ الوَعْظَ هو الكَلامُ والأمْرُ، والمَفْعُولُ هو المَأْمُورُ بِهِ، أيْ لَوْ فَعَلُوا كُلَّ ما يُبَلِّغُهُمُ الرَّسُولُ، ومِن ذَلِكَ الجِهادُ والهِجْرَةُ. وكَوْنُهُ خَيْرًا: أنَّ فِيهِ خَيْرَ الدُّنْيا لِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وهم لا يَعْلَمُونَ. ومَعْنى كَوْنِهِ أشَدَّ تَثْبِيتًا يَحْتَمِلُ أنَّهُ التَّثْبِيتُ عَلى الإيمانِ وبِذَلِكَ فَسَّرُوهُ، ويَحْتَمِلُ عِنْدِي أنَّهُ أشَدُّ تَثْبِيتًا لَهم، أيْ لِبَقائِهِمْ بَيْنَ أعْدائِهِمْ ولِعِزَّتِهِمْ وحَياتِهِمُ الحَقِيقِيَّةِ فَإنَّهم إنَّما يَكْرَهُونَ القِتالَ اسْتِبْقاءً لِأنْفُسِهِمْ، ويَكْرَهُونَ المُهاجَرَةَ حُبًّا لِأوْطانِهِمْ، فَعَلَّمَهُمُ اللَّهُ أنَّ الجِهادَ والتَّغَرُّبَ فِيهِ أوْ في غَيْرِهِ أشَدُّ تَثْبِيتًا لَهم، لِأنَّهُ يَذُودُ عَنْهم أعْداءَهم، كَما قالَ الحُصَيْنُ بْنُ الحُمامِ: تَأخَّرْتُ أسْتَبْقِي الحَياةَ فَلَمْ أجِدْ لِنَفْسِي حَياةً مِثْلَ أنْ أتَقَدَّما صفحة ١١٥ ومِمّا دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالخَيْرِ خَيْرُ الدُّنْيا، وبِالتَّثْبِيتِ التَّثْبِيتُ فِيها، قَوْلُهُ عاطِفًا عَلَيْهِ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ . وجُمْلَةُ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جَوابِ ”لَوْ“، والتَّقْدِيرُ: لَكانَ خَيْرًا وأشَدَّ تَثْبِيتًا ولَآتَيْناهم إلَخْ، ووُجُودُ اللّامِ الَّتِي تَقَعُ في جَوابِ ”لَوْ“ مُؤْذِنٌ بِذَلِكَ. وأمّا واوُ العَطْفِ فَلِوَصْلِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ بِالجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها. وأمّا ”إذَنْ“ فَهي حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ، أيْ في مَعْنى جَوابٍ لِكَلامٍ سَبَقَها ولا تَخْتَصُّ بِالسُّؤالِ، فَأُدْخِلَتْ في جَوابِ ”لَوْ“ بِعَطْفِها عَلى الجَوابِ تَأْكِيدًا لِمَعْنى الجَزاءِ، فَقَدْ أُجِيبَتْ ”لَوْ“ في الآيَةِ بِجَوابَيْنِ في المَعْنى لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى الجَوابِ جَوابٌ، ولا يَحْسُنُ اجْتِماعُ جَوابَيْنِ إلّا بِوُجُودِ حَرْفِ عَطْفٍ، وقَرِيبٌ مِمّا في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ العَنْبَرِيِّ في الحَماسَةِ: لَوْ كُنْتُ مِن مازِنٍ لَمْ تَسْتَبِحْ إبِلِي ∗∗∗ بَنُو اللَّقِيطَةِ مِن ذُهْلِ بْنِ شِيبانا إذَنْ لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ ∗∗∗ عِنْدَ الحَفِيظَةِ إنْ ذُو لَوْثَةٍ لانا . قالَ المَرْزُوقِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إذَنْ لَقامَ“ جَوابَ: ”لَوْ كُنْتَ مِن مازِنٍ“ في البَيْتِ السّابِقِ كَأنَّهُ أُجِيبَ بِجَوابَيْنِ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ ﴿وإذًا لَآتَيْناهُمْ﴾ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ: قِيلَ وماذا يَكُونُ لَهم بَعْدَ التَّثْبِيتِ، فَقِيلَ: وإذَنْ لَآتَيْناهم. قالَ التَّفْتَزانِيُّ: عَلى أنَّ الواوَ لِلِاسْتِئْنافِ، أيْ لِأنَّ العَطْفَ يُنافِي تَقْدِيرَ سُؤالٍ. والحَقُّ أنَّ ما صارَ إلَيْهِ في الكَشّافِ تَكَلُّفٌ لا داعِيَ إلَيْهِ إلّا التِزامَ كَوْنِ ”إذَنْ“ حَرْفًا لِجَوابِ سائِلٍ، والوَجْهُ أنَّ الجَوابَ هو ما يُتَلَقّى بِهِ كَلامٌ آخَرُ سَواءً كانَ سُؤالًا أوْ شَرْطًا أوْ غَيْرَهُما. وقَوْلُهُ ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أيْ لَفَتَحْنا لَهم طُرُقَ العِلْمِ والهِدايَةِ، لِأنَّ تَصَدِّيَهم لِامْتِثالِ ما أُمِرُوا بِهِ هو مَبْدَأُ تَخْلِيَةِ النُّفُوسِ عَنِ التَّعَلُّقِ بِأوْهامِها وعَوائِدِها الحاجِبَةِ لَها عَنْ دَرَكِ الحَقائِقِ، فَإذا ابْتَدَءُوا يَرْفُضُونَ هَذِهِ المَواقِعَ فَقَدِ اسْتَعَدُّوا لِتَلَقِّي الحِكْمَةِ والكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ فَفاضَتْ عَلَيْهِمُ المَعارِفُ تَتْرى بِدَلالَةِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ وبِتَيْسِيرِ اللَّهِ صَعْبَها بِأنْوارِ الهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ، ولا شَكَّ أنَّ الطّاعَةَ مِفْتاحُ المَعارِفِ بَعْدَ تَعاطِي أسْبابِها.

النساء 4:68

﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمُ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ . لَمْ يَظْهَرْ وجْهُ اتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ لِيُعْطَفَ عَلَيْهِ، لِأنَّ ما ذُكِرَ هُنا لَيْسَ أوْلى بِالحُكْمِ مِنَ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، أيْ لَيْسَ أوْلى بِالِامْتِثالِ حَتّى يُقالَ: لَوْ أنّا كَلَّفْناهم بِالرِّضا بِما هو دُونَ قَطْعِ الحُقُوقِ لَما رَضُوا، بَلِ المَفْرُوضُ هُنا أشُدُّ عَلى النُّفُوسِ مِمّا عَصَوْا فِيهِ. فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: وجْهُ اتِّصالِها أنَّ المُنافِقَ لَمّا لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ النَّبِيءِ ﷺ وأرادَ التَّحاكُمَ إلى الطّاغُوتِ. وقالَتِ اليَهُودُ: ما أسْخَفَ هَؤُلاءِ يُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ ثُمَّ لا صفحة ١١٤ يَرْضَوْنَ بِحُكْمِهِ، ونَحْنُ قَدْ أمَرَنا نَبِيئُنا بِقَتْلِ أنْفُسِنا فَفَعَلْنا وبَلَغَتِ القَتْلى مِنّا سَبْعِينَ ألْفًا؛ فَقالَ ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ: لَوْ كُتِبَ ذَلِكَ عَلَيْنا لَفَعَلْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقًا لِثابِتِ بْنِ قَيْسٍ. ولا يَخْفى بُعْدُهُ عَنِ السِّياقِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما قِيلَ ﴿ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ بَلْ قِيلَ: لَفَعَلَهُ فَرِيقٌ مِنهم. وقالَ الفَخْرُ: هي تَوْبِيخٌ لِلْمُنافِقِينَ، أيْ لَوْ شَدَّدْنا عَلَيْهِمُ التَّكْلِيفَ لَما كانَ مِنَ العَجَبِ ظُهُورُ عِنادِهِمْ، ولَكِنّا رَحِمْناهم بِتَكْلِيفِهِمُ اليُسْرَ فَلْيَتْرُكُوا العِنادَ. وهي عَلى هَذا الوَجْهِ تَصْلُحُ لِأنْ تَكُونَ تَحْرِيضًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى امْتِثالِ الرَّسُولِ وانْتِفاءِ الحَرَجِ عَنْهم مِن أحْكامِهِ، فَإنَّهُ لَمْ يُكَلِّفْهم إلّا اليُسْرَ، كُلُّ هَذا مَحْمُولٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَتْلِ النُّفُوسِ أنْ يَقْتُلَ أحَدٌ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ. وعِنْدِي أنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ هُنا مِن بَراعَةِ المَقْطَعِ تَهْيِئَةً لِانْتِقالِ الكَلامِ إلى التَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ الآتِي في قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] وأنَّ المُرادَ بِـ ﴿اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾: لِيَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا فَإنَّ المُؤْمِنِينَ يُقاتِلُونَ قَوْمَهم وأقارِبَهم مِنَ المُشْرِكِينَ في الجِهادِ المَأْمُورِ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ الآيَةَ. والمُرادُ بِالخُرُوجِ مِنَ الدِّيارِ الهِجْرَةُ، أيْ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ هِجْرَةً مِنَ المَدِينَةِ، وفي هَذا تَنْوِيهٌ بِالمُهاجِرِينَ والمُجاهِدِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إلّا قَلِيلٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ الواوِ في ﴿ما فَعَلُوهُ﴾ عَلى الِاسْتِثْناءِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِالنَّصْبِ عَلى أحَدِ وجْهَيِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الكَلامِ المَنفِيِّ. ومَعْنى ﴿ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣]، أيْ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ أمْرَ تَحْذِيرٍ وتَرْقِيقٍ، أيْ مَضْمُونُ ما يُوعَظُونَ لِأنَّ الوَعْظَ هو الكَلامُ والأمْرُ، والمَفْعُولُ هو المَأْمُورُ بِهِ، أيْ لَوْ فَعَلُوا كُلَّ ما يُبَلِّغُهُمُ الرَّسُولُ، ومِن ذَلِكَ الجِهادُ والهِجْرَةُ. وكَوْنُهُ خَيْرًا: أنَّ فِيهِ خَيْرَ الدُّنْيا لِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وهم لا يَعْلَمُونَ. ومَعْنى كَوْنِهِ أشَدَّ تَثْبِيتًا يَحْتَمِلُ أنَّهُ التَّثْبِيتُ عَلى الإيمانِ وبِذَلِكَ فَسَّرُوهُ، ويَحْتَمِلُ عِنْدِي أنَّهُ أشَدُّ تَثْبِيتًا لَهم، أيْ لِبَقائِهِمْ بَيْنَ أعْدائِهِمْ ولِعِزَّتِهِمْ وحَياتِهِمُ الحَقِيقِيَّةِ فَإنَّهم إنَّما يَكْرَهُونَ القِتالَ اسْتِبْقاءً لِأنْفُسِهِمْ، ويَكْرَهُونَ المُهاجَرَةَ حُبًّا لِأوْطانِهِمْ، فَعَلَّمَهُمُ اللَّهُ أنَّ الجِهادَ والتَّغَرُّبَ فِيهِ أوْ في غَيْرِهِ أشَدُّ تَثْبِيتًا لَهم، لِأنَّهُ يَذُودُ عَنْهم أعْداءَهم، كَما قالَ الحُصَيْنُ بْنُ الحُمامِ: تَأخَّرْتُ أسْتَبْقِي الحَياةَ فَلَمْ أجِدْ لِنَفْسِي حَياةً مِثْلَ أنْ أتَقَدَّما صفحة ١١٥ ومِمّا دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالخَيْرِ خَيْرُ الدُّنْيا، وبِالتَّثْبِيتِ التَّثْبِيتُ فِيها، قَوْلُهُ عاطِفًا عَلَيْهِ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ . وجُمْلَةُ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جَوابِ ”لَوْ“، والتَّقْدِيرُ: لَكانَ خَيْرًا وأشَدَّ تَثْبِيتًا ولَآتَيْناهم إلَخْ، ووُجُودُ اللّامِ الَّتِي تَقَعُ في جَوابِ ”لَوْ“ مُؤْذِنٌ بِذَلِكَ. وأمّا واوُ العَطْفِ فَلِوَصْلِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ بِالجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها. وأمّا ”إذَنْ“ فَهي حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ، أيْ في مَعْنى جَوابٍ لِكَلامٍ سَبَقَها ولا تَخْتَصُّ بِالسُّؤالِ، فَأُدْخِلَتْ في جَوابِ ”لَوْ“ بِعَطْفِها عَلى الجَوابِ تَأْكِيدًا لِمَعْنى الجَزاءِ، فَقَدْ أُجِيبَتْ ”لَوْ“ في الآيَةِ بِجَوابَيْنِ في المَعْنى لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى الجَوابِ جَوابٌ، ولا يَحْسُنُ اجْتِماعُ جَوابَيْنِ إلّا بِوُجُودِ حَرْفِ عَطْفٍ، وقَرِيبٌ مِمّا في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ العَنْبَرِيِّ في الحَماسَةِ: لَوْ كُنْتُ مِن مازِنٍ لَمْ تَسْتَبِحْ إبِلِي ∗∗∗ بَنُو اللَّقِيطَةِ مِن ذُهْلِ بْنِ شِيبانا إذَنْ لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ ∗∗∗ عِنْدَ الحَفِيظَةِ إنْ ذُو لَوْثَةٍ لانا . قالَ المَرْزُوقِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إذَنْ لَقامَ“ جَوابَ: ”لَوْ كُنْتَ مِن مازِنٍ“ في البَيْتِ السّابِقِ كَأنَّهُ أُجِيبَ بِجَوابَيْنِ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ ﴿وإذًا لَآتَيْناهُمْ﴾ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ: قِيلَ وماذا يَكُونُ لَهم بَعْدَ التَّثْبِيتِ، فَقِيلَ: وإذَنْ لَآتَيْناهم. قالَ التَّفْتَزانِيُّ: عَلى أنَّ الواوَ لِلِاسْتِئْنافِ، أيْ لِأنَّ العَطْفَ يُنافِي تَقْدِيرَ سُؤالٍ. والحَقُّ أنَّ ما صارَ إلَيْهِ في الكَشّافِ تَكَلُّفٌ لا داعِيَ إلَيْهِ إلّا التِزامَ كَوْنِ ”إذَنْ“ حَرْفًا لِجَوابِ سائِلٍ، والوَجْهُ أنَّ الجَوابَ هو ما يُتَلَقّى بِهِ كَلامٌ آخَرُ سَواءً كانَ سُؤالًا أوْ شَرْطًا أوْ غَيْرَهُما. وقَوْلُهُ ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أيْ لَفَتَحْنا لَهم طُرُقَ العِلْمِ والهِدايَةِ، لِأنَّ تَصَدِّيَهم لِامْتِثالِ ما أُمِرُوا بِهِ هو مَبْدَأُ تَخْلِيَةِ النُّفُوسِ عَنِ التَّعَلُّقِ بِأوْهامِها وعَوائِدِها الحاجِبَةِ لَها عَنْ دَرَكِ الحَقائِقِ، فَإذا ابْتَدَءُوا يَرْفُضُونَ هَذِهِ المَواقِعَ فَقَدِ اسْتَعَدُّوا لِتَلَقِّي الحِكْمَةِ والكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ فَفاضَتْ عَلَيْهِمُ المَعارِفُ تَتْرى بِدَلالَةِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ وبِتَيْسِيرِ اللَّهِ صَعْبَها بِأنْوارِ الهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ، ولا شَكَّ أنَّ الطّاعَةَ مِفْتاحُ المَعارِفِ بَعْدَ تَعاطِي أسْبابِها.

النساء 4:69

صفحة ١١٦ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيئِينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ . تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٦٧] وإنَّما عُطِفَتْ بِاعْتِبارِ إلْحاقِها بِجُمْلَةِ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ [النساء: ٦٦] . وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في جُمْلَةِ جَوابِ الشَّرْطِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى جَدارَتِهِمْ بِمَضْمُونِ الخَبَرِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ لِأجْلِ مَضْمُونِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ. والمَعِيَّةُ مَعِيَّةُ المَنزِلَةِ في الجَنَّةِ وإنْ كانَتِ الدَّرَجاتُ مُتَفاوِتَةً. ومَعْنى مَن يُطِعِ مَن يَتَّصِفُ بِتَمامِ مَعْنى الطّاعَةِ، أيْ أنْ لا يَعْصِيَ اللَّهَ ورَسُولَهُ. ودَلَّتْ ”مَعَ“ عَلى أنَّ مَكانَةَ مَدْخُولِها أرْسَخُ وأعْرَفُ. وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أنْتَ مَعَ مَن أحْبَبْتَ» . والصِّدِّيقُونَ هُمُ الَّذِينَ صَدَّقُوا الأنْبِياءَ ابْتِداءً، مِثْلَ الحَوارِيِّينَ والسّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. وأمّا الشُّهَداءُ فَهم مَن قُتِلُوا في سَبِيلِ إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ. والصّالِحُونَ الَّذِينَ لَزِمَتْهُمُ الِاسْتِقامَةُ. و(حَسُنَ) فِعْلٌ مُرادٌ بِهِ المَدْحُ مُلْحَقٌ بِنِعْمَ ومُضَمَّنٌ مَعْنى التَّعَجُّبِ مِن حُسْنِهِمْ، وذَلِكَ شَأْنُ ”فَعُلَ“ بِضَمِّ العَيْنِ مِنَ الثُّلاثِيِّ أنْ يَدُلَّ عَلى مَدْحٍ أوْ ذَمٍّ بِحَسَبِ مادَّتِهِ مَعَ التَّعَجُّبِ، وأصْلُ الفِعْلِ ”حَسَنَ“ بِفَتْحَتَيْنِ فَحُوِّلَ إلى فَعُلَ بِضَمِّ العَيْنِ لِقَصْدِ المَدْحِ والتَّعَجُّبِ. و”أُولَئِكَ“ فاعِلُ ”حَسُنَ“ . و”رَفِيقًا“ تَمْيِيزٌ، أيْ ما أحْسَنَهم حَسُنُوا مِن جِنْسِ الرُّفَقاءِ. والرَّفِيقُ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ، وفي حَدِيثِ الوَفاةِ الرَّفِيقَ الأعْلى. وتَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ وهو حَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِأنَّ فَضْلَ اللَّهِ أنْواعٌ، وأصْنافٌ، ولَكِنَّهُ أُرِيدَ المُبالَغَةُ في قُوَّةِ هَذا الفَضْلِ، فَهو كَقَوْلِهِمْ: أنْتَ الرَّجُلُ. والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ ﴿وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الَّذِينَ تَلَبَّسُوا بِهَذِهِ المَنقَبَةِ، وإنْ لَمْ يَعْلَمْهُمُ النّاسُ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهم والجَزاءُ بِيَدِهِ فَهو يُوَفِّيهِمُ الجَزاءَ عَلى قَدْرِ ما عَلِمَ مِنهم، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ.

النساء 4:70

صفحة ١١٦ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيئِينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ . تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٦٧] وإنَّما عُطِفَتْ بِاعْتِبارِ إلْحاقِها بِجُمْلَةِ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ [النساء: ٦٦] . وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في جُمْلَةِ جَوابِ الشَّرْطِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى جَدارَتِهِمْ بِمَضْمُونِ الخَبَرِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ لِأجْلِ مَضْمُونِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ. والمَعِيَّةُ مَعِيَّةُ المَنزِلَةِ في الجَنَّةِ وإنْ كانَتِ الدَّرَجاتُ مُتَفاوِتَةً. ومَعْنى مَن يُطِعِ مَن يَتَّصِفُ بِتَمامِ مَعْنى الطّاعَةِ، أيْ أنْ لا يَعْصِيَ اللَّهَ ورَسُولَهُ. ودَلَّتْ ”مَعَ“ عَلى أنَّ مَكانَةَ مَدْخُولِها أرْسَخُ وأعْرَفُ. وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أنْتَ مَعَ مَن أحْبَبْتَ» . والصِّدِّيقُونَ هُمُ الَّذِينَ صَدَّقُوا الأنْبِياءَ ابْتِداءً، مِثْلَ الحَوارِيِّينَ والسّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. وأمّا الشُّهَداءُ فَهم مَن قُتِلُوا في سَبِيلِ إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ. والصّالِحُونَ الَّذِينَ لَزِمَتْهُمُ الِاسْتِقامَةُ. و(حَسُنَ) فِعْلٌ مُرادٌ بِهِ المَدْحُ مُلْحَقٌ بِنِعْمَ ومُضَمَّنٌ مَعْنى التَّعَجُّبِ مِن حُسْنِهِمْ، وذَلِكَ شَأْنُ ”فَعُلَ“ بِضَمِّ العَيْنِ مِنَ الثُّلاثِيِّ أنْ يَدُلَّ عَلى مَدْحٍ أوْ ذَمٍّ بِحَسَبِ مادَّتِهِ مَعَ التَّعَجُّبِ، وأصْلُ الفِعْلِ ”حَسَنَ“ بِفَتْحَتَيْنِ فَحُوِّلَ إلى فَعُلَ بِضَمِّ العَيْنِ لِقَصْدِ المَدْحِ والتَّعَجُّبِ. و”أُولَئِكَ“ فاعِلُ ”حَسُنَ“ . و”رَفِيقًا“ تَمْيِيزٌ، أيْ ما أحْسَنَهم حَسُنُوا مِن جِنْسِ الرُّفَقاءِ. والرَّفِيقُ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ، وفي حَدِيثِ الوَفاةِ الرَّفِيقَ الأعْلى. وتَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ وهو حَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِأنَّ فَضْلَ اللَّهِ أنْواعٌ، وأصْنافٌ، ولَكِنَّهُ أُرِيدَ المُبالَغَةُ في قُوَّةِ هَذا الفَضْلِ، فَهو كَقَوْلِهِمْ: أنْتَ الرَّجُلُ. والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ ﴿وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الَّذِينَ تَلَبَّسُوا بِهَذِهِ المَنقَبَةِ، وإنْ لَمْ يَعْلَمْهُمُ النّاسُ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهم والجَزاءُ بِيَدِهِ فَهو يُوَفِّيهِمُ الجَزاءَ عَلى قَدْرِ ما عَلِمَ مِنهم، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ.

النساء 4:71

صفحة ١١٧ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ ﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ اسْتِئْنافٌ وانْتِقالٌ إلى التَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ بِمُناسَبَةٍ لَطِيفَةٍ، فَإنَّهُ انْتَقَلَ مِن طاعَةِ الرَّسُولِ إلى ذِكْرِ أشَدِّ التَّكالِيفِ، ثُمَّ ذِكْرِ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيئِينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، وكانَ الحالُ أدْعى إلى التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الشَّهادَةِ دُونَ بَقِيَّةِ الخِلالِ المَذْكُورَةِ مَعَها المُمْكِنَةِ النَّوالِ. وهَذِهِ الآيَةُ تُشِيرُ لا مَحالَةَ إلى تَهْيِئَةِ غَزْوَةٍ مِن غَزَواتِ المُسْلِمِينَ، ولَيْسَ في كَلامِ السَّلَفِ ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِها، ولا شَكَّ أنَّها لَمْ تَكُنْ أوَّلَ غَزْوَةٍ لِأنَّ غَزْوَةَ بَدْرٍ وقَعَتْ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، وكَذَلِكَ غَزْوَةُ أُحُدٍ الَّتِي نَزَلَتْ فِيها سُورَةُ آلِ عِمْرانَ، ولَيْسَتْ نازِلَةً في غَزْوَةِ الأحْزابِ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ يَقْتَضِي أنَّهم غازُونَ لا مَغْزُوُّونَ. ولَعَلَّها نَزَلَتْ لِمُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ إلى قَواعِدِ الِاسْتِعْدادِ لِغَزْوِ العَدُوِّ، والتَّحْذِيرِ مِنَ العَدُوِّ الكاشِحِ، ومِنَ العَدُوِّ الكائِدِ، ولَعَلَّها إعْدادٌ لِغَزْوَةِ الفَتْحِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في سَنَةِ سِتٍّ، وكانَ فَتْحُ مَكَّةَ في سِنَةِ ثَمانٍ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ المُدَّةَ كانَتْ مُدَّةَ اشْتِدادِ التَّألُّبِ مِنَ العَرَبِ كُلِّهِمْ لِنُصْرَةِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ والذَّبِّ عَنْ آلِهَتِهِمْ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: ٧٥] إلَخْ، وقَوْلُهُ ﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٤١] فَإنَّ اسْمَ الفَتْحِ أُرِيدَ بِهِ فَتْحُ مَكَّةَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] . وابْتَدَأ بِالأمْرِ بِأخْذِ الحَذَرِ. وهي أكْبَرُ قَواعِدِ القِتالِ لِاتِّقاءِ خُدَعِ الأعْداءِ. والحَذَرُ: هو تَوَقِّي المَكْرُوهِ. صفحة ١١٨ ومَعْنى ذَلِكَ أنْ لا يَغْتَرُّوا بِما بَيْنَهم وبَيْنَ العَدُوِّ مِن هُدْنَةِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، فَإنَّ العَدُوَّ وأنْصارَهُ يَتَرَبَّصُونَ بِهِمُ الدَّوائِرَ، ومِن بَيْنِهِمْ مُنافِقُونَ هم أعْداءٌ في صُورَةِ أوْلِياءَ، وهُمُ الَّذِينَ عُنُوا بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ إلى فَوْزًا عَظِيمًا. ولَفْظُ ”خُذُوا“ اسْتِعارَةٌ لِمَعْنى شِدَّةِ الحَذَرِ ومُلازَمَتِهِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ الأخْذِ تَناوُلُ الشَّيْءِ الَّذِي كانَ بَعِيدًا عَنْكَ، ولَمّا كانَ النِّسْيانُ والغَفْلَةُ يُشْبِهانِ البُعْدَ والإلْقاءَ كانَ التَّذَكُّرُ والتَّيَقُّظُ يُشْبِهانِ أخْذَ الشَّيْءِ بَعْدَ إلْقائِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وقَوْلِهِمْ: أخَذَ عَلَيْهِ عَهْدًا ومِيثاقًا. ولَيْسَ الحَذَرُ مَجازًا في السِّلاحِ كَما تَوَهَّمَهُ كَثِيرٌ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، فَعَطَفَ السِّلاحَ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ تَفْرِيعٌ عَنْ أخْذِ الحَذَرِ لِأنَّهم إذا أخَذُوا حِذْرَهم تَخَيَّرُوا أسالِيبَ القِتالِ بِحَسَبِ حالِ العَدُوِّ، وانْفِرُوا بِمَعْنى اخْرُجُوا لِلْحَرْبِ، ومَصْدَرُهُ النَّفْرُ، بِخِلافِ نَفَرَ يَنْفُرُ بِضَمِّ الفاءِ في المُضارِعِ فَمَصْدَرُهُ النُّفُورُ. و”ثُباتٍ“ بِضَمِّ الثّاءِ جَمْعُ ”ثُبَةٍ“ بِضَمِّ الثّاءِ أيْضًا وهي الجَماعَةُ، وأصْلُها ثُبَيَةٌ أوْ ثُبَوَةٌ بِالياءِ أوِ الواوِ، والأظْهَرُ أنَّها بِالواوِ، لِأنَّ الكَلِماتِ الَّتِي بَقِيَ مِن أُصُولِها حَرْفانِ وفي آخِرِها هاءُ التَّأْنِيثِ أصْلُها الواوُ نَحْوَ عِزَةٌ وعِضَةٌ فَوَزْنُها فِعَةٌ. وأمّا ثُبَةُ الحَوْضِ، وهي وسَطُهُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الماءُ فَهي مِن ثابَ يَثُوبُ إذا رَجَعَ، وأصْلُها ثُوَبَةٌ فَخُفِّفَتْ فَصارَتْ بِوَزْنِ فُلَةٍ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِأنَّها تُصَغَّرُ عَلى ثُوَيْبَةٍ، وأنَّ الثُّبَةَ بِمَعْنى الجَماعَةِ تُصَغَّرُ عَلى ثُبَيَّةٍ. قالَ النَّحّاسُ: رُبَّما تَوَهَّمَ الضَّعِيفُ في اللُّغَةِ أنَّهُما واحِدٌ مَعَ أنَّ بَيْنَهُما فَرْقًا، ومَعَ هَذا فَقَدَ جَعَلَهُما صاحِبُ القامُوسِ مِن وادٍ واحِدٍ وهو حَسَنٌ، إذْ قَدْ تَكُونُ ثُبَةُ الحَوْضِ مَأْخُوذَةً مِنَ الِاجْتِماعِ إلّا إذا ثَبَتَ اخْتِلافُ التَّصْغِيرِ بِسَماعٍ صَحِيحٍ. وانْتَصَبَ ”ثُباتٍ“ عَلى الحالِ، لِأنَّهُ في تَأْوِيلِ: مُتَفَرِّقِينَ، ومَعْنى جَمِيعًا جَيْشًا واحِدًا. وقَوْلُهُ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ أيْ مِن جَماعَتِكم وعِدادِكم، والخَبَرُ الوارِدُ فِيهِمْ ظاهِرٌ مِنهُ أنَّهم لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ في خَلْوَتِهِمْ، لِأنَّ المُؤْمِنَ إنْ أبْطَأ عَنِ الجِهادِ لا يَقُولُ ﴿قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾، فَهَؤُلاءِ مُنافِقُونَ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِمِثْلِ هَذا صَراحَةً في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [النساء: ١٣٨] إلى قَوْلِهِ صفحة ١١٩ ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١] . وعَلى كَوْنِ المُرادِ بِـ مَن لَيُبَطِّئَنَّ المُنافِقِينَ حَمَلَ الآيَةَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِمْ ضَعَفَةُ المُؤْمِنِينَ يَتَثاقَلُونَ عَنِ الخُرُوجِ إلى أنْ يَتَّضِحَ أمْرُ النَّصْرِ. قالَ الفَخْرُ وهَذا اخْتِيارُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وعَلى هَذا فَمَعْنى مِنكم أيْ مِن أهْلِ دِينِكم. وعَلى كِلا القَوْلَيْنِ فَقَدْ أُكِّدَ الخَبَرُ بِأقْوى المُؤَكِّداتِ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُتَلَقّى بِالِاسْتِغْرابِ. وبَطَّأ بِالتَّضْعِيفِ قاصِرٌ، بِمَعْنى تَثاقَلَ في نَفْسِهِ عَنْ أمْرٍ، وهو الإبْطاءُ عَنِ الخُرُوجِ إبْطاءٌ بِداعِي النِّفاقِ أوِ الجُبْنِ. والإخْبارُ بِذَلِكَ يَسْتَتْبِعُ الإنْكارَ عَلَيْهِ، والتَّعْرِيضَ بِهِ، مَعَ كَوْنِ الخَبَرِ باقِيًا عَلى حَقِيقَتِهِ لِأنَّ مُسْتَتْبَعاتِ التَّراكِيبِ لا تُوصَفُ بِالمَجازِ. وقَوْلُهُ ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ تَفْرِيعٌ عَنْ ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾، إذْ هَذا الإبْطاءُ تارَةً يَجُرُّ لَهُ الِابْتِهاجَ بِالسَّلامَةِ، وتارَةً يَجُرُّ لَهُ الحَسْرَةَ والنَّدامَةَ. (والمُصِيبَةُ) اسْمٌ لِما أصابَ الإنْسانَ مِن شَرٍّ، والمُرادُ هُنا مُصِيبَةُ الحَرْبِ أعْنِي الهَزِيمَةَ مِن قَتْلٍ وأسْرٍ. ومَعْنى ﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ الإنْعامُ بِالسَّلامَةِ: فَإنْ كانَ مِنَ المُنافِقِينَ فَوَصْفُ ذَلِكَ بِالنِّعْمَةِ ظاهِرٌ، لِأنَّ القَتْلَ عِنْدَهم مُصِيبَةٌ مَحْضَةٌ إذْ لا يَرْجُونَ مِنهُ ثَوابًا؛ وإنْ كانَ مِن ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ فَهو قَدْ عَدَّ نِعْمَةَ البَقاءِ أوْلى مِن نِعْمَةِ فَضْلِ الشَّهادَةِ لِشِدَّةِ الجُبْنِ، وهَذا مِن تَغْلِيبِ الدّاعِي الجِبِلِّيِّ عَلى الدّاعِي الشَّرْعِيِّ. والشَّهِيدُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: إمّا بِمَعْنى الحاضِرِ المُشاهِدِ لِلْقِتالِ، وإمّا تَهَكُّمٌ مِنهُ عَلى المُؤْمِنِينَ مِثْلَ قَوْلِهِ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٧]؛ وعَلى الوَجْهِ الثّانِي الشَّهِيدُ بِمَعْناهُ الشَّرْعِيُّ وهو القَتِيلُ في الجِهادِ. وأُكِّدَ قَوْلُهُ ﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ﴾، بِاللّامِ المُوَطِّئَةِ لِلْقَسَمِ وبِلامِ جَوابِ القَسَمِ وبِنُونِ التَّوْكِيدِ، تَنْبِيهًا عَلى غَرِيبِ حالَتِهِ حَتّى يُنَزَّلَ سامِعُها مَنزِلَةَ المُنْكِرِ لِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنهُ. والمُرادُ مِنَ الفَضْلِ الفَتْحُ والغَنِيمَةُ. وهَذا المُبَطِّئُ يَتَمَنّى أنْ لَوْ كانَ مَعَ الجَيْشِ لِيَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا، وهو الفَوْزُ صفحة ١٢٠ بِالغَنِيمَةِ والفَوْزُ بِأجْرِ الجِهادِ، حَيْثُ وقَعَتِ السَّلامَةُ والفَوْزُ بِرِضا الرَّسُولِ، ولِذَلِكَ أتْبَعَ ”أفُوزَ“ بِالمَصْدَرِ والوَصْفِ بِعَظِيمٍ. ووَجْهٌ غَرِيبٌ حالُهُ أنَّهُ أصْبَحَ مُتَلَهِّفًا عَلى ما فاتَهُ بِنَفْسِهِ، وأنَّهُ يَوَدُّ أنْ تَجْرِيَ المَقادِيرُ عَلى وفْقِ مُرادِهِ، فَإذا قَعَدَ عَنِ الخُرُوجِ لا يُصِيبُ المُسْلِمِينَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ. وجُمْلَةُ (﴿كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ فِعْلِ القَوْلِ ومَقُولِهِ. والمَوَدَّةُ الصُّحْبَةُ والمَحَبَّةُ؛ وإمّا أنْ يَكُونَ إطْلاقُ المَوَدَّةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ الصُّورِيَّةِ إنْ كانَ المُرادُ بِهِ المُنافِقَ، وإمّا أنْ تَكُونَ حَقِيقَةً إنْ أُرِيدَ ضَعَفَةُ المُؤْمِنِينَ. وشَبَّهَ حالَهم في حِينِ هَذا القَوْلِ بِحالِ مَن لَمْ تَسْبِقْ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُخاطَبِينَ مَوَدَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ أوْ صُورِيَّةٌ، فاقْتَضى التَّشْبِيهُ أنَّهُ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم مَوَدَّةٌ مِن قَبْلِ هَذا القَوْلِ. ووَجْهُ هَذا التَّشْبِيهِ أنَّهُ لَمّا تَمَنّى أنْ لَوْ كانَ مَعَهم وتَحَسَّرَ عَلى فَواتِ فَوْزِهِ لَوْ حَضَرَ مَعَهم، كانَ حالُهُ في تَفْرِيطِهِ رُفْقَتَهم يُشْبِهُ حالَ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ اتِّصالٌ بِهِمْ بِحَيْثُ لا يَشْهَدُ ما أزْمَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الخُرُوجِ لِلْجِهادِ، فَهَذا التَّشْبِيهُ مَسُوقٌ مَساقَ زِيادَةِ تَنْدِيمِهِ وتَحْسِيرِهِ، أيْ أنَّهُ الَّذِي أضاعَ عَلى نَفْسِهِ سَبَبَ الِانْتِفاعِ بِما حَصَلَ لِرُفْقَتِهِ مِنَ الخَيْرِ، أيْ أنَّهُ قَدْ كانَ لَهُ مِنَ الخِلْطَةِ مَعَ الغانِمِينَ ما شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا في خُرُوجِهِ مَعَهم، وانْتِفاعِهِ بِثَوابِ النَّصْرِ وفَخْرِهِ ونِعْمَةِ الغَنِيمَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لَمْ يَكُنْ) بِياءِ الغَيْبَةِ وهو طَرِيقَةٌ في إسْنادِ الفِعْلِ لِما لَفْظُهُ مُؤَنَّثٌ غَيْرُ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ، مِثْلَ لَفْظِ مَوَدَّةٍ هُنا، ولا سِيَّما إذا كانَ فَصْلٌ بَيْنَ الفِعْلِ وفاعِلِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلامَةِ المُضارِعِ المُسْنَدِ إلى المُؤَنَّثِ اعْتِبارًا بِتَأْنِيثِ لَفْظِ مَوَدَّةٍ.

النساء 4:72

صفحة ١١٧ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ ﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ اسْتِئْنافٌ وانْتِقالٌ إلى التَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ بِمُناسَبَةٍ لَطِيفَةٍ، فَإنَّهُ انْتَقَلَ مِن طاعَةِ الرَّسُولِ إلى ذِكْرِ أشَدِّ التَّكالِيفِ، ثُمَّ ذِكْرِ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيئِينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، وكانَ الحالُ أدْعى إلى التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الشَّهادَةِ دُونَ بَقِيَّةِ الخِلالِ المَذْكُورَةِ مَعَها المُمْكِنَةِ النَّوالِ. وهَذِهِ الآيَةُ تُشِيرُ لا مَحالَةَ إلى تَهْيِئَةِ غَزْوَةٍ مِن غَزَواتِ المُسْلِمِينَ، ولَيْسَ في كَلامِ السَّلَفِ ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِها، ولا شَكَّ أنَّها لَمْ تَكُنْ أوَّلَ غَزْوَةٍ لِأنَّ غَزْوَةَ بَدْرٍ وقَعَتْ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، وكَذَلِكَ غَزْوَةُ أُحُدٍ الَّتِي نَزَلَتْ فِيها سُورَةُ آلِ عِمْرانَ، ولَيْسَتْ نازِلَةً في غَزْوَةِ الأحْزابِ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ يَقْتَضِي أنَّهم غازُونَ لا مَغْزُوُّونَ. ولَعَلَّها نَزَلَتْ لِمُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ إلى قَواعِدِ الِاسْتِعْدادِ لِغَزْوِ العَدُوِّ، والتَّحْذِيرِ مِنَ العَدُوِّ الكاشِحِ، ومِنَ العَدُوِّ الكائِدِ، ولَعَلَّها إعْدادٌ لِغَزْوَةِ الفَتْحِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في سَنَةِ سِتٍّ، وكانَ فَتْحُ مَكَّةَ في سِنَةِ ثَمانٍ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ المُدَّةَ كانَتْ مُدَّةَ اشْتِدادِ التَّألُّبِ مِنَ العَرَبِ كُلِّهِمْ لِنُصْرَةِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ والذَّبِّ عَنْ آلِهَتِهِمْ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: ٧٥] إلَخْ، وقَوْلُهُ ﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٤١] فَإنَّ اسْمَ الفَتْحِ أُرِيدَ بِهِ فَتْحُ مَكَّةَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] . وابْتَدَأ بِالأمْرِ بِأخْذِ الحَذَرِ. وهي أكْبَرُ قَواعِدِ القِتالِ لِاتِّقاءِ خُدَعِ الأعْداءِ. والحَذَرُ: هو تَوَقِّي المَكْرُوهِ. صفحة ١١٨ ومَعْنى ذَلِكَ أنْ لا يَغْتَرُّوا بِما بَيْنَهم وبَيْنَ العَدُوِّ مِن هُدْنَةِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، فَإنَّ العَدُوَّ وأنْصارَهُ يَتَرَبَّصُونَ بِهِمُ الدَّوائِرَ، ومِن بَيْنِهِمْ مُنافِقُونَ هم أعْداءٌ في صُورَةِ أوْلِياءَ، وهُمُ الَّذِينَ عُنُوا بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ إلى فَوْزًا عَظِيمًا. ولَفْظُ ”خُذُوا“ اسْتِعارَةٌ لِمَعْنى شِدَّةِ الحَذَرِ ومُلازَمَتِهِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ الأخْذِ تَناوُلُ الشَّيْءِ الَّذِي كانَ بَعِيدًا عَنْكَ، ولَمّا كانَ النِّسْيانُ والغَفْلَةُ يُشْبِهانِ البُعْدَ والإلْقاءَ كانَ التَّذَكُّرُ والتَّيَقُّظُ يُشْبِهانِ أخْذَ الشَّيْءِ بَعْدَ إلْقائِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وقَوْلِهِمْ: أخَذَ عَلَيْهِ عَهْدًا ومِيثاقًا. ولَيْسَ الحَذَرُ مَجازًا في السِّلاحِ كَما تَوَهَّمَهُ كَثِيرٌ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، فَعَطَفَ السِّلاحَ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ تَفْرِيعٌ عَنْ أخْذِ الحَذَرِ لِأنَّهم إذا أخَذُوا حِذْرَهم تَخَيَّرُوا أسالِيبَ القِتالِ بِحَسَبِ حالِ العَدُوِّ، وانْفِرُوا بِمَعْنى اخْرُجُوا لِلْحَرْبِ، ومَصْدَرُهُ النَّفْرُ، بِخِلافِ نَفَرَ يَنْفُرُ بِضَمِّ الفاءِ في المُضارِعِ فَمَصْدَرُهُ النُّفُورُ. و”ثُباتٍ“ بِضَمِّ الثّاءِ جَمْعُ ”ثُبَةٍ“ بِضَمِّ الثّاءِ أيْضًا وهي الجَماعَةُ، وأصْلُها ثُبَيَةٌ أوْ ثُبَوَةٌ بِالياءِ أوِ الواوِ، والأظْهَرُ أنَّها بِالواوِ، لِأنَّ الكَلِماتِ الَّتِي بَقِيَ مِن أُصُولِها حَرْفانِ وفي آخِرِها هاءُ التَّأْنِيثِ أصْلُها الواوُ نَحْوَ عِزَةٌ وعِضَةٌ فَوَزْنُها فِعَةٌ. وأمّا ثُبَةُ الحَوْضِ، وهي وسَطُهُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الماءُ فَهي مِن ثابَ يَثُوبُ إذا رَجَعَ، وأصْلُها ثُوَبَةٌ فَخُفِّفَتْ فَصارَتْ بِوَزْنِ فُلَةٍ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِأنَّها تُصَغَّرُ عَلى ثُوَيْبَةٍ، وأنَّ الثُّبَةَ بِمَعْنى الجَماعَةِ تُصَغَّرُ عَلى ثُبَيَّةٍ. قالَ النَّحّاسُ: رُبَّما تَوَهَّمَ الضَّعِيفُ في اللُّغَةِ أنَّهُما واحِدٌ مَعَ أنَّ بَيْنَهُما فَرْقًا، ومَعَ هَذا فَقَدَ جَعَلَهُما صاحِبُ القامُوسِ مِن وادٍ واحِدٍ وهو حَسَنٌ، إذْ قَدْ تَكُونُ ثُبَةُ الحَوْضِ مَأْخُوذَةً مِنَ الِاجْتِماعِ إلّا إذا ثَبَتَ اخْتِلافُ التَّصْغِيرِ بِسَماعٍ صَحِيحٍ. وانْتَصَبَ ”ثُباتٍ“ عَلى الحالِ، لِأنَّهُ في تَأْوِيلِ: مُتَفَرِّقِينَ، ومَعْنى جَمِيعًا جَيْشًا واحِدًا. وقَوْلُهُ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ أيْ مِن جَماعَتِكم وعِدادِكم، والخَبَرُ الوارِدُ فِيهِمْ ظاهِرٌ مِنهُ أنَّهم لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ في خَلْوَتِهِمْ، لِأنَّ المُؤْمِنَ إنْ أبْطَأ عَنِ الجِهادِ لا يَقُولُ ﴿قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾، فَهَؤُلاءِ مُنافِقُونَ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِمِثْلِ هَذا صَراحَةً في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [النساء: ١٣٨] إلى قَوْلِهِ صفحة ١١٩ ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١] . وعَلى كَوْنِ المُرادِ بِـ مَن لَيُبَطِّئَنَّ المُنافِقِينَ حَمَلَ الآيَةَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِمْ ضَعَفَةُ المُؤْمِنِينَ يَتَثاقَلُونَ عَنِ الخُرُوجِ إلى أنْ يَتَّضِحَ أمْرُ النَّصْرِ. قالَ الفَخْرُ وهَذا اخْتِيارُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وعَلى هَذا فَمَعْنى مِنكم أيْ مِن أهْلِ دِينِكم. وعَلى كِلا القَوْلَيْنِ فَقَدْ أُكِّدَ الخَبَرُ بِأقْوى المُؤَكِّداتِ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُتَلَقّى بِالِاسْتِغْرابِ. وبَطَّأ بِالتَّضْعِيفِ قاصِرٌ، بِمَعْنى تَثاقَلَ في نَفْسِهِ عَنْ أمْرٍ، وهو الإبْطاءُ عَنِ الخُرُوجِ إبْطاءٌ بِداعِي النِّفاقِ أوِ الجُبْنِ. والإخْبارُ بِذَلِكَ يَسْتَتْبِعُ الإنْكارَ عَلَيْهِ، والتَّعْرِيضَ بِهِ، مَعَ كَوْنِ الخَبَرِ باقِيًا عَلى حَقِيقَتِهِ لِأنَّ مُسْتَتْبَعاتِ التَّراكِيبِ لا تُوصَفُ بِالمَجازِ. وقَوْلُهُ ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ تَفْرِيعٌ عَنْ ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾، إذْ هَذا الإبْطاءُ تارَةً يَجُرُّ لَهُ الِابْتِهاجَ بِالسَّلامَةِ، وتارَةً يَجُرُّ لَهُ الحَسْرَةَ والنَّدامَةَ. (والمُصِيبَةُ) اسْمٌ لِما أصابَ الإنْسانَ مِن شَرٍّ، والمُرادُ هُنا مُصِيبَةُ الحَرْبِ أعْنِي الهَزِيمَةَ مِن قَتْلٍ وأسْرٍ. ومَعْنى ﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ الإنْعامُ بِالسَّلامَةِ: فَإنْ كانَ مِنَ المُنافِقِينَ فَوَصْفُ ذَلِكَ بِالنِّعْمَةِ ظاهِرٌ، لِأنَّ القَتْلَ عِنْدَهم مُصِيبَةٌ مَحْضَةٌ إذْ لا يَرْجُونَ مِنهُ ثَوابًا؛ وإنْ كانَ مِن ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ فَهو قَدْ عَدَّ نِعْمَةَ البَقاءِ أوْلى مِن نِعْمَةِ فَضْلِ الشَّهادَةِ لِشِدَّةِ الجُبْنِ، وهَذا مِن تَغْلِيبِ الدّاعِي الجِبِلِّيِّ عَلى الدّاعِي الشَّرْعِيِّ. والشَّهِيدُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: إمّا بِمَعْنى الحاضِرِ المُشاهِدِ لِلْقِتالِ، وإمّا تَهَكُّمٌ مِنهُ عَلى المُؤْمِنِينَ مِثْلَ قَوْلِهِ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٧]؛ وعَلى الوَجْهِ الثّانِي الشَّهِيدُ بِمَعْناهُ الشَّرْعِيُّ وهو القَتِيلُ في الجِهادِ. وأُكِّدَ قَوْلُهُ ﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ﴾، بِاللّامِ المُوَطِّئَةِ لِلْقَسَمِ وبِلامِ جَوابِ القَسَمِ وبِنُونِ التَّوْكِيدِ، تَنْبِيهًا عَلى غَرِيبِ حالَتِهِ حَتّى يُنَزَّلَ سامِعُها مَنزِلَةَ المُنْكِرِ لِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنهُ. والمُرادُ مِنَ الفَضْلِ الفَتْحُ والغَنِيمَةُ. وهَذا المُبَطِّئُ يَتَمَنّى أنْ لَوْ كانَ مَعَ الجَيْشِ لِيَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا، وهو الفَوْزُ صفحة ١٢٠ بِالغَنِيمَةِ والفَوْزُ بِأجْرِ الجِهادِ، حَيْثُ وقَعَتِ السَّلامَةُ والفَوْزُ بِرِضا الرَّسُولِ، ولِذَلِكَ أتْبَعَ ”أفُوزَ“ بِالمَصْدَرِ والوَصْفِ بِعَظِيمٍ. ووَجْهٌ غَرِيبٌ حالُهُ أنَّهُ أصْبَحَ مُتَلَهِّفًا عَلى ما فاتَهُ بِنَفْسِهِ، وأنَّهُ يَوَدُّ أنْ تَجْرِيَ المَقادِيرُ عَلى وفْقِ مُرادِهِ، فَإذا قَعَدَ عَنِ الخُرُوجِ لا يُصِيبُ المُسْلِمِينَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ. وجُمْلَةُ (﴿كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ فِعْلِ القَوْلِ ومَقُولِهِ. والمَوَدَّةُ الصُّحْبَةُ والمَحَبَّةُ؛ وإمّا أنْ يَكُونَ إطْلاقُ المَوَدَّةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ الصُّورِيَّةِ إنْ كانَ المُرادُ بِهِ المُنافِقَ، وإمّا أنْ تَكُونَ حَقِيقَةً إنْ أُرِيدَ ضَعَفَةُ المُؤْمِنِينَ. وشَبَّهَ حالَهم في حِينِ هَذا القَوْلِ بِحالِ مَن لَمْ تَسْبِقْ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُخاطَبِينَ مَوَدَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ أوْ صُورِيَّةٌ، فاقْتَضى التَّشْبِيهُ أنَّهُ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم مَوَدَّةٌ مِن قَبْلِ هَذا القَوْلِ. ووَجْهُ هَذا التَّشْبِيهِ أنَّهُ لَمّا تَمَنّى أنْ لَوْ كانَ مَعَهم وتَحَسَّرَ عَلى فَواتِ فَوْزِهِ لَوْ حَضَرَ مَعَهم، كانَ حالُهُ في تَفْرِيطِهِ رُفْقَتَهم يُشْبِهُ حالَ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ اتِّصالٌ بِهِمْ بِحَيْثُ لا يَشْهَدُ ما أزْمَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الخُرُوجِ لِلْجِهادِ، فَهَذا التَّشْبِيهُ مَسُوقٌ مَساقَ زِيادَةِ تَنْدِيمِهِ وتَحْسِيرِهِ، أيْ أنَّهُ الَّذِي أضاعَ عَلى نَفْسِهِ سَبَبَ الِانْتِفاعِ بِما حَصَلَ لِرُفْقَتِهِ مِنَ الخَيْرِ، أيْ أنَّهُ قَدْ كانَ لَهُ مِنَ الخِلْطَةِ مَعَ الغانِمِينَ ما شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا في خُرُوجِهِ مَعَهم، وانْتِفاعِهِ بِثَوابِ النَّصْرِ وفَخْرِهِ ونِعْمَةِ الغَنِيمَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لَمْ يَكُنْ) بِياءِ الغَيْبَةِ وهو طَرِيقَةٌ في إسْنادِ الفِعْلِ لِما لَفْظُهُ مُؤَنَّثٌ غَيْرُ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ، مِثْلَ لَفْظِ مَوَدَّةٍ هُنا، ولا سِيَّما إذا كانَ فَصْلٌ بَيْنَ الفِعْلِ وفاعِلِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلامَةِ المُضارِعِ المُسْنَدِ إلى المُؤَنَّثِ اعْتِبارًا بِتَأْنِيثِ لَفْظِ مَوَدَّةٍ.

