Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — النساء 4:150 – النساء 4:176

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. النساء 4:150
  2. النساء 4:151
  3. النساء 4:152
  4. النساء 4:153
  5. النساء 4:154
  6. النساء 4:155
  7. النساء 4:156
  8. النساء 4:157
  9. النساء 4:158
  10. النساء 4:159
  11. النساء 4:160
  12. النساء 4:161
  13. النساء 4:162
  14. النساء 4:163
  15. النساء 4:164
  16. النساء 4:165
  17. النساء 4:166
  18. النساء 4:167
  19. النساء 4:168
  20. النساء 4:169
  21. النساء 4:170
  22. النساء 4:171
  23. النساء 4:172
  24. النساء 4:173
  25. النساء 4:174
  26. النساء 4:175
  27. النساء 4:176

النساء 4:150

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا وأعْتَدْنا لِلْكَفَرَيْنِ عَذابًا مُهِينًا﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم أُولَئِكَ سَوْفَ نُؤْتِيهِمُ أُجُورَهم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ . عادَةُ القُرْآنِ عِنْدَ التَّعَرُّضِ إلى أحْوالِ مَن أظْهَرُوا النِّواءَ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يَنْتَقِلَ مِن صِفاتِ المُنافِقِينَ، أوْ أهْلِ الكِتابِ، أوِ المُشْرِكِينَ إلى صِفاتِ الآخَرِينَ، فالمُرادُ مِنَ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ هُنا هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ. والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِهِ اليَهُودُ خاصَّةً لِأنَّهُمُ المُخْتَلِطُونَ بِالمُسْلِمِينَ والمُنافِقِينَ، وكانَ كَثِيرٌ مِنَ المُنافِقِينَ يَهُودًا وعَبَّرَ عَنْهم بِطَرِيقِ المَوْصُولِ دُونَ الِاسْمِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ الخَبَرِ، ومِن شَناعَةِ صَنِيعِهِمْ لِيُناسِبَ الإخْبارَ عَنْهم بِاسْمِ الإشارَةِ بَعْدَ ذَلِكَ. وجَمَعَ الرُّسُلَ لِأنَّ اليَهُودَ كَفَرُوا بِعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، والنَّصارى كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَجَمَعَ الرُّسُلَ بِاعْتِبارِ مَجْمُوعِ الكُفّارِ، أوْ أرادَ بِالجَمْعِ الِاثْنَيْنِ، أوْ أرادَ بِالإضافَةِ مَعْنى الجِنْسِ فاسْتَوى فِيهِ صِيغَةُ الإفْرادِ والجَمْعِ، لِأنَّ المَقْصُودَ ذَمُّ مَن هَذِهِ صِفَتُهم بِدُونِ تَعْيِينِ فَرِيقٍ، وطَرِيقَةُ العَرَبِ في مِثْلِ هَذا أنْ يُعَبِّرُوا بِصِيَغِ الجُمُوعِ وإنْ كانَ المُعَرَّضُ بِهِ واحِدًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ [النساء: ٥٤] وقَوْلِهِ (﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧]) صفحة ٩ (﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيئُونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]) وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «ما بالُ أقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا» . وجِيءَ بِالمُضارِعِ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا أمْرٌ مُتَجَدِّدٌ فِيهِمْ مُسْتَمِرٌّ، لِأنَّهم لَوْ كَفَرُوا في الماضِي ثُمَّ رَجَعُوا لَما كانُوا أحْرِياءَ بِالذَّمِّ. ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ: أنَّهم لَمّا آمَنُوا بِهِ ووَصَفُوهُ بِصِفاتٍ غَيْرِ صِفاتِهِ مِنَ التَّجْسِيمِ واتِّخاذِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ والحُلُولِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَقَدْ آمَنُوا بِالِاسْمِ لا بِالمُسَمّى، وهم في الحَقِيقَةِ كَفَرُوا بِالمُسَمّى، كَما إذا كانَ أحَدٌ يَظُنُّ أنَّهُ يَعْرِفُ فُلانًا فَقُلْتَ لَهُ: صِفْهُ لِي، فَوَصَفَهُ بِغَيْرِ صِفاتِهِ، تَقُولُ لَهُ: أنْتَ لا تَعْرِفُهُ، عَلى أنَّهم لَمّا كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَ بِهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ عَنْ مُماثَلَةِ الحَوادِثِ، فَقَدْ كَفَرُوا بِإلَهِيَّتِهِ الحَقَّةِ؛ إذْ مِنهم مَن جَسَّمَ ومِنهم مَن ثَلَّثَ. ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أنَّهم يُحاوِلُونَ ذَلِكَ فَأُطْلِقَتِ الإرادَةُ عَلى المُحاوَلَةِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهُ أمْرٌ صَعْبُ المَنالِ، وأنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا ما أرادُوا مِن ذَلِكَ، لِأنَّهم لَمْ يَزالُوا يُحاوِلُونَهُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ ويُرِيدُونَ ولَوْ بَلَغُوا إلَيْهِ لَقالَ: وفَرَّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ. ومَعْنى التَّفْرِيقِ بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ أنَّهم يُنْكِرُونَ صِدْقَ بَعْضِ الرُّسُلِ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ، ويَعْتَرِفُونَ بِصِدْقِ بَعْضِ الرُّسُلِ دُونَ بَعْضٍ، ويَزْعُمُونَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، فَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ إذْ نَفَوْا رِسالَتَهم فَأبْعَدُوهم مِنهُ، وهَذا اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، شَبَّهَ الأمْرَ المُتَخَيَّلَ في نُفُوسِهِمْ بِما يُضْمِرُهُ مُرِيدُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الأوْلِياءِ والأحْبابِ، فَهي تَشْبِيهُ هَيْئَةٍ مَعْقُولَةٍ بِهَيْئَةٍ مَعْقُولَةٍ، والغَرَضُ مِنَ التَّشْبِيهِ تَشْوِيهُ المُشَبَّهِ، إذْ قَدْ عَلِمَ النّاسُ أنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ المُتَّصِلِينَ ذَمِيمَةٌ. وهَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى الآياتِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] - ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، صفحة ١٠ وفِي سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٤] إلّا أنَّ تِلْكَ الآياتِ في التَّحْذِيرِ مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الرُّسُلِ، والآيَةُ هَذِهِ في التَّحْذِيرِ مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ اللَّهِ وبَعْضِ رُسُلِهِ، ومَآلُ الجَمِيعِ واحِدٌ؛ لِأنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الرُّسُلِ يَسْتَلْزِمُ التَّفْرِيقَ بَيْنَ اللَّهِ وبَعْضِ رُسُلِهِ. وإضافَةُ الجَمْعِ إلى الضَّمِيرِ هُنا لِلْعَهْدِ لا لِلْعُمُومِ بِالقَرِينَةِ، وهي قَوْلُهُ ﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ﴾ . وجُمْلَةُ ﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ﴾ واقِعَةٌ في مَعْنى الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ، ولَكِنَّها عُطِفَتْ؛ لِأنَّها شَأْنٌ خاصٌّ مِن شُئُونِهِمْ، إذْ مَدْلُولُها قَوْلٌ مِن أقْوالِهِمُ الشَّنِيعَةِ، ومَدْلُولُ (يُرِيدُونَ) هَيْئَةٌ حاصِلَةٌ مِن كُفْرِهِمْ، فَلِذَلِكَ حَسُنَ العَطْفُ بِاعْتِبارِ المُغايَرَةِ ولَوْ في الجُمْلَةِ، ولَوْ فُصِلَتْ لَكانَ صَحِيحًا. ومَعْنى (يَقُولُونَ نُؤْمِنُ) الخَ أنَّ اليَهُودَ يَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وبِمُوسى ونَكْفُرُ بِعِيسى ومُحَمَّدٍ، والنَّصارى يَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وبِمُوسى وعِيسى ونَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ، فَآمَنُوا بِاللَّهِ وبَعْضِ رُسُلِهِ ظاهِرًا وفَرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ بَعْضِ رُسُلِهِ. والإرادَةُ في قَوْلِهِ ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ إرادَةٌ حَقِيقِيَّةٌ. والسَّبِيلُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ سَبِيلَ النَّجاةِ مِنَ المُؤاخَذَةِ في الآخِرَةِ تَوَهُّمًا أنَّ تِلْكَ حِيلَةٌ تُحَقِّقُ لَهُمُ السَّلامَةَ عَلى تَقْدِيرِ سَلامَةِ المُؤْمِنِينَ، أوْ سَبِيلَ التَّنَصُّلِ مِنَ الكُفْرِ بِبَعْضِ الرُّسُلِ، أوْ سَبِيلًا بَيْنَ دِينَيْنِ، وهَذانِ الوَجْهانِ الأخِيرانِ يُناسِبانِ انْتِقالَهم مِنَ الكُفْرِ الظّاهِرِ إلى النِّفاقِ، فَكَأنَّهُما تَهْيِئَةٌ لِلنِّفاقِ. وهَذا التَّفْسِيرُ جارٍ عَلى ظاهِرِ نَظْمِ الكَلامِ، وهو أنْ يَكُونَ حَرْفُ العَطْفِ مُشَرِّكًا بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ في حُكْمِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وإذْ قَدْ كانَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ الأوَّلُ صِلَةً لِـ (الَّذِينَ)، كانَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ صِلاتٍ لِذَلِكَ المَوْصُولِ وكانَ ذَلِكَ المَوْصُولُ صاحِبَ تِلْكَ الصِّلاتِ كُلِّها. صفحة ١١ ونُسِبَ إلى بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ جَعَلَ الواواتِ فِيها بِمَعْنى (أوْ) وجَعَلَ المَوْصُولَ شامِلًا لِفِرَقٍ مِنَ الكُفّارِ تَعَدَّدَتْ أحْوالُ كُفْرِهِمْ عَلى تَوْزِيعِ الصِّلاتِ المُتَعاطِفَةِ، فَجَعَلَ المُرادَ بِالَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ المُشْرِكِينَ، والَّذِينَ يُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ قَوْمًا أثْبَتُوا الخالِقَ وأنْكَرُوا النُّبُوءاتِ كُلَّها، والَّذِينَ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ اليَهُودُ والنَّصارى. وسَكَتَ عَنِ المُرادِ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، ولَوْ شاءَ لَجَعَلَ أُولَئِكَ فَرِيقًا آخَرَ: وهُمُ المُنافِقُونَ المُتَرَدِّدُونَ الَّذِينَ لَمْ يَثْبُتُوا عَلى إيمانٍ ولا عَلى كُفْرٍ، بَلْ كانُوا بَيْنَ الحالَيْنِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٤٣] . والَّذِي دَعاهُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ أنَّهُ لَمْ يَجِدْ فَرِيقًا جَمَعَ هَذِهِ الأحْوالَ كُلَّها عَلى ظاهِرِها لِأنَّ اليَهُودَ لَمْ يَكْفُرُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ تَأْوِيلَ الكُفْرِ بِاللَّهِ الكُفْرُ بِالصِّفاتِ الَّتِي يَسْتَلْزِمُ الكُفْرُ بِها نَفْيَ الإلَهِيَّةِ. وهَذا الأُسْلُوبُ نادِرُ الِاسْتِعْمالِ في فَصِيحِ الكَلامِ، إذْ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَكانَ الشَّأْنُ أنْ يُقالَ: والَّذِينَ يُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ والَّذِينَ يَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ، كَما قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] . وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ الجُمْلَةُ خَبَرُ (إنَّ) والإشارَةُ إلى أصْحابِ تِلْكَ الصِّلَةِ الماضِيَةِ، ومَوْقِعُ الإشارَةِ هُنا لِقَصْدِ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ لِاسْتِحْضارِهِمْ بِتِلْكَ الأوْصافِ أحْرِياءٌ بِما سَيُحْكَمُ عَلَيْهِمْ مِنَ الحُكْمِ المُعاقِبِ لِاسْمِ الإشارَةِ. وأفادَ تَعْرِيفُ جُزْأيِ الجُمْلَةِ والإتْيانُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ تَأْكِيدَ قَصْرِ صِفَةِ الكُفْرِ عَلَيْهِمْ، وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ مَجازِيٌّ بِتَنْزِيلِ كُفْرِ غَيْرِهِمْ في جانِبِ كُفْرِهِمْ مَنزِلَةَ العَدَمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في المُنافِقِينَ: (﴿هُمُ العَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤]) . ومِثْلُ هَذا القَصْرِ يَدُلُّ عَلى كَمالِ المَوْصُوفِ في تِلْكَ الصِّفَةِ المَقْصُورَةِ. صفحة ١٢ ووَجْهُ هَذِهِ المُبالَغَةِ: أنَّ كُفْرَهم قَدِ اشْتَمَلَ عَلى أحْوالٍ عَدِيدَةٍ مِنَ الكُفْرِ، وعَلى سَفالَةٍ في الخُلُقِ، أوْ سَفاهَةٍ في الرَّأْيِ بِمَجْمُوعِ ما حُكِيَ عَنْهم مِن تِلْكَ الصِّلاتِ، فَإنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ مِنها إذا انْفَرَدَتْ هي كُفْرٌ، فَكَيْفَ بِها إذا اجْتَمَعَتْ. و(حَقًّا) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ، أيْ حُقَّهم حَقًّا أيُّها السّامِعُ بِالِغِينَ النِّهايَةَ في الكُفْرِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهم (جِدًّا) . والتَّوْكِيدُ في مِثْلِ هَذا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ عَلى ما أفادَتْهُ الجُمْلَةُ، ولَيْسَ هو لِرَفْعِ المَجازِ، فَهو تَأْكِيدٌ لِما أفادَتْهُ الجُمْلَةُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى مَعْنى النِّهايَةِ لِأنَّ القَصْرَ مُسْتَعْمَلٌ في ذَلِكَ المَعْنى، ولَمْ يَقْصِدْ بِالتَّوْكِيدِ أنْ يَصِيرَ القَصْرُ حَقِيقِيًّا لِظُهُورِ أنَّ ذَلِكَ لا يَسْتَقِيمُ، فَقَوْلُ بَعْضِ النُّحاةِ في المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ: إنَّهُ يُفِيدُ رَفْعَ احْتِمالِ المَجازِ، بِناءً مِنهم عَلى الغالِبِ في مُفادِ التَّأْكِيدِ. و(أعْتَدْنا) مَعْناهُ هَيَّأْنا وقَدَّرْنا، والتّاءُ في (أعْتَدْنا) بَدَلٌ مِنَ الدّالِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ اللُّغَةِ، وقالَ كَثِيرٌ مِنهم: التّاءُ أصْلِيَّةٌ، وأنَّهُ بِناءٌ عَلى حِدَةٍ هو غَيْرُ بِناءِ (عَدَّ) . وقالَ بَعْضُهم: إنَّ (عَتُدَ) هو الأصْلُ وأنَّ (عَدَّ) أُدْغِمَتْ مِنهُ التّاءُ في الدّالِ، وقَدْ ورَدَ البِناءانِ كَثِيرًا في كَلامِهِمْ وفي القُرْآنِ. وجِيءَ بِجُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ إلى آخِرِها لِمُقابَلَةِ المُسِيئِينَ بِالمُحْسِنِينَ، والنِّذارَةِ بِالبِشارَةِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ. والمُرادُ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُؤْمِنُونَ كُلُّهم وخاصَّةً مَن آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ. فَهم مَقْصُودُونَ ابْتِداءً لِما أشْعَرَ بِهِ مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَعْدَ ذِكْرِ ضَلالِهِمْ ولِما اقْتَضاهُ تَذْيِيلُ الجُمْلَةِ بِقَوْلِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ غَفُورًا لَهم ما سَلَفَ مِن كُفْرِهِمْ، رَحِيمًا بِهِمْ. والقَوْلُ في الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ وبِاسْمِ الإشارَةِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ كالقَوْلِ في مُقابِلِهِ. وقَوْلُهُ ﴿بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ١٣ وقَرَأ الجُمْهُورُ: نُؤْتِيهِمْ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِياءِ الغائِبِ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ .

النساء 4:151

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا وأعْتَدْنا لِلْكَفَرَيْنِ عَذابًا مُهِينًا﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم أُولَئِكَ سَوْفَ نُؤْتِيهِمُ أُجُورَهم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ . عادَةُ القُرْآنِ عِنْدَ التَّعَرُّضِ إلى أحْوالِ مَن أظْهَرُوا النِّواءَ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يَنْتَقِلَ مِن صِفاتِ المُنافِقِينَ، أوْ أهْلِ الكِتابِ، أوِ المُشْرِكِينَ إلى صِفاتِ الآخَرِينَ، فالمُرادُ مِنَ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ هُنا هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ. والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِهِ اليَهُودُ خاصَّةً لِأنَّهُمُ المُخْتَلِطُونَ بِالمُسْلِمِينَ والمُنافِقِينَ، وكانَ كَثِيرٌ مِنَ المُنافِقِينَ يَهُودًا وعَبَّرَ عَنْهم بِطَرِيقِ المَوْصُولِ دُونَ الِاسْمِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ الخَبَرِ، ومِن شَناعَةِ صَنِيعِهِمْ لِيُناسِبَ الإخْبارَ عَنْهم بِاسْمِ الإشارَةِ بَعْدَ ذَلِكَ. وجَمَعَ الرُّسُلَ لِأنَّ اليَهُودَ كَفَرُوا بِعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، والنَّصارى كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَجَمَعَ الرُّسُلَ بِاعْتِبارِ مَجْمُوعِ الكُفّارِ، أوْ أرادَ بِالجَمْعِ الِاثْنَيْنِ، أوْ أرادَ بِالإضافَةِ مَعْنى الجِنْسِ فاسْتَوى فِيهِ صِيغَةُ الإفْرادِ والجَمْعِ، لِأنَّ المَقْصُودَ ذَمُّ مَن هَذِهِ صِفَتُهم بِدُونِ تَعْيِينِ فَرِيقٍ، وطَرِيقَةُ العَرَبِ في مِثْلِ هَذا أنْ يُعَبِّرُوا بِصِيَغِ الجُمُوعِ وإنْ كانَ المُعَرَّضُ بِهِ واحِدًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ [النساء: ٥٤] وقَوْلِهِ (﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧]) صفحة ٩ (﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيئُونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]) وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «ما بالُ أقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا» . وجِيءَ بِالمُضارِعِ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا أمْرٌ مُتَجَدِّدٌ فِيهِمْ مُسْتَمِرٌّ، لِأنَّهم لَوْ كَفَرُوا في الماضِي ثُمَّ رَجَعُوا لَما كانُوا أحْرِياءَ بِالذَّمِّ. ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ: أنَّهم لَمّا آمَنُوا بِهِ ووَصَفُوهُ بِصِفاتٍ غَيْرِ صِفاتِهِ مِنَ التَّجْسِيمِ واتِّخاذِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ والحُلُولِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَقَدْ آمَنُوا بِالِاسْمِ لا بِالمُسَمّى، وهم في الحَقِيقَةِ كَفَرُوا بِالمُسَمّى، كَما إذا كانَ أحَدٌ يَظُنُّ أنَّهُ يَعْرِفُ فُلانًا فَقُلْتَ لَهُ: صِفْهُ لِي، فَوَصَفَهُ بِغَيْرِ صِفاتِهِ، تَقُولُ لَهُ: أنْتَ لا تَعْرِفُهُ، عَلى أنَّهم لَمّا كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَ بِهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ عَنْ مُماثَلَةِ الحَوادِثِ، فَقَدْ كَفَرُوا بِإلَهِيَّتِهِ الحَقَّةِ؛ إذْ مِنهم مَن جَسَّمَ ومِنهم مَن ثَلَّثَ. ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أنَّهم يُحاوِلُونَ ذَلِكَ فَأُطْلِقَتِ الإرادَةُ عَلى المُحاوَلَةِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهُ أمْرٌ صَعْبُ المَنالِ، وأنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا ما أرادُوا مِن ذَلِكَ، لِأنَّهم لَمْ يَزالُوا يُحاوِلُونَهُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ ويُرِيدُونَ ولَوْ بَلَغُوا إلَيْهِ لَقالَ: وفَرَّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ. ومَعْنى التَّفْرِيقِ بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ أنَّهم يُنْكِرُونَ صِدْقَ بَعْضِ الرُّسُلِ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ، ويَعْتَرِفُونَ بِصِدْقِ بَعْضِ الرُّسُلِ دُونَ بَعْضٍ، ويَزْعُمُونَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، فَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ إذْ نَفَوْا رِسالَتَهم فَأبْعَدُوهم مِنهُ، وهَذا اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، شَبَّهَ الأمْرَ المُتَخَيَّلَ في نُفُوسِهِمْ بِما يُضْمِرُهُ مُرِيدُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الأوْلِياءِ والأحْبابِ، فَهي تَشْبِيهُ هَيْئَةٍ مَعْقُولَةٍ بِهَيْئَةٍ مَعْقُولَةٍ، والغَرَضُ مِنَ التَّشْبِيهِ تَشْوِيهُ المُشَبَّهِ، إذْ قَدْ عَلِمَ النّاسُ أنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ المُتَّصِلِينَ ذَمِيمَةٌ. وهَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى الآياتِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] - ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، صفحة ١٠ وفِي سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٤] إلّا أنَّ تِلْكَ الآياتِ في التَّحْذِيرِ مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الرُّسُلِ، والآيَةُ هَذِهِ في التَّحْذِيرِ مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ اللَّهِ وبَعْضِ رُسُلِهِ، ومَآلُ الجَمِيعِ واحِدٌ؛ لِأنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الرُّسُلِ يَسْتَلْزِمُ التَّفْرِيقَ بَيْنَ اللَّهِ وبَعْضِ رُسُلِهِ. وإضافَةُ الجَمْعِ إلى الضَّمِيرِ هُنا لِلْعَهْدِ لا لِلْعُمُومِ بِالقَرِينَةِ، وهي قَوْلُهُ ﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ﴾ . وجُمْلَةُ ﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ﴾ واقِعَةٌ في مَعْنى الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ، ولَكِنَّها عُطِفَتْ؛ لِأنَّها شَأْنٌ خاصٌّ مِن شُئُونِهِمْ، إذْ مَدْلُولُها قَوْلٌ مِن أقْوالِهِمُ الشَّنِيعَةِ، ومَدْلُولُ (يُرِيدُونَ) هَيْئَةٌ حاصِلَةٌ مِن كُفْرِهِمْ، فَلِذَلِكَ حَسُنَ العَطْفُ بِاعْتِبارِ المُغايَرَةِ ولَوْ في الجُمْلَةِ، ولَوْ فُصِلَتْ لَكانَ صَحِيحًا. ومَعْنى (يَقُولُونَ نُؤْمِنُ) الخَ أنَّ اليَهُودَ يَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وبِمُوسى ونَكْفُرُ بِعِيسى ومُحَمَّدٍ، والنَّصارى يَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وبِمُوسى وعِيسى ونَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ، فَآمَنُوا بِاللَّهِ وبَعْضِ رُسُلِهِ ظاهِرًا وفَرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ بَعْضِ رُسُلِهِ. والإرادَةُ في قَوْلِهِ ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ إرادَةٌ حَقِيقِيَّةٌ. والسَّبِيلُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ سَبِيلَ النَّجاةِ مِنَ المُؤاخَذَةِ في الآخِرَةِ تَوَهُّمًا أنَّ تِلْكَ حِيلَةٌ تُحَقِّقُ لَهُمُ السَّلامَةَ عَلى تَقْدِيرِ سَلامَةِ المُؤْمِنِينَ، أوْ سَبِيلَ التَّنَصُّلِ مِنَ الكُفْرِ بِبَعْضِ الرُّسُلِ، أوْ سَبِيلًا بَيْنَ دِينَيْنِ، وهَذانِ الوَجْهانِ الأخِيرانِ يُناسِبانِ انْتِقالَهم مِنَ الكُفْرِ الظّاهِرِ إلى النِّفاقِ، فَكَأنَّهُما تَهْيِئَةٌ لِلنِّفاقِ. وهَذا التَّفْسِيرُ جارٍ عَلى ظاهِرِ نَظْمِ الكَلامِ، وهو أنْ يَكُونَ حَرْفُ العَطْفِ مُشَرِّكًا بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ في حُكْمِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وإذْ قَدْ كانَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ الأوَّلُ صِلَةً لِـ (الَّذِينَ)، كانَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ صِلاتٍ لِذَلِكَ المَوْصُولِ وكانَ ذَلِكَ المَوْصُولُ صاحِبَ تِلْكَ الصِّلاتِ كُلِّها. صفحة ١١ ونُسِبَ إلى بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ جَعَلَ الواواتِ فِيها بِمَعْنى (أوْ) وجَعَلَ المَوْصُولَ شامِلًا لِفِرَقٍ مِنَ الكُفّارِ تَعَدَّدَتْ أحْوالُ كُفْرِهِمْ عَلى تَوْزِيعِ الصِّلاتِ المُتَعاطِفَةِ، فَجَعَلَ المُرادَ بِالَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ المُشْرِكِينَ، والَّذِينَ يُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ قَوْمًا أثْبَتُوا الخالِقَ وأنْكَرُوا النُّبُوءاتِ كُلَّها، والَّذِينَ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ اليَهُودُ والنَّصارى. وسَكَتَ عَنِ المُرادِ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، ولَوْ شاءَ لَجَعَلَ أُولَئِكَ فَرِيقًا آخَرَ: وهُمُ المُنافِقُونَ المُتَرَدِّدُونَ الَّذِينَ لَمْ يَثْبُتُوا عَلى إيمانٍ ولا عَلى كُفْرٍ، بَلْ كانُوا بَيْنَ الحالَيْنِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٤٣] . والَّذِي دَعاهُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ أنَّهُ لَمْ يَجِدْ فَرِيقًا جَمَعَ هَذِهِ الأحْوالَ كُلَّها عَلى ظاهِرِها لِأنَّ اليَهُودَ لَمْ يَكْفُرُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ تَأْوِيلَ الكُفْرِ بِاللَّهِ الكُفْرُ بِالصِّفاتِ الَّتِي يَسْتَلْزِمُ الكُفْرُ بِها نَفْيَ الإلَهِيَّةِ. وهَذا الأُسْلُوبُ نادِرُ الِاسْتِعْمالِ في فَصِيحِ الكَلامِ، إذْ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَكانَ الشَّأْنُ أنْ يُقالَ: والَّذِينَ يُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ والَّذِينَ يَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ، كَما قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] . وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ الجُمْلَةُ خَبَرُ (إنَّ) والإشارَةُ إلى أصْحابِ تِلْكَ الصِّلَةِ الماضِيَةِ، ومَوْقِعُ الإشارَةِ هُنا لِقَصْدِ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ لِاسْتِحْضارِهِمْ بِتِلْكَ الأوْصافِ أحْرِياءٌ بِما سَيُحْكَمُ عَلَيْهِمْ مِنَ الحُكْمِ المُعاقِبِ لِاسْمِ الإشارَةِ. وأفادَ تَعْرِيفُ جُزْأيِ الجُمْلَةِ والإتْيانُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ تَأْكِيدَ قَصْرِ صِفَةِ الكُفْرِ عَلَيْهِمْ، وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ مَجازِيٌّ بِتَنْزِيلِ كُفْرِ غَيْرِهِمْ في جانِبِ كُفْرِهِمْ مَنزِلَةَ العَدَمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في المُنافِقِينَ: (﴿هُمُ العَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤]) . ومِثْلُ هَذا القَصْرِ يَدُلُّ عَلى كَمالِ المَوْصُوفِ في تِلْكَ الصِّفَةِ المَقْصُورَةِ. صفحة ١٢ ووَجْهُ هَذِهِ المُبالَغَةِ: أنَّ كُفْرَهم قَدِ اشْتَمَلَ عَلى أحْوالٍ عَدِيدَةٍ مِنَ الكُفْرِ، وعَلى سَفالَةٍ في الخُلُقِ، أوْ سَفاهَةٍ في الرَّأْيِ بِمَجْمُوعِ ما حُكِيَ عَنْهم مِن تِلْكَ الصِّلاتِ، فَإنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ مِنها إذا انْفَرَدَتْ هي كُفْرٌ، فَكَيْفَ بِها إذا اجْتَمَعَتْ. و(حَقًّا) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ، أيْ حُقَّهم حَقًّا أيُّها السّامِعُ بِالِغِينَ النِّهايَةَ في الكُفْرِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهم (جِدًّا) . والتَّوْكِيدُ في مِثْلِ هَذا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ عَلى ما أفادَتْهُ الجُمْلَةُ، ولَيْسَ هو لِرَفْعِ المَجازِ، فَهو تَأْكِيدٌ لِما أفادَتْهُ الجُمْلَةُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى مَعْنى النِّهايَةِ لِأنَّ القَصْرَ مُسْتَعْمَلٌ في ذَلِكَ المَعْنى، ولَمْ يَقْصِدْ بِالتَّوْكِيدِ أنْ يَصِيرَ القَصْرُ حَقِيقِيًّا لِظُهُورِ أنَّ ذَلِكَ لا يَسْتَقِيمُ، فَقَوْلُ بَعْضِ النُّحاةِ في المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ: إنَّهُ يُفِيدُ رَفْعَ احْتِمالِ المَجازِ، بِناءً مِنهم عَلى الغالِبِ في مُفادِ التَّأْكِيدِ. و(أعْتَدْنا) مَعْناهُ هَيَّأْنا وقَدَّرْنا، والتّاءُ في (أعْتَدْنا) بَدَلٌ مِنَ الدّالِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ اللُّغَةِ، وقالَ كَثِيرٌ مِنهم: التّاءُ أصْلِيَّةٌ، وأنَّهُ بِناءٌ عَلى حِدَةٍ هو غَيْرُ بِناءِ (عَدَّ) . وقالَ بَعْضُهم: إنَّ (عَتُدَ) هو الأصْلُ وأنَّ (عَدَّ) أُدْغِمَتْ مِنهُ التّاءُ في الدّالِ، وقَدْ ورَدَ البِناءانِ كَثِيرًا في كَلامِهِمْ وفي القُرْآنِ. وجِيءَ بِجُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ إلى آخِرِها لِمُقابَلَةِ المُسِيئِينَ بِالمُحْسِنِينَ، والنِّذارَةِ بِالبِشارَةِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ. والمُرادُ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُؤْمِنُونَ كُلُّهم وخاصَّةً مَن آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ. فَهم مَقْصُودُونَ ابْتِداءً لِما أشْعَرَ بِهِ مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَعْدَ ذِكْرِ ضَلالِهِمْ ولِما اقْتَضاهُ تَذْيِيلُ الجُمْلَةِ بِقَوْلِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ غَفُورًا لَهم ما سَلَفَ مِن كُفْرِهِمْ، رَحِيمًا بِهِمْ. والقَوْلُ في الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ وبِاسْمِ الإشارَةِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ كالقَوْلِ في مُقابِلِهِ. وقَوْلُهُ ﴿بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ١٣ وقَرَأ الجُمْهُورُ: نُؤْتِيهِمْ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِياءِ الغائِبِ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ .

النساء 4:152

﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا وأعْتَدْنا لِلْكَفَرَيْنِ عَذابًا مُهِينًا﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم أُولَئِكَ سَوْفَ نُؤْتِيهِمُ أُجُورَهم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ . عادَةُ القُرْآنِ عِنْدَ التَّعَرُّضِ إلى أحْوالِ مَن أظْهَرُوا النِّواءَ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يَنْتَقِلَ مِن صِفاتِ المُنافِقِينَ، أوْ أهْلِ الكِتابِ، أوِ المُشْرِكِينَ إلى صِفاتِ الآخَرِينَ، فالمُرادُ مِنَ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ هُنا هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ. والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِهِ اليَهُودُ خاصَّةً لِأنَّهُمُ المُخْتَلِطُونَ بِالمُسْلِمِينَ والمُنافِقِينَ، وكانَ كَثِيرٌ مِنَ المُنافِقِينَ يَهُودًا وعَبَّرَ عَنْهم بِطَرِيقِ المَوْصُولِ دُونَ الِاسْمِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ الخَبَرِ، ومِن شَناعَةِ صَنِيعِهِمْ لِيُناسِبَ الإخْبارَ عَنْهم بِاسْمِ الإشارَةِ بَعْدَ ذَلِكَ. وجَمَعَ الرُّسُلَ لِأنَّ اليَهُودَ كَفَرُوا بِعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، والنَّصارى كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَجَمَعَ الرُّسُلَ بِاعْتِبارِ مَجْمُوعِ الكُفّارِ، أوْ أرادَ بِالجَمْعِ الِاثْنَيْنِ، أوْ أرادَ بِالإضافَةِ مَعْنى الجِنْسِ فاسْتَوى فِيهِ صِيغَةُ الإفْرادِ والجَمْعِ، لِأنَّ المَقْصُودَ ذَمُّ مَن هَذِهِ صِفَتُهم بِدُونِ تَعْيِينِ فَرِيقٍ، وطَرِيقَةُ العَرَبِ في مِثْلِ هَذا أنْ يُعَبِّرُوا بِصِيَغِ الجُمُوعِ وإنْ كانَ المُعَرَّضُ بِهِ واحِدًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ [النساء: ٥٤] وقَوْلِهِ (﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧]) صفحة ٩ (﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيئُونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]) وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «ما بالُ أقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا» . وجِيءَ بِالمُضارِعِ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا أمْرٌ مُتَجَدِّدٌ فِيهِمْ مُسْتَمِرٌّ، لِأنَّهم لَوْ كَفَرُوا في الماضِي ثُمَّ رَجَعُوا لَما كانُوا أحْرِياءَ بِالذَّمِّ. ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ: أنَّهم لَمّا آمَنُوا بِهِ ووَصَفُوهُ بِصِفاتٍ غَيْرِ صِفاتِهِ مِنَ التَّجْسِيمِ واتِّخاذِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ والحُلُولِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَقَدْ آمَنُوا بِالِاسْمِ لا بِالمُسَمّى، وهم في الحَقِيقَةِ كَفَرُوا بِالمُسَمّى، كَما إذا كانَ أحَدٌ يَظُنُّ أنَّهُ يَعْرِفُ فُلانًا فَقُلْتَ لَهُ: صِفْهُ لِي، فَوَصَفَهُ بِغَيْرِ صِفاتِهِ، تَقُولُ لَهُ: أنْتَ لا تَعْرِفُهُ، عَلى أنَّهم لَمّا كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَ بِهِ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ عَنْ مُماثَلَةِ الحَوادِثِ، فَقَدْ كَفَرُوا بِإلَهِيَّتِهِ الحَقَّةِ؛ إذْ مِنهم مَن جَسَّمَ ومِنهم مَن ثَلَّثَ. ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أنَّهم يُحاوِلُونَ ذَلِكَ فَأُطْلِقَتِ الإرادَةُ عَلى المُحاوَلَةِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهُ أمْرٌ صَعْبُ المَنالِ، وأنَّهم لَمْ يَبْلُغُوا ما أرادُوا مِن ذَلِكَ، لِأنَّهم لَمْ يَزالُوا يُحاوِلُونَهُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ ويُرِيدُونَ ولَوْ بَلَغُوا إلَيْهِ لَقالَ: وفَرَّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ. ومَعْنى التَّفْرِيقِ بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ أنَّهم يُنْكِرُونَ صِدْقَ بَعْضِ الرُّسُلِ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ، ويَعْتَرِفُونَ بِصِدْقِ بَعْضِ الرُّسُلِ دُونَ بَعْضٍ، ويَزْعُمُونَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، فَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ إذْ نَفَوْا رِسالَتَهم فَأبْعَدُوهم مِنهُ، وهَذا اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، شَبَّهَ الأمْرَ المُتَخَيَّلَ في نُفُوسِهِمْ بِما يُضْمِرُهُ مُرِيدُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الأوْلِياءِ والأحْبابِ، فَهي تَشْبِيهُ هَيْئَةٍ مَعْقُولَةٍ بِهَيْئَةٍ مَعْقُولَةٍ، والغَرَضُ مِنَ التَّشْبِيهِ تَشْوِيهُ المُشَبَّهِ، إذْ قَدْ عَلِمَ النّاسُ أنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ المُتَّصِلِينَ ذَمِيمَةٌ. وهَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى الآياتِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] - ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، صفحة ١٠ وفِي سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٤] إلّا أنَّ تِلْكَ الآياتِ في التَّحْذِيرِ مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الرُّسُلِ، والآيَةُ هَذِهِ في التَّحْذِيرِ مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ اللَّهِ وبَعْضِ رُسُلِهِ، ومَآلُ الجَمِيعِ واحِدٌ؛ لِأنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الرُّسُلِ يَسْتَلْزِمُ التَّفْرِيقَ بَيْنَ اللَّهِ وبَعْضِ رُسُلِهِ. وإضافَةُ الجَمْعِ إلى الضَّمِيرِ هُنا لِلْعَهْدِ لا لِلْعُمُومِ بِالقَرِينَةِ، وهي قَوْلُهُ ﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ﴾ . وجُمْلَةُ ﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ﴾ واقِعَةٌ في مَعْنى الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ، ولَكِنَّها عُطِفَتْ؛ لِأنَّها شَأْنٌ خاصٌّ مِن شُئُونِهِمْ، إذْ مَدْلُولُها قَوْلٌ مِن أقْوالِهِمُ الشَّنِيعَةِ، ومَدْلُولُ (يُرِيدُونَ) هَيْئَةٌ حاصِلَةٌ مِن كُفْرِهِمْ، فَلِذَلِكَ حَسُنَ العَطْفُ بِاعْتِبارِ المُغايَرَةِ ولَوْ في الجُمْلَةِ، ولَوْ فُصِلَتْ لَكانَ صَحِيحًا. ومَعْنى (يَقُولُونَ نُؤْمِنُ) الخَ أنَّ اليَهُودَ يَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وبِمُوسى ونَكْفُرُ بِعِيسى ومُحَمَّدٍ، والنَّصارى يَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وبِمُوسى وعِيسى ونَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ، فَآمَنُوا بِاللَّهِ وبَعْضِ رُسُلِهِ ظاهِرًا وفَرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ بَعْضِ رُسُلِهِ. والإرادَةُ في قَوْلِهِ ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ إرادَةٌ حَقِيقِيَّةٌ. والسَّبِيلُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ سَبِيلَ النَّجاةِ مِنَ المُؤاخَذَةِ في الآخِرَةِ تَوَهُّمًا أنَّ تِلْكَ حِيلَةٌ تُحَقِّقُ لَهُمُ السَّلامَةَ عَلى تَقْدِيرِ سَلامَةِ المُؤْمِنِينَ، أوْ سَبِيلَ التَّنَصُّلِ مِنَ الكُفْرِ بِبَعْضِ الرُّسُلِ، أوْ سَبِيلًا بَيْنَ دِينَيْنِ، وهَذانِ الوَجْهانِ الأخِيرانِ يُناسِبانِ انْتِقالَهم مِنَ الكُفْرِ الظّاهِرِ إلى النِّفاقِ، فَكَأنَّهُما تَهْيِئَةٌ لِلنِّفاقِ. وهَذا التَّفْسِيرُ جارٍ عَلى ظاهِرِ نَظْمِ الكَلامِ، وهو أنْ يَكُونَ حَرْفُ العَطْفِ مُشَرِّكًا بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ في حُكْمِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وإذْ قَدْ كانَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ الأوَّلُ صِلَةً لِـ (الَّذِينَ)، كانَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ صِلاتٍ لِذَلِكَ المَوْصُولِ وكانَ ذَلِكَ المَوْصُولُ صاحِبَ تِلْكَ الصِّلاتِ كُلِّها. صفحة ١١ ونُسِبَ إلى بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ جَعَلَ الواواتِ فِيها بِمَعْنى (أوْ) وجَعَلَ المَوْصُولَ شامِلًا لِفِرَقٍ مِنَ الكُفّارِ تَعَدَّدَتْ أحْوالُ كُفْرِهِمْ عَلى تَوْزِيعِ الصِّلاتِ المُتَعاطِفَةِ، فَجَعَلَ المُرادَ بِالَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ المُشْرِكِينَ، والَّذِينَ يُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ قَوْمًا أثْبَتُوا الخالِقَ وأنْكَرُوا النُّبُوءاتِ كُلَّها، والَّذِينَ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ اليَهُودُ والنَّصارى. وسَكَتَ عَنِ المُرادِ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، ولَوْ شاءَ لَجَعَلَ أُولَئِكَ فَرِيقًا آخَرَ: وهُمُ المُنافِقُونَ المُتَرَدِّدُونَ الَّذِينَ لَمْ يَثْبُتُوا عَلى إيمانٍ ولا عَلى كُفْرٍ، بَلْ كانُوا بَيْنَ الحالَيْنِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٤٣] . والَّذِي دَعاهُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ أنَّهُ لَمْ يَجِدْ فَرِيقًا جَمَعَ هَذِهِ الأحْوالَ كُلَّها عَلى ظاهِرِها لِأنَّ اليَهُودَ لَمْ يَكْفُرُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ تَأْوِيلَ الكُفْرِ بِاللَّهِ الكُفْرُ بِالصِّفاتِ الَّتِي يَسْتَلْزِمُ الكُفْرُ بِها نَفْيَ الإلَهِيَّةِ. وهَذا الأُسْلُوبُ نادِرُ الِاسْتِعْمالِ في فَصِيحِ الكَلامِ، إذْ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَكانَ الشَّأْنُ أنْ يُقالَ: والَّذِينَ يُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ والَّذِينَ يَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ، كَما قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] . وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ الجُمْلَةُ خَبَرُ (إنَّ) والإشارَةُ إلى أصْحابِ تِلْكَ الصِّلَةِ الماضِيَةِ، ومَوْقِعُ الإشارَةِ هُنا لِقَصْدِ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ لِاسْتِحْضارِهِمْ بِتِلْكَ الأوْصافِ أحْرِياءٌ بِما سَيُحْكَمُ عَلَيْهِمْ مِنَ الحُكْمِ المُعاقِبِ لِاسْمِ الإشارَةِ. وأفادَ تَعْرِيفُ جُزْأيِ الجُمْلَةِ والإتْيانُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ تَأْكِيدَ قَصْرِ صِفَةِ الكُفْرِ عَلَيْهِمْ، وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ مَجازِيٌّ بِتَنْزِيلِ كُفْرِ غَيْرِهِمْ في جانِبِ كُفْرِهِمْ مَنزِلَةَ العَدَمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في المُنافِقِينَ: (﴿هُمُ العَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤]) . ومِثْلُ هَذا القَصْرِ يَدُلُّ عَلى كَمالِ المَوْصُوفِ في تِلْكَ الصِّفَةِ المَقْصُورَةِ. صفحة ١٢ ووَجْهُ هَذِهِ المُبالَغَةِ: أنَّ كُفْرَهم قَدِ اشْتَمَلَ عَلى أحْوالٍ عَدِيدَةٍ مِنَ الكُفْرِ، وعَلى سَفالَةٍ في الخُلُقِ، أوْ سَفاهَةٍ في الرَّأْيِ بِمَجْمُوعِ ما حُكِيَ عَنْهم مِن تِلْكَ الصِّلاتِ، فَإنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ مِنها إذا انْفَرَدَتْ هي كُفْرٌ، فَكَيْفَ بِها إذا اجْتَمَعَتْ. و(حَقًّا) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ، أيْ حُقَّهم حَقًّا أيُّها السّامِعُ بِالِغِينَ النِّهايَةَ في الكُفْرِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهم (جِدًّا) . والتَّوْكِيدُ في مِثْلِ هَذا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ عَلى ما أفادَتْهُ الجُمْلَةُ، ولَيْسَ هو لِرَفْعِ المَجازِ، فَهو تَأْكِيدٌ لِما أفادَتْهُ الجُمْلَةُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى مَعْنى النِّهايَةِ لِأنَّ القَصْرَ مُسْتَعْمَلٌ في ذَلِكَ المَعْنى، ولَمْ يَقْصِدْ بِالتَّوْكِيدِ أنْ يَصِيرَ القَصْرُ حَقِيقِيًّا لِظُهُورِ أنَّ ذَلِكَ لا يَسْتَقِيمُ، فَقَوْلُ بَعْضِ النُّحاةِ في المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ: إنَّهُ يُفِيدُ رَفْعَ احْتِمالِ المَجازِ، بِناءً مِنهم عَلى الغالِبِ في مُفادِ التَّأْكِيدِ. و(أعْتَدْنا) مَعْناهُ هَيَّأْنا وقَدَّرْنا، والتّاءُ في (أعْتَدْنا) بَدَلٌ مِنَ الدّالِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ اللُّغَةِ، وقالَ كَثِيرٌ مِنهم: التّاءُ أصْلِيَّةٌ، وأنَّهُ بِناءٌ عَلى حِدَةٍ هو غَيْرُ بِناءِ (عَدَّ) . وقالَ بَعْضُهم: إنَّ (عَتُدَ) هو الأصْلُ وأنَّ (عَدَّ) أُدْغِمَتْ مِنهُ التّاءُ في الدّالِ، وقَدْ ورَدَ البِناءانِ كَثِيرًا في كَلامِهِمْ وفي القُرْآنِ. وجِيءَ بِجُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ إلى آخِرِها لِمُقابَلَةِ المُسِيئِينَ بِالمُحْسِنِينَ، والنِّذارَةِ بِالبِشارَةِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ. والمُرادُ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُؤْمِنُونَ كُلُّهم وخاصَّةً مَن آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ. فَهم مَقْصُودُونَ ابْتِداءً لِما أشْعَرَ بِهِ مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَعْدَ ذِكْرِ ضَلالِهِمْ ولِما اقْتَضاهُ تَذْيِيلُ الجُمْلَةِ بِقَوْلِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ غَفُورًا لَهم ما سَلَفَ مِن كُفْرِهِمْ، رَحِيمًا بِهِمْ. والقَوْلُ في الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ وبِاسْمِ الإشارَةِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ كالقَوْلِ في مُقابِلِهِ. وقَوْلُهُ ﴿بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ١٣ وقَرَأ الجُمْهُورُ: نُؤْتِيهِمْ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِياءِ الغائِبِ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ .

النساء 4:153

﴿يَسْألُكُ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾ ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُلْنا لَهم لا تَعَدُّوا في السَّبْتِ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ . لَمّا ذَكَرَ مَعاذِيرَ أهْلِ الكِتابَيْنِ في إنْكارِهِمْ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أعْقَبَها بِذِكْرِ شَيْءٍ مِنِ اقْتِراحِهِمْ مَجِيءَ المُعْجِزاتِ عَلى وِفْقِ مَطالِبِهِمْ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ. ومَجِيءُ المُضارِعِ هُنا: إمّا لِقَصْدِ اسْتِحْضارِ حالَتِهِمُ العَجِيبَةِ في هَذا السُّؤالِ حَتّى كَأنَّ السّامِعَ يَراهم كَقَوْلِهِ ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨]، وقَوْلِهِ ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢]، وقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩] . وإمّا لِلدَّلالَةِ عَلى تَكْرارِ السُّؤالِ وتَجَدُّدِهِ المَرَّةَ بَعْدَ الأُخْرى بِأنْ يَكُونُوا ألَحُّوا في هَذا السُّؤالِ لِقَصْدِ الإعْناتِ، كَقَوْلِ طَرِيفِ بْنِ تَمِيمٍ العَنْبَرِيِّ: بَعَثُوا إلَيَّ عَرِيفَهم يَتَوَسَّمُ . أيْ يُكَرِّرُ التَّوَسُّمَ. والمَقْصُودُ عَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ التَّعْجِيبُ مِن هَذا السُّؤالِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى﴾ . والسّائِلُونَ هُمُ اليَهُودُ، سَألُوا مُعْجِزَةً مِثْلَ مُعْجِزَةِ مُوسى بِأنْ يُنَزَّلَ صفحة ١٤ عَلَيْهِ مِثْلُ ما أُنْزِلَتِ الألْواحُ فِيها الكَلِماتُ العَشْرُ عَلى مُوسى، ولَمْ يُرِيدُوا جَمِيعَ التَّوْراةِ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فَإنَّ كِتابَ التَّوْراةِ لَمْ يُنَزَّلْ دُفْعَةً واحِدَةً. فالمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ هُنا خُصُوصُ اليَهُودِ. والكِتابُ هُنا إمّا اسْمٌ لِلشَّيْءِ المَكْتُوبِ كَما نَزَلَتْ ألْواحُ مُوسى، وإمّا اسْمٌ لِقِطْعَةٍ مُلْتَئِمَةٍ مِن أوْراقٍ مَكْتُوبَةٍ، فَيَكُونُونَ قَدْ سَألُوا مُعْجِزَةً تُغايِرُ مُعْجِزَةَ مُوسى. والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى﴾ فاءُ الفَصِيحَةِ دالَّةٌ عَلى مُقَدَّرٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ المُضارِعِ، المُرادُ مِنها التَّعْجِيبُ، أيْ فَلا تَعْجَبْ مِن هَذا فَإنَّ ذَلِكَ شَنْشَنَةٌ قَدِيمَةٌ لِأسْلافِهِمْ مَعَ رَسُولِهِمْ إذْ سَألُوهُ مُعْجِزَةً أعْظَمَ مِن هَذا، والِاسْتِدْلالُ عَلى حالَتِهِمْ بِحالَةِ أسْلافِهِمْ مِن قَبِيلِ الِاسْتِدْلالِ بِأخْلاقِ الأُمَمِ والقَبائِلِ عَلى أحْوالِ العَشائِرِ مِنهم، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ كَثِيرٍ مِنهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وفِي هَذا الكَلامِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ ودَلالَةٌ عَلى جَراءَتِهِمْ، وإظْهارُ أنَّ الرُّسُلَ لا تَجِيءُ بِإجابَةِ مُقْتَرَحاتِ الأُمَمِ في طَلَبِ المُعْجِزاتِ بَلْ تَأْتِي المُعْجِزاتُ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ تَحَدِّي الأنْبِياءِ، ولَوْ أجابَ اللَّهُ المُقْتَرِحِينَ إلى ما يَقْتَرِحُونَ مِنَ المُعْجِزاتِ لَجَعَلَ رُسُلَهُ بِمَنزِلَةِ المُشَعْوِذِينَ وأصْحابِ الخَنْقَطَراتِ والسِّيمِياءِ، إذْ يَتَلَقَّوْنَ مُقْتَرَحاتِ النّاسِ في المَحافِلِ والمَجامِعِ العامَّةِ والخاصَّةِ، وهَذا مِمّا يَحُطُّ مِن مِقْدارِ الرِّسالَةِ. وفي إنْجِيلِ مَتّى: أنَّ قَوْمًا قالُوا لِلْمَسِيحِ: نُرِيدُ أنْ نَرى مِنكَ آيَةً فَقالَ: جِيلٌ شِرِّيرٌ يَطْلُبُ آيَةً ولا تُعْطى لَهُ آيَةٌ. وتَكَرَّرَ ذَلِكَ في واقِعَةٍ أُخْرى. وقَدْ يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَما حَكى اللَّهُ عَنْ عِيسى ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ١١٢] ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ١١٣] إلى قَوْلِهِ ﴿قالَ اللَّهُ إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكم فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]، وقالَ تَعالى ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] . صفحة ١٥ وهم لَمّا سَألُوا مُوسى أنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً ما أرادُوا التَّيَمُّنَ بِاللَّهِ، ولا التَّنَعُّمَ بِالمُشاهَدَةِ، ولَكِنَّهم أرادُوا عَجَبًا يَنْظُرُونَهُ، فَلِذَلِكَ قالُوا: (﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾)، ولَمْ يَقُولُوا: لَيْتَنا نَرى رَبَّنا. و(جَهْرَةً) ضِدُّ خُفْيَةٍ، أيْ عَلَنًا، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلرُّؤْيَةِ المُسْتَفادَةِ مِن أرِنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَرْفُوعِ في أرِنا، أيْ حالَ كَوْنِكَ مُجاهِرًا لَنا في رُؤْيَتِهِ غَيْرَ مُخْفٍ رُؤْيَتَهُ. واسْتَطْرَدَ هُنا ما لَحِقَهم مِن جَرّاءِ سُؤالِهِمْ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فَقالَ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾، وهو ما حَكاهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ بِقَوْلِهِ ﴿فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥] . وكانَ ذَلِكَ إرْهابًا لَهم وزَجْرًا، ولِذَلِكَ قالَ (بِظُلْمِهِمْ) . والظُّلْمُ هو المَحْكِيُّ في سُورَةِ البَقَرَةِ مِنِ امْتِناعِهِمْ مِن تَصْدِيقِ مُوسى إلى أنْ يَرَوُا اللَّهَ جَهْرَةً، ولَيْسَ الظُّلْمُ لِمُجَرَّدِ طَلَبِ الرُّؤْيَةِ؛ لِأنَّ مُوسى قَدْ سَألَ مِثْلَ سُؤالِهِمْ مَرَّةً أُخْرى: حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] الآيَةَ في سُورَةِ الأعْرافِ. وبَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَرْدَعْهم ذَلِكَ فاتَّخَذُوا العِجْلَ إلَهًا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ الدّالَّةُ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ. وعُطِفَتْ جُمْلَةُ اتِّخاذِهِمُ العَجَلَ بِحَرْفِ (ثُمَّ) المُفِيدِ في عَطْفِهِ الجُمَلَ مَعْنى التَّراخِي الرُّتَبِيِّ. فَإنَّ اتِّخاذَهُمُ العِجْلَ إلَهًا أعْظَمُ جُرْمًا مِمّا حُكِيَ قَبْلَهُ، ومَعَ ذَلِكَ عَفا اللَّهُ عَنْهم وآتى مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا، أيْ حُجَّةً واضِحَةً عَلَيْهِمْ في تَمَرُّدِهِمْ، فَصارَ يَزْجُرُهم ويُؤَنِّبُهم. ومِن سُلْطانِهِ المُبِينِ أنْ أحْرَقَ لَهُمُ العِجْلَ الَّذِي اتَّخَذُوهُ إلَهًا. ثُمَّ ذَكَرَ آياتٍ أُخْرى أظْهَرَها اللَّهُ لَهم وهي: رَفْعُ الطُّورِ، والأمْرُ بِقِتالِ أهْلِ أرِيحا، ودُخُولِهِمْ بابَها سُجَّدًا. والبابُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ بابُ مَدِينَةِ أرِيحا، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ بابُ المَمَرِّ بَيْنَ الجِبالِ ونَحْوِها، كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ صفحة ١٦ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ [المائدة: ٢٣] إلى قَوْلِهِ ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ [المائدة: ٢٣] في سُورَةِ العُقُودِ؛ وتَحْرِيمُ صَيْدِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ في السَّبْتِ. وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلَيْها جَمِيعًا في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأخْذُ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ: المُرادُ بِهِ العَهْدُ، ووَصْفُهُ بِالغَلِيظِ. أيِ القَوِيِّ، والغِلَظُ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، فاسْتُعِيرَ لِقُوَّةِ المَعْنى وكَنّى بِهِ عَنْ تَوَثُّقِ العَهْدِ لِأنَّ الغِلَظَ يَسْتَلْزِمُ القُوَّةَ، والمُرادُ جِنْسُ المِيثاقِ الصّادِقِ بِالعُهُودِ الكَثِيرَةِ الَّتِي أُخِذَتْ عَلَيْهِمْ، وقَدْ ذُكِرَ أكْثَرُها في آيِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا إظْهارُ تَأصُّلِهِمْ في اللَّجاجِ والعِنادِ، مِن عَهْدِ أنْبِيائِهِمْ، تَسْلِيَةً لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى ما لَقِيَ مِنهم، وتَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] . وقَوْلُهُ: (لا تَعَدُّوا) قَرَأهُ نافِعٌ في أصَحِّ الرِّواياتِ، وهي لِوَرْشٍ عَنْهُ ولِقالُونَ في إحْدى رِوايَتَيْهِ عَنْهُ بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِّ المَضْمُومَةِ أصْلُهُ: لا تَعْتَدُوا، والِاعْتِداءُ افْتِعالٌ مِنَ العَدْوِ، يُقالُ: اعْتَدى عَلى فُلانٍ، أيْ تَجاوَزَ حَدَّ الحَقِّ مَعَهُ، فَلَمّا كانَتِ التّاءُ قَرِيبَةً مِن مَخْرَجِ الدّالِ ووَقَعَتْ مُتَحَرِّكَةً وقَبْلَها ساكِنٌ، تَهَيَّأ إدْغامُها، فَنُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى العَيْنِ السّاكِنَةِ قَبْلَها، وأُدْغِمَتْ في الدّالِ إدْغامًا لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ، ولِذَلِكَ جازَ في كَلامِ العَرَبِ إظْهارُها؛ فَقالُوا: تَعْتَدُوا وتَعَدُّوا، لِأنَّها وقَعَتْ قَبْلَ الدّالِ، فَكانَتْ غَيْرَ مَجْذُوبَةٍ إلى مَخْرَجِهِ، ولَوْ وقَعَتْ بَعْدَ الدّالِ لَوَجَبَ إدْغامُها في نَحْوِ أدّانَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، وقالُونُ في إحْدى رِوايَتَيْنِ عَنْهُ: (﴿لا تَعْدُوا﴾) بِسُكُونِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ الدّالِ مُضارِعٌ مَجْزُومٌ مِنَ العَدْوِ، وهو العُدْوانُ، كَقَوْلِهِ ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] في سُورَةِ الأعْرافِ. وفي إحْدى رِوايَتَيْنِ عَنْ قالُونَ: بِاخْتِلاسِ الفَتْحَةِ، وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ: بِسُكُونِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وهي رِوايَةٌ عَنْ نافِعٍ أيْضًا، رَواها ابْنُ مُجاهِدٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ، في الحُجَّةِ: وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ يُنْكِرُونَ الجَمْعَ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ إذا كانَ الثّانِي مِنهُما مُدْغَمًا ولَمْ يَكُنِ الأوَّلُ مِنهُما حَرْفَ لِينٍ، نَحْوَ دابَّةٍ، يَقُولُونَ: المَدُّ يَصِيرُ عِوَضًا عَنِ الحَرَكَةِ، قالَ: وإذا جازَ نَحْوُ دُوَيْبَّةٍ مَعَ نُقْصانِ المَدِّ الَّذِي صفحة ١٧ فِيهِ لَمْ يُمْتَنَعْ أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ في نَحْوِ: تَعْدُوا. لِأنَّ ما بَيْنَ حَرْفِ اللِّينِ وغَيْرِهِ يَسِيرٌ، أيْ مَعَ عَدَمِ تَعَذُّرِ النُّطْقِ بِهِ.

