Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — النساء 4:99 – النساء 4:149

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. النساء 4:99
  2. النساء 4:100
  3. النساء 4:101
  4. النساء 4:102
  5. النساء 4:103
  6. النساء 4:104
  7. النساء 4:105
  8. النساء 4:106
  9. النساء 4:107
  10. النساء 4:108
  11. النساء 4:109
  12. النساء 4:110
  13. النساء 4:111
  14. النساء 4:112
  15. النساء 4:113
  16. النساء 4:114
  17. النساء 4:115
  18. النساء 4:116
  19. النساء 4:117
  20. النساء 4:118
  21. النساء 4:119
  22. النساء 4:120
  23. النساء 4:121
  24. النساء 4:122
  25. النساء 4:123
  26. النساء 4:124
  27. النساء 4:125
  28. النساء 4:126
  29. النساء 4:127
  30. النساء 4:128
  31. النساء 4:129
  32. النساء 4:130
  33. النساء 4:131
  34. النساء 4:132
  35. النساء 4:133
  36. النساء 4:134
  37. النساء 4:135
  38. النساء 4:136
  39. النساء 4:137
  40. النساء 4:138
  41. النساء 4:139
  42. النساء 4:140
  43. النساء 4:141
  44. النساء 4:142
  45. النساء 4:143
  46. النساء 4:144
  47. النساء 4:145
  48. النساء 4:146
  49. النساء 4:147
  50. النساء 4:148
  51. النساء 4:149

النساء 4:99

صفحة ١٧٣ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إلّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ . فَلَمّا جاءَ ذِكْرُ القاعِدِينَ عَنِ الجِهادِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِعُذْرٍ وبِدُونِهِ، في الآيَةِ السّالِفَةِ، كانَ حالُ القاعِدِينَ عَنْ إظْهارِ إسْلامِهِمْ مِنَ الَّذِينَ عَزَمُوا عَلَيْهِ بِمَكَّةَ، أوِ اتَّبَعُوهُ ثُمَّ صَدَّهم أهْلُ مَكَّةَ عَنْهُ وفَتَنُوهم حَتّى أرْجَعُوهم إلى عِبادَةِ الأصْنامِ بِعُذْرٍ وبِدُونِهِ، بِحَيْثُ يَخْطُرُ بِبالِ السّامِعِ أنْ يَتَساءَلَ عَنْ مَصِيرِهِمْ إنْ هُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى ذَلِكَ حَتّى ماتُوا. فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُجِيبَةً عَمّا يَجِيشُ بِنُفُوسِ السّامِعِينَ مِنَ التَّساؤُلِ عَنْ مَصِيرِ أُولَئِكَ، فَكانَ مَوْقِعُها اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِسائِلٍ مُتَرَدِّدٍ، ولِذَلِكَ فُصِّلَتْ، ولِذَلِكَ صُدِّرَتْ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ، فَإنَّ حالَهم يُوجِبُ شَكًّا في أنْ يَكُونُوا مُلْحَقِينَ بِالكُفّارِ، كَيْفَ وهم قَدْ ظَهَرَ مَيْلُهم إلى الإسْلامِ، ومِنهم مَن دَخَلَ فِيهِ بِالفِعْلِ ثُمَّ صُدَّ عَنْهُ أوْ فُتِنَ لِأجْلِهِ. والمَوْصُولُ هُنا في قُوَّةِ المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ، ولَيْسَ المُرادُ شَخْصًا أوْ طائِفَةً بَلْ جِنْسَ مَن ماتَ ظالِمًا نَفْسَهُ، ولِما في الصِّلَةِ مِنَ الإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ وهو قَوْلُهُ فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ، أيْ لِأنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم. ومَعْنى تَوَفّاهُمُ تُمِيتُهم وتَقْبِضُ أرْواحَهم، فالمَعْنى: أنَّ الَّذِينَ يَمُوتُونَ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ، فَعَدَلَ عَنْ يَمُوتُونَ أوْ يُتَوَفَّوْنَ إلى تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ لِيَكُونَ وسِيلَةً لِبَيانِ شَناعَةِ فِتْنَتِهِمْ عِنْدَ المَوْتِ. والمَلائِكَةُ جَمْعٌ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ، فاسْتَوى في إفادَةِ مَعْنى الجِنْسِ جَمْعُهُ - كَما هُنا - ومُفْرَدُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] فَيَجُوزُ صفحة ١٧٤ أنْ يَكُونَ مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي يَقْبِضُ أرْواحَ النّاسِ واحِدًا، بِقُوَّةٍ مِنهُ تَصِلُ إلى كُلِّ هالِكٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ هالِكٍ مَلَكٌ يَقْبِضُ رُوحَهُ، وهَذا أوْضَحُ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ إلى قَوْلِهِ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ. وتَوَفّاهُمُ فِعْلُ مُضِيٍّ يُقالُ: تَوَفّاهُ اللَّهُ، وتَوَفّاهُ مَلَكُ المَوْتِ، وإنَّما لَمْ يُقْرَنْ بِعَلامَةِ تَأْنِيثِ فاعِلِ الفِعْلِ، لِأنَّ تَأْنِيثَ صِيَغِ جُمُوعِ التَّكْسِيرِ تَأْنِيثٌ لَفْظِيٌّ لا حَقِيقِيٌّ فَيَجُوزُ لَحاقَ تاءِ التَّأْنِيثِ لِفِعْلِها، تَقُولُ: غَزَتِ العَرَبُ، وغَزا العَرَبُ. وظُلْمُ النَّفْسِ: أنْ يَفْعَلَ أحَدٌ فِعْلًا يَؤُولُ إلى مَضَرَّتِهِ، فَهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، لِأنَّهُ فَعَلَ بِنَفْسِهِ ما لَيْسَ مِن شَأْنِ العُقَلاءِ أنْ يَفْعَلُوهُ لِوَخامَةِ عُقْباهُ. والظُّلْمُ هو الشَّيْءُ الَّذِي لا يَحِقُّ فِعْلُهُ ولا تَرْضى بِهِ النُّفُوسُ السَّلِيمَةُ والشَّرائِعُ، واشْتُهِرَ إطْلاقُ ظُلْمِ النَّفْسِ في القُرْآنِ عَلى الكُفْرِ وعَلى المَعْصِيَةِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِهِ الكُفْرُ، وأنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ كانُوا قَدْ أسْلَمُوا حِينَ كانَ الرَّسُولُ ﷺ بِمَكَّةَ، فَلَمّا هاجَرَ أقامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ بِمَكَّةَ فَفَتَنُوهم فارْتَدُّوا، وخَرَجُوا يَوْمَ بَدْرٍ مَعَ المُشْرِكِينَ فَكَثَّرُوا سَوادَ المُشْرِكِينَ، فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ كافِرِينَ، فَقالَ: المُسْلِمُونَ: كانَ أصْحابُنا هَؤُلاءِ مُسْلِمِينَ ولَكِنَّهم أُكْرِهُوا عَلى الكُفْرِ والخُرُوجِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ. رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالُوا: وكانَ مِنهم أبُو قَيْسِ بْنُ الفاكِهِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ، وأبُو قَيْسِ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، والعاصُ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ؛ فَهَؤُلاءِ قُتِلُوا. وكانَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وعَقِيلٌ ونَوْفَلٌ ابْنا أبِي طالِبِ فِيمَن خَرَجَ مَعَهم، ولَكِنَّ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ أُسِرُوا وفَدَوْا أنْفُسَهم وأسْلَمُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ في هَذِهِ الآيَةِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالظُّلْمِ عَدَمُ الهِجْرَةِ إذْ كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا وتَقاعَسُوا عَنِ الهِجْرَةِ. قالَ السُّدِّيُّ: كانَ مَن أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ يُعْتَبَرُ كافِرًا حَتّى يُهاجِرَ، يَعْنِي ولَوْ أظْهَرَ إسْلامَهُ وتَرَكَ حالَ الشِّرْكِ. وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ كانَتِ الهِجْرَةُ واجِبَةً ولا يَكْفُرُ تارِكُها. فَعَلى قَوْلِ السُّدِّيِّ فالظُّلْمُ مُرادٌ بِهِ أيْضًا الكُفْرُ لِأنَّهُ مُعْتَبَرٌ مِنَ الكُفْرِ في نَظَرِ الشَّرْعِ، أيْ أنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَكْتَفِ بِالإيمانِ إذا لَمْ يُهاجِرْ صاحِبُهُ مَعَ التَّمَكُّنِ مِن ذَلِكَ، وهَذا بِعِيدٌ فَقَدْ صفحة ١٧٥ قالَ تَعالى والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ الآيَةَ؛ فَأوْجَبَ عَلى المُسْلِمِينَ نَصْرَهم في الدِّينِ إنِ اسْتَنْصَرُوهم، وهَذِهِ حالَةٌ تُخالِفُ حالَةَ الكُفّارِ. وعَلى قَوْلِ غَيْرِهِ: فالظُّلْمُ المَعْصِيَةُ العَظِيمَةُ، والوَعِيدُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ صالِحٌ لِلْأمْرَيْنِ، عَلى أنَّ المُسْلِمِينَ لَمْ يَعُدُّوا الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ في عِدادِ الصَّحابَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِأنَّهم لَمْ يَتَعَيَّنِ الَّذِينَ ماتُوا مِنهم عَلى الإسْلامِ والَّذِينَ ماتُوا عَلى الكُفْرِ فَلَمْ يَعْتَدُّوا بِما عَرَفُوا مِنهم قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ . وجُمْلَةُ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ خَبَرُ إنَّ، والمَعْنى: قالُوا لَهم قَوْلَ تَوْبِيخٍ وتَهْدِيدٍ بِالوَعِيدِ وتَمْهِيدٍ لِدَحْضِ مَعْذِرَتِهِمْ في قَوْلِهِمْ كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ، فَقالُوا لَهم ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ مَوْضِعَ بَدَلِ الِاشْتِمالِ مِن جُمْلَةِ تَوَفّاهُمُ، فَإنَّ تَوَفِّيَ المَلائِكَةِ إيّاهُمُ المَحْكِيَّ هُنا يَشْتَمِلُ عَلى قَوْلِهِمْ لَهم فِيمَ كُنْتُمْ. وأمّا جُمْلَةُ ﴿قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ فَهي مَفْصُولَةٌ عَنِ العاطِفِ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ المُقاوَلَةِ في المُحاوَرَةِ، عَلى ما بَيَّناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها في سُورَةِ البَقَرَةِ. وكَذَلِكَ جُمْلَةُ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً. ويَكُونُ خَبَرُ إنَّ قَوْلَهُ ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ عَلى أنْ يَكُونَ دُخُولُ الفاءِ في الخَبَرِ لِكَوْنِ اسْمِ إنَّ مَوْصُولًا فَإنَّهُ يُعامَلُ مُعامَلَةَ أسْماءِ الشُّرُوطِ كَثِيرًا، وقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُهُ. والإتْيانُ بِالفاءِ هُنا أوْلى لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها بِالمُقاوَلَةِ، بِحَيْثُ صارَ الخَبَرُ كالنَّتِيجَةِ لِتِلْكَ المُقاوَلَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا اسْمُ الإشارَةِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ فِيمَ كُنْتُمْ مُسْتَعْمَلٌ لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ. و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ. و(ما) اسْتِفْهامٌ عَنْ حالَةٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ (في) . وقَدْ عَلِمَ المَسْئُولُونَ أنَّ الحالَةَ المَسْئُولَ عَنْها حالَةُ بَقائِهِمْ عَلى الكُفْرِ أوْ عَدَمِ الهِجْرَةِ. فَقالُوا مُعْتَذِرِينَ كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ. صفحة ١٧٦ والمُسْتَضْعَفُ: المَعْدُودُ ضَعِيفًا فَلا يَعْبَأُ بِما يُصْنَعُ بِهِ فَلَيْسَ هو في عِزَّةٍ تُمَكِّنُهُ مِن إظْهارِ إسْلامِهِ، فَلِذَلِكَ يَضْطَرُّ إلى كِتْمانِ إسْلامِهِ. والأرْضُ هي مَكَّةُ. أرادُوا: كُنّا مُكْرَهِينَ عَلى الكُفْرِ ما أقَمْنا في مَكَّةَ، وهَذا جَوابٌ صادِقٌ إذْ لا مَطْمَعَ في الكَذِبِ في عالَمِ الحَقِيقَةِ، وقَدْ حَسِبُوا ذَلِكَ عُذْرًا يُبِيحُ البَقاءَ عَلى الشِّرْكِ، أوْ يُبِيحُ التَّخَلُّفَ عَنِ الهِجْرَةِ، عَلى اخْتِلافِ التَّفْسِيرَيْنِ، فَلِذَلِكَ رَدَّ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾، أيْ تَخْرُجُوا مِنَ الأرْضِ الَّتِي تُسْتَضْعَفُونَ فِيها، فَبِذَلِكَ تُظْهِرُونَ الإيمانَ، أوْ فَقَدِ اتَّسَعَتِ الأرْضُ فَلا تَعْدَمُونَ أرْضًا تَسْتَطِيعُونَ الإقامَةَ فِيها. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الخُرُوجَ إلى كُلِّ بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِ الفِتْنَةِ يُعَدُّ هِجْرَةً، لَكِنْ دَلَّ قَوْلُهُ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ أنَّ المَقْصُودَ الهِجْرَةُ إلى المَدِينَةِ وهي الَّتِي كانَتْ واجِبَةً، وأمّا هِجْرَةُ المُؤْمِنِينَ إلى الحَبَشَةِ فَقَدْ كانَتْ قَبْلَ وُجُوبِ الهِجْرَةِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ وفَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ، كانُوا بَعْدُ بِمَكَّةَ، وكانَتْ بِإذْنِ النَّبِيءِ ﷺ . وهَذا رَدٌّ مُفْحِمٌ لَهم. والمُهاجَرَةُ: الخُرُوجُ مِنَ الوَطَنِ وتَرْكُ القَوْمِ، مُفاعَلَةٌ مِن هَجَرَ إذا تَرَكَ، وإنَّما اشْتُقَّ لِلْخُرُوجِ عَنِ الوَطَنِ اسْمُ المُهاجَرَةِ لِأنَّها في الغالِبِ تَكُونُ عَنْ كَراهِيَةٍ بَيْنَ الرّاحِلِ والمُقِيمِينَ، فَكُلُّ فَرِيقٍ يَطْلُبُ تَرْكَ الآخَرِ، ثُمَّ شاعَ إطْلاقُها عَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ بِدُونِ هَذا القَيْدِ. والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ما حَكى مِن تَوْبِيخِ المَلائِكَةِ إيّاهم وتَهْدِيدِهِمْ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِالحُكْمِ الوارِدِ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ قَبْلَهُ، لِأنَّهم كانُوا قادِرِينَ عَلى التَّخَلُّصِ مِن فِتْنَةِ الشِّرْكِ بِالخُرُوجِ مِن أرْضِهِ. وقَوْلُهُ إلّا المُسْتَضْعَفِينَ اسْتِثْناءٌ مِنَ الوَعِيدِ، والمَعْنى إلّا المُسْتَضْعَفِينَ حَقًّا، أيِ العاجِزِينَ عَنِ الخُرُوجِ مِن مَكَّةَ لِقِلَّةِ جُهْدٍ، أوْ لِإكْراهِ المُشْرِكِينَ إيّاهم وإيثاقِهِمْ عَلى البَقاءِ: مِثْلَ عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المُتَقَدِّمِ خَبَرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢]، ومِثْلَ سَلَمَةَ بْنِ هِشامٍ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ. وفِي البُخارِيِّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ كانَ يَدْعُو صفحة ١٧٧ فِي صَلاةِ العِشاءِ: اللَّهُمَّ نَجِّ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ اللَّهُمَّ نَجِّ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ اللَّهُمَّ نَجِّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ» . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ. والتَّبْيِينُ بِقَوْلِهِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ. والمَقْصِدُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مِنَ الرِّجالِ مُسْتَضْعَفِينَ، فَلِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِذِكْرِهِمْ ثُمَّ أُلْحِقَ بِذِكْرِهِمُ النِّساءُ والصِّبْيانُ لِأنَّ وُجُودَهم في العائِلَةِ يَكُونُ عُذْرًا لِوَلِيِّهِمْ إذا كانَ لا يَجِدُ حِيلَةً. وتَقَدَّمَ ذِكْرُهم بِقَوْلِهِ تَعالى وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ، وإعادَةُ ذِكْرِهِمْ هُنا مِمّا يُؤَكِّدُ أنْ تَكُونَ الآياتُ كُلُّها نَزَلَتْ في التَّهْيِئَةِ لِفَتْحِ مَكَّةَ. وجُمْلَةُ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ مُوَضِّحَةٌ لِلِاسْتِضْعافِ لِيَظْهَرَ أنَّهُ غَيْرُ الِاسْتِضْعافِ الَّذِي يَقُولُهُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ﴿كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾، أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً في الخُرُوجِ إمّا لِمَنعِ أهْلِ مَكَّةَ إيّاهم، أوْ لِفَقْرِهِمْ؛ ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا أيْ مَعْرِفَةً لِلطَّرِيقِ كالأعْمى. وجُمْلَةُ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ الفاءُ فِيها لِلْفَصِيحَةِ، والإتْيانُ بِالإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم جَدِيرُونَ بِالحُكْمِ المَذْكُورِ مِنَ المَغْفِرَةِ. وفِعْلُ عَسى في قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ يَرْجُو أنْ يَعْفُوَ عَنْهم، وإذْ كانَ اللَّهُ هو فاعِلُ العَفْوِ وهو عالِمٌ بِأنَّهُ يَعْفُو عَنْهم أوْ عَنْ بَعْضِهِمْ بِالتَّعْيِينِ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ مَعْنى الرَّجاءِ المُسْتَفادِ مِن عَسى هُنا مَعْنًى مَجازِيًّا بِأنَّ عَفْوَهُ عَنْ ذَنْبِهِمْ عَفْوٌ عَزِيزُ المَنالِ، فَمُثِّلَ حالُ العَفْوِ عَنْهم بِحالِ مَن لا يُقْطَعُ بِحُصُولِ العَفْوِ عَنْهُ. والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ تَضْيِيقُ تَحَقُّقِ عُذْرِهِمْ، لِئَلّا يَتَساهَلُوا في شُرُوطِهِ اعْتِمادًا عَلى عَفْوِ اللَّهِ، فَإنَّ عُذْرَ اللَّهِ لَهم بِاسْتِضْعافِهِمْ رُخْصَةٌ وتَوْسِعَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّ البَقاءَ عَلى إظْهارِ الشِّرْكِ أمْرٌ عَظِيمٌ، وكانَ الواجِبُ العَزِيمَةُ أنْ يُكَلَّفُوا بِإعْلانِ الإيمانِ بَيْنَ ظَهْرانَيِ المُشْرِكِينَ ولَوْ جَلَبَ لَهُمُ التَّعْذِيبَ والهَلاكَ، كَما فَعَلَتْ سُمَيَّةُ أُمُّ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ. وهَذا الِاسْتِعْمالُ هو مَحْمَلُ مَوارِدِ (عَسى) و(لَعَلَّ) إذا أُسْنِدا إلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٥٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، صفحة ١٧٨ وهُوَ مَعْنى قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ: عَسى مِنَ اللَّهِ إيجابٌ، وقَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ: أنَّ عَسى ولَعَلَّ في القُرْآنِ لِلْيَقِينِ، ومُرادُهم إذا أُسْنِدَ إلى اللَّهِ تَعالى بِخِلافِ نَحْوِ قَوْلِهِ وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا. ومِثْلُ هَذا ما قالُوهُ في وُقُوعِ حَرْفِ (إنْ) الشَّرْطِيَّةِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى، مَعَ أنَّ أصْلَها أنْ تَكُونَ لِلشَّرْطِ المَشْكُوكِ في حُصُولِهِ. وقَدِ اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ انْقَضى يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ لِأنَّ الهِجْرَةَ كانَتْ واجِبَةً لِمُفارَقَةِ أهْلِ الشِّرْكِ وأعْداءِ الدِّينِ، ولِلتَّمَكُّنِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ دُونَ حائِلٍ يَحُولُ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمّا صارَتْ مَكَّةُ دارَ إسْلامٍ ساوَتْ غَيْرَها، ويُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ ولَكِنْ جِهادٌ ونِيَّةٌ» فَكانَ المُؤْمِنُونَ يَبْقَوْنَ في أوْطانِهِمْ إلّا المُهاجِرِينَ يَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الرُّجُوعُ إلى مَكَّةَ. وفِي الحَدِيثِ «اللَّهُمَّ أمْضِ لِأصْحابِي هِجْرَتَهم ولا تَرُدُّهم عَلى أعْقابِهِمْ» قالَهُ بَعْدَ أنْ فُتِحَتْ مَكَّةُ. غَيْرَ أنَّ القِياسَ عَلى حُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ يَفْتَحُ لِلْمُجْتَهِدِينَ نَظَرًا في أحْكامِ وُجُوبِ الخُرُوجِ مِنَ البَلَدِ الَّذِي يُفْتَنُ فِيهِ المُؤْمِنُ في دِينِهِ، وهَذِهِ أحْكامٌ يَجْمَعُها سِتُّ أحْوالٍ. الحالَةُ الأُولى: أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ بِبَلَدٍ يُفْتَنُ فِيهِ في إيمانِهِ فَيُرْغَمُ عَلى الكُفْرِ وهو يَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ، فَهَذا حُكْمُهُ حُكْمُ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمُ الآيَةُ، وقَدْ هاجَرَ مُسْلِمُونَ مِنَ الأنْدَلُسِ حِينَ أكْرَهَهُمُ النَّصارى عَلى التَّنَصُّرِ، فَخَرَجُوا عَلى وُجُوهِهِمْ في كُلِّ وادٍ تارِكِينَ أمْوالَهم ودِيارَهم ناجِينَ بِأنْفُسِهِمْ وإيمانِهِمْ، وهَلَكَ فَرِيقٌ مِنهم في الطَّرِيقِ وذَلِكَ في سَنَةِ ٩٠٢ وما بَعْدَها إلى أنْ كانَ الجَلاءُ الأخِيرُ سَنَةَ ١٠١٦ . الحالَةُ الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ بِبَلَدِ الكُفْرِ غَيْرَ مَفْتُونٍ في إيمانِهِ ولَكِنْ يَكُونُ عُرْضَةً لِلْإصابَةِ في نَفْسِهِ أوْ مالِهِ بِأسْرٍ أوْ قَتْلٍ أوْ مُصادَرَةِ مالٍ، فَهَذا قَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلضُّرِّ وهو حَرامٌ بِلا نِزاعٍ، وهَذا مُسَمّى الإقامَةِ بِبَلَدِ الحَرْبِ المُفَسَّرَةِ بِأرْضِ العَدُوِّ. الحالَةُ الثّالِثَةُ: أنْ يَكُونَ بِبَلَدٍ غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُ المُسْلِمِينَ إلّا أنَّهم لَمْ يَفْتِنُوا النّاسَ في إيمانِهِمْ ولا في عِباداتِهِمْ ولا في أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ وأعْراضِهِمْ، ولَكِنَّهُ بِإقامَتِهِ تَجْرِي عَلَيْهِ أحْكامُ غَيْرِ المُسْلِمِينَ إذا عَرَضَ لَهُ حادِثٌ مَعَ واحِدٍ مِن أهْلِ ذَلِكَ البَلَدِ الَّذِينَ هم صفحة ١٧٩ غَيْرُ مُسْلِمِينَ، وهَذا مِثْلُ الَّذِي يُقِيمُ اليَوْمَ بِبِلادِ أُورُوبّا النَّصْرانِيَّةِ. وظاهِرُ قَوْلِ مالِكٍ أنَّ المُقامَ في مِثْلِ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ كَراهَةً شَدِيدَةً مِن أجْلِ أنَّهُ تَجْرِي عَلَيْهِ أحْكامُ غَيْرِ المُسْلِمِينَ، وهو ظاهِرُ المُدَوَّنَةِ في كِتابِ التِّجارَةِ إلى أرْضِ الحَرْبِ والعُتْبِيَّةِ. كَذَلِكَ تَأوَّلَ قَوْلَ مالِكٍ فُقَهاءُ القَيْرَوانِ، وهو ظاهِرُ الرِّسالَةِ، وصَرِيحُ كَلامِ اللَّخْمِيِّ في طالِعَةِ كِتابِ التِّجارَةِ إلى أرْضِ الحَرْبِ مِن تَبْصِرَتِهِ، وارْتَضاهُ ابْنُ مُحْرِزٍ وعَبْدُ الحَقِّ، وتَأوَّلَهُ سَحْنُونٌ وابْنُ حَبِيبٍ عَلى الحُرْمَةِ وكَذَلِكَ عَبْدُ الحَمِيدِ الصّائِغُ والمازِرِيُّ، وزادَ سَحْنُونٌ فَقالَ: إنَّ مُقامَهُ جَرْحَةٌ في عَدالَتِهِ، ووافَقَهُ المازِرِيُّ وعَبْدُ الحَمِيدِ، وعَلى هَذا يَجْرِي الكَلامُ في السَّفَرِ في سُفُنِ النَّصارى إلى الحَجِّ وغَيْرِهِ. وقالَ البَرْزَلِيُّ عَنِ ابْنِ عَرَفَةَ: إنْ كانَ أمِيرُ تُونِسَ قَوِيًّا عَلى النَّصارى جازَ السَّفَرُ، وإلّا لَمْ يَجُزْ، لِأنَّهم يُهِينُونَ المُسْلِمِينَ. الحالَةُ الرّابِعَةُ: أنْ يَتَغَلَّبَ الكُفّارُ عَلى بَلَدِ أهْلِهِ مُسْلِمُونَ ولا يَفْتِنُوهم في دِينِهِمْ ولا في عِبادَتِهِمْ ولا في أمْوالِهِمْ، ولَكِنَّهم يَكُونُ لَهم حُكْمُ القُوَّةِ عَلَيْهِمْ فَقَطْ، وتَجْرِي الأحْكامُ بَيْنَهم عَلى مُقْتَضى شَرِيعَةِ الإسْلامِ كَما وقَعَ في صِقِلِّيَّةَ حِينَ اسْتَوْلى عَلَيْها رُجَيْرٍ النَّرَمَندِيُّ. وكَما وقَعَ في بِلادِ غَرْناطَةَ حِينَ اسْتَوْلى عَلَيْها طاغِيَةُ الجَلالِقَةِ عَلى شُرُوطٍ مِنها احْتِرامُ دِينِهِمْ، فَإنَّ أهْلَها أقامُوا بِها مُدَّةً وأقامَ مِنهم عُلَماؤُهم وكانُوا يَلُونَ القَضاءَ والفَتْوى والعَدالَةَ والأمانَةَ ونَحْوَ ذَلِكَ، وهاجَرَ فَرِيقٌ مِنهم فَلَمْ يَعِبِ المُهاجِرُ عَلى القاطِنِ، ولا القاطِنُ عَلى المُهاجِرِ. الحالَةُ الخامِسَةُ: أنْ يَكُونَ لِغَيْرِ المُسْلِمِينَ نُفُوذٌ وسُلْطانٌ عَلى بَعْضِ بِلادِ الإسْلامِ، مَعَ بَقاءِ مُلُوكِ الإسْلامِ فِيها، واسْتِمْرارِ تَصَرُّفِهِمْ في قَوْمِهِمْ، ووِلايَةِ حُكّامِهِمْ مِنهم، واحْتِرامِ أدْيانِهِمْ وسائِرِ شَعائِرِهِمْ، ولَكِنَّ تَصَرُّفَ الأُمَراءِ تَحْتَ نَظَرِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ وبِمُوافَقَتِهِمْ، وهو ما يُسَمّى بِالحِمايَةِ والِاحْتِلالِ والوِصايَةِ والِانْتِدابِ، كَما وقَعَ في مِصْرَ مُدَّةَ احْتِلالِ جَيْشِ الفَرَنْسِيسِ بِها، ثُمَّ مُدَّةَ احْتِلالِ الأنْقَلِيزِ، وكَما وقَعَ بِتُونِسَ والمَغْرِبِ الأقْصى مِن حِمايَةِ فَرَنْسا، وكَما وقَعَ في سُورْيا والعِراقِ أيّامَ الِانْتِدابِ، وهَذِهِ لا شُبْهَةَ في عَدَمِ وُجُوبِ الهِجْرَةِ مِنها. الحالَةُ السّادِسَةُ: البَلَدُ الَّذِي تَكْثُرُ فِيهِ المَناكِرُ والبِدَعُ، وتَجْرِي فِيهِ أحْكامٌ كَثِيرَةٌ عَلى خِلافِ صَرِيحِ الإسْلامِ بِحَيْثُ يَخْلِطُ عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا ولا يُجْبَرُ المُسْلِمُ فِيها عَلى صفحة ١٨٠ ارْتِكابِهِ خِلافَ الشَّرْعِ، ولَكِنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَها إلّا بِالقَوْلِ، أوْ لا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ أصْلًا. وهَذِهِ رُوِيَ عَنْ مالِكٍ وُجُوبُ الخُرُوجِ مِنها، رَواهُ ابْنُ القاسِمِ، غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ قَدْ حَدَثَ في القَيْرَوانِ أيّامَ بَنِي عُبَيْدٍ فَلَمْ يُحْفَظْ أنَّ أحَدًا مِن فُقَهائِها الصّالِحِينَ دَعا النّاسَ إلى الهِجْرَةِ. وحَسْبُكَ بِإقامَةِ الشَّيْخِ أبِي مُحَمَّدِ بْنِ أبِي زَيْدٍ وأمْثالِهِ. وحَدَثَ في مِصْرَ مُدَّةَ الفاطِمِيِّينَ أيْضًا فَلَمْ يُغادِرْها أحَدٌ مِن عُلَمائِها الصّالِحِينَ. ودُونَ هَذِهِ الأحْوالِ السِّتَّةِ أحْوالٌ كَثِيرَةٌ هي أوْلى بِجَوازِ الإقامَةِ، وأنَّها مَراتِبُ، وإنَّ لِبَقاءِ المُسْلِمِينَ في أوْطانِهِمْ إذا لَمْ يُفْتَنُوا في دِينِهِمْ مَصْلَحَةً كُبْرى لِلْجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ.

النساء 4:100

﴿ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ . جُمْلَةُ ﴿ومَن يُهاجِرْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [النساء: ٩٧] . ومَن شَرْطِيَّةٌ. والمُهاجَرَةُ في سَبِيلِ اللَّهِ هي المُهاجَرَةُ لِأجْلِ دِينِ اللَّهِ. والسَّبِيلُ اسْتِعارَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وزادَها قَبُولًا أنَّ المُهاجَرَةَ نَوْعٌ مِنَ السَّيْرِ، فَكانَ لِذِكْرِ السَّبِيلِ مَعَها ضَرْبٌ مِنَ التَّوْرِيَةِ. والمُراغَمُ اسْمُ مَكانٍ مِن راغَمَ إذا ذَهَبَ في الأرْضِ، وفِعْلُ راغَمَ مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّغامِ بِفَتْحِ الرّاءِ وهو التُّرابُ. أوْ هو مِن راغَمَ غَيْرَهُ إذا غَلَبَهُ وقَهَرَهُ، ولَعَلَّ أصْلَهُ أنَّهُ أبْقاهُ عَلى الرَّغامِ، أيِ التُّرابِ، أيْ يَجِدُ مَكانًا يُرْغِمُ فِيهِ مَن أرْغَمَهُ، أيْ يَغْلِبُ فِيهِ قَوْمَهُ بِاسْتِقْلالِهِ عَنْهم كَما أرْغَمُوهُ بِإكْراهِهِ عَلى الكُفْرِ، قالَ الحارِثُ بْنُ وعْلَةَ الذُّهْلِيُّ: لا تَأْمَنَنَّ قَوْمًا ظَلَمْتَهم وبَدَأْتَهم بِالشَّتْمِ والرَّغَمِ إنْ يَأْبِرُوا نَخْلًا لِغَيْرِهِمْ ∗∗∗ والشَّيْءُ تَحْقِرُهُ وقَدْ يَنْمِي أيْ أنْ يَكُونُوا عَوْنًا لِلْعَدُوِّ عَلى قَوْمِهِمْ. ووَصْفُ المُراغَمِ بِالكَثِيرِ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ جِنْسُ الأمْكِنَةِ. والسَّعَةُ ضِدُّ الضِّيقِ، وهي حَقِيقَةُ اتِّساعِ الأمْكِنَةِ، وتُطْلَقُ عَلى رَفاهِيَةِ العَيْشِ، فَهي سَعَةٌ مَجازِيَّةٌ. فَإنْ كانَ المُراغَمُ هو الذَّهابُ في الأرْضِ فَعَطْفُ السَّعَةِ عَلَيْهِ عَطْفَ صفحة ١٨١ تَفْسِيرٍ، وإنْ كانَ هو مَكانُ الإغاضَةِ فَعَطْفُ السَّعَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ يَجِدُهُ مُلائِمًا مِن جِهَةِ إرْضاءِ النَّفْسِ، ومِن جِهَةِ راحَةِ الإقامَةِ. ثُمَّ نَوَّهَ اللَّهُ بِشَأْنِ الهِجْرَةِ بِأنْ جَعَلَ ثَوابَها حاصِلًا بِمُجَرَّدِ الخُرُوجِ مِن بَلَدِ الكُفْرِ، ولَوْ لَمْ يَبْلُغْ إلى البَلَدِ المُهاجَرِ إلَيْهِ، بِقَوْلِهِ ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ إلَخْ. ومَعْنى المُهاجَرَةِ إلى اللَّهِ المُهاجَرَةُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يَرْضاهُ اللَّهُ. وعُطِفَ الرَّسُولُ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ لِلْإشارَةِ إلى خُصُوصِ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ لِلِالتِحاقِ بِالرَّسُولِ وتَعْزِيزِ جانِبِهِ، لِأنَّ الَّذِي يُهاجِرُ إلى غَيْرِ المَدِينَةِ قَدْ سَلِمَ مِن إرْهاقِ الكُفْرِ ولَمْ يَحْصُلْ عَلى نُصْرَةِ الرَّسُولِ، ولِذَلِكَ بادَرَ أهْلُ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ إلى اللَّحاقِ بِالرَّسُولِ حِينَ بَلَغَهم مُهاجَرُهُ إلى المَدِينَةِ. ومَعْنى يُدْرِكْهُ المَوْتُ. أيْ في الطَّرِيقِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ مُهاجِرًا، أيْ لا يَرْجِعُ بَعْدَ هِجْرَتِهِ إلى بِلادِ الكُفْرِ وهو الأصَحُّ. وقَدِ اخْتُلِفَ في الهِجْرَةِ المُرادَةِ مِن هَذِهِ الآيَةِ: فَقِيلَ: الهِجْرَةُ إلى المَدِينَةِ، وقِيلَ: الهِجْرَةُ إلى الحَبَشَةِ. واخْتُلِفَ في المَعْنِيِّ بِالمَوْصُولِ مِن قَوْلِهِ ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ. فَعِنْدَ مَن قالُوا: إنَّ المُرادَ الهِجْرَةُ إلى المَدِينَةِ قالُوا المُرادُ بِمَن يَخْرُجْ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ كانَ بَقِيَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ، فَلَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [النساء: ٩٧] إلى قَوْلِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩] كَتَبَ بِها النَّبِيءُ ﷺ إلى المُسْلِمِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وكانَ هَذا الرَّجُلُ مَرِيضًا، فَقالَ: إنِّي لَذُو مالٍ وعَبِيدٍ، فَدَعا أبْناءَهُ وقالَ لَهم: احْمِلُونِي إلى المَدِينَةِ. فَحَمَلُوهُ عَلى سَرِيرٍ، فَلَمّا بَلَغَ التَّنْعِيمَ تُوُفِّيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِ. وتَعُمُّ أمْثالَهُ، فَهي عامَّةٌ في سِياقِ الشَّرْطِ لا يُخَصِّصُها سَبَبُ النُّزُولِ. وكانَ هَذا الرَّجُلُ مِن كِنانَةَ، وقِيلَ مِن خُزاعَةَ، وقِيلَ مِن جُنْدَعٍ، واخْتُلِفَ في اسْمِهِ عَلى عَشَرَةِ أقْوالٍ: جُنْدُبُ بْنُ حَمْزَةَ الجُنْدَعِيُّ، حُنْدُجُ بْنُ ضَمْرَةَ اللَّيْثِيُّ الخُزاعِيُّ. ضَمْرَةُ بْنُ بَغِيضٍ اللَّيْثِيُّ، ضَمْرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ الضَّمْرِيُّ، ضَمْرَةُ بْنُ ضَمْرَةَ بْنِ نُعَيْمٍ. ضَمْرَةُ مِن خُزاعَةَ (كَذا) . ضَمْرَةُ بْنُ العِيصِ. العِيصُ بْنُ ضَمْرَةَ بْنِ زِنْباعٍ، حَبِيبُ بْنُ ضَمْرَةَ، أكْثَمُ بْنُ صَيْفِيٍّ. صفحة ١٨٢ والَّذِينَ قالُوا: إنَّها الهِجْرَةُ إلى الحَبَشَةِ قالُوا: إنَّ المَعْنِيَّ بِمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ خالِدُ بْنُ حِزامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ ابْنُ أخِي خَدِيجَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، خَرَجَ مُهاجِرًا إلى الحَبَشَةِ فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ في الطَّرِيقِ فَماتَ. وسِياقُ الشَّرْطِ يَأْبى هَذا التَّفْسِيرَ.

النساء 4:101

﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنَّ الكافِرِينَ كانُوا لَكم عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهم فَإذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكم ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهم ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكم فَيَمِيلُونَ عَلَيْكم مَيْلَةً واحِدَةً ولا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتَكم وخُذُوا حِذْرَكم إنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ . انْتِقالٌ إلى تَشْرِيعٍ آخَرَ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ السَّفَرِ لِلْخُرُوجِ مِن سُلْطَةِ الكُفْرِ، عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَفْنِينِ أغْراضِهِ، والتِماسِ مُناسَباتِها. والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها. والضَّرْبُ في الأرْضِ: السَّفَرُ. وإذا مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الشَّرْطِ كَما هو غالِبُ اسْتِعْمالِها، فَلِذَلِكَ دَخَلَتِ الفاءُ عَلى الفِعْلِ الَّذِي هو كَجَوابِ الشَّرْطِ. وإذا مَنصُوبَةٌ بِفِعْلِ الجَوابِ. وقَصْرُ الصَّلاةِ: النَّقْصُ مِنها، وقَدْ عُلِمَ أنَّ أجْزاءَ الصَّلاةِ هي الرَّكَعاتُ بِسَجَداتِها وقِراءاتِها، فَلا جَرَمَ أنْ يُعْلَمَ أنَّ القَصْرَ مِنَ الصَّلاةِ هو نَقْصُ الرَّكَعاتِ. وقَدْ بَيَّنَهُ فِعْلُ صفحة ١٨٣ النَّبِيءِ ﷺ إذْ صَيَّرَ الصَّلاةَ ذاتَ الأرْبَعِ الرَّكَعاتِ ذاتَ رَكْعَتَيْنِ. وأجْمَلَتِ الآيَةُ فَلَمْ تُعَيِّنِ الصَّلَواتِ الَّتِي يَعْتَرِيها القَصْرُ، فَبَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ بِأنَّها الظُّهْرُ والعَصْرُ والعِشاءُ. ولَمْ تَقْصُرِ الصُّبْحَ لِأنَّها تَصِيرُ رَكْعَةً واحِدَةً فَتَكُونُ غَيْرَ صَلاةٍ، ولَمْ تَقْصُرِ المَغْرِبَ لِئَلّا تَصِيرَ شَفْعًا فَإنَّها وِتْرُ النَّهارِ، ولِئَلّا تَصِيرَ رَكْعَةً واحِدَةً كَما قُلْنا في الصُّبْحِ. وهَذِهِ الآيَةُ أشارَتْ إلى قَصْرِ الصَّلاةِ الرُّباعِيَّةِ في السَّفَرِ، ويَظْهَرُ مِن أُسْلُوبِها أنَّها نَزَلَتْ في ذَلِكَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ قَصْرَ الصَّلاةِ في السَّفَرِ شُرِعَ في سَنَةِ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ وهو الأصَحُّ، وقِيلَ: في رَبِيعٍ الآخِرِ مِن سَنَةِ اثْنَتَيْنِ، وقِيلَ: بَعْدَ الهِجْرَةِ بِأرْبَعِينَ يَوْمًا. وقَدْ رَوى أهْلُ الصَّحِيحِ قَوْلَ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ وزِيدَتْ صَلاةُ الحَضَرِ، وهو حَدِيثٌ بَيِّنٌ واضِحٌ. ومَحْمَلُ الآيَةِ عَلى مُقْتَضاهُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا فَرَضَ الصَّلاةَ رَكْعَتَيْنِ فَتَقَرَّرَتْ كَذَلِكَ فَلَمّا صارَتِ الظُّهْرُ والعَصْرُ والعِشاءُ أرْبَعًا نُسِخَ ما كانَ مِن عَدَدِها. وكانَ ذَلِكَ في مَبْدَأِ الهِجْرَةِ، وإذْ قَدْ كانَ أمْرُ النّاسِ مُقامًا عَلى حالَةِ الحَضَرِ وهي الغالِبُ عَلَيْهِمْ، بَطَلَ إيقاعُ الصَّلَواتِ المَذْكُوراتِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمّا غَزَوْا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهم فَأذِنَهم أنْ يُصَلُّوا تِلْكَ الصَّلَواتِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ وقالَ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ وإنَّما قالَتْ عائِشَةُ أُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ حَيْثُ لَمْ تَتَغَيَّرْ عَنِ الحالَةِ الأُولى، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يُصَلُّوها تامَّةً في السَّفَرِ بَعْدَ الهِجْرَةِ، فَلا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِها وبَيْنَ الآيَةِ. وقَوْلُهُ ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ شَرْطٌ دَلَّ عَلى تَخْصِيصِ الإذْنِ بِالقَصْرِ بِحالِ الخَوْفِ مِن تَمَكُّنِ المُشْرِكِينَ مِنهم وإبْطالِهِمْ عَلَيْهِمْ صَلاتَهم، وأنَّ اللَّهَ أذِنَ في القَصْرِ لِتَقَعَ الصَّلاةُ عَنِ اطْمِئْنانٍ. فالآيَةُ هَذِهِ خاصَّةٌ بِقَصْرِ الصَّلاةِ عِنْدَ الخَوْفِ، وهو القَصْرُ الَّذِي لَهُ هَيْئَةٌ خاصَّةٌ في صَلاةِ الجَماعَةِ، وهَذا رَأْيُ مالِكٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ في المُوَطَّأِ: «أنَّ رَجُلًا مِن آلِ خالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ سَألَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ إنّا نَجِدُ صَلاةَ الخَوْفِ وصَلاةَ الحَضَرِ في القُرْآنِ ولا نَجِدُ صَلاةَ السَّفَرِ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ يا ابْنَ أخِي إنَّ اللَّهَ بَعَثَ إلَيْنا مُحَمَّدًا ولا نَعْلَمُ شَيْئًا فَإنَّما نَفْعَلُ كَما رَأيْناهُ يَفْعَلُ» . يَعْنِي أنَّ ابْنَ عُمَرَ أقَرَّ السّائِلَ وأشْعَرَهُ بِأنَّ صَلاةَ السَّفَرِ ثَبَتَتْ بِالسُّنَّةِ، وكَذَلِكَ كانَتْ تَرى عائِشَةُ وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ خاصَّةٌ بِالخَوْفِ، فَكانا يُكْمِلانِ الصَّلاةَ في السَّفَرِ. وهَذا صفحة ١٨٤ التَّأْوِيلُ هو البَيِّنُ في مَحْمَلِ هَذِهِ الآيَةِ، فَيَكُونُ ثُبُوتُ القَصْرِ في السَّفَرِ بِدُونِ الخَوْفِ وقَصْرُ الصَّلاةِ في الحَضَرِ عِنْدَ الخَوْفِ ثابِتَيْنِ بِالسُّنَّةِ، وأحَدُهُما أسْبَقُ مِنَ الآخَرِ، كَما قالَ ابْنُ عُمَرَ. وعَنْ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ إنْ خِفْتُمْ وقَدْ أمِنَ النّاسُ. فَقالَ: عَجِبْتُ مِمّا عَجِبْتَ مِنهُ فَسَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِها عَلَيْكم فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» . ولا شَكَّ أنَّ مَحْمَلَ هَذا الخَبَرِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أقَرَّ عُمَرَ عَلى فَهْمِهِ تَخْصِيصَ هَذِهِ الآيَةِ بِالقَصْرِ لِأجْلِ الخَوْفِ، فَكانَ القَصْرُ لِأجْلِ الخَوْفِ رُخْصَةً لِدَفْعِ المَشَقَّةِ. وقَوْلُهُ: لَهُ ”صَدَقَةٌ“ إلَخْ، مَعْناهُ أنَّ القَصْرَ في السَّفَرِ لِغَيْرِ الخَوْفِ صَدَقَةٌ مِنَ اللَّهِ، أيْ تَخْفِيفٌ، وهو دُونَ الرُّخْصَةِ فَلا تَرُدُّوا رُخْصَتَهُ. فَلا حاجَةَ إلى ما تَمَحَّلُوا بِهِ في تَأْوِيلِ القَيْدِ الَّذِي في قَوْلِهِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وتَقْتَصِرُ الآيَةُ عَلى صَلاةِ الخَوْفِ، ويَسْتَغْنِي القائِلُونَ بِوُجُوبِ القَصْرِ في السَّفَرِ مِثْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدِ بْنِ سَحْنُونٍ، وإسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ مِنَ المالِكِيَّةِ؛ والقائِلُونَ بِتَأْكِيدِ سُنَّةِ القَصْرِ مِثْلُ مالِكِ بْنِ أنَسٍ وعامَّةِ أصْحابِهِ، عَنْ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ بِما لا يُلائِمُ إطْلاقَ مِثْلِ هَذا اللَّفْظِ. ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ إعادَةً لِتَشْرِيعِ رُخْصَةِ القَصْرِ في السَّفَرِ لِقَصْدِ التَّمْهِيدِ لِقَوْلِهِ ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ الآياتِ. أمّا قَصْرُ الصَّلاةِ في السَّفَرِ فَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ الفِعْلِيَّةُ، واتَّبَعَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ إلّا عائِشَةَ وسَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ، حَتّى بالَغَ مَن قالَ بِوُجُوبِهِ مِن أجْلِ حَدِيثِ عائِشَةَ في المُوَطَّأِ والصَّحِيحَيْنِ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ صَلاةَ السَّفَرِ بَقِيَتْ عَلى فَرْضِها، فَلَوْ صَلّاها رُباعِيَّةً لَكانَتْ زِيادَةً في الصَّلاةِ. ولِقَوْلِ عُمَرَ فِيما رَواهُ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ: صَلاةُ السَّفَرِ رَكْعَتانِ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ. وإنَّما قالَ مالِكٌ بِأنَّهُ سُنَّةٌ لِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في صَلاةِ السَّفَرِ إلّا القَصْرُ، وكَذَلِكَ الخُلَفاءُ مِن بَعْدِهِ. وإنَّما أتَمَّ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ الصَّلاةَ في الحَجِّ خَشْيَةَ أنْ يَتَوَهَّمَ الأعْرابُ أنَّ الصَّلَواتِ كُلَّها رَكْعَتانِ. غَيْرَ أنَّ مالِكًا لَمْ يَقُلْ بِوُجُوبِهِ مِن أجْلِ قَوْلِهِ تَعالى فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ لِمُنافاتِهِ لِصِيَغِ الوُجُوبِ. ولَقَدْ أجادَ مَحامِلَ الأدِلَّةِ. وأُخْبِرَ عَنِ الكافِرِينَ وهو جَمْعٌ بِقَوْلِهِ عَدُوًّا وهو مُفْرَدٌ. وقَدْ قَدَّمْنا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢] . صفحة ١٨٥ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ هَذِهِ صِفَةُ صَلاةِ الخَوْفِ في الجَماعَةِ لِقَوْلِهِ ﴿فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ . واتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ شَرَعَتْ صَلاةَ الخَوْفِ. وأكْثَرُ الآثارِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَشْرُوعِيَّتَها كانَتْ في غَزْوَةِ ذاتِ الرِّقاعِ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ: نَخْلَةُ بَيْنَ عُسْفانَ وضَجْنانَ مِن نَجْدٍ، حِينَ لَقُوا جُمُوعَ غَطَفانَ: مُحارِبٌ وأنْمارُ وثَعْلَبَةُ. وكانَتْ بَيْنَ سَنَةِ سِتٍّ وسَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وأنَّ أوَّلَ صَلاةٍ صُلِّيَتْ بِها هي صَلاةُ العَصْرِ. وأنَّ سَبَبَها أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا رَأوْا حِرْصَ المُسْلِمِينَ عَلى الصَّلاةِ قالُوا: هَذِهِ الصَّلاةُ فُرْصَةٌ لَنا لَوْ أغَرْنا عَلَيْهِمْ لَأصَبْناهم عَلى غِرَّةٍ، فَأنْبَأ اللَّهُ بِذَلِكَ نَبِيئَهُ ﷺ ونَزَلَتِ الآيَةُ. غَيْرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى صَدَّرَ حُكْمَ الصَّلاةِ بِقَوْلِهِ وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فاقْتَضى بِبادِئِ الرَّأْيِ أنَّ صَلاةَ الخَوْفِ لا تَقَعُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ إلّا إذا كانَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهي خُصُوصِيَّةٌ لِإقامَتِهِ. وبِهَذا قالَ إسْماعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، وأبُو يُوسُفَ صاحِبُ أبِي حَنِيفَةَ في أحَدِ أقْوالِهِ، وعَلَّلُوا الخُصُوصِيَّةَ بِأنَّها لِحِرْصِ النّاسِ عَلى فَضْلِ الجَماعَةِ مَعَ الرَّسُولِ، بِخِلافِ غَيْرِهِ مِنَ الأيِمَّةِ، فَيُمْكِنُ أنْ تَأْتَمَّ كُلُّ طائِفَةٍ بِإمامٍ. وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ: لِمُخالَفَتِهِ فِعْلَ الصَّحابَةِ، ولِأنَّ مَقْصِدَ شَرْعِ الجَماعَةِ هو اجْتِماعُ المُسْلِمِينَ في المَوْطِنِ الواحِدِ، فَيُؤْخَذُ بِهَذا المَقْصِدِ بِقَدْرِ الإمْكانِ. عَلى أنَّ أبا يُوسُفَ لا يَرى دَلالَةَ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ فَلا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى الِاخْتِصاصِ بِإمامَةِ الرَّسُولِ، ولِذَلِكَ جَزَمَ جُمْهُورُ العُلَماءِ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ شَرَعَتْ صَلاةَ الخَوْفِ لِلْمُسْلِمِينَ أبَدًا. ومَحْمَلُ هَذا الشَّرْطِ عِنْدَهم جارٍ عَلى غالِبِ أحْوالِهِمْ يَوْمَئِذٍ مِن مُلازَمَةِ النَّبِيءِ ﷺ لِغَزَواتِهِمْ وسَراياهم إلّا لِلضَّرُورَةِ، كَما في الحَدِيثِ «لَوْلا أنَّ قَوْمًا لا يَتَخَلَّفُونَ بَعْدِي ولا أجِدُ ما أحْمِلُهم عَلَيْهِ ما تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ سارَتْ في سَبِيلِ اللَّهِ» . فَلَيْسَ المُرادُ الِاحْتِرازَ عَنْ كَوْنِ غَيْرِهِ فِيهِمْ ولَكِنَّ التَّنْوِيهَ بِكَوْنِ النَّبِيءِ فِيهِمْ. وإذْ قَدْ كانَ الأُمَراءُ قائِمِينَ مَقامَهُ في الغَزَواتِ فالَّذِي رَخَّصَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ مَعَهُ يُرَخِّصُهُ لَهم مَعَ أُمَرائِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً. وفِي نَظْمِ الآيَةِ إيجازٌ بَدِيعٌ فَإنَّهُ لَمّا قالَ ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ عُلِمَ أنَّ ثَمَّةَ طائِفَةً أُخْرى، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ﴾ لِلطّائِفَةِ بِاعْتِبارِ أفْرادِها، وكَذَلِكَ ضَمِيرُ قَوْلِهِ ﴿فَإذا سَجَدُوا﴾ لِلطّائِفَةِ الَّتِي مَعَ النَّبِيءِ، لِأنَّ المَعِيَّةَ مَعِيَّةُ الصَّلاةِ، وقَدْ قالَ صفحة ١٨٦ فَإذا سَجَدُوا. وضَمِيرُ قَوْلِهِ فَلْيَكُونُوا لِلطّائِفَةِ الأُخْرى المَفْهُومَةِ مِنَ المُقابَلَةِ، لِظُهُورِ أنَّ الجَوابَ وهو فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكم مُتَعَيِّنٌ لِفِعْلِ الطّائِفَةِ المُواجِهَةِ العَدُوِّ. وقَوْلُهُ ﴿ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى﴾ هَذِهِ هي المُقابِلَةُ لِقَوْلِهِ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ. وقَدْ أجْمَلَتِ الآيَةُ ما تَصْنَعُهُ كُلُّ طائِفَةٍ في بَقِيَّةِ الصَّلاةِ، ولَكِنَّها أشارَتْ إلى أنَّ صَلاةَ النَّبِيءِ ﷺ واحِدَةٌ لِأنَّهُ قالَ فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ. فَجَعَلَهم تابِعِينَ لِصَلاتِهِ، وذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِأنَّ صَلاتَهُ واحِدَةٌ، ولَوْ كانَ يُصَلِّي بِكُلِّ طائِفَةٍ صَلاةً مُسْتَقِلَّةً لَقالَ تَعالى فَلْتُصَلِّ بِهِمْ. وبِهَذا يَبْطُلُ قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ: «بِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى رَكْعَتَيْنِ بِكُلِّ طائِفَةٍ»، لِأنَّهُ يَصِيرُ مُتِمًّا لِلصَّلاةِ غَيْرَ مُقَصِّرٍ، أوْ يَكُونُ صَلّى بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ الصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ وبِالطّائِفَةِ الثّانِيَةِ صَلاةً: نافِلَةً لَهُ، فَرِيضَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، إلّا أنْ يَلْتَزِمَ الحَسَنُ ذَلِكَ، ويَرى جَوازَ ائْتِمامِ المُفْتَرِضِ بِالمُتَنَفِّلِ. ويَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ الِائْتِمامَ لا يَصِحُّ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في السُّنَّةِ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِهِ. وذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّ الإمامَ يُصَلِّي بِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَةً، وإنَّما اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ تَقْسِيمِ الصَّلاةِ: بِالنِّسْبَةِ لِلْمَأْمُومِينَ. والقَوْلُ الفَصْلُ في ذَلِكَ هو ما رَواهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ، «عَنْ سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمَةَ: أنَّهُ صَلّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ يَوْمَ ذاتِ الرِّقاعِ، فَصَفَّتْ طائِفَةٌ مَعَهُ وطائِفَةٌ وِجاهَ العَدُوِّ، فَصَلّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ قامَ، وأتَمُّوا رَكْعَةً لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَوَقَفُوا وِجاهَ العَدُوِّ، وجاءَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى فَصَلّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ لَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَضَوُا الرَّكْعَةَ الَّتِي فاتَتْهم وسَلَّمُوا» . وهَذِهِ الصِّفَةُ أوْفَقُ بِلَفْظِ الآيَةِ. والرِّواياتُ غَيْرُ هَذِهِ كَثِيرَةٌ. والطّائِفَةُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ ذاتُ الكَثْرَةِ. والحَقُّ أنَّها لا تُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ، وإنْ قالَ بِذَلِكَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ. وقَدْ تَزِيدُ عَلى الألِفِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا. وأصْلُها مَنقُولَةٌ مِن طائِفَةِ الشَّيْءِ وهي الجُزْءُ مِنهُ. وقَوْلُهُ ﴿ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ﴾ اسْتُعْمِلَ الأخْذُ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ: لِأنَّ أخْذَ الحَذَرِ مَجازٌ، إذْ حَقِيقَةُ الأخْذِ التَّناوُلُ، وهو مُجازٌ في التَّلَبُّسِ بِالشَّيْءِ والثَّباتِ عَلَيْهِ. وأخْذُ الأسْلِحَةِ حَقِيقَةٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩]، صفحة ١٨٧ فَإنَّ تَبَوُّأ الإيمانِ الدُّخُولُ فِيهِ والِاتِّصافُ بِهِ بَعْدَ الخُرُوجِ مِنَ الكُفْرِ. وجاءَ بِصِيغَةِ الأمْرِ دُونَ أنْ يَقُولَ: ولا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَأْخُذُوا أسْلِحَتَكم، لِأنَّ أخْذَ السِّلاحِ فِيهِ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ. وقَوْلُهُ ﴿ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلَخْ، وُدُّهم هَذا مَعْرُوفٌ إذْ هو شَأْنُ كُلِّ مُحارِبٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ المَعْنى المَعْرُوفُ هو المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ، إنَّما المَقْصُودُ أنَّهم ودُّوا وُدًّا مُسْتَقْرَبًا عِنْدَهم، لِظَنِّهِمْ أنَّ اشْتِغالَ المُسْلِمِينَ بِأُمُورِ دِينِهِمْ يُباعِدُ بَيْنَهم وبَيْنَ مَصالِحِ دُنْياهم جَهْلًا مِنَ المُشْرِكِينَ لِحَقِيقَةِ الدِّينِ، فَطَمِعُوا أنْ تُلْهِيَهُمُ الصَّلاةُ عَنِ الِاسْتِعْدادِ لِأعْدائِهِمْ، فَنَبَّهَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ إلى ذَلِكَ كَيْلا يَكُونُوا عِنْدَ ظَنِّ المُشْرِكِينَ، ولِيُعَوِّدَهم بِالأخْذِ بِالحَزْمِ في كُلِّ الأُمُورِ، ولِيُرِيَهم أنَّ صَلاحَ الدِّينِ والدُّنْيا صِنْوانٌ. والأسْلِحَةُ جَمْعُ سِلاحٍ، وهو اسْمُ جِنْسٍ لِآلَةِ الحَرْبِ كُلِّها مِنَ الحَدِيدِ، وهي السَّيْفُ والرُّمْحُ والنِّبْلُ والحَرْبَةُ، ولَيْسَ الدِّرْعُ ولا الخُوذَةُ ولا التُّرْسُ بِسِلاحٍ. وهو يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، والتَّذْكِيرُ أفْصَحُ، ولِذَلِكَ جَمَعُوهُ عَلى أسْلِحَةٍ وهو مِن زِناتِ جَمْعِ المُذَكَّرِ. والأمْتِعَةُ جَمْعُ مَتاعٍ وهو كُلُّ ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِن عُرُوضٍ وأثاثٍ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ ما لَهُ عَوْنٌ في الحَرْبِ كالسُّرُوجِ ولَأْمَةِ الحَرْبِ كالدُّرُوعِ والخُوذاتِ. فَيَمِيلُونَ مُفَرَّعٌ عَنْ قَوْلِهِ لَوْ تَغْفُلُونَ إلَخْ، وهو مَحَلُّ الوُدِّ، أيْ ودُّوا غَفْلَتَكم لِيَمِيلُوا عَلَيْكم. والمَيْلُ: العُدُولُ عَنِ الوَسَطِ إلى الطَّرَفِ، ويُطْلَقُ عَلى العُدُولِ عَنْ شَيْءٍ كانَ مَعَهُ إلى شَيْءٍ آخَرَ، كَما هُنا، أيْ فَيَعْدِلُونَ عَنْ مُعَسْكَرِهِمْ إلى جَيْشِكم. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنَ المَيْلِ هُنا الكَرَّ والشَّدَّ، عُدِّيَ بِـ (عَلى)، أيْ فَيَشُدُّونَ عَلَيْكم في حالِ غَفْلَتِكم. وانْتَصَبَ مَيْلَةً عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِبَيانِ العَدَدِ، أيْ شِدَّةً مُفْرَدَةً. واسْتُعْمِلَتْ صِيغَةُ المَرَّةِ هُنا كِنايَةً عَنِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، وذَلِكَ أنَّ الفِعْلَ الشَّدِيدَ القَوِيَّ يَأْتِي بِالغَرَضِ مِنهُ سَرِيعًا دُونَ مُعاوَدَةِ عِلاجٍ، فَلا يَتَكَرَّرُ الفِعْلُ لِتَحْصِيلِ الغَرَضِ، وأكَّدَ مَعْنى المَرَّةِ المُسْتَفادَ مِن صِيغَةِ فَعْلَةٍ بِقَوْلِهِ واحِدَةً تَنْبِيهًا عَلى قَصْدِ مَعْنى الكِنايَةِ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ أنَّ المَصْدَرَ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ فَيَمِيلُونَ. صفحة ١٨٨ وقَوْلُهُ ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ﴾ إلَخْ. رُخْصَةٌ لَهم في وضْعِ الأسْلِحَةِ عِنْدَ المَشَقَّةِ، وقَدْ صارَ ما هو أكْمَلُ في أداءِ الصَّلاةِ رُخْصَةً هُنا، لِأنَّ الأُمُورَ بِمَقاصِدِها وما يَحْصُلُ عَنْها مِنَ المَصالِحِ والمَفاسِدِ، ولِذَلِكَ قَيَّدَ الرُّخْصَةَ مَعَ أخْذِ الحَذَرِ. وسَبَبُ الرُّخْصَةِ أنَّ في المَطَرِ شاغِلًا لِلْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِما، وأمّا المَرَضُ فَمُوجِبٌ لِلرُّخْصَةِ لِخُصُوصِ المَرِيضِ. وقَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ تَذْيِيلٌ لِتَشْجِيعِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهُ لَمّا كَرَّرَ الأمْرَ بِأخْذِ السِّلاحِ والحَذَرِ، خِيفَ أنْ تَثُورَ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ مَخافَةٌ مِنَ العَدُوِّ مِن شِدَّةِ التَّحْذِيرِ مِنهُ، فَعَقَّبَ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ أعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا، وهو عَذابُ الهَزِيمَةِ والقَتْلِ والأسْرِ، كالَّذِي في قَوْلِهِ ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤]، فَلَيْسَ الأمْرُ بِأخْذِ الحَذَرِ والسِّلاحِ إلّا لِتَحْقِيقِ أسْبابِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم، لِأنَّ اللَّهَ إذا أرادَ أمْرًا هَيَّأ أسْبابَهُ. وفِيهِ تَعْلِيمُ المُسْلِمِينَ أنْ يَطْلُبُوا المُسَبَّباتِ مِن أسْبابِها، أيْ إنْ أخَذْتُمْ حِذْرَكم أمِنتُمْ مِن عَدُوِّكم.

النساء 4:102

﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنَّ الكافِرِينَ كانُوا لَكم عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهم فَإذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكم ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهم ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكم فَيَمِيلُونَ عَلَيْكم مَيْلَةً واحِدَةً ولا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتَكم وخُذُوا حِذْرَكم إنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ . انْتِقالٌ إلى تَشْرِيعٍ آخَرَ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ السَّفَرِ لِلْخُرُوجِ مِن سُلْطَةِ الكُفْرِ، عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَفْنِينِ أغْراضِهِ، والتِماسِ مُناسَباتِها. والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها. والضَّرْبُ في الأرْضِ: السَّفَرُ. وإذا مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الشَّرْطِ كَما هو غالِبُ اسْتِعْمالِها، فَلِذَلِكَ دَخَلَتِ الفاءُ عَلى الفِعْلِ الَّذِي هو كَجَوابِ الشَّرْطِ. وإذا مَنصُوبَةٌ بِفِعْلِ الجَوابِ. وقَصْرُ الصَّلاةِ: النَّقْصُ مِنها، وقَدْ عُلِمَ أنَّ أجْزاءَ الصَّلاةِ هي الرَّكَعاتُ بِسَجَداتِها وقِراءاتِها، فَلا جَرَمَ أنْ يُعْلَمَ أنَّ القَصْرَ مِنَ الصَّلاةِ هو نَقْصُ الرَّكَعاتِ. وقَدْ بَيَّنَهُ فِعْلُ صفحة ١٨٣ النَّبِيءِ ﷺ إذْ صَيَّرَ الصَّلاةَ ذاتَ الأرْبَعِ الرَّكَعاتِ ذاتَ رَكْعَتَيْنِ. وأجْمَلَتِ الآيَةُ فَلَمْ تُعَيِّنِ الصَّلَواتِ الَّتِي يَعْتَرِيها القَصْرُ، فَبَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ بِأنَّها الظُّهْرُ والعَصْرُ والعِشاءُ. ولَمْ تَقْصُرِ الصُّبْحَ لِأنَّها تَصِيرُ رَكْعَةً واحِدَةً فَتَكُونُ غَيْرَ صَلاةٍ، ولَمْ تَقْصُرِ المَغْرِبَ لِئَلّا تَصِيرَ شَفْعًا فَإنَّها وِتْرُ النَّهارِ، ولِئَلّا تَصِيرَ رَكْعَةً واحِدَةً كَما قُلْنا في الصُّبْحِ. وهَذِهِ الآيَةُ أشارَتْ إلى قَصْرِ الصَّلاةِ الرُّباعِيَّةِ في السَّفَرِ، ويَظْهَرُ مِن أُسْلُوبِها أنَّها نَزَلَتْ في ذَلِكَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ قَصْرَ الصَّلاةِ في السَّفَرِ شُرِعَ في سَنَةِ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ وهو الأصَحُّ، وقِيلَ: في رَبِيعٍ الآخِرِ مِن سَنَةِ اثْنَتَيْنِ، وقِيلَ: بَعْدَ الهِجْرَةِ بِأرْبَعِينَ يَوْمًا. وقَدْ رَوى أهْلُ الصَّحِيحِ قَوْلَ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ وزِيدَتْ صَلاةُ الحَضَرِ، وهو حَدِيثٌ بَيِّنٌ واضِحٌ. ومَحْمَلُ الآيَةِ عَلى مُقْتَضاهُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا فَرَضَ الصَّلاةَ رَكْعَتَيْنِ فَتَقَرَّرَتْ كَذَلِكَ فَلَمّا صارَتِ الظُّهْرُ والعَصْرُ والعِشاءُ أرْبَعًا نُسِخَ ما كانَ مِن عَدَدِها. وكانَ ذَلِكَ في مَبْدَأِ الهِجْرَةِ، وإذْ قَدْ كانَ أمْرُ النّاسِ مُقامًا عَلى حالَةِ الحَضَرِ وهي الغالِبُ عَلَيْهِمْ، بَطَلَ إيقاعُ الصَّلَواتِ المَذْكُوراتِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمّا غَزَوْا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهم فَأذِنَهم أنْ يُصَلُّوا تِلْكَ الصَّلَواتِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ وقالَ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ وإنَّما قالَتْ عائِشَةُ أُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ حَيْثُ لَمْ تَتَغَيَّرْ عَنِ الحالَةِ الأُولى، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يُصَلُّوها تامَّةً في السَّفَرِ بَعْدَ الهِجْرَةِ، فَلا تَعارُضَ بَيْنَ قَوْلِها وبَيْنَ الآيَةِ. وقَوْلُهُ ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ شَرْطٌ دَلَّ عَلى تَخْصِيصِ الإذْنِ بِالقَصْرِ بِحالِ الخَوْفِ مِن تَمَكُّنِ المُشْرِكِينَ مِنهم وإبْطالِهِمْ عَلَيْهِمْ صَلاتَهم، وأنَّ اللَّهَ أذِنَ في القَصْرِ لِتَقَعَ الصَّلاةُ عَنِ اطْمِئْنانٍ. فالآيَةُ هَذِهِ خاصَّةٌ بِقَصْرِ الصَّلاةِ عِنْدَ الخَوْفِ، وهو القَصْرُ الَّذِي لَهُ هَيْئَةٌ خاصَّةٌ في صَلاةِ الجَماعَةِ، وهَذا رَأْيُ مالِكٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ في المُوَطَّأِ: «أنَّ رَجُلًا مِن آلِ خالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ سَألَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ إنّا نَجِدُ صَلاةَ الخَوْفِ وصَلاةَ الحَضَرِ في القُرْآنِ ولا نَجِدُ صَلاةَ السَّفَرِ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ يا ابْنَ أخِي إنَّ اللَّهَ بَعَثَ إلَيْنا مُحَمَّدًا ولا نَعْلَمُ شَيْئًا فَإنَّما نَفْعَلُ كَما رَأيْناهُ يَفْعَلُ» . يَعْنِي أنَّ ابْنَ عُمَرَ أقَرَّ السّائِلَ وأشْعَرَهُ بِأنَّ صَلاةَ السَّفَرِ ثَبَتَتْ بِالسُّنَّةِ، وكَذَلِكَ كانَتْ تَرى عائِشَةُ وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ خاصَّةٌ بِالخَوْفِ، فَكانا يُكْمِلانِ الصَّلاةَ في السَّفَرِ. وهَذا صفحة ١٨٤ التَّأْوِيلُ هو البَيِّنُ في مَحْمَلِ هَذِهِ الآيَةِ، فَيَكُونُ ثُبُوتُ القَصْرِ في السَّفَرِ بِدُونِ الخَوْفِ وقَصْرُ الصَّلاةِ في الحَضَرِ عِنْدَ الخَوْفِ ثابِتَيْنِ بِالسُّنَّةِ، وأحَدُهُما أسْبَقُ مِنَ الآخَرِ، كَما قالَ ابْنُ عُمَرَ. وعَنْ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ إنْ خِفْتُمْ وقَدْ أمِنَ النّاسُ. فَقالَ: عَجِبْتُ مِمّا عَجِبْتَ مِنهُ فَسَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِها عَلَيْكم فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» . ولا شَكَّ أنَّ مَحْمَلَ هَذا الخَبَرِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أقَرَّ عُمَرَ عَلى فَهْمِهِ تَخْصِيصَ هَذِهِ الآيَةِ بِالقَصْرِ لِأجْلِ الخَوْفِ، فَكانَ القَصْرُ لِأجْلِ الخَوْفِ رُخْصَةً لِدَفْعِ المَشَقَّةِ. وقَوْلُهُ: لَهُ ”صَدَقَةٌ“ إلَخْ، مَعْناهُ أنَّ القَصْرَ في السَّفَرِ لِغَيْرِ الخَوْفِ صَدَقَةٌ مِنَ اللَّهِ، أيْ تَخْفِيفٌ، وهو دُونَ الرُّخْصَةِ فَلا تَرُدُّوا رُخْصَتَهُ. فَلا حاجَةَ إلى ما تَمَحَّلُوا بِهِ في تَأْوِيلِ القَيْدِ الَّذِي في قَوْلِهِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وتَقْتَصِرُ الآيَةُ عَلى صَلاةِ الخَوْفِ، ويَسْتَغْنِي القائِلُونَ بِوُجُوبِ القَصْرِ في السَّفَرِ مِثْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدِ بْنِ سَحْنُونٍ، وإسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ مِنَ المالِكِيَّةِ؛ والقائِلُونَ بِتَأْكِيدِ سُنَّةِ القَصْرِ مِثْلُ مالِكِ بْنِ أنَسٍ وعامَّةِ أصْحابِهِ، عَنْ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ بِما لا يُلائِمُ إطْلاقَ مِثْلِ هَذا اللَّفْظِ. ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ إعادَةً لِتَشْرِيعِ رُخْصَةِ القَصْرِ في السَّفَرِ لِقَصْدِ التَّمْهِيدِ لِقَوْلِهِ ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ الآياتِ. أمّا قَصْرُ الصَّلاةِ في السَّفَرِ فَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ الفِعْلِيَّةُ، واتَّبَعَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ إلّا عائِشَةَ وسَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ، حَتّى بالَغَ مَن قالَ بِوُجُوبِهِ مِن أجْلِ حَدِيثِ عائِشَةَ في المُوَطَّأِ والصَّحِيحَيْنِ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ صَلاةَ السَّفَرِ بَقِيَتْ عَلى فَرْضِها، فَلَوْ صَلّاها رُباعِيَّةً لَكانَتْ زِيادَةً في الصَّلاةِ. ولِقَوْلِ عُمَرَ فِيما رَواهُ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ: صَلاةُ السَّفَرِ رَكْعَتانِ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ. وإنَّما قالَ مالِكٌ بِأنَّهُ سُنَّةٌ لِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في صَلاةِ السَّفَرِ إلّا القَصْرُ، وكَذَلِكَ الخُلَفاءُ مِن بَعْدِهِ. وإنَّما أتَمَّ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ الصَّلاةَ في الحَجِّ خَشْيَةَ أنْ يَتَوَهَّمَ الأعْرابُ أنَّ الصَّلَواتِ كُلَّها رَكْعَتانِ. غَيْرَ أنَّ مالِكًا لَمْ يَقُلْ بِوُجُوبِهِ مِن أجْلِ قَوْلِهِ تَعالى فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ لِمُنافاتِهِ لِصِيَغِ الوُجُوبِ. ولَقَدْ أجادَ مَحامِلَ الأدِلَّةِ. وأُخْبِرَ عَنِ الكافِرِينَ وهو جَمْعٌ بِقَوْلِهِ عَدُوًّا وهو مُفْرَدٌ. وقَدْ قَدَّمْنا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢] . صفحة ١٨٥ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ هَذِهِ صِفَةُ صَلاةِ الخَوْفِ في الجَماعَةِ لِقَوْلِهِ ﴿فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ . واتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ شَرَعَتْ صَلاةَ الخَوْفِ. وأكْثَرُ الآثارِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَشْرُوعِيَّتَها كانَتْ في غَزْوَةِ ذاتِ الرِّقاعِ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ: نَخْلَةُ بَيْنَ عُسْفانَ وضَجْنانَ مِن نَجْدٍ، حِينَ لَقُوا جُمُوعَ غَطَفانَ: مُحارِبٌ وأنْمارُ وثَعْلَبَةُ. وكانَتْ بَيْنَ سَنَةِ سِتٍّ وسَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وأنَّ أوَّلَ صَلاةٍ صُلِّيَتْ بِها هي صَلاةُ العَصْرِ. وأنَّ سَبَبَها أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا رَأوْا حِرْصَ المُسْلِمِينَ عَلى الصَّلاةِ قالُوا: هَذِهِ الصَّلاةُ فُرْصَةٌ لَنا لَوْ أغَرْنا عَلَيْهِمْ لَأصَبْناهم عَلى غِرَّةٍ، فَأنْبَأ اللَّهُ بِذَلِكَ نَبِيئَهُ ﷺ ونَزَلَتِ الآيَةُ. غَيْرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى صَدَّرَ حُكْمَ الصَّلاةِ بِقَوْلِهِ وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فاقْتَضى بِبادِئِ الرَّأْيِ أنَّ صَلاةَ الخَوْفِ لا تَقَعُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ إلّا إذا كانَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهي خُصُوصِيَّةٌ لِإقامَتِهِ. وبِهَذا قالَ إسْماعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، وأبُو يُوسُفَ صاحِبُ أبِي حَنِيفَةَ في أحَدِ أقْوالِهِ، وعَلَّلُوا الخُصُوصِيَّةَ بِأنَّها لِحِرْصِ النّاسِ عَلى فَضْلِ الجَماعَةِ مَعَ الرَّسُولِ، بِخِلافِ غَيْرِهِ مِنَ الأيِمَّةِ، فَيُمْكِنُ أنْ تَأْتَمَّ كُلُّ طائِفَةٍ بِإمامٍ. وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ: لِمُخالَفَتِهِ فِعْلَ الصَّحابَةِ، ولِأنَّ مَقْصِدَ شَرْعِ الجَماعَةِ هو اجْتِماعُ المُسْلِمِينَ في المَوْطِنِ الواحِدِ، فَيُؤْخَذُ بِهَذا المَقْصِدِ بِقَدْرِ الإمْكانِ. عَلى أنَّ أبا يُوسُفَ لا يَرى دَلالَةَ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ فَلا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى الِاخْتِصاصِ بِإمامَةِ الرَّسُولِ، ولِذَلِكَ جَزَمَ جُمْهُورُ العُلَماءِ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ شَرَعَتْ صَلاةَ الخَوْفِ لِلْمُسْلِمِينَ أبَدًا. ومَحْمَلُ هَذا الشَّرْطِ عِنْدَهم جارٍ عَلى غالِبِ أحْوالِهِمْ يَوْمَئِذٍ مِن مُلازَمَةِ النَّبِيءِ ﷺ لِغَزَواتِهِمْ وسَراياهم إلّا لِلضَّرُورَةِ، كَما في الحَدِيثِ «لَوْلا أنَّ قَوْمًا لا يَتَخَلَّفُونَ بَعْدِي ولا أجِدُ ما أحْمِلُهم عَلَيْهِ ما تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ سارَتْ في سَبِيلِ اللَّهِ» . فَلَيْسَ المُرادُ الِاحْتِرازَ عَنْ كَوْنِ غَيْرِهِ فِيهِمْ ولَكِنَّ التَّنْوِيهَ بِكَوْنِ النَّبِيءِ فِيهِمْ. وإذْ قَدْ كانَ الأُمَراءُ قائِمِينَ مَقامَهُ في الغَزَواتِ فالَّذِي رَخَّصَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ مَعَهُ يُرَخِّصُهُ لَهم مَعَ أُمَرائِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً. وفِي نَظْمِ الآيَةِ إيجازٌ بَدِيعٌ فَإنَّهُ لَمّا قالَ ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ عُلِمَ أنَّ ثَمَّةَ طائِفَةً أُخْرى، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ﴾ لِلطّائِفَةِ بِاعْتِبارِ أفْرادِها، وكَذَلِكَ ضَمِيرُ قَوْلِهِ ﴿فَإذا سَجَدُوا﴾ لِلطّائِفَةِ الَّتِي مَعَ النَّبِيءِ، لِأنَّ المَعِيَّةَ مَعِيَّةُ الصَّلاةِ، وقَدْ قالَ صفحة ١٨٦ فَإذا سَجَدُوا. وضَمِيرُ قَوْلِهِ فَلْيَكُونُوا لِلطّائِفَةِ الأُخْرى المَفْهُومَةِ مِنَ المُقابَلَةِ، لِظُهُورِ أنَّ الجَوابَ وهو فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكم مُتَعَيِّنٌ لِفِعْلِ الطّائِفَةِ المُواجِهَةِ العَدُوِّ. وقَوْلُهُ ﴿ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى﴾ هَذِهِ هي المُقابِلَةُ لِقَوْلِهِ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ. وقَدْ أجْمَلَتِ الآيَةُ ما تَصْنَعُهُ كُلُّ طائِفَةٍ في بَقِيَّةِ الصَّلاةِ، ولَكِنَّها أشارَتْ إلى أنَّ صَلاةَ النَّبِيءِ ﷺ واحِدَةٌ لِأنَّهُ قالَ فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ. فَجَعَلَهم تابِعِينَ لِصَلاتِهِ، وذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِأنَّ صَلاتَهُ واحِدَةٌ، ولَوْ كانَ يُصَلِّي بِكُلِّ طائِفَةٍ صَلاةً مُسْتَقِلَّةً لَقالَ تَعالى فَلْتُصَلِّ بِهِمْ. وبِهَذا يَبْطُلُ قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ: «بِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى رَكْعَتَيْنِ بِكُلِّ طائِفَةٍ»، لِأنَّهُ يَصِيرُ مُتِمًّا لِلصَّلاةِ غَيْرَ مُقَصِّرٍ، أوْ يَكُونُ صَلّى بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ الصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ وبِالطّائِفَةِ الثّانِيَةِ صَلاةً: نافِلَةً لَهُ، فَرِيضَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، إلّا أنْ يَلْتَزِمَ الحَسَنُ ذَلِكَ، ويَرى جَوازَ ائْتِمامِ المُفْتَرِضِ بِالمُتَنَفِّلِ. ويَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ الِائْتِمامَ لا يَصِحُّ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في السُّنَّةِ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِهِ. وذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّ الإمامَ يُصَلِّي بِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَةً، وإنَّما اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ تَقْسِيمِ الصَّلاةِ: بِالنِّسْبَةِ لِلْمَأْمُومِينَ. والقَوْلُ الفَصْلُ في ذَلِكَ هو ما رَواهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ، «عَنْ سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمَةَ: أنَّهُ صَلّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ يَوْمَ ذاتِ الرِّقاعِ، فَصَفَّتْ طائِفَةٌ مَعَهُ وطائِفَةٌ وِجاهَ العَدُوِّ، فَصَلّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ قامَ، وأتَمُّوا رَكْعَةً لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَوَقَفُوا وِجاهَ العَدُوِّ، وجاءَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى فَصَلّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ لَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَضَوُا الرَّكْعَةَ الَّتِي فاتَتْهم وسَلَّمُوا» . وهَذِهِ الصِّفَةُ أوْفَقُ بِلَفْظِ الآيَةِ. والرِّواياتُ غَيْرُ هَذِهِ كَثِيرَةٌ. والطّائِفَةُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ ذاتُ الكَثْرَةِ. والحَقُّ أنَّها لا تُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ، وإنْ قالَ بِذَلِكَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ. وقَدْ تَزِيدُ عَلى الألِفِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا. وأصْلُها مَنقُولَةٌ مِن طائِفَةِ الشَّيْءِ وهي الجُزْءُ مِنهُ. وقَوْلُهُ ﴿ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ﴾ اسْتُعْمِلَ الأخْذُ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ: لِأنَّ أخْذَ الحَذَرِ مَجازٌ، إذْ حَقِيقَةُ الأخْذِ التَّناوُلُ، وهو مُجازٌ في التَّلَبُّسِ بِالشَّيْءِ والثَّباتِ عَلَيْهِ. وأخْذُ الأسْلِحَةِ حَقِيقَةٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩]، صفحة ١٨٧ فَإنَّ تَبَوُّأ الإيمانِ الدُّخُولُ فِيهِ والِاتِّصافُ بِهِ بَعْدَ الخُرُوجِ مِنَ الكُفْرِ. وجاءَ بِصِيغَةِ الأمْرِ دُونَ أنْ يَقُولَ: ولا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَأْخُذُوا أسْلِحَتَكم، لِأنَّ أخْذَ السِّلاحِ فِيهِ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ. وقَوْلُهُ ﴿ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلَخْ، وُدُّهم هَذا مَعْرُوفٌ إذْ هو شَأْنُ كُلِّ مُحارِبٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ المَعْنى المَعْرُوفُ هو المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ، إنَّما المَقْصُودُ أنَّهم ودُّوا وُدًّا مُسْتَقْرَبًا عِنْدَهم، لِظَنِّهِمْ أنَّ اشْتِغالَ المُسْلِمِينَ بِأُمُورِ دِينِهِمْ يُباعِدُ بَيْنَهم وبَيْنَ مَصالِحِ دُنْياهم جَهْلًا مِنَ المُشْرِكِينَ لِحَقِيقَةِ الدِّينِ، فَطَمِعُوا أنْ تُلْهِيَهُمُ الصَّلاةُ عَنِ الِاسْتِعْدادِ لِأعْدائِهِمْ، فَنَبَّهَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ إلى ذَلِكَ كَيْلا يَكُونُوا عِنْدَ ظَنِّ المُشْرِكِينَ، ولِيُعَوِّدَهم بِالأخْذِ بِالحَزْمِ في كُلِّ الأُمُورِ، ولِيُرِيَهم أنَّ صَلاحَ الدِّينِ والدُّنْيا صِنْوانٌ. والأسْلِحَةُ جَمْعُ سِلاحٍ، وهو اسْمُ جِنْسٍ لِآلَةِ الحَرْبِ كُلِّها مِنَ الحَدِيدِ، وهي السَّيْفُ والرُّمْحُ والنِّبْلُ والحَرْبَةُ، ولَيْسَ الدِّرْعُ ولا الخُوذَةُ ولا التُّرْسُ بِسِلاحٍ. وهو يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، والتَّذْكِيرُ أفْصَحُ، ولِذَلِكَ جَمَعُوهُ عَلى أسْلِحَةٍ وهو مِن زِناتِ جَمْعِ المُذَكَّرِ. والأمْتِعَةُ جَمْعُ مَتاعٍ وهو كُلُّ ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِن عُرُوضٍ وأثاثٍ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ ما لَهُ عَوْنٌ في الحَرْبِ كالسُّرُوجِ ولَأْمَةِ الحَرْبِ كالدُّرُوعِ والخُوذاتِ. فَيَمِيلُونَ مُفَرَّعٌ عَنْ قَوْلِهِ لَوْ تَغْفُلُونَ إلَخْ، وهو مَحَلُّ الوُدِّ، أيْ ودُّوا غَفْلَتَكم لِيَمِيلُوا عَلَيْكم. والمَيْلُ: العُدُولُ عَنِ الوَسَطِ إلى الطَّرَفِ، ويُطْلَقُ عَلى العُدُولِ عَنْ شَيْءٍ كانَ مَعَهُ إلى شَيْءٍ آخَرَ، كَما هُنا، أيْ فَيَعْدِلُونَ عَنْ مُعَسْكَرِهِمْ إلى جَيْشِكم. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنَ المَيْلِ هُنا الكَرَّ والشَّدَّ، عُدِّيَ بِـ (عَلى)، أيْ فَيَشُدُّونَ عَلَيْكم في حالِ غَفْلَتِكم. وانْتَصَبَ مَيْلَةً عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِبَيانِ العَدَدِ، أيْ شِدَّةً مُفْرَدَةً. واسْتُعْمِلَتْ صِيغَةُ المَرَّةِ هُنا كِنايَةً عَنِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، وذَلِكَ أنَّ الفِعْلَ الشَّدِيدَ القَوِيَّ يَأْتِي بِالغَرَضِ مِنهُ سَرِيعًا دُونَ مُعاوَدَةِ عِلاجٍ، فَلا يَتَكَرَّرُ الفِعْلُ لِتَحْصِيلِ الغَرَضِ، وأكَّدَ مَعْنى المَرَّةِ المُسْتَفادَ مِن صِيغَةِ فَعْلَةٍ بِقَوْلِهِ واحِدَةً تَنْبِيهًا عَلى قَصْدِ مَعْنى الكِنايَةِ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ أنَّ المَصْدَرَ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ فَيَمِيلُونَ. صفحة ١٨٨ وقَوْلُهُ ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ﴾ إلَخْ. رُخْصَةٌ لَهم في وضْعِ الأسْلِحَةِ عِنْدَ المَشَقَّةِ، وقَدْ صارَ ما هو أكْمَلُ في أداءِ الصَّلاةِ رُخْصَةً هُنا، لِأنَّ الأُمُورَ بِمَقاصِدِها وما يَحْصُلُ عَنْها مِنَ المَصالِحِ والمَفاسِدِ، ولِذَلِكَ قَيَّدَ الرُّخْصَةَ مَعَ أخْذِ الحَذَرِ. وسَبَبُ الرُّخْصَةِ أنَّ في المَطَرِ شاغِلًا لِلْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِما، وأمّا المَرَضُ فَمُوجِبٌ لِلرُّخْصَةِ لِخُصُوصِ المَرِيضِ. وقَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ تَذْيِيلٌ لِتَشْجِيعِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهُ لَمّا كَرَّرَ الأمْرَ بِأخْذِ السِّلاحِ والحَذَرِ، خِيفَ أنْ تَثُورَ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ مَخافَةٌ مِنَ العَدُوِّ مِن شِدَّةِ التَّحْذِيرِ مِنهُ، فَعَقَّبَ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ أعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا، وهو عَذابُ الهَزِيمَةِ والقَتْلِ والأسْرِ، كالَّذِي في قَوْلِهِ ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤]، فَلَيْسَ الأمْرُ بِأخْذِ الحَذَرِ والسِّلاحِ إلّا لِتَحْقِيقِ أسْبابِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم، لِأنَّ اللَّهَ إذا أرادَ أمْرًا هَيَّأ أسْبابَهُ. وفِيهِ تَعْلِيمُ المُسْلِمِينَ أنْ يَطْلُبُوا المُسَبَّباتِ مِن أسْبابِها، أيْ إنْ أخَذْتُمْ حِذْرَكم أمِنتُمْ مِن عَدُوِّكم.