النساء 4:73

صفحة ١١٧ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ ﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ اسْتِئْنافٌ وانْتِقالٌ إلى التَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ بِمُناسَبَةٍ لَطِيفَةٍ، فَإنَّهُ انْتَقَلَ مِن طاعَةِ الرَّسُولِ إلى ذِكْرِ أشَدِّ التَّكالِيفِ، ثُمَّ ذِكْرِ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيئِينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، وكانَ الحالُ أدْعى إلى التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الشَّهادَةِ دُونَ بَقِيَّةِ الخِلالِ المَذْكُورَةِ مَعَها المُمْكِنَةِ النَّوالِ. وهَذِهِ الآيَةُ تُشِيرُ لا مَحالَةَ إلى تَهْيِئَةِ غَزْوَةٍ مِن غَزَواتِ المُسْلِمِينَ، ولَيْسَ في كَلامِ السَّلَفِ ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِها، ولا شَكَّ أنَّها لَمْ تَكُنْ أوَّلَ غَزْوَةٍ لِأنَّ غَزْوَةَ بَدْرٍ وقَعَتْ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، وكَذَلِكَ غَزْوَةُ أُحُدٍ الَّتِي نَزَلَتْ فِيها سُورَةُ آلِ عِمْرانَ، ولَيْسَتْ نازِلَةً في غَزْوَةِ الأحْزابِ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ يَقْتَضِي أنَّهم غازُونَ لا مَغْزُوُّونَ. ولَعَلَّها نَزَلَتْ لِمُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ إلى قَواعِدِ الِاسْتِعْدادِ لِغَزْوِ العَدُوِّ، والتَّحْذِيرِ مِنَ العَدُوِّ الكاشِحِ، ومِنَ العَدُوِّ الكائِدِ، ولَعَلَّها إعْدادٌ لِغَزْوَةِ الفَتْحِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في سَنَةِ سِتٍّ، وكانَ فَتْحُ مَكَّةَ في سِنَةِ ثَمانٍ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ المُدَّةَ كانَتْ مُدَّةَ اشْتِدادِ التَّألُّبِ مِنَ العَرَبِ كُلِّهِمْ لِنُصْرَةِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ والذَّبِّ عَنْ آلِهَتِهِمْ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: ٧٥] إلَخْ، وقَوْلُهُ ﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٤١] فَإنَّ اسْمَ الفَتْحِ أُرِيدَ بِهِ فَتْحُ مَكَّةَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] . وابْتَدَأ بِالأمْرِ بِأخْذِ الحَذَرِ. وهي أكْبَرُ قَواعِدِ القِتالِ لِاتِّقاءِ خُدَعِ الأعْداءِ. والحَذَرُ: هو تَوَقِّي المَكْرُوهِ. صفحة ١١٨ ومَعْنى ذَلِكَ أنْ لا يَغْتَرُّوا بِما بَيْنَهم وبَيْنَ العَدُوِّ مِن هُدْنَةِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، فَإنَّ العَدُوَّ وأنْصارَهُ يَتَرَبَّصُونَ بِهِمُ الدَّوائِرَ، ومِن بَيْنِهِمْ مُنافِقُونَ هم أعْداءٌ في صُورَةِ أوْلِياءَ، وهُمُ الَّذِينَ عُنُوا بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ إلى فَوْزًا عَظِيمًا. ولَفْظُ ”خُذُوا“ اسْتِعارَةٌ لِمَعْنى شِدَّةِ الحَذَرِ ومُلازَمَتِهِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ الأخْذِ تَناوُلُ الشَّيْءِ الَّذِي كانَ بَعِيدًا عَنْكَ، ولَمّا كانَ النِّسْيانُ والغَفْلَةُ يُشْبِهانِ البُعْدَ والإلْقاءَ كانَ التَّذَكُّرُ والتَّيَقُّظُ يُشْبِهانِ أخْذَ الشَّيْءِ بَعْدَ إلْقائِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وقَوْلِهِمْ: أخَذَ عَلَيْهِ عَهْدًا ومِيثاقًا. ولَيْسَ الحَذَرُ مَجازًا في السِّلاحِ كَما تَوَهَّمَهُ كَثِيرٌ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، فَعَطَفَ السِّلاحَ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ تَفْرِيعٌ عَنْ أخْذِ الحَذَرِ لِأنَّهم إذا أخَذُوا حِذْرَهم تَخَيَّرُوا أسالِيبَ القِتالِ بِحَسَبِ حالِ العَدُوِّ، وانْفِرُوا بِمَعْنى اخْرُجُوا لِلْحَرْبِ، ومَصْدَرُهُ النَّفْرُ، بِخِلافِ نَفَرَ يَنْفُرُ بِضَمِّ الفاءِ في المُضارِعِ فَمَصْدَرُهُ النُّفُورُ. و”ثُباتٍ“ بِضَمِّ الثّاءِ جَمْعُ ”ثُبَةٍ“ بِضَمِّ الثّاءِ أيْضًا وهي الجَماعَةُ، وأصْلُها ثُبَيَةٌ أوْ ثُبَوَةٌ بِالياءِ أوِ الواوِ، والأظْهَرُ أنَّها بِالواوِ، لِأنَّ الكَلِماتِ الَّتِي بَقِيَ مِن أُصُولِها حَرْفانِ وفي آخِرِها هاءُ التَّأْنِيثِ أصْلُها الواوُ نَحْوَ عِزَةٌ وعِضَةٌ فَوَزْنُها فِعَةٌ. وأمّا ثُبَةُ الحَوْضِ، وهي وسَطُهُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الماءُ فَهي مِن ثابَ يَثُوبُ إذا رَجَعَ، وأصْلُها ثُوَبَةٌ فَخُفِّفَتْ فَصارَتْ بِوَزْنِ فُلَةٍ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِأنَّها تُصَغَّرُ عَلى ثُوَيْبَةٍ، وأنَّ الثُّبَةَ بِمَعْنى الجَماعَةِ تُصَغَّرُ عَلى ثُبَيَّةٍ. قالَ النَّحّاسُ: رُبَّما تَوَهَّمَ الضَّعِيفُ في اللُّغَةِ أنَّهُما واحِدٌ مَعَ أنَّ بَيْنَهُما فَرْقًا، ومَعَ هَذا فَقَدَ جَعَلَهُما صاحِبُ القامُوسِ مِن وادٍ واحِدٍ وهو حَسَنٌ، إذْ قَدْ تَكُونُ ثُبَةُ الحَوْضِ مَأْخُوذَةً مِنَ الِاجْتِماعِ إلّا إذا ثَبَتَ اخْتِلافُ التَّصْغِيرِ بِسَماعٍ صَحِيحٍ. وانْتَصَبَ ”ثُباتٍ“ عَلى الحالِ، لِأنَّهُ في تَأْوِيلِ: مُتَفَرِّقِينَ، ومَعْنى جَمِيعًا جَيْشًا واحِدًا. وقَوْلُهُ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ أيْ مِن جَماعَتِكم وعِدادِكم، والخَبَرُ الوارِدُ فِيهِمْ ظاهِرٌ مِنهُ أنَّهم لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ في خَلْوَتِهِمْ، لِأنَّ المُؤْمِنَ إنْ أبْطَأ عَنِ الجِهادِ لا يَقُولُ ﴿قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾، فَهَؤُلاءِ مُنافِقُونَ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِمِثْلِ هَذا صَراحَةً في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [النساء: ١٣٨] إلى قَوْلِهِ صفحة ١١٩ ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١] . وعَلى كَوْنِ المُرادِ بِـ مَن لَيُبَطِّئَنَّ المُنافِقِينَ حَمَلَ الآيَةَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِمْ ضَعَفَةُ المُؤْمِنِينَ يَتَثاقَلُونَ عَنِ الخُرُوجِ إلى أنْ يَتَّضِحَ أمْرُ النَّصْرِ. قالَ الفَخْرُ وهَذا اخْتِيارُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وعَلى هَذا فَمَعْنى مِنكم أيْ مِن أهْلِ دِينِكم. وعَلى كِلا القَوْلَيْنِ فَقَدْ أُكِّدَ الخَبَرُ بِأقْوى المُؤَكِّداتِ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُتَلَقّى بِالِاسْتِغْرابِ. وبَطَّأ بِالتَّضْعِيفِ قاصِرٌ، بِمَعْنى تَثاقَلَ في نَفْسِهِ عَنْ أمْرٍ، وهو الإبْطاءُ عَنِ الخُرُوجِ إبْطاءٌ بِداعِي النِّفاقِ أوِ الجُبْنِ. والإخْبارُ بِذَلِكَ يَسْتَتْبِعُ الإنْكارَ عَلَيْهِ، والتَّعْرِيضَ بِهِ، مَعَ كَوْنِ الخَبَرِ باقِيًا عَلى حَقِيقَتِهِ لِأنَّ مُسْتَتْبَعاتِ التَّراكِيبِ لا تُوصَفُ بِالمَجازِ. وقَوْلُهُ ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ تَفْرِيعٌ عَنْ ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾، إذْ هَذا الإبْطاءُ تارَةً يَجُرُّ لَهُ الِابْتِهاجَ بِالسَّلامَةِ، وتارَةً يَجُرُّ لَهُ الحَسْرَةَ والنَّدامَةَ. (والمُصِيبَةُ) اسْمٌ لِما أصابَ الإنْسانَ مِن شَرٍّ، والمُرادُ هُنا مُصِيبَةُ الحَرْبِ أعْنِي الهَزِيمَةَ مِن قَتْلٍ وأسْرٍ. ومَعْنى ﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ الإنْعامُ بِالسَّلامَةِ: فَإنْ كانَ مِنَ المُنافِقِينَ فَوَصْفُ ذَلِكَ بِالنِّعْمَةِ ظاهِرٌ، لِأنَّ القَتْلَ عِنْدَهم مُصِيبَةٌ مَحْضَةٌ إذْ لا يَرْجُونَ مِنهُ ثَوابًا؛ وإنْ كانَ مِن ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ فَهو قَدْ عَدَّ نِعْمَةَ البَقاءِ أوْلى مِن نِعْمَةِ فَضْلِ الشَّهادَةِ لِشِدَّةِ الجُبْنِ، وهَذا مِن تَغْلِيبِ الدّاعِي الجِبِلِّيِّ عَلى الدّاعِي الشَّرْعِيِّ. والشَّهِيدُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: إمّا بِمَعْنى الحاضِرِ المُشاهِدِ لِلْقِتالِ، وإمّا تَهَكُّمٌ مِنهُ عَلى المُؤْمِنِينَ مِثْلَ قَوْلِهِ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٧]؛ وعَلى الوَجْهِ الثّانِي الشَّهِيدُ بِمَعْناهُ الشَّرْعِيُّ وهو القَتِيلُ في الجِهادِ. وأُكِّدَ قَوْلُهُ ﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ﴾، بِاللّامِ المُوَطِّئَةِ لِلْقَسَمِ وبِلامِ جَوابِ القَسَمِ وبِنُونِ التَّوْكِيدِ، تَنْبِيهًا عَلى غَرِيبِ حالَتِهِ حَتّى يُنَزَّلَ سامِعُها مَنزِلَةَ المُنْكِرِ لِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنهُ. والمُرادُ مِنَ الفَضْلِ الفَتْحُ والغَنِيمَةُ. وهَذا المُبَطِّئُ يَتَمَنّى أنْ لَوْ كانَ مَعَ الجَيْشِ لِيَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا، وهو الفَوْزُ صفحة ١٢٠ بِالغَنِيمَةِ والفَوْزُ بِأجْرِ الجِهادِ، حَيْثُ وقَعَتِ السَّلامَةُ والفَوْزُ بِرِضا الرَّسُولِ، ولِذَلِكَ أتْبَعَ ”أفُوزَ“ بِالمَصْدَرِ والوَصْفِ بِعَظِيمٍ. ووَجْهٌ غَرِيبٌ حالُهُ أنَّهُ أصْبَحَ مُتَلَهِّفًا عَلى ما فاتَهُ بِنَفْسِهِ، وأنَّهُ يَوَدُّ أنْ تَجْرِيَ المَقادِيرُ عَلى وفْقِ مُرادِهِ، فَإذا قَعَدَ عَنِ الخُرُوجِ لا يُصِيبُ المُسْلِمِينَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ. وجُمْلَةُ (﴿كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ فِعْلِ القَوْلِ ومَقُولِهِ. والمَوَدَّةُ الصُّحْبَةُ والمَحَبَّةُ؛ وإمّا أنْ يَكُونَ إطْلاقُ المَوَدَّةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ الصُّورِيَّةِ إنْ كانَ المُرادُ بِهِ المُنافِقَ، وإمّا أنْ تَكُونَ حَقِيقَةً إنْ أُرِيدَ ضَعَفَةُ المُؤْمِنِينَ. وشَبَّهَ حالَهم في حِينِ هَذا القَوْلِ بِحالِ مَن لَمْ تَسْبِقْ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُخاطَبِينَ مَوَدَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ أوْ صُورِيَّةٌ، فاقْتَضى التَّشْبِيهُ أنَّهُ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم مَوَدَّةٌ مِن قَبْلِ هَذا القَوْلِ. ووَجْهُ هَذا التَّشْبِيهِ أنَّهُ لَمّا تَمَنّى أنْ لَوْ كانَ مَعَهم وتَحَسَّرَ عَلى فَواتِ فَوْزِهِ لَوْ حَضَرَ مَعَهم، كانَ حالُهُ في تَفْرِيطِهِ رُفْقَتَهم يُشْبِهُ حالَ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ اتِّصالٌ بِهِمْ بِحَيْثُ لا يَشْهَدُ ما أزْمَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الخُرُوجِ لِلْجِهادِ، فَهَذا التَّشْبِيهُ مَسُوقٌ مَساقَ زِيادَةِ تَنْدِيمِهِ وتَحْسِيرِهِ، أيْ أنَّهُ الَّذِي أضاعَ عَلى نَفْسِهِ سَبَبَ الِانْتِفاعِ بِما حَصَلَ لِرُفْقَتِهِ مِنَ الخَيْرِ، أيْ أنَّهُ قَدْ كانَ لَهُ مِنَ الخِلْطَةِ مَعَ الغانِمِينَ ما شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا في خُرُوجِهِ مَعَهم، وانْتِفاعِهِ بِثَوابِ النَّصْرِ وفَخْرِهِ ونِعْمَةِ الغَنِيمَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لَمْ يَكُنْ) بِياءِ الغَيْبَةِ وهو طَرِيقَةٌ في إسْنادِ الفِعْلِ لِما لَفْظُهُ مُؤَنَّثٌ غَيْرُ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ، مِثْلَ لَفْظِ مَوَدَّةٍ هُنا، ولا سِيَّما إذا كانَ فَصْلٌ بَيْنَ الفِعْلِ وفاعِلِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلامَةِ المُضارِعِ المُسْنَدِ إلى المُؤَنَّثِ اعْتِبارًا بِتَأْنِيثِ لَفْظِ مَوَدَّةٍ.

النساء 4:74

صفحة ١٢١ ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ . الفاءُ: إمّا لِلتَّفْرِيعِ، تَفْرِيعُ الأمْرِ عَلى الآخَرِ، أيْ فُرِّعَ فَلْيُقاتِلْ عَلى ﴿خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا﴾ [النساء: ٧١]، أوْ هي فاءٌ فَصِيحَةٌ، أفْصَحَتْ عَمّا دَلَّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] وقَوْلِهِ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ اقْتَضى الأمْرَ بِأخْذِ الحِذْرِ، وهو مُهَيِّئٌ لِطَلَبِ القِتالِ والأمْرِ بِالنَّفِيرِ والإعْلامِ بِمَن حالُهم حالُ المُتَرَدِّدِ المُتَقاعِسِ، أيْ فَإذا عَلِمْتُمْ جَمِيعَ ذَلِكَ، فالَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ هُمُ ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ لا كُلُّ أحَدٍ. و”يَشْرُونَ“ مَعْناهُ يَبِيعُونَ، لِأنَّ شَرى مُقابِلُ اشْتَرى، مِثْلَ باعَ وابْتاعَ وأكْرى واكْتَرى، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. فالَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا هُمُ الَّذِينَ يَبْذُلُونَها ويَرْغَبُونَ في حَظِّ الآخِرَةِ، وإسْنادُ القِتالِ المَأْمُورِ بِهِ إلى أصْحابِ هَذِهِ الصِّلَةِ وهي: ﴿يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ لِلتَّنْوِيهِ بِفَضْلِ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ، . لِأنَّ في الصِّلَةِ إيماءٌ إلى عِلَّةِ الخَبَرِ، أيْ يَبْعَثُهم عَلى القِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ بَذْلُهم حَياتَهُمُ الدُّنْيا لِطَلَبِ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، وفَضِيحَةِ أمْرِ المُبَطِّئِينَ حَتّى يَرْتَدِعُوا عَنِ التَّخَلُّفِ، وحَتّى يَكْشِفَ المُنافِقُونَ عَنْ دَخِيلَتِهِمْ، فَكانَ صفحة ١٢٢ مَعْنى الكَلامِ: فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ المُؤْمِنُونَ حَقًّا فَإنَّهم يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، . ولا يَفْهَمُ أحَدٌ مِن قَوْلِهِ ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ بِالقِتالِ مُخْتَصٌّ بِفَرِيقٍ دُونَ آخَرَ. لِأنَّ بَذْلَ الحَياةِ في الحُصُولِ عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ شَيْءٌ غَيْرُ ظاهِرٍ حَتّى يُعَلَّقَ التَّكْلِيفُ بِهِ، وإنَّما هو ضَمائِرُ بَيْنَ العِبادِ ورَبِّهِمْ، فَتَعَيَّنَ أنَّ إسْنادَ الأمْرِ إلى أصْحابِ هَذِهِ الصِّلَةِ مَقْصُودٌ مِنهُ الثَّناءُ عَلى المُجاهِدِينَ، وتَحْقِيرُ المُبَطِّئِينَ، كَما يَقُولُ القائِلُ: ”لَيْسَ بِعُشِّكِ فادْرُجِي“ . فَهَذا تَفْسِيرُ الآيَةِ بِوَجْهٍ لا يَعْتَرِيهِ إشْكالٌ. ودَخَلَ في قَوْلِهِ ﴿أوْ يَغْلِبْ﴾ أصْنافُ الغَلَبَةِ عَلى العَدُوِّ بِقَتْلِهِمْ أوْ أسْرِهِمْ أوْ غُنْمِ أمْوالِهِمْ. وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى القَتْلِ والغَلَبَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ﴾ ولَمْ يَزِدْ أوْ يُؤْسَرْ إبايَةً مِن أنْ يَذْكُرَ لَهم حالَةً ذَمِيمَةً لا يَرْضاها اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهي حالَةُ الأسْرِ؛ فَسَكَتَ عَنْها لِئَلّا يَذْكُرَها في مَعْرِضِ التَّرْغِيبِ وإنْ كانَ لِلْمُسْلِمِ عَلَيْها أجْرٌ عَظِيمٌ أيْضًا إذا بَذَلَ جُهْدَهُ في الحَرْبِ فَغُلِبَ إذِ الحَرْبُ لا تَخْلُو مِن ذَلِكَ، ولَيْسَ بِمَأْمُورٍ أنْ يُلْقِيَ بِيَدِهِ إلى التَّهْلُكَةِ إذا عَلِمَ أنَّهُ لا يُجْدِي عَنْهُ الِاسْتِبْسالُ، فَإنَّ مِن مَنافِعِ الإسْلامِ اسْتِبْقاءَ رِجالِهِ لِدِفاعِ العَدُوِّ. والخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ﴾ التِفاتٌ مِن طَرِيقِ الغَيْبَةِ، وهو طَرِيقُ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ إلى طَرِيقِ المُخاطَبَةِ. ومَعْنى ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ﴾ ما يَمْنَعُكم مِنَ القِتالِ، وأصْلُ التَّرْكِيبِ: أيُّ شَيْءٍ حَقٌّ لَكم في حالِ كَوْنِكم لا تُقاتِلُونَ، فَجُمْلَةُ ﴿لا تُقاتِلُونَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ لِلدَّلالَةِ عَلى ما مِنهُ الِاسْتِفْهامُ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، أيْ لا شَيْءَ لَكم في حالِ لا تُقاتِلُونَ، والمُرادُ أنَّ الَّذِي هو لَكم هو أنْ تُقاتِلُوا، فَهو بِمَنزِلَةِ أمْرٍ، أيْ قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَصُدُّكم شَيْءٌ عَنِ القِتالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِنهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ومَعْنى ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِأجْلِ دِينِهِ ولِمَرْضاتِهِ، فَحَرْفُ (في) لِلتَّعْلِيلِ، ولِأجْلِ المُسْتَضْعَفِينَ، أيْ لِنَفْعِهِمْ ودَفْعِ المُشْرِكِينَ عَنْهم. والمُسْتَضْعَفُونَ الَّذِينَ يَعُدُّهُمُ النّاسُ ضُعَفاءَ فالسِّينُ والتّاءُ لِلْحُسْبانِ، وأرادَ بِهِمْ مَن بَقِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ مِنَ الرِّجالِ الَّذِينَ مَنَعَهُمُ المُشْرِكُونَ مِنَ الهِجْرَةِ بِمُقْتَضى الصُّلْحِ الَّذِي صفحة ١٢٣ انْعَقَدَ بَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ وبَيْنَ سَفِيرِ قُرَيْشٍ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو؛ إذْ كانَ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي انْعَقَدَ عَلَيْها الصُّلْحُ: أنَّ مَن جاءَ إلى مَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ مُرْتَدًّا عَنِ الإسْلامِ لا يُرَدُّ إلى المُسْلِمِينَ، ومَن جاءَ إلى المَدِينَةِ فارًّا مِن مَكَّةَ مُؤْمِنًا يُرَدُّ إلى مَكَّةَ. ومِنَ المُسْتَضْعَفِينَ الوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، وسَلَمَةُ بْنُ هِشامٍ، وعَيّاشُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ. وأمّا النِّساءُ فَهُنَّ ذَواتُ الأزْواجِ أوْ ولايى الأوْلِياءِ المُشْرِكِينَ اللّائِي يَمْنَعُهُنَّ أزْواجُهُنَّ وأوْلِياؤُهُنَّ مِنَ الهِجْرَةِ: مِثْلَ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وأُمِّ الفَضْلِ لُبابَةَ بِنْتِ الحارِثِ زَوْجِ العَبّاسِ، فَقَدْ كُنَّ يُؤْذَيْنَ ويُحَقَّرْنَ. وأمّا الوِلْدانُ فَهُمُ الصِّغارُ مِن أوْلادِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، فَإنَّهم كانُوا يَأْلَمُونَ مِن مُشاهَدَةِ تَعْذِيبِ آبائِهِمْ وذَوِيهِمْ وإيذاءِ أُمَّهاتِهِمْ وحاضِناتِهِمْ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ. والقِتالُ في سَبِيلِ هَؤُلاءِ ظاهِرٌ، لِإنْقاذِهِمْ مِن فِتْنَةِ المُشْرِكِينَ، وإنْقاذِ الوِلْدانِ مِن أنْ يَشِبُّوا عَلى أحْوالِ الكُفْرِ أوْ جَهْلِ الإيمانِ. و”القَرْيَةِ“ هي مَكَّةُ. وسَألُوا الخُرُوجَ مِنها لِما كَدَّرَ قُدْسَها مِن ظُلْمِ أهْلِها، أيْ ظُلْمِ الشِّرْكِ وظُلْمِ المُؤْمِنِينَ، فَكَراهِيَةُ المُقامِ بِها مِن جِهَةِ أنَّها صارَتْ يَوْمَئِذٍ دارَ شِرْكٍ ومُناواةٍ لِدِينِ الإسْلامِ وأهْلِهِ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ أحَلَّها اللَّهُ لِرَسُولِهِ أنْ يُقاتِلَ أهْلَها، وقَدْ قالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ يَفْتَخِرُ بِاقْتِحامِ خَيْلِ قَوْمِهِ في زُمْرَةِ المُسْلِمِينَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: شَهِدْنَ مَعَ النَّبِيءِ مُسَوَّماتٍ حُنَيْنًا وهي دامِيَةُ الحَوامِي ووَقْعَةَ خالِدٍ شَهِدَتْ وحَكَّتْ ∗∗∗ سَنابِكَها عَلى البَلَدِ الحَرامِ وقَدْ سَألُوا مِنَ اللَّهِ ولِيًّا ونَصِيرًا، إذْ لَمْ يَكُنْ لَهم يَوْمَئِذٍ ولِيٌّ ولا نَصِيرٌ فَنَصَرَهُمُ اللَّهُ بِنَبِيئِهِ والمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الفَتْحِ. وأشارَتِ الآيَةُ إلى أنَّ اللَّهَ اسْتَجابَ دَعْوَتَهم وهَيَّأ لَهُمُ النَّصْرَ بِيَدِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾، أيْ فَجَنَّدَ اللَّهُ لَهم عاقِبَةَ النَّصْرِ، ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ الأمْرَ بِقَوْلِهِ ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ . صفحة ١٢٤ والطّاغُوتُ: الأصْنامُ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] في هَذِهِ السُّورَةِ، وقَوْلِهِ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] . والمُرادُ بِكَيْدِ الشَّيْطانِ تَدْبِيرُهُ، وهو ما يَظْهَرُ عَلى أنْصارِهِ مِنَ الكَيْدِ لِلْمُسْلِمِينَ والتَّدْبِيرِ لِتَأْلِيبِ النّاسِ عَلَيْهِمْ. وأكَّدَ الجُمْلَةَ بِمُؤَكِّدَيْنِ ”إنَّ“ و”كانَ“ الزّائِدَةِ الدّالَّةِ عَلى تَقَرُّرِ وصْفِ الضَّعْفِ لِكَيْدِ الشَّيْطانِ.

النساء 4:75

صفحة ١٢١ ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ . الفاءُ: إمّا لِلتَّفْرِيعِ، تَفْرِيعُ الأمْرِ عَلى الآخَرِ، أيْ فُرِّعَ فَلْيُقاتِلْ عَلى ﴿خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا﴾ [النساء: ٧١]، أوْ هي فاءٌ فَصِيحَةٌ، أفْصَحَتْ عَمّا دَلَّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] وقَوْلِهِ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ اقْتَضى الأمْرَ بِأخْذِ الحِذْرِ، وهو مُهَيِّئٌ لِطَلَبِ القِتالِ والأمْرِ بِالنَّفِيرِ والإعْلامِ بِمَن حالُهم حالُ المُتَرَدِّدِ المُتَقاعِسِ، أيْ فَإذا عَلِمْتُمْ جَمِيعَ ذَلِكَ، فالَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ هُمُ ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ لا كُلُّ أحَدٍ. و”يَشْرُونَ“ مَعْناهُ يَبِيعُونَ، لِأنَّ شَرى مُقابِلُ اشْتَرى، مِثْلَ باعَ وابْتاعَ وأكْرى واكْتَرى، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. فالَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا هُمُ الَّذِينَ يَبْذُلُونَها ويَرْغَبُونَ في حَظِّ الآخِرَةِ، وإسْنادُ القِتالِ المَأْمُورِ بِهِ إلى أصْحابِ هَذِهِ الصِّلَةِ وهي: ﴿يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ لِلتَّنْوِيهِ بِفَضْلِ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ، . لِأنَّ في الصِّلَةِ إيماءٌ إلى عِلَّةِ الخَبَرِ، أيْ يَبْعَثُهم عَلى القِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ بَذْلُهم حَياتَهُمُ الدُّنْيا لِطَلَبِ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، وفَضِيحَةِ أمْرِ المُبَطِّئِينَ حَتّى يَرْتَدِعُوا عَنِ التَّخَلُّفِ، وحَتّى يَكْشِفَ المُنافِقُونَ عَنْ دَخِيلَتِهِمْ، فَكانَ صفحة ١٢٢ مَعْنى الكَلامِ: فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ المُؤْمِنُونَ حَقًّا فَإنَّهم يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، . ولا يَفْهَمُ أحَدٌ مِن قَوْلِهِ ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ بِالقِتالِ مُخْتَصٌّ بِفَرِيقٍ دُونَ آخَرَ. لِأنَّ بَذْلَ الحَياةِ في الحُصُولِ عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ شَيْءٌ غَيْرُ ظاهِرٍ حَتّى يُعَلَّقَ التَّكْلِيفُ بِهِ، وإنَّما هو ضَمائِرُ بَيْنَ العِبادِ ورَبِّهِمْ، فَتَعَيَّنَ أنَّ إسْنادَ الأمْرِ إلى أصْحابِ هَذِهِ الصِّلَةِ مَقْصُودٌ مِنهُ الثَّناءُ عَلى المُجاهِدِينَ، وتَحْقِيرُ المُبَطِّئِينَ، كَما يَقُولُ القائِلُ: ”لَيْسَ بِعُشِّكِ فادْرُجِي“ . فَهَذا تَفْسِيرُ الآيَةِ بِوَجْهٍ لا يَعْتَرِيهِ إشْكالٌ. ودَخَلَ في قَوْلِهِ ﴿أوْ يَغْلِبْ﴾ أصْنافُ الغَلَبَةِ عَلى العَدُوِّ بِقَتْلِهِمْ أوْ أسْرِهِمْ أوْ غُنْمِ أمْوالِهِمْ. وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى القَتْلِ والغَلَبَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ﴾ ولَمْ يَزِدْ أوْ يُؤْسَرْ إبايَةً مِن أنْ يَذْكُرَ لَهم حالَةً ذَمِيمَةً لا يَرْضاها اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهي حالَةُ الأسْرِ؛ فَسَكَتَ عَنْها لِئَلّا يَذْكُرَها في مَعْرِضِ التَّرْغِيبِ وإنْ كانَ لِلْمُسْلِمِ عَلَيْها أجْرٌ عَظِيمٌ أيْضًا إذا بَذَلَ جُهْدَهُ في الحَرْبِ فَغُلِبَ إذِ الحَرْبُ لا تَخْلُو مِن ذَلِكَ، ولَيْسَ بِمَأْمُورٍ أنْ يُلْقِيَ بِيَدِهِ إلى التَّهْلُكَةِ إذا عَلِمَ أنَّهُ لا يُجْدِي عَنْهُ الِاسْتِبْسالُ، فَإنَّ مِن مَنافِعِ الإسْلامِ اسْتِبْقاءَ رِجالِهِ لِدِفاعِ العَدُوِّ. والخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ﴾ التِفاتٌ مِن طَرِيقِ الغَيْبَةِ، وهو طَرِيقُ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ إلى طَرِيقِ المُخاطَبَةِ. ومَعْنى ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ﴾ ما يَمْنَعُكم مِنَ القِتالِ، وأصْلُ التَّرْكِيبِ: أيُّ شَيْءٍ حَقٌّ لَكم في حالِ كَوْنِكم لا تُقاتِلُونَ، فَجُمْلَةُ ﴿لا تُقاتِلُونَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ لِلدَّلالَةِ عَلى ما مِنهُ الِاسْتِفْهامُ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، أيْ لا شَيْءَ لَكم في حالِ لا تُقاتِلُونَ، والمُرادُ أنَّ الَّذِي هو لَكم هو أنْ تُقاتِلُوا، فَهو بِمَنزِلَةِ أمْرٍ، أيْ قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَصُدُّكم شَيْءٌ عَنِ القِتالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِنهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ومَعْنى ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِأجْلِ دِينِهِ ولِمَرْضاتِهِ، فَحَرْفُ (في) لِلتَّعْلِيلِ، ولِأجْلِ المُسْتَضْعَفِينَ، أيْ لِنَفْعِهِمْ ودَفْعِ المُشْرِكِينَ عَنْهم. والمُسْتَضْعَفُونَ الَّذِينَ يَعُدُّهُمُ النّاسُ ضُعَفاءَ فالسِّينُ والتّاءُ لِلْحُسْبانِ، وأرادَ بِهِمْ مَن بَقِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ مِنَ الرِّجالِ الَّذِينَ مَنَعَهُمُ المُشْرِكُونَ مِنَ الهِجْرَةِ بِمُقْتَضى الصُّلْحِ الَّذِي صفحة ١٢٣ انْعَقَدَ بَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ وبَيْنَ سَفِيرِ قُرَيْشٍ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو؛ إذْ كانَ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي انْعَقَدَ عَلَيْها الصُّلْحُ: أنَّ مَن جاءَ إلى مَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ مُرْتَدًّا عَنِ الإسْلامِ لا يُرَدُّ إلى المُسْلِمِينَ، ومَن جاءَ إلى المَدِينَةِ فارًّا مِن مَكَّةَ مُؤْمِنًا يُرَدُّ إلى مَكَّةَ. ومِنَ المُسْتَضْعَفِينَ الوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، وسَلَمَةُ بْنُ هِشامٍ، وعَيّاشُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ. وأمّا النِّساءُ فَهُنَّ ذَواتُ الأزْواجِ أوْ ولايى الأوْلِياءِ المُشْرِكِينَ اللّائِي يَمْنَعُهُنَّ أزْواجُهُنَّ وأوْلِياؤُهُنَّ مِنَ الهِجْرَةِ: مِثْلَ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وأُمِّ الفَضْلِ لُبابَةَ بِنْتِ الحارِثِ زَوْجِ العَبّاسِ، فَقَدْ كُنَّ يُؤْذَيْنَ ويُحَقَّرْنَ. وأمّا الوِلْدانُ فَهُمُ الصِّغارُ مِن أوْلادِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، فَإنَّهم كانُوا يَأْلَمُونَ مِن مُشاهَدَةِ تَعْذِيبِ آبائِهِمْ وذَوِيهِمْ وإيذاءِ أُمَّهاتِهِمْ وحاضِناتِهِمْ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ. والقِتالُ في سَبِيلِ هَؤُلاءِ ظاهِرٌ، لِإنْقاذِهِمْ مِن فِتْنَةِ المُشْرِكِينَ، وإنْقاذِ الوِلْدانِ مِن أنْ يَشِبُّوا عَلى أحْوالِ الكُفْرِ أوْ جَهْلِ الإيمانِ. و”القَرْيَةِ“ هي مَكَّةُ. وسَألُوا الخُرُوجَ مِنها لِما كَدَّرَ قُدْسَها مِن ظُلْمِ أهْلِها، أيْ ظُلْمِ الشِّرْكِ وظُلْمِ المُؤْمِنِينَ، فَكَراهِيَةُ المُقامِ بِها مِن جِهَةِ أنَّها صارَتْ يَوْمَئِذٍ دارَ شِرْكٍ ومُناواةٍ لِدِينِ الإسْلامِ وأهْلِهِ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ أحَلَّها اللَّهُ لِرَسُولِهِ أنْ يُقاتِلَ أهْلَها، وقَدْ قالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ يَفْتَخِرُ بِاقْتِحامِ خَيْلِ قَوْمِهِ في زُمْرَةِ المُسْلِمِينَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: شَهِدْنَ مَعَ النَّبِيءِ مُسَوَّماتٍ حُنَيْنًا وهي دامِيَةُ الحَوامِي ووَقْعَةَ خالِدٍ شَهِدَتْ وحَكَّتْ ∗∗∗ سَنابِكَها عَلى البَلَدِ الحَرامِ وقَدْ سَألُوا مِنَ اللَّهِ ولِيًّا ونَصِيرًا، إذْ لَمْ يَكُنْ لَهم يَوْمَئِذٍ ولِيٌّ ولا نَصِيرٌ فَنَصَرَهُمُ اللَّهُ بِنَبِيئِهِ والمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الفَتْحِ. وأشارَتِ الآيَةُ إلى أنَّ اللَّهَ اسْتَجابَ دَعْوَتَهم وهَيَّأ لَهُمُ النَّصْرَ بِيَدِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾، أيْ فَجَنَّدَ اللَّهُ لَهم عاقِبَةَ النَّصْرِ، ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ الأمْرَ بِقَوْلِهِ ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ . صفحة ١٢٤ والطّاغُوتُ: الأصْنامُ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] في هَذِهِ السُّورَةِ، وقَوْلِهِ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] . والمُرادُ بِكَيْدِ الشَّيْطانِ تَدْبِيرُهُ، وهو ما يَظْهَرُ عَلى أنْصارِهِ مِنَ الكَيْدِ لِلْمُسْلِمِينَ والتَّدْبِيرِ لِتَأْلِيبِ النّاسِ عَلَيْهِمْ. وأكَّدَ الجُمْلَةَ بِمُؤَكِّدَيْنِ ”إنَّ“ و”كانَ“ الزّائِدَةِ الدّالَّةِ عَلى تَقَرُّرِ وصْفِ الضَّعْفِ لِكَيْدِ الشَّيْطانِ.

النساء 4:76

صفحة ١٢١ ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ . الفاءُ: إمّا لِلتَّفْرِيعِ، تَفْرِيعُ الأمْرِ عَلى الآخَرِ، أيْ فُرِّعَ فَلْيُقاتِلْ عَلى ﴿خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا﴾ [النساء: ٧١]، أوْ هي فاءٌ فَصِيحَةٌ، أفْصَحَتْ عَمّا دَلَّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] وقَوْلِهِ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ اقْتَضى الأمْرَ بِأخْذِ الحِذْرِ، وهو مُهَيِّئٌ لِطَلَبِ القِتالِ والأمْرِ بِالنَّفِيرِ والإعْلامِ بِمَن حالُهم حالُ المُتَرَدِّدِ المُتَقاعِسِ، أيْ فَإذا عَلِمْتُمْ جَمِيعَ ذَلِكَ، فالَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ هُمُ ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ لا كُلُّ أحَدٍ. و”يَشْرُونَ“ مَعْناهُ يَبِيعُونَ، لِأنَّ شَرى مُقابِلُ اشْتَرى، مِثْلَ باعَ وابْتاعَ وأكْرى واكْتَرى، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. فالَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا هُمُ الَّذِينَ يَبْذُلُونَها ويَرْغَبُونَ في حَظِّ الآخِرَةِ، وإسْنادُ القِتالِ المَأْمُورِ بِهِ إلى أصْحابِ هَذِهِ الصِّلَةِ وهي: ﴿يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ لِلتَّنْوِيهِ بِفَضْلِ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ، . لِأنَّ في الصِّلَةِ إيماءٌ إلى عِلَّةِ الخَبَرِ، أيْ يَبْعَثُهم عَلى القِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ بَذْلُهم حَياتَهُمُ الدُّنْيا لِطَلَبِ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، وفَضِيحَةِ أمْرِ المُبَطِّئِينَ حَتّى يَرْتَدِعُوا عَنِ التَّخَلُّفِ، وحَتّى يَكْشِفَ المُنافِقُونَ عَنْ دَخِيلَتِهِمْ، فَكانَ صفحة ١٢٢ مَعْنى الكَلامِ: فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ المُؤْمِنُونَ حَقًّا فَإنَّهم يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، . ولا يَفْهَمُ أحَدٌ مِن قَوْلِهِ ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ بِالقِتالِ مُخْتَصٌّ بِفَرِيقٍ دُونَ آخَرَ. لِأنَّ بَذْلَ الحَياةِ في الحُصُولِ عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ شَيْءٌ غَيْرُ ظاهِرٍ حَتّى يُعَلَّقَ التَّكْلِيفُ بِهِ، وإنَّما هو ضَمائِرُ بَيْنَ العِبادِ ورَبِّهِمْ، فَتَعَيَّنَ أنَّ إسْنادَ الأمْرِ إلى أصْحابِ هَذِهِ الصِّلَةِ مَقْصُودٌ مِنهُ الثَّناءُ عَلى المُجاهِدِينَ، وتَحْقِيرُ المُبَطِّئِينَ، كَما يَقُولُ القائِلُ: ”لَيْسَ بِعُشِّكِ فادْرُجِي“ . فَهَذا تَفْسِيرُ الآيَةِ بِوَجْهٍ لا يَعْتَرِيهِ إشْكالٌ. ودَخَلَ في قَوْلِهِ ﴿أوْ يَغْلِبْ﴾ أصْنافُ الغَلَبَةِ عَلى العَدُوِّ بِقَتْلِهِمْ أوْ أسْرِهِمْ أوْ غُنْمِ أمْوالِهِمْ. وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى القَتْلِ والغَلَبَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ﴾ ولَمْ يَزِدْ أوْ يُؤْسَرْ إبايَةً مِن أنْ يَذْكُرَ لَهم حالَةً ذَمِيمَةً لا يَرْضاها اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهي حالَةُ الأسْرِ؛ فَسَكَتَ عَنْها لِئَلّا يَذْكُرَها في مَعْرِضِ التَّرْغِيبِ وإنْ كانَ لِلْمُسْلِمِ عَلَيْها أجْرٌ عَظِيمٌ أيْضًا إذا بَذَلَ جُهْدَهُ في الحَرْبِ فَغُلِبَ إذِ الحَرْبُ لا تَخْلُو مِن ذَلِكَ، ولَيْسَ بِمَأْمُورٍ أنْ يُلْقِيَ بِيَدِهِ إلى التَّهْلُكَةِ إذا عَلِمَ أنَّهُ لا يُجْدِي عَنْهُ الِاسْتِبْسالُ، فَإنَّ مِن مَنافِعِ الإسْلامِ اسْتِبْقاءَ رِجالِهِ لِدِفاعِ العَدُوِّ. والخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ﴾ التِفاتٌ مِن طَرِيقِ الغَيْبَةِ، وهو طَرِيقُ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ إلى طَرِيقِ المُخاطَبَةِ. ومَعْنى ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ﴾ ما يَمْنَعُكم مِنَ القِتالِ، وأصْلُ التَّرْكِيبِ: أيُّ شَيْءٍ حَقٌّ لَكم في حالِ كَوْنِكم لا تُقاتِلُونَ، فَجُمْلَةُ ﴿لا تُقاتِلُونَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ لِلدَّلالَةِ عَلى ما مِنهُ الِاسْتِفْهامُ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، أيْ لا شَيْءَ لَكم في حالِ لا تُقاتِلُونَ، والمُرادُ أنَّ الَّذِي هو لَكم هو أنْ تُقاتِلُوا، فَهو بِمَنزِلَةِ أمْرٍ، أيْ قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَصُدُّكم شَيْءٌ عَنِ القِتالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِنهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ومَعْنى ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِأجْلِ دِينِهِ ولِمَرْضاتِهِ، فَحَرْفُ (في) لِلتَّعْلِيلِ، ولِأجْلِ المُسْتَضْعَفِينَ، أيْ لِنَفْعِهِمْ ودَفْعِ المُشْرِكِينَ عَنْهم. والمُسْتَضْعَفُونَ الَّذِينَ يَعُدُّهُمُ النّاسُ ضُعَفاءَ فالسِّينُ والتّاءُ لِلْحُسْبانِ، وأرادَ بِهِمْ مَن بَقِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ مِنَ الرِّجالِ الَّذِينَ مَنَعَهُمُ المُشْرِكُونَ مِنَ الهِجْرَةِ بِمُقْتَضى الصُّلْحِ الَّذِي صفحة ١٢٣ انْعَقَدَ بَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ وبَيْنَ سَفِيرِ قُرَيْشٍ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو؛ إذْ كانَ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي انْعَقَدَ عَلَيْها الصُّلْحُ: أنَّ مَن جاءَ إلى مَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ مُرْتَدًّا عَنِ الإسْلامِ لا يُرَدُّ إلى المُسْلِمِينَ، ومَن جاءَ إلى المَدِينَةِ فارًّا مِن مَكَّةَ مُؤْمِنًا يُرَدُّ إلى مَكَّةَ. ومِنَ المُسْتَضْعَفِينَ الوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، وسَلَمَةُ بْنُ هِشامٍ، وعَيّاشُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ. وأمّا النِّساءُ فَهُنَّ ذَواتُ الأزْواجِ أوْ ولايى الأوْلِياءِ المُشْرِكِينَ اللّائِي يَمْنَعُهُنَّ أزْواجُهُنَّ وأوْلِياؤُهُنَّ مِنَ الهِجْرَةِ: مِثْلَ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وأُمِّ الفَضْلِ لُبابَةَ بِنْتِ الحارِثِ زَوْجِ العَبّاسِ، فَقَدْ كُنَّ يُؤْذَيْنَ ويُحَقَّرْنَ. وأمّا الوِلْدانُ فَهُمُ الصِّغارُ مِن أوْلادِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، فَإنَّهم كانُوا يَأْلَمُونَ مِن مُشاهَدَةِ تَعْذِيبِ آبائِهِمْ وذَوِيهِمْ وإيذاءِ أُمَّهاتِهِمْ وحاضِناتِهِمْ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ. والقِتالُ في سَبِيلِ هَؤُلاءِ ظاهِرٌ، لِإنْقاذِهِمْ مِن فِتْنَةِ المُشْرِكِينَ، وإنْقاذِ الوِلْدانِ مِن أنْ يَشِبُّوا عَلى أحْوالِ الكُفْرِ أوْ جَهْلِ الإيمانِ. و”القَرْيَةِ“ هي مَكَّةُ. وسَألُوا الخُرُوجَ مِنها لِما كَدَّرَ قُدْسَها مِن ظُلْمِ أهْلِها، أيْ ظُلْمِ الشِّرْكِ وظُلْمِ المُؤْمِنِينَ، فَكَراهِيَةُ المُقامِ بِها مِن جِهَةِ أنَّها صارَتْ يَوْمَئِذٍ دارَ شِرْكٍ ومُناواةٍ لِدِينِ الإسْلامِ وأهْلِهِ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ أحَلَّها اللَّهُ لِرَسُولِهِ أنْ يُقاتِلَ أهْلَها، وقَدْ قالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ يَفْتَخِرُ بِاقْتِحامِ خَيْلِ قَوْمِهِ في زُمْرَةِ المُسْلِمِينَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: شَهِدْنَ مَعَ النَّبِيءِ مُسَوَّماتٍ حُنَيْنًا وهي دامِيَةُ الحَوامِي ووَقْعَةَ خالِدٍ شَهِدَتْ وحَكَّتْ ∗∗∗ سَنابِكَها عَلى البَلَدِ الحَرامِ وقَدْ سَألُوا مِنَ اللَّهِ ولِيًّا ونَصِيرًا، إذْ لَمْ يَكُنْ لَهم يَوْمَئِذٍ ولِيٌّ ولا نَصِيرٌ فَنَصَرَهُمُ اللَّهُ بِنَبِيئِهِ والمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الفَتْحِ. وأشارَتِ الآيَةُ إلى أنَّ اللَّهَ اسْتَجابَ دَعْوَتَهم وهَيَّأ لَهُمُ النَّصْرَ بِيَدِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾، أيْ فَجَنَّدَ اللَّهُ لَهم عاقِبَةَ النَّصْرِ، ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ الأمْرَ بِقَوْلِهِ ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ . صفحة ١٢٤ والطّاغُوتُ: الأصْنامُ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] في هَذِهِ السُّورَةِ، وقَوْلِهِ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] . والمُرادُ بِكَيْدِ الشَّيْطانِ تَدْبِيرُهُ، وهو ما يَظْهَرُ عَلى أنْصارِهِ مِنَ الكَيْدِ لِلْمُسْلِمِينَ والتَّدْبِيرِ لِتَأْلِيبِ النّاسِ عَلَيْهِمْ. وأكَّدَ الجُمْلَةَ بِمُؤَكِّدَيْنِ ”إنَّ“ و”كانَ“ الزّائِدَةِ الدّالَّةِ عَلى تَقَرُّرِ وصْفِ الضَّعْفِ لِكَيْدِ الشَّيْطانِ.