النساء 4:154

﴿يَسْألُكُ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾ ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُلْنا لَهم لا تَعَدُّوا في السَّبْتِ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ . لَمّا ذَكَرَ مَعاذِيرَ أهْلِ الكِتابَيْنِ في إنْكارِهِمْ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أعْقَبَها بِذِكْرِ شَيْءٍ مِنِ اقْتِراحِهِمْ مَجِيءَ المُعْجِزاتِ عَلى وِفْقِ مَطالِبِهِمْ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ. ومَجِيءُ المُضارِعِ هُنا: إمّا لِقَصْدِ اسْتِحْضارِ حالَتِهِمُ العَجِيبَةِ في هَذا السُّؤالِ حَتّى كَأنَّ السّامِعَ يَراهم كَقَوْلِهِ ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨]، وقَوْلِهِ ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢]، وقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩] . وإمّا لِلدَّلالَةِ عَلى تَكْرارِ السُّؤالِ وتَجَدُّدِهِ المَرَّةَ بَعْدَ الأُخْرى بِأنْ يَكُونُوا ألَحُّوا في هَذا السُّؤالِ لِقَصْدِ الإعْناتِ، كَقَوْلِ طَرِيفِ بْنِ تَمِيمٍ العَنْبَرِيِّ: بَعَثُوا إلَيَّ عَرِيفَهم يَتَوَسَّمُ . أيْ يُكَرِّرُ التَّوَسُّمَ. والمَقْصُودُ عَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ التَّعْجِيبُ مِن هَذا السُّؤالِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى﴾ . والسّائِلُونَ هُمُ اليَهُودُ، سَألُوا مُعْجِزَةً مِثْلَ مُعْجِزَةِ مُوسى بِأنْ يُنَزَّلَ صفحة ١٤ عَلَيْهِ مِثْلُ ما أُنْزِلَتِ الألْواحُ فِيها الكَلِماتُ العَشْرُ عَلى مُوسى، ولَمْ يُرِيدُوا جَمِيعَ التَّوْراةِ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فَإنَّ كِتابَ التَّوْراةِ لَمْ يُنَزَّلْ دُفْعَةً واحِدَةً. فالمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ هُنا خُصُوصُ اليَهُودِ. والكِتابُ هُنا إمّا اسْمٌ لِلشَّيْءِ المَكْتُوبِ كَما نَزَلَتْ ألْواحُ مُوسى، وإمّا اسْمٌ لِقِطْعَةٍ مُلْتَئِمَةٍ مِن أوْراقٍ مَكْتُوبَةٍ، فَيَكُونُونَ قَدْ سَألُوا مُعْجِزَةً تُغايِرُ مُعْجِزَةَ مُوسى. والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى﴾ فاءُ الفَصِيحَةِ دالَّةٌ عَلى مُقَدَّرٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ المُضارِعِ، المُرادُ مِنها التَّعْجِيبُ، أيْ فَلا تَعْجَبْ مِن هَذا فَإنَّ ذَلِكَ شَنْشَنَةٌ قَدِيمَةٌ لِأسْلافِهِمْ مَعَ رَسُولِهِمْ إذْ سَألُوهُ مُعْجِزَةً أعْظَمَ مِن هَذا، والِاسْتِدْلالُ عَلى حالَتِهِمْ بِحالَةِ أسْلافِهِمْ مِن قَبِيلِ الِاسْتِدْلالِ بِأخْلاقِ الأُمَمِ والقَبائِلِ عَلى أحْوالِ العَشائِرِ مِنهم، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ كَثِيرٍ مِنهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وفِي هَذا الكَلامِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ ودَلالَةٌ عَلى جَراءَتِهِمْ، وإظْهارُ أنَّ الرُّسُلَ لا تَجِيءُ بِإجابَةِ مُقْتَرَحاتِ الأُمَمِ في طَلَبِ المُعْجِزاتِ بَلْ تَأْتِي المُعْجِزاتُ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ تَحَدِّي الأنْبِياءِ، ولَوْ أجابَ اللَّهُ المُقْتَرِحِينَ إلى ما يَقْتَرِحُونَ مِنَ المُعْجِزاتِ لَجَعَلَ رُسُلَهُ بِمَنزِلَةِ المُشَعْوِذِينَ وأصْحابِ الخَنْقَطَراتِ والسِّيمِياءِ، إذْ يَتَلَقَّوْنَ مُقْتَرَحاتِ النّاسِ في المَحافِلِ والمَجامِعِ العامَّةِ والخاصَّةِ، وهَذا مِمّا يَحُطُّ مِن مِقْدارِ الرِّسالَةِ. وفي إنْجِيلِ مَتّى: أنَّ قَوْمًا قالُوا لِلْمَسِيحِ: نُرِيدُ أنْ نَرى مِنكَ آيَةً فَقالَ: جِيلٌ شِرِّيرٌ يَطْلُبُ آيَةً ولا تُعْطى لَهُ آيَةٌ. وتَكَرَّرَ ذَلِكَ في واقِعَةٍ أُخْرى. وقَدْ يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَما حَكى اللَّهُ عَنْ عِيسى ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ١١٢] ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ١١٣] إلى قَوْلِهِ ﴿قالَ اللَّهُ إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكم فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]، وقالَ تَعالى ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] . صفحة ١٥ وهم لَمّا سَألُوا مُوسى أنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً ما أرادُوا التَّيَمُّنَ بِاللَّهِ، ولا التَّنَعُّمَ بِالمُشاهَدَةِ، ولَكِنَّهم أرادُوا عَجَبًا يَنْظُرُونَهُ، فَلِذَلِكَ قالُوا: (﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾)، ولَمْ يَقُولُوا: لَيْتَنا نَرى رَبَّنا. و(جَهْرَةً) ضِدُّ خُفْيَةٍ، أيْ عَلَنًا، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلرُّؤْيَةِ المُسْتَفادَةِ مِن أرِنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَرْفُوعِ في أرِنا، أيْ حالَ كَوْنِكَ مُجاهِرًا لَنا في رُؤْيَتِهِ غَيْرَ مُخْفٍ رُؤْيَتَهُ. واسْتَطْرَدَ هُنا ما لَحِقَهم مِن جَرّاءِ سُؤالِهِمْ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فَقالَ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾، وهو ما حَكاهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ بِقَوْلِهِ ﴿فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥] . وكانَ ذَلِكَ إرْهابًا لَهم وزَجْرًا، ولِذَلِكَ قالَ (بِظُلْمِهِمْ) . والظُّلْمُ هو المَحْكِيُّ في سُورَةِ البَقَرَةِ مِنِ امْتِناعِهِمْ مِن تَصْدِيقِ مُوسى إلى أنْ يَرَوُا اللَّهَ جَهْرَةً، ولَيْسَ الظُّلْمُ لِمُجَرَّدِ طَلَبِ الرُّؤْيَةِ؛ لِأنَّ مُوسى قَدْ سَألَ مِثْلَ سُؤالِهِمْ مَرَّةً أُخْرى: حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] الآيَةَ في سُورَةِ الأعْرافِ. وبَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَرْدَعْهم ذَلِكَ فاتَّخَذُوا العِجْلَ إلَهًا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ الدّالَّةُ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ. وعُطِفَتْ جُمْلَةُ اتِّخاذِهِمُ العَجَلَ بِحَرْفِ (ثُمَّ) المُفِيدِ في عَطْفِهِ الجُمَلَ مَعْنى التَّراخِي الرُّتَبِيِّ. فَإنَّ اتِّخاذَهُمُ العِجْلَ إلَهًا أعْظَمُ جُرْمًا مِمّا حُكِيَ قَبْلَهُ، ومَعَ ذَلِكَ عَفا اللَّهُ عَنْهم وآتى مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا، أيْ حُجَّةً واضِحَةً عَلَيْهِمْ في تَمَرُّدِهِمْ، فَصارَ يَزْجُرُهم ويُؤَنِّبُهم. ومِن سُلْطانِهِ المُبِينِ أنْ أحْرَقَ لَهُمُ العِجْلَ الَّذِي اتَّخَذُوهُ إلَهًا. ثُمَّ ذَكَرَ آياتٍ أُخْرى أظْهَرَها اللَّهُ لَهم وهي: رَفْعُ الطُّورِ، والأمْرُ بِقِتالِ أهْلِ أرِيحا، ودُخُولِهِمْ بابَها سُجَّدًا. والبابُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ بابُ مَدِينَةِ أرِيحا، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ بابُ المَمَرِّ بَيْنَ الجِبالِ ونَحْوِها، كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ صفحة ١٦ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ [المائدة: ٢٣] إلى قَوْلِهِ ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ [المائدة: ٢٣] في سُورَةِ العُقُودِ؛ وتَحْرِيمُ صَيْدِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ في السَّبْتِ. وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلَيْها جَمِيعًا في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأخْذُ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ: المُرادُ بِهِ العَهْدُ، ووَصْفُهُ بِالغَلِيظِ. أيِ القَوِيِّ، والغِلَظُ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، فاسْتُعِيرَ لِقُوَّةِ المَعْنى وكَنّى بِهِ عَنْ تَوَثُّقِ العَهْدِ لِأنَّ الغِلَظَ يَسْتَلْزِمُ القُوَّةَ، والمُرادُ جِنْسُ المِيثاقِ الصّادِقِ بِالعُهُودِ الكَثِيرَةِ الَّتِي أُخِذَتْ عَلَيْهِمْ، وقَدْ ذُكِرَ أكْثَرُها في آيِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا إظْهارُ تَأصُّلِهِمْ في اللَّجاجِ والعِنادِ، مِن عَهْدِ أنْبِيائِهِمْ، تَسْلِيَةً لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى ما لَقِيَ مِنهم، وتَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] . وقَوْلُهُ: (لا تَعَدُّوا) قَرَأهُ نافِعٌ في أصَحِّ الرِّواياتِ، وهي لِوَرْشٍ عَنْهُ ولِقالُونَ في إحْدى رِوايَتَيْهِ عَنْهُ بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِّ المَضْمُومَةِ أصْلُهُ: لا تَعْتَدُوا، والِاعْتِداءُ افْتِعالٌ مِنَ العَدْوِ، يُقالُ: اعْتَدى عَلى فُلانٍ، أيْ تَجاوَزَ حَدَّ الحَقِّ مَعَهُ، فَلَمّا كانَتِ التّاءُ قَرِيبَةً مِن مَخْرَجِ الدّالِ ووَقَعَتْ مُتَحَرِّكَةً وقَبْلَها ساكِنٌ، تَهَيَّأ إدْغامُها، فَنُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى العَيْنِ السّاكِنَةِ قَبْلَها، وأُدْغِمَتْ في الدّالِ إدْغامًا لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ، ولِذَلِكَ جازَ في كَلامِ العَرَبِ إظْهارُها؛ فَقالُوا: تَعْتَدُوا وتَعَدُّوا، لِأنَّها وقَعَتْ قَبْلَ الدّالِ، فَكانَتْ غَيْرَ مَجْذُوبَةٍ إلى مَخْرَجِهِ، ولَوْ وقَعَتْ بَعْدَ الدّالِ لَوَجَبَ إدْغامُها في نَحْوِ أدّانَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، وقالُونُ في إحْدى رِوايَتَيْنِ عَنْهُ: (﴿لا تَعْدُوا﴾) بِسُكُونِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ الدّالِ مُضارِعٌ مَجْزُومٌ مِنَ العَدْوِ، وهو العُدْوانُ، كَقَوْلِهِ ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] في سُورَةِ الأعْرافِ. وفي إحْدى رِوايَتَيْنِ عَنْ قالُونَ: بِاخْتِلاسِ الفَتْحَةِ، وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ: بِسُكُونِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وهي رِوايَةٌ عَنْ نافِعٍ أيْضًا، رَواها ابْنُ مُجاهِدٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ، في الحُجَّةِ: وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ يُنْكِرُونَ الجَمْعَ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ إذا كانَ الثّانِي مِنهُما مُدْغَمًا ولَمْ يَكُنِ الأوَّلُ مِنهُما حَرْفَ لِينٍ، نَحْوَ دابَّةٍ، يَقُولُونَ: المَدُّ يَصِيرُ عِوَضًا عَنِ الحَرَكَةِ، قالَ: وإذا جازَ نَحْوُ دُوَيْبَّةٍ مَعَ نُقْصانِ المَدِّ الَّذِي صفحة ١٧ فِيهِ لَمْ يُمْتَنَعْ أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ في نَحْوِ: تَعْدُوا. لِأنَّ ما بَيْنَ حَرْفِ اللِّينِ وغَيْرِهِ يَسِيرٌ، أيْ مَعَ عَدَمِ تَعَذُّرِ النُّطْقِ بِهِ.

النساء 4:155

﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِئاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ . التَّفْرِيعُ عَلى قَوْلِهِ (﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ١٥٤]) والباءُ لِلسَّبِيبَةِ جارَّةٌ لِـ (نَقْضِهِمْ)، و(ما) مَزِيدَةٌ بَعْدَ الباءِ لِتَوْكِيدِ التَّسَبُّبِ، وحَرْفُ (ما) المَزِيدُ بَعْدَ الباءِ لا يَكُفُّ الباءَ عَنْ عَمَلِ الجَرِّ، وكَذَلِكَ إذا زِيدَ (ما) بَعْدَ (مِن) وبَعْدَ (عَنْ) وأمّا إذا زِيدَ بَعْدَ كافِ الجَرِّ وبَعْدَ رُبَّ فَإنَّهُ يَكُفُّ الحَرْفَ عَنْ عَمَلِ الجَرِّ. ومُتَعَلَّقُ قَوْلِهِ (بِما نَقْضِهِمْ): يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْذُوفًا، لِتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ في مَذاهِبِ الهَوْلِ، وتَقْدِيرُهُ: فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠])، وما بَيْنَهُما مُسْتَطْرَداتٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ [النساء: ١٦٠] كالفَذْلَكَةِ الجامِعَةِ لِجَرائِمِهِمُ المَعْدُودَةِ مِن قَبْلُ. ولا يَصْلُحُ تَعْلِيقُ المَجْرُورِ بِـ (طَبَعَ) لِأنَّهُ وقَعَ رَدًّا عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾، وهو مِن جُمْلَةِ المَعْطُوفاتِ الطّالِبَةِ لِلتَّعَلُّقِ، لَكِنْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (طَبَعَ) دَلِيلًا عَلى الجَوابِ المَحْذُوفِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الأحْداثِ المَذْكُورَةِ هُنا في مَواضِعِها. وقُدِّمَ المُتَعَلِّقُ لِإفادَةِ الحَصْرِ: وهو أنْ لَيْسَ التَّحْرِيمُ إلّا لِأجْلِ ما صَنَعُوهُ، فالمَعْنى: ما حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ إلّا بِسَبَبِ نَقْضِهِمْ، وأكَّدَ مَعْنى الحَصْرِ والتَّسَبُّبِ بِما الزّائِدَةِ، فَأفادَتِ الجُمْلَةُ حَصْرًا وتَأْكِيدًا. وقَوْلُهُ ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ المَعاطِيفِ. والطَّبْعُ: إحْكامُ الغَلْقِ بِجَعْلِ طِينٍ ونَحْوِهِ عَلى سَدِّ المَغْلُوقِ بِحَيْثُ لا يَنْفُذُ إلَيْهِ مُسْتَخْرِجُ صفحة ١٨ ما فِيهِ إلّا بَعْدَ إزالَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ المَطْبُوعِ بِهِ، وقَدْ يَسِمُونَ عَلى ذَلِكَ الغَلْقِ بِسِمَةٍ تَتْرُكُ رَسْمًا في ذَلِكَ المَجْعُولِ، وتُسَمّى الآلَةُ الواسِمَةُ طابَعًا بِفَتْحِ الباءِ فَهو يُرادِفُ الخَتْمَ. ومَعْنى بِكُفْرِهِمْ بِسَبَبِهِ، فالكُفْرُ المُتَزايِدُ يَزِيدُ تَعاصِيَ القُلُوبِ عَنْ تَلَقِّي الإرْشادِ، وأُرِيدَ بِقَوْلِهِ (بِكُفْرِهِمْ) كُفْرُهُمُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ ﴿وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ﴾ . والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا قَلِيلًا مِن عُمُومِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ: أيْ لا يُؤْمِنُونَ إيمانًا إلّا إيمانًا قَلِيلًا، وهو مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ إذِ الإيمانُ لا يَقْبَلُ القِلَّةَ والكَثْرَةَ، فالقَلِيلُ مِنَ الإيمانِ عَدَمٌ، فَهو كُفْرٌ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨]) . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ قِلَّةُ الإيمانِ كِنايَةً عَنْ قِلَّةِ أصْحابِهِ مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ.

النساء 4:156

﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ ﴿وقَوْلِهم إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهم وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] . عُطِفَ (وبِكُفْرِهِمْ) مَرَّةً ثانِيَةً عَلى قَوْلِهِ (فَبِما نَقْضِهِمْ) ولَمْ يَسْتَغْنِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ”﴿وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٥]“، وأُعِيدَ مَعَ ذَلِكَ حَرْفُ الجَرِّ الَّذِي يُغْنِي عَنْهُ حَرْفُ العَطْفِ قَصْدًا لِلتَّأْكِيدِ، واعْتُبِرَ العَطْفُ لِأجْلِ بُعْدِ ما بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، ولِأنَّهُ في مَقامِ التَّهْوِيلِ لِأمْرِ الكُفْرِ؛ فالمُتَكَلِّمُ يَذْكُرُهُ ويُعِيدُهُ: يَتَثَبَّتُ ويُرِي أنَّهُ لا رِيبَةَ في إناطَةِ الحُكْمِ بِهِ، ونَظِيرُ هَذا التَّكْرِيرِ قَوْلُ لَبِيدٍ: فَتَنازَعا سَبِطًا يَطِيرُ ظِلالُـهُ كَدُخانِ مُشْعَلَةٍ يَشِبُّ ضِرامُها مَشْمُولَةٍ غُلِثَتْ بِنابِتِ عَرْفَـجٍ ∗∗∗ كَدُخانِ نارٍ ساطِعٍ أسْنامُهَـا صفحة ١٩ فَأعادَ التَّشْبِيهَ بِقَوْلِهِ (كَدُخانِ نارٍ) لِيُحَقِّقَ مَعْنى التَّشْبِيهِ الأوَّلِ. وفي الكَشّافِ ”تَكَرَّرَ الكُفْرُ مِنهم لِأنَّهم كَفَرُوا بِمُوسى ثُمَّ بِعِيسى ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فَعُطِفَ بَعْضُ كُفْرِهِمْ عَلى بَعْضٍ“، أيْ فالكَفْرُ الثّانِي اعْتُبِرَ مُخالِفًا لِلَّذِي قَبْلَهُ بِاعْتِبارِ عَطْفِ قَوْلِهِ (﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا﴾) . ونَظِيرُهُ قَوْلُ عُوَيْفٍ القَوافِيِّ: واللُّؤْمُ أكْرَمُ مِن وبْـرٍ ووالِـدِهِ ∗∗∗ واللُّؤْمُ أكْرَمُ مِن وبْرٍ وما ولَدا إذْ عَطَفَ قَوْلَهُ (واللُّؤْمُ أكْرَمُ مِن وبْرٍ) بِاعْتِبارِ أنَّ الثّانِي قَدْ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وما ولَدا) . والبُهْتانُ مَصْدَرُ (بَهَتَهُ) إذا أتاهُ بِقَوْلٍ أوْ عَمَلٍ لا يَتَرَقَّبُهُ ولا يَجِدُ لَهُ جَوابًا، والَّذِي يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ بَهُوتٌ، وجَمْعُهُ: بُهُتٌ وبُهْتٌ. وقَدْ زَيَّنَ اليَهُودُ ما شاءُوا في الإفْكِ عَلى مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - . أمّا قَوْلُهم إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ، فَمَحَلُّ المُؤاخَذَةِ عَلَيْهِمْ مِنهُ: هو أنَّهم قَصَدُوا أنْ يَعُدُّوا هَذا الإثْمَ في مَفاخِرِ أسْلافِهِمُ الرّاجِعَةِ إلى الإخْلافِ بِالعَهْدِ المُبِينِ في سَبِيلِ نَصْرِ الدِّينِ. والمَسِيحُ كانَ لَقَبًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَقَّبَهُ بِهِ اليَهُودُ تَهَكُّمًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مَعْنى المَسِيحِ في اللُّغَةِ العِبْرِيَّةِ بِمَعْنى المَلِكِ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٥]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وهو لَقَبٌ قَصَدُوا مِنهُ التَّهَكُّمَ، فَصارَ لَقَبًا لَهُ بَيْنَهم. وقَلَبَ اللَّهُ قَصْدَهم تَحْقِيرَهُ فَجَعَلَهُ تَعْظِيمًا لَهُ. ونَظِيرُهُ ما كانَ يُطْلِقُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ عَلى النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ اسْمَ مُذَمَّمٍ، قالَتِ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ: مُذَمَّمًا عَصَيْنا، وأمْرَهُ أبَيْنا. فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ «ألا تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ ولَعْنَهم، يَشْتُمُونَ ويَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا وأنا مُحَمَّدٌ» . صفحة ٢٠ وقَوْلُهُ (رَسُولُ اللَّهِ) إنْ كانَ مِنَ الحِكايَةِ: فالمَقْصُودُ مِنهُ الثَّناءُ عَلَيْهِ والإيماءُ إلى أنَّ الَّذِينَ يَتَبَجَّحُونَ بِقَتْلِهِ أحْرِياءُ بِما رَتَّبَ لَهم عَلى قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ نَصْبُ رَسُولِ اللَّهِ عَلى المَدْحِ، وإنْ كانَ مِنَ المَحْكِيِّ: فَوَصْفُهم إيّاهُ مِنهُ التَّهَكُّمَ، كَقَوْلِ المُشْرِكِينَ لِلنَّبِيءِ ﷺ (﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]) وقَوْلِ أهْلِ مَدْيَنَ لِشُعَيْبٍ (﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]) فَيَكُونُ نَصْبُ رَسُولِ اللَّهِ عَلى النَّعْتِ لِلْمَسِيحِ. وقَوْلُهُ (﴿وما قَتَلُوهُ﴾ [النساء: ١٥٧]) الخَ الظّاهِرُ أنَّ الواوَ فِيهِ لِلْحالِ، أيْ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ في حالِ أنَّهم ما قَتَلُوهُ، ولَيْسَ خَبَرًا عَنْ نَفْيِ القَتْلِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ خَبَرًا لاقْتَضى الحالُ تَأْكِيدَهُ بِمُؤَكِّداتٍ قَوِيَّةٍ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ حالًا مِن فاعِلِ القَوْلِ المَعْطُوفِ عَلى أسْبابِ لَعْنِهِمْ ومُؤاخَذَتِهِمْ كانَتْ تِلْكَ الأسْبابُ مُفِيدَةً ثُبُوتَ كَذِبِهِمْ، عَلى أنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُهُ خَبَرًا مَعْطُوفًا عَلى الجُمَلِ المُخْبَرِ بِها عَنْهم، ويَكُونُ تَجْرِيدُهُ مِنَ المُؤَكِّداتِ: إمّا لِاعْتِبارِ أنَّ المُخاطَبَ بِهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، وإمّا لِاعْتِبارِ هَذا الخَبَرِ غَنِيًّا عَنِ التَّأْكِيدِ، فَيَكُونُ تَرْكُ التَّأْكِيدِ تَخْرِيجًا عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ، وإمّا لِكَوْنِهِ لَمْ يُتَلَقَّ إلّا مِنَ اللَّهِ العالِمِ بِخَفِيّاتِ الأُمُورِ، فَكانَ أعْظَمَ مِن أنْ يُؤَكَّدَ. وعَطَفَ (﴿وما صَلَبُوهُ﴾ [النساء: ١٥٧]) لِأنَّ الصَّلْبَ قَدْ يَكُونُ دُونَ القَتْلِ، فَقَدْ كانُوا رُبَّما صَلَبُوا الجانِيَ تَعْذِيبًا لَهُ ثُمَّ عَفَوْا عَنْهُ، وقالَ تَعالى ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣] . والمَشْهُورُ في الِاسْتِعْمالِ: أنَّ الصَّلْبَ هو أنْ يُوثَقَ المَعْدُودُ لِلْقَتْلِ عَلى خَشَبَةٍ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ التَّحَرُّكَ ثُمَّ يُطْعَنُ بِالرُّمْحِ أوْ يُرْمى بِسَهْمٍ، وكَذَلِكَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ عِيسى صُلِبَ ثُمَّ طُعِنَ بِرُمْحٍ في قَلْبِهِ. وجُمْلَةُ (ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمُ) اسْتِدْراكٌ، والمُسْتَدْرَكُ هو ما أفادَهُ (وما قَتَلُوهُ) مِن كَوْنِ هَذا القَوْلِ لا شُبْهَةَ فِيهِ. وأنَّهُ اخْتِلاقٌ مَحْضٌ، فَبَيَّنَ بِالِاسْتِدْراكِ أنَّ أصْلَ ظَنِّهِمْ أنَّهم قَتَلُوهُ أنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّهم قَتَلُوهُ، وهي شُبْهَةٌ أوْهَمَتِ اليَهُودَ صفحة ٢١ أنَّهم قَتَلُوا المَسِيحَ، وهي ما رَأوْهُ ظاهِرًا مِن وُقُوعِ قَتْلٍ وصَلْبٍ عَلى ذاتٍ يَعْتَقِدُونَها ذاتَ المَسِيحِ، وبِهَذا ورَدَتِ الآثارُ في تَأْوِيلِ كَيْفِيَّةِ مَعْنى الشَّبَهِ. وقَوْلُهُ (شُبِّهَ لَهم) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: أنَّ اليَهُودَ الَّذِينَ زَعَمُوا قَتْلَهُمُ المَسِيحَ في زَمانِهِمْ قَدْ شُبِّهَ لَهم مُشَبَّهٌ بِالمَسِيحِ فَقَتَلُوهُ، ونَجّى اللَّهُ المَسِيحَ مِن إهانَةِ القَتْلِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ (شُبِّهَ) فِعْلًا مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ، مُشْتَقًّا مِنَ الشَّبَهِ، وهو المُماثَلَةُ في الصُّورَةِ. وحُذِفَ المَفْعُولُ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يَكُونَ نائِبَ فاعِلٍ (شُبِّهَ) لِدَلالَةِ فِعْلِ (شُبِّهَ) عَلَيْهِ؛ فالتَّقْدِيرُ: شُبِّهَ مُشَبَّهٌ فَيَكُونُ لَهم نائِبًا عَنِ الفاعِلِ. وضَمِيرُ (لَهم) عَلى هَذا الوَجْهِ عائِدٌ إلى الَّذِينَ قالُوا ﴿إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٥٧] وهم يَهُودُ زَمانِهِ، أيْ وقَعَتْ لَهُمُ المُشابَهَةُ، واللّامُ عَلى هَذا بِمَعْنى عِنْدَ كَما تَقُولُ: حَصَلَ لِي ظَنٌّ بِكَذا. والِاسْتِدْراكُ بَيِّنٌ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ولَكِنْ شُبِّهَ لِلْيَهُودِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ خَبَرُ صَلْبِ المَسِيحِ، أيِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمُ الكَذِبُ بِالصِّدْقِ، فَيَكُونُ مِن بابِ قَوْلِ العَرَبِ: خُيِّلَ إلَيْكَ، واخْتَلَطَ عَلى فُلانٍ. ولَيْسَ ثَمَّةَ شَبِيهٌ بِعِيسى ولَكِنَّ الكَذِبَ في خَبَرِهِ شَبِيهٌ بِالصِّدْقِ، واللّامُ عَلى هَذا لامُ الأجَلِ: أيْ لُبِسَ الخَبَرُ كَذِبُهُ بِالصِّدْقِ لِأجْلِهِمْ، أيْ لِتَضْلِيلِهِمْ، أيْ أنَّ كُبَراءَهُمُ اخْتَلَقُوهُ لَهم لِيُبَرِّدُوا غَلِيلَهم مِنَ الحَنَقِ عَلى عِيسى إذْ جاءَ بِإبْطالِ ضَلالاتِهِمْ. أوْ تَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى (عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧]) . ونُكْتَةُ العُدُولِ عَنْ حَرْفٍ عَلى تَضْمِينِ فِعْلِ شُبِّهَ مَعْنى صُنِعَ، أيْ صَنَعَ الأحْبارُ هَذا الخَبَرَ لِأجْلِ إدْخالِ الشُّبْهَةِ عَلى عامَّتِهِمْ. وفِي الأخْبارِ أنَّ يَهُوذا الِاسْخِرْيُوطِيَّ أحَدُ أصْحابِ المَسِيحِ، وكانَ قَدْ ضَلَّ ونافَقَ هو الَّذِي وشى بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو الَّذِي ألْقى اللَّهُ عَلَيْهِ شَبَهَ عِيسى، وأنَّهُ الَّذِي صُلِبَ، وهَذا أصْلُهُ في إنْجِيلِ بِرَنابِي أحَدُ تَلامِيذِ الحَوارِيِّينَ. وهَذا يُلائِمُ الِاحْتِمالَ الأوَّلَ. ويُقالُ: إنَّ بِيلاطِسَ، والِيَ فِلَسْطِينَ، سُئِلَ في رُومَةَ عَنْ قَضِيَّةِ قَتْلِ عِيسى وصَلْبِهِ فَأجابَ بِأنَّهُ لا عِلْمَ لَهُ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ القَضِيَّةِ، فَتَأيَّدَ بِذَلِكَ اضْطِرابُ صفحة ٢٢ النّاسِ في وُقُوعِ قَتْلِهِ وصَلْبِهِ، ولَمْ يَقَعْ وإنَّما اخْتَلَقَ اليَهُودُ خَبَرَهُ، وهَذا يُلائِمُ الِاحْتِمالَ الثّانِي. والَّذِي يَجِبُ اعْتِقادُهُ بِنَصِّ القُرْآنِ: أنَّ المَسِيحَ لَمْ يُقْتَلْ، ولا صُلِبَ، وأنَّ اللَّهَ رَفَعَهُ إلَيْهِ ونَجّاهُ مِن طالِبِيهِ، وأمّا ما عَدا ذَلِكَ فالأمْرُ فِيهِ مُحْتَمَلٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في رَفْعِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقَوْلُهُ ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ﴾ [النساء: ١٥٧] يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ خِلافٍ في شَأْنِ قَتْلِ المَسِيحِ. والخِلافُ فِيهِ مَوْجُودٌ بَيْنَ المَسِيحِيِّينَ: فَجُمْهُورُهم يَقُولُونَ: قَتَلَتْهُ اليَهُودُ، وبَعْضُهم يَقُولُ: لَمْ يَقْتُلْهُ اليَهُودُ، ولَكِنْ قَتَلُوا يَهُوذا الِاسْخِرْيُوطِيَّ الَّذِي شُبِّهَ لَهم بِالمَسِيحِ، وهَذا الِاعْتِقادُ مَسْطُورٌ في إنْجِيلِ بِرْنابِي الَّذِي تَعْتَبِرُهُ الكَنِيسِيَّةُ اليَوْمَ كِتابًا مُحَرَّفًا فالمَعْنى أنَّ مُعْظَمَ النَّصارى المُخْتَلِفِينَ في شَأْنِهِ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِصَلْبِهِ. بَلْ يُخالِجُ أنْفُسَهُمُ الشَّكُّ، ويَتَظاهَرُونَ بِاليَقِينِ، وما هو بِاليَقِينِ، فَما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ قاطِعٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ. فالمُرادُ بِالظَّنِّ هُنا: مَعْنى الشَّكِّ، وقَدْ أُطْلِقَ الظَّنُّ عَلى هَذا في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كَلامِ العَرَبِ، وفي القُرْآنِ (﴿إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢])، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «إيّاكم والظَّنَّ فَإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ» . فالِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ مُنْقَطِعٌ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ: حَلَفْتُ يَمِينًا غَيْرَ ذِي مَثْـنَـوِيَّةٍ ∗∗∗ ولا عِلْمَ إلّا حُسْنُ ظَنٍّ بِصاحِبِ

النساء 4:157

﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ . يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾ . واليَقِينُ: العِلْمُ الجازِمُ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ، فَهو اسْمُ مَصْدَرٍ، والمَصْدَرُ اليَقَنُ بِالتَّحْرِيكِ، يُقالُ: يَقِنَ كَفَرِحَ يَيْقَنُ يَقَنًا، وهو مَصْدَرٌ قَلِيلُ الِاسْتِعْمالِ، ويُقالُ: أيْقَنَ يُوقِنُ إيقانًا، وهو الشّائِعُ. صفحة ٢٣ وقَوْلُهُ (﴿يَقِينًا﴾) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نُصِبَ عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةٍ قَبْلَهُ: لِأنَّ مَضْمُونَ (﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾) بَعْدَ قَوْلِهِ (﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾) إلى قَوْلِهِ ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ انْتِفاءَ قَتْلِهِمْ إيّاهُ أمْرٌ مُتَيَقَّنٌ، فَصَحَّ أنْ يَكُونَ يَقِينًا مُؤَكِّدًا لِهَذا المَضْمُونِ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الواوِ في قَتَلُوهُ، أيْ ما قَتَلُوهُ مُتَيَقِّنِينَ قَتْلَهُ، ويَكُونُ النَّفْيُ مُنْصَبًّا عَلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ مَعًا، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ (﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ﴾)، أيْ: هم في زَعْمِهِمْ قَتْلَهُ لَيْسُوا بِمُوقِنِينَ بِذَلِكَ لِلِاضْطِرابِ الَّذِي حَصَلَ في شَخْصِهِ حِينَ إمْساكِ مَن أمْسَكُوهُ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فالقَتْلُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ. وضَمِيرُ النَّصْبِ في قَتَلُوهُ عائِدٌ إلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القَتْلُ مُسْتَعْمَلًا مَجازًا في التَّمَكُّنِ مِنَ الشَّيْءِ والتَّغَلُّبِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِمْ: قَتَلَ الخَمْرَ إذا مَزَجَها حَتّى أزالَ قُوَّتَها، وقَوْلِهِمْ: قَتَلَ أرْضًا عالِمُها، ومِن شِعْرِ الحَماسَةِ في بابِ الهِجاءِ: يَرُوعُكَ مِن سَعِدِ بْنِ عَمْرٍو جُسُومُها وتَزْهَدُ فِيها حِينَ تَقْتُلُهَـا خُـبْـرا وقَوْلِ الشّاعِرِ: كَذاكَ تُخْبِرُ عَنْها العالِماتُ بِها ∗∗∗ وقَدْ قَتَلْتُ بِعِلْمِي ذَلِكم يَقَنًا وقَوْلِ الآخَرِ: قَتَلَتْنِيَ الأيّامُ حِينَ قَتَلْتُهَـا ∗∗∗ خُبْرًا فَأُبْصِرُ قاتِلًا مَقْتُولًا وضَمِيرُ النَّصْبِ في قَتَلُوهُ عائِدٌ إلى العِلْمِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾، فَيَكُونُ (﴿يَقِينًا﴾) عَلى هَذا تَمْيِيزًا لِنِسْبَةِ قَتَلُوهُ. ولِذَلِكَ كُلِّهِ أعْقَبَ بِالإبْطالِ بِقَوْلِهِ ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾، أيْ فَلَمْ يَظْفَرُوا بِهِ. والرَّفْعُ: إبْعادُهُ عَنْ هَذا العالَمِ إلى عالَمِ السَّماواتِ، و(إلى) إفادَةُ الِانْتِهاءِ المَجازِيِّ بِمَعْنى التَّشْرِيفِ، أيْ رَفَعَهُ اللَّهُ رَفْعَ قُرْبٍ وزُلْفى. صفحة ٢٤ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى هَذا الرَّفْعِ، وعَلى الِاخْتِلافِ في أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَقِيَ حَيًّا أوْ أماتَهُ اللَّهُ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ظاهِرُ المَوْقِعِ لِأنَّهُ لَمّا عَزَّ فَقَدْ حَقَّ لِعِزِّهِ أنْ يُعِزَّ أوْلِياءَهُ، ولَمّا كانَ حَكِيمًا فَقَدْ أتْقَنَ صُنْعَ هَذا الرَّفْعِ فَجَعَلَهُ فِتْنَةً لِلْكافِرِينَ، وتَبْصِرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وعُقُوبَةً لِيَهُوذا الخائِنِ.

النساء 4:158

﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ . يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾ . واليَقِينُ: العِلْمُ الجازِمُ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ، فَهو اسْمُ مَصْدَرٍ، والمَصْدَرُ اليَقَنُ بِالتَّحْرِيكِ، يُقالُ: يَقِنَ كَفَرِحَ يَيْقَنُ يَقَنًا، وهو مَصْدَرٌ قَلِيلُ الِاسْتِعْمالِ، ويُقالُ: أيْقَنَ يُوقِنُ إيقانًا، وهو الشّائِعُ. صفحة ٢٣ وقَوْلُهُ (﴿يَقِينًا﴾) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نُصِبَ عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةٍ قَبْلَهُ: لِأنَّ مَضْمُونَ (﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾) بَعْدَ قَوْلِهِ (﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾) إلى قَوْلِهِ ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ انْتِفاءَ قَتْلِهِمْ إيّاهُ أمْرٌ مُتَيَقَّنٌ، فَصَحَّ أنْ يَكُونَ يَقِينًا مُؤَكِّدًا لِهَذا المَضْمُونِ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الواوِ في قَتَلُوهُ، أيْ ما قَتَلُوهُ مُتَيَقِّنِينَ قَتْلَهُ، ويَكُونُ النَّفْيُ مُنْصَبًّا عَلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ مَعًا، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ (﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ﴾)، أيْ: هم في زَعْمِهِمْ قَتْلَهُ لَيْسُوا بِمُوقِنِينَ بِذَلِكَ لِلِاضْطِرابِ الَّذِي حَصَلَ في شَخْصِهِ حِينَ إمْساكِ مَن أمْسَكُوهُ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فالقَتْلُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ. وضَمِيرُ النَّصْبِ في قَتَلُوهُ عائِدٌ إلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القَتْلُ مُسْتَعْمَلًا مَجازًا في التَّمَكُّنِ مِنَ الشَّيْءِ والتَّغَلُّبِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِمْ: قَتَلَ الخَمْرَ إذا مَزَجَها حَتّى أزالَ قُوَّتَها، وقَوْلِهِمْ: قَتَلَ أرْضًا عالِمُها، ومِن شِعْرِ الحَماسَةِ في بابِ الهِجاءِ: يَرُوعُكَ مِن سَعِدِ بْنِ عَمْرٍو جُسُومُها وتَزْهَدُ فِيها حِينَ تَقْتُلُهَـا خُـبْـرا وقَوْلِ الشّاعِرِ: كَذاكَ تُخْبِرُ عَنْها العالِماتُ بِها ∗∗∗ وقَدْ قَتَلْتُ بِعِلْمِي ذَلِكم يَقَنًا وقَوْلِ الآخَرِ: قَتَلَتْنِيَ الأيّامُ حِينَ قَتَلْتُهَـا ∗∗∗ خُبْرًا فَأُبْصِرُ قاتِلًا مَقْتُولًا وضَمِيرُ النَّصْبِ في قَتَلُوهُ عائِدٌ إلى العِلْمِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾، فَيَكُونُ (﴿يَقِينًا﴾) عَلى هَذا تَمْيِيزًا لِنِسْبَةِ قَتَلُوهُ. ولِذَلِكَ كُلِّهِ أعْقَبَ بِالإبْطالِ بِقَوْلِهِ ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾، أيْ فَلَمْ يَظْفَرُوا بِهِ. والرَّفْعُ: إبْعادُهُ عَنْ هَذا العالَمِ إلى عالَمِ السَّماواتِ، و(إلى) إفادَةُ الِانْتِهاءِ المَجازِيِّ بِمَعْنى التَّشْرِيفِ، أيْ رَفَعَهُ اللَّهُ رَفْعَ قُرْبٍ وزُلْفى. صفحة ٢٤ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى هَذا الرَّفْعِ، وعَلى الِاخْتِلافِ في أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَقِيَ حَيًّا أوْ أماتَهُ اللَّهُ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ظاهِرُ المَوْقِعِ لِأنَّهُ لَمّا عَزَّ فَقَدْ حَقَّ لِعِزِّهِ أنْ يُعِزَّ أوْلِياءَهُ، ولَمّا كانَ حَكِيمًا فَقَدْ أتْقَنَ صُنْعَ هَذا الرَّفْعِ فَجَعَلَهُ فِتْنَةً لِلْكافِرِينَ، وتَبْصِرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وعُقُوبَةً لِيَهُوذا الخائِنِ.

النساء 4:159

﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (وما قَتَلُوهُ) وهَذا الكَلامُ إخْبارٌ عَنْهم، ولَيْسَ أمْرًا لَهم، لِأنَّ وُقُوعَ لامِ الِابْتِداءِ فِيهِ يُنادِي عَلى الخَبَرِيَّةِ. و(إنَّ) نافِيَةٌ و(مِن أهْلِ الكِتابِ) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أحَدٌ. والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ لِعِيسى: أيْ لَيُؤْمِنَنَّ بِعِيسى. والضَّمِيرُ في مَوْتِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى أحَدِ أهْلِ الكِتابِ، أيْ قَبْلَ أنْ يَمُوتَ الكِتابِيُّ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ. وأهْلُ الكِتابِ يُطْلَقُ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ فَأمّا النَّصارى فَهم مُؤْمِنُونَ بِعِيسى مِن قَبْلُ، فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودَ. والمَعْنى أنَّ اليَهُودَ مَعَ شِدَّةِ كُفْرِهِمْ بِعِيسى لا يَمُوتُ أحَدٌ مِنهم إلّا وهو يُؤْمِنُ بِنُبُوَّتِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، أيْ يَنْكَشِفُ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الِاحْتِضارِ قَبْلَ انْزِهاقِ رُوحِهِ، وهَذِهِ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ بِها عَلى عِيسى، إذْ جَعَلَ أعْداءَهُ لا يَخْرُجُونَ مِنَ الدُّنْيا إلّا وقَدْ آمَنُوا بِهِ جَزاءً لَهُ عَلى ما لَقِيَ مِن تَكْذِيبِهِمْ، لِأنَّهُ لَمْ يَتَمَتَّعْ بِمُشاهَدَةِ أُمَّةٍ تَتْبَعُهُ. وقِيلَ: كَذَلِكَ النَّصْرانِيُّ عِنْدَ مَوْتِهِ يَنْكَشِفُ لَهُ أنَّ عِيسى عَبْدُ اللَّهِ. وعِنْدِي أنَّ ضَمِيرَ (بِهِ) راجِعٌ إلى الرَّفْعِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ (رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ)، ويَعُمُّ قَوْلُهُ (أهْلِ الكِتابِ) اليَهُودَ، والنَّصارى، حَيْثُ اسْتَوَوْا مَعَ اليَهُودِ في اعْتِقادِ وُقُوعِ الصَّلْبِ. صفحة ٢٥ والظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ يَقْذِفُ في نُفُوسِ أهْلِ الكِتابَيْنِ الشَّكَّ في صِحَّةِ الصَّلْبِ، فَلا يَزالُ الشَّكُّ يُخالِجُ قُلُوبَهم ويَقْوى حَتّى يَبْلُغَ مَبْلَغَ العِلْمِ بِعَدَمِ صِحَّةِ الصَّلْبِ في آخِرِ أعْمارِهِمْ تَصْدِيقًا لِما جاءَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ حَيْثُ كَذَّبَ أخْبارَهم فَنَفى الصَّلْبَ عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (مَوْتِهِ) عائِدٌ إلى عِيسى، أيْ قَبْلَ مَوْتِ عِيسى؛ فَفَرَّعَ القائِلُونَ بِهَذا تَفارِيعَ: مِنها أنَّ مَوْتَهُ لا يَقَعُ إلّا آخِرَ الدُّنْيا لِيَتِمَّ إيمانُ جَمِيعِ أهْلِ الكِتابِ بِهِ قَبْلَ وُقُوعِ المَوْتِ، لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ إيمانَهم مُسْتَقْبَلًا وجَعَلَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ مَوْتُهُ مُسْتَقْبَلًا، ومِنها ما ورَدَ في الحَدِيثِ: أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ في آخِرِ مُدَّةِ الدُّنْيا لِيُؤْمِنَ بِهِ أهْلُ الكِتابِ، ولا يَخْفى أنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ ”﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾“ يُبْطِلُ هَذا التَّفْسِيرَ: لِأنَّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ عَلى حَسَبِ هَذا التَّأْوِيلِ هُمُ الَّذِينَ سَيُوجَدُونَ مِن أهْلِ الكِتابِ لا جَمِيعُهم. والشَّهِيدُ: الشّاهِدُ؛ يَشْهَدُ بِأنَّهُ بَلَّغَ لَهم دَعْوَةَ رَبِّهِمْ فَأعْرَضُوا، وبِأنَّ النَّصارى بَدَّلُوا، ومَعْنى الآيَةِ مُفَصَّلٌ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] الآياتِ في سُورَةِ العُقُودِ.

النساء 4:160

﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ وأكْلِهِمُ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ . صفحة ٢٦ إنْ كانَ مُتَعَلَّقَ قَوْلِهِ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) مَحْذُوفًا عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ كانَ قَوْلُهُ فَبِظُلْمٍ مُفَرَّعًا عَلى مَجْمُوعِ جَرائِمِهِمُ السّالِفَةِ. فَيَكُونُ المُرادُ بِظُلْمِهِمْ ظُلْمًا آخَرَ غَيْرَ ما عُدِّدَ مِن قَبْلُ، وإنْ كانَ قَوْلُهُ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ (﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ﴾) فَقَوْلُهُ (فَبِظُلْمٍ) الخَ بَدَلٌ مُطابِقٌ مِن جُمْلَةِ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) بِإعادَةِ العامِلِ في البَدَلِ مِنهُ لِطُولِ الفَصْلِ. وفائِدَةُ الإتْيانِ بِهِ أنْ يَظْهَرَ تَعَلُّقُهُ بِقَوْلِهِ (﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾) إذْ بَعُدَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ مُتَعَلِّقِهِ، وهو قَوْلُهُ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) لِيَقْوى ارْتِباطُ الكَلامِ. وأُتِيَ في جُمْلَةِ البَدَلِ بِلَفْظٍ جامِعٍ لِلْمُبْدَلِ مِنهُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ: لِأنَّ نَقْضَ المِيثاقِ، والكُفْرَ، وقَتْلَ الأنْبِياءِ، وقَوْلَهم قُلُوبُنا غُلْفٌ، وقَوْلَهم عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا، وقَوْلَهم قَتَلْنا عِيسى: كُلُّ ذَلِكَ ظُلْمٌ. فَكانَتِ الجُمْلَةُ الأخِيرَةُ بِمَنزِلَةِ الفَذْلَكَةِ لِما تَقَدَّمَ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَبِذَلِكَ كُلِّهِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ، لَكِنْ عَدَلَ إلى لَفْظِ الظُّلْمِ لِأنَّهُ أحْسَنُ تَفَنُّنًا، وأكْثَرُ فائِدَةً مِنَ الإتْيانِ بِاسْمِ الإشارَةِ. وقَدْ مَرَّ بَيانُ ذَلِكَ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظُلْمًا آخَرَ أجْمَلَهُ القُرْآنُ. وتَنْكِيرُ (ظُلْمٍ) لِلتَّعْظِيمِ، والعُدُولِ عَنْ أنْ يَقُولَ فَبِظُلْمِهِمْ، حَتّى تَأْتِيَ الضَّمائِرُ مُتَتابِعَةً مِن قَوْلِهِ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) إلى آخِرِهِ، إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ وهو (الَّذِينَ هادُوا) لِأجْلِ بُعْدِ الضَّمِيرِ في الجُمْلَةِ المُبْدَلِ مِنها: وهي (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) . ولِأنَّ في المَوْصُولِ وصْلَتِهِ ما يَقْتَضِي التَّنَزُّهَ عَنِ الظُّلْمِ لَوْ كانُوا كَما وصَفُوا أنْفُسَهم، فَقالُوا (﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦])؛ فَصُدُورُ الظُّلْمِ عَنِ الَّذِينَ هادُوا مَحَلُّ اسْتِغْرابٍ. والآيَةُ اقْتَضَتْ: أنَّ تَحْرِيمَ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ إنَّما كانَ عِقابًا لَهم، وأنَّ تِلْكَ المُحَرَّماتِ لَيْسَ فِيها مِنَ المَفاسِدِ ما يَقْتَضِي تَحْرِيمَ تَناوُلِها، وإلّا لَحُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ مَجِيءِ الشَّرِيعَةِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الطَّيِّباتِ هو ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦] إلى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦] في سُورَةِ الأنْعامِ، فَهَذا هو الجَزاءُ عَلى ظُلْمِهِمْ. صفحة ٢٧ نَقَلَ الفَخْرُ في آيَةِ سُورَةِ الأنْعامِ عَنْ عَبْدِ الجَبّارِ أنَّهُ قالَ نَفْسُ التَّحْرِيمِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً عَلى جُرْمٍ صَدَرَ مِنهم لِأنَّ التَّكْلِيفَ تَعْرِيضٌ لِلثَّوابِ، والتَّعْرِيضَ لِلثَّوابِ إحْسانٌ، فَلَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ التَّكْلِيفُ جَزاءً عَلى الجُرْمِ. قالَ الفَخْرُ: والجَوابُ أنَّ المَنعَ مِنَ الِانْتِفاعِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِقَصْدِ اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلْجُرْمِ. وهَذا الجَوابُ مُصادَرَةٌ عَلى أنَّ مِمّا يُقَوِّي الإشْكالَ أنَّ العُقُوبَةَ حَقُّها أنْ تُخَصَّ بِالمُجْرِمِينَ ثُمَّ تُنْسَخَ. فالَّذِي يَظْهَرُ لِي في الجَوابِ: إمّا أنْ يَكُونَ سَبَبُ تَحْرِيمِ تِلْكَ الطَّيِّباتِ أنَّ ما سَرى في طِباعِهِمْ بِسَبَبِ بَغْيِهِمْ وظُلْمِهِمْ مِنَ القَساوَةِ صارَ ذَلِكَ طَبْعًا في أمْزِجَتِهِمْ فاقْتَضى أنْ يُلَطِّفَ اللَّهُ طِباعَهم بِتَحْرِيمِ مَأْكُولاتٍ مِن طَبْعِها تَغْلِيظُ الطِّباعِ، ولِذَلِكَ لَمّا جاءَهم عِيسى أحَلَّ اللَّهُ لَهم بَعْضَ ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مِن ذَلِكَ لِزَوالِ مُوجِبِ التَّحْرِيمِ، وإمّا أنْ يَكُونَ تَحْرِيمُ ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ عِقابًا لِلَّذِينِ ظَلَمُوا وبَغَوْا ثُمَّ بَقِيَ ذَلِكَ عَلى مَن جاءَ بِعْدَهم لِيَكُونَ لَهم ذِكْرى ويَكُونَ لِلْأوَّلِينَ سُوءُ ذِكْرٍ مِن بابِ قَوْلِهِ ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «ما مِن نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها» . ذَلِكَ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ. وإمّا لِأنَّ هَذا التَّحْرِيمَ عُقُوبَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ راجِعَةٌ إلى الحِرْمانِ مِنَ الطَّيِّباتِ فَلا نَظَرَ إلى ما يَعْرِضُ لِهَذا التَّحْرِيمِ تارَةً مِنَ الثَّوابِ عَلى نِيَّةِ الِامْتِثالِ لِلنَّهْيِ، لِنُدْرَةِ حُصُولِ هَذِهِ النِّيَّةِ في التَّرْكِ. وصَدُّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: إنْ كانَ مَصْدَرَ (صَدَّ) القاصِرُ الَّذِي مُضارِعُهُ يَصِدُّ بِكَسْرِ الصّادِ فالمَعْنى بِإعْراضِهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ؛ وإنْ كانَ مَصْدَرَ المُتَعَدِّي الَّذِي قِياسُ مُضارِعِهِ بِضَمِّ الصّادِ، فَلَعَلَّهم كانُوا يَصُدُّونَ النّاسَ عَنِ التَّقْوى، ويَقُولُونَ: سَيُغْفَرُ لَنا، مِن زَمَنِ مُوسى قَبْلَ أنْ يُحَرَّمَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ الطَّيِّباتِ. أمّا بَعْدَ مُوسى فَقَدْ صَدُّوا النّاسَ كَثِيرًا، وعانَدُوا الأنْبِياءَ، وحاوَلُوهم عَلى كَتْمِ المَواعِظِ، وكَذَّبُوا عِيسى، وعارَضُوا دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وسَوَّلُوا لِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، جَهْرًا أوْ نِفاقًا، البَقاءَ عَلى الجاهِلِيَّةِ، كَما تَقَدَّمَ في صفحة ٢٨ قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] الآياتِ. ولِذَلِكَ وُصِفَ بِـ (كَثِيرًا) حالًا مِنهُ. وأخْذُهُمُ الرِّبا الَّذِي نُهُوا عَنْهُ: هو أنْ يَأْخُذُوهُ مَن قَوْمِهِمْ خاصَّةً ويَسُوغُ لَهم أخْذُهُ مِن غَيْرِ الإسْرائِيلِيِّينَ كَما في الإصْحاحِ مِن سِفْرِ التَّثْنِيَةِ ”لا تُقْرِضْ أخاكَ بِرِبًا رِبا فِضَّةٍ أوْ رِبا طَعامٍ أوْ رِبا شَيْءٍ ما مِمّا يُقْرَضُ بِرِبًا. لِلْأجْنَبِيِّ تُقْرِضُ بِرِبًا“ . والرِّبا مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ بِنَصِّ التَّوْراةِ في سِفْرِ الخُرُوجِ في الإصْحاحِ إنْ أقْرَضْتَ فِضَّةً لِشَعْبِي الفَقِيرِ الَّذِي عِنْدَكَ فَلا تَكُنْ لَهُ كالمُرابِي لا تَضَعُوا عَلَيْهِ رِبًا. وأكْلُهم أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ أعَمُّ مِنَ الرِّبا فَيَشْمَلُ الرَّشْوَةَ المُحَرَّمَةَ عِنْدَهم، وأخْذَهُمُ الفِداءَ عَلى الأسْرى مِن قَوْمِهِمْ، وغَيْرَ ذَلِكَ. والِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ الخَ ناشِئٌ عَلى ما يُوهِمُهُ الكَلامُ السّابِقُ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [النساء: ١٥٣] مِن تَوَغُّلِهِمْ في الضَّلالَةِ حَتّى لا يُرْجى لِأحَدٍ مِنهم خَيْرٌ وصَلاحٌ، فاسْتُدْرِكَ بِأنَّ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ مِنهم لَيْسُوا كَما تُوُهِّمَ، فَهم يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ومُخَيْرِيقٍ. والرّاسِخُ حَقِيقَتُهُ الثّابِتُ القَدَمِ في المَشْيِ، لا يَتَزَلْزَلُ؛ واسْتُعِيرَ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ الوَصْفِ مِثْلُ العِلْمِ بِحَيْثُ لا تَغُرُّهُ الشَّبَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والرّاسِخُ في العِلْمِ بَعِيدٌ عَنِ التَّكَلُّفِ وعَنِ التَّعَنُّتِ، فَلَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحَقِّ حاجِبٌ، فَهم يَعْرِفُونَ دَلائِلَ صِدْقِ الأنْبِياءِ ولا يَسْألُونَهم خَوارِقَ العاداتِ. وعَطْفُ (المُؤْمِنُونَ) عَلى (الرّاسِخُونَ) ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لَمْ يَسْألُوا نَبِيَّهم أنْ يُرِيَهُمُ الآياتِ الخَوارِقَ لِلْعادَةِ. فَلِذَلِكَ قالَ (يُؤْمِنُونَ)، أيْ (جَمِيعُهم) (﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾)، أيِ القُرْآنِ، وكَفاهم بِهِ آيَةً، (﴿وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾) عَلى الرُّسُلِ، ولا يُعادُونَ رُسُلَ اللَّهِ تَعَصُّبًا وحَمِيَّةً. صفحة ٢٩ والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ (والمُؤْمِنُونَ) الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ لِلْإيمانِ مِن أهْلِ الكِتابِ، ولَمْ يَكُونُوا مِنَ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ مِنهم، مِثْلَ اليَهُودِيِّ الَّذِي كانَ يَخْدِمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وآمَنَ بِهِ. وعَطْفُ المُقِيمِينَ بِالنَّصْبِ ثَبَتَ في المُصْحَفِ الإمامِ، وقَرَأهُ المُسْلِمُونَ في الأقْطارِ دُونَ تَنْكِيرٍ؛ فَعَلِمْنا أنَّهُ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ في عَطْفِ الأسْماءِ الدّالَّةِ عَلى صِفاتٍ مَحامِدَ، عَلى أمْثالِها، فَيَجُوزُ في بَعْضِ المُعْطُوفاتِ النَّصْبُ عَلى التَّخْصِيصِ بِالمَدْحِ، والرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ لِلِاهْتِمامِ، كَما فَعَلُوا ذَلِكَ في النُّعُوتِ المُتَتابِعَةِ، سَواءٌ كانَتْ بِدُونِ عَطْفٍ أمْ بِعَطْفٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ( ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلى قَوْلِهِ والصّابِرِينَ. قالَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ ”بابُ ما يَنْتَصِبُ في التَّعْظِيمِ والمَدْحِ“: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ صِفَةً فَجَرى عَلى الأوَّلِ، وإنْ شِئْتَ قَطَعْتَهُ فابْتَدَأْتَهُ. وذَكَرَ مِن قَبِيلِ ما نَحْنُ بِصَدَدِهِ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ فَلَوْ كانَ كُلُّهُ رَفْعًا كانَ جَيِّدًا، ومِثْلُهُ ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الخِرْنَقِ: لا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُو سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُـزُرِ النّازِلُونَ بِكُلِّ مُعْـتَـرَكٍ ∗∗∗ والطَّيِّبِينَ مَعَـاقِـدَ الأُزُرِ فِي رِوايَةِ يُونُسَ عَنِ العَرَبِ: بِرَفْعِ النّازِلُونَ ونَصْبِ الطَّيِّبِينَ، لِتَكُونَ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا مِمّا يَجْرِي عَلى قَصْدِ التَّفَنُّنِ عِنْدَ تَكَرُّرِ المُتَتابِعاتِ، ولِذَلِكَ تَكَرَّرَ وُقُوعُهُ في القُرْآنِ في مَعْطُوفاتٍ مُتَتابِعاتٍ كَما في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي هَذِهِ الآيَةِ، وفي قَوْلِهِ و(الصّابُونَ) في سُورَةِ المائِدَةِ. ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ وأبانٍ بْنِ عُثْمانَ أنَّ نَصْبَ المُقِيمِينَ خَطَأٌ، مِن كاتِبِ المُصْحَفِ وقَدْ عَدَّتْ مِنَ الخَطَأِ هَذِهِ الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلى قَوْلِهِ ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقَوْلِهِ ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] . وقَوْلِهِ و(الصّابُونَ) في سُورَةِ المائِدَةِ. وقَرَأتْها عائِشَةُ، وعَبْدُ اللَّهُ بْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، والجَحْدَرِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: والمُقِيمُونَ بِالرَّفْعِ. ولا تُرَدُّ قِراءَةُ الجُمْهُورِ المُجْمَعِ عَلَيْها بِقِراءَةٍ شاذَّةٍ. صفحة ٣٠ ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ نَصْبَ (المُقِيمِينَ) ونَحْوَهُ هو مَظْهَرُ تَأْوِيلِ قَوْلِ عُثْمانَ لِكُتّابِ المَصاحِفِ حِينَ أتَمُّوها وقَرَأها أنَّهُ قالَ لَهم أحْسَنْتُمْ وأجْمَلْتُمْ وأرى لَحْنًا قَلِيلًا سَتُقِيمُهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها. وهَذِهِ أوْهامٌ وأخْبارٌ لَمْ تَصِحَّ عَنِ الَّذِينَ نُسِبَتْ إلَيْهِمْ. ومِنَ البَعِيدِ جِدًّا أنْ يُخْطِئَ كاتِبُ المُصْحَفِ في كَلِمَةٍ بَيْنَ أخَواتِها فَيُفْرِدَها بِالخَطَأِ دُونَ سابِقَتِها أوْ تابِعَتِها، وأبْعَدَ مِنهُ أنْ يَجِيءَ الخَطَأُ في طائِفَةٍ مُتَماثِلَةٍ مِنَ الكَلِماتِ وهي الَّتِي إعْرابُها بِالحُرُوفِ النّائِبَةِ عَنْ حَرَكاتِ الإعْرابِ مِنَ المُثَنّى والجَمْعِ عَلى حَدِّهِ. ولا أحْسَبُ ما رَواهُ عَنْ عائِشَةَ وأبانِ بْنِ عُثْمانَ في ذَلِكَ صَحِيحًا. وقَدْ عَلِمْتُ وجْهَ عَرَبِيَّتِهِ في المُتَعاطِفاتِ، وأمّا وجْهُ عَرَبِيَّةِ (﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣]) فَيَأْتِي عِنْدَ الكَلامِ عَلى سُورَةِ طه. والظّاهِرُ أنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِ عُثْمانَ هو ما وقَعَ في رَسْمِ المُصْحَفِ مِن نَحْوِ الألِفاتِ المَحْذُوفَةِ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ وهم كانُوا أبْعَدَ هِمَّةً في الغَيْرَةِ عَلى الإسْلامِ وذَبِّ المَطاعِنِ عَنْهُ مِن أنْ يَتْرُكُوا في كِتابِ اللَّهِ ثُلْمَةً لِيَسُدَّها مَن بَعْدَهم وخَرْقًا يَرْفُوهُ مَن يَلْحَقُ بِهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والوَعْدُ بِالأجْرِ العَظِيمِ بِالنِّسْبَةِ لِلرّاسِخِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهم آمَنُوا بِرَسُولِهِمْ وبِمُحَمَّدٍ ﷺ وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أنَّ لَهم أجْرَيْنِ، وبِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ العَرَبِ لِأنَّهم سَبَقُوا غَيْرَهم بِالإيمانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سَنُؤْتِيهِمْ) بِنُونِ العَظَمَةِ وقَرَأهُ حَمْزَةُ وخَلَفٌ بِياءِ الغَيْبَةِ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ (﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾) .

النساء 4:161

﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ وأكْلِهِمُ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ . صفحة ٢٦ إنْ كانَ مُتَعَلَّقَ قَوْلِهِ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) مَحْذُوفًا عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ كانَ قَوْلُهُ فَبِظُلْمٍ مُفَرَّعًا عَلى مَجْمُوعِ جَرائِمِهِمُ السّالِفَةِ. فَيَكُونُ المُرادُ بِظُلْمِهِمْ ظُلْمًا آخَرَ غَيْرَ ما عُدِّدَ مِن قَبْلُ، وإنْ كانَ قَوْلُهُ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ (﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ﴾) فَقَوْلُهُ (فَبِظُلْمٍ) الخَ بَدَلٌ مُطابِقٌ مِن جُمْلَةِ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) بِإعادَةِ العامِلِ في البَدَلِ مِنهُ لِطُولِ الفَصْلِ. وفائِدَةُ الإتْيانِ بِهِ أنْ يَظْهَرَ تَعَلُّقُهُ بِقَوْلِهِ (﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾) إذْ بَعُدَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ مُتَعَلِّقِهِ، وهو قَوْلُهُ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) لِيَقْوى ارْتِباطُ الكَلامِ. وأُتِيَ في جُمْلَةِ البَدَلِ بِلَفْظٍ جامِعٍ لِلْمُبْدَلِ مِنهُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ: لِأنَّ نَقْضَ المِيثاقِ، والكُفْرَ، وقَتْلَ الأنْبِياءِ، وقَوْلَهم قُلُوبُنا غُلْفٌ، وقَوْلَهم عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا، وقَوْلَهم قَتَلْنا عِيسى: كُلُّ ذَلِكَ ظُلْمٌ. فَكانَتِ الجُمْلَةُ الأخِيرَةُ بِمَنزِلَةِ الفَذْلَكَةِ لِما تَقَدَّمَ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَبِذَلِكَ كُلِّهِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ، لَكِنْ عَدَلَ إلى لَفْظِ الظُّلْمِ لِأنَّهُ أحْسَنُ تَفَنُّنًا، وأكْثَرُ فائِدَةً مِنَ الإتْيانِ بِاسْمِ الإشارَةِ. وقَدْ مَرَّ بَيانُ ذَلِكَ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظُلْمًا آخَرَ أجْمَلَهُ القُرْآنُ. وتَنْكِيرُ (ظُلْمٍ) لِلتَّعْظِيمِ، والعُدُولِ عَنْ أنْ يَقُولَ فَبِظُلْمِهِمْ، حَتّى تَأْتِيَ الضَّمائِرُ مُتَتابِعَةً مِن قَوْلِهِ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) إلى آخِرِهِ، إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ وهو (الَّذِينَ هادُوا) لِأجْلِ بُعْدِ الضَّمِيرِ في الجُمْلَةِ المُبْدَلِ مِنها: وهي (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) . ولِأنَّ في المَوْصُولِ وصْلَتِهِ ما يَقْتَضِي التَّنَزُّهَ عَنِ الظُّلْمِ لَوْ كانُوا كَما وصَفُوا أنْفُسَهم، فَقالُوا (﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦])؛ فَصُدُورُ الظُّلْمِ عَنِ الَّذِينَ هادُوا مَحَلُّ اسْتِغْرابٍ. والآيَةُ اقْتَضَتْ: أنَّ تَحْرِيمَ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ إنَّما كانَ عِقابًا لَهم، وأنَّ تِلْكَ المُحَرَّماتِ لَيْسَ فِيها مِنَ المَفاسِدِ ما يَقْتَضِي تَحْرِيمَ تَناوُلِها، وإلّا لَحُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ مَجِيءِ الشَّرِيعَةِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الطَّيِّباتِ هو ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦] إلى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦] في سُورَةِ الأنْعامِ، فَهَذا هو الجَزاءُ عَلى ظُلْمِهِمْ. صفحة ٢٧ نَقَلَ الفَخْرُ في آيَةِ سُورَةِ الأنْعامِ عَنْ عَبْدِ الجَبّارِ أنَّهُ قالَ نَفْسُ التَّحْرِيمِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً عَلى جُرْمٍ صَدَرَ مِنهم لِأنَّ التَّكْلِيفَ تَعْرِيضٌ لِلثَّوابِ، والتَّعْرِيضَ لِلثَّوابِ إحْسانٌ، فَلَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ التَّكْلِيفُ جَزاءً عَلى الجُرْمِ. قالَ الفَخْرُ: والجَوابُ أنَّ المَنعَ مِنَ الِانْتِفاعِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِقَصْدِ اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلْجُرْمِ. وهَذا الجَوابُ مُصادَرَةٌ عَلى أنَّ مِمّا يُقَوِّي الإشْكالَ أنَّ العُقُوبَةَ حَقُّها أنْ تُخَصَّ بِالمُجْرِمِينَ ثُمَّ تُنْسَخَ. فالَّذِي يَظْهَرُ لِي في الجَوابِ: إمّا أنْ يَكُونَ سَبَبُ تَحْرِيمِ تِلْكَ الطَّيِّباتِ أنَّ ما سَرى في طِباعِهِمْ بِسَبَبِ بَغْيِهِمْ وظُلْمِهِمْ مِنَ القَساوَةِ صارَ ذَلِكَ طَبْعًا في أمْزِجَتِهِمْ فاقْتَضى أنْ يُلَطِّفَ اللَّهُ طِباعَهم بِتَحْرِيمِ مَأْكُولاتٍ مِن طَبْعِها تَغْلِيظُ الطِّباعِ، ولِذَلِكَ لَمّا جاءَهم عِيسى أحَلَّ اللَّهُ لَهم بَعْضَ ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مِن ذَلِكَ لِزَوالِ مُوجِبِ التَّحْرِيمِ، وإمّا أنْ يَكُونَ تَحْرِيمُ ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ عِقابًا لِلَّذِينِ ظَلَمُوا وبَغَوْا ثُمَّ بَقِيَ ذَلِكَ عَلى مَن جاءَ بِعْدَهم لِيَكُونَ لَهم ذِكْرى ويَكُونَ لِلْأوَّلِينَ سُوءُ ذِكْرٍ مِن بابِ قَوْلِهِ ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «ما مِن نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها» . ذَلِكَ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ. وإمّا لِأنَّ هَذا التَّحْرِيمَ عُقُوبَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ راجِعَةٌ إلى الحِرْمانِ مِنَ الطَّيِّباتِ فَلا نَظَرَ إلى ما يَعْرِضُ لِهَذا التَّحْرِيمِ تارَةً مِنَ الثَّوابِ عَلى نِيَّةِ الِامْتِثالِ لِلنَّهْيِ، لِنُدْرَةِ حُصُولِ هَذِهِ النِّيَّةِ في التَّرْكِ. وصَدُّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: إنْ كانَ مَصْدَرَ (صَدَّ) القاصِرُ الَّذِي مُضارِعُهُ يَصِدُّ بِكَسْرِ الصّادِ فالمَعْنى بِإعْراضِهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ؛ وإنْ كانَ مَصْدَرَ المُتَعَدِّي الَّذِي قِياسُ مُضارِعِهِ بِضَمِّ الصّادِ، فَلَعَلَّهم كانُوا يَصُدُّونَ النّاسَ عَنِ التَّقْوى، ويَقُولُونَ: سَيُغْفَرُ لَنا، مِن زَمَنِ مُوسى قَبْلَ أنْ يُحَرَّمَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ الطَّيِّباتِ. أمّا بَعْدَ مُوسى فَقَدْ صَدُّوا النّاسَ كَثِيرًا، وعانَدُوا الأنْبِياءَ، وحاوَلُوهم عَلى كَتْمِ المَواعِظِ، وكَذَّبُوا عِيسى، وعارَضُوا دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وسَوَّلُوا لِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، جَهْرًا أوْ نِفاقًا، البَقاءَ عَلى الجاهِلِيَّةِ، كَما تَقَدَّمَ في صفحة ٢٨ قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] الآياتِ. ولِذَلِكَ وُصِفَ بِـ (كَثِيرًا) حالًا مِنهُ. وأخْذُهُمُ الرِّبا الَّذِي نُهُوا عَنْهُ: هو أنْ يَأْخُذُوهُ مَن قَوْمِهِمْ خاصَّةً ويَسُوغُ لَهم أخْذُهُ مِن غَيْرِ الإسْرائِيلِيِّينَ كَما في الإصْحاحِ مِن سِفْرِ التَّثْنِيَةِ ”لا تُقْرِضْ أخاكَ بِرِبًا رِبا فِضَّةٍ أوْ رِبا طَعامٍ أوْ رِبا شَيْءٍ ما مِمّا يُقْرَضُ بِرِبًا. لِلْأجْنَبِيِّ تُقْرِضُ بِرِبًا“ . والرِّبا مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ بِنَصِّ التَّوْراةِ في سِفْرِ الخُرُوجِ في الإصْحاحِ إنْ أقْرَضْتَ فِضَّةً لِشَعْبِي الفَقِيرِ الَّذِي عِنْدَكَ فَلا تَكُنْ لَهُ كالمُرابِي لا تَضَعُوا عَلَيْهِ رِبًا. وأكْلُهم أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ أعَمُّ مِنَ الرِّبا فَيَشْمَلُ الرَّشْوَةَ المُحَرَّمَةَ عِنْدَهم، وأخْذَهُمُ الفِداءَ عَلى الأسْرى مِن قَوْمِهِمْ، وغَيْرَ ذَلِكَ. والِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ الخَ ناشِئٌ عَلى ما يُوهِمُهُ الكَلامُ السّابِقُ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [النساء: ١٥٣] مِن تَوَغُّلِهِمْ في الضَّلالَةِ حَتّى لا يُرْجى لِأحَدٍ مِنهم خَيْرٌ وصَلاحٌ، فاسْتُدْرِكَ بِأنَّ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ مِنهم لَيْسُوا كَما تُوُهِّمَ، فَهم يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ومُخَيْرِيقٍ. والرّاسِخُ حَقِيقَتُهُ الثّابِتُ القَدَمِ في المَشْيِ، لا يَتَزَلْزَلُ؛ واسْتُعِيرَ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ الوَصْفِ مِثْلُ العِلْمِ بِحَيْثُ لا تَغُرُّهُ الشَّبَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والرّاسِخُ في العِلْمِ بَعِيدٌ عَنِ التَّكَلُّفِ وعَنِ التَّعَنُّتِ، فَلَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحَقِّ حاجِبٌ، فَهم يَعْرِفُونَ دَلائِلَ صِدْقِ الأنْبِياءِ ولا يَسْألُونَهم خَوارِقَ العاداتِ. وعَطْفُ (المُؤْمِنُونَ) عَلى (الرّاسِخُونَ) ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لَمْ يَسْألُوا نَبِيَّهم أنْ يُرِيَهُمُ الآياتِ الخَوارِقَ لِلْعادَةِ. فَلِذَلِكَ قالَ (يُؤْمِنُونَ)، أيْ (جَمِيعُهم) (﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾)، أيِ القُرْآنِ، وكَفاهم بِهِ آيَةً، (﴿وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾) عَلى الرُّسُلِ، ولا يُعادُونَ رُسُلَ اللَّهِ تَعَصُّبًا وحَمِيَّةً. صفحة ٢٩ والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ (والمُؤْمِنُونَ) الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ لِلْإيمانِ مِن أهْلِ الكِتابِ، ولَمْ يَكُونُوا مِنَ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ مِنهم، مِثْلَ اليَهُودِيِّ الَّذِي كانَ يَخْدِمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وآمَنَ بِهِ. وعَطْفُ المُقِيمِينَ بِالنَّصْبِ ثَبَتَ في المُصْحَفِ الإمامِ، وقَرَأهُ المُسْلِمُونَ في الأقْطارِ دُونَ تَنْكِيرٍ؛ فَعَلِمْنا أنَّهُ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ في عَطْفِ الأسْماءِ الدّالَّةِ عَلى صِفاتٍ مَحامِدَ، عَلى أمْثالِها، فَيَجُوزُ في بَعْضِ المُعْطُوفاتِ النَّصْبُ عَلى التَّخْصِيصِ بِالمَدْحِ، والرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ لِلِاهْتِمامِ، كَما فَعَلُوا ذَلِكَ في النُّعُوتِ المُتَتابِعَةِ، سَواءٌ كانَتْ بِدُونِ عَطْفٍ أمْ بِعَطْفٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ( ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلى قَوْلِهِ والصّابِرِينَ. قالَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ ”بابُ ما يَنْتَصِبُ في التَّعْظِيمِ والمَدْحِ“: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ صِفَةً فَجَرى عَلى الأوَّلِ، وإنْ شِئْتَ قَطَعْتَهُ فابْتَدَأْتَهُ. وذَكَرَ مِن قَبِيلِ ما نَحْنُ بِصَدَدِهِ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ فَلَوْ كانَ كُلُّهُ رَفْعًا كانَ جَيِّدًا، ومِثْلُهُ ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الخِرْنَقِ: لا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُو سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُـزُرِ النّازِلُونَ بِكُلِّ مُعْـتَـرَكٍ ∗∗∗ والطَّيِّبِينَ مَعَـاقِـدَ الأُزُرِ فِي رِوايَةِ يُونُسَ عَنِ العَرَبِ: بِرَفْعِ النّازِلُونَ ونَصْبِ الطَّيِّبِينَ، لِتَكُونَ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا مِمّا يَجْرِي عَلى قَصْدِ التَّفَنُّنِ عِنْدَ تَكَرُّرِ المُتَتابِعاتِ، ولِذَلِكَ تَكَرَّرَ وُقُوعُهُ في القُرْآنِ في مَعْطُوفاتٍ مُتَتابِعاتٍ كَما في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي هَذِهِ الآيَةِ، وفي قَوْلِهِ و(الصّابُونَ) في سُورَةِ المائِدَةِ. ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ وأبانٍ بْنِ عُثْمانَ أنَّ نَصْبَ المُقِيمِينَ خَطَأٌ، مِن كاتِبِ المُصْحَفِ وقَدْ عَدَّتْ مِنَ الخَطَأِ هَذِهِ الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلى قَوْلِهِ ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقَوْلِهِ ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] . وقَوْلِهِ و(الصّابُونَ) في سُورَةِ المائِدَةِ. وقَرَأتْها عائِشَةُ، وعَبْدُ اللَّهُ بْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، والجَحْدَرِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: والمُقِيمُونَ بِالرَّفْعِ. ولا تُرَدُّ قِراءَةُ الجُمْهُورِ المُجْمَعِ عَلَيْها بِقِراءَةٍ شاذَّةٍ. صفحة ٣٠ ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ نَصْبَ (المُقِيمِينَ) ونَحْوَهُ هو مَظْهَرُ تَأْوِيلِ قَوْلِ عُثْمانَ لِكُتّابِ المَصاحِفِ حِينَ أتَمُّوها وقَرَأها أنَّهُ قالَ لَهم أحْسَنْتُمْ وأجْمَلْتُمْ وأرى لَحْنًا قَلِيلًا سَتُقِيمُهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها. وهَذِهِ أوْهامٌ وأخْبارٌ لَمْ تَصِحَّ عَنِ الَّذِينَ نُسِبَتْ إلَيْهِمْ. ومِنَ البَعِيدِ جِدًّا أنْ يُخْطِئَ كاتِبُ المُصْحَفِ في كَلِمَةٍ بَيْنَ أخَواتِها فَيُفْرِدَها بِالخَطَأِ دُونَ سابِقَتِها أوْ تابِعَتِها، وأبْعَدَ مِنهُ أنْ يَجِيءَ الخَطَأُ في طائِفَةٍ مُتَماثِلَةٍ مِنَ الكَلِماتِ وهي الَّتِي إعْرابُها بِالحُرُوفِ النّائِبَةِ عَنْ حَرَكاتِ الإعْرابِ مِنَ المُثَنّى والجَمْعِ عَلى حَدِّهِ. ولا أحْسَبُ ما رَواهُ عَنْ عائِشَةَ وأبانِ بْنِ عُثْمانَ في ذَلِكَ صَحِيحًا. وقَدْ عَلِمْتُ وجْهَ عَرَبِيَّتِهِ في المُتَعاطِفاتِ، وأمّا وجْهُ عَرَبِيَّةِ (﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣]) فَيَأْتِي عِنْدَ الكَلامِ عَلى سُورَةِ طه. والظّاهِرُ أنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِ عُثْمانَ هو ما وقَعَ في رَسْمِ المُصْحَفِ مِن نَحْوِ الألِفاتِ المَحْذُوفَةِ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ وهم كانُوا أبْعَدَ هِمَّةً في الغَيْرَةِ عَلى الإسْلامِ وذَبِّ المَطاعِنِ عَنْهُ مِن أنْ يَتْرُكُوا في كِتابِ اللَّهِ ثُلْمَةً لِيَسُدَّها مَن بَعْدَهم وخَرْقًا يَرْفُوهُ مَن يَلْحَقُ بِهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والوَعْدُ بِالأجْرِ العَظِيمِ بِالنِّسْبَةِ لِلرّاسِخِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهم آمَنُوا بِرَسُولِهِمْ وبِمُحَمَّدٍ ﷺ وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أنَّ لَهم أجْرَيْنِ، وبِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ العَرَبِ لِأنَّهم سَبَقُوا غَيْرَهم بِالإيمانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سَنُؤْتِيهِمْ) بِنُونِ العَظَمَةِ وقَرَأهُ حَمْزَةُ وخَلَفٌ بِياءِ الغَيْبَةِ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ (﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾) .

النساء 4:162

﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ وأكْلِهِمُ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ . صفحة ٢٦ إنْ كانَ مُتَعَلَّقَ قَوْلِهِ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) مَحْذُوفًا عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ كانَ قَوْلُهُ فَبِظُلْمٍ مُفَرَّعًا عَلى مَجْمُوعِ جَرائِمِهِمُ السّالِفَةِ. فَيَكُونُ المُرادُ بِظُلْمِهِمْ ظُلْمًا آخَرَ غَيْرَ ما عُدِّدَ مِن قَبْلُ، وإنْ كانَ قَوْلُهُ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ (﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ﴾) فَقَوْلُهُ (فَبِظُلْمٍ) الخَ بَدَلٌ مُطابِقٌ مِن جُمْلَةِ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) بِإعادَةِ العامِلِ في البَدَلِ مِنهُ لِطُولِ الفَصْلِ. وفائِدَةُ الإتْيانِ بِهِ أنْ يَظْهَرَ تَعَلُّقُهُ بِقَوْلِهِ (﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾) إذْ بَعُدَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ مُتَعَلِّقِهِ، وهو قَوْلُهُ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) لِيَقْوى ارْتِباطُ الكَلامِ. وأُتِيَ في جُمْلَةِ البَدَلِ بِلَفْظٍ جامِعٍ لِلْمُبْدَلِ مِنهُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ: لِأنَّ نَقْضَ المِيثاقِ، والكُفْرَ، وقَتْلَ الأنْبِياءِ، وقَوْلَهم قُلُوبُنا غُلْفٌ، وقَوْلَهم عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا، وقَوْلَهم قَتَلْنا عِيسى: كُلُّ ذَلِكَ ظُلْمٌ. فَكانَتِ الجُمْلَةُ الأخِيرَةُ بِمَنزِلَةِ الفَذْلَكَةِ لِما تَقَدَّمَ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَبِذَلِكَ كُلِّهِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ، لَكِنْ عَدَلَ إلى لَفْظِ الظُّلْمِ لِأنَّهُ أحْسَنُ تَفَنُّنًا، وأكْثَرُ فائِدَةً مِنَ الإتْيانِ بِاسْمِ الإشارَةِ. وقَدْ مَرَّ بَيانُ ذَلِكَ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظُلْمًا آخَرَ أجْمَلَهُ القُرْآنُ. وتَنْكِيرُ (ظُلْمٍ) لِلتَّعْظِيمِ، والعُدُولِ عَنْ أنْ يَقُولَ فَبِظُلْمِهِمْ، حَتّى تَأْتِيَ الضَّمائِرُ مُتَتابِعَةً مِن قَوْلِهِ (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) إلى آخِرِهِ، إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ وهو (الَّذِينَ هادُوا) لِأجْلِ بُعْدِ الضَّمِيرِ في الجُمْلَةِ المُبْدَلِ مِنها: وهي (﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]) . ولِأنَّ في المَوْصُولِ وصْلَتِهِ ما يَقْتَضِي التَّنَزُّهَ عَنِ الظُّلْمِ لَوْ كانُوا كَما وصَفُوا أنْفُسَهم، فَقالُوا (﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦])؛ فَصُدُورُ الظُّلْمِ عَنِ الَّذِينَ هادُوا مَحَلُّ اسْتِغْرابٍ. والآيَةُ اقْتَضَتْ: أنَّ تَحْرِيمَ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ إنَّما كانَ عِقابًا لَهم، وأنَّ تِلْكَ المُحَرَّماتِ لَيْسَ فِيها مِنَ المَفاسِدِ ما يَقْتَضِي تَحْرِيمَ تَناوُلِها، وإلّا لَحُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ مَجِيءِ الشَّرِيعَةِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الطَّيِّباتِ هو ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦] إلى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦] في سُورَةِ الأنْعامِ، فَهَذا هو الجَزاءُ عَلى ظُلْمِهِمْ. صفحة ٢٧ نَقَلَ الفَخْرُ في آيَةِ سُورَةِ الأنْعامِ عَنْ عَبْدِ الجَبّارِ أنَّهُ قالَ نَفْسُ التَّحْرِيمِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً عَلى جُرْمٍ صَدَرَ مِنهم لِأنَّ التَّكْلِيفَ تَعْرِيضٌ لِلثَّوابِ، والتَّعْرِيضَ لِلثَّوابِ إحْسانٌ، فَلَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ التَّكْلِيفُ جَزاءً عَلى الجُرْمِ. قالَ الفَخْرُ: والجَوابُ أنَّ المَنعَ مِنَ الِانْتِفاعِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِقَصْدِ اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلْجُرْمِ. وهَذا الجَوابُ مُصادَرَةٌ عَلى أنَّ مِمّا يُقَوِّي الإشْكالَ أنَّ العُقُوبَةَ حَقُّها أنْ تُخَصَّ بِالمُجْرِمِينَ ثُمَّ تُنْسَخَ. فالَّذِي يَظْهَرُ لِي في الجَوابِ: إمّا أنْ يَكُونَ سَبَبُ تَحْرِيمِ تِلْكَ الطَّيِّباتِ أنَّ ما سَرى في طِباعِهِمْ بِسَبَبِ بَغْيِهِمْ وظُلْمِهِمْ مِنَ القَساوَةِ صارَ ذَلِكَ طَبْعًا في أمْزِجَتِهِمْ فاقْتَضى أنْ يُلَطِّفَ اللَّهُ طِباعَهم بِتَحْرِيمِ مَأْكُولاتٍ مِن طَبْعِها تَغْلِيظُ الطِّباعِ، ولِذَلِكَ لَمّا جاءَهم عِيسى أحَلَّ اللَّهُ لَهم بَعْضَ ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مِن ذَلِكَ لِزَوالِ مُوجِبِ التَّحْرِيمِ، وإمّا أنْ يَكُونَ تَحْرِيمُ ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ عِقابًا لِلَّذِينِ ظَلَمُوا وبَغَوْا ثُمَّ بَقِيَ ذَلِكَ عَلى مَن جاءَ بِعْدَهم لِيَكُونَ لَهم ذِكْرى ويَكُونَ لِلْأوَّلِينَ سُوءُ ذِكْرٍ مِن بابِ قَوْلِهِ ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «ما مِن نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها» . ذَلِكَ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ. وإمّا لِأنَّ هَذا التَّحْرِيمَ عُقُوبَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ راجِعَةٌ إلى الحِرْمانِ مِنَ الطَّيِّباتِ فَلا نَظَرَ إلى ما يَعْرِضُ لِهَذا التَّحْرِيمِ تارَةً مِنَ الثَّوابِ عَلى نِيَّةِ الِامْتِثالِ لِلنَّهْيِ، لِنُدْرَةِ حُصُولِ هَذِهِ النِّيَّةِ في التَّرْكِ. وصَدُّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: إنْ كانَ مَصْدَرَ (صَدَّ) القاصِرُ الَّذِي مُضارِعُهُ يَصِدُّ بِكَسْرِ الصّادِ فالمَعْنى بِإعْراضِهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ؛ وإنْ كانَ مَصْدَرَ المُتَعَدِّي الَّذِي قِياسُ مُضارِعِهِ بِضَمِّ الصّادِ، فَلَعَلَّهم كانُوا يَصُدُّونَ النّاسَ عَنِ التَّقْوى، ويَقُولُونَ: سَيُغْفَرُ لَنا، مِن زَمَنِ مُوسى قَبْلَ أنْ يُحَرَّمَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ الطَّيِّباتِ. أمّا بَعْدَ مُوسى فَقَدْ صَدُّوا النّاسَ كَثِيرًا، وعانَدُوا الأنْبِياءَ، وحاوَلُوهم عَلى كَتْمِ المَواعِظِ، وكَذَّبُوا عِيسى، وعارَضُوا دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وسَوَّلُوا لِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، جَهْرًا أوْ نِفاقًا، البَقاءَ عَلى الجاهِلِيَّةِ، كَما تَقَدَّمَ في صفحة ٢٨ قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] الآياتِ. ولِذَلِكَ وُصِفَ بِـ (كَثِيرًا) حالًا مِنهُ. وأخْذُهُمُ الرِّبا الَّذِي نُهُوا عَنْهُ: هو أنْ يَأْخُذُوهُ مَن قَوْمِهِمْ خاصَّةً ويَسُوغُ لَهم أخْذُهُ مِن غَيْرِ الإسْرائِيلِيِّينَ كَما في الإصْحاحِ مِن سِفْرِ التَّثْنِيَةِ ”لا تُقْرِضْ أخاكَ بِرِبًا رِبا فِضَّةٍ أوْ رِبا طَعامٍ أوْ رِبا شَيْءٍ ما مِمّا يُقْرَضُ بِرِبًا. لِلْأجْنَبِيِّ تُقْرِضُ بِرِبًا“ . والرِّبا مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ بِنَصِّ التَّوْراةِ في سِفْرِ الخُرُوجِ في الإصْحاحِ إنْ أقْرَضْتَ فِضَّةً لِشَعْبِي الفَقِيرِ الَّذِي عِنْدَكَ فَلا تَكُنْ لَهُ كالمُرابِي لا تَضَعُوا عَلَيْهِ رِبًا. وأكْلُهم أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ أعَمُّ مِنَ الرِّبا فَيَشْمَلُ الرَّشْوَةَ المُحَرَّمَةَ عِنْدَهم، وأخْذَهُمُ الفِداءَ عَلى الأسْرى مِن قَوْمِهِمْ، وغَيْرَ ذَلِكَ. والِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ الخَ ناشِئٌ عَلى ما يُوهِمُهُ الكَلامُ السّابِقُ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [النساء: ١٥٣] مِن تَوَغُّلِهِمْ في الضَّلالَةِ حَتّى لا يُرْجى لِأحَدٍ مِنهم خَيْرٌ وصَلاحٌ، فاسْتُدْرِكَ بِأنَّ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ مِنهم لَيْسُوا كَما تُوُهِّمَ، فَهم يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ومُخَيْرِيقٍ. والرّاسِخُ حَقِيقَتُهُ الثّابِتُ القَدَمِ في المَشْيِ، لا يَتَزَلْزَلُ؛ واسْتُعِيرَ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ الوَصْفِ مِثْلُ العِلْمِ بِحَيْثُ لا تَغُرُّهُ الشَّبَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والرّاسِخُ في العِلْمِ بَعِيدٌ عَنِ التَّكَلُّفِ وعَنِ التَّعَنُّتِ، فَلَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحَقِّ حاجِبٌ، فَهم يَعْرِفُونَ دَلائِلَ صِدْقِ الأنْبِياءِ ولا يَسْألُونَهم خَوارِقَ العاداتِ. وعَطْفُ (المُؤْمِنُونَ) عَلى (الرّاسِخُونَ) ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لَمْ يَسْألُوا نَبِيَّهم أنْ يُرِيَهُمُ الآياتِ الخَوارِقَ لِلْعادَةِ. فَلِذَلِكَ قالَ (يُؤْمِنُونَ)، أيْ (جَمِيعُهم) (﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾)، أيِ القُرْآنِ، وكَفاهم بِهِ آيَةً، (﴿وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾) عَلى الرُّسُلِ، ولا يُعادُونَ رُسُلَ اللَّهِ تَعَصُّبًا وحَمِيَّةً. صفحة ٢٩ والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ (والمُؤْمِنُونَ) الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ لِلْإيمانِ مِن أهْلِ الكِتابِ، ولَمْ يَكُونُوا مِنَ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ مِنهم، مِثْلَ اليَهُودِيِّ الَّذِي كانَ يَخْدِمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وآمَنَ بِهِ. وعَطْفُ المُقِيمِينَ بِالنَّصْبِ ثَبَتَ في المُصْحَفِ الإمامِ، وقَرَأهُ المُسْلِمُونَ في الأقْطارِ دُونَ تَنْكِيرٍ؛ فَعَلِمْنا أنَّهُ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ في عَطْفِ الأسْماءِ الدّالَّةِ عَلى صِفاتٍ مَحامِدَ، عَلى أمْثالِها، فَيَجُوزُ في بَعْضِ المُعْطُوفاتِ النَّصْبُ عَلى التَّخْصِيصِ بِالمَدْحِ، والرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ لِلِاهْتِمامِ، كَما فَعَلُوا ذَلِكَ في النُّعُوتِ المُتَتابِعَةِ، سَواءٌ كانَتْ بِدُونِ عَطْفٍ أمْ بِعَطْفٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ( ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلى قَوْلِهِ والصّابِرِينَ. قالَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ ”بابُ ما يَنْتَصِبُ في التَّعْظِيمِ والمَدْحِ“: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ صِفَةً فَجَرى عَلى الأوَّلِ، وإنْ شِئْتَ قَطَعْتَهُ فابْتَدَأْتَهُ. وذَكَرَ مِن قَبِيلِ ما نَحْنُ بِصَدَدِهِ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ فَلَوْ كانَ كُلُّهُ رَفْعًا كانَ جَيِّدًا، ومِثْلُهُ ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الخِرْنَقِ: لا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُو سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُـزُرِ النّازِلُونَ بِكُلِّ مُعْـتَـرَكٍ ∗∗∗ والطَّيِّبِينَ مَعَـاقِـدَ الأُزُرِ فِي رِوايَةِ يُونُسَ عَنِ العَرَبِ: بِرَفْعِ النّازِلُونَ ونَصْبِ الطَّيِّبِينَ، لِتَكُونَ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا مِمّا يَجْرِي عَلى قَصْدِ التَّفَنُّنِ عِنْدَ تَكَرُّرِ المُتَتابِعاتِ، ولِذَلِكَ تَكَرَّرَ وُقُوعُهُ في القُرْآنِ في مَعْطُوفاتٍ مُتَتابِعاتٍ كَما في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي هَذِهِ الآيَةِ، وفي قَوْلِهِ و(الصّابُونَ) في سُورَةِ المائِدَةِ. ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ وأبانٍ بْنِ عُثْمانَ أنَّ نَصْبَ المُقِيمِينَ خَطَأٌ، مِن كاتِبِ المُصْحَفِ وقَدْ عَدَّتْ مِنَ الخَطَأِ هَذِهِ الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلى قَوْلِهِ ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقَوْلِهِ ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] . وقَوْلِهِ و(الصّابُونَ) في سُورَةِ المائِدَةِ. وقَرَأتْها عائِشَةُ، وعَبْدُ اللَّهُ بْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، والجَحْدَرِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: والمُقِيمُونَ بِالرَّفْعِ. ولا تُرَدُّ قِراءَةُ الجُمْهُورِ المُجْمَعِ عَلَيْها بِقِراءَةٍ شاذَّةٍ. صفحة ٣٠ ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ نَصْبَ (المُقِيمِينَ) ونَحْوَهُ هو مَظْهَرُ تَأْوِيلِ قَوْلِ عُثْمانَ لِكُتّابِ المَصاحِفِ حِينَ أتَمُّوها وقَرَأها أنَّهُ قالَ لَهم أحْسَنْتُمْ وأجْمَلْتُمْ وأرى لَحْنًا قَلِيلًا سَتُقِيمُهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها. وهَذِهِ أوْهامٌ وأخْبارٌ لَمْ تَصِحَّ عَنِ الَّذِينَ نُسِبَتْ إلَيْهِمْ. ومِنَ البَعِيدِ جِدًّا أنْ يُخْطِئَ كاتِبُ المُصْحَفِ في كَلِمَةٍ بَيْنَ أخَواتِها فَيُفْرِدَها بِالخَطَأِ دُونَ سابِقَتِها أوْ تابِعَتِها، وأبْعَدَ مِنهُ أنْ يَجِيءَ الخَطَأُ في طائِفَةٍ مُتَماثِلَةٍ مِنَ الكَلِماتِ وهي الَّتِي إعْرابُها بِالحُرُوفِ النّائِبَةِ عَنْ حَرَكاتِ الإعْرابِ مِنَ المُثَنّى والجَمْعِ عَلى حَدِّهِ. ولا أحْسَبُ ما رَواهُ عَنْ عائِشَةَ وأبانِ بْنِ عُثْمانَ في ذَلِكَ صَحِيحًا. وقَدْ عَلِمْتُ وجْهَ عَرَبِيَّتِهِ في المُتَعاطِفاتِ، وأمّا وجْهُ عَرَبِيَّةِ (﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣]) فَيَأْتِي عِنْدَ الكَلامِ عَلى سُورَةِ طه. والظّاهِرُ أنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِ عُثْمانَ هو ما وقَعَ في رَسْمِ المُصْحَفِ مِن نَحْوِ الألِفاتِ المَحْذُوفَةِ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ وهم كانُوا أبْعَدَ هِمَّةً في الغَيْرَةِ عَلى الإسْلامِ وذَبِّ المَطاعِنِ عَنْهُ مِن أنْ يَتْرُكُوا في كِتابِ اللَّهِ ثُلْمَةً لِيَسُدَّها مَن بَعْدَهم وخَرْقًا يَرْفُوهُ مَن يَلْحَقُ بِهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والوَعْدُ بِالأجْرِ العَظِيمِ بِالنِّسْبَةِ لِلرّاسِخِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهم آمَنُوا بِرَسُولِهِمْ وبِمُحَمَّدٍ ﷺ وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أنَّ لَهم أجْرَيْنِ، وبِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ العَرَبِ لِأنَّهم سَبَقُوا غَيْرَهم بِالإيمانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سَنُؤْتِيهِمْ) بِنُونِ العَظَمَةِ وقَرَأهُ حَمْزَةُ وخَلَفٌ بِياءِ الغَيْبَةِ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ (﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾) .

النساء 4:163

﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيئِينَ مِن بَعْدِهِ وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ ﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ . صفحة ٣١ اسْتَأْنَفَتْ هَذِهِ الآياتُ الرَّدَّ عَلى سُؤالِ اليَهُودِ أنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ، بَعْدَ أنْ حُمِقُوا في ذَلِكَ بِتَحْمِيقِ أسْلافِهِمْ: بِقَوْلِهِ ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٥٣]، واسْتُطْرِدَتْ بَيْنَهُما جُمَلٌ مِن مُخالَفَةِ أسْلافِهِمْ، وما نالَهم مِن جَرّاءِ ذَلِكَ، فَأقْبَلَ الآنَ عَلى بَيانِ أنَّ إنْزالَ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَكُنْ بِدَعًا، فَإنَّهُ شَأْنُ الوَحْيِ لِلرُّسُلِ، فَلَمْ يُقْدَحْ في رِسالَتِهِمْ أنَّهم لَمْ يُنَزَّلْ عَلَيْهِمْ كِتابٌ مِنَ السَّماءِ. والتَّأْكِيدُ بِإنَّ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ أوْ لِتَنْزِيلِ المَرْدُودِ عَلَيْهِمْ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ كَيْفِيَّةَ الوَحْيِ لِلرُّسُلِ غَيْرِ مُوسى، إذْ لَمْ يَجْرُوا عَلى مُوجَبِ عِلْمِهِمْ حَتّى أنْكَرُوا رِسالَةَ رَسُولٍ لَمْ يُنْزَلْ إلَيْهِ كِتابٌ مِنَ السَّماءِ. والوَحْيُ إفادَةُ المَقْصُودِ بِطَرِيقٍ غَيْرِ الكَلامِ، مِثْلَ الإشارَةِ قالَ تَعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ فَأوْحى إلَيْهِمُ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، وقالَ داوُدُ بْنُ جَرِيرٍ: يَرْمُونَ بِالخُطَبِ الطِّوالِ وتارَةً وحْيُ اللَّواحِظِ خِيفَةَ الرُّقَبَـاءِ والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ ﴿كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ﴾ تَشْبِيهٌ بِجِنْسِ الوَحْيِ وإنِ اخْتَلَفَتْ أنْواعُهُ، فَإنَّ الوَحْيَ إلى النَّبِيءِ ﷺ كانَ بِأنْواعٍ مِنَ الوَحْيِ ورَدَ بَيانُها في حَدِيثِ عائِشَةَ في الصَّحِيحِ عَنْ سُؤالِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ النَّبِيءَ ﷺ كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ - بِخِلافِ الوَحْيِ إلى غَيْرِهِ مِمَّنْ سَمّاهُمُ اللَّهُ تَعالى فَإنَّهُ يُحْتَمَلُ بَعْضٌ مِنَ الأنْواعِ، عَلى أنَّ الوَحْيَ لِلنَّبِيءِ ﷺ كانَ مِنهُ الكِتابُ القُرْآنُ ولَمْ يَكُنْ لِبَعْضِ مَن ذُكِرَ مَعَهُ كِتابٌ. وعَدَّ اللَّهُ هُنا جَمْعًا مِنَ النَّبِيئِينَ والمُرْسَلِينَ وذَكَرَ أنَّهُ أوْحى إلَيْهِمْ ولَمْ يَخْتَلِفِ العُلَماءُ في أنَّ الرُّسُلَ والأنْبِياءَ يُوحى إلَيْهِمْ. صفحة ٣٢ وإنَّما اخْتَلَفَتْ عِباراتُهم في مَعْنى الرَّسُولِ والنَّبِيءِ. فَفي كَلامِ جَماعَةٍ مِن عُلَمائِنا لا نَجِدُ تَفْرِقَةً، وأنَّ كُلَّ نَبِيءٍ فَهو رَسُولٌ لِأنَّهُ يُوحى إلَيْهِ بِما لا يَخْلُو مِن تَبْلِيغِهِ ولَوْ إلى أهْلِ بَيْتِهِ. وقَدْ يَكُونُ حالُ الرَّسُولِ مُبْتَدَأً بِنُبُوَّةٍ ثُمَّ يَعْقُبُها إرْسالُهُ، فَتِلْكَ النُّبُوءَةُ تَمْهِيدٌ لِلرِّسالَةِ كَما كانَ أمْرُ مَبْدَأِ الوَحْيِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهُ أخْبَرَ خَدِيجَةَ، ونَزَلَ عَلَيْهِ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] . والقَوْلُ الصَّحِيحُ أنَّ الرَّسُولَ أخَصُّ، وهو مَن أُوحِيَ إلَيْهِ مَعَ الأمْرِ بِالتَّبْلِيغِ، والنَّبِيءُ لا يُؤْمَرُ بِالتَّبْلِيغِ وإنْ كانَ قَدْ يُبَلِّغُ عَلى وجْهِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والدُّعاءِ لِلْخَيْرِ، يَعْنِي بِدُونِ إنْذارٍ وتَبْشِيرٍ. ووَرَدَ في بَعْضِ الأحادِيثِ: «الأنْبِياءُ مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، وعَدُّ الرُّسُلِ ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَسُولًا» . وقَدْ ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ، في الصَّحِيحِ: «أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلُ الرُّسُلِ» . وقَدْ دَلَّتْ آياتُ القُرْآنِ عَلى أنَّ الدِّينَ كانَ مَعْرُوفًا في زَمَنِ آدَمَ وأنَّ الجَزاءَ كانَ مَعْلُومًا لَهم، فَقَدْ قَرَّبَ ابْنا آدَمَ قُرْبانًا، قالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، وقالَ لَهُ ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨] ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٩] . ودَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ بَيْنَهم مَن يَأْخُذُ عَلى يَدِ المُعْتَدِي ويَنْتَصِفُ لِلضَّعِيفِ مِنَ القَوِيِّ، فَإنَّما كانَ ما تَعَلَّمُوهُ مِن طَرِيقَةِ الوَعْظِ والتَّعْلِيمِ وكانَتْ رِسالَةً عائِلِيَّةً. ونُوحٌ هو أوَّلُ الرُّسُلِ، وهو نُوحُ بْنُ لامَكَ، والعَرَبُ تَقُولُ: لَمَكُ بْنُ مُتُوشالِحَ بْنِ أخْنُوخَ. ويُسَمِّيهِ المِصْرِيُّونَ هُرْمُسَ، ويُسَمِّيهِ العَرَبُ إدْرِيسُ بْنُ يارِدَ بْنِ مَهْلَلْئِيلَ بْنِ قِينانَ بْنِ أنْوَشَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ، حَسَبَ قَوْلِ التَّوْراةِ. وفي زَمَنِهِ وقَعَ الطُّوفانُ العَظِيمُ. وعاشَ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، وقِيلَ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، والقُرْآنُ أثْبَتَ ذَلِكَ. وقَدْ ماتَ نُوحٌ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِثَلاثَةِ آلافِ سَنَةٍ وتِسْعِمِائَةِ سَنَةٍ وسَبْعِينَ سَنَةً عَلى حَسَبِ حِسابِ اليَهُودِ المُسْتَمَدِّ مِن كِتابِهِمْ. وإبْراهِيمُ هو الخَلِيلُ، إبْراهِيمُ بْنُ تارِحَ والعَرَبُ تُسَمِّيهِ آزَرَ بْنَ ناحُورَ بْنِ سارُوغَ بْنِ أرْعُو بْنِ فالِغَ بْنِ عابِرَ بْنِ شالِحَ بْنِ قِينانَ بْنِ أرْفَخْشَدَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ. وُلِدَ سَنَةَ ٢٨٩٣ قَبْلَ الهِجْرَةِ، في بَلَدِ أُورِ الكَلْدانِيِّينَ، وماتَ في بِلادِ الكَنْعانِيِّينَ، وهي سُورِيا، في حَبْرُونَ حَيْثُ مَدْفَنُهُ الآنَ المَعْرُوفُ بِبَلَدِ الخَلِيلِ سَنَةَ ٢٧١٨ قَبْلَ الهِجْرَةِ. صفحة ٣٣ وإسْماعِيلُ هو ابْنُ إبْراهِيمَ مِنَ الجارِيَةِ المِصْرِيَّةِ هاجَرَ. تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ سَنَةَ ٢٦٨٦ قَبْلَ الهِجْرَةِ تَقْرِيبًا. وكانَ إسْماعِيلُ رَسُولًا إلى قَوْمِهِ الَّذِينَ حَلَّ بَيْنَهم مِن جُرْهُمَ وغَيْرِهِمْ، وإلى أبْنائِهِ وأهْلِهِ، قالَ تَعالى ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ وكانَ رَسُولًا نَبِيئا﴾ [مريم: ٥٤] . وإسْحاقُ هو ابْنُ إبْراهِيمَ مِن سارَةَ ابْنَةَ عَمِّهِ، تُوُفِّيَ قَبْلَ الهِجْرَةِ سَنَةَ ٢٦١٣، وكانَ إسْحاقُ نَبِيًّا مُؤَيِّدًا لِشَرْعِ أبِيهِ إبْراهِيمَ ولَمْ يَجِئْ بِشَرْعٍ. ويَعْقُوبُ هو ابْنُ إسْحاقَ، المُلَقَّبُ بِإسْرائِيلَ. تُوُفِّيَ سَنَةَ ٢٥٨٦ قَبْلَ الهِجْرَةِ. وكانَ يَعْقُوبُ نَبِيًّا مُؤَيِّدًا لِشَرْعِ إبْراهِيمَ، قالَ تَعالى ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢] ولَمْ يَجِئْ بِشَرْعٍ جَدِيدٍ. والأسْباطُ هم أسْباطُ إسْحاقَ أيْ أحْفادُهُ، وهم أبْناءُ يَعْقُوبَ اثْنا عَشَرَ ابْنًا: رُوبِينُ، وشَمْعُونُ، وجادُ، ويَهُوذا، ويَساكِرُ، وزَبُولُونُ، ويُوسُفُ، وبِنْيامِينُ، ومُنَسّى، ودانٍ، وأشْيَرُ، وثَفْتالِي، فَأمّا يُوسُفُ فَكانَ رَسُولًا لِقَوْمِهِ بِمِصْرَ. قالَ تَعالى لِبَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ مُؤْمِنِ بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ خِطابًا مِنَ اللَّهِ ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر: ٣٤] . وأمّا بَقِيَّةُ الأسْباطِ فَكانَ كُلٌّ مِنهم قائِمًا بِدَعْوَةِ شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ في بَنِيهِ وقَوْمِهِ. والوَحْيُ إلى هَؤُلاءِ مُتَفاوِتٌ. وعِيسى هو عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وُلِدَ مِن غَيْرِ أبٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ سَنَةَ ٦٢٢ . ورُفِعَ إلى السَّماءِ قَبْلَها سَنَةَ ٥٨٩ . وهو رَسُولٌ بِشَرْعٍ ناسِخٍ لِبَعْضِ أحْكامِ التَّوْراةِ. ودامَتْ دَعْوَتُهُ إلى اللَّهِ ثَلاثَ سِنِينَ. وأيُّوبُ هو نَبِيٌّ. قِيلَ: أنَّهُ عَرَبِيُّ الأصْلِ مِن أرْضِ عُوصٍ، في بِلادِ أدَوْمَ، وهي مِن بِلادِ حَوْرانَ، وقِيلَ، هو أيُّوبُ بْنُ ناحُورَ أخِي إبْراهِيمَ، وقِيلَ: اسْمُهُ عَوَضٌ، وقِيلَ: هو يُوبابُ ابْنُ حَفِيدِ عِيسُو. وقِيلَ: كانَ قَبْلَ إبْراهِيمَ بِمِائَةِ سَنَةٍ. صفحة ٣٤ والصَّحِيحُ أنَّهُ كانَ بَعْدَ إبْراهِيمَ وقَبْلَ مُوسى في القَرْنِ الخامِسَ عَشَرَ قَبْلَ المَسِيحِ، أيْ في القَرْنِ الحادِي والعِشْرِينَ قَبْلَ الهِجْرَةِ. ويُقالُ: إنَّ الكِتابَ المَنسُوبَ إلَيْهِ في كُتُبِ اليَهُودِ أصْلُهُ مُؤَلَّفٌ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَقَلَهُ إلى العِبْرانِيَّةِ عَلى سَبِيلِ المَوْعِظَةِ، فَظَنَّ كَثِيرٌ مِنَ الباحِثِينَ في التّارِيخِ أنَّ أيُّوبَ مِن قَبِيلَةٍ عَرَبِيَّةٍ. ولَيْسَ ذَلِكَ بِبَعِيدٍ. وكانَ أيُّوبُ رَسُولًا نَبِيًّا. وكانَ لَهُ صاحِبٌ اسْمُهُ اليَفازُ اليَمانِيُّ هو الَّذِي شَدَّ أزْرَهُ في الصَّبْرِ، كَما سَنَذْكُرُهُ في مَوْضِعِهِ. وإنَّما مُنِعَ اسْمُهُ مِنَ الصَّرْفِ إذْ لَمْ يَكُنْ مِن عَرَبِ الحِجازِ ونَجْدٍ؛ لِأنَّ العَرَبَ اعْتَبَرَتِ القَبائِلَ البَعِيدَةَ عَنْها عَجَمًا، وإنْ كانَ أصْلُهم عَرَبِيًّا، ولِذَلِكَ مَنَعُوا ثَمُودَ مِنَ الصَّرْفِ إذْ سَكَنُوا الحِجْرَ. ويُونُسُ هو ابْنُ مَتّى مِن سِبْطِ زَبُولُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى أهْلِ نِينَوى عاصِمَةِ الآشُورِيِّينَ، بَعْدَ خَرابِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وذَلِكَ في حُدُودِ القَرْنِ الحادِي عَشَرَ قَبْلَ الهِجْرَةِ. وهارُونُ أخُو مُوسى بْنِ عِمْرانَ تُوُفِّيَ سَنَةَ ١٩٧٢ قَبْلَ الهِجْرَةِ وهو رَسُولٌ مَعَ مُوسى إلى بَنِي إسْرائِيلَ. وسُلَيْمانُ هو ابْنُ داوُدَ. كانَ نَبِيًّا حاكِمًا بِالتَّوْراةِ ومَلِكًا عَظِيمًا. تُوُفِّيَ سَنَةَ ١٥٩٧ قَبْلَ الهِجْرَةِ. ومِمّا أوْحى اللَّهُ بِهِ إلَيْهِ ما تَضَمَّنَهُ كِتابُ الجامِعَةِ وكِتابُ الأمْثالِ مِنَ الحِكْمَةِ والمَواعِظِ، وهي مَنسُوبَةٌ إلى سُلَيْمانَ ولَمْ يُقَلْ فِيها إنَّ اللَّهَ أوْحاها إلَيْهِ؛ فَعَلِمْنا أنَّها كانَتْ مُوحى بِمَعانِيها دُونَ لَفْظِها. وداوُدُ أبُو سُلَيْمانَ هو داوُدُ بْنُ يَسِي، تُوُفِّيَ سَنَةَ ١٦٢٦ قَبْلَ الهِجْرَةِ، بَعَثَهُ اللَّهُ لِنَصْرِ بَنِي إسْرائِيلَ. وأنْزَلَ عَلَيْهِ كِتابًا فِيهِ مَواعِظُ وأمْثالُ، كانَ بَنُو إسْرائِيلَ يَتَرَنَّمُونَ بِفُصُولِهِ، وهو المُسَمّى بِالزَّبُورِ. وهو مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ فَعُولٍ مِثْلُ قَبُولٍ. ويُقالُ فِيهِ: زُبُورٌ بِضَمِّ الزّايِ أيْ مَصْدَرًا مِثْلَ الشُّكُورِ، ومَعْناهُ الكِتابَةُ ويُسَمّى المَكْتُوبُ زَبُورًا فَيُجْمَعُ عَلى الزُّبُرِ، قالَ تَعالى ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤] . وقَدْ صارَ صفحة ٣٥ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ في لُغَةِ العَرَبِ عَلى كِتابِ داوُدَ النَّبِيءِ، وهو أحَدُ أسْفارِ الكِتابِ المُقَدَّسِ عِنْدَ اليَهُودِ. وعُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ عَلى (أوْحَيْنا إلَيْكَ) . ولَمْ يُعْطَفِ اسْمُ داوُدَ عَلى بَقِيَّةِ الأسْماءِ المَذْكُورَةِ قَبْلَهُ لِلْإيماءِ إلى أنَّ الزَّبُورَ مُوحًى بِأنْ يَكُونَ كِتابًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (زَبُورًا) بِفَتْحِ الزّايِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ وخَلَفٌ بِضَمِّ الزّايِ. وقَوْلُهُ: ﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي في آيِ القُرْآنِ مِثْلَ: هُودٍ، وصالِحٍ، وشُعَيْبَ، وزَكَرِيّاءَ، ويَحْيى، وإلْياسَ، واليَسَعَ، ولُوطٍ، وتُبَّعٍ. ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ لَمْ يَذْكُرْهُمُ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ؛ فَمِنهم مَن لَمْ يَرِدْ ذِكْرُهُ في السُّنَّةِ: مِثْلُ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ نَبِيءِ أصْحابِ الرَّسِّ، ومِثْلُ بَعْضِ حُكَماءِ اليُونانِ عِنْدَ بَعْضِ عُلَماءِ الحِكْمَةِ. قالَ السَّهْرَوَرْدِيُّ في حِكْمَةِ الإشْراقِ مِنهم أهْلُ السِّفارَةِ. ومِنهم مَن ذَكَرَتْهُ السُّنَّةُ: مِثْلُ خالِدِ بْنِ سِنانٍ العَبْسِيِّ. وإنَّما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هُنا الأنْبِياءَ الَّذِينَ اشْتُهِرُوا عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّ المَقْصُودَ مُحاجَّتُهم. وإنَّما تَرَكَ اللَّهُ أنْ يَقُصَّ عَلى النَّبِيءِ ﷺ أسْماءَ كَثِيرٍ مِنَ الرُّسُلِ لِلِاكْتِفاءِ بِمَن قَصَّهم عَلَيْهِ، لِأنَّ المَذْكُورِينَ هم أعْظَمُ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ قَصَصًا ذاتَ عِبَرٍ. وقَوْلُهُ ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ غُيِّرَ الأُسْلُوبُ فَعُدِلَ عَنِ العَطْفِ إلى ذِكْرِ فِعْلٍ آخَرَ، لِأنَّ لِهَذا النَّوْعِ مِنَ الوَحْيِ مَزِيدَ أهَمِّيَّةٍ، وهو مَعَ تِلْكَ المَزِيَّةِ لَيْسَ إنْزالَ كِتابٍ مِنَ السَّماءِ، فَإذا لَمْ تَكُنْ عِبْرَةٌ إلّا بِإنْزالِ كِتابٍ مِنَ السَّماءِ حَسَبَ اقْتِراحِهِمْ، فَقَدْ بَطَلَ أيْضًا ما عَدا الكَلِماتِ العَشْرِ المُنَزَّلَةِ في الألْواحِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وكَلامُ اللَّهِ تَعالى صِفَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ عِنْدَنا. وهي المُتَعَلِّقَةُ بِإبْلاغِ مُرادِ اللَّهِ إلى المَلائِكَةِ والرُّسُلِ، وقَدْ تَواتَرَ ذَلِكَ في كَلامِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ تَواتُرًا ثَبَتَ صفحة ٣٦ عِنْدَ جَمِيعِ المِلِّيِّينَ، فَكَلامُ اللَّهِ صِفَةٌ لَهُ ثَبَتَتْ بِالشَّرْعِ لا يَدُلُّ عَلَيْها الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ عَلى التَّحْقِيقِ إذْ لا تَدُلُّ الأدِلَّةُ العَقْلِيَّةُ عَلى أنَّ اللَّهَ يَجِبُ لَهُ إبْلاغُ مُرادِهِ النّاسَ بَلْ يَجُوزُ أنْ يُوجِدَ المَوْجُوداتِ ثُمَّ يَتْرُكُها وشَأْنَها، فَلا يَتَعَلَّقُ عِلْمُهُ بِحَمْلِها عَلى ارْتِكابِ حَسَنِ الأفْعالِ وتَجَنُّبِ قَبائِحِها. ألا تَرى أنَّهُ خَلَقَ العَجْماواتِ فَما أمَرَها ولا نَهى، فَلَوْ تَرَكَ النّاسَ فَوْضى كالحَيَوانِ لَما اسْتَحالَ ذَلِكَ. وأنَّهُ إذا أرادَ حَمْلَ المَخْلُوقاتِ عَلى شَيْءٍ يُرِيدُهُ فَطَرَها عَلى ذَلِكَ فانْساقَتْ إلَيْهِ بِجِبِلّاتِها، كَما فَطَرَ النَّحْلَ عَلى إنْتاجِ العَسَلِ، والشَّجَرِ عَلى الإثْمارِ، . ولَوْ شاءَ لَحَمَلَ النّاسَ أيْضًا عَلى جِبِلَّةٍ لا يَعْدُونَها، غَيْرَ أنَّنا إذْ قَدْ عَلِمْنا أنَّهُ عالِمٌ، وأنَّهُ حَكِيمٌ، والعِلْمُ يَقْتَضِي انْكِشافَ حَقائِقِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ عِنْدَهُ، فَهو إذْ يَعْلَمُ حَسَنَ الأفْعالِ وقُبْحَها، يُرِيدُ حُصُولَ المَنافِعِ وانْتِفاءَ المَضارِّ، ويَرْضى بِالأُولى، ويَكْرَهُ الثّانِيَةَ، وإذِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ وإرادَتُهُ أنْ جَعَلَ البَشَرَ قابِلًا لِلتَّعَلُّمِ والصَّلاحِ، وجَعَلَ عُقُولَ البَشَرِ صالِحَةً لِبُلُوغِ غاياتِ الخَيْرِ، وغاياتِ الشَّرِّ، والتَّفَنُّنِ فِيهِما، بِخِلافِ الحَيَوانِ الَّذِي يَبْلُغُ فِيما جُبِلَ عَلَيْهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ إلى غايَةٍ فُطِرَ عَلَيْها لا يَعْدُوها، فَكانَ مِنَ المُتَوَقَّعِ طُغْيانُ الشَّرِّ عَلى الخَيْرِ بِعَمَلِ فَرِيقِ الأشْرارِ مِنَ البَشَرِ كانَ مِن مُقْتَضى الحِكْمَةِ أنْ يَحْمِلَ النّاسَ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ الَّذِي يَرْضاهُ، وتَرْكِ الشَّرِّ الَّذِي يَكْرَهُهُ، وحَمْلُهم عَلى هَذا قَدْ يَحْصُلُ بِخَلْقِ أفاضِلِ النّاسِ وجَبْلِهِمْ عَلى الصَّلاحِ والخَيْرِ، فَيَكُونُونَ دُعاةً لِلْبَشَرِ، لَكِنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ وفَضْلَهُ اقْتَضى أنْ يَخْلُقَ الصّالِحِينَ القابِلِينَ لِلْخَيْرِ، وأنْ يُعِينَهم عَلى بُلُوغِ ما جُبِلُوا عَلَيْهِ بِإرْشادِهِ وهَدْيِهِ، فَخَلَقَ النُّفُوسَ القابِلَةَ لِلنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ وأمَدَّها بِالإرْشادِ الدّالِّ عَلى مُرادِهِ المُعَبِّرِ عَنْهُ بِالوَحْيِ، كَما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ تَعالى (﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]) فَأثْبَتَ رِسالَةً وتَهْيِئَةَ المُرْسَلِ لِقَبُولِها ومِن هُنا ثَبَتَتْ صِفَةُ الكَلامِ. فَعَلِمْنا بِأخْبارِ الشَّرِيعَةِ المُتَواتِرَةِ أنَّ اللَّهَ أرادَ مِنَ البَشَرِ الصَّلاحَ وأمَرَهم بِهِ، وأنَّ أمْرَهُ بِذَلِكَ بَلَغَ إلى البَشَرِ في عُصُورٍ كَثِيرَةٍ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ يَرْضى بَعْضَ أعْمالِ البَشَرِ ولا يَرْضى بَعْضَها وأنَّ ذَلِكَ يُسَمّى كَلامًا نَفِيسًا، وهو أزَلِيٌّ. ثُمَّ إنَّ حَقِيقَةَ صِفَةِ الكَلامِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن مُتَعَلِّقاتِ صِفَةِ العِلْمِ، أوْ مِن مُتَعَلِّقاتِ صِفَةِ الإرادَةِ، أوْ صِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ مُتَمَيِّزَةٍ عَنِ الصِّفَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ؛ صفحة ٣٧ فَمِنهم مَن يَقُولُ: عَلِمَ حاجَةَ النّاسِ إلى الإرْشادِ فَأرْشَدَهم، أوْ أرادَ هُدى النّاسِ فَأرْشَدَهم. ونَحْنُ نَقُولُ: إنَّ الإلَهِيَّةَ تَقْتَضِي ثُبُوتَ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي مِنها الرِّضا والكَراهِيَةُ والأمْرُ والنَّهْيُ لِلْبَشَرِ أوِ المَلائِكَةِ، فَثَبَتَتْ صِفَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ هي صِفَةُ الكَلامِ النَّفْسِيِّ؛ وكُلُّ ذَلِكَ مُتَقارِبٌ، وتَفْصِيلُهُ في عِلْمِ الكَلامِ. أمّا تَكْلِيمُ اللَّهِ تَعالى بَعْضَ عِبادِهِ مِنَ المَلائِكَةِ أوِ البَشَرِ فَهو إيجادُ ما يَعْرِفُ مِنهُ المَلَكُ أوِ الرَّسُولُ أنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ أوْ يَنْهى أوْ يُخْبِرُ. فالتَّكْلِيمُ تَعَلُّقٌ لِصِفَةِ الكَلامِ بِالمُخاطَبِ عَلى جَعْلِ الكَلامِ صِفَةً مُسْتَقِلَّةً، أوْ تَعَلُّقُ العِلْمِ بِإيصالِ المَعْلُومِ إلى المُخاطَبِ، أوْ تَعَلُّقُ الإرادَةِ بِإبْلاغِ المُرادِ إلى المُخاطَبِ. فالأشاعِرَةُ قالُوا: تَكْلِيمُ اللَّهِ عَبْدَهُ هو أنْ يَخْلُقَ لِلْعَبْدِ إدْراكًا مِن جِهَةِ السَّمْعِ يَتَحَصَّلُ بِهِ العِلْمَ بِكَلامِ اللَّهِ دُونَ حُرُوفٍ ولا أصْواتٍ. وقَدْ ورَدَ تَمْثِيلُهُ بِأنَّ مُوسى سَمِعَ مِثْلَ الرَّعْدِ عَلِمَ مِنهُ مَدْلُولَ الكَلامِ النَّفْسِيِّ. قُلْتُ: وقَدْ مَثَّلَهُ النَّبِيءُ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا قَضى الأمْرَ في السَّماءِ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ بِأجْنِحَتِها خُضْعانًا لِقَوْلِهِ كَأنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلى صَفْوانٍ فَإذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا: ماذا قالَ رَبُّكم، قالُوا لِلَّذِي قالَ (﴿الحَقَّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ [سبإ»: ٢٣]) فَعَلى هَذا القَوْلِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المَسْمُوعُ لِلرَّسُولِ أوِ المَلَكِ حُرُوفًا وأصْواتًا بَلْ هو عِلْمٌ يَحْصُلُ لَهُ مِن جِهَةِ سَمْعِهِ يَتَّصِلُ بِكَلامِ اللَّهِ، وهو تَعَلُّقٌ مِن تَعَلُّقاتِ صِفَةِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ بِالمُكَلِّمِ فِيما لا يَزالُ، فَذَلِكَ التَّعَلُّقُ حادِثٌ لا مَحالَةَ كَتَعَلُّقِ الإرادَةِ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: يَخْلُقُ اللَّهُ حُرُوفًا وأصْواتًا بِلُغَةِ الرَّسُولِ فَيَسْمَعُها الرَّسُولُ، فَيَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، بِعِلْمٍ يَجِدُهُ في نَفْسِهِ، يَعْلَمُ بِهِ أنَّ ذَلِكَ ورَدَ إلَيْهِ مِن قِبَلِ اللَّهِ، إلّا أنَّهُ لَيْسَ بِواسِطَةِ المَلَكِ، فَهم يُفَسِّرُونَهُ بِمِثْلِ ما نُفَسِّرُ بِهِ نَحْنُ نُزُولَ القُرْآنِ؛ فَإسْنادُ الكَلامِ إلى اللَّهِ مَجازٌ في الإسْنادِ، عَلى قَوْلِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الحُرُوفِ والأصْواتِ. والكَلامُ حَقِيقَةً حُرُوفٌ وأصْواتٌ، وهَذِهِ سَفْسَطَةٌ في الدَّلِيلِ لِأنَّهُ لا يَقُولُ أحَدٌ بِأنَّ الحُرُوفَ والأصْواتَ تَتَّصِفُ بِها الذّاتُ العَلِيَّةُ. وهو عِنْدَنا وعِنْدَهم غَيْرُ الوَحْيِ الَّذِي يَقَعُ في قَلْبِ الرَّسُولِ، وغَيْرُ التَّبْلِيغِ الَّذِي يَكُونُ بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ، وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى (﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الشورى: ٥١]) . صفحة ٣٨ أمّا كَلامُ اللَّهِ الوارِدُ لِلرَّسُولِ بِواسِطَةِ المَلَكِ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالقُرْآنِ وبِالتَّوْراةِ وبِالإنْجِيلِ وبِالزَّبُورِ: فَتِلْكَ ألْفاظٌ وحُرُوفٌ وأصْواتٌ يُعْلِمُها اللَّهُ لِلْمَلَكِ بِكَيْفِيَّةٍ لا نَعْلَمُها، يَعْلَمُ بِها المَلَكُ أنَّ اللَّهَ يَدُلُّ، بِالألْفاظِ المَخْصُوصَةِ المُلْقاةِ لِلْمَلَكِ، عَلى مَدْلُولاتِ تِلْكَ الألْفاظِ فَيُلْقِيها المَلَكُ عَلى الرَّسُولِ كَما هي، قالَ تَعالى ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٥١] وقالَ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] . وهَذا لا يَمْتَرِي في حُدُوثِهِ مَن لَهُ نَصِيبٌ مِنَ العِلْمِ في الدِّينِ. ولَكِنْ أمْسَكَ بَعْضُ أئِمَّةِ الإسْلامِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِحُدُوثِهِ، أوْ بِكَوْنِهِ مَخْلُوقًا، في مَجالِسِ المُناظَرَةِ الَّتِي غَشِيَتْها العامَّةُ، أوْ ظُلْمَةُ المُكابَرَةِ، والتَّحَفُّزُ إلى النَّبْزِ والأذى: دَفْعًا لِلْإيهامِ، وإبْقاءً عَلى النِّسْبَةِ إلى الإسْلامِ، وتَنَصُّلًا مِن غَوْغاءِ الطُّغامِ، فَرَحِمَ اللَّهُ نُفُوسًا فَتَنَتْ، وأجْسادًا أوْجَعَتْ، وأفْواهًا سَكَتَتْ، والخَيْرَ أرادُوا، سَواءً اقْتَصَدُوا أمْ زادُوا. واللَّهُ حَسِيبُ الَّذِينَ ألَّبُوا عَلَيْهِمْ وجَمَعُوا، وأغْرُوا بِهِمْ وبِئْسَ ما صَنَعُوا. وقَوْلُهُ (تَكْلِيمًا) مَصْدَرٌ لِلتَّوْكِيدِ. والتَّوْكِيدُ بِالمَصْدَرِ يَرْجِعُ إلى تَأْكِيدِ النِّسْبَةِ وتَحْقِيقِها مِثْلَ (قَدْ) و(إنَّ)، ولا يُقْصَدُ بِهِ رَفْعُ احْتِمالِ المَجازِ، ولِذَلِكَ أكَّدَتِ العَرَبُ بِالمَصْدَرِ أفْعالًا لَمْ تُسْتَعْمَلْ إلّا مَجازًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] فَإنَّهُ أرادَ أنَّهُ يُطَهِّرُهُمُ الطَّهارَةَ المَعْنَوِيَّةَ، أيِ الكَمالَ النَّفْسِيَّ، فَلَمْ يُفِدِ التَّأْكِيدُ رَفْعَ المَجازِ. وقالَتْهِنْدُ بِنْتُ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ تَذُمُّ زَوْجَها رَوْحَ بْنَ زِنْباعٍ: بَكى الخَزُّ مِن رَوْحٍ وأنْكَرَ جِلْـدُهُ ∗∗∗ وعَجَّتْ عَجِيجًا مِن جُذامَ المَطارِفُوَلَيْسَ العَجِيجُ إلّا مَجازًا، فالمَصْدَرُ يُؤَكِّدُ، أيْ يُحَقِّقُ حُصُولَ الفِعْلِ المُؤَكَّدِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ المَعْنى قَبْلَ التَّأْكِيدِ. فَمَعْنى قَوْلِهِ (تَكْلِيمًا) هُنا: أنَّ مُوسى سَمِعَ كَلامًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، بِحَيْثُ لا يُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ إلَيْهِ جِبْرِيلَ بِكَلامٍ، أوْ أوْحى إلَيْهِ في نَفْسِهِ. وأمّا كَيْفِيَّةُ صُدُورِ هَذا الكَلامِ عَنْ جانِبِ اللَّهِ فَغَرَضٌ آخَرُ هو مَجالٌ لِلنَّظَرِ بَيْنَ الفِرَقِ، ولِذَلِكَ صفحة ٣٩ فاحْتِجاجُ كَثِيرٍ مِنَ الأشاعِرَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ الكَلامِ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسى الصِّفَةَ الذّاتِيَّةَ القائِمَةَ بِاللَّهِ تَعالى احْتِجاجٌ ضَعِيفٌ. وقَدْ حَكى ابْنُ عَرَفَةَ أنَّ المازِرِيُّ قالَ في شَرْحِ التَّلْقِينِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسى مُباشَرَةً بَلْ بِواسِطَةِ خَلْقِ الكَلامِ لِأنَّهُ أكَّدَهُ بِالمَصْدَرِ، وأنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلامِ التُّونِسِيَّ، شَيْخَ ابْنِ عَرَفَةَ، رَدَّهُ بِأنَّ التَّأْكِيدَ بِالمَصْدَرِ لِإزالَةِ الشَّكِّ عَنِ الحَدِيثِ لا عَنِ المُحَدِّثِ عَنْهُ. وتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِما يَؤُولُ إلى تَأْيِيدِ رَدِّ ابْنِ عَبْدِ السَّلامِ. وقَوْلُهُ (رُسُلًا) حالٌ مِنَ المَذْكُورِينَ، وقَدْ سَمّاهم رُسُلًا لِما قَدَّمْناهُ، وهي حالٌ مُوَطِّئَةٌ لِصِفَتِها، أعْنِي (مُبَشِّرِينَ)؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ الحالِ. وقَوْلُهُ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ (﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾) ولا يَصِحُّ جَعْلُهُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ مَسُوقٌ لِبَيانِ صِحَّةِ الرِّسالَةِ مَعَ الخُلُوِّ عَنْ هُبُوطِ كِتابٍ مِنَ السَّماءِ رَدًّا عَلى قَوْلِهِمْ (﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]) . فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ مَوْقِعَ الإدْماجِ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ بِحِكْمَةٍ مِنَ الحِكَمِ في بَعْثِيَّتِهِ الرُّسُلَ. والحُجَّةُ ما يَدُلُّ عَلى صِدْقِ المُدَّعِي وحَقِّيَّةِ المُعْتَذِرِ، فَهي تَقْتَضِي عَدَمَ المُؤاخَذَةِ بِالذَّنْبِ أوِ التَّقْصِيرِ. والمُرادُ هُنا العُذْرُ البَيِّنُ الَّذِي يُوجِبُ التَّنَصُّلَ مِنَ الغَضَبِ والعِقابِ. فَإرْسالُ الرُّسُلِ لِقَطْعِ عُذْرِ البَشَرِ إذا سُئِلُوا عَنْ جَرائِمِ أعْمالِهِمْ، واسْتَحَقُّوا غَضَبَ اللَّهِ وعِقابَهُ. فَعُلِمَ مِن هَذا أنَّ لِلنّاسِ قَبْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ حُجَّةً إلى اللَّهِ أنْ يَقُولُوا: (﴿لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧]) . وأشْعَرَتِ الآيَةُ أنَّ مِن أعْمالِ النّاسِ ما هو بِحَيْثُ يُغْضِبُ اللَّهَ ويُعاقَبُ عَلَيْهِ، وهي الأفْعالُ الَّتِي تَدُلُّ العُقُولُ السَّلِيمَةُ عَلى قُبْحِها لِإفْضائِها إلى الفَسادِ والأضْرارِ البَيِّنَةِ. ووَجْهُ الإشْعارِ أنَّ الحُجَّةَ إنَّما تُقابِلُ مُحاوَلَةَ عَمَلٍ ما، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ الرُّسُلَ لِقَطْعِ الحُجَّةِ عَلِمْنا أنَّ اللَّهَ حِينَ بَعَثَ الرُّسُلَ كانَ بِصَدَدِ أنْ يُؤاخِذَ المَبْعُوثَ إلَيْهِمْ، فاقْتَضَتْ رَحْمَتُهُ أنْ يَقْطَعَ حُجَّتَهم بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ وإرْشادِهِمْ وإنْذارِهِمْ، ولِذَلِكَ جَعَلَ قَطْعَ الحُجَّةِ عِلَّةً غائِيَّةً لِلتَّبْشِيرِ والإنْذارِ: إذِ التَّبْشِيرُ والإنْذارُ إنَّما يُبَيِّنانِ عَواقِبَ الأعْمالِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُعَلِّلْ بَعْثَةَ الرُّسُلِ بِالتَّنْبِيهِ إلى ما يُرْضِي اللَّهَ وما يُسْخِطُهُ. صفحة ٤٠ فَهَذِهِ الآيَةُ مُلْجِئَةٌ جَمِيعَ الفِرَقِ إلى القَوْلِ بِأنَّ بِعْثَةَ الرُّسُلِ تَتَوَقَّفُ عَلَيْها المُؤاخَذَةُ بِالذُّنُوبِ، وظاهِرُها أنَّ سائِرَ أنْواعِ المُؤاخَذَةِ تَتَوَقَّفُ عَلَيْها، سَواءٌ في ذَلِكَ الذُّنُوبُ الرّاجِعَةُ إلى الِاعْتِقادِ، والرّاجِعَةُ إلى العَمَلِ، وفي وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ، فَإرْسالُ الرُّسُلِ عِنْدَنا مِن تَمامِ العَدْلِ مِنَ اللَّهِ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُرْسِلْهم لَكانَتِ المُؤاخَذَةُ بِالعَذابِ مُجَرَّدَ الإطْلاقِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الخالِقِيَّةُ إذْ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وكانَتْ عَدْلًا بِالمَعْنى الأعَمِّ. فَأمّا جُمْهُورُ أهْلِ السُّنَّةِ، الَّذِينَ تُتَرْجَمُ عَنْ أقْوالِهِمْ طَرِيقَةُ الأشْعَرِيِّ، فَعَمَّمُوا وقالُوا: لا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنَ الواجِباتِ، ولا مُؤاخَذَةَ عَلى تَرْكٍ أوْ فِعْلٍ إلّا بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ حَتّى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، واسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها: مِثْلِ (﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]) وبِالإجْماعِ. وفي دَعْوى الإجْماعِ نَظَرٌ، وفي الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى أصْلٍ مِن أُصُولِ الدِّينِ نَظَرٌ آخَرُ، وفي الِاسْتِدْلالِ بِالآياتِ، وهي ظَواهِرُ عَلى أصْلٍ مِن أُصُولِ الدِّينِ نَظَرٌ ثالِثٌ، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّها تَكاثَرَتْ كَثْرَةً أبْلَغَتْها إلى مَرْتَبَةِ القَطْعِ، وهَذا أيْضًا مَجالٌ لِلنَّظَرِ، وهم مُلْجَئُونَ إلى تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهم قائِلُونَ بِمُؤاخَذَةِ أهْلِ الفَتْرَةِ عَلى إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ. والجَوابُ أنْ يُقالَ: إنَّ الرُّسُلَ في الآيَةِ كُلٌّ إفْرادِيٌّ، صادِقٌ بِالرَّسُولِ الواحِدِ، وهو يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الدَّعْوَةِ. فَأمّا الدَّعْوَةُ إلى جُمْلَةِ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ فَقَدْ تَقَرَّرَتْ بِالرُّسُلِ الأوَّلِينَ، الَّذِينَ تَقَرَّرَ مِن دَعَواتِهِمْ عِنْدَ البَشَرِ وُجُوبُ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ، وأمّا الدَّعْوَةُ إلى تَفْصِيلِ الآياتِ والصِّفاتِ وإلى فُرُوعِ الشَّرائِعِ، فَهي تَتَقَرَّرُ بِمَجِيءِ الرُّسُلِ الَّذِينَ يَخْتَصُّونَ بِأُمَمٍ مَعْرُوفَةٍ. وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ أثْبَتُوا الحَسَنَ والقَبِيحَ الذّاتِيَّيْنِ في حالَةِ عَدَمِ إرْسالِ رَسُولٍ؛ فَقالُوا: إنَّ العَقْلَ يَثْبُتُ بِهِ وُجُوبُ كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ، وحُرْمَةُ كَثِيرٍ، لا سِيَّما مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّ المَعْرِفَةَ دافِعَةٌ لِلضُّرِّ المَظْنُونِ، وهو الضُّرُّ الأُخْرَوِيُّ، مِن لِحاقِ العَذابِ في الآخِرَةِ. حَيْثُ أخْبَرَ عَنْهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ، وخَوْفِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى اخْتِلافِ الفِرَقِ في مَعْرِفَةِ الصّانِعِ قَبْلَ المَعْرِفَةِ الصَّحِيحَةِ مِنَ المُحارِباتِ، وهو ضُرٌّ دُنْيَوِيٌّ، وكُلُّ ما يَدْفَعُ الضُّرَّ المَظْنُونَ أوِ المَشْكُوكَ واجِبٌ عَقْلًا، صفحة ٤١ كَمَن أرادَ سُلُوكَ طَرِيقٍ فَأُخْبِرَ بِأنَّ فِيهِ سَبُعًا، فَإنَّ العَقْلَ يَقْتَضِي أنْ يَتَوَقَّفَ ويَبْحَثَ حَتّى يَعْلَمَ أيَسْلُكُ ذَلِكَ الطَّرِيقَ أمْ لا ؟ وكَذَلِكَ وُجُوبُ النَّظَرِ في مُعْجِزَةِ الرُّسُلِ وسائِرِ ما يُؤَدِّي إلى ثُبُوتِ الشَّرائِعِ. فَلِذَلِكَ تَأوَّلُوا هَذِهِ الآيَةَ بِما ذَكَرَهُ في الكَشّافِ إذْ قالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ قَبْلَ الرُّسُلِ وهم مَحْجُوجُونَ بِما نَصَبَهُ اللَّهُ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي النَّظَرُ فِيها مُوَصِّلٌ إلى المَعْرِفَةِ، والرُّسُلُ في أنْفُسِهِمْ لَمْ يَتَوَصَّلُوا إلى المَعْرِفَةِ بِالنَّظَرِ في تِلْكَ الأدِلَّةِ، أيْ قَبْلَ الرِّسالَةِ ؟ قُلْتُ: الرُّسُلُ مُنَبِّهُونَ عَنِ الغَفْلَةِ وباعِثُونَ عَلى النَّظَرِ مَعَ تَبْلِيغِ ما حَمَلُوهُ مِن أُمُورِ الدِّينِ وتَعْلِيمِ الشَّرائِعِ؛ فَكانَ إرْسالُهم إزاحَةً لِلْعِلَّةِ، وتَتْمِيمًا لِإلْزامِ الحُجَّةِ. يَعْنِي أنَّ بِعْثَةَ الرُّسُلِ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ لا عَدْلٌ، ولَوْ لَمْ يَبْعَثْهم لَكانَتِ المُؤاخَذَةُ عَلى القَبائِحِ عَدْلًا، فَبِعْثَةُ الرُّسُلِ إتْمامٌ لِلْحُجَّةِ في أصْلِ المُؤاخَذَةِ، وإتْمامٌ لِلْحُجَّةِ في زِيادَةِ التَّزْكِيَةِ أنْ يَقُولَ النّاسُ: رَبَّنا لِمَ لَمْ تُرْشِدْنا إلى ما يَرْفَعُ دَرَجاتِنا في مَراتِبِ الصِّدِّيقِينَ وقَصَرْتَنا عَلى مُجَرَّدِ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ، حِينَ اهْتَدَيْنا لِأصْلِ التَّوْحِيدِ بِعُقُولِنا. وقالَ الماتِرِيدِيُّ بِمُوافَقَةِ الجُمْهُورِ فِيما عَدا المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ تَعالى عِنْدَ إرادَةِ إفْحامِ الرُّسُلِ خاصَّةً لِأنَّهُ رَآهُ مَبْنى أُصُولِ الدِّينِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ في التَّوْضِيحِ: ”أيْ يَكُونُ الفِعْلُ صِفَةً يُحْمَدُ فاعِلُ الفِعْلِ ويُثابُ لِأجْلِها أوْ يُذَمُّ ويُعاقَبُ لِأجْلِها؛ لِأنَّ وُجُوبَ تَصْدِيقِ النَّبِيءِ إنْ تَوَقَّفَ عَلى الشَّرْعِ يُلْزِمُ الدَّوْرَ“ وصَرَّحَ أيْضًا بِأنَّها تُعَرِّفُ بِالشَّرْعِ أيْضًا. وقَدْ ضايَقَ المُعْتَزِلَةُ الأشاعِرَةَ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِخُصُوصِ وُجُوبِ المَعْرِفَةِ فَقالُوا: لَوْ لَمْ تَجِبِ المَعْرِفَةُ إلّا بِالشَّرْعِ لَلَزِمَ إفْحامُ الرُّسُلِ، فَلَمْ تَكُنْ لِلْبَعْثَةِ فائِدَةٌ. ووَجْهُ اللُّزُومِ أنَّ الرَّسُولَ إذا قالَ لِأحَدٍ: انْظُرْ في مُعْجِزَتِي حَتّى يَظْهَرَ صِدْقِي لَدَيْكَ، فَلَهُ أنْ يَقُولَ: لا أنْظُرُ ما لَمْ يَجِبْ عَلَيَّ، لِأنَّ تَرْكَ غَيْرَ الواجِبِ جائِزٌ، ولا يَجِبُ عَلَيَّ حَتّى يَثْبُتَ عِنْدِي الوُجُوبُ بِالشَّرْعِ، ولا يَثْبُتُ الشَّرْعُ ما دُمْتُ لَمْ أنْظُرْ، لِأنَّ ثُبُوتَ الشَّرْعِ نَظَرِيٌّ لا ضَرُورِيٌّ. وظاهَرَهُمُ الماتِرِيدِيَّةُ وبَعْضُ الشّافِعِيَّةِ عَلى هَذا الِاسْتِدْلالِ. صفحة ٤٢ ولَمْ أرَ لِلْأشاعِرَةِ جَوابًا مُقْنِعًا، سِوى أنَّ إمامَ الحَرَمَيْنِ في الإرْشادِ أجابَ: بِأنَّ هَذا مُشْتَرِكُ الإلْزامِ لِأنَّ وُجُوبَ التَّأمُّلِ في المُعْجِزَةِ نَظَرِيٌّ لا ضَرُورِيٌّ لا مَحالَةَ، فَلِمَن دَعاهُ الرَّسُولُ أنْ يَقُولَ: لا أتَأمَّلُ في المُعْجِزَةِ ما لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ عَلَيَّ عَقْلًا، ولا يَجِبُ عَلَيَّ عَقْلًا ما لَمْ أنْظُرْ، لِأنَّهُ وُجُوبٌ نَظَرِيٌّ، والنَّظَرِيُّ يَحْتاجُ إلى تَرْتِيبِ مُقَدِّماتٍ، فَأنا لا أُرَتِّبُها. وتَبِعَهُ عَلى هَذا الجَوابِ جَمِيعُ المُتَكَلِّمِينَ بَعْدَهُ مِنَ الأشاعِرَةِ مِثْلُ البَيْضاوِيِّ والعَضُدِ والتَّفْتَزانِيِّ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ في الشّامِلِ: إنَّهُ اعْتِرافٌ بِلُزُومِ الإفْحامِ فَلا يُزِيلُ الشُّبْهَةَ بَلْ يُعَمِّمُها بَيْنَنا وبَيْنَهم، فَلَمْ يَحْصُلْ دَفْعُ الإشْكالِ وكَلامُ ابْنِ عَرَفَةَ رَدٌّ مُتَمَكِّنٌ. والظّاهِرُ أنَّ مُرادَ إمامِ الحَرَمَيْنِ أنْ يُسْقِطَ اسْتِدْلالَ المُعْتَزِلَةِ لِأنْفُسِهِمْ عَلى الوُجُوبِ العَقْلِيِّ بِتَمَحُّضِ الِاسْتِدْلالِ بِالأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وهو مَطْلُوبُنا. وأنا أرى أنْ يَكُونَ الجَوابُ بِأحَدِ طَرِيقَيْنِ: أوَّلُهُما بِالمَنعِ وهو أنْ نَمْنَعَ أنْ يَكُونَ وُجُوبُ سَماعِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ مُتَوَقِّفًا عَلى الإصْغاءِ إلَيْهِ، والنَّظَرِ في مُعْجِزَتِهِ، وأنَّهُ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ وُجُوبُ ذَلِكَ بِالعَقْلِ يَلْزَمُ إفْحامَ الرَّسُولِ، بَلْ نَدَّعِي أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ ثَبَتَ بِالشَّرائِعِ الَّتِي تَعاقَبَ وُرُودُها بَيْنَ البَشَرِ، بِحَيْثُ قَدْ عَلِمَ كُلُّ مَن لَهُ عَلاقَةٌ بِالمَدَنِيَّةِ البَشَرِيَّةِ بِأنَّ دُعاةً أتَوْا إلى النّاسِ في عُصُورٍ مُخْتَلِفَةٍ، ودَعْوَتُهم واحِدَةٌ: كُلٌّ يَقُولُ إنَّهُ مَبْعُوثٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَدْعُوَ النّاسَ إلى ما يُرِيدُهُ اللَّهُ مِنهم، فاسْتَقَرَّ في نُفُوسِ البَشَرِ كُلِّهِمْ أنَّ هُنالِكَ إيمانًا وكُفْرًا، ونَجاةً وارْتِباقًا، اسْتِقْرارًا لا يَجِدُونَ في نُفُوسِهِمْ سَبِيلًا إلى دَفْعِهِ، فَإذا دَعا الرَّسُولُ النّاسَ إلى الإيمانِ حَضَرَتْ في نَفْسِ المَدْعُوِّ السّامِعِ تِلْكَ الأخْبارُ الماضِيَةُ والمُحاوَراتُ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ وُجُوبًا اضْطِرارِيًّا اسْتِماعُهُ والنَّظَرُ في الأمْرِ المُقَرَّرِ في نُفُوسِ البَشَرِ، ولِذَلِكَ آخَذَ اللَّهُ أهْلَ الفَتْرَةِ بِالإشْراكِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ. ولِذَلِكَ فَلَوْ قَدَّرْنا أحَدًا لَمْ يُخالِطْ جَماعاتِ البَشَرِ، ولَمْ يَسْبِقْ لَهُ شُعُورٌ بِأنَّ النّاسَ آمَنُوا وكَفَرُوا وأثْبَتُوا وعَطَّلُوا، لَما وجَبَ عَلَيْهِ الإصْغاءُ إلى الرَّسُولِ لِأنَّ ذَلِكَ صفحة ٤٣ الِانْسِياقَ الضَّرُورِيَّ مَفْقُودٌ عِنْدَهُ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ الوُجُوبُ غَيْرَ شَرْعِيٍّ، ولا عَقْلِيٍّ نَظَرِيٍّ، بَلْ هو مِنَ الأُمُورِ الضَّرُورِيَّةِ الَّتِي لا يُسْتَطاعُ دَفْعُها فَلا عَجَبَ أنْ تَقَعَ المُؤاخَذَةُ بِتَعَمُّدِ مُخالَفَتِها. وثانِي الجَوابَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ، غَيْرَ أنَّ ما وقَرَ في جِبِلَّةِ البَشَرِ مِنِ اسْتِطْلاعِ الحَوادِثِ والأخْبارِ الجَدِيدَةِ، والإصْغاءِ لِكُلِّ صاحِبِ دَعْوَةٍ، أمْرٌ يَحْمِلُ كُلَّ مَن دَعاهُ الرَّسُولُ إلى الدِّينِ عَلى أنْ يَسْتَمِعَ لِكَلامِهِ، ويَتَلَقّى دَعْوَتَهُ وتَحَدِّيَهُ ومُعْجِزَتَهُ، فَلا يَشْعُرُ إلّا وقَدْ سَلَكَتْ دَعْوَتُهُ إلى نَفْسِ المَدْعُوِّ، فَحَرَّكَتْ فِيهِ داعِيَةَ النَّظَرِ، فَهو يَنْجَذِبُ إلى تَلَقِّي الدَّعْوَةِ، رُوَيْدًا رُوَيْدًا، حَتّى يَجِدَ نَفْسَهُ قَدْ وعاها وعَلِمَها عِلْمًا لا يَسْتَطِيعُ بَعْدَهُ أنْ يَقُولَ: إنِّي لا أنْظُرُ المُعْجِزَةَ، أوْ لا أُصْغِي إلى الدَّعْوَةِ. فَإنْ هو أعْرَضَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدِ اخْتارَ العَمى عَلى الهُدى، فَكانَ مُؤاخَذًا، فَلَوْ قَدَّرْنا أحَدًا مَرَّ بِرَسُولٍ يَدْعُو فَشَغَلَهُ شاغِلٌ عَنْ تَعَرُّفِ أمْرِهِ والإصْغاءِ لِكَلامِهِ والنَّظَرِ في أعْمالِهِ، لَسَلَّمْنا أنَّهُ لا يَكُونُ مُخاطِبًا، وأنَّ هَذا الواحِدَ وأمْثالَهُ إذا أفْحَمَ الرَّسُولَ لا تَتَعَطَّلُ الرِّسالَةُ، ولَكِنَّهُ خَسِرَ هَدْيَهُ، وسَفَّهَ نَفْسَهُ. ولا يَرِدُ عَلَيْنا أنَّ مَن سَمِعَ دَعْوَةَ الرَّسُولِ فَجَعَلَ أصابِعَهُ في أُذُنَيْهِ وأعْرَضَ هارِبًا حِينَئِذٍ، لا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ وُجُوبُ المَعْرِفَةِ، لِأنَّ هَذا ما صَنَعَ صُنْعَهُ إلّا بَعْدَ أنْ عَلِمَ أنَّهُ قَدْ تَهَيَّأ لِتَوَجُّهِ المُؤاخَذَةِ عَلَيْهِ إذا سَمِعَ فَعَصى، وكَفى بِهَذا شُعُورًا مِنهُ بِتَوَجُّهِ التَّكْلِيفِ إلَيْهِ فَيَكُونُ مُؤاخَذًا عَلى اسْتِحْبابِهِ العَمى عَلى الهُدى، كَما قالَ تَعالى في قَوْمِ نُوحٍ ﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ﴾ [نوح: ٧] أيْ إلى الإيمانِ ﴿لِتَغْفِرَ لَهم جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ [نوح: ٧] . والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ في قَوْلِهِ (﴿بَعْدَ الرُّسُلِ﴾) دُونَ أنْ يُقالَ: بَعْدَهم، لِلِاهْتِمامِ بِهَذِهِ القَضِيَّةِ واسْتِقْلالِها في الدَّلالَةِ عَلى مَعْناها حَتّى تَسِيرَ مِسْرى الأمْثالِ. ومُناسَبَةُ التَّذْيِيلِ بِالوَصْفَيْنِ في قَوْلِهِ (﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾): أمّا بِوَصْفِ الحَكِيمِ فَظاهِرَةٌ، صفحة ٤٤ لِأنَّ هَذِهِ الأخْبارَ كُلَّها دَلِيلُ حِكْمَتِهِ تَعالى، وأمّا بِوَصْفِ العَزِيزِ فَلِأنَّ العَزِيزَ يُناسِبُ عِزَّتَهُ أنْ يَكُونَ غالِبًا مِن كُلِّ طَرِيقٍ فَهو غالِبٌ مِن طَرِيقِ المَعْبُودِيَّةِ، لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وغالِبٌ مِن طَرِيقِ المَعْقُولِيَّةِ إذْ شاءَ أنْ لا يُؤاخِذَ عَبِيدَهُ إلّا بَعْدَ الأدِلَّةِ والبَراهِينِ والآياتِ. وتَأْخِيرُ وصْفِ الحَكِيمِ لِأنَّ إجْراءَ عِزَّتِهِ عَلى هَذا التَّمامِ هو أيْضًا مِن ضُرُوبِ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ.