النساء 4:103

﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكم فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ . القَضاءُ: إتْمامُ الشَّيْءِ كَقَوْلِهِ ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠] . والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ أنَّ المُرادَ مِنَ الذِّكْرِ هُنا النَّوافِلُ، أوْ ذِكْرُ اللِّسانِ كالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ، فَقَدْ كانُوا في الأمْنِ يَجْلِسُونَ إلى أنْ يَفْرَغُوا مِنَ التَّسْبِيحِ ونَحْوِهِ، فَرَخَّصَ لَهم حِينَ الخَوْفِ أنْ يَذْكُرُوا اللَّهَ عَلى كُلِّ حالٍ. والمُرادُ القِيامُ والقُعُودُ والكَوْنُ عَلى الجُنُوبِ ما كانَ مِن ذَلِكَ في أحْوالِ الحَرْبِ لا لِأجْلِ الِاسْتِراحَةِ. وقَوْلُهُ ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ تَفْرِيعٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] إلى آخِرِ الآيَةِ. فالِاطْمِئْنانُ مُرادٌ صفحة ١٨٩ بِهِ القُفُولُ مِنَ الغَزْوِ، لِأنَّ في الرُّجُوعِ إلى الأوْطانِ سُكُونًا مِن قَلاقِلِ السَّفَرِ واضْطِرابِ البَدَنِ، فَإطْلاقُ الِاطْمِئْنانِ عَلَيْهِ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً، ولَيْسَ المُرادُ الِاطْمِئْنانَ الَّذِي هو عَدَمُ الخَوْفِ لِعَدَمِ مُناسَبَتِهِ هُنا، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الِاطْمِئْنانِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] مِن سُورَةِ البَقَرَةِ. ومَعْنى فَأقِيمُوا الصَّلاةَ صَلُّوها تامَّةً ولا تَقْصُرُوها. هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ، فَيَكُونُ مُقابِلَ قَوْلِهِ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، وهو المُوافِقُ لِما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِ الوارِدِ في القُرْآنِ هو حُكْمُ قَصْرِ الصَّلاةِ في حالِ الخَوْفِ، دُونَ قَصْرِ السَّفَرِ مِن غَيْرِ خَوْفٍ. فالإقامَةُ هُنا الإتْيانُ بِالشَّيْءِ قائِمًا أيْ تامًّا، عَلى وجْهِ التَّمْثِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٩] وقَوْلِهِ ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] . وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ الأيِمَّةِ: مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، وسُفْيانَ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: لا يُؤَدِّي المُجاهِدُ الصَّلاةَ حَتّى يَزُولَ الخَوْفُ، لِأنَّهُ رَأى مُباشَرَةَ القِتالِ فِعْلًا يُفْسِدُ الصَّلاةَ. وقَوْلُهُ تَعالى وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ إلى قَوْلِهِ ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ يُرَجِّحُ قَوْلَ الجُمْهُورِ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ مَسُوقٌ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِلْحِرْصِ عَلى أدائِها في أوْقاتِها. والمَوْقُوتُ: المَحْدُودُ بِأوْقاتٍ، والمُنَجَّمُ عَلَيْها، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى المَفْرُوضِ عَلى طَرِيقِ المَجازِ. والأوَّلُ أظْهَرُ هُنا.

النساء 4:104

﴿ولا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وخُذُوا حِذْرَكم إنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢] زِيادَةً في تَشْجِيعِهِمْ عَلى قِتالِ الأعْداءِ، وفي تَهْوِينِ الأعْداءِ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ وأتَمَّ عُدَّةً، وما كانَ شَرْعُ قَصْرِ الصَّلاةِ وأحْوالِ صَلاةِ الخَوْفِ، إلّا تَحْقِيقًا لِنَفْيِ الوَهْنِ في الجِهادِ. صفحة ١٩٠ والِابْتِغاءُ مَصْدَرُ ابْتَغى بِمَعْنى بَغى المُتَعَدِّي، أيِ الطَّلَبُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والمُرادُ بِهِ هُنا المُبادَأةُ بِالغَزْوِ، وأنْ لا يَتَقاعَسُوا، حَتّى يَكُونَ المُشْرِكُونَ هُمُ المُبْتَدِئِينَ بِالغَزْوِ. تَقُولُ العَرَبُ: طَلَبْنا بَنِي فُلانٍ، أيْ غَزَوْناهم. والمُبادِئُ بِالغَزْوِ لَهُ رُعْبٌ في قُلُوبِ أعْدائِهِ. وزادَهم تَشْجِيعًا عَلى طَلَبِ العَدُوِّ بِأنَّ تَألُّمَ الفَرِيقَيْنِ المُتَحارِبَيْنِ واحِدٌ، إذْ كُلٌّ يَخْشى بَأْسَ الآخَرِ، وبِأنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ مَزِيَّةً عَلى الكافِرِينَ، وهي أنَّهم يَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُوهُ الكُفّارُ، وذَلِكَ رَجاءُ الشَّهادَةِ إنْ قُتِلُوا، ورَجاءُ ظُهُورِ دِينِهِ عَلى أيْدِيهِمْ إذا انْتَصَرُوا، ورَجاءُ الثَّوابِ في الأحْوالِ كُلِّها. وقَوْلُهُ مِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ تَرْجُونَ. وحُذِفَ العائِدُ المَجْرُورُ بِمِن مِن جُمْلَةِ ﴿ما لا يَرْجُونَ﴾ لِدَلالَةِ حَرْفِ الجَرِّ الَّذِي جُرَّ بِهِ اسْمُ المَوْصُولِ عَلَيْهِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ماصَدَقَ ما لا يَرْجُونَ هو النَّصْرُ، فَيَكُونُ وعْدًا لِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ ناصِرُهم، وبِشارَةً بِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَرْجُونَ لِأنْفُسِهِمْ نَصْرًا، وأنَّهم آيِسُونَ مِنهُ بِما قَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ، وهَذا مِمّا يَفُتُّ في ساعِدِهِمْ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ مِنَ اللَّهِ اعْتِراضًا أوْ حالًا مُقَدَّمَةً عَلى المَجْرُورِ بِالحَرْفِ، والمَعْنى عَلى هَذا كَقَوْلِهِ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهم.

النساء 4:105

﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهْوَ مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ . صفحة ١٩١ اتِّصالُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها يَرْجِعُ إلى ما مَضى مِن وصْفِ أحْوالِ المُنافِقِينَ ومُناصِرِيهِمْ، وانْتَقَلَ مِن ذَلِكَ إلى الِاسْتِعْدادِ لِقِتالِ المُناوِينَ لِلْإسْلامِ مِن قَوْلِهِ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا الآيَةَ، وتَخَلَّلَ فِيهِ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ في تَرَبُّصِهِمْ بِالمُسْلِمِينَ الدَّوائِرَ ومُخْتَلِفِ أحْوالِ القَبائِلِ في عَلائِقِهِمْ مَعَ المُسْلِمِينَ، واسْتَطْرَدَ لِذِكْرِ قَتْلِ الخَطَأِ والعَمْدِ، وانْتَقَلَ إلى ذِكْرِ الهِجْرَةِ، وعَقَّبَ بِذِكْرِ صَلاةِ السَّفَرِ وصَلاةِ الخَوْفِ، عادَ الكَلامُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى أحْوالِ أهْلِ النِّفاقِ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا. وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هاتِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ حادِثَةٍ رَواها التِّرْمِذِيُّ حاصِلُها: «أنَّ إخْوَةً ثَلاثَةً يُقالُ لَهم: بِشْرٌ وبَشِيرٌ ومُبَشِّرٌ، أبْناءُ أُبَيْرِقٍ، وقِيلَ: أبْناءُ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وقِيلَ: إنَّما كانَ بَشِيرٌ أحَدُهم يُكَنّى أبا طُعْمَةَ، وهم مِن بَنِي ظَفَرٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، وكانَ بَشِيرٌ شَرَّهم، وكانَ مُنافِقًا يَهْجُو المُسْلِمِينَ بِشِعْرٍ يُشِيعُهُ ويَنْسُبُهُ إلى غَيْرِهِ، وكانَ هَؤُلاءِ الإخْوَةُ في فاقَةٍ، وكانُوا جِيرَةً لِرِفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وكانَتْ عِيرٌ قَدْ أقْبَلَتْ مِنَ الشّامِ بِدَرْمَكٍ - وهو دَقِيقُ الحُوّارى أيِ السَّمِيذُ - فابْتاعَ مِنها رَفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِن دَرْمَكٍ لِطَعامِهِ، وكانَ أهْلُ المَدِينَةِ يَأْكُلُونَ دَقِيقَ الشَّعِيرِ، فَإذا جاءَ الدَّرْمَكُ ابْتاعَ مِنهُ سَيِّدُ المَنزِلِ شَيْئًا لِطَعامِهِ فَجَعَلَ الدَّرْمَكَ في مَشْرَبَةٍ لَهُ وفِيها سِلاحٌ، فَعَدى بَنُو أُبَيْرِقٍ عَلَيْهِ فَنَقَبُوا مَشْرَبَتَهُ وسَرَقُوا الدَّقِيقَ والسِّلاحَ، فَلَمّا أصْبَحَ رِفاعَةُ ووَجَدَ مَشْرَبَتَهُ قَدْ سُرِقَتْ أخْبَرَ ابْنَ أخِيهِ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ بِذَلِكَ، فَجَعَلَ يَتَحَسَّسُ، فَأُنْبِئَ بِأنَّ بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا في تِلْكَ اللَّيْلَةِ نارًا، ولَعَلَّهُ عَلى بَعْضِ طَعامِ رِفاعَةَ، فَلَمّا افْتَضَحَ بَنُو أُبَيْرِقٍ طَرَحُوا المَسْرُوقَ في دارِ أبِي مُلَيْلٍ الأنْصارِيِّ. وقِيلَ: في دارِ يَهُودِيٍّ اسْمُهُ زَيْدُ بْنُ السَّمِينِ، وقِيلَ: لَبِيَدُ بْنُ سَهْلٍ، وجاءَ بَعْضُ بَنِي ظَفَرٍ إلى النَّبِيءِ ﷺ، فاشْتَكَوْا إلَيْهِ أنَّ رِفاعَةَ وابْنَ أخِيهِ اتَّهَما بِالسَّرِقَةِ أهْلَ بَيْتِ إيمانٍ وصَلاحٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ لِي عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتِ إسْلامٍ وصَلاحٍ فَرَمَيْتَهم بِالسَّرِقَةِ عَلى غَيْرِ بَيِّنَةٍ. وأشاعُوا في النّاسِ أنَّ المَسْرُوقَ في دارِ أبِي مُلَيْلٍ أوْ دارِ اليَهُودِيِّ. فَما لَبِثَ أنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلى جَلِيَّةِ الأمْرِ، مُعْجِزَةً لَهُ، حَتّى لا يَطْمَعَ أحَدٌ في أنْ يُرَوِّجَ عَلى الرَّسُولِ باطِلًا» . هَذا هو الصَّحِيحُ في سَوْقِ هَذا الخَبَرِ. ووَقَعَ في كِتابِ أسْبابِ النُّزُولِ صفحة ١٩٢ لِلْواحِدِيِّ، وفي بَعْضِ رِواياتِ الطَّبَرَيِّ سَوْقُ القِصَّةِ بِبَعْضِ مُخالَفَةٍ لِما ذَكَرْتُهُ: وأنَّ بَنِي ظَفَرٍ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُجادِلَ عَنْ أصْحابِهِمْ كَيْ لا يَفْتَضِحُوا ويَبْرَأ اليَهُودِيُّ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ هَمَّ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لامَ اليَهُودِيَّ وبَرَّأ المُتَّهَمَ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ واهِيَةٌ، وهَذِهِ الزِّيادَةُ خَطَأٌ بَيِّنٌ مِن أهْلِ القَصَصِ دُونَ عِلْمٍ ولا تَبَصُّرٍ بِمَعانِي القُرْآنِ. والظّاهِرُ أنَّ صَدْرَ الآيَةِ تَمْهِيدٌ لِلتَّلْوِيحِ إلى القِصَّةِ، فَهو غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِها، إذْ لَيْسَ في ذَلِكَ الكَلامِ ما يُلَوِّحُ إلَيْها، ولَكِنَّ مَبْدَأ التَّلْوِيحِ إلى القِصَّةِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ . وقَوْلُهُ ﴿بِما أراكَ اللَّهُ﴾ الباءُ لِلْآلَةِ جَعَلَ ما أراهُ اللَّهُ إيّاهُ بِمَنزِلَةِ آلَةٍ لِلْحُكْمِ لِأنَّهُ وسِيلَةٌ إلى مُصادَفَةِ العَدْلِ والحَقِّ ونَفْيِ الجَوْرِ، إذْ لا يَحْتَمِلُ عِلْمُ اللَّهِ الخَطَأ. والرُّؤْيَةُ في قَوْلِهِ أراكَ اللَّهُ عِرْفانِيَّةٌ، وحَقِيقَتُها الرُّؤْيَةُ البَصَرِيَّةُ، فَأُطْلِقَتْ عَلى ما يُدْرَكُ بِوَجْهِ اليَقِينِ لِمُشابَهَتِهِ الشَّيْءَ المُشاهَدَ. والرُّؤْيَةُ البَصَرِيَّةُ تَنْصِبُ مَفْعُولًا واحِدًا فَإذْ أُدْخِلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ التَّعْدِيَةِ نَصَبَتْ مَفْعُولَيْنِ كَما هُنا، وقَدْ حُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي لِأنَّهُ ضَمِيرُ المَوْصُولِ، فَأغْنى عَنْهُ المَوْصُولُ، وهو حَذْفٌ كَثِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: بِما أراكَهُ اللَّهُ. فَكُلُّ ما جَعَلَهُ اللَّهُ حَقًّا في كِتابِهِ فَقَدْ أمَرَ بِالحُكْمِ بِهِ بَيْنَ النّاسِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ يُعْلِمُهُ الحَقَّ في جانِبِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِأنْ يَقُولَ لَهُ: إنَّ فُلانًا عَلى الحَقِّ، لِأنَّ هَذا لا يَلْزَمُ اطِّرادُهُ، ولِأنَّهُ لا يُلْفى مَدْلُولًا لِجَمِيعِ آياتِ القُرْآنِ وإنَّ صَلُحَ الحَمْلُ عَلَيْهِ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ لِيَحْكُمَ بِالطُّرُقِ والقَضايا الدّالَّةِ عَلى وصْفِ الأحْوالِ الَّتِي يَتَحَقَّقُ بِها العَدْلُ فَيَحْكُمُ بَيْنَ النّاسِ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ، بِأنْ تَنْدَرِجَ جُزْئِيّاتُ أحْوالِهِمْ عِنْدَ التَّقاضِي تَحْتَ الأوْصافِ الكُلِّيَّةِ المُبَيَّنَةِ في الكِتابِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، فَقَدْ أبْطَلَ حُكْمَ التَّبَنِّي الَّذِي كانَ في الجاهِلِيَّةِ، فَأعْلَمَنا أنَّ قَوْلَ الرَّجُلِ لِمَن لَيْسَ ولَدَهُ: هَذا ولَدِي، لا يَجْعَلُ لِلْمَنسُوبِ حَقًّا في مِيراثِهِ. ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يُخْطِئُ في إدْراجِ الجُزْئِيّاتِ تَحْتَ كُلِّيّاتِها، وقَدْ يَعْرِضُ الخَطَأُ لِغَيْرِهِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصادِفُ الحَقَّ مِن غَيْرِ وُجُوهِهِ الجارِيَةِ بَيْنَ النّاسِ، ولِذَلِكَ قالَ «إنَّما أنا بَشَرٌ وإنَّكم تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ ولَعَلَّ بَعْضَكم أنْ يَكُونَ صفحة ١٩٣ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ فَأقْضِي لَهُ عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أخِيهِ فَلا يَأْخُذُهُ فَإنَّما أقْتَطِعُ لَهُ قِطْعَةً مِن نارٍ» . وغَيْرُ الرَّسُولِ يُخْطِئُ في الِانْدِراجِ، ولِذَلِكَ وجَبَ بَذْلُ الجُهْدِ واسْتِقْصاءُ الدَّلِيلِ، ومِن ثَمَّ اسْتَدَلَّ عُلَماؤُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ الِاجْتِهادِ في فَهْمِ الشَّرِيعَةِ. وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ لا يَقُولَنَّ أحَدٌ قَضَيْتُ بِما أرانِيَ اللَّهُ تَعالى فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ إلّا لِنَبِيئِهِ وأمّا الواحِدُ مِنّا فَرَأْيُهُ يَكُونُ ظَنًّا ولا يَكُونُ عِلْمًا، ومَعْناهُ هو ما قَدَّمْناهُ مِن عُرُوضِ الخَطَأِ في الفَهْمِ لِغَيْرِ الرَّسُولِ دُونَ الرَّسُولِ ﷺ . واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ لامُ العِلَّةِ ولَيْسَتْ لامُ التَّقْوِيَةِ. ومَفْعُولُ خَصِيمًا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ مُقابِلِهِ وهو لِلْخائِنِينَ، أيْ لا تَكُنْ تُخاصِمُ مَن يُخاصِمُ الخائِنِينَ، أيْ لا تُخاصِمْ عَنْهم. فالخَصِيمُ هُنا بِمَعْنى المُنْتَصِرُ المُدافِعُ كَقَوْلِهِ كُنْتُ أنا خَصْمُهُ يَوْمَ القِيامَةِ. والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُرادُ الأُمَّةُ، لِأنَّ الخِصامَ عَنِ الخائِنِينَ لا يُتَوَقَّعُ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ، وإنَّما المُرادُ تَحْذِيرُ الَّذِينَ دَفَعَتْهُمُ الحَمِيَّةُ إلى الِانْتِصارِ لِأبْناءِ أُبَيْرِقٍ. والأمْرُ بِاسْتِغْفارِ اللَّهِ جَرى عَلى أُسْلُوبِ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلى الرَّسُولِ، فالمُرادُ بِالأمْرِ غَيْرُهُ، أرْشَدَهم إلى ما هو أنْفَعُ لَهم وهو اسْتِغْفارُ اللَّهِ مِمّا اقْتَرَفُوهُ، أوْ أرادَ: واسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِلْخائِنِينَ لِيُلْهِمَهم إلى التَّوْبَةِ بِبَرَكَةِ اسْتِغْفارِكَ لَهم فَذَلِكَ أجْدَرُ مِن دِفاعِ المُدافِعِينَ عَنْهم. وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٦٤] ولَيْسَ المُرادُ بِالأمْرِ اسْتِغْفارَ النَّبِيءِ لِنَفْسِهِ، كَما أخْطَأ فِيهِ مَن تَوَهَّمَ ذَلِكَ، فَرَكَّبَ عَلَيْهِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ خَطَرَ بِبالِهِ ما أوْجَبَ أمْرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ، وهو هَمُّهُ أنْ يُجادِلَ عَنْ بَنِي أُبَيْرِقٍ، مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم سَرَقُوا، خَشْيَةَ أنْ يَفْتَضِحُوا، وهَذا مِن أفْهامِ الضُّعَفاءِ وسُوءِ وضْعِهِمُ الأخْبارَ لِتَأْيِيدِ سَقِيمِ أفْهامِهِمْ. والخِطابُ في قَوْلِهِ ولا تُجادِلْ لِلرَّسُولِ، والمُرادُ نَهْيُ الأُمَّةِ عَنْ ذَلِكَ، لِأنَّ مِثْلَهُ لا يُتَرَقَّبُ صُدُورُهُ مِنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ . صفحة ١٩٤ ويَخْتانُونَ بِمَعْنى يَخُونُونَ، وهو افْتِعالٌ دالٌّ عَلى التَّكَلُّفِ والمُحاوَلَةِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في الخِيانَةِ. ومَعْنى خِيانَتِهِمْ أنْفُسَهم أنَّهم بِارْتِكابِهِمْ ما يَضُرُّ بِهِمْ كانُوا بِمَنزِلَةِ مَن يَخُونُ غَيْرَهُ كَقَوْلِهِ عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكم. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ أنْفُسَهم هُنا بِمَعْنى بَنِي أنْفُسِهِمْ، أيْ بَنِي قَوْمِهِمْ، كَقَوْلِهِ ﴿تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، وقَوْلِهِ ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، أيِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ ناسًا مِن أهْلِهِمْ وقَوْمِهِمْ. والعَرَبُ تَقُولُ: هو تَمِيمِيٌّ مِن أنْفُسِهِمْ، أيْ لَيْسَ بِمَوْلًى ولا لَصِيقٍ. والمُجادَلَةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الجَدَلِ، وهو القُدْرَةُ عَلى الخِصامِ والحُجَّةِ فِيهِ، وهي مُنازَعَةٌ بِالقَوْلِ لِإقْناعِ الغَيْرِ بِرَأْيِكَ، ومِنهُ سُمِّيَ عِلْمُ قَواعِدِ المُناظَرَةِ والِاحْتِجاجِ في الفِقْهِ عِلْمَ الجَدَلِ، وكانَ يَخْتَلِطُ بِعِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ وعِلْمِ آدابِ البَحْثِ وعِلْمِ المَنطِقِ. ولَمْ يُسْمَعْ لِلْجَدَلِ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ أصْلِيٌّ، والمَسْمُوعُ مِنهُ جادَلَ لِأنَّ الخِصامَ يَسْتَدْعِي خَصْمَيْنِ. وأمّا قَوْلُهم: جَدَلَهُ فَهو بِمَعْنى غَلَبَهُ في المُجادَلَةِ، فَلَيْسَ فِعْلًا أصْلِيًّا في الِاشْتِقاقِ. ومَصْدَرُ المُجادَلَةِ: الجِدالُ، قالَ تَعالى ولا جِدالَ في الحَجِّ. وأمّا الجَدَلُ بِفَتْحَتَيْنِ فَهو اسْمُ المَصْدَرِ، وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَدَلِ، وهو الصَّرْعُ عَلى الأرْضِ، لِأنَّ الأرْضَ تُسَمّى الجَدالَةَ بِفَتْحِ الجِيمِ يُقالُ: جَدَلَهُ فَهو مَجْدُولٌ. وجُمْلَةُ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ بَيانٌ لِـ يَخْتانُونَ. وجُمْلَةُ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ حالٌ، وذَلِكَ هو مَحَلُّ الِاسْتِغْرابِ مِن حالِهِمْ وكَوْنِهِمْ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم. والِاسْتِخْفاءُ مِنَ اللَّهِ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في الحَياءِ، إذْ لا يَعْتَقِدُ أحَدٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ أنَّهُ يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْتَخْفِيَ مِنَ اللَّهِ. وجُمْلَةُ وهو مَعَهم حالٌ مِنَ اسْمِ الجَلالَةِ، والمَعِيَّةُ هُنا مَعِيَّةُ العِلْمِ والِاطِّلاعِ. وإذْ يُبَيِّتُونَ ظَرْفٌ، والتَّبْيِيتُ جَعْلُ الشَّيْءِ في البَياتِ، أيِ اللَّيْلِ، مِثْلُ التَّصْبِيحِ، يُقالُ: بَيَّتَهُمُ العَدُوُّ وصَبَّحَهُمُ العَدُوُّ وفي القُرْآنِ: لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ أيْ لَنَأْتِيَنَّهم لَيْلًا فَنَقْتُلُهم. والمُبَيَّتُ هُنا هو ما لا يُرْضِي مِنَ القَوْلِ، أيْ دَبَّرُوهُ وزَوَّرُوهُ لَيْلًا لِقَصْدِ الإخْفاءِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: هَذا أمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ، أوْ تُشُوِّرَ فِيهِ بِلَيْلٍ، والمُرادُ هُنا تَدْبِيرُ مَكِيدَتِهِمْ لِرَمْيِ البُرَآءِ بِتُهْمَةِ السَّرِقَةِ. صفحة ١٩٥ وقَوْلُهُ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ أثارَهُ قَوْلُهُ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾، والمُخاطَبُ كُلُّ مَن يَصْلُحُ لِلْمُخاطَبَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ. والكَلامُ جارٍ مَجْرى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، أوْ مَجْرى التَّعْرِيضِ بِبَعْضِ بَنِي ظَفَرٍ الَّذِينَ جادَلُوا عَنْ بَنِي أُبَيْرِقٍ. والقَوْلُ في تَرْكِيبِ ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في آلِ عِمْرانَ ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] . وأمْ في قَوْلِهِ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا مُنْقَطِعَةٌ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ. ومَنِ اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ. والوَكِيلُ مَضى الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

النساء 4:106

﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهْوَ مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ . صفحة ١٩١ اتِّصالُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها يَرْجِعُ إلى ما مَضى مِن وصْفِ أحْوالِ المُنافِقِينَ ومُناصِرِيهِمْ، وانْتَقَلَ مِن ذَلِكَ إلى الِاسْتِعْدادِ لِقِتالِ المُناوِينَ لِلْإسْلامِ مِن قَوْلِهِ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا الآيَةَ، وتَخَلَّلَ فِيهِ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ في تَرَبُّصِهِمْ بِالمُسْلِمِينَ الدَّوائِرَ ومُخْتَلِفِ أحْوالِ القَبائِلِ في عَلائِقِهِمْ مَعَ المُسْلِمِينَ، واسْتَطْرَدَ لِذِكْرِ قَتْلِ الخَطَأِ والعَمْدِ، وانْتَقَلَ إلى ذِكْرِ الهِجْرَةِ، وعَقَّبَ بِذِكْرِ صَلاةِ السَّفَرِ وصَلاةِ الخَوْفِ، عادَ الكَلامُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى أحْوالِ أهْلِ النِّفاقِ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا. وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هاتِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ حادِثَةٍ رَواها التِّرْمِذِيُّ حاصِلُها: «أنَّ إخْوَةً ثَلاثَةً يُقالُ لَهم: بِشْرٌ وبَشِيرٌ ومُبَشِّرٌ، أبْناءُ أُبَيْرِقٍ، وقِيلَ: أبْناءُ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وقِيلَ: إنَّما كانَ بَشِيرٌ أحَدُهم يُكَنّى أبا طُعْمَةَ، وهم مِن بَنِي ظَفَرٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، وكانَ بَشِيرٌ شَرَّهم، وكانَ مُنافِقًا يَهْجُو المُسْلِمِينَ بِشِعْرٍ يُشِيعُهُ ويَنْسُبُهُ إلى غَيْرِهِ، وكانَ هَؤُلاءِ الإخْوَةُ في فاقَةٍ، وكانُوا جِيرَةً لِرِفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وكانَتْ عِيرٌ قَدْ أقْبَلَتْ مِنَ الشّامِ بِدَرْمَكٍ - وهو دَقِيقُ الحُوّارى أيِ السَّمِيذُ - فابْتاعَ مِنها رَفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِن دَرْمَكٍ لِطَعامِهِ، وكانَ أهْلُ المَدِينَةِ يَأْكُلُونَ دَقِيقَ الشَّعِيرِ، فَإذا جاءَ الدَّرْمَكُ ابْتاعَ مِنهُ سَيِّدُ المَنزِلِ شَيْئًا لِطَعامِهِ فَجَعَلَ الدَّرْمَكَ في مَشْرَبَةٍ لَهُ وفِيها سِلاحٌ، فَعَدى بَنُو أُبَيْرِقٍ عَلَيْهِ فَنَقَبُوا مَشْرَبَتَهُ وسَرَقُوا الدَّقِيقَ والسِّلاحَ، فَلَمّا أصْبَحَ رِفاعَةُ ووَجَدَ مَشْرَبَتَهُ قَدْ سُرِقَتْ أخْبَرَ ابْنَ أخِيهِ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ بِذَلِكَ، فَجَعَلَ يَتَحَسَّسُ، فَأُنْبِئَ بِأنَّ بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا في تِلْكَ اللَّيْلَةِ نارًا، ولَعَلَّهُ عَلى بَعْضِ طَعامِ رِفاعَةَ، فَلَمّا افْتَضَحَ بَنُو أُبَيْرِقٍ طَرَحُوا المَسْرُوقَ في دارِ أبِي مُلَيْلٍ الأنْصارِيِّ. وقِيلَ: في دارِ يَهُودِيٍّ اسْمُهُ زَيْدُ بْنُ السَّمِينِ، وقِيلَ: لَبِيَدُ بْنُ سَهْلٍ، وجاءَ بَعْضُ بَنِي ظَفَرٍ إلى النَّبِيءِ ﷺ، فاشْتَكَوْا إلَيْهِ أنَّ رِفاعَةَ وابْنَ أخِيهِ اتَّهَما بِالسَّرِقَةِ أهْلَ بَيْتِ إيمانٍ وصَلاحٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ لِي عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتِ إسْلامٍ وصَلاحٍ فَرَمَيْتَهم بِالسَّرِقَةِ عَلى غَيْرِ بَيِّنَةٍ. وأشاعُوا في النّاسِ أنَّ المَسْرُوقَ في دارِ أبِي مُلَيْلٍ أوْ دارِ اليَهُودِيِّ. فَما لَبِثَ أنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلى جَلِيَّةِ الأمْرِ، مُعْجِزَةً لَهُ، حَتّى لا يَطْمَعَ أحَدٌ في أنْ يُرَوِّجَ عَلى الرَّسُولِ باطِلًا» . هَذا هو الصَّحِيحُ في سَوْقِ هَذا الخَبَرِ. ووَقَعَ في كِتابِ أسْبابِ النُّزُولِ صفحة ١٩٢ لِلْواحِدِيِّ، وفي بَعْضِ رِواياتِ الطَّبَرَيِّ سَوْقُ القِصَّةِ بِبَعْضِ مُخالَفَةٍ لِما ذَكَرْتُهُ: وأنَّ بَنِي ظَفَرٍ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُجادِلَ عَنْ أصْحابِهِمْ كَيْ لا يَفْتَضِحُوا ويَبْرَأ اليَهُودِيُّ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ هَمَّ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لامَ اليَهُودِيَّ وبَرَّأ المُتَّهَمَ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ واهِيَةٌ، وهَذِهِ الزِّيادَةُ خَطَأٌ بَيِّنٌ مِن أهْلِ القَصَصِ دُونَ عِلْمٍ ولا تَبَصُّرٍ بِمَعانِي القُرْآنِ. والظّاهِرُ أنَّ صَدْرَ الآيَةِ تَمْهِيدٌ لِلتَّلْوِيحِ إلى القِصَّةِ، فَهو غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِها، إذْ لَيْسَ في ذَلِكَ الكَلامِ ما يُلَوِّحُ إلَيْها، ولَكِنَّ مَبْدَأ التَّلْوِيحِ إلى القِصَّةِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ . وقَوْلُهُ ﴿بِما أراكَ اللَّهُ﴾ الباءُ لِلْآلَةِ جَعَلَ ما أراهُ اللَّهُ إيّاهُ بِمَنزِلَةِ آلَةٍ لِلْحُكْمِ لِأنَّهُ وسِيلَةٌ إلى مُصادَفَةِ العَدْلِ والحَقِّ ونَفْيِ الجَوْرِ، إذْ لا يَحْتَمِلُ عِلْمُ اللَّهِ الخَطَأ. والرُّؤْيَةُ في قَوْلِهِ أراكَ اللَّهُ عِرْفانِيَّةٌ، وحَقِيقَتُها الرُّؤْيَةُ البَصَرِيَّةُ، فَأُطْلِقَتْ عَلى ما يُدْرَكُ بِوَجْهِ اليَقِينِ لِمُشابَهَتِهِ الشَّيْءَ المُشاهَدَ. والرُّؤْيَةُ البَصَرِيَّةُ تَنْصِبُ مَفْعُولًا واحِدًا فَإذْ أُدْخِلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ التَّعْدِيَةِ نَصَبَتْ مَفْعُولَيْنِ كَما هُنا، وقَدْ حُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي لِأنَّهُ ضَمِيرُ المَوْصُولِ، فَأغْنى عَنْهُ المَوْصُولُ، وهو حَذْفٌ كَثِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: بِما أراكَهُ اللَّهُ. فَكُلُّ ما جَعَلَهُ اللَّهُ حَقًّا في كِتابِهِ فَقَدْ أمَرَ بِالحُكْمِ بِهِ بَيْنَ النّاسِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ يُعْلِمُهُ الحَقَّ في جانِبِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِأنْ يَقُولَ لَهُ: إنَّ فُلانًا عَلى الحَقِّ، لِأنَّ هَذا لا يَلْزَمُ اطِّرادُهُ، ولِأنَّهُ لا يُلْفى مَدْلُولًا لِجَمِيعِ آياتِ القُرْآنِ وإنَّ صَلُحَ الحَمْلُ عَلَيْهِ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ لِيَحْكُمَ بِالطُّرُقِ والقَضايا الدّالَّةِ عَلى وصْفِ الأحْوالِ الَّتِي يَتَحَقَّقُ بِها العَدْلُ فَيَحْكُمُ بَيْنَ النّاسِ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ، بِأنْ تَنْدَرِجَ جُزْئِيّاتُ أحْوالِهِمْ عِنْدَ التَّقاضِي تَحْتَ الأوْصافِ الكُلِّيَّةِ المُبَيَّنَةِ في الكِتابِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، فَقَدْ أبْطَلَ حُكْمَ التَّبَنِّي الَّذِي كانَ في الجاهِلِيَّةِ، فَأعْلَمَنا أنَّ قَوْلَ الرَّجُلِ لِمَن لَيْسَ ولَدَهُ: هَذا ولَدِي، لا يَجْعَلُ لِلْمَنسُوبِ حَقًّا في مِيراثِهِ. ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يُخْطِئُ في إدْراجِ الجُزْئِيّاتِ تَحْتَ كُلِّيّاتِها، وقَدْ يَعْرِضُ الخَطَأُ لِغَيْرِهِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصادِفُ الحَقَّ مِن غَيْرِ وُجُوهِهِ الجارِيَةِ بَيْنَ النّاسِ، ولِذَلِكَ قالَ «إنَّما أنا بَشَرٌ وإنَّكم تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ ولَعَلَّ بَعْضَكم أنْ يَكُونَ صفحة ١٩٣ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ فَأقْضِي لَهُ عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أخِيهِ فَلا يَأْخُذُهُ فَإنَّما أقْتَطِعُ لَهُ قِطْعَةً مِن نارٍ» . وغَيْرُ الرَّسُولِ يُخْطِئُ في الِانْدِراجِ، ولِذَلِكَ وجَبَ بَذْلُ الجُهْدِ واسْتِقْصاءُ الدَّلِيلِ، ومِن ثَمَّ اسْتَدَلَّ عُلَماؤُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ الِاجْتِهادِ في فَهْمِ الشَّرِيعَةِ. وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ لا يَقُولَنَّ أحَدٌ قَضَيْتُ بِما أرانِيَ اللَّهُ تَعالى فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ إلّا لِنَبِيئِهِ وأمّا الواحِدُ مِنّا فَرَأْيُهُ يَكُونُ ظَنًّا ولا يَكُونُ عِلْمًا، ومَعْناهُ هو ما قَدَّمْناهُ مِن عُرُوضِ الخَطَأِ في الفَهْمِ لِغَيْرِ الرَّسُولِ دُونَ الرَّسُولِ ﷺ . واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ لامُ العِلَّةِ ولَيْسَتْ لامُ التَّقْوِيَةِ. ومَفْعُولُ خَصِيمًا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ مُقابِلِهِ وهو لِلْخائِنِينَ، أيْ لا تَكُنْ تُخاصِمُ مَن يُخاصِمُ الخائِنِينَ، أيْ لا تُخاصِمْ عَنْهم. فالخَصِيمُ هُنا بِمَعْنى المُنْتَصِرُ المُدافِعُ كَقَوْلِهِ كُنْتُ أنا خَصْمُهُ يَوْمَ القِيامَةِ. والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُرادُ الأُمَّةُ، لِأنَّ الخِصامَ عَنِ الخائِنِينَ لا يُتَوَقَّعُ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ، وإنَّما المُرادُ تَحْذِيرُ الَّذِينَ دَفَعَتْهُمُ الحَمِيَّةُ إلى الِانْتِصارِ لِأبْناءِ أُبَيْرِقٍ. والأمْرُ بِاسْتِغْفارِ اللَّهِ جَرى عَلى أُسْلُوبِ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلى الرَّسُولِ، فالمُرادُ بِالأمْرِ غَيْرُهُ، أرْشَدَهم إلى ما هو أنْفَعُ لَهم وهو اسْتِغْفارُ اللَّهِ مِمّا اقْتَرَفُوهُ، أوْ أرادَ: واسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِلْخائِنِينَ لِيُلْهِمَهم إلى التَّوْبَةِ بِبَرَكَةِ اسْتِغْفارِكَ لَهم فَذَلِكَ أجْدَرُ مِن دِفاعِ المُدافِعِينَ عَنْهم. وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٦٤] ولَيْسَ المُرادُ بِالأمْرِ اسْتِغْفارَ النَّبِيءِ لِنَفْسِهِ، كَما أخْطَأ فِيهِ مَن تَوَهَّمَ ذَلِكَ، فَرَكَّبَ عَلَيْهِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ خَطَرَ بِبالِهِ ما أوْجَبَ أمْرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ، وهو هَمُّهُ أنْ يُجادِلَ عَنْ بَنِي أُبَيْرِقٍ، مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم سَرَقُوا، خَشْيَةَ أنْ يَفْتَضِحُوا، وهَذا مِن أفْهامِ الضُّعَفاءِ وسُوءِ وضْعِهِمُ الأخْبارَ لِتَأْيِيدِ سَقِيمِ أفْهامِهِمْ. والخِطابُ في قَوْلِهِ ولا تُجادِلْ لِلرَّسُولِ، والمُرادُ نَهْيُ الأُمَّةِ عَنْ ذَلِكَ، لِأنَّ مِثْلَهُ لا يُتَرَقَّبُ صُدُورُهُ مِنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ . صفحة ١٩٤ ويَخْتانُونَ بِمَعْنى يَخُونُونَ، وهو افْتِعالٌ دالٌّ عَلى التَّكَلُّفِ والمُحاوَلَةِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في الخِيانَةِ. ومَعْنى خِيانَتِهِمْ أنْفُسَهم أنَّهم بِارْتِكابِهِمْ ما يَضُرُّ بِهِمْ كانُوا بِمَنزِلَةِ مَن يَخُونُ غَيْرَهُ كَقَوْلِهِ عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكم. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ أنْفُسَهم هُنا بِمَعْنى بَنِي أنْفُسِهِمْ، أيْ بَنِي قَوْمِهِمْ، كَقَوْلِهِ ﴿تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، وقَوْلِهِ ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، أيِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ ناسًا مِن أهْلِهِمْ وقَوْمِهِمْ. والعَرَبُ تَقُولُ: هو تَمِيمِيٌّ مِن أنْفُسِهِمْ، أيْ لَيْسَ بِمَوْلًى ولا لَصِيقٍ. والمُجادَلَةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الجَدَلِ، وهو القُدْرَةُ عَلى الخِصامِ والحُجَّةِ فِيهِ، وهي مُنازَعَةٌ بِالقَوْلِ لِإقْناعِ الغَيْرِ بِرَأْيِكَ، ومِنهُ سُمِّيَ عِلْمُ قَواعِدِ المُناظَرَةِ والِاحْتِجاجِ في الفِقْهِ عِلْمَ الجَدَلِ، وكانَ يَخْتَلِطُ بِعِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ وعِلْمِ آدابِ البَحْثِ وعِلْمِ المَنطِقِ. ولَمْ يُسْمَعْ لِلْجَدَلِ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ أصْلِيٌّ، والمَسْمُوعُ مِنهُ جادَلَ لِأنَّ الخِصامَ يَسْتَدْعِي خَصْمَيْنِ. وأمّا قَوْلُهم: جَدَلَهُ فَهو بِمَعْنى غَلَبَهُ في المُجادَلَةِ، فَلَيْسَ فِعْلًا أصْلِيًّا في الِاشْتِقاقِ. ومَصْدَرُ المُجادَلَةِ: الجِدالُ، قالَ تَعالى ولا جِدالَ في الحَجِّ. وأمّا الجَدَلُ بِفَتْحَتَيْنِ فَهو اسْمُ المَصْدَرِ، وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَدَلِ، وهو الصَّرْعُ عَلى الأرْضِ، لِأنَّ الأرْضَ تُسَمّى الجَدالَةَ بِفَتْحِ الجِيمِ يُقالُ: جَدَلَهُ فَهو مَجْدُولٌ. وجُمْلَةُ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ بَيانٌ لِـ يَخْتانُونَ. وجُمْلَةُ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ حالٌ، وذَلِكَ هو مَحَلُّ الِاسْتِغْرابِ مِن حالِهِمْ وكَوْنِهِمْ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم. والِاسْتِخْفاءُ مِنَ اللَّهِ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في الحَياءِ، إذْ لا يَعْتَقِدُ أحَدٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ أنَّهُ يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْتَخْفِيَ مِنَ اللَّهِ. وجُمْلَةُ وهو مَعَهم حالٌ مِنَ اسْمِ الجَلالَةِ، والمَعِيَّةُ هُنا مَعِيَّةُ العِلْمِ والِاطِّلاعِ. وإذْ يُبَيِّتُونَ ظَرْفٌ، والتَّبْيِيتُ جَعْلُ الشَّيْءِ في البَياتِ، أيِ اللَّيْلِ، مِثْلُ التَّصْبِيحِ، يُقالُ: بَيَّتَهُمُ العَدُوُّ وصَبَّحَهُمُ العَدُوُّ وفي القُرْآنِ: لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ أيْ لَنَأْتِيَنَّهم لَيْلًا فَنَقْتُلُهم. والمُبَيَّتُ هُنا هو ما لا يُرْضِي مِنَ القَوْلِ، أيْ دَبَّرُوهُ وزَوَّرُوهُ لَيْلًا لِقَصْدِ الإخْفاءِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: هَذا أمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ، أوْ تُشُوِّرَ فِيهِ بِلَيْلٍ، والمُرادُ هُنا تَدْبِيرُ مَكِيدَتِهِمْ لِرَمْيِ البُرَآءِ بِتُهْمَةِ السَّرِقَةِ. صفحة ١٩٥ وقَوْلُهُ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ أثارَهُ قَوْلُهُ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾، والمُخاطَبُ كُلُّ مَن يَصْلُحُ لِلْمُخاطَبَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ. والكَلامُ جارٍ مَجْرى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، أوْ مَجْرى التَّعْرِيضِ بِبَعْضِ بَنِي ظَفَرٍ الَّذِينَ جادَلُوا عَنْ بَنِي أُبَيْرِقٍ. والقَوْلُ في تَرْكِيبِ ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في آلِ عِمْرانَ ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] . وأمْ في قَوْلِهِ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا مُنْقَطِعَةٌ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ. ومَنِ اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ. والوَكِيلُ مَضى الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

النساء 4:107

﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهْوَ مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ . صفحة ١٩١ اتِّصالُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها يَرْجِعُ إلى ما مَضى مِن وصْفِ أحْوالِ المُنافِقِينَ ومُناصِرِيهِمْ، وانْتَقَلَ مِن ذَلِكَ إلى الِاسْتِعْدادِ لِقِتالِ المُناوِينَ لِلْإسْلامِ مِن قَوْلِهِ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا الآيَةَ، وتَخَلَّلَ فِيهِ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ في تَرَبُّصِهِمْ بِالمُسْلِمِينَ الدَّوائِرَ ومُخْتَلِفِ أحْوالِ القَبائِلِ في عَلائِقِهِمْ مَعَ المُسْلِمِينَ، واسْتَطْرَدَ لِذِكْرِ قَتْلِ الخَطَأِ والعَمْدِ، وانْتَقَلَ إلى ذِكْرِ الهِجْرَةِ، وعَقَّبَ بِذِكْرِ صَلاةِ السَّفَرِ وصَلاةِ الخَوْفِ، عادَ الكَلامُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى أحْوالِ أهْلِ النِّفاقِ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا. وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هاتِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ حادِثَةٍ رَواها التِّرْمِذِيُّ حاصِلُها: «أنَّ إخْوَةً ثَلاثَةً يُقالُ لَهم: بِشْرٌ وبَشِيرٌ ومُبَشِّرٌ، أبْناءُ أُبَيْرِقٍ، وقِيلَ: أبْناءُ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وقِيلَ: إنَّما كانَ بَشِيرٌ أحَدُهم يُكَنّى أبا طُعْمَةَ، وهم مِن بَنِي ظَفَرٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، وكانَ بَشِيرٌ شَرَّهم، وكانَ مُنافِقًا يَهْجُو المُسْلِمِينَ بِشِعْرٍ يُشِيعُهُ ويَنْسُبُهُ إلى غَيْرِهِ، وكانَ هَؤُلاءِ الإخْوَةُ في فاقَةٍ، وكانُوا جِيرَةً لِرِفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وكانَتْ عِيرٌ قَدْ أقْبَلَتْ مِنَ الشّامِ بِدَرْمَكٍ - وهو دَقِيقُ الحُوّارى أيِ السَّمِيذُ - فابْتاعَ مِنها رَفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِن دَرْمَكٍ لِطَعامِهِ، وكانَ أهْلُ المَدِينَةِ يَأْكُلُونَ دَقِيقَ الشَّعِيرِ، فَإذا جاءَ الدَّرْمَكُ ابْتاعَ مِنهُ سَيِّدُ المَنزِلِ شَيْئًا لِطَعامِهِ فَجَعَلَ الدَّرْمَكَ في مَشْرَبَةٍ لَهُ وفِيها سِلاحٌ، فَعَدى بَنُو أُبَيْرِقٍ عَلَيْهِ فَنَقَبُوا مَشْرَبَتَهُ وسَرَقُوا الدَّقِيقَ والسِّلاحَ، فَلَمّا أصْبَحَ رِفاعَةُ ووَجَدَ مَشْرَبَتَهُ قَدْ سُرِقَتْ أخْبَرَ ابْنَ أخِيهِ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ بِذَلِكَ، فَجَعَلَ يَتَحَسَّسُ، فَأُنْبِئَ بِأنَّ بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا في تِلْكَ اللَّيْلَةِ نارًا، ولَعَلَّهُ عَلى بَعْضِ طَعامِ رِفاعَةَ، فَلَمّا افْتَضَحَ بَنُو أُبَيْرِقٍ طَرَحُوا المَسْرُوقَ في دارِ أبِي مُلَيْلٍ الأنْصارِيِّ. وقِيلَ: في دارِ يَهُودِيٍّ اسْمُهُ زَيْدُ بْنُ السَّمِينِ، وقِيلَ: لَبِيَدُ بْنُ سَهْلٍ، وجاءَ بَعْضُ بَنِي ظَفَرٍ إلى النَّبِيءِ ﷺ، فاشْتَكَوْا إلَيْهِ أنَّ رِفاعَةَ وابْنَ أخِيهِ اتَّهَما بِالسَّرِقَةِ أهْلَ بَيْتِ إيمانٍ وصَلاحٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ لِي عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتِ إسْلامٍ وصَلاحٍ فَرَمَيْتَهم بِالسَّرِقَةِ عَلى غَيْرِ بَيِّنَةٍ. وأشاعُوا في النّاسِ أنَّ المَسْرُوقَ في دارِ أبِي مُلَيْلٍ أوْ دارِ اليَهُودِيِّ. فَما لَبِثَ أنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلى جَلِيَّةِ الأمْرِ، مُعْجِزَةً لَهُ، حَتّى لا يَطْمَعَ أحَدٌ في أنْ يُرَوِّجَ عَلى الرَّسُولِ باطِلًا» . هَذا هو الصَّحِيحُ في سَوْقِ هَذا الخَبَرِ. ووَقَعَ في كِتابِ أسْبابِ النُّزُولِ صفحة ١٩٢ لِلْواحِدِيِّ، وفي بَعْضِ رِواياتِ الطَّبَرَيِّ سَوْقُ القِصَّةِ بِبَعْضِ مُخالَفَةٍ لِما ذَكَرْتُهُ: وأنَّ بَنِي ظَفَرٍ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُجادِلَ عَنْ أصْحابِهِمْ كَيْ لا يَفْتَضِحُوا ويَبْرَأ اليَهُودِيُّ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ هَمَّ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لامَ اليَهُودِيَّ وبَرَّأ المُتَّهَمَ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ واهِيَةٌ، وهَذِهِ الزِّيادَةُ خَطَأٌ بَيِّنٌ مِن أهْلِ القَصَصِ دُونَ عِلْمٍ ولا تَبَصُّرٍ بِمَعانِي القُرْآنِ. والظّاهِرُ أنَّ صَدْرَ الآيَةِ تَمْهِيدٌ لِلتَّلْوِيحِ إلى القِصَّةِ، فَهو غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِها، إذْ لَيْسَ في ذَلِكَ الكَلامِ ما يُلَوِّحُ إلَيْها، ولَكِنَّ مَبْدَأ التَّلْوِيحِ إلى القِصَّةِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ . وقَوْلُهُ ﴿بِما أراكَ اللَّهُ﴾ الباءُ لِلْآلَةِ جَعَلَ ما أراهُ اللَّهُ إيّاهُ بِمَنزِلَةِ آلَةٍ لِلْحُكْمِ لِأنَّهُ وسِيلَةٌ إلى مُصادَفَةِ العَدْلِ والحَقِّ ونَفْيِ الجَوْرِ، إذْ لا يَحْتَمِلُ عِلْمُ اللَّهِ الخَطَأ. والرُّؤْيَةُ في قَوْلِهِ أراكَ اللَّهُ عِرْفانِيَّةٌ، وحَقِيقَتُها الرُّؤْيَةُ البَصَرِيَّةُ، فَأُطْلِقَتْ عَلى ما يُدْرَكُ بِوَجْهِ اليَقِينِ لِمُشابَهَتِهِ الشَّيْءَ المُشاهَدَ. والرُّؤْيَةُ البَصَرِيَّةُ تَنْصِبُ مَفْعُولًا واحِدًا فَإذْ أُدْخِلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ التَّعْدِيَةِ نَصَبَتْ مَفْعُولَيْنِ كَما هُنا، وقَدْ حُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي لِأنَّهُ ضَمِيرُ المَوْصُولِ، فَأغْنى عَنْهُ المَوْصُولُ، وهو حَذْفٌ كَثِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: بِما أراكَهُ اللَّهُ. فَكُلُّ ما جَعَلَهُ اللَّهُ حَقًّا في كِتابِهِ فَقَدْ أمَرَ بِالحُكْمِ بِهِ بَيْنَ النّاسِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ يُعْلِمُهُ الحَقَّ في جانِبِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِأنْ يَقُولَ لَهُ: إنَّ فُلانًا عَلى الحَقِّ، لِأنَّ هَذا لا يَلْزَمُ اطِّرادُهُ، ولِأنَّهُ لا يُلْفى مَدْلُولًا لِجَمِيعِ آياتِ القُرْآنِ وإنَّ صَلُحَ الحَمْلُ عَلَيْهِ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ لِيَحْكُمَ بِالطُّرُقِ والقَضايا الدّالَّةِ عَلى وصْفِ الأحْوالِ الَّتِي يَتَحَقَّقُ بِها العَدْلُ فَيَحْكُمُ بَيْنَ النّاسِ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ، بِأنْ تَنْدَرِجَ جُزْئِيّاتُ أحْوالِهِمْ عِنْدَ التَّقاضِي تَحْتَ الأوْصافِ الكُلِّيَّةِ المُبَيَّنَةِ في الكِتابِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، فَقَدْ أبْطَلَ حُكْمَ التَّبَنِّي الَّذِي كانَ في الجاهِلِيَّةِ، فَأعْلَمَنا أنَّ قَوْلَ الرَّجُلِ لِمَن لَيْسَ ولَدَهُ: هَذا ولَدِي، لا يَجْعَلُ لِلْمَنسُوبِ حَقًّا في مِيراثِهِ. ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يُخْطِئُ في إدْراجِ الجُزْئِيّاتِ تَحْتَ كُلِّيّاتِها، وقَدْ يَعْرِضُ الخَطَأُ لِغَيْرِهِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصادِفُ الحَقَّ مِن غَيْرِ وُجُوهِهِ الجارِيَةِ بَيْنَ النّاسِ، ولِذَلِكَ قالَ «إنَّما أنا بَشَرٌ وإنَّكم تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ ولَعَلَّ بَعْضَكم أنْ يَكُونَ صفحة ١٩٣ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ فَأقْضِي لَهُ عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أخِيهِ فَلا يَأْخُذُهُ فَإنَّما أقْتَطِعُ لَهُ قِطْعَةً مِن نارٍ» . وغَيْرُ الرَّسُولِ يُخْطِئُ في الِانْدِراجِ، ولِذَلِكَ وجَبَ بَذْلُ الجُهْدِ واسْتِقْصاءُ الدَّلِيلِ، ومِن ثَمَّ اسْتَدَلَّ عُلَماؤُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ الِاجْتِهادِ في فَهْمِ الشَّرِيعَةِ. وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ لا يَقُولَنَّ أحَدٌ قَضَيْتُ بِما أرانِيَ اللَّهُ تَعالى فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ إلّا لِنَبِيئِهِ وأمّا الواحِدُ مِنّا فَرَأْيُهُ يَكُونُ ظَنًّا ولا يَكُونُ عِلْمًا، ومَعْناهُ هو ما قَدَّمْناهُ مِن عُرُوضِ الخَطَأِ في الفَهْمِ لِغَيْرِ الرَّسُولِ دُونَ الرَّسُولِ ﷺ . واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ لامُ العِلَّةِ ولَيْسَتْ لامُ التَّقْوِيَةِ. ومَفْعُولُ خَصِيمًا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ مُقابِلِهِ وهو لِلْخائِنِينَ، أيْ لا تَكُنْ تُخاصِمُ مَن يُخاصِمُ الخائِنِينَ، أيْ لا تُخاصِمْ عَنْهم. فالخَصِيمُ هُنا بِمَعْنى المُنْتَصِرُ المُدافِعُ كَقَوْلِهِ كُنْتُ أنا خَصْمُهُ يَوْمَ القِيامَةِ. والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُرادُ الأُمَّةُ، لِأنَّ الخِصامَ عَنِ الخائِنِينَ لا يُتَوَقَّعُ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ، وإنَّما المُرادُ تَحْذِيرُ الَّذِينَ دَفَعَتْهُمُ الحَمِيَّةُ إلى الِانْتِصارِ لِأبْناءِ أُبَيْرِقٍ. والأمْرُ بِاسْتِغْفارِ اللَّهِ جَرى عَلى أُسْلُوبِ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلى الرَّسُولِ، فالمُرادُ بِالأمْرِ غَيْرُهُ، أرْشَدَهم إلى ما هو أنْفَعُ لَهم وهو اسْتِغْفارُ اللَّهِ مِمّا اقْتَرَفُوهُ، أوْ أرادَ: واسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِلْخائِنِينَ لِيُلْهِمَهم إلى التَّوْبَةِ بِبَرَكَةِ اسْتِغْفارِكَ لَهم فَذَلِكَ أجْدَرُ مِن دِفاعِ المُدافِعِينَ عَنْهم. وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٦٤] ولَيْسَ المُرادُ بِالأمْرِ اسْتِغْفارَ النَّبِيءِ لِنَفْسِهِ، كَما أخْطَأ فِيهِ مَن تَوَهَّمَ ذَلِكَ، فَرَكَّبَ عَلَيْهِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ خَطَرَ بِبالِهِ ما أوْجَبَ أمْرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ، وهو هَمُّهُ أنْ يُجادِلَ عَنْ بَنِي أُبَيْرِقٍ، مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم سَرَقُوا، خَشْيَةَ أنْ يَفْتَضِحُوا، وهَذا مِن أفْهامِ الضُّعَفاءِ وسُوءِ وضْعِهِمُ الأخْبارَ لِتَأْيِيدِ سَقِيمِ أفْهامِهِمْ. والخِطابُ في قَوْلِهِ ولا تُجادِلْ لِلرَّسُولِ، والمُرادُ نَهْيُ الأُمَّةِ عَنْ ذَلِكَ، لِأنَّ مِثْلَهُ لا يُتَرَقَّبُ صُدُورُهُ مِنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ . صفحة ١٩٤ ويَخْتانُونَ بِمَعْنى يَخُونُونَ، وهو افْتِعالٌ دالٌّ عَلى التَّكَلُّفِ والمُحاوَلَةِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في الخِيانَةِ. ومَعْنى خِيانَتِهِمْ أنْفُسَهم أنَّهم بِارْتِكابِهِمْ ما يَضُرُّ بِهِمْ كانُوا بِمَنزِلَةِ مَن يَخُونُ غَيْرَهُ كَقَوْلِهِ عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكم. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ أنْفُسَهم هُنا بِمَعْنى بَنِي أنْفُسِهِمْ، أيْ بَنِي قَوْمِهِمْ، كَقَوْلِهِ ﴿تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، وقَوْلِهِ ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، أيِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ ناسًا مِن أهْلِهِمْ وقَوْمِهِمْ. والعَرَبُ تَقُولُ: هو تَمِيمِيٌّ مِن أنْفُسِهِمْ، أيْ لَيْسَ بِمَوْلًى ولا لَصِيقٍ. والمُجادَلَةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الجَدَلِ، وهو القُدْرَةُ عَلى الخِصامِ والحُجَّةِ فِيهِ، وهي مُنازَعَةٌ بِالقَوْلِ لِإقْناعِ الغَيْرِ بِرَأْيِكَ، ومِنهُ سُمِّيَ عِلْمُ قَواعِدِ المُناظَرَةِ والِاحْتِجاجِ في الفِقْهِ عِلْمَ الجَدَلِ، وكانَ يَخْتَلِطُ بِعِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ وعِلْمِ آدابِ البَحْثِ وعِلْمِ المَنطِقِ. ولَمْ يُسْمَعْ لِلْجَدَلِ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ أصْلِيٌّ، والمَسْمُوعُ مِنهُ جادَلَ لِأنَّ الخِصامَ يَسْتَدْعِي خَصْمَيْنِ. وأمّا قَوْلُهم: جَدَلَهُ فَهو بِمَعْنى غَلَبَهُ في المُجادَلَةِ، فَلَيْسَ فِعْلًا أصْلِيًّا في الِاشْتِقاقِ. ومَصْدَرُ المُجادَلَةِ: الجِدالُ، قالَ تَعالى ولا جِدالَ في الحَجِّ. وأمّا الجَدَلُ بِفَتْحَتَيْنِ فَهو اسْمُ المَصْدَرِ، وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَدَلِ، وهو الصَّرْعُ عَلى الأرْضِ، لِأنَّ الأرْضَ تُسَمّى الجَدالَةَ بِفَتْحِ الجِيمِ يُقالُ: جَدَلَهُ فَهو مَجْدُولٌ. وجُمْلَةُ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ بَيانٌ لِـ يَخْتانُونَ. وجُمْلَةُ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ حالٌ، وذَلِكَ هو مَحَلُّ الِاسْتِغْرابِ مِن حالِهِمْ وكَوْنِهِمْ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم. والِاسْتِخْفاءُ مِنَ اللَّهِ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في الحَياءِ، إذْ لا يَعْتَقِدُ أحَدٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ أنَّهُ يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْتَخْفِيَ مِنَ اللَّهِ. وجُمْلَةُ وهو مَعَهم حالٌ مِنَ اسْمِ الجَلالَةِ، والمَعِيَّةُ هُنا مَعِيَّةُ العِلْمِ والِاطِّلاعِ. وإذْ يُبَيِّتُونَ ظَرْفٌ، والتَّبْيِيتُ جَعْلُ الشَّيْءِ في البَياتِ، أيِ اللَّيْلِ، مِثْلُ التَّصْبِيحِ، يُقالُ: بَيَّتَهُمُ العَدُوُّ وصَبَّحَهُمُ العَدُوُّ وفي القُرْآنِ: لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ أيْ لَنَأْتِيَنَّهم لَيْلًا فَنَقْتُلُهم. والمُبَيَّتُ هُنا هو ما لا يُرْضِي مِنَ القَوْلِ، أيْ دَبَّرُوهُ وزَوَّرُوهُ لَيْلًا لِقَصْدِ الإخْفاءِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: هَذا أمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ، أوْ تُشُوِّرَ فِيهِ بِلَيْلٍ، والمُرادُ هُنا تَدْبِيرُ مَكِيدَتِهِمْ لِرَمْيِ البُرَآءِ بِتُهْمَةِ السَّرِقَةِ. صفحة ١٩٥ وقَوْلُهُ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ أثارَهُ قَوْلُهُ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾، والمُخاطَبُ كُلُّ مَن يَصْلُحُ لِلْمُخاطَبَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ. والكَلامُ جارٍ مَجْرى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، أوْ مَجْرى التَّعْرِيضِ بِبَعْضِ بَنِي ظَفَرٍ الَّذِينَ جادَلُوا عَنْ بَنِي أُبَيْرِقٍ. والقَوْلُ في تَرْكِيبِ ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في آلِ عِمْرانَ ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] . وأمْ في قَوْلِهِ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا مُنْقَطِعَةٌ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ. ومَنِ اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ. والوَكِيلُ مَضى الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

النساء 4:108

﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهْوَ مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ . صفحة ١٩١ اتِّصالُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها يَرْجِعُ إلى ما مَضى مِن وصْفِ أحْوالِ المُنافِقِينَ ومُناصِرِيهِمْ، وانْتَقَلَ مِن ذَلِكَ إلى الِاسْتِعْدادِ لِقِتالِ المُناوِينَ لِلْإسْلامِ مِن قَوْلِهِ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا الآيَةَ، وتَخَلَّلَ فِيهِ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ في تَرَبُّصِهِمْ بِالمُسْلِمِينَ الدَّوائِرَ ومُخْتَلِفِ أحْوالِ القَبائِلِ في عَلائِقِهِمْ مَعَ المُسْلِمِينَ، واسْتَطْرَدَ لِذِكْرِ قَتْلِ الخَطَأِ والعَمْدِ، وانْتَقَلَ إلى ذِكْرِ الهِجْرَةِ، وعَقَّبَ بِذِكْرِ صَلاةِ السَّفَرِ وصَلاةِ الخَوْفِ، عادَ الكَلامُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى أحْوالِ أهْلِ النِّفاقِ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا. وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هاتِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ حادِثَةٍ رَواها التِّرْمِذِيُّ حاصِلُها: «أنَّ إخْوَةً ثَلاثَةً يُقالُ لَهم: بِشْرٌ وبَشِيرٌ ومُبَشِّرٌ، أبْناءُ أُبَيْرِقٍ، وقِيلَ: أبْناءُ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وقِيلَ: إنَّما كانَ بَشِيرٌ أحَدُهم يُكَنّى أبا طُعْمَةَ، وهم مِن بَنِي ظَفَرٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، وكانَ بَشِيرٌ شَرَّهم، وكانَ مُنافِقًا يَهْجُو المُسْلِمِينَ بِشِعْرٍ يُشِيعُهُ ويَنْسُبُهُ إلى غَيْرِهِ، وكانَ هَؤُلاءِ الإخْوَةُ في فاقَةٍ، وكانُوا جِيرَةً لِرِفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وكانَتْ عِيرٌ قَدْ أقْبَلَتْ مِنَ الشّامِ بِدَرْمَكٍ - وهو دَقِيقُ الحُوّارى أيِ السَّمِيذُ - فابْتاعَ مِنها رَفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِن دَرْمَكٍ لِطَعامِهِ، وكانَ أهْلُ المَدِينَةِ يَأْكُلُونَ دَقِيقَ الشَّعِيرِ، فَإذا جاءَ الدَّرْمَكُ ابْتاعَ مِنهُ سَيِّدُ المَنزِلِ شَيْئًا لِطَعامِهِ فَجَعَلَ الدَّرْمَكَ في مَشْرَبَةٍ لَهُ وفِيها سِلاحٌ، فَعَدى بَنُو أُبَيْرِقٍ عَلَيْهِ فَنَقَبُوا مَشْرَبَتَهُ وسَرَقُوا الدَّقِيقَ والسِّلاحَ، فَلَمّا أصْبَحَ رِفاعَةُ ووَجَدَ مَشْرَبَتَهُ قَدْ سُرِقَتْ أخْبَرَ ابْنَ أخِيهِ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ بِذَلِكَ، فَجَعَلَ يَتَحَسَّسُ، فَأُنْبِئَ بِأنَّ بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا في تِلْكَ اللَّيْلَةِ نارًا، ولَعَلَّهُ عَلى بَعْضِ طَعامِ رِفاعَةَ، فَلَمّا افْتَضَحَ بَنُو أُبَيْرِقٍ طَرَحُوا المَسْرُوقَ في دارِ أبِي مُلَيْلٍ الأنْصارِيِّ. وقِيلَ: في دارِ يَهُودِيٍّ اسْمُهُ زَيْدُ بْنُ السَّمِينِ، وقِيلَ: لَبِيَدُ بْنُ سَهْلٍ، وجاءَ بَعْضُ بَنِي ظَفَرٍ إلى النَّبِيءِ ﷺ، فاشْتَكَوْا إلَيْهِ أنَّ رِفاعَةَ وابْنَ أخِيهِ اتَّهَما بِالسَّرِقَةِ أهْلَ بَيْتِ إيمانٍ وصَلاحٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ لِي عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتِ إسْلامٍ وصَلاحٍ فَرَمَيْتَهم بِالسَّرِقَةِ عَلى غَيْرِ بَيِّنَةٍ. وأشاعُوا في النّاسِ أنَّ المَسْرُوقَ في دارِ أبِي مُلَيْلٍ أوْ دارِ اليَهُودِيِّ. فَما لَبِثَ أنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلى جَلِيَّةِ الأمْرِ، مُعْجِزَةً لَهُ، حَتّى لا يَطْمَعَ أحَدٌ في أنْ يُرَوِّجَ عَلى الرَّسُولِ باطِلًا» . هَذا هو الصَّحِيحُ في سَوْقِ هَذا الخَبَرِ. ووَقَعَ في كِتابِ أسْبابِ النُّزُولِ صفحة ١٩٢ لِلْواحِدِيِّ، وفي بَعْضِ رِواياتِ الطَّبَرَيِّ سَوْقُ القِصَّةِ بِبَعْضِ مُخالَفَةٍ لِما ذَكَرْتُهُ: وأنَّ بَنِي ظَفَرٍ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُجادِلَ عَنْ أصْحابِهِمْ كَيْ لا يَفْتَضِحُوا ويَبْرَأ اليَهُودِيُّ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ هَمَّ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لامَ اليَهُودِيَّ وبَرَّأ المُتَّهَمَ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ واهِيَةٌ، وهَذِهِ الزِّيادَةُ خَطَأٌ بَيِّنٌ مِن أهْلِ القَصَصِ دُونَ عِلْمٍ ولا تَبَصُّرٍ بِمَعانِي القُرْآنِ. والظّاهِرُ أنَّ صَدْرَ الآيَةِ تَمْهِيدٌ لِلتَّلْوِيحِ إلى القِصَّةِ، فَهو غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِها، إذْ لَيْسَ في ذَلِكَ الكَلامِ ما يُلَوِّحُ إلَيْها، ولَكِنَّ مَبْدَأ التَّلْوِيحِ إلى القِصَّةِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ . وقَوْلُهُ ﴿بِما أراكَ اللَّهُ﴾ الباءُ لِلْآلَةِ جَعَلَ ما أراهُ اللَّهُ إيّاهُ بِمَنزِلَةِ آلَةٍ لِلْحُكْمِ لِأنَّهُ وسِيلَةٌ إلى مُصادَفَةِ العَدْلِ والحَقِّ ونَفْيِ الجَوْرِ، إذْ لا يَحْتَمِلُ عِلْمُ اللَّهِ الخَطَأ. والرُّؤْيَةُ في قَوْلِهِ أراكَ اللَّهُ عِرْفانِيَّةٌ، وحَقِيقَتُها الرُّؤْيَةُ البَصَرِيَّةُ، فَأُطْلِقَتْ عَلى ما يُدْرَكُ بِوَجْهِ اليَقِينِ لِمُشابَهَتِهِ الشَّيْءَ المُشاهَدَ. والرُّؤْيَةُ البَصَرِيَّةُ تَنْصِبُ مَفْعُولًا واحِدًا فَإذْ أُدْخِلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ التَّعْدِيَةِ نَصَبَتْ مَفْعُولَيْنِ كَما هُنا، وقَدْ حُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي لِأنَّهُ ضَمِيرُ المَوْصُولِ، فَأغْنى عَنْهُ المَوْصُولُ، وهو حَذْفٌ كَثِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: بِما أراكَهُ اللَّهُ. فَكُلُّ ما جَعَلَهُ اللَّهُ حَقًّا في كِتابِهِ فَقَدْ أمَرَ بِالحُكْمِ بِهِ بَيْنَ النّاسِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ يُعْلِمُهُ الحَقَّ في جانِبِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِأنْ يَقُولَ لَهُ: إنَّ فُلانًا عَلى الحَقِّ، لِأنَّ هَذا لا يَلْزَمُ اطِّرادُهُ، ولِأنَّهُ لا يُلْفى مَدْلُولًا لِجَمِيعِ آياتِ القُرْآنِ وإنَّ صَلُحَ الحَمْلُ عَلَيْهِ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ لِيَحْكُمَ بِالطُّرُقِ والقَضايا الدّالَّةِ عَلى وصْفِ الأحْوالِ الَّتِي يَتَحَقَّقُ بِها العَدْلُ فَيَحْكُمُ بَيْنَ النّاسِ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ، بِأنْ تَنْدَرِجَ جُزْئِيّاتُ أحْوالِهِمْ عِنْدَ التَّقاضِي تَحْتَ الأوْصافِ الكُلِّيَّةِ المُبَيَّنَةِ في الكِتابِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، فَقَدْ أبْطَلَ حُكْمَ التَّبَنِّي الَّذِي كانَ في الجاهِلِيَّةِ، فَأعْلَمَنا أنَّ قَوْلَ الرَّجُلِ لِمَن لَيْسَ ولَدَهُ: هَذا ولَدِي، لا يَجْعَلُ لِلْمَنسُوبِ حَقًّا في مِيراثِهِ. ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يُخْطِئُ في إدْراجِ الجُزْئِيّاتِ تَحْتَ كُلِّيّاتِها، وقَدْ يَعْرِضُ الخَطَأُ لِغَيْرِهِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصادِفُ الحَقَّ مِن غَيْرِ وُجُوهِهِ الجارِيَةِ بَيْنَ النّاسِ، ولِذَلِكَ قالَ «إنَّما أنا بَشَرٌ وإنَّكم تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ ولَعَلَّ بَعْضَكم أنْ يَكُونَ صفحة ١٩٣ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ فَأقْضِي لَهُ عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أخِيهِ فَلا يَأْخُذُهُ فَإنَّما أقْتَطِعُ لَهُ قِطْعَةً مِن نارٍ» . وغَيْرُ الرَّسُولِ يُخْطِئُ في الِانْدِراجِ، ولِذَلِكَ وجَبَ بَذْلُ الجُهْدِ واسْتِقْصاءُ الدَّلِيلِ، ومِن ثَمَّ اسْتَدَلَّ عُلَماؤُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ الِاجْتِهادِ في فَهْمِ الشَّرِيعَةِ. وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ لا يَقُولَنَّ أحَدٌ قَضَيْتُ بِما أرانِيَ اللَّهُ تَعالى فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ إلّا لِنَبِيئِهِ وأمّا الواحِدُ مِنّا فَرَأْيُهُ يَكُونُ ظَنًّا ولا يَكُونُ عِلْمًا، ومَعْناهُ هو ما قَدَّمْناهُ مِن عُرُوضِ الخَطَأِ في الفَهْمِ لِغَيْرِ الرَّسُولِ دُونَ الرَّسُولِ ﷺ . واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ لامُ العِلَّةِ ولَيْسَتْ لامُ التَّقْوِيَةِ. ومَفْعُولُ خَصِيمًا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ مُقابِلِهِ وهو لِلْخائِنِينَ، أيْ لا تَكُنْ تُخاصِمُ مَن يُخاصِمُ الخائِنِينَ، أيْ لا تُخاصِمْ عَنْهم. فالخَصِيمُ هُنا بِمَعْنى المُنْتَصِرُ المُدافِعُ كَقَوْلِهِ كُنْتُ أنا خَصْمُهُ يَوْمَ القِيامَةِ. والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُرادُ الأُمَّةُ، لِأنَّ الخِصامَ عَنِ الخائِنِينَ لا يُتَوَقَّعُ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ، وإنَّما المُرادُ تَحْذِيرُ الَّذِينَ دَفَعَتْهُمُ الحَمِيَّةُ إلى الِانْتِصارِ لِأبْناءِ أُبَيْرِقٍ. والأمْرُ بِاسْتِغْفارِ اللَّهِ جَرى عَلى أُسْلُوبِ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلى الرَّسُولِ، فالمُرادُ بِالأمْرِ غَيْرُهُ، أرْشَدَهم إلى ما هو أنْفَعُ لَهم وهو اسْتِغْفارُ اللَّهِ مِمّا اقْتَرَفُوهُ، أوْ أرادَ: واسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِلْخائِنِينَ لِيُلْهِمَهم إلى التَّوْبَةِ بِبَرَكَةِ اسْتِغْفارِكَ لَهم فَذَلِكَ أجْدَرُ مِن دِفاعِ المُدافِعِينَ عَنْهم. وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٦٤] ولَيْسَ المُرادُ بِالأمْرِ اسْتِغْفارَ النَّبِيءِ لِنَفْسِهِ، كَما أخْطَأ فِيهِ مَن تَوَهَّمَ ذَلِكَ، فَرَكَّبَ عَلَيْهِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ خَطَرَ بِبالِهِ ما أوْجَبَ أمْرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ، وهو هَمُّهُ أنْ يُجادِلَ عَنْ بَنِي أُبَيْرِقٍ، مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم سَرَقُوا، خَشْيَةَ أنْ يَفْتَضِحُوا، وهَذا مِن أفْهامِ الضُّعَفاءِ وسُوءِ وضْعِهِمُ الأخْبارَ لِتَأْيِيدِ سَقِيمِ أفْهامِهِمْ. والخِطابُ في قَوْلِهِ ولا تُجادِلْ لِلرَّسُولِ، والمُرادُ نَهْيُ الأُمَّةِ عَنْ ذَلِكَ، لِأنَّ مِثْلَهُ لا يُتَرَقَّبُ صُدُورُهُ مِنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ . صفحة ١٩٤ ويَخْتانُونَ بِمَعْنى يَخُونُونَ، وهو افْتِعالٌ دالٌّ عَلى التَّكَلُّفِ والمُحاوَلَةِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في الخِيانَةِ. ومَعْنى خِيانَتِهِمْ أنْفُسَهم أنَّهم بِارْتِكابِهِمْ ما يَضُرُّ بِهِمْ كانُوا بِمَنزِلَةِ مَن يَخُونُ غَيْرَهُ كَقَوْلِهِ عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكم. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ أنْفُسَهم هُنا بِمَعْنى بَنِي أنْفُسِهِمْ، أيْ بَنِي قَوْمِهِمْ، كَقَوْلِهِ ﴿تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، وقَوْلِهِ ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، أيِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ ناسًا مِن أهْلِهِمْ وقَوْمِهِمْ. والعَرَبُ تَقُولُ: هو تَمِيمِيٌّ مِن أنْفُسِهِمْ، أيْ لَيْسَ بِمَوْلًى ولا لَصِيقٍ. والمُجادَلَةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الجَدَلِ، وهو القُدْرَةُ عَلى الخِصامِ والحُجَّةِ فِيهِ، وهي مُنازَعَةٌ بِالقَوْلِ لِإقْناعِ الغَيْرِ بِرَأْيِكَ، ومِنهُ سُمِّيَ عِلْمُ قَواعِدِ المُناظَرَةِ والِاحْتِجاجِ في الفِقْهِ عِلْمَ الجَدَلِ، وكانَ يَخْتَلِطُ بِعِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ وعِلْمِ آدابِ البَحْثِ وعِلْمِ المَنطِقِ. ولَمْ يُسْمَعْ لِلْجَدَلِ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ أصْلِيٌّ، والمَسْمُوعُ مِنهُ جادَلَ لِأنَّ الخِصامَ يَسْتَدْعِي خَصْمَيْنِ. وأمّا قَوْلُهم: جَدَلَهُ فَهو بِمَعْنى غَلَبَهُ في المُجادَلَةِ، فَلَيْسَ فِعْلًا أصْلِيًّا في الِاشْتِقاقِ. ومَصْدَرُ المُجادَلَةِ: الجِدالُ، قالَ تَعالى ولا جِدالَ في الحَجِّ. وأمّا الجَدَلُ بِفَتْحَتَيْنِ فَهو اسْمُ المَصْدَرِ، وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَدَلِ، وهو الصَّرْعُ عَلى الأرْضِ، لِأنَّ الأرْضَ تُسَمّى الجَدالَةَ بِفَتْحِ الجِيمِ يُقالُ: جَدَلَهُ فَهو مَجْدُولٌ. وجُمْلَةُ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ بَيانٌ لِـ يَخْتانُونَ. وجُمْلَةُ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ حالٌ، وذَلِكَ هو مَحَلُّ الِاسْتِغْرابِ مِن حالِهِمْ وكَوْنِهِمْ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم. والِاسْتِخْفاءُ مِنَ اللَّهِ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في الحَياءِ، إذْ لا يَعْتَقِدُ أحَدٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ أنَّهُ يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْتَخْفِيَ مِنَ اللَّهِ. وجُمْلَةُ وهو مَعَهم حالٌ مِنَ اسْمِ الجَلالَةِ، والمَعِيَّةُ هُنا مَعِيَّةُ العِلْمِ والِاطِّلاعِ. وإذْ يُبَيِّتُونَ ظَرْفٌ، والتَّبْيِيتُ جَعْلُ الشَّيْءِ في البَياتِ، أيِ اللَّيْلِ، مِثْلُ التَّصْبِيحِ، يُقالُ: بَيَّتَهُمُ العَدُوُّ وصَبَّحَهُمُ العَدُوُّ وفي القُرْآنِ: لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ أيْ لَنَأْتِيَنَّهم لَيْلًا فَنَقْتُلُهم. والمُبَيَّتُ هُنا هو ما لا يُرْضِي مِنَ القَوْلِ، أيْ دَبَّرُوهُ وزَوَّرُوهُ لَيْلًا لِقَصْدِ الإخْفاءِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: هَذا أمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ، أوْ تُشُوِّرَ فِيهِ بِلَيْلٍ، والمُرادُ هُنا تَدْبِيرُ مَكِيدَتِهِمْ لِرَمْيِ البُرَآءِ بِتُهْمَةِ السَّرِقَةِ. صفحة ١٩٥ وقَوْلُهُ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ أثارَهُ قَوْلُهُ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾، والمُخاطَبُ كُلُّ مَن يَصْلُحُ لِلْمُخاطَبَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ. والكَلامُ جارٍ مَجْرى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، أوْ مَجْرى التَّعْرِيضِ بِبَعْضِ بَنِي ظَفَرٍ الَّذِينَ جادَلُوا عَنْ بَنِي أُبَيْرِقٍ. والقَوْلُ في تَرْكِيبِ ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في آلِ عِمْرانَ ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] . وأمْ في قَوْلِهِ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا مُنْقَطِعَةٌ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ. ومَنِ اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ. والوَكِيلُ مَضى الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