النساء 4:77

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] . تَهَيَّأ المَقامُ لِلتَّذْكِيرِ بِحالِ فَرِيقٍ مِنَ المُسْلِمِينَ اخْتَلَفَ أوَّلُ حالِهِ وآخِرُهُ، فاسْتَطْرَدَ هُنا التَّعْجِيبُ مِن شَأْنِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِراضِ في أثْناءِ الحَثِّ عَلى الجِهادِ، وهَؤُلاءِ فَرِيقٌ يَوَدُّونَ أنْ يُؤْذَنَ لَهم بِالقِتالِ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ في إبّانِهِ جَبُنُوا. وقَدْ عُلِمَ مَعْنى حِرْصِهِمْ عَلى القِتالِ قَبْلَ أنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِ ﴿قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾، لِأنَّ كَفَّ اليَدِ مُرادٌ مِنهُ تَرْكُ القِتالَ، كَما قالَ ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهم بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤] . والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٥] والجُمَلِ الَّتِي بَعْدَها وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٤] الآيَةَ اقْتَضَتِ اعْتِراضَها مُناسَبَةُ العِبْرَةِ بِحالِ هَذا صفحة ١٢٥ الفَرِيقِ وتَقَلُّبِها، فالَّذِينَ قِيلَ لَهم ذَلِكَ هم جَمِيعُ المُسْلِمِينَ، وسَبَبُ القَوْلِ لَهم هو سُؤالُ فَرِيقٍ مِنهم، ومَحَلُّ التَّعْجِيبِ إنَّما هو حالُ ذَلِكَ الفَرِيقِ مِنَ المُسْلِمِينَ. ومَعْنى ﴿كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ أنَّهُ كُتِبَ عَلَيْكم في عُمُومِ المُسْلِمِينَ القادِرِينَ. وقَدْ دَلَّتْ إذا الفُجائِيَّةُ عَلى أنَّ هَذا الفَرِيقَ لَمْ يَكُنْ تُتَرَقَّبُ مِنهم هَذِهِ الحالَةُ، لِأنَّهم كانُوا يَظْهَرُونَ مِنَ الحَرِيصِينَ عَلى القِتالِ. قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هاتِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا لَقُوا بِمَكَّةَ مِنَ المُشْرِكِينَ أذًى شَدِيدًا، فَقالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ يا رَسُولَ اللَّهِ كُنّا في عِزٍّ ونَحْنُ مُشْرِكُونَ فَلَمّا آمَنّا صِرْنا أذِلَّةً واسْتَأْذَنُوهُ في قِتالِ المُشْرِكِينَ، فَقالَ لَهم «إنِّي أُمِرْتُ بِالعَفْوِ فَكُفُّوا أيْدِيَكم، وأقِيمُوا الصَّلاةَ، وآتُوا الزَّكاةَ» فَلَمّا هاجَرَ النَّبِيءُ ﷺ إلى المَدِينَةِ، وفُرِضَ الجِهادُ جَبُنَ فَرِيقٌ مِن جُمْلَةِ الَّذِينَ اسْتَأْذَنُوهُ في القِتالِ، فَفِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ. والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ مِن هَؤُلاءِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وسَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ، والمِقْدادَ بْنَ الأسْوَدِ، وقُدامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ، وأصْحابَهم، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ مَسُوقٌ مَساقَ التَّوْبِيخِ لَهم حَيْثُ رَغِبُوا تَأْخِيرَ العَمَلِ بِأمْرِ اللَّهِ بِالجِهادِ لِخَوْفِهِمْ مِن بَأْسِ المُشْرِكِينَ، فالتَّشْبِيهُ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ المُبالَغَةِ لِأنَّ حَمْلَ هَذا الكَلامِ عَلى ظاهِرِ الإخْبارِ لا يُلائِمُ حالَهم مِن فَضِيلَةِ الإيمانِ والهِجْرَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: ﴿الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ قَوْمٌ أسْلَمُوا قَبْلَ أنْ يُفْرَضَ القِتالُ وسَألُوا أنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمُ القِتالُ فَلَمّا فُرِضَ القِتالُ ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ﴾ . واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المَعْنِيِّ بِالفَرِيقِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ﴾ فَقِيلَ: هم فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ اسْتَأْذَنُوا في مَكَّةَ في أنْ يُقاتِلُوا المُشْرِكِينَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والكَلْبِيِّ، وهو ظاهِرُ الآيَةِ. ولَعَلَّ الَّذِي حَوَّلَ عَزْمَهم أنَّهم صارُوا في أمْنٍ وسَلامَةٍ مِنَ الإذْلالِ والأذى، فَزالَ عَنْهُمُ الِاضْطِرارُ لِلدِّفاعِ عَنْ أنْفُسِهِمْ. وحَكى القُرْطُبِيُّ: أنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا الفَرِيقَ هُمُ المُنافِقُونَ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ نَظْمِ الآيَةِ بِأنَّ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ اسْتَأْذَنُوا في قَتْلِ المُشْرِكِينَ وهم في مَكَّةَ أنَّهم لَمّا هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ كَرَّرُوا الرَّغْبَةَ في قِتالِ المُشْرِكِينَ، وأعادَ النَّبِيءُ ﷺ تَهْدِئَتَهم زَمانًا، وأنَّ المُنافِقِينَ تَظاهَرُوا بِالرَّغْبَةِ في ذَلِكَ تَمْوِيهًا لِلنِّفاقِ، فَلَمّا كُتِبَ القِتالُ عَلى المُسْلِمِينَ جَبُنَ المُنافِقُونَ، صفحة ١٢٦ وهَذا هو المُلائِمُ لِلْإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ. وتَأْوِيلُ وصْفِهِمْ بِقَوْلِهِ ”مِنهم“: أيْ مِنَ الَّذِينَ قِيلَ لَهم: كُفُّوا أيْدِيَكم، وهَذا عَلى غُمُوضِهِ هو الَّذِي يَنْسَجِمُ مَعَ أُسْلُوبِ بَقِيَّةِ الكَلامِ في قَوْلِهِ ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] وما بَعْدَهُ، كَما سَيَأْتِي، أمّا عَلى قَوْلِ السُّدِّيِّ فَلا حاجَةَ إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ. فالِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ﴾ لِلتَّعْجِيبِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُهُ. والمُتَعَجَّبُ مِنهم لَيْسُوا هم جَمِيعُ الَّذِينَ قِيلَ لَهم في مَكَّةَ: كُفُّوا أيْدِيَكم، بَلْ فَرِيقٌ آخَرُ مِن صِفَتِهِمْ أنَّهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ. وإنَّما عُلِّقَ التَّعْجِيبُ بِجَمِيعِ الَّذِينَ قِيلَ لَهم بِاعْتِبارِ أنَّ فَرِيقًا مِنهم حالُهم كَما وُصِفَ، فالتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ إلى فَرِيقٍ مِنَ الَّذِينَ قِيلَ لَهم: كُفُّوا أيْدِيَكم. والقَوْلُ في تَرْكِيبِ قَوْلِهِ ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهم ﴿رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ﴾ إنَّما هو قَوْلُهم في نُفُوسِهِمْ عَلى مَعْنى عَدَمِ الِاهْتِداءِ لِحِكْمَةِ تَعْلِيلِ الأمْرِ بِالقِتالِ وظَنِّهِمْ أنَّ ذَلِكَ بَلْوى. والأجَلُ القَرِيبُ مُدَّةٌ مُتَأخِّرَةٌ رَيْثَما يَتِمُّ اسْتِعْدادُهم، مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ﴾ [المنافقون: ١٠] . وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الأجَلِ العُمْرُ، بِمَعْنى لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أنْ تَنْقَضِيَ آجالَنا دُونَ قِتالٍ، فَيَصِيرُ تَمَنِّيًا لِانْتِفاءِ فَرْضِ القِتالِ، وهَذا بَعِيدٌ لِعَدَمِ مُلاءَمَتِهِ لِسِياقِ الكَلامِ، إذْ لَيْسَ المَوْتُ في القِتالِ غَيْرَ المَوْتِ بِالأجَلِ، ولِعَدَمِ مُلاءَمَتِهِ لِوَصْفِهِ بِقَرِيبٍ، لِأنَّ أجَلَ المَرْءِ لا يُعْرَفُ أقَرِيبٌ هو أمْ بَعِيدٌ إلّا إذا أُرِيدَ تَقْلِيلُ الحَياةِ كُلِّها. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فالقِتالُ المُشارُ إلَيْهِ هُنا هو أوَّلُ قِتالٍ أُمِرُوا بِهِ، والآيَةُ ذَكَّرَتْهم بِذَلِكَ في وقْتِ نُزُولِها حِينَ التَّهَيُّؤِ لِلْأمْرِ بِفَتْحِ مَكَّةَ. وقالَ السُّدِّيُّ: أُرِيدَ بِالفَرِيقِ بَعْضٌ مِن قَبائِلِ العَرَبِ دَخَلُوا في الإسْلامِ حَدِيثًا قَبْلَ أنْ يَكُونَ القِتالُ مِن فَرائِضِهِ وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ أنْ يُقاتِلُوا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ جَبُنُوا لِضَعْفِ إيمانِهِمْ، ويَكُونُ القِتالُ الَّذِي خافُوهُ هو غَزْوُ مَكَّةَ، وذَلِكَ أنَّهم خَشُوا بَأْسَ المُشْرِكِينَ. وقَوْلُهم ﴿رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا في نُفُوسِهِمْ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ قَوْلٌ بِأفْواهِهِمْ، ويَبْدُو هو المُتَعَيِّنُ إذا كانَ المُرادُ بِالفَرِيقِ فَرِيقَ المُنافِقِينَ؛ فَهم يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ﴾ بِألْسِنَتِهِمْ عَلَنًا لِيُوقِعُوا الوَهْنَ في قُلُوبِ المُسْتَعِدِّينَ لَهُ صفحة ١٢٧ وهم لا يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْهِمُ القِتالَ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وعَلَيْهِ تَكُونُ الآيَةُ مِثالًا ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ أوْجَبَ عَلَيْهِمُ القِتالَ، تَحْذِيرًا لَهم في الوُقُوعِ في مِثْلِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ (﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيءٍ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٦]) الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، وهي عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ المَرْوِيَّةِ بَصَرِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ، وعَلى بَعْضِها بَصَرِيَّةٌ تَنْزِيلِيَّةٌ، لِلْمُبالَغَةِ في اشْتِهارِ ذَلِكَ. وانْتَصَبَ ”خَشْيَةً“ عَلى التَّمْيِيزِ لِنِسْبَةِ ”أشَدَّ“ . كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠] وقَدْ مَرَّ ما فِيهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والجَوابُ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ سَواءٌ كانَ قَوْلُهم لِسانِيًّا وهو بَيِّنٌ، أمْ كانَ نَفْسِيًّا، لِيَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ أطْلَعَ رَسُولَهُ عَلى ما تُضْمِرُهُ نُفُوسُهم، أيْ أنَّ التَّأْخِيرَ لا يُفِيدُ والتَّعَلُّقَ بِالتَّأْخِيرِ لِاسْتِبْقاءِ الحَياةِ لا يُوازِي حَظَّ الآخِرَةِ، وبِذَلِكَ يَبْطُلُ ما أرادُوا مِنَ الفِتْنَةِ بِقَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ . ومَوْقِعُ قَوْلِهِ ﴿ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ مَوْقِعُ زِيادَةِ التَّوْبِيخِ الَّذِي اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾، أيْ ولا تُنْقَصُونَ شَيْئًا مِن أعْمارِكُمُ المَكْتُوبَةِ، فَلا وجْهَ لِلْخَوْفِ وطَلَبِ تَأْخِيرِ فَرْضِ القِتالِ؛ وعَلى تَفْسِيرِ الأجَلِ في ﴿لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ بِأجَلِ العُمْرِ، وهو الوَجْهُ المُسْتَبْعَدُ، يَكُونُ مَعْنى ﴿ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ تَغْلِيطَهم في اعْتِقادِهِمْ أنَّ القَتْلَ يُعَجِّلُ الأجَلَ، فَيَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَقِيدَةً لِلْمُؤْمِنِينَ إنْ كانُوا هُمُ المُخاطَبِينَ قَبْلَ رُسُوخِ تَفاصِيلِ عَقائِدِ الإسْلامِ فِيهِمْ، أوْ أنَّ ذَلِكَ عَقِيدَةَ المُنافِقِينَ إنْ كانُوا هُمُ المُخاطَبِينَ. وقِيلَ مَعْنى نَفْيِ الظُّلْمِ هُنا أنَّهم لا يُظْلَمُونَ بِنَقْصِ ثَوابِ جِهادِهِمْ، فَيَكُونُ مَوْقِعُهُ مَوْقِعَ التَّشْجِيعِ لِإزالَةِ الخَوْفِ، ويَكُونُ نَصْبُهُ عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ. وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّهم لا يُظْلَمُونَ بِنَقْصِ أقَلِّ زَمَنٍ مِن آجالِهِمْ. ويَجِيءُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ أنْ يُجْعَلَ ”تُظْلَمُونَ“ بِمَعْنى تُنْقَصُونَ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] أيْ كِلْتا الجَنَّتَيْنِ مِن أُكُلِها، ويَكُونُ فَتِيلًا مَفْعُولًا بِهِ، أيْ لا تُنْقَصُونَ مِن أعْمارِكم ساعَةً، فَلا مُوجِبَ لِلْجُبْنِ. صفحة ١٢٨ وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ولا تُظْلَمُونَ“ بِتاءِ الخِطابِ عَلى أنَّهُ أمَرَ الرَّسُولَ أنْ يَقُولَهُ لَهم. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وخَلَفٌ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى أنْ يَكُونَ مِمّا أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ لِيُبَلِّغَهُ إلَيْهِمْ. والفَتِيلُ تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٤٩] . وجُمْلَةُ ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨] يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن تَمامِ القَوْلِ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ . وإنَّما لَمْ تُعْطَفْ عَلى جُمْلَةِ ﴿مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ لِاخْتِلافِ الغَرَضَيْنِ، لِأنَّ جُمْلَةَ ﴿مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها تَغْلِيطٌ لَهم في طَلَبِ التَّأْخِيرِ إلى أجَلٍ قَرِيبٍ، وجُمْلَةُ ﴿أيْنَما تَكُونُوا﴾ [النساء: ٧٨] إلَخْ مَسُوقَةٌ لِإشْعارِهِمْ بِأنَّ الجُبْنَ هو الَّذِي حَمَلَهم عَلى طَلَبِ التَّأْخِيرِ إلى أمَدٍ قَرِيبٍ، لِأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّ مَواقِعَ القِتالِ تُدْنِي المَوْتَ مِنَ النّاسِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ قَدْ تَمَّ، وأنَّ جُمْلَةَ ﴿أيْنَما تَكُونُوا﴾ [النساء: ٧٨] تَوَجُّهٌ إلَيْهِمْ بِالخِطابِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ تَوَجُّهٌ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ بِالخِطابِ، فَتَكُونُ عَلى كِلا الأمْرَيْنِ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ أجْزاءِ الكَلامِ. و”أيْنَما“ شَرْطٌ يَسْتَغْرِقُ الأمْكِنَةَ ولَوْ في قَوْلِهِ ﴿ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ﴾ [النساء: ٧٨] وصْلِيَّةٌ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ مَعْناها واسْتِعْمالِها عِنْدَ قَوْلِهِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] . والبُرُوجُ جَمْعُ بُرْجٍ، وهو البِناءُ القَوِيُّ والحِصْنُ. والمُشَيَّدَةُ: المَبْنِيَّةُ بِالشِّيدِ، وهو الجِصُّ، وتُطْلَقُ عَلى المَرْفُوعَةِ العالِيَةِ، لِأنَّهم إذا أطالُوا البِناءَ بَنَوْهُ بِالجِصِّ، فالوَصْفُ بِهِ مُرادٌ بِهِ المَعْنى الكِنائِيُّ. وقَدْ يُطْلَقُ البُرُوجُ عَلى مَنازِلِ كَواكِبِ السَّماءِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] وقَوْلِهِ ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: ١] . وعَنْ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: البُرُوجُ هُنا بُرُوجُ الكَواكِبِ، أيْ ولَوْ بَلَغْتُمُ السَّماءَ. وعَلَيْهِ يَكُونُ وصْفُ ”مُشَيَّدَةٍ“ مَجازًا في الِارْتِفاعِ، وهو بَعِيدٌ.

النساء 4:78

صفحة ١٢٩ ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ . يَتَعَيَّنُ عَلى المُخْتارِ مِمّا رُوِيَ في تَعْيِينِ الفَرِيقِ الَّذِينَ ذُكِرُوا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧] مِن أنَّهم فَرِيقٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ عائِدًا إلى المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهم مَعْلُومُونَ مِنَ المَقامِ، ولِسَبْقِ ذِكْرِهِمْ في قَوْلِهِ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] وتَكُونُ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، فَإنَّ ما حُكِيَ في هَذِهِ الآيَةِ لا يَلِيقُ إلّا بِالمُنافِقِينَ. ويَكُونُ الغَرَضُ انْتَقَلَ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلى القِتالِ إلى وصْفِ الَّذِينَ لا يَسْتَجِيبُونَ إلى القِتالِ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِما يُبَلِّغُهُمُ النَّبِيءُ ﷺ مِن وعْدِ اللَّهِ بِنَصْرِ المُؤْمِنِينَ. وأمّا عَلى رِوايَةِ السُّدِّيِّ فَيُحْتَمَلُ أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ دَخَلُوا في الإسْلامِ حَدِيثًا مِن قَبائِلِ العَرَبِ كانُوا عَلى شَفا الشَّكِّ فَإذا حَلَّ بِهِمْ سُوءٌ أوْ بُؤْسٌ تَطَيَّرُوا بِالإسْلامِ فَقالُوا: هَذِهِ الحالَةُ السُّوأى مِن شُؤْمِ الإسْلامِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ بَعْضَ الأعْرابِ كانَ إذا أسْلَمَ وهاجَرَ إلى المَدِينَةِ فَنَمَتْ أنْعامُهُ ورَفُهَتْ حالُهُ حَمِدَ الإسْلامَ، وإذا أصابَهُ مَرَضٌ أوْ مَوَتانٌ في أنْعامِهِ تَطَيَّرَ بِالإسْلامِ فارْتَدَّ عَنْهُ، ومِنهُ حَدِيثُ الأعْرابِيِّ الَّذِي أصابَتْهُ الحُمّى في المَدِينَةِ فاسْتَقالَ مِنَ النَّبِيءِ بَيْعَتَهُ وقالَ النَّبِيءُ ﷺ في شَأْنِهِ «المَدِينَةُ كالكِيرِ تَنْفِي خَبَثَها ويَنْصَعُ طِيبُها» . والقَوْلُ المُرادُ في قَوْلِهِ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ هو قَوْلٌ نَفْسِيٌّ، لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَجْتَرِئُونَ عَلى أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ عَلَنًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهم يُظْهِرُونَ الإيمانَ بِهِ. أوْ هو قَوْلٌ يَقُولُونَهُ بَيْنَ إخْوانِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ، صفحة ١٣٠ يَقُولُونَ: هَذِهِ مِن عِنْدِ مُحَمَّدٍ، فَيَكُونُ الإتْيانُ بِكافِ الخِطابِ مِن قَبِيلِ حِكايَةِ كَلامِهِمْ بِحاصِلِ مَعْناهُ عَلى حَسَبِ مَقامِ الحاكِي والمَحْكِيِّ لَهُ، وهو وجْهٌ مَطْرُوقٌ في حِكايَةِ كَلامِ الغائِبِ عَنِ المُخاطَبِ إذا حَكى كَلامَهُ لِذَلِكَ المُخاطَبِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ عِيسى ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] . والمَأْمُورُ بِهِ هو: أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبَّكَ ورَبَّهم. ووَرَدَ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ هُمُ اليَهُودُ، فالضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ السّابِقِ، لِأنَّ المَعْنِيَّ بِهِ مَعْرُوفُونَ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ. وقَدِيمًا قِيلَ لِأسْلافِهِمْ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] . والمُرادُ بِالحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ هُنا ما تَعارَفَهُ العَرَبُ مِن قِبَلِ اصْطِلاحِ الشَّرِيعَةِ أعْنِي الكائِنَةِ المُلائِمَةِ والكائِنَةِ المُنافِرَةِ، كَقَوْلِهِ ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] . وقَوْلُهُ ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]، وتَعَلُّقُ فِعْلِ الإصابَةِ بِهِما دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ، أمّا الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ بِالِاصْطِلاحِ الشَّرْعِيِّ، أعْنِي الفِعْلَ المُثابَ عَلَيْهِ والفِعْلَ المُعاقَبَ عَلَيْهِ، فَلا مَحْمَلَ لَهُما هُنا إذْ لا يَكُونانِ إصابَتَيْنِ، ولا تُعْرَفُ إصابَتُهُما لِأنَّهُما اعْتِبارانِ شَرْعِيّانِ. قِيلَ: كانَ اليَهُودُ يَقُولُونَ: لَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ المَدِينَةَ قَلَّتِ الثِّمارُ، وغَلَتِ الأسْعارُ. فَجَعَلُوا كَوْنَ الرَّسُولِ بِالمَدِينَةِ هو المُؤَثِّرُ في حُدُوثِ السَّيِّئاتِ، وأنَّهُ لَوْلاهُ لَكانَتِ الحَوادِثُ كُلُّها جارِيَةً عَلى ما يُلائِمُهم. ولِذَلِكَ جِيءَ في حِكايَةِ كَلامِهِمْ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهم أرادُوا هَذا المَعْنى، وهو كَلِمَةُ ”عِنْدَ“ في المَوْضِعَيْنِ: ﴿هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ﴿هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾، إذِ العِنْدِيَّةُ هُنا عِنْدِيَّةُ التَّأْثِيرِ التّامِّ بِدَلِيلِ التَّسْوِيَةِ في التَّعْبِيرِ، فَإذا كانَ ما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ مَعْناهُ مِن تَقْدِيرِهِ وتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ، فَكَذَلِكَ مُساوِيهِ وهو ما جاءَ مِن عِنْدِ الرَّسُولِ. وفِي البُخارِيِّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] كانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ المَدِينَةَ فَإنْ ولَدَتِ امْرَأتُهُ غُلامًا ونُتِجَتْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينٌ صالِحٌ، وإنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأتُهُ ولَمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينُ سُوءٍ»، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ فِعْلَ ذَلِكَ مِن مُهاجِرَةِ العَرَبِ: يَقُولُونَهُ إذا أرادُوا الِارْتِدادَ وهم أهْلُ جَفاءٍ وغِلْظَةٍ، فَلَعَلَّ فِيهِمْ مَن شافَهَ الرَّسُولَ بِمِثْلِ قَوْلِهِمْ ﴿هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ . ومَعْنى ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ في اعْتِقادِهِمْ أنَّهُ الَّذِي ساقَها إلَيْهِمْ وأتْحَفَهم بِها لِما هو مُعْتادُهُ مِنَ الإكْرامِ لَهم، وخاصَّةً إذا كانَ قائِلُ ذَلِكَ اليَهُودَ. ومَعْنى ”﴿مِن عِنْدِكَ﴾“ أيْ مِن شُؤْمِ قُدُومِكَ، لِأنَّ اللَّهَ لا يُعامِلُهم إلّا بِالكَرامَةِ، ولَكِنَّهُ صارَ يَتَخَوَّلَهم بِالإساءَةِ لِقَصْدِ أذى المُسْلِمِينَ فَتَلْحَقُ الإساءَةُ اليَهُودَ مِن جَرّاءِ المُسْلِمِينَ عَلى حَدِّ ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً﴾ [الأنفال: ٢٥] الآيَةَ. صفحة ١٣١ وقَدْ عَلَّمَهُ اللَّهُ أنْ يُجِيبَ بِأنَّ كُلًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ، لِأنَّهُ لا مَعْنى لَكَوْنِ شَيْءٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلّا أنَّهُ الَّذِي قَدَّرَ ذَلِكَ وهَيَّأ أسْبابَهُ، إذْ لا يَدْفَعُهم إلى الحَسَناتِ مُباشَرَةً. وإنْ كانَ كَذَلِكَ فَكَما أنَّ الحَسَنَةَ مِن عِنْدِهِ، فَكَذَلِكَ السَّيِّئَةُ بِهَذا المَعْنى بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمّا أرادَهُ بِالإحْسانِ والإساءَةِ، والتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما مِن هَذِهِ الجِهَةِ لا تَصْدُرُ إلّا عَنْ عَقْلٍ غَيْرِ مُنْضَبِطِ التَّفْكِيرِ، لِأنَّهم جَعَلُوا الحَوادِثَ مِنَ اللَّهِ وبَعْضَها مِن غَيْرِ اللَّهِ فَلِذَلِكَ قالَ ﴿فَما لِهَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أيْ يَكادُونَ أنْ لا يَفْقَهُوا حَدِيثًا، أيْ أنْ لا يَفْقَهُوا كَلامَ مَن يُكَلِّمُهم. وهَذا مَدْلُولُ فِعْلِ (كادَ) إذا وقَعَ في سِياقِ النَّفْيِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] . والإصابَةُ: حُصُولُ حالٍ أوْ ذاتٍ في ذاتٍ، يُقالُ: أصابَهُ مَرَضٌ، وأصابَتْهُ نِعْمَةٌ، وأصابَهُ سَهْمٌ، وهي، مُشْتَقَّةٌ مِنَ اسْمِ الصَّوْبِ الَّذِي هو المَطَرُ، ولِذَلِكَ كانَ ما يَتَصَرَّفُ مِنَ الإصابَةِ مُشْعِرًا بِحُصُولٍ مُفاجِئٍ أوْ قاهِرٍ. وبَعْدَ أنْ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِما يُجِيبُ بِهِ هَؤُلاءِ الضّالِّينَ عَلَّمَهُ حَقِيقَةَ التَّفْصِيلِ في إصابَةِ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ مِن جِهَةِ تَمَحُّضِ النِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى أوِ اخْتِلاطِها بِالِانْتِسابِ إلى العَبْدِ، فَقالَ ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ . ووُجِّهَ الخِطابُ لِلرَّسُولِ لِأنَّهُ المُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ، ولِأنَّ هَذا الجَوابَ لِإبْطالِ ما نَسَبَهُ الضّالُّونَ إلَيْهِ مِن كَوْنِهِ مَصْدَرَ السَّيِّئاتِ الَّتِي تُصِيبُهم. واعْلَمْ أنَّ لِلْحَوادِثِ كُلِّها مُؤَثِّرًا، وسَبَبًا مُقارِنًا، وأدِلَّةً تُنْبِئُ عَنْها وعَنْ عَواقِبِها، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أشْياءَ لا تَخْلُو عَنْها الحَوادِثُ كُلُّها، سَواءٌ كانَتْ غَيْرَ اخْتِيارِيَّةٍ، أمِ اخْتِيارِيَّةً كَأفْعالِ العِبادِ. فاللَّهُ قَدَّرَ المَنافِعَ والمَضارَّ بِعِلْمِهِ وقَدَرِهِ وخَلَقَ مُؤَثِّراتِها وأسْبابَها، فَهَذا الجُزْءُ لِلَّهِ وحْدَهُ لِقَوْلِهِ ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ . واللَّهُ أقامَ بِالألْطافِ المَوْجُوداتِ، فَأوْجَدَها ويَسَّرَ لَها أسْبابَ البَقاءِ والِانْتِفاعِ بِما أوْدَعَ فِيها مِنَ العُقُولِ والإلْهاماتِ، وحَفَّها كُلَّها في سائِرِ أحْوالِها بِألْطافٍ كَثِيرَةٍ، لَوْلاها لَما بَقِيَتِ الأنْواعُ، وساقَ إلَيْها أُصُولَ المُلاءَمَةِ، ودَفَعَ عَنْها أسْبابَ الآلامِ في الغالِبِ، فاللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ. فَهَذا الجُزْءُ لِلَّهِ وحْدَهُ لِقَوْلِهِ ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ . صفحة ١٣٢ واللَّهُ نَصَبَ الأدِلَّةَ لِلنّاسِ عَلى المَنافِعِ والمَضارِّ الَّتِي تُكْتَسَبُ بِمُخْتَلِفِ الأدِلَّةِ الضَّرُورِيَّةِ، والعَقْلِيَّةِ، والعادِيَّةِ، والشَّرْعِيَّةِ، وعَلَّمَ طَرائِقَ الوُصُولِ إلَيْها، وطَرائِقَ الحَيْدَةِ عَنْها، وأرْشَدَ إلى مَوانِعِ التَّأْثِيرِ لِمَن شاءَ أنْ يُمانِعَها، وبَعَثَ الرُّسُلَ وشَرَعَ الشَّرائِعَ فَعَلَّمَنا بِذَلِكَ كُلِّهِ أحْوالَ الأشْياءِ ومَنافِعَها ومَضارَّها، وعَواقِبَ ذَلِكَ الظّاهِرَةَ والخَفِيَّةَ، في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَأكْمَلَ المِنَّةَ، وأقامَ الحُجَّةَ، وقَطَعَ المَعْذِرَةَ، فَهَدى بِذَلِكَ وحَذَّرَ إذْ خَلَقَ العُقُولَ ووَسائِلَ المَعارِفِ، ونَمّاها بِالتَّفْكِيراتِ والإلْهاماتِ، وخَلَقَ البَواعِثَ عَلى التَّعْلِيمِ والتَّعَلُّمِ، فَهَذا الجُزْءُ أيْضًا لِلَّهِ وحْدَهُ. وأمّا الأسْبابُ المُقارِنَةُ لِلْحَوادِثِ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ والجانِيَةِ لِجَناها حِينَ تُصِيبُ الإنْسانَ مِنَ الِاهْتِداءِ إلى وسائِلِ مُصادَفَةِ المَنافِعِ، والجَهْلِ بِتِلْكَ الوَسائِلِ، والإغْضاءِ عَنْ مَوانِعَ الوُقُوعِ فِيها في الخَيْرِ والشَّرِّ، فَذَلِكَ بِمِقْدارِ ما يُحَصِّلُهُ الإنْسانُ مِن وسائِلِ الرَّشادِ، وبِاخْتِيارِهِ الصّالِحَ لِاجْتِناءِ الخَيْرِ، ومِقْدارِ ضِدِّ ذَلِكَ: مِن غَلَبَةِ الجَهْلِ، أوْ غَلَبَةِ الهَوى، ومِنَ الِارْتِماءِ في المَهالِكِ بِدُونِ تَبَصُّرٍ. وذَلِكَ جُزْءٌ صَغِيرٌ في جانِبِ الأجْزاءِ الَّتِي قَدَّمْناها، وهَذا الجُزْءُ جَعَلَ اللَّهُ لِلْإنْسانِ حَظًّا فِيهِ، مَلَّكَهُ إيّاهُ، فَإذا جاءَتِ الحَسَنَةُ أحَدًا فَإنَّ مَجِيئَها إيّاهُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لا مَحالَةَ مِمّا لا صَنْعَةَ لِلْعَبْدِ فِيهِ، أوْ بِما أرْشَدَ اللَّهُ بِهِ العَبْدَ حَتّى عَلِمَ طَرِيقَ اجْتِناءِ الحَسَنَةِ، أيِ الشَّيْءِ المُلائِمِ، وخَلَقَ لَهُ اسْتِعْدادَهُ لِاخْتِيارِ الصّالِحِ فِيما لَهُ فِيهِ اخْتِيارٌ مِنَ الأفْعالِ النّافِعَةِ حَسْبَما أرْشَدَهُ اللَّهُ تَعالى، فَكانَتِ المِنَّةُ فِيها لِلَّهِ وحْدَهُ، إذْ لَوْلا لُطْفُهُ وإرْشادُهُ وهَدْيُهُ، لَكانَ الإنْسانُ في حَيْرَةٍ، فَصَحَّ أنَّ الحَسَنَةَ مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ أعْظَمَ الأسْبابِ أوْ كُلَّها مِنهُ. أمّا السَّيِّئَةُ فَإنَّها وإنْ كانَتْ تَأْتِي بِتَأْثِيرِ اللَّهِ تَعالى، ولَكِنَّ إصابَةَ مُعْظَمِها الإنْسانَ يَأْتِي مِن جَهْلِهِ، أوْ تَفْرِيطِهِ، أوْ سُوءِ نَظَرِهِ في العَواقِبِ، أوْ تَغْلِيبِ هَواهُ عَلى رُشْدِهِ، وهُنالِكَ سَيِّئاتُ الإنْسانِ مِن غَيْرِ تَسَبُّبِهِ مِثْلَ ما أصابَ الأُمَمَ مِن خَسْفٍ وأوْبِئَةٍ، وذَلِكَ نادِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِأكْثَرِ السَّيِّئاتِ، عَلى أنَّ بَعْضًا مِنهُ كانَ جَزاءً عَلى سُوءِ فِعْلٍ، فَلا جَرَمَ كانَ الحَظُّ الأعْظَمُ في إصابَةِ السَّيِّئَةِ الإنْسانَ لِتَسَبُّبِهِ مُباشَرَةً أوْ بِواسِطَةٍ، فَصَحَّ أنْ يُسْنِدَ تَسَبُّبَها إلَيْهِ، لِأنَّ الجُزْءَ الَّذِي هو لِلَّهِ وحْدَهُ مِنها هو الأقَلُّ. وقَدْ فَسَّرَ هَذا المَعْنى ما ورَدَ في الصَّحِيحِ، فَفي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ «لا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَما فَوْقَها أوْ ما دُونَها إلّا بِذَنْبٍ وما يَعْفُو اللَّهُ أكْثَرُ» . صفحة ١٣٣ وشَمَلَتِ الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ ما كانَ مِنَ الأعْيانِ، كالمَطَرِ والصَّواعِقِ، والثَّمَرَةِ والجَرادِ، وما كانَ مِنَ الأعْراضِ كالصِّحَّةِ، وهُبُوبِ الصَّبا، والرِّبْحِ في التِّجارَةِ. وأضْدادِها كالمَرَضِ، والسَّمُومِ المُهْلِكَةِ، والخَسارَةِ. وفِي هَذا النَّوْعِ كانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ويَلْحَقُ بِذَلِكَ ما هو مِن أفْعالِ العِبادِ كالطّاعاتِ النّافِعَةِ لِلطّائِعِ وغَيْرِهِ، والمَعاصِي الضّارَّةِ بِهِ وبِالنّاسِ، وفي هَذا الأمْرِ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ [سبإ: ٥٠] وهو عَلى نَحْوِ هَذِهِ الآيَةِ وإنْ لَمْ تَكُنْ نازِلَةً فِيهِ. ولِكَوْنِ هَذِهِ القَضِيَّةِ دَقِيقَةَ الفَهْمِ نَبَّهَ اللَّهُ عَلى قِلَّةِ فَهْمِهِمْ لِلْمَعانِي الخَفِيَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ . فَقَوْلُهُ ﴿لا يَكادُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جارِيًا عَلى نَظائِرِهِ مِنَ اعْتِبارِ القَلْبِ، أيْ يَكادُونَ لا يَفْقَهُونَ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] فَيَكُونُ فِيهِ اسْتِبْقاءٌ عَلَيْهِمْ في المَذَمَّةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى أصْلِ وضْعِ التَّرْكِيبِ، أيْ لا يُقارِبُونَ فَهْمَ الحَدِيثِ الَّذِي لا يَعْقِلُهُ إلّا الفُطَناءُ، فَيَكُونُ أشَدَّ في المَذَمَّةِ. والفِقْهُ فَهْمُ ما يَحْتاجُ إلى إعْمالِ فِكْرٍ. قالَ الرّاغِبُ: هو التَّوَصُّلُ إلى عِلْمٍ غائِبٍ بِعِلْمٍ شاهِدٍ، وهو أخَصُّ مِنَ العِلْمِ. وعَرَّفَهُ غَيْرُهُ بِأنَّهُ إدْراكُ الأشْياءِ الخَفِيَّةِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿ما أصابَكَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ، وهَذا هو الألْيَقُ بِتَناسُقِ الضَّمائِرِ، ثُمَّ يُسَلَّمُ أنَّ غَيْرَهُ مِثْلُهُ في ذَلِكَ. وقَدْ شاعَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ الشَّيْخِ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ لِقَوْلِهِ ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾، كَما شاعَ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِها عَلى أنَّ اللَّهَ لا يَخْلُقُ المَعْصِيَةَ والشَّرَّ لِقَوْلِهِ ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ . وقالَ أبُو الحَسَنِ شَبِيبُ بْنُ حَيْدَرَةَ المالِكِيُّ في كِتابِ حَزِّ الغَلاصِمِ: إنَّ الِاحْتِجاجَ بِها في كِلا الأمْرَيْنِ جَهْلٌ لِابْتِنائِهِ عَلى تَوَهُّمِ أنَّ الحَسَنَةَ والسَّيِّئَةَ هي الطّاعَةُ والمَعْصِيَةُ، ولَيْسَتا كَذَلِكَ. وأنا أقُولُ: إنَّ أهْلَ السُّنَّةِ ما اسْتَدَلُّوا بِها إلّا قَوْلًا بِمُوجَبِ اسْتِدْلالِ المُعْتَزِلَةِ بِها عَلى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ اكْتِسابِ الخَيْرِ والشَّرِّ عَلى أنَّ عُمُومَ مَعْنى الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ كَما بَيَّنْتُهُ صفحة ١٣٤ آنِفًا يَجْعَلُ الآيَةَ صالِحَةً لِلِاسْتِدْلالِ، وهو اسْتِدْلالٌ تَقْرِيبِيٌّ لِأنَّ أُصُولَ الدِّينِ لا يُسْتَدَلُّ فِيها بِالظَّواهِرِ كالعُمُومِ. وجِيءَ في حِكايَةِ قَوْلِهِمْ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ بِكَلِمَةٍ ”عِنْدَ“ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ نِسْبَةِ الحَسَنَةِ إلى اللَّهِ ونِسْبَةِ السَّيِّئَةِ لِلنَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أيْ قالُوا ما يُفِيدُ جَزْمَهم بِذَلِكَ الِانْتِسابِ. ولَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَهم قالَ ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ مُشاكَلَةً لِقَوْلِهِمْ، وإعْرابًا عَنِ التَّقْدِيرِ الأزَلِيِّ عِنْدَ اللَّهِ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ فَلَمْ يُؤْتَ فِيهِ بِكَلِمَةِ: ”عِنْدَ“ إيماءً إلى أنَّ ابْتِداءَ مَجِيءِ الحَسَنَةِ مِنَ اللَّهِ، ومَجِيءِ السَّيِّئَةِ مِن نَفْسِ المُخاطَبِ ابْتِداءُ المُتَسَبِّبِ لِسَبَبِ الفِعْلِ، ولَيْسَ ابْتِداءَ المُؤَثِّرِ في الأثَرِ. وقَوْلُهُ ﴿وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ لِلرَّدِّ عَلى قَوْلِهِمْ: السَّيِّئَةُ مِن عِنْدِ مُحَمَّدٍ، أيْ أنَّكَ بُعِثْتَ مُبَلِّغًا شَرِيعَةً وهادِيًا، ولَسْتَ مُؤَثِّرًا في الحَوادِثِ، ولا تَدُلُّ مُقارَنَةُ الحَوادِثِ المُؤْلِمَةِ عَلى عَدَمِ صِدْقِ الرِّسالَةِ. فَمَعْنى أرْسَلْناكَ بَعَثْناكَ كَقَوْلِهِ ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ﴾ [الحجر: ٢٢] ونَحْوِهِ. و”لِلنّاسِ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أرْسَلْناكَ“ وقَوْلُهُ ”رَسُولًا“ حالٌ مِن ”أرْسَلْناكَ“، والمُرادُ بِالرَّسُولِ هُنا مَعْناهُ الشَّرْعِيُّ المَعْرُوفُ عِنْدَ أهْلِ الأدْيانِ: وهو النَّبِيءُ المُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَهو لَفْظٌ لَقَبِيٌّ دالٌّ عَلى هَذا المَعْنى، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ اسْمَ المَفْعُولِ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ ولِهَذا حَسُنَ مَجِيئُهُ حالًا مُقَيِّدَةً لِـ ”أرْسَلْناكَ“، لِاخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ، أيْ بَعَثْناكَ مُبَلِّغًا لا مُؤَثِّرًا في الحَوادِثِ، ولا أمارَةً عَلى وُقُوعِ الحَوادِثِ السَّيِّئَةِ. وبِهَذا يَزُولُ إشْكالُ مَجِيءِ هَذِهِ الحالِ غَيْرَ مُفِيدَةٍ إلّا التَّأْكِيدَ، حَتّى احْتاجُوا إلى جَعْلِ المَجْرُورِ مُتَعَلِّقًا بِـ ”رَسُولًا“، وأنَّهُ قُدِّمَ عَلَيْهِ دَلالَةً عَلى الحَصْرِ بِاعْتِبارِ العُمُومِ المُسْتَفادِ مِنَ التَّعْرِيفِ، كَما في الكَشّافِ، أيْ لِجَمِيعِ النّاسِ لا لِبَعْضِهِمْ، وهو تَكَلُّفٌ لا داعِيَ إلَيْهِ، ولَيْسَ المَقامُ مَقامُ هَذا الحَصْرِ.