النساء 4:164

﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيئِينَ مِن بَعْدِهِ وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ ﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ . صفحة ٣١ اسْتَأْنَفَتْ هَذِهِ الآياتُ الرَّدَّ عَلى سُؤالِ اليَهُودِ أنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ، بَعْدَ أنْ حُمِقُوا في ذَلِكَ بِتَحْمِيقِ أسْلافِهِمْ: بِقَوْلِهِ ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٥٣]، واسْتُطْرِدَتْ بَيْنَهُما جُمَلٌ مِن مُخالَفَةِ أسْلافِهِمْ، وما نالَهم مِن جَرّاءِ ذَلِكَ، فَأقْبَلَ الآنَ عَلى بَيانِ أنَّ إنْزالَ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَكُنْ بِدَعًا، فَإنَّهُ شَأْنُ الوَحْيِ لِلرُّسُلِ، فَلَمْ يُقْدَحْ في رِسالَتِهِمْ أنَّهم لَمْ يُنَزَّلْ عَلَيْهِمْ كِتابٌ مِنَ السَّماءِ. والتَّأْكِيدُ بِإنَّ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ أوْ لِتَنْزِيلِ المَرْدُودِ عَلَيْهِمْ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ كَيْفِيَّةَ الوَحْيِ لِلرُّسُلِ غَيْرِ مُوسى، إذْ لَمْ يَجْرُوا عَلى مُوجَبِ عِلْمِهِمْ حَتّى أنْكَرُوا رِسالَةَ رَسُولٍ لَمْ يُنْزَلْ إلَيْهِ كِتابٌ مِنَ السَّماءِ. والوَحْيُ إفادَةُ المَقْصُودِ بِطَرِيقٍ غَيْرِ الكَلامِ، مِثْلَ الإشارَةِ قالَ تَعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ فَأوْحى إلَيْهِمُ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، وقالَ داوُدُ بْنُ جَرِيرٍ: يَرْمُونَ بِالخُطَبِ الطِّوالِ وتارَةً وحْيُ اللَّواحِظِ خِيفَةَ الرُّقَبَـاءِ والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ ﴿كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ﴾ تَشْبِيهٌ بِجِنْسِ الوَحْيِ وإنِ اخْتَلَفَتْ أنْواعُهُ، فَإنَّ الوَحْيَ إلى النَّبِيءِ ﷺ كانَ بِأنْواعٍ مِنَ الوَحْيِ ورَدَ بَيانُها في حَدِيثِ عائِشَةَ في الصَّحِيحِ عَنْ سُؤالِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ النَّبِيءَ ﷺ كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ - بِخِلافِ الوَحْيِ إلى غَيْرِهِ مِمَّنْ سَمّاهُمُ اللَّهُ تَعالى فَإنَّهُ يُحْتَمَلُ بَعْضٌ مِنَ الأنْواعِ، عَلى أنَّ الوَحْيَ لِلنَّبِيءِ ﷺ كانَ مِنهُ الكِتابُ القُرْآنُ ولَمْ يَكُنْ لِبَعْضِ مَن ذُكِرَ مَعَهُ كِتابٌ. وعَدَّ اللَّهُ هُنا جَمْعًا مِنَ النَّبِيئِينَ والمُرْسَلِينَ وذَكَرَ أنَّهُ أوْحى إلَيْهِمْ ولَمْ يَخْتَلِفِ العُلَماءُ في أنَّ الرُّسُلَ والأنْبِياءَ يُوحى إلَيْهِمْ. صفحة ٣٢ وإنَّما اخْتَلَفَتْ عِباراتُهم في مَعْنى الرَّسُولِ والنَّبِيءِ. فَفي كَلامِ جَماعَةٍ مِن عُلَمائِنا لا نَجِدُ تَفْرِقَةً، وأنَّ كُلَّ نَبِيءٍ فَهو رَسُولٌ لِأنَّهُ يُوحى إلَيْهِ بِما لا يَخْلُو مِن تَبْلِيغِهِ ولَوْ إلى أهْلِ بَيْتِهِ. وقَدْ يَكُونُ حالُ الرَّسُولِ مُبْتَدَأً بِنُبُوَّةٍ ثُمَّ يَعْقُبُها إرْسالُهُ، فَتِلْكَ النُّبُوءَةُ تَمْهِيدٌ لِلرِّسالَةِ كَما كانَ أمْرُ مَبْدَأِ الوَحْيِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهُ أخْبَرَ خَدِيجَةَ، ونَزَلَ عَلَيْهِ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] . والقَوْلُ الصَّحِيحُ أنَّ الرَّسُولَ أخَصُّ، وهو مَن أُوحِيَ إلَيْهِ مَعَ الأمْرِ بِالتَّبْلِيغِ، والنَّبِيءُ لا يُؤْمَرُ بِالتَّبْلِيغِ وإنْ كانَ قَدْ يُبَلِّغُ عَلى وجْهِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والدُّعاءِ لِلْخَيْرِ، يَعْنِي بِدُونِ إنْذارٍ وتَبْشِيرٍ. ووَرَدَ في بَعْضِ الأحادِيثِ: «الأنْبِياءُ مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، وعَدُّ الرُّسُلِ ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَسُولًا» . وقَدْ ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ، في الصَّحِيحِ: «أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلُ الرُّسُلِ» . وقَدْ دَلَّتْ آياتُ القُرْآنِ عَلى أنَّ الدِّينَ كانَ مَعْرُوفًا في زَمَنِ آدَمَ وأنَّ الجَزاءَ كانَ مَعْلُومًا لَهم، فَقَدْ قَرَّبَ ابْنا آدَمَ قُرْبانًا، قالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، وقالَ لَهُ ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨] ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٩] . ودَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ بَيْنَهم مَن يَأْخُذُ عَلى يَدِ المُعْتَدِي ويَنْتَصِفُ لِلضَّعِيفِ مِنَ القَوِيِّ، فَإنَّما كانَ ما تَعَلَّمُوهُ مِن طَرِيقَةِ الوَعْظِ والتَّعْلِيمِ وكانَتْ رِسالَةً عائِلِيَّةً. ونُوحٌ هو أوَّلُ الرُّسُلِ، وهو نُوحُ بْنُ لامَكَ، والعَرَبُ تَقُولُ: لَمَكُ بْنُ مُتُوشالِحَ بْنِ أخْنُوخَ. ويُسَمِّيهِ المِصْرِيُّونَ هُرْمُسَ، ويُسَمِّيهِ العَرَبُ إدْرِيسُ بْنُ يارِدَ بْنِ مَهْلَلْئِيلَ بْنِ قِينانَ بْنِ أنْوَشَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ، حَسَبَ قَوْلِ التَّوْراةِ. وفي زَمَنِهِ وقَعَ الطُّوفانُ العَظِيمُ. وعاشَ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، وقِيلَ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، والقُرْآنُ أثْبَتَ ذَلِكَ. وقَدْ ماتَ نُوحٌ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِثَلاثَةِ آلافِ سَنَةٍ وتِسْعِمِائَةِ سَنَةٍ وسَبْعِينَ سَنَةً عَلى حَسَبِ حِسابِ اليَهُودِ المُسْتَمَدِّ مِن كِتابِهِمْ. وإبْراهِيمُ هو الخَلِيلُ، إبْراهِيمُ بْنُ تارِحَ والعَرَبُ تُسَمِّيهِ آزَرَ بْنَ ناحُورَ بْنِ سارُوغَ بْنِ أرْعُو بْنِ فالِغَ بْنِ عابِرَ بْنِ شالِحَ بْنِ قِينانَ بْنِ أرْفَخْشَدَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ. وُلِدَ سَنَةَ ٢٨٩٣ قَبْلَ الهِجْرَةِ، في بَلَدِ أُورِ الكَلْدانِيِّينَ، وماتَ في بِلادِ الكَنْعانِيِّينَ، وهي سُورِيا، في حَبْرُونَ حَيْثُ مَدْفَنُهُ الآنَ المَعْرُوفُ بِبَلَدِ الخَلِيلِ سَنَةَ ٢٧١٨ قَبْلَ الهِجْرَةِ. صفحة ٣٣ وإسْماعِيلُ هو ابْنُ إبْراهِيمَ مِنَ الجارِيَةِ المِصْرِيَّةِ هاجَرَ. تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ سَنَةَ ٢٦٨٦ قَبْلَ الهِجْرَةِ تَقْرِيبًا. وكانَ إسْماعِيلُ رَسُولًا إلى قَوْمِهِ الَّذِينَ حَلَّ بَيْنَهم مِن جُرْهُمَ وغَيْرِهِمْ، وإلى أبْنائِهِ وأهْلِهِ، قالَ تَعالى ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ وكانَ رَسُولًا نَبِيئا﴾ [مريم: ٥٤] . وإسْحاقُ هو ابْنُ إبْراهِيمَ مِن سارَةَ ابْنَةَ عَمِّهِ، تُوُفِّيَ قَبْلَ الهِجْرَةِ سَنَةَ ٢٦١٣، وكانَ إسْحاقُ نَبِيًّا مُؤَيِّدًا لِشَرْعِ أبِيهِ إبْراهِيمَ ولَمْ يَجِئْ بِشَرْعٍ. ويَعْقُوبُ هو ابْنُ إسْحاقَ، المُلَقَّبُ بِإسْرائِيلَ. تُوُفِّيَ سَنَةَ ٢٥٨٦ قَبْلَ الهِجْرَةِ. وكانَ يَعْقُوبُ نَبِيًّا مُؤَيِّدًا لِشَرْعِ إبْراهِيمَ، قالَ تَعالى ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢] ولَمْ يَجِئْ بِشَرْعٍ جَدِيدٍ. والأسْباطُ هم أسْباطُ إسْحاقَ أيْ أحْفادُهُ، وهم أبْناءُ يَعْقُوبَ اثْنا عَشَرَ ابْنًا: رُوبِينُ، وشَمْعُونُ، وجادُ، ويَهُوذا، ويَساكِرُ، وزَبُولُونُ، ويُوسُفُ، وبِنْيامِينُ، ومُنَسّى، ودانٍ، وأشْيَرُ، وثَفْتالِي، فَأمّا يُوسُفُ فَكانَ رَسُولًا لِقَوْمِهِ بِمِصْرَ. قالَ تَعالى لِبَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ مُؤْمِنِ بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ خِطابًا مِنَ اللَّهِ ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر: ٣٤] . وأمّا بَقِيَّةُ الأسْباطِ فَكانَ كُلٌّ مِنهم قائِمًا بِدَعْوَةِ شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ في بَنِيهِ وقَوْمِهِ. والوَحْيُ إلى هَؤُلاءِ مُتَفاوِتٌ. وعِيسى هو عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وُلِدَ مِن غَيْرِ أبٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ سَنَةَ ٦٢٢ . ورُفِعَ إلى السَّماءِ قَبْلَها سَنَةَ ٥٨٩ . وهو رَسُولٌ بِشَرْعٍ ناسِخٍ لِبَعْضِ أحْكامِ التَّوْراةِ. ودامَتْ دَعْوَتُهُ إلى اللَّهِ ثَلاثَ سِنِينَ. وأيُّوبُ هو نَبِيٌّ. قِيلَ: أنَّهُ عَرَبِيُّ الأصْلِ مِن أرْضِ عُوصٍ، في بِلادِ أدَوْمَ، وهي مِن بِلادِ حَوْرانَ، وقِيلَ، هو أيُّوبُ بْنُ ناحُورَ أخِي إبْراهِيمَ، وقِيلَ: اسْمُهُ عَوَضٌ، وقِيلَ: هو يُوبابُ ابْنُ حَفِيدِ عِيسُو. وقِيلَ: كانَ قَبْلَ إبْراهِيمَ بِمِائَةِ سَنَةٍ. صفحة ٣٤ والصَّحِيحُ أنَّهُ كانَ بَعْدَ إبْراهِيمَ وقَبْلَ مُوسى في القَرْنِ الخامِسَ عَشَرَ قَبْلَ المَسِيحِ، أيْ في القَرْنِ الحادِي والعِشْرِينَ قَبْلَ الهِجْرَةِ. ويُقالُ: إنَّ الكِتابَ المَنسُوبَ إلَيْهِ في كُتُبِ اليَهُودِ أصْلُهُ مُؤَلَّفٌ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَقَلَهُ إلى العِبْرانِيَّةِ عَلى سَبِيلِ المَوْعِظَةِ، فَظَنَّ كَثِيرٌ مِنَ الباحِثِينَ في التّارِيخِ أنَّ أيُّوبَ مِن قَبِيلَةٍ عَرَبِيَّةٍ. ولَيْسَ ذَلِكَ بِبَعِيدٍ. وكانَ أيُّوبُ رَسُولًا نَبِيًّا. وكانَ لَهُ صاحِبٌ اسْمُهُ اليَفازُ اليَمانِيُّ هو الَّذِي شَدَّ أزْرَهُ في الصَّبْرِ، كَما سَنَذْكُرُهُ في مَوْضِعِهِ. وإنَّما مُنِعَ اسْمُهُ مِنَ الصَّرْفِ إذْ لَمْ يَكُنْ مِن عَرَبِ الحِجازِ ونَجْدٍ؛ لِأنَّ العَرَبَ اعْتَبَرَتِ القَبائِلَ البَعِيدَةَ عَنْها عَجَمًا، وإنْ كانَ أصْلُهم عَرَبِيًّا، ولِذَلِكَ مَنَعُوا ثَمُودَ مِنَ الصَّرْفِ إذْ سَكَنُوا الحِجْرَ. ويُونُسُ هو ابْنُ مَتّى مِن سِبْطِ زَبُولُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى أهْلِ نِينَوى عاصِمَةِ الآشُورِيِّينَ، بَعْدَ خَرابِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وذَلِكَ في حُدُودِ القَرْنِ الحادِي عَشَرَ قَبْلَ الهِجْرَةِ. وهارُونُ أخُو مُوسى بْنِ عِمْرانَ تُوُفِّيَ سَنَةَ ١٩٧٢ قَبْلَ الهِجْرَةِ وهو رَسُولٌ مَعَ مُوسى إلى بَنِي إسْرائِيلَ. وسُلَيْمانُ هو ابْنُ داوُدَ. كانَ نَبِيًّا حاكِمًا بِالتَّوْراةِ ومَلِكًا عَظِيمًا. تُوُفِّيَ سَنَةَ ١٥٩٧ قَبْلَ الهِجْرَةِ. ومِمّا أوْحى اللَّهُ بِهِ إلَيْهِ ما تَضَمَّنَهُ كِتابُ الجامِعَةِ وكِتابُ الأمْثالِ مِنَ الحِكْمَةِ والمَواعِظِ، وهي مَنسُوبَةٌ إلى سُلَيْمانَ ولَمْ يُقَلْ فِيها إنَّ اللَّهَ أوْحاها إلَيْهِ؛ فَعَلِمْنا أنَّها كانَتْ مُوحى بِمَعانِيها دُونَ لَفْظِها. وداوُدُ أبُو سُلَيْمانَ هو داوُدُ بْنُ يَسِي، تُوُفِّيَ سَنَةَ ١٦٢٦ قَبْلَ الهِجْرَةِ، بَعَثَهُ اللَّهُ لِنَصْرِ بَنِي إسْرائِيلَ. وأنْزَلَ عَلَيْهِ كِتابًا فِيهِ مَواعِظُ وأمْثالُ، كانَ بَنُو إسْرائِيلَ يَتَرَنَّمُونَ بِفُصُولِهِ، وهو المُسَمّى بِالزَّبُورِ. وهو مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ فَعُولٍ مِثْلُ قَبُولٍ. ويُقالُ فِيهِ: زُبُورٌ بِضَمِّ الزّايِ أيْ مَصْدَرًا مِثْلَ الشُّكُورِ، ومَعْناهُ الكِتابَةُ ويُسَمّى المَكْتُوبُ زَبُورًا فَيُجْمَعُ عَلى الزُّبُرِ، قالَ تَعالى ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤] . وقَدْ صارَ صفحة ٣٥ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ في لُغَةِ العَرَبِ عَلى كِتابِ داوُدَ النَّبِيءِ، وهو أحَدُ أسْفارِ الكِتابِ المُقَدَّسِ عِنْدَ اليَهُودِ. وعُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ عَلى (أوْحَيْنا إلَيْكَ) . ولَمْ يُعْطَفِ اسْمُ داوُدَ عَلى بَقِيَّةِ الأسْماءِ المَذْكُورَةِ قَبْلَهُ لِلْإيماءِ إلى أنَّ الزَّبُورَ مُوحًى بِأنْ يَكُونَ كِتابًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (زَبُورًا) بِفَتْحِ الزّايِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ وخَلَفٌ بِضَمِّ الزّايِ. وقَوْلُهُ: ﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي في آيِ القُرْآنِ مِثْلَ: هُودٍ، وصالِحٍ، وشُعَيْبَ، وزَكَرِيّاءَ، ويَحْيى، وإلْياسَ، واليَسَعَ، ولُوطٍ، وتُبَّعٍ. ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ لَمْ يَذْكُرْهُمُ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ؛ فَمِنهم مَن لَمْ يَرِدْ ذِكْرُهُ في السُّنَّةِ: مِثْلُ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ نَبِيءِ أصْحابِ الرَّسِّ، ومِثْلُ بَعْضِ حُكَماءِ اليُونانِ عِنْدَ بَعْضِ عُلَماءِ الحِكْمَةِ. قالَ السَّهْرَوَرْدِيُّ في حِكْمَةِ الإشْراقِ مِنهم أهْلُ السِّفارَةِ. ومِنهم مَن ذَكَرَتْهُ السُّنَّةُ: مِثْلُ خالِدِ بْنِ سِنانٍ العَبْسِيِّ. وإنَّما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هُنا الأنْبِياءَ الَّذِينَ اشْتُهِرُوا عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّ المَقْصُودَ مُحاجَّتُهم. وإنَّما تَرَكَ اللَّهُ أنْ يَقُصَّ عَلى النَّبِيءِ ﷺ أسْماءَ كَثِيرٍ مِنَ الرُّسُلِ لِلِاكْتِفاءِ بِمَن قَصَّهم عَلَيْهِ، لِأنَّ المَذْكُورِينَ هم أعْظَمُ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ قَصَصًا ذاتَ عِبَرٍ. وقَوْلُهُ ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ غُيِّرَ الأُسْلُوبُ فَعُدِلَ عَنِ العَطْفِ إلى ذِكْرِ فِعْلٍ آخَرَ، لِأنَّ لِهَذا النَّوْعِ مِنَ الوَحْيِ مَزِيدَ أهَمِّيَّةٍ، وهو مَعَ تِلْكَ المَزِيَّةِ لَيْسَ إنْزالَ كِتابٍ مِنَ السَّماءِ، فَإذا لَمْ تَكُنْ عِبْرَةٌ إلّا بِإنْزالِ كِتابٍ مِنَ السَّماءِ حَسَبَ اقْتِراحِهِمْ، فَقَدْ بَطَلَ أيْضًا ما عَدا الكَلِماتِ العَشْرِ المُنَزَّلَةِ في الألْواحِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وكَلامُ اللَّهِ تَعالى صِفَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ عِنْدَنا. وهي المُتَعَلِّقَةُ بِإبْلاغِ مُرادِ اللَّهِ إلى المَلائِكَةِ والرُّسُلِ، وقَدْ تَواتَرَ ذَلِكَ في كَلامِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ تَواتُرًا ثَبَتَ صفحة ٣٦ عِنْدَ جَمِيعِ المِلِّيِّينَ، فَكَلامُ اللَّهِ صِفَةٌ لَهُ ثَبَتَتْ بِالشَّرْعِ لا يَدُلُّ عَلَيْها الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ عَلى التَّحْقِيقِ إذْ لا تَدُلُّ الأدِلَّةُ العَقْلِيَّةُ عَلى أنَّ اللَّهَ يَجِبُ لَهُ إبْلاغُ مُرادِهِ النّاسَ بَلْ يَجُوزُ أنْ يُوجِدَ المَوْجُوداتِ ثُمَّ يَتْرُكُها وشَأْنَها، فَلا يَتَعَلَّقُ عِلْمُهُ بِحَمْلِها عَلى ارْتِكابِ حَسَنِ الأفْعالِ وتَجَنُّبِ قَبائِحِها. ألا تَرى أنَّهُ خَلَقَ العَجْماواتِ فَما أمَرَها ولا نَهى، فَلَوْ تَرَكَ النّاسَ فَوْضى كالحَيَوانِ لَما اسْتَحالَ ذَلِكَ. وأنَّهُ إذا أرادَ حَمْلَ المَخْلُوقاتِ عَلى شَيْءٍ يُرِيدُهُ فَطَرَها عَلى ذَلِكَ فانْساقَتْ إلَيْهِ بِجِبِلّاتِها، كَما فَطَرَ النَّحْلَ عَلى إنْتاجِ العَسَلِ، والشَّجَرِ عَلى الإثْمارِ، . ولَوْ شاءَ لَحَمَلَ النّاسَ أيْضًا عَلى جِبِلَّةٍ لا يَعْدُونَها، غَيْرَ أنَّنا إذْ قَدْ عَلِمْنا أنَّهُ عالِمٌ، وأنَّهُ حَكِيمٌ، والعِلْمُ يَقْتَضِي انْكِشافَ حَقائِقِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ عِنْدَهُ، فَهو إذْ يَعْلَمُ حَسَنَ الأفْعالِ وقُبْحَها، يُرِيدُ حُصُولَ المَنافِعِ وانْتِفاءَ المَضارِّ، ويَرْضى بِالأُولى، ويَكْرَهُ الثّانِيَةَ، وإذِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ وإرادَتُهُ أنْ جَعَلَ البَشَرَ قابِلًا لِلتَّعَلُّمِ والصَّلاحِ، وجَعَلَ عُقُولَ البَشَرِ صالِحَةً لِبُلُوغِ غاياتِ الخَيْرِ، وغاياتِ الشَّرِّ، والتَّفَنُّنِ فِيهِما، بِخِلافِ الحَيَوانِ الَّذِي يَبْلُغُ فِيما جُبِلَ عَلَيْهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ إلى غايَةٍ فُطِرَ عَلَيْها لا يَعْدُوها، فَكانَ مِنَ المُتَوَقَّعِ طُغْيانُ الشَّرِّ عَلى الخَيْرِ بِعَمَلِ فَرِيقِ الأشْرارِ مِنَ البَشَرِ كانَ مِن مُقْتَضى الحِكْمَةِ أنْ يَحْمِلَ النّاسَ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ الَّذِي يَرْضاهُ، وتَرْكِ الشَّرِّ الَّذِي يَكْرَهُهُ، وحَمْلُهم عَلى هَذا قَدْ يَحْصُلُ بِخَلْقِ أفاضِلِ النّاسِ وجَبْلِهِمْ عَلى الصَّلاحِ والخَيْرِ، فَيَكُونُونَ دُعاةً لِلْبَشَرِ، لَكِنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ وفَضْلَهُ اقْتَضى أنْ يَخْلُقَ الصّالِحِينَ القابِلِينَ لِلْخَيْرِ، وأنْ يُعِينَهم عَلى بُلُوغِ ما جُبِلُوا عَلَيْهِ بِإرْشادِهِ وهَدْيِهِ، فَخَلَقَ النُّفُوسَ القابِلَةَ لِلنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ وأمَدَّها بِالإرْشادِ الدّالِّ عَلى مُرادِهِ المُعَبِّرِ عَنْهُ بِالوَحْيِ، كَما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ تَعالى (﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]) فَأثْبَتَ رِسالَةً وتَهْيِئَةَ المُرْسَلِ لِقَبُولِها ومِن هُنا ثَبَتَتْ صِفَةُ الكَلامِ. فَعَلِمْنا بِأخْبارِ الشَّرِيعَةِ المُتَواتِرَةِ أنَّ اللَّهَ أرادَ مِنَ البَشَرِ الصَّلاحَ وأمَرَهم بِهِ، وأنَّ أمْرَهُ بِذَلِكَ بَلَغَ إلى البَشَرِ في عُصُورٍ كَثِيرَةٍ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ يَرْضى بَعْضَ أعْمالِ البَشَرِ ولا يَرْضى بَعْضَها وأنَّ ذَلِكَ يُسَمّى كَلامًا نَفِيسًا، وهو أزَلِيٌّ. ثُمَّ إنَّ حَقِيقَةَ صِفَةِ الكَلامِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن مُتَعَلِّقاتِ صِفَةِ العِلْمِ، أوْ مِن مُتَعَلِّقاتِ صِفَةِ الإرادَةِ، أوْ صِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ مُتَمَيِّزَةٍ عَنِ الصِّفَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ؛ صفحة ٣٧ فَمِنهم مَن يَقُولُ: عَلِمَ حاجَةَ النّاسِ إلى الإرْشادِ فَأرْشَدَهم، أوْ أرادَ هُدى النّاسِ فَأرْشَدَهم. ونَحْنُ نَقُولُ: إنَّ الإلَهِيَّةَ تَقْتَضِي ثُبُوتَ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي مِنها الرِّضا والكَراهِيَةُ والأمْرُ والنَّهْيُ لِلْبَشَرِ أوِ المَلائِكَةِ، فَثَبَتَتْ صِفَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ هي صِفَةُ الكَلامِ النَّفْسِيِّ؛ وكُلُّ ذَلِكَ مُتَقارِبٌ، وتَفْصِيلُهُ في عِلْمِ الكَلامِ. أمّا تَكْلِيمُ اللَّهِ تَعالى بَعْضَ عِبادِهِ مِنَ المَلائِكَةِ أوِ البَشَرِ فَهو إيجادُ ما يَعْرِفُ مِنهُ المَلَكُ أوِ الرَّسُولُ أنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ أوْ يَنْهى أوْ يُخْبِرُ. فالتَّكْلِيمُ تَعَلُّقٌ لِصِفَةِ الكَلامِ بِالمُخاطَبِ عَلى جَعْلِ الكَلامِ صِفَةً مُسْتَقِلَّةً، أوْ تَعَلُّقُ العِلْمِ بِإيصالِ المَعْلُومِ إلى المُخاطَبِ، أوْ تَعَلُّقُ الإرادَةِ بِإبْلاغِ المُرادِ إلى المُخاطَبِ. فالأشاعِرَةُ قالُوا: تَكْلِيمُ اللَّهِ عَبْدَهُ هو أنْ يَخْلُقَ لِلْعَبْدِ إدْراكًا مِن جِهَةِ السَّمْعِ يَتَحَصَّلُ بِهِ العِلْمَ بِكَلامِ اللَّهِ دُونَ حُرُوفٍ ولا أصْواتٍ. وقَدْ ورَدَ تَمْثِيلُهُ بِأنَّ مُوسى سَمِعَ مِثْلَ الرَّعْدِ عَلِمَ مِنهُ مَدْلُولَ الكَلامِ النَّفْسِيِّ. قُلْتُ: وقَدْ مَثَّلَهُ النَّبِيءُ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا قَضى الأمْرَ في السَّماءِ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ بِأجْنِحَتِها خُضْعانًا لِقَوْلِهِ كَأنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلى صَفْوانٍ فَإذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا: ماذا قالَ رَبُّكم، قالُوا لِلَّذِي قالَ (﴿الحَقَّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ [سبإ»: ٢٣]) فَعَلى هَذا القَوْلِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المَسْمُوعُ لِلرَّسُولِ أوِ المَلَكِ حُرُوفًا وأصْواتًا بَلْ هو عِلْمٌ يَحْصُلُ لَهُ مِن جِهَةِ سَمْعِهِ يَتَّصِلُ بِكَلامِ اللَّهِ، وهو تَعَلُّقٌ مِن تَعَلُّقاتِ صِفَةِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ بِالمُكَلِّمِ فِيما لا يَزالُ، فَذَلِكَ التَّعَلُّقُ حادِثٌ لا مَحالَةَ كَتَعَلُّقِ الإرادَةِ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: يَخْلُقُ اللَّهُ حُرُوفًا وأصْواتًا بِلُغَةِ الرَّسُولِ فَيَسْمَعُها الرَّسُولُ، فَيَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، بِعِلْمٍ يَجِدُهُ في نَفْسِهِ، يَعْلَمُ بِهِ أنَّ ذَلِكَ ورَدَ إلَيْهِ مِن قِبَلِ اللَّهِ، إلّا أنَّهُ لَيْسَ بِواسِطَةِ المَلَكِ، فَهم يُفَسِّرُونَهُ بِمِثْلِ ما نُفَسِّرُ بِهِ نَحْنُ نُزُولَ القُرْآنِ؛ فَإسْنادُ الكَلامِ إلى اللَّهِ مَجازٌ في الإسْنادِ، عَلى قَوْلِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الحُرُوفِ والأصْواتِ. والكَلامُ حَقِيقَةً حُرُوفٌ وأصْواتٌ، وهَذِهِ سَفْسَطَةٌ في الدَّلِيلِ لِأنَّهُ لا يَقُولُ أحَدٌ بِأنَّ الحُرُوفَ والأصْواتَ تَتَّصِفُ بِها الذّاتُ العَلِيَّةُ. وهو عِنْدَنا وعِنْدَهم غَيْرُ الوَحْيِ الَّذِي يَقَعُ في قَلْبِ الرَّسُولِ، وغَيْرُ التَّبْلِيغِ الَّذِي يَكُونُ بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ، وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى (﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الشورى: ٥١]) . صفحة ٣٨ أمّا كَلامُ اللَّهِ الوارِدُ لِلرَّسُولِ بِواسِطَةِ المَلَكِ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالقُرْآنِ وبِالتَّوْراةِ وبِالإنْجِيلِ وبِالزَّبُورِ: فَتِلْكَ ألْفاظٌ وحُرُوفٌ وأصْواتٌ يُعْلِمُها اللَّهُ لِلْمَلَكِ بِكَيْفِيَّةٍ لا نَعْلَمُها، يَعْلَمُ بِها المَلَكُ أنَّ اللَّهَ يَدُلُّ، بِالألْفاظِ المَخْصُوصَةِ المُلْقاةِ لِلْمَلَكِ، عَلى مَدْلُولاتِ تِلْكَ الألْفاظِ فَيُلْقِيها المَلَكُ عَلى الرَّسُولِ كَما هي، قالَ تَعالى ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٥١] وقالَ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] . وهَذا لا يَمْتَرِي في حُدُوثِهِ مَن لَهُ نَصِيبٌ مِنَ العِلْمِ في الدِّينِ. ولَكِنْ أمْسَكَ بَعْضُ أئِمَّةِ الإسْلامِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِحُدُوثِهِ، أوْ بِكَوْنِهِ مَخْلُوقًا، في مَجالِسِ المُناظَرَةِ الَّتِي غَشِيَتْها العامَّةُ، أوْ ظُلْمَةُ المُكابَرَةِ، والتَّحَفُّزُ إلى النَّبْزِ والأذى: دَفْعًا لِلْإيهامِ، وإبْقاءً عَلى النِّسْبَةِ إلى الإسْلامِ، وتَنَصُّلًا مِن غَوْغاءِ الطُّغامِ، فَرَحِمَ اللَّهُ نُفُوسًا فَتَنَتْ، وأجْسادًا أوْجَعَتْ، وأفْواهًا سَكَتَتْ، والخَيْرَ أرادُوا، سَواءً اقْتَصَدُوا أمْ زادُوا. واللَّهُ حَسِيبُ الَّذِينَ ألَّبُوا عَلَيْهِمْ وجَمَعُوا، وأغْرُوا بِهِمْ وبِئْسَ ما صَنَعُوا. وقَوْلُهُ (تَكْلِيمًا) مَصْدَرٌ لِلتَّوْكِيدِ. والتَّوْكِيدُ بِالمَصْدَرِ يَرْجِعُ إلى تَأْكِيدِ النِّسْبَةِ وتَحْقِيقِها مِثْلَ (قَدْ) و(إنَّ)، ولا يُقْصَدُ بِهِ رَفْعُ احْتِمالِ المَجازِ، ولِذَلِكَ أكَّدَتِ العَرَبُ بِالمَصْدَرِ أفْعالًا لَمْ تُسْتَعْمَلْ إلّا مَجازًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] فَإنَّهُ أرادَ أنَّهُ يُطَهِّرُهُمُ الطَّهارَةَ المَعْنَوِيَّةَ، أيِ الكَمالَ النَّفْسِيَّ، فَلَمْ يُفِدِ التَّأْكِيدُ رَفْعَ المَجازِ. وقالَتْهِنْدُ بِنْتُ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ تَذُمُّ زَوْجَها رَوْحَ بْنَ زِنْباعٍ: بَكى الخَزُّ مِن رَوْحٍ وأنْكَرَ جِلْـدُهُ ∗∗∗ وعَجَّتْ عَجِيجًا مِن جُذامَ المَطارِفُوَلَيْسَ العَجِيجُ إلّا مَجازًا، فالمَصْدَرُ يُؤَكِّدُ، أيْ يُحَقِّقُ حُصُولَ الفِعْلِ المُؤَكَّدِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ المَعْنى قَبْلَ التَّأْكِيدِ. فَمَعْنى قَوْلِهِ (تَكْلِيمًا) هُنا: أنَّ مُوسى سَمِعَ كَلامًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، بِحَيْثُ لا يُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ إلَيْهِ جِبْرِيلَ بِكَلامٍ، أوْ أوْحى إلَيْهِ في نَفْسِهِ. وأمّا كَيْفِيَّةُ صُدُورِ هَذا الكَلامِ عَنْ جانِبِ اللَّهِ فَغَرَضٌ آخَرُ هو مَجالٌ لِلنَّظَرِ بَيْنَ الفِرَقِ، ولِذَلِكَ صفحة ٣٩ فاحْتِجاجُ كَثِيرٍ مِنَ الأشاعِرَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ الكَلامِ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسى الصِّفَةَ الذّاتِيَّةَ القائِمَةَ بِاللَّهِ تَعالى احْتِجاجٌ ضَعِيفٌ. وقَدْ حَكى ابْنُ عَرَفَةَ أنَّ المازِرِيُّ قالَ في شَرْحِ التَّلْقِينِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسى مُباشَرَةً بَلْ بِواسِطَةِ خَلْقِ الكَلامِ لِأنَّهُ أكَّدَهُ بِالمَصْدَرِ، وأنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلامِ التُّونِسِيَّ، شَيْخَ ابْنِ عَرَفَةَ، رَدَّهُ بِأنَّ التَّأْكِيدَ بِالمَصْدَرِ لِإزالَةِ الشَّكِّ عَنِ الحَدِيثِ لا عَنِ المُحَدِّثِ عَنْهُ. وتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِما يَؤُولُ إلى تَأْيِيدِ رَدِّ ابْنِ عَبْدِ السَّلامِ. وقَوْلُهُ (رُسُلًا) حالٌ مِنَ المَذْكُورِينَ، وقَدْ سَمّاهم رُسُلًا لِما قَدَّمْناهُ، وهي حالٌ مُوَطِّئَةٌ لِصِفَتِها، أعْنِي (مُبَشِّرِينَ)؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ الحالِ. وقَوْلُهُ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ (﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾) ولا يَصِحُّ جَعْلُهُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ مَسُوقٌ لِبَيانِ صِحَّةِ الرِّسالَةِ مَعَ الخُلُوِّ عَنْ هُبُوطِ كِتابٍ مِنَ السَّماءِ رَدًّا عَلى قَوْلِهِمْ (﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]) . فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ مَوْقِعَ الإدْماجِ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ بِحِكْمَةٍ مِنَ الحِكَمِ في بَعْثِيَّتِهِ الرُّسُلَ. والحُجَّةُ ما يَدُلُّ عَلى صِدْقِ المُدَّعِي وحَقِّيَّةِ المُعْتَذِرِ، فَهي تَقْتَضِي عَدَمَ المُؤاخَذَةِ بِالذَّنْبِ أوِ التَّقْصِيرِ. والمُرادُ هُنا العُذْرُ البَيِّنُ الَّذِي يُوجِبُ التَّنَصُّلَ مِنَ الغَضَبِ والعِقابِ. فَإرْسالُ الرُّسُلِ لِقَطْعِ عُذْرِ البَشَرِ إذا سُئِلُوا عَنْ جَرائِمِ أعْمالِهِمْ، واسْتَحَقُّوا غَضَبَ اللَّهِ وعِقابَهُ. فَعُلِمَ مِن هَذا أنَّ لِلنّاسِ قَبْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ حُجَّةً إلى اللَّهِ أنْ يَقُولُوا: (﴿لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧]) . وأشْعَرَتِ الآيَةُ أنَّ مِن أعْمالِ النّاسِ ما هو بِحَيْثُ يُغْضِبُ اللَّهَ ويُعاقَبُ عَلَيْهِ، وهي الأفْعالُ الَّتِي تَدُلُّ العُقُولُ السَّلِيمَةُ عَلى قُبْحِها لِإفْضائِها إلى الفَسادِ والأضْرارِ البَيِّنَةِ. ووَجْهُ الإشْعارِ أنَّ الحُجَّةَ إنَّما تُقابِلُ مُحاوَلَةَ عَمَلٍ ما، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ الرُّسُلَ لِقَطْعِ الحُجَّةِ عَلِمْنا أنَّ اللَّهَ حِينَ بَعَثَ الرُّسُلَ كانَ بِصَدَدِ أنْ يُؤاخِذَ المَبْعُوثَ إلَيْهِمْ، فاقْتَضَتْ رَحْمَتُهُ أنْ يَقْطَعَ حُجَّتَهم بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ وإرْشادِهِمْ وإنْذارِهِمْ، ولِذَلِكَ جَعَلَ قَطْعَ الحُجَّةِ عِلَّةً غائِيَّةً لِلتَّبْشِيرِ والإنْذارِ: إذِ التَّبْشِيرُ والإنْذارُ إنَّما يُبَيِّنانِ عَواقِبَ الأعْمالِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُعَلِّلْ بَعْثَةَ الرُّسُلِ بِالتَّنْبِيهِ إلى ما يُرْضِي اللَّهَ وما يُسْخِطُهُ. صفحة ٤٠ فَهَذِهِ الآيَةُ مُلْجِئَةٌ جَمِيعَ الفِرَقِ إلى القَوْلِ بِأنَّ بِعْثَةَ الرُّسُلِ تَتَوَقَّفُ عَلَيْها المُؤاخَذَةُ بِالذُّنُوبِ، وظاهِرُها أنَّ سائِرَ أنْواعِ المُؤاخَذَةِ تَتَوَقَّفُ عَلَيْها، سَواءٌ في ذَلِكَ الذُّنُوبُ الرّاجِعَةُ إلى الِاعْتِقادِ، والرّاجِعَةُ إلى العَمَلِ، وفي وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ، فَإرْسالُ الرُّسُلِ عِنْدَنا مِن تَمامِ العَدْلِ مِنَ اللَّهِ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُرْسِلْهم لَكانَتِ المُؤاخَذَةُ بِالعَذابِ مُجَرَّدَ الإطْلاقِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الخالِقِيَّةُ إذْ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وكانَتْ عَدْلًا بِالمَعْنى الأعَمِّ. فَأمّا جُمْهُورُ أهْلِ السُّنَّةِ، الَّذِينَ تُتَرْجَمُ عَنْ أقْوالِهِمْ طَرِيقَةُ الأشْعَرِيِّ، فَعَمَّمُوا وقالُوا: لا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنَ الواجِباتِ، ولا مُؤاخَذَةَ عَلى تَرْكٍ أوْ فِعْلٍ إلّا بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ حَتّى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، واسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها: مِثْلِ (﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]) وبِالإجْماعِ. وفي دَعْوى الإجْماعِ نَظَرٌ، وفي الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى أصْلٍ مِن أُصُولِ الدِّينِ نَظَرٌ آخَرُ، وفي الِاسْتِدْلالِ بِالآياتِ، وهي ظَواهِرُ عَلى أصْلٍ مِن أُصُولِ الدِّينِ نَظَرٌ ثالِثٌ، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّها تَكاثَرَتْ كَثْرَةً أبْلَغَتْها إلى مَرْتَبَةِ القَطْعِ، وهَذا أيْضًا مَجالٌ لِلنَّظَرِ، وهم مُلْجَئُونَ إلى تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهم قائِلُونَ بِمُؤاخَذَةِ أهْلِ الفَتْرَةِ عَلى إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ. والجَوابُ أنْ يُقالَ: إنَّ الرُّسُلَ في الآيَةِ كُلٌّ إفْرادِيٌّ، صادِقٌ بِالرَّسُولِ الواحِدِ، وهو يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الدَّعْوَةِ. فَأمّا الدَّعْوَةُ إلى جُمْلَةِ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ فَقَدْ تَقَرَّرَتْ بِالرُّسُلِ الأوَّلِينَ، الَّذِينَ تَقَرَّرَ مِن دَعَواتِهِمْ عِنْدَ البَشَرِ وُجُوبُ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ، وأمّا الدَّعْوَةُ إلى تَفْصِيلِ الآياتِ والصِّفاتِ وإلى فُرُوعِ الشَّرائِعِ، فَهي تَتَقَرَّرُ بِمَجِيءِ الرُّسُلِ الَّذِينَ يَخْتَصُّونَ بِأُمَمٍ مَعْرُوفَةٍ. وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ أثْبَتُوا الحَسَنَ والقَبِيحَ الذّاتِيَّيْنِ في حالَةِ عَدَمِ إرْسالِ رَسُولٍ؛ فَقالُوا: إنَّ العَقْلَ يَثْبُتُ بِهِ وُجُوبُ كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ، وحُرْمَةُ كَثِيرٍ، لا سِيَّما مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّ المَعْرِفَةَ دافِعَةٌ لِلضُّرِّ المَظْنُونِ، وهو الضُّرُّ الأُخْرَوِيُّ، مِن لِحاقِ العَذابِ في الآخِرَةِ. حَيْثُ أخْبَرَ عَنْهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ، وخَوْفِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى اخْتِلافِ الفِرَقِ في مَعْرِفَةِ الصّانِعِ قَبْلَ المَعْرِفَةِ الصَّحِيحَةِ مِنَ المُحارِباتِ، وهو ضُرٌّ دُنْيَوِيٌّ، وكُلُّ ما يَدْفَعُ الضُّرَّ المَظْنُونَ أوِ المَشْكُوكَ واجِبٌ عَقْلًا، صفحة ٤١ كَمَن أرادَ سُلُوكَ طَرِيقٍ فَأُخْبِرَ بِأنَّ فِيهِ سَبُعًا، فَإنَّ العَقْلَ يَقْتَضِي أنْ يَتَوَقَّفَ ويَبْحَثَ حَتّى يَعْلَمَ أيَسْلُكُ ذَلِكَ الطَّرِيقَ أمْ لا ؟ وكَذَلِكَ وُجُوبُ النَّظَرِ في مُعْجِزَةِ الرُّسُلِ وسائِرِ ما يُؤَدِّي إلى ثُبُوتِ الشَّرائِعِ. فَلِذَلِكَ تَأوَّلُوا هَذِهِ الآيَةَ بِما ذَكَرَهُ في الكَشّافِ إذْ قالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ قَبْلَ الرُّسُلِ وهم مَحْجُوجُونَ بِما نَصَبَهُ اللَّهُ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي النَّظَرُ فِيها مُوَصِّلٌ إلى المَعْرِفَةِ، والرُّسُلُ في أنْفُسِهِمْ لَمْ يَتَوَصَّلُوا إلى المَعْرِفَةِ بِالنَّظَرِ في تِلْكَ الأدِلَّةِ، أيْ قَبْلَ الرِّسالَةِ ؟ قُلْتُ: الرُّسُلُ مُنَبِّهُونَ عَنِ الغَفْلَةِ وباعِثُونَ عَلى النَّظَرِ مَعَ تَبْلِيغِ ما حَمَلُوهُ مِن أُمُورِ الدِّينِ وتَعْلِيمِ الشَّرائِعِ؛ فَكانَ إرْسالُهم إزاحَةً لِلْعِلَّةِ، وتَتْمِيمًا لِإلْزامِ الحُجَّةِ. يَعْنِي أنَّ بِعْثَةَ الرُّسُلِ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ لا عَدْلٌ، ولَوْ لَمْ يَبْعَثْهم لَكانَتِ المُؤاخَذَةُ عَلى القَبائِحِ عَدْلًا، فَبِعْثَةُ الرُّسُلِ إتْمامٌ لِلْحُجَّةِ في أصْلِ المُؤاخَذَةِ، وإتْمامٌ لِلْحُجَّةِ في زِيادَةِ التَّزْكِيَةِ أنْ يَقُولَ النّاسُ: رَبَّنا لِمَ لَمْ تُرْشِدْنا إلى ما يَرْفَعُ دَرَجاتِنا في مَراتِبِ الصِّدِّيقِينَ وقَصَرْتَنا عَلى مُجَرَّدِ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ، حِينَ اهْتَدَيْنا لِأصْلِ التَّوْحِيدِ بِعُقُولِنا. وقالَ الماتِرِيدِيُّ بِمُوافَقَةِ الجُمْهُورِ فِيما عَدا المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ تَعالى عِنْدَ إرادَةِ إفْحامِ الرُّسُلِ خاصَّةً لِأنَّهُ رَآهُ مَبْنى أُصُولِ الدِّينِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ في التَّوْضِيحِ: ”أيْ يَكُونُ الفِعْلُ صِفَةً يُحْمَدُ فاعِلُ الفِعْلِ ويُثابُ لِأجْلِها أوْ يُذَمُّ ويُعاقَبُ لِأجْلِها؛ لِأنَّ وُجُوبَ تَصْدِيقِ النَّبِيءِ إنْ تَوَقَّفَ عَلى الشَّرْعِ يُلْزِمُ الدَّوْرَ“ وصَرَّحَ أيْضًا بِأنَّها تُعَرِّفُ بِالشَّرْعِ أيْضًا. وقَدْ ضايَقَ المُعْتَزِلَةُ الأشاعِرَةَ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِخُصُوصِ وُجُوبِ المَعْرِفَةِ فَقالُوا: لَوْ لَمْ تَجِبِ المَعْرِفَةُ إلّا بِالشَّرْعِ لَلَزِمَ إفْحامُ الرُّسُلِ، فَلَمْ تَكُنْ لِلْبَعْثَةِ فائِدَةٌ. ووَجْهُ اللُّزُومِ أنَّ الرَّسُولَ إذا قالَ لِأحَدٍ: انْظُرْ في مُعْجِزَتِي حَتّى يَظْهَرَ صِدْقِي لَدَيْكَ، فَلَهُ أنْ يَقُولَ: لا أنْظُرُ ما لَمْ يَجِبْ عَلَيَّ، لِأنَّ تَرْكَ غَيْرَ الواجِبِ جائِزٌ، ولا يَجِبُ عَلَيَّ حَتّى يَثْبُتَ عِنْدِي الوُجُوبُ بِالشَّرْعِ، ولا يَثْبُتُ الشَّرْعُ ما دُمْتُ لَمْ أنْظُرْ، لِأنَّ ثُبُوتَ الشَّرْعِ نَظَرِيٌّ لا ضَرُورِيٌّ. وظاهَرَهُمُ الماتِرِيدِيَّةُ وبَعْضُ الشّافِعِيَّةِ عَلى هَذا الِاسْتِدْلالِ. صفحة ٤٢ ولَمْ أرَ لِلْأشاعِرَةِ جَوابًا مُقْنِعًا، سِوى أنَّ إمامَ الحَرَمَيْنِ في الإرْشادِ أجابَ: بِأنَّ هَذا مُشْتَرِكُ الإلْزامِ لِأنَّ وُجُوبَ التَّأمُّلِ في المُعْجِزَةِ نَظَرِيٌّ لا ضَرُورِيٌّ لا مَحالَةَ، فَلِمَن دَعاهُ الرَّسُولُ أنْ يَقُولَ: لا أتَأمَّلُ في المُعْجِزَةِ ما لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ عَلَيَّ عَقْلًا، ولا يَجِبُ عَلَيَّ عَقْلًا ما لَمْ أنْظُرْ، لِأنَّهُ وُجُوبٌ نَظَرِيٌّ، والنَّظَرِيُّ يَحْتاجُ إلى تَرْتِيبِ مُقَدِّماتٍ، فَأنا لا أُرَتِّبُها. وتَبِعَهُ عَلى هَذا الجَوابِ جَمِيعُ المُتَكَلِّمِينَ بَعْدَهُ مِنَ الأشاعِرَةِ مِثْلُ البَيْضاوِيِّ والعَضُدِ والتَّفْتَزانِيِّ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ في الشّامِلِ: إنَّهُ اعْتِرافٌ بِلُزُومِ الإفْحامِ فَلا يُزِيلُ الشُّبْهَةَ بَلْ يُعَمِّمُها بَيْنَنا وبَيْنَهم، فَلَمْ يَحْصُلْ دَفْعُ الإشْكالِ وكَلامُ ابْنِ عَرَفَةَ رَدٌّ مُتَمَكِّنٌ. والظّاهِرُ أنَّ مُرادَ إمامِ الحَرَمَيْنِ أنْ يُسْقِطَ اسْتِدْلالَ المُعْتَزِلَةِ لِأنْفُسِهِمْ عَلى الوُجُوبِ العَقْلِيِّ بِتَمَحُّضِ الِاسْتِدْلالِ بِالأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وهو مَطْلُوبُنا. وأنا أرى أنْ يَكُونَ الجَوابُ بِأحَدِ طَرِيقَيْنِ: أوَّلُهُما بِالمَنعِ وهو أنْ نَمْنَعَ أنْ يَكُونَ وُجُوبُ سَماعِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ مُتَوَقِّفًا عَلى الإصْغاءِ إلَيْهِ، والنَّظَرِ في مُعْجِزَتِهِ، وأنَّهُ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ وُجُوبُ ذَلِكَ بِالعَقْلِ يَلْزَمُ إفْحامَ الرَّسُولِ، بَلْ نَدَّعِي أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ ثَبَتَ بِالشَّرائِعِ الَّتِي تَعاقَبَ وُرُودُها بَيْنَ البَشَرِ، بِحَيْثُ قَدْ عَلِمَ كُلُّ مَن لَهُ عَلاقَةٌ بِالمَدَنِيَّةِ البَشَرِيَّةِ بِأنَّ دُعاةً أتَوْا إلى النّاسِ في عُصُورٍ مُخْتَلِفَةٍ، ودَعْوَتُهم واحِدَةٌ: كُلٌّ يَقُولُ إنَّهُ مَبْعُوثٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَدْعُوَ النّاسَ إلى ما يُرِيدُهُ اللَّهُ مِنهم، فاسْتَقَرَّ في نُفُوسِ البَشَرِ كُلِّهِمْ أنَّ هُنالِكَ إيمانًا وكُفْرًا، ونَجاةً وارْتِباقًا، اسْتِقْرارًا لا يَجِدُونَ في نُفُوسِهِمْ سَبِيلًا إلى دَفْعِهِ، فَإذا دَعا الرَّسُولُ النّاسَ إلى الإيمانِ حَضَرَتْ في نَفْسِ المَدْعُوِّ السّامِعِ تِلْكَ الأخْبارُ الماضِيَةُ والمُحاوَراتُ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ وُجُوبًا اضْطِرارِيًّا اسْتِماعُهُ والنَّظَرُ في الأمْرِ المُقَرَّرِ في نُفُوسِ البَشَرِ، ولِذَلِكَ آخَذَ اللَّهُ أهْلَ الفَتْرَةِ بِالإشْراكِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ. ولِذَلِكَ فَلَوْ قَدَّرْنا أحَدًا لَمْ يُخالِطْ جَماعاتِ البَشَرِ، ولَمْ يَسْبِقْ لَهُ شُعُورٌ بِأنَّ النّاسَ آمَنُوا وكَفَرُوا وأثْبَتُوا وعَطَّلُوا، لَما وجَبَ عَلَيْهِ الإصْغاءُ إلى الرَّسُولِ لِأنَّ ذَلِكَ صفحة ٤٣ الِانْسِياقَ الضَّرُورِيَّ مَفْقُودٌ عِنْدَهُ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ الوُجُوبُ غَيْرَ شَرْعِيٍّ، ولا عَقْلِيٍّ نَظَرِيٍّ، بَلْ هو مِنَ الأُمُورِ الضَّرُورِيَّةِ الَّتِي لا يُسْتَطاعُ دَفْعُها فَلا عَجَبَ أنْ تَقَعَ المُؤاخَذَةُ بِتَعَمُّدِ مُخالَفَتِها. وثانِي الجَوابَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ، غَيْرَ أنَّ ما وقَرَ في جِبِلَّةِ البَشَرِ مِنِ اسْتِطْلاعِ الحَوادِثِ والأخْبارِ الجَدِيدَةِ، والإصْغاءِ لِكُلِّ صاحِبِ دَعْوَةٍ، أمْرٌ يَحْمِلُ كُلَّ مَن دَعاهُ الرَّسُولُ إلى الدِّينِ عَلى أنْ يَسْتَمِعَ لِكَلامِهِ، ويَتَلَقّى دَعْوَتَهُ وتَحَدِّيَهُ ومُعْجِزَتَهُ، فَلا يَشْعُرُ إلّا وقَدْ سَلَكَتْ دَعْوَتُهُ إلى نَفْسِ المَدْعُوِّ، فَحَرَّكَتْ فِيهِ داعِيَةَ النَّظَرِ، فَهو يَنْجَذِبُ إلى تَلَقِّي الدَّعْوَةِ، رُوَيْدًا رُوَيْدًا، حَتّى يَجِدَ نَفْسَهُ قَدْ وعاها وعَلِمَها عِلْمًا لا يَسْتَطِيعُ بَعْدَهُ أنْ يَقُولَ: إنِّي لا أنْظُرُ المُعْجِزَةَ، أوْ لا أُصْغِي إلى الدَّعْوَةِ. فَإنْ هو أعْرَضَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدِ اخْتارَ العَمى عَلى الهُدى، فَكانَ مُؤاخَذًا، فَلَوْ قَدَّرْنا أحَدًا مَرَّ بِرَسُولٍ يَدْعُو فَشَغَلَهُ شاغِلٌ عَنْ تَعَرُّفِ أمْرِهِ والإصْغاءِ لِكَلامِهِ والنَّظَرِ في أعْمالِهِ، لَسَلَّمْنا أنَّهُ لا يَكُونُ مُخاطِبًا، وأنَّ هَذا الواحِدَ وأمْثالَهُ إذا أفْحَمَ الرَّسُولَ لا تَتَعَطَّلُ الرِّسالَةُ، ولَكِنَّهُ خَسِرَ هَدْيَهُ، وسَفَّهَ نَفْسَهُ. ولا يَرِدُ عَلَيْنا أنَّ مَن سَمِعَ دَعْوَةَ الرَّسُولِ فَجَعَلَ أصابِعَهُ في أُذُنَيْهِ وأعْرَضَ هارِبًا حِينَئِذٍ، لا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ وُجُوبُ المَعْرِفَةِ، لِأنَّ هَذا ما صَنَعَ صُنْعَهُ إلّا بَعْدَ أنْ عَلِمَ أنَّهُ قَدْ تَهَيَّأ لِتَوَجُّهِ المُؤاخَذَةِ عَلَيْهِ إذا سَمِعَ فَعَصى، وكَفى بِهَذا شُعُورًا مِنهُ بِتَوَجُّهِ التَّكْلِيفِ إلَيْهِ فَيَكُونُ مُؤاخَذًا عَلى اسْتِحْبابِهِ العَمى عَلى الهُدى، كَما قالَ تَعالى في قَوْمِ نُوحٍ ﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ﴾ [نوح: ٧] أيْ إلى الإيمانِ ﴿لِتَغْفِرَ لَهم جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ [نوح: ٧] . والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ في قَوْلِهِ (﴿بَعْدَ الرُّسُلِ﴾) دُونَ أنْ يُقالَ: بَعْدَهم، لِلِاهْتِمامِ بِهَذِهِ القَضِيَّةِ واسْتِقْلالِها في الدَّلالَةِ عَلى مَعْناها حَتّى تَسِيرَ مِسْرى الأمْثالِ. ومُناسَبَةُ التَّذْيِيلِ بِالوَصْفَيْنِ في قَوْلِهِ (﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾): أمّا بِوَصْفِ الحَكِيمِ فَظاهِرَةٌ، صفحة ٤٤ لِأنَّ هَذِهِ الأخْبارَ كُلَّها دَلِيلُ حِكْمَتِهِ تَعالى، وأمّا بِوَصْفِ العَزِيزِ فَلِأنَّ العَزِيزَ يُناسِبُ عِزَّتَهُ أنْ يَكُونَ غالِبًا مِن كُلِّ طَرِيقٍ فَهو غالِبٌ مِن طَرِيقِ المَعْبُودِيَّةِ، لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وغالِبٌ مِن طَرِيقِ المَعْقُولِيَّةِ إذْ شاءَ أنْ لا يُؤاخِذَ عَبِيدَهُ إلّا بَعْدَ الأدِلَّةِ والبَراهِينِ والآياتِ. وتَأْخِيرُ وصْفِ الحَكِيمِ لِأنَّ إجْراءَ عِزَّتِهِ عَلى هَذا التَّمامِ هو أيْضًا مِن ضُرُوبِ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ.