النساء 4:109

﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهْوَ مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ . صفحة ١٩١ اتِّصالُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها يَرْجِعُ إلى ما مَضى مِن وصْفِ أحْوالِ المُنافِقِينَ ومُناصِرِيهِمْ، وانْتَقَلَ مِن ذَلِكَ إلى الِاسْتِعْدادِ لِقِتالِ المُناوِينَ لِلْإسْلامِ مِن قَوْلِهِ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا الآيَةَ، وتَخَلَّلَ فِيهِ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ في تَرَبُّصِهِمْ بِالمُسْلِمِينَ الدَّوائِرَ ومُخْتَلِفِ أحْوالِ القَبائِلِ في عَلائِقِهِمْ مَعَ المُسْلِمِينَ، واسْتَطْرَدَ لِذِكْرِ قَتْلِ الخَطَأِ والعَمْدِ، وانْتَقَلَ إلى ذِكْرِ الهِجْرَةِ، وعَقَّبَ بِذِكْرِ صَلاةِ السَّفَرِ وصَلاةِ الخَوْفِ، عادَ الكَلامُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى أحْوالِ أهْلِ النِّفاقِ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا. وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هاتِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ حادِثَةٍ رَواها التِّرْمِذِيُّ حاصِلُها: «أنَّ إخْوَةً ثَلاثَةً يُقالُ لَهم: بِشْرٌ وبَشِيرٌ ومُبَشِّرٌ، أبْناءُ أُبَيْرِقٍ، وقِيلَ: أبْناءُ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وقِيلَ: إنَّما كانَ بَشِيرٌ أحَدُهم يُكَنّى أبا طُعْمَةَ، وهم مِن بَنِي ظَفَرٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، وكانَ بَشِيرٌ شَرَّهم، وكانَ مُنافِقًا يَهْجُو المُسْلِمِينَ بِشِعْرٍ يُشِيعُهُ ويَنْسُبُهُ إلى غَيْرِهِ، وكانَ هَؤُلاءِ الإخْوَةُ في فاقَةٍ، وكانُوا جِيرَةً لِرِفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وكانَتْ عِيرٌ قَدْ أقْبَلَتْ مِنَ الشّامِ بِدَرْمَكٍ - وهو دَقِيقُ الحُوّارى أيِ السَّمِيذُ - فابْتاعَ مِنها رَفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِن دَرْمَكٍ لِطَعامِهِ، وكانَ أهْلُ المَدِينَةِ يَأْكُلُونَ دَقِيقَ الشَّعِيرِ، فَإذا جاءَ الدَّرْمَكُ ابْتاعَ مِنهُ سَيِّدُ المَنزِلِ شَيْئًا لِطَعامِهِ فَجَعَلَ الدَّرْمَكَ في مَشْرَبَةٍ لَهُ وفِيها سِلاحٌ، فَعَدى بَنُو أُبَيْرِقٍ عَلَيْهِ فَنَقَبُوا مَشْرَبَتَهُ وسَرَقُوا الدَّقِيقَ والسِّلاحَ، فَلَمّا أصْبَحَ رِفاعَةُ ووَجَدَ مَشْرَبَتَهُ قَدْ سُرِقَتْ أخْبَرَ ابْنَ أخِيهِ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ بِذَلِكَ، فَجَعَلَ يَتَحَسَّسُ، فَأُنْبِئَ بِأنَّ بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا في تِلْكَ اللَّيْلَةِ نارًا، ولَعَلَّهُ عَلى بَعْضِ طَعامِ رِفاعَةَ، فَلَمّا افْتَضَحَ بَنُو أُبَيْرِقٍ طَرَحُوا المَسْرُوقَ في دارِ أبِي مُلَيْلٍ الأنْصارِيِّ. وقِيلَ: في دارِ يَهُودِيٍّ اسْمُهُ زَيْدُ بْنُ السَّمِينِ، وقِيلَ: لَبِيَدُ بْنُ سَهْلٍ، وجاءَ بَعْضُ بَنِي ظَفَرٍ إلى النَّبِيءِ ﷺ، فاشْتَكَوْا إلَيْهِ أنَّ رِفاعَةَ وابْنَ أخِيهِ اتَّهَما بِالسَّرِقَةِ أهْلَ بَيْتِ إيمانٍ وصَلاحٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ لِي عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتِ إسْلامٍ وصَلاحٍ فَرَمَيْتَهم بِالسَّرِقَةِ عَلى غَيْرِ بَيِّنَةٍ. وأشاعُوا في النّاسِ أنَّ المَسْرُوقَ في دارِ أبِي مُلَيْلٍ أوْ دارِ اليَهُودِيِّ. فَما لَبِثَ أنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلى جَلِيَّةِ الأمْرِ، مُعْجِزَةً لَهُ، حَتّى لا يَطْمَعَ أحَدٌ في أنْ يُرَوِّجَ عَلى الرَّسُولِ باطِلًا» . هَذا هو الصَّحِيحُ في سَوْقِ هَذا الخَبَرِ. ووَقَعَ في كِتابِ أسْبابِ النُّزُولِ صفحة ١٩٢ لِلْواحِدِيِّ، وفي بَعْضِ رِواياتِ الطَّبَرَيِّ سَوْقُ القِصَّةِ بِبَعْضِ مُخالَفَةٍ لِما ذَكَرْتُهُ: وأنَّ بَنِي ظَفَرٍ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُجادِلَ عَنْ أصْحابِهِمْ كَيْ لا يَفْتَضِحُوا ويَبْرَأ اليَهُودِيُّ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ هَمَّ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لامَ اليَهُودِيَّ وبَرَّأ المُتَّهَمَ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ واهِيَةٌ، وهَذِهِ الزِّيادَةُ خَطَأٌ بَيِّنٌ مِن أهْلِ القَصَصِ دُونَ عِلْمٍ ولا تَبَصُّرٍ بِمَعانِي القُرْآنِ. والظّاهِرُ أنَّ صَدْرَ الآيَةِ تَمْهِيدٌ لِلتَّلْوِيحِ إلى القِصَّةِ، فَهو غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِها، إذْ لَيْسَ في ذَلِكَ الكَلامِ ما يُلَوِّحُ إلَيْها، ولَكِنَّ مَبْدَأ التَّلْوِيحِ إلى القِصَّةِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ . وقَوْلُهُ ﴿بِما أراكَ اللَّهُ﴾ الباءُ لِلْآلَةِ جَعَلَ ما أراهُ اللَّهُ إيّاهُ بِمَنزِلَةِ آلَةٍ لِلْحُكْمِ لِأنَّهُ وسِيلَةٌ إلى مُصادَفَةِ العَدْلِ والحَقِّ ونَفْيِ الجَوْرِ، إذْ لا يَحْتَمِلُ عِلْمُ اللَّهِ الخَطَأ. والرُّؤْيَةُ في قَوْلِهِ أراكَ اللَّهُ عِرْفانِيَّةٌ، وحَقِيقَتُها الرُّؤْيَةُ البَصَرِيَّةُ، فَأُطْلِقَتْ عَلى ما يُدْرَكُ بِوَجْهِ اليَقِينِ لِمُشابَهَتِهِ الشَّيْءَ المُشاهَدَ. والرُّؤْيَةُ البَصَرِيَّةُ تَنْصِبُ مَفْعُولًا واحِدًا فَإذْ أُدْخِلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ التَّعْدِيَةِ نَصَبَتْ مَفْعُولَيْنِ كَما هُنا، وقَدْ حُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي لِأنَّهُ ضَمِيرُ المَوْصُولِ، فَأغْنى عَنْهُ المَوْصُولُ، وهو حَذْفٌ كَثِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: بِما أراكَهُ اللَّهُ. فَكُلُّ ما جَعَلَهُ اللَّهُ حَقًّا في كِتابِهِ فَقَدْ أمَرَ بِالحُكْمِ بِهِ بَيْنَ النّاسِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ يُعْلِمُهُ الحَقَّ في جانِبِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِأنْ يَقُولَ لَهُ: إنَّ فُلانًا عَلى الحَقِّ، لِأنَّ هَذا لا يَلْزَمُ اطِّرادُهُ، ولِأنَّهُ لا يُلْفى مَدْلُولًا لِجَمِيعِ آياتِ القُرْآنِ وإنَّ صَلُحَ الحَمْلُ عَلَيْهِ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ لِيَحْكُمَ بِالطُّرُقِ والقَضايا الدّالَّةِ عَلى وصْفِ الأحْوالِ الَّتِي يَتَحَقَّقُ بِها العَدْلُ فَيَحْكُمُ بَيْنَ النّاسِ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ، بِأنْ تَنْدَرِجَ جُزْئِيّاتُ أحْوالِهِمْ عِنْدَ التَّقاضِي تَحْتَ الأوْصافِ الكُلِّيَّةِ المُبَيَّنَةِ في الكِتابِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، فَقَدْ أبْطَلَ حُكْمَ التَّبَنِّي الَّذِي كانَ في الجاهِلِيَّةِ، فَأعْلَمَنا أنَّ قَوْلَ الرَّجُلِ لِمَن لَيْسَ ولَدَهُ: هَذا ولَدِي، لا يَجْعَلُ لِلْمَنسُوبِ حَقًّا في مِيراثِهِ. ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يُخْطِئُ في إدْراجِ الجُزْئِيّاتِ تَحْتَ كُلِّيّاتِها، وقَدْ يَعْرِضُ الخَطَأُ لِغَيْرِهِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصادِفُ الحَقَّ مِن غَيْرِ وُجُوهِهِ الجارِيَةِ بَيْنَ النّاسِ، ولِذَلِكَ قالَ «إنَّما أنا بَشَرٌ وإنَّكم تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ ولَعَلَّ بَعْضَكم أنْ يَكُونَ صفحة ١٩٣ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ فَأقْضِي لَهُ عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أخِيهِ فَلا يَأْخُذُهُ فَإنَّما أقْتَطِعُ لَهُ قِطْعَةً مِن نارٍ» . وغَيْرُ الرَّسُولِ يُخْطِئُ في الِانْدِراجِ، ولِذَلِكَ وجَبَ بَذْلُ الجُهْدِ واسْتِقْصاءُ الدَّلِيلِ، ومِن ثَمَّ اسْتَدَلَّ عُلَماؤُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ الِاجْتِهادِ في فَهْمِ الشَّرِيعَةِ. وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ لا يَقُولَنَّ أحَدٌ قَضَيْتُ بِما أرانِيَ اللَّهُ تَعالى فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ إلّا لِنَبِيئِهِ وأمّا الواحِدُ مِنّا فَرَأْيُهُ يَكُونُ ظَنًّا ولا يَكُونُ عِلْمًا، ومَعْناهُ هو ما قَدَّمْناهُ مِن عُرُوضِ الخَطَأِ في الفَهْمِ لِغَيْرِ الرَّسُولِ دُونَ الرَّسُولِ ﷺ . واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ لامُ العِلَّةِ ولَيْسَتْ لامُ التَّقْوِيَةِ. ومَفْعُولُ خَصِيمًا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ مُقابِلِهِ وهو لِلْخائِنِينَ، أيْ لا تَكُنْ تُخاصِمُ مَن يُخاصِمُ الخائِنِينَ، أيْ لا تُخاصِمْ عَنْهم. فالخَصِيمُ هُنا بِمَعْنى المُنْتَصِرُ المُدافِعُ كَقَوْلِهِ كُنْتُ أنا خَصْمُهُ يَوْمَ القِيامَةِ. والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُرادُ الأُمَّةُ، لِأنَّ الخِصامَ عَنِ الخائِنِينَ لا يُتَوَقَّعُ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ، وإنَّما المُرادُ تَحْذِيرُ الَّذِينَ دَفَعَتْهُمُ الحَمِيَّةُ إلى الِانْتِصارِ لِأبْناءِ أُبَيْرِقٍ. والأمْرُ بِاسْتِغْفارِ اللَّهِ جَرى عَلى أُسْلُوبِ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلى الرَّسُولِ، فالمُرادُ بِالأمْرِ غَيْرُهُ، أرْشَدَهم إلى ما هو أنْفَعُ لَهم وهو اسْتِغْفارُ اللَّهِ مِمّا اقْتَرَفُوهُ، أوْ أرادَ: واسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِلْخائِنِينَ لِيُلْهِمَهم إلى التَّوْبَةِ بِبَرَكَةِ اسْتِغْفارِكَ لَهم فَذَلِكَ أجْدَرُ مِن دِفاعِ المُدافِعِينَ عَنْهم. وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٦٤] ولَيْسَ المُرادُ بِالأمْرِ اسْتِغْفارَ النَّبِيءِ لِنَفْسِهِ، كَما أخْطَأ فِيهِ مَن تَوَهَّمَ ذَلِكَ، فَرَكَّبَ عَلَيْهِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ خَطَرَ بِبالِهِ ما أوْجَبَ أمْرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ، وهو هَمُّهُ أنْ يُجادِلَ عَنْ بَنِي أُبَيْرِقٍ، مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم سَرَقُوا، خَشْيَةَ أنْ يَفْتَضِحُوا، وهَذا مِن أفْهامِ الضُّعَفاءِ وسُوءِ وضْعِهِمُ الأخْبارَ لِتَأْيِيدِ سَقِيمِ أفْهامِهِمْ. والخِطابُ في قَوْلِهِ ولا تُجادِلْ لِلرَّسُولِ، والمُرادُ نَهْيُ الأُمَّةِ عَنْ ذَلِكَ، لِأنَّ مِثْلَهُ لا يُتَرَقَّبُ صُدُورُهُ مِنَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ . صفحة ١٩٤ ويَخْتانُونَ بِمَعْنى يَخُونُونَ، وهو افْتِعالٌ دالٌّ عَلى التَّكَلُّفِ والمُحاوَلَةِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في الخِيانَةِ. ومَعْنى خِيانَتِهِمْ أنْفُسَهم أنَّهم بِارْتِكابِهِمْ ما يَضُرُّ بِهِمْ كانُوا بِمَنزِلَةِ مَن يَخُونُ غَيْرَهُ كَقَوْلِهِ عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكم. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ أنْفُسَهم هُنا بِمَعْنى بَنِي أنْفُسِهِمْ، أيْ بَنِي قَوْمِهِمْ، كَقَوْلِهِ ﴿تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، وقَوْلِهِ ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، أيِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ ناسًا مِن أهْلِهِمْ وقَوْمِهِمْ. والعَرَبُ تَقُولُ: هو تَمِيمِيٌّ مِن أنْفُسِهِمْ، أيْ لَيْسَ بِمَوْلًى ولا لَصِيقٍ. والمُجادَلَةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الجَدَلِ، وهو القُدْرَةُ عَلى الخِصامِ والحُجَّةِ فِيهِ، وهي مُنازَعَةٌ بِالقَوْلِ لِإقْناعِ الغَيْرِ بِرَأْيِكَ، ومِنهُ سُمِّيَ عِلْمُ قَواعِدِ المُناظَرَةِ والِاحْتِجاجِ في الفِقْهِ عِلْمَ الجَدَلِ، وكانَ يَخْتَلِطُ بِعِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ وعِلْمِ آدابِ البَحْثِ وعِلْمِ المَنطِقِ. ولَمْ يُسْمَعْ لِلْجَدَلِ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ أصْلِيٌّ، والمَسْمُوعُ مِنهُ جادَلَ لِأنَّ الخِصامَ يَسْتَدْعِي خَصْمَيْنِ. وأمّا قَوْلُهم: جَدَلَهُ فَهو بِمَعْنى غَلَبَهُ في المُجادَلَةِ، فَلَيْسَ فِعْلًا أصْلِيًّا في الِاشْتِقاقِ. ومَصْدَرُ المُجادَلَةِ: الجِدالُ، قالَ تَعالى ولا جِدالَ في الحَجِّ. وأمّا الجَدَلُ بِفَتْحَتَيْنِ فَهو اسْمُ المَصْدَرِ، وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَدَلِ، وهو الصَّرْعُ عَلى الأرْضِ، لِأنَّ الأرْضَ تُسَمّى الجَدالَةَ بِفَتْحِ الجِيمِ يُقالُ: جَدَلَهُ فَهو مَجْدُولٌ. وجُمْلَةُ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ بَيانٌ لِـ يَخْتانُونَ. وجُمْلَةُ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ حالٌ، وذَلِكَ هو مَحَلُّ الِاسْتِغْرابِ مِن حالِهِمْ وكَوْنِهِمْ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم. والِاسْتِخْفاءُ مِنَ اللَّهِ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في الحَياءِ، إذْ لا يَعْتَقِدُ أحَدٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ أنَّهُ يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْتَخْفِيَ مِنَ اللَّهِ. وجُمْلَةُ وهو مَعَهم حالٌ مِنَ اسْمِ الجَلالَةِ، والمَعِيَّةُ هُنا مَعِيَّةُ العِلْمِ والِاطِّلاعِ. وإذْ يُبَيِّتُونَ ظَرْفٌ، والتَّبْيِيتُ جَعْلُ الشَّيْءِ في البَياتِ، أيِ اللَّيْلِ، مِثْلُ التَّصْبِيحِ، يُقالُ: بَيَّتَهُمُ العَدُوُّ وصَبَّحَهُمُ العَدُوُّ وفي القُرْآنِ: لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ أيْ لَنَأْتِيَنَّهم لَيْلًا فَنَقْتُلُهم. والمُبَيَّتُ هُنا هو ما لا يُرْضِي مِنَ القَوْلِ، أيْ دَبَّرُوهُ وزَوَّرُوهُ لَيْلًا لِقَصْدِ الإخْفاءِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: هَذا أمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ، أوْ تُشُوِّرَ فِيهِ بِلَيْلٍ، والمُرادُ هُنا تَدْبِيرُ مَكِيدَتِهِمْ لِرَمْيِ البُرَآءِ بِتُهْمَةِ السَّرِقَةِ. صفحة ١٩٥ وقَوْلُهُ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ أثارَهُ قَوْلُهُ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾، والمُخاطَبُ كُلُّ مَن يَصْلُحُ لِلْمُخاطَبَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ. والكَلامُ جارٍ مَجْرى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، أوْ مَجْرى التَّعْرِيضِ بِبَعْضِ بَنِي ظَفَرٍ الَّذِينَ جادَلُوا عَنْ بَنِي أُبَيْرِقٍ. والقَوْلُ في تَرْكِيبِ ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في آلِ عِمْرانَ ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] . وأمْ في قَوْلِهِ أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا مُنْقَطِعَةٌ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ. ومَنِ اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ. والوَكِيلُ مَضى الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

النساء 4:110

﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ . اعْتِراضٌ بِتَذْيِيلٍ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ١٠٩] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ . وعَمَلُ السُّوءِ هو العِصْيانُ ومُخالَفَةُ ما أمَرَ بِهِ الشَّرْعُ ونَهى عَنْهُ. وظُلْمُ النَّفْسِ شاعَ إطْلاقُهُ في القُرْآنِ عَلى الشِّرْكِ والكُفْرِ، وأُطْلِقَ أيْضًا عَلى ارْتِكابِ المَعاصِي. وأحْسَنُ صفحة ١٩٦ ما قِيلَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ عَمَلَ السُّوءِ أُرِيدَ بِهِ عَمَلُ السُّوءِ مَعَ النّاسِ، وهو الِاعْتِداءُ عَلى حُقُوقِهِمْ، وأنَّ ظُلْمَ النَّفْسِ هو المَعاصِي الرّاجِعَةِ إلى مُخالَفَةِ المَرْءِ في أحْوالِهِ الخاصَّةِ ما أُمِرَ بِهِ أوْ نُهِيَ عَنْهُ. والمُرادُ بِالِاسْتِغْفارِ التَّوْبَةُ وطَلَبُ العَفْوِ مِنَ اللَّهِ عَمّا مَضى مِنَ الذُّنُوبِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، ومَعْنى ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ، فاسْتُعِيرَ فِعْلُ يَجِدْ لِلتَّحَقُّقِ لِأنَّ فِعْلَ وجَدَ حَقِيقَتُهُ الظَّفَرُ بِالشَّيْءِ ومُشاهَدَتُهُ، فَأُطْلِقَ عَلى تَحْقِيقِ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ. ومَعْنى غَفُورًا رَحِيمًا شَدِيدَ الغُفْرانِ وشَدِيدَ الرَّحْمَةِ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ العُمُومِ والتَّعْجِيلِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: يَجِدِ اللَّهَ غافِرًا لَهُ راحِمًا لَهُ، لِأنَّهُ عامُّ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ فَلا يَخْرُجُ مِنها أحَدٌ اسْتَغْفَرَهُ وتابَ إلَيْهِ، ولا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ شُمُولُ مَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ زَمَنًا، فَكانَتْ صِيغَةُ غَفُورًا رَحِيمًا مَعَ يَجِدْ دالَّةً عَلى القَبُولِ مِن كُلِّ تائِبٍ بِفَضْلِ اللَّهِ. وذِكْرُ الخَطِيئَةِ والإثْمِ هُنا يَدُلُّ عَلى أنَّهُما مُتَغايِرانِ، فالمُرادُ بِالخَطِيئَةِ المَعْصِيَةُ الصَّغِيرَةُ، والمُرادُ بِالإثْمِ الكَبِيرَةُ. والرَّمْيُ حَقِيقَتُهُ قَذْفُ شَيْءٍ مِنَ اليَدِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى نِسْبَةِ خَبَرٍ أوْ وصْفٍ لِصاحِبِهِ بِالحَقِّ أوِ الباطِلِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في نِسْبَةِ غَيْرِ الواقِعِ، ومِن أمْثالِهِمْ رَمَتْنِي بِدائِها وانْسَلَّتْ وقالَ تَعالى والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ وكَذَلِكَ هو هُنا، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ القَذْفُ حَقِيقَةً ومَجازًا. ومَعْنى يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا يَنْسُبُهُ إلَيْهِ ويَحْتالُ لِتَرْوِيجِ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ يَنْزِعُ ذَلِكَ الإثْمَ عَنْ نَفْسِهِ ويَرْمِي بِهِ البَرِيءَ. والبُهْتانُ: الكَذِبُ الفاحِشُ. وجُعِلَ الرَّمْيُ بِالخَطِيئَةِ وبِالإثْمِ مَرْتَبَةً واحِدَةً في كَوْنِ ذَلِكَ إثْمًا مُبِينًا: لِأنَّ رَمْيَ البَرِيءِ بِالجَرِيمَةِ في ذاتِهِ كَبِيرَةٌ لِما فِيهِ مِنَ الِاعْتِداءِ عَلى حَقِّ الغَيْرِ. ودَلَّ عَلى عِظَمِ هَذا البُهْتانِ بِقَوْلِهِ احْتَمَلَ تَمْثِيلًا لِحالِ فاعِلِهِ بِحالِ عَناءِ الحامِلِ ثِقْلًا. والمُبِينُ الَّذِي يَدُلُّ كُلُّ أحَدٍ عَلى أنَّهُ إثْمٌ، أيْ إثْمًا ظاهِرًا لا شُبْهَةَ في كَوْنِهِ إثْمًا. وقَوْلُهُ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ عُطِفَ عَلى ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا. صفحة ١٩٧ والمُرادُ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ هُنا نِعْمَةُ إنْزالِ الكِتابِ تَفْصِيلًا لِوُجُوهِ الحَقِّ في الحُكْمِ وعِصْمَتِهِ مِنَ الوُقُوعِ في الخَطَأِ فِيهِ. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ هَمَّ طائِفَةٍ مِنَ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم بِأنْ يُضِلُّوا الرَّسُولَ غَيْرُ واقِعٍ مِن أصْلِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُضِلُّوهُ بِالفِعْلِ. ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ عِلْمَهم بِأمانَتِهِ يَزَعُهم عَنْ مُحاوَلَةِ تَرْوِيجِ الباطِلِ عَلَيْهِ إذْ قَدِ اشْتُهِرَ بَيْنَ النّاسِ، مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ، أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أمِينٌ فَلا يَسَعُهم إلّا حِكايَةُ الصِّدْقِ عِنْدَهُ، وأنَّ بَنِي ظَفَرٍ لَمّا اشْتَكَوْا إلَيْهِ مِن صَنِيعِ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ وعَمِّهِ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ أصْحابَهم بَنِي أُبَيْرِقٍ عَلى الحَقِّ، أوْ أنَّ بَنِي أُبَيْرِقٍ لَمّا شَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ بِما صَنَعَهُ قَتادَةُ كانُوا مُوجِسِينَ خِيفَةً أنْ يَطَّلِعَ اللَّهُ ورَسُولُهُ عَلى جَلِيَّةِ الأمْرِ، فَكانَ ما حاوَلُوهُ مِن تَضْلِيلِ الرَّسُولِ طَمَعًا لا هَمًّا، لِأنَّ الهَمَّ هو العَزْمُ عَلى الفِعْلِ والثِّقَةُ بِهِ، وإنَّما كانَ انْتِفاءُ هَمِّهِمْ تَضْلِيلَهُ فَضْلًا ورَحْمَةً، لِدَلالَتِهِ عَلى وقارِهِ في نُفُوسِ النّاسِ، وذَلِكَ فَضْلٌ عَظِيمٌ. وقِيلَ في تَفْسِيرِ هَذا الِانْتِفاءِ: إنَّ المُرادَ انْتِفاءُ أثَرِهِ، أيْ لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ لَضَلَلْتَ بِهَمِّهِمْ أنْ يُضِلُّوكَ، ولَكِنَّ اللَّهَ عَصَمَكَ عَنِ الضَّلالِ، فَيَكُونُ كِنايَةً. وفي هَذا التَّفْسِيرِ بُعْدٌ مِن جانِبِ نَظْمِ الكَلامِ ومِن جانِبِ المَعْنى. ومَعْنى وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم أنَّهم لَوْ هَمُّوا بِذَلِكَ لَكانَ الضَّلالُ لاحِقًا بِهِمْ دُونَكَ، أيْ يَكُونُونَ قَدْ حاوَلُوا تَرْوِيجَ الباطِلِ واسْتِغْفالَ الرَّسُولِ، فَحَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالُ بِذَلِكَ، ثُمَّ لا يَجِدُونَكَ مُصْغِيًا لِضَلالِهِمْ. ومِن زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. وشَيْءٍ أصْلُهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِقَوْلِهِ يَضُرُّونَكَ أيْ شَيْئًا مِنَ الضُّرِّ، وجُرَّ لِأجْلِ حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ. وجُمْلَةُ وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ عَطْفٌ عَلى وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ. ومَوْقِعُها لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ مَعْنى قَوْلِهِ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ ولِذَلِكَ خَتَمَها بِقَوْلِهِ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا، فَهو مِثْلُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. والكِتابَ: القُرْآنَ. والحِكْمَةَ: النُّبُوءَةَ. وتَعْلِيمُهُ ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ هو ما زادَ عَلى ما في الكِتابِ مِنَ العِلْمِ الوارِدِ في السُّنَّةِ والإنْباءِ بِالمُغَيَّباتِ.

النساء 4:111

﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ . اعْتِراضٌ بِتَذْيِيلٍ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ١٠٩] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ . وعَمَلُ السُّوءِ هو العِصْيانُ ومُخالَفَةُ ما أمَرَ بِهِ الشَّرْعُ ونَهى عَنْهُ. وظُلْمُ النَّفْسِ شاعَ إطْلاقُهُ في القُرْآنِ عَلى الشِّرْكِ والكُفْرِ، وأُطْلِقَ أيْضًا عَلى ارْتِكابِ المَعاصِي. وأحْسَنُ صفحة ١٩٦ ما قِيلَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ عَمَلَ السُّوءِ أُرِيدَ بِهِ عَمَلُ السُّوءِ مَعَ النّاسِ، وهو الِاعْتِداءُ عَلى حُقُوقِهِمْ، وأنَّ ظُلْمَ النَّفْسِ هو المَعاصِي الرّاجِعَةِ إلى مُخالَفَةِ المَرْءِ في أحْوالِهِ الخاصَّةِ ما أُمِرَ بِهِ أوْ نُهِيَ عَنْهُ. والمُرادُ بِالِاسْتِغْفارِ التَّوْبَةُ وطَلَبُ العَفْوِ مِنَ اللَّهِ عَمّا مَضى مِنَ الذُّنُوبِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، ومَعْنى ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ، فاسْتُعِيرَ فِعْلُ يَجِدْ لِلتَّحَقُّقِ لِأنَّ فِعْلَ وجَدَ حَقِيقَتُهُ الظَّفَرُ بِالشَّيْءِ ومُشاهَدَتُهُ، فَأُطْلِقَ عَلى تَحْقِيقِ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ. ومَعْنى غَفُورًا رَحِيمًا شَدِيدَ الغُفْرانِ وشَدِيدَ الرَّحْمَةِ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ العُمُومِ والتَّعْجِيلِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: يَجِدِ اللَّهَ غافِرًا لَهُ راحِمًا لَهُ، لِأنَّهُ عامُّ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ فَلا يَخْرُجُ مِنها أحَدٌ اسْتَغْفَرَهُ وتابَ إلَيْهِ، ولا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ شُمُولُ مَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ زَمَنًا، فَكانَتْ صِيغَةُ غَفُورًا رَحِيمًا مَعَ يَجِدْ دالَّةً عَلى القَبُولِ مِن كُلِّ تائِبٍ بِفَضْلِ اللَّهِ. وذِكْرُ الخَطِيئَةِ والإثْمِ هُنا يَدُلُّ عَلى أنَّهُما مُتَغايِرانِ، فالمُرادُ بِالخَطِيئَةِ المَعْصِيَةُ الصَّغِيرَةُ، والمُرادُ بِالإثْمِ الكَبِيرَةُ. والرَّمْيُ حَقِيقَتُهُ قَذْفُ شَيْءٍ مِنَ اليَدِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى نِسْبَةِ خَبَرٍ أوْ وصْفٍ لِصاحِبِهِ بِالحَقِّ أوِ الباطِلِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في نِسْبَةِ غَيْرِ الواقِعِ، ومِن أمْثالِهِمْ رَمَتْنِي بِدائِها وانْسَلَّتْ وقالَ تَعالى والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ وكَذَلِكَ هو هُنا، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ القَذْفُ حَقِيقَةً ومَجازًا. ومَعْنى يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا يَنْسُبُهُ إلَيْهِ ويَحْتالُ لِتَرْوِيجِ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ يَنْزِعُ ذَلِكَ الإثْمَ عَنْ نَفْسِهِ ويَرْمِي بِهِ البَرِيءَ. والبُهْتانُ: الكَذِبُ الفاحِشُ. وجُعِلَ الرَّمْيُ بِالخَطِيئَةِ وبِالإثْمِ مَرْتَبَةً واحِدَةً في كَوْنِ ذَلِكَ إثْمًا مُبِينًا: لِأنَّ رَمْيَ البَرِيءِ بِالجَرِيمَةِ في ذاتِهِ كَبِيرَةٌ لِما فِيهِ مِنَ الِاعْتِداءِ عَلى حَقِّ الغَيْرِ. ودَلَّ عَلى عِظَمِ هَذا البُهْتانِ بِقَوْلِهِ احْتَمَلَ تَمْثِيلًا لِحالِ فاعِلِهِ بِحالِ عَناءِ الحامِلِ ثِقْلًا. والمُبِينُ الَّذِي يَدُلُّ كُلُّ أحَدٍ عَلى أنَّهُ إثْمٌ، أيْ إثْمًا ظاهِرًا لا شُبْهَةَ في كَوْنِهِ إثْمًا. وقَوْلُهُ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ عُطِفَ عَلى ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا. صفحة ١٩٧ والمُرادُ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ هُنا نِعْمَةُ إنْزالِ الكِتابِ تَفْصِيلًا لِوُجُوهِ الحَقِّ في الحُكْمِ وعِصْمَتِهِ مِنَ الوُقُوعِ في الخَطَأِ فِيهِ. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ هَمَّ طائِفَةٍ مِنَ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم بِأنْ يُضِلُّوا الرَّسُولَ غَيْرُ واقِعٍ مِن أصْلِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُضِلُّوهُ بِالفِعْلِ. ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ عِلْمَهم بِأمانَتِهِ يَزَعُهم عَنْ مُحاوَلَةِ تَرْوِيجِ الباطِلِ عَلَيْهِ إذْ قَدِ اشْتُهِرَ بَيْنَ النّاسِ، مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ، أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أمِينٌ فَلا يَسَعُهم إلّا حِكايَةُ الصِّدْقِ عِنْدَهُ، وأنَّ بَنِي ظَفَرٍ لَمّا اشْتَكَوْا إلَيْهِ مِن صَنِيعِ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ وعَمِّهِ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ أصْحابَهم بَنِي أُبَيْرِقٍ عَلى الحَقِّ، أوْ أنَّ بَنِي أُبَيْرِقٍ لَمّا شَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ بِما صَنَعَهُ قَتادَةُ كانُوا مُوجِسِينَ خِيفَةً أنْ يَطَّلِعَ اللَّهُ ورَسُولُهُ عَلى جَلِيَّةِ الأمْرِ، فَكانَ ما حاوَلُوهُ مِن تَضْلِيلِ الرَّسُولِ طَمَعًا لا هَمًّا، لِأنَّ الهَمَّ هو العَزْمُ عَلى الفِعْلِ والثِّقَةُ بِهِ، وإنَّما كانَ انْتِفاءُ هَمِّهِمْ تَضْلِيلَهُ فَضْلًا ورَحْمَةً، لِدَلالَتِهِ عَلى وقارِهِ في نُفُوسِ النّاسِ، وذَلِكَ فَضْلٌ عَظِيمٌ. وقِيلَ في تَفْسِيرِ هَذا الِانْتِفاءِ: إنَّ المُرادَ انْتِفاءُ أثَرِهِ، أيْ لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ لَضَلَلْتَ بِهَمِّهِمْ أنْ يُضِلُّوكَ، ولَكِنَّ اللَّهَ عَصَمَكَ عَنِ الضَّلالِ، فَيَكُونُ كِنايَةً. وفي هَذا التَّفْسِيرِ بُعْدٌ مِن جانِبِ نَظْمِ الكَلامِ ومِن جانِبِ المَعْنى. ومَعْنى وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم أنَّهم لَوْ هَمُّوا بِذَلِكَ لَكانَ الضَّلالُ لاحِقًا بِهِمْ دُونَكَ، أيْ يَكُونُونَ قَدْ حاوَلُوا تَرْوِيجَ الباطِلِ واسْتِغْفالَ الرَّسُولِ، فَحَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالُ بِذَلِكَ، ثُمَّ لا يَجِدُونَكَ مُصْغِيًا لِضَلالِهِمْ. ومِن زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. وشَيْءٍ أصْلُهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِقَوْلِهِ يَضُرُّونَكَ أيْ شَيْئًا مِنَ الضُّرِّ، وجُرَّ لِأجْلِ حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ. وجُمْلَةُ وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ عَطْفٌ عَلى وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ. ومَوْقِعُها لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ مَعْنى قَوْلِهِ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ ولِذَلِكَ خَتَمَها بِقَوْلِهِ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا، فَهو مِثْلُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. والكِتابَ: القُرْآنَ. والحِكْمَةَ: النُّبُوءَةَ. وتَعْلِيمُهُ ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ هو ما زادَ عَلى ما في الكِتابِ مِنَ العِلْمِ الوارِدِ في السُّنَّةِ والإنْباءِ بِالمُغَيَّباتِ.

النساء 4:112

﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ . اعْتِراضٌ بِتَذْيِيلٍ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ١٠٩] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ . وعَمَلُ السُّوءِ هو العِصْيانُ ومُخالَفَةُ ما أمَرَ بِهِ الشَّرْعُ ونَهى عَنْهُ. وظُلْمُ النَّفْسِ شاعَ إطْلاقُهُ في القُرْآنِ عَلى الشِّرْكِ والكُفْرِ، وأُطْلِقَ أيْضًا عَلى ارْتِكابِ المَعاصِي. وأحْسَنُ صفحة ١٩٦ ما قِيلَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ عَمَلَ السُّوءِ أُرِيدَ بِهِ عَمَلُ السُّوءِ مَعَ النّاسِ، وهو الِاعْتِداءُ عَلى حُقُوقِهِمْ، وأنَّ ظُلْمَ النَّفْسِ هو المَعاصِي الرّاجِعَةِ إلى مُخالَفَةِ المَرْءِ في أحْوالِهِ الخاصَّةِ ما أُمِرَ بِهِ أوْ نُهِيَ عَنْهُ. والمُرادُ بِالِاسْتِغْفارِ التَّوْبَةُ وطَلَبُ العَفْوِ مِنَ اللَّهِ عَمّا مَضى مِنَ الذُّنُوبِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، ومَعْنى ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ، فاسْتُعِيرَ فِعْلُ يَجِدْ لِلتَّحَقُّقِ لِأنَّ فِعْلَ وجَدَ حَقِيقَتُهُ الظَّفَرُ بِالشَّيْءِ ومُشاهَدَتُهُ، فَأُطْلِقَ عَلى تَحْقِيقِ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ. ومَعْنى غَفُورًا رَحِيمًا شَدِيدَ الغُفْرانِ وشَدِيدَ الرَّحْمَةِ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ العُمُومِ والتَّعْجِيلِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: يَجِدِ اللَّهَ غافِرًا لَهُ راحِمًا لَهُ، لِأنَّهُ عامُّ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ فَلا يَخْرُجُ مِنها أحَدٌ اسْتَغْفَرَهُ وتابَ إلَيْهِ، ولا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ شُمُولُ مَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ زَمَنًا، فَكانَتْ صِيغَةُ غَفُورًا رَحِيمًا مَعَ يَجِدْ دالَّةً عَلى القَبُولِ مِن كُلِّ تائِبٍ بِفَضْلِ اللَّهِ. وذِكْرُ الخَطِيئَةِ والإثْمِ هُنا يَدُلُّ عَلى أنَّهُما مُتَغايِرانِ، فالمُرادُ بِالخَطِيئَةِ المَعْصِيَةُ الصَّغِيرَةُ، والمُرادُ بِالإثْمِ الكَبِيرَةُ. والرَّمْيُ حَقِيقَتُهُ قَذْفُ شَيْءٍ مِنَ اليَدِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى نِسْبَةِ خَبَرٍ أوْ وصْفٍ لِصاحِبِهِ بِالحَقِّ أوِ الباطِلِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في نِسْبَةِ غَيْرِ الواقِعِ، ومِن أمْثالِهِمْ رَمَتْنِي بِدائِها وانْسَلَّتْ وقالَ تَعالى والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ وكَذَلِكَ هو هُنا، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ القَذْفُ حَقِيقَةً ومَجازًا. ومَعْنى يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا يَنْسُبُهُ إلَيْهِ ويَحْتالُ لِتَرْوِيجِ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ يَنْزِعُ ذَلِكَ الإثْمَ عَنْ نَفْسِهِ ويَرْمِي بِهِ البَرِيءَ. والبُهْتانُ: الكَذِبُ الفاحِشُ. وجُعِلَ الرَّمْيُ بِالخَطِيئَةِ وبِالإثْمِ مَرْتَبَةً واحِدَةً في كَوْنِ ذَلِكَ إثْمًا مُبِينًا: لِأنَّ رَمْيَ البَرِيءِ بِالجَرِيمَةِ في ذاتِهِ كَبِيرَةٌ لِما فِيهِ مِنَ الِاعْتِداءِ عَلى حَقِّ الغَيْرِ. ودَلَّ عَلى عِظَمِ هَذا البُهْتانِ بِقَوْلِهِ احْتَمَلَ تَمْثِيلًا لِحالِ فاعِلِهِ بِحالِ عَناءِ الحامِلِ ثِقْلًا. والمُبِينُ الَّذِي يَدُلُّ كُلُّ أحَدٍ عَلى أنَّهُ إثْمٌ، أيْ إثْمًا ظاهِرًا لا شُبْهَةَ في كَوْنِهِ إثْمًا. وقَوْلُهُ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ عُطِفَ عَلى ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا. صفحة ١٩٧ والمُرادُ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ هُنا نِعْمَةُ إنْزالِ الكِتابِ تَفْصِيلًا لِوُجُوهِ الحَقِّ في الحُكْمِ وعِصْمَتِهِ مِنَ الوُقُوعِ في الخَطَأِ فِيهِ. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ هَمَّ طائِفَةٍ مِنَ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم بِأنْ يُضِلُّوا الرَّسُولَ غَيْرُ واقِعٍ مِن أصْلِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُضِلُّوهُ بِالفِعْلِ. ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ عِلْمَهم بِأمانَتِهِ يَزَعُهم عَنْ مُحاوَلَةِ تَرْوِيجِ الباطِلِ عَلَيْهِ إذْ قَدِ اشْتُهِرَ بَيْنَ النّاسِ، مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ، أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أمِينٌ فَلا يَسَعُهم إلّا حِكايَةُ الصِّدْقِ عِنْدَهُ، وأنَّ بَنِي ظَفَرٍ لَمّا اشْتَكَوْا إلَيْهِ مِن صَنِيعِ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ وعَمِّهِ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ أصْحابَهم بَنِي أُبَيْرِقٍ عَلى الحَقِّ، أوْ أنَّ بَنِي أُبَيْرِقٍ لَمّا شَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ بِما صَنَعَهُ قَتادَةُ كانُوا مُوجِسِينَ خِيفَةً أنْ يَطَّلِعَ اللَّهُ ورَسُولُهُ عَلى جَلِيَّةِ الأمْرِ، فَكانَ ما حاوَلُوهُ مِن تَضْلِيلِ الرَّسُولِ طَمَعًا لا هَمًّا، لِأنَّ الهَمَّ هو العَزْمُ عَلى الفِعْلِ والثِّقَةُ بِهِ، وإنَّما كانَ انْتِفاءُ هَمِّهِمْ تَضْلِيلَهُ فَضْلًا ورَحْمَةً، لِدَلالَتِهِ عَلى وقارِهِ في نُفُوسِ النّاسِ، وذَلِكَ فَضْلٌ عَظِيمٌ. وقِيلَ في تَفْسِيرِ هَذا الِانْتِفاءِ: إنَّ المُرادَ انْتِفاءُ أثَرِهِ، أيْ لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ لَضَلَلْتَ بِهَمِّهِمْ أنْ يُضِلُّوكَ، ولَكِنَّ اللَّهَ عَصَمَكَ عَنِ الضَّلالِ، فَيَكُونُ كِنايَةً. وفي هَذا التَّفْسِيرِ بُعْدٌ مِن جانِبِ نَظْمِ الكَلامِ ومِن جانِبِ المَعْنى. ومَعْنى وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم أنَّهم لَوْ هَمُّوا بِذَلِكَ لَكانَ الضَّلالُ لاحِقًا بِهِمْ دُونَكَ، أيْ يَكُونُونَ قَدْ حاوَلُوا تَرْوِيجَ الباطِلِ واسْتِغْفالَ الرَّسُولِ، فَحَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالُ بِذَلِكَ، ثُمَّ لا يَجِدُونَكَ مُصْغِيًا لِضَلالِهِمْ. ومِن زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. وشَيْءٍ أصْلُهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِقَوْلِهِ يَضُرُّونَكَ أيْ شَيْئًا مِنَ الضُّرِّ، وجُرَّ لِأجْلِ حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ. وجُمْلَةُ وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ عَطْفٌ عَلى وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ. ومَوْقِعُها لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ مَعْنى قَوْلِهِ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ ولِذَلِكَ خَتَمَها بِقَوْلِهِ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا، فَهو مِثْلُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. والكِتابَ: القُرْآنَ. والحِكْمَةَ: النُّبُوءَةَ. وتَعْلِيمُهُ ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ هو ما زادَ عَلى ما في الكِتابِ مِنَ العِلْمِ الوارِدِ في السُّنَّةِ والإنْباءِ بِالمُغَيَّباتِ.

النساء 4:113

﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ . اعْتِراضٌ بِتَذْيِيلٍ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ١٠٩] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ . وعَمَلُ السُّوءِ هو العِصْيانُ ومُخالَفَةُ ما أمَرَ بِهِ الشَّرْعُ ونَهى عَنْهُ. وظُلْمُ النَّفْسِ شاعَ إطْلاقُهُ في القُرْآنِ عَلى الشِّرْكِ والكُفْرِ، وأُطْلِقَ أيْضًا عَلى ارْتِكابِ المَعاصِي. وأحْسَنُ صفحة ١٩٦ ما قِيلَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ عَمَلَ السُّوءِ أُرِيدَ بِهِ عَمَلُ السُّوءِ مَعَ النّاسِ، وهو الِاعْتِداءُ عَلى حُقُوقِهِمْ، وأنَّ ظُلْمَ النَّفْسِ هو المَعاصِي الرّاجِعَةِ إلى مُخالَفَةِ المَرْءِ في أحْوالِهِ الخاصَّةِ ما أُمِرَ بِهِ أوْ نُهِيَ عَنْهُ. والمُرادُ بِالِاسْتِغْفارِ التَّوْبَةُ وطَلَبُ العَفْوِ مِنَ اللَّهِ عَمّا مَضى مِنَ الذُّنُوبِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، ومَعْنى ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ، فاسْتُعِيرَ فِعْلُ يَجِدْ لِلتَّحَقُّقِ لِأنَّ فِعْلَ وجَدَ حَقِيقَتُهُ الظَّفَرُ بِالشَّيْءِ ومُشاهَدَتُهُ، فَأُطْلِقَ عَلى تَحْقِيقِ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ. ومَعْنى غَفُورًا رَحِيمًا شَدِيدَ الغُفْرانِ وشَدِيدَ الرَّحْمَةِ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ العُمُومِ والتَّعْجِيلِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: يَجِدِ اللَّهَ غافِرًا لَهُ راحِمًا لَهُ، لِأنَّهُ عامُّ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ فَلا يَخْرُجُ مِنها أحَدٌ اسْتَغْفَرَهُ وتابَ إلَيْهِ، ولا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ شُمُولُ مَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ زَمَنًا، فَكانَتْ صِيغَةُ غَفُورًا رَحِيمًا مَعَ يَجِدْ دالَّةً عَلى القَبُولِ مِن كُلِّ تائِبٍ بِفَضْلِ اللَّهِ. وذِكْرُ الخَطِيئَةِ والإثْمِ هُنا يَدُلُّ عَلى أنَّهُما مُتَغايِرانِ، فالمُرادُ بِالخَطِيئَةِ المَعْصِيَةُ الصَّغِيرَةُ، والمُرادُ بِالإثْمِ الكَبِيرَةُ. والرَّمْيُ حَقِيقَتُهُ قَذْفُ شَيْءٍ مِنَ اليَدِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى نِسْبَةِ خَبَرٍ أوْ وصْفٍ لِصاحِبِهِ بِالحَقِّ أوِ الباطِلِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في نِسْبَةِ غَيْرِ الواقِعِ، ومِن أمْثالِهِمْ رَمَتْنِي بِدائِها وانْسَلَّتْ وقالَ تَعالى والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ وكَذَلِكَ هو هُنا، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ القَذْفُ حَقِيقَةً ومَجازًا. ومَعْنى يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا يَنْسُبُهُ إلَيْهِ ويَحْتالُ لِتَرْوِيجِ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ يَنْزِعُ ذَلِكَ الإثْمَ عَنْ نَفْسِهِ ويَرْمِي بِهِ البَرِيءَ. والبُهْتانُ: الكَذِبُ الفاحِشُ. وجُعِلَ الرَّمْيُ بِالخَطِيئَةِ وبِالإثْمِ مَرْتَبَةً واحِدَةً في كَوْنِ ذَلِكَ إثْمًا مُبِينًا: لِأنَّ رَمْيَ البَرِيءِ بِالجَرِيمَةِ في ذاتِهِ كَبِيرَةٌ لِما فِيهِ مِنَ الِاعْتِداءِ عَلى حَقِّ الغَيْرِ. ودَلَّ عَلى عِظَمِ هَذا البُهْتانِ بِقَوْلِهِ احْتَمَلَ تَمْثِيلًا لِحالِ فاعِلِهِ بِحالِ عَناءِ الحامِلِ ثِقْلًا. والمُبِينُ الَّذِي يَدُلُّ كُلُّ أحَدٍ عَلى أنَّهُ إثْمٌ، أيْ إثْمًا ظاهِرًا لا شُبْهَةَ في كَوْنِهِ إثْمًا. وقَوْلُهُ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ عُطِفَ عَلى ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا. صفحة ١٩٧ والمُرادُ بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ هُنا نِعْمَةُ إنْزالِ الكِتابِ تَفْصِيلًا لِوُجُوهِ الحَقِّ في الحُكْمِ وعِصْمَتِهِ مِنَ الوُقُوعِ في الخَطَأِ فِيهِ. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ هَمَّ طائِفَةٍ مِنَ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم بِأنْ يُضِلُّوا الرَّسُولَ غَيْرُ واقِعٍ مِن أصْلِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُضِلُّوهُ بِالفِعْلِ. ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ عِلْمَهم بِأمانَتِهِ يَزَعُهم عَنْ مُحاوَلَةِ تَرْوِيجِ الباطِلِ عَلَيْهِ إذْ قَدِ اشْتُهِرَ بَيْنَ النّاسِ، مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ، أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أمِينٌ فَلا يَسَعُهم إلّا حِكايَةُ الصِّدْقِ عِنْدَهُ، وأنَّ بَنِي ظَفَرٍ لَمّا اشْتَكَوْا إلَيْهِ مِن صَنِيعِ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ وعَمِّهِ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ أصْحابَهم بَنِي أُبَيْرِقٍ عَلى الحَقِّ، أوْ أنَّ بَنِي أُبَيْرِقٍ لَمّا شَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ بِما صَنَعَهُ قَتادَةُ كانُوا مُوجِسِينَ خِيفَةً أنْ يَطَّلِعَ اللَّهُ ورَسُولُهُ عَلى جَلِيَّةِ الأمْرِ، فَكانَ ما حاوَلُوهُ مِن تَضْلِيلِ الرَّسُولِ طَمَعًا لا هَمًّا، لِأنَّ الهَمَّ هو العَزْمُ عَلى الفِعْلِ والثِّقَةُ بِهِ، وإنَّما كانَ انْتِفاءُ هَمِّهِمْ تَضْلِيلَهُ فَضْلًا ورَحْمَةً، لِدَلالَتِهِ عَلى وقارِهِ في نُفُوسِ النّاسِ، وذَلِكَ فَضْلٌ عَظِيمٌ. وقِيلَ في تَفْسِيرِ هَذا الِانْتِفاءِ: إنَّ المُرادَ انْتِفاءُ أثَرِهِ، أيْ لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ لَضَلَلْتَ بِهَمِّهِمْ أنْ يُضِلُّوكَ، ولَكِنَّ اللَّهَ عَصَمَكَ عَنِ الضَّلالِ، فَيَكُونُ كِنايَةً. وفي هَذا التَّفْسِيرِ بُعْدٌ مِن جانِبِ نَظْمِ الكَلامِ ومِن جانِبِ المَعْنى. ومَعْنى وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم أنَّهم لَوْ هَمُّوا بِذَلِكَ لَكانَ الضَّلالُ لاحِقًا بِهِمْ دُونَكَ، أيْ يَكُونُونَ قَدْ حاوَلُوا تَرْوِيجَ الباطِلِ واسْتِغْفالَ الرَّسُولِ، فَحَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالُ بِذَلِكَ، ثُمَّ لا يَجِدُونَكَ مُصْغِيًا لِضَلالِهِمْ. ومِن زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. وشَيْءٍ أصْلُهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِقَوْلِهِ يَضُرُّونَكَ أيْ شَيْئًا مِنَ الضُّرِّ، وجُرَّ لِأجْلِ حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ. وجُمْلَةُ وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ عَطْفٌ عَلى وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ. ومَوْقِعُها لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ مَعْنى قَوْلِهِ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ ولِذَلِكَ خَتَمَها بِقَوْلِهِ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا، فَهو مِثْلُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. والكِتابَ: القُرْآنَ. والحِكْمَةَ: النُّبُوءَةَ. وتَعْلِيمُهُ ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ هو ما زادَ عَلى ما في الكِتابِ مِنَ العِلْمِ الوارِدِ في السُّنَّةِ والإنْباءِ بِالمُغَيَّباتِ.

النساء 4:114

صفحة ١٩٨ ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ . لَمْ تَخْلُ الحَوادِثُ الَّتِي أشارَتْ إلَيْها الآيُ السّابِقَةُ، ولا الأحْوالُ الَّتِي حَذَّرَتْ مِنها، مِن تَناجٍ وتَحاوُرٍ، سِرًّا وجَهْرًا، لِتَدْبِيرِ الخِياناتِ وإخْفائِها وتَبْيِيتِها، لِذَلِكَ كانَ المَقامُ حَقِيقًا بِتَعْقِيبِ جَمِيعِ ذَلِكَ بِذِكْرِ النَّجْوى وما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ، لِأنَّ في ذَلِكَ تَعْلِيمًا وتَرْبِيَةً وتَشْرِيعًا، إذِ النَّجْوى مِن أشْهَرِ الأحْوالِ العارِضَةِ لِلنّاسِ في مُجْتَمَعاتِهِمْ، لا سِيَّما في وقْتِ ظُهُورِ المُسْلِمِينَ بِالمَدِينَةِ، فَقَدْ كانَ فِيها المُنافِقُونَ واليَهُودُ وضُعَفاءُ المُؤْمِنِينَ، وكانَ التَّناجِي فاشِيًا لِمَقاصِدَ مُخْتَلِفَةٍ، فَرُبَّما كانَ يُثِيرُ في نُفُوسِ الرّائِينَ لِتِلْكَ المُناجاةِ شَكًّا، أيْ خَوْفًا، إذْ كانَ المُؤْمِنُونَ في حالِ مُناواةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ، فَلِذَلِكَ تَكَرَّرَ النَّهْيُ عَنِ النَّجْوى في القُرْآنِ نَحْوَ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى﴾ [المجادلة: ٨] الآياتِ، وقَوْلُهُ ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى﴾ [الإسراء: ٤٧] وقَوْلُهُ ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤]، فَلِذَلِكَ ذَمَّ اللَّهُ النَّجْوى هُنا أيْضًا، فَقالَ ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ . فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِإفادَةِ حُكْمِ النَّجْوى، والمُناسَبَةُ قَدْ تَبَيَّنَتْ. والنَّجْوى مَصْدَرٌ، هي المُسارَّةُ في الحَدِيثِ، وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَّجْوِ، وهو المَكانُ المُسْتَتِرُ الَّذِي المُفْضِي إلَيْهِ يَنْجُو مِن طالِبِهِ، ويُطْلَقُ النَّجْوى عَلى المُناجِينَ، وفي القُرْآنِ ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى﴾ [الإسراء: ٤٧]، وهو وصْفٌ بِالمَصْدَرِ والآيَةُ تَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ. والضَّمِيرُ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ نَجْوى ضَمِيرُ جَماعَةِ النّاسِ كُلِّهِمْ، نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ [هود: ٥] إلى قَوْلِهِ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥] في سُورَةِ هُودٍ، ولَيْسَ عائِدًا إلى ما عادَتْ إلَيْهِ الضَّمائِرُ الَّتِي قَبْلَهُ في قَوْلِهِ ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١٠٨] إلى هُنا؛ لِأنَّ المَقامَ مانِعٌ مِن عَوْدِهِ إلى تِلْكَ الجَماعَةِ إذْ لَمْ تَكُنْ نَجْواهم إلّا فِيما يَخْتَصُّ بِقَضِيَّتِهِمْ، فَلا عُمُومَ لَها يَسْتَقِيمُ مَعَهُ الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ . وعَلى هَذا فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ تَرْبِيَةٌ اجْتِماعِيَّةٌ دَعَتْ إلَيْها المُناسَبَةُ، فَإنَّ شَأْنَ المُحادَثاتِ صفحة ١٩٩ والمُحاوَراتِ أنْ تَكُونَ جَهْرَةً، لِأنَّ الصَّراحَةَ مِن أفْضَلِ الأخْلاقِ لِدَلالَتِها عَلى ثِقَةِ المُتَكَلِّمِ بِرَأْيِهِ، وعَلى شَجاعَتِهِ في إظْهارِ ما يُرِيدُ إظْهارَهُ مِن تَفْكِيرِهِ، فَلا يَصِيرُ إلى المُناجاةِ إلّا في أحْوالٍ شاذَّةٍ يُناسِبُها إخْفاءُ الحَدِيثِ. فَمَن يُناجِي في غَيْرِ تِلْكَ الأحْوالِ رُمِيَ بِأنَّ شَأْنَهُ ذَمِيمٌ، وحَدِيثَهُ فِيما يَسْتَحْيِي مِن إظْهارِهِ، كَما قالَ صالِحُ بْنُ عَبْدِ القُدُّوسِ: السِّتْرُ دُونَ الفاحِشاتِ ولا يَغْشاكَ دُونَ الخَيْرِ مِن سِتْرِ وقَدْ نَهى اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَنِ النَّجْوى غَيْرَ مَرَّةٍ، لِأنَّ التَّناجِيَ كانَ مِن شَأْنِ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٨] وقالَ ﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: ١٠] . وقَدْ ظَهَرَ مِن «نَهْيِ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يَتَناجى اثْنانِ دُونَ ثالِثٍ» أنَّ النَّجْوى تَبْعَثُ الرِّيبَةَ في مَقاصِدِ المُتَناجِينَ، فَعَلِمْنا مِن ذَلِكَ أنَّها لا تَغْلِبُ إلّا عَلى أهْلِ الرِّيَبِ والشُّبُهاتِ، بِحَيْثُ لا تَصِيرُ دَأْبًا إلّا لِأُولَئِكَ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ نَفى اللَّهُ الخَيْرَ عَنْ أكْثَرِ النَّجْوى. ومَعْنى لا خَيْرَ أنَّهُ شَرٌّ، بِناءً عَلى المُتَعارَفِ في نَفْيِ الشَّيْءِ أنْ يُرادَ بِهِ إثْباتُ نَقِيضِهِ، لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالواسِطَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢]، ولِأنَّ مَقامَ التَّشْرِيعِ إنَّما هو بَيانُ الخَيْرِ والشَّرِّ. وقَدْ نَفى الخَيْرَ عَنْ كَثِيرٍ مِن نَجْواهم أوْ مُتَناجِيهِمْ، فَعُلِمَ مِن مَفْهُومِ الصِّفَةِ أنَّ قَلِيلًا مِن نَجْواهم فِيهِ خَيْرٌ، إذْ لا يَخْلُو حَدِيثُ النّاسِ مِن تَناجٍ فِيما فِيهِ نَفْعٌ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: إلّا نَجْوى مَن أمَرَ، أوْ بِدُونِ تَقْدِيرٍ إنْ كانَتِ النَّجْوى بِمَعْنى المُتَناجِينَ، وهو مُسْتَثْنًى مِن ”كَثِيرٍ“، فَحَصَلَ مِن مَفْهُومِ الصِّفَةِ ومَفْهُومِ الِاسْتِثْناءِ قِسْمانِ مِنَ النَّجْوى يَثْبُتُ لَهُما الخَيْرُ، ومَعَ ذَلِكَ فَهُما قَلِيلٌ مِن نَجْواهم. أمّا القِسْمُ الَّذِي أخْرَجَتْهُ الصِّفَةُ، فَهو مُجْمَلٌ يَصْدُقُ في الخارِجِ عَلى كُلِّ نَجْوى تَصْدُرُ مِنهم فِيها نَفْعٌ، ولَيْسَ فِيها ضَرَرٌ، كالتَّناجِي في تَشاوُرٍ فِيمَن يَصْلُحُ لِمُخالَطَةٍ، أوْ نِكاحٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. صفحة ٢٠٠ وأمّا القِسْمُ الَّذِي أخْرَجَهُ الِاسْتِثْناءُ فَهو مُبَيَّنٌ في ثَلاثَةِ أُمُورٍ: الصَّدَقَةُ، والمَعْرُوفُ، والإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ. وهَذِهِ الثَّلاثَةُ لَوْ لَمْ تُذْكَرْ لَدَخَلَتْ في القَلِيلِ مِن نَجْواهُمُ الثّابِتِ لَهُ الخَيْرُ، فَلَمّا ذُكِرَتْ بِطَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ عَلِمْنا أنَّ نَظْمَ الكَلامِ جَرى عَلى أُسْلُوبٍ بَدِيعٍ فَأخْرَجَ ما فِيهِ الخَيْرُ مِن نَجْواهُمُ ابْتِداءً بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ، ثُمَّ أُرِيدُ الِاهْتِمامُ بِبَعْضِ هَذا القَلِيلِ مِن نَجْواهم، فَأُخْرِجَ مِن كَثِيرِ نَجْواهم بِطَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ، فَبَقِيَ ما عَدا ذَلِكَ مِن نَجْواهم، وهو الكَثِيرُ، مَوْصُوفًا بِأنْ لا خَيْرَ فِيهِ وبِذَلِكَ يَتَّضِحُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ، وأنْ لا داعِيَ إلى جَعْلِهِ مُنْقَطِعًا. والمَقْصِدُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ الِاهْتِمامُ والتَّنْوِيهُ بِشَأْنِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، ولَوْ تَناجى فِيها مَن غالِبُ أمْرِهِ قَصْدُ الشَّرِّ. وقَوْلُهُ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ إلَخْ وعْدٌ بِالثَّوابِ عَلى فِعْلِ المَذْكُوراتِ إذا كانَ لِابْتِغاءِ مَرْضاةِ اللَّهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ كَوْنَها خَيْرًا وصْفٌ ثابِتٌ لَها لِما فِيها مِنَ المَنافِعِ، ولِأنَّها مَأْمُورٌ بِها في الشَّرْعِ، إلّا أنَّ الثَّوابَ لا يَحْصُلُ إلّا عَنْ فِعْلِها ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ كَما في حَدِيثِ «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ» . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”نُؤْتِيهِ“ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ إلى التَّكَلُّمِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى ظاهِرِ قَوْلِهِ ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ .

النساء 4:115

﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ . عَطْفٌ عَلى ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٤] بِمُناسَبَةِ تَضادِّ الحالَيْنِ. والمُشاقَّةُ: المُخالَفَةُ المَقْصُودَةُ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الشِّقِّ لِأنَّ المُخالِفَ كَأنَّهُ يَخْتارُ شِقًّا يَكُونُ فِيهِ غَيْرَ شِقِّ الآخَرِ. فَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾ أنْ يَكُونَ أرادَ بِهِ مِن بَعْدِ ما آمَنَ بِالرَّسُولِ فَتَكُونُ الآيَةُ وعِيدًا لِلْمُرْتَدِّ. ومُناسَبَتُها هُنا أنَّ بَشِيرَ بْنَ أُبَيْرِقٍ صاحِبَ القِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ، صفحة ٢٠١ لَمّا افْتَضَحَ أمْرُهُ ارْتَدَّ ولَحِقَ بِمَكَّةَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ مِن بَعْدِ ما ظَهَرَ صِدْقُ الرَّسُولِ بِالمُعْجِزاتِ، ولَكِنَّهُ شاقَّهُ عِنادًا ونِواءً لِلْإسْلامِ. وسَبِيلُ كُلِّ قَوْمٍ طَرِيقَتُهُمُ الَّتِي يَسْلُكُونَها في وصْفِهِمُ الخاصِّ، فالسَّبِيلُ مُسْتَعارٌ لِلِاعْتِقاداتِ والأفْعالِ والعاداتِ، الَّتِي يُلازِمُها أحَدٌ ولا يَبْتَغِي التَّحَوُّلَ عَنْها، كَما يُلازِمُ قاصِدُ المَكانِ طَرِيقًا يُبَلِّغُهُ إلى قَصْدِهِ، قالَ تَعالى ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] . ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ نَظِيرُ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وشاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وسَيُحْبِطُ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٣٢]، فَمَنِ اتَّبَعَ سَبِيلَ المُؤْمِنِينَ في الإيمانِ واتَّبَعَ سَبِيلَ غَيْرِهِمْ في غَيْرِ الكُفْرِ مِثْلَ اتِّباعِ سَبِيلِ يَهُودِ خَيْبَرَ في غِراسَةِ النَّخِيلِ، أوْ بِناءِ الحُصُونِ، لا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ فِيهِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ. وكَأنَّ فائِدَةَ عَطْفِ اتِّباعِ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ عَلى مُشاقَّةِ الرَّسُولِ الحَيْطَةُ لِحِفْظِ الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ بَعْدَ الرَّسُولِ، فَقَدِ ارْتَدَّ بَعْضُ العَرَبِ بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ . وقالَ الحُطَيْئَةُ في ذَلِكَ: أطَعْنا رَسُولَ اللَّهِ إذْ كانَ بَيْنَنا فَيا لِعِبادِ اللَّهِ ما لِأبِي بَكْرِ فَكانُوا مِمَّنِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ ولَمْ يُشاقُّوا الرَّسُولَ. ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ الإعْراضُ عَنْهُ، أيْ نَتْرُكُهُ وشَأْنَهُ لِقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِهِ، كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: وأمّا الآخَرُ فَأعْرَضَ فَأعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ. وقَدْ شاعَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ أُصُولِ الفِقْهِ الِاحْتِجاجُ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِكَوْنِ إجْماعِ عُلَماءِ الإسْلامِ عَلى حُكْمٍ مِنَ الأحْكامِ حُجَّةً، وأوَّلُ مَنِ احْتَجَّ بِها عَلى ذَلِكَ الشّافِعِيُّ. قالَ الفَخْرُ: رُوِيَ أنَّ الشّافِعِيَّ سُئِلَ عَنْ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ فَقَرَأ القُرْآنَ ثَلاثَمِائَةِ مَرَّةٍ حَتّى وجَدَ هَذِهِ الآيَةَ. وتَقْرِيرُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ اتِّباعَ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ حَرامٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اتِّباعُ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ واجِبًا. بَيانُ المُقَدِّمَةِ الأُولى: أنَّهُ تَعالى ألْحَقَ الوَعِيدَ بِمَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، ومُشاقَّةُ الرَّسُولِ وحْدَها مُوجِبَةٌ لِهَذا الوَعِيدِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ اتِّباعُ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ مُوجِبًا لَهُ، لَكانَ ذَلِكَ ضَمًّا لِما لا أثَرَ لَهُ في الوَعِيدِ إلى ما هو مُسْتَقِلٌّ بِاقْتِضاءِ ذَلِكَ الوَعِيدِ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، فَثَبَتَ أنَّ اتِّباعَ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ حَرامٌ، فَإذا ثَبَتَ هَذا لَزِمَ أنْ يَكُونَ اتِّباعُ سَبِيلِهِمْ واجِبًا. وقَدْ قَرَّرَ صفحة ٢٠٢ غَيْرُهُ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعِ بِطُرُقٍ أُخْرى، وكُلُّها عَلى ما فِيها مِن ضَعْفٍ في التَّقْرِيبِ، وهو اسْتِلْزامُ الدَّلِيلِ لِلْمُدَّعِي، قَدْ أُورِدَتْ عَلَيْها نُقُوضٌ أشارَ إلَيْها ابْنُ الحاجِبِ في المُخْتَصَرِ. واتَّفَقَتْ كَلِمَةُ المُحَقِّقِينَ: الغَزالِيِّ، والإمامِ في المَعالِمِ، وابْنِ الحاجِبِ، عَلى تَوْهِينِ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعِ.

النساء 4:116

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، جُعِلَ تَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ مِن وصْفِ أحْوالِ شِرْكِهِمْ. وتَعْقِيبُ الآيَةِ السّابِقَةِ بِهَذِهِ مُشِيرٌ إلى أنَّ المُرادَ بِاتِّباعِ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ اتِّباعُ سَبِيلِ الكُفْرِ مِن شِرْكٍ وغَيْرِهِ، فَعَقَّبَهُ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ الشِّرْكِ، وأكَّدَهُ بِأنَّ لِلدَّلالَةِ عَلى رَفْعِ احْتِمالِ المُبالَغَةِ أوِ المَجازِ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ قَرِيبًا، غَيْرَ أنَّ الآيَةَ السّابِقَةَ قالَ فِيها ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] وقالَ في هَذِهِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ . وإنَّما قالَ في السّابِقَةِ ﴿فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] لِأنَّ المُخاطَبَ فِيها أهْلُ الكِتابِ بِقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ [النساء: ٤٧] فَنُبِّهُوا عَلى أنَّ الشِّرْكَ مِن قَبِيلِ الِافْتِراءِ تَحْذِيرًا لَهم مِنَ الِافْتِراءِ وتَفْظِيعًا لِجِنْسِهِ. وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فالكَلامُ مُوَجَّهٌ إلى المُسْلِمِينَ فَنُبِّهُوا عَلى أنَّ الشِّرْكَ مِنَ الضَّلالِ تَحْذِيرًا لَهم مِن مُشاقَّةِ الرَّسُولِ وأحْوالِ المُنافِقِينَ، فَإنَّها مِن جِنْسِ الضَّلالِ. وأُكِّدَ الخَبَرُ هُنا بِحَرْفِ ”قَدْ“ اهْتِمامًا بِهِ لِأنَّ المُواجَهَ بِالكَلامِ هُنا المُؤْمِنُونَ، وهم لا يَشُكُّونَ في تَحَقُّقِ ذَلِكَ. والبَعِيدُ أُرِيدَ بِهِ القَوِيُّ في نَوْعِهِ الَّذِي لا يُرْجى لِصاحِبِهِ اهْتِداءٌ، فاسْتُعِيرَ لَهُ البَعِيدُ لِأنَّ البَعِيدَ يُقْصِي الكائِنَ فِيهِ عَنِ الرُّجُوعِ إلى حَيْثُ صَدَرَ.