النساء 4:79

صفحة ١٢٩ ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ . يَتَعَيَّنُ عَلى المُخْتارِ مِمّا رُوِيَ في تَعْيِينِ الفَرِيقِ الَّذِينَ ذُكِرُوا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧] مِن أنَّهم فَرِيقٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ عائِدًا إلى المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهم مَعْلُومُونَ مِنَ المَقامِ، ولِسَبْقِ ذِكْرِهِمْ في قَوْلِهِ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] وتَكُونُ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، فَإنَّ ما حُكِيَ في هَذِهِ الآيَةِ لا يَلِيقُ إلّا بِالمُنافِقِينَ. ويَكُونُ الغَرَضُ انْتَقَلَ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلى القِتالِ إلى وصْفِ الَّذِينَ لا يَسْتَجِيبُونَ إلى القِتالِ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِما يُبَلِّغُهُمُ النَّبِيءُ ﷺ مِن وعْدِ اللَّهِ بِنَصْرِ المُؤْمِنِينَ. وأمّا عَلى رِوايَةِ السُّدِّيِّ فَيُحْتَمَلُ أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ دَخَلُوا في الإسْلامِ حَدِيثًا مِن قَبائِلِ العَرَبِ كانُوا عَلى شَفا الشَّكِّ فَإذا حَلَّ بِهِمْ سُوءٌ أوْ بُؤْسٌ تَطَيَّرُوا بِالإسْلامِ فَقالُوا: هَذِهِ الحالَةُ السُّوأى مِن شُؤْمِ الإسْلامِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ بَعْضَ الأعْرابِ كانَ إذا أسْلَمَ وهاجَرَ إلى المَدِينَةِ فَنَمَتْ أنْعامُهُ ورَفُهَتْ حالُهُ حَمِدَ الإسْلامَ، وإذا أصابَهُ مَرَضٌ أوْ مَوَتانٌ في أنْعامِهِ تَطَيَّرَ بِالإسْلامِ فارْتَدَّ عَنْهُ، ومِنهُ حَدِيثُ الأعْرابِيِّ الَّذِي أصابَتْهُ الحُمّى في المَدِينَةِ فاسْتَقالَ مِنَ النَّبِيءِ بَيْعَتَهُ وقالَ النَّبِيءُ ﷺ في شَأْنِهِ «المَدِينَةُ كالكِيرِ تَنْفِي خَبَثَها ويَنْصَعُ طِيبُها» . والقَوْلُ المُرادُ في قَوْلِهِ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ هو قَوْلٌ نَفْسِيٌّ، لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَجْتَرِئُونَ عَلى أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ عَلَنًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهم يُظْهِرُونَ الإيمانَ بِهِ. أوْ هو قَوْلٌ يَقُولُونَهُ بَيْنَ إخْوانِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ، صفحة ١٣٠ يَقُولُونَ: هَذِهِ مِن عِنْدِ مُحَمَّدٍ، فَيَكُونُ الإتْيانُ بِكافِ الخِطابِ مِن قَبِيلِ حِكايَةِ كَلامِهِمْ بِحاصِلِ مَعْناهُ عَلى حَسَبِ مَقامِ الحاكِي والمَحْكِيِّ لَهُ، وهو وجْهٌ مَطْرُوقٌ في حِكايَةِ كَلامِ الغائِبِ عَنِ المُخاطَبِ إذا حَكى كَلامَهُ لِذَلِكَ المُخاطَبِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ عِيسى ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] . والمَأْمُورُ بِهِ هو: أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبَّكَ ورَبَّهم. ووَرَدَ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ هُمُ اليَهُودُ، فالضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ السّابِقِ، لِأنَّ المَعْنِيَّ بِهِ مَعْرُوفُونَ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ. وقَدِيمًا قِيلَ لِأسْلافِهِمْ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] . والمُرادُ بِالحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ هُنا ما تَعارَفَهُ العَرَبُ مِن قِبَلِ اصْطِلاحِ الشَّرِيعَةِ أعْنِي الكائِنَةِ المُلائِمَةِ والكائِنَةِ المُنافِرَةِ، كَقَوْلِهِ ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] . وقَوْلُهُ ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]، وتَعَلُّقُ فِعْلِ الإصابَةِ بِهِما دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ، أمّا الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ بِالِاصْطِلاحِ الشَّرْعِيِّ، أعْنِي الفِعْلَ المُثابَ عَلَيْهِ والفِعْلَ المُعاقَبَ عَلَيْهِ، فَلا مَحْمَلَ لَهُما هُنا إذْ لا يَكُونانِ إصابَتَيْنِ، ولا تُعْرَفُ إصابَتُهُما لِأنَّهُما اعْتِبارانِ شَرْعِيّانِ. قِيلَ: كانَ اليَهُودُ يَقُولُونَ: لَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ المَدِينَةَ قَلَّتِ الثِّمارُ، وغَلَتِ الأسْعارُ. فَجَعَلُوا كَوْنَ الرَّسُولِ بِالمَدِينَةِ هو المُؤَثِّرُ في حُدُوثِ السَّيِّئاتِ، وأنَّهُ لَوْلاهُ لَكانَتِ الحَوادِثُ كُلُّها جارِيَةً عَلى ما يُلائِمُهم. ولِذَلِكَ جِيءَ في حِكايَةِ كَلامِهِمْ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهم أرادُوا هَذا المَعْنى، وهو كَلِمَةُ ”عِنْدَ“ في المَوْضِعَيْنِ: ﴿هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ﴿هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾، إذِ العِنْدِيَّةُ هُنا عِنْدِيَّةُ التَّأْثِيرِ التّامِّ بِدَلِيلِ التَّسْوِيَةِ في التَّعْبِيرِ، فَإذا كانَ ما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ مَعْناهُ مِن تَقْدِيرِهِ وتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ، فَكَذَلِكَ مُساوِيهِ وهو ما جاءَ مِن عِنْدِ الرَّسُولِ. وفِي البُخارِيِّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] كانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ المَدِينَةَ فَإنْ ولَدَتِ امْرَأتُهُ غُلامًا ونُتِجَتْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينٌ صالِحٌ، وإنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأتُهُ ولَمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينُ سُوءٍ»، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ فِعْلَ ذَلِكَ مِن مُهاجِرَةِ العَرَبِ: يَقُولُونَهُ إذا أرادُوا الِارْتِدادَ وهم أهْلُ جَفاءٍ وغِلْظَةٍ، فَلَعَلَّ فِيهِمْ مَن شافَهَ الرَّسُولَ بِمِثْلِ قَوْلِهِمْ ﴿هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ . ومَعْنى ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ في اعْتِقادِهِمْ أنَّهُ الَّذِي ساقَها إلَيْهِمْ وأتْحَفَهم بِها لِما هو مُعْتادُهُ مِنَ الإكْرامِ لَهم، وخاصَّةً إذا كانَ قائِلُ ذَلِكَ اليَهُودَ. ومَعْنى ”﴿مِن عِنْدِكَ﴾“ أيْ مِن شُؤْمِ قُدُومِكَ، لِأنَّ اللَّهَ لا يُعامِلُهم إلّا بِالكَرامَةِ، ولَكِنَّهُ صارَ يَتَخَوَّلَهم بِالإساءَةِ لِقَصْدِ أذى المُسْلِمِينَ فَتَلْحَقُ الإساءَةُ اليَهُودَ مِن جَرّاءِ المُسْلِمِينَ عَلى حَدِّ ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً﴾ [الأنفال: ٢٥] الآيَةَ. صفحة ١٣١ وقَدْ عَلَّمَهُ اللَّهُ أنْ يُجِيبَ بِأنَّ كُلًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ، لِأنَّهُ لا مَعْنى لَكَوْنِ شَيْءٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلّا أنَّهُ الَّذِي قَدَّرَ ذَلِكَ وهَيَّأ أسْبابَهُ، إذْ لا يَدْفَعُهم إلى الحَسَناتِ مُباشَرَةً. وإنْ كانَ كَذَلِكَ فَكَما أنَّ الحَسَنَةَ مِن عِنْدِهِ، فَكَذَلِكَ السَّيِّئَةُ بِهَذا المَعْنى بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمّا أرادَهُ بِالإحْسانِ والإساءَةِ، والتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما مِن هَذِهِ الجِهَةِ لا تَصْدُرُ إلّا عَنْ عَقْلٍ غَيْرِ مُنْضَبِطِ التَّفْكِيرِ، لِأنَّهم جَعَلُوا الحَوادِثَ مِنَ اللَّهِ وبَعْضَها مِن غَيْرِ اللَّهِ فَلِذَلِكَ قالَ ﴿فَما لِهَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أيْ يَكادُونَ أنْ لا يَفْقَهُوا حَدِيثًا، أيْ أنْ لا يَفْقَهُوا كَلامَ مَن يُكَلِّمُهم. وهَذا مَدْلُولُ فِعْلِ (كادَ) إذا وقَعَ في سِياقِ النَّفْيِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] . والإصابَةُ: حُصُولُ حالٍ أوْ ذاتٍ في ذاتٍ، يُقالُ: أصابَهُ مَرَضٌ، وأصابَتْهُ نِعْمَةٌ، وأصابَهُ سَهْمٌ، وهي، مُشْتَقَّةٌ مِنَ اسْمِ الصَّوْبِ الَّذِي هو المَطَرُ، ولِذَلِكَ كانَ ما يَتَصَرَّفُ مِنَ الإصابَةِ مُشْعِرًا بِحُصُولٍ مُفاجِئٍ أوْ قاهِرٍ. وبَعْدَ أنْ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِما يُجِيبُ بِهِ هَؤُلاءِ الضّالِّينَ عَلَّمَهُ حَقِيقَةَ التَّفْصِيلِ في إصابَةِ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ مِن جِهَةِ تَمَحُّضِ النِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى أوِ اخْتِلاطِها بِالِانْتِسابِ إلى العَبْدِ، فَقالَ ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ . ووُجِّهَ الخِطابُ لِلرَّسُولِ لِأنَّهُ المُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ، ولِأنَّ هَذا الجَوابَ لِإبْطالِ ما نَسَبَهُ الضّالُّونَ إلَيْهِ مِن كَوْنِهِ مَصْدَرَ السَّيِّئاتِ الَّتِي تُصِيبُهم. واعْلَمْ أنَّ لِلْحَوادِثِ كُلِّها مُؤَثِّرًا، وسَبَبًا مُقارِنًا، وأدِلَّةً تُنْبِئُ عَنْها وعَنْ عَواقِبِها، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أشْياءَ لا تَخْلُو عَنْها الحَوادِثُ كُلُّها، سَواءٌ كانَتْ غَيْرَ اخْتِيارِيَّةٍ، أمِ اخْتِيارِيَّةً كَأفْعالِ العِبادِ. فاللَّهُ قَدَّرَ المَنافِعَ والمَضارَّ بِعِلْمِهِ وقَدَرِهِ وخَلَقَ مُؤَثِّراتِها وأسْبابَها، فَهَذا الجُزْءُ لِلَّهِ وحْدَهُ لِقَوْلِهِ ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ . واللَّهُ أقامَ بِالألْطافِ المَوْجُوداتِ، فَأوْجَدَها ويَسَّرَ لَها أسْبابَ البَقاءِ والِانْتِفاعِ بِما أوْدَعَ فِيها مِنَ العُقُولِ والإلْهاماتِ، وحَفَّها كُلَّها في سائِرِ أحْوالِها بِألْطافٍ كَثِيرَةٍ، لَوْلاها لَما بَقِيَتِ الأنْواعُ، وساقَ إلَيْها أُصُولَ المُلاءَمَةِ، ودَفَعَ عَنْها أسْبابَ الآلامِ في الغالِبِ، فاللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ. فَهَذا الجُزْءُ لِلَّهِ وحْدَهُ لِقَوْلِهِ ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ . صفحة ١٣٢ واللَّهُ نَصَبَ الأدِلَّةَ لِلنّاسِ عَلى المَنافِعِ والمَضارِّ الَّتِي تُكْتَسَبُ بِمُخْتَلِفِ الأدِلَّةِ الضَّرُورِيَّةِ، والعَقْلِيَّةِ، والعادِيَّةِ، والشَّرْعِيَّةِ، وعَلَّمَ طَرائِقَ الوُصُولِ إلَيْها، وطَرائِقَ الحَيْدَةِ عَنْها، وأرْشَدَ إلى مَوانِعِ التَّأْثِيرِ لِمَن شاءَ أنْ يُمانِعَها، وبَعَثَ الرُّسُلَ وشَرَعَ الشَّرائِعَ فَعَلَّمَنا بِذَلِكَ كُلِّهِ أحْوالَ الأشْياءِ ومَنافِعَها ومَضارَّها، وعَواقِبَ ذَلِكَ الظّاهِرَةَ والخَفِيَّةَ، في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَأكْمَلَ المِنَّةَ، وأقامَ الحُجَّةَ، وقَطَعَ المَعْذِرَةَ، فَهَدى بِذَلِكَ وحَذَّرَ إذْ خَلَقَ العُقُولَ ووَسائِلَ المَعارِفِ، ونَمّاها بِالتَّفْكِيراتِ والإلْهاماتِ، وخَلَقَ البَواعِثَ عَلى التَّعْلِيمِ والتَّعَلُّمِ، فَهَذا الجُزْءُ أيْضًا لِلَّهِ وحْدَهُ. وأمّا الأسْبابُ المُقارِنَةُ لِلْحَوادِثِ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ والجانِيَةِ لِجَناها حِينَ تُصِيبُ الإنْسانَ مِنَ الِاهْتِداءِ إلى وسائِلِ مُصادَفَةِ المَنافِعِ، والجَهْلِ بِتِلْكَ الوَسائِلِ، والإغْضاءِ عَنْ مَوانِعَ الوُقُوعِ فِيها في الخَيْرِ والشَّرِّ، فَذَلِكَ بِمِقْدارِ ما يُحَصِّلُهُ الإنْسانُ مِن وسائِلِ الرَّشادِ، وبِاخْتِيارِهِ الصّالِحَ لِاجْتِناءِ الخَيْرِ، ومِقْدارِ ضِدِّ ذَلِكَ: مِن غَلَبَةِ الجَهْلِ، أوْ غَلَبَةِ الهَوى، ومِنَ الِارْتِماءِ في المَهالِكِ بِدُونِ تَبَصُّرٍ. وذَلِكَ جُزْءٌ صَغِيرٌ في جانِبِ الأجْزاءِ الَّتِي قَدَّمْناها، وهَذا الجُزْءُ جَعَلَ اللَّهُ لِلْإنْسانِ حَظًّا فِيهِ، مَلَّكَهُ إيّاهُ، فَإذا جاءَتِ الحَسَنَةُ أحَدًا فَإنَّ مَجِيئَها إيّاهُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لا مَحالَةَ مِمّا لا صَنْعَةَ لِلْعَبْدِ فِيهِ، أوْ بِما أرْشَدَ اللَّهُ بِهِ العَبْدَ حَتّى عَلِمَ طَرِيقَ اجْتِناءِ الحَسَنَةِ، أيِ الشَّيْءِ المُلائِمِ، وخَلَقَ لَهُ اسْتِعْدادَهُ لِاخْتِيارِ الصّالِحِ فِيما لَهُ فِيهِ اخْتِيارٌ مِنَ الأفْعالِ النّافِعَةِ حَسْبَما أرْشَدَهُ اللَّهُ تَعالى، فَكانَتِ المِنَّةُ فِيها لِلَّهِ وحْدَهُ، إذْ لَوْلا لُطْفُهُ وإرْشادُهُ وهَدْيُهُ، لَكانَ الإنْسانُ في حَيْرَةٍ، فَصَحَّ أنَّ الحَسَنَةَ مِنَ اللَّهِ، لِأنَّ أعْظَمَ الأسْبابِ أوْ كُلَّها مِنهُ. أمّا السَّيِّئَةُ فَإنَّها وإنْ كانَتْ تَأْتِي بِتَأْثِيرِ اللَّهِ تَعالى، ولَكِنَّ إصابَةَ مُعْظَمِها الإنْسانَ يَأْتِي مِن جَهْلِهِ، أوْ تَفْرِيطِهِ، أوْ سُوءِ نَظَرِهِ في العَواقِبِ، أوْ تَغْلِيبِ هَواهُ عَلى رُشْدِهِ، وهُنالِكَ سَيِّئاتُ الإنْسانِ مِن غَيْرِ تَسَبُّبِهِ مِثْلَ ما أصابَ الأُمَمَ مِن خَسْفٍ وأوْبِئَةٍ، وذَلِكَ نادِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِأكْثَرِ السَّيِّئاتِ، عَلى أنَّ بَعْضًا مِنهُ كانَ جَزاءً عَلى سُوءِ فِعْلٍ، فَلا جَرَمَ كانَ الحَظُّ الأعْظَمُ في إصابَةِ السَّيِّئَةِ الإنْسانَ لِتَسَبُّبِهِ مُباشَرَةً أوْ بِواسِطَةٍ، فَصَحَّ أنْ يُسْنِدَ تَسَبُّبَها إلَيْهِ، لِأنَّ الجُزْءَ الَّذِي هو لِلَّهِ وحْدَهُ مِنها هو الأقَلُّ. وقَدْ فَسَّرَ هَذا المَعْنى ما ورَدَ في الصَّحِيحِ، فَفي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ «لا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَما فَوْقَها أوْ ما دُونَها إلّا بِذَنْبٍ وما يَعْفُو اللَّهُ أكْثَرُ» . صفحة ١٣٣ وشَمَلَتِ الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ ما كانَ مِنَ الأعْيانِ، كالمَطَرِ والصَّواعِقِ، والثَّمَرَةِ والجَرادِ، وما كانَ مِنَ الأعْراضِ كالصِّحَّةِ، وهُبُوبِ الصَّبا، والرِّبْحِ في التِّجارَةِ. وأضْدادِها كالمَرَضِ، والسَّمُومِ المُهْلِكَةِ، والخَسارَةِ. وفِي هَذا النَّوْعِ كانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ويَلْحَقُ بِذَلِكَ ما هو مِن أفْعالِ العِبادِ كالطّاعاتِ النّافِعَةِ لِلطّائِعِ وغَيْرِهِ، والمَعاصِي الضّارَّةِ بِهِ وبِالنّاسِ، وفي هَذا الأمْرِ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ [سبإ: ٥٠] وهو عَلى نَحْوِ هَذِهِ الآيَةِ وإنْ لَمْ تَكُنْ نازِلَةً فِيهِ. ولِكَوْنِ هَذِهِ القَضِيَّةِ دَقِيقَةَ الفَهْمِ نَبَّهَ اللَّهُ عَلى قِلَّةِ فَهْمِهِمْ لِلْمَعانِي الخَفِيَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ . فَقَوْلُهُ ﴿لا يَكادُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جارِيًا عَلى نَظائِرِهِ مِنَ اعْتِبارِ القَلْبِ، أيْ يَكادُونَ لا يَفْقَهُونَ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] فَيَكُونُ فِيهِ اسْتِبْقاءٌ عَلَيْهِمْ في المَذَمَّةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى أصْلِ وضْعِ التَّرْكِيبِ، أيْ لا يُقارِبُونَ فَهْمَ الحَدِيثِ الَّذِي لا يَعْقِلُهُ إلّا الفُطَناءُ، فَيَكُونُ أشَدَّ في المَذَمَّةِ. والفِقْهُ فَهْمُ ما يَحْتاجُ إلى إعْمالِ فِكْرٍ. قالَ الرّاغِبُ: هو التَّوَصُّلُ إلى عِلْمٍ غائِبٍ بِعِلْمٍ شاهِدٍ، وهو أخَصُّ مِنَ العِلْمِ. وعَرَّفَهُ غَيْرُهُ بِأنَّهُ إدْراكُ الأشْياءِ الخَفِيَّةِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿ما أصابَكَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ، وهَذا هو الألْيَقُ بِتَناسُقِ الضَّمائِرِ، ثُمَّ يُسَلَّمُ أنَّ غَيْرَهُ مِثْلُهُ في ذَلِكَ. وقَدْ شاعَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ الشَّيْخِ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ لِقَوْلِهِ ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾، كَما شاعَ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِها عَلى أنَّ اللَّهَ لا يَخْلُقُ المَعْصِيَةَ والشَّرَّ لِقَوْلِهِ ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ . وقالَ أبُو الحَسَنِ شَبِيبُ بْنُ حَيْدَرَةَ المالِكِيُّ في كِتابِ حَزِّ الغَلاصِمِ: إنَّ الِاحْتِجاجَ بِها في كِلا الأمْرَيْنِ جَهْلٌ لِابْتِنائِهِ عَلى تَوَهُّمِ أنَّ الحَسَنَةَ والسَّيِّئَةَ هي الطّاعَةُ والمَعْصِيَةُ، ولَيْسَتا كَذَلِكَ. وأنا أقُولُ: إنَّ أهْلَ السُّنَّةِ ما اسْتَدَلُّوا بِها إلّا قَوْلًا بِمُوجَبِ اسْتِدْلالِ المُعْتَزِلَةِ بِها عَلى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ اكْتِسابِ الخَيْرِ والشَّرِّ عَلى أنَّ عُمُومَ مَعْنى الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ كَما بَيَّنْتُهُ صفحة ١٣٤ آنِفًا يَجْعَلُ الآيَةَ صالِحَةً لِلِاسْتِدْلالِ، وهو اسْتِدْلالٌ تَقْرِيبِيٌّ لِأنَّ أُصُولَ الدِّينِ لا يُسْتَدَلُّ فِيها بِالظَّواهِرِ كالعُمُومِ. وجِيءَ في حِكايَةِ قَوْلِهِمْ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ بِكَلِمَةٍ ”عِنْدَ“ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ نِسْبَةِ الحَسَنَةِ إلى اللَّهِ ونِسْبَةِ السَّيِّئَةِ لِلنَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أيْ قالُوا ما يُفِيدُ جَزْمَهم بِذَلِكَ الِانْتِسابِ. ولَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَهم قالَ ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ مُشاكَلَةً لِقَوْلِهِمْ، وإعْرابًا عَنِ التَّقْدِيرِ الأزَلِيِّ عِنْدَ اللَّهِ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ فَلَمْ يُؤْتَ فِيهِ بِكَلِمَةِ: ”عِنْدَ“ إيماءً إلى أنَّ ابْتِداءَ مَجِيءِ الحَسَنَةِ مِنَ اللَّهِ، ومَجِيءِ السَّيِّئَةِ مِن نَفْسِ المُخاطَبِ ابْتِداءُ المُتَسَبِّبِ لِسَبَبِ الفِعْلِ، ولَيْسَ ابْتِداءَ المُؤَثِّرِ في الأثَرِ. وقَوْلُهُ ﴿وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ لِلرَّدِّ عَلى قَوْلِهِمْ: السَّيِّئَةُ مِن عِنْدِ مُحَمَّدٍ، أيْ أنَّكَ بُعِثْتَ مُبَلِّغًا شَرِيعَةً وهادِيًا، ولَسْتَ مُؤَثِّرًا في الحَوادِثِ، ولا تَدُلُّ مُقارَنَةُ الحَوادِثِ المُؤْلِمَةِ عَلى عَدَمِ صِدْقِ الرِّسالَةِ. فَمَعْنى أرْسَلْناكَ بَعَثْناكَ كَقَوْلِهِ ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ﴾ [الحجر: ٢٢] ونَحْوِهِ. و”لِلنّاسِ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أرْسَلْناكَ“ وقَوْلُهُ ”رَسُولًا“ حالٌ مِن ”أرْسَلْناكَ“، والمُرادُ بِالرَّسُولِ هُنا مَعْناهُ الشَّرْعِيُّ المَعْرُوفُ عِنْدَ أهْلِ الأدْيانِ: وهو النَّبِيءُ المُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَهو لَفْظٌ لَقَبِيٌّ دالٌّ عَلى هَذا المَعْنى، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ اسْمَ المَفْعُولِ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ ولِهَذا حَسُنَ مَجِيئُهُ حالًا مُقَيِّدَةً لِـ ”أرْسَلْناكَ“، لِاخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ، أيْ بَعَثْناكَ مُبَلِّغًا لا مُؤَثِّرًا في الحَوادِثِ، ولا أمارَةً عَلى وُقُوعِ الحَوادِثِ السَّيِّئَةِ. وبِهَذا يَزُولُ إشْكالُ مَجِيءِ هَذِهِ الحالِ غَيْرَ مُفِيدَةٍ إلّا التَّأْكِيدَ، حَتّى احْتاجُوا إلى جَعْلِ المَجْرُورِ مُتَعَلِّقًا بِـ ”رَسُولًا“، وأنَّهُ قُدِّمَ عَلَيْهِ دَلالَةً عَلى الحَصْرِ بِاعْتِبارِ العُمُومِ المُسْتَفادِ مِنَ التَّعْرِيفِ، كَما في الكَشّافِ، أيْ لِجَمِيعِ النّاسِ لا لِبَعْضِهِمْ، وهو تَكَلُّفٌ لا داعِيَ إلَيْهِ، ولَيْسَ المَقامُ مَقامُ هَذا الحَصْرِ.

النساء 4:80

صفحة ١٣٥ ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأعْرِضْ عَنْهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ . هَذا كالتَّكْمِلَةِ لِقَوْلِهِ ﴿وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: ٧٩] بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَهُ مِن رَدِّ اعْتِقادِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ مَصْدَرُ السَّيِّئاتِ الَّتِي تُصِيبُهم، ثُمَّ مِن قَوْلِهِ ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٩] إلَخْ. المُؤْذِنُ بِأنَّ بَيْنَ الخالِقِ وبَيْنَ المَخْلُوقِ فَرْقًا في التَّأْثِيرِ وأنَّ الرِّسالَةَ مَعْنًى آخَرَ فاحْتَرَسَ بِقَوْلِهِ ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ عَنْ تَوَهُّمِ السّامِعِينَ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ في أُمُورِ التَّشْرِيعِ، فَأثْبَتَ أنَّ الرَّسُولَ في تَبْلِيغِهِ إنَّما يُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ، فَأمْرُهُ أمْرُ اللَّهِ، ونَهْيُهُ نَهْيُ اللَّهِ، وطاعَتُهُ طاعَةُ اللَّهِ، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُهُ ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ لِاشْتِمالِها عَلى إثْباتِ كَوْنِهِ رَسُولًا واسْتِلْزامِها أنَّهُ يَأْمُرُ ويَنْهى، وأنَّ ذَلِكَ تَبْلِيغٌ لِمُرادِ اللَّهِ تَعالى، فَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن ذَلِكَ أوْ كانَ في غَفْلَةٍ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُ اخْتِلافَ مَقاماتِ الرَّسُولِ. ومَن تَوَلّى أوْ أعْرَضَ واسْتَمَرَّ عَلى المُكابَرَةِ ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، أيْ حارِسًا لَهم ومَسْئُولًا عَنْ إعْراضِهِمْ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِهِمْ، وتَهْدِيدٌ لَهم بِأنْ صَرَفَهُ عَنِ الِاشْتِغالِ بِهِمْ، فَيُعْلَمُ أنَّ اللَّهَ سَيَتَوَلّى عِقابَهم. والتَّوَلِّي حَقِيقَتُهُ الِانْصِرافُ والإدْبارُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ [البقرة: ٢٠٥] وفي قَوْلِهِ ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ [البقرة: ١٤٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. واسْتُعْمِلَ هُنا مَجازًا في العِصْيانِ وعَدَمِ الإصْغاءِ إلى الدَّعْوَةِ. ”ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم لِضَعْفِ نُفُوسِهِمْ لا يُعْرِضُونَ جَهْرًا بَلْ يُظْهِرُونَ الطّاعَةَ، فَإذا أمَرَهُمُ الرَّسُولُ أوْ نَهاهم يَقُولُونَ لَهُ:“ طاعَةٌ ”أيْ: أمْرُنا طاعَةٌ، وهي كَلِمَةٌ يَدُلُّونَ بِها عَلى الِامْتِثالِ، ورُبَّما يُقالُ: سَمْعٌ وطاعَةٌ، وهو مَصْدَرٌ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، صفحة ١٣٦ أيْ أمْرُنا أوْ شَأْنُنا طاعَةٌ، كَما في قَوْلِهِ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨] . ولَيْسَ هو نائِبًا عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ الآتِي بَدَلًا مِنَ الفِعْلِ الَّذِي يُعْدَلُ عَنْ نَصْبِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ مِثْلَ“ قالَ سَلامٌ ”، إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ هُنا إحْداثَ الطّاعَةِ وإنَّما المَقْصُودُ أنَّنا سَنُطِيعُ ولا يَكُونُ مِنّا عِصْيانٌ. ومَعْنى“ بَرَزُوا ”خَرَجُوا، وأصْلُ مَعْنى البُرُوزِ: الظُّهُورُ، وشاعَ إطْلاقُهُ عَلى الخُرُوجِ مَجازًا مُرْسَلًا. و“ بَيَّتَ ”هُنا بِمَعْنى قَدَّرَ أمْرًا في السِّرِّ وأضْمَرَهُ، لِأنَّ أصْلَ البَياتِ هو فِعْلُ شَيْءٍ في اللَّيْلِ، والعَرَبُ تَسْتَعِيرُ ذَلِكَ إلى مَعْنى الإسْرارِ، لِأنَّ اللَّيْلَ أكْتَمُ لِلسِّرِّ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: هَذا أمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ، أيْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ، وقالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ: أجْمَعُوا أمْرَهم بِلَيْلٍ فَلَمّا أصْبَحُوا أصْبَحَتْ لَهم ضَوْضاءُ . وقالَ أبُو سُفْيانَ: هَذا أمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ. وقالَ تَعالى ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: لَنَقْتُلَنَّهم لَيْلًا. وقالَ ﴿وهُوَ مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] . وتاءُ المُضارَعَةِ في ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ لِلْمُؤَنَّثِ الغائِبِ، وهو الطّائِفَةُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ خِطابُ النَّبِيءِ ﷺ، أيْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ لَهم أنْتَ، فَيُجِيبُونَ عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ: طاعَةٌ. ومَعْنى ﴿واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ التَّهْدِيدُ بِإعْلامِهِمْ أنَّهُ لَنْ يُفْلِتَهم مِن عِقابِهِ، فَلا يَغُرَّنَّهم تَأخُّرُ العَذابِ مُدَّةً. وقَدْ دَلَّ بِصِيغَةِ المُضارِعِ في قَوْلِهِ“ يَكْتُبُ " عَلى تَجَدُّدِ ذَلِكَ، وأنَّهُ لا يُضاعُ مِنهُ شَيْءٌ. وقَوْلُهُ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أمْرٌ بِعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ، وأنَّهم لا يُخْشى خِلافُهم، وأنَّهُ يَتَوَكَّلُ عَلى اللَّهِ ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ أيْ مُتَوَكَّلًا عَلَيْهِ، ولا يَتَوَكَّلُ عَلى طاعَةِ هَؤُلاءِ ولا يُحْزِنُهُ خِلافُهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ﴾ بِإظْهارِ تاءِ بَيَّتَ مِن طاءِ طائِفَةٍ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ بِإدْغامِ التّاءِ في الطّاءِ تَخْفِيفًا لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما.

النساء 4:81

صفحة ١٣٥ ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأعْرِضْ عَنْهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ . هَذا كالتَّكْمِلَةِ لِقَوْلِهِ ﴿وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: ٧٩] بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَهُ مِن رَدِّ اعْتِقادِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ مَصْدَرُ السَّيِّئاتِ الَّتِي تُصِيبُهم، ثُمَّ مِن قَوْلِهِ ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٩] إلَخْ. المُؤْذِنُ بِأنَّ بَيْنَ الخالِقِ وبَيْنَ المَخْلُوقِ فَرْقًا في التَّأْثِيرِ وأنَّ الرِّسالَةَ مَعْنًى آخَرَ فاحْتَرَسَ بِقَوْلِهِ ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ عَنْ تَوَهُّمِ السّامِعِينَ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ في أُمُورِ التَّشْرِيعِ، فَأثْبَتَ أنَّ الرَّسُولَ في تَبْلِيغِهِ إنَّما يُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ، فَأمْرُهُ أمْرُ اللَّهِ، ونَهْيُهُ نَهْيُ اللَّهِ، وطاعَتُهُ طاعَةُ اللَّهِ، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُهُ ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ لِاشْتِمالِها عَلى إثْباتِ كَوْنِهِ رَسُولًا واسْتِلْزامِها أنَّهُ يَأْمُرُ ويَنْهى، وأنَّ ذَلِكَ تَبْلِيغٌ لِمُرادِ اللَّهِ تَعالى، فَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن ذَلِكَ أوْ كانَ في غَفْلَةٍ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُ اخْتِلافَ مَقاماتِ الرَّسُولِ. ومَن تَوَلّى أوْ أعْرَضَ واسْتَمَرَّ عَلى المُكابَرَةِ ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، أيْ حارِسًا لَهم ومَسْئُولًا عَنْ إعْراضِهِمْ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِهِمْ، وتَهْدِيدٌ لَهم بِأنْ صَرَفَهُ عَنِ الِاشْتِغالِ بِهِمْ، فَيُعْلَمُ أنَّ اللَّهَ سَيَتَوَلّى عِقابَهم. والتَّوَلِّي حَقِيقَتُهُ الِانْصِرافُ والإدْبارُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ [البقرة: ٢٠٥] وفي قَوْلِهِ ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ [البقرة: ١٤٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. واسْتُعْمِلَ هُنا مَجازًا في العِصْيانِ وعَدَمِ الإصْغاءِ إلى الدَّعْوَةِ. ”ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم لِضَعْفِ نُفُوسِهِمْ لا يُعْرِضُونَ جَهْرًا بَلْ يُظْهِرُونَ الطّاعَةَ، فَإذا أمَرَهُمُ الرَّسُولُ أوْ نَهاهم يَقُولُونَ لَهُ:“ طاعَةٌ ”أيْ: أمْرُنا طاعَةٌ، وهي كَلِمَةٌ يَدُلُّونَ بِها عَلى الِامْتِثالِ، ورُبَّما يُقالُ: سَمْعٌ وطاعَةٌ، وهو مَصْدَرٌ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، صفحة ١٣٦ أيْ أمْرُنا أوْ شَأْنُنا طاعَةٌ، كَما في قَوْلِهِ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨] . ولَيْسَ هو نائِبًا عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ الآتِي بَدَلًا مِنَ الفِعْلِ الَّذِي يُعْدَلُ عَنْ نَصْبِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ مِثْلَ“ قالَ سَلامٌ ”، إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ هُنا إحْداثَ الطّاعَةِ وإنَّما المَقْصُودُ أنَّنا سَنُطِيعُ ولا يَكُونُ مِنّا عِصْيانٌ. ومَعْنى“ بَرَزُوا ”خَرَجُوا، وأصْلُ مَعْنى البُرُوزِ: الظُّهُورُ، وشاعَ إطْلاقُهُ عَلى الخُرُوجِ مَجازًا مُرْسَلًا. و“ بَيَّتَ ”هُنا بِمَعْنى قَدَّرَ أمْرًا في السِّرِّ وأضْمَرَهُ، لِأنَّ أصْلَ البَياتِ هو فِعْلُ شَيْءٍ في اللَّيْلِ، والعَرَبُ تَسْتَعِيرُ ذَلِكَ إلى مَعْنى الإسْرارِ، لِأنَّ اللَّيْلَ أكْتَمُ لِلسِّرِّ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: هَذا أمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ، أيْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ، وقالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ: أجْمَعُوا أمْرَهم بِلَيْلٍ فَلَمّا أصْبَحُوا أصْبَحَتْ لَهم ضَوْضاءُ . وقالَ أبُو سُفْيانَ: هَذا أمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ. وقالَ تَعالى ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩] أيْ: لَنَقْتُلَنَّهم لَيْلًا. وقالَ ﴿وهُوَ مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] . وتاءُ المُضارَعَةِ في ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ لِلْمُؤَنَّثِ الغائِبِ، وهو الطّائِفَةُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ خِطابُ النَّبِيءِ ﷺ، أيْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ لَهم أنْتَ، فَيُجِيبُونَ عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ: طاعَةٌ. ومَعْنى ﴿واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ التَّهْدِيدُ بِإعْلامِهِمْ أنَّهُ لَنْ يُفْلِتَهم مِن عِقابِهِ، فَلا يَغُرَّنَّهم تَأخُّرُ العَذابِ مُدَّةً. وقَدْ دَلَّ بِصِيغَةِ المُضارِعِ في قَوْلِهِ“ يَكْتُبُ " عَلى تَجَدُّدِ ذَلِكَ، وأنَّهُ لا يُضاعُ مِنهُ شَيْءٌ. وقَوْلُهُ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أمْرٌ بِعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ، وأنَّهم لا يُخْشى خِلافُهم، وأنَّهُ يَتَوَكَّلُ عَلى اللَّهِ ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ أيْ مُتَوَكَّلًا عَلَيْهِ، ولا يَتَوَكَّلُ عَلى طاعَةِ هَؤُلاءِ ولا يُحْزِنُهُ خِلافُهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ﴾ بِإظْهارِ تاءِ بَيَّتَ مِن طاءِ طائِفَةٍ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ بِإدْغامِ التّاءِ في الطّاءِ تَخْفِيفًا لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما.

النساء 4:82

صفحة ١٣٧ ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ . الفاءُ تَفْرِيعٌ عَلى الكَلامِ السّابِقِ المُتَعَلِّقِ بِهَؤُلاءِ المُنافِقِينَ أوِ الكَفَرَةِ الصُّرَحاءِ وبِتَوَلِّيهِمُ المُعَرَّضَ بِهِمْ في شَأْنِهِ بِقَوْلِهِ ﴿ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠]، وبِقَوْلِهِمْ طاعَةٌ، ثُمَّ تَدْبِيرُ العِصْيانِ فِيما وُعِدُوا بِالطّاعَةِ في شَأْنِهِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ أثَرًا مِن آثارِ اسْتِبْطانِ الكُفْرِ، أوِ الشَّكِّ، أوِ اخْتِيارِ ما هو في نَظَرِهِمْ أوْلى مِمّا أُمِرُوا بِهِ، وكانَ اسْتِمْرارُهم عَلى ذَلِكَ، مَعَ ظُهُورِ دَلائِلِ الدِّينِ، مُنْبِئًا بِقِلَّةِ تَفَهُّمِهِمُ القُرْآنَ، وضَعْفِ اسْتِفادَتِهِمْ، كانَ المَقامُ لِتَفْرِيعِ الِاسْتِفْهامِ عَنْ قِلَّةِ تَفَهُّمِهِمْ. فالِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ لِلتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ مِنهم في اسْتِمْرارِ جَهْلِهِمْ مَعَ تَوَفُّرِ أسْبابِ التَّدْبِيرِ لَدَيْهِمْ. تَحَدّى اللَّهُ تَعالى هَؤُلاءِ بِمَعانِي القُرْآنِ، كَما تَحَدّاهم بِألْفاظِهِ، لِبَلاغَتِهِ إذْ كانَ المُنافِقُونَ قَدْ شَكُّوا في أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَلِذَلِكَ يُظْهِرُونَ الطّاعَةَ بِما يَأْمُرُهم بِهِ، فَإذا خَرَجُوا مِن مَجْلِسِ النَّبِيءِ ﷺ خالَفُوا ما أمَرَهم بِهِ لِعَدَمِ ثِقَتِهِمْ، ويُشَكِّكُونَ ويَشُكُّونَ إذا بَدا لَهم شَيْءٌ مِنَ التَّعارُضِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِتَدْبِيرِ القُرْآنِ كَما قالَ تَعالى ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٧] الآيَةَ. والتَّدَبُّرُ مُشْتَقٌّ مِنَ الدُّبُرِ، أيِ الظَّهْرِ، اشْتَقُّوا مِنَ الدُّبُرِ فِعْلًا، فَقالُوا: تَدَبَّرَ إذا نَظَرَ في دُبُرِ الأمْرِ، أيْ في غائِبِهِ أوْ في عاقِبَتِهِ، فَهو مِنَ الأفْعالِ الَّتِي اشْتُقَّتْ مِنَ الأسْماءِ الجامِدَةِ. والتَّدَبُّرُ يَتَعَدّى إلى المُتَأمِّلِ فِيهِ بِنَفْسِهِ، يُقالُ: تَدَبَّرَ الأمْرَ. فَمَعْنى ﴿يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ يَتَأمَّلُونَ دَلالَتَهُ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَتَأمَّلُوا دَلالَةَ تَفاصِيلِ آياتِهِ عَلى مَقاصِدِهِ الَّتِي أرْشَدَ إلَيْها المُسْلِمِينَ، أيْ تَدَبُّرُ تَفاصِيلِهِ، وثانِيهُما: أنْ يَتَأمَّلُوا دَلالَةَ جُمْلَةِ القُرْآنِ بِبَلاغَتِهِ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّ الَّذِي جاءَ بِهِ صادِقٌ. وسِياقُ هَذِهِ الآياتِ يُرَجِّحُ حَمْلَ التَّدَبُّرِ هُنا عَلى المَعْنى الأوَّلِ، أيْ لَوْ تَأمَّلُوا وتَدَبَّرُوا هَدْيَ القُرْآنِ لَحَصَلَ صفحة ١٣٨ لَهم خَيْرٌ عَظِيمٌ، ولَما بَقُوا عَلى فِتْنَتِهِمُ الَّتِي هي سَبَبُ إضْمارِهِمُ الكُفْرَ مَعَ إظْهارِهِمُ الإسْلامَ. وكِلا المَعْنَيَيْنِ صالِحٌ بِحالِهِمْ، إلّا أنَّ المَعْنى الأوَّلَ أشَدُّ ارْتِباطًا بِما حُكِيَ عَنْهم مِن أحْوالِهِمْ. وقَوْلُهُ ”﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ إلَخْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ فَيَكُونُوا أُمِرُوا بِالتَّدَبُّرِ في تَفاصِيلِهِ، وأُعْلِمُوا بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وذَلِكَ انْتِفاءُ الِاخْتِلافِ مِنهُ. فَيَكُونُ الأمْرُ بِالتَّدَبُّرِ عامًّا، وهَذا جُزْئِيٌّ مِن جُزْئِيّاتِ التَّدَبُّرِ ذُكِرَ هُنا انْتِهازًا لِفُرْصَةِ المُناسَبَةِ لَغَمْرِهِمْ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ، فَيَكُونُ زائِدًا عَلى الإنْكارِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ، تَعَرَّضَ لَهُ لِأنَّهُ مِنَ المُهِمِّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ إذْ كانُوا في شَكٍّ مِن أمْرِهِمْ. وهَذا الإعْرابُ ألْيَقُ بِالمَعْنى الأوَّلِ مِن مَعْنَيَيِ التَّدَبُّرِ هُنا. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ القُرْآنِ، ويَكُونُ قَيْدًا لِلتَّدَبُّرِ، أيْ ألا يَتَدَبَّرُونَ انْتِفاءَ الِاخْتِلافِ مِنهُ فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهَذا ألْيَقُ بِالمَعْنى الثّانِي مِن مَعْنَيَيِ التَّدَبُّرِ. ومِمّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِلْإعْرابِ الأوَّلِ عَدَمُ ذِكْرِ هَذِهِ الزِّيادَةِ في الآيَةِ المُماثِلَةِ لِهَذِهِ مِن سُورَةِ القِتالِ، وهي قَوْلُهُ فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وذُكِرَ فِيها القِتالُ إلى قَوْلِهِ ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] وهَذِهِ دَقائِقُ مِن تَفْسِيرِ الآيَةِ أهْمَلَها جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ. والِاخْتِلافُ يَظْهَرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ اخْتِلافُ بَعْضِهِ مَعَ بَعْضٍ، أيِ اضْطِرابُهُ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ اخْتِلافُهُ مَعَ أحْوالِهِمْ: أيْ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا بَيْنَ ما يَذْكُرُهُ مِن أحْوالِهِمْ وبَيْنَ الواقِعِ فَلْيَكْتَفُوا بِذَلِكَ في العِلْمِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، إذْ كانَ يَصِفُ ما في قُلُوبِهِمْ وصْفَ المُطَّلِعِ عَلى الغُيُوبِ، وهَذا اسْتِدْلالٌ وجِيزٌ وعَجِيبٌ قُصِدَ مِنهُ قَطْعُ مَعْذِرَتِهِمْ في اسْتِمْرارِ كُفْرِهِمْ. ووُصِفَ الِاخْتِلافُ بِالكَثِيرِ في الطَّرَفِ المُمْتَنِعِ وُقُوعُهُ بِمَدْلُولِ (لَوْ) . لِيَعْلَمَ المُتَدَبِّرُ أنَّ انْتِفاءَ الِاخْتِلافِ مِن أصْلِهِ أكْبَرُ دَلِيلٍ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهَذا القَيْدُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ في الطَّرَفِ المُقابِلِ لِجَوابِ (لَوْ)، فَلا يُقَدَّرُ ذَلِكَ الطَّرَفُ مُقَيَّدًا بِقَوْلِهِ“ كَثِيرًا " بَلْ يُقَدَّرُ هَكَذا: لَكِنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلا اخْتِلافَ فِيهِ أصْلًا.

النساء 4:83

صفحة ١٣٩ ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ [النساء: ٨١] فَضَمِيرُ الجَمْعِ راجِعٌ إلى الضَّمائِرِ قَبْلَهُ، العائِدَةِ إلى المُنافِقِينَ، وهو المُلائِمُ لِلسِّياقِ، ولا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ إلّا قَوْلُهُ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم، وسَتَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ هَذا راجَعٌ إلى فَرِيقٍ مِن ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ: مِمَّنْ قَلَّتْ تَجْرِبَتُهُ وضَعُفَ جَلَدُهُ، وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم بِحَسَبِ الظّاهِرِ، فَيَكُونُ مَعادُ الضَّمِيرِ مَحْذُوفًا مِنَ الكَلامِ اعْتِمادًا عَلى قَرِينَةِ حالِ النُّزُولِ، كَما في قَوْلِهِ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ. والكَلامُ مَسُوقٌ مَساقَ التَّوْبِيخِ لِلْمُنافِقِينَ واللَّوْمِ لِمَن يَقْبَلُ مِثْلَ تِلْكَ الإذاعَةِ، مِنَ المُسْلِمِينَ الأغْرارِ. ومَعْنى ”﴿جاءَهم أمْرٌ﴾“ أيْ أُخْبِرُوا بِهِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: وذَلِكَ مِن نَبَأٍ جاءَنِي فالمَجِيءُ مَجازٌ عُرْفِيٌّ في سَماعِ الأخْبارِ، مِثْلُ نَظائِرِهِ، وهي: بَلَغَ، وانْتَهى إلَيْهِ، وأتاهُ، قالَ النّابِغَةُ: أتَأْنِي - أبَيْتَ اللَّعْنَ أنَّكَ - لُمْتَنِي والأمْرُ هُنا بِمَعْنى الشَّيْءِ، وهو هُنا الخَبَرُ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ أذاعُوا بِهِ. ومَعْنى ”أذاعُوا“: أفْشَوْا، ويَتَعَدّى إلى الخَبَرِ بِنَفْسِهِ، وبِالباءِ، يُقالُ: أذاعَهُ وأذاعَ بِهِ، فالباءُ لِتَوْكِيدِ اللُّصُوقِ كَما في وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم. والمَعْنى إذا سَمِعُوا خَبَرًا عَنْ سَرايا المُسْلِمِينَ مِنَ الأمْنِ، أيِ الظَّفَرِ الَّذِي يُوجِبُ أمْنَ المُسْلِمِينَ أوِ الخَوْفَ وهو ما يُوجِبُ خَوْفَ المُسْلِمِينَ، أيِ اشْتِدادَ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ، صفحة ١٤٠ بادَرُوا بِإذاعَتِهِ، أوْ إذا سَمِعُوا خَبَرًا عَنِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَنْ أصْحابِهِ، في تَدْبِيرِ أحْوالِ المُسْلِمِينَ مِن أحْوالِ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ، تَحَدَّثُوا بِتِلْكَ الأخْبارِ في الحالَيْنِ، وأرْجَفُوها بَيْنَ النّاسِ لِقَصْدِ التَّثْبِيطِ عَنِ الِاسْتِعْدادِ، إذا جاءَتْ أخْبارُ أمْنٍ حَتّى يُؤْخَذَ المُؤْمِنُونَ وهم غارُّونَ، وقَصْدِ التَّجْبِينِ إذا جاءَتْ أخْبارُ الخَوْفِ، واخْتِلافِ المَعاذِيرِ لِلتَّهْيِئَةِ لِلتَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ إذا اسْتُنْفِرُوا إلَيْهِ، فَحَذَّرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ مِن مَكائِدِ هَؤُلاءِ، ونَبَّهَ هَؤُلاءِ عَلى دَخِيلَتِهِمْ، وقَطْعِ مَعْذِرَتِهِمْ في كَيْدِهِمْ بِقَوْلِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ إلَخْ، أيْ لَوْلا أنَّهم يَقْصِدُونَ السُّوءَ لاسْتَثْبَتُوا الخَبَرَ مِنَ الرَّسُولِ ومِن أهْلِ الرَّأْيِ. وعَلى القَوْلِ بِأنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى المُؤْمِنِينَ فالآيَةُ عِتابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في هَذا التَّسَرُّعِ بِالإذاعَةِ، وأمْرُهم بِإنْهاءِ الأخْبارِ إلى الرَّسُولِ وقادَةِ الصَّحابَةِ لِيَضَعُوهُ مَواضِعَهُ ويُعَلِّمُوهم مَحامِلَهُ. وقِيلَ: كانَ المُنافِقُونَ يَخْتَلِقُونَ الأخْبارَ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ، وهي مُخالِفَةٌ لِلْواقِعِ، لِيَظُنَّ المُسْلِمُونَ الأمْنَ حِينَ الخَوْفِ فَلا يَأْخُذُوا حِذْرَهم، أوِ الخَوْفَ حِينَ الأمْنِ فَتَضْطَرِبُ أُمُورُهم وتَخْتَلُّ أحْوالُ اجْتِماعِهِمْ، فَكانَ دَهْماءُ المُسْلِمِينَ إذا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنَ المُنافِقِينَ راجَ عِنْدَهم فَأذاعُوا بِهِ. فَتَمَّ لِلْمُنافِقِينَ الدَّسْتُ، وتَمَشَّتِ المَكِيدَةُ، فَلامَهُمُ اللَّهُ وعَلَّمَهم أنْ يُنْهُوا الأمْرَ إلى الرَّسُولِ وجِلَّةِ أصْحابِهِ قَبْلَ إشاعَتِهِ لِيَعْلَمُوا كُنْهَ الخَبَرِ وحالَهُ مِنَ الصِّدْقِ أوِ الكَذِبِ، ويَأْخُذُوا لِكُلِّ حالَةٍ حَيْطَتَها، فَيَسْلَمُ المُؤْمِنُونَ مِن مَكْرِ المُنافِقِينَ الَّذِي قَصَدُوهُ. وهَذا بَعِيدٌ مِن قَوْلِهِ ”جاءَهم“ وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ ”لَعَلِمَهُ“ هو دَلِيلُ جَوابِ ”لَوْ“ وعِلَّتُهُ، فَجُعِلَ عِوَضَهُ وحُذِفَ المَعْلُولُ، إذِ ا لْمَقْصُودُ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِن أُولِي الأمْرِ فَلَبَيَّنُوهُ لَهم عَلى وجْهِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَ ذَلِكَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ اخْتَلَقُوا الخَبَرَ فَلَخابُوا إذْ يُوقِنُونَ بِأنَّ حِيلَتَهم لَمْ تَتَمَشَّ عَلى المُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ المَوْصُولُ صادِقًا عَلى المُخْتَلِقِينَ بِدَلالَةِ المَقامِ، ويَكُونُ ضَمِيرُ ”مِنهم“ الثّانِي عائِدًا عَلى المُنافِقِينَ بِقَرِينَةِ المَقامِ. والرَّدُّ حَقِيقَتُهُ إرْجاعُ شَيْءٍ إلى ما كانَ فِيهِ مِن مَكانٍ أوْ يَدٍ، واسْتُعْمِلَ هُنا مَجازًا في إبْلاغِ الخَبَرِ إلى أوْلى النّاسِ بِعِلْمِهِ. وأُولُو الأمْرِ هم كُبَراءُ المُسْلِمِينَ وأهْلُ الرَّأْيِ صفحة ١٤١ مِنهم، فَإنْ كانَ المُتَحَدَّثُ عَنْهُمُ المُنافِقِينَ فَوَصْفُ أُولِي الأمْرِ بِأنَّهم مِنهم جارٍ عَلى ظاهِرِ الأمْرِ وإرْخاءِ العِنانِ، أيْ أُولُو الأمْرِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ أنْفُسَهم بَعْضَهم؛ وإنْ كانَ المُتَحَدَّثُ عَنْهُمُ المُؤْمِنِينَ، فالتَّبْعِيضُ ظاهِرٌ. والِاسْتِنْباطُ حَقِيقَتُهُ طَلَبُ النَّبَطِ بِالتَّحْرِيكِ. وهو أوَّلُ الماءِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ البِئْرِ عِنْدَ الحَفْرِ، وهو هُنا مَجازٌ في العِلْمِ بِحَقِيقَةِ الشَّيْءِ ومَعْرِفَةِ عَواقِبِهِ، وأصْلُهُ مَكْنِيَّةٌ: شَبَّهَ الخَبَرَ الحادِثَ بِحَفِيرٍ يُطْلَبُ مِنهُ الماءُ، وذِكْرُ الِاسْتِنْباطِ تَخْيِيلٌ. وشاعَتْ هَذِهِ الِاسْتِعارَةُ حَتّى صارَتْ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، فَصارَ الِاسْتِنْباطُ بِمَعْنى التَّفْسِيرِ والتَّبْيِينِ، وتَعْدِيَةِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ الأمْرِ عَلى اعْتِبارِ المَعْنى العُرْفِيِّ، ولَوْلا ذَلِكَ لَقِيلَ: يَسْتَنْبِطُونَ مِنهُ، كَما هو ظاهِرٌ، أوْ هو عَلى نَزْعِ الخافِضِ. وإذا جَرَيْتَ عَلى احْتِمالِ كَوْنِ (يَسْتَنْبِطُونَ) بِمَعْنى يَخْتَلِقُونَ كَما تَقَدَّمَ كانَتْ ”يَسْتَنْبِطُونَهُ“ تَبَعِيَّةً، بِأنْ شَبَّهَ الخَبَرَ المُخْتَلَقَ بِالماءِ المَحْفُورِ عَنْهُ، وأطْلَقَ يَسْتَنْبِطُونَ بِمَعْنى يَخْتَلِقُونَ، وتَعَدّى الفِعْلُ إلى ضَمِيرِ الخَبَرِ لِأنَّهُ المُسْتَخْرَجُ. والعَرَبُ يُكْثِرُونَ الِاسْتِعارَةَ مِن أحْوالِ المِياهِ كَقَوْلِهِمْ: يُصْدِرُ ويُورِدُ، وقَوْلِهِمْ ضَرَبَ أخْماسًا لِأسْداسٍ، وقَوْلِهِمْ: يَنْزِعُ إلى كَذا، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]، وقالَ عَبْدَةُ بْنُ الطَّبِيبِ: فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِن نَداكَ ذَنُوبُوَمِنهُ قَوْلُهم: تَساجَلَ القَوْمُ، أصْلُهُ مِنَ السَّجْلِ، وهو الدَّلْوُ. وقالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ: إذا ما اصْطَبَحْتُ أرْبَعًا خَطَّ مِئْزَرِي ∗∗∗ وأتْبَعْتُ دَلْوِي في السَّماحِ رِشاءَها فَذَكَرَ الدَّلْوَ والرِّشاءَ. وقالَ النّابِغَةُ: خَطاطِيفُ حَجْنٍ في حِبالٍ مَتِينَةٍ ∗∗∗ تَمُدُّ بِها أيْدٍ إلَيْكَ نَوازِعُ وقالَ: ولَوْلا أبُو الشَّقْراءِ ما زالَ ماتِحٌ ∗∗∗ يُعالِجُ خَطّافًا بِإحْدى الجَرائِرِ صفحة ١٤٢ وقالُوا أيْضًا ”انْتَهَزَ الفُرْصَةَ“، والفُرْصَةُ نَوْبَةُ الشُّرْبِ، وقالُوا: صَدَرَ القَوْمُ عَنْ رَأْيِ فُلانٍ ووَرَدُوا عَلى رَأْيِهِ. وقَوْلُهُ ”مِنهم“ وصْفٌ لِلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ، وهم خاصَّةُ أُولِي الأمْرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، أيْ يَرُدُّونَهُ إلى جَماعَةِ أُولِي الأمْرِ فَيَفْهَمُهُ الفاهِمُونَ مِن أُولِي الأمْرِ، وإذا فَهِمَهُ جَمِيعُهم فَأجْدَرُ. وقَوْلُهُ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ امْتِنانٌ بِإرْشادِهِمْ إلى أنْواعِ المَصالِحِ، والتَّحْذِيرِ مِنَ المَكائِدِ ومِن حَبائِلِ الشَّيْطانِ وأنْصارِهِ. واسْتِثْناءُ ”إلّا قَلِيلًا“ مِن عُمُومِ الأحْوالِ المُؤْذِنِ بِها ”اتَّبَعْتُمْ“، أيْ إلّا في أحْوالٍ قَلِيلَةٍ، فَإنْ كانَ المُرادُ مِن فَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ ما يَشْمَلُ البَعْثَةَ فَما بَعْدَها، فالمُرادُ بِالقَلِيلِ الأحْوالُ الَّتِي تَنْساقُ إلَيْها النُّفُوسُ في بَعْضِ الأحْوالِ بِالوازِعِ العَقْلِيِّ أوِ العادِيِّ، وإنْ أُرِيدَ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ النَّصائِحُ والإرْشادُ فالمُرادُ بِالقَلِيلِ ما هو مَعْلُومٌ مِن قَواعِدِ الإسْلامِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ اسْتِثْناءً مِن ضَمِيرِ ”اتَّبَعْتُمْ“ أيْ إلّا قَلِيلًا مِنكم، فالمُرادُ مِنَ الِاتِّباعِ اتِّباعُ مِثْلِ هَذِهِ المَكائِدِ الَّتِي لا تَرُوجُ عَلى أهْلِ الرَّأْيِ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