النساء 4:165

﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيئِينَ مِن بَعْدِهِ وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ ﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ . صفحة ٣١ اسْتَأْنَفَتْ هَذِهِ الآياتُ الرَّدَّ عَلى سُؤالِ اليَهُودِ أنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ، بَعْدَ أنْ حُمِقُوا في ذَلِكَ بِتَحْمِيقِ أسْلافِهِمْ: بِقَوْلِهِ ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٥٣]، واسْتُطْرِدَتْ بَيْنَهُما جُمَلٌ مِن مُخالَفَةِ أسْلافِهِمْ، وما نالَهم مِن جَرّاءِ ذَلِكَ، فَأقْبَلَ الآنَ عَلى بَيانِ أنَّ إنْزالَ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَكُنْ بِدَعًا، فَإنَّهُ شَأْنُ الوَحْيِ لِلرُّسُلِ، فَلَمْ يُقْدَحْ في رِسالَتِهِمْ أنَّهم لَمْ يُنَزَّلْ عَلَيْهِمْ كِتابٌ مِنَ السَّماءِ. والتَّأْكِيدُ بِإنَّ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ أوْ لِتَنْزِيلِ المَرْدُودِ عَلَيْهِمْ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ كَيْفِيَّةَ الوَحْيِ لِلرُّسُلِ غَيْرِ مُوسى، إذْ لَمْ يَجْرُوا عَلى مُوجَبِ عِلْمِهِمْ حَتّى أنْكَرُوا رِسالَةَ رَسُولٍ لَمْ يُنْزَلْ إلَيْهِ كِتابٌ مِنَ السَّماءِ. والوَحْيُ إفادَةُ المَقْصُودِ بِطَرِيقٍ غَيْرِ الكَلامِ، مِثْلَ الإشارَةِ قالَ تَعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ فَأوْحى إلَيْهِمُ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، وقالَ داوُدُ بْنُ جَرِيرٍ: يَرْمُونَ بِالخُطَبِ الطِّوالِ وتارَةً وحْيُ اللَّواحِظِ خِيفَةَ الرُّقَبَـاءِ والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ ﴿كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ﴾ تَشْبِيهٌ بِجِنْسِ الوَحْيِ وإنِ اخْتَلَفَتْ أنْواعُهُ، فَإنَّ الوَحْيَ إلى النَّبِيءِ ﷺ كانَ بِأنْواعٍ مِنَ الوَحْيِ ورَدَ بَيانُها في حَدِيثِ عائِشَةَ في الصَّحِيحِ عَنْ سُؤالِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ النَّبِيءَ ﷺ كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ - بِخِلافِ الوَحْيِ إلى غَيْرِهِ مِمَّنْ سَمّاهُمُ اللَّهُ تَعالى فَإنَّهُ يُحْتَمَلُ بَعْضٌ مِنَ الأنْواعِ، عَلى أنَّ الوَحْيَ لِلنَّبِيءِ ﷺ كانَ مِنهُ الكِتابُ القُرْآنُ ولَمْ يَكُنْ لِبَعْضِ مَن ذُكِرَ مَعَهُ كِتابٌ. وعَدَّ اللَّهُ هُنا جَمْعًا مِنَ النَّبِيئِينَ والمُرْسَلِينَ وذَكَرَ أنَّهُ أوْحى إلَيْهِمْ ولَمْ يَخْتَلِفِ العُلَماءُ في أنَّ الرُّسُلَ والأنْبِياءَ يُوحى إلَيْهِمْ. صفحة ٣٢ وإنَّما اخْتَلَفَتْ عِباراتُهم في مَعْنى الرَّسُولِ والنَّبِيءِ. فَفي كَلامِ جَماعَةٍ مِن عُلَمائِنا لا نَجِدُ تَفْرِقَةً، وأنَّ كُلَّ نَبِيءٍ فَهو رَسُولٌ لِأنَّهُ يُوحى إلَيْهِ بِما لا يَخْلُو مِن تَبْلِيغِهِ ولَوْ إلى أهْلِ بَيْتِهِ. وقَدْ يَكُونُ حالُ الرَّسُولِ مُبْتَدَأً بِنُبُوَّةٍ ثُمَّ يَعْقُبُها إرْسالُهُ، فَتِلْكَ النُّبُوءَةُ تَمْهِيدٌ لِلرِّسالَةِ كَما كانَ أمْرُ مَبْدَأِ الوَحْيِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهُ أخْبَرَ خَدِيجَةَ، ونَزَلَ عَلَيْهِ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] . والقَوْلُ الصَّحِيحُ أنَّ الرَّسُولَ أخَصُّ، وهو مَن أُوحِيَ إلَيْهِ مَعَ الأمْرِ بِالتَّبْلِيغِ، والنَّبِيءُ لا يُؤْمَرُ بِالتَّبْلِيغِ وإنْ كانَ قَدْ يُبَلِّغُ عَلى وجْهِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والدُّعاءِ لِلْخَيْرِ، يَعْنِي بِدُونِ إنْذارٍ وتَبْشِيرٍ. ووَرَدَ في بَعْضِ الأحادِيثِ: «الأنْبِياءُ مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، وعَدُّ الرُّسُلِ ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَسُولًا» . وقَدْ ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ، في الصَّحِيحِ: «أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلُ الرُّسُلِ» . وقَدْ دَلَّتْ آياتُ القُرْآنِ عَلى أنَّ الدِّينَ كانَ مَعْرُوفًا في زَمَنِ آدَمَ وأنَّ الجَزاءَ كانَ مَعْلُومًا لَهم، فَقَدْ قَرَّبَ ابْنا آدَمَ قُرْبانًا، قالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، وقالَ لَهُ ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨] ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٩] . ودَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ بَيْنَهم مَن يَأْخُذُ عَلى يَدِ المُعْتَدِي ويَنْتَصِفُ لِلضَّعِيفِ مِنَ القَوِيِّ، فَإنَّما كانَ ما تَعَلَّمُوهُ مِن طَرِيقَةِ الوَعْظِ والتَّعْلِيمِ وكانَتْ رِسالَةً عائِلِيَّةً. ونُوحٌ هو أوَّلُ الرُّسُلِ، وهو نُوحُ بْنُ لامَكَ، والعَرَبُ تَقُولُ: لَمَكُ بْنُ مُتُوشالِحَ بْنِ أخْنُوخَ. ويُسَمِّيهِ المِصْرِيُّونَ هُرْمُسَ، ويُسَمِّيهِ العَرَبُ إدْرِيسُ بْنُ يارِدَ بْنِ مَهْلَلْئِيلَ بْنِ قِينانَ بْنِ أنْوَشَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ، حَسَبَ قَوْلِ التَّوْراةِ. وفي زَمَنِهِ وقَعَ الطُّوفانُ العَظِيمُ. وعاشَ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، وقِيلَ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، والقُرْآنُ أثْبَتَ ذَلِكَ. وقَدْ ماتَ نُوحٌ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِثَلاثَةِ آلافِ سَنَةٍ وتِسْعِمِائَةِ سَنَةٍ وسَبْعِينَ سَنَةً عَلى حَسَبِ حِسابِ اليَهُودِ المُسْتَمَدِّ مِن كِتابِهِمْ. وإبْراهِيمُ هو الخَلِيلُ، إبْراهِيمُ بْنُ تارِحَ والعَرَبُ تُسَمِّيهِ آزَرَ بْنَ ناحُورَ بْنِ سارُوغَ بْنِ أرْعُو بْنِ فالِغَ بْنِ عابِرَ بْنِ شالِحَ بْنِ قِينانَ بْنِ أرْفَخْشَدَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ. وُلِدَ سَنَةَ ٢٨٩٣ قَبْلَ الهِجْرَةِ، في بَلَدِ أُورِ الكَلْدانِيِّينَ، وماتَ في بِلادِ الكَنْعانِيِّينَ، وهي سُورِيا، في حَبْرُونَ حَيْثُ مَدْفَنُهُ الآنَ المَعْرُوفُ بِبَلَدِ الخَلِيلِ سَنَةَ ٢٧١٨ قَبْلَ الهِجْرَةِ. صفحة ٣٣ وإسْماعِيلُ هو ابْنُ إبْراهِيمَ مِنَ الجارِيَةِ المِصْرِيَّةِ هاجَرَ. تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ سَنَةَ ٢٦٨٦ قَبْلَ الهِجْرَةِ تَقْرِيبًا. وكانَ إسْماعِيلُ رَسُولًا إلى قَوْمِهِ الَّذِينَ حَلَّ بَيْنَهم مِن جُرْهُمَ وغَيْرِهِمْ، وإلى أبْنائِهِ وأهْلِهِ، قالَ تَعالى ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ وكانَ رَسُولًا نَبِيئا﴾ [مريم: ٥٤] . وإسْحاقُ هو ابْنُ إبْراهِيمَ مِن سارَةَ ابْنَةَ عَمِّهِ، تُوُفِّيَ قَبْلَ الهِجْرَةِ سَنَةَ ٢٦١٣، وكانَ إسْحاقُ نَبِيًّا مُؤَيِّدًا لِشَرْعِ أبِيهِ إبْراهِيمَ ولَمْ يَجِئْ بِشَرْعٍ. ويَعْقُوبُ هو ابْنُ إسْحاقَ، المُلَقَّبُ بِإسْرائِيلَ. تُوُفِّيَ سَنَةَ ٢٥٨٦ قَبْلَ الهِجْرَةِ. وكانَ يَعْقُوبُ نَبِيًّا مُؤَيِّدًا لِشَرْعِ إبْراهِيمَ، قالَ تَعالى ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢] ولَمْ يَجِئْ بِشَرْعٍ جَدِيدٍ. والأسْباطُ هم أسْباطُ إسْحاقَ أيْ أحْفادُهُ، وهم أبْناءُ يَعْقُوبَ اثْنا عَشَرَ ابْنًا: رُوبِينُ، وشَمْعُونُ، وجادُ، ويَهُوذا، ويَساكِرُ، وزَبُولُونُ، ويُوسُفُ، وبِنْيامِينُ، ومُنَسّى، ودانٍ، وأشْيَرُ، وثَفْتالِي، فَأمّا يُوسُفُ فَكانَ رَسُولًا لِقَوْمِهِ بِمِصْرَ. قالَ تَعالى لِبَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ مُؤْمِنِ بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ خِطابًا مِنَ اللَّهِ ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر: ٣٤] . وأمّا بَقِيَّةُ الأسْباطِ فَكانَ كُلٌّ مِنهم قائِمًا بِدَعْوَةِ شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ في بَنِيهِ وقَوْمِهِ. والوَحْيُ إلى هَؤُلاءِ مُتَفاوِتٌ. وعِيسى هو عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وُلِدَ مِن غَيْرِ أبٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ سَنَةَ ٦٢٢ . ورُفِعَ إلى السَّماءِ قَبْلَها سَنَةَ ٥٨٩ . وهو رَسُولٌ بِشَرْعٍ ناسِخٍ لِبَعْضِ أحْكامِ التَّوْراةِ. ودامَتْ دَعْوَتُهُ إلى اللَّهِ ثَلاثَ سِنِينَ. وأيُّوبُ هو نَبِيٌّ. قِيلَ: أنَّهُ عَرَبِيُّ الأصْلِ مِن أرْضِ عُوصٍ، في بِلادِ أدَوْمَ، وهي مِن بِلادِ حَوْرانَ، وقِيلَ، هو أيُّوبُ بْنُ ناحُورَ أخِي إبْراهِيمَ، وقِيلَ: اسْمُهُ عَوَضٌ، وقِيلَ: هو يُوبابُ ابْنُ حَفِيدِ عِيسُو. وقِيلَ: كانَ قَبْلَ إبْراهِيمَ بِمِائَةِ سَنَةٍ. صفحة ٣٤ والصَّحِيحُ أنَّهُ كانَ بَعْدَ إبْراهِيمَ وقَبْلَ مُوسى في القَرْنِ الخامِسَ عَشَرَ قَبْلَ المَسِيحِ، أيْ في القَرْنِ الحادِي والعِشْرِينَ قَبْلَ الهِجْرَةِ. ويُقالُ: إنَّ الكِتابَ المَنسُوبَ إلَيْهِ في كُتُبِ اليَهُودِ أصْلُهُ مُؤَلَّفٌ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَقَلَهُ إلى العِبْرانِيَّةِ عَلى سَبِيلِ المَوْعِظَةِ، فَظَنَّ كَثِيرٌ مِنَ الباحِثِينَ في التّارِيخِ أنَّ أيُّوبَ مِن قَبِيلَةٍ عَرَبِيَّةٍ. ولَيْسَ ذَلِكَ بِبَعِيدٍ. وكانَ أيُّوبُ رَسُولًا نَبِيًّا. وكانَ لَهُ صاحِبٌ اسْمُهُ اليَفازُ اليَمانِيُّ هو الَّذِي شَدَّ أزْرَهُ في الصَّبْرِ، كَما سَنَذْكُرُهُ في مَوْضِعِهِ. وإنَّما مُنِعَ اسْمُهُ مِنَ الصَّرْفِ إذْ لَمْ يَكُنْ مِن عَرَبِ الحِجازِ ونَجْدٍ؛ لِأنَّ العَرَبَ اعْتَبَرَتِ القَبائِلَ البَعِيدَةَ عَنْها عَجَمًا، وإنْ كانَ أصْلُهم عَرَبِيًّا، ولِذَلِكَ مَنَعُوا ثَمُودَ مِنَ الصَّرْفِ إذْ سَكَنُوا الحِجْرَ. ويُونُسُ هو ابْنُ مَتّى مِن سِبْطِ زَبُولُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى أهْلِ نِينَوى عاصِمَةِ الآشُورِيِّينَ، بَعْدَ خَرابِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وذَلِكَ في حُدُودِ القَرْنِ الحادِي عَشَرَ قَبْلَ الهِجْرَةِ. وهارُونُ أخُو مُوسى بْنِ عِمْرانَ تُوُفِّيَ سَنَةَ ١٩٧٢ قَبْلَ الهِجْرَةِ وهو رَسُولٌ مَعَ مُوسى إلى بَنِي إسْرائِيلَ. وسُلَيْمانُ هو ابْنُ داوُدَ. كانَ نَبِيًّا حاكِمًا بِالتَّوْراةِ ومَلِكًا عَظِيمًا. تُوُفِّيَ سَنَةَ ١٥٩٧ قَبْلَ الهِجْرَةِ. ومِمّا أوْحى اللَّهُ بِهِ إلَيْهِ ما تَضَمَّنَهُ كِتابُ الجامِعَةِ وكِتابُ الأمْثالِ مِنَ الحِكْمَةِ والمَواعِظِ، وهي مَنسُوبَةٌ إلى سُلَيْمانَ ولَمْ يُقَلْ فِيها إنَّ اللَّهَ أوْحاها إلَيْهِ؛ فَعَلِمْنا أنَّها كانَتْ مُوحى بِمَعانِيها دُونَ لَفْظِها. وداوُدُ أبُو سُلَيْمانَ هو داوُدُ بْنُ يَسِي، تُوُفِّيَ سَنَةَ ١٦٢٦ قَبْلَ الهِجْرَةِ، بَعَثَهُ اللَّهُ لِنَصْرِ بَنِي إسْرائِيلَ. وأنْزَلَ عَلَيْهِ كِتابًا فِيهِ مَواعِظُ وأمْثالُ، كانَ بَنُو إسْرائِيلَ يَتَرَنَّمُونَ بِفُصُولِهِ، وهو المُسَمّى بِالزَّبُورِ. وهو مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ فَعُولٍ مِثْلُ قَبُولٍ. ويُقالُ فِيهِ: زُبُورٌ بِضَمِّ الزّايِ أيْ مَصْدَرًا مِثْلَ الشُّكُورِ، ومَعْناهُ الكِتابَةُ ويُسَمّى المَكْتُوبُ زَبُورًا فَيُجْمَعُ عَلى الزُّبُرِ، قالَ تَعالى ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤] . وقَدْ صارَ صفحة ٣٥ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ في لُغَةِ العَرَبِ عَلى كِتابِ داوُدَ النَّبِيءِ، وهو أحَدُ أسْفارِ الكِتابِ المُقَدَّسِ عِنْدَ اليَهُودِ. وعُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ عَلى (أوْحَيْنا إلَيْكَ) . ولَمْ يُعْطَفِ اسْمُ داوُدَ عَلى بَقِيَّةِ الأسْماءِ المَذْكُورَةِ قَبْلَهُ لِلْإيماءِ إلى أنَّ الزَّبُورَ مُوحًى بِأنْ يَكُونَ كِتابًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (زَبُورًا) بِفَتْحِ الزّايِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ وخَلَفٌ بِضَمِّ الزّايِ. وقَوْلُهُ: ﴿ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي في آيِ القُرْآنِ مِثْلَ: هُودٍ، وصالِحٍ، وشُعَيْبَ، وزَكَرِيّاءَ، ويَحْيى، وإلْياسَ، واليَسَعَ، ولُوطٍ، وتُبَّعٍ. ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ لَمْ يَذْكُرْهُمُ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ؛ فَمِنهم مَن لَمْ يَرِدْ ذِكْرُهُ في السُّنَّةِ: مِثْلُ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ نَبِيءِ أصْحابِ الرَّسِّ، ومِثْلُ بَعْضِ حُكَماءِ اليُونانِ عِنْدَ بَعْضِ عُلَماءِ الحِكْمَةِ. قالَ السَّهْرَوَرْدِيُّ في حِكْمَةِ الإشْراقِ مِنهم أهْلُ السِّفارَةِ. ومِنهم مَن ذَكَرَتْهُ السُّنَّةُ: مِثْلُ خالِدِ بْنِ سِنانٍ العَبْسِيِّ. وإنَّما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هُنا الأنْبِياءَ الَّذِينَ اشْتُهِرُوا عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّ المَقْصُودَ مُحاجَّتُهم. وإنَّما تَرَكَ اللَّهُ أنْ يَقُصَّ عَلى النَّبِيءِ ﷺ أسْماءَ كَثِيرٍ مِنَ الرُّسُلِ لِلِاكْتِفاءِ بِمَن قَصَّهم عَلَيْهِ، لِأنَّ المَذْكُورِينَ هم أعْظَمُ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ قَصَصًا ذاتَ عِبَرٍ. وقَوْلُهُ ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ غُيِّرَ الأُسْلُوبُ فَعُدِلَ عَنِ العَطْفِ إلى ذِكْرِ فِعْلٍ آخَرَ، لِأنَّ لِهَذا النَّوْعِ مِنَ الوَحْيِ مَزِيدَ أهَمِّيَّةٍ، وهو مَعَ تِلْكَ المَزِيَّةِ لَيْسَ إنْزالَ كِتابٍ مِنَ السَّماءِ، فَإذا لَمْ تَكُنْ عِبْرَةٌ إلّا بِإنْزالِ كِتابٍ مِنَ السَّماءِ حَسَبَ اقْتِراحِهِمْ، فَقَدْ بَطَلَ أيْضًا ما عَدا الكَلِماتِ العَشْرِ المُنَزَّلَةِ في الألْواحِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وكَلامُ اللَّهِ تَعالى صِفَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ عِنْدَنا. وهي المُتَعَلِّقَةُ بِإبْلاغِ مُرادِ اللَّهِ إلى المَلائِكَةِ والرُّسُلِ، وقَدْ تَواتَرَ ذَلِكَ في كَلامِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ تَواتُرًا ثَبَتَ صفحة ٣٦ عِنْدَ جَمِيعِ المِلِّيِّينَ، فَكَلامُ اللَّهِ صِفَةٌ لَهُ ثَبَتَتْ بِالشَّرْعِ لا يَدُلُّ عَلَيْها الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ عَلى التَّحْقِيقِ إذْ لا تَدُلُّ الأدِلَّةُ العَقْلِيَّةُ عَلى أنَّ اللَّهَ يَجِبُ لَهُ إبْلاغُ مُرادِهِ النّاسَ بَلْ يَجُوزُ أنْ يُوجِدَ المَوْجُوداتِ ثُمَّ يَتْرُكُها وشَأْنَها، فَلا يَتَعَلَّقُ عِلْمُهُ بِحَمْلِها عَلى ارْتِكابِ حَسَنِ الأفْعالِ وتَجَنُّبِ قَبائِحِها. ألا تَرى أنَّهُ خَلَقَ العَجْماواتِ فَما أمَرَها ولا نَهى، فَلَوْ تَرَكَ النّاسَ فَوْضى كالحَيَوانِ لَما اسْتَحالَ ذَلِكَ. وأنَّهُ إذا أرادَ حَمْلَ المَخْلُوقاتِ عَلى شَيْءٍ يُرِيدُهُ فَطَرَها عَلى ذَلِكَ فانْساقَتْ إلَيْهِ بِجِبِلّاتِها، كَما فَطَرَ النَّحْلَ عَلى إنْتاجِ العَسَلِ، والشَّجَرِ عَلى الإثْمارِ، . ولَوْ شاءَ لَحَمَلَ النّاسَ أيْضًا عَلى جِبِلَّةٍ لا يَعْدُونَها، غَيْرَ أنَّنا إذْ قَدْ عَلِمْنا أنَّهُ عالِمٌ، وأنَّهُ حَكِيمٌ، والعِلْمُ يَقْتَضِي انْكِشافَ حَقائِقِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ عِنْدَهُ، فَهو إذْ يَعْلَمُ حَسَنَ الأفْعالِ وقُبْحَها، يُرِيدُ حُصُولَ المَنافِعِ وانْتِفاءَ المَضارِّ، ويَرْضى بِالأُولى، ويَكْرَهُ الثّانِيَةَ، وإذِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ وإرادَتُهُ أنْ جَعَلَ البَشَرَ قابِلًا لِلتَّعَلُّمِ والصَّلاحِ، وجَعَلَ عُقُولَ البَشَرِ صالِحَةً لِبُلُوغِ غاياتِ الخَيْرِ، وغاياتِ الشَّرِّ، والتَّفَنُّنِ فِيهِما، بِخِلافِ الحَيَوانِ الَّذِي يَبْلُغُ فِيما جُبِلَ عَلَيْهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ إلى غايَةٍ فُطِرَ عَلَيْها لا يَعْدُوها، فَكانَ مِنَ المُتَوَقَّعِ طُغْيانُ الشَّرِّ عَلى الخَيْرِ بِعَمَلِ فَرِيقِ الأشْرارِ مِنَ البَشَرِ كانَ مِن مُقْتَضى الحِكْمَةِ أنْ يَحْمِلَ النّاسَ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ الَّذِي يَرْضاهُ، وتَرْكِ الشَّرِّ الَّذِي يَكْرَهُهُ، وحَمْلُهم عَلى هَذا قَدْ يَحْصُلُ بِخَلْقِ أفاضِلِ النّاسِ وجَبْلِهِمْ عَلى الصَّلاحِ والخَيْرِ، فَيَكُونُونَ دُعاةً لِلْبَشَرِ، لَكِنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ وفَضْلَهُ اقْتَضى أنْ يَخْلُقَ الصّالِحِينَ القابِلِينَ لِلْخَيْرِ، وأنْ يُعِينَهم عَلى بُلُوغِ ما جُبِلُوا عَلَيْهِ بِإرْشادِهِ وهَدْيِهِ، فَخَلَقَ النُّفُوسَ القابِلَةَ لِلنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ وأمَدَّها بِالإرْشادِ الدّالِّ عَلى مُرادِهِ المُعَبِّرِ عَنْهُ بِالوَحْيِ، كَما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ تَعالى (﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]) فَأثْبَتَ رِسالَةً وتَهْيِئَةَ المُرْسَلِ لِقَبُولِها ومِن هُنا ثَبَتَتْ صِفَةُ الكَلامِ. فَعَلِمْنا بِأخْبارِ الشَّرِيعَةِ المُتَواتِرَةِ أنَّ اللَّهَ أرادَ مِنَ البَشَرِ الصَّلاحَ وأمَرَهم بِهِ، وأنَّ أمْرَهُ بِذَلِكَ بَلَغَ إلى البَشَرِ في عُصُورٍ كَثِيرَةٍ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ يَرْضى بَعْضَ أعْمالِ البَشَرِ ولا يَرْضى بَعْضَها وأنَّ ذَلِكَ يُسَمّى كَلامًا نَفِيسًا، وهو أزَلِيٌّ. ثُمَّ إنَّ حَقِيقَةَ صِفَةِ الكَلامِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن مُتَعَلِّقاتِ صِفَةِ العِلْمِ، أوْ مِن مُتَعَلِّقاتِ صِفَةِ الإرادَةِ، أوْ صِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ مُتَمَيِّزَةٍ عَنِ الصِّفَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ؛ صفحة ٣٧ فَمِنهم مَن يَقُولُ: عَلِمَ حاجَةَ النّاسِ إلى الإرْشادِ فَأرْشَدَهم، أوْ أرادَ هُدى النّاسِ فَأرْشَدَهم. ونَحْنُ نَقُولُ: إنَّ الإلَهِيَّةَ تَقْتَضِي ثُبُوتَ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي مِنها الرِّضا والكَراهِيَةُ والأمْرُ والنَّهْيُ لِلْبَشَرِ أوِ المَلائِكَةِ، فَثَبَتَتْ صِفَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ هي صِفَةُ الكَلامِ النَّفْسِيِّ؛ وكُلُّ ذَلِكَ مُتَقارِبٌ، وتَفْصِيلُهُ في عِلْمِ الكَلامِ. أمّا تَكْلِيمُ اللَّهِ تَعالى بَعْضَ عِبادِهِ مِنَ المَلائِكَةِ أوِ البَشَرِ فَهو إيجادُ ما يَعْرِفُ مِنهُ المَلَكُ أوِ الرَّسُولُ أنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ أوْ يَنْهى أوْ يُخْبِرُ. فالتَّكْلِيمُ تَعَلُّقٌ لِصِفَةِ الكَلامِ بِالمُخاطَبِ عَلى جَعْلِ الكَلامِ صِفَةً مُسْتَقِلَّةً، أوْ تَعَلُّقُ العِلْمِ بِإيصالِ المَعْلُومِ إلى المُخاطَبِ، أوْ تَعَلُّقُ الإرادَةِ بِإبْلاغِ المُرادِ إلى المُخاطَبِ. فالأشاعِرَةُ قالُوا: تَكْلِيمُ اللَّهِ عَبْدَهُ هو أنْ يَخْلُقَ لِلْعَبْدِ إدْراكًا مِن جِهَةِ السَّمْعِ يَتَحَصَّلُ بِهِ العِلْمَ بِكَلامِ اللَّهِ دُونَ حُرُوفٍ ولا أصْواتٍ. وقَدْ ورَدَ تَمْثِيلُهُ بِأنَّ مُوسى سَمِعَ مِثْلَ الرَّعْدِ عَلِمَ مِنهُ مَدْلُولَ الكَلامِ النَّفْسِيِّ. قُلْتُ: وقَدْ مَثَّلَهُ النَّبِيءُ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا قَضى الأمْرَ في السَّماءِ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ بِأجْنِحَتِها خُضْعانًا لِقَوْلِهِ كَأنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلى صَفْوانٍ فَإذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا: ماذا قالَ رَبُّكم، قالُوا لِلَّذِي قالَ (﴿الحَقَّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ [سبإ»: ٢٣]) فَعَلى هَذا القَوْلِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المَسْمُوعُ لِلرَّسُولِ أوِ المَلَكِ حُرُوفًا وأصْواتًا بَلْ هو عِلْمٌ يَحْصُلُ لَهُ مِن جِهَةِ سَمْعِهِ يَتَّصِلُ بِكَلامِ اللَّهِ، وهو تَعَلُّقٌ مِن تَعَلُّقاتِ صِفَةِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ بِالمُكَلِّمِ فِيما لا يَزالُ، فَذَلِكَ التَّعَلُّقُ حادِثٌ لا مَحالَةَ كَتَعَلُّقِ الإرادَةِ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: يَخْلُقُ اللَّهُ حُرُوفًا وأصْواتًا بِلُغَةِ الرَّسُولِ فَيَسْمَعُها الرَّسُولُ، فَيَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، بِعِلْمٍ يَجِدُهُ في نَفْسِهِ، يَعْلَمُ بِهِ أنَّ ذَلِكَ ورَدَ إلَيْهِ مِن قِبَلِ اللَّهِ، إلّا أنَّهُ لَيْسَ بِواسِطَةِ المَلَكِ، فَهم يُفَسِّرُونَهُ بِمِثْلِ ما نُفَسِّرُ بِهِ نَحْنُ نُزُولَ القُرْآنِ؛ فَإسْنادُ الكَلامِ إلى اللَّهِ مَجازٌ في الإسْنادِ، عَلى قَوْلِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الحُرُوفِ والأصْواتِ. والكَلامُ حَقِيقَةً حُرُوفٌ وأصْواتٌ، وهَذِهِ سَفْسَطَةٌ في الدَّلِيلِ لِأنَّهُ لا يَقُولُ أحَدٌ بِأنَّ الحُرُوفَ والأصْواتَ تَتَّصِفُ بِها الذّاتُ العَلِيَّةُ. وهو عِنْدَنا وعِنْدَهم غَيْرُ الوَحْيِ الَّذِي يَقَعُ في قَلْبِ الرَّسُولِ، وغَيْرُ التَّبْلِيغِ الَّذِي يَكُونُ بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ، وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى (﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الشورى: ٥١]) . صفحة ٣٨ أمّا كَلامُ اللَّهِ الوارِدُ لِلرَّسُولِ بِواسِطَةِ المَلَكِ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالقُرْآنِ وبِالتَّوْراةِ وبِالإنْجِيلِ وبِالزَّبُورِ: فَتِلْكَ ألْفاظٌ وحُرُوفٌ وأصْواتٌ يُعْلِمُها اللَّهُ لِلْمَلَكِ بِكَيْفِيَّةٍ لا نَعْلَمُها، يَعْلَمُ بِها المَلَكُ أنَّ اللَّهَ يَدُلُّ، بِالألْفاظِ المَخْصُوصَةِ المُلْقاةِ لِلْمَلَكِ، عَلى مَدْلُولاتِ تِلْكَ الألْفاظِ فَيُلْقِيها المَلَكُ عَلى الرَّسُولِ كَما هي، قالَ تَعالى ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٥١] وقالَ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] . وهَذا لا يَمْتَرِي في حُدُوثِهِ مَن لَهُ نَصِيبٌ مِنَ العِلْمِ في الدِّينِ. ولَكِنْ أمْسَكَ بَعْضُ أئِمَّةِ الإسْلامِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِحُدُوثِهِ، أوْ بِكَوْنِهِ مَخْلُوقًا، في مَجالِسِ المُناظَرَةِ الَّتِي غَشِيَتْها العامَّةُ، أوْ ظُلْمَةُ المُكابَرَةِ، والتَّحَفُّزُ إلى النَّبْزِ والأذى: دَفْعًا لِلْإيهامِ، وإبْقاءً عَلى النِّسْبَةِ إلى الإسْلامِ، وتَنَصُّلًا مِن غَوْغاءِ الطُّغامِ، فَرَحِمَ اللَّهُ نُفُوسًا فَتَنَتْ، وأجْسادًا أوْجَعَتْ، وأفْواهًا سَكَتَتْ، والخَيْرَ أرادُوا، سَواءً اقْتَصَدُوا أمْ زادُوا. واللَّهُ حَسِيبُ الَّذِينَ ألَّبُوا عَلَيْهِمْ وجَمَعُوا، وأغْرُوا بِهِمْ وبِئْسَ ما صَنَعُوا. وقَوْلُهُ (تَكْلِيمًا) مَصْدَرٌ لِلتَّوْكِيدِ. والتَّوْكِيدُ بِالمَصْدَرِ يَرْجِعُ إلى تَأْكِيدِ النِّسْبَةِ وتَحْقِيقِها مِثْلَ (قَدْ) و(إنَّ)، ولا يُقْصَدُ بِهِ رَفْعُ احْتِمالِ المَجازِ، ولِذَلِكَ أكَّدَتِ العَرَبُ بِالمَصْدَرِ أفْعالًا لَمْ تُسْتَعْمَلْ إلّا مَجازًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] فَإنَّهُ أرادَ أنَّهُ يُطَهِّرُهُمُ الطَّهارَةَ المَعْنَوِيَّةَ، أيِ الكَمالَ النَّفْسِيَّ، فَلَمْ يُفِدِ التَّأْكِيدُ رَفْعَ المَجازِ. وقالَتْهِنْدُ بِنْتُ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ تَذُمُّ زَوْجَها رَوْحَ بْنَ زِنْباعٍ: بَكى الخَزُّ مِن رَوْحٍ وأنْكَرَ جِلْـدُهُ ∗∗∗ وعَجَّتْ عَجِيجًا مِن جُذامَ المَطارِفُوَلَيْسَ العَجِيجُ إلّا مَجازًا، فالمَصْدَرُ يُؤَكِّدُ، أيْ يُحَقِّقُ حُصُولَ الفِعْلِ المُؤَكَّدِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ المَعْنى قَبْلَ التَّأْكِيدِ. فَمَعْنى قَوْلِهِ (تَكْلِيمًا) هُنا: أنَّ مُوسى سَمِعَ كَلامًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، بِحَيْثُ لا يُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ إلَيْهِ جِبْرِيلَ بِكَلامٍ، أوْ أوْحى إلَيْهِ في نَفْسِهِ. وأمّا كَيْفِيَّةُ صُدُورِ هَذا الكَلامِ عَنْ جانِبِ اللَّهِ فَغَرَضٌ آخَرُ هو مَجالٌ لِلنَّظَرِ بَيْنَ الفِرَقِ، ولِذَلِكَ صفحة ٣٩ فاحْتِجاجُ كَثِيرٍ مِنَ الأشاعِرَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ الكَلامِ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسى الصِّفَةَ الذّاتِيَّةَ القائِمَةَ بِاللَّهِ تَعالى احْتِجاجٌ ضَعِيفٌ. وقَدْ حَكى ابْنُ عَرَفَةَ أنَّ المازِرِيُّ قالَ في شَرْحِ التَّلْقِينِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسى مُباشَرَةً بَلْ بِواسِطَةِ خَلْقِ الكَلامِ لِأنَّهُ أكَّدَهُ بِالمَصْدَرِ، وأنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلامِ التُّونِسِيَّ، شَيْخَ ابْنِ عَرَفَةَ، رَدَّهُ بِأنَّ التَّأْكِيدَ بِالمَصْدَرِ لِإزالَةِ الشَّكِّ عَنِ الحَدِيثِ لا عَنِ المُحَدِّثِ عَنْهُ. وتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِما يَؤُولُ إلى تَأْيِيدِ رَدِّ ابْنِ عَبْدِ السَّلامِ. وقَوْلُهُ (رُسُلًا) حالٌ مِنَ المَذْكُورِينَ، وقَدْ سَمّاهم رُسُلًا لِما قَدَّمْناهُ، وهي حالٌ مُوَطِّئَةٌ لِصِفَتِها، أعْنِي (مُبَشِّرِينَ)؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ الحالِ. وقَوْلُهُ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ (﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾) ولا يَصِحُّ جَعْلُهُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ مَسُوقٌ لِبَيانِ صِحَّةِ الرِّسالَةِ مَعَ الخُلُوِّ عَنْ هُبُوطِ كِتابٍ مِنَ السَّماءِ رَدًّا عَلى قَوْلِهِمْ (﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]) . فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ ﴿لِيَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ مَوْقِعَ الإدْماجِ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ بِحِكْمَةٍ مِنَ الحِكَمِ في بَعْثِيَّتِهِ الرُّسُلَ. والحُجَّةُ ما يَدُلُّ عَلى صِدْقِ المُدَّعِي وحَقِّيَّةِ المُعْتَذِرِ، فَهي تَقْتَضِي عَدَمَ المُؤاخَذَةِ بِالذَّنْبِ أوِ التَّقْصِيرِ. والمُرادُ هُنا العُذْرُ البَيِّنُ الَّذِي يُوجِبُ التَّنَصُّلَ مِنَ الغَضَبِ والعِقابِ. فَإرْسالُ الرُّسُلِ لِقَطْعِ عُذْرِ البَشَرِ إذا سُئِلُوا عَنْ جَرائِمِ أعْمالِهِمْ، واسْتَحَقُّوا غَضَبَ اللَّهِ وعِقابَهُ. فَعُلِمَ مِن هَذا أنَّ لِلنّاسِ قَبْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ حُجَّةً إلى اللَّهِ أنْ يَقُولُوا: (﴿لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧]) . وأشْعَرَتِ الآيَةُ أنَّ مِن أعْمالِ النّاسِ ما هو بِحَيْثُ يُغْضِبُ اللَّهَ ويُعاقَبُ عَلَيْهِ، وهي الأفْعالُ الَّتِي تَدُلُّ العُقُولُ السَّلِيمَةُ عَلى قُبْحِها لِإفْضائِها إلى الفَسادِ والأضْرارِ البَيِّنَةِ. ووَجْهُ الإشْعارِ أنَّ الحُجَّةَ إنَّما تُقابِلُ مُحاوَلَةَ عَمَلٍ ما، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ الرُّسُلَ لِقَطْعِ الحُجَّةِ عَلِمْنا أنَّ اللَّهَ حِينَ بَعَثَ الرُّسُلَ كانَ بِصَدَدِ أنْ يُؤاخِذَ المَبْعُوثَ إلَيْهِمْ، فاقْتَضَتْ رَحْمَتُهُ أنْ يَقْطَعَ حُجَّتَهم بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ وإرْشادِهِمْ وإنْذارِهِمْ، ولِذَلِكَ جَعَلَ قَطْعَ الحُجَّةِ عِلَّةً غائِيَّةً لِلتَّبْشِيرِ والإنْذارِ: إذِ التَّبْشِيرُ والإنْذارُ إنَّما يُبَيِّنانِ عَواقِبَ الأعْمالِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُعَلِّلْ بَعْثَةَ الرُّسُلِ بِالتَّنْبِيهِ إلى ما يُرْضِي اللَّهَ وما يُسْخِطُهُ. صفحة ٤٠ فَهَذِهِ الآيَةُ مُلْجِئَةٌ جَمِيعَ الفِرَقِ إلى القَوْلِ بِأنَّ بِعْثَةَ الرُّسُلِ تَتَوَقَّفُ عَلَيْها المُؤاخَذَةُ بِالذُّنُوبِ، وظاهِرُها أنَّ سائِرَ أنْواعِ المُؤاخَذَةِ تَتَوَقَّفُ عَلَيْها، سَواءٌ في ذَلِكَ الذُّنُوبُ الرّاجِعَةُ إلى الِاعْتِقادِ، والرّاجِعَةُ إلى العَمَلِ، وفي وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ، فَإرْسالُ الرُّسُلِ عِنْدَنا مِن تَمامِ العَدْلِ مِنَ اللَّهِ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُرْسِلْهم لَكانَتِ المُؤاخَذَةُ بِالعَذابِ مُجَرَّدَ الإطْلاقِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الخالِقِيَّةُ إذْ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وكانَتْ عَدْلًا بِالمَعْنى الأعَمِّ. فَأمّا جُمْهُورُ أهْلِ السُّنَّةِ، الَّذِينَ تُتَرْجَمُ عَنْ أقْوالِهِمْ طَرِيقَةُ الأشْعَرِيِّ، فَعَمَّمُوا وقالُوا: لا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنَ الواجِباتِ، ولا مُؤاخَذَةَ عَلى تَرْكٍ أوْ فِعْلٍ إلّا بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ حَتّى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، واسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها: مِثْلِ (﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]) وبِالإجْماعِ. وفي دَعْوى الإجْماعِ نَظَرٌ، وفي الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى أصْلٍ مِن أُصُولِ الدِّينِ نَظَرٌ آخَرُ، وفي الِاسْتِدْلالِ بِالآياتِ، وهي ظَواهِرُ عَلى أصْلٍ مِن أُصُولِ الدِّينِ نَظَرٌ ثالِثٌ، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّها تَكاثَرَتْ كَثْرَةً أبْلَغَتْها إلى مَرْتَبَةِ القَطْعِ، وهَذا أيْضًا مَجالٌ لِلنَّظَرِ، وهم مُلْجَئُونَ إلى تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهم قائِلُونَ بِمُؤاخَذَةِ أهْلِ الفَتْرَةِ عَلى إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ. والجَوابُ أنْ يُقالَ: إنَّ الرُّسُلَ في الآيَةِ كُلٌّ إفْرادِيٌّ، صادِقٌ بِالرَّسُولِ الواحِدِ، وهو يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الدَّعْوَةِ. فَأمّا الدَّعْوَةُ إلى جُمْلَةِ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ فَقَدْ تَقَرَّرَتْ بِالرُّسُلِ الأوَّلِينَ، الَّذِينَ تَقَرَّرَ مِن دَعَواتِهِمْ عِنْدَ البَشَرِ وُجُوبُ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ، وأمّا الدَّعْوَةُ إلى تَفْصِيلِ الآياتِ والصِّفاتِ وإلى فُرُوعِ الشَّرائِعِ، فَهي تَتَقَرَّرُ بِمَجِيءِ الرُّسُلِ الَّذِينَ يَخْتَصُّونَ بِأُمَمٍ مَعْرُوفَةٍ. وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ أثْبَتُوا الحَسَنَ والقَبِيحَ الذّاتِيَّيْنِ في حالَةِ عَدَمِ إرْسالِ رَسُولٍ؛ فَقالُوا: إنَّ العَقْلَ يَثْبُتُ بِهِ وُجُوبُ كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ، وحُرْمَةُ كَثِيرٍ، لا سِيَّما مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّ المَعْرِفَةَ دافِعَةٌ لِلضُّرِّ المَظْنُونِ، وهو الضُّرُّ الأُخْرَوِيُّ، مِن لِحاقِ العَذابِ في الآخِرَةِ. حَيْثُ أخْبَرَ عَنْهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ، وخَوْفِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى اخْتِلافِ الفِرَقِ في مَعْرِفَةِ الصّانِعِ قَبْلَ المَعْرِفَةِ الصَّحِيحَةِ مِنَ المُحارِباتِ، وهو ضُرٌّ دُنْيَوِيٌّ، وكُلُّ ما يَدْفَعُ الضُّرَّ المَظْنُونَ أوِ المَشْكُوكَ واجِبٌ عَقْلًا، صفحة ٤١ كَمَن أرادَ سُلُوكَ طَرِيقٍ فَأُخْبِرَ بِأنَّ فِيهِ سَبُعًا، فَإنَّ العَقْلَ يَقْتَضِي أنْ يَتَوَقَّفَ ويَبْحَثَ حَتّى يَعْلَمَ أيَسْلُكُ ذَلِكَ الطَّرِيقَ أمْ لا ؟ وكَذَلِكَ وُجُوبُ النَّظَرِ في مُعْجِزَةِ الرُّسُلِ وسائِرِ ما يُؤَدِّي إلى ثُبُوتِ الشَّرائِعِ. فَلِذَلِكَ تَأوَّلُوا هَذِهِ الآيَةَ بِما ذَكَرَهُ في الكَشّافِ إذْ قالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ قَبْلَ الرُّسُلِ وهم مَحْجُوجُونَ بِما نَصَبَهُ اللَّهُ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي النَّظَرُ فِيها مُوَصِّلٌ إلى المَعْرِفَةِ، والرُّسُلُ في أنْفُسِهِمْ لَمْ يَتَوَصَّلُوا إلى المَعْرِفَةِ بِالنَّظَرِ في تِلْكَ الأدِلَّةِ، أيْ قَبْلَ الرِّسالَةِ ؟ قُلْتُ: الرُّسُلُ مُنَبِّهُونَ عَنِ الغَفْلَةِ وباعِثُونَ عَلى النَّظَرِ مَعَ تَبْلِيغِ ما حَمَلُوهُ مِن أُمُورِ الدِّينِ وتَعْلِيمِ الشَّرائِعِ؛ فَكانَ إرْسالُهم إزاحَةً لِلْعِلَّةِ، وتَتْمِيمًا لِإلْزامِ الحُجَّةِ. يَعْنِي أنَّ بِعْثَةَ الرُّسُلِ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ لا عَدْلٌ، ولَوْ لَمْ يَبْعَثْهم لَكانَتِ المُؤاخَذَةُ عَلى القَبائِحِ عَدْلًا، فَبِعْثَةُ الرُّسُلِ إتْمامٌ لِلْحُجَّةِ في أصْلِ المُؤاخَذَةِ، وإتْمامٌ لِلْحُجَّةِ في زِيادَةِ التَّزْكِيَةِ أنْ يَقُولَ النّاسُ: رَبَّنا لِمَ لَمْ تُرْشِدْنا إلى ما يَرْفَعُ دَرَجاتِنا في مَراتِبِ الصِّدِّيقِينَ وقَصَرْتَنا عَلى مُجَرَّدِ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ، حِينَ اهْتَدَيْنا لِأصْلِ التَّوْحِيدِ بِعُقُولِنا. وقالَ الماتِرِيدِيُّ بِمُوافَقَةِ الجُمْهُورِ فِيما عَدا المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ تَعالى عِنْدَ إرادَةِ إفْحامِ الرُّسُلِ خاصَّةً لِأنَّهُ رَآهُ مَبْنى أُصُولِ الدِّينِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ في التَّوْضِيحِ: ”أيْ يَكُونُ الفِعْلُ صِفَةً يُحْمَدُ فاعِلُ الفِعْلِ ويُثابُ لِأجْلِها أوْ يُذَمُّ ويُعاقَبُ لِأجْلِها؛ لِأنَّ وُجُوبَ تَصْدِيقِ النَّبِيءِ إنْ تَوَقَّفَ عَلى الشَّرْعِ يُلْزِمُ الدَّوْرَ“ وصَرَّحَ أيْضًا بِأنَّها تُعَرِّفُ بِالشَّرْعِ أيْضًا. وقَدْ ضايَقَ المُعْتَزِلَةُ الأشاعِرَةَ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِخُصُوصِ وُجُوبِ المَعْرِفَةِ فَقالُوا: لَوْ لَمْ تَجِبِ المَعْرِفَةُ إلّا بِالشَّرْعِ لَلَزِمَ إفْحامُ الرُّسُلِ، فَلَمْ تَكُنْ لِلْبَعْثَةِ فائِدَةٌ. ووَجْهُ اللُّزُومِ أنَّ الرَّسُولَ إذا قالَ لِأحَدٍ: انْظُرْ في مُعْجِزَتِي حَتّى يَظْهَرَ صِدْقِي لَدَيْكَ، فَلَهُ أنْ يَقُولَ: لا أنْظُرُ ما لَمْ يَجِبْ عَلَيَّ، لِأنَّ تَرْكَ غَيْرَ الواجِبِ جائِزٌ، ولا يَجِبُ عَلَيَّ حَتّى يَثْبُتَ عِنْدِي الوُجُوبُ بِالشَّرْعِ، ولا يَثْبُتُ الشَّرْعُ ما دُمْتُ لَمْ أنْظُرْ، لِأنَّ ثُبُوتَ الشَّرْعِ نَظَرِيٌّ لا ضَرُورِيٌّ. وظاهَرَهُمُ الماتِرِيدِيَّةُ وبَعْضُ الشّافِعِيَّةِ عَلى هَذا الِاسْتِدْلالِ. صفحة ٤٢ ولَمْ أرَ لِلْأشاعِرَةِ جَوابًا مُقْنِعًا، سِوى أنَّ إمامَ الحَرَمَيْنِ في الإرْشادِ أجابَ: بِأنَّ هَذا مُشْتَرِكُ الإلْزامِ لِأنَّ وُجُوبَ التَّأمُّلِ في المُعْجِزَةِ نَظَرِيٌّ لا ضَرُورِيٌّ لا مَحالَةَ، فَلِمَن دَعاهُ الرَّسُولُ أنْ يَقُولَ: لا أتَأمَّلُ في المُعْجِزَةِ ما لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ عَلَيَّ عَقْلًا، ولا يَجِبُ عَلَيَّ عَقْلًا ما لَمْ أنْظُرْ، لِأنَّهُ وُجُوبٌ نَظَرِيٌّ، والنَّظَرِيُّ يَحْتاجُ إلى تَرْتِيبِ مُقَدِّماتٍ، فَأنا لا أُرَتِّبُها. وتَبِعَهُ عَلى هَذا الجَوابِ جَمِيعُ المُتَكَلِّمِينَ بَعْدَهُ مِنَ الأشاعِرَةِ مِثْلُ البَيْضاوِيِّ والعَضُدِ والتَّفْتَزانِيِّ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ في الشّامِلِ: إنَّهُ اعْتِرافٌ بِلُزُومِ الإفْحامِ فَلا يُزِيلُ الشُّبْهَةَ بَلْ يُعَمِّمُها بَيْنَنا وبَيْنَهم، فَلَمْ يَحْصُلْ دَفْعُ الإشْكالِ وكَلامُ ابْنِ عَرَفَةَ رَدٌّ مُتَمَكِّنٌ. والظّاهِرُ أنَّ مُرادَ إمامِ الحَرَمَيْنِ أنْ يُسْقِطَ اسْتِدْلالَ المُعْتَزِلَةِ لِأنْفُسِهِمْ عَلى الوُجُوبِ العَقْلِيِّ بِتَمَحُّضِ الِاسْتِدْلالِ بِالأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وهو مَطْلُوبُنا. وأنا أرى أنْ يَكُونَ الجَوابُ بِأحَدِ طَرِيقَيْنِ: أوَّلُهُما بِالمَنعِ وهو أنْ نَمْنَعَ أنْ يَكُونَ وُجُوبُ سَماعِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ مُتَوَقِّفًا عَلى الإصْغاءِ إلَيْهِ، والنَّظَرِ في مُعْجِزَتِهِ، وأنَّهُ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ وُجُوبُ ذَلِكَ بِالعَقْلِ يَلْزَمُ إفْحامَ الرَّسُولِ، بَلْ نَدَّعِي أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ ثَبَتَ بِالشَّرائِعِ الَّتِي تَعاقَبَ وُرُودُها بَيْنَ البَشَرِ، بِحَيْثُ قَدْ عَلِمَ كُلُّ مَن لَهُ عَلاقَةٌ بِالمَدَنِيَّةِ البَشَرِيَّةِ بِأنَّ دُعاةً أتَوْا إلى النّاسِ في عُصُورٍ مُخْتَلِفَةٍ، ودَعْوَتُهم واحِدَةٌ: كُلٌّ يَقُولُ إنَّهُ مَبْعُوثٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَدْعُوَ النّاسَ إلى ما يُرِيدُهُ اللَّهُ مِنهم، فاسْتَقَرَّ في نُفُوسِ البَشَرِ كُلِّهِمْ أنَّ هُنالِكَ إيمانًا وكُفْرًا، ونَجاةً وارْتِباقًا، اسْتِقْرارًا لا يَجِدُونَ في نُفُوسِهِمْ سَبِيلًا إلى دَفْعِهِ، فَإذا دَعا الرَّسُولُ النّاسَ إلى الإيمانِ حَضَرَتْ في نَفْسِ المَدْعُوِّ السّامِعِ تِلْكَ الأخْبارُ الماضِيَةُ والمُحاوَراتُ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ وُجُوبًا اضْطِرارِيًّا اسْتِماعُهُ والنَّظَرُ في الأمْرِ المُقَرَّرِ في نُفُوسِ البَشَرِ، ولِذَلِكَ آخَذَ اللَّهُ أهْلَ الفَتْرَةِ بِالإشْراكِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ. ولِذَلِكَ فَلَوْ قَدَّرْنا أحَدًا لَمْ يُخالِطْ جَماعاتِ البَشَرِ، ولَمْ يَسْبِقْ لَهُ شُعُورٌ بِأنَّ النّاسَ آمَنُوا وكَفَرُوا وأثْبَتُوا وعَطَّلُوا، لَما وجَبَ عَلَيْهِ الإصْغاءُ إلى الرَّسُولِ لِأنَّ ذَلِكَ صفحة ٤٣ الِانْسِياقَ الضَّرُورِيَّ مَفْقُودٌ عِنْدَهُ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ الوُجُوبُ غَيْرَ شَرْعِيٍّ، ولا عَقْلِيٍّ نَظَرِيٍّ، بَلْ هو مِنَ الأُمُورِ الضَّرُورِيَّةِ الَّتِي لا يُسْتَطاعُ دَفْعُها فَلا عَجَبَ أنْ تَقَعَ المُؤاخَذَةُ بِتَعَمُّدِ مُخالَفَتِها. وثانِي الجَوابَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ، غَيْرَ أنَّ ما وقَرَ في جِبِلَّةِ البَشَرِ مِنِ اسْتِطْلاعِ الحَوادِثِ والأخْبارِ الجَدِيدَةِ، والإصْغاءِ لِكُلِّ صاحِبِ دَعْوَةٍ، أمْرٌ يَحْمِلُ كُلَّ مَن دَعاهُ الرَّسُولُ إلى الدِّينِ عَلى أنْ يَسْتَمِعَ لِكَلامِهِ، ويَتَلَقّى دَعْوَتَهُ وتَحَدِّيَهُ ومُعْجِزَتَهُ، فَلا يَشْعُرُ إلّا وقَدْ سَلَكَتْ دَعْوَتُهُ إلى نَفْسِ المَدْعُوِّ، فَحَرَّكَتْ فِيهِ داعِيَةَ النَّظَرِ، فَهو يَنْجَذِبُ إلى تَلَقِّي الدَّعْوَةِ، رُوَيْدًا رُوَيْدًا، حَتّى يَجِدَ نَفْسَهُ قَدْ وعاها وعَلِمَها عِلْمًا لا يَسْتَطِيعُ بَعْدَهُ أنْ يَقُولَ: إنِّي لا أنْظُرُ المُعْجِزَةَ، أوْ لا أُصْغِي إلى الدَّعْوَةِ. فَإنْ هو أعْرَضَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدِ اخْتارَ العَمى عَلى الهُدى، فَكانَ مُؤاخَذًا، فَلَوْ قَدَّرْنا أحَدًا مَرَّ بِرَسُولٍ يَدْعُو فَشَغَلَهُ شاغِلٌ عَنْ تَعَرُّفِ أمْرِهِ والإصْغاءِ لِكَلامِهِ والنَّظَرِ في أعْمالِهِ، لَسَلَّمْنا أنَّهُ لا يَكُونُ مُخاطِبًا، وأنَّ هَذا الواحِدَ وأمْثالَهُ إذا أفْحَمَ الرَّسُولَ لا تَتَعَطَّلُ الرِّسالَةُ، ولَكِنَّهُ خَسِرَ هَدْيَهُ، وسَفَّهَ نَفْسَهُ. ولا يَرِدُ عَلَيْنا أنَّ مَن سَمِعَ دَعْوَةَ الرَّسُولِ فَجَعَلَ أصابِعَهُ في أُذُنَيْهِ وأعْرَضَ هارِبًا حِينَئِذٍ، لا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ وُجُوبُ المَعْرِفَةِ، لِأنَّ هَذا ما صَنَعَ صُنْعَهُ إلّا بَعْدَ أنْ عَلِمَ أنَّهُ قَدْ تَهَيَّأ لِتَوَجُّهِ المُؤاخَذَةِ عَلَيْهِ إذا سَمِعَ فَعَصى، وكَفى بِهَذا شُعُورًا مِنهُ بِتَوَجُّهِ التَّكْلِيفِ إلَيْهِ فَيَكُونُ مُؤاخَذًا عَلى اسْتِحْبابِهِ العَمى عَلى الهُدى، كَما قالَ تَعالى في قَوْمِ نُوحٍ ﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ﴾ [نوح: ٧] أيْ إلى الإيمانِ ﴿لِتَغْفِرَ لَهم جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ [نوح: ٧] . والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ في قَوْلِهِ (﴿بَعْدَ الرُّسُلِ﴾) دُونَ أنْ يُقالَ: بَعْدَهم، لِلِاهْتِمامِ بِهَذِهِ القَضِيَّةِ واسْتِقْلالِها في الدَّلالَةِ عَلى مَعْناها حَتّى تَسِيرَ مِسْرى الأمْثالِ. ومُناسَبَةُ التَّذْيِيلِ بِالوَصْفَيْنِ في قَوْلِهِ (﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾): أمّا بِوَصْفِ الحَكِيمِ فَظاهِرَةٌ، صفحة ٤٤ لِأنَّ هَذِهِ الأخْبارَ كُلَّها دَلِيلُ حِكْمَتِهِ تَعالى، وأمّا بِوَصْفِ العَزِيزِ فَلِأنَّ العَزِيزَ يُناسِبُ عِزَّتَهُ أنْ يَكُونَ غالِبًا مِن كُلِّ طَرِيقٍ فَهو غالِبٌ مِن طَرِيقِ المَعْبُودِيَّةِ، لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وغالِبٌ مِن طَرِيقِ المَعْقُولِيَّةِ إذْ شاءَ أنْ لا يُؤاخِذَ عَبِيدَهُ إلّا بَعْدَ الأدِلَّةِ والبَراهِينِ والآياتِ. وتَأْخِيرُ وصْفِ الحَكِيمِ لِأنَّ إجْراءَ عِزَّتِهِ عَلى هَذا التَّمامِ هو أيْضًا مِن ضُرُوبِ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ.

النساء 4:166

﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ . هَذا اسْتِدْراكٌ عَلى مَعْنًى أثارَهُ الكَلامُ: لِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [النساء: ١٥٣] مَسُوقٌ مَساقَ بَيانِ تَعَنُّتِهِمْ ومُكابَرَتِهِمْ عَنْ أنْ يَشْهَدُوا بِصِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وصِحَّةِ نِسْبَةِ القُرْآنِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَ هَذا المَعْنى يَسْتَلْزِمُ أنَّهم يَأْبَوْنَ مِنَ الشَّهادَةِ بِصِدْقِ الرَّسُولِ، وأنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُ الرَّسُولَ ﷺ، فَجاءَ الِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ (﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾) . فَإنَّ الِاسْتِدْراكَ تَعْقِيبُ الكَلامِ بِرَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ ثُبُوتُهُ أوْ نَفْيُهُ. والمَعْنى: لَمْ يَشْهَدْ أهْلُ الكِتابِ لَكِنَّ اللَّهَ شَهِدَ وشَهادَةُ اللَّهِ خَيْرٌ مِن شَهادَتِهِمْ. وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أنَّ حَقِيقَةَ الشَّهادَةِ إخْبارٌ لِتَصْدِيقِ مُخْبِرٍ، وتَكْذِيبِ مُخْبِرٍ آخَرَ. وتَقَدَّمَ أنَّها تُطْلَقُ عَلى الخَبَرِ المُحَقِّقِ الَّذِي لا يَتَطَرَّقُهُ الشَّكُّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. فالشَّهادَةُ في قَوْلِهِ (﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾) أُطْلِقَتْ عَلى الإخْبارِ بِنُزُولِ القُرْآنِ مِنَ اللَّهِ إطْلاقًا مَجازِيًّا، لِأنَّ هَذا الخَبَرَ تَضَمَّنَ تَصْدِيقَ الرَّسُولِ وتَكْذِيبَ مُعانَدِيهِ، وهو إطْلاقٌ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ مِنَ الإطْلاقِ الحَقِيقِيِّ هو غَيْرُ الإطْلاقِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] فَإنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ. وعُطِفَ شَهادَةُ المَلائِكَةِ عَلى شَهادَةِ اللَّهِ: لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ هَذِهِ الشَّهادَةِ بِتَعَدُّدِ الشُّهُودِ، ولِأنَّ شَهادَةَ اللَّهِ مَجازٌ في العِلْمِ وشَهادَةَ المَلائِكَةِ صفحة ٤٥ حَقِيقَةٌ. وإظْهارُ فِعْلِ (يَشْهَدُونَ) مَعَ وُجُودِ حَرْفِ العَطْفِ لِلتَّأْكِيدِ. وحَرْفُ (لَكِنْ) بِسُكُونِ النُّونِ مُخَفَّفُ (لَكِنَّ) المُشَدَّدَةِ النُّونِ الَّتِي هي مِن أخَواتِ (إنَّ) وإذا خُفِّفَتْ بَطُلَ عَمَلُها. وقَوْلُهُ ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ يَجْرِي عَلى الِاحْتِمالَيْنِ. وقَوْلُهُ ﴿بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ وقَعَ تَحْوِيلٌ في تَرْكِيبِ الجُمْلَةِ لِقَصْدِ الإجْمالِ الَّذِي يَعْقُبُهُ التَّفْصِيلُ، لِيَكُونَ أوْقَعَ في النَّفْسِ. وأصْلُ الكَلامِ: يَشْهَدُ بِإنْزالِ ما أنْزَلَهُ إلَيْكَ بِعِلْمِهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ (بِما أنْزَلَ إلَيْكَ) لَمْ يُفَدِ المَشْهُودُ بِهِ إلّا ضِمْنًا مَعَ المَشْهُودِ فِيهِ إذْ جِيءَ بِاسْمِ المَوْصُولِ لِيُوصِلَ بِصِلَةٍ فِيها إيماءٌ إلى المَقْصُودِ، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يُذْكَرِ المَقْصُودُ مِنَ الشَّهادَةِ الَّذِي هو حَقُّ مَدْخُولِ الباءِ بَعْدَ مادَّةِ شَهِدَ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ (أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) مُكَمِّلَةَ مَعْنى الشَّهادَةِ. وهَذا قَرِيبٌ مِنَ التَّحْوِيلِ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ في تَمْيِيزِ النِّسْبَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَوْقِعُ قَوْلِهِ (﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾) مِن قَوْلِهِ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ﴾ مَوْقِعُ الجُمْلَةِ المُفَسِّرَةِ؛ لِأنَّهُ بَيانٌ لِلشَّهادَةِ وأنَّ شَهادَتَهُ بِصِحَّتِهِ أنَّهُ أنْزَلَهُ بِالنَّظْمِ المُعْجِزِ. فَلَعَلَّهُ يَجْعَلُ جُمْلَةَ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ﴾ مُسْتَقِلَّةً بِالفائِدَةِ، وأنَّ مَعْنى (بِما أنْزَلَ إلَيْكَ) بِصِحَّةِ ما أنْزَلَ إلَيْكَ، وما ذَكَرْتُهُ أعْرَقُ في البَلاغَةِ. ومَعْنى (أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) أيْ مُتَلَبِّسًا بِعِلْمِهِ، أيْ بالِغًا الغايَةَ في بابِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، شَأْنُ ما يَكُونُ بِعِلْمٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ مُعْجِزٌ لَفْظًا ومَعْنًى، فَكَما أعْجَزَ البُلَغاءَ مِن أهْلِ اللِّسانِ أعْجَزَ العُلَماءَ مِن أهْلِ الحَقائِقِ العالِيَةِ. والباءُ في قَوْلِهِ ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وأصْلُهُ: كَفى اللَّهُ شَهِيدًا كَقَوْلِهِ: كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا أوْ يُضَمَّنُ (كَفى) مَعْنى اقْتَنِعُوا، فَتَكُونُ الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ.

النساء 4:167

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ . صفحة ٤٦ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا هُنا أهْلَ الكِتابِ، أيِ اليَهُودَ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ الفَذْلَكَةِ لِلْكَلامِ السّابِقِ الرّادِّ عَلى اليَهُودِ مِنَ التَّحاوُرِ المُتَقَدِّمِ. وصَدُّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن صَدِّ القاصِرِ الَّذِي قِياسُ مُضارِعِهِ يَصِدُّ بِكَسْرِ الصّادِ، أيْ أعْرَضُوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. أيِ الإسْلامِ، أوْ هو مِن (صَدَّ) المُتَعَدِّي الَّذِي قِياسُ مُضارِعِهِ بِضَمِّ الصّادِ، أيْ صَدُّوا النّاسَ. وحُذِفَ المَفْعُولُ لِقَصْدِ التَّكْثِيرِ. فَقَدْ كانَ اليَهُودُ يَتَعَرَّضُونَ لِلْمُسْلِمِينَ بِالفِتْنَةِ، ويُقَوُّونَ أوْهامَ المُشْرِكِينَ بِتَكْذِيبِهِمُ النَّبِيءَ ﷺ . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا المُشْرِكِينَ، كَما هو الغالِبُ في إطْلاقِ هَذا الوَصْفِ في القُرْآنِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، انْتَقَلَ إلَيْهِ بِمُناسَبَةِ الخَوْضِ في مُناواةِ أهْلِ الكِتابِ لِلْإسْلامِ. وصَدُّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أيْ صَدُّهُمُ النّاسَ عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ مَشْهُورٌ. والضَّلالُ الكُفْرُ لِأنَّهُ ضَياعٌ عَنِ الإيمانِ، الَّذِي هو طَرِيقُ الخَيْرِ والسَّعادَةِ، فَإطْلاقُ الضَّلالِ عَلى الكُفْرِ اسْتِعارَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى اسْتِعارَةِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ لِلْإيمانِ. ووَصْفُ الضَّلالِ بِالبَعِيدِ مَعَ أنَّ البُعْدَ مِن صِفاتِ المَسافاتِ هو اسْتِعارَةُ البُعْدِ لِشِدَّةِ الضَّلالِ وكَمالِهِ في نَوْعِهِ، بِحَيْثُ لا يُدْرَكُ مِقْدارُهُ، وهو تَشْبِيهٌ شائِعٌ في كَلامِهِمْ: أنْ يُشَبِّهُوا بُلُوغَ الكَمالِ بِما يَدُلُّ عَلى المَسافاتِ والنِّهاياتِ كَقَوْلِهِمْ: بَعِيدُ الغَوْرِ، وبَعِيدُ القَعْرِ، ولا نِهايَةَ لَهُ، ولا غايَةَ لَهُ، ورَجُلٌ بَعِيدُ الهِمَّةِ، وبَعِيدُ المَرْمى، ولا مُنْتَهى لِكِبارِها، وبَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ، وقَوْلِهِمْ: هَذا إغْراقٌ في كَذا. ومِن بَدِيعِ مُناسَبَتِهِ هُنا أنَّ الضَّلالَ الحَقِيقِيَّ يَكُونُ في الفَيافِي والمَوامِي، فَإذا اشْتَدَّ التِّيهُ والضَّلالُ بَعُدَ صاحِبُهُ عَنِ المَعْمُورِ، فَكانَ في وصْفِهِ بِالبَعِيدِ تَعاهُدٌ لِلْحَقِيقَةِ، وإيماءٌ إلى أنَّ في إطْلاقِهِ عَلى الكُفْرِ والجَهْلِ نَقْلًا عُرْفِيًّا.

النساء 4:168

صفحة ٤٧ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٦٧])، لِأنَّ السّامِعَ يَتَرَقَّبُ مَعْرِفَةَ جَزاءِ هَذا الضَّلالِ فَبَيَّنَتْهُ هَذِهِ الجُمْلَةُ. وإعادَةُ المَوْصُولِ وصِلَتِهِ دُونَ أنْ يُذْكَرَ ضَمِيرُهم لِتُبْنى عَلَيْهِ صِلَةُ (وظَلَمُوا)، ولِأنَّ في تَكْرِيرِ الصِّلَةِ تَنْدِيدًا عَلَيْهِمْ. ويَجِيءُ عَلى الوَجْهَيْنِ في المُرادِ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها أنْ يَكُونَ عَطْفُ الظُّلْمِ عَلى الكُفْرِ في قَوْلِهِ (﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا﴾) إمّا أنْ يُرادَ بِهِ ظُلْمُ النَّفْسِ، وظُلْمُ النَّبِيءِ والمُسْلِمِينَ، وذَلِكَ اللّائِقُ بِأهْلِ الكِتابِ، وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ الشِّرْكُ، كَما هو شائِعٌ في اسْتِعْمالِ القُرْآنِ، قَوْلُهُ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الأخَصِّ عَلى الأعَمِّ في الأنْواعِ، وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ التَّعَدِّي عَلى النّاسِ، كَظُلْمِهِمُ النَّبِيءَ ﷺ بِإخْراجِهِ مِن أرْضِهِ، وتَأْلِيبِ النّاسِ عَلَيْهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وظُلْمِهِمُ المُؤْمِنِينَ بِتَعْذِيبِهِمْ في اللَّهِ، وإخْراجِهِمْ، ومُصادَرَتِهِمْ في أمْوالِهِمْ، ومُعامَلَتِهِمْ بِالنِّفاقِ والسُّخْرِيَةِ والخِداعِ، وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ ارْتِكابُ المَفاسِدِ والجَرائِمِ مِمّا اسْتَقَرَّ عِنْدَ أهْلِ العُقُولِ أنَّهُ ظُلْمٌ وعُدْوانٌ. وقَوْلُهُ (﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾) صِيغَةُ جُحُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فَهي تَقْتَضِي تَحْقِيقَ النَّفْيِ، وقَدْ نُفِيَ عَنِ اللَّهِ أنْ يَغْفِرَ لَهم تَحْذِيرًا مِنَ البَقاءِ عَلى الكُفْرِ والظُّلْمِ، لِأنَّ هَذا الحُكْمَ نِيطَ بِالوَصْفِ ولَمْ يُنَطْ بِأشْخاصٍ مَعْرُوفِينَ، فَإنْ هم أقْلَعُوا عَنِ الكُفْرِ والظُّلْمِ لَمْ يَكُونُوا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا. ومَعْنى نَفْيِ (أنْ يَهْدِيَهم طَرِيقًا): إنْ كانَ طَرِيقَ يَوْمِ القِيامَةِ فَهو واضِحٌ: أيْ لا يَهْدِيهِمْ طَرِيقًا يُوصِلُهم إلى مَكانٍ إلّا طَرِيقًا يُوَصِّلُ إلى جَهَنَّمَ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ الطَّرِيقِ الآياتُ في الدُّنْيا، كَقَوْلِهِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] . فَنَفْيُ هَدْيِهِمْ إلَيْهِ صفحة ٤٨ إنْذارٌ بِأنَّ الكُفْرَ والظُّلْمَ مِن شَأْنِهِما أنْ يُخَيِّما عَلى القَلْبِ بِغِشاوَةٍ تَمْنَعُهُ مِن وُصُولِ الهُدى إلَيْهِ، لِيُحَذِّرَ المُتَلَبِّسَ بِالكُفْرِ والظُّلْمِ مِنَ التَّوَغُّلِ فِيهِما، فَلَعَلَّهُ أنْ يُصْبِحَ ولا مُخَلِّصَ لَهُ مِنهُما. ونَفْيُ هُدى اللَّهِ إيّاهم عَلى هَذا الوَجْهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ في نَفْيِ تَيْسِيرِ أسْبابِ الهُدى بِحَسَبِ قانُونِ حُصُولِ الأسْبابِ وحُصُولِ آثارِها بَعْدَها. وعَلى أيِّ الِاحْتِمالَيْنِ فَتَوْبَةُ الكافِرِ الظّالِمِ بِالإيمانِ مَقْبُولَةٌ، وكَثِيرًا ما آمَنَ الكافِرُونَ الظّالِمُونَ وحَسُنَ إيمانُهم، وآياتُ قَبُولِ التَّوْبَةِ، وكَذَلِكَ مُشاهَدَةُ الواقِعِ، مِمّا يَهْدِي إلى تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَرِيبًا، أيِ (﴿الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٣٧]) الآيَةَ. وقَوْلُهُ (﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾) اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ إنْ كانَ الطَّرِيقُ الَّذِي نَفى هَدْيَهم إلَيْهِ الطَّرِيقَ الحَقِيقِيَّ، ومُنْقَطِعٌ إنْ أُرِيدَ بِالطَّرِيقِ الأوَّلِ الهُدى. وفي هَذا الِاسْتِثْناءِ تَأْكِيدُ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِلْإنْذارِ، والِاسْتِثْناءُ فِيهِ رائِحَةُ إطْماعٍ، ثُمَّ إذا سُمِعَ المُسْتَثْنى تَبَيَّنَ أنَّهُ مِن قَبِيلِ الإنْذارِ. وفِيهِ تَهَكُّمٌ لِأنَّهُ اسْتَثْنى مِنَ الطَّرِيقِ المَعْمُولِ لِيَهْدِيَهم، ولَيْسَ الإقْحامُ بِهِمْ في طَرِيقِ جَهَنَّمَ بِهَدْيٍ لِأنَّ الهَدْيَ هو إرْشادُ الضّالِّ إلى المَكانِ المَحْبُوبِ. ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ (وكانَ ذَلِكَ) أيِ الإقْحامُ بِهِمْ في طَرِيقِ النّارِ (﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾) إذْ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وإذْ هم عَبِيدُهُ يَصْرِفُهم إلى حَيْثُ يَشاءُ.