النساء 4:117

صفحة ٢٠٣ ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وقالَ لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ﴿ولَأُضِلَّنَّهم ولَأُمَنِّيَنَّهم ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ . كانَ قَوْلُهُ ﴿إنْ يَدْعُونَ﴾ بَيانًا لِقَوْلِهِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]، وأيُّ ضَلالٍ أشَدُّ مِن أنْ يُشْرِكَ أحَدٌ بِاللَّهِ غَيْرَهُ ثُمَّ أنْ يَدَّعِيَ أنَّ شُرَكاءَهُ إناثٌ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ الأُنْثى أضْعَفُ الصِّنْفَيْنِ مِن كُلِّ نَوْعٍ. وأعْجَبُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ هَذا صادِرًا مِنَ العَرَبِ، وقَدْ عَلِمَ النّاسُ حالَ المَرْأةِ بَيْنَهم، وقَدْ حَرَمُوها مِن حُقُوقٍ كَثِيرَةٍ واسْتَضْعَفُوها. فالحَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِأنَّهُ أعْجَبُ أحْوالِ إشْراكِهِمْ، ولِأنَّ أكْبَرَ آلِهَتِهِمْ يَعْتَقِدُونَها أُنْثى وهي: اللّاتُ والعُزّى، ومَناةُ، فَهَذا كَقَوْلِكَ لا عالِمَ إلّا زِيدٌ. وكانَتِ العُزّى لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَناةُ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ، ولا يَخْفى أنَّ مُعْظَمَ المُعانِدِينَ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ كانُوا مِن هَذَيْنِ الحَيَّيْنِ: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ هم أشَدُّ النّاسِ عَداءً لِلْإسْلامِ، ومُنافِقُو المَدِينَةِ ومُشْرِكُوها أشَدُّ النّاسِ فِتْنَةً في الإسْلامِ. ومَعْنى ﴿وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾: أنَّ دَعْوَتَهُمُ الأصْنامَ دَعْوَةٌ لِلشَّيْطانِ، والمُرادُ جِنْسُ الشَّيْطانِ، وإنَّما جُعِلُوا يَدْعُونَ الشَّيْطانَ لِأنَّهُ الَّذِي سَوَّلَ لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ. والمَرِيدُ: العاصِي والخارِجُ عَنِ المَلِكِ، وفي المَثَلِ (تَمَرَّدَ مارِدٌ وعَزَّ الأبْلَقُ) اسْما حِصْنَيْنِ لِلسَّمَوْألِ، فالمَرِيدُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن مَرُدَ - بِضَمِّ الرّاءِ - إذا عَتا في العِصْيانِ. وجُمْلَةُ لَعَنَهُ اللَّهُ صِفَةٌ لِشَيْطانٍ، أيْ أبْعَدَهُ؛ وتَحْتَمِلُ الدُّعاءَ عَلَيْهِ، لَكِنَّ المَقامَ يَنْبُو عَنِ الِاعْتِراضِ بِالدُّعاءِ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ. وعَطْفُ ﴿وقالَ لَأتَّخِذَنَّ﴾ عَلَيْهِ يَزِيدُ احْتِمالَ صفحة ٢٠٤ الدُّعاءِ بُعْدًا. وسِياقُ هَذِهِ الآيَةِ كَسِياقِ أُخْتِها في قَوْلِهِ ﴿فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤] ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥] ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] الآيَةَ فَكُلُّها أخْبارٌ. وهي تُشِيرُ إلى ما كانَ في أوَّلِ خَلْقِ البَشَرِ مِن تَنافُرِ الأحْوالِ الشَّيْطانِيَّةِ لِأحْوالِ البَشَرِ، ونَشْأةِ العَداوَةِ عَنْ ذَلِكَ التَّنافُرِ، وما كَوَّنَهُ اللَّهُ مِن أسْبابِ الذَّوْدِ عَنْ مَصالِحِ البَشَرِ أنْ تَنالَها القُوى الشَّيْطانِيَّةُ نَوالَ إهْلاكٍ بِحِرْمانِ الشَّياطِينِ مِن رِضا اللَّهِ تَعالى، ومِن مُداخَلَتِهِمْ في مَواقِعِ الصَّلاحِ، إلّا بِمِقْدارِ ما تَنْتَهِزُ تِلْكَ القُوى مِن فَرْضِ مَيْلِ القُوى البَشَرِيَّةِ إلى القُوى الشَّيْطانِيَّةِ وانْجِذابِها، فَتِلْكَ خُلَسٌ تَعْمَلُ الشَّياطِينُ فِيها عَمَلَها، وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] . وتِلْكَ ألْطافٌ مِنَ اللَّهِ أوْدَعَها في نِظامِ الحَياةِ البَشَرِيَّةِ عِنْدَ التَّكْوِينِ، فَغَلَبَ بِسَبَبِها الصَّلاحُ عَلى جَماعَةِ البَشَرِ في كُلِّ عَصْرٍ، وبَقِيَ مَعَها مِنَ الشُّرُورِ حَظٌّ يَسِيرٌ يَنْزِعُ فِيهِ الشَّيْطانُ مَنازِعَهُ، وكَّلَ اللَّهُ أمْرَ الذِّيادِ عَنْهُ إلى إرادَةِ البَشَرِ، بَعْدَ تَزْوِيدِهِمْ بِالنُّصْحِ والإرْشادِ بِواسِطَةِ الشَّرائِعِ والحِكْمَةِ. فَمَعْنى الحِكايَةِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في الشَّيْطانِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا أيْقَنَ بِمُقْتَضاهُ أنَّ فِيهِ المَقْدِرَةَ عَلى فِتْنَةِ البَشَرِ وتَسْخِيرِهِمْ، وكانَتْ في نِظامِ البَشَرِ فُرَصٌ تَدْخُلُ في خِلالِها آثارُ فِتْنَةِ الشَّيْطانِ، فَذَلِكَ هو النَّصِيبُ المَفْرُوضُ، أيِ المَجْعُولُ بِفَرْضِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ في أصْلِ الجِبِلَّةِ. ولَيْسَ قَوْلُهُ ﴿مِن عِبادِكَ﴾ إنْكارًا مِنَ الشَّيْطانِ لِعُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ، ولَكِنَّها جَلافَةُ الخِطابِ النّاشِئَةُ عَنْ خَباثَةِ التَّفْكِيرِ المُتَأصِّلَةِ في جِبِلَّتِهِ، حَتّى لا يَسْتَحْضِرَ الفِكْرَ مِنَ المَعانِي المَدْلُولَةِ إلّا ما لَهُ فِيهِ هَوًى، ولا يَتَفَطَّنُ إلى ما يَحُفُّ بِذَلِكَ مِنَ الغِلْظَةِ، ولا إلى ما يَفُوتُهُ مِنَ الأدَبِ والمَعانِي الجَمِيلَةِ. فَكُلُّ حَظٍّ كانَ لِلشَّيْطانِ في تَصَرُّفاتِ البَشَرِ مِن أعْمالِهِمُ المَعْنَوِيَّةِ: كالعَقائِدِ والتَّفْكِيراتِ الشِّرِّيرَةِ، ومِن أعْمالِهِمُ المَحْسُوسَةِ: كالفَسادِ في الأرْضِ، والإعْلانِ بِخِدْمَةِ الشَّيْطانِ: كَعِبادَةِ الأصْنامِ، والتَّقْرِيبِ لَها، وإعْطاءِ أمْوالِهِمْ لِضَلالِهِمْ، كُلُّ ذَلِكَ مِنَ النَّصِيبِ المَفْرُوضِ. ومَعْنى ﴿ولَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ إضْلالُهم عَنِ الحَقِّ. ومَعْنى ﴿ولَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ لَأعِدَنَّهم مَواعِيدَ كاذِبَةً، أُلْقِيها في نُفُوسِهِمْ، تَجْعَلُهم يَتَمَنَّوْنَ، أيْ يُقَدِّرُونَ غَيْرَ الواقِعِ واقِعًا، إغْراقًا صفحة ٢٠٥ فِي الخَيالِ، لِيَسْتَعِينَ بِذَلِكَ عَلى تَهْوِينِ انْتِشارِ الضَّلالاتِ بَيْنَهم. يُقالُ: مَنّاهُ، إذا وعَدَهُ المَواعِيدَ الباطِلَةَ، وأطْمَعَهُ في وُقُوعِ ما يُحِبُّهُ مِمّا لا يَقَعُ، قالَ كَعْبٌ: فَلا يَغُرَّنَّكَ ما مَنَّتْ وما وعَدَتْ ومِنهُ سُمِّيَ بِالتَّمَنِّي طَلَبُ ما لا طَمَعَ فِيهِ أوْ ما فِيهِ عُسْرٌ. ومَعْنى ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ أيْ آمُرَنَّهم بِأنْ يُبَتِّكُوا آذانَ الأنْعامِ فَلَيُبَتِّكُنَّها، أيْ يَأْمُرُهم فَيَجِدُهم مُمْتَثِلِينَ، فَحُذِفَ مَفْعُولُ أمَرَ اسْتِغْناءً عَنْهُ بِما رُتِّبَ عَلَيْهِ. والتَّبْتِيكُ: القَطْعُ. قالَ تَأبَّطَ شَرًّا: ويَجْعَلُ عَيْنَيْهِ رَبِيئَةَ قَلْبِهِ ∗∗∗ إلى سَلَّةٍ مِن حَدِّ أخْلَقَ باتِكِ . وقَدْ ذَكَرَ هُنا شَيْئًا مِمّا يَأْمُرُ بِهِ الشَّيْطانُ مِمّا يَخُصُّ أحْوالَ العَرَبِ، إذْ كانُوا يَقْطَعُونَ آذانَ الأنْعامِ الَّتِي يَجْعَلُونَها لِطَواغِيتِهِمْ، عَلامَةً عَلى أنَّها مُحَرَّرَةٌ لِلْأصْنامِ، فَكانُوا يَشُقُّونَ آذانَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ، فَكانَ هَذا الشَّقُّ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، إذْ كانَ الباعِثُ عَلَيْهِ غَرَضًا شَيْطانِيًّا. وقَوْلُهُ ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ تَعْرِيضٌ بِما كانَتْ تَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ لِدَواعٍ سَخِيفَةٍ، فَمِن ذَلِكَ ما يَرْجِعُ إلى شَرائِعِ الأصْنامِ مِثْلَ فَقْءُ عَيْنِ الحامِي، وهو البَعِيرُ الَّذِي حَمى ظَهْرَهُ مِنَ الرُّكُوبِ لِكَثْرَةِ ما أنْسَلَ، ويُسَيَّبُ لِلطَّواغِيتِ. ومِنهُ ما يَرْجِعُ إلى أغْراضٍ ذَمِيمَةٍ كالوَشْمِ إذْ أرادُوا بِهِ التَّزَيُّنَ، وهو تَشْوِيهٌ، وكَذَلِكَ وسْمُ الوُجُوهِ بِالنّارِ. ويُدْخُلُ في مَعْنى تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ وضْعُ المَخْلُوقاتِ في غَيْرِ ما خَلَقَها اللَّهُ لَهُ، وذَلِكَ مِنَ الضَّلالاتِ الخُرافِيَّةِ. كَجَعْلِ الكَواكِبِ آلِهَةً، وجَعْلِ الكُسُوفاتِ والخُسُوفاتِ دَلائِلَ عَلى أحْوالِ النّاسِ. ويَدْخُلُ فِيهِ تَسْوِيلُ الإعْراضِ عَنْ دِينِ الإسْلامِ، الَّذِي هو دِينُ الفِطْرَةِ، والفِطْرَةُ خَلْقُ اللَّهِ؛ فالعُدُولُ عَنِ الإسْلامِ إلى غَيْرِهِ تَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ. ولَيْسَ مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ التَّصَرُّفُ في المَخْلُوقاتِ بِما أذِنَ اللَّهُ فِيهِ ولا ما يَدْخُلُ في مَعْنى الحُسْنِ؛ فَإنَّ الخِتانَ مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ ولَكِنَّهُ لِفَوائِدَ صِحِّيَّةٍ، وكَذَلِكَ حَلْقُ الشَّعْرِ لِفائِدَةِ صفحة ٢٠٦ دَفْعِ بَعْضِ الأضْرارِ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ لِفائِدَةِ تَيْسِيرِ العَمَلِ بِالأيْدِي، وكَذَلِكَ ثَقْبُ الآذانِ لِلنِّساءِ لِوَضْعِ الأقْراطِ والتَّزَيُّنِ. وأمّا ما ورَدَ في السُّنَّةِ مِن لَعْنِ الواصِلاتِ والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ فَمِمّا أشْكَلَ تَأْوِيلُهُ. وأحْسَبُ تَأْوِيلَهُ أنَّ الغَرَضَ مِنهُ النَّهْيُ عَنْ سِماتٍ كانَتْ تُعَدُّ مِن سِماتِ العَواهِرِ في ذَلِكَ العَهْدِ، أوْ مِن سِماتِ المُشْرِكاتِ، وإلّا فَلَوْ فَرَضْنا هَذِهِ مَنهِيًّا عَنْها لَما بَلَغَ النَّهْيُ إلى حَدِّ لَعْنِ فاعِلاتِ ذَلِكَ. ومِلاكُ الأمْرِ أنَّ تَغْيِيرَ خَلْقِ اللَّهِ إنَّما يَكُونُ إثْمًا إذا كانَ فِيهِ حَظٌّ مِن طاعَةِ الشَّيْطانِ، بِأنْ يُجْعَلَ عَلامَةً لِنِحْلَةٍ شَيْطانِيَّةٍ، كَما هو سِياقُ الآيَةِ، واتِّصالُ الحَدِيثِ بِها. وقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ في كِتابِي المُسَمّى: النَّظَرُ الفَسِيحُ عَلى مُشْكِلِ الجامِعِ الصَّحِيحِ. وجُمْلَةُ ﴿ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ تَذْيِيلٌ دالٌّ عَلى أنَّ ما دَعاهم إلَيْهِ الشَّيْطانُ: مِن تَبْتِيكِ آذانِ الأنْعامِ، وتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ، إنَّما دَعاهم إلَيْهِ لِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى اسْتِشْعارِهِمْ بِشِعارِهِ، والتَّدَيُّنِ بِدَعْوَتِهِ، وإلّا فَإنَّ الشَّيْطانَ لا يَنْفَعُهُ أنْ يُبَتِّكَ أحَدٌ أُذُنَ ناقَتِهِ، أوْ أنْ يُغَيِّرَ شَيْئًا مِن خِلْقَتِهِ، إلّا إذا كانَ ذَلِكَ لِلتَّأثُّرِ بِدَعْوَتِهِ. وقَوْلُهُ ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أنَّهُ أنْجَزَ عَزْمَهَ فَوَعَدَ ومَنّى وهو لا يَزالُ يَعِدُ ويُمَنِّي، فَلِذَلِكَ جِيءَ بِالمُضارِعِ. وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ يَأْمُرُهم فَيُبَتِّكُونَ آذانَ الأنْعامِ ويُغَيِّرُونَ خَلْقَ اللَّهِ لِظُهُورِ وُقُوعِهِ لِكُلِّ أحَدٍ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ لِتَنْبِيهِ السّامِعِينَ إلى ما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الخَبَرِ وأنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ أحْرِياءُ بِهِ عَقِبَ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ صِفاتِهِمْ. والمَحِيصُ: المَراغُ والمَلْجَأُ، مِن حاصَ إذا نَفَرَ وراغَ، وفي حَدِيثِ هِرَقْلَ فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إلى الأبْوابِ. وقالَ جَعْفَرُ بْنُ عُلْبَةَ الحارِثِيُّ: ولَمْ نَدْرِ إنْ حِصْنا مِنَ المَوْتِ حَيْصَةً ∗∗∗ كَمِ العُمْرُ باقٍ والمَدى مُتَطاوِلُ رُوِيَ: حِصْنا وحَيْصَةً - بِالحاءِ والصّادِ المُهْمَلَتَيْنِ - ويُقالُ: جاضَ أيْضًا بِالجِيمِ والضّادِ المُعْجَمَةِ، وبِهِما رُوِيَ بَيْتُ جَعْفَرٍ أيْضًا.

النساء 4:118

صفحة ٢٠٣ ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وقالَ لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ﴿ولَأُضِلَّنَّهم ولَأُمَنِّيَنَّهم ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ . كانَ قَوْلُهُ ﴿إنْ يَدْعُونَ﴾ بَيانًا لِقَوْلِهِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]، وأيُّ ضَلالٍ أشَدُّ مِن أنْ يُشْرِكَ أحَدٌ بِاللَّهِ غَيْرَهُ ثُمَّ أنْ يَدَّعِيَ أنَّ شُرَكاءَهُ إناثٌ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ الأُنْثى أضْعَفُ الصِّنْفَيْنِ مِن كُلِّ نَوْعٍ. وأعْجَبُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ هَذا صادِرًا مِنَ العَرَبِ، وقَدْ عَلِمَ النّاسُ حالَ المَرْأةِ بَيْنَهم، وقَدْ حَرَمُوها مِن حُقُوقٍ كَثِيرَةٍ واسْتَضْعَفُوها. فالحَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِأنَّهُ أعْجَبُ أحْوالِ إشْراكِهِمْ، ولِأنَّ أكْبَرَ آلِهَتِهِمْ يَعْتَقِدُونَها أُنْثى وهي: اللّاتُ والعُزّى، ومَناةُ، فَهَذا كَقَوْلِكَ لا عالِمَ إلّا زِيدٌ. وكانَتِ العُزّى لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَناةُ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ، ولا يَخْفى أنَّ مُعْظَمَ المُعانِدِينَ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ كانُوا مِن هَذَيْنِ الحَيَّيْنِ: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ هم أشَدُّ النّاسِ عَداءً لِلْإسْلامِ، ومُنافِقُو المَدِينَةِ ومُشْرِكُوها أشَدُّ النّاسِ فِتْنَةً في الإسْلامِ. ومَعْنى ﴿وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾: أنَّ دَعْوَتَهُمُ الأصْنامَ دَعْوَةٌ لِلشَّيْطانِ، والمُرادُ جِنْسُ الشَّيْطانِ، وإنَّما جُعِلُوا يَدْعُونَ الشَّيْطانَ لِأنَّهُ الَّذِي سَوَّلَ لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ. والمَرِيدُ: العاصِي والخارِجُ عَنِ المَلِكِ، وفي المَثَلِ (تَمَرَّدَ مارِدٌ وعَزَّ الأبْلَقُ) اسْما حِصْنَيْنِ لِلسَّمَوْألِ، فالمَرِيدُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن مَرُدَ - بِضَمِّ الرّاءِ - إذا عَتا في العِصْيانِ. وجُمْلَةُ لَعَنَهُ اللَّهُ صِفَةٌ لِشَيْطانٍ، أيْ أبْعَدَهُ؛ وتَحْتَمِلُ الدُّعاءَ عَلَيْهِ، لَكِنَّ المَقامَ يَنْبُو عَنِ الِاعْتِراضِ بِالدُّعاءِ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ. وعَطْفُ ﴿وقالَ لَأتَّخِذَنَّ﴾ عَلَيْهِ يَزِيدُ احْتِمالَ صفحة ٢٠٤ الدُّعاءِ بُعْدًا. وسِياقُ هَذِهِ الآيَةِ كَسِياقِ أُخْتِها في قَوْلِهِ ﴿فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤] ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥] ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] الآيَةَ فَكُلُّها أخْبارٌ. وهي تُشِيرُ إلى ما كانَ في أوَّلِ خَلْقِ البَشَرِ مِن تَنافُرِ الأحْوالِ الشَّيْطانِيَّةِ لِأحْوالِ البَشَرِ، ونَشْأةِ العَداوَةِ عَنْ ذَلِكَ التَّنافُرِ، وما كَوَّنَهُ اللَّهُ مِن أسْبابِ الذَّوْدِ عَنْ مَصالِحِ البَشَرِ أنْ تَنالَها القُوى الشَّيْطانِيَّةُ نَوالَ إهْلاكٍ بِحِرْمانِ الشَّياطِينِ مِن رِضا اللَّهِ تَعالى، ومِن مُداخَلَتِهِمْ في مَواقِعِ الصَّلاحِ، إلّا بِمِقْدارِ ما تَنْتَهِزُ تِلْكَ القُوى مِن فَرْضِ مَيْلِ القُوى البَشَرِيَّةِ إلى القُوى الشَّيْطانِيَّةِ وانْجِذابِها، فَتِلْكَ خُلَسٌ تَعْمَلُ الشَّياطِينُ فِيها عَمَلَها، وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] . وتِلْكَ ألْطافٌ مِنَ اللَّهِ أوْدَعَها في نِظامِ الحَياةِ البَشَرِيَّةِ عِنْدَ التَّكْوِينِ، فَغَلَبَ بِسَبَبِها الصَّلاحُ عَلى جَماعَةِ البَشَرِ في كُلِّ عَصْرٍ، وبَقِيَ مَعَها مِنَ الشُّرُورِ حَظٌّ يَسِيرٌ يَنْزِعُ فِيهِ الشَّيْطانُ مَنازِعَهُ، وكَّلَ اللَّهُ أمْرَ الذِّيادِ عَنْهُ إلى إرادَةِ البَشَرِ، بَعْدَ تَزْوِيدِهِمْ بِالنُّصْحِ والإرْشادِ بِواسِطَةِ الشَّرائِعِ والحِكْمَةِ. فَمَعْنى الحِكايَةِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في الشَّيْطانِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا أيْقَنَ بِمُقْتَضاهُ أنَّ فِيهِ المَقْدِرَةَ عَلى فِتْنَةِ البَشَرِ وتَسْخِيرِهِمْ، وكانَتْ في نِظامِ البَشَرِ فُرَصٌ تَدْخُلُ في خِلالِها آثارُ فِتْنَةِ الشَّيْطانِ، فَذَلِكَ هو النَّصِيبُ المَفْرُوضُ، أيِ المَجْعُولُ بِفَرْضِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ في أصْلِ الجِبِلَّةِ. ولَيْسَ قَوْلُهُ ﴿مِن عِبادِكَ﴾ إنْكارًا مِنَ الشَّيْطانِ لِعُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ، ولَكِنَّها جَلافَةُ الخِطابِ النّاشِئَةُ عَنْ خَباثَةِ التَّفْكِيرِ المُتَأصِّلَةِ في جِبِلَّتِهِ، حَتّى لا يَسْتَحْضِرَ الفِكْرَ مِنَ المَعانِي المَدْلُولَةِ إلّا ما لَهُ فِيهِ هَوًى، ولا يَتَفَطَّنُ إلى ما يَحُفُّ بِذَلِكَ مِنَ الغِلْظَةِ، ولا إلى ما يَفُوتُهُ مِنَ الأدَبِ والمَعانِي الجَمِيلَةِ. فَكُلُّ حَظٍّ كانَ لِلشَّيْطانِ في تَصَرُّفاتِ البَشَرِ مِن أعْمالِهِمُ المَعْنَوِيَّةِ: كالعَقائِدِ والتَّفْكِيراتِ الشِّرِّيرَةِ، ومِن أعْمالِهِمُ المَحْسُوسَةِ: كالفَسادِ في الأرْضِ، والإعْلانِ بِخِدْمَةِ الشَّيْطانِ: كَعِبادَةِ الأصْنامِ، والتَّقْرِيبِ لَها، وإعْطاءِ أمْوالِهِمْ لِضَلالِهِمْ، كُلُّ ذَلِكَ مِنَ النَّصِيبِ المَفْرُوضِ. ومَعْنى ﴿ولَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ إضْلالُهم عَنِ الحَقِّ. ومَعْنى ﴿ولَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ لَأعِدَنَّهم مَواعِيدَ كاذِبَةً، أُلْقِيها في نُفُوسِهِمْ، تَجْعَلُهم يَتَمَنَّوْنَ، أيْ يُقَدِّرُونَ غَيْرَ الواقِعِ واقِعًا، إغْراقًا صفحة ٢٠٥ فِي الخَيالِ، لِيَسْتَعِينَ بِذَلِكَ عَلى تَهْوِينِ انْتِشارِ الضَّلالاتِ بَيْنَهم. يُقالُ: مَنّاهُ، إذا وعَدَهُ المَواعِيدَ الباطِلَةَ، وأطْمَعَهُ في وُقُوعِ ما يُحِبُّهُ مِمّا لا يَقَعُ، قالَ كَعْبٌ: فَلا يَغُرَّنَّكَ ما مَنَّتْ وما وعَدَتْ ومِنهُ سُمِّيَ بِالتَّمَنِّي طَلَبُ ما لا طَمَعَ فِيهِ أوْ ما فِيهِ عُسْرٌ. ومَعْنى ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ أيْ آمُرَنَّهم بِأنْ يُبَتِّكُوا آذانَ الأنْعامِ فَلَيُبَتِّكُنَّها، أيْ يَأْمُرُهم فَيَجِدُهم مُمْتَثِلِينَ، فَحُذِفَ مَفْعُولُ أمَرَ اسْتِغْناءً عَنْهُ بِما رُتِّبَ عَلَيْهِ. والتَّبْتِيكُ: القَطْعُ. قالَ تَأبَّطَ شَرًّا: ويَجْعَلُ عَيْنَيْهِ رَبِيئَةَ قَلْبِهِ ∗∗∗ إلى سَلَّةٍ مِن حَدِّ أخْلَقَ باتِكِ . وقَدْ ذَكَرَ هُنا شَيْئًا مِمّا يَأْمُرُ بِهِ الشَّيْطانُ مِمّا يَخُصُّ أحْوالَ العَرَبِ، إذْ كانُوا يَقْطَعُونَ آذانَ الأنْعامِ الَّتِي يَجْعَلُونَها لِطَواغِيتِهِمْ، عَلامَةً عَلى أنَّها مُحَرَّرَةٌ لِلْأصْنامِ، فَكانُوا يَشُقُّونَ آذانَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ، فَكانَ هَذا الشَّقُّ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، إذْ كانَ الباعِثُ عَلَيْهِ غَرَضًا شَيْطانِيًّا. وقَوْلُهُ ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ تَعْرِيضٌ بِما كانَتْ تَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ لِدَواعٍ سَخِيفَةٍ، فَمِن ذَلِكَ ما يَرْجِعُ إلى شَرائِعِ الأصْنامِ مِثْلَ فَقْءُ عَيْنِ الحامِي، وهو البَعِيرُ الَّذِي حَمى ظَهْرَهُ مِنَ الرُّكُوبِ لِكَثْرَةِ ما أنْسَلَ، ويُسَيَّبُ لِلطَّواغِيتِ. ومِنهُ ما يَرْجِعُ إلى أغْراضٍ ذَمِيمَةٍ كالوَشْمِ إذْ أرادُوا بِهِ التَّزَيُّنَ، وهو تَشْوِيهٌ، وكَذَلِكَ وسْمُ الوُجُوهِ بِالنّارِ. ويُدْخُلُ في مَعْنى تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ وضْعُ المَخْلُوقاتِ في غَيْرِ ما خَلَقَها اللَّهُ لَهُ، وذَلِكَ مِنَ الضَّلالاتِ الخُرافِيَّةِ. كَجَعْلِ الكَواكِبِ آلِهَةً، وجَعْلِ الكُسُوفاتِ والخُسُوفاتِ دَلائِلَ عَلى أحْوالِ النّاسِ. ويَدْخُلُ فِيهِ تَسْوِيلُ الإعْراضِ عَنْ دِينِ الإسْلامِ، الَّذِي هو دِينُ الفِطْرَةِ، والفِطْرَةُ خَلْقُ اللَّهِ؛ فالعُدُولُ عَنِ الإسْلامِ إلى غَيْرِهِ تَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ. ولَيْسَ مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ التَّصَرُّفُ في المَخْلُوقاتِ بِما أذِنَ اللَّهُ فِيهِ ولا ما يَدْخُلُ في مَعْنى الحُسْنِ؛ فَإنَّ الخِتانَ مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ ولَكِنَّهُ لِفَوائِدَ صِحِّيَّةٍ، وكَذَلِكَ حَلْقُ الشَّعْرِ لِفائِدَةِ صفحة ٢٠٦ دَفْعِ بَعْضِ الأضْرارِ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ لِفائِدَةِ تَيْسِيرِ العَمَلِ بِالأيْدِي، وكَذَلِكَ ثَقْبُ الآذانِ لِلنِّساءِ لِوَضْعِ الأقْراطِ والتَّزَيُّنِ. وأمّا ما ورَدَ في السُّنَّةِ مِن لَعْنِ الواصِلاتِ والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ فَمِمّا أشْكَلَ تَأْوِيلُهُ. وأحْسَبُ تَأْوِيلَهُ أنَّ الغَرَضَ مِنهُ النَّهْيُ عَنْ سِماتٍ كانَتْ تُعَدُّ مِن سِماتِ العَواهِرِ في ذَلِكَ العَهْدِ، أوْ مِن سِماتِ المُشْرِكاتِ، وإلّا فَلَوْ فَرَضْنا هَذِهِ مَنهِيًّا عَنْها لَما بَلَغَ النَّهْيُ إلى حَدِّ لَعْنِ فاعِلاتِ ذَلِكَ. ومِلاكُ الأمْرِ أنَّ تَغْيِيرَ خَلْقِ اللَّهِ إنَّما يَكُونُ إثْمًا إذا كانَ فِيهِ حَظٌّ مِن طاعَةِ الشَّيْطانِ، بِأنْ يُجْعَلَ عَلامَةً لِنِحْلَةٍ شَيْطانِيَّةٍ، كَما هو سِياقُ الآيَةِ، واتِّصالُ الحَدِيثِ بِها. وقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ في كِتابِي المُسَمّى: النَّظَرُ الفَسِيحُ عَلى مُشْكِلِ الجامِعِ الصَّحِيحِ. وجُمْلَةُ ﴿ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ تَذْيِيلٌ دالٌّ عَلى أنَّ ما دَعاهم إلَيْهِ الشَّيْطانُ: مِن تَبْتِيكِ آذانِ الأنْعامِ، وتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ، إنَّما دَعاهم إلَيْهِ لِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى اسْتِشْعارِهِمْ بِشِعارِهِ، والتَّدَيُّنِ بِدَعْوَتِهِ، وإلّا فَإنَّ الشَّيْطانَ لا يَنْفَعُهُ أنْ يُبَتِّكَ أحَدٌ أُذُنَ ناقَتِهِ، أوْ أنْ يُغَيِّرَ شَيْئًا مِن خِلْقَتِهِ، إلّا إذا كانَ ذَلِكَ لِلتَّأثُّرِ بِدَعْوَتِهِ. وقَوْلُهُ ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أنَّهُ أنْجَزَ عَزْمَهَ فَوَعَدَ ومَنّى وهو لا يَزالُ يَعِدُ ويُمَنِّي، فَلِذَلِكَ جِيءَ بِالمُضارِعِ. وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ يَأْمُرُهم فَيُبَتِّكُونَ آذانَ الأنْعامِ ويُغَيِّرُونَ خَلْقَ اللَّهِ لِظُهُورِ وُقُوعِهِ لِكُلِّ أحَدٍ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ لِتَنْبِيهِ السّامِعِينَ إلى ما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الخَبَرِ وأنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ أحْرِياءُ بِهِ عَقِبَ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ صِفاتِهِمْ. والمَحِيصُ: المَراغُ والمَلْجَأُ، مِن حاصَ إذا نَفَرَ وراغَ، وفي حَدِيثِ هِرَقْلَ فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إلى الأبْوابِ. وقالَ جَعْفَرُ بْنُ عُلْبَةَ الحارِثِيُّ: ولَمْ نَدْرِ إنْ حِصْنا مِنَ المَوْتِ حَيْصَةً ∗∗∗ كَمِ العُمْرُ باقٍ والمَدى مُتَطاوِلُ رُوِيَ: حِصْنا وحَيْصَةً - بِالحاءِ والصّادِ المُهْمَلَتَيْنِ - ويُقالُ: جاضَ أيْضًا بِالجِيمِ والضّادِ المُعْجَمَةِ، وبِهِما رُوِيَ بَيْتُ جَعْفَرٍ أيْضًا.

النساء 4:119

صفحة ٢٠٣ ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وقالَ لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ﴿ولَأُضِلَّنَّهم ولَأُمَنِّيَنَّهم ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ . كانَ قَوْلُهُ ﴿إنْ يَدْعُونَ﴾ بَيانًا لِقَوْلِهِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]، وأيُّ ضَلالٍ أشَدُّ مِن أنْ يُشْرِكَ أحَدٌ بِاللَّهِ غَيْرَهُ ثُمَّ أنْ يَدَّعِيَ أنَّ شُرَكاءَهُ إناثٌ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ الأُنْثى أضْعَفُ الصِّنْفَيْنِ مِن كُلِّ نَوْعٍ. وأعْجَبُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ هَذا صادِرًا مِنَ العَرَبِ، وقَدْ عَلِمَ النّاسُ حالَ المَرْأةِ بَيْنَهم، وقَدْ حَرَمُوها مِن حُقُوقٍ كَثِيرَةٍ واسْتَضْعَفُوها. فالحَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِأنَّهُ أعْجَبُ أحْوالِ إشْراكِهِمْ، ولِأنَّ أكْبَرَ آلِهَتِهِمْ يَعْتَقِدُونَها أُنْثى وهي: اللّاتُ والعُزّى، ومَناةُ، فَهَذا كَقَوْلِكَ لا عالِمَ إلّا زِيدٌ. وكانَتِ العُزّى لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَناةُ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ، ولا يَخْفى أنَّ مُعْظَمَ المُعانِدِينَ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ كانُوا مِن هَذَيْنِ الحَيَّيْنِ: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ هم أشَدُّ النّاسِ عَداءً لِلْإسْلامِ، ومُنافِقُو المَدِينَةِ ومُشْرِكُوها أشَدُّ النّاسِ فِتْنَةً في الإسْلامِ. ومَعْنى ﴿وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾: أنَّ دَعْوَتَهُمُ الأصْنامَ دَعْوَةٌ لِلشَّيْطانِ، والمُرادُ جِنْسُ الشَّيْطانِ، وإنَّما جُعِلُوا يَدْعُونَ الشَّيْطانَ لِأنَّهُ الَّذِي سَوَّلَ لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ. والمَرِيدُ: العاصِي والخارِجُ عَنِ المَلِكِ، وفي المَثَلِ (تَمَرَّدَ مارِدٌ وعَزَّ الأبْلَقُ) اسْما حِصْنَيْنِ لِلسَّمَوْألِ، فالمَرِيدُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن مَرُدَ - بِضَمِّ الرّاءِ - إذا عَتا في العِصْيانِ. وجُمْلَةُ لَعَنَهُ اللَّهُ صِفَةٌ لِشَيْطانٍ، أيْ أبْعَدَهُ؛ وتَحْتَمِلُ الدُّعاءَ عَلَيْهِ، لَكِنَّ المَقامَ يَنْبُو عَنِ الِاعْتِراضِ بِالدُّعاءِ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ. وعَطْفُ ﴿وقالَ لَأتَّخِذَنَّ﴾ عَلَيْهِ يَزِيدُ احْتِمالَ صفحة ٢٠٤ الدُّعاءِ بُعْدًا. وسِياقُ هَذِهِ الآيَةِ كَسِياقِ أُخْتِها في قَوْلِهِ ﴿فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤] ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥] ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] الآيَةَ فَكُلُّها أخْبارٌ. وهي تُشِيرُ إلى ما كانَ في أوَّلِ خَلْقِ البَشَرِ مِن تَنافُرِ الأحْوالِ الشَّيْطانِيَّةِ لِأحْوالِ البَشَرِ، ونَشْأةِ العَداوَةِ عَنْ ذَلِكَ التَّنافُرِ، وما كَوَّنَهُ اللَّهُ مِن أسْبابِ الذَّوْدِ عَنْ مَصالِحِ البَشَرِ أنْ تَنالَها القُوى الشَّيْطانِيَّةُ نَوالَ إهْلاكٍ بِحِرْمانِ الشَّياطِينِ مِن رِضا اللَّهِ تَعالى، ومِن مُداخَلَتِهِمْ في مَواقِعِ الصَّلاحِ، إلّا بِمِقْدارِ ما تَنْتَهِزُ تِلْكَ القُوى مِن فَرْضِ مَيْلِ القُوى البَشَرِيَّةِ إلى القُوى الشَّيْطانِيَّةِ وانْجِذابِها، فَتِلْكَ خُلَسٌ تَعْمَلُ الشَّياطِينُ فِيها عَمَلَها، وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] . وتِلْكَ ألْطافٌ مِنَ اللَّهِ أوْدَعَها في نِظامِ الحَياةِ البَشَرِيَّةِ عِنْدَ التَّكْوِينِ، فَغَلَبَ بِسَبَبِها الصَّلاحُ عَلى جَماعَةِ البَشَرِ في كُلِّ عَصْرٍ، وبَقِيَ مَعَها مِنَ الشُّرُورِ حَظٌّ يَسِيرٌ يَنْزِعُ فِيهِ الشَّيْطانُ مَنازِعَهُ، وكَّلَ اللَّهُ أمْرَ الذِّيادِ عَنْهُ إلى إرادَةِ البَشَرِ، بَعْدَ تَزْوِيدِهِمْ بِالنُّصْحِ والإرْشادِ بِواسِطَةِ الشَّرائِعِ والحِكْمَةِ. فَمَعْنى الحِكايَةِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في الشَّيْطانِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا أيْقَنَ بِمُقْتَضاهُ أنَّ فِيهِ المَقْدِرَةَ عَلى فِتْنَةِ البَشَرِ وتَسْخِيرِهِمْ، وكانَتْ في نِظامِ البَشَرِ فُرَصٌ تَدْخُلُ في خِلالِها آثارُ فِتْنَةِ الشَّيْطانِ، فَذَلِكَ هو النَّصِيبُ المَفْرُوضُ، أيِ المَجْعُولُ بِفَرْضِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ في أصْلِ الجِبِلَّةِ. ولَيْسَ قَوْلُهُ ﴿مِن عِبادِكَ﴾ إنْكارًا مِنَ الشَّيْطانِ لِعُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ، ولَكِنَّها جَلافَةُ الخِطابِ النّاشِئَةُ عَنْ خَباثَةِ التَّفْكِيرِ المُتَأصِّلَةِ في جِبِلَّتِهِ، حَتّى لا يَسْتَحْضِرَ الفِكْرَ مِنَ المَعانِي المَدْلُولَةِ إلّا ما لَهُ فِيهِ هَوًى، ولا يَتَفَطَّنُ إلى ما يَحُفُّ بِذَلِكَ مِنَ الغِلْظَةِ، ولا إلى ما يَفُوتُهُ مِنَ الأدَبِ والمَعانِي الجَمِيلَةِ. فَكُلُّ حَظٍّ كانَ لِلشَّيْطانِ في تَصَرُّفاتِ البَشَرِ مِن أعْمالِهِمُ المَعْنَوِيَّةِ: كالعَقائِدِ والتَّفْكِيراتِ الشِّرِّيرَةِ، ومِن أعْمالِهِمُ المَحْسُوسَةِ: كالفَسادِ في الأرْضِ، والإعْلانِ بِخِدْمَةِ الشَّيْطانِ: كَعِبادَةِ الأصْنامِ، والتَّقْرِيبِ لَها، وإعْطاءِ أمْوالِهِمْ لِضَلالِهِمْ، كُلُّ ذَلِكَ مِنَ النَّصِيبِ المَفْرُوضِ. ومَعْنى ﴿ولَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ إضْلالُهم عَنِ الحَقِّ. ومَعْنى ﴿ولَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ لَأعِدَنَّهم مَواعِيدَ كاذِبَةً، أُلْقِيها في نُفُوسِهِمْ، تَجْعَلُهم يَتَمَنَّوْنَ، أيْ يُقَدِّرُونَ غَيْرَ الواقِعِ واقِعًا، إغْراقًا صفحة ٢٠٥ فِي الخَيالِ، لِيَسْتَعِينَ بِذَلِكَ عَلى تَهْوِينِ انْتِشارِ الضَّلالاتِ بَيْنَهم. يُقالُ: مَنّاهُ، إذا وعَدَهُ المَواعِيدَ الباطِلَةَ، وأطْمَعَهُ في وُقُوعِ ما يُحِبُّهُ مِمّا لا يَقَعُ، قالَ كَعْبٌ: فَلا يَغُرَّنَّكَ ما مَنَّتْ وما وعَدَتْ ومِنهُ سُمِّيَ بِالتَّمَنِّي طَلَبُ ما لا طَمَعَ فِيهِ أوْ ما فِيهِ عُسْرٌ. ومَعْنى ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ أيْ آمُرَنَّهم بِأنْ يُبَتِّكُوا آذانَ الأنْعامِ فَلَيُبَتِّكُنَّها، أيْ يَأْمُرُهم فَيَجِدُهم مُمْتَثِلِينَ، فَحُذِفَ مَفْعُولُ أمَرَ اسْتِغْناءً عَنْهُ بِما رُتِّبَ عَلَيْهِ. والتَّبْتِيكُ: القَطْعُ. قالَ تَأبَّطَ شَرًّا: ويَجْعَلُ عَيْنَيْهِ رَبِيئَةَ قَلْبِهِ ∗∗∗ إلى سَلَّةٍ مِن حَدِّ أخْلَقَ باتِكِ . وقَدْ ذَكَرَ هُنا شَيْئًا مِمّا يَأْمُرُ بِهِ الشَّيْطانُ مِمّا يَخُصُّ أحْوالَ العَرَبِ، إذْ كانُوا يَقْطَعُونَ آذانَ الأنْعامِ الَّتِي يَجْعَلُونَها لِطَواغِيتِهِمْ، عَلامَةً عَلى أنَّها مُحَرَّرَةٌ لِلْأصْنامِ، فَكانُوا يَشُقُّونَ آذانَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ، فَكانَ هَذا الشَّقُّ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، إذْ كانَ الباعِثُ عَلَيْهِ غَرَضًا شَيْطانِيًّا. وقَوْلُهُ ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ تَعْرِيضٌ بِما كانَتْ تَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ لِدَواعٍ سَخِيفَةٍ، فَمِن ذَلِكَ ما يَرْجِعُ إلى شَرائِعِ الأصْنامِ مِثْلَ فَقْءُ عَيْنِ الحامِي، وهو البَعِيرُ الَّذِي حَمى ظَهْرَهُ مِنَ الرُّكُوبِ لِكَثْرَةِ ما أنْسَلَ، ويُسَيَّبُ لِلطَّواغِيتِ. ومِنهُ ما يَرْجِعُ إلى أغْراضٍ ذَمِيمَةٍ كالوَشْمِ إذْ أرادُوا بِهِ التَّزَيُّنَ، وهو تَشْوِيهٌ، وكَذَلِكَ وسْمُ الوُجُوهِ بِالنّارِ. ويُدْخُلُ في مَعْنى تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ وضْعُ المَخْلُوقاتِ في غَيْرِ ما خَلَقَها اللَّهُ لَهُ، وذَلِكَ مِنَ الضَّلالاتِ الخُرافِيَّةِ. كَجَعْلِ الكَواكِبِ آلِهَةً، وجَعْلِ الكُسُوفاتِ والخُسُوفاتِ دَلائِلَ عَلى أحْوالِ النّاسِ. ويَدْخُلُ فِيهِ تَسْوِيلُ الإعْراضِ عَنْ دِينِ الإسْلامِ، الَّذِي هو دِينُ الفِطْرَةِ، والفِطْرَةُ خَلْقُ اللَّهِ؛ فالعُدُولُ عَنِ الإسْلامِ إلى غَيْرِهِ تَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ. ولَيْسَ مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ التَّصَرُّفُ في المَخْلُوقاتِ بِما أذِنَ اللَّهُ فِيهِ ولا ما يَدْخُلُ في مَعْنى الحُسْنِ؛ فَإنَّ الخِتانَ مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ ولَكِنَّهُ لِفَوائِدَ صِحِّيَّةٍ، وكَذَلِكَ حَلْقُ الشَّعْرِ لِفائِدَةِ صفحة ٢٠٦ دَفْعِ بَعْضِ الأضْرارِ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ لِفائِدَةِ تَيْسِيرِ العَمَلِ بِالأيْدِي، وكَذَلِكَ ثَقْبُ الآذانِ لِلنِّساءِ لِوَضْعِ الأقْراطِ والتَّزَيُّنِ. وأمّا ما ورَدَ في السُّنَّةِ مِن لَعْنِ الواصِلاتِ والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ فَمِمّا أشْكَلَ تَأْوِيلُهُ. وأحْسَبُ تَأْوِيلَهُ أنَّ الغَرَضَ مِنهُ النَّهْيُ عَنْ سِماتٍ كانَتْ تُعَدُّ مِن سِماتِ العَواهِرِ في ذَلِكَ العَهْدِ، أوْ مِن سِماتِ المُشْرِكاتِ، وإلّا فَلَوْ فَرَضْنا هَذِهِ مَنهِيًّا عَنْها لَما بَلَغَ النَّهْيُ إلى حَدِّ لَعْنِ فاعِلاتِ ذَلِكَ. ومِلاكُ الأمْرِ أنَّ تَغْيِيرَ خَلْقِ اللَّهِ إنَّما يَكُونُ إثْمًا إذا كانَ فِيهِ حَظٌّ مِن طاعَةِ الشَّيْطانِ، بِأنْ يُجْعَلَ عَلامَةً لِنِحْلَةٍ شَيْطانِيَّةٍ، كَما هو سِياقُ الآيَةِ، واتِّصالُ الحَدِيثِ بِها. وقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ في كِتابِي المُسَمّى: النَّظَرُ الفَسِيحُ عَلى مُشْكِلِ الجامِعِ الصَّحِيحِ. وجُمْلَةُ ﴿ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ تَذْيِيلٌ دالٌّ عَلى أنَّ ما دَعاهم إلَيْهِ الشَّيْطانُ: مِن تَبْتِيكِ آذانِ الأنْعامِ، وتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ، إنَّما دَعاهم إلَيْهِ لِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى اسْتِشْعارِهِمْ بِشِعارِهِ، والتَّدَيُّنِ بِدَعْوَتِهِ، وإلّا فَإنَّ الشَّيْطانَ لا يَنْفَعُهُ أنْ يُبَتِّكَ أحَدٌ أُذُنَ ناقَتِهِ، أوْ أنْ يُغَيِّرَ شَيْئًا مِن خِلْقَتِهِ، إلّا إذا كانَ ذَلِكَ لِلتَّأثُّرِ بِدَعْوَتِهِ. وقَوْلُهُ ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أنَّهُ أنْجَزَ عَزْمَهَ فَوَعَدَ ومَنّى وهو لا يَزالُ يَعِدُ ويُمَنِّي، فَلِذَلِكَ جِيءَ بِالمُضارِعِ. وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ يَأْمُرُهم فَيُبَتِّكُونَ آذانَ الأنْعامِ ويُغَيِّرُونَ خَلْقَ اللَّهِ لِظُهُورِ وُقُوعِهِ لِكُلِّ أحَدٍ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ لِتَنْبِيهِ السّامِعِينَ إلى ما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الخَبَرِ وأنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ أحْرِياءُ بِهِ عَقِبَ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ صِفاتِهِمْ. والمَحِيصُ: المَراغُ والمَلْجَأُ، مِن حاصَ إذا نَفَرَ وراغَ، وفي حَدِيثِ هِرَقْلَ فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إلى الأبْوابِ. وقالَ جَعْفَرُ بْنُ عُلْبَةَ الحارِثِيُّ: ولَمْ نَدْرِ إنْ حِصْنا مِنَ المَوْتِ حَيْصَةً ∗∗∗ كَمِ العُمْرُ باقٍ والمَدى مُتَطاوِلُ رُوِيَ: حِصْنا وحَيْصَةً - بِالحاءِ والصّادِ المُهْمَلَتَيْنِ - ويُقالُ: جاضَ أيْضًا بِالجِيمِ والضّادِ المُعْجَمَةِ، وبِهِما رُوِيَ بَيْتُ جَعْفَرٍ أيْضًا.

النساء 4:120

صفحة ٢٠٣ ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وقالَ لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ﴿ولَأُضِلَّنَّهم ولَأُمَنِّيَنَّهم ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ . كانَ قَوْلُهُ ﴿إنْ يَدْعُونَ﴾ بَيانًا لِقَوْلِهِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]، وأيُّ ضَلالٍ أشَدُّ مِن أنْ يُشْرِكَ أحَدٌ بِاللَّهِ غَيْرَهُ ثُمَّ أنْ يَدَّعِيَ أنَّ شُرَكاءَهُ إناثٌ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ الأُنْثى أضْعَفُ الصِّنْفَيْنِ مِن كُلِّ نَوْعٍ. وأعْجَبُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ هَذا صادِرًا مِنَ العَرَبِ، وقَدْ عَلِمَ النّاسُ حالَ المَرْأةِ بَيْنَهم، وقَدْ حَرَمُوها مِن حُقُوقٍ كَثِيرَةٍ واسْتَضْعَفُوها. فالحَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِأنَّهُ أعْجَبُ أحْوالِ إشْراكِهِمْ، ولِأنَّ أكْبَرَ آلِهَتِهِمْ يَعْتَقِدُونَها أُنْثى وهي: اللّاتُ والعُزّى، ومَناةُ، فَهَذا كَقَوْلِكَ لا عالِمَ إلّا زِيدٌ. وكانَتِ العُزّى لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَناةُ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ، ولا يَخْفى أنَّ مُعْظَمَ المُعانِدِينَ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ كانُوا مِن هَذَيْنِ الحَيَّيْنِ: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ هم أشَدُّ النّاسِ عَداءً لِلْإسْلامِ، ومُنافِقُو المَدِينَةِ ومُشْرِكُوها أشَدُّ النّاسِ فِتْنَةً في الإسْلامِ. ومَعْنى ﴿وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾: أنَّ دَعْوَتَهُمُ الأصْنامَ دَعْوَةٌ لِلشَّيْطانِ، والمُرادُ جِنْسُ الشَّيْطانِ، وإنَّما جُعِلُوا يَدْعُونَ الشَّيْطانَ لِأنَّهُ الَّذِي سَوَّلَ لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ. والمَرِيدُ: العاصِي والخارِجُ عَنِ المَلِكِ، وفي المَثَلِ (تَمَرَّدَ مارِدٌ وعَزَّ الأبْلَقُ) اسْما حِصْنَيْنِ لِلسَّمَوْألِ، فالمَرِيدُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن مَرُدَ - بِضَمِّ الرّاءِ - إذا عَتا في العِصْيانِ. وجُمْلَةُ لَعَنَهُ اللَّهُ صِفَةٌ لِشَيْطانٍ، أيْ أبْعَدَهُ؛ وتَحْتَمِلُ الدُّعاءَ عَلَيْهِ، لَكِنَّ المَقامَ يَنْبُو عَنِ الِاعْتِراضِ بِالدُّعاءِ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ. وعَطْفُ ﴿وقالَ لَأتَّخِذَنَّ﴾ عَلَيْهِ يَزِيدُ احْتِمالَ صفحة ٢٠٤ الدُّعاءِ بُعْدًا. وسِياقُ هَذِهِ الآيَةِ كَسِياقِ أُخْتِها في قَوْلِهِ ﴿فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤] ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥] ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] الآيَةَ فَكُلُّها أخْبارٌ. وهي تُشِيرُ إلى ما كانَ في أوَّلِ خَلْقِ البَشَرِ مِن تَنافُرِ الأحْوالِ الشَّيْطانِيَّةِ لِأحْوالِ البَشَرِ، ونَشْأةِ العَداوَةِ عَنْ ذَلِكَ التَّنافُرِ، وما كَوَّنَهُ اللَّهُ مِن أسْبابِ الذَّوْدِ عَنْ مَصالِحِ البَشَرِ أنْ تَنالَها القُوى الشَّيْطانِيَّةُ نَوالَ إهْلاكٍ بِحِرْمانِ الشَّياطِينِ مِن رِضا اللَّهِ تَعالى، ومِن مُداخَلَتِهِمْ في مَواقِعِ الصَّلاحِ، إلّا بِمِقْدارِ ما تَنْتَهِزُ تِلْكَ القُوى مِن فَرْضِ مَيْلِ القُوى البَشَرِيَّةِ إلى القُوى الشَّيْطانِيَّةِ وانْجِذابِها، فَتِلْكَ خُلَسٌ تَعْمَلُ الشَّياطِينُ فِيها عَمَلَها، وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] . وتِلْكَ ألْطافٌ مِنَ اللَّهِ أوْدَعَها في نِظامِ الحَياةِ البَشَرِيَّةِ عِنْدَ التَّكْوِينِ، فَغَلَبَ بِسَبَبِها الصَّلاحُ عَلى جَماعَةِ البَشَرِ في كُلِّ عَصْرٍ، وبَقِيَ مَعَها مِنَ الشُّرُورِ حَظٌّ يَسِيرٌ يَنْزِعُ فِيهِ الشَّيْطانُ مَنازِعَهُ، وكَّلَ اللَّهُ أمْرَ الذِّيادِ عَنْهُ إلى إرادَةِ البَشَرِ، بَعْدَ تَزْوِيدِهِمْ بِالنُّصْحِ والإرْشادِ بِواسِطَةِ الشَّرائِعِ والحِكْمَةِ. فَمَعْنى الحِكايَةِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في الشَّيْطانِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا أيْقَنَ بِمُقْتَضاهُ أنَّ فِيهِ المَقْدِرَةَ عَلى فِتْنَةِ البَشَرِ وتَسْخِيرِهِمْ، وكانَتْ في نِظامِ البَشَرِ فُرَصٌ تَدْخُلُ في خِلالِها آثارُ فِتْنَةِ الشَّيْطانِ، فَذَلِكَ هو النَّصِيبُ المَفْرُوضُ، أيِ المَجْعُولُ بِفَرْضِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ في أصْلِ الجِبِلَّةِ. ولَيْسَ قَوْلُهُ ﴿مِن عِبادِكَ﴾ إنْكارًا مِنَ الشَّيْطانِ لِعُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ، ولَكِنَّها جَلافَةُ الخِطابِ النّاشِئَةُ عَنْ خَباثَةِ التَّفْكِيرِ المُتَأصِّلَةِ في جِبِلَّتِهِ، حَتّى لا يَسْتَحْضِرَ الفِكْرَ مِنَ المَعانِي المَدْلُولَةِ إلّا ما لَهُ فِيهِ هَوًى، ولا يَتَفَطَّنُ إلى ما يَحُفُّ بِذَلِكَ مِنَ الغِلْظَةِ، ولا إلى ما يَفُوتُهُ مِنَ الأدَبِ والمَعانِي الجَمِيلَةِ. فَكُلُّ حَظٍّ كانَ لِلشَّيْطانِ في تَصَرُّفاتِ البَشَرِ مِن أعْمالِهِمُ المَعْنَوِيَّةِ: كالعَقائِدِ والتَّفْكِيراتِ الشِّرِّيرَةِ، ومِن أعْمالِهِمُ المَحْسُوسَةِ: كالفَسادِ في الأرْضِ، والإعْلانِ بِخِدْمَةِ الشَّيْطانِ: كَعِبادَةِ الأصْنامِ، والتَّقْرِيبِ لَها، وإعْطاءِ أمْوالِهِمْ لِضَلالِهِمْ، كُلُّ ذَلِكَ مِنَ النَّصِيبِ المَفْرُوضِ. ومَعْنى ﴿ولَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ إضْلالُهم عَنِ الحَقِّ. ومَعْنى ﴿ولَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ لَأعِدَنَّهم مَواعِيدَ كاذِبَةً، أُلْقِيها في نُفُوسِهِمْ، تَجْعَلُهم يَتَمَنَّوْنَ، أيْ يُقَدِّرُونَ غَيْرَ الواقِعِ واقِعًا، إغْراقًا صفحة ٢٠٥ فِي الخَيالِ، لِيَسْتَعِينَ بِذَلِكَ عَلى تَهْوِينِ انْتِشارِ الضَّلالاتِ بَيْنَهم. يُقالُ: مَنّاهُ، إذا وعَدَهُ المَواعِيدَ الباطِلَةَ، وأطْمَعَهُ في وُقُوعِ ما يُحِبُّهُ مِمّا لا يَقَعُ، قالَ كَعْبٌ: فَلا يَغُرَّنَّكَ ما مَنَّتْ وما وعَدَتْ ومِنهُ سُمِّيَ بِالتَّمَنِّي طَلَبُ ما لا طَمَعَ فِيهِ أوْ ما فِيهِ عُسْرٌ. ومَعْنى ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ أيْ آمُرَنَّهم بِأنْ يُبَتِّكُوا آذانَ الأنْعامِ فَلَيُبَتِّكُنَّها، أيْ يَأْمُرُهم فَيَجِدُهم مُمْتَثِلِينَ، فَحُذِفَ مَفْعُولُ أمَرَ اسْتِغْناءً عَنْهُ بِما رُتِّبَ عَلَيْهِ. والتَّبْتِيكُ: القَطْعُ. قالَ تَأبَّطَ شَرًّا: ويَجْعَلُ عَيْنَيْهِ رَبِيئَةَ قَلْبِهِ ∗∗∗ إلى سَلَّةٍ مِن حَدِّ أخْلَقَ باتِكِ . وقَدْ ذَكَرَ هُنا شَيْئًا مِمّا يَأْمُرُ بِهِ الشَّيْطانُ مِمّا يَخُصُّ أحْوالَ العَرَبِ، إذْ كانُوا يَقْطَعُونَ آذانَ الأنْعامِ الَّتِي يَجْعَلُونَها لِطَواغِيتِهِمْ، عَلامَةً عَلى أنَّها مُحَرَّرَةٌ لِلْأصْنامِ، فَكانُوا يَشُقُّونَ آذانَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ، فَكانَ هَذا الشَّقُّ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، إذْ كانَ الباعِثُ عَلَيْهِ غَرَضًا شَيْطانِيًّا. وقَوْلُهُ ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ تَعْرِيضٌ بِما كانَتْ تَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ لِدَواعٍ سَخِيفَةٍ، فَمِن ذَلِكَ ما يَرْجِعُ إلى شَرائِعِ الأصْنامِ مِثْلَ فَقْءُ عَيْنِ الحامِي، وهو البَعِيرُ الَّذِي حَمى ظَهْرَهُ مِنَ الرُّكُوبِ لِكَثْرَةِ ما أنْسَلَ، ويُسَيَّبُ لِلطَّواغِيتِ. ومِنهُ ما يَرْجِعُ إلى أغْراضٍ ذَمِيمَةٍ كالوَشْمِ إذْ أرادُوا بِهِ التَّزَيُّنَ، وهو تَشْوِيهٌ، وكَذَلِكَ وسْمُ الوُجُوهِ بِالنّارِ. ويُدْخُلُ في مَعْنى تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ وضْعُ المَخْلُوقاتِ في غَيْرِ ما خَلَقَها اللَّهُ لَهُ، وذَلِكَ مِنَ الضَّلالاتِ الخُرافِيَّةِ. كَجَعْلِ الكَواكِبِ آلِهَةً، وجَعْلِ الكُسُوفاتِ والخُسُوفاتِ دَلائِلَ عَلى أحْوالِ النّاسِ. ويَدْخُلُ فِيهِ تَسْوِيلُ الإعْراضِ عَنْ دِينِ الإسْلامِ، الَّذِي هو دِينُ الفِطْرَةِ، والفِطْرَةُ خَلْقُ اللَّهِ؛ فالعُدُولُ عَنِ الإسْلامِ إلى غَيْرِهِ تَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ. ولَيْسَ مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ التَّصَرُّفُ في المَخْلُوقاتِ بِما أذِنَ اللَّهُ فِيهِ ولا ما يَدْخُلُ في مَعْنى الحُسْنِ؛ فَإنَّ الخِتانَ مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ ولَكِنَّهُ لِفَوائِدَ صِحِّيَّةٍ، وكَذَلِكَ حَلْقُ الشَّعْرِ لِفائِدَةِ صفحة ٢٠٦ دَفْعِ بَعْضِ الأضْرارِ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ لِفائِدَةِ تَيْسِيرِ العَمَلِ بِالأيْدِي، وكَذَلِكَ ثَقْبُ الآذانِ لِلنِّساءِ لِوَضْعِ الأقْراطِ والتَّزَيُّنِ. وأمّا ما ورَدَ في السُّنَّةِ مِن لَعْنِ الواصِلاتِ والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ فَمِمّا أشْكَلَ تَأْوِيلُهُ. وأحْسَبُ تَأْوِيلَهُ أنَّ الغَرَضَ مِنهُ النَّهْيُ عَنْ سِماتٍ كانَتْ تُعَدُّ مِن سِماتِ العَواهِرِ في ذَلِكَ العَهْدِ، أوْ مِن سِماتِ المُشْرِكاتِ، وإلّا فَلَوْ فَرَضْنا هَذِهِ مَنهِيًّا عَنْها لَما بَلَغَ النَّهْيُ إلى حَدِّ لَعْنِ فاعِلاتِ ذَلِكَ. ومِلاكُ الأمْرِ أنَّ تَغْيِيرَ خَلْقِ اللَّهِ إنَّما يَكُونُ إثْمًا إذا كانَ فِيهِ حَظٌّ مِن طاعَةِ الشَّيْطانِ، بِأنْ يُجْعَلَ عَلامَةً لِنِحْلَةٍ شَيْطانِيَّةٍ، كَما هو سِياقُ الآيَةِ، واتِّصالُ الحَدِيثِ بِها. وقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ في كِتابِي المُسَمّى: النَّظَرُ الفَسِيحُ عَلى مُشْكِلِ الجامِعِ الصَّحِيحِ. وجُمْلَةُ ﴿ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ تَذْيِيلٌ دالٌّ عَلى أنَّ ما دَعاهم إلَيْهِ الشَّيْطانُ: مِن تَبْتِيكِ آذانِ الأنْعامِ، وتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ، إنَّما دَعاهم إلَيْهِ لِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى اسْتِشْعارِهِمْ بِشِعارِهِ، والتَّدَيُّنِ بِدَعْوَتِهِ، وإلّا فَإنَّ الشَّيْطانَ لا يَنْفَعُهُ أنْ يُبَتِّكَ أحَدٌ أُذُنَ ناقَتِهِ، أوْ أنْ يُغَيِّرَ شَيْئًا مِن خِلْقَتِهِ، إلّا إذا كانَ ذَلِكَ لِلتَّأثُّرِ بِدَعْوَتِهِ. وقَوْلُهُ ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أنَّهُ أنْجَزَ عَزْمَهَ فَوَعَدَ ومَنّى وهو لا يَزالُ يَعِدُ ويُمَنِّي، فَلِذَلِكَ جِيءَ بِالمُضارِعِ. وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ يَأْمُرُهم فَيُبَتِّكُونَ آذانَ الأنْعامِ ويُغَيِّرُونَ خَلْقَ اللَّهِ لِظُهُورِ وُقُوعِهِ لِكُلِّ أحَدٍ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ لِتَنْبِيهِ السّامِعِينَ إلى ما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الخَبَرِ وأنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ أحْرِياءُ بِهِ عَقِبَ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ صِفاتِهِمْ. والمَحِيصُ: المَراغُ والمَلْجَأُ، مِن حاصَ إذا نَفَرَ وراغَ، وفي حَدِيثِ هِرَقْلَ فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إلى الأبْوابِ. وقالَ جَعْفَرُ بْنُ عُلْبَةَ الحارِثِيُّ: ولَمْ نَدْرِ إنْ حِصْنا مِنَ المَوْتِ حَيْصَةً ∗∗∗ كَمِ العُمْرُ باقٍ والمَدى مُتَطاوِلُ رُوِيَ: حِصْنا وحَيْصَةً - بِالحاءِ والصّادِ المُهْمَلَتَيْنِ - ويُقالُ: جاضَ أيْضًا بِالجِيمِ والضّادِ المُعْجَمَةِ، وبِهِما رُوِيَ بَيْتُ جَعْفَرٍ أيْضًا.

النساء 4:121

صفحة ٢٠٣ ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وقالَ لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ﴿ولَأُضِلَّنَّهم ولَأُمَنِّيَنَّهم ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ . كانَ قَوْلُهُ ﴿إنْ يَدْعُونَ﴾ بَيانًا لِقَوْلِهِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]، وأيُّ ضَلالٍ أشَدُّ مِن أنْ يُشْرِكَ أحَدٌ بِاللَّهِ غَيْرَهُ ثُمَّ أنْ يَدَّعِيَ أنَّ شُرَكاءَهُ إناثٌ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ الأُنْثى أضْعَفُ الصِّنْفَيْنِ مِن كُلِّ نَوْعٍ. وأعْجَبُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ هَذا صادِرًا مِنَ العَرَبِ، وقَدْ عَلِمَ النّاسُ حالَ المَرْأةِ بَيْنَهم، وقَدْ حَرَمُوها مِن حُقُوقٍ كَثِيرَةٍ واسْتَضْعَفُوها. فالحَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِأنَّهُ أعْجَبُ أحْوالِ إشْراكِهِمْ، ولِأنَّ أكْبَرَ آلِهَتِهِمْ يَعْتَقِدُونَها أُنْثى وهي: اللّاتُ والعُزّى، ومَناةُ، فَهَذا كَقَوْلِكَ لا عالِمَ إلّا زِيدٌ. وكانَتِ العُزّى لِقُرَيْشٍ، وكانَتْ مَناةُ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ، ولا يَخْفى أنَّ مُعْظَمَ المُعانِدِينَ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ كانُوا مِن هَذَيْنِ الحَيَّيْنِ: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ هم أشَدُّ النّاسِ عَداءً لِلْإسْلامِ، ومُنافِقُو المَدِينَةِ ومُشْرِكُوها أشَدُّ النّاسِ فِتْنَةً في الإسْلامِ. ومَعْنى ﴿وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾: أنَّ دَعْوَتَهُمُ الأصْنامَ دَعْوَةٌ لِلشَّيْطانِ، والمُرادُ جِنْسُ الشَّيْطانِ، وإنَّما جُعِلُوا يَدْعُونَ الشَّيْطانَ لِأنَّهُ الَّذِي سَوَّلَ لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ. والمَرِيدُ: العاصِي والخارِجُ عَنِ المَلِكِ، وفي المَثَلِ (تَمَرَّدَ مارِدٌ وعَزَّ الأبْلَقُ) اسْما حِصْنَيْنِ لِلسَّمَوْألِ، فالمَرِيدُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن مَرُدَ - بِضَمِّ الرّاءِ - إذا عَتا في العِصْيانِ. وجُمْلَةُ لَعَنَهُ اللَّهُ صِفَةٌ لِشَيْطانٍ، أيْ أبْعَدَهُ؛ وتَحْتَمِلُ الدُّعاءَ عَلَيْهِ، لَكِنَّ المَقامَ يَنْبُو عَنِ الِاعْتِراضِ بِالدُّعاءِ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ. وعَطْفُ ﴿وقالَ لَأتَّخِذَنَّ﴾ عَلَيْهِ يَزِيدُ احْتِمالَ صفحة ٢٠٤ الدُّعاءِ بُعْدًا. وسِياقُ هَذِهِ الآيَةِ كَسِياقِ أُخْتِها في قَوْلِهِ ﴿فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤] ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥] ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] الآيَةَ فَكُلُّها أخْبارٌ. وهي تُشِيرُ إلى ما كانَ في أوَّلِ خَلْقِ البَشَرِ مِن تَنافُرِ الأحْوالِ الشَّيْطانِيَّةِ لِأحْوالِ البَشَرِ، ونَشْأةِ العَداوَةِ عَنْ ذَلِكَ التَّنافُرِ، وما كَوَّنَهُ اللَّهُ مِن أسْبابِ الذَّوْدِ عَنْ مَصالِحِ البَشَرِ أنْ تَنالَها القُوى الشَّيْطانِيَّةُ نَوالَ إهْلاكٍ بِحِرْمانِ الشَّياطِينِ مِن رِضا اللَّهِ تَعالى، ومِن مُداخَلَتِهِمْ في مَواقِعِ الصَّلاحِ، إلّا بِمِقْدارِ ما تَنْتَهِزُ تِلْكَ القُوى مِن فَرْضِ مَيْلِ القُوى البَشَرِيَّةِ إلى القُوى الشَّيْطانِيَّةِ وانْجِذابِها، فَتِلْكَ خُلَسٌ تَعْمَلُ الشَّياطِينُ فِيها عَمَلَها، وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] . وتِلْكَ ألْطافٌ مِنَ اللَّهِ أوْدَعَها في نِظامِ الحَياةِ البَشَرِيَّةِ عِنْدَ التَّكْوِينِ، فَغَلَبَ بِسَبَبِها الصَّلاحُ عَلى جَماعَةِ البَشَرِ في كُلِّ عَصْرٍ، وبَقِيَ مَعَها مِنَ الشُّرُورِ حَظٌّ يَسِيرٌ يَنْزِعُ فِيهِ الشَّيْطانُ مَنازِعَهُ، وكَّلَ اللَّهُ أمْرَ الذِّيادِ عَنْهُ إلى إرادَةِ البَشَرِ، بَعْدَ تَزْوِيدِهِمْ بِالنُّصْحِ والإرْشادِ بِواسِطَةِ الشَّرائِعِ والحِكْمَةِ. فَمَعْنى الحِكايَةِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في الشَّيْطانِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا أيْقَنَ بِمُقْتَضاهُ أنَّ فِيهِ المَقْدِرَةَ عَلى فِتْنَةِ البَشَرِ وتَسْخِيرِهِمْ، وكانَتْ في نِظامِ البَشَرِ فُرَصٌ تَدْخُلُ في خِلالِها آثارُ فِتْنَةِ الشَّيْطانِ، فَذَلِكَ هو النَّصِيبُ المَفْرُوضُ، أيِ المَجْعُولُ بِفَرْضِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ في أصْلِ الجِبِلَّةِ. ولَيْسَ قَوْلُهُ ﴿مِن عِبادِكَ﴾ إنْكارًا مِنَ الشَّيْطانِ لِعُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ، ولَكِنَّها جَلافَةُ الخِطابِ النّاشِئَةُ عَنْ خَباثَةِ التَّفْكِيرِ المُتَأصِّلَةِ في جِبِلَّتِهِ، حَتّى لا يَسْتَحْضِرَ الفِكْرَ مِنَ المَعانِي المَدْلُولَةِ إلّا ما لَهُ فِيهِ هَوًى، ولا يَتَفَطَّنُ إلى ما يَحُفُّ بِذَلِكَ مِنَ الغِلْظَةِ، ولا إلى ما يَفُوتُهُ مِنَ الأدَبِ والمَعانِي الجَمِيلَةِ. فَكُلُّ حَظٍّ كانَ لِلشَّيْطانِ في تَصَرُّفاتِ البَشَرِ مِن أعْمالِهِمُ المَعْنَوِيَّةِ: كالعَقائِدِ والتَّفْكِيراتِ الشِّرِّيرَةِ، ومِن أعْمالِهِمُ المَحْسُوسَةِ: كالفَسادِ في الأرْضِ، والإعْلانِ بِخِدْمَةِ الشَّيْطانِ: كَعِبادَةِ الأصْنامِ، والتَّقْرِيبِ لَها، وإعْطاءِ أمْوالِهِمْ لِضَلالِهِمْ، كُلُّ ذَلِكَ مِنَ النَّصِيبِ المَفْرُوضِ. ومَعْنى ﴿ولَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ إضْلالُهم عَنِ الحَقِّ. ومَعْنى ﴿ولَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ لَأعِدَنَّهم مَواعِيدَ كاذِبَةً، أُلْقِيها في نُفُوسِهِمْ، تَجْعَلُهم يَتَمَنَّوْنَ، أيْ يُقَدِّرُونَ غَيْرَ الواقِعِ واقِعًا، إغْراقًا صفحة ٢٠٥ فِي الخَيالِ، لِيَسْتَعِينَ بِذَلِكَ عَلى تَهْوِينِ انْتِشارِ الضَّلالاتِ بَيْنَهم. يُقالُ: مَنّاهُ، إذا وعَدَهُ المَواعِيدَ الباطِلَةَ، وأطْمَعَهُ في وُقُوعِ ما يُحِبُّهُ مِمّا لا يَقَعُ، قالَ كَعْبٌ: فَلا يَغُرَّنَّكَ ما مَنَّتْ وما وعَدَتْ ومِنهُ سُمِّيَ بِالتَّمَنِّي طَلَبُ ما لا طَمَعَ فِيهِ أوْ ما فِيهِ عُسْرٌ. ومَعْنى ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ أيْ آمُرَنَّهم بِأنْ يُبَتِّكُوا آذانَ الأنْعامِ فَلَيُبَتِّكُنَّها، أيْ يَأْمُرُهم فَيَجِدُهم مُمْتَثِلِينَ، فَحُذِفَ مَفْعُولُ أمَرَ اسْتِغْناءً عَنْهُ بِما رُتِّبَ عَلَيْهِ. والتَّبْتِيكُ: القَطْعُ. قالَ تَأبَّطَ شَرًّا: ويَجْعَلُ عَيْنَيْهِ رَبِيئَةَ قَلْبِهِ ∗∗∗ إلى سَلَّةٍ مِن حَدِّ أخْلَقَ باتِكِ . وقَدْ ذَكَرَ هُنا شَيْئًا مِمّا يَأْمُرُ بِهِ الشَّيْطانُ مِمّا يَخُصُّ أحْوالَ العَرَبِ، إذْ كانُوا يَقْطَعُونَ آذانَ الأنْعامِ الَّتِي يَجْعَلُونَها لِطَواغِيتِهِمْ، عَلامَةً عَلى أنَّها مُحَرَّرَةٌ لِلْأصْنامِ، فَكانُوا يَشُقُّونَ آذانَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ، فَكانَ هَذا الشَّقُّ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، إذْ كانَ الباعِثُ عَلَيْهِ غَرَضًا شَيْطانِيًّا. وقَوْلُهُ ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ تَعْرِيضٌ بِما كانَتْ تَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ لِدَواعٍ سَخِيفَةٍ، فَمِن ذَلِكَ ما يَرْجِعُ إلى شَرائِعِ الأصْنامِ مِثْلَ فَقْءُ عَيْنِ الحامِي، وهو البَعِيرُ الَّذِي حَمى ظَهْرَهُ مِنَ الرُّكُوبِ لِكَثْرَةِ ما أنْسَلَ، ويُسَيَّبُ لِلطَّواغِيتِ. ومِنهُ ما يَرْجِعُ إلى أغْراضٍ ذَمِيمَةٍ كالوَشْمِ إذْ أرادُوا بِهِ التَّزَيُّنَ، وهو تَشْوِيهٌ، وكَذَلِكَ وسْمُ الوُجُوهِ بِالنّارِ. ويُدْخُلُ في مَعْنى تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ وضْعُ المَخْلُوقاتِ في غَيْرِ ما خَلَقَها اللَّهُ لَهُ، وذَلِكَ مِنَ الضَّلالاتِ الخُرافِيَّةِ. كَجَعْلِ الكَواكِبِ آلِهَةً، وجَعْلِ الكُسُوفاتِ والخُسُوفاتِ دَلائِلَ عَلى أحْوالِ النّاسِ. ويَدْخُلُ فِيهِ تَسْوِيلُ الإعْراضِ عَنْ دِينِ الإسْلامِ، الَّذِي هو دِينُ الفِطْرَةِ، والفِطْرَةُ خَلْقُ اللَّهِ؛ فالعُدُولُ عَنِ الإسْلامِ إلى غَيْرِهِ تَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ. ولَيْسَ مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ التَّصَرُّفُ في المَخْلُوقاتِ بِما أذِنَ اللَّهُ فِيهِ ولا ما يَدْخُلُ في مَعْنى الحُسْنِ؛ فَإنَّ الخِتانَ مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ ولَكِنَّهُ لِفَوائِدَ صِحِّيَّةٍ، وكَذَلِكَ حَلْقُ الشَّعْرِ لِفائِدَةِ صفحة ٢٠٦ دَفْعِ بَعْضِ الأضْرارِ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ لِفائِدَةِ تَيْسِيرِ العَمَلِ بِالأيْدِي، وكَذَلِكَ ثَقْبُ الآذانِ لِلنِّساءِ لِوَضْعِ الأقْراطِ والتَّزَيُّنِ. وأمّا ما ورَدَ في السُّنَّةِ مِن لَعْنِ الواصِلاتِ والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ فَمِمّا أشْكَلَ تَأْوِيلُهُ. وأحْسَبُ تَأْوِيلَهُ أنَّ الغَرَضَ مِنهُ النَّهْيُ عَنْ سِماتٍ كانَتْ تُعَدُّ مِن سِماتِ العَواهِرِ في ذَلِكَ العَهْدِ، أوْ مِن سِماتِ المُشْرِكاتِ، وإلّا فَلَوْ فَرَضْنا هَذِهِ مَنهِيًّا عَنْها لَما بَلَغَ النَّهْيُ إلى حَدِّ لَعْنِ فاعِلاتِ ذَلِكَ. ومِلاكُ الأمْرِ أنَّ تَغْيِيرَ خَلْقِ اللَّهِ إنَّما يَكُونُ إثْمًا إذا كانَ فِيهِ حَظٌّ مِن طاعَةِ الشَّيْطانِ، بِأنْ يُجْعَلَ عَلامَةً لِنِحْلَةٍ شَيْطانِيَّةٍ، كَما هو سِياقُ الآيَةِ، واتِّصالُ الحَدِيثِ بِها. وقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ في كِتابِي المُسَمّى: النَّظَرُ الفَسِيحُ عَلى مُشْكِلِ الجامِعِ الصَّحِيحِ. وجُمْلَةُ ﴿ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ تَذْيِيلٌ دالٌّ عَلى أنَّ ما دَعاهم إلَيْهِ الشَّيْطانُ: مِن تَبْتِيكِ آذانِ الأنْعامِ، وتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ، إنَّما دَعاهم إلَيْهِ لِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى اسْتِشْعارِهِمْ بِشِعارِهِ، والتَّدَيُّنِ بِدَعْوَتِهِ، وإلّا فَإنَّ الشَّيْطانَ لا يَنْفَعُهُ أنْ يُبَتِّكَ أحَدٌ أُذُنَ ناقَتِهِ، أوْ أنْ يُغَيِّرَ شَيْئًا مِن خِلْقَتِهِ، إلّا إذا كانَ ذَلِكَ لِلتَّأثُّرِ بِدَعْوَتِهِ. وقَوْلُهُ ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أنَّهُ أنْجَزَ عَزْمَهَ فَوَعَدَ ومَنّى وهو لا يَزالُ يَعِدُ ويُمَنِّي، فَلِذَلِكَ جِيءَ بِالمُضارِعِ. وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ يَأْمُرُهم فَيُبَتِّكُونَ آذانَ الأنْعامِ ويُغَيِّرُونَ خَلْقَ اللَّهِ لِظُهُورِ وُقُوعِهِ لِكُلِّ أحَدٍ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ لِتَنْبِيهِ السّامِعِينَ إلى ما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الخَبَرِ وأنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ أحْرِياءُ بِهِ عَقِبَ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ صِفاتِهِمْ. والمَحِيصُ: المَراغُ والمَلْجَأُ، مِن حاصَ إذا نَفَرَ وراغَ، وفي حَدِيثِ هِرَقْلَ فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إلى الأبْوابِ. وقالَ جَعْفَرُ بْنُ عُلْبَةَ الحارِثِيُّ: ولَمْ نَدْرِ إنْ حِصْنا مِنَ المَوْتِ حَيْصَةً ∗∗∗ كَمِ العُمْرُ باقٍ والمَدى مُتَطاوِلُ رُوِيَ: حِصْنا وحَيْصَةً - بِالحاءِ والصّادِ المُهْمَلَتَيْنِ - ويُقالُ: جاضَ أيْضًا بِالجِيمِ والضّادِ المُعْجَمَةِ، وبِهِما رُوِيَ بَيْتُ جَعْفَرٍ أيْضًا.

النساء 4:122

صفحة ٢٠٧ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ١٢١] جَرْيًا عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ الإنْذارِ بِالبِشارَةِ، والوَعِيدِ بِالوَعْدِ. وقَوْلُهُ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ إلَخْ، وهي بِمَعْناهُ، فَلِذَلِكَ يُسَمِّي النُّحاةُ مِثْلَهُ مُؤَكِّدًا لِنَفْسِهِ، أيْ مُؤَكِّدًا لِما هو بِمَعْناهُ. وقَوْلُهُ حَقًّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ ﴿سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ﴾، إذْ كانَ هَذا في مَعْنى الوَعْدِ، أيْ هَذا الوَعْدُ أُحَقِّقُهُ حَقًّا، أيْ لا يَتَخَلَّفُ. ولَمّا كانَ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ خالِيًا عَنْ مَعْنى الإحْقاقِ كانَ هَذا المَصْدَرُ مِمّا يُسَمِّيهِ النُّحاةُ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِغَيْرِهِ. وجُمْلَةُ ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ تَذْيِيلٌ لِلْوَعْدِ وتَحْقِيقٌ لَهُ: أيْ هَذا مِن وعْدِ اللَّهِ، ووُعُودُ اللَّهِ وُعُودُ صِدْقٍ، إذْ لا أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا. فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ لِأنَّ التَّذْيِيلَ مِن أصْنافِ الِاعْتِراضِ وهو اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ، وانْتَصَبَ قِيلًا عَلى تَمْيِيزِ نِسْبَةٍ مِن ﴿أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ﴾ . والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ. والقِيلُ: القَوْلُ، وهو اسْمُ مَصْدَرٍ بِوَزْنِ فِعْلٍ يَجِيءُ في الشَّرِّ والخَيْرِ.