النساء 4:84

﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ . تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالقِتالِ، ومِن وصْفِ المُثَبِّطِينَ عَنْهُ، والمُتَذَمِّرِينَ مِنهُ، والَّذِينَ يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ في شَأْنِهِ، لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ قَدْ أفادَ الِاهْتِمامَ بِأمْرِ القِتالِ، والتَّحْرِيضِ عَلَيْهِ، فَتَهَيَّأ الكَلامُ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ بِهِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الفاءَ فَصِيحَةً بَعْدَ تِلْكَ الجُمَلِ الكَثِيرَةِ، أيْ: إذا كانَ كَما عَلِمْتَ فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ، وهَذا عَوْدٌ إلى ما مَضى مِنَ التَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. فالآيَةُ أوْجَبَتْ عَلى الرَّسُولِ ﷺ صفحة ١٤٣ القِتالَ، وأوْجَبَتْ عَلَيْهِ تَبْلِيغَ المُؤْمِنِينَ الأمْرَ بِالقِتالِ وتَحْرِيضَهم عَلَيْهِ، . فَعَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ وهَذا الأُسْلُوبُ طَرِيقٌ مِن طُرُقِ الحَثِّ والتَّحْرِيضِ لِغَيْرِ المُخاطَبِ، لِأنَّهُ إيجابُ القِتالِ عَلى الرَّسُولِ، وقَدْ عُلِمَ إيجابُهُ عَلى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَهو أمْرٌ لِلْقُدْوَةِ بِما يَجِبُ اقْتِداءُ النّاسِ بِهِ فِيهِ. وبَيَّنَ لَهم عِلَّةَ الأمْرِ وهي رَجاءُ كَفِّ بَأْسِ المُشْرِكِينَ، فَـ ”عَسى“ هُنا مُسْتَعارَةٌ لِلْوَعْدِ. والمُرادُ بِهِمْ هُنا كُفّارُ مَكَّةَ، فالآياتُ تَهْيِئَةٌ لِفَتْحِ مَكَّةَ. وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ تَذْيِيلٌ لِتَحْقِيقِ الرَّجاءِ أوِ الوَعْدِ، والمَعْنى أنَّهُ أشَدُّ بَأْسًا إذا شاءَ إظْهارَ ذَلِكَ، ومِن دَلائِلِ المَشِيئَةِ امْتِثالُ أوامِرِهِ الَّتِي مِنها الِاسْتِعْدادُ وتَرَقُّبُ المُسَبِّباتِ مِن أسْبابِها. والتَّنْكِيلُ عِقابٌ يَرْتَدِعُ بِهِ رائِيهِ فَضْلًا عَنِ الَّذِي عُوقِبَ بِهِ.

النساء 4:85

﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ . اسْتِئْنافٌ فِيهِ مَعْنى التَّذْيِيلِ والتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ ﴿لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤] وهو بِشارَةٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأنَّ جِهادَ المُجاهِدِينَ بِدَعْوَتِهِ يَنالُهُ مِنهُ نَصِيبٌ عَظِيمٌ مِنَ الأجْرِ، فَإنَّ تَحْرِيضَهُ إيّاهم وساطَةٌ بِهِمْ في خَيْراتٍ عَظِيمَةٍ، فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِهَذا الحُكْمِ العامِّ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في انْتِهازِ فُرَصِ الإرْشادِ. ويُعْلَمُ مِن عُمُومِها أنَّ التَّحْرِيضَ عَلى القِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ مِنَ الشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ، وأنَّ سَعْيَ المُثَبِّطِينَ لِلنّاسِ مِن قَبِيلِ الشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ، فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ إيذانًا لِلْفَرِيقَيْنِ بِحالَتِهِما. والمَقْصُودُ مَعَ ذَلِكَ التَّرْغِيبُ في التَّوَسُّطِ في الخَيْرِ والتَّرْهِيبُ مِن ضِدِّهِ. والشَّفاعَةُ: الوَساطَةُ في إيصالِ خَيْرٍ أوْ دَفْعِ شَرٍّ، سَواءٌ كانَتْ بِطَلَبٍ مِنَ المُنْتَفِعِ أمْ لا، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي الحَدِيثِ «اشْفَعُوا صفحة ١٤٤ فَلْتُؤْجَرُوا» . ووَصْفُها بِالحَسَنَةِ وصْفٌ كاشِفٌ؛ لِأنَّ الشَّفاعَةَ لا تُطْلَقُ إلّا عَلى الوَساطَةِ في الخَيْرِ، وأمّا إطْلاقُ الشَّفاعَةِ عَلى السَّعْيِ في جَلْبِ شَرٍّ فَهو مُشاكَلَةٌ، وقَرِينَتُها وصْفُها بِسَيِّئَةٍ، إذْ لا يُقالُ شَفَعَ لِلَّذِي سَعى بِجَلْبِ سُوءٍ. والنَّصِيبُ: الحَظُّ مِن كُلِّ شَيْءٍ: خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والكِفْلُ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ الفاءِ الحَظُّ كَذَلِكَ، ولَمْ يَتَبَيَّنْ لِي وجْهُ اشْتِقاقِهِ بِوُضُوحٍ. ويُسْتَعْمَلُ الكِفْلُ بِمَعْنى المِثْلُ، فَيُؤْخَذُ مِنَ التَّفْسِيرَيْنِ أنَّ الكِفْلَ هو الحَظُّ المُماثِلُ لِحَظٍّ آخَرَ. وقالَ صاحِبُ اللِّسانِ: لا يُقالُ هَذا كِفْلُ فُلانٍ حَتّى يَكُونَ قَدْ هُيِّئَ لِغَيْرِهِ مِثْلُهُ، ولَمْ يَعْزُ هَذا، ونَسَبَهُ الفَخْرُ إلى ابْنِ المُظَفَّرِ، ولَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ أحَدٌ غَيْرَ هَذَيْنِ فِيما عَلِمْتُ، ولَعَلَّهُ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ الِاسْتِعْمالُ. وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ. وهَلْ يُحْتَجُّ بِما قالَهُ ابْنُ المُظَفَّرِ وابْنُ المُظَفَّرِ هو مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ المُظَفَّرِ الحاتِمِيُّ الأدِيبُ مُعاصِرُ المُتَنَبِّي. وفي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ أنَّ الكِفْلَ هو الحَظُّ مِنَ الشَّرِّ والشِّدَّةِ، وأنَّهُ مُسْتَعارٌ مِنَ الكِفْلِ وهو الشَّيْءُ الرَّدِيءُ، فالجَزاءُ في جانِبِ الشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ بِأنَّهُ نَصِيبٌ إيماءً إلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ أجْرٌ أكْثَرُ مِن ثَوابِ مَن شَفَعَ عِنْدَهُ. وجُمْلَةُ ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً﴾ الآيَةَ، لِإفادَةِ أنَّ اللَّهَ يُجازِي عَلى كُلِّ عَمَلٍ بِما يُناسِبُهُ مِن حُسْنٍ أوْ سُوءٍ. والمُقِيتُ: الحافِظُ، والرَّقِيبُ، والشّاهِدُ، والمُقْتَدِرُ. وأصْلُهُ عِنْدَ أبِي عُبَيْدَةَ الحافِظُ. وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن أقاتَ إذا أعْطى القُوتَ، فَوَزْنُهُ مُفْعِلٌ وعَيْنُهُ واوٌ. واسْتُعْمِلَ مَجازًا في مَعانِي الحِفْظِ والشَّهادَةِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، لِأنَّ مَن يُقِيتُ أحَدًا فَقَدْ حَفِظَهُ مِنَ الخَصاصَةِ أوْ مِنَ الهَلاكِ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الِاطِّلاعِ، أوْ مُضَمَّنٌ مَعْناهُ، كَما يَنْبِيءُ عَنْهُ تَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ (عَلى) . ومِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى المُقِيتُ، وفَسَّرَهُ الغَزالِيُّ بِمُوَصِّلِ الأقْواتِ، فَيُؤَوَّلُ إلى مَعْنى الرّازِقِ، إلّا أنَّهُ أخَصُّ، وبِمَعْنى المُسْتَوْلِي عَلى الشَّيْءِ القادِرِ عَلَيْهِ، وعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ فَيَكُونُ راجِعًا إلى القُدْرَةِ والعِلْمِ.

النساء 4:86

صفحة ١٤٥ ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً﴾ [النساء: ٨٥] بِاعْتِبارِ ما قُصِدَ مِنَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ عَلَيْها، وهو التَّرْغِيبُ في الشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ والتَّحْذِيرُ مِنَ الشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ، وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ التَّرْغِيبَ في قَبُولِ الشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ ورَدِّ الشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ. وإذْ قَدْ كانَ مِن شَأْنِ الشَّفِيعِ أنْ يَدْخُلَ عَلى المُسْتَشْفَعِ إلَيْهِ بِالسَّلامِ اسْتِئْناسًا لَهُ لِقَبُولِ الشَّفاعَةِ، فالمُناسَبَةُ في هَذا العَطْفِ هي أنَّ الشَّفاعَةَ تَقْتَضِي حُضُورَ الشَّفِيعِ عِنْدَ المَشْفُوعِ إلَيْهِ، وأنَّ صِفَةَ تَلَقِّي المَشْفُوعِ إلَيْهِ لِلشَّفِيعِ تُؤْذِنُ بِمِقْدارِ اسْتِعْدادِهِ لِقَبُولِ الشَّفاعَةِ، وأنَّ أوَّلَ بَوادِرِ اللِّقاءِ هو السَّلامُ ورَدُّهُ. فَعَلَّمَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ أدَبَ القَبُولِ واللِّقاءِ في الشَّفاعَةِ وغَيْرِها وقَدْ كانَ لِلشَّفاعاتِ عِنْدَهم شَأْنٌ عَظِيمٌ. وفِي الحَدِيثِ: «مَرَّ رَجُلٌ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: ماذا تَقُولُونَ فِيهِ ؟ قالُوا: هَذا جَدِيرٌ إنْ شَفَعَ أنْ يُشَفَّعَ» . الحَدِيثَ حَتّى إذا قَبِلَ المُسْتَشْفَعُ إلَيْهِ الشَّفاعَةَ كانَ قَدْ طَيَّبَ خاطِرَ الشَّفِيعِ، وإذا لَمْ يَقْبَلْ كانَ في حُسْنِ التَّحِيَّةِ مَرْضاةٌ لَهُ عَلى الجُمْلَةِ. وهَذا دَأْبُ القُرْآنِ في انْتِهازِ فُرَصِ الإرْشادِ والتَّأْدِيبِ. وبِهَذا البَيانِ تَنْجَلِي عَنْكَ الحَيْرَةُ الَّتِي عَرَضَتْ في تَوْجِيهِ انْتِظامِ هَذِهِ الآيَةِ مَعَ سابِقَتِها، وتَسْتَغْنِي عَنِ الِالتِجاءِ إلى المُناسَباتِ الضَّعِيفَةِ الَّتِي صارُوا إلَيْها. وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ ﴿فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها﴾ عَلى الأمْرِ بِرَدِّ السَّلامِ، ووُجُوبِ الرَّدِّ لِأنَّ أصْلَ صِيغَةِ الأمْرِ أنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ عَلى مُقْتَضى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ في مَحْمَلِ صِيغَةِ الأمْرِ، ولِذَلِكَ اتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى وُجُوبِ رَدِّ السَّلامِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا إذا كانَ المُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ جَماعَةً هَلْ يَجِبُ الرَّدُّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم: فَقالَ مالِكٌ: هو واجِبٌ عَلى الجَماعَةِ وُجُوبَ الكِفايَةِ فَإذا رَدَّ واحِدٌ مِنَ الجَماعَةِ أجْزَأ عَنْهم، ووَرَدَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ؛ عَلى أنَّهُ إذا كانَتِ الجَماعَةُ كَثِيرَةً يَصِيرُ رَدُّ الجَمِيعِ غَوْغاءَ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الرَّدُّ فَرْضٌ عَلى كُلِّ شَخْصٍ مِنَ الجَماعَةِ بِعَيْنِهِ. ولَعَلَّ دَلِيلَهُ في ذَلِكَ القِياسُ. صفحة ١٤٦ ودَلَّ قَوْلُهُ ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ عَلى أنَّ ابْتِداءَ السَّلامِ شَيْءٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَهم، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ [النور: ٢٧]، وسَيَأْتِي في سُورَةِ النُّورِ. وأفادَ قَوْلُهُ بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها التَّخْيِيرَ بَيْنَ الحالَيْنِ، ويُعْلَمُ مِن تَقْدِيمِ قَوْلِهِ بِأحْسَنَ مِنها أنَّ ذَلِكَ أفْضَلُ. وحَيّى أصْلُهُ في اللُّغَةِ دَعا لَهُ بِالحَياةِ، ولَعَلَّهُ مِن قَبِيلِ النَّحْتِ مِن قَوْلِ القائِلِ: حَيّاكَ اللَّهُ، أيْ وهَبَ لَكَ طُولَ الحَياةِ. فَيُقالُ لِلْمَلِكِ: حَيّاكَ اللَّهُ. ولِذَلِكَ جاءَ في دُعاءِ التَّشَهُّدِ التَّحِيّاتُ لِلَّهِ أيْ هو مُسْتَحِقُّها لا مُلُوكُ النّاسِ. وقالَ النّابِغَةُ: يُحَيَّوْنَ بِالرَّيْحانِ يَوْمَ السَّباسِبِ - أيْ يُحَيَّوْنَ مَعَ تَقْدِيمِ الرَّيْحانِ في يَوْمِ عِيدِ الشَّعانِينِ وكانَتِ التَّحِيَّةُ خاصَّةً بِالمُلُوكِ بِدُعاءِ حَيّاكَ اللَّهُ غالِبًا، فَلِذَلِكَ أطْلَقُوا التَّحِيَّةَ عَلى المُلْكِ في قَوْلِ زُهَيْرِ بْنِ جَنّابٍ الكَلْبِيِّ: ولَكُلُّ ما نالَ الفَتى ∗∗∗ قَدْ نِلْتُهُ إلّا التَّحِيَّةَ يُرِيدُ أنَّهُ بَلَغَ غايَةَ المَجْدِ سِوى المُلْكِ. وهو الَّذِي عَناهُ المَعَرِّيُّ بِقَوْلِهِ: تَحِيَّةُ كِسْرى في الثَّناءِ وتُبَّعِ ∗∗∗ لِرَبْعِكِ لا أرْضى تَحِيَّةَ أرْبُعِ . وهَذِهِ الآيَةُ مِن آدابِ الإسْلامِ: عَلَّمَ اللَّهُ بِها أنْ يَرُدُّوا عَلى المُسَلِّمِ بِأحْسَنَ مِن سَلامِهِ أوْ بِما يُماثِلُهُ، لِيَبْطُلَ ما كانَ بَيْنَ الجاهِلِيَّةِ مِن تَفاوُتِ السّادَةِ والدَّهْماءِ. وتَكُونُ التَّحِيَّةُ أحْسَنَ بِزِيادَةِ المَعْنى، فَلِذَلِكَ قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [الذاريات: ٢٥]: إنَّ تَحِيَّةَ إبْراهِيمَ كانَتْ أحْسَنَ إذْ عَبَّرَ عَنْها بِما هو أقْوى في كَلامِ العَرَبِ وهو رَفْعُ المَصْدَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ وتَناسِي الحُدُوثِ المُؤْذِنِ بِهِ نَصْبُ المَصْدَرِ، ولَيْسَ في لُغَةِ إبْراهِيمَ مِثْلُ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ مِن بَدِيعِ التَّرْجَمَةِ. ”ولِذَلِكَ جاءَ في تَحِيَّةِ الإسْلامِ: السَّلامُ عَلَيْكم، وفي رَدِّها وعَلَيْكُمُ السَّلامُ لِأنَّ تَقْدِيمَ الظَّرْفِ فِيهِ لِلِاهْتِمامِ بِضَمِيرِ المُخاطَبِ. وقالَ بَعْضُ النّاسِ: إنَّ الواوَ في رَدِّ السَّلامِ تُفِيدُ مَعْنى الزِّيادَةِ فَلَوْ كانَ المُسَلِّمُ بَلَغَ غايَةَ التَّحِيَّةِ أنْ يَقُولَ: صفحة ١٤٧ السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، فَإذا قالَ الرّادُّ وعَلَيْكُمُ السَّلامُ إلَخْ، كانَ قَدْ رَدَّها بِأحْسَنَ مِنها بِزِيادَةِ الواوِ، وهَذا وهْمٌ. ومَعْنى“ رُدُّوها ”رُدُّوا مِثْلَها، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، لِظُهُورِ تَعَذُّرِ رَدِّ ذاتِ التَّحِيَّةِ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وهو يَرِثُها﴾ [النساء: ١٧٦] فَعادَ ضَمِيرُ“ وهو ”وهاءُ“ يَرِثُها ”إلى اللَّفْظَيْنِ لا إلى الذّاتَيْنِ، ودَلَّ الأمْرُ عَلى وُجُوبِ رَدِّ السَّلامِ، ولا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى حُكْمِ الِابْتِداءِ بِالسَّلامِ، فَذَلِكَ ثابِتٌ بِالسُّنَّةِ لِلتَّرْغِيبِ فِيهِ. وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ العَرَبَ كانُوا لا يُقَدِّمُونَ اسْمَ المُسَلَّمِ عَلَيْهِ المَجْرُورِ بِعَلى في ابْتِداءِ السَّلامِ إلّا في الرِّثاءِ، في مِثْلِ قَوْلِ عَبْدَةَ بْنِ الطَّيِّبِ: عَلَيْكَ سَلامُ اللَّهِ قَيْسُ بْنَ عاصِمٍ ∗∗∗ ورَحْمَتُهُ ما شاءَ أنْ يَتَرَحَّما وفِي قَوْلِ الشَّمّاخِ: عَلَيْكَ سَلامٌ مِن أمِيرٍ وبارَكَتْ ∗∗∗ يَدُ اللَّهِ في ذاكَ الأدِيمِ المُمَزَّقِ يَرْثِي عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ أوْ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ. رَوى أبُو داوُدَ «أنَّ جابِرَ بْنَ سُلَيْمٍ سَلَّمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: عَلَيْكَ السَّلامُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ لَهُ إنَّ عَلَيْكَ السَّلامُ تَحِيَّةُ المَوْتى، قُلِ: السَّلامُ عَلَيْكَ» . والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ لِقَصْدِ الِامْتِنانِ بِهَذِهِ التَّعْلِيماتِ النّافِعَةِ. والحَسِيبُ: العَلِيمُ وهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ: مِن حَسِبَ بِكَسْرِ السِّينِ الَّذِي هو مِن أفْعالِ القَلْبِ، فَحُوِّلَ إلى فَعُلَ بِضَمِّ عَيْنِهِ لَمّا أُرِيدَ بِهِ أنَّ العِلْمَ وصْفٌ ذاتِيٌّ لَهُ، وبِذَلِكَ نَقَصَتْ تَعْدِيَتُهُ فاقْتَصَرَ عَلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، ثُمَّ ضُمِّنَ مَعْنى المُحْصِي فَعُدِّيَ إلَيْهِ بـِ“ عَلى ”. ويَجُوزُ كَوْنُهُ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ. قِيلَ: الحَسِيبُ هُنا بِمَعْنى المُحاسِبِ، كالأكِيلِ والشَّرِيبِ. فَعَلى كَلامِهِمْ يَكُونُ التَّذْيِيلُ وعْدًا بِالجَزاءِ عَلى قَدْرِ فَضْلِ رَدِّ السَّلامِ، أوْ بِالجَزاءِ السَّيِّئِ عَلى تَرْكِ الرَّدِّ مِن أصْلِهِ. وقَدْ أُكِّدَ وصْفُ اللَّهِ بِحَسِيبٍ بِمُؤَكِّدَيْنِ: حَرْفُ“ إنَّ ”وفِعْلُ“ كانَ " الدّالُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ وصْفٌ مُقَرَّرٌ أزَلِيٌّ.

النساء 4:87

صفحة ١٤٨ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، جَمَعَ تَمْجِيدَ اللَّهِ، وتَهْدِيدًا، وتَحْذِيرًا مِن مُخالَفَةِ أمْرِهِ، وتَقْرِيرًا لِلْإيمانِ بِيَوْمِ البَعْثِ، ورَدًّا لِإشْراكِ بَعْضِ المُنافِقِينَ وإنْكارِهِمُ البَعْثَ. فاسْمُ الجَلالَةِ مُبْتَدَأٌ. وجُمْلَةُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ لِتَمْجِيدِ اللَّهِ. وجُمْلَةُ ”لَيَجْمَعَنَّكم“ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ واقِعٍ جَمِيعُهُ مَوْقِعَ الخَبَرِ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ. وأُكِّدَ هَذا الخَبَرُ: بِلامِ القَسَمِ، ونُونِ التَّوْكِيدِ، وبِتَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ، لِتَقْوِيَةِ تَحْقِيقِ هَذا الخَبَرِ، إبْطالًا لِإنْكارِ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ. ومَعْنى لا رَيْبَ فِيهِ نَفْيٌ أنْ يَتَطَرَّقَهُ جِنْسُ الرَّيْبِ والشَّكِّ أيْ في مَجِيئِهِ، والمَقْصُودُ لا رَيْبَ حَقِيقِيًّا فِيهِ، أوْ أنَّ ارْتِيابَ المُرْتابِينَ لِوَهَنِهِ نُزِّلَ مَنزِلَةَ الجِنْسِ المَعْدُومِ. والِاسْتِفْهامُ عَنْ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أصْدَقَ مِنَ اللَّهِ هو اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ. و”حَدِيثًا“ تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ فِعْلِ التَّفْضِيلِ.

النساء 4:88

﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ . تَفْرِيعٌ عَنْ أخْبارِ المُنافِقِينَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، لِأنَّ ما وُصِفَ مِن أحْوالِهِمْ لا يَتْرُكُ شَكًّا عِنْدَ المُؤْمِنِينَ في خُبْثِ طَوِيَّتِهِمْ وكُفْرِهِمْ، أوْ هو تَفْرِيعٌ عَنْ قَوْلِهِ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا. وإذْ قَدْ حَدَّثَ اللَّهُ عَنْهم بِما وصَفَ مِن سابِقِ الآيِ، فَلا يَحِقُّ التَّرَدُّدُ في سُوءِ نَواياهم وكُفْرِهِمْ، فَمَوْقِعُ الفاءِ هَنا نَظِيرُ مَوْقِعِ الفاءِ في قَوْلِهِ ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٤] في سُورَةِ النِّساءِ. صفحة ١٤٩ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْجِيبِ واللَّوْمِ. والتَّعْرِيفُ في المُنافِقِينَ لِلْعَهْدِ. و”فِئَتَيْنِ“ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِاللّامِ فَهي قَيْدٌ لِعامِلِهِ، الَّذِي هو التَّوْبِيخُ، فَعُلِمَ أنَّ مَحَلَّ التَّوْبِيخِ هو الِانْقِسامُ. و”في المُنافِقِينَ“ مُتَعَلِّقٌ بِفِئَتَيْنِ لِتَأْوِيلِهِ بِمَعْنى: مُنْقَسِمِينَ، ومَعْناهُ: في شَأْنِ المُنافِقِينَ، لِأنَّ الحُكْمَ لا يَتَعَلَّقُ بِذَواتِ المُنافِقِينَ. والفِئَةُ: الطّائِفَةُ. وزْنُها فِلَةٌ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الفَيْءِ وهو الرُّجُوعُ، لِأنَّهم يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ في شُئُونِهِمْ. وأصْلُها فَيْءٌ، فَحَذَفُوا الياءَ مِن وسَطِهِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ وعَوَّضُوا عَنْها الهاءَ. وقَدْ عُلِمَ أنَّ الِانْقِسامَ إلى فِئَتَيْنِ ما هو إلّا انْقِسامٌ في حالَةٍ مِن حالَتَيْنِ، والمَقامُ لِلْكَلامِ في الإيمانِ والكُفْرِ، أيْ فَما لَكم بَيْنَ مُكَفِّرٍ لَهم ومُبَرِّرٍ؛ وفي إجْراءِ أحْكامِ الإيمانِ أوِ الكُفْرِ عَلَيْهِمْ. قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُنْخَذِلِينَ يَوْمَ أُحُدٍ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأتْباعِهِ، اخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ في وصْفِهِمْ بِالإيمانِ أوِ الكُفْرِ بِسَبَبِ فِعْلَتِهِمْ تِلْكَ. وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: رَجَعَ ناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيءِ مِن أُحُدٍ، وكانَ النّاسُ فِيهِمْ فَرِيقَيْنِ، فَرِيقٌ يَقُولُ: اقْتُلْهم، وفَرِيقٌ يَقُولُ: لا، فَنَزَلَتْ ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ . وقالَ إنَّها طَيْبَةُ تَنْفِي الخَبَثَ كَما تَنْفِي النّارُ خَبَثَ الفِضَّةِ أيْ ولَمْ يَقْتُلْهُمُ النَّبِيءُ ﷺ جَرْيًا عَلى ظاهِرِ حالِهِمْ مِن إظْهارِ الإسْلامِ. فَتَكُونُ الآيَةُ لِبَيانِ أنَّهُ ما كانَ يَنْبَغِي التَّرَدُّدُ في أمْرِهِمْ. وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ أظْهَرُوا الإيمانَ، وهاجَرُوا إلى المَدِينَةِ، ثُمَّ اسْتَأْذَنُوا في الرُّجُوعِ إلى مَكَّةَ، لِيَأْتُوا بِبِضاعَةٍ يَتَّجِرُونَ فِيها، وزَعَمُوا أنَّهم لَمْ يَزالُوا مُؤْمِنِينَ، فاخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ في شَأْنِهِمْ: أهم مُشْرِكُونَ أمْ مُسْلِمُونَ. ويُبَيِّنُهُ ما رُوِيَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا مِن أهْلِ مَكَّةَ يُبْطِنُونَ الشِّرْكَ ويُظْهِرُونَ الإسْلامَ لِلْمُسْلِمِينَ، لِيَكُونُوا في أمْنٍ مِن تَعَرُّضِ المُسْلِمِينَ لَهم بِحَرْبٍ في خُرُوجِهِمْ في تِجاراتٍ أوْ نَحْوِها، وأنَّهُ قَدْ بَلَغَ المُسْلِمِينَ أنَّهم خَرَجُوا مِن مَكَّةَ في تِجارَةٍ، فَقالَ فَرِيقٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: نَرْكَبُ إلَيْهِمْ فَنُقاتِلُهم، وقالَ فَرِيقٌ: كَيْفَ نَقْتُلُهم وقَدْ نَطَقُوا بِالإسْلامِ، فاخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ في ذَلِكَ، ولَمْ يُغَيِّرْ رَسُولُ اللَّهِ عَلى أحَدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ» . صفحة ١٥٠ وعَنِ الضَّحّاكِ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ أظْهَرُوا الإسْلامَ بِمَكَّةَ ولَمْ يُهاجِرُوا، وكانُوا يُظاهِرُونَ المُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [النساء: ٩٧] الآيَةَ. وأحْسَبُ أنَّ هَؤُلاءِ الفِرَقَ كُلَّهم كانُوا مَعْرُوفِينَ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ، فَكانُوا مَثَلًا لِعُمُومِها وهي عامَّةٌ فِيهِمْ وفي غَيْرِهِمْ مِن كُلِّ مَن عُرِفَ بِالنِّفاقِ يَوْمَئِذٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ ومِن أهْلِ مَكَّةَ. والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ فاتَ وقْتُ قِتالِهِمْ، لِقَصْدِ عَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهم وقْتَ خُرُوجِهِمْ، اسْتِدْراجًا لَهم إلى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ. وعَلى جَمِيعِ الِاحْتِمالاتِ فَمَوْقِعُ المَلامِ هو الخَطَأُ في الِاجْتِهادِ لِضَعْفِ دَلِيلِ المُخْطِئِينَ لِأنَّ دَلائِلَ كُفْرِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم كانَتْ تَرْجُحُ عَلى دَلِيلِ إسْلامِهِمُ الَّذِي هو مُجَرَّدُ النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ، مَعَ التَّجَرُّدِ عَنْ إظْهارِ مُوالاةِ المُسْلِمِينَ. وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُجْتَهِدَ إذا اسْتَنَدَ إلى دَلِيلٍ ضَعِيفٍ ما كانَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَسْتَدِلَّ بِهِ العالِمُ لا يَكُونُ بَعِيدًا عَنِ المَلامِ في الدُّنْيا، عَلى أنْ أخْطَأ فِيما لا يُخْطِئُ أهْلُ العِلْمِ في مِثْلِهِ. وجُمْلَةُ واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا حالِيَّةٌ، أيْ إنْ كُنْتُمُ اخْتَلَفْتُمْ فِيهِمْ فاللَّهُ قَدْ رَدَّهم إلى حالِهِمُ السُّوأى، لِأنَّ مَعْنى أرْكَسَ رَدَّ إلى الرِّكْسِ، والرِّكْسُ قَرِيبٌ مِنَ الرِّجْسِ. «وفِي حَدِيثِ الصَّحِيحِ في الرَّوْثِ إنَّ هَذا رِكْسٌ» وقِيلَ: مَعْنى أرْكَسَ نَكَّسَ، أيْ رَدَّ رَدًّا شَنِيعًا، وهو مُقارِبٌ لِلْأوَّلِ. وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ رَدَّهم إلى الكُفْرِ جَزاءً لِسُوءِ اعْتِقادِهِمْ وقِلَّةِ إخْلاصِهِمْ مَعَ رَسُولِهِ ﷺ، فَإنَّ الأعْمالَ تَتَوالَدُ مِن جِنْسِها، فالعَمَلُ الصّالِحُ يَأْتِي بِزِيادَةِ الصّالِحاتِ، والعَمَلُ السَّيِّئُ يَأْتِي بِمُنْتَهى المَعاصِي، ولِهَذا تَكَرَّرَ في القُرْآنِ الإخْبارُ عَنْ كَوْنِ العَمَلِ سَبَبًا في بُلُوغِ الغاياتِ مِن جِنْسِهِ. وقَوْلُهُ ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ نَشَأ عَنِ اللَّوْمِ والتَّعْجِيبِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾، لِأنَّ السّامِعِينَ يَتَرَقَّبُونَ بَيانَ وجْهِ اللَّوْمِ، ويَتَساءَلُونَ عَمّاذا يَتَّخِذُونَ نَحْوَ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ. وقَدْ دَلَّ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ المَشُوبُ بِاللَّوْمِ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ هي مَحَلُّ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ، وتَقْدِيرُها: إنَّهم قَدْ أضَلَّهُمُ اللَّهُ، ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾، بِناءً عَلى أنَّ قَوْلَهُ ﴿واللَّهُ أرْكَسَهُمْ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ صفحة ١٥١ أضَلَّهم، بَلِ المُرادُ مِنهُ أساءَ حالَهم، وسُوءُ الحالِ أمْرٌ مُجْمَلٌ يَفْتَقِرُ إلى البَيانِ، فَيَكُونُ فَصْلُ الجُمْلَةِ فَصْلُ الِاسْتِئْنافِ. وإنْ جَعَلْتَ مَعْنى ﴿واللَّهُ أرْكَسَهُمْ﴾ أنَّهُ رَدَّهم إلى الكُفْرِ، كانَتْ جُمْلَةُ أتُرِيدُونَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، ووَجْهُ الفَصْلِ أنَّهُ إقْبالٌ عَلى اللَّوْمِ والإنْكارِ، بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿واللَّهُ أرْكَسَهُمْ﴾ الَّتِي هي خَبَرِيَّةٌ، فالفَصْلُ لِكَمالِ الِانْقِطاعِ لِاخْتِلافِ الغَرَضَيْنِ.

النساء 4:89

﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَإنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهم ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ . الأظْهَرُ أنَّ ضَمِيرَ ”ودُّوا“ عائِدٌ إلى المُنافِقِينَ في قَوْلِهِ ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] . فَضَحَ اللَّهُ هَذا الفَرِيقَ فَأعْلَمَ المُسْلِمِينَ بِأنَّهم مُضْمِرُونَ الكُفْرَ، وأنَّهم يُحاوِلُونَ رَدَّ مَن يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهُ مِنَ المُسْلِمِينَ إلى الكُفْرِ. وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِ المُهاجَرَةِ لا يُناسِبُ إلّا ما تَقَدَّمَ في سَبَبِ النُّزُولِ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ عَبّاسٍ، ولا يُناسِبُ ما في الصَّحِيحِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُ المُهاجَرَةِ بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فاللَّهُ نَهى المُسْلِمِينَ عَنْ وِلايَتِهِمْ إلى أنْ يَخْرُجُوا في سَبِيلِ اللَّهِ في غَزْوَةٍ تَقَعُ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ لِأنَّ غَزْوَةَ أُحُدٍ، الَّتِي انْخَزَلَ عَنْها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، قَدْ مَضَتْ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ. وما أبْلَغَ التَّعْبِيرَ في جانِبِ مُحاوَلَةِ المُؤْمِنِينَ بِالإرادَةِ في قَوْلِهِ ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٨]، وفي جانِبِ مُحاوَلَةِ المُنافِقِينَ بِالوُدِّ، لِأنَّ الإرادَةَ يَنْشَأُ عَنْها الفِعْلُ، فالمُؤْمِنُونَ يَسْتَقْرِبُونَ حُصُولَ الإيمانِ مِنَ المُنافِقِينَ، لِأنَّ الإيمانَ قَرِيبٌ مِن فِطْرَةِ النّاسِ، والمُنافِقُونَ يَعْلَمُونَ أنَّ المُؤْمِنِينَ لا يَرْتَدُّونَ عَنْ دِينِهِمْ، ويَرَوْنَ مِنهم مَحَبَّتَهم إيّاهُ، فَلَمْ يَكُنْ طَلَبُهم تَكْفِيرَ المُؤْمِنِينَ إلّا تَمَنِّيًا، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالوُدِّ المُجَرَّدِ. صفحة ١٥٢ وجُمْلَةُ ﴿فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ تُفِيدُ تَأْكِيدَ مَضْمُونِ قَوْلِهِ بِما كَفَرُوا قُصِدَ مِنها تَحْذِيرُ المُسْلِمِينَ مِنَ الوُقُوعِ في حِبالَةِ المُنافِقِينَ. وقَوْلُهُ ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أقامَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِ عَلامَةً عَلى كُفْرِ المُتَظاهِرِينَ بِالإسْلامِ، حَتّى لا يَعُودَ بَيْنَهُمُ الِاخْتِلافُ في شَأْنِهِمْ، وهي عَلامَةٌ بَيِّنَةٌ، فَلَمْ يَبْقَ مِنَ النِّفاقِ شَيْءٌ مَسْتُورٌ إلّا نِفاقَ مُنافِقِي المَدِينَةِ. والمُهاجَرَةُ في سَبِيلِ اللَّهِ هي الخُرُوجُ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ بِقَصْدِ مُفارَقَةِ أهْلِ مَكَّةَ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ لِأجْلِ الوُصُولِ إلى اللَّهِ، أيْ إلى دِينِهِ الَّذِي أرادَهُ. وقَوْلُهُ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ أعْرَضُوا عَنِ المُهاجَرَةِ. وهَذا إنْذارٌ لَهم قَبْلَ مُؤاخَذَتِهِمْ، إذِ المَعْنى: فَأبْلِغُوهم هَذا الحُكْمَ فَإنْ أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَتَقَبَّلُوهُ فَخُذُوهم واقْتُلُوهم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن صَدَرَ مِنهُ شَيْءٌ يَحْتَمِلُ الكُفْرَ لا يُؤاخَذُ بِهِ حَتّى يُتَقَدَّمَ لَهُ، ويُعَرَّفَ بِما صَدَرَ مِنهُ، ويُعْذَرَ إلَيْهِ، فَإنِ التَزَمَهُ يُؤاخَذُ بِهِ، ثُمَّ يُسْتَتابُ. وهو الَّذِي أفْتى بِهِ سَحْنُونٌ. والوَلِيُّ: المُوالِي الَّذِي يَضَعُ عِنْدَهُ مَوْلاهُ سِرَّهُ ومَشُورَتَهُ. والنَّصِيرُ الَّذِي يُدافِعُ عَنْ ولِيِّهِ ويُعِينُهُ.

النساء 4:90

﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم فَلَقاتَلُوكم فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ . الاسْتِثْناءُ مِنَ الأمْرِ في قَوْلِهِ ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩] أيْ: إلّا الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا. أوْ إلّا الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ إلى مَكَّةَ بَعْدَ أنْ هاجَرُوا، وهَؤُلاءِ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ مِمَّنْ عاهَدُوكم، فَلا تَتَعَرَّضُوا لَهم بِالقَتْلِ، لِئَلّا تَنْقُضُوا عُهُودَكُمُ المُنْعَقِدَةَ مَعَ قَوْمِهِمْ. صفحة ١٥٣ ومَعْنى يَصِلُونَ يَنْتَسِبُونَ، مِثْلُ مَعْنى اتَّصَلَ في قَوْلِ أحَدِ بَنِي نَبْهانَ: ألا بَلِّغا خُلَّتِي راشِدًا وصِنْوِي قَدِيمًا إذا ما اتَّصَلَ أيِ انْتَسَبَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَحَقَ، أيْ إلّا الَّذِينَ يَلْتَحِقُونَ بِقَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ، فَيَدْخُلُونَ في عَهْدِهِمْ. فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ هم مِنَ المُعاهَدِينَ أصالَةً. وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي هم كالمُعاهَدِينَ لِأنَّ مُعاهَدَ المُعاهَدِ كالمُعاهَدِ. والمُرادُ بِـ الَّذِينَ يَصِلُونَ قَوْمٌ غَيْرُ مُعَيَّنِينَ، بَلْ كُلُّ مَنِ اتَّصَلَ بِقَوْمٍ لَهم عَهْدٌ مَعَ المُسْلِمِينَ، ولِذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ: هَؤُلاءِ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ فالمُرادُ بِهِ القَبائِلُ الَّتِي كانَ لَهم عَهْدٌ مَعَ المُسْلِمِينَ. قالَ مُجاهِدٌ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] الآيَةَ خافَ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ، فَذَهَبُوا بِبَضائِعِهِمْ إلى هِلالِ بْنِ عُوَيْمِرِ الأسْلَمِيِّ، وكانَ قَدْ حالَفَ النَّبِيءَ ﷺ عَلى: أنْ لا يُعِينَهُ ولا يُعِينَ عَلَيْهِ، وأنَّ مَن لَجَأ إلى هِلالٍ مِن قَوْمِهِ وغَيْرِهِمْ فَلَهُ مِنَ الجِوارِ مِثْلُ ما لَهُ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالقَوْمِ الَّذِينَ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ خُزاعَةُ، وقِيلَ: بَنُو بَكْرِ بْنِ زَيْدِ مَناءَةٍ كانُوا في صُلْحٍ وهُدْنَةٍ مَعَ المُسْلِمِينَ، ولَمْ يَكُونُوا آمَنُوا يَوْمَئِذٍ. وقِيلَ: هم بَنُو مُدْلِجٍ إذْ كانَ سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ المُدْلِجِيُّ قَدْ عَقَدَ عَهْدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَوْمِهِ بَنِي مُدْلِجٍ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ، عَلى أنْ لا يُعِينُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ، وأنَّهم إنْ أسْلَمَتْ قُرَيْشٌ أسْلَمُوا وإنْ لَمْ تُسْلِمْ قُرَيْشٌ فَهم لا يُسْلِمُونَ، لِئَلّا تَخْشُنَ قُلُوبُ قُرَيْشٍ عَلَيْهِمْ. والأوْلى أنَّ جَمِيعَ هَذِهِ القَبائِلِ مَشْمُولٌ لِلْآيَةِ. ومَعْنى ﴿أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ إلَخْ: أوْ جاءُوا إلى المَدِينَةِ مُهاجِرِينَ ولَكِنَّهم شَرَطُوا أنْ لا يُقاتِلُوا مَعَ المُؤْمِنِينَ قَوْمَهم فاقْبَلُوا مِنهم ذَلِكَ. وكانَ هَذا رُخْصَةً لَهم أوَّلَ الإسْلامِ، إذْ كانَ المُسْلِمُونَ قَدْ هادَنُوا قَبائِلَ مِنَ العَرَبِ تَألُّفًا لَهم، ولِمَن دَخَلَ في عَهْدِهِمْ، فَلَمّا قَوِيَ الإسْلامُ صارَ الجِهادُ مَعَ المُؤْمِنِينَ واجِبًا عَلى كُلِّ مَن يَدْخُلُ في الإسْلامِ، أمّا المُسْلِمُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ ومَن أسْلَمُوا ولَمْ يَشْتَرِطُوا هَذا الشَّرْطَ فَلا تَشْمَلُهُمُ الرُّخْصَةُ، وهُمُ الَّذِينَ قاتَلُوا مُشْرِكِي مَكَّةَ وغَيْرِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”حَصِرَتْ“ بِصِيغَةِ فِعْلِ المُضِيِّ المُقْتَرِنِ بِتاءِ تَأْنِيثِ الفِعْلِ وقَرَأهُ يَعْقُوبُ (حَصِرَةً) بِصِيغَةِ الصِّفَةِ وبَهاءِ تَأْنِيثِ الوَصْفِ في آخِرِهِ مَنصُوبَةً مُنَوَّنَةً - . صفحة ١٥٤ و”حَصِرَتْ“ بِمَعْنى ضاقَتْ وحَرِجَتْ. و”أنْ يُقاتِلُوكم“ مَجْرُورٌ بِحَذْفِ عَنْ، أيْ ضاقَتْ عَنْ قِتالِكم، لِأجْلِ أنَّهم مُؤْمِنُونَ لا يَرْضَوْنَ قِتالَ إخْوانِهِمْ، وعَنْ قِتالِ قَوْمِهِمْ لِأنَّهم مِن نَسَبٍ واحِدٍ، فَعَظُمَ عَلَيْهِمْ قِتالُهم. وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ عَلى أنَّ ذَلِكَ عَنْ صِدْقٍ مِنهم. وأُرِيدَ بِهَؤُلاءِ بَنُو مُدْلِجٍ: عاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ عَذَرَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ إذْ صَدَقُوا، وبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ فائِدَةَ هَذا التَّسْخِيرِ الَّذِي سَخَّرَ لَهم مِن قَوْمٍ قَدْ كانُوا أعْداءً لَهم فَصارُوا سِلْمًا يَوَدُّونَهم، ولَكِنَّهم يَأْبَوْنَ قِتالَ قَوْمِهِمْ فَقالَ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم فَلَقاتَلُوكُمْ﴾، ولِذَلِكَ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِكَفِّ أيْدِيهِمْ عَنْ هَؤُلاءِ إنِ اعْتَزَلُوهم ولَمْ يُقاتِلُوهم، وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ أيْ إذْنًا بَعْدَ أنْ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِقِتالِ غَيْرِهِمْ حَيْثُ وجَدُوهم. والسَّبِيلُ هُنا مُسْتَعارٌ لِوَسِيلَةِ المُؤاخَذَةِ، ولِذَلِكَ جاءَ في خَبَرِهِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ دُونَ حَرْفِ الغايَةِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] في سُورَةِ بَراءَةٍ.