النساء 4:169

صفحة ٤٧ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٦٧])، لِأنَّ السّامِعَ يَتَرَقَّبُ مَعْرِفَةَ جَزاءِ هَذا الضَّلالِ فَبَيَّنَتْهُ هَذِهِ الجُمْلَةُ. وإعادَةُ المَوْصُولِ وصِلَتِهِ دُونَ أنْ يُذْكَرَ ضَمِيرُهم لِتُبْنى عَلَيْهِ صِلَةُ (وظَلَمُوا)، ولِأنَّ في تَكْرِيرِ الصِّلَةِ تَنْدِيدًا عَلَيْهِمْ. ويَجِيءُ عَلى الوَجْهَيْنِ في المُرادِ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها أنْ يَكُونَ عَطْفُ الظُّلْمِ عَلى الكُفْرِ في قَوْلِهِ (﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا﴾) إمّا أنْ يُرادَ بِهِ ظُلْمُ النَّفْسِ، وظُلْمُ النَّبِيءِ والمُسْلِمِينَ، وذَلِكَ اللّائِقُ بِأهْلِ الكِتابِ، وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ الشِّرْكُ، كَما هو شائِعٌ في اسْتِعْمالِ القُرْآنِ، قَوْلُهُ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الأخَصِّ عَلى الأعَمِّ في الأنْواعِ، وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ التَّعَدِّي عَلى النّاسِ، كَظُلْمِهِمُ النَّبِيءَ ﷺ بِإخْراجِهِ مِن أرْضِهِ، وتَأْلِيبِ النّاسِ عَلَيْهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وظُلْمِهِمُ المُؤْمِنِينَ بِتَعْذِيبِهِمْ في اللَّهِ، وإخْراجِهِمْ، ومُصادَرَتِهِمْ في أمْوالِهِمْ، ومُعامَلَتِهِمْ بِالنِّفاقِ والسُّخْرِيَةِ والخِداعِ، وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ ارْتِكابُ المَفاسِدِ والجَرائِمِ مِمّا اسْتَقَرَّ عِنْدَ أهْلِ العُقُولِ أنَّهُ ظُلْمٌ وعُدْوانٌ. وقَوْلُهُ (﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾) صِيغَةُ جُحُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فَهي تَقْتَضِي تَحْقِيقَ النَّفْيِ، وقَدْ نُفِيَ عَنِ اللَّهِ أنْ يَغْفِرَ لَهم تَحْذِيرًا مِنَ البَقاءِ عَلى الكُفْرِ والظُّلْمِ، لِأنَّ هَذا الحُكْمَ نِيطَ بِالوَصْفِ ولَمْ يُنَطْ بِأشْخاصٍ مَعْرُوفِينَ، فَإنْ هم أقْلَعُوا عَنِ الكُفْرِ والظُّلْمِ لَمْ يَكُونُوا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا. ومَعْنى نَفْيِ (أنْ يَهْدِيَهم طَرِيقًا): إنْ كانَ طَرِيقَ يَوْمِ القِيامَةِ فَهو واضِحٌ: أيْ لا يَهْدِيهِمْ طَرِيقًا يُوصِلُهم إلى مَكانٍ إلّا طَرِيقًا يُوَصِّلُ إلى جَهَنَّمَ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ الطَّرِيقِ الآياتُ في الدُّنْيا، كَقَوْلِهِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] . فَنَفْيُ هَدْيِهِمْ إلَيْهِ صفحة ٤٨ إنْذارٌ بِأنَّ الكُفْرَ والظُّلْمَ مِن شَأْنِهِما أنْ يُخَيِّما عَلى القَلْبِ بِغِشاوَةٍ تَمْنَعُهُ مِن وُصُولِ الهُدى إلَيْهِ، لِيُحَذِّرَ المُتَلَبِّسَ بِالكُفْرِ والظُّلْمِ مِنَ التَّوَغُّلِ فِيهِما، فَلَعَلَّهُ أنْ يُصْبِحَ ولا مُخَلِّصَ لَهُ مِنهُما. ونَفْيُ هُدى اللَّهِ إيّاهم عَلى هَذا الوَجْهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ في نَفْيِ تَيْسِيرِ أسْبابِ الهُدى بِحَسَبِ قانُونِ حُصُولِ الأسْبابِ وحُصُولِ آثارِها بَعْدَها. وعَلى أيِّ الِاحْتِمالَيْنِ فَتَوْبَةُ الكافِرِ الظّالِمِ بِالإيمانِ مَقْبُولَةٌ، وكَثِيرًا ما آمَنَ الكافِرُونَ الظّالِمُونَ وحَسُنَ إيمانُهم، وآياتُ قَبُولِ التَّوْبَةِ، وكَذَلِكَ مُشاهَدَةُ الواقِعِ، مِمّا يَهْدِي إلى تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَرِيبًا، أيِ (﴿الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٣٧]) الآيَةَ. وقَوْلُهُ (﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾) اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ إنْ كانَ الطَّرِيقُ الَّذِي نَفى هَدْيَهم إلَيْهِ الطَّرِيقَ الحَقِيقِيَّ، ومُنْقَطِعٌ إنْ أُرِيدَ بِالطَّرِيقِ الأوَّلِ الهُدى. وفي هَذا الِاسْتِثْناءِ تَأْكِيدُ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِلْإنْذارِ، والِاسْتِثْناءُ فِيهِ رائِحَةُ إطْماعٍ، ثُمَّ إذا سُمِعَ المُسْتَثْنى تَبَيَّنَ أنَّهُ مِن قَبِيلِ الإنْذارِ. وفِيهِ تَهَكُّمٌ لِأنَّهُ اسْتَثْنى مِنَ الطَّرِيقِ المَعْمُولِ لِيَهْدِيَهم، ولَيْسَ الإقْحامُ بِهِمْ في طَرِيقِ جَهَنَّمَ بِهَدْيٍ لِأنَّ الهَدْيَ هو إرْشادُ الضّالِّ إلى المَكانِ المَحْبُوبِ. ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ (وكانَ ذَلِكَ) أيِ الإقْحامُ بِهِمْ في طَرِيقِ النّارِ (﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾) إذْ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وإذْ هم عَبِيدُهُ يَصْرِفُهم إلى حَيْثُ يَشاءُ.

النساء 4:170

﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكم فَآمِنُوا خَيْرًا لَكم وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ . بَعْدَ اسْتِفْراغِ الحِوارِ مَعَ أهْلِ الكِتابِ، ثُمَّ خِطابِ أهْلِ الكُفْرِ بِما هو صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ شامِلًا لِأهْلِ الكِتابِ، وُجِّهَ الخِطابُ إلى النّاسِ جَمِيعًا؛ صفحة ٤٩ لِيَكُونَ تَذْيِيلًا وتَأْكِيدًا لِما سَبَقَهُ، إذْ قَدْ تَهَيَّأ مِنَ القَوارِعِ السّالِفَةِ ما قامَتْ بِهِ الحُجَّةُ، واتَّسَعَتِ المَحَجَّةُ، فَكانَ المَقامُ لِلْأمْرِ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ والإيمانِ. وكَذَلِكَ شَأْنُ الخَطِيبِ إذا تَهَيَّأتِ الأسْماعُ، ولانَتِ الطِّباعُ. ويُسَمّى هَذا بِالمَقْصِدِ مِنَ الخِطابِ، وما يَتَقَدَّمُهُ بِالمُقَدِّمَةِ. عَلى أنَّ الخِطابَ بِـ (يا أيُّها النّاسُ) يَعْنِي خُصُوصَ المُشْرِكِينَ في الغالِبِ، وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ (﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾) . والتَّعْرِيفُ في (الرَّسُولُ) لِلْعَهْدِ، وهو المَعْهُودُ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ. و(الحَقِّ) هو الشَّرِيعَةُ والقُرْآنُ، و(مِن رَبِّكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (جاءَكم)، أوْ صِفَةٌ لِلْحَقِّ، و(مِن) لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ فِيهِما، وتَعْدِيَةُ (جاءَ) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ تَرْغِيبٌ لَهم في الإيمانِ لِأنَّ الَّذِي يَجِيءُ مُهْتَمًّا بِناسٍ يَكُونُ حَقًّا عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّبِعُوهُ، وأيْضًا في طَرِيقِ الإضافَةِ مِن قَوْلِهِ (رَبِّكم) تَرْغِيبٌ ثانٍ لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ مِنِ اخْتِصاصِهِمْ بِهَذا الدِّينِ الَّذِي هو آتٍ مِن رَبِّهِمْ، فَلِذَلِكَ أُتِيَ بِالأمْرِ بِالإيمانِ مُفَرَّعًا عَلى هاتِهِ الجُمَلِ بِقَوْلِهِ (﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾) . وانْتَصَبَ (خَيْرًا) عَلى تَعَلُّقِهِ بِمَحْذُوفٍ لازِمِ الحَذْفِ في كَلامِهِمْ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، فَجَرى مَجْرى الأمْثالِ، وذَلِكَ فِيما دَلَّ عَلى الأمْرِ والنَّهْيِ مِنَ الكَلامِ نَحْوَ (﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١])، ووَراءَكَ أوْسَعَ لَكَ، أيْ تَأخَّرْ، وحَسْبُكَ خَيْرًا لَكَ، وقَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: فَواعِدِيهِ سَرْحَتَيْ مالِكٍ أوِ الرُّبى بَيْنَهُما. أسْهَلا فَنَصْبُهُ مِمّا لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ عَنِ العَرَبِ، واتَّفَقَ عَلَيْهِ أئِمَّةُ النَّحْوِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في المَحْذُوفِ: فَجَعَلَهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ فِعْلًا أمْرًا مَدْلُولًا عَلَيْهِ مِن سِياقِ الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: ايْتِ أوِ اقْصِدْ، قالا: لِأنَّكَ لَمّا قُلْتَ لَهُ: انْتَهِ، أوِ افْعَلْ، أوْ حَسْبُكَ، فَأنْتَ تَحْمِلُهُ عَلى شَيْءٍ آخَرَ أفْضَلَ لَهُ. وقالَ الفَرّاءُ مِنَ الكُوفِيِّينَ: هو في مِثْلِهِ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وهو لا يَتَأتّى فِيما كانَ مُنْتَصِبًا بَعْدَ نَهْيٍ، ولا فِيما كانَ مُنْتَصِبًا بَعْدَ غَيْرِ مُتَصَرِّفٍ، نَحْوَ: وراءَكَ وحَسْبُكَ. وقالَ الكِسائِيُّ والكُوفِيُّونَ: نُصِبَ بِكانَ مَحْذُوفَةٍ مَعَ خَبَرِها، والتَّقْدِيرُ: يَكُنْ خَيْرًا. وعِنْدِي: أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى صفحة ٥٠ الحالِ مِنَ المَصْدَرِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الفِعْلُ، وحْدَهُ، أوْ مَعَ حَرْفِ النَّهْيِ، والتَّقْدِيرُ: فَآمَنُوا حالَ كَوْنِ الإيمانِ خَيْرًا، وحَسْبُكَ حالُ كَوْنِ الِاكْتِفاءِ خَيْرًا، ولا تَفْعَلْ كَذا حالَ كَوْنِ الِانْتِهاءِ خَيْرًا. وعَوْدُ الحالِ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ في مَثَلِهِ كَعَوْدِ الضَّمِيرِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨]، لا سِيَّما وقَدْ جَرى هَذا مَجْرى الأمْثالِ، وشَأْنُ الأمْثالِ قُوَّةُ الإيجازِ. وقَدْ قالَ بِذَلِكَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ وأبُو البَقاءِ. وقَوْلُهُ (وإنْ تَكْفُرُوا) أُرِيدَ بِهِ أنْ تَبْقَوْا عَلى كُفْرِكم. وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ هو دَلِيلٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ إيمانِكم لِأنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، وصَرَّحَ بِما حُذِفَ هُنا في سُورَةِ الزُّمَرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧] وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُخاطَبِينَ، أيْ إنَّ كُفْرَكم لا يُفْلِتُكم مِن عِقابِهِ، لِأنَّكم عَبِيدُهُ، لِأنَّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ.

النساء 4:171

﴿يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ بِخِطابٍ مُوَجَّهٍ إلى النَّصارى خاصَّةً. وخُوطِبُوا بِعُنْوانِ أهْلِ الكِتابِ تَعْرِيضًا بِأنَّهم خالَفُوا كِتابَهم. وقَرِينَةُ أنَّهُمُ المُرادُ هي قَوْلُهُ ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ (﴿أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٧٢]) فَإنَّهُ بَيانٌ لِلْمُرادِ مِن إجْمالِ قَوْلِهِ ﴿لا تَغْلُوا في دِينِكم ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ وابْتُدِئَتْ مَوْعِظَتُهم بِالنَّهْيِ عَنِ الغُلُوِّ لِأنَّ النَّصارى غَلَوْا في تَعْظِيمِ عِيسى فادَّعَوْا لَهُ بُنُوَّةَ اللَّهِ، وجَعَلُوهُ ثالِثَ الآلِهَةِ. والغُلُوُّ: تَجاوُزُ الحَدِّ المَأْلُوفِ، مُشْتَقٌّ مِن غَلْوَةِ السَّهْمِ، وهي مُنْتَهى انْدِفاعِهِ، صفحة ٥١ واسْتُعِيرَ لِلزِّيادَةِ عَلى المَطْلُوبِ مِنَ المَعْقُولِ، أوِ المَشْرُوعِ في المُعْتَقَداتِ، والإدْراكاتِ، والأفْعالِ. والغُلُوُّ في الدِّينِ أنْ يُظْهِرَ المُتَدَيِّنُ ما يَفُوتُ الحَدَّ الَّذِي حَدَّدَ لَهُ الدِّينُ. ونَهاهم عَنِ الغُلُوِّ لِأنَّهُ أصْلٌ لِكَثِيرٍ مِن ضَلالِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ الصّادِقِينَ. وغُلُوُّ أهْلِ الكِتابِ تَجاوُزُهُمُ الحَدَّ الَّذِي طَلَبَهُ دِينُهم مِنهم: فاليَهُودُ طُولِبُوا بِاتِّباعِ التَّوْراةِ ومَحَبَّةِ رَسُولِهِمْ، فَتَجاوَزُوهُ إلى بِغْضَةِ الرُّسُلِ كَعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، والنَّصارى طُولِبُوا بِاتِّباعِ المَسِيحِ فَتَجاوَزُوا فِيهِ الحَدَّ إلى دَعْوى إلَهِيَّتِهِ أوْ كَوْنِهِ ابْنَ اللَّهِ، مَعَ الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وقَوْلُهُ ﴿ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ عَطْفٌ خاصٌّ عَلى عامٍّ لِلِاهْتِمامِ بِالنَّهْيِ عَنِ الِافْتِراءِ الشَّنِيعِ. وفِعْلُ القَوْلِ إذا عُدِّيَ بِحَرْفِ (عَلى) دَلَّ عَلى أنَّ نِسْبَةَ القائِلِ القَوْلِ إلى المَجْرُورِ بِـ (عَلى) نِسْبَةٌ كاذِبَةٌ، قالَ تَعالى ﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [آل عمران: ٧٥] . ومَعْنى القَوْلِ عَلى اللَّهِ هُنا: أنْ يَقُولُوا شَيْئًا يَزْعُمُونَ أنَّهُ مِن دِينِهِمْ، فَإنَّ الدِّينَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُتَلَقّى مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْحَدِّ الَّذِي كانَ الغُلُوُّ عِنْدَهُ، فَإنَّهُ مُجْمَلٌ؛ ومُبَيِّنَةٌ لِلْمُرادِ مِن قَوْلِ الحَقِّ. ولِكَوْنِها تَتَنَزَّلُ مِنَ الَّتِي قَبْلَها مَنزِلَةَ البَيانِ فُصِلَتْ عَنْها. وقَدْ أفادَتِ الجُمْلَةُ قَصْرَ المَسِيحِ عَلى صِفاتٍ ثَلاثٍ: صِفَةُ الرِّسالَةِ، وصِفَةُ كَوْنِهِ كَلِمَةَ اللَّهِ أُلْقِيَتْ إلى مَرْيَمَ، وصِفَةُ كَوْنِهِ رُوحًا مِن عِنْدِ اللَّهِ. فالقَصْرُ قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ. والقَصْدُ مِن هَذا القَصْرِ إبْطالُ ما أحْدَثَهُ غُلُوُّهم في هَذِهِ الصِّفاتِ غُلُوًّا أخْرَجَها عَنْ كُنْهِها؛ فَإنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ ثابِتَةٌ لِعِيسى، وهم مُثْبِتُونَ لَها فَلا يُنْكَرُ عَلَيْهِمْ وصْفُ عِيسى بِها، لَكِنَّهم تَجاوَزُوا الحَدَّ المَحْدُودَ لَها فَجَعَلُوا الرِّسالَةَ البُنُوَّةَ، وجَعَلُوا الكَلِمَةَ اتِّحادَ حَقِيقَةِ الإلَهِيَّةِ بِعِيسى في بَطْنِ مَرْيَمَ فَجَعَلُوا صفحة ٥٢ عِيسى ابْنًا لِلَّهِ ومَرْيَمَ صاحِبَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وجَعَلُوا مَعْنى الرُّوحِ عَلى ما بِهِ تَكَوَّنَتْ حَقِيقَةُ المَسِيحِ في بَطْنِ مَرْيَمَ مِن نَفْسِ الإلَهِيَّةِ. والقَصْرُ إضافِيٌّ، وهو قَصْرُ إفْرادٍ، أيْ عِيسى مَقْصُورٌ عَلى صِفَةِ الرِّسالَةِ والكَلِمَةِ والرُّوحِ، لا يَتَجاوَزُ ذَلِكَ إلى ما يُزادُ عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ مِن كَوْنِ المَسِيحِ ابْنًا لِلَّهِ واتِّحادِ الإلَهِيَّةِ بِهِ وكَوْنِ مَرْيَمَ صاحِبَةً. ووَصْفُ المَسِيحِ بِأنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ وصْفٌ جاءَ التَّعْبِيرُ بِهِ في الأناجِيلِ؛ فَفي صَدْرِ إنْجِيلِ يُوحَنّا: في البَدْءِ كانَ الكَلِمَةُ، والكَلِمَةُ كانَ عِنْدَ اللَّهِ، وكانَ الكَلِمَةُ اللَّهَ، ثُمَّ قالَ والكَلِمَةُ صارَ جَسَدًا وحَلَّ بَيْنَنا. وقَدْ حَكاهُ القُرْآنُ وأثْبَتَهُ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ مِنَ الكَلِماتِ الإنْجِيلِيَّةِ، فَمَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ أثَرُ كَلِمَةِ اللَّهِ. والكَلِمَةُ هي التَّكْوِينُ، وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ في الِاصْطِلاحِ بِـ (كُنْ) . فَإطْلاقُ الكَلِمَةِ عَلى التَّكْوِينِ مَجازٌ، ولَيْسَ هو بِكَلِمَةٍ، ولَكِنَّهُ تَعَلُّقُ القُدْرَةِ. ووَصْفُ عِيسى بِذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِتَكْوِينِهِ التَّأْثِيرُ الظّاهِرُ المَعْرُوفُ في تَكْوِينِ الأجِنَّةِ، فَكانَ حُدُوثُهُ بِتَعَلُّقِ القُدْرَةِ، فَيَكُونُ في كَلِمَتِهِ في الآيَةِ مَجازانِ: مَجازُ حَذْفٍ، ومَجازُ اسْتِعارَةٍ صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً. ومَعْنى ألْقاها إلى مَرْيَمَ أوْصَلَها إلى مَرْيَمَ، ورُوعِيَ في الضَّمِيرِ تَأْنِيثُ لَفْظِ الكَلِمَةِ، وإلّا فَإنَّ المُرادَ مِنها عِيسى، أوْ أرادَ كَلِمَةَ أمْرِ التَّكْوِينِ. ووَصْفُ عِيسى بِأنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وصْفٌ وقَعَ في الأناجِيلِ. وقَدْ أقَرَّهُ اللَّهُ هُنا، فَهو مِمّا نَزَلَ حَقًّا. ومَعْنى كَوْنِ عِيسى رُوحًا مِنَ اللَّهِ أنَّ رُوحَهُ مِنَ الأرْواحِ الَّتِي هي عَناصِرُ الحَياةِ، لَكِنَّها نُسِبَتْ إلى اللَّهِ لِأنَّها وصَلَتْ إلى مَرْيَمَ بِدُونِ تَكَوُّنٍ في نُطْفَةٍ فَبِهَذا امْتازَ عَنْ بَقِيَّةِ الأرْواحِ. ووُصِفَ بِأنَّهُ مُبْتَدَأٌ مِن جانِبِ اللَّهِ، وقِيلَ: لِأنَّ عِيسى لَمّا غَلَبَتْ عَلى نَفْسِهِ المَلَكِيَّةُ وُصِفَ بِأنَّهُ رُوحٌ، كَأنَّ حُظُوظَ الحَيَوانِيَّةِ مُجَرَّدَةٌ عَنْهُ. وقِيلَ: الرُّوحُ النَّفْخَةُ. والعَرَبُ تُسَمِّي النَّفْسَ رُوحًا والنَّفْخَ رُوحًا. قالَ ذُو الرُّمَّةِ يَذْكُرُ لِرَفِيقِهِ أنْ يُوقِدَ نارًا بِحَطَبٍ: صفحة ٥٣ فَقُلْتُ لَهُ ارْفَعْها إلَيْكَ فَأحْيِها بِرُوحِكَ واقْتُتْهُ لَها قِيتَةً قَدْرًا أيْ بِنَفْخِكَ. وتَلْقِيبُ عِيسى بِالرُّوحِ طَفَحَتْ بِهِ عِباراتُ الأناجِيلِ. و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ عَلى التَّقادِيرِ. فَإنْ قُلْتَ: ما حِكْمَةُ وُقُوعِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ هُنا عَلى ما فِيهِما مِن شُبْهَةٍ ضَلَّتْ بِها النَّصارى ؟ وهَلّا وُصِفَ المَسِيحُ في جُمْلَةِ القَصْرِ بِمِثْلِ ما وُصِفَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠] فَكانَ أصْرَحُ في بَيانِ العُبُودِيَّةِ، وأنْفى لِلضَّلالِ ؟ قُلْتُ: الحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنَّ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ وقَعا في كَلامِ الإنْجِيلِ، أوْ في كَلامِ الحَوارِيِّينَ وصْفًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانا مَفْهُومَيْنِ في لُغَةِ المُخاطَبِينَ يَوْمَئِذٍ، فَلَمّا تَغَيَّرَتْ أسالِيبُ اللُّغاتِ، وساءَ الفَهْمُ في إدْراكِ الحَقِيقَةِ والمَجازِ تَسَرَّبَ الضَّلالُ إلى النَّصارى في سُوءِ وضْعِهِما فَأُرِيدَ التَّنْبِيهُ عَلى ذَلِكَ الخَطَأِ في التَّأْوِيلِ، أيْ أنَّ قُصارى ما وقَعَ لَدَيْكم مِن كَلامِ الأناجِيلِ هو وصْفُ المَسِيحِ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وبِرَوْحِ اللَّهِ، ولَيْسَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ما يُؤَدِّي إلى اعْتِقادِ أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وأنَّهُ إلَهٌ. وتَصْدِيرُ جُمْلَةِ القَصْرِ بِأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ يُنادِي عَلى وصْفِ العُبُودِيَّةِ إذْ لا يُرْسِلُ الإلَهُ إلَهًا مِثْلَهُ، فَفِيهِ كِفايَةٌ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى مَعْنى الكَلِمَةِ والرُّوحِ. * * * ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكم إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحَنَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ . الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَنْ جُمْلَةِ القَصْرِ وما بُنِيَتْ عَلَيْهِ. أيْ إذا وضَحَ كُلُّ ما بَيَّنَهُ اللَّهُ صفحة ٥٤ مِن وحْدانِيَّتِهِ، وتَنْزِيهِهِ، وصِدْقِ رُسُلِهِ، يَتَفَرَّعُ أنْ آمُرَكم بِالإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ. وأُمِرُوا بِالإيمانِ بِاللَّهِ مَعَ كَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ، أيِ النَّصارى، لِأنَّهم لَمّا وصَفُوا اللَّهَ بِما لا يَلِيقُ فَقَدْ أفْسَدُوا الإيمانَ، ولِيَكُونَ الأمْرُ بِالإيمانِ بِاللَّهِ تَمْهِيدًا لِلْأمْرِ بِالإيمانِ بِرُسُلِهِ، وهو المَقْصُودُ، وهَذا هو الظّاهِرُ عِنْدِي. وأُرِيدَ بِالرُّسُلِ جَمِيعُهم، أيْ لا تَكْفُرُوا بِواحِدٍ مِن رُسُلِهِ. وهَذا بِمَنزِلَةِ الِاحْتِراسِ عَنْ أنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمُونَ أنْ يُعْرِضُوا عَنِ الإيمانِ بِرِسالَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُبالَغَةً في نَفْيِ الإلَهِيَّةِ عَنْهُ. وقَوْلُهُ ﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ أيْ لا تَنْطِقُوا بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، ولَعَلَّها كانَتْ شِعارًا لِلنَّصارى في دِينِهِمْ كَكَلِمَةِ الشَّهادَةِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ، ومِن عَوائِدِهِمُ الإشارَةُ إلى التَّثْلِيثِ بِالأصابِعِ الثَّلاثَةِ: الإبْهامِ والخِنْصَرِ والبِنْصِرِ. والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ النَّهْيُ عَنِ النُّطْقِ بِالمُشْتَهِرِ مِن مَدْلُولِ هَذِهِ الكَلِمَةِ وعَنِ الِاعْتِقادِ. لِأنَّ أصْلَ الكَلامِ الصِّدْقُ فَلا يَنْطِقُ أحَدٌ إلّا عَنِ اعْتِقادٍ، فالنَّهْيُ هُنا كِنايَةٌ بِإرادَةِ المَعْنى ولازِمِهِ. والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ (ولا تَقُولُوا) خُصُوصُ النَّصارى. و(ثَلاثَةٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كانَ حَذْفُهُ لِيَصْلُحَ لِكُلِّ ما يَصْلُحُ تَقْدِيرُهُ مِن مَذاهِبِهِمْ مِنَ التَّثْلِيثِ، فَإنَّ النَّصارى اضْطَرَبُوا في حَقِيقَةِ تَثْلِيثِ الإلَهِ كَما سَيَأْتِي، فَيُقَدَّرُ المُبْتَدَأُ المَحْذُوفُ عَلى حَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ المَرْدُودُ مِن أقْوالِهِمْ في كَيْفِيَّةِ التَّثْلِيثِ مِمّا يَصِحُّ الإخْبارُ عَنْهُ بِلَفْظِ (ثَلاثَةٌ) مِنَ الأسْماءِ الدّالَّةِ عَلى الإلَهِ، وهي عِدَّةُ أسْماءٍ. فَفي الآيَةِ الأُخْرى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] . وفي آيَةِ آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، أيْ إلَهَيْنِ مَعَ اللَّهِ، كَما سَيَأْتِي، فالمَجْمُوعُ ثَلاثَةٌ: كُلُّ واحِدٍ مِنهم إلَهٌ؛ ولَكِنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ مَجْمُوعَ الثَّلاثَةِ إلَهٌ واحِدٌ أوِ اتَّحَدَتِ الثَّلاثَةُ فَصارَ إلَهًا واحِدًا. قالَ في الكَشّافِ: (ثَلاثَةٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. فَإنْ صَحَّتِ الحِكايَةُ عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ: هو جَوْهَرٌ واحِدٌ وثَلاثَةُ أقانِيمَ، فَتَقْدِيرُهُ اللَّهُ ثَلاثَةٌ وإلّا فَتَقْدِيرُهُ الآلِهَةُ ثَلاثَةٌ اهـ. والتَّثْلِيثُ أصْلٌ في عَقِيدَةِ النَّصارى كُلِّهِمْ، ولَكِنَّهم مُخْتَلِفُونَ في كَيْفِيَّتِهِ. ونَشَأ صفحة ٥٥ مِنِ اعْتِقادِ قُدَماءِ الإلَهِيِّينَ مِن نَصارى اليُونانِ أنَّ اللَّهَ تَعالى (ثالُوثٌ)، أيْ أنَّهُ جَوْهَرٌ واحِدٌ، وهَذا الجَوْهَرُ مَجْمُوعُ ثَلاثَةِ أقانِيمَ، واحِدُها أُقْنُومٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونُ القافِ. قالَ في القامُوسِ: هو كَلِمَةٌ رُومِيَّةٌ، وفَسَّرَهُ القامُوسُ بِالأصْلِ، وفَسَّرَهُ التَّفْتَزانِيُّ في كِتابِ المَقاصِدِ بِالصِّفَةِ. ويَظْهَرُ أنَّهُ مُعَرَّبُ كَلِمَةِ (قَنُومَ) بِقافٍ مُعَقَّدٍ عَجَمِيٍّ وهو الِاسْمُ، أيِ الكَلِمَةُ. وعَبَّرُوا عَنْ مَجْمُوعِ الأقانِيمِ الثَّلاثَةِ بِعِبارَةٍ (آبا - ابْنا - رُوحا - قُدُسا) وهَذِهِ الأقانِيمُ يَتَفَرَّعُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ: فالأُقْنُومُ الأوَّلُ أُقْنُومُ الذّاتِ أوِ الوُجُودِ القَدِيمِ وهو الأبُ وهو أصْلُ المَوْجُوداتِ. والأُقْنُومُ الثّانِي أُقْنُومُ العِلْمِ، وهو الِابْنُ، وهو دُونُ الأُقْنُومِ الأوَّلِ، ومِنهُ كانَ تَدْبِيرُ جَمِيعِ القُوى العَقْلِيَّةِ. والأُقْنُومُ الثّالِثُ أُقْنُومُ الرُّوحِ القُدُسِ، وهو صِفَةُ الحَياةِ، وهي دُونُ أُقْنُومِ العِلْمِ ومِنها كانَ إيجادُ عالَمِ المَحْسُوساتِ. وقَدْ أهْمَلُوا ذِكْرَ صِفاتٍ تَقْتَضِيها الإلَهِيَّةُ، مِثْلَ القِدَمِ والبَقاءِ، وتَرَكُوا صِفَةَ الكَلامِ والقُدْرَةِ والإرادَةِ، ثُمَّ أرادُوا أنْ يَتَأوَّلُوا ما يَقَعُ في الإنْجِيلِ مِن صِفاتِ اللَّهِ، فَسَمُّوا أُقْنُومَ الذّاتِ بِالأبِ، وأُقْنُومَ العِلْمِ بِالِابْنِ، وأُقْنُومَ الحَياةِ بِالرُّوحِ القُدُسِ، لِأنَّ الإنْجِيلَ أطْلَقَ اسْمَ الأبِ عَلى اللَّهِ، وأطْلَقَ اسْمَ الِابْنِ عَلى المَسِيحِ رَسُولِهِ، وأطْلَقَ الرُّوحَ القُدُسَ عَلى ما بِهِ كُوِّنَ المَسِيحُ في بَطْنِ مَرْيَمَ، عَلى أنَّهم أرادُوا أنْ يُنَبِّهُوا عَلى أنَّ أُقْنُومَ الوُجُودِ هو مُفِيضُ الأُقْنُومَيْنِ الآخَرَيْنِ فَرامُوا أنْ يَدُلُّوا عَلى عَدَمِ تَأخُّرِ بَعْضِ الصِّفاتِ عَنْ بَعْضٍ فَعَبَّرُوا بِالأبِ والِابْنِ، كَما عَبَّرَ الفَلاسِفَةُ اليُونانُ بِالتَّوَلُّدِ. وسَمُّوا أُقْنُومَ العِلْمِ بِالكَلِمَةِ لِأنَّ مِن عِباراتِ الإنْجِيلِ إطْلاقَ الكَلِمَةِ عَلى المَسِيحِ، فَأرادُوا أنَّ المَسِيحَ مَظْهَرُ عِلْمِ اللَّهِ، أيْ أنَّهُ يَعْلَمُ ما عَلِمَهُ اللَّهُ ويُبَلِّغُهُ، وهو مَعْنى الرِّسالَةِ إذْ كانَ العِلْمُ يَوْمَ تَدْوِينِ الأناجِيلِ مُكَلَّلًا بِالألْفاظِ الِاصْطِلاحِيَّةِ لِلْحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ الرُّومِيَّةِ، فَلَمّا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِمُ المَعانِي أخَذُوا بِالظَّواهِرِ فاعْتَقَدُوا أنَّ الأرْبابَ ثَلاثَةٌ، وهَذا أصْلُ النَّصْرانِيَّةِ، وقارَبُوا عَقِيدَةَ الشِّرْكِ. صفحة ٥٦ ثُمَّ جَرَّهُمُ الغُلُوُّ في تَقْدِيسِ المَسِيحِ فَتَوَهَّمُوا أنَّ عِلْمَ اللَّهِ اتَّحَدَ بِالمَسِيحِ، فَقالُوا: إنَّ المَسِيحَ صارَ ناسُوتُهُ لاهُوتًا، بِاتِّحادِ أُقْنُومِ العِلْمِ بِهِ، فالمَسِيحُ جَوْهَرانِ وأُقْنُومٌ واحِدٌ، ثُمَّ نَشَأتْ فِيهِمْ عَقِيدَةُ الحُلُولِ، أيْ حُلُولِ اللَّهِ في المَسِيحِ بِعِباراتٍ مُتَنَوِّعَةٍ، ثُمَّ اعْتَقَدُوا اتِّحادَ اللَّهِ بِالمَسِيحِ، فَقالُوا: اللَّهُ هو المَسِيحُ. هَذا أصْلُ التَّثْلِيثِ عِنْدَ النَّصارى، وعَنْهُ تَفَرَّعَتْ مَذاهِبُ ثَلاثَةٌ أشارَ إلى جَمِيعِها قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ وقَوْلُهُ ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٢] وقَوْلُهُ ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] وكانُوا يَقُولُونَ: في عِيسى لاهُوتِيَّةٌ مِن جِهَةِ الأبِ وناسُوتِيَّةٌ أيْ إنْسانِيَّةٌ مِن جِهَةِ الأُمِّ. وظَهَرَ بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ راهِبٌ اسْمُهُ (آرِيُوسُ) قالَ بِالتَّوْحِيدِ وأنَّ عِيسى عَبْدُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ، وكانَ في زَمَنِ قُسْطَنْطِينُوسَ سُلْطانِ الرُّومِ بانِي القُسْطَنْطِينِيَّةِ. فَلَمّا تَدَيَّنَ قُسْطَنْطِينُوسُ المَذْكُورُ بِالنَّصْرانِيَّةِ سَنَةَ ٣٢٧ تَبِعَ مَقالَةَ آرِيُوسَ، ثُمَّ رَأى مُخالَفَةَ مُعْظَمِ الرُّهْبانِ لَهُ فَأرادَ أنْ يُوَحِّدَ كَلِمَتَهم، فَجَمَعَ مَجْمَعًا مِن عُلَماءِ النَّصارى في أواخِرِ القَرْنِ الرّابِعِ مِنَ التّارِيخِ المَسِيحِيِّ، وكانَ في هَذا المَجْمَعِ نَحْوُ ألْفَيْ عالٍمٍ مِنَ النَّصارى فَوَجَدَهم مُخْتَلِفِينَ اخْتِلافًا كَثِيرًا ووَجَدَ أكْثَرَ طائِفَةٍ مِنهم عَلى قَوْلٍ واحِدٍ ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ عالِمًا فَأخَذَ قَوْلَهم وجَعَلَهُ أصْلَ المَسِيحِيَّةِ ونَصَرَهُ، وهَذِهِ الطّائِفَةُ تُلَقَّبُ (المَلْكانِيَّةُ) نِسْبَةً لِلْمَلِكِ. واتَّفَقَ قَوْلُهم عَلى أنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ اتَّحَدَتْ بِجَسَدِ عِيسى، وتَقَمَّصَتْ في ناسُوتِهِ، أيْ إنْسانِيَّتِهِ، ومازَجَتْهُ امْتِزاجَ الخَمْرِ بِالماءِ، فَصارَتِ الكَلِمَةُ ذاتًا في بَطْنِ مَرْيَمَ، وصارَتْ تِلْكَ الذّاتُ ابْنًا لِلَّهِ تَعالى، فالإلَهُ مَجْمُوعُ ثَلاثَةِ أشْياءَ: الأوَّلُ الأبُ ذُو الوُجُودِ، والثّانِي الِابْنُ ذُو الكَلِمَةِ، أيِ العِلْمِ، والثّالِثُ رُوحُ القُدُسِ. صفحة ٥٧ ثُمَّ حَدَثَتْ فِيهِمْ فِرْقَةُ اليَعْقُوبِيَّةِ وفِرْقَةُ النَّسْطُورِيَّةِ في مَجامِعٍ أُخْرى انْعَقَدَتْ بَيْنَ الرُّهْبانِ. فاليَعْقُوبِيَّةُ، ويُسَمَّوْنَ الآنَ (أرْثُودُكْسَ)، ظَهَرُوا في أواسِطِ القَرْنِ السّادِسِ المَسِيحِيِّ، وهم أسْبَقُ مِنَ النَّسْطُورِيَّةِ؛ قالُوا: انْقَلَبَتِ الإلَهِيَّةُ لَحْمًا ودَمًا، فَصارَ الإلَهُ هو المَسِيحُ فَلِأجْلِ ذَلِكَ صَدَرَتْ عَنِ المَسِيحِ خَوارِقُ العاداتِ مِن إحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأكَمَهِ والأبْرَصِ فَأشْبَهَ صُنْعُهُ صُنْعَ اللَّهِ تَعالى مِمّا يَعْجِزُ عَنْهُ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى. وكانَ نَصارى الحَبَشَةِ يَعاقِبَةً، وسَنَتَعَرَّضُ لِذِكْرِها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٢] في سُورَةِ المائِدَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ [مريم: ٣٧] . والنَّسْطُورِيَّةُ قالَتْ: اتَّحَدَتِ الكَلِمَةُ بِجَسَدِ المَسِيحِ بِطَرِيقِ الإشْراقِ كَما تُشْرِقُ الشَّمْسُ مِن كُوَّةٍ مِن بَلُّورٍ، فالمَسِيحُ إنْسانٌ، وهو كَلِمَةُ اللَّهِ، فَلِذَلِكَ هو إنْسانٌ إلَهٌ، أوْ هو لَهُ ذاتِيَّتانِ ذاتٌ إنْسانِيَّةٌ وأُخْرى إلَهِيَّةٌ، وقَدْ أُطْلِقَ عَلى الرَّئِيسِ الدِّينِيِّ لِهَذِهِ النِّحْلَةِ لَقَبُ جاثِلِيقَ. وكانَتِ النِّحْلَةُ النَّسْطُورِيَّةُ غالِبَةً عَلى نَصارى العَرَبِ. وكانَ رُهْبانُ اليَعاقِبَةِ ورُهْبانُ النَّسْطُورِيِّينَ يَتَسابَقُونَ لِبَثِّ كُلِّ فَرِيقٍ نِحْلَتَهُ بَيْنَ قَبائِلِ العَرَبِ. وكانَ الأكاسِرَةُ حُماةً لِلنَّسْطُورِيَّةِ، وقَياصِرَةُ الرُّومِ حُماةً لِلْيَعْقُوبِيَّةِ. وقَدْ شاعَتِ النَّصْرانِيَّةُ بِنِحْلَتَيْها في بَكْرٍ، وتَغْلِبَ، ورَبِيعَةَ، ولَخْمٍ، وجُذامَ، وتَنُوخَ، وكَلْبٍ، ونَجْرانَ، واليَمَنِ، والبَحْرِينِ. وقَدْ بَسَطْتُ هَذا لِيُعْلَمَ حُسْنُ الإيجازِ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾) وإتْيانِهِ عَلى هَذِهِ المَذاهِبِ كُلِّها. فَلِلَّهِ هَذا الإعْجازُ العِلْمِيُّ. صفحة ٥٨ والقَوْلُ في نَصْبِ (خَيْرًا) مِن قَوْلِهِ (﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾) كالقَوْلِ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠]) . والقَصْرُ في قَوْلِهِ إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ، لِأنَّ (إنَّما) يَلِيها المَقْصُورُ، وهو هُنا قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لَيْسَ اللَّهُ بِثَلاثَةٍ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ (﴿أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾) إظْهارٌ لِغَلَطِهِمْ في أفْهامِهِمْ، وفي إطْلاقاتِهِمْ لَفْظَ الأبِ والِابْنِ كَيْفَما كانَ مَحْمَلُهُما لِأنَّهُما إمّا ضَلالَةٌ وإمّا إيهامُها، فَكَلِمَةُ (سُبْحانَهُ) تُفِيدُ قُوَّةَ التَّنْزِيهِ لِلَّهِ تَعالى عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، والدَّلالَةُ عَلى غَلَطِ مُثْبِتِيهِ، فَإنَّ الإلَهِيَّةَ تُنافِي الكَوْنَ أبًا واتِّخاذَ ابْنٍ، لِاسْتِحالَةِ الفَناءِ، والِاحْتِياجِ، والِانْفِصالِ، والمُماثَلَةِ لِلْمَخْلُوقاتِ عَنِ اللَّهِ تَعالى. والبُنُوَّةُ تَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ هَذِهِ المُسْتَحِيلاتِ لِأنَّ النَّسْلَ قانُونٌ كَوْنِيٌّ لِلْمَوْجُوداتِ لِحِكْمَةِ اسْتِبْقاءِ النَّوْعِ، والنّاسُ يَتَطَلَّبُونَها لِذَلِكَ، ولِلْإعانَةِ عَلى لَوازِمِ الحَياةِ، وفِيها انْفِصالُ المَوْلُودِ عَنْ أبِيهِ، وفِيها أنَّ الِابْنَ مُماثِلٌ لِأبِيهِ فَأبُوهُ مُماثِلٌ لَهُ لا مَحالَةَ. و(سُبْحانَ) اسْمُ مَصْدَرِ سَبَّحَ، ولَيْسَ مَصْدَرًا، لِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ لَهُ فِعْلٌ سالِمٌ. وجَزَمَ ابْنُ جِنِّي بِأنَّهُ عَلَمٌ عَلى التَّسْبِيحِ، فَهو مِن أعْلامِ الأجْناسِ، وهو مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والزِّيادَةِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ [البقرة: ٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ (﴿أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾) مُتَعَلِّقٌ بِـ (سُبْحانَ) بِحَرْفِ الجَرِّ، وهو حَرْفُ (عَنْ) مَحْذُوفًا. وجُمْلَةُ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ (﴿أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾) لِأنَّ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ قَدِ اسْتَغْنى عَنِ الوَلَدِ، ولِأنَّ مَن يَزْعُمُ أنَّهُ ولَدٌ لَهُ هو مِمّا في السَّماواتِ والأرْضِ كالمَلائِكَةِ أوِ المَسِيحِ، فالكُلُّ عَبِيدُهُ ولَيْسَ الِابْنُ بِعَبْدٍ. صفحة ٥٩ وقَوْلُهُ (﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾) تَذْيِيلٌ، والوَكِيلُ الحافِظُ، والمُرادُ هُنا حافِظُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، أيِ المَوْجُوداتِ كُلِّها. وحُذِفَ مَفْعُولُ (كَفى) لِلْعُمُومِ، أيْ كَفى كُلَّ أحَدٍ، أيْ فَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ، ولا تَتَوَكَّلُوا عَلى مَن تَزْعُمُونَهُ ابْنًا لَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا التَّرْكِيبِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] في هَذِهِ السُّورَةِ.

النساء 4:172

﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَنُوَفِّيهِمُ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَنُعَذِّبَهم عَذابًا ألِيمًا ولا يَجِدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ . اسْتِئْنافٌ واقِعٌ مَوْقِعَ تَحْقِيقِ جُمْلَةِ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [النساء: ١٧١]) أوْ مَوْقِعَ الِاسْتِدْلالِ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ (﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]) . والِاسْتِنْكافُ: التَّكَبُّرُ والِامْتِناعُ بِأنَفَةٍ، فَهو أشَدُّ مِنَ الِاسْتِكْبارِ. ونَفْيُ اسْتِنْكافِ المَسِيحِ: إمّا إخْبارٌ عَنِ اعْتِرافِ عِيسى بِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، وإمّا احْتِجاجٌ عَلى النَّصارى بِما يُوجَدُ في أناجِيلِهِمْ. قالَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ [مريم: ٣٠] إلَخْ. وفي نُصُوصِ الإنْجِيلِ كَثِيرٌ مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَسِيحَ عَبْدُ اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ إلَهُهُ ورَبُّهُ، كَما في مُجادَلَتِهِ مَعَ إبْلِيسَ، فَقَدْ قالَ لَهُ المَسِيحُ لِلرَّبِّ إلَهِكَ تَسْجُدُ وإيّاهُ وحْدَهُ تَعْبُدُ. وعُدِلَ عَنْ طَرِيقِ الإضافَةِ في قَوْلِهِ (عَبْدًا لِلَّهِ) فَأُظْهِرَ الحَرْفُ الَّذِي تُقَدَّرُ الإضافَةُ عَلَيْهِ: لِأنَّ التَّنْكِيرَ هُنا أظْهَرُ في العُبُودِيَّةِ، أيْ عَبْدًا مِن جُمْلَةِ العَبِيدِ، ولَوْ قالَ: عَبْدَ اللَّهِ لَأوْهَمَتِ الإضافَةُ أنَّهُ العَبْدُ الخِصِّيصُ، أوْ أنَّ ذَلِكَ عَلَمٌ لَهُ. صفحة ٦٠ وأمّا ما حَكى اللَّهُ عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ [مريم: ٣٠] فَلِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في مَقامِ خِطابِ مَنِ ادَّعَوْا لَهُ الإلَهِيَّةَ. وعَطْفُ المَلائِكَةِ عَلى المَسِيحِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِمَزاعِمِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ حَتّى يَتَعَرَّضَ لِرَدِّ ذَلِكَ، إدْماجٌ لِقَصْدِ اسْتِقْصاءِ كُلِّ مَنِ ادُّعِيَتْ لَهُ بُنُوَّةُ اللَّهِ، لِيَشْمَلَهُ الخَبَرُ بِنَفْيِ اسْتِنْكافِهِ عَنْ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَهُ قَوْلُهُ (﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١])، وقَدْ قالَتِ العَرَبُ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ مِن نِساءِ الجِنِّ، ولِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أيْضًا قَوْلُهُ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [النساء: ١٧١]، ومِن أفْضَلِ ما في السَّماواتِ المَلائِكَةُ، فَذُكِرُوا هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ. وإنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ (﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ﴾) اسْتِدْلالًا عَلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ (﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]) كانَ عَطْفُ (﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾) مُحْتَمِلًا لِلتَّتْمِيمِ كَقَوْلِهِ (﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]) فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى المَسِيحِ، ولا عَلى العَكْسِ، ومُحْتَمِلًا لِلتَّرَقِّي إلى ما هو الأوْلى بِعَكْسِ الحُكْمِ في أوْهامِ المُخاطَبِينَ، وإلى هَذا الأخِيرِ مالَ صاحِبُ الكَشّافِ ومَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] وجَعَلَ الآيَةَ دَلِيلًا عَلى أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ المَسِيحِ، وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ بِتَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ، وزَعَمَ أنَّ عِلْمَ المَعانِي لا يَقْتَضِي غَيْرَ ذَلِكَ، وهو تَضْيِيقٌ لِواسِعٍ، فَإنَّ الكَلامَ مُحْتَمِلٌ لِوُجُوهٍ، كَما عَلِمْتَ، فَلا يَنْهَضُ بِهِ الِاسْتِدْلالُ. واعْلَمْ أنَّ تَفْضِيلَ الأنْبِياءِ عَلى المَلائِكَةِ مُطْلَقًا هو قَوْلُ جُمْهُورِ أهْلِ السُّنَّةِ، وتَفْضِيلَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ قَوْلُ جُمْهُورِ المُعْتَزِلَةِ والباقِلّانِيِّ والحَلِيمِيِّ مِن أهْلِ السُّنَّةِ، وقالَ قَوْمٌ بِالتَّفْصِيلِ في التَّفْضِيلِ، ونُسِبَ إلى بَعْضِ الماتِرِيدِيَّةِ، ولَمْ يُضْبَطْ ذَلِكَ التَّفْصِيلُ، والمَسْألَةُ اجْتِهادِيَّةٌ، ولا طائِلَ وراءَ الخَوْضِ فِيها، وقَدْ نَهى النَّبِيءُ ﷺ عَنِ الخَوْضِ في تُفاضُلِ الأنْبِياءِ، فَما ظَنُّكَ بِالخَوْضِ في التَّفاضُلِ بَيْنَ الأنْبِياءِ وبَيْنَ مَخْلُوقاتِ عالَمٍ آخَرَ لا صِلَةَ لَنا بِهِ. صفحة ٦١ و(المُقَرَّبُونَ)، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا كاشِفًا، وأنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا، فَيُرادُ بِهِمُ المُلَقَّبُونَ بِالكَرُوبِيِّينَ وهم سادَةُ المَلائِكَةِ: جِبْرِيلُ وإسْرافِيلُ ومِيكائِيلُ وعِزْرائِيلُ. ووَصْفُهم بِالكَرُوبِيِّينَ وصْفٌ قَدِيمٌ وقَعَ في بَيْتِ نَسَبٍ إلى أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ. وقَدْ قالُوا: إنَّهُ وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِن (كَرَبَ) مُرادِفِ (قَرُبَ)، وزِيدَ فِيهِ صِيغَتا مُبالَغَةٍ، وهي زِنَةُ فَعُولٍ وياءُ النَّسَبِ. والَّذِي أظُنُّ أنَّ هَذا اللَّفْظَ نُقِلَ إلى العَرَبِيَّةِ مِنَ العِبْرانِيَّةِ: لِوُقُوعِ هَذا اللَّفْظِ في التَّوْراةِ في سِفْرِ اللّاوِيِّينَ وفي سِفْرِ الخُرُوجِ، وأنَّهُ في العِبْرانِيَّةِ بِمَعْنى القُرْبِ، فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْهُ القُرْآنُ وجاءَ بِمُرادِفِهِ الفَصِيحِ فَقالَ (المُقَرَّبُونَ)، وعَلَيْهِ فَمَن دُونَهم مِنَ المَلائِكَةِ يَثْبُتُ لَهم عَدَمُ الِاسْتِنْكافِ عَنِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ بِدَلالَةِ الأحْرى. وقَوْلُهُ (﴿ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ﴾) الآيَةَ تَخَلُّصٌ إلى تَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ كَما أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ ﴿وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَنُعَذِّبَهم عَذابًا ألِيمًا ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ . وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ (﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾) عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ، بَلْ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ، أيْ فَسَيَحْشُرُ النّاسَ إلَيْهِ جَمِيعًا كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ المُفَرَّعُ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ (﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾) الخَ. وضَمِيرُ (﴿ولا يَجِدُونَ﴾) عائِدٌ إلى الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا، أيْ لا يَجِدُونَ ولِيًّا حِينَ يَحْشُرُ اللَّهُ النّاسَ جَمِيعًا، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا ويَكُونُ (جَمِيعًا)، بِمَعْنى مَجْمُوعِينَ إلى غَيْرِهِمْ، مَنصُوبًا، فَإنَّ لَفْظَ جَمِيعٍ لَهُ اسْتِعْمالاتٌ جَمَّةٌ: مِنها أنْ يَكُونَ وصْفًا بِمَعْنى المُجْتَمَعِ، وفي كَلامِ عُمَرَ لِلْعَبّاسِ وعَلِيٍّ: ”ثُمَّ جِئْتُمانِي وأمْرُكُما جَمِيعٌ“ أيْ مُتَّفِقٌ مَجْمُوعٌ، فَيَكُونُ مَنصُوبًا عَلى الحالِ ولَيْسَ تَأْكِيدًا. وذِكْرُ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ في التَّفْصِيلِ يَدُلُّ عَلى أحَدِ التَّقْدِيرَيْنِ. والتَّوْفِيَةُ أصْلُها إعْطاءُ الشَّيْءِ وافِيًا، أيْ زائِدًا عَلى المِقْدارِ المَطْلُوبِ، ولَمّا كانَ تَحَقُّقُ المُساواةِ يَخْفى لِقِلَّةِ المَوازِينِ عِنْدَهم، ولِاعْتِمادِهِمْ عَلى الكَيْلِ، جَعَلُوا تَحَقُّقَ المُساواةِ بِمِقْدارٍ فِيهِ فَضْلٌ عَلى المِقْدارِ المُساوِي، أُطْلِقَتِ التَّوْفِيَةُ عَلى إعْطاءِ المُعادِلِ، وتُقابَلُ بِالخُسْرانِ وبِالغَبْنِ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ شُعَيْبٍ صفحة ٦٢ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١] ولِذَلِكَ قالَ هُنا ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾، وهَذِهِ التَّوْفِيَةُ والزِّيادَةُ يَرْجِعانِ إلى تَقْدِيرٍ يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى. وقَوْلُهُ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ تَأْسِيسٌ لَهم إذْ قَدْ عُرِفَ عِنْدَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ، مِن أُمَمِ ذَلِكَ العَصْرِ، الِاعْتِمادُ عِنْدَ الضِّيقِ عَلى الأوْلِياءِ والنُّصَراءِ لِيَكُفُّوا عَنْهُمُ المَصائِبَ بِالقِتالِ أوِ الفِداءِ، قالَ النّابِغَةُ: يَأْمُلْنَ رِحْلَةَ نَصْرٍ وابْنِ سَيّارٍ ولِذَلِكَ كَثُرَ في القُرْآنِ نَفْيُ الوَلِيِّ، والنَّصِيرِ، والفِداءِ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ.