النساء 4:123

﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهْوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ صفحة ٢٠٨ الأظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّنْوِيهِ بِفَضائِلِ الأعْمالِ، والتَّشْوِيهِ بِمَساوِيها، وأنَّ في لَيْسَ ضَمِيرًا عائِدًا عَلى الجَزاءِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ ﴿يُجْزَ بِهِ﴾، أيْ لَيْسَ الجَزاءُ تابِعًا لِأمانِيِّ النّاسِ ومُشْتَهاهم، بَلْ هو أمْرٌ مُقَدَّرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَقْدِيرًا بِحَسَبَ الأعْمالِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا أنَّهُ وقَعَ بَعْدَ تَذْيِيلٍ مُشْعِرٍ بِالنِّهايَةِ وهو قَوْلُهُ ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] . ومِمّا يُرَجِّحُهُ أنَّ في ذَلِكَ الِاعْتِبارِ إبْهامًا في الضَّمِيرِ، ثُمَّ بَيانًا لَهُ بِالجُمْلَةِ بَعْدَهُ، وهي ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾؛ وأنَّ فِيهِ تَقْدِيمُ جُمْلَةِ ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ عَنْ مَوْقِعِها الَّذِي يُتَرَقَّبُ في آخِرِ الكَلامِ، فَكانَ تَقْدِيمُها إظْهارًا لِلِاهْتِمامِ بِها، وتَهْيِئَةً لِإبْهامِ الضَّمِيرِ. وهَذِهِ كُلُّها خَصائِصُ مِن طُرُقِ الإعْجازِ في النَّظْمِ. وجُمْلَةُ ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ لِأنَّ السّامِعَ يَتَساءَلُ عَنْ بَيانِ هَذا النَّفْيِ المُجْمَلِ. ولِهَذا الِاسْتِئْنافُ مَوْقِعٌ مِنَ البَلاغَةِ وخُصُوصِيَّةٌ تَفُوتُ بِغَيْرِ هَذا النَّظْمِ الَّذِي فَسَّرْناهُ. وجَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ الضَّمِيرَ المُسْتَتِرَ عائِدًا عَلى وعْدِ اللَّهِ، أيْ لَيْسَ وعْدُ اللَّهِ بِأمانِيِّكُمْ؛ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مِن تَكْمِلَةِ الكَلامِ السّابِقِ حالًا مِن وعْدَ اللَّهِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا مَحْضًا. رَوى الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ بِسَنَدِهِ إلى أبِي صالِحٍ، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ إلى مَسْرُوقٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ، وبَعْضُ الرِّواياتِ يَزِيدُ عَلى بَعْضٍ، أنَّ سَبَبَ نُزُولِها: أنَّهُ وقَعَ تَحاجٌّ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ: اليَهُودِ والنَّصارى، كُلُّ فَرِيقٍ يَقُولُ لِلْآخَرَيْنِ: نَحْنُ خَيْرٌ مِنكم، ويَحْتَجُّ لِذَلِكَ ويَقُولُ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ عَلى دِينِنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ الآياتِ. فَبَيَّنَ أنَّ كُلَّ مَنِ اتَّبَعَ هُدى اللَّهِ فَهو مِن أهْلِ الجَنَّةِ وكُلَّ مَن ضَلَّ وخالَفَ أمْرَ اللَّهِ فَهو مُجازًى بِسُوءِ عَمِلِهِ، فالَّذِينَ آمَنُوا مِنَ اليَهُودِ قَبْلَ بَعْثَةِ عِيسى وعَمِلُوا الصّالِحاتِ هم مِن أهْلِ الجَنَّةِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا عَلى دِينِ عِيسى، فَبَطَلَ قَوْلُ النَّصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ عَلى دِينِنا. والَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى وعِيسى قَبْلَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ السَّلامُ - وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَبَطَلَ قَوْلُ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ عَلى دِينِنا: فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ حَكَمًا فَصْلًا بَيْنَ الفِرَقِ، وتَعْلِيمًا لَهم أنْ يَنْظُرُوا في تَوَفُّرِ حَقِيقَةِ الإيمانِ الصَّحِيحِ، وتَوَفُّرِ العَمَلِ الصّالِحِ مَعَهُ، ولِذَلِكَ جَمَعَ اللَّهُ أمانِيَّ الفِرَقِ الثَّلاثِ بِقَوْلِهِ صفحة ٢٠٩ ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ . ثُمَّ إنِ اللَّهَ لَوَّحَ إلى فَلْجِ حُجَّةِ المُسْلِمِينَ بِإشارَةِ قَوْلِهِ ﴿وهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ فَإنْ كانَ إيمانٌ اخْتَلَّ مِنهُ بَعْضُ ما جاءَ بِهِ الدِّينُ الحَقُّ، فَهو كالعَدَمِ، فَعَقَّبَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ ﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥] . والمَعْنى أنَّ الفَوْزَ في جانِبِ المُسْلِمِينَ، لا لِأنَّ أمانِيَّهم كَذَلِكَ، بَلْ لِأنَّ أسْبابَ الفَوْزِ والنَّجاةِ مُتَوَفِّرَةٌ في دِينِهِمْ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: قالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ مِنّا. وقالَ المُشْرِكُونَ: لا نُبْعَثُ. والباءُ في قَوْلِهِ ﴿بِأمانِيِّكُمْ﴾ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ لَيْسَ الجَزاءُ حاصِلًا حُصُولًا عَلى حَسَبِ أمانِيِّكم، ولَيْسَتْ هي الباءُ الَّتِي تُزادُ في خَبَرِ لَيْسَ لِأنَّ أمانِيَّ المُخاطَبِينَ واقِعَةٌ لا مَنفِيَّةٌ. والأمانِيُّ: جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ، وهي اسْمٌ لِلتَّمَنِّي، أيْ تَقْدِيرِ غَيْرِ الواقِعِ واقِعًا. والأُمْنِيَّةُ بِوَزْنِ أُفْعُولَةٍ كالأُعْجُوبَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وكَأنَّ ذِكْرَ المُسْلِمِينَ في الأمانِيِّ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ في تَفْوِيضِ الأُمُورِ إلى ما حَكَمَ اللَّهُ ووَعَدَ، وأنَّ ما كانَ خِلافَ ذَلِكَ لا يُعْتَدُّ بِهِ، وما وافَقَهُ هو الحَقُّ، والمَقْصِدُ المُهِمُّ هو قَوْلُهُ ﴿ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ عَلى نَحْوِ ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤] فَإنَّ اليَهُودَ كانُوا في غُرُورٍ، يَقُولُونَ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] . وقَدْ سَمّى اللَّهُ تِلْكَ أمانِيَّ عِنْدَ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] ”تِلْكَ أمانِيُّهم“ . أمّا المُسْلِمُونَ فَمُحاشُونَ مِنَ اعْتِقادِ مِثْلِ ذَلِكَ. وقِيلَ: الخِطابُ لِكُفّارِ العَرَبِ، أيْ لَيْسَ بِأمانِيِّ المُشْرِكِينَ، إذْ جَعَلُوا الأصْنامَ شُفَعاءَهم عِنْدَ اللَّهِ، ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ أنْبِياءَهم وأسْلافَهم يُغْنُونَ عَنْهم مِن عَذابِ اللَّهِ، وهو مَحْمَلٌ لِلْآيَةِ. وقَوْلُهُ ﴿ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ زِيادَةُ تَأْكِيدٍ، لِرَدِّ عَقِيدَةِ مَن يَتَوَهَّمُ أنَّ أحَدًا يُغْنِي عَنْ عَذابِ اللَّهِ. والوَلِيُّ هو المَوْلى، أيِ المُشارِكُ في نَسَبِ القَبِيلَةِ، والمُرادُ بِهِ المُدافِعُ عَنْ قَرِيبِهِ، والنَّصِيرُ الَّذِي إذا اسْتَنْجَدْتَهُ نَصَرَكَ، أوِ الحَلِيفُ، وكانَ النَّصْرُ في الجاهِلِيَّةِ بِأحَدِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ. صفحة ٢١٠ ووَجْهُ قَوْلِهِ ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ قَصْدُ التَّعْمِيمِ والرَّدِّ عَلى مَن يَحْرِمُ المَرْأةَ حُظُوظًا كَثِيرَةً مِنَ الخَيْرِ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ أوْ مِن أهْلِ الكِتابِ. وفي الحَدِيثِ «ولْيَشْهَدْنَ الخَيْرَ ودَعْوَةَ المُسْلِمِينَ» . و”مِن“ لِبَيانِ الإبْهامِ الَّذِي في مَنِ الشَّرْطِيَّةِ في قَوْلِهِ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يَدْخُلُونَ“ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الخاءِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الخاءِ عَلى البِناءِ لِلنّائِبِ.

النساء 4:124

﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهْوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ صفحة ٢٠٨ الأظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّنْوِيهِ بِفَضائِلِ الأعْمالِ، والتَّشْوِيهِ بِمَساوِيها، وأنَّ في لَيْسَ ضَمِيرًا عائِدًا عَلى الجَزاءِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ ﴿يُجْزَ بِهِ﴾، أيْ لَيْسَ الجَزاءُ تابِعًا لِأمانِيِّ النّاسِ ومُشْتَهاهم، بَلْ هو أمْرٌ مُقَدَّرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَقْدِيرًا بِحَسَبَ الأعْمالِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا أنَّهُ وقَعَ بَعْدَ تَذْيِيلٍ مُشْعِرٍ بِالنِّهايَةِ وهو قَوْلُهُ ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] . ومِمّا يُرَجِّحُهُ أنَّ في ذَلِكَ الِاعْتِبارِ إبْهامًا في الضَّمِيرِ، ثُمَّ بَيانًا لَهُ بِالجُمْلَةِ بَعْدَهُ، وهي ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾؛ وأنَّ فِيهِ تَقْدِيمُ جُمْلَةِ ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ عَنْ مَوْقِعِها الَّذِي يُتَرَقَّبُ في آخِرِ الكَلامِ، فَكانَ تَقْدِيمُها إظْهارًا لِلِاهْتِمامِ بِها، وتَهْيِئَةً لِإبْهامِ الضَّمِيرِ. وهَذِهِ كُلُّها خَصائِصُ مِن طُرُقِ الإعْجازِ في النَّظْمِ. وجُمْلَةُ ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ لِأنَّ السّامِعَ يَتَساءَلُ عَنْ بَيانِ هَذا النَّفْيِ المُجْمَلِ. ولِهَذا الِاسْتِئْنافُ مَوْقِعٌ مِنَ البَلاغَةِ وخُصُوصِيَّةٌ تَفُوتُ بِغَيْرِ هَذا النَّظْمِ الَّذِي فَسَّرْناهُ. وجَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ الضَّمِيرَ المُسْتَتِرَ عائِدًا عَلى وعْدِ اللَّهِ، أيْ لَيْسَ وعْدُ اللَّهِ بِأمانِيِّكُمْ؛ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مِن تَكْمِلَةِ الكَلامِ السّابِقِ حالًا مِن وعْدَ اللَّهِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا مَحْضًا. رَوى الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ بِسَنَدِهِ إلى أبِي صالِحٍ، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ إلى مَسْرُوقٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ، وبَعْضُ الرِّواياتِ يَزِيدُ عَلى بَعْضٍ، أنَّ سَبَبَ نُزُولِها: أنَّهُ وقَعَ تَحاجٌّ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ: اليَهُودِ والنَّصارى، كُلُّ فَرِيقٍ يَقُولُ لِلْآخَرَيْنِ: نَحْنُ خَيْرٌ مِنكم، ويَحْتَجُّ لِذَلِكَ ويَقُولُ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ عَلى دِينِنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ الآياتِ. فَبَيَّنَ أنَّ كُلَّ مَنِ اتَّبَعَ هُدى اللَّهِ فَهو مِن أهْلِ الجَنَّةِ وكُلَّ مَن ضَلَّ وخالَفَ أمْرَ اللَّهِ فَهو مُجازًى بِسُوءِ عَمِلِهِ، فالَّذِينَ آمَنُوا مِنَ اليَهُودِ قَبْلَ بَعْثَةِ عِيسى وعَمِلُوا الصّالِحاتِ هم مِن أهْلِ الجَنَّةِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا عَلى دِينِ عِيسى، فَبَطَلَ قَوْلُ النَّصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ عَلى دِينِنا. والَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى وعِيسى قَبْلَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ السَّلامُ - وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَبَطَلَ قَوْلُ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ عَلى دِينِنا: فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ حَكَمًا فَصْلًا بَيْنَ الفِرَقِ، وتَعْلِيمًا لَهم أنْ يَنْظُرُوا في تَوَفُّرِ حَقِيقَةِ الإيمانِ الصَّحِيحِ، وتَوَفُّرِ العَمَلِ الصّالِحِ مَعَهُ، ولِذَلِكَ جَمَعَ اللَّهُ أمانِيَّ الفِرَقِ الثَّلاثِ بِقَوْلِهِ صفحة ٢٠٩ ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ . ثُمَّ إنِ اللَّهَ لَوَّحَ إلى فَلْجِ حُجَّةِ المُسْلِمِينَ بِإشارَةِ قَوْلِهِ ﴿وهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ فَإنْ كانَ إيمانٌ اخْتَلَّ مِنهُ بَعْضُ ما جاءَ بِهِ الدِّينُ الحَقُّ، فَهو كالعَدَمِ، فَعَقَّبَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ ﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥] . والمَعْنى أنَّ الفَوْزَ في جانِبِ المُسْلِمِينَ، لا لِأنَّ أمانِيَّهم كَذَلِكَ، بَلْ لِأنَّ أسْبابَ الفَوْزِ والنَّجاةِ مُتَوَفِّرَةٌ في دِينِهِمْ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: قالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ مِنّا. وقالَ المُشْرِكُونَ: لا نُبْعَثُ. والباءُ في قَوْلِهِ ﴿بِأمانِيِّكُمْ﴾ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ لَيْسَ الجَزاءُ حاصِلًا حُصُولًا عَلى حَسَبِ أمانِيِّكم، ولَيْسَتْ هي الباءُ الَّتِي تُزادُ في خَبَرِ لَيْسَ لِأنَّ أمانِيَّ المُخاطَبِينَ واقِعَةٌ لا مَنفِيَّةٌ. والأمانِيُّ: جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ، وهي اسْمٌ لِلتَّمَنِّي، أيْ تَقْدِيرِ غَيْرِ الواقِعِ واقِعًا. والأُمْنِيَّةُ بِوَزْنِ أُفْعُولَةٍ كالأُعْجُوبَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وكَأنَّ ذِكْرَ المُسْلِمِينَ في الأمانِيِّ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ في تَفْوِيضِ الأُمُورِ إلى ما حَكَمَ اللَّهُ ووَعَدَ، وأنَّ ما كانَ خِلافَ ذَلِكَ لا يُعْتَدُّ بِهِ، وما وافَقَهُ هو الحَقُّ، والمَقْصِدُ المُهِمُّ هو قَوْلُهُ ﴿ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ عَلى نَحْوِ ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤] فَإنَّ اليَهُودَ كانُوا في غُرُورٍ، يَقُولُونَ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] . وقَدْ سَمّى اللَّهُ تِلْكَ أمانِيَّ عِنْدَ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] ”تِلْكَ أمانِيُّهم“ . أمّا المُسْلِمُونَ فَمُحاشُونَ مِنَ اعْتِقادِ مِثْلِ ذَلِكَ. وقِيلَ: الخِطابُ لِكُفّارِ العَرَبِ، أيْ لَيْسَ بِأمانِيِّ المُشْرِكِينَ، إذْ جَعَلُوا الأصْنامَ شُفَعاءَهم عِنْدَ اللَّهِ، ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ أنْبِياءَهم وأسْلافَهم يُغْنُونَ عَنْهم مِن عَذابِ اللَّهِ، وهو مَحْمَلٌ لِلْآيَةِ. وقَوْلُهُ ﴿ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ زِيادَةُ تَأْكِيدٍ، لِرَدِّ عَقِيدَةِ مَن يَتَوَهَّمُ أنَّ أحَدًا يُغْنِي عَنْ عَذابِ اللَّهِ. والوَلِيُّ هو المَوْلى، أيِ المُشارِكُ في نَسَبِ القَبِيلَةِ، والمُرادُ بِهِ المُدافِعُ عَنْ قَرِيبِهِ، والنَّصِيرُ الَّذِي إذا اسْتَنْجَدْتَهُ نَصَرَكَ، أوِ الحَلِيفُ، وكانَ النَّصْرُ في الجاهِلِيَّةِ بِأحَدِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ. صفحة ٢١٠ ووَجْهُ قَوْلِهِ ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ قَصْدُ التَّعْمِيمِ والرَّدِّ عَلى مَن يَحْرِمُ المَرْأةَ حُظُوظًا كَثِيرَةً مِنَ الخَيْرِ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ أوْ مِن أهْلِ الكِتابِ. وفي الحَدِيثِ «ولْيَشْهَدْنَ الخَيْرَ ودَعْوَةَ المُسْلِمِينَ» . و”مِن“ لِبَيانِ الإبْهامِ الَّذِي في مَنِ الشَّرْطِيَّةِ في قَوْلِهِ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يَدْخُلُونَ“ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الخاءِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الخاءِ عَلى البِناءِ لِلنّائِبِ.

النساء 4:125

﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ . الأظْهَرُ أنَّ الواوَ لِلْحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ [النساء: ١٢٤] الَّذِي ماصَدَقُهُ المُؤْمِنُونَ الصّالِحُونَ، فَلَمّا ذَكَرَ ثَوابَ المُؤْمِنِينَ أعْقَبَهُ بِتَفْضِيلِ دِينِهِمْ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ. وانْتَصَبَ دِينًا عَلى التَّمْيِيزِ. وإسْلامُ الوَجْهِ كِنايَةٌ عَنْ تَمامِ الطّاعَةِ والِاعْتِرافِ بِالعُبُودِيَّةِ، وهو أحْسَنُ الكِناياتِ، لِأنَّ الوَجْهَ أشْرَفُ الأعْضاءِ، وفِيهِ ما كانَ بِهِ الإنْسانُ إنْسانًا، وفي القُرْآنِ ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [آل عمران: ٢٠] . والعَرَبُ تَذْكُرُ أشْياءَ مِن هَذا القَبِيلِ كَقَوْلِهِ ﴿لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥]، ويَقُولُونَ: أخَذَ بِساقِهِ، أيْ تَمَكَّنَ مِنهُ، وكَأنَّهُ تَمْثِيلٌ لِإمْساكِ الرُّعاةِ الأنْعامَ. وفِي الحَدِيثِ «الطَّلاقُ لِمَن أخَذَ بِالسّاقِ» . ويَقُولُونَ: ألْقى إلَيْهِ القِيادَ، وألْقى إلَيْهِ الزِّمامَ، وقالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: يَقُولُ أنْفِي لَكَ عانٍ راغِمُ ويَقُولُونَ: يَدِي رَهْنٌ لِفُلانٍ. وأرادَ بِإسْلامِ الوَجْهِ الِاعْتِرافَ بِوُجُودِ اللَّهِ ووَحْدانِيَّتِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ما فِيهِ بَيانٌ لِهَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وقَوْلِهِ ﴿وأوْصى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ﴾ [البقرة: ١٣٢] . صفحة ٢١١ وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ حالٌ قُصِدَ مِنها اتِّصافُهُ بِالإحْسانِ حِينَ إسْلامِهِ وجْهَهُ لِلَّهِ، أيْ خَلَعَ الشِّرْكَ قاصِدًا الإحْسانَ، أيْ راغِبًا في الإسْلامِ لِما رَأى فِيهِ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى الإحْسانِ. ومَعْنى ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ أنَّهُ اتَّبَعَ شَرِيعَةَ الإسْلامِ الَّتِي هي عَلى أُسُسِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ. فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أوْصافٍ بِها يَكْمُلُ مَعْنى الدُّخُولِ في الإسْلامِ، ولَعَلَّها هي: الإيمانُ، والإحْسانُ، والإسْلامُ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ مَعْنى ﴿أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أنَّهُ دَخَلَ في الإسْلامِ، وأنَّ قَوْلَهُ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ مُخْلِصٌ راغِبٌ في الخَيْرِ، وأنَّ اتِّباعَ مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَنى بِهِ التَّوْحِيدَ. وتَقَدَّمَ أنَّ حَنِيفًا مَعْناهُ مائِلًا عَنِ الشِّرْكِ أوْ مُتَعَبِّدًا. وإذا جَعَلْتَ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أيْ عامِلٌ الصّالِحاتِ كانَ قَوْلُهُ ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ بِمَنزِلَةِ عَطْفِ المُرادِفِ وهو بَعِيدٌ. وقَوْلُهُ ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ عَطَفَ ثَناءَ إبْراهِيمَ عَلى مَدْحِ مَنِ اتَّبَعَ دِينَهُ: زِيادَةَ تَنْوِيهٍ بِدِينِ إبْراهِيمَ، فَأخْبَرَ أنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا. والخَلِيلُ في كَلامِ العَرَبِ الصّاحِبُ المُلازِمُ الَّذِي لا يَخْفى عَنْهُ شَيْءٌ مِن أُمُورِ صاحِبِهِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الخِلالِ، وهو النَّواحِي المُتَخَلِّلَةُ لِلْمَكانِ ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ [النور: ٤٣] ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣] . هَذا أظْهَرُ الوُجُوهِ في اشْتِقاقِ الخَلِيلِ. ويُقالُ: خِلٌّ وخُلٌّ بِكَسْرِ الخاءِ وضَمِّها ومُؤَنَّثُهُ: خُلَّةٌ بِضَمِّ الخاءِ، ولا يُقالُ بِكَسْرِ الخاءِ، قالَ كَعْبٌ: أكْرِمْ بِها خُلَّةً لَوْ أنَّها صَدَقَتْ وجَمْعُها خَلائِلُ. وتُطْلَقُ الخُلَّةُ - بِضَمِّ الخاءِ - عَلى الصُّحْبَةِ الخالِصَةِ ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وجَمْعُها خِلالٌ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١] . ومَعْنى اتِّخاذِ اللَّهِ إبْراهِيمَ خَلِيلًا شِدَّةُ رِضا اللَّهِ عَنْهُ، إذْ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ الخُلَّةَ الحَقِيقِيَّةَ تَسْتَحِيلُ عَلى اللَّهِ فَأُرِيدَ لَوازِمُها وهي الرِّضا، واسْتِجابَةُ الدَّعْوَةِ، وذِكْرُهُ بِخَيْرٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ. وجُمْلَةُ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ إلَخْ تَذْيِيلٌ جُعِلَ كالِاحْتِراسِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالخَلِيلِ لازِمُ مَعْنى الخُلَّةِ، ولَيْسَتْ هي كَخُلَّةِ النّاسِ مُقْتَضِيَةً المُساواةَ أوِ التَّفْضِيلَ. فالمُرادُ مِنها الكِنايَةُ عَنْ عُبُودِيَّةِ إبْراهِيمَ في جُمْلَةِ ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ . والمُحِيطُ: العَلِيمُ.

النساء 4:126

﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ . الأظْهَرُ أنَّ الواوَ لِلْحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ [النساء: ١٢٤] الَّذِي ماصَدَقُهُ المُؤْمِنُونَ الصّالِحُونَ، فَلَمّا ذَكَرَ ثَوابَ المُؤْمِنِينَ أعْقَبَهُ بِتَفْضِيلِ دِينِهِمْ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ. وانْتَصَبَ دِينًا عَلى التَّمْيِيزِ. وإسْلامُ الوَجْهِ كِنايَةٌ عَنْ تَمامِ الطّاعَةِ والِاعْتِرافِ بِالعُبُودِيَّةِ، وهو أحْسَنُ الكِناياتِ، لِأنَّ الوَجْهَ أشْرَفُ الأعْضاءِ، وفِيهِ ما كانَ بِهِ الإنْسانُ إنْسانًا، وفي القُرْآنِ ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [آل عمران: ٢٠] . والعَرَبُ تَذْكُرُ أشْياءَ مِن هَذا القَبِيلِ كَقَوْلِهِ ﴿لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥]، ويَقُولُونَ: أخَذَ بِساقِهِ، أيْ تَمَكَّنَ مِنهُ، وكَأنَّهُ تَمْثِيلٌ لِإمْساكِ الرُّعاةِ الأنْعامَ. وفِي الحَدِيثِ «الطَّلاقُ لِمَن أخَذَ بِالسّاقِ» . ويَقُولُونَ: ألْقى إلَيْهِ القِيادَ، وألْقى إلَيْهِ الزِّمامَ، وقالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: يَقُولُ أنْفِي لَكَ عانٍ راغِمُ ويَقُولُونَ: يَدِي رَهْنٌ لِفُلانٍ. وأرادَ بِإسْلامِ الوَجْهِ الِاعْتِرافَ بِوُجُودِ اللَّهِ ووَحْدانِيَّتِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ما فِيهِ بَيانٌ لِهَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وقَوْلِهِ ﴿وأوْصى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ﴾ [البقرة: ١٣٢] . صفحة ٢١١ وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ حالٌ قُصِدَ مِنها اتِّصافُهُ بِالإحْسانِ حِينَ إسْلامِهِ وجْهَهُ لِلَّهِ، أيْ خَلَعَ الشِّرْكَ قاصِدًا الإحْسانَ، أيْ راغِبًا في الإسْلامِ لِما رَأى فِيهِ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى الإحْسانِ. ومَعْنى ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ أنَّهُ اتَّبَعَ شَرِيعَةَ الإسْلامِ الَّتِي هي عَلى أُسُسِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ. فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أوْصافٍ بِها يَكْمُلُ مَعْنى الدُّخُولِ في الإسْلامِ، ولَعَلَّها هي: الإيمانُ، والإحْسانُ، والإسْلامُ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ مَعْنى ﴿أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أنَّهُ دَخَلَ في الإسْلامِ، وأنَّ قَوْلَهُ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ مُخْلِصٌ راغِبٌ في الخَيْرِ، وأنَّ اتِّباعَ مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَنى بِهِ التَّوْحِيدَ. وتَقَدَّمَ أنَّ حَنِيفًا مَعْناهُ مائِلًا عَنِ الشِّرْكِ أوْ مُتَعَبِّدًا. وإذا جَعَلْتَ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أيْ عامِلٌ الصّالِحاتِ كانَ قَوْلُهُ ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ بِمَنزِلَةِ عَطْفِ المُرادِفِ وهو بَعِيدٌ. وقَوْلُهُ ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ عَطَفَ ثَناءَ إبْراهِيمَ عَلى مَدْحِ مَنِ اتَّبَعَ دِينَهُ: زِيادَةَ تَنْوِيهٍ بِدِينِ إبْراهِيمَ، فَأخْبَرَ أنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا. والخَلِيلُ في كَلامِ العَرَبِ الصّاحِبُ المُلازِمُ الَّذِي لا يَخْفى عَنْهُ شَيْءٌ مِن أُمُورِ صاحِبِهِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الخِلالِ، وهو النَّواحِي المُتَخَلِّلَةُ لِلْمَكانِ ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾ [النور: ٤٣] ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣] . هَذا أظْهَرُ الوُجُوهِ في اشْتِقاقِ الخَلِيلِ. ويُقالُ: خِلٌّ وخُلٌّ بِكَسْرِ الخاءِ وضَمِّها ومُؤَنَّثُهُ: خُلَّةٌ بِضَمِّ الخاءِ، ولا يُقالُ بِكَسْرِ الخاءِ، قالَ كَعْبٌ: أكْرِمْ بِها خُلَّةً لَوْ أنَّها صَدَقَتْ وجَمْعُها خَلائِلُ. وتُطْلَقُ الخُلَّةُ - بِضَمِّ الخاءِ - عَلى الصُّحْبَةِ الخالِصَةِ ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وجَمْعُها خِلالٌ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١] . ومَعْنى اتِّخاذِ اللَّهِ إبْراهِيمَ خَلِيلًا شِدَّةُ رِضا اللَّهِ عَنْهُ، إذْ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ الخُلَّةَ الحَقِيقِيَّةَ تَسْتَحِيلُ عَلى اللَّهِ فَأُرِيدَ لَوازِمُها وهي الرِّضا، واسْتِجابَةُ الدَّعْوَةِ، وذِكْرُهُ بِخَيْرٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ. وجُمْلَةُ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ إلَخْ تَذْيِيلٌ جُعِلَ كالِاحْتِراسِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالخَلِيلِ لازِمُ مَعْنى الخُلَّةِ، ولَيْسَتْ هي كَخُلَّةِ النّاسِ مُقْتَضِيَةً المُساواةَ أوِ التَّفْضِيلَ. فالمُرادُ مِنها الكِنايَةُ عَنْ عُبُودِيَّةِ إبْراهِيمَ في جُمْلَةِ ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ . والمُحِيطُ: العَلِيمُ.

النساء 4:127

صفحة ٢١٢ ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ . عُطِفَ تَشْرِيعٌ عَلى إيمانٍ وحِكْمَةٍ وعِظَةٍ. ولَعَلَّ هَذا الِاسْتِفْتاءُ حَدَثَ حِينَ نُزُولِ الآياتِ السّابِقَةِ، فَذَكَرَ حُكْمَهُ عَقِبَها مَعْطُوفًا، وهَذا الِاسْتِفْتاءُ حَصَلَ مِنَ المُسْلِمِينَ بَعْدَ أنْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢] إلَخْ. وأحْسَنُ ما ورَدَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَألَ عائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ [النساء: ٣] قالَتْ: يا ابْنَ أُخْتِي هَذِهِ اليَتِيمَةُ تَكُونُ في حَجْرِ ولِيِّها تَشْرَكُهُ في مالِهِ ويُعْجِبُهُ مالَها وجَمالَها فَيُرِيدُ أنْ يَتَزَوَّجَها بِغَيْرِ أنْ يُقْسِطَ في صَداقِها فَيُعْطِيَها مِثْلَ ما يُعْطِيها غَيْرُهُ، فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلّا أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ ويَبْلُغُوا بِهِنَّ أعْلى سُنَّتِهِنَّ في الصَّداقِ، وأُمِرُوا أنْ يَنْكِحُوا ما طابَ لَهم مِنَ النِّساءِ سِواهُنَّ. وأنَّ النّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾ . قالَتْ عائِشَةُ: وقَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةُ أحَدِكم عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المالِ والجَمالِ؛ قالَتْ: فَنُهُوا عَنْ أنْ يَنْكِحُوا مَن رَغِبُوا في مالِها وجَمالِها مِن يَتامى النِّساءِ إلّا بِالقِسْطِ مِن أجْلِ رَغْبَتِهِنَّ عَنْهُنَّ إذا كُنَّ قَلِيلاتِ المالِ والجَمالِ، وكانَ الوَلِيُّ يَرْغَبُ عَنْ أنْ يَنْكِحَها ويَكْرَهَ أنْ يُزَوِّجَها رَجُلًا فَيُشْرِكَهُ في مالِهِ بِما شَرِكَتْهُ فَيَعْضُلُها. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. فالمُرادُ: ويَسْتَفْتُونَكَ في أحْكامِ النِّساءِ إذْ قَدْ عُلِمَ أنَّ الِاسْتِفْتاءَ لا يَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ، فَهو مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] . وأخَصُّ الأحْكامِ بِالنِّساءِ: أحْكامُ وِلايَتِهِنَّ، وأحْكامُ مُعاشَرَتِهِنَّ. ولَيْسَ المَقْصُودُ هُنا مِيراثَ النِّساءِ إذْ لا خُطُورَ لَهُ بِالبالِ هُنا. وقَوْلُهُ ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ﴾ وعْدٌ بِاسْتِيفاءِ الإجابَةِ عَنِ الِاسْتِفْتاءِ، وهو ضَرْبٌ مِن تَبْشِيرِ السّائِلِ المُتَحَيِّرِ بِأنَّهُ قَدْ وجَدَ طِلْبَتَهُ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ. صفحة ٢١٣ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨] . وتَقْدِيمُ اسْمِ الجَلالَةِ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ هَذِهِ الفُتْيا. وقَوْلُهُ ﴿وما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ عُطِفَ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ، أيْ ويُفْتِيكم فِيهِنَّ ما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ، أيِ القُرْآنِ. وإسْنادُ الإفْتاءِ إلى ما يُتْلى إسْنادٌ مَجازِيٌّ، لِأنَّ ما يُتْلى دالٌّ عَلى إفْتاءِ اللَّهِ فَهو سَبَبٌ فِيهِ، فَآلَ المَعْنى إلى: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ بِما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ، والمُرادُ بِذَلِكَ ما تُلِيَ عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ السُّورَةِ، وما سَيُتْلى بَعْدَ ذَلِكَ، فَإنَّ التَّذْكِيرَ بِهِ وتَكْرِيرَهُ إفْتاءٌ بِهِ مَرَّةً ثانِيَةً، وما أتْبَعَ بِهِ مِنَ الأحْكامِ إفْتاءٌ أيْضًا. وقَدْ ألَمَّتِ الآيَةُ بِخُلاصَةِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] إلى قَوْلِهِ ﴿وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦] . وكَذَلِكَ أشارَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى فِقَرٍ مِمّا تَقَدَّمَ: بِقَوْلِهِ هُنا ﴿فِي يَتامى النِّساءِ اللّاتِي لا تُؤْتُوهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ فَأشارَ إلى قَوْلِهِ ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا﴾ [النساء: ٣] إلى قَوْلِهِ ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] . ولِحَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ بَعْدَ تَرْغَبُونَ هُنا مَوْقِعٌ عَظِيمٌ مِنَ الإيجازِ وإكْثارِ المَعْنى، أيْ تَرْغَبُونَ عَنْ نِكاحِ بَعْضِهِنَّ، وفي نِكاحِ بَعْضٍ آخَرَ، فَإنَّ فِعْلَ رَغِبَ يَتَعَدّى بِحَرْفِ (عَنْ) لِلشَّيْءِ الَّذِي لا يُحَبُّ؛ وبِحَرْفِ (في) لِلشَّيْءِ المَحْبُوبِ. فَإذا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ احْتَمَلَ المَعْنَيَيْنِ إنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما تَنافٍ، وذَلِكَ قَدْ شَمَلَهُ قَوْلُهُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿وإنْ خِفْتُمْ أنْ لا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا﴾ [النساء: ٢] إلَخْ. وأشارَ بِقَوْلِهِ هُنا ﴿والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ﴾ إلى قَوْلِهِ هُنالِكَ ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] إلى كَبِيرًا وإلى قَوْلِهِ ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] إلى قَوْلِهِ مَعْرُوفًا. وأشارَ بِقَوْلِهِ ﴿وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ﴾ إلى قَوْلِهِ هُنالِكَ ﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾ [النساء: ٦] إلى حَسِيبًا. ولا شَكَّ أنَّ ما يُتْلى في الكِتابِ هو مِن إفْتاءِ اللَّهِ، إلّا أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ عَلى وقْتِ الِاسْتِفْتاءِ كانَ مُغايِرًا لِلْمَقْصُودِ مِن قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ﴾، فَلِذَلِكَ صَحَّ عَطْفُهُ عَلَيْهِ عَطْفَ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ. والإفْتاءُ الأُنُفُ هو مِن قَوْلِهِ ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ [النساء: ١٢٨] إلى ﴿واسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠] . و”في“ مِن قَوْلِهِ ﴿فِي يَتامى النِّساءِ﴾ لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، أيْ في شَأْنِهِنَّ، أوْ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ لِأجْلِهِنَّ، ومَعْنى ﴿كُتِبَ لَهُنَّ﴾ فُرِضَ لَهُنَّ إمّا مِن أمْوالِ مَن يَرِثْنَهم، أوْ مِنَ صفحة ٢١٤ المُهُورِ الَّتِي تَدْفَعُونَها لَهُنَّ، فَلا تُوَفُّوهُنَّ مُهُورَ أمْثالِهِنَّ، والكُلُّ يُعَدُّ مَكْتُوبًا لَهُنَّ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وعَلى الوَجْهَيْنِ يَجِيءُ التَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الِاحْتِمالَيْنِ في قَوْلِهِ ﴿ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ وفي قَوْلِهِ ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ . مَقْصُودَيْنِ عَلى حَدِّ اسْتِعْمالِ المُشْتَرِكِ في مَعْنَيَيْهِ. وقَوْلُهُ ”والمُسْتَضْعَفِينَ“ عَطْفٌ عَلى ﴿يَتامى النِّساءِ﴾، وهو تَكْمِيلٌ وإدْماجٌ، لِأنَّ الِاسْتِفْتاءَ كانَ في شَأْنِ النِّساءِ خاصَّةً، والمُرادُ المُسْتَضْعَفُونَ والمُسْتَضْعَفاتُ، ولَكِنَّ صِيغَةَ التَّذْكِيرِ تَغْلِيبٌ، وكَذَلِكَ الوِلْدانُ، وقَدْ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ أمْوالَ مَن في حِجْرِهِمْ مِنَ الصِّغارِ. وقَوْلُهُ ﴿وأنْ تَقُومُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿يَتامى النِّساءِ﴾، أيْ وما يُتْلى عَلَيْكم في القِيامِ لِلْيَتامى بِالعَدْلِ. ومَعْنى القِيامِ لَهُمُ التَّدْبِيرُ لِشُئُونِهِمْ، وذَلِكَ يَشْمَلُ يَتامى النِّساءِ.

النساء 4:128

﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَصّالَحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ وإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ . عَطْفٌ لِبَقِيَّةِ إفْتاءِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا حُكْمُ اخْتِلالِ المُعاشَرَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ في قَوْلِهِ ﴿واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] الآيَةَ، في هَذِهِ السُّورَةِ، فَذَلِكَ حُكْمُ فَصْلِ القَضاءِ بَيْنَهُما، وما هَنا حُكْمُ الِانْفِصالِ بِالصُّلْحِ بَيْنَهُما، وذَلِكَ ذُكِرَ فِيهِ نُشُوزُ المَرْأةِ، صفحة ٢١٥ وهُنا ذُكِرَ نُشُوزُ البَعْلِ. والبَعْلُ زَوْجُ المَرْأةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ إطْلاقِ هَذا الِاسْمِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وصِيغَةُ ”فَلا جُناحَ“ مِن صِيَغِ الإباحَةِ ظاهِرًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى الإذْنِ لِلزَّوْجَيْنِ في صُلْحٍ يَقَعُ بَيْنَهُما. وقَدْ عُلِمَ أنَّ الإباحَةَ لا تُذْكَرُ إلّا حَيْثُ يُظَنُّ المَنعُ، فالمَقْصُودُ الإذْنُ في صُلْحٍ يَكُونُ بِخُلْعٍ: أيْ عِوَضٍ مالِيٍّ تُعْطِيهِ المَرْأةُ، أوْ تَنازُلٍ عَنْ بَعْضِ حُقُوقِها. فَيَكُونُ مَفادُ هَذِهِ الآيَةِ أعَمَّ مِن مَفادِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلّا أنْ يَخافا ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإنْ خِفْتُمْ ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فَسَمّاهُ هُناكَ افْتِداءً، وسَمّاهُ هُنا صُلْحًا. وقَدْ شاعَ في الِاسْتِعْمالِ إطْلاقُ الصُّلْحِ عَلى التَّراضِي بَيْنَ الخَصْمَيْنِ عَلى إسْقاطِ بَعْضِ الحَقِّ، وهو الأظْهَرُ هُنا. واصْطَلَحَ الفُقَهاءُ مِنَ المالِكِيَّةِ: عَلى إطْلاقِ الِافْتِداءِ عَلى اخْتِلاعِ المَرْأةِ مِن زَوْجِها بِمالٍ تُعْطِيهِ، وإطْلاقِ الخُلْعِ عَلى الِاخْتِلاعِ بِإسْقاطِها عَنْهُ بَقِيَّةَ الصَّداقِ، أوِ النَّفَقَةَ لَها، أوْ لِأوْلادِها. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ صِيغَةُ ”لا جُناحَ“ مُسْتَعْمَلَةً في التَّحْرِيضِ عَلى الصُّلْحِ. أيْ إصْلاحِ أمْرِهِما بِالصُّلْحِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ، فَنَفْيُ الجُناحِ مِنَ الِاسْتِعارَةِ التَّمْلِيحِيَّةِ؛ شَبَّهَ حالَ مَن تَرَكَ الصُّلْحَ واسْتَمَرَّ عَلى النُّشُوزِ والإعْراضِ بِحالِ مَن تَرَكَ الصُّلْحَ عَنْ عَمْدٍ لِظَنِّهِ أنَّ في الصُّلْحِ جُناحًا. فالمُرادُ الصُّلْحُ بِمَعْنى إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، والأشْهَرُ فِيهِ أنْ يُقالَ الإصْلاحُ. والمَقْصُودُ الأمْرُ بِأسْبابِ الصُّلْحِ، وهي: الإغْضاءُ عَنِ الهَفَواتِ، ومُقابَلَةُ الغِلْظَةِ بِاللِّينِ، وهَذا أنْسَبُ وألْيَقُ بِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ . ولِلنُّشُوزِ والإعْراضِ أحْوالٌ كَثِيرَةٌ: تَقْوى وتَضْعُفُ، وتَخْتَلِفُ عَواقِبُها، بِاخْتِلافِ أحْوالِ الأنْفُسِ، ويَجْمَعُها قَوْلُهُ ﴿خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ . ولِلصُّلْحِ أحْوالٌ كَثِيرَةٌ: مِنها المُخالَعَةُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ ما ورَدَ مِنَ الآثارِ الدّالَّةِ عَلى حَوادِثَ مِن هَذا القَبِيلِ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ، عَنْ عائِشَةَ، قالَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾ قالَتْ: الرَّجُلُ يَكُونُ عِنْدَهُ المَرْأةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنها يُرِيدُ أنْ يُفارِقَها، فَتَقُولُ لَهُ أجْعَلُكَ مِن شَأْنِي في حِلٍّ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ورَوى التِّرْمِذِيُّ، بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ سَوْدَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ وهَبَتْ يَوْمَها لِعائِشَةَ. وفي أسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ: صفحة ٢١٦ أنَّ ابْنَةَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ كانَتْ عِنْدَ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فَكَرِهَ مِنها أمْرًا، أيْ كِبَرًا فَأرادَ طَلاقَها، فَقالَتْ لَهُ: أمْسِكْنِي واقْسِمْ لِي ما بَدا لَكَ. فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أنْ يَصّالَحا) بِتَشْدِيدِ الصّادِ وفَتْحِ اللّامِ وأصْلُهُ يَتَصالَحا، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الصّادِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: أنْ يُصْلِحا بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وتَخْفِيفِ الصّادِ وكَسْرِ اللّامِ أيْ يُصْلِحَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما شَأْنَهُما بِما يَبْدُو مِن وُجُوهِ المُصالَحَةِ. والتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ تَعْرِيفُ الجِنْسِ ولَيْسَ تَعْرِيفَ العَهْدِ، لِأنَّ المَقْصُودَ إثْباتُ أنَّ ماهِيَّةَ الصُّلْحِ خَيْرٌ لِلنّاسِ، فَهو تَذْيِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصُّلْحِ والتَّرْغِيبِ فِيهِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ أنَّ الصُّلْحَ المَذْكُورَ آنِفًا، وهو الخُلْعُ، خَيْرٌ مِنَ النِّزاعِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، لِأنَّ هَذا، وإنْ صَحَّ مَعْناهُ، إلّا أنَّ فائِدَةَ الوَجْهِ الأوَّلِ أوْفَرُ، ولِأنَّ فِيهِ التَّفادِيَ عَنْ إشْكالِ تَفْضِيلِ الصُّلْحِ عَلى النِّزاعِ في الخَيْرِيَّةِ مَعَ أنَّ النِّزاعَ لا خَيْرَ فِيهِ أصْلًا. ومَن جَعَلَ الصُّلْحَ الثّانِيَ عَيْنَ الأوَّلِ غَرَّتْهُ القاعِدَةُ المُتَداوَلَةُ عِنْدَ بَعْضِ النُّحاةِ، وهي: أنَّ لَفْظَ النَّكِرَةِ إذا أُعِيدَ مُعَرَّفًا بِاللّامِ فَهو عَيْنُ الأُولى. وهَذِهِ القاعِدَةُ ذَكَرَها ابْنُ هِشامٍ الأنْصارِيُّ في مُغْنِي اللَّبِيبِ في البابِ السّادِسِ، فَقالَ: يَقُولُونَ: النَّكِرَةُ إذا أُعِيدَتْ نَكِرَةً كانَتْ غَيْرَ الأُولى، وإذا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً، أوْ أُعِيدَتِ المَعْرِفَةُ مَعْرِفَةً أوْ نَكِرَةً كانَتِ الثّانِيَةُ عَيْنَ الأُولى. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ في القُرْآنِ آياتٍ تَرُدُّ هَذِهِ الأحْكامَ الأرْبَعَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ [الروم: ٥٤] وقَوْلِهِ ﴿أنْ يَصّالَحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ﴿زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨] والشَّيْءُ لا يَكُونُ فَوْقَ نَفْسِهِ أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ [النساء: ١٥٣] . وأنَّ في كَلامِ العَرَبِ ما يَرُدُّ ذَلِكَ أيْضًا. والحَقُّ أنَّهُ لا يُخْتَلَفُ في ذَلِكَ إذا قامَتْ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ الكَلامَ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ لا لِتَعْرِيفِ العَهْدِ، كَما هُنا. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في إعادَةِ المَعْرِفَةِ نَكِرَةً عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ويَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الأنعام: ٣٧] في سُورَةِ الأنْعامِ. وقَوْلُهُ ”خَيْرٌ“ لَيْسَ هو تَفْضِيلًا ولَكِنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، وزْنُهُ ”فَعْلٌ“، كَقَوْلِهِمْ: سَمْحٌ وسَهْلٌ، ويُجْمَعُ عَلى خُيُورٍ. أوْ هو مَصْدَرٌ مُقابِلُ الشَّرِّ، فَتَكُونُ إخْبارًا بِالمَصْدَرِ. وأمّا صفحة ٢١٧ المُرادُ بِهِ التَّفْضِيلُ فَأصْلُ وزْنِهِ أفْعَلُ، فَخُفِّفَ بِطَرْحِ الهَمْزَةِ ثُمَّ قَلْبِ حَرَكَتِهِ وسُكُونِهِ. جَمْعُهُ أخْيارٌ، أيْ والصُّلْحُ في ذاتِهِ خَيْرٌ عَظِيمٌ. والحَمْلُ عَلى كَوْنِهِ تَفْضِيلًا يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ هو النُّشُوزُ والإعْراضُ. ولَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ مَعْنًى. وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى شِدَّةِ التَّرْغِيبِ في هَذا الصُّلْحِ بِمُؤَكِّداتٍ ثَلاثَةٍ: وهي المَصْدَرُ المُؤَكِّدُ في قَوْلِهِ صُلْحًا، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ في قَوْلِهِ ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، والإخْبارُ عَنْهُ بِالمَصْدَرِ أوْ بِالصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ فَإنَّها تَدُلُّ عَلى فِعْلِ سَجِيَّةٍ. ومَعْنى ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ مُلازَمَةُ الشُّحِّ لِلنُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ حَتّى كَأنَّهُ حاضِرٌ لَدَيْها. ولِكَوْنِهِ مِن أفْعالِ الجِبِلَّةِ بُنِيَ فِعْلُهُ لِلْمَجْهُولِ عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في بِناءِ كُلِّ فِعْلٍ غَيْرِ مَعْلُومِ الفاعِلِ لِلْمَجْهُولِ، كَقَوْلِهِمْ: شُغِفَ بِفُلانَةٍ، واضْطُرَّ إلى كَذا. فَـ ”الشُّحَّ“ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ”أُحْضِرَتْ“ لِأنَّهُ مِن بابِ أعْطى. وأصْلُ الشُّحِّ في كَلامِ العَرَبِ البُخْلُ بِالمالِ، وفي الحَدِيثِ «أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشى الفَقْرَ وتَأْمُلُ الغِنى»، وقالَ تَعالى ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] ويُطْلَقُ عَلى حِرْصِ النَّفْسِ عَلى الحُقُوقِ وقِلَّةِ التَّسامُحِ فِيها، ومِنهُ المُشاحَّةُ، وعَكْسُهُ السَّماحَةُ في الأمْرَيْنِ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالصُّلْحِ في هَذِهِ الآيَةِ صُلْحَ المالِ، وهو الفِدْيَةُ. فالشُّحُّ هو شُحُّ المالِ، وتَعْقِيبُ قَوْلِهِ ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ بِقَوْلِهِ ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ بَعْدَ الأمْرِ بِما فِيهِ مَصْلَحَةٌ في مَوْعِظَةٍ أوْ نَحْوِها: وما إخالُكَ تَفْعَلُ، لِقَصْدِ التَّحْرِيضِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الشُّحِّ ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ: مِنَ المُشاحَّةِ، وعَدَمِ التَّساهُلِ، وصُعُوبَةِ الشَّكائِمِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ الصُّلْحِ صُلْحَ المالِ وغَيْرِهِ، فالمَقْصُودُ مِن تَعْقِيبِهِ بِهِ تَحْذِيرُ النّاسِ مِن أنْ يَكُونُوا مُتَلَبِّسِينَ بِهَذِهِ المُشاحَّةِ الحائِلَةِ دُونَ المُصالَحَةِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى البُخْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٨٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَ العَرَبِ ذَمُّ الشُّحِّ بِالمالِ، وذَمُّ مَن لا سَماحَةَ فِيهِ، فَكانَ هَذا التَّعْقِيبُ تَنْفِيرًا مِنَ العَوارِضِ المانِعَةِ مِنَ السَّماحَةِ والصُّلْحِ، ولِذَلِكَ ذُيِّلَ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ لِما فِيهِ مِنَ صفحة ٢١٨ التَّرْغِيبِ في الإحْسانِ والتَّقْوى. ثُمَّ عَذَرَ النّاسَ في شَأْنِ النِّساءِ فَقالَ ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ أيْ تَمامَ العَدْلِ. وجاءَ بِـ ”لَنْ“ لِلْمُبالَغَةِ في النَّفْيِ، لِأنَّ أمْرَ النِّساءِ يُغالِبُ النَّفْسَ، لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ حُسْنَ المَرْأةِ وخُلُقَها مُؤَثِّرًا أشَدَّ التَّأْثِيرِ، فَرُبَّ امْرَأةٍ لَبِيبَةٍ خَفِيفَةِ الرُّوحِ، وأُخْرى ثَقِيلَةٌ حَمْقاءُ، فَتَفاوُتُهُنَّ في ذَلِكَ وخُلُوُّ بَعْضِهِنَّ مِنهُ يُؤَثِّرُ لا مَحالَةَ تَفاوُتًا في مَحَبَّةِ الزَّوْجِ بَعْضَ أزْواجِهِ، ولَوْ كانَ حَرِيصًا عَلى إظْهارِ العَدْلِ بَيْنَهُنَّ، فَلِذَلِكَ قالَ ﴿ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ . وأقامَ اللَّهُ مِيزانَ العَدْلِ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾، أيْ لا يُفَرِّطُ أحَدُكم بِإظْهارِ المَيْلِ إلى إحْداهُنَّ أشَدَّ المَيْلِ حَتّى يَسُوءَ الأُخْرى بِحَيْثُ تَصِيرُ الأُخْرى كالمُعَلَّقَةِ. فَظَهَرَ أنَّ مُتَعَلِّقَ ”تَمِيلُوا“ مُقَدَّرٌ بِإحْداهُنَّ، وأنَّ ضَمِيرَ ”تَذْرُوها“ المَنصُوبَ عائِدٌ إلى غَيْرِ المُتَعَلِّقِ المَحْذُوفِ بِالقَرِينَةِ، وهو إيجازٌ بَدِيعٌ. والمُعَلَّقَةُ: هي المَرْأةُ الَّتِي يَهْجُرُها زَوْجُها هَجْرًا طَوِيلًا، فَلا هي مُطَلَّقَةٌ ولا هي زَوْجَةٌ، وفي «حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ زَوْجِيَ العَشَنَّقُ إنْ أنْطِقْ أُطَلَّقْ وإنْ أسْكُتْ أُعَلَّقْ»، وقالَتِ ابْنَةُ الحُمارِسِ: إنْ هي إلّا حِظَةٌ أوْ تَطْلِيقُ أوْ صَلَفٌ أوْ بَيْنَ ذاكَ تَعْلِيقُ وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ عَلى أنَّ المَحَبَّةَ أمْرٌ قَهْرِيٌّ، وأنَّ لِلتَّعَلُّقِ بِالمَرْأةِ أسْبابًا تُوجِبُهُ قَدْ لا تَتَوَفَّرُ في بَعْضِ النِّساءِ، فَلا يُكَلَّفُ الزَّوْجُ بِما لَيْسَ في وُسْعِهِ مِنَ الحُبِّ والِاسْتِحْسانِ. ولَكِنَّ مِنَ الحُبِّ حَظًّا هو اخْتِيارِيٌّ، وهو أنْ يُرَوِّضَ الزَّوْجُ نَفْسَهُ عَلى الإحْسانِ لِامْرَأتِهِ، وتَحَمُّلِ ما لا يُلائِمُهُ مِن خُلُقِها أوْ أخْلاقِها ما اسْتَطاعَ، وحُسْنِ المُعاشَرَةِ لَها، حَتّى يُحَصِّلَ مِنَ الإلْفِ بِها والحُنُوِّ عَلَيْها اخْتِيارًا بِطُولِ التَّكَرُّرِ والتَّعَوُّدِ، ما يَقُومُ مَقامَ المَيْلِ الطَّبِيعِيِّ. فَذَلِكَ مِنَ المَيْلِ إلَيْها المُوصى بِهِ في قَوْلِهِ ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾، أيْ إلى إحْداهُنَّ أوْ عَنْ إحْداهُنَّ. صفحة ٢١٩ ثُمَّ وسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِما إنْ لَمْ تَنْجَحِ المُصالَحَةُ بَيْنَهُما فَأذِنَ لَهُما في الفِراقِ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ . وفِي قَوْلِهِ ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الفِراقَ قَدْ يَكُونُ خَيْرًا لَهُما لِأنَّ الفِراقَ خَيْرٌ مِن سُوءِ المُعاشَرَةِ. ومَعْنى إغْناءِ اللَّهِ كُلًّا: إغْناؤُهُ عَنِ الآخَرِ. وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ إغْناءَ اللَّهِ كُلًّا إنَّما يَكُونُ عَنِ الفِراقِ المَسْبُوقِ بِالسَّعْيِ في الصُّلْحِ. وقَوْلُهُ ﴿وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ تَذْيِيلٌ وتَنْهِيَةٌ لِلْكَلامِ في حُكْمِ النِّساءِ.

النساء 4:129

﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَصّالَحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ وإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ . عَطْفٌ لِبَقِيَّةِ إفْتاءِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا حُكْمُ اخْتِلالِ المُعاشَرَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ في قَوْلِهِ ﴿واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] الآيَةَ، في هَذِهِ السُّورَةِ، فَذَلِكَ حُكْمُ فَصْلِ القَضاءِ بَيْنَهُما، وما هَنا حُكْمُ الِانْفِصالِ بِالصُّلْحِ بَيْنَهُما، وذَلِكَ ذُكِرَ فِيهِ نُشُوزُ المَرْأةِ، صفحة ٢١٥ وهُنا ذُكِرَ نُشُوزُ البَعْلِ. والبَعْلُ زَوْجُ المَرْأةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ إطْلاقِ هَذا الِاسْمِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وصِيغَةُ ”فَلا جُناحَ“ مِن صِيَغِ الإباحَةِ ظاهِرًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى الإذْنِ لِلزَّوْجَيْنِ في صُلْحٍ يَقَعُ بَيْنَهُما. وقَدْ عُلِمَ أنَّ الإباحَةَ لا تُذْكَرُ إلّا حَيْثُ يُظَنُّ المَنعُ، فالمَقْصُودُ الإذْنُ في صُلْحٍ يَكُونُ بِخُلْعٍ: أيْ عِوَضٍ مالِيٍّ تُعْطِيهِ المَرْأةُ، أوْ تَنازُلٍ عَنْ بَعْضِ حُقُوقِها. فَيَكُونُ مَفادُ هَذِهِ الآيَةِ أعَمَّ مِن مَفادِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلّا أنْ يَخافا ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإنْ خِفْتُمْ ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فَسَمّاهُ هُناكَ افْتِداءً، وسَمّاهُ هُنا صُلْحًا. وقَدْ شاعَ في الِاسْتِعْمالِ إطْلاقُ الصُّلْحِ عَلى التَّراضِي بَيْنَ الخَصْمَيْنِ عَلى إسْقاطِ بَعْضِ الحَقِّ، وهو الأظْهَرُ هُنا. واصْطَلَحَ الفُقَهاءُ مِنَ المالِكِيَّةِ: عَلى إطْلاقِ الِافْتِداءِ عَلى اخْتِلاعِ المَرْأةِ مِن زَوْجِها بِمالٍ تُعْطِيهِ، وإطْلاقِ الخُلْعِ عَلى الِاخْتِلاعِ بِإسْقاطِها عَنْهُ بَقِيَّةَ الصَّداقِ، أوِ النَّفَقَةَ لَها، أوْ لِأوْلادِها. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ صِيغَةُ ”لا جُناحَ“ مُسْتَعْمَلَةً في التَّحْرِيضِ عَلى الصُّلْحِ. أيْ إصْلاحِ أمْرِهِما بِالصُّلْحِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ، فَنَفْيُ الجُناحِ مِنَ الِاسْتِعارَةِ التَّمْلِيحِيَّةِ؛ شَبَّهَ حالَ مَن تَرَكَ الصُّلْحَ واسْتَمَرَّ عَلى النُّشُوزِ والإعْراضِ بِحالِ مَن تَرَكَ الصُّلْحَ عَنْ عَمْدٍ لِظَنِّهِ أنَّ في الصُّلْحِ جُناحًا. فالمُرادُ الصُّلْحُ بِمَعْنى إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، والأشْهَرُ فِيهِ أنْ يُقالَ الإصْلاحُ. والمَقْصُودُ الأمْرُ بِأسْبابِ الصُّلْحِ، وهي: الإغْضاءُ عَنِ الهَفَواتِ، ومُقابَلَةُ الغِلْظَةِ بِاللِّينِ، وهَذا أنْسَبُ وألْيَقُ بِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ . ولِلنُّشُوزِ والإعْراضِ أحْوالٌ كَثِيرَةٌ: تَقْوى وتَضْعُفُ، وتَخْتَلِفُ عَواقِبُها، بِاخْتِلافِ أحْوالِ الأنْفُسِ، ويَجْمَعُها قَوْلُهُ ﴿خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ . ولِلصُّلْحِ أحْوالٌ كَثِيرَةٌ: مِنها المُخالَعَةُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ ما ورَدَ مِنَ الآثارِ الدّالَّةِ عَلى حَوادِثَ مِن هَذا القَبِيلِ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ، عَنْ عائِشَةَ، قالَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾ قالَتْ: الرَّجُلُ يَكُونُ عِنْدَهُ المَرْأةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنها يُرِيدُ أنْ يُفارِقَها، فَتَقُولُ لَهُ أجْعَلُكَ مِن شَأْنِي في حِلٍّ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ورَوى التِّرْمِذِيُّ، بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ سَوْدَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ وهَبَتْ يَوْمَها لِعائِشَةَ. وفي أسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ: صفحة ٢١٦ أنَّ ابْنَةَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ كانَتْ عِنْدَ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فَكَرِهَ مِنها أمْرًا، أيْ كِبَرًا فَأرادَ طَلاقَها، فَقالَتْ لَهُ: أمْسِكْنِي واقْسِمْ لِي ما بَدا لَكَ. فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أنْ يَصّالَحا) بِتَشْدِيدِ الصّادِ وفَتْحِ اللّامِ وأصْلُهُ يَتَصالَحا، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الصّادِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: أنْ يُصْلِحا بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وتَخْفِيفِ الصّادِ وكَسْرِ اللّامِ أيْ يُصْلِحَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما شَأْنَهُما بِما يَبْدُو مِن وُجُوهِ المُصالَحَةِ. والتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ تَعْرِيفُ الجِنْسِ ولَيْسَ تَعْرِيفَ العَهْدِ، لِأنَّ المَقْصُودَ إثْباتُ أنَّ ماهِيَّةَ الصُّلْحِ خَيْرٌ لِلنّاسِ، فَهو تَذْيِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصُّلْحِ والتَّرْغِيبِ فِيهِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ أنَّ الصُّلْحَ المَذْكُورَ آنِفًا، وهو الخُلْعُ، خَيْرٌ مِنَ النِّزاعِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، لِأنَّ هَذا، وإنْ صَحَّ مَعْناهُ، إلّا أنَّ فائِدَةَ الوَجْهِ الأوَّلِ أوْفَرُ، ولِأنَّ فِيهِ التَّفادِيَ عَنْ إشْكالِ تَفْضِيلِ الصُّلْحِ عَلى النِّزاعِ في الخَيْرِيَّةِ مَعَ أنَّ النِّزاعَ لا خَيْرَ فِيهِ أصْلًا. ومَن جَعَلَ الصُّلْحَ الثّانِيَ عَيْنَ الأوَّلِ غَرَّتْهُ القاعِدَةُ المُتَداوَلَةُ عِنْدَ بَعْضِ النُّحاةِ، وهي: أنَّ لَفْظَ النَّكِرَةِ إذا أُعِيدَ مُعَرَّفًا بِاللّامِ فَهو عَيْنُ الأُولى. وهَذِهِ القاعِدَةُ ذَكَرَها ابْنُ هِشامٍ الأنْصارِيُّ في مُغْنِي اللَّبِيبِ في البابِ السّادِسِ، فَقالَ: يَقُولُونَ: النَّكِرَةُ إذا أُعِيدَتْ نَكِرَةً كانَتْ غَيْرَ الأُولى، وإذا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً، أوْ أُعِيدَتِ المَعْرِفَةُ مَعْرِفَةً أوْ نَكِرَةً كانَتِ الثّانِيَةُ عَيْنَ الأُولى. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ في القُرْآنِ آياتٍ تَرُدُّ هَذِهِ الأحْكامَ الأرْبَعَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ [الروم: ٥٤] وقَوْلِهِ ﴿أنْ يَصّالَحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ﴿زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨] والشَّيْءُ لا يَكُونُ فَوْقَ نَفْسِهِ أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ [النساء: ١٥٣] . وأنَّ في كَلامِ العَرَبِ ما يَرُدُّ ذَلِكَ أيْضًا. والحَقُّ أنَّهُ لا يُخْتَلَفُ في ذَلِكَ إذا قامَتْ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ الكَلامَ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ لا لِتَعْرِيفِ العَهْدِ، كَما هُنا. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في إعادَةِ المَعْرِفَةِ نَكِرَةً عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ويَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الأنعام: ٣٧] في سُورَةِ الأنْعامِ. وقَوْلُهُ ”خَيْرٌ“ لَيْسَ هو تَفْضِيلًا ولَكِنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، وزْنُهُ ”فَعْلٌ“، كَقَوْلِهِمْ: سَمْحٌ وسَهْلٌ، ويُجْمَعُ عَلى خُيُورٍ. أوْ هو مَصْدَرٌ مُقابِلُ الشَّرِّ، فَتَكُونُ إخْبارًا بِالمَصْدَرِ. وأمّا صفحة ٢١٧ المُرادُ بِهِ التَّفْضِيلُ فَأصْلُ وزْنِهِ أفْعَلُ، فَخُفِّفَ بِطَرْحِ الهَمْزَةِ ثُمَّ قَلْبِ حَرَكَتِهِ وسُكُونِهِ. جَمْعُهُ أخْيارٌ، أيْ والصُّلْحُ في ذاتِهِ خَيْرٌ عَظِيمٌ. والحَمْلُ عَلى كَوْنِهِ تَفْضِيلًا يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ هو النُّشُوزُ والإعْراضُ. ولَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ مَعْنًى. وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى شِدَّةِ التَّرْغِيبِ في هَذا الصُّلْحِ بِمُؤَكِّداتٍ ثَلاثَةٍ: وهي المَصْدَرُ المُؤَكِّدُ في قَوْلِهِ صُلْحًا، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ في قَوْلِهِ ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، والإخْبارُ عَنْهُ بِالمَصْدَرِ أوْ بِالصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ فَإنَّها تَدُلُّ عَلى فِعْلِ سَجِيَّةٍ. ومَعْنى ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ مُلازَمَةُ الشُّحِّ لِلنُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ حَتّى كَأنَّهُ حاضِرٌ لَدَيْها. ولِكَوْنِهِ مِن أفْعالِ الجِبِلَّةِ بُنِيَ فِعْلُهُ لِلْمَجْهُولِ عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في بِناءِ كُلِّ فِعْلٍ غَيْرِ مَعْلُومِ الفاعِلِ لِلْمَجْهُولِ، كَقَوْلِهِمْ: شُغِفَ بِفُلانَةٍ، واضْطُرَّ إلى كَذا. فَـ ”الشُّحَّ“ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ”أُحْضِرَتْ“ لِأنَّهُ مِن بابِ أعْطى. وأصْلُ الشُّحِّ في كَلامِ العَرَبِ البُخْلُ بِالمالِ، وفي الحَدِيثِ «أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشى الفَقْرَ وتَأْمُلُ الغِنى»، وقالَ تَعالى ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] ويُطْلَقُ عَلى حِرْصِ النَّفْسِ عَلى الحُقُوقِ وقِلَّةِ التَّسامُحِ فِيها، ومِنهُ المُشاحَّةُ، وعَكْسُهُ السَّماحَةُ في الأمْرَيْنِ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالصُّلْحِ في هَذِهِ الآيَةِ صُلْحَ المالِ، وهو الفِدْيَةُ. فالشُّحُّ هو شُحُّ المالِ، وتَعْقِيبُ قَوْلِهِ ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ بِقَوْلِهِ ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ بَعْدَ الأمْرِ بِما فِيهِ مَصْلَحَةٌ في مَوْعِظَةٍ أوْ نَحْوِها: وما إخالُكَ تَفْعَلُ، لِقَصْدِ التَّحْرِيضِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الشُّحِّ ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ: مِنَ المُشاحَّةِ، وعَدَمِ التَّساهُلِ، وصُعُوبَةِ الشَّكائِمِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ الصُّلْحِ صُلْحَ المالِ وغَيْرِهِ، فالمَقْصُودُ مِن تَعْقِيبِهِ بِهِ تَحْذِيرُ النّاسِ مِن أنْ يَكُونُوا مُتَلَبِّسِينَ بِهَذِهِ المُشاحَّةِ الحائِلَةِ دُونَ المُصالَحَةِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى البُخْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٨٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَ العَرَبِ ذَمُّ الشُّحِّ بِالمالِ، وذَمُّ مَن لا سَماحَةَ فِيهِ، فَكانَ هَذا التَّعْقِيبُ تَنْفِيرًا مِنَ العَوارِضِ المانِعَةِ مِنَ السَّماحَةِ والصُّلْحِ، ولِذَلِكَ ذُيِّلَ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ لِما فِيهِ مِنَ صفحة ٢١٨ التَّرْغِيبِ في الإحْسانِ والتَّقْوى. ثُمَّ عَذَرَ النّاسَ في شَأْنِ النِّساءِ فَقالَ ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ أيْ تَمامَ العَدْلِ. وجاءَ بِـ ”لَنْ“ لِلْمُبالَغَةِ في النَّفْيِ، لِأنَّ أمْرَ النِّساءِ يُغالِبُ النَّفْسَ، لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ حُسْنَ المَرْأةِ وخُلُقَها مُؤَثِّرًا أشَدَّ التَّأْثِيرِ، فَرُبَّ امْرَأةٍ لَبِيبَةٍ خَفِيفَةِ الرُّوحِ، وأُخْرى ثَقِيلَةٌ حَمْقاءُ، فَتَفاوُتُهُنَّ في ذَلِكَ وخُلُوُّ بَعْضِهِنَّ مِنهُ يُؤَثِّرُ لا مَحالَةَ تَفاوُتًا في مَحَبَّةِ الزَّوْجِ بَعْضَ أزْواجِهِ، ولَوْ كانَ حَرِيصًا عَلى إظْهارِ العَدْلِ بَيْنَهُنَّ، فَلِذَلِكَ قالَ ﴿ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ . وأقامَ اللَّهُ مِيزانَ العَدْلِ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾، أيْ لا يُفَرِّطُ أحَدُكم بِإظْهارِ المَيْلِ إلى إحْداهُنَّ أشَدَّ المَيْلِ حَتّى يَسُوءَ الأُخْرى بِحَيْثُ تَصِيرُ الأُخْرى كالمُعَلَّقَةِ. فَظَهَرَ أنَّ مُتَعَلِّقَ ”تَمِيلُوا“ مُقَدَّرٌ بِإحْداهُنَّ، وأنَّ ضَمِيرَ ”تَذْرُوها“ المَنصُوبَ عائِدٌ إلى غَيْرِ المُتَعَلِّقِ المَحْذُوفِ بِالقَرِينَةِ، وهو إيجازٌ بَدِيعٌ. والمُعَلَّقَةُ: هي المَرْأةُ الَّتِي يَهْجُرُها زَوْجُها هَجْرًا طَوِيلًا، فَلا هي مُطَلَّقَةٌ ولا هي زَوْجَةٌ، وفي «حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ زَوْجِيَ العَشَنَّقُ إنْ أنْطِقْ أُطَلَّقْ وإنْ أسْكُتْ أُعَلَّقْ»، وقالَتِ ابْنَةُ الحُمارِسِ: إنْ هي إلّا حِظَةٌ أوْ تَطْلِيقُ أوْ صَلَفٌ أوْ بَيْنَ ذاكَ تَعْلِيقُ وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ عَلى أنَّ المَحَبَّةَ أمْرٌ قَهْرِيٌّ، وأنَّ لِلتَّعَلُّقِ بِالمَرْأةِ أسْبابًا تُوجِبُهُ قَدْ لا تَتَوَفَّرُ في بَعْضِ النِّساءِ، فَلا يُكَلَّفُ الزَّوْجُ بِما لَيْسَ في وُسْعِهِ مِنَ الحُبِّ والِاسْتِحْسانِ. ولَكِنَّ مِنَ الحُبِّ حَظًّا هو اخْتِيارِيٌّ، وهو أنْ يُرَوِّضَ الزَّوْجُ نَفْسَهُ عَلى الإحْسانِ لِامْرَأتِهِ، وتَحَمُّلِ ما لا يُلائِمُهُ مِن خُلُقِها أوْ أخْلاقِها ما اسْتَطاعَ، وحُسْنِ المُعاشَرَةِ لَها، حَتّى يُحَصِّلَ مِنَ الإلْفِ بِها والحُنُوِّ عَلَيْها اخْتِيارًا بِطُولِ التَّكَرُّرِ والتَّعَوُّدِ، ما يَقُومُ مَقامَ المَيْلِ الطَّبِيعِيِّ. فَذَلِكَ مِنَ المَيْلِ إلَيْها المُوصى بِهِ في قَوْلِهِ ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾، أيْ إلى إحْداهُنَّ أوْ عَنْ إحْداهُنَّ. صفحة ٢١٩ ثُمَّ وسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِما إنْ لَمْ تَنْجَحِ المُصالَحَةُ بَيْنَهُما فَأذِنَ لَهُما في الفِراقِ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ . وفِي قَوْلِهِ ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الفِراقَ قَدْ يَكُونُ خَيْرًا لَهُما لِأنَّ الفِراقَ خَيْرٌ مِن سُوءِ المُعاشَرَةِ. ومَعْنى إغْناءِ اللَّهِ كُلًّا: إغْناؤُهُ عَنِ الآخَرِ. وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ إغْناءَ اللَّهِ كُلًّا إنَّما يَكُونُ عَنِ الفِراقِ المَسْبُوقِ بِالسَّعْيِ في الصُّلْحِ. وقَوْلُهُ ﴿وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ تَذْيِيلٌ وتَنْهِيَةٌ لِلْكَلامِ في حُكْمِ النِّساءِ.

النساء 4:130

﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَصّالَحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ وإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ . عَطْفٌ لِبَقِيَّةِ إفْتاءِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا حُكْمُ اخْتِلالِ المُعاشَرَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ في قَوْلِهِ ﴿واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] الآيَةَ، في هَذِهِ السُّورَةِ، فَذَلِكَ حُكْمُ فَصْلِ القَضاءِ بَيْنَهُما، وما هَنا حُكْمُ الِانْفِصالِ بِالصُّلْحِ بَيْنَهُما، وذَلِكَ ذُكِرَ فِيهِ نُشُوزُ المَرْأةِ، صفحة ٢١٥ وهُنا ذُكِرَ نُشُوزُ البَعْلِ. والبَعْلُ زَوْجُ المَرْأةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ إطْلاقِ هَذا الِاسْمِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وصِيغَةُ ”فَلا جُناحَ“ مِن صِيَغِ الإباحَةِ ظاهِرًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى الإذْنِ لِلزَّوْجَيْنِ في صُلْحٍ يَقَعُ بَيْنَهُما. وقَدْ عُلِمَ أنَّ الإباحَةَ لا تُذْكَرُ إلّا حَيْثُ يُظَنُّ المَنعُ، فالمَقْصُودُ الإذْنُ في صُلْحٍ يَكُونُ بِخُلْعٍ: أيْ عِوَضٍ مالِيٍّ تُعْطِيهِ المَرْأةُ، أوْ تَنازُلٍ عَنْ بَعْضِ حُقُوقِها. فَيَكُونُ مَفادُ هَذِهِ الآيَةِ أعَمَّ مِن مَفادِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلّا أنْ يَخافا ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإنْ خِفْتُمْ ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فَسَمّاهُ هُناكَ افْتِداءً، وسَمّاهُ هُنا صُلْحًا. وقَدْ شاعَ في الِاسْتِعْمالِ إطْلاقُ الصُّلْحِ عَلى التَّراضِي بَيْنَ الخَصْمَيْنِ عَلى إسْقاطِ بَعْضِ الحَقِّ، وهو الأظْهَرُ هُنا. واصْطَلَحَ الفُقَهاءُ مِنَ المالِكِيَّةِ: عَلى إطْلاقِ الِافْتِداءِ عَلى اخْتِلاعِ المَرْأةِ مِن زَوْجِها بِمالٍ تُعْطِيهِ، وإطْلاقِ الخُلْعِ عَلى الِاخْتِلاعِ بِإسْقاطِها عَنْهُ بَقِيَّةَ الصَّداقِ، أوِ النَّفَقَةَ لَها، أوْ لِأوْلادِها. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ صِيغَةُ ”لا جُناحَ“ مُسْتَعْمَلَةً في التَّحْرِيضِ عَلى الصُّلْحِ. أيْ إصْلاحِ أمْرِهِما بِالصُّلْحِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ، فَنَفْيُ الجُناحِ مِنَ الِاسْتِعارَةِ التَّمْلِيحِيَّةِ؛ شَبَّهَ حالَ مَن تَرَكَ الصُّلْحَ واسْتَمَرَّ عَلى النُّشُوزِ والإعْراضِ بِحالِ مَن تَرَكَ الصُّلْحَ عَنْ عَمْدٍ لِظَنِّهِ أنَّ في الصُّلْحِ جُناحًا. فالمُرادُ الصُّلْحُ بِمَعْنى إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، والأشْهَرُ فِيهِ أنْ يُقالَ الإصْلاحُ. والمَقْصُودُ الأمْرُ بِأسْبابِ الصُّلْحِ، وهي: الإغْضاءُ عَنِ الهَفَواتِ، ومُقابَلَةُ الغِلْظَةِ بِاللِّينِ، وهَذا أنْسَبُ وألْيَقُ بِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ . ولِلنُّشُوزِ والإعْراضِ أحْوالٌ كَثِيرَةٌ: تَقْوى وتَضْعُفُ، وتَخْتَلِفُ عَواقِبُها، بِاخْتِلافِ أحْوالِ الأنْفُسِ، ويَجْمَعُها قَوْلُهُ ﴿خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ . ولِلصُّلْحِ أحْوالٌ كَثِيرَةٌ: مِنها المُخالَعَةُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ ما ورَدَ مِنَ الآثارِ الدّالَّةِ عَلى حَوادِثَ مِن هَذا القَبِيلِ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ، عَنْ عائِشَةَ، قالَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾ قالَتْ: الرَّجُلُ يَكُونُ عِنْدَهُ المَرْأةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنها يُرِيدُ أنْ يُفارِقَها، فَتَقُولُ لَهُ أجْعَلُكَ مِن شَأْنِي في حِلٍّ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ورَوى التِّرْمِذِيُّ، بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ سَوْدَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ وهَبَتْ يَوْمَها لِعائِشَةَ. وفي أسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ: صفحة ٢١٦ أنَّ ابْنَةَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ كانَتْ عِنْدَ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فَكَرِهَ مِنها أمْرًا، أيْ كِبَرًا فَأرادَ طَلاقَها، فَقالَتْ لَهُ: أمْسِكْنِي واقْسِمْ لِي ما بَدا لَكَ. فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أنْ يَصّالَحا) بِتَشْدِيدِ الصّادِ وفَتْحِ اللّامِ وأصْلُهُ يَتَصالَحا، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الصّادِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: أنْ يُصْلِحا بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وتَخْفِيفِ الصّادِ وكَسْرِ اللّامِ أيْ يُصْلِحَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما شَأْنَهُما بِما يَبْدُو مِن وُجُوهِ المُصالَحَةِ. والتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ تَعْرِيفُ الجِنْسِ ولَيْسَ تَعْرِيفَ العَهْدِ، لِأنَّ المَقْصُودَ إثْباتُ أنَّ ماهِيَّةَ الصُّلْحِ خَيْرٌ لِلنّاسِ، فَهو تَذْيِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصُّلْحِ والتَّرْغِيبِ فِيهِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ أنَّ الصُّلْحَ المَذْكُورَ آنِفًا، وهو الخُلْعُ، خَيْرٌ مِنَ النِّزاعِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، لِأنَّ هَذا، وإنْ صَحَّ مَعْناهُ، إلّا أنَّ فائِدَةَ الوَجْهِ الأوَّلِ أوْفَرُ، ولِأنَّ فِيهِ التَّفادِيَ عَنْ إشْكالِ تَفْضِيلِ الصُّلْحِ عَلى النِّزاعِ في الخَيْرِيَّةِ مَعَ أنَّ النِّزاعَ لا خَيْرَ فِيهِ أصْلًا. ومَن جَعَلَ الصُّلْحَ الثّانِيَ عَيْنَ الأوَّلِ غَرَّتْهُ القاعِدَةُ المُتَداوَلَةُ عِنْدَ بَعْضِ النُّحاةِ، وهي: أنَّ لَفْظَ النَّكِرَةِ إذا أُعِيدَ مُعَرَّفًا بِاللّامِ فَهو عَيْنُ الأُولى. وهَذِهِ القاعِدَةُ ذَكَرَها ابْنُ هِشامٍ الأنْصارِيُّ في مُغْنِي اللَّبِيبِ في البابِ السّادِسِ، فَقالَ: يَقُولُونَ: النَّكِرَةُ إذا أُعِيدَتْ نَكِرَةً كانَتْ غَيْرَ الأُولى، وإذا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً، أوْ أُعِيدَتِ المَعْرِفَةُ مَعْرِفَةً أوْ نَكِرَةً كانَتِ الثّانِيَةُ عَيْنَ الأُولى. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ في القُرْآنِ آياتٍ تَرُدُّ هَذِهِ الأحْكامَ الأرْبَعَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ [الروم: ٥٤] وقَوْلِهِ ﴿أنْ يَصّالَحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ﴿زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨] والشَّيْءُ لا يَكُونُ فَوْقَ نَفْسِهِ أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ [النساء: ١٥٣] . وأنَّ في كَلامِ العَرَبِ ما يَرُدُّ ذَلِكَ أيْضًا. والحَقُّ أنَّهُ لا يُخْتَلَفُ في ذَلِكَ إذا قامَتْ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ الكَلامَ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ لا لِتَعْرِيفِ العَهْدِ، كَما هُنا. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في إعادَةِ المَعْرِفَةِ نَكِرَةً عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ويَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الأنعام: ٣٧] في سُورَةِ الأنْعامِ. وقَوْلُهُ ”خَيْرٌ“ لَيْسَ هو تَفْضِيلًا ولَكِنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، وزْنُهُ ”فَعْلٌ“، كَقَوْلِهِمْ: سَمْحٌ وسَهْلٌ، ويُجْمَعُ عَلى خُيُورٍ. أوْ هو مَصْدَرٌ مُقابِلُ الشَّرِّ، فَتَكُونُ إخْبارًا بِالمَصْدَرِ. وأمّا صفحة ٢١٧ المُرادُ بِهِ التَّفْضِيلُ فَأصْلُ وزْنِهِ أفْعَلُ، فَخُفِّفَ بِطَرْحِ الهَمْزَةِ ثُمَّ قَلْبِ حَرَكَتِهِ وسُكُونِهِ. جَمْعُهُ أخْيارٌ، أيْ والصُّلْحُ في ذاتِهِ خَيْرٌ عَظِيمٌ. والحَمْلُ عَلى كَوْنِهِ تَفْضِيلًا يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ هو النُّشُوزُ والإعْراضُ. ولَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ مَعْنًى. وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى شِدَّةِ التَّرْغِيبِ في هَذا الصُّلْحِ بِمُؤَكِّداتٍ ثَلاثَةٍ: وهي المَصْدَرُ المُؤَكِّدُ في قَوْلِهِ صُلْحًا، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ في قَوْلِهِ ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، والإخْبارُ عَنْهُ بِالمَصْدَرِ أوْ بِالصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ فَإنَّها تَدُلُّ عَلى فِعْلِ سَجِيَّةٍ. ومَعْنى ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ مُلازَمَةُ الشُّحِّ لِلنُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ حَتّى كَأنَّهُ حاضِرٌ لَدَيْها. ولِكَوْنِهِ مِن أفْعالِ الجِبِلَّةِ بُنِيَ فِعْلُهُ لِلْمَجْهُولِ عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في بِناءِ كُلِّ فِعْلٍ غَيْرِ مَعْلُومِ الفاعِلِ لِلْمَجْهُولِ، كَقَوْلِهِمْ: شُغِفَ بِفُلانَةٍ، واضْطُرَّ إلى كَذا. فَـ ”الشُّحَّ“ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ”أُحْضِرَتْ“ لِأنَّهُ مِن بابِ أعْطى. وأصْلُ الشُّحِّ في كَلامِ العَرَبِ البُخْلُ بِالمالِ، وفي الحَدِيثِ «أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشى الفَقْرَ وتَأْمُلُ الغِنى»، وقالَ تَعالى ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] ويُطْلَقُ عَلى حِرْصِ النَّفْسِ عَلى الحُقُوقِ وقِلَّةِ التَّسامُحِ فِيها، ومِنهُ المُشاحَّةُ، وعَكْسُهُ السَّماحَةُ في الأمْرَيْنِ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالصُّلْحِ في هَذِهِ الآيَةِ صُلْحَ المالِ، وهو الفِدْيَةُ. فالشُّحُّ هو شُحُّ المالِ، وتَعْقِيبُ قَوْلِهِ ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ بِقَوْلِهِ ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ بَعْدَ الأمْرِ بِما فِيهِ مَصْلَحَةٌ في مَوْعِظَةٍ أوْ نَحْوِها: وما إخالُكَ تَفْعَلُ، لِقَصْدِ التَّحْرِيضِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الشُّحِّ ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ: مِنَ المُشاحَّةِ، وعَدَمِ التَّساهُلِ، وصُعُوبَةِ الشَّكائِمِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ الصُّلْحِ صُلْحَ المالِ وغَيْرِهِ، فالمَقْصُودُ مِن تَعْقِيبِهِ بِهِ تَحْذِيرُ النّاسِ مِن أنْ يَكُونُوا مُتَلَبِّسِينَ بِهَذِهِ المُشاحَّةِ الحائِلَةِ دُونَ المُصالَحَةِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى البُخْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٨٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَ العَرَبِ ذَمُّ الشُّحِّ بِالمالِ، وذَمُّ مَن لا سَماحَةَ فِيهِ، فَكانَ هَذا التَّعْقِيبُ تَنْفِيرًا مِنَ العَوارِضِ المانِعَةِ مِنَ السَّماحَةِ والصُّلْحِ، ولِذَلِكَ ذُيِّلَ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ لِما فِيهِ مِنَ صفحة ٢١٨ التَّرْغِيبِ في الإحْسانِ والتَّقْوى. ثُمَّ عَذَرَ النّاسَ في شَأْنِ النِّساءِ فَقالَ ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ أيْ تَمامَ العَدْلِ. وجاءَ بِـ ”لَنْ“ لِلْمُبالَغَةِ في النَّفْيِ، لِأنَّ أمْرَ النِّساءِ يُغالِبُ النَّفْسَ، لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ حُسْنَ المَرْأةِ وخُلُقَها مُؤَثِّرًا أشَدَّ التَّأْثِيرِ، فَرُبَّ امْرَأةٍ لَبِيبَةٍ خَفِيفَةِ الرُّوحِ، وأُخْرى ثَقِيلَةٌ حَمْقاءُ، فَتَفاوُتُهُنَّ في ذَلِكَ وخُلُوُّ بَعْضِهِنَّ مِنهُ يُؤَثِّرُ لا مَحالَةَ تَفاوُتًا في مَحَبَّةِ الزَّوْجِ بَعْضَ أزْواجِهِ، ولَوْ كانَ حَرِيصًا عَلى إظْهارِ العَدْلِ بَيْنَهُنَّ، فَلِذَلِكَ قالَ ﴿ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ . وأقامَ اللَّهُ مِيزانَ العَدْلِ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾، أيْ لا يُفَرِّطُ أحَدُكم بِإظْهارِ المَيْلِ إلى إحْداهُنَّ أشَدَّ المَيْلِ حَتّى يَسُوءَ الأُخْرى بِحَيْثُ تَصِيرُ الأُخْرى كالمُعَلَّقَةِ. فَظَهَرَ أنَّ مُتَعَلِّقَ ”تَمِيلُوا“ مُقَدَّرٌ بِإحْداهُنَّ، وأنَّ ضَمِيرَ ”تَذْرُوها“ المَنصُوبَ عائِدٌ إلى غَيْرِ المُتَعَلِّقِ المَحْذُوفِ بِالقَرِينَةِ، وهو إيجازٌ بَدِيعٌ. والمُعَلَّقَةُ: هي المَرْأةُ الَّتِي يَهْجُرُها زَوْجُها هَجْرًا طَوِيلًا، فَلا هي مُطَلَّقَةٌ ولا هي زَوْجَةٌ، وفي «حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ زَوْجِيَ العَشَنَّقُ إنْ أنْطِقْ أُطَلَّقْ وإنْ أسْكُتْ أُعَلَّقْ»، وقالَتِ ابْنَةُ الحُمارِسِ: إنْ هي إلّا حِظَةٌ أوْ تَطْلِيقُ أوْ صَلَفٌ أوْ بَيْنَ ذاكَ تَعْلِيقُ وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ عَلى أنَّ المَحَبَّةَ أمْرٌ قَهْرِيٌّ، وأنَّ لِلتَّعَلُّقِ بِالمَرْأةِ أسْبابًا تُوجِبُهُ قَدْ لا تَتَوَفَّرُ في بَعْضِ النِّساءِ، فَلا يُكَلَّفُ الزَّوْجُ بِما لَيْسَ في وُسْعِهِ مِنَ الحُبِّ والِاسْتِحْسانِ. ولَكِنَّ مِنَ الحُبِّ حَظًّا هو اخْتِيارِيٌّ، وهو أنْ يُرَوِّضَ الزَّوْجُ نَفْسَهُ عَلى الإحْسانِ لِامْرَأتِهِ، وتَحَمُّلِ ما لا يُلائِمُهُ مِن خُلُقِها أوْ أخْلاقِها ما اسْتَطاعَ، وحُسْنِ المُعاشَرَةِ لَها، حَتّى يُحَصِّلَ مِنَ الإلْفِ بِها والحُنُوِّ عَلَيْها اخْتِيارًا بِطُولِ التَّكَرُّرِ والتَّعَوُّدِ، ما يَقُومُ مَقامَ المَيْلِ الطَّبِيعِيِّ. فَذَلِكَ مِنَ المَيْلِ إلَيْها المُوصى بِهِ في قَوْلِهِ ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾، أيْ إلى إحْداهُنَّ أوْ عَنْ إحْداهُنَّ. صفحة ٢١٩ ثُمَّ وسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِما إنْ لَمْ تَنْجَحِ المُصالَحَةُ بَيْنَهُما فَأذِنَ لَهُما في الفِراقِ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ . وفِي قَوْلِهِ ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الفِراقَ قَدْ يَكُونُ خَيْرًا لَهُما لِأنَّ الفِراقَ خَيْرٌ مِن سُوءِ المُعاشَرَةِ. ومَعْنى إغْناءِ اللَّهِ كُلًّا: إغْناؤُهُ عَنِ الآخَرِ. وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ إغْناءَ اللَّهِ كُلًّا إنَّما يَكُونُ عَنِ الفِراقِ المَسْبُوقِ بِالسَّعْيِ في الصُّلْحِ. وقَوْلُهُ ﴿وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ تَذْيِيلٌ وتَنْهِيَةٌ لِلْكَلامِ في حُكْمِ النِّساءِ.