النساء 4:91

﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهم كُلَّما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكم ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ ويَكُفُّوا أيْدِيَهم فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأُولَئِكم جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ . هَؤُلاءِ فَرِيقٌ آخَرُ لا سَعْيَ لَهم إلّا في خُوَيْصَّتِهِمْ، ولا يَعْبَأُونَ بِغَيْرِهِمْ، فَهم يُظْهِرُونَ المَوَدَّةَ لِلْمُسْلِمِينَ لِيَأْمَنُوا غَزْوَهم، ويُظْهِرُونَ الوُدَّ لِقَوْمِهِمْ لِيَأْمَنُوا غائِلَتَهم، وما هم بِمُخْلِصِينَ الوُدَّ لِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ، ولِذَلِكَ وُصِفُوا بِإرادَةِ أنْ يَأْمَنُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ ومِن قَوْمِهِمْ، فَلا هَمَّ لَهم إلّا حُظُوظُ أنْفُسِهِمْ، يَلْتَحِقُونَ بِالمُسْلِمِينَ في قَضاءِ لُباناتٍ صفحة ١٥٥ لَهم فَيُظْهِرُونَ الإيمانَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى قَوْمِهِمْ فَيَرْتَدُّونَ إلى الكُفْرِ. وهُوَ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿كُلَّما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها﴾ . وقَدْ مَرَّ بَيانُ مَعْنى أُرْكِسُوا قَرِيبًا. وهَؤُلاءِ هم غَطَفانُ وبَنُو أسَدٍ مِمَّنْ كانُوا حَوْلَ المَدِينَةِ قَبْلَ أنْ يَخْلُصَ إسْلامُهم، وبَنُو عَبْدِ الدّارِ مِن أهْلِ مَكَّةَ. كانُوا يَأْتُونَ المَدِينَةَ فَيُظْهِرُونَ الإسْلامَ ويَرْجِعُونَ إلى مَكَّةَ فَيَعْبُدُونَ الأصْنامَ. وأمْرُ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ في مُعامَلَةِ هَؤُلاءِ ومُعامَلَةِ الفَرِيقِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ [النساء: ٩٠] أمْرٌ واحِدٌ، وهو تَرْكُهم إذا تَرَكُوا المُؤْمِنِينَ وسالَمُوهم، وقِتالُهم إذا ناصَبُوهُمُ العَداءَ. إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الشَّرْطَ المَفْرُوضَ بِالنِّسْبَةِ إلى الأوَّلِينَ: أنَّهم يَعْتَزِلُونَ المُسْلِمِينَ، ويُلْقُونَ إلَيْهِمُ السَّلَمَ، ولا يُقاتِلُونَهم، وجَعَلَ الشَّرْطَ المَفْرُوضَ بِالنِّسْبَةِ إلى هَؤُلاءِ أنَّهم لا يَعْتَزِلُونَ المُسْلِمِينَ، ولا يُلْقُونَ إلَيْهِمُ السَّلَمَ، ولا يَكُفُّونَ أيْدِيَهم عَنْهم، نَظَرًا إلى الحالَةِ المُتَرَقَّبَةِ مِن كُلِّ فَرِيقٍ مِنَ المَذْكُورِينَ. وهُوَ افْتِنانٌ بَدِيعٌ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ اخْتِلافٌ في الحُكْمِ ولَكِنْ صَرَّحَ بِاخْتِلافِ الحالَيْنِ، وبِوَصْفِ ما في ضَمِيرِ الفَرِيقَيْنِ. والوِجْدانُ في قَوْلِهِ ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ بِمَعْنى العُثُورِ والِاطِّلاعِ، أيْ سَتَطَّلِعُونَ عَلى قَوْمٍ آخَرِينَ، وهو مِنَ اسْتِعْمالِ وجَدَ، ويَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَقَوْلُهُ ”﴿يُرِيدُونَ﴾“ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وسَيَأْتِي بَيانُ تَصارِيفِ اسْتِعْمالِ الوِجْدانِ في كَلامِهِمْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٨٢] في سُورَةِ المائِدَةِ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿وأُولَئِكم جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِهِمْ. ”والسُّلْطانُ المُبِينُ“ هو الحُجَّةُ الواضِحَةُ الدّالَّةُ عَلى نِفاقِهِمْ، فَلا يُخْشى أنْ يُنْسَبَ المُسْلِمُونَ في قِتالِهِمْ إلى اعْتِداءٍ وتَفْرِيقِ الجامِعَةِ.

النساء 4:92

﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهْوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ . صفحة ١٥٦ انْتِقالُ الغَرَضِ يُعِيدُ نَشاطَ السّامِعِ بِتَفَنُّنِ الأغْراضِ، فانْتَقَلَ مِن تَحْدِيدِ أعْمالِ المُسْلِمِينَ مَعَ العَدُوِّ إلى أحْكامِ مُعامَلَةِ المُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ: مِن وُجُوبِ كَفِّ عُدْوانِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. والمُناسَبَةُ بَيْنَ الغَرَضِ المُنْتَقَلِ مِنهُ والمُنْتَقَلِ إلَيْهِ: أنَّهُ قَدْ كانَ الكَلامُ في قِتالِ المُتَظاهِرِينَ بِالإسْلامِ الَّذِينَ ظَهَرَ نِفاقُهم، فَلا جَرَمَ أنْ تَتَشَوَّفَ النَّفْسُ إلى حُكْمِ قَتْلِ المُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ حَدَثَ حادِثُ قَتْلِ مُؤْمِنٍ خَطَأً بِالمَدِينَةِ ناشِئٌ عَنْ حَزازاتٍ أيّامَ القِتالِ في الشِّرْكِ أخْطَأ فِيهِ القاتِلُ إذْ ظَنَّ المَقْتُولَ كافِرًا. وحادِثُ قَتْلِ مُؤْمِنٍ عَمْدًا مِمَّنْ كانَ يُظْهِرُ الإيمانَ، والحادِثُ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤] وأنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في ذَلِكَ، فَتَزْدادُ المُناسَبَةُ وُضُوحًا لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَصِيرُ كالمُقَدِّمَةِ لِما ورَدَ بَعْدَها مِنَ الأحْكامِ في القَتْلِ. هَوَّلَ اللَّهُ تَعالى أمْرَ قَتْلِ المُسْلِمِ أخاهُ المُسْلِمَ، وجَعَلَهُ في حَيِّزِ ما لا يَكُونُ، فَقالَ ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ فَجاءَ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في النَّفْيِ، وهي صِيغَةُ الجُحُودِ، أيْ ما وُجِدَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ الخَطَأِ، أوْ أنْ يَقْتُلَ قَتْلًا مِنَ القَتْلِ إلّا قَتْلَ الخَطَأِ. فَكانَ الكَلامُ حَصْرًا وهو حَصْرٌ ادِّعائِيٌّ مُرادٌ بِهِ المُبالَغَةُ كَأنَّ صِفَةَ الإيمانِ في القاتِلِ والمَقْتُولِ تُنافِي الِاجْتِماعَ مَعَ القَتْلِ في نَفْسِ الأمْرِ مُنافاةَ الضِّدَّيْنِ لِقَصْدِ الإيذانِ بِأنَّ المُؤْمِنَ إذا قَتَلَ مُؤْمِنًا فَقَدْ سُلِبَ عَنْهُ الإيمانُ وما هو بِمُؤْمِنٍ، عَلى نَحْوِ «ولا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُها وهو مُؤْمِنٌ» . فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً عَمّا بَعْدَها، غَيْرَ مُرادٍ بِها التَّشْرِيعُ، بَلْ هي كالمُقَدِّمَةِ لِلتَّشْرِيعِ، لِقَصْدِ تَفْظِيعِ حالِ قَتْلِ المُؤْمِنِ المُؤْمِنَ قَتْلًا غَيْرَ خَطَأٍ، وتَكُونُ خَبَرِيَّةً لَفْظًا ومَعْنًى، ويَكُونُ الِاسْتِثْناءُ حَقِيقِيًّا مِن عُمُومِ الأحْوالِ، أيْ صفحة ١٥٧ يَنْتَفِي قَتْلُ المُؤْمِنِ مُؤْمِنًا في كُلِّ حالٍ إلّا في حالِ عَدَمِ القَصْدِ، وهَذا أحْسَنُ ما يَبْدُو في مَعْنى الآيَةِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ قَوْلَهُ ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ خَبَرًا مُرادًا بِهِ النَّهْيُ، اسْتُعْمِلَ المُرَكَّبُ في لازِمِ مَعْناهُ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ التَّمْثِيلِيِّ، وتَجْعَلَ قَوْلَهُ ﴿إلّا خَطَأً﴾ تَرْشِيحًا لِلْمَجازِ: عَلى نَحْوِ ما قَرَّرْناهُ في الوَجْهِ الأوَّلِ، فَيَحْصُلُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ صُورَةَ الخَطَأِ لا يَتَعَلَّقُ بِها النَّهْيُ، إذْ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ الخَطَأ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ أمْرٌ ولا نَهْيٌ. يَعْنِي إنْ كانَ نَوْعٌ مِن قَتْلِ المُؤْمِنِ مَأْذُونًا فِيهِ لِلْمُؤْمِنِ، فَهو قَتْلُ الخَطَأِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ المُخْطِئَ لا يَأْتِي فِعْلَهُ قاصِدًا امْتِثالًا ولا عِصْيانًا، فَرَجَعَ الكَلامُ إلى مَعْنى: وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا قَتْلًا تَتَعَلَّقُ بِهِ الإرادَةُ والقَصْدُ بِحالٍ أبَدًا، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مَبْدَأ التَّشْرِيعِ، وما بَعْدَها كالتَّفْصِيلِ لَها؛ وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ لا يُشْكِلُ الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا خَطَأً﴾ . وذَهَبَ المُفَسِّرُونَ إلى أنَّ ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ مُرادٌ بِهِ النَّهْيُ، أيْ خَبَرٌ في مَعْنى الإنْشاءِ فالتَجَأُوا إلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ بِمَعْنى (لَكِنْ) فِرارًا مِنَ اقْتِضاءِ مَفْهُومِ الِاسْتِثْناءِ إباحَةَ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنًا خَطَأً، وقَدْ فَهِمْتَ أنَّهُ غَيْرُ مُتَوَهَّمٍ هُنا. وإنَّما جِيءَ بِالقَيْدِ في قَوْلِهِ ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ مُرادٌ بِهِ ادِّعاءُ الحَصْرِ أوِ النَّهْيِ كَما عَلِمْتَ، ولَوْ كانَ الخَبَرُ عَلى حَقِيقَتِهِ لاسْتَغْنى عَنِ القَيْدِ لِانْحِصارِ قَتْلِ المُؤْمِنِ بِمُقْتَضاهُ في قَتْلِ الخَطَأِ، فَيُسْتَغْنى عَنْ تَقْيِيدِهِ بِهِ. رَوى الطَّبَرَيُّ، والواحِدِيُّ، في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: «أنَّ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيَّ كانَ قَدْ أسْلَمَ وهاجَرَ إلى المَدِينَةِ قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ، وكانَ أخا أبِي جَهْلٍ لِأُمِّهِ، فَخَرَجَ أبُو جَهْلٍ وأخُوهُ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ والحارِثُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أبِي أُنَيْسَةَ في طَلَبِهِ، فَأتَوْهُ بِالمَدِينَةِ وقالُوا لَهُ: إنَّ أُمَّكَ أقْسَمَتْ أنْ لا يُظِلَّها بَيْتٌ حَتّى تَراكَ، فارْجِعْ مَعَنا حَتّى تَنْظُرَ إلَيْكَ ثُمَّ ارْجِعْ. وأعْطَوْهُ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ أنْ لا يُهَيِّجُوهُ، ولا يَحُولُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ دِينِهِ، فَخَرَجَ مَعَهم فَلَمّا جاوَزُوا المَدِينَةَ أوْثَقُوهُ، ودَخَلُوا بِهِ مَكَّةَ، وقالُوا لَهُ لا نَحُلُّكَ مِن وثاقِكَ حَتّى تَكْفُرَ بِالَّذِي آمَنتَ بِهِ. وكانَ الحارِثُ بْنُ زَيْدٍ يَجْلِدُهُ ويُعَذِّبُهُ، فَقالَ عَيّاشٌ لِلْحارِثِ واللَّهِ لا ألْقاكَ خالِيًا إلّا قَتَلْتُكَ فَبَقِيَ بِمَكَّةَ صفحة ١٥٨ حَتّى خَرَجَ يَوْمَ الفَتْحِ إلى المَدِينَةِ فَلَقِيَ الحارِثَ بْنَ زَيْدٍ بِقُباءٍ، وكانَ الحارِثُ قَدْ أسْلَمَ ولَمْ يَعْلَمْ عَيّاشٌ بِإسْلامِهِ، فَضَرَبَهُ عَيّاشٌ فَقَتَلَهُ. ولَمّا أُعْلِمَ بِأنَّهُ مُسْلِمٌ رَجَعَ عَيّاشٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرَهُ بِالَّذِي صَنَعَ فَنَزَلَتْ ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً»﴾ فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ قَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ. وفِي ابْنِ عَطِيَّةَ: قِيلَ نَزَلَتْ في اليَمانِ، والِدِ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، حِينَ قَتَلَهُ المُسْلِمُونَ يَوْمَ أُحُدٍ خَطَأً. وفِي رِوايَةٍ لِلطَّبَرِيِّ: أنَّها نَزَلَتْ في قَضِيَّةِ أبِي الدَّرْداءِ حِينَ كانَ في سَرِيَّةٍ، فَعَدَلَ إلى شِعْبٍ فَوَجَدَ رَجُلًا في غَنَمٍ لَهُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ أبُو الدَّرْداءِ بِالسَّيْفِ، فَقالَ الرَّجُلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ وجاءَ بِغَنَمِهِ إلى السَّرِيَّةِ، ثُمَّ وجَدَ في نَفْسِهِ شَيْئًا فَأتى إلى النَّبِيءِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وقَوْلُهُ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ الفاءُ رابِطَةٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ، ووَتَحْرِيرُ مَرْفُوعٌ عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مِن جُمْلَةِ الجَوابِ: لِظُهُورِ ”أنَّ“ المَعْنى: فَحُكْمُهُ أوْ فَشَأْنُهُ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ كَقَوْلِهِ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ. والتَّحْرِيرُ تَفْعِيلٌ مِنَ الحُرِّيَّةِ، أيْ جَعْلُ الرَّقَبَةِ حُرَّةً. والرَّقَبَةُ أُطْلِقَتْ عَلى الذّاتِ مِن إطْلاقِ البَعْضِ عَلى الكُلِّ، كَما يَقُولُونَ، الجِزْيَةُ عَلى الرُّءُوسِ عَلى كُلِّ رَأْسٍ أرْبَعَةُ دَنانِيرَ. ومِن أسْرارِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ حِرْصُها عَلى تَعْمِيمِ الحُرِّيَّةِ في الإسْلامِ بِكَيْفِيَّةٍ مُنْتَظِمَةٍ، فَإنَّ اللَّهَ لَمّا بَعَثَ رَسُولَهُ بِدِينِ الإسْلامِ كانَتِ العُبُودِيَّةُ مُتَفَشِّيَةً في البَشَرِ، وأُقِيمَتْ عَلَيْها ثَرَواتٌ كَثِيرَةٌ، وكانَتْ أسْبابُها مُتَكاثِرَةً: وهي الأسْرُ في الحُرُوبِ، والتَّصْيِيرُ في الدُّيُونِ، والتَّخَطُّفُ في الغاراتِ، وبَيْعُ الآباءِ والأُمَّهاتِ أبْناءَهم، والرَّهائِنُ في الخَوْفِ، والتَّدايُنُ. فَأبْطَلَ الإسْلامُ جَمِيعَ أسْبابِها عَدا الأسْرِ، وأبْقى الأسْرَ لِمَصْلَحَةِ تَشْجِيعِ الأبْطالِ، وتَخْوِيفِ أهْلِ الدَّعارَةِ مِنَ الخُرُوجِ عَلى المُسْلِمِينَ، لِأنَّ العَرَبِيَّ ما كانَ يَتَّقِي شَيْئًا مِن عَواقِبِ الحُرُوبِ مِثْلَ الأسْرِ، قالَ النّابِغَةُ: حِذارًا عَلى أنْ لا تُنالَ مَقادَتِي ولا نِسْوَتِي حَتّى يَمُتْنَ حَرائِرا صفحة ١٥٩ ثُمَّ داوى تِلْكَ الجِراحَ البَشَرِيَّةَ بِإيجادِ أسْبابِ الحُرِّيَّةِ في مُناسَباتٍ دِينِيَّةٍ جَمَّةٍ: مِنها واجِبَةٌ، ومِنها مَندُوبٌ إلَيْها، ومِنَ الأسْبابِ الواجِبَةِ كَفّارَةُ القَتْلِ المَذْكُورَةُ هُنا. وقَدْ جُعِلَتْ كَفّارَةُ قَتْلِ الخَطَأِ أمْرَيْنِ: أحَدِهِما تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، وقَدْ جُعِلَ هَذا التَّحْرِيرُ بَدَلًا مِن تَعْطِيلِ حَقِّ اللَّهِ في ذاتِ القَتِيلِ، فَإنَّ القَتِيلَ عَبْدٌ مِن عِبادِ اللَّهِ ويُرْجى مِن نَسْلِهِ مَن يَقُومُ بِعِبادَةِ اللَّهِ وطاعَةِ دِينِهِ، فَلَمْ يَخْلُ القاتِلُ مِن أنْ يَكُونَ فَوَّتَ بِقَتْلِهِ هَذا الوَصْفَ، وقَدْ نَبَّهَتِ الشَّرِيعَةُ بِهَذا عَلى أنَّ الحُرِّيَّةَ حَياةٌ، وأنَّ العُبُودِيَّةَ مَوْتٌ؛ فَمَن تَسَبَّبَ في مَوْتِ نَفْسٍ حَيَّةٍ كانَ عَلَيْهِ السَّعْيُ في إحْياءِ نَفْسٍ كالمَيِّتَةِ وهي المُسْتَعْبَدَةُ. وسَنَزِيدُ هَذا بَيانًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِئاءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠] في سُورَةِ المائِدَةِ، فَإنَّ تَأْوِيلَهُ أنَّ اللَّهَ أنْقَذَهم مِنَ اسْتِعْبادِ الفَراعِنَةِ فَصارُوا كالمُلُوكِ لا يَحْكُمُهم غَيْرُهم. وثانِيهُما الدِّيَةُ. والدِّيَةُ مالٌ يُدْفَعُ لِأهْلِ القَتِيلِ خَطَأً، جَبْرًا لِمُصِيبَةِ أهْلِهِ فِيهِ مِن حَيَوانٍ أوْ نَقْدَيْنِ أوْ نَحْوِهِما، كَما سَيَأْتِي. والدِّيَةُ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ العَرَبِ بِمَعْناها ومَقادِيرِها فَلِذَلِكَ لَمْ يُفَصِّلْها القُرْآنُ. وقَدْ كانَ العَرَبُ جَعَلُوا الدِّيَةَ عَلى كَيْفِيّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَكانَتْ عِوَضًا عَنْ دَمِ القَتِيلِ في العَمْدِ وفي الخَطَأِ، فَأمّا في العَمْدِ فَكانُوا يَتَعَيَّرُونَ بِأخْذِها. قالَ الحَماسِيُّ: فَلَوْ أنَّ حَيًّا يَقْبَلُ المالَ فِدْيَةً ∗∗∗ لَسُقْنا لَهم سَيْبًا مِنَ المالِ مُفْعَما ولَكِنْ أبى قَوْمٌ أُصِيبَ أخُوهُمُ ∗∗∗ رِضى العارِ فاخْتارُوا عَلى اللَّبَنِ الدَّما وإذا رَضِيَ أوْلِياءُ القَتِيلِ بِدِيَةٍ بِشَفاعَةِ عُظَماءِ القَبِيلَةِ قَدَّرُوها بِما يَتَراضَوْنَ عَلَيْهِ. قالَ زُهَيْرٌ: تُعَفّى الكُلُومُ بِالمِئِينَ فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ يُنَجِّمُها مَن لَيْسَ فِيها بِمُجْرِمِ وأمّا في الخَطَأِ فَكانُوا لا يَأْبَوْنَ أخْذَ الدِّيَةِ، قِيلَ: إنَّها كانَتْ عَشَرَةٌ مِنَ الإبِلِ وأنَّ أوَّلَ مَن جَعَلَها مِائَةً مِنَ الإبِلِ عَبْدُ المُطَّلِبِ بْنُ هاشِمٍ، إذْ فَدى ولَدَهُ عَبْدَ اللَّهِ بَعْدَ أنْ نَذَرَ ذَبْحَهُ لِلْكَعْبَةِ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ، فَجَرَتْ في قُرَيْشٍ كَذَلِكَ، ثُمَّ تَبِعَهُمُ العَرَبُ، وقِيلَ: أوَّلُ مَن جَعَلَ الدِّيَةَ مِائَةً مِنَ الإبِلِ أبُو سَيّارَةَ عُمَيْلَةُ العَدَوانِيُّ، وكانَتْ دِيَةُ المَلِكِ ألْفًا مِنَ صفحة ١٦٠ الإبِلِ، ودِيَةُ السّادَةِ مِائَتَيْنِ مِنَ الإبِلِ، ودِيَةُ الحَلِيفِ نِصْفُ دِيَةِ الصَّمِيمِ. وأوَّلُ مَن وُدِيَ بِالإبِلِ هو زَيْدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ هَوازِنَ، إذْ قَتَلَهُ أخُوهُ مُعاوِيَةُ جَدُّ بَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ. وأكْثَرُ ما ورَدَ في السُّنَّةِ مِن تَقْدِيرِ الدِّيَةِ هو مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ مُخَمَّسَةٌ أخْماسًا: عِشْرُونَ حِقَّةً، وعِشْرُونَ جَذَعَةً، وعِشْرُونَ بِنْتَ مَخاضٍ، وعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ. ودِيَةُ العَمْدِ، إذا رَضِيَ أوْلِياءُ القَتِيلِ بِالدِّيَةِ، مُرَبَّعَةٌ: خَمْسٌ وعِشْرُونَ مِن كُلِّ صِنْفٍ مِنَ الأصْنافِ الأرْبَعَةِ الأُوَلِ. وتُغَلَّظُ الدِّيَةُ عَلى أحَدِ الأبَوَيْنِ تَغْلِيظًا بِالصِّنْفِ لا بِالعَدَدِ، إذا قَتَلَ ابْنَهُ خَطَأً: ثَلاثُونَ جَذَعَةً، وثَلاثُونَ حِقَّةً، وأرْبَعُونَ خَلِفَةً، أيْ نُوقًا في بُطُونِها أجِنَّتُها. وإذا كانَ أهْلُ القَتِيلِ غَيْرَ أهْلِ إبِلٍ نُقِلَتِ الدِّيَةُ إلى قِيمَةِ الإبِلِ تَقْرِيبًا فَجُعِلَتْ عَلى أهْلِ الذَّهَبِ ألْفَ دِينارٍ، وعَلى أهْلِ الوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ جَعَلَ الدِّيَةَ عَلى أهْلِ البَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وعَلى أهْلِ الغَنَمِ ألْفَيْ شاةٍ. وفي حَدِيثِ أبِي داوُدَ أنَّ «الدِّيَةَ عَلى أهْلِ الحُلَلِ»، أيْ أهْلِ النَّسِيجِ مِثْلَ أهْلِ اليَمَنِ، مِائَةُ حُلَّةٍ. والحُلَّةُ ثَوْبانِ مِن نَوْعٍ واحِدٍ. ومِعْيارُ تَقْدِيرِ الدِّياتِ، بِاخْتِلافِ الأعْصارِ والأقْطارِ، الرُّجُوعُ إلى قِيمَةِ مِقْدارِها مِنَ الإبِلِ المُعَيَّنِ في السُّنَّةِ. ودِيَةُ المَرْأةِ القَتِيلَةِ عَلى النِّصْفِ مِن دِيَةِ الرَّجُلِ. ودِيَةُ الكِتابِيِّ عَلى النِّصْفِ مِن دِيَةِ المُسْلِمِ. ودِيَةُ المَرْأةِ الكِتابِيَّةِ عَلى النِّصْفِ مِن دِيَةِ الرَّجُلِ الكِتابِيِّ. وتُدْفَعُ الدِّيَةُ مُنَجَّمَةً في ثَلاثِ سِنِينَ بَعْدَ كُلِّ سَنَةٍ نَجْمٌ، وابْتِداءُ تِلْكَ النُّجُومِ مِن وقْتِ القَضاءِ في شَأْنِ القَتْلِ أوِ التَّراوُضِ بَيْنَ أوْلِياءِ القَتِيلِ وعاقِلَةِ القاتِلِ. والدِّيَةُ بِتَخْفِيفِ الياءِ مَصْدَرُ ودى، أيْ أعْطى، مِثْلَ رَمى، ومَصْدَرُهُ ودْيٌ مِثْلُ وعْدٍ، حُذِفَتْ فاءُ الكَلِمَةِ تَخْفِيفًا، لِأنَّ الواوَ ثَقِيلَةٌ، كَما حُذِفَتْ في عِدَّةٍ، وعُوِّضَ عَنْها الهاءُ في آخِرِ الكَلِمَةِ مِثْلَ شِيَةٍ مِنَ الوَشْيِ. وأشارَ قَوْلُهُ ﴿مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ إلى أنَّ الدِّيَةَ تَرْضِيَةٌ لِأهْلِ القَتِيلِ. وذُكِرَ الأهْلُ مُجْمَلًا فَعُلِمَ أنَّ أحَقَّ النّاسِ بِها أقْرَبُ النّاسِ إلى القَتِيلِ، فَإنَّ الأهْلَ هو القَرِيبُ، والأحَقُّ بِها الأقْرَبُ. وهِيَ في حُكْمِ الإسْلامِ يَأْخُذُها ورَثَةُ القَتِيلِ عَلى حَسَبِ المِيراثِ صفحة ١٦١ إلّا أنَّ القاتِلَ خَطَأً إذا كانَ وارِثًا لِلْقَتِيلِ لا يَرِثُ مِن دِيَتِهِ، وهي بِمَنزِلَةِ تَعْوِيضِ المُتْلَفاتِ، جُعِلَتْ عِوَضًا لِحَياةِ الَّذِي تَسَبَّبَ القاتِلُ في قَتْلِهِ، ورُبَّما كانَ هَذا المَعْنى هو المَقْصُودُ مِن عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ، ولِذَلِكَ قالُوا: تَكايُلُ الدِّماءِ، وقالُوا: هُما بَواءٌ، أيْ كُفْآنِ في الدَّمِ وزادُوا في دِيَةِ سادَتِهِمْ. وجُعِلَ عَفْوُ أهْلِ القَتِيلِ عَنْ أخْذِ الدِّيَةِ صَدَقَةً مِنهم تَرْغِيبًا في العَفْوِ. وقَدْ أجْمَلَ القُرْآنُ مَن يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ الدِّيَةِ وبَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ بِأنَّهُمُ العاقِلَةُ، وذَلِكَ تَقْرِيرٌ لِما كانَ عَلَيْهِ الأمْرُ قَبْلَ الإسْلامِ. والعاقِلَةُ: القَرابَةُ مِنَ القَبِيلَةِ. تَجِبُ عَلى الأقْرَبِ فالأقْرَبِ بِحَسَبِ التَّقَدُّمِ في التَّعْصِيبِ. وقَوْلُهُ ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ﴾ الآيَةَ أيْ إنْ كانَ القَتِيلُ مُؤْمِنًا وكانَ أهْلُهُ كُفّارًا، بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ عَداوَةٌ، يُقْتَصَرُ في الكَفّارَةِ عَلى تَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ دُونَ دَفْعِ دِيَةٍ لَهم، لِأنَّ الدِّيَةَ: إذا اعْتَبَرْناها جَبْرًا لِأوْلِياءِ الدَّمِ، فَلَمّا كانُوا أعْداءً لَمْ تَكُنْ حِكْمَةٌ في جَبْرِ خَواطِرِهِمْ، وإذا اعْتَبَرْناها عِوَضًا عَنْ مَنافِعِ قَتِيلِهِمْ، مِثْلَ قِيَمِ المُتْلَفاتِ، يَكُونُ مَنعُها مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ لا يَرِثُ الكافِرُ المُسْلِمَ، ولِأنّا لا نُعْطِيهِمْ مالَنا يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَيْنا. وهَذا الحُكْمُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الفُقَهاءِ، إنْ كانَ القَتِيلُ المُؤْمِنُ باقِيًا في دارِ قَوْمِهِ وهم كُفّارٌ، فَأمّا إنْ كانَ القَتِيلُ في بِلادِ الإسْلامِ وكانَ أوْلِياؤُهُ كُفّارًا، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ: لا تَسْقُطُ عَنِ القاتِلِ دِيَتُهُ، وتُدْفَعُ لِبَيْتِ مالِ المُسْلِمِينَ. وقالَ الشّافِعِيُّ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ: تَسْقُطُ الدِّيَةُ لِأنَّ سَبَبَ سُقُوطِها أنَّ مُسْتَحِقِّيها كُفّارٌ. وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ﴾ أنَّ العِبْرَةَ بِأهْلِ القَتِيلِ لا بِمَكانِ إقامَتِهِ، إذْ لا أثَرَ لِمَكانِ الإقامَةِ في هَذا الحُكْمِ ولَوْ كانَتْ إقامَتُهُ غَيْرَ مَعْذُورٍ فِيها. وأخْبَرَ عَنْ قَوْمٍ بِلَفْظِ عَدُوٍّ وهو مُفْرَدٌ، لِأنَّ فَعُولًا بِمَعْنى فاعِلٍ يَكْثُرُ في كَلامِهِمْ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا مُذَكَّرًا غَيْرَ مُطابِقٍ لِمَوْصُوفِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿إنَّ الكافِرِينَ كانُوا لَكم عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٠١] ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ﴾ [الأنعام: ١١٢]، وامْرَأةٌ عَدُوٌّ. وشَذَّ قَوْلُهم عَدُوَّةٌ. وفِي كَلامِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّهُ قالَ لِلنِّسْوَةِ اللّاتِي كُنَّ بِحَضْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ صفحة ١٦٢ فَلَمّا دَخَلَ عُمَرُ ابْتَدَرْنَ الحِجابَ لَمّا رَأيْنَهُ: يا عَدُوّاتِ أنْفُسِهِنَّ. ويُجْمَعُ بِكَثْرَةٍ عَلى أعْداءٍ، قالَ تَعالى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ﴾ [فصلت: ١٩] . وقَوْلُهُ ﴿وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ أيْ إنْ كانَ القَتِيلُ المُؤْمِنَ. فَجَعَلَ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبَيْنَهم مِيثاقٌ، أيْ عَهْدٌ مِن أهْلِ الكُفْرِ، دِيَةَ قَتِيلِهِمُ المُؤْمِنِ اعْتِدادًا بِالعَهْدِ الَّذِي بَيْنَنا وهَذا يُؤْذِنُ بِأنَّ الدِّيَةَ جَبْرٌ لِأوْلِياءِ القَتِيلِ، ولَيْسَتْ مالًا مَوْرُوثًا عَنِ القاتِلِ، إذْ لا يَرْثُ الكافِرُ المُسْلِمَ، فَلا حاجَةَ إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ بِأنْ يَكُونَ لِلْمَقْتُولِ المُؤْمِنِ وارِثٌ مُؤْمِنٌ في قَوْمٍ مُعاهَدِينَ، أوْ يَكُونَ المَقْتُولُ مُعاهَدًا لا مُؤْمِنًا، بِناءً عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في كانَ عائِدٌ عَلى القَتِيلِ بِدُونِ وصْفِ الإيمانِ، وهو تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ لِأنَّ مَوْضُوعَ الآيَةِ فِيمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً. ولا يَهُولَنَّكُمُ التَّصْرِيحُ بِالوَصْفِ في قَوْلِهِ وهو مُؤْمِنٌ لِأنَّ ذَلِكَ احْتِراسٌ ودَفْعٌ لِلتَّوَهُّمِ عِنْدَ الخَبَرِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ﴿مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ أنْ يَظُنَّ أحَدٌ أنَّهُ أيْضًا عَدُوٌّ لَنا في الدِّينِ. وشَرْطُ كَوْنِ القَتِيلِ مُؤْمِنًا في هَذا الحُكْمِ مَدْلُولٌ بِحَمْلِ مُطْلَقِهِ هُنا عَلى المُقَيَّدِ في قَوْلِهِ هُنالِكَ وهو مُؤْمِنٌ، ويَكُونُ مَوْضُوعُ هَذا التَّفْصِيلِ في القَتِيلِ المُسْلِمِ خَطَأً لِتَصْدِيرِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾، وهَذا قَوْلُ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ. وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى إبْقاءِ المُطْلَقِ هُنا عَلى إطْلاقِهِ، وحَمَلُوا مَعْنى الآيَةِ عَلى الذِّمِّيِّ والمُعاهَدِ، يُقْتَلُ خَطَأً فَتَجِبُ الدِّيَةُ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، والشّافِعِيِّ، ولَكِنَّهم قالُوا: إنَّ هَذا كانَ حُكْمًا في مُشْرِكِي العَرَبِ الَّذِينَ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ صُلْحٌ إلى أجَلٍ، حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ، وإنَّ هَذا الحُكْمَ نُسِخَ. وقَوْلُهُ ﴿فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ وُصِفَ الشَّهْرانِ بِأنَّهُما مُتَتابِعانِ والمَقْصُودُ تَتابُعُ أيّامِهِما، لِأنَّ تَتابُعَ الأيّامِ يَسْتَلْزِمُ تَوالِيَ الشَّهْرَيْنِ. وقَوْلُهُ ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ عَلى تَقْدِيرِ: شَرَعَ اللَّهُ الصِّيامَ تَوْبَةً مِنهُ. والتَّوْبَةُ هُنا مَصْدَرُ تابَ بِمَعْنى قَبِلَ التَّوْبَةَ بِقَرِينَةِ تَعْدِيَتِهِ بِـ مِن، لِأنَّ تابَ يُطْلَقُ عَلى مَعْنى نَدِمَ وعَلى مَعْنى قَبِلَ مِنهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٧] في هَذِهِ السُّورَةِ، أيْ خَفَّفَ اللَّهُ عَنِ القاتِلِ فَشَرَعَ الصِّيامَ لِيَتُوبَ عَلَيْهِ فِيما أخْطَأ فِيهِ لِأنَّهُ أخْطَأ في عَظِيمٍ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ تَوْبَةً مَفْعُولًا لِأجْلِهِ راجِعًا إلى تَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ والدِّيَةِ وبَدَلِهِما، وهو الصِّيامُ، أيْ شَرَعَ اللَّهُ صفحة ١٦٣ الجَمِيعَ تَوْبَةً مِنهُ عَلى القاتِلِ، ولَوْ لَمْ يَشْرَعْ لَهُ ذَلِكَ لَعاقَبَهُ عَلى أسْبابِ الخَطَأِ، وهي تَرْجِعُ إلى تَفْرِيطِ الحَذَرِ والأخْذِ بِالحَزْمِ. أوْ هو حالٌ مِن صِيامٍ، أيْ سَبَبُ تَوْبَةٍ، فَهو حالٌ مَجازِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ.

النساء 4:93

﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ . هَذا هو المَقْصُودُ مِنَ التَّشْرِيعِ لِأحْكامِ القَتْلِ، لِأنَّهُ هو المُتَوَقَّعُ حُصُولُهُ مِنَ النّاسِ، وإنَّما أُخِّرَ لِتَهْوِيلِ أمْرِهِ، فابْتَدَأ بِذِكْرِ قَتْلِ الخَطَأِ بِعُنْوانِ قَوْلِهِ ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] . والمُتَعَمِّدُ: القاصِدُ لِلْقَتْلِ، مُشْتَقٌّ مِن عَمَدَ إلى كَذا بِمَعْنى قَصَدَ وذَهَبَ. والأفْعالُ كُلُّها لا تَخَرُجُ عَنْ حالَتَيْ عَمْدٍ وخَطَأٍ، ويُعْرَفُ التَّعَمُّدُ بِأنْ يَكُونَ فِعْلًا لا يَفْعَلُهُ أحَدٌ بِأحَدٍ إلّا وهو قاصِدٌ إزْهاقَ رُوحِهِ بِخُصُوصِهِ بِما تُزْهَقُ بِهِ الأرْواحُ في مُتَعارَفِ النّاسِ، وذَلِكَ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ. ومِن أجْلِ ذَلِكَ قالَ الجُمْهُورُ مِنَ الفُقَهاءِ: القَتْلُ نَوْعانِ عَمْدٌ وخَطَأٌ، وهو الجارِي عَلى وفْقِ الآيَةِ، ومِنَ الفُقَهاءِ مَن جَعَلَ نَوْعًا ثالِثًا سَمّاهُ شِبْهَ العَمْدِ، واسْتَنَدُوا في ذَلِكَ إلى آثارٍ مَرْوِيَّةٍ، إنْ صَحَّتْ فَتَأْوِيلُها مُتَعَيِّنٌ وتُحْمَلُ عَلى خُصُوصِ ما ورَدَتْ فِيهِ. وذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ والواحِدِيُّ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مِقْيَسَ بْنَ صُبابَةَ وأخاهُ هِشامًا جاءا مُسْلِمَيْنِ مُهاجِرَيْنِ فَوُجِدَ هِشامٌ قَتِيلًا في بَنِي النَّجّارِ، ولَمْ يُعْرَفْ قاتِلُهُ، فَأمَرَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِإعْطاءِ أخِيهِ مِقْيَسٍ مِائَةً مِنَ الإبِلِ، دِيَةَ أخِيهِ، وأرْسَلَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ مَعَ رَجُلٍ مِن فِهْرٍ فَلَمّا أخَذَ مِقْيَسٌ الإبِلَ عَدا عَلى الفِهْرِيِّ فَقَتَلَهُ، واسْتاقَ الإبِلَ، وانْصَرَفَ إلى مَكَّةَ كافِرًا وأنْشَدَ في شَأْنِ أخِيهِ: صفحة ١٦٤ قَتَلْتُ بِهِ فِهْرًا وحَمَّلْتُ عَقْلَهُ سُراةَ بَنِي النَّجّارِ أرْبابَ فارِعِ حَلَلْتُ بِهِ وِتْرِي وأدْرَكْتُ ثَأْرَتِي ∗∗∗ وكُنْتُ إلى الأوْثانِ أوَّلَ راجِعِ وقَدْ أهْدَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَمَهُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَقُتِلَ بِسُوقِ مَكَّةَ. وقَوْلُهُ خالِدًا فِيها مَحْمَلُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ عُلَماءِ السُّنَّةِ عَلى طُولِ المُكْثِ في النّارِ لِأجْلِ قَتْلِ المُؤْمِنِ عَمْدًا، لِأنَّ قَتْلَ النَّفْسِ لَيْسَ كُفْرًا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، ولا خُلُودَ في النّارِ إلّا لِلْكُفْرِ، عَلى قَوْلِ عُلَمائِنا مِن أهْلِ السُّنَّةِ، فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُ الخُلُودِ بِالمُبالَغَةِ في طُولِ المُكْثِ، وهو اسْتِعْمالٌ عَرَبِيٌّ. قالَ النّابِغَةُ في مَرَضِ النُّعْمانِ بْنِ المُنْذِرِ: ونَحْنُ لَدَيْهِ نَسْألُ اللَّهَ خُلْدَهُ ∗∗∗ يَرُدُّ لَنا مَلْكًا ولِلْأرْضِ عامِرا ومَحْمَلُهُ عِنْدَ مَن يُكَفِّرُ بِالكَبائِرِ مِنَ الخَوارِجِ، وعِنْدَ مَن يُوجِبُ الخُلُودَ عَلى أهْلِ الكَبائِرِ، عَلى وتِيرَةِ إيجابِ الخُلُودِ بِارْتِكابِ الكَبِيرَةِ. وكِلا الفَرِيقَيْنِ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ تَرِدُ عَلى جَرِيمَةِ قَتْلِ النَّفْسِ عَمْدًا، كَما تَرِدُ عَلى غَيْرِها مِنَ الكَبائِرِ، إلّا أنَّ نَفَرًا مِن أهْلِ السُّنَّةِ شَذَّ شُذُوذًا بَيِّنًا في مَحْمَلِ هَذِهِ الآيَةِ: فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ قاتِلَ النَّفْسِ مُتَعَمِّدًا لا تُقْبَلُ لَهُ تَوْبَةٌ، واشْتَهَرَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعُرِفَ بِهِ، أخْذًا بِهَذِهِ الآيَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ أنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قالَ: آيَةٌ اخْتَلَفَ فِيها أهْلُ الكُوفَةِ، فَرَحَلْتُ فِيها إلى ابْنِ عَبّاسٍ، فَسَألْتُهُ عَنْها، فَقالَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها﴾ الآيَةَ. هي آخِرُ ما نَزَلَ وما نَسَخَها شَيْءٌ، فَلَمْ يَأْخُذْ بِطَرِيقِ التَّأْوِيلِ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَأْوِيلِ كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَحَمَلَهُ جَماعَةٌ عَلى ظاهِرِهِ، وقالُوا: إنَّ مُسْتَنَدَهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي آخِرُ ما نَزَلَ، فَقَدْ نَسَخَتِ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها، الَّتِي تَقْتَضِي عُمُومَ التَّوْبَةِ، مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَقاتِلُ النَّفْسِ مِمَّنْ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ ومِثْلُ قَوْلِهِ ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه: ٨٢] . ومِثْلُ قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] ﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ [الفرقان: ٦٩] ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠] . صفحة ١٦٥ والحَقُّ أنَّ مَحَلَّ التَّأْوِيلِ لَيْسَ هو تَقَدُّمُ النُّزُولِ أوْ تَأخُّرُهُ، ولَكِنَّهُ في حَمْلِ مُطْلَقِ الآيَةِ عَلى الأدِلَّةِ الَّتِي قَيَّدَتْ جَمِيعَ أدِلَّةِ العُقُوباتِ الأُخْرَوِيَّةِ بِحالَةِ عَدَمِ التَّوْبَةِ. فَأمّا حُكْمُ الخُلُودِ فَحَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ أوْ عَلى مَجازِهِ، وهو طُولُ المُدَّةِ في العِقابِ، مَسْألَةٌ أُخْرى لا حاجَةَ إلى الخَوْضِ فِيها حِينَ الخَوْضِ في شَأْنِ تَوْبَةِ القاتِلِ المُتَعَمِّدِ، وكَيْفَ يُحْرَمُ مِن قَبُولِ التَّوْبَةِ، والتَّوْبَةُ مِنَ الكُفْرِ، وهو أعْظَمُ الذُّنُوبِ مَقْبُولَةٌ، فَكَيْفَ بِما هو دُونَهُ مِنَ الذُّنُوبِ. وحَمَلَ جَماعَةٌ مُرادَ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى قَصْدِ التَّهْوِيلِ والزَّجْرِ، لِئَلّا يَجْتَرِئَ النّاسُ عَلى قَتْلِ النَّفْسِ عَمْدًا، ويَرْجُونَ التَّوْبَةَ، ويُعَضِّدُونَ ذَلِكَ بِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ جاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ ألِمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا تَوْبَةٌ ؟ فَقالَ لا إلّا النّارَ. فَلَمّا ذَهَبَ قالَ لَهُ جُلَساؤُهُ أهَكَذا كُنْتَ تُفْتِينا فَقَدْ كُنْتَ تَقُولُ إنَّ تَوْبَتَهُ مَقْبُولَةٌ فَقالَ إنِّي لَأحْسَبُ السّائِلَ رَجُلًا مُغْضَبًا يُرِيدُ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا، قالَ: فَبَعَثُوا في أثَرِهِ فَوَجَدُوهُ كَذَلِكَ. وكانَ ابْنُ شِهابٍ إذا سَألَهُ عَنْ ذَلِكَ مَن يَفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ كانَ قَتَلَ نَفْسًا يَقُولُ لَهُ تَوْبَتُكَ مَقْبُولَةٌ وإذا سَألَهُ مَن لَمْ يَقْتُلْ، وتَوَسَّمَ مِن حالِهِ أنَّهُ يُحاوِلُ قَتْلَ نَفْسٍ، قالَ لَهُ: لا تَوْبَةَ لِلْقاتِلِ. وأقُولُ: هَذا مَقامٌ قَدِ اضْطَرَبَتْ فِيهِ كَلِماتُ المُفَسِّرِينَ كَما عَلِمْتَ، ومِلاكُهُ أنَّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ هُنا في وعِيدِ قاتِلِ النَّفْسِ قَدْ تَجاوَزَ فِيهِ الحَدَّ المَأْلُوفَ مِنَ الإغْلاظِ، فَرَأى بَعْضُ السَّلَفِ أنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِحَمْلِ الوَعِيدِ في الآيَةِ عَلى ظاهِرِهِ، دُونَ تَأْوِيلٍ، لِشِدَّةِ تَأْكِيدِهِ تَأْكِيدًا يَمْنَعُ مَن حَمْلِ الخُلُودِ عَلى المَجازِ، فَيُثْبِتُ لِلْقاتِلِ الخُلُودَ حَقِيقَةً، بِخِلافِ بَقِيَّةِ آيِ الوَعِيدِ، وكَأنَّ هَذا المَعْنى هو الَّذِي جَعَلَهم يَخُوضُونَ في اعْتِبارِ هَذِهِ الآيَةِ مُحْكَمَةً أوْ مَنسُوخَةً، لِأنَّهم لَمْ يَجِدُوا مَلْجَأً آخَرَ يَأْوُونَ إلَيْهِ في حَمْلِها عَلى ما حُمِلَتْ عَلَيْهِ آياتُ الوَعِيدِ: مِن مَحامِلِ التَّأْوِيلِ، أوِ الجَمْعِ بَيْنَ المُتَعارِضاتِ، فَآوَوْا إلى دَعْوى نَسْخِ نَصِّها بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى قَوْلِهِ إلّا مَن تابَ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إمّا أنْ يُرادَ بِهِ مَجْمُوعُ الذُّنُوبِ المَذْكُورَةِ، فَإذا كانَ فاعِلُ مَجْمُوعِها تَنْفَعُهُ التَّوْبَةُ فَفاعِلُ بَعْضِها وهو القَتْلُ عَمْدًا أجْدَرُ، وإمّا أنْ يُرادَ فاعِلُ واحِدَةٍ مِنها فالقَتْلُ عَمْدًا مِمّا عُدَّ مَعَها. ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إنَّ آيَةَ النِّساءِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ وما نَسَخَها شَيْءٌ، ومِنَ العَجَبِ أنْ يُقالَ صفحة ١٦٦ كَلامٌ مِثْلُ هَذا، ثُمَّ أنْ يُطالَ وتَتَناقَلَهُ النّاسُ وتَمُرَّ عَلَيْهِ القُرُونُ، في حِينِ لا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي هي وعِيدٌ لِقاتِلِ النَّفْسِ وبَيْنَ آياتِ قَبُولِ التَّوْبَةِ. وذَهَبَ فَرِيقٌ إلى الجَوابِ بِأنَّها نُسِخَتْ بِآيَةِ ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، بِناءً عَلى أنَّ عُمُومِ مَن يَشاءُ نَسَخَ خُصُوصَ القَتْلِ. وذَهَبَ فَرِيقٌ إلى الجَوابِ بِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في مِقْيَسِ بْنِ صُبابَةَ، وهو كافِرٌ. فالخُلُودُ لِأجْلِ الكُفْرِ، وهو جَوابٌ مَبْنِيٌّ عَلى غَلَطٍ لِأنَّ لَفْظَ الآيَةِ عامٌّ إذْ هو بِصِيغَةِ الشَّرْطِ فَتَعَيَّنَ أنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ وهي مِن صِيغَ العُمُومِ فَلا تُحْمَلُ عَلى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، إلّا عِنْدَ مَن يَرى أنَّ سَبَبَ العامِّ يُخَصِّصُهُ بِسَبَبِهِ لا غَيْرُ، وهَذا لا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلَيْهِ. وهَذِهِ كُلُّها مَلاجِئُ لا حاجَةَ إلَيْها، لِأنَّ آياتِ التَّوْبَةِ ناهِضَةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْها مُتَظاهِرَةٌ ظَواهِرُها، حَتّى بَلَغَتْ حَدَّ النَّصِّ المَقْطُوعِ بِهِ، فَيُحْمَلُ عَلَيْها آياتُ وعِيدِ الذُّنُوبِ كُلِّها حَتّى الكُفْرِ. عَلى أنَّ تَأْكِيدَ الوَعِيدِ في الآيَةِ إنَّما يَرْفَعُ احْتِمالَ المَجازِ في كَوْنِهِ وعِيدًا لا في تَعْيِينِ المُتَوَعَّدِ بِهِ وهو الخُلُودُ. إذِ المُؤَكِّداتُ هُنا مُخْتَلِفَةُ المَعانِي فَلا يَصِحُّ أنْ يُعْتَبَرَ أحَدُها مُؤَكِّدًا لِمَدْلُولِ الآخَرِ بَلْ إنَّما أكَّدَتِ الغَرَضَ، وهو الوَعِيدُ، لا أنْواعُهُ، وهَذا هو الجَوابُ القاطِعُ لَهاتِهِ الحَيْرَةِ، وهو الَّذِي يَتَعَيَّنُ اللَّجَأُ إلَيْهِ، والتَّعْوِيلُ عَلَيْهِ.