النساء 4:173

﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَنُوَفِّيهِمُ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَنُعَذِّبَهم عَذابًا ألِيمًا ولا يَجِدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ . اسْتِئْنافٌ واقِعٌ مَوْقِعَ تَحْقِيقِ جُمْلَةِ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [النساء: ١٧١]) أوْ مَوْقِعَ الِاسْتِدْلالِ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ (﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]) . والِاسْتِنْكافُ: التَّكَبُّرُ والِامْتِناعُ بِأنَفَةٍ، فَهو أشَدُّ مِنَ الِاسْتِكْبارِ. ونَفْيُ اسْتِنْكافِ المَسِيحِ: إمّا إخْبارٌ عَنِ اعْتِرافِ عِيسى بِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، وإمّا احْتِجاجٌ عَلى النَّصارى بِما يُوجَدُ في أناجِيلِهِمْ. قالَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ [مريم: ٣٠] إلَخْ. وفي نُصُوصِ الإنْجِيلِ كَثِيرٌ مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَسِيحَ عَبْدُ اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ إلَهُهُ ورَبُّهُ، كَما في مُجادَلَتِهِ مَعَ إبْلِيسَ، فَقَدْ قالَ لَهُ المَسِيحُ لِلرَّبِّ إلَهِكَ تَسْجُدُ وإيّاهُ وحْدَهُ تَعْبُدُ. وعُدِلَ عَنْ طَرِيقِ الإضافَةِ في قَوْلِهِ (عَبْدًا لِلَّهِ) فَأُظْهِرَ الحَرْفُ الَّذِي تُقَدَّرُ الإضافَةُ عَلَيْهِ: لِأنَّ التَّنْكِيرَ هُنا أظْهَرُ في العُبُودِيَّةِ، أيْ عَبْدًا مِن جُمْلَةِ العَبِيدِ، ولَوْ قالَ: عَبْدَ اللَّهِ لَأوْهَمَتِ الإضافَةُ أنَّهُ العَبْدُ الخِصِّيصُ، أوْ أنَّ ذَلِكَ عَلَمٌ لَهُ. صفحة ٦٠ وأمّا ما حَكى اللَّهُ عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ [مريم: ٣٠] فَلِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في مَقامِ خِطابِ مَنِ ادَّعَوْا لَهُ الإلَهِيَّةَ. وعَطْفُ المَلائِكَةِ عَلى المَسِيحِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِمَزاعِمِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ حَتّى يَتَعَرَّضَ لِرَدِّ ذَلِكَ، إدْماجٌ لِقَصْدِ اسْتِقْصاءِ كُلِّ مَنِ ادُّعِيَتْ لَهُ بُنُوَّةُ اللَّهِ، لِيَشْمَلَهُ الخَبَرُ بِنَفْيِ اسْتِنْكافِهِ عَنْ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَهُ قَوْلُهُ (﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١])، وقَدْ قالَتِ العَرَبُ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ مِن نِساءِ الجِنِّ، ولِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أيْضًا قَوْلُهُ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [النساء: ١٧١]، ومِن أفْضَلِ ما في السَّماواتِ المَلائِكَةُ، فَذُكِرُوا هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ. وإنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ (﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ﴾) اسْتِدْلالًا عَلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ (﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]) كانَ عَطْفُ (﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾) مُحْتَمِلًا لِلتَّتْمِيمِ كَقَوْلِهِ (﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]) فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى المَسِيحِ، ولا عَلى العَكْسِ، ومُحْتَمِلًا لِلتَّرَقِّي إلى ما هو الأوْلى بِعَكْسِ الحُكْمِ في أوْهامِ المُخاطَبِينَ، وإلى هَذا الأخِيرِ مالَ صاحِبُ الكَشّافِ ومَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] وجَعَلَ الآيَةَ دَلِيلًا عَلى أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ المَسِيحِ، وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ بِتَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ، وزَعَمَ أنَّ عِلْمَ المَعانِي لا يَقْتَضِي غَيْرَ ذَلِكَ، وهو تَضْيِيقٌ لِواسِعٍ، فَإنَّ الكَلامَ مُحْتَمِلٌ لِوُجُوهٍ، كَما عَلِمْتَ، فَلا يَنْهَضُ بِهِ الِاسْتِدْلالُ. واعْلَمْ أنَّ تَفْضِيلَ الأنْبِياءِ عَلى المَلائِكَةِ مُطْلَقًا هو قَوْلُ جُمْهُورِ أهْلِ السُّنَّةِ، وتَفْضِيلَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ قَوْلُ جُمْهُورِ المُعْتَزِلَةِ والباقِلّانِيِّ والحَلِيمِيِّ مِن أهْلِ السُّنَّةِ، وقالَ قَوْمٌ بِالتَّفْصِيلِ في التَّفْضِيلِ، ونُسِبَ إلى بَعْضِ الماتِرِيدِيَّةِ، ولَمْ يُضْبَطْ ذَلِكَ التَّفْصِيلُ، والمَسْألَةُ اجْتِهادِيَّةٌ، ولا طائِلَ وراءَ الخَوْضِ فِيها، وقَدْ نَهى النَّبِيءُ ﷺ عَنِ الخَوْضِ في تُفاضُلِ الأنْبِياءِ، فَما ظَنُّكَ بِالخَوْضِ في التَّفاضُلِ بَيْنَ الأنْبِياءِ وبَيْنَ مَخْلُوقاتِ عالَمٍ آخَرَ لا صِلَةَ لَنا بِهِ. صفحة ٦١ و(المُقَرَّبُونَ)، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا كاشِفًا، وأنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا، فَيُرادُ بِهِمُ المُلَقَّبُونَ بِالكَرُوبِيِّينَ وهم سادَةُ المَلائِكَةِ: جِبْرِيلُ وإسْرافِيلُ ومِيكائِيلُ وعِزْرائِيلُ. ووَصْفُهم بِالكَرُوبِيِّينَ وصْفٌ قَدِيمٌ وقَعَ في بَيْتِ نَسَبٍ إلى أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ. وقَدْ قالُوا: إنَّهُ وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِن (كَرَبَ) مُرادِفِ (قَرُبَ)، وزِيدَ فِيهِ صِيغَتا مُبالَغَةٍ، وهي زِنَةُ فَعُولٍ وياءُ النَّسَبِ. والَّذِي أظُنُّ أنَّ هَذا اللَّفْظَ نُقِلَ إلى العَرَبِيَّةِ مِنَ العِبْرانِيَّةِ: لِوُقُوعِ هَذا اللَّفْظِ في التَّوْراةِ في سِفْرِ اللّاوِيِّينَ وفي سِفْرِ الخُرُوجِ، وأنَّهُ في العِبْرانِيَّةِ بِمَعْنى القُرْبِ، فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْهُ القُرْآنُ وجاءَ بِمُرادِفِهِ الفَصِيحِ فَقالَ (المُقَرَّبُونَ)، وعَلَيْهِ فَمَن دُونَهم مِنَ المَلائِكَةِ يَثْبُتُ لَهم عَدَمُ الِاسْتِنْكافِ عَنِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ بِدَلالَةِ الأحْرى. وقَوْلُهُ (﴿ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ﴾) الآيَةَ تَخَلُّصٌ إلى تَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ كَما أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ ﴿وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَنُعَذِّبَهم عَذابًا ألِيمًا ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ . وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ (﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾) عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ، بَلْ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ، أيْ فَسَيَحْشُرُ النّاسَ إلَيْهِ جَمِيعًا كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ المُفَرَّعُ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ (﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾) الخَ. وضَمِيرُ (﴿ولا يَجِدُونَ﴾) عائِدٌ إلى الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا، أيْ لا يَجِدُونَ ولِيًّا حِينَ يَحْشُرُ اللَّهُ النّاسَ جَمِيعًا، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا ويَكُونُ (جَمِيعًا)، بِمَعْنى مَجْمُوعِينَ إلى غَيْرِهِمْ، مَنصُوبًا، فَإنَّ لَفْظَ جَمِيعٍ لَهُ اسْتِعْمالاتٌ جَمَّةٌ: مِنها أنْ يَكُونَ وصْفًا بِمَعْنى المُجْتَمَعِ، وفي كَلامِ عُمَرَ لِلْعَبّاسِ وعَلِيٍّ: ”ثُمَّ جِئْتُمانِي وأمْرُكُما جَمِيعٌ“ أيْ مُتَّفِقٌ مَجْمُوعٌ، فَيَكُونُ مَنصُوبًا عَلى الحالِ ولَيْسَ تَأْكِيدًا. وذِكْرُ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ في التَّفْصِيلِ يَدُلُّ عَلى أحَدِ التَّقْدِيرَيْنِ. والتَّوْفِيَةُ أصْلُها إعْطاءُ الشَّيْءِ وافِيًا، أيْ زائِدًا عَلى المِقْدارِ المَطْلُوبِ، ولَمّا كانَ تَحَقُّقُ المُساواةِ يَخْفى لِقِلَّةِ المَوازِينِ عِنْدَهم، ولِاعْتِمادِهِمْ عَلى الكَيْلِ، جَعَلُوا تَحَقُّقَ المُساواةِ بِمِقْدارٍ فِيهِ فَضْلٌ عَلى المِقْدارِ المُساوِي، أُطْلِقَتِ التَّوْفِيَةُ عَلى إعْطاءِ المُعادِلِ، وتُقابَلُ بِالخُسْرانِ وبِالغَبْنِ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ شُعَيْبٍ صفحة ٦٢ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١] ولِذَلِكَ قالَ هُنا ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾، وهَذِهِ التَّوْفِيَةُ والزِّيادَةُ يَرْجِعانِ إلى تَقْدِيرٍ يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى. وقَوْلُهُ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ تَأْسِيسٌ لَهم إذْ قَدْ عُرِفَ عِنْدَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ، مِن أُمَمِ ذَلِكَ العَصْرِ، الِاعْتِمادُ عِنْدَ الضِّيقِ عَلى الأوْلِياءِ والنُّصَراءِ لِيَكُفُّوا عَنْهُمُ المَصائِبَ بِالقِتالِ أوِ الفِداءِ، قالَ النّابِغَةُ: يَأْمُلْنَ رِحْلَةَ نَصْرٍ وابْنِ سَيّارٍ ولِذَلِكَ كَثُرَ في القُرْآنِ نَفْيُ الوَلِيِّ، والنَّصِيرِ، والفِداءِ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ.

النساء 4:174

﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَنُوَفِّيهِمُ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَنُعَذِّبَهم عَذابًا ألِيمًا ولا يَجِدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ . اسْتِئْنافٌ واقِعٌ مَوْقِعَ تَحْقِيقِ جُمْلَةِ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [النساء: ١٧١]) أوْ مَوْقِعَ الِاسْتِدْلالِ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ (﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]) . والِاسْتِنْكافُ: التَّكَبُّرُ والِامْتِناعُ بِأنَفَةٍ، فَهو أشَدُّ مِنَ الِاسْتِكْبارِ. ونَفْيُ اسْتِنْكافِ المَسِيحِ: إمّا إخْبارٌ عَنِ اعْتِرافِ عِيسى بِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، وإمّا احْتِجاجٌ عَلى النَّصارى بِما يُوجَدُ في أناجِيلِهِمْ. قالَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ [مريم: ٣٠] إلَخْ. وفي نُصُوصِ الإنْجِيلِ كَثِيرٌ مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَسِيحَ عَبْدُ اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ إلَهُهُ ورَبُّهُ، كَما في مُجادَلَتِهِ مَعَ إبْلِيسَ، فَقَدْ قالَ لَهُ المَسِيحُ لِلرَّبِّ إلَهِكَ تَسْجُدُ وإيّاهُ وحْدَهُ تَعْبُدُ. وعُدِلَ عَنْ طَرِيقِ الإضافَةِ في قَوْلِهِ (عَبْدًا لِلَّهِ) فَأُظْهِرَ الحَرْفُ الَّذِي تُقَدَّرُ الإضافَةُ عَلَيْهِ: لِأنَّ التَّنْكِيرَ هُنا أظْهَرُ في العُبُودِيَّةِ، أيْ عَبْدًا مِن جُمْلَةِ العَبِيدِ، ولَوْ قالَ: عَبْدَ اللَّهِ لَأوْهَمَتِ الإضافَةُ أنَّهُ العَبْدُ الخِصِّيصُ، أوْ أنَّ ذَلِكَ عَلَمٌ لَهُ. صفحة ٦٠ وأمّا ما حَكى اللَّهُ عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ [مريم: ٣٠] فَلِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في مَقامِ خِطابِ مَنِ ادَّعَوْا لَهُ الإلَهِيَّةَ. وعَطْفُ المَلائِكَةِ عَلى المَسِيحِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِمَزاعِمِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ حَتّى يَتَعَرَّضَ لِرَدِّ ذَلِكَ، إدْماجٌ لِقَصْدِ اسْتِقْصاءِ كُلِّ مَنِ ادُّعِيَتْ لَهُ بُنُوَّةُ اللَّهِ، لِيَشْمَلَهُ الخَبَرُ بِنَفْيِ اسْتِنْكافِهِ عَنْ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَهُ قَوْلُهُ (﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١])، وقَدْ قالَتِ العَرَبُ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ مِن نِساءِ الجِنِّ، ولِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أيْضًا قَوْلُهُ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [النساء: ١٧١]، ومِن أفْضَلِ ما في السَّماواتِ المَلائِكَةُ، فَذُكِرُوا هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ. وإنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ (﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ﴾) اسْتِدْلالًا عَلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ (﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]) كانَ عَطْفُ (﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾) مُحْتَمِلًا لِلتَّتْمِيمِ كَقَوْلِهِ (﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]) فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى المَسِيحِ، ولا عَلى العَكْسِ، ومُحْتَمِلًا لِلتَّرَقِّي إلى ما هو الأوْلى بِعَكْسِ الحُكْمِ في أوْهامِ المُخاطَبِينَ، وإلى هَذا الأخِيرِ مالَ صاحِبُ الكَشّافِ ومَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] وجَعَلَ الآيَةَ دَلِيلًا عَلى أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ المَسِيحِ، وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ بِتَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ، وزَعَمَ أنَّ عِلْمَ المَعانِي لا يَقْتَضِي غَيْرَ ذَلِكَ، وهو تَضْيِيقٌ لِواسِعٍ، فَإنَّ الكَلامَ مُحْتَمِلٌ لِوُجُوهٍ، كَما عَلِمْتَ، فَلا يَنْهَضُ بِهِ الِاسْتِدْلالُ. واعْلَمْ أنَّ تَفْضِيلَ الأنْبِياءِ عَلى المَلائِكَةِ مُطْلَقًا هو قَوْلُ جُمْهُورِ أهْلِ السُّنَّةِ، وتَفْضِيلَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ قَوْلُ جُمْهُورِ المُعْتَزِلَةِ والباقِلّانِيِّ والحَلِيمِيِّ مِن أهْلِ السُّنَّةِ، وقالَ قَوْمٌ بِالتَّفْصِيلِ في التَّفْضِيلِ، ونُسِبَ إلى بَعْضِ الماتِرِيدِيَّةِ، ولَمْ يُضْبَطْ ذَلِكَ التَّفْصِيلُ، والمَسْألَةُ اجْتِهادِيَّةٌ، ولا طائِلَ وراءَ الخَوْضِ فِيها، وقَدْ نَهى النَّبِيءُ ﷺ عَنِ الخَوْضِ في تُفاضُلِ الأنْبِياءِ، فَما ظَنُّكَ بِالخَوْضِ في التَّفاضُلِ بَيْنَ الأنْبِياءِ وبَيْنَ مَخْلُوقاتِ عالَمٍ آخَرَ لا صِلَةَ لَنا بِهِ. صفحة ٦١ و(المُقَرَّبُونَ)، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا كاشِفًا، وأنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا، فَيُرادُ بِهِمُ المُلَقَّبُونَ بِالكَرُوبِيِّينَ وهم سادَةُ المَلائِكَةِ: جِبْرِيلُ وإسْرافِيلُ ومِيكائِيلُ وعِزْرائِيلُ. ووَصْفُهم بِالكَرُوبِيِّينَ وصْفٌ قَدِيمٌ وقَعَ في بَيْتِ نَسَبٍ إلى أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ. وقَدْ قالُوا: إنَّهُ وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِن (كَرَبَ) مُرادِفِ (قَرُبَ)، وزِيدَ فِيهِ صِيغَتا مُبالَغَةٍ، وهي زِنَةُ فَعُولٍ وياءُ النَّسَبِ. والَّذِي أظُنُّ أنَّ هَذا اللَّفْظَ نُقِلَ إلى العَرَبِيَّةِ مِنَ العِبْرانِيَّةِ: لِوُقُوعِ هَذا اللَّفْظِ في التَّوْراةِ في سِفْرِ اللّاوِيِّينَ وفي سِفْرِ الخُرُوجِ، وأنَّهُ في العِبْرانِيَّةِ بِمَعْنى القُرْبِ، فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْهُ القُرْآنُ وجاءَ بِمُرادِفِهِ الفَصِيحِ فَقالَ (المُقَرَّبُونَ)، وعَلَيْهِ فَمَن دُونَهم مِنَ المَلائِكَةِ يَثْبُتُ لَهم عَدَمُ الِاسْتِنْكافِ عَنِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ بِدَلالَةِ الأحْرى. وقَوْلُهُ (﴿ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ﴾) الآيَةَ تَخَلُّصٌ إلى تَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ كَما أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ ﴿وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَنُعَذِّبَهم عَذابًا ألِيمًا ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ . وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ (﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾) عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ، بَلْ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ، أيْ فَسَيَحْشُرُ النّاسَ إلَيْهِ جَمِيعًا كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ المُفَرَّعُ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ (﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾) الخَ. وضَمِيرُ (﴿ولا يَجِدُونَ﴾) عائِدٌ إلى الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا، أيْ لا يَجِدُونَ ولِيًّا حِينَ يَحْشُرُ اللَّهُ النّاسَ جَمِيعًا، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا ويَكُونُ (جَمِيعًا)، بِمَعْنى مَجْمُوعِينَ إلى غَيْرِهِمْ، مَنصُوبًا، فَإنَّ لَفْظَ جَمِيعٍ لَهُ اسْتِعْمالاتٌ جَمَّةٌ: مِنها أنْ يَكُونَ وصْفًا بِمَعْنى المُجْتَمَعِ، وفي كَلامِ عُمَرَ لِلْعَبّاسِ وعَلِيٍّ: ”ثُمَّ جِئْتُمانِي وأمْرُكُما جَمِيعٌ“ أيْ مُتَّفِقٌ مَجْمُوعٌ، فَيَكُونُ مَنصُوبًا عَلى الحالِ ولَيْسَ تَأْكِيدًا. وذِكْرُ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ في التَّفْصِيلِ يَدُلُّ عَلى أحَدِ التَّقْدِيرَيْنِ. والتَّوْفِيَةُ أصْلُها إعْطاءُ الشَّيْءِ وافِيًا، أيْ زائِدًا عَلى المِقْدارِ المَطْلُوبِ، ولَمّا كانَ تَحَقُّقُ المُساواةِ يَخْفى لِقِلَّةِ المَوازِينِ عِنْدَهم، ولِاعْتِمادِهِمْ عَلى الكَيْلِ، جَعَلُوا تَحَقُّقَ المُساواةِ بِمِقْدارٍ فِيهِ فَضْلٌ عَلى المِقْدارِ المُساوِي، أُطْلِقَتِ التَّوْفِيَةُ عَلى إعْطاءِ المُعادِلِ، وتُقابَلُ بِالخُسْرانِ وبِالغَبْنِ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ شُعَيْبٍ صفحة ٦٢ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١] ولِذَلِكَ قالَ هُنا ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾، وهَذِهِ التَّوْفِيَةُ والزِّيادَةُ يَرْجِعانِ إلى تَقْدِيرٍ يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى. وقَوْلُهُ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ تَأْسِيسٌ لَهم إذْ قَدْ عُرِفَ عِنْدَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ، مِن أُمَمِ ذَلِكَ العَصْرِ، الِاعْتِمادُ عِنْدَ الضِّيقِ عَلى الأوْلِياءِ والنُّصَراءِ لِيَكُفُّوا عَنْهُمُ المَصائِبَ بِالقِتالِ أوِ الفِداءِ، قالَ النّابِغَةُ: يَأْمُلْنَ رِحْلَةَ نَصْرٍ وابْنِ سَيّارٍ ولِذَلِكَ كَثُرَ في القُرْآنِ نَفْيُ الوَلِيِّ، والنَّصِيرِ، والفِداءِ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ.

النساء 4:175

﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ . فَذْلَكَةٌ لِلْكَلامِ السّابِقِ بِما هو جامِعٌ لِلْأخْذِ بِالهُدى ونَبْذُ الضَّلالِ، بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِن دَلائِلِ الحَقِّ وكَبْحِ الباطِلِ. فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وإقْبالٌ عَلى خِطابِ النّاسِ كُلِّهِمْ بَعْدَ أنْ كانَ الخِطابُ مُوَجَّهًا إلى أهْلِ الكِتابِ خاصَّةً. والبُرْهانُ: الحُجَّةُ، وقَدْ يُخَصَّصُ بِالحُجَّةِ الواضِحَةِ الفاصِلَةِ، وهو غالِبُ ما يُقْصَدُ بِهِ في القُرْآنِ، ولِهَذا سَمّى حُكَماءُ الإسْلامِ أجَلَّ أنْواعِ الدَّلِيلِ بُرْهانًا. والمُرادُ هُنا دَلائِلُ النُّبُوءَةِ. وأمّا النُّورُ المُبِينُ فَهو القُرْآنُ لِقَوْلِهِ وأنْزَلْنا، والقَوْلُ في (جاءَكم) كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ ﴿قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠]، وكَذَلِكَ القَوْلُ في (﴿أنْزَلْنا إلَيْكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠]) . و(أمّا) في قَوْلِهِ (﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْصِيلِ: تَفْصِيلًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ (يا أيُّها النّاسُ) مِنِ اخْتِلافِ الفِرَقِ والنَّزَعاتِ: بَيْنَ قابِلٍ صفحة ٦٣ لِلْبُرْهانِ والنُّورِ، ومُكابِرٍ جاحِدٍ، ويَكُونُ مُعادِلُ هَذا الشَّقِّ مَحْذُوفًا لِلتَّهْوِيلِ، أيْ: وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا تَسَلْ عَنْهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أمّا) لِمُجَرَّدِ الشَّرْطِ دُونَ تَفْصِيلٍ، وهو شَرْطٌ لِعُمُومِ الأحْوالِ، لِأنَّ (أمّا) في الشَّرْطِ بِمَعْنى مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ وفي هَذِهِ الحالَةِ لا تُفِيدُ التَّفْصِيلَ ولا تَطْلُبُ مُعادِلًا. والِاعْتِصامُ: اللَّوْذُ، والِاعْتِصامُ بِاللَّهِ اسْتِعارَةٌ لِلَّوْذِ بِدِينِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والإدْخالُ في الرَّحْمَةِ والفَضْلِ عِبارَةٌ عَنِ الرِّضى. وقَوْلُهُ ﴿ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾، تَعَلُّقُ الجارِّ والمَجْرُورِ بِـ يَهْدِي ) فَهو ظَرْفُ لَغْوٍ، و(صِراطًا) مَفْعُولُ (يَهْدِي)، والمَعْنى يَهْدِيهِمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا لِيَصِلُوا إلَيْهِ، أيْ إلى اللَّهِ، وذَلِكَ هو مُتَمَنّاهم، إذْ قَدْ عَلِمُوا أنَّ وعْدَهم عِنْدَهُ.

النساء 4:176

﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وهْ ويَرِثُها إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ فَلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ وإنْ كانُوا إخْوَةً رِجالًا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . لا مُناسَبَةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ اللّاتِي قَبْلَها، فَوُقُوعُها عَقِبَها لا يَكُونُ إلّا لِأجْلِ نُزُولِها عَقِبَ نُزُولِ ما تَقَدَّمَها مِن هَذِهِ السُّورَةِ مَعَ مُناسَبَتِها لِآيَةِ الكَلالَةِ السّابِقَةِ في أثْناءِ ذِكْرِ الفَرائِضِ؛ لِأنَّ في هَذِهِ الآيَةِ بَيانًا لِحَقِيقَةِ الكَلالَةِ أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى (لَيْسَ لَهُ ولَدٌ)، وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّهُ ألْحَقَ بِالكَلالَةِ المالِكَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ والِدٌ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ ومالِكِ بْنِ أنَسٍ. فَحُكْمُ الكَلالَةِ قَدْ بُيِّنَ بَعْضُهُ في آيَةٍ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ إنَّ النّاسَ سَألُوا صفحة ٦٤ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صُورَةٍ أُخْرى مِن صُوَرِ الكَلالَةِ. وثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ الَّذِي سَألَهُ هو جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «عادَنِي رَسُولُ اللَّهِ وأبُو بَكْرٍ ماشِيَيْنِ في بَنِي سَلَمَةَ فَوَجَدانِي مُغْمًى عَلَيَّ فَتَوَضَّأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وصَبَّ عَلَيَّ وضُوءَهُ فَأفَقْتُ وقُلْتُ: كَيْفَ أصْنَعُ في مالِي فَإنَّما يَرِثُنِي كَلالَةٌ ؟ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ الآيَةَ» . وقَدْ قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَجَهِّزٌ لِحِجَّةِ الوَداعِ في قَضِيَّةِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. فَضَمِيرُ الجَماعَةِ في قَوْلِهِ (﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾) غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ جَمْعٌ، بَلْ أُرِيدَ بِهِ جِنْسُ السّائِلِينَ، عَلى نَحْوِ: ”«ما بالُ أقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا» “ وهَذا كَثِيرٌ في الكَلامِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ قَدْ تَكَرَّرَ وكانَ آخِرُ السّائِلَيْنِ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَتَأخَّرَ الجَوابُ لِمَن سَألَ قَبْلَهُ، وعُجِّلَ البَيانُ لَهُ لِأنَّهُ وقْتُ الحاجَةِ لِأنَّهُ كانَ يَظُنُّ نَفْسَهُ مَيِّتًا مِن ذَلِكَ المَرَضِ وأرادَ أنْ يُوصِيَ بِمالِهِ، فَيَكُونُ مِن تَأْخِيرِ البَيانِ إلى وقْتِ الحاجَةِ. والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ في مادَّةِ السُّؤالِ طَرِيقَةٌ مَشْهُورَةٌ، نَحْوُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩]، ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩] . لِأنَّ شَأْنَ السُّؤالِ يَتَكَرَّرُ، فَشاعَ إيرادُهُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ، وقَدْ يَغْلِبُ اسْتِعْمالُ بَعْضِ صِيَغِ الفِعْلِ في بَعْضِ المَواقِعِ، ومِنهُ غَلَبَةُ اسْتِعْمالِ المُضارِعِ في الدُّعاءِ في مَقامِ الإنْكارِ: كَقَوْلِ عائِشَةَ ”يَرْحَمُ اللَّهُ أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ“ تَعْنِي ابْنَ عُمَرَ، وقَوْلِهِمْ ”يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ“ . ومِنهُ غَلَبَةُ الماضِي مَعَ (لا) فِيَةِ في الدُّعاءِ إذا لَمْ تُكَرَّرْ (لا)؛ نَحْوُ (فَلا رَجَعَ) . عَلى أنَّ الكَلالَةَ قَدْ تَكَرَّرَ فِيها السُّؤالُ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ وبَعْدَها. وقَدْ «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: ”ما راجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ في شَيْءٍ مُراجِعَتِي إيّاهُ في الكَلالَةِ، وما أغْلَظَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في شَيْءٍ ما أغْلَظَ لِي فِيها حَتّى طَعَنَ في نَحْرِي وقالَ يَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي في آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ“» وقَوْلُهُ (في الكَلالَةِ) يَتَنازَعُهُ في التَّعَلُّقِ كُلٌّ مِن فِعْلِ (يَسْتَفْتُونَكَ) وفِعْلِ (يُفْتِيكم) . صفحة ٦٥ وقَدْ سَمّى النَّبِيءُ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ بِآيَةِ الصَّيْفِ، وعُرِفَتْ بِذَلِكَ، كَما عُرِفَتْ آيَةُ الكَلالَةِ الَّتِي في أوَّلِ السُّورَةِ بِآيَةِ الشِّتاءِ، وهَذا يَدُلُّنا عَلى أنَّ سُورَةَ النِّساءِ نَزَلَتْ في مُدَّةٍ مُتَفَرِّقَةٍ مِنَ الشِّتاءِ إلى الصَّيْفِ وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا في افْتِتاحِ السُّورَةِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في الكَلالَةِ نَزَلَتْ في طَرِيقِ حَجَّةِ الوَداعِ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ لِأنَّ حَجَّةَ الوَداعِ كانَتْ في زَمَنِ البَرْدِ لِأنَّهُ لا شَكَّ أنَّ غَزْوَةَ تَبُوكَ وقَعَتْ في وقْتِ الحَرِّ حِينَ طابَتِ الثِّمارُ، والنّاسُ يُحِبُّونَ المَقامَ في ثِمارِهِمْ وظِلالِهِمْ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ غَزْوَةُ تَبُوكَ في نَحْوِ شَهْرِ أُغُسْطُسَ أوِ اشْتَنْبِرَ وهو وقْتٌ طَيِّبُ البُسْرِ والرُّطَبِ، وكانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ وكانَتْ في رَجَبٍ ونَزَلَ فِيها قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ [التوبة: ٨١] . ثُمَّ كانَتْ حَجَّةُ أبِي بَكْرٍ في ذِي القِعْدَةِ مِن تِلْكَ السَّنَةِ، سَنَةِ تِسْعٍ، وذَلِكَ يُوافِقُ دِجَنْبِرَ. وكانَ حَجُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَجَّةَ الوَداعِ في ذِي الحِجَّةِ مِن سَنَةِ عَشْرٍ فَيُوافِقُ نَحْوَ شَهْرِ دِجَنْبِرَ أيْضًا. وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: أنَّهُ خَطَبَ فَقالَ: ”ثَلاثٌ لَوْ بَيَّنَها رَسُولُ اللَّهِ لَكانَ أحَبَّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها: الجَدُّ. والكَلالَةُ، وأبْوابُ الرِّبا“ وفي رِوايَةٍ والخِلافَةُ. وخَطَبَ أيْضًا فَقالَ: ”واللَّهِ إنِّي ما أدَعُ بَعْدِي شَيْئًا هو أهَمُّ إلَيَّ مِن أمْرِ الكَلالَةِ“ . وقالَ في مَجْمَعٍ مِنَ الصَّحابَةِ: ”لَأقْضِيَنَّ في الكَلالَةِ قَضاءً تَتَحَدَّثُ بِهِ النِّساءُ في خُدُورِها“ . وأنَّهُ كَتَبَ كِتابًا في ذَلِكَ فَمَكَثَ يَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِيهِ، فَلَمّا طُعِنَ دَعا بِالكِتابِ فَمَحاهُ. ولَيْسَ تَحَيُّرُ عُمَرَ في أمْرِ الكَلالَةِ بِتَحَيُّرٍ في فَهْمِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ ولَكِنَّهُ في انْدِراجِ ما لَمْ يَذْكُرْهُ القُرْآنُ تَحْتَ ما ذَكَرَهُ بِالقِياسِ. وقَدْ ذَكَرَ القُرْآنُ الكَلالَةَ في أرْبَعِ آياتٍ: آيَتَيْ هَذِهِ السُّورَةِ المَذْكُورِ فِيها لَفْظُ الكَلالَةِ، وآيَةٍ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ وهي قَوْلُهُ ﴿فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]، وآيَةِ آخِرِ الأنْفالِ وهي قَوْلُهُ ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] عِنْدَ مَن رَأى تَوارُثَ ذَوِي الأرْحامِ. ولا شَكَّ أنَّ كُلَّ فَرِيضَةٍ لَيْسَ فِيها ولَدٌ ولا والِدٌ فَهي كَلالَةٌ بِالِاتِّفاقِ، فَأمّا الفَرِيضَةُ الَّتِي صفحة ٦٦ لَيْسَ فِيها ولَدٌ وفِيها والِدٌ فالجُمْهُورُ أنَّها لَيْسَتْ بِكَلالَةٍ، وقالَ بَعْضُ المُتَقَدِّمِينَ: هي كَلالَةٌ. وأمَرَهُ بِأنْ يُجِيبَ بِقَوْلِهِ (اللَّهُ يُفْتِيكم) لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الفَرِيضَةِ، فَتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ لا لِلْقَصْرِ، إذْ قَدْ عَلِمَ المُسْتَفْتُونَ أنَّ الرَّسُولَ لا يَنْطِقُ إلّا عَنْ وحْيٍ، فَهم لَمّا اسْتَفْتَوْهُ فَإنَّما طَلَبُوا حُكْمَ اللَّهِ، فَإسْنادُ الإفْتاءِ إلى اللَّهِ تَنْوِيهٌ بِهَذِهِ الفَرِيضَةِ. والمُرادُ بِالأُخْتِ هُنا الأُخْتُ الشَّقِيقَةُ أوِ الَّتِي لِلْأبِ في عَدَمِ الشَّقِيقَةِ بِقَرِينَةٍ مُخالِفَةٍ نَصِيبُها لِنَصِيبِ الأُخْتِ لِلْأُمِّ المَقْصُودَةِ في آيَةِ الكَلالَةِ الأُولى، وبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (﴿وهُوَ يَرِثُها﴾) لِأنَّ الأخَّ لِلْأُمِّ لا يَرِثُ جَمِيعَ المالِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِأُخْتِهِ لِلْأُمِّ ولَدٌ إذْ لَيْسَ لَهُ إلّا السُّدُسُ. وقَوْلُهُ (﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾) تَقْدِيرُهُ: إنْ هَلَكَ امْرُؤٌ، فامْرُؤٌ مُخْبَرٌ عَنْهُ بِـ (هَلَكَ) في سِياقِ الشَّرْطِ، ولَيْسَ (هَلَكَ) بِوَصْفٍ لِـ (امْرُؤٌ) فَلِذَلِكَ كانَ الِامْرُؤُ المَفْرُوضُ هُنا جِنْسًا عامًّا. وقَوْلُهُ (﴿وهُوَ يَرِثُها﴾) يَعُودُ الضَّمِيرُ فِيهِ عَلى لَفْظِ (امْرُؤٌ) الواقِعِ في سِياقِ الشَّرْطِ، المُفِيدِ لِلْعُمُومِ: ذَلِكَ أنَّهُ وقَعَ في سِياقِ الشَّرْطِ لَفْظُ (امْرُؤٌ) ولَفْظُ (أخٍ) أوْ (أُخْتٍ)، وكُلُّها نَكِراتٌ واقِعَةٌ في سِياقِ الشَّرْطِ، فَهي عامَّةٌ مَقْصُودٌ مِنها أجْناسُ مَدْلُولاتِها، ولَيْسَ مَقْصُودًا بِها شَخْصٌ مُعَيَّنٌ قَدْ هَلَكَ، ولا أُخْتٌ مُعَيَّنَةٌ قَدْ ورِثَتْ، فَلَمّا قالَ (﴿وهُوَ يَرِثُها﴾) كانَ الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ راجِعًا إلى (امْرُؤٌ) لا إلى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ قَدْ هَلَكَ؛ إذْ لَيْسَ لِمَفْهُومِ اللَّفْظِ هُنا فَرْدٌ مُعَيَّنٌ فَلا يُشْكِلُ عَلَيْكَ بِأنَّ قَوْلَهُ (﴿امْرُؤٌ هَلَكَ﴾) يَتَأكَّدُ بِقَوْلِهِ (﴿وهُوَ يَرِثُها﴾) إذْ كَيْفَ يَصِيرُ الهالِكُ وارِثًا. وأيْضًا كانَ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ في (يَرِثُها) عائِدًا إلى مَفْهُومِ لَفْظِ أُخْتٍ لا إلى أُخْتٍ مُعَيَّنَةٍ، إذْ لَيْسَ لِمَفْهُومِ اللَّفْظِ هُنا فَرْدٌ مُعَيَّنٌ، وعُلِمَ مِن قَوْلِهِ يَرِثُها أنَّ الأُخْتَ إنْ تُوُفِّيَتْ ولا ولَدَ لَها، يَرِثُها أخُوها، والأخُ هو الوارِثُ في هَذِهِ صفحة ٦٧ الصُّورَةِ، وهي عَكْسُ الَّتِي قَبْلَها، فالتَّقْدِيرُ: ويَرِثُ الأُخْتَ امْرُؤٌ إنْ هَلَكَتْ أُخْتُهُ ولَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ. وعُلِمَ مَعْنى الإخْوَةِ مِن قَوْلِهِ (ولَهُ أُخْتٌ)، وهَذا إيجازٌ بَدِيعٌ، ومَعَ غايَةِ إيجازِهِ فَهو في غايَةِ الوُضُوحِ، فَلا يُشْكِلُ بِأنَّ الأُخْتَ كانَتْ وارِثَةً لِأخِيها فَكَيْفَ عادَ عَلَيْها الضَّمِيرُ بِأنْ يَرِثَها أخُوها المَوْرُوثُ، وتَصِيرُ هي مَوْرُوثَةً، لِأنَّ هَذا لا يَفْرِضُهُ عالِمٌ بِالعَرَبِيَّةِ، وإنَّما يُتَوَهَّمُ ذَلِكَ لَوْ وقَعَ الهَلْكُ وصْفًا لِامْرِئٍ؛ بِأنْ قِيلَ: المَرْءُ الهالِكُ يَرِثُهُ وارِثُهُ وهو يَرِثُ وارِثَهُ إنْ ماتَ وارِثُهُ قَبْلَهُ. والفَرْقُ بَيْنَ الِاسْتِعْمالَيْنِ رَشِيقٌ في العَرَبِيَّةِ. وقَوْلُهُ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا امْتِنانٌ، و(﴿أنْ تَضِلُّوا﴾) تَعْلِيلٌ لِـ (يُبَيِّنُ) حُذِفَتْ مِنهُ اللّامُ، وحَذْفُ الجارِّ مَعَ (أنْ) شائِعٌ. والمَقْصُودُ التَّعْلِيلُ بِنَفْيِ الضَّلالِ لا لِوُقُوعِهِ؛ لِأنَّ البَيانَ يُنافِي التَّضْلِيلَ، فَحُذِفَتْ لا النّافِيَةُ، وحَذْفُها مَوْجُودٌ في مَواقِعَ مِن كَلامِهِمْ إذا اتَّضَحَ المَعْنى، كَما ورَدَ مَعَ فِعْلِ القَسَمِ في نَحْوِ: فَآلَيْنا عَلَيْها أنْ تُباعا أيْ أنْ لا تُباعَ، وقَوْلِهِ: آلَيْتُ حَبَّ العِراقِ الدَّهْرَ أطْعَمُهُ وهَذا كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: نَزَلْتُمْ مَنزِلَ الأضْيافِ مِنّا ∗∗∗ فَعَجَّلْنا القِرى أنْ تَشْتُمُونا أيْ أنْ لا تَشْتُمُونا بِالبُخْلِ، وهَذا تَأْوِيلُ الكُوفِيِّينَ، وتَأوَّلَ البَصْرِيُّونَ الآيَةَ والبَيْتَ ونَظائِرَهُما عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ هو المَفْعُولُ لِأجْلِهِ، أيْ كَراهَةَ أنْ تَضِلُّوا، وبِذَلِكَ قَدَّرَها في الكَشّافِ. وقَدْ جَعَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ (أنْ تَضِلُّوا) مَفْعُولًا بِهِ لِـ (يُبَيِّنُ) وقالَ: المَعْنى أنَّ اللَّهَ فِيما بَيَّنَهُ مِنَ الفَرائِضِ قَدْ بَيَّنَ لَكم ضَلالَكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ، وهَذا بَعِيدٌ؛ إذْ لَيْسَ ما فَعَلُوهُ في الجاهِلِيَّةِ ضَلالًا قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرِيعَةِ، لِأنَّ قِسْمَةَ صفحة ٦٨ المالِ لَيْسَتْ مِنَ الأفْعالِ المُشْتَمِلَةِ عَلى صِفَةِ حَسَنٍ وقَبِيحٍ بَيِّنَةٍ إلّا إذا كانَ فِيها حِرْمانٌ لِمَن هو حَقِيقٌ بِالمُؤاساةِ والمَبَرَّةِ، ولِأنَّ المَصْدَرَ مَعَ (أنْ) يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُرادَ بِـ (أنْ تَضِلُّوا) ضَلالًا قَدْ مَضى، وسَيَجِيءُ زِيادَةُ بَيانٍ لِهَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ [الأنعام: ١٥٦]) في سُورَةِ الأنْعامِ. وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ يَقُولُ: ”اللَّهُمَّ مَن بُيِّنَتْ لَهُ الكَلالَةُ فَلَمْ تُبَيَّنْ لِي“ رَواهُ الطَّبَرِيُّ، وفي سَنَدِهِ انْقِطاعٌ، وقَدْ ضَعَّفُوهُ. وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ. وفي هَذِهِ الآيَةِ إيذانٌ بِخَتْمِ الكَلامِ، كَقَوْلِهِ ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ولْيُنْذَرُوا بِهْ﴾ [إبراهيم: ٥٢] الآيَةَ، وكَقَوْلِهِ تَعالى في حِكايَةِ كَلامِ صاحِبِ مُوسى ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢] . فَتُؤْذِنُ بِخِتامِ السُّورَةِ. وتُؤْذِنُ بِخِتامِ التَّنْزِيلِ إنْ صَحَّ أنَّها آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ كَما ذَلِكَ في بَعْضِ الرِّواياتِ، وإذا صَحَّ ذَلِكَ فَلا أرى اصْطِلاحَ عُلَماءِ بَلَدِنا عَلى أنْ يَخْتِمُوا تَقْرِيرَ دُرُوسِهِمْ بِقَوْلِهِمْ ”واللَّهُ أعْلَمُ“ إلّا تَيَمُّنًا بِمُحاكاةِ خَتْمِ التَّنْزِيلِ. * * * صفحة ٦٩ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ المائِدَةِ هَذِهِ السُّورَةُ سُمِّيَتْ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ، وكُتُبِ السُّنَّةِ، بِسُورَةِ المائِدَةِ: لِأنَّ فِيها قِصَّةُ المائِدَةِ الَّتِي أرْسَلَها الحَوارِيُّونَ مِن عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدِ اخْتُصَّتْ بِذِكْرِها. وفي مُسْنَدِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وغَيْرِهِ وقَعَتْ تَسْمِيَتُها سُورَةُ المائِدَةِ في كَلامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وعائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، وأسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ، وغَيْرِهِمْ. فَهَذا أشْهَرُ أسْمائِها. وتُسَمّى أيْضًا سُورَةَ العُقُودِ: إذْ وقَعَ هَذا اللَّفْظُ في أوَّلِها. وتُسَمّى أيْضًا المُنْقِذَةَ. فَفي أحْكامِ ابْنِ الفَرَسِ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ: «سُورَةُ المائِدَةِ تُدْعى في مَلَكُوتِ السَّماواتِ المُنْقِذَةَ» . قالَ: أيْ أنَّها تُنْقِذُ صاحِبَها مِن أيْدِي مَلائِكَةِ العَذابِ. وفِي كِتابِ كِناياتِ الأُدَباءِ لِأحْمَدَ الجُرْجانِيِّ يُقالُ: فُلانٌ لا يَقْرَأُ سُورَةَ الأخْيارِ، أيْ لا يَفِي بِالعَهْدِ، وذَلِكَ أنَّ الصَّحابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - كانُوا يُسَمُّونَ سُورَةَ المائِدَةِ سُورَةَ الأخْيارِ. قالَ جَرِيرٌ: إنَّ البَعِيثَ وعَبْدَ آلِ مُتاعِسٍ لا يَقْرَآنِ بِسُورَةِ الأخْـيارِ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِاتِّفاقٍ، رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ مُنْصَرَفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ، بَعْدَ سُورَةِ المُمْتَحِنَةِ، فَيَكُونُ نُزُولُها بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ بِمُدَّةٍ، لِأنَّ سُورَةَ المُمْتَحِنَةِ نَزَلَتْ بَعْدَ رُجُوعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ مِن صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وقَدْ جاءَتْهُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٌ، وطَلَبَ مِنهُ المُشْرِكُونَ إرْجاعَهُنَّ إلَيْهِمْ عَمَلًا بِشُرُوطِ الصُّلْحِ، فَأذِنَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِعَدَمِ إرْجاعِهِنَّ بَعْدَ امْتِحانِهِنَّ. رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّ آيَةَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ٩٤] إلى (عَذابٍ ألِيمٍ) نَزَلَتْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ فَلَعَلَّ ذَلِكَ صفحة ٧٠ الباعِثُ لِلَّذِينَ قالُوا: إنَّ سُورَةَ العُقُودِ نَزَلَتْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ. ولَيْسَ وُجُودُ تِلْكَ الآيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ بِمُقْتَضٍ أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ نُزُولِ السُّورَةِ سابِقًا عَلى نُزُولِ الآيَةِ إذْ قَدْ تَلْحَقُ الآيَةُ بِسُورَةٍ نَزَلَتْ مُتَأخِّرَةٍ عَنْها. وفِي الإتْقانِ: إنَّها نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ النِّساءِ، ولَكِنْ صَحَّ أنَّ آيَةَ ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] نَزَلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ في عامِ حَجَّةِ الوَداعِ. ولِذَلِكَ اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ مُتَتابِعَةً أوْ مُتَفَرِّقَةً، ولا يَنْبَغِي التَّرَدُّدُ في أنَّها نَزَلَتْ مُنَجَّمَةً. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وعائِشَةَ أنَّها آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ، وقَدْ قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ النِّساءِ، وما نَزَلَ بَعْدَها إلّا سُورَةُ (بَراءَةٌ)، بِناءً عَلى أنَّ (بَراءَةٌ) آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ، وهو قَوْلُ البَراءِ بْنِ عازِبٍ في صَحِيحِ البُخارِيِّ. وفِي مُسْنَدِ أحْمَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وأسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ: أنَّها نَزَلَتْ ورَسُولُ اللَّهِ في سَفَرٍ، وهو عَلى ناقَتِهِ العَضْباءِ، وأنَّها نَزَلَتْ عَلَيْهِ كُلَّها. قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: نَزَلَتْ سُورَةُ المائِدَةِ في مَسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى حَجَّةِ الوَداعِ. وفِي شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ: أنَّها نَزَلَتْ بِمِنًى. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: أنَّها نَزَلَتْ في حَجَّةِ الوَداعِ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ. وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: نَزَلَتْ مَرْجِعَ رَسُولِ اللَّهِ مِن حَجَّةِ الوَداعِ في اليَوْمِ الثّامِنَ عَشَرَ مِن ذِي الحِجَّةِ. وضُعِّفَ هَذا الحَدِيثُ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [المائدة: ٢] أُنْزِلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ. ومِنَ النّاسِ مَن رَوى عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: أنَّ سُورَةَ المائِدَةِ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في يَوْمِ اثْنَيْنِ. وهُنالِكَ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ أنَّها نَزَلَتْ عامَ حَجَّةِ الوَداعِ؛ فَيَكُونُ ابْتِداءُ نُزُولِها بِالمَدِينَةِ قَبْلَ الخُرُوجِ إلى حَجَّةِ الوَداعِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّهُ قالَ: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣] إلى صفحة ٧١ (غَفُورٌ رَحِيمٌ) نَزَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ. ومِثْلُهُ عَنِ الضَّحّاكِ، فَيَقْتَضِي قَوْلُهُما أنْ تَكُونَ هَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ في فَتْحِ مَكَّةَ وما بَعْدَهُ. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ: أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾ [المائدة: ١٥] إلى قَوْلِهِ ﴿صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦] ثُمَّ نَزَلَتْ بَقِيَّةُ السُّورَةِ في عَرَفَةَ في حَجَّةِ الوَداعِ. ويَظْهَرُ عِنْدِي أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَ بَعْضُها بَعْدَ بَعْضِ سُورَةِ النِّساءِ، وفي ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِ اسْتَقامَ لَهُ أمْرُ العَرَبِ وأمْرُ المُنافِقِينَ ولَمْ يَبْقَ في عِنادِ الإسْلامِ إلّا اليَهُودُ والنَّصارى. أمّا اليَهُودُ فَلِأنَّهم مُخْتَلِطُونَ بِالمُسْلِمِينَ في المَدِينَةِ وما حَوْلَها، وأمّا النَّصارى فَلِأنَّ فُتُوحَ الإسْلامِ قَدْ بَلَغَتْ تُخُومَ مُلْكِهِمْ في حُدُودِ الشّامِ. وفي حَدِيثِ عُمَرَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: وكانَ مَن حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ قَدِ اسْتَقامَ لَهُ ولَمْ يَبْقَ إلّا مُلْكُ غَسّانَ بِالشّامِ كُنّا نَخافُ أنْ يَأْتِيَنا. وقَدِ امْتازَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِاتِّساعِ نِطاقِ المُجادَلَةِ مَعَ النَّصارى، واخْتِصارِ المُجادَلَةِ مَعَ اليَهُودِ، عَمّا في سُورَةِ النِّساءِ. مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ أمْرَ اليَهُودِ أخَذَ في تَراجُعٍ ووَهْنٍ، وأنَّ الِاخْتِلاطَ مَعَ النَّصارى أصْبَحَ أشَدَّ مِنهُ مِن ذِي قَبْلُ. وفِي سُورَةِ النِّساءِ تَحْرِيمُ السُّكْرِ عِنْدَ الصَّلَواتِ خاصَّةً، وفي سُورَةِ المائِدَةِ تَحْرِيمُهُ بَتاتًا، فَهَذا مُتَأخِّرٌ عَنْ بَعْضِ سُورَةِ النِّساءِ لا مَحالَةَ. ولَيْسَ يَلْزَمُ أنْ لا تَنْزِلَ سُورَةٌ حَتّى يَنْتَهِيَ نُزُولُ أُخْرى بَلْ يَجُوزُ أنْ تَنْزِلَ سُورَتانِ في مُدَّةٍ واحِدَةٍ. وهِيَ، أيْضًا، مُتَأخِّرَةٌ عَنْ سُورَةِ (بَراءَةٌ): لِأنَّ (بَراءَةٌ) تَشْتَمِلُ عَلى كَثِيرٍ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ وسُورَةُ المائِدَةِ لا تَذْكُرُ مِن أحْوالِهِمْ إلّا مَرَّةً، وذَلِكَ صفحة ٧٢ يُؤْذِنُ بِأنَّ النِّفاقَ حِينَ نُزُولِها قَدِ انْقَطَعَ، أوْ خُضِّدَتْ شَوْكَةُ أصْحابِهِ. وإذْ قَدْ كانَتْ سُورَةُ (بَراءَةٌ) نَزَلَتْ في عامِ حَجِّ أبِي بَكْرٍ بِالنّاسِ، أعْنِي سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ. فَلا جَرَمَ أنَّ بَعْضَ سُورَةِ المائِدَةِ نَزَلَتْ في عامِ حَجَّةِ الوَداعِ، وحَسْبُكَ دَلِيلًا اشْتِمالُها عَلى آيَةِ ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] الَّتِي اتَّفَقَ أهْلُ الأثَرِ عَلى أنَّها نَزَلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ، عامَ حِجَّةِ الوَداعِ، كَما في خَبَرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. وفي سُورَةِ المائِدَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكم فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ [المائدة: ٣] . وفي خُطْبَةِ حِجَّةِ الوَداعِ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَئِسَ أنْ يُعْبَدَ في بَلَدِكم هَذا ولَكِنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِما دُونَ ذَلِكَ مِمّا تُحَقِّرُونَ مِن أعْمالِكم» . وقَدْ عُدَّتِ السُّورَةُ الحادِيَةَ والتِسْعِينَ في عَدَدِ السُّوَرِ عَلى تَرْتِيبِ النُّزُولِ. عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الأحْزابِ وقَبْلَ سُورَةِ المُمْتَحِنَةِ. وعَدَدُ آيِها: مِائَةٌ واثْنَتانِ وعِشْرُونَ في عَدَدِ الجُمْهُورِ، ومِائَةٌ وثَلاثٌ وعِشْرُونَ في عَدِّ البَصْرِيِّينَ، ومِائَةٌ وعِشْرُونَ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ. وجُعِلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في المُصْحَفِ قَبْلَ سُورَةِ الأنْعامِ مَعَ أنَّ سُورَةَ الأنْعامِ أكْثَرُ مِنها عَدَدَ آياتٍ: لَعَلَّ ذَلِكَ لِمُراعاةِ اشْتِمالِ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى أغْراضٍ تُشْبِهُ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ النِّساءِ عَوْنًا عَلى تَبْيِينِ إحْداهُما لِلْأُخْرى في تِلْكَ الأغْراضِ. وقَدِ احْتَوَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى تَشْرِيعاتٍ كَثِيرَةٍ تُنْبِئُ بِأنَّها أُنْزِلَتْ لِاسْتِكْمالِ شَرائِعِ الإسْلامِ، ولِذَلِكَ افْتُتِحَتْ بِالوِصايَةِ بِالوَفاءِ بِالعُقُودِ، أيْ بِما عاقَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ حِينَ دُخُولِهِمْ في الإسْلامِ مِنَ التِزامِ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ، «فَقَدْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَأْخُذُ البَيْعَةَ عَلى الصَّلاةِ والزَّكاةِ والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، كَما في حَدِيثِجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في الصَّحِيحِ» . وأخَذَ صفحة ٧٣ البَيْعَةَ عَلى النّاسِ بِما في سُورَةِ المُمْتَحِنَةِ، كَما رَوى عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ. ووَقَعَ في أوَّلِها قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١] . فَكانَتْ طالِعَتُها بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أنَّ فِيها تِسْعَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً لَيْسَتْ في غَيْرِها، وهي سَبْعٌ في قَوْلِهِ ﴿والمُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ وما أكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣] ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ [المائدة: ٣]، ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [المائدة: ٥]، ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [المائدة: ٥]، وتَمامُ الطُّهُورِ إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ، (أيْ إتْمامُ ما لَمْ يُذْكَرْ في سُورَةِ النِّساءِ) ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] . ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] إلى قَوْلِهِ ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [المائدة: ٩٥]، و﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦] الآيَةَ وقَوْلِهِ (﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٥٨]) لَيْسَ في القُرْآنِ ذِكْرٌ لِلْأذانِ لِلصَّلَواتِ إلّا في هَذِهِ السُّورَةِ. اهـ. وقَدِ احْتَوَتْ عَلى تَمْيِيزِ الحَلالِ مِنَ الحَرامِ في المَأْكُولاتِ، وعَلى حِفْظِ شَعائِرِ اللَّهِ في الحَجِّ والشَّهْرِ الحَرامِ، والنَّهْيِ عَنْ بَعْضِ المُحَرَّماتِ مِن عَوائِدِ الجاهِلِيَّةِ مِثْلِ الأزْلامِ، وفِيها شَرائِعُ الوُضُوءِ، والغُسْلِ، والتَّيَمُّمِ، والأمْرُ بِالعَدْلِ في الحُكْمِ، والأمْرُ بِالصِّدْقِ في الشَّهادَةِ، وأحْكامُ القِصاصِ في الأنْفُسِ والأعْضاءِ، وأحْكامُ الحِرابَةِ، وتَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ نِفاقِ المُنافِقِينَ، وتَحْرِيمُ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، والأيْمانُ وكَفّارَتُها، والحُكْمُ بَيْنَ أهْلِ الكِتابِ، وأُصُولُ المُعامَلَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وبَيْنَ أهْلِ الكِتابِ، وبَيْنَ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ، والخَشْيَةُ مِن وِلايَتِهِمْ أنْ تُفْضِيَ إلى ارْتِدادِ المُسْلِمِ عَنْ دِينِهِ، وإبْطالُ العَقائِدِ الضّالَّةِ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ، وذِكْرُ مَساوٍ مِن أعْمالِ اليَهُودِ، وإنْصافُ النَّصارى فِيما لَهم مَن حُسْنِ الأدَبِ وأنَّهم أرْجى لِلْإسْلامِ وذِكْرُ قَضِيَّةِ التِّيهِ، وأحْوالُ المُنافِقِينَ، والأمْرُ بِتَخَلُّقِ المُسْلِمِينَ بِما يُناقِضُ أخْلاقَ الضّالِّينَ في تَحْرِيمِ ما أُحِلَّ لَهم، والتَّنْوِيهُ بِالكَعْبَةِ وفَضائِلِها وبَرَكاتِها عَلى النّاسِ، وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ أوْ تَقَدَّمَهُ مِنَ العِبَرِ، والتَّذْكِيرُ لِلْمُسْلِمِينَ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى، والتَّعْرِيضُ بِما وقَعَ فِيهِ أهْلُ الكِتابِ مِن نَبْذِ ما أُمِرُوا بِهِ والتَّهاوُنِ فِيهِ، واسْتِدْعاؤُهم لِلْإيمانِ بِالرَّسُولِ المَوْعُودِ بِهِ. صفحة ٧٤ وخُتِمَتْ بِالتَّذْكِيرِ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وشَهادَةِ الرُّسُلِ عَلى أُمَمِهِمْ، وشَهادَةِ عِيسى عَلى النَّصارى، وتَمْجِيدِ اللَّهِ تَعالى.