النساء 4:131

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم وإيّاكم أنِ اتَّقُوا اللَّهَ وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ . جُمْلَةُ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها المُتَضَمِّنَةِ التَّحْرِيضِ عَلى التَّقْوى والإحْسانِ وإصْلاحِ الأعْمالِ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا﴾ [النساء: ١٢٨] وقَوْلِهِ ﴿وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا﴾ [النساء: ١٢٩] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ وصَّيْنا﴾ الآيَةَ. فَهَذِهِ الجُمْلَةُ تَضَمَّنَتْ تَذْيِيلاتٍ لِتِلْكَ الجُمَلِ السّابِقَةِ، وهي مَعَ ذَلِكَ تَمْهِيدٌ لِما سَيُذْكَرُ بَعْدَها مِن قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ إلَخْ لِأنَّها دَلِيلٌ لِوُجُوبِ تَقْوى اللَّهِ. والمُناسَبَةُ بَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والَّتِي سَبَقَتْها: وهي جُمْلَةُ ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] أنَّ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ قادِرٌ عَلى أنْ يُغْنِيَ كُلَّ أحَدٍ مِن سَعَتِهِ. وهَذا تَمْجِيدٌ لِلَّهِ تَعالى، وتَذْكِيرٌ بِأنَّهُ رَبُّ العالَمِينَ، وكِنايَةٌ عَنْ عَظِيمِ سُلْطانِهِ واسْتِحْقاقِهِ لِلتَّقْوى. صفحة ٢٢٠ وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦] . وجُعِلَ الأمْرُ بِالتَّقْوى وصِيَّةً: لِأنَّ الوَصِيَّةَ قَوْلٌ فِيهِ أمْرٌ بِشَيْءٍ نافِعٍ جامِعٍ لِخَيْرٍ كَثِيرٍ، فَلِذَلِكَ كانَ الشَّأْنُ في الوَصِيَّةِ إيجازَ القَوْلِ لِأنَّها يُقْصَدُ مِنها وعْيُ السّامِعِ، واسْتِحْضارُهُ كَلِمَةَ الوَصِيَّةِ في سائِرِ أحْوالِهِ. والتَّقْوى تَجْمَعُ الخَيْراتِ، لِأنَّها امْتِثالُ الأوامِرِ واجْتِنابُ المَناهِي، ولِذَلِكَ قالُوا: ما تَكَرَّرَ لَفْظٌ في القُرْآنِ ما تَكَرَّرَ لَفْظُ التَّقْوى، يَعْنُونَ غَيْرَ الأعْلامِ، كاسْمِ الجَلالَةِ. وفِي الحَدِيثِ عَنِ العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ: «وعَظَنا رَسُولُ اللَّهِ مَوْعِظَةً وجِلَتْ مِنها القُلُوبُ، وذَرَفَتْ مِنها العُيُونُ، فَقُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ: كَأنَّها مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأوْصِنا، قالَ أُوصِيكم بِتَقْوى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والسَّمْعِ والطّاعَةِ» . فَذِكْرُ التَّقْوى في ﴿أنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ إلَخْ تَفْسِيرٌ لِجُمْلَةِ وصَّيْنا، فَأنْ فِيهِ تَفْسِيرِيَّةٌ. والإخْبارُ بِأنَّ اللَّهَ أوْصى الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ بِالتَّقْوى مَقْصُودٌ مِنهُ إلْهابُ هِمَمِ المُسْلِمِينَ لِلتَّهَمُّمِ بِتَقْوى اللَّهِ لِئَلّا تَفْضُلَهُمُ الأُمَمُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّ لِلِائْتِساءِ أثَرًا بالِغًا في النُّفُوسِ، كَما قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] . والمُرادُ بِالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ اليَهُودُ والنَّصارى، فالتَّعْرِيفُ في الكِتابِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ فَيَصْدُقُ بِالمُتَعَدِّدِ. والتَّقْوى المَأْمُورُ بِها هَنا مَنظُورٌ فِيها إلى أساسِها وهو الإيمانُ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولِذَلِكَ قُوبِلَتْ بِجُمْلَةِ ﴿وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ . وبَيَّنَ بِها عَدَمَ حاجَتِهِ تَعالى إلى تَقْوى النّاسِ، ولَكِنَّها لِصَلاحِ أنْفُسِهِمْ، كَما قالَ ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] . فَقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ التَّضَرُّرِ بِعِصْيانِ مَن يَعْصُونَهُ، ولِذَلِكَ جَعَلَها جَوابًا لِلشَّرْطِ، إذِ التَّقْدِيرُ فَإنَّهُ غَنِيٌّ عَنْكم. وتَأيَّدَ ذَلِكَ القَصْدُ بِتَذْيِيلِها بِقَوْلِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ أيْ غَنِيًّا عَنْ طاعَتِكم، مَحْمُودًا لِذاتِهِ، سَواءٌ حَمِدَهُ الحامِدُونَ وأطاعُوهُ، أمْ كَفَرُوا وعَصَوْهُ. وقَدْ ظَهَرَ بِهَذا أنَّ جُمْلَةَ ﴿وإنْ تَكْفُرُوا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ فَهي مِن تَمامِ الوَصِيَّةِ، أيْ مِن مَقُولِ القَوْلِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِـ ”وصَّيْنا“، فَيَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ ”حَمِيدًا. صفحة ٢٢١ وأمّا جُمْلَةُ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ فَهي عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ وصَّيْنا﴾، أتى بِها تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ فَهي مُرادٌ بِها مَعْناها الكِنائِيُّ الَّذِي هو التَّمَكُّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ بِالإيجادِ والإعْدامِ، ولِذَلِكَ لا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ“ وكِيلًا ”. فَقَدْ تَكَرَّرَتْ جُمْلَةُ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ هُنا ثَلاثَ مَرّاتٍ مُتَتالِياتٍ مُتَّحِدَةً لَفْظًا ومَعْنًى أصْلِيًّا، ومُخْتَلِفَةَ الأغْراضِ الكِنائِيَّةِ المَقْصُودَةِ مِنها، وسَبَقَتْها جُمْلَةٌ نَظِيرَتُهُنَّ: وهي ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦]، فَحَصَلَ تَكْرارُها أرْبَعَ مَرّاتٍ في كَلامٍ مُتَناسِقٍ. فَأمّا الأُولى السّابِقَةُ فَهي واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦]، ولِقَوْلِهِ ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]، والتَّذْيِيلِ لَهُما، والِاحْتِراسِ لِجُمْلَةِ ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، كَما ذَكَرْناهُ آنِفًا. وأمّا الثّانِيَةُ الَّتِي بَعْدَها فَواقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] . وأمّا الثّالِثَةُ الَّتِي تَلِيها فَهي عِلَّةٌ لِلْجَوابِ المَحْذُوفِ، وهو جَوابُ قَوْلِهِ ﴿وإنْ تَكْفُرُوا﴾؛ فالتَّقْدِيرُ: وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ تَقْواكم وإيمانِكم فَإنَّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، وكانَ ولا يَزالُ غَنِيًّا حَمِيدًا. وأمّا الرّابِعَةُ الَّتِي تَلِيها فَعاطِفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ تَقْدِيرُهُ: وإنْ تَكْفُرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ فَإنَّ اللَّهَ وكَيْلٌ عَلَيْكم ووَكِيلٌ عَنْ رَسُولِهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا. وجُمْلَةُ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّفْرِيعِ عَنْ قَوْلِهِ ﴿غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ . والخِطابُ بِقَوْلِهِ ﴿أيُّها النّاسُ﴾ لِلنّاسِ كُلِّهِمُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الخِطابَ تَنْبِيهًا لَهم بِهَذا النِّداءِ. ومَعْنى ﴿ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ يُوجِدُ ناسًا آخَرِينَ يَكُونُونَ خَيْرًا مِنكم في تَلَقِّي الدِّينِ. وقَدْ عُلِمَ مِن مُقابَلَةِ قَوْلِهِ ﴿أيُّها النّاسُ﴾ بِقَوْلِهِ“ آخَرِينَ " أنَّ المَعْنى بِناسٍ آخَرِينَ غَيْرِ كافِرِينَ، عَلى ما هو الشّائِعُ في الوَصْفِ بِكَلِمَةِ آخَرَ أوْ أُخْرى، بَعْدَ ذِكْرِ مُقابِلٍ لِلْمَوْصُوفِ، أنْ يَكُونَ المَوْصُوفُ بِكَلِمَةِ آخَرَ بَعْضًا مِن جِنْسِ ما عُطِفَ هو عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ ما جَعَلَهُ المُتَكَلِّمُ جِنْسًا في كَلامِهِ، بِالتَّصْرِيحِ أوِ التَّقْدِيرِ. وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ عُلَماءِ اللُّغَةِ إلى لُزُومِ ذَلِكَ، واحْتَفَلَ بِهَذِهِ المَسْألَةِ الحَرِيرِيُّ في دُرَّةِ الغَوّاصِ. وحاصِلُها: أنَّ الأخْفَشَ الصَّغِيرَ، والحَرِيرِيَّ، والرَّضِيَّ، وابْنَ يَسْعُونَ، والصِّقِلِّيَّ، وأبا حَيّانَ، ذَهَبُوا إلى اشْتِراطِ اتِّحادِ جِنْسِ المَوْصُوفِ بِكَلِمَةِ آخَرَ، وما تَصَرَّفَ مِنها، مَعَ جِنْسِ ما عُطِفَ هو صفحة ٢٢٢ عَلَيْهِ. فَلا يَجُوزُ عِنْدَهم أنْ تَقُولَ: رَكِبْتُ فَرَسًا وحِمارًا آخَرَ، ومَثَّلُوا لِما اسْتَكْمَلَ الشَّرْطَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] ثُمَّ قالَ ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وبِقَوْلِهِ ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٢٠] فَوَصَفَ مَناةَ بِالأُخْرى لِأنَّها مِن جِنْسِ اللّاتِ والعُزّى في أنَّها صَنَمٌ، قالُوا: ومِثْلُ كَلِمَةِ آخَرَ في هَذا كَلِماتُ: سائِرٍ، وبَقِيَّةٍ، وبَعْضٍ، فَلا تَقُولُ: أكْرَمْتُ رَجُلًا وتَرَكْتُ سائِرَ النِّساءِ. . ولَقَدْ غَلا بَعْضُ هَؤُلاءِ النُّحاةِ فاشْتَرَطُوا الِاتِّحادَ بَيْنَ المَوْصُوفِ بِآخَرَ وبَيْنَ ما عُطِفَ هو عَلَيْهِ حَتّى في الإفْرادِ وضِدِّهِ. قالَهُ ابْنُ يَسْعُونَ والصِّقِلِّيُّ، ورَدَّهُ ابْنُ هِشامٍ في التَّذْكِرَةِ مُحْتَجًّا بِقَوْلِ رَبِيعَةَ بْنِ مُكَدَّمٍ: ولَقَدْ شَفَعْتُهُما بِآخَرَ ثالِثٍ وأبى الفِرارَ لِيَ الغَداةَ تَكَرُّمِي وبِقَوْلِ أبِي حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ: وكُنْتُ أمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ مُعْتَدِلًا ∗∗∗ فَصِرْتُ أمْشِي عَلى أُخْرى مِنَ الشَّجَرِ . وقالَ قَوْمٌ بِلُزُومِ الِاتِّحادِ في التَّذْكِيرِ وضِدِّهِ، واخْتارَهُ ابْنُ جِنِّي، وخالَفَهُمُ المُبَرِّدُ، واحْتَجَّ المُبَرِّدُ بِقَوْلِ عَنْتَرَةَ: والخَيْلُ تَقْتَحِمُ الغُبارَ عَوابِسًا ∗∗∗ مِن بَيْنِ شَيْظَمَةٍ وآخَرَ شَيْظَمِ وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ إلى عَدَمِ اشْتِراطِ اتِّحادِ المَوْصُوفِ بِآخَرَ مَعَ ما عُطِفَ هو عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ جَوَّزا في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ويَأْتِ بِخَلْقٍ آخَرِينَ غَيْرِ الإنْسِ. واتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُوصَفَ بِكَلِمَةِ آخَرَ مَوْصُوفٌ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ ذِكْرُ مُقابِلٍ لَهُ أصْلًا، فَلا تَقُولُ: جاءَنِي آخَرُ، مِن غَيْرِ أنْ تَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ قَبْلُ، لِأنَّ مَعْنى آخَرَ مَعْنًى مُغايِرٌ في الذّاتِ مُجانِسٌ في الوَصْفِ. وأمّا قَوْلُ كُثَيِّرٍ: صَلّى عَلى عَزَّةَ الرَّحْمَنُ وابْنَتِها ∗∗∗ لُبْنى وصَلّى عَلى جاراتِها الأُخَرِ فَمَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ جَعَلَ ابْنَتَها جارَةً، أوْ أنَّهُ أرادَ: صَلّى عَلى حَبائِبِي: عَزَّةَ وابْنَتِها وجاراتِها حَبائِبِي الأُخَرِ. وقالَ أبُو الحَسَنِ لا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا في الشِّعْرِ، ولَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ بِشاهِدٍ. صفحة ٢٢٣ قالَ أبُو الحَسَنِ: وقَدْ يَجُوزُ ما امْتَنَعَ مِن ذَلِكَ بِتَأْوِيلٍ، نَحْوِ: رَأيْتُ فَرَسًا وحِمارًا آخَرَ بِتَأْوِيلِ أنَّهُ دابَّةٌ. وقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: إذا قُلْتُ هَذا صاحِبِي ورَضِيتُهُ ∗∗∗ وقَرَّتْ بِهِ العَيْنانِ بُدِّلْتُ آخَرا قُلْتُ: وقَدْ يُجْعَلَ بَيْتُ كُثَيِّرٍ مِن هَذا، ويَكُونُ الِاعْتِمادُ عَلى القَرِينَةِ. وقَدْ عُدَّ في هَذا القَبِيلِ قَوْلُ العَرَبِ: تَرِبَتْ يَمِينُ الآخَرِ، وفي الحَدِيثِ: «قالَ الأعْرابِيُّ لِلنَّبِيءِ ﷺ إنَّ الآخَرَ وقَعَ عَلى أهْلِهِ في رَمَضانَ» كِنايَةً عَنْ نَفْسِهِ، وكَأنَّهُ مِن قَبِيلِ التَّجْرِيدِ، أيْ جَرَّدَ مِن نَفْسِهِ شَخْصًا تَنْزِيهًا لِنَفْسِهِ مِن أنْ يَتَحَدَّثَ عَنْها بِما ذَكَرَهُ. وفِي حَدِيثِ الأسْلَمِيِّ في المُوَطَّأِ: أنَّهُ قالَ لِأبِي بَكْرٍ إنَّ الآخَرَ قَدْ زَنى، وبَعْضُ أهْلِ الحَدِيثِ يَضْبُطُونَهُ بِالقَصْرِ وكَسْرِ الخاءِ، وصَوَّبَهُ المُحَقِّقُونَ. وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ سَيُخْلِفُ مِنَ المُشْرِكِينَ قَوْمًا آخَرِينَ مُؤْمِنِينَ، فَإنَّ اللَّهَ أهْلَكَ بَعْضَ المُشْرِكِينَ عَلى شِرْكِهِ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ولَمْ يَشَأْ إهْلاكَ جَمِيعِهِمْ. وفي الحَدِيثِ: «لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُخْرِجَ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُهُ» .

النساء 4:132

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم وإيّاكم أنِ اتَّقُوا اللَّهَ وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ . جُمْلَةُ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها المُتَضَمِّنَةِ التَّحْرِيضِ عَلى التَّقْوى والإحْسانِ وإصْلاحِ الأعْمالِ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا﴾ [النساء: ١٢٨] وقَوْلِهِ ﴿وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا﴾ [النساء: ١٢٩] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ وصَّيْنا﴾ الآيَةَ. فَهَذِهِ الجُمْلَةُ تَضَمَّنَتْ تَذْيِيلاتٍ لِتِلْكَ الجُمَلِ السّابِقَةِ، وهي مَعَ ذَلِكَ تَمْهِيدٌ لِما سَيُذْكَرُ بَعْدَها مِن قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ إلَخْ لِأنَّها دَلِيلٌ لِوُجُوبِ تَقْوى اللَّهِ. والمُناسَبَةُ بَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والَّتِي سَبَقَتْها: وهي جُمْلَةُ ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] أنَّ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ قادِرٌ عَلى أنْ يُغْنِيَ كُلَّ أحَدٍ مِن سَعَتِهِ. وهَذا تَمْجِيدٌ لِلَّهِ تَعالى، وتَذْكِيرٌ بِأنَّهُ رَبُّ العالَمِينَ، وكِنايَةٌ عَنْ عَظِيمِ سُلْطانِهِ واسْتِحْقاقِهِ لِلتَّقْوى. صفحة ٢٢٠ وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦] . وجُعِلَ الأمْرُ بِالتَّقْوى وصِيَّةً: لِأنَّ الوَصِيَّةَ قَوْلٌ فِيهِ أمْرٌ بِشَيْءٍ نافِعٍ جامِعٍ لِخَيْرٍ كَثِيرٍ، فَلِذَلِكَ كانَ الشَّأْنُ في الوَصِيَّةِ إيجازَ القَوْلِ لِأنَّها يُقْصَدُ مِنها وعْيُ السّامِعِ، واسْتِحْضارُهُ كَلِمَةَ الوَصِيَّةِ في سائِرِ أحْوالِهِ. والتَّقْوى تَجْمَعُ الخَيْراتِ، لِأنَّها امْتِثالُ الأوامِرِ واجْتِنابُ المَناهِي، ولِذَلِكَ قالُوا: ما تَكَرَّرَ لَفْظٌ في القُرْآنِ ما تَكَرَّرَ لَفْظُ التَّقْوى، يَعْنُونَ غَيْرَ الأعْلامِ، كاسْمِ الجَلالَةِ. وفِي الحَدِيثِ عَنِ العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ: «وعَظَنا رَسُولُ اللَّهِ مَوْعِظَةً وجِلَتْ مِنها القُلُوبُ، وذَرَفَتْ مِنها العُيُونُ، فَقُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ: كَأنَّها مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأوْصِنا، قالَ أُوصِيكم بِتَقْوى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والسَّمْعِ والطّاعَةِ» . فَذِكْرُ التَّقْوى في ﴿أنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ إلَخْ تَفْسِيرٌ لِجُمْلَةِ وصَّيْنا، فَأنْ فِيهِ تَفْسِيرِيَّةٌ. والإخْبارُ بِأنَّ اللَّهَ أوْصى الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ بِالتَّقْوى مَقْصُودٌ مِنهُ إلْهابُ هِمَمِ المُسْلِمِينَ لِلتَّهَمُّمِ بِتَقْوى اللَّهِ لِئَلّا تَفْضُلَهُمُ الأُمَمُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّ لِلِائْتِساءِ أثَرًا بالِغًا في النُّفُوسِ، كَما قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] . والمُرادُ بِالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ اليَهُودُ والنَّصارى، فالتَّعْرِيفُ في الكِتابِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ فَيَصْدُقُ بِالمُتَعَدِّدِ. والتَّقْوى المَأْمُورُ بِها هَنا مَنظُورٌ فِيها إلى أساسِها وهو الإيمانُ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولِذَلِكَ قُوبِلَتْ بِجُمْلَةِ ﴿وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ . وبَيَّنَ بِها عَدَمَ حاجَتِهِ تَعالى إلى تَقْوى النّاسِ، ولَكِنَّها لِصَلاحِ أنْفُسِهِمْ، كَما قالَ ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] . فَقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ التَّضَرُّرِ بِعِصْيانِ مَن يَعْصُونَهُ، ولِذَلِكَ جَعَلَها جَوابًا لِلشَّرْطِ، إذِ التَّقْدِيرُ فَإنَّهُ غَنِيٌّ عَنْكم. وتَأيَّدَ ذَلِكَ القَصْدُ بِتَذْيِيلِها بِقَوْلِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ أيْ غَنِيًّا عَنْ طاعَتِكم، مَحْمُودًا لِذاتِهِ، سَواءٌ حَمِدَهُ الحامِدُونَ وأطاعُوهُ، أمْ كَفَرُوا وعَصَوْهُ. وقَدْ ظَهَرَ بِهَذا أنَّ جُمْلَةَ ﴿وإنْ تَكْفُرُوا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ فَهي مِن تَمامِ الوَصِيَّةِ، أيْ مِن مَقُولِ القَوْلِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِـ ”وصَّيْنا“، فَيَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ ”حَمِيدًا. صفحة ٢٢١ وأمّا جُمْلَةُ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ فَهي عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ وصَّيْنا﴾، أتى بِها تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ فَهي مُرادٌ بِها مَعْناها الكِنائِيُّ الَّذِي هو التَّمَكُّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ بِالإيجادِ والإعْدامِ، ولِذَلِكَ لا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ“ وكِيلًا ”. فَقَدْ تَكَرَّرَتْ جُمْلَةُ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ هُنا ثَلاثَ مَرّاتٍ مُتَتالِياتٍ مُتَّحِدَةً لَفْظًا ومَعْنًى أصْلِيًّا، ومُخْتَلِفَةَ الأغْراضِ الكِنائِيَّةِ المَقْصُودَةِ مِنها، وسَبَقَتْها جُمْلَةٌ نَظِيرَتُهُنَّ: وهي ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦]، فَحَصَلَ تَكْرارُها أرْبَعَ مَرّاتٍ في كَلامٍ مُتَناسِقٍ. فَأمّا الأُولى السّابِقَةُ فَهي واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦]، ولِقَوْلِهِ ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]، والتَّذْيِيلِ لَهُما، والِاحْتِراسِ لِجُمْلَةِ ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، كَما ذَكَرْناهُ آنِفًا. وأمّا الثّانِيَةُ الَّتِي بَعْدَها فَواقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] . وأمّا الثّالِثَةُ الَّتِي تَلِيها فَهي عِلَّةٌ لِلْجَوابِ المَحْذُوفِ، وهو جَوابُ قَوْلِهِ ﴿وإنْ تَكْفُرُوا﴾؛ فالتَّقْدِيرُ: وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ تَقْواكم وإيمانِكم فَإنَّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، وكانَ ولا يَزالُ غَنِيًّا حَمِيدًا. وأمّا الرّابِعَةُ الَّتِي تَلِيها فَعاطِفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ تَقْدِيرُهُ: وإنْ تَكْفُرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ فَإنَّ اللَّهَ وكَيْلٌ عَلَيْكم ووَكِيلٌ عَنْ رَسُولِهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا. وجُمْلَةُ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّفْرِيعِ عَنْ قَوْلِهِ ﴿غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ . والخِطابُ بِقَوْلِهِ ﴿أيُّها النّاسُ﴾ لِلنّاسِ كُلِّهِمُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الخِطابَ تَنْبِيهًا لَهم بِهَذا النِّداءِ. ومَعْنى ﴿ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ يُوجِدُ ناسًا آخَرِينَ يَكُونُونَ خَيْرًا مِنكم في تَلَقِّي الدِّينِ. وقَدْ عُلِمَ مِن مُقابَلَةِ قَوْلِهِ ﴿أيُّها النّاسُ﴾ بِقَوْلِهِ“ آخَرِينَ " أنَّ المَعْنى بِناسٍ آخَرِينَ غَيْرِ كافِرِينَ، عَلى ما هو الشّائِعُ في الوَصْفِ بِكَلِمَةِ آخَرَ أوْ أُخْرى، بَعْدَ ذِكْرِ مُقابِلٍ لِلْمَوْصُوفِ، أنْ يَكُونَ المَوْصُوفُ بِكَلِمَةِ آخَرَ بَعْضًا مِن جِنْسِ ما عُطِفَ هو عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ ما جَعَلَهُ المُتَكَلِّمُ جِنْسًا في كَلامِهِ، بِالتَّصْرِيحِ أوِ التَّقْدِيرِ. وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ عُلَماءِ اللُّغَةِ إلى لُزُومِ ذَلِكَ، واحْتَفَلَ بِهَذِهِ المَسْألَةِ الحَرِيرِيُّ في دُرَّةِ الغَوّاصِ. وحاصِلُها: أنَّ الأخْفَشَ الصَّغِيرَ، والحَرِيرِيَّ، والرَّضِيَّ، وابْنَ يَسْعُونَ، والصِّقِلِّيَّ، وأبا حَيّانَ، ذَهَبُوا إلى اشْتِراطِ اتِّحادِ جِنْسِ المَوْصُوفِ بِكَلِمَةِ آخَرَ، وما تَصَرَّفَ مِنها، مَعَ جِنْسِ ما عُطِفَ هو صفحة ٢٢٢ عَلَيْهِ. فَلا يَجُوزُ عِنْدَهم أنْ تَقُولَ: رَكِبْتُ فَرَسًا وحِمارًا آخَرَ، ومَثَّلُوا لِما اسْتَكْمَلَ الشَّرْطَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] ثُمَّ قالَ ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وبِقَوْلِهِ ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٢٠] فَوَصَفَ مَناةَ بِالأُخْرى لِأنَّها مِن جِنْسِ اللّاتِ والعُزّى في أنَّها صَنَمٌ، قالُوا: ومِثْلُ كَلِمَةِ آخَرَ في هَذا كَلِماتُ: سائِرٍ، وبَقِيَّةٍ، وبَعْضٍ، فَلا تَقُولُ: أكْرَمْتُ رَجُلًا وتَرَكْتُ سائِرَ النِّساءِ. . ولَقَدْ غَلا بَعْضُ هَؤُلاءِ النُّحاةِ فاشْتَرَطُوا الِاتِّحادَ بَيْنَ المَوْصُوفِ بِآخَرَ وبَيْنَ ما عُطِفَ هو عَلَيْهِ حَتّى في الإفْرادِ وضِدِّهِ. قالَهُ ابْنُ يَسْعُونَ والصِّقِلِّيُّ، ورَدَّهُ ابْنُ هِشامٍ في التَّذْكِرَةِ مُحْتَجًّا بِقَوْلِ رَبِيعَةَ بْنِ مُكَدَّمٍ: ولَقَدْ شَفَعْتُهُما بِآخَرَ ثالِثٍ وأبى الفِرارَ لِيَ الغَداةَ تَكَرُّمِي وبِقَوْلِ أبِي حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ: وكُنْتُ أمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ مُعْتَدِلًا ∗∗∗ فَصِرْتُ أمْشِي عَلى أُخْرى مِنَ الشَّجَرِ . وقالَ قَوْمٌ بِلُزُومِ الِاتِّحادِ في التَّذْكِيرِ وضِدِّهِ، واخْتارَهُ ابْنُ جِنِّي، وخالَفَهُمُ المُبَرِّدُ، واحْتَجَّ المُبَرِّدُ بِقَوْلِ عَنْتَرَةَ: والخَيْلُ تَقْتَحِمُ الغُبارَ عَوابِسًا ∗∗∗ مِن بَيْنِ شَيْظَمَةٍ وآخَرَ شَيْظَمِ وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ إلى عَدَمِ اشْتِراطِ اتِّحادِ المَوْصُوفِ بِآخَرَ مَعَ ما عُطِفَ هو عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ جَوَّزا في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ويَأْتِ بِخَلْقٍ آخَرِينَ غَيْرِ الإنْسِ. واتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُوصَفَ بِكَلِمَةِ آخَرَ مَوْصُوفٌ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ ذِكْرُ مُقابِلٍ لَهُ أصْلًا، فَلا تَقُولُ: جاءَنِي آخَرُ، مِن غَيْرِ أنْ تَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ قَبْلُ، لِأنَّ مَعْنى آخَرَ مَعْنًى مُغايِرٌ في الذّاتِ مُجانِسٌ في الوَصْفِ. وأمّا قَوْلُ كُثَيِّرٍ: صَلّى عَلى عَزَّةَ الرَّحْمَنُ وابْنَتِها ∗∗∗ لُبْنى وصَلّى عَلى جاراتِها الأُخَرِ فَمَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ جَعَلَ ابْنَتَها جارَةً، أوْ أنَّهُ أرادَ: صَلّى عَلى حَبائِبِي: عَزَّةَ وابْنَتِها وجاراتِها حَبائِبِي الأُخَرِ. وقالَ أبُو الحَسَنِ لا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا في الشِّعْرِ، ولَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ بِشاهِدٍ. صفحة ٢٢٣ قالَ أبُو الحَسَنِ: وقَدْ يَجُوزُ ما امْتَنَعَ مِن ذَلِكَ بِتَأْوِيلٍ، نَحْوِ: رَأيْتُ فَرَسًا وحِمارًا آخَرَ بِتَأْوِيلِ أنَّهُ دابَّةٌ. وقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: إذا قُلْتُ هَذا صاحِبِي ورَضِيتُهُ ∗∗∗ وقَرَّتْ بِهِ العَيْنانِ بُدِّلْتُ آخَرا قُلْتُ: وقَدْ يُجْعَلَ بَيْتُ كُثَيِّرٍ مِن هَذا، ويَكُونُ الِاعْتِمادُ عَلى القَرِينَةِ. وقَدْ عُدَّ في هَذا القَبِيلِ قَوْلُ العَرَبِ: تَرِبَتْ يَمِينُ الآخَرِ، وفي الحَدِيثِ: «قالَ الأعْرابِيُّ لِلنَّبِيءِ ﷺ إنَّ الآخَرَ وقَعَ عَلى أهْلِهِ في رَمَضانَ» كِنايَةً عَنْ نَفْسِهِ، وكَأنَّهُ مِن قَبِيلِ التَّجْرِيدِ، أيْ جَرَّدَ مِن نَفْسِهِ شَخْصًا تَنْزِيهًا لِنَفْسِهِ مِن أنْ يَتَحَدَّثَ عَنْها بِما ذَكَرَهُ. وفِي حَدِيثِ الأسْلَمِيِّ في المُوَطَّأِ: أنَّهُ قالَ لِأبِي بَكْرٍ إنَّ الآخَرَ قَدْ زَنى، وبَعْضُ أهْلِ الحَدِيثِ يَضْبُطُونَهُ بِالقَصْرِ وكَسْرِ الخاءِ، وصَوَّبَهُ المُحَقِّقُونَ. وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ سَيُخْلِفُ مِنَ المُشْرِكِينَ قَوْمًا آخَرِينَ مُؤْمِنِينَ، فَإنَّ اللَّهَ أهْلَكَ بَعْضَ المُشْرِكِينَ عَلى شِرْكِهِ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ولَمْ يَشَأْ إهْلاكَ جَمِيعِهِمْ. وفي الحَدِيثِ: «لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُخْرِجَ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُهُ» .

النساء 4:133

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم وإيّاكم أنِ اتَّقُوا اللَّهَ وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ . جُمْلَةُ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها المُتَضَمِّنَةِ التَّحْرِيضِ عَلى التَّقْوى والإحْسانِ وإصْلاحِ الأعْمالِ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا﴾ [النساء: ١٢٨] وقَوْلِهِ ﴿وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا﴾ [النساء: ١٢٩] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ وصَّيْنا﴾ الآيَةَ. فَهَذِهِ الجُمْلَةُ تَضَمَّنَتْ تَذْيِيلاتٍ لِتِلْكَ الجُمَلِ السّابِقَةِ، وهي مَعَ ذَلِكَ تَمْهِيدٌ لِما سَيُذْكَرُ بَعْدَها مِن قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ إلَخْ لِأنَّها دَلِيلٌ لِوُجُوبِ تَقْوى اللَّهِ. والمُناسَبَةُ بَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والَّتِي سَبَقَتْها: وهي جُمْلَةُ ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] أنَّ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ قادِرٌ عَلى أنْ يُغْنِيَ كُلَّ أحَدٍ مِن سَعَتِهِ. وهَذا تَمْجِيدٌ لِلَّهِ تَعالى، وتَذْكِيرٌ بِأنَّهُ رَبُّ العالَمِينَ، وكِنايَةٌ عَنْ عَظِيمِ سُلْطانِهِ واسْتِحْقاقِهِ لِلتَّقْوى. صفحة ٢٢٠ وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦] . وجُعِلَ الأمْرُ بِالتَّقْوى وصِيَّةً: لِأنَّ الوَصِيَّةَ قَوْلٌ فِيهِ أمْرٌ بِشَيْءٍ نافِعٍ جامِعٍ لِخَيْرٍ كَثِيرٍ، فَلِذَلِكَ كانَ الشَّأْنُ في الوَصِيَّةِ إيجازَ القَوْلِ لِأنَّها يُقْصَدُ مِنها وعْيُ السّامِعِ، واسْتِحْضارُهُ كَلِمَةَ الوَصِيَّةِ في سائِرِ أحْوالِهِ. والتَّقْوى تَجْمَعُ الخَيْراتِ، لِأنَّها امْتِثالُ الأوامِرِ واجْتِنابُ المَناهِي، ولِذَلِكَ قالُوا: ما تَكَرَّرَ لَفْظٌ في القُرْآنِ ما تَكَرَّرَ لَفْظُ التَّقْوى، يَعْنُونَ غَيْرَ الأعْلامِ، كاسْمِ الجَلالَةِ. وفِي الحَدِيثِ عَنِ العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ: «وعَظَنا رَسُولُ اللَّهِ مَوْعِظَةً وجِلَتْ مِنها القُلُوبُ، وذَرَفَتْ مِنها العُيُونُ، فَقُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ: كَأنَّها مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأوْصِنا، قالَ أُوصِيكم بِتَقْوى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والسَّمْعِ والطّاعَةِ» . فَذِكْرُ التَّقْوى في ﴿أنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ إلَخْ تَفْسِيرٌ لِجُمْلَةِ وصَّيْنا، فَأنْ فِيهِ تَفْسِيرِيَّةٌ. والإخْبارُ بِأنَّ اللَّهَ أوْصى الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ بِالتَّقْوى مَقْصُودٌ مِنهُ إلْهابُ هِمَمِ المُسْلِمِينَ لِلتَّهَمُّمِ بِتَقْوى اللَّهِ لِئَلّا تَفْضُلَهُمُ الأُمَمُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّ لِلِائْتِساءِ أثَرًا بالِغًا في النُّفُوسِ، كَما قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] . والمُرادُ بِالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ اليَهُودُ والنَّصارى، فالتَّعْرِيفُ في الكِتابِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ فَيَصْدُقُ بِالمُتَعَدِّدِ. والتَّقْوى المَأْمُورُ بِها هَنا مَنظُورٌ فِيها إلى أساسِها وهو الإيمانُ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولِذَلِكَ قُوبِلَتْ بِجُمْلَةِ ﴿وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ . وبَيَّنَ بِها عَدَمَ حاجَتِهِ تَعالى إلى تَقْوى النّاسِ، ولَكِنَّها لِصَلاحِ أنْفُسِهِمْ، كَما قالَ ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] . فَقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ التَّضَرُّرِ بِعِصْيانِ مَن يَعْصُونَهُ، ولِذَلِكَ جَعَلَها جَوابًا لِلشَّرْطِ، إذِ التَّقْدِيرُ فَإنَّهُ غَنِيٌّ عَنْكم. وتَأيَّدَ ذَلِكَ القَصْدُ بِتَذْيِيلِها بِقَوْلِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ أيْ غَنِيًّا عَنْ طاعَتِكم، مَحْمُودًا لِذاتِهِ، سَواءٌ حَمِدَهُ الحامِدُونَ وأطاعُوهُ، أمْ كَفَرُوا وعَصَوْهُ. وقَدْ ظَهَرَ بِهَذا أنَّ جُمْلَةَ ﴿وإنْ تَكْفُرُوا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ فَهي مِن تَمامِ الوَصِيَّةِ، أيْ مِن مَقُولِ القَوْلِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِـ ”وصَّيْنا“، فَيَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ ”حَمِيدًا. صفحة ٢٢١ وأمّا جُمْلَةُ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ فَهي عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ وصَّيْنا﴾، أتى بِها تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ فَهي مُرادٌ بِها مَعْناها الكِنائِيُّ الَّذِي هو التَّمَكُّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ بِالإيجادِ والإعْدامِ، ولِذَلِكَ لا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ“ وكِيلًا ”. فَقَدْ تَكَرَّرَتْ جُمْلَةُ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ هُنا ثَلاثَ مَرّاتٍ مُتَتالِياتٍ مُتَّحِدَةً لَفْظًا ومَعْنًى أصْلِيًّا، ومُخْتَلِفَةَ الأغْراضِ الكِنائِيَّةِ المَقْصُودَةِ مِنها، وسَبَقَتْها جُمْلَةٌ نَظِيرَتُهُنَّ: وهي ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦]، فَحَصَلَ تَكْرارُها أرْبَعَ مَرّاتٍ في كَلامٍ مُتَناسِقٍ. فَأمّا الأُولى السّابِقَةُ فَهي واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦]، ولِقَوْلِهِ ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]، والتَّذْيِيلِ لَهُما، والِاحْتِراسِ لِجُمْلَةِ ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، كَما ذَكَرْناهُ آنِفًا. وأمّا الثّانِيَةُ الَّتِي بَعْدَها فَواقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِن سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] . وأمّا الثّالِثَةُ الَّتِي تَلِيها فَهي عِلَّةٌ لِلْجَوابِ المَحْذُوفِ، وهو جَوابُ قَوْلِهِ ﴿وإنْ تَكْفُرُوا﴾؛ فالتَّقْدِيرُ: وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ تَقْواكم وإيمانِكم فَإنَّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، وكانَ ولا يَزالُ غَنِيًّا حَمِيدًا. وأمّا الرّابِعَةُ الَّتِي تَلِيها فَعاطِفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ تَقْدِيرُهُ: وإنْ تَكْفُرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ فَإنَّ اللَّهَ وكَيْلٌ عَلَيْكم ووَكِيلٌ عَنْ رَسُولِهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا. وجُمْلَةُ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّفْرِيعِ عَنْ قَوْلِهِ ﴿غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ . والخِطابُ بِقَوْلِهِ ﴿أيُّها النّاسُ﴾ لِلنّاسِ كُلِّهِمُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الخِطابَ تَنْبِيهًا لَهم بِهَذا النِّداءِ. ومَعْنى ﴿ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ يُوجِدُ ناسًا آخَرِينَ يَكُونُونَ خَيْرًا مِنكم في تَلَقِّي الدِّينِ. وقَدْ عُلِمَ مِن مُقابَلَةِ قَوْلِهِ ﴿أيُّها النّاسُ﴾ بِقَوْلِهِ“ آخَرِينَ " أنَّ المَعْنى بِناسٍ آخَرِينَ غَيْرِ كافِرِينَ، عَلى ما هو الشّائِعُ في الوَصْفِ بِكَلِمَةِ آخَرَ أوْ أُخْرى، بَعْدَ ذِكْرِ مُقابِلٍ لِلْمَوْصُوفِ، أنْ يَكُونَ المَوْصُوفُ بِكَلِمَةِ آخَرَ بَعْضًا مِن جِنْسِ ما عُطِفَ هو عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ ما جَعَلَهُ المُتَكَلِّمُ جِنْسًا في كَلامِهِ، بِالتَّصْرِيحِ أوِ التَّقْدِيرِ. وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ عُلَماءِ اللُّغَةِ إلى لُزُومِ ذَلِكَ، واحْتَفَلَ بِهَذِهِ المَسْألَةِ الحَرِيرِيُّ في دُرَّةِ الغَوّاصِ. وحاصِلُها: أنَّ الأخْفَشَ الصَّغِيرَ، والحَرِيرِيَّ، والرَّضِيَّ، وابْنَ يَسْعُونَ، والصِّقِلِّيَّ، وأبا حَيّانَ، ذَهَبُوا إلى اشْتِراطِ اتِّحادِ جِنْسِ المَوْصُوفِ بِكَلِمَةِ آخَرَ، وما تَصَرَّفَ مِنها، مَعَ جِنْسِ ما عُطِفَ هو صفحة ٢٢٢ عَلَيْهِ. فَلا يَجُوزُ عِنْدَهم أنْ تَقُولَ: رَكِبْتُ فَرَسًا وحِمارًا آخَرَ، ومَثَّلُوا لِما اسْتَكْمَلَ الشَّرْطَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] ثُمَّ قالَ ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وبِقَوْلِهِ ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٢٠] فَوَصَفَ مَناةَ بِالأُخْرى لِأنَّها مِن جِنْسِ اللّاتِ والعُزّى في أنَّها صَنَمٌ، قالُوا: ومِثْلُ كَلِمَةِ آخَرَ في هَذا كَلِماتُ: سائِرٍ، وبَقِيَّةٍ، وبَعْضٍ، فَلا تَقُولُ: أكْرَمْتُ رَجُلًا وتَرَكْتُ سائِرَ النِّساءِ. . ولَقَدْ غَلا بَعْضُ هَؤُلاءِ النُّحاةِ فاشْتَرَطُوا الِاتِّحادَ بَيْنَ المَوْصُوفِ بِآخَرَ وبَيْنَ ما عُطِفَ هو عَلَيْهِ حَتّى في الإفْرادِ وضِدِّهِ. قالَهُ ابْنُ يَسْعُونَ والصِّقِلِّيُّ، ورَدَّهُ ابْنُ هِشامٍ في التَّذْكِرَةِ مُحْتَجًّا بِقَوْلِ رَبِيعَةَ بْنِ مُكَدَّمٍ: ولَقَدْ شَفَعْتُهُما بِآخَرَ ثالِثٍ وأبى الفِرارَ لِيَ الغَداةَ تَكَرُّمِي وبِقَوْلِ أبِي حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ: وكُنْتُ أمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ مُعْتَدِلًا ∗∗∗ فَصِرْتُ أمْشِي عَلى أُخْرى مِنَ الشَّجَرِ . وقالَ قَوْمٌ بِلُزُومِ الِاتِّحادِ في التَّذْكِيرِ وضِدِّهِ، واخْتارَهُ ابْنُ جِنِّي، وخالَفَهُمُ المُبَرِّدُ، واحْتَجَّ المُبَرِّدُ بِقَوْلِ عَنْتَرَةَ: والخَيْلُ تَقْتَحِمُ الغُبارَ عَوابِسًا ∗∗∗ مِن بَيْنِ شَيْظَمَةٍ وآخَرَ شَيْظَمِ وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ إلى عَدَمِ اشْتِراطِ اتِّحادِ المَوْصُوفِ بِآخَرَ مَعَ ما عُطِفَ هو عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ جَوَّزا في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ويَأْتِ بِخَلْقٍ آخَرِينَ غَيْرِ الإنْسِ. واتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُوصَفَ بِكَلِمَةِ آخَرَ مَوْصُوفٌ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ ذِكْرُ مُقابِلٍ لَهُ أصْلًا، فَلا تَقُولُ: جاءَنِي آخَرُ، مِن غَيْرِ أنْ تَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ قَبْلُ، لِأنَّ مَعْنى آخَرَ مَعْنًى مُغايِرٌ في الذّاتِ مُجانِسٌ في الوَصْفِ. وأمّا قَوْلُ كُثَيِّرٍ: صَلّى عَلى عَزَّةَ الرَّحْمَنُ وابْنَتِها ∗∗∗ لُبْنى وصَلّى عَلى جاراتِها الأُخَرِ فَمَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ جَعَلَ ابْنَتَها جارَةً، أوْ أنَّهُ أرادَ: صَلّى عَلى حَبائِبِي: عَزَّةَ وابْنَتِها وجاراتِها حَبائِبِي الأُخَرِ. وقالَ أبُو الحَسَنِ لا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا في الشِّعْرِ، ولَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ بِشاهِدٍ. صفحة ٢٢٣ قالَ أبُو الحَسَنِ: وقَدْ يَجُوزُ ما امْتَنَعَ مِن ذَلِكَ بِتَأْوِيلٍ، نَحْوِ: رَأيْتُ فَرَسًا وحِمارًا آخَرَ بِتَأْوِيلِ أنَّهُ دابَّةٌ. وقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: إذا قُلْتُ هَذا صاحِبِي ورَضِيتُهُ ∗∗∗ وقَرَّتْ بِهِ العَيْنانِ بُدِّلْتُ آخَرا قُلْتُ: وقَدْ يُجْعَلَ بَيْتُ كُثَيِّرٍ مِن هَذا، ويَكُونُ الِاعْتِمادُ عَلى القَرِينَةِ. وقَدْ عُدَّ في هَذا القَبِيلِ قَوْلُ العَرَبِ: تَرِبَتْ يَمِينُ الآخَرِ، وفي الحَدِيثِ: «قالَ الأعْرابِيُّ لِلنَّبِيءِ ﷺ إنَّ الآخَرَ وقَعَ عَلى أهْلِهِ في رَمَضانَ» كِنايَةً عَنْ نَفْسِهِ، وكَأنَّهُ مِن قَبِيلِ التَّجْرِيدِ، أيْ جَرَّدَ مِن نَفْسِهِ شَخْصًا تَنْزِيهًا لِنَفْسِهِ مِن أنْ يَتَحَدَّثَ عَنْها بِما ذَكَرَهُ. وفِي حَدِيثِ الأسْلَمِيِّ في المُوَطَّأِ: أنَّهُ قالَ لِأبِي بَكْرٍ إنَّ الآخَرَ قَدْ زَنى، وبَعْضُ أهْلِ الحَدِيثِ يَضْبُطُونَهُ بِالقَصْرِ وكَسْرِ الخاءِ، وصَوَّبَهُ المُحَقِّقُونَ. وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ سَيُخْلِفُ مِنَ المُشْرِكِينَ قَوْمًا آخَرِينَ مُؤْمِنِينَ، فَإنَّ اللَّهَ أهْلَكَ بَعْضَ المُشْرِكِينَ عَلى شِرْكِهِ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ولَمْ يَشَأْ إهْلاكَ جَمِيعِهِمْ. وفي الحَدِيثِ: «لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُخْرِجَ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُهُ» .

النساء 4:134

﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ . لَمّا كانَ شَأْنُ التَّقْوى عَظِيمًا عَلى النُّفُوسِ، لِأنَّها يَصْرِفُها عَنْها اسْتِعْجالُ النّاسِ لِمَنافِعِ الدُّنْيا عَلى خَيْراتِ الآخِرَةِ، نَبَّهَهُمُ اللَّهُ إلى أنَّ خَيْرَ الدُّنْيا بِيَدِ اللَّهِ، وخَيْرَ الآخِرَةِ أيْضًا، فَإنِ اتَّقَوْهُ نالُوا الخَيْرَيْنِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ تَعْلِيمًا لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ لا يَصُدَّهُمُ الإيمانُ عَنْ طَلَبِ ثَوابِ الدُّنْيا، إذِ الكُلُّ مِن فَضْلِ اللَّهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَذْكِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ لا يُلْهِيهِمْ طَلَبُ خَيْرِ الدُّنْيا عَنْ طَلَبِ الآخِرَةِ، إذِ الجَمْعُ بَيْنَهُما أفْضَلُ، وكِلاهُما مِن عِنْدِ اللَّهِ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ صفحة ٢٢٤ ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠] ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ بِما كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٢] . أوْ هي تَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ لا يَطْلُبُوا خَيْرَ الدُّنْيا مِن طُرُقِ الحَرامِ، فَإنَّ في الحَلالِ سَعَةً لَهم ومَندُوحَةً، ولْيَتَطَلَّبُوهُ مِنَ الحَلالِ يُسَهِّلْ لَهُمُ اللَّهُ حُصُولَهُ، إذِ الخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدِ اللَّهِ، فَيُوشِكُ أنْ يَحْرِمَ مَن يَتَطَلَّبُهُ مِن وجْهٍ لا يُرْضِيهِ أوْ لا يُبارِكَ لَهُ فِيهِ. والمُرادُ بِالثَّوابِ في الآيَةِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ دُونَ الشَّرْعِيِّ، وهو الخَيْرُ وما يَرْجِعُ بِهِ طالِبُ النَّفْعِ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ، مُشْتَقٌّ مِن ثابَ بِمَعْنى رَجَعَ. وعَلى الِاحْتِمالاتِ كُلِّها فَجَوابُ الشَّرْطِ بِـ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ مَحْذُوفٌ، تَدُلُّ عَلَيْهِ عِلَّتُهُ. والتَّقْدِيرُ: مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَلا يُعْرِضُ عَنْ دِينِ اللَّهِ، أوْ فَلا يَصُدُّ عَنْ سُؤالِهِ، أوْ فَلا يَقْتَصِرُ عَلى سُؤالِهِ، أوْ فَلا يُحَصِّلُهُ مِن وُجُوهٍ لا تُرْضِي اللَّهَ تَعالى: كَما فَعَلَ بَنُو أُبَيْرِقٍ وأضْرابُهم، ولْيَتَطَلَّبْهُ مِن وُجُوهِ البِرِّ لِأنَّ فَضْلَ اللَّهِ يَسَعُ الخَيْرَيْنِ، والكُلُّ مِن عِنْدِهِ. وهَذا كَقَوْلِ القُطامِيِّ: فَمَن تَكُنِ الحَضارَةُ أعْجَبَتْهُ فَأيُّ رِجالِ بادِيَةٍ تَرانا التَّقْدِيرُ: فَلا يَغْتَرِرْ أوْ لا يَبْتَهِجْ بِالحَضارَةِ، فَإنَّ حالَنا دَلِيلٌ عَلى شَرَفِ البَداوَةِ.

النساء 4:135

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا وإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ . انْتِقالٌ مِنَ الأمْرِ بِالعَدْلِ في أحْوالٍ مُعَيَّنَةٍ مِن مُعامَلاتِ اليَتامى والنِّساءِ إلى الأمْرِ بِالعَدْلِ الَّذِي يَعُمُّ الأحْوالَ كُلَّها، وما يُقارِنُهُ مِنَ الشَّهادَةِ الصّادِقَةِ، فَإنَّ العَدْلَ في الحُكْمِ، وأداءَ الشَّهادَةِ بِالحَقِّ هو قِوامُ صَلاحِ المُجْتَمَعِ الإسْلامِيِّ، والِانْحِرافُ عَنْ ذَلِكَ ولَوْ قَيْدَ أُنْمُلَةٍ يَجُرُّ إلى فَسادٍ مُتَسَلْسِلٍ. وصِيغَةُ ”قَوّامِينَ“ دالَّةٌ عَلى الكَثْرَةِ المُرادِ لازِمُها، وهو عَدَمُ الإخْلالِ بِهَذا القِيامِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ. صفحة ٢٢٥ والقِسْطُ العَدْلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وعَدَلَ عَنْ لَفْظِ العَدْلِ إلى كَلِمَةِ القِسْطِ لِأنَّ القِسْطَ كَلِمَةٌ مُعَرَّبَةٌ أُدْخِلَتْ في كَلامِ العَرَبِ لِدَلالَتِها في اللُّغَةِ المَنقُولَةِ مِنها عَلى العَدْلِ في الحُكْمِ، وأمّا لَفْظُ العَدْلِ فَأعَمُّ مِن ذَلِكَ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ فَإنَّ الشَّهادَةَ مِن عَلائِقِ القَضاءِ والحُكْمِ. و”لِلَّهِ“ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”شُهَداءَ“ أيْ لِأجْلِ اللَّهِ، ولَيْسَتْ لامَ تَعْدِيَةِ ”شُهَداءَ“ إلى مَفْعُولِهِ، ولَمْ يُذْكَرْ تَعَلُّقَ المَشْهُودِ لَهُ بِمُتَعَلَّقِهِ وهو وصْفُ ”شُهَداءَ“ لِإشْعارِ الوَصْفِ بِتَعْيِينِهِ، أيِ المَشْهُودِ لَهُ بِحَقٍّ. وقَدْ جَمَعَتِ الآيَةُ أصْلَيِ التَّحاكُمِ، وهُما القَضاءُ والشَّهادَةُ. وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ حالِيَّةٌ، و”لَوْ“ فِيها وصْلِيَّةٌ، وقَدْ مَضى القَوْلُ في تَحْقِيقِ مَوْقِعِ (لَوْ) الوَصْلِيَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ويَتَعَلَّقُ عَلى أنْفُسِكم بِكُلٍّ مِن ”قَوّامِينَ“ و”شُهَداءَ“ لِيَشْمَلَ القَضاءَ والشَّهادَةَ. والأنْفُسُ: جَمْعُ نَفْسٍ؛ وأصْلُها أنْ تُطْلَقَ عَلى الذّاتِ، ويُطْلِقُها العَرَبُ أيْضًا عَلى صَمِيمِ القَبِيلَةِ، فَيَقُولُونَ: هو مِن بَنِي فُلانٍ مِن أنْفُسِهِمْ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”أنْفُسِكم“ هُنا بِالمَعْنى المُسْتَعْمَلِ بِهِ غالِبًا، أيْ: قُومُوا بِالعَدْلِ عَلى أنْفُسِكم، واشْهَدُوا لِلَّهِ عَلى أنْفُسِكم، أيْ قَضاءً غالِبًا لِأنْفُسِكم وشَهادَةً غالِبَةً لِأنْفُسِكم، لِأنَّ حَرْفَ (عَلى) مُؤْذِنٌ بِأنَّ مُتَعَلِّقَهُ شَدِيدٌ فِيهِ كُلْفَةٌ عَلى المَجْرُورِ بِعَلى، أيْ ولَوْ كانَ قَضاءُ القاضِي مِنكم وشَهادَةُ الشّاهِدِ مِنكم بِما فِيهِ ضُرٌّ وكَراهَةٌ لِلْقاضِي والشّاهِدِ. وهَذا أقْصى ما يُبالِغُ عَلَيْهِ في الشِّدَّةِ والأذى، لِأنَّ أشَقَّ شَيْءٍ عَلى المَرْءِ ما يَنالُهُ مِن أذًى وضُرٍّ في ذاتِهِ، ثُمَّ ذُكِرَ بَعْدَ ذَلِكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ لِأنَّ أقْضِيَةَ القاضِي وشَهادَةَ الشّاهِدِ فِيما يُلْحِقُ ضُرًّا ومَشَقَّةً بِوالِدَيْهِ وقَرابَتَهُ أكْثَرُ مِن قَضائِهِ وشَهادَتِهِ فِيما يَؤُولُ بِذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: ولَوْ عَلى قَبِيلَتِكم أوْ والِدَيْكم وقَرابَتِكم. ومَوْقِعُ المُبالَغَةِ المُسْتَفادَةِ مِن (لَوْ) الوَصْلِيَّةِ أنَّهُ كانَ مِن عادَةِ العَرَبِ أنْ يَنْتَصِرُوا بِمَوالِيهِمْ مِنَ القَبائِلِ ويَدْفَعُوا عَنْهم صفحة ٢٢٦ ما يَكْرَهُونَهُ، ويَرَوْنَ ذَلِكَ مِن إباءِ الضَّيْمِ، ويَرَوْنَ ذَلِكَ حَقًّا عَلَيْهِمْ، ويَعُدُّونَ التَّقْصِيرَ في ذَلِكَ مَسَبَّةً وعارًا يُقْضى مِنهُ العَجَبُ. قالَ مُرَّةُ بْنُ عَدّاءٍ الفَقْسِيُّ: رَأيْتُ مَوالِيَّ الأُلى يَخْذُلُونَنِي عَلى حَدَثانِ الدَّهْرِ إذْ يَتَقَلَّبُ . ويَعُدُّونَ الِاهْتِمامَ بِالآباءِ والأبْناءِ في الدَّرَجَةِ الثّانِيَةِ، حَتّى يَقُولُونَ في الدُّعاءِ: فِداكَ أبِي وأُمِّي، فَكانَتِ الآيَةُ تُبْطِلُ هَذِهِ الحَمِيَّةَ وتَبْعَثُ المُسْلِمِينَ عَلى الِانْتِصارِ لِلْحَقِّ والدِّفاعِ عَنِ المَظْلُومِ. فَإنْ أبَيْتَ إلّا جَعْلَ الأنْفُسِ بِمَعْنى ذَواتِ الشّاهِدِينَ فاجْعَلْ عَطْفَ ﴿الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ لِقَصْدِ الِاحْتِراسِ لِئَلّا يَظُنَّ أحَدٌ أنَّهُ يَشْهَدُ بِالحَقِّ عَلى نَفْسِهِ لِأنَّ ذَلِكَ حَقُّهُ، فَهو أمِيرُ نَفْسِهِ فِيهِ، وأنَّهُ لا يَصْلُحُ لَهُ أنْ يَشْهَدَ عَلى والِدَيْهِ أوْ أقارِبِهِ لِما في ذَلِكَ مِنَ المَسَبَّةِ والمَعَرَّةِ أوِ التَّأثُّمِ، وعَلى هَذا تَكُونُ الشَّهادَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنًى مُشْتَرِكٍ بَيْنَ الإقْرارِ والشَّهادَةِ، كَقَوْلِهِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] . وقَوْلُهُ ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا﴾ اسْتِئْنافٌ واقِعٌ مَوْقِعَ العِلَّةِ لِمَجْمُوعِ جُمْلَةِ ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ﴾: أيْ إنْ يَكُنِ المُقْسَطُ في حَقِّهِ، أوِ المَشْهُودُ لَهُ، غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا، فَلا يَكُنْ غِناهُ ولا فَقْرُهُ سَبَبًا لِلْقَضاءِ لَهُ أوْ عَلَيْهِ والشَّهادَةِ لَهُ أوْ عَلَيْهِ. والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ التَّحْذِيرُ مِنَ التَّأثُّرِ بِأحْوالٍ يَلْتَبِسُ فِيها الباطِلُ بِالحَقِّ لِما يَحُفُّ بِها مِن عَوارِضَ يُتَوَهَّمُ أنَّ رَعْيَها ضَرْبٌ مِن إقامَةِ المَصالِحِ، وحِراسَةِ العَدالَةِ، فَلَمّا أبْطَلَتِ الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها التَّأثُّرَ لِلَحْمِيَّةِ أُعْقِبَتْ بِهَذِهِ الآيَةِ لِإبْطالِ التَّأثُّرِ بِالمَظاهِرِ الَّتِي تَسْتَجْلِبُ النُّفُوسَ إلى مُراعاتِها فَيَتَمَحَّضُ نَظَرُها إلَيْها، وتُغْضِي بِسَبَبِها عَنْ تَمْيِيزِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، وتَذْهَلُ عَنْهُ، فَمِنَ النُّفُوسِ مَن يَتَوَهَّمُ أنَّ الغِنى يَرْبَأُ بِصاحِبِهِ عَنْ أخْذِ حَقِّ غَيْرِهِ، يَقُولُ في نَفْسِهِ: هَذا في غُنْيَةٍ عَنْ أكْلِ حَقِّ غَيْرِهِ، وقَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِعَدَمِ الحاجَةِ. ومِنَ النّاسِ مَن يَمِيلُ إلى الفَقِيرِ رِقَّةً لَهُ، فَيَحْسَبُهُ مَظْلُومًا، أوْ يَحْسَبُ أنَّ القَضاءَ لَهُ بِمالِ الغَنِيِّ لا يَضُرُّ الغَنِيَّ شَيْئًا؛ فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ التَّأْثِيراتِ بِكَلِمَةٍ جامِعَةٍ وهي قَوْلُهُ ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ . وهَذا التَّرْدِيدُ صالِحٌ لِكُلٍّ مِن أصْحابِ هَذَيْنِ التَّوَهُّمَيْنِ، فالَّذِي يُعَظِّمُ الغَنِيَّ يَدْحَضُ لِأجْلِهِ حَقَّ الفَقِيرِ، والَّذِي يَرِقُّ لِلْفَقِيرِ يَدْحَضُ لِأجْلِهِ حَقَّ الغَنِيِّ، وكِلا ذَلِكَ باطِلٌ، فَإنَّ الَّذِي يُراعِي حالَ الغَنِيِّ والفَقِيرِ ويُقَدِّرُ إصْلاحَ حالِ الفَرِيقَيْنِ هو اللَّهُ تَعالى. صفحة ٢٢٧ فَقَوْلُهُ ﴿فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ لَيْسَ هو الجَوابُ، ولَكِنَّهُ دَلِيلُهُ وعِلَّتُهُ، والتَّقْدِيرُ: فَلا يُهِمُّكم أمْرُهُما عِنْدَ التَّقاضِي، فاللَّهُ أوْلى بِالنَّظَرِ في شَأْنِهِما، وإنَّما عَلَيْكُمُ النَّظَرُ في الحَقِّ. ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا﴾ فَجَعَلَ المَيْلَ نَحْوَ المَوالِي والأقارِبِ مِنَ الهَوى، والنَّظَرَ إلى الفَقْرِ والغِنى مِنَ الهَوى. والغَنِيُّ: ضِدُّ الفَقِيرِ، فالغِنى هو عَدَمٌ إلى الِاحْتِياجِ إلى شَيْءٍ، وهو مَقُولٌ عَلَيْهِ بِالتَّفاوُتِ، فَيُعْرَفُ بِالمُتَعَلِّقِ كَقَوْلِهِ كِلانا غَنِيٌّ عَنْ أخِيهِ حَياتَهُ، ويُعْرَفُ بِالعُرْفِ يُقالُ: فُلانٌ غَنِيٌّ، بِمَعْنى لَهُ ثَرْوَةٌ يَسْتَطِيعُ بِها تَحْصِيلَ حاجاتِهِ مِن غَيْرِ فَضْلٍ لِأحَدٍ عَلَيْهِ، فَوِجْدانُ أُجُورِ الأُجَراءِ غِنًى، وإنْ كانَ المُسْتَأْجِرُ مُحْتاجًا إلى الأُجَراءِ، لِأنَّ وِجْدانَ الأُجُورِ يَجْعَلُهُ كَغَيْرِ المُحْتاجِ، والغِنى المُطْلَقُ لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ تَعالى. والفَقِيرُ: هو المُحْتاجُ، إلّا أنَّهُ يُقالُ: افْتَقَرَ إلى كَذا، بِالتَّخْصِيصِ، فَإذا قِيلَ: هو فَقِيرٌ، فَمَعْناهُ في العُرْفِ أنَّهُ كَثِيرُ الِاحْتِياجِ إلى فَضْلِ النّاسِ، أوْ إلى الصَّبْرِ عَلى الحاجَةِ لِقِلَّةِ ثَرْوَتِهِ، وكُلُّ مَخْلُوقٍ فَقِيرٌ فَقْرًا نِسْبِيًّا، قالَ تَعالى ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ [محمد: ٣٨] . واسْمُ يَكُنْ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ السِّياقِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ مِن مَعْنى التَّخاصُمِ والتَّقاضِي. والتَّقْدِيرُ: إنْ يَكُنْ أحَدُ الخَصْمَيْنِ مِن أهْلِ هَذا الوَصْفِ أوْ هَذا الوَصْفِ، والمُرادُ الجِنْسانِ، و”أوْ“ لِلتَّقْسِيمِ، وتَثْنِيَةُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ﴿فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ لِأنَّهُ عائِدٌ إلى ”غَنِيًّا وفَقِيرًا“ بِاعْتِبارِ الجِنْسِ، إذْ لَيْسَ القَصْدُ إلى فَرْدٍ مُعَيَّنٍ ذِي غِنًى، ولا إلى فَرْدٍ مُعَيَّنٍ ذِي فَقْرٍ، بَلْ فَرْدٍ شائِعٍ في هَذا الجِنْسِ وفي ذَلِكَ الجِنْسِ. وقَوْلُهُ أنْ تَعْدِلُوا مَحْذُوفٌ مِنهُ حَرْفُ الجَرِّ، كَما هو الشَّأْنُ مَعَ أنِ المَصْدَرِيَّةِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ لامَ التَّعْلِيلِ فَيَكُونُ تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ، أيْ لا تَتَّبِعُوا الهَوى لِتَعْدِلُوا، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ (عَنْ)، أيْ ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى﴾ عَنِ العَدْلِ، أيْ مُعْرِضِينَ عَنْهُ. وقَدْ عَرَفْتُ قاضِيًا لا مَطْعَنَ في ثِقَتِهِ وتَنَزُّهِهِ، ولَكِنَّهُ كانَ مُبْتَلًى بِاعْتِقادِ أنَّ مَظِنَّةَ القُدْرَةِ والسُّلْطانِ لَيْسُوا إلّا ظَلَمَةً: مِن أغْنِياءَ أوْ رِجالٍ. فَكانَ يَعْتَبِرُ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ مَحْقُوقَيْنِ فَلا يَسْتَوْفِي التَّأمُّلَ مِن حُجَجِهِما. صفحة ٢٢٨ وبَعْدَ أنْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى ونَهى وحَذَّرَ، عَقَّبَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالتَّهْدِيدِ فَقالَ ﴿وإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”تَلْوُوا“ بِلامٍ ساكِنَةٍ وواوَيْنِ بَعْدَها، أُولاهُما مَضْمُومَةٌ فَهو مُضارِعُ لَوى. واللَّيُّ: الفَتْلُ والثَّنْيُ. وتَفَرَّعَتْ مِن هَذا المَعْنى الحَقِيقِيِّ مَعانٍ شاعَتْ فَساوَتِ الحَقِيقَةَ، مِنها: عُدُولٌ عَنْ جانِبٍ وإقْبالٌ عَلى جانِبٍ آخَرَ، فَإذا عُدِّيَ بِعَنْ فَهو انْصِرافٌ عَنِ المَجْرُورِ بِعَنْ، وإذا عُدِّيَ بِإلى فَهو انْصِرافٌ عَنْ جانِبٍ كانَ فِيهِ، وإقْبالٌ عَلى المَجْرُورِ بِعَلى، قالَ تَعالى ﴿ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ﴾ [آل عمران: ١٥٣] أيْ لا تَعْطِفُونَ عَلى أحَدٍ. ومِن مَعانِيهِ: لَوى عَنِ الأمْرِ تَثاقَلَ، ولَوى أمْرَهُ عَنِّي أخْفاهُ، ومِنها: لَيُّ اللِّسانِ، أيْ تَحْرِيفُ الكَلامِ في النُّطْقِ بِهِ أوْ في مَعانِيهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ﴾ [آل عمران: ٧٨] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ [النساء: ٤٦] في هَذِهِ السُّورَةِ. فَمَوْقِعُ فِعْلِ ”تَلْوُوا“ هُنا مَوْقِعٌ بَلِيغٌ لِأنَّهُ صالِحٌ لِتَقْدِيرِ مُتَعَلِّقِهِ المَحْذُوفِ مَجْرُورًا بِحَرْفِ (عَنْ) أوْ مَجْرُورًا بِحَرْفِ (عَلى) فَيَشْمَلُ مَعانِيَ العُدُولِ عَنِ الحَقِّ في الحُكْمِ، والعُدُولِ عَنِ الصِّدْقِ في الشَّهادَةِ، أوِ التَّثاقُلِ في تَمْكِينِ المُحِقِّ مِن حَقِّهِ وأداءِ الشَّهادَةِ لِطالِبِها، أوِ المِيلِ في أحَدِ الخَصْمَيْنِ في القَضاءِ والشَّهادَةِ. وأمّا الإعْراضُ فَهو الِامْتِناعُ مِنَ القَضاءِ ومِن أداءِ الشَّهادَةِ والمُماطَلَةُ في الحُكْمِ مَعَ ظُهُورِ الحَقِّ، وهو غَيْرُ اللَّيِّ كَما رَأيْتَ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ: وإنْ تَلُوا، بِلامٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَها واوٌ ساكِنَةٌ فَقِيلَ: هو مُضارِعُ ولِيَ الأمْرَ، أيْ باشَرَهُ. فالمَعْنى: وإنْ تَلُوا القَضاءَ بَيْنَ الخُصُومِ، فَيَكُونُ راجِعًا إلى قَوْلِهِ ”أنْ تَعْدِلُوا“ ولا يَتَّجِهُ رُجُوعُهُ إلى الشَّهادَةِ، إذْ لَيْسَ أداءُ الشَّهادَةِ بِوِلايَةٍ. والوَجْهُ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ تَخْفِيفُ تَلْوُوا نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى السّاكِنِ قَبْلَها فالتَقى واوانِ ساكِنانِ فَحُذِفَ أحَدُهُما، ويَكُونُ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدًا. وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ كِنايَةٌ عَنْ وعِيدٍ، لِأنَّ الخَبِيرَ بِفاعِلِ السُّوءِ، وهو قَدِيرٌ، لا يُعْوِزُهُ أنْ يُعَذِّبَهُ عَلى ذَلِكَ، وأُكِّدَتِ الجُمْلَةُ بِـ ”إنَّ“ وبِـ ”كانَ“ .

النساء 4:136

صفحة ٢٢٩ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ . تَذْيِيلٌ عُقِّبَ بِهِ أمْرُ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَكُونُوا ﴿قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥] فَأمَرَهُمُ اللَّهُ عَقِبَ ذَلِكَ بِما هو جامِعٌ لِمَعانِي القِيامِ بِالقِسْطِ والشَّهادَةِ لِلَّهِ: بِأنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ وكُتُبِهِ، ويَدُومُوا عَلى إيمانِهِمْ، ويَحْذَرُوا مَسارِبَ ما يُخِلُّ بِذَلِكَ. ووَصْفُ المُخاطَبِينَ بِأنَّهم آمَنُوا، وإرْدافُهُ بِأمْرِهِمْ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ إلى آخِرِهِ يُرْشِدُ السّامِعَ إلى تَأْوِيلِ الكَلامِ تَأْوِيلًا يَسْتَقِيمُ بِهِ الجَمْعُ بَيْنَ كَوْنِهِمْ آمَنُوا وكَوْنِهِمْ مَأْمُورِينَ بِإيمانٍ. ويَجُوزُ في هَذا التَّأْوِيلِ خَمْسَةُ مَسالِكَ: المَسْلَكُ الأوَّلُ: تَأْوِيلُ الإيمانِ في قَوْلِهِ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِأنَّهُ إيمانٌ مُخْتَلٌّ مِنهُ بَعْضُ ما يَحِقُّ الإيمانُ بِهِ، فَيَكُونُ فِيها خِطابٌ لِنَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ آمَنُوا، وهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وأسَدٌ وأُسَيْدٌ ابْنا كَعْبٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ قَيْسٍ، وسَلامُ ابْنُ أُخْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وسَلَمَةُ ابْنُ أخِيهِ، ويامِينُ بْنُ يامِينَ، سَألُوا النَّبِيءَ ﷺ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ وبِكِتابِهِ، كَما آمَنُوا بِمُوسى وبِالتَّوْراةِ، وأنْ لا يُؤْمِنُوا بِالإنْجِيلِ، كَما جاءَ في رِوايَةِ الواحِدِيِّ عَنِ الكَلْبِيِّ، ورَواهُ غَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. المَسْلَكُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّأْوِيلُ في الإيمانِ المَأْمُورِ بِهِ أنَّهُ إيمانٌ كامِلٌ لا تَشُوبُهُ كَراهِيَةُ بَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ، تَحْذِيرًا مِن ذَلِكَ. فالخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ لِأنَّ وصْفَ الَّذِينَ آمَنُوا صارَ كاللَّقَبِ لِلْمُسْلِمِينَ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ آمَنُوا بِاللَّهِ وما عُطِفَ عَلى اسْمِهِ هُنا. فالظّاهِرُ أنَّ المَقْصُودَ بِأمْرِهِمْ بِذَلِكَ: إمّا زِيادَةُ تَقْرِيرِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، وتَكْرِيرُ اسْتِحْضارِهِمْ إيّاهُ حَتّى لا يَذْهَلُوا عَنْ شَيْءٍ مِنهُ اهْتِمامًا بِجَمِيعِهِ؛ وإمّا النَّهْيُ عَنْ إنْكارِ الكِتابِ المُنَزَّلِ عَلى مُوسى وإنْكارِ نُبُوءَتِهِ، لِئَلّا يَدْفَعَهم بُغْضُ اليَهُودِ وما بَيْنَهم وبَيْنَهم مِنَ الشَّنَآنِ إلى مُقابَلَتِهِمْ بِمِثْلِ ما يُصَرِّحُ بِهِ اليَهُودُ مِن تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ وإنْكارِ نُزُولِ القُرْآنِ؛ وإمّا أُرِيدَ بِهِ التَّعْرِيضُ بِالَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ صفحة ٢٣٠ ثُمَّ يُنْكِرُونَ نُبُوءَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ويُنْكِرُونَ القُرْآنَ، حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، ويَكْرَهُونَ بَعْضَ المَلائِكَةِ لِذَلِكَ، وهُمُ اليَهُودُ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المُسْلِمِينَ أكْمَلُ الأُمَمِ إيمانًا، وأوْلى النّاسِ بِرُسُلِ اللَّهِ وكُتُبِهِ، فَهم أحْرِياءُ بِأنْ يَسُودُوا غَيْرَهم لِسَلامَةِ إيمانِهِمْ مِن إنْكارِ فَضائِلِ أهْلِ الفَضائِلِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ﴾، ويَزِيدُ ذَلِكَ تَأْيِيدًا أنَّهُ قالَ واليَوْمِ الآخِرِ فَعَطَفَهُ عَلى الأشْياءِ الَّتِي مَن يَكْفُرُ بِها فَقَدْ ضَلَّ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَأْمُرِ المُؤْمِنِينَ بِالإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ فِيما أمَرَهم بِهِ، لِأنَّ الإيمانَ بِهِ يُشارِكُهم فِيهِ اليَهُودُ فَلَمْ يَذْكُرْهُ فِيما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، وذَكَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ. المَسْلَكُ الثّالِثُ: أنْ يُرادَ بِالأمْرِ بِالإيمانِ الدَّوامُ عَلَيْهِ تَثْبِيتًا لَهم عَلى ذَلِكَ، وتَحْذِيرًا لَهم مِنَ الِارْتِدادِ، فَيَكُونُ هَذا الأمْرُ تَمْهِيدًا وتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ﴾، ولِقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٣٧] الآيَةَ. المَسْلَكُ الرّابِعُ: أنَّ الخِطابَ لِلْمُنافِقِينَ، يَعْنِي: يا أيُّها الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ أخْلِصُوا إيمانَكم حَقًّا. المَسْلَكُ الخامِسُ: رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ تَأْوِيلُ الأمْرِ في قَوْلِهِ ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ بِأنَّهُ طَلَبٌ لِثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ الَّذِي هم عَلَيْهِ، واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ. وهو الجارِي عَلى ألْسِنَةِ أهْلِ العِلْمِ، وبِناءً عَلَيْهِ جَعَلُوا الآيَةَ شاهِدًا لِاسْتِعْمالِ صِيغَةِ الأمْرِ في طَلَبِ الدَّوامِ. والمُرادُ بِالكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ الجِنْسُ، والتَّعْرِيفُ لِلِاسْتِغْراقِ يَعْنِي: والكُتُبُ الَّتِي أنْزَلَ اللَّهُ مِن قَبْلِ القُرْآنِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ”﴿وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾“ . وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ: (نَزَّلَ) و(أنْزَلَ) كِلَيْهِما بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالبِناءِ لِلنّائِبِ. وجاءَ في صِلَةِ وصْفِ الكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ، وفي صِلَةِ ﴿الكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ بِصِيغَةِ الإفْعالِ تَفَنُّنًا، أوْ لِأنَّ القُرْآنَ حِينَئِذٍ بِصَدَدِ النُّزُولِ نُجُومًا، والتَّوْراةَ يَوْمَئِذٍ قَدِ انْقَضى نُزُولُها. ومَن قالَ: لِأنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ مُنَجَّمًا بِخِلافِ غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ فَقَدْ أخْطَأ إذْ لا يُعْرَفُ كِتابٌ نَزَلَ دَفْعَةً واحِدَةً.