النساء 4:94

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم فَتَبَيَّنُوا إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ خُوطِبَ بِهِ المُؤْمِنُونَ، اسْتِقْصاءً لِلتَّحْذِيرِ مِن قَتْلِ المُؤْمِنِ بِذِكْرِ أحْوالٍ قَدْ يُتَساهَلُ فِيها وتَعْرِضُ فِيها شُبَهٌ. والمُناسَبَةُ ما رَواهُ البُخارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ رَجُلٌ في غُنَيْمَةٍ لَهُ فَلَحِقَهُ المُسْلِمُونَ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم، فَقَتَلُوهُ وأخَذُوا غُنَيْمَتَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةَ. وفي رِوايَةٍ وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. وفي رِوايَةٍ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ حَمَلَ دِيَتَهُ إلى أهْلِهِ ورَدَّ غُنَيْمَتَهُ» . صفحة ١٦٧ واخْتُلِفَ في اسْمِ القاتِلِ والمَقْتُولِ، بَعْدَ الِاتِّفاقِ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ في سَرِيَّةٍ، فَرَوى ابْنُ القاسِمِ، عَنْ مالِكٍ: أنَّ القاتِلَ أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ، والمَقْتُولَ مِرْداسُ بْنُ نَهِيكٍ الفَزارِيُّ مِن أهْلِ فَدَكَ، وفي سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّ القاتِلَ مُحَلَّمٌ مِن جَثّامَةَ، والمَقْتُولَ عامِرُ بْنُ الأضْبَطِ. وقِيلَ: القاتِلُ أبُو قَتادَةَ، وقِيلَ أبُو الدَّرْداءِ، وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ وبَّخَ القاتِلَ، وقالَ لَهُ: " «فَهَلّا شَقَقْتَ عَنْ بَطْنِهِ فَعَلِمْتَ ما في قَلْبِهِ» . ومُخاطَبَتُهم بِـ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُلَوِّحُ إلى أنَّ الباعِثَ عَلى قَتْلِ مَن أظْهَرَ الإسْلامَ مَنهِيٌّ عَنْهُ. ولَوْ كانَ قَصْدُ القاتِلِ الحِرْصَ عَلى تَحَقُّقِ أنَّ وصْفَ الإيمانِ ثابِتٌ لِلْمَقْتُولِ، فَإنَّ هَذا التَّحَقُّقَ غَيْرُ مُرادٍ لِلشَّرِيعَةِ، وقَدْ ناطَتْ صِفَةُ الإسْلامِ بِقَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أوْ بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ وهي السَّلامُ عَلَيْكم. والضَّرْبُ: السَّيْرُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٥٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقَوْلُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو حالٌ مِن ضَمِيرِ ضَرَبْتُمْ ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِـ ضَرَبْتُمْ لِأنَّ الضَّرْبَ أيِ السَّيْرَ لا يَكُونُ عَلى سَبِيلِ اللَّهِ إذْ سَبِيلُ اللَّهِ لَقَبٌ لِلْغَزْوِ، ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى ﴿وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى﴾ [آل عمران: ١٥٦] الآيَةَ. والتَّبَيُّنُ: شِدَّةُ طَلَبِ البَيانِ، أيِ التَّأمُّلُ القَوِيُّ، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ صِيغَةُ التَّفَعُّلِ. ودُخُولُ الفاءِ عَلى فِعْلِ تَبَيَّنُوا لِما في إذا مِن تَضَمُّنِ مَعْنى الِاشْتِراطِ غالِبًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَتَبَيَّنُوا بِفَوْقِيَّةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ثُمَّ نُونٍ مِنَ التَّبَيُّنِ وهو تَفَعُّلٌ، أيْ تَثَبَّتُوا واطْلُبُوا بَيانَ الأُمُورِ فَلا تَعْجَلُوا فَتَتَّبِعُوا الخَواطِرَ الخاطِفَةَ الخاطِئَةَ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: (فَتَثَبَّتُوا) - بِفاءٍ فَوْقِيَّةٍ فَمُثَلَّثَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ فَفَوْقِيَّةٍ - بِمَعْنى اطْلُبُوا الثّابِتَ، أيِ الَّذِي لا يَتَبَدَّلُ ولا يَحْتَمِلُ نَقِيضَ ما بَدا لَكم. وقَوْلُهُ ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ (السَّلَمَ) بِدُونِ ألِفٍ بَعْدِ اللّامِ وهو ضِدُّ الحَرْبِ، ومَعْنى ألْقى السَّلَمَ أظْهَرَهُ بَيْنَكم كَأنَّهُ رَماهُ بَيْنَهم. وقَرَأ البَقِيَّةُ السَّلامَ بِالألِفِ وهو مُشْتَرِكٌ بَيْنَ مَعْنى السَّلَمِ ضِدَّ الحَرْبِ، ومَعْنى تَحِيَّةِ الإسْلامِ، فَهي قَوْلُ: السَّلامُ عَلَيْكم، أيْ مَن خاطَبَكم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ عَلامَةً عَلى أنَّهُ مُسْلِمٌ. صفحة ١٦٨ وجُمْلَةُ ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ مَقُولُ لا تَقُولُوا. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ: مُؤْمِنًا بِكَسْرِ المِيمِ الثّانِيَةِ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ، أيْ لا تَنْفُوا عَنْهُ الإيمانَ وهو يُظْهِرُهُ لَكم، وقَرَأهُ ابْنُ ورْدانَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ بِفَتْحِ المِيمِ الثّانِيَةِ بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، أيْ لا تَقُولُوا لَهُ لَسْتَ مُحَصِّلًا تَأْمِينَنا إيّاكَ، أيْ إنَّكَ مَقْتُولٌ أوْ مَأْسُورٌ. وعَرَضَ الحَياةِ: مَتاعُ الحَياةِ، والمُرادُ بِهِ الغَنِيمَةُ فَعَبَّرَ عَنْها بِـ عَرَضَ الحَياةِ تَحْقِيرًا لَها بِأنَّها نَفْعٌ عارِضٌ زائِلٌ. وجُمْلَةُ تَبْتَغُونَ حالِيَّةٌ، أيْ ناقَشْتُمُوهُ في إيمانِهِ خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ قَصَدَ إحْرازَ مالِهِ، فَكانَ عَدَمُ تَصْدِيقِهِ آئِلًا إلى ابْتِغاءِ غَنِيمَةِ مالِهِ، فَأُوخِذُوا بِالمَآلِ. فالمَقْصُودُ مِن هَذا القَيْدِ زِيادَةُ التَّوْبِيخِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ لَوْ قالَ لِمَن أظْهَرَ الإسْلامَ: لَسْتَ مُؤْمِنًا، وقَتْلَهُ غَيْرَ آخِذٍ مِنهُ مالًا لَكانَ حُكْمُهُ أوْلى مِمَّنْ قَصَدَ أخْذَ الغَنِيمَةِ، والقَيْدُ يَنْظُرُ إلى سَبَبِ النُّزُولِ، والحُكْمُ أعَمُّ مِن ذَلِكَ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ أيْ لَمْ يَحْصُرِ اللَّهُ مَغانِمَكم في هَذِهِ الغَنِيمَةِ. وزادَ في التَّوْبِيخِ قَوْلُهُ ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ أيْ كُنْتُمْ كُفّارًا فَدَخَلْتُمُ الإسْلامَ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ، فَلَوْ أنَّ أحَدًا أبى أنْ يُصَدِّقَكم في إسْلامِكم أكانَ يُرْضِيكم ذَلِكَ. وهَذِهِ تَرْبِيَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي أنْ يَسْتَشْعِرَ الإنْسانُ عِنْدَ مُؤاخَذَتِهِ غَيْرَهُ أحْوالًا كانَ هو عَلَيْها تُساوِي أحْوالَ مَن يُؤاخِذُهُ، كَمُؤاخَذَةِ المُعَلِّمِ التِّلْمِيذَ بِسُوءٍ إذا لَمْ يُقَصِّرْ في إعْمالِ جُهْدِهِ. وكَذَلِكَ هي عِظَةٌ لِمَن يَمْتَحِنُونَ طَلَبَةَ العِلْمِ فَيَعْتادُونَ التَّشْدِيدَ عَلَيْهِمْ وتَطَلُّبَ عَثَراتِهِمْ، وكَذَلِكَ وُلاةُ الأُمُورِ وكِبارُ المُوَظَّفِينَ في مُعامَلَةِ مَن لِنَظَرِهِمْ مِن صِغارِ المُوَظَّفِينَ، وكَذَلِكَ الآباءُ مَعَ أبْنائِهِمْ إذا بَلَغَتْ بِهِمُ الحَماقَةُ أنْ يَنْتَهِرُوهم عَلى اللَّعِبِ المُعْتادِ أوْ عَلى الضَّجَرِ مِنَ الآلامِ. وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى حِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ في حِفْظِ الجامِعَةِ الدِّينِيَّةِ، وهي بَثُّ الثِّقَةِ والأمانِ بَيْنَ أفْرادِ الأُمَّةِ، وطَرْحُ ما مِن شَأْنِهِ إدْخالُ الشَّكِّ لِأنَّهُ إذا فُتِحَ هَذا البابُ عَسُرَ سَدُّهُ، وكَما يَتَّهِمُ المُتَّهَمُ غَيْرَهُ فَلِلْغَيْرِ أنْ يَتَّهِمَ مَنِ اتَّهَمَهُ، وبِذَلِكَ تَرْتَفِعُ الثِّقَةُ، ويَسْهُلُ عَلى ضُعَفاءِ الإيمانِ المُرُوقُ، إذْ قَدْ أصْبَحَتِ التُّهْمَةُ تُظِلُّ الصّادِقَ والمُنافِقَ، وانْظُرْ مُعامَلَةَ النَّبِيءِ ﷺ المُنافِقِينَ مُعامَلَةَ المُسْلِمِينَ. عَلى أنَّ هَذا الدِّينَ سَرِيعُ السَّرَيانِ في القُلُوبِ فَيَكْتَفِي أهْلُهُ بِدُخُولِ الدّاخِلِينَ فِيهِ مِن غَيْرِ مُناقَشَةٍ، إذْ لا يَلْبَثُونَ أنْ يَأْلَفُوهُ، صفحة ١٦٩ وتُخالِطَ بِشاشَتُهُ قُلُوبَهم، فَهم يَقْتَحِمُونَهُ عَلى شَكٍّ وتَرَدُّدٍ فَيَصِيرُ إيمانًا راسِخًا، ومِمّا يُعِينُ عَلى ذَلِكَ ثِقَةُ السّابِقِينَ فِيهِ بِاللّاحِقِينَ بِهِمْ. ومِن أجْلِ ذَلِكَ أعادَ اللَّهُ الأمْرَ فَقالَ فَتَبَيَّنُوا تَأْكِيدًا لِـ تَبَيَّنُوا المَذْكُورِ قَبْلَهُ، وذَيَّلَهُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ وهو يَجْمَعُ وعِيدًا ووَعْدًا.

النساء 4:95

﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ . ولَمّا لامَ اللَّهُ بَعْضَ المُجاهِدِينَ عَلى ما صَدَرَ مِنهم مَنِ التَّعَمُّقِ في الغايَةِ مِنَ الجِهادِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ فَضْلِ المُجاهِدِينَ كَيْلا يَكُونَ ذَلِكَ اللَّوْمُ مُوهِمًا انْحِطاطَ فَضِيلَتِهِمْ في بَعْضِ أحْوالِهِمْ، عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ النِّذارَةِ بِالبِشارَةِ دَفْعًا لِلْيَأْسِ مِنَ الرَّحْمَةِ عَنْ أنْفُسِ المُسْلِمِينَ. يَقُولُ العَرَبُ: ”لا يَسْتَوِي“ ”ولَيْسَ سَواءً“ بِمَعْنى أنَّ أحَدَ المَذْكُورِينَ أفْضَلُ مِنَ الآخَرِ. ويَعْتَمِدُونَ في ذَلِكَ عَلى القَرِينَةِ الدّالَّةِ عَلى تَعْيِينِ المُفَضَّلِ لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ. قالَ السَّمَوْألُ أوْ غَيْرُهُ: فَلَيْسَ سَواءً عالِمٌ وجَهُولُ وقالَ تَعالى ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ [آل عمران: ١١٣]، وقَدْ يُتْبِعُونَهُ بِما يُصَرِّحُ بِوَجْهِ نَفْيِ السَّوائِيَّةِ: إمّا لِخَفائِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠] . وقَدْ يَكُونُ التَّصْرِيحُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ صفحة ١٧٠ ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] . وإذْ قَدْ كانَ وجْهُ التَّفاضُلِ مَعْلُومًا في أكْثَرِ مَواقِعِ أمْثالِ هَذا التَّرْكِيبِ، صارَ في الغالِبِ أمْثالُ هَذا التَّرْكِيبِ مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنى الكِنايَةِ، وهو التَّعْرِيضُ بِالمَفْضُولِ في تَفْرِيطِهِ وزُهْدِهِ فِيما هو خَيْرٌ مَعَ المُكْنَةِ مِنهُ، وكَذَلِكَ هو هُنا لِظُهُورِ أنَّ القاعِدَ عَنِ الجِهادِ لا يُساوِي المُجاهِدَ في فَضِيلَةِ نُصْرَةِ الدِّينِ، ولا في ثَوابِهِ عَلى ذَلِكَ، فَتَعَيَّنَ التَّعْرِيضُ بِالقاعِدِينَ وتَشْنِيعُ حالِهِمْ. وبِهَذا يَظْهَرُ مَوْقِعُ الِاسْتِثْناءِ بِقَوْلِهِ ﴿غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ كَيْلا يَحْسَبَ أصْحابُ الضَّرَرِ أنَّهم مَقْصُودُونَ بِالتَّحْرِيضِ فَيَخْرُجُوا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَيُكَلِّفُوهم مَؤُونَةَ نَقْلِهِمْ وحِفْظِهِمْ بِلا جَدْوى، أوْ يَظُنُّوا أنَّهم مَقْصُودُونَ بِالتَّعْرِيضِ فَتَنْكَسِرُ لِذَلِكَ نُفُوسُهم، زِيادَةً عَلى انْكِسارِها بِعَجْزِهِمْ، ولِأنَّ في اسْتِثْنائِهِمْ إنْصافًا لَهم وعُذْرًا بِأنَّهم لَوْ كانُوا قادِرِينَ لَما قَعَدُوا، فَذَلِكَ الظَّنُّ بِالمُؤْمِنِ، ولَوْ كانَ المَقْصُودُ صَرِيحَ المَعْنى لَما كانَ لِلِاسْتِثْناءِ مَوْقِعٌ. فاحْفَظُوا هَذا فالِاسْتِثْناءُ مَقْصُودٌ، ولَهُ مَوْقِعٌ مِنَ البَلاغَةِ لا يُضاعُ، ولَوْ لَمْ يُذْكَرُ الِاسْتِثْناءُ لَكانَ تَجاوُزُ التَّعْرِيضِ أصْحابَ الضَّرَرِ مَعْلُومًا مِن سِياقِ الكَلامِ، فالِاسْتِثْناءُ عُدُولٌ عَنِ الِاعْتِمادِ عَلى القَرِينَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِاللَّفْظِ. ويَدُلُّ لِهَذا ما في الصَّحِيحَيْنِ، «عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، أنَّهُ قالَ: نَزَلَ الوَحْيُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وأنا إلى جَنْبِهِ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقالَ: اكْتُبْ: فَكَتَبْتُ في كَتِفٍ (لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ) - وخَلْفَ النَّبِيءِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أسْتَطِيعُ الجِهادَ لَجاهَدْتُ، فَنَزَلَتْ مَكانَها ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ» . فابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَهِمَ المَقْصُودَ مِن نَفْيِ الِاسْتِواءِ فَظَنَّ أنَّ التَّعْرِيضَ يَشْمَلُهُ وأمْثالَهُ، فَإنَّهُ مِنَ القاعِدِينَ، ولِأجْلِ هَذا الظَّنِّ عَدَلَ عَنْ حِراسَةِ المَقامِ إلى صَراحَةِ الكَلامِ، وهُما حالانِ مُتَساوِيانِ في عُرْفِ البُلَغاءِ، هُما حالُ مُراعاةِ خِطابِ الذَّكِيِّ وخِطابِ الغَبِيِّ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ زِيادَةُ الِاسْتِثْناءِ مُفِيتَةً مُقْتَضى حالٍ مِنَ البَلاغَةِ، ولَكِنَّها مُعَوِّضَتُهُ بِنَظِيرِهِ لِأنَّ السّامِعِينَ أصْنافٌ كَثِيرَةٌ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ (غَيْرَ) بِنَصْبِ الرّاءِ عَلى الحالِ مِنَ القاعِدُونَ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ بِالرَّفْعِ عَلى النَّعْتِ لِـ القاعِدُونَ. صفحة ١٧١ وجازَ في غَيْرَ الرَّفْعُ عَلى النَّعْتِ، والنَّصْبُ عَلى الحالِ، لِأنَّ القاعِدُونَ تَعْرِيفُهُ لِلْجِنْسِ فَيَجُوزُ فِيهِ مُراعاةُ اللَّفْظِ ومُراعاةُ المَعْنى. والضَّرَرُ: المَرَضُ والعاهَةُ مِن عَمًى أوْ عَرَجٍ أوْ زَمانَةٍ، لِأنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لِمَصادِرِ الأدْواءِ ونَحْوِها، وأشْهَرُ اسْتِعْمالِهِ في العَمى، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْأعْمى: ضَرِيرٌ، ولا يُقالُ ذَلِكَ لِلْأعْرَجِ والزَّمِنِ، وأحْسَبُ أنَّ المُرادَ في هَذِهِ الآيَةِ خُصُوصُ العَمى وأنَّ غَيْرَهُ مَقِيسٌ عَلَيْهِ. والضَّرَرُ مَصْدَرُ ضَرِرَ - بِكَسْرِ الرّاءِ - مِثْلَ مَرِضَ، وهَذِهِ الزِّنَةُ تَجِيءُ في العاهاتِ ونَحْوِها، مِثْلَ عَمِيَ وعَرِجَ وحَصِرَ، ومَصْدَرُها مَفْتُوحُ العَيْنِ مِثْلَ العَرَجِ، ولِأجْلِ خِفَّتِهِ بِفَتْحِ العَيْنِ امْتَنَعَ إدْغامُ المِثْلَيْنِ فِيهِ، فَقِيلَ: ضَرَرٌ بِالفَكِّ، وبِخِلافِ الضُّرِّ الَّذِي هو مَصْدَرُ ضَرَّهُ فَهو واجِبُ الإدْغامِ إذْ لا مُوجِبَ لِلْفَكِّ. ولا نَعْرِفُ في كَلامِ العَرَبِ إطْلاقَ الضَّرَرِ عَلى غَيْرِ العاهاتِ الضّارَّةِ؛ وأمّا ما رُوِيَ مِن حَدِيثِ ”«لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ» “ فَهو نادِرٌ أوْ جَرى عَلى الإتْباعِ والمُزاوَجَةِ لِاقْتِرانِهِ بِلَفْظِ ”ضِرارَ“ وهو مُفَكَّكٌ. وزَعَمَ الجَوْهَرِيُّ أنَّ ضَرَرَ اسْمُ مَصْدَرِ الضُّرِّ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ ولَمْ يُحْفَظْ عَنْ غَيْرِهِ ولا شاهِدَ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ لِأنَّ الجِهادَ يَقْتَضِي الأمْرَيْنِ: بَذْلَ النَّفْسِ، وبَذْلَ المالِ، إلّا أنَّ الجِهادَ عَلى الحَقِيقَةِ هو بَذْلُ النَّفْسِ في سَبِيلِ اللَّهِ ولَوْ لَمْ يُنْفِقْ شَيْئًا، بَلْ ولَوْ كانَ كَلًّا عَلى المُؤْمِنِينَ، كَما أنَّ مَن بَذَلَ المالَ لِإعانَةِ الغُزاةِ، ولَمْ يُجاهِدْ بِنَفْسِهِ، لا يُسَمّى مُجاهِدًا وإنْ كانَ لَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ، وكَذَلِكَ مَن حَبَسَهُ العُذْرُ وكانَ يَتَمَنّى زَوالَ عُذْرِهِ واللَّحاقَ بِالمُجاهِدِينَ، لَهُ فَضْلٌ عَظِيمٌ، ولَكِنَّ فَضْلَ الجِهادِ بِالفِعْلِ لا يُساوِيهِ فَضْلُ الآخَرِينَ. وجُمْلَةُ ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ . وحَقِيقَةُ الدَّرَجَةِ أنَّها جُزْءٌ مِن مَكانٍ يَكُونُ أعْلى مِن جُزْءٍ آخَرَ مُتَّصِلٍ بِهِ، بِحَيْثُ تَتَخَطّى القَدَمُ إلَيْهِ بِارْتِقاءٍ مِنَ المَكانِ الَّذِي كانَتْ عَلَيْهِ بِصُعُودٍ، وذَلِكَ مِثْلُ دَرَجَةِ العُلَيَّةِ ودَرَجَةِ السُّلَّمِ. والدَّرَجَةُ هُنا مُسْتَعارَةٌ لِلْعُلُوِّ المَعْنَوِيِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . والعُلُوُّ المُرادُ هُنا عُلُوُّ الفَضْلِ ووَفْرَةِ الأجْرِ. صفحة ١٧٢ وجِيءَ بِـ دَرَجَةً بِصِيغَةِ الإفْرادِ، ولَيْسَ إفْرادُها لِلْوَحْدَةِ، لِأنَّ دَرَجَةً هُنا جِنْسٌ مَعْنَوِيٌّ لا أفْرادَ لَهُ، ولِذَلِكَ أُعِيدَ التَّعْبِيرُ عَنْها في الجُمْلَةِ الَّتِي جاءَتْ بَعْدَها تَأْكِيدًا لَها بِصِيغَةِ الجَمْعِ بِقَوْلِهِ دَرَجاتٍ مِنهُ لِأنَّ الجَمْعَ أقْوى مِنَ المُفْرَدِ. وتَنْوِينُ دَرَجَةً لِلتَّعْظِيمِ. وهو يُساوِي مَفادَ الجَمْعِ في قَوْلِهِ الآتِي دَرَجاتٍ مِنهُ. وانْتَصَبَ دَرَجَةً بِالنِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِلنَّوْعِ في فِعْلِ فَضَّلَ إذِ الدَّرَجَةُ هُنا زِيادَةٌ في مَعْنى الفَضْلِ، فالتَّقْدِيرُ: فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ فَضْلًا هو دَرَجَةٌ، أيْ دَرَجَةً فَضْلًا. وجُمْلَةُ ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ مُعْتَرِضَةٌ. وتَنْوِينُ كُلًّا تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنْ مُضافٍ إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: وكُلُّ المُجاهِدِينَ والقاعِدِينَ. وعُطِفَ ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ﴾، وإنْ كانَ مَعْنى الجُمْلَتَيْنِ واحِدًا بِاعْتِبارِ ما في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مِن زِيادَةِ أجْرًا عَظِيمًا فَبِذَلِكَ غايَرَتِ الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ الجُمْلَةَ المَعْطُوفَ عَلَيْها مُغايَرَةً سَوَّغَتِ العَطْفَ. مَعَ ما في إعادَةِ مُعْظَمِ ألْفاظِها مِن تَوْكِيدٍ لَها. والمُرادُ بِقَوْلِهِ المُجاهِدِينَ المُجاهِدُونَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فاسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ القَيْدِ بِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِهِ في نَظِيرِهِ السّابِقِ. وانْتَصَبَ أجْرًا عَظِيمًا عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِلنَّوْعِ لِأنَّ الأجْرَ هو ذَلِكَ التَّفْضِيلُ، ووُصِفَ بِأنَّهُ عَظِيمٌ. وانْتَصَبَ دَرَجاتٍ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ أجْرًا عَظِيمًا، أوْ عَلى الحالِ بِاعْتِبارِ وصْفِ دَرَجاتٍ بِأنَّها مِنهُ أيْ مِنَ اللَّهِ. وجُمِعَ دَرَجاتٍ لِإفادَةِ تَعْظِيمِ الدَّرَجَةِ لِأنَّ الجَمْعَ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الكَثْرَةِ تُسْتَعارُ صِيغَتُهُ لِمَعْنى القُوَّةِ، ألا تَرى أنَّ عَلْقَمَةَ لَمّا أنْشَدَ الحارِثَ بْنَ جَبَلَةَ مَلِكَ غَسّانَ قَوْلَهُ يَسْتَشْفِعُ لِأخِيهِ شَأْسِ بْنِ عَبْدَةَ: وفِي كُلِّ حَيٍّ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ ∗∗∗ فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِن نَداكَ ذَنُوبُ قالَ لَهُ المَلِكُ: وأذْنِبَةٌ.

النساء 4:96

﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ . ولَمّا لامَ اللَّهُ بَعْضَ المُجاهِدِينَ عَلى ما صَدَرَ مِنهم مَنِ التَّعَمُّقِ في الغايَةِ مِنَ الجِهادِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ فَضْلِ المُجاهِدِينَ كَيْلا يَكُونَ ذَلِكَ اللَّوْمُ مُوهِمًا انْحِطاطَ فَضِيلَتِهِمْ في بَعْضِ أحْوالِهِمْ، عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ النِّذارَةِ بِالبِشارَةِ دَفْعًا لِلْيَأْسِ مِنَ الرَّحْمَةِ عَنْ أنْفُسِ المُسْلِمِينَ. يَقُولُ العَرَبُ: ”لا يَسْتَوِي“ ”ولَيْسَ سَواءً“ بِمَعْنى أنَّ أحَدَ المَذْكُورِينَ أفْضَلُ مِنَ الآخَرِ. ويَعْتَمِدُونَ في ذَلِكَ عَلى القَرِينَةِ الدّالَّةِ عَلى تَعْيِينِ المُفَضَّلِ لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ. قالَ السَّمَوْألُ أوْ غَيْرُهُ: فَلَيْسَ سَواءً عالِمٌ وجَهُولُ وقالَ تَعالى ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ [آل عمران: ١١٣]، وقَدْ يُتْبِعُونَهُ بِما يُصَرِّحُ بِوَجْهِ نَفْيِ السَّوائِيَّةِ: إمّا لِخَفائِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠] . وقَدْ يَكُونُ التَّصْرِيحُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ صفحة ١٧٠ ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] . وإذْ قَدْ كانَ وجْهُ التَّفاضُلِ مَعْلُومًا في أكْثَرِ مَواقِعِ أمْثالِ هَذا التَّرْكِيبِ، صارَ في الغالِبِ أمْثالُ هَذا التَّرْكِيبِ مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنى الكِنايَةِ، وهو التَّعْرِيضُ بِالمَفْضُولِ في تَفْرِيطِهِ وزُهْدِهِ فِيما هو خَيْرٌ مَعَ المُكْنَةِ مِنهُ، وكَذَلِكَ هو هُنا لِظُهُورِ أنَّ القاعِدَ عَنِ الجِهادِ لا يُساوِي المُجاهِدَ في فَضِيلَةِ نُصْرَةِ الدِّينِ، ولا في ثَوابِهِ عَلى ذَلِكَ، فَتَعَيَّنَ التَّعْرِيضُ بِالقاعِدِينَ وتَشْنِيعُ حالِهِمْ. وبِهَذا يَظْهَرُ مَوْقِعُ الِاسْتِثْناءِ بِقَوْلِهِ ﴿غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ كَيْلا يَحْسَبَ أصْحابُ الضَّرَرِ أنَّهم مَقْصُودُونَ بِالتَّحْرِيضِ فَيَخْرُجُوا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَيُكَلِّفُوهم مَؤُونَةَ نَقْلِهِمْ وحِفْظِهِمْ بِلا جَدْوى، أوْ يَظُنُّوا أنَّهم مَقْصُودُونَ بِالتَّعْرِيضِ فَتَنْكَسِرُ لِذَلِكَ نُفُوسُهم، زِيادَةً عَلى انْكِسارِها بِعَجْزِهِمْ، ولِأنَّ في اسْتِثْنائِهِمْ إنْصافًا لَهم وعُذْرًا بِأنَّهم لَوْ كانُوا قادِرِينَ لَما قَعَدُوا، فَذَلِكَ الظَّنُّ بِالمُؤْمِنِ، ولَوْ كانَ المَقْصُودُ صَرِيحَ المَعْنى لَما كانَ لِلِاسْتِثْناءِ مَوْقِعٌ. فاحْفَظُوا هَذا فالِاسْتِثْناءُ مَقْصُودٌ، ولَهُ مَوْقِعٌ مِنَ البَلاغَةِ لا يُضاعُ، ولَوْ لَمْ يُذْكَرُ الِاسْتِثْناءُ لَكانَ تَجاوُزُ التَّعْرِيضِ أصْحابَ الضَّرَرِ مَعْلُومًا مِن سِياقِ الكَلامِ، فالِاسْتِثْناءُ عُدُولٌ عَنِ الِاعْتِمادِ عَلى القَرِينَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِاللَّفْظِ. ويَدُلُّ لِهَذا ما في الصَّحِيحَيْنِ، «عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، أنَّهُ قالَ: نَزَلَ الوَحْيُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وأنا إلى جَنْبِهِ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقالَ: اكْتُبْ: فَكَتَبْتُ في كَتِفٍ (لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ) - وخَلْفَ النَّبِيءِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أسْتَطِيعُ الجِهادَ لَجاهَدْتُ، فَنَزَلَتْ مَكانَها ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ» . فابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَهِمَ المَقْصُودَ مِن نَفْيِ الِاسْتِواءِ فَظَنَّ أنَّ التَّعْرِيضَ يَشْمَلُهُ وأمْثالَهُ، فَإنَّهُ مِنَ القاعِدِينَ، ولِأجْلِ هَذا الظَّنِّ عَدَلَ عَنْ حِراسَةِ المَقامِ إلى صَراحَةِ الكَلامِ، وهُما حالانِ مُتَساوِيانِ في عُرْفِ البُلَغاءِ، هُما حالُ مُراعاةِ خِطابِ الذَّكِيِّ وخِطابِ الغَبِيِّ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ زِيادَةُ الِاسْتِثْناءِ مُفِيتَةً مُقْتَضى حالٍ مِنَ البَلاغَةِ، ولَكِنَّها مُعَوِّضَتُهُ بِنَظِيرِهِ لِأنَّ السّامِعِينَ أصْنافٌ كَثِيرَةٌ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ (غَيْرَ) بِنَصْبِ الرّاءِ عَلى الحالِ مِنَ القاعِدُونَ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ بِالرَّفْعِ عَلى النَّعْتِ لِـ القاعِدُونَ. صفحة ١٧١ وجازَ في غَيْرَ الرَّفْعُ عَلى النَّعْتِ، والنَّصْبُ عَلى الحالِ، لِأنَّ القاعِدُونَ تَعْرِيفُهُ لِلْجِنْسِ فَيَجُوزُ فِيهِ مُراعاةُ اللَّفْظِ ومُراعاةُ المَعْنى. والضَّرَرُ: المَرَضُ والعاهَةُ مِن عَمًى أوْ عَرَجٍ أوْ زَمانَةٍ، لِأنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لِمَصادِرِ الأدْواءِ ونَحْوِها، وأشْهَرُ اسْتِعْمالِهِ في العَمى، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْأعْمى: ضَرِيرٌ، ولا يُقالُ ذَلِكَ لِلْأعْرَجِ والزَّمِنِ، وأحْسَبُ أنَّ المُرادَ في هَذِهِ الآيَةِ خُصُوصُ العَمى وأنَّ غَيْرَهُ مَقِيسٌ عَلَيْهِ. والضَّرَرُ مَصْدَرُ ضَرِرَ - بِكَسْرِ الرّاءِ - مِثْلَ مَرِضَ، وهَذِهِ الزِّنَةُ تَجِيءُ في العاهاتِ ونَحْوِها، مِثْلَ عَمِيَ وعَرِجَ وحَصِرَ، ومَصْدَرُها مَفْتُوحُ العَيْنِ مِثْلَ العَرَجِ، ولِأجْلِ خِفَّتِهِ بِفَتْحِ العَيْنِ امْتَنَعَ إدْغامُ المِثْلَيْنِ فِيهِ، فَقِيلَ: ضَرَرٌ بِالفَكِّ، وبِخِلافِ الضُّرِّ الَّذِي هو مَصْدَرُ ضَرَّهُ فَهو واجِبُ الإدْغامِ إذْ لا مُوجِبَ لِلْفَكِّ. ولا نَعْرِفُ في كَلامِ العَرَبِ إطْلاقَ الضَّرَرِ عَلى غَيْرِ العاهاتِ الضّارَّةِ؛ وأمّا ما رُوِيَ مِن حَدِيثِ ”«لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ» “ فَهو نادِرٌ أوْ جَرى عَلى الإتْباعِ والمُزاوَجَةِ لِاقْتِرانِهِ بِلَفْظِ ”ضِرارَ“ وهو مُفَكَّكٌ. وزَعَمَ الجَوْهَرِيُّ أنَّ ضَرَرَ اسْمُ مَصْدَرِ الضُّرِّ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ ولَمْ يُحْفَظْ عَنْ غَيْرِهِ ولا شاهِدَ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ لِأنَّ الجِهادَ يَقْتَضِي الأمْرَيْنِ: بَذْلَ النَّفْسِ، وبَذْلَ المالِ، إلّا أنَّ الجِهادَ عَلى الحَقِيقَةِ هو بَذْلُ النَّفْسِ في سَبِيلِ اللَّهِ ولَوْ لَمْ يُنْفِقْ شَيْئًا، بَلْ ولَوْ كانَ كَلًّا عَلى المُؤْمِنِينَ، كَما أنَّ مَن بَذَلَ المالَ لِإعانَةِ الغُزاةِ، ولَمْ يُجاهِدْ بِنَفْسِهِ، لا يُسَمّى مُجاهِدًا وإنْ كانَ لَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ، وكَذَلِكَ مَن حَبَسَهُ العُذْرُ وكانَ يَتَمَنّى زَوالَ عُذْرِهِ واللَّحاقَ بِالمُجاهِدِينَ، لَهُ فَضْلٌ عَظِيمٌ، ولَكِنَّ فَضْلَ الجِهادِ بِالفِعْلِ لا يُساوِيهِ فَضْلُ الآخَرِينَ. وجُمْلَةُ ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ . وحَقِيقَةُ الدَّرَجَةِ أنَّها جُزْءٌ مِن مَكانٍ يَكُونُ أعْلى مِن جُزْءٍ آخَرَ مُتَّصِلٍ بِهِ، بِحَيْثُ تَتَخَطّى القَدَمُ إلَيْهِ بِارْتِقاءٍ مِنَ المَكانِ الَّذِي كانَتْ عَلَيْهِ بِصُعُودٍ، وذَلِكَ مِثْلُ دَرَجَةِ العُلَيَّةِ ودَرَجَةِ السُّلَّمِ. والدَّرَجَةُ هُنا مُسْتَعارَةٌ لِلْعُلُوِّ المَعْنَوِيِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . والعُلُوُّ المُرادُ هُنا عُلُوُّ الفَضْلِ ووَفْرَةِ الأجْرِ. صفحة ١٧٢ وجِيءَ بِـ دَرَجَةً بِصِيغَةِ الإفْرادِ، ولَيْسَ إفْرادُها لِلْوَحْدَةِ، لِأنَّ دَرَجَةً هُنا جِنْسٌ مَعْنَوِيٌّ لا أفْرادَ لَهُ، ولِذَلِكَ أُعِيدَ التَّعْبِيرُ عَنْها في الجُمْلَةِ الَّتِي جاءَتْ بَعْدَها تَأْكِيدًا لَها بِصِيغَةِ الجَمْعِ بِقَوْلِهِ دَرَجاتٍ مِنهُ لِأنَّ الجَمْعَ أقْوى مِنَ المُفْرَدِ. وتَنْوِينُ دَرَجَةً لِلتَّعْظِيمِ. وهو يُساوِي مَفادَ الجَمْعِ في قَوْلِهِ الآتِي دَرَجاتٍ مِنهُ. وانْتَصَبَ دَرَجَةً بِالنِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِلنَّوْعِ في فِعْلِ فَضَّلَ إذِ الدَّرَجَةُ هُنا زِيادَةٌ في مَعْنى الفَضْلِ، فالتَّقْدِيرُ: فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ فَضْلًا هو دَرَجَةٌ، أيْ دَرَجَةً فَضْلًا. وجُمْلَةُ ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ مُعْتَرِضَةٌ. وتَنْوِينُ كُلًّا تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنْ مُضافٍ إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: وكُلُّ المُجاهِدِينَ والقاعِدِينَ. وعُطِفَ ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ﴾، وإنْ كانَ مَعْنى الجُمْلَتَيْنِ واحِدًا بِاعْتِبارِ ما في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مِن زِيادَةِ أجْرًا عَظِيمًا فَبِذَلِكَ غايَرَتِ الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ الجُمْلَةَ المَعْطُوفَ عَلَيْها مُغايَرَةً سَوَّغَتِ العَطْفَ. مَعَ ما في إعادَةِ مُعْظَمِ ألْفاظِها مِن تَوْكِيدٍ لَها. والمُرادُ بِقَوْلِهِ المُجاهِدِينَ المُجاهِدُونَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فاسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ القَيْدِ بِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِهِ في نَظِيرِهِ السّابِقِ. وانْتَصَبَ أجْرًا عَظِيمًا عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِلنَّوْعِ لِأنَّ الأجْرَ هو ذَلِكَ التَّفْضِيلُ، ووُصِفَ بِأنَّهُ عَظِيمٌ. وانْتَصَبَ دَرَجاتٍ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ أجْرًا عَظِيمًا، أوْ عَلى الحالِ بِاعْتِبارِ وصْفِ دَرَجاتٍ بِأنَّها مِنهُ أيْ مِنَ اللَّهِ. وجُمِعَ دَرَجاتٍ لِإفادَةِ تَعْظِيمِ الدَّرَجَةِ لِأنَّ الجَمْعَ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الكَثْرَةِ تُسْتَعارُ صِيغَتُهُ لِمَعْنى القُوَّةِ، ألا تَرى أنَّ عَلْقَمَةَ لَمّا أنْشَدَ الحارِثَ بْنَ جَبَلَةَ مَلِكَ غَسّانَ قَوْلَهُ يَسْتَشْفِعُ لِأخِيهِ شَأْسِ بْنِ عَبْدَةَ: وفِي كُلِّ حَيٍّ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ ∗∗∗ فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِن نَداكَ ذَنُوبُ قالَ لَهُ المَلِكُ: وأذْنِبَةٌ.