النساء 4:137

صفحة ٢٣١ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلًا﴾ اسْتِئْنافٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦] الآيَةَ، لِأنَّهُ إذا كانَ الكُفْرُ كَما عَلِمْتَ، فَما ظَنُّكَ بِكُفْرٍ مُضاعَفٍ يُعاوِدُهُ صاحِبُهُ بَعْدَ أنْ دَخَلَ في الإيمانِ، وزالَتْ عَنْهُ عَوائِقُ الِاعْتِرافِ بِالصِّدْقِ، فَكُفْرُهُ بِئْسَ الكُفْرُ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ الآيَةَ أشارَتْ إلى اليَهُودِ لِأنَّهم آمَنُوا بِمُوسى ثُمَّ كَفَرُوا بِهِ، إذْ عَبَدُوا العِجْلَ، ثُمَّ آمَنُوا بِمُوسى ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسى ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ، وعَلَيْهِ فالآيَةُ تَكُونُ مِنَ الذَّمِّ المُتَوَجِّهِ إلى الأُمَّةِ بِاعْتِبارِ فِعْلِ سَلَفِها، وهو بَعِيدٌ، لِأنَّ الآيَةَ حُكْمٌ لا ذَمٌّ، لِقَوْلِهِ ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ . فَإنَّ الأوَّلِينَ مِنَ اليَهُودِ كَفَرُوا إذْ عَبَدُوا العِجْلَ، ولَكِنَّهم تابُوا فَما اسْتَحَقُّوا عَدَمَ المَغْفِرَةِ وعَدَمَ الهِدايَةِ، كَيْفَ وقَدْ قِيلَ لَهم ﴿فَتُوبُوا إلى بارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] إلى قَوْلِهِ ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، ولِأنَّ المُتَأخِّرِينَ مِنهم ما عَبَدُوا العِجْلَ حَتّى يُعَدَّ عَلَيْهِمُ الكُفْرُ الأوَّلُ، عَلى أنَّ اليَهُودَ كَفَرُوا غَيْرَ مَرَّةٍ في تارِيخِهِمْ فَكَفَرُوا بَعْدَ مَوْتِ سُلَيْمانَ وعَبَدُوا الأوْثانَ، وكَفَرُوا في زَمَنِ بُخْتُنَصَّرَ. والظّاهِرُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنْ لا يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ أنَّهم كَفَرُوا كَفْرَةً أُخْرى، بَلِ المُرادُ الإجْمالُ، أيْ ثُمَّ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ، كَما يَقُولُ الواقِفُ: وأوْلادُهم وأوْلادُ أوْلادِهِمْ وأوْلادُ أوْلادِ أوْلادِهِمْ لا يُرِيدُ بِذَلِكَ الوُقُوفَ عِنْدَ الجِيلِ الثّالِثِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الَّذِينَ عُرِفَ مِن دَأْبِهِمُ الخِفَّةُ إلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وإلى خَلْعِ رِبْقَةِ الدِّيانَةِ، هم قَوْمٌ لا يُغْفَرُ لَهم صُنْعُهم، إذْ كانَ ذَلِكَ عَنِ اسْتِخْفافٍ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ إذْ كانُوا يُؤْمِنُونَ إذا لَقُوا المُؤْمِنِينَ، فَإذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ كَفَرُوا، ولا قَصْدَ حِينَئِذٍ إلى عَدَدِ الإيماناتِ والكَفَراتِ. وعِنْدِي: أنَّهُ يَعْنِي أقْوامًا مِنَ العَرَبِ مِن أهْلِ مَكَّةَ كانُوا يَتَّجِرُونَ إلى المَدِينَةِ فَيُؤْمِنُونَ، فَإذا رَجَعُوا إلى مَكَّةَ كَفَرُوا وتَكَرَّرَ مِنهم ذَلِكَ، وهُمُ الَّذِينَ ذُكِرُوا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] . صفحة ٢٣٢ وعَلى الوُجُوهِ كُلِّها فاسْمُ المَوْصُولِ مِن قَوْلِهِ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُرادٌ مِنهُ فَرِيقٌ مَعْهُودٌ، فالآيَةُ وعِيدٌ لَهم ونِذارَةٌ بِأنَّ اللَّهَ حَرَمَهُمُ الهُدى فَلَمْ يَكُنْ لِيَغْفِرَ لَهم، لِأنَّهُ حَرَمَهم سَبَبَ المَغْفِرَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ تَكُنِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ مِن أحْوالِ الكُفْرِ ما لا يَنْفَعُ الإيمانُ بَعْدَهُ. فَقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ الإيمانَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، ولَوْ كَفَرَ المَرْءُ مِائَةَ مَرَّةٍ، وأنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الذُّنُوبِ كَذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ شِبْهُ هَذِهِ الآيَةِ في آلِ عِمْرانَ وهو قَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠] . فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ كَذَلِكَ فَهَؤُلاءِ القَوْمُ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ وأخْبَرَ بِنَفْيِ أنْ يَهْدِيَهم وأنْ يَغْفِرَ لَهم، فَإذَنْ لا فائِدَةَ في الطَّلَبِ مِنهم أنْ يُؤْمِنُوا بَعْدَ هَذا الكَلامِ، فَهَلْ هم مَخْصُوصُونَ مِن آياتِ عُمُومِ الدَّعْوَةِ. قُلْتُ: الأشْخاصُ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، كَأبِي جَهْلٍ، ولَمْ يُخْبِرْ نَبِيئَهُ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ فَهم مُخاطَبُونَ بِالإيمانِ مَعَ عُمُومِ الأُمَّةِ، لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ إيمانِهِمْ لَمْ يُنْصَبْ عَلَيْهِ أمارَةٌ، كَما عُلِمَ مِن مَسْألَةِ التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ لِعارِضٍ في أُصُولِ الفِقْهِ، وأمّا هَؤُلاءِ فَلَوْ كانُوا مَعْرُوفِينَ بِأعْيانِهِمْ لَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ صارِفَةً عَنْ دَعْوَتِهِمْ إلى الإيمانِ بَعْدُ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا مَعْرُوفِينَ بِأعْيانِهِمْ فالقَوْلُ فِيهِمْ كالقَوْلِ فِيمَن عَلِمَ اللَّهُ عَدَمَ إيمانِهِ ولَمْ يُخْبِرْ بِهِ، ولَيْسَ ثَمَّةَ ضابِطٌ يَتَحَقَّقُ بِهِ أنَّهم دُعُوا بِأعْيانِهِمْ إلى الإيمانِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها. والنَّفْيُ في قَوْلِهِ ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ أبْلَغُ مِن: لا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهم، لِأنَّ أصْلَ وضْعِ هَذِهِ الصِّيغَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اسْمَ كانَ لَمْ يُجْعَلْ لِيَصْدُرَ مِنهُ خَبَرُها، ولا شَكَّ أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لَمْ يُجْعَلُ لِشَيْءٍ يَكُونُ نابِيًا عَنْهُ، لِأنَّهُ ضِدُّ طَبْعِهِ، ولَقَدْ أبْدَعَ النُّحاةُ في تَسْمِيَةِ اللّامِ، الَّتِي بَعْدَ كانَ المَنفِيَّةِ لامَ الجُحُودِ.

النساء 4:138

صفحة ٢٣٣ ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ﴿وقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكم إذًا مِثْلُهم إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ ناشِئٌ عَنْ وصْفِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ [النساء: ١٣٧]، فَإنَّ أُولَئِكَ كانُوا مُظْهِرِينَ الكُفْرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وكانَ ثَمَّةَ طائِفَةٌ تُبْطِنُ الكُفْرَ وهم أهْلُ النِّفاقِ، ولَمّا كانَ التَّظاهُرُ بِالإيمانِ ثُمَّ تَعْقِيبُهُ بِالكُفْرِ ضَرْبًا مِنَ التَّهَكُّمِ بِالإسْلامِ وأهْلِهِ، جِيءَ في جَزاءِ عَمَلِهِمْ بِوَعِيدٍ مُناسِبٍ لِتَهَكُّمِهِمْ بِالمُسْلِمِينَ، فَجاءَ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ إذْ قالَ ”﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾“، فَإنَّ البِشارَةَ هي الخَبَرُ بِما يَفْرَحُ المُخْبَرُ بِهِ، ولَيْسَ العَذابُ كَذَلِكَ. ولِلْعَرَبِ في التَّهَكُّمِ أسالِيبُ كَقَوْلِ شَقِيقِ بْنِ سُلَيْكٍ الأسَدِيِّ: أتانِي مِن أبِي أنَسٍ وعِيدٌ فَسُلَّ لِغَيْظَةِ الضَّحّاكِ جِسْمِي وقَوْلِ النّابِغَةِ: فَإنَّكَ سَوْفَ تَحْلُمُ أوْ تَناهى ∗∗∗ إذا ما شِبْتَ أوْ شابَ الغُرابُ وقَوْلِ ابْنِ زَيّابَةَ: نُبِّئْتُ عَمْرًا غارِزًا رَأْسَهُ ∗∗∗ في سِنَةٍ يُوعِدُ أخْوالَهُ وتِلْكَ مِنهُ غَيْرُ مَأْمُونَةٍ ∗∗∗ أنْ يَفْعَلَ الشَّيْءَ إذا قالَهُ صفحة ٢٣٤ ومَجِيءُ صِفَتِهِمْ بِطَرِيقَةِ المَوْصُولِ لِإفادَةِ تَعْلِيلِ اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ الألِيمَ، أيْ لِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيِ اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ لِأجْلِ مُضادَّةِ المُؤْمِنِينَ. والمُرادُ بِالكافِرِينَ مُشْرِكُو مَكَّةَ، أوْ أحْبارُ اليَهُودِ، لِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ بِالمَدِينَةِ مُشْرِكُونَ صُرَحاءُ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَلَيْسَ إلّا مُنافِقُونَ ويَهُودُ. وجُمْلَةُ ﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ بِاعْتِبارِ المَعْطُوفِ وهو ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ﴾ وقَوْلُهُ ”أيَبْتَغُونَ“ هو مَنشَأُ الِاسْتِئْنافِ، وفي ذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّ المُنافِقِينَ لَمْ تَكُنْ مُوالاتُهم لِلْمُشْرِكِينَ لِأجْلِ المُماثَلَةِ في الدِّينِ والعَقِيدَةِ، لِأنَّ مُعْظَمَ المُنافِقِينَ مِنَ اليَهُودِ، بَلِ اتَّخَذُوهم لِيَعْتَزُّوا بِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ، وإيماءً إلى أنَّ المُنافِقِينَ شَعَرُوا بِالضَّعْفِ فَطَلَبُوا الِاعْتِزازَ، وفي ذَلِكَ نِهايَةُ التَّجْهِيلِ والذَّمِّ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ، ولِذَلِكَ صَحَّ التَّفْرِيعُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيْ لا عِزَّةَ إلّا بِهِ، لِأنَّ الِاعْتِزازَ بِغَيْرِهِ باطِلٌ. كَما قِيلَ: مَنِ اعْتَزَّ بِغَيْرِ اللَّهِ هانَ. وإنْ كانَ المُرادُ بِالكافِرِينَ اليَهُودَ فالِاسْتِفْهامُ تَهَكُّمٌ بِالفَرِيقَيْنِ كَقَوْلِ المَثَلِ: كالمُسْتَغِيثِ مِنَ الرَّمْضاءِ بِالنّارِ . وهَذا الكَلامُ يُفِيدُ التَّحْذِيرَ مِن مُخالَطَتِهِمْ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ. وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ إلَخْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾ تَذْكِيرًا لِلْمُسْلِمِينَ بِما كانُوا أُعْلِمُوا بِهِ مِمّا يُؤَكِّدُ التَّحْذِيرَ مِن مُخالَطَتِهِمْ، فَضَمِيرُ الخِطابِ مُوَجَّهٌ إلى المُؤْمِنِينَ، وضَمائِرُ الغَيْبَةِ إلى المُنافِقِينَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يَتَّخِذُونَ“، فَيَكُونُ ضَمِيرُ الخِطابِ في قَوْلِهِ ﴿وقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكُمْ﴾ خِطابًا لِأصْحابِ الصِّلَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، كَأنَّهم بَعْدَ أنْ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمُ الصِّلَةُ صارُوا مُعَيَّنِينَ مَعْرُوفِينَ، فالتُفِتَ إلَيْهِمْ بِالخِطابِ، لِأنَّهم يَعْرِفُونَ أنَّهم أصْحابُ تِلْكَ الصِّلَةِ، فَلَعَلَّهم أنْ يُقْلِعُوا عَنْ مُوالاةِ الكافِرِينَ. وعَلَيْهِ فَضَمِيرُ الخِطابِ لِلْمُنافِقِينَ، وضَمائِرُ الغَيْبَةِ لِلْكافِرِينَ، والَّذِي نُزِّلَ في الكِتابِ هو آياتٌ نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ في القُرْآنِ: في شَأْنِ كُفْرِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ واسْتِهْزائِهِمْ. قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ الَّذِي أُحِيلَ عَلَيْهِ هُنا هو قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] لِأنَّ شَأْنَ الكافِرِينَ يَسْرِي إلى الَّذِينَ يَتَّخِذُونَهم أوْلِياءَ، والظّاهِرُ أنِ الَّذِي أحالَ اللَّهُ عَلَيْهِ هو ما صفحة ٢٣٥ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ مِن قَبْلِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ في البَقَرَةِ ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] مِمّا حَصَلَ مِن مَجْمُوعِهِ تَقَرُّرُ هَذا المَعْنى. و”أنْ“ في قَوْلِهِ ﴿أنْ إذا سَمِعْتُمْ﴾ تَفْسِيرِيَّةٌ، لِأنَّ ”نُزِّلَ“ تَضَمَّنَ مَعْنى الكَلامِ دُونَ حُرُوفِ القَوْلِ، إذْ لَمْ يَقْصِدْ حِكايَةَ لَفْظِ ”ما نُزِّلَ“ بَلْ حاصِلَ مَعْناهُ. وجَعَلَها بَعْضُهم مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمَها ضَمِيرَ شَأْنٍ مَحْذُوفًا، وهو بَعِيدٌ. وإسْنادُ الفِعْلَيْنِ: ”يُكْفَرُ“ و”يُسْتَهْزَأُ“ إلى المَجْهُولِ لِتَتَأتّى، بِحَذْفِ الفاعِلِ، صَلاحِيَةُ إسْنادِ الفِعْلَيْنِ إلى الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ المُنافِقِينَ يَرْكَنُونَ إلى المُشْرِكِينَ واليَهُودِ لِأنَّهم يَكْفُرُونَ بِالآياتِ ويَسْتَهْزِئُونَ، فَتَنْثَلِجُ لِذَلِكَ نُفُوسُ المُنافِقِينَ، لِأنَّ المُنافِقِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَتَظاهَرُوا بِذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَشْفِي غَلِيلَهم أنْ يَسْمَعَ المُسْلِمُونَ ذَلِكَ مِنَ الكُفّارِ. وقَدْ جُعِلَ زَمانُ كُفْرِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ هو زَمَنُ سَماعِ المُؤْمِنِينَ آياتِ اللَّهِ. والمَقْصُودُ أنَّهُ زَمَنُ نُزُولِ آياتِ اللَّهِ أوْ قِراءَةِ آياتِ اللَّهِ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى سَماعِ المُؤْمِنِينَ، لِيُشِيرَ إلى عَجِيبِ تَضادِّ الحالَيْنِ، فَفي حالَةِ اتِّصافِ المُنافِقِينَ بِالكُفْرِ بِاللَّهِ والهَزْلِ بِآياتِهِ يَتَّصِفُ المُؤْمِنُونَ بِتَلَقِّي آياتِهِ والإصْغاءِ إلَيْها وقَصْدِ الوَعْيِ لَها والعَمَلِ بِها. وأعْقَبَ ذَلِكَ بِتَفْرِيعِ النَّهْيِ عَنْ مُجالَسَتِهِمْ في تِلْكَ الحالَةِ حَتّى يَنْتَقِلُوا إلى غَيْرِها، لِئَلّا يَتَوَسَّلَ الشَّيْطانُ بِذَلِكَ إلى اسْتِضْعافِ حِرْصِ المُؤْمِنِينَ عَلى سَماعِ القُرْآنِ، لِأنَّ لِلْأخْلاقِ عَدْوى، وفي المَثَلِ تُعْدِي الصِّحاحَ مَبارِكُ الجُرْبِ . وهَذا النَّهْيُ يَقْتَضِي الأمْرَ بِمُغادَرَةِ مَجالِسِهِمْ إذا خاضُوا في الكُفْرِ بِالآياتِ والِاسْتِهْزاءِ بِها. وفي النَّهْيِ عَنِ القُعُودِ إلَيْهِمْ حِكْمَةٌ أُخْرى: وهي وُجُوبُ إظْهارِ الغَضَبِ لِلَّهِ مِن ذَلِكَ كَقَوْلِهِ ﴿تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١] . و”حَتّى“ حَرْفٌ يَعْطِفُ غايَةَ الشَّيْءِ عَلَيْهِ، فالنَّهْيُ عَنِ القُعُودِ مَعَهم غايَتُهُ أنْ يَكُفُّوا عَنِ الخَوْضِ في الكُفْرِ بِالآياتِ والِاسْتِهْزاءِ بِها. وهَذا الحُكْمُ تَدْرِيجٌ في تَحْرِيمِ مُوالاةِ المُسْلِمِينَ لِلْكافِرِينَ، جُعِلَ مَبْدَأُ ذَلِكَ أنْ لا يَحْضُرُوا مَجالِسَ كُفْرِهِمْ لِيَظْهَرَ التَّمايُزُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ الخُلَّصِ وبَيْنَ المُنافِقِينَ، ورُخِّصَ صفحة ٢٣٦ لَهُمُ القُعُودُ مَعَهم إذْ خاضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِ حَدِيثِ الكُفْرِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [التوبة: ٢٣] ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] . وجُعِلَ جَوابُ القُعُودِ مَعَهُمُ المَنهِيُّ عَنْهُ أنَّهم إذا لَمْ يَنْتَهُوا عَنِ القُعُودِ مَعَهم يَكُونُونَ مِثْلَهم في الِاسْتِخْفافِ بِآياتِ اللَّهِ إذْ قالَ ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ فَإنَّ ”إذَنْ“ حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ لِكَلامٍ مَلْفُوظٍ بِهِ أوْ مُقَدَّرٍ. والمُجازاةُ هُنا لِكَلامٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ النَّهْيُ عَنِ القُعُودِ مَعَهُمْ؛ فَإنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ قَعَدْتُمْ مَعَهم إذَنْ إنَّكم مِثْلُهم. ووُقُوعُ إذَنْ جَزاءً لِكَلامٍ مُقَدَّرٍ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِ العَنْبَرِيِّ: لَوْ كُنْتُ مِن مازِنٍ لَمْ تَسْتَبِحْ إبِلِي ∗∗∗ بَنُو اللَّقِيطَةِ مِن ذُهْلِ بْنِ شَيْبانا إذَنْ لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ ∗∗∗ عِنْدَ الحَفِيظَةِ إنْ ذُو لَوْثَةٍ لانا . قالَ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الحَماسَةِ: وفائِدَةُ ”إذَنْ“ هو أنَّهُ أخْرَجَ البَيْتَ الثّانِيَ مَخْرَجَ جَوابِ قائِلٍ لَهُ: ولَوِ اسْتَباحُوا ماذا كانَ يَفْعَلُ بَنُو مازِنٍ ؟ فَقالَ: إذَنْ لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ. قُلْتُ: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] . التَّقْدِيرُ: فَلَوْ كُنْتَ تَتْلُو وتَخُطُّ إذَنْ لارْتابَ المُبْطِلُونَ. فَقَدْ عُلِمَ أنَّ الجَزاءَ في قَوْلِهِ إنَّكم إذَنْ مِثْلُهم عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ لا عَنِ النَّهْيِ، كَقَوْلِ الرّاجِزِ، وهو مِن شَواهِدِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ: لا تَتْرُكَنِّي فِيهِمْ شَطِيرا ∗∗∗ إنِّي إذَنْ أهْلِكَ أوْ أطِيرا . والظّاهِرُ أنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَجْلِسُونَ هَذِهِ المَجالِسَ فَلا يُقْدِمُونَ عَلى تَغْيِيرِ هَذا ولا يَقُومُونَ عَنْهم تَقِيَّةً لَهم فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. وهَذِهِ المُماثَلَةُ لَهم خارِجَةٌ مَخْرَجَ التَّغْلِيظِ والتَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ، ولا يَصِيرُ المُؤْمِنُ مُنافِقًا بِجُلُوسِهِ إلى المُنافِقِينَ، وأُرِيدَ المُماثَلَةُ في المَعْصِيَةِ لا في مِقْدارِها، أيْ أنَّكم تَصِيرُونَ مِثْلَهم في التَّلَبُّسِ بِالمَعاصِي. صفحة ٢٣٧ وقَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ تَحْذِيرٌ مِن أنْ يَكُونُوا مِثْلَهم، وإعْلامٌ بِأنَّ الفَرِيقَيْنِ سَواءٌ في عَدَواةِ المُؤْمِنِينَ، ووَعِيدٌ لِلْمُنافِقِينَ بِعَدَمِ جَدْوى إظْهارِهِمُ الإسْلامَ لَهم. وجُمْلَةُ ”الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم“ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ وحْدَهم بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ . والتَّرَبُّصُ حَقِيقَةً في المُكْثِ بِالمَكانِ، وقَدْ مَرَّ قَوْلُهُ ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وهو مَجازٌ في الِانْتِظارِ وتَرَقُّبِ الحَوادِثِ. وتَفْصِيلُهُ قَوْلُهُ ﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ الآياتِ. وجُعِلَ ما يَحْصُلُ لِلْمُسْلِمِينَ فَتْحًا لِأنَّهُ انْتِصارٌ دائِمٌ، ونُسِبَ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ مُقَدِّرُهُ ومُرِيدُهُ بِأسْبابٍ خَفِيَّةٍ ومُعْجِزاتٍ بَيِّنَةٍ. والمُرادُ بِالكافِرِينَ هُمُ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرُهم لا مَحالَةَ، إذْ لا حَظَّ لِلْيَهُودِ في الحَرْبِ، وجُعِلَ ما يَحْصُلُ لَهم مِنَ النَّصْرِ نَصِيبًا تَحْقِيرًا لَهُ، والمُرادُ نَصِيبٌ مِنَ الفَوْزِ في القِتالِ. والِاسْتِحْواذُ: الغَلَبَةُ والإحاطَةُ، أبْقَوُا الواوَ عَلى أصْلِها ولَمْ يَقْلِبُوها ألِفًا بَعْدَ الفَتْحَةِ عَلى خِلافِ القِياسِ. وهَذا أحَدُ الأفْعالِ الَّتِي صُحِّحَتْ عَلى خِلافِ القِياسِ مِثْلَ: اسْتَجْوَبَ، وقَدْ يَقُولُونَ: اسْتَحاذَ عَلى القِياسِ كَما يَقُولُونَ: اسْتَجابَ واسْتَصابَ. والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ. ومَعْنى ﴿ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ ألَمْ نَتَوَلَّ شُئُونَكم ونُحِيطْ بِكم إحاطَةَ العِنايَةِ والنُّصْرَةِ ﴿ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ مِن أنْ يَنالَكم بِأْسُهم، فالمَنعُ هُنا إمّا مَنعٌ مَكْذُوبٌ يُخَيِّلُونَهُ الكُفّارَ واقِعًا وهو الظّاهِرُ، وإمّا مَنعٌ تَقْدِيرِيٌّ وهو كَفُّ النُّصْرَةِ عَنِ المُؤْمِنِينَ، والتَّجَسُّسُ عَلَيْهِمْ بِإبْلاغِ أخْبارِهِمْ لِلْكافِرِينَ، وإلْقاءُ الأراجِيفِ والفِتَنِ بَيْنَ جُيُوشِ المُؤْمِنِينَ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُضْعِفُ بَأْسَ المُؤْمِنِينَ إنْ وقَعَ، وهَذا القَوْلُ كانَ يَقُولُهُ مَن يَنْدَسُّ مِنَ المُنافِقِينَ في جَيْشِ المُسْلِمِينَ في الغَزَواتِ، وخاصَّةً إذا كانَتْ جُيُوشُ المُشْرِكِينَ قُرْبَ المَدِينَةِ مِثْلَ غَزْوَةِ الأحْزابِ. وقَوْلُهُ ﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الفاءُ لِلْفَصِيحَةِ، والكَلامُ إنْذارٌ لِلْمُنافِقِينَ وكِفايَةٌ لِمُهِمِّ المُؤْمِنِينَ، بِأنْ فُوِّضَ أمْرُ جَزاءِ المُنافِقِينَ عَلى مَكائِدِهِمْ وخُزَعْبِلاتِهِمْ إلَيْهِ تَعالى. صفحة ٢٣٨ وقَوْلُهُ ﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ تَثْبِيتٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأخْبارِ عَنْ دَخائِلِ الأعْداءِ وتَألُّبِهِمْ: مِن عَدُوٍّ مُجاهِرٍ بِكُفْرِهِ، وعَدُوٍّ مُصانِعٍ مُظْهِرٍ لِلْأُخُوَّةِ، وبَيانُ هَذِهِ الأفْعالِ الشَّيْطانِيَّةِ البالِغَةِ أقْصى المَكْرِ والحِيلَةِ يُثِيرُ مَخاوِفَ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ وقَدْ يُخَيِّلُ لَهم مَهاوِيَ الخَيْبَةِ في مُسْتَقْبَلِهِمْ، فَكانَ مِن شَأْنِ التَّلَطُّفِ بِهِمْ أنْ يُعَقِّبَ ذَلِكَ التَّحْذِيرَ بِالشَّدِّ عَلى العَضُدِ، والوَعْدِ بِحُسْنِ العاقِبَةِ، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ بِأنْ لا يَجْعَلَ لِلْكافِرِينَ، وإنْ تَألَّبَتْ عِصاباتُهم، واخْتَلَفَتْ مَناحِي كُفْرِهِمْ، سَبِيلًا عَلى المُؤْمِنِينَ. والمُرادُ بِالسَّبِيلِ طَرِيقُ الوُصُولِ إلى المُؤْمِنِينَ بِالهَزِيمَةِ والغَلَبَةِ، بِقَرِينَةِ تَعْدِيَتِهِ بِعَلى، ولِأنَّ سَبِيلَ العَدُوِّ إلى عَدُوِّهِ هو السَّعْيُ إلى مَضَرَّتِهِ، ولَوْ قالَ لَكَ الحَبِيبُ: لا سَبِيلَ إلَيْكَ، لَتَحَسَّرْتَ؛ ولَوْ قالَ لَكَ العَدُوُّ: لا سَبِيلَ إلَيْكَ، لَتَهَلَّلْتَ بِشْرًا، فَإذا عُدِّيَ بِعَلى صارَ نَصًّا في سَبِيلِ الشَّرِّ والأذى. فالآيَةُ وعْدٌ مَحْضُ دُنْيَوِيٍّ، ولَيْسَتْ مِنَ التَّشْرِيعِ في شَيْءٍ، ولا مِن أُمُورِ الآخِرَةِ في شَيْءٍ لِنُبُوِّ المَقامِ عَنْ هَذَيْنِ. فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ وعْدًا لَمْ يَجُزْ تَخَلُّفُهُ، ونَحْنُ نَرى الكافِرِينَ يَنْتَصِرُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ انْتِصارًا بَيِّنًا، ورُبَّما تَمَلَّكُوا بِلادَهم وطالَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ تَأْوِيلُ هَذا الوَعْدِ. قُلْتُ: إنْ أُرِيدَ بِالكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ الطّائِفَتانِ المَعْهُودَتانِ بِقَرِينَةِ القِصَّةِ فالإشْكالُ زائِلٌ، لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ عاقِبَةَ النَّصْرِ أيّامَئِذٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وقَطَعَ دابِرَ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا فَلَمْ يَلْبَثُوا أنْ ثُقِفُوا وأُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا ودَخَلَتْ بَقِيَّتُهم في الإسْلامِ فَأصْبَحُوا أنْصارًا لِلدِّينِ؛ وإنْ أُرِيدَ العُمُومُ فالمَقْصُودُ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُؤْمِنُونَ الخُلَّصُ الَّذِينَ تَلَبَّسُوا بِالإيمانِ بِسائِرِ أحْوالِهِ وأُصُولِهِ وفُرُوعِهِ، ولَوِ اسْتَقامَ المُؤْمِنُونَ عَلى ذَلِكَ لَما نالَ الكافِرُونَ مِنهم مَنالًا، ولَدَفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ خَيْبَةً وخَبالًا.

النساء 4:139

صفحة ٢٣٣ ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ﴿وقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكم إذًا مِثْلُهم إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ ناشِئٌ عَنْ وصْفِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ [النساء: ١٣٧]، فَإنَّ أُولَئِكَ كانُوا مُظْهِرِينَ الكُفْرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وكانَ ثَمَّةَ طائِفَةٌ تُبْطِنُ الكُفْرَ وهم أهْلُ النِّفاقِ، ولَمّا كانَ التَّظاهُرُ بِالإيمانِ ثُمَّ تَعْقِيبُهُ بِالكُفْرِ ضَرْبًا مِنَ التَّهَكُّمِ بِالإسْلامِ وأهْلِهِ، جِيءَ في جَزاءِ عَمَلِهِمْ بِوَعِيدٍ مُناسِبٍ لِتَهَكُّمِهِمْ بِالمُسْلِمِينَ، فَجاءَ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ إذْ قالَ ”﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾“، فَإنَّ البِشارَةَ هي الخَبَرُ بِما يَفْرَحُ المُخْبَرُ بِهِ، ولَيْسَ العَذابُ كَذَلِكَ. ولِلْعَرَبِ في التَّهَكُّمِ أسالِيبُ كَقَوْلِ شَقِيقِ بْنِ سُلَيْكٍ الأسَدِيِّ: أتانِي مِن أبِي أنَسٍ وعِيدٌ فَسُلَّ لِغَيْظَةِ الضَّحّاكِ جِسْمِي وقَوْلِ النّابِغَةِ: فَإنَّكَ سَوْفَ تَحْلُمُ أوْ تَناهى ∗∗∗ إذا ما شِبْتَ أوْ شابَ الغُرابُ وقَوْلِ ابْنِ زَيّابَةَ: نُبِّئْتُ عَمْرًا غارِزًا رَأْسَهُ ∗∗∗ في سِنَةٍ يُوعِدُ أخْوالَهُ وتِلْكَ مِنهُ غَيْرُ مَأْمُونَةٍ ∗∗∗ أنْ يَفْعَلَ الشَّيْءَ إذا قالَهُ صفحة ٢٣٤ ومَجِيءُ صِفَتِهِمْ بِطَرِيقَةِ المَوْصُولِ لِإفادَةِ تَعْلِيلِ اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ الألِيمَ، أيْ لِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيِ اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ لِأجْلِ مُضادَّةِ المُؤْمِنِينَ. والمُرادُ بِالكافِرِينَ مُشْرِكُو مَكَّةَ، أوْ أحْبارُ اليَهُودِ، لِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ بِالمَدِينَةِ مُشْرِكُونَ صُرَحاءُ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَلَيْسَ إلّا مُنافِقُونَ ويَهُودُ. وجُمْلَةُ ﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ بِاعْتِبارِ المَعْطُوفِ وهو ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ﴾ وقَوْلُهُ ”أيَبْتَغُونَ“ هو مَنشَأُ الِاسْتِئْنافِ، وفي ذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّ المُنافِقِينَ لَمْ تَكُنْ مُوالاتُهم لِلْمُشْرِكِينَ لِأجْلِ المُماثَلَةِ في الدِّينِ والعَقِيدَةِ، لِأنَّ مُعْظَمَ المُنافِقِينَ مِنَ اليَهُودِ، بَلِ اتَّخَذُوهم لِيَعْتَزُّوا بِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ، وإيماءً إلى أنَّ المُنافِقِينَ شَعَرُوا بِالضَّعْفِ فَطَلَبُوا الِاعْتِزازَ، وفي ذَلِكَ نِهايَةُ التَّجْهِيلِ والذَّمِّ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ، ولِذَلِكَ صَحَّ التَّفْرِيعُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيْ لا عِزَّةَ إلّا بِهِ، لِأنَّ الِاعْتِزازَ بِغَيْرِهِ باطِلٌ. كَما قِيلَ: مَنِ اعْتَزَّ بِغَيْرِ اللَّهِ هانَ. وإنْ كانَ المُرادُ بِالكافِرِينَ اليَهُودَ فالِاسْتِفْهامُ تَهَكُّمٌ بِالفَرِيقَيْنِ كَقَوْلِ المَثَلِ: كالمُسْتَغِيثِ مِنَ الرَّمْضاءِ بِالنّارِ . وهَذا الكَلامُ يُفِيدُ التَّحْذِيرَ مِن مُخالَطَتِهِمْ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ. وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ إلَخْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾ تَذْكِيرًا لِلْمُسْلِمِينَ بِما كانُوا أُعْلِمُوا بِهِ مِمّا يُؤَكِّدُ التَّحْذِيرَ مِن مُخالَطَتِهِمْ، فَضَمِيرُ الخِطابِ مُوَجَّهٌ إلى المُؤْمِنِينَ، وضَمائِرُ الغَيْبَةِ إلى المُنافِقِينَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يَتَّخِذُونَ“، فَيَكُونُ ضَمِيرُ الخِطابِ في قَوْلِهِ ﴿وقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكُمْ﴾ خِطابًا لِأصْحابِ الصِّلَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، كَأنَّهم بَعْدَ أنْ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمُ الصِّلَةُ صارُوا مُعَيَّنِينَ مَعْرُوفِينَ، فالتُفِتَ إلَيْهِمْ بِالخِطابِ، لِأنَّهم يَعْرِفُونَ أنَّهم أصْحابُ تِلْكَ الصِّلَةِ، فَلَعَلَّهم أنْ يُقْلِعُوا عَنْ مُوالاةِ الكافِرِينَ. وعَلَيْهِ فَضَمِيرُ الخِطابِ لِلْمُنافِقِينَ، وضَمائِرُ الغَيْبَةِ لِلْكافِرِينَ، والَّذِي نُزِّلَ في الكِتابِ هو آياتٌ نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ في القُرْآنِ: في شَأْنِ كُفْرِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ واسْتِهْزائِهِمْ. قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ الَّذِي أُحِيلَ عَلَيْهِ هُنا هو قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] لِأنَّ شَأْنَ الكافِرِينَ يَسْرِي إلى الَّذِينَ يَتَّخِذُونَهم أوْلِياءَ، والظّاهِرُ أنِ الَّذِي أحالَ اللَّهُ عَلَيْهِ هو ما صفحة ٢٣٥ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ مِن قَبْلِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ في البَقَرَةِ ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] مِمّا حَصَلَ مِن مَجْمُوعِهِ تَقَرُّرُ هَذا المَعْنى. و”أنْ“ في قَوْلِهِ ﴿أنْ إذا سَمِعْتُمْ﴾ تَفْسِيرِيَّةٌ، لِأنَّ ”نُزِّلَ“ تَضَمَّنَ مَعْنى الكَلامِ دُونَ حُرُوفِ القَوْلِ، إذْ لَمْ يَقْصِدْ حِكايَةَ لَفْظِ ”ما نُزِّلَ“ بَلْ حاصِلَ مَعْناهُ. وجَعَلَها بَعْضُهم مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمَها ضَمِيرَ شَأْنٍ مَحْذُوفًا، وهو بَعِيدٌ. وإسْنادُ الفِعْلَيْنِ: ”يُكْفَرُ“ و”يُسْتَهْزَأُ“ إلى المَجْهُولِ لِتَتَأتّى، بِحَذْفِ الفاعِلِ، صَلاحِيَةُ إسْنادِ الفِعْلَيْنِ إلى الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ المُنافِقِينَ يَرْكَنُونَ إلى المُشْرِكِينَ واليَهُودِ لِأنَّهم يَكْفُرُونَ بِالآياتِ ويَسْتَهْزِئُونَ، فَتَنْثَلِجُ لِذَلِكَ نُفُوسُ المُنافِقِينَ، لِأنَّ المُنافِقِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَتَظاهَرُوا بِذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَشْفِي غَلِيلَهم أنْ يَسْمَعَ المُسْلِمُونَ ذَلِكَ مِنَ الكُفّارِ. وقَدْ جُعِلَ زَمانُ كُفْرِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ هو زَمَنُ سَماعِ المُؤْمِنِينَ آياتِ اللَّهِ. والمَقْصُودُ أنَّهُ زَمَنُ نُزُولِ آياتِ اللَّهِ أوْ قِراءَةِ آياتِ اللَّهِ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى سَماعِ المُؤْمِنِينَ، لِيُشِيرَ إلى عَجِيبِ تَضادِّ الحالَيْنِ، فَفي حالَةِ اتِّصافِ المُنافِقِينَ بِالكُفْرِ بِاللَّهِ والهَزْلِ بِآياتِهِ يَتَّصِفُ المُؤْمِنُونَ بِتَلَقِّي آياتِهِ والإصْغاءِ إلَيْها وقَصْدِ الوَعْيِ لَها والعَمَلِ بِها. وأعْقَبَ ذَلِكَ بِتَفْرِيعِ النَّهْيِ عَنْ مُجالَسَتِهِمْ في تِلْكَ الحالَةِ حَتّى يَنْتَقِلُوا إلى غَيْرِها، لِئَلّا يَتَوَسَّلَ الشَّيْطانُ بِذَلِكَ إلى اسْتِضْعافِ حِرْصِ المُؤْمِنِينَ عَلى سَماعِ القُرْآنِ، لِأنَّ لِلْأخْلاقِ عَدْوى، وفي المَثَلِ تُعْدِي الصِّحاحَ مَبارِكُ الجُرْبِ . وهَذا النَّهْيُ يَقْتَضِي الأمْرَ بِمُغادَرَةِ مَجالِسِهِمْ إذا خاضُوا في الكُفْرِ بِالآياتِ والِاسْتِهْزاءِ بِها. وفي النَّهْيِ عَنِ القُعُودِ إلَيْهِمْ حِكْمَةٌ أُخْرى: وهي وُجُوبُ إظْهارِ الغَضَبِ لِلَّهِ مِن ذَلِكَ كَقَوْلِهِ ﴿تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١] . و”حَتّى“ حَرْفٌ يَعْطِفُ غايَةَ الشَّيْءِ عَلَيْهِ، فالنَّهْيُ عَنِ القُعُودِ مَعَهم غايَتُهُ أنْ يَكُفُّوا عَنِ الخَوْضِ في الكُفْرِ بِالآياتِ والِاسْتِهْزاءِ بِها. وهَذا الحُكْمُ تَدْرِيجٌ في تَحْرِيمِ مُوالاةِ المُسْلِمِينَ لِلْكافِرِينَ، جُعِلَ مَبْدَأُ ذَلِكَ أنْ لا يَحْضُرُوا مَجالِسَ كُفْرِهِمْ لِيَظْهَرَ التَّمايُزُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ الخُلَّصِ وبَيْنَ المُنافِقِينَ، ورُخِّصَ صفحة ٢٣٦ لَهُمُ القُعُودُ مَعَهم إذْ خاضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِ حَدِيثِ الكُفْرِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [التوبة: ٢٣] ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] . وجُعِلَ جَوابُ القُعُودِ مَعَهُمُ المَنهِيُّ عَنْهُ أنَّهم إذا لَمْ يَنْتَهُوا عَنِ القُعُودِ مَعَهم يَكُونُونَ مِثْلَهم في الِاسْتِخْفافِ بِآياتِ اللَّهِ إذْ قالَ ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ فَإنَّ ”إذَنْ“ حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ لِكَلامٍ مَلْفُوظٍ بِهِ أوْ مُقَدَّرٍ. والمُجازاةُ هُنا لِكَلامٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ النَّهْيُ عَنِ القُعُودِ مَعَهُمْ؛ فَإنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ قَعَدْتُمْ مَعَهم إذَنْ إنَّكم مِثْلُهم. ووُقُوعُ إذَنْ جَزاءً لِكَلامٍ مُقَدَّرٍ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِ العَنْبَرِيِّ: لَوْ كُنْتُ مِن مازِنٍ لَمْ تَسْتَبِحْ إبِلِي ∗∗∗ بَنُو اللَّقِيطَةِ مِن ذُهْلِ بْنِ شَيْبانا إذَنْ لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ ∗∗∗ عِنْدَ الحَفِيظَةِ إنْ ذُو لَوْثَةٍ لانا . قالَ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الحَماسَةِ: وفائِدَةُ ”إذَنْ“ هو أنَّهُ أخْرَجَ البَيْتَ الثّانِيَ مَخْرَجَ جَوابِ قائِلٍ لَهُ: ولَوِ اسْتَباحُوا ماذا كانَ يَفْعَلُ بَنُو مازِنٍ ؟ فَقالَ: إذَنْ لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ. قُلْتُ: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] . التَّقْدِيرُ: فَلَوْ كُنْتَ تَتْلُو وتَخُطُّ إذَنْ لارْتابَ المُبْطِلُونَ. فَقَدْ عُلِمَ أنَّ الجَزاءَ في قَوْلِهِ إنَّكم إذَنْ مِثْلُهم عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ لا عَنِ النَّهْيِ، كَقَوْلِ الرّاجِزِ، وهو مِن شَواهِدِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ: لا تَتْرُكَنِّي فِيهِمْ شَطِيرا ∗∗∗ إنِّي إذَنْ أهْلِكَ أوْ أطِيرا . والظّاهِرُ أنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَجْلِسُونَ هَذِهِ المَجالِسَ فَلا يُقْدِمُونَ عَلى تَغْيِيرِ هَذا ولا يَقُومُونَ عَنْهم تَقِيَّةً لَهم فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. وهَذِهِ المُماثَلَةُ لَهم خارِجَةٌ مَخْرَجَ التَّغْلِيظِ والتَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ، ولا يَصِيرُ المُؤْمِنُ مُنافِقًا بِجُلُوسِهِ إلى المُنافِقِينَ، وأُرِيدَ المُماثَلَةُ في المَعْصِيَةِ لا في مِقْدارِها، أيْ أنَّكم تَصِيرُونَ مِثْلَهم في التَّلَبُّسِ بِالمَعاصِي. صفحة ٢٣٧ وقَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ تَحْذِيرٌ مِن أنْ يَكُونُوا مِثْلَهم، وإعْلامٌ بِأنَّ الفَرِيقَيْنِ سَواءٌ في عَدَواةِ المُؤْمِنِينَ، ووَعِيدٌ لِلْمُنافِقِينَ بِعَدَمِ جَدْوى إظْهارِهِمُ الإسْلامَ لَهم. وجُمْلَةُ ”الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم“ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ وحْدَهم بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ . والتَّرَبُّصُ حَقِيقَةً في المُكْثِ بِالمَكانِ، وقَدْ مَرَّ قَوْلُهُ ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وهو مَجازٌ في الِانْتِظارِ وتَرَقُّبِ الحَوادِثِ. وتَفْصِيلُهُ قَوْلُهُ ﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ الآياتِ. وجُعِلَ ما يَحْصُلُ لِلْمُسْلِمِينَ فَتْحًا لِأنَّهُ انْتِصارٌ دائِمٌ، ونُسِبَ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ مُقَدِّرُهُ ومُرِيدُهُ بِأسْبابٍ خَفِيَّةٍ ومُعْجِزاتٍ بَيِّنَةٍ. والمُرادُ بِالكافِرِينَ هُمُ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرُهم لا مَحالَةَ، إذْ لا حَظَّ لِلْيَهُودِ في الحَرْبِ، وجُعِلَ ما يَحْصُلُ لَهم مِنَ النَّصْرِ نَصِيبًا تَحْقِيرًا لَهُ، والمُرادُ نَصِيبٌ مِنَ الفَوْزِ في القِتالِ. والِاسْتِحْواذُ: الغَلَبَةُ والإحاطَةُ، أبْقَوُا الواوَ عَلى أصْلِها ولَمْ يَقْلِبُوها ألِفًا بَعْدَ الفَتْحَةِ عَلى خِلافِ القِياسِ. وهَذا أحَدُ الأفْعالِ الَّتِي صُحِّحَتْ عَلى خِلافِ القِياسِ مِثْلَ: اسْتَجْوَبَ، وقَدْ يَقُولُونَ: اسْتَحاذَ عَلى القِياسِ كَما يَقُولُونَ: اسْتَجابَ واسْتَصابَ. والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ. ومَعْنى ﴿ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ ألَمْ نَتَوَلَّ شُئُونَكم ونُحِيطْ بِكم إحاطَةَ العِنايَةِ والنُّصْرَةِ ﴿ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ مِن أنْ يَنالَكم بِأْسُهم، فالمَنعُ هُنا إمّا مَنعٌ مَكْذُوبٌ يُخَيِّلُونَهُ الكُفّارَ واقِعًا وهو الظّاهِرُ، وإمّا مَنعٌ تَقْدِيرِيٌّ وهو كَفُّ النُّصْرَةِ عَنِ المُؤْمِنِينَ، والتَّجَسُّسُ عَلَيْهِمْ بِإبْلاغِ أخْبارِهِمْ لِلْكافِرِينَ، وإلْقاءُ الأراجِيفِ والفِتَنِ بَيْنَ جُيُوشِ المُؤْمِنِينَ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُضْعِفُ بَأْسَ المُؤْمِنِينَ إنْ وقَعَ، وهَذا القَوْلُ كانَ يَقُولُهُ مَن يَنْدَسُّ مِنَ المُنافِقِينَ في جَيْشِ المُسْلِمِينَ في الغَزَواتِ، وخاصَّةً إذا كانَتْ جُيُوشُ المُشْرِكِينَ قُرْبَ المَدِينَةِ مِثْلَ غَزْوَةِ الأحْزابِ. وقَوْلُهُ ﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الفاءُ لِلْفَصِيحَةِ، والكَلامُ إنْذارٌ لِلْمُنافِقِينَ وكِفايَةٌ لِمُهِمِّ المُؤْمِنِينَ، بِأنْ فُوِّضَ أمْرُ جَزاءِ المُنافِقِينَ عَلى مَكائِدِهِمْ وخُزَعْبِلاتِهِمْ إلَيْهِ تَعالى. صفحة ٢٣٨ وقَوْلُهُ ﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ تَثْبِيتٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأخْبارِ عَنْ دَخائِلِ الأعْداءِ وتَألُّبِهِمْ: مِن عَدُوٍّ مُجاهِرٍ بِكُفْرِهِ، وعَدُوٍّ مُصانِعٍ مُظْهِرٍ لِلْأُخُوَّةِ، وبَيانُ هَذِهِ الأفْعالِ الشَّيْطانِيَّةِ البالِغَةِ أقْصى المَكْرِ والحِيلَةِ يُثِيرُ مَخاوِفَ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ وقَدْ يُخَيِّلُ لَهم مَهاوِيَ الخَيْبَةِ في مُسْتَقْبَلِهِمْ، فَكانَ مِن شَأْنِ التَّلَطُّفِ بِهِمْ أنْ يُعَقِّبَ ذَلِكَ التَّحْذِيرَ بِالشَّدِّ عَلى العَضُدِ، والوَعْدِ بِحُسْنِ العاقِبَةِ، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ بِأنْ لا يَجْعَلَ لِلْكافِرِينَ، وإنْ تَألَّبَتْ عِصاباتُهم، واخْتَلَفَتْ مَناحِي كُفْرِهِمْ، سَبِيلًا عَلى المُؤْمِنِينَ. والمُرادُ بِالسَّبِيلِ طَرِيقُ الوُصُولِ إلى المُؤْمِنِينَ بِالهَزِيمَةِ والغَلَبَةِ، بِقَرِينَةِ تَعْدِيَتِهِ بِعَلى، ولِأنَّ سَبِيلَ العَدُوِّ إلى عَدُوِّهِ هو السَّعْيُ إلى مَضَرَّتِهِ، ولَوْ قالَ لَكَ الحَبِيبُ: لا سَبِيلَ إلَيْكَ، لَتَحَسَّرْتَ؛ ولَوْ قالَ لَكَ العَدُوُّ: لا سَبِيلَ إلَيْكَ، لَتَهَلَّلْتَ بِشْرًا، فَإذا عُدِّيَ بِعَلى صارَ نَصًّا في سَبِيلِ الشَّرِّ والأذى. فالآيَةُ وعْدٌ مَحْضُ دُنْيَوِيٍّ، ولَيْسَتْ مِنَ التَّشْرِيعِ في شَيْءٍ، ولا مِن أُمُورِ الآخِرَةِ في شَيْءٍ لِنُبُوِّ المَقامِ عَنْ هَذَيْنِ. فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ وعْدًا لَمْ يَجُزْ تَخَلُّفُهُ، ونَحْنُ نَرى الكافِرِينَ يَنْتَصِرُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ انْتِصارًا بَيِّنًا، ورُبَّما تَمَلَّكُوا بِلادَهم وطالَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ تَأْوِيلُ هَذا الوَعْدِ. قُلْتُ: إنْ أُرِيدَ بِالكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ الطّائِفَتانِ المَعْهُودَتانِ بِقَرِينَةِ القِصَّةِ فالإشْكالُ زائِلٌ، لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ عاقِبَةَ النَّصْرِ أيّامَئِذٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وقَطَعَ دابِرَ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا فَلَمْ يَلْبَثُوا أنْ ثُقِفُوا وأُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا ودَخَلَتْ بَقِيَّتُهم في الإسْلامِ فَأصْبَحُوا أنْصارًا لِلدِّينِ؛ وإنْ أُرِيدَ العُمُومُ فالمَقْصُودُ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُؤْمِنُونَ الخُلَّصُ الَّذِينَ تَلَبَّسُوا بِالإيمانِ بِسائِرِ أحْوالِهِ وأُصُولِهِ وفُرُوعِهِ، ولَوِ اسْتَقامَ المُؤْمِنُونَ عَلى ذَلِكَ لَما نالَ الكافِرُونَ مِنهم مَنالًا، ولَدَفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ خَيْبَةً وخَبالًا.

النساء 4:140

صفحة ٢٣٣ ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ﴿وقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكم إذًا مِثْلُهم إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ ناشِئٌ عَنْ وصْفِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ [النساء: ١٣٧]، فَإنَّ أُولَئِكَ كانُوا مُظْهِرِينَ الكُفْرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وكانَ ثَمَّةَ طائِفَةٌ تُبْطِنُ الكُفْرَ وهم أهْلُ النِّفاقِ، ولَمّا كانَ التَّظاهُرُ بِالإيمانِ ثُمَّ تَعْقِيبُهُ بِالكُفْرِ ضَرْبًا مِنَ التَّهَكُّمِ بِالإسْلامِ وأهْلِهِ، جِيءَ في جَزاءِ عَمَلِهِمْ بِوَعِيدٍ مُناسِبٍ لِتَهَكُّمِهِمْ بِالمُسْلِمِينَ، فَجاءَ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ إذْ قالَ ”﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾“، فَإنَّ البِشارَةَ هي الخَبَرُ بِما يَفْرَحُ المُخْبَرُ بِهِ، ولَيْسَ العَذابُ كَذَلِكَ. ولِلْعَرَبِ في التَّهَكُّمِ أسالِيبُ كَقَوْلِ شَقِيقِ بْنِ سُلَيْكٍ الأسَدِيِّ: أتانِي مِن أبِي أنَسٍ وعِيدٌ فَسُلَّ لِغَيْظَةِ الضَّحّاكِ جِسْمِي وقَوْلِ النّابِغَةِ: فَإنَّكَ سَوْفَ تَحْلُمُ أوْ تَناهى ∗∗∗ إذا ما شِبْتَ أوْ شابَ الغُرابُ وقَوْلِ ابْنِ زَيّابَةَ: نُبِّئْتُ عَمْرًا غارِزًا رَأْسَهُ ∗∗∗ في سِنَةٍ يُوعِدُ أخْوالَهُ وتِلْكَ مِنهُ غَيْرُ مَأْمُونَةٍ ∗∗∗ أنْ يَفْعَلَ الشَّيْءَ إذا قالَهُ صفحة ٢٣٤ ومَجِيءُ صِفَتِهِمْ بِطَرِيقَةِ المَوْصُولِ لِإفادَةِ تَعْلِيلِ اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ الألِيمَ، أيْ لِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيِ اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ لِأجْلِ مُضادَّةِ المُؤْمِنِينَ. والمُرادُ بِالكافِرِينَ مُشْرِكُو مَكَّةَ، أوْ أحْبارُ اليَهُودِ، لِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ بِالمَدِينَةِ مُشْرِكُونَ صُرَحاءُ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَلَيْسَ إلّا مُنافِقُونَ ويَهُودُ. وجُمْلَةُ ﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ بِاعْتِبارِ المَعْطُوفِ وهو ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ﴾ وقَوْلُهُ ”أيَبْتَغُونَ“ هو مَنشَأُ الِاسْتِئْنافِ، وفي ذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّ المُنافِقِينَ لَمْ تَكُنْ مُوالاتُهم لِلْمُشْرِكِينَ لِأجْلِ المُماثَلَةِ في الدِّينِ والعَقِيدَةِ، لِأنَّ مُعْظَمَ المُنافِقِينَ مِنَ اليَهُودِ، بَلِ اتَّخَذُوهم لِيَعْتَزُّوا بِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ، وإيماءً إلى أنَّ المُنافِقِينَ شَعَرُوا بِالضَّعْفِ فَطَلَبُوا الِاعْتِزازَ، وفي ذَلِكَ نِهايَةُ التَّجْهِيلِ والذَّمِّ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ، ولِذَلِكَ صَحَّ التَّفْرِيعُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيْ لا عِزَّةَ إلّا بِهِ، لِأنَّ الِاعْتِزازَ بِغَيْرِهِ باطِلٌ. كَما قِيلَ: مَنِ اعْتَزَّ بِغَيْرِ اللَّهِ هانَ. وإنْ كانَ المُرادُ بِالكافِرِينَ اليَهُودَ فالِاسْتِفْهامُ تَهَكُّمٌ بِالفَرِيقَيْنِ كَقَوْلِ المَثَلِ: كالمُسْتَغِيثِ مِنَ الرَّمْضاءِ بِالنّارِ . وهَذا الكَلامُ يُفِيدُ التَّحْذِيرَ مِن مُخالَطَتِهِمْ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ. وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ إلَخْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾ تَذْكِيرًا لِلْمُسْلِمِينَ بِما كانُوا أُعْلِمُوا بِهِ مِمّا يُؤَكِّدُ التَّحْذِيرَ مِن مُخالَطَتِهِمْ، فَضَمِيرُ الخِطابِ مُوَجَّهٌ إلى المُؤْمِنِينَ، وضَمائِرُ الغَيْبَةِ إلى المُنافِقِينَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يَتَّخِذُونَ“، فَيَكُونُ ضَمِيرُ الخِطابِ في قَوْلِهِ ﴿وقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكُمْ﴾ خِطابًا لِأصْحابِ الصِّلَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، كَأنَّهم بَعْدَ أنْ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمُ الصِّلَةُ صارُوا مُعَيَّنِينَ مَعْرُوفِينَ، فالتُفِتَ إلَيْهِمْ بِالخِطابِ، لِأنَّهم يَعْرِفُونَ أنَّهم أصْحابُ تِلْكَ الصِّلَةِ، فَلَعَلَّهم أنْ يُقْلِعُوا عَنْ مُوالاةِ الكافِرِينَ. وعَلَيْهِ فَضَمِيرُ الخِطابِ لِلْمُنافِقِينَ، وضَمائِرُ الغَيْبَةِ لِلْكافِرِينَ، والَّذِي نُزِّلَ في الكِتابِ هو آياتٌ نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ في القُرْآنِ: في شَأْنِ كُفْرِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ واسْتِهْزائِهِمْ. قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ الَّذِي أُحِيلَ عَلَيْهِ هُنا هو قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] لِأنَّ شَأْنَ الكافِرِينَ يَسْرِي إلى الَّذِينَ يَتَّخِذُونَهم أوْلِياءَ، والظّاهِرُ أنِ الَّذِي أحالَ اللَّهُ عَلَيْهِ هو ما صفحة ٢٣٥ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ مِن قَبْلِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ في البَقَرَةِ ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] مِمّا حَصَلَ مِن مَجْمُوعِهِ تَقَرُّرُ هَذا المَعْنى. و”أنْ“ في قَوْلِهِ ﴿أنْ إذا سَمِعْتُمْ﴾ تَفْسِيرِيَّةٌ، لِأنَّ ”نُزِّلَ“ تَضَمَّنَ مَعْنى الكَلامِ دُونَ حُرُوفِ القَوْلِ، إذْ لَمْ يَقْصِدْ حِكايَةَ لَفْظِ ”ما نُزِّلَ“ بَلْ حاصِلَ مَعْناهُ. وجَعَلَها بَعْضُهم مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمَها ضَمِيرَ شَأْنٍ مَحْذُوفًا، وهو بَعِيدٌ. وإسْنادُ الفِعْلَيْنِ: ”يُكْفَرُ“ و”يُسْتَهْزَأُ“ إلى المَجْهُولِ لِتَتَأتّى، بِحَذْفِ الفاعِلِ، صَلاحِيَةُ إسْنادِ الفِعْلَيْنِ إلى الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ المُنافِقِينَ يَرْكَنُونَ إلى المُشْرِكِينَ واليَهُودِ لِأنَّهم يَكْفُرُونَ بِالآياتِ ويَسْتَهْزِئُونَ، فَتَنْثَلِجُ لِذَلِكَ نُفُوسُ المُنافِقِينَ، لِأنَّ المُنافِقِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَتَظاهَرُوا بِذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَشْفِي غَلِيلَهم أنْ يَسْمَعَ المُسْلِمُونَ ذَلِكَ مِنَ الكُفّارِ. وقَدْ جُعِلَ زَمانُ كُفْرِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ هو زَمَنُ سَماعِ المُؤْمِنِينَ آياتِ اللَّهِ. والمَقْصُودُ أنَّهُ زَمَنُ نُزُولِ آياتِ اللَّهِ أوْ قِراءَةِ آياتِ اللَّهِ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى سَماعِ المُؤْمِنِينَ، لِيُشِيرَ إلى عَجِيبِ تَضادِّ الحالَيْنِ، فَفي حالَةِ اتِّصافِ المُنافِقِينَ بِالكُفْرِ بِاللَّهِ والهَزْلِ بِآياتِهِ يَتَّصِفُ المُؤْمِنُونَ بِتَلَقِّي آياتِهِ والإصْغاءِ إلَيْها وقَصْدِ الوَعْيِ لَها والعَمَلِ بِها. وأعْقَبَ ذَلِكَ بِتَفْرِيعِ النَّهْيِ عَنْ مُجالَسَتِهِمْ في تِلْكَ الحالَةِ حَتّى يَنْتَقِلُوا إلى غَيْرِها، لِئَلّا يَتَوَسَّلَ الشَّيْطانُ بِذَلِكَ إلى اسْتِضْعافِ حِرْصِ المُؤْمِنِينَ عَلى سَماعِ القُرْآنِ، لِأنَّ لِلْأخْلاقِ عَدْوى، وفي المَثَلِ تُعْدِي الصِّحاحَ مَبارِكُ الجُرْبِ . وهَذا النَّهْيُ يَقْتَضِي الأمْرَ بِمُغادَرَةِ مَجالِسِهِمْ إذا خاضُوا في الكُفْرِ بِالآياتِ والِاسْتِهْزاءِ بِها. وفي النَّهْيِ عَنِ القُعُودِ إلَيْهِمْ حِكْمَةٌ أُخْرى: وهي وُجُوبُ إظْهارِ الغَضَبِ لِلَّهِ مِن ذَلِكَ كَقَوْلِهِ ﴿تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١] . و”حَتّى“ حَرْفٌ يَعْطِفُ غايَةَ الشَّيْءِ عَلَيْهِ، فالنَّهْيُ عَنِ القُعُودِ مَعَهم غايَتُهُ أنْ يَكُفُّوا عَنِ الخَوْضِ في الكُفْرِ بِالآياتِ والِاسْتِهْزاءِ بِها. وهَذا الحُكْمُ تَدْرِيجٌ في تَحْرِيمِ مُوالاةِ المُسْلِمِينَ لِلْكافِرِينَ، جُعِلَ مَبْدَأُ ذَلِكَ أنْ لا يَحْضُرُوا مَجالِسَ كُفْرِهِمْ لِيَظْهَرَ التَّمايُزُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ الخُلَّصِ وبَيْنَ المُنافِقِينَ، ورُخِّصَ صفحة ٢٣٦ لَهُمُ القُعُودُ مَعَهم إذْ خاضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِ حَدِيثِ الكُفْرِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [التوبة: ٢٣] ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] . وجُعِلَ جَوابُ القُعُودِ مَعَهُمُ المَنهِيُّ عَنْهُ أنَّهم إذا لَمْ يَنْتَهُوا عَنِ القُعُودِ مَعَهم يَكُونُونَ مِثْلَهم في الِاسْتِخْفافِ بِآياتِ اللَّهِ إذْ قالَ ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ فَإنَّ ”إذَنْ“ حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ لِكَلامٍ مَلْفُوظٍ بِهِ أوْ مُقَدَّرٍ. والمُجازاةُ هُنا لِكَلامٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ النَّهْيُ عَنِ القُعُودِ مَعَهُمْ؛ فَإنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ قَعَدْتُمْ مَعَهم إذَنْ إنَّكم مِثْلُهم. ووُقُوعُ إذَنْ جَزاءً لِكَلامٍ مُقَدَّرٍ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِ العَنْبَرِيِّ: لَوْ كُنْتُ مِن مازِنٍ لَمْ تَسْتَبِحْ إبِلِي ∗∗∗ بَنُو اللَّقِيطَةِ مِن ذُهْلِ بْنِ شَيْبانا إذَنْ لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ ∗∗∗ عِنْدَ الحَفِيظَةِ إنْ ذُو لَوْثَةٍ لانا . قالَ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الحَماسَةِ: وفائِدَةُ ”إذَنْ“ هو أنَّهُ أخْرَجَ البَيْتَ الثّانِيَ مَخْرَجَ جَوابِ قائِلٍ لَهُ: ولَوِ اسْتَباحُوا ماذا كانَ يَفْعَلُ بَنُو مازِنٍ ؟ فَقالَ: إذَنْ لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ. قُلْتُ: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] . التَّقْدِيرُ: فَلَوْ كُنْتَ تَتْلُو وتَخُطُّ إذَنْ لارْتابَ المُبْطِلُونَ. فَقَدْ عُلِمَ أنَّ الجَزاءَ في قَوْلِهِ إنَّكم إذَنْ مِثْلُهم عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ لا عَنِ النَّهْيِ، كَقَوْلِ الرّاجِزِ، وهو مِن شَواهِدِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ: لا تَتْرُكَنِّي فِيهِمْ شَطِيرا ∗∗∗ إنِّي إذَنْ أهْلِكَ أوْ أطِيرا . والظّاهِرُ أنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَجْلِسُونَ هَذِهِ المَجالِسَ فَلا يُقْدِمُونَ عَلى تَغْيِيرِ هَذا ولا يَقُومُونَ عَنْهم تَقِيَّةً لَهم فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. وهَذِهِ المُماثَلَةُ لَهم خارِجَةٌ مَخْرَجَ التَّغْلِيظِ والتَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ، ولا يَصِيرُ المُؤْمِنُ مُنافِقًا بِجُلُوسِهِ إلى المُنافِقِينَ، وأُرِيدَ المُماثَلَةُ في المَعْصِيَةِ لا في مِقْدارِها، أيْ أنَّكم تَصِيرُونَ مِثْلَهم في التَّلَبُّسِ بِالمَعاصِي. صفحة ٢٣٧ وقَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ تَحْذِيرٌ مِن أنْ يَكُونُوا مِثْلَهم، وإعْلامٌ بِأنَّ الفَرِيقَيْنِ سَواءٌ في عَدَواةِ المُؤْمِنِينَ، ووَعِيدٌ لِلْمُنافِقِينَ بِعَدَمِ جَدْوى إظْهارِهِمُ الإسْلامَ لَهم. وجُمْلَةُ ”الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم“ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ وحْدَهم بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ . والتَّرَبُّصُ حَقِيقَةً في المُكْثِ بِالمَكانِ، وقَدْ مَرَّ قَوْلُهُ ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وهو مَجازٌ في الِانْتِظارِ وتَرَقُّبِ الحَوادِثِ. وتَفْصِيلُهُ قَوْلُهُ ﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ الآياتِ. وجُعِلَ ما يَحْصُلُ لِلْمُسْلِمِينَ فَتْحًا لِأنَّهُ انْتِصارٌ دائِمٌ، ونُسِبَ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ مُقَدِّرُهُ ومُرِيدُهُ بِأسْبابٍ خَفِيَّةٍ ومُعْجِزاتٍ بَيِّنَةٍ. والمُرادُ بِالكافِرِينَ هُمُ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرُهم لا مَحالَةَ، إذْ لا حَظَّ لِلْيَهُودِ في الحَرْبِ، وجُعِلَ ما يَحْصُلُ لَهم مِنَ النَّصْرِ نَصِيبًا تَحْقِيرًا لَهُ، والمُرادُ نَصِيبٌ مِنَ الفَوْزِ في القِتالِ. والِاسْتِحْواذُ: الغَلَبَةُ والإحاطَةُ، أبْقَوُا الواوَ عَلى أصْلِها ولَمْ يَقْلِبُوها ألِفًا بَعْدَ الفَتْحَةِ عَلى خِلافِ القِياسِ. وهَذا أحَدُ الأفْعالِ الَّتِي صُحِّحَتْ عَلى خِلافِ القِياسِ مِثْلَ: اسْتَجْوَبَ، وقَدْ يَقُولُونَ: اسْتَحاذَ عَلى القِياسِ كَما يَقُولُونَ: اسْتَجابَ واسْتَصابَ. والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ. ومَعْنى ﴿ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ ألَمْ نَتَوَلَّ شُئُونَكم ونُحِيطْ بِكم إحاطَةَ العِنايَةِ والنُّصْرَةِ ﴿ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ مِن أنْ يَنالَكم بِأْسُهم، فالمَنعُ هُنا إمّا مَنعٌ مَكْذُوبٌ يُخَيِّلُونَهُ الكُفّارَ واقِعًا وهو الظّاهِرُ، وإمّا مَنعٌ تَقْدِيرِيٌّ وهو كَفُّ النُّصْرَةِ عَنِ المُؤْمِنِينَ، والتَّجَسُّسُ عَلَيْهِمْ بِإبْلاغِ أخْبارِهِمْ لِلْكافِرِينَ، وإلْقاءُ الأراجِيفِ والفِتَنِ بَيْنَ جُيُوشِ المُؤْمِنِينَ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُضْعِفُ بَأْسَ المُؤْمِنِينَ إنْ وقَعَ، وهَذا القَوْلُ كانَ يَقُولُهُ مَن يَنْدَسُّ مِنَ المُنافِقِينَ في جَيْشِ المُسْلِمِينَ في الغَزَواتِ، وخاصَّةً إذا كانَتْ جُيُوشُ المُشْرِكِينَ قُرْبَ المَدِينَةِ مِثْلَ غَزْوَةِ الأحْزابِ. وقَوْلُهُ ﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الفاءُ لِلْفَصِيحَةِ، والكَلامُ إنْذارٌ لِلْمُنافِقِينَ وكِفايَةٌ لِمُهِمِّ المُؤْمِنِينَ، بِأنْ فُوِّضَ أمْرُ جَزاءِ المُنافِقِينَ عَلى مَكائِدِهِمْ وخُزَعْبِلاتِهِمْ إلَيْهِ تَعالى. صفحة ٢٣٨ وقَوْلُهُ ﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ تَثْبِيتٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأخْبارِ عَنْ دَخائِلِ الأعْداءِ وتَألُّبِهِمْ: مِن عَدُوٍّ مُجاهِرٍ بِكُفْرِهِ، وعَدُوٍّ مُصانِعٍ مُظْهِرٍ لِلْأُخُوَّةِ، وبَيانُ هَذِهِ الأفْعالِ الشَّيْطانِيَّةِ البالِغَةِ أقْصى المَكْرِ والحِيلَةِ يُثِيرُ مَخاوِفَ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ وقَدْ يُخَيِّلُ لَهم مَهاوِيَ الخَيْبَةِ في مُسْتَقْبَلِهِمْ، فَكانَ مِن شَأْنِ التَّلَطُّفِ بِهِمْ أنْ يُعَقِّبَ ذَلِكَ التَّحْذِيرَ بِالشَّدِّ عَلى العَضُدِ، والوَعْدِ بِحُسْنِ العاقِبَةِ، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ بِأنْ لا يَجْعَلَ لِلْكافِرِينَ، وإنْ تَألَّبَتْ عِصاباتُهم، واخْتَلَفَتْ مَناحِي كُفْرِهِمْ، سَبِيلًا عَلى المُؤْمِنِينَ. والمُرادُ بِالسَّبِيلِ طَرِيقُ الوُصُولِ إلى المُؤْمِنِينَ بِالهَزِيمَةِ والغَلَبَةِ، بِقَرِينَةِ تَعْدِيَتِهِ بِعَلى، ولِأنَّ سَبِيلَ العَدُوِّ إلى عَدُوِّهِ هو السَّعْيُ إلى مَضَرَّتِهِ، ولَوْ قالَ لَكَ الحَبِيبُ: لا سَبِيلَ إلَيْكَ، لَتَحَسَّرْتَ؛ ولَوْ قالَ لَكَ العَدُوُّ: لا سَبِيلَ إلَيْكَ، لَتَهَلَّلْتَ بِشْرًا، فَإذا عُدِّيَ بِعَلى صارَ نَصًّا في سَبِيلِ الشَّرِّ والأذى. فالآيَةُ وعْدٌ مَحْضُ دُنْيَوِيٍّ، ولَيْسَتْ مِنَ التَّشْرِيعِ في شَيْءٍ، ولا مِن أُمُورِ الآخِرَةِ في شَيْءٍ لِنُبُوِّ المَقامِ عَنْ هَذَيْنِ. فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ وعْدًا لَمْ يَجُزْ تَخَلُّفُهُ، ونَحْنُ نَرى الكافِرِينَ يَنْتَصِرُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ انْتِصارًا بَيِّنًا، ورُبَّما تَمَلَّكُوا بِلادَهم وطالَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ تَأْوِيلُ هَذا الوَعْدِ. قُلْتُ: إنْ أُرِيدَ بِالكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ الطّائِفَتانِ المَعْهُودَتانِ بِقَرِينَةِ القِصَّةِ فالإشْكالُ زائِلٌ، لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ عاقِبَةَ النَّصْرِ أيّامَئِذٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وقَطَعَ دابِرَ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا فَلَمْ يَلْبَثُوا أنْ ثُقِفُوا وأُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا ودَخَلَتْ بَقِيَّتُهم في الإسْلامِ فَأصْبَحُوا أنْصارًا لِلدِّينِ؛ وإنْ أُرِيدَ العُمُومُ فالمَقْصُودُ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُؤْمِنُونَ الخُلَّصُ الَّذِينَ تَلَبَّسُوا بِالإيمانِ بِسائِرِ أحْوالِهِ وأُصُولِهِ وفُرُوعِهِ، ولَوِ اسْتَقامَ المُؤْمِنُونَ عَلى ذَلِكَ لَما نالَ الكافِرُونَ مِنهم مَنالًا، ولَدَفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ خَيْبَةً وخَبالًا.

النساء 4:141

صفحة ٢٣٣ ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ﴿وقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكم إذًا مِثْلُهم إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ ناشِئٌ عَنْ وصْفِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ [النساء: ١٣٧]، فَإنَّ أُولَئِكَ كانُوا مُظْهِرِينَ الكُفْرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وكانَ ثَمَّةَ طائِفَةٌ تُبْطِنُ الكُفْرَ وهم أهْلُ النِّفاقِ، ولَمّا كانَ التَّظاهُرُ بِالإيمانِ ثُمَّ تَعْقِيبُهُ بِالكُفْرِ ضَرْبًا مِنَ التَّهَكُّمِ بِالإسْلامِ وأهْلِهِ، جِيءَ في جَزاءِ عَمَلِهِمْ بِوَعِيدٍ مُناسِبٍ لِتَهَكُّمِهِمْ بِالمُسْلِمِينَ، فَجاءَ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ إذْ قالَ ”﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾“، فَإنَّ البِشارَةَ هي الخَبَرُ بِما يَفْرَحُ المُخْبَرُ بِهِ، ولَيْسَ العَذابُ كَذَلِكَ. ولِلْعَرَبِ في التَّهَكُّمِ أسالِيبُ كَقَوْلِ شَقِيقِ بْنِ سُلَيْكٍ الأسَدِيِّ: أتانِي مِن أبِي أنَسٍ وعِيدٌ فَسُلَّ لِغَيْظَةِ الضَّحّاكِ جِسْمِي وقَوْلِ النّابِغَةِ: فَإنَّكَ سَوْفَ تَحْلُمُ أوْ تَناهى ∗∗∗ إذا ما شِبْتَ أوْ شابَ الغُرابُ وقَوْلِ ابْنِ زَيّابَةَ: نُبِّئْتُ عَمْرًا غارِزًا رَأْسَهُ ∗∗∗ في سِنَةٍ يُوعِدُ أخْوالَهُ وتِلْكَ مِنهُ غَيْرُ مَأْمُونَةٍ ∗∗∗ أنْ يَفْعَلَ الشَّيْءَ إذا قالَهُ صفحة ٢٣٤ ومَجِيءُ صِفَتِهِمْ بِطَرِيقَةِ المَوْصُولِ لِإفادَةِ تَعْلِيلِ اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ الألِيمَ، أيْ لِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيِ اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ لِأجْلِ مُضادَّةِ المُؤْمِنِينَ. والمُرادُ بِالكافِرِينَ مُشْرِكُو مَكَّةَ، أوْ أحْبارُ اليَهُودِ، لِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ بِالمَدِينَةِ مُشْرِكُونَ صُرَحاءُ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَلَيْسَ إلّا مُنافِقُونَ ويَهُودُ. وجُمْلَةُ ﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ بِاعْتِبارِ المَعْطُوفِ وهو ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ﴾ وقَوْلُهُ ”أيَبْتَغُونَ“ هو مَنشَأُ الِاسْتِئْنافِ، وفي ذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّ المُنافِقِينَ لَمْ تَكُنْ مُوالاتُهم لِلْمُشْرِكِينَ لِأجْلِ المُماثَلَةِ في الدِّينِ والعَقِيدَةِ، لِأنَّ مُعْظَمَ المُنافِقِينَ مِنَ اليَهُودِ، بَلِ اتَّخَذُوهم لِيَعْتَزُّوا بِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ، وإيماءً إلى أنَّ المُنافِقِينَ شَعَرُوا بِالضَّعْفِ فَطَلَبُوا الِاعْتِزازَ، وفي ذَلِكَ نِهايَةُ التَّجْهِيلِ والذَّمِّ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ، ولِذَلِكَ صَحَّ التَّفْرِيعُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيْ لا عِزَّةَ إلّا بِهِ، لِأنَّ الِاعْتِزازَ بِغَيْرِهِ باطِلٌ. كَما قِيلَ: مَنِ اعْتَزَّ بِغَيْرِ اللَّهِ هانَ. وإنْ كانَ المُرادُ بِالكافِرِينَ اليَهُودَ فالِاسْتِفْهامُ تَهَكُّمٌ بِالفَرِيقَيْنِ كَقَوْلِ المَثَلِ: كالمُسْتَغِيثِ مِنَ الرَّمْضاءِ بِالنّارِ . وهَذا الكَلامُ يُفِيدُ التَّحْذِيرَ مِن مُخالَطَتِهِمْ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ. وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ إلَخْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾ تَذْكِيرًا لِلْمُسْلِمِينَ بِما كانُوا أُعْلِمُوا بِهِ مِمّا يُؤَكِّدُ التَّحْذِيرَ مِن مُخالَطَتِهِمْ، فَضَمِيرُ الخِطابِ مُوَجَّهٌ إلى المُؤْمِنِينَ، وضَمائِرُ الغَيْبَةِ إلى المُنافِقِينَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يَتَّخِذُونَ“، فَيَكُونُ ضَمِيرُ الخِطابِ في قَوْلِهِ ﴿وقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكُمْ﴾ خِطابًا لِأصْحابِ الصِّلَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، كَأنَّهم بَعْدَ أنْ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمُ الصِّلَةُ صارُوا مُعَيَّنِينَ مَعْرُوفِينَ، فالتُفِتَ إلَيْهِمْ بِالخِطابِ، لِأنَّهم يَعْرِفُونَ أنَّهم أصْحابُ تِلْكَ الصِّلَةِ، فَلَعَلَّهم أنْ يُقْلِعُوا عَنْ مُوالاةِ الكافِرِينَ. وعَلَيْهِ فَضَمِيرُ الخِطابِ لِلْمُنافِقِينَ، وضَمائِرُ الغَيْبَةِ لِلْكافِرِينَ، والَّذِي نُزِّلَ في الكِتابِ هو آياتٌ نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ في القُرْآنِ: في شَأْنِ كُفْرِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ واسْتِهْزائِهِمْ. قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ الَّذِي أُحِيلَ عَلَيْهِ هُنا هو قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] لِأنَّ شَأْنَ الكافِرِينَ يَسْرِي إلى الَّذِينَ يَتَّخِذُونَهم أوْلِياءَ، والظّاهِرُ أنِ الَّذِي أحالَ اللَّهُ عَلَيْهِ هو ما صفحة ٢٣٥ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ مِن قَبْلِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ في البَقَرَةِ ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] مِمّا حَصَلَ مِن مَجْمُوعِهِ تَقَرُّرُ هَذا المَعْنى. و”أنْ“ في قَوْلِهِ ﴿أنْ إذا سَمِعْتُمْ﴾ تَفْسِيرِيَّةٌ، لِأنَّ ”نُزِّلَ“ تَضَمَّنَ مَعْنى الكَلامِ دُونَ حُرُوفِ القَوْلِ، إذْ لَمْ يَقْصِدْ حِكايَةَ لَفْظِ ”ما نُزِّلَ“ بَلْ حاصِلَ مَعْناهُ. وجَعَلَها بَعْضُهم مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمَها ضَمِيرَ شَأْنٍ مَحْذُوفًا، وهو بَعِيدٌ. وإسْنادُ الفِعْلَيْنِ: ”يُكْفَرُ“ و”يُسْتَهْزَأُ“ إلى المَجْهُولِ لِتَتَأتّى، بِحَذْفِ الفاعِلِ، صَلاحِيَةُ إسْنادِ الفِعْلَيْنِ إلى الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ المُنافِقِينَ يَرْكَنُونَ إلى المُشْرِكِينَ واليَهُودِ لِأنَّهم يَكْفُرُونَ بِالآياتِ ويَسْتَهْزِئُونَ، فَتَنْثَلِجُ لِذَلِكَ نُفُوسُ المُنافِقِينَ، لِأنَّ المُنافِقِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَتَظاهَرُوا بِذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَشْفِي غَلِيلَهم أنْ يَسْمَعَ المُسْلِمُونَ ذَلِكَ مِنَ الكُفّارِ. وقَدْ جُعِلَ زَمانُ كُفْرِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ هو زَمَنُ سَماعِ المُؤْمِنِينَ آياتِ اللَّهِ. والمَقْصُودُ أنَّهُ زَمَنُ نُزُولِ آياتِ اللَّهِ أوْ قِراءَةِ آياتِ اللَّهِ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى سَماعِ المُؤْمِنِينَ، لِيُشِيرَ إلى عَجِيبِ تَضادِّ الحالَيْنِ، فَفي حالَةِ اتِّصافِ المُنافِقِينَ بِالكُفْرِ بِاللَّهِ والهَزْلِ بِآياتِهِ يَتَّصِفُ المُؤْمِنُونَ بِتَلَقِّي آياتِهِ والإصْغاءِ إلَيْها وقَصْدِ الوَعْيِ لَها والعَمَلِ بِها. وأعْقَبَ ذَلِكَ بِتَفْرِيعِ النَّهْيِ عَنْ مُجالَسَتِهِمْ في تِلْكَ الحالَةِ حَتّى يَنْتَقِلُوا إلى غَيْرِها، لِئَلّا يَتَوَسَّلَ الشَّيْطانُ بِذَلِكَ إلى اسْتِضْعافِ حِرْصِ المُؤْمِنِينَ عَلى سَماعِ القُرْآنِ، لِأنَّ لِلْأخْلاقِ عَدْوى، وفي المَثَلِ تُعْدِي الصِّحاحَ مَبارِكُ الجُرْبِ . وهَذا النَّهْيُ يَقْتَضِي الأمْرَ بِمُغادَرَةِ مَجالِسِهِمْ إذا خاضُوا في الكُفْرِ بِالآياتِ والِاسْتِهْزاءِ بِها. وفي النَّهْيِ عَنِ القُعُودِ إلَيْهِمْ حِكْمَةٌ أُخْرى: وهي وُجُوبُ إظْهارِ الغَضَبِ لِلَّهِ مِن ذَلِكَ كَقَوْلِهِ ﴿تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١] . و”حَتّى“ حَرْفٌ يَعْطِفُ غايَةَ الشَّيْءِ عَلَيْهِ، فالنَّهْيُ عَنِ القُعُودِ مَعَهم غايَتُهُ أنْ يَكُفُّوا عَنِ الخَوْضِ في الكُفْرِ بِالآياتِ والِاسْتِهْزاءِ بِها. وهَذا الحُكْمُ تَدْرِيجٌ في تَحْرِيمِ مُوالاةِ المُسْلِمِينَ لِلْكافِرِينَ، جُعِلَ مَبْدَأُ ذَلِكَ أنْ لا يَحْضُرُوا مَجالِسَ كُفْرِهِمْ لِيَظْهَرَ التَّمايُزُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ الخُلَّصِ وبَيْنَ المُنافِقِينَ، ورُخِّصَ صفحة ٢٣٦ لَهُمُ القُعُودُ مَعَهم إذْ خاضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِ حَدِيثِ الكُفْرِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [التوبة: ٢٣] ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] . وجُعِلَ جَوابُ القُعُودِ مَعَهُمُ المَنهِيُّ عَنْهُ أنَّهم إذا لَمْ يَنْتَهُوا عَنِ القُعُودِ مَعَهم يَكُونُونَ مِثْلَهم في الِاسْتِخْفافِ بِآياتِ اللَّهِ إذْ قالَ ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ فَإنَّ ”إذَنْ“ حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ لِكَلامٍ مَلْفُوظٍ بِهِ أوْ مُقَدَّرٍ. والمُجازاةُ هُنا لِكَلامٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ النَّهْيُ عَنِ القُعُودِ مَعَهُمْ؛ فَإنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ قَعَدْتُمْ مَعَهم إذَنْ إنَّكم مِثْلُهم. ووُقُوعُ إذَنْ جَزاءً لِكَلامٍ مُقَدَّرٍ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِ العَنْبَرِيِّ: لَوْ كُنْتُ مِن مازِنٍ لَمْ تَسْتَبِحْ إبِلِي ∗∗∗ بَنُو اللَّقِيطَةِ مِن ذُهْلِ بْنِ شَيْبانا إذَنْ لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ ∗∗∗ عِنْدَ الحَفِيظَةِ إنْ ذُو لَوْثَةٍ لانا . قالَ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الحَماسَةِ: وفائِدَةُ ”إذَنْ“ هو أنَّهُ أخْرَجَ البَيْتَ الثّانِيَ مَخْرَجَ جَوابِ قائِلٍ لَهُ: ولَوِ اسْتَباحُوا ماذا كانَ يَفْعَلُ بَنُو مازِنٍ ؟ فَقالَ: إذَنْ لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ. قُلْتُ: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] . التَّقْدِيرُ: فَلَوْ كُنْتَ تَتْلُو وتَخُطُّ إذَنْ لارْتابَ المُبْطِلُونَ. فَقَدْ عُلِمَ أنَّ الجَزاءَ في قَوْلِهِ إنَّكم إذَنْ مِثْلُهم عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ لا عَنِ النَّهْيِ، كَقَوْلِ الرّاجِزِ، وهو مِن شَواهِدِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ: لا تَتْرُكَنِّي فِيهِمْ شَطِيرا ∗∗∗ إنِّي إذَنْ أهْلِكَ أوْ أطِيرا . والظّاهِرُ أنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَجْلِسُونَ هَذِهِ المَجالِسَ فَلا يُقْدِمُونَ عَلى تَغْيِيرِ هَذا ولا يَقُومُونَ عَنْهم تَقِيَّةً لَهم فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. وهَذِهِ المُماثَلَةُ لَهم خارِجَةٌ مَخْرَجَ التَّغْلِيظِ والتَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ، ولا يَصِيرُ المُؤْمِنُ مُنافِقًا بِجُلُوسِهِ إلى المُنافِقِينَ، وأُرِيدَ المُماثَلَةُ في المَعْصِيَةِ لا في مِقْدارِها، أيْ أنَّكم تَصِيرُونَ مِثْلَهم في التَّلَبُّسِ بِالمَعاصِي. صفحة ٢٣٧ وقَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ تَحْذِيرٌ مِن أنْ يَكُونُوا مِثْلَهم، وإعْلامٌ بِأنَّ الفَرِيقَيْنِ سَواءٌ في عَدَواةِ المُؤْمِنِينَ، ووَعِيدٌ لِلْمُنافِقِينَ بِعَدَمِ جَدْوى إظْهارِهِمُ الإسْلامَ لَهم. وجُمْلَةُ ”الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم“ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ وحْدَهم بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ . والتَّرَبُّصُ حَقِيقَةً في المُكْثِ بِالمَكانِ، وقَدْ مَرَّ قَوْلُهُ ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وهو مَجازٌ في الِانْتِظارِ وتَرَقُّبِ الحَوادِثِ. وتَفْصِيلُهُ قَوْلُهُ ﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ الآياتِ. وجُعِلَ ما يَحْصُلُ لِلْمُسْلِمِينَ فَتْحًا لِأنَّهُ انْتِصارٌ دائِمٌ، ونُسِبَ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ مُقَدِّرُهُ ومُرِيدُهُ بِأسْبابٍ خَفِيَّةٍ ومُعْجِزاتٍ بَيِّنَةٍ. والمُرادُ بِالكافِرِينَ هُمُ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرُهم لا مَحالَةَ، إذْ لا حَظَّ لِلْيَهُودِ في الحَرْبِ، وجُعِلَ ما يَحْصُلُ لَهم مِنَ النَّصْرِ نَصِيبًا تَحْقِيرًا لَهُ، والمُرادُ نَصِيبٌ مِنَ الفَوْزِ في القِتالِ. والِاسْتِحْواذُ: الغَلَبَةُ والإحاطَةُ، أبْقَوُا الواوَ عَلى أصْلِها ولَمْ يَقْلِبُوها ألِفًا بَعْدَ الفَتْحَةِ عَلى خِلافِ القِياسِ. وهَذا أحَدُ الأفْعالِ الَّتِي صُحِّحَتْ عَلى خِلافِ القِياسِ مِثْلَ: اسْتَجْوَبَ، وقَدْ يَقُولُونَ: اسْتَحاذَ عَلى القِياسِ كَما يَقُولُونَ: اسْتَجابَ واسْتَصابَ. والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ. ومَعْنى ﴿ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ ألَمْ نَتَوَلَّ شُئُونَكم ونُحِيطْ بِكم إحاطَةَ العِنايَةِ والنُّصْرَةِ ﴿ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ مِن أنْ يَنالَكم بِأْسُهم، فالمَنعُ هُنا إمّا مَنعٌ مَكْذُوبٌ يُخَيِّلُونَهُ الكُفّارَ واقِعًا وهو الظّاهِرُ، وإمّا مَنعٌ تَقْدِيرِيٌّ وهو كَفُّ النُّصْرَةِ عَنِ المُؤْمِنِينَ، والتَّجَسُّسُ عَلَيْهِمْ بِإبْلاغِ أخْبارِهِمْ لِلْكافِرِينَ، وإلْقاءُ الأراجِيفِ والفِتَنِ بَيْنَ جُيُوشِ المُؤْمِنِينَ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُضْعِفُ بَأْسَ المُؤْمِنِينَ إنْ وقَعَ، وهَذا القَوْلُ كانَ يَقُولُهُ مَن يَنْدَسُّ مِنَ المُنافِقِينَ في جَيْشِ المُسْلِمِينَ في الغَزَواتِ، وخاصَّةً إذا كانَتْ جُيُوشُ المُشْرِكِينَ قُرْبَ المَدِينَةِ مِثْلَ غَزْوَةِ الأحْزابِ. وقَوْلُهُ ﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الفاءُ لِلْفَصِيحَةِ، والكَلامُ إنْذارٌ لِلْمُنافِقِينَ وكِفايَةٌ لِمُهِمِّ المُؤْمِنِينَ، بِأنْ فُوِّضَ أمْرُ جَزاءِ المُنافِقِينَ عَلى مَكائِدِهِمْ وخُزَعْبِلاتِهِمْ إلَيْهِ تَعالى. صفحة ٢٣٨ وقَوْلُهُ ﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ تَثْبِيتٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأخْبارِ عَنْ دَخائِلِ الأعْداءِ وتَألُّبِهِمْ: مِن عَدُوٍّ مُجاهِرٍ بِكُفْرِهِ، وعَدُوٍّ مُصانِعٍ مُظْهِرٍ لِلْأُخُوَّةِ، وبَيانُ هَذِهِ الأفْعالِ الشَّيْطانِيَّةِ البالِغَةِ أقْصى المَكْرِ والحِيلَةِ يُثِيرُ مَخاوِفَ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ وقَدْ يُخَيِّلُ لَهم مَهاوِيَ الخَيْبَةِ في مُسْتَقْبَلِهِمْ، فَكانَ مِن شَأْنِ التَّلَطُّفِ بِهِمْ أنْ يُعَقِّبَ ذَلِكَ التَّحْذِيرَ بِالشَّدِّ عَلى العَضُدِ، والوَعْدِ بِحُسْنِ العاقِبَةِ، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ بِأنْ لا يَجْعَلَ لِلْكافِرِينَ، وإنْ تَألَّبَتْ عِصاباتُهم، واخْتَلَفَتْ مَناحِي كُفْرِهِمْ، سَبِيلًا عَلى المُؤْمِنِينَ. والمُرادُ بِالسَّبِيلِ طَرِيقُ الوُصُولِ إلى المُؤْمِنِينَ بِالهَزِيمَةِ والغَلَبَةِ، بِقَرِينَةِ تَعْدِيَتِهِ بِعَلى، ولِأنَّ سَبِيلَ العَدُوِّ إلى عَدُوِّهِ هو السَّعْيُ إلى مَضَرَّتِهِ، ولَوْ قالَ لَكَ الحَبِيبُ: لا سَبِيلَ إلَيْكَ، لَتَحَسَّرْتَ؛ ولَوْ قالَ لَكَ العَدُوُّ: لا سَبِيلَ إلَيْكَ، لَتَهَلَّلْتَ بِشْرًا، فَإذا عُدِّيَ بِعَلى صارَ نَصًّا في سَبِيلِ الشَّرِّ والأذى. فالآيَةُ وعْدٌ مَحْضُ دُنْيَوِيٍّ، ولَيْسَتْ مِنَ التَّشْرِيعِ في شَيْءٍ، ولا مِن أُمُورِ الآخِرَةِ في شَيْءٍ لِنُبُوِّ المَقامِ عَنْ هَذَيْنِ. فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ وعْدًا لَمْ يَجُزْ تَخَلُّفُهُ، ونَحْنُ نَرى الكافِرِينَ يَنْتَصِرُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ انْتِصارًا بَيِّنًا، ورُبَّما تَمَلَّكُوا بِلادَهم وطالَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ تَأْوِيلُ هَذا الوَعْدِ. قُلْتُ: إنْ أُرِيدَ بِالكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ الطّائِفَتانِ المَعْهُودَتانِ بِقَرِينَةِ القِصَّةِ فالإشْكالُ زائِلٌ، لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ عاقِبَةَ النَّصْرِ أيّامَئِذٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وقَطَعَ دابِرَ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا فَلَمْ يَلْبَثُوا أنْ ثُقِفُوا وأُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا ودَخَلَتْ بَقِيَّتُهم في الإسْلامِ فَأصْبَحُوا أنْصارًا لِلدِّينِ؛ وإنْ أُرِيدَ العُمُومُ فالمَقْصُودُ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُؤْمِنُونَ الخُلَّصُ الَّذِينَ تَلَبَّسُوا بِالإيمانِ بِسائِرِ أحْوالِهِ وأُصُولِهِ وفُرُوعِهِ، ولَوِ اسْتَقامَ المُؤْمِنُونَ عَلى ذَلِكَ لَما نالَ الكافِرُونَ مِنهم مَنالًا، ولَدَفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ خَيْبَةً وخَبالًا.

النساء 4:142

﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهْوَ خادِعُهم وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ . صفحة ٢٣٩ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، فِيهِ زِيادَةُ بَيانٍ لِمَساوِيهِمْ. والمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ. وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ إنَّ لِتَحْقِيقِ حالَتِهِمُ العَجِيبَةِ وتَحْقِيقِ ما عَقَبَها مِن قَوْلِهِ ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى مُخادَعَةِ المُنافِقِينَ اللَّهَ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩] . وزادَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ أيْ فَقابَلَهم بِمِثْلِ صَنِيعِهِمْ، فَكَما كانَ فِعْلُهم مَعَ المُؤْمِنِينَ المُتَّبِعِينَ أمْرَ اللَّهِ ورَسُولِهِ خِداعًا لِلَّهِ تَعالى، كانَ إمْهالُ اللَّهِ لَهم في الدُّنْيا حَتّى اطْمَأنُّوا وحَسِبُوا أنَّ حِيلَتَهم وكَيْدَهم راجا عَلى المُسْلِمِينَ وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ ناصِرَهم، وإنْذارُهُ المُؤْمِنِينَ بِكَيْدِهِمْ حَتّى لا تَنْطَلِيَ عَلَيْهِمْ حِيَلُهم، وتَقْدِيرُ أخْذِهِ إيّاهم بِأخَرَةٍ، شَبِيهًا بِفِعْلِ المُخادِعِ جَزاءً وِفاقًا. فَإطْلاقُ الخِداعِ عَلى اسْتِدْراجِ اللَّهِ إيّاهُمُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، وحَسَّنَتْها المُشاكَلَةُ؛ لِأنَّ المُشاكَلَةَ لا تَعْدُو أنْ تَكُونَ اسْتِعارَةَ لَفْظٍ لِغَيْرِ مَعْناهُ مَعَ مَزِيدِ مُناسَبَةٍ مَعَ لَفْظٍ آخَرَ مِثْلِ اللَّفْظِ المُسْتَعارِ. فالمُشاكَلَةُ تَرْجِعُ إلى التَّمْلِيحِ، أيْ إذا لَمْ تَكُنْ لِإطْلاقِ اللَّفْظِ عَلى المَعْنى المُرادِ عَلاقَةٌ بَيْنَ مَعْنى اللَّفْظِ والمَعْنى المُرادِ إلّا مُحاكاةَ اللَّفْظِ، سُمِّيَتْ مُشاكَلَةٌ كَقَوْلِ أبِي الرَّقَعْمَقِ. قالُوا: اقْتَرِحْ شَيْئًا نُجِدْ لَكَ طَبْخَهُ قُلْتُ: أطْبِخُوا لِي جُبَّةً وقَمِيصا و”كُسالى“ جَمْعُ كَسْلانَ عَلى وزْنِ فُعالى، والكَسْلانُ المُتَّصِفُ بِالكَسَلِ، وهو الفُتُورُ في الأفْعالِ لِسَآمَةٍ أوْ كَراهِيَةٍ. والكَسَلُ في الصَّلاةِ مُؤْذِنٌ بِقِلَّةِ اكْتِراثِ المُصَلِّي بِها وزُهْدِهِ في فِعْلِها، فَلِذَلِكَ كانَ مِن شِيَمِ المُنافِقِينَ. ومِن أجْلِ ذَلِكَ حَذَّرَتِ الشَّرِيعَةُ مِن تَجاوُزِ حَدِّ النَّشاطِ في العِبادَةِ خَشْيَةَ السَّآمَةِ، فَفي الحَدِيثِ «عَلَيْكم مِنَ الأعْمالِ بِما تُطِيقُونَ فَإنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتّى تَمَلُّوا» . ونَهى عَنِ الصَّلاةِ والإنْسانُ يُرِيدُ حاجَتَهُ، وعَنِ الصَّلاةِ عِنْدَ حُضُورِ الطَّعامِ، كُلُّ ذَلِكَ لِيَكُونَ إقْبالُ المُؤْمِنِ عَلى الصَّلاةِ بِشَرَهٍ وعَزْمٍ، لِأنَّ صفحة ٢٤٠ النَّفْسَ إذا تَطَرَّقَتْها السَّآمَةُ مِنَ الشَّيْءِ دَبَّتْ إلَيْها كَراهِيَتُهُ دَبِيبًا حَتّى تَتَمَكَّنَ مِنها الكَراهِيَةُ، ولا خَطَرَ عَلى النَّفْسِ مِثْلُ أنْ تَكْرَهَ الخَيْرَ. و”كُسالى“ حالٌ لازِمَةٌ مِن ضَمِيرِ ”قامُوا“، لِأنَّ قامُوا لا يَصْلُحُ أنْ يَقَعَ وحْدَهُ جَوابًا لـِ ”إذا“ الَّتِي شَرْطُها قامُوا، لِأنَّهُ لَوْ وقَعَ مُجَرَّدًا لَكانَ الجَوابُ عَيْنَ الشَّرْطِ، فَلَزِمَ ذِكْرُ الحالِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] وقَوْلِ الأحْوَصِ الأنْصارِيِّ: فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ ∗∗∗ تُخْشى بَوادِرُهُ عَلى الأقْرانِ . وجُمْلَةُ ﴿يُراءُونَ النّاسَ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أوْ صِفَةٌ لِـ ”كُسالى“، أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ جَوابِ مَن يَسْألُ: ماذا قَصْدُهم بِهَذا القِيامِ لِلصَّلاةِ وهَلّا تَرَكُوا هَذا القِيامَ مِن أصْلِهِ، فَوَقَعَ البَيانُ بِأنَّهم يُراءُونَ بِصَلاتِهِمُ النّاسَ. و”يُراءُونَ“ فِعْلٌ يَقْتَضِي أنَّهم يُرُونَ النّاسَ صَلاتَهم ويُرِيهِمُ النّاسُ كَذَلِكَ. ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فالمُفاعَلَةُ هُنا لِمُجَرَّدِ المُبالَغَةِ في الإراءَةِ، وهَذا كَثِيرٌ في بابِ المُفاعَلَةِ. وقَوْلُهُ ﴿ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ”يُراءُونَ“ إنْ كانَ ”يُراءُونَ“ حالًا أوْ صِفَةً، وإنْ كانَ ”يُراءُونَ“ اسْتِئْنافًا فَجُمْلَةُ ”ولا يَذْكُرُونَ“ حالٌ، والواوُ واوُ الحالِ، أيْ: ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ بِالصَّلاةِ إلّا قَلِيلًا. فالِاسْتِثْناءُ إمّا مِن أزْمِنَةِ الذِّكْرِ، أيْ إلّا وقْتًا قَلِيلًا، وهو وقْتُ حُضُورِهِمْ مَعَ المُسْلِمِينَ إذْ يَقُومُونَ إلى الصَّلاةِ مَعَهم حِينَئِذٍ فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ بِالتَّكْبِيرِ وغَيْرِهِ، وإمّا مِن مَصْدَرِ ”يَذْكُرُونَ“، أيْ إلّا ذِكْرًا قَلِيلًا في تِلْكَ الصَّلاةِ الَّتِي يُراءُونَ بِها، وهو الذِّكْرُ الَّذِي لا مَندُوحَةَ عَنْ تَرْكِهِ مِثْلَ: التَّأْمِينِ، وقَوْلِ رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ، والتَّكْبِيرِ، وما عَدا ذَلِكَ لا يَقُولُونَهُ مِن تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ، وقِراءَةِ رَكَعاتِ السِّرِّ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ جُمْلَةَ ”ولا يَذْكُرُونَ“ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ”وإذا قامُوا“، فَهي خَبَرٌ عَنْ خِصالِهِمْ، أيْ هم لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ في سائِرِ أحْوالِهِمْ إلّا حالًا قَلِيلًا أوْ زَمَنًا قَلِيلًا وهو الذِّكْرُ الَّذِي لا يَخْلُو عَنْهُ عَبْدٌ يَحْتاجُ لِرَبِّهِ في المَنشَطِ والمَكْرَهِ، أيْ أنَّهم لَيْسُوا مِثْلَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَلى كُلِّ حالٍ، ويُكْثِرُونَ مِن ذِكْرِهِ. وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فالآيَةُ أفادَتْ عُبُودِيَّتَهم وكُفْرَهم بِنِعْمَةِ رَبِّهِمْ زِيادَةً عَلى كُفْرِهِمْ بِرَسُولِهِ وقُرْآنِهِ. ثُمَّ جاءَ بِحالٍ تُعَبِّرُ عَنْ جامِعِ نِفاقِهِمْ وهي قَوْلُهُ ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ ”يُراءُونَ“ . صفحة ٢٤١ والمُذَبْذَبُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الذَّبْذَبَةِ. يُقالُ: ذَبْذَبَهُ فَتَذَبْذَبَ. والذَّبْذَبَةُ: شِدَّةُ الِاضْطِرابِ مِن خَوْفٍ أوْ خَجَلٍ، قِيلَ: إنَّ الذَّبْذَبَةَ مُشْتَقَّةٌ مِن تَكْرِيرِ ذَبَّ إذا طَرَدَ، لِأنَّ المَطْرُودَ يُعَجِّلُ ويَضْطَرِبُ، فَهو مِنَ الأفْعالِ الَّتِي أفادَتْ كَثْرَةَ المَصْدَرِ بِالتَّكْرِيرِ، مَثْلَ زَلْزَلَ ولَمْلَمَ بِالمَكانِ وصَلْصَلَ وكَبْكَبَ، وفِيهِ لُغَةٌ بِدالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ، وهي الَّتِي تَجْرِي في عامِّيَّتِنا اليَوْمَ، يَقُولُونَ: رَجُلٌ مُدَبْدَبٌ، أيْ يَفْعَلُ الأشْياءَ عَلى غَيْرِ صَوابٍ ولا تَوْفِيقٍ. فَقِيلَ: إنَّها مُشْتَقَّةٌ مِنَ الدُّبَّةِ بِضَمِّ الدّالِ وتَشْدِيدِ الباءِ المُوَحَّدَةِ أيِ الطَّرِيقَةِ بِمَعْنى أنَّهُ يَسْلُكُ مَرَّةً هَذا الطَّرِيقَ ومَرَّةً هَذا الطَّرِيقَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ بَيْنَ ذَلِكَ إلى ما اسْتُفِيدَ مِن قَوْلِهِ ﴿يُراءُونَ النّاسَ﴾ لِأنَّ الَّذِي يَقْصِدُ مِن فِعْلِهِ إرْضاءَ النّاسِ لا يَلْبَثُ أنْ يَصِيرَ مُذَبْذَبًا، إذْ يَجِدُ في النّاسِ أصْنافًا مُتَبايِنَةَ المَقاصِدِ والشَّهَواتِ. ويَجُوزُ جَعْلُ الإشارَةِ راجِعَةً إلى شَيْءٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ، ولَكِنْ إلى ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُشارَ إلَيْهِ، أيْ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ طَرَفَيْنِ كالإيمانِ والكُفْرِ. وجُمْلَةُ ﴿لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ صِفَةٌ لِـ ”مُذَبْذَبِينَ“ لِقَصْدِ الكَشْفِ عَنْ مَعْناهُ لِما فِيهِ مِن خَفاءِ الِاسْتِعارَةِ، أوْ هي بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ . و”هَؤُلاءِ“ أحَدُهُما إشارَةٌ إلى المُؤْمِنِينَ، والآخَرُ إشارَةٌ إلى الكافِرِينَ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، إذْ لَيْسَ في المَقامِ إلّا فَرِيقانِ فَأيُّها جَعَلْتَهُ مُشارًا إلَيْهِ بِأحَدِ اسْمَيِ الإشارَةِ صَحَّ ذَلِكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] . والتَّقْدِيرُ: لا هم إلى المُسْلِمِينَ ولا هم إلى الكافِرِينَ. و”إلى“ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى الِانْتِهاءِ، أيْ لا ذاهِبِينَ إلى هَذا الفَرِيقِ ولا إلى الفَرِيقِ الآخَرِ، والذَّهابُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ ”إلى“ ذَهابٌ مَجازِيٌّ وهو الِانْتِماءُ والِانْتِسابُ، أيْ هم أضاعُوا النِّسْبَتَيْنِ فَلا هم مُسْلِمُونَ ولا هم كافِرُونَ ثابِتُونَ، والعَرَبُ تَأْتِي بِمِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ المُشْتَمِلِ عَلى (لا) النّافِيَةِ مُكَرَّرَةً في غَرَضَيْنِ: تارَةً يَقْصِدُونَ بِهِ إضاعَةَ الأمْرَيْنِ، كَقَوْلِ إحْدى نِساءِ حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ لا سَهْلٌ فَيُرْتَقى ولا سَمِينٌ فَيُنْتَقَلُ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾ [البقرة: ٧١] . وتارَةً يَقْصِدُونَ بِهِ إثْباتَ حالَةٍ وسَطٍ بَيْنَ حالَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥] ﴿لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨]، وقَوْلِ زُهَيْرٍ: فَلا هو أخْفاها ولَمْ يَتَقَدَّمِ صفحة ٢٤٢ وعَلى الِاسْتِعْمالَيْنِ فَمَعْنى الآيَةِ خَفِيٌّ، إذْ لَيْسَ المُرادُ إثْباتَ حالَةٍ وسَطٍ لِلْمُنافِقِينَ بَيْنَ الإيمانِ والكُفْرِ، لِأنَّهُ لا طائِلَ تَحْتَ مَعْناهُ. فَتَعَيَّنَ أنَّهُ مِنَ الِاسْتِعْمالِ الأوَّلِ، أيْ لَيْسُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ ولا مِنَ الكافِرِينَ، وهم في التَّحْقِيقِ، إلى الكافِرِينَ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٣٩] وقَوْلِهِ ﴿وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١] . فَتَعَيَّنَ أنَّ المَعْنى أنَّهم أضاعُوا الإيمانَ والِانْتِماءَ إلى المُسْلِمِينَ. وأضاعُوا الكُفْرَ بِمُفارَقَةِ نُصْرَةِ أهْلِهِ، أيْ كانُوا بِحالَةِ اضْطِرابٍ وهو مَعْنى التَّذَبْذُبِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا تَحْقِيرُهم وتَنْفِيرُ الفَرِيقَيْنِ مِن صُحْبَتِهِمْ لِيَنْبِذَهُمُ الفَرِيقانِ. وقَوْلُهُ ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ الخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، والمَعْنى: لَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا إلى الهُدى بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ .

النساء 4:143

﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهْوَ خادِعُهم وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ . صفحة ٢٣٩ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، فِيهِ زِيادَةُ بَيانٍ لِمَساوِيهِمْ. والمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ. وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ إنَّ لِتَحْقِيقِ حالَتِهِمُ العَجِيبَةِ وتَحْقِيقِ ما عَقَبَها مِن قَوْلِهِ ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى مُخادَعَةِ المُنافِقِينَ اللَّهَ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩] . وزادَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ أيْ فَقابَلَهم بِمِثْلِ صَنِيعِهِمْ، فَكَما كانَ فِعْلُهم مَعَ المُؤْمِنِينَ المُتَّبِعِينَ أمْرَ اللَّهِ ورَسُولِهِ خِداعًا لِلَّهِ تَعالى، كانَ إمْهالُ اللَّهِ لَهم في الدُّنْيا حَتّى اطْمَأنُّوا وحَسِبُوا أنَّ حِيلَتَهم وكَيْدَهم راجا عَلى المُسْلِمِينَ وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ ناصِرَهم، وإنْذارُهُ المُؤْمِنِينَ بِكَيْدِهِمْ حَتّى لا تَنْطَلِيَ عَلَيْهِمْ حِيَلُهم، وتَقْدِيرُ أخْذِهِ إيّاهم بِأخَرَةٍ، شَبِيهًا بِفِعْلِ المُخادِعِ جَزاءً وِفاقًا. فَإطْلاقُ الخِداعِ عَلى اسْتِدْراجِ اللَّهِ إيّاهُمُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، وحَسَّنَتْها المُشاكَلَةُ؛ لِأنَّ المُشاكَلَةَ لا تَعْدُو أنْ تَكُونَ اسْتِعارَةَ لَفْظٍ لِغَيْرِ مَعْناهُ مَعَ مَزِيدِ مُناسَبَةٍ مَعَ لَفْظٍ آخَرَ مِثْلِ اللَّفْظِ المُسْتَعارِ. فالمُشاكَلَةُ تَرْجِعُ إلى التَّمْلِيحِ، أيْ إذا لَمْ تَكُنْ لِإطْلاقِ اللَّفْظِ عَلى المَعْنى المُرادِ عَلاقَةٌ بَيْنَ مَعْنى اللَّفْظِ والمَعْنى المُرادِ إلّا مُحاكاةَ اللَّفْظِ، سُمِّيَتْ مُشاكَلَةٌ كَقَوْلِ أبِي الرَّقَعْمَقِ. قالُوا: اقْتَرِحْ شَيْئًا نُجِدْ لَكَ طَبْخَهُ قُلْتُ: أطْبِخُوا لِي جُبَّةً وقَمِيصا و”كُسالى“ جَمْعُ كَسْلانَ عَلى وزْنِ فُعالى، والكَسْلانُ المُتَّصِفُ بِالكَسَلِ، وهو الفُتُورُ في الأفْعالِ لِسَآمَةٍ أوْ كَراهِيَةٍ. والكَسَلُ في الصَّلاةِ مُؤْذِنٌ بِقِلَّةِ اكْتِراثِ المُصَلِّي بِها وزُهْدِهِ في فِعْلِها، فَلِذَلِكَ كانَ مِن شِيَمِ المُنافِقِينَ. ومِن أجْلِ ذَلِكَ حَذَّرَتِ الشَّرِيعَةُ مِن تَجاوُزِ حَدِّ النَّشاطِ في العِبادَةِ خَشْيَةَ السَّآمَةِ، فَفي الحَدِيثِ «عَلَيْكم مِنَ الأعْمالِ بِما تُطِيقُونَ فَإنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتّى تَمَلُّوا» . ونَهى عَنِ الصَّلاةِ والإنْسانُ يُرِيدُ حاجَتَهُ، وعَنِ الصَّلاةِ عِنْدَ حُضُورِ الطَّعامِ، كُلُّ ذَلِكَ لِيَكُونَ إقْبالُ المُؤْمِنِ عَلى الصَّلاةِ بِشَرَهٍ وعَزْمٍ، لِأنَّ صفحة ٢٤٠ النَّفْسَ إذا تَطَرَّقَتْها السَّآمَةُ مِنَ الشَّيْءِ دَبَّتْ إلَيْها كَراهِيَتُهُ دَبِيبًا حَتّى تَتَمَكَّنَ مِنها الكَراهِيَةُ، ولا خَطَرَ عَلى النَّفْسِ مِثْلُ أنْ تَكْرَهَ الخَيْرَ. و”كُسالى“ حالٌ لازِمَةٌ مِن ضَمِيرِ ”قامُوا“، لِأنَّ قامُوا لا يَصْلُحُ أنْ يَقَعَ وحْدَهُ جَوابًا لـِ ”إذا“ الَّتِي شَرْطُها قامُوا، لِأنَّهُ لَوْ وقَعَ مُجَرَّدًا لَكانَ الجَوابُ عَيْنَ الشَّرْطِ، فَلَزِمَ ذِكْرُ الحالِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] وقَوْلِ الأحْوَصِ الأنْصارِيِّ: فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ ∗∗∗ تُخْشى بَوادِرُهُ عَلى الأقْرانِ . وجُمْلَةُ ﴿يُراءُونَ النّاسَ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أوْ صِفَةٌ لِـ ”كُسالى“، أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ جَوابِ مَن يَسْألُ: ماذا قَصْدُهم بِهَذا القِيامِ لِلصَّلاةِ وهَلّا تَرَكُوا هَذا القِيامَ مِن أصْلِهِ، فَوَقَعَ البَيانُ بِأنَّهم يُراءُونَ بِصَلاتِهِمُ النّاسَ. و”يُراءُونَ“ فِعْلٌ يَقْتَضِي أنَّهم يُرُونَ النّاسَ صَلاتَهم ويُرِيهِمُ النّاسُ كَذَلِكَ. ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فالمُفاعَلَةُ هُنا لِمُجَرَّدِ المُبالَغَةِ في الإراءَةِ، وهَذا كَثِيرٌ في بابِ المُفاعَلَةِ. وقَوْلُهُ ﴿ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ”يُراءُونَ“ إنْ كانَ ”يُراءُونَ“ حالًا أوْ صِفَةً، وإنْ كانَ ”يُراءُونَ“ اسْتِئْنافًا فَجُمْلَةُ ”ولا يَذْكُرُونَ“ حالٌ، والواوُ واوُ الحالِ، أيْ: ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ بِالصَّلاةِ إلّا قَلِيلًا. فالِاسْتِثْناءُ إمّا مِن أزْمِنَةِ الذِّكْرِ، أيْ إلّا وقْتًا قَلِيلًا، وهو وقْتُ حُضُورِهِمْ مَعَ المُسْلِمِينَ إذْ يَقُومُونَ إلى الصَّلاةِ مَعَهم حِينَئِذٍ فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ بِالتَّكْبِيرِ وغَيْرِهِ، وإمّا مِن مَصْدَرِ ”يَذْكُرُونَ“، أيْ إلّا ذِكْرًا قَلِيلًا في تِلْكَ الصَّلاةِ الَّتِي يُراءُونَ بِها، وهو الذِّكْرُ الَّذِي لا مَندُوحَةَ عَنْ تَرْكِهِ مِثْلَ: التَّأْمِينِ، وقَوْلِ رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ، والتَّكْبِيرِ، وما عَدا ذَلِكَ لا يَقُولُونَهُ مِن تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ، وقِراءَةِ رَكَعاتِ السِّرِّ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ جُمْلَةَ ”ولا يَذْكُرُونَ“ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ”وإذا قامُوا“، فَهي خَبَرٌ عَنْ خِصالِهِمْ، أيْ هم لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ في سائِرِ أحْوالِهِمْ إلّا حالًا قَلِيلًا أوْ زَمَنًا قَلِيلًا وهو الذِّكْرُ الَّذِي لا يَخْلُو عَنْهُ عَبْدٌ يَحْتاجُ لِرَبِّهِ في المَنشَطِ والمَكْرَهِ، أيْ أنَّهم لَيْسُوا مِثْلَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَلى كُلِّ حالٍ، ويُكْثِرُونَ مِن ذِكْرِهِ. وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فالآيَةُ أفادَتْ عُبُودِيَّتَهم وكُفْرَهم بِنِعْمَةِ رَبِّهِمْ زِيادَةً عَلى كُفْرِهِمْ بِرَسُولِهِ وقُرْآنِهِ. ثُمَّ جاءَ بِحالٍ تُعَبِّرُ عَنْ جامِعِ نِفاقِهِمْ وهي قَوْلُهُ ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ ”يُراءُونَ“ . صفحة ٢٤١ والمُذَبْذَبُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الذَّبْذَبَةِ. يُقالُ: ذَبْذَبَهُ فَتَذَبْذَبَ. والذَّبْذَبَةُ: شِدَّةُ الِاضْطِرابِ مِن خَوْفٍ أوْ خَجَلٍ، قِيلَ: إنَّ الذَّبْذَبَةَ مُشْتَقَّةٌ مِن تَكْرِيرِ ذَبَّ إذا طَرَدَ، لِأنَّ المَطْرُودَ يُعَجِّلُ ويَضْطَرِبُ، فَهو مِنَ الأفْعالِ الَّتِي أفادَتْ كَثْرَةَ المَصْدَرِ بِالتَّكْرِيرِ، مَثْلَ زَلْزَلَ ولَمْلَمَ بِالمَكانِ وصَلْصَلَ وكَبْكَبَ، وفِيهِ لُغَةٌ بِدالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ، وهي الَّتِي تَجْرِي في عامِّيَّتِنا اليَوْمَ، يَقُولُونَ: رَجُلٌ مُدَبْدَبٌ، أيْ يَفْعَلُ الأشْياءَ عَلى غَيْرِ صَوابٍ ولا تَوْفِيقٍ. فَقِيلَ: إنَّها مُشْتَقَّةٌ مِنَ الدُّبَّةِ بِضَمِّ الدّالِ وتَشْدِيدِ الباءِ المُوَحَّدَةِ أيِ الطَّرِيقَةِ بِمَعْنى أنَّهُ يَسْلُكُ مَرَّةً هَذا الطَّرِيقَ ومَرَّةً هَذا الطَّرِيقَ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ بَيْنَ ذَلِكَ إلى ما اسْتُفِيدَ مِن قَوْلِهِ ﴿يُراءُونَ النّاسَ﴾ لِأنَّ الَّذِي يَقْصِدُ مِن فِعْلِهِ إرْضاءَ النّاسِ لا يَلْبَثُ أنْ يَصِيرَ مُذَبْذَبًا، إذْ يَجِدُ في النّاسِ أصْنافًا مُتَبايِنَةَ المَقاصِدِ والشَّهَواتِ. ويَجُوزُ جَعْلُ الإشارَةِ راجِعَةً إلى شَيْءٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ، ولَكِنْ إلى ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُشارَ إلَيْهِ، أيْ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ طَرَفَيْنِ كالإيمانِ والكُفْرِ. وجُمْلَةُ ﴿لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ صِفَةٌ لِـ ”مُذَبْذَبِينَ“ لِقَصْدِ الكَشْفِ عَنْ مَعْناهُ لِما فِيهِ مِن خَفاءِ الِاسْتِعارَةِ، أوْ هي بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ . و”هَؤُلاءِ“ أحَدُهُما إشارَةٌ إلى المُؤْمِنِينَ، والآخَرُ إشارَةٌ إلى الكافِرِينَ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، إذْ لَيْسَ في المَقامِ إلّا فَرِيقانِ فَأيُّها جَعَلْتَهُ مُشارًا إلَيْهِ بِأحَدِ اسْمَيِ الإشارَةِ صَحَّ ذَلِكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] . والتَّقْدِيرُ: لا هم إلى المُسْلِمِينَ ولا هم إلى الكافِرِينَ. و”إلى“ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى الِانْتِهاءِ، أيْ لا ذاهِبِينَ إلى هَذا الفَرِيقِ ولا إلى الفَرِيقِ الآخَرِ، والذَّهابُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ ”إلى“ ذَهابٌ مَجازِيٌّ وهو الِانْتِماءُ والِانْتِسابُ، أيْ هم أضاعُوا النِّسْبَتَيْنِ فَلا هم مُسْلِمُونَ ولا هم كافِرُونَ ثابِتُونَ، والعَرَبُ تَأْتِي بِمِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ المُشْتَمِلِ عَلى (لا) النّافِيَةِ مُكَرَّرَةً في غَرَضَيْنِ: تارَةً يَقْصِدُونَ بِهِ إضاعَةَ الأمْرَيْنِ، كَقَوْلِ إحْدى نِساءِ حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ لا سَهْلٌ فَيُرْتَقى ولا سَمِينٌ فَيُنْتَقَلُ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾ [البقرة: ٧١] . وتارَةً يَقْصِدُونَ بِهِ إثْباتَ حالَةٍ وسَطٍ بَيْنَ حالَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥] ﴿لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨]، وقَوْلِ زُهَيْرٍ: فَلا هو أخْفاها ولَمْ يَتَقَدَّمِ صفحة ٢٤٢ وعَلى الِاسْتِعْمالَيْنِ فَمَعْنى الآيَةِ خَفِيٌّ، إذْ لَيْسَ المُرادُ إثْباتَ حالَةٍ وسَطٍ لِلْمُنافِقِينَ بَيْنَ الإيمانِ والكُفْرِ، لِأنَّهُ لا طائِلَ تَحْتَ مَعْناهُ. فَتَعَيَّنَ أنَّهُ مِنَ الِاسْتِعْمالِ الأوَّلِ، أيْ لَيْسُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ ولا مِنَ الكافِرِينَ، وهم في التَّحْقِيقِ، إلى الكافِرِينَ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٣٩] وقَوْلِهِ ﴿وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١] . فَتَعَيَّنَ أنَّ المَعْنى أنَّهم أضاعُوا الإيمانَ والِانْتِماءَ إلى المُسْلِمِينَ. وأضاعُوا الكُفْرَ بِمُفارَقَةِ نُصْرَةِ أهْلِهِ، أيْ كانُوا بِحالَةِ اضْطِرابٍ وهو مَعْنى التَّذَبْذُبِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا تَحْقِيرُهم وتَنْفِيرُ الفَرِيقَيْنِ مِن صُحْبَتِهِمْ لِيَنْبِذَهُمُ الفَرِيقانِ. وقَوْلُهُ ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ الخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، والمَعْنى: لَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا إلى الهُدى بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ .

النساء 4:144

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ . أقْبَلَ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالتَّحْذِيرِ مِن مُوالاةِ الكافِرِينَ بَعْدَ أنْ شَرَحَ دَخائِلَهم واسْتِصْناعَهم لِلْمُنافِقِينَ لِقَصْدِ أذى المُسْلِمِينَ، فَعَلِمَ السّامِعُ أنَّهُ لَوْلا عَداوَةُ الكافِرِينَ لِهَذا الدِّينِ لَما كانَ النِّفاقُ، وما كانَتْ تَصارِيفُ المُنافِقِينَ، فَقالَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾، فَهي اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، لِأنَّها تَوْجِيهُ خِطابٍ بَعْدَ الِانْتِهاءِ مِنَ الإخْبارِ عَنِ المُنافِقِينَ بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ. وهَذِهِ آيَةٌ جامِعَةٌ لِلتَّحْذِيرِ مِن مُوالاةِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، ومِنَ الوُقُوعِ في النِّفاقِ، لِأنَّ المُنافِقِينَ تَظاهَرُوا بِالإيمانِ ووالَوُا الكافِرِينَ. فالتَّحْذِيرُ مِن مُوالاةِ الكافِرِينَ تَحْذِيرٌ مِنَ الِاسْتِشْعارِ بِشِعارِ النِّفاقِ، وتَحْذِيرٌ مِن مُوالاةِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ هم أوْلِياءُ الكافِرِينَ. وتَشْهِيرٌ بِنِفاقِ المُنافِقِينَ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَقُولُوا: كُنّا نَجْهَلُ أنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مُوالاةَ الكافِرِينَ. صفحة ٢٤٣ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالكافِرِينَ هُنا مُشْرِكُو مَكَّةَ وأهْلُ الكِتابِ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، لِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا في الأكْثَرِ مُوالِينَ لِأهْلِ الكِتابِ. وقَوْلُهُ ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ اتِّخاذِ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِمّا يَبْعَثُ النّاسَ عَلى مَعْرِفَةِ جَزاءِ هَذا الفِعْلِ مَعَ ما ذَكَرْناهُ مِن قَصْدِ التَّشْهِيرِ بِالمُنافِقِينَ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ، أيْ أنَّكم إنِ اسْتَمْرَرْتُمْ عَلى مُوالاةِ الكافِرِينَ جَعَلْتُمْ لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا، أيْ حُجَّةً واضِحَةً عَلى فَسادِ إيمانِكم، فَهَذا تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ. فالِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّحْذِيرِ والإنْذارِ مَجازًا مُرْسَلًا. وهَذا السُّلْطانُ هو حُجَّةُ الرَّسُولِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ فَتَجْرِي عَلَيْهِمْ أحْكامُ الكُفْرِ، لِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِما في نُفُوسِهِمْ لا يَحْتاجُ إلى حُجَّةٍ عَلَيْهِمْ، أوْ أُرِيدَ حُجَّةُ افْتِضاحِهِمْ يَوْمَ الحِسابِ بِمُوالاةِ الكافِرِينَ، كَقَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] . ومِن هُنا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الحُجَّةِ قَطْعَ حُجَّةِ مَن يَرْتَكِبُ هَذِهِ المُوالاةَ والإعْذارَ إلَيْهِ.

النساء 4:145

﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرَكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ . عَقَّبَ التَّعْرِيضَ بِالمُنافِقِينَ مِن قَوْلِهِ ﴿لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ [النساء: ١٤٤] كَما تَقَدَّمَ بِالتَّصْرِيحِ بِأنَّ المُنافِقِينَ أشَدُّ أهْلِ النّارِ عَذابًا. فَإنَّ الِانْتِقالَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ الكافِرِينَ أوْلِياءَ إلى ذِكْرِ حالِ المُنافِقِينَ يُؤْذِنُ بِأنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مَعْدُودُونَ مِنَ المُنافِقِينَ، فَإنَّ لِانْتِقالاتِ جُمَلِ الكَلامِ مَعانِيَ لا يُفِيدُها الكَلامُ لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ مِن تَرْتِيبِ الخَواطِرِ في الفِكْرِ. صفحة ٢٤٤ وجُمْلَةُ إنَّ المُنافِقِينَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، ثانِيًا إذْ هي عَوْدٌ إلى أحْوالِ المُنافِقِينَ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ ”إنَّ“ لِإفادَةِ أنَّهُ لا مَحِيصَ لَهم عَنْهُ. والدَّرَكُ: اسْمُ جَمْعِ ”دَرَكَةٍ“، ضِدُّ الدَّرَجِ اسْمُ جَمْعِ دَرَجَةٍ. والدَّرَكَةُ المَنزِلَةُ في الهُبُوطِ. فالشَّيْءُ الَّذِي يُقْصَدُ أسْفَلُهُ تَكُونُ مُنازِلُ التَّدَلِّي إلَيْهِ دَرَكاتٍ، والشَّيْءُ الَّذِي يُقْصَدُ أعْلاهُ تَكُونُ مَنازِلُ الرُّقِيِّ إلَيْهِ دَرَجاتٍ، وقَدْ يُطْلَقُ الِاسْمانِ عَلى المَنزِلَةِ الواحِدَةِ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ، وإنَّما كانَ المُنافِقُونَ في الدَّرَكِ الأسْفَلِ، أيْ في أذَلِّ مَنازِلِ العَذابِ، لِأنَّ كُفْرَهم أسْوَأُ الكُفْرِ لِما حَفَّ بِهِ مِنَ الرَّذائِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (في الدَّرَكِ) بِفَتْحِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ اسْمُ جَمْعِ ”دَرَكَةٍ“ ضِدِّ الدَّرَجَةِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِسُكُونِ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ. وفَتْحُ الرّاءِ هو الأصْلُ، وهو أشْهَرُ. والخِطابُ في ﴿ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ لِكُلِّ مَن يَصِحُّ مِنهُ سَماعُ الخِطابِ، وهو تَأْكِيدٌ لِلْوَعِيدِ، وقَطْعٌ لِرَجائِهِمْ، لِأنَّ العَرَبَ ألِفُوا الشَّفاعاتِ والنَّجَداتِ في المَضائِقِ. فَلِذَلِكَ كَثُرَ في القُرْآنِ تَذْيِيلُ الوَعِيدِ بِقَطْعِ الطَّمَعِ في النَّصِيرِ والفِداءِ ونَحْوِهِما. واسْتَثْنى مِن هَذا الوَعِيدِ مَن آمَنَ مِنَ المُنافِقِينَ، وأصْلَحَ حالَهُ، واعْتَصَمَ بِاللَّهِ دُونَ الِاعْتِزازِ بِالكافِرِينَ، وأخْلَصَ دِينَهُ لِلَّهِ، فَلَمْ يَشُبْهُ بِتَرَدُّدٍ ولا تَرَبَّصَ بِانْتِظارِ مَن يَنْتَصِرُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ: المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، فَأخْبَرَ أنَّ مَن صارَتْ حالُهُ إلى هَذا الخَيْرِ فَهو مَعَ المُؤْمِنِينَ وفي لَفْظِ ”مَعَ“ إيماءٌ إلى فَضِيلَةِ مَن آمَنَ مِن أوَّلِ الأمْرِ ولَمْ يَصِمْ نَفْسَهُ بِالنِّفاقِ لِأنَّ ”مَعَ“ تَدَخُلُ عَلى المَتْبُوعِ وهو الأفْضَلُ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تابُوا، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما سَيَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ. وقَدْ عَلِمَ النّاسُ ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِما تَكَرَّرَ في القُرْآنِ، ولَكِنْ زادَهُ هُنا تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ ﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ . وحَرْفُ التَّنْفِيسِ هُنا دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الأجْرِ أجْرُ الدُّنْيا وهو النَّصْرُ وحُسْنُ العاقِبَةِ وأجْرُ الآخِرَةِ، إذِ الكُلُّ مُسْتَقْبَلٌ، وأنْ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ الثَّوابَ لِأنَّهُ حَصَلَ مِن قَبْلُ.

النساء 4:146

﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرَكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ . عَقَّبَ التَّعْرِيضَ بِالمُنافِقِينَ مِن قَوْلِهِ ﴿لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ [النساء: ١٤٤] كَما تَقَدَّمَ بِالتَّصْرِيحِ بِأنَّ المُنافِقِينَ أشَدُّ أهْلِ النّارِ عَذابًا. فَإنَّ الِانْتِقالَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ الكافِرِينَ أوْلِياءَ إلى ذِكْرِ حالِ المُنافِقِينَ يُؤْذِنُ بِأنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مَعْدُودُونَ مِنَ المُنافِقِينَ، فَإنَّ لِانْتِقالاتِ جُمَلِ الكَلامِ مَعانِيَ لا يُفِيدُها الكَلامُ لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ مِن تَرْتِيبِ الخَواطِرِ في الفِكْرِ. صفحة ٢٤٤ وجُمْلَةُ إنَّ المُنافِقِينَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، ثانِيًا إذْ هي عَوْدٌ إلى أحْوالِ المُنافِقِينَ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ ”إنَّ“ لِإفادَةِ أنَّهُ لا مَحِيصَ لَهم عَنْهُ. والدَّرَكُ: اسْمُ جَمْعِ ”دَرَكَةٍ“، ضِدُّ الدَّرَجِ اسْمُ جَمْعِ دَرَجَةٍ. والدَّرَكَةُ المَنزِلَةُ في الهُبُوطِ. فالشَّيْءُ الَّذِي يُقْصَدُ أسْفَلُهُ تَكُونُ مُنازِلُ التَّدَلِّي إلَيْهِ دَرَكاتٍ، والشَّيْءُ الَّذِي يُقْصَدُ أعْلاهُ تَكُونُ مَنازِلُ الرُّقِيِّ إلَيْهِ دَرَجاتٍ، وقَدْ يُطْلَقُ الِاسْمانِ عَلى المَنزِلَةِ الواحِدَةِ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ، وإنَّما كانَ المُنافِقُونَ في الدَّرَكِ الأسْفَلِ، أيْ في أذَلِّ مَنازِلِ العَذابِ، لِأنَّ كُفْرَهم أسْوَأُ الكُفْرِ لِما حَفَّ بِهِ مِنَ الرَّذائِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (في الدَّرَكِ) بِفَتْحِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ اسْمُ جَمْعِ ”دَرَكَةٍ“ ضِدِّ الدَّرَجَةِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِسُكُونِ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ. وفَتْحُ الرّاءِ هو الأصْلُ، وهو أشْهَرُ. والخِطابُ في ﴿ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ لِكُلِّ مَن يَصِحُّ مِنهُ سَماعُ الخِطابِ، وهو تَأْكِيدٌ لِلْوَعِيدِ، وقَطْعٌ لِرَجائِهِمْ، لِأنَّ العَرَبَ ألِفُوا الشَّفاعاتِ والنَّجَداتِ في المَضائِقِ. فَلِذَلِكَ كَثُرَ في القُرْآنِ تَذْيِيلُ الوَعِيدِ بِقَطْعِ الطَّمَعِ في النَّصِيرِ والفِداءِ ونَحْوِهِما. واسْتَثْنى مِن هَذا الوَعِيدِ مَن آمَنَ مِنَ المُنافِقِينَ، وأصْلَحَ حالَهُ، واعْتَصَمَ بِاللَّهِ دُونَ الِاعْتِزازِ بِالكافِرِينَ، وأخْلَصَ دِينَهُ لِلَّهِ، فَلَمْ يَشُبْهُ بِتَرَدُّدٍ ولا تَرَبَّصَ بِانْتِظارِ مَن يَنْتَصِرُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ: المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، فَأخْبَرَ أنَّ مَن صارَتْ حالُهُ إلى هَذا الخَيْرِ فَهو مَعَ المُؤْمِنِينَ وفي لَفْظِ ”مَعَ“ إيماءٌ إلى فَضِيلَةِ مَن آمَنَ مِن أوَّلِ الأمْرِ ولَمْ يَصِمْ نَفْسَهُ بِالنِّفاقِ لِأنَّ ”مَعَ“ تَدَخُلُ عَلى المَتْبُوعِ وهو الأفْضَلُ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تابُوا، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما سَيَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ. وقَدْ عَلِمَ النّاسُ ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِما تَكَرَّرَ في القُرْآنِ، ولَكِنْ زادَهُ هُنا تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ ﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ . وحَرْفُ التَّنْفِيسِ هُنا دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الأجْرِ أجْرُ الدُّنْيا وهو النَّصْرُ وحُسْنُ العاقِبَةِ وأجْرُ الآخِرَةِ، إذِ الكُلُّ مُسْتَقْبَلٌ، وأنْ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ الثَّوابَ لِأنَّهُ حَصَلَ مِن قَبْلُ.

النساء 4:147

صفحة ٢٤٥ ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ . تَذْيِيلٌ لِكِلْتا الجُمْلَتَيْنِ: جُمْلَةِ ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرَكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] مَعَ الجُمْلَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِاسْتِثْناءِ مَن يَتُوبُ مِنهم ويُؤْمِنُ، وما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ مِن قَوْلِهِ ﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٤٦] . والخِطابُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ جَمِيعُ الأُمَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يُوَجَّهَ إلى المُنافِقِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ ارْتِفاقًا بِهِمْ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ﴾ أُرِيدَ بِهِ الجَوابُ بِالنَّفْيِ فَهو إنْكارِيٌّ، أيْ لا يَفْعَلُ بِعَذابِكم شَيْئًا. ومَعْنى يَفْعَلُ يَصْنَعُ ويَنْتَفِعُ، بِدَلِيلِ تَعْدِيَتِهِ بِالباءِ. والمَعْنى أنَّ الوَعِيدَ الَّذِي تُوُعِّدَ بِهِ المُنافِقُونَ إنَّما هو عَلى الكُفْرِ والنِّفاقِ، فَإذا تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ غَفَرَ لَهُمُ العَذابَ، فَلا يَحْسَبُوا أنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهم لِكَراهَةٍ في ذاتِهِمْ أوْ تَشَفٍّ مِنهم، ولَكِنَّهُ جَزاءُ السُّوءِ، لِأنَّ الحَكِيمَ يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها، فَيُجازِي عَلى الإحْسانِ بِالإحْسانِ، وعَلى الإساءَةِ بِالإساءَةِ، فَإذا أقْلَعَ المُسِيءُ عَنِ الإساءَةِ أبْطَلَ اللَّهُ جَزاءَهُ بِالسُّوءِ، إذْ لا يَنْتَفِعُ بِعَذابٍ ولا بِثَوابٍ، ولَكِنَّها المُسَبِّباتُ تَجْرِي عَلى الأسْبابِ. وإذا كانَ المُؤْمِنُونَ قَدْ ثَبَتُوا عَلى إيمانِهِمْ وشُكْرِهِمْ، وتَجَنَّبُوا مُوالاةَ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ، فاللَّهُ لا يُعَذِّبُهم، إذْ لا مُوجِبَ لِعَذابِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ، وهو إعْلامٌ بِأنَّ اللَّهَ لا يُعَطِّلُ الجَزاءَ الحَسَنَ عَنِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ويَشْكُرُونَ نِعَمَهُ الجَمَّةَ، والإيمانُ بِاللَّهِ وصِفاتِهِ أوَّلُ دَرَجاتِ شُكْرِ العَبْدِ رَبَّهُ.

النساء 4:148

صفحة ٥ ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ . مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ الآيِ الَّتِي قَبْلَها: أنَّ اللَّهَ لَمّا شَوَّهَ حالَ المُنافِقِينَ وشَهَّرَ بِفَضائِحِهِمْ تَشْهِيرًا طَوِيلًا، كانَ الكَلامُ السّابِقُ بِحَيْثُ يُثِيرُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ نُفُورًا مِنَ النِّفاقِ وأحْوالِهِ، وبُغْضًا لِلْمَلْمُوزِينَ بِهِ، وخاصَّةً بَعْدَ أنْ وصَفَهم بِاتِّخاذِ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، وأنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِالقُرْآنِ، ونَهى المُسْلِمِينَ عَنِ القُعُودِ مَعَهم، فَحَذَّرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مِن أنْ يَغِيظَهم ذَلِكَ عَلى مَن يَتَوَسَّمُونَ فِيهِ النِّفاقَ، فَيُجاهِرُوهم بِقَوْلِ السُّوءِ، ورَخَّصَ لِمَن ظُلِمَ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَجْهَرَ لِظالِمِهِ بِالسُّوءِ، لِأنَّ ذَلِكَ دِفاعٌ عَنْ نَفْسِهِ. رَوى البُخارِيُّ: «أنَّ رِجالًا اجْتَمَعُوا في بَيْتِ عِتْبانَ بْنِ مالِكٍ لِطَعامٍ صَنَعَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ قائِلٌ: أيْنَ مالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ، فَقالَ بَعْضُهم، ذَلِكَ مُنافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: لا تَقُلْ ذَلِكَ ألا تَراهُ قَدْ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ. فَقالَ: فَإنّا نَرى وجْهَهُ ونَصِيحَتَهُ إلى المُنافِقِينَ» . الحَدِيثَ. فَظَنَّ هَذا القائِلُ بِمالِكٍ أنَّهُ مُنافِقٌ، لِمُلازَمَتِهِ لِلْمُنافِقِينَ، فَوَصَفَهُ بِأنَّهُ مُنافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ. فَلَعَلَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ لِلصَّدِّ عَنِ المُجازَفَةِ بِظَنِّ النِّفاقِ بِمَن لَيْسَ مُنافِقًا. وأيْضًا لَمّا كانَ مِن أخَصِّ أوْصافِ المُنافِقِينَ إظْهارُ خِلافِ ما يُبْطِنُونَ فَقَدْ ذُكِرَتْ نَجْواهم وذُكِرَ رِياؤُهم في هَذِهِ السُّورَةِ وذُكِرَتْ أشْياءُ كَثِيرَةٌ مِن إظْهارِهِمْ خِلافَ ما يُبْطِنُونَ في سُورَةِ البَقَرَةِ كانَ ذَلِكَ يُثِيرُ في النُّفُوسِ خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ إظْهارُ خِلافِ ما في الباطِنِ نِفاقًا، فَأرادَ اللَّهُ تَبَيُّنَ الفارِقِ بَيْنَ الحالَيْنِ. وجُمْلَةُ (لا يُحِبُّ) مَفْصُولَةٌ لِأنَّها اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِهَذا الغَرَضِ الَّذِي بَيَّنّاهُ: (﴿الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾)، وقَدْ عَلِمَ المُسْلِمُونَ أنَّ المَحَبَّةَ والكَراهِيَةَ صفحة ٦ تَسْتَحِيلُ حَقِيقَتِهِما عَلى اللَّهِ تَعالى، لِأنَّهُما انْفِعالانِ لِلنَّفْسِ نَحْوَ اسْتِحْسانِ الحَسَنِ، واسْتِنْكارِ القَبِيحِ، فالمُرادُ لازِمُهُما المُناسِبُ لِلْإلَهِيَّةِ، وهُما الرِّضا والغَضَبُ. وصِيغَةُ (لا يُحِبُّ) بِحَسَبِ قَواعِدِ الأُصُولِ، صِيغَةُ نَفْيِ الإذْنِ، والأصْلُ فِيهِ التَّحْرِيمُ، وهَذا المُرادُ هُنا لِأنَّ (لا يُحِبُّ) يُفِيدُ مَعْنى يَكْرَهُ، وهو يَرْجِعُ إلى مَعْنى النَّهْيِ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ يَرْضى لَكم ثَلاثًا ويَكْرَهُ لَكم ثَلاثًا - إلى قَوْلِهِ - ويَكْرَهُ لَكم قِيلَ وقالَ وكَثْرَةَ السُّؤالِ وإضاعَةَ المالِ» . فَهَذِهِ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ أكْثَرُ أحْوالِها مُحَرَّمٌ أوْ مَكْرُوهٌ. والمُرادُ بِالجَهْرِ ما يَبْلُغُ إلى أسْماعِ النّاسِ إذْ لَيْسَ السِّرُّ بِالقَوْلِ في نَفْسِ النّاطِقِ مِمّا يَنْشَأُ عَنْهُ ضُرٌّ. وتَقْيِيدُهُ بِالقَوْلِ لِأنَّهُ أضْعَفُ أنْواعِ الأذى فَيُعْلَمُ أنَّ السُّوءَ مِنَ الفِعْلِ أشَدُّ تَحْرِيمًا. واسْتَثْنى (مَن ظُلِمَ) فَرَخَّصَ لَهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ. والمُسْتَثْنى مِنهُ هو فاعِلُ المَصْدَرِ المُقَدَّرِ الواقِعِ في سِياقِ النَّفْيِ، المُفِيدُ لِلْعُمُومِ، إذِ التَّقْدِيرُ: لا يُحِبُّ اللَّهُ جَهْرَ أحَدٍ بِالسُّوءِ، أوْ يَكُونُ المُسْتَثْنى مُضافًا مَحْذُوفًا، أيْ: إلّا جَهْرَ مَن ظُلِمَ، والمَقْصُودُ ظاهِرٌ، وقَدْ قُضِيَ في الكَلامِ حَقُّ الإيجازِ. ورَخَّصَ اللَّهُ لِلْمَظْلُومِ الجَهْرَ بِالقَوْلِ السَّيِّئِ لِيَشْفِيَ غَضَبَهُ، حَتّى لا يَثُوبَ إلى السَّيْفِ أوْ إلى البَطْشِ بِاليَدِ، في هَذا الإذْنِ تَوْسِعَةٌ عَلى مَن لا يَمْسِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ لِحاقِ الظُّلْمِ بِهِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا هو الِاحْتِراسُ في حُكْمِ ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ . وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى الإذْنِ لِلْمَظْلُومِ في جَمِيعِ أنْواعِ الجَهْرِ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ، وهو مَخْصُوصٌ بِما لا يَتَجاوَزُ حَدَّ التَّظَلُّمِ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ ظالِمِهِ، أوْ شِكايَةَ ظُلْمِهِ: أنْ يَقُولَ لَهُ: ظَلَمْتَنِي، أوْ أنْتَ ظالِمٌ، وأنْ يَقُولَ لِلنّاسِ: إنَّهُ ظالِمٌ. ومِن ذَلِكَ الدُّعاءُ عَلى الظّالِمِ جَهْرًا؛ لِأنَّ الدُّعاءَ عَلَيْهِ إعْلانٌ بِظُلْمِهِ وإحالَتِهِ عَلى عَدْلِ اللَّهِ تَعالى، ونَظِيرُ هَذا المَعْنى كَثِيرٌ في القُرْآنِ، وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِما لا يُؤَدِّي إلى القَذْفِ، فَإنَّ دَلائِلَ النَّهْيِ عَنِ القَذْفِ وصِيانَةَ النَّفْسِ مِن أنْ تَتَعَرَّضَ لِحَدِّ القَذْفِ أوْ تَعْزِيرِ الغِيبَةِ قائِمَةٌ في الشَّرِيعَةِ. فَهَذا الِاسْتِثْناءُ مُفِيدٌ إباحَةَ الجَهْرِ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ مِن جانِبِ صفحة ٧ المَظْلُومِ في جانِبِ ظالِمِهِ، ومِنهُ ما في الحَدِيثِ «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ»، أيْ فَلِلْمَمْطُولِ أنْ يَقُولَ: فُلانٌ مُماطِلٌ وظالِمٌ. وفي الحَدِيثِ «لَيُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وعُقُوبَتَهُ» . وجُمْلَةُ ﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ عَطْفٌ عَلى (لا يُحِبُّ)، والمَقْصُودُ أنَّهُ عَلِيمٌ بِالأقْوالِ الصّادِرَةِ كُلِّها، عَلِيمٌ بِالمَقاصِدِ والأُمُورِ كُلِّها، فَذَكَرَ (عَلِيمًا) بَعْدَ (سَمِيعًا) لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ في العِلْمِ؛ تَحْذِيرًا مِن أنْ يَظُنُّوا أنَّ اللَّهَ غَيْرُ عالِمٍ بِبَعْضِ ما يَصْدُرُ مِنهم. وبَعْدَ أنْ نَهى ورَخَّصَ، نَدَبَ المُرَخَّصَ لَهم إلى العَفْوِ وقَوْلِ الخَيْرِ، فَقالَ ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾؛ فَإبْداءُ الخَيْرِ إظْهارُهُ. وعَطَفَ عَلَيْهِ (أوْ تُخْفُوهُ) لِزِيادَةِ التَّرْغِيبِ أنْ لا يَظُنُّوا أنَّ الثَّوابَ عَلى إبْداءِ الخَيْرِ خاصَّةً، كَقَوْلِهِ ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هي وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] . والعَفْوُ عَنِ السُّوءِ بِالصَّفْحِ وتَرْكِ المُجازاةِ، فَهو أمْرٌ عَدَمِيٌّ. وجُمْلَةُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ دَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ، وهو عِلَّةٌ لَهُ، وتَقْدِيرُ الجَوابِ: يَعْفُ عَنْكم عِنْدَ القُدْرَةِ عَلَيْكم، كَما أنَّكم فَعَلْتُمُ الخَيْرَ جَهْرًا وخُفْيَةً وعَفَوْتُمْ عِنْدَ المَقْدِرَةِ عَلى الأخْذِ بِحَقِّكم، لِأنَّ المَأْذُونَ فِيهِ شَرْعًا يُعْتَبَرُ مَقْدُورًا لِلْمَأْذُونِ، فَجَوابُ الشَّرْطِ وعْدٌ بِالمَغْفِرَةِ لَهم في بَعْضِ ما يَقْتَرِفُونَهُ جَزاءً عَنْ فِعْلِ الخَيْرِ وعَنِ العَفْوِ عَمَّنِ اقْتَرَفَ ذَنْبًا، فَذَكَرَ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ﴾ تَكْمِلَةً لِما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ اسْتِكْمالًا لِمُوجِباتِ العَفْوِ عَنِ السَّيِّئاتِ، كَما أفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُهُ ﷺ: «وأتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها» . هَذا ما أراهُ في مَعْنى الجَوابِ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: جُمْلَةُ الجَزاءِ تَحْرِيضٌ عَلى العَفْوِ بِبَيانِ أنَّ فِيهِ تَخَلُّقًا بِالكَمالِ، لِأنَّ صِفاتِ اللَّهِ غايَةُ الكَمالاتِ. والتَّقْدِيرُ: إنْ تَبْدُوا خَيْرًا إلَخْ تَكُونُوا مُتَخَلِّقِينَ بِصِفاتِ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا، وهَذا التَّقْدِيرُ لا يُناسِبُ إلّا قَوْلَهُ ﴿أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ ولا يُناسِبُ قَوْلَهُ صفحة ٨ ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ﴾ إلّا إذا خَصَّصَ ذَلِكَ بِإبْداءِ الخَيْرِ لِمَن ظَلَمَهم، وإخْفائِهِ عَمَّنْ ظَلَمَهم. وفي الحَدِيثِ: «أنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ وتُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ وتَصِلَ مَن قَطَعَكَ» .

النساء 4:149

صفحة ٥ ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ . مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ الآيِ الَّتِي قَبْلَها: أنَّ اللَّهَ لَمّا شَوَّهَ حالَ المُنافِقِينَ وشَهَّرَ بِفَضائِحِهِمْ تَشْهِيرًا طَوِيلًا، كانَ الكَلامُ السّابِقُ بِحَيْثُ يُثِيرُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ نُفُورًا مِنَ النِّفاقِ وأحْوالِهِ، وبُغْضًا لِلْمَلْمُوزِينَ بِهِ، وخاصَّةً بَعْدَ أنْ وصَفَهم بِاتِّخاذِ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، وأنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِالقُرْآنِ، ونَهى المُسْلِمِينَ عَنِ القُعُودِ مَعَهم، فَحَذَّرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مِن أنْ يَغِيظَهم ذَلِكَ عَلى مَن يَتَوَسَّمُونَ فِيهِ النِّفاقَ، فَيُجاهِرُوهم بِقَوْلِ السُّوءِ، ورَخَّصَ لِمَن ظُلِمَ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَجْهَرَ لِظالِمِهِ بِالسُّوءِ، لِأنَّ ذَلِكَ دِفاعٌ عَنْ نَفْسِهِ. رَوى البُخارِيُّ: «أنَّ رِجالًا اجْتَمَعُوا في بَيْتِ عِتْبانَ بْنِ مالِكٍ لِطَعامٍ صَنَعَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ قائِلٌ: أيْنَ مالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ، فَقالَ بَعْضُهم، ذَلِكَ مُنافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: لا تَقُلْ ذَلِكَ ألا تَراهُ قَدْ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ. فَقالَ: فَإنّا نَرى وجْهَهُ ونَصِيحَتَهُ إلى المُنافِقِينَ» . الحَدِيثَ. فَظَنَّ هَذا القائِلُ بِمالِكٍ أنَّهُ مُنافِقٌ، لِمُلازَمَتِهِ لِلْمُنافِقِينَ، فَوَصَفَهُ بِأنَّهُ مُنافِقٌ لا يُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ. فَلَعَلَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ لِلصَّدِّ عَنِ المُجازَفَةِ بِظَنِّ النِّفاقِ بِمَن لَيْسَ مُنافِقًا. وأيْضًا لَمّا كانَ مِن أخَصِّ أوْصافِ المُنافِقِينَ إظْهارُ خِلافِ ما يُبْطِنُونَ فَقَدْ ذُكِرَتْ نَجْواهم وذُكِرَ رِياؤُهم في هَذِهِ السُّورَةِ وذُكِرَتْ أشْياءُ كَثِيرَةٌ مِن إظْهارِهِمْ خِلافَ ما يُبْطِنُونَ في سُورَةِ البَقَرَةِ كانَ ذَلِكَ يُثِيرُ في النُّفُوسِ خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ إظْهارُ خِلافِ ما في الباطِنِ نِفاقًا، فَأرادَ اللَّهُ تَبَيُّنَ الفارِقِ بَيْنَ الحالَيْنِ. وجُمْلَةُ (لا يُحِبُّ) مَفْصُولَةٌ لِأنَّها اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِهَذا الغَرَضِ الَّذِي بَيَّنّاهُ: (﴿الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾)، وقَدْ عَلِمَ المُسْلِمُونَ أنَّ المَحَبَّةَ والكَراهِيَةَ صفحة ٦ تَسْتَحِيلُ حَقِيقَتِهِما عَلى اللَّهِ تَعالى، لِأنَّهُما انْفِعالانِ لِلنَّفْسِ نَحْوَ اسْتِحْسانِ الحَسَنِ، واسْتِنْكارِ القَبِيحِ، فالمُرادُ لازِمُهُما المُناسِبُ لِلْإلَهِيَّةِ، وهُما الرِّضا والغَضَبُ. وصِيغَةُ (لا يُحِبُّ) بِحَسَبِ قَواعِدِ الأُصُولِ، صِيغَةُ نَفْيِ الإذْنِ، والأصْلُ فِيهِ التَّحْرِيمُ، وهَذا المُرادُ هُنا لِأنَّ (لا يُحِبُّ) يُفِيدُ مَعْنى يَكْرَهُ، وهو يَرْجِعُ إلى مَعْنى النَّهْيِ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ يَرْضى لَكم ثَلاثًا ويَكْرَهُ لَكم ثَلاثًا - إلى قَوْلِهِ - ويَكْرَهُ لَكم قِيلَ وقالَ وكَثْرَةَ السُّؤالِ وإضاعَةَ المالِ» . فَهَذِهِ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ أكْثَرُ أحْوالِها مُحَرَّمٌ أوْ مَكْرُوهٌ. والمُرادُ بِالجَهْرِ ما يَبْلُغُ إلى أسْماعِ النّاسِ إذْ لَيْسَ السِّرُّ بِالقَوْلِ في نَفْسِ النّاطِقِ مِمّا يَنْشَأُ عَنْهُ ضُرٌّ. وتَقْيِيدُهُ بِالقَوْلِ لِأنَّهُ أضْعَفُ أنْواعِ الأذى فَيُعْلَمُ أنَّ السُّوءَ مِنَ الفِعْلِ أشَدُّ تَحْرِيمًا. واسْتَثْنى (مَن ظُلِمَ) فَرَخَّصَ لَهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ. والمُسْتَثْنى مِنهُ هو فاعِلُ المَصْدَرِ المُقَدَّرِ الواقِعِ في سِياقِ النَّفْيِ، المُفِيدُ لِلْعُمُومِ، إذِ التَّقْدِيرُ: لا يُحِبُّ اللَّهُ جَهْرَ أحَدٍ بِالسُّوءِ، أوْ يَكُونُ المُسْتَثْنى مُضافًا مَحْذُوفًا، أيْ: إلّا جَهْرَ مَن ظُلِمَ، والمَقْصُودُ ظاهِرٌ، وقَدْ قُضِيَ في الكَلامِ حَقُّ الإيجازِ. ورَخَّصَ اللَّهُ لِلْمَظْلُومِ الجَهْرَ بِالقَوْلِ السَّيِّئِ لِيَشْفِيَ غَضَبَهُ، حَتّى لا يَثُوبَ إلى السَّيْفِ أوْ إلى البَطْشِ بِاليَدِ، في هَذا الإذْنِ تَوْسِعَةٌ عَلى مَن لا يَمْسِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ لِحاقِ الظُّلْمِ بِهِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا هو الِاحْتِراسُ في حُكْمِ ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ . وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى الإذْنِ لِلْمَظْلُومِ في جَمِيعِ أنْواعِ الجَهْرِ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ، وهو مَخْصُوصٌ بِما لا يَتَجاوَزُ حَدَّ التَّظَلُّمِ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ ظالِمِهِ، أوْ شِكايَةَ ظُلْمِهِ: أنْ يَقُولَ لَهُ: ظَلَمْتَنِي، أوْ أنْتَ ظالِمٌ، وأنْ يَقُولَ لِلنّاسِ: إنَّهُ ظالِمٌ. ومِن ذَلِكَ الدُّعاءُ عَلى الظّالِمِ جَهْرًا؛ لِأنَّ الدُّعاءَ عَلَيْهِ إعْلانٌ بِظُلْمِهِ وإحالَتِهِ عَلى عَدْلِ اللَّهِ تَعالى، ونَظِيرُ هَذا المَعْنى كَثِيرٌ في القُرْآنِ، وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِما لا يُؤَدِّي إلى القَذْفِ، فَإنَّ دَلائِلَ النَّهْيِ عَنِ القَذْفِ وصِيانَةَ النَّفْسِ مِن أنْ تَتَعَرَّضَ لِحَدِّ القَذْفِ أوْ تَعْزِيرِ الغِيبَةِ قائِمَةٌ في الشَّرِيعَةِ. فَهَذا الِاسْتِثْناءُ مُفِيدٌ إباحَةَ الجَهْرِ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ مِن جانِبِ صفحة ٧ المَظْلُومِ في جانِبِ ظالِمِهِ، ومِنهُ ما في الحَدِيثِ «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ»، أيْ فَلِلْمَمْطُولِ أنْ يَقُولَ: فُلانٌ مُماطِلٌ وظالِمٌ. وفي الحَدِيثِ «لَيُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وعُقُوبَتَهُ» . وجُمْلَةُ ﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ عَطْفٌ عَلى (لا يُحِبُّ)، والمَقْصُودُ أنَّهُ عَلِيمٌ بِالأقْوالِ الصّادِرَةِ كُلِّها، عَلِيمٌ بِالمَقاصِدِ والأُمُورِ كُلِّها، فَذَكَرَ (عَلِيمًا) بَعْدَ (سَمِيعًا) لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ في العِلْمِ؛ تَحْذِيرًا مِن أنْ يَظُنُّوا أنَّ اللَّهَ غَيْرُ عالِمٍ بِبَعْضِ ما يَصْدُرُ مِنهم. وبَعْدَ أنْ نَهى ورَخَّصَ، نَدَبَ المُرَخَّصَ لَهم إلى العَفْوِ وقَوْلِ الخَيْرِ، فَقالَ ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾؛ فَإبْداءُ الخَيْرِ إظْهارُهُ. وعَطَفَ عَلَيْهِ (أوْ تُخْفُوهُ) لِزِيادَةِ التَّرْغِيبِ أنْ لا يَظُنُّوا أنَّ الثَّوابَ عَلى إبْداءِ الخَيْرِ خاصَّةً، كَقَوْلِهِ ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هي وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] . والعَفْوُ عَنِ السُّوءِ بِالصَّفْحِ وتَرْكِ المُجازاةِ، فَهو أمْرٌ عَدَمِيٌّ. وجُمْلَةُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ دَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ، وهو عِلَّةٌ لَهُ، وتَقْدِيرُ الجَوابِ: يَعْفُ عَنْكم عِنْدَ القُدْرَةِ عَلَيْكم، كَما أنَّكم فَعَلْتُمُ الخَيْرَ جَهْرًا وخُفْيَةً وعَفَوْتُمْ عِنْدَ المَقْدِرَةِ عَلى الأخْذِ بِحَقِّكم، لِأنَّ المَأْذُونَ فِيهِ شَرْعًا يُعْتَبَرُ مَقْدُورًا لِلْمَأْذُونِ، فَجَوابُ الشَّرْطِ وعْدٌ بِالمَغْفِرَةِ لَهم في بَعْضِ ما يَقْتَرِفُونَهُ جَزاءً عَنْ فِعْلِ الخَيْرِ وعَنِ العَفْوِ عَمَّنِ اقْتَرَفَ ذَنْبًا، فَذَكَرَ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ﴾ تَكْمِلَةً لِما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ اسْتِكْمالًا لِمُوجِباتِ العَفْوِ عَنِ السَّيِّئاتِ، كَما أفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُهُ ﷺ: «وأتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها» . هَذا ما أراهُ في مَعْنى الجَوابِ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: جُمْلَةُ الجَزاءِ تَحْرِيضٌ عَلى العَفْوِ بِبَيانِ أنَّ فِيهِ تَخَلُّقًا بِالكَمالِ، لِأنَّ صِفاتِ اللَّهِ غايَةُ الكَمالاتِ. والتَّقْدِيرُ: إنْ تَبْدُوا خَيْرًا إلَخْ تَكُونُوا مُتَخَلِّقِينَ بِصِفاتِ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا، وهَذا التَّقْدِيرُ لا يُناسِبُ إلّا قَوْلَهُ ﴿أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ ولا يُناسِبُ قَوْلَهُ صفحة ٨ ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ﴾ إلّا إذا خَصَّصَ ذَلِكَ بِإبْداءِ الخَيْرِ لِمَن ظَلَمَهم، وإخْفائِهِ عَمَّنْ ظَلَمَهم. وفي الحَدِيثِ: «أنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ وتُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ وتَصِلَ مَن قَطَعَكَ» .