النساء 4:97

صفحة ١٧٣ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إلّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ . فَلَمّا جاءَ ذِكْرُ القاعِدِينَ عَنِ الجِهادِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِعُذْرٍ وبِدُونِهِ، في الآيَةِ السّالِفَةِ، كانَ حالُ القاعِدِينَ عَنْ إظْهارِ إسْلامِهِمْ مِنَ الَّذِينَ عَزَمُوا عَلَيْهِ بِمَكَّةَ، أوِ اتَّبَعُوهُ ثُمَّ صَدَّهم أهْلُ مَكَّةَ عَنْهُ وفَتَنُوهم حَتّى أرْجَعُوهم إلى عِبادَةِ الأصْنامِ بِعُذْرٍ وبِدُونِهِ، بِحَيْثُ يَخْطُرُ بِبالِ السّامِعِ أنْ يَتَساءَلَ عَنْ مَصِيرِهِمْ إنْ هُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى ذَلِكَ حَتّى ماتُوا. فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُجِيبَةً عَمّا يَجِيشُ بِنُفُوسِ السّامِعِينَ مِنَ التَّساؤُلِ عَنْ مَصِيرِ أُولَئِكَ، فَكانَ مَوْقِعُها اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِسائِلٍ مُتَرَدِّدٍ، ولِذَلِكَ فُصِّلَتْ، ولِذَلِكَ صُدِّرَتْ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ، فَإنَّ حالَهم يُوجِبُ شَكًّا في أنْ يَكُونُوا مُلْحَقِينَ بِالكُفّارِ، كَيْفَ وهم قَدْ ظَهَرَ مَيْلُهم إلى الإسْلامِ، ومِنهم مَن دَخَلَ فِيهِ بِالفِعْلِ ثُمَّ صُدَّ عَنْهُ أوْ فُتِنَ لِأجْلِهِ. والمَوْصُولُ هُنا في قُوَّةِ المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ، ولَيْسَ المُرادُ شَخْصًا أوْ طائِفَةً بَلْ جِنْسَ مَن ماتَ ظالِمًا نَفْسَهُ، ولِما في الصِّلَةِ مِنَ الإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ وهو قَوْلُهُ فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ، أيْ لِأنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم. ومَعْنى تَوَفّاهُمُ تُمِيتُهم وتَقْبِضُ أرْواحَهم، فالمَعْنى: أنَّ الَّذِينَ يَمُوتُونَ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ، فَعَدَلَ عَنْ يَمُوتُونَ أوْ يُتَوَفَّوْنَ إلى تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ لِيَكُونَ وسِيلَةً لِبَيانِ شَناعَةِ فِتْنَتِهِمْ عِنْدَ المَوْتِ. والمَلائِكَةُ جَمْعٌ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ، فاسْتَوى في إفادَةِ مَعْنى الجِنْسِ جَمْعُهُ - كَما هُنا - ومُفْرَدُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] فَيَجُوزُ صفحة ١٧٤ أنْ يَكُونَ مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي يَقْبِضُ أرْواحَ النّاسِ واحِدًا، بِقُوَّةٍ مِنهُ تَصِلُ إلى كُلِّ هالِكٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ هالِكٍ مَلَكٌ يَقْبِضُ رُوحَهُ، وهَذا أوْضَحُ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ إلى قَوْلِهِ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ. وتَوَفّاهُمُ فِعْلُ مُضِيٍّ يُقالُ: تَوَفّاهُ اللَّهُ، وتَوَفّاهُ مَلَكُ المَوْتِ، وإنَّما لَمْ يُقْرَنْ بِعَلامَةِ تَأْنِيثِ فاعِلِ الفِعْلِ، لِأنَّ تَأْنِيثَ صِيَغِ جُمُوعِ التَّكْسِيرِ تَأْنِيثٌ لَفْظِيٌّ لا حَقِيقِيٌّ فَيَجُوزُ لَحاقَ تاءِ التَّأْنِيثِ لِفِعْلِها، تَقُولُ: غَزَتِ العَرَبُ، وغَزا العَرَبُ. وظُلْمُ النَّفْسِ: أنْ يَفْعَلَ أحَدٌ فِعْلًا يَؤُولُ إلى مَضَرَّتِهِ، فَهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، لِأنَّهُ فَعَلَ بِنَفْسِهِ ما لَيْسَ مِن شَأْنِ العُقَلاءِ أنْ يَفْعَلُوهُ لِوَخامَةِ عُقْباهُ. والظُّلْمُ هو الشَّيْءُ الَّذِي لا يَحِقُّ فِعْلُهُ ولا تَرْضى بِهِ النُّفُوسُ السَّلِيمَةُ والشَّرائِعُ، واشْتُهِرَ إطْلاقُ ظُلْمِ النَّفْسِ في القُرْآنِ عَلى الكُفْرِ وعَلى المَعْصِيَةِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِهِ الكُفْرُ، وأنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ كانُوا قَدْ أسْلَمُوا حِينَ كانَ الرَّسُولُ ﷺ بِمَكَّةَ، فَلَمّا هاجَرَ أقامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ بِمَكَّةَ فَفَتَنُوهم فارْتَدُّوا، وخَرَجُوا يَوْمَ بَدْرٍ مَعَ المُشْرِكِينَ فَكَثَّرُوا سَوادَ المُشْرِكِينَ، فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ كافِرِينَ، فَقالَ: المُسْلِمُونَ: كانَ أصْحابُنا هَؤُلاءِ مُسْلِمِينَ ولَكِنَّهم أُكْرِهُوا عَلى الكُفْرِ والخُرُوجِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ. رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالُوا: وكانَ مِنهم أبُو قَيْسِ بْنُ الفاكِهِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ، وأبُو قَيْسِ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، والعاصُ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ؛ فَهَؤُلاءِ قُتِلُوا. وكانَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وعَقِيلٌ ونَوْفَلٌ ابْنا أبِي طالِبِ فِيمَن خَرَجَ مَعَهم، ولَكِنَّ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ أُسِرُوا وفَدَوْا أنْفُسَهم وأسْلَمُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ في هَذِهِ الآيَةِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالظُّلْمِ عَدَمُ الهِجْرَةِ إذْ كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا وتَقاعَسُوا عَنِ الهِجْرَةِ. قالَ السُّدِّيُّ: كانَ مَن أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ يُعْتَبَرُ كافِرًا حَتّى يُهاجِرَ، يَعْنِي ولَوْ أظْهَرَ إسْلامَهُ وتَرَكَ حالَ الشِّرْكِ. وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ كانَتِ الهِجْرَةُ واجِبَةً ولا يَكْفُرُ تارِكُها. فَعَلى قَوْلِ السُّدِّيِّ فالظُّلْمُ مُرادٌ بِهِ أيْضًا الكُفْرُ لِأنَّهُ مُعْتَبَرٌ مِنَ الكُفْرِ في نَظَرِ الشَّرْعِ، أيْ أنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَكْتَفِ بِالإيمانِ إذا لَمْ يُهاجِرْ صاحِبُهُ مَعَ التَّمَكُّنِ مِن ذَلِكَ، وهَذا بِعِيدٌ فَقَدْ صفحة ١٧٥ قالَ تَعالى والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ الآيَةَ؛ فَأوْجَبَ عَلى المُسْلِمِينَ نَصْرَهم في الدِّينِ إنِ اسْتَنْصَرُوهم، وهَذِهِ حالَةٌ تُخالِفُ حالَةَ الكُفّارِ. وعَلى قَوْلِ غَيْرِهِ: فالظُّلْمُ المَعْصِيَةُ العَظِيمَةُ، والوَعِيدُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ صالِحٌ لِلْأمْرَيْنِ، عَلى أنَّ المُسْلِمِينَ لَمْ يَعُدُّوا الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ في عِدادِ الصَّحابَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِأنَّهم لَمْ يَتَعَيَّنِ الَّذِينَ ماتُوا مِنهم عَلى الإسْلامِ والَّذِينَ ماتُوا عَلى الكُفْرِ فَلَمْ يَعْتَدُّوا بِما عَرَفُوا مِنهم قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ . وجُمْلَةُ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ خَبَرُ إنَّ، والمَعْنى: قالُوا لَهم قَوْلَ تَوْبِيخٍ وتَهْدِيدٍ بِالوَعِيدِ وتَمْهِيدٍ لِدَحْضِ مَعْذِرَتِهِمْ في قَوْلِهِمْ كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ، فَقالُوا لَهم ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ مَوْضِعَ بَدَلِ الِاشْتِمالِ مِن جُمْلَةِ تَوَفّاهُمُ، فَإنَّ تَوَفِّيَ المَلائِكَةِ إيّاهُمُ المَحْكِيَّ هُنا يَشْتَمِلُ عَلى قَوْلِهِمْ لَهم فِيمَ كُنْتُمْ. وأمّا جُمْلَةُ ﴿قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ فَهي مَفْصُولَةٌ عَنِ العاطِفِ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ المُقاوَلَةِ في المُحاوَرَةِ، عَلى ما بَيَّناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها في سُورَةِ البَقَرَةِ. وكَذَلِكَ جُمْلَةُ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً. ويَكُونُ خَبَرُ إنَّ قَوْلَهُ ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ عَلى أنْ يَكُونَ دُخُولُ الفاءِ في الخَبَرِ لِكَوْنِ اسْمِ إنَّ مَوْصُولًا فَإنَّهُ يُعامَلُ مُعامَلَةَ أسْماءِ الشُّرُوطِ كَثِيرًا، وقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُهُ. والإتْيانُ بِالفاءِ هُنا أوْلى لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها بِالمُقاوَلَةِ، بِحَيْثُ صارَ الخَبَرُ كالنَّتِيجَةِ لِتِلْكَ المُقاوَلَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا اسْمُ الإشارَةِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ فِيمَ كُنْتُمْ مُسْتَعْمَلٌ لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ. و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ. و(ما) اسْتِفْهامٌ عَنْ حالَةٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ (في) . وقَدْ عَلِمَ المَسْئُولُونَ أنَّ الحالَةَ المَسْئُولَ عَنْها حالَةُ بَقائِهِمْ عَلى الكُفْرِ أوْ عَدَمِ الهِجْرَةِ. فَقالُوا مُعْتَذِرِينَ كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ. صفحة ١٧٦ والمُسْتَضْعَفُ: المَعْدُودُ ضَعِيفًا فَلا يَعْبَأُ بِما يُصْنَعُ بِهِ فَلَيْسَ هو في عِزَّةٍ تُمَكِّنُهُ مِن إظْهارِ إسْلامِهِ، فَلِذَلِكَ يَضْطَرُّ إلى كِتْمانِ إسْلامِهِ. والأرْضُ هي مَكَّةُ. أرادُوا: كُنّا مُكْرَهِينَ عَلى الكُفْرِ ما أقَمْنا في مَكَّةَ، وهَذا جَوابٌ صادِقٌ إذْ لا مَطْمَعَ في الكَذِبِ في عالَمِ الحَقِيقَةِ، وقَدْ حَسِبُوا ذَلِكَ عُذْرًا يُبِيحُ البَقاءَ عَلى الشِّرْكِ، أوْ يُبِيحُ التَّخَلُّفَ عَنِ الهِجْرَةِ، عَلى اخْتِلافِ التَّفْسِيرَيْنِ، فَلِذَلِكَ رَدَّ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾، أيْ تَخْرُجُوا مِنَ الأرْضِ الَّتِي تُسْتَضْعَفُونَ فِيها، فَبِذَلِكَ تُظْهِرُونَ الإيمانَ، أوْ فَقَدِ اتَّسَعَتِ الأرْضُ فَلا تَعْدَمُونَ أرْضًا تَسْتَطِيعُونَ الإقامَةَ فِيها. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الخُرُوجَ إلى كُلِّ بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِ الفِتْنَةِ يُعَدُّ هِجْرَةً، لَكِنْ دَلَّ قَوْلُهُ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ أنَّ المَقْصُودَ الهِجْرَةُ إلى المَدِينَةِ وهي الَّتِي كانَتْ واجِبَةً، وأمّا هِجْرَةُ المُؤْمِنِينَ إلى الحَبَشَةِ فَقَدْ كانَتْ قَبْلَ وُجُوبِ الهِجْرَةِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ وفَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ، كانُوا بَعْدُ بِمَكَّةَ، وكانَتْ بِإذْنِ النَّبِيءِ ﷺ . وهَذا رَدٌّ مُفْحِمٌ لَهم. والمُهاجَرَةُ: الخُرُوجُ مِنَ الوَطَنِ وتَرْكُ القَوْمِ، مُفاعَلَةٌ مِن هَجَرَ إذا تَرَكَ، وإنَّما اشْتُقَّ لِلْخُرُوجِ عَنِ الوَطَنِ اسْمُ المُهاجَرَةِ لِأنَّها في الغالِبِ تَكُونُ عَنْ كَراهِيَةٍ بَيْنَ الرّاحِلِ والمُقِيمِينَ، فَكُلُّ فَرِيقٍ يَطْلُبُ تَرْكَ الآخَرِ، ثُمَّ شاعَ إطْلاقُها عَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ بِدُونِ هَذا القَيْدِ. والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ما حَكى مِن تَوْبِيخِ المَلائِكَةِ إيّاهم وتَهْدِيدِهِمْ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِالحُكْمِ الوارِدِ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ قَبْلَهُ، لِأنَّهم كانُوا قادِرِينَ عَلى التَّخَلُّصِ مِن فِتْنَةِ الشِّرْكِ بِالخُرُوجِ مِن أرْضِهِ. وقَوْلُهُ إلّا المُسْتَضْعَفِينَ اسْتِثْناءٌ مِنَ الوَعِيدِ، والمَعْنى إلّا المُسْتَضْعَفِينَ حَقًّا، أيِ العاجِزِينَ عَنِ الخُرُوجِ مِن مَكَّةَ لِقِلَّةِ جُهْدٍ، أوْ لِإكْراهِ المُشْرِكِينَ إيّاهم وإيثاقِهِمْ عَلى البَقاءِ: مِثْلَ عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المُتَقَدِّمِ خَبَرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢]، ومِثْلَ سَلَمَةَ بْنِ هِشامٍ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ. وفِي البُخارِيِّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ كانَ يَدْعُو صفحة ١٧٧ فِي صَلاةِ العِشاءِ: اللَّهُمَّ نَجِّ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ اللَّهُمَّ نَجِّ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ اللَّهُمَّ نَجِّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ» . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ. والتَّبْيِينُ بِقَوْلِهِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ. والمَقْصِدُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مِنَ الرِّجالِ مُسْتَضْعَفِينَ، فَلِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِذِكْرِهِمْ ثُمَّ أُلْحِقَ بِذِكْرِهِمُ النِّساءُ والصِّبْيانُ لِأنَّ وُجُودَهم في العائِلَةِ يَكُونُ عُذْرًا لِوَلِيِّهِمْ إذا كانَ لا يَجِدُ حِيلَةً. وتَقَدَّمَ ذِكْرُهم بِقَوْلِهِ تَعالى وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ، وإعادَةُ ذِكْرِهِمْ هُنا مِمّا يُؤَكِّدُ أنْ تَكُونَ الآياتُ كُلُّها نَزَلَتْ في التَّهْيِئَةِ لِفَتْحِ مَكَّةَ. وجُمْلَةُ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ مُوَضِّحَةٌ لِلِاسْتِضْعافِ لِيَظْهَرَ أنَّهُ غَيْرُ الِاسْتِضْعافِ الَّذِي يَقُولُهُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ﴿كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾، أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً في الخُرُوجِ إمّا لِمَنعِ أهْلِ مَكَّةَ إيّاهم، أوْ لِفَقْرِهِمْ؛ ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا أيْ مَعْرِفَةً لِلطَّرِيقِ كالأعْمى. وجُمْلَةُ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ الفاءُ فِيها لِلْفَصِيحَةِ، والإتْيانُ بِالإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم جَدِيرُونَ بِالحُكْمِ المَذْكُورِ مِنَ المَغْفِرَةِ. وفِعْلُ عَسى في قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ يَرْجُو أنْ يَعْفُوَ عَنْهم، وإذْ كانَ اللَّهُ هو فاعِلُ العَفْوِ وهو عالِمٌ بِأنَّهُ يَعْفُو عَنْهم أوْ عَنْ بَعْضِهِمْ بِالتَّعْيِينِ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ مَعْنى الرَّجاءِ المُسْتَفادِ مِن عَسى هُنا مَعْنًى مَجازِيًّا بِأنَّ عَفْوَهُ عَنْ ذَنْبِهِمْ عَفْوٌ عَزِيزُ المَنالِ، فَمُثِّلَ حالُ العَفْوِ عَنْهم بِحالِ مَن لا يُقْطَعُ بِحُصُولِ العَفْوِ عَنْهُ. والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ تَضْيِيقُ تَحَقُّقِ عُذْرِهِمْ، لِئَلّا يَتَساهَلُوا في شُرُوطِهِ اعْتِمادًا عَلى عَفْوِ اللَّهِ، فَإنَّ عُذْرَ اللَّهِ لَهم بِاسْتِضْعافِهِمْ رُخْصَةٌ وتَوْسِعَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّ البَقاءَ عَلى إظْهارِ الشِّرْكِ أمْرٌ عَظِيمٌ، وكانَ الواجِبُ العَزِيمَةُ أنْ يُكَلَّفُوا بِإعْلانِ الإيمانِ بَيْنَ ظَهْرانَيِ المُشْرِكِينَ ولَوْ جَلَبَ لَهُمُ التَّعْذِيبَ والهَلاكَ، كَما فَعَلَتْ سُمَيَّةُ أُمُّ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ. وهَذا الِاسْتِعْمالُ هو مَحْمَلُ مَوارِدِ (عَسى) و(لَعَلَّ) إذا أُسْنِدا إلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٥٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، صفحة ١٧٨ وهُوَ مَعْنى قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ: عَسى مِنَ اللَّهِ إيجابٌ، وقَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ: أنَّ عَسى ولَعَلَّ في القُرْآنِ لِلْيَقِينِ، ومُرادُهم إذا أُسْنِدَ إلى اللَّهِ تَعالى بِخِلافِ نَحْوِ قَوْلِهِ وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا. ومِثْلُ هَذا ما قالُوهُ في وُقُوعِ حَرْفِ (إنْ) الشَّرْطِيَّةِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى، مَعَ أنَّ أصْلَها أنْ تَكُونَ لِلشَّرْطِ المَشْكُوكِ في حُصُولِهِ. وقَدِ اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ انْقَضى يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ لِأنَّ الهِجْرَةَ كانَتْ واجِبَةً لِمُفارَقَةِ أهْلِ الشِّرْكِ وأعْداءِ الدِّينِ، ولِلتَّمَكُّنِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ دُونَ حائِلٍ يَحُولُ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمّا صارَتْ مَكَّةُ دارَ إسْلامٍ ساوَتْ غَيْرَها، ويُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ ولَكِنْ جِهادٌ ونِيَّةٌ» فَكانَ المُؤْمِنُونَ يَبْقَوْنَ في أوْطانِهِمْ إلّا المُهاجِرِينَ يَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الرُّجُوعُ إلى مَكَّةَ. وفِي الحَدِيثِ «اللَّهُمَّ أمْضِ لِأصْحابِي هِجْرَتَهم ولا تَرُدُّهم عَلى أعْقابِهِمْ» قالَهُ بَعْدَ أنْ فُتِحَتْ مَكَّةُ. غَيْرَ أنَّ القِياسَ عَلى حُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ يَفْتَحُ لِلْمُجْتَهِدِينَ نَظَرًا في أحْكامِ وُجُوبِ الخُرُوجِ مِنَ البَلَدِ الَّذِي يُفْتَنُ فِيهِ المُؤْمِنُ في دِينِهِ، وهَذِهِ أحْكامٌ يَجْمَعُها سِتُّ أحْوالٍ. الحالَةُ الأُولى: أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ بِبَلَدٍ يُفْتَنُ فِيهِ في إيمانِهِ فَيُرْغَمُ عَلى الكُفْرِ وهو يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ، فَهَذا حُكْمُهُ حُكْمُ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمُ الآيَةُ، وقَدْ هاجَرَ مُسْلِمُونَ مِنَ الأنْدَلُسِ حِينَ أكْرَهَهُمُ النَّصارى عَلى التَّنَصُّرِ، فَخَرَجُوا عَلى وُجُوهِهِمْ في كُلِّ وادٍ تارِكِينَ أمْوالَهم ودِيارَهم ناجِينَ بِأنْفُسِهِمْ وإيمانِهِمْ، وهَلَكَ فَرِيقٌ مِنهم في الطَّرِيقِ وذَلِكَ في سَنَةِ ٩٠٢ وما بَعْدَها إلى أنْ كانَ الجَلاءُ الأخِيرُ سَنَةَ ١٠١٦ . الحالَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ بِبَلَدِ الكُفْرِ غَيْرَ مَفْتُونٍ في إيمانِهِ ولَكِنْ يَكُونُ عُرْضَةً لِلْإصابَةِ في نَفْسِهِ أوْ مالِهِ بِأسْرٍ أوْ قَتْلٍ أوْ مُصادَرَةِ مالٍ، فَهَذا قَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلضُّرِّ وهو حَرامٌ بِلا نِزاعٍ، وهَذا مُسَمّى الإقامَةِ بِبَلَدِ الحَرْبِ المُفَسَّرَةِ بِأرْضِ العَدُوِّ. الحالَةُ الثّالِثَةُ: أنْ يَكُونَ بِبَلَدٍ غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُ المُسْلِمِينَ إلّا أنَّهم لَمْ يَفْتِنُوا النّاسَ في إيمانِهِمْ ولا في عِباداتِهِمْ ولا في أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ وأعْراضِهِمْ، ولَكِنَّهُ بِإقامَتِهِ تَجْرِي عَلَيْهِ أحْكامُ غَيْرِ المُسْلِمِينَ إذا عَرَضَ لَهُ حادِثٌ مَعَ واحِدٍ مِن أهْلِ ذَلِكَ البَلَدِ الَّذِينَ هم صفحة ١٧٩ غَيْرُ مُسْلِمِينَ، وهَذا مِثْلُ الَّذِي يُقِيمُ اليَوْمَ بِبِلادِ أُورُوبّا النَّصْرانِيَّةِ. وظاهِرُ قَوْلِ مالِكٍ أنَّ المُقامَ في مِثْلِ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ كَراهَةً شَدِيدَةً مِن أجْلِ أنَّهُ تَجْرِي عَلَيْهِ أحْكامُ غَيْرِ المُسْلِمِينَ، وهو ظاهِرُ المُدَوَّنَةِ في كِتابِ التِّجارَةِ إلى أرْضِ الحَرْبِ والعُتْبِيَّةِ. كَذَلِكَ تَأوَّلَ قَوْلَ مالِكٍ فُقَهاءُ القَيْرَوانِ، وهو ظاهِرُ الرِّسالَةِ، وصَرِيحُ كَلامِ اللَّخْمِيِّ في طالِعَةِ كِتابِ التِّجارَةِ إلى أرْضِ الحَرْبِ مِن تَبْصِرَتِهِ، وارْتَضاهُ ابْنُ مُحْرِزٍ وعَبْدُ الحَقِّ، وتَأوَّلَهُ سَحْنُونٌ وابْنُ حَبِيبٍ عَلى الحُرْمَةِ وكَذَلِكَ عَبْدُ الحَمِيدِ الصّائِغُ والمازِرِيُّ، وزادَ سَحْنُونٌ فَقالَ: إنَّ مُقامَهُ جَرْحَةٌ في عَدالَتِهِ، ووافَقَهُ المازِرِيُّ وعَبْدُ الحَمِيدِ، وعَلى هَذا يَجْرِي الكَلامُ في السَّفَرِ في سُفُنِ النَّصارى إلى الحَجِّ وغَيْرِهِ. وقالَ البَرْزَلِيُّ عَنِ ابْنِ عَرَفَةَ: إنْ كانَ أمِيرُ تُونِسَ قَوِيًّا عَلى النَّصارى جازَ السَّفَرُ، وإلّا لَمْ يَجُزْ، لِأنَّهم يُهِينُونَ المُسْلِمِينَ. الحالَةُ الرّابِعَةُ: أنْ يَتَغَلَّبَ الكُفّارُ عَلى بَلَدِ أهْلِهِ مُسْلِمُونَ ولا يَفْتِنُوهم في دِينِهِمْ ولا في عِبادَتِهِمْ ولا في أمْوالِهِمْ، ولَكِنَّهم يَكُونُ لَهم حُكْمُ القُوَّةِ عَلَيْهِمْ فَقَطْ، وتَجْرِي الأحْكامُ بَيْنَهم عَلى مُقْتَضى شَرِيعَةِ الإسْلامِ كَما وقَعَ في صِقِلِّيَّةَ حِينَ اسْتَوْلى عَلَيْها رُجَيْرٍ النَّرَمَندِيُّ. وكَما وقَعَ في بِلادِ غَرْناطَةَ حِينَ اسْتَوْلى عَلَيْها طاغِيَةُ الجَلالِقَةِ عَلى شُرُوطٍ مِنها احْتِرامُ دِينِهِمْ، فَإنَّ أهْلَها أقامُوا بِها مُدَّةً وأقامَ مِنهم عُلَماؤُهم وكانُوا يَلُونَ القَضاءَ والفَتْوى والعَدالَةَ والأمانَةَ ونَحْوَ ذَلِكَ، وهاجَرَ فَرِيقٌ مِنهم فَلَمْ يَعِبِ المُهاجِرُ عَلى القاطِنِ، ولا القاطِنُ عَلى المُهاجِرِ. الحالَةُ الخامِسَةُ: أنْ يَكُونَ لِغَيْرِ المُسْلِمِينَ نُفُوذٌ وسُلْطانٌ عَلى بَعْضِ بِلادِ الإسْلامِ، مَعَ بَقاءِ مُلُوكِ الإسْلامِ فِيها، واسْتِمْرارِ تَصَرُّفِهِمْ في قَوْمِهِمْ، ووِلايَةِ حُكّامِهِمْ مِنهم، واحْتِرامِ أدْيانِهِمْ وسائِرِ شَعائِرِهِمْ، ولَكِنَّ تَصَرُّفَ الأُمَراءِ تَحْتَ نَظَرِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ وبِمُوافَقَتِهِمْ، وهو ما يُسَمّى بِالحِمايَةِ والِاحْتِلالِ والوِصايَةِ والِانْتِدابِ، كَما وقَعَ في مِصْرَ مُدَّةَ احْتِلالِ جَيْشِ الفَرَنْسِيسِ بِها، ثُمَّ مُدَّةَ احْتِلالِ الأنْقَلِيزِ، وكَما وقَعَ بِتُونِسَ والمَغْرِبِ الأقْصى مِن حِمايَةِ فَرَنْسا، وكَما وقَعَ في سُورْيا والعِراقِ أيّامَ الِانْتِدابِ، وهَذِهِ لا شُبْهَةَ في عَدَمِ وُجُوبِ الهِجْرَةِ مِنها. الحالَةُ السّادِسَةُ: البَلَدُ الَّذِي تَكْثُرُ فِيهِ المَناكِرُ والبِدَعُ، وتَجْرِي فِيهِ أحْكامٌ كَثِيرَةٌ عَلى خِلافِ صَرِيحِ الإسْلامِ بِحَيْثُ يَخْلِطُ عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا ولا يُجْبَرُ المُسْلِمُ فِيها عَلى صفحة ١٨٠ ارْتِكابِهِ خِلافَ الشَّرْعِ، ولَكِنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَها إلّا بِالقَوْلِ، أوْ لا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ أصْلًا. وهَذِهِ رُوِيَ عَنْ مالِكٍ وُجُوبُ الخُرُوجِ مِنها، رَواهُ ابْنُ القاسِمِ، غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ قَدْ حَدَثَ في القَيْرَوانِ أيّامَ بَنِي عُبَيْدٍ فَلَمْ يُحْفَظْ أنَّ أحَدًا مِن فُقَهائِها الصّالِحِينَ دَعا النّاسَ إلى الهِجْرَةِ. وحَسْبُكَ بِإقامَةِ الشَّيْخِ أبِي مُحَمَّدِ بْنِ أبِي زَيْدٍ وأمْثالِهِ. وحَدَثَ في مِصْرَ مُدَّةَ الفاطِمِيِّينَ أيْضًا فَلَمْ يُغادِرْها أحَدٌ مِن عُلَمائِها الصّالِحِينَ. ودُونَ هَذِهِ الأحْوالِ السِّتَّةِ أحْوالٌ كَثِيرَةٌ هي أوْلى بِجَوازِ الإقامَةِ، وأنَّها مَراتِبُ، وإنَّ لِبَقاءِ المُسْلِمِينَ في أوْطانِهِمْ إذا لَمْ يُفْتَنُوا في دِينِهِمْ مَصْلَحَةً كُبْرى لِلْجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ.

النساء 4:98

صفحة ١٧٣ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إلّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ . فَلَمّا جاءَ ذِكْرُ القاعِدِينَ عَنِ الجِهادِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِعُذْرٍ وبِدُونِهِ، في الآيَةِ السّالِفَةِ، كانَ حالُ القاعِدِينَ عَنْ إظْهارِ إسْلامِهِمْ مِنَ الَّذِينَ عَزَمُوا عَلَيْهِ بِمَكَّةَ، أوِ اتَّبَعُوهُ ثُمَّ صَدَّهم أهْلُ مَكَّةَ عَنْهُ وفَتَنُوهم حَتّى أرْجَعُوهم إلى عِبادَةِ الأصْنامِ بِعُذْرٍ وبِدُونِهِ، بِحَيْثُ يَخْطُرُ بِبالِ السّامِعِ أنْ يَتَساءَلَ عَنْ مَصِيرِهِمْ إنْ هُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى ذَلِكَ حَتّى ماتُوا. فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُجِيبَةً عَمّا يَجِيشُ بِنُفُوسِ السّامِعِينَ مِنَ التَّساؤُلِ عَنْ مَصِيرِ أُولَئِكَ، فَكانَ مَوْقِعُها اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِسائِلٍ مُتَرَدِّدٍ، ولِذَلِكَ فُصِّلَتْ، ولِذَلِكَ صُدِّرَتْ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ، فَإنَّ حالَهم يُوجِبُ شَكًّا في أنْ يَكُونُوا مُلْحَقِينَ بِالكُفّارِ، كَيْفَ وهم قَدْ ظَهَرَ مَيْلُهم إلى الإسْلامِ، ومِنهم مَن دَخَلَ فِيهِ بِالفِعْلِ ثُمَّ صُدَّ عَنْهُ أوْ فُتِنَ لِأجْلِهِ. والمَوْصُولُ هُنا في قُوَّةِ المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ، ولَيْسَ المُرادُ شَخْصًا أوْ طائِفَةً بَلْ جِنْسَ مَن ماتَ ظالِمًا نَفْسَهُ، ولِما في الصِّلَةِ مِنَ الإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ وهو قَوْلُهُ فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ، أيْ لِأنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم. ومَعْنى تَوَفّاهُمُ تُمِيتُهم وتَقْبِضُ أرْواحَهم، فالمَعْنى: أنَّ الَّذِينَ يَمُوتُونَ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ، فَعَدَلَ عَنْ يَمُوتُونَ أوْ يُتَوَفَّوْنَ إلى تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ لِيَكُونَ وسِيلَةً لِبَيانِ شَناعَةِ فِتْنَتِهِمْ عِنْدَ المَوْتِ. والمَلائِكَةُ جَمْعٌ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ، فاسْتَوى في إفادَةِ مَعْنى الجِنْسِ جَمْعُهُ - كَما هُنا - ومُفْرَدُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] فَيَجُوزُ صفحة ١٧٤ أنْ يَكُونَ مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي يَقْبِضُ أرْواحَ النّاسِ واحِدًا، بِقُوَّةٍ مِنهُ تَصِلُ إلى كُلِّ هالِكٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ هالِكٍ مَلَكٌ يَقْبِضُ رُوحَهُ، وهَذا أوْضَحُ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ إلى قَوْلِهِ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ. وتَوَفّاهُمُ فِعْلُ مُضِيٍّ يُقالُ: تَوَفّاهُ اللَّهُ، وتَوَفّاهُ مَلَكُ المَوْتِ، وإنَّما لَمْ يُقْرَنْ بِعَلامَةِ تَأْنِيثِ فاعِلِ الفِعْلِ، لِأنَّ تَأْنِيثَ صِيَغِ جُمُوعِ التَّكْسِيرِ تَأْنِيثٌ لَفْظِيٌّ لا حَقِيقِيٌّ فَيَجُوزُ لَحاقَ تاءِ التَّأْنِيثِ لِفِعْلِها، تَقُولُ: غَزَتِ العَرَبُ، وغَزا العَرَبُ. وظُلْمُ النَّفْسِ: أنْ يَفْعَلَ أحَدٌ فِعْلًا يَؤُولُ إلى مَضَرَّتِهِ، فَهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، لِأنَّهُ فَعَلَ بِنَفْسِهِ ما لَيْسَ مِن شَأْنِ العُقَلاءِ أنْ يَفْعَلُوهُ لِوَخامَةِ عُقْباهُ. والظُّلْمُ هو الشَّيْءُ الَّذِي لا يَحِقُّ فِعْلُهُ ولا تَرْضى بِهِ النُّفُوسُ السَّلِيمَةُ والشَّرائِعُ، واشْتُهِرَ إطْلاقُ ظُلْمِ النَّفْسِ في القُرْآنِ عَلى الكُفْرِ وعَلى المَعْصِيَةِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِهِ الكُفْرُ، وأنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ كانُوا قَدْ أسْلَمُوا حِينَ كانَ الرَّسُولُ ﷺ بِمَكَّةَ، فَلَمّا هاجَرَ أقامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ بِمَكَّةَ فَفَتَنُوهم فارْتَدُّوا، وخَرَجُوا يَوْمَ بَدْرٍ مَعَ المُشْرِكِينَ فَكَثَّرُوا سَوادَ المُشْرِكِينَ، فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ كافِرِينَ، فَقالَ: المُسْلِمُونَ: كانَ أصْحابُنا هَؤُلاءِ مُسْلِمِينَ ولَكِنَّهم أُكْرِهُوا عَلى الكُفْرِ والخُرُوجِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ. رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالُوا: وكانَ مِنهم أبُو قَيْسِ بْنُ الفاكِهِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ، وأبُو قَيْسِ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، والعاصُ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ؛ فَهَؤُلاءِ قُتِلُوا. وكانَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وعَقِيلٌ ونَوْفَلٌ ابْنا أبِي طالِبِ فِيمَن خَرَجَ مَعَهم، ولَكِنَّ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ أُسِرُوا وفَدَوْا أنْفُسَهم وأسْلَمُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ في هَذِهِ الآيَةِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالظُّلْمِ عَدَمُ الهِجْرَةِ إذْ كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا وتَقاعَسُوا عَنِ الهِجْرَةِ. قالَ السُّدِّيُّ: كانَ مَن أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ يُعْتَبَرُ كافِرًا حَتّى يُهاجِرَ، يَعْنِي ولَوْ أظْهَرَ إسْلامَهُ وتَرَكَ حالَ الشِّرْكِ. وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ كانَتِ الهِجْرَةُ واجِبَةً ولا يَكْفُرُ تارِكُها. فَعَلى قَوْلِ السُّدِّيِّ فالظُّلْمُ مُرادٌ بِهِ أيْضًا الكُفْرُ لِأنَّهُ مُعْتَبَرٌ مِنَ الكُفْرِ في نَظَرِ الشَّرْعِ، أيْ أنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَكْتَفِ بِالإيمانِ إذا لَمْ يُهاجِرْ صاحِبُهُ مَعَ التَّمَكُّنِ مِن ذَلِكَ، وهَذا بِعِيدٌ فَقَدْ صفحة ١٧٥ قالَ تَعالى والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ الآيَةَ؛ فَأوْجَبَ عَلى المُسْلِمِينَ نَصْرَهم في الدِّينِ إنِ اسْتَنْصَرُوهم، وهَذِهِ حالَةٌ تُخالِفُ حالَةَ الكُفّارِ. وعَلى قَوْلِ غَيْرِهِ: فالظُّلْمُ المَعْصِيَةُ العَظِيمَةُ، والوَعِيدُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ صالِحٌ لِلْأمْرَيْنِ، عَلى أنَّ المُسْلِمِينَ لَمْ يَعُدُّوا الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ في عِدادِ الصَّحابَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِأنَّهم لَمْ يَتَعَيَّنِ الَّذِينَ ماتُوا مِنهم عَلى الإسْلامِ والَّذِينَ ماتُوا عَلى الكُفْرِ فَلَمْ يَعْتَدُّوا بِما عَرَفُوا مِنهم قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ . وجُمْلَةُ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ خَبَرُ إنَّ، والمَعْنى: قالُوا لَهم قَوْلَ تَوْبِيخٍ وتَهْدِيدٍ بِالوَعِيدِ وتَمْهِيدٍ لِدَحْضِ مَعْذِرَتِهِمْ في قَوْلِهِمْ كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ، فَقالُوا لَهم ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ مَوْضِعَ بَدَلِ الِاشْتِمالِ مِن جُمْلَةِ تَوَفّاهُمُ، فَإنَّ تَوَفِّيَ المَلائِكَةِ إيّاهُمُ المَحْكِيَّ هُنا يَشْتَمِلُ عَلى قَوْلِهِمْ لَهم فِيمَ كُنْتُمْ. وأمّا جُمْلَةُ ﴿قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ فَهي مَفْصُولَةٌ عَنِ العاطِفِ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ المُقاوَلَةِ في المُحاوَرَةِ، عَلى ما بَيَّناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها في سُورَةِ البَقَرَةِ. وكَذَلِكَ جُمْلَةُ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً. ويَكُونُ خَبَرُ إنَّ قَوْلَهُ ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ عَلى أنْ يَكُونَ دُخُولُ الفاءِ في الخَبَرِ لِكَوْنِ اسْمِ إنَّ مَوْصُولًا فَإنَّهُ يُعامَلُ مُعامَلَةَ أسْماءِ الشُّرُوطِ كَثِيرًا، وقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُهُ. والإتْيانُ بِالفاءِ هُنا أوْلى لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها بِالمُقاوَلَةِ، بِحَيْثُ صارَ الخَبَرُ كالنَّتِيجَةِ لِتِلْكَ المُقاوَلَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا اسْمُ الإشارَةِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ فِيمَ كُنْتُمْ مُسْتَعْمَلٌ لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ. و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ. و(ما) اسْتِفْهامٌ عَنْ حالَةٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ (في) . وقَدْ عَلِمَ المَسْئُولُونَ أنَّ الحالَةَ المَسْئُولَ عَنْها حالَةُ بَقائِهِمْ عَلى الكُفْرِ أوْ عَدَمِ الهِجْرَةِ. فَقالُوا مُعْتَذِرِينَ كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ. صفحة ١٧٦ والمُسْتَضْعَفُ: المَعْدُودُ ضَعِيفًا فَلا يَعْبَأُ بِما يُصْنَعُ بِهِ فَلَيْسَ هو في عِزَّةٍ تُمَكِّنُهُ مِن إظْهارِ إسْلامِهِ، فَلِذَلِكَ يَضْطَرُّ إلى كِتْمانِ إسْلامِهِ. والأرْضُ هي مَكَّةُ. أرادُوا: كُنّا مُكْرَهِينَ عَلى الكُفْرِ ما أقَمْنا في مَكَّةَ، وهَذا جَوابٌ صادِقٌ إذْ لا مَطْمَعَ في الكَذِبِ في عالَمِ الحَقِيقَةِ، وقَدْ حَسِبُوا ذَلِكَ عُذْرًا يُبِيحُ البَقاءَ عَلى الشِّرْكِ، أوْ يُبِيحُ التَّخَلُّفَ عَنِ الهِجْرَةِ، عَلى اخْتِلافِ التَّفْسِيرَيْنِ، فَلِذَلِكَ رَدَّ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾، أيْ تَخْرُجُوا مِنَ الأرْضِ الَّتِي تُسْتَضْعَفُونَ فِيها، فَبِذَلِكَ تُظْهِرُونَ الإيمانَ، أوْ فَقَدِ اتَّسَعَتِ الأرْضُ فَلا تَعْدَمُونَ أرْضًا تَسْتَطِيعُونَ الإقامَةَ فِيها. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الخُرُوجَ إلى كُلِّ بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِ الفِتْنَةِ يُعَدُّ هِجْرَةً، لَكِنْ دَلَّ قَوْلُهُ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ أنَّ المَقْصُودَ الهِجْرَةُ إلى المَدِينَةِ وهي الَّتِي كانَتْ واجِبَةً، وأمّا هِجْرَةُ المُؤْمِنِينَ إلى الحَبَشَةِ فَقَدْ كانَتْ قَبْلَ وُجُوبِ الهِجْرَةِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ وفَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ، كانُوا بَعْدُ بِمَكَّةَ، وكانَتْ بِإذْنِ النَّبِيءِ ﷺ . وهَذا رَدٌّ مُفْحِمٌ لَهم. والمُهاجَرَةُ: الخُرُوجُ مِنَ الوَطَنِ وتَرْكُ القَوْمِ، مُفاعَلَةٌ مِن هَجَرَ إذا تَرَكَ، وإنَّما اشْتُقَّ لِلْخُرُوجِ عَنِ الوَطَنِ اسْمُ المُهاجَرَةِ لِأنَّها في الغالِبِ تَكُونُ عَنْ كَراهِيَةٍ بَيْنَ الرّاحِلِ والمُقِيمِينَ، فَكُلُّ فَرِيقٍ يَطْلُبُ تَرْكَ الآخَرِ، ثُمَّ شاعَ إطْلاقُها عَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ بِدُونِ هَذا القَيْدِ. والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ما حَكى مِن تَوْبِيخِ المَلائِكَةِ إيّاهم وتَهْدِيدِهِمْ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِالحُكْمِ الوارِدِ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ قَبْلَهُ، لِأنَّهم كانُوا قادِرِينَ عَلى التَّخَلُّصِ مِن فِتْنَةِ الشِّرْكِ بِالخُرُوجِ مِن أرْضِهِ. وقَوْلُهُ إلّا المُسْتَضْعَفِينَ اسْتِثْناءٌ مِنَ الوَعِيدِ، والمَعْنى إلّا المُسْتَضْعَفِينَ حَقًّا، أيِ العاجِزِينَ عَنِ الخُرُوجِ مِن مَكَّةَ لِقِلَّةِ جُهْدٍ، أوْ لِإكْراهِ المُشْرِكِينَ إيّاهم وإيثاقِهِمْ عَلى البَقاءِ: مِثْلَ عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المُتَقَدِّمِ خَبَرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢]، ومِثْلَ سَلَمَةَ بْنِ هِشامٍ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ. وفِي البُخارِيِّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ كانَ يَدْعُو صفحة ١٧٧ فِي صَلاةِ العِشاءِ: اللَّهُمَّ نَجِّ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ اللَّهُمَّ نَجِّ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ اللَّهُمَّ نَجِّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ» . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ. والتَّبْيِينُ بِقَوْلِهِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ. والمَقْصِدُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مِنَ الرِّجالِ مُسْتَضْعَفِينَ، فَلِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِذِكْرِهِمْ ثُمَّ أُلْحِقَ بِذِكْرِهِمُ النِّساءُ والصِّبْيانُ لِأنَّ وُجُودَهم في العائِلَةِ يَكُونُ عُذْرًا لِوَلِيِّهِمْ إذا كانَ لا يَجِدُ حِيلَةً. وتَقَدَّمَ ذِكْرُهم بِقَوْلِهِ تَعالى وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ، وإعادَةُ ذِكْرِهِمْ هُنا مِمّا يُؤَكِّدُ أنْ تَكُونَ الآياتُ كُلُّها نَزَلَتْ في التَّهْيِئَةِ لِفَتْحِ مَكَّةَ. وجُمْلَةُ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ مُوَضِّحَةٌ لِلِاسْتِضْعافِ لِيَظْهَرَ أنَّهُ غَيْرُ الِاسْتِضْعافِ الَّذِي يَقُولُهُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ﴿كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾، أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً في الخُرُوجِ إمّا لِمَنعِ أهْلِ مَكَّةَ إيّاهم، أوْ لِفَقْرِهِمْ؛ ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا أيْ مَعْرِفَةً لِلطَّرِيقِ كالأعْمى. وجُمْلَةُ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ الفاءُ فِيها لِلْفَصِيحَةِ، والإتْيانُ بِالإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم جَدِيرُونَ بِالحُكْمِ المَذْكُورِ مِنَ المَغْفِرَةِ. وفِعْلُ عَسى في قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ يَرْجُو أنْ يَعْفُوَ عَنْهم، وإذْ كانَ اللَّهُ هو فاعِلُ العَفْوِ وهو عالِمٌ بِأنَّهُ يَعْفُو عَنْهم أوْ عَنْ بَعْضِهِمْ بِالتَّعْيِينِ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ مَعْنى الرَّجاءِ المُسْتَفادِ مِن عَسى هُنا مَعْنًى مَجازِيًّا بِأنَّ عَفْوَهُ عَنْ ذَنْبِهِمْ عَفْوٌ عَزِيزُ المَنالِ، فَمُثِّلَ حالُ العَفْوِ عَنْهم بِحالِ مَن لا يُقْطَعُ بِحُصُولِ العَفْوِ عَنْهُ. والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ تَضْيِيقُ تَحَقُّقِ عُذْرِهِمْ، لِئَلّا يَتَساهَلُوا في شُرُوطِهِ اعْتِمادًا عَلى عَفْوِ اللَّهِ، فَإنَّ عُذْرَ اللَّهِ لَهم بِاسْتِضْعافِهِمْ رُخْصَةٌ وتَوْسِعَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّ البَقاءَ عَلى إظْهارِ الشِّرْكِ أمْرٌ عَظِيمٌ، وكانَ الواجِبُ العَزِيمَةُ أنْ يُكَلَّفُوا بِإعْلانِ الإيمانِ بَيْنَ ظَهْرانَيِ المُشْرِكِينَ ولَوْ جَلَبَ لَهُمُ التَّعْذِيبَ والهَلاكَ، كَما فَعَلَتْ سُمَيَّةُ أُمُّ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ. وهَذا الِاسْتِعْمالُ هو مَحْمَلُ مَوارِدِ (عَسى) و(لَعَلَّ) إذا أُسْنِدا إلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٥٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، صفحة ١٧٨ وهُوَ مَعْنى قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ: عَسى مِنَ اللَّهِ إيجابٌ، وقَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ: أنَّ عَسى ولَعَلَّ في القُرْآنِ لِلْيَقِينِ، ومُرادُهم إذا أُسْنِدَ إلى اللَّهِ تَعالى بِخِلافِ نَحْوِ قَوْلِهِ وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا. ومِثْلُ هَذا ما قالُوهُ في وُقُوعِ حَرْفِ (إنْ) الشَّرْطِيَّةِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى، مَعَ أنَّ أصْلَها أنْ تَكُونَ لِلشَّرْطِ المَشْكُوكِ في حُصُولِهِ. وقَدِ اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ انْقَضى يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ لِأنَّ الهِجْرَةَ كانَتْ واجِبَةً لِمُفارَقَةِ أهْلِ الشِّرْكِ وأعْداءِ الدِّينِ، ولِلتَّمَكُّنِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ دُونَ حائِلٍ يَحُولُ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمّا صارَتْ مَكَّةُ دارَ إسْلامٍ ساوَتْ غَيْرَها، ويُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ ولَكِنْ جِهادٌ ونِيَّةٌ» فَكانَ المُؤْمِنُونَ يَبْقَوْنَ في أوْطانِهِمْ إلّا المُهاجِرِينَ يَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الرُّجُوعُ إلى مَكَّةَ. وفِي الحَدِيثِ «اللَّهُمَّ أمْضِ لِأصْحابِي هِجْرَتَهم ولا تَرُدُّهم عَلى أعْقابِهِمْ» قالَهُ بَعْدَ أنْ فُتِحَتْ مَكَّةُ. غَيْرَ أنَّ القِياسَ عَلى حُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ يَفْتَحُ لِلْمُجْتَهِدِينَ نَظَرًا في أحْكامِ وُجُوبِ الخُرُوجِ مِنَ البَلَدِ الَّذِي يُفْتَنُ فِيهِ المُؤْمِنُ في دِينِهِ، وهَذِهِ أحْكامٌ يَجْمَعُها سِتُّ أحْوالٍ. الحالَةُ الأُولى: أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ بِبَلَدٍ يُفْتَنُ فِيهِ في إيمانِهِ فَيُرْغَمُ عَلى الكُفْرِ وهو يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ، فَهَذا حُكْمُهُ حُكْمُ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمُ الآيَةُ، وقَدْ هاجَرَ مُسْلِمُونَ مِنَ الأنْدَلُسِ حِينَ أكْرَهَهُمُ النَّصارى عَلى التَّنَصُّرِ، فَخَرَجُوا عَلى وُجُوهِهِمْ في كُلِّ وادٍ تارِكِينَ أمْوالَهم ودِيارَهم ناجِينَ بِأنْفُسِهِمْ وإيمانِهِمْ، وهَلَكَ فَرِيقٌ مِنهم في الطَّرِيقِ وذَلِكَ في سَنَةِ ٩٠٢ وما بَعْدَها إلى أنْ كانَ الجَلاءُ الأخِيرُ سَنَةَ ١٠١٦ . الحالَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ بِبَلَدِ الكُفْرِ غَيْرَ مَفْتُونٍ في إيمانِهِ ولَكِنْ يَكُونُ عُرْضَةً لِلْإصابَةِ في نَفْسِهِ أوْ مالِهِ بِأسْرٍ أوْ قَتْلٍ أوْ مُصادَرَةِ مالٍ، فَهَذا قَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلضُّرِّ وهو حَرامٌ بِلا نِزاعٍ، وهَذا مُسَمّى الإقامَةِ بِبَلَدِ الحَرْبِ المُفَسَّرَةِ بِأرْضِ العَدُوِّ. الحالَةُ الثّالِثَةُ: أنْ يَكُونَ بِبَلَدٍ غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُ المُسْلِمِينَ إلّا أنَّهم لَمْ يَفْتِنُوا النّاسَ في إيمانِهِمْ ولا في عِباداتِهِمْ ولا في أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ وأعْراضِهِمْ، ولَكِنَّهُ بِإقامَتِهِ تَجْرِي عَلَيْهِ أحْكامُ غَيْرِ المُسْلِمِينَ إذا عَرَضَ لَهُ حادِثٌ مَعَ واحِدٍ مِن أهْلِ ذَلِكَ البَلَدِ الَّذِينَ هم صفحة ١٧٩ غَيْرُ مُسْلِمِينَ، وهَذا مِثْلُ الَّذِي يُقِيمُ اليَوْمَ بِبِلادِ أُورُوبّا النَّصْرانِيَّةِ. وظاهِرُ قَوْلِ مالِكٍ أنَّ المُقامَ في مِثْلِ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ كَراهَةً شَدِيدَةً مِن أجْلِ أنَّهُ تَجْرِي عَلَيْهِ أحْكامُ غَيْرِ المُسْلِمِينَ، وهو ظاهِرُ المُدَوَّنَةِ في كِتابِ التِّجارَةِ إلى أرْضِ الحَرْبِ والعُتْبِيَّةِ. كَذَلِكَ تَأوَّلَ قَوْلَ مالِكٍ فُقَهاءُ القَيْرَوانِ، وهو ظاهِرُ الرِّسالَةِ، وصَرِيحُ كَلامِ اللَّخْمِيِّ في طالِعَةِ كِتابِ التِّجارَةِ إلى أرْضِ الحَرْبِ مِن تَبْصِرَتِهِ، وارْتَضاهُ ابْنُ مُحْرِزٍ وعَبْدُ الحَقِّ، وتَأوَّلَهُ سَحْنُونٌ وابْنُ حَبِيبٍ عَلى الحُرْمَةِ وكَذَلِكَ عَبْدُ الحَمِيدِ الصّائِغُ والمازِرِيُّ، وزادَ سَحْنُونٌ فَقالَ: إنَّ مُقامَهُ جَرْحَةٌ في عَدالَتِهِ، ووافَقَهُ المازِرِيُّ وعَبْدُ الحَمِيدِ، وعَلى هَذا يَجْرِي الكَلامُ في السَّفَرِ في سُفُنِ النَّصارى إلى الحَجِّ وغَيْرِهِ. وقالَ البَرْزَلِيُّ عَنِ ابْنِ عَرَفَةَ: إنْ كانَ أمِيرُ تُونِسَ قَوِيًّا عَلى النَّصارى جازَ السَّفَرُ، وإلّا لَمْ يَجُزْ، لِأنَّهم يُهِينُونَ المُسْلِمِينَ. الحالَةُ الرّابِعَةُ: أنْ يَتَغَلَّبَ الكُفّارُ عَلى بَلَدِ أهْلِهِ مُسْلِمُونَ ولا يَفْتِنُوهم في دِينِهِمْ ولا في عِبادَتِهِمْ ولا في أمْوالِهِمْ، ولَكِنَّهم يَكُونُ لَهم حُكْمُ القُوَّةِ عَلَيْهِمْ فَقَطْ، وتَجْرِي الأحْكامُ بَيْنَهم عَلى مُقْتَضى شَرِيعَةِ الإسْلامِ كَما وقَعَ في صِقِلِّيَّةَ حِينَ اسْتَوْلى عَلَيْها رُجَيْرٍ النَّرَمَندِيُّ. وكَما وقَعَ في بِلادِ غَرْناطَةَ حِينَ اسْتَوْلى عَلَيْها طاغِيَةُ الجَلالِقَةِ عَلى شُرُوطٍ مِنها احْتِرامُ دِينِهِمْ، فَإنَّ أهْلَها أقامُوا بِها مُدَّةً وأقامَ مِنهم عُلَماؤُهم وكانُوا يَلُونَ القَضاءَ والفَتْوى والعَدالَةَ والأمانَةَ ونَحْوَ ذَلِكَ، وهاجَرَ فَرِيقٌ مِنهم فَلَمْ يَعِبِ المُهاجِرُ عَلى القاطِنِ، ولا القاطِنُ عَلى المُهاجِرِ. الحالَةُ الخامِسَةُ: أنْ يَكُونَ لِغَيْرِ المُسْلِمِينَ نُفُوذٌ وسُلْطانٌ عَلى بَعْضِ بِلادِ الإسْلامِ، مَعَ بَقاءِ مُلُوكِ الإسْلامِ فِيها، واسْتِمْرارِ تَصَرُّفِهِمْ في قَوْمِهِمْ، ووِلايَةِ حُكّامِهِمْ مِنهم، واحْتِرامِ أدْيانِهِمْ وسائِرِ شَعائِرِهِمْ، ولَكِنَّ تَصَرُّفَ الأُمَراءِ تَحْتَ نَظَرِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ وبِمُوافَقَتِهِمْ، وهو ما يُسَمّى بِالحِمايَةِ والِاحْتِلالِ والوِصايَةِ والِانْتِدابِ، كَما وقَعَ في مِصْرَ مُدَّةَ احْتِلالِ جَيْشِ الفَرَنْسِيسِ بِها، ثُمَّ مُدَّةَ احْتِلالِ الأنْقَلِيزِ، وكَما وقَعَ بِتُونِسَ والمَغْرِبِ الأقْصى مِن حِمايَةِ فَرَنْسا، وكَما وقَعَ في سُورْيا والعِراقِ أيّامَ الِانْتِدابِ، وهَذِهِ لا شُبْهَةَ في عَدَمِ وُجُوبِ الهِجْرَةِ مِنها. الحالَةُ السّادِسَةُ: البَلَدُ الَّذِي تَكْثُرُ فِيهِ المَناكِرُ والبِدَعُ، وتَجْرِي فِيهِ أحْكامٌ كَثِيرَةٌ عَلى خِلافِ صَرِيحِ الإسْلامِ بِحَيْثُ يَخْلِطُ عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا ولا يُجْبَرُ المُسْلِمُ فِيها عَلى صفحة ١٨٠ ارْتِكابِهِ خِلافَ الشَّرْعِ، ولَكِنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَها إلّا بِالقَوْلِ، أوْ لا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ أصْلًا. وهَذِهِ رُوِيَ عَنْ مالِكٍ وُجُوبُ الخُرُوجِ مِنها، رَواهُ ابْنُ القاسِمِ، غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ قَدْ حَدَثَ في القَيْرَوانِ أيّامَ بَنِي عُبَيْدٍ فَلَمْ يُحْفَظْ أنَّ أحَدًا مِن فُقَهائِها الصّالِحِينَ دَعا النّاسَ إلى الهِجْرَةِ. وحَسْبُكَ بِإقامَةِ الشَّيْخِ أبِي مُحَمَّدِ بْنِ أبِي زَيْدٍ وأمْثالِهِ. وحَدَثَ في مِصْرَ مُدَّةَ الفاطِمِيِّينَ أيْضًا فَلَمْ يُغادِرْها أحَدٌ مِن عُلَمائِها الصّالِحِينَ. ودُونَ هَذِهِ الأحْوالِ السِّتَّةِ أحْوالٌ كَثِيرَةٌ هي أوْلى بِجَوازِ الإقامَةِ، وأنَّها مَراتِبُ، وإنَّ لِبَقاءِ المُسْلِمِينَ في أوْطانِهِمْ إذا لَمْ يُفْتَنُوا في دِينِهِمْ مَصْلَحَةً كُبْرى لِلْجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